{"ً":{"ٌ":30271,"ٍ":"تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/tfsqerbby/","files":["00_98991.pdf","01_98991.pdf","02_98992.pdf","03_98993.pdf","04_98994.pdf","05_98995.pdf","06_98996.pdf","07_98997.pdf","08_98998.pdf","09_98999.pdf","10_99000.pdf"]},"ّ":"عنوان الكتاب: تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه\nالمؤلف: محمد علي طه الدرة\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م\nالناشر؛: دار ابن كثير - دمشق\nعدد الأجزاء: ١٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة تفاسير]","ْ":"[تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة]\n\n• بدأ بالشرح، وتوسع في التفسير قبل الإعراب، ليساعد على فهم المعنى\n• ذكر أوجه القراءات، وما ينتج عنها من وجوه الإعراب\n• المراجع التي اعتمدها: تفسير الخازن، والكشاف، والبيضاوي، والنّسفي، والجلالين، وحاشية الجمل عليهما، وإعراب القرآن لأبي البقاء العكبري، وإعراب مشكل القرآن لمكي بن أبي طالب القيسي، وكتبه هو [فتح القريب المجيب، إعراب شواهد مغني اللبيب] و[فتح رب البرية إعراب شواهد جامع الدروس العربية] وكتاب [قواعد اللغة العربية]","ٓ":"5.0","ٔ":3039,"ٕ":3,"ٖ":1770156248,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10"],"ٚ":[{"title":"كلمة الناشر","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الاستعاذة","level":1,"page":6},{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":10},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ١]","level":2,"page":12},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٢]","level":2,"page":15},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٣]","level":2,"page":18},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٤]","level":2,"page":18},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٥]","level":2,"page":20},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":26},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣]","level":2,"page":30},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤]","level":2,"page":32},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥]","level":2,"page":34},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦]","level":2,"page":35},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧]","level":2,"page":37},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨]","level":2,"page":39},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩]","level":2,"page":42},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠]","level":2,"page":44},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١]","level":2,"page":46},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢]","level":2,"page":48},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣]","level":2,"page":49},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤]","level":2,"page":51},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥]","level":2,"page":53},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦]","level":2,"page":56},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧]","level":2,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨]","level":2,"page":61},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩]","level":2,"page":63},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠]","level":2,"page":66},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١]","level":2,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢]","level":2,"page":72},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣]","level":2,"page":72},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤]","level":2,"page":74},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]","level":2,"page":75},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦]","level":2,"page":78},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧]","level":2,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]","level":2,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]","level":2,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]","level":2,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣١]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٢]","level":2,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٣]","level":2,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]","level":2,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٥]","level":2,"page":106},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٦]","level":2,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]","level":2,"page":114},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٨]","level":2,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٩]","level":2,"page":118},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٠]","level":2,"page":119},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤١]","level":2,"page":122},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٢]","level":2,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٣]","level":2,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]","level":2,"page":130},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٥]","level":2,"page":134},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٦]","level":2,"page":137},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٧]","level":2,"page":138},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]","level":2,"page":139},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]","level":2,"page":142},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٠]","level":2,"page":146},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥١]","level":2,"page":149},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٢]","level":2,"page":153},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٣]","level":2,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]","level":2,"page":156},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٥]","level":2,"page":159},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٦]","level":2,"page":162},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٧]","level":2,"page":162},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٨]","level":2,"page":165},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٩]","level":2,"page":168},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]","level":2,"page":171},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦١]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]","level":2,"page":185},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٣]","level":2,"page":188},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٤]","level":2,"page":190},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٥]","level":2,"page":191},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٦]","level":2,"page":194},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٧]","level":2,"page":195},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٨]","level":2,"page":198},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٩]","level":2,"page":200},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٠]","level":2,"page":201},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧١]","level":2,"page":202},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٢]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٣]","level":2,"page":206},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]","level":2,"page":208},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٥]","level":2,"page":213},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٦]","level":2,"page":216},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٧]","level":2,"page":218},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٨]","level":2,"page":219},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٩]","level":2,"page":221},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]","level":2,"page":224},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨١]","level":2,"page":226},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٢]","level":2,"page":227},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٣]","level":2,"page":227},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٤]","level":2,"page":230},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٥]","level":2,"page":232},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٦]","level":2,"page":235},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]","level":2,"page":236},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]","level":2,"page":240},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]","level":2,"page":241},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]","level":2,"page":243},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩١]","level":2,"page":246},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٢]","level":2,"page":249},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]","level":2,"page":250},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٤]","level":2,"page":252},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٥]","level":2,"page":254},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٦]","level":2,"page":255},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٧]","level":2,"page":258},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٨]","level":2,"page":259},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٩]","level":2,"page":261},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٠]","level":2,"page":262},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠١]","level":2,"page":263},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٢]","level":2,"page":265},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٣]","level":2,"page":272},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٤]","level":2,"page":273},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٥]","level":2,"page":275},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٦]","level":2,"page":277},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٧]","level":2,"page":279},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]","level":2,"page":280},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٩]","level":2,"page":283},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٠]","level":2,"page":285},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١١]","level":2,"page":286},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٢]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٣]","level":2,"page":289},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]","level":2,"page":291},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]","level":2,"page":293},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٦]","level":2,"page":294},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٧]","level":2,"page":295},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]","level":2,"page":298},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٩]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٠]","level":2,"page":300},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢١]","level":2,"page":302},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٢]","level":2,"page":303},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٣]","level":2,"page":303},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]","level":2,"page":303},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٥]","level":2,"page":306},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٦]","level":2,"page":309},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٧]","level":2,"page":311},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٨]","level":2,"page":312},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٩]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٠]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣١]","level":2,"page":318},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٢]","level":2,"page":319},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٣]","level":2,"page":320},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٤]","level":2,"page":322},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]","level":2,"page":323},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]","level":2,"page":325},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٧]","level":2,"page":326},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٨]","level":2,"page":328},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٩]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٠]","level":2,"page":331},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤١]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٢]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٣]","level":2,"page":334},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]","level":2,"page":338},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]","level":2,"page":340},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٦]","level":2,"page":342},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٧]","level":2,"page":343},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٩]","level":2,"page":345},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٠]","level":2,"page":346},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥١]","level":2,"page":349},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٢]","level":2,"page":351},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٣]","level":2,"page":353},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٤]","level":2,"page":354},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٥]","level":2,"page":356},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٦]","level":2,"page":357},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٧]","level":2,"page":360},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]","level":2,"page":361},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٩]","level":2,"page":363},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٠]","level":2,"page":366},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦١]","level":2,"page":367},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٢]","level":2,"page":368},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]","level":2,"page":370},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]","level":2,"page":371},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٥]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٦]","level":2,"page":380},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٧]","level":2,"page":381},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٨]","level":2,"page":383},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٩]","level":2,"page":384},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٠]","level":2,"page":385},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]","level":2,"page":387},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٢]","level":2,"page":389},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]","level":2,"page":390},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٤]","level":2,"page":395},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]","level":2,"page":399},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٨]","level":2,"page":404},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٩]","level":2,"page":409},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٠]","level":2,"page":410},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨١]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٢]","level":2,"page":414},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٣]","level":2,"page":416},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٤]","level":2,"page":419},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]","level":2,"page":422},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]","level":2,"page":427},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]","level":2,"page":430},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]","level":2,"page":437},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]","level":2,"page":439},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٠]","level":2,"page":442},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩١]","level":2,"page":444},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٢]","level":2,"page":445},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٣]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]","level":2,"page":447},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]","level":2,"page":449},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]","level":2,"page":451},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]","level":2,"page":458},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]","level":2,"page":461},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٩]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٠]","level":2,"page":467},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠١]","level":2,"page":469},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٢]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]","level":2,"page":472},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٤]","level":2,"page":475},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٥]","level":2,"page":477},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٦]","level":2,"page":478},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٧]","level":2,"page":479},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٨]","level":2,"page":481},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٩]","level":2,"page":482},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]","level":2,"page":483},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١١]","level":2,"page":486},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٢]","level":2,"page":488},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]","level":2,"page":489},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]","level":2,"page":492},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]","level":2,"page":495},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]","level":2,"page":496},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٧]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٨]","level":2,"page":503},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٩]","level":2,"page":505},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٠]","level":2,"page":511},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٢]","level":2,"page":518},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٣]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٤]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٥]","level":2,"page":525},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٦]","level":2,"page":527},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٧]","level":2,"page":529},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]","level":2,"page":529},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]","level":2,"page":534},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٠]","level":2,"page":539},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]","level":2,"page":545},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]","level":2,"page":547},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]","level":2,"page":560},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٨]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٩]","level":2,"page":567},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٠]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤١]","level":2,"page":571},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٢]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٣]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٤]","level":2,"page":575},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٥]","level":2,"page":575},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]","level":2,"page":578},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]","level":2,"page":581},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]","level":2,"page":583},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]","level":2,"page":585},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٠]","level":2,"page":589},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥١]","level":2,"page":590},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٢]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]","level":2,"page":593},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]","level":2,"page":602},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٦]","level":2,"page":608},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]","level":2,"page":611},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]","level":2,"page":613},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]","level":2,"page":623},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]","level":2,"page":627},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٢]","level":2,"page":629},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٣]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٤]","level":2,"page":633},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٥]","level":2,"page":636},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٦]","level":2,"page":640},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٧]","level":2,"page":642},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٨]","level":2,"page":645},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٩]","level":2,"page":647},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٠]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧١]","level":2,"page":651},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٢]","level":2,"page":654},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٣]","level":2,"page":657},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٤]","level":2,"page":661},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]","level":2,"page":663},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٦]","level":2,"page":667},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٧]","level":2,"page":669},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٨]","level":2,"page":671},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٩]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٠]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨١]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]","level":2,"page":678},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٣]","level":2,"page":689},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]","level":2,"page":694},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٥]","level":2,"page":696},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]","level":2,"page":698},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":703},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١]","level":2,"page":703},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢]","level":2,"page":703},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣]","level":2,"page":705},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥]","level":2,"page":709},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦]","level":2,"page":710},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨]","level":2,"page":715},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١]","level":2,"page":719},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢]","level":2,"page":722},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤]","level":2,"page":726},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥]","level":2,"page":730},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦]","level":2,"page":734},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧]","level":2,"page":735},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩]","level":2,"page":739},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠]","level":2,"page":742},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢١]","level":2,"page":744},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٢]","level":2,"page":746},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٣]","level":2,"page":747},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٤]","level":2,"page":749},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٥]","level":2,"page":750},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٦]","level":2,"page":752},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٧]","level":2,"page":755},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]","level":2,"page":757},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٩]","level":2,"page":759},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٠]","level":2,"page":761},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣١]","level":2,"page":763},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٢]","level":2,"page":764},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٣]","level":2,"page":766},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٤]","level":2,"page":767},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٥]","level":2,"page":768},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٦]","level":2,"page":769},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]","level":2,"page":772},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٨]","level":2,"page":775},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٩]","level":2,"page":776},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٠]","level":2,"page":779},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤١]","level":2,"page":781},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٢]","level":2,"page":784},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٣]","level":2,"page":786},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٤]","level":2,"page":787},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٥]","level":2,"page":789},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٦]","level":2,"page":791},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٧]","level":2,"page":793},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٨]","level":2,"page":796},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٩]","level":2,"page":797},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٠]","level":2,"page":800},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥١]","level":2,"page":802},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٢]","level":2,"page":804},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٣]","level":2,"page":807},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٤]","level":2,"page":808},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٥]","level":2,"page":809},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٦]","level":2,"page":812},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٧]","level":2,"page":814},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٨]","level":2,"page":815},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٩]","level":2,"page":816},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٠]","level":2,"page":817},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦١]","level":2,"page":818},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٢]","level":2,"page":822},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٣]","level":2,"page":823},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]","level":2,"page":824},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٥]","level":2,"page":827},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٦]","level":2,"page":828},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٧]","level":2,"page":830},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٨]","level":2,"page":831},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٩]","level":2,"page":831},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٠]","level":2,"page":832},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧١]","level":2,"page":833},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٢]","level":2,"page":834},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٣]","level":2,"page":835},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٤]","level":2,"page":838},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٥]","level":2,"page":838},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٦]","level":2,"page":841},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]","level":2,"page":843},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]","level":2,"page":844},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٩]","level":2,"page":846},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٠]","level":2,"page":849},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨١]","level":2,"page":850},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٢]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٣]","level":2,"page":855},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٤]","level":2,"page":856},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٥]","level":2,"page":859},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٦]","level":2,"page":860},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٧]","level":2,"page":862},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٨]","level":2,"page":862},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٩]","level":2,"page":864},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٠]","level":2,"page":865},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩١]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]","level":2,"page":867},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٣]","level":2,"page":869},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٤]","level":2,"page":871},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٥]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٦]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٧]","level":2,"page":875},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٨]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٩]","level":2,"page":881},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٠]","level":2,"page":883},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠١]","level":2,"page":884},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢]","level":2,"page":886},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٣]","level":2,"page":887},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٤]","level":2,"page":891},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٥]","level":2,"page":894},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٦]","level":2,"page":895},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٧]","level":2,"page":898},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٨]","level":2,"page":898},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٩]","level":2,"page":900},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٠]","level":2,"page":900},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١١]","level":2,"page":903},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٢]","level":2,"page":904},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٣]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٤]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٥]","level":2,"page":910},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٦]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٧]","level":2,"page":913},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٨]","level":2,"page":915},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٩]","level":2,"page":919},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٠]","level":2,"page":922},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢١]","level":2,"page":924},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٢]","level":2,"page":926},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٣]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٤]","level":2,"page":930},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٥]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٦]","level":2,"page":933},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٧]","level":2,"page":934},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٨]","level":2,"page":935},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٩]","level":2,"page":936},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٠]","level":2,"page":937},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣١]","level":2,"page":939},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٢]","level":2,"page":939},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٣]","level":2,"page":940},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٤]","level":2,"page":942},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٥]","level":2,"page":944},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٦]","level":2,"page":947},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٧]","level":2,"page":949},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٨]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٩]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٠]","level":2,"page":952},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤١]","level":2,"page":954},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٢]","level":2,"page":954},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٣]","level":2,"page":956},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٤]","level":2,"page":957},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٥]","level":2,"page":960},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٦]","level":2,"page":962},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٧]","level":2,"page":964},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٨]","level":2,"page":965},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٩]","level":2,"page":966},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٠]","level":2,"page":967},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥١]","level":2,"page":967},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٢]","level":2,"page":969},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٣]","level":2,"page":973},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٤]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٥]","level":2,"page":980},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٦]","level":2,"page":982},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٧]","level":2,"page":984},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٨]","level":2,"page":985},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٩]","level":2,"page":986},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٠]","level":2,"page":989},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦١]","level":2,"page":990},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٢]","level":2,"page":993},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٣]","level":2,"page":994},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٤]","level":2,"page":995},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٥]","level":2,"page":997},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٦]","level":2,"page":999},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٧]","level":2,"page":999},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٨]","level":2,"page":1003},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٩]","level":2,"page":1004},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٠]","level":2,"page":1006},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧١]","level":2,"page":1007},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٢]","level":2,"page":1008},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٣]","level":2,"page":1009},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٤]","level":2,"page":1011},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٥]","level":2,"page":1012},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٦]","level":2,"page":1014},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٧]","level":2,"page":1016},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٨]","level":2,"page":1017},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٩]","level":2,"page":1018},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٠]","level":2,"page":1021},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨١]","level":2,"page":1024},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٢]","level":2,"page":1027},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٣]","level":2,"page":1028},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٤]","level":2,"page":1030},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]","level":2,"page":1031},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]","level":2,"page":1034},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]","level":2,"page":1036},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٨]","level":2,"page":1038},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٩]","level":2,"page":1040},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٠]","level":2,"page":1041},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩١]","level":2,"page":1042},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٢]","level":2,"page":1045},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٣]","level":2,"page":1047},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٤]","level":2,"page":1048},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]","level":2,"page":1049},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٦]","level":2,"page":1052},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٧]","level":2,"page":1052},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٨]","level":2,"page":1053},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٩]","level":2,"page":1054},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠٠]","level":2,"page":1056},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":1058},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١]","level":2,"page":1058},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢]","level":2,"page":1061},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣]","level":2,"page":1063},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤]","level":2,"page":1067},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧]","level":2,"page":1074},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨]","level":2,"page":1076},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩]","level":2,"page":1077},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠]","level":2,"page":1078},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١]","level":2,"page":1080},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢]","level":2,"page":1085},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣]","level":2,"page":1090},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤]","level":2,"page":1091},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦]","level":2,"page":1094},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٨]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٩]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٠]","level":2,"page":1101},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢١]","level":2,"page":1103},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٢]","level":2,"page":1104},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٣]","level":2,"page":1106},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٤]","level":2,"page":1112},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٥]","level":2,"page":1117},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٦]","level":2,"page":1123},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٧]","level":2,"page":1125},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٨]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٩]","level":2,"page":1128},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٠]","level":2,"page":1131},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣١]","level":2,"page":1132},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٢]","level":2,"page":1134},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٣]","level":2,"page":1137},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٤]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٥]","level":2,"page":1144},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٦]","level":2,"page":1146},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٧]","level":2,"page":1151},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٨]","level":2,"page":1153},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٩]","level":2,"page":1155},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٠]","level":2,"page":1155},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤١]","level":2,"page":1158},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٢]","level":2,"page":1160},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٣]","level":2,"page":1161},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٤]","level":2,"page":1167},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٥]","level":2,"page":1168},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٦]","level":2,"page":1169},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٧]","level":2,"page":1173},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٨]","level":2,"page":1176},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٩]","level":2,"page":1179},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٠]","level":2,"page":1180},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥١]","level":2,"page":1182},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٢]","level":2,"page":1184},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٣]","level":2,"page":1185},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٤]","level":2,"page":1186},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٥]","level":2,"page":1189},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٦]","level":2,"page":1190},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٧]","level":2,"page":1192},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٨]","level":2,"page":1195},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٩]","level":2,"page":1199},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٠]","level":2,"page":1202},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦١]","level":2,"page":1205},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٢]","level":2,"page":1208},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٣]","level":2,"page":1210},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٤]","level":2,"page":1211},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٥]","level":2,"page":1213},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٦]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٧]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٨]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٩]","level":2,"page":1220},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٠]","level":2,"page":1222},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧١]","level":2,"page":1222},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٢]","level":2,"page":1223},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٣]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٤]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٥]","level":2,"page":1227},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٦]","level":2,"page":1229},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٧]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٨]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٩]","level":2,"page":1240},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٠]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨١]","level":2,"page":1242},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٢]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٣]","level":2,"page":1247},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٤]","level":2,"page":1250},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٥]","level":2,"page":1252},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٦]","level":2,"page":1254},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٧]","level":2,"page":1256},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٨]","level":2,"page":1258},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٩]","level":2,"page":1260},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٠]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩١]","level":2,"page":1264},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٢]","level":2,"page":1267},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٣]","level":2,"page":1273},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٤]","level":2,"page":1277},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٥]","level":2,"page":1280},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٦]","level":2,"page":1283},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٧]","level":2,"page":1285},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٨]","level":2,"page":1288},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٩]","level":2,"page":1289},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٠]","level":2,"page":1290},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠١]","level":2,"page":1292},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]","level":2,"page":1295},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]","level":2,"page":1299},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]","level":2,"page":1302},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٥]","level":2,"page":1304},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٦]","level":2,"page":1306},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٧]","level":2,"page":1306},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٨]","level":2,"page":1307},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٩]","level":2,"page":1309},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٠]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١١]","level":2,"page":1311},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٢]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٣]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٤]","level":2,"page":1315},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٥]","level":2,"page":1318},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٦]","level":2,"page":1319},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٧]","level":2,"page":1320},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٨]","level":2,"page":1321},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٩]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٠]","level":2,"page":1324},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢١]","level":2,"page":1325},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٢]","level":2,"page":1325},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٣]","level":2,"page":1326},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٤]","level":2,"page":1328},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٥]","level":2,"page":1329},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٦]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]","level":2,"page":1336},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٩]","level":2,"page":1340},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٠]","level":2,"page":1342},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣١]","level":2,"page":1342},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٢]","level":2,"page":1344},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٣]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٤]","level":2,"page":1347},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]","level":2,"page":1348},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]","level":2,"page":1351},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٧]","level":2,"page":1354},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٨]","level":2,"page":1354},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٩]","level":2,"page":1355},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٠]","level":2,"page":1356},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤١]","level":2,"page":1358},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٢]","level":2,"page":1360},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٣]","level":2,"page":1362},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٤]","level":2,"page":1363},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٥]","level":2,"page":1364},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٦]","level":2,"page":1365},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٧]","level":2,"page":1366},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٨]","level":2,"page":1368},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٩]","level":2,"page":1369},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٠]","level":2,"page":1370},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥١]","level":2,"page":1371},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٢]","level":2,"page":1372},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٣]","level":2,"page":1374},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٤]","level":2,"page":1376},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٥]","level":2,"page":1377},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٦]","level":2,"page":1379},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٧]","level":2,"page":1380},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٨]","level":2,"page":1382},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]","level":2,"page":1384},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٠]","level":2,"page":1387},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦١]","level":2,"page":1388},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٢]","level":2,"page":1390},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٣]","level":2,"page":1392},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٤]","level":2,"page":1394},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٥]","level":2,"page":1396},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٦]","level":2,"page":1398},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٧]","level":2,"page":1399},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٨]","level":2,"page":1399},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٩]","level":2,"page":1400},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٠]","level":2,"page":1400},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧١]","level":2,"page":1402},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٢]","level":2,"page":1405},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٣]","level":2,"page":1407},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٤]","level":2,"page":1409},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٥]","level":2,"page":1409},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]","level":2,"page":1410},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":1415},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١]","level":2,"page":1416},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢]","level":2,"page":1419},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣]","level":2,"page":1423},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤]","level":2,"page":1430},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥]","level":2,"page":1433},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦]","level":2,"page":1437},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧]","level":2,"page":1443},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨]","level":2,"page":1445},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩]","level":2,"page":1447},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠]","level":2,"page":1449},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١]","level":2,"page":1449},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٢]","level":2,"page":1452},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٣]","level":2,"page":1458},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٤]","level":2,"page":1461},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٥]","level":2,"page":1464},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٥ الي ١٦]","level":2,"page":1466},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٧]","level":2,"page":1468},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٨]","level":2,"page":1472},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٩]","level":2,"page":1474},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٠]","level":2,"page":1475},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢١]","level":2,"page":1478},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٢]","level":2,"page":1479},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٣]","level":2,"page":1481},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٤]","level":2,"page":1482},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٥]","level":2,"page":1484},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٦]","level":2,"page":1486},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٧]","level":2,"page":1489},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٨]","level":2,"page":1492},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٩]","level":2,"page":1493},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٠]","level":2,"page":1495},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣١]","level":2,"page":1496},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٢]","level":2,"page":1498},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٣]","level":2,"page":1501},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٤]","level":2,"page":1504},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٥]","level":2,"page":1506},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٦]","level":2,"page":1507},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٧]","level":2,"page":1509},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٨]","level":2,"page":1510},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٩]","level":2,"page":1514},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٠]","level":2,"page":1515},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤١]","level":2,"page":1516},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٢]","level":2,"page":1521},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٣]","level":2,"page":1524},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]","level":2,"page":1525},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]","level":2,"page":1529},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٦]","level":2,"page":1532},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٧]","level":2,"page":1534},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٨]","level":2,"page":1535},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٩]","level":2,"page":1539},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٠]","level":2,"page":1541},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥١]","level":2,"page":1543},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٢]","level":2,"page":1545},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٣]","level":2,"page":1547},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٤]","level":2,"page":1549},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٥]","level":2,"page":1553},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٦]","level":2,"page":1554},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٧]","level":2,"page":1555},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٨]","level":2,"page":1557},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٩]","level":2,"page":1560},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٠]","level":2,"page":1562},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦١]","level":2,"page":1564},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٢]","level":2,"page":1565},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٣]","level":2,"page":1566},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]","level":2,"page":1568},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٥]","level":2,"page":1572},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٦]","level":2,"page":1573},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]","level":2,"page":1576},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٨]","level":2,"page":1578},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٩]","level":2,"page":1580},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٠]","level":2,"page":1582},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧١]","level":2,"page":1583},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٢]","level":2,"page":1585},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٣]","level":2,"page":1588},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٤]","level":2,"page":1590},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٥]","level":2,"page":1591},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٦]","level":2,"page":1593},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٧]","level":2,"page":1594},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٨]","level":2,"page":1596},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٩]","level":2,"page":1598},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٠]","level":2,"page":1599},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨١]","level":2,"page":1600},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٢]","level":2,"page":1601},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٣]","level":2,"page":1602},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٤]","level":2,"page":1604},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٥]","level":2,"page":1605},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٦]","level":2,"page":1605},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٧]","level":2,"page":1606},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٨]","level":2,"page":1607},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]","level":2,"page":1607},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٠]","level":2,"page":1610},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩١]","level":2,"page":1611},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٢]","level":2,"page":1612},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٣]","level":2,"page":1613},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٤]","level":2,"page":1614},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٥]","level":2,"page":1616},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٦]","level":2,"page":1618},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٧]","level":2,"page":1619},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٨]","level":2,"page":1621},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٩]","level":2,"page":1621},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٠]","level":2,"page":1622},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠١]","level":2,"page":1623},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٢]","level":2,"page":1624},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٣]","level":2,"page":1625},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٤]","level":2,"page":1626},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]","level":2,"page":1628},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٦]","level":2,"page":1630},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٧]","level":2,"page":1633},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٨]","level":2,"page":1635},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]","level":2,"page":1636},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٠]","level":2,"page":1637},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١١]","level":2,"page":1640},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٢]","level":2,"page":1641},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٣]","level":2,"page":1642},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٤]","level":2,"page":1642},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٥]","level":2,"page":1644},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٦]","level":2,"page":1646},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٧]","level":2,"page":1648},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٨]","level":2,"page":1649},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٩]","level":2,"page":1650},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٢٠]","level":2,"page":1651},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":1653},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١]","level":2,"page":1653},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢]","level":2,"page":1654},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣]","level":2,"page":1655},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤]","level":2,"page":1656},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥]","level":2,"page":1656},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦]","level":2,"page":1657},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧]","level":2,"page":1659},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨]","level":2,"page":1660},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩]","level":2,"page":1661},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠]","level":2,"page":1661},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١]","level":2,"page":1662},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢]","level":2,"page":1663},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣]","level":2,"page":1664},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤]","level":2,"page":1665},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥]","level":2,"page":1666},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦]","level":2,"page":1667},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٧]","level":2,"page":1668},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٨]","level":2,"page":1669},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٩]","level":2,"page":1669},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٠]","level":2,"page":1671},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢١]","level":2,"page":1672},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٢]","level":2,"page":1673},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٣]","level":2,"page":1674},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٤]","level":2,"page":1675},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٥]","level":2,"page":1676},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٦]","level":2,"page":1678},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٧]","level":2,"page":1679},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٨]","level":2,"page":1680},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٩]","level":2,"page":1681},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٠]","level":2,"page":1682},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣١]","level":2,"page":1683},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٢]","level":2,"page":1685},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٣]","level":2,"page":1685},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٤]","level":2,"page":1687},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٥]","level":2,"page":1688},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٦]","level":2,"page":1690},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٧]","level":2,"page":1691},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٨]","level":2,"page":1691},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٩]","level":2,"page":1693},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٠]","level":2,"page":1694},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤١]","level":2,"page":1695},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٢]","level":2,"page":1696},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٣]","level":2,"page":1697},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٤]","level":2,"page":1698},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٥]","level":2,"page":1699},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٦]","level":2,"page":1700},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٧]","level":2,"page":1701},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٨]","level":2,"page":1702},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٩]","level":2,"page":1703},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٠]","level":2,"page":1704},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥١]","level":2,"page":1705},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٢]","level":2,"page":1706},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٣]","level":2,"page":1708},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٤]","level":2,"page":1709},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٥]","level":2,"page":1711},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٦]","level":2,"page":1712},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٧]","level":2,"page":1713},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٨]","level":2,"page":1714},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٩]","level":2,"page":1715},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٠]","level":2,"page":1717},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦١]","level":2,"page":1719},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٢]","level":2,"page":1720},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٣]","level":2,"page":1721},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٤]","level":2,"page":1722},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٥]","level":2,"page":1723},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٦]","level":2,"page":1724},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٧]","level":2,"page":1725},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٨]","level":2,"page":1725},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٩]","level":2,"page":1726},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]","level":2,"page":1727},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧١]","level":2,"page":1729},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٢]","level":2,"page":1731},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٣]","level":2,"page":1732},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٤]","level":2,"page":1734},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٥]","level":2,"page":1736},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٦]","level":2,"page":1737},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٧]","level":2,"page":1739},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٨]","level":2,"page":1740},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٩]","level":2,"page":1741},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٠]","level":2,"page":1741},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨١]","level":2,"page":1743},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٢]","level":2,"page":1744},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٣]","level":2,"page":1745},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٤]","level":2,"page":1746},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٥]","level":2,"page":1747},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٦]","level":2,"page":1748},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٧]","level":2,"page":1749},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٨]","level":2,"page":1749},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٩]","level":2,"page":1750},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٠]","level":2,"page":1751},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩١]","level":2,"page":1752},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٢]","level":2,"page":1755},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٣]","level":2,"page":1757},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]","level":2,"page":1760},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٥]","level":2,"page":1762},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٦]","level":2,"page":1764},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٧]","level":2,"page":1765},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٨]","level":2,"page":1766},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٩]","level":2,"page":1767},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]","level":2,"page":1769},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]","level":2,"page":1770},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٢]","level":2,"page":1771},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٣]","level":2,"page":1772},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٤]","level":2,"page":1773},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٥]","level":2,"page":1774},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٦]","level":2,"page":1775},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٧]","level":2,"page":1775},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]","level":2,"page":1776},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٩]","level":2,"page":1778},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٠]","level":2,"page":1780},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]","level":2,"page":1781},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٢]","level":2,"page":1782},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٣]","level":2,"page":1785},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٤]","level":2,"page":1786},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٥]","level":2,"page":1787},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٦]","level":2,"page":1788},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٧]","level":2,"page":1789},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٨]","level":2,"page":1790},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٩]","level":2,"page":1791},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٠]","level":2,"page":1793},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢١]","level":2,"page":1793},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]","level":2,"page":1795},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٣]","level":2,"page":1797},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٤]","level":2,"page":1798},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]","level":2,"page":1800},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٦]","level":2,"page":1801},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٧]","level":2,"page":1802},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]","level":2,"page":1803},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٩]","level":2,"page":1805},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٠]","level":2,"page":1806},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣١]","level":2,"page":1808},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٢]","level":2,"page":1809},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٣]","level":2,"page":1809},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٤]","level":2,"page":1811},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٥]","level":2,"page":1811},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]","level":2,"page":1813},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]","level":2,"page":1815},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٨]","level":2,"page":1816},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٩]","level":2,"page":1818},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]","level":2,"page":1819},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]","level":2,"page":1820},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٢]","level":2,"page":1822},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٣]","level":2,"page":1823},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٤]","level":2,"page":1825},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]","level":2,"page":1827},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٦]","level":2,"page":1829},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٧]","level":2,"page":1831},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٨]","level":2,"page":1832},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٩]","level":2,"page":1834},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٠]","level":2,"page":1835},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥١]","level":2,"page":1836},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٢]","level":2,"page":1840},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٣]","level":2,"page":1842},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٤]","level":2,"page":1844},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٥]","level":2,"page":1845},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٦]","level":2,"page":1845},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٧]","level":2,"page":1846},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]","level":2,"page":1848},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٩]","level":2,"page":1850},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٠]","level":2,"page":1851},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦١]","level":2,"page":1852},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦١]","level":2,"page":1853},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٢]","level":2,"page":1854},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٣]","level":2,"page":1854},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٤]","level":2,"page":1855},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]","level":2,"page":1856},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":1858},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":1858},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣]","level":2,"page":1859},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤]","level":2,"page":1861},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥]","level":2,"page":1862},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦]","level":2,"page":1863},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧]","level":2,"page":1864},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨]","level":2,"page":1865},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩]","level":2,"page":1866},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠]","level":2,"page":1868},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١]","level":2,"page":1868},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢]","level":2,"page":1871},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣]","level":2,"page":1872},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤ الي ١٥]","level":2,"page":1873},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦]","level":2,"page":1874},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧]","level":2,"page":1875},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨]","level":2,"page":1876},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩]","level":2,"page":1877},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠]","level":2,"page":1879},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢١]","level":2,"page":1881},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٢]","level":2,"page":1881},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٣]","level":2,"page":1884},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٤]","level":2,"page":1885},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٥]","level":2,"page":1887},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]","level":2,"page":1887},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]","level":2,"page":1889},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٨]","level":2,"page":1891},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٩]","level":2,"page":1892},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٩ الي ٣٠]","level":2,"page":1894},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]","level":2,"page":1895},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]","level":2,"page":1897},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]","level":2,"page":1900},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٤]","level":2,"page":1902},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٥]","level":2,"page":1903},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٦]","level":2,"page":1904},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]","level":2,"page":1905},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٨]","level":2,"page":1907},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٩]","level":2,"page":1910},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٠]","level":2,"page":1911},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤١]","level":2,"page":1913},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٢]","level":2,"page":1914},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٣]","level":2,"page":1915},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٤]","level":2,"page":1918},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٥]","level":2,"page":1920},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٦]","level":2,"page":1921},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٧]","level":2,"page":1922},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٨]","level":2,"page":1924},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٩]","level":2,"page":1925},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٠]","level":2,"page":1926},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥١]","level":2,"page":1927},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٢]","level":2,"page":1928},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٣]","level":2,"page":1929},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]","level":2,"page":1932},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٥]","level":2,"page":1934},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٦]","level":2,"page":1935},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٧]","level":2,"page":1936},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٨]","level":2,"page":1939},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٩]","level":2,"page":1941},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٠]","level":2,"page":1942},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦١]","level":2,"page":1943},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٢]","level":2,"page":1944},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٣]","level":2,"page":1945},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٤]","level":2,"page":1946},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٥]","level":2,"page":1947},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٦]","level":2,"page":1948},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٧]","level":2,"page":1949},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٨]","level":2,"page":1950},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٩]","level":2,"page":1950},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٠]","level":2,"page":1952},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧١]","level":2,"page":1954},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٢]","level":2,"page":1955},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]","level":2,"page":1957},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٤]","level":2,"page":1958},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٥]","level":2,"page":1960},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٦]","level":2,"page":1961},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٧]","level":2,"page":1961},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٨]","level":2,"page":1962},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٩]","level":2,"page":1964},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٠]","level":2,"page":1965},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨١]","level":2,"page":1966},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٢]","level":2,"page":1967},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٣]","level":2,"page":1968},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٤]","level":2,"page":1969},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]","level":2,"page":1970},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٦]","level":2,"page":1972},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٧]","level":2,"page":1973},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٨]","level":2,"page":1975},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٩]","level":2,"page":1976},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٠]","level":2,"page":1979},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩١]","level":2,"page":1980},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٢]","level":2,"page":1980},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٣]","level":2,"page":1981},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٤]","level":2,"page":1982},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٥]","level":2,"page":1983},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٦]","level":2,"page":1984},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٧]","level":2,"page":1986},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٨]","level":2,"page":1986},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٩]","level":2,"page":1987},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]","level":2,"page":1987},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠١]","level":2,"page":1988},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٢]","level":2,"page":1990},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٣]","level":2,"page":1991},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٤]","level":2,"page":1992},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٥]","level":2,"page":1993},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٦]","level":2,"page":1994},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٧]","level":2,"page":1994},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٨]","level":2,"page":1996},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٩]","level":2,"page":1996},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٠]","level":2,"page":1997},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١١]","level":2,"page":1998},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٢]","level":2,"page":1999},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٣]","level":2,"page":1999},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٤]","level":2,"page":2000},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٥]","level":2,"page":2000},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٦]","level":2,"page":2001},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٧]","level":2,"page":2002},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٨]","level":2,"page":2004},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٩]","level":2,"page":2004},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٠]","level":2,"page":2004},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢١ الي ١٢٢]","level":2,"page":2005},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٣]","level":2,"page":2005},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٤]","level":2,"page":2006},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٥]","level":2,"page":2007},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٦]","level":2,"page":2007},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٧]","level":2,"page":2008},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٨]","level":2,"page":2010},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٩]","level":2,"page":2011},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٠]","level":2,"page":2012},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣١]","level":2,"page":2014},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٢]","level":2,"page":2015},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٣]","level":2,"page":2016},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٤]","level":2,"page":2017},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٥]","level":2,"page":2019},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٦]","level":2,"page":2019},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٧]","level":2,"page":2020},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٨]","level":2,"page":2022},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٩]","level":2,"page":2024},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٠]","level":2,"page":2025},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤١]","level":2,"page":2025},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٢]","level":2,"page":2026},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٣]","level":2,"page":2027},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٤]","level":2,"page":2031},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٥]","level":2,"page":2032},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٦]","level":2,"page":2034},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٧]","level":2,"page":2035},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٨]","level":2,"page":2036},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٩]","level":2,"page":2038},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٠]","level":2,"page":2039},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥١]","level":2,"page":2042},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٢]","level":2,"page":2042},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٣]","level":2,"page":2044},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]","level":2,"page":2044},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٥]","level":2,"page":2046},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٦]","level":2,"page":2048},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]","level":2,"page":2050},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٨]","level":2,"page":2053},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٩]","level":2,"page":2055},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٠]","level":2,"page":2056},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦١]","level":2,"page":2058},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٢]","level":2,"page":2059},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]","level":2,"page":2060},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٤]","level":2,"page":2061},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٥]","level":2,"page":2063},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٦]","level":2,"page":2063},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٧]","level":2,"page":2065},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٨]","level":2,"page":2066},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٩]","level":2,"page":2067},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٠]","level":2,"page":2070},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]","level":2,"page":2071},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٢]","level":2,"page":2072},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٣]","level":2,"page":2074},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٤]","level":2,"page":2075},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٥]","level":2,"page":2076},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٦]","level":2,"page":2077},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٧]","level":2,"page":2079},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٨]","level":2,"page":2080},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٩]","level":2,"page":2081},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٠]","level":2,"page":2082},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨١]","level":2,"page":2084},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٢]","level":2,"page":2084},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٣]","level":2,"page":2085},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٤]","level":2,"page":2086},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٥]","level":2,"page":2087},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٦]","level":2,"page":2088},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]","level":2,"page":2089},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]","level":2,"page":2091},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٩]","level":2,"page":2092},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٠]","level":2,"page":2094},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩١]","level":2,"page":2095},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٢]","level":2,"page":2097},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٣]","level":2,"page":2097},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٤]","level":2,"page":2098},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٥]","level":2,"page":2099},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٦]","level":2,"page":2100},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٧]","level":2,"page":2101},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٨]","level":2,"page":2101},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٩]","level":2,"page":2102},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٠]","level":2,"page":2103},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠١]","level":2,"page":2104},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٢]","level":2,"page":2105},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٣]","level":2,"page":2105},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٤]","level":2,"page":2107},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٥]","level":2,"page":2108},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٦]","level":2,"page":2109},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":2111},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١]","level":2,"page":2111},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢]","level":2,"page":2113},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣]","level":2,"page":2115},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤]","level":2,"page":2116},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥]","level":2,"page":2117},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦]","level":2,"page":2119},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧]","level":2,"page":2119},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٨]","level":2,"page":2121},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٩]","level":2,"page":2122},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٠]","level":2,"page":2123},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١١]","level":2,"page":2124},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٢]","level":2,"page":2125},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٣]","level":2,"page":2127},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٤]","level":2,"page":2128},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٥]","level":2,"page":2129},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٦]","level":2,"page":2130},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٧]","level":2,"page":2131},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٨]","level":2,"page":2133},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]","level":2,"page":2133},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٠]","level":2,"page":2134},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢١]","level":2,"page":2135},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٢]","level":2,"page":2136},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٣]","level":2,"page":2137},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]","level":2,"page":2137},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٥]","level":2,"page":2139},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]","level":2,"page":2141},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٧]","level":2,"page":2142},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٨]","level":2,"page":2143},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]","level":2,"page":2144},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]","level":2,"page":2146},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣١]","level":2,"page":2147},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٢]","level":2,"page":2149},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٣]","level":2,"page":2150},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٤]","level":2,"page":2151},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٥]","level":2,"page":2153},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٧]","level":2,"page":2155},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٨]","level":2,"page":2156},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٩]","level":2,"page":2157},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٠]","level":2,"page":2158},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤١]","level":2,"page":2159},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٢]","level":2,"page":2162},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٣]","level":2,"page":2164},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٤]","level":2,"page":2165},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٥]","level":2,"page":2167},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٦]","level":2,"page":2167},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٧]","level":2,"page":2169},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]","level":2,"page":2170},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٩]","level":2,"page":2173},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٠]","level":2,"page":2174},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥١]","level":2,"page":2175},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٢]","level":2,"page":2176},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٣]","level":2,"page":2176},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٤]","level":2,"page":2177},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٥]","level":2,"page":2179},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٦]","level":2,"page":2179},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٧]","level":2,"page":2180},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٨]","level":2,"page":2181},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٩]","level":2,"page":2182},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٠]","level":2,"page":2183},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦١]","level":2,"page":2185},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٢ الي ٦٣]","level":2,"page":2186},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٤]","level":2,"page":2188},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٥]","level":2,"page":2189},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٦]","level":2,"page":2191},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٧]","level":2,"page":2192},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٨]","level":2,"page":2194},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٩]","level":2,"page":2195},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٠]","level":2,"page":2196},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧١]","level":2,"page":2197},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]","level":2,"page":2198},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٣]","level":2,"page":2200},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٤]","level":2,"page":2201},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٥]","level":2,"page":2201},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":2204},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١]","level":2,"page":2205},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢]","level":2,"page":2206},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣]","level":2,"page":2207},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤]","level":2,"page":2209},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥]","level":2,"page":2210},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦]","level":2,"page":2212},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧]","level":2,"page":2213},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨]","level":2,"page":2214},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩]","level":2,"page":2216},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠]","level":2,"page":2217},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١]","level":2,"page":2217},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢]","level":2,"page":2218},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٣]","level":2,"page":2220},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٤]","level":2,"page":2222},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٥]","level":2,"page":2223},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٦]","level":2,"page":2223},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٧]","level":2,"page":2225},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٨]","level":2,"page":2226},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٩]","level":2,"page":2227},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٠]","level":2,"page":2228},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢١]","level":2,"page":2229},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٢]","level":2,"page":2229},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٣]","level":2,"page":2230},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٤]","level":2,"page":2231},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٥]","level":2,"page":2233},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٦]","level":2,"page":2236},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٧]","level":2,"page":2236},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٨]","level":2,"page":2237},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٩]","level":2,"page":2239},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٠]","level":2,"page":2240},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣١]","level":2,"page":2243},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٢]","level":2,"page":2245},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٣]","level":2,"page":2245},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٤]","level":2,"page":2246},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٥]","level":2,"page":2248},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]","level":2,"page":2250},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]","level":2,"page":2253},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٨]","level":2,"page":2255},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٩]","level":2,"page":2257},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]","level":2,"page":2258},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤١]","level":2,"page":2260},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٢]","level":2,"page":2261},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٣]","level":2,"page":2263},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٤]","level":2,"page":2264},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٥]","level":2,"page":2265},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٦]","level":2,"page":2266},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٧]","level":2,"page":2266},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٨]","level":2,"page":2267},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٩]","level":2,"page":2268},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٠]","level":2,"page":2270},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥١]","level":2,"page":2271},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٢]","level":2,"page":2272},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٣]","level":2,"page":2273},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٤]","level":2,"page":2274},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٥]","level":2,"page":2275},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٦]","level":2,"page":2276},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٧]","level":2,"page":2277},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٨]","level":2,"page":2278},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٩]","level":2,"page":2279},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]","level":2,"page":2280},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦١]","level":2,"page":2282},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٢]","level":2,"page":2284},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٣]","level":2,"page":2285},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٤]","level":2,"page":2286},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٥]","level":2,"page":2288},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٦]","level":2,"page":2289},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٧]","level":2,"page":2290},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٨]","level":2,"page":2291},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]","level":2,"page":2292},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]","level":2,"page":2294},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧١]","level":2,"page":2295},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]","level":2,"page":2296},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٣]","level":2,"page":2298},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٤]","level":2,"page":2299},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٥]","level":2,"page":2301},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٦]","level":2,"page":2303},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٧]","level":2,"page":2304},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٨]","level":2,"page":2305},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]","level":2,"page":2305},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٠]","level":2,"page":2307},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨١]","level":2,"page":2308},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٢]","level":2,"page":2309},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٣]","level":2,"page":2310},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٤]","level":2,"page":2312},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٥]","level":2,"page":2313},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٦]","level":2,"page":2313},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٧]","level":2,"page":2314},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٨]","level":2,"page":2316},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٩]","level":2,"page":2316},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]","level":2,"page":2317},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩١]","level":2,"page":2318},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٢]","level":2,"page":2319},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٣]","level":2,"page":2321},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٤]","level":2,"page":2321},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٥]","level":2,"page":2323},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٦]","level":2,"page":2324},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٧]","level":2,"page":2324},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٨]","level":2,"page":2325},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٩]","level":2,"page":2326},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٠]","level":2,"page":2327},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]","level":2,"page":2329},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]","level":2,"page":2330},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٣]","level":2,"page":2332},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٤]","level":2,"page":2333},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٥]","level":2,"page":2334},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٦]","level":2,"page":2335},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٧]","level":2,"page":2337},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٨]","level":2,"page":2339},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٩]","level":2,"page":2340},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٠]","level":2,"page":2343},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١١]","level":2,"page":2344},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]","level":2,"page":2346},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٣]","level":2,"page":2348},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٤]","level":2,"page":2350},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٥]","level":2,"page":2352},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٦]","level":2,"page":2353},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]","level":2,"page":2354},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٨]","level":2,"page":2356},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٩]","level":2,"page":2362},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]","level":2,"page":2363},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢١]","level":2,"page":2364},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]","level":2,"page":2366},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]","level":2,"page":2368},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٤]","level":2,"page":2369},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٥]","level":2,"page":2370},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٦]","level":2,"page":2370},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٧]","level":2,"page":2371},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٨]","level":2,"page":2372},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٩]","level":2,"page":2373},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":2375},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١]","level":2,"page":2375},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢]","level":2,"page":2376},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣]","level":2,"page":2378},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤]","level":2,"page":2379},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥]","level":2,"page":2381},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦]","level":2,"page":2383},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧]","level":2,"page":2384},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨]","level":2,"page":2385},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩]","level":2,"page":2385},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠]","level":2,"page":2386},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١١]","level":2,"page":2388},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٢]","level":2,"page":2389},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٣]","level":2,"page":2391},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٤]","level":2,"page":2393},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٥]","level":2,"page":2394},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٦]","level":2,"page":2396},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٧]","level":2,"page":2397},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٨]","level":2,"page":2398},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٩]","level":2,"page":2399},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٠]","level":2,"page":2400},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢١]","level":2,"page":2401},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٢]","level":2,"page":2402},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٣]","level":2,"page":2404},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٤]","level":2,"page":2406},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٥]","level":2,"page":2408},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٦]","level":2,"page":2409},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٧]","level":2,"page":2410},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٨]","level":2,"page":2413},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٩]","level":2,"page":2414},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٠]","level":2,"page":2415},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣١]","level":2,"page":2416},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٢]","level":2,"page":2417},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٣]","level":2,"page":2418},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٤]","level":2,"page":2419},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٥]","level":2,"page":2420},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٦]","level":2,"page":2421},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٧]","level":2,"page":2422},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٨]","level":2,"page":2423},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٩]","level":2,"page":2424},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٠]","level":2,"page":2426},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤١]","level":2,"page":2426},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٢]","level":2,"page":2427},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٣]","level":2,"page":2428},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٤]","level":2,"page":2429},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٥]","level":2,"page":2429},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٦]","level":2,"page":2430},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٧]","level":2,"page":2431},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٨]","level":2,"page":2432},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٩]","level":2,"page":2432},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٠]","level":2,"page":2433},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥١]","level":2,"page":2435},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٢]","level":2,"page":2436},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٣]","level":2,"page":2437},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٤]","level":2,"page":2437},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٥]","level":2,"page":2439},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٦]","level":2,"page":2440},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٧]","level":2,"page":2440},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٨]","level":2,"page":2441},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٩]","level":2,"page":2442},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٠]","level":2,"page":2443},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦١]","level":2,"page":2444},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٢ الي ٦٣]","level":2,"page":2446},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٤]","level":2,"page":2447},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٥]","level":2,"page":2448},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٦]","level":2,"page":2449},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٧]","level":2,"page":2450},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٨]","level":2,"page":2451},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٩]","level":2,"page":2453},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٠]","level":2,"page":2453},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧١]","level":2,"page":2454},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٢]","level":2,"page":2456},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٣]","level":2,"page":2457},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٤]","level":2,"page":2457},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٥]","level":2,"page":2459},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٦]","level":2,"page":2459},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٧]","level":2,"page":2460},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٨]","level":2,"page":2460},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٩]","level":2,"page":2461},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٠]","level":2,"page":2462},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨١]","level":2,"page":2462},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٢]","level":2,"page":2463},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]","level":2,"page":2464},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٤]","level":2,"page":2465},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٥]","level":2,"page":2466},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٦]","level":2,"page":2466},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٧]","level":2,"page":2467},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٨]","level":2,"page":2468},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٩]","level":2,"page":2470},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٠]","level":2,"page":2471},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩١]","level":2,"page":2473},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٢]","level":2,"page":2473},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٣]","level":2,"page":2475},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٤]","level":2,"page":2476},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٥]","level":2,"page":2477},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٦ الي ٩٧]","level":2,"page":2478},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]","level":2,"page":2478},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٩]","level":2,"page":2481},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٠]","level":2,"page":2482},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠١]","level":2,"page":2483},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٢]","level":2,"page":2484},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٣]","level":2,"page":2484},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٤]","level":2,"page":2485},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٥]","level":2,"page":2487},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٦]","level":2,"page":2488},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٧]","level":2,"page":2488},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٨]","level":2,"page":2489},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٩]","level":2,"page":2490},{"title":"سورة هود","level":1,"page":2492},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١]","level":2,"page":2492},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢]","level":2,"page":2494},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣]","level":2,"page":2495},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤]","level":2,"page":2498},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥]","level":2,"page":2498},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦]","level":2,"page":2500},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧]","level":2,"page":2501},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨]","level":2,"page":2503},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩]","level":2,"page":2505},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠]","level":2,"page":2505},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١]","level":2,"page":2506},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢]","level":2,"page":2507},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٣]","level":2,"page":2508},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٤]","level":2,"page":2509},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٥]","level":2,"page":2510},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٦]","level":2,"page":2512},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٧]","level":2,"page":2513},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٨]","level":2,"page":2516},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٩]","level":2,"page":2517},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٠]","level":2,"page":2517},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢١]","level":2,"page":2519},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٢]","level":2,"page":2519},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٣]","level":2,"page":2520},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٤]","level":2,"page":2521},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٥]","level":2,"page":2523},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٦]","level":2,"page":2524},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٧]","level":2,"page":2525},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٨]","level":2,"page":2527},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٩]","level":2,"page":2529},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٠]","level":2,"page":2531},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣١]","level":2,"page":2531},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٢]","level":2,"page":2533},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٣]","level":2,"page":2534},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٤]","level":2,"page":2535},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٥]","level":2,"page":2536},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٦]","level":2,"page":2538},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٧]","level":2,"page":2539},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٨]","level":2,"page":2540},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٩]","level":2,"page":2542},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٠]","level":2,"page":2542},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤١]","level":2,"page":2545},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٢]","level":2,"page":2546},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٣]","level":2,"page":2547},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٤]","level":2,"page":2549},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٥]","level":2,"page":2551},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٦]","level":2,"page":2552},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٧]","level":2,"page":2554},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٨]","level":2,"page":2555},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٩]","level":2,"page":2556},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٠]","level":2,"page":2558},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥١]","level":2,"page":2558},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٢]","level":2,"page":2559},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٣]","level":2,"page":2560},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٤ الي ٥٥]","level":2,"page":2561},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٦]","level":2,"page":2563},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٧]","level":2,"page":2564},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٨]","level":2,"page":2565},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٩]","level":2,"page":2566},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٠]","level":2,"page":2567},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦١]","level":2,"page":2568},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٢]","level":2,"page":2569},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٣]","level":2,"page":2570},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٤]","level":2,"page":2571},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٥]","level":2,"page":2572},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٦]","level":2,"page":2573},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٧]","level":2,"page":2574},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٨]","level":2,"page":2575},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٩]","level":2,"page":2575},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٠]","level":2,"page":2577},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧١]","level":2,"page":2578},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٢]","level":2,"page":2581},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٣]","level":2,"page":2582},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٤ الي ٧٥]","level":2,"page":2583},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٦]","level":2,"page":2585},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٧]","level":2,"page":2585},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٨]","level":2,"page":2587},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٩]","level":2,"page":2589},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٠]","level":2,"page":2590},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨١]","level":2,"page":2591},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٢ الي ٨٣]","level":2,"page":2594},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٤]","level":2,"page":2595},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٥]","level":2,"page":2597},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٦]","level":2,"page":2598},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٧]","level":2,"page":2599},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٨]","level":2,"page":2600},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٩]","level":2,"page":2602},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٠]","level":2,"page":2603},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩١]","level":2,"page":2604},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٢]","level":2,"page":2605},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٤]","level":2,"page":2607},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٥]","level":2,"page":2608},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٦ الي ٩٧]","level":2,"page":2609},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٨]","level":2,"page":2610},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٩]","level":2,"page":2611},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٠]","level":2,"page":2612},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠١]","level":2,"page":2613},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٢]","level":2,"page":2614},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٣]","level":2,"page":2615},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٤ الي ١٠٥]","level":2,"page":2616},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٦]","level":2,"page":2618},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٧]","level":2,"page":2619},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٨]","level":2,"page":2621},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٩]","level":2,"page":2622},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٠]","level":2,"page":2623},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١١]","level":2,"page":2624},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٢]","level":2,"page":2626},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٣]","level":2,"page":2627},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٤]","level":2,"page":2629},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٥]","level":2,"page":2630},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٦]","level":2,"page":2631},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٧]","level":2,"page":2633},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٨]","level":2,"page":2634},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٩]","level":2,"page":2635},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٠]","level":2,"page":2636},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٢١ الي ١٢٢]","level":2,"page":2638},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٣]","level":2,"page":2638},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":2640},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١]","level":2,"page":2643},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢]","level":2,"page":2643},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣]","level":2,"page":2645},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤]","level":2,"page":2646},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥]","level":2,"page":2648},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦]","level":2,"page":2650},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧]","level":2,"page":2652},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨]","level":2,"page":2653},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩]","level":2,"page":2654},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠]","level":2,"page":2655},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١]","level":2,"page":2656},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٢]","level":2,"page":2657},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٣]","level":2,"page":2658},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٤]","level":2,"page":2658},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٥]","level":2,"page":2659},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٦]","level":2,"page":2662},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٧]","level":2,"page":2663},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٨]","level":2,"page":2664},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٩]","level":2,"page":2665},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٠]","level":2,"page":2667},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢١]","level":2,"page":2668},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٢]","level":2,"page":2670},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]","level":2,"page":2671},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]","level":2,"page":2673},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٥]","level":2,"page":2675},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٦]","level":2,"page":2677},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٧]","level":2,"page":2678},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٨]","level":2,"page":2679},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٩]","level":2,"page":2680},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٠]","level":2,"page":2680},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣١]","level":2,"page":2682},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٢]","level":2,"page":2685},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٣]","level":2,"page":2686},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٤]","level":2,"page":2688},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]","level":2,"page":2688},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٦]","level":2,"page":2690},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٧]","level":2,"page":2692},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٨]","level":2,"page":2693},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٩]","level":2,"page":2695},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٠]","level":2,"page":2696},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]","level":2,"page":2698},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]","level":2,"page":2700},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٣]","level":2,"page":2702},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٤]","level":2,"page":2704},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٥]","level":2,"page":2705},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٦]","level":2,"page":2706},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٧]","level":2,"page":2706},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٨]","level":2,"page":2708},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٩]","level":2,"page":2708},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٠]","level":2,"page":2709},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥١]","level":2,"page":2710},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٢]","level":2,"page":2712},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٣]","level":2,"page":2713},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٤]","level":2,"page":2715},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٥]","level":2,"page":2717},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٦]","level":2,"page":2718},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٧]","level":2,"page":2719},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٨]","level":2,"page":2720},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٩]","level":2,"page":2721},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٠]","level":2,"page":2722},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦١]","level":2,"page":2723},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٢]","level":2,"page":2724},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٣]","level":2,"page":2725},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٤]","level":2,"page":2726},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٥]","level":2,"page":2727},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٦]","level":2,"page":2728},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٧]","level":2,"page":2730},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٨]","level":2,"page":2732},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٩]","level":2,"page":2733},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٠]","level":2,"page":2735},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧١]","level":2,"page":2736},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٢]","level":2,"page":2737},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٣]","level":2,"page":2737},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٤]","level":2,"page":2738},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٥]","level":2,"page":2739},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٦]","level":2,"page":2740},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]","level":2,"page":2742},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٨]","level":2,"page":2743},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٩]","level":2,"page":2744},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٠]","level":2,"page":2745},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨١]","level":2,"page":2747},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٢]","level":2,"page":2748},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٣]","level":2,"page":2749},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٤]","level":2,"page":2750},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٥]","level":2,"page":2752},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٦]","level":2,"page":2752},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٧]","level":2,"page":2754},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٨]","level":2,"page":2755},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٩]","level":2,"page":2757},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٠]","level":2,"page":2757},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩١]","level":2,"page":2759},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٢]","level":2,"page":2759},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٣]","level":2,"page":2760},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٤]","level":2,"page":2761},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٥]","level":2,"page":2762},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٦]","level":2,"page":2763},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٧]","level":2,"page":2764},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٨]","level":2,"page":2764},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٩]","level":2,"page":2765},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٠]","level":2,"page":2767},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]","level":2,"page":2770},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٢]","level":2,"page":2771},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٣]","level":2,"page":2772},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٤]","level":2,"page":2773},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٥]","level":2,"page":2774},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٦]","level":2,"page":2775},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٧]","level":2,"page":2775},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٨]","level":2,"page":2776},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]","level":2,"page":2777},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]","level":2,"page":2779},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١١]","level":2,"page":2781},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":2784},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١]","level":2,"page":2784},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢]","level":2,"page":2785},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣]","level":2,"page":2788},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤]","level":2,"page":2790},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٦]","level":2,"page":2794},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٧]","level":2,"page":2795},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٨]","level":2,"page":2796},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٩]","level":2,"page":2797},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٠]","level":2,"page":2798},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١١]","level":2,"page":2799},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٢]","level":2,"page":2801},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٣]","level":2,"page":2802},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]","level":2,"page":2804},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]","level":2,"page":2806},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]","level":2,"page":2810},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]","level":2,"page":2813},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٩]","level":2,"page":2815},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٠]","level":2,"page":2817},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢١]","level":2,"page":2817},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٢]","level":2,"page":2818},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٣]","level":2,"page":2820},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٤]","level":2,"page":2822},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٥]","level":2,"page":2825},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٦]","level":2,"page":2826},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٧]","level":2,"page":2827},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٨]","level":2,"page":2828},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٩]","level":2,"page":2829},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٠]","level":2,"page":2831},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]","level":2,"page":2833},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٢]","level":2,"page":2836},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]","level":2,"page":2837},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٤]","level":2,"page":2839},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٥]","level":2,"page":2840},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٦]","level":2,"page":2841},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٧]","level":2,"page":2843},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٨]","level":2,"page":2844},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٩]","level":2,"page":2846},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٠]","level":2,"page":2848},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤١]","level":2,"page":2848},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٢]","level":2,"page":2850},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]","level":2,"page":2852},{"title":"سورة ابراهيم","level":1,"page":2854},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١]","level":2,"page":2854},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢]","level":2,"page":2855},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣]","level":2,"page":2856},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]","level":2,"page":2857},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]","level":2,"page":2859},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٦]","level":2,"page":2860},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٧]","level":2,"page":2862},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٨]","level":2,"page":2864},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]","level":2,"page":2864},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٠]","level":2,"page":2867},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١١]","level":2,"page":2869},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٢]","level":2,"page":2870},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٣]","level":2,"page":2871},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٤]","level":2,"page":2872},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٥]","level":2,"page":2873},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٦]","level":2,"page":2875},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٧]","level":2,"page":2875},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]","level":2,"page":2877},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٩ الي ٢٠]","level":2,"page":2879},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢١]","level":2,"page":2881},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٢]","level":2,"page":2883},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٣]","level":2,"page":2886},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٤]","level":2,"page":2887},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٥]","level":2,"page":2890},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٦]","level":2,"page":2891},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٧]","level":2,"page":2892},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٨]","level":2,"page":2893},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٩]","level":2,"page":2894},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٠]","level":2,"page":2895},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]","level":2,"page":2896},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٢]","level":2,"page":2898},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٣]","level":2,"page":2899},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٤]","level":2,"page":2900},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٥]","level":2,"page":2901},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٦]","level":2,"page":2904},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]","level":2,"page":2905},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٨]","level":2,"page":2909},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٩]","level":2,"page":2910},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٠]","level":2,"page":2912},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤١]","level":2,"page":2912},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٢]","level":2,"page":2913},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٣]","level":2,"page":2914},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٤]","level":2,"page":2916},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٥]","level":2,"page":2918},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٦]","level":2,"page":2919},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٧]","level":2,"page":2920},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٨]","level":2,"page":2921},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٩]","level":2,"page":2922},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٠]","level":2,"page":2923},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥١]","level":2,"page":2923},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]","level":2,"page":2924},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":2926},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١]","level":2,"page":2926},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢]","level":2,"page":2927},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣]","level":2,"page":2928},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤]","level":2,"page":2930},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥]","level":2,"page":2931},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦]","level":2,"page":2931},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧]","level":2,"page":2932},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨]","level":2,"page":2933},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩]","level":2,"page":2934},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٠]","level":2,"page":2935},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١١]","level":2,"page":2936},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٢]","level":2,"page":2937},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٣]","level":2,"page":2937},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٤]","level":2,"page":2938},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٥]","level":2,"page":2939},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٦]","level":2,"page":2939},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٧]","level":2,"page":2940},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٨]","level":2,"page":2941},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٩]","level":2,"page":2942},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٠]","level":2,"page":2942},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢١]","level":2,"page":2943},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٢]","level":2,"page":2944},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٣]","level":2,"page":2945},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٤]","level":2,"page":2946},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٥]","level":2,"page":2947},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٦]","level":2,"page":2947},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٧]","level":2,"page":2950},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٨]","level":2,"page":2951},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٩]","level":2,"page":2951},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣٠]","level":2,"page":2952},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣١]","level":2,"page":2952},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣٢]","level":2,"page":2953},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣٣]","level":2,"page":2954},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣٤]","level":2,"page":2955},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣٥]","level":2,"page":2955},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٦ الي ٣٨]","level":2,"page":2955},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٩ الي ٤٠]","level":2,"page":2957},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤١ الي ٤٢]","level":2,"page":2958},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٣ الي ٤٤]","level":2,"page":2959},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٥ الي ٤٦]","level":2,"page":2961},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٧]","level":2,"page":2961},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٨]","level":2,"page":2962},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٩ الي ٥٠]","level":2,"page":2963},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ الي ٥٢]","level":2,"page":2964},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٣ الي ٥٤]","level":2,"page":2965},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٥]","level":2,"page":2966},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٦]","level":2,"page":2967},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٧]","level":2,"page":2967},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٨ الي ٦٠]","level":2,"page":2968},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦١ الي ٦٤]","level":2,"page":2969},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٥]","level":2,"page":2970},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٦]","level":2,"page":2971},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٧ الي ٦٩]","level":2,"page":2972},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٠ الي ٧٢]","level":2,"page":2973},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٣ الي ٧٦]","level":2,"page":2975},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٧ الي ٧٩]","level":2,"page":2977},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٠ الي ٨٤]","level":2,"page":2978},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٥ الي ٨٦]","level":2,"page":2980},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٧]","level":2,"page":2981},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٨]","level":2,"page":2982},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٩ الي ٩١]","level":2,"page":2984},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٢ الي ٩٤]","level":2,"page":2986},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٥ الي ٩٦]","level":2,"page":2988},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٧]","level":2,"page":2989},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٨]","level":2,"page":2989},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٩]","level":2,"page":2990},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":2991},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١]","level":2,"page":2991},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢]","level":2,"page":2994},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣]","level":2,"page":2995},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤]","level":2,"page":2996},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥]","level":2,"page":2997},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦]","level":2,"page":2998},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧]","level":2,"page":2999},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨]","level":2,"page":3001},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩]","level":2,"page":3003},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠]","level":2,"page":3004},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١]","level":2,"page":3006},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢]","level":2,"page":3007},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٣]","level":2,"page":3007},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٤]","level":2,"page":3008},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٥]","level":2,"page":3010},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٦]","level":2,"page":3010},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٧]","level":2,"page":3011},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٨]","level":2,"page":3012},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٩]","level":2,"page":3013},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٠]","level":2,"page":3013},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢١]","level":2,"page":3014},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٢]","level":2,"page":3015},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٣]","level":2,"page":3015},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٤]","level":2,"page":3017},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٥]","level":2,"page":3019},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٦]","level":2,"page":3021},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٧]","level":2,"page":3022},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٨]","level":2,"page":3023},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٩]","level":2,"page":3024},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٠]","level":2,"page":3025},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣١]","level":2,"page":3027},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٢]","level":2,"page":3028},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٣]","level":2,"page":3029},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٤]","level":2,"page":3030},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٥]","level":2,"page":3031},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٦]","level":2,"page":3033},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٧]","level":2,"page":3035},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٨]","level":2,"page":3036},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٩]","level":2,"page":3038},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٠]","level":2,"page":3038},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤١]","level":2,"page":3040},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٢]","level":2,"page":3041},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٣]","level":2,"page":3042},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٤]","level":2,"page":3043},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٥]","level":2,"page":3045},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٦]","level":2,"page":3046},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٧]","level":2,"page":3046},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٨]","level":2,"page":3047},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٩]","level":2,"page":3048},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٠]","level":2,"page":3050},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥١]","level":2,"page":3051},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٢]","level":2,"page":3052},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٣]","level":2,"page":3053},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٤]","level":2,"page":3054},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٥]","level":2,"page":3054},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٦]","level":2,"page":3055},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٧]","level":2,"page":3056},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٨]","level":2,"page":3057},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٩]","level":2,"page":3058},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٠]","level":2,"page":3061},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦١]","level":2,"page":3062},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٢]","level":2,"page":3063},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٣]","level":2,"page":3064},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٤]","level":2,"page":3066},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٥]","level":2,"page":3066},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٦]","level":2,"page":3067},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]","level":2,"page":3069},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٨]","level":2,"page":3070},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٩]","level":2,"page":3071},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]","level":2,"page":3073},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧١]","level":2,"page":3074},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]","level":2,"page":3075},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٣]","level":2,"page":3077},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٤]","level":2,"page":3078},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٥]","level":2,"page":3079},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]","level":2,"page":3080},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٧]","level":2,"page":3082},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٨]","level":2,"page":3083},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٩]","level":2,"page":3084},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٠]","level":2,"page":3085},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨١]","level":2,"page":3087},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٢]","level":2,"page":3088},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٣]","level":2,"page":3089},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٤]","level":2,"page":3089},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٥]","level":2,"page":3090},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٦]","level":2,"page":3091},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٧]","level":2,"page":3092},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٨]","level":2,"page":3093},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]","level":2,"page":3094},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]","level":2,"page":3096},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩١]","level":2,"page":3098},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٢]","level":2,"page":3100},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٣]","level":2,"page":3102},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٤]","level":2,"page":3103},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٥]","level":2,"page":3104},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٦]","level":2,"page":3106},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٧]","level":2,"page":3106},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٨]","level":2,"page":3108},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٩]","level":2,"page":3109},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٠]","level":2,"page":3109},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠١]","level":2,"page":3110},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٢]","level":2,"page":3111},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]","level":2,"page":3112},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٤]","level":2,"page":3114},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٥]","level":2,"page":3114},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]","level":2,"page":3115},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٧]","level":2,"page":3118},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٨]","level":2,"page":3119},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٩]","level":2,"page":3119},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٠]","level":2,"page":3120},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١١]","level":2,"page":3121},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٢]","level":2,"page":3123},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٣]","level":2,"page":3124},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٤]","level":2,"page":3125},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٥]","level":2,"page":3126},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٦]","level":2,"page":3126},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٧]","level":2,"page":3127},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٨]","level":2,"page":3128},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٩]","level":2,"page":3129},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٠]","level":2,"page":3130},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢١]","level":2,"page":3130},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٢]","level":2,"page":3131},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٣]","level":2,"page":3132},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]","level":2,"page":3133},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٥]","level":2,"page":3134},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٦]","level":2,"page":3135},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٧]","level":2,"page":3136},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٨]","level":2,"page":3137},{"title":"سورة الإسراء","level":1,"page":3139},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١]","level":2,"page":3139},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢]","level":2,"page":3144},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣]","level":2,"page":3145},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤]","level":2,"page":3146},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥]","level":2,"page":3148},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦]","level":2,"page":3149},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧]","level":2,"page":3150},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨]","level":2,"page":3152},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩]","level":2,"page":3154},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠]","level":2,"page":3154},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]","level":2,"page":3155},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٢]","level":2,"page":3156},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٣]","level":2,"page":3158},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٤]","level":2,"page":3159},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٥]","level":2,"page":3160},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]","level":2,"page":3162},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٧]","level":2,"page":3164},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٨]","level":2,"page":3165},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٩]","level":2,"page":3166},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٠]","level":2,"page":3167},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢١]","level":2,"page":3167},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٢]","level":2,"page":3168},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٣]","level":2,"page":3169},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٤]","level":2,"page":3171},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٥]","level":2,"page":3173},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٦]","level":2,"page":3174},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٧]","level":2,"page":3175},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٨]","level":2,"page":3176},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٩]","level":2,"page":3177},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٠]","level":2,"page":3178},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]","level":2,"page":3179},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]","level":2,"page":3180},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]","level":2,"page":3182},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٤]","level":2,"page":3184},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٥]","level":2,"page":3185},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]","level":2,"page":3187},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٧]","level":2,"page":3188},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٨]","level":2,"page":3189},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٩]","level":2,"page":3190},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]","level":2,"page":3191},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤١]","level":2,"page":3192},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٢]","level":2,"page":3193},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٣]","level":2,"page":3194},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٤]","level":2,"page":3195},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٥]","level":2,"page":3197},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٦]","level":2,"page":3198},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٧]","level":2,"page":3199},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٨]","level":2,"page":3200},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٩]","level":2,"page":3201},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٠ الي ٥١]","level":2,"page":3202},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]","level":2,"page":3204},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٣]","level":2,"page":3205},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٤]","level":2,"page":3206},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٥]","level":2,"page":3207},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٦]","level":2,"page":3208},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٧]","level":2,"page":3209},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٨]","level":2,"page":3211},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]","level":2,"page":3212},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]","level":2,"page":3214},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦١]","level":2,"page":3216},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٢]","level":2,"page":3217},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٣]","level":2,"page":3218},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٤]","level":2,"page":3219},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٥]","level":2,"page":3221},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٦]","level":2,"page":3222},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٧]","level":2,"page":3224},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٨]","level":2,"page":3225},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٩]","level":2,"page":3226},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]","level":2,"page":3228},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧١]","level":2,"page":3229},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٢]","level":2,"page":3231},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٣]","level":2,"page":3231},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٤]","level":2,"page":3234},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٥]","level":2,"page":3235},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٦]","level":2,"page":3236},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٧]","level":2,"page":3237},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٨]","level":2,"page":3237},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٩]","level":2,"page":3238},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٠]","level":2,"page":3240},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨١]","level":2,"page":3242},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]","level":2,"page":3243},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٣]","level":2,"page":3244},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٤]","level":2,"page":3244},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]","level":2,"page":3245},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٦]","level":2,"page":3246},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٧]","level":2,"page":3247},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٨]","level":2,"page":3248},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٩]","level":2,"page":3249},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٠]","level":2,"page":3250},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩١]","level":2,"page":3250},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٢]","level":2,"page":3251},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٣]","level":2,"page":3252},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٤]","level":2,"page":3253},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٥]","level":2,"page":3254},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]","level":2,"page":3254},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٧]","level":2,"page":3255},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٨]","level":2,"page":3257},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٩]","level":2,"page":3258},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٠]","level":2,"page":3259},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠١]","level":2,"page":3260},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٢]","level":2,"page":3262},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٣]","level":2,"page":3263},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٤]","level":2,"page":3264},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٥]","level":2,"page":3265},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٦]","level":2,"page":3266},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٧]","level":2,"page":3267},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٨]","level":2,"page":3268},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٩]","level":2,"page":3268},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١٠]","level":2,"page":3269},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١١]","level":2,"page":3272},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":3274},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١]","level":2,"page":3274},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢]","level":2,"page":3275},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣ الي ٤]","level":2,"page":3276},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥]","level":2,"page":3277},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦]","level":2,"page":3278},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧]","level":2,"page":3279},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨]","level":2,"page":3280},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩]","level":2,"page":3281},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠]","level":2,"page":3282},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١]","level":2,"page":3284},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٢]","level":2,"page":3284},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٣]","level":2,"page":3286},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٤]","level":2,"page":3287},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٥]","level":2,"page":3289},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٦]","level":2,"page":3290},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٧]","level":2,"page":3291},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٨]","level":2,"page":3293},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٩]","level":2,"page":3297},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٠]","level":2,"page":3300},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]","level":2,"page":3300},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]","level":2,"page":3303},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٣]","level":2,"page":3306},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٤]","level":2,"page":3307},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٥]","level":2,"page":3309},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٦]","level":2,"page":3310},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٧]","level":2,"page":3311},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٨]","level":2,"page":3312},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]","level":2,"page":3315},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٠]","level":2,"page":3318},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣١]","level":2,"page":3319},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٢]","level":2,"page":3320},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٣]","level":2,"page":3322},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٤]","level":2,"page":3324},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٥]","level":2,"page":3325},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٦]","level":2,"page":3325},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٧]","level":2,"page":3326},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٨]","level":2,"page":3327},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٩]","level":2,"page":3327},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٠]","level":2,"page":3329},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤١]","level":2,"page":3329},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٢]","level":2,"page":3330},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٣]","level":2,"page":3331},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٤]","level":2,"page":3331},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٥]","level":2,"page":3332},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٦]","level":2,"page":3334},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٧]","level":2,"page":3335},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٨]","level":2,"page":3336},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٩]","level":2,"page":3338},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]","level":2,"page":3340},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]","level":2,"page":3342},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٢]","level":2,"page":3344},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٣]","level":2,"page":3345},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٤]","level":2,"page":3345},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٥]","level":2,"page":3346},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٦]","level":2,"page":3347},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٧]","level":2,"page":3348},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٨]","level":2,"page":3350},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٩]","level":2,"page":3351},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٠]","level":2,"page":3352},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦١]","level":2,"page":3354},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٢]","level":2,"page":3355},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٣]","level":2,"page":3356},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٤]","level":2,"page":3357},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٥]","level":2,"page":3358},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٦]","level":2,"page":3359},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٧]","level":2,"page":3360},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٨]","level":2,"page":3361},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٩]","level":2,"page":3361},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٠]","level":2,"page":3362},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧١]","level":2,"page":3363},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٢]","level":2,"page":3364},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٣]","level":2,"page":3364},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٤]","level":2,"page":3365},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٥]","level":2,"page":3366},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٦]","level":2,"page":3367},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٧]","level":2,"page":3367},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٨]","level":2,"page":3369},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]","level":2,"page":3370},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٠]","level":2,"page":3372},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨١]","level":2,"page":3373},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]","level":2,"page":3374},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٣]","level":2,"page":3377},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٤ الي ٨٥]","level":2,"page":3379},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٦]","level":2,"page":3380},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٧]","level":2,"page":3382},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٨ الي ٨٩]","level":2,"page":3383},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٠]","level":2,"page":3384},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩١ الي ٩٢]","level":2,"page":3385},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٣]","level":2,"page":3386},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٤]","level":2,"page":3387},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٥]","level":2,"page":3388},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٦]","level":2,"page":3389},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٧]","level":2,"page":3391},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٨]","level":2,"page":3392},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٩]","level":2,"page":3393},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٠]","level":2,"page":3394},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠١]","level":2,"page":3394},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٢]","level":2,"page":3395},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٣]","level":2,"page":3396},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٤]","level":2,"page":3396},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٥]","level":2,"page":3397},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٦]","level":2,"page":3399},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٧]","level":2,"page":3400},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٨]","level":2,"page":3401},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]","level":2,"page":3402},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]","level":2,"page":3403},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":3408},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١]","level":2,"page":3408},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢]","level":2,"page":3408},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣]","level":2,"page":3409},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤]","level":2,"page":3409},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥]","level":2,"page":3411},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦]","level":2,"page":3412},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧]","level":2,"page":3414},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨]","level":2,"page":3415},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩]","level":2,"page":3416},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٠]","level":2,"page":3418},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١١]","level":2,"page":3418},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٢]","level":2,"page":3419},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٣]","level":2,"page":3420},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٤]","level":2,"page":3421},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٥]","level":2,"page":3421},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٦]","level":2,"page":3423},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٧]","level":2,"page":3424},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٨]","level":2,"page":3424},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٩]","level":2,"page":3425},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٠]","level":2,"page":3425},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢١]","level":2,"page":3426},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٢]","level":2,"page":3427},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٣]","level":2,"page":3428},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٤]","level":2,"page":3429},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٥]","level":2,"page":3430},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٦]","level":2,"page":3431},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٧]","level":2,"page":3433},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٨]","level":2,"page":3434},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٩]","level":2,"page":3435},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٠]","level":2,"page":3436},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣١]","level":2,"page":3437},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٢]","level":2,"page":3438},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٣]","level":2,"page":3439},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٤]","level":2,"page":3439},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٥]","level":2,"page":3440},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٦]","level":2,"page":3441},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٧]","level":2,"page":3442},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٨]","level":2,"page":3443},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٩]","level":2,"page":3444},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٠]","level":2,"page":3445},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤١]","level":2,"page":3446},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٢]","level":2,"page":3446},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٣]","level":2,"page":3447},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٤]","level":2,"page":3448},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٥]","level":2,"page":3449},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٦]","level":2,"page":3449},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٧]","level":2,"page":3451},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٨]","level":2,"page":3452},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٩]","level":2,"page":3453},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٠]","level":2,"page":3454},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥١]","level":2,"page":3455},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٢]","level":2,"page":3456},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٣]","level":2,"page":3456},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٤]","level":2,"page":3457},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٥]","level":2,"page":3458},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٦ الي ٥٧]","level":2,"page":3459},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]","level":2,"page":3461},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٩]","level":2,"page":3463},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٠]","level":2,"page":3465},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦١]","level":2,"page":3466},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٢]","level":2,"page":3467},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٣]","level":2,"page":3468},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٤]","level":2,"page":3468},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٥]","level":2,"page":3470},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٦]","level":2,"page":3471},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٧]","level":2,"page":3472},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٨]","level":2,"page":3472},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٩]","level":2,"page":3474},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٠]","level":2,"page":3475},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧١]","level":2,"page":3475},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٢]","level":2,"page":3477},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٣]","level":2,"page":3478},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٤]","level":2,"page":3479},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]","level":2,"page":3480},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٦]","level":2,"page":3482},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٧]","level":2,"page":3483},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٨]","level":2,"page":3483},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٩]","level":2,"page":3484},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٠]","level":2,"page":3487},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨١]","level":2,"page":3487},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٢]","level":2,"page":3488},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٣]","level":2,"page":3489},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٤]","level":2,"page":3489},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٥ الي ٨٦]","level":2,"page":3490},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٧]","level":2,"page":3491},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٨ الي ٨٩]","level":2,"page":3492},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٠]","level":2,"page":3492},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٩١ الي ٩٢]","level":2,"page":3493},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٣]","level":2,"page":3494},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٤ الي ٩٥]","level":2,"page":3495},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٦]","level":2,"page":3495},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٧]","level":2,"page":3497},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٨]","level":2,"page":3497},{"title":"سورة طه","level":1,"page":3499},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١]","level":2,"page":3499},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢ الي ٤]","level":2,"page":3500},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥ الي ٦]","level":2,"page":3501},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧ الي ٨]","level":2,"page":3503},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ الي ١٠]","level":2,"page":3504},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١ الي ١٢]","level":2,"page":3506},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣ الي ١٤]","level":2,"page":3508},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٥]","level":2,"page":3509},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٦]","level":2,"page":3511},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٧ الي ١٨]","level":2,"page":3512},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٩ الي ٢١]","level":2,"page":3513},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٢ الي ٢٣]","level":2,"page":3515},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٤ الي ٣٥]","level":2,"page":3516},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٦ الي ٣٨]","level":2,"page":3519},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٩]","level":2,"page":3520},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٠]","level":2,"page":3522},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤١ الي ٤٢]","level":2,"page":3525},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٣ الي ٤٤]","level":2,"page":3526},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٥]","level":2,"page":3527},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٦]","level":2,"page":3528},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٧]","level":2,"page":3529},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٨]","level":2,"page":3530},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٩ الي ٥٠]","level":2,"page":3530},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥١ الي ٥٢]","level":2,"page":3531},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٣]","level":2,"page":3533},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٤]","level":2,"page":3534},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٥]","level":2,"page":3535},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٦]","level":2,"page":3536},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٧]","level":2,"page":3536},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٨]","level":2,"page":3537},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٩]","level":2,"page":3538},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٠]","level":2,"page":3539},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦١]","level":2,"page":3540},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٢]","level":2,"page":3541},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٣]","level":2,"page":3542},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٤]","level":2,"page":3545},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٥]","level":2,"page":3545},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٦]","level":2,"page":3546},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٧ الي ٦٨]","level":2,"page":3548},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٩]","level":2,"page":3548},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٠]","level":2,"page":3550},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧١]","level":2,"page":3551},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٢]","level":2,"page":3553},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٣]","level":2,"page":3554},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٤]","level":2,"page":3556},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٥]","level":2,"page":3557},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٦]","level":2,"page":3558},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٧]","level":2,"page":3558},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٨ الي ٧٩]","level":2,"page":3560},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٠]","level":2,"page":3560},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨١]","level":2,"page":3562},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٢]","level":2,"page":3563},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٣ الي ٨٤]","level":2,"page":3563},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٥]","level":2,"page":3564},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٦]","level":2,"page":3565},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٧]","level":2,"page":3567},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٨]","level":2,"page":3568},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٩]","level":2,"page":3569},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٠]","level":2,"page":3569},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩١]","level":2,"page":3570},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٢ الي ٩٣]","level":2,"page":3571},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٤]","level":2,"page":3572},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٥ الي ٩٦]","level":2,"page":3573},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٧]","level":2,"page":3575},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٨]","level":2,"page":3577},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٩]","level":2,"page":3578},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٠]","level":2,"page":3578},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠١]","level":2,"page":3579},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٢]","level":2,"page":3580},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٣]","level":2,"page":3580},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٤]","level":2,"page":3581},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٥ الي ١٠٧]","level":2,"page":3581},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٨]","level":2,"page":3583},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٩]","level":2,"page":3584},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٠]","level":2,"page":3585},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١١]","level":2,"page":3585},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٢]","level":2,"page":3586},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٣]","level":2,"page":3587},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٤]","level":2,"page":3588},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٥]","level":2,"page":3589},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٦]","level":2,"page":3590},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٧]","level":2,"page":3591},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٨ الي ١١٩]","level":2,"page":3592},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٠]","level":2,"page":3593},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢١ الي ١٢٢]","level":2,"page":3594},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٣]","level":2,"page":3597},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٤]","level":2,"page":3598},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٥]","level":2,"page":3600},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٦]","level":2,"page":3600},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٧]","level":2,"page":3601},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٨]","level":2,"page":3602},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٩]","level":2,"page":3603},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٠]","level":2,"page":3604},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣١]","level":2,"page":3606},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٢]","level":2,"page":3608},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٣]","level":2,"page":3609},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٤]","level":2,"page":3610},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٥]","level":2,"page":3611},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":3613},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١]","level":2,"page":3613},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢]","level":2,"page":3614},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣]","level":2,"page":3615},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤]","level":2,"page":3616},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥]","level":2,"page":3617},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦]","level":2,"page":3618},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧]","level":2,"page":3619},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨]","level":2,"page":3620},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩]","level":2,"page":3621},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠]","level":2,"page":3621},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١]","level":2,"page":3623},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٢]","level":2,"page":3623},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٣]","level":2,"page":3624},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٤]","level":2,"page":3625},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٥]","level":2,"page":3625},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٦]","level":2,"page":3626},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٧]","level":2,"page":3626},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٨]","level":2,"page":3627},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٩]","level":2,"page":3628},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٠]","level":2,"page":3629},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢١]","level":2,"page":3629},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٢]","level":2,"page":3630},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٣]","level":2,"page":3632},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٤]","level":2,"page":3633},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٥]","level":2,"page":3635},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٦]","level":2,"page":3636},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٧]","level":2,"page":3636},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٨]","level":2,"page":3637},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٩]","level":2,"page":3638},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٠]","level":2,"page":3639},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣١]","level":2,"page":3642},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٢]","level":2,"page":3643},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٣]","level":2,"page":3643},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٤]","level":2,"page":3644},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٥]","level":2,"page":3645},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٦]","level":2,"page":3648},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٧]","level":2,"page":3649},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٨]","level":2,"page":3650},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٩]","level":2,"page":3651},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٠]","level":2,"page":3652},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤١]","level":2,"page":3652},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٢]","level":2,"page":3653},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٣]","level":2,"page":3654},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٤]","level":2,"page":3654},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٥]","level":2,"page":3656},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٦]","level":2,"page":3656},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٧]","level":2,"page":3657},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٨]","level":2,"page":3659},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٩]","level":2,"page":3659},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٠]","level":2,"page":3660},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥١]","level":2,"page":3661},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٢]","level":2,"page":3661},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٣ الي ٥٤]","level":2,"page":3662},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٥]","level":2,"page":3663},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٦]","level":2,"page":3663},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٧]","level":2,"page":3664},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٨]","level":2,"page":3665},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٩]","level":2,"page":3666},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٠]","level":2,"page":3666},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦١]","level":2,"page":3667},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٢]","level":2,"page":3667},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٣]","level":2,"page":3668},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٤]","level":2,"page":3669},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٥]","level":2,"page":3670},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٦]","level":2,"page":3670},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٧]","level":2,"page":3671},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٨]","level":2,"page":3671},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٩]","level":2,"page":3673},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٠]","level":2,"page":3674},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧١]","level":2,"page":3675},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٢]","level":2,"page":3675},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٣]","level":2,"page":3676},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٤]","level":2,"page":3678},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٥]","level":2,"page":3679},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٦]","level":2,"page":3679},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٧]","level":2,"page":3680},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٨]","level":2,"page":3681},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٩]","level":2,"page":3683},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٠]","level":2,"page":3684},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨١]","level":2,"page":3685},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٢]","level":2,"page":3687},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٣]","level":2,"page":3688},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٤]","level":2,"page":3690},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٥ الي ٨٦]","level":2,"page":3692},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٧]","level":2,"page":3694},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٨]","level":2,"page":3696},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٩]","level":2,"page":3698},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٠]","level":2,"page":3699},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩١]","level":2,"page":3700},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٢]","level":2,"page":3701},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٣]","level":2,"page":3702},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٤]","level":2,"page":3703},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٥]","level":2,"page":3704},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٦]","level":2,"page":3705},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٧]","level":2,"page":3706},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٨]","level":2,"page":3708},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٩ الي ١٠٠]","level":2,"page":3709},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠١]","level":2,"page":3710},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٢]","level":2,"page":3711},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٣]","level":2,"page":3711},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]","level":2,"page":3713},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٥]","level":2,"page":3715},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٦ الي ١٠٧]","level":2,"page":3716},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٨]","level":2,"page":3716},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٩]","level":2,"page":3717},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٠]","level":2,"page":3719},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١١]","level":2,"page":3719},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٢]","level":2,"page":3721},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":3722},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١]","level":2,"page":3722},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢]","level":2,"page":3724},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣]","level":2,"page":3728},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤]","level":2,"page":3728},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥]","level":2,"page":3730},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦]","level":2,"page":3734},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧]","level":2,"page":3734},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٨]","level":2,"page":3735},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٩]","level":2,"page":3736},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٠]","level":2,"page":3737},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١١]","level":2,"page":3738},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٢]","level":2,"page":3740},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٣]","level":2,"page":3741},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٤]","level":2,"page":3743},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٥]","level":2,"page":3744},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٦]","level":2,"page":3746},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٧]","level":2,"page":3746},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]","level":2,"page":3748},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٩ الي ٢٠]","level":2,"page":3750},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢١ الي ٢٢]","level":2,"page":3753},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٣]","level":2,"page":3754},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٤]","level":2,"page":3755},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]","level":2,"page":3756},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٦]","level":2,"page":3758},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٧]","level":2,"page":3760},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٨]","level":2,"page":3762},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٩]","level":2,"page":3763},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٠]","level":2,"page":3765},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣١]","level":2,"page":3768},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٢]","level":2,"page":3769},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٣]","level":2,"page":3770},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٤]","level":2,"page":3771},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٥]","level":2,"page":3773},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]","level":2,"page":3774},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]","level":2,"page":3777},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٨]","level":2,"page":3778},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٩]","level":2,"page":3779},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٠]","level":2,"page":3781},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤١]","level":2,"page":3783},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ الي ٤٣]","level":2,"page":3784},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٤]","level":2,"page":3785},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٥]","level":2,"page":3786},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٦]","level":2,"page":3788},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٧]","level":2,"page":3790},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٨]","level":2,"page":3791},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٩]","level":2,"page":3791},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٠ الي ٥١]","level":2,"page":3792},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٢]","level":2,"page":3793},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٣]","level":2,"page":3796},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٤]","level":2,"page":3797},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٥]","level":2,"page":3799},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٦]","level":2,"page":3800},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٧]","level":2,"page":3800},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٨]","level":2,"page":3801},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٩]","level":2,"page":3802},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٠]","level":2,"page":3803},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦١]","level":2,"page":3806},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٢]","level":2,"page":3806},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٣]","level":2,"page":3807},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٤]","level":2,"page":3808},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٥]","level":2,"page":3809},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٦]","level":2,"page":3810},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٧]","level":2,"page":3811},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٨]","level":2,"page":3812},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٩]","level":2,"page":3813},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٠]","level":2,"page":3813},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧١]","level":2,"page":3814},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٢]","level":2,"page":3815},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٣]","level":2,"page":3817},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٤]","level":2,"page":3820},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٥]","level":2,"page":3820},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٦]","level":2,"page":3821},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٧]","level":2,"page":3822},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]","level":2,"page":3823},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":3828},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":3828},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥ الي ٧]","level":2,"page":3830},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨ الي ١١]","level":2,"page":3834},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ الي ١٣]","level":2,"page":3836},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٤]","level":2,"page":3837},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٥ الي ١٧]","level":2,"page":3838},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٨]","level":2,"page":3840},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٩]","level":2,"page":3841},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٠]","level":2,"page":3842},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢١ الي ٢٢]","level":2,"page":3843},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٣]","level":2,"page":3845},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٤]","level":2,"page":3846},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٥ الي ٢٦]","level":2,"page":3847},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٧]","level":2,"page":3848},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٨]","level":2,"page":3851},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٩ الي ٣٠]","level":2,"page":3852},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣١ الي ٣٢]","level":2,"page":3853},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٣]","level":2,"page":3854},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٤]","level":2,"page":3855},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٥ الي ٣٦]","level":2,"page":3856},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٧]","level":2,"page":3857},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٨]","level":2,"page":3858},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٩ الي ٤١]","level":2,"page":3859},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٢ الي ٤٣]","level":2,"page":3861},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٤]","level":2,"page":3861},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٥ الي ٤٦]","level":2,"page":3863},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٧ الي ٤٨]","level":2,"page":3864},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٩ الي ٥٠]","level":2,"page":3865},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥١]","level":2,"page":3866},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٢]","level":2,"page":3867},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٣]","level":2,"page":3868},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٤ الي ٥٦]","level":2,"page":3870},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٧ الي ٦٠]","level":2,"page":3872},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦١]","level":2,"page":3873},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٢]","level":2,"page":3874},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٣]","level":2,"page":3875},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٤ الي ٦٥]","level":2,"page":3875},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٦ الي ٦٧]","level":2,"page":3877},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٨]","level":2,"page":3879},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٩]","level":2,"page":3880},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٠]","level":2,"page":3880},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧١]","level":2,"page":3881},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٢]","level":2,"page":3882},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٣ الي ٧٤]","level":2,"page":3883},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٥]","level":2,"page":3884},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٦]","level":2,"page":3886},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٧]","level":2,"page":3886},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٨]","level":2,"page":3887},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٩]","level":2,"page":3889},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٠]","level":2,"page":3889},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨١ الي ٨٢]","level":2,"page":3890},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٣]","level":2,"page":3891},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٤ الي ٨٥]","level":2,"page":3892},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٦ الي ٨٧]","level":2,"page":3893},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٨ الي ٨٩]","level":2,"page":3894},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٠]","level":2,"page":3895},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩١]","level":2,"page":3895},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٢]","level":2,"page":3897},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٣ الي ٩٤]","level":2,"page":3898},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٥]","level":2,"page":3900},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٦]","level":2,"page":3901},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٧ الي ٩٨]","level":2,"page":3902},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ الي ١٠٠]","level":2,"page":3903},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠١]","level":2,"page":3906},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٢]","level":2,"page":3908},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٣]","level":2,"page":3909},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٤]","level":2,"page":3909},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٥]","level":2,"page":3910},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٦]","level":2,"page":3911},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٧]","level":2,"page":3911},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٨ الي ١٠٩]","level":2,"page":3912},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٠]","level":2,"page":3915},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١١]","level":2,"page":3916},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٢]","level":2,"page":3917},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٣]","level":2,"page":3918},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٤]","level":2,"page":3919},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٥]","level":2,"page":3919},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٦]","level":2,"page":3920},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٧]","level":2,"page":3921},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٨]","level":2,"page":3923},{"title":"سورة النور","level":1,"page":3924},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١]","level":2,"page":3924},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢]","level":2,"page":3926},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣]","level":2,"page":3929},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤]","level":2,"page":3932},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥]","level":2,"page":3934},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦]","level":2,"page":3935},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٧]","level":2,"page":3938},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٨]","level":2,"page":3940},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٩]","level":2,"page":3941},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٠]","level":2,"page":3942},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١١]","level":2,"page":3942},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٢]","level":2,"page":3948},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٣]","level":2,"page":3949},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٤]","level":2,"page":3951},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٥]","level":2,"page":3951},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٦]","level":2,"page":3953},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٧]","level":2,"page":3954},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٨]","level":2,"page":3955},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٩]","level":2,"page":3956},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٠]","level":2,"page":3957},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢١]","level":2,"page":3957},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]","level":2,"page":3960},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٣]","level":2,"page":3963},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٤]","level":2,"page":3964},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٥]","level":2,"page":3964},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]","level":2,"page":3965},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٧]","level":2,"page":3967},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٨]","level":2,"page":3968},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٩]","level":2,"page":3971},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٠]","level":2,"page":3972},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣١]","level":2,"page":3975},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٢]","level":2,"page":3983},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٣]","level":2,"page":3986},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٤]","level":2,"page":3991},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]","level":2,"page":3992},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٦]","level":2,"page":3998},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٧]","level":2,"page":4001},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٨]","level":2,"page":4003},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٩]","level":2,"page":4006},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٠]","level":2,"page":4009},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤١]","level":2,"page":4012},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٢]","level":2,"page":4014},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٣]","level":2,"page":4015},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٤]","level":2,"page":4018},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٥]","level":2,"page":4019},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٦]","level":2,"page":4021},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٧]","level":2,"page":4021},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٨ الي ٤٩]","level":2,"page":4023},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٠]","level":2,"page":4024},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥١]","level":2,"page":4025},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٢]","level":2,"page":4026},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٣]","level":2,"page":4027},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٤]","level":2,"page":4029},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]","level":2,"page":4031},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٦]","level":2,"page":4035},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٧]","level":2,"page":4035},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]","level":2,"page":4036},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٩]","level":2,"page":4040},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٠]","level":2,"page":4040},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦١]","level":2,"page":4043},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]","level":2,"page":4047},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]","level":2,"page":4050},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٤]","level":2,"page":4053},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":4055},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١]","level":2,"page":4055},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢]","level":2,"page":4056},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣]","level":2,"page":4057},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤]","level":2,"page":4058},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥]","level":2,"page":4059},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦]","level":2,"page":4060},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧]","level":2,"page":4061},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٨]","level":2,"page":4062},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٩]","level":2,"page":4063},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٠]","level":2,"page":4064},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١١]","level":2,"page":4066},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٢]","level":2,"page":4066},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٣]","level":2,"page":4067},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٤]","level":2,"page":4068},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٥]","level":2,"page":4069},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٦]","level":2,"page":4070},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٧]","level":2,"page":4071},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٨]","level":2,"page":4073},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٩]","level":2,"page":4074},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]","level":2,"page":4076},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢١]","level":2,"page":4077},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٢]","level":2,"page":4079},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٣]","level":2,"page":4081},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٤]","level":2,"page":4081},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٥]","level":2,"page":4082},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٦]","level":2,"page":4083},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٧]","level":2,"page":4083},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٨]","level":2,"page":4085},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٩]","level":2,"page":4086},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٠]","level":2,"page":4088},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣١]","level":2,"page":4088},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٢]","level":2,"page":4089},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٣]","level":2,"page":4090},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٤]","level":2,"page":4091},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٥]","level":2,"page":4092},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٦]","level":2,"page":4092},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٧]","level":2,"page":4093},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٨]","level":2,"page":4094},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٩]","level":2,"page":4096},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٠]","level":2,"page":4097},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤١]","level":2,"page":4098},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٢]","level":2,"page":4099},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٣]","level":2,"page":4100},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٤]","level":2,"page":4101},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٥]","level":2,"page":4102},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٦]","level":2,"page":4103},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٧]","level":2,"page":4104},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٨]","level":2,"page":4105},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٩]","level":2,"page":4106},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٠]","level":2,"page":4107},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥١ الي ٥٢]","level":2,"page":4109},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٣]","level":2,"page":4110},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٤]","level":2,"page":4111},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٥]","level":2,"page":4112},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٦]","level":2,"page":4113},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٧]","level":2,"page":4113},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٨]","level":2,"page":4114},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٩]","level":2,"page":4115},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٠]","level":2,"page":4117},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦١]","level":2,"page":4118},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٢]","level":2,"page":4119},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٣]","level":2,"page":4120},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٤]","level":2,"page":4122},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٥ الي ٦٦]","level":2,"page":4123},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]","level":2,"page":4124},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٨]","level":2,"page":4126},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٩]","level":2,"page":4128},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٠]","level":2,"page":4129},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧١]","level":2,"page":4131},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٢]","level":2,"page":4132},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٣]","level":2,"page":4133},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٤]","level":2,"page":4134},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٥]","level":2,"page":4136},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٦]","level":2,"page":4138},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]","level":2,"page":4139},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":4141},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":4141},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣]","level":2,"page":4143},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤]","level":2,"page":4144},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥]","level":2,"page":4145},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦]","level":2,"page":4146},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧]","level":2,"page":4147},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨]","level":2,"page":4148},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩]","level":2,"page":4149},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ الي ١١]","level":2,"page":4149},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢ الي ١٤]","level":2,"page":4151},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥]","level":2,"page":4153},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦ الي ١٧]","level":2,"page":4154},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨]","level":2,"page":4156},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩]","level":2,"page":4157},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠]","level":2,"page":4157},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١]","level":2,"page":4158},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢]","level":2,"page":4159},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٣ الي ٢٤]","level":2,"page":4160},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٥ الي ٢٧]","level":2,"page":4161},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٨]","level":2,"page":4162},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٩]","level":2,"page":4164},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٠]","level":2,"page":4165},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣١]","level":2,"page":4165},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٢]","level":2,"page":4166},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٣]","level":2,"page":4168},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٤]","level":2,"page":4168},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٥]","level":2,"page":4169},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٦]","level":2,"page":4170},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٧]","level":2,"page":4171},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٨]","level":2,"page":4171},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٩]","level":2,"page":4172},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٠]","level":2,"page":4173},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤١]","level":2,"page":4173},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٢]","level":2,"page":4174},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٣]","level":2,"page":4175},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٤]","level":2,"page":4175},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٥]","level":2,"page":4177},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٦]","level":2,"page":4178},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤٧ الي ٤٨]","level":2,"page":4179},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٩]","level":2,"page":4179},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٩]","level":2,"page":4180},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٠]","level":2,"page":4181},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥١]","level":2,"page":4182},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٢]","level":2,"page":4183},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٣]","level":2,"page":4184},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٤ الي ٥٦]","level":2,"page":4185},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٧ الي ٥٨]","level":2,"page":4186},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٩ الي ٦٠]","level":2,"page":4186},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦١]","level":2,"page":4187},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٢]","level":2,"page":4188},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٣]","level":2,"page":4189},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٤ الي ٦٦]","level":2,"page":4190},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٧ الي ٦٨]","level":2,"page":4191},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ الي ٧١]","level":2,"page":4191},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٢ الي ٧٣]","level":2,"page":4193},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٤]","level":2,"page":4194},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٥ الي ٧٧]","level":2,"page":4194},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٨]","level":2,"page":4196},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٩]","level":2,"page":4196},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٠]","level":2,"page":4197},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨١]","level":2,"page":4197},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٢]","level":2,"page":4198},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٣]","level":2,"page":4199},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٤]","level":2,"page":4199},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٥]","level":2,"page":4200},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٦]","level":2,"page":4201},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٧]","level":2,"page":4201},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٨ الي ٨٩]","level":2,"page":4202},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٠ الي ٩٣]","level":2,"page":4203},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٤ الي ٩٥]","level":2,"page":4205},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٦ الي ٩٨]","level":2,"page":4206},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٩ الي ١٠٢]","level":2,"page":4207},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٣ الي ١٠٤]","level":2,"page":4209},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ الي ١٠٦]","level":2,"page":4209},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٧ الي ١٠٨]","level":2,"page":4210},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٩ الي ١١٠]","level":2,"page":4211},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١١]","level":2,"page":4211},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٢ الي ١١٣]","level":2,"page":4212},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٤ الي ١١٥]","level":2,"page":4213},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٦]","level":2,"page":4214},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٧ الي ١١٨]","level":2,"page":4215},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٩ الي ١٢٠]","level":2,"page":4216},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢١ الي ١٢٢]","level":2,"page":4217},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٣ الي ١٢٤]","level":2,"page":4217},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٥ الي ١٢٧]","level":2,"page":4217},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٨ الي ١٣٠]","level":2,"page":4217},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٣١ الي ١٣٥]","level":2,"page":4219},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٣٦ الي ١٣٨]","level":2,"page":4221},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٣٩ الي ١٤٠]","level":2,"page":4222},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٢]","level":2,"page":4223},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٣ الي ١٤٥]","level":2,"page":4223},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٦ الي ١٤٩]","level":2,"page":4223},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٠ الي ١٥٢]","level":2,"page":4224},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٣ الي ١٥٤]","level":2,"page":4225},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٥]","level":2,"page":4227},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٦]","level":2,"page":4228},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٧]","level":2,"page":4228},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٨ الي ١٥٩]","level":2,"page":4229},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٠ الي ١٦١]","level":2,"page":4230},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٢ الي ١٦٤]","level":2,"page":4230},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٥]","level":2,"page":4230},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٦]","level":2,"page":4231},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٧]","level":2,"page":4231},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٨ الي ١٦٩]","level":2,"page":4232},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٠ الي ١٧٣]","level":2,"page":4233},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٤ الي ١٧٥]","level":2,"page":4235},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ الي ١٧٧]","level":2,"page":4235},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٨ الي ١٨٠]","level":2,"page":4236},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨١ الي ١٨٣]","level":2,"page":4236},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٤]","level":2,"page":4238},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٥ الي ١٨٦]","level":2,"page":4239},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٧]","level":2,"page":4240},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٨ الي ١٨٩]","level":2,"page":4241},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٠ الي ١٩١]","level":2,"page":4242},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ الي ١٩٦]","level":2,"page":4243},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٧]","level":2,"page":4245},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٨ الي ٢٠٢]","level":2,"page":4246},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٣ الي ٢٠٧]","level":2,"page":4249},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٨ الي ٢٠٩]","level":2,"page":4251},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٠ الي ٢١٢]","level":2,"page":4252},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٣]","level":2,"page":4253},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٤]","level":2,"page":4254},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٥]","level":2,"page":4255},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٦]","level":2,"page":4256},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٧ الي ٢٢٠]","level":2,"page":4257},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ الي ٢٢٣]","level":2,"page":4259},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢٤ الي ٢٢٦]","level":2,"page":4260},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]","level":2,"page":4264},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":4267},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١]","level":2,"page":4267},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢ الي ٣]","level":2,"page":4268},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤]","level":2,"page":4270},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥]","level":2,"page":4272},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦]","level":2,"page":4272},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧]","level":2,"page":4273},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨]","level":2,"page":4275},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩]","level":2,"page":4277},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٠]","level":2,"page":4278},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١١]","level":2,"page":4280},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٢]","level":2,"page":4281},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٣]","level":2,"page":4283},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٤]","level":2,"page":4283},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٥]","level":2,"page":4284},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٦]","level":2,"page":4286},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٧]","level":2,"page":4289},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٨]","level":2,"page":4291},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٩]","level":2,"page":4294},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٠]","level":2,"page":4296},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢١]","level":2,"page":4298},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٢]","level":2,"page":4300},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٣]","level":2,"page":4302},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٤]","level":2,"page":4303},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٥]","level":2,"page":4305},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٦]","level":2,"page":4306},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٧]","level":2,"page":4307},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٨]","level":2,"page":4308},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٩ الي ٣١]","level":2,"page":4310},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٢]","level":2,"page":4312},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٣]","level":2,"page":4312},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٤]","level":2,"page":4313},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٥]","level":2,"page":4315},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٦]","level":2,"page":4316},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٧]","level":2,"page":4318},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٨]","level":2,"page":4319},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٩]","level":2,"page":4320},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٠]","level":2,"page":4322},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤١]","level":2,"page":4325},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٢]","level":2,"page":4326},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٣]","level":2,"page":4327},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٤]","level":2,"page":4328},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٥]","level":2,"page":4331},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٦]","level":2,"page":4332},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٧]","level":2,"page":4333},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٨]","level":2,"page":4335},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٩]","level":2,"page":4336},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٠]","level":2,"page":4337},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥١]","level":2,"page":4339},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٢]","level":2,"page":4340},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٣]","level":2,"page":4341},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٤]","level":2,"page":4342},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٥]","level":2,"page":4343},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٦]","level":2,"page":4345},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٧]","level":2,"page":4347},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٨]","level":2,"page":4348},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٩]","level":2,"page":4348},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٠]","level":2,"page":4350},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦١]","level":2,"page":4352},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٢]","level":2,"page":4353},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٣]","level":2,"page":4355},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٤]","level":2,"page":4356},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٥]","level":2,"page":4358},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٦]","level":2,"page":4359},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٧]","level":2,"page":4361},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٨]","level":2,"page":4362},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٩]","level":2,"page":4363},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٠]","level":2,"page":4363},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧١]","level":2,"page":4364},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٢]","level":2,"page":4364},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٣]","level":2,"page":4365},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٤]","level":2,"page":4366},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٥]","level":2,"page":4366},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٦]","level":2,"page":4367},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٧ الي ٧٨]","level":2,"page":4368},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٩]","level":2,"page":4368},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٠]","level":2,"page":4369},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨١]","level":2,"page":4370},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]","level":2,"page":4371},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٣]","level":2,"page":4374},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٤]","level":2,"page":4375},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٥]","level":2,"page":4376},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٦]","level":2,"page":4376},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٧]","level":2,"page":4378},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٨]","level":2,"page":4380},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٩]","level":2,"page":4382},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٠]","level":2,"page":4383},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩١]","level":2,"page":4384},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٢]","level":2,"page":4385},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٣]","level":2,"page":4386},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":4388},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":4388},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣]","level":2,"page":4388},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤]","level":2,"page":4389},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥]","level":2,"page":4391},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦]","level":2,"page":4392},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧]","level":2,"page":4393},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨]","level":2,"page":4396},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٩]","level":2,"page":4398},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٠]","level":2,"page":4400},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١١]","level":2,"page":4401},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٢]","level":2,"page":4402},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٣]","level":2,"page":4403},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٤]","level":2,"page":4405},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٥]","level":2,"page":4406},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٦]","level":2,"page":4409},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٧]","level":2,"page":4410},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٨]","level":2,"page":4411},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٩]","level":2,"page":4413},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٠]","level":2,"page":4415},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢١]","level":2,"page":4416},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٢]","level":2,"page":4417},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٣]","level":2,"page":4419},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٤]","level":2,"page":4423},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٥]","level":2,"page":4425},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٦]","level":2,"page":4427},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٧]","level":2,"page":4429},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٨]","level":2,"page":4431},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٩]","level":2,"page":4432},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٠]","level":2,"page":4435},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣١]","level":2,"page":4436},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٢]","level":2,"page":4438},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٣]","level":2,"page":4440},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٤]","level":2,"page":4441},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٥]","level":2,"page":4442},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٦]","level":2,"page":4443},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٧]","level":2,"page":4444},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٨]","level":2,"page":4446},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٩]","level":2,"page":4448},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٠]","level":2,"page":4449},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤١]","level":2,"page":4450},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٢]","level":2,"page":4451},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]","level":2,"page":4452},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٤]","level":2,"page":4453},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٥]","level":2,"page":4454},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٦]","level":2,"page":4455},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٧]","level":2,"page":4457},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٨]","level":2,"page":4458},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٩]","level":2,"page":4460},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٠]","level":2,"page":4461},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥١]","level":2,"page":4462},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٢]","level":2,"page":4463},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٣]","level":2,"page":4464},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٤]","level":2,"page":4465},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٥]","level":2,"page":4466},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٦]","level":2,"page":4467},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٧]","level":2,"page":4469},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٨]","level":2,"page":4471},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٩]","level":2,"page":4472},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٠]","level":2,"page":4473},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦١]","level":2,"page":4475},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٢]","level":2,"page":4477},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٣]","level":2,"page":4478},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٤]","level":2,"page":4479},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٥]","level":2,"page":4480},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٦]","level":2,"page":4481},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٧]","level":2,"page":4482},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٨]","level":2,"page":4483},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٩]","level":2,"page":4486},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٠]","level":2,"page":4486},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧١]","level":2,"page":4487},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٢]","level":2,"page":4489},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٣]","level":2,"page":4489},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٤]","level":2,"page":4491},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٥]","level":2,"page":4491},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٦]","level":2,"page":4492},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٧]","level":2,"page":4494},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٨]","level":2,"page":4496},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٩]","level":2,"page":4498},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٠]","level":2,"page":4499},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨١]","level":2,"page":4501},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٢]","level":2,"page":4503},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٣]","level":2,"page":4506},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٤]","level":2,"page":4507},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٥]","level":2,"page":4508},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٦]","level":2,"page":4510},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٧]","level":2,"page":4511},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٨]","level":2,"page":4512},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":4514},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":4514},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣]","level":2,"page":4515},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤]","level":2,"page":4517},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥]","level":2,"page":4518},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦]","level":2,"page":4519},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٧]","level":2,"page":4520},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٨]","level":2,"page":4521},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٩]","level":2,"page":4524},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٠]","level":2,"page":4525},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١١]","level":2,"page":4527},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٢]","level":2,"page":4528},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٣]","level":2,"page":4530},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٤]","level":2,"page":4532},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٥]","level":2,"page":4535},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٦]","level":2,"page":4536},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٧]","level":2,"page":4537},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٨]","level":2,"page":4539},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٩]","level":2,"page":4541},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٠]","level":2,"page":4542},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢١]","level":2,"page":4543},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٢]","level":2,"page":4543},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٣]","level":2,"page":4545},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٤]","level":2,"page":4546},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٥]","level":2,"page":4548},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٦]","level":2,"page":4550},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٧]","level":2,"page":4551},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٨]","level":2,"page":4552},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٩]","level":2,"page":4555},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٠]","level":2,"page":4557},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣١]","level":2,"page":4557},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٢]","level":2,"page":4559},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٣]","level":2,"page":4560},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٤]","level":2,"page":4562},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٥]","level":2,"page":4563},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٦]","level":2,"page":4564},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٧]","level":2,"page":4566},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٨]","level":2,"page":4566},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٩]","level":2,"page":4568},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٠]","level":2,"page":4569},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤١]","level":2,"page":4571},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٢]","level":2,"page":4573},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٣]","level":2,"page":4574},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٤]","level":2,"page":4575},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٥]","level":2,"page":4576},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٦]","level":2,"page":4579},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٧]","level":2,"page":4581},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٨]","level":2,"page":4583},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٩]","level":2,"page":4584},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٠]","level":2,"page":4586},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥١]","level":2,"page":4586},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٢]","level":2,"page":4588},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٣]","level":2,"page":4589},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٤]","level":2,"page":4591},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٥]","level":2,"page":4591},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٦]","level":2,"page":4593},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٧]","level":2,"page":4594},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٨]","level":2,"page":4595},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٩]","level":2,"page":4597},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٠]","level":2,"page":4598},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦١]","level":2,"page":4599},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٢]","level":2,"page":4601},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٣]","level":2,"page":4602},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٤]","level":2,"page":4603},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٥]","level":2,"page":4605},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٦]","level":2,"page":4606},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٧]","level":2,"page":4607},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٨]","level":2,"page":4609},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٩]","level":2,"page":4610},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":4613},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":4613},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤]","level":2,"page":4617},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥]","level":2,"page":4618},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٦]","level":2,"page":4619},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٧]","level":2,"page":4620},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٨]","level":2,"page":4621},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٩]","level":2,"page":4623},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٠]","level":2,"page":4625},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١١]","level":2,"page":4626},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٢]","level":2,"page":4627},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٣]","level":2,"page":4628},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٤]","level":2,"page":4629},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٥]","level":2,"page":4630},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٦]","level":2,"page":4632},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٧ الي ١٨]","level":2,"page":4632},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٩]","level":2,"page":4635},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٠]","level":2,"page":4637},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢١]","level":2,"page":4639},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٢]","level":2,"page":4640},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٣]","level":2,"page":4642},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٤]","level":2,"page":4643},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٥]","level":2,"page":4646},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٦]","level":2,"page":4648},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٧]","level":2,"page":4649},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٨]","level":2,"page":4651},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٩]","level":2,"page":4653},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٠]","level":2,"page":4654},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣١]","level":2,"page":4658},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٢]","level":2,"page":4659},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٣]","level":2,"page":4661},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٤]","level":2,"page":4663},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٥]","level":2,"page":4665},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٦]","level":2,"page":4666},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٧]","level":2,"page":4668},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٨]","level":2,"page":4669},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٩]","level":2,"page":4671},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٠]","level":2,"page":4673},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤١]","level":2,"page":4675},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٢]","level":2,"page":4677},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٣]","level":2,"page":4678},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٤]","level":2,"page":4679},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٥]","level":2,"page":4680},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٦]","level":2,"page":4681},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٧]","level":2,"page":4683},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٨]","level":2,"page":4686},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٩]","level":2,"page":4689},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٠]","level":2,"page":4690},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥١]","level":2,"page":4691},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٢]","level":2,"page":4693},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٣]","level":2,"page":4694},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]","level":2,"page":4695},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٥]","level":2,"page":4696},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٦]","level":2,"page":4697},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٧]","level":2,"page":4699},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٨]","level":2,"page":4700},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٩]","level":2,"page":4702},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٦٠]","level":2,"page":4702},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":4704},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":4704},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٤]","level":2,"page":4705},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٥]","level":2,"page":4706},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٦]","level":2,"page":4707},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٧]","level":2,"page":4709},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٨]","level":2,"page":4711},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٩]","level":2,"page":4711},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٠]","level":2,"page":4712},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١١]","level":2,"page":4715},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]","level":2,"page":4716},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٣]","level":2,"page":4719},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٤]","level":2,"page":4721},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٥]","level":2,"page":4724},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٦]","level":2,"page":4726},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٧]","level":2,"page":4729},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٨]","level":2,"page":4730},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٩]","level":2,"page":4732},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٠]","level":2,"page":4735},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢١]","level":2,"page":4737},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٢]","level":2,"page":4739},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٣]","level":2,"page":4740},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٤]","level":2,"page":4741},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٥]","level":2,"page":4742},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٦]","level":2,"page":4743},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٧]","level":2,"page":4744},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٨]","level":2,"page":4746},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٩]","level":2,"page":4746},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٠]","level":2,"page":4748},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣١]","level":2,"page":4750},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٢]","level":2,"page":4751},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٣]","level":2,"page":4753},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]","level":2,"page":4756},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":4760},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":4763},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٣]","level":2,"page":4764},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٤]","level":2,"page":4766},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٥]","level":2,"page":4768},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٦]","level":2,"page":4771},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٧]","level":2,"page":4771},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٨]","level":2,"page":4772},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٩]","level":2,"page":4773},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٠]","level":2,"page":4775},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١١]","level":2,"page":4776},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٢]","level":2,"page":4778},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٣]","level":2,"page":4780},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٤]","level":2,"page":4782},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٥]","level":2,"page":4784},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٦]","level":2,"page":4785},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٧]","level":2,"page":4789},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٨]","level":2,"page":4791},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٩]","level":2,"page":4792},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٠]","level":2,"page":4793},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢١]","level":2,"page":4795},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٢]","level":2,"page":4796},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٣]","level":2,"page":4797},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٤]","level":2,"page":4799},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٥]","level":2,"page":4801},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٦]","level":2,"page":4802},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٧]","level":2,"page":4803},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٨]","level":2,"page":4804},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٩]","level":2,"page":4805},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٣٠]","level":2,"page":4806},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":4808},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١]","level":2,"page":4809},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢]","level":2,"page":4812},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣]","level":2,"page":4813},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤]","level":2,"page":4813},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥]","level":2,"page":4818},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]","level":2,"page":4820},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧]","level":2,"page":4822},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٨]","level":2,"page":4824},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٩]","level":2,"page":4824},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٠]","level":2,"page":4828},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١١]","level":2,"page":4829},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٢]","level":2,"page":4830},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٣]","level":2,"page":4831},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٤]","level":2,"page":4833},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٥]","level":2,"page":4834},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٦]","level":2,"page":4835},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٧]","level":2,"page":4837},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٨]","level":2,"page":4838},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٩]","level":2,"page":4840},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]","level":2,"page":4843},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢١]","level":2,"page":4844},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٢]","level":2,"page":4845},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٣]","level":2,"page":4847},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٤]","level":2,"page":4849},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٥]","level":2,"page":4850},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٦]","level":2,"page":4852},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٧]","level":2,"page":4853},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٨]","level":2,"page":4854},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٩]","level":2,"page":4856},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٠]","level":2,"page":4858},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣١]","level":2,"page":4860},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٢]","level":2,"page":4861},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٣]","level":2,"page":4863},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٤]","level":2,"page":4865},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]","level":2,"page":4867},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]","level":2,"page":4870},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]","level":2,"page":4872},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٨]","level":2,"page":4877},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٩]","level":2,"page":4878},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٠]","level":2,"page":4879},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤١]","level":2,"page":4880},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٢]","level":2,"page":4881},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٣]","level":2,"page":4883},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٤]","level":2,"page":4885},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٥]","level":2,"page":4885},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٦]","level":2,"page":4886},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٧]","level":2,"page":4887},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٨]","level":2,"page":4887},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٩]","level":2,"page":4889},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٠]","level":2,"page":4891},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]","level":2,"page":4896},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]","level":2,"page":4899},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٣]","level":2,"page":4901},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٤]","level":2,"page":4906},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٥]","level":2,"page":4907},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]","level":2,"page":4909},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٧]","level":2,"page":4911},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٨]","level":2,"page":4912},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٩]","level":2,"page":4913},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٠]","level":2,"page":4916},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦١]","level":2,"page":4918},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٢]","level":2,"page":4919},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٣]","level":2,"page":4920},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٤]","level":2,"page":4922},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٥]","level":2,"page":4923},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٦]","level":2,"page":4924},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٧]","level":2,"page":4925},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٨]","level":2,"page":4926},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]","level":2,"page":4927},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٠]","level":2,"page":4929},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧١]","level":2,"page":4930},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٢]","level":2,"page":4931},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٣]","level":2,"page":4934},{"title":"سورة سبإ","level":1,"page":4936},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١]","level":2,"page":4936},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢]","level":2,"page":4937},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣]","level":2,"page":4938},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤]","level":2,"page":4941},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥]","level":2,"page":4941},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٦]","level":2,"page":4942},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٧]","level":2,"page":4943},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٨]","level":2,"page":4944},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٩]","level":2,"page":4946},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٠]","level":2,"page":4947},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١١]","level":2,"page":4950},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٢]","level":2,"page":4951},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٣]","level":2,"page":4953},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٤]","level":2,"page":4957},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٥]","level":2,"page":4959},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٦]","level":2,"page":4961},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٧]","level":2,"page":4963},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٨]","level":2,"page":4964},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٩]","level":2,"page":4965},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٠]","level":2,"page":4967},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢١]","level":2,"page":4968},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٢]","level":2,"page":4969},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٣]","level":2,"page":4971},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٤]","level":2,"page":4974},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٥]","level":2,"page":4976},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٦]","level":2,"page":4976},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٧]","level":2,"page":4978},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٨]","level":2,"page":4980},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٩]","level":2,"page":4981},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٠]","level":2,"page":4982},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣١]","level":2,"page":4983},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٢]","level":2,"page":4985},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٣]","level":2,"page":4986},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٤]","level":2,"page":4990},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٥]","level":2,"page":4991},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٦]","level":2,"page":4992},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٧]","level":2,"page":4993},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٨]","level":2,"page":4995},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٩]","level":2,"page":4996},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٠]","level":2,"page":4998},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤١]","level":2,"page":4999},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٢]","level":2,"page":5000},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٣]","level":2,"page":5001},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٤]","level":2,"page":5003},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٥]","level":2,"page":5004},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٦]","level":2,"page":5005},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٧]","level":2,"page":5007},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٨]","level":2,"page":5008},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٩]","level":2,"page":5008},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٠]","level":2,"page":5009},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥١]","level":2,"page":5011},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٢]","level":2,"page":5012},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٣]","level":2,"page":5013},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٤]","level":2,"page":5014},{"title":"سورة فاطر","level":1,"page":5017},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١]","level":2,"page":5017},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]","level":2,"page":5020},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣]","level":2,"page":5022},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤]","level":2,"page":5023},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٥]","level":2,"page":5024},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٦]","level":2,"page":5025},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٧]","level":2,"page":5026},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٨]","level":2,"page":5026},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٩]","level":2,"page":5029},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٠]","level":2,"page":5031},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١١]","level":2,"page":5035},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٢]","level":2,"page":5037},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٣]","level":2,"page":5039},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٤]","level":2,"page":5041},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٥]","level":2,"page":5042},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٦ الي ١٧]","level":2,"page":5043},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٨]","level":2,"page":5044},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ الي ٢١]","level":2,"page":5048},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٢]","level":2,"page":5049},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٣ الي ٢٤]","level":2,"page":5051},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٥]","level":2,"page":5052},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٦]","level":2,"page":5053},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٧]","level":2,"page":5053},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٨]","level":2,"page":5055},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٩]","level":2,"page":5057},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٠]","level":2,"page":5059},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣١]","level":2,"page":5060},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٢]","level":2,"page":5061},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٣]","level":2,"page":5064},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٤]","level":2,"page":5065},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٥]","level":2,"page":5066},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٦]","level":2,"page":5067},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٧]","level":2,"page":5068},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٨]","level":2,"page":5071},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٩]","level":2,"page":5072},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٠]","level":2,"page":5073},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤١]","level":2,"page":5075},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٢]","level":2,"page":5076},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٣]","level":2,"page":5078},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٤]","level":2,"page":5080},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٥]","level":2,"page":5081},{"title":"سورة يس","level":1,"page":5084},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١]","level":2,"page":5085},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢ الي ٤]","level":2,"page":5085},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥ الي ٦]","level":2,"page":5087},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧]","level":2,"page":5088},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨]","level":2,"page":5088},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٩]","level":2,"page":5090},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٠]","level":2,"page":5091},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١١]","level":2,"page":5092},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٢]","level":2,"page":5093},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٣]","level":2,"page":5095},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٤]","level":2,"page":5096},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٥]","level":2,"page":5098},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٦]","level":2,"page":5099},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٨]","level":2,"page":5100},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٩]","level":2,"page":5101},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٠]","level":2,"page":5102},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢١]","level":2,"page":5103},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٢]","level":2,"page":5104},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٣]","level":2,"page":5105},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٤ الي ٢٥]","level":2,"page":5105},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٦ الي ٢٧]","level":2,"page":5106},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٨]","level":2,"page":5109},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٩]","level":2,"page":5110},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٠]","level":2,"page":5111},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣١]","level":2,"page":5113},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٢]","level":2,"page":5114},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٣]","level":2,"page":5114},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٤]","level":2,"page":5115},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٥]","level":2,"page":5117},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٦]","level":2,"page":5118},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٧]","level":2,"page":5119},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٨]","level":2,"page":5120},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٩]","level":2,"page":5122},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٠]","level":2,"page":5124},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤١]","level":2,"page":5125},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٢]","level":2,"page":5126},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٣]","level":2,"page":5127},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٤]","level":2,"page":5128},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٥]","level":2,"page":5129},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٦]","level":2,"page":5130},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٧]","level":2,"page":5131},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٨]","level":2,"page":5132},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٩]","level":2,"page":5133},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٠]","level":2,"page":5134},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥١]","level":2,"page":5134},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٢]","level":2,"page":5135},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٣]","level":2,"page":5137},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٤]","level":2,"page":5138},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٥]","level":2,"page":5138},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٦]","level":2,"page":5139},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٧]","level":2,"page":5140},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٨]","level":2,"page":5141},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٩]","level":2,"page":5142},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٠]","level":2,"page":5143},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦١]","level":2,"page":5144},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٢]","level":2,"page":5145},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٣ الي ٦٤]","level":2,"page":5146},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٥]","level":2,"page":5147},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٦]","level":2,"page":5148},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٧]","level":2,"page":5149},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٨]","level":2,"page":5150},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٩]","level":2,"page":5151},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٠]","level":2,"page":5152},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧١]","level":2,"page":5153},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٢]","level":2,"page":5154},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٣]","level":2,"page":5155},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٤]","level":2,"page":5156},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٥]","level":2,"page":5156},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٦]","level":2,"page":5157},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٧]","level":2,"page":5158},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٨]","level":2,"page":5159},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٩]","level":2,"page":5160},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٠]","level":2,"page":5161},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨١]","level":2,"page":5162},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٢]","level":2,"page":5163},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٣]","level":2,"page":5164},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":5166},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":5166},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦ الي ٧]","level":2,"page":5168},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨ الي ٩]","level":2,"page":5169},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠]","level":2,"page":5171},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١]","level":2,"page":5172},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢ الي ١٥]","level":2,"page":5173},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦]","level":2,"page":5175},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧ الي ١٩]","level":2,"page":5176},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٠]","level":2,"page":5177},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢١]","level":2,"page":5178},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٢]","level":2,"page":5179},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٣ الي ٢٦]","level":2,"page":5180},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٧]","level":2,"page":5181},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٨]","level":2,"page":5181},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٩ الي ٣٢]","level":2,"page":5182},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٣ الي ٣٤]","level":2,"page":5185},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٥]","level":2,"page":5186},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٦]","level":2,"page":5187},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٧ الي ٤٠]","level":2,"page":5188},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤١ الي ٤٧]","level":2,"page":5189},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٨ الي ٥٠]","level":2,"page":5192},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥١ الي ٥٣]","level":2,"page":5194},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٤ الي ٥٥]","level":2,"page":5195},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٦ الي ٥٧]","level":2,"page":5197},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٨ الي ٦١]","level":2,"page":5198},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٢ الي ٦٥]","level":2,"page":5199},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٦ الي ٦٨]","level":2,"page":5202},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٩ الي ٧١]","level":2,"page":5204},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٢ الي ٧٤]","level":2,"page":5206},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٥ الي ٧٨]","level":2,"page":5207},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٩ الي ٨٢]","level":2,"page":5209},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٣ الي ٨٤]","level":2,"page":5210},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٥]","level":2,"page":5212},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٦ الي ٩٠]","level":2,"page":5212},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩١ الي ٩٦]","level":2,"page":5215},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٧ الي ٩٨]","level":2,"page":5218},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٩ الي ١٠١]","level":2,"page":5219},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٢]","level":2,"page":5222},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٣ الي ١٠٧]","level":2,"page":5226},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٨ الي ١١١]","level":2,"page":5229},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٢ الي ١١٣]","level":2,"page":5230},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٤ الي ١١٨]","level":2,"page":5232},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٩ الي ١٢٢]","level":2,"page":5233},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٣ الي ١٢٨]","level":2,"page":5233},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٩ الي ١٣٢]","level":2,"page":5237},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٣ الي ١٣٨]","level":2,"page":5237},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ الي ١٤٤]","level":2,"page":5240},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٥ الي ١٤٨]","level":2,"page":5243},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٩ الي ١٥٣]","level":2,"page":5247},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٤ الي ١٥٧]","level":2,"page":5249},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٨ الي ١٦٠]","level":2,"page":5251},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ الي ١٦٣]","level":2,"page":5253},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٤ الي ١٦٦]","level":2,"page":5255},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٧ الي ١٧٠]","level":2,"page":5257},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧١ الي ١٧٣]","level":2,"page":5258},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧٤ الي ١٧٦]","level":2,"page":5260},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧٧ الي ١٧٩]","level":2,"page":5261},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٨٠ الي ١٨٢]","level":2,"page":5263},{"title":"سورة ص","level":1,"page":5266},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١]","level":2,"page":5266},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١]","level":2,"page":5266},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢]","level":2,"page":5267},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣]","level":2,"page":5268},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤]","level":2,"page":5271},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥]","level":2,"page":5271},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦]","level":2,"page":5272},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧]","level":2,"page":5273},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨]","level":2,"page":5274},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٩]","level":2,"page":5275},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٠]","level":2,"page":5275},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١١]","level":2,"page":5276},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٢ الي ١٤]","level":2,"page":5277},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٥]","level":2,"page":5279},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٦]","level":2,"page":5280},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٧]","level":2,"page":5281},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٨ الي ١٩]","level":2,"page":5283},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٠]","level":2,"page":5285},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢١]","level":2,"page":5286},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٢]","level":2,"page":5287},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٣]","level":2,"page":5289},{"title":"فائدة","level":3,"page":5290},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٤]","level":2,"page":5291},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٥]","level":2,"page":5294},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٦]","level":2,"page":5295},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٧]","level":2,"page":5298},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٨]","level":2,"page":5299},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٩]","level":2,"page":5300},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٠]","level":2,"page":5302},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣١]","level":2,"page":5302},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٢]","level":2,"page":5303},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٣]","level":2,"page":5305},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٤]","level":2,"page":5307},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٥]","level":2,"page":5309},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٦]","level":2,"page":5310},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٧ الي ٣٨]","level":2,"page":5311},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٩ الي ٤٠]","level":2,"page":5312},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤١]","level":2,"page":5313},{"title":"فائدة","level":3,"page":5313},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٢]","level":2,"page":5315},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٣]","level":2,"page":5316},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٤]","level":2,"page":5316},{"title":"فائدة","level":2,"page":5319},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٥ الي ٤٧]","level":2,"page":5321},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٨]","level":2,"page":5323},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٩ الي ٥١]","level":2,"page":5325},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٢ الي ٥٤]","level":2,"page":5327},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٥ الي ٥٨]","level":2,"page":5329},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٩]","level":2,"page":5332},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٠]","level":2,"page":5333},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦١]","level":2,"page":5334},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٢]","level":2,"page":5334},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٣]","level":2,"page":5335},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٤]","level":2,"page":5336},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٥]","level":2,"page":5337},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٦]","level":2,"page":5337},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٧ الي ٧٠]","level":2,"page":5338},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧١]","level":2,"page":5340},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٢]","level":2,"page":5342},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٣ الي ٧٤]","level":2,"page":5342},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٥]","level":2,"page":5343},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٦]","level":2,"page":5344},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٧ الي ٧٨]","level":2,"page":5346},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٩ الي ٨١]","level":2,"page":5348},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٢ الي ٨٣]","level":2,"page":5349},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٤ الي ٨٥]","level":2,"page":5350},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٦ الي ٨٨]","level":2,"page":5352},{"title":"خاتمة","level":2,"page":5353},{"title":"سورة الزمر","level":1,"page":5355},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١]","level":2,"page":5355},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢]","level":2,"page":5356},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣]","level":2,"page":5357},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤]","level":2,"page":5360},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥]","level":2,"page":5361},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦]","level":2,"page":5363},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧]","level":2,"page":5367},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٨]","level":2,"page":5371},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]","level":2,"page":5373},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٠]","level":2,"page":5376},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١١ الي ١٢]","level":2,"page":5379},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٣ الي ١٤]","level":2,"page":5380},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٥]","level":2,"page":5381},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٦]","level":2,"page":5382},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٧]","level":2,"page":5383},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٨]","level":2,"page":5385},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٩]","level":2,"page":5386},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٠]","level":2,"page":5387},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢١]","level":2,"page":5388},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]","level":2,"page":5390},{"title":"خاتمه","level":3,"page":5392},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]","level":2,"page":5393},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٤]","level":2,"page":5396},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٥]","level":2,"page":5397},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٦]","level":2,"page":5398},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٧]","level":2,"page":5399},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٨]","level":2,"page":5400},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٩]","level":2,"page":5401},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٠]","level":2,"page":5403},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣١]","level":2,"page":5404},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٢]","level":2,"page":5405},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٣]","level":2,"page":5406},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٤]","level":2,"page":5407},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٥]","level":2,"page":5408},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٦]","level":2,"page":5409},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٧]","level":2,"page":5410},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٨]","level":2,"page":5411},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٩]","level":2,"page":5414},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٠]","level":2,"page":5415},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤١]","level":2,"page":5416},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٢]","level":2,"page":5417},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٣]","level":2,"page":5420},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٤]","level":2,"page":5421},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٥]","level":2,"page":5422},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٦]","level":2,"page":5424},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٧]","level":2,"page":5426},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٨]","level":2,"page":5427},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٩]","level":2,"page":5428},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٠]","level":2,"page":5430},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥١]","level":2,"page":5431},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٢]","level":2,"page":5432},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٣]","level":2,"page":5433},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٤]","level":2,"page":5436},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٥]","level":2,"page":5437},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٦]","level":2,"page":5438},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٧]","level":2,"page":5439},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٨]","level":2,"page":5440},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٩]","level":2,"page":5441},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٠]","level":2,"page":5442},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦١]","level":2,"page":5443},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٢]","level":2,"page":5444},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٣]","level":2,"page":5444},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٤]","level":2,"page":5445},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٥]","level":2,"page":5447},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٦]","level":2,"page":5448},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٧]","level":2,"page":5449},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٨]","level":2,"page":5452},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٩]","level":2,"page":5453},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٠]","level":2,"page":5454},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧١]","level":2,"page":5455},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٢]","level":2,"page":5457},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٣]","level":2,"page":5458},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٤]","level":2,"page":5461},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]","level":2,"page":5463},{"title":"سورة غافر","level":1,"page":5465},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١]","level":2,"page":5466},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢]","level":2,"page":5467},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣]","level":2,"page":5467},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤]","level":2,"page":5469},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥]","level":2,"page":5470},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦]","level":2,"page":5471},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧]","level":2,"page":5472},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨]","level":2,"page":5474},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٩]","level":2,"page":5476},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٠]","level":2,"page":5477},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١١]","level":2,"page":5478},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٢]","level":2,"page":5480},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٣]","level":2,"page":5481},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٤]","level":2,"page":5482},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٥]","level":2,"page":5482},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٦]","level":2,"page":5484},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٧]","level":2,"page":5486},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٨]","level":2,"page":5486},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٩]","level":2,"page":5488},{"title":"فائدة","level":3,"page":5488},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٠]","level":2,"page":5489},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢١]","level":2,"page":5490},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٢]","level":2,"page":5492},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٣]","level":2,"page":5493},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٤]","level":2,"page":5494},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٥]","level":2,"page":5494},{"title":"فائدة","level":3,"page":5495},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٦]","level":2,"page":5496},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٧]","level":2,"page":5497},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٨]","level":2,"page":5498},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٩]","level":2,"page":5502},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٠]","level":2,"page":5504},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣١]","level":2,"page":5505},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٢]","level":2,"page":5505},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٣]","level":2,"page":5506},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٤]","level":2,"page":5507},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٥]","level":2,"page":5509},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٦]","level":2,"page":5511},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٧]","level":2,"page":5512},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٨]","level":2,"page":5514},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٩]","level":2,"page":5515},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٠]","level":2,"page":5516},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤١]","level":2,"page":5517},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٢]","level":2,"page":5518},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٣]","level":2,"page":5518},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٤]","level":2,"page":5520},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٥]","level":2,"page":5521},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٦]","level":2,"page":5522},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٧]","level":2,"page":5523},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٨]","level":2,"page":5525},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٩]","level":2,"page":5525},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٠]","level":2,"page":5526},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥١]","level":2,"page":5528},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٢]","level":2,"page":5529},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٣ الي ٥٤]","level":2,"page":5530},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٥]","level":2,"page":5531},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٦]","level":2,"page":5533},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٧]","level":2,"page":5534},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٨]","level":2,"page":5535},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٩]","level":2,"page":5537},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]","level":2,"page":5537},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦١]","level":2,"page":5540},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٢]","level":2,"page":5542},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٣]","level":2,"page":5543},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٤]","level":2,"page":5543},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٥]","level":2,"page":5545},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٦]","level":2,"page":5545},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٧]","level":2,"page":5547},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٨]","level":2,"page":5549},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٩]","level":2,"page":5551},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٠]","level":2,"page":5551},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧١ الي ٧٢]","level":2,"page":5552},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٣ الي ٧٤]","level":2,"page":5554},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٥]","level":2,"page":5555},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٦]","level":2,"page":5556},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٧]","level":2,"page":5556},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٨]","level":2,"page":5558},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٩]","level":2,"page":5561},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٠]","level":2,"page":5562},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨١]","level":2,"page":5563},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٢]","level":2,"page":5563},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٣]","level":2,"page":5564},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٤]","level":2,"page":5566},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٥]","level":2,"page":5567},{"title":"سورة فصلت","level":1,"page":5570},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":5570},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣]","level":2,"page":5571},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤]","level":2,"page":5572},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥]","level":2,"page":5572},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٦]","level":2,"page":5574},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٧]","level":2,"page":5575},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٨]","level":2,"page":5576},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٩]","level":2,"page":5577},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٠]","level":2,"page":5578},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١١]","level":2,"page":5580},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٢]","level":2,"page":5582},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٣]","level":2,"page":5584},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٤]","level":2,"page":5586},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٥]","level":2,"page":5588},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٦]","level":2,"page":5589},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٧]","level":2,"page":5591},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٨]","level":2,"page":5593},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٩]","level":2,"page":5593},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٠]","level":2,"page":5594},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢١]","level":2,"page":5595},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٢]","level":2,"page":5597},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٣]","level":2,"page":5598},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٤]","level":2,"page":5600},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٥]","level":2,"page":5602},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٦]","level":2,"page":5604},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٧]","level":2,"page":5605},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٨]","level":2,"page":5606},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٩]","level":2,"page":5607},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٠]","level":2,"page":5608},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣١ الي ٣٢]","level":2,"page":5610},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٣]","level":2,"page":5612},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٤]","level":2,"page":5613},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٥]","level":2,"page":5615},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٦]","level":2,"page":5616},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٧]","level":2,"page":5618},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٨]","level":2,"page":5619},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٩]","level":2,"page":5620},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٠]","level":2,"page":5622},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤١]","level":2,"page":5624},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٢]","level":2,"page":5624},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٣]","level":2,"page":5625},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٤]","level":2,"page":5626},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٥]","level":2,"page":5629},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٦]","level":2,"page":5630},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٧]","level":2,"page":5631},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٨]","level":2,"page":5633},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٩]","level":2,"page":5634},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٠]","level":2,"page":5635},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥١]","level":2,"page":5637},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٢]","level":2,"page":5638},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٣]","level":2,"page":5639},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٤]","level":2,"page":5641},{"title":"سورة الشورى","level":1,"page":5643},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":5643},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣]","level":2,"page":5644},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤]","level":2,"page":5645},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥]","level":2,"page":5645},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٦]","level":2,"page":5647},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٧]","level":2,"page":5648},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٨]","level":2,"page":5651},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٩]","level":2,"page":5653},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٠]","level":2,"page":5654},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١١]","level":2,"page":5656},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٢]","level":2,"page":5658},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٣]","level":2,"page":5660},{"title":"فائدة","level":3,"page":5661},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٤]","level":2,"page":5663},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٥]","level":2,"page":5665},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٦]","level":2,"page":5668},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٧]","level":2,"page":5669},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٨]","level":2,"page":5672},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٩]","level":2,"page":5673},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٠]","level":2,"page":5674},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢١]","level":2,"page":5676},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٢]","level":2,"page":5677},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٣]","level":2,"page":5679},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٤]","level":2,"page":5682},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٥]","level":2,"page":5684},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٦]","level":2,"page":5685},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٧]","level":2,"page":5686},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٨]","level":2,"page":5687},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٩]","level":2,"page":5688},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٠]","level":2,"page":5690},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣١]","level":2,"page":5692},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٢]","level":2,"page":5693},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٣]","level":2,"page":5694},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٤]","level":2,"page":5695},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٥]","level":2,"page":5696},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٦]","level":2,"page":5697},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٧]","level":2,"page":5698},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٨]","level":2,"page":5699},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٩]","level":2,"page":5701},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٠]","level":2,"page":5703},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤١]","level":2,"page":5705},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٢]","level":2,"page":5706},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٣]","level":2,"page":5707},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٤]","level":2,"page":5709},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٥]","level":2,"page":5710},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٦]","level":2,"page":5712},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٧]","level":2,"page":5713},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٨]","level":2,"page":5714},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٩]","level":2,"page":5716},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥٠]","level":2,"page":5717},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥١]","level":2,"page":5718},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥٢]","level":2,"page":5720},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥٣]","level":2,"page":5722},{"title":"فائدة","level":3,"page":5722},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":5724},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":5724},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣]","level":2,"page":5725},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤]","level":2,"page":5726},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥]","level":2,"page":5727},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦]","level":2,"page":5728},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧]","level":2,"page":5729},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨]","level":2,"page":5729},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٩]","level":2,"page":5730},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٠]","level":2,"page":5731},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١١]","level":2,"page":5732},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٢]","level":2,"page":5733},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٣]","level":2,"page":5734},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٤]","level":2,"page":5736},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٥]","level":2,"page":5737},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٦]","level":2,"page":5738},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٧]","level":2,"page":5739},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٨]","level":2,"page":5741},{"title":"فائدة","level":3,"page":5741},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٩]","level":2,"page":5742},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٠]","level":2,"page":5743},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢١]","level":2,"page":5745},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٢]","level":2,"page":5746},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٣]","level":2,"page":5746},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٤]","level":2,"page":5747},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٥]","level":2,"page":5748},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٦]","level":2,"page":5749},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٧]","level":2,"page":5750},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٨]","level":2,"page":5751},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٩]","level":2,"page":5752},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٠]","level":2,"page":5753},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣١]","level":2,"page":5753},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٢]","level":2,"page":5754},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٣ الي ٣٤]","level":2,"page":5757},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٥]","level":2,"page":5758},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٦]","level":2,"page":5760},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٧]","level":2,"page":5762},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٨]","level":2,"page":5763},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٩]","level":2,"page":5764},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٠]","level":2,"page":5765},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤١]","level":2,"page":5766},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٢]","level":2,"page":5767},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٣]","level":2,"page":5767},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٤]","level":2,"page":5768},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٥]","level":2,"page":5769},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٦]","level":2,"page":5770},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٧]","level":2,"page":5772},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٨]","level":2,"page":5773},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٩]","level":2,"page":5775},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٠]","level":2,"page":5776},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥١]","level":2,"page":5776},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٢]","level":2,"page":5778},{"title":"فائدة","level":3,"page":5779},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٣]","level":2,"page":5781},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٤]","level":2,"page":5781},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٥]","level":2,"page":5782},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٦]","level":2,"page":5783},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٧]","level":2,"page":5783},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٨]","level":2,"page":5784},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٩]","level":2,"page":5785},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٠]","level":2,"page":5786},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦١]","level":2,"page":5787},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٢]","level":2,"page":5790},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٣]","level":2,"page":5790},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٤]","level":2,"page":5792},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٥]","level":2,"page":5792},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٦]","level":2,"page":5794},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٧]","level":2,"page":5795},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٨]","level":2,"page":5797},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٩]","level":2,"page":5798},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٠]","level":2,"page":5799},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧١]","level":2,"page":5800},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٢]","level":2,"page":5802},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٣]","level":2,"page":5804},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٤]","level":2,"page":5804},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٥]","level":2,"page":5805},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٦]","level":2,"page":5806},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٧]","level":2,"page":5806},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٨]","level":2,"page":5808},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٩]","level":2,"page":5808},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٠]","level":2,"page":5809},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨١]","level":2,"page":5810},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٢]","level":2,"page":5811},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٣]","level":2,"page":5812},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٤]","level":2,"page":5812},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٥]","level":2,"page":5813},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٦]","level":2,"page":5814},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٧]","level":2,"page":5815},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٨]","level":2,"page":5816},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٩]","level":2,"page":5817},{"title":"سورة الدخان","level":1,"page":5818},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":5818},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣]","level":2,"page":5818},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤]","level":2,"page":5820},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥]","level":2,"page":5820},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٦]","level":2,"page":5821},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٧]","level":2,"page":5821},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٨]","level":2,"page":5822},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٩]","level":2,"page":5823},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٠]","level":2,"page":5823},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١١]","level":2,"page":5825},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٢]","level":2,"page":5825},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٣]","level":2,"page":5826},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٤]","level":2,"page":5826},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٥]","level":2,"page":5827},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٦]","level":2,"page":5828},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٧]","level":2,"page":5828},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٨]","level":2,"page":5829},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٩]","level":2,"page":5829},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٠]","level":2,"page":5830},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢١]","level":2,"page":5831},{"title":"فائدة","level":3,"page":5831},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٢]","level":2,"page":5831},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٣]","level":2,"page":5832},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٤]","level":2,"page":5833},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٥ الي ٢٧]","level":2,"page":5834},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٨]","level":2,"page":5835},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٩]","level":2,"page":5836},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٠]","level":2,"page":5837},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣١]","level":2,"page":5838},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٢]","level":2,"page":5838},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٣]","level":2,"page":5839},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ الي ٣٦]","level":2,"page":5839},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٧]","level":2,"page":5841},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٨]","level":2,"page":5843},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٩]","level":2,"page":5843},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٠]","level":2,"page":5844},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤١]","level":2,"page":5845},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٢]","level":2,"page":5845},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ الي ٤٦]","level":2,"page":5846},{"title":"خاتمة","level":3,"page":5847},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٧]","level":2,"page":5847},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٨]","level":2,"page":5848},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٩]","level":2,"page":5848},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٠]","level":2,"page":5849},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ الي ٥٢]","level":2,"page":5850},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٣]","level":2,"page":5851},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٤]","level":2,"page":5851},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٥]","level":2,"page":5852},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٦]","level":2,"page":5852},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٨]","level":2,"page":5854},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٨]","level":2,"page":5854},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٩]","level":2,"page":5855},{"title":"سورة الجاثية","level":1,"page":5856},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":5856},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣]","level":2,"page":5856},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٤]","level":2,"page":5857},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٥]","level":2,"page":5858},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٦]","level":2,"page":5859},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٧ الي ٨]","level":2,"page":5860},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٩]","level":2,"page":5862},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٠]","level":2,"page":5862},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١١]","level":2,"page":5864},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٢]","level":2,"page":5865},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٣]","level":2,"page":5867},{"title":"فائدة","level":3,"page":5867},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٤]","level":2,"page":5868},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٥]","level":2,"page":5870},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٦]","level":2,"page":5871},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٧]","level":2,"page":5872},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٨]","level":2,"page":5873},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٩]","level":2,"page":5875},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٠]","level":2,"page":5876},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢١]","level":2,"page":5876},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٢]","level":2,"page":5878},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٣]","level":2,"page":5879},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٤]","level":2,"page":5881},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٥]","level":2,"page":5883},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٦]","level":2,"page":5884},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٧]","level":2,"page":5885},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٨]","level":2,"page":5886},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٩]","level":2,"page":5887},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٠]","level":2,"page":5888},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣١]","level":2,"page":5889},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٢]","level":2,"page":5890},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٣]","level":2,"page":5892},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٤]","level":2,"page":5892},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٥]","level":2,"page":5894},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٦]","level":2,"page":5895},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٧]","level":2,"page":5897},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":5899},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":5899},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣]","level":2,"page":5900},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٤]","level":2,"page":5901},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٥]","level":2,"page":5903},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٦]","level":2,"page":5904},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٧]","level":2,"page":5905},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٨]","level":2,"page":5905},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٩]","level":2,"page":5907},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٠]","level":2,"page":5909},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١١]","level":2,"page":5911},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٢]","level":2,"page":5913},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٣]","level":2,"page":5915},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٤]","level":2,"page":5915},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٥]","level":2,"page":5916},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٦]","level":2,"page":5922},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٧]","level":2,"page":5923},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٨]","level":2,"page":5927},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٩]","level":2,"page":5928},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٠]","level":2,"page":5929},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢١]","level":2,"page":5932},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٢]","level":2,"page":5934},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٣]","level":2,"page":5936},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٤]","level":2,"page":5937},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٥]","level":2,"page":5938},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٦]","level":2,"page":5940},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٧]","level":2,"page":5942},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٨]","level":2,"page":5943},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٩]","level":2,"page":5945},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٠]","level":2,"page":5949},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣١]","level":2,"page":5950},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٢]","level":2,"page":5952},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٣]","level":2,"page":5953},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٤]","level":2,"page":5954},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٥]","level":2,"page":5955},{"title":"سورة محمد ﷺ","level":1,"page":5958},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١]","level":2,"page":5958},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢]","level":2,"page":5959},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣]","level":2,"page":5962},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٤]","level":2,"page":5964},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٥ الي ٦]","level":2,"page":5968},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٧]","level":2,"page":5969},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٨]","level":2,"page":5970},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٩]","level":2,"page":5971},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٠]","level":2,"page":5972},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١١]","level":2,"page":5973},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٢]","level":2,"page":5974},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٣]","level":2,"page":5975},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٤]","level":2,"page":5976},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٥]","level":2,"page":5977},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٦]","level":2,"page":5981},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٧]","level":2,"page":5983},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٨]","level":2,"page":5984},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٩]","level":2,"page":5986},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٠]","level":2,"page":5988},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢١]","level":2,"page":5990},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٢]","level":2,"page":5991},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٣]","level":2,"page":5993},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٤]","level":2,"page":5995},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٥]","level":2,"page":5996},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٦]","level":2,"page":5997},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٧]","level":2,"page":5998},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٨]","level":2,"page":5999},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٩]","level":2,"page":5999},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٠]","level":2,"page":6000},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣١]","level":2,"page":6002},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٢]","level":2,"page":6003},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٣]","level":2,"page":6004},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٤]","level":2,"page":6006},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٥]","level":2,"page":6006},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٦]","level":2,"page":6008},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٧]","level":2,"page":6010},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٨]","level":2,"page":6011},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":6015},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١]","level":2,"page":6015},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢ الي ٣]","level":2,"page":6016},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٤]","level":2,"page":6018},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٥]","level":2,"page":6020},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٦]","level":2,"page":6021},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٧]","level":2,"page":6022},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٨]","level":2,"page":6023},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٩]","level":2,"page":6024},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]","level":2,"page":6026},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١١]","level":2,"page":6029},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٢]","level":2,"page":6031},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٣]","level":2,"page":6032},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٤]","level":2,"page":6033},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٥]","level":2,"page":6034},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٦]","level":2,"page":6036},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٧]","level":2,"page":6038},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٨]","level":2,"page":6039},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٩]","level":2,"page":6042},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٠]","level":2,"page":6043},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢١]","level":2,"page":6045},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٢]","level":2,"page":6046},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٣]","level":2,"page":6046},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٤]","level":2,"page":6047},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٥]","level":2,"page":6048},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٦]","level":2,"page":6051},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٧]","level":2,"page":6053},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٨]","level":2,"page":6056},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]","level":2,"page":6058},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":6064},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١]","level":2,"page":6064},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٢]","level":2,"page":6065},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٣]","level":2,"page":6067},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٤]","level":2,"page":6068},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٥]","level":2,"page":6069},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٦]","level":2,"page":6070},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٧]","level":2,"page":6072},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٨]","level":2,"page":6074},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٩]","level":2,"page":6075},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٠]","level":2,"page":6077},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١١]","level":2,"page":6078},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٢]","level":2,"page":6083},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]","level":2,"page":6087},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٤]","level":2,"page":6091},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٥]","level":2,"page":6093},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٦]","level":2,"page":6094},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٧]","level":2,"page":6094},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٨]","level":2,"page":6096},{"title":"سورة ق","level":1,"page":6097},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":6097},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣]","level":2,"page":6098},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤]","level":2,"page":6099},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٥]","level":2,"page":6100},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٦]","level":2,"page":6100},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٧]","level":2,"page":6101},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٨]","level":2,"page":6102},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٩ الي ١٠]","level":2,"page":6102},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١١]","level":2,"page":6104},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ الي ١٤]","level":2,"page":6104},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٥]","level":2,"page":6105},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٦]","level":2,"page":6106},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٧ الي ١٨]","level":2,"page":6107},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٩]","level":2,"page":6109},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٠ الي ٢١]","level":2,"page":6111},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٢]","level":2,"page":6112},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٣ الي ٢٥]","level":2,"page":6113},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٦]","level":2,"page":6114},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٧]","level":2,"page":6115},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٨]","level":2,"page":6116},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٩]","level":2,"page":6117},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٠]","level":2,"page":6117},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣١]","level":2,"page":6119},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٢ الي ٣٣]","level":2,"page":6119},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٤ الي ٣٥]","level":2,"page":6120},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٦]","level":2,"page":6121},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٧]","level":2,"page":6122},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٨]","level":2,"page":6123},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٩ الي ٤٠]","level":2,"page":6124},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤١]","level":2,"page":6125},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٢]","level":2,"page":6126},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٣]","level":2,"page":6126},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٤]","level":2,"page":6127},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٥]","level":2,"page":6128},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":6130},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ الي ٦]","level":2,"page":6130},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٧ الي ٩]","level":2,"page":6132},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٠ الي ١٤]","level":2,"page":6132},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٥ الي ١٦]","level":2,"page":6135},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٧ الي ١٩]","level":2,"page":6136},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٠ الي ٢٢]","level":2,"page":6139},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٣]","level":2,"page":6140},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٤]","level":2,"page":6142},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٥]","level":2,"page":6144},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٦ الي ٢٧]","level":2,"page":6145},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٨]","level":2,"page":6146},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٩]","level":2,"page":6147},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٠]","level":2,"page":6149},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣١ الي ٣٤]","level":2,"page":6150},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٥ الي ٣٧]","level":2,"page":6151},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٨ الي ٤٠]","level":2,"page":6152},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤١ الي ٤٢]","level":2,"page":6154},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٣ الي ٤٥]","level":2,"page":6156},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٦]","level":2,"page":6157},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٧ الي ٤٩]","level":2,"page":6159},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٠ الي ٥١]","level":2,"page":6162},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٢]","level":2,"page":6163},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٣ الي ٥٥]","level":2,"page":6164},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٦ الي ٥٨]","level":2,"page":6165},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٩]","level":2,"page":6168},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٦٠]","level":2,"page":6169},{"title":"سورة الطور","level":1,"page":6170},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ الي ٨]","level":2,"page":6170},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٩ الي ١٣]","level":2,"page":6172},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٤ الي ١٦]","level":2,"page":6173},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ الي ١٨]","level":2,"page":6175},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٩ الي ٢٠]","level":2,"page":6177},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢١]","level":2,"page":6178},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٢ الي ٢٣]","level":2,"page":6181},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٤ الي ٢٥]","level":2,"page":6184},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٦ الي ٢٨]","level":2,"page":6185},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٩]","level":2,"page":6187},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٠ الي ٣١]","level":2,"page":6188},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٢ الي ٣٣]","level":2,"page":6189},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٤]","level":2,"page":6191},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٥ الي ٣٦]","level":2,"page":6192},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٧]","level":2,"page":6193},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٨]","level":2,"page":6194},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٩ الي ٤٢]","level":2,"page":6195},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٣]","level":2,"page":6197},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٤]","level":2,"page":6198},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٥]","level":2,"page":6199},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٦]","level":2,"page":6200},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٧]","level":2,"page":6201},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٨]","level":2,"page":6202},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٩]","level":2,"page":6203},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":6205},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ الي ٧]","level":2,"page":6205},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٨ الي ١٢]","level":2,"page":6209},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ الي ١٨]","level":2,"page":6212},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ الي ٢٢]","level":2,"page":6216},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٣]","level":2,"page":6219},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٤ الي ٢٥]","level":2,"page":6220},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٦]","level":2,"page":6221},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٧]","level":2,"page":6222},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٨]","level":2,"page":6223},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٩]","level":2,"page":6224},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٠]","level":2,"page":6225},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣١]","level":2,"page":6226},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٢]","level":2,"page":6227},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ الي ٣٥]","level":2,"page":6231},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٦ الي ٤١]","level":2,"page":6233},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٢ الي ٤٦]","level":2,"page":6236},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٧ الي ٥١]","level":2,"page":6240},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٢ الي ٥٥]","level":2,"page":6242},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٦ الي ٥٨]","level":2,"page":6243},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٩ الي ٦٢]","level":2,"page":6245},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":6249},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":6249},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣]","level":2,"page":6251},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤ الي ٥]","level":2,"page":6252},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٦]","level":2,"page":6253},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٧]","level":2,"page":6254},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٨]","level":2,"page":6255},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٩]","level":2,"page":6256},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٠ الي ١١]","level":2,"page":6257},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٢ الي ١٣]","level":2,"page":6258},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٤ الي ١٥]","level":2,"page":6260},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٦ الي ١٧]","level":2,"page":6262},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٨]","level":2,"page":6263},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٩]","level":2,"page":6263},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٠ الي ٢٢]","level":2,"page":6266},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٣ الي ٢٤]","level":2,"page":6267},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٥ الي ٢٦]","level":2,"page":6268},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢٧]","level":2,"page":6270},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٨ الي ٢٩]","level":2,"page":6271},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٠ الي ٣٢]","level":2,"page":6272},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٣ الي ٣٤]","level":2,"page":6274},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٥ الي ٣٦]","level":2,"page":6276},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣٧]","level":2,"page":6277},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٨ الي ٤٠]","level":2,"page":6278},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤١ الي ٤٢]","level":2,"page":6279},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٣ الي ٤٤]","level":2,"page":6279},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٥ الي ٤٦]","level":2,"page":6280},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٧ الي ٤٩]","level":2,"page":6281},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٠ الي ٥١]","level":2,"page":6285},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٢ الي ٥٥]","level":2,"page":6286},{"title":"سورة الرحمن","level":1,"page":6288},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":6289},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥ الي ٨]","level":2,"page":6290},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٩ الي ١٢]","level":2,"page":6292},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٣ الي ١٥]","level":2,"page":6293},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٦ الي ١٧]","level":2,"page":6298},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٨ الي ٢٠]","level":2,"page":6299},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢١ الي ٢٤]","level":2,"page":6300},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٥ الي ٢٨]","level":2,"page":6301},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٩]","level":2,"page":6303},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٠ الي ٣٢]","level":2,"page":6304},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٣ الي ٣٤]","level":2,"page":6306},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٥ الي ٣٦]","level":2,"page":6307},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ الي ٣٨]","level":2,"page":6309},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٩ الي ٤٠]","level":2,"page":6309},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤١ الي ٤٢]","level":2,"page":6310},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٣ الي ٤٥]","level":2,"page":6311},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٦ الي ٤٩]","level":2,"page":6313},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٠ الي ٥٣]","level":2,"page":6315},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٤ الي ٥٥]","level":2,"page":6316},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٦ الي ٥٧]","level":2,"page":6318},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٨ الي ٦١]","level":2,"page":6320},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ الي ٦٥]","level":2,"page":6322},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٦ الي ٦٩]","level":2,"page":6323},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٠ الي ٧٤]","level":2,"page":6324},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٥ الي ٧٨]","level":2,"page":6325},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":6329},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ الي ٦]","level":2,"page":6329},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧ الي ١٢]","level":2,"page":6331},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ الي ١٦]","level":2,"page":6334},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٧ الي ٢١]","level":2,"page":6336},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٢ الي ٢٦]","level":2,"page":6339},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٧ الي ٣٣]","level":2,"page":6341},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٤ الي ٤٠]","level":2,"page":6343},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤١ الي ٤٤]","level":2,"page":6346},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٥ الي ٤٨]","level":2,"page":6347},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٩ الي ٥٦]","level":2,"page":6349},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٧ الي ٦٢]","level":2,"page":6352},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٣ الي ٦٧]","level":2,"page":6355},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٨ الي ٧٠]","level":2,"page":6358},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧١ الي ٧٤]","level":2,"page":6360},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ الي ٨٠]","level":2,"page":6362},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨١ الي ٨٢]","level":2,"page":6366},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٣ الي ٨٧]","level":2,"page":6367},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ الي ٩١]","level":2,"page":6369},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٢ الي ٩٦]","level":2,"page":6371},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":6374},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١]","level":2,"page":6374},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢]","level":2,"page":6375},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٣]","level":2,"page":6376},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٤]","level":2,"page":6377},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٥]","level":2,"page":6381},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٦]","level":2,"page":6381},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٧]","level":2,"page":6384},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٨]","level":2,"page":6385},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٩]","level":2,"page":6387},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٠]","level":2,"page":6389},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١١]","level":2,"page":6392},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٢]","level":2,"page":6394},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٣]","level":2,"page":6396},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٤]","level":2,"page":6398},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٥]","level":2,"page":6400},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]","level":2,"page":6401},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٧]","level":2,"page":6405},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٨]","level":2,"page":6406},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٩]","level":2,"page":6408},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]","level":2,"page":6410},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢١]","level":2,"page":6414},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٢]","level":2,"page":6417},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٣]","level":2,"page":6419},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٤]","level":2,"page":6422},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٥]","level":2,"page":6424},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٦]","level":2,"page":6427},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٧]","level":2,"page":6428},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٨]","level":2,"page":6432},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٩]","level":2,"page":6434},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":6437},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]","level":2,"page":6437},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢]","level":2,"page":6439},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٣]","level":2,"page":6441},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٤]","level":2,"page":6444},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٥]","level":2,"page":6447},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٦]","level":2,"page":6448},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٧]","level":2,"page":6449},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٨]","level":2,"page":6451},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٩]","level":2,"page":6455},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٠]","level":2,"page":6457},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]","level":2,"page":6459},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٢]","level":2,"page":6462},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٣]","level":2,"page":6464},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٤]","level":2,"page":6466},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٥]","level":2,"page":6467},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٦]","level":2,"page":6468},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٧]","level":2,"page":6469},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٨]","level":2,"page":6470},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٩]","level":2,"page":6472},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٠]","level":2,"page":6473},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢١]","level":2,"page":6474},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٢]","level":2,"page":6474},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":6479},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١]","level":2,"page":6479},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢]","level":2,"page":6479},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٣]","level":2,"page":6483},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٤]","level":2,"page":6484},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٥]","level":2,"page":6485},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٦]","level":2,"page":6487},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٧]","level":2,"page":6490},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٨]","level":2,"page":6495},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٩]","level":2,"page":6497},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٠]","level":2,"page":6501},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١١]","level":2,"page":6504},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٢]","level":2,"page":6507},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٣]","level":2,"page":6507},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٤]","level":2,"page":6508},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٥]","level":2,"page":6509},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٦]","level":2,"page":6511},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٧]","level":2,"page":6514},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٨]","level":2,"page":6515},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٩]","level":2,"page":6516},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٠]","level":2,"page":6516},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢١]","level":2,"page":6517},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٢]","level":2,"page":6520},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٣]","level":2,"page":6521},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٤]","level":2,"page":6523},{"title":"سورة الممتحنة","level":1,"page":6526},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]","level":2,"page":6526},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٢]","level":2,"page":6531},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٣]","level":2,"page":6532},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٤]","level":2,"page":6533},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٥]","level":2,"page":6536},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٦]","level":2,"page":6537},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٧]","level":2,"page":6538},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٨]","level":2,"page":6540},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٩]","level":2,"page":6541},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٠]","level":2,"page":6542},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١١]","level":2,"page":6546},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]","level":2,"page":6548},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]","level":2,"page":6551},{"title":"سورة الصف","level":1,"page":6554},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١]","level":2,"page":6554},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٢]","level":2,"page":6554},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٣]","level":2,"page":6556},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٤]","level":2,"page":6558},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٥]","level":2,"page":6560},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٦]","level":2,"page":6562},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٧]","level":2,"page":6565},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٨]","level":2,"page":6566},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٩]","level":2,"page":6568},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٠]","level":2,"page":6570},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١١]","level":2,"page":6571},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٢]","level":2,"page":6573},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٣]","level":2,"page":6575},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٤]","level":2,"page":6576},{"title":"سورة الجمعة","level":1,"page":6581},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١]","level":2,"page":6582},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٢]","level":2,"page":6584},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٣]","level":2,"page":6585},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٤]","level":2,"page":6586},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٥]","level":2,"page":6587},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٦]","level":2,"page":6590},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٧]","level":2,"page":6593},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٨]","level":2,"page":6594},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٩]","level":2,"page":6595},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١٠]","level":2,"page":6598},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]","level":2,"page":6600},{"title":"سورة المنافقون","level":1,"page":6606},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١]","level":2,"page":6606},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٢]","level":2,"page":6610},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٣]","level":2,"page":6612},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٤]","level":2,"page":6613},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٥]","level":2,"page":6616},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٦]","level":2,"page":6617},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٧]","level":2,"page":6619},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٨]","level":2,"page":6620},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٩]","level":2,"page":6623},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١٠]","level":2,"page":6624},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١١]","level":2,"page":6627},{"title":"سورة التغابن","level":1,"page":6629},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١]","level":2,"page":6629},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٢]","level":2,"page":6630},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٣]","level":2,"page":6631},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٤]","level":2,"page":6632},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٥]","level":2,"page":6633},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٦]","level":2,"page":6634},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٧]","level":2,"page":6635},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٨]","level":2,"page":6637},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٩]","level":2,"page":6638},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٠]","level":2,"page":6640},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١١]","level":2,"page":6641},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٢]","level":2,"page":6642},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٣]","level":2,"page":6643},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٤]","level":2,"page":6643},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٥]","level":2,"page":6645},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٦]","level":2,"page":6646},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٧]","level":2,"page":6648},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٨]","level":2,"page":6649},{"title":"سورة الطلاق","level":1,"page":6650},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]","level":2,"page":6650},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٢]","level":2,"page":6656},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٣]","level":2,"page":6658},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٤]","level":2,"page":6660},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٥]","level":2,"page":6663},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٦]","level":2,"page":6664},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٧]","level":2,"page":6668},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٨]","level":2,"page":6670},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٩]","level":2,"page":6671},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٠]","level":2,"page":6672},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١١]","level":2,"page":6673},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]","level":2,"page":6675},{"title":"سورة التحريم","level":1,"page":6679},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١]","level":2,"page":6679},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٢]","level":2,"page":6682},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٣]","level":2,"page":6684},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٤]","level":2,"page":6686},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٥]","level":2,"page":6690},{"title":"خاتمة","level":3,"page":6691},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٦]","level":2,"page":6692},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٧]","level":2,"page":6695},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٨]","level":2,"page":6696},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٩]","level":2,"page":6698},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١٠]","level":2,"page":6699},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١١]","level":2,"page":6701},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١٢]","level":2,"page":6703},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":6706},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١]","level":2,"page":6706},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢]","level":2,"page":6707},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٣]","level":2,"page":6709},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٤]","level":2,"page":6711},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٥]","level":2,"page":6712},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٦]","level":2,"page":6714},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٧]","level":2,"page":6715},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٨]","level":2,"page":6716},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٩]","level":2,"page":6717},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٠]","level":2,"page":6718},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١١]","level":2,"page":6720},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٢]","level":2,"page":6721},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٣]","level":2,"page":6722},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٤]","level":2,"page":6724},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٥]","level":2,"page":6724},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٦]","level":2,"page":6726},{"title":"فائدة","level":3,"page":6727},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٧]","level":2,"page":6728},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٨]","level":2,"page":6728},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٩]","level":2,"page":6729},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٠]","level":2,"page":6731},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢١]","level":2,"page":6731},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٢]","level":2,"page":6732},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٣]","level":2,"page":6734},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٤]","level":2,"page":6735},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٥]","level":2,"page":6736},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٦]","level":2,"page":6737},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٧]","level":2,"page":6737},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٨]","level":2,"page":6739},{"title":"فائدة","level":3,"page":6739},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٩]","level":2,"page":6740},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٣٠]","level":2,"page":6741},{"title":"سورة القلم","level":1,"page":6743},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":6743},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣ الي ٤]","level":2,"page":6746},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥ الي ٦]","level":2,"page":6748},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٧]","level":2,"page":6749},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ الي ٩]","level":2,"page":6750},{"title":"فائدة","level":3,"page":6751},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٠ الي ١٣]","level":2,"page":6751},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٤ الي ١٦]","level":2,"page":6755},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٧ الي ١٨]","level":2,"page":6757},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٩ الي ٢٠]","level":2,"page":6759},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢١ الي ٢٢]","level":2,"page":6760},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢٣ الي ٢٥]","level":2,"page":6761},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢٦ الي ٢٧]","level":2,"page":6762},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٨]","level":2,"page":6763},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢٩ الي ٣٠]","level":2,"page":6763},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣١]","level":2,"page":6764},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٢]","level":2,"page":6765},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٣]","level":2,"page":6766},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٤]","level":2,"page":6767},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٥ الي ٣٨]","level":2,"page":6768},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٩]","level":2,"page":6769},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٠ الي ٤١]","level":2,"page":6770},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٢]","level":2,"page":6771},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٣]","level":2,"page":6773},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٤]","level":2,"page":6774},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٥]","level":2,"page":6775},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٦ الي ٤٧]","level":2,"page":6776},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٨]","level":2,"page":6777},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٩ الي ٥٠]","level":2,"page":6778},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٥١]","level":2,"page":6780},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٥٢]","level":2,"page":6783},{"title":"سورة الحاقة","level":1,"page":6784},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":6784},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤]","level":2,"page":6785},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥]","level":2,"page":6786},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٦]","level":2,"page":6786},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٧ الي ٨]","level":2,"page":6787},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٩]","level":2,"page":6789},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٠]","level":2,"page":6790},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١١ الي ١٢]","level":2,"page":6791},{"title":"خاتمة","level":3,"page":6792},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٣ الي ١٤]","level":2,"page":6792},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٥ الي ١٦]","level":2,"page":6794},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٧]","level":2,"page":6794},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٨]","level":2,"page":6796},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٩ الي ٢٠]","level":2,"page":6797},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢١ الي ٢٣]","level":2,"page":6798},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٤]","level":2,"page":6799},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٥]","level":2,"page":6801},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٦ الي ٢٩]","level":2,"page":6802},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٠ الي ٣٢]","level":2,"page":6803},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٣ الي ٣٤]","level":2,"page":6805},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٥ الي ٣٧]","level":2,"page":6806},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ الي ٤٠]","level":2,"page":6807},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤١ الي ٤٢]","level":2,"page":6809},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٣ الي ٤٦]","level":2,"page":6810},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٧ الي ٤٨]","level":2,"page":6813},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٩ الي ٥٠]","level":2,"page":6814},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٥١ الي ٥٢]","level":2,"page":6814},{"title":"فائدة","level":3,"page":6815},{"title":"سورة المعارج","level":1,"page":6816},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":6816},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤]","level":2,"page":6818},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٥ الي ٧]","level":2,"page":6820},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٨ الي ١٠]","level":2,"page":6821},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١١ الي ١٤]","level":2,"page":6822},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٥ الي ١٨]","level":2,"page":6824},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ الي ٢١]","level":2,"page":6827},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٢ الي ٢٨]","level":2,"page":6829},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٩ الي ٣١]","level":2,"page":6833},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٢]","level":2,"page":6838},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٣]","level":2,"page":6840},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٤ الي ٣٥]","level":2,"page":6840},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ الي ٣٧]","level":2,"page":6842},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٨]","level":2,"page":6844},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٩ الي ٤١]","level":2,"page":6845},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٢]","level":2,"page":6847},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٣]","level":2,"page":6848},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٤]","level":2,"page":6849},{"title":"سورة نوح","level":1,"page":6850},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١]","level":2,"page":6851},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٢ الي ٤]","level":2,"page":6852},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٥ الي ٦]","level":2,"page":6856},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٧]","level":2,"page":6857},{"title":"فائدة","level":3,"page":6858},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٨ الي ٩]","level":2,"page":6859},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٠ الي ١١]","level":2,"page":6860},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٢]","level":2,"page":6862},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٣ الي ١٤]","level":2,"page":6863},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٥]","level":2,"page":6864},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٦]","level":2,"page":6865},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٧ الي ١٨]","level":2,"page":6865},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٩ الي ٢٠]","level":2,"page":6866},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢١]","level":2,"page":6867},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٢]","level":2,"page":6868},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٣]","level":2,"page":6869},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٤]","level":2,"page":6871},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٥]","level":2,"page":6872},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٦]","level":2,"page":6873},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٧]","level":2,"page":6874},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٨]","level":2,"page":6875},{"title":"خاتمة","level":3,"page":6876},{"title":"سورة الجن","level":1,"page":6879},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١]","level":2,"page":6879},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢]","level":2,"page":6881},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٣]","level":2,"page":6882},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٤]","level":2,"page":6883},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٥]","level":2,"page":6884},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٦]","level":2,"page":6885},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٧]","level":2,"page":6887},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٨]","level":2,"page":6888},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٩]","level":2,"page":6889},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٠]","level":2,"page":6891},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١١]","level":2,"page":6893},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٢]","level":2,"page":6895},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٣]","level":2,"page":6895},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٤]","level":2,"page":6896},{"title":"فائدة","level":3,"page":6897},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٥]","level":2,"page":6898},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٦]","level":2,"page":6899},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٧]","level":2,"page":6900},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٨]","level":2,"page":6901},{"title":"فائدة","level":3,"page":6902},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٩]","level":2,"page":6903},{"title":"فائدة","level":3,"page":6904},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٠]","level":2,"page":6906},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢١]","level":2,"page":6906},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٢]","level":2,"page":6907},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٣]","level":2,"page":6908},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٤]","level":2,"page":6909},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٥]","level":2,"page":6910},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٦]","level":2,"page":6912},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٧]","level":2,"page":6913},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٨]","level":2,"page":6916},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":6921},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":6921},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٥]","level":2,"page":6925},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٦]","level":2,"page":6926},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٧]","level":2,"page":6928},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٨]","level":2,"page":6928},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٩]","level":2,"page":6930},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٠]","level":2,"page":6931},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١١]","level":2,"page":6932},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٢ الي ١٣]","level":2,"page":6933},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٤]","level":2,"page":6934},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٥]","level":2,"page":6935},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٦]","level":2,"page":6936},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٧]","level":2,"page":6937},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٨]","level":2,"page":6940},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٩]","level":2,"page":6940},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]","level":2,"page":6941},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":6948},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ الي ٧]","level":2,"page":6948},{"title":"فائدة","level":3,"page":6949},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٨ الي ١٠]","level":2,"page":6951},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١١ الي ١٥]","level":2,"page":6954},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٦ الي ١٧]","level":2,"page":6955},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٨ الي ٢٥]","level":2,"page":6958},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٦ الي ٣٠]","level":2,"page":6961},{"title":"فائدة","level":3,"page":6963},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣١]","level":2,"page":6964},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٢ الي ٣٧]","level":2,"page":6968},{"title":"فائدة","level":3,"page":6970},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٨ الي ٤٢]","level":2,"page":6971},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٣ الي ٤٧]","level":2,"page":6973},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٨ الي ٥١]","level":2,"page":6975},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥٢ الي ٥٣]","level":2,"page":6977},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥٤ الي ٥٦]","level":2,"page":6978},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":6980},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":6980},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣ الي ٤]","level":2,"page":6983},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٥ الي ٦]","level":2,"page":6984},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٧ الي ١٠]","level":2,"page":6986},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١١ الي ١٣]","level":2,"page":6988},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٤ الي ١٥]","level":2,"page":6990},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ الي ١٩]","level":2,"page":6991},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٠ الي ٢١]","level":2,"page":6994},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٢ الي ٢٥]","level":2,"page":6994},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ الي ٣٠]","level":2,"page":6999},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ الي ٣٥]","level":2,"page":7001},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٦ الي ٣٧]","level":2,"page":7004},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٨ الي ٣٩]","level":2,"page":7005},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٤٠]","level":2,"page":7007},{"title":"سورة الإنسان","level":1,"page":7008},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١]","level":2,"page":7008},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢]","level":2,"page":7011},{"title":"فائدة","level":3,"page":7012},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣]","level":2,"page":7013},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٤]","level":2,"page":7014},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٥]","level":2,"page":7016},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٦]","level":2,"page":7017},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٧]","level":2,"page":7018},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٨]","level":2,"page":7020},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٩]","level":2,"page":7022},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٠]","level":2,"page":7023},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١١]","level":2,"page":7024},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٢]","level":2,"page":7024},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٣]","level":2,"page":7025},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٤]","level":2,"page":7026},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٥]","level":2,"page":7028},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٦]","level":2,"page":7029},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٧]","level":2,"page":7030},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٨]","level":2,"page":7030},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٩]","level":2,"page":7031},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٠]","level":2,"page":7033},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢١]","level":2,"page":7034},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٢]","level":2,"page":7037},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٣]","level":2,"page":7037},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٤]","level":2,"page":7038},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٥ الي ٢٦]","level":2,"page":7040},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٧]","level":2,"page":7041},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٨]","level":2,"page":7043},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٩]","level":2,"page":7044},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣٠]","level":2,"page":7044},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣١]","level":2,"page":7046},{"title":"سورة المرسلات","level":1,"page":7048},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ الي ٧]","level":2,"page":7048},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٨ الي ١٥]","level":2,"page":7051},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ الي ١٩]","level":2,"page":7054},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٠ الي ٢٤]","level":2,"page":7055},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٥ الي ٢٨]","level":2,"page":7057},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٩ الي ٣٤]","level":2,"page":7058},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٥ الي ٣٧]","level":2,"page":7061},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٨ الي ٤٠]","level":2,"page":7062},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤١ الي ٤٥]","level":2,"page":7063},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٦ الي ٤٧]","level":2,"page":7065},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٨ الي ٥٠]","level":2,"page":7066},{"title":"سورة النبإ","level":1,"page":7069},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":7069},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٦ الي ١١]","level":2,"page":7071},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٢ الي ١٦]","level":2,"page":7073},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٧ الي ٢٠]","level":2,"page":7075},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢١ الي ٢٦]","level":2,"page":7077},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٧ الي ٣٠]","level":2,"page":7081},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ الي ٣٦]","level":2,"page":7083},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٧]","level":2,"page":7085},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٨]","level":2,"page":7087},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٩]","level":2,"page":7089},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٤٠]","level":2,"page":7090},{"title":"سورة النازعات","level":1,"page":7093},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":7093},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٦ الي ١٤]","level":2,"page":7095},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٥ الي ١٩]","level":2,"page":7100},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٠ الي ٢٦]","level":2,"page":7103},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٧ الي ٣٣]","level":2,"page":7105},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٤ الي ٣٦]","level":2,"page":7108},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٧ الي ٤١]","level":2,"page":7109},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٢ الي ٤٥]","level":2,"page":7113},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٦]","level":2,"page":7116},{"title":"فائدة","level":3,"page":7116},{"title":"سورة عبس","level":1,"page":7119},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":7119},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٥ الي ١٠]","level":2,"page":7121},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١١ الي ١٦]","level":2,"page":7123},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٧ الي ٢٣]","level":2,"page":7125},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٤ الي ٣٢]","level":2,"page":7130},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ الي ٣٧]","level":2,"page":7132},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٨ الي ٤٢]","level":2,"page":7135},{"title":"سورة التكوير","level":1,"page":7137},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ الي ٦]","level":2,"page":7137},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٧ الي ١٤]","level":2,"page":7140},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ الي ٢٢]","level":2,"page":7142},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٣ الي ٢٦]","level":2,"page":7147},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٧ الي ٢٩]","level":2,"page":7150},{"title":"سورة الانفطار","level":1,"page":7152},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":7152},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٦ الي ٩]","level":2,"page":7153},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٠ الي ١٢]","level":2,"page":7156},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٣ الي ١٦]","level":2,"page":7158},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٧ الي ١٩]","level":2,"page":7159},{"title":"سورة المطففين","level":1,"page":7162},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7162},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٤ الي ٦]","level":2,"page":7165},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٧ الي ١٣]","level":2,"page":7166},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٤]","level":2,"page":7170},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٥ الي ١٧]","level":2,"page":7172},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٨ الي ٢١]","level":2,"page":7173},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٢ الي ٢٤]","level":2,"page":7175},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٥ الي ٢٨]","level":2,"page":7175},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ الي ٣٠]","level":2,"page":7177},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٣١]","level":2,"page":7178},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٣٢ الي ٣٣]","level":2,"page":7179},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٣٤ الي ٣٦]","level":2,"page":7179},{"title":"سورة الانشقاق","level":1,"page":7182},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":7182},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٦]","level":2,"page":7184},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٧ الي ٩]","level":2,"page":7185},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٠ الي ١٢]","level":2,"page":7186},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٣ الي ١٥]","level":2,"page":7187},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ الي ٢١]","level":2,"page":7189},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٢٢ الي ٢٥]","level":2,"page":7193},{"title":"سورة البروج","level":1,"page":7196},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7196},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٤ الي ٧]","level":2,"page":7198},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٨ الي ٩]","level":2,"page":7201},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٠]","level":2,"page":7202},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١١]","level":2,"page":7204},{"title":"تنبيه بل فائدة","level":3,"page":7204},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٢ الي ١٦]","level":2,"page":7205},{"title":"فائدة","level":3,"page":7206},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٧ الي ١٩]","level":2,"page":7207},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٢٠ الي ٢٢]","level":2,"page":7207},{"title":"سورة الطارق","level":1,"page":7210},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7210},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ٤]","level":2,"page":7212},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٥ الي ٩]","level":2,"page":7212},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١٠ الي ١٤]","level":2,"page":7215},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١٥ الي ١٧]","level":2,"page":7217},{"title":"تنبيه: بل خاتمة","level":3,"page":7219},{"title":"سورة الأعلى","level":1,"page":7220},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":7220},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٦ الي ٨]","level":2,"page":7223},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٩ الي ١٠]","level":2,"page":7224},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١١ الي ١٣]","level":2,"page":7226},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ الي ١٥]","level":2,"page":7227},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٦ الي ١٧]","level":2,"page":7228},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٨ الي ١٩]","level":2,"page":7229},{"title":"سورة الغاشية","level":1,"page":7231},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7231},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٤ الي ٥]","level":2,"page":7232},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٦ الي ٧]","level":2,"page":7233},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٨ الي ١١]","level":2,"page":7235},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٢ الي ١٦]","level":2,"page":7236},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٧ الي ٢٠]","level":2,"page":7237},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢١ الي ٢٦]","level":2,"page":7239},{"title":"سورة الفجر","level":1,"page":7243},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":7243},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٥]","level":2,"page":7246},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٦ الي ٨]","level":2,"page":7247},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٩]","level":2,"page":7250},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٠ الي ١٤]","level":2,"page":7251},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٥]","level":2,"page":7254},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٦]","level":2,"page":7256},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٧ الي ٢٠]","level":2,"page":7257},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٢١]","level":2,"page":7259},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٢ الي ٢٣]","level":2,"page":7259},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٤ الي ٢٦]","level":2,"page":7261},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٧ الي ٣٠]","level":2,"page":7263},{"title":"فائدة","level":3,"page":7265},{"title":"سورة البلد","level":1,"page":7266},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":7266},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ٥ الي ٧]","level":2,"page":7269},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ٨ الي ١٠]","level":2,"page":7271},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ الي ١٣]","level":2,"page":7273},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٤ الي ١٦]","level":2,"page":7275},{"title":"خاتمة","level":3,"page":7277},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٧ الي ١٨]","level":2,"page":7277},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٩ الي ٢٠]","level":2,"page":7279},{"title":"سورة الشمس","level":1,"page":7281},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ الي ٧]","level":2,"page":7281},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ٨ الي ١٠]","level":2,"page":7285},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١١ الي ١٢]","level":2,"page":7287},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٣]","level":2,"page":7288},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١٤ الي ١٥]","level":2,"page":7289},{"title":"تنبيه، وخاتمة","level":3,"page":7290},{"title":"سورة الليل","level":1,"page":7292},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":7292},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ٥ الي ٧]","level":2,"page":7293},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ٨ الي ١٠]","level":2,"page":7295},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١١ الي ١٣]","level":2,"page":7297},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٤ الي ١٦]","level":2,"page":7298},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٧ الي ١٨]","level":2,"page":7299},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٩ الي ٢١]","level":2,"page":7300},{"title":"تنبيه بل فائدة","level":3,"page":7300},{"title":"خاتمة","level":3,"page":7301},{"title":"سورة الضحى","level":1,"page":7304},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7304},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٤ الي ٥]","level":2,"page":7307},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٦ الي ٨]","level":2,"page":7310},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٩ الي ١١]","level":2,"page":7313},{"title":"سورة الشرح","level":1,"page":7316},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":7316},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٥ الي ٦]","level":2,"page":7319},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٧ الي ٨]","level":2,"page":7321},{"title":"سورة التين","level":1,"page":7323},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7323},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ٤ الي ٥]","level":2,"page":7325},{"title":"فائدة","level":2,"page":7326},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٦]","level":2,"page":7327},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ٧ الي ٨]","level":2,"page":7328},{"title":"سورة العلق","level":1,"page":7330},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":7331},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ الي ٨]","level":2,"page":7334},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٩ الي ١٠]","level":2,"page":7335},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١١ الي ١٢]","level":2,"page":7337},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٣ الي ١٤]","level":2,"page":7338},{"title":"الشرح","level":1,"page":7338},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٥ الي ١٦]","level":2,"page":7339},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٧ الي ١٩]","level":2,"page":7340},{"title":"خاتمة","level":3,"page":7342},{"title":"سورة القدر","level":1,"page":7343},{"title":"[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":7343},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ٣]","level":2,"page":7345},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ٤]","level":2,"page":7346},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ٥]","level":2,"page":7347},{"title":"سورة البينة","level":1,"page":7350},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ١]","level":2,"page":7350},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ٢ الي ٣]","level":2,"page":7352},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٤]","level":2,"page":7353},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٥]","level":2,"page":7355},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٦]","level":2,"page":7358},{"title":"فائدة","level":3,"page":7359},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٧]","level":2,"page":7360},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٨]","level":2,"page":7360},{"title":"خاتمة","level":3,"page":7361},{"title":"سورة الزلزلة","level":1,"page":7363},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7363},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٤ الي ٥]","level":2,"page":7365},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٦]","level":2,"page":7366},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٧ الي ٨]","level":2,"page":7367},{"title":"سورة العاديات","level":1,"page":7370},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":7370},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٦ الي ٨]","level":2,"page":7373},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٩ الي ١١]","level":2,"page":7375},{"title":"سورة القارعة","level":1,"page":7378},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7378},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ٤ الي ٥]","level":2,"page":7379},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ٦ الي ١١]","level":2,"page":7380},{"title":"سورة التكاثر","level":1,"page":7384},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":7384},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٣ الي ٤]","level":2,"page":7386},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٥ الي ٦]","level":2,"page":7387},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٧ الي ٨]","level":2,"page":7388},{"title":"سورة العصر","level":1,"page":7391},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":7391},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): آية ٣]","level":2,"page":7393},{"title":"سورة الهمزة","level":1,"page":7395},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":7395},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٤ الي ٧]","level":2,"page":7397},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٨ الي ٩]","level":2,"page":7399},{"title":"سورة الفيل","level":1,"page":7401},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ١]","level":2,"page":7401},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ٢]","level":2,"page":7403},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ٣ الي ٥]","level":2,"page":7404},{"title":"سورة قريش","level":1,"page":7407},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ الي ٢]","level":2,"page":7407},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): الآيات ٣ الي ٤]","level":2,"page":7409},{"title":"سورة الماعون","level":1,"page":7412},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7412},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ٤ الي ٧]","level":2,"page":7414},{"title":"سورة الكوثر","level":1,"page":7417},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7417},{"title":"سورة الكافرون","level":1,"page":7422},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ الي ٦]","level":2,"page":7423},{"title":"فائدة","level":3,"page":7424},{"title":"سورة النصر","level":1,"page":7428},{"title":"[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ الي ٣]","level":2,"page":7428},{"title":"سورة المسد","level":1,"page":7433},{"title":"[سورة المسد (١١١): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":7433},{"title":"فائدة بل طرفة","level":3,"page":7435},{"title":"فائدة","level":3,"page":7435},{"title":"سورة الإخلاص","level":1,"page":7438},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ الي ٤]","level":2,"page":7439},{"title":"سورة الفلق","level":1,"page":7442},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ الي ٥]","level":2,"page":7445},{"title":"سورة الناس","level":1,"page":7450},{"title":"[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ الي ٦]","level":2,"page":7450},{"title":"خاتمة","level":3,"page":7456},{"title":"ترجمة موجزة للشيخ المفسر النحوي محمد علي طه الدرة رحمه الله تعالى ١٣٤٠ - ١٤٢٨ هـ-١٩٢٣ - ٢٠٠٧ م","level":1,"page":7461},{"title":"حليته وشمائله","level":2,"page":7462},{"title":"مؤلفات الشيخ المطبوعة والمخطوطة","level":2,"page":7462}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526,"1,530":527,"1,531":528,"1,532":529,"1,533":530,"1,534":531,"1,535":532,"1,536":533,"1,537":534,"1,538":535,"1,539":536,"1,540":537,"1,541":538,"1,542":539,"1,543":540,"1,544":541,"1,545":542,"1,546":543,"1,547":544,"1,548":545,"1,549":546,"1,550":547,"1,551":548,"1,552":549,"1,553":550,"1,554":551,"1,555":552,"1,556":553,"1,557":554,"1,558":555,"1,559":556,"1,560":557,"1,561":558,"1,562":559,"1,563":560,"1,564":561,"1,565":562,"1,566":563,"1,567":564,"1,568":565,"1,569":566,"1,570":567,"1,571":568,"1,572":569,"1,573":570,"1,574":571,"1,575":572,"1,576":573,"1,577":574,"1,578":575,"1,579":576,"1,580":577,"1,581":578,"1,582":579,"1,583":580,"1,584":581,"1,585":582,"1,586":583,"1,587":584,"1,588":585,"1,589":586,"1,590":587,"1,591":588,"1,592":589,"1,593":590,"1,594":591,"1,595":592,"1,596":593,"1,597":594,"1,598":595,"1,599":596,"1,600":597,"1,601":598,"1,602":599,"1,603":600,"1,604":601,"1,605":602,"1,606":603,"1,607":604,"1,608":605,"1,609":606,"1,610":607,"1,611":608,"1,612":609,"1,613":610,"1,614":611,"1,615":612,"1,616":613,"1,617":614,"1,618":615,"1,619":616,"1,620":617,"1,621":618,"1,622":619,"1,623":620,"1,624":621,"1,625":622,"1,626":623,"1,627":624,"1,628":625,"1,629":626,"1,630":627,"1,631":628,"1,632":629,"1,633":630,"1,634":631,"1,635":632,"1,636":633,"1,637":634,"1,638":635,"1,639":636,"1,640":637,"1,641":638,"1,642":639,"1,643":640,"1,644":641,"1,645":642,"1,646":643,"1,647":644,"1,648":645,"1,649":646,"1,650":647,"1,651":648,"1,652":649,"1,653":650,"1,654":651,"1,655":652,"1,656":653,"1,657":654,"1,658":655,"1,659":656,"1,660":657,"1,661":658,"1,662":659,"1,663":660,"1,664":661,"1,665":662,"1,666":663,"1,667":664,"1,668":665,"1,669":666,"1,670":667,"1,671":668,"1,672":669,"1,673":670,"1,674":671,"1,675":672,"1,676":673,"1,677":674,"1,678":675,"1,679":676,"1,680":677,"1,681":678,"1,682":679,"1,683":680,"1,684":681,"1,685":682,"1,686":683,"1,687":684,"1,688":685,"1,689":686,"1,690":687,"1,691":688,"1,692":689,"1,693":690,"1,694":691,"1,695":692,"1,696":693,"1,697":694,"1,698":695,"1,699":696,"1,700":697,"1,701":698,"1,702":699,"1,703":700,"1,704":701,"1,705":702,"2,5":703,"2,6":704,"2,7":705,"2,8":706,"2,9":707,"2,10":708,"2,11":709,"2,12":710,"2,13":711,"2,14":712,"2,15":713,"2,16":714,"2,17":715,"2,18":716,"2,19":717,"2,20":718,"2,21":719,"2,22":720,"2,23":721,"2,24":722,"2,25":723,"2,26":724,"2,27":725,"2,28":726,"2,29":727,"2,30":728,"2,31":729,"2,32":730,"2,33":731,"2,34":732,"2,35":733,"2,36":734,"2,37":735,"2,38":736,"2,39":737,"2,40":738,"2,41":739,"2,42":740,"2,43":741,"2,44":742,"2,45":743,"2,46":744,"2,47":745,"2,48":746,"2,49":747,"2,50":748,"2,51":749,"2,52":750,"2,53":751,"2,54":752,"2,55":753,"2,56":754,"2,57":755,"2,58":756,"2,59":757,"2,60":758,"2,61":759,"2,62":760,"2,63":761,"2,64":762,"2,65":763,"2,66":764,"2,67":765,"2,68":766,"2,69":767,"2,70":768,"2,71":769,"2,72":770,"2,73":771,"2,74":772,"2,75":773,"2,76":774,"2,77":775,"2,78":776,"2,79":777,"2,80":778,"2,81":779,"2,82":780,"2,83":781,"2,84":782,"2,85":783,"2,86":784,"2,87":785,"2,88":786,"2,89":787,"2,90":788,"2,91":789,"2,92":790,"2,93":791,"2,94":792,"2,95":793,"2,96":794,"2,97":795,"2,98":796,"2,99":797,"2,100":798,"2,101":799,"2,102":800,"2,103":801,"2,104":802,"2,105":803,"2,106":804,"2,107":805,"2,108":806,"2,109":807,"2,110":808,"2,111":809,"2,112":810,"2,113":811,"2,114":812,"2,115":813,"2,116":814,"2,117":815,"2,118":816,"2,119":817,"2,120":818,"2,121":819,"2,122":820,"2,123":821,"2,124":822,"2,125":823,"2,126":824,"2,127":825,"2,128":826,"2,129":827,"2,130":828,"2,131":829,"2,132":830,"2,133":831,"2,134":832,"2,135":833,"2,136":834,"2,137":835,"2,138":836,"2,139":837,"2,140":838,"2,141":839,"2,142":840,"2,143":841,"2,144":842,"2,145":843,"2,146":844,"2,147":845,"2,148":846,"2,149":847,"2,150":848,"2,151":849,"2,152":850,"2,153":851,"2,154":852,"2,155":853,"2,156":854,"2,157":855,"2,158":856,"2,159":857,"2,160":858,"2,161":859,"2,162":860,"2,163":861,"2,164":862,"2,165":863,"2,166":864,"2,167":865,"2,168":866,"2,169":867,"2,170":868,"2,171":869,"2,172":870,"2,173":871,"2,174":872,"2,175":873,"2,176":874,"2,177":875,"2,178":876,"2,179":877,"2,180":878,"2,181":879,"2,182":880,"2,183":881,"2,184":882,"2,185":883,"2,186":884,"2,187":885,"2,188":886,"2,189":887,"2,190":888,"2,191":889,"2,192":890,"2,193":891,"2,194":892,"2,195":893,"2,196":894,"2,197":895,"2,198":896,"2,199":897,"2,200":898,"2,201":899,"2,202":900,"2,203":901,"2,204":902,"2,205":903,"2,206":904,"2,207":905,"2,208":906,"2,209":907,"2,210":908,"2,211":909,"2,212":910,"2,213":911,"2,214":912,"2,215":913,"2,216":914,"2,217":915,"2,218":916,"2,219":917,"2,220":918,"2,221":919,"2,222":920,"2,223":921,"2,224":922,"2,225":923,"2,226":924,"2,227":925,"2,228":926,"2,229":927,"2,230":928,"2,231":929,"2,232":930,"2,233":931,"2,234":932,"2,235":933,"2,236":934,"2,237":935,"2,238":936,"2,239":937,"2,240":938,"2,241":939,"2,242":940,"2,243":941,"2,244":942,"2,245":943,"2,246":944,"2,247":945,"2,248":946,"2,249":947,"2,250":948,"2,251":949,"2,252":950,"2,253":951,"2,254":952,"2,255":953,"2,256":954,"2,257":955,"2,258":956,"2,259":957,"2,260":958,"2,261":959,"2,262":960,"2,263":961,"2,264":962,"2,265":963,"2,266":964,"2,267":965,"2,268":966,"2,269":967,"2,270":968,"2,271":969,"2,272":970,"2,273":971,"2,274":972,"2,275":973,"2,276":974,"2,277":975,"2,278":976,"2,279":977,"2,280":978,"2,281":979,"2,282":980,"2,283":981,"2,284":982,"2,285":983,"2,286":984,"2,287":985,"2,288":986,"2,289":987,"2,290":988,"2,291":989,"2,292":990,"2,293":991,"2,294":992,"2,295":993,"2,296":994,"2,297":995,"2,298":996,"2,299":997,"2,300":998,"2,301":999,"2,302":1000,"2,303":1001,"2,304":1002,"2,305":1003,"2,306":1004,"2,307":1005,"2,308":1006,"2,309":1007,"2,310":1008,"2,311":1009,"2,312":1010,"2,313":1011,"2,314":1012,"2,315":1013,"2,316":1014,"2,317":1015,"2,318":1016,"2,319":1017,"2,320":1018,"2,321":1019,"2,322":1020,"2,323":1021,"2,324":1022,"2,325":1023,"2,326":1024,"2,327":1025,"2,328":1026,"2,329":1027,"2,330":1028,"2,331":1029,"2,332":1030,"2,333":1031,"2,334":1032,"2,335":1033,"2,336":1034,"2,337":1035,"2,338":1036,"2,339":1037,"2,340":1038,"2,341":1039,"2,342":1040,"2,343":1041,"2,344":1042,"2,345":1043,"2,346":1044,"2,347":1045,"2,348":1046,"2,349":1047,"2,350":1048,"2,351":1049,"2,352":1050,"2,353":1051,"2,354":1052,"2,355":1053,"2,356":1054,"2,357":1055,"2,358":1056,"2,359":1057,"2,360":1058,"2,361":1059,"2,362":1060,"2,363":1061,"2,364":1062,"2,365":1063,"2,366":1064,"2,367":1065,"2,368":1066,"2,369":1067,"2,370":1068,"2,371":1069,"2,372":1070,"2,373":1071,"2,374":1072,"2,375":1073,"2,376":1074,"2,377":1075,"2,378":1076,"2,379":1077,"2,380":1078,"2,381":1079,"2,382":1080,"2,383":1081,"2,384":1082,"2,385":1083,"2,386":1084,"2,387":1085,"2,388":1086,"2,389":1087,"2,390":1088,"2,391":1089,"2,392":1090,"2,393":1091,"2,394":1092,"2,395":1093,"2,396":1094,"2,397":1095,"2,398":1096,"2,399":1097,"2,400":1098,"2,401":1099,"2,402":1100,"2,403":1101,"2,404":1102,"2,405":1103,"2,406":1104,"2,407":1105,"2,408":1106,"2,409":1107,"2,410":1108,"2,411":1109,"2,412":1110,"2,413":1111,"2,414":1112,"2,415":1113,"2,416":1114,"2,417":1115,"2,418":1116,"2,419":1117,"2,420":1118,"2,421":1119,"2,422":1120,"2,423":1121,"2,424":1122,"2,425":1123,"2,426":1124,"2,427":1125,"2,428":1126,"2,429":1127,"2,430":1128,"2,431":1129,"2,432":1130,"2,433":1131,"2,434":1132,"2,435":1133,"2,436":1134,"2,437":1135,"2,438":1136,"2,439":1137,"2,440":1138,"2,441":1139,"2,442":1140,"2,443":1141,"2,444":1142,"2,445":1143,"2,446":1144,"2,447":1145,"2,448":1146,"2,449":1147,"2,450":1148,"2,451":1149,"2,452":1150,"2,453":1151,"2,454":1152,"2,455":1153,"2,456":1154,"2,457":1155,"2,458":1156,"2,459":1157,"2,460":1158,"2,461":1159,"2,462":1160,"2,463":1161,"2,464":1162,"2,465":1163,"2,466":1164,"2,467":1165,"2,468":1166,"2,469":1167,"2,470":1168,"2,471":1169,"2,472":1170,"2,473":1171,"2,474":1172,"2,475":1173,"2,476":1174,"2,477":1175,"2,478":1176,"2,479":1177,"2,480":1178,"2,481":1179,"2,482":1180,"2,483":1181,"2,484":1182,"2,485":1183,"2,486":1184,"2,487":1185,"2,488":1186,"2,489":1187,"2,490":1188,"2,491":1189,"2,492":1190,"2,493":1191,"2,494":1192,"2,495":1193,"2,496":1194,"2,497":1195,"2,498":1196,"2,499":1197,"2,500":1198,"2,501":1199,"2,502":1200,"2,503":1201,"2,504":1202,"2,505":1203,"2,506":1204,"2,507":1205,"2,508":1206,"2,509":1207,"2,510":1208,"2,511":1209,"2,512":1210,"2,513":1211,"2,514":1212,"2,515":1213,"2,516":1214,"2,517":1215,"2,518":1216,"2,519":1217,"2,520":1218,"2,521":1219,"2,522":1220,"2,523":1221,"2,524":1222,"2,525":1223,"2,526":1224,"2,527":1225,"2,528":1226,"2,529":1227,"2,530":1228,"2,531":1229,"2,532":1230,"2,533":1231,"2,534":1232,"2,535":1233,"2,536":1234,"2,537":1235,"2,538":1236,"2,539":1237,"2,540":1238,"2,541":1239,"2,542":1240,"2,543":1241,"2,544":1242,"2,545":1243,"2,546":1244,"2,547":1245,"2,548":1246,"2,549":1247,"2,550":1248,"2,551":1249,"2,552":1250,"2,553":1251,"2,554":1252,"2,555":1253,"2,556":1254,"2,557":1255,"2,558":1256,"2,559":1257,"2,560":1258,"2,561":1259,"2,562":1260,"2,563":1261,"2,564":1262,"2,565":1263,"2,566":1264,"2,567":1265,"2,568":1266,"2,569":1267,"2,570":1268,"2,571":1269,"2,572":1270,"2,573":1271,"2,574":1272,"2,575":1273,"2,576":1274,"2,577":1275,"2,578":1276,"2,579":1277,"2,580":1278,"2,581":1279,"2,582":1280,"2,583":1281,"2,584":1282,"2,585":1283,"2,586":1284,"2,587":1285,"2,588":1286,"2,589":1287,"2,590":1288,"2,591":1289,"2,592":1290,"2,593":1291,"2,594":1292,"2,595":1293,"2,596":1294,"2,597":1295,"2,598":1296,"2,599":1297,"2,600":1298,"2,601":1299,"2,602":1300,"2,603":1301,"2,604":1302,"2,605":1303,"2,606":1304,"2,607":1305,"2,608":1306,"2,609":1307,"2,610":1308,"2,611":1309,"2,612":1310,"2,613":1311,"2,614":1312,"2,615":1313,"2,616":1314,"2,617":1315,"2,618":1316,"2,619":1317,"2,620":1318,"2,621":1319,"2,622":1320,"2,623":1321,"2,624":1322,"2,625":1323,"2,626":1324,"2,627":1325,"2,628":1326,"2,629":1327,"2,630":1328,"2,631":1329,"2,632":1330,"2,633":1331,"2,634":1332,"2,635":1333,"2,636":1334,"2,637":1335,"2,638":1336,"2,639":1337,"2,640":1338,"2,641":1339,"2,642":1340,"2,643":1341,"2,644":1342,"2,645":1343,"2,646":1344,"2,647":1345,"2,648":1346,"2,649":1347,"2,650":1348,"2,651":1349,"2,652":1350,"2,653":1351,"2,654":1352,"2,655":1353,"2,656":1354,"2,657":1355,"2,658":1356,"2,659":1357,"2,660":1358,"2,661":1359,"2,662":1360,"2,663":1361,"2,664":1362,"2,665":1363,"2,666":1364,"2,667":1365,"2,668":1366,"2,669":1367,"2,670":1368,"2,671":1369,"2,672":1370,"2,673":1371,"2,674":1372,"2,675":1373,"2,676":1374,"2,677":1375,"2,678":1376,"2,679":1377,"2,680":1378,"2,681":1379,"2,682":1380,"2,683":1381,"2,684":1382,"2,685":1383,"2,686":1384,"2,687":1385,"2,688":1386,"2,689":1387,"2,690":1388,"2,691":1389,"2,692":1390,"2,693":1391,"2,694":1392,"2,695":1393,"2,696":1394,"2,697":1395,"2,698":1396,"2,699":1397,"2,700":1398,"2,701":1399,"2,702":1400,"2,703":1401,"2,704":1402,"2,705":1403,"2,706":1404,"2,707":1405,"2,708":1406,"2,709":1407,"2,710":1408,"2,711":1409,"2,712":1410,"2,713":1411,"2,714":1412,"2,715":1413,"2,716":1414,"3,5":1415,"3,6":1416,"3,7":1417,"3,8":1418,"3,9":1419,"3,10":1420,"3,11":1421,"3,12":1422,"3,13":1423,"3,14":1424,"3,15":1425,"3,16":1426,"3,17":1427,"3,18":1428,"3,19":1429,"3,20":1430,"3,21":1431,"3,22":1432,"3,23":1433,"3,24":1434,"3,25":1435,"3,26":1436,"3,27":1437,"3,28":1438,"3,29":1439,"3,30":1440,"3,31":1441,"3,32":1442,"3,33":1443,"3,34":1444,"3,35":1445,"3,36":1446,"3,37":1447,"3,38":1448,"3,39":1449,"3,40":1450,"3,41":1451,"3,42":1452,"3,43":1453,"3,44":1454,"3,45":1455,"3,46":1456,"3,47":1457,"3,48":1458,"3,49":1459,"3,50":1460,"3,51":1461,"3,52":1462,"3,53":1463,"3,54":1464,"3,55":1465,"3,56":1466,"3,57":1467,"3,58":1468,"3,59":1469,"3,60":1470,"3,61":1471,"3,62":1472,"3,63":1473,"3,64":1474,"3,65":1475,"3,66":1476,"3,67":1477,"3,68":1478,"3,69":1479,"3,70":1480,"3,71":1481,"3,72":1482,"3,73":1483,"3,74":1484,"3,75":1485,"3,76":1486,"3,77":1487,"3,78":1488,"3,79":1489,"3,80":1490,"3,81":1491,"3,82":1492,"3,83":1493,"3,84":1494,"3,85":1495,"3,86":1496,"3,87":1497,"3,88":1498,"3,89":1499,"3,90":1500,"3,91":1501,"3,92":1502,"3,93":1503,"3,94":1504,"3,95":1505,"3,96":1506,"3,97":1507,"3,98":1508,"3,99":1509,"3,100":1510,"3,101":1511,"3,102":1512,"3,103":1513,"3,104":1514,"3,105":1515,"3,106":1516,"3,107":1517,"3,108":1518,"3,109":1519,"3,110":1520,"3,111":1521,"3,112":1522,"3,113":1523,"3,114":1524,"3,115":1525,"3,116":1526,"3,117":1527,"3,118":1528,"3,119":1529,"3,120":1530,"3,121":1531,"3,122":1532,"3,123":1533,"3,124":1534,"3,125":1535,"3,126":1536,"3,127":1537,"3,128":1538,"3,129":1539,"3,130":1540,"3,131":1541,"3,132":1542,"3,133":1543,"3,134":1544,"3,135":1545,"3,136":1546,"3,137":1547,"3,138":1548,"3,139":1549,"3,140":1550,"3,141":1551,"3,142":1552,"3,143":1553,"3,144":1554,"3,145":1555,"3,146":1556,"3,147":1557,"3,148":1558,"3,149":1559,"3,150":1560,"3,151":1561,"3,152":1562,"3,153":1563,"3,154":1564,"3,155":1565,"3,156":1566,"3,157":1567,"3,158":1568,"3,159":1569,"3,160":1570,"3,161":1571,"3,162":1572,"3,163":1573,"3,164":1574,"3,165":1575,"3,166":1576,"3,167":1577,"3,168":1578,"3,169":1579,"3,170":1580,"3,171":1581,"3,172":1582,"3,173":1583,"3,174":1584,"3,175":1585,"3,176":1586,"3,177":1587,"3,178":1588,"3,179":1589,"3,180":1590,"3,181":1591,"3,182":1592,"3,183":1593,"3,184":1594,"3,185":1595,"3,186":1596,"3,187":1597,"3,188":1598,"3,189":1599,"3,190":1600,"3,191":1601,"3,192":1602,"3,193":1603,"3,194":1604,"3,195":1605,"3,196":1606,"3,197":1607,"3,198":1608,"3,199":1609,"3,200":1610,"3,201":1611,"3,202":1612,"3,203":1613,"3,204":1614,"3,205":1615,"3,206":1616,"3,207":1617,"3,208":1618,"3,209":1619,"3,210":1620,"3,211":1621,"3,212":1622,"3,213":1623,"3,214":1624,"3,215":1625,"3,216":1626,"3,217":1627,"3,218":1628,"3,219":1629,"3,220":1630,"3,221":1631,"3,222":1632,"3,223":1633,"3,224":1634,"3,225":1635,"3,226":1636,"3,227":1637,"3,228":1638,"3,229":1639,"3,230":1640,"3,231":1641,"3,232":1642,"3,233":1643,"3,234":1644,"3,235":1645,"3,236":1646,"3,237":1647,"3,238":1648,"3,239":1649,"3,240":1650,"3,241":1651,"3,242":1652,"3,243":1653,"3,244":1654,"3,245":1655,"3,246":1656,"3,247":1657,"3,248":1658,"3,249":1659,"3,250":1660,"3,251":1661,"3,252":1662,"3,253":1663,"3,254":1664,"3,255":1665,"3,256":1666,"3,257":1667,"3,258":1668,"3,259":1669,"3,260":1670,"3,261":1671,"3,262":1672,"3,263":1673,"3,264":1674,"3,265":1675,"3,266":1676,"3,267":1677,"3,268":1678,"3,269":1679,"3,270":1680,"3,271":1681,"3,272":1682,"3,273":1683,"3,274":1684,"3,275":1685,"3,276":1686,"3,277":1687,"3,278":1688,"3,279":1689,"3,280":1690,"3,281":1691,"3,282":1692,"3,283":1693,"3,284":1694,"3,285":1695,"3,286":1696,"3,287":1697,"3,288":1698,"3,289":1699,"3,290":1700,"3,291":1701,"3,292":1702,"3,293":1703,"3,294":1704,"3,295":1705,"3,296":1706,"3,297":1707,"3,298":1708,"3,299":1709,"3,300":1710,"3,301":1711,"3,302":1712,"3,303":1713,"3,304":1714,"3,305":1715,"3,306":1716,"3,307":1717,"3,308":1718,"3,309":1719,"3,310":1720,"3,311":1721,"3,312":1722,"3,313":1723,"3,314":1724,"3,315":1725,"3,316":1726,"3,317":1727,"3,318":1728,"3,319":1729,"3,320":1730,"3,321":1731,"3,322":1732,"3,323":1733,"3,324":1734,"3,325":1735,"3,326":1736,"3,327":1737,"3,328":1738,"3,329":1739,"3,330":1740,"3,331":1741,"3,332":1742,"3,333":1743,"3,334":1744,"3,335":1745,"3,336":1746,"3,337":1747,"3,338":1748,"3,339":1749,"3,340":1750,"3,341":1751,"3,342":1752,"3,343":1753,"3,344":1754,"3,345":1755,"3,346":1756,"3,347":1757,"3,348":1758,"3,349":1759,"3,350":1760,"3,351":1761,"3,352":1762,"3,353":1763,"3,354":1764,"3,355":1765,"3,356":1766,"3,357":1767,"3,358":1768,"3,359":1769,"3,360":1770,"3,361":1771,"3,362":1772,"3,363":1773,"3,364":1774,"3,365":1775,"3,366":1776,"3,367":1777,"3,368":1778,"3,369":1779,"3,370":1780,"3,371":1781,"3,372":1782,"3,373":1783,"3,374":1784,"3,375":1785,"3,376":1786,"3,377":1787,"3,378":1788,"3,379":1789,"3,380":1790,"3,381":1791,"3,382":1792,"3,383":1793,"3,384":1794,"3,385":1795,"3,386":1796,"3,387":1797,"3,388":1798,"3,389":1799,"3,390":1800,"3,391":1801,"3,392":1802,"3,393":1803,"3,394":1804,"3,395":1805,"3,396":1806,"3,397":1807,"3,398":1808,"3,399":1809,"3,400":1810,"3,401":1811,"3,402":1812,"3,403":1813,"3,404":1814,"3,405":1815,"3,406":1816,"3,407":1817,"3,408":1818,"3,409":1819,"3,410":1820,"3,411":1821,"3,412":1822,"3,413":1823,"3,414":1824,"3,415":1825,"3,416":1826,"3,417":1827,"3,418":1828,"3,419":1829,"3,420":1830,"3,421":1831,"3,422":1832,"3,423":1833,"3,424":1834,"3,425":1835,"3,426":1836,"3,427":1837,"3,428":1838,"3,429":1839,"3,430":1840,"3,431":1841,"3,432":1842,"3,433":1843,"3,434":1844,"3,435":1845,"3,436":1846,"3,437":1847,"3,438":1848,"3,439":1849,"3,440":1850,"3,441":1851,"3,442":1852,"3,443":1853,"3,444":1854,"3,445":1855,"3,446":1856,"3,447":1857,"3,448":1858,"3,449":1859,"3,450":1860,"3,451":1861,"3,452":1862,"3,453":1863,"3,454":1864,"3,455":1865,"3,456":1866,"3,457":1867,"3,458":1868,"3,459":1869,"3,460":1870,"3,461":1871,"3,462":1872,"3,463":1873,"3,464":1874,"3,465":1875,"3,466":1876,"3,467":1877,"3,468":1878,"3,469":1879,"3,470":1880,"3,471":1881,"3,472":1882,"3,473":1883,"3,474":1884,"3,475":1885,"3,476":1886,"3,477":1887,"3,478":1888,"3,479":1889,"3,480":1890,"3,481":1891,"3,482":1892,"3,483":1893,"3,484":1894,"3,485":1895,"3,486":1896,"3,487":1897,"3,488":1898,"3,489":1899,"3,490":1900,"3,491":1901,"3,492":1902,"3,493":1903,"3,494":1904,"3,495":1905,"3,496":1906,"3,497":1907,"3,498":1908,"3,499":1909,"3,500":1910,"3,501":1911,"3,502":1912,"3,503":1913,"3,504":1914,"3,505":1915,"3,506":1916,"3,507":1917,"3,508":1918,"3,509":1919,"3,510":1920,"3,511":1921,"3,512":1922,"3,513":1923,"3,514":1924,"3,515":1925,"3,516":1926,"3,517":1927,"3,518":1928,"3,519":1929,"3,520":1930,"3,521":1931,"3,522":1932,"3,523":1933,"3,524":1934,"3,525":1935,"3,526":1936,"3,527":1937,"3,528":1938,"3,529":1939,"3,530":1940,"3,531":1941,"3,532":1942,"3,533":1943,"3,534":1944,"3,535":1945,"3,536":1946,"3,537":1947,"3,538":1948,"3,539":1949,"3,540":1950,"3,541":1951,"3,542":1952,"3,543":1953,"3,544":1954,"3,545":1955,"3,546":1956,"3,547":1957,"3,548":1958,"3,549":1959,"3,550":1960,"3,551":1961,"3,552":1962,"3,553":1963,"3,554":1964,"3,555":1965,"3,556":1966,"3,557":1967,"3,558":1968,"3,559":1969,"3,560":1970,"3,561":1971,"3,562":1972,"3,563":1973,"3,564":1974,"3,565":1975,"3,566":1976,"3,567":1977,"3,568":1978,"3,569":1979,"3,570":1980,"3,571":1981,"3,572":1982,"3,573":1983,"3,574":1984,"3,575":1985,"3,576":1986,"3,577":1987,"3,578":1988,"3,579":1989,"3,580":1990,"3,581":1991,"3,582":1992,"3,583":1993,"3,584":1994,"3,585":1995,"3,586":1996,"3,587":1997,"3,588":1998,"3,589":1999,"3,590":2000,"3,591":2001,"3,592":2002,"3,593":2003,"3,594":2004,"3,595":2005,"3,596":2006,"3,597":2007,"3,598":2008,"3,599":2009,"3,600":2010,"3,601":2011,"3,602":2012,"3,603":2013,"3,604":2014,"3,605":2015,"3,606":2016,"3,607":2017,"3,608":2018,"3,609":2019,"3,610":2020,"3,611":2021,"3,612":2022,"3,613":2023,"3,614":2024,"3,615":2025,"3,616":2026,"3,617":2027,"3,618":2028,"3,619":2029,"3,620":2030,"3,621":2031,"3,622":2032,"3,623":2033,"3,624":2034,"3,625":2035,"3,626":2036,"3,627":2037,"3,628":2038,"3,629":2039,"3,630":2040,"3,631":2041,"3,632":2042,"3,633":2043,"3,634":2044,"3,635":2045,"3,636":2046,"3,637":2047,"3,638":2048,"3,639":2049,"3,640":2050,"3,641":2051,"3,642":2052,"3,643":2053,"3,644":2054,"3,645":2055,"3,646":2056,"3,647":2057,"3,648":2058,"3,649":2059,"3,650":2060,"3,651":2061,"3,652":2062,"3,653":2063,"3,654":2064,"3,655":2065,"3,656":2066,"3,657":2067,"3,658":2068,"3,659":2069,"3,660":2070,"3,661":2071,"3,662":2072,"3,663":2073,"3,664":2074,"3,665":2075,"3,666":2076,"3,667":2077,"3,668":2078,"3,669":2079,"3,670":2080,"3,671":2081,"3,672":2082,"3,673":2083,"3,674":2084,"3,675":2085,"3,676":2086,"3,677":2087,"3,678":2088,"3,679":2089,"3,680":2090,"3,681":2091,"3,682":2092,"3,683":2093,"3,684":2094,"3,685":2095,"3,686":2096,"3,687":2097,"3,688":2098,"3,689":2099,"3,690":2100,"3,691":2101,"3,692":2102,"3,693":2103,"3,694":2104,"3,695":2105,"3,696":2106,"3,697":2107,"3,698":2108,"3,699":2109,"3,700":2110,"4,5":2111,"4,6":2112,"4,7":2113,"4,8":2114,"4,9":2115,"4,10":2116,"4,11":2117,"4,12":2118,"4,13":2119,"4,14":2120,"4,15":2121,"4,16":2122,"4,17":2123,"4,18":2124,"4,19":2125,"4,20":2126,"4,21":2127,"4,22":2128,"4,23":2129,"4,24":2130,"4,25":2131,"4,26":2132,"4,27":2133,"4,28":2134,"4,29":2135,"4,30":2136,"4,31":2137,"4,32":2138,"4,33":2139,"4,34":2140,"4,35":2141,"4,36":2142,"4,37":2143,"4,38":2144,"4,39":2145,"4,40":2146,"4,41":2147,"4,42":2148,"4,43":2149,"4,44":2150,"4,45":2151,"4,46":2152,"4,47":2153,"4,48":2154,"4,49":2155,"4,50":2156,"4,51":2157,"4,52":2158,"4,53":2159,"4,54":2160,"4,55":2161,"4,56":2162,"4,57":2163,"4,58":2164,"4,59":2165,"4,60":2166,"4,61":2167,"4,62":2168,"4,63":2169,"4,64":2170,"4,65":2171,"4,66":2172,"4,67":2173,"4,68":2174,"4,69":2175,"4,70":2176,"4,71":2177,"4,72":2178,"4,73":2179,"4,74":2180,"4,75":2181,"4,76":2182,"4,77":2183,"4,78":2184,"4,79":2185,"4,80":2186,"4,81":2187,"4,82":2188,"4,83":2189,"4,84":2190,"4,85":2191,"4,86":2192,"4,87":2193,"4,88":2194,"4,89":2195,"4,90":2196,"4,91":2197,"4,92":2198,"4,93":2199,"4,94":2200,"4,95":2201,"4,96":2202,"4,97":2203,"4,98":2204,"4,99":2205,"4,100":2206,"4,101":2207,"4,102":2208,"4,103":2209,"4,104":2210,"4,105":2211,"4,106":2212,"4,107":2213,"4,108":2214,"4,109":2215,"4,110":2216,"4,111":2217,"4,112":2218,"4,113":2219,"4,114":2220,"4,115":2221,"4,116":2222,"4,117":2223,"4,118":2224,"4,119":2225,"4,120":2226,"4,121":2227,"4,122":2228,"4,123":2229,"4,124":2230,"4,125":2231,"4,126":2232,"4,127":2233,"4,128":2234,"4,129":2235,"4,130":2236,"4,131":2237,"4,132":2238,"4,133":2239,"4,134":2240,"4,135":2241,"4,136":2242,"4,137":2243,"4,138":2244,"4,139":2245,"4,140":2246,"4,141":2247,"4,142":2248,"4,143":2249,"4,144":2250,"4,145":2251,"4,146":2252,"4,147":2253,"4,148":2254,"4,149":2255,"4,150":2256,"4,151":2257,"4,152":2258,"4,153":2259,"4,154":2260,"4,155":2261,"4,156":2262,"4,157":2263,"4,158":2264,"4,159":2265,"4,160":2266,"4,161":2267,"4,162":2268,"4,163":2269,"4,164":2270,"4,165":2271,"4,166":2272,"4,167":2273,"4,168":2274,"4,169":2275,"4,170":2276,"4,171":2277,"4,172":2278,"4,173":2279,"4,174":2280,"4,175":2281,"4,176":2282,"4,177":2283,"4,178":2284,"4,179":2285,"4,180":2286,"4,181":2287,"4,182":2288,"4,183":2289,"4,184":2290,"4,185":2291,"4,186":2292,"4,187":2293,"4,188":2294,"4,189":2295,"4,190":2296,"4,191":2297,"4,192":2298,"4,193":2299,"4,194":2300,"4,195":2301,"4,196":2302,"4,197":2303,"4,198":2304,"4,199":2305,"4,200":2306,"4,201":2307,"4,202":2308,"4,203":2309,"4,204":2310,"4,205":2311,"4,206":2312,"4,207":2313,"4,208":2314,"4,209":2315,"4,210":2316,"4,211":2317,"4,212":2318,"4,213":2319,"4,214":2320,"4,215":2321,"4,216":2322,"4,217":2323,"4,218":2324,"4,219":2325,"4,220":2326,"4,221":2327,"4,222":2328,"4,223":2329,"4,224":2330,"4,225":2331,"4,226":2332,"4,227":2333,"4,228":2334,"4,229":2335,"4,230":2336,"4,231":2337,"4,232":2338,"4,233":2339,"4,234":2340,"4,235":2341,"4,236":2342,"4,237":2343,"4,238":2344,"4,239":2345,"4,240":2346,"4,241":2347,"4,242":2348,"4,243":2349,"4,244":2350,"4,245":2351,"4,246":2352,"4,247":2353,"4,248":2354,"4,249":2355,"4,250":2356,"4,251":2357,"4,252":2358,"4,253":2359,"4,254":2360,"4,255":2361,"4,256":2362,"4,257":2363,"4,258":2364,"4,259":2365,"4,260":2366,"4,261":2367,"4,262":2368,"4,263":2369,"4,264":2370,"4,265":2371,"4,266":2372,"4,267":2373,"4,268":2374,"4,269":2375,"4,270":2376,"4,271":2377,"4,272":2378,"4,273":2379,"4,274":2380,"4,275":2381,"4,276":2382,"4,277":2383,"4,278":2384,"4,279":2385,"4,280":2386,"4,281":2387,"4,282":2388,"4,283":2389,"4,284":2390,"4,285":2391,"4,286":2392,"4,287":2393,"4,288":2394,"4,289":2395,"4,290":2396,"4,291":2397,"4,292":2398,"4,293":2399,"4,294":2400,"4,295":2401,"4,296":2402,"4,297":2403,"4,298":2404,"4,299":2405,"4,300":2406,"4,301":2407,"4,302":2408,"4,303":2409,"4,304":2410,"4,305":2411,"4,306":2412,"4,307":2413,"4,308":2414,"4,309":2415,"4,310":2416,"4,311":2417,"4,312":2418,"4,313":2419,"4,314":2420,"4,315":2421,"4,316":2422,"4,317":2423,"4,318":2424,"4,319":2425,"4,320":2426,"4,321":2427,"4,322":2428,"4,323":2429,"4,324":2430,"4,325":2431,"4,326":2432,"4,327":2433,"4,328":2434,"4,329":2435,"4,330":2436,"4,331":2437,"4,332":2438,"4,333":2439,"4,334":2440,"4,335":2441,"4,336":2442,"4,337":2443,"4,338":2444,"4,339":2445,"4,340":2446,"4,341":2447,"4,342":2448,"4,343":2449,"4,344":2450,"4,345":2451,"4,346":2452,"4,347":2453,"4,348":2454,"4,349":2455,"4,350":2456,"4,351":2457,"4,352":2458,"4,353":2459,"4,354":2460,"4,355":2461,"4,356":2462,"4,357":2463,"4,358":2464,"4,359":2465,"4,360":2466,"4,361":2467,"4,362":2468,"4,363":2469,"4,364":2470,"4,365":2471,"4,366":2472,"4,367":2473,"4,368":2474,"4,369":2475,"4,370":2476,"4,371":2477,"4,372":2478,"4,373":2479,"4,374":2480,"4,375":2481,"4,376":2482,"4,377":2483,"4,378":2484,"4,379":2485,"4,380":2486,"4,381":2487,"4,382":2488,"4,383":2489,"4,384":2490,"4,385":2491,"4,386":2492,"4,387":2493,"4,388":2494,"4,389":2495,"4,390":2496,"4,391":2497,"4,392":2498,"4,393":2499,"4,394":2500,"4,395":2501,"4,396":2502,"4,397":2503,"4,398":2504,"4,399":2505,"4,400":2506,"4,401":2507,"4,402":2508,"4,403":2509,"4,404":2510,"4,405":2511,"4,406":2512,"4,407":2513,"4,408":2514,"4,409":2515,"4,410":2516,"4,411":2517,"4,412":2518,"4,413":2519,"4,414":2520,"4,415":2521,"4,416":2522,"4,417":2523,"4,418":2524,"4,419":2525,"4,420":2526,"4,421":2527,"4,422":2528,"4,423":2529,"4,424":2530,"4,425":2531,"4,426":2532,"4,427":2533,"4,428":2534,"4,429":2535,"4,430":2536,"4,431":2537,"4,432":2538,"4,433":2539,"4,434":2540,"4,435":2541,"4,436":2542,"4,437":2543,"4,438":2544,"4,439":2545,"4,440":2546,"4,441":2547,"4,442":2548,"4,443":2549,"4,444":2550,"4,445":2551,"4,446":2552,"4,447":2553,"4,448":2554,"4,449":2555,"4,450":2556,"4,451":2557,"4,452":2558,"4,453":2559,"4,454":2560,"4,455":2561,"4,456":2562,"4,457":2563,"4,458":2564,"4,459":2565,"4,460":2566,"4,461":2567,"4,462":2568,"4,463":2569,"4,464":2570,"4,465":2571,"4,466":2572,"4,467":2573,"4,468":2574,"4,469":2575,"4,470":2576,"4,471":2577,"4,472":2578,"4,473":2579,"4,474":2580,"4,475":2581,"4,476":2582,"4,477":2583,"4,478":2584,"4,479":2585,"4,480":2586,"4,481":2587,"4,482":2588,"4,483":2589,"4,484":2590,"4,485":2591,"4,486":2592,"4,487":2593,"4,488":2594,"4,489":2595,"4,490":2596,"4,491":2597,"4,492":2598,"4,493":2599,"4,494":2600,"4,495":2601,"4,496":2602,"4,497":2603,"4,498":2604,"4,499":2605,"4,500":2606,"4,501":2607,"4,502":2608,"4,503":2609,"4,504":2610,"4,505":2611,"4,506":2612,"4,507":2613,"4,508":2614,"4,509":2615,"4,510":2616,"4,511":2617,"4,512":2618,"4,513":2619,"4,514":2620,"4,515":2621,"4,516":2622,"4,517":2623,"4,518":2624,"4,519":2625,"4,520":2626,"4,521":2627,"4,522":2628,"4,523":2629,"4,524":2630,"4,525":2631,"4,526":2632,"4,527":2633,"4,528":2634,"4,529":2635,"4,530":2636,"4,531":2637,"4,532":2638,"4,533":2639,"4,534":2640,"4,535":2641,"4,536":2642,"4,537":2643,"4,538":2644,"4,539":2645,"4,540":2646,"4,541":2647,"4,542":2648,"4,543":2649,"4,544":2650,"4,545":2651,"4,546":2652,"4,547":2653,"4,548":2654,"4,549":2655,"4,550":2656,"4,551":2657,"4,552":2658,"4,553":2659,"4,554":2660,"4,555":2661,"4,556":2662,"4,557":2663,"4,558":2664,"4,559":2665,"4,560":2666,"4,561":2667,"4,562":2668,"4,563":2669,"4,564":2670,"4,565":2671,"4,566":2672,"4,567":2673,"4,568":2674,"4,569":2675,"4,570":2676,"4,571":2677,"4,572":2678,"4,573":2679,"4,574":2680,"4,575":2681,"4,576":2682,"4,577":2683,"4,578":2684,"4,579":2685,"4,580":2686,"4,581":2687,"4,582":2688,"4,583":2689,"4,584":2690,"4,585":2691,"4,586":2692,"4,587":2693,"4,588":2694,"4,589":2695,"4,590":2696,"4,591":2697,"4,592":2698,"4,593":2699,"4,594":2700,"4,595":2701,"4,596":2702,"4,597":2703,"4,598":2704,"4,599":2705,"4,600":2706,"4,601":2707,"4,602":2708,"4,603":2709,"4,604":2710,"4,605":2711,"4,606":2712,"4,607":2713,"4,608":2714,"4,609":2715,"4,610":2716,"4,611":2717,"4,612":2718,"4,613":2719,"4,614":2720,"4,615":2721,"4,616":2722,"4,617":2723,"4,618":2724,"4,619":2725,"4,620":2726,"4,621":2727,"4,622":2728,"4,623":2729,"4,624":2730,"4,625":2731,"4,626":2732,"4,627":2733,"4,628":2734,"4,629":2735,"4,630":2736,"4,631":2737,"4,632":2738,"4,633":2739,"4,634":2740,"4,635":2741,"4,636":2742,"4,637":2743,"4,638":2744,"4,639":2745,"4,640":2746,"4,641":2747,"4,642":2748,"4,643":2749,"4,644":2750,"4,645":2751,"4,646":2752,"4,647":2753,"4,648":2754,"4,649":2755,"4,650":2756,"4,651":2757,"4,652":2758,"4,653":2759,"4,654":2760,"4,655":2761,"4,656":2762,"4,657":2763,"4,658":2764,"4,659":2765,"4,660":2766,"4,661":2767,"4,662":2768,"4,663":2769,"4,664":2770,"4,665":2771,"4,666":2772,"4,667":2773,"4,668":2774,"4,669":2775,"4,670":2776,"4,671":2777,"4,672":2778,"4,673":2779,"4,674":2780,"4,675":2781,"4,676":2782,"4,677":2783,"4,678":2784,"4,679":2785,"4,680":2786,"4,681":2787,"4,682":2788,"4,683":2789,"4,684":2790,"4,685":2791,"4,686":2792,"4,687":2793,"4,688":2794,"4,689":2795,"4,690":2796,"4,691":2797,"4,692":2798,"4,693":2799,"4,694":2800,"4,695":2801,"4,696":2802,"4,697":2803,"4,698":2804,"4,699":2805,"4,700":2806,"4,701":2807,"4,702":2808,"4,703":2809,"4,704":2810,"4,705":2811,"4,706":2812,"4,707":2813,"4,708":2814,"4,709":2815,"4,710":2816,"4,711":2817,"4,712":2818,"4,713":2819,"4,714":2820,"4,715":2821,"4,716":2822,"4,717":2823,"4,718":2824,"4,719":2825,"4,720":2826,"4,721":2827,"4,722":2828,"4,723":2829,"4,724":2830,"4,725":2831,"4,726":2832,"4,727":2833,"4,728":2834,"4,729":2835,"4,730":2836,"4,731":2837,"4,732":2838,"4,733":2839,"4,734":2840,"4,735":2841,"4,736":2842,"4,737":2843,"4,738":2844,"4,739":2845,"4,740":2846,"4,741":2847,"4,742":2848,"4,743":2849,"4,744":2850,"4,745":2851,"4,746":2852,"4,747":2853,"5,5":2854,"5,6":2855,"5,7":2856,"5,8":2857,"5,9":2858,"5,10":2859,"5,11":2860,"5,12":2861,"5,13":2862,"5,14":2863,"5,15":2864,"5,16":2865,"5,17":2866,"5,18":2867,"5,19":2868,"5,20":2869,"5,21":2870,"5,22":2871,"5,23":2872,"5,24":2873,"5,25":2874,"5,26":2875,"5,27":2876,"5,28":2877,"5,29":2878,"5,30":2879,"5,31":2880,"5,32":2881,"5,33":2882,"5,34":2883,"5,35":2884,"5,36":2885,"5,37":2886,"5,38":2887,"5,39":2888,"5,40":2889,"5,41":2890,"5,42":2891,"5,43":2892,"5,44":2893,"5,45":2894,"5,46":2895,"5,47":2896,"5,48":2897,"5,49":2898,"5,50":2899,"5,51":2900,"5,52":2901,"5,53":2902,"5,54":2903,"5,55":2904,"5,56":2905,"5,57":2906,"5,58":2907,"5,59":2908,"5,60":2909,"5,61":2910,"5,62":2911,"5,63":2912,"5,64":2913,"5,65":2914,"5,66":2915,"5,67":2916,"5,68":2917,"5,69":2918,"5,70":2919,"5,71":2920,"5,72":2921,"5,73":2922,"5,74":2923,"5,75":2924,"5,76":2925,"5,77":2926,"5,78":2927,"5,79":2928,"5,80":2929,"5,81":2930,"5,82":2931,"5,83":2932,"5,84":2933,"5,85":2934,"5,86":2935,"5,87":2936,"5,88":2937,"5,89":2938,"5,90":2939,"5,91":2940,"5,92":2941,"5,93":2942,"5,94":2943,"5,95":2944,"5,96":2945,"5,97":2946,"5,98":2947,"5,99":2948,"5,100":2949,"5,101":2950,"5,102":2951,"5,103":2952,"5,104":2953,"5,105":2954,"5,106":2955,"5,107":2956,"5,108":2957,"5,109":2958,"5,110":2959,"5,111":2960,"5,112":2961,"5,113":2962,"5,114":2963,"5,115":2964,"5,116":2965,"5,117":2966,"5,118":2967,"5,119":2968,"5,120":2969,"5,121":2970,"5,122":2971,"5,123":2972,"5,124":2973,"5,125":2974,"5,126":2975,"5,127":2976,"5,128":2977,"5,129":2978,"5,130":2979,"5,131":2980,"5,132":2981,"5,133":2982,"5,134":2983,"5,135":2984,"5,136":2985,"5,137":2986,"5,138":2987,"5,139":2988,"5,140":2989,"5,141":2990,"5,142":2991,"5,143":2992,"5,144":2993,"5,145":2994,"5,146":2995,"5,147":2996,"5,148":2997,"5,149":2998,"5,150":2999,"5,151":3000,"5,152":3001,"5,153":3002,"5,154":3003,"5,155":3004,"5,156":3005,"5,157":3006,"5,158":3007,"5,159":3008,"5,160":3009,"5,161":3010,"5,162":3011,"5,163":3012,"5,164":3013,"5,165":3014,"5,166":3015,"5,167":3016,"5,168":3017,"5,169":3018,"5,170":3019,"5,171":3020,"5,172":3021,"5,173":3022,"5,174":3023,"5,175":3024,"5,176":3025,"5,177":3026,"5,178":3027,"5,179":3028,"5,180":3029,"5,181":3030,"5,182":3031,"5,183":3032,"5,184":3033,"5,185":3034,"5,186":3035,"5,187":3036,"5,188":3037,"5,189":3038,"5,190":3039,"5,191":3040,"5,192":3041,"5,193":3042,"5,194":3043,"5,195":3044,"5,196":3045,"5,197":3046,"5,198":3047,"5,199":3048,"5,200":3049,"5,201":3050,"5,202":3051,"5,203":3052,"5,204":3053,"5,205":3054,"5,206":3055,"5,207":3056,"5,208":3057,"5,209":3058,"5,210":3059,"5,211":3060,"5,212":3061,"5,213":3062,"5,214":3063,"5,215":3064,"5,216":3065,"5,217":3066,"5,218":3067,"5,219":3068,"5,220":3069,"5,221":3070,"5,222":3071,"5,223":3072,"5,224":3073,"5,225":3074,"5,226":3075,"5,227":3076,"5,228":3077,"5,229":3078,"5,230":3079,"5,231":3080,"5,232":3081,"5,233":3082,"5,234":3083,"5,235":3084,"5,236":3085,"5,237":3086,"5,238":3087,"5,239":3088,"5,240":3089,"5,241":3090,"5,242":3091,"5,243":3092,"5,244":3093,"5,245":3094,"5,246":3095,"5,247":3096,"5,248":3097,"5,249":3098,"5,250":3099,"5,251":3100,"5,252":3101,"5,253":3102,"5,254":3103,"5,255":3104,"5,256":3105,"5,257":3106,"5,258":3107,"5,259":3108,"5,260":3109,"5,261":3110,"5,262":3111,"5,263":3112,"5,264":3113,"5,265":3114,"5,266":3115,"5,267":3116,"5,268":3117,"5,269":3118,"5,270":3119,"5,271":3120,"5,272":3121,"5,273":3122,"5,274":3123,"5,275":3124,"5,276":3125,"5,277":3126,"5,278":3127,"5,279":3128,"5,280":3129,"5,281":3130,"5,282":3131,"5,283":3132,"5,284":3133,"5,285":3134,"5,286":3135,"5,287":3136,"5,288":3137,"5,289":3138,"5,290":3139,"5,291":3140,"5,292":3141,"5,293":3142,"5,294":3143,"5,295":3144,"5,296":3145,"5,297":3146,"5,298":3147,"5,299":3148,"5,300":3149,"5,301":3150,"5,302":3151,"5,303":3152,"5,304":3153,"5,305":3154,"5,306":3155,"5,307":3156,"5,308":3157,"5,309":3158,"5,310":3159,"5,311":3160,"5,312":3161,"5,313":3162,"5,314":3163,"5,315":3164,"5,316":3165,"5,317":3166,"5,318":3167,"5,319":3168,"5,320":3169,"5,321":3170,"5,322":3171,"5,323":3172,"5,324":3173,"5,325":3174,"5,326":3175,"5,327":3176,"5,328":3177,"5,329":3178,"5,330":3179,"5,331":3180,"5,332":3181,"5,333":3182,"5,334":3183,"5,335":3184,"5,336":3185,"5,337":3186,"5,338":3187,"5,339":3188,"5,340":3189,"5,341":3190,"5,342":3191,"5,343":3192,"5,344":3193,"5,345":3194,"5,346":3195,"5,347":3196,"5,348":3197,"5,349":3198,"5,350":3199,"5,351":3200,"5,352":3201,"5,353":3202,"5,354":3203,"5,355":3204,"5,356":3205,"5,357":3206,"5,358":3207,"5,359":3208,"5,360":3209,"5,361":3210,"5,362":3211,"5,363":3212,"5,364":3213,"5,365":3214,"5,366":3215,"5,367":3216,"5,368":3217,"5,369":3218,"5,370":3219,"5,371":3220,"5,372":3221,"5,373":3222,"5,374":3223,"5,375":3224,"5,376":3225,"5,377":3226,"5,378":3227,"5,379":3228,"5,380":3229,"5,381":3230,"5,382":3231,"5,383":3232,"5,384":3233,"5,385":3234,"5,386":3235,"5,387":3236,"5,388":3237,"5,389":3238,"5,390":3239,"5,391":3240,"5,392":3241,"5,393":3242,"5,394":3243,"5,395":3244,"5,396":3245,"5,397":3246,"5,398":3247,"5,399":3248,"5,400":3249,"5,401":3250,"5,402":3251,"5,403":3252,"5,404":3253,"5,405":3254,"5,406":3255,"5,407":3256,"5,408":3257,"5,409":3258,"5,410":3259,"5,411":3260,"5,412":3261,"5,413":3262,"5,414":3263,"5,415":3264,"5,416":3265,"5,417":3266,"5,418":3267,"5,419":3268,"5,420":3269,"5,421":3270,"5,422":3271,"5,423":3272,"5,424":3273,"5,425":3274,"5,426":3275,"5,427":3276,"5,428":3277,"5,429":3278,"5,430":3279,"5,431":3280,"5,432":3281,"5,433":3282,"5,434":3283,"5,435":3284,"5,436":3285,"5,437":3286,"5,438":3287,"5,439":3288,"5,440":3289,"5,441":3290,"5,442":3291,"5,443":3292,"5,444":3293,"5,445":3294,"5,446":3295,"5,447":3296,"5,448":3297,"5,449":3298,"5,450":3299,"5,451":3300,"5,452":3301,"5,453":3302,"5,454":3303,"5,455":3304,"5,456":3305,"5,457":3306,"5,458":3307,"5,459":3308,"5,460":3309,"5,461":3310,"5,462":3311,"5,463":3312,"5,464":3313,"5,465":3314,"5,466":3315,"5,467":3316,"5,468":3317,"5,469":3318,"5,470":3319,"5,471":3320,"5,472":3321,"5,473":3322,"5,474":3323,"5,475":3324,"5,476":3325,"5,477":3326,"5,478":3327,"5,479":3328,"5,480":3329,"5,481":3330,"5,482":3331,"5,483":3332,"5,484":3333,"5,485":3334,"5,486":3335,"5,487":3336,"5,488":3337,"5,489":3338,"5,490":3339,"5,491":3340,"5,492":3341,"5,493":3342,"5,494":3343,"5,495":3344,"5,496":3345,"5,497":3346,"5,498":3347,"5,499":3348,"5,500":3349,"5,501":3350,"5,502":3351,"5,503":3352,"5,504":3353,"5,505":3354,"5,506":3355,"5,507":3356,"5,508":3357,"5,509":3358,"5,510":3359,"5,511":3360,"5,512":3361,"5,513":3362,"5,514":3363,"5,515":3364,"5,516":3365,"5,517":3366,"5,518":3367,"5,519":3368,"5,520":3369,"5,521":3370,"5,522":3371,"5,523":3372,"5,524":3373,"5,525":3374,"5,526":3375,"5,527":3376,"5,528":3377,"5,529":3378,"5,530":3379,"5,531":3380,"5,532":3381,"5,533":3382,"5,534":3383,"5,535":3384,"5,536":3385,"5,537":3386,"5,538":3387,"5,539":3388,"5,540":3389,"5,541":3390,"5,542":3391,"5,543":3392,"5,544":3393,"5,545":3394,"5,546":3395,"5,547":3396,"5,548":3397,"5,549":3398,"5,550":3399,"5,551":3400,"5,552":3401,"5,553":3402,"5,554":3403,"5,555":3404,"5,556":3405,"5,557":3406,"5,558":3407,"5,559":3408,"5,560":3409,"5,561":3410,"5,562":3411,"5,563":3412,"5,564":3413,"5,565":3414,"5,566":3415,"5,567":3416,"5,568":3417,"5,569":3418,"5,570":3419,"5,571":3420,"5,572":3421,"5,573":3422,"5,574":3423,"5,575":3424,"5,576":3425,"5,577":3426,"5,578":3427,"5,579":3428,"5,580":3429,"5,581":3430,"5,582":3431,"5,583":3432,"5,584":3433,"5,585":3434,"5,586":3435,"5,587":3436,"5,588":3437,"5,589":3438,"5,590":3439,"5,591":3440,"5,592":3441,"5,593":3442,"5,594":3443,"5,595":3444,"5,596":3445,"5,597":3446,"5,598":3447,"5,599":3448,"5,600":3449,"5,601":3450,"5,602":3451,"5,603":3452,"5,604":3453,"5,605":3454,"5,606":3455,"5,607":3456,"5,608":3457,"5,609":3458,"5,610":3459,"5,611":3460,"5,612":3461,"5,613":3462,"5,614":3463,"5,615":3464,"5,616":3465,"5,617":3466,"5,618":3467,"5,619":3468,"5,620":3469,"5,621":3470,"5,622":3471,"5,623":3472,"5,624":3473,"5,625":3474,"5,626":3475,"5,627":3476,"5,628":3477,"5,629":3478,"5,630":3479,"5,631":3480,"5,632":3481,"5,633":3482,"5,634":3483,"5,635":3484,"5,636":3485,"5,637":3486,"5,638":3487,"5,639":3488,"5,640":3489,"5,641":3490,"5,642":3491,"5,643":3492,"5,644":3493,"5,645":3494,"5,646":3495,"5,647":3496,"5,648":3497,"5,649":3498,"5,650":3499,"5,651":3500,"5,652":3501,"5,653":3502,"5,654":3503,"5,655":3504,"5,656":3505,"5,657":3506,"5,658":3507,"5,659":3508,"5,660":3509,"5,661":3510,"5,662":3511,"5,663":3512,"5,664":3513,"5,665":3514,"5,666":3515,"5,667":3516,"5,668":3517,"5,669":3518,"5,670":3519,"5,671":3520,"5,672":3521,"5,673":3522,"5,674":3523,"5,675":3524,"5,676":3525,"5,677":3526,"5,678":3527,"5,679":3528,"5,680":3529,"5,681":3530,"5,682":3531,"5,683":3532,"5,684":3533,"5,685":3534,"5,686":3535,"5,687":3536,"5,688":3537,"5,689":3538,"5,690":3539,"5,691":3540,"5,692":3541,"5,693":3542,"5,694":3543,"5,695":3544,"5,696":3545,"5,697":3546,"5,698":3547,"5,699":3548,"5,700":3549,"5,701":3550,"5,702":3551,"5,703":3552,"5,704":3553,"5,705":3554,"5,706":3555,"5,707":3556,"5,708":3557,"5,709":3558,"5,710":3559,"5,711":3560,"5,712":3561,"5,713":3562,"5,714":3563,"5,715":3564,"5,716":3565,"5,717":3566,"5,718":3567,"5,719":3568,"5,720":3569,"5,721":3570,"5,722":3571,"5,723":3572,"5,724":3573,"5,725":3574,"5,726":3575,"5,727":3576,"5,728":3577,"5,729":3578,"5,730":3579,"5,731":3580,"5,732":3581,"5,733":3582,"5,734":3583,"5,735":3584,"5,736":3585,"5,737":3586,"5,738":3587,"5,739":3588,"5,740":3589,"5,741":3590,"5,742":3591,"5,743":3592,"5,744":3593,"5,745":3594,"5,746":3595,"5,747":3596,"5,748":3597,"5,749":3598,"5,750":3599,"5,751":3600,"5,752":3601,"5,753":3602,"5,754":3603,"5,755":3604,"5,756":3605,"5,757":3606,"5,758":3607,"5,759":3608,"5,760":3609,"5,761":3610,"5,762":3611,"5,763":3612,"6,5":3613,"6,6":3614,"6,7":3615,"6,8":3616,"6,9":3617,"6,10":3618,"6,11":3619,"6,12":3620,"6,13":3621,"6,14":3622,"6,15":3623,"6,16":3624,"6,17":3625,"6,18":3626,"6,19":3627,"6,20":3628,"6,21":3629,"6,22":3630,"6,23":3631,"6,24":3632,"6,25":3633,"6,26":3634,"6,27":3635,"6,28":3636,"6,29":3637,"6,30":3638,"6,31":3639,"6,32":3640,"6,33":3641,"6,34":3642,"6,35":3643,"6,36":3644,"6,37":3645,"6,38":3646,"6,39":3647,"6,40":3648,"6,41":3649,"6,42":3650,"6,43":3651,"6,44":3652,"6,45":3653,"6,46":3654,"6,47":3655,"6,48":3656,"6,49":3657,"6,50":3658,"6,51":3659,"6,52":3660,"6,53":3661,"6,54":3662,"6,55":3663,"6,56":3664,"6,57":3665,"6,58":3666,"6,59":3667,"6,60":3668,"6,61":3669,"6,62":3670,"6,63":3671,"6,64":3672,"6,65":3673,"6,66":3674,"6,67":3675,"6,68":3676,"6,69":3677,"6,70":3678,"6,71":3679,"6,72":3680,"6,73":3681,"6,74":3682,"6,75":3683,"6,76":3684,"6,77":3685,"6,78":3686,"6,79":3687,"6,80":3688,"6,81":3689,"6,82":3690,"6,83":3691,"6,84":3692,"6,85":3693,"6,86":3694,"6,87":3695,"6,88":3696,"6,89":3697,"6,90":3698,"6,91":3699,"6,92":3700,"6,93":3701,"6,94":3702,"6,95":3703,"6,96":3704,"6,97":3705,"6,98":3706,"6,99":3707,"6,100":3708,"6,101":3709,"6,102":3710,"6,103":3711,"6,104":3712,"6,105":3713,"6,106":3714,"6,107":3715,"6,108":3716,"6,109":3717,"6,110":3718,"6,111":3719,"6,112":3720,"6,113":3721,"6,114":3722,"6,115":3723,"6,116":3724,"6,117":3725,"6,118":3726,"6,119":3727,"6,120":3728,"6,121":3729,"6,122":3730,"6,123":3731,"6,124":3732,"6,125":3733,"6,126":3734,"6,127":3735,"6,128":3736,"6,129":3737,"6,130":3738,"6,131":3739,"6,132":3740,"6,133":3741,"6,134":3742,"6,135":3743,"6,136":3744,"6,137":3745,"6,138":3746,"6,139":3747,"6,140":3748,"6,141":3749,"6,142":3750,"6,143":3751,"6,144":3752,"6,145":3753,"6,146":3754,"6,147":3755,"6,148":3756,"6,149":3757,"6,150":3758,"6,151":3759,"6,152":3760,"6,153":3761,"6,154":3762,"6,155":3763,"6,156":3764,"6,157":3765,"6,158":3766,"6,159":3767,"6,160":3768,"6,161":3769,"6,162":3770,"6,163":3771,"6,164":3772,"6,165":3773,"6,166":3774,"6,167":3775,"6,168":3776,"6,169":3777,"6,170":3778,"6,171":3779,"6,172":3780,"6,173":3781,"6,174":3782,"6,175":3783,"6,176":3784,"6,177":3785,"6,178":3786,"6,179":3787,"6,180":3788,"6,181":3789,"6,182":3790,"6,183":3791,"6,184":3792,"6,185":3793,"6,186":3794,"6,187":3795,"6,188":3796,"6,189":3797,"6,190":3798,"6,191":3799,"6,192":3800,"6,193":3801,"6,194":3802,"6,195":3803,"6,196":3804,"6,197":3805,"6,198":3806,"6,199":3807,"6,200":3808,"6,201":3809,"6,202":3810,"6,203":3811,"6,204":3812,"6,205":3813,"6,206":3814,"6,207":3815,"6,208":3816,"6,209":3817,"6,210":3818,"6,211":3819,"6,212":3820,"6,213":3821,"6,214":3822,"6,215":3823,"6,216":3824,"6,217":3825,"6,218":3826,"6,219":3827,"6,220":3828,"6,221":3829,"6,222":3830,"6,223":3831,"6,224":3832,"6,225":3833,"6,226":3834,"6,227":3835,"6,228":3836,"6,229":3837,"6,230":3838,"6,231":3839,"6,232":3840,"6,233":3841,"6,234":3842,"6,235":3843,"6,236":3844,"6,237":3845,"6,238":3846,"6,239":3847,"6,240":3848,"6,241":3849,"6,242":3850,"6,243":3851,"6,244":3852,"6,245":3853,"6,246":3854,"6,247":3855,"6,248":3856,"6,249":3857,"6,250":3858,"6,251":3859,"6,252":3860,"6,253":3861,"6,254":3862,"6,255":3863,"6,256":3864,"6,257":3865,"6,258":3866,"6,259":3867,"6,260":3868,"6,261":3869,"6,262":3870,"6,263":3871,"6,264":3872,"6,265":3873,"6,266":3874,"6,267":3875,"6,268":3876,"6,269":3877,"6,270":3878,"6,271":3879,"6,272":3880,"6,273":3881,"6,274":3882,"6,275":3883,"6,276":3884,"6,277":3885,"6,278":3886,"6,279":3887,"6,280":3888,"6,281":3889,"6,282":3890,"6,283":3891,"6,284":3892,"6,285":3893,"6,286":3894,"6,287":3895,"6,288":3896,"6,289":3897,"6,290":3898,"6,291":3899,"6,292":3900,"6,293":3901,"6,294":3902,"6,295":3903,"6,296":3904,"6,297":3905,"6,298":3906,"6,299":3907,"6,300":3908,"6,301":3909,"6,302":3910,"6,303":3911,"6,304":3912,"6,305":3913,"6,306":3914,"6,307":3915,"6,308":3916,"6,309":3917,"6,310":3918,"6,311":3919,"6,312":3920,"6,313":3921,"6,314":3922,"6,315":3923,"6,316":3924,"6,317":3925,"6,318":3926,"6,319":3927,"6,320":3928,"6,321":3929,"6,322":3930,"6,323":3931,"6,324":3932,"6,325":3933,"6,326":3934,"6,327":3935,"6,328":3936,"6,329":3937,"6,330":3938,"6,331":3939,"6,332":3940,"6,333":3941,"6,334":3942,"6,335":3943,"6,336":3944,"6,337":3945,"6,338":3946,"6,339":3947,"6,340":3948,"6,341":3949,"6,342":3950,"6,343":3951,"6,344":3952,"6,345":3953,"6,346":3954,"6,347":3955,"6,348":3956,"6,349":3957,"6,350":3958,"6,351":3959,"6,352":3960,"6,353":3961,"6,354":3962,"6,355":3963,"6,356":3964,"6,357":3965,"6,358":3966,"6,359":3967,"6,360":3968,"6,361":3969,"6,362":3970,"6,363":3971,"6,364":3972,"6,365":3973,"6,366":3974,"6,367":3975,"6,368":3976,"6,369":3977,"6,370":3978,"6,371":3979,"6,372":3980,"6,373":3981,"6,374":3982,"6,375":3983,"6,376":3984,"6,377":3985,"6,378":3986,"6,379":3987,"6,380":3988,"6,381":3989,"6,382":3990,"6,383":3991,"6,384":3992,"6,385":3993,"6,386":3994,"6,387":3995,"6,388":3996,"6,389":3997,"6,390":3998,"6,391":3999,"6,392":4000,"6,393":4001,"6,394":4002,"6,395":4003,"6,396":4004,"6,397":4005,"6,398":4006,"6,399":4007,"6,400":4008,"6,401":4009,"6,402":4010,"6,403":4011,"6,404":4012,"6,405":4013,"6,406":4014,"6,407":4015,"6,408":4016,"6,409":4017,"6,410":4018,"6,411":4019,"6,412":4020,"6,413":4021,"6,414":4022,"6,415":4023,"6,416":4024,"6,417":4025,"6,418":4026,"6,419":4027,"6,420":4028,"6,421":4029,"6,422":4030,"6,423":4031,"6,424":4032,"6,425":4033,"6,426":4034,"6,427":4035,"6,428":4036,"6,429":4037,"6,430":4038,"6,431":4039,"6,432":4040,"6,433":4041,"6,434":4042,"6,435":4043,"6,436":4044,"6,437":4045,"6,438":4046,"6,439":4047,"6,440":4048,"6,441":4049,"6,442":4050,"6,443":4051,"6,444":4052,"6,445":4053,"6,446":4054,"6,447":4055,"6,448":4056,"6,449":4057,"6,450":4058,"6,451":4059,"6,452":4060,"6,453":4061,"6,454":4062,"6,455":4063,"6,456":4064,"6,457":4065,"6,458":4066,"6,459":4067,"6,460":4068,"6,461":4069,"6,462":4070,"6,463":4071,"6,464":4072,"6,465":4073,"6,466":4074,"6,467":4075,"6,468":4076,"6,469":4077,"6,470":4078,"6,471":4079,"6,472":4080,"6,473":4081,"6,474":4082,"6,475":4083,"6,476":4084,"6,477":4085,"6,478":4086,"6,479":4087,"6,480":4088,"6,481":4089,"6,482":4090,"6,483":4091,"6,484":4092,"6,485":4093,"6,486":4094,"6,487":4095,"6,488":4096,"6,489":4097,"6,490":4098,"6,491":4099,"6,492":4100,"6,493":4101,"6,494":4102,"6,495":4103,"6,496":4104,"6,497":4105,"6,498":4106,"6,499":4107,"6,500":4108,"6,501":4109,"6,502":4110,"6,503":4111,"6,504":4112,"6,505":4113,"6,506":4114,"6,507":4115,"6,508":4116,"6,509":4117,"6,510":4118,"6,511":4119,"6,512":4120,"6,513":4121,"6,514":4122,"6,515":4123,"6,516":4124,"6,517":4125,"6,518":4126,"6,519":4127,"6,520":4128,"6,521":4129,"6,522":4130,"6,523":4131,"6,524":4132,"6,525":4133,"6,526":4134,"6,527":4135,"6,528":4136,"6,529":4137,"6,530":4138,"6,531":4139,"6,532":4140,"6,533":4141,"6,534":4142,"6,535":4143,"6,536":4144,"6,537":4145,"6,538":4146,"6,539":4147,"6,540":4148,"6,541":4149,"6,542":4150,"6,543":4151,"6,544":4152,"6,545":4153,"6,546":4154,"6,547":4155,"6,548":4156,"6,549":4157,"6,550":4158,"6,551":4159,"6,552":4160,"6,553":4161,"6,554":4162,"6,555":4163,"6,556":4164,"6,557":4165,"6,558":4166,"6,559":4167,"6,560":4168,"6,561":4169,"6,562":4170,"6,563":4171,"6,564":4172,"6,565":4173,"6,566":4174,"6,567":4175,"6,568":4176,"6,569":4177,"6,570":4178,"6,571":4179,"6,572":4180,"6,573":4181,"6,574":4182,"6,575":4183,"6,576":4184,"6,577":4185,"6,578":4186,"6,579":4187,"6,580":4188,"6,581":4189,"6,582":4190,"6,583":4191,"6,584":4192,"6,585":4193,"6,586":4194,"6,587":4195,"6,588":4196,"6,589":4197,"6,590":4198,"6,591":4199,"6,592":4200,"6,593":4201,"6,594":4202,"6,595":4203,"6,596":4204,"6,597":4205,"6,598":4206,"6,599":4207,"6,600":4208,"6,601":4209,"6,602":4210,"6,603":4211,"6,604":4212,"6,605":4213,"6,606":4214,"6,607":4215,"6,608":4216,"6,609":4217,"6,610":4218,"6,611":4219,"6,612":4220,"6,613":4221,"6,614":4222,"6,615":4223,"6,616":4224,"6,617":4225,"6,618":4226,"6,619":4227,"6,620":4228,"6,621":4229,"6,622":4230,"6,623":4231,"6,624":4232,"6,625":4233,"6,626":4234,"6,627":4235,"6,628":4236,"6,629":4237,"6,630":4238,"6,631":4239,"6,632":4240,"6,633":4241,"6,634":4242,"6,635":4243,"6,636":4244,"6,637":4245,"6,638":4246,"6,639":4247,"6,640":4248,"6,641":4249,"6,642":4250,"6,643":4251,"6,644":4252,"6,645":4253,"6,646":4254,"6,647":4255,"6,648":4256,"6,649":4257,"6,650":4258,"6,651":4259,"6,652":4260,"6,653":4261,"6,654":4262,"6,655":4263,"6,656":4264,"6,657":4265,"6,658":4266,"6,659":4267,"6,660":4268,"6,661":4269,"6,662":4270,"6,663":4271,"6,664":4272,"6,665":4273,"6,666":4274,"6,667":4275,"6,668":4276,"6,669":4277,"6,670":4278,"6,671":4279,"6,672":4280,"6,673":4281,"6,674":4282,"6,675":4283,"6,676":4284,"6,677":4285,"6,678":4286,"6,679":4287,"6,680":4288,"6,681":4289,"6,682":4290,"6,683":4291,"6,684":4292,"6,685":4293,"6,686":4294,"6,687":4295,"6,688":4296,"6,689":4297,"6,690":4298,"6,691":4299,"6,692":4300,"6,693":4301,"6,694":4302,"6,695":4303,"6,696":4304,"6,697":4305,"6,698":4306,"6,699":4307,"6,700":4308,"6,701":4309,"6,702":4310,"6,703":4311,"6,704":4312,"6,705":4313,"6,706":4314,"6,707":4315,"6,708":4316,"6,709":4317,"6,710":4318,"6,711":4319,"6,712":4320,"6,713":4321,"6,714":4322,"6,715":4323,"6,716":4324,"6,717":4325,"6,718":4326,"6,719":4327,"6,720":4328,"6,721":4329,"6,722":4330,"6,723":4331,"6,724":4332,"6,725":4333,"6,726":4334,"6,727":4335,"6,728":4336,"6,729":4337,"6,730":4338,"6,731":4339,"6,732":4340,"6,733":4341,"6,734":4342,"6,735":4343,"6,736":4344,"6,737":4345,"6,738":4346,"6,739":4347,"6,740":4348,"6,741":4349,"6,742":4350,"6,743":4351,"6,744":4352,"6,745":4353,"6,746":4354,"6,747":4355,"6,748":4356,"6,749":4357,"6,750":4358,"6,751":4359,"6,752":4360,"6,753":4361,"6,754":4362,"6,755":4363,"6,756":4364,"6,757":4365,"6,758":4366,"6,759":4367,"6,760":4368,"6,761":4369,"6,762":4370,"6,763":4371,"6,764":4372,"6,765":4373,"6,766":4374,"6,767":4375,"6,768":4376,"6,769":4377,"6,770":4378,"6,771":4379,"6,772":4380,"6,773":4381,"6,774":4382,"6,775":4383,"6,776":4384,"6,777":4385,"6,778":4386,"6,779":4387,"7,5":4388,"7,6":4389,"7,7":4390,"7,8":4391,"7,9":4392,"7,10":4393,"7,11":4394,"7,12":4395,"7,13":4396,"7,14":4397,"7,15":4398,"7,16":4399,"7,17":4400,"7,18":4401,"7,19":4402,"7,20":4403,"7,21":4404,"7,22":4405,"7,23":4406,"7,24":4407,"7,25":4408,"7,26":4409,"7,27":4410,"7,28":4411,"7,29":4412,"7,30":4413,"7,31":4414,"7,32":4415,"7,33":4416,"7,34":4417,"7,35":4418,"7,36":4419,"7,37":4420,"7,38":4421,"7,39":4422,"7,40":4423,"7,41":4424,"7,42":4425,"7,43":4426,"7,44":4427,"7,45":4428,"7,46":4429,"7,47":4430,"7,48":4431,"7,49":4432,"7,50":4433,"7,51":4434,"7,52":4435,"7,53":4436,"7,54":4437,"7,55":4438,"7,56":4439,"7,57":4440,"7,58":4441,"7,59":4442,"7,60":4443,"7,61":4444,"7,62":4445,"7,63":4446,"7,64":4447,"7,65":4448,"7,66":4449,"7,67":4450,"7,68":4451,"7,69":4452,"7,70":4453,"7,71":4454,"7,72":4455,"7,73":4456,"7,74":4457,"7,75":4458,"7,76":4459,"7,77":4460,"7,78":4461,"7,79":4462,"7,80":4463,"7,81":4464,"7,82":4465,"7,83":4466,"7,84":4467,"7,85":4468,"7,86":4469,"7,87":4470,"7,88":4471,"7,89":4472,"7,90":4473,"7,91":4474,"7,92":4475,"7,93":4476,"7,94":4477,"7,95":4478,"7,96":4479,"7,97":4480,"7,98":4481,"7,99":4482,"7,100":4483,"7,101":4484,"7,102":4485,"7,103":4486,"7,104":4487,"7,105":4488,"7,106":4489,"7,107":4490,"7,108":4491,"7,109":4492,"7,110":4493,"7,111":4494,"7,112":4495,"7,113":4496,"7,114":4497,"7,115":4498,"7,116":4499,"7,117":4500,"7,118":4501,"7,119":4502,"7,120":4503,"7,121":4504,"7,122":4505,"7,123":4506,"7,124":4507,"7,125":4508,"7,126":4509,"7,127":4510,"7,128":4511,"7,129":4512,"7,130":4513,"7,131":4514,"7,132":4515,"7,133":4516,"7,134":4517,"7,135":4518,"7,136":4519,"7,137":4520,"7,138":4521,"7,139":4522,"7,140":4523,"7,141":4524,"7,142":4525,"7,143":4526,"7,144":4527,"7,145":4528,"7,146":4529,"7,147":4530,"7,148":4531,"7,149":4532,"7,150":4533,"7,151":4534,"7,152":4535,"7,153":4536,"7,154":4537,"7,155":4538,"7,156":4539,"7,157":4540,"7,158":4541,"7,159":4542,"7,160":4543,"7,161":4544,"7,162":4545,"7,163":4546,"7,164":4547,"7,165":4548,"7,166":4549,"7,167":4550,"7,168":4551,"7,169":4552,"7,170":4553,"7,171":4554,"7,172":4555,"7,173":4556,"7,174":4557,"7,175":4558,"7,176":4559,"7,177":4560,"7,178":4561,"7,179":4562,"7,180":4563,"7,181":4564,"7,182":4565,"7,183":4566,"7,184":4567,"7,185":4568,"7,186":4569,"7,187":4570,"7,188":4571,"7,189":4572,"7,190":4573,"7,191":4574,"7,192":4575,"7,193":4576,"7,194":4577,"7,195":4578,"7,196":4579,"7,197":4580,"7,198":4581,"7,199":4582,"7,200":4583,"7,201":4584,"7,202":4585,"7,203":4586,"7,204":4587,"7,205":4588,"7,206":4589,"7,207":4590,"7,208":4591,"7,209":4592,"7,210":4593,"7,211":4594,"7,212":4595,"7,213":4596,"7,214":4597,"7,215":4598,"7,216":4599,"7,217":4600,"7,218":4601,"7,219":4602,"7,220":4603,"7,221":4604,"7,222":4605,"7,223":4606,"7,224":4607,"7,225":4608,"7,226":4609,"7,227":4610,"7,228":4611,"7,229":4612,"7,230":4613,"7,231":4614,"7,232":4615,"7,233":4616,"7,234":4617,"7,235":4618,"7,236":4619,"7,237":4620,"7,238":4621,"7,239":4622,"7,240":4623,"7,241":4624,"7,242":4625,"7,243":4626,"7,244":4627,"7,245":4628,"7,246":4629,"7,247":4630,"7,248":4631,"7,249":4632,"7,250":4633,"7,251":4634,"7,252":4635,"7,253":4636,"7,254":4637,"7,255":4638,"7,256":4639,"7,257":4640,"7,258":4641,"7,259":4642,"7,260":4643,"7,261":4644,"7,262":4645,"7,263":4646,"7,264":4647,"7,265":4648,"7,266":4649,"7,267":4650,"7,268":4651,"7,269":4652,"7,270":4653,"7,271":4654,"7,272":4655,"7,273":4656,"7,274":4657,"7,275":4658,"7,276":4659,"7,277":4660,"7,278":4661,"7,279":4662,"7,280":4663,"7,281":4664,"7,282":4665,"7,283":4666,"7,284":4667,"7,285":4668,"7,286":4669,"7,287":4670,"7,288":4671,"7,289":4672,"7,290":4673,"7,291":4674,"7,292":4675,"7,293":4676,"7,294":4677,"7,295":4678,"7,296":4679,"7,297":4680,"7,298":4681,"7,299":4682,"7,300":4683,"7,301":4684,"7,302":4685,"7,303":4686,"7,304":4687,"7,305":4688,"7,306":4689,"7,307":4690,"7,308":4691,"7,309":4692,"7,310":4693,"7,311":4694,"7,312":4695,"7,313":4696,"7,314":4697,"7,315":4698,"7,316":4699,"7,317":4700,"7,318":4701,"7,319":4702,"7,320":4703,"7,321":4704,"7,322":4705,"7,323":4706,"7,324":4707,"7,325":4708,"7,326":4709,"7,327":4710,"7,328":4711,"7,329":4712,"7,330":4713,"7,331":4714,"7,332":4715,"7,333":4716,"7,334":4717,"7,335":4718,"7,336":4719,"7,337":4720,"7,338":4721,"7,339":4722,"7,340":4723,"7,341":4724,"7,342":4725,"7,343":4726,"7,344":4727,"7,345":4728,"7,346":4729,"7,347":4730,"7,348":4731,"7,349":4732,"7,350":4733,"7,351":4734,"7,352":4735,"7,353":4736,"7,354":4737,"7,355":4738,"7,356":4739,"7,357":4740,"7,358":4741,"7,359":4742,"7,360":4743,"7,361":4744,"7,362":4745,"7,363":4746,"7,364":4747,"7,365":4748,"7,366":4749,"7,367":4750,"7,368":4751,"7,369":4752,"7,370":4753,"7,371":4754,"7,372":4755,"7,373":4756,"7,374":4757,"7,375":4758,"7,376":4759,"7,377":4760,"7,378":4761,"7,379":4762,"7,380":4763,"7,381":4764,"7,382":4765,"7,383":4766,"7,384":4767,"7,385":4768,"7,386":4769,"7,387":4770,"7,388":4771,"7,389":4772,"7,390":4773,"7,391":4774,"7,392":4775,"7,393":4776,"7,394":4777,"7,395":4778,"7,396":4779,"7,397":4780,"7,398":4781,"7,399":4782,"7,400":4783,"7,401":4784,"7,402":4785,"7,403":4786,"7,404":4787,"7,405":4788,"7,406":4789,"7,407":4790,"7,408":4791,"7,409":4792,"7,410":4793,"7,411":4794,"7,412":4795,"7,413":4796,"7,414":4797,"7,415":4798,"7,416":4799,"7,417":4800,"7,418":4801,"7,419":4802,"7,420":4803,"7,421":4804,"7,422":4805,"7,423":4806,"7,424":4807,"7,425":4808,"7,426":4809,"7,427":4810,"7,428":4811,"7,429":4812,"7,430":4813,"7,431":4814,"7,432":4815,"7,433":4816,"7,434":4817,"7,435":4818,"7,436":4819,"7,437":4820,"7,438":4821,"7,439":4822,"7,440":4823,"7,441":4824,"7,442":4825,"7,443":4826,"7,444":4827,"7,445":4828,"7,446":4829,"7,447":4830,"7,448":4831,"7,449":4832,"7,450":4833,"7,451":4834,"7,452":4835,"7,453":4836,"7,454":4837,"7,455":4838,"7,456":4839,"7,457":4840,"7,458":4841,"7,459":4842,"7,460":4843,"7,461":4844,"7,462":4845,"7,463":4846,"7,464":4847,"7,465":4848,"7,466":4849,"7,467":4850,"7,468":4851,"7,469":4852,"7,470":4853,"7,471":4854,"7,472":4855,"7,473":4856,"7,474":4857,"7,475":4858,"7,476":4859,"7,477":4860,"7,478":4861,"7,479":4862,"7,480":4863,"7,481":4864,"7,482":4865,"7,483":4866,"7,484":4867,"7,485":4868,"7,486":4869,"7,487":4870,"7,488":4871,"7,489":4872,"7,490":4873,"7,491":4874,"7,492":4875,"7,493":4876,"7,494":4877,"7,495":4878,"7,496":4879,"7,497":4880,"7,498":4881,"7,499":4882,"7,500":4883,"7,501":4884,"7,502":4885,"7,503":4886,"7,504":4887,"7,505":4888,"7,506":4889,"7,507":4890,"7,508":4891,"7,509":4892,"7,510":4893,"7,511":4894,"7,512":4895,"7,513":4896,"7,514":4897,"7,515":4898,"7,516":4899,"7,517":4900,"7,518":4901,"7,519":4902,"7,520":4903,"7,521":4904,"7,522":4905,"7,523":4906,"7,524":4907,"7,525":4908,"7,526":4909,"7,527":4910,"7,528":4911,"7,529":4912,"7,530":4913,"7,531":4914,"7,532":4915,"7,533":4916,"7,534":4917,"7,535":4918,"7,536":4919,"7,537":4920,"7,538":4921,"7,539":4922,"7,540":4923,"7,541":4924,"7,542":4925,"7,543":4926,"7,544":4927,"7,545":4928,"7,546":4929,"7,547":4930,"7,548":4931,"7,549":4932,"7,550":4933,"7,551":4934,"7,552":4935,"7,553":4936,"7,554":4937,"7,555":4938,"7,556":4939,"7,557":4940,"7,558":4941,"7,559":4942,"7,560":4943,"7,561":4944,"7,562":4945,"7,563":4946,"7,564":4947,"7,565":4948,"7,566":4949,"7,567":4950,"7,568":4951,"7,569":4952,"7,570":4953,"7,571":4954,"7,572":4955,"7,573":4956,"7,574":4957,"7,575":4958,"7,576":4959,"7,577":4960,"7,578":4961,"7,579":4962,"7,580":4963,"7,581":4964,"7,582":4965,"7,583":4966,"7,584":4967,"7,585":4968,"7,586":4969,"7,587":4970,"7,588":4971,"7,589":4972,"7,590":4973,"7,591":4974,"7,592":4975,"7,593":4976,"7,594":4977,"7,595":4978,"7,596":4979,"7,597":4980,"7,598":4981,"7,599":4982,"7,600":4983,"7,601":4984,"7,602":4985,"7,603":4986,"7,604":4987,"7,605":4988,"7,606":4989,"7,607":4990,"7,608":4991,"7,609":4992,"7,610":4993,"7,611":4994,"7,612":4995,"7,613":4996,"7,614":4997,"7,615":4998,"7,616":4999,"7,617":5000,"7,618":5001,"7,619":5002,"7,620":5003,"7,621":5004,"7,622":5005,"7,623":5006,"7,624":5007,"7,625":5008,"7,626":5009,"7,627":5010,"7,628":5011,"7,629":5012,"7,630":5013,"7,631":5014,"7,632":5015,"7,633":5016,"7,634":5017,"7,635":5018,"7,636":5019,"7,637":5020,"7,638":5021,"7,639":5022,"7,640":5023,"7,641":5024,"7,642":5025,"7,643":5026,"7,644":5027,"7,645":5028,"7,646":5029,"7,647":5030,"7,648":5031,"7,649":5032,"7,650":5033,"7,651":5034,"7,652":5035,"7,653":5036,"7,654":5037,"7,655":5038,"7,656":5039,"7,657":5040,"7,658":5041,"7,659":5042,"7,660":5043,"7,661":5044,"7,662":5045,"7,663":5046,"7,664":5047,"7,665":5048,"7,666":5049,"7,667":5050,"7,668":5051,"7,669":5052,"7,670":5053,"7,671":5054,"7,672":5055,"7,673":5056,"7,674":5057,"7,675":5058,"7,676":5059,"7,677":5060,"7,678":5061,"7,679":5062,"7,680":5063,"7,681":5064,"7,682":5065,"7,683":5066,"7,684":5067,"7,685":5068,"7,686":5069,"7,687":5070,"7,688":5071,"7,689":5072,"7,690":5073,"7,691":5074,"7,692":5075,"7,693":5076,"7,694":5077,"7,695":5078,"7,696":5079,"7,697":5080,"7,698":5081,"7,699":5082,"7,700":5083,"7,701":5084,"7,702":5085,"7,703":5086,"7,704":5087,"7,705":5088,"7,706":5089,"7,707":5090,"7,708":5091,"7,709":5092,"7,710":5093,"7,711":5094,"7,712":5095,"7,713":5096,"7,714":5097,"7,715":5098,"7,716":5099,"7,717":5100,"7,718":5101,"7,719":5102,"7,720":5103,"7,721":5104,"7,722":5105,"7,723":5106,"7,724":5107,"7,725":5108,"7,726":5109,"7,727":5110,"7,728":5111,"7,729":5112,"7,730":5113,"7,731":5114,"7,732":5115,"7,733":5116,"7,734":5117,"7,735":5118,"7,736":5119,"7,737":5120,"7,738":5121,"7,739":5122,"7,740":5123,"7,741":5124,"7,742":5125,"7,743":5126,"7,744":5127,"7,745":5128,"7,746":5129,"7,747":5130,"7,748":5131,"7,749":5132,"7,750":5133,"7,751":5134,"7,752":5135,"7,753":5136,"7,754":5137,"7,755":5138,"7,756":5139,"7,757":5140,"7,758":5141,"7,759":5142,"7,760":5143,"7,761":5144,"7,762":5145,"7,763":5146,"7,764":5147,"7,765":5148,"7,766":5149,"7,767":5150,"7,768":5151,"7,769":5152,"7,770":5153,"7,771":5154,"7,772":5155,"7,773":5156,"7,774":5157,"7,775":5158,"7,776":5159,"7,777":5160,"7,778":5161,"7,779":5162,"7,780":5163,"7,781":5164,"7,782":5165,"8,5":5166,"8,6":5167,"8,7":5168,"8,8":5169,"8,9":5170,"8,10":5171,"8,11":5172,"8,12":5173,"8,13":5174,"8,14":5175,"8,15":5176,"8,16":5177,"8,17":5178,"8,18":5179,"8,19":5180,"8,20":5181,"8,21":5182,"8,22":5183,"8,23":5184,"8,24":5185,"8,25":5186,"8,26":5187,"8,27":5188,"8,28":5189,"8,29":5190,"8,30":5191,"8,31":5192,"8,32":5193,"8,33":5194,"8,34":5195,"8,35":5196,"8,36":5197,"8,37":5198,"8,38":5199,"8,39":5200,"8,40":5201,"8,41":5202,"8,42":5203,"8,43":5204,"8,44":5205,"8,45":5206,"8,46":5207,"8,47":5208,"8,48":5209,"8,49":5210,"8,50":5211,"8,51":5212,"8,52":5213,"8,53":5214,"8,54":5215,"8,55":5216,"8,56":5217,"8,57":5218,"8,58":5219,"8,59":5220,"8,60":5221,"8,61":5222,"8,62":5223,"8,63":5224,"8,64":5225,"8,65":5226,"8,66":5227,"8,67":5228,"8,68":5229,"8,69":5230,"8,70":5231,"8,71":5232,"8,72":5233,"8,73":5234,"8,74":5235,"8,75":5236,"8,76":5237,"8,77":5238,"8,78":5239,"8,79":5240,"8,80":5241,"8,81":5242,"8,82":5243,"8,83":5244,"8,84":5245,"8,85":5246,"8,86":5247,"8,87":5248,"8,88":5249,"8,89":5250,"8,90":5251,"8,91":5252,"8,92":5253,"8,93":5254,"8,94":5255,"8,95":5256,"8,96":5257,"8,97":5258,"8,98":5259,"8,99":5260,"8,100":5261,"8,101":5262,"8,102":5263,"8,103":5264,"8,104":5265,"8,105":5266,"8,106":5267,"8,107":5268,"8,108":5269,"8,109":5270,"8,110":5271,"8,111":5272,"8,112":5273,"8,113":5274,"8,114":5275,"8,115":5276,"8,116":5277,"8,117":5278,"8,118":5279,"8,119":5280,"8,120":5281,"8,121":5282,"8,122":5283,"8,123":5284,"8,124":5285,"8,125":5286,"8,126":5287,"8,127":5288,"8,128":5289,"8,129":5290,"8,130":5291,"8,131":5292,"8,132":5293,"8,133":5294,"8,134":5295,"8,135":5296,"8,136":5297,"8,137":5298,"8,138":5299,"8,139":5300,"8,140":5301,"8,141":5302,"8,142":5303,"8,143":5304,"8,144":5305,"8,145":5306,"8,146":5307,"8,147":5308,"8,148":5309,"8,149":5310,"8,150":5311,"8,151":5312,"8,152":5313,"8,153":5314,"8,154":5315,"8,155":5316,"8,156":5317,"8,157":5318,"8,158":5319,"8,159":5320,"8,160":5321,"8,161":5322,"8,162":5323,"8,163":5324,"8,164":5325,"8,165":5326,"8,166":5327,"8,167":5328,"8,168":5329,"8,169":5330,"8,170":5331,"8,171":5332,"8,172":5333,"8,173":5334,"8,174":5335,"8,175":5336,"8,176":5337,"8,177":5338,"8,178":5339,"8,179":5340,"8,180":5341,"8,181":5342,"8,182":5343,"8,183":5344,"8,184":5345,"8,185":5346,"8,186":5347,"8,187":5348,"8,188":5349,"8,189":5350,"8,190":5351,"8,191":5352,"8,192":5353,"8,193":5354,"8,194":5355,"8,195":5356,"8,196":5357,"8,197":5358,"8,198":5359,"8,199":5360,"8,200":5361,"8,201":5362,"8,202":5363,"8,203":5364,"8,204":5365,"8,205":5366,"8,206":5367,"8,207":5368,"8,208":5369,"8,209":5370,"8,210":5371,"8,211":5372,"8,212":5373,"8,213":5374,"8,214":5375,"8,215":5376,"8,216":5377,"8,217":5378,"8,218":5379,"8,219":5380,"8,220":5381,"8,221":5382,"8,222":5383,"8,223":5384,"8,224":5385,"8,225":5386,"8,226":5387,"8,227":5388,"8,228":5389,"8,229":5390,"8,230":5391,"8,231":5392,"8,232":5393,"8,233":5394,"8,234":5395,"8,235":5396,"8,236":5397,"8,237":5398,"8,238":5399,"8,239":5400,"8,240":5401,"8,241":5402,"8,242":5403,"8,243":5404,"8,244":5405,"8,245":5406,"8,246":5407,"8,247":5408,"8,248":5409,"8,249":5410,"8,250":5411,"8,251":5412,"8,252":5413,"8,253":5414,"8,254":5415,"8,255":5416,"8,256":5417,"8,257":5418,"8,258":5419,"8,259":5420,"8,260":5421,"8,261":5422,"8,262":5423,"8,263":5424,"8,264":5425,"8,265":5426,"8,266":5427,"8,267":5428,"8,268":5429,"8,269":5430,"8,270":5431,"8,271":5432,"8,272":5433,"8,273":5434,"8,274":5435,"8,275":5436,"8,276":5437,"8,277":5438,"8,278":5439,"8,279":5440,"8,280":5441,"8,281":5442,"8,282":5443,"8,283":5444,"8,284":5445,"8,285":5446,"8,286":5447,"8,287":5448,"8,288":5449,"8,289":5450,"8,290":5451,"8,291":5452,"8,292":5453,"8,293":5454,"8,294":5455,"8,295":5456,"8,296":5457,"8,297":5458,"8,298":5459,"8,299":5460,"8,300":5461,"8,301":5462,"8,302":5463,"8,303":5464,"8,304":5465,"8,305":5466,"8,306":5467,"8,307":5468,"8,308":5469,"8,309":5470,"8,310":5471,"8,311":5472,"8,312":5473,"8,313":5474,"8,314":5475,"8,315":5476,"8,316":5477,"8,317":5478,"8,318":5479,"8,319":5480,"8,320":5481,"8,321":5482,"8,322":5483,"8,323":5484,"8,324":5485,"8,325":5486,"8,326":5487,"8,327":5488,"8,328":5489,"8,329":5490,"8,330":5491,"8,331":5492,"8,332":5493,"8,333":5494,"8,334":5495,"8,335":5496,"8,336":5497,"8,337":5498,"8,338":5499,"8,339":5500,"8,340":5501,"8,341":5502,"8,342":5503,"8,343":5504,"8,344":5505,"8,345":5506,"8,346":5507,"8,347":5508,"8,348":5509,"8,349":5510,"8,350":5511,"8,351":5512,"8,352":5513,"8,353":5514,"8,354":5515,"8,355":5516,"8,356":5517,"8,357":5518,"8,358":5519,"8,359":5520,"8,360":5521,"8,361":5522,"8,362":5523,"8,363":5524,"8,364":5525,"8,365":5526,"8,366":5527,"8,367":5528,"8,368":5529,"8,369":5530,"8,370":5531,"8,371":5532,"8,372":5533,"8,373":5534,"8,374":5535,"8,375":5536,"8,376":5537,"8,377":5538,"8,378":5539,"8,379":5540,"8,380":5541,"8,381":5542,"8,382":5543,"8,383":5544,"8,384":5545,"8,385":5546,"8,386":5547,"8,387":5548,"8,388":5549,"8,389":5550,"8,390":5551,"8,391":5552,"8,392":5553,"8,393":5554,"8,394":5555,"8,395":5556,"8,396":5557,"8,397":5558,"8,398":5559,"8,399":5560,"8,400":5561,"8,401":5562,"8,402":5563,"8,403":5564,"8,404":5565,"8,405":5566,"8,406":5567,"8,407":5568,"8,408":5569,"8,409":5570,"8,410":5571,"8,411":5572,"8,412":5573,"8,413":5574,"8,414":5575,"8,415":5576,"8,416":5577,"8,417":5578,"8,418":5579,"8,419":5580,"8,420":5581,"8,421":5582,"8,422":5583,"8,423":5584,"8,424":5585,"8,425":5586,"8,426":5587,"8,427":5588,"8,428":5589,"8,429":5590,"8,430":5591,"8,431":5592,"8,432":5593,"8,433":5594,"8,434":5595,"8,435":5596,"8,436":5597,"8,437":5598,"8,438":5599,"8,439":5600,"8,440":5601,"8,441":5602,"8,442":5603,"8,443":5604,"8,444":5605,"8,445":5606,"8,446":5607,"8,447":5608,"8,448":5609,"8,449":5610,"8,450":5611,"8,451":5612,"8,452":5613,"8,453":5614,"8,454":5615,"8,455":5616,"8,456":5617,"8,457":5618,"8,458":5619,"8,459":5620,"8,460":5621,"8,461":5622,"8,462":5623,"8,463":5624,"8,464":5625,"8,465":5626,"8,466":5627,"8,467":5628,"8,468":5629,"8,469":5630,"8,470":5631,"8,471":5632,"8,472":5633,"8,473":5634,"8,474":5635,"8,475":5636,"8,476":5637,"8,477":5638,"8,478":5639,"8,479":5640,"8,480":5641,"8,481":5642,"8,482":5643,"8,483":5644,"8,484":5645,"8,485":5646,"8,486":5647,"8,487":5648,"8,488":5649,"8,489":5650,"8,490":5651,"8,491":5652,"8,492":5653,"8,493":5654,"8,494":5655,"8,495":5656,"8,496":5657,"8,497":5658,"8,498":5659,"8,499":5660,"8,500":5661,"8,501":5662,"8,502":5663,"8,503":5664,"8,504":5665,"8,505":5666,"8,506":5667,"8,507":5668,"8,508":5669,"8,509":5670,"8,510":5671,"8,511":5672,"8,512":5673,"8,513":5674,"8,514":5675,"8,515":5676,"8,516":5677,"8,517":5678,"8,518":5679,"8,519":5680,"8,520":5681,"8,521":5682,"8,522":5683,"8,523":5684,"8,524":5685,"8,525":5686,"8,526":5687,"8,527":5688,"8,528":5689,"8,529":5690,"8,530":5691,"8,531":5692,"8,532":5693,"8,533":5694,"8,534":5695,"8,535":5696,"8,536":5697,"8,537":5698,"8,538":5699,"8,539":5700,"8,540":5701,"8,541":5702,"8,542":5703,"8,543":5704,"8,544":5705,"8,545":5706,"8,546":5707,"8,547":5708,"8,548":5709,"8,549":5710,"8,550":5711,"8,551":5712,"8,552":5713,"8,553":5714,"8,554":5715,"8,555":5716,"8,556":5717,"8,557":5718,"8,558":5719,"8,559":5720,"8,560":5721,"8,561":5722,"8,562":5723,"8,563":5724,"8,564":5725,"8,565":5726,"8,566":5727,"8,567":5728,"8,568":5729,"8,569":5730,"8,570":5731,"8,571":5732,"8,572":5733,"8,573":5734,"8,574":5735,"8,575":5736,"8,576":5737,"8,577":5738,"8,578":5739,"8,579":5740,"8,580":5741,"8,581":5742,"8,582":5743,"8,583":5744,"8,584":5745,"8,585":5746,"8,586":5747,"8,587":5748,"8,588":5749,"8,589":5750,"8,590":5751,"8,591":5752,"8,592":5753,"8,593":5754,"8,594":5755,"8,595":5756,"8,596":5757,"8,597":5758,"8,598":5759,"8,599":5760,"8,600":5761,"8,601":5762,"8,602":5763,"8,603":5764,"8,604":5765,"8,605":5766,"8,606":5767,"8,607":5768,"8,608":5769,"8,609":5770,"8,610":5771,"8,611":5772,"8,612":5773,"8,613":5774,"8,614":5775,"8,615":5776,"8,616":5777,"8,617":5778,"8,618":5779,"8,619":5780,"8,620":5781,"8,621":5782,"8,622":5783,"8,623":5784,"8,624":5785,"8,625":5786,"8,626":5787,"8,627":5788,"8,628":5789,"8,629":5790,"8,630":5791,"8,631":5792,"8,632":5793,"8,633":5794,"8,634":5795,"8,635":5796,"8,636":5797,"8,637":5798,"8,638":5799,"8,639":5800,"8,640":5801,"8,641":5802,"8,642":5803,"8,643":5804,"8,644":5805,"8,645":5806,"8,646":5807,"8,647":5808,"8,648":5809,"8,649":5810,"8,650":5811,"8,651":5812,"8,652":5813,"8,653":5814,"8,654":5815,"8,655":5816,"8,656":5817,"8,657":5818,"8,658":5819,"8,659":5820,"8,660":5821,"8,661":5822,"8,662":5823,"8,663":5824,"8,664":5825,"8,665":5826,"8,666":5827,"8,667":5828,"8,668":5829,"8,669":5830,"8,670":5831,"8,671":5832,"8,672":5833,"8,673":5834,"8,674":5835,"8,675":5836,"8,676":5837,"8,677":5838,"8,678":5839,"8,679":5840,"8,680":5841,"8,681":5842,"8,682":5843,"8,683":5844,"8,684":5845,"8,685":5846,"8,686":5847,"8,687":5848,"8,688":5849,"8,689":5850,"8,690":5851,"8,691":5852,"8,692":5853,"8,693":5854,"8,694":5855,"8,695":5856,"8,696":5857,"8,697":5858,"8,698":5859,"8,699":5860,"8,700":5861,"8,701":5862,"8,702":5863,"8,703":5864,"8,704":5865,"8,705":5866,"8,706":5867,"8,707":5868,"8,708":5869,"8,709":5870,"8,710":5871,"8,711":5872,"8,712":5873,"8,713":5874,"8,714":5875,"8,715":5876,"8,716":5877,"8,717":5878,"8,718":5879,"8,719":5880,"8,720":5881,"8,721":5882,"8,722":5883,"8,723":5884,"8,724":5885,"8,725":5886,"8,726":5887,"8,727":5888,"8,728":5889,"8,729":5890,"8,730":5891,"8,731":5892,"8,732":5893,"8,733":5894,"8,734":5895,"8,735":5896,"8,736":5897,"8,737":5898,"9,5":5899,"9,6":5900,"9,7":5901,"9,8":5902,"9,9":5903,"9,10":5904,"9,11":5905,"9,12":5906,"9,13":5907,"9,14":5908,"9,15":5909,"9,16":5910,"9,17":5911,"9,18":5912,"9,19":5913,"9,20":5914,"9,21":5915,"9,22":5916,"9,23":5917,"9,24":5918,"9,25":5919,"9,26":5920,"9,27":5921,"9,28":5922,"9,29":5923,"9,30":5924,"9,31":5925,"9,32":5926,"9,33":5927,"9,34":5928,"9,35":5929,"9,36":5930,"9,37":5931,"9,38":5932,"9,39":5933,"9,40":5934,"9,41":5935,"9,42":5936,"9,43":5937,"9,44":5938,"9,45":5939,"9,46":5940,"9,47":5941,"9,48":5942,"9,49":5943,"9,50":5944,"9,51":5945,"9,52":5946,"9,53":5947,"9,54":5948,"9,55":5949,"9,56":5950,"9,57":5951,"9,58":5952,"9,59":5953,"9,60":5954,"9,61":5955,"9,62":5956,"9,63":5957,"9,64":5958,"9,65":5959,"9,66":5960,"9,67":5961,"9,68":5962,"9,69":5963,"9,70":5964,"9,71":5965,"9,72":5966,"9,73":5967,"9,74":5968,"9,75":5969,"9,76":5970,"9,77":5971,"9,78":5972,"9,79":5973,"9,80":5974,"9,81":5975,"9,82":5976,"9,83":5977,"9,84":5978,"9,85":5979,"9,86":5980,"9,87":5981,"9,88":5982,"9,89":5983,"9,90":5984,"9,91":5985,"9,92":5986,"9,93":5987,"9,94":5988,"9,95":5989,"9,96":5990,"9,97":5991,"9,98":5992,"9,99":5993,"9,100":5994,"9,101":5995,"9,102":5996,"9,103":5997,"9,104":5998,"9,105":5999,"9,106":6000,"9,107":6001,"9,108":6002,"9,109":6003,"9,110":6004,"9,111":6005,"9,112":6006,"9,113":6007,"9,114":6008,"9,115":6009,"9,116":6010,"9,117":6011,"9,118":6012,"9,119":6013,"9,120":6014,"9,121":6015,"9,122":6016,"9,123":6017,"9,124":6018,"9,125":6019,"9,126":6020,"9,127":6021,"9,128":6022,"9,129":6023,"9,130":6024,"9,131":6025,"9,132":6026,"9,133":6027,"9,134":6028,"9,135":6029,"9,136":6030,"9,137":6031,"9,138":6032,"9,139":6033,"9,140":6034,"9,141":6035,"9,142":6036,"9,143":6037,"9,144":6038,"9,145":6039,"9,146":6040,"9,147":6041,"9,148":6042,"9,149":6043,"9,150":6044,"9,151":6045,"9,152":6046,"9,153":6047,"9,154":6048,"9,155":6049,"9,156":6050,"9,157":6051,"9,158":6052,"9,159":6053,"9,160":6054,"9,161":6055,"9,162":6056,"9,163":6057,"9,164":6058,"9,165":6059,"9,166":6060,"9,167":6061,"9,168":6062,"9,169":6063,"9,170":6064,"9,171":6065,"9,172":6066,"9,173":6067,"9,174":6068,"9,175":6069,"9,176":6070,"9,177":6071,"9,178":6072,"9,179":6073,"9,180":6074,"9,181":6075,"9,182":6076,"9,183":6077,"9,184":6078,"9,185":6079,"9,186":6080,"9,187":6081,"9,188":6082,"9,189":6083,"9,190":6084,"9,191":6085,"9,192":6086,"9,193":6087,"9,194":6088,"9,195":6089,"9,196":6090,"9,197":6091,"9,198":6092,"9,199":6093,"9,200":6094,"9,201":6095,"9,202":6096,"9,203":6097,"9,204":6098,"9,205":6099,"9,206":6100,"9,207":6101,"9,208":6102,"9,209":6103,"9,210":6104,"9,211":6105,"9,212":6106,"9,213":6107,"9,214":6108,"9,215":6109,"9,216":6110,"9,217":6111,"9,218":6112,"9,219":6113,"9,220":6114,"9,221":6115,"9,222":6116,"9,223":6117,"9,224":6118,"9,225":6119,"9,226":6120,"9,227":6121,"9,228":6122,"9,229":6123,"9,230":6124,"9,231":6125,"9,232":6126,"9,233":6127,"9,234":6128,"9,235":6129,"9,236":6130,"9,237":6131,"9,238":6132,"9,239":6133,"9,240":6134,"9,241":6135,"9,242":6136,"9,243":6137,"9,244":6138,"9,245":6139,"9,246":6140,"9,247":6141,"9,248":6142,"9,249":6143,"9,250":6144,"9,251":6145,"9,252":6146,"9,253":6147,"9,254":6148,"9,255":6149,"9,256":6150,"9,257":6151,"9,258":6152,"9,259":6153,"9,260":6154,"9,261":6155,"9,262":6156,"9,263":6157,"9,264":6158,"9,265":6159,"9,266":6160,"9,267":6161,"9,268":6162,"9,269":6163,"9,270":6164,"9,271":6165,"9,272":6166,"9,273":6167,"9,274":6168,"9,275":6169,"9,276":6170,"9,277":6171,"9,278":6172,"9,279":6173,"9,280":6174,"9,281":6175,"9,282":6176,"9,283":6177,"9,284":6178,"9,285":6179,"9,286":6180,"9,287":6181,"9,288":6182,"9,289":6183,"9,290":6184,"9,291":6185,"9,292":6186,"9,293":6187,"9,294":6188,"9,295":6189,"9,296":6190,"9,297":6191,"9,298":6192,"9,299":6193,"9,300":6194,"9,301":6195,"9,302":6196,"9,303":6197,"9,304":6198,"9,305":6199,"9,306":6200,"9,307":6201,"9,308":6202,"9,309":6203,"9,310":6204,"9,311":6205,"9,312":6206,"9,313":6207,"9,314":6208,"9,315":6209,"9,316":6210,"9,317":6211,"9,318":6212,"9,319":6213,"9,320":6214,"9,321":6215,"9,322":6216,"9,323":6217,"9,324":6218,"9,325":6219,"9,326":6220,"9,327":6221,"9,328":6222,"9,329":6223,"9,330":6224,"9,331":6225,"9,332":6226,"9,333":6227,"9,334":6228,"9,335":6229,"9,336":6230,"9,337":6231,"9,338":6232,"9,339":6233,"9,340":6234,"9,341":6235,"9,342":6236,"9,343":6237,"9,344":6238,"9,345":6239,"9,346":6240,"9,347":6241,"9,348":6242,"9,349":6243,"9,350":6244,"9,351":6245,"9,352":6246,"9,353":6247,"9,354":6248,"9,355":6249,"9,356":6250,"9,357":6251,"9,358":6252,"9,359":6253,"9,360":6254,"9,361":6255,"9,362":6256,"9,363":6257,"9,364":6258,"9,365":6259,"9,366":6260,"9,367":6261,"9,368":6262,"9,369":6263,"9,370":6264,"9,371":6265,"9,372":6266,"9,373":6267,"9,374":6268,"9,375":6269,"9,376":6270,"9,377":6271,"9,378":6272,"9,379":6273,"9,380":6274,"9,381":6275,"9,382":6276,"9,383":6277,"9,384":6278,"9,385":6279,"9,386":6280,"9,387":6281,"9,388":6282,"9,389":6283,"9,390":6284,"9,391":6285,"9,392":6286,"9,393":6287,"9,394":6288,"9,395":6289,"9,396":6290,"9,397":6291,"9,398":6292,"9,399":6293,"9,400":6294,"9,401":6295,"9,402":6296,"9,403":6297,"9,404":6298,"9,405":6299,"9,406":6300,"9,407":6301,"9,408":6302,"9,409":6303,"9,410":6304,"9,411":6305,"9,412":6306,"9,413":6307,"9,414":6308,"9,415":6309,"9,416":6310,"9,417":6311,"9,418":6312,"9,419":6313,"9,420":6314,"9,421":6315,"9,422":6316,"9,423":6317,"9,424":6318,"9,425":6319,"9,426":6320,"9,427":6321,"9,428":6322,"9,429":6323,"9,430":6324,"9,431":6325,"9,432":6326,"9,433":6327,"9,434":6328,"9,435":6329,"9,436":6330,"9,437":6331,"9,438":6332,"9,439":6333,"9,440":6334,"9,441":6335,"9,442":6336,"9,443":6337,"9,444":6338,"9,445":6339,"9,446":6340,"9,447":6341,"9,448":6342,"9,449":6343,"9,450":6344,"9,451":6345,"9,452":6346,"9,453":6347,"9,454":6348,"9,455":6349,"9,456":6350,"9,457":6351,"9,458":6352,"9,459":6353,"9,460":6354,"9,461":6355,"9,462":6356,"9,463":6357,"9,464":6358,"9,465":6359,"9,466":6360,"9,467":6361,"9,468":6362,"9,469":6363,"9,470":6364,"9,471":6365,"9,472":6366,"9,473":6367,"9,474":6368,"9,475":6369,"9,476":6370,"9,477":6371,"9,478":6372,"9,479":6373,"9,480":6374,"9,481":6375,"9,482":6376,"9,483":6377,"9,484":6378,"9,485":6379,"9,486":6380,"9,487":6381,"9,488":6382,"9,489":6383,"9,490":6384,"9,491":6385,"9,492":6386,"9,493":6387,"9,494":6388,"9,495":6389,"9,496":6390,"9,497":6391,"9,498":6392,"9,499":6393,"9,500":6394,"9,501":6395,"9,502":6396,"9,503":6397,"9,504":6398,"9,505":6399,"9,506":6400,"9,507":6401,"9,508":6402,"9,509":6403,"9,510":6404,"9,511":6405,"9,512":6406,"9,513":6407,"9,514":6408,"9,515":6409,"9,516":6410,"9,517":6411,"9,518":6412,"9,519":6413,"9,520":6414,"9,521":6415,"9,522":6416,"9,523":6417,"9,524":6418,"9,525":6419,"9,526":6420,"9,527":6421,"9,528":6422,"9,529":6423,"9,530":6424,"9,531":6425,"9,532":6426,"9,533":6427,"9,534":6428,"9,535":6429,"9,536":6430,"9,537":6431,"9,538":6432,"9,539":6433,"9,540":6434,"9,541":6435,"9,542":6436,"9,543":6437,"9,544":6438,"9,545":6439,"9,546":6440,"9,547":6441,"9,548":6442,"9,549":6443,"9,550":6444,"9,551":6445,"9,552":6446,"9,553":6447,"9,554":6448,"9,555":6449,"9,556":6450,"9,557":6451,"9,558":6452,"9,559":6453,"9,560":6454,"9,561":6455,"9,562":6456,"9,563":6457,"9,564":6458,"9,565":6459,"9,566":6460,"9,567":6461,"9,568":6462,"9,569":6463,"9,570":6464,"9,571":6465,"9,572":6466,"9,573":6467,"9,574":6468,"9,575":6469,"9,576":6470,"9,577":6471,"9,578":6472,"9,579":6473,"9,580":6474,"9,581":6475,"9,582":6476,"9,583":6477,"9,584":6478,"9,585":6479,"9,586":6480,"9,587":6481,"9,588":6482,"9,589":6483,"9,590":6484,"9,591":6485,"9,592":6486,"9,593":6487,"9,594":6488,"9,595":6489,"9,596":6490,"9,597":6491,"9,598":6492,"9,599":6493,"9,600":6494,"9,601":6495,"9,602":6496,"9,603":6497,"9,604":6498,"9,605":6499,"9,606":6500,"9,607":6501,"9,608":6502,"9,609":6503,"9,610":6504,"9,611":6505,"9,612":6506,"9,613":6507,"9,614":6508,"9,615":6509,"9,616":6510,"9,617":6511,"9,618":6512,"9,619":6513,"9,620":6514,"9,621":6515,"9,622":6516,"9,623":6517,"9,624":6518,"9,625":6519,"9,626":6520,"9,627":6521,"9,628":6522,"9,629":6523,"9,630":6524,"9,631":6525,"9,632":6526,"9,633":6527,"9,634":6528,"9,635":6529,"9,636":6530,"9,637":6531,"9,638":6532,"9,639":6533,"9,640":6534,"9,641":6535,"9,642":6536,"9,643":6537,"9,644":6538,"9,645":6539,"9,646":6540,"9,647":6541,"9,648":6542,"9,649":6543,"9,650":6544,"9,651":6545,"9,652":6546,"9,653":6547,"9,654":6548,"9,655":6549,"9,656":6550,"9,657":6551,"9,658":6552,"9,659":6553,"9,660":6554,"9,661":6555,"9,662":6556,"9,663":6557,"9,664":6558,"9,665":6559,"9,666":6560,"9,667":6561,"9,668":6562,"9,669":6563,"9,670":6564,"9,671":6565,"9,672":6566,"9,673":6567,"9,674":6568,"9,675":6569,"9,676":6570,"9,677":6571,"9,678":6572,"9,679":6573,"9,680":6574,"9,681":6575,"9,682":6576,"9,683":6577,"9,684":6578,"9,685":6579,"9,686":6580,"9,687":6581,"9,688":6582,"9,689":6583,"9,690":6584,"9,691":6585,"9,692":6586,"9,693":6587,"9,694":6588,"9,695":6589,"9,696":6590,"9,697":6591,"9,698":6592,"9,699":6593,"9,700":6594,"9,701":6595,"9,702":6596,"9,703":6597,"9,704":6598,"9,705":6599,"9,706":6600,"9,707":6601,"9,708":6602,"9,709":6603,"9,710":6604,"9,711":6605,"9,712":6606,"9,713":6607,"9,714":6608,"9,715":6609,"9,716":6610,"9,717":6611,"9,718":6612,"9,719":6613,"9,720":6614,"9,721":6615,"9,722":6616,"9,723":6617,"9,724":6618,"9,725":6619,"9,726":6620,"9,727":6621,"9,728":6622,"9,729":6623,"9,730":6624,"9,731":6625,"9,732":6626,"9,733":6627,"9,734":6628,"9,735":6629,"9,736":6630,"9,737":6631,"9,738":6632,"9,739":6633,"9,740":6634,"9,741":6635,"9,742":6636,"9,743":6637,"9,744":6638,"9,745":6639,"9,746":6640,"9,747":6641,"9,748":6642,"9,749":6643,"9,750":6644,"9,751":6645,"9,752":6646,"9,753":6647,"9,754":6648,"9,755":6649,"9,756":6650,"9,757":6651,"9,758":6652,"9,759":6653,"9,760":6654,"9,761":6655,"9,762":6656,"9,763":6657,"9,764":6658,"9,765":6659,"9,766":6660,"9,767":6661,"9,768":6662,"9,769":6663,"9,770":6664,"9,771":6665,"9,772":6666,"9,773":6667,"9,774":6668,"9,775":6669,"9,776":6670,"9,777":6671,"9,778":6672,"9,779":6673,"9,780":6674,"9,781":6675,"9,782":6676,"9,783":6677,"9,784":6678,"10,5":6679,"10,6":6680,"10,7":6681,"10,8":6682,"10,9":6683,"10,10":6684,"10,11":6685,"10,12":6686,"10,13":6687,"10,14":6688,"10,15":6689,"10,16":6690,"10,17":6691,"10,18":6692,"10,19":6693,"10,20":6694,"10,21":6695,"10,22":6696,"10,23":6697,"10,24":6698,"10,25":6699,"10,26":6700,"10,27":6701,"10,28":6702,"10,29":6703,"10,30":6704,"10,31":6705,"10,32":6706,"10,33":6707,"10,34":6708,"10,35":6709,"10,36":6710,"10,37":6711,"10,38":6712,"10,39":6713,"10,40":6714,"10,41":6715,"10,42":6716,"10,43":6717,"10,44":6718,"10,45":6719,"10,46":6720,"10,47":6721,"10,48":6722,"10,49":6723,"10,50":6724,"10,51":6725,"10,52":6726,"10,53":6727,"10,54":6728,"10,55":6729,"10,56":6730,"10,57":6731,"10,58":6732,"10,59":6733,"10,60":6734,"10,61":6735,"10,62":6736,"10,63":6737,"10,64":6738,"10,65":6739,"10,66":6740,"10,67":6741,"10,68":6742,"10,69":6743,"10,70":6744,"10,71":6745,"10,72":6746,"10,73":6747,"10,74":6748,"10,75":6749,"10,76":6750,"10,77":6751,"10,78":6752,"10,79":6753,"10,80":6754,"10,81":6755,"10,82":6756,"10,83":6757,"10,84":6758,"10,85":6759,"10,86":6760,"10,87":6761,"10,88":6762,"10,89":6763,"10,90":6764,"10,91":6765,"10,92":6766,"10,93":6767,"10,94":6768,"10,95":6769,"10,96":6770,"10,97":6771,"10,98":6772,"10,99":6773,"10,100":6774,"10,101":6775,"10,102":6776,"10,103":6777,"10,104":6778,"10,105":6779,"10,106":6780,"10,107":6781,"10,108":6782,"10,109":6783,"10,110":6784,"10,111":6785,"10,112":6786,"10,113":6787,"10,114":6788,"10,115":6789,"10,116":6790,"10,117":6791,"10,118":6792,"10,119":6793,"10,120":6794,"10,121":6795,"10,122":6796,"10,123":6797,"10,124":6798,"10,125":6799,"10,126":6800,"10,127":6801,"10,128":6802,"10,129":6803,"10,130":6804,"10,131":6805,"10,132":6806,"10,133":6807,"10,134":6808,"10,135":6809,"10,136":6810,"10,137":6811,"10,138":6812,"10,139":6813,"10,140":6814,"10,141":6815,"10,142":6816,"10,143":6817,"10,144":6818,"10,145":6819,"10,146":6820,"10,147":6821,"10,148":6822,"10,149":6823,"10,150":6824,"10,151":6825,"10,152":6826,"10,153":6827,"10,154":6828,"10,155":6829,"10,156":6830,"10,157":6831,"10,158":6832,"10,159":6833,"10,160":6834,"10,161":6835,"10,162":6836,"10,163":6837,"10,164":6838,"10,165":6839,"10,166":6840,"10,167":6841,"10,168":6842,"10,169":6843,"10,170":6844,"10,171":6845,"10,172":6846,"10,173":6847,"10,174":6848,"10,175":6849,"10,176":6850,"10,177":6851,"10,178":6852,"10,179":6853,"10,180":6854,"10,181":6855,"10,182":6856,"10,183":6857,"10,184":6858,"10,185":6859,"10,186":6860,"10,187":6861,"10,188":6862,"10,189":6863,"10,190":6864,"10,191":6865,"10,192":6866,"10,193":6867,"10,194":6868,"10,195":6869,"10,196":6870,"10,197":6871,"10,198":6872,"10,199":6873,"10,200":6874,"10,201":6875,"10,202":6876,"10,203":6877,"10,204":6878,"10,205":6879,"10,206":6880,"10,207":6881,"10,208":6882,"10,209":6883,"10,210":6884,"10,211":6885,"10,212":6886,"10,213":6887,"10,214":6888,"10,215":6889,"10,216":6890,"10,217":6891,"10,218":6892,"10,219":6893,"10,220":6894,"10,221":6895,"10,222":6896,"10,223":6897,"10,224":6898,"10,225":6899,"10,226":6900,"10,227":6901,"10,228":6902,"10,229":6903,"10,230":6904,"10,231":6905,"10,232":6906,"10,233":6907,"10,234":6908,"10,235":6909,"10,236":6910,"10,237":6911,"10,238":6912,"10,239":6913,"10,240":6914,"10,241":6915,"10,242":6916,"10,243":6917,"10,244":6918,"10,245":6919,"10,246":6920,"10,247":6921,"10,248":6922,"10,249":6923,"10,250":6924,"10,251":6925,"10,252":6926,"10,253":6927,"10,254":6928,"10,255":6929,"10,256":6930,"10,257":6931,"10,258":6932,"10,259":6933,"10,260":6934,"10,261":6935,"10,262":6936,"10,263":6937,"10,264":6938,"10,265":6939,"10,266":6940,"10,267":6941,"10,268":6942,"10,269":6943,"10,270":6944,"10,271":6945,"10,272":6946,"10,273":6947,"10,274":6948,"10,275":6949,"10,276":6950,"10,277":6951,"10,278":6952,"10,279":6953,"10,280":6954,"10,281":6955,"10,282":6956,"10,283":6957,"10,284":6958,"10,285":6959,"10,286":6960,"10,287":6961,"10,288":6962,"10,289":6963,"10,290":6964,"10,291":6965,"10,292":6966,"10,293":6967,"10,294":6968,"10,295":6969,"10,296":6970,"10,297":6971,"10,298":6972,"10,299":6973,"10,300":6974,"10,301":6975,"10,302":6976,"10,303":6977,"10,304":6978,"10,305":6979,"10,306":6980,"10,307":6981,"10,308":6982,"10,309":6983,"10,310":6984,"10,311":6985,"10,312":6986,"10,313":6987,"10,314":6988,"10,315":6989,"10,316":6990,"10,317":6991,"10,318":6992,"10,319":6993,"10,320":6994,"10,321":6995,"10,322":6996,"10,323":6997,"10,324":6998,"10,325":6999,"10,326":7000,"10,327":7001,"10,328":7002,"10,329":7003,"10,330":7004,"10,331":7005,"10,332":7006,"10,333":7007,"10,334":7008,"10,335":7009,"10,336":7010,"10,337":7011,"10,338":7012,"10,339":7013,"10,340":7014,"10,341":7015,"10,342":7016,"10,343":7017,"10,344":7018,"10,345":7019,"10,346":7020,"10,347":7021,"10,348":7022,"10,349":7023,"10,350":7024,"10,351":7025,"10,352":7026,"10,353":7027,"10,354":7028,"10,355":7029,"10,356":7030,"10,357":7031,"10,358":7032,"10,359":7033,"10,360":7034,"10,361":7035,"10,362":7036,"10,363":7037,"10,364":7038,"10,365":7039,"10,366":7040,"10,367":7041,"10,368":7042,"10,369":7043,"10,370":7044,"10,371":7045,"10,372":7046,"10,373":7047,"10,374":7048,"10,375":7049,"10,376":7050,"10,377":7051,"10,378":7052,"10,379":7053,"10,380":7054,"10,381":7055,"10,382":7056,"10,383":7057,"10,384":7058,"10,385":7059,"10,386":7060,"10,387":7061,"10,388":7062,"10,389":7063,"10,390":7064,"10,391":7065,"10,392":7066,"10,393":7067,"10,394":7068,"10,395":7069,"10,396":7070,"10,397":7071,"10,398":7072,"10,399":7073,"10,400":7074,"10,401":7075,"10,402":7076,"10,403":7077,"10,404":7078,"10,405":7079,"10,406":7080,"10,407":7081,"10,408":7082,"10,409":7083,"10,410":7084,"10,411":7085,"10,412":7086,"10,413":7087,"10,414":7088,"10,415":7089,"10,416":7090,"10,417":7091,"10,418":7092,"10,419":7093,"10,420":7094,"10,421":7095,"10,422":7096,"10,423":7097,"10,424":7098,"10,425":7099,"10,426":7100,"10,427":7101,"10,428":7102,"10,429":7103,"10,430":7104,"10,431":7105,"10,432":7106,"10,433":7107,"10,434":7108,"10,435":7109,"10,436":7110,"10,437":7111,"10,438":7112,"10,439":7113,"10,440":7114,"10,441":7115,"10,442":7116,"10,443":7117,"10,444":7118,"10,445":7119,"10,446":7120,"10,447":7121,"10,448":7122,"10,449":7123,"10,450":7124,"10,451":7125,"10,452":7126,"10,453":7127,"10,454":7128,"10,455":7129,"10,456":7130,"10,457":7131,"10,458":7132,"10,459":7133,"10,460":7134,"10,461":7135,"10,462":7136,"10,463":7137,"10,464":7138,"10,465":7139,"10,466":7140,"10,467":7141,"10,468":7142,"10,469":7143,"10,470":7144,"10,471":7145,"10,472":7146,"10,473":7147,"10,474":7148,"10,475":7149,"10,476":7150,"10,477":7151,"10,478":7152,"10,479":7153,"10,480":7154,"10,481":7155,"10,482":7156,"10,483":7157,"10,484":7158,"10,485":7159,"10,486":7160,"10,487":7161,"10,488":7162,"10,489":7163,"10,490":7164,"10,491":7165,"10,492":7166,"10,493":7167,"10,494":7168,"10,495":7169,"10,496":7170,"10,497":7171,"10,498":7172,"10,499":7173,"10,500":7174,"10,501":7175,"10,502":7176,"10,503":7177,"10,504":7178,"10,505":7179,"10,506":7180,"10,507":7181,"10,508":7182,"10,509":7183,"10,510":7184,"10,511":7185,"10,512":7186,"10,513":7187,"10,514":7188,"10,515":7189,"10,516":7190,"10,517":7191,"10,518":7192,"10,519":7193,"10,520":7194,"10,521":7195,"10,522":7196,"10,523":7197,"10,524":7198,"10,525":7199,"10,526":7200,"10,527":7201,"10,528":7202,"10,529":7203,"10,530":7204,"10,531":7205,"10,532":7206,"10,533":7207,"10,534":7208,"10,535":7209,"10,536":7210,"10,537":7211,"10,538":7212,"10,539":7213,"10,540":7214,"10,541":7215,"10,542":7216,"10,543":7217,"10,544":7218,"10,545":7219,"10,546":7220,"10,547":7221,"10,548":7222,"10,549":7223,"10,550":7224,"10,551":7225,"10,552":7226,"10,553":7227,"10,554":7228,"10,555":7229,"10,556":7230,"10,557":7231,"10,558":7232,"10,559":7233,"10,560":7234,"10,561":7235,"10,562":7236,"10,563":7237,"10,564":7238,"10,565":7239,"10,566":7240,"10,567":7241,"10,568":7242,"10,569":7243,"10,570":7244,"10,571":7245,"10,572":7246,"10,573":7247,"10,574":7248,"10,575":7249,"10,576":7250,"10,577":7251,"10,578":7252,"10,579":7253,"10,580":7254,"10,581":7255,"10,582":7256,"10,583":7257,"10,584":7258,"10,585":7259,"10,586":7260,"10,587":7261,"10,588":7262,"10,589":7263,"10,590":7264,"10,591":7265,"10,592":7266,"10,593":7267,"10,594":7268,"10,595":7269,"10,596":7270,"10,597":7271,"10,598":7272,"10,599":7273,"10,600":7274,"10,601":7275,"10,602":7276,"10,603":7277,"10,604":7278,"10,605":7279,"10,606":7280,"10,607":7281,"10,608":7282,"10,609":7283,"10,610":7284,"10,611":7285,"10,612":7286,"10,613":7287,"10,614":7288,"10,615":7289,"10,616":7290,"10,617":7291,"10,618":7292,"10,619":7293,"10,620":7294,"10,621":7295,"10,622":7296,"10,623":7297,"10,624":7298,"10,625":7299,"10,626":7300,"10,627":7301,"10,628":7302,"10,629":7303,"10,630":7304,"10,631":7305,"10,632":7306,"10,633":7307,"10,634":7308,"10,635":7309,"10,636":7310,"10,637":7311,"10,638":7312,"10,639":7313,"10,640":7314,"10,641":7315,"10,642":7316,"10,643":7317,"10,644":7318,"10,645":7319,"10,646":7320,"10,647":7321,"10,648":7322,"10,649":7323,"10,650":7324,"10,651":7325,"10,652":7326,"10,653":7327,"10,654":7328,"10,655":7329,"10,656":7330,"10,657":7331,"10,658":7332,"10,659":7333,"10,660":7334,"10,661":7335,"10,662":7336,"10,663":7337,"10,664":7338,"10,665":7339,"10,666":7340,"10,667":7341,"10,668":7342,"10,669":7343,"10,670":7344,"10,671":7345,"10,672":7346,"10,673":7347,"10,674":7348,"10,675":7349,"10,676":7350,"10,677":7351,"10,678":7352,"10,679":7353,"10,680":7354,"10,681":7355,"10,682":7356,"10,683":7357,"10,684":7358,"10,685":7359,"10,686":7360,"10,687":7361,"10,688":7362,"10,689":7363,"10,690":7364,"10,691":7365,"10,692":7366,"10,693":7367,"10,694":7368,"10,695":7369,"10,696":7370,"10,697":7371,"10,698":7372,"10,699":7373,"10,700":7374,"10,701":7375,"10,702":7376,"10,703":7377,"10,704":7378,"10,705":7379,"10,706":7380,"10,707":7381,"10,708":7382,"10,709":7383,"10,710":7384,"10,711":7385,"10,712":7386,"10,713":7387,"10,714":7388,"10,715":7389,"10,716":7390,"10,717":7391,"10,718":7392,"10,719":7393,"10,720":7394,"10,721":7395,"10,722":7396,"10,723":7397,"10,724":7398,"10,725":7399,"10,726":7400,"10,727":7401,"10,728":7402,"10,729":7403,"10,730":7404,"10,731":7405,"10,732":7406,"10,733":7407,"10,734":7408,"10,735":7409,"10,736":7410,"10,737":7411,"10,738":7412,"10,739":7413,"10,740":7414,"10,741":7415,"10,742":7416,"10,743":7417,"10,744":7418,"10,745":7419,"10,746":7420,"10,747":7421,"10,748":7422,"10,749":7423,"10,750":7424,"10,751":7425,"10,752":7426,"10,753":7427,"10,754":7428,"10,755":7429,"10,756":7430,"10,757":7431,"10,758":7432,"10,759":7433,"10,760":7434,"10,761":7435,"10,762":7436,"10,763":7437,"10,764":7438,"10,765":7439,"10,766":7440,"10,767":7441,"10,768":7442,"10,769":7443,"10,770":7444,"10,771":7445,"10,772":7446,"10,773":7447,"10,774":7448,"10,775":7449,"10,776":7450,"10,777":7451,"10,778":7452,"10,779":7453,"10,780":7454,"10,781":7455,"10,782":7456,"10,783":7457,"10,784":7458,"10,785":7459,"10,786":7460,"10,789":7461,"10,790":7462,"10,791":7463},"ٜ":{"1":[4,705],"2":[5,716],"3":[5,700],"4":[5,747],"5":[5,763],"6":[5,779],"7":[5,782],"8":[5,737],"9":[5,784],"10":[5,791]},"ٝ":["1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","3,689","3,690","3,691","3,692","3,693","3,694","3,695","3,696","3,697","3,698","3,699","3,700","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,650","4,651","4,652","4,653","4,654","4,655","4,656","4,657","4,658","4,659","4,660","4,661","4,662","4,663","4,664","4,665","4,666","4,667","4,668","4,669","4,670","4,671","4,672","4,673","4,674","4,675","4,676","4,677","4,678","4,679","4,680","4,681","4,682","4,683","4,684","4,685","4,686","4,687","4,688","4,689","4,690","4,691","4,692","4,693","4,694","4,695","4,696","4,697","4,698","4,699","4,700","4,701","4,702","4,703","4,704","4,705","4,706","4,707","4,708","4,709","4,710","4,711","4,712","4,713","4,714","4,715","4,716","4,717","4,718","4,719","4,720","4,721","4,722","4,723","4,724","4,725","4,726","4,727","4,728","4,729","4,730","4,731","4,732","4,733","4,734","4,735","4,736","4,737","4,738","4,739","4,740","4,741","4,742","4,743","4,744","4,745","4,746","4,747","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,649","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","5,663","5,664","5,665","5,666","5,667","5,668","5,669","5,670","5,671","5,672","5,673","5,674","5,675","5,676","5,677","5,678","5,679","5,680","5,681","5,682","5,683","5,684","5,685","5,686","5,687","5,688","5,689","5,690","5,691","5,692","5,693","5,694","5,695","5,696","5,697","5,698","5,699","5,700","5,701","5,702","5,703","5,704","5,705","5,706","5,707","5,708","5,709","5,710","5,711","5,712","5,713","5,714","5,715","5,716","5,717","5,718","5,719","5,720","5,721","5,722","5,723","5,724","5,725","5,726","5,727","5,728","5,729","5,730","5,731","5,732","5,733","5,734","5,735","5,736","5,737","5,738","5,739","5,740","5,741","5,742","5,743","5,744","5,745","5,746","5,747","5,748","5,749","5,750","5,751","5,752","5,753","5,754","5,755","5,756","5,757","5,758","5,759","5,760","5,761","5,762","5,763","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","6,662","6,663","6,664","6,665","6,666","6,667","6,668","6,669","6,670","6,671","6,672","6,673","6,674","6,675","6,676","6,677","6,678","6,679","6,680","6,681","6,682","6,683","6,684","6,685","6,686","6,687","6,688","6,689","6,690","6,691","6,692","6,693","6,694","6,695","6,696","6,697","6,698","6,699","6,700","6,701","6,702","6,703","6,704","6,705","6,706","6,707","6,708","6,709","6,710","6,711","6,712","6,713","6,714","6,715","6,716","6,717","6,718","6,719","6,720","6,721","6,722","6,723","6,724","6,725","6,726","6,727","6,728","6,729","6,730","6,731","6,732","6,733","6,734","6,735","6,736","6,737","6,738","6,739","6,740","6,741","6,742","6,743","6,744","6,745","6,746","6,747","6,748","6,749","6,750","6,751","6,752","6,753","6,754","6,755","6,756","6,757","6,758","6,759","6,760","6,761","6,762","6,763","6,764","6,765","6,766","6,767","6,768","6,769","6,770","6,771","6,772","6,773","6,774","6,775","6,776","6,777","6,778","6,779","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","7,595","7,596","7,597","7,598","7,599","7,600","7,601","7,602","7,603","7,604","7,605","7,606","7,607","7,608","7,609","7,610","7,611","7,612","7,613","7,614","7,615","7,616","7,617","7,618","7,619","7,620","7,621","7,622","7,623","7,624","7,625","7,626","7,627","7,628","7,629","7,630","7,631","7,632","7,633","7,634","7,635","7,636","7,637","7,638","7,639","7,640","7,641","7,642","7,643","7,644","7,645","7,646","7,647","7,648","7,649","7,650","7,651","7,652","7,653","7,654","7,655","7,656","7,657","7,658","7,659","7,660","7,661","7,662","7,663","7,664","7,665","7,666","7,667","7,668","7,669","7,670","7,671","7,672","7,673","7,674","7,675","7,676","7,677","7,678","7,679","7,680","7,681","7,682","7,683","7,684","7,685","7,686","7,687","7,688","7,689","7,690","7,691","7,692","7,693","7,694","7,695","7,696","7,697","7,698","7,699","7,700","7,701","7,702","7,703","7,704","7,705","7,706","7,707","7,708","7,709","7,710","7,711","7,712","7,713","7,714","7,715","7,716","7,717","7,718","7,719","7,720","7,721","7,722","7,723","7,724","7,725","7,726","7,727","7,728","7,729","7,730","7,731","7,732","7,733","7,734","7,735","7,736","7,737","7,738","7,739","7,740","7,741","7,742","7,743","7,744","7,745","7,746","7,747","7,748","7,749","7,750","7,751","7,752","7,753","7,754","7,755","7,756","7,757","7,758","7,759","7,760","7,761","7,762","7,763","7,764","7,765","7,766","7,767","7,768","7,769","7,770","7,771","7,772","7,773","7,774","7,775","7,776","7,777","7,778","7,779","7,780","7,781","7,782","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,580","8,581","8,582","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,614","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","8,625","8,626","8,627","8,628","8,629","8,630","8,631","8,632","8,633","8,634","8,635","8,636","8,637","8,638","8,639","8,640","8,641","8,642","8,643","8,644","8,645","8,646","8,647","8,648","8,649","8,650","8,651","8,652","8,653","8,654","8,655","8,656","8,657","8,658","8,659","8,660","8,661","8,662","8,663","8,664","8,665","8,666","8,667","8,668","8,669","8,670","8,671","8,672","8,673","8,674","8,675","8,676","8,677","8,678","8,679","8,680","8,681","8,682","8,683","8,684","8,685","8,686","8,687","8,688","8,689","8,690","8,691","8,692","8,693","8,694","8,695","8,696","8,697","8,698","8,699","8,700","8,701","8,702","8,703","8,704","8,705","8,706","8,707","8,708","8,709","8,710","8,711","8,712","8,713","8,714","8,715","8,716","8,717","8,718","8,719","8,720","8,721","8,722","8,723","8,724","8,725","8,726","8,727","8,728","8,729","8,730","8,731","8,732","8,733","8,734","8,735","8,736","8,737","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545","9,546","9,547","9,548","9,549","9,550","9,551","9,552","9,553","9,554","9,555","9,556","9,557","9,558","9,559","9,560","9,561","9,562","9,563","9,564","9,565","9,566","9,567","9,568","9,569","9,570","9,571","9,572","9,573","9,574","9,575","9,576","9,577","9,578","9,579","9,580","9,581","9,582","9,583","9,584","9,585","9,586","9,587","9,588","9,589","9,590","9,591","9,592","9,593","9,594","9,595","9,596","9,597","9,598","9,599","9,600","9,601","9,602","9,603","9,604","9,605","9,606","9,607","9,608","9,609","9,610","9,611","9,612","9,613","9,614","9,615","9,616","9,617","9,618","9,619","9,620","9,621","9,622","9,623","9,624","9,625","9,626","9,627","9,628","9,629","9,630","9,631","9,632","9,633","9,634","9,635","9,636","9,637","9,638","9,639","9,640","9,641","9,642","9,643","9,644","9,645","9,646","9,647","9,648","9,649","9,650","9,651","9,652","9,653","9,654","9,655","9,656","9,657","9,658","9,659","9,660","9,661","9,662","9,663","9,664","9,665","9,666","9,667","9,668","9,669","9,670","9,671","9,672","9,673","9,674","9,675","9,676","9,677","9,678","9,679","9,680","9,681","9,682","9,683","9,684","9,685","9,686","9,687","9,688","9,689","9,690","9,691","9,692","9,693","9,694","9,695","9,696","9,697","9,698","9,699","9,700","9,701","9,702","9,703","9,704","9,705","9,706","9,707","9,708","9,709","9,710","9,711","9,712","9,713","9,714","9,715","9,716","9,717","9,718","9,719","9,720","9,721","9,722","9,723","9,724","9,725","9,726","9,727","9,728","9,729","9,730","9,731","9,732","9,733","9,734","9,735","9,736","9,737","9,738","9,739","9,740","9,741","9,742","9,743","9,744","9,745","9,746","9,747","9,748","9,749","9,750","9,751","9,752","9,753","9,754","9,755","9,756","9,757","9,758","9,759","9,760","9,761","9,762","9,763","9,764","9,765","9,766","9,767","9,768","9,769","9,770","9,771","9,772","9,773","9,774","9,775","9,776","9,777","9,778","9,779","9,780","9,781","9,782","9,783","9,784","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,390","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","10,485","10,486","10,487","10,488","10,489","10,490","10,491","10,492","10,493","10,494","10,495","10,496","10,497","10,498","10,499","10,500","10,501","10,502","10,503","10,504","10,505","10,506","10,507","10,508","10,509","10,510","10,511","10,512","10,513","10,514","10,515","10,516","10,517","10,518","10,519","10,520","10,521","10,522","10,523","10,524","10,525","10,526","10,527","10,528","10,529","10,530","10,531","10,532","10,533","10,534","10,535","10,536","10,537","10,538","10,539","10,540","10,541","10,542","10,543","10,544","10,545","10,546","10,547","10,548","10,549","10,550","10,551","10,552","10,553","10,554","10,555","10,556","10,557","10,558","10,559","10,560","10,561","10,562","10,563","10,564","10,565","10,566","10,567","10,568","10,569","10,570","10,571","10,572","10,573","10,574","10,575","10,576","10,577","10,578","10,579","10,580","10,581","10,582","10,583","10,584","10,585","10,586","10,587","10,588","10,589","10,590","10,591","10,592","10,593","10,594","10,595","10,596","10,597","10,598","10,599","10,600","10,601","10,602","10,603","10,604","10,605","10,606","10,607","10,608","10,609","10,610","10,611","10,612","10,613","10,614","10,615","10,616","10,617","10,618","10,619","10,620","10,621","10,622","10,623","10,624","10,625","10,626","10,627","10,628","10,629","10,630","10,631","10,632","10,633","10,634","10,635","10,636","10,637","10,638","10,639","10,640","10,641","10,642","10,643","10,644","10,645","10,646","10,647","10,648","10,649","10,650","10,651","10,652","10,653","10,654","10,655","10,656","10,657","10,658","10,659","10,660","10,661","10,662","10,663","10,664","10,665","10,666","10,667","10,668","10,669","10,670","10,671","10,672","10,673","10,674","10,675","10,676","10,677","10,678","10,679","10,680","10,681","10,682","10,683","10,684","10,685","10,686","10,687","10,688","10,689","10,690","10,691","10,692","10,693","10,694","10,695","10,696","10,697","10,698","10,699","10,700","10,701","10,702","10,703","10,704","10,705","10,706","10,707","10,708","10,709","10,710","10,711","10,712","10,713","10,714","10,715","10,716","10,717","10,718","10,719","10,720","10,721","10,722","10,723","10,724","10,725","10,726","10,727","10,728","10,729","10,730","10,731","10,732","10,733","10,734","10,735","10,736","10,737","10,738","10,739","10,740","10,741","10,742","10,743","10,744","10,745","10,746","10,747","10,748","10,749","10,750","10,751","10,752","10,753","10,754","10,755","10,756","10,757","10,758","10,759","10,760","10,761","10,762","10,763","10,764","10,765","10,766","10,767","10,768","10,769","10,770","10,771","10,772","10,773","10,774","10,775","10,776","10,777","10,778","10,779","10,780","10,781","10,782","10,783","10,784","10,785","10,786","10,789","10,790","10,791"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"6":[3],"10":[4],"12":[5],"15":[6],"18":[7,8],"20":[9],"26":[10],"30":[11],"32":[12],"34":[13],"35":[14],"37":[15],"39":[16],"42":[17],"44":[18],"46":[19],"48":[20],"49":[21],"51":[22],"53":[23],"56":[24],"58":[25],"61":[26],"63":[27],"66":[28],"69":[29],"72":[30,31],"74":[32],"75":[33],"78":[34],"84":[35],"86":[36],"88":[37],"90":[38],"94":[39],"97":[40],"100":[41],"102":[42],"106":[43],"108":[44],"114":[45],"116":[46],"118":[47],"119":[48],"122":[49],"125":[50],"126":[51],"130":[52],"134":[53],"137":[54],"138":[55],"139":[56],"142":[57],"146":[58],"149":[59],"153":[60],"155":[61],"156":[62],"159":[63],"162":[64,65],"165":[66],"168":[67],"171":[68],"176":[69],"185":[70],"188":[71],"190":[72],"191":[73],"194":[74],"195":[75],"198":[76],"200":[77],"201":[78],"202":[79],"205":[80],"206":[81],"208":[82],"213":[83],"216":[84],"218":[85],"219":[86],"221":[87],"224":[88],"226":[89],"227":[90,91],"230":[92],"232":[93],"235":[94],"236":[95],"240":[96],"241":[97],"243":[98],"246":[99],"249":[100],"250":[101],"252":[102],"254":[103],"255":[104],"258":[105],"259":[106],"261":[107],"262":[108],"263":[109],"265":[110],"272":[111],"273":[112],"275":[113],"277":[114],"279":[115],"280":[116],"283":[117],"285":[118],"286":[119],"288":[120],"289":[121],"291":[122],"293":[123],"294":[124],"295":[125],"298":[126],"299":[127],"300":[128],"302":[129],"303":[130,131,132],"306":[133],"309":[134],"311":[135],"312":[136],"314":[137],"315":[138],"318":[139],"319":[140],"320":[141],"322":[142],"323":[143],"325":[144],"326":[145],"328":[146],"329":[147],"331":[148],"332":[149,150],"334":[151],"338":[152],"340":[153],"342":[154],"343":[155],"344":[156],"345":[157],"346":[158],"349":[159],"351":[160],"353":[161],"354":[162],"356":[163],"357":[164],"360":[165],"361":[166],"363":[167],"366":[168],"367":[169],"368":[170],"370":[171],"371":[172],"377":[173],"380":[174],"381":[175],"383":[176],"384":[177],"385":[178],"387":[179],"389":[180],"390":[181],"395":[182],"399":[183],"404":[184],"409":[185],"410":[186],"413":[187],"414":[188],"416":[189],"419":[190],"422":[191],"427":[192],"430":[193],"437":[194],"439":[195],"442":[196],"444":[197],"445":[198],"446":[199],"447":[200],"449":[201],"451":[202],"458":[203],"461":[204],"466":[205],"467":[206],"469":[207],"471":[208],"472":[209],"475":[210],"477":[211],"478":[212],"479":[213],"481":[214],"482":[215],"483":[216],"486":[217],"488":[218],"489":[219],"492":[220],"495":[221],"496":[222],"499":[223],"503":[224],"505":[225],"511":[226],"513":[227],"518":[228],"521":[229],"523":[230],"525":[231],"527":[232],"529":[233,234],"534":[235],"539":[236],"542":[237],"545":[238],"547":[239],"553":[240],"557":[241],"560":[242],"563":[243],"565":[244],"567":[245],"570":[246],"571":[247],"572":[248,249],"575":[250,251],"578":[252],"581":[253],"583":[254],"585":[255],"589":[256],"590":[257],"592":[258],"593":[259],"598":[260],"602":[261],"608":[262],"611":[263],"613":[264],"617":[265],"623":[266],"627":[267],"629":[268],"632":[269],"633":[270],"636":[271],"640":[272],"642":[273],"645":[274],"647":[275],"649":[276],"651":[277],"654":[278],"657":[279],"661":[280],"663":[281],"667":[282],"669":[283],"671":[284],"673":[285],"675":[286],"677":[287],"678":[288],"689":[289],"694":[290],"696":[291],"698":[292],"703":[293,294,295],"705":[296],"708":[297],"709":[298],"710":[299],"711":[300],"715":[301],"717":[302],"718":[303],"719":[304],"722":[305],"723":[306],"726":[307],"730":[308],"734":[309],"735":[310],"737":[311],"739":[312],"742":[313],"744":[314],"746":[315],"747":[316],"749":[317],"750":[318],"752":[319],"755":[320],"757":[321],"759":[322],"761":[323],"763":[324],"764":[325],"766":[326],"767":[327],"768":[328],"769":[329],"772":[330],"775":[331],"776":[332],"779":[333],"781":[334],"784":[335],"786":[336],"787":[337],"789":[338],"791":[339],"793":[340],"796":[341],"797":[342],"800":[343],"802":[344],"804":[345],"807":[346],"808":[347],"809":[348],"812":[349],"814":[350],"815":[351],"816":[352],"817":[353],"818":[354],"822":[355],"823":[356],"824":[357],"827":[358],"828":[359],"830":[360],"831":[361,362],"832":[363],"833":[364],"834":[365],"835":[366],"838":[367,368],"841":[369],"843":[370],"844":[371],"846":[372],"849":[373],"850":[374],"854":[375],"855":[376],"856":[377],"859":[378],"860":[379],"862":[380,381],"864":[382],"865":[383],"866":[384],"867":[385],"869":[386],"871":[387],"872":[388],"873":[389],"875":[390],"880":[391],"881":[392],"883":[393],"884":[394],"886":[395],"887":[396],"891":[397],"894":[398],"895":[399],"898":[400,401],"900":[402,403],"903":[404],"904":[405],"908":[406],"909":[407],"910":[408],"912":[409],"913":[410],"915":[411],"919":[412],"922":[413],"924":[414],"926":[415],"928":[416],"930":[417],"932":[418],"933":[419],"934":[420],"935":[421],"936":[422],"937":[423],"939":[424,425],"940":[426],"942":[427],"944":[428],"947":[429],"949":[430],"951":[431,432],"952":[433],"954":[434,435],"956":[436],"957":[437],"960":[438],"962":[439],"964":[440],"965":[441],"966":[442],"967":[443,444],"969":[445],"973":[446],"975":[447],"980":[448],"982":[449],"984":[450],"985":[451],"986":[452],"989":[453],"990":[454],"993":[455],"994":[456],"995":[457],"997":[458],"999":[459,460],"1003":[461],"1004":[462],"1006":[463],"1007":[464],"1008":[465],"1009":[466],"1011":[467],"1012":[468],"1014":[469],"1016":[470],"1017":[471],"1018":[472],"1021":[473],"1024":[474],"1027":[475],"1028":[476],"1030":[477],"1031":[478],"1034":[479],"1036":[480],"1038":[481],"1040":[482],"1041":[483],"1042":[484],"1045":[485],"1047":[486],"1048":[487],"1049":[488],"1052":[489,490],"1053":[491],"1054":[492],"1056":[493],"1058":[494,495],"1061":[496],"1063":[497],"1067":[498],"1068":[499],"1071":[500],"1074":[501],"1076":[502],"1077":[503],"1078":[504],"1080":[505],"1085":[506],"1090":[507],"1091":[508],"1092":[509],"1094":[510],"1095":[511],"1097":[512],"1098":[513],"1101":[514],"1103":[515],"1104":[516],"1106":[517],"1112":[518],"1117":[519],"1123":[520],"1125":[521],"1126":[522],"1128":[523],"1131":[524],"1132":[525],"1134":[526],"1137":[527],"1139":[528],"1144":[529],"1146":[530],"1151":[531],"1153":[532],"1155":[533,534],"1158":[535],"1160":[536],"1161":[537],"1167":[538],"1168":[539],"1169":[540],"1173":[541],"1176":[542],"1179":[543],"1180":[544],"1182":[545],"1184":[546],"1185":[547],"1186":[548],"1189":[549],"1190":[550],"1192":[551],"1195":[552],"1199":[553],"1202":[554],"1205":[555],"1208":[556],"1210":[557],"1211":[558],"1213":[559],"1216":[560],"1219":[561,562],"1220":[563],"1222":[564,565],"1223":[566],"1224":[567],"1226":[568],"1227":[569],"1229":[570],"1231":[571],"1235":[572],"1240":[573],"1241":[574],"1242":[575],"1245":[576],"1247":[577],"1250":[578],"1252":[579],"1254":[580],"1256":[581],"1258":[582],"1260":[583],"1262":[584],"1264":[585],"1267":[586],"1273":[587],"1277":[588],"1280":[589],"1283":[590],"1285":[591],"1288":[592],"1289":[593],"1290":[594],"1292":[595],"1295":[596],"1299":[597],"1302":[598],"1304":[599],"1306":[600,601],"1307":[602],"1309":[603],"1310":[604],"1311":[605],"1312":[606,607],"1315":[608],"1318":[609],"1319":[610],"1320":[611],"1321":[612],"1322":[613],"1324":[614],"1325":[615,616],"1326":[617],"1328":[618],"1329":[619],"1333":[620,621],"1336":[622],"1340":[623],"1342":[624,625],"1344":[626],"1345":[627],"1347":[628],"1348":[629],"1351":[630],"1354":[631,632],"1355":[633],"1356":[634],"1358":[635],"1360":[636],"1362":[637],"1363":[638],"1364":[639],"1365":[640],"1366":[641],"1368":[642],"1369":[643],"1370":[644],"1371":[645],"1372":[646],"1374":[647],"1376":[648],"1377":[649],"1379":[650],"1380":[651],"1382":[652],"1384":[653],"1387":[654],"1388":[655],"1390":[656],"1392":[657],"1394":[658],"1396":[659],"1398":[660],"1399":[661,662],"1400":[663,664],"1402":[665],"1405":[666],"1407":[667],"1409":[668,669],"1410":[670],"1415":[671],"1416":[672],"1419":[673],"1423":[674],"1430":[675],"1433":[676],"1437":[677],"1443":[678],"1445":[679],"1447":[680],"1449":[681,682],"1452":[683],"1458":[684],"1461":[685],"1464":[686],"1466":[687],"1468":[688],"1472":[689],"1474":[690],"1475":[691],"1478":[692],"1479":[693],"1481":[694],"1482":[695],"1484":[696],"1486":[697],"1489":[698],"1492":[699],"1493":[700],"1495":[701],"1496":[702],"1498":[703],"1501":[704],"1504":[705],"1506":[706],"1507":[707],"1509":[708],"1510":[709],"1514":[710],"1515":[711],"1516":[712],"1521":[713],"1524":[714],"1525":[715],"1529":[716],"1532":[717],"1534":[718],"1535":[719],"1539":[720],"1541":[721],"1543":[722],"1545":[723],"1547":[724],"1549":[725],"1553":[726],"1554":[727],"1555":[728],"1557":[729],"1560":[730],"1562":[731],"1564":[732],"1565":[733],"1566":[734],"1568":[735],"1572":[736],"1573":[737],"1576":[738],"1578":[739],"1580":[740],"1582":[741],"1583":[742],"1585":[743],"1588":[744],"1590":[745],"1591":[746],"1593":[747],"1594":[748],"1596":[749],"1598":[750],"1599":[751],"1600":[752],"1601":[753],"1602":[754],"1604":[755],"1605":[756,757],"1606":[758],"1607":[759,760],"1610":[761],"1611":[762],"1612":[763],"1613":[764],"1614":[765],"1616":[766],"1618":[767],"1619":[768],"1621":[769,770],"1622":[771],"1623":[772],"1624":[773],"1625":[774],"1626":[775],"1628":[776],"1630":[777],"1633":[778],"1635":[779],"1636":[780],"1637":[781],"1640":[782],"1641":[783],"1642":[784,785],"1644":[786],"1646":[787],"1648":[788],"1649":[789],"1650":[790],"1651":[791],"1653":[792,793],"1654":[794],"1655":[795],"1656":[796,797],"1657":[798],"1659":[799],"1660":[800],"1661":[801,802],"1662":[803],"1663":[804],"1664":[805],"1665":[806],"1666":[807],"1667":[808],"1668":[809],"1669":[810,811],"1671":[812],"1672":[813],"1673":[814],"1674":[815],"1675":[816],"1676":[817],"1678":[818],"1679":[819],"1680":[820],"1681":[821],"1682":[822],"1683":[823],"1685":[824,825],"1687":[826],"1688":[827],"1690":[828],"1691":[829,830],"1693":[831],"1694":[832],"1695":[833],"1696":[834],"1697":[835],"1698":[836],"1699":[837],"1700":[838],"1701":[839],"1702":[840],"1703":[841],"1704":[842],"1705":[843],"1706":[844],"1708":[845],"1709":[846],"1711":[847],"1712":[848],"1713":[849],"1714":[850],"1715":[851],"1717":[852],"1719":[853],"1720":[854],"1721":[855],"1722":[856],"1723":[857],"1724":[858],"1725":[859,860],"1726":[861],"1727":[862],"1729":[863],"1731":[864],"1732":[865],"1734":[866],"1736":[867],"1737":[868],"1739":[869],"1740":[870],"1741":[871,872],"1743":[873],"1744":[874],"1745":[875],"1746":[876],"1747":[877],"1748":[878],"1749":[879,880],"1750":[881],"1751":[882],"1752":[883],"1755":[884],"1757":[885],"1760":[886],"1762":[887],"1764":[888],"1765":[889],"1766":[890],"1767":[891],"1769":[892],"1770":[893],"1771":[894],"1772":[895],"1773":[896],"1774":[897],"1775":[898,899],"1776":[900],"1778":[901],"1780":[902],"1781":[903],"1782":[904],"1785":[905],"1786":[906],"1787":[907],"1788":[908],"1789":[909],"1790":[910],"1791":[911],"1793":[912,913],"1795":[914],"1797":[915],"1798":[916],"1800":[917],"1801":[918],"1802":[919],"1803":[920],"1805":[921],"1806":[922],"1808":[923],"1809":[924,925],"1811":[926,927],"1813":[928],"1815":[929],"1816":[930],"1818":[931],"1819":[932],"1820":[933],"1822":[934],"1823":[935],"1825":[936],"1827":[937],"1829":[938],"1831":[939],"1832":[940],"1834":[941],"1835":[942],"1836":[943],"1840":[944],"1842":[945],"1844":[946],"1845":[947,948],"1846":[949],"1848":[950],"1850":[951],"1851":[952],"1852":[953],"1853":[954],"1854":[955,956],"1855":[957],"1856":[958],"1858":[959,960],"1859":[961],"1861":[962],"1862":[963],"1863":[964],"1864":[965],"1865":[966],"1866":[967],"1868":[968,969],"1871":[970],"1872":[971],"1873":[972],"1874":[973],"1875":[974],"1876":[975],"1877":[976],"1879":[977],"1881":[978,979],"1884":[980],"1885":[981],"1887":[982,983],"1889":[984],"1891":[985],"1892":[986],"1894":[987],"1895":[988],"1897":[989],"1900":[990],"1902":[991],"1903":[992],"1904":[993],"1905":[994],"1907":[995],"1910":[996],"1911":[997],"1913":[998],"1914":[999],"1915":[1000],"1918":[1001],"1920":[1002],"1921":[1003],"1922":[1004],"1924":[1005],"1925":[1006],"1926":[1007],"1927":[1008],"1928":[1009],"1929":[1010],"1932":[1011],"1934":[1012],"1935":[1013],"1936":[1014],"1939":[1015],"1941":[1016],"1942":[1017],"1943":[1018],"1944":[1019],"1945":[1020],"1946":[1021],"1947":[1022],"1948":[1023],"1949":[1024],"1950":[1025,1026],"1952":[1027],"1954":[1028],"1955":[1029],"1957":[1030],"1958":[1031],"1960":[1032],"1961":[1033,1034],"1962":[1035],"1964":[1036],"1965":[1037],"1966":[1038],"1967":[1039],"1968":[1040],"1969":[1041],"1970":[1042],"1972":[1043],"1973":[1044],"1975":[1045],"1976":[1046],"1979":[1047],"1980":[1048,1049],"1981":[1050],"1982":[1051],"1983":[1052],"1984":[1053],"1986":[1054,1055],"1987":[1056,1057],"1988":[1058],"1990":[1059],"1991":[1060],"1992":[1061],"1993":[1062],"1994":[1063,1064],"1996":[1065,1066],"1997":[1067],"1998":[1068],"1999":[1069,1070],"2000":[1071,1072],"2001":[1073],"2002":[1074],"2004":[1075,1076,1077],"2005":[1078,1079],"2006":[1080],"2007":[1081,1082],"2008":[1083],"2010":[1084],"2011":[1085],"2012":[1086],"2014":[1087],"2015":[1088],"2016":[1089],"2017":[1090],"2019":[1091,1092],"2020":[1093],"2022":[1094],"2024":[1095],"2025":[1096,1097],"2026":[1098],"2027":[1099],"2031":[1100],"2032":[1101],"2034":[1102],"2035":[1103],"2036":[1104],"2038":[1105],"2039":[1106],"2042":[1107,1108],"2044":[1109,1110],"2046":[1111],"2048":[1112],"2050":[1113],"2053":[1114],"2055":[1115],"2056":[1116],"2058":[1117],"2059":[1118],"2060":[1119],"2061":[1120],"2063":[1121,1122],"2065":[1123],"2066":[1124],"2067":[1125],"2070":[1126],"2071":[1127],"2072":[1128],"2074":[1129],"2075":[1130],"2076":[1131],"2077":[1132],"2079":[1133],"2080":[1134],"2081":[1135],"2082":[1136],"2084":[1137,1138],"2085":[1139],"2086":[1140],"2087":[1141],"2088":[1142],"2089":[1143],"2091":[1144],"2092":[1145],"2094":[1146],"2095":[1147],"2097":[1148,1149],"2098":[1150],"2099":[1151],"2100":[1152],"2101":[1153,1154],"2102":[1155],"2103":[1156],"2104":[1157],"2105":[1158,1159],"2107":[1160],"2108":[1161],"2109":[1162],"2111":[1163,1164],"2113":[1165],"2115":[1166],"2116":[1167],"2117":[1168],"2119":[1169,1170],"2121":[1171],"2122":[1172],"2123":[1173],"2124":[1174],"2125":[1175],"2127":[1176],"2128":[1177],"2129":[1178],"2130":[1179],"2131":[1180],"2133":[1181,1182],"2134":[1183],"2135":[1184],"2136":[1185],"2137":[1186,1187],"2139":[1188],"2141":[1189],"2142":[1190],"2143":[1191],"2144":[1192],"2146":[1193],"2147":[1194],"2149":[1195],"2150":[1196],"2151":[1197],"2153":[1198],"2155":[1199],"2156":[1200],"2157":[1201],"2158":[1202],"2159":[1203],"2162":[1204],"2164":[1205],"2165":[1206],"2167":[1207,1208],"2169":[1209],"2170":[1210],"2173":[1211],"2174":[1212],"2175":[1213],"2176":[1214,1215],"2177":[1216],"2179":[1217,1218],"2180":[1219],"2181":[1220],"2182":[1221],"2183":[1222],"2185":[1223],"2186":[1224],"2188":[1225],"2189":[1226],"2191":[1227],"2192":[1228],"2194":[1229],"2195":[1230],"2196":[1231],"2197":[1232],"2198":[1233],"2200":[1234],"2201":[1235,1236],"2204":[1237],"2205":[1238],"2206":[1239],"2207":[1240],"2209":[1241],"2210":[1242],"2212":[1243],"2213":[1244],"2214":[1245],"2216":[1246],"2217":[1247,1248],"2218":[1249],"2220":[1250],"2222":[1251],"2223":[1252,1253],"2225":[1254],"2226":[1255],"2227":[1256],"2228":[1257],"2229":[1258,1259],"2230":[1260],"2231":[1261],"2233":[1262],"2236":[1263,1264],"2237":[1265],"2239":[1266],"2240":[1267],"2243":[1268],"2245":[1269,1270],"2246":[1271],"2248":[1272],"2250":[1273],"2253":[1274],"2255":[1275],"2257":[1276],"2258":[1277],"2260":[1278],"2261":[1279],"2263":[1280],"2264":[1281],"2265":[1282],"2266":[1283,1284],"2267":[1285],"2268":[1286],"2270":[1287],"2271":[1288],"2272":[1289],"2273":[1290],"2274":[1291],"2275":[1292],"2276":[1293],"2277":[1294],"2278":[1295],"2279":[1296],"2280":[1297],"2282":[1298],"2284":[1299],"2285":[1300],"2286":[1301],"2288":[1302],"2289":[1303],"2290":[1304],"2291":[1305],"2292":[1306],"2294":[1307],"2295":[1308],"2296":[1309],"2298":[1310],"2299":[1311],"2301":[1312],"2303":[1313],"2304":[1314],"2305":[1315,1316],"2307":[1317],"2308":[1318],"2309":[1319],"2310":[1320],"2312":[1321],"2313":[1322,1323],"2314":[1324],"2316":[1325,1326],"2317":[1327],"2318":[1328],"2319":[1329],"2321":[1330,1331],"2323":[1332],"2324":[1333,1334],"2325":[1335],"2326":[1336],"2327":[1337],"2329":[1338],"2330":[1339],"2332":[1340],"2333":[1341],"2334":[1342],"2335":[1343],"2337":[1344],"2339":[1345],"2340":[1346],"2343":[1347],"2344":[1348],"2346":[1349],"2348":[1350],"2350":[1351],"2352":[1352],"2353":[1353],"2354":[1354],"2356":[1355],"2362":[1356],"2363":[1357],"2364":[1358],"2366":[1359],"2368":[1360],"2369":[1361],"2370":[1362,1363],"2371":[1364],"2372":[1365],"2373":[1366],"2375":[1367,1368],"2376":[1369],"2378":[1370],"2379":[1371],"2381":[1372],"2383":[1373],"2384":[1374],"2385":[1375,1376],"2386":[1377],"2388":[1378],"2389":[1379],"2391":[1380],"2393":[1381],"2394":[1382],"2396":[1383],"2397":[1384],"2398":[1385],"2399":[1386],"2400":[1387],"2401":[1388],"2402":[1389],"2404":[1390],"2406":[1391],"2408":[1392],"2409":[1393],"2410":[1394],"2413":[1395],"2414":[1396],"2415":[1397],"2416":[1398],"2417":[1399],"2418":[1400],"2419":[1401],"2420":[1402],"2421":[1403],"2422":[1404],"2423":[1405],"2424":[1406],"2426":[1407,1408],"2427":[1409],"2428":[1410],"2429":[1411,1412],"2430":[1413],"2431":[1414],"2432":[1415,1416],"2433":[1417],"2435":[1418],"2436":[1419],"2437":[1420,1421],"2439":[1422],"2440":[1423,1424],"2441":[1425],"2442":[1426],"2443":[1427],"2444":[1428],"2446":[1429],"2447":[1430],"2448":[1431],"2449":[1432],"2450":[1433],"2451":[1434],"2453":[1435,1436],"2454":[1437],"2456":[1438],"2457":[1439,1440],"2459":[1441,1442],"2460":[1443,1444],"2461":[1445],"2462":[1446,1447],"2463":[1448],"2464":[1449],"2465":[1450],"2466":[1451,1452],"2467":[1453],"2468":[1454],"2470":[1455],"2471":[1456],"2473":[1457,1458],"2475":[1459],"2476":[1460],"2477":[1461],"2478":[1462,1463],"2481":[1464],"2482":[1465],"2483":[1466],"2484":[1467,1468],"2485":[1469],"2487":[1470],"2488":[1471,1472],"2489":[1473],"2490":[1474],"2492":[1475,1476],"2494":[1477],"2495":[1478],"2498":[1479,1480],"2500":[1481],"2501":[1482],"2503":[1483],"2505":[1484,1485],"2506":[1486],"2507":[1487],"2508":[1488],"2509":[1489],"2510":[1490],"2512":[1491],"2513":[1492],"2516":[1493],"2517":[1494,1495],"2519":[1496,1497],"2520":[1498],"2521":[1499],"2523":[1500],"2524":[1501],"2525":[1502],"2527":[1503],"2529":[1504],"2531":[1505,1506],"2533":[1507],"2534":[1508],"2535":[1509],"2536":[1510],"2538":[1511],"2539":[1512],"2540":[1513],"2542":[1514,1515],"2545":[1516],"2546":[1517],"2547":[1518],"2549":[1519],"2551":[1520],"2552":[1521],"2554":[1522],"2555":[1523],"2556":[1524],"2558":[1525,1526],"2559":[1527],"2560":[1528],"2561":[1529],"2563":[1530],"2564":[1531],"2565":[1532],"2566":[1533],"2567":[1534],"2568":[1535],"2569":[1536],"2570":[1537],"2571":[1538],"2572":[1539],"2573":[1540],"2574":[1541],"2575":[1542,1543],"2577":[1544],"2578":[1545],"2581":[1546],"2582":[1547],"2583":[1548],"2585":[1549,1550],"2587":[1551],"2589":[1552],"2590":[1553],"2591":[1554],"2594":[1555],"2595":[1556],"2597":[1557],"2598":[1558],"2599":[1559],"2600":[1560],"2602":[1561],"2603":[1562],"2604":[1563],"2605":[1564],"2607":[1565],"2608":[1566],"2609":[1567],"2610":[1568],"2611":[1569],"2612":[1570],"2613":[1571],"2614":[1572],"2615":[1573],"2616":[1574],"2618":[1575],"2619":[1576],"2621":[1577],"2622":[1578],"2623":[1579],"2624":[1580],"2626":[1581],"2627":[1582],"2629":[1583],"2630":[1584],"2631":[1585],"2633":[1586],"2634":[1587],"2635":[1588],"2636":[1589],"2638":[1590,1591],"2640":[1592],"2643":[1593,1594],"2645":[1595],"2646":[1596],"2648":[1597],"2650":[1598],"2652":[1599],"2653":[1600],"2654":[1601],"2655":[1602],"2656":[1603],"2657":[1604],"2658":[1605,1606],"2659":[1607],"2662":[1608],"2663":[1609],"2664":[1610],"2665":[1611],"2667":[1612],"2668":[1613],"2670":[1614],"2671":[1615],"2673":[1616],"2675":[1617],"2677":[1618],"2678":[1619],"2679":[1620],"2680":[1621,1622],"2682":[1623],"2685":[1624],"2686":[1625],"2688":[1626,1627],"2690":[1628],"2692":[1629],"2693":[1630],"2695":[1631],"2696":[1632],"2698":[1633],"2700":[1634],"2702":[1635],"2704":[1636],"2705":[1637],"2706":[1638,1639],"2708":[1640,1641],"2709":[1642],"2710":[1643],"2712":[1644],"2713":[1645],"2715":[1646],"2717":[1647],"2718":[1648],"2719":[1649],"2720":[1650],"2721":[1651],"2722":[1652],"2723":[1653],"2724":[1654],"2725":[1655],"2726":[1656],"2727":[1657],"2728":[1658],"2730":[1659],"2732":[1660],"2733":[1661],"2735":[1662],"2736":[1663],"2737":[1664,1665],"2738":[1666],"2739":[1667],"2740":[1668],"2742":[1669],"2743":[1670],"2744":[1671],"2745":[1672],"2747":[1673],"2748":[1674],"2749":[1675],"2750":[1676],"2752":[1677,1678],"2754":[1679],"2755":[1680],"2757":[1681,1682],"2759":[1683,1684],"2760":[1685],"2761":[1686],"2762":[1687],"2763":[1688],"2764":[1689,1690],"2765":[1691],"2767":[1692],"2770":[1693],"2771":[1694],"2772":[1695],"2773":[1696],"2774":[1697],"2775":[1698,1699],"2776":[1700],"2777":[1701],"2779":[1702],"2781":[1703],"2784":[1704,1705],"2785":[1706],"2788":[1707],"2790":[1708],"2794":[1709],"2795":[1710],"2796":[1711],"2797":[1712],"2798":[1713],"2799":[1714],"2801":[1715],"2802":[1716],"2804":[1717],"2806":[1718],"2810":[1719],"2813":[1720],"2815":[1721],"2817":[1722,1723],"2818":[1724],"2820":[1725],"2822":[1726],"2825":[1727],"2826":[1728],"2827":[1729],"2828":[1730],"2829":[1731],"2831":[1732],"2833":[1733],"2836":[1734],"2837":[1735],"2839":[1736],"2840":[1737],"2841":[1738],"2843":[1739],"2844":[1740],"2846":[1741],"2848":[1742,1743],"2850":[1744],"2852":[1745],"2854":[1746,1747],"2855":[1748],"2856":[1749],"2857":[1750],"2859":[1751],"2860":[1752],"2862":[1753],"2864":[1754,1755],"2867":[1756],"2869":[1757],"2870":[1758],"2871":[1759],"2872":[1760],"2873":[1761],"2875":[1762,1763],"2877":[1764],"2879":[1765],"2881":[1766],"2883":[1767],"2886":[1768],"2887":[1769],"2890":[1770],"2891":[1771],"2892":[1772],"2893":[1773],"2894":[1774],"2895":[1775],"2896":[1776],"2898":[1777],"2899":[1778],"2900":[1779],"2901":[1780],"2904":[1781],"2905":[1782],"2909":[1783],"2910":[1784],"2912":[1785,1786],"2913":[1787],"2914":[1788],"2916":[1789],"2918":[1790],"2919":[1791],"2920":[1792],"2921":[1793],"2922":[1794],"2923":[1795,1796],"2924":[1797],"2926":[1798,1799],"2927":[1800],"2928":[1801],"2930":[1802],"2931":[1803,1804],"2932":[1805],"2933":[1806],"2934":[1807],"2935":[1808],"2936":[1809],"2937":[1810,1811],"2938":[1812],"2939":[1813,1814],"2940":[1815],"2941":[1816],"2942":[1817,1818],"2943":[1819],"2944":[1820],"2945":[1821],"2946":[1822],"2947":[1823,1824],"2950":[1825],"2951":[1826,1827],"2952":[1828,1829],"2953":[1830],"2954":[1831],"2955":[1832,1833,1834],"2957":[1835],"2958":[1836],"2959":[1837],"2961":[1838,1839],"2962":[1840],"2963":[1841],"2964":[1842],"2965":[1843],"2966":[1844],"2967":[1845,1846],"2968":[1847],"2969":[1848],"2970":[1849],"2971":[1850],"2972":[1851],"2973":[1852],"2975":[1853],"2977":[1854],"2978":[1855],"2980":[1856],"2981":[1857],"2982":[1858],"2984":[1859],"2986":[1860],"2988":[1861],"2989":[1862,1863],"2990":[1864],"2991":[1865,1866],"2994":[1867],"2995":[1868],"2996":[1869],"2997":[1870],"2998":[1871],"2999":[1872],"3001":[1873],"3003":[1874],"3004":[1875],"3006":[1876],"3007":[1877,1878],"3008":[1879],"3010":[1880,1881],"3011":[1882],"3012":[1883],"3013":[1884,1885],"3014":[1886],"3015":[1887,1888],"3017":[1889],"3019":[1890],"3021":[1891],"3022":[1892],"3023":[1893],"3024":[1894],"3025":[1895],"3027":[1896],"3028":[1897],"3029":[1898],"3030":[1899],"3031":[1900],"3033":[1901],"3035":[1902],"3036":[1903],"3038":[1904,1905],"3040":[1906],"3041":[1907],"3042":[1908],"3043":[1909],"3045":[1910],"3046":[1911,1912],"3047":[1913],"3048":[1914],"3050":[1915],"3051":[1916],"3052":[1917],"3053":[1918],"3054":[1919,1920],"3055":[1921],"3056":[1922],"3057":[1923],"3058":[1924],"3061":[1925],"3062":[1926],"3063":[1927],"3064":[1928],"3066":[1929,1930],"3067":[1931],"3069":[1932],"3070":[1933],"3071":[1934],"3073":[1935],"3074":[1936],"3075":[1937],"3077":[1938],"3078":[1939],"3079":[1940],"3080":[1941],"3082":[1942],"3083":[1943],"3084":[1944],"3085":[1945],"3087":[1946],"3088":[1947],"3089":[1948,1949],"3090":[1950],"3091":[1951],"3092":[1952],"3093":[1953],"3094":[1954],"3096":[1955],"3098":[1956],"3100":[1957],"3102":[1958],"3103":[1959],"3104":[1960],"3106":[1961,1962],"3108":[1963],"3109":[1964,1965],"3110":[1966],"3111":[1967],"3112":[1968],"3114":[1969,1970],"3115":[1971],"3118":[1972],"3119":[1973,1974],"3120":[1975],"3121":[1976],"3123":[1977],"3124":[1978],"3125":[1979],"3126":[1980,1981],"3127":[1982],"3128":[1983],"3129":[1984],"3130":[1985,1986],"3131":[1987],"3132":[1988],"3133":[1989],"3134":[1990],"3135":[1991],"3136":[1992],"3137":[1993],"3139":[1994,1995],"3144":[1996],"3145":[1997],"3146":[1998],"3148":[1999],"3149":[2000],"3150":[2001],"3152":[2002],"3154":[2003,2004],"3155":[2005],"3156":[2006],"3158":[2007],"3159":[2008],"3160":[2009],"3162":[2010],"3164":[2011],"3165":[2012],"3166":[2013],"3167":[2014,2015],"3168":[2016],"3169":[2017],"3171":[2018],"3173":[2019],"3174":[2020],"3175":[2021],"3176":[2022],"3177":[2023],"3178":[2024],"3179":[2025],"3180":[2026],"3182":[2027],"3184":[2028],"3185":[2029],"3187":[2030],"3188":[2031],"3189":[2032],"3190":[2033],"3191":[2034],"3192":[2035],"3193":[2036],"3194":[2037],"3195":[2038],"3197":[2039],"3198":[2040],"3199":[2041],"3200":[2042],"3201":[2043],"3202":[2044],"3204":[2045],"3205":[2046],"3206":[2047],"3207":[2048],"3208":[2049],"3209":[2050],"3211":[2051],"3212":[2052],"3214":[2053],"3216":[2054],"3217":[2055],"3218":[2056],"3219":[2057],"3221":[2058],"3222":[2059],"3224":[2060],"3225":[2061],"3226":[2062],"3228":[2063],"3229":[2064],"3231":[2065,2066],"3234":[2067],"3235":[2068],"3236":[2069],"3237":[2070,2071],"3238":[2072],"3240":[2073],"3242":[2074],"3243":[2075],"3244":[2076,2077],"3245":[2078],"3246":[2079],"3247":[2080],"3248":[2081],"3249":[2082],"3250":[2083,2084],"3251":[2085],"3252":[2086],"3253":[2087],"3254":[2088,2089],"3255":[2090],"3257":[2091],"3258":[2092],"3259":[2093],"3260":[2094],"3262":[2095],"3263":[2096],"3264":[2097],"3265":[2098],"3266":[2099],"3267":[2100],"3268":[2101,2102],"3269":[2103],"3272":[2104],"3274":[2105,2106],"3275":[2107],"3276":[2108],"3277":[2109],"3278":[2110],"3279":[2111],"3280":[2112],"3281":[2113],"3282":[2114],"3284":[2115,2116],"3286":[2117],"3287":[2118],"3289":[2119],"3290":[2120],"3291":[2121],"3293":[2122],"3297":[2123],"3300":[2124,2125],"3303":[2126],"3306":[2127],"3307":[2128],"3309":[2129],"3310":[2130],"3311":[2131],"3312":[2132],"3315":[2133],"3318":[2134],"3319":[2135],"3320":[2136],"3322":[2137],"3324":[2138],"3325":[2139,2140],"3326":[2141],"3327":[2142,2143],"3329":[2144,2145],"3330":[2146],"3331":[2147,2148],"3332":[2149],"3334":[2150],"3335":[2151],"3336":[2152],"3338":[2153],"3340":[2154],"3342":[2155],"3344":[2156],"3345":[2157,2158],"3346":[2159],"3347":[2160],"3348":[2161],"3350":[2162],"3351":[2163],"3352":[2164],"3354":[2165],"3355":[2166],"3356":[2167],"3357":[2168],"3358":[2169],"3359":[2170],"3360":[2171],"3361":[2172,2173],"3362":[2174],"3363":[2175],"3364":[2176,2177],"3365":[2178],"3366":[2179],"3367":[2180,2181],"3369":[2182],"3370":[2183],"3372":[2184],"3373":[2185],"3374":[2186],"3377":[2187],"3379":[2188],"3380":[2189],"3382":[2190],"3383":[2191],"3384":[2192],"3385":[2193],"3386":[2194],"3387":[2195],"3388":[2196],"3389":[2197],"3391":[2198],"3392":[2199],"3393":[2200],"3394":[2201,2202],"3395":[2203],"3396":[2204,2205],"3397":[2206],"3399":[2207],"3400":[2208],"3401":[2209],"3402":[2210],"3403":[2211],"3408":[2212,2213,2214],"3409":[2215,2216],"3411":[2217],"3412":[2218],"3414":[2219],"3415":[2220],"3416":[2221],"3418":[2222,2223],"3419":[2224],"3420":[2225],"3421":[2226,2227],"3423":[2228],"3424":[2229,2230],"3425":[2231,2232],"3426":[2233],"3427":[2234],"3428":[2235],"3429":[2236],"3430":[2237],"3431":[2238],"3433":[2239],"3434":[2240],"3435":[2241],"3436":[2242],"3437":[2243],"3438":[2244],"3439":[2245,2246],"3440":[2247],"3441":[2248],"3442":[2249],"3443":[2250],"3444":[2251],"3445":[2252],"3446":[2253,2254],"3447":[2255],"3448":[2256],"3449":[2257,2258],"3451":[2259],"3452":[2260],"3453":[2261],"3454":[2262],"3455":[2263],"3456":[2264,2265],"3457":[2266],"3458":[2267],"3459":[2268],"3461":[2269],"3463":[2270],"3465":[2271],"3466":[2272],"3467":[2273],"3468":[2274,2275],"3470":[2276],"3471":[2277],"3472":[2278,2279],"3474":[2280],"3475":[2281,2282],"3477":[2283],"3478":[2284],"3479":[2285],"3480":[2286],"3482":[2287],"3483":[2288,2289],"3484":[2290],"3487":[2291,2292],"3488":[2293],"3489":[2294,2295],"3490":[2296],"3491":[2297],"3492":[2298,2299],"3493":[2300],"3494":[2301],"3495":[2302,2303],"3497":[2304,2305],"3499":[2306,2307],"3500":[2308],"3501":[2309],"3503":[2310],"3504":[2311],"3506":[2312],"3508":[2313],"3509":[2314],"3511":[2315],"3512":[2316],"3513":[2317],"3515":[2318],"3516":[2319],"3519":[2320],"3520":[2321],"3522":[2322],"3525":[2323],"3526":[2324],"3527":[2325],"3528":[2326],"3529":[2327],"3530":[2328,2329],"3531":[2330],"3533":[2331],"3534":[2332],"3535":[2333],"3536":[2334,2335],"3537":[2336],"3538":[2337],"3539":[2338],"3540":[2339],"3541":[2340],"3542":[2341],"3545":[2342,2343],"3546":[2344],"3548":[2345,2346],"3550":[2347],"3551":[2348],"3553":[2349],"3554":[2350],"3556":[2351],"3557":[2352],"3558":[2353,2354],"3560":[2355,2356],"3562":[2357],"3563":[2358,2359],"3564":[2360],"3565":[2361],"3567":[2362],"3568":[2363],"3569":[2364,2365],"3570":[2366],"3571":[2367],"3572":[2368],"3573":[2369],"3575":[2370],"3577":[2371],"3578":[2372,2373],"3579":[2374],"3580":[2375,2376],"3581":[2377,2378],"3583":[2379],"3584":[2380],"3585":[2381,2382],"3586":[2383],"3587":[2384],"3588":[2385],"3589":[2386],"3590":[2387],"3591":[2388],"3592":[2389],"3593":[2390],"3594":[2391],"3597":[2392],"3598":[2393],"3600":[2394,2395],"3601":[2396],"3602":[2397],"3603":[2398],"3604":[2399],"3606":[2400],"3608":[2401],"3609":[2402],"3610":[2403],"3611":[2404],"3613":[2405,2406],"3614":[2407],"3615":[2408],"3616":[2409],"3617":[2410],"3618":[2411],"3619":[2412],"3620":[2413],"3621":[2414,2415],"3623":[2416,2417],"3624":[2418],"3625":[2419,2420],"3626":[2421,2422],"3627":[2423],"3628":[2424],"3629":[2425,2426],"3630":[2427],"3632":[2428],"3633":[2429],"3635":[2430],"3636":[2431,2432],"3637":[2433],"3638":[2434],"3639":[2435],"3642":[2436],"3643":[2437,2438],"3644":[2439],"3645":[2440],"3648":[2441],"3649":[2442],"3650":[2443],"3651":[2444],"3652":[2445,2446],"3653":[2447],"3654":[2448,2449],"3656":[2450,2451],"3657":[2452],"3659":[2453,2454],"3660":[2455],"3661":[2456,2457],"3662":[2458],"3663":[2459,2460],"3664":[2461],"3665":[2462],"3666":[2463,2464],"3667":[2465,2466],"3668":[2467],"3669":[2468],"3670":[2469,2470],"3671":[2471,2472],"3673":[2473],"3674":[2474],"3675":[2475,2476],"3676":[2477],"3678":[2478],"3679":[2479,2480],"3680":[2481],"3681":[2482],"3683":[2483],"3684":[2484],"3685":[2485],"3687":[2486],"3688":[2487],"3690":[2488],"3692":[2489],"3694":[2490],"3696":[2491],"3698":[2492],"3699":[2493],"3700":[2494],"3701":[2495],"3702":[2496],"3703":[2497],"3704":[2498],"3705":[2499],"3706":[2500],"3708":[2501],"3709":[2502],"3710":[2503],"3711":[2504,2505],"3713":[2506],"3715":[2507],"3716":[2508,2509],"3717":[2510],"3719":[2511,2512],"3721":[2513],"3722":[2514,2515],"3724":[2516],"3728":[2517,2518],"3730":[2519],"3734":[2520,2521],"3735":[2522],"3736":[2523],"3737":[2524],"3738":[2525],"3740":[2526],"3741":[2527],"3743":[2528],"3744":[2529],"3746":[2530,2531],"3748":[2532],"3750":[2533],"3753":[2534],"3754":[2535],"3755":[2536],"3756":[2537],"3758":[2538],"3760":[2539],"3762":[2540],"3763":[2541],"3765":[2542],"3768":[2543],"3769":[2544],"3770":[2545],"3771":[2546],"3773":[2547],"3774":[2548],"3777":[2549],"3778":[2550],"3779":[2551],"3781":[2552],"3783":[2553],"3784":[2554],"3785":[2555],"3786":[2556],"3788":[2557],"3790":[2558],"3791":[2559,2560],"3792":[2561],"3793":[2562],"3796":[2563],"3797":[2564],"3799":[2565],"3800":[2566,2567],"3801":[2568],"3802":[2569],"3803":[2570],"3806":[2571,2572],"3807":[2573],"3808":[2574],"3809":[2575],"3810":[2576],"3811":[2577],"3812":[2578],"3813":[2579,2580],"3814":[2581],"3815":[2582],"3817":[2583],"3820":[2584,2585],"3821":[2586],"3822":[2587],"3823":[2588],"3828":[2589,2590],"3830":[2591],"3834":[2592],"3836":[2593],"3837":[2594],"3838":[2595],"3840":[2596],"3841":[2597],"3842":[2598],"3843":[2599],"3845":[2600],"3846":[2601],"3847":[2602],"3848":[2603],"3851":[2604],"3852":[2605],"3853":[2606],"3854":[2607],"3855":[2608],"3856":[2609],"3857":[2610],"3858":[2611],"3859":[2612],"3861":[2613,2614],"3863":[2615],"3864":[2616],"3865":[2617],"3866":[2618],"3867":[2619],"3868":[2620],"3870":[2621],"3872":[2622],"3873":[2623],"3874":[2624],"3875":[2625,2626],"3877":[2627],"3879":[2628],"3880":[2629,2630],"3881":[2631],"3882":[2632],"3883":[2633],"3884":[2634],"3886":[2635,2636],"3887":[2637],"3889":[2638,2639],"3890":[2640],"3891":[2641],"3892":[2642],"3893":[2643],"3894":[2644],"3895":[2645,2646],"3897":[2647],"3898":[2648],"3900":[2649],"3901":[2650],"3902":[2651],"3903":[2652],"3906":[2653],"3908":[2654],"3909":[2655,2656],"3910":[2657],"3911":[2658,2659],"3912":[2660],"3915":[2661],"3916":[2662],"3917":[2663],"3918":[2664],"3919":[2665,2666],"3920":[2667],"3921":[2668],"3923":[2669],"3924":[2670,2671],"3926":[2672],"3929":[2673],"3932":[2674],"3934":[2675],"3935":[2676],"3938":[2677],"3940":[2678],"3941":[2679],"3942":[2680,2681],"3948":[2682],"3949":[2683],"3951":[2684,2685],"3953":[2686],"3954":[2687],"3955":[2688],"3956":[2689],"3957":[2690,2691],"3960":[2692],"3963":[2693],"3964":[2694,2695],"3965":[2696],"3967":[2697],"3968":[2698],"3971":[2699],"3972":[2700],"3975":[2701],"3983":[2702],"3986":[2703],"3991":[2704],"3992":[2705],"3998":[2706],"4001":[2707],"4003":[2708],"4006":[2709],"4009":[2710],"4012":[2711],"4014":[2712],"4015":[2713],"4018":[2714],"4019":[2715],"4021":[2716,2717],"4023":[2718],"4024":[2719],"4025":[2720],"4026":[2721],"4027":[2722],"4029":[2723],"4031":[2724],"4035":[2725,2726],"4036":[2727],"4040":[2728,2729],"4043":[2730],"4047":[2731],"4050":[2732],"4053":[2733],"4055":[2734,2735],"4056":[2736],"4057":[2737],"4058":[2738],"4059":[2739],"4060":[2740],"4061":[2741],"4062":[2742],"4063":[2743],"4064":[2744],"4066":[2745,2746],"4067":[2747],"4068":[2748],"4069":[2749],"4070":[2750],"4071":[2751],"4073":[2752],"4074":[2753],"4076":[2754],"4077":[2755],"4079":[2756],"4081":[2757,2758],"4082":[2759],"4083":[2760,2761],"4085":[2762],"4086":[2763],"4088":[2764,2765],"4089":[2766],"4090":[2767],"4091":[2768],"4092":[2769,2770],"4093":[2771],"4094":[2772],"4096":[2773],"4097":[2774],"4098":[2775],"4099":[2776],"4100":[2777],"4101":[2778],"4102":[2779],"4103":[2780],"4104":[2781],"4105":[2782],"4106":[2783],"4107":[2784],"4109":[2785],"4110":[2786],"4111":[2787],"4112":[2788],"4113":[2789,2790],"4114":[2791],"4115":[2792],"4117":[2793],"4118":[2794],"4119":[2795],"4120":[2796],"4122":[2797],"4123":[2798],"4124":[2799],"4126":[2800],"4128":[2801],"4129":[2802],"4131":[2803],"4132":[2804],"4133":[2805],"4134":[2806],"4136":[2807],"4138":[2808],"4139":[2809],"4141":[2810,2811],"4143":[2812],"4144":[2813],"4145":[2814],"4146":[2815],"4147":[2816],"4148":[2817],"4149":[2818,2819],"4151":[2820],"4153":[2821],"4154":[2822],"4156":[2823],"4157":[2824,2825],"4158":[2826],"4159":[2827],"4160":[2828],"4161":[2829],"4162":[2830],"4164":[2831],"4165":[2832,2833],"4166":[2834],"4168":[2835,2836],"4169":[2837],"4170":[2838],"4171":[2839,2840],"4172":[2841],"4173":[2842,2843],"4174":[2844],"4175":[2845,2846],"4177":[2847],"4178":[2848],"4179":[2849,2850],"4180":[2851],"4181":[2852],"4182":[2853],"4183":[2854],"4184":[2855],"4185":[2856],"4186":[2857,2858],"4187":[2859],"4188":[2860],"4189":[2861],"4190":[2862],"4191":[2863,2864],"4193":[2865],"4194":[2866,2867],"4196":[2868,2869],"4197":[2870,2871],"4198":[2872],"4199":[2873,2874],"4200":[2875],"4201":[2876,2877],"4202":[2878],"4203":[2879],"4205":[2880],"4206":[2881],"4207":[2882],"4209":[2883,2884],"4210":[2885],"4211":[2886,2887],"4212":[2888],"4213":[2889],"4214":[2890],"4215":[2891],"4216":[2892],"4217":[2893,2894,2895,2896],"4219":[2897],"4221":[2898],"4222":[2899],"4223":[2900,2901,2902],"4224":[2903],"4225":[2904],"4227":[2905],"4228":[2906,2907],"4229":[2908],"4230":[2909,2910,2911],"4231":[2912,2913],"4232":[2914],"4233":[2915],"4235":[2916,2917],"4236":[2918,2919],"4238":[2920],"4239":[2921],"4240":[2922],"4241":[2923],"4242":[2924],"4243":[2925],"4245":[2926],"4246":[2927],"4249":[2928],"4251":[2929],"4252":[2930],"4253":[2931],"4254":[2932],"4255":[2933],"4256":[2934],"4257":[2935],"4259":[2936],"4260":[2937],"4264":[2938],"4267":[2939,2940],"4268":[2941],"4270":[2942],"4272":[2943,2944],"4273":[2945],"4275":[2946],"4277":[2947],"4278":[2948],"4280":[2949],"4281":[2950],"4283":[2951,2952],"4284":[2953],"4286":[2954],"4289":[2955],"4291":[2956],"4294":[2957],"4296":[2958],"4298":[2959],"4300":[2960],"4302":[2961],"4303":[2962],"4305":[2963],"4306":[2964],"4307":[2965],"4308":[2966],"4310":[2967],"4312":[2968,2969],"4313":[2970],"4315":[2971],"4316":[2972],"4318":[2973],"4319":[2974],"4320":[2975],"4322":[2976],"4325":[2977],"4326":[2978],"4327":[2979],"4328":[2980],"4331":[2981],"4332":[2982],"4333":[2983],"4335":[2984],"4336":[2985],"4337":[2986],"4339":[2987],"4340":[2988],"4341":[2989],"4342":[2990],"4343":[2991],"4345":[2992],"4347":[2993],"4348":[2994,2995],"4350":[2996],"4352":[2997],"4353":[2998],"4355":[2999],"4356":[3000],"4358":[3001],"4359":[3002],"4361":[3003],"4362":[3004],"4363":[3005,3006],"4364":[3007,3008],"4365":[3009],"4366":[3010,3011],"4367":[3012],"4368":[3013,3014],"4369":[3015],"4370":[3016],"4371":[3017],"4374":[3018],"4375":[3019],"4376":[3020,3021],"4378":[3022],"4380":[3023],"4382":[3024],"4383":[3025],"4384":[3026],"4385":[3027],"4386":[3028],"4388":[3029,3030,3031],"4389":[3032],"4391":[3033],"4392":[3034],"4393":[3035],"4396":[3036],"4398":[3037],"4400":[3038],"4401":[3039],"4402":[3040],"4403":[3041],"4405":[3042],"4406":[3043],"4409":[3044],"4410":[3045],"4411":[3046],"4413":[3047],"4415":[3048],"4416":[3049],"4417":[3050],"4419":[3051],"4423":[3052],"4425":[3053],"4427":[3054],"4429":[3055],"4431":[3056],"4432":[3057],"4435":[3058],"4436":[3059],"4438":[3060],"4440":[3061],"4441":[3062],"4442":[3063],"4443":[3064],"4444":[3065],"4446":[3066],"4448":[3067],"4449":[3068],"4450":[3069],"4451":[3070],"4452":[3071],"4453":[3072],"4454":[3073],"4455":[3074],"4457":[3075],"4458":[3076],"4460":[3077],"4461":[3078],"4462":[3079],"4463":[3080],"4464":[3081],"4465":[3082],"4466":[3083],"4467":[3084],"4469":[3085],"4471":[3086],"4472":[3087],"4473":[3088],"4475":[3089],"4477":[3090],"4478":[3091],"4479":[3092],"4480":[3093],"4481":[3094],"4482":[3095],"4483":[3096],"4486":[3097,3098],"4487":[3099],"4489":[3100,3101],"4491":[3102,3103],"4492":[3104],"4494":[3105],"4496":[3106],"4498":[3107],"4499":[3108],"4501":[3109],"4503":[3110],"4506":[3111],"4507":[3112],"4508":[3113],"4510":[3114],"4511":[3115],"4512":[3116],"4514":[3117,3118],"4515":[3119],"4517":[3120],"4518":[3121],"4519":[3122],"4520":[3123],"4521":[3124],"4524":[3125],"4525":[3126],"4527":[3127],"4528":[3128],"4530":[3129],"4532":[3130],"4535":[3131],"4536":[3132],"4537":[3133],"4539":[3134],"4541":[3135],"4542":[3136],"4543":[3137,3138],"4545":[3139],"4546":[3140],"4548":[3141],"4550":[3142],"4551":[3143],"4552":[3144],"4555":[3145],"4557":[3146,3147],"4559":[3148],"4560":[3149],"4562":[3150],"4563":[3151],"4564":[3152],"4566":[3153,3154],"4568":[3155],"4569":[3156],"4571":[3157],"4573":[3158],"4574":[3159],"4575":[3160],"4576":[3161],"4579":[3162],"4581":[3163],"4583":[3164],"4584":[3165],"4586":[3166,3167],"4588":[3168],"4589":[3169],"4591":[3170,3171],"4593":[3172],"4594":[3173],"4595":[3174],"4597":[3175],"4598":[3176],"4599":[3177],"4601":[3178],"4602":[3179],"4603":[3180],"4605":[3181],"4606":[3182],"4607":[3183],"4609":[3184],"4610":[3185],"4613":[3186,3187],"4617":[3188],"4618":[3189],"4619":[3190],"4620":[3191],"4621":[3192],"4623":[3193],"4625":[3194],"4626":[3195],"4627":[3196],"4628":[3197],"4629":[3198],"4630":[3199],"4632":[3200,3201],"4635":[3202],"4637":[3203],"4639":[3204],"4640":[3205],"4642":[3206],"4643":[3207],"4646":[3208],"4648":[3209],"4649":[3210],"4651":[3211],"4653":[3212],"4654":[3213],"4658":[3214],"4659":[3215],"4661":[3216],"4663":[3217],"4665":[3218],"4666":[3219],"4668":[3220],"4669":[3221],"4671":[3222],"4673":[3223],"4675":[3224],"4677":[3225],"4678":[3226],"4679":[3227],"4680":[3228],"4681":[3229],"4683":[3230],"4686":[3231],"4689":[3232],"4690":[3233],"4691":[3234],"4693":[3235],"4694":[3236],"4695":[3237],"4696":[3238],"4697":[3239],"4699":[3240],"4700":[3241],"4702":[3242,3243],"4704":[3244,3245],"4705":[3246],"4706":[3247],"4707":[3248],"4709":[3249],"4711":[3250,3251],"4712":[3252],"4715":[3253],"4716":[3254],"4719":[3255],"4721":[3256],"4724":[3257],"4726":[3258],"4729":[3259],"4730":[3260],"4732":[3261],"4735":[3262],"4737":[3263],"4739":[3264],"4740":[3265],"4741":[3266],"4742":[3267],"4743":[3268],"4744":[3269],"4746":[3270,3271],"4748":[3272],"4750":[3273],"4751":[3274],"4753":[3275],"4756":[3276],"4760":[3277],"4763":[3278],"4764":[3279],"4766":[3280],"4768":[3281],"4771":[3282,3283],"4772":[3284],"4773":[3285],"4775":[3286],"4776":[3287],"4778":[3288],"4780":[3289],"4782":[3290],"4784":[3291],"4785":[3292],"4789":[3293],"4791":[3294],"4792":[3295],"4793":[3296],"4795":[3297],"4796":[3298],"4797":[3299],"4799":[3300],"4801":[3301],"4802":[3302],"4803":[3303],"4804":[3304],"4805":[3305],"4806":[3306],"4808":[3307],"4809":[3308],"4812":[3309],"4813":[3310,3311],"4818":[3312],"4820":[3313],"4822":[3314],"4824":[3315,3316],"4828":[3317],"4829":[3318],"4830":[3319],"4831":[3320],"4833":[3321],"4834":[3322],"4835":[3323],"4837":[3324],"4838":[3325],"4840":[3326],"4843":[3327],"4844":[3328],"4845":[3329],"4847":[3330],"4849":[3331],"4850":[3332],"4852":[3333],"4853":[3334],"4854":[3335],"4856":[3336],"4858":[3337],"4860":[3338],"4861":[3339],"4863":[3340],"4865":[3341],"4867":[3342],"4870":[3343],"4872":[3344],"4877":[3345],"4878":[3346],"4879":[3347],"4880":[3348],"4881":[3349],"4883":[3350],"4885":[3351,3352],"4886":[3353],"4887":[3354,3355],"4889":[3356],"4891":[3357],"4896":[3358],"4899":[3359],"4901":[3360],"4906":[3361],"4907":[3362],"4909":[3363],"4911":[3364],"4912":[3365],"4913":[3366],"4916":[3367],"4918":[3368],"4919":[3369],"4920":[3370],"4922":[3371],"4923":[3372],"4924":[3373],"4925":[3374],"4926":[3375],"4927":[3376],"4929":[3377],"4930":[3378],"4931":[3379],"4934":[3380],"4936":[3381,3382],"4937":[3383],"4938":[3384],"4941":[3385,3386],"4942":[3387],"4943":[3388],"4944":[3389],"4946":[3390],"4947":[3391],"4950":[3392],"4951":[3393],"4953":[3394],"4957":[3395],"4959":[3396],"4961":[3397],"4963":[3398],"4964":[3399],"4965":[3400],"4967":[3401],"4968":[3402],"4969":[3403],"4971":[3404],"4974":[3405],"4976":[3406,3407],"4978":[3408],"4980":[3409],"4981":[3410],"4982":[3411],"4983":[3412],"4985":[3413],"4986":[3414],"4990":[3415],"4991":[3416],"4992":[3417],"4993":[3418],"4995":[3419],"4996":[3420],"4998":[3421],"4999":[3422],"5000":[3423],"5001":[3424],"5003":[3425],"5004":[3426],"5005":[3427],"5007":[3428],"5008":[3429,3430],"5009":[3431],"5011":[3432],"5012":[3433],"5013":[3434],"5014":[3435],"5017":[3436,3437],"5020":[3438],"5022":[3439],"5023":[3440],"5024":[3441],"5025":[3442],"5026":[3443,3444],"5029":[3445],"5031":[3446],"5035":[3447],"5037":[3448],"5039":[3449],"5041":[3450],"5042":[3451],"5043":[3452],"5044":[3453],"5048":[3454],"5049":[3455],"5051":[3456],"5052":[3457],"5053":[3458,3459],"5055":[3460],"5057":[3461],"5059":[3462],"5060":[3463],"5061":[3464],"5064":[3465],"5065":[3466],"5066":[3467],"5067":[3468],"5068":[3469],"5071":[3470],"5072":[3471],"5073":[3472],"5075":[3473],"5076":[3474],"5078":[3475],"5080":[3476],"5081":[3477],"5084":[3478],"5085":[3479,3480],"5087":[3481],"5088":[3482,3483],"5090":[3484],"5091":[3485],"5092":[3486],"5093":[3487],"5095":[3488],"5096":[3489],"5098":[3490],"5099":[3491],"5100":[3492],"5101":[3493],"5102":[3494],"5103":[3495],"5104":[3496],"5105":[3497,3498],"5106":[3499],"5109":[3500],"5110":[3501],"5111":[3502],"5113":[3503],"5114":[3504,3505],"5115":[3506],"5117":[3507],"5118":[3508],"5119":[3509],"5120":[3510],"5122":[3511],"5124":[3512],"5125":[3513],"5126":[3514],"5127":[3515],"5128":[3516],"5129":[3517],"5130":[3518],"5131":[3519],"5132":[3520],"5133":[3521],"5134":[3522,3523],"5135":[3524],"5137":[3525],"5138":[3526,3527],"5139":[3528],"5140":[3529],"5141":[3530],"5142":[3531],"5143":[3532],"5144":[3533],"5145":[3534],"5146":[3535],"5147":[3536],"5148":[3537],"5149":[3538],"5150":[3539],"5151":[3540],"5152":[3541],"5153":[3542],"5154":[3543],"5155":[3544],"5156":[3545,3546],"5157":[3547],"5158":[3548],"5159":[3549],"5160":[3550],"5161":[3551],"5162":[3552],"5163":[3553],"5164":[3554],"5166":[3555,3556],"5168":[3557],"5169":[3558],"5171":[3559],"5172":[3560],"5173":[3561],"5175":[3562],"5176":[3563],"5177":[3564],"5178":[3565],"5179":[3566],"5180":[3567],"5181":[3568,3569],"5182":[3570],"5185":[3571],"5186":[3572],"5187":[3573],"5188":[3574],"5189":[3575],"5192":[3576],"5194":[3577],"5195":[3578],"5197":[3579],"5198":[3580],"5199":[3581],"5202":[3582],"5204":[3583],"5206":[3584],"5207":[3585],"5209":[3586],"5210":[3587],"5212":[3588,3589],"5215":[3590],"5218":[3591],"5219":[3592],"5222":[3593],"5226":[3594],"5229":[3595],"5230":[3596],"5232":[3597],"5233":[3598,3599],"5237":[3600,3601],"5240":[3602],"5243":[3603],"5247":[3604],"5249":[3605],"5251":[3606],"5253":[3607],"5255":[3608],"5257":[3609],"5258":[3610],"5260":[3611],"5261":[3612],"5263":[3613],"5266":[3614,3615,3616],"5267":[3617],"5268":[3618],"5271":[3619,3620],"5272":[3621],"5273":[3622],"5274":[3623],"5275":[3624,3625],"5276":[3626],"5277":[3627],"5279":[3628],"5280":[3629],"5281":[3630],"5283":[3631],"5285":[3632],"5286":[3633],"5287":[3634],"5289":[3635],"5290":[3636],"5291":[3637],"5294":[3638],"5295":[3639],"5298":[3640],"5299":[3641],"5300":[3642],"5302":[3643,3644],"5303":[3645],"5305":[3646],"5307":[3647],"5309":[3648],"5310":[3649],"5311":[3650],"5312":[3651],"5313":[3652,3653],"5315":[3654],"5316":[3655,3656],"5319":[3657],"5321":[3658],"5323":[3659],"5325":[3660],"5327":[3661],"5329":[3662],"5332":[3663],"5333":[3664],"5334":[3665,3666],"5335":[3667],"5336":[3668],"5337":[3669,3670],"5338":[3671],"5340":[3672],"5342":[3673,3674],"5343":[3675],"5344":[3676],"5346":[3677],"5348":[3678],"5349":[3679],"5350":[3680],"5352":[3681],"5353":[3682],"5355":[3683,3684],"5356":[3685],"5357":[3686],"5360":[3687],"5361":[3688],"5363":[3689],"5367":[3690],"5371":[3691],"5373":[3692],"5376":[3693],"5379":[3694],"5380":[3695],"5381":[3696],"5382":[3697],"5383":[3698],"5385":[3699],"5386":[3700],"5387":[3701],"5388":[3702],"5390":[3703],"5392":[3704],"5393":[3705],"5396":[3706],"5397":[3707],"5398":[3708],"5399":[3709],"5400":[3710],"5401":[3711],"5403":[3712],"5404":[3713],"5405":[3714],"5406":[3715],"5407":[3716],"5408":[3717],"5409":[3718],"5410":[3719],"5411":[3720],"5414":[3721],"5415":[3722],"5416":[3723],"5417":[3724],"5420":[3725],"5421":[3726],"5422":[3727],"5424":[3728],"5426":[3729],"5427":[3730],"5428":[3731],"5430":[3732],"5431":[3733],"5432":[3734],"5433":[3735],"5436":[3736],"5437":[3737],"5438":[3738],"5439":[3739],"5440":[3740],"5441":[3741],"5442":[3742],"5443":[3743],"5444":[3744,3745],"5445":[3746],"5447":[3747],"5448":[3748],"5449":[3749],"5452":[3750],"5453":[3751],"5454":[3752],"5455":[3753],"5457":[3754],"5458":[3755],"5461":[3756],"5463":[3757],"5465":[3758],"5466":[3759],"5467":[3760,3761],"5469":[3762],"5470":[3763],"5471":[3764],"5472":[3765],"5474":[3766],"5476":[3767],"5477":[3768],"5478":[3769],"5480":[3770],"5481":[3771],"5482":[3772,3773],"5484":[3774],"5486":[3775,3776],"5488":[3777,3778],"5489":[3779],"5490":[3780],"5492":[3781],"5493":[3782],"5494":[3783,3784],"5495":[3785],"5496":[3786],"5497":[3787],"5498":[3788],"5502":[3789],"5504":[3790],"5505":[3791,3792],"5506":[3793],"5507":[3794],"5509":[3795],"5511":[3796],"5512":[3797],"5514":[3798],"5515":[3799],"5516":[3800],"5517":[3801],"5518":[3802,3803],"5520":[3804],"5521":[3805],"5522":[3806],"5523":[3807],"5525":[3808,3809],"5526":[3810],"5528":[3811],"5529":[3812],"5530":[3813],"5531":[3814],"5533":[3815],"5534":[3816],"5535":[3817],"5537":[3818,3819],"5540":[3820],"5542":[3821],"5543":[3822,3823],"5545":[3824,3825],"5547":[3826],"5549":[3827],"5551":[3828,3829],"5552":[3830],"5554":[3831],"5555":[3832],"5556":[3833,3834],"5558":[3835],"5561":[3836],"5562":[3837],"5563":[3838,3839],"5564":[3840],"5566":[3841],"5567":[3842],"5570":[3843,3844],"5571":[3845],"5572":[3846,3847],"5574":[3848],"5575":[3849],"5576":[3850],"5577":[3851],"5578":[3852],"5580":[3853],"5582":[3854],"5584":[3855],"5586":[3856],"5588":[3857],"5589":[3858],"5591":[3859],"5593":[3860,3861],"5594":[3862],"5595":[3863],"5597":[3864],"5598":[3865],"5600":[3866],"5602":[3867],"5604":[3868],"5605":[3869],"5606":[3870],"5607":[3871],"5608":[3872],"5610":[3873],"5612":[3874],"5613":[3875],"5615":[3876],"5616":[3877],"5618":[3878],"5619":[3879],"5620":[3880],"5622":[3881],"5624":[3882,3883],"5625":[3884],"5626":[3885],"5629":[3886],"5630":[3887],"5631":[3888],"5633":[3889],"5634":[3890],"5635":[3891],"5637":[3892],"5638":[3893],"5639":[3894],"5641":[3895],"5643":[3896,3897],"5644":[3898],"5645":[3899,3900],"5647":[3901],"5648":[3902],"5651":[3903],"5653":[3904],"5654":[3905],"5656":[3906],"5658":[3907],"5660":[3908],"5661":[3909],"5663":[3910],"5665":[3911],"5668":[3912],"5669":[3913],"5672":[3914],"5673":[3915],"5674":[3916],"5676":[3917],"5677":[3918],"5679":[3919],"5682":[3920],"5684":[3921],"5685":[3922],"5686":[3923],"5687":[3924],"5688":[3925],"5690":[3926],"5692":[3927],"5693":[3928],"5694":[3929],"5695":[3930],"5696":[3931],"5697":[3932],"5698":[3933],"5699":[3934],"5701":[3935],"5703":[3936],"5705":[3937],"5706":[3938],"5707":[3939],"5709":[3940],"5710":[3941],"5712":[3942],"5713":[3943],"5714":[3944],"5716":[3945],"5717":[3946],"5718":[3947],"5720":[3948],"5722":[3949,3950],"5724":[3951,3952],"5725":[3953],"5726":[3954],"5727":[3955],"5728":[3956],"5729":[3957,3958],"5730":[3959],"5731":[3960],"5732":[3961],"5733":[3962],"5734":[3963],"5736":[3964],"5737":[3965],"5738":[3966],"5739":[3967],"5741":[3968,3969],"5742":[3970],"5743":[3971],"5745":[3972],"5746":[3973,3974],"5747":[3975],"5748":[3976],"5749":[3977],"5750":[3978],"5751":[3979],"5752":[3980],"5753":[3981,3982],"5754":[3983],"5757":[3984],"5758":[3985],"5760":[3986],"5762":[3987],"5763":[3988],"5764":[3989],"5765":[3990],"5766":[3991],"5767":[3992,3993],"5768":[3994],"5769":[3995],"5770":[3996],"5772":[3997],"5773":[3998],"5775":[3999],"5776":[4000,4001],"5778":[4002],"5779":[4003],"5781":[4004,4005],"5782":[4006],"5783":[4007,4008],"5784":[4009],"5785":[4010],"5786":[4011],"5787":[4012],"5790":[4013,4014],"5792":[4015,4016],"5794":[4017],"5795":[4018],"5797":[4019],"5798":[4020],"5799":[4021],"5800":[4022],"5802":[4023],"5804":[4024,4025],"5805":[4026],"5806":[4027,4028],"5808":[4029,4030],"5809":[4031],"5810":[4032],"5811":[4033],"5812":[4034,4035],"5813":[4036],"5814":[4037],"5815":[4038],"5816":[4039],"5817":[4040],"5818":[4041,4042,4043],"5820":[4044,4045],"5821":[4046,4047],"5822":[4048],"5823":[4049,4050],"5825":[4051,4052],"5826":[4053,4054],"5827":[4055],"5828":[4056,4057],"5829":[4058,4059],"5830":[4060],"5831":[4061,4062,4063],"5832":[4064],"5833":[4065],"5834":[4066],"5835":[4067],"5836":[4068],"5837":[4069],"5838":[4070,4071],"5839":[4072,4073],"5841":[4074],"5843":[4075,4076],"5844":[4077],"5845":[4078,4079],"5846":[4080],"5847":[4081,4082],"5848":[4083,4084],"5849":[4085],"5850":[4086],"5851":[4087,4088],"5852":[4089,4090],"5854":[4091,4092],"5855":[4093],"5856":[4094,4095,4096],"5857":[4097],"5858":[4098],"5859":[4099],"5860":[4100],"5862":[4101,4102],"5864":[4103],"5865":[4104],"5867":[4105,4106],"5868":[4107],"5870":[4108],"5871":[4109],"5872":[4110],"5873":[4111],"5875":[4112],"5876":[4113,4114],"5878":[4115],"5879":[4116],"5881":[4117],"5883":[4118],"5884":[4119],"5885":[4120],"5886":[4121],"5887":[4122],"5888":[4123],"5889":[4124],"5890":[4125],"5892":[4126,4127],"5894":[4128],"5895":[4129],"5897":[4130],"5899":[4131,4132],"5900":[4133],"5901":[4134],"5903":[4135],"5904":[4136],"5905":[4137,4138],"5907":[4139],"5909":[4140],"5911":[4141],"5913":[4142],"5915":[4143,4144],"5916":[4145],"5922":[4146],"5923":[4147],"5927":[4148],"5928":[4149],"5929":[4150],"5932":[4151],"5934":[4152],"5936":[4153],"5937":[4154],"5938":[4155],"5940":[4156],"5942":[4157],"5943":[4158],"5945":[4159],"5949":[4160],"5950":[4161],"5952":[4162],"5953":[4163],"5954":[4164],"5955":[4165],"5958":[4166,4167],"5959":[4168],"5962":[4169],"5964":[4170],"5968":[4171],"5969":[4172],"5970":[4173],"5971":[4174],"5972":[4175],"5973":[4176],"5974":[4177],"5975":[4178],"5976":[4179],"5977":[4180],"5981":[4181],"5983":[4182],"5984":[4183],"5986":[4184],"5988":[4185],"5990":[4186],"5991":[4187],"5993":[4188],"5995":[4189],"5996":[4190],"5997":[4191],"5998":[4192],"5999":[4193,4194],"6000":[4195],"6002":[4196],"6003":[4197],"6004":[4198],"6006":[4199,4200],"6008":[4201],"6010":[4202],"6011":[4203],"6015":[4204,4205],"6016":[4206],"6018":[4207],"6020":[4208],"6021":[4209],"6022":[4210],"6023":[4211],"6024":[4212],"6026":[4213],"6029":[4214],"6031":[4215],"6032":[4216],"6033":[4217],"6034":[4218],"6036":[4219],"6038":[4220],"6039":[4221],"6042":[4222],"6043":[4223],"6045":[4224],"6046":[4225,4226],"6047":[4227],"6048":[4228],"6051":[4229],"6053":[4230],"6056":[4231],"6058":[4232],"6064":[4233,4234],"6065":[4235],"6067":[4236],"6068":[4237],"6069":[4238],"6070":[4239],"6072":[4240],"6074":[4241],"6075":[4242],"6077":[4243],"6078":[4244],"6083":[4245],"6087":[4246],"6091":[4247],"6093":[4248],"6094":[4249,4250],"6096":[4251],"6097":[4252,4253],"6098":[4254],"6099":[4255],"6100":[4256,4257],"6101":[4258],"6102":[4259,4260],"6104":[4261,4262],"6105":[4263],"6106":[4264],"6107":[4265],"6109":[4266],"6111":[4267],"6112":[4268],"6113":[4269],"6114":[4270],"6115":[4271],"6116":[4272],"6117":[4273,4274],"6119":[4275,4276],"6120":[4277],"6121":[4278],"6122":[4279],"6123":[4280],"6124":[4281],"6125":[4282],"6126":[4283,4284],"6127":[4285],"6128":[4286],"6130":[4287,4288],"6132":[4289,4290],"6135":[4291],"6136":[4292],"6139":[4293],"6140":[4294],"6142":[4295],"6144":[4296],"6145":[4297],"6146":[4298],"6147":[4299],"6149":[4300],"6150":[4301],"6151":[4302],"6152":[4303],"6154":[4304],"6156":[4305],"6157":[4306],"6159":[4307],"6162":[4308],"6163":[4309],"6164":[4310],"6165":[4311],"6168":[4312],"6169":[4313],"6170":[4314,4315],"6172":[4316],"6173":[4317],"6175":[4318],"6177":[4319],"6178":[4320],"6181":[4321],"6184":[4322],"6185":[4323],"6187":[4324],"6188":[4325],"6189":[4326],"6191":[4327],"6192":[4328],"6193":[4329],"6194":[4330],"6195":[4331],"6197":[4332],"6198":[4333],"6199":[4334],"6200":[4335],"6201":[4336],"6202":[4337],"6203":[4338],"6205":[4339,4340],"6209":[4341],"6212":[4342],"6216":[4343],"6219":[4344],"6220":[4345],"6221":[4346],"6222":[4347],"6223":[4348],"6224":[4349],"6225":[4350],"6226":[4351],"6227":[4352],"6231":[4353],"6233":[4354],"6236":[4355],"6240":[4356],"6242":[4357],"6243":[4358],"6245":[4359],"6249":[4360,4361],"6251":[4362],"6252":[4363],"6253":[4364],"6254":[4365],"6255":[4366],"6256":[4367],"6257":[4368],"6258":[4369],"6260":[4370],"6262":[4371],"6263":[4372,4373],"6266":[4374],"6267":[4375],"6268":[4376],"6270":[4377],"6271":[4378],"6272":[4379],"6274":[4380],"6276":[4381],"6277":[4382],"6278":[4383],"6279":[4384,4385],"6280":[4386],"6281":[4387],"6285":[4388],"6286":[4389],"6288":[4390],"6289":[4391],"6290":[4392],"6292":[4393],"6293":[4394],"6298":[4395],"6299":[4396],"6300":[4397],"6301":[4398],"6303":[4399],"6304":[4400],"6306":[4401],"6307":[4402],"6309":[4403,4404],"6310":[4405],"6311":[4406],"6313":[4407],"6315":[4408],"6316":[4409],"6318":[4410],"6320":[4411],"6322":[4412],"6323":[4413],"6324":[4414],"6325":[4415],"6329":[4416,4417],"6331":[4418],"6334":[4419],"6336":[4420],"6339":[4421],"6341":[4422],"6343":[4423],"6346":[4424],"6347":[4425],"6349":[4426],"6352":[4427],"6355":[4428],"6358":[4429],"6360":[4430],"6362":[4431],"6366":[4432],"6367":[4433],"6369":[4434],"6371":[4435],"6374":[4436,4437],"6375":[4438],"6376":[4439],"6377":[4440],"6381":[4441,4442],"6384":[4443],"6385":[4444],"6387":[4445],"6389":[4446],"6392":[4447],"6394":[4448],"6396":[4449],"6398":[4450],"6400":[4451],"6401":[4452],"6405":[4453],"6406":[4454],"6408":[4455],"6410":[4456],"6414":[4457],"6417":[4458],"6419":[4459],"6422":[4460],"6424":[4461],"6427":[4462],"6428":[4463],"6432":[4464],"6434":[4465],"6437":[4466,4467],"6439":[4468],"6441":[4469],"6444":[4470],"6447":[4471],"6448":[4472],"6449":[4473],"6451":[4474],"6455":[4475],"6457":[4476],"6459":[4477],"6462":[4478],"6464":[4479],"6466":[4480],"6467":[4481],"6468":[4482],"6469":[4483],"6470":[4484],"6472":[4485],"6473":[4486],"6474":[4487,4488],"6479":[4489,4490,4491],"6483":[4492],"6484":[4493],"6485":[4494],"6487":[4495],"6490":[4496],"6495":[4497],"6497":[4498],"6501":[4499],"6504":[4500],"6507":[4501,4502],"6508":[4503],"6509":[4504],"6511":[4505],"6514":[4506],"6515":[4507],"6516":[4508,4509],"6517":[4510],"6520":[4511],"6521":[4512],"6523":[4513],"6526":[4514,4515],"6531":[4516],"6532":[4517],"6533":[4518],"6536":[4519],"6537":[4520],"6538":[4521],"6540":[4522],"6541":[4523],"6542":[4524],"6546":[4525],"6548":[4526],"6551":[4527],"6554":[4528,4529,4530],"6556":[4531],"6558":[4532],"6560":[4533],"6562":[4534],"6565":[4535],"6566":[4536],"6568":[4537],"6570":[4538],"6571":[4539],"6573":[4540],"6575":[4541],"6576":[4542],"6581":[4543],"6582":[4544],"6584":[4545],"6585":[4546],"6586":[4547],"6587":[4548],"6590":[4549],"6593":[4550],"6594":[4551],"6595":[4552],"6598":[4553],"6600":[4554],"6606":[4555,4556],"6610":[4557],"6612":[4558],"6613":[4559],"6616":[4560],"6617":[4561],"6619":[4562],"6620":[4563],"6623":[4564],"6624":[4565],"6627":[4566],"6629":[4567,4568],"6630":[4569],"6631":[4570],"6632":[4571],"6633":[4572],"6634":[4573],"6635":[4574],"6637":[4575],"6638":[4576],"6640":[4577],"6641":[4578],"6642":[4579],"6643":[4580,4581],"6645":[4582],"6646":[4583],"6648":[4584],"6649":[4585],"6650":[4586,4587],"6656":[4588],"6658":[4589],"6660":[4590],"6663":[4591],"6664":[4592],"6668":[4593],"6670":[4594],"6671":[4595],"6672":[4596],"6673":[4597],"6675":[4598],"6679":[4599,4600],"6682":[4601],"6684":[4602],"6686":[4603],"6690":[4604],"6691":[4605],"6692":[4606],"6695":[4607],"6696":[4608],"6698":[4609],"6699":[4610],"6701":[4611],"6703":[4612],"6706":[4613,4614],"6707":[4615],"6709":[4616],"6711":[4617],"6712":[4618],"6714":[4619],"6715":[4620],"6716":[4621],"6717":[4622],"6718":[4623],"6720":[4624],"6721":[4625],"6722":[4626],"6724":[4627,4628],"6726":[4629],"6727":[4630],"6728":[4631,4632],"6729":[4633],"6731":[4634,4635],"6732":[4636],"6734":[4637],"6735":[4638],"6736":[4639],"6737":[4640,4641],"6739":[4642,4643],"6740":[4644],"6741":[4645],"6743":[4646,4647],"6746":[4648],"6748":[4649],"6749":[4650],"6750":[4651],"6751":[4652,4653],"6755":[4654],"6757":[4655],"6759":[4656],"6760":[4657],"6761":[4658],"6762":[4659],"6763":[4660,4661],"6764":[4662],"6765":[4663],"6766":[4664],"6767":[4665],"6768":[4666],"6769":[4667],"6770":[4668],"6771":[4669],"6773":[4670],"6774":[4671],"6775":[4672],"6776":[4673],"6777":[4674],"6778":[4675],"6780":[4676],"6783":[4677],"6784":[4678,4679],"6785":[4680],"6786":[4681,4682],"6787":[4683],"6789":[4684],"6790":[4685],"6791":[4686],"6792":[4687,4688],"6794":[4689,4690],"6796":[4691],"6797":[4692],"6798":[4693],"6799":[4694],"6801":[4695],"6802":[4696],"6803":[4697],"6805":[4698],"6806":[4699],"6807":[4700],"6809":[4701],"6810":[4702],"6813":[4703],"6814":[4704,4705],"6815":[4706],"6816":[4707,4708],"6818":[4709],"6820":[4710],"6821":[4711],"6822":[4712],"6824":[4713],"6827":[4714],"6829":[4715],"6833":[4716],"6838":[4717],"6840":[4718,4719],"6842":[4720],"6844":[4721],"6845":[4722],"6847":[4723],"6848":[4724],"6849":[4725],"6850":[4726],"6851":[4727],"6852":[4728],"6856":[4729],"6857":[4730],"6858":[4731],"6859":[4732],"6860":[4733],"6862":[4734],"6863":[4735],"6864":[4736],"6865":[4737,4738],"6866":[4739],"6867":[4740],"6868":[4741],"6869":[4742],"6871":[4743],"6872":[4744],"6873":[4745],"6874":[4746],"6875":[4747],"6876":[4748],"6879":[4749,4750],"6881":[4751],"6882":[4752],"6883":[4753],"6884":[4754],"6885":[4755],"6887":[4756],"6888":[4757],"6889":[4758],"6891":[4759],"6893":[4760],"6895":[4761,4762],"6896":[4763],"6897":[4764],"6898":[4765],"6899":[4766],"6900":[4767],"6901":[4768],"6902":[4769],"6903":[4770],"6904":[4771],"6906":[4772,4773],"6907":[4774],"6908":[4775],"6909":[4776],"6910":[4777],"6912":[4778],"6913":[4779],"6916":[4780],"6921":[4781,4782],"6925":[4783],"6926":[4784],"6928":[4785,4786],"6930":[4787],"6931":[4788],"6932":[4789],"6933":[4790],"6934":[4791],"6935":[4792],"6936":[4793],"6937":[4794],"6940":[4795,4796],"6941":[4797],"6948":[4798,4799],"6949":[4800],"6951":[4801],"6954":[4802],"6955":[4803],"6958":[4804],"6961":[4805],"6963":[4806],"6964":[4807],"6968":[4808],"6970":[4809],"6971":[4810],"6973":[4811],"6975":[4812],"6977":[4813],"6978":[4814],"6980":[4815,4816],"6983":[4817],"6984":[4818],"6986":[4819],"6988":[4820],"6990":[4821],"6991":[4822],"6994":[4823,4824],"6999":[4825],"7001":[4826],"7004":[4827],"7005":[4828],"7007":[4829],"7008":[4830,4831],"7011":[4832],"7012":[4833],"7013":[4834],"7014":[4835],"7016":[4836],"7017":[4837],"7018":[4838],"7020":[4839],"7022":[4840],"7023":[4841],"7024":[4842,4843],"7025":[4844],"7026":[4845],"7028":[4846],"7029":[4847],"7030":[4848,4849],"7031":[4850],"7033":[4851],"7034":[4852],"7037":[4853,4854],"7038":[4855],"7040":[4856],"7041":[4857],"7043":[4858],"7044":[4859,4860],"7046":[4861],"7048":[4862,4863],"7051":[4864],"7054":[4865],"7055":[4866],"7057":[4867],"7058":[4868],"7061":[4869],"7062":[4870],"7063":[4871],"7065":[4872],"7066":[4873],"7069":[4874,4875],"7071":[4876],"7073":[4877],"7075":[4878],"7077":[4879],"7081":[4880],"7083":[4881],"7085":[4882],"7087":[4883],"7089":[4884],"7090":[4885],"7093":[4886,4887],"7095":[4888],"7100":[4889],"7103":[4890],"7105":[4891],"7108":[4892],"7109":[4893],"7113":[4894],"7116":[4895,4896],"7119":[4897,4898],"7121":[4899],"7123":[4900],"7125":[4901],"7130":[4902],"7132":[4903],"7135":[4904],"7137":[4905,4906],"7140":[4907],"7142":[4908],"7147":[4909],"7150":[4910],"7152":[4911,4912],"7153":[4913],"7156":[4914],"7158":[4915],"7159":[4916],"7162":[4917,4918],"7165":[4919],"7166":[4920],"7170":[4921],"7172":[4922],"7173":[4923],"7175":[4924,4925],"7177":[4926],"7178":[4927],"7179":[4928,4929],"7182":[4930,4931],"7184":[4932],"7185":[4933],"7186":[4934],"7187":[4935],"7189":[4936],"7193":[4937],"7196":[4938,4939],"7198":[4940],"7201":[4941],"7202":[4942],"7204":[4943,4944],"7205":[4945],"7206":[4946],"7207":[4947,4948],"7210":[4949,4950],"7212":[4951,4952],"7215":[4953],"7217":[4954],"7219":[4955],"7220":[4956,4957],"7223":[4958],"7224":[4959],"7226":[4960],"7227":[4961],"7228":[4962],"7229":[4963],"7231":[4964,4965],"7232":[4966],"7233":[4967],"7235":[4968],"7236":[4969],"7237":[4970],"7239":[4971],"7243":[4972,4973],"7246":[4974],"7247":[4975],"7250":[4976],"7251":[4977],"7254":[4978],"7256":[4979],"7257":[4980],"7259":[4981,4982],"7261":[4983],"7263":[4984],"7265":[4985],"7266":[4986,4987],"7269":[4988],"7271":[4989],"7273":[4990],"7275":[4991],"7277":[4992,4993],"7279":[4994],"7281":[4995,4996],"7285":[4997],"7287":[4998],"7288":[4999],"7289":[5000],"7290":[5001],"7292":[5002,5003],"7293":[5004],"7295":[5005],"7297":[5006],"7298":[5007],"7299":[5008],"7300":[5009,5010],"7301":[5011],"7304":[5012,5013],"7307":[5014],"7310":[5015],"7313":[5016],"7316":[5017,5018],"7319":[5019],"7321":[5020],"7323":[5021,5022],"7325":[5023],"7326":[5024],"7327":[5025],"7328":[5026],"7330":[5027],"7331":[5028],"7334":[5029],"7335":[5030],"7337":[5031],"7338":[5032,5033],"7339":[5034],"7340":[5035],"7342":[5036],"7343":[5037,5038],"7345":[5039],"7346":[5040],"7347":[5041],"7350":[5042,5043],"7352":[5044],"7353":[5045],"7355":[5046],"7358":[5047],"7359":[5048],"7360":[5049,5050],"7361":[5051],"7363":[5052,5053],"7365":[5054],"7366":[5055],"7367":[5056],"7370":[5057,5058],"7373":[5059],"7375":[5060],"7378":[5061,5062],"7379":[5063],"7380":[5064],"7384":[5065,5066],"7386":[5067],"7387":[5068],"7388":[5069],"7391":[5070,5071],"7393":[5072],"7395":[5073,5074],"7397":[5075],"7399":[5076],"7401":[5077,5078],"7403":[5079],"7404":[5080],"7407":[5081,5082],"7409":[5083],"7412":[5084,5085],"7414":[5086],"7417":[5087,5088],"7422":[5089],"7423":[5090],"7424":[5091],"7428":[5092,5093],"7433":[5094,5095],"7435":[5096,5097],"7438":[5098],"7439":[5099],"7442":[5100],"7445":[5101],"7450":[5102,5103],"7456":[5104],"7461":[5105],"7462":[5106,5107]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>كلمة الناشر</span>\nالحمد لله والصلاة والسّلام على محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه.\nوبعد؛ فإنّ إعراب القرآن مفتاح لفهمه وتفسيره، وهذا ما دعا العلماء للاهتمام بإعرابه في كتب التفسير، بل أفردوه بالتصنيف، فكثرت كتب الأعاريب ما بين قديم وحديث، ومطوّل ومختصر، لكن القديم منها يحتاج قارئها لقدر كبير من العلم بالأساليب والمصطلحات ليفيد منها.\nأما الكتب الحديثة في إعراب القرآن فاشتهر منها اثنان:\nالأول: «إعراب القرآن وبيانه» للعلاّمة اللغوي محيي الدين الدرويش، وقد نشرته الدار قبل سنوات (بالمشاركة مع دار اليمامة ودار الإرشاد) في طبعة متميزة أنيقة.\nوالثاني: «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه» للعلاّمة المفسّر النحوي الشيخ محمد علي طه الدّرة ﵀، وقد امتاز هذان الكتابان بسهولة الأسلوب، واستيعاب المادّة، ويسر المراجعة فكان عليهما معوّل طلاب العلم في هذا العصر.\nوها هي الدار تقدّم لقرائها الأعزاء كتاب الشيخ الدرة ضمن إصداراتها لهذا العام وقد تميّزت هذا الطبعة بما يلي:\n١ - تصحيح النصّ مما عرض له من سهو قلم، أو خطأ في أثناء الطباعة، وذلك بدفعه إلى أساتذة من أهل الاختصاص (أحمد السيد، أكرم البوشي، يوسف بديوي) فعنوا به أيّما عناية. فلهم الشكر الكبير على الجهود التي بذلوها.\n٢ - ضبط النص، ووضع علامات الترقيم التي تسهل فهمه.\n٣ - توثيق النقول بالرجوع إلى مصادرها.\n٤ - إثبات الآيات من المصحف الشريف، وضبط الأحاديث بالشكل وتمييزها بوضعها بين هلالين.\n٥ - ضبط الشعر، وتسمية بحره، وقد قام بذلك الأستاذ الشاعر معاذ زغبيّة. فجزاه الله خيرا، ونفع به.\nولم تقتصر عناية الدار بالمادة العلمية وحدها، بل تعدّتها إلى جودة الطباعة والتجليد بحيث يجتمع جمال المبنى مع جلال المعنى، فخرج هذا الكتاب بهذه الحلّة الفاخرة.\nإنّ الدار لترجو بعد رضا الله ﷾ أن تحافظ على ثقة قرّائها الكرام، بما تقدّمه لهم من مطبوعاتها في مختلف العلوم والفنون، سائلة الله تعالى التوفيق لذلك فهو الولي وهو المعين، والحمد لله رب العالمين.\n\nدمشق\n١٧ ربيع الأول ١٤٢٨ هـ\n٢٤ آذار ٢٠٠٨ م","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرّحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة</span>\nالحمد لله الذي أرسل محمدا ﷺ بالحق بشيرا، ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، مبشرا من آمن، وعمل الصّالحات بجنة عرضها السموات والأرض، ومنذرا من كفر، وعاند، واقترف السيئات ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ وأنزل عليه كتابا كريما حوى علوم الأولين، والآخرين، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ كتابا عظيما لا ريب فيه، لا يتطرق لساحته تحريف، ولا يشوبه تبديل، ولا تزييف ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. كتابا حفظه الله الذي أنزله، ولم يكل حفظه إلى وليّ، ولا إلى صفيّ، بل تولاه برعايته، وعنايته إلى يوم يبعثون ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ كتابا فتح الله به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا، كتابا أسكت الفصحاء بفصاحته، وأخرس البلغاء ببلاغته، كتابا آمنت الجن بآياته، وأذعنت لتعاليمه ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا﴾.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا ربّ غيره، ولا معبود سواه، ولا طاعة، ولا تقديس إلا لشرعه وهداه، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، وحبيبه، وخليله، وصفيّه، ومصطفاه، صلّى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن والاه، واغفر يا رب لمن نهج نهجهم، وسلك طريقهم إلى يوم الدين.\nوبعد: فإن علوم القرآن الكريم كثيرة، ومتنوعة، فهو منهل عذب لا ينضب ماؤه، ولا يصدّ وارده، وإنّ علماء المسلمين من يوم أنزله الله على قلب محمد ﷺ، وهم يبحثون في علومه، ويتدارسون آياته للاطلاع على أسراره وكنوزه، كلّ يأخذ، ويغرف ما يقسمه الله له من تلك الأسرار والكنوز، فهناك علم الفقه، وهناك علم التفسير، وهناك علم المواريث، وهناك علم","vol":"1","page":5},{"text":"القراءات، وأحكام التجويد، وهناك، وهناك، وهناك... إلخ، وهناك من اهتم بإعراب آياته وكلماته، ولا أقول شططا، إن قلت: إنّ الإعراب هو الوسيلة الوحيدة لفهم أسرار ذلك الكتاب، والاطلاع على كنوزه؛ لأن الإعراب هو الذي يبيّن المحذوف، ويقدّره، أو يشير إليه من قريب، أو بعيد، ولكن لم يصنف أحد منهم كتابا يتضمن الإعراب الكافي الوافي، وإنما اقتصروا على إعراب بعض الصّعب، أو حلّ بعض المعقّد، أو توضيح بعض المشكل، كما في إعراب أبي البقاء العكبري، وكما في إعراب مكي بن أبي طالب القيسي، وغيرهما، رحم الله الجميع رحمة واسعة، ولكنهما، وأمثالهما لم يشفوا الغليل فيما وصل إلينا من إعرابهم.\nومن يوم منّ الله علي بالجلوس على مائدة التأليف فكرت بإعراب كاف واف لكتاب الله تعالى، يجد فيه المبتدئ بغيته، والمنتهى أمنيته، ولا سيما بعد أن طلب ذلك منّي الكثير ممّن قرءوا كتبي في الإعراب، أخصّ بالذكر منهم المرحوم: محمد محيي الدين عبد الحميد المصري، جعل الله الجنة مأواه، فإنّه التمس منّي بواسطة من كان يوصل إليه كتبي، ويزوره في بيته أن أعرب الآيات التي استشهد بها ابن هشام﵀في مغنيه بالإضافة لما قمت به من إعراب شواهده، فأيقنت بقرارة نفسي: أن إعراب تلك الآيات المستشهد بها معناه إعراب القرآن الكريم بكامله، فقمت بإعراب شواهد جامع الدروس العربية، وشرحها بعد إعراب شواهد المغني، وتيسّر طبعه، ونشره، وهو متداول بأيدي الناس، وقمت بشرح كتاب قواعد اللغة العربية، وإعراب أمثلته، وشواهده، وتهيّأ طبعه، ونشره، ثم قمت بإعراب المعلقات العشر، وشرحها، وأيضا قمت بإعراب شواهد همع الهوامع، وشرحها، وهما لا يزالان مخطوطين عندي، لم يتيسر طبعهما، وبعد الانتهاء منهما طبعت رسالة صغيرة، سمّيتها: «الحجّ والحجّاج في هذا الزمن» بيّنت فيها مفاسد بعض الحجّاج، وكذبهم، وخداعهم، وما انطووا عليه من شرّ أكثر ممّا اتصفوا به من خير.\nوفي كلّ هذه المدة الطويلة لم يغب عن خاطري إخراج مؤلف يضم بين دفتيه إعرابا وافيا كافيا لكتاب الله تعالى، وفي المدة الأخيرة قوي هذا الدافع، وصرت كالمتردد، أقدّم رجلا، وأؤخر أخرى؛ حتى استخرت الله تعالى-كعادتي في جميع أموري وشئوني-فشرح الله صدري لهذا العمل، وأخذت أخط مبيضة بدون تسويد حتى خرج هذا الذي بين يديك أيها القارئ الكريم، وينبغي أن تتنبّه للأمور التالية:\n١ - إنّ المعلم المبتدئ يستفيد من شرح وتفسير كلام الله تعالى: إفرادا، وجملا.\n٢ - بالنسبة للإعراب لا يستفيد من هذا الكتاب إلا الملمّ بقواعد النحو، أعني به: معرفة الأفعال الخمسة، وأحوال إعرابها، وأحوال إعراب المثنى، والجمعين السالمين، وأسماء الإشارة، والموصولة، وإعراب المقصور، والمنقوص، ونحو ذلك.","vol":"1","page":6},{"text":"٣ - سلكت في هذا الإعراب طريق الاختصار، والإيجاز خوفا من الإطالة، وما يتسبب عنها من ضخامة حجم الكتاب، بينما تجدني أحيانا توسعت في الشرح، والتفسير، والغاية من ذلك نفع العامة، والخاصّة.\n٤ - من الإيجاز الذي سلكته في الإعراب والإعلال: الإحالة على آية سلفت في سورة سبقت، وقد يقع مثل ذلك في التفسير أيضا، وقد تكون الإحالة على آية في سورة تأتي بعد، كما في قصّة أصحاب السبت المذكورة في سورة الأعراف بالتفصيل، والمومأ إليها في سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة المائدة إيماء.\n٥ - شرحت، وأعربت الاستعاذة، والبسملة مرّة واحدة في أول هذا الكتاب.\n٦ - لم أضع لسورة الفاتحة رقما خاصّا بها، وإنما أحيل عليها باسمها، وذلك لقصرها.\n٧ - وضعت لسورة البقرة [٢] ولسورة آل عمران رقم [٣] وهكذا، فعند ما أحيل على رقم مؤلّف من رقمين؛ فالرقم الأول يشير للآية، والثاني يشير للسورة، فمثلا الرقم [٥/ ٢٠] يعني: أنه من سورة المائدة، والرقم [٧/ ١٧] يعني: أنه من سورة الأعراف، وهكذا. أما الرقم الواحد، فإنه يعني نفس السورة.\n٨ - اعتبرت في إعرابي لكتاب الله تعالى الضمير (إيّاك إيّاكم...) إلخ ونحو ذلك مبنيّا على ما ينتهي به آخر اللفظ، وقد شرحت هذا، وبينت أسبابه في صفحات ملحقة بكتاب القواعد الطبعة الثالثة، انظره فإنّه جيد.\n٩ - بعد هذا ينبغي أن تعلم: أني ذكرت أوجه القراءات، وما ينتج عنها من وجوه الإعراب، وهذا لا يتنافى مع الإيجاز الذي ذكرته، فإن غايتي أن يكون القارئ على علم بجميع وجوه الإعراب، وهو ممّا يساعد على فهم كتاب الله تعالى، والاطلاع على أسراره.\n١٠ - المراجع التي اعتمدتها في تصنيف هذا الكتاب هي: تفسير الخازن، وتفسير الكشاف للزمخشري، وتفسير البيضاوي، وتفسير النّسفي، وتفسير الجلالين، وحاشية الجمل عليهما، وإعراب القرآن لأبي البقاء العكبري، وإعراب مشكل القرآن لمكي بن أبي طالب القيسي، وكتبي [فتح القريب المجيب، إعراب شواهد مغني اللبيب] و[فتح رب البرية إعراب شواهد جامع الدروس العربية] وكتاب [قواعد اللغة العربية] وما صنعته فيه من شرح وإعراب بالإضافة إلى المصادر التي اعتمدتها في إخراج هذه الكتب، وقد ذكرتها في أواخرها.\nوعملي هذا ليس بالهيّن كما هو ظاهر، ولم يأت عفوا، وإنما هو عمل شاقّ، وصعب، ركبت كلّ ذلول في سبيله، وتجشّمت متاعب، ومشاقّ؛ كلّ بصري، وجفّ عرقي في تحصيله، وعملي هذا مغامرة قمت بها؛ لأني لست من أهل ذلك، كما هو تطفل على مائدة التأليف، إن كان هذا من اختصاص حملة الشهادات العالية، لذا فإني أتمثل بقول القائل: [الوافر]","vol":"1","page":7},{"text":"إذا قصّرت رفقا بالملام... أروم وذاك من قوم كرام\nلقد صوّبت في التّأليف سهما... وتلك رميّة من غير رام\nثم ما أجدرني بقول ابن هشام-طيّب الله ثراه-: إني سائل من حسن خيمه، وسلم من دار الحسد أديمه، إذا عثر على شيء طغى به القلم، أو زلت به القدم؛ أن يغتفر ذلك في جنب ما قرّبت إليه من البعيد، ورددت عليه من الشّريد، وأرحته من التعب، وصيّرت القاصي يناديه من كثب، وأن يحضر قلبه؛ أنّ الجواد قد يكبو، وأنّ الصّارم قد ينبو، وأنا النّار قد تخبو، وأنّ الإنسان محل النسيان، وأن الحسنات يذهبن السيئات: [الطويل]\nومن ذا الّذي ترضى سجاياه كلّها؟ ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه\nبعد هذا ألفت الأنظار إلى قوله تعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ وإلى قول الرسول الأعظم ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وفي رواية: «ما دام العبد في عون أخيه» راجيا ممّن عثر على هفوة في هذا الجزء، وغيره مما سيصدر-إن شاء الله تعالى-أن ينبّهني، ويرشدني إليها؛ لأتدارك ذلك، وأشير إليه فيما يصدر تباعا من أجزاء بعونه تعالى، فنكون قد أرضينا ربنا، ونفعنا مجتمعنا، وأرضينا ضمائرنا، مع العلم أنّني أتقبل-كعادتي-بصدر رحب، ونفس-كلها رضا وشكر-كلّ إشارة إلى خطأ يأتيني من قريب، أو بعيد، من عدوّ، أو صديق، من صالح، أو من طالح عملا بقول سيّدنا الأعظم ﷺ:\n «خذ الحكمة، ولا يضرّك من أيّ وعاء خرجت»، «الحكمة ضالّة المؤمن يلتقطها حيث وجدها» وما أجدرني أن أتمثل بقول الجلال السيوطي-عليه سحائب الرحمة والرضوان-: فرحم الله امرأً نظر بعين الإنصاف إليه، ووقف فيه على خطأ فأطلعني عليه، وأنشد: [الوافر]\nحمدت الله ربّي إذ هداني... لما أبديت مع عجزي وضعفي\nفمن لي بالخطإ فأردّ عنه... ومن لي بالقبول ولو بحرف\nومن أراد غير ذلك فحسبي الله ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعم النصير، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّ يا ربّ، وسلم على من أرسلته رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، واغفر اللهم لي، ولوالديّ، ولجميع المسلمين! والحمد لله ربّ العالمين، آمين!.\nالفقير لعفوه تعالى الشيخ محمد علي طه الدّرّة سورية-حمص","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الاستعاذة</span>\nأعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم\nالشرح: (أعوذ): أتحصّن، وأعتصم، وأستجير، وألتجئ؛ إذا معنى الاستعاذة في كلام العرب: الاستجارة والتحيّز إلى الشيء، على معنى الامتناع به من المكروه، يقال: عذت بفلان، واستعذت به، أي: لجأت إليه، وهو عياذي، أي: هو ملجئي، وأصل الفعل: (أعوذ) على وزن (أنصر) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى العين بعد سلب سكونها، فصار:\n (أعوذ).\n (الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلّف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٦٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي هل تسمى أحد الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنه لم يذكر في سورتي الرّحمن، والواقعة أبدا.\n (الشيطان): اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجنّ، والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم! قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢] انظر شرحها هناك، ونصّها: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا،﴾ وقال الرسول ﷺ لأبي ذرّ الغفاريّ﵁-: «يا أبا ذرّ! تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم»، ولا تنس أنّ لكل واحد من بني آدم شيطانا بدليل قول النبي ﷺ لعائشة -﵂-: «أجاءك شيطانك؟» قالت: أو لي شيطان؟ قال: «ما من أحد إلاّ وله شيطان» قالت: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه، فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير» يروى بضم الميم وفتحها.\nهذا و(الشيطان) واحد الشياطين مأخوذ من شطن: إذا بعد، والنون أصلية، فهو مصروف على هذا، وسمّي الشيطان شيطانا لبعده عن الحقّ، وتمرده، قال جرير: [البسيط]","vol":"1","page":9},{"text":"أيّام يدعونني الشّيطان من غزل... وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا\nوقيل: من: شاط: إذا احترق، وشاط: بطل، فالنون زائدة، وعليه: فهو غير مصروف.\nوشطن من باب قعد. وشاط من باب ضرب. هذا واشتاط الرّجل: إذا احتدّ غضبا، واشتاط:\nإذا هلك. قال الأعشى في معلقته رقم [٦٨]: [البسيط]\nقد نخضب العير في مكنون فائله... وقد يشيط على أرماحنا البطل\nويقوّي الاعتبار الأول، ويضعف الثاني: أن سيبويه حكى: أن العرب تقول: تشيطن فلان:\nإذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن أنه تفيعل من شطن، ولو كان من شاط لقالوا: تشيّط.\n (الرجيم): فعيل بمعنى مفعول؛ أي أنّه مرجوم باللعن والطّرد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى، وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل. أي: يرجم غيره بالإغواء، والوسوسة. وأصل الرجم:\nالرّمي بالحجارة، والرّجم: القتل، واللعن، والطرد، والشّتم. وقد قيل: هذا كله في قوله تعالى حكاية عن قول قوم نوح له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ رقم [١١٦] من سورة (الشعراء) وأيضا قوله تعالى حكاية عن قول قوم شعيب له: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ رقم [٩١] من سورة (هود)، وقول أبي إبراهيم له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ رقم [٤٦] من سورة (مريم)، والرجم: القول بالظنّ، كما في قوله تعالى: ﴿خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ رقم [٢٢] من سورة (الكهف) قال زهير بن أبي سلمى في معلّقته رقم [٣٠]: [الطويل]\nوما الحرب إلا ما علمتم وذقتم... وما هو عنها بالحديث المرجّم\nبعد هذا لا يخفى عليك المعنى لهذه الجملة، وقد يعبر عن الجملة بكاملها بكلمة:\n (الاستعاذة) على طريقة النّحت، والنّحت في الكلام: تركيب كلمة من كلمتين، فأكثر، نحو:\nالبسملة، والحوقلة من: (لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم) والاسترجاع من: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ والفذلكة من: (فذلك كذا، وكذا) وهلمّ جرّا، وخذ قول الشاعر عبد يغوث بن الحارث بن وقاص الحارثي شاعر جاهلي، وهو الشاهد رقم [٥٠٣] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nوتضحك منّي شيخة عبشميّة... كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا\nحيث نحت (عبشمية) من عبد شمس، وتفصيل ذلك تجده في الشاهد رقم [٣٠٥] من كتابنا المذكور، وهو لسويد بن أبي كاهل اليشكري: [الطويل]\nهم صلبوا العبديّ في جذع نخلة... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا\nقال الخازن رحمه الله تعالى: ومن لطائف الاستعاذة: أن قوله: (أعوذ بالله...) إلخ إقرار من العبد بالعجز، والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الله ﷿، وأنّه الغنيّ القادر على دفع","vol":"1","page":10},{"text":"جميع المضرات، والآفات، واعتراف من العبد أيضا بأنّ الشيطان عدوّ مبين، ففي الاستعاذة لجوء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر، وأنّه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى. انتهى.\nتنبيه: أجمع العلماء على أن الاستعاذة ليست من القرآن، ولا آية منه، وقد أجمعوا على الجهر بها في أوّل القراءة في غير الصلاة، وفي الصلاة يسرّها في أول كلّ ركعة قبل الفاتحة عند الشّافعيّ، وعند أبي حنيفة يسرّها في أول الركعة الأولى فقط، وقد روى أبو سعيد الخدري﵁-: أنّ النبيّ ﷺ كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة. وخذ في فضل الاستعاذة ما يلي:\nعن سليمان بن صرد﵁قال: استبّ رجلان عند النبيّ ﷺ، فجعل أحدهما يغضب، ويحمرّ وجهه، وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي ﷺ فقال: «إنّي لأعلم كلمة لو قالها؛ لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم» فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي ﷺ فقال:\nأتدري ما قال رسول الله ﷺ آنفا؟ قال: «إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشّيطان الرجيم» فقال له الرجل: أمجنونا تراني؟! رواه البخاريّ، ومسلم. وروى مسلم أيضا عن عثمان بن أبي العاص الثقفي﵁-: أنه أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! إنّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها عليّ! فقال رسول الله ﷺ: «ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته؛ فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا». قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. هذا وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٠]: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٩٧ و٩٨]: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى في سورة (فصّلت) رقم [٣٦]: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nهذا وقالت طائفة من القرّاء: إن التعوّذ بعد القراءة، وأخذوا بظاهر النّص: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ رقم [٩٨] من سورة (النحل). والذي عليه الجمهور: أنّ الاستعاذة قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها، ومعنى الآية: إذا أردت القراءة، كقوله تعالى: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا..﴾. إلخ؛ أي: إذا أردتم القيام، الآية رقم [٧] من سورة (المائدة).\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر، فأقبل عليه الليل؛ قال: «يا أرض ربّي وربّك الله، أعوذ بالله من شرّك، ومن شرّ ما خلق فيك، ومن شرّ ما يدبّ عليك، ومن أسد، ومن أسود، ومن الحيّة، والعقرب، ومن ساكن البلد، ووالد وما ولد!» رواه أبو داود.\nالإعراب: (أعوذ): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا» (بالله) متعلقان بالفعل قبلهما، هذا وإن علقتهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ فلا بأس به، ويكون","vol":"1","page":11},{"text":"التقدير: أعوذ مستجيرا بالله. (من الشيطان): متعلقان بالفعل قبلهما. (الرّجيم): صفة الشيطان مجرور مثله، هذا ويجوز رفعه على أنّه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرّجيم، ويجوز نصبه على أنّه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم الرّجيم، وهذان الوجهان على القطع عن الإتباع، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nواقطع أو اتبع إن يكن معيّنا... بدونها أو بعضها اقطع معلنا\nوارفع أو انصب إن قطعت مضمرا... مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا\nوجملة: (أعوذ بالله...) إلخ مبتدأة لا محل لها من الإعراب.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>سورة الفاتحة</span>\nهي مكية، وقيل: مدنية، والأصح أنها مكية، نزلت بمكة حين فرضت الصلاة، ثم نزلت بالمدينة حين حولت القبلة إلى الكعبة المشرفة، وسبب ذلك التنبيه على فضلها وشرفها، وارتفاع مكانتها عند الله وعند رسوله، وتسمّى أمّ القرآن لقول النبي ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن». رواه البخاريّ، ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ: قال: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن، فهي خداج-يقولها ثلاثا-». أي غير تمام، وسميت أمّ القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، كما ذكرته لك سابقا.\nوتسمّى سورة الوافية، قاله سفيان بن عيينة؛ لأنها لا تنتصف، ولا تحتمل الاختزال، ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة، ونصفها الآخر في ركعة، أي بعد الفاتحة لأجزأ. وتسمّى الكافية، قال يحيى بن أبي كثير: لأنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها. وتسمّى سورة الكنز، لقوله ﷺ حاكيا عن قول الله ﷿: «فاتحة الكتاب كنز من كنوز عرشي». وسورة الشّفاء، والشّافية لقول الرسول ﷺ: «فاتحة الكتاب شفاء من كلّ داء إلاّ السّام» وفي رواية آخرى: «فاتحة الكتاب شفاء من كلّ سمّ». أخرجه الدارمي عن أبي سعيد الخدري ﵁. وسورة المثاني، سميت بذلك؛ لأنها تثنّى في كلّ ركعة، قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٧] ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. وتسمى سورة الصّلاة؛ لقول أبي هريرة ﵁: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله تعالى: مجّدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ..﴾. إلخ؛ قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». رواه مسلم.\nوتسمّى سورة الحمد؛ لأنّ فيها ذكر الحمد، كما يقال: سورة الأعراف، والأنفال، ونحوها. وتسمّى سورة الأساس، فإنها أساس القرآن، قال ابن عباس﵄-: «إذا اعتللت، أو اشتكيت؛ فعليك بالأساس». وشكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة، فقال: عليك بأساس القرآن؛ فاتحة الكتاب. وتسمّى سورة الرّقية، ثبت ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لرجل الذي رقى سيّد الحي: «وما أدراك أنّها رقية؟» فقال: يا رسول الله! شيء ألقي في روعي. الحديث مشهور، خرّجه الأئمة.","vol":"1","page":13},{"text":"وسمّيت فاتحة الكتاب؛ لأنها تفتتح قراءة القرآن بها لفظا، وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطّا وتفتتح بها الصلوات، والمرجّح: أنها أوّل سورة كاملة نزلت، وأمر النبي ﷺ بجعلها أول القرآن، وانعقد الإجماع على ذلك، وهي سبع آيات بالاتفاق، فمن عدّ البسملة آية منها لا يقف على: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ ومن لم يعدّها آية منها يقف على ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ وهي سبع وعشرون كلمة، ومائة وأربعون حرفا.\nحكمها في الصّلاة: هي ركن في كلّ ركعة من ركعات الصلاة: الفرض، والنفل عند الشافعي، وأحمد، وعند مالك في القول الثاني له، وهو المعتمد في مذهبه لقوله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، وقوله ﷺ: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن، فهي خداج-ثلاثا-» وقد تقدّما لحديثان قريبا. ولا تعدّ ركنا في ركعات الصلاة عند أبي حنيفة، بل تعدّ واجبا، الواجب عنده دون الفرض والرّكن، وهو: ما ثبت بدليل ظنّي، واستدل بقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وبقول الرسول ﷺ لمسيء الصلاة: «ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن»، فتصح الصلاة إذا قرأ في صلاته غير الفاتحة، ولكن فيها نقص، فيجب إعادتها، وقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.\nفدل هذا الحديث على أنّ قول النبي ﷺ للأعرابي: «اقرأ ما تيسّر معك من القرآن» ما زاد على الفاتحة، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.\nحكم الفاتحة بالنسبة للمأموم: يقرؤها خلف الإمام في كلّ ركعة عند الشافعي، وأحمد، ومالك في المشهور عنه في السّرية، والجهرية، إلا المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا، فإن الإمام يحمل عنه القراءة لإجماعهم على أنه أدركه راكعا: وإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائما منتصبا، ولا يقرأ شيئا بشرط أن لا يشتغل بسنة من تعوّذ، وتوجّه.\nوعند أبي حنيفة: لا يقرأ المأموم خلف الإمام في السّرية، ولا في الجهرية؛ لعموم قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٤]: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ انظر شرحها هناك، فإنّه جيّد، والحمد لله.\nتنبيه بل فائدة: من تعذّر عليه بذل جهده، فلم يقدر على تعلم الفاتحة، أو شيء من القرآن، ولا علق منه بشيء لزمه أن يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنه، من تكبير، أو تهليل، أو تحميد، أو تسبيح، أو تمجيد، أو لا حول ولا قوة إلا بالله؛ إذا صلى وحده، أو مع إمام فيما أسرّ به الإمام، فقد روى أبو داود، وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني منه، قال: «قل:\nسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». قال: يا رسول الله! هذا لله؛ فما لي؟ قال: «قل: اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني».","vol":"1","page":14},{"text":"<span id=\"aya-1\"></span>﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾\nالشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-قال العلماء: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قسم من ربنا، أنزله عند رأس كل سورة، يقسم لعباده: إنّ هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حقّ، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت هذه السورة من وعدي، ولطفي، وبرّي. ولم أره لغيره، وليس فيها معنى القسم، والبسملة مما أنزله الله تعالى في كتابنا خصوصا بعد سليمان، علي نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد تضمّنت جميع الشرع؛ لأنّها تدل على الذّات وعلى الصّفات، لذا فالقول: إن القرآن تضمّن كل ما في الكتب السابقة من أمور الدنيا والآخرة، والفاتحة تضمّنت كل ما في القرآن الكريم، والبسملة تضمّنت كل ما في الفاتحة، وجميع ذلك في الباء من البسملة، وكأنّ الله ﷿ يقول: بي كان، وما يكون، وما سيكون في الدنيا والآخرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كلامه.\nقال سعيد بن أبي سكينة: بلغني أنّ عليّ بن أبي طالب﵁-، نظر إلى رجل يكتب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال له: جوّدها، فإن رجلا جوّدها، فغفر له، وقال سعيد أيضا: وبلغني أنّ رجلا نظر إلى قرطاس فيه: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فقبّله، ووضعه على عينيه، فغفر له. ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي، فإنّه لمّا رفع الرقعة التي فيها اسم الله من مكان ممتهن، وطيّبها بمسك بعد أن نظّفها، وأزال عنها الأقذار؛ طيّب الله اسمه؛ أي: رفع ذكره بين الناس، ويحكى: أنه قيل له في المنام: كما طيبت اسمنا لنطيبنّ اسمك.\nوروى النّسائيّ عن أبي المليح عن ردف رسول الله ﷺ، قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا عثرت بك الدابّة؛ فلا تقل: تعس الشّيطان، فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي صنعته، ولكن قل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ فإنه يتصاغر حتّى يصير مثل الذّباب».\nوروى وكيع بن الأعمش، عن أبي وائل: عن عبد الله بن مسعود﵁قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر، فليقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فيجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنّة من كل واحد، فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ وهم يقولون في كل أفعالهم: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فمن هنالك هي قوتهم، وببسم الله استضلعوا. هذا وكسرت الباء الجارة في البسملة وغيرها، لتكون حركتها مشبهة لعملها، وقيل: كسرت ليفرق بين ما يخفض، ولا يكون إلا حرفا، نحو الباء، واللام الجارة، وبين ما يخفض، وقد يكون اسما، نحو الكاف في قول العجاج: [الرجز]\nبيض ثلاث كنعاج جمّ... يضحكن عن كالبرد المنهمّ","vol":"1","page":15},{"text":"وهذا هو الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا فتح القريب المجيب فانظره، وما ألحقته به، فإنه جيد، والحمد لله ربّ العالمين.\nهذا وقد ندبنا الرسول ﷺ إلى افتتاح جميع أمورنا بالبسملة تيمّنا، وتبرّكا، كالأكل، والشرب، والنّحر، والجماع، والطّهارة، وركوب الدابة، والسيارة، والطيّارة، وغير ذلك من الأفعال، فقد روى الخطيب في كتاب الجامع عن النبيّ ﷺ، قال: «كلّ أمر ذي بال، لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر» وفي رواية: «فهو أقطع» والمعنى: قليل البركة، أو معدومها، لذا سمّيت الخطبة التي ألقاها زياد ابن أبيه في العراق: البتراء؛ لأنه لم يبدأها بالبسملة.\nبعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ البسملة آية من سورة الفاتحة، وآية من كلّ سورة ما عدا براءة عند الشّافعي، ولا تعدّ آية في كلّ ذلك عند مالك، وأبي حنيفة، وإنّما هي للفصل بين كلّ سورتين، وأحمد بن حنبل يعدّها آية من أول سورة الفاتحة، وليست آية في غيرها، -﵃أجمعين، واحتجّ الشافعي﵁بما رواه الدّارقطني من حديث أبي بكر عبد الحميد بن جعفر الحنفي عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة -﵁عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأتم ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فاقرءوا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إنّها أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسّبع المثاني». قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا؛ إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسّما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: «نزلت عليّ آنفا سورة». فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ..﴾. إلخ، وذكر الحديث، وذكرته بكماله في سورة الكوثر، والحمد لله.\n (اسم): اختلفوا في اشتقاقه، فقال البصريّون: أصله: سمو، بضم السين وكسرها، من السّمو، وهو العلوّ، والارتفاع، فاسم الشيء ما علاه؛ حتى ظهر به، وعلا عليه، فكأنه علا على معناه، وصار علما له، فحذفت لامه، وعوض عنها همزة الوصل في أوله، وقال الكوفيون:\nأصله: وسم من السّمة، وهي العلامة، فكأنه علامة لمسمّاه، حذفت فاؤه، وعوض عنها همزة الوصل. وحجّة البصريين: أنه لو كان اشتقاقه من السّمة، لكان تصغيره: وسيم، وجمعه:\nأوسام؛ لأن التصغير والتكسير يردّان الأشياء إلى أصولها، وقد أجمعوا على أن تصغيره: سميّ، وجمعه: أسماء، وجمع الجمع: أسام، وقد حذفت الألف من ﴿بِسْمِ اللهِ..﴾. إلخ للخفّة، ولكثرة الاستعمال، وأثبتت في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ لقلّة الاستعمال، هذا و(اسم) أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السّكون، فإذا نطقوا بها مبتدءين، زادوا همزة الوصل في أولها توصلا للابتداء بالسّاكن، علما بأن هذه الهمزة تسقط في وصل الكلام؛ وإن كتبت، وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضّرورة، كقول الأحوص: [الطويل]\nوما أنا بالمخسوس في جذم مالك... ولا من تسمّى، ثمّ يلتزم الاسما","vol":"1","page":16},{"text":"انظر مبحثها في كتاب قواعد اللغة العربية بشرحنا، هذا وذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن لفظة: (اسم) صلة، أي: زائدة، واستشهد على ذلك بقول لبيد بن ربيعة الصّحابي﵁انظره تبعا ملحقا للشاهد [٩٧٦] من كتابنا فتح القريب المجيب، ونصّه: [الطويل]\nإلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر\nواختلفوا في معنى زيادته، فقال قطرب: زيدت؛ لإجلال ذكره تعالى، وتعظيمه.\nوقال الأخفش: زيدت؛ ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك؛ لأن أصل الكلام: بالله.\n ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ اسمان من أسماء الله الحسنى، وقيل: صفتان مأخوذتان من الرحمة، وهما في حقه ﷾ بمعنى: المحسن، أو: مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى المحسن بجلائل النعم، والثاني بمعنى المحسن بدقائق النّعم، وإنما جمع بينهما في البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه تعالى النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم العظيمة، وقد يوصف ب ﴿الرَّحِيمِ﴾ المخلوقون، وأما ﴿الرَّحْمنِ﴾ فلا يوصف به إلا الله تعالى، ومن وصف مسيلمة الكذاب، فقد تعنت حيث قال فيه: [البسيط]\nأسموت بالمجد يا بن الأكرمين أبا... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا\nهذا واشتقاق ﴿الرَّحِيمِ﴾ من الرحمة لا خلاف فيه، وفي اشتقاق ﴿الرَّحْمنِ﴾ خلاف، والجمهور من الناس ذهبوا إلى أنه مشتق من الرّحمة أيضا، مبني على المبالغة، ومعناه: ذو الرحمة، الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يثنى، ولا يجمع، كما يثنى ﴿الرَّحِيمِ﴾ ويجمع، قال ابن الحصار: ومما يدلّ على الاشتقاق ما خرّجه الترمذيّ، وصحّحه عن عبد الرحمن بن عوف -﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «قال الله ﷿: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرّحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته»: أو قال: «بتتّه» وهذا نصّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وما وجب له، وقد قال الله في سورة (الفرقان) رقم [٦٠]: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ..﴾.\nإلخ، وقال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٤٥]: ﴿أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ،﴾ ولما تجرأ مسيلمة الكذاب وتسمى ب «رحمان اليمامة» كساه الله جلباب الكذاب، وشهر به، فلا يقال إلا: مسيلمة الكذاب، فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر، والمدر.\nفائدة: قال سعيد بن جبير﵁-: كان المشركون يحضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله ﷺ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قالوا: هذا محمّد يذكر «رحمان اليمامة» يعنون:\nمسيلمة الكذاب، فأمر أن يخافت ب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ونزل: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء)، فبقي ذلك إلى يومنا","vol":"1","page":17},{"text":"هذا؛ وإن زالت العلة، كما بقي الرمل في الطواف؛ وإن زالت العلة، وبقيت المخافتة في صلاة النّهار، وإن زالت العلّة، وهذا جواب لمن يسأل: لماذا الإسرار بالنّهار، والجهر في الليل في الصلوات الخمس؟ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقرأ، أو أتلو؛ إذا أراد الشخص القراءة، وقس على ذلك جميع الأعمال التي يقوم بها المسلم، ويسمّي الله عليها، فمثلا: الآكل، والشارب، والقائم، والقاعد، تقدير المحذوف عنده: آكل، أو أشرب... إلخ، وتقدير المحذوف فعلا مذهب الكوفيين، وهم يقدّرونه مؤخرا، ليفيد الاختصاص، وأما البصريّون؛ فيقدرون المحذوف اسما، والتقدير عندهم: ابتدائي، أو أكلي، أو قراءتي بسم الله... إلخ، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: أكلي، أو شربي كائن بسم الله، ويشهد لقول الكوفيين قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويشهد لقول البصريين قوله تعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ الآية رقم [٤١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال المرحوم سليمان الجمل: والأحسن أن يقدر متعلق الجار هنا: قولوا؛ لأن المقام مقام تعليم، وهذا الكلام صادر عن حضرة الربّ تعالى. انتهى. و(اسم) مضاف و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وعلى اعتبار لفظ: (اسم) صلة، فيكون مقحما بين الجار والمجرور، ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة، وهذا على اعتبارهما اسمين من أسماء الله الحسنى، وهو المعتمد، وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة، هذا ويجوز في العربية رفعهما على أنهما خبران لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرّحمن الرحيم، كما يجوز نصبهما على أنهما مفعول لفعل محذوف، التقدير: أمدح، ونحوه، وهذان الوجهان على القطع، أعني به قطع النّعت عن المنعوت، انظر ما ذكرته في الاستعاذة، وجملة البسملة على الوجهين مبتدأة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-2\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿الْحَمْدُ:﴾ هو في اللغة: الثناء بالكلام الجميل الاختياري على جهة التبجيل، والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة، أم لا. فالأول كمن يحسن إليك، والثاني كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد، أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللّسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان؛ التي هي الأعضاء، كما قال الأخطل التغلبي، وبعضهم يعتبر ما في البيت تفسيرا للشّكر: [الطويل]\nأفادتكم النّعماء منّي ثلاثة... يدي ولساني والضّمير المحجّبا","vol":"1","page":18},{"text":"وممّا هو جدير بالذكر: أنّ معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح فهو: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ والحمد أربعة أقسام: حمد قديم لقديم، كحمد الله لذاته، وحمد قديم لحادث، كحمد الله لأنبيائه، والصّالحين من عباده، وحمد حادث لقديم، كحمدنا الله ﷿، وحمد حادث لحادث، كحمد بعضنا بعضا، ولا تنس: أنّ المدح أعمّ من الحمد؛ لأنّه يكون للحيّ والميت، وللجماد، كما يمدح الطعام، والمكان، ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان، وبعده على الصفات المتعدّية، واللازمة أيضا فهو أعمّ، والألف واللام في ﴿الْحَمْدُ﴾ لاستغراق جميع أنواع الحمد، وصنوفه، كما جاء في الحديث الشريف من قول النبي ﷺ: «اللهم لك الحمد كلّه، وبيدك الخير كلّه، وإليك يرجع الأمر كلّه»، فهذا الحديث من كلام جبريل ﵇ بيّنه النبيّ ﷺ، وهو بروايات مختلفة: عن أنس بن مالك، وعن مصعب بن سعد عن أبيه، وعن أبي سعيد الخدري، منها مطوّل، ومنها مختصر بتخريج البيهقيّ، وابن أبي الدنيا، انظر: الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، رحمه الله تعالى!.\nوعن جابر بن عبد الله﵄عن رسول الله ﷺ: أنّه قال: «أفضل الذكر: لا إله إلاّ الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله». رواه الترمذيّ، وقال: حسن غريب. وعن أنس﵁عن النبي ﷺ: أنه قال: «ما أنعم الله على عبد نعمة، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ إلا كان الّذي أعطى أفضل ممّا أخذ». رواه ابن ماجة.\nوعن عبد الله بن عمر﵄-: أنّ رسول الله ﷺ حدّثهم: «أن عبدا من عباد الله قال: يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها؟! صعدا إلى السماء، فقالا: يا ربّنا! إنّ عبدك قد قال مقالة، لا ندري كيف نكتبها؟! قال الله-وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب! إنه قد قال: يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي؛ حتّى يلقاني، فأجزيه بها». رواه أحمد، وابن ماجة.\nوعن أبي أيوب الأنصاري﵁قال: قال رجل عند رسول الله ﷺ: «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه» فقال رسول الله ﷺ: «من صاحب الكلمة؟» فسكت الرجل، ورأى أنه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه. فقال رسول الله ﷺ: «من هو؟ فإنه لم يقل إلاّ صوابا!». فقال الرجل: أنا قلتها يا رسول الله، أرجو بها الخير! فقال: «والّذي نفسي بيده لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك؛ أيّهم يرفعها إلى الله تعالى». رواه ابن أبي الدنيا، والطّبراني بإسناد حسن، والبيهقيّ.\n ﴿رَبِّ﴾ يطلق، ويراد به: المالك، والسّيد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا،﴾ وقال الأعشى: [الكامل]","vol":"1","page":19},{"text":"ربّي كريم، لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا\nكما يقال: ربّ الدار، وربّ الأسرة، أي: مالكها، ومتولي شئونها، كما يراد به المربّي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة، يربّها: إذا أصلحها، والله ربّ العالمين: مالكهم، ومربّيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، بجعل النطفة علقة، ثم بجعل العلقة مضغة، ثم بجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه حتى يجعله رجلا أو امرأة كاملين. هذا ولا يطلق لفظ الرّبّ على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك، وقد قالوه في الجاهلية للملك، قال الحارث بن حلّزة في معلّقته رقم [٣٩]: [الخفيف]\nوهو الربّ والشّهيد على يو... م الحيارين والبلاء بلاء\nوالربّ: المعبود بحق، وهو المراد منه عند الإطلاق، ومنه قول راشد بن عبد ربه السّلمي الصّحابي﵁وهو الشاهد رقم [١٥٧] من كتابنا فتح القريب: [الطويل]\nأربّ يبول الثّعلبان برأسه؟! ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب\nولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السّجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السّابقة قال الشاعر: [الطويل]\nهنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا\nوهو اسم فاعل بجميع معانيه السّابقة، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدخال أحد المثلين في الآخر.\n ﴿الْعالَمِينَ:﴾ جمع عالم بفتح اللام، وجمع لاختلاف أنواعه، وهو جواب عمّا يقال:\nإنّه اسم جنس يصدق على كل ما سوى الله، والجمع لا بد أن يكون له أفراد ثلاثة، فأكثر، وجمع بالياء والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدلّ له قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا وعليه أفضل الصّلاة، وأتم التسليم-لمّا قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ،﴾ هذا والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البرّ، والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم، ولا واحد له من لفظه، مثل: رهط، وقوم.\nوقال مقاتل: العالمون ثمانون ألف عالم، أربعون ألف عالم في البر، وأربعون ألف عالم في البحر، انتهى. وجمع جمع المذكر السالم، وذلك بتغليب من يعقل على ما لا يعقل، والعالم مشتق من العلامة؛ لأنه دالّ على وجود خالقه، وصانعه، وعلى وحدانيته جلّ، وعلا، كما قال ابن المعتز: [المتقارب]","vol":"1","page":20},{"text":"فيا عجبا كيف يعصى الإله... أم كيف يجحده الجاحد\nوفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد\nالإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ، ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، التقدير: واجب، أو مستحقّ لله، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، هذا ويجوز في العربية الرفع والنصب في ﴿رَبِّ﴾ فالرفع على إضمار مبتدأ، التقدير: هو ربّ، والنصب على المدح بفعل محذوف، قال الزمخشري: وقرأ زيد بن عليّ﵄-: «رب العالمين» بالنصب على المدح، أو على النداء.\nقاله مكيّ، وهذان الوجهان على القطع، انظر ما ذكرته في الاستعاذة.\n\n<span id=\"aya-3\"></span>﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾\nالشرح: وصف الله تعالى نفسه بعد ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ بأنّه ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ لأنه لما كان في اتصافه ب ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ترهيب؛ قرنه ب ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ لما تضمنه من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته، وأمتع، كما قال ﷿ في سورة (الحجر) رقم [٤٩ و٥٠]: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ وقال جل ذكره في أول سورة (غافر): ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ،﴾ وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة؛ ما طمع بجنّته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرّحمة؛ ما قنط من جنّته أحد».\nوقد شرحت الاسمين الكريمين في البسملة، فلا معنى لإعادته، هذا؛ وذكرت لك فيما تقدم:\nأنّ ﴿الرَّحْمنِ﴾ أبلغ من ﴿الرَّحِيمِ،﴾ وذكر ﴿الرَّحِيمِ﴾ بعده، فهو من ذكر الخاص بعد العام، لتخصيص المؤمنين به في قوله تعالى: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب).\nالإعراب: يجوز فيهما ما جاز في البسملة من أوجه الإعراب.\n<span id=\"aya-4\"></span>﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿مالِكِ﴾ قرئ: («ملك») من غير مد، وبكسر الكاف فيهما، وقرأ محمد بن السّميقع بنصب («مالك»)، والمالك: هو المتصرّف في الأعيان المملوكة كيف شاء، من: الملك.\nوالملك هو المتصرف بالأمر، والنهي في المأمورين، من: الملك. انتهى. بيضاوي.","vol":"1","page":21},{"text":"وجمع مالك: ملاّك، وملّك، وجمع ملك: أملاك، وملوك، هذا وفيه لغتان أخريان ملك بسكون اللام، وجمعه على هذا: أملك، وملوك. ومليك فمن الأول قول عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [٣٠]: [الوافر]\nوأيّام لنا غرّ طوال... عصينا الملك فيها أن ندينا\nومن الثاني قول لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في ملعقته، رقم [٨٤] [الكامل]\nفاقنع بما قسم المليك فإنّما... قسم الخلائق بيننا علاّمها\nهذا وذكر ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بعد ذكر: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هو من ذكر الخاص بعد ذكر العام، وفيه ما فيه من التهويل، ورفعة الشأن، والتنبيه على مكانته، وعلوّ قدره. هذا وقيل:\n ﴿مالِكِ﴾ أبلغ من («ملك») لأن فيه زيادة حرف، فلقارئه عشر حسنات زيادة عمّن يقرأ: («ملك»).\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة ب («ملك») وفيه من المعنى ما ليس في ﴿مالِكِ﴾ لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى ملكا كان ملكا ومالكا بلا ريب. قال ابن الحصار: إنما كان ذلك؛ لأن المراد من (﴿مالِكِ﴾) الدلالة على الملك بكسر الميم، وهو لا يتضمّن الملك بضم الميم، و(«ملك») يضمن الأمرين جميعا، فهو أولى بالمبالغة، ويتضمّن أيضا الكمال، لذا استحق الملك على من دونه.\n ﴿يَوْمِ الدِّينِ:﴾ يوم الجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس -﵄قال: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ هذا و﴿الدِّينِ﴾ أيضا: الملّة، والشريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [٧٦]: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ،﴾ و﴿الدِّينِ﴾ اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى. هذا ويطلق ﴿الدِّينِ﴾ على العادة، والشأن، والحال، كما في قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٠]: [الطويل]\nكدينك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل\nهذا والدّين-بفتح الدال-: القرض المؤجّل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب، والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبّد به الله. هذا وتخصيص ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالإضافة له سبحانه، مع أنه مالك لجميع الأشياء في جميع الأوقات، والأيام؛ لأنه في ذلك اليوم ينسلخ عن ملوك الدنيا ما كان لهم من الملك الظاهر، وينفرد الجبّار فيه بالملك، ونفوذ الأمر، كما يقول الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ الآية رقم [١٦] من سورة (غافر)، وكما قال الله تعالى في وصف ذلك اليوم في آخر سورة الانفطار: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ،﴾ وانظر شرح «يوم» في الآية رقم [٤٨] من سورة (البقرة).","vol":"1","page":22},{"text":"الإعراب: ﴿مالِكِ:﴾ يجوز فيه الجر، والرفع، والنصب كما في البسملة، فالنصب على الحال، أو على النداء، وعلى المدح بفعل محذوف، وعلى النعت ل ﴿رَبِّ﴾ على قول من نصبه، قاله مكي. كما في الأسماء السابقة، و﴿مالِكِ﴾ مضاف و﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف و﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، هذا وقيل:\nإنّ إضافة ﴿مالِكِ﴾ ل ﴿يَوْمِ﴾ من إضافة اسم الفاعل للظرف، ومفعوله محذوف، التقدير: مالك الأمر كله يوم الدين.\n\n<span id=\"aya-5\"></span>﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾\nالشرح: ﴿نَعْبُدُ:﴾ العبادة: غاية التذلل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السجود لغير الله تعالى، وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. والاستعانة: طلب المعونة من الله تعالى على أمور الدنيا، والآخرة، وإنّما قدم: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ على (﴿إِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾) لأن العبادة لله هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والأصل أن يقدم ما هو الأهم، فالأهم، وقدم المفعول في الجملتين للاهتمام والحصر؛ إذ المعنى: لا نعبد إلا إيّاك، ولا نستعين إلا بك، وهذا هو كمال الطاعة، والدّين يرجع كلّه إلى هذين المعنيين، فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول، والقوة، وتفويض إلى الله ﷿، هذا وأصل ﴿نَسْتَعِينُ:﴾ نستعون، وإعلاله مثل إعلال ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ في الآية التالية، ومصدره: استعانة، والأصل: استعوان، فقل في إعلاله:\nاجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى العين، وتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الحال، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان: الألف المنقلبة، وألف الاستفعال، فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين، وعوض عنها التاء في الآخر، وقد يستغنى عن هذه التاء في حال الإضافة، منه قوله تعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ أي: إقامتها.\nوالإعلال المتقدم إنما هو إعلال بالنقل، والقلب، والحذف معا، ومثل هذا المصدر قولك:\nاستعاذ استعاذة، واستقام استقامة.\nوالضمير بالفعلين إنما هو لجماعة المتكلّمين، والمراد: جميع الموحّدين المصلّين، ففيه إيحاء إلى أداء الصلاة في الجماعة، يدرج المصلي عبادته في تضاعيف صلاة إخوانه المؤمنين لعلّها تقبل ببركتهم، فكأنّ المصلّي يقول: إلهي! عبادتي مشوبة بأنواع التقصير، لكنها مخلوطة بعبادة جميع العابدين، فاقبلها مني ببركة خلّص عبادك المؤمنين، فيا خسارة المهملين لصلاة الجماعة، كيف لا والرسول ﷺ يقول: «صلاة الرجل في الجماعة تضعّف على صلاته في بيته","vol":"1","page":23},{"text":"وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك: أنه إذا توضّأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد -لا يخرجه إلاّ الصّلاة-لم يخط خطوة إلاّ رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلّى؛ لم تزل الملائكة تصلّي عليه ما لم يحدث: اللهمّ صلّ عليه، اللهمّ ارحمه! ولا يزال في صلاة ما انتظر الصّلاة». رواه الستة ما عدا النّسائي عن أبي هريرة﵁والمشهور، والمأمول بعون الله: أنّ صلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة، لقول النبي ﷺ: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة». رواه البخاريّ، ومسلم، ومالك، والترمذيّ، والنّسائيّ عن ابن عمر﵄-.\nوهناك أحاديث ترغب في صلاتي الفجر، والعشاء في جماعة؛ مثل قول الرسول ﷺ: «من صلّى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف اللّيل، ومن صلّى الصبح في جماعة فكأنّما صلّى اللّيل كلّه». رواه مالك، ومسلم، وأبو داود عن عثمان بن عفان﵁-.\nوشدّد النبي ﷺ النكير على المتخلفين عن الجماعة، وخذ ما يأتي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر-أي: في الجماعة-ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصّلاة، فتقام، ثمّ آمر رجلا، فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم، لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار» رواه البخاريّ، ومسلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (البقرة).\nتنبيه: ينبغي أن تعلم: أنّ الكلام في الآيات السابقة، إنما هو للغيبة، وفي هذه الآيات للخطاب، وهذا يسمّى في فنّ البلاغة: التفاتا التفات من أسلوب لآخر، وهذا جيد؛ لأنه لمّا ذكر: أنّ الله جدير بالحمد، وبأنّه ربّ العالمين، وأنّه مالك الناس أجمعين يوم لا ينفع مال ولا بنون، والكلام كلّه في الغيبة؛ حسن التوجه بالخطاب إليه ﷾، وتخصيصه بالعبادة، والاستعانة.\nالإعراب: ﴿إِيّاكَ:﴾ ضمير نصب منفصل، مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم.\n ﴿نَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وإعراب الجملة الثانية مثلها بلا فارق، وتقديم المفعول في الجملتين يفيد الاختصاص.","vol":"1","page":24},{"text":"«إلى» كما في قوله تعالى في سورة (الصّافات) رقم [٢٣] ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ وقد يعدّى باللام، كما في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤٣] ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾.\n ﴿الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هو في لغة العرب: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، قال جرير في مدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]\nأمير المؤمنين على صراط... إذا اعوجّ الموارد مستقيم\nوقال عامر بن الطفيل: [الوافر]\nشحنّا أرضهم بالخيل حتّى... تركناهم أذلّ من الصّراط\nثمّ إن العرب تستعير (الصّراط) في كلّ قول، وعمل وصف باستقامة، أو اعوجاج، واختلفت عبارات المفسرين من السّلف والخلف في تفسيره هنا، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو امتثال أمر الله فيما أمر، وفيما نهى، والأخذ بقول رسول الله ﷺ وعمله، فقيل: هو كتاب الله، وقيل: إنّه الإسلام، قال ابن عباس﵄-: هو دين الله الذي لا اعوجاج فيه. قال ابن الحنفية: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. وانظر ما ذكرته في قوله تعالى في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام): ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ..﴾. إلخ و﴿الصِّراطَ﴾ يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، وهو يذكّر، ويؤنث، والأول أكثر.\n ﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ هو الذي لا اعوجاج فيه، والأصل فيه: «مستقوم» لأنّه من استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، فصار: «مستقوم» ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.\n ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ:﴾ اختلف الناس في المنعم عليهم، فقال الجمهور من المفسرين: إنّه صراط النبيين، والصديقين، والشهداء، والصّالحين، وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٦٩]: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ يعمّ، ويشمل جميع ما قيل، فلا معنى لتعدد الأقوال، والله المستعان، وهو وليّ التوفيق.\nقال القرطبي رحمه الله تعالى: في هذه الآية ردّ على القدرية، والمعتزلة، والإمامية؛ لأنهم يعتقدون: أنّ إرادة الإنسان كافية في صدور أفعال منه، طاعة كانت، أو معصية؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربّه، وقد أكذبهم الله في هذه الآية؛ إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فلو كان الأمر إليهم، والاختيار بيدهم دون ربهم؛ لما سألوه الهداية، ولا كرّروا السؤال في كلّ صلاة، وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه، وهو ما","vol":"1","page":25},{"text":"يناقض الهداية، حيث قالوا: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ فكما سألوه أن يهديهم؛ سألوه أن لا يضلّهم، وكذلك يدعون، فيقولون: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا..﴾. إلخ رقم [٨] من سورة (آل عمران)، انتهى.\n ﴿غَيْرِ:﴾ اسم شديد الإبهام، ك «مثل» لا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها إن فهم المعنى، أو تقدمت عليها كلمة ليس، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو على الفتح، خلاف، وإن أردت الزيادة؛ فانظر مبحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».\n ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ:﴾ اختلفت في المغضوب عليهم، والضّالين من هم؟ وجاء ذلك مفسرا عن النبي ﷺ في حديث عبيد بن حاتم الطائي، وقصّة إسلامه حيث قال: هم اليهود، وعن قوله تعالى: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ قال: هم النصارى، أخرجه أبو داود، والتّرمذيّ، وأحمد، ويشهد لهذا التّفسير أيضا قوله تعالى في اليهود: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ الآية رقم [٦١] من سورة (البقرة)، وقوله تعالى في سورة المائدة رقم [٦٠]:\n ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾. وقال جل ذكره في النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ هذا وفي الآية الكريمة تحذير للمؤمن من مسالك أهل الباطل؛ لئلا يحشر مع سالكيه يوم القيامة، ومن تشبّه بقوم فهو منهم.\nهذا والأصل في ﴿الضّالِّينَ:﴾ (الضّاللين) حذفت حركة اللام الأولى، ثمّ سكنت، ثم أدغمت اللام في اللام، فاجتمع ساكنان: مدّة الضاد بالألف، واللام المدغمة، وقرأ أيوب السختياني: («ولا الضألين») بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين، وهي لغة، حكاها أبو زيد، قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ قوله تعالى في سورة (الرحمن): (﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾) فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب دأبة وشأبة، قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قول كثير عزّة: [الطويل]\n... إذا ما العوالي بالعبيط احمأرّت\nانتهى قرطبي. هذا وقد راجعت قصيدة كثير عزة التائية في شرحي شواهد المغني للسيوطي والبغدادي، فلم أجد هذه الشطرة فيها، ومن أبياتها الشواهد رقم [٧٢٨ و٧٧٣ و٨٥٢] من كتابنا فتح القريب المجيب.\nتنبيه: يسن للقارئ أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة في الصلاة وخارجها بعد سكتة على نون (﴿وَلا الضّالِّينَ﴾): آمين؛ ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن، وقد أطال القرطبي رحمه الله تعالى الكلام في فضله وفضائله، آخذا من أحاديث الرسول ﷺ وأقوال السلف الصالح، والصحيح:","vol":"1","page":26},{"text":"أن معناه: استجب، فهو اسم فعل أمر، وهو مبني على السكون، وحرّك بالفتح لأجل الياء قبل آخره، كما فتحت (أين) والفتح فيها أقوى؛ لأن ما قبل الياء كسرة، فلو كسرت النون على أصل التقاء الساكنين؛ لوقعت الياء بين كسرتين.\nويجهرها الإمام والمأموم في الجهرية. وفي الموطأ، والصحيحين: قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين. وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة﵁قال: ترك الناس آمين. وكان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول ليرتج بها المسجد. ويسن ختم الفاتحة به، وكل دعاء. وفيه لغتان:\nالمدّ على وزن: «فاعيل» ك «ياسين» كقول قيس المجنون: [البسيط]\nيا ربّ لا تسلبني حبّها أبدا... ويرحم الله عبدا قال: آمينا\nولهذا البيت حكاية مذكورة في شرح شواهد الكشاف للمرحوم محب الدين الخطيب، ولولا الإطالة عليك لذكرتها، وقال آخر: [البسيط]\nآمين آمين لا أرضى بواحدة... حتّى أبلّغها ألفين آمينا\nوالقصر، قال الشاعر في القصر: [الطويل]\nتباعد مني فطحل إذ سألته... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا\nفطحل: اسم رجل استمنحه القائل فما منحه، فدعا عليه بالبعد. وتشديد الميم قاله الجوهري. وقد روي عن الحسن، وجعفر الصادق﵄التشديد، وهو قول الحسين بن الفضل، من: أمّ: إذا قصد، أي: نحن قاصدون نحوك، ومنه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣]: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾.\nالإعراب: ﴿اِهْدِنَا﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت» و(نا): مفعول به أول. ﴿الصِّراطَ:﴾\nمفعول به ثان، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقيل: هو منصوب على نزع الخافض، وانظر الشرح، والجملة الفعلية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ صفة ﴿الصِّراطَ﴾. ﴿صِراطَ:﴾ بدل مما قبله، بدل كل من كل، أو هو عطف بيان، ومثله قوله تعالى حكاية عن قول الطاغية فرعون في سورة (غافر) رقم [٣٦ - ٣٧]: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ..﴾. إلخ. ﴿صِراطَ﴾ مضاف و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَنْعَمْتَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ ب (على).","vol":"1","page":27},{"text":"﴿غَيْرِ:﴾ بالجر صفة ﴿الَّذِينَ﴾ أو هو بدل منه، وقيل: بدل من الهاء، والميم. ويقرأ بالنصب، وخرّج على ثلاثة أوجه: أحدها: النّصب على الحال من الهاء، الثاني: النصب على الاستثناء، الثالث: النصب على إضمار فعل، التقدير: «أعني غير» وحكي عن الخليل. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وإذا رأيت «غير» يصلح في موضعها «لا» فهي حال.. وإذا صلح في موضعها «إلا» فهي استثناء، فقس عليه. و﴿غَيْرِ﴾ مضاف، و﴿الْمَغْضُوبِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمغضوب، وهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): صلة للتوكيد عند البصريين، وظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية.\n ﴿الضّالِّينَ:﴾ معطوف على المغضوب على قول البصريين، ومضاف إليه على قول الكوفيين، وعلى الاعتبارين فهو مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. تأمل، وتدبر؛ وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.\nانتهت سورة الفاتحة شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه، والحمد لله ربّ العالمين.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>سورة البقرة</span>\nمدنية\nسورة البقرة مدنية، نزلت في مدد شتّى: من أول الهجرة إلى قبيل وفاة الرسول ﷺ، وهي مائتان وست، أو سبع وثمانون آية، وستة آلاف، ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وخمسة وعشرون ألف حرف، وخمسمائة حرف، انتهى. خازن.\nوقد ورد في بيان فضلها وثواب قراءتها أحاديث كثيرة مشهورة، أذكر منها ما يلي: عن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إنّ الشيطان يفرّ من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». أخرجه مسلم، والنسائيّ، والترمذيّ، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «لكلّ شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيّدة القرآن».\nرواه الترمذيّ، وقال: حديث غريب، ومن حديث أبي أمامة الطويل الذي خرّجه مسلم، قال رسول الله ﷺ: «اقرءوا سورة البقرة، فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة».\nقال معاوية بن سلام: بلغني: أنّ البطلة: السحرة، سمّوا بذلك لمجيئهم بالباطل.\nوعن سهل بن سعد﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإنّ من قرأها في بيته ليلا، لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام». رواه الطبرانيّ، وابن حبّان، وابن مردويه.\nقال ابن العربي: سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر! انتهى. وهذا وسميت سورة البقرة لذكر بقرة بني إسرائيل؛ التي كانت معجزة باهرة لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما ستقف عليها مفصّلا إن شاء الله تعالى.\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"1","page":29},{"text":"السّلف التفويض، ومذهب الخلف التأويل، فالصّحابة، والتابعون لهم بإحسان لم يخوضوا في تفسيرها، ويكلون العلم بها إلى الله تعالى، فعن أبي بكر الصدّيق﵁أنه قال: في كتاب الله سرّ، وسر الله في القرآن أوائل السور. وعن عمر، وعثمان، وابن مسعود﵃-: أنهم قالوا: الحروف المقطعة من السرّ المكتوم؛ الذي لا يفسّر، وعن عليّ﵁وكرّم وجهه: أنّه قال: إنّ لكلّ كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي. وعن ابن عباس، وعليّ أيضا﵄-: إنّ الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم، إلا أنّا لا نعرف تأليفه منها.\nولكن بعد أن اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، ودخل أكثر أهل البلاد المفتوحة في الدين الإسلامي الحنيف، وظهرت الملل، والنحل، خصوصا في العصر العباسيّ اضطر علماء المسلمين للخوض في تفسير هذه الحروف، وأعني بهؤلاء: الخلف، وبمذهبهم: مذهب الخلف، وكثرت الأقوال، والتفاسير في ذلك، فقيل: هي أسماء للسّور؛ الّتي بدئت بها. وقيل: كل حرف مفتاح اسم من أسماء الله تعالى، فالألف مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، ومعين، ومتين، وقيل: الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه. وقيل: هي أسماء مقطعة لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم، ألا ترى أنك تقول: (﴿الر﴾، و﴿حم﴾، و﴿ن﴾) فيكون مجموعها الرحمن، وكذلك سائرها، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعا، وروى أبو الضحى عن ابن عباس﵄في قوله تعالى: ﴿الم﴾ قال: أنا الله أعلم، وفي: ﴿الر﴾ أنا الله أرى، وفي: ﴿المص﴾ أنا الله أفصل، فالألف تؤدي معنى: «أنا» واللام تؤدي عن معنى: «اسم الله» والميم تؤدي عن معنى: «أعلم» واختار هذا القول الزجاج، قال: أذهب إلى أنّ كل حرف منها، يؤدّي عن معنى، وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها، ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول زهير، قاله القرطبي، وقال المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد: من ذلك قول لقيم بن أوس أحد بني ربيعة بن مالك يخاطب امرأته: [الرجز]\nإن شئت أشرفنا كلانا فدعا... الله جهدا ربّه فأسمعا\nبالخير خيرات وإن شرّا فا... ولا أريد الشّرّ إلاّ أن تا\nأراد: وإن شرّا فشرّ، إلا أن تشائي، وقول الآخر: [الرجز]\nنادوهم ألا الجموا ألا تا... قالوا جميعا كلّهم ألا فا\nأراد: ألا تركبون، قالوا: ألا فاركبوا. ومن ذلك قول حكيم بن معية التميمي: [الرجز]\nقد وعدتني أمّ عمرو أن تا... تدهن رأسي وتفلّيني\nوتمسح القنفاء حتّى تنتا","vol":"1","page":30},{"text":"المعنى: قد وعدتني أن تدهن رأسي، وأن تخرج القمل منه، وأن تسرح لحيتي حتى تصبح جيدة. ومثل ذلك كثير في الكلام العربي شعرا، ونثرا، هذا ويرى كثيرون من أهل العلم: أنّ هذه الحروف، إنما ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن، وأنّ الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطّعة؛ التي يتخاطبون بها. حكاه الرازي عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء، وقرّره الزمخشري، ونصره أتمّ نصر، وإليه ذهب الإمام ابن تيمية، وشيخنا الحافظ أبو الحجّاج المزي. انتهى مختصر ابن كثير.\n ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ أي الذي وعد به على لسان موسى، وعيسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة، وهي للبعد، والقرآن الكريم في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلوّ شأنه، ورفعة قدره، وكونه في الغاية القصوى من الفضل، والشرف، وعلوّ المكانة، فكأنّه بسبب ذلك بعيد كل البعد، فنزل بعد المرتبة منزلة البعد الحسي.\n ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ فقد نفى الله عنه الريب، أي: الشك على سبيل الاستغراق، وقد ارتاب فيه كثيرون؛ لأن المنفي كونه متعلقا للريب، ومظنّة له؛ لأنه من وضوح الدلالة، وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه، لا أن أحدا لا يرتاب، ومن ارتاب فيه، أو في بعضه، فالريب حصل له من فهمه السّقيم، وعقله العقيم، وخذ قول المتنبي: [الوافر]\nوكم من عائب قولا صحيحا... وآفته من الفهم السّقيم\nولكن تأخذ الآذان منه... على قدر القريحة والفهوم\nورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]\nقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد... وينكر الفم طعم الماء من سقم\nورحم الله أحمد شوقي إذ يقول: [الوافر]\nوما ضرّ الورود وما عليها... إذا المزكوم لم يطعم شذاها\nوما أحسن قول بعضهم: [البسيط]\nعاب الكلام أناس لا خلاق لهم... وما عليه إذا عابوه من ضرر\nما ضرّ شمس الضحى في الأفق طالعة... ألاّ يرى ضوءها من ليس ذا بصر\nوخذ قول أبي الطيب المتنبي أيضا: [الوافر]\nومن يك ذا فم مريض... يجد مرّا به الماء الزّلالا\nهذا وتقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في ريبة، أي في شك، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذيّ،","vol":"1","page":31},{"text":"والنّسائيّ عن الحسن بن عليّ سبط رسول الله ﷺ وريحانته﵁وقد يستعمل الرّيب في التهمة، قال جميل بن معمر العذريّ: [الطويل]\nبثينة قالت يا جميل أربتني... فقلت كلانا يا بثين مريب\nواستعمل أيضا في الحاجة كما قال كعب بن مالك الصّحابيّ الأنصاريّ ﵁: [الوافر]\nقضينا من تهامة كلّ ريب... وخيبر ثمّ أجممنا السّيوفا\n ﴿هُدىً:﴾ أصله: هديا، أو هدي، بضم الهاء وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف، والتنوين الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار ﴿هُدىً﴾ وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء الأصلية المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: «هدا»، فلا يوجد ما يدلّ عليها، وهذا الإعلال يجري في كل اسم مقصور مجرد من ال، والإضافة.\n ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جمع متق، فهو مأخوذ من التقوى، وهي: حفظ النفس من العذاب الأخرويّ بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك دنيا، وأخرى، وفيه تغليب الرّجال على النساء؛ إذ ما من شك: أنّ في النساء متّقيات مهتديات بالقرآن الكريم، هذا شيء معلوم لا ينكره مسلم عاقل. هذا؛ وخصّ الله تعالى المتقين بهدايته، وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم؛ لأنهم آمنوا، وصدّقوا بما فيه، وإسناد الهداية للقرآن من الإسناد للسبب، والهادي في الحقيقة هو الله، ففيه مجاز عقليّ.\nالإعراب: ﴿الم:﴾ في إعراب هذا اللفظ وجوه، الأول: أنّ محله الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الم، أو هو مبتدأ خبره ما بعده، والثاني: أنّ محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل الم، قاله ابن كيسان النحوي. أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير:\nالتزمت الله، أو اليمين به، والثالث: أنّ محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم، أو أحلف ب «الم»؛ لقول ابن عباس﵄-: إنها أقسام أقسم الله بها، وضعّف هذا سليمان الجمل، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك-أي: حذف الجار وإبقاء عمله-من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها، ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها، وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، ﴿الْكِتابُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هنا في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو: ﴿الم﴾ على الوجه الثاني من وجهي الرفع، كما رأيت، والرابط اسم الإشارة على","vol":"1","page":32},{"text":"اعتبار الإشارة عائدة على: ﴿الم﴾ ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ خبر: ﴿الم﴾ و﴿الْكِتابُ﴾ بدلا منه، أو عطف بيان عليه، والصفة هنا لا تجوز؛ لأنه اسم جامد.\n ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ»، ﴿رَيْبَ﴾ اسم ﴿لا:﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْكِتابُ﴾ على اعتباره خبر المبتدأ: ﴿ذلِكَ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، مثل قوله تعالى: ﴿هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ أو هي في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو ذلك، على اعتبار الكتاب بدلا منه، والرابط على الوجهين الضمير المجرور في ﴿فِيهِ،﴾ كما جوز أن تكون الجملة في محل رفع خبر ثان للمبتدإ ﴿ذلِكَ﴾.\n ﴿هُدىً:﴾ يجوز فيه وجهان: الرفع، والنصب، أما الرفع؛ فعلى اعتبارين: الأول: اعتباره مبتدأ، و﴿فِيهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعليه فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، ويكون الوقف على ﴿لا رَيْبَ﴾ ولم يرتضه ابن هشام، واستشهد بأول سورة السجدة على خلافه.\nوالثاني: على اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو هدى، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير المجرور في ﴿فِيهِ﴾ كما جوز أن يكون خبرا للمبتدإ ﴿ذلِكَ﴾ أو خبرا ثانيا له، وأما النصب فعلى الحال من الضمير المجرور، ويجب تأويله باسم الفاعل «هاديا» والرفع، أو النصب مقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.\n ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿هُدىً﴾ أو بمحذوف صفة له على الاعتبارين فيه، التقدير: كائن، أو: كائنا، أو هما متعلقان ب ﴿هُدىً﴾ نفسه؛ لأنه مصدر. وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ في الحقيقة صفة لموصوف محذوف كما هو واضح.\nتنبيه: من الإعراب المتقدم يتبين لك: أنّ ما تقدّم يمكن عدّه أربع جمل متناسقة، يقرر اللاحقة منها السابقة، ولذلك لم يدخل العاطف بينها، ف ﴿الم﴾ مع المبتدأ المحذوف، أو مع الفعل المحذوف جملة، و﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ جملة، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ جملة: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ جملة، أو تستتبع كل واحدة منها ما تليها استتباع الدليل للمدلول. انتهى. بيضاوي.\n\n<span id=\"aya-10\"></span>﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ:﴾ يصدّقون. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ كل ما غاب عنّا من أمر البعث يوم القيامة، والحساب، والصراط، والجنّة، والنّار. هذا والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسّه، قال الشاعر المسلم: [الطويل]","vol":"1","page":33},{"text":"وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد\nورحم الله من قال: [الطويل]\nإذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن عليّ رقيب\nولا تحسبنّ الله يغفل ساعة... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب\nهذا؛ وإيماننا بمحمد ﷺ إيمان بالغيب، كما بينت ذلك الأحاديث الشريفة، هذا والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللّسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان، ولمّا سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان؛ قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، خيره وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما بينته في الآية رقم [٢] من سورة الأنفال، وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة: جمع يمين بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ الآية رقم [٢٢٤] الآتية، واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر، والمصدر لا يثنّى، ولا يجمع.\n ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ:﴾ يؤدّونها في أوقاتها، ويحافظون على طهارتها، وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام الصلاة، وأصل «يُقِيمُونَ» يؤقومون، حذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل:\n «أأقوم» الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: «يقومون»، ثم يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، وهي الكسرة إلى القاف، فصار (يقومون) ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله، مثل:\nأجاب يجيب، وأكرم يكرم... إلخ، كما حذفت الهمزة الثانية من ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لأنّ ماضيه: آمن، وأصله أأمن، والمضارع يؤأمن، أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]\nفإنّه أهل لأن يؤكرما\nولا تنس أنّ هذه الهمزة تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس مؤكرم ومؤكرم، وقس على ذلك، وانظر شرح ﴿الصَّلاةَ﴾ في الآية [٤٣].","vol":"1","page":34},{"text":"﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ أعطيناهم، وملكناهم.\n ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ يتصدّقون على الفقراء، والمساكين، ويكون الإنفاق فرضا كالزكاة الواجبة، والكفارات على أنواعها، ويكون تطوعا وتقربا إلى الله تعالى، وانظر شرح الآيات [٢٦١] وما بعدها، إن شاء الله تعالى، هذا والفعل الماضي «أنفق» وهو رباعي الحروف، مضارعه: يؤنفق، حذفت الهمزة على مثال ما قبله، ويكون ثلاثيا: «نفق». قال الزمخشري رحمه الله تعالى: إنّ كلّ ما فاؤه نون، وعينه فاء، يدل على معنى الخروج، والذّهاب، مثل: نفق، ونفخ، ونفد، ونفش... إلخ.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ فيه وجوه: الأول: الإتباع ل: (المتقين) على البدلية، أو على النعت، الثاني: في محل نصب على المدح بفعل محذوف. الثالث: في محل رفع على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي بعده، وهو مبني على الفتح في محل جر على الأول، أو في محل نصب على الثاني، أو في محل رفع على الثالث. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾) معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. (﴿وَمِمّا﴾): الواو: حرف عطف.\n (﴿مِمّا﴾): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية ضعيفة، ﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: ومن الذي، أو من شيء رزقناهم إيّاه؛ لأن الفعل: «رزق» ينصب مفعولين، كالفعل الذي هو بمعناه، وهو: أعطى، ومنح، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من رزقنا إيّاهم المال، وهو ركيك معنى، كما ترى. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجار والمجرور (ممّا) في محل المفعول به، وتقديمه للاهتمام به، وللمحافظة على رءوس الآي.\n\n<span id=\"aya-11\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ:﴾ المراد به القرآن الكريم. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾\nيعني: الكتب السابقة، والمراد: المؤمنون الصادقون من المسلمين، ومن آمن من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأمثاله، بخلاف اليهود والنصارى الذين بقوا على أديانهم، ولم يؤمنوا بمحمد ﷺ، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ الآية رقم [٩١] الآتية: وفي حديث أبي ذر﵁-، قال: قلت: يا رسول الله! كم كتابا أنزل الله؟ قال: «أنزل مائة كتاب وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة، والإنجيل، والزّبور، والفرقان». ويقال: لما","vol":"1","page":35},{"text":"نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قالت اليهود، والنصارى: نحن نؤمن بالغيب، فلمّا قال الله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قالوا: نحن نقيم الصلاة، فلما قال الله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قالوا: نحن ننفق، ونتصدّق، فلما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ نفروا من ذلك، ومثل ذلك في الآيتين رقم [١٥٥ و١٥٦] من سورة (الأعراف).\n ﴿وَبِالْآخِرَةِ:﴾ المراد بالآخرة: الحياة التي تكون بعد الموت، وما فيها من نعيم مقيم، أو عذاب اليم، وهي الحياة الثانية الأبدية؛ التي تكون بعد البعث، والنشور، وبعد الحساب، والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن، وعمل صالحا، وفي النّار لمن كفر، وعمل سيئا، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nالموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟\nورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط]\nالدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار\nهما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟\nو(الآخرة): مشتقة من التأخّر، لتأخرها عنّا، وتأخّرنا عنها، كما أنّ الدنيا مشتقة من الدّنو، كما ستعرفه. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ أي: بما بعد الموت، عالمون علما ثابتا دون شك؛ إذ الإيقان: العلم بنفي الشك والشبهة عند الاستدلال. وأصل الفعل: «يؤيقنون» فحذفت الهمزة على مثال ما سبق، فصار الفعل «يويقنون» ثم حذفت الياء الساكنة لالتقائها ساكنة مع الواو، فصار الفعل ﴿يُوقِنُونَ﴾.\nالإعراب: (﴿الَّذِينَ﴾) معطوف على ما قبله في الآية السابقة على جميع الوجوه المعتبرة فيه.\n ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): اسم موصول، وضعف أبو البقاء الموصوفة، قال: لأنه لا عموم فيه على هذا، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء.\n ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، والجملة الفعلية صلتها، ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وعليه ف ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما) والكاف في محل جر بالإضافة.\n (﴿بِالْآخِرَةِ﴾): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها، وهو أقوى من اعتبارها حالا.","vol":"1","page":36},{"text":"<span id=\"aya-12\"></span>﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين وصفوا بالآيتين السّابقتين بالصفات الحميدة، والأعمال المجيدة، هذا؛ و﴿أُولئِكَ﴾ جمع: ذلك، وقد يجمع على أولالك، وأنشد ابن السكيت: [الطويل]\nأولالك قومي لم يكونوا أشابة... وهل يعظ الضّلّيل إلا أولالكا؟!\nو﴿أُولئِكَ﴾ لجماعة العقلاء، وربما جاء في غير العقلاء، قال جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق وهو الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الكامل]\nذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى... والعيش بعد أولئك الأيّام\nوقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٦]: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾. هذا؛ وقد قال العلماء: إنّ في قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ردّا على القدرية، والمعتزلة، والإمامية في قولهم: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه-تعالى الله عن قولهم-ولو كان كما قالوا؛ لقال: «من أنفسهم» وقد تقدم الكلام فيه، وفي الهدى. انتهى القرطبي. هذا وفي قوله تعالى: ﴿عَلى هُدىً﴾ استعارة تبعية بالحرف، أي: تمكّنوا من الهداية التامة، ويقال في إجرائها: شبّه مطلق ارتباط بين مهدي وهدى، بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعلى عليه بجامع التمكّن في كلّ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات، ثم استعيرت «على» من جزئي من جزئيات المشبّه به لجزئي من جزئيات المشبّه على طريق الاستعارة التّصريحية التّبعيّة.\n ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون برضا الله، الناجون من غضبه، وعقابه، فهو جمع اسم فاعل، من: أفلح الرجل: فاز ببغيته، ومراده، وأصله، «مؤفلح» فعل فيه ما فعل بما قبله، وتكرّر اسم الإشارة لإظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم، وأنهم جديرون بذلك الفضل الذي خصّهم الله به، ومنحهم إياه، هذا و«الفلح» أصله في اللغة: الشقّ، والقطع، ومنه فلاحة الأرضين؛ أي: شقها للحرث، ولذلك سمي الأكّار فلاحا، ويقال للذي شقّت شفته السفلي، أو العليا: أفلح، والفلاح: البقاء، والدوام، قال الأضبط بن قريع السّعدي في الجاهلية الجهلاء: [الرجز]\nلكلّ همّ من الهموم سعه... والمسي والصّبح لا فلاح معه\nيقول: ليس مع كر اللّيل والنهار بقاء، وقال آخر: [الطويل]\nنحلّ بلادا كلّها حلّ قبلنا... ونرجوا الفلاح بعد عاد وحمير","vol":"1","page":37},{"text":"الإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلى هُدىً:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿هُدىً﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ: (﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ..﴾.) إلخ، وما عطف عليه، على وجه مرّ ذكره، (﴿أُولئِكَ﴾): مبتدأ مثل سابقه، ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، هذا ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا و﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ:\nمعطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-13\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله المؤمنين، وأحوالهم؛ ذكر الكافرين، ومآلهم، وتلك سنّة اقتضتها حكمة العليم الحكيم، ورحمته في كتابه الكريم؛ بأن لا يذكر التكذيب، والكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنّة، ونعيمها إلا ويذكر النّار وجحيمها، ولا يذكر الرحمة إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا، وهذا ما يسمّى بالمقابلة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا والكفر: ضدّ الإيمان، وهو المراد في الآية، وقد يكون بمعنى: جحود النعمة، والإحسان، ومنه قول النبي ﷺ في النساء في حديث الكسوف: «ورأيت النار، فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع! ورأيت أكثر أهلها النّساء» قيل: بم يا رسول الله؟! قال: «بكفرهنّ» قيل:\nأيكفرن بالله؟! قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر كلّه، ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ!». أخرجه البخاري، وغيره. ويروى بأطول من هذا من رواية أبي سعيد الخدري﵁-، وأصل الكفر في كلام العرب: الستر، والتغطية، قال لبيد﵁في معلّقته رقم [٤٢] في وصف بقرة وحشية: [الكامل]\nيعلو طريقة متنها متواتر... في ليلة كفر النّجوم غمامها\nوسمّي الزّارع: كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتّراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا في سورة (الحديد) رقم [٢٠] ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾. ويسمّى الليل:\nكافرا؛ لأنه يستر كلّ شيء بظلمته. قال لبيد في معلقته رقم [٦٥]: [الطويل]","vol":"1","page":38},{"text":"حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nويطلق لفظ الكافر على النّهر، قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النّهر: [الطويل]\nوألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأس مضلّل\nرضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التيّار في كلّ جدول\nهذا وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وأسرّها، وأخفاها.\nقال تعالى في سورة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-الآية رقم [٧]: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال القطامي، وهو الشاهد رقم [٥٣١] من كتابنا فتح رب البريّة: [الوافر]\nأكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا\n ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ:﴾ ﴿سَواءٌ﴾ مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد.\nوقيل: بمعنى: مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هما، وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيّان، وإن شئت قلت: سواآن، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون. هذا ويأتي بمعنى: الوسط، كما في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ رقم [٥٥] من سورة (الصافات) ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ الآية رقم [٥٨] من سورة (الأنفال) وسواء السبيل: ما استقام منه، كما في الآية رقم [١٠٨] الآتية: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسواء الجبل: ذروته، وسواء الشيء: غيره، قال الأعشى: [الطويل]\nتجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائها\n ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ الإنذار: الإبلاغ والإعلام، ولا يكاد يكون إلا في التخويف من عذاب الله، وتناذر القوم لأمر: إذا خوفه بعضهم بعضا، ففي الآية الكريمة تيئيس من إيمان الكفار، سبقت للتنبيه، على غلوّهم في الكفر، والطغيان، وعدم استعدادهم للإيمان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض وفاعله، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (سواء أأنذرتهم). ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتسوية. (﴿أَنْذَرْتَهُمْ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية، وهمزة التسوية في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف","vol":"1","page":39},{"text":"عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُنْذِرْهُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية هذه مؤوّلة بمصدر معطوف على سابقه، وتقدير الكلام: إنذارك وعدمه سواء، وقال محمد بن يزيد: ﴿سَواءٌ:﴾ يرفع بالابتداء، والمصدر المؤول خبر عنه. وقال أبو البقاء: ﴿سَواءٌ:﴾ مبتدأ، والمصدر المؤوّل في محل رفع فاعل ب ﴿سَواءٌ﴾ سد مسدّ خبره، والتقدير: يستوي عندهم الإنذار، وتركه. والأول أقوى؛ لأن ﴿سَواءٌ﴾ نكرة كما ترى، ولا مسوغ لوقوعه مبتدأ، وعلى كلّ فالجملة الاسمية في محل رفع فاعل به. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال مؤكدة لمضمون ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها، ورجّحه ابن هشام في المغني على غيره، أو هي في محل رفع خبر (إنّ) فتكون الجملة الاسمية: ﴿سَواءٌ..﴾. إلخ المعترضة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ﴾ أقوال، وأرجح الأول، وهو الحالية، هذا ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [٢١]: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المنافقون) الآية رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٣٦]: ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ ولا تنس الآية رقم [١٠] من سورة (ياسين). و(أم) في هذه الآيات، وأمثالها تسمى: متصلة؛ لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمى أيضا معادلة لمعادلتها للهمزة في إفادة التسوية، والمنقطعة بخلاف ذلك، انظر مبحث «أم» في كتابنا فتح القريب المجيب، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك؛ فإنه جيد، والحمد لله.\n\n<span id=\"aya-14\"></span>﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿خَتَمَ اللهُ﴾ قال الزجّاج: الختم: التغطية؛ لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه تغطية له؛ لئلا يطّلع عليه أحد. وقال ابن عباس﵄-: طبع الله على قلوبهم، فلا يعقلون الخير. وقال النسفي: وحاصل الختم والطّبع خلق الظلمة، والضيق في صدر العبد عندنا، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه. انتهى.\nأقول: ولعل هذه الظلمة حاصلة من الرّان الذي ذكره الله بقوله: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سورة (المطففين) رقم [١٤]، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبا؛ كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب، ونزع، واستغفر؛ صقل منها، وإن زاد؛ زادت حتّى يغلّف بها قلبه، فذلك الرّان الّذي ذكر الله في كتابه:\n ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»﴾. رواه الترمذيّ، والنّسائي، وابن ماجة، وابن حبّان.","vol":"1","page":40},{"text":"هذا وفي هذه الآية دليل واضح على أنّ الله سبحانه خالق الهدى، والضلال، والكفر، والإيمان، فاعتبروا أيها السّامعون، وتعجّبوا أيها المفكرون من عقول القدرية والمعتزلة القائلين بخلق إيمانهم، وهداهم، فإنّ الختم هو الطّبع، فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا؛ وقد طبع على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فمتى يهتدون؟! أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم، وأصمهم، وأعمى أبصارهم ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضلّه، وخذله؛ إذ لم يمنعه حقّا وجب له، فتزول صفة العدل، وإنّما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم. انتهى. قرطبي.\nأقول: ولو تركهم وشأنهم؛ لما اختاروا غير الكفر قطعا، هذا وقد شبه قلوبهم لتأبّيها الحق، وأسماعهم وأبصارهم لارتفاعها عن تقبل نور الهداية بالوعاء المختوم عليه، المسدود منافذه، المغشى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه، واستعار لفظ الختم، والغشاوة لذلك بطريق الاستعارة التصريحية؛ لأنه ليس تغشية على الحقيقة، وإنما المراد بها أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر، والمعاصي، واستقباح الإيمان، والطاعات. قال سليمان الجمل- رحمه الله تعالى-: وحيث أطلق القلب في لسان الشرع؛ فليس المراد به الجسم الصنوبري الشّكل؛ فإنه للبهائم، والأموات، بل المراد به معنى آخر، سمّي بالقلب أيضا، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني، قيام العرض بمحله، أو قيام الحرارة بالفحم، وهذا القلب هو الذي يحصل منه الإدراك، وترتسم فيه العلوم والمعارف. انتهى.\nتنبيه: وحّد السمع دون القلوب والأبصار لأمن اللّبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال:\nسمعت الشيء سمعا، وسماعا، والمصدر لا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه اسم جنس، يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع، انتهى. نسفي. وقيل: وحّد السّمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصّوت، ومدركات القلب والبصر مختلفة، وإنّما خصّ الله تعالى هذه الأعضاء بالذكر؛ لأنها طرق العلم، فالقلب محل العلم، وطريقه إما السّماع وإما الرؤية. انظر سورة (الملك) جيدا.\n ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قوي مستمرّ، فهو وعيد، وبيان لما يستحقّونه، والعذاب: كالنكال وزنا ومعنى، تقول: عذب عن الشيء، ونكل عنه: إذا أمسك، ومنه: الماء العذب؛ لأنه يقمع العطش، ويردعه، ولذلك سمي نقاحا، وفراتا.\nالإعراب: ﴿خَتَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، وفيها معنى التعليل لعدم قبولهم الإيمان. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿غِشاوَةٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، هذا وقال الأخفش: ﴿غِشاوَةٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور، وهذا يوجب تقدير","vol":"1","page":41},{"text":"فعل، فيكون التقدير: ووضع أو: وثبت على أبصارهم غشاوة، فتكون الجملة فعلية على هذا التقدير، هذا ويقرأ «غشوة» بالنصب على تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة، قال القرطبي:\nفيكون من باب قوله، وهو الشاهد رقم [١٠٧٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الكامل]\nعلفتها تبنا وماء باردا... حتّى بدت همّالة عيناها\nوانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [٩]: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ..﴾. إلخ، وانظر سورة (الحج) رقم [٢٠]، وسورة (الفرقان) رقم [١٢]، والهاء في الكلّ ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، فلا محل لها على الاعتبارين. هذا والحالية ممكنة من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وساغ مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه. هذا وإن اعتبرت ﴿عَذابٌ﴾ فاعلا بالجار والمجرور على قول الأخفش، فتكون الجملة فعلية، ومعطوفة على ما قبلها.\nتنبيه استدل بالآية الكريمة من فضّل السّمع على البصر لتقدمه عليه باللفظ، ومثلها كثير.\nوقال لتبرير قوله: والسّمع يدرك به الجهات السّت، وفي النور، والظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء، وشعاع. وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السّمع؛ لأن السمع لا يدرك إلا الأصوات، والكلام.\nوالبصر يدرك به الأجسام، والألوان، والهيئات كلّها، قالوا: فلما كانت تعلقاته أكثر؛ كان أفضل، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات السّت. انتهى قرطبي بتصرف.\n\n<span id=\"aya-15\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾\nالشرح: لمّا تقدم وصف المؤمنين في صدر السّورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بآيتين شرع الله تعالى في بيان حال المنافقين؛ الّذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر. ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس؛ أطنب بذكرهم في ثلاث عشرة آية؛ لينبّه إلى عظيم خطرهم، وكبير ضررهم، ووصفهم بصفات متعدّدة، كلّ منها نفاق، كما أنزل سورة (براءة) وسورة (المنافقين) فيهم، وذكرهم في سورة (النّور) وغيرها من السور تعريفا بأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبّس بها أيضا.\nوالنّفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشرّ، إظهار الإيمان، وإخفاء الكفر، وهو نوع اعتقاديّ، وهو الذي يخلد صاحبه في النّار، وعمليّ بأن يتصف إنسان بصفاتهم، ويعمل بأعمالهم من الكذب، والخيانة، والفجور، وخلف الوعد، وغير ذلك.","vol":"1","page":42},{"text":"عن عبد الله بن عمرو﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ، كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاريّ، ومسلم.\n ﴿النّاسِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده: إنسان، وإنسانة من غير لفظه، وتصغيره: نويس، وناس، وإنسان، وأناسيّ، وإنس من مادّة واحدة. وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس:\nحذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، ولا يكاد يقال:\nالأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٦٠] الآتية:\n ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وقيل: إن أصله النوس، ولم يحذف منه شيء، وإنّما قلبت الواو ألفا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها.\nهذا وقيل: «النّاس» مأخوذ من النّوس، وهو الحركة، يقال: ناس، ينوس: إذا تحرك، وقيل: أصله من: نسي، فأصل ناس: نسي، قلب، فصار: نيس، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام، فقيل: النّاس، وقال ابن عباس﵄-: نسي آدم عهد الله فسمّي إنسانا. وقال النبي ﷺ: «نسي آدم فنسيت ذرّيّته» وقال تعالى في سورة (طه) رقم [١١٥]: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا،﴾ وعلى هذا فالهمزة زائدة. قال الشاعر: [الكامل]\nلا تنسين تلك العهود فإنّما... سمّيت إنسانا لأنك ناسي\nوقال آخر: [البسيط]\nفإن نسيت عهودا منك سالفة... فاغفر فأوّل ناس أوّل النّاس\nوقيل: سمي: إنسانا؛ لأنسه بحواء، وقيل: لأنسه بربّه، قال الشاعر: [الطويل]\nوما سمّي الإنسان إلا لأنسه... ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب\nوأضيف: إن الله أطلق لفظ الناس على شخص واحد، وهو نعيم بن مسعود﵁-، وذلك بقوله تعالى في سورة آل عمران رقم [١٧٣] ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ..﴾. إلخ.\n (اليوم ﴿الْآخِرِ﴾): هو آخر أيّام الدنيا، فيه الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهي، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الرّباني.\n ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ:﴾ هذا ردّ لما ادّعوه من الإيمان على أكمل وجه. هذا؛ وما قاله","vol":"1","page":43},{"text":"الزمخشري عن المنافقين: كانوا يهودا؛ غير مسلّم له، بل إنّ المنافقين كانوا من العرب سكان المدينة المنورة، ورئيسهم عبد الله بن أبيّ خزرجيّ الأصل.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ النّاسِ:﴾ الواو حرف عطف عطفت قصّة المنافقين على ما قبلها. (﴿مِنَ النّاسِ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا هو المتعارف عليه في هذه الجملة، وقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس، على حد قوله تعالى في سورة (الجنّ) رقم [١١]: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ والأصح: أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ. و(﴿مِنَ﴾) هي الخبر؛ لأنّ (﴿مِنَ﴾) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ويؤيده قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ ف (﴿أَكْثَرُهُمُ﴾) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٦٩]: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ ف (﴿كَثِيرٌ﴾) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمْ،﴾ وخذ قول الحماسيّ: [الكامل]\nمنهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة: «بعضهم» وهذا مما يدلّ على أنّ مضمون «منهم» مبتدأ، هذا و«ليوث» جمع: ليث، وهو السّبع، لا ترام: لا تقصد. قمشت:\nجمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء.\n ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى من، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِمُؤْمِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مؤمنين):\nخبر (ما) منصوب وعلامة نصبه الياء المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جيء بها لمناسبة حرف الجر الزائد، ويقال: مجرور لفظا منصوب محلاّ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من البعض المفهوم ممّا سبق، والضمير في الفعل: ﴿يَقُولُ﴾ والرابط الواو، والضمير. هذا وبنو تميم يهملون (ما) فتكون الباء زائدة في خبر المبتدأ، ولكن جاء القرآن بلغة الحجازيّين.\nتنبيه: الباء حرف جر زائد، ويقال في القرآن: حرف صلة تأدّبا؛ لأنه لا زيادة في القرآن الكريم، ولا نقص، وهو وأمثاله يفيد التوكيد، ولكن يقول النّحويّون: زائد من حيث الاصطلاح، وهو ضروري عند علماء البلاغة لتوكيد الكلام، وتقويته.","vol":"1","page":44},{"text":"<span id=\"aya-16\"></span>﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ:﴾ الخداع، والمخادعة: أن يوهم المرء صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه؛ ليوقعه فيه من حيث لا يشعر، أو: يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغترّ بذلك، وكلا المعنيين مناسب للمقام، فإنّهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطّلعوا على أسرار المؤمنين، فيذيعوها إلى المنابذين، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر الكفرة.\nقال العلماء: معنى ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ أي: يخادعونه عند أنفسهم، وعلى ظنّهم.\nوقيل: في الكلام حذف، تقديره: يخادعون رسول الله ﷺ قاله الحسن، وغيره؛ لأنّ خداع رسول الله خداع لله. أو المعنى: إن معاملة رسول الله معاملة الله؛ من حيث إنّه خليفته في تشريع الأحكام، وتنفيذ الحدود، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ الآية رقم [٨٠] من سورة (النّساء)، وقال تعالى في سورة (الفتح) رقم [١٠]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ،﴾ وكذلك إذا خادعوا المؤمنين؛ فقد خادعوا الله. هذا؛ ومن قولهم: خدع الضب، إذا توارى في جحره، والأخدعان: عرقان خفيّان في العنق، وقال أهل اللغة: أصل الخدع في كلام العرب:\nالفساد، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي، وأنشد قول سويد بن كاهل: [الرمل]\nأبيض اللّون لذيذ طعمه... طيّب الرّيق إذا الرّيق خدع\n ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ:﴾ أي: إن دائرة الخداع راجعة إليهم، وضررها يحيق بهم، أو أنهم في ذلك خدعوا أنفسهم لمّا غروها بذلك، وخدعتهم أنفسهم حيث حدّثتهم بالأماني الفارغة، وحملتهم على مخادعة من لا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، وقد قال الرسول ﷺ: «لا تخادع الله، فإنّ من يخادع الله يخدعه، ونفسه يخدع؛ لو يشعر» قالوا: يا رسول الله! وكيف يخادع الله؟ قال: «تعمل بما أمرك الله به، وتطلب به غيره»، أي: ترائي به النّاس، هذا؛ وقرئ: «يخدعون» في الموضعين.\n ﴿وَما يَشْعُرُونَ:﴾ الشّعور: إدراك الشيء من وجه يدقّ، ويخفى، مشتقّ من الشعر لدقته، وسمّي الشاعر: شاعرا لفطنته، ورقّة معرفته، والمعنى: وما يشعرون أنّ وبال خداعهم راجع على أنفسهم، وأنّهم سيحاسبون حسابا عسيرا، وسيعاقبون عقابا شديدا. ومحصّل ما ذكر: أنّ الآية من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث شبه حالهم في معاملتهم لله بحال المخادع مع صاحبه من حيث القبح، أو من باب المجاز العقلي في النسبة الإيقاعية. انتهى. جمل.\nهذا وأما (النّفس) فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس. والنفس: مؤنث باعتبار الرّوح، وتذكر باعتبار الشخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا أم","vol":"1","page":45},{"text":"أنثى، فعلى الأول قيل: هي جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرّطب.\nفتكون سارية في جميع البدن، قال الجنيد﵀-: الرّوح: شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنّه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٨٥]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ وقال بعضهم: إنّ هناك لطيفة ربّانيّة لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكّرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى: روحا، ومن حيث شهوتها: تسمّى نفسا، فالثلاثة متّحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار، وهذا ما تدل عليه الآثار الصّحاح. هذا؛ ومن الدليل على أن النفس هي الروح قوله تعالى في سورة (الزّمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ يريد الأرواح، وذلك بين في قول بلال﵁عن النبي ﷺ في حديث ابن شهاب: «أخذ بنفسي يا رسول الله الّذي أخذ بنفسك». وهذا كان في الوادي الّذي ناموا فيه عن صلاة الصّبح حتى طلعت الشمس، وهم قافلون من غزوة تبوك. والنّفس أيضا: الدم، يقال: سالت نفسه، قال الشاعر: [الطويل]\nتسيل على حدّ الظّبات نفوسنا... وليست على غير الظّبات تسيل\nوقال إبراهيم النّخعي، وهو المقرّر في الفقه: (ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجّس الماء إذا مات فيه)، والنّفس أيضا: الجسد، قال شاعر: [الكامل]\nنبّئت أنّ بني سحيم أدخلوا... أبياتهم تامور نفس المنذر\nوالتّامور أيضا: الدم. وانظر الآية رقم [١٤٤] الآتية.\nهذا وقد ذكر القرآن الكريم للنفس خمس مراتب: الأمارة بالسّوء، واللّوامة، والمطمئنّة، والراضية، والمرضية، ويزاد: الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسّوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشّهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق؛ لكن بقي فيها ميل للشّهوات؛ سمّيت: لوّامة، وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشّهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقّت الإلهامات؛ سمّيت: ملهمة.\nفإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشّهوانية حكم أصلا؛ سميت: مطمئنّة، فإن ترقّت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت على جميع مراداتها؛ سميت: راضية، فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحقّ، وعند الخلق، فإن أمرت بالرّجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سمّيت كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدمت.\nوأخيرا خذ ما ذكره القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي ﷺ: أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية، وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية؟».","vol":"1","page":46},{"text":"قالوا: يا رسول الله هذا شرّ صاحب! قال: «فو الّذي نفسي بيده إنّها لنفوسكم التي بين جنوبكم!». انتهى.\nالإعراب: ﴿يَخْدَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على لفظ الجلالة.\n ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿يَخْدَعُونَ..﴾. إلخ: بدل اشتمال من جملة:\n ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ؛ لأنّ قولهم كذا مشتمل على الخداع، وتحتمل أن تكون مستأنفة جوابا لسؤال مقدّر، وهو: ما بالهم قالوا: آمنا، وما هم بمؤمنين؟ فقيل: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾. وجوز أبو البقاء اعتبارها حالا من فاعل: ﴿يَقُولُ﴾ المستتر، أو من الضمير المستتر ب (مؤمنين) ﴿وَما:﴾ الواو واو الحال. (ما) نافية. ﴿يُخادِعُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر لا محل له.\n ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير، فتكون حالا متداخلة على قول أبي البقاء، وغير متداخلة على الوجهين المعتبرين في الجملة السابقة، ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ إعرابها كإعراب ما قبلها، وهي معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها، وقيل: مستأنفة لا محل لها، ولا وجه له، وحذف مفعول الفعل للعلم به، التقدير: وما يشعرون: أن وبال خداعهم راجع على أنفسهم. هذا؛ ولا تنس: أنّه روعي لفظ (من) بإرجاع فاعل يقول إليها، وروعي معناها بإرجاع الضّمير بقوله: (وهم لا يشعرون).\n\n<span id=\"aya-17\"></span>﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ أي: شكّ، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض: حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدّي إلى الموت، والمرض هنا: عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم، وذلك إما أن يكون شكّا، ونفاقا، وإما جحدا، وتكذيبا، والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوّها من الإيمان، والعصمة، والتوفيق، والرّعاية، والتأييد من الله.\n ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا:﴾ قيل: هو دعاء عليهم، ويكون معنى الكلام: زادهم الله شكّا، ونفاقا جزاء على كفرهم، وخبثهم. وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدّعاء على المنافقين، والطرد لهم من رحمة الله؛ لأنهم شر خلق الله، وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم، أي: فزادهم الله مرضا إلى مرضهم، كما قال في سورة (التوبة) رقم [١٢٥]: ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ وقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: بأن طبع الله على قلوبهم لعلمه","vol":"1","page":47},{"text":"تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكير، والإنذار، وقيل: زادهم كفرا بزيادة التكاليف الشّرعية؛ لأنهم كانوا كلما ازدادت التكاليف بنزول الوحي؛ يزدادون كفرا. انتهى نقلا من أبي السعود.\nهذا وزاد، يزيد: ضد نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا؛ بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدّا، فدرهما، ومدّا تمييز، ومثله قل في: نقص، فمن المتعدّي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ الآية رقم [٤] من سورة (التوبة)، ومن اللازم قوله تعالى في سورة ق رقم [٤]: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.\n ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ أي: موجع، مثل السّميع، بمعنى: المسمع، وآلم: إذا أوجع.\nوالإيلام: الإيجاع، والألم: الوجع، والتألّم: التوجّع. هذا وقال المرحوم سليمان الجمل:\nمؤلم بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذّب، يقال: ألم، من باب: طرب، فهو أليم: كوجع، فهو وجيع، أي:\nمتألّم ومتوجّع، ولا يقال: إنّه بكسر اللام اسم فاعل على طريق الإسناد الحقيقي، كسميع بمعنى:\nمسمع لخلوّه من دعوى المبالغة الحاصلة على كونه بفتح اللام؛ حيث يقتضي: أن العذاب لشدّة إيلامه للمعذبين، صار هو كأنه مؤلم، أي: معذب، فهو على حد: جدّ جدّه. انتهى. هذا؛ وعذاب: اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله عطاء، وسلام، وثبات؛ لأعطى، وسلم، وأثبت، هذا والعذاب كل ما شقّ على الإنسان، ومنعه عن مراده، وهو كالنّكال وزنا ومعنى.\nتنبيه: وحكمة كفّه ﷺ عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم ما ثبت في الصحيحين:\nأنه ﷺ قال لعمر﵁-: «أكره أن يتحدّث العرب: أنّ محمدا يقتل أصحابه».\nوفي رواية ثانية: «معاذ الله أن يتحدث الناس أنّي أقتل أصحابي!». والنبي ﷺ لم يقتلهم لمصلحة، وهي تأليف القلوب عليه لئلا تنفر منه، علما بأن أقرباء بعض المنافقين جاءوا للنّبيّ ﷺ يستأذنونه بقتل ذويهم، الذين ظهر منهم إيذاء له ﷺ، وذلك مثل عبد الله﵁- ابن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، الذي جاءه يستأذنه في قتل أبيه حينما تكلّم كلاما مسيئا للنبيّ ﷺ، وقد كان ﷺ يعطي المال من أسلم حديثا تألّفا لهم مع علمه بضعف إيمانهم، ولكن جاء التّهديد، والوعيد من الله لهم على العموم، مثل قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٠]:\n ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلًا﴾ قال قتادة: معناه: إذا هم أعلنوا النفاق.\nهذا وزيادة النفاق في قلوبهم كانت تحصل من نزول القرآن آية بعد آية، فكانوا كلّما كفروا بآياته؛ ازدادوا كفرا، ونفاقا، والمؤمنون بعكس ذلك، كانوا كلما تليت عليهم آيات القرآن؛ ازدادوا إيمانا، ويقينا. انظر الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال).","vol":"1","page":48},{"text":"الإعراب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر، هذا؛ ويجيز الأخفش اعتباره فاعلا بالجار والمجرور من غير اعتماد على نفي، أو استفهام، وهو ممّا ينفرد به، والتقدير عنده: ثبت، أو استقر في قلوبهم مرض، فهو في الحقيقة فاعل بمتعلق الجار والمجرور. والجملة على الاعتبارين بمنزلة التوكيد لقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أو هي تعليل لعدم إيمانهم. (زادهم):\nفعل ماض، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مَرَضًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها بالفاء العاطفة على الوجهين المعتبرين فيها. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وقيل فيه ما رأيته في سابقه عن الأخفش. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَلِيمٌ﴾ أو بمحذوف صفة ثانية ل ﴿عَذابٌ﴾ وقال أبو البقاء: صفة: ﴿أَلِيمٌ﴾. و(ما) تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر بالباء، ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿يَكْذِبُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير بسبب الذي كانوا يكذبونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكونهم يكذبون، وعلى هذا القول بأن ل (كان) مصدرا، وهو الصحيح عند بعضهم للتّصريح به في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢٢٣] من كتابنا فتح رب البرية: [الطويل]\nببذل وحلم ساد في قومه الفتى... وكونك إيّاه عليك يسير\n\n<span id=\"aya-18\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:﴾ لهؤلاء المنافقين، والقائل هو الله، ﷿، أو الرسول ﷺ، أو بعض المؤمنين، وهذا شروع في تعديد بعض قبائحهم. ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن جرير -رحمه الله تعالى-: أهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم ربهم، وركوبهم ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكّهم في دينه، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم مقيمون عليه من الشّكّ، والرّيب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله، وكتبه، ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، كالذي حصل منهم، كمودتهم لقريش، ومصافاتهم لقبائل اليهود؛ الذين كانوا يسكنون المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، فذلك إفساد المنافقين في الأرض.\nوهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون في الأرض، قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [٨]:\n ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٠٣ - ١٠٤]: ﴿قُلْ﴾","vol":"1","page":49},{"text":"﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ فالمنافق لمّا كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، وغرّهم بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمرّ على حاله الأول؛ لكان شرّه أخفّ، وخذ ما يلي:\nفقد قال رسول الله ﷺ: «إنّي لا أخاف على أمّتي مؤمنا، ولا كافرا، أمّا المؤمن فيحجزه إيمانه، وأمّا الكافر فيقمعه كفره، ولكن أخاف على أمّتي كلّ منافق عليم اللّسان». أخرجه الطّبرانيّ عن عليّ﵁-، وكرم الله وجهه.\n ﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين، والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء، وهؤلاء. وقال ابن عباس﵄-: أي نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. انتهى. وخذ قوله تعالى في بيان حقيقتهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ رقم [١٤٣] من سورة (النساء).\nهذا و(﴿الْأَرْضِ﴾) مؤنثة، وهي اسم جنس، وكان حق الواحدة أن يقال: أرضة، ولكنهم لم يقولوا، والجمع: أرضات لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ليس فيه هاء التأنيث بالألف، والتاء، لقولهم: عرسات، ثم قالوا: أرضون، فجمعوا بالواو والنون، والمؤنث لا يجمع بالواو، والنون إلا أن يكون منقوصا كثبة، وظبة، ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضا عن حذفهم الألف، والتاء، وتركوا فتحة الراء على حالها، وربما سكنت، وقد تجمع على أروض.\nوزعم أبو الخطاب: أنّهم يقولون: أرض، وأراض، مثل: أهل، وأهال، والأراضي أيضا على غير قياس، كأنّهم جمعوا أرضا، وكل ما سفل فهو أرض، وأرض أريضة؛ أي: زكية بينة الأراضة، وقد أرضت بالضم؛ أي: زكت، قال أبو عمرو: نزلنا أرضا أريضة، أي: معجبة للعين. ويقال: لا أرض لك! كما يقال: لا أمّ لك! والأرض أسفل قوائم الدّابة، قال حميد بن ثور الهلالي يصف فرسا: [الرجز]\nولم يقلّب أرضها البيطار... ولا لحبليه بها حبار\nوالأرض: النّفضة، والرّعدة، قال ابن عباس﵄وقد زلزلت الأرض:\nزلزلت الأرض أم بي أرض؟ أي: نفضة، ورعدة. وقال ذو الرّمّة يصف صائدا: [البسيط]\nإذا توجّس ركزا من سنابكها... أو كان صاحب أرض أو به الموم\nوالأرض: الزّكام. وقد آرضه الله إيراضا؛ أي: أزكمه، فهو مزكوم. والأرضة بالتّحريك:\nدويبة تأكل الخشب، يقال: أرضت الخشبة، تؤرض أرضا-بالتسكين-فهي مأروضة: إذا أكلتها. انتهى صحاح الجوهري بحروفه.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل","vol":"1","page":50},{"text":"ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول، وقيل: الجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل، وقيل: جملة: ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ:﴾ هي في محل رفع نائب فاعل، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، أو نائبا عنه، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: (يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه). وهذا لا غبار عليه، وقال ابن هشام في المغني: فليس هذا من باب الإسناد إلى الجملة لما بينا، أي: من أنّ الجملة إذا قصد لفظها؛ يحكم لها بحكم المفرد؛ ليجوز حينئذ وقوعها مبتدأ، أو فاعلا، أو نائبا عنه، وانظر الشاهد [٧٩٣] من كتابنا فتح القريب المجيب، ومثّل لذلك في شذور الذهب بقول النبي ﷺ: «أفضل ما قلته أنا، والنبيّون من قبلي: لا إله إلاّ الله». ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُفْسِدُوا:﴾\nفعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مفسرة لنائب الفاعل على اعتباره ضميرا، أو هي في محل نصب مقول القول، أو هي في محل رفع نائب فاعل، كما رأيت، فتكون على الحكاية، وهو المعتمد، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها، على القول المرجوح، وهو المشهور، أقول هذا دائما؛ لأن ابن هشام رجح تعليق «إِذا» بفعل شرطها، وأكد ذلك إذا اقترن جوابها بالفاء، فإنه لا يعمل ما بعد الفاء بما قبلها، وهو كثير؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]، انظر مبحث «إذا» في مغني اللبيب، وقد خطّأ أبو البقاء من يرجّح ذلك، وهو المخطئ بلا ريب.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتّفريق. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة، ﴿نَحْنُ مُصْلِحُونَ:﴾\nمبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له، وقيل: معطوف على جملة:\n ﴿يَكْذِبُونَ﴾ الواقعة خبرا ل (كان)، وقيل: معطوف على جملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ الواقعة صلة ل (﴿مِنَ﴾)، وأرجّح الأوّل من هذه الأقوال.\n\n<span id=\"aya-19\"></span>﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ:﴾ هذا ردّ عليهم، وتكذيب لقولهم، وانظر شرح إفسادهم في الآية السابقة، ولا تنس تأكيد هذا الردّ ب (إنّ) وبضمير الفصل، وتعريف الخبر، ب ﴿أَلا﴾ الاستفتاحية في الردّ عليهم لما ادعوه من قولهم: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإنهم أخرجوا الجواب جملة اسمية مؤكّدة ب ﴿إِنَّما﴾ ليدلوا بذلك على ثبوت الوصف لهم، فردّ الله عليهم بأبلغ، وأوكد ممّا ادّعوه.","vol":"1","page":51},{"text":"﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ قال ابن كيسان رحمه الله تعالى: يقال: ما على من لم يعلم أنّه مفسد من الذّم، إنّما يذمّ إذا علم: أنّه مفسد، ثم أفسد على علم. قال: ففيه جوابان: أحدهما أنهم كانوا يعملون الفساد سرّا، ويظهرون الصّلاح، وهم لا يشعرون أنّ أمرهم يظهر عند النّبيّ ﷺ، والوجه الآخر أن يكون فسادهم عندهم صلاحا، وهم لا يشعرون: أنّ ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحقّ واتّباعه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام، ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿هُمُ:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، هذا ويجوز اعتبار: ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، كما يجوز اعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل. فيكون ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ على هذين الاعتبارين خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَلكِنْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وقيل: بل معطوفة على جملة ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ، والتقدير: ولكنهم لا يشعرون.\n\n<span id=\"aya-20\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ..﴾. إلخ: القائل لهم هم المؤمنون: ﴿آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أي كإيمان الناس بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والجنّة، والنار، وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به. وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر، وترك الزواجر.\n ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ:﴾ يعنون-لعنهم الله-أصحاب رسول الله ﷺ، مثل: عمّار، وبلال، وصهيب، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى طريقة واحدة؟! قال البيضاوي: وإنما سفّهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإنّ أكثر المؤمنين كانوا فقراء، ومنهم موال، كصهيب، وبلال، أو للتجلّد، وعدم المبالاة بمن آمن منهم؛ إن فسر (﴿النّاسِ﴾) بعبد الله بن سلام، وأشياعه، وهذا القول من المنافقين إنّما كانوا يقولونه في خفاء، واستهزاء، فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك.\nوقيل: إنّ السفه، ورقّة الحلوم، وفساد البصائر إنّما هي في حيزهم، وصفة لهم، وأخبر:\nأنهم هم السّفهاء، ولكن لا يعلمون للرّين الّذي على قلوبهم.","vol":"1","page":52},{"text":"هذا و﴿السُّفَهاءُ:﴾ جمع: سفيه، وهو الجاهل. والسّفه: سخافة العقل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها، فكل هذه المعاني يجوز إطلاقها على السّفه، والسّفيه. انظر: ﴿سَفِهَ﴾ في الآية رقم [١٣٠] الآتية، وانظر ﴿سَفِيهًا﴾ في الآية رقم [٢٨١]، ولا تنس: أن الاستفهام في هذه الآية، إنّما هو بمعنى النفي؛ إذ المعنى: لا نؤمن... إلخ، هذا وإنما سمّى الله المنافقين سفهاء؛ لأنهم كانوا عند أنفسهم عقلاء رؤساء، فقلب ذلك عليهم، وسمّاهم: سفهاء؛ لأنهم يجهلون حقيقة أنفسهم.\nوينبغي أن تعلم: أنّ الله-جلّت قدرته-قد ذكر هنا: ﴿لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقال فيما تقدم: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ لأنه قد ذكر هنا السّفه، وهو جهل محض كما رأيت، فكان ذكر العلم به أحسن به طباقا، ولأن الإيمان يحتاج فيه إلى نظر، واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، أمّا الفساد في الأرض؛ فأمر مبني على العادات، فهو كالمحسوس، ولكن المنافقين لشدة جهلهم، وغباوتهم لا يشعرون به، أي: لا يحسّون، فهم كالبهائم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب الكلمات الموجودة في الآية رقم [١١] بلا فارق. هذا و﴿قِيلَ﴾ أصله: (قول) بضم القاف وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب حركتها، فصار: (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار: قيل. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَما:﴾ الكاف حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض. ﴿النّاسُ:﴾ فاعله. و(ما) المصدرية، والفعل في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: آمنوا إيمانا مثل إيمان الناس المؤمنين الصادقين، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدّم، وإنّما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى. جمل نقلا عن السّمين، ومثله في إعرابه، واعتباره قوله تعالى: ﴿كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها. ﴿أَنُؤْمِنُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وإنكار معناه النفي، (﴿نُؤْمِنُ﴾): فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن» والجملة الفعلية وما يتعلق بها كل ذلك في محل نصب مقول القول، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على مثله في الآية رقم [١١]. ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة، فهو مثله بلا فارق.\nهذا؛ ونقل أبو حيّان عن الزّمخشري، وأبي البقاء، أنّهما قالا: إنّ (ما) كافة للكاف عن العمل،","vol":"1","page":53},{"text":"مثلها في: (ربّما قام زيد). ويرد أبو حيّان ذلك، ويقول: ينبغي ألا تجعل كافة إلا في المكان الذي لا تتقدر فيه مصدرية.\n\n<span id=\"aya-21\"></span>﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ ويقرأ: («لاقوا») فأصل ﴿لَقُوا:﴾ لقيوا بوزن: شربوا، فحذفت الضمّة التي على الياء لثقلها، فالتقى ساكنان، الياء، والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء؛ لأنها حرف علة، ثم أبدلت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو. هذا؛ ومعنى لقي:\nصادف، وله مصادر كثيرة، منها: اللّقيّ بضم اللام وكسر القاف، واللّقى بضم اللام مقصورا، واللّقاء بكسرها ممدودا ومقصورا، وأصل: لاقوا، لاقيوا، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: لاقاوا، فاجتمع ساكنان: الألف، والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: لاقوا، وبقيت الفتحة على القاف دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا:\nاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: ياء العلة وواو الجماعة، فحذفت الياء، وبقيت واو الجماعة. وما ذكرته يجري في إعلال كلّ ناقص، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا. هذا وتحرك واو الجماعة في («لاقوا») بالضمة إذا لقيها ساكن، كما في قوله تعالى:\n ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها، وقيل:\nحركت بالضم دون غيره؛ ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت لنجوت). وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: ضمت لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل غير لك، فإن قيل: لم ضمت الواو في: لاقوا إذا لقيها ساكن، ولا تضم في: لقوا؟ فالجواب: أن قبل الواو التي في لقوا ضمة، فلو حركت بالضم، لثقل على اللسان النطق بها، فحذفت لثقلها، وحركت في: لاقوا؛ لأن قبلها فتحة فلم تثقل مثل تلك. ﴿قالُوا آمَنّا:﴾ أي بالله، ورسوله، واليوم الآخر... إلخ. ﴿وَإِذا خَلَوْا:﴾ رجعوا.\nوخلوت بفلان، وإليه: إذا انصرفت إليه، ولذا صح وصل الفعل بإلى، وكان حقه أن يوصل بالباء، فيقال: خلوا بشياطينهم، ومنه قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٦٦] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الرجز]\nكيف تراني قالبا مجنّي؟ ... قد قتل الله زيادا عنّي\nإذ المعنى: صرف الله زيادا عنّي. هذا؛ وإعلال ﴿خَلَوْا﴾ مثل إعلال (لاقوا). ﴿إِلى شَياطِينِهِمْ:﴾ جمع شيطان على التكسير، وقد تقدم القول في اشتقاقه ومعناه في الاستعاذة.\nوالمراد ب ﴿شَياطِينِهِمْ:﴾ رؤساء الكفر، والنفاق؛ الذين ماثلوا الشيطان في الإفساد، والفساد،","vol":"1","page":54},{"text":"والمكر، والخداع، لذا يصح القول: إنّ من البشر شياطين بثياب البشر، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ..﴾. إلخ. ﴿قالُوا إِنّا مَعَكُمْ:﴾ أي: في الدّين، والاعتقاد، خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، والشياطين بالجملة الاسمية المؤكّدة ب (إنّ) لأنهم قصدوا بالأول دعوى إحداث الإيمان، وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه من الفساد، والضلال. ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ:﴾ أي بهؤلاء الذين تبعوا محمدا، وصدقوه، ويصدّقونه بكلّ ما يقوله لهم، ويأمرهم به.\nتنبيه: قال ابن عباس﵄-: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ، وأصحابه، وذلك لأنّهم خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ، فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: انظروا كيف أردّ هؤلاء السّفهاء عنكم! فأخذ بيد أبي بكر﵁- فقال: مرحبا بالصديق، سيد بني تميم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه، وماله لرسول الله ﷺ! ثم أخذ بيد عمر﵁فقال: مرحبا بسيد بني عدي ابن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ! ثم أخذ بيد عليّ﵁فقال: مرحبا بابن عمّ رسول الله ﷺ، وختنه، وسيد بني هاشم، ما خلا رسول الله! فقال له عليّ-كرّم الله وجهه-: اتق الله يا عبد الله، ولا تنافق، فإن المنافقين شرّ خليقة الله تعالى! فقال: مهلا يا أبا الحسن! إني لا أقول هذا نفاقا، والله إن إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم! ثم تفرقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فأثنوا عليه خيرا. انتهى.\nخازن.\nأقول وبالله التوفيق: في زمننا هذا كثير من الناس يهزءون بالإسلام، وبتعاليمه، وبالمسلمين الصّادقين، ولا يقيمون لله فرضا، ولرسول الله ﷺ سنّة، ثم يدّعون الإسلام، والإيمان، ويقولون لمن ينتقدهم: أنتم لستم أحسن منّا، نحن مسلمون مثلكم، وإسلامنا مثل إسلامكم.\nالإعراب: (﴿إِذا﴾): انظر الآية رقم [١١]، هذا و(﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، وفيه معنى الشرط، واختلف في ناصبها، بالجواب، واعترض بأنّ الجواب قد يقترن بالفاء، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، وقيل: بالشرط، واعترض أيضا بأنها مضافة للشرط، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وأجيب عن هذا الاعتراض بأن القائلين: إنّ الناصب هو الشّرط، لا يقولون بإضافة «إِذا» إليه، فلذا كان الثاني أرجح من الأول، وإن كان الأول أشهر، فقول المعربين:\nخافض لشرطه، منصوب بجوابه، جرى على غير الرّاجح، ولذا كانت عبارة سيبويه محتملة لما تريد من احتمالات.\n ﴿لَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب","vol":"1","page":55},{"text":"الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمّ الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. وجملة: ﴿لَقُوا..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، و(نا): ضمير متصل في محل رفع فاعل، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة.\nوهكذا قل في إعراب كلّ فعل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: حفظت حفظنا، حفظن... إلخ، ويقال اختصارا: فعل وفاعل، وجملة: ﴿آمَنّا﴾ مع المتعلق المحذوف في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها من الإعراب، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة.\n ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، و(﴿إِذا﴾): مثل ما قبلها. ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة مثل ما قبلها. ﴿إِلى شَياطِينِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مع مقولها جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها. ﴿إِنّا﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا) ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.\n ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر: (إنّ) والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة مفيدة للحصر.\n ﴿نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مؤكدة لقولهم: ﴿إِنّا مَعَكُمْ﴾ أو هي بدل منه، أو هي مستأنفة مبنية على سؤال مقدر نشأ من دعاء التبعية. انتهى. جمل، ونسفي بتصرف.\n\n<span id=\"aya-22\"></span>﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي: ينتقم منهم، ويعاقبهم، ويسخر بهم، ويجازيهم على استهزائهم، فسمّى العقوبة باسم الذّنب، هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم، من ذلك قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته رقم [١١٤]: [الوافر]\nألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nفسمّى انتصاره جهلا، والجهل لا يفخر به ذو عقل، وإنما قاله ليزدوج الكلام، فيكون ذلك أخفّ على اللسان من المخالفة بينهما، وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له،","vol":"1","page":56},{"text":"وجزاء؛ ذكروه بمثل لفظه؛ وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن، والسنة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ الآية رقم [١٩٤] الآتية، انظر ما ذكرته فيها، وقال تعالى في سورة (الشورى) رقم [٤٠]: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ والجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداء؛ لأنه وجب بحقّ، وهو كثير في كتاب الله، قد شرحته في محالّه، والحمد لله! وتختلف في المعنى كقول ابن الشّمقمق في المشاكلة: [الكامل]\nأصحابنا قصدوا الصّبوح بسحرة... وأتى رسولهم إليّ خصّيصا\nقالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه... قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا\nهذا والاستهزاء بالناس حرام، فقد نهى الله ورسوله عنه، قال تعالى في سورة الحجرات:\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ..﴾. إلخ. وقال الرسول ﷺ في بيان مصير المستهزءين بالناس ومآلهم يوم القيامة: «إنّ المستهزءين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنّة، فيقال له: هلمّ! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه؛ أغلق دونه، ثمّ يفتح له باب آخر، فيقال له: هلمّ! هلمّ! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه؛ أغلق دونه، فما يزال كذلك؛ حتّى إنّ أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنّة، فيقال له: هلمّ! فما يأتيه من الإياس». رواه البيهقيّ مرسلا من رواية الحسن البصريّ﵁-، وانظر ما ذكرته في سورة (المطففين) رقم [٣٤] فإنّه جيد، والحمد لله! وانظر الآية رقم [٢١١] الآتية.\n ﴿وَيَمُدُّهُمْ:﴾ أي يطيل لهم المدّة، ويمهلهم، ويملي لهم، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٧٨]: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (ن) رقم [٤٤] وفي سورة (الأعراف) أيضا برقم [١٨٢] و[١٨٣] ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قال بعض العلماء في هذه الآية: كلّما أحدثوا ذنبا؛ أحدث لهم نعمة، وهم لا يعلمون: أنه استدراج. وعن عقبة بن عامر﵁عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته؛ فذلك منه تعالى استدراج»، ثم تلا قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٤٤]: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطّبري، ولا تنس قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٥]: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾.\n ﴿فِي طُغْيانِهِمْ:﴾ كفرهم، وضلالهم، وأصل الطّغيان: مجاوزة الحد، يقال: طغى، يطغى، ويطغو طغيانا، وطغوانا: جاوز الحد، وكلّ مجاوز حدّه في العصيان طاغ، قال تعالى في حق فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغى﴾ أي: أسرف في الدعوى؛ حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ والمعنى في الآية:\nيمدّهم بطول العمر؛ حتى يزيدوا في الطّغيان، فيزيدهم في عذابهم. هذا؛ وطغى البحر: هاجت","vol":"1","page":57},{"text":"أمواجه. وطغى السيل: جاء بماء كثير، قال تعالى في سورة الحاقة رقم [١١]: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.\n ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتردّدون متحيّرين في الكفر، لا يعرفون ما يلحقهم من ضرّ، أو نفع.\nوحكى أهل اللغة: عمه الرجل، يعمه عموها، وعمها، فهو عمه، وعامه: إذا حار، وجمعه: عمه، وذهبت إبله العمهى: إذا لم يدر أين ذهبت، وعن بعض الأعراب: أنه دخل السّوق، وما أبصرها قطّ، فقال: رأيت الناس عمهين، أراد: مترددين في أشغالهم، وأعمالهم، قال رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nومهمه أطرافه في مهمه... أعمى الهدى بالحائرين العمّه\nهذا والعمه قريب من العمى، لكنّ العمى يطلق على ذهاب نور العين وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني، وهو ما يعبّر عنه بعمى القلب، قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٤٦]: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وفي المصباح:\nعمه، يعمه، عمها، من باب تعب: إذا تردد متحيّرا، وتعامه مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء، إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النّجاة، فهو عمه، وأعمه، وهذا الفعل لم أر له ماضيا، ولا أمرا، فيظهر: أنّه فعل جامد، لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له، لكنّه لا يستعمل، ولم يتداول، وهو بلفظ المضارع كثير في القرآن الكريم.\nقال القاضي البيضاوي-رحمه الله تعالى-: والمعتزلة لمّا تعذر عليهم إجراء الكلام على ظاهره؛ قالوا: لمّا منعهم الله تعالى ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم، وإصرارهم، وسدّهم طريق التوفيق على أنفسهم، فتزايدت بسببه قلوبهم رينا، وظلمة؛ تزايد قلوب المؤمنين انشراحا ونورا، أو مكّن الشيطان من إغوائهم، فزادهم طغيانا، أسند ذلك كلّه إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب مجازا، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم: أنّ إسناد الفعل إليه على الحقيقة، ومصداق ذلك: أنه لما أسند إلى الشّياطين، أطلق الغيّ، قال:\n ﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾. انتهى. وهذا على اعتقاد المعتزلة بأنّ العبد يخلق أفعال نفسه، وقد فنّدت رأيهم في سورة النّحل، وسورة الصّافات، والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، ﴿يَسْتَهْزِئُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الله، ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (﴿يَمُدُّهُمْ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل","vol":"1","page":58},{"text":"رفع مثلها. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط واو الجماعة فقط.\n\n<span id=\"aya-23\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ أي: الموصوفون بالصفات السابقة من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ إلى هنا. ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى:﴾ الشّراء هنا مستعار، والمعنى: استحبّوا الكفر على الإيمان، كما قال الله تعالى في سورة (فصلت) رقم [١٧]: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فعبّر عنه بالشراء؛ لأن الشراء إنّما يكون فيما يحبه مشتريه، فأما أن يكون بمعنى شراء المعاوضة فلا؛ لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين، فيبيعون إيمانهم. وقال ابن عباس﵄-: أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، ومعناه: استبدلوا، واختاروا الكفر على الإيمان، وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا؛ لأنّ الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كلّ من استبدل شيئا بشيء، قال أبو ذؤيب الهذلي، وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nفإن تزعميني كنت أجهل فيكمو... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل\nهذا والباء بمعنى: «بدل» وقد دخلت على المتروك.\n ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ:﴾ أسند الله تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم:\nربح بيعك، وخسرت صفقتك، وقولهم: ليل قائم، ونهار صائم، والمعنى: ربحت، وخسرت في بيعك، وقمت في ليلك، وصمت في نهارك، أي: فما ربحوا في تجارتهم، قال الشاعر: [الطويل]\nنهارك هائم وليلك نائم... كذلك في الدّنيا تعيش البهائم\nو(الهدى) المراد به الإيمان، وإنّما أخرج الاستبدال بلفظ الشّراء والتجارة توسعا على سبيل الاستعارة؛ لأن الشراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر، فقد جعلوا لتمكنهم من الإيمان، كأنّه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة؛ فقد عطّلوه، واستبدلوه بها. انتهى. خازن بتصرف، وقال النسفي: وإنّما قال: ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ ولم يكونوا على هدى؛ لأنّها في قوم آمنوا، ثمّ كفروا، أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمّد ﷺ قبل مبعثه: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا﴾","vol":"1","page":59},{"text":"﴿بِهِ﴾ انتهى. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي لم يكونوا موفّقين في هذه التجارة، والباء في هذه الآية للعوض والمقابلة، وهي تدخل على المتروك كما هنا، وخذ قول الشاعر: [الرجز]\nأخذت بالجمّة رأسا أزعرا... وبالثّنايا الواضحات الدّردرا\nوبالطّويل العمر عمرا حيدرا... كما اشترى المسلم إذ تنصّرا\nوالمراد بالمسلم الذي تنصّر: جبلة بن الأيهم أمير بني غسان، وكان على دين النّصرانية، وقد أسلم، فقدم مكّة في أحسن زيّ، وبينما هو يطوف بالكعبة، وطئ رجل من قبيلة فزارة إزاره، فلطمه جبلة على عينه، فشكاه إلى عمر﵁فحكم عليه أن يقتصّ منه باللّطمة، فقال له: تأخذ الملوك بالسّوقة؟! فقال له الفاروق: إن الإسلام قد سوّى بينكما، فسأله جبلة أن يؤخره إلى الغد، فسار ليلا، ولحق بالرّوم، وتنصّر، ثم ندم على ما فعل، وقال قبل موته: [الطويل]\nتنصّرت بعد الحقّ عارا للطمة... ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر\nويا ليتني أرعى المخاض بقفرة... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر\nوأدركني فيها لجاج حمية... وبعت لها العين الصّحيحة بالعور\nويا ليت لي بالشّام أدنى معيشة... أجالس قومي ذاهب السّمع والبصر\nفيا ليت أمّي لم تلدني وليتني... صبرت على القول الّذي قاله عمر\nوملخص الكلام في الآية الكريمة: أنّ مطلوب التّجار سلامة رأس المال والرّبح، وهؤلاء قد أضاعوهما، فرأس مالهم الهدى، ولم يبق مع الضلالة، وإذا لم يبق لهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح؛ وإن ظفروا بالأغراض الدنيوية؛ لأن الضال خاسر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح. انتهى. نسفي.\nهذا واستبدالهم الغيّ بالرشاد، والكفر بالإيمان استعارة تصريحيّة، وذكر ربح التجارة هو التّرشيح؛ الذي يبلغ بالاستعارة الذروة العليا. قال الزمخشري: وهذا من الصنعة البديعية التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ.\n ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، وحرّكت بالضم لالتقاء الساكنين. ﴿الضَّلالَةَ:﴾ مفعول به، والجملة","vol":"1","page":60},{"text":"الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِالْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضّلالة، التقدير: مستبدلة بالهدى، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف، (ما): نافية. ﴿رَبِحَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، حرف لا محل له. ﴿تِجارَتُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، وقال الجمل: معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. هذا؛ وقال النّسفي: وقيل: ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿فَما رَبِحَتْ..﴾.\nإلخ: في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾. وعليه: فالفاء زائدة. وقيل: الجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وتكون الفاء زائدة أيضا. ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [٨٦] الآتية.\n (ما): نافية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿مُهْتَدِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وهو أقوى من اعتبار الحالية فيها.\n\n<span id=\"aya-24\"></span>﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا:﴾ قال ابن عباس﵄نزلت في المنافقين، يقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة، فاستدفأ، ورأى ما حوله، فاتّقى ممّا يخاف، فبينما هو كذلك؛ إذ طفئت ناره، فبقي في ظلمة حائرا متخوّفا، فكذلك حال المنافقين أظهروا كلمة الإيمان، فأمنوا بها على أنفسهم، وأموالهم، وأولادهم، وناكحوا المسلمين، وقاسموهم في الغنائم، فذلك نورهم، فلمّا ماتوا عادوا إلى الظّلمة، الخوف. انتهى. خازن بحروفه.\nهذا وربنا ذكر لنا في سورة (الحديد) رقم [١٣] حال المنافقين يوم القيامة حينما يطفأ نورهم، وينادون المؤمنين: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ انظر شرح هذه الآية فإنّه جيد، والحمد لله! هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: لما جاء بحقيقة حالهم؛ عقّبها بضرب المثل زيادة في التوضيح، والتقرير، فإنه أوقع في القلب، وأقمع للخصم الألد، لأنه يريك المتخيّل محققا، والمعقول محسوسا، ولأمر ما أكثر الله في كتبه الأمثال، وفشت في كلام الأنبياء، والحكماء.\nهذا ولفظ ﴿الَّذِي﴾ مفرد، ومراد به الجمع، قيل: المعنى: كمثل الذين استوقدوا، ولذلك قال: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ..﴾. إلخ، فحمل أول الكلام على الواحد، وآخره على الجمع، ومثل","vol":"1","page":61},{"text":"هذه الآية قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٩]: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ وبه قيل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الآية رقم [٣٣] من سورة (الزمر)، ومثل هذه الآيات قول الأشهب بن زميلة النهشلي، وهو الشاهد رقم [٣٤٦] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nوإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد\nهذا؛ و﴿اِسْتَوْقَدَ﴾ بمعنى: أوقد، مثل: استجاب بمعنى: أجاب، فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي فيها أخاه شبيبا، ومن أبياتها، وهو الشاهد رقم [٧٢٧] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nوداع دعا يا من يجيب إلى النّدا... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nأي: يجبه عند ذاك مجيب، هذا والمثل-بفتح الميم، والثاء-بمعنى: مثل، ومثيل، وشبه، وشبيه. ومثل: اسم متوغل في الإبهام لا يتعرف بإضافته إلى الضمير وغيره من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة المؤمنون. ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع تذكيرا وتأنيثا، كما في الآية الكريمة. وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رقم [١١] من سورة (الشورى)، والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية رقم [١٣٧] من سورة (البقرة) أي: بما آمنتم.\nوأما المثل في مثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام؛ فهو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه. والمثل بمضربه؛ أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغيّر، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي: أصله، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من أفرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.\n ﴿نارًا:﴾ أصله: نور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم، التي سيعذب الله بها الكافرين والفاسقين، كما أنّها تستعار للشدّة، والضيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل]\nوألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها وتلهابها","vol":"1","page":62},{"text":"فهي مستعارة في هذا البيت لشدة النكاية التي أذاقها قبيلة قيس. والفعل: نار، ينور، يستعمل لازما ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.\n ﴿أَضاءَتْ:﴾ أنارت، وأشرقت، كذلك يستعمل متعديا كما في هذه الآية، ولازما كما في الآية رقم [٢٠] الآتية. وأصل الفعل: «أضوأ» يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الضاد، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، والمصدر:\n «الضوء» بفتح الضّاد وضمّها، وكذا الاسم منه، كما يأتي المصدر، والاسم أيضا: «ضياء».\n ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان، وهو لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله، وحياله؛ أي: بإزائه، وإزاءه، وقيل للعام: حول؛ لأنه يدور، ثم يرجع كما بدأ.\n ﴿ظُلُماتٍ:﴾ جمع: ظلمة، وقد جمعت باعتبار تعدد معانيها؛ إذ المراد: ظلمة الكفر، وظلمة النّفاق، وظلمة يوم القيامة. أو المراد: ظلمة شديدة، كأنها ظلمات متراكمة. انتهى بيضاوي بتصرف. هذا؛ والظلمات تستعار من ظلمة الليل الحقيقية لكل ما ذكر، والجامع بينهما عدم الاهتداء في كلّ منهما، كما أنّ النور يستعار من نور النّهار، أو من نور المصباح المضيء للإيمان، والإسلام، والجامع بينهما الاهتداء في كلّ منهما.\nالإعراب: ﴿مَثَلُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، وجوز أبو البقاء اعتبار الكاف اسما على أنها خبر المبتدأ، وأرى: أنه لا وجه له هنا على اعتبار المثل بمعنى القصّة، والحكاية، وهذا يناقض ما ذكرته في الشرح، وتكون الكاف مضافا، و(مثل) مضافا إليه، هذا واعتبار الكاف اسما واقع في العربية كثيرا، انظر الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، و(مثل) مضاف، و﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿اِسْتَوْقَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود على ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿نارًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿مَثَلُهُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب حال من واو الجماعة في الآية السابقة، والرابط الضمير فقط، هذا؛ إن أردت اتصال الكلام بسابقه، أو هي مستأنفة لا محل لها؛ إن أردت انقطاع الكلام من سابقة، ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني.\n ﴿أَضاءَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿نارًا﴾ تقديره:","vol":"1","page":63},{"text":"هي. ﴿ما حَوْلَهُ:﴾ ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهذا على اعتبار الفعل قبلها متعديا، وأما على اعتباره لازما؛ فهي زائدة، والمعتمد الأول، قال الشاعر: [الطويل]\nأضاءت لهم أحسابهم ووجوههم... دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبة\n ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (﴿ما﴾) على اعتبارها موصولة، أو بمحذوف صفتها على اعتبارها نكرة موصوفة، أي: مكانا حوله، ومتعلق بالفعل قبله على اعتبار (﴿ما﴾) زائدة، وجملة: ﴿أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ:﴾ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿ذَهَبَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِنُورِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، هذا وقيل: الجواب محذوف، التقدير: فلما أضاءت ما حوله؛ خمدت، فبقوا خابطين في ظلام متحيّرين. وعليه فجملة: ﴿ذَهَبَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، أو هي بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان.\nانتهى كشاف. و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿وَتَرَكَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿تَرَكَهُمْ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) تقديره:\nهو، والهاء مفعول به أول، والميم في كلّ ما تقدم حرف دالّ على جماعة الذكور. ﴿فِي ظُلُماتٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان؛ لأن (﴿تَرَكَهُمْ﴾) بمعنى: صيّرهم، هذا ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف مفعول به ثان، التقدير: وتركهم متحيرين في ظلمات، وتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، وأرى جواز اعتبارها من تعدد المفعول الثاني ل: (ترك). ومثل الآية الكريمة قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢١] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الرجز]\nلا تتركنّي فيهمو شطيرا... إنّي إذن أهلك أو أطيرا\nوجملة: (﴿تَرَكَهُمْ..﴾.) الخ: معطوفة على جملة: ﴿ذَهَبَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، ومفعول (﴿يُبْصِرُونَ﴾) محذوف للتعميم، أو للاختصار.\n\n<span id=\"aya-25\"></span>﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿صُمٌّ:﴾ جمع أصم، هو فاقد السّمع، والصّمم في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء: إذا لم تكن مجوّفة، وصممت القارورة: إذا سددتها. فالأصم من انسدت خروق مسامعه. ﴿بُكْمٌ﴾ جمع: أبكم، وهو الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإذا فهم؛ فهو الأخرس، وقيل: الأخرس والأبكم واحد، وهو الذي لا يقدر على النطق لعاهة في لسانه. ﴿عُمْيٌ:﴾","vol":"1","page":64},{"text":"جمع: أعمى، وهو فاقد البصر، وتعامى الرّجل: أرى ذلك من نفسه، وعمي عليه الأمر: إذا التبس، ومنه قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٦٦]: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ هذا ولم يكن المنافقون والكافرون صمّا، ولا بكما، ولا عميا، وإنّما المراد أنّهم صمّ عن الحقّ، فلا يسمعونه سماع قبول، وأنّهم بكم؛ أي: خرس عن الحقّ، والهدى، فلا ينطقون به، وأنّهم عمي عن طريق الهدى، والنور، فلا يبصرونه. وقال الزمخشري، وتبعه النّسفي، والبيضاويّ: كانت حواسّهم سليمة، ولكن لمّا سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا، ويتبصّروا بعيونهم؛ جعلوا كأنما ماتت مشاعرهم، وانتفت قواهم، كقول قعنب ابن أمّ صاحب، وهو الشاهد رقم [١١٧٦] من كتابنا فتح القريب، والشاهد رقم [١٦٤] من كتابنا فتح رب البرية: [البسيط]\nإن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا... منّي وما يسمعوا من صالح دفنوا\nصمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به... وإن ذكرت بسوء عندهم أذّنوا\nوقال آخر: [الطويل]\nأصمّ عن الشّيء الّذي لا أريده... وأسمع خلق الله حين أريد\nهذا وفي قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ تشبيه بليغ؛ لأنه حذف منه وجه الشبه، وأداة التشبيه، فأصبح بليغا.\n ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن غيّهم، وضلالهم إلى الحقّ الذي باعوه، وإلى الهدى الّذي ضيّعوه، وعن الضلالة التي استبدلوها بالهدى، والنّور. هذا؛ والفعل: رجع، يرجع يستعمل لازما، وهو كثير كما في هذه الآية، ومتعدّيا، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ الآية رقم [٨٣] من سورة (التوبة)، وقوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣١]: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ معناه: يتلاومون فيما بينهم.\nالإعراب: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يجوز أن تكون هذه الأسماء أخبارا متعددة لمبتدإ محذوف، وأن تكون أخبارا لمبتدآت محذوفة، والجملة الاسمية الواحدة، أو الجمل المتعددة في محل نصب حال من واو الجماعة في الآية السابقة، والرابط: الضمير فقط، وهو المبتدأ المقدّر ب «هو» والاستئناف ممكن، فلا يكون لها محلّ من الإعراب.\n ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية المنفية: ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.","vol":"1","page":65},{"text":"<span id=\"aya-26\"></span>﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ..﴾. إلخ: المعنى: ومثلهم في نفاقهم كمثل مطر نزل من السّماء\nإلخ، ففيه، وفي قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي..﴾. إلخ: تشبيه تمثيلي، شبه في الآية السابقة المنافق بالمستوقد للنّار، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النّار، وفي هذه الآية شبه الإسلام بالمطر؛ لأن القلوب تحيا به كحياة الأرض بالماء، وشبه شبهات المنافقين، والكافرين بالظّلمات، وما في القرآن من الوعد، والوعيد بالرّعد، والبرق... إلخ.\nهذا و(الصّيّب): المطر، وأصله: صيوب من صاب، يصوب؛ أي: نزل، ينزل، فقل في إعلاله: اجتمعت الياء، والواو، وسبقت إحداهما بالسّكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وقل مثله في إعلال: ميّت، وسيّد، وهيّن... إلخ، وهو على حذف مضاف؛ أي: مثلهم في نفاقهم كمثل أصحاب صيّب.\nو﴿السَّماءِ:﴾ يذكر، ويؤنث، وهو كل ما علاك، فأظلّك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء يطلق على المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]\nإذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا\nأراد بالسّماء: المطر، ثمّ أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النّبات، وهذا يسمّى في فن البديع بالاستخدام. وأصل «سماء»: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. ﴿ظُلُماتٌ:﴾ المراد هنا: ظلمة السّحاب، وظلمة المطر، وظلمة اللّيل مجتمعة، وانظر تفسيرها بغير هذا في الآية رقم [١٧].\n (﴿رَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾): مصدران لا يجمعان، فالأول: مصدر: رعد، يرعد، والثاني: مصدر: برق يبرق. و(الرّعد): اسم ملك يسوق السّحاب، و(البرق): لمعان سوط من نور يزجر به السّحاب، قاله ابن عباس، ﵄. وفي العلم الحديث: الرّعد: صوت احتكاك أجرام السّحاب، والبرق: مما ينقدح من احتكاكها. وقال ابن عباس﵄-: من سمع صوت الرعد، فقال: سبحان من يسبح الرّعد بحمده، والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة؛ فعليّ ديته، وكان يقول: إنّ الوعيد لأهل الأرض شديد، انظر قوله تعالى في سورة (الرّعد) رقم [١٣]: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وعن عبد الله بن عمر﵄-:","vol":"1","page":66},{"text":"أن النبي ﷺ كان إذا سمع الرّعد، والصّواعق، قال: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك». أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث غريب.\n ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ أي: من أجل الصواعق، والمراد: رءوس الأصابع، وهي الأنامل، لأن دخول الأصابع كلها في الآذان لا يمكن، فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، وهذا ما يسمّى المجاز المرسل، و﴿الصَّواعِقِ:﴾ جمع: صاعقة. قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: إذا اشتدّ غضب الرّعد الذي هو الملك، طار النّار من فيه، وهي الصّواعق. وكذا قال الخليل: هي الواقعة الشّديدة من صوت الرّعد، يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه.\nوقرأ الحسن البصري: («من الصّواقع») بتقديم القاف، ومنه قول أبي النّجم العجلي: [الرجز]\nيحكون بالصّواقع القواطع... تشقّق البرق عن الصّواقع\nقال النحاس: وهي لغة تميم، وبني ربيعة، ويقال: صعقتهم السّماء: إذا ألقت عليهم الصّاعقة، والصاعقة أيضا: صيحة العذاب، قال الله تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ والمراد: صيحة العذاب، والهلاك. هذا و(الأصابع): جمع: إصبع، فلم تذكر بلفظ المفرد أبدا في القرآن الكريم، وقد ذكرت بلفظ الجمع هنا، وفي سورة (نوح) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والأنامل: ذكرت بلفظ الجمع في سورة (آل عمران) رقم [١١٩] فقط، ولم تذكر في غيرها، والأنملة: رأس الإصبع، ففيها وفي إصبع تسع لغات: تثليث همزتها، وتثليث ميم أنملة، وتثليث بإصبع، وتزيد أصبوعا، وقد نظم ذلك بعضهم، فقال: [البسيط]\nبإصبع ثلّثن مع ميم أنملة... وثلّث الهمز أيضا وارو أصبوعا\n ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ:﴾ خوف الموت، و(﴿حَذَرَ﴾) («حذار») قراءتان، وهما بمعنى واحد. هذا؛ و﴿الْمَوْتِ:﴾ هو انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنّصائح. ﴿مُحِيطٌ:﴾ أي عليم علما دقيقا بالكافرين، فلا يفوتونه، ولا يعجزونه، يقال: أحاط السلطان بفلان: إذا أخذه أخذا حاصرا من كلّ جهة، فهو من باب المجاز، بل هي استعارة تبعيّة في الصّفة سارية إليها من صدرها، انتهى جمل نقلا من كرخي.\nقال الشاعر: [الطويل]\nأحطنا بهم حتّى إذا ما تيقّنوا... بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السّلم\nومنه قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٣]: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ،﴾ وقال تعالى في آخر سورة (الطلاق): ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. هذا؛ و﴿مُحِيطٌ﴾ أصله: (محوط) لأنه من: أحاط، يحيط، أو من: حاط، يحوط، وهو أولى، فهو من الباب الأول، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح","vol":"1","page":67},{"text":"أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء، فصار: (محوط) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، قال القرطبي: قال الطبري: ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، وقاله الفراء، وأنشد قول توبة بن الحمير صاحب ليلى الأخيلية، وهو الشاهد رقم [٩٥] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nوقد زعمت ليلى بأنّي فاجر... لنفسي تقاها أو عليها فجورها\nوقول جرير في مدح الخليفة الصّالح عمر بن عبد العزيز﵁وهو الشاهد رقم [٩٦] من كتابنا المذكور: [البسيط]\nنال الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر\nأي: وكانت له قدرا. وقيل: ﴿أَوْ﴾ للتخيير، أي: مثّلوهم بهذا، أو بهذا لا على الاقتصار على أحد الأمرين. انتهى. القرطبي بتصرف كبير. ﴿كَصَيِّبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: أو حالهم وشأنهم كحال أصحاب صيّب، وإن اعتبرت الكاف اسما، فلها المحل كما رأيت في الآية رقم [١٧] والجملة الاسمية معطوفة عليها، وعليه فالآية السابقة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (صيّب) أو هما متعلقان به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ظُلُماتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل (صيب) أو في محل نصب حال منه وصفه بما تقدم، وجوز الزمخشري أن يكون ﴿فِيهِ﴾ متعلقين ب (صيّب) أو بمحذوف صفة له. و﴿ظُلُماتٌ﴾ فاعل فيه، أي: بالجار والمجرور، لاعتماده على الموصوف، وهو: (صيّب) ورجّحه ابن هشام في المغني. (﴿رَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾): معطوفان على ﴿ظُلُماتٌ﴾ بالواو العاطفة على الوجهين المعتبرين فيه.\n ﴿يَجْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَصابِعَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي آذانِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من ﴿أَصابِعَهُمْ﴾.\n ﴿مِنَ الصَّواعِقِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَجْعَلُونَ،﴾ و﴿مِنَ﴾ بمعنى: من أجل، وقيل: سببية.\n ﴿حَذَرَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف و﴿الْمَوْتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿يَجْعَلُونَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر، فكأن قائلا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد والبرق؟ فقيل:\n ﴿يَجْعَلُونَ..﴾. إلخ.\nوجوز مكي اعتبارها حالا من الضمير المنصوب، وجوز أبو البقاء اعتبارها صفة: «أصحاب صيب» والواو عائدة عليهم، على الاعتبارين فالرابط الواو. ﴿وَاللهُ﴾ الواو: حرف استئناف.","vol":"1","page":68},{"text":"(الله): مبتدأ. ﴿مُحِيطٌ:﴾ خبره. ﴿بِالْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وقال الزمخشري: معترضة، وكأنه يعني بذلك: أنّ جملة: ﴿يَجْعَلُونَ..﴾. إلخ، وجملة:\n (﴿يَكادُ..﴾.) الخ شيء واحد؛ لأنهما من قصّة واحدة. انتهى. جمل.\n\n<span id=\"aya-27\"></span>﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿يَكادُ..﴾. إلخ: أي: يقرب، يقال: كاد الفعل، ولم يفعل، فهو يدل على وقوع مقاربة الفعل بعدها، ولذا لم تدخل عليه «أن» لأنها تخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليها حرف نفي دل على أن الفعل بعدها وقع، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٧١] الآتية: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ،﴾ وإذا لم يدخل عليها حرف النفي، لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع، والفعل منها واوي العين، ف (كاد) أصله: كود بكسر الواو كخوف، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار: يكاد بوزن: يخاف، ومصدره: الكود، وهذا في «كاد» الناقصة، وأما «كاد» التامة، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي، كباع، المكسورة العين في المضارع ك «يبيع»، ومصدره: الكيد، ك «البيع»، فهو من الباب الثاني، بخلاف الناقص فإنه من الباب الرابع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول قوله تعالى في سورة (النّور) رقم [٣٥]: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى في آخر سورة (الطّارق): ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ومعنى الأول: المقاربة، ومعنى الثاني: المكر، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تامّ التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.\nفائدة: قد تأتي «كاد» بمعنى: أراد، قاله محبّ الدين الخطيب، شارح شواهد الكشاف، وجعل منه قول الراقدة الأودي، والبيت: [البسيط]\nفإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا\nأي: الّذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [الكامل]\nكدنا وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى\nأي: أردنا، وأردت، دليله: «تلك خير إرادة». هذا وقد شاع على الألسن أنّ نفي كاد إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعريّ بقوله: [الطويل]\nأنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود\nإذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود","vol":"1","page":69},{"text":"فأجابه الشّيخ جمال الدين محمد بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل]\nنعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود\nوفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نمها فالعلم غير بعيد\nوقد اتفقت كلمة النحاة على أن (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن، ومتشابه، انظر الشاهد رقم [١١٢٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، والأشموني، وغيرهما، وها أنا ذا أسوق لك ما ذكره السّيوطي رحمه الله تعالى في كتابه: (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك، قال رحمه الله تعالى: والتحقيق: أنها كسائر الأفعال نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلا أن معناها المقاربة لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منع نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: «كاد زيد يقوم» معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٥] ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة إلا أنه لم يضيء، وقولك: «لم يكد زيد يقوم» معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى في سورة (النّور) رقم [٤٠]: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى في سورة إبراهيم، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٧]: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه، وعلى هذا الزجاجي. وغيره، وذهب قوم، منهم ابن جني إلى أنّ نفيها يدلّ على وقوع الفعل ببطء كما في الآية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة)، فإنّهم فعلوا بعد بطء، والجواب: أنّها محمولة على وقتين؛ أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذّبح، بل أنكروا أشدّ الإنكار، بدليل ما حكى الله عنهم:\n ﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾.\nوقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها بدليل ما يتلى علينا من تعنّتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.\nوقوله مشابه لقول السّيوطي المتقدّم.\n ﴿يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ:﴾ يأخذها بسرعة، وخطف، يخطف من باب: فهم، وعلم. قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٠]: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ،﴾ ومجيئه من باب: ضرب، يضرب لغة، وقد قرئ بها. و﴿كُلَّما،﴾ (كلّ) هي هنا ظرف، وكذلك في كلّ موضع كان لها جواب، وهذا يعني: أنها متضمنة معنى الشرط، وهذا هو المشهور، و(ما) مصدرية، والزمان محذوف. وقيل: هي هنا نكرة موصوفة ومعناها الوقت ﴿أَضاءَ لَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [١٧].\n ﴿مَشَوْا:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [١٤]. ﴿قامُوا:﴾ وقفوا عن المشي بسبب الظلمة التي","vol":"1","page":70},{"text":"تحيط بهم. ﴿شاءَ:﴾ أصله: شئ على فعل بكسر العين بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومفعوله محذوف، التقدير: ولو شاء الله إذهاب سمعهم، وأبصارهم، وكثر حذف مفعوله، ومفعول «أراد» حتى كاد لا ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى في سورة الأنبياء رقم [١٧] ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوينبغي أن تعلم: أنّه يكثر حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو». (سمعهم): بمعنى:\nأسماعهم بقرينة: (﴿أَبْصارَهُمْ﴾) وانظر الآية رقم [٧] ﴿شَيْءٍ:﴾ هو في اللغة عبارة عن كل موجود، إمّا حسّا كالأجسام، وإمّا حكما كالأقوال، نحو قلت شيئا، وجمع الشيء: أشياء، غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كثيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: إنّ وزنه: شياء، وزان: حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزن: لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: أدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.\nهذا وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: وهذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين، ووجه التمثيل:\nأنّ الله﷿شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة، أصابهم مطر فيه ظلمات، وهي: ظلمة الليل، وظلمة المطر، وظلمة السّحاب، من صفة تلك الظلمات: أنّ الساري لا يمكنه المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم سامعوه أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يخطف أبصارهم، ويعميها من شدته، فهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن، وصنيع الكافرين، والمنافقين معه.\nفالمطر هو القرآن؛ لأنه حياة القلوب، كما أن المطر حياة الأرض، والظلمات في القرآن من ذكر الكفر، والشرك، والنفاق. والرّعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار، والبرق ما فيه من الهدى، والبيان، والوعد، وذكر الجنة، فالكافرون والمنافقون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن، وسماعه مخافة أن تميل قلوبهم إليه؛ لأن الإيمان به عندهم كفر، والكفر موت، وقيل غير ذلك. انتهى. وفي البيضاوي، والقرطبي ما يشبهه.\nالإعراب: يكاد فعل مضارع ناقص. البرق: اسمه. يخطف: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى البرق. أبصارهم: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر يكاد، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهي عند الزمخشري بمنزلة البدل من جملة (﴿يَجْعَلُونَ..﴾.) إلخ.\n ﴿كُلَّما:﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿أَضاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى","vol":"1","page":71},{"text":"﴿الْبَرْقُ﴾ والفعل إما متعدّ، والمفعول محذوف، بمعنى: كلّما نوّر لهم طريقهم، وإمّا لازم بمعنى:\nكلّما لمع لهم مشوا في موضع نوره. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) والفعل ﴿أَضاءَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت إضاءة الطريق لهم، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كلّ)، انظر مبحث: «كلّما» في كتابنا فتح القريب المجيب، وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا، والمدرسون يقولون: أداة شرط غير جازمة، ولا يعرفون هذا الإعراب والتفصيل.\n ﴿مَشَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١١]، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، هذا وذكر مع ﴿أَضاءَ﴾ ﴿كُلَّما﴾ وهي مفيدة للتكرار، ومع ﴿أَظْلَمَ﴾ (﴿إِذا﴾) لشدّة حرصهم على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، ولا كذلك التوقف في الظلمة. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَذَهَبَ:﴾\nاللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾)، (ذهب): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿بِسَمْعِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، (﴿أَبْصارَهُمْ﴾): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: ﴿لَذَهَبَ..﴾. إلخ جواب (﴿لَوْ﴾) لا محل لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، وقيل: مستأنف، ولا محل له على الاعتبارين.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، لأنه اسم فاعل بمعنى قادر، فهو صيغة مبالغة، و﴿كُلِّ﴾ مضاف و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾\nخبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-28\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾\nالشرح: لما ذكر الله تعالى الأصناف الثلاثة: المؤمنين، والكافرين، والمنافقين، وذكر ما تميّزوا به من سعادة، أو شقاوة، أو إيمان، أو نفاق، وضرب الأمثال، ووضح طرق الضّلال؛ أعقبه هنا بذكر الأدلة والبراهين على وحدانية ربّ العالمين، وعرّف الناس بنعمه؛ ليشكروه عليها، وأقبل عليهم بالخطاب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ وهو خطاب لجميع الفئات ممتنّا عليهم بما خلق، ورزق. انتهى صفوة التفاسير.","vol":"1","page":72},{"text":"هذا؛ ونقل عن علقمة بن قيس﵁قوله: ما في القرآن: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ فهو خطاب لأهل مكة، وما فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو خطاب لأهل المدينة. انتهى.\nولكن إذا علمت أنّ تعاليم القرآن وأحكامه صالحة لكلّ زمان ومكان إلى يوم القيامة؛ علمت أنّ النّداءين لا يتقيّدان بزمان، ولا بمكان. كيف لا وقد علمت: أن سورة (البقرة) مدنيّة، وأيضا سورة (النّساء) وسورة (المائدة) وفيهنّ من لفظ: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ الكثير؟!.\nفائدة: النداء على سبع مراتب: نداء مدح، ونداء ذمّ، ونداء تنبيه، ونداء إضافة، ونداء نسبة، ونداء تسمية، ونداء تضيّف، فالأول كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ والثاني كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ والثالث كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ،﴾ والرابع كقوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ،﴾ والخامس كقوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ،﴾ ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ،﴾ والسادس كقوله تعالى: ﴿يا نُوحُ،﴾ ﴿يا إِبْراهِيمُ،﴾ والسّابع كقوله تعالى:\n ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾.\nفائدة: وفي السمين ما نصّه: وإذا ورد «لعلّ» في كلام الله تعالى، فللناس فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن «لعلّ» على بابها من الترجي، والإطماع، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين، أي: لعلكم تتقون على رجائكم، وطمعكم. وكذلك قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ أي: اذهبا على رجائكما. والثاني: أنّها للتقليل؛ أي: اعبدوا ربكم لكي تتقوا، وبه قال قطرب، والطّبريّ، وغيرهما. والثالث: أنّها للتعرّض للشيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرّضين لأن تتقوا. انتهى.\nجمل. وقريب منه في القرطبيّ.\nهذا ولا تنس ما ذكرته من القول: والترجّي في هذه الآية وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ذكرت هذا فيما صدر لنا كثيرا، وهذا أشمل، وأخصر، والله ولي التوفيق. والترجّي في هذه الآية، ونحوها إطماع من ربّ كريم، فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه، وأصل ﴿تَتَّقُونَ:﴾ توتقيون، فأبدل من الواو تاء، ثم أدغمت التاء في التاء، وسكنت الياء بعد حذف ضمّتها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار: «تَتَّقُونَ»، ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.\nالإعراب: (﴿يا﴾): حرف نداء ينوب مناب: أدعو، أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا) و«ها»: حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة، لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا وأمثاله: نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أنّ الاسم الواقع بعد أي، واسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع، أعني: (أيّ) منصوب محلاّ، وكذا التابع، أعني: ﴿النّاسُ﴾ فهو","vol":"1","page":73},{"text":"منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنّها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبّان؛ لأنه قال: والمتّجه وفاقا لبعضهم أن ضمة التابع إتباع لا إعراب، ولا بناء، وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأنّ العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيّا للمجهول، نحو يدعى. وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع، وقيل: إنّ رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلّى بال، ولكن لمّا لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصلوا إلى ندائه ب «أيّ» أي مع قرنها بحرف التنبيه، وردّه بعضهم بأنّ المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع، والإعراب الشائع الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ.\n ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف هي الفارقة بين واو العلّة، وواو الضمير، هذا هو الإعراب المتعارف عليه، والمشهور بين الناس، والأصل أن يقال في مثل ذلك: فعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرّك بالضمة لمناسبة واو الجماعة، وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كل فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى الألف الاثنين، مثل: اعبدا، قد حرك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المخاطبة مثل: اعبدي، وقد حرّك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة.\n ﴿رَبَّكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة أو بدل من ﴿رَبَّكُمُ،﴾ أو هو منصوب على المدح بفعل محذوف؛ التقدير: أمدح الذي، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الذي، وهذان الوجهان على القطع. والإتباع هنا أقوى، بخلافه في الآية رقم [٣]، وفي الآية التالية.\n ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الكاف، التقدير: وخلق الذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، أي: الذين وجدوا من قبلكم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، والميم في كل ما تقدم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: لعلكم تتقون الكفر، أو المعاصي، أو تتقون الله. وهو الأولى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية محتملة للتعليل، والحالية؛ أي: لتتقوا الله، وتخافوا عقابه، أو حال كونكم متقين الله، أو متعرضين للتقوى، وفي المغني لابن هشام: هي","vol":"1","page":74},{"text":"مفيدة للتّحقيق؛ أي أنتم أحقّ بتقوى الله من جميع المخلوقات، أقول: والتعليل أقوى لعطف مثلها على التعليل في الآيتين رقم [١٥٠] و[١٨٤]:\n\n<span id=\"aya-29\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا﴾ ﴿جَعَلَ﴾ من الأفعال العامة، يجيء على ثلاثة أوجه: يأتي بمعنى: أخذ، طفق، فيكون من أفعال الشّروع، فلا يتعدى، كقول الشاعر: [الطويل]\nوقد جعلت نفسي تطيب لضغمة... لضغمهماها يقرع العظم نابها\nوأيضا قول رجل من بني بحتر بن عتود، وهو الشاهد رقم [٤٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nوقد جعلت قلوص بني سهيل... من الأكوار مرتعها قريب\nويأتي بمعنى: أوجد، وخلق، فيتعدّى لواحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ ويأتي بمعنى: صير، كما في الآية، فيتعدّى لمفعولين، ويأتي بمعنى: سمّى، فيتعدّى لمفعولين أيضا، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا﴾ أي: سمّوهم إناثا، وقال القرطبي: وقد تأتي زائدة، كما في قول الآخر: [البسيط]\nوقد جعلت أرى الاثنين أربعة... والواحد اثنين لمّا هدّني الكبر\nوعند التأمّل يتبيّن لك: أنّ المعنى: «قد صرت أرى... إلخ».\n<span id=\"aya-30\"></span>﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿كُنْتُمْ:﴾ أصله كونتم، فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف فصار (كنتم) بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار (كنتم)، وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار «كونت» ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبله، صار «كونت» فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما فصار «كنت» وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي.\nمسندا إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قال وقام وغيرهما. ﴿رَيْبٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿عَبْدِنا:﴾\nالمراد به: سيد الرسل محمد ﷺ، فكنى عنه بالعبودية، وهي مقام عظيم، والإضافة للتشريف،","vol":"1","page":75},{"text":"«وتنويه بذكره، وتنبيه على أنه مختص به، منقاد لحكمه تعالى»، ولم يذكر ﵊ باسمه الصريح في القرآن إلا قليلا؛ ذكر باسم محمد في سورة آل عمران، وسورة الأحزاب، وسورة محمد، وسورة الفتح، وذكر باسم أحمد في سورة الصف، وذكر باسم طه في سورة طه، وذكر باسم ياسين في سورة (يس)، وانظر «نا» في الآية [٥٢]. ﴿فَأْتُوا:﴾ فعل أمر ماضيه أتى يأتي، وهذا الفعل يستعمل لازما إن كان بمعنى حضر وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى وصل وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾. وأصل الأمر «اأتيوا» بهمزتين، الأولى للوصل، وهي مكسورة، فإذا انفتح ما قبلها قلبت ألفا كما في هذه الآية، فإذا بدأت بها قلبت الثانية ياء، فتقول: ايتيوا، ثم حذفت لام الفعل على نحو ما رأيت في «لَقُوا» في الآية رقم [١٤]. ﴿بِسُورَةٍ:﴾ هي الطائفة من القرآن، محتوية على أنواع من العلم، احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة، لأن السور كالمراتب والمنازل، يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول، والقصر، والفضل، والشرف، وثواب القراءة. قال النابعة: [الطويل]\nألم تر أن الله أعطاك سورة... ترى كل ملك دونها يتذبذب\nوالحكمة في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة، منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف؛ كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا، ومنها أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى؛ كان أنشط له وأبعث على القراءة منه لو استمر على القرآن بطوله، ومن ثم جزأ القراء القرآن أسباعا، وأجزاء، وعشورا، وأخماسا، ومنها أن الحافظ إذا حفظ سورة؛ اعتقد:\nأنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، لها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه، ومنه حديث أنس﵁-: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا» أي عظم، ولذا أنزل الله تعالى التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر ما أوحاه على أنبيائه مسورة مترجمة السور، وبوب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. انتهى.\nنسفي بتصرف. ﴿مِثْلِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٧]. ﴿شُهَداءَكُمْ:﴾ جمع شهيد، وهو بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر والمعين. ﴿دُونِ:﴾ من الدنو، وهو القرب، ومثله أدنى وانظر الآية [١٦] ومنه: تدوين الكتب لأنه إدناء، أي تقريب البعض من البعض، ثم استعير للترب، فيقال: زيد دون عمرو، أي في الشرف والسيادة، ثم اتسع فيهما فاستعملا في كل تجاوز حد، إلى حد، هذا ويأتي دون بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل]\nتريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق\nتنبيه: قال تعالى في هذه الآية: ﴿مِمّا نَزَّلْنا﴾ وقال في كثير من الآيات: ﴿أَنْزَلْنا؛﴾ لأن الأول يفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات","vol":"1","page":76},{"text":"الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة، وهذا مما يريبهم، كما حكى ﷾ ذلك عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي رَيْبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر كان. ﴿مِمّا:﴾ أصله «من ما» جار ومجرور متعلقان بريب لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، و(ما) تحتمل أن تكون موصولة، ونكرة وموصوفة. ﴿نَزَّلْنا:﴾\nفعل وفاعل، وانظر ﴿آمَنّا﴾ في الآية [١٤]، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط، محذوف، التقدير: نزلناه، وجملة ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. على عبدنا: متعلقان بالفعل قبلهما، و«نا» في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ائتوا): إعرابه مثل إعراب ﴿اُعْبُدُوا﴾ في الآية رقم [٢١]، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها معطوف على قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا﴾ في الآية السابقة. وقيل: مستأنف. ﴿بِسُورَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿مِنْ مِثْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة سورة، وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. والواو: حرف عطف. (﴿اُدْعُوا﴾): إعرابه مثل إعراب ﴿اُعْبُدُوا،﴾ ﴿شُهَداءَكُمْ:﴾ مفعول به. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل ادعوا، أو ب ﴿شُهَداءَكُمْ،﴾ لأنه جمع شاهد كما رأيت، أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من: ﴿شُهَداءَكُمْ،﴾ التقدير: منفردين عن الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إعراب هذا مثل إعراب سابقه، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب الشرط الأول عليه، وهو قوله: ﴿فَأْتُوا،﴾ والشرط، ومدخوله بمنزلة التوكيد للشرط الأول، ومدخوله.\n\n<span id=\"aya-31\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا:﴾ أي: فإن لم تأتوا بسورة لعجزكم، ثم أكد هذا العجز بالجملة المعترضة بين فعل الشرط وجوابه، وصدّر سبحانه الجملة الشرطية ب (إن) التي للشك، والحال يقتضي (إذا) التي للجزم والتحقق، لأنه سبحانه لم يكن شاكّا في عجزهم، ولذلك نفى إتيانهم بالجملة المعترضة تهكما بهم، أو خطابا معهم على حسب ظنهم أنهم يقدرون. (اتقوا): انظر التقوى في الآية رقم [٢]، وأصله «اتقيوا» فعل به ما فعل ب: ﴿فَأْتُوا﴾ حيث حذفت الضمة على","vol":"1","page":77},{"text":"الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة. ﴿النّارَ:﴾ انظر الآية رقم [١٧]. ﴿وَقُودُهَا:﴾ بفتح الواو، أي ما توقد به النار، وأما بضمها فهو المصدر، وكذلك الاسم منه، وبعضهم قال: كلّ من الفتح والضم يجري في الآلة والمصدر، وكذا يقال في الوضوء والسحور والطهور ونحو ذلك، ولكن المشهور الأول، وقرئ بفتح الواو وضمها أيضا. ﴿النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [٨]. ﴿وَالْحِجارَةُ:﴾ المراد به الأصنام التي عبدوها في الدنيا، وأمّلوا نفعها وشفاعتها، قال تعالى مخاطبا الكافرين في الدنيا: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ وعن ابن عباس ﵄:\nأنها حجارة الكبريت، فهي أشد توقدا، وأبطأ خمودا، وأنتن رائحة، وألصق بالبدن. والحجارة جمع حجر، كجمالة جمع جمل، وهو قليل غير منقاس. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ هيئت، وفيه دليل على أن النار مخلوقة، موجودة، وكذا الجنة. (الكافرين): انظر الآية رقم [٦].\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وهي في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لأنها ابتدائية... إلخ. الواو: واو الاعتراض. ﴿وَلَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب بلن... إلخ. والجملة الفعلية معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿فَاتَّقُوا:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، وانظر ﴿اُعْبُدُوا﴾ في الآية رقم [٢١]. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة النار. ﴿وَقُودُهَا:﴾ مبتدأ، وها: في محل جر بالإضافة. ﴿النّاسُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿فَاتَّقُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وانظر الآية السابقة. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى النار، والتاء للتأنيث. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة ﴿أُعِدَّتْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من النار، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» وقيل: مستأنفة، والأول أقوى.\n\n<span id=\"aya-32\"></span>﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَبَشِّرِ:﴾ أمر من البشارة، وهي الإخبار بما يسر المخبر به، وقد تستعمل بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم والاستهزاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾.\n ﴿آمَنُوا:﴾ صدقوا، وانظر الإيمان في الآية رقم [٣]. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ الأعمال الصالحات على","vol":"1","page":78},{"text":"اختلاف مراتبها ودرجاتها، من فعل مأمورات، واجتناب منهيات. ﴿جَنّاتٍ:﴾ جمع جنة، وهي البستان من النخل والشجر الكثير المتكاثف الذي يجن، أي: يستر ما يكون متداخلا فيه، وسميت دار الثواب جنة لما فيها من النعيم الذي لا ينفد، وجمع الجنة على جنات يدل على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان، واللام في ﴿لَهُمْ:﴾ للملك وهي تدل على أنهم استحقوا الجنات بسبب أعمالهم الصالحة. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ أي من تحت قصورها وأشجارها. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ جمع نهر، وهو معروف في الدنيا، ولكن شتان ما بين أنهار الجنة وأنهار الدنيا، هذا ويجمع النهر على أنهر ونهر ونهور، وهاء النهر تسكن وتفتح. ﴿وَأُتُوا بِهِ:﴾ جيئوا به ﴿مُتَشابِهًا:﴾ أي يشبه بعضه بعضا في اللون، ويختلف في الطعم. ﴿أَزْواجٌ:﴾ جمع زوج، وهو يطلق على الذكر والأنثى، وقد يقال للأنثى: زوجة.\n ﴿مُطَهَّرَةٌ:﴾ من الحيض وكل قذر يكون في الدنيا. «وكذلك مطهرة من دنس الطبع، وسوء الخلق، وغير ذلك، سواء كن من نساء الدنيا أم من الحور العين». وينبغي أن يلاحظ أن ذلك للذكور والإناث الصالحات، وإن كان الكلام بصيغة جمع الذكور، فيمكن أن يكون من باب تغليب الذكور على المؤمنات الصالحات، وتبشرهن بجنة عرضها الأرض والسموات.\n ﴿خالِدُونَ:﴾ ماكثون أبدا لا يفنون، ولا يخرجون، روى مسلم عن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «أهل الجنة يأكلون ويشربون، ولا يبولون ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس، ولكن طعامهم ذلك جشاء، ورشحهم كرشح المسك».\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. (﴿عَمِلُوا﴾): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: الأعمال الصالحات، فهو منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: (﴿بَشِّرِ..﴾.) إلخ: معطوفة على جملة:\n ﴿فَاتَّقُوا..﴾. إلخ، كما تقول: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم. أو جملة وصف بها ثواب المؤمنين معطوفة على جملة وصف بها عقاب الكافرين، كقولك: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿جَنّاتٍ:﴾\nاسمها مؤخر منصوب، وعلامة نصبه مثل ﴿الصّالِحاتِ،﴾ ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و«ها» في محل جر بالإضافة.\n ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل: ﴿تَجْرِي﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وقيل: في محل جر بحرف جر محذوف،","vol":"1","page":79},{"text":"التقدير: بأن، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿بَشِّرِ﴾). هذا وقرئ: («بشّر») بصيغة الماضي المبني للمجهول، على اعتباره معطوفا على: ﴿أُعِدَّتْ﴾.\n ﴿كُلَّما:﴾ انظر إعرابها مفصلا في الآية رقم [٢٠]. ﴿رُزِقُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿مِنْها:﴾ جار مجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ:﴾ بدل من ﴿مِنْها﴾ بدل اشتمال. ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول به ثان، وهو بمعنى: مرزوقا، وليس مصدرا؛ لأن المصدر لا يؤتى به متشابها، إنما يؤتى بالمرزوق كذلك، و(ما) والفعل ﴿رُزِقُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله. ﴿هذَا﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿رُزِقْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و«نا»: نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني، وهو العائد محذوف، التقدير: الذي رزقناه.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿قَبْلُ:﴾ اسم مبني على الضم، لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى في محل جرّ ب ﴿مِنْ﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، وجملة: ﴿قالُوا﴾ إلخ: جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها في محل نصب صفة ثانية ل ﴿جَنّاتٍ﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، أو هي مستأنفة لا محل لها. وقيل: في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، ولا وجه له. تأمل.\n ﴿وَأُتُوا:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أُتُوا﴾): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُتَشابِهًا:﴾ حال من الضمير المجرور بالباء، وجملة: (﴿أُتُوا..﴾.) إلخ: في محل نصب حال من مفعول ﴿رُزِقْنا﴾ المحذوف، والرابط الواو والضمير المجرور في (﴿بِهِ﴾) و«قد» مقدرة قبل الفعل، ويكون ﴿مُتَشابِهًا﴾ حالا متعددة، أو متداخلة، وقيل: يجوز أن تكون مستأنفة، وقال الجمل: جملة:\n ﴿وَأُتُوا..﴾. إلخ: معترضة مقررة لما قبلها، ولا وجه له. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: واو الاستئناف.\n (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يعتبرهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿أَزْواجٌ،﴾ وكثير لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ، ﴿أَزْواجٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُطَهَّرَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل: الجملة صفة ل ﴿جَنّاتٍ﴾ والواو مانعة من الوصفية، ولو قال: إنها في محل نصب حال من ﴿جَنّاتٍ﴾ لكان وجها مقبولا. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿هُمْ﴾): مبتدأ.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.","vol":"1","page":80},{"text":"<span id=\"aya-33\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄في رواية أبي صالح عنه: لمّا ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا..﴾. الآية رقم [١٧]، وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٩]، وفي رواية عطاء عن ابن عباس﵄- أيضا، قال: لما ذكر الله آلهة المشركين، فقال: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ رقم [٧٣] من سورة (الحج) وذكر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت؛ أي: في الضعف، والمهانة، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الآية رقم [٤١] من سورة (العنكبوت)؛ قالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء يصنع؟ فأنزل الله الآية، وقال الحسن، وقتادة﵄-: لمّا ذكر الله الذباب، والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل؛ ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله! فأنزل الله الآية الكريمة. انتهى قرطبي بتصرف.\nهذا؛ والأمثال من هذا القبيل كثيرة، مثل الآيتين رقم [٧٥] و[٧٦] من سورة (النحل)؛ ففيهما بحث جيد انظرهما. ﴿لا يَسْتَحْيِي:﴾ أصله يستحيي، عينه، ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء، فسكنت، واسم الفاعل على هذا مستحيي، والجمع:\nمستحيون، ومستحيين. وقرأ ابن محيصن: («يستحي») بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة، ورويت عن ابن كثير، وهي لغة تميم وبكر وائل، وهي قراءة شاذة، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء، واسم الفاعل مستح، والجمع مستحون ومستحين. انتهى قرطبي، وقاله الجوهري.\nهذا؛ والحياء بالنسبة للإنسان هو: انقباض النفس من الشيء، وتركه خوفا من اللوم، وهو ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل، والحياء خير ما يتحلّى به إنسان، فإذا ذهب الحياء من الإنسان، فقد ذهب منه كلّ خير، كما قال الشاعر الحكيم: [الوافر]\nإذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستحي فاصنع ما تشاء\nفلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء","vol":"1","page":81},{"text":"والحياء بالمعنى المتقدم مستحيل في حقّ الله تعالى، بل المراد منه في حقه تعالى: التّرك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ: «إنّ الله حييّ كريم يستحيي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». أخرجه أبو داود، والترمذي، وحسنه عن سلمان الفارسي﵁-، وقال الزمخشري: أي: لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها. وقول له آخر: هو من باب المشاكلة.\n ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا:﴾ معناه: يبيّن، فيتعدّى لواحد، وقيل: معناه: التصيير، فيتعدّى لاثنين، نحو: ضربت الطين لبنا، وقال بعضهم: لا يتعدّى لاثنين إلا مع المثل خاصّة.\n ﴿بَعُوضَةً:﴾ واحدة البعوض، وهو صغار البق، واشتقاقه من البعض، وهو القطع، ومنه بعض الشيء؛ لأنه قطعة منه، وقد بعضته تبعيضا، أي: جزأته، فتبعّض، وسميت البعوضة بذلك لصغرها. ﴿فَما فَوْقَها﴾. والبعوض من عجيب خلق الله تعالى فإنه في غاية الصّغر، وله ستة أرجل، وأربعة أجنحة، وذنب، وله خرطوم مجوف، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل، والجاموس، والجمل، فيبلغ منه الغاية؛ حتى إنّ الجمل ليموت من قرصه. انتهى.\nخازن. قال القرطبي: والفاء بمعنى «إلى» أي: إلى ما فوقها، وهذا قول الكسائي، والفراء أيضا. وهذا قاله ابن هشام في مغني اللبيب في الآية نفسها، واستأنس بهذه الآية، ليثبت: أنّ الفاء وقعت بمعنى «إلى» في قول امرئ القيس في أول معلقته، وهو الشاهد رقم [٢٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل\nانظر الكلام عليه إن كنت من أهل مغني اللبيب تجد الكلام عليه طويلا وعريضا، واعتبر من العكس، أي: مجيء «إلى» بمعنى الفاء في قول كثير عزّة، وهو الشاهد رقم [٢٩٥] من كتابنا المذكور: [الطويل]\nوأنت الّتي حبّبت شغبا إلى بدا... إليّ وأوطاني بلاد سواهما\nهذا وفي الفوقية قولان: أحدهما: فما دونها في الصّغر، والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشّحّ، فيقول السامع: نعم هو فوق ذلك، يعني: فيما وصفت، وهذا قول أكثر المحققين، قال الرسول ﷺ: «لو كانت الدّنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». رواه ابن ماجة، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح عن أبي سهل بن سعد -﵁-. والثاني: ﴿فَما فَوْقَها﴾ لما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر، ولا أصغر من البعوضة. وهذا قول قتادة بن دعامة، واختيار ابن جرير، فإنه يؤيد ما رواه مسلم عن عائشة -﵂-: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة».","vol":"1","page":82},{"text":"فأخبر الله: أنه لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة.\nفكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها، كما ضرب المثل بالذباب، والعنكبوت. انتهى مختصر ابن كثير بتصرف.\n ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ أي: بالله، ورسوله. ﴿فَيَعْلَمُونَ:﴾ فيعتقدون، ويوقنون: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الحق: خلاف الباطل وضده، قال الراغب-رحمه الله تعالى-: أصل الحق:\nالمطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، والحقّ يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة: حقّ، ولذلك يقال الشيء نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حقّ، وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب؛ أي أثبته حقّا، أو حكمت بكونه حقّا. بغدادي.\n ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: لغة تميم وبني عامر في «أَمَّا»:\n «أيما» يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة، وهو الشاهد رقم [٨٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nرأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت... فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر\nوانظر الشاهد رقم [٨٩] منه أيضا فإنه جيد، والكلام عليه أجود.\n ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا﴾ أي: وأما الذين كفروا؛ فيتعجبون، ويقولون: ما الذي أراده الله من ضرب الأمثال بهذه الأمور الحقيرة، وإنما سمّوه مثلا؛ لأنه استعارة من المثل المضروب؛ لأنه ما غرب من الكلام وبدع استغرابا منهم لهذا المثل، واستبعادا له، وتحقيرا له أيضا.\n ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا:﴾ أي يضل بهذا المثل كثيرا من الكافرين لكفرهم به، ويهدي به كثيرا من المؤمنين لتصديقهم به، فيزيد أولئك ضلالة، وهؤلاء هدى. هذا؛ ومثل هذه الآية الآية رقم [٣١] من سورة المدثر. ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ أي: وما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إلا الخارجين عن طاعة الله الجاحدين بآياته.\nهذا؛ وقال علماء التوحيد: ليس معنى إضلال الله لفريق، وهدايته لفريق آخر: أنه تعالى يجبر كلاّ منهما على الضلالة، والهدى، ولا أنه سبحانه يكرههم على سلوك سبيلي الخير والشر، كلاّ، فإن هذا الإكراه مناف للعدل الإلهي، بل مناف لحكمة التشريع السّماوي، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة، القاطعة الدالة على أن العبد له إرادة، واختيار، هما مناط التكليف، والمؤاخذة، وكذلك فهم الصحابة والسلف الصالح، سأل رجل عليّا﵁- فقال: أكان مسيرك إلى الشام يعني: «لقتال أهلها» بقضاء الله، وقدره، فقال له: ويحك! لعلّك ظننت قضاء لازما، وقدرا حاتما! ولو كان كذلك؛ لبطل الثواب، والعقاب، وسقط الوعد، والوعيد، إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلّف يسيرا، ولم يكلف عسيرا،","vol":"1","page":83},{"text":"ولم ينزل الكتاب عبثا، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾. وعلى ضوء هذا يفهم معنى الهداية، والإضلال. انتهى. صابوني.\nولا تنس المقابلة بين: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ وهو من المحسنات البديعية.\nهذا؛ وقدم الإضلال على الهداية؛ ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمرا فظيعا يسوءهم، ويفتّ أعضادهم، وأوثرت صيغة الاستقبال إيذانا بالتجدد، والاستمرار.\nهذا و(القول) يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدّال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ الآية رقم [٨] من سورة (المجادلة). الثالث: الحركة، والإمالة، يقال: قالت النّخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١]: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾. الخامس:\nالاعتقاد. كما تقول: هذا قول الأشاعرة، وهذه مقالة المعتزلة؛ أي: ما يعتقدونه. وانظر شرح الكلام في الآية رقم [٧٥].\nأمّا الإرادة فهي: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل؛ بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة الّتي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته، فقيل: إرادته لأفعاله: أنّه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره: أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته.\nوقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح. انتهى بيضاوي بتصرف.\nوانظر الآية رقم [١٨٤] الآتية تجد ما يسرك. هذا؛ و(الإضلال): خلق فعل الضلال في العبد، و(الهداية) خلق فعل الاهتداء فيه، هذا هو الحقيقة عند أهل السنة. انتهى نسفي.\nقال تعالى في سورة الأعراف رقم [٢٩]: ﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وعن عبد الله بن عمرو﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ». أخرجه الترمذيّ.\nوقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، والجواب: أن معنى خلق... إلخ، تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه لم يختر سوى الكفر والضلال، ولذا قدره الله عليه، هذا بالإضافة إلى اختياره الضّلال بعد أن بين الله الخير، والشر، والحسن، والقبيح، كما قال تعالى في سورة (البلد): ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير والشر. وأخيرا خذ قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٢٣]: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾. ومذهب المعتزلة بخلاف هذا؛ لأنهم يقولون: إن العبد يخلق أفعال نفسه بقدرة خلقها الله فيه.\nوأخيرا: ف ﴿الْفاسِقِينَ﴾ جمع: فاسق، وهو الخارج عن حدّ الإيمان، وأصل الفسق:\nالخروج عن حد القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب المعاصي، وله ثلاث","vol":"1","page":84},{"text":"درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إيّاها. والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها، فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن، لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان. انتهى بيضاوي.\nوخذ ما قاله الزمخشري رحمه الله تعالى، وهو من نظمه: [الكامل]\nيا من يرى مدّ البعوض جناحها... في ظلمة اللّيل البهيم الأليل\nويرى عروق نياطها في نحرها... والمخّ في تلك العظام النّحّل\nاغفر لعبد تاب من فرطاته... ما كان منه في الزّمان الأوّل\nولعلّها توبته من الاعتزال، والله أعلم بحقيقة الحال، وإليه المرجع والمآل.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر يعود إلى الله، تقديره هو، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (﴿إِنَّ﴾)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها.\n (﴿إِنَّ﴾): حرف ناصب. ﴿يَضْرِبَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنَّ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ أيضا، و﴿إِنَّ﴾ والفعل والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nمن ضرب، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا عند الخليل، وأما سيبويه فيعتبر المصدر في محل نصب بنزع الخافض، وبعضهم يعتبره مفعولا به بإجراء اللازم مجرى المتعدي.\n ﴿مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ في هاتين الكلمتين أعاريب واعتبارات: الأول: اعتبار الفعل ﴿يَضْرِبَ﴾ بمعنى «يجعل» نصب ﴿مَثَلًا﴾ و﴿بَعُوضَةً﴾ مفعولين، و﴿ما﴾ صفة: ﴿مَثَلًا،﴾ أو زائدة.\nوالثاني: اعتبار ﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان من ﴿مَثَلًا﴾ و﴿ما﴾ صفة، أو زائدة. والثالث: اعتبار (﴿بَعُوضَةً﴾) بدلا من ﴿مَثَلًا﴾ و﴿مَثَلًا﴾ مفعول به، و﴿ما﴾ صفة أو زائدة للتأكيد. والرابع: اعتبار ﴿بَعُوضَةً﴾ مفعولا به و﴿مَثَلًا﴾ حال منها؛ لتقدّمه عليها. والخامس: اعتبار ﴿ما﴾ نكرة صفة ﴿مَثَلًا﴾ أو بدل منها، و﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان على ﴿ما﴾. هذا؛ وقال القرطبي، وهو في مغني اللبيب أيضا: نصبت ﴿بَعُوضَةً﴾ على تقدير إسقاط الجار، المعنى: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة، فحذفت «بين» وأعربت بعوضة بإعرابها، والفاء بمعنى «إلى» أي: إلى ما فوقها، وهذا قول الكسائي، والفراء أيضا، وأنشد أبو العباس لمجهول لم يسمّ، وهو الشاهد رقم [٢٩٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [البسيط]\nيا أحسن النّاس ما قرنا إلى قدم... ولا حبال محبّ واصل تصل","vol":"1","page":85},{"text":"أراد ما بين قرن، فلمّا أسقط «بين» نصب. انتهى قرطبي. وعليه فالتقدير في الآية: «ما بين بعوضة» فحذفت «بين» وانتصب ﴿بَعُوضَةً﴾ مكانها، وذكرت لك في الشرح أن القرطبي قال:\nوالفاء بمعنى «إلى»، وهو في مغني اللبيب أيضا، وانظر الشواهد رقم [٢٩٣ و٢٩٤ و٢٩٥] من كتابنا فتح القريب المجيب إن كنت من أهل النّحو، والإعراب.\nهذا وقرئ شاذّا: («بعوضة») بالرفع، قال أبو الفتح ابن جني: ووجه ذلك: أن ﴿ما﴾ اسم بمنزلة: «الذي» و(«بعوضة») رفع على إضمار مبتدأ. التقدير: لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول، وهو مبتدأ، ومثله قراءة بعضهم في قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم ١٥٤]: («ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن») أي: هو أحسن، وعليه ف (﴿ما﴾) موصولة حذف صدر صلتها، أو هي موصوفة بالجملة كذلك، ومحلّها النصب بالبدلية من ﴿مَثَلًا﴾ على الوجهين، أو هي استفهامية على أنها مبتدأ و(«بعوضة») خبرها، والمعنى: أي شيء البعوضة فما فوقها في الحقارة، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون، أو هي نكرة موصوفة معطوفة على ﴿بَعُوضَةً﴾. ﴿فَوْقَها﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو صفة لها. (أمّا) أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فالذين آمنوا فيعلمون... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب: مهما يك من شيء، فصار: (أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ﴾). وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد أنه واقع لا محالة لكونها علقته على أمر متيقن.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَيَعْلَمُونَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما)، (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبره. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ﴾ التقدير:\nثابتا، أو كائنا، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و(أن) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي (يعلمون)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وهي في الوقت نفسه جواب (أمّا) والجملة الاسمية: (﴿أَمَّا الَّذِينَ..﴾.) إلخ، لا محل لها من الإعراب؛ لأنها مفرعة عما قبلها، وهي بمنزلة الاستئناف. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة كإعراب سابقتها، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها.","vol":"1","page":86},{"text":"﴿ماذا:﴾ (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿ذا﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز أن يكون: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب مفعول به مقدّم، والأول أقوى؛ لأن مفعول ﴿أَرادَ﴾ يحذف كما رأيت في الآية رقم [٢٠].\n ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له، مقحم بين الجار والمجرور، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها، وهذا على الوجه الأول في إعراب ﴿ماذا،﴾ أو في محل رفع خبره على الوجه الثاني فيه، أو هي جملة فعلية على الوجه الثالث في إعرابه، وعلى جميع الوجوه؛ فجملة: ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا:﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿مَثَلًا:﴾ تمييز لاسم الإشارة، أو حال. ﴿يُضِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَثِيرًا:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: خلقا، أو ناسا كثيرا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجوز أبو البقاء اعتبارها صفة مثلا، أو حالا من لفظ الجلالة، كما جوز الاستئناف، وصوّبه ابن هشام في المغني وجملة: (﴿يَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾):\nمعطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يُضِلُّ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاَّ﴾ حرف حصر. ﴿الْفاسِقِينَ﴾ مفعول به منصوب... إلخ. والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿يُضِلُّ﴾ و(﴿يَهْدِي﴾) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-34\"></span>﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ:﴾ النقض: فك التركيب، وأصله: فك طاقات الحبل، واستعماله في إبطال العهد استعارة، حيث شبه العهد بالحبل، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو النقض على سبيل الاستعارة المكنية. ﴿عَهْدَ اللهِ:﴾ قيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود:\nالأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﵇ بأن يقرّوا بربوبيته، وهو قوله تعالى:\nفي سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾. والعهد الثاني: خصّ به النبيين أن يبلغوا الرسالة، ويتمّوا الدين، وهو قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾. والعهد الثالث:\nخصّ به العلماء من كل أمّة وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾.","vol":"1","page":87},{"text":"﴿مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ:﴾ الميثاق: العهد المؤكد باليمين، والجمع: مواثيق على الأصل؛ لأنّ أصل ميثاق: موثاق، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ومثله: ميزان، وميعاد، ونحوهما.\n ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من الإيمان بالرّسول ﷺ وصلة الأرحام، وموالاة المؤمنين، وعدم التفرقة بين الرسل، والكتب في التصديق، فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل، والرحم جزء من هذا. ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر، والمعاصي، والظّلم، وإثارة الفتن، والتعويق عن الإيمان، والصدّ عن سبيل الله بالتّرغيب أحيانا، وبالتّرهيب أحيانا أخرى.\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ حيث استبدلوا المعصية بالطاعة، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب.\nهذا وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على أنّ الوفاء بالعهد، والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذمّ الله تعالى من نقض عهده، وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]. انتهى.\nهذا وقيل في تفسير الخازن: إنّه جعل لكلّ واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران؟! وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة﵁قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلاّ له منزلان:\nمنزل في الجنّة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله» فذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون)، الآية رقم [١٠]: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة في سورة (الرّعد) رقم [٢٥].\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿الْفاسِقِينَ﴾ أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: أذم، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي بعده.\n ﴿يَنْقُضُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿عَهْدَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: عهدهم الله، أي معاهدتهم الله. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة. وليس بشيء. ﴿بَعْدِ﴾ مضاف و﴿مِيثاقِهِ:﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله على اعتباره عائدا على «العهد» وفاعله مستتر فيه، أو من إضافة المصدر لفاعله على اعتباره عائدا على ﴿اللهِ،﴾ وجملة: ﴿يَنْقُضُونَ..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَيَقْطَعُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَقْطَعُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَمَرَ اللهُ بِهِ:﴾ صلته.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يُوصَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ﴾ ونائب الفاعل يعود إلى الموصول، وهو العائد: و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بدل من","vol":"1","page":88},{"text":"الضمير بدل ظاهر من مضمر، وقيل: في محل نصب بدل من ﴿ما﴾ والأول أولى لقربه، وجوز أن يكون المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الوصل: وقيل: مفعول لأجله على حذف المضاف، التقدير: كراهة أن يوصل، أو التقدير: لئلا يوصل: ومثل ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته المشهورة رقم [٩٧] وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nنزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا\nوجملة: (﴿يَقْطَعُونَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: (﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾): معطوفة أيضا. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، هذا ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-35\"></span>﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام المراد به التعجب من كفرهم، وذلك من قبل العباد، والمراد به التوبيخ والتقريع من جهة الله تعالى، ولذلك أتبعه بالبرهان القاطع على سفاهتهم؛ حيث كفروا به، وعبدوا من لا يستحق العبادة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا..﴾. إلخ: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين، والحياتين، وكم من موتة وحياة للإنسان؟\nفقال ابن عباس، وابن مسعود﵃-: أي: كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا، فأحياكم؛ أي: خلقكم، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثمّ للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها؛ قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له لا حجّة عليها.\nوقيل: كنتم أمواتا؛ أي نطفا في أصلاب الرجال، وأرحام النّساء، ثم نقلكم من الأرحام، فأحياكم، ثم يميتكم من هذه الحياة، ثمّ يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر، وهي الحياة التي ليس بعدها موت، فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات، انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [١١]: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ..﴾. إلخ، انظر شرحها هناك، وقال تعالى في سورة الجاثية رقم [٢٦]: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾.","vol":"1","page":89},{"text":"﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيحاسبكم على ما تعملون، من صغير، وكبير، وانظر الآية رقم [١٨].\nهذا؛ وقد عطف سبحانه الإحياء الأول بالفاء على «الموت» وعطف البواقي ب ﴿ثُمَّ﴾ لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة، والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت، وكذلك الرّجوع إليه سبحانه يتراخى عن الإحياء بسبب طول يوم القيامة.\nتنبيه: جاء في مغني اللّبيب ما نصّه: وتستعمل «كيف» على وجهين: أحدهما: أن تكون شرطا، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين، نحو كيف تصنع أصنع، ولا يجوز:\nكيف تجلس أذهب، باتّفاق، ولا: كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها كما مرّ، وقيل: يجوز مطلقا، وإليه ذهب قطرب، والكوفيون، وقيل: يجوز بشرط اقترانها ب «ما» قالوا: ومن ورودها شرطا قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ،﴾ وقوله: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ،﴾ وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبله عليه، وهذا يشكل على إطلاقهم أنّ جوابها يجب مماثلته لشرطها.\nوقد استدرك بعض المعلّقين على المغني، فقال: أجاب بعضهم بأنّه يمكن أن يقدر الجواب موافقا للشرط بأن يقدر الجواب فعل مشيئة متعلق بالفعل السابق، وهو دال عليه؛ لأن الفعل الاختياري يستلزم المشيئة، والأصل: كيف يشاء أمرا يشاء التصوير في الأرحام، كيف يشاء أمرا يشاء الإنفاق. كيف يشاء أمرا يشاء بسطه، غاية الأمر: أنّ متعلق الفعلين مختلف، وهذا جواب بعيد؛ لأنهم قالوا: لدلالة ما قبله عليه؛ لأن المتبادر: أنه دال على الجواب، وعلى دفع الإشكال، فيكون ما قبلها دالاّ على متعلق جوابها، لا على نفس جوابها، وقد علمت دفع هذا بأن الفعل الاختياري وهو الفعل الواقع قبلها يستلزم المشيئة، وهو الجواب المحذوف. انتهى.\nالإعراب: ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله الفعل بعده، وصاحبه: واو الجماعة. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: (﴿كُنْتُمْ أَمْواتًا﴾) في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير، و«قد» مقدّرة قبل الفعل الماضي الناقص لتقربه من الحال.\n (أحياكم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يُمِيتُكُمْ:﴾ معطوفة أيضا.\n ﴿يُحْيِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا، فهي في محل نصب حال أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾\nفعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة معطوفة على ما قبلها.","vol":"1","page":90},{"text":"<span id=\"aya-36\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ:﴾ معناه: اخترع، وأوجد بعد العدم، وقد يقال في الإنسان:\n «خَلَقَ» عند إنشائه شيئا، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل]\nمن كان يخلق ما يقو... ل فحيلتي فيه قليله\nهذا وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: الفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين. هذا؛ وقال القرطبي﵀-: وفي أصل الخلق وجهان: الأول: الإنشاء، والاختراع، والإبداع، قال الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (العنكبوت). والثاني: التقدير، يقال: خلقت الأديم للسّقاء: إذا قدّرته، قبل القطع، قال الشاعر: [الكامل]\nولأنت تفري ما خلقت، وبع... ض القوم يخلق ثمّ ولا يفري\nومعنى ﴿لَكُمْ:﴾ لأجلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم، ودينكم، أما الانتفاع الدّنيوي، فظاهر، وأما الانتفاع الدّيني؛ فالنظر فيه، وما فيه من عجائب الصّنع الدّالة على الصانع القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة، وبثوابها، وعقابها... إلخ، ولذا أوجز بعضهم القول فيه، فقال: إنه دليل على التوحيد، والاعتبار، يدلّ عليه ما قبله، وما بعده من نصب العبر:\nالإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء، وتسويتها. وقد استدل بهذه الآية، وما كان مثلها، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية رقم [١٣] من سورة الجاثية ومثلها كثير: أنّ أصل الأشياء الّتي ينتفع بها الإباحة؛ حتى يقوم الدّليل على الحظر، والمنع.\n ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ:﴾ الاستواء في اللغة: الارتفاع، والعلوّ على الشّيء، قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٢٨]: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الزخرف) رقم [١٣]: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ ويقال: استوت الشمس على رأسي، واستوت الطّير على قمة رأسي، بمعنى: علا. وهذه الآية من المشكلات، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه: قال بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها، ولا نفسّرها، وذهب إليه كثير من الأئمّة، وهذا كما روي عن مالك﵀-: أنّ رجلا سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء، أخرجوه! وقال بعضهم: نقرؤها، ونفسّرها على ما يحتمل ظاهر اللّغة، وهذا","vol":"1","page":91},{"text":"قول المشبّهة، وقال بعضهم: نقرؤها، ونتأوّلها، ونجعل حملها على ظاهرها. انتهى قرطبي بحروفه.\nأقول: وهذا الأخير هو الذي يفسر بقصد إرادته ومشيئته، وهذا مذهب التأويل، والأوّل مذهب التفويض، والثاني مذهب التشبيه، ويقول أهل مذهب التأويل أيضا: استوى: استولى، كما قال الشاعر: [الرجز]\nقد استوى بشر على العراق... من غير سيف ودم مهراق\nهذا وتفيد هذه الآية: أنّ الله تعالى خلق الأرض قبل السّماء، كذلك قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١]: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ..﴾. إلخ. انظر شرحها هناك، فإنه جيد، والحمد لله! وقال في سورة (النازعات) رقم [٢٧]: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ فوصف خلقها، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ فكأنّ السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وهذا قول قتادة -﵁-: إنّ السّماء خلقت أولا.\nوقال مجاهد، وغيره من المفسّرين: إن الله تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه، فجعله أرضا، وثار منه دخان فارتفع، فجعله سماء، فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد أمره إلى السّماء، فسواهنّ سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلقها غير مدحوّة.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وقول قتادة يخرّج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو:\nأنّ الله تعالى خلق أولا دخان السماء، ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فسوّاها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقد شرحت ذلك، وفصلته في سورة (فصلت) والحمد لله!.\nقال القرطبي: ذكر الله تعالى: أنّ السموات سبع، ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ،﴾ وقد اختلف فيه، فقيل:\nومن الأرض مثلهنّ في العدد؛ لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار، فتعيّن العدد، وقيل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في غلظهنّ وما بينهنّ. وقيل: هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض، قال الداودي: والصّحيح الأول، وأنها سبع كالسّماوات. روى مسلم عن سعيد ابن زيد -﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين». ومن حديث أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ: «لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقّه إلاّ طوّقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة». رواه مسلم أيضا. ومعنى: (سواهنّ): سوى سطوحهن بالإملاس، وقيل: جعلهنّ سواء، وقيل: خلقهن مستويات لا عوج فيهنّ، ولا شقوق.\n ﴿عَلِيمٌ:﴾ من صيغ المبالغة، ومعناه: الواسع العلم؛ الذي أحاط علمه بجميع الأشياء، قال أبو حيان: وصف تعالى نفسه ب (عالم، وعليم، وعلام) وهذان للمبالغة، وقد أدخلت العرب","vol":"1","page":92},{"text":"الهاء لتأكيد المبالغة في: (علاّمة) لا يجوز وصفه به تعالى، فالله هو العالم، والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم، أزليّ، واحد، قائم بذاته، ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلميّة، وقالت الجهميّة: عالم بعلم قائم لا في محل، تعالى الله عن قول أهل الزيغ، والضلالات، وقد وصف الله نفسه بالعلم، فقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ وقال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ وقال تعالت قدرته: ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، لا محل لها، التقدير: يوجد في الأرض. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من ﴿ما﴾. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿اِسْتَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (﴿الَّذِي﴾) أيضا، والجملة الفعلية لا محل لها معطوفة على ما قبلها، ﴿إِلَى السَّماءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n (سوّاهن): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به ثان على اعتبار: (سوّى) بمعنى: صيّر، قيل: بدل من الضمير المنصوب، وقيل: تمييز، وقيل: تفسير للضمير. وقال الأخفش: انتصب على الحال، وأقواها الأوّل.\n (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبتدأ. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و(كلّ): مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾\nمضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، إن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-37\"></span>﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: لمّا امتن الله تعالى على العباد بنعمة الخلق، والإيجاد، وأنّه سخّر لهم ما في الأرض جميعا، وأخرجهم من العدم إلى الوجود؛ أتبع ذلك ببدء خلقهم، وامتنّ عليهم بتشريف","vol":"1","page":93},{"text":"أبيهم، وتكريمه، بجعله خليفة، وإسكانه دار الكرامة، وإسجاد الملائكة تعظيما لشأنه، ولا شك: أنّ الإحسان بذلك؛ لأنه من وجوه النّعم الّتي أنعم بها عليهم. انتهى. صفوة التفاسير.\n ﴿وَإِذْ قالَ:﴾ «إذ» و«إذا» حرفا توقيت، ف «إذ» للماضي، و«إذا» للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى، وقال المبرّد: إذا جاء «إذ» مع مستقبل، كان معناه ماضيا، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ﴾ وقوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ معناه: إذ مكروا، وإذ قلت، وإذا جاء «إذا» مع الماضي؛ كان معناه مستقبلا، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ،﴾ ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ معناه: يجيء، ويجب إضافتهما إلى الجمل ك «حيث» في المكان، وبنيتا تشبيها لهما بالموصولات، واستعملتا للتعليل، والمجازاة، ومحلهما النصب أبدا بالظرفية، فإنهما من الظروف الغير متصرفة.\n ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ جمع: ملك. والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله: الصّلادمة، والصّلادم: الخيل الشداد، واحدها: صلدم، وقيل: هي للمبالغة كعلاّمة، ونسابة. وقال أرباب المعاني: خاطب الله الملائكة لا للمشورة، لكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات، والعبادة، والتسبيح، والتقديس، ثم ردهم إلى قيمتهم، فقال ﷿: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾.\nهذا؛ والملائكة: أجسام نورانية لطيفة، قادرة على التشكّل، والتمثّل بأيّة صورة أرادوا، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يتناسلون، ولا يتناكحون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، ولهم قدرة خارقة، ولا تحكم عليهم الصّورة، وهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، قال تعالى في سورة المدثر الآية رقم [٣١]: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال. ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار. ويتشكّلون بأشكال حسنة. ومعنى لا تحكم عليهم الصورة: أنّ الملك إذا تصور بصورة ما، وسدّد إنسان سهما نحوه، أو جني عليه بجناية؛ فلا يناله شيء من الأذى، بخلاف الجنّي إذا تصور بصورة ما؛ فيجري عليه حكم الصورة بلحوق الأذى إليه. وانظر ما ذكرته في سورة (الجنّ) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿خَلِيفَةً:﴾ يخلفني في تنفيذ أحكامي في الأرض. وأفاد كلام ابن عباس، وابن مسعود -﵄وجميع أهل التأويل: أن المراد آدم، ﵊، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه، وأوامره، لأنه أول رسول إلى الأرض، كما في حديث أبي ذرّ﵁قال: قلت: يا رسول الله! أنبيّا كان مرسلا؟ قال: «نعم». وقد كان آدم رسولا إلى ولده، وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا، في كل بطن ذكر، وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا، كما قال","vol":"1","page":94},{"text":"تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ رقم [١] من سورة (النساء).\nوأنزل عليه تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وعاش ألف سنة، والله أعلم.\n ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها:﴾ أي بالمعاصي، والمنكرات. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ:﴾ السّفك:\nالصّبّ، والإراقة، ولا يستعمل إلا في الدم، قال في المصباح: وسفك الدم: أراقه، وبابه ضرب، والمراد: يقتل، ويستحلّ. وهذا السؤال ليس اعتراضا على الله، وإنما هو على سبيل التعجب، لا على سبيل الإنكار، والاعتراض، فإن قيل: من أين عرفوا: أن هذا الخليفة، وذرّيته يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء؟ فالجواب: إنما عرفوا ذلك بإخبار الله تعالى، أو من جهة اللّوح المحفوظ، أو قاسوا أحد الثقلين، أي: الإنس على الآخر، وهم الجنّ، فإن الله تعالى لما خلق الأرض أسكن فيها الجنّ، وأسكن في السماء الملائكة، فأفسدت الجنّ في الأرض، فبعث إليهم طائفة من الملائكة، فطردتهم إلى جزائر البحار، ورءوس الجبال، وأقاموا مكانهم.\n ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أي: نقول: سبحان الله، وبحمده، وهي صلاة الخلق، وبهما يرزقون، فعن أبي ذرّ﵁-: أنّ رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: «ما اصطفى الله لملائكته، أو لعباده: سبحان الله وبحمده». رواه الإمام مسلم. والتسبيح لله أينما كان؛ فمعناه تنزيه الله، وتبرئته عن السّوء. روى طلحة بن عبيد الله﵁، أحد العشرة المبشرين بالجنة-، قال: سألت رسول الله ﷺ عن تفسير «سبحان الله» فقال: «هو تنزيه الله ﷿ عن كل سوء». وخذ ما يلي: فعن سليمان بن يسار عن رجل من الأنصار: أنّ النّبي ﷺ قال: «قال نوح لابنه: إنّي موصيك بوصيّة، وقاصرها؛ لكي لا تنساها، أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، أمّا اللتان أوصيك بهما؛ فيستبشر الله بهما وصالح خلقه، وهما يكثران الولوج على الله، أوصيك: بلا إله إلا الله، فإنّ السموات والأرض لو كانتا حلقة قصمتهما، ولو كانتا في كفّة وزنتهما، وأوصيك: بسبحان الله وبحمده، فإنّهما صلاة الخلق، وبهما يرزق الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. وأمّا اللتان أنهاك عنهما، فيحتجب الله منهما وصالح خلقه: أنهاك عن الشّرك والكبر». رواه النسائي.\n ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ التقديس: التعظيم، والتطهير، والمعنى: نطهرك عن النقائص وعن كل سوء، ونصفك بما يليق بعزك، وجلالك من العلوّ، والعظمة، ونطهّر ذكرك مما نسبه إليك الملحدون. ﴿قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد؛ التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإني أجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصدّيقون، والشهداء، والصّالحون، والعبّاد، والزهّاد، والأولياء، والأبرار، والمقرّبون، والعلماء العاملون، والخاشعون، والمحبّون له ﵎، المتّبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.","vol":"1","page":95},{"text":"وقد استدل القرطبيّ وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن ارتكاب الفواحش... إلى غير ذلك من الأمور المهمة، التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويجب أن يكون الخليفة ذكرا، حرّا، بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، مجتهدا، بصيرا، سليم الأعضاء، خبيرا بالحروب والآراء، قرشيّا على الصّحيح، ولا يشترط الهاشمي، ولا المعصوم من الخطأ، خلافا للغلاة، والروافض. مختصر ابن كثير.\n ﴿الدِّماءَ:﴾ أصله: الدماي، لأنه جمع دم الذي أصله: دمي، فقلبت الياء همزة كما رأيت في (بناء) في الآية رقم [٢٢]، والأصح: أن أصل المفرد دمو، فيكون الجمع: الدّماء، وقلبت الواو همزة، كما رأيت في سماء في الآية رقم [١٩]، وفي الصحاح: الدم أصله دمو بالتحريك.\nوإنما قالوا: دمي يدمى لحال الكسرة التي قبل الياء، كما قالوا: رضي يرضى، وهو من الرضوان، قال الشاعر: [الوافر]\nفلو أنّا على حجر ذبحنا... جرى الدّميان بالخبر اليقين\nوبعض العرب يقول في تثنيته: دموان.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، التقدير: اذكر، أو هو مفعول به للفعل المحذوف، وقيل: هو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: ابتداء خلقي إذ قال، وقيل: زائدة، وهذان الوجهان ضعيفان، وقال الجمل: والأحسن جعله منصوبا ب ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ﴾ أي: قالوا ذلك القول وقت قول الله ﷿ لهم: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ لأنه أسهل الأوجه. انتهى.\nنقلا عن كرخي. وهو تكلف لا داعي له، وابن هشام-رحمه الله تعالى-لم يذكر في مغني اللبيب سوى كونها ظرفا، أو كونها مفعولا به.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خَلِيفَةً﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿جاعِلٌ:﴾ خبرها، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا» والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿جاعِلٌ﴾ على أنهما مفعول به ثان له تقدّم على الأول وهو ﴿خَلِيفَةً﴾.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَتَجْعَلُ:﴾ الهمزة:\nحرف استفهام وتعجب. (﴿تَجْعَلُ﴾): فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنت. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور","vol":"1","page":96},{"text":"متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قالُوا..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب عن سؤال مقدر، فكأن قائلا قال: ماذا قالت الملائكة؟ قيل: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، ﴿يُفْسِدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد. ﴿فِيها﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (﴿يَسْفِكُ الدِّماءَ﴾): معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿نَحْنُ﴾): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نُسَبِّحُ﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط، وإن اعتبرتها حالا من فاعل (﴿تَجْعَلُ﴾) فالرابط: الواو، والضمير، والمعنى عليه أقوى. ﴿بِحَمْدِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿نُسَبِّحُ﴾ أي: متلبسين بحمدك، فهي حال متداخلة.\nوجملة: (﴿نُقَدِّسُ لَكَ﴾): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، واللام زائدة، وعليه فالكاف في محل نصب مفعول به، والأصل: «نقدسك» وقيل: ليست زائدة، فهي جارة للكاف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿نُقَدِّسُ﴾) على أنّهما في محل نصب مفعول به. ﴿قالَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر (إنّ)، واعتبره أبو البقاء اسما بمعنى: عالم، كما جوز اعتباره فعلا مضارعا، فاعله مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: لا محل لها مثل جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿أَعْلَمُ﴾ على الاعتبارين المذكورين فيه. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، أو صفة ﴿ما﴾ إن كانت نكرة موصوفة، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا تعلمونه.\n\n<span id=\"aya-38\"></span>﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها:﴾ تعليم الله لآدم ذلك بإلهام علمه ضرورة، ويحتمل أن يكون ذلك بواسطة جبريل ﵇، قال ابن عطاء: لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء؛ لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها، وهذا واضح. وكنيته في الجنّة أبو محمد، وفي الأرض أبو البشر. و﴿آدَمَ﴾ اسم علم أعجمي مشتق من الأدمة بمعنى السّمرة، أو من أديم الأرض، أي: من وجهها وترابها، أو من الأدمة بمعنى الألفة، قال سعيد بن جبير﵁-: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وإنما سمي إنسانا لأنه نسي، وأصله «أأدم»","vol":"1","page":97},{"text":"بهمزتين، قلبت الثانية مدّا، مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في إيمان، فإنّ أصله ب: «إئمان» وكما قلبت في أومن، فإنّ أصله: «أؤمن»، ﴿الْأَسْماءَ:﴾ جمع: اسم، انظر اشتقاقه في البسملة.\nهذا واختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها الله لآدم ﵇، فقال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير﵃ أجمعين-: علمه أسماء الأشياء كلها: جليلها، وحقيرها، لذا قيل: والمراد بالأسماء أسماء الأشياء، والأجناس التي خلقها، مثل: هذا فرس، وهذا بعير، وهذا باب، وهذا ثوب. وقيل: المراد بالأسماء:\nاللغات، مثل العربية، والتركية، أقول: وكل ذلك صحيح، علّمه كل شيء حتى القصعة، والقصيعة، والمغرفة... إلخ، وبالجملة فقد علمه أسماء الأجناس، وعرّفه منافعها، هذا كذا، وهو يصلح لكذا، وعلمه جميع اللغات، ولقّنها بنيه؛ لكنهم تفرقوا، فحفظ بعضهم العربيّة ونسي غيرها، وبعضهم التركية ونسي غيرها... إلخ.\n ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ:﴾ عرض الأسماء، ومعلوم: أنّ من الأسماء أسماء من يعقل، وأسماء من لا يعقل، فغلب العقلاء على غيرهم، وجمعهم هذا الجمع، هذا وقرئ: («عرضهنّ») و(«عرضها») فيكون من تغليب غير العقلاء على العقلاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أفضل منه، وأعلم. ﴿فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ﴾ أي: أخبروني. هذا؛ والنبأ:\nالخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخصّ من الخبر؛ لأنّ النبأ لا يطلق إلا على كلّ ما له شأن وخطر من الأخبار، وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، لا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمّن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرّى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. هذا؛ وقد يجيء الفعل من نبأ غير مضمن معنى أعلم، فلذلك يعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، وانظر الآية [٣] من سورة التحريم.\nأما صفة خلق آدم ﵇، فقد قال وهب بن منبه: لمّا أراد الله أن يخلق آدم؛ أوحى الله إلى الأرض: إني خالق منك خليقة، منهم من يطيعني، ومنهم من يعصيني، فمن أطاعني؛ أدخلته الجنة، ومن عصاني؛ أدخلته النار، قالت الأرض: أتخلق مني خلقا يكون للنار فيه نصيب؟ قال: نعم. فبكت الأرض، فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، فبعث الله إليها جبريل ﵇ ليأتيه بقبضة منها، من أحمرها، وأسودها، وأبيضها، وطيّبها، وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها؛ قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك إليّ أن لا تأخذ مني شيئا يكون للنار فيه نصيب، فرجع جبريل ﵇ إلى ربّه، وقال: يا رب استعاذت بك منّي، فكرهت أن أقدم عليها. فقال الله لميكائيل ﵇: انطلق، فائتني بقبضة من الأرض، فلما أتاها ليقبض منها؛ قالت له مثل ما قالت لجبريل، فرجع إلى ربه، فقال له ما قالت له، فقال لعزرائيل ﵇: انطلق فائتني بقبضة من الأرض، فلما أتاها؛ قالت له الأرض: أعوذ بعزة الله الذي","vol":"1","page":98},{"text":"أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا، يكون للنار فيه نصيب. فقال: وأنا أعوذ بعزّته أن أعصي له أمرا، وقبض منها قبضة من جميع بقاعها: من عذبها، ومالحها، وحلوها، ومرّها، وطيّبها، وخبيثها، وصعد بها إلى السماء، فسأله ربّه، ﷿، وهو أعلم بما صنع، فأخبره بما قالت، وبما ردّ عليها، فقال الله﷿-: وعزّتي، وجلالي لأخلقنّ ممّا جئت به خلقا، ولأسلطنّك على قبض أرواحهم لقلّة رحمتك، ثمّ جعل الله تلك القبضة، نصفها في الجنّة، ونصفها في النّار، ثم تركها ما شاء الله، ثمّ أخرجها، فعجنها بيده لكيلا يتكبّر إبليس عنه، فعجنها طينا لازبا، قال تعالى في سورة الصافات رقم [١١]: ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ وقال تعالى في سورة المؤمنون رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ فكان جسدا من طين أربعين سنة، ثمّ كان حمأ مسنونا مدّة؛ أي: طينا منتنا، قال تعالى في سورة الرحمن رقم [١٤]: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾. ثم كان جسدا ملقى على باب الجنة مدّة، فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته، لأنّهم لم يكونوا رأوا مثله.\nوكان إبليس يمرّ عليه، ويقول: لأمر ما خلق هذا، ونظر إليه؛ فإذا هو أجوف. فقال: هذا خلق لا يتمالك، ودخل من فمه، وخرج من دبره، وقال للملائكة: إن فضّل هذا عليكم ماذا تصنعون؟ فقالوا: نطيع الله، ولا نعصيه، فقال إبليس في نفسه: لئن فضّل عليّ؛ لأعصينّه، ولئن فضّلت عليه؛ لأهلكنّه.\nفلما أراد الله تعالى أن ينفخ فيه الروح؛ أمرها أن تدخل في جسده، فنظرت فرأت مدخلا ضيقا، فقالت: يا ربّ! كيف أدخل هذا الجسد، قال الله ﷿: ادخليه كرها، وستخرجين منه كرها، فدخلت في يافوخه، فوصلت إلى عينيه، فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا، فسارت إلى أن وصلت إلى منخريه، فعطس، فلما بلغت لسانه: قال: الحمد لله ربّ العالمين، وهي أول كلمة قالها، فناداه الله تعالى: رحمك الله يا أبا محمد! ولهذا خلقتك، ولما بلغت جوفه؛ اشتهى الطّعام، ولما بلغت الركبتين همّ ليقوم، فلم يقدر، كما قال تعالى في سورة الأنبياء رقم [٣٧]:\n ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ فلما بلغت الساقين، والقدمين، استوى قائما بشرا سويّا، لحما، ودما، وعظما، وعروقا، وعصبا، وأحشاء، وكسي لباسا من ظفر، يزداد جسده جمالا وحسنا كل يوم، وجعل في جسده تسعة أبواب: سبعة في رأسه، وهي الأذنان يسمع بهما، والعينان يبصر بهما، والمنخران يشم بهما، والفم فيه اللسان يتكلم به، والأسنان يطحن بها ما يأكله، ويجد لذة المطعومات بها، وبابين في أسفله، وهما القبل، والدبر، يخرج منهما ثفل طعامه، وشرابه، وجعل عقله في دماغه، وفكره، وصرامته في قلبه، وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه، وحزنه في وجهه.\nفسبحان من جعله يسمع بعظم، ويبصر بشحم، وينطق بلحم، ويعرف بدم، وركب فيه الشهوة، وحجزه بالحياء.","vol":"1","page":99},{"text":"فعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم ﵇ على صورته، وطوله ستون ذراعا، ثمّ قال: اذهب، فسلّم على أولئك-نفر من الملائكة-فاسمع ما يحيّونك به، فإنّها تحيّتك، وتحيّة ذرّيّتك، فقال: السّلام عليكم! فقالوا: السّلام عليك، ورحمة الله! فزادوه: ورحمة الله، قال: فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن». متفق عليه، قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: هذه الرواية ظاهرة في أنّ الضمير في صورته عائد إلى آدم، وأنّ المراد: أنّه خلق في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض، وتوفي عليها. انتهى. وعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا صوّر الله آدم تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنّه لا يتمالك». أخرجه مسلم. وعن أبي موسى الأشعري﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسّهل، والحزن، والطّيب، والخبيث» أخرجه الترمذيّ، وأبو داود.\nالإعراب: ﴿وَعَلَّمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (﴿عَلَّمَ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾ المذكور في الآية السابقة. ﴿آدَمَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الْأَسْماءَ﴾ مفعول به ثان. ﴿كُلَّها:﴾ توكيد للأسماء، و«ها» في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ، فهي في محل جر مثلها، وقيل: مستأنفة لا محل لها، والعطف أقوى.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿عَرَضَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ والهاء مفعول به.\n ﴿عَلَى الْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، و﴿ثُمَّ﴾ للتراخي.\n ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾ أيضا.\n ﴿أَنْبِئُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِأَسْماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له، و(أسماء): مضاف، و(أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٣]، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين فيما تقولون؛ فأنبئوني... إلخ.\n\n<span id=\"aya-39\"></span>﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ أي: قال الملائكة. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ تنزيها لك عن جميع المعايب، والنقائص، وانظر الآية رقم [٣٠]، و(سبحان): اسم مصدر، وقيل: مصدر، مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل: سبّح بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا","vol":"1","page":100},{"text":"منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التّسبيح بمعنى التنزيه على الشّذوذ في قول الأعشى: [السريع]\nقد قلت لمّا جاءني فخره: ... سبحان من علقمة الفاخر\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، لذلك جعل مفتاح التوبة بقوله تعالى حكاية عن قول يونس-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقد نزّه الله ذاته في كثير من الآيات تنزيها يليق بجلاله، وعظمته. وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكّن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجرّ، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجئ من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف، والنون، ومعناه: التنزيه، والبراءة لله﷿ من كل نقص-فهو ذكر لله تعالى، لا يصلح لغيره، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠].\nوالعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه؛ إذ لم يجر له فعل من لفظه، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله مكان قولك:\nتنزيها لله، وانظر الإعراب.\n ﴿لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾ أي: إنك أجلّ من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علّمتنا، فهو اعتراف بالعجز، والقصور، وإشعار بأنّ سؤالهم كان استفسارا، ولم يكن اعتراضا، وأنّه قد بان لهم ما قد خفي عليهم من فضل الإنسان، والحكمة في خلقه، وإظهار لشكر نعمته بما عرفهم، وكشف لهم ما اعتقل عليهم، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كلّه إليه. انتهى. بيضاوي.\n ﴿الْعَلِيمُ:﴾ الذي لا يخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، فهو: «فعيل» للمبالغة والتكثير في المعلومات في خلق الله تعالى. ﴿الْحَكِيمُ﴾ معناه: الحاكم، وبينهما مزيد المبالغة، وقال قوم: ﴿الْحَكِيمُ:﴾ المانع من الفساد، ومنه سمّيت حكمة اللجام؛ لأنها تمنع الفرس من الجري، والذهاب في غير قصد، قال جرير: [الكامل]\nأبني حنيفة أحكموا سفهاءكم... إنّي أخاف عليكم أن أغضبا\nأي: امنعوهم من الفساد، هذا؛ و﴿الْحَكِيمُ﴾ هو الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة، وقدم ﴿الْعَلِيمُ﴾ على ﴿الْحَكِيمُ﴾ لأنه هو المفضل به في قوله: ﴿وَعَلَّمَ﴾ وقوله: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ فناسب اتصاله به، ولأن الحكمة ناشئة عن العلم، وأثر له، ولا تنس: أنهما من صيغ المبالغة.\nفائدة: قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: «الله أعلم، ولا أدري» اقتداء بالملائكة، والأنبياء، والفضلاء من العلماء، ولكن قد أخبر الصّادق المصدوق: أنّ بموت العلماء يقبض العلم، فيبقى ناس جهّال يستفتون، فيفتون في رأيهم، فيضلّون، ويضلّون.","vol":"1","page":101},{"text":"فعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵄-، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتّى إذا لم يبق عالما؛ اتّخذ الناس رءوسا جهّالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلّوا». أخرجه البخاري. فهذا الذي عناه القرطبي، ولم يذكره، ثم ذكر ما يلي، فقال: روى النّسائيّ في المسند الصّحيح له عن ابن عمر: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أيّ البقاع خير؟ قال: «لا أدري حتّى أسأل جبريل، فسأل جبريل، فقال: لا أدري حتّى أسأل ميكائيل. فجاء، فقال: خير البقاع المساجد، وشرّها الأسواق». وقال الحافظ المنذريّ: رواه الطبرانيّ في الكبير، وابن حبّان في صحيحه.\nهذا وقد كان الكثير من العلماء يعتذرون عن الإجابة، ويقول أحدهم: لا أدري، فقد روي عن ابن عبّاس﵄-: أنه قال: أتريدون أن تجعلوا رقابنا جسورا تعبرون عليها إلى جهنّم؟! وقال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-: سمعت أبا هريرة يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده: لا أدري؛ حتى يكون أصلا في أيديهم، فإذا سئل أحدهم عمّا لا يدري؛ قال: لا أدري. وذكر ابن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. انتهى قرطبي.\nأقول: في هذه الأيام كثرت الفتاوى بعلم، أو بغير علم، والرّسول ﷺ يقول: «أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النّار»، فترى بعض الجهال ينصب نفسه مفتيا، وقاضيا؛ ليضلّ الناس، ويقطع من مال هذا، ويعطي ذاك، والطّامّة الكبرى عند ما ينصب نفسه مفتيا للطّلاق، ويسلب أموال الناس بفتاواه الضّالة المضلّة، والرسول ﷺ يقول: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنّة، رجل قضى بغير الحقّ فعلم ذاك، فذاك في النّار، وقاض لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فهو في النّار، وقاض قضى بالحقّ، فذلك في الجنة». رواه أبو داود، والترمذيّ وابن ماجة عن أبي بريدة، عن أبيه﵁وهذا لفظ التّرمذيّ.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق، فعله محذوف، كما رأيت، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه ومن فعله المحذوف في محل نصب مقول القول، وهذا عند الخليل، وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، وهو ضعيف لا يعتدّ به. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ»، ﴿عِلْمَ:﴾\nاسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، أو هو في محل رفع بدل من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛","vol":"1","page":102},{"text":"لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، كما يجوز أن يكون بدلا من الضمير المستكنّ في الخبر المحذوف، وهو الأقوى. ﴿عَلَّمْتَنا:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: الذي علمتنا إيّاه. هذا ويجوز اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية، فتؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر، ويجوز بالمصدر الأوجه الثلاثة المذكورة آنفا. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا ويجوز اعتبار الضمير توكيدا لاسم (إنّ) على المحل كما يجوز اعتباره ضمير فصل لا محل له، وعليهما ف: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ خبران ل (إنّ) وقيل: ﴿الْحَكِيمُ﴾ صفة ﴿الْعَلِيمُ﴾ ولا وجه له البتّة.\nوالجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبلها.\n\n<span id=\"aya-40\"></span>﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ:﴾ وذلك لمّا ظهر عجز الملائكة. فسمّى كلّ شيء باسمه، وذكر وجه الحكمة التي خلق لأجلها، وذلك ليعلموا: أنّه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله، وعلوّ شأنه، فكان أفضل منهم بأن قدّمه عليهم، وأسجدهم له، وجعلهم تلامذته، وأمرهم بأن يتعلموا منه، فحصلت له رتبة الجلال والعظمة، وفي هذا دليل على فضل العلم وأهله.\nهذا؛ ولقد اختلف العلماء في هذا الباب: أيّهما أفضل: الملائكة، أم بنو آدم؟ على قولين:\nفذهب قوم إلى أنّ الرسل من البشر أفضل من الرّسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة، والعوام من البشر أفضل من عوام الملائكة. وذهب آخرون إلى أنّ الملأ الأعلى أفضل.\nاحتج من فضل الملائكة بقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ الآيتان رقم [٢٦ - ٢٧] من سورة (الأنبياء)، وقوله تعالى في سورة (التحريم) الآية رقم [٦]: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ،﴾ وفي الحديث القدسيّ: يقول الله ﷿: «وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة، عن الرسول ﷺ، واحتجّ من فضل بني آدم بقوله تعالى في سورة البينة الآية رقم [٧]:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ،﴾ وقوله ﷺ: «من سلك طريقا يلتمس به علما؛ سهّل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع... إلخ» الحديث. رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما، عن أبي الدرداء-رضي الله","vol":"1","page":103},{"text":"عنه-، وبما جاء في أحاديث من أنّ الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل، والله أعلم. انتهى قرطبي بتصرف.\n ﴿فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ فيه دليل على أنّ أحدا لا يعلم الغيب؛ إلا ما أعلمه الله تعالى، كالأنبياء، والأولياء، والصدّيقين، فالمنجّمون والكهّان، وغيرهم كذبة، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٥٩]: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ، وقال تعالى في آخر سورة (لقمان): ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ..﴾. إلخ.\nانظر شرحهما هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا ودخول الاستفهام على النفي في ﴿أَلَمْ﴾ يفيد التوبيخ، والتأنيب، والتقرير.\n ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ أي: ما تظهرون من قولكم؛ أي: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها..﴾. إلخ. ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ:﴾ تخفون، وتسرّون من قولكم: لا يخلق ربنا خلقا أكرم عليه منّا.\nوقال ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير﵁-: المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر، والمعصية، قال ابن عطية: وجاء ﴿تَكْتُمُونَ﴾ للجماعة، والكاتم واحد في هذا القول دليل على تجوّز العرب، واتساعها، كما يقول لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا؛ أي: منكم فاعله، وهذا مع قصد تعنيف. هذا و«كتم» من باب نصر، وربما عدّي «كتم» على مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٢]: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا،﴾ والأكثر أن يتعدّى إلى الثاني بحرف الجر، قال تعالى في الآية رقم [١٥٩] الآتية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى..﴾. إلخ، وتزاد «من» جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وكتم الشيء: بالغ في كتمانه، أي في إخفائه، قال الرسول ﷺ: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». قال صاحب القاموس: والكتم محركة والكتمان بالضم: نبت يخلط بالحنّاء، ويخضّب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة. انتهى. ورحم البوصيري إذ يقول: [البسيط]\nفإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم\nولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم\nلو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة لا محل لها، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر كالتي قبلها. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (آدم): مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا)، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْبِئْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت، والهاء مفعول به. ﴿بِأَسْمائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية","vol":"1","page":104},{"text":"في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٧].\n ﴿أَنْبَأَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿آدَمُ﴾)، والهاء مفعول به. ﴿بِأَسْمائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى اعتبارها متعلقة بجوابها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿رَبُّكَ﴾). ﴿أَلَمْ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام وتقرير. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَقُلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) والفاعل تقديره: أنا. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿أَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنا. ﴿غَيْبَ﴾ مفعولا به وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، هذا ويجوز اعتبار ﴿أَعْلَمُ﴾ اسما بمعنى عالم، فيكون خبرا مفردا ل (إنّ)، ويبقى ﴿غَيْبَ﴾ مفعولا به له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَعْلَمُ﴾ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه، وعليه فالإضافة من إضافة «عالم» لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تُبْدُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، أو الرابط على اعتبار. ﴿ما﴾ نكرة موصوفة؛ إذ التقدير: أعلم الذي تبدونه. ﴿وَما﴾ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْتُمُونَ﴾ في محل نصب خبره، والجملة: ﴿كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد والرابط محذوف؛ إذ التقدير: وما كنتم تكتمونه. هذا؛ واعتبار: (﴿أَعْلَمُ﴾) بالجملتين بمعنى: عالم، فيكون ليس على بابه من التفضيل، ومثل ذلك قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا فتح ربّ البريّة: [الكامل]\nإنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول\nأي: عزيزة وطويلة، وأيضا قول الشّنفرى، وهو الشاهد رقم [٩٦٥] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nوإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل\n\n<span id=\"aya-41\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ:﴾ السجود في الأصل تذلّل مع تطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة [على الأرض] على قصد العبادة، والمأمور به إمّا المعنى الشّرعي؛","vol":"1","page":105},{"text":"فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصّلاة، والصّلاة لله، فمعنى «اسجدوا له» أي: إليه. وإمّا المعنى اللّغوي، وهو التواضع لآدم تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى:\n ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض، إنّما كان الانحناء، فلمّا جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسّلام. انتهى جمل نقلا من تفسير الخطيب.\nقال القرطبي رحمه الله تعالى: وهذا السجود المنهيّ عنه قد اتخذه جهال المتصوّفة عادة في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال -بزعمه-يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه. ضلّ سعيهم، وخاب عملهم! انتهى بحروفه.\n ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ مأخوذ من: أبلس، يبلس، إبلاسا بمعنى سكت غمّا، وأيس من رحمة الله، وخاب، وخسر، وهو من الملائكة، كذا قال عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، -﵃وهو اختيار أبي الحسن، وقال ابن عباس: وكان اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة، وكان من أولي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد، فلمّا عصى الله؛ غضب الله عليه، فلعنه: فصار شيطانا، ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، ولهذا قال تعالى له: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف)، وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ معناه: صار من الجانّ، كقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٣]: ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.\nوقيل: الاستثناء منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجنّ بالنّصّ، قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: إنّ الجنّ سبط من الملائكة، خلقوا من نار، وإبليس منهم، وخلق سائر الملائكة من نور. وقال ابن زيد، والحسن، وقتادة أيضا: إبليس أبو الجن، كما أنّ آدم أبو البشر، ولم يكن ملكا، واستدلوا بقوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ رقم [٥١] أي: عصى الله، واستكبر عن أمره تعالى، والملائكة ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ سورة (التحريم) الآية [٦]، واستدلوا بأنّه كان له ذرية بنصّ القرآن: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾.\nولا نسل للملائكة قطعا، وعن الجاحظ: إن الجنّ والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم؛ فهو ملك، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جنّ. وهو غير مسلّم له.\n ﴿أَبى:﴾ ماض من الإباء، وهو الامتناع، وأشدّه. وإباء الله: قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون، قال تعالى في صيغة المضارع: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (التوبة)، ويكون متعديا إذا كان بمعنى: كره، ولازما إذا كان بمعنى: امتنع، وهذا الفعل يتضمن النفي، والإيجاب؛ لأنه بمعنى: لا يقبل إلا... إلخ،","vol":"1","page":106},{"text":"هذا: وأبى، يأبى من الباب الثّالث شاذّ؛ لأنه لم يكن عينه أو لامه حرفا من حروف الحلق، ولم يجئ منه إلاّ قلى، يقلى، وغسى، يغسى، وجبى، يجبى، وعسى، يعسى. والّذي حمل إبليس على عدم السجود لآدم هو الكبر، والحسد، فدليل كبره قوله تعالى حكاية عن قوله في سورة (الأعراف) رقم [١٢]: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ،﴾ وحسده لمّا رأى الملائكة سجدت لآدم تعظيما، وإكراما؛ حسده على هذه المنزلة الرفيعة، والمكانة العالية؛ لذا كان مبدأ العصيان هو الكبر، والحسد، فليحذر المسلم من هاتين الخصلتين الذّميمتين اللّتين سببتا لإبليس الطرد من رحمة الله! وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد؛ اعتزل الشّيطان يبكي، ويقول: يا ويلتي أمر ابن آدم بالسّجود، فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسّجود، فأبيت، فلي النّار». أخرجه مسلم.\nهذا وقد قال عبد الوهاب النّجار-رحمه الله تعالى-في كتابه (قصص الأنبياء): هل آدم هذا هو أبو البشر ولم يكن أحد من قبله من جنسه؟ والجواب: أن العقل لا يجعل من المحال أن يكون الله خلق آدم غير آدم هذا، ولكن الله تعالى لم يذكر سوى آدم الّذي نعرفه أبا البشر، فالقول بوجود غيره مجازفة بلا برهان، وقد وجد من البشر في الأزمان الغابرة والحاضرة من يدّعون:\nأن عمران بلادهم أقدم من خلق آدم، كأهل الهند، وقد كانوا في الزمان السابق يدّعون أنّ آدم كان عبدا من عبيدهم هرب إلى الغرب، وجاء بأولاده، وإلى هذا يشير المعرّي بقوله: [الوافر]\nتقول الهند آدم كان قنّا... لنا فسعى إليه مخبّبوه\nوإلى القول بوجود أوادم سوى آدم يشير بقوله: [الخفيف]\nجائز أن يكون آدم هذا... قبله آدم على إثر آدم\nوقوله: [الطويل]\nوما آدم في مذهب العقل واحدا... ولكنّه عند القياس أوادم\nوهناك فريق من الناس يرجّح: أنه ليس أوّل نوعه، ويستأنسون لذلك بقول الملائكة:\n ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ،﴾ ويقول: إنّ الملائكة لم يقولوا ذلك إلا لرؤيتهم من تقدّموا قبل آدم من الخلق الذين على صورته قد فعلوا ذلك، وأنّ آدم ﵇ إنما كان خليفة عن بشر كانوا من جنسه، وبادوا. وكل هذه الأقوال لا تستند إلى نصّ قطعي الثبوت والدلالة.\nانتهى بحروفه.\nبعد هذا لقد علمت نقلا، وعقلا، وواقعيّا: أن الله خلق كلّ مخلوق من أبوين بطريق التزاوج، إلا آدم-على نبينا وحبيبنا وعليه ألف صلاة وسلام-فقد خلقه الله بيده من طين، ثم","vol":"1","page":107},{"text":"نفخ فيه من روحه، فآدم لم يخلق من أبوين، إنّما نموذجا فردا، كما صرّحت الآيات القرآنية بذلك، وقد صرحت أيضا أنّه أبو البشر. قال تعالى في أول سورة (النّساء): ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٩]: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها..﴾. إلخ، وقال في ثلاث آيات من سورة (الأعراف) أيضا: ﴿يا بَنِي آدَمَ،﴾ وفي حديث الشّفاعة المرويّ في الصّحيحين: «أن الناس يأتون لآدم فيقولون له: يا آدم أنت أبو البشر...».\nهذا وما قاله داروين من أنّ أصل البشر بدأ بجرثومة صغيرة ظهرت على سطح الماء، ثم تحولت إلى حيوان صغير، ثم تدرّج هذا الحيوان فأصبح ضفدعا، فسمكة، فقردا، ثمّ ترقى هذا القرد، وتمدّن، فصار إنسانا، فالإنسان بنظره قرد متمدّن. وهذه النّظرية تناقض المنقول، والمعقول، والواقع، فليكن داروين وأتباعه المقتنعون بنظريته المتحمّسون لها القردة، وأولاد القردة، أما نحن المؤمنون بالقرآن، والمصدّقون بما جاءت به الرّسل الكرام؛ فلا نرضى إلا أن نكون من نسل آدم ﵇، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٠]: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (التّين) رقم [٤]: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ،﴾ وإذا كانت نظرية داروين صحيحة؛ فلماذا لم يتطوّر سائر القردة، ويتمدّنوا، ونحن نعيش في عصر التطوّر، والتمدّن؟!.\nهذا وإذا عرفنا أن داروين يهوديّ الأصل، وأنه دهريّ ملحد، يعتقد بألا خالق لهذا الوجود، ولا صانع لهذا العالم، فهو كافر بكلّ القيم الرّوحية؛ الّتي جاءت بها الشرائع السّماوية؛ إذا عرفنا هذا؛ نضرب به، وبنظريته، وبأتباعه عرض الحائط، هذا؛ وقال المرحوم عبد الوهاب النّجار بعد أن ناقش النظرية في كتابه (قصص الأنبياء): أقول: كلّما فكرت في ذلك جزمت بأنّ ذلك محال، وقطعت بأن القرد لا بدّ أن يبقى قردا مدى الدّهر، وأنّ القردة لا تلد إلا قردة. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿إِذْ﴾): معطوفة على مثلها في الآية رقم [٣٠].\n ﴿قُلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿لِآدَمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها.\n ﴿فَسَجَدُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (سجدوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿قُلْنا﴾ فهي في محل جرّ مثلها.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى متّصل، أو منقطع، انظر شرح المفردات.\n ﴿أَبى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ،﴾","vol":"1","page":108},{"text":"والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِبْلِيسَ﴾ والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجملة: (﴿اِسْتَكْبَرَ﴾) معطوفة عليها، وهي في محل نصب مثلها. (﴿كانَ﴾): فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر كان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا.\n\n<span id=\"aya-42\"></span>﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ أي: اتخذها مأوى، ومنزلا، وليس معناه الاستقرار، والثبوت؛ لأنه لم يقل: أسكنتك الجنّة؛ لأنه خلق لعمارة الأرض، ولمّا أسكن الله آدم في الجنّة؛ بقي وحده، وليس معه من يستأنس به، ويجالسه، فألقى الله عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من أضلاع جنبه الأيسر، وهو الأقصر، فخلق منه زوجته حوّاء، ووضع مكان الضّلع لحما من غير أن يحسّ بذلك، ولم يجد ألما، ولو وجد؛ لما عطف رجل على امرأة قطّ. وسمّيت: حواء؛ لأنها خلقت من حيّ، فلمّا استيقظ من نومه، ورآها جالسة كأحسن ما خلق الله تعالى، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا زوجتك حوّاء، قال: ولماذا خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، وأسكن إليك.\nوفي القرطبيّ: أنّ الملائكة قالوا له: أتحبّها يا آدم؟! قال: نعم! فقالوا لحواء: أتحبينه؟ قالت: لا! وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبّه لها. قالوا: فلو صدقت المرأة في حبّها لزوجها؛ لصدقت حوّاء، وقال العلماء: ولهذا كانت المرأة عوجاء مهما تعلّمت، وتثقّفت؛ لأنها خلقت من أعوج وهو الضّلع، وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «استوصوا بالنّساء، فإنّ المرأة خلقت من ضلع، وإنّ أعوج شيء في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه؛ كسرته، وإن تركته؛ لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنّساء». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما، وفي رواية لمسلم وحده:\n «إنّ المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمعت بها؛ وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها؛ كسرتها، وكسرها طلاقها». ورحم الله من قال: [الطويل]\nهي الضّلع العوجاء لست تقيمها... ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها\nأتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها\nهذا وهناك من يتبجّح، ويقول: إنّ الله خلق حواء بدون واسطة، وهذا يعني: أنّ الله خلقها من تراب، كما خلق آدم، ولذا فهم يقدّرون مضافا محذوفا، فيقولون: الأصل: منها أي: من البشر، وذلك في قوله تعالى في كثير من الآيات: (﴿خَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾).","vol":"1","page":109},{"text":"﴿وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما:﴾ الرّغد: العيش الدّارّ الهنيّ؛ الّذي لا عناء فيه.\nقال الشاعر: [الرمل]\nبينما المرء تراه ناعما... يأمن الأحداث في عيش رغد\nورغد العيش: من باب: ظرف، فهو راغد، وهو في رغد من العيش، أي: في رزق واسع، وأرغد القوم: أخصبوا. و(حيث) ظرف مكان اتفاقا، وقد ترد للزّمان، قال الأخفش: وبه قيل في قول طرفة بن العبد: [المديد]\nللفتى عقل يعيش به... حيث تهدي ساقه قدمه\nأي: في زمن هدايته، وتحتمل المكان أيضا، وفيها ستّ لغات، بالياء مع الضم والفتح والكسر، وبالواو مع الضم، والفتح، والكسر، وهي: حيث، وحيث، وحيث، وحوث، وحوث، وحوث، وانظر مبحثها وشواهدها في كتابنا فتح القريب المجيب.\n ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ:﴾ لقد اختلف في تعيين هذه الشجرة اختلافا كبيرا، قال العلامة أبو جعفر بن جرير-رحمه الله تعالى-: والصّواب في ذلك أن يقال: إنّ الله تعالى نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنّة، دون سائر أشجارها، فأكلوا منها، ولا علم عندنا بأيّ شجرة كانت تدل على التّعيين؛ لأنّ الله تعالى لم يضع دليلا على ذلك في القرآن، ولا ورد في السنة الصّحيحة بيان له، وقد قيل: كانت شجرة البرّ. وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التّين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم-إذا علم-لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل؛ لم يضره جهله، والله أعلم. مختصر ابن كثير. هذا ولقد نهى الله عن قرب هذه الشجرة؛ لأنه أبلغ في النهي عن الأكل، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ الآية رقم [١٨٦] الآتية، انظر شرحها هناك؛ فإنه جيد، والحمد لله!.\nهذا ويقال: إنّ أول من أكل من الشجرة حوّاء بإغواء إبليس إيّاها، وإن أول كلامه كان معها؛ لأنّها وسواس المخدّة، وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء، فقال: ما منعتما من هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد، لأنّه علم منهما: أنهما كانا يحبان الخلد، فأتاهما من حيث أحبّا، فلما قالت حواء لآدم؛ أنكر عليها، وذكر العهد، فألحّ على حواء، وألحّت حواء على آدم إلى أن قالت: أنا آكل قبلك حتى إذا أصابني شيء؛ سلمت أنت، فأكلت، فلم يضرّها، فأتت آدم، فقالت: كل فإني أكلت فلم يضرّني، فأكل، فبدت لهما سوآتهما، وحصلا في حكم الذنب لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فجمعهما في النّهي، فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتّى وجد المنهي عنه منهما جميعا، هذا وقد قال الرسول ﷺ: «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم؛ لرجح حلمه». وقد قال الله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ سورة (طه) رقم [١١٥].","vol":"1","page":110},{"text":"الإعراب: (﴿قُلْنا﴾): فعل، وفاعل. (﴿يا﴾): أداة نداء. (﴿آدَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء. ﴿اُسْكُنْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل في محل رفع توكيد للضمير المستتر ب ﴿اُسْكُنْ،﴾ ﴿وَزَوْجُكَ:﴾ معطوف على الضمير المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به، وانظر إعراب ﴿هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ في الآية رقم [٥٨] الآتية. (كلا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وهناك محذوف؛ إذ التقدير: كلا من ثمرها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿رَغَدًا:﴾ صفة مفعول مطلق؛ إذ التقدير: كلوا أكلا رغدا، ويمكن اعتباره نائب مفعول مطلق، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، تقديره: كلا مستطيبين، متهنئين. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل (﴿كُلا﴾)، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون بدلا من ﴿الْجَنَّةَ﴾ فيكون ﴿حَيْثُ﴾ مفعولا به؛ لأن ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به وليس بظرف. ﴿شِئْتُما:﴾ فعل، وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿هذِهِ:﴾\nاسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿الشَّجَرَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿فَتَكُونا:﴾ الفاء: للسببية، (تكونا): فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون، وألف الاثنين اسمه. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكونا)، و«أن» المضمرة بعد الفاء، والفعل (تكونا) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ التقدير:\nلا يكن منكما قرب من الشجرة، فظلم لنفسيكما. هذا؛ وجوز أن تكون الفاء عاطفة، وأنّ الفعل مجزوم بسبب العطف على النّهي، والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. بعد هذا فالآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُلْنا..﴾.) إلخ: معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. هذا؛ والآية مذكورة برقم [١٩] من سورة (الأعراف) انظر شرحها هناك، ففيه كبير فائدة.\n\n<span id=\"aya-43\"></span>﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ ويقرأ: («أزالهما») وهما بمعنى: أذهبهما، وأبعدهما، وصرفهما عمّا كانا عليه من الطاعة إلى المعصية، يقال منه: أزللته، فزلّ، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٥٥]: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ وقيل: إن معنى أزلهما من: زلّ عن المكان:\nإذا تنحّى، قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦٥]: [الطويل]","vol":"1","page":111},{"text":"كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل\nيزلّ الغلام الخفّ عن صهواته... ويلوي بأثواب العنيف المثقّل\n ﴿عَنْها﴾ عن الجنّة. ﴿فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ أي: من نعيم الجنة، وسرورها، ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه من الجنة فقط، وإنما أراد إسقاطه من مرتبته، وإبعاده من رحمة الله تعالى، كما أبعد هو، وطرد، فلم يدرك طرده، بل ازداد سخنة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظنّ، قال الله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢٢]: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ فصار ﵇ خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره، وكم بين الخليفة والجار من فرق! ونسب الإخراج إلى إبليس؛ لأنه كان بسببه وإغوائه.\nواختلف في كيفية دخول إبليس الجنّة، ووسوسته لآدم وحواء، فقال ابن مسعود، وابن عباس -﵃وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢١]: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ وكان قد رآهما على باب الجنّة؛ لأنّهما كانا يخرجان منها، وكان إبليس بقرب الباب، فوسوس لهما. والمقاسمة: ظاهر المشافهة، وقال بعضهم، وذكر عبد الرزاق عن وهب بن منبه: إنه دخل الجنة في فم الحيّة، وذلك أنّ إبليس لعنه الله تعالى. أراد أن يدخل الجنّة، فمنعه الخزنة، فأتى الحيّة وكانت صديقة لإبليس، وكانت من أحسن الدوابّ، لها أربع قوائم كقوائم البعير، فسألها أن تدخله في فمها، فأدخلته، ومرّت به على الخزنة، وهم لا يعلمون، وكان ذلك لأنه طرد من الجنّة حينما عصى الله، وأبى أن يسجد لآدم، فقال الله له: ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (الأعراف).\nفلما دخل؛ أخذ يوسوس لهما وذلك: أنّ آدم لمّا دخل الجنة، ورأى ما فيها من النعيم؛ قال: لو أن خلدا!، فاغتنم إبليس ذلك منه، وأتاه من قبل الخلد، وقال لهما: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ رقم [٢٠] من سورة (الأعراف). وقيل: لما دخل الجنّة، وقف على آدم، وحواء، وهما لا يعلمان: أنّه إبليس، فبكى، وناح نياحة أحزنهما، وهو أوّل نائح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما؛ لأنكما تموتان، فتفارقان ما أنتما فيه من النّعمة، فوقع ذلك في أنفسهما، واغتمّا، ومضى إبليس، ثمّ أتاهما بعد ذلك. وقال: ﴿يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ سورة (طه) رقم [١٢٠]، فأبى أن يقبل منه، ف ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فاغترّا، وما ظنّا: أنّ أحدا يحلف بالله كذبا، فبادرت حواء إلى الشّجرة، فأكلت منها، ثم ناولت آدم، فأكل منها، قال إبراهيم بن أدهم-رحمه الله تعالى-: «أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا».\nقال ابن عباس﵄-: «قال الله تعالى: يا آدم! ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشّجرة؟ قال: بلى وعزّتك! ولكن ما ظننت أنّ أحدا يحلف بك كذبا، قال: فبعزتي","vol":"1","page":112},{"text":"لأهبطنّك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش فيها إلا نكدا! فأهبط من الجنّة، وعلّم صنعة الحديد، وخلق الله ثورا، وبقرة، وقال له: احرث، فحرث، وزرع، وسقى؛ حتّى إذا بلغ، واشتدّ؛ حصده، ثم درسه، ثم ذرّاه، ثم طحنه، ثمّ عجنه، وخبزه، ثمّ أكله، فلم يصل إلى حلقه حتّى بلغ منه الجهد».\nوفي رواية أخرى عن ابن عباس﵄-: أنّ الله تعالى قال: يا آدم! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته لي حواء، قال: فإنّي قد أعقبتها ألا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، ودميتها في الشهر مرّتين، فرنت حواء عند ذلك، فقيل: عليك الرنّة، وعلى بناتك. والرنّة: الصّوت، فلما أكلا من الشجرة؛ تساقطت عنهما ثيابهما، وبدت لهما سوآتهما، وهو صريح قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٢]، وفي سورة (طه) [١٢١]: ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.\n ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا:﴾ الهبوط: النزول من أعلى إلى أسفل، والخطاب لآدم، وحواء، والحيّة، وإبليس، وفي سورة (الأعراف) رقم [٢٤] مثله، وفيها رقم [١٣]: ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ على أنه خطاب لإبليس وحده، وفي سورة (طه) رقم [١٢٣]: ﴿اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا﴾ على أنه خطاب لآدم وحواء، أو لآدم وإبليس، فأهبط آدم بسرنديب من الهند بجبل يقال له: بوذ، ومعه ريح الجنّة، فعلق بشجرها، وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيبا، فمن ثم يؤتى بالطّيب من هناك، وهو من ريح آدم ﵇، وفي البخاريّ عن أبي هريرة﵁-، عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا». وأهبطت حواء بجدّة، وإبليس بالأبلّة، والحيّة سجستان وهي أكثر بلاد الله حيّات، ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها، لأخليت سجستان من أجل الحيّات، ذكره أبو الحسن المسعودي. انتهى قرطبي. قال الجوهري: والعربدّ: حية تنفخ، ولا تؤذي، وزاد صاحب القاموس: أو حية حمراء خبيثة.\n ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ:﴾ ﴿عَدُوٌّ﴾ ضدّ صديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل:\nصبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنّى، والجمع؛ إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية رقم [٦] من سورة (فاطر)، فقد عبّر عنه به عن مفرد، وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ الآية رقم [٧٧] من سورة (الشعراء)، فقد عبّر به عن جمع، ومثل ذلك: صديق، أي في إتيانه بلفظ واحد للمفرد، والمثنّى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعداة، وعدى، وقيل: جمع أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم، والكسر: اسم الجمع. هذا وسمي العدو: عدوّا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع","vol":"1","page":113},{"text":"بك، والقضاء عليك كما يسمّى الصديق صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبّة.\nهذا؛ والحكمة من إهباط آدم ﵇ إلى الأرض ما كان قدّره في الأزل، وهي نشر نسله فيها؛ ليكلفهم، ويمتحنهم، ويرتّب على ذلك ثوابهم، وعقابهم الأخرويّ؛ إذ الجنّة ليست بدار تكليف، وكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنّة، ولله أن يفعل ما يشاء، وقد قال الله للملائكة حين توجهت إرادته لخلق آدم: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وهذه منقبة عظيمة، وفضيلة كريمة شريفة. هذا فقد روي: أنّ روح موسى التقت مع روح آدم ﵉، فقال موسى: يا آدم! أكلت من الشجرة حتّى سبّبت لذريتك العناء، والشقاء! فقال آدم: يا موسى! أنت رسول الله، وكليمه، تلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بآلاف السّنين؟ فحجّ آدم موسى؛ أي: غلبه بالحجّة.\nهذا ويسأل: آدم معصوم، فكيف يخالف النّهي؟! وأجيب بوجوه، منها: أنه اعتقد أن النّهي للتنزيه، لا للتّحريم، ومنها: أنّه نسي النّهي، وهو صريح قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١١٥]:\n ﴿فَنَسِيَ﴾ ومنها: أنه ظنّ نسخه بسبب مقاسمة إبليس له: أنه من النّاصحين، وهو صريح قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢١]: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فاعتقد: أنه لا يحلف أحد بالله كذبا. وقد اختلف: هل كان ذلك من آدم قبل النبوة، أو بعدها؟ والظاهر: أنه أعطي النبوة في الأرض. وإلى الذين يكدسون الذنوب والمعاصي، ويؤملون الآمال العراض في دخول جنّة عرضها الأرض والسموات، اذكر قول القائل: [الكامل]\nتضع الذّنوب على الذّنوب وترتجي... درج الجنان وطيب عيش العابد\nونسيت أنّ الله أخرج آدما... منها إلى الدّنيا بذنب واحد\nهذا؛ وقال ابن المنير-رحمه الله تعالى-: مقتضاه تأويل الآي. ومشعر ظاهرها بعدم وقوع الصّغائر من الأنبياء، تنزيها لهم عنها. وعلى أن تجويز الصغائر عليهم قد قال به طوائف من أهل السنة، وفي طيّ وقوعها ألطاف، وزيادة في الالتجاء إلى الله تعالى، والتواضع له، والإشفاق إلى الخطّائين، والدعاء لهم بالتوبة والمغفرة، كما نقل عن داود-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: أنه كان بعد ابتلاء الله له يدعو للخطّاءين كثيرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٦] من سورة (النساء)، وفي الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة)، والآية رقم [٦٨] من سورة (الأنفال).\n ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ:﴾ موضع استقرار، وقال السدي: مستقر يعني: القبور، وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا﴾ يحتمل المعنيين، والله أعلم، ومنه سمّيت متعة النكاح؛","vol":"1","page":114},{"text":"لأنها تمتّع به، انظر الآية رقم [٢٣٥] الآتية، وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر ابنه أيوب إثر دفنه: [الطويل]\nوقفت على قبر غريب بقفرة... متاع قليل من حبيب مفارق\nهذا واختلف في الحين، فقال قوم: إلى الموت، هذا قول من يقول: المستقر: هو المقام في الدنيا. وقيل: إلى قيام السّاعة، وهذا قول من يقول: المستقر هو في القبور. وقال الربيع: (﴿إِلى حِينٍ﴾): إلى أجل، والحين: الوقت البعيد، وربما أدخلوا عليه التاء، قال أبو وجرة: [الكامل]\nالعاطفون تحين ما من عاطف... والمطعمون زمان أين المطعم؟\nوالحين: المدّة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ والحين: الساعة. قال تعالى في سورة (الزمر) رقم [٥٨]: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ،﴾ وقال ابن عرفة: الحين:\nالقطعة من الدّهر، كالساعة، فما فوقها، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٥٤]: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ أي: حتى تفنى آجالهم. وقوله تعالى في سورة (إبراهيم) -على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-رقم [٢٥]: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها؛﴾ أي: كل سنة، وقيل: بل كل ستة أشهر، وقيل: بل غدوة وعشيّا، وقال الأزهريّ: الحين: اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها، طالت، أو قصرت، والمعنى: أنه ينتفع بها في كلّ وقت، ولا ينقطع نفعها البتة. قال:\nوالحين: يوم القيامة، والحين: الغدوة، والعشية، قال الله تعالى في سورة (الروم) رقم [١٧]:\n ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ويقال: عاملته محاينة من الحين، وأحينت بالمكان.\nإذا أقمت فيه حينا، وحان حين كذا؛ أي: قرب، قالت بثينة: [الطويل]\nوإنّ سلويّ عن جميل لساعة... من الدّهر ما حانت ولا حان حينها\nوقال ابن العربي، والفراء: الحين حينان: مجهول، ومعلوم، فالحين المجهول لا يتعلق به حكم، والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام، ويرتبط به التكليف، وأكثر المعلوم سنة.\nانتهى قرطبي بتصرف. هذا وجمع الحين: أحيان، وجمع الجمع: أحايين، والحين بفتح الحاء:\nالهلاك، والموت.\nوأخيرا أفاد قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وقوع العداوة بين آدم وذريته، وبين إبليس والحية، أما عداوة إبليس فقد ذكرها الله تعالى في كثير من الآيات القرآنية؛ ولم يذكر عداوة الحية لذريّة آدم، والثابت: أنها لعنت كما لعن إبليس، وردّت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين آدم وذريته إلى يوم القيامة، وقد بيّن الرسول ﷺ عداوتها في أحاديثه الشريفة الصحيحة؛ لذا أمر بقتلها. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال:\n «ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ-يعني: الحيّات-ومن ترك قتل شيء منهن خيفة؛ فليس منا»، رواه","vol":"1","page":115},{"text":"أبو داود، وابن حبّان. وعن ابن عبّاس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك الحيات مخافة ظلمهن؛ فليس منا، ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ». رواه أبو داود. وعن أبي ليلى -﵁-: أنّ رسول الله ﷺ سئل عن جنان البيوت، فقال: «إذا رأيتم منهنّ شيئا في مساكنكم، فقولوا: أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم نوح، أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم سليمان أن لا تؤذونا، فإن عدن؛ فاقتلوهنّ» رواه أبو داود، والترمذي، والنّسائيّ.\nوعن أبي لبابة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ قد نهى عن قتل الجنّان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين، فإنهما اللّذان يخطفان البصر، ويتبعان ما في بطون النساء. رواه أبو داود. الأبتر: جنس من الحيات كأنه مقطوع الذنب، وقيل: هو صنف من الحيّات أزرق مقطوع الذنب، إذا نظرت إليه الحامل؛ ألقت حملها، قاله النضر بن شميل، والطفيتان هما: الخطّان الأسودان في ظهر الحيّة، وقد يكون الخطّان أبيضين.\nوقال الربيع بن بدر رحمه الله تعالى: الجانّ من الحيات التي نهى الرسول ﷺ عن قتلها.\nهي التي تمشي مستقيمة ولا تلتوي. وعن علقمة بن قيس نحوه. بعد هذا خذ الإعراب، والله الموفق للحقّ والصّواب.\nالإعراب: ﴿فَأَزَلَّهُمَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أزلّهما): فعل ماض. والهاء: مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿عَنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿قُلْنَا..﴾.) إلخ في الآية السابقة، فهي في محل جر مثلها، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها. ﴿فَأَخْرَجَهُما:﴾ الفاء: حرف عطف، (أخرجهما):\nفعل ماض، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والفاعل يعود إلى الشيطان، تقديره هو، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: فأكلا منها، فأخرجهما، فتكون الفاء في الجملة المحذوفة مفيدة للسبب.\n ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ ب (من). ﴿كانا:﴾ فعل ماض ناقص، وألف الاثنين اسمه.\n ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب (في).\n (قلنا): فعل وفاعل. ﴿اِهْبِطُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُلْنَا..﴾.) إلخ معطوفة على جملة: (أزلهما). ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. (﴿لَكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان","vol":"1","page":116},{"text":"ب ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ بعدهما الذي هو مبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وقيل: مستأنفة، والعطف أقوى. ﴿وَمَتاعٌ:﴾ معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان ب (﴿مَتاعٌ﴾)، أو صفة له، التقدير: ممتدّ إلى حين.\n\n<span id=\"aya-44\"></span>﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَتَلَقّى..﴾. إلخ، استقبلها بالأخذ، والقبول، والعمل بها، وكان الرسول ﷺ يتلقّى الوحي؛ أي: يستقبله، ويأخذه، ويعمل به. هذا؛ وقرئ بنصب («آدم») ورفع («كلمات») والمعنى لا يتغير؛ لأنّ ما تلقيته فقد تلقّاك، وما تلقّاك فقد تلقّيته، ومثل هذه الآية بالقراءتين قوله تعالى في الآية رقم [١٢٤] الآتية: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ حيث يقرأ بالواو أيضا، والمعنى واحد؛ لأنّ ما نلته فقد نالك، وما نالك فقد نلته. واختلف في الكلمات التي تلقاها آدم، فقال ابن عباس، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، والضّحاك، ومجاهد﵃-: هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الأعراف)، وقيل غير ذلك.\n ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أي: قبل توبته، ووفّقه للتوبة، وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم الجمعة، فعن أبي لبابة بن عبد المنذر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إن يوم الجمعة سيّد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه؛ ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، وما من ملك مقرّب، ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر، إلا وهنّ يشفقن من يوم الجمعة»، رواه الإمام أحمد، وغيره.\nقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: إن قيل: لم قال: ﴿عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: عليهما، وحواء مشاركة في الذنب بإجماع، وقد قال: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ و﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا؟﴾ فالجواب: أن آدم ﵇ لمّا خوطب في أول القصّة بقوله تعالى: ﴿اُسْكُنْ﴾ خصّه بالذكر في التلقّي، فلذلك كملت القصّة بذكره وحده، وأيضا: فلأن المرأة حرمة مستورة، فأراد الله الستر لها، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢١]: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ وأيضا: لما كانت المرأة تابعة للرّجل في غالب الأمر لم تذكر، ولذا طوى ذكر النّساء في كثير من الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول ﷺ، بينما ذكر مشاركة حواء لآدم في الدعاء والتوبة في سورة (الأعراف)، وغيرها.\n ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ وصف الله نفسه بأنه التّواب، وتكرّر هذا اللفظ في القرآن معرّفا، ومنكرا، واسما، وفعلا، وقد يطلق على العبد أيضا: تواب، قال تعالى في الآية الآتية رقم","vol":"1","page":117},{"text":"[٢٢٢]: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وقال ابن عربي: ولعلمائنا في وصف الربّ بأنه توّاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز في حق الربّ ﷾، فيدعى به كما في الكتاب، والسنة، ولا يتأول. وقال آخرون: هو وصف حقيقي لله ﷾. وتوبة الله على العبد:\nرجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة، وقال آخرون: توبة الله على العبد: قبوله توبته، وذلك يحتمل أن يرجع قوله ﷾: قبلت توبتك، وأن يرجع إلى خلقه الإنابة، والرجوع في قلب المسيء وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة. وإنما قيل لله ﷿: تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه، هذا ويقرأ بكسر همزة «إنه» وفتحها.\nتنبيه: اعلم: أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة؛ لأن الله تعالى هو المنفرد بخلق الأعمال، خلافا للمعتزلة، ومن قال بقولهم، وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه، ولا أن يعفو عنه، قال العلماء: وقد كفرت اليهود والنّصارى بهذا الأصل العظيم في الدين، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ﷿، وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر، أو الراهب، فيعطيه شيئا، ويحط عنه ذنوبه: ﴿اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ سورة (الأنعام) رقم [١٤٠].\nوقال سعيد بن جبير﵁-: لما أهبط الله آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير النسر في البرّ، والحوت في البحر، فكان النسر يأوي إلى الحوت، فيبيت عنده، فلما رأى النسر آدم، قال: يا حوت أهبط إلى الأرض اليوم شيء يمشي على رجليه، ويبطش بيديه، فقال الحوت: لئن كنت صادقا ما لي منه في البحر منجى، ولا لك في البر منه مخلص. انتهى كلّه من القرطبي بتصرف مني.\nهذا و﴿كَلِماتٍ﴾ جمع: كلمة، وفيها ثلاث لغات: الأولى: كلمة على وزن: نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم كنبق، والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم، كسدر، والثانية: كلم، كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، وفعل، ك: كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة وهي: إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو: فخذ، وشهد، وهي في الأصل: قول مفرد، مثل:\nمحمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله: ﴿اِرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ وقال النبي ﷺ:\n «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل]\nألا كلّ شيء ما خلا الله باطل... وكلّ نعيم لا محالة زائل\nالمراد بكلمة لبيد: الشّطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان كلمة، والمراد بها كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربيّة في القديم، والحديث، وفي القرآن، وأحاديث الرّسول ﷺ.","vol":"1","page":118},{"text":"الإعراب: (تلقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿آدَمُ:﴾ فاعله.\n ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعلقهما بمحذوف حال من ﴿كَلِماتٍ؛﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَلِماتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: (تلقى) مستأنفة لا محل لها. (تاب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّهِ،﴾ ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾\nحرف مشبه بالفعل والهاء اسمها، ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (إنّ)، ﴿التَّوّابُ:﴾ خبر أول ل (إنّ). ﴿الرَّحِيمُ:﴾ خبر ثان، هذا وإن اعتبرت الضمير مبتدأ؛ ف ﴿التَّوّابُ﴾ و﴿الرَّحِيمُ﴾ يكونان خبرين له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، مستأنفة لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة («إنّ») وعليه فهي تؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بلام محذوفة، التقدير: لأنه... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (تاب). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-45\"></span>﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا..﴾. إلخ: كرر الأمر على جهة التغليظ، وتأكيده. وقيل: كرر الأمر لما علّق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدى.\nوقيل: الهبوط الأول من الجنّة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض، وعلى هذا يكون فيه دليل على أنّ الجنة في السماء السابعة. ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ الخطاب لآدم، وحواء، وذريتهما.\n ﴿مِنِّي هُدىً:﴾ المراد به هنا: الرسول ﷺ، أو القرآن الكريم، أو المراد جميع الرسل، والكتب التي تنزل عليهم، وهو أليق بالمقام، وفي قوله تعالى: ﴿مِنِّي﴾ إشارة إلى أنّ أفعال العباد خلق لله تعالى خلافا للقدرية، والمعتزلة، وغيرهم. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ:﴾ قرئ: («هديّ») وهي لغة هذيل، يقولون: هديّ، وعصيّ، ومحييّ، وأنشد النّحويون لأبي ذؤيب يرثي بنيه: [الكامل]\nسبقوا هويّ وأعنقوا لهوا همو... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع\nقال النّحاس: وعلّة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه: أنّ سبيل ياء الإضافة أن يكسر ما قبلها، فلما لم يجز أن تتحرك الألف، أبدلت ياء وأدغمت، ومعنى: تبع الهدى: آمن بي، وعمل بطاعتي. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا، وليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين، لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة، إلا أنه يخفّف عن","vol":"1","page":119},{"text":"المطيعين، وإذا صاروا إلى رحمته؛ فكأنهم لم يخافوا، قال بعض العارفين بالله: سابق العناية لا يؤثر فيه حدوث الجناية، ولا يحطّ عن رتبة الولاية، فمخالفة آدم التي أوجبت له الإخراج من دار الكرامة لم تخرجه عن دار حظيرة القدس، ولم تسلبه رتبة الخلافة، بل أجزل الله له في العطية، فقال تعالى في سورة (طه): ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ رقم [١٢٢] وقال الشاعر: [الكامل]\nوإذا الحبيب أتى بذنب واحد... جاءت محاسنه بألف شفيع\nوقد قيل: إنّ آدم لما نزل على الأرض؛ مكث ثلاثمائة سنة، لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى، وقيل: لو أنّ دموع أهل الأرض جمعت؛ لكانت دموع داود أكثر، ولو أنّ دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت؛ لكانت دموع آدم أكثر. انتهى خازن.\nهذا وأما ثيابه التي نزعت عنه، فإنها تجمعت على رءوس أصابع يديه ورجليه، فلذا كان إذا نظر إلى أظافره؛ بكى؛ لأنها من آثار الجنّة، وصارت طبيعة في بني آدم، كلّ واحد إذا استغرق في الضحك؛ فلينظر إلى أظافره؛ فيذهب ضحكه.\nهذا؛ والحزن: ضد السرور، ولا يكون إلا على ماض. وحزن الرجل، وأحزنه غيره، وحزّنه أيضا، مثل سلّكه، وأسلكه، قال اليزيديّ: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بها.\nالإعراب: ﴿قُلْنَا:﴾ فعل ماض، وفاعله. ﴿اِهْبِطُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال مؤكدة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\nوجملة: ﴿قُلْنَا:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (إما):\nأصلها: (إن ما) إن: حرف شرط جازم، وما: صلة للتأكيد؛ لأنّ معنى (إن) في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بعدها بنون التوكيد. ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والنون حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿مِنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز أن يكونا متعلّقين بمحذوف حال من ﴿هُدىً﴾ كان صفة له ﴿هُدىً:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثانية دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَبِعَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره هو. ﴿هُدايَ:﴾\nمفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها","vol":"1","page":120},{"text":"إعمال «ليس» لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل خبر المبتدأ. ويجوز تعليقهما ب (﴿خَوْفٌ﴾) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، أو موجود. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، أو هي صلة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يَحْزَنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها؛ التي هي في محل جزم جواب الشرط، وقد اختلف في خبر (من) الواقعة مبتدأ، فابن هشام يرجّح: أن الخبر جملة الشرط. وبعضهم يقول: هو جملة الجواب. ويرجح المعاصرون: أن الخبر إنما هو جملتا الشرط، والجواب. والجملة الاسمية:\n (من تبع) في محل جزم جواب (إن) الشرطية، وهو قول سيبويه، وقال الكسائي: جملة: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ جواب الشرطين جميعا.\nهذا وقرأ جماعة: («فلا خوف») بفتح الفاء على اعتبار (لا) عاملة عمل «إنّ» لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع؛ لأن (لا) لا تعمل في معرفة، فاختاروا في الأول الرفع أيضا؛ ليكون الكلام من وجه واحد، ويجوز أن تكون (لا) في قولك: ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ بمعنى ليس. انتهى قرطبي. أقول: وذكرت لك:\nأنها إذا تكررت؛ أهملت، أي: لا تعمل عمل ليس، و(إمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب.\nتنبيه: أفرد الفاعل في الفعل ﴿تَبِعَ﴾ وجمع الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ مع كونهما عائدين على (من) التي هي اسم شرط جازم، ومبتدأ، لأن الفاعل عائد على لفظه، والضمير عائد على معناه، أو تقول: إن (من) تدل على العموم، أي: أيّ شخص تبع الهدى؛ فلا خوف عليهم.\n\n<span id=\"aya-46\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ أي: بقلوبهم. ﴿وَكَذَّبُوا:﴾ أي: بألسنتهم، والمراد: الكافرون، ويشمل المنافقين. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ:﴾ جعل الكفار أصحاب النار بمعنى مالكيها بملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب الجنة. ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ مقيمون ماكثون لا محيد لهم عنها، ولا محيص، قال رسول الله ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها؛ فإنّهم يموتون فيها، ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بخطاياهم، فأماتتهم إماتة؛ حتى إذا صاروا فحما؛ أذن بالشّفاعة». رواه مسلم في كتاب الإيمان من حديث شعبة عن أبي مسلمة﵁-، والمذكورون في آخر الحديث عصاة المسلمين، يدخلون النار، ويعذّبون على حسب","vol":"1","page":121},{"text":"جرائمهم، ثم يخرجون منها حمما، ثم يدخلون الجنّة، ويكتب بين عيونهم: هؤلاء عتقاء الله من النار، بعد أن يغتسلوا بعين على باب الجنة تدعى عين الحياة وتعود إليهم أبشارهم، وجمالهم.\nهذا و﴿أَصْحابُ﴾ جمع: صاحب، ويكون بمعنى: المالك، كما هنا، ويكون بمعنى:\nالصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفّف، فيقال: أصاحب. هذا؛ والصّحابي: هو من جالس النبي ﷺ في حياته، ولو ساعة بشرط أن يكون مسلما موحّدا، فإن اجتمع بالنبي ﷺ، وجالسه في حياته وهو غير مسلم، ثمّ أسلم بعد وفاته مثل: «كعب الأحبار» فيقال عنه: تابعي، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا:﴾ فعلا ماض مبنيان على الضم، والواو فاعلهما، والألف للتفريق، ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع فيهما، والجملة الأولى صلة الموصول والثانية معطوفة عليها لا محل لها مثلها. و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف. و﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (﴿الَّذِينَ..﴾.) إلخ:\nمعطوفة على جملة: (من اتبع الهدى) في الآية السابقة، فهي في محل جزم مثلها؛ لأنها قسيمة لها، أي: مقابلة لها في المعنى، ودخلت الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد، والمسامحة في الوعيد، وهذا يؤكّد اعتبار (من) اسما موصولا. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة؛ لما فيه من معنى التشبيه، والرابط الضمير فقط، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ﴾ والأول أقوى؛ لأن لها نظائر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-47\"></span>﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿يا بَنِي:﴾ أصله: بنين، حذفت النون للإضافة، وهو جمع: ابن، مأخوذ من البناء؛ لأن الابن مبني أبيه، لذلك ينسب المصنوع إلى الصانع. ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ هو نبيّ الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام، ومعناه في اللغة العربية: صفوة الله، أو عبد الله، ف «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و«إيل» هو الله، وفيه سبع","vol":"1","page":122},{"text":"لغات قرئ بها كلها. وتميم يقولون: «إسرائين». قال الشاعر، انظر الشاهد رقم [٣٣٢] من كتابنا:\n «فتح ربّ البرية» وما يتعلّق به: [الوافر]\nقالت وكنت رجلا فطينا... هذا-لعمر الله-إسرائينا\nفعلى ما تقدم يكون ليعقوب اسمان، وممّن له اسمان: يونس، ويسمّى: ذا النون، وإلياس، ويسمى: ذا الكفل في بعض الأقوال، وعيسى ﵇، يقال له: المسيح، وقد سمّاه الله:\nروحا، وكلمة، وكانوا يسمّونه: أبيل الأبيلين، ذكره الجوهري في صحاحه، ونبينا ﷺ له أسماء كثيرة تزيد عن المائتين، وهي مذكورة بجدران مسجده الشّريف، وبنو إسرائيل هم المنتسبون لأولاد يعقوب الاثني عشر، ويطلق عليهم الأسباط، كما في الآية [١٣٦] الآتية.\n ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ:﴾ المراد جميع النعم التي أنعم الله بها على آبائهم، ممّا عدد عليهم في هذه السورة الكريمة: من الإنجاء من فرعون وعذابه، ومن الغرق في البحر، ومن العفو عن اتخاذ العجل، والتوبة عليهم، وتظليل الغمام في التيه، وإنزال المن والسلوى لهم فيه أيضا، وهذا من تذكير الأبناء بما أنعم الله به على الآباء، ويضاف إلى ذلك ما أنعم الله به عليهم من إدراك زمن محمد ﷺ المبشّر به في التوراة والإنجيل، وقد هاجر آباؤهم من بلاد الشّام إلى الحجاز ليسبقوا الناس إلى الإيمان به، كما ستعرفه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.\n ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧]، والوفاء بعهده: القيام بطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ولا يتم هذا إلا بالإيمان بمحمد ﷺ، وبالقرآن المنزل عليه، والعمل بما فيه، لذا قال الله لهم: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ رقم [٦٣] الآتية، وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقال تعالى في الآية رقم [١٨٧] من سورة (آل عمران): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾. وقيل: هو عام في جميع أوامر الله، ونواهيه، ووصاياه، فيدخل في ذلك ذكر محمد ﷺ الذي في التوراة، وغيره، وهذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح، وعهده ﷾ الذي عهده لهم هو أن يدخلهم الجنة، ويرحمهم برحمته الواسعة. وانظر الآية رقم [٥١] الآتية.\nتنبيه: وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد مطلوب منّا، قال تعالى في سورة (المائدة):\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ،﴾ وقال تعالى في سورة (النحل) رقم [٩١]: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾.\n ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: خافوني دون غيري، والرّهب، والرّهبة: الخوف. قال تعالى في سورة (القصص) رقم [٣٢] لموسى﵇-: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ..﴾.\nإلخ. هذا وقد خرج الأمر في الآية إلى معنى التّهديد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"1","page":123},{"text":"تنبيه: قال ابن جزي الكلبي في تفسيره: لمّا قدم الله تعالى دعوة الناس عموما، وذكر مبدأهم؛ دعا بني إسرائيل خصوصا، وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب:\n ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ الآية رقم [١٤٢] الآتية، فتارة دعاهم بالملاطفة، وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتّخويف، وتارة بإقامة الحجّة عليهم، وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر عقوبتهم، التي عاقبهم بها، فذكر من النّعم عشرة أشياء:\nوهي: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ،﴾ ﴿بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ،﴾ ﴿عَفَوْنا عَنْكُمْ،﴾ ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ ﴿آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا،﴾ ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ،﴾ ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾.\nوذكر من سوء أعمالهم عشرة، وهي قوله:\n ﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا،﴾ و﴿اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ،﴾ وقولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ و﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا،﴾ و﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ و﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ،﴾ و﴿تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ،﴾ و﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ و﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.\nوذكر من عقوبتهم عشرة أشياء، وهي:\n ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ،﴾ و﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ،﴾ و﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ،﴾ و﴿كُونُوا قِرَدَةً،﴾ و﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ،﴾ و﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ و﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ و﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾.\nوهذا كله جرى لآبائهم المتقدّمين، وخوطب به المعاصرون لمحمد ﷺ؛ لأنهم متّبعون لهم، راضون بأحوالهم، وقد وبّخ الله المعاصرين لمحمد ﷺ به توبيخات، وهي عشرة أيضا:\nكتمانهم أمر محمد ﷺ مع معرفتهم به، و﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ،﴾ و﴿يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ،﴾ و﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ،﴾ و﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ و(حرصهم على الحياة)، وعداوتهم لجبريل ﵇، واتباعهم السّحر، وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾. انتهى بتصرّف من حاشية الجمل.\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، (﴿بَنِي﴾): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة. و(﴿بَنِي﴾) مضاف و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، ويقال: للعلمية، والتركيب المزجي.\n ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها. ﴿نِعْمَتِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء","vol":"1","page":124},{"text":"ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿نِعْمَتِيَ﴾. ﴿أَنْعَمْتُ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. والعائد محذوف، التقدير: التي أنعمتها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (﴿أَوْفُوا﴾): فعل أمر، مثل:\n ﴿اُذْكُرُوا﴾ في إعرابه. ﴿بِعَهْدِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ. ﴿أُوفِ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء. والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر وجوبا تقديره:\nأنا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر عند الجمهور، التقدير: إن توفوا بعهدي أوف بعهدكم. ﴿بِعَهْدِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَإِيّايَ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿إِيّايَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم لفعل محذوف، التقدير: وإياي ارهبوا. والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَارْهَبُونِ:﴾ الفاء: قيل: إنها عاطفة على محذوف، التقدير: تنبهوا، فارهبوا. وقيل: هي زائدة. وأفاد البيضاوي: أنّها الفصيحة دالة على شرط مقدر، كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئا؛ فارهبون، وإعراب (ارهبون) مثل إعراب: اذكروا، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية هذه مؤكدة للجملة المقدرة قبلها. وقال القرطبي: ويجوز في الكلام: «وأنا فارهبون» على الابتداء، والخبر، ويكون ﴿فَارْهَبُونِ﴾ الخبر على تقدير الحذف، المعنى: وأنا ربكم فارهبون. انتهى.\nوبقوله قال مكي.\n\n<span id=\"aya-48\"></span>﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَآمِنُوا:﴾ أمر لبني إسرائيل الممثلين باليهود في كل مكان، وزمان. ﴿بِما أَنْزَلْتُ:﴾ على محمد ﷺ. والمراد: القرآن الكريم. ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ أي: من التوراة، والإنجيل، والقرآن مصدّق؛ أي: موافق التوراة في التوحيد، وفي كثير من الأحكام، ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ:﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ هو عائد على محمد ﷺ. قاله أبو العالية، وقال ابن جريج: هو عائد على القرآن؛ إذ تضمّنه قوله: ﴿بِما أَنْزَلْتُ،﴾ وقيل: هو عائد على التوراة؛ إذ تضمّنها قوله: ﴿لِما مَعَكُمْ﴾. ﴿وَلا تَكُونُوا..﴾. إلخ. والمراد أول فريق كافر، وقال: ﴿أَوَّلَ﴾ وقد كفر قبلهم كفار قريش الذين أنزل في بلدهم، وسمعوه قبل غيرهم، فإنما معناه: من أهل الكتاب؛ إذ هم منظور إليهم في مثل هذا؛ لأنهم حجّة مظنون بهم علم، وكذلك يراد بالأولوية في حقّهم بالنسبة لمن بعدهم من ذرّيتهم وغيرهم، فيحملون وزرهم، ووزر أتباعهم.","vol":"1","page":125},{"text":"﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ نهاهم الله عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا؛ أي على تغيير صفة محمد ﷺ الموجودة في التوراة شيء، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنهوا عنه. وقيل: المعنى: ولا تشتروا بتغيير أوامري، ونواهي، وآياتي ثمنا قليلا، والمراد:\nالدنيا، والعيش الّذي هو منها، فإنه نزر لا خطر له، ولا شأن بجانب الجنة، ونعيمها الدائم؛ الذي أعدّه الله للعاملين بما يعلمون.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآية وإن كانت نزلت ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حقّ، أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه-وقد تعيّن عليه-حتى يأخذ عليه أجرا؛ فقد دخل في مقتضى هذه الآية. وقد روى أبو داود﵀عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم علما ممّا يبتغى به وجه الله، لا يتعلّمه إلا ليصيب به عرضا من الدّنيا؛ لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة». عرف الجنّة: ريحها. وهو بفتح العين.\nهذا واختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والعلم لهذه الآية، وما كان في معناها، فمنع ذلك الزّهري، وأصحاب الرأي، وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم؛ لأنّ تعليمه واجب من الواجبات؛ التي يحتاج فيها إلى نية التقرّب، والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة، كالصّلاة، والصيام، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. وروى أبو هريرة﵁قال: قلت: يا رسول الله! ما تقول في المعلمين؟ قال: «درهمهم حرام، وثوبهم سحت، وكلامهم رياء». وروى عبادة بن الصّامت﵁قال: علّمت ناسا من أهل الصّفّة القرآن، والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله! فسألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «إن سرّك أن تطوّق بها طوقا من نار؛ فاقبلها».\nوأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن: مالك، والشّافعيّ، وأحمد، وأبو ثور، وأكثر العلماء؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عباس﵄في حديث الرّقية: «إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». أخرجه البخاريّ، وهو نصّ يرفع الخلاف، فينبغي أن يعوّل عليه. قال ابن المنذر: وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة، ويجوّز أن يستأجر الرّجل يكتب له لوحا، أو شعرا، أو غناء معلوما بأجر معلوم، فيجوّز الإجارة فيما هو معصية، ويبطلها فيما هو طاعة. ولا بد من القول: إنّ المعلم إذا لم يكن له دخل يكفيه لمعيشته، ومعيشة من يعول: فكيف يستطيع التّعليم، بل والتفرّغ للقيام بالشّعائر الدّينيّة، وهو بحاجة إلى لقمة العيش؟!\nوروي عن النّبيّ ﷺ: أنه قال: «خير الناس، وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون، كلّما خلق الدّين جدّدوه. أعطوهم، ولا تستأجروهم، فتحرجوهم، فإنّ المعلّم إذا قال للصبي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال الصّبيّ: بسم الله الرحمن الرحيم، كتب الله براءة للصّبيّ، وبراءة للمعلم، وبراءة لأبويه من النّار».","vol":"1","page":126},{"text":"هذا و﴿أَوَّلَ﴾ فيه مسائل:\nالأولى: الصّحيح: أنّ أصله «أوأل» بوزن: أفعل، قلبت الهمزة الثانية، واوا، ثم أدغمت بما قبلها فصار أوّل، بدليل قولهم في الجمع أوائل، وقيل: أصله: ووّل بوزن فوعل، قلبت الأولى همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.\nالثانية: الصحيح: أن أوّل لا يستلزم ثانيا، وإنّما معناه: ابتداء الشيء، ثمّ قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد تكتسب بعده شيئا، وقد لا تكتسب. وقيل: إنّه يستلزم ثانيا كما أنّ الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أوّل ولد تلدينه ذكرا؛ فأنت طالق، فولدت ذكرا ولم تلد غيره، وقع الطلاق على الأول دون الثاني.\nالثالثة: ل: (أول) استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة؛ أي: أفعل تفضيل بمعنى:\nالأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل، من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو: هذا أوّل هذين، ولقيته عاما أوّل. والثاني: أن يكون اسما مصروفا نحو لقيته عاما أولا، ومنه قولهم: ما له أوّل ولا آخر، قال أبو حيان رحمه الله تعالى في محفوظي: إن هذا يؤنّث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أوّلة، وآخرة بالتنوين. انتهى جمع الجوامع شرح همع الهوامع للسّيوطي، رحمه الله تعالى.\nالإعراب: (﴿آمِنُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿بِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أَنْزَلْتُ:﴾ فعل وفاعل. والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء أنزلته. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من (ما) أو من الضمير العائد عليها، وأجيز اعتبار (ما) مصدرية، وهو ضعيف معنى. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقًا﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة أيضا. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها، التقدير: للذي يوجد معكم، أو لشيء كائن معكم. والكاف في محل جر بالإضافة. هذا؛ وابن هشام رحمه الله تعالى يعتبر اللام في مغنيه زائدة، وسمّاها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلاّ مثل قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ وقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ،﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى،﴾ ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ وأورد قول حاتم الطائي، وقيل: هو من قول قيس بن عاصم المنقري﵁- وهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nإذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي\nوجملة: (﴿آمِنُوا..﴾.) إلخ: معطوفة على جملة: ﴿اُذْكُرُوا..﴾. إلخ لا محل لها. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه","vol":"1","page":127},{"text":"حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وهو ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَوَّلَ:﴾\nخبر: ﴿تَكُونُوا﴾ وهو مضاف و﴿كافِرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: (﴿لا تَشْتَرُوا﴾) معطوفة أيضا، وإعرابها مثلها. ﴿بِآياتِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ:﴾ إعراب هذا التركيب مثل إعراب: ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ في الآية السابقة بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-49\"></span>﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ:﴾ اللبس: الخلط، يقال: لبست عليه الأمر ألبسه: إذا مزجت بيّنه بمشكله، وحقّه بباطله، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩]: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ ومن هذا المعنى قول عليّ﵁للحارث بن حوط: يا حار إنّه ملبوس عليك، إنّ الحق لا يعرف بالرّجال، اعرف الحق تعرف أهله. وقالت الخنساء﵂-: [البسيط]\nترى الجليس يقول الحقّ تحسبه... رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا\nصدّق مقالته واحذر عداوته... والبس عليه أمورا مثل ما لبسا\nوروى سعيد بن جبير عن قتادة، يقول: لا تلبسوا اليهودية والنّصرانية بالإسلام، وقد علمتم:\nأنّ دين الله؛ الذي لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به الإسلام، وأنّ اليهودية والنّصرانية بدعة، وليست من الله. وعن ابن عباس﵄-، وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل، وهو التغيير، والتبديل. وقال أبو العالية: قالت اليهود: محمد مبعوث، ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حقّ، وجحدهم أنه بعث إليهم باطل. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ:﴾ قال ابن عباس: يعني: كتمانهم أمر النبي ﷺ، وهم يعرفونه.\n ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ أنّ محمدا ﷺ حقّ، فكفرهم به كان كفر عناد، ولم يشهد لهم الله بعلم، وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا، ودلّ هذا على تغليظ الذنب على من واقعه على علم؛ وأنّه أعصى من الجاهل. انتهى. قرطبي. والآية المذكورة بحروفها ومعناها في الآية رقم [٧١] من (آل عمران).\nهذا؛ وانظر شرح الحق في الآية رقم [٢٦]، والكتمان في الآية رقم [٣٣]. هذا؛ و(الباطل) ضد الحق، و(الباطل) بمعنى الفاسد، والبطلان: عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا و«بطل» من باب دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون:\nالباطل، والكذب، والزور، والبهتان. والبطالة: التعطّل، والتفرّغ من العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع.","vol":"1","page":128},{"text":"هذا؛ و«مبطل» اسم فاعل من أبطل الرباعي. هذا؛ و(الباطل) في قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٢]: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ قال السدي، وقتادة: الباطل: الشيطان، لا يستطيع أن يغير في القرآن شيئا، ولا يزيد، ولا ينقص منه. وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٢٤]: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ الباطل: الشرك، والبطلة في قول الرسول ﷺ: «لا تستطيعها البطلة» أي: لا تستطيع قراءة سورة البقرة السّحرة. وانظر الآية رقم [١٨٧].\nهذا والفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nلعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر. وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النسب، بخلاف العلم فإن متعلقه المعاني، والنسب.\nوتفصيل ذلك بأنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى؛ لم يتجاوز مفعولا؛ لأنّ العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا عالما، أو قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَلْبِسُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْباطِلِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقَّ﴾ أي: ملتبسا بالحق. ﴿وَتَكْتُمُوا:﴾ معطوف على سابقه، فهو مجزوم مثله، ويحتمل أن يكون منصوبا ب «أن» مضمرة بعد واو المعية، وعلامة الجزم أو النصب حذف النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به، وعلى نصبه؛ ف: «أن» المضمرة والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق.\nالتقدير: لا يكن منكم لبس للحق بالباطل، وكتمان الحق. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٢]، ومفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾ محذوف، التقدير: تعلمون أنه الحق. والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-50\"></span>﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ أمر معناه الوجوب، وأصله: «أقوموا»، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: (أقوموا) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، ومعنى: (﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾): أدوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها،","vol":"1","page":129},{"text":"وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. هذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء، والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتّسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي. والصّلاة من العبد معناها: التّضرّع، والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن الله على عباده معناها: الرحمة، وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الأحزاب)، وانظر الآية رقم [١٥٣] الآتية.\n ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ أمر يقتضي الوجوب أيضا، والإيتاء: الإعطاء. يقال: آتيته: أعطيته، قال الله تعالى حكاية عن قول المنافق في سورة (التوبة) رقم [٧٥]: ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وأتيته بالقصر من غير مدّ: جئته، فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مدّ، ومنه الحديث: ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه هذا. وأصل (آتوا): «آتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، فصار: (آتوا) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. هذا والزكاة في اللغة: التّطهير، والإصلاح، والنّماء، والمدح. يقال: زكا الزرع، والمال، يزكو: إذا كثر، وزاد، وسمّي الإخراج من المال: زكاة، وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة، قال تعالى في سورة (سبأ): ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ رقم [٣٩]، كما يقال: زكا فلان؛ أي: طهر من دنس الجرحة، والإغفال، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى: أنّ النبي ﷺ سمى ما يخرج من الزكاة: أوساخ الناس، وقد قال الله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٣]:\n ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾.\nوالزكاة في الشرع: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن على وجه مخصوص، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة؛ التي بني عليها الإسلام، ومن ثم يكفر جاحدها على الإطلاق، وفي القدر المجمع عليه، ويقاتل الممتنع من أدائها، وتؤخذ منه قهرا، كما فعل الصدّيق، ﵁.\nوتدفع الزكاة لأشخاص معلومين، مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة). وزكاة الفطر لا نصّ صريحا في القرآن عليها إلا ما تأوله بعض المفسرين في قوله تعالى في سورة الأعلى:\n ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وسأتحدث عنها إن شاء الله عند الكلام على الصيام، لأن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر في رمضان.\nهذا وخصّ الله ﵎ الصّلاة والزّكاة بالذّكر؛ لأنّ الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، وشرعت للعطف على الفقراء، والمساكين، ومجموعهما التعظيم لأمر الله تعالى، والشّفقة على خلق الله. هذا؛ وأضيف: أنّ الزكاة قرينة","vol":"1","page":130},{"text":"الصّلاة، فقد روي: أن أعرابيّا جاء إلى ابن عباس﵄فقال له: يا بن عباس أنت حبر الأمة، وترجمان القرآن، قد علّمك الله أسرار الكتاب، وفقّهك في الدين، فقل لي بربّك:\nلماذا قرن الله الصلاة إلى الزكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عباس﵄-: ذلك لتعلم: أن الصلاة، والزكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حقّ الله، وهذه حقّ الناس. رضي الله عن الصدّيق الّذي سوّى بين المرتدين، ومانعي الزكاة في القتال، والمحاربة، كما هو معلوم، ومشهور. وخذ قول أحمد شوقي رحمه الله تعالى: [الوافر]\nولم أر مثل جمع المال داء... ولا مثل البخيل به مصابا\nعجبت لمعشر صلّوا وصاموا... ظواهر خشية وتقى كذابا\nوتلفيهم حيال المال صمّا... إذا داعي الزّكاة بهم أهابا\nلقد كتموا نصيب الله منه... كأنّ الله لم يحص النّصابا\nومن يعدل بحبّ الله شيئا... كحبّ المال ضلّ هوى وخابا\nوخذ قول أبي العتاهية الصّوفي رحمه الله تعالى: [الكامل]\nأقم الصّلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات\nوإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصّدقات\nفي الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزّكاة قرينة الصّلوات\nهذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-في غير هذا الموضع: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. ومن قال: أقيم الصلاة ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾. ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله ﷿ يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾.\nأمّا (الركوع) فهو في اللغة الانحناء في الشخص، وكلّ منحن راكع، قال لبيد﵁-: [الطويل]\nأخبّر أخبار القرون الّتي مضت... أدبّ كأنّي كلّما قمت راكع\nوقيل: الانحناء يعمّ الركوع والسجود، ويستعار أيضا للانحطاط في المنزلة، كما في قول الأضبط بن قريع السعدي، وهو الشاهد رقم [٧٠] من كتابنا: «فتح ربّ البرية». والشاهد [١٠٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]","vol":"1","page":131},{"text":"لا تهن الفقير علّك أن تر... كع يوما والدّهر قد رفعه\nهذا؛ واختلف الناس في تخصيص الركوع بالذّكر دون ذكر بقية الأركان، فقال قوم: جعل الركوع عبارة عن الصلاة كلها. وقيل: عبر عن الصّلاة بالركوع ردّا على اليهود، والنصارى؛ لأن صلاتهم لا ركوع فيها. فكأنّ الله تعالى قال لهم: صلوا الصّلاة ذات الركوع في جماعة المسلمين.\nهذا وفي قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمر صريح بالصّلاة جماعة مع المصلين. وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة في الجماعة، فالذي عليه الجمهور: أن الصلاة في الجماعة من السنن المؤكدة، وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضا على الكفاية.\nوفي بيان ثوابها يقول الرسول ﷺ: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». أخرجه مسلم-رحمه الله تعالى-من حديث ابن عمر، ﵄. وقال الإمام أحمد، وداود الظاهري: الصّلاة في الجماعة فرض على كلّ أحد لقول النبي ﷺ: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». أخرجه أبو داود، وصحّحه أبو محمد عبد الحق، وهو قول عطاء، وأبي ثور، وغيرهما. وقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: لا أرخص لمن قدر على الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر، حكاه ابن المنذر. أقول: والقول بالوجوب هو الحقّ للأحاديث الصّحيحة. وخذ ما يلي:\nعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع المنادي، فلم يمنعه من اتّباعه عذر-قالوا: وما العذر؟ قال: «خوف، أو مرض-لم تقبل منه الصّلاة التي صلّى».\nرواه أبو داود، وابن حبّان في صحيحه، وابن ماجة بنحوه.\nوعن أبي الدرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، لا تقام فيهم الصّلاة إلا استحوذ عليهم الشّيطان. فعليكم بالجماعة، فإنّما يأكل الذئب من الغنم القاصية». رواه أحمد، وأبو داود، والنّسائي، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبّان.\nوعن معاذ بن أنس﵁عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «الجفاء كلّ الجفاء والكفر والنّفاق من سمع منادي الله ينادي إلى الصّلاة، فلا يجيبه». رواه الإمام أحمد، والطّبراني. وعن عمرو بن أم مكتوم﵁قال: «قلت: يا رسول الله! أنا ضرير شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي، قال: أتسمع النّداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن خزيمة، وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. هذا وفي هذه الأيام كثر الهراء بمنع المرأة من الحضور إلى المساجد، واستدلّوا بأحاديث لم يفهموا مغزاها، ولم يدركوا معناها، ولم يعرفوا أسبابها، ومرماها، وقد ثبت: أنّ النّساء دخلن","vol":"1","page":132},{"text":"المسجد، وصلّين مع النبي ﷺ فيه الجمعة، والعيدين، بل والصلوات الخمس، وصلّين مع الخلفاء الرّاشدين الجماعة، والجمعة، والعيدين، والأدلّة كثيرة لا أطيل الكلام بذكرها هنا، والذي يفهم قول الفاروق﵁وسببه: أخطأ رجل، وأصابت امرأة؛ يفهم ما يفهم.\nالإعراب: ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَقِيمُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. لا محل لها أيضا، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿الرّاكِعِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-51\"></span>﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ..﴾. إلخ: هذا استفهام معناه: التوبيخ، والتأنيب، والتقريع.\nوالمراد: علماء اليهود بالإجماع، ومثلهم علماء المسلمين المنافقين في كلّ زمان، ومكان، كما ستقف عليه. قال ابن عباس﵄-: كان يهود المدينة يقول الرّجل منهم لقريبه، ولصديقه من المسلمين: اثبت على ما أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرّجل؛ فإن أمره حقّ.\nيريدون النبيّ ﷺ، فكانوا يأمرون غيرهم بذلك، ولا يفعلونه.\nوعنه أيضا كان الأحبار من اليهود يأمرون مقلّديهم، وأتباعهم باتّباع التوراة، وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد ﷺ. وقال ابن جريج: كان الأحبار يحضّون على طاعة الله، وكانوا هم يواقعون المعاصي. وقال النّسفي، وغيره: نزلت الآية الكريمة في ذمّ أحبار اليهود، فقد كانوا يأمرون النّاس بالصّدقة، ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بالصدقة ليفرّقوها؛ خانوا فيها.\nهذا وقد جاء التّحذير، بل والنّكير، والوعيد الشّديد، والتّهديد لمن يخالف فعله قوله، وينهى غيره، وينسى نفسه في أحاديث النبي ﷺ، وخذ من ذلك ما يلي: فعن أسامة بن زيد -﵄-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «يجاء بالرّجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها، كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان! ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن الشرّ، وآتيه». قال: وإني سمعته يقول: «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء خطباء أمّتك الّذين يقولون ما لا يفعلون». رواه البخاريّ، ومسلم.\nوعن أبي برزة الأسلميّ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الّذي يعلّم الناس الخير، وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تضيء للنّاس، وتحرق نفسها». رواه البزّار. وعن أبي هريرة","vol":"1","page":133},{"text":"-﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه».\nرواه الطّبرانيّ في الصغير، والبيهقيّ. والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد قال تعالى في سورة الجمعة رقم [٥] في حقّ علماء اليهود، وينطبق على علماء السّوء المسلمين: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾. وخذ نبذة من شعر الشّعراء في هذا الباب؛ من ذلك قول منصور الفقيه: [مجزوء الكامل]\nإنّ قوما يأمرونا... بالّذي لا يفعلونا\nلمجانين وإن هم... لم يكونوا يصرعونا\nوقال أبو العتاهية الصّوفي-رحمه الله تعالى-: [الطويل]\nوصفت التّقى حتّى كأنك ذو تقى... وريح الخطايا من ثيابك تسطع\nوقيل: من وعظ بقوله؛ ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله؛ نفذت سهامه.\nوقال أبو الأسود الدؤلي من قصيدته المشهورة، ومنها الشاهدان رقم [٣٨٦] و[٦٧٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الكامل]\nيا أيّها الرّجل المعلّم غيره... هلاّ لنفسك كان ذا التّعليم\nتصف الدّواء لذي السّقام وذي الضّنى... كيما يصحّ به وأنت سقيم\nوأراك تصلح بالرّشاد عقولنا... أبدا وأنت من الرّشاد عديم\nابدأ بنفسك فانهها عن غيّها... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nفهناك يسمع ما تقول ويشتفى... بالقول منك وينفع التّعليم\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم\nوقال أبو عثمان الحيري الزّاهد-رحمه الله تعالى-: [الطويل]\nوغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى... طبيب يداوي والطّبيب مريض\nوقال إبراهيم النّخعيّ-رحمه الله تعالى-: إني لأكره القصص (الوعظ، والإرشاد) لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ..﴾. إلخ. وقوله تعالى: في سورة (الصّف) رقم [٢]:\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٨٨] حكاية عن قول شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾. وقال الجماز ابن أخت سلم بن عمرو الخاسر: [السريع]\nما أقبح التّزهيد من واعظ... يزهّد النّاس ولا يزهد","vol":"1","page":134},{"text":"لو كان في تزهيده صادقا... أضحى وأمسى بيته المسجد\nإن رفض الدّنيا فما باله... يستمنح النّاس ويسترفد\nوالرّزق مقسوم على من ترى... يناله الأبيض والأسود\nأما (البرّ) بكسر الباء: فهو كلمة جامعة لخصال الخير الدنيويّة، والأخرويّة، وانظر أعمال البر التي ذكرها الله تعالى في الآية رقم [١٧٦] الآتية، و«البرّ» بضم الباء: القمح، وبفتحها:\nالإجلال والتعظيم، ومنه ولد بار، وبرّ؛ أي: يعظم والديه، ويكرمهما ومن أسماء الله تعالى (البرّ). هذا؛ والبرّ: الأرض الفلاة، والأرض اليابسة ما عدا البحر.\n (﴿تَنْسَوْنَ﴾): أصله «تنسيون» فيقال في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «تنساون» ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (تنسون) ويقال أيضا: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين. هذا والنسيان: مصدر: نسيت الشيء، أنساه. وهو مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء عن ذهول، وغفلة. ومنه قول الرسول ﷺ: «نسي آدم، فنسيت ذريّته». ومنه أيضا قوله تعالى حكاية عن قول فتى موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. والثاني: الترك عن تعمّد، وقصد، وهو المراد في الآية، وفي قوله تعالى في سورة (التّوبة) رقم [٦٧]: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٤٤]، وفي سورة (الأعراف) رقم [١٦٥]: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ،﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٢٣٧] الآتية: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.\n ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ:﴾ تقرءون التوراة. وفيه الوعيد الشديد، والتوبيخ العظيم على مخالفة القول العمل لعلماء اليهود، ومن فعل فعلهم كان مثلهم بلا ريب. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم؟ ولا ينبغي أن ينتفي عنكم العقل، وما ينتج عنه من ثمرات. هذا؛ والعقل: المنع، ومنه عقال البعير؛ الذي تشدّ به ركبته؛ لأنه يمنع من الحركة، وقد سمّي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه: أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإنّ كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد: أنه مرّ رجل معتوه على مجلس النّبيّ ﷺ فقال الصحابة-رضوان الله عليهم-: هذا رجل مجنون، فقال ﷺ: «هذا مصاب، إنما المجنون من أصر على معصية الله». والعقل: الدّية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة، تعقل بباب وليّ المقتول. والعقال أيضا: صدقة عام، قال الشاعر يهجو عاملا على الصّدقات: [البسيط]\nسعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nهذا؛ والعقل: ثوب أحمر، تتخذه نساء العرب تغشي به الهوادج، قال علقمة: [البسيط]","vol":"1","page":135},{"text":"عقلا ورقما تكاد الطّير تخطفه... كأنّه من دم الأجواف مدموم\nهذا والعقل: جوهر لطيف في البدن ينبت شعاعه منه بمنزلة السّراج في البيت، يفصل به بين حقائق المعلومات، ثم اختلفوا في محلّه. فقالت طائفة منهم: محلّه الدّماغ؛ لأنّ الدّماغ محل الحسّ. وقالت طائفة أخرى: محلّه القلب؛ لأنّ القلب معدن الحياة، ومادة الحواس، ويردّ هذين القولين: أنّ فاقد العقل لم يفقد دماغه، ولا قلبه، بل هما موجودان فيه. بل القول الصّحيح: إنّ هناك لطيفة ربانيّة لا يعلمها إلا الله تعالى: فمن حيث تفكّرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى: روحا، ومن حيث شهوتها تسمّى: نفسا. انظر الآية رقم [٩].\nوقال الخازن رحمه الله تعالى: والعقل قوّة تهيئ قبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيد منه الإنسان بتلك القوّة: عقل، ومنه قول عليّ بن أبي طالب﵁-: [الهزج]\nوإنّ العقل عقلان... فمطبوع ومسموع\nولا ينفع مطبوع... إذا لم يك مسموع\nكما لا تنفع الشّمس... وضوء العين ممنوع\nهذا؛ والهمزة في قوله: ﴿أَفَلا﴾ للإنكار كما رأيت، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدّم على الواو، وثمّ، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى:\n ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾. وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ..﴾. إلخ.\nهذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف في ذلك جماعة، أوّلهم الزمخشري، فزعموا: أنّ الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأنّ العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ أمكثوا في الأرض فلم يسيروا؟ أنهملكم، فنضرب عنكم؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل... إلخ. ويضعف قولهم ما فيه من التكلّف، وأنه غير مطّرد في جميع المواضع.\nانتهى مغني اللبيب بتصرف. وانظر الآية رقم [١٠٠].\nالإعراب: ﴿أَتَأْمُرُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (﴿تَأْمُرُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْبِرِّ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: (﴿تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾): معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿تَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. الكتاب: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.","vol":"1","page":136},{"text":"﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقريع، وتأنيب. الفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة مقدرة، التقدير:\nأطبع على قلوبكم، فلا تعقلون؟! والكلام كلّه معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، ولا محل له على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-52\"></span>﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاسْتَعِينُوا:﴾ اطلبوا، والتمسوا المعونة على أموركم الدّينية، والدنيويّة.\nوانظر الاستعانة في سورة الفاتحة، هذا وقيل: إنّ المخاطبين بهذا هم المؤمنون؛ لأن من ينكر الصلاة، والصبر على دين محمد ﷺ لا يقال له: استعن بالصّبر، والصلاة، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدّق محمدا ﷺ وآمن به. وقيل: يحتمل الخطاب لبني إسرائيل؛ لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك نظم القرآن، ولأنّ اليهود لم ينكروا أصل الصّلاة، والصبر، لكنّ صلاتهم غير صلاة المؤمنين، فعلى هذا القول: إن الله تعالى لمّا أمرهم بالإيمان بمحمد ﷺ والتزام شريعته، وترك الرئاسة، وحبّ الجاه، والمال؛ قال لهم: (﴿اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾).\nانتهى. وقيل: إنّ المراد بالصّبر: الصوم.\nهذا و(الصبر): حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللّسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التّشويش، وهو مرّ المذاق يكاد لا يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]\nالصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل\nوبالجملة: فنفع الصبر مشهور، والحضّ عليه في الكتاب والسنّة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء. ولا تنس أنّ من أسماء الله تعالى (الصّبور)؛ وفسّر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الرّعد) رقم [٢٢]: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما صبر العبد؛ ليقال: ما أعظم صبره، وما أشد قوته على تحمل النوائب! أو يصبر؛ لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كلّه مذموم، لا ينيل صاحبه الدّرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله، وقد يعرضه لشديد غضب الله، ونقمته.\nهذا؛ والصبر على أنواع: الصّبر عن المعصية، فله ثلاثمائة درجة، والصبر على الطاعة، فله ستمائة درجة، والصبر على البلاء، فله تسعمائة درجة، لكن ذلك لا يكون إلا بالصبر عند الصدمة","vol":"1","page":137},{"text":"الأولى، كما روى البخاري عن أنس﵁عن النبي ﷺ بأنه قال: «إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى». أخرجه مسلم بأتم منه، وقال الأستاذ أبو علي: الصّبر حدّه: ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشّكوى؛ فلا ينافي الصبر، قال تعالى في قصة أيوب -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ وبعد أخبر عنه: أنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.\nثمّ اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها الآية رقم [١٥٥] الآتية، وما بعدها: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ،﴾ ومن آنفها قوله تعالى في سورة (ص) في حقّ أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا﴾ حيث قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرّعد) في الآيتين [٢٣ و٢٤]: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾ ومن أعظمها بشارة قوله تعالى في سورة (الزّمر) رقم [١٠] ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾\nفائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا،﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال تعالى جل شأنه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عقاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه.\n ﴿وَالصَّلاةِ:﴾ أفردها الله بالذكر من بين العبادات تعظيما لشأنها؛ لأنها جامعة لأنواع العبادات النّفسانية، والبدنيّة، من الطهارة، وستر العورة، وصرف المال فيها، والتوجّه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الحق، وقراءة القرآن، والتكلّم بالشهادتين، وكف النفس عن شهوتي الفرج، والبطن. انتهى. جمل نقلا من كرخي.\nوكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة، وكان إذا سمع بلالا ينادي: إلى الصّلاة؛ نهض مسرعا، وسعى متشوقا، وهو يقول: «أرحنا بها يا بلال». قالت السيدة عائشة﵂-: كان رسول الله ﷺ يحدّثنا، ونحدّثه حتى إذا جاء وقت الصلاة؛ قام كأنه لا يعرفنا، ولا نعرفه؛ لأنّه ﷺ أحبّ الصلاة من كلّ قلبه؛ حتى استولت على لبّه، فكان دائما مشغولا بها، كلما فرغ منها؛ عاد إليها، لم ينسها في جهاده، ولم يتركها في مرضه، فلمّا جاء الأجل؛ أخذ يذكرها، ويحثّ أصحابه على فعلها، وسمع في حالة الغرغرة يقول: «أوصيكم بالصّلاة، أوصيكم بالصّلاة، أوصيكم بالصّلاة». حتى خرجت روحه إلى مولاه، فكان آخر كلامه في الدّنيا الوصية بالصّلاة.\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: ذكر رسول الله ﷺ الصلاة يوما، فقال: «من حافظ عليها؛ كانت له نورا، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها؛ لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وحشر يوم القيامة مع فرعون، وهامان، وقارون، وأبيّ بن خلف».","vol":"1","page":138},{"text":"قال العلماء: وسبب ذكر هؤلاء: أن من ترك الصلاة بسبب الملك والسلطان حشر مع فرعون، ومن تركها بسبب السياسة والرئاسة حشر مع هامان، ومن تركها بسبب جمع المال حشر مع قارون، ومن تركها بسبب الخصام والجدال حشر مع أبيّ بن خلف.\nوعن عبادة بن الصّامت﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، فمن جاء بهنّ، ولم يضيع منهنّ شيئا استخفافا بحقّهنّ؛ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة، ومن لم يأت بهنّ؛ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنّة». رواه مالك، وأبو داود، والنّسائيّ.\nوكان السّلف يرون في الصلاة أيضا تفريج همومهم، والتنفيس عن كروبهم، فقد روي: أن عبد الله بن عباس﵄نعي له أخوه: قثم، وقيل: بنت له، وهو في سفر، فاسترجع. وقال: عورة سترها الله، ومئونة كفاها الله، وأجر ساقه الله، ثم تنحّى عن الطّريق، وصلّى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ وانظر الآية رقم [٤٣].\n ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: اختلف المتأولون في عود الضمير؛ فقيل:\nعلى الصّلاة وحدها خاصّة؛ لأنها تشقّ على النفوس ما لا يشق الصوم، فالصلاة فيها سجن النفوس، والصّوم إنّما فيه منع الشهوة، فليس من منع شهوة واحدة، أو شهوتين كمن منع جميع الشهوات، فالصّائم إنّما منع شهوة النساء والطّعام، والشراب، ثم ينبسط في سائر الشّهوات من الكلام، والمشي، والنّظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق، فيتسلّى بتلك الأشياء عمّا منع، والمصلّي يمنع من جميع ذلك، فجوارحه كلّها مقيّدة بالصّلاة عن جميع الشّهوات، وإذا كان ذلك؛ كانت الصلاة أصعب على النفس، ومكابدتها أشقّ، فلذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾.\nوقيل: يعود الضمير عليهما، ولكنّه كنى عن الأغلب، وهو الصّلاة، كقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٤]: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ فرد الكناية إلى الفضّة؛ لأنها الأغلب والأعم، وإلى التجارة؛ لأنها الأفضل والأهم. وقيل: إنّ الصبر لمّا كان داخلا في الصّلاة؛ أعاد عليها الضمير وحدها كما قال تعالى في سورة (التّوبة) رقم [٦٢]: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ فلم يقل: يرضوهما؛ لأنّ رضا الرّسول داخل في رضا الله، ﷿. انتهى.\n ﴿إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ:﴾ جمع خاشع، وهو المتواضع، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون، وتواضع. وقال قتادة رحمه الله تعالى: الخشوع في القلب، وهو الخوف، وغضّ البصر في الصّلاة. وقال الزجّاج: الخاشع الذي يرى أثر الذلّ، والخشوع عليه كخشوع الدّار بعد الإقواء.\nقال سفيان الثّوري-رحمه الله تعالى-: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوري! أنت تريد أن تكون إماما للناس، ولا تعرف الخشوع؟! سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع، فقال:","vol":"1","page":139},{"text":"أعيمش تريد أن تكون إماما للناس، ولا تعرف الخشوع؟! ليس الخشوع بأكل الخشن، ولبس الخشن، وتطأطؤ الرأس، ولكنّ الخشوع أن ترى الشريف، والدنيء في الحقّ سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك. ونظر عمر﵁إلى شابّ؛ قد نكّس رأسه، فقال: يا هذا! ارفع رأسك، فإنّ الخشوع لا يزيد على ما في القلب. وقال عليّ كرم الله وجهه: الخشوع في القلب، وأن تلين كفّيك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك. انتهى قرطبي. وانظر ما ذكرته في مطلع سورة (المؤمنون).\nالإعراب: ﴿وَاسْتَعِينُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِسْتَعِينُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل.\n ﴿بِالصَّبْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالصَّلاةِ:﴾ معطوف على ما قبلها. ﴿وَإِنَّها:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّها﴾): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكَبِيرَةٌ:﴾ اللام هي المزحلقة. (كبيرة):\nخبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل نصب حال من (﴿الصَّلاةِ﴾)، والرابط الواو والضمير، أو هي معترضة في آخر الكلام على رأي من يجوّزه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلَى الْخاشِعِينَ:﴾ متعلقان ب (كبيرة)، أو بمحذوف صفة لها.\n\n<span id=\"aya-53\"></span>﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ:﴾ يوقنون. هذا؛ والظن في الأصل: الاعتقاد الرّاجح مع احتمال النقيض، والظنّ في الشريعة قسمان: محمود، ومذموم، فالمحمود منه: ما سلم معه دين الظانّ، ودين المظنون عند بلوغه، والمذموم ضدّه، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الحجرات)، وقوله تعالى في سورة (النّور) رقم [١٢]: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الفتح) رقم [١٢] أيضا: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. هذا؛ وينبغي للإنسان أن يحسن ظنّه بالنّاس، ولا يسيء ظنّه بهم، استجابة لأمر الله تعالى في آية (الحجرات): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ إلا إذا ظهر من أحدهم ما يخالف الشّرع الشّريف، ولا يسيء بهم الظنّ إلا الذي أعماله سيئة، قال الشاعر: [الطويل]\nإذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه... وصدّق ما يعتاده من توهّم\nوكذلك ينبغي للمسلم أن يحسن ظنّه بالله تعالى بأنّ الله يرحمه، ويعفو عنه، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي...» إلخ، ولكن ينبغي أن يقرن حسن ظنه بالله بحسن العمل، وإلا؛ فهو ظنّ خاطئ، وزعم فاسد، ففي الحديث الشّريف، يقول الرسول ﷺ:\n «ليس الإيمان بالتمنّي، ولا بالتحلّي، ولكن ما ورد في القلب، وصدّقه العمل، إن قوما ألهتهم","vol":"1","page":140},{"text":"الأماني حتّى خرجوا من الدّنيا؛ ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ بالله، كذبوا.. لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل». وخذ قول الرسول ﷺ: «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث».\nوهذا إذا كان ظنّ سوء، وأما الظنّ الحسن؛ فلا بأس به، بل هو ممدوح، كما قرّرته لك، وانظر الآية رقم [٧٨] الآتية.\n ﴿مُلاقُوا رَبِّهِمْ:﴾ أصله: ملاقيو، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو. وفسر اللقاء بالرؤية، وملاقو ربهم بما عاينوه بلا كيف. والمانعون للرؤية يفسّرونها بما يناسب المقام، كلقاء ثوابه، أو الجزاء مطلقا، وترد الملاقاة بمعنى الاجتماع، والمصير، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ رقم [٧] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. أي: لا يخافون المصير إلينا.\n ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ:﴾ لا تكرار بين هذا، وما قبله؛ لأن المراد بالأول: أنهم ملاقو ثواب ربهم على الصبر، والصّلاة، والمراد بالثاني: أنهم يوقنون بالبعث، وبحصول الثّواب على ما ذكر.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدل من ﴿الْخاشِعِينَ﴾ أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. التقدير: أعني، وأمدح، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿يَظُنُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنَّهُمْ﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُلاقُوا﴾ خبرها مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة. و﴿مُلاقُوا﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: ﴿يَظُنُّونَ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَّهُمْ﴾ حرف مشبه بالفعل والهاء اسمها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿راجِعُونَ﴾ خبر (أنّ) مرفوع... إلخ، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله.\n\n<span id=\"aya-54\"></span>﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٤٠]. ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ أي عالمي زمانهم، يريد الله به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى-عليه، وعلى نبينا ألف صلاة، وألف سلام-وبعد موسى قبل أن يغيروا ما منحهم الله تعالى من العلم، والإيمان، والعمل الصالح، وجعلهم أنبياء، وملوكا مقسطين. هذا؛ ولقد كرر هذا الكلام ثانية للتأكيد، وتذكيرا للتفضيل الذي هو من أجلّ النّعم، خصوصا. وقد ربطه بالوعيد الشّديد الآتي تخويفا لمن غفل عنها، وأخلّ بحقوقها. والكلام من تذكير اليهود الموجودين في عهد محمّد ﷺ بما أنعم الله على آبائهم الأولين.","vol":"1","page":141},{"text":"هذا؛ ولقد قال أرباب المعاني: ربط الله ﷾ بني إسرائيل بذكر النّعمة، وأسقطه على أمّة محمد ﷺ، ودعاهم إلى ذكره، فقال ﷿: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ الآية رقم [١٥٢] الآتية، ليكون نظر الأمم من النّعمة إلى المنعم، ونظر أمة محمد ﷺ من المنعم إلى النّعمة. قرطبي.\nالإعراب: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ..﴾. إلخ: انظر مثله في الآية رقم [٤٠]. ﴿فَضَّلْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-55\"></span>﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّقُوا:﴾ أصله: اتقيوا، وانظر إعلال مثله فيما تقدّم، وانظر شرح التقوى أيضا فيما تقدّم، والأمر معناه التهديد، والوعيد. ﴿يَوْمًا:﴾ المراد به يوم القيامة، وما فيه من الحساب، والعذاب، والأهوال، وقد ذكر الله تعالى طوله في سورة (الحج) بقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ رقم [٤٧]، هذا واليوم في الدنيا هو الوقت من طلوع الشّمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، كما يطلق اليوم على اللّيل، والنهار معا، وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي:\nلهذا الوقت، والجمع: أيام، وأصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع: أياويم. وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيّام الله: نعمه، ونقمه، قال تعالى في سورة (يونس) رقم [١٠٢]: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ ويقال: فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم، أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه. وخذ قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٤٠]: ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وانظر شرح اللّيل والنّهار في الآية رقم [٥١] الآتية.\n ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ..﴾. إلخ: لا تؤاخذ نفس بذنب أخرى، ولا تدفع عنها شيئا. تقول: جزى عنّي هذا الأمر، يجزي، كما تقول: قضى عنّي. وقرئ بضم التاء. قيل: هما بمعنى واحد، وقد فرق بينهما قوم. فقالوا: «جزى» بمعنى: قضى، وكافأ. و«أجزأ»: بمعنى: أغنى، وكفى.\nوأجزأني الشيء، يجزئني، أي: كفاني. قال الشاعر: [الطويل]\nوأجزأت أمر العالمين ولم يكن... ليجزي إلاّ كامل وابن كامل","vol":"1","page":142},{"text":"﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ:﴾ الشّفاعة: التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسّل يسمّى:\nالشفيع، والشّفاعة في الدّنيا تكون حسنة، وتكون سيّئة، فالأولى هي الّتي روعي فيها حقّ مسلم، ودفع بها عنه شرّ، أو جلب إليه الخير، وابتغي به وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حقّ من حقوق العباد. والسّيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الدعوة للمسلم؛ لأنّها بمعنى الشفاعة إلى الله تعالى، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك».\nفذلك النصيب الذي ذكر بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ رقم [٨٥] من سورة (النساء).\nوروى مسلم عن أمّ الدرداء﵂قالت: حدّثني سيّدي: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب؛ قالت الملائكة: ولك بمثله».\nولا ريب: أنّ المراد بالشّفاعة في هذه الآية: الشفاعة يوم القيامة. والشّفاعة العظمى مختصّة بنبينا ﷺ، ثمّ يتلوها شفاعات أخرى، كما هو معلوم من الدّين، وأحكامه، وهو مذهب أهل الحقّ، والسّنّة، والجماعة.\nوأنكر المعتزلة الشّفاعة، وخلّدوا المذنبين من المؤمنين الذين دخلوا النّار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأنّ من كان من العصاة المذنبين الموحّدين من أمم النبيّين هم الذين تنالهم شفاعة الشّافعين من الملائكة، والنّبيين، والشّهداء، والصالحين. قال ابن المنير المعلّق على الكشاف: أمّا من جحد الشفاعة؛ فهو جدير بأن لا ينالها، وأما من آمن بها، وصدّقها-وهم أهل السّنّة والجماعة-فأولئك يرجون رحمة الله. ومعتقدهم: أنها تنال العصاة من المؤمنين، وإنّما ادخرت لهم في الآخرة. انتهى. أقول: والأحاديث في الشفاعة كثيرة مشهورة، وفي كتب الأحاديث مسطورة.\nقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فإن قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب ردّ هذه الأخبار، مثل قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ قالوا: وأصحاب الكبائر ظالمون. وقال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وفي هذه الآية: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾.\nقلنا: ليست هذه الآيات عامّة في كلّ ظالم، والعموم لا صيغة له، فلا تعمّ هذه الآيات كلّ من يعمل سوءا وكلّ نفس، وإنما المراد بها: الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك.\nوانظر قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٩]: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ تجد ما يسرّك، وقد أجمع المفسرون على أنّ المراد ب (﴿نَفْسٌ﴾) في هذه الآية النّفس الكافرة، لا كلّ نفس. انتهى بتصرف.\n ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ:﴾ العدل هو بفتح العين: هو الفداء، وهو بكسرها: المثل. يقال: عدل وعديل للذي يماثلك في الوزن، والقدر. ويقال: عدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدرا، وإن لم","vol":"1","page":143},{"text":"يكن من جنسه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٩١]: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ وقال في سورة (يونس) رقم [٥٤]: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ وقال تعالى في سورة (الرّعد) رقم [١٨]: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ ومثلها في سورة (الزمر) رقم [٤٧] وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣٦]:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (الحديد) رقم [١٥]: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٧٠]: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾.\n ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: يعانون، والنّصر: العون، والأنصار: الأعوان، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبيّنا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي:\nمن يعينني، ومن يضمّ نصرته إلى نصرتي؟.\nوكان سبب نزول هذه الآية فيما ذكروا: أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وأبناء أنبيائه، وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى: أنّ يوم القيامة لا تقبل فيه شفاعات، ولا يؤخذ فيه فديه. وإنّما خص الشفاعة، والفدية، والنصر بالذّكر؛ لأنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا، فإن الواقع في الشدّة لا يتخلص من شدته إلا بأن يشفع له، أو ينصر، أو يفتدى. انتهى قرطبي. هذا؛ وجمع الضمير في آخر الآية، وهو يعود على النفس؛ لأنّ المراد بها جنس الأنفس، وإنما عاد الضمير مذكرا، وإن كانت النّفس مؤنثة؛ لأن المراد بها العباد، والأناسيّ. انتهى جمل نقلا من السّمين.\nالإعراب: (﴿اِتَّقُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿يَوْمًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محل لها مثلها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل.\n ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله. ﴿عَنْ نَفْسٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْئًا﴾ ولا وجه له. ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لا تَجْزِي:﴾ في محل نصب صفة ﴿يَوْمًا﴾ ورابط الصفة محذوف، التقدير: لا تجزي فيه... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):\nنافية. ﴿يُقْبَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَفاعَةٌ﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالا». ﴿شَفاعَةٌ:﴾ نائب فاعل ﴿يُقْبَلُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تَجْزِي..﴾. إلخ، فهي في محل نصب مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي مثلها إعرابا، ومحلاّ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع،","vol":"1","page":144},{"text":"والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ:﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-56\"></span>﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ:﴾ نجا، ينجو: فعل لازم، وتعديته تكون بتضعيف ثانيه كما هنا، أو بزيادة الهمزة في أوّله، كما ستراه في آيات كثيرة، ومعنى ﴿نَجَّيْناكُمْ:﴾ ألقيناكم على نجوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها، هذا هو الأصل، ثمّ سمّي كلّ فائز ناجيا، فالنّاجي من خرج من ضيق إلى سعة، أو من شدّة إلى فرجة. هذا؛ والخطاب به، وبما بعده للموجودين في زمن نبينا ﷺ بما أنعم على آبائهم، فهو تذكير لهم بنعمة الله تعالى؛ ليؤمنوا، وأيضا نجاة آبائهم سبب في وجود الأبناء.\n ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ ﴿آلِ﴾ أصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار: «أأل» ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة، على القاعدة: إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة، والثانية ساكنة قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى، وذلك: مثل آدم، وإيمان، وأومن، وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة كما في: أراق، فإن أصله: هراق، وهو كثير مستعمل في الشعر العربيّ، وغيره، وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله: «أول» ك «جمل» من: آل، يؤول، تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على أهيل، وهو يشهد للأوّل، وعلى «أويل» وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر، وشأن بخلاف «أهل» يقال:\nآل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجّام، ولكن: أهله، ولا ينتقض بآل فرعون، فإنّ له شرفا باعتبار الدّنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنّحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنّه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جدّ النبيّ ﷺ: [مجزوء الكامل]\nلا همّ إن المرء يمن... ع رحله فا منع رحالك\nوانصر على آل الصّلي... ب وعابديه اليوم آلك\nوفي الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ: «اللهم صل على محمد وعلى آله». و﴿آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ قومه، وأتباعه، وأهل دينه، وكذلك آل الرسول ﷺ من هم على دينه، وملّته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له، أو لم يكن، ومن لم يكن على دينه وملّته، فليس من آله، ولا أهله وإن كان نسيبه، وقريبه، خلافا للرّافضة، حيث قالت: إن آل الرسول ﷺ فاطمة،","vol":"1","page":145},{"text":"والحسن، والحسين وذريّتهما فقط، دليلنا الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية التالية، وقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٤٦]: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ أي: آل دينه وملته؛ إذ لم يكن له ذرية، ولا أب، ولا عم، ولا أخ، ولا عصبة، ولأنه لا خلاف: أنّ من ليس بمؤمن ولا موحّد فإنّه ليس من آل محمد، وإن كان قريبا له، ولأجل هذا يقال: إنّ أبا لهب، وأبا جهل ليسا من أهله، ولا من أهل ملّته، وإن كان بينهما، وبين النّبيّ قرابة، ولأجل هذا قال تعالى في ابن نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارا غير سرّ يقول: «ألا إن آل أبي-يعني: فلانا-ليسوا منّي».\nهذا و﴿فِرْعَوْنَ﴾ قال الجمل: قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربيّة، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتقّ من معنى «العتوّ» فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي: دهاء، ومكر.\nقال الزمخشري في الكشاف: وفرعون علم لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، ولعتوّ الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان إذا عتا، وتجبّر، وفي ملح بعضهم: [الكامل]\nقد جاءه الموسى الكلوم فزاد في... أقصى تفرعنه وفرط عرامه\nهذا، والموسى: ما يحلق به شعر الرأس، والكلوم: فعول من: الكلم، وهو الجرح، والعرام: الشر، والخبث. وضمير (جاءه) راجع إلى ذكر الصّبيّ، وهذا كناية عن الختان، وبه النمو، والفتوة، لا كناية عن حلق العانة، كما قيل. قال المولى سعد الدين: وهذا مع وضوحه، وشهرته فقد خفي؛ حتى قيل: إنّه كناية عن حلق العانة.\nوكان فرعون موسى مصعب بن الرّيان. وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف -على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة، وكان فرعون موسى قد عاش ستمائة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدّة جوع يوم، أو وجع يوم، أو حمّى يوم؛ لما ادّعى الرّبوبية. وقال الرسول ﷺ:\n «فرعوني أشدّ من فرعون موسى». يريد: أبا جهل. ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾ يذيقونكم، من: سامه خسفا:\nإذا أولاه ظلما، أو أذاقه قهرا، قال عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [١٠٨]: [الوافر]\nإذا ما الملك سام النّاس خسفا... أبينا أن نقرّ الخسف فينا\nوقيل: معناه: يديمون تعذيبكم. والسّوء: كل ما يغمّ الإنسان من أمر دنيويّ، أو أخرويّ، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ﴾","vol":"1","page":146},{"text":"كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ الآية رقم [١٠] من سورة (الروم). وقيل: إنّ ﴿السُّواى﴾ تأنيث الأسوأ، كما أنّ الحسنى تأنيث الأحسن.\n ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ:﴾ المراد به: الصّبيان. (﴿يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾): يتركون بناتكم أحياء.\nوسبب ذلك: أن فرعون-لعنه الله تعالى-رأى في نومه: أنّ نارا أقبلت من بيت المقدس، فأحاطت بمصر، وأحرقت كلّ قبطيّ بها، ولم تتعرّض لبني إسرائيل، فشقّ ذلك عليه، وسأل الكهنة عن هذه الرؤيا، فقالوا له: إنّ مولودا يولد في بني إسرائيل، يكون سببا لذهاب ملكك، فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل، حتّى قتل من أولادهم اثني عشر ألفا، وأسرع الموت في شيوخهم، فجاء رؤساء القبط إلى فرعون، وقالوا له: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل، فتذبح صغارهم، ويموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فولد هارون في السّنة التي لا يذبح فيها، وولد موسى في السنة التي يذبح فيها، انظر تفصيل ذلك في أول سورة (القصص). والله وليّ التوفيق. هذا؛ ويقرأ: «يذبحون» بتخفيف الباء، وتشديدها.\nهذا وقال وهب بن منبه: كان بنو إسرائيل أصنافا في أعمال فرعون: فالقوي يقطع الحجر من الجبال، (هذا صنف) وصنف ينقل الحجارة، والطّين لبناء قصوره، وصنف يضرب اللّبن، ويطبخ الآجرّ، وصنف نجّار، وآخر حداد، والضعفاء منهم يضرب عليهم الجزية، والنّساء يغزلن الكتان، وينسجنه. هذا؛ وأصل (﴿يَسْتَحْيُونَ﴾): «يستحييون» بياءين: الأولى عين الكلمة مكسورة، والثانية لامها مضمومة. فقيل: حذفت الأولى، فصار وزنه: يستفاون. وقيل: حذفت الثانية، فصار وزنه: يستفعون، وطريق الحذف على الأول أن يقال: استثقلت الكسرة على الياء الأولى، فحذفت فالتقى ساكنان: (الياء الأولى مع الحاء) فحذفت الياء لعلّة الالتقاء، فصار: (﴿يَسْتَحْيُونَ﴾) وطريق الحذف على الثاني أن يقال: حذفت الثانية اعتباطا، وتخفيفا، فصار: «يَسْتَحْيُونَ» ثمّ ضمّت الأولى لمناسبة الواو. والمراد بالنساء: الأطفال، وإنّما عبر عنهنّ بالنّساء؛ لمآلهن إلى ذلك، وعكسه قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢]: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ فهو باعتبار ما كان؛ لأنّهم بلغوا الرّشد، ولم يبقوا يتامى.\nهذا؛ و(نساء): اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وجمعها في القلّة:\nنسوة. وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلّها مأخوذة من النّسيان؛ الذي رأيت شرحه في الآية رقم [٤٤] فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا. ويقال لكلّ واحد من هذه الجموع: اسم جمع لا واحد له من لفظه. أما المرأة: فهي مأخوذة من المرء. وهو الرّجل، فلذا سمّيت بذلك، والأمّ الأولى: حواء-عليها ألف سلام- سميت بذلك، لأنها مأخوذة من حي، وهو آدم، على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"1","page":147},{"text":"انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥]. هذا؛ و(﴿أَبْناءَكُمْ﴾): جمع: ابن، وأصله: أبناوكم، وأصل ابن:\nبنو، ونساء أصله: نساو، وأيضا: آباء أصله أباو؛ لأنه جمع أب، وأصله أبو، فقل في الثلاثة:\nتحركت الواو وانفتح ما قبلهما، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين.\nفالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، ولقد سئلت عمّا يلي:\nهمزة المصدر «استغفار» ونحوه همزة وصل، فإذا جمع: استغفارات، ونحوه؛ تبقى الهمزة همزة وصل، وهمزة «ابن» همزة وصل، فلمّا جمع: أبناء، صارت الهمزة همزة قطع، فما الفرق بينهما؟ فالجواب: إنّ همزة المصدر أصليّة، وأما همزة (ابن) فليست أصلية؛ إذ أصله: (بنو) كما رأيت، فالهمزة فيه بدل من حرف علّة أصلي. فلما جمع على (أبناء) فهذه الهمزة همزة أفعال، وليست همزة ابن، كما قد يتوهم.\n ﴿وَفِي ذلِكُمْ:﴾ الإشارة إلى جملة الأمر؛ إذ هو خبر، فهو كمفرد حاضر؛ أي: وفي فعل الفراعنة بكم ذلك ﴿بَلاءٌ﴾ أي: امتحان، واختبار، و﴿بَلاءٌ﴾ أيضا: نعمة، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٧]: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾. قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا، ويكون سيئا، وأصله: المحنة، والله ﷿ يبلو عبده بالصنع الجميل؛ ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها؛ ليمتحن صبره، فقيل للحسن: بلاء. وللسيّئ: بلاء. حكاه الهروي، والقرطبي. وخذ قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير، والشرّ. وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان والحارث بن عوف المرّيين: [الطويل]\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو\nفجمع بين اللغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته، وفي الاختبار:\nابتليته، وبلوته. قاله النحاس. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفجر) في الخير، وفي الشرّ:\n ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ..﴾. إلخ، وقال تعالى في الاختبار، والامتحان: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ..﴾.\nإلخ رقم [١٢٤] الآتية، وبلاء أصله: بلاو، فإعلاله مثل إعلال أبناء... إلخ.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف معطوف على اذكر في الآية رقم [٤٧] وقال مكيّ، والقرطبيّ، وغيرهما: معطوف على نعمتي، وهو يفيد: أنه مفعول به للفعل المقدّر، والمعنى واحد، والنّتيجة واحدة. ﴿نَجَّيْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها، و﴿مِنْ آلِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿آلِ﴾ مضاف و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلميّة، والعجمة. ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾","vol":"1","page":148},{"text":"فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿سُوءَ﴾ مفعول به ثان، و﴿سُوءَ﴾ مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ مفسرة لمضمون الجملة قبلها، فهي في محل نصب مثلها، وهو المعتمد؛ وإن قال الكثيرون: لا محل لها، وجوز أن تكون حالا من واو الجماعة والمعنى يؤيده، فتكون حالا متداخلة، كما جوز أن تكون بدلا مما قبلها، وجوز فيها الاستئناف، وهذا وجه ضعيف. هذا؛ والبدلية واضحة في قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٦٨ و٦٩]: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ انظرها هناك، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وفي سورة (إبراهيم) على نبيّنا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، رقم [٦]: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بالواو؛ لأن المعنى يعذبونكم بالذّبح، وبغيره، فالذبح جنس آخر من العذاب، لا تفسير لما قبله. ويحتمل أن تكون الواو زائدة، انظر ما ذكرته هناك، وفي سورة (الأعراف) رقم [١٤١] بدون واو كما هنا، وذلك قوله تعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ وجملة:\n ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.\n ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿فِي﴾): حرف جرّ. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب (﴿فِي﴾) والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بَلاءٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرتها حالا؛ فلست مفنّدا، والاستئناف ممكن بلا ضعف. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾\nمتعلقان ببلاء، لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة ﴿بَلاءٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-57\"></span>﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ:﴾ فصلنا بين أجزائه، وأصل الفرق: الفصل، ومنه: فرق الشعر، ومنه: الفرقان؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل؛ أي: يفصل، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٤١]: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ يعني: يوم بدر، كان فيه فرق بين الحق والباطل. هذا؛ ويقرأ بتشديد الرّاء. هذا؛ و﴿الْبَحْرَ﴾ معروف، سمي بذلك لاتساعه. ويقال: فرس بحر: إذا كان كثير الجري، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ في «مندوب» فرس أبي طلحة: «وإن وجدناه لبحرا». والبحر: الملح، والماء الكثير، والجمع: بحور، وبحار، وأبحر. انتهى قاموس. ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ أي: أخرجناكم من البحر سالمين.\n ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ:﴾ أي في البحر. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى ما حلّ بهم من الغرق. وهذا من تذكير الله لليهود الموجودين في عهد رسول الله ﷺ بما أنعم على آبائهم الأولين، وكذلك","vol":"1","page":149},{"text":"التوبيخ، والتقريع الموجّه إليهم بما فعل آباؤهم من عبادة العجل، ونقض العهود، وخلف الوعود، وغير ذلك من سيّئ الأعمال، وفاحش الفعال، والأقوال.\nهذا وذكر الطّبريّ: أنّ موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل، كما قال تعالى في سورة طه: ﴿أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي، والمتاع من نساء القبط، -وأحل الله لهم ذلك؛ لأنهم حربيّون، ويجوز أخذ مال الحربي بأية طريقة كانت-فسرى بهم موسى من أول الليل، فأعلم فرعون بذلك. فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدّيكة، فلم يصح تلك الليلة ديك، وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط، فاشتغلوا في الدّفن، وخرجوا في صباح تلك الليلة مشرقين، كما قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدّة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف، وكانت عدّة قوم فرعون ألف ألف ومائتي ألف.\nهذا وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فلمّا أرادوا السير؛ ضرب عليهم التيه، فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل، وسألهم عن ذلك، فقالوا: إن يوسف ﵇ لمّا حضره الموت أخذ عهدا على إخوته، وعلى بنيهم أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم، فلذلك انسدّ عليهم الطريق، فسألهم عن موضع قبره، فلم يعلموه، فجعل ينادي: أنشد الله كلّ من يعلم أين قبر يوسف إلا أخبرني، فسمعته عجوز منهم. فقالت له: أرأيتك إن دللتك على قبره، أتعطيني كل ما أسألك؟ فأبى عليها. وقال: حتى أسأل ربي، فأمره الله أن يعطيها سؤالها. فقالت: إني عجوز لا أستطيع المشي، فاحملني معك، وأخرجني من مصر في هذه الدنيا، وأما في الآخرة، فأسألك أن لا تنزل غرفة من غرف الجنة إلا أنزلتني معك! قال: نعم.\nقالت: إنّه في النيل في جوف الماء، فادع الله أن يحسر عنه الماء، فدعا الله، فحسر عنه الماء، ودعا الله أن يؤخّر عنه طلوع الفجر؛ حتى يفرغ من أمر يوسف، ثم حفر موسى ذلك الموقع، فاستخرجه وهو في صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بفلسطين، بجوار أبيه يعقوب، وجدّه إسحاق، وإبراهيم، على نبينا، وعليهم ألف صلاة وألف سلام. انتهى خازن بتصرف.\nوالمحفوظ: أنّ النبيّ ﷺ كان جالسا يقسّم غنائم هوازن في وادي حنين، فوقف عليه رجل من الناس، فقال: إنّ لي عندك موعدا يا رسول الله! قال: «صدقت، فاحتكم ما شئت». فقال:\nأحتكم ثمانين ضائنة وراعيها. قال: «هي لك، وقد احتكمت يسيرا، ولصاحبة موسى الّتي دلّته على عظام يوسف؛ كانت أحزم منك، وأجزل حكما منك حين حكمها موسى. فقالت: حكمي أن تردني شابة، وأن أدخل معك الجنّة، فقال لها: لك ذلك». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠١] من سورة (يوسف) ﵇.","vol":"1","page":150},{"text":"والمعروف: أنّ يعقوب دخل مصر في ستّة وسبعين نفسا من ولده، وولد ولده، فأنمى عددهم وبارك في ذرّيته؛ حتى خرجوا إلى البحر هربا من فرعون، وهم ستمائة ألف. فانطلق موسى بقومه؛ حتى انتهى إلى البحر فقال له: افرق، فقال له البحر: لقد استكبرت يا موسى! وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك؟! وقال بنو إسرائيل لموسى لمّا أدركهم فرعون بجنوده: أين المخرج، والمخلص، والبحر أمامنا، وفرعون وراءنا، وقد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم. فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وكشف الله عن وجه الأرض، وأيبس لهم البحر، فلحق فرعون وكان على حصان أدهم، وخلفه عسكره، وصار في البحر اثنا عشر طريقا، لكل سبط طريق يتراءون وذلك أن أطواد الماء صار فيها طيقان وشبابيك، يرى منها بعضهم بعضا، فلمّا خرج قوم موسى من البحر، وصار قوم فرعون كلّهم داخل البحر؛ التطم عليهم البحر، فأغرقهم، وألجم فرعون الغرق، فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ فدسّ جبريل ﵇ في فمه طين البحر. فقد روى الترمذيّ عن ابن عباس﵄-: أنّ النبي ﷺ قال: «لمّا أغرق الله فرعون، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل ﵇: يا محمد! لو رأيتني، وأنا آخذ من أوحال البحر، وأدسّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وانظر ما ذكرته في سورة (طه) و(الشعراء) وغيرهما.\nقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: ذكر الله الإنجاء، والإغراق، ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه، فقد روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن ابن عباس﵄-: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم الرسول ﷺ: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى، وقومه، وأغرق فرعون، وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ: «نحن أحقّ، وأولى بموسى منكم» فصامه، وأمر بصيامه. وصيامه ﷺ ليوم عاشوراء ليس اقتداء بموسى ﵇، لما روته السيدة عائشة -﵂قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان؛ ترك صيام يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. أخرجه البخاريّ، ومسلم.\nولا يقال: إنّ قريشا صامته بإخبار اليهود لها؛ لأنّ اليهود كانوا أهل علم. وصامه رسول الله ﷺ بمكّة قبل النبوة، وبعدها، ولمّا هاجر إلى المدينة، ووجد اليهود يصومونه، قال: «نحن أحقّ، وأولى بموسى منكم». فصامه اتباعا لموسى ﵊، لأن النبيّ ﷺ أمر بالاقتداء بمن قبله من الرّسل بالتّوحيد، وبأصول الدّين، التي لا تختلف من شريعة إلى شريعة، وأما فروع الشرائع فالاختلاف واقع فيها، باختلاف الأزمنة.\nوهذا واضح لا خفاء فيه، انظر ما ذكرته في سورة (الأنعام) رقم [٩٠] تجد ما يسرك.","vol":"1","page":151},{"text":"ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرم، وندب رسول الله ﷺ إلى صوم اليوم التاسع، ولكنّه لم يصمه، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس﵄-، قال:\nقال رسول الله ﷺ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع»، ولكنّه ﷺ توفي، وانتقل إلى الله قبل مجيء العام القابل، والغرض من صوم التاسع مخالفة اليهود في صومهم، فقد روي عن ابن عباس﵄قال: «صوموا التاسع مع العاشر، وخالفوا اليهود». وخذ ما يلي:\nعن أبي قتادة﵁-: أنّ النبيّ ﷺ قال: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السّنة التي قبله». أخرجه مسلم، والترمذيّ. ولكن أيّ ذنوب يكفرها صوم يوم عاشوراء وغيره من المعاصي؟ إنّما يكفر الصّغائر فقط، أما الكبائر؛ فلا يكفرها صوم، ولا صلاة، ولا حجّ، ولا زكاة، وأكبر الكبائر، وأعظم الجرائم أكل حقوق العباد، والاعتداء على حرمات الناس. هذا؛ وانظر شرح قوله تعالى في سورة (يونس) رقم [٩٢]: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ فإنه جيّد. والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): معطوفة على ما قبلها. ﴿فَرَقْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿بِكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، أي: ملتبسا بكم، والأول أقوى. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، وجملتا: (أنجيناكم، ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾) معطوفتان على ما قبلهما فهما في محل جر مثلهما.\n ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿تَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع مبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ والرابط: الواو فقط، وإن قدّرت مفعولا محذوفا وأنتم تنظرون أغرقهم، أو إغراقهم، فالرابط يكون الواو، والضمير، وهو كلام جيد لا غبار عليه.\n\n<span id=\"aya-58\"></span>﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ واعَدْنا:﴾ ويقرأ: («وعدنا») بدون ألف. هذا والوعد يستعمل في الخير، وفي الشرّ. فإذا قلت: وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به؛ كان ذلك خيرا. وإذا قلت:\nأوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به؛ كان شرّا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد من معلقته رقم [١٢٠]: [الطويل]\nوإني وإن أوعدته أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعود به، أو الموعد به؛ فيجوز أن يستعمل (وعد) في الخير وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾","vol":"1","page":152},{"text":"﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ الآية رقم [٢٩] من سورة (الفتح)، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الآية رقم [٧٢] من سورة (الحج) وأنشدوا قول الشاعر: [الطويل]\nإذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما\nكما يستعمل أوعد فيهما أيضا. كقولك: أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرّا. هذا والمركز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا؛ كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة بن العبد في بيته المتقدّم.\nهذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقّه تعالى كرما، وعند الماتريدية لا يجوز، وأما الوعد فلا يجوز الخلف في حقّه تعالى اتفاقا، ودليل الأشاعرة قول النّبيّ ﷺ: «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا، فهو بالخيار، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه». هذا والوفاء بالوعد حلية الأنبياء، وشعار ذوي التقى، والفضل من الأصفياء، ورمز الثقة، والاحترام من ذوي الرأي، والحكمة من العقلاء، وقد أكّد رسول الله ﷺ أمر العهد، وشدّد في طلب الوفاء بالوعد، وبيّن: أنّ من أخلف الوعد، ونكث العهد؛ فقد خان الله ورسوله، وباع آخرته بدنياه، وخرج من دينه، ودخل في النّفاق، فعن أنس بن مالك﵁قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». رواه الإمام أحمد، والطّبراني. وعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاريّ، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى، وصام، وزعم أنه مسلم». وزاد أبو يعلى من رواية أنس بن مالك: «وإن صام، وصلّى، وحجّ، واعتمر، وقال: إنّي مسلم». وقال الشاعر: [الطويل]\nفإن تجمع الآفات فالبخل شرّها... وشرّ من البخل المواعيد والمطل\nولا خير في وعد إذا كان كاذبا... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل\nومن أحسن ما قيل في تشبيه من يخلف الوعيد بمسيلمة الكذاب قول بعضهم: [الكامل]\nووعدتني وعدا حسبتك صادقا... فبقيت من طمعي أجيء وأذهب\nفإذا جلست أنا وأنت بمجلس... قالوا مسيلمة وهذا أشعب\n ﴿مُوسى:﴾ هو ابن عمران، بن يصهر، بن قاهث، بن لاوي، بن يعقوب، إسرائيل الله، ابن إسحاق، بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"1","page":153},{"text":"و«مُوسى»: هو في الأصل: «موشى» بالشين، وهو اسم أعجمي، لا ينصرف للعلمية، والعجمة: مركب من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: «مو» والشجر يقال له: «شا» فعرّبته العرب، وقالوا: «مُوسى» بالسين، وسبب تسميته بذلك: أنّ امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر لما ألقته أمّه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و(القصص).\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٠].\n ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً:﴾ خص الليالي بالذكر دون الأيام؛ لأن الليل أسبق من النّهار، فهي قبله في المرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أول الشهور، والأيام تبع لها. وقال النقاش: في هذه الآية إشارة إلى صلة الصّوم؛ لأنه لو ذكر الأيام؛ لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر باللّيل، فلما نصّ على الليالي اقتضت قوة الكلام: أنه ﵇ واصل أربعين يوما بلياليها، قال ابن عطية:\nسمعت أبي يقول: سمعت الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهري﵀يعظ الناس في الخلوة بالله، والدنوّ منه في الصّلاة ونحوها، وأنّ ذلك يشغل عن كلّ طعام، وشراب، ويقول: أين حال موسى في القرب منه، ووصل ثمانين من الدّهر من قوله حين سار للخضر لفتاه في بعض يوم: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ رقم [٦٢] من سورة (الكهف).\n ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: اتخذتموه من بعد ذهابه إلى جبل الطور إلها من بعد موسى، وأصل الفعل: «ائتخذتم» من: الأخذ، ووزنه افتعلتم، سهّلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين، فصار (ايتخذتم) فاضطربت الياء في التّصريف، جاءت ألفا في (ياتخذ) وواوا في (موتخذ) فبدلت بحرف ثابت من جنس ما بعدها، وهي التاء، ثمّ أدغمت التاء في التاء، ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق بها، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التّقرير كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ الآية رقم [٨٠] الآتية، فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير، ومنه قوله ذي الرّمّة: [البسيط]\nأستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا... أم راجع القلب من أطرابه طرب\nومثله قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٨]: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٣]: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (ص) رقم [٧٥]: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (المنافقون) رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالّها.\n ﴿الْعِجْلَ﴾ المراد به: الذي صنعه لهم السامريّ من ذهب، كما سترى تفصيله في سورة طه.\nهذا والأربعون ليلة في قول المفسرين هي: ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد أن أنجاهم الله من كيد فرعون، وغرقه في البحر، وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فذهب موسى لمناجاة ربه على جبل الطور، وليطلب منه الكتاب الذي وعد قومه به، فصنع لهم السامريّ العجل، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٨]: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ﴾","vol":"1","page":154},{"text":"﴿حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (طه) رقم [٨٨] في حق السامري:\n ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾. هذا؛ وسمّي العجل عجلا، لاستعجالهم عبادته، والعجل: ولد البقرة، والعجّول مثله، والجمع: العجاجيل، والأنثى عجلة، وبنو عجل قبيلة من ربيعة.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٢]: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ انظر شرحها هناك فإنه جيد والحمد لله. وقد قال القرطبي رحمه الله تعالى في سبب فتنتهم زيادة العشر فوق الثلاثين، وزلق رحمه الله تعالى. فقال: فخرج إلى الطّور في سبعين من خيار بني إسرائيل، يعني: ليسأل الكتاب، والمعتمد: أن خروجه في السّبعين لطلب التوبة من عبادة العجل، خذ قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٥]: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ انظر شرحها هناك يتبيّن لك وجه الحقيقة.\nهذا والليلة: واحدة مفردة، أما الليل فهو واحد، بمعنى الجمع، واحدته ليلة، مثل تمر، وتمرة، وقد يجمع على ليالي، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، وشبه، ومشابه، وحاجة، وحوائج، وذكر، ومذاكر، وكأن ليالي في القياس جمع: ليلاة. وقد استعملوا ذلك في الشعر، وأنشد ابن الأعرابي، وهو الشاهد رقم [٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nيا لك من ذي جمل ما اشقاه... في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه\nهذا واللّيل الشّرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهو أحد قولين في اللّغة، والقول الآخر: هو من غروب الشمس إلى طلوعها. هذا؛ والنّهار ضدّ الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب، وسحب، وفي القليل: أنهر وقال ابن فارس: النهر معروف، والجمع أنهر، وأنهار. ويقال: إن النّهار يجمع على نهر، قال الشاعر: [الرجز]\nلولا الثّريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر\nوالنّهار من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس على ما تقدّم في نهاية الليل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما رأيت في الآية رقم [٤٨]، هذا والليل يطلق على الحبارى، أو فرخها، وفرخ الكروان، والنّهار يطلق على فرخ القطا، انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]\nإذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\nالإعراب: (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآيتين السابقتين. ﴿واعَدْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة","vol":"1","page":155},{"text":"على الألف للتعذّر. ﴿أَرْبَعِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وهو على حذف مضاف؛ إذ الأصل: تمام أربعين. ﴿لَيْلَةً:﴾ تمييز. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِتَّخَذْتُمُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿الْعِجْلَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ثم اتخذتم العجل إلها.\n ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وليس بشيء. ولو قيل:\nمتعلقان بمحذوف صفة إلها المحذوف؛ لكان وجها مقبولا، وجملة: ﴿اِتَّخَذْتُمُ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير، وقال الزّمخشري، وتبعه البيضاويّ، والنّسفيّ: معترضة في آخر الكلام. وقيل: مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-59\"></span>﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ:﴾ صفحنا عنكم، فالعفو: محو الذنب، أي: محونا ذنوبكم، وتجاوزنا عنكم، وهو بهذا المعنى كثير في القرآن كثرة لا تعدّ، ولا تحصى، كما يأتي «عفا» بمعنى الكثرة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ الآية رقم [٩٥] من سورة (الأعراف) أي: حتى كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم. من قولهم: عفا النبات، وعفا الشّحم، والوبر: إذا كثر، قال الحطيئة: [الطويل]\nبمستأسد الغربان عاف نباته... بأسؤق عافيات الشّحم أكوم\nوعفا المنزل، يعفو عفاء: إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، قال الأخطل التّغلبيّ، وهو الشاهد رقم [٤٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nوبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد\nوعفو المال: ما يفضل عن النفقة، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ رقم [٢١٩] الآتية، والعافي: طالب المعروف، والإحسان، قال عروة بن الورد العبسيّ المعروف بعروة الصّعاليك: [الطويل]\nوإنّي امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد\nوجمع العافي: عفاة، قال الأعشى في مدح ممدوحه: [المتقارب]\nتطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن\nوانظر إعلال (عفوا) فيما تقدّم.\n ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ من بعد عبادة العجل. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. هذا؛ والفعل «شكر» يتعدّى بنفسه،","vol":"1","page":156},{"text":"وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له. كما تقول: نصحته، ونصحت له، وباللام أفصح. هذا؛ ومن أسماء الله تعالى (الشّكور) ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. وخذ ما قيل في معنى الشّكر لله:\nفقال سهل بن عبد الله: الشّكر: الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ، والعلانية. وقالت فرقة أخرى: الشّكر: هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم، ولذلك قال تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ سورة (سبأ) رقم [١٣] فقال داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: يا رب! كيف أشكرك يا رب؛ والشّكر نعمة منك عليّ؟ قال: الآن عرفتني، وشكرتني؛ إذ قد عرفت أن الشكر منّي نعمة عليك. وقال موسى ﵇: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك، لا يجازى بها عملي كلّه، فأوحى الله إليه: يا موسى الآن شكرتني. وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: الشّكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان، والإفضال. انتهى قرطبي بتصرف.\nهذا؛ وشكر الله يستوجب المزيد من النعم، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وجحدها يستوجب سلبها، وردها بها. قال تعالى في الآية نفسها رقم [٧]: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾. لذا قيل: الشكر قيد النّعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة، وينبغي أن تعلم: أن فائدة الشكر تعود على الشاكر نفسه، قال تعالى في سورة (النّمل) رقم [٤٠]: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ وقال جل ذكره في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. هذا؛ والشكر مطلوب لكل منعم، ومحسن، ولو كان من البشر؛ لذا فقد ندبنا الرسول المعظم ﷺ قال: «من أعطي عطاء، فوجد؛ فليجز به، فإن لم يجد فليثن، فإنّ من أثنى؛ فقد شكر، ومن كتم؛ فقد كفر، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». الترمذي. وعن أسامة بن زيد﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثّناء».\nوعن النّعمان بن بشير﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس؛ لم يشكر الله، والتّحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يشكر الله من لا يشكر النّاس». قال الخطابي-رحمه الله تعالى: هذا الكلام يتأوّل على معنيين: أحدهما: أنّ من كان طبعه كفران نعمة الناس، وترك الشكر لمعروفهم؛ كان من عادته كفران نعم الله ﷿، وترك الشكر له.\nوالوجه الآخر: أنّ الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه، إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه، ويكفر معروفهم؛ لاتصال الأمرين بالآخر، ورحم الله من قال: [الطويل]\nومن لم يؤدّ الشّكر للناس لم يكن... لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر","vol":"1","page":157},{"text":"الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿عَفَوْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿واعَدْنا..﴾.\nإلخ؛ فهي في محل جرّ مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿عَفَوْنا﴾ أيضا، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ حرف مشبه بالفعل والكاف اسمه. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية مفيدة للتعليل المفهوم من التّرجّي.\n\n<span id=\"aya-60\"></span>﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ آتَيْنا:﴾ أعطينا. ﴿الْكِتابَ:﴾ التوراة، وانظر الآية رقم [٢]. ﴿وَالْفُرْقانَ:﴾\nاختلف فيه. فقيل: الواو صلة، والمعنى: آتينا موسى الكتاب الفرقان، والواو قد تزاد في النّعوت. كقولهم: فلان حسن وطويل، وأنشدوا: [المتقارب]\nإلى الملك القرم وابن الهمام... وليث الكتيبة في المزدحم\nأراد إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة، ودليل هذا التأويل قوله﷿في سورة (الأنعام) رقم [١٥٤]: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي:\nبيّن الحلال والحرام، والكفر والإيمان، والوعد والوعيد، وغير ذلك. وقيل: الفرقان: الفرق بينهم وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء، وغرّق أولئك، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ في سورة (الأنفال) رقم [٤١] فهو يوم بدر بلا شك، نصر الله محمدا ﷺ وأصحابه، وأهلك أبا جهل وأصحابه، وقال ابن زيد: الفرقان: انفراق البحر له حتى صار فرقا، فعبروا. وقيل: الفرقان:\nالفرج من الكرب، لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط، ومنه قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ أي: فرجا، ومخرجا الآية رقم [٢٩] من سورة (الأنفال)، وقيل:\nالفرقان: هو الكتاب أعيد ذكره باسمين مترادفين تأكيدا، وحكي هذا عن الفرّاء، ومنه قول عديّ بن زيد: [الوافر]\nفقدّمت الأديم لراهشيه... وألفى قولها كذبا ومينا\nوقال الحطيئة، وهو الشاهد رقم [٤٣] من كتابنا فتح ربّ البريّة: [الطويل]\nألا حبّذا هند وأرض بها هند... وهند أتى من دونها النأي والبعد\nفنسق البعد على النأي والمين على الكذب، لاختلاف اللفظين، ومنه قول عنترة في معلّقته رقم [١٠]: [الكامل]\nحييت من طلل تقادم عهده... أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم","vol":"1","page":158},{"text":"قال النحاس: وهذا إنّما يجيء في الشّعر، وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد: فرقا بين الحق والباطل، أي الذي علّمه إيّاه. وقيل: المراد بالفرقان: المعجزات التي أجراها الله تعالى على يد موسى مثل: العصا، واليد، وغير ذلك. وفي الكشاف يعني: الجامع بين كونه كتابا منزلا، وفرقانا بين الحقّ، والباطل. كقولك: رأيت الغيث، واللّيث. تريد الرّجل الجامع بين الجود، والجرأة، ونحوه قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني: الكتاب الجامع بين كونه فرقانا، وضياء، وذكرا.\n ﴿تَهْتَدُونَ:﴾ أي إلى طريق الحق، والخير، والتّقوى.\nهذا والترجي في هذه الآية، وغيرها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، ولقد أحسن ابن المنير في الردّ على الزمخشري القائل: إرادة أن تشكروا النّعمة في العفو عنكم، فقال: التفسير الصحيح في: (لعلّ) هو الذي حرّره سيبويه-رحمه الله تعالى-في قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ من سورة عبس.\nقال: الرجاء منصرف إلى المخاطب، كأنه قال: كونا على رجائكما في تذكّره، وخشيته، وكذلك هذه الآية معناها: لتكونوا على رجاء الشّكر لله﷿ونعمه، فينصرف الرّجاء إليهم، وينزّه الله تعالى.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): معطوفة على مثلها في الآيات السابقة.\n ﴿آتَيْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (الفرقان): معطوف على ما قبله، أو هو صفة له، أو هو بدل منه، انظر الشرح. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ مفردات، ومحلاّ.\n\n<span id=\"aya-61\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ:﴾ قوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، فإن المفرد لهذه الأسماء إنّما هو رجل، وجمعها: أقوام، وأراهط، ومعاشر. هذا و«قوم» يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى في سورة (الحجرات) رقم [١١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾.\nوقال زهير بن أبي سلمى: [الوافر]\nوما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟","vol":"1","page":159},{"text":"وهذا هو الشاهد رقم [٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وربما دخل فيه النّساء على سبيل التبع للرّجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ ﴿يا قَوْمِ﴾ في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنّساء جميعا، كما هنا، وهو يذكر، ويؤنث، قال تعالى في غير ما آية:\n ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو أنّهم أمّة، وطائفة، وجماعة، وسمّوا قوما؛ لأنهم يقومون مع داعيهم بالشّدائد، والمتاعب، إمّا بالمعاونة على كشفها، وإما بالمضايقة، والإيذاء إن عارضوا، وهذا حال أعداء الخير، والإصلاح في كلّ زمان ومكان.\n ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ:﴾ استغنى بالجمع القليل عن الكثير، والكثير: «نفوس»، كما رأيت في الآية رقم [٩] وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلّة، والقليل موضع الكثرة، ويقال لكلّ من فعل فعلا قبيحا: إنما أسأت إلى نفسك. ﴿بِاتِّخاذِكُمُ:﴾ أصله: باوتخاذكم، فقلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء، فهو مصدر: اتّخذ، يتّخذ. الأصل: اوتخذ، يوتخذ، قلبت الواو فيها تاء، وأدغمت في التاء. ﴿فَتُوبُوا:﴾ ارجعوا. وقيل: اعزموا على التوبة. قال سفيان بن عيينة﵁-: التوبة نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل.\n ﴿بارِئِكُمْ:﴾ خالقكم، وبينهما فرق، وذلك: أن البارئ هو المبدع المحدث، والخالق هو المقدّر، الناقل من حال إلى حال. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: ليقتل بعضكم بعضا، فقاموا صفين، وبيدهم الخناجر، والسيوف، فقتل بعضهم بعضا، لا يسأل والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، كلّ من استقبله ضربه بالسيف، وضربه الآخر بمثله. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة. روي: أنّ الرجل منهم كان يلقى ابنه، أو أخاه، فلم يقدر على المضي لأمر الله، فأرسل الله عليهم ضبابة، أو سحابة، فجعلوا لا يعرف بعضهم بعضا، فأخذوا يقتلون من الغداة إلى العشي، حتى دعا موسى، وهارون، فانكشفت السّحابة، ووضع موسى التوراة التي أتى بها من جبل الطور، ونزلت توبتهم من السّماء، وكان القتلى سبعين ألفا، فكان ذلك شهادة للمقتول، وتوبة للحيّ.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ أي: القتل، والخضوع لأمر الله، والانقياد لما يريد. ﴿خَيْرٌ:﴾ أفضل، وهو أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في: حبّ، وشرّ اسمي تفضيل، إذ أصلهما أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الحاء، والشّين، وقد يستعمل خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قول الله تعالى في سورة (القمر):\n («سيعلمون غدا من الكذاب الأشرّ») بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nيا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر","vol":"1","page":160},{"text":"وخير، وحبّ يستعملن بصيغة واحدة للمذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والجمع؛ لأنهنّ بمعنى «أفعل» كما رأيت. ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ قبل توبتكم، قال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنّسفي: الفاء الأولى للتّسبيب؛ لأنّ الظلم سبب التوبة، والثانية للتعقيب، لأن المعنى فاعزموا على التوبة، فاقتلوا أنفسكم؛ إذ إنّ الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم، والثالثة متعلقة بشرط محذوف. كأنه قال: فإن فعلتم القتل؛ فقد تاب الله عليكم. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ انظر الآية رقم [٣٧].\nالإعراب: (﴿إِذْ﴾): معطوفة على مثلها في الآيات السابقة. ﴿قالَ مُوسى:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء ضمير في محل جر بالإضافة. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (﴿قَوْمِ﴾): منادى منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصّة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء الساكنة، فيقول: (يا قومي) ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة. فيقول: (يا قومي) ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قوما)، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها فيقول: (يا قوم)، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ل «يا» ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nويزاد سادسة وهي لغة القطع: (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف، يقول: (يا ربّ، يا ربّ). وقرئ في سورة (يوسف) الآية رقم [٣٣]: («قال ربّ السّجن أحبّ إليّ»). والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿ظَلَمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِاتِّخاذِكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْعِجْلَ:﴾ مفعول به أول للمصدر، والمفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير: باتخاذكم العجل إلها، وجملة: ﴿ظَلَمْتُمْ..﴾.\nإلخ: في محل رفع خبر (إنّ) وجملة: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول.\n ﴿فَتُوبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها في مثل ذلك للسّببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التّقدير: وإذا كان ذلك قد حصل منكم؛ ﴿فَتُوبُوا..﴾. (توبوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ظَلَمْتُمْ﴾ على الوجهين الأولين المعتبرين في الفاء، ولا محل لها على اعتبار الفاء الفصيحة، وعليه فالجملة الشرطية معطوفة برمّتها. ﴿إِلى بارِئِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله أو من إضافة الصّفة المشبهة، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾\nهذه الجملة معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وإعرابها لا خفاء فيه.","vol":"1","page":161},{"text":"﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿خَيْرٌ﴾ أيضا، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿فَتابَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط مقدر محذوف، التقدير: إن فعلتم ما أمرتم به؛ فقد تاب، وهذا إن كان من كلام موسى لهم. أو الفاء: حرف عطف، تعطف الجملة على كلام محذوف؛ إن جعلته من كلام الله تعالى على طريق الالتفات. كأنه قال لهم: فعلتم ما أمرتم به، فتاب عليكم بارئكم. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٣٢] و[٣٧] والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-62\"></span>﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى:﴾ هذا من خطاب الأبناء بما فعل الآباء. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي: لن نصدقك حتى نرى الله عيانا، وسبب ذلك: أنّ الله تعالى أمر موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أن يأتيه بأناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار سبعين رجلا من صلحائهم. وقال لهم: صوموا، وتطهّروا. ففعلوا، وخرج بهم إلى طور سيناء. فقالوا لموسى:\nاطلب لنا أن نسمع كلام ربّنا. فأسمعهم الله قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني، ولا تعبدوا غيري. فلمّا سمعوا كلام ربّ العزة؛ استحلوا كلامه، فطلبوا رؤيته، وهذه طبيعة البشر، فكل من استحلى صوتا يحبّ أن يرى صاحبه. انظر الآية رقم [١٥٥] من سورة (الأعراف). ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ:﴾ الصيحة، وهي صوت هائل سمعوه من جهة السماء. وقيل: هي نار، وفي سورة (الأعراف): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزلزلة، ويمكن الجمع بأنهم حصل لهم الجميع. انتهى. جمل. فقام موسى يبكي، ويدعو الله ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ فناشد به حتّى أحياهم رجلا رجلا بعد أن مكثوا ميتين يوما وليلة. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: إلى حالكم، وما نزل بكم من الموت، وآثار الصعقة.\nهذا وقال الزمخشري: وفي هذا الكلام دليل على أنّ موسى﵊رادّهم القول، وعرّفهم: أن رؤية ما لا يجوز عليه... إلخ: قال أحمد بن المنير رحمه الله تعالى: لقد انتهز الزمخشري ما اعتقده فرصة من هذه الآية التي لا مطمع له عند التحقيق في التشبث بها، فبنى الأمر على أنّ العقوبة سببها طلب ما لا يجوز على الله تعالى من الرؤية على ظنّه، وأنّى له ذلك؟! وثمّ سبب ظاهر في العقوبة سوى ما ادّعاه هو كل السبب، وذلك: أنّ موسى ﵇ لمّا علم جواز رؤيته تعالى طلبها في آية (الأعراف) رقم [١٤٣] فأخبره الله تعالى: أنه لا يراه في الدنيا،","vol":"1","page":162},{"text":"وصار في ذلك عنده، وعند بني إسرائيل أصلا مقررا، كما هو عندنا الآن معاشر أهل السنة: أن الله لا يرى في الدنيا، لأنه أخبر: أنّه لا يرى، والخبر واجب الصدق، وكما أنه أخبره أنه لا يرى في دار الدنيا، فقد وعد الوعد الصادق ﷿ برؤيته في الدار الآخرة، وتخصيص ذلك بالمؤمنين، وبعد استقرار هذا المعتقد طلب بنو إسرائيل الرؤية تعنّتا، أو شكّا في الخبر، فأنزل الله تعالى بهم العقوبة. وكيف تخيّل الزمخشري وشيعته: أنّ موسى ﵇ طلب من الله ما لا يجوز عليه، وهل هو لو كان الأمر على ما تخيّله إلا كبني إسرائيل؟! ومعاذ الله لقد برأه الله من ذلك، وكان عند الله وجيها! هذا وطلب رؤية الله في الدنيا ليست أول مفاسد بني إسرائيل، وجرائمهم، فقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن قيس بن عباد: أنّ بني إسرائيل قالت: ما مات فرعون، وما كان ليموت أبدا! قال: فلم يعد أن سمّع الله تكذيبهم نبيّه ﵇، فرمى به على ساحل البحر، كأنه ثور أحمر يتراآه بنو إسرائيل، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ رقم [٩٢] فلمّا اطمأنوا، وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون، حتى نقلوا كنوزه، وغرقوا في النّعمة؛ رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فزجرهم موسى، وقال: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ الآيتان من سورة (الأعراف) رقم [١٣٨، ١٤٠].\nثمّ أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدّسة، التي كانت مساكن آبائهم، ويتطهروا من أرض فرعون، وكانت الأرض المقدّسة في أيدي الجبّارين، قد غلبوا عليها، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال. فقالوا: أتريد أن تجعلنا لقمة للجبّارين، فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيرا لنا؟! قال الله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ إلى قوله:\n ﴿قاعِدُونَ﴾ سورة (المائدة) رقم [٢١] وما بعدها؛ حتى دعا الله عليهم، وسمّاهم فاسقين فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة لهم، قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٢٦]: ﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾.\nثمّ ﵏، فمنّ عليهم بالمنّ، والسّلوى، والغمام، انظر الآية رقم [٥٧] الآتية، ثمّ سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتّوراة، فاتّخذوا العجل، كما رأيت في الآية رقم [٥١] ثم قيل لهم: قد وصلتم إلى بيت المقدس، فادخلوا الباب سجّدا، وقولوا: حطّة، الآية رقم [٥٨] الآتية، وكان موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شديد الحياء ستّيرا، فقالوا:\nإنه آدر، فلما اغتسل وضع على الحجر ثوبه، فعدا به الحجر إلى مجالس بني إسرائيل، وموسى على أثره عريان؛ وهو يقول: يا حجر ثوبي، فذلك قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٩]:\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾.\nثمّ لما مات هارون في التيه. قالوا له: أنت قتلت هارون، وحسدته، حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميّت عليه. انظر ما ذكرته في آية المائدة رقم [٢٦]. ثمّ سألوه أن يعلموا آية في","vol":"1","page":163},{"text":"قبول قربانهم، فجعلت نار تجيء من السماء، فتقبل قربانهم. ثمّ سألوه أن يبيّن لهم كفارات ذنوبهم في الدّنيا، فكان من أذنب منهم ذنبا أصبح على بابه مكتوب، عملت كذا، وكفارته قطع عضو من أعضائك يسمّيه له، ومن أصابه بول لم يطهر حتّى يقرضه، ويزيل جلدته، ثمّ بدلوا التوراة، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم، واشتروا به عرضا. الآية رقم [٧٩] الآتية، ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم، ورسلهم، فهذه معاملتهم مع ربّهم، وسيرتهم في دينهم، وسوء أخلاقهم، وانظر ذلك في مواضعه التي ذكرتها لك. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني.\nهذا و﴿نَرَى:﴾ مضارع، ماضيه: رأى، فالقياس نرأي، وقد تركت العرب الهمزة في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزة، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي، وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nأري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات\nوربما جاء ماضيه بغير همزة، وبه قرأ نافع في: (﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾) و(﴿أَرَأَيْتَ﴾): («أريتكم») و(«أريت») بدون همزة، قال الشاعر: [الخفيف]\nصاح هل ريت، أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب\nوإذا أمرت منه على الأصل قلت: «ارء»: وعلى الحذف: «ره» بهاء السكت، وقل في إعلال ﴿نَرَى﴾ أصله: «نرأي» قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ثمّ حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.\nالإعراب: (﴿إِذْ﴾): معطوفة على ما قبلها في الآيات السابقة. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (يا) أداة تنوب مناب: «أدعو». (﴿مُوسى﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم المقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب (يا) النائبة مناب أدعو، والجملة الندائية مع ما بعدها في محل نصب مقول القول. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال.\n ﴿نُؤْمِنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة، وهي بمعنى «إلى» هنا. ﴿نَرَى﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد حتى، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والفاعل تقديره: نحن. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿جَهْرَةً:﴾ مفعول مطلق نوعي؛ لأن الجهر بعض الرؤية. وقيل: هو حال من الفاعل المستتر، أو من لفظ الجلالة. وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف. التقدير: جهرتم جهرة، وتعود الجملة هذه فتكون في محل نصب حال، و«أن» المضمرة والفعل ﴿نَرَى﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب «حتى» والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نُؤْمِنَ﴾. ﴿فَأَخَذَتْكُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذتكم): فعل ماض، والتاء للتأنيث،","vol":"1","page":164},{"text":"والكاف مفعول به. ﴿الصّاعِقَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْتُمْ﴾ فهي في محل جرّ مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير، وجوز اعتبارها معترضة في آخر الكلام، ومستأنفة.\n\n<span id=\"aya-63\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ أي: أحييناكم من بعد موتكم. قال قتادة: ماتوا، وذهبت أرواحهم، ثم ردّوا لاستيفاء آجالهم، وأرزاقهم، ولإظهار آثار قدرة الله، ولو ماتوا بآجالهم؛ لم يحيوا إلى يوم القيامة. وكان موتهم عقوبة، ومنه قوله في الآية رقم [٢٤٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾. هذا؛ وبقي تكليفهم على الأصحّ، لئلا يخلو عاقل من تعبّد، وانظر إحياء الموتى في الآية رقم [٧٣] الآتية.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والتّرتيب، والمهلة؛ وفي كلّ منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث السّاكنة، كما تلحق «ربّ» و«لا» العاملة عمل ليس، فيقال: «ثمّت، وربّت، ولات»، والأكثر تحريك التاء معهنّ بالفتح، هذا و﴿ثُمَّ﴾ هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٦٤] وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدّمه حرف التنبيه، ولا يتّصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: (ثمّة).\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعَثْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية، معطوفة على جملة: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ في الآية السابقة. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿مَوْتِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: من بعد إماتتنا إيّاكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٢].\n<span id=\"aya-64\"></span>﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ:﴾ سترناكم بالسّحاب الرّقيق من حرّ الشمس، وكان هذا في التّيه. و﴿الْغَمامَ:﴾ جمع: غمامة، كسحابة، وسحاب. وقال الفرّاء: ويجوز: غمائم، وهي السّحاب؛ لأنها تغمّ السماء، أي: تسترها، وكل مغطّى مغموم، ومنه المغمى على عقله. روي:","vol":"1","page":165},{"text":"أنهم لبثوا أربعين سنة في تسعة فراسخ (^١) من أرض فلسطين يسيرون من الصّباح إلى المساء، فإذا هم في المكان الذي ارتحلوا عنه، ويسيرون من المساء إلى الصباح، فإذا هم في المكان نفسه، وكان ذلك في التيه عقوبة لبني إسرائيل، ما خلا موسى، وهارون، ويوشع، وكالب، فإنّ الله سهّله عليهم، وأعانهم عليه، كما سهّل النار على إبراهيم، وجعلها بردا وسلاما، وكانوا أكثر من ستمائة ألف، وبقاء هذا الجمع العظيم في هذه المساحة من الأرض مدّة أربعين سنة، بحيث لم يخرج منه أحد إنّما هذا من باب خرق العادة، وهو في زمن الأنبياء غير مستبعد، ولمّا آذاهم حرّ الشمس؛ أرسل عليهم الغمام يظلّهم في النّهار، وأرسل عليهم عمودا من نور يطلع عليهم في اللّيل، فيضيء لهم طريقهم، ويسهّل عليهم تحرّكاتهم، وكان طعامهم المنّ والسّلوى. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة الأعراف رقم [١٥٩]. (وكان ماؤهم من الحجر الذي يحملونه معهم، فيضربه موسى بعصاه، فينفجر منه اثنتا عشرة عينا)، كما ستعرفه في الآية رقم [٦٠] الآتية، وأيضا في سورة الأعراف رقم [١٦٠] وكانت ثيابهم لم تبل في هذه المدّة، ولا تتّسخ وكانت تطول معهم، كما تطول الصّبيان، قال ابن عباس﵄-: «خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق، ولا تدرن»، أي: لا يصيبها وساخة، ولا قذارة.\nهذا واختلف في المنّ ما هو؟ فقال ابن عباس﵄-: كان المنّ ينزل على الأشجار، فيغدون إليه، فيأكلون ما شاءوا. وقال قتادة: كان المنّ ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج، أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإن ادّخر منه شيئا؛ فسد عليه إلا يوم الجمعة، فإنّهم كانوا يدّخرون فيه ليوم السبت، فلا يفسد عليهم؛ لأن يوم السبت يوم عبادة، وما كان ينزل عليهم فيه شيء. وقال عبد الرحمن بن أسلم: إنّه العسل. وليس بشيء.\nهذا؛ وقيل: المنّ مصدر، يعم جميع ما منّ الله به على عباده من غير تعب، ولا زرع، ومنه قول رسول الله ﷺ في حديث سعيد بن عمرو بن نفيل (أحد العشرة المبشرين بالجنة﵁-): «الكمأة من المنّ الّذي أنزل الله على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين». رواه مسلم.\nقال أبو عبيد رحمه الله تعالى: إنّما شبهها بالمنّ؛ لأنه لا مئونة فيها ببذر، ولا سقي، ولا علاج، فهي منه، أي من جنس منّ بني إسرائيل في أنّه كان دون تكلّف. قال بعض أهل العلم بالطّبّ: الكمأة شفاء للعين، إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة، فتستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك، فمركبة مع غيرها. وذهب أبو هريرة﵁إلى استعمالها بحتا في جميع أمراض العين، وهذا كما استعمل أبو وجزة العسل في جميع الأمراض\n_________\n١) الفرسخ: مسافة تبلغ ثلاثة أميال هاشمية، والميل الهاشمي (٥٧٦٠) مترا (المعجم المدرسي).","vol":"1","page":166},{"text":"كلّها حتى في الكحل. (﴿السَّلْوى﴾): قال ابن عطية: طير بإجماع المفسرين. وقيل: هو السّمانى بعينه، وقد غلط خالد بن زهير الهذليّ، فظنّه العسل، فقال: [الطويل]\nوقاسهما بالله جهدا لأنتم... ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها\nوقال المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير، وهو ابن عمر السّدوسي: إنّه العسل، واستدل ببيت الهذلي، وذكر: أنه كذلك بلغة كنانة، سمّي به؛ لأنه يسلى به، ومنه عين السّلوان، وأنشد قول الشاعر: [الرجز]\nلو أشرب السّلوان ما سليت... ما بي غنى عنك وإن غنيت\nوقال الجوهريّ: والسّلوى: العسل، وذكر بيت الهذلي، لذا ما ادّعاه ابن عطية من الإجماع من أنه طير لا يصحّ، ويمكن القول: أنه يطلق على الطير المذكور وعلى العسل، والسّلوانة بالضم: خرزة كانوا يقولون: إذا صبّ عليها ماء المطر، فشربه العاشق سلا، قال الشّاعر: [الطويل]\nشربت على سلوانة ماء مزنة... فلا وجديد العيش يا ميّ ما أسلو\nواسم ذلك الماء: السّلوان، وقال بعضهم: السّلوان: دواء يسقاه الحزين، فيسلو، والأطباء يسمّونه المفرّح. ويقال: سليت، وسلوت لغتان، هذا وقال الأخفش: السّلوى: جمع لا واحد له من لفظه، مثل: الخير، والشر. وقال الخليل: واحده: سلواة، وأنشد قول الشاعر: [الطويل]\nوإنّي لتعروني لذكراك سلوة... كما انتفض السّلواة من بلل القطر\n ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ:﴾ هو على تقدير: وقلنا لهم: كلوا من حلالات ما رزقناكم، ولا تدّخروا لغد. فخالفوا، وادخروا، فدوّد، وفسد: فقطع الله عنهم ذلك، فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطّعام، ولم يخنز اللّحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها الدّهر». متّفق عليه، لم يخنز اللّحم: لم ينتن، ولم يتغيّر. هذا والأمر أمر إباحة، وإرشاد، وامتنان. ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ أي: بكفرهم، وجحودهم هذه النّعم. ويقدّر قبله:\nفعصوا، ولم يقابلوا هذه النعم بالشّكر. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لمقابلتهم النعم بالمعاصي.\nوكلّ من خالف أوامر الله فإنما يظلم نفسه؛ لأن وبال ذلك يعود عليه. وهذه الجملة تكرر ذكرها في عشر آيات، وخذ قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٦]: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾. هذا والجمع بين صيغتي الماضي، والمضارع: ﴿ظَلَمُونا﴾ و﴿يَظْلِمُونَ﴾ للدلالة على تماديهم في الظلم، واستمرارهم على الكفر.\nالإعراب: (﴿ظَلَّلْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْغَمامَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. (﴿أَنْزَلْنا﴾): فعل وفاعل.\n ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْمَنَّ:﴾ مفعول به. (﴿السَّلْوى﴾): معطوف على ما قبله منصوب مثله،","vol":"1","page":167},{"text":"وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿كُلُوا:﴾\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. التّقدير: وقلنا: كلوا.. والجملة الفعلية على هذا التقدير معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ طَيِّباتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و﴿طَيِّباتِ:﴾ مضاف. و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿رَزَقْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: من طيبات الذي، أو شيء رزقناكموه. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿ظَلَمُونا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة المحذوفة مع الفعل، انظر تقديره في الشرح، والرابط الواو والضمير، والكلام المقدر مستأنف؛ لأنه بمنزلة جواب لسؤال مقدّر، فكأن قائلا قال: ما فعلوا بهذه النّعم؟ قيل: فكفروا هذه النعم... إلخ. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾\nمفعول به مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-65\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ القائل هو الله، والتعبير بمثل هذا كثير في القرآن الكريم، قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى في كتابه: (الجواب الصّحيح لمن بدل دين المسيح): وقوله تعالى: (﴿كَتَبْنا﴾)، (﴿جَعَلْنَا﴾)، (﴿إِنّا﴾)، (﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾)، (﴿نُسْئَلُ﴾): لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء ولا نظراء، والله تعالى خلق ما سواه فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنا، نحن، وكتبنا، وفعلنا... إلخ، ولا يريدون: أنّهم ثلاثة ملوك، فما بالك الملك ربّ العالمين، وربّ كل شيء، ومليكه هو أحقّ بأن يقول: (إنا) و(نحن) ... إلخ مع أنه ليس له شريك ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى.\nأقول: و(نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا، وليس معه أحد، وهذا واقع ومستعمل في اللغة العربيّة كثيرا.","vol":"1","page":168},{"text":"هذا وفي سورة (الأعراف): ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ والقائل لهم موسى قبل أن يموت في التيه، أي: قال لهم: إذا خرجتم من التيه. أو القائل لهم هو يوشع، وهذا كان لما خرجوا من التيه، وقد أكد ابن كثير: أنّ القائل لهم هو موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وأنّ القرية إنّما هي بيت المقدس. وقال آخرون: هي أريحا، وأن القائل هو يوشع، هذا وإذا تأملنا قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٢١]: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ وعرفنا عنادهم، وعصيانهم، وأنّ ذلك كان سببا لتيههم أربعين سنة، وهذا كان في حياة موسى، وبعد نجاة بني إسرائيل قطعا؛ تبيّن لنا: أنّ القائل لهم إنّما هو يوشع بلا شكّ، ودليل ذلك: أنهم لم يدخلوا القرية في عهد موسى، ولم يقولوا غير الذي قيل لهم. وهذا الذي أرتئيه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه! يبقى الاختلاف في القرية التي قال لهم يوشع: ادخلوا أو اسكنوا؛ هل هي بيت المقدس أو أريحاء؟.\nهذا و﴿الْقَرْيَةَ﴾ اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى في قوله تعالى في الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام): ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ كما تطلق على الضّيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها قروي، وقريي. والفتح أقوى.\n ﴿فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ:﴾ الأمر للإباحة مثل الآية السابقة. ﴿رَغَدًا:﴾ انظر الآية رقم [٣٥] فالبحث فيها واف كاف. ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا:﴾ منحنين متواضعين: كالراكع، ولم يرد به السّجود الشّرعي بوضع الجبهة على الأرض، هذا وجمع ﴿الْبابَ:﴾ أبواب، وقد يجمع على أبوبة للازدواج، قال الشاعر: [البسيط]\nهتّاك أخبية، ولّاج أبوبة... يخلط بالبرّ منه الجدّ واللّينا\n ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: حطّ عنا ذنوبنا. قال سعيد بن جبير﵀-: معناه الاستغفار.\nوقال أبان بن تغلب: معناه التوبة. قال الشاعر: [الخفيف]\nفاز بالحطّة الّتي جعل الل... هـ بها ذنب عبده مغفورا\nوقال ابن فارس في المجمل: ﴿حِطَّةٌ:﴾ كلمة أمر بها بنو إسرائيل، لو قالوها؛ لحطّ أوزارهم. وقاله الجوهري في الصّحاح. وانظر الحديث في الآية التالية. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ:﴾\nقال الفرّاء: جمع خطيّة بلا همز، كما تقول: هديّة، وهدايا، فهو جمع تكسير، وأصل خطية:\nخطيئة، فقلبت الهمزة ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصار: خطيّة. هذا؛ وقرئ بسورة (الأعراف): «خطيئتكم» وقرئ بسورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:\n «خطيئتكم» على أنها جمع خطيئة، فهما جمع تصحيح مثل: صحائف، وصحيفة، وأصله:","vol":"1","page":169},{"text":"خطايئ مثل: صحايف، فقل في إعلاله: تحركت الياء فيهما، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الأصلية والألف المنقلبة عن الياء، فقلبت هذه همزة فصار (خطائئ) على وزن فعالل، فلما اجتمعت الهمزتان، قلبت الثانية ياء لأن قبلها كسرة، ثم استثقلت، والجمع ثقيل، وهو معتل مع ذلك، فقلبت الياء ألفا، ثم قلبت الأولى ياء لخفائها بين الألفين.\nوقال القرطبيّ، ومكي، وغيرهما: واختلف في أصل خطايا جمع خطيئة بالهمزة، فقال الخليل: الأصل في خطايا أن يقول: خطايئ، ثم قلب، فقيل: خطائي بهمزة بعدها ياء ثم تبدل من الياء ألفا بدلا لازما. فتقول: خطاءا، فلما اجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة من جنس الألف صرت كأنك جمعت بين ثلاث ألفات، فأبدلت من الهمزة ياء فقلت: خطايا. وأما سيبويه فمذهبه:\nأن الأصل خطايئ، ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن، فتقول: خطائئ، ولا تجتمع همزتان في كلمة فأبدلت من الثانية ياء، فقلت خطائى، ثم عملت كما عملت في الأول، ففيه خمسة أعمال: قلب الياء التي قبل الهمزة همزة، ثم قلبت الثانية ياء، ثم قلبت كسرة الأولى فتحة، ثم قلب الثانية ألفا، ثم قلبت الأولى ياء، وقول الفراء المتقدّم أسهل، وأخصر.\n ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ:﴾ أي نزيدهم إحسانا على الإحسان المتقدّم عندهم، والمحسن من صحّح عقد توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على فرائضه، وكفى المسلمين شرّه. وفي حديث جبريل ﵇، الّذي أخرجه مسلم: «ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك. قال: صدقت». هذا؛ وفي سورة (الأعراف) رقم [١٦١]: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بدون واو، قال الزمخشري: موعد بشيئين: بالغفران، وبالزيادة، وطرح الواو لا يخلّ بذلك؛ لأنه استئناف مرتّب على تقدير قول القائل: وماذا بعد الغفران؟ فقيل له: سنزيد المحسنين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو حرف عطف. (﴿إِذْ﴾) ظرف متعلق بفعل محذوف مبني على السكون في محل نصب، التقدير: اذكروا، أو مفعول به لهذا المقدّر، وهذه الجملة معطوفة على جمل مقدّرة قبلها في الآيات السابقة. ﴿قُلْنَا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها.\n ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب على الظرفية المكانية عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحقّقون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة»، «ونزلت البلد». «وسكنت الشام». وأيضا قوله في الآية رقم [٦١] ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وهذا إذا كان الفعل ثلاثيّا، وأما إذا كان رباعيّا بأن دخلت عليه همزة التعدية،","vol":"1","page":170},{"text":"ونصب مفعولين، فالمفعول الثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأول يكون صريحا مثل: «أدخلت خالدا البيت». ﴿الْقَرْيَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعربه صفة، ولا وجه له؛ لأنه غير مشتق، وجملة (﴿اُدْخُلُوا﴾): في محل نصب مقول القول.\n ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.\n ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والتقدير: من ثمرها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وقيل: متعلق بمحذوف حال، أي: منتقلين، ومتقلبين. ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، كما رأيت فيما تقدّم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿رَغَدًا:﴾ حال من واو الجماعة. قاله أبو البقاء. التقدير: كلوا مستطيبين، متهنئين. ويمكن اعتباره نائب مفعول مطلق، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: كلوا أكلا رغدا. وجملة: (كلوا) معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق. ﴿سُجَّدًا:﴾ حال من واو الجماعة. (﴿قُولُوا﴾): أمر، وفاعله. ﴿حِطَّةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: مسألتنا حطة، وقرئ بالنصب على أنه مفعول مطلق محذوف، التقدير:\nأن تحطّ عنا ذنوبنا حطة، أي: حطّا. وقيل: هو منصوب ب (﴿قُولُوا﴾) وعلى هذا ف «أن» والفعل في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: مسألتنا الحط من ذنوبنا. والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُولُوا﴾) في محل نصب مقول القول ل ﴿قُلْنَا﴾.\n ﴿نَغْفِرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تقولوا نغفر، والفاعل مستتر تقديره: نحن، وقرئ بالتاء على أنه مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خَطاياكُمْ:﴾ مفعول به، أو هو نائب فاعل، فهو منصوب، أو مرفوع، والنصب، أو الرفع مقدر على الألف المقصورة للتعذّر، وجملة:\n ﴿نَغْفِرْ﴾ لا محل لها على اعتبارها جوابا للأمر، أو جوابا لشرط مقدّر، وتعود لتكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَسَنَزِيدُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. السين: حرف استقبال. (نزيد): فعل مضارع والفاعل تقديره: نحن. ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير:\nثوابا، أو خيرا. والجملة الفعلية معترضة بين المتعاطفتين، مفيدة للتأكيد، وتقوية المغفرة.\n\n<span id=\"aya-66\"></span>﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ..﴾. إلخ فيه حذف، وتقديره: فبدل الذين ظلموا بالّذي قيل قولا غير الّذي قيل لهم. و(بدّل) يتعدّى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى آخر بالباء، فالذي مع الباء","vol":"1","page":171},{"text":"متروك والذي بغير باء موجود، ومثل الآية قول أبي النّجم العجلي، وهو الشاهد رقم [٧١٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nوبدّلت والدّهر ذو تبدّل... هيفا دبورا بالصّبا والشّمأل\nفالذي انقطع عنها: الصّبا، والذي صار لها: الهيف. وقال أحمد بن يحيى: يقال: بدّلته، أي: غيرته، ولم أزل عينه، وأبدلته: أزلت عينه، وشخصه، فقد روى مسلم عن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا وقولوا:\nحطّة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا، فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبّة في شعرة». وأخرجه البخاريّ: «وقالوا: حطّة حبّة في شعرة». وفي غير الصحيحين: «حنطة في شعر». وقيل: قالوا: هطّا سمهاثا، وهي لفظة عبرانيّة، تفسيرها: حنطة حمراء. حكاها ابن قتيبة. وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به، فعصوا، وتمرّدوا، واستهزءوا، فعصوا بالقول، والفعل، فعاقبهم الله بالرّجز، وهو العذاب؛ قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا.\n ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا:﴾ وضع الله الظاهر مكان الضّمير؛ فلم يقل: فأنزلنا عليهم؛ لزيادة التقبيح، والمبالغة في زيادة التّوبيخ، والمبالغة في الذّمّ، والتّقريع. هذا؛ والرّجز: العذاب، والمراد: الطاعون، كما تقدّم، وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ تنبيه على أنه لا يمكن ردّه، ودفعه، بخلاف عذاب، وبلاء في الأرض يقع من يد آدمي، فهذا يمكن ردّه، ودفعه، كالهدم، والغرق، ونحوهما. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: بفسقهم، وعصيانهم، وتمرّدهم على الله تعالى. وانظر الآية رقم [٢٦] لشرح الفسق، وفي آية الأعراف: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾.\nتنبيه: الآية الكريمة، وسابقتها كلتاهما موجودتان بسورة الأعراف رقم [١٦٠ و١٦١] بمعنى واحد تنصّان على حادثة واحدة مع اختلاف في بعض الكلمات، وإبدال حرف بحرف، وهذا لا يغيّر المعنى، وإن تغيّر الإعراب من بعض الوجوه. وذكرت لك فيما تقدّم: أن الحادثة جرت في عهد يوشع بن نون بعد خروج بني إسرائيل من التّيه، ووفاة موسى، وهارون، على نبينا وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام، مع وجود الاختلاف في القرية الّتي أمروا بدخولها، هل هي بيت المقدس، أو أريحاء؟.\nالإعراب: (بدّل): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْنَا..﴾. إلخ، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿ظَلَمُوا:﴾\nفعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول به ل (بدّل). ﴿غَيْرَ:﴾ صفة: ﴿قَوْلًا﴾ و﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني","vol":"1","page":172},{"text":"للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ تقديره: هو، وهو العائد. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (أنزلنا): معطوفة على جملة: (بدّل) فهي في محل جر أيضا. ﴿رِجْزًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار، ومجرور، متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِجْزًا﴾. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر (ما): مصدرية، ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَفْسُقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ و(ما) والفعل (كان) في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا)، واعتبار (ما) موصولة أو موصوفة فيه ضعف ظاهر؛ لأن المعنى بسبب فسقهم.\nتنبيه: استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبّد بلفظها، أو بمعناها، فإن كان التعبّد بلفظها؛ فلا يجوز تبديلها؛ لذمّ الله تعالى من بدّل ما أمره بقوله. وإن كان التعبد بمعناها؛ جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه.\nوقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فحكي عن الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأصحابهم: أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله، وهو قول الجمهور، ومنع ذلك جمع كثير من العلماء، منهم:\nابن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة، وقال مجاهد: أنقص من الحديث، ولا تزد فيه إن شئت، وكان مالك بن أنس يشدّد في حديث رسول الله ﷺ في التاء، والياء، ونحو هذا.\nوعلى هذا جماعة من أئمّة الحديث؛ لا يرون إبدال اللفظ، ولا تغييره حتّى إنهم يسمّونه:\nملحونا، ويعلمون ذلك، ولا يغيّرونه، وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد، قال: قال عمر بن الخطاب﵁-: من سمع حديثا، فحدّث به، كما سمع؛ فقد سلم، وكذا الخلاف في التقديم، والتأخير، والزيادة، والنقصان، فإن منهم من يعتد بالمعنى، ولا يعتد باللفظ ولكن أكثر العلماء على خلافه، والقول بالجواز هو الصّحيح، إن شاء الله تعالى.\nوذلك: أنّ المعلوم من سيرة الصحابة﵃-، هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتّحدة بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني، ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث، ولا كتبها. وروي عن واثلة بن الأسقع﵁-: أنّه قال: ليس كل ما أخبرنا به رسول الله ﷺ نقلناه إليكم، حسبكم المعنى. وقال قتادة عن زرارة بن أوفى: لقيت عدّة من أصحاب النّبيّ ﷺ فاختلفوا علي باللفظ، واجتمعوا في المعنى.","vol":"1","page":173},{"text":"وكان النّخعي، والحسن، والشعبي﵏يأتون بالحديث على المعاني. وقال الحسن: إذا أصبت المعنى؛ أجزأك. وقال الثوريّ-رحمه الله تعالى-: إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس. واتّفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم، وذلك هو النقل بالمعنى، وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص علينا من أنباء ما قد سلف، فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربيّ، وهو مخالف لها في التقديم، والتأخير، والحذف، والإلغاء، والزيادة، والنقصان، وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية؛ فلأن يجوز بالعربية أولى. احتجّ بهذا المعنى الشافعي، والحسن.\nوهو الصّحيح في الباب. انتهى قرطبي رحمه الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-67\"></span>﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ:﴾ طلب لهم السّقيا، فالسين، والتاء للطّلب. وكان ذلك لمّا عطشوا في التيه. والاستسقاء إنّما يكون عند عدم الماء، وحبس المطر، وإذا كان ذلك فالغاية منه إظهار العبوديّة، والتذلّل، والمسكنة، والفقر مع التّوبة النّصوح، وقد استسقى نبيّنا، وحبيبنا ﷺ، فخرج إلى المصلّى متواضعا، متذلّلا، متخشّعا، متوسّلا، متضرعا، وحسبك به، وكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد، ومخالفة ربّ العباد؟! فأنّى نسقى؟! لكن قال ﷺ في حديث ابن عمر﵄-: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلاّ منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا».\n ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ:﴾ العصا معروف، وهو اسم مقصور مؤنث، ألفه منقلبة عن واو، وأصله: عصو، وتثنيته: عصوان، وعصوين، ومقتضى القياس في جمعها عصوّ، فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها طرف ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار، عصوي، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو ياء فصار: (عصي) ثم قلبت ضمة العين كسرة لمناسبة الياء، قال تعالى في سورة (طه) رقم [٦٦]: ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ وفي المثل: (العصا من العصية) وقولهم: ألقى عصاه؛ أي: أقام، وترك الأسفار، وهو مثل، قال معتمر بن حمار البارقي: [الطويل]\nفألقت عصاها واستقرّ بها النّوى... كما قرّ عينا بالإياب المسافر\nوقد يعبر بالعصا عن الاجتماع، والافتراق، ومنه يقال في الخوارج: شقّوا عصا المسلمين؛ أي: اجتماعهم، وائتلافهم. وانشقت العصا؛ أي: وقع الخلاف. قال الشاعر-وهو الشاهد رقم [٩٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ونسب لجرير-: [الطويل]","vol":"1","page":174},{"text":"إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد\nوقولهم: لا ترفع عصاك عن أهلك، يراد به الأدب. هذا؛ وكانت من آس الجنّة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتّقدان في الظّلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء؛ حتى وصلت إلى شعيب، وأعطاها لموسى-على نبيّنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-لما استأجره لرعاية الغنم. ﴿الْحَجَرَ:﴾ «الحجر» معروف، وقياس جمعه في القلّة: أحجار، وفي الكثرة: حجار، وحجارة نادر، وهو كقولنا: جمل، وجمالة، وذكر، وذكارة. كذا قال ابن فارس، والجوهري. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي القرآن: ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ،﴾ ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ،﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً،﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ،﴾ ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً﴾ فكيف يكون نادرا؟! إلا أن يراد: أنه نادر في القياس، كثير في الاستعمال فصيح، والله أعلم.\nقال وهب بن منبه-رحمه الله تعالى-: لم يكن حجرا معيّنا، بل كان موسى يضرب أي حجر كان، فينفجر عيونا، وهذا أعظم في الآية، والإعجاز. وقيل كان حجرا معيّنا، كان موسى يضعه في مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء؛ وضعه، وضربه بعصاه، فيتفجّر الماء، فأخذوا كفايتهم منه، فإذا ضربه ثانية؛ فيمسك الماء. قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: وهو الذي فرّ بثوبه حين اغتسل في النّهر، فأتاه جبريل ﵇ حين فرّ بثوبه. وقال: إنّ الله يأمرك أن ترفع هذا الحجر معك، فوضعه في مخلاته، وحفظه، وكان من رخام كرأس الرّجل مربّع، وكان إذا ضربه تتفجّر منه اثنتا عشرة عينا بعدد القبائل المتفرعة عن أولاد يعقوب ﵇، من كل وجه ثلاث عيون، وكلّ قبيلة تعرف عينها، لا يشركها فيها غيرها.\nوالحكمة من ذلك: أنّ قوم موسى ﵇ كانوا كثيرين، وكانوا في الصحراء، والناس إذا اشتدت الحاجة إلى الماء، أو إلى أي شيء من ضرورات الحياة، ثم وجدوه، فإنّه يقع بينهم تشاجر، وتنازع، فأكمل الله هذه النعمة عليهم بأن عيّن لكلّ سبط منهم ماء معينا على عددهم؛ لأنهم كانوا اثني عشر سبطا، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر، وهو فحوى قوله تعالى:\n ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾. هذا؛ وفي سورة الأعراف رقم [١٦٠]: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ..﴾. إلخ. قال المفسرون: انفجرت، وانبجست بمعنى واحد. وقيل:\nانبجست؛ أي: عرقت، وانفجرت؛ أي: سالت.\nقال القرطبي وغيره: ما أوتي نبيّنا، وحبيبنا محمد ﷺ من نبع الماء، وانفجاره من يده، ومن بين أصابعه أعظم في المعجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار آناء اللّيل، والنّهار، ومعجزة نبينا ﷺ، لم تكن لنبيّ قبله، يخرج الماء من بين لحم ودم، روى الأئمة الثقات، والفقهاء الأثبات عن جمع من الصحابة، قالوا: كنّا مع النبي ﷺ، فعطش الناس؛ حتّى كادوا يهلكون، فطلب الرسول ﷺ شيئا من الماء، فأتي بوعاء صغير، كالإجّانة، فأدخل يده فيه، فأخذ","vol":"1","page":175},{"text":"الماء يتفجّر، ويفور من بين أصابعه الشريفة، ويقول: «حيّ على الطّهور». قال الأعمش:\nفحدّثني سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وخمسمائة. انتهى قرطبي بتصرف. أقول: هذا العدد كان في الحديبية، وأما في غزوة تبوك فقد كان العدد أكثر من ذلك بكثير. انظر كتب السيرة.\nهذا ولفظ «عشرة» على عكس المعدود في التّذكير والتأنيث، إن كان مفردا، وعلى وفقه إن كان مركبا، تقول: جاء عشرة رجال، وعشر نسوة، وخمسة عشر رجلا، وخمس عشرة امرأة.\nوشينه تسكن مع المؤنث، وهي لغة أهل الحجاز، وقد تكسر، وهي لغة أهل نجد، وقرئ بها بالفتح أيضا، وهي لغة ثالثة.\n ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا..﴾. إلخ: الأمر للإباحة، ورزق الله الذي أمروا أن يأكلوا منه هو المنّ، والسّلوى، والماء الذي أمروا أن يشربوا منه هو الماء المتفجّر من الحجر، ومعنى ﴿رِزْقِ اللهِ﴾ أي:\nمن غير كدّ منكم، ولا تعب بل هو من خالص إنعام الله، وإفضاله. هذا؛ وقد حذف مفعول الفعلين. هذا؛ وقال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثّابت، ولا يسمّى محذوفا؛ لأنّ الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآية رقم [٩] من سورة (الزمر)، وفي سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ،﴾ و﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ في هذه الآية، وفي سورة (الأعراف) رقم [٣١]، وقوله تعالى في سورة (الدّهر): ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ..﴾. إلخ؛ إذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة. وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم. وأوقعوا الأكل والشرب، وذروا الإسراف. وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..﴾. إلخ. ألا ترى أنه ﵊ إنّما رحمهما، إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السّقي، لا لكون مزودهما غنما، ومسقيهم إبلا. وكذلك المقصود من قولها:\n ﴿نَسْقِي﴾ السّقي لا المسقي، ومن لم يتأمل؛ قدّر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمها، ولا نسقي غنمنا.\n ﴿وَلا تَعْثَوْا:﴾ ولا تفسدوا، ولا تبالغوا فيها بالإفساد، نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك. هذا وفي مختار الصّحاح: عثا في الأرض: أفسد، وبابه سما، وعثي بالكسر عثيا أيضا، وعثى بفتحتين بوزن فتى، قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء، فدل على أنّ القرآن نزل باللغة الثانية، واسم الفاعل منه عاث، والأول من الباب الأول، والثاني من الباب الرّابع، والثالث من الباب الثالث. وعاث، يعيث، عيثا، وعيوثا، ومعاثا.\nبعد هذا: للعصا فوائد ذكر موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لمّا سئل عما يحمله في يده من فوائدها فائدتين، وذلك في قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَما تِلْكَ﴾","vol":"1","page":176},{"text":"﴿بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى،﴾ وذكر كثيرون للعصا منافع كثيرة، منهم ابن عباس﵄-، فقال: إذا انتهيت إلى رأس بئر، فقصر الرّشاء؛ وصلته بالعصا. وإذا أصابني حرّ الشمس غرزتها في الأرض، وألقيت عليها ما يظلّني. وإذا خفت شيئا من هوامّ الأرض قتلته بها. وإذا مشيت؛ ألقيتها على عاتقي، وعلّقت عليها القوس، والكنانة، والمخلاة، وأقاتل بها السّباع عن الغنم. هذا ومن فوائد العصا: أنّ الرّجل إذا كبر، وشاخ يعتمد عليها في مشيته، قال عمرو بن أحمد الباهليّ، وهو الشاهد رقم [٩٨٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nوقد جعلت إذا ما قمت يثقلني... ثوبي فأنهض نهض الشّارب السّكر\nوكنت أمشي على رجلين معتدلا... فصرت أمشي على أخرى من الشّجر\nومن فوائدها: التنبيه على الانتقال من هذه الدّار، كما قيل لبعض الزّهاد: مالك تمشي على العصا، ولست بكبير، ولا مريض؟ قال: إنّي أعلم أنّي مسافر، وأنّها دار قلعة، وأنّ العصا آلة السّفر، فأخذه بعض الشّعراء، فقال: [الطويل]\nحملت العصا لا الضّعف أوجب حملها... عليّ ولا أني تحنيت من كبر\nولكنّني ألزمت نفسي حملها... لأعلمها أنّ المقيم على سفر\nهذا وأما العين؛ فإنها تطلق على الماء الجاري، والنابع من الأرض، وجمعها في القلّة:\nأعين، وفي الكثرة: عيون، قال تعالى في سورة (الذاريات) وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع أيضا على: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال، كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة، أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء خالد عينه، وتطلق على الشّمس. وعين الشيء: خياره. وتطلق على النّقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط]\nواستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيام وصلهمو\nفالمراد بالعين: نفسه وذاته، والمراد بجارية: عينه الباصرة، التي تجري بالدمع، والمراد بقوله (بها) نقد الذهب، وهذا يسمى في فن البديع استخداما، وتطلق العين على أشياء كثيرة أيضا، وعلى المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة في معلقته رقم [٢٩] وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل]\nجادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم\nهذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"1","page":177},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذِ:﴾ (﴿إِذِ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف، تقديره: اذكروا، أو هو مفعول به لهذا المقدّر، وهو معطوف على مثله في الآيات السّابقة. ﴿اِسْتَسْقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿مُوسى:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذِ﴾) إليها. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. (قلنا): فعل وفاعل، والجملة مع مقولها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿اِضْرِبْ﴾ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت. بعصاك: متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿اِضْرِبْ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول. ﴿فَانْفَجَرَتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (انفجرت):\nفعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اِثْنَتا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمّة؛ لأنّه ملحق بالمثنّى، وحذفت النون لما يشبه الإضافة. ﴿عَشْرَةَ:﴾ لفظ مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، لوقوعه موقع نون المثنّى، ولا يصح أن يقال: إنه مضاف إليه لتضمنه معنى العطف. ﴿عَيْنًا:﴾ تمييز، وجملة: (انفجرت): معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فضرب الحجر، فانفجرت، والجملتان معطوفتان على جملة: ﴿اِسْتَسْقى،﴾ وجملة: (قلنا) فهما في محل جرّ مثلهما. هذا؛ وقد قيل: إنّ الفاء هي الفصيحة، التقدير: فإن ضربت؛ فقد انفجرت. ولا وجه له فيما أرى، ومثل ذلك في سورة (الأعراف) رقم [١٦٠].\n ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمَ:﴾ فعل ماض. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف و﴿أُناسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَشْرَبَهُمْ:﴾ مفعول به، وهو اسم مكان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ في محل نصب حال من (قومه) والرابط محذوف. التقدير:\nقد علم كلّ أناس منهم، والاستئناف ممكن. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا:﴾ فعلا أمر مبنيان على حذف النون، والواو فاعلهما، والألف للتفريق، وانظر الشرح لحذف المفعول. ﴿مِنْ رِزْقِ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع، و﴿رِزْقِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. والجملتان في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا لهم:\nكلوا...، ومقوله معطوف على جملة: ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ على الوجهين المعتبرين فيها، وهذا مما يقوّي الاستئناف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾) ناهية جازمة. ﴿تَعْثَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُفْسِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة مؤكدة للفعل؛ لأنها من معناه، منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (﴿لا تَعْثَوْا﴾): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.","vol":"1","page":178},{"text":"<span id=\"aya-68\"></span>﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى:﴾ هذا خطاب للأبناء بما فعل الآباء، والغرض من ذلك توجيه التوبيخ، والتقريع إليهم؛ لما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، ومخالفة الرّسل. ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: كانوا نتانى؛ أهل كرّاث، وأبصال، وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء-والعكر بكسر الكاف: العادة، والديدن، وبالفتح دردي كل شيء-واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم. فقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وكنوا عن المنّ، والسّلوى بطعام واحد، وهما اثنان لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر. فلذلك قالوا: طعام واحد. وقيل: لتكرار هما في كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصّلاة، والصوم، والقراءة: هو على أمر واحد؛ لملازمته لذلك، انتهى. قرطبي بتصرف.\nهذا؛ والطعام يطلق على ما يطعم، ويشرب، قال تعالى في الآية رقم [٢٤٩] الآتية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ والمراد ماء النهر، وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٣]: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أي: ما شربوه من الخمر. هذا؛ والطّعم بالضم:\nالطعام، قال أبو خراش: [الطويل]\nأردّ شجاع البطن لو تعلمينه... وأوثر غيري من عيالك بالطّعم\nوأغتبق الماء القراح فأنتهي... إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم\nأراد بالأول الطّعام، وبالثاني ما يشتهى منه. ﴿مِنْ بَقْلِها:﴾ البقل معروف، وهو: كلّ نبات ليس له ساق مثل الخضر من السلق وغير ذلك، والشّجر: ما له ساق. ﴿وَقِثّائِها﴾ بكسر القاف، وقد تضم، وهو أيضا معروف، ويطلق على الخيار، وقيل في جمعه: قثّائيّ، مثل:\nعلباء، وعلابيّ، إلا أن قثاء من ذوات الواو. هذا؛ وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز عقليّ؛ لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى.\nفائدة: روى ابن ماجة: قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة﵂قالت: كانت أمي تعالجني للسّمنة،","vol":"1","page":179},{"text":"تريد أن تدخلني على رسول الله ﷺ، فما استقام لها ذلك حتّى أكلت القثّاء بالرّطب، فسمنت كأحسن سمنة. وهذا إسناد صحيح، وتريد بالدّخول على رسول الله ﷺ زفها له عروسا. والله أعلم. ﴿وَفُومِها:﴾ اختلف في الفوم، فقيل: هو الثّوم؛ لأنه المشاكل للبصل، والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا: مغافير، ومغاثير لصمغ يسيل من شجر العرفط رائحته ليست طيبة، وجدث وجدف للقبر، وقرأ ابن مسعود﵁-: («ثومها») بالثاء، وروي ذلك عن ابن عباس -﵄-. وقال أميّة بن أبي الصّلت، الذي آمن شعره، ولم يؤمن قلبه: [البسيط]\nكانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة... فيها الفراديس والفومان والبصل\nوقال حسّان بن ثابت﵁-: [المتقارب]\nوأنتم أناس لئام الأصول... طعامكم الفوم والحوقل\nيعني: الثوم، والبصل، وهو قول الكسائي، والنضر بن شميل. وقيل: الفوم: الحنطة، روي عن ابن عباس أيضا، وأكثر المفسرين، واختاره النّحاس، وقال: وهو أولى، ومن قال به أعلى، وأسانيده صحاح، وإن كان الكسائيّ، والفرّاء، قد اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء، والإبدال لا يقاس عليه، وليس ذلك بكثير في كلام العرب، وأنشد ابن عباس -﵄لما سأله عن الفوم، وأنّه الحنطة قول أحيحة بن الجلاح: [الكامل]\nقد كنت أغنى النّاس شخصا واحدا... ورد المدينة عن زراعة فوم\nوقال أبو إسحاق الزجّاج: وكيف يطلب القوم طعاما لا برّ فيه؟ والبرّ أصل الغذاء، وقال الجوهري أبو نصر: الفوم: الحنطة، وأنشد الأخفش: [الوافر]\nوقال ربيئهم لمّا أتانا... بكفّه فومة أو فومتان\nتنبيه: الثّوم، والبصل، والفجل، والكرّاث من الخضراوات ذات الرّائحة المكروهة، فالرّسول ﷺ كان لا يأكل شيئا من هذه الخضراوات، وعلّل كراهته لأكلها لأحد أصحابه: «كلّ فإنّي أناجي من لا تناجي». أخرجه مسلم. فهذا بيّن في الخصوص له، والإباحة لغيره، وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب﵁-: أنّ النبيّ ﷺ نزل عنده، في أول مقدمه المدينة مهاجرا، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلمّا ردّ إليه سأل عن موضع أصابع النّبيّ ﷺ فقيل له:\nلم يأكل، ففزع، وصعد إليه، فقال: أحرام هو؟ قال: «لا؛ ولكنّي أكرهه» قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت. فالنّبيّ ﷺ لم يحرم هذه الخضراوات على أمّته، وخذ ما يلي:\nفعن جابر بن عبد الله﵄قال: قال النبي ﷺ: «من أكل البصل، والثّوم، والكرّاث، فلا يقربنّ مسجدنا، فإنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم».\nأخرجه مسلم، ورواه الطّبراني، في الأوسط، والصّغير، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «من أكل من هذه الخضراوات: الثّوم، والبصل، والكرّاث، والفجل، فلا يقربنّ مسجدنا، فإنّ","vol":"1","page":180},{"text":"الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم». وعن أبي سعيد الخدري﵁-: أنه ذكر عند رسول الله ﷺ الثّوم، والبصل، وقيل: يا رسول الله! وأشد ذلك الثّوم، أفتحرمه؟ فقال رسول الله ﷺ: «كلوه فمن أكله منكم فلا يقرب المسجد حتّى يذهب ريحه منه». رواه ابن خزيمة في صحيحه.\nوعن عمر بن الخطاب﵁-: أنّه خطب يوم الجمعة، فقال في خطبته: «ثم إنكم يا أيها الناس تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين: البصل، والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرّجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما؛ فليمتهما طبخا». رواه مسلم، والنسائي.\n ﴿وَعَدَسِها﴾ العدس: معروف، والعدسة بثرة تخرج بالإنسان، وربما قتلت و«عدس» زجر للبغال، قال يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، وهو الشّاهد رقم [٨٣٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nعدس ما لعبّاد عليك إمارة... نجوت وهذا تحملين طليق\nوالعدس: شدّة الوطء والكدح أيضا، وعدست المنية إليه، أي: سارت، قال الكميت: [الطويل]\nأكلّفها هول الظّلام، ولم أزل... أخا اللّيل معدوسا إليّ وعادسا\nأي: يسار إليّ بالليل. وعدس: لغة في حدس. قاله الجوهري. ويؤثر عن النبي ﷺ من حديث عليّ﵁-: أنه قال: «عليكم بالعدس: فإنه مبارك مقدّس، وإنه يرقّ القلب ويكثر الدّمعة، فإنّه بارك فيه سبعون نبيّا، آخرهم عيسى ابن مريم». ذكره الثعلبي وغيره، قال الحليمي: والعدس، والزيت طعام الصّالحين، لو لم يكن له فضيلة: إلا أنه ضيافة إبراهيم ﵇ في مدينته، لا تخلو منه؛ لكان فيه كفاية، وهو يخفف البدن، فيجفّ للعبادة، ولا تثور منه الشّهوات كما تثور من اللّحم.\n ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ الاستبدال: وضع الشيء موضع الآخر، ومنه البدل، أي: تطلبون إبداله، والسين والتاء للطلب. ﴿أَدْنى﴾ ألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان: أحدهما أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله، والثاني: أن يكون بمعنى القريب منكم؛ لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة. وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون فأخّرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن أفلع ومعنى الجملة: أتستبدلون البقل، والقثاء، والفوم، والبصل الذي هو أدنى بالمنّ، والسّلوى الذي هو خير؟! والخيرية بسبب: أنّ المن، والسّلوى ألذّ، وأطيب ممّا طلبوه، وأنهما لا كلفة فيهما، ولا تعب، والذي طلبوه لا","vol":"1","page":181},{"text":"يجيء إلا بالحرث، والزّراعة، والتعب، وأنّهما لا مرية في حلّهما، وخلوصهما؛ لنزولهما من عند الله، وما يخرج من الأرض يتخلّله البيع، والغشّ، واللّفّ، والدّوران، فكان أدنى من هذه الوجوه.\n ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أي: انزلوا، وأصل النزول من أعلى إلى أسفل، وانظر الآية رقم [٣٦]، وصرف ﴿مِصْرًا﴾ لأن المراد به مصر من الأمصار، فهو نكرة بسبب تنوينه، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، ﵁. وقيل: بل المراد مصر فرعون؛ التي كانوا فيها في عهده، واستدل القائلون بهذا بما في القرآن من أنّ الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون، وآثارهم. وأجازوا صرفها، قال الأخفش، والكسائيّ: لخفتها، وشبهها ب «هند»، و«دعد» يعني بسكون الوسط، قال الشاعر: [المنسرح]\nلم تتلفّع بفضل مئزرها... دعد ولم تسق دعد في العلب\nوقال الحطيئة وهو الشاهد رقم [٤٣] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nألا حبّذا هند وأرض بها هند... وهند أتى من دونها النّأي والبعد\n ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ أي: ما طلبتم من البقول، والنباتات المذكورة: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي: ألزموها، وقضي عليهم بها، كناية عن إحاطتها بهم، كما تحيط القبة بمن ضربت عليه. وهذا كان على قبائل اليهود، وعلى نسلهم إلى زمن قريب، ويسمّى ذلك استعارة بالكناية، قال الشاعر في مدح ابن الحشرج أمير خراسان: [الكامل]\nإنّ السّماحة والمروءة والنّدى... في قبّة ضربت على ابن الحشرج\nهذا؛ و﴿الذِّلَّةُ﴾ الذلّ، والصّغار، والمسكنة، والفقر، فلا يوجد يهوديّ-وإن كان غنيّا- خاليا من زي الفقر، وخضوعه، ومهانته، ولقد أذلّهم الله كلّ حياتهم، فبخت نصّر المجوسي أذلّهم، وامتهنهم، كما سترى في أول سورة الإسراء، ثمّ النصارى ساموهم العذاب، ولمّا جاء الإسلام؛ طردهم الرسول ﷺ من المدينة، ثم طهّر الفاروق بلاد الحجاز من رجسهم، ثمّ لما فتح بيت المقدس؛ فرض عليهم الجزية، ولكن في هذه الأيام صار لهم صولة، ودولة بسبب تفرّق المسلمين، وإهمالهم لتعاليم دينهم، وتركهم لسنة نبيّهم، وتركهم الجهاد في سبيل الله، وإقبالهم على الدّنيا، وكأنّ الله نزع الذلّة، والمسكنة من رقاب اليهود، وألبسها أعناق المسلمين بسبب ذلك. وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن عمر﵄قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطاعون، والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين","vol":"1","page":182},{"text":"مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسّنين وشدّة المئونة، وجور السّلطان عليهم.\nولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلا سلّط عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّروا ممّا أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، وغيره.\nوعن ثوبان﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن».\nفقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: «حبّ الدنيا، وكراهية الموت». أخرجه أبو داود، وأحمد، وغيرهما.\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». أخرجه أبو داود. ومن قول عبد الله بن مسعود﵁-: نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، إذا طلبنا العزّة بغيره؛ أذلّنا الله.\n ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: انقلبوا، ورجعوا بغضب من الله؛ أي: لزمهم ذلك، وصاروا أحقاء به، ومنه قوله ﷺ في حديث سيد الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي» أي:\nأعترف بنعمتك عليّ، وأرجع بذنبي إليك، لتغفره لي. وقال تعالى في سورة (المائدة) حكاية عن قول هابيل لأخيه قابيل: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ رقم [٢٩]، وأصله في اللغة الرّجوع، ومثله «آب» بتقديم الهمزة على الباء، وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [٧٧]: [الوافر]\nفابوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مصفّدينا\nأي: رجعوا، ورجعنا. وقد تقدّم معنى «الغضب» في سورة الفاتحة. ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الذلّة، والمسكنة، والغضب. ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بسبب كفرهم بآيات الله، أي: بالتوراة، أو بالمعجزات التي أجراها الله على يد موسى تأييدا لنبوّته، وتقوية لحجّته ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ مثل: يحيى، وزكريا، وشعياء. فعن عبد الله بن مسعود﵁-، قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النّهار. رواه أبو داود الطيالسي، بمعنى: لا يهمهم ذلك، ولا يكترثون به، ولا يحسبون له حسابا، وكلمة «في اليوم» لا تعني كلّ يوم، ولكن في بعض الأيام، وعن ابن مسعود﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو قتل نبيّا، وإمام ضلالة، وممثّل من الممثّلين» أخرجه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الحديث قاله رسول الله ﷺ حين طعن أبيّ ابن خلف في غزوة أحد، وكان ذلك سببا لموته.","vol":"1","page":183},{"text":"﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ:﴾ معلوم: أنّه لا يقتل نبيّ بحقّ، ولكن يقتل بالدّفاع عن الحقّ، فصرح بقوله:\n ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ للتشنيع عليهم، فلم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله. فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين، وقتل الأنبياء؟! قيل: ذلك كرامة لهم، وزيادة في علوّ مقاماتهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك خذلانا لهم. قال ابن عباس، والحسن﵃-: لم يقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلّ من أمر بقتال؛ نصره. ومعلوم:\nأنّ نبينا ﷺ أمر بقتال، فنصر بذلك.\n ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا:﴾ الإشارة إلى ما تقدّم، والعصيان: خلاف الطاعة. ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يتجاوزون حدود الله، فينتهكونها. ويؤخذ من هذا: أن صغار الذنوب يجرّ إلى كبارها، كما أنّ صغار الطّاعات يجرّ إلى كبارها، فاليهود جرّهم ارتكاب معصية الله إلى عظائم الأمور؛ حيث قتلوا الأنبياء، واستحلوا المحرّمات، وجرّهم ذلك أيضا إلى الكفر بمحمد ﷺ وتحريف التوراة، وغير ذلك ممّا ذكره القرآن الكريم عنهم.\nهذا؛ و(نبيّون) جمع نبي، يقرأ بالهمز، وبدونه، وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر؛ لأنّ النبيّ يخبر عن ربه. وقيل: بل مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأنّ رتبة النبيّ ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبيّ غير الرسول، بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة الحجّ رقم [٥٢]:\n ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..﴾. إلخ. وقيل: هو أعم منه؛ لأنّ كل رسول نبيّ، وليس كلّ نبيّ رسولا، أمّا تعريفهما؛ فالرّسول: ذكر، حرّ، من بني آدم، سليم عن منفّر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبيّ، وليس رسولا، فنبيّنا ﷺ صار نبيّا بنزول سورة (اقرأ) عليه، وبعد ستة أشهر من نزولها صار رسولا، بنزول صدر سورة (المدثر) عليه.\nهذا؛ ويروى: أنّ أبا ذرّ﵁سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفا» قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم، وآخرهم نبيكم». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط، هذا: وأربعة منهم من العرب، هم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ. وإسماعيل بن إبراهيم مستعرب لسكناه مكة مع قبيلة جرهم، وتزوّجه بامرأتين منهم. والمذكور من الرّسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كلّ مسلم، ومسلمة من المكلّفين، وأعني بمعرفتهم:\nأنه لو عرض اسم رسول منهم على مسلم، فيجب عليه أن يعرف أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا وقال الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (النساء) رقم [١٦٤]: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٨]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.","vol":"1","page":184},{"text":"هذا؛ وقد روي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: كلّ الرّسل من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمدا، صلّى الله عليهم جميعا، وسلّم تسليما كثيرا. هذا؛ وذكروا من أنبياء العرب حنظلة بن صفوان بعث لأصحاب الرّس، وخالد بن سنان العبسي، انظر أصحاب الرّس في الآية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان) فإنّه جيد. والحمد لله!.\nهذا؛ وقد ذكر الله في آيات (الأنعام) رقم [٣٨] وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، لا بحسب الزّمان، ولا بحسب الفضل؛ لأنّ الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، وبقي سبعة منهم لم يذكروا في سورة (الأنعام) وقد ذكروا في غيرها، هم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب الذي ذكر في سورة (الأنبياء)، وآدم، ومحمد، صلّى الله عليهم جميعا، وسلّم تسليما كثيرا. فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا الذين يجب الإيمان بهم، ومعرفتهم، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]\nحتم على كلّ ذي التّكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا\nفي تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو\nإدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا\nويعني قوله في (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا﴾) آيات (الأنعام) المذكورة، وينبغي أن تعلم أن هؤلاء الرّسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل، بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسيّد الجميع، وأفضل الخلق قاطبة محمّد صلّى الله عليهم جميعا، وسلّم تسليما.\nوالأنبياء-صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين-يجوز عليهم الأعراض البشرية، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحّون، ويمرضون، وينكحون النّساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الأعراض البشرية من ضعف، وشيخوخة، إلا أنّهم يمتازون بخصائص كريمة عالية، ويتّصفون بصفات عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، وهي ما يلي: «الصدق، والأمانة، والتّبليغ، والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النّبوّة، وبعدها، والسّلامة من العيوب المنفّرة، ويستحيل عليهم ضدّها».\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآية السابقة. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (﴿مُوسى﴾):\nمفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب (﴿يا﴾) النداء، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول ﴿لَنْ﴾ حرف ناصب. ﴿نَصْبِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب، والفاعل","vol":"1","page":185},{"text":"مستتر تقديره: نحن. ﴿عَلى طَعامٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدٍ:﴾ صفة ﴿طَعامٍ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَادْعُ:﴾ الفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وصحيحا؛ فادع... إلخ. (ادع): فعل أمر، وطلب، والتماس، مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جرّ بالإضافة. من: إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب «إذا» والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿يُخْرِجْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بجواب الطلب المقدر، أو هو مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تدع يخرج، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾ والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الجازم. ﴿لَنا﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومفعوله محذوف، التقدير:\nيخرج لنا شيئا، أو مأكولا. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف صفة المفعول المحذوف يؤيده المعنى. هذا؛ وقال الأخفش: (من) زائدة في الإيجاب و(ما) هي المفعول به. ﴿تُنْبِتُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يخرج لنا من الذي، أو من شيء تنبته الأرض. ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، الواقع مفعولا به. وقيل: هما بدل من ﴿مِمّا﴾ بدل بعض من كل. ﴿وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها:﴾\nمعطوفات على ﴿بَقْلِها﴾ بالواو العاطفة، و(ها) في محل جر بالإضافة.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى. وقيل: بل الفاعل هو الله، والأوّل أقوى، والجملة الفعلية مع مقولها الآتي كلام مستأنف لا محل له من الإعراب؛ إذ هو بمنزلة جواب لسؤال مقدر. ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. (﴿تَسْتَبْدِلُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْنى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وصلة الموصول الجملة الاسمية: ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾.\nوالجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿اِهْبِطُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِصْرًا:﴾\nمفعول به، وقل فيه مثل ما رأيت في الجملة: ﴿اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ في الآية رقم [٥٨] فهي مثلها بلا فارق؛ لأن هبط بمعنى نزل، ودخل، وسكن، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول محذوف، وتقدير الكلام: فأبوا أن يرجعوا عن طلبهم، فدعا موسى ربه، فقال الله تعالى:","vol":"1","page":186},{"text":"﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا..﴾. إلخ، ويبعد أن يكون من كلام موسى ﵇. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (إنّ) تقدّم على اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها مؤخرا. ﴿سَأَلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي سألتمونا إيّاه، وجملة: (إنّ...) تعليل للأمر لا محل لها.\n ﴿وَضُرِبَتْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿ضُرِبَتْ﴾): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء تاء التأنيث. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّلَّةُ:﴾ نائب فاعله. ﴿وَالْمَسْكَنَةُ:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿الْمَسْكَنَةُ﴾): معطوف عليه، والجملة الفعلية معترضة بين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ الآتي، والغرض من هذا الاعتراض بيان ما حلّ باليهود من الصّغار، والهوان في الدنيا، ولعذاب الآخرة أنكى، وأخزى. (﴿باؤُ﴾): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِغَضَبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: رجعوا مغضوبا عليهم، وهو جيد، معنى.\n ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة غضب، أو هما متعلقان به؛ لأنّه مصدر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ وهذه الجملة في رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ﴾ مستأنفة لا محل لها. (﴿يَقْتُلُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿النَّبِيِّينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: مبطلين بغير، و(غير) مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه، وجملة:\n ﴿وَيَقْتُلُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها.\n ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ مثل سابقه. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿عَصَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، وهي","vol":"1","page":187},{"text":"مؤكّدة لسابقتها. (﴿كانُوا يَعْتَدُونَ﴾): إعرابها مثل إعراب: (﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾) وهي معطوفة على سابقتها، تؤول مثلها بمصدر بسبب العطف، التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، وبسبب اعتدائهم.\n\n<span id=\"aya-69\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: لمّا بين الله تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدّى في فعل ما لا إذن فيه، وانتهك المحارم، وما أحلّ به من النّكال؛ فبيّن تعالى على أن من أحسن من الأمم السّالفة، وأطاع فإنّ له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة، كلّ من اتّبع الرسول النبيّ الأميّ؛ فله السّعادة الأبديّة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلّفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية رقم [٦٢] من سورة (يونس) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nوعن مجاهد قال: قال سلمان الفارسي﵁-: سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم، وعبادتهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾. وقال السّدي: نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينما هو يحدث النّبيّ ﷺ إذ ذكر أصحابه:\nفأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصلّون، ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون: أنّك ستبعث نبيّا.\nفلما فرغ سلمان الفارسي من ثنائه عليهم؛ قال له النّبيّ ﷺ: «يا سلمان! هم من أهل النار».\nفاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية. فكان إيمان اليهود: أنّه من تمسك بالتوراة، وسنّة موسى﵇حتى جاء عيسى، فلمّا جاء عيسى كان من تمسّك بالتوراة وأخذ بسنة موسى، فلم يدعها، ولم يتبع عيسى؛ كان هالكا. وإيمان النصارى: أنّ من تمسك بالإنجيل منهم، وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد ﷺ، فمن لم يتّبع محمدا ﷺ منهم، ويدع ما كان عليه من سنّة عيسى، والإنجيل، كان هالكا. انتهى. ابن كثير. وما يشبهه في أسباب النّزول للسّيوطي.\nثمّ قال ابن كثير: وهذا لا ينافي ما روي عن ابن عباس﵄في قوله تعالى:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾ الآية، قال: فأنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ الآية رقم [٨٥] من سورة (آل عمران)، فإنّ هذا الذي قاله ابن عباس﵄إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة، ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه به، فأمّا قبل ذلك، فكلّ من اتّبع الرّسول في زمانه، فهو على هدى، وسبيل، ونجاة. وهذا هو الحق.","vol":"1","page":188},{"text":"هذا؛ والمراد ب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الّذين آمنوا بمحمد ﷺ، وقيل: هم الذين آمنوا بالأنبياء السابقين قبل بعثته. وقال سفيان الثّوري: المراد: المنافقون، كأنّه قال: الذين آمنوا في ظاهرهم، فلذلك قرنهم باليهود، والنصارى، والصابئين، ثم بيّن حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم.\n ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من: «هاد» بمعنى:\nتاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [١٥٦] من سورة (الأعراف)، أو سمّوا بذلك نسبة إلى يهودا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. (﴿النَّصارى﴾) جمع نصراني، سمّوا بذلك لأنّهم نصروا عيسى ﵇، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها:\nنصران، أو ناصرة، فسمّوا باسمها، أو باسم من أسّسها، والأنثى نصرانة، كندمانة، قال أبو الأخزر الحماني في وصف ناقتين: [الطويل]\nفكلتاهما خرّت وأسجد رأسها... كما أسجدت نصرانة لم تحنّف\nقال سيبويه: لا يستعمل نصران، ونصرانة إلا مع ياء النّسب، فيقال: نصراني، ونصرانيّة.\nوقيل: سموا بذلك لقوله تعالى حكاية عن قول عيسى في آخر سورة (الصّف): ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ،﴾ وأيضا في (آل عمران) رقم [٥٢]. (﴿الصّابِئِينَ﴾) وقرأ نافع: («الصابين») بدون همز، جمع صابئ، واختلف فيهم، وأظهر الأقوال قول مجاهد، ومتابعيه، ووهب بن منبه: إنّهم قوم ليسوا على دين اليهود، ولا النّصارى، ولا المجوس، ولا المشركين، إنّما هم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين لهم مقرّر يتّبعونه، ويقتفونه، ولهذا كان المشركون ينبذون من أسلم بالصّابئ؛ أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك. وقال عبد الرحمن بن زيد-رحمه الله تعالى-:\nالصابئون: أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبيّ، إلا قول: لا إله إلا الله. انتهى. مختصر ابن كثير بتصرف.\nوقال ابن عباس﵃-: لا تحلّ ذبائحهم، ولا مناكحتهم. وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس، لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم. وقيل: هم قوم بين اليهود، والنصارى يحلقون أوساط رءوسهم، وهم الذين أمر أبو بكر الصدّيق﵁جيشه بقتلهم أينما وجدوا، وذلك في وصيته المعروفة المسطورة.\n ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ قال الخازن رحمه الله تعالى: فإن قلت: كيف قال في أول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال في آخرها: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ فما فائدة التعميم أولا، ثمّ التخصيص آخرا؟ قلت: اختلف العلماء في حكم الآية، فلهم فيه طريقان: أحدهما: أنه أراد: إنّ الذين آمنوا على التّحقيق. ثمّ اختلفوا فيهم. فقيل: هم الذين آمنوا في زمن الفترة، وهم طلاب الدّين، مثل: حبيب النّجار، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وبحيرا الرّاهب، وأبي ذرّ الغفاري،","vol":"1","page":189},{"text":"وسلمان الفارسي، فمنهم من أدرك النبيّ ﷺ، ومنهم من لم يدركه، فكأنه تعالى قال: إنّ الذين آمنوا قبل مبعث النبي ﷺ، والذين كانوا على الدّين الباطل المبدل من اليهود، والنصارى، والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر، وبمحمّد ﷺ فلهم أجرهم عند ربهم.\nوأمّا الطريقة الثانية: فقالوا: إنّ المذكورين بالإيمان في أوّل الآية إنّما هو على طريقة المجاز دون الحقيقة، وهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين، ولم يؤمنوا بك. وقيل: هم المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم، ولم يؤمنوا بقلوبهم، واليهود، والنصارى، والصابئين، فكأنه تعالى قال:\nهؤلاء المطلوبون كلّ من آمن منهم الإيمان الحقيقي صار مؤمنا عند الله. انتهى. خازن.\nهذا وفي عطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها إيحاء بأنّ العمل الصالح قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ: «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أنّ الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، وهذا يسمّى في فن البديع احتراسا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر. ﴿وَالصّابِئِينَ:﴾ معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ أيضا منصوب، وعلامة نصبه الياء\nإلخ. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنَ﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو، وهناك محذوف تقديره: منهم. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ﴾ صفته. ﴿وَعَمِلَ صالِحًا:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلَهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿أَجْرُهُمْ﴾ لأنه مصدر. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من المبتدأ، والتقدير: فلهم أجرهم ثابتا عند ربهم. وهو غير مسلّم له؛ لأن مجيء الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النّحاة، وعلى رأسهم سيبويه؛ لأن الحال تبين هيئة الفاعل، أو المفعول، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: (لهم أجرهم) في محل جزم جواب الشرط. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه. فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين.\nهذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا، فهي مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنَ﴾ صلته، والعائد محذوف، التقدير: من آمن منهم... إلخ، والجملة الاسمية: (لهم أجرهم) في محل رفع خبره،","vol":"1","page":190},{"text":"ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهي زائدة، والجملة الاسمية على هذين الوجهين في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ ويجوز أن يكون (من) بمعنى الّذي مبنيّا على السكون في محل نصب بدلا من اسم (إنّ) والعائد محذوف أيضا.\nوالجملة الاسمية: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ في رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وقد حمل على لفظ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ و(﴿عَمِلَ﴾) فوحّد الضمير، وحمل على معناها قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ فجمع الضمير. وهذا واقع في الآيات القرآنية؛ لأنّ ﴿مَنْ﴾ تصلح للمفرد والمثنى، والجمع. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال «ليس» لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنّه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، وموجود، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (﴿لا﴾): نافية مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْزَنُونَ:﴾\nفعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا وقرأ جماعة: («فلا خوف») بفتح الفاء على اعتبار (﴿لا﴾) عاملة عمل «إنّ» لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة، لا يكون فيه إلا الرّفع؛ لأن (﴿لا﴾) لا تعمل في معرفة، فاختاروا في الأول الرّفع أيضا. ليكون الكلام من وجه واحد، ويجوز أن تكون (لا) في قولك: (فلا خوف) بمعنى: ليس. انتهى قرطبي. وقد ذكرت لك: أنّها إذا تكررت؛ أهملت؛ أي: لا تعمل عمل ليس.\nتنبيه: الآية مذكورة بحروفها في سورة (المائدة) برقم [٦٩]، والقراءة هناك (﴿وَالصّابِئُونَ﴾) انظر إعرابها وما ذكرته تبعا لها، فإنه جيد، والحمد لله!.\n\n<span id=\"aya-70\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ:﴾ بهذه الآية تفسر معنى قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ الميثاق:\nالعهد، وأصله: الموثاق، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، والجمع: المواثيق، فهو من: وثق، يثق، وإسناد أخذ الميثاق إليه تعالى من حيث: أنه أمر موسى بذلك؛ لأنه غيرممكن أن يحصل ذلك مباشرة بين الله وبينهم. هذا؛ و﴿الطُّورَ﴾ يطلق في الأصل على جبل مخصوص في فلسطين كان موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يناجي ربه عليه، كلّما أراد مناجاته، ومخاطبته.\nومناسبة الآيات لما قبلها: أنه لما ذكّرهم الله بالنّعم الجليلة؛ الّتي أنعمها عليهم؛ أردف","vol":"1","page":191},{"text":"ذلك ببيان ما حل بهم من نقم جزاء كفرهم، وعصيانهم، وتمرّدهم على الله، فقد كفروا النعمة، ونقضوا الميثاق، واعتدوا في السّبت، فمسخهم الله إلى قردة.\nوهكذا شأن كلّ أمّة عتت عن أمر ربها، وعصت رسله. وإنما قال: ﴿مِيثاقَكُمْ﴾ ولم يقل:\nمواثيقكم؛ لأن المراد ميثاق كل واحد منكم، كقوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: يخرج كلّ واحد منكم طفلا. وقال بعض أهل اللّطائف: كانت نفوس بني إسرائيل خبيثة من ظلمات عصيانها، تخبط في عشواء حالكة الجلباب، وتخطر في غلوائها، وعلوّها في حلّتي كبر، وإعجاب، فلما أمروا بأخذ التوراة، ورأوا ما فيها من أثقال؛ ثارت نفوسهم، فرفع الله عليهم الجبل، فوجدوه أثقل ممّا كلفوه، فهان عليهم حمل التوراة، قال الشاعر: [الطويل]\nإلى الله يدعى بالبراهين من أبى... فإن لم يجب نادته بيض الصّوارم\nهذا كلّه من صفوة التّفاسير بتصرّف بسيط.\nكان سبب رفع الجبل فوقهم: أنّ بني إسرائيل سألوا موسى أن يأتيهم بكتاب من عند ربه؛ ليحكم بينهم فيه، فسأل ربّه، فأعطاه التّوراة، فلما رأوا ما فيها من التكاليف الشاقّة؛ كبرت عليهم، فأبوا قبولها، فأمر الله تعالى جبريل ﵇، فقلع جبل الطّور من مكانه، وكان على قدر عسكرهم، وفوق رءوسهم قدر قامتهم كالظلة، وقيل لهم: إن لم تقبلوا التّوراة؛ وإلا أنزلته عليكم، فقبلوها مكرهين، وسجدوا على أنصاف وجوههم اليسرى، وجعلوا يلاحظون الجبل بأعينهم اليمنى، وهم سجود، فصار ذلك سنّة في سجود اليهود، لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، وقالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله، ورحم بها عباده، فلما رفع عنهم الجبل رجعوا إلى الامتناع. وهو ما تفيده الآية التالية.\n ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ:﴾ اقبلوا التوراة، والتعاليم الإلهيّة. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدّ، واجتهاد، وكثرة درس، ونيّة، وإخلاص، واذكروا ما فيه، أي: تدبّروه، واحفظوا أوامره، ووعيده، ولا تنسوه، ولا تضيعوه. هذا؛ والمقصود من الكتب التي يقرؤها كلّ واحد أن يعمل بمقتضاها، ولا يكتفي بتلاوتها باللّسان، فإنّ ذلك نبذ لها على ما قاله الشّعبيّ، وابن عيينة. وقد روى النّسائي عن أبي سعيد الخدري﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن من شرّ النّاس رجلا فاسقا يقرأ القرآن، لا يرعوي إلى شيء منه»، وقال الإمام مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. فما لزم إذا من قبلنا، وأخذ عليهم؛ فهو لازم لنا، وواجب علينا، قال الله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٥٥]: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأمرنا باتباع كتابه، والعمل بمقتضاه، لكن تركنا ذلك كما تركت اليهود، والنصارى، وبقيت أشخاص الكتب، والمصاحف لا تفيد شيئا لغلبة الجهل، وطلب الرئاسة، واتّباع الأهواء. وروى الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدّرداء -﵁قال: كنّا مع رسول الله ﷺ، فشخص ببصره إلى السّماء، ثم قال: «هذا أوان","vol":"1","page":192},{"text":"يختلس فيه العلم من النّاس؛ حتّى لا يقدروا منه على شيء». فقال زياد بن لبيد الأنصاريّ: كيف يختلس منا؛ وقد قرأنا القرآن؟! فو الله لنقرأنّه، ولنقرئنّه نساءنا، وأبناءنا!.\nفقال: «ثكلتك أمك يا زياد! وإن كنت لأعدّك من فقهاء المدينة، هذه التوراة، والإنجيل عند اليهود، والنصارى، فماذا تغني عنهم؟ أي: لم ينتفعوا بهما؛ لأنهم لم يعملوا بهما». وانظر الترجّي في الآية رقم [٢١].\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآية رقم [٦١] ولذا كانت الآية السابقة، وما ذكرته من قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ في الآية قبلها اعتراضا بين المتعاطفين. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِيثاقَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (﴿رَفَعْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿فَوْقَكُمُ:﴾\nظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الطُّورَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) فلست مفندا، ويكون الرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿خُذُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آتَيْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: خذوا الذي آتيناكموه، وجملة: ﴿خُذُوا:﴾ في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا، التقدير:\nورفعنا حال كوننا قائلين... إلخ. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿خُذُوا﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أو بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، العائد إلى (ما) وهو الأولى.\n (﴿اُذْكُرُوا﴾): فعل أمر وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما﴾ مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول القول المحذوف. لعلّكم: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَتَّقُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية مفيدة للترجي، والتعليل، انظر هذا الترجي في الآية رقم [٢١].\n\n<span id=\"aya-71\"></span>﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ تولّى: تفعّل، وأصله: الإعراض، والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر، والأديان، والمعتقدات اتّساعا، ومجازا.","vol":"1","page":193},{"text":"﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد البرهان، وهو أخذ الميثاق، ورفع الجبل. ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ..﴾. إلخ: فضله: قبول التّوبة، و(﴿رَحْمَتُهُ﴾): عفوه. والأصل في الفضل: الزيادة على ما وجب، والزيادة في الخير، والإفضال: الإحسان. ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ في الدّنيا، والآخرة.\nوانظر «الخسران» فيما تقدّم.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿أَخَذْنا..﴾.) إلخ، فهي في محل جر مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿فَلَوْلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود.\n ﴿فَضْلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر ﴿فَضْلُ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف، تقديره:\nموجود. (﴿رَحْمَتُهُ﴾): معطوفة على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لَكُنْتُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (كنتم): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كنتم) والجملة الفعلية جواب (لولا) لا محل لها، و(لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\nتنبيه: قال ابن مالك-رحمه الله تعالى في ألفيته-: [الرجز]\nوبعد لولا غالبا حذف الخبر\nوقد بينت متى يكون الحذف واجبا، وجائزا، إذا كان كونا عامّا، أو خاصّا، وذلك في قول أبي العلاء المعري، وهو الشاهد رقم [٤٩٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فانظره هناك، وانظر موجز القول في لولا أيضا إن كنت من أهل الشهادات العالية، وهو ما يلي: [الوافر]\nيذيب الرّعب منه كلّ عضب... فلولا الغمد يمسكه لسالا\n\n<span id=\"aya-72\"></span>﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ:﴾ أي عرفتم، فيتعدّى لواحد فقط إذا كان من المعرفة، بخلافه من العلم اليقيني، فإنّه يتعدّى لمفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nلعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nوالفرق بينهما: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم؛ فإنّ متعلقه المعاني، والنّسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى: أنك","vol":"1","page":194},{"text":"عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى، لم يتجاوز مفعولا؛ لأنّ المعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أنّ العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصّفة.\n ﴿اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ:﴾ تجاوزوا الحدّ الذي حدّه الله لهم في يوم السبت، وهو أحد أيام الأسبوع المعروفة. قال ابن عطية: والسبت إما مأخوذ من السبوت الذي هو الرّاحة، والدّعة، وإما من السبت وهو القطع؛ لأن الأشياء سبتت، وتمّ خلقها في أيام الأسبوع الستّة قبله. انتهى بتصرف. هذا والسّبت بكسر السين: الجلد المدبوغ بالقرظ، ولم ينجرد من شعره. وقال أبو زيد: السّبت جلود البقر خاصّة مدبوغة، قال عنترة في معلّقته، وهو الشاهد رقم [٣٠٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل]\nبطل كأنّ ثيابه في سرحة... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم\n ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا..﴾. إلخ: هذا الأمر معناه: الإهانة، والتّحقير، وقال بعضهم: هذا أمر تسخير، وتكوين، فهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة.\n ﴿خاسِئِينَ:﴾ صاغرين، ذليلين، حقيرين، مبعدين من رحمة الله. هذا؛ وقرئ: («قردة») بفتح القاف، وكسر الراء، و(«خاسين») بدون همز.\nتنبيه: ما ذكر في هذه الآية كان في زمن داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- بقرية يقال لها: أيلة على شاطئ البحر الأحمر، وتدعى اليوم: «إيلات» وهي مرفأ هام لليهود على البحر الأحمر، يروى: أنّ الله تعالى اختار لهم يوم الجمعة، ليكون يوم راحة، وعبادة، ونظافة، وغير ذلك، فأبوا، وقالوا: فرغ ربّنا من خلق السموات والأرض يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فنحن نختاره لذلك، فشدّد الله عليهم بأن حرّم عليهم أي عمل دنيوي ما عدا العبادة، والنظافة، وأمثالها، وكانت معيشة أهل تلك البلدة من صيد الأسماك، لا مورد لهم غيره، فابتلاهم الله، أي: اختبرهم، فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السّبت، وأقبل نحوهم، فإذا مضى يوم السبت؛ ذهبت الحيتان في أعماق البحر، فلم يتمكّنوا من الصيد طوال أيام الأسبوع، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٣]: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\nفظهر لهم الشّيطان، وقال لهم: احفروا حياضا قرب البحر، وافتحوا جداول بينها وبين البحر، وكانت الحيتان تدخل الحياض يوم السبت، ويصطادونها يوم الأحد، فنهاهم نبيهم عن فعلهم هذا، فصاروا ثلاث فرق، وكانوا سبعين ألفا، فرقة أمسكت، ونهت، وفرقة أمسكت، ولم","vol":"1","page":195},{"text":"تنه، وفرقة اصطادت، واعتدت، فهذه هي التي مسخت قردة لهم أذناب يتعاوون. وقيل: مسخ الشبّان قردة، والشيوخ خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام فقط، ثم هلكوا، ولم يأكلوا، ولم يشربوا، ولم يتوالدوا، ونجت الفرقتان الأخريان: الناهية، والساكتة عن النّهي، وقيل: هلكت أيضا.\nويقال: إنّ الناهين قالوا: لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد. فقالوا: إن للناس لشأنا، فعلوا الجدار، فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا الأبواب، ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابهم من الإنس، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي أنسابهم من الإنس، فتشم ثيابه، وتبكي، فيقول لهم:\nألم ننهكم؟! فتقول القردة برأسها: نعم! وانظر تفصيلهم في سورة (الأعراف).\nقال ابن عباس﵄-: لم يعش مسخ قطّ فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل، ولم يشرب، ولم ينسل. قال ابن عطية: وروي عن النّبيّ ﷺ، وثبت: أنّ الممسوخ لا ينسل، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، أما قول النبي ﷺ لبني قريظة، ولبني النّضير:\n «يا أحفاد القردة!» لم يرد به إلا التّقريع، والتوبيخ، والله أعلم.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: والله أقسم، أو: وأقسم والله.\nواللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية؛ لتدلّ على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشّرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر)، افهم هذا، واحفظه فإنّه جيّد، والله ولي التّوفيق!.\nفإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم؛ فالجواب:\nأنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السّور. مثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ،﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ فإن التقدير: ورب النجم، ورب الشمس... إلخ، الدليل على ذلك التّصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات)، وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم)، وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة) قالوا: في الآيتين حرف قسم وجر. والمقسم به محذوف بلا ريب.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتُمُ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على","vol":"1","page":196},{"text":"الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿اِعْتَدَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي السَّبْتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (قلنا): فعل، وفاعل. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قِرَدَةً﴾ خبر: ﴿كُونُوا﴾. ﴿خاسِئِينَ﴾ خبر ثان. وقيل: صفة ﴿قِرَدَةً﴾ وهو ضعيف؛ لأن جمع المذكر السالم لا يكون صفة لما لا يعقل، وقيل:\nحال من واو الجماعة، والأول أرجح وأقوى، فهو منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُونُوا..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: (قلنا...) إلخ: معطوفة على جملة: (﴿اِعْتَدَوْا..﴾.) إلخ: لا محل لها مثلها، وهو أقوى من العطف على جملة: (قد ﴿عَلِمْتُمُ..﴾.) إلخ.\nروى النّسائيّ عن صفوان بن عسّال﵁قال: قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النّبيّ، قال له صاحبه: لا تقل: نبيّ، لو سمعك؛ كان له أربعة أعين. فأتيا رسول الله ﷺ، وسألاه عن ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا المحصنة ولا تولّوا يوم الزّحف، وعليكم خاصّة يهود ألاّ تعدوا في السّبت» فقبّلوا يديه، ورجليه، وقالوا: نشهد: أنّك نبي! قال: «فما يمنعكم أن تتّبعوني؟».\nقالوا: إن داود دعا بأن لا يزال من ذرّيته نبيّ، وإنّا نخاف إن اتّبعناك أن تقتلنا يهود. أخرجه الترمذي، وقال: حديث صحيح.\n\n<span id=\"aya-73\"></span>﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿فَجَعَلْناها:﴾ الضمير عائد إلى العقوبة التي ذكرها الله تعالى في الآية السابقة، وهي مسخهم قردة. وقيل: عائد إلى القرية؛ إذ معنى الكلام يقتضيها. ﴿نَكالًا:﴾ عبرة تنكل من اعتبر بها: أي تمنعه من فعل المحرّمات، وتجاوز حدود الله، والنّكال: الزّجر، والعقاب، والنّكل، والأنكال: القيد، وسمّيت القيود: أنكالا؛ لأنّها ينكل بها؛ أي: يمنع. والتنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تنكل من وراءهم، أي: تخوفهم، وتردعهم، وقال تعالى في سورة (النّازعات) في حقّ فرعون اللّعين: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ وقال في سورة (المائدة) رقم [٣٨]: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللهِ﴾. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها:﴾ قال ابن عباس، والسّدي: لما بين يدي المسخة: ما قبلها من ذنوب القوم. ﴿وَما خَلْفَها﴾ لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، قال ابن عطيّة: وهذا قول جيد، والضّميران للعقوبة. وروى الحاكم عن مجاهد، عن ابن عباس﵄-: لمن حضر معهم، ولمن يأتي بعدهم، واختاره النّحاس. قال: وهو أشبه بالمعنى. هذا؛","vol":"1","page":197},{"text":"والتعبير (ما ﴿بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾) كناية عمّن أتى قبلها، وأتى بعدها من الأمم، والخلائق، أو عبرة لمن تقدّم، ومن تأخر. والتّعبير بمثل هذا كثير في القرآن الكريم، وإن اختص كلّ موضع بمعنى حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها، فمثلا قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ في الآية رقم [٢٥٥]، ومثلها في الآية رقم [٩] من سورة (سبأ) يفسر ما في هذه الآية، وكذلك رقم [١١٠] من سورة (طه) تخالف معنى قوله تعالى: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا وعليها ألف صلاة، وألف سلام. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\n ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ:﴾ الوعظ: التخويف، وقال الخليل: الوعظ: التذكير بالخير مما يرقّ له القلب، قال الماورديّ: وخصّ المتقين بالذكر، وإن كانت موعظة للعالمين؛ لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين؛ أي: لأنهم هم المنتفعون بها بخلاف غيرهم من المنافقين، والفاسقين، والكافرين. وقال الزجّاج: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ لأمة محمّد ﷺ أن ينتهكوا من حرم الله ما نهاهم عنه، فيصيبهم ما أصاب أصحاب السّبت؛ إذ انتهكوا حرم الله في سبتهم. انتهى. ولا تنس قوله تعالى في سورة (الذّاريات): ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. هذا؛ وأصل المتقين: الموتقيين بياءين مخففتين، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها، ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وأبدلت الواو على أصلهم في اجتماع الواو، والتاء، مثل: اتصل، أصله: اوتصل، وأدغمت التاء في التّاء، فصار: للمتّقين. هذا؛ والتقوى: طاعة من غير عصيان، وذكر من غير نسيان، وشكر من غير كفران.\nالإعراب: ﴿فَجَعَلْناها:﴾ فعل وفاعل، ومفعول به أوّل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها. ﴿نَكالًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَكالًا؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْها:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى لفظا، وحذفت النون للإضافة، و«ها» في محل جر بالإضافة. (ما): معطوفة على ما قبلها بالواو العاطفة، فهي في محل جر مثلها. ﴿خَلْفَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و«ها»: في محل جر بالإضافة. (﴿مَوْعِظَةً﴾) معطوف على ﴿نَكالًا﴾. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾\nمتعلقان ب (﴿مَوْعِظَةً﴾) أو بمحذوف صفة لها.\n\n<span id=\"aya-74\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله تعالى بعض قبائح اليهود، وجرائمهم، من نقض المواثيق، والعهود، واعتدائهم في السّبت، وتمرّدهم على الله ﷿ في تطبيق شريعته المنزلة على موسى؛ أعقبه بذكر نوع آخر من مساوئهم، ألا وهو مخالفتهم للأنبياء، وتكذيبهم لهم، وعدم مسارعتهم لأوامر","vol":"1","page":198},{"text":"الله الّتي يوحيها الله إليهم، ثمّ كثرة اللّجاج، والعناد للرّسل، صلوات الله، وسلامه عليهم، وجفاؤهم في مخاطبة نبيّهم الكريم موسى ﵇... إلى آخر ما هنالك من قبائح، ومساوئ. انتهى. صفوة التفاسير.\n ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً:﴾ هي واحدة البقر، تقع على الذكر والأنثى، نحو حمامة، والصّفة تميّز الذكر من الأنثى، تقول: بقرة ذكر، وبقرة أنثى، وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصّة من هذا الجنس، والذكر: الثّور، نحو ناقة، وجمل، وأتان، وحمار، وسمّي هذا الجنس بذلك؛ لأنه يبقر الأرض، أي: يشقها بالحرث. هذا؛ وأهل اليمن يسمّون البقرة:\nباقورة، وكتب النبي ﷺ في كتاب الصّدقة لأهل اليمن: في ثلاثين باقورة بقرة. مختار الصّحاح.\nوالباقر: جماعة البقر مع رعاتها، والتبقّر: التوسع في العلم، ومنه محمّد الباقر لأبي جعفر محمّد بن علي زين العابدين﵃أجمعين، لتبقّره في العلم؛ أي: لتبحره، وتعمّقه فيه، قال الأزهري: البقر: اسم للجنس، وجمعه: باقر، وفي لسان العرب: فأمّا بقر، وباقر، وبيقور، وباقور، وماقور، وباقورة؛ فأسماء للجمع. هذا؛ وقال أميّة بن أبي الصّلت، وهو الشّاهد رقم [٥٩٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]\nسلع ما ومثله عشر ما... عائل ما وعالت البيقورا\nوقال ودّاك بن ثميل المازني الطّائي وهو الشّاهد رقم [٥٩٦] من كتابنا المذكور: [البسيط]\nأجاعل أنت بيقورا مسلّعة... ذريعة لك بين الله والمطر\nهذا؛ وقال الماوردي-رحمه الله تعالى-: وإنّما أمروا-والله أعلم-بذبح بقرة دون غيرها من الحيوانات؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته، وهذا المعنى علّة في ذبح البقرة، وليس بعلّة في جواب السائل، ولكنّ المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حيّ، فيكون أظهر لقدرة الله في اختراع الأشياء من أضدادها. ﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ هذا جواب منهم لموسى ﵇ لمّا قال لهم:\n ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وذلك: أنهم وجدوا قتيلا بين أظهرهم. قيل: اسمه عاميل، واشتبه أمر قاتله عليهم، ووقع بينهم خلاف. فقالوا: نقتتل؛ ورسول الله بين أظهرنا؟! فأتوه، فسألوه البيان، وذلك قبل نزول القسامة في التّوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله، فسأل موسى ﵇ ربّه، فأمرهم بذبح بقرة، فلمّا سمعوا ذلك من موسى، وليس في ظاهره جواب عمّا سألوه، واحتكموا فيه عنده؛ قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا؟﴾.\nهذا؛ و﴿هُزُوًا﴾ يقرأ بسكون الزاي، والهمز، وبضم الزاي بلا همز، وهو بجميع قراءاته مصدر هزأ، يهزأ هزأ من باب: فتح، ويأتي من باب: تعب. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية (الحجرات) النّاهية عن السّخرية، والاستهزاء بالنّاس معروفة، وأحاديث الرسول ﷺ الناهية عن ذلك كثيرة.","vol":"1","page":199},{"text":"﴿أَعُوذُ بِاللهِ:﴾ أستعيذ، وأستجير، وأتحصّن بالله. ﴿الْجاهِلِينَ:﴾ جمع: جاهل، والجهل هو السّفه والطيش، والحمق، والجاهل هو الذي يجهل ما يتعلق به من المكروه، والمضرة، ومن حقّ الحكيم العاقل ألا يقدم على شيء حتّى يعلم كيفيته، وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذليّ، وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل\nوإن لم يكن كذلك يصدق عليه أنّه من أكبر الجهّال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر الحكيم: [الكامل]\nفضل الحمار على الجهول بحركة... معروفة عند الّذي يدريها\nإنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهّال ما يؤذيها\nتنبيه: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ مقدّم في التلاوة، وقوله: ﴿قَتَلْتُمْ نَفْسًا..﴾. إلخ الآية رقم [٧٢] الآتية مقدّم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، وكأنّ الله أمرهم بذبح البقرة حتّى ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر القتيل، فأمروا أن يضربوه ببعضها، ويكون ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ (مقدما) في المعنى على القول الأول حسب ما ذكرنا؛ لأنّ الواو لا توجب الترتيب، ونظيره في التنزيل في قصّة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله جلّ ذكره في سورة هود:\n ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قوله: «إلا قليلا» فذكر إهلاك من هلك منهم، ثم عطف عليه قوله: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ فذكر الركوب متأخرا في الخطاب، ومعلوم: أنّ ركوبهم كان قبل الهلاك، وكذلك قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا، ومثله في القرآن كثير، انتهى. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكروا إذ، وهو متعلق بهذا المحذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها.\nوقال النسفي: وهو معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ في قوله: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كأنه قال: اذكروا ذاك، واذكروا إذ قال موسى، وكذلك في الظروف التي مضت. ﴿قالَ مُوسى:﴾\nفعل ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها.\n ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَأْمُرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول","vol":"1","page":200},{"text":"به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَذْبَحُوا:﴾ فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ تَذْبَحُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: بذبح البقرة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هو منصوب بنزع الخافض، وبعضهم يعتبره مفعولا ثانيا لفعل أمر على حدّ قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وهو الشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\n ﴿بَقَرَةً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، ﴿أَتَتَّخِذُنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (﴿تَتَّخِذُنا﴾): فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: أنت، و(نا) مفعوله الأول. ﴿هُزُوًا:﴾\nمفعوله الثاني، وهو مؤول باسم المفعول، أو هو على حذف مضاف، أي: ذوي هزؤ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب عن سؤال مقدر، فكأنّ قائلا سأل: ماذا قالوا؟ ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾.\n ﴿أَعُوذُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب ﴿إِنَّ،﴾ واسمه تقديره: أنا. ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَكُونَ﴾ و﴿إِنَّ،﴾ والفعل ﴿أَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: من كوني جاهلا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَعُوذُ،﴾ وجملة: ﴿أَعُوذُ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-75\"></span>﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ..﴾. إلخ: هذا تعنيت منهم، وقلّة طواعية، ولو امتثلوا الأمر، وذبحوا أيّ بقرة كانت؛ لحصل المقصود، لكنّهم شدّدوا على أنفسهم، فشدّد الله عليهم. قاله ابن عباس، ﵄، وغيرهما. ﴿يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ أي: ما سنّها، وما حالها، وما شكلها؟ وليس المراد السؤال عن حقيقتها، فحقيقة البقرة معروفة.\n ﴿لا فارِضٌ﴾ مسنّة كبيرة جدّا بحيث لا تلد، وقد فرضت، تفرض فروضا، أي: سنّت، ويقال للشيء القديم: فارض، قال الشاعر: [الرجز]\nشيّب أصداغي فرأسي أبيض... محامل فيها رجال فرّض\nيعني: رجال هرماء. وقال خفاف بن ندبة مخاطبا العباس بن مرداس السلمي-وكان بينهما مهاجاة، ومعارضة ﵃-: [الطويل]","vol":"1","page":201},{"text":"لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا... تساق إليه ما تقوم على رجل\nولم تعطه بكرا فيرضى سمينة... فكيف تجازي بالمودّة والفضل؟\nأي: قديمة. وقال آخر: [الرجز]\nيا ربّ ذي ضغن عليّ فارض... له قروء كقروء الحائض\nأي: ضغن قديم. ﴿وَلا بِكْرٌ:﴾ البكر الصغيرة التي لم تحمل. وحكى العتبي: أنها التي ولدت، والبكر الأول من الأولاد قال الشاعر: [الرجز]\nيا بكر بكرين ويا خلب الكبد... أصبحت منّي كذراع من عضد\nوالبكر أيضا في إناث البهائم وبني آدم ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء، والجمع:\nأبكار، والمصدر: البكارة، وبفتحها: الفتى من الإبل، والأنثى بكرة. ﴿عَوانٌ:﴾ بين ذلك.\nوالعوان: النّصف قد ولدت بطنا، أو بطنين، وهي أقوى ما تكون من البقر، وأحسنه بخلاف الخيل، قال الشاعر يصف فرسا: [الطويل]\nكميت بهيم اللّون ليس بفارض... ولا بعوان ذات لون مخصّف\nفرس أخصف: إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه. وقال مجاهد: العوان من البقر: هي التي قد ولدت مرة بعد مرّة، ويقال: إنّ العوان: النخلة الطويلة، وهي فيما زعموا لغة يمانية. وحرب عوان: إذا كان قبلها حرب بكر، قال زهير: [الطويل]\nإذا لقحت حرب عوان مضرّة... ضروس تهرّ النّاس أنيابها عصل\nأي: لا هي صغيرة، ولا هي مسنّة، وجمعها: عون بضم، وسكون، وسمع: عون بضمتين، كرسل، وقال أبو جهل الخبيث في غزوة بدر، وهو من شواهد مغني اللبيب رقم [٦٣]: [الرجز]\nما تنقم الحرب العوان منّي... بازل عامين حديث سنّي\nلمثل هذا ولدتني أمّي\n ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ:﴾ تجديد للأمر، وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت. فما تركوه، بل زادوا منه، ودليله ما يأتي.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اُدْعُ:﴾ فعل أمر والتماس مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الواو، والضمّة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره:\nأنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿يُبَيِّنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم","vol":"1","page":202},{"text":"لوقوعه في جواب الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿ما:﴾ اسم استفهام، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع خبره، ويجوز اعتباره مبتدأ مؤخرا و﴿ما:﴾ خبرا مقدما، وعلى الوجهين فالجملة اسمية في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُبَيِّنْ﴾ لا محل لها؛ لأنها جواب الطلب، والأمر، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مُوسى﴾). ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.\n ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها، ﴿بَقَرَةٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ﴾ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿فارِضٌ:﴾ صفة ﴿بَقَرَةٌ:﴾ وهي صفة منفية. ﴿وَلا بِكْرٌ:﴾ معطوف على سابقه وهو صفة منفية أيضا، وجوز أبو البقاء وغيره اعتبار الصفتين خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: لا هي فارض، ولا هي بكر، وتكون الجملتان في محل رفع صفة (بقرة). ﴿عَوانٌ:﴾ صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾ أيضا، أو هي خبر لمبتدإ محذوف، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: ﴿عَوانٌ﴾ أو هو متعلق به نفسه. و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وانظر دلالة: ﴿ذلِكَ﴾ على المثنى في الآية رقم [١٥٠] من سورة (النساء). ﴿فَافْعَلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا وجدتم البقرة الموصوفة بما ذكر (﴿فَافْعَلُوا﴾) وهذا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿تُؤْمَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: فافعلوا الذي، أو شيئا تؤمرون به، وجملة: ﴿فَافْعَلُوا..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها جواب للشّرط المقدر ب «إذا»، والشرط المقدر، وجوابه في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-76\"></span>﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ اللّون: واحد الألوان، وهو هيئة كالسواد، والبياض، والحمرة، والزرقة... إلخ، واللون: النوع، وفلان متلوّن: إذا كان لا يثبت على خلق واحد، وحال واحدة، قال الشاعر في هجاء متلوّن: [مجزوء الكامل]","vol":"1","page":203},{"text":"كلّ يوم تتلوّن... غير هذا بك أجمل\n ﴿صَفْراءُ:﴾ لونها أصفر. ﴿فاقِعٌ لَوْنُها:﴾ شديد الصفرة، وجمهور المفسّرين: أنها صفراء اللون من الصّفرة المعروفة، قال مكي عن بعضهم: حتّى القرن، والظّلف. وروي عن الزمخشري: ولعلّه مستعار من صفة الإبل؛ لأن سوادها تعلوه صفرة، وبه فسر قوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ وقال الأعشى: [الخفيف]\nتلك خيلي منه وتلك ركابي... هنّ صفر أولادها كالزّبيب\nوردّ هذا التفسير بأنّ الفقوع خاص بالصّفرة، وهو تأكيد لها، كما يؤكد غيرها، فيقال:\nأبيض ناصع، وأحمر قان، وأسود حالك، وأخضر ناضر، والمراد: تأكيد الصفات بما بعدها بمعنى شديدها. ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ:﴾ تعجبهم لحسنها، وجمالها. والسّرور: لذّة في القلب عند حصول نفع، أو توقّعه، ومنه السرير ذو النعمة لإتمام سرورهم بالنّعمة، وسرير الميّت تشبيها له بذلك في الصّورة، وتفاؤلا بذلك. جمل.\nروي عن الإمام عليّ كرّم الله وجهه: أنه قال: من لبس نعلا صفراء قلّ همّه، وكثر سروره، لقوله تعالى: ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها:﴾ انظر الآية السابقة فهو مثله في إعرابه. ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ:﴾ انظر الآية السابقة أيضا. ﴿فاقِعٌ:﴾ صفة ثانية ل ﴿بَقَرَةٌ﴾.\n ﴿لَوْنُها:﴾ فاعل ب ﴿فاقِعٌ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، وليس اسم فاعل؛ لأنه صفة ثابتة، وليست متجدّدة، و«ها» في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز أن يكون ﴿فاقِعٌ﴾ خبرا مقدما، وفاعله مستتر فيه.\nو(﴿لَوْنُها﴾): مبتدأ مؤخرا، والجملة الاسمية صفة ثانية ل ﴿بَقَرَةٌ﴾. ﴿تَسُرُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿بَقَرَةٌ﴾. ﴿النّاظِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثالثة ل ﴿بَقَرَةٌ﴾ أو هي في محل نصب حال من ﴿بَقَرَةٌ﴾ بعد وصفها بما تقدم. هذا؛ وجوز أن يكون ﴿لَوْنُها﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية على هذا صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾ وأنّث الفعل ﴿تَسُرُّ﴾ لأن المبتدأ ﴿لَوْنُها﴾ اكتسب التأنيث من الضمير المؤنث: (ها) كما في قولهم: قطعت بعض أصابعه، وهذا يعني: أنّ فاعل ﴿تَسُرُّ﴾ يعود إلى ﴿لَوْنُها﴾ وأراه تكلفا لا داعي له، ولو قرئ: ««يسرّ»» بياء المضارعة؛ لكان وجها صحيحا، ولكن لم أطلع على قراءة بذلك.\n\n<span id=\"aya-77\"></span>﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ أي: أهي مذلّلة بالعمل، أم هي متروكة بدون عمل، ودلّ على ذلك تفسيره بالآية الآتية. ﴿الْبَقَرَ﴾ جماعة البقر، وانظر الآية رقم [٦٧]. ﴿تَشابَهَ عَلَيْنا﴾","vol":"1","page":204},{"text":"لكثرته، وكثرة ما يتّصف بالصّفتين المذكورتين في الآيتين السابقتين، وقرئ: («تشابه») بضم الهاء وتخفيف الشين، كما قرئ بضم الهاء وتشديد الشين، وأصله: تتشابه، فأبدلت التاء الثانية شينا، وأدغمت في مثلها. هذا؛ ووجوه البقر تتشابه، ومنه حديث حذيفة بن اليمان﵁عن النبيّ ﷺ: أنه ذكر فتنا كقطع الليل، تأتي كوجوه البقر، يريد أنها يشبه بعضها بعضا.\n ﴿وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ أي: إلى البقرة المطلوبة. وقوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ تعليق بمشيئة الله، وهذا يسمّى في الشرع استثناء، قال الرسول ﷺ: «لو لم يستثنوا؛ لما بيّنت لهم آخر الأبد»، وفي رواية: «لو ما استثنوا؛ ما اهتدوا إليها أبدا».\nالإعراب: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٦٨]. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْبَقَرَ:﴾ اسمها. ﴿تَشابَهَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْبَقَرَ﴾. ﴿عَلَيْنا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ تعليل للأمر، لا محل لها. (﴿إِنّا﴾): حرف مشبه بالفعل، و(نا) في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِنَّ﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾\nفعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، كما رأيت فيما سبق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط عند سيبويه: جملة: ﴿إِنَّ﴾ وما عملت فيه. وعند أبي العباس المبرد:\nمحذوف، و﴿إِنَّ﴾ ومدخولها كلام معترض بين اسم (إنّ) وخبرها. (مهتدون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: (إنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾) معطوفة على الجملة قبلها، فهي داخلة في التعليل، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-78\"></span>﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ أي: غير مذلّلة بالعمل، أي: هي بقرة صعبة غير ريّضة. ولم يؤنث: ﴿ذَلُولٌ﴾ لأن فعول يستوي فيه المذكر، والمؤنث. تقول: رجل صبور، وامرأة صبور، فهو صيغة مبالغة. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ:﴾ تقلّبها، وتحرّكها بالحراثة للزراعة، قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٩]: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾. ومنه الحديث: «أثيروا القرآن: فإنه علم الأولين والآخرين». ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ:﴾ غير مستعملة في سقي الأرض المهيّأة للزراعة، والمزروعة. ﴿مُسَلَّمَةٌ:﴾ خالية من العيوب، وآثار العمل. ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ أي: لا لون فيها غير لونها الأصفر؛ حتى ظفرها، وقرنها، فهي صفراء كلّها، والشّية في الأصل مصدر:","vol":"1","page":205},{"text":"وشى من باب: وعد، والمصدر: «وشيا» إذا خلط بلون آخر، فحذفت الواو من المصدر، وعوّض عنها التاء في الآخر، مثل: عدة، وزنة، والشّية مأخوذة من: وشي الثوب: إذا نسج على لونين مختلفين، وثور موشّى: في وجهه، وقوائمه سواد. ويقال: فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع، وثور أشيه. كلّ ذلك بمعنى البلقة. هكذا نصّ أهل اللغة.\n ﴿الْآنَ:﴾ هذه الكلمة في هذه الآية وأمثالها ملازمة للظرفية الزمانية غالبا، مبنية على الفتح دائما لتضمّنها معنى الإشارة، وألفها منقلبة عن واو؛ لقولهم في معناها: الأوان، وقيل: عن ياء لأنه من: آن، يئين: إذا قرب، وقيل: أصله: أوان؛ قلبت الواو ألفا، ثمّ حذفت لالتقاء الساكنين. وردّ بأنّ الواو قبل الألف لا تقلب، كالجواد، والسواد. وقيل: حذفت الألف، وغيّرت الواو إلى الألف، كما قالوا: راح، ورواح، استعملوه مرة على فعل، ومرة على فعال كزمن وزمان. هذا؛ وقال ابن هشام رحمه الله تعالى في كتابه شذور الذّهب، والآن: اسم لزمن حضر جميعه، أو بعضه: فالأول: نحو قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.\nوالثّاني: نحو قوله تعالى في سورة (الجن) رقم [٩]: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾. وقد تعرب كقول أبي صخر الهدبي: [الطويل]\nلسلمى بذات الخال دار عرفتها... وأخرى بذات الجزع آياتها سطر\nكأنّهما ملآن لم يتغيّرا... وقد مرّ للدّارين من بعدنا عصر\nأصله: كأنهما من الآن فحذف نون (من) لالتقائها ساكنة مع لام الآن، ولم يحركها لالتقاء الساكنين كما هو الغالب، وأعرب «الْآنَ» فخفضه بالكسرة. وقد اختلف في علّة بنائه على الفتح اختلافا كثيرا.\nقال الزجّاج: «الْآنَ» مبني على الفتح لمخالفته سائر ما فيه الألف واللام؛ لأن الألف واللام دخلتا لغير عهد. تقول: أنت إلى الآن هنا، فالمعنى إلى هذا الوقت، فبنيت، كما بني «هذا» وفتحت النون لالتقاء الساكنين، وهو عبارة عمّا بين الماضي، والمستقبل. وفحوى هذا:\nأن الألف واللام لم تعرّفه، ولا هو علم، ولا مضمر، ولا شيء من أقسام المعارف، فيلزم أن يكون تعريفه باللام المقدرة، واللام زائدة زيادة لازمة، كما لزمت في «الذي» ونحوه. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوقد تزاد لازما كاللاّت... والآن والّذين ثمّ اللات\n ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: الواضح، فتقدير هذه الصفة واجب، وإلا كان كفرا. ﴿فَذَبَحُوها﴾ بعد أن طلبوها بالصفات المذكورة: فوجدوها عند الولد البار بأمّه، فاشتروها بملء جلدها ذهبا. ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: ما قاربوا الذّبح لغلاء ثمنها. وقيل: خوفا من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم. قاله وهب بن منبّه، وكلّه يدلّ على تثبيطهم في ذبحها وقلّة مبادرتهم إلى أمر الله.","vol":"1","page":206},{"text":"هذا؛ وسقى، يسقي من الثلاثي، كما يأتي هذا الفعل من الرباعي: أسقى، والعرب تقول:\nسقيته، وأسقيته لغتان بمعنى واحد. وتقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمزة تارة، وبدونها أخرى، وشاهد المهموز قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا﴾ وشاهد غير المهموز قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا،﴾ ويحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد وردت اللغتان في قول لبيد -﵁-: [الوافر]\nسقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال\nولكنّه حذف المفعول الثاني من كليهما، كما حذف المفعولان من الأفعال المذكورة في سورة القصص: ﴿يَسْقُونَ،﴾ ﴿لا نَسْقِي،﴾ ﴿فَسَقى لَهُما،﴾ ﴿ما سَقَيْتَ لَنا﴾. هذا وفرق الأعلم بين المهموز، وغيره. فقال: تقول: سقيتك ماء: إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيتك: إذا حصّلت له سقيا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ:﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ:﴾ في محل نصب مقول القول ل ﴿يَقُولُ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿ذَلُولٌ:﴾ صفة منفية ل ﴿بَقَرَةٌ،﴾ وقيل: إنّ ﴿لا﴾ اسم بمعنى غير، فهي صفة، ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، لكونها على صورة الحرف، وعليه فهي مضاف، و﴿ذَلُولٌ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المنقولة إليه من ﴿لا﴾ بطريق العارية. هذا ويجوز اعتبار ﴿ذَلُولٌ﴾ خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: لا هي ذلول، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾.\nوقرأ عبد الرحمن السلمي: («لا ذلول») بالنصب على اعتبار ﴿لا﴾ نافية للجنس، والخبر محذوف، وتبقى الجملة الاسمية صفة ﴿بَقَرَةٌ﴾ وهي قراءة غير سبعية. ﴿تُثِيرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿بَقَرَةٌ﴾. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿ذَلُولٌ﴾.\nوهذا على أنّ الصّفة توصف، وهي صفة كاشفة. وقال أبو البقاء: هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿ذَلُولٌ،﴾ التقدير: لا تذل في حال إثارتها. وهذا أقوى من الأول. وقيل:\nصفة ثانية ل ﴿بَقَرَةٌ،﴾ وجملة: (﴿لا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾) معطوفة عليها، و(﴿لا﴾) زائدة لتأكيد النفي؛ لأنها منفية بسبب العطف، ويجوز أن تكون خبرا لمبتدإ محذوف أيضا. ﴿مُسَلَّمَةٌ:﴾ صفة ثانية ل ﴿بَقَرَةٌ﴾. وأجيز اعتبارها خبرا لمبتدإ محذوف، وتعود الجملة، فتكون صفة: ﴿بَقَرَةٌ﴾ ومتعلقه محذوف، كما رأيت في الشرح.\n ﴿لا﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿شِيَةَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿فِيها﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثالثة","vol":"1","page":207},{"text":"ل ﴿بَقَرَةٌ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم. ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْآنَ:﴾ ظرف زمان مبني على الفتح في محل نصب متعلق بالفعل بعده. ﴿جِئْتَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من تاء الفاعل؛ أي: جئت ملتبسا بالحق، أو معك الحق، وحذفت صفة الحق، كما رأيت في الشرح، وجملة: ﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر. ﴿فَذَبَحُوها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على كلام محذوف، انظر الشرح. ﴿وَما:﴾ الواو واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كادُوا:﴾ فعل ماض ناقص من أفعال المقاربة، مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَفْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، تقديره: الذّبح، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كاد)، وجملة: (﴿ما كادُوا..﴾.) إلخ: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-79\"></span>﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ أي: واذكروا يا بني إسرائيل وقت قتل هذه النفس، وما وقع فيه من القصّة. والخطاب لليهود المعاصرين للنبيّ ﷺ، وإسناد القتل، والتدارؤ إليهم؛ لأنّ ما يصدر من الأسلاف ينسب إلى الأخلاف توبيخا، وتقريعا.\n ﴿فَادّارَأْتُمْ فِيها:﴾ تدافعتم، وتخاصمتم. وأصله: تدارأتم، فاجتمعت التاء مع الدال، وهما متقاربان في المخرج، فقلبت التاء دالا، وسكنت لأجل الإدغام، ولا يمكن الابتداء بساكن، فاجتلبت همزة الوصل ليبتدأ بها، فصار: اددارأتم ثم أدغم، ولهذه الكلمة نظائر مثل قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٨]: ﴿حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ وقوله تعالى في سورة (النّمل) رقم [٦٦]: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ وأيضا: اذّكر، واطّلع، واطّير، وازيّن، فإن الأصل: تذكر، وتطلع، وتطير، وتزين. وأيضا قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٨]: ﴿اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾.\n ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ:﴾ مظهر، فهو اسم فاعل، من أخرج الرباعي. ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ:﴾ تخفون في صدوركم من أمر القتيل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nوعن المسيب بن رافع: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\nهذا؛ وفي الحديث: «لو أنّ أحدكم يعمل في صخرة صمّاء، لا باب لها، ولا كوّة؛ لخرج ما غيّبه للنّاس كائنا ما كان». أخرجه ابن ماجة، وابن حبّان عن أبي سعيد الخدري﵁- من حديث طويل. وخذ قوله تعالى حكاية عن وصية لقمان لابنه، وهو يعظه: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ..﴾. إلخ.","vol":"1","page":208},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، أو هو مفعول به لهذا المقدّر. انظر الشرح. والجملة المقدرة معطوفة على مثلها فيما سبق.\n ﴿قَتَلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. (ادارأتم): فعل وفاعل. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ، ﴿مُخْرِجٌ﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. وقال أبو البقاء: معترضة بين ما قبلها، وبين ما بعدها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿مُخْرِجٌ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَكْتُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، أو الرابط ل ﴿ما﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر:\n ﴿كُنْتُمْ﴾ وهذه الجملة صلة ﴿ما﴾ أو صفتها. هذا؛ واعتبار ﴿ما﴾ مصدرية فيه ضعف. تأمل، وتدبّر، وربك أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم.\n\n<span id=\"aya-80\"></span>﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ أي: القتيل: ببعضها: ببعض لحم البقرة بعد ذبحها، لا على تعيين شيء منها، فيحيا، ويخبركم عن قاتله. فضربوه، فحيي، وقال: قتلني فلان ابن أخي.\n ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ. أي: إحياء الناس بعد موتهم، وبعثهم للحساب شبيه بإحياء تلك النفس التي ضربت ببعض البقرة، و﴿الْمَوْتى﴾ جمع: ميت، ويجمع أيضا على «أموات» وعلى «ميتون» قال تعالى لنبيه ﷺ في سورة (الزمر) رقم [٣٠]: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ أي:\nيريكم دلائل قدرته؛ لتتدبروا، ولتفكروا، وتعلموا: أنّ الله على كل شيء قدير. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون، فتمتنعون عن عصيانه، ومخالفة أمره. وعقلت نفسي عن كذا، أي: منعتها منه.\nتنبيه: ذكر الله تعالى إحياء الموتى في هذه السورة الكريمة في خمسة مواضع: الأول: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ الآية رقم [٥٦]. الثاني: في هذه القصة: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾. الثالث: في قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف؛ فقال لهم الله: ﴿مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ الآية رقم [٢٤٣] الآتية. الرابع: في قصة عزيز في قوله تعالى: ﴿فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ الآية رقم [٢٥٩] الآتية. الخامس: في قصة إبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام في قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ الآية رقم [٢٦٠] الآتية.","vol":"1","page":209},{"text":"الإعراب: ﴿فَقُلْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قلنا): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قَتَلْتُمْ﴾ فهي في محل جر مثلها. ﴿اِضْرِبُوهُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِبَعْضِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. وها: في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، التقدير: يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك الإحياء الذي أحيا به القتيل. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، وقبلها كلام محذوف، تقديره: فضربوه ببعضها، فحيي، وقال... إلخ. ﴿وَيُرِيكُمْ:﴾\nالواو حرف عطف. (﴿يُرِيكُمْ﴾): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعوله الأول. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا والفعل: (يري) بصري ينصب مفعولا واحدا، وقد تعدّى هنا إلى الثاني بالهمزة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فيها معنى التعليل.\nتنبيه: بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [٦٧] نقلا عن القرطبي: أذكر هنا: أنّ هذه الآية هي أول القصّة، وقدّمت الآيات السابقة عليها في التنزيل لغرض، وهو: أنّه لمّا ذكر سابقا خبائثهم، وقبائحهم، وجناياتهم، ووبّخوا عليها؛ ناسب أن يقدّم في هذه القصّة ما هو من قبائحهم، وهو تعنتهم على موسى؛ لتتصل قبائحهم، ومساوئهم ببعضها، ليكون أبلغ في توبيخهم على القتل.\nانتهى. جمل. وقال أبو السعود-رحمه الله تعالى-: وإنّما غيّر الترتيب لتكرير التوبيخ، وتثنية التقريع، فإنّ كلّ واحد من قتل النفس المحرمة، والاستهزاء بموسى ﵇، والافتيات على أمره جناية عظيمة جديرة بأن تنعى عليهم.\nتنبيه: قال علماء السّير، والأخبار: إنّه كان في بني إسرائيل رجل غني، لا أولاد له، وله ابن عمّ فقير، لا وارث له سواه، فلمّا طال موته؛ قتله؛ ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى، وألقاه على بابها، ثمّ أصبح يطلب ثأره، وجاء بناس إلى موسى يدّعي عليهم بالقتل، فجحدوا، واشتبه أمر القتيل على موسى-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فسألوا موسى أن يدعو الله لهم ما أشكل عليهم، فسأل موسى ربّه في ذلك، فأمره بذبح بقرة، وأمره أن يضربه ببعضها، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً..﴾. إلخ الآيات التي رأيتها فيما سبق.\nوكان في ذلك حكمة لله عزّ، وجلّ، وذلك: أنه كان رجل صالح في بني إسرائيل، وله ابن وله عجلة، فأتى بها غيضة، وقال: اللهم إنّي استودعتك هذه العجلة لابني حتّى يكبر، ومات ذلك","vol":"1","page":210},{"text":"الرّجل، وصارت العجلة في الغيضة عوانا، وكانت تهرب من الناس، فلمّا كبر ذلك الطفل، وكان بارّا بأمّه؛ فقالت له أمّه يوما: يا بنيّ! إنّ أباك ورّثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا، فانطلق، وادع إله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق أن يردّها عليك، وعلامتها: أنك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أن شعاع الشّمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهّبة؛ لحسنها، وصفرتها.\nفأتى الفتى الغيضة، فرآها ترعى، فصاح بها، وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، فأقبلت البقرة حتى وقفت بين يديه، فقبض على قرنها يقودها، فسار بها إلى أمّه، فقالت له: إنّك رجل فقير، ولا مال لك، ويشقّ عليك الاحتطاب بالنّهار، والقيام في الليل، فانطلق وبع البقرة، فقال: بكم أبيعها؟ قالت: ثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي، وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير، فانطلق الفتى بها إلى السّوق، وبعث الله ملكا ليري خلقه قدرته، ويختبر الفتى كيف برّه بأمه؟ وهو أعلم، فقال له الملك: بكم هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير، وأشترط رضا أمي، فقال الملك: لك ستة دنانير، ولا تستأمر أمّك، فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا، لم آخذه إلا برضا أمّي، ورجع الفتى إلى أمّه، وأخبرها بالثّمن، فقالت له: ارجع، فبعها بستة دنانير، ولا تبعها إلا برضاي، فرجع إلى السوق، وأتى الملك، فقال له: استأمرت أمّك؟ فقال:\nنعم إنّها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على رضاها، فقال الملك: إنّي أعطيك اثني عشر دينارا، ولا تستأمرها، فأبى، ورجع إلى أمّه، وأخبرها الخبر بذلك، فقالت له أمّه: إنّ الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليجرّبك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة، أم لا؟ ففعل، فقال له الملك: اذهب إلى أمّك، فقل لها: أمسكي البقرة؛ فإنّ موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل، فلا تبعها إلا بملء مسكها ذهبا، والمسك الجلد، فأمسكها وقدّر الله على بني إسرائيل ذبح البقرة بعينها، فما زالوا يستوصفون البقرة؛ حتّى وصفت لهم تلك البقرة بعينها مكافأة لذلك الفتى على برّه بأمه، فضلا من الله ورحمة.\nفاشتروها، وذبحوها، ثمّ ضربوا القتيل بقطعة لحم منها، فحيي، وقال لبني عمّه: قتلني فلان، ثمّ رجع ميتا، فقتل موسى القاتل، وحرم الميراث. ومن طلب شيئا قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه. انتهى. خازن بتصرّف مع اختصار.\n\n<span id=\"aya-81\"></span>﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ:﴾ القساوة: عبارة عن الغلظ مع الصلابة كما في الحجر، وقساوة القلب: نبوّه عن الاعتبار، فقساوته مستعارة من قساوة الحجر، استعيرت لنبوّ قلوبهم عن","vol":"1","page":211},{"text":"التأثر بالعظات، والقوارع الّتي تميع منها الجبال، وتلين بها الصخور. هذا؛ وأصل الفعل:\n «قسى» فلما اتصلت به تاء التأنيث صار: «قسات» فحذفت الألف لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث فصار: «قست». هذا؛ والقلب: قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة، خلقها الله في الآدمي، وجعلها محلاّ للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتبه الله بالخطّ الإلهي، ويضبطه بالحفظ الربّاني حتّى يحصيه، ولا ينسى منه شيئا، وهو بين لمّتين: لمة من الملك، ولمة من الشّيطان، -كما قال الرسول ﷺ-، فأمّا لمّة الملك؛ فإيعاد بالخير، وتصديق بالحقّ، وأما لمّة الشيطان؛ فإيعاد بالشرّ، وتكذيب بالحقّ، من وجد الأول؛ فيعلم: أنه من الله، ويحمد الله، ومن وجد الثاني؛ فليعوذ بالله من الشّيطان، ثم قرأ الرّسول ﷺ قوله تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٢٦٧] الآتية.\nهذا واللّمة بفتح اللام: الخطرة الواحدة. من: الإلمام، وهو القرب من الشيء، والمراد بها في الحديث: التي تقع في القلب من خير أو شرّ، فأما لمّة الشيطان؛ فوسوسة، وأما لمّة الملك؛ فإلمام من الله تعالى. هذا وسمّي القلب قلبا لأنّه يتقلّب؛ قال الشاعر: [الطويل]\nوما سمّي الإنسان إلا لأنسه... ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب\n ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ من بعد المعجزات التي جاء بها موسى ﵇، ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال تعالى في سورة (الحديد): ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾.\n ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً:﴾ اختلف العلماء في معنى (﴿أَوْ﴾) هنا، بعد استحالة كونها للشكّ، فقال بعضهم: هي هنا بمعنى الواو، كقوله تعالى في سورة (الدّهر): ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ وقوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا،﴾ وكما قال جرير في مدح الخليفة الصّالح-وهو الشاهد رقم [٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nجاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر\nأي: وكانت. وقيل: هي بمعنى «بل» كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٧٧]: ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وكقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٤٧]:\n ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وقال جرير في مدح هشام بن عبد الملك-وهو الشاهد رقم [١٠١] من كتابنا المذكور-: [الطويل]\nماذا ترى في عيال قد برمت بهم... لم أحص عدّتهم إلاّ بعدّاد؟\nكانوا ثمانين أو زادوا ثمانية... لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي","vol":"1","page":212},{"text":"أي: بل، وزادوا ثمانية، وأيضا قول ذي الرّمّة: [الطويل]\nبدت مثل قرن الشّمس في رونق الضّحى... وصورتها أو أنت في العين أملح\nأي: بل أنت، وقيل: معناها الإبهام على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي. [الوافر]\nأحبّ محمّدا حبّا شديدا... وعبّاسا وحمزة أو عليّا\nفإن يك حبّهم رشدا أصبه... ولست بمخطئ إن كان غيّا\nولم يشكّ أبو الأسود الدّؤلي: أنّ حبهم رشد ظاهر، وإنّما قصد الإبهام.\n ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ:﴾ والمراد: جميع الحجارة، أو حجر موسى الذي كان يضربه في التيه لسقيهم. ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ:﴾ التّشقّق دون التفجر، والمراد منه العيون الصغيرة، والينابيع، وأصل الفعل: يتشقّق، قلبت التاء شينا، ثمّ أدغمت في الثانية بعد سكونها، وقرأ الأعمش على الأصل ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ المعنى: من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم، لخروج الماء منها، وتردّيها. قال مجاهد: ما تردّى حجر من رأس جبل، ولا تفجّر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن.\nوهو صحيح لا غبار عليه.\nفإنه لا يمتنع أن يعطي الله بعض الجمادات المعرفة، فتعقل، كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله ﷺ إذا خطب، فلمّا تحول عنه ﷺ؛ حنّ إليه.\nوثبت عن النبي ﷺ: أنه قال: «إن حجرا كان يسلّم عليّ في الجاهليّة، إنّي لأعرفه الآن»، وكما روي: أنّ النبي ﷺ قال: «قال لي ثبير: اهبط فإنّي أخاف أن يقتلوك على ظهري، فيعذبني الله». فناداه حراء: إليّ يا رسول الله! وقال تعالى في آخر سورة (الأحزاب): ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها..﴾. إلخ. وقال تعالى في سورة (فصّلت) رقم [١١]:\n ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾.\nولا تنس قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٤٤]: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. انظر شرح هذه الآيات في محلّها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ:﴾ فيه وعيد، وتهديد، والمعنى: أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم، وحافظ لأعمالهم حتّى يجازيهم في الآخرة، فهي مسجلة في كتاب، وهو لا يغادر صغيرة، ولا كبيرة إلا أحصاها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.\nبعد هذا: فقسوة القلب سبب في شقاء الفرد، وشقاء المجتمع، والحقد، والحسد، وسبب في ترك الصّلاة، ومنع الزكاة، وترك صلاة الجمعة، والجماعة، وسبب في أكل الرّبا، وفعل","vol":"1","page":213},{"text":"الزّنى، والغيبة، والنّميمة، وأكل أموال الناس بالباطل، وسبب في شهادة الزّور، وارتكاب الفجور، وشرب الخمر، ولعب القمار، ومخالفة الجبّار، بل إنّي أقول: إن قسوة القلب سبب في كلّ معصية، وبلاء، وقد رأيت كيف ذمّ الله اليهود، وذوي القلوب الغافلة القاسية.\nولقائل أن يقول: ما هي أسباب قسوة القلب حتى نجتنبها؟ فأذكر بعضا منها على سبيل الاختصار:\nفأقول وبالله التوفيق: منها: أكل الحرام، فإنّ الشخص الذي لا يبالي من أين أكل: من الحلال، أم من الحرام؛ تخبث نفسه، ويقسو قلبه، وتفحش أعماله، وتسوء أخلاقه. ومنها:\nاتباع الهوى، والانقياد للشّيطان الرّجيم، فإنّ الشخص الذي يسلسل لنفسه قيادها، تجرّه إلى المهالك، والذي ينقاد إلى شيطانه يأمره بكل شرّ، وينهاه عن كلّ خير، ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]\nوخالف النّفس والشّيطان واعصهما... وإن هما محّضاك النّصح فاتّهم\nولا تطع منهما خصما ولا حكما... فأنت تعرف كيد الخصم والحكم\nومنها: كثرة الشّغف بالمجادلة، والمخاصمة بالباطل، وقد قال رسول الله ﷺ: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل». ثمّ قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا﴾. رواه الترمذيّ، وابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁. والمراء يقسي القلوب، ويورث الضغائن. ومنها:\nالغفلة عن ذكر الله تعالى، وعدم مراقبته في السرّ، والعلن، والإعراض عن واجبات الله كالصّلاة، وغيرها، فإنّ الشّخص الذي يعرض عن الله يعرض الله عنه، ويكله إلى شيطانه مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ رقم [٣٦] من سورة (الزخرف).\nومنها: كثرة الكلام فيما لا يعني، والخوض في الباطل، فعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي». أخرجه الترمذي.\nومنها: الانغماس في الشّهوات، والملذّات، والإغراق في التّرف، والنّعم، وكثرة الأكل، والشرب، قال بعض العلماء: من كثر أكله؛ كثر شربه، ومن كثر شربه؛ كثر نومه، ومن كثر نومه؛ كثر تخمه، ومن كثر تخمه؛ قسا قلبه، ومن قسا قلبه؛ غرق في الآثام، ومن غرق في الآثام؛ فالنار أولى به! ورحم الله تعالى من يقول: [الطويل]\nيميت الطعام القلب إن زاد كثرة... كزرع إذا بالماء قد زاد سقيه\nوإنّ لبيبا يرتضي نقص عقله... بأكل لقيمات لقد ضلّ سعيه","vol":"1","page":214},{"text":"قال سعدي الشيرازي رحمه الله تعالى: [البسيط]\nإنّ الحديد متى أودى به صدأ... فليس بالصّقل تبدو منه آثار\nلا يدخل الوعظ قلبا مظلما أبدا... ولا يغوص بقلب الصّخر مسمار\nأما دواء قسوة القلب؛ فهو الإخلاص في العبادة، والعبادة في النّهار، والتهجّد في الليل، وقراءة القرآن، وتدبّر معانيه، ومجالسة أهل الخير، والتّقوى، والصلاح، والإقلال من الطّعام، والشراب، وتجنّب الأمور الّتي تسبب قسوة القلب، المذكورة آنفا، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nدواء قلبك خمس عند قسوته... فدم عليها تفز بالخير والظّفر\nخلاء بطن وقرآن تدبّره... كذا تضرّع باك ساعة السّحر\nكذا قيامك جنح اللّيل أوسطه... وأن تجالس أهل الخير والخبر\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿قَسَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل لها. ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من ﴿قُلُوبُكُمْ،﴾ و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة:\n ﴿قَسَتْ:﴾ معطوفة على جملة: (قلنا) فهي في محل جر أيضا بسبب العطف.\n (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَالْحِجارَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، وعليه فهي مضاف، والحجارة مضاف إليه، وعلى الاعتبارين فالجملة اسمية، وهي معطوفة بالفاء على الجملة الفعلية السّابقة، فهي في محل جرّ أيضا. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي أشد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرت ﴿أَشَدُّ﴾ معطوفا على الخبر المحذوف، أو على الكاف؛ فيكون العطف من عطف المفردات. ﴿قَسْوَةً:﴾ تمييز، والمتعلّق محذوف؛ إذ التقدير: أو أشدّ قسوة منها.\n ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنَ الْحِجارَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف رفع خبر (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها، ﴿لَما:﴾ اللام: لام الابتداء، (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (إنّ) مؤخر. ﴿يَتَفَجَّرُ﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿يَتَفَجَّرُ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: (﴿إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ﴾) في محل نصب حال من ﴿الْحِجارَةِ،﴾ والرّابط الواو،","vol":"1","page":215},{"text":"وأعيدت الحجارة بلفظها للبيان، والإيضاح، ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وجملة: ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَشَّقَّقُ﴾ لا محل لها مثلها؛ لأنها صلة الموصول، وجملة: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ:﴾ معطوفة على سابقتها فهي في محل نصب حال أيضا، وهي مثلها في إعرابها.\n ﴿وَمَا:﴾ الواو: واو الحال، أو هي حرف عطف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».\n ﴿اللهِ﴾ اسمها. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (﴿مَا﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وبعضهم يعتبر (ما) تميمية، فيعتبر لفظ الجلالة مبتدأ، والباء مزيدة في خبره و(غافل) اسم الفاعل، ففاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب حال من الكاف في ﴿قُلُوبُكُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفنّدا، والمعنى لا يأباه، ﴿عَمّا:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، والرابط محذوف؛ إذ التقدير: وما الله بغافل عن الذي، أو عن شيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: وما الله بغافل عن عملكم.\n\n<span id=\"aya-82\"></span>﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ:﴾ هذا الخطاب للنبيّ ﷺ ولأصحابه، والاستفهام إنكاريّ، أو استبعادي، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود، أي: إن كفروا فلهم سابقة في ذلك، وذلك: أنّ الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف، والجوار الذي كان بينهم. هذا؛ والطّمع: نزوع النّفس إلى الشيء، وتعلّقها به، والحرص على حصوله، وهو مذموم إن كان في أمور الدنيا، وصارفا عن الآخرة، وطمع، يطمع من باب: سلم، يسلم، ويقال:\nطمع فيه طمعا، وطماعية، فهو طمع على وزن فعل، ويقال في التعجب: طمع الرّجل بضم الميم، أي: صار كثير الطمع، وامرأة مطماع: تطمع، ولا تمكّن.\n ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ الفريق: الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، ومعشر، وجمعه في أدنى العدد: فرق، وفي الكثير: فرقاء.\nوقال الأعلم-رحمه الله تعالى-: الفريق يقع للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، مثل: صديق، وعدو، وقعيد.","vol":"1","page":216},{"text":"﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ:﴾ المراد به التوراة التي أنزلها الله على موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال الربيع، وابن إسحاق: المراد: السّبعون الذين اختارهم موسى للاعتذار عن عبادة بني إسرائيل العجل، فسمعوا كلام الله، فلم يمتثلوا أمره، وحرّفوا القول في إخبارهم لقومهم. وهذا ضعيف جدّا، والمعتمد الأوّل، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾.\nقال مجاهد، والسّدّي: هم علماء اليهود؛ الّذين يحرفون التوراة، فيجعلون الحرام حلالا، والحلال حراما اتّباعا لأهوائهم. وأيضا حرّفوا ما فيها من صفة النبي ﷺ، وحرّفوا آية الرّجم، ويفسّرون التوراة بما يشتهون، ففي صفات النبي ﷺ كتبوا بدل «أكحل العين، ربعة، أجعد الشعر، حسن الوجه»: أزرق العين، سبط الشّعر، طويلا... إلخ.\nهذا؛ والفعل (يسمع) من الأفعال الصّوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذّوات تعدّى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدّرة بمضارع من الأفعال الصّوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا، وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محلّ نصب حال؛ إن كان المتقدّم معرفة؛ مثل قولك: سمعت زيدا يقول كذا، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.\nهذا؛ والكلام بالنسبة إلى البشر يدلّ على أحد ثلاثة أمور:\nأولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا. تريد: تكلّمك إيّاه. وقال الشاعر: [البسيط]\nقالوا: كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا\nوثانيها: ما يدور في النّفس من هواجس، وخواطر، وكلّ ما يعبّر عنه اللفظ لإفادة السّامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمّى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي: [الكامل]\nلا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا\nإنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا\nثالثها: كلّ ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللّسانين)، وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله)، ثم انظر إلى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جلّ شأنه في سورة (التوبة) رقم [٦]: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلّت حكمته في سورة (آل عمران) رقم [٤١]: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾ ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي الّذي نفى الكلام اللّفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل]","vol":"1","page":217},{"text":"أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nوالدليل عليه فيما نطق به الحال قول نصيب: [الطويل]\nفعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\nوقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١] حكاية عن قول السماء والأرض: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ فقال قوم من العلماء: إنهما تكلمتا حقيقة، وقال آخرون: إنهما لما انقادتا لأمر الله ﷿؛ نزل ذلك منزلة القول، والكلام، وانظر شرح القول في الآية رقم [٢٦].\n ﴿مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ:﴾ من بعد ما فهموه، وضبطوه بعقولهم، وانظر العقل في الآية [٤٤].\n ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ أي: أنهم مبطلون مفترون. والمعنى: أنّ أحبار اليهود كانوا على هذه الحالة من التحريف، والتغيير، والتبديل لكلام الله، فكيف تتوقعون إيمان سفلتهم، وجهالهم، وأنهم إن كفروا؛ فلهم سابقة في ذلك.\nالإعراب: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري استبعادي. واختلف في مثل هذا التركيب؛ أي: دخول الهمزة على الفاء، وعلى الواو، وعلى ثمّ، فذهب الجمهور إلى أن الهمزة مقدّمة من تأخير، لأن لها الصّدر، ولا حذف في الكلام، والتقدير: فأ تطمعون، وأ لا يعلمون... إلخ. وذهب الزمخشري إلى أنّها داخلة على محذوف، وعليه سياق الكلام، والتقدير هنا: أتسمعون أخبارهم، وتعلمون أحوالهم، فتطمعون. الفاء: حرف عطف.\n (تطمعون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهذا على تأويل الفعل ب «ينقادوا»، وأما على تأويله ب «صدقوكم»، فاللام زائدة، والكاف مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بنزع الخافض، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في إيمانهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (تطمعون).\n ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿فَرِيقٌ:﴾ اسم (﴿كانَ﴾). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِيقٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿كَلامَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وأجاز قوم أن تكون الجملة صفة ل ﴿فَرِيقٌ،﴾ و﴿مِنْهُمْ﴾ الخبر. وهو ضعيف، والجملة الفعلية: (﴿قَدْ كانَ﴾): في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.","vol":"1","page":218},{"text":"﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُحَرِّفُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿عَقَلُوهُ﴾ صلته، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، ويكون المصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: من بعد عقلهم له. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة بقوله: عقلوه فتكون حالا مؤكدة؛ لأنّ معناها قد فهم من قوله: ﴿عَقَلُوهُ﴾. والأولى اعتبارها حالا من واو الجماعة بقوله:\n ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: يحرفونه حال علمهم بذلك. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-83\"></span>﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾\nالشرح: قال الخازن رحمه الله تعالى: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، قال ابن عباس﵄-: إنّ منافقي اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به، وإن صاحبكم لصادق، وإن قوله الحق، وإنّا نجد نعته، وصفته في كتابنا.\n ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا:﴾ انظر الآية رقم [١٤] ففيها البحث كاف واف مع ملاحظة الفرق بأنّ ما هنا نزل بمنافقي اليهود، وما هناك نزل بمنافقي العرب: عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وأصحابه. ﴿وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ يعني: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهما من رؤساء اليهود لاموا المنافقين منهم على ذلك. ﴿قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قصّ، وبيّن، وفصّل في كتابكم التوراة من صفة محمد ﷺ، ومنه قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٨٩]: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ وما يشبهها في سورة (الشعراء) رقم [١١٨]، وقال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٩]: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾.\n ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ:﴾ ليحتجّوا عليكم بما أنزل الله في كتابه، أو ليحتجوا عليكم بقولكم، يقولون لكم: كفرتم به بعد أن عرفتم صدقه. والمراد بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قيل: في الآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ رقم [٣١] من سورة (الزّمر). هذا؛ والحجة: الكلام المستقيم على الإطلاق، ومن ذلك محجّة الطريق الواضحة، وحاججت فلانا، فحججته؛ أي: غلبته بالحجّة، ومنه الحديث الذي ذكرته في الآية رقم [٣٦]:\n «فحجّ آدم موسى»؛ أي: فغلبه. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ هذا من قول الأحبار اللائمين للمنافقين منهم.","vol":"1","page":219},{"text":"وقيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين؛ أي: أفلا تعقلون: أنّ اليهود لا يؤمنون بالله، ونبيكم، وهم بهذه الأحوال المعوجّة المنحرفة عن الصّراط المستقيم.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لَقُوا﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على جملة: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ﴾ فهو في محل نصب حال. وفي السمين: وهذه الجملة الشرطية تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون مستأنفة كاشفة عن أحوال اليهود، والمنافقين، والثاني: أن تكون في محل نصب على الحال معطوفة على الجملة الحالية قبلها، وهي: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ،﴾ والتقدير: كيف تطمعون في إيمانهم وحالهم كيت، وكيت؟! انتهى. جمل.\n ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): مثل سابقتها. ﴿خَلا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى بَعْضٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿بَعْضُهُمْ،﴾ وجملة: ﴿خَلا﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري وتوبيخي. (﴿تُحَدِّثُونَهُمْ﴾): فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني.\nو(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿فَتَحَ:﴾ فعل ماض. الله: فاعله.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: بالذي، أو بشيء فتحه الله عليكم. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: بفتح الله عليكم، وجملة: ﴿قالُوا﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها: كلام معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه.\n ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الصّيرورة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (﴿تُحَدِّثُونَهُمْ﴾).","vol":"1","page":220},{"text":"﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل (يحاج) أيضا، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقريع، وتأنيب. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع المفعول المحذوف معطوفة على جملة مقدرة، التقدير: أطبع على قلوبكم فلا تعقلون؟! هذا على اعتبارها من تمام مقولهم، وإن كانت من خطاب الله تعالى للمؤمنين؛ فهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-84\"></span>﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ:﴾ أي: اللائمون، والمنافقون من اليهود. هذا؛ والسرّ: الخفاء.\nوالعلن، والإعلان، والعلانية: الجهر. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ الآية رقم [٣١]، وقال الشاعر: [البسيط]\nلا تظلموا مسورا فإنّه لكم... من الّذين وفوا بالسّر والعلن\nوالّذي أسرّه اليهود الكفر، والذي أعلنوه إظهارهم الإيمان، وقولهم لأصحاب النبيّ ﷺ:\nآمنا بالذي آمنتم به، وإنّ صاحبكم لصادق، وإنّ قوله لحقّ، وإنا نجد نعته، وصفته في كتابنا التوراة. ولا تنس الطباق بين ﴿يُسِرُّونَ﴾ و﴿يُعْلِنُونَ﴾ وهو من المحسّنات البديعية.\nالإعراب: ﴿أَوَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. انظر ما ذكرته في الآية السابقة. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعول به مفرد؛ إن جعلنا الفعل من المعرفة، أو في محل سد مسد مفعولين؛ إن جعلناه من العلم. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية.\n ﴿يُسِرُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعلم الذي، أو شيئا يسرّونه، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم سرّهم. ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾\nمعطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق بينهما، وجملة: (﴿لا يَعْلَمُونَ﴾): مستأنفة لا محل لها","vol":"1","page":221},{"text":"من الإعراب، أو هي معطوفة على الجمل السابقة الواقعة حالا. ويبعده: أن الاستفهام إنشاء، والإنشاء لا يقع حالا.\n\n<span id=\"aya-85\"></span>﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٧٨)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله تعالى علماء السوء من اليهود الّذين حرفوا، وبدّلوا؛ ذكر العوام الذين قلّدوهم، وبيّن: أنّهم في الضلال، والمآل سواء، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: ومن اليهود طائفة من الجهلة العوام لا يعرفون القراءة، والكتابة؛ ليطلعوا على ما فيها بأنفسهم، ويتحقّقوا بما فيها. ﴿أُمِّيُّونَ﴾ جمع: أمّي، وهو من لا يحسن القراءة، والكتابة، وهي صفة ذمّ إلا في حق نبينا ﷺ، فإنّها له صفة مدح؛ لأنه أتى بعلوم الأولين والآخرين، كما رأيته في الآية رقم [١٥٦] من سورة (الأعراف)، والحمد لله! وأمّيّ منسوب إلى الأم التي ولدته، أو إلى الأمة، وهي القامة، والخلقة، كأنّ الذي لا يقرأ، ولا يكتب قائم على الفطرة، والجبلّة. قال رسول الله ﷺ: «إنّا أمّة أميّة، لا نكتب، ولا نحسب، الشّهر هكذا، وهكذا، وهكذا...» الحديث. أو منسوب إلى الأمة؛ لأنها ساذجة قبل أن تعرف المعارف، والمراد بالكتاب: التوراة.\n ﴿إِلاّ أَمانِيَّ﴾ أي: أكاذيب، جمع: أمنيّة بتشديد الياء وتخفيفها فيها، قال أبو حاتم رحمه الله تعالى: كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدّد؛ فلك فيه التشديد، والتخفيف مثل: أثافي، وأغاني، أماني، ونحوه، وهذا من قولهم: مان الرجل في حديثه مينا، وتمنّى تمنيا، أي:\nكذب، ومنه قول عثمان بن عفان﵁-: ما تمنيت منذ أسلمت! أي: ما كذبت!.\nأو هي جمع أمنية من التمنّي، وهو: طلب محبوب لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا، أو بعيد الوقوع، وإذا كان متوقّع الحصول؛ فإنّ ترقّبه يسمّى: ترجيا، وعليه فالأماني التي يتمنّاها سفلة اليهود، ويعدهم بها رؤساؤهم مواعيد فارغة من أنّ الجنّة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأنّ النار لن تمسّهم إلا أياما معدودة، وأنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنّهم أبناء الله، وأحباؤه، إلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة.\nهذا؛ والأماني جمع: أمنية بمعنى التلاوة، والقراءة، وأصلها: أمنوية، على وزن: أفعولة، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو، والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمّة النون كسرة لمناسبة الياء، فصارت أمنية.\nوالمعنى: أن سفلة اليهود لا يقرءون التّوراة إلا قراءة عارية عن معرفة المعنى. هذا؛ و«تمنى» بمعنى: قرأ، وقيل به في قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية رقم [٥٢] من سورة (الحج)، أي: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، انظر شرحها هناك، فإنّه جيد، والحمد لله! وأنشد الشاعر في عثمان بن عفان﵁-: [الطويل]","vol":"1","page":222},{"text":"تمنّى كتاب الله آخر ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل\nوقال كعب بن مالك﵁فيه أيضا: [الطويل]\nتمنّى كتاب الله أوّل ليلة... وآخره لاقى حمام المقادر\nوقال ابن الأنباري-رحمه الله تعالى-: الأماني تنقسم على ثلاثة أقسام: تكون من التمنّي، وتكون من التلاوة، وتكون من الكذب. كشاف بتصرف.\nهذا؛ وقيل: الأماني: المقدّرات، يقال: منى له، أي قدّر له، قاله الجوهري، وحكاه ابن بحر، وأنشد قول الشاعر: [البسيط]\nلا تأمننّ وإن أمسيت في حرم... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني\nوقال أبو قلابة الهذلي: [البسيط]\nولا تقولن لشيء سوف أفعله... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني\nأي: ما يقدر لك القادر. وبه قيل في آخر سورة القيامة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾.\n ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أي: يكذبون، ويحدّثون؛ لأنه لا علم لهم بصحة ما يتلون، إنّما هم مقلّدون لأحبارهم فيما يقرءون به.\nقال أبو بكر الأنباري-رحمه الله تعالى-: وقد حدّثنا أحمد بن يحيى النّحويّ: أنّ العرب تجعل الظنّ علما، وشكّا، وكذبا، وقال: إذا قامت براهين العلم، فكانت أكثر من براهين الشك؛ فالظنّ يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين، وبراهين الشك؛ فالظنّ شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين؛ فالظن كذب، قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أراد:\nإلا يكذبون، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٦] فإنه جيد، والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مِنْهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدّم. ﴿أُمِّيُّونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا ما يقوله المفسرون، والمعربون في هذه الجملة، وأمثالها، وأرى: أنّ مضمون: (﴿مِنْهُمْ﴾) مبتدأ و﴿أُمِّيُّونَ﴾ خبرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨]. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَمانِيَّ:﴾ استثناء منقطع، قدر البيضاوي فعلا ناصبا له، كما قدّر ﴿إِلاّ﴾ ب «لكن» فقال: والمعنى: ولكن يعتقدون أماني، أو يدركون أماني.\nوالجملة الفعلية: ﴿لا يَعْلَمُونَ:﴾ في محل رفع صفة: ﴿أُمِّيُّونَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُمْ﴾","vol":"1","page":223},{"text":"﴿أُمِّيُّونَ:﴾ معطوفة على الجمل السابقة، فهي في محل نصب حال مثلها، قاله سليمان الجمل، وأرى جواز اعتبارها مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يَظُنُّونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعولاه محذوفان اختصارا ورعاية لرءوس الآي، التقدير: يظنون أنهم على حق، أو ناجون، أو نحو ذلك، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، واعتبرها أبو البقاء صفة لموصوف محذوف، هو المبتدأ، التقدير:\nإلا قوم يظنون، وعلى كلّ فالجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السّابقة على الوجهين المعتبرين فيها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، والاستئناف ممكن أيضا.\n\n<span id=\"aya-86\"></span>﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾\nالشرح: (﴿وَيْلٌ﴾): كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة: العذاب، والهلاك، وقال ابن عباس﵄-: الويل: شدّة العذاب. وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذيّ. وقال الأصمعيّ: الويل: تفجع، والويح: ترحم. وقيل: أصله الهلكة، وكلّ من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾. هذا؛ والويل مصدر، لم يستعمل منه فعل؛ لأنّ فاءه وعينه معتلتان، ومثله: (ويح، وويه، ويس، وويك، وويب) وهو لا يثنّى، ولا يجمع، وقيل:\nيجمع على: ويلات، بدليل قول امرئ القيس في معلّقته رقم [١٨]: [الطويل]\nويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت لك الويلات إنك مرجلي\nوإذا أضيفت هذه الأسماء؛ فالأحسن النّصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف؛ فالأحسن فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وساغ ذلك لتضمّنها معنى خاصّا.\n ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتابَ:﴾ الكتابة معروفة، وأول من كتب بالقلم، وخطّ به إدريس، عليه الصلاة، والسّلام، وجاء ذلك في حديث أبي ذرّ خرّجه الآجري، وغيره. وقد قيل: إن آدم ﵇ أعطي الخط، فصار وراثة في ولده، وهو صحيح، وجيّد. وقد كان عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يحسن الخطّ، ويجيده.","vol":"1","page":224},{"text":"﴿بِأَيْدِيهِمْ:﴾ تأكيد، فإنه قد علم: أن الكتابة لا تكون إلا باليد، فهو مثل قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٣٨]: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية رقم [١٦٧] من سورة (آل عمران).\n ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: يقولون لأتباعهم الأميين: هذا الذي تجدونه هو نصوص التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇، مع أنّهم كتبوها بأيديهم، ونسبوها إلى الله كذبا، وزورا، فإذا نظر الأميّون إلى النبيّ ﷺ، وإلى تلك الصفة المكتوبة في التوراة؛ وجدوه مخالفا لها، فيكذّبون، ويقولون: إنه ليس به. ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا:﴾ لينالوا بما كتبوا عرض الدنيا الزائل وحطامها الفاني. هذا؛ ووصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلّة إما لفنائه، وعدم ثباته، وإما لكونه حراما؛ لأن الحرام لا بركة فيه، ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق، والكلبي: كانت صفة رسول الله ﷺ في كتابهم: «حسن الوجه، حسن الشّعر، أجعده، أكحل العينين، أبيض، ربعة» فغيّروها، وكتبوا مكانها: طويلا، أزرق، سبط الشّعر، والذي حملهم على ذلك: أنّهم خافوا زوال رياستهم، وانقطاع ما يأخذونه من سفلتهم. وقال الزّهري: عن ابن عباس﵄-: يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتاب الله الذي أنزله الله على نبيه أحدث أخبار الله، تقرءونه غضا لم يشب، وقد حدّثكم الله تعالى: أنّ أهل الكتاب قد بدّلوا كتاب الله، وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم أحدا قطّ سألكم عن الذي أنزل عليكم؟!.\n ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا..﴾. إلخ؛ أي: فويل لهم ممّا كتبوا بأيديهم من الكذب، والبهتان، والافتراء، وويل لهم ممّا أكلوا من سفلتهم من السّحت الحرام. هذا؛ وكرر لفظ: (ويل) تغليظا لفعلهم، وتشنيعا لعملهم، وتقبيحا لسوء صنيعهم. والتكرير واقع في آيات القرآن، منه ما يكون لمزيد المدح، ورفعة الشأن، كما في سورة (الواقعة): ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. ومنه ما يكون لمزيد التهويل، والتخويف، والزجر والرّدع، مثل قوله تعالى في سورة (الواقعة):\n ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾.\nهذا؛ واليد تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات كما في الآية رقم [١٩٤] الآتية، وقد تطلق على القدرة، والقوّة، وهو كثير مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. خذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [الطويل]\nوحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان\nكما تطلق اليد على النّعمة، والمعروف، يقال: لفلان يد عندي؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير.","vol":"1","page":225},{"text":"فائدة: تحريف كلام الله تعالى يكون بتأويله تأويلا فاسدا، ويكون بتغيير، وتبديل الكلام، وقد وقع من أحبار اليهود التّحريف بالتّأويل، وبالتغيير، كما فعلوا بصفة النبيّ ﷺ، وقد وقع التّحريف بقسميه في الكتب السّماوية: التوراة، والإنجيل، والزبور، كما قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الآية رقم [٤٦] من سورة (النساء)، أما التحريف بمعنى التأويل الباطل فقد وقع في القرآن الكريم من المنافقين، والملاحدة، ومن علماء السوء في كلّ زمان، ومكان، وأمّا التحريف بمعنى إسقاط الآية، ووضع كلام بدلها فقد حفظ الله كتابه العزيز منه، قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩]: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ انتهى. صفوة التفاسير بتصرف.\nالإعراب: (﴿وَيْلٌ﴾): مبتدأ سوغ الابتداء به؛ وهو نكرة؛ لأنه دعاء عليهم، والدعاء من المسوغات سواء أكان دعاء له، نحو: سلام عليك، أو عليه كهذه الآية. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَكْتُبُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله.\n ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿بِأَيْدِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿هذا:﴾ الهاء حرف تنبيه لا محل له. (ذا):\nاسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿لِيَشْتَرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَقُولُونَ﴾.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثَمَنًا:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة ﴿ثَمَنًا،﴾ والجملة الاسمية: (ويل): مستأنفة لا محل لها. (ويل): مبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (ويل). ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب «من» والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو:\nمن شيء كتبته أيديهم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: فويل لهم من كتابة أيديهم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومؤكّدة لها، وأيضا جملة ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ معطوفة عليها، ومؤكّدة لها، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق بينهما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"1","page":226},{"text":"<span id=\"aya-87\"></span>﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: روى البخاريّ، وغيره عن أبي هريرة﵁-: أنه قال: «لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سمّ، فقال رسول الله ﷺ: «اجمعوا لي من كان من اليهود هنا»، فقال لهم رسول الله ﷺ: «من أبوكم؟» قالوا: فلان، قال: «كذبتم بل أبوكم فلان». فقالوا:\nصدقت وبررت! ثم قال لهم: «هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم! وإن كذبناك؛ عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا! فقال لهم: «من أهل النار؟» فقالوا:\nنكون فيها يسيرا، ثمّ تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ: «اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبدا!» ثم قال لهم: «هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟». قالوا: نعم يا أبا القاسم! قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سمّا؟». فقالوا: نعم! قال ﷺ: «ما حملكم على ذلك؟» فقالوا:\nأردنا إن كنت كاذبا؛ أن نستريح منك، وإن كنت نبيّا؛ لم يضرك».\nوقال مجاهد: عن ابن عباس﵄-: إنّ اليهود كانوا يقولون: إنّ هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنّما نعذب بكل ألف سنة يوما في النّار، وإنّما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً،﴾ وقال العوفي عن ابن عباس﵄-: قالوا: ولن تمسنا النار إلا أربعين ليلة، وهي مدّة عبادتهم العجل.\nهذا؛ وقد جاء وصف ﴿أَيّامًا﴾ في آية الصيام الآتية بلفظ: ﴿مَعْدُوداتٍ،﴾ وهذا يدل على أنه يجوز في العربية استعمال اللفظين في وصف أياما كما ترى. ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤] فالبحث فيها واف كاف. ﴿عِنْدَ اللهِ عَهْدًا:﴾ أي: قل يا محمد لهم على سبيل الإنكار، والتوبيخ، والتقريع: هل أعطاكم الله عهدا بذلك، فالله لا يخلف وعده، ولا ينقض عهده؛ لأنه تعالى لا يخلف الميعاد، ولكن هذا ما جرى، ولا كان من الله تعالى، بل أنتم تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب، والافتراء. وافتراؤهم هذا كان حينما توعّدهم الرسول ﷺ بالنّار؛ إن لم يسلموا. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: يجوز في ﴿أَمْ﴾ في هذه الآية أن تكون معادلة، أي: متصلة؛ بمعنى: أي الأمرين كائن على سبيل التقرير لحصول العلم بكون أحدهما. ويجوز أن تكون منقطعة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] لشرح المتصلة، والمنقطعة.\nالإعراب: (﴿قالُوا﴾): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة، وهو أولى من العطف على الآية قبلها. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال.","vol":"1","page":227},{"text":"﴿تَمَسَّنَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ و(نا) مفعول به. ﴿النّارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَيّامًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو منصوب بنزع الخافض. ﴿مَعْدُودَةً:﴾ صفة: ﴿أَيّامًا﴾.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿أَتَّخَذْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾): فعل وفاعل، ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، ويجوز تعليقه ب ﴿عَهْدًا؛﴾ لأنه مصدر، كما يجوز اعتباره متعلقا بمحذوف حال من ﴿عَهْدًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وجملة:\n ﴿أَتَّخَذْتُمْ:﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ:﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، كما رأيت فيها، وفي أمثالها.\n ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: اعتبرها الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: أنها واقعة في جواب شرط محذوف، تقديره: إن اتخذتم عند الله عهدا؛ فلن... إلخ. (لن): حرف ناصب.\n ﴿يُخْلِفَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (لن)، ﴿اللهِ:﴾ فاعله، ﴿عَهْدَهُ:﴾ مفعول به، والهاء: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط المقدر، كما رأيت على قول الزمخشري، ومن تبعه، والشرط المقدر، ومدخوله في محل نصب مقول القول، وقال ابن عطية: هي معترضة بين المتعاطفين لا محل لها من الإعراب. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي تحتمل أن تكون متصلة، وهي التي يطلب بها وبالهمزة التّعيين، ويحتمل أن تكون منقطعة، وهي التي بمعنى «بل». ﴿تَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله.\n ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ فهي في محل نصب مفعول به ل ﴿تَقُولُونَ،﴾ وساغ ذلك لأنها مبهمة، وهي كناية عن كلام كثير، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا لا تعلمونه.\nفائدة: قال القرطبي: رحمه الله تعالى-: في هذه الآية ردّ على أبي حنيفة وأصحابه، حيث استدلوا بقوله ﷺ: «دعي الصّلاة أيّام أقرائك» في أنّ مدّة الحيض ما يسمّى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة أيام، وأكثرها عشرة، قالوا: لأنّ ما دون الثلاثة يسمّى يوما ويومين، وما زاد على العشرة يقال فيه:\nأحد عشر يوما، ولا يقال فيه: أيام، وإنّما يقال: أيام: من الثلاثة إلى العشرة، قال الله تعالى:\n ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ،﴾ ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ،﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ﴾.\nفيقال لهم: فقد قال الله تعالى في الصّوم: ﴿أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ يعني: جميع الشهر، وقال تعالى: ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ يعني: أربعين يوما، وأيضا: إذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد، بل يقال: أيام مشيك، وسفرك، وإقامتك، وإن كان ثلاثين، وعشرين، وما شئت من العدد، ولعلّه أراد ما كان معتادا لها، والعادة ستّ، أو سبع، فخرّج الكلام عليه، والله أعلم. انتهى. قرطبي.","vol":"1","page":228},{"text":"<span id=\"aya-88\"></span>﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿بَلى:﴾ ردّ لما ادّعاه اليهود في الآية السابقة؛ أي: ليس الأمر كما زعمتم، وذكرتم، بل تمسكم النار زمانا مديدا، ودهرا طويلا، و﴿بَلى:﴾ حرف جواب كنعم، وجير، وأجل، وإي، إلا أنّ ﴿بَلى﴾ جواب لنفي، متقدّم؛ أي: وإبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام أم لا؛ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فتقول: بلى، أي: قد قام، وقوله: أليس زيد قائما، فتقول: بلى، أي: هو قائم، قال الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس﵄-: لو قالوا: نعم؛ كفروا.\n ﴿كَسَبَ سَيِّئَةً:﴾ عمل سيئة، والكسب: استجلاب النفع، وتعليقه بالسّيئة تهكما على طريقة: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. هذا؛ والسيئة المراد بها هنا: الشّرك، وهي أيضا المعصية، ومخالفة أوامر الله تعالى، وهي كبائر، وصغائر، وأصلها: «سيوئة» فقل في إعلالها اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ:﴾ استولت عليه، وأحدقت به من كلّ جانب بأن مات مشركا، وكذلك من يفعل الكبائر من الذنوب، ولم يتب قبل موته.\nوخذ ما يلي: فعن عبد الله بن مسعود﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهنّ يجتمعن على الرّجل حتى يهلكنه»، وإنّ رسول الله ﷺ ضرب لهنّ مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرّجل ينطلق، فيجيء بالعود والرّجل يجيء بالعود، حتّى جمعوا سوادا، وأجّجوا نارا، فأنضجوا ما قذفوا فيها، رواه الإمام أحمد.\nهذا؛ وقرأ نافع: («خطيئاته») بالجمع، انظر إعلالها في الآية رقم [٥٨] أولئك ﴿أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٩] ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب لا محل له من الإعراب. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَسَبَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو. ﴿سَيِّئَةً:﴾ مفعول به. ﴿وَأَحاطَتْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (﴿أَحاطَتْ﴾): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿خَطِيئَتُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿أَصْحابُ:﴾\nمضاف، و﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: (أولئك) في محل جزم جواب الشرط.","vol":"1","page":229},{"text":"وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل الجملتان. وهو المرجح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة ﴿كَسَبَ﴾ صلته، والجملة الاسمية: (أولئك) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿بَلى مَنْ:﴾ مبتدأة أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب. هذا؛ ويرجح اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا عطف الآية التالية على هذه الآية.\n ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أَصْحابُ﴾ أو من: ﴿النّارِ﴾ والرابط الضمير على الاعتبارين، والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، وإن اعتبرت الجملة الاسمية مستأنفة؛ فلست مفندا، والوقف على ﴿النّارِ﴾ تامّ، وجيّد.\n\n<span id=\"aya-89\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: من رحمة الله بعباده، ومن كرمه، وجوده، وإحسانه: أنّه لم يذكر عباده المؤمنين في الكتاب؛ إلا ويذكر الكافرين، والفاسدين، ولم يذكر الحسنات، والأعمال الصّالحات؛ إلا ويذكر السيئات، والخطيئات، ولم يذكر الجنّة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار، وجحيمها، وذلك من باب المقابلة، والمقارنة، وفيه ما فيه من التذكير، والتنبيه، والاتعاظ، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ وجعل أصحاب الجنة بمعنى مالكيها بملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب النار، انظر الآية رقم [٣٩] وانظر الإعراب فيها أيضا، فإنه مثله بلا فارق، فلا أعيده هنا رغبة في الاختصار، والاقتصار، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\n<span id=\"aya-90\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ اختلف في الميثاق هنا، فقال مكي: هو الميثاق؛ الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذرّ، ويعني به ما ذكر في قوله الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ..﴾. إلخ. وقيل: هو ميثاق","vol":"1","page":230},{"text":"أخذه عليهم، وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم، وهو قوله: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾. وعبادة الله: إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه. وانظر ما ذكرته في سورة الفاتحة:\n ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا:﴾ يراد في هذا اللفظ: الأب، والأم، ففيه تغليب الأب على الأم، وأيضا في لفظ «الأبوين»، وفيه إشعار بتفضيل الأب على الأم، والذّكر على الأنثى. والإحسان إلى الأبوين يكون بالقول، والفعل، والإنفاق عليهما عند عجزهما، واحتياجهما. وانظر ما ذكرته في سورة (الإسراء) رقم [٢٣] في هذا الصدد، وانظر سورة (النساء) رقم [٣٦]. ﴿وَذِي الْقُرْبى﴾ أي:\nالقرابات من جهة الأب، ومن جهة الأم، وهم الأرحام. وانظر ما ذكرته في سورة (الرعد) رقم [٢٣] في حقّهم. ﴿وَالْيَتامى:﴾ جمع: يتيم، وهو من فقد أباه، أو أمه، أو فقدهما معا، وقد يغلب أن يكون المراد من فقد معيله، وهو الأب من بني آدم، والأم من الحيوانات، والطيور، وهناك يتيم العقل، والأدب، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان قد بلغ من العمر الخمسين، والسّتين، ويملك من المال الملايين، ولله درّ القائل: [البسيط]\nليس اليتيم الّذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العقل والأدب\nوخذ قول الآخر: [الكامل]\nليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة وخلّفاه ذليلا\nإنّ اليتيم هو الّذي تلقى له... أمّا تخلّت أو أبا مشغولا\nوقد ذكرت الإحسان إلى اليتيم والعطف عليه، وثواب رعايته، وجزاء كفالته في مناسبات كثيرة، وآيات عديدة. ﴿وَالْمَساكِينِ:﴾ انظر الآية رقم [١٧٦] الآتية.\n ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أي: قولوا لهم قولا ذا حسن، وقرئ: («حسنا») بفتحتين، و(«حسنا») بضمتين، فالأولى قراءة حمزة، والكسائي، والثانية قراءة عيسى بن عمرو، وهي غير سبعية، والمعنى: قولوا لهم الطّيّب من القول، وجازوهم بأحسن ما يحبّون أن يجازوا به، وهذا كلّه حضّ على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله لينا، ووجهه منبسطا طلقا مع البرّ، والفاجر، والسّنّيّ، والمبتدع من غير مداهنة؛ لأن الله تعالى قال لموسى، وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة (طه). والمأمور بذلك اليهود، والنصارى، والمسلم أولى بذلك. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ انظر الآية رقم [٤٣]، ﴿وَآتُوا:﴾\nأصله: «آتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فصار: «آتوا» بعد حذف الياء، ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو فصار: (آتوا). ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٦٤]، والخطاب لليهود معاصري محمد ﷺ وأسند إليهم تولّي أسلافهم؛ إذ هم كلّهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحقّ مثلهم، كما قيل: «شنشنة أعرفها من أخزم». ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ أي: من آبائكم","vol":"1","page":231},{"text":"في عهد موسى، وهارون، على نبيّنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، وفي عهد محمد ﷺ أسلم عبد الله بن سلام، وأصحابه. ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: عن الإيمان وعن الوفاء بالعهد، كما أعرض آباؤكم.\nهذا؛ والملاحظ: أنّ الله تعالى أمر بني إسرائيل بهذه التّكاليف الثمانية؛ لتكون لهم المنزلة الرّفيعة عنده بما التزموا به، فأخبر الله عنهم: أنّهم ما وفوا بذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾\nتنبيه: أمر الله تعالى في هذه الآية بني إسرائيل، وكلّ إنسان بالإحسان إلى الوالدين، والبر بهما، والرّحمة لهما، فيما لا يخالف أوامر الله تعالى، ويوصل إليهما ما يحتاجان إليه من المساعدة، والإنفاق عليهما بقدر الحاجة، ولا يؤذيهما البتة، وإن كانا كافرين، بل يجب عليه الإحسان إليهما، ومن الإحسان إليهما: أن يدعوهما إلى الإيمان بالرّفق، واللين، وكذا إن كانا فاسقين؛ بأمرهما بالمعروف بالرّفق، واللّين من غير عنف، وإنّما عطف برّ الوالدين على الأمر بعبادته؛ لأن شكر المنعم واجب، ولله على عبده أعظم النّعم؛ لأنه هو الذي خلقه، وأوجده بعد العدم، فيجب تقديم شكره على شكر غيره ثم إنّ للوالدين على الولد نعمة عظيمة؛ لأنّهما السبب في كون الولد، ووجوده، ثمّ إن لهما عليه حقّ التربية أيضا، فيجب شكرهما ثانيا. خازن. ولا تنس قوله تعالى في سورة لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾.\nالإعراب: (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السّكون في محل نصب، متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر، فيكون خطابا للنبي ﷺ أو تقديره: اذكروا: فيكون خطابا لليهود المعاصرين له ﵊. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِيثاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. ﴿بَنِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النّون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾) إليها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر، لا محل لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا لهم: لا تعبدون. وهذا النفي بمعنى النّهي، وهو أبلغ من النهي الصّريح، ويعضده: أنه قرئ بحذف النون على النّهي الصريح، والقول ومقوله معطوف على جملة: ﴿أَخَذْنا﴾ فهو في محل جرّ مثلها، وجوز أن يكون في محل نصب حال من (نا) وهو على تقدير «قد» أيضا، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وقرئ: («لا يعبدون») بالياء، وعليه فلا التفات. هذا وقد ذكر أبو البقاء: أنّ في الجملة أربعة أوجه: أحدها: أنها جواب قسم دل عليه المعنى، وهو قوله: ﴿أَخَذْنا مِيثاقَ﴾ لأنّ معناه: استحلفناهم: والله لا تعبدون. والثاني: أنّ «أن» الناصبة مرادة، والتقدير: أخذنا ميثاق بني إسرائيل على ألا تعبدوا إلا الله، فحذف حرف الجرّ،","vol":"1","page":232},{"text":"ثمّ حذف «أن» فارتفع الفعل، والثالث: أنّ الجملة الفعلية في محل نصب حال، التقدير: أخذنا ميثاقهم موحّدين، وهي حال مصاحبة، ومقدرة؛ لأنهم كانوا وقت أخذ العهد موحّدين، والتزموا الدوام على التّوحيد، والوجه الرابع: أن يكون لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، التقدير: قلنا لهم: لا تعبدوا. هذا؛ وذكر الجمل: أنّه يحتمل أن تكون الجملة مفسرة لأخذ الميثاق، ثمّ قال:\nولا محل لها حينئذ من الإعراب. انتهى بتصرّف، وهو منقول من السمين.\n ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أحسنوا بالوالدين، والجملة هذه معطوفة على جملة: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ولا سيما على الوجه الأول، والاستئناف ضعيف. ﴿إِحْسانًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد للفعل المقدّر. وقيل: هو مفعول به على تقدير المحذوف: استوصوا. وقيل: هو مفعول لأجله، والأول أقوى، وآكد. ﴿وَذِي:﴾ معطوف على الوالدين مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(﴿ذِي﴾) مضاف، و﴿الْقُرْبى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n (﴿قُولُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلنّاسِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿حُسْنًا:﴾ صفة مصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا؛ إذ التقدير: قولوا قولا ذا حسن، فحذف المضاف، وحلّ المضاف إليه محلّه، أو التقدير: قولوا قولا حسنا، وجملة ﴿وَقُولُوا:﴾ معطوفة على جملة: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا،﴾ وأيضا جملتا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ معطوفتان عليها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: فقبلتم، ثم توليتم، والجملتان المقدّرة والمذكورة معطوفتان على جملة: ﴿أَخَذْنا مِيثاقَ...؛﴾ فهما في محل جرّ مثلها. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء.\n ﴿قَلِيلًا﴾ مستثنى من تاء الفاعل، وقال أبو البقاء: قرئ بالرفع شاذّا، ووجهه أن يكون فاعلا بفعل محذوف، التقدير: امتنع قليل، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: إلا قليل منكم لم يتولّ، وعليه فالجملة على الاعتبارين في محل نصب حال من تاء الفاعل، ويجوز أن يكون توكيدا للضمير المرفوع المستثنى منه. انتهى بتصرف كبير. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَلِيلًا﴾ أو بمحذوف صفة له. (﴿أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال مؤكّدة لمعنى التولّي.\n\n<span id=\"aya-91\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ:﴾ هو مثل سابقه. ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ:﴾ تريقونها بقتل بعضكم بعضا؛ لأن من أراق دم غيره؛ فكأنما أراق دم نفسه، فهو من باب المجاز بأدنى","vol":"1","page":233},{"text":"ملابسة. وقيل: لما كانت ملّتهم واحدة، وأمرهم واحد، وكانوا في الأمم كالشّخص الواحد؛ جعل قتل بعضهم بعضا، وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم، ونفيا لهم، وقد قال نبيّنا المعظم ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم». وهو يريد دماء وأموال المؤمنين؛ لأن المؤمنين إخوة، وقال ﷺ: «مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى». وفي رواية: «إن اشتكى عينه؛ اشتكى كلّه، وإن اشتكى رأسه؛ اشتكى كلّه». هذا؛ والسّفك: الصّبّ، والإراقة، ولا يستعمل إلا في الدّم، قال في المصباح: وسفك الدّم: أراقه، وبابه ضرب، وانظر شرح الدم في الآية رقم [٣٠]. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق، واعترفتم بلزومه. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ:﴾ على أنفسكم بذلك.\nهذا؛ والخطاب للأبناء بما فعل آباؤهم، والغرض من ذلك توجيه التوبيخ والتقريع إليهم لما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، ومخالفة أوامر الله، ومخالفة رسله، ومعناه: أنتم تشهدون على أسلافكم بما قبلوا، وأقرّوا به.\nهذا؛ و﴿دِيارِكُمْ﴾ جمع: دار، وهي مؤنثة وقد تذكر، وهي منزل الإنسان ومسكنه، أصلها:\n «دور» بفتحتين، قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، دور، وأدؤر، وأدور،، أدورة، وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران، وأصل: ديار: دوار، وأدور، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال لمفرد اعتلّت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا: البلد، والقبيلة، ودار القرار: الآخرة، والداران: الدنيا، والآخرة، ودار الحرب:\nبلاد العدو. هذا؛ وقال أبو حاتم: إنّ الديار العساكر، والخيام، لا البنيان، والعمران، وإن الدّار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم، وخيامهم ميتين، وقال جلّ شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ما قيل؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أنّ الديار مخصوصة بالخيام. انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشّاعر، وهو مجنون ليلى: «أقبّل ذا الجدار» وهو حائط البيت، وذلك في قوله، وهو الشاهد رقم [٩٠٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nأمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا\nوما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا\nالإعراب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ:﴾ هذا الكلام معطوف على مثله في الآية السابقة، وهو مثله في إعرابه. ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ:﴾ إعرابها ومحلها مثل: ﴿لا تَعْبُدُونَ..﴾. في الآية السابقة. ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها، ومحلّها. ﴿أَقْرَرْتُمْ:﴾\nفعل وفاعل، والجملة الفعلية قيل: معطوفة على جملة محذوفة: التقدير: قبلتم، ثمّ أقررتم.\nوقيل: هي معطوفة على جملة: ﴿أَخَذْنا﴾ فتكون في محل جرّ مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو","vol":"1","page":234},{"text":"الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَشْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو والضمير، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ ومؤكّدة لها.\n\n<span id=\"aya-92\"></span>﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ:﴾ هذا خطاب لليهود المعاصرين للنبي ﷺ.\nوقتل أنفسهم مثل سفك دمائهم في الآية السابقة بلا فارق. ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾ أي: يخرج بعضكم بعضا من ديارهم. ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ:﴾ أي: تتعاونون عليهم بالمعصية، والظلم، والعدوان. وقرئ: («تظّاهرون») بتشديد الظاء، وتخفيفها، وأصلها:\nتتظاهرون، فمن قرأ بتشديد الظاء؛ فقد أدغم التاء الثانية في الظّاء، ومن قرأ بتخفيف الظاء، فهو على حذف إحدى التاءين، وهذا الحذف كثير في القرآن الكريم، وفي اللّغة العربية. هذا؛ والعدوان: تجاوز لحدود الله، والطّغيان. والإثم: الذنب الذي يستحقّ عليه صاحبه الذّمّ. هذا؛ والإثم: اسم من أسماء الخمرة، قال الشاعر: [الوافر]\nشربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول\n ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ أي: تنقذوهم، وتفكّوهم من الأسر بالمال وغيره. ويقرأ ﴿أُسارى﴾ و«أسرى» مثل: سكارى، وسكرى، ومثل هذه الآية رقم [٦٧] من سورة (الأنفال) وسمّي الأسير أسيرا لشدّه بالإسار، وهو القدّ، أي: الحبل الذي يشدّ به وثاقه، فسمّي كلّ أخيذ أسيرا، وإن لم يشدّ به. هذا؛ والأسر: الخلق، قال تعالى في سورة الدّهر: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ﴾ وأسرة الرجل: رهطه؛ لأنه يتقوّى بهم.\n ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ:﴾ الحرام في الأصل: كلّ ممنوع، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحرمات: كل ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك، وقولهم: لفلان بي حرمة، أي: أنا ممتنع من مكروهه. وحرمة الرّجل. محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو الممنوع من المال، والتلذّذ به. والإحرام بالحجّ هو المنع من أمور معروفة.\n ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ﴾ أي: بعض التّوراة، وهو أخذ الفداء. ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: ببعض التوراة، وفيها تحريم القتل، والمظاهرة، والإخراج من الديار بالظّلم. ﴿فَما﴾","vol":"1","page":235},{"text":"﴿جَزاءُ..﴾. إلخ: فما عقوبة؟. ﴿خِزْيٌ:﴾ ذلّ، وهوان، وقد خزوا في الدنيا بقتل بني قريظة، ونفي بني النّضير إلى الشام، وضرب الجزية عليهم. والإخزاء: هو الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهليّ: [البسيط]\nلاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني\nوهذا هو الشاهد رقم [٢٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ومنه قول حسان بن ثابت -﵁يخاطب به من شجّ وجه النبي ﷺ في غزوة أحد: [الطويل]\nفأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك... ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق\nمددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق\nوهو على هذا من الرّباعي من: أخزى، يخزى، وهو من الثلاثي: خزى، يخزي بمعنى استحيا، وخجل، قال نهشل بن حري الدّارمي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل بصفّين مع الإمام عليّ كرّم الله وجهه: [الطويل]\nأخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٢٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقال ذو الرّمة: [البسيط]\nخزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب\n ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب، والجزاء. ﴿يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ﴾ أي: في جهنّم يصلونها، وبئس المصير.\nتنبيه: قال السّدي-رحمه الله تعالى-: إنّ الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيّما عبد، أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل، فاشتروه، وأعتقوه، وكانت قريظة حلفاء الأوس، وبنو النّضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة والشّنآن، فكان كلّ فريق يقاتل مع حلفائه، فإذا غلبوا؛ خرّبوا ديارهم، وأخرجوهم منها، ثم إذا أسر رجل من الفريقين؛ جمعوا له مالا، فيفدونه، فعيّرتهم العرب، وقالت لهم: كيف تقاتلونهم، ثم تفدونهم؟! فيقولون أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم، ولكنّا نستحيي أن تذل حلفاؤنا، فذمّهم الله على هذه المناقضة، انتهى. جمل بحروفه.\nقال القرطبي: قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. قلت: ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن، فتظاهر بعضنا على بعض، ليت بالمسلمين، بل بالكافرين، حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!! انتهى.","vol":"1","page":236},{"text":"أقول: يظهر: أنه يقصد ما حصل في الأندلس من فتن، ومحاربة بعض المسلمين بعضا، واستعانة البعض على البعض الآخرين بالإسبان الإفرنج، وهذا يحصل من المسلمين في كلّ زمان، ومكان، فقد ذكر: أن قيصر عرض على معاوية مساعدته على عليّ﵁-، وقال: والله لو قطّعت إربا إربا لا أستعين بكافر على مسلم.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني. أو هو مبني على الضم المقدّر على آخره في محل نصب بيا النداء المحذوفة، وعليه فجملة: ﴿تَقْتُلُونَ..﴾. في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة سواء أكانت فعلية، أم ندائية معترضة بين المبتدأ والخبر، لا محل لها من الإعراب، إلا أنّ هذا لا يجيزه سيبويه؛ لأن (أولاء) مبهم، ولا يحذف حرف النداء مع المبهم. هذا؛ ويعتبر الكوفيون ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم موصول هو الخبر، وجملة: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ صلته، ولم يجزه البصريون؛ لأن ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم إشارة، ولا يكون بمعنى «الذين». وهناك وجه ثالث، وهو أنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ خبر المبتدأ على تقدير مضاف محذوف، التقدير: ثمّ أنتم مثل هؤلاء، كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، فعلى هذا جملة:\n ﴿تَقْتُلُونَ﴾ في محل نصب حال من ﴿هؤُلاءِ،﴾ والعامل في الحال معنى التشبيه. انتهى عكبري بتصرف، هذا؛ وأرى صحة وجه آخر، وهو أن يكون ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ ثانيا، وجملة:\n ﴿تَقْتُلُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنْتُمْ﴾. هذا؛ ومثل الآية الكريمة قول ذي الرّمّة، وهو الشاهد [٤٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nإذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك-هذا-لوعة وغرام\nحيث قال الكوفيون: إن التقدير: يا هذا، ومثله الشاهد رقم [١٠٩٥]. وجملة: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا:﴾ معطوفة على سابقتها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقًا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ﴾ متعلقان بالفعل (﴿تُخْرِجُونَ﴾)، وجملة: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿فَرِيقًا﴾ بعد وصفه بالجار والمجرور. ﴿بِالْإِثْمِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة.\n ﴿وَالْعُدْوانِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم.\n ﴿يَأْتُوكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿أُسارى:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿تُفادُوهُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية معترضة بين جملة: ﴿تُظْهِرُونَ﴾ وجملة: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾ الواقعتين في محل نصب حال.","vol":"1","page":237},{"text":"(﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُحَرَّمٌ:﴾ خبره. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾\nمتعلقان ب ﴿مُحَرَّمٌ؛﴾ لأنه اسم مفعول. ﴿إِخْراجُهُمْ:﴾ نائب فاعل ب ﴿مُحَرَّمٌ﴾ سدّ مسدّ خبره، ويكون قد قام مقام الجملة، وهو في محل رفع خبر المبتدأ: (﴿هُوَ﴾).\n ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. الفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. (تؤمنون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿بِبَعْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(بعض) مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير:\nأتفعلون ذلك، فتؤمنون؟! وهذا الكلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ:﴾\nمعطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية.\n ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿مِنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَفْعَلُ ذلِكَ:﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَفْعَلُ﴾ المستتر.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿خِزْيٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان ب ﴿خِزْيٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة. ﴿الْحَياةِ:﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.\nهذا؛ وقد قال أبو البقاء: يجوز اعتبار: (ما) استفهاما مبتدأ، و﴿جَزاءُ﴾ خبره، و﴿إِلاّ خِزْيٌ﴾ بدلا من: ﴿جَزاءُ﴾ ولا أراه قويّا. والجملة الاسمية ﴿فَما جَزاءُ:﴾ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَوْمَ﴾): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و(﴿يَوْمَ﴾) مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يُرَدُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو نائب فاعله. ﴿إِلى أَشَدِّ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. و﴿أَشَدِّ﴾ مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ انظر إعرابها في الآية رقم [٧٤]. هذا؛ ويقرأ: ﴿يُرَدُّونَ﴾ و﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياء، والتاء، فعلى القراءة بالياء يكون التفاتا من الخطاب إلى الغيبة.\n\n<span id=\"aya-93\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ أي: اليهود الذين كانوا في عصر النبي ﷺ، وكانوا يفعلون المتناقضات، كما رأيت في الآية السابقة. ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ استبدلوا، انظر مثله في الآية رقم [١٦].\n ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ:﴾ هما على حذف مضاف؛ أي: نعيم الحياة الدنيا بنعيم الآخرة وخيراتها، والمراد هنا: اختاروا الدنيا، وفضلوها على الآخرة.\n ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: لا يفتّر عنهم ساعة واحدة. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينصرهم، ولا مجير ينقذهم من عذاب الله الأليم. هذا؛ ووصف الله الحياة بالدنيا لحقارتها، ودناءتها، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ورحم الله من يقول: [الكامل]","vol":"1","page":238},{"text":"يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nوما أحسن قول الشّافعي﵁-: [الطويل]\nوما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها\nفإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ.\n ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الحياة الدّنيا. التقدير: مستبدلة بالآخرة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا):\nنافية. ﴿يُخَفَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها. وقال الجمل في مثلها: معطوفة على جملة الصّلة. هذا؛ وقد قال النسفي: وقيل:\n ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ وعليه فالفاء صلة.\nوقيل: الجملة الفعلية: ﴿فَلا يُخَفَّفُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وتكون الفاء زائدة أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وهو أقوى من اعتبار الحالية فيها.\n\n<span id=\"aya-94\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ:﴾ التوراة. ﴿وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ:﴾ أتبعناهم رسولا في إثر رسول: إلياس، وداود، وسليمان، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم، على نبيّنا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وأصل: (﴿قَفَّيْنا﴾): قفونا، فقلبت الواو","vol":"1","page":239},{"text":"ياء. لوقوعها رابعة، واشتقاقه من: قفوته، إذا اتّبعت قفاه، ثم اتّسع فيه، فأطلق على كل تابع، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع. والقفا: مؤخر العنق، ويقال له: القافية أيضا، ومنه قول النبي ﷺ: «يعقد الشّيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد». رواه الشّيخان، وغيرهما.\nومنه قافية الشّعر، وهي آخر حرف من البيت، سمّيت بذلك؛ لأنها تتلو، وتتبع ما قبلها من أبيات. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة الحديد رقم [٢٧]: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.\n ﴿وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ:﴾ الحجج، والمعجزات، وهي إبراء الأكمه، والأبرص وإحياء الميّت، وغير ذلك، ممّا ذكر في: (آل عمران) و(المائدة)، ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ:﴾\nوقويناه بجبريل ﵊، رواه أبو مالك، وأبو صالح عن ابن عباس﵄ومعمر بن قتادة، وقال حسّان﵁-: [الوافر]\nوجبريل رسول الله فينا... وروح القدس ليس به خفاء\nقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إنّما سمّي جبريل روح القدس؛ لأن القدس هو الله، وروحه: بجبريل، فالإضافة للتّشريف، وقال الرازي-رحمه الله تعالى-: وما يدل على أن روح الله القدس بجبريل قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾.\nوقال النّحاس: سمّي جبريل روحا، وأضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله ﷿ له روحا من غير ولادة والد ولده، وكذلك سمي عيسى روحا لهذا، هذا؛ والقدس: الطهر، هذا؛ وعيسى مأخوذ من العيس، وهو بياض يخالطه شقرة، قاله أبو البقاء.\n ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ:﴾ لا يوافق هواكم، ويلائمه. استكبرتم: عن إجابته، واتباعه، والأخذ بتعاليمه. انظر الآية رقم [٩١] الآتية: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ:﴾ فكان ممّن كذبوه عيسى، ومحمّد عليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ:﴾ وممن قتلوه يحيى، وزكريا، وغيرهما، هذا؛ والتّعبير بالمضارع بقوله تعالى: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ لم يقل: قتلتم كما قال: ﴿كَذَّبْتُمْ؛﴾ لأنّ المضارع كما هو المألوف في أساليب البلاغة يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغا عظيما، وكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السّامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم، ومنه قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٦٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فعبّر بالماضي، ثم قال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فعدل عنه إلى المضارع لتصوير اخضرارها في النفس، وعليه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي﵁-، يصور شجاعته، وجرأته: [الوافر]\nفإنّي قد لقيت القرن يسعى... بسهب كالصّحيفة صهصهان\nفآخذه فأضربه فيهوي... صريعا لليدين وللجران","vol":"1","page":240},{"text":"هذا؛ و﴿تَهْوى﴾ فعل مضارع، بمعنى تحبّ، وترغب فيه، والاسم منه: «هوى» يقصر، ويمد، والمراد بالأول الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبّة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٣]: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ ومدح من يخافه، ويخشاه بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهوى بمعنى العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق\nوإليك هذين البيتين فإنهما من النكت الحسان: [الكامل]\nجمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران\nفقصرت بالممدود عن نيل المنى... ومددت بالمقصور في أكفاني\nوقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر، ويروى عن ابن عباس أيضا: أنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحبّ الخير، وهذا في الغالب، والآية الكريمة من ذلك، وقد يستعمل في الخير، والحق، ومنه قول عمر﵁في أسارى بدر: فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. وقالت عائشة للنبي ﷺ في صحيح الحديث: «والله ما أرى ربّك إلاّ يسارع في هواك». أخرجهما مسلم. هذا؛ وجمع الممدود: أهوية، وجمع المقصور: أهواء.\nوقال الشّعبي: إنّما سمّي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال عبد الله بن عمر -﵄-. عن النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به». وقال أبو أمامة﵁-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما عبد تحت السّماء إله أبغض إلى الله من الهوى». والأحاديث في ذلك كثيرة، وقال الأصمعي رحمه الله تعالى: سمعت رجلا يقول: [الكامل]\nإنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nوسئل ابن المقفّع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر، فنظمه، فقال: [الكامل]\nنون الهوان من الهوى مسروقة... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nوللعلماء، وللشعراء في هذا الباب في ذمّ الهوى، ومخالفته كتب، ومصنفات، وأبواب كثيرة، أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، والله وليّ التوفيق.\nتنبيه-بل فائدة-: ﴿مَرْيَمَ﴾ بالعبرية بمعنى الخادم، ثمّ سمّي به كثير من الناس، و(مريم) في لسان العرب: هي التي تكره مخالطة الرّجال. ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم بنت عمران، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا.","vol":"1","page":241},{"text":"هذا وفي القاموس المحيط: المريم: هي التي تحبّ حديث الرجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قاله الشّاعر: [الطويل]\nوزائرة ليلا كما لاح بارق... تضرّع منها للكساء عبير\nفقلت لها أهلا وسهلا أمريم... فقالت: نعم من أنت؟ قلت لها: زير\nوانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (آل عمران) ففيها كبير الفائدة.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. واللام: واقعة في جواب القسم. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول ثان، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٥]. جملة: ﴿وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ:﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِالرُّسُلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وجملة: (﴿آتَيْنا﴾): معطوفة أيضا لا محل لها. ﴿عِيسَى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿اِبْنَ:﴾ صفة عيسى، وابن مضاف، و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿الْبَيِّناتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة (﴿أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾) معطوفة على جملة القسم لا محل لها.\n ﴿أَفَكُلَّما:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع، وانظر: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٤٤].\n (كلّما): انظر الآية رقم [٢٠]. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض. والكاف: في محل نصب مفعول به.\n ﴿رَسُولٌ:﴾ فاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، و(ما) والفعل: (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل مجيء إليهم، وهذه الإضافة، وهذا التقدير هما اللذان سببا الظرفية ل (كل). أو التقدير: كل وقت مجيء. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَهْوى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿أَنْفُسُكُمُ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء لا تهواه أنفسكم. ﴿اِسْتَكْبَرْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب: (كلما) لا محل لها، وجملة: ﴿أَفَكُلَّما﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿فَفَرِيقًا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (فريقا): مفعول به مقدم. ﴿كَذَّبْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (فريقا): مفعول به مقدم. ﴿تَقْتُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع","vol":"1","page":242},{"text":"وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وقدم المفعول في الجملتين للاهتمام، وتشويق السّامع إلى ما يلقى إليه.\n\n<span id=\"aya-95\"></span>﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ أي: اليهود. ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ:﴾ جمع: أغلف، أي: مغطاة بأغطية، فلا تعي ما تقول، ويريدون: أنها خلقت مغشاة بأغطية خلقيّة، فهي لا تعي ما جئت به، وهو مستعار من «الأغلف» الذي لم يختن، وقرئ بسكون اللام، وضمّها مثل «رسل»، قال ابن عباس﵄-: أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى علم محمّد ﷺ، ولا غيره. والقول الأول مثل قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٥٥]: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا،﴾ وأيضا قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٥]: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾. ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ:﴾ طردهم، وأبعدهم من رحمته. وأصل اللّعن في كلام العرب: الطّرد، والإبعاد، ويقال للذّئب: لعين، وللرّجل الطّريد: لعين، وقال الشّماخ: [الوافر]\nذعرت به القطا ونفيت عنه... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين\nووجه الكلام: مقام الذئب اللّعين كالرّجل. فالمعنى: أبعدهم الله من رحمته.\nوقيل: أبعدهم الله من توفيقه، وهدايته. وقيل: من كلّ خير، وهذا عام، انظر الآية [١٦١] الآتية. ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ:﴾ مثل قوله تعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا،﴾ فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم، وقيل: المعنى: فقليل إيمانهم؛ بمعنى: أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد، والثواب، والعقاب، ولكنّه إيمان لا ينفعهم؛ لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قالُوا﴾): فعل، وفاعل، والألف للتفريق.\n ﴿قُلُوبُنا:﴾ مبتدأ و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿غُلْفٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية (﴿قالُوا﴾) معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة فلا محل لها على الوجهين، والاستئناف أقوى. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب، تبتدأ بعده الجمل.\n ﴿لَعَنَهُمُ:﴾ فعل ماض والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِكُفْرِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والباء للسببية، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجوز اعتبارها مستأنفة.\n ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ:﴾ الفاء: حرف تعليل لطردهم من رحمة الله وها أنا ذا أنقل لك باختصار ما ذكره ابن هشام في مغني اللبيب في إعراب هذه الجملة، وأمثالها، فقال رحمه الله تعالى: ﴿ما﴾ تحتمل لثلاثة أوجه:","vol":"1","page":243},{"text":"أحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق. و(قليلا) في معنى النفي، وأمّا التقليل مثلها في: (أكلت أكلا ما) وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل.\nالوجه الثاني: النفي، و(قليلا) نعت لمصدر محذوف، أو الظرف محذوف، أي: إيمانا قليلا، أو زمانا قليلا.\nالوجه الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب (قليل)، و(قليلا) حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى؛ أي: لعنهم الله، فأخروا «قليلا إيمانهم» أجازه ابن الحاجب، ورجّح معناه على غيره. انتهى بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب (قليلا) على الوجه الأول. وذكر الجمل الوجه الأوّل، واعتبر (قليلا) نعتا لمصدر محذوف مثل اعتباره في الوجه الثاني. وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: لا يؤمنون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: (قليلا ﴿ما يُؤْمِنُونَ﴾) تعليلية لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-96\"></span>﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: اليهود. ﴿كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ هو القرآن؛ الذي أنزل على محمّد ﷺ. ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ:﴾ يعني: التوراة. ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ مجيء الكتاب، ومن قبل مبعث النبي ﷺ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ:﴾ يستنصرون. ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: المشركين العرب، وهم الأوس، والخزرج. ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا﴾ أي: من الحقّ، وهو بعثة النبي ﷺ ونزول القرآن عليه ﴿كَفَرُوا بِهِ:﴾ أي: بمحمد ﷺ حسدا، وبغيا، وخوفا على الرئاسة وحبّ الدنيا.\n ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ المراد: على اليهود، وقد أظهر في موضع الإضمار؛ لينبّه على السبب المقتضي لذلك، وهو الكفر، وأتى ب ﴿عَلَى﴾ تنبيها على أن اللّعنة قد استعلت عليهم، وشملتهم. وفي الآية إطلاق كلمة الكفر على المشركين العرب، وعلى اليهود.\nتنبيه: كان اليهود في المدينة المنورة قبل مبعث النبي ﷺ إذا حزبهم أمر، أو دهمهم عدو؛ يقولون: اللهم فرّج كربنا! اللهم انصرنا بالنبيّ المبعوث في آخر الزّمان، الذي نجد صفته في التوراة! فكانوا ينصرون، ويفرّج كربهم، ويزول ما بهم من الغمّ، والبؤس، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظلّ زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عاد، وإرم.\nهذا؛ والاستفتاح: الاستنصار، وفي الحديث كان النبي ﷺ يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي:\nيستنصر بدعائهم، وصلاتهم، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [٥٢] من سورة (المائدة): ﴿فَعَسَى اللهُ﴾","vol":"1","page":244},{"text":"﴿أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. والنصر: فتح شيء مغلق. هذا؛ وروى النّسائيّ عن أبي سعيد الخدري﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها؛ بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم». وروى النسائيّ أيضا عن أبي الدّرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ابغوني الضّعيف؛ فإنكم إنّما ترزقون، وتنصرون بضعفائكم».\nهذا؛ والسبب في سكنى اليهود المدينة المنورة هو انتظارهم مبعث النبي ﷺ وظهوره، فقد قدم آباؤهم، وأجدادهم من فلسطين قبل مبعث النّبيّ ﷺ بمائتين أو بثلاثمائة سنة إلى المدينة ينتظرون خروجه، وظهوره؛ لأنه منصوص عليه في التوراة: أنه يولد في مكّة، ويهاجر إلى المدينة، فلمّا ظهر؛ كفروا به بغيا، وعدوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فقال لهم معاذ بن جبل﵁-: يا معشر يهود! اتّقوا الله، وأسلموا؛ فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ، ونحن أهل شرك، وتخبروننا: أنه مبعوث، وتصفونه بصفته. فقال:\nسلام بن مشكم، أخو بني النضير-لعنه الله-: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي نذكر لكم، فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَمّا﴾): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى (حين) عند ابن السّراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿كِتابٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِتابٌ﴾ و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة: ﴿كِتابٌ﴾. ﴿لَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقٌ،﴾ ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها إن كانت نكرة موصوفة، وانظر تعليق اللام في الآية رقم [٤١] فإنه جيد، وجواب (لمّا) محذوف دل عليه جواب الثانية، تقديره: أنكروه، أو نحو ذلك، وقيل: إنّ جوابها ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ وجواب الثانية ومدخولها جواب الأولى، وهذا ضعيف؛ لأن الفاء مع (لما) الثانية، و(لمّا) لا تجاب بالفاء، إلا أن يعتقد زيادة الفاء على ما يجيزه الأخفش. انتهى عكبري. وأقوى الأقوال الأوّل، و(لمّا) ومدخولها معطوف على جملة: (﴿قالُوا﴾) في الآية السابقة، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: واو الحال، (﴿كانُوا﴾): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل كانوا، وهذا على القول بجواز التعليق بالفعل الناقص. ويؤيّده: المعنى هنا، ومن لا يجيزه يعلقهما بالفعل بعدهما. وجملة: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في محل نصب خبر (كان) وجملة: (﴿كانُوا﴾) في محل نصب حال من الضمير، وهو","vol":"1","page":245},{"text":"الهاء، والرابط الواو، والضمير، والجملة على تقدير «قد» قبلها، وهذا أقوى من العطف على جواب (لمّا) المحذوف، وجملة: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ:﴾ معطوفة على (لمّا) السابقة، ومدخولها. و(ما) هي الفاعل، وتحتمل الموصولة، والموصوفة، التقدير: الذي، أو شيء عرفوه، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِهِ:﴾ جواب (لمّا) الأولى، أو الثانية.\n ﴿فَلَعْنَةُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (لعنة): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على الكلام السّابق لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-97\"></span>﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿بِئْسَمَا:﴾ بئس: فعل ناقص لإنشاء الذم، ونعم: فعل ماض لإنشاء المدح، ف «بئس» منقول من: بئس فلان، بفتح الباء، وكسر الهمزة: إذا أصاب بؤسا، ونعم منقول من:\nنعم بفتح النون وكسر العين: إذا أصاب النّعمة، فنقلا إلى المدح، والذمّ، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس بكسر، وسكون، وهي أفصحهن، ثمّ: نعم وبئس بكسر أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في «نعم» أن يتصل بها (ما) كقوله تعالى: ﴿فَنِعِمّا هِيَ،﴾ ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ و«بئس» اتصلت بها (ما) على اللغة الفصحى، كما في هذه الآية والآية رقم [٩٣] الآتية، وفي سورة (الأعراف) رقم [١٥٠]: ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي﴾. واللغة الثالثة: نعم وبأس بفتح، وسكون، والرابعة: نعم، وبئس-بفتح، وكسر-وهي الأصل فيهما، ولا بدّ لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nفعلان غير متصرّفين... نعم وبئس رافعان اسمين\nمقارني ال أو مضافين لما... قارنها كنعم عقبى الكرما\nويرفعان مضمرا يفسّره... مميّز كنعم قوما معشره\nوالقول بفعليتهما إنّما هو قول البصريين والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول النّبيّ ﷺ: «من توضّأ يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان؛ بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأنّ امرأته ولدت بنتا له، فقال: والله ما هي بنعم الولد! نصرها بكاء، وبرّها صدقة. وقول غيره:","vol":"1","page":246},{"text":"نعم السّير على بئس العير. وأوله البصريون على حذف كلام مقدر، إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد! ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير، والمعتمد في ذلك قول البصريين.\nهذا ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا بال، أو مضافا لمقترن به، أو ضميرا مميزا بنكرة، أو كلمة «ما»؛ فالأول كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ،﴾ والثاني في نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ والثالث في مثل قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا،﴾ والرابع كما في الآية الكريمة التي بين أيدينا.\n ﴿اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ:﴾ باعوا، واستبدلوا. ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا:﴾ انظر الإعراب يتضح لك المعنى، أما البغي؛ فهو الظلم، والاعتداء على حقّ غيرك، وعواقبه ذميمة، ومآل الباغي وخيم، وعقابه أليم؛ ولو أنّ جنوده بعدد الحصى، والرّمل، والتراب، ورحم الله من يقول-وهو الشاهد رقم [٢٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nلا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل\nوعن النبي ﷺ: أنه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ،﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال أبو بكر﵁-: ثلاث من كنّ فيه كن عليه، وتلا الآيات الثلاث. وعن النبي ﷺ: أنه قال: «أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشر عقابا البغي، واليمين الفاجرة»، وعن ابن عباس﵄-: أنه قال: «لو بغى جبل على جبل؛ لاندكّ الباغي». فأخذه بعض الشعراء، فقال: [البسيط]\nيا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير فعال المرء أعدله\nفلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله\nوكان المأمون يتمثّل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشّاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]\nوالبغي يصرع أهله... والظّلم مرتعه وخيم\nهذا؛ والظلم أنواع كثيرة. انظر رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزمن) بتأليفنا، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، وانظر الآية رقم [١٧٣]. ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ من نعيم الدنيا من صحة، ومال، ومنصب، وجاه، والمراد به ما منّ الله به على الرسول ﷺ من النبوة، والرّسالة، والنّصر على الأعداء، وجمع شمل العرب، وتوحيد صفوفهم وكلمتهم؛ إذ المراد بما بعد هذه الجملة بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ:﴾ الرسول ﷺ.","vol":"1","page":247},{"text":"﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ انظر الآية رقم [٦١]. ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أظهر في مكان الإضمار، فكان مقتضى القياس: ولهم، فأقام الظاهر مقام المضمر تشنيعا بكفرهم. هذا و﴿مُهِينٌ﴾ أصله: مهين، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الياء إلى الهاء قبلها، فصار: ﴿مُهِينٌ﴾ وقل مثله في إعلال ﴿مُبِينٌ﴾.\nالإعراب: ﴿بِئْسَمَا:﴾ (بئس) فعل ماض جامد دل على إنشاء الذمّ. (ما): نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز. ﴿اِشْتَرَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، الّتي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (ما)، وتقدير الكلام: بئس الشّيء شيئا مشترى به أنفسهم.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله. و(﴿أَنْ﴾) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ محذوف، وهو المخصوص بالذم؛ إذ التقدير: المذموم كفرهم، ويجوز في العربية اعتبار المصدر المؤوّل مبتدأ مؤخرا، وجملة: (بئس): خبرا مقدما، والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية: مستأنفة لا محل لها.\nهذا؛ وقد ذكر أبو البقاء في إعراب هذه الجملة وجوها: أحدها: اعتبار (ما) نكرة غير موصوفة منصوبة على التمييز، قاله الأخفش. و﴿اِشْتَرَوْا﴾ على هذا صفة لمحذوف، تقديره:\nشيء، أو كفر مشترى، وهذا المحذوف هو المخصوص، وفاعل (بئس) مضمر فيها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، أي: هو أن يكفروا. وقيل:\nالمصدر في موضع جر بدلا من الهاء في ﴿بِهِ،﴾ وقيل: هو المبتدأ، و(بئس) خبر عنه، والوجه الثاني: أن تكون (ما) نكرة موصوفة، و﴿اِشْتَرَوْا﴾ صفتها، و﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ على الوجوه المذكورة، ويزيد هنا أن يكون هو المخصوص بالذم. والوجه الثالث: أن تكون (ما) بمنزلة «الذي» وهو اسم (بئس)، و﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ المخصوص بالذّم.\nوقيل: اسم (بئس) مضمر فيها، و«الذي» وصلته المخصوص بالذّم. والوجه الرابع: أن تكون (ما) مصدرية، التقدير: بئس شراؤهم، وفاعل (بئس) على هذا مضمر؛ لأن المصدر هنا مخصّص، ليس بجنس. وهذه الأوجه التي ذكرها ظاهر فيها التعسّف، والتكلّف، والمقبول المرضي هو ما ذكرته سابقا. وقد ذكرت هذه الأوجه للبيان، ودفع الاعتراض عليّ بشيء منها.\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:","vol":"1","page":248},{"text":"بالذي، أو بشيء أنزله الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية، تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بإنزال الله كتابا، أو نحو ذلك. ﴿بَغْيًا:﴾ مفعول لأجله، عامله الفعل:\n ﴿يَكْفُرُوا،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ﴾ في محل جر محذوف، التقدير: على إنزال، أو لتنزيل، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿بَغْيًا﴾ لأنه مصدر، وذكرت لك: أنّ المفعول محذوف. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة هذا المحذوف. ﴿عَلى مَنْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يُنَزِّلَ﴾. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ ومفعوله محذوف، وهو العائد. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وجملة: ﴿يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.\n ﴿فَباؤُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (باءوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِغَضَبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي:\nمتلبسين بغضب. ﴿عَلى غَضَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (﴿غَضَبٍ﴾)، وجملة: (به او): معطوفة على جملة: (بئس) لا محلّ لها مثلها. (﴿لِلْكافِرِينَ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿عَذابٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط، وهو أولى من العطف.\n\n<span id=\"aya-98\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: آمنوا بما أنزل الله من القرآن على محمد ﷺ، وصدّقوا به، واتبعوه. والكلام عن اليهود، وأمثالهم من أهل الكتاب.\n ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التّوراة، والإنجيل، ولا نقرّ إلا بذلك. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ﴾ أي: بما سواه، وبما بعده من الكتب، ويريدون عدم الاعتراف بالقرآن الّذي أنزل على محمد ﷺ. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ:﴾ وهم يعلمون: أنّ القرآن نزل مصدقا لما معهم من التوراة، والإنجيل، فالحجّة قائمة بذلك، كما قال تعالى في الآية رقم [١٤٦]: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾.\n ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل عليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة الّتي بأيديكم، والحكم بها، وعدم نسخها؛ وأنتم تعلمون صدقهم؟! وقتلتموهم بغيا، وعنادا، واستكبارا على الله،","vol":"1","page":249},{"text":"ورسله، فلستم تتّبعون إلا مجرد الأهواء، والآراء، والتشهّي، كما قال تعالى في الآية رقم [٨٧]: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾. وهذا من مخاطبة الأبناء بما فعل الآباء، ففيه زيادة توبيخ، وتقريع، وتأنيب.\n (لم): كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف اللام الجارة، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة والاستفهامية، ويقال: للفرق بين الخبر والاستخبار، ومن شواهدها الشعريّة قول الكميت، وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟\nوأيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي﵁-، وهو الشّاهد رقم [٢٥٠] من الكتاب المذكور: [الطويل]\nعلام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت\nهذا؛ وقد ثبت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر، ومنه قول حسّان بن ثابت -﵁يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر]\nعلى ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان\nهذا؛ و(وراء) جاء هنا بمعنى: ما بعده، وبما سواه، ويأتي بمعنى: أمام، وقدّام، وخلف، ومن الأول قوله تعالى في سورة الكهف رقم [٧٩]: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وأيضا قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٠]: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ كما يأتي بمعنى: بعد، خذ قوله في سورة (هود) رقم [٧١]: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي:\nمن بعد إسحاق يعقوب، وقال النابغة الذبياني: [الطويل]\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للعبد مطلب\nأي: وليس بعد الله ﷻ، وكذلك قوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده، ومن مجيئه بمعنى: أمام، وقدّام قول لبيد﵁-: [الطويل]\nأليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع\nوأيضا قول سوار بن المضرب السّعدي-وكان قد هرب من الحجّاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج-: [الطويل]","vol":"1","page":250},{"text":"أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا\nثبت بما تقدّم: أنه من الأضداد، وهو منصوب على الظّرفية المكانية، قال الأخفش، يقال:\nلقيته من وراء. فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف، تجعله اسما، وهو غير متمكّن، كقوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ،﴾ وأنشد قول الشاعر: [الطويل]\nإذا أنا لم أومن عليك ولم يكن... لقاؤك إلا من وراء وراء\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف للتفريق، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل:\n (﴿قِيلَ﴾)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: (يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه) وهذا لا غبار عليه، وقال ابن هشام في مغني اللبيب: فليس هذا من باب الإسناد إلى الجملة؛ لما بيّنا؛ أي: من أنّ الجملة إذا قصد لفظها يحكم لها بحكم المفرد، فيجوز حينئذ وقوعها مبتدأ، أو فاعلا، أو نائب فاعل، ومثّل لذلك في شذور الذهب بقول النبيّ ﷺ: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله». هذا؛ وقيل:\nنائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول، وقيل: الجار والمجرور. ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل، والجملة: (﴿قِيلَ﴾) في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة. ﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو بشيء أنزله.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله. ﴿نُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا:﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَيَكْفُرُونَ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (﴿يَكْفُرُونَ﴾): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَراءَهُ:﴾\nظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو صفتها، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وهو ضعيف، والأولى اعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، ويجب تقدير ضمير قبلها؛ لأن الجملة المضارعة الواقعة حالا لا تقترن بالواو، وإن اقترنت بالواو؛ فيجب تقدير الضمير، قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز]","vol":"1","page":251},{"text":"وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت\nوذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا\n ﴿وَهُوَ الْحَقُّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ الْحَقُّ﴾): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (ما) والعامل الفعل: (﴿يَكْفُرُونَ﴾)، والرابط الواو، والضمير. ﴿مُصَدِّقًا:﴾ حال مؤكدة لمضمون الجملة الاسمية قبلها، ومثلها قول سالم بن دارة اليربوعي، وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط]\nأنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟\n ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقًا،﴾ وانظر الآية رقم [٤١] ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿فَلِمَ:﴾ الفاء: صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير:\nقل: إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم؛ فلم... (لم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وعلامة الجر الألف المحذوفة للفرق بين الخبر والاستخبار. ﴿تَقْتُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنْبِياءَ:﴾ مفعول به وهو مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَقْتُلُونَ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿أَنْبِياءَ اللهِ﴾ وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، والجملة الفعلية: (لم ﴿تَقْتُلُونَ﴾) في محل جزم جواب للشرط المقدر ب «إن» والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله؛ إذ التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فلم تقتلون، ويكون الشرط وجوابه قد ذكر مرّتين، فحذف الشرط من الجملة الأولى، وبقي جوابه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ:﴾ وحذف الجواب من الثاني، وبقي شرطه، فقد حذف من كلّ واحدة ما أثبت في الأخرى. انتهى. جمل. ثم قال: والوجه الثاني أنّ (إن) نافية بمعنى «ما» أي: ما كنتم مؤمنين، لمنافاة ما صدر منكم للإيمان. انتهى. نقلا عن السمين. وهذا غير مسلم، والمعنى لا يؤيده.\n\n<span id=\"aya-99\"></span>﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ:﴾ الخطاب لليهود المعاصرين للنبي ﷺ، والمراد آباؤهم. و(البينات) هي قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠١]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ﴾","vol":"1","page":252},{"text":"(بينات:) وهي: العصا، واليد، والسنون، والدم، والطّوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر. وقيل: البينات: التوراة لما فيها من الدّلالات. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: عبدتموه إلها، انظر الآية رقم [٥١]. ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ أي: لأنفسكم بهذا الاتخاذ، ولم تضروا أحدا من الناس؛ لأنه شرك وكفر.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، واللام: واقعة في جواب القسم. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعوله. ﴿مُوسى﴾ فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من موسى، التقدير: ملتبسا بالبينات، والجملة الفعلية:\n (﴿لَقَدْ..﴾.) جواب القسم لا محل لها، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٥]. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿اِتَّخَذْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿الْعِجْلَ:﴾\nمفعول به أول. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعِجْلَ﴾ أي: اتخذتم العجل إلها من بعده، وإن اعتبرته مفعولا ثانيا، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والكلام: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-100\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٣] ففيها الكفاية.\n ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ:﴾ انظر الآية نفسها. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: اسمعوا سماع قبول، وطاعة، والتزام، وليس المراد سماع اللّفظ مجردا عمّا ذكر، ومنه قولهم في الصّلاة: «سمع الله لمن حمده» أي: قبل، وأجاب، قال الشاعر: [الوافر]\nدعوت الله حتّى خفت ألاّ... يكون الله يسمع ما أقول\nأي: يقبل، وقال الراجز: [الرجز]\nوالسّمع والطّاعة والتّسليم... خير وأعفى لبني تميم","vol":"1","page":253},{"text":"﴿قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا:﴾ اختلف: هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللّسان نطقا، أو يكونوا فعلوا فعلا قام مقام القول، فيكون مجازا، كما قال الآخر: [الرجز]\nامتلأ الحوض وقال قطني... مهلا رويدا قد ملأت بطني\nوهذا احتجاج عليهم في قولهم في الآية رقم [٩١]: ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾. ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي: حب العجل، والمعنى: جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه، ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم، وفي الحديث قال رسول الله ﷺ: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأيّ قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء». أخرجه مسلم، يقال:\nأشرب قلبه حبّ كذا، قال زهير بن أبي سلمى: [الكامل]\nفصحوت عنها بعد حبّ داخل... والحبّ تشربه فؤادك داء\nوإنما عبّر عن حبّ العجل بالشّرب دون الأكل؛ لأنّ شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتّى يصل إلى باطنها، والطّعام مجاور غير متغلغل فيها، وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين، فقال في زوجته عثمة، وكان قد عتب عليها في بعض الأمر، فطلّقها، وكان محبّا لها: [الوافر]\nتغلغل حبّ عثمة في فؤادي... فباديه مع الخافي يسير\nتغلغل حيث لم يبلغ شراب... ولا حزن ولم يبلغ سرور\nأكاد إذا ذكرت العهد منها... أطير لو أنّ إنسانا يطير\nهذا ولا تنس ندامة الفرزدق حين طلق النّوار، فقال: [الوافر]\nندمت ندامة الكسعيّ لمّا... غدت منّي مطلقة نوار\nوكانت جنّتي فخرجت منها... وأصبح لا يضيء لي النّهار\nوقال السّديّ، وابن جريج-رحمهما الله تعالى-: إنّ موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-برد العجل، وذرّاه في الماء، وقال لبني إسرائيل: اشربوا من ذلك الماء، فشرب جميعهم، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذّهب على شفتيه. أما تذريته في البحر فقد دلّ عليه قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٩٧]: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ وأما شرب الماء، وظهور البرادة على الشفاه، فيردّه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ:﴾ بسبب كفرهم، وخروجهم عن طاعة ربهم. هذا؛ وفيه استعارة مكنية، فقد شبه حبّ العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وطوى ذكر المشبه به، ورمز إليه من لوازمه، وهو الإشراب على طريق الاستعارة المكنية.","vol":"1","page":254},{"text":"﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ﴾ الذي زعمتم في قولكم: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ فكيف تدعون الإيمان لأنفسكم، وقد فعلتم الأفاعيل، من كفركم بآيات الله، ومخالفتكم الأنبياء، بل وقتلكم إيّاهم، ثم كفركم بمحمد ﷺ خاتم الرّسل، وسيد الأنبياء المبعوث إلى النّاس أجمعين؟!\nالإعراب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٦٣] القريبة منك. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، ومفعول الفعلين محذوف لعلمه من المقام، وجملة: ﴿قالُوا:﴾\nمستأنفة لا محلّ لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر نشأ من الكلام السابق. ﴿وَأُشْرِبُوا:﴾\nالواو: واو الحال. (﴿أُشْرِبُوا﴾): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل. ﴿فِي قُلُوبِهِمُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: حبّ العجل المذكور بعدهما، وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْعِجْلَ:﴾\nمفعول به ثان، وهو في الأصل مضاف إليه انظر الشرح. ﴿بِكُفْرِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل (﴿أُشْرِبُوا﴾) والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. وجملة: (﴿أُشْرِبُوا﴾): في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿قالُوا﴾ والرابط الواو، وهي على تقدير «قد» قبلها، والحالية أقوى من العطف على جملة: ﴿قالُوا﴾. وقيل: مستأنفة لا محل لها، وهو ضعيف.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٩٠] والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: المذموم عبادة العجل، وهذا المخصوص يجوز فيه ما ذكرته في الآية المذكورة من التقديم والتأخير، والجملة ﴿بِئْسَما﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ بِئْسَما:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٩١] وما قيل فيها، والجواب محذوف تقديره:\nفلم قتلتم أنبياء الله؟ أو فلم كذّبتم الرسل، وكتمتم الحق...؟\n\n<span id=\"aya-101\"></span>﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ كانَتْ لَكُمُ..﴾. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: لمّا ادعت اليهود دعاوى باطلة، حكاها الله﷿عنهم في كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وقوله: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى،﴾ وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ كذّبهم الله؛ ﷿، وألزمهم الحجّة، فقال: قل يا محمد: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ﴾ يعني: الجنّة؛ ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾","vol":"1","page":255},{"text":"في أقوالكم؛ لأنّ من اعتقد أنّه من أهل الجنة، كان الموت أحبّ إليه، من الحياة الدنيا؛ لما يصير إليه من نعيم الجنة، ويزول عنه من أذى الدّنيا، كما قال الإمام عليّ-كرم الله وجهه-: لا أبالي أسقطت على الموت، أم سقط الموت عليّ؟ وقال عمار بن ياسر﵁بصفين:\nالآن ألقى الأحبة: محمدا، وحزبه. وقال ذلك بلال﵁عند احتضاره، وقال حذيفة﵁حين احتضر: [المتقارب]\nوجاء حبيب على فاقة... فلا أفلح اليوم من قد ندم\n ﴿خالِصَةً:﴾ مصدر، كالعافية، والعاقبة؛ بمعنى: الخلوص؛ أي: خاصّة بكم، لا يشارككم فيها أحد. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ فسلوا الله الموت، قال ابن عباس﵄-: لو تمنّى اليهود الموت؛ لماتوا، ولو تمنّوا الموت؛ لشرق أحدهم بريقه. وقال ابن جرير: وبلغنا أنّ النبي ﷺ قال: لو أن اليهود تمنوا الموت؛ لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النّار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ، لرجعوا لا يجدون أهلا، ولا مالا. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (الجمعة) رقم [٦]: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ..﴾. إلخ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي:\nفي دعواكم: أنّ الجنة لكم دون غيركم، وانظر التمنّي في الآية رقم [٧٨].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء تاء التأنيث.\n ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها. ﴿الدّارُ:﴾ اسم (كان) المؤخر، وهو على حذف مضاف؛ إذ التقدير: نعيم الدار، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ صفة ﴿الدّارُ﴾. ﴿عِنْدَ﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿خالِصَةً﴾ و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿خالِصَةً:﴾ حال من: ﴿الدّارُ الْآخِرَةُ،﴾ ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب ﴿خالِصَةً﴾. هذا وجه لإعراب هذه الجملة، وهناك وجه ثان، وهو: أن ﴿خالِصَةً:﴾ خبر: (كان)، و﴿لَكُمُ﴾ متعلقان ب ﴿خالِصَةً﴾ أو ب (كان) عند من يجيز التعليق بها، و﴿عِنْدَ﴾ متعلق ب ﴿خالِصَةً﴾. ووجه ثالث، وهو أنّ الخبر متعلق بالظرف: ﴿عِنْدَ،﴾ و﴿خالِصَةً﴾ حال من الدار، والعامل فيها إمّا ﴿عِنْدَ﴾ أو ما يتعلق به، أو (كان) أو ﴿لَكُمُ﴾ على اعتبارهما متعلقين ب (كان).\n ﴿فَتَمَنَّوُا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تمنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به، والجملة: (تمنوا ﴿الْمَوْتَ﴾) في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لا تحل محلّ المفرد، وجملة: (﴿كانَتْ﴾) لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والشرط، ومدخوله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقيل: كرر","vol":"1","page":256},{"text":"الأمر تأكيدا لما في الجملة السّابقة، والغرض من ذلك إظهار كذب اليهود في فنّ آخر من أباطيلهم، وافتراءاتهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٩١] فالإعراب لا يتغيّر، والتقدير هنا: إن كنتم مؤمنين؛ فتمنوا الموت.\n\n<span id=\"aya-102\"></span>﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ أي: الموت؛ لما يعلمون من مآلهم السّيئ، وعاقبتهم عند الله الخاسرة. ﴿أَبَدًا:﴾ الأبد: هو الزمان الطويل، الذي ليس له حدّ، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما فعلوا من الكفر بمحمد ﷺ، وتحريف التوراة، ونسب إلى الأيدي جميع ما اقترفوه؛ لأن أكثر الأعمال تزاول باليد، ﴿عَلِيمٌ:﴾ صيغة مبالغة. (الظالمين): الكافرين حيث ظلموا أنفسهم بالكفر، وقال: ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ ولم يقل: بهم؛ إقامة للظاهر مقام المضمر، إشارة إلى أنهم غارقون بالظلم، والفساد، والطغيان، وفيه وعيد، وتهديد لا يخفيان. هذا؛ والحكمة في الإتيان ب (﴿لَنْ﴾) بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ أبدا هنا وفي سورة الجمعة ب (لا) بقوله: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا:﴾ أنّ ادّعاءهم هنا أعظم من ادّعائهم هناك، فإنّهم ادعوا هنا اختصاصهم بالجنّة، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، فناسب هنا التوكيد ب (﴿لَنْ﴾) المفيدة للنفي في الحاضر، والمستقبل، وأما هناك فاكتفى بالنفي.\nوقال الزمخشري: لا فارق بين (لا) و(لن) في أنّ كل واحدة منهما نفي للمستقبل إلا أن في (لن) تأكيدا وتشديدا ليس في (لا) فأتى بلفظ التأكيد في ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ أي في هذه الآية، ومرّة بغير لفظه في سورة الجمعة في: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾. قال الشيخ: هذا رجوع عن مذهبه-وهو أن «لن» تقتضي النفي على التأبيد-إلى مذهب الجماعة، وهو أنّها لا تقتضيه. قلت: ليس فيه رجوع، غاية ما فيه: أنه سكت عنه، وتشريكه بين (لا) و(لن) في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص (لن) بمعنى آخر. جمل. نقلا عن السّمين.\nالإعراب: ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال، ﴿يَتَمَنَّوْهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والأول أقوى. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء تاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء قدمته أيديهم، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، أي: بتقديم","vol":"1","page":257},{"text":"أيديهم، وهو ضعيف كما ترى. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ:﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو فقط.\n\n<span id=\"aya-103\"></span>﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ:﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ ولكلّ عاقل، والضمير المنصوب عائد على اليهود. ﴿أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ أي: فاليهود شديد والحرص على الحياة، ولا يتمنون الموت؛ لمعرفتهم بذنوبهم، وأنّه لا خير لهم عند الله. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: وأحرص من الذين أشركوا، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة، ولا علم لهم عن الآخرة، وكذلك المجوس، والهندوس الذين يقولون بتناسخ الأرواح، ولا حساب، ولا جزاء. والغرض من ذلك توبيخ اليهود، وتقريعهم؛ لأنّهم يعلمون: أن الحريص الشّحيح لا يدخل الجنّة، والمشركون لا يعلمون ذلك، بل ولا يعتقدون بجنّة، ولا بنار. هذا؛ والفعل: «حرص» على الشيء، يحرص، إذا رغب فيه رغبة شديدة والحرص: الجشع، والطمع. ورجل حريص: شديد البخل، وشديد المحافظة على المال. وعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أربعة من الشّقاء:\nجمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدّنيا». وخذ قول الشّاعر: [الوافر]\nوذي حرص تراه يلمّ وفرا... لوارثه ويدفع عن حماه\nككلب الصّيد يركض وهو طاو... فريسته ليأكلها سواه\nوقال آخر: [الكامل]\nاسعد بمالك في الحياة فإنّما... يبقى خلافك مصلح أو مفسد\nفإذا جمعت لمفسد لم يغنه... وأخو الصّلاح قليله يتزيّد\nوقال آخر: [البسيط]\nيفنى الحريص بجمع المال مدّته... وللحوادث والورّاث ما يدع\nكدودة القزّ ما تبنيه يهدمها... وغيرها بالّذي تبنيه ينتفع\n ﴿يَوَدُّ:﴾ يحب، ويتمنى. وأصله: يودد، والماضي: ودّ، والودّ: الحب، وهو بتثليث الواو، والودود: الكثير الحب. ﴿أَحَدُهُمْ:﴾ (أحد) أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، وإنّما يحسن في المضمومة، والمكسورة: مثل قولهم: في وجوه: أجوه، وفي وسادة: إسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري","vol":"1","page":258},{"text":"جلّ في علاه. فيقال: هو الواحد وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد: فيقال: أحد وعشرون، وواحد عشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا كما في هذه الآية، بخلاف الواحد، وقولهم: ما في الدار أحد، هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه الواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأحزاب)، وقال جلّ ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (الحاقة)، وإن أردت الزيادة فانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (الجن) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿يُعَمَّرُ:﴾ يعيش. ﴿أَلْفَ سَنَةٍ:﴾ كناية عن كثرة العدد، فليس المراد خصوص هذا العدد، وأصل ﴿سَنَةٍ:﴾ سنو، وتصغيرها سنيّة، وسنيهة، وجمعها: سنون بضم السين وكسرها، ويجمع على سنوات، وسنهات، السنة اثنا عشر شهرا، كما يطلق اسم الحول، والعام على هذه الأشهر.\n ﴿بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ:﴾ بمبعده، وفعله يكون لازما، ومتعديا، قال الشاعر في اللاّزم: [الطويل]\nخليليّ ما بال الدّجى يتزحزح... وما بال ضوء الصّبح لا يتوضّح\nوقال ذو الرّمّة في المتعدّي: [البسيط]\nيا قابض الروح عن جسم عصى زمنا... وغافر الذّنب زحزحني عن النّار\nوروى النّسائيّ عن أبي هريرة﵁قال: «من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النّار سبعين خريفا». هذا؛ واختلف في إرجاع الضمير على وجوه: أحدها: أنه عائد على (أحد) والثاني: أنه ضمير «التعمير» وقد دلّ عليه: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾. وقال الفارسي موافقا الكوفيين في قولهم: إنه ضمير الشأن: والبصريّون يأبون تفسيره بالمفرد، بل لا بدّ من جملة مصرّح بجزءيها، سالمة من حرف جرّ.\n ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي: بما يعمل هؤلاء الذين ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.\nهذا؛ وقال العلماء: وصف الله﷿نفسه بأنه ﴿بَصِيرٌ﴾ على معنى: عالم بخفيات الأمور، والبصير في كلام العرب: العالم بالشّيء، الخبير به.\nالإعراب: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، واللام واقعة في جواب القسم. (تجدنهم):\nفعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به أوّل. ﴿أَحْرَصَ:﴾ مفعول به ثان، و(﴿أَحْرَصَ﴾) مضاف، والناس مضاف إليه. ﴿عَلى حَياةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿أَحْرَصَ﴾.\nهذا؛ ويجوز في اللغة: «أحرصي الناس» على حدّ: ﴿أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ في سورة (الأنعام) رقم [١٢٣] وانظر حاشية الجمل، وجملة (﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾) جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه","vol":"1","page":259},{"text":"كلام مستأنف. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف دلّ عليه ما قبله؛ إذ التقدير: وأحرص من الذين. وذكر أبو البقاء وجها آخر، وهو أنّه على الاستئناف، وفحواه: أنّ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمبتدأ المؤخر محذوف، التقدير: ومن الذين أشركوا قوم يودّ أحدهم، وهو وجه ضعيف. ﴿أَشْرَكُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ:﴾ مضارع، وفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وجوز أن تكون حالا من الهاء في:\n (﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾) وقيل: مفسّرة للحرص، وهذا على تعليق الجار والمجرور ب ﴿أَحْرَصَ﴾ محذوفا، وأما على تعليقهما بمحذوف خبر مقدم؛ فالجملة في محل رفع صفة «قوم» المحذوف، والمعتبر مبتدأ مؤخرا. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿يُعَمَّرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿أَحَدُهُمْ﴾. ﴿أَلْفَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿أَلْفَ﴾ مضاف، و﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه، و﴿لَوْ﴾ والفعل ﴿يُعَمَّرُ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو الاستئناف. (﴿ما﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».\n ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُزَحْزِحِهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مزحزحه): خبر منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مهملة فالضمير يكون مبتدأ، والباء زائدة في خبره، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله. ﴿أَنْ يُعَمَّرَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُمْ﴾ أيضا، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محل رفع فاعل: (مزحزحه)، وهذا على اعتبار الضمير عائدا على ﴿أَحَدُهُمْ﴾ وأما على اعتباره ضمير «التّعمير» فالمصدر المؤول بدل منه؛ بدل ظاهر من مضمر، والجملة الاسمية: (﴿ما هُوَ﴾) في محل نصب حال من ﴿أَحَدُهُمْ﴾ على الوجه الأول في الضمير، ومستأنفة لا محل لها على الوجه الثاني في الضمير، وهو أقوى من الحال.\n ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿بِما﴾ متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ؛﴾ لأنه صيغة مبالغة، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء.\n ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بعملهم، والجملة الاسمية: (الله بصير) في محل نصب حال من الضمير المنصوب في (﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾) أو هي مستأنفة، وهو أولى.","vol":"1","page":260},{"text":"<span id=\"aya-104\"></span>﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ فيه خطاب للنبي ﷺ ولكلّ أحد. ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ:﴾ في (جبريل) عشر لغات. ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ:﴾ الضمير في (إنّه) يحتمل معنيين: الأول: فإنّ الله نزل جبريل على قلبك. والثاني: فإن جبريل ينزل بالقرآن على قلبك. وخصّ القلب بالذّكر؛ لأنه موضع العقل، والعلم، وتلقّي المعارف. ودلّت الآية على شرف جبريل ﵇، وذمّ معاديه. ﴿بِإِذْنِ اللهِ:﴾ بإرادته، وعلمه. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب السابقة: التوراة، والإنجيل، والضّمير يعود إلى القرآن، ولم يتقدّم له ذكر لعلمه من المقام. ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خص المؤمنين؛ لأنّهم هم المنتفعون بالقرآن، بخلاف غيرهم من المنافقين، والفاسقين، والفاجرين.\nقال ابن عباس﵄-: سبب نزول الآية: أنّ عبد الله بن صوريا-حبر من أحبار اليهود-قال للنبي ﷺ: أيّ ملك يأتيك من السّماء؟ قال: «جبريل». قال: ذاك عدوّنا، ولو كان ميكائيل؛ لآمنا بك، واتّبعناك، إنّ جبريل ينزل بالعذاب، والشّدّة، والخسف، وإنّه عادانا مرارا، وأشدّ ذلك علينا: أن الله أنزل على نبيّنا: أنّ بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له: بختنصر، فلمّا كان زمنه؛ بعثنا إليه من يقتله، فلقيه ببابل غلاما مسكينا، فأخذه ليقتله، فدفع عنه جبريل، وقال: إن كان الله أمر بهلاككم، فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو؛ فعلى أيّ حقّ تقتله؟! فلمّا كبر ذلك الغلام، وقوي؛ غزانا، وخرّب بيت المقدس، فلهذا نتخذه عدوّا.\nفأنزل الله هذه الآية. انتهى. خازن.\nوقيل: إنّ عمر﵁كان له أرض بأعلى المدينة، وكان ممرّه إليها على مدارس اليهود، فكان يجلس إليهم، ويسمع كلامهم، فقالوا له يوما: من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة؟ قال: جبريل، قالوا: ذاك عدوّنا، يطلع محمدا على سرّنا، وهو صاحب كلّ عذاب، وخسف، وشدّة، وإنّ ميكائيل يجيء بالخصب، والسلامة. فقال لهم: تعرفون جبريل، وتنكرون محمدا ﷺ، قالوا: نعم، فقال: أخبروني عن منزلة جبريل، وميكائيل من الله تعالى؟ قالوا:\nجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدوّ لجبريل، فقال عمر﵁-:\nأشهد أنّ من كان عدوّا لأحد كان عدوّا للآخر، ومن كان عدوّا لهما كان عدوّا لله، ثم رجع عمر إلى النّبيّ ﷺ، فوجد جبريل ﵇ قد سبقه بالوحي، فقرأ رسول الله ﷺ عليه هذه الآيات: وقال: لقد وافقك ربّك يا عمر! فقال﵁-: والله لقد رأيتني بعد ذلك في ديني أصلب من الحجر. خازن. بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم","vol":"1","page":261},{"text":"فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿عَدُوًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾.\n ﴿لِجِبْرِيلَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجرّ الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. وقيل: للتركيب المزجي، ولا وجه له؛ لأنّ الجزء الأول منه لم يبن على الفتح كما هو شرط التركيب المزجي، وجواب الشرط محذوف، التقدير:\nفليمت غيظا، ونحوه، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٨١] ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: حرف تفريع عمّا قبلها. (إنّه): حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿نَزَّلَهُ:﴾ فعل ماض والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أو إلى (جبريل) والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية مفرعة عمّا قبلها، وهي والجملة الاسمية: ﴿مَنْ كانَ..﴾. كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قُلْ...:﴾\nمستأنفة لا محل لها. ﴿عَلى قَلْبِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِإِذْنِ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل (نزل) المستتر؛ أي: نزله ملتبسا، أو مقرونا بإذن، و(إذن) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مُصَدِّقًا:﴾ حال من الضمير المنصوب. (﴿لِما﴾): متعلقان ب ﴿مُصَدِّقًا﴾ وانظر الآية رقم [٤١] ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، التقدير: للذي نزل بين، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف. و﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأن لفظه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على مصدقا منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَبُشْرى:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالمصدرين على التنازع، أو بمحذوف صفة لهما.\n\n<span id=\"aya-105\"></span>﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ:﴾ جاء ذكر هذين الملكين بعد ذكر الملائكة، فهو من باب ذكر الخاصّ بعد العام للتشريف، والتعظيم، والتنويه بشأنهما، ورفعة قدرهما. ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ فيه إيقاع الظاهر موقع الضمير؛ حيث لم يقل: فإنه عدو لهم؛ لتقرير ما تقدم من المعنى، وإعلام الكافرين بأن من عادى وليّا لله؛ فقد عادى الله، ومن عادى الله؛ فإنّ الله عدوّ له، ومن كان الله عدوّه؛ فقد خسر الدنيا والآخرة. ولا تنس مراعاة لفظ (﴿مَنْ﴾) بإرجاع اسم ﴿كانَ﴾ إليها، ومراعاة معناها بقوله: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾.","vol":"1","page":262},{"text":"هذا؛ و(﴿جِبْرِيلَ﴾) و(﴿مِيكالَ﴾): ملكان كريمان، بل هما ملكان من الرؤساء العشرة الذين يجب على كلّ مسلم ومسلمة أن يعرف أسماءهم، وهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنكر، ونكير، ورقيب، وعتيد، ورضوان، ومالك، ولكلّ واحد منهم عمل موكول إليه، وتحت يده وأمره جنود من الملائكة يقومون بتنفيذ ذلك.\nو(﴿جِبْرِيلَ﴾) أعجمي، فلذلك لا يتصرف، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في الأسماء الأعجمية، فجاءت فيه بثلاث عشرة لغة، أشهرها، وأفصحها: جبريل، وهي لغة أهل الحجاز، قال حسّان بن ثابت﵁-: [الوافر]\nوجبريل رسول الله فينا... وروح القدس ليس به خفاء\nوالثانية: جبريل بفتح الجيم، الثالثة: جبرئيل، كما قرأ أهل الكوفة، وأنشدوا: [الطويل]\nشهدنا فما تلقى لنا من كتيبة... مدى الدّهر إلا جبرئيل أمامها\nالرابعة: جبرألّ، الخامسة: جبرائيل. السادسة: جبرائل. السابعة: جبرائيل. الثامنة:\nجبرال، والتاسعة، والعاشرة: جبرين بكسر الجيم وفتحها، الحادية عشرة: جبرائين، الثانية عشرة: جبرأل، والثالثة عشرة: جبريل بصيغة المصغر، وقد قرئ باللغات الأربع الأولى، قال النّحاس: ويجمع جبريل على التّكسير: جباريل.\nميكال: اسم أعجمي، والكلام فيه كالكلام في جبريل، وفيه سبع لغات: ميكال بوزن مفعال، وهي لغة أهل الحجاز فيه، قال كعب بن مالك﵁-: [البسيط]\nويوم بدر لقيناكم لنا مدد... فيه مع النّصر ميكال وجبريل\nوقال آخر: [الكامل]\nعبدوا الصّليب وكذّبوا بمحمّد... وبجبرئيل وكذّبوا ميكالا\nالثانية: ميكائل، الثالثة: ميكائيل، الرابعة: ميكئيل، الخامسة: ميكئل، السادسة: ميكاييل، السّابعة: ميكاءل، وقرئ بالستة ما عدا السّابعة. وحكى الماوردي عن ابن عباس﵄-: أن جبر بمعنى عبد، وميكا بمعنى عبيد، و«إيل» اسم من أسماء الله أي: بالعبرانية، فيكون معنى جبرئيل: عبد الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله، قال: ولا نعلم لابن عباس مخالفا في ذلك. وانظر ما ذكرته في إسرافيل في الآية رقم [٤٠]. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وزاد بعض المفسرين: وإسرافيل معناه: عبد الرحمن.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مَنْ﴾.","vol":"1","page":263},{"text":"﴿عَدُوًّا﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوًّا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ:﴾\nمعطوفان على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ:﴾ معطوفان أيضا، وعلامة الجر فيهما الفتحة نيابة عن الكسرة لمنعهما من الصّرف، للعلمية، والعجمية.\n ﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.\n ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبرها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ أو بمحذوف صفة له، وقيل: جواب الشرط محذوف، كالآية السابقة، كما رأيت تقديره، والجملة الاسمية معطوفة على ذلك المحذوف، وخبر المبتدأ الذي هو مختلف فيه، كما رأيت فيما تقدم. هذا؛ واعتبار (﴿مَنْ﴾) موصولة في هذه الآية، وسابقتها رقم [٨١] ضعيف والجملة الاسمية: ﴿مَنْ كانَ..﴾. إلخ فهي بمنزلة التوكيد للآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-106\"></span>﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩)﴾\nالشرح: المعنى أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات، دالاّت على نبوّتك. وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمّنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم، وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم، وأواخرهم، وما بدّلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع الله في كتابه الذي أنزله على نبيّه محمد ﷺ، فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه، ولم يدعهم إلى تبديلها، وإنكارها إلا الحسد، والبغي. والآية الكريمة نزلت ردا على ابن صوريا، وغيره من أحبار اليهود الذين قالوا: ما أنزل في التوراة في شأن محمد ﷺ من شيء.\n ﴿وَما يَكْفُرُ بِها:﴾ بالآيات الموجودة في القرآن الكريم، وفي التوراة الصحيحة قبل التحريف، والتبديل. ﴿إِلاَّ الْفاسِقُونَ:﴾ الكافرون، والفاجرون الخارجون عن طاعة الله، وطاعة رسله.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، واللام: واقعة في جواب القسم. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، انظر الآية رقم [٦٥]. ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ صفة الآيات، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يَكْفُرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْفاسِقُونَ:﴾ فاعل. ﴿يَكْفُرُ:﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (﴿ما يَكْفُرُ﴾) في محل نصب حال من ﴿آياتٍ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وساغ ذلك؛ لأن ﴿آياتٍ﴾","vol":"1","page":264},{"text":"وصفت، فتخصّصت، وقال في روح المعاني: الجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم.\nوالأول أقوى فيما يظهر لي، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-107\"></span>﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾\nالشرح: (﴿أَوَ﴾): الواو حرف عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام، كما دخلت على الفاء في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ وغيرها كثير، وكما دخلت على ثمّ كقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ﴾ هذا قول سيبويه، وقال الأخفش: زائدة. ومذهب الكسائي: أنها (﴿أَوَ﴾) تحركت الواو منها تسهيلا، وقرأها قوم: («أو») ساكنة الواو، فتجيء بمعنى «بل». وقال ابن عطية: وهذا تكلّف، والصحيح قول سيبويه. وانظر ما ذكرته في ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٤٤] فإنّه جيد. (﴿كُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾): انظر الآية رقم [٢٧] ففيها الكفاية، والمعنيّ في الآية: مالك بن الصّيف من أحبار اليهود، كان قد قال: والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمّد، ولا ميثاق:\nفنزلت هذه الآية الكريمة، وكانوا يقولون قبل مبعث النبي ﷺ: لئن خرج محمّد لنؤمننّ به، ولنكوننّ معه على مشركي العرب، فلمّا بعث ﷺ؛ كفروا به. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٩] فإنّه جيد، وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين النّبي ﷺ وبين اليهود، فنقضوها، كفعل قريظة، والنضير، وقينقاع، ودليله قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٦]: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾. ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ النبذ: الطرح، والإلقاء، ومنه: النبيذ، والمنبوذ، وقال أبو الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-: [الطويل]\nوخبّرني من كنت أرسلت إنّما... أخذت كتابي معرضا بشمالكا\nنظرت إلى عنوانه فنبذته... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا\nوقال آخر: [الكامل]\nإنّ الّذين أمرتهم أن يعدلوا... نبذوا كتابك واستحلّوا المحرّما\nهذا؛ وسمّي اللّقيط منبوذا؛ لأنّه ينبذ على الطريق، وهو مثل يضرب لمن استخف بالشّيء، فلا يعمل به. تقول العرب: اجعل هذا خلفك، ودبرا منك، وتحت قدمك، أي: اتركه، وأعرض عنه. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ رقم [٩٢] من سورة (هود) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ أي بل أكثر اليهود لا يؤمنون الإيمان الصّادق بالله، ولا بالتّوراة، ولا بالرّسل، لذلك ينقضون العهود، والمواثيق.\nالإعراب: (﴿أَوَ﴾): الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف عطف على المعتمد. (﴿كُلَّما﴾): كلّ: ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما","vol":"1","page":265},{"text":"ترابط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿عاهَدُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿عَهْدًا:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف؛ إذ التقدير: عاهدوا الله عهدا، و(ما) والفعل: ﴿عاهَدُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت عهد، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللّذان سببا الظّرفية ل (كل). انظر مبحث: «كلّما» في كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى (وقت) أيضا، والمدرّسون يقولون: أداة شرط غير جازمة، ولا يعرفون هذا الإعراب، والتّفصيل. ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية جواب (﴿كُلَّما﴾) لا محل لها، ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقٌ﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع المتعلّق المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ﴿فَرِيقٌ﴾ عطف مفرد على مفرد، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ والرابط:\nالضمير فقط، وقال ابن عطية: في محل نصب حال من الضمير في: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ انتهى جمل.\nو(﴿كُلَّما﴾) ومدخولها معطوف على الجملة الواقعة جوابا للقسم في الآية السابقة أو هو مستأنف لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-108\"></span>﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: اليهود ﴿رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ:﴾ هو محمّد ﷺ جاء مصدقا للتّوراة، وموافقا لها في أصول الدّين، ومقرّرا لنبوّة موسى، وهارون، ﵉. ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ﴾ أي: طرح اليهود التوراة، وأعرضوا عنها، وعن العمل فيها؛ لأنها تدلّ على نبوّة محمّد ﷺ، فجحدوا نبوّته، وأنكروا رسالته. قيل:\nإنّهم أدرجوها في الحرير، وحلوها بالذّهب، ولم يعملوا بما فيها، وكذلك المسلمون في هذه الأيام يتنافسون في تزويق المصحف، وتزيينه، والعمل بما فيه قليل، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم! ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنّهم نبذوا كتاب الله، ورفضوه عن علم به، ومعرفة، وإنّما حملهم على ذلك عداوة النّبيّ ﷺ، وحسدهم له، وحقدهم عليه، فشبّهوا بمن لا يعلم؛ إذ فعلوا فعل الجاهل.\nهذا؛ و(﴿الْكِتابَ﴾) في اللغة: الضمّ، والجمع، وسمّيت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطّة واحدة، كما سمي الكاتب: كاتبا؛ لأنه يضمّ الكلام بعضه إلى","vol":"1","page":266},{"text":"بعض، ويجمعه، ويرتّبه. وفي الاصطلاح: اسم جملة مختصّة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا، ورحم الله من يقول: [الطويل]\nلنا جلساء ما يملّ حديثهم... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا\nيفيدوننا من علمهم علم ما مضى... وعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا\nفإن قلت أحياء فما أنت كاذب... وإن قلت أموات فلست مفنّدا\nوإنّي أتمثّل بقول آخر: [الخفيف]\nما تطعّمت لذّة العيش حتّى... صرت للبيت والكتاب جليسا\nليس عندي شيء ألذّ من ال... علم فلم أبتغي سواه أنيسا\nإنّما الذّلّ في مخالطة النّا... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا\nورحم الله من يقول: [الطويل]\nوقائلة أتلفت في الكتب ما حوت... يمينك من مال فقلت دعيني\nلعلّي أرى فيها كتابا يدلّني... لأخذ كتابي في غد بيميني\nورحم الله من يقول: [الوافر]\nكتابي فيه بستاني وروحي... ومنه سمير نفسي والنّديم\nيسالمني وكلّ النّاس حرب... ويسليني إذا عرت الهموم\nويحيي لي تصفّح صفحتيه... كرام النّاس إن فقد الكريم\nإذا اعوجّت عليّ طريق قومي... فلي فيه طريق مستقيم\nوبالجملة: فالكتاب هو نعم الذّخر، والعدّة، والشّغل، والحرفة، جليس لا يضرّك، ورفيق لا يملّك، يطيعك باللّيل طاعته بالنّهار، ويطيعك في السّفر طاعته في الحضر، إن ألفته؛ خلّد على الأيّام ذكرك، وإن درسته؛ رفع بين الخلائق قدرك.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السّراج، والفارسي، وابن جنّي، وجماعة، تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوّب ابن هشام الأوّل، والمشهور الثاني. ﴿جاءَهُمْ رَسُولٌ:﴾ ماض، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جرّ بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى","vol":"1","page":267},{"text":"اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب ﴿رَسُولٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة ثانية، ﴿لَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقٌ﴾ وانظر الآية رقم [٤١]. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة جواب (لمّا) لا محلّ لها، و﴿لَمّا﴾ ومدخولها معطوف على (﴿كُلَّما﴾) ومدخولها على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقٌ﴾ أو بمحذوف صفة. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿كِتابَ﴾ مفعول به ل ﴿نَبَذَ،﴾ و﴿كِتابَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَراءَ:﴾\nظرف مكان متعلق ب ﴿نَبَذَ،﴾ و﴿وَراءَ﴾ مضاف، و﴿ظُهُورِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (كأنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿فَرِيقٌ﴾ وساغ ذلك لتخصصه بالوصف، والرابط الضمير فقط، وصح ذلك؛ لأنّ ﴿فَرِيقٌ﴾ بمعنى القوم، أو الجماعة، أو هي في محل رفع صفة ثانية له.\n\n<span id=\"aya-109\"></span>﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾ أي: اليهود. ﴿ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ:﴾ تحدّث، وتروي، من التّلاوة بمعنى: القراءة، أو من التلاوة بمعنى الاتّباع، فصار له معنيان، القراءة، والاتّباع. ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ:﴾ على عهد سليمان. ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ:﴾ نقل المرحوم سليمان الجمل عن السّدي ما يلي: كانت الشياطين تسترق السمع، فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت، وغيره، فيأتون الكهنة، ويخلطون بما يسمعون في كلّ كلمة سبعين كذبة، ويخبرونهم بها، فاكتتب الناس ذلك، وفشا في بني إسرائيل: أنّ الجنّ تعلم الغيب، فبعث سليمان في النّاس،","vol":"1","page":268},{"text":"وجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق، ودفنها تحت كرسيّه، وقال: لا أسمع أنّ أحدا يقول:\nإنّ الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه، فلمّا مات سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-وذهب العلماء الذين يعرفون أمر سليمان، ودفنه الكتب، وخلف من بعدهم خلف، تمثّل لهم الشيطان على صورة إنسان، فأتى نفرا من بني إسرائيل، فقال لهم: هل أدلّكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسيّ، فذهب معهم، وأراهم المكان، وأقام في ناحية، فقالوا: ادن، فقال: ولكنني هاهنا، فإن لم تجدوه؛ فاقتلوني، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق، فحفروا، وأخرجوا تلك الكتب. فقال الشيطان: إنّ سليمان كان يضبط الجنّ، والإنس، والشياطين، والطّيور، والرّياح وغير ذلك، ويحكم فيهم بهذا، ثمّ طار الشيطان، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، وأخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلذلك كان أكثر ما يوجد من السّحر في اليهود، فلمّا جاء سيدنا محمد ﷺ برأ الله سليمان من ذلك، وأنزل تكذيبا لمن زعم ذلك: ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ..﴾. إلخ انتهى.\n ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ أي: ما كان سليمان ساحرا، ولا كفر بتعلّمه السّحر. وفيه تنزيه سليمان عن السّحر ﴿وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أنّهم كفروا باتّخاذهم السّحر، وتعليمهم النّاس. هذا؛ والسّحر كل ما لطف ودقّ. يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدقّ عليه، ويخفى.\nقال الغزاليّ في الإحياء ما نصّه: السّحر نوع يستفاد من العلم بخواصّ الجواهر، وبأمور حسابيّة في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشّخص المسحور، ويترصّد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفّظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشّياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشّخص المسحور. هذا؛ وسمّي الأكل في اللّيل سحورا؛ لأنه يقع خفيّا آخر اللّيل، والسّحر بفتح الحاء: الرّئة، وسميت بذلك لخفائها، ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن، كما قال أبو جهل الخبيث يوم بدر لعتبة: انتفخ السّحر، أي انتفخت رئته من الخوف، وقالت عائشة﵂-: توفي رسول الله ﷺ بين سحري، ونحري. ﴿فِتْنَةٌ:﴾ ابتلاء، واختبار من الله للنّاس، فمن تعلمه كفر، ومن تركه؛ فهو مؤمن، والفتنة: المحنة، والاختبار، ومنه قول الشاعر: [المتقارب]\nوقد فتن النّاس في دينهم... وخلّى ابن عفّان شرّا طويلا\nهذا؛ والمعتمد: أنّ تعلّمه لدفع الضرر عن نفسه، وعن غيره، أو اتّخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله؛ بقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار أحد. انتهى من أبي السعود بتصرف، وقد ذكر ذلك البخاريّ في باب الطّبّ، انظر القسطلاني في شرح البخاريّ.","vol":"1","page":269},{"text":"هذا؛ وبعضهم يعتبر السّحر من الكبائر التي نهى الله عنها، ويرى تحريمه، من ذلك ما روي عن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قيل:\nيا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الإشراك بالله، والسّحر، وقتل النفس الّتي حرّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنى، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».\nأخرجه البخاريّ، ومسلم، ويروى: «أكل الربا» بدل «الزنى». وأيضا ما روي عن جابر بن عبد الله﵄عن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنا، أو ساحرا، فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمّد ﷺ». رواه بإسناد جيّد قويّ.\n ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما:﴾ من الملكين. ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ:﴾ بالسّحر. ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ:﴾ الرّجل، وضم الميم فيه لغة تقول: هذا مرء صالح، وهما مرءان، وجمعه رجال من غير لفظه، والمؤنثة:\nامرأة، والمثنى: امرأتان، وجمعها من غير لفظه نساء. ﴿وَما هُمْ﴾ أي: السّحرة ﴿بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بإرادته، وقضائه، لا بأمره؛ لأنّ الله لا يأمر بالفحشاء، ويقضي على الخلق بها.\n ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ﴾ أي: في الغالب بسبب استعماله في إيذاء الناس. ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: في الآخرة، إن أخذوا على استعماله دريهمات في الدّنيا؛ فلا قيمة لها بجانب الضّرر الذي يلحقهم في الآخرة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ:﴾ اختاره صنعة، أو استبدله بكتاب الله. ﴿ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ:﴾ من نصيب. ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: البديل الذي استبدلوا به من السّحر عوضا من الإيمان، ومتابعة الرّسول ﷺ، ولو كان لهم علم بما وعظوا به؛ لاتّعظوا، وانتفعوا. وهذا جار على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة من أنّ العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزّل منزلة الجاهل به، وينفى عنه العلم، كما ينفى عن الجاهلين، والحكمة من تعليم الملكين النّاس السّحر: أن السحر كثر في ذلك الزّمن واخترعوا فنونا غريبة من السّحر، وربما زعموا: أنّهم أنبياء، فبعث الله تعالى الملكين؛ ليعلما النّاس وجوه السحر؛ حتّى يتمكّنوا من التمييز بينه، وبين المعجزة، ويعرفوا:\nأنّ الذين يدّعون النّبوة كذبا إنّما هم سحرة، لا أنبياء.\nتنبيه: روى الترمذيّ عن جندب الأزديّ﵁-: أنّه قال: قال رسول الله ﷺ:\n «حدّ السّاحر ضربه بالسّيف». وقد روي من طرق متعدّدة: أن الوليد بن عقبة، كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرّجل، ثم يصيح به، فيرد إليه الرأس. فقال النّاس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب السّاحر يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرّجل سيفه، وضرب به عنق السّاحر، وقال: إن كان صادقا فليحيي نفسه، وتلا قول الله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فغضب الوليد؛ إذ","vol":"1","page":270},{"text":"لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثمّ أطلقه. روى الشّافعي، وأحمد بن حنبل عن عمرو بن دينار: أنّه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب﵁-: أن اقتلوا كلّ ساحر، وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. أخرجه البخاريّ في صحيحه. وصحّ: أنّ حفصة زوج النبيّ ﷺ سحرتها جارية لها، فأمرت بها، فقتلت. انتهى. مختصر ابن كثير.\nأقول: وما يفعله ضراب الشّيش، وآكلو الحيّات، والعقارب، والّذين يقتحمون النّار، ويفعلون ما يفعلون من الخزعبلات، والشّعوذات؛ فقتلهم جائز شرعا، بل واجب، ولكن اتقاء للفتن تركهم، والابتعاد عنهم أولى في هذه الأيام، وحسابهم على الله تعالى. هذا؛ وروى سفيان عن عمّار الدّهني: أنّ ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل، ويدخل في است الحمار، ويخرج من فيه، فاشتمل له جندب على السّيف فقتله، هذا هو جندب بن كعب الأزدي، ويقال: الجبلي، وهو الذي قال في حقّه النبي ﷺ: يكون في أمّتي رجل، يقال له:\nجندب، يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحقّ، والباطل، فكان يرونه جندبا هذا قاتل السّاحر، وهذه الرواية غير الرواية الأولى.\nهذا؛ وقال العلماء: لا ينكر أن يظهر على يد السّاحر خرق العادات، مما ليس في مقدور البشر من مرض، وتفريق، وحبّ، وبغض، وزوال عقل، وغير ذلك، قالوا: ولا يبعد في السّحر أن يستدقّ جسم الساحر؛ حتّى يتولج في الكوات الضّيقة، والجري على حبل، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وغير ذلك، ومع ذلك فلا يكون السّحر موجبا لذلك، ولا علّة لوقوعه، ولا يكون السّاحر مستقلاّ به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء، ويحدثها عند وجود السّحر، كما يخلق الشّبع عند الأكل، والرّي عند شرب الماء. انتهى قرطبي.\nتنبيه: (بابل): المشهور: أنّه بلد من سواد العراق، سمّي بذلك لتبلبل الألسنة فيه، وذلك:\nأنّ الله أمر ريحا، فحشرت الخلق لهذه الأرض، فلم يدر أحد ما يقول الآخر، ثمّ فرقتهم الرّيح في البلاد يتكلّم كلّ واحد بلغة. والبلبلة: التّفرقة، وقيل: لمّا أهبط الله نوحا-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-بعد الطوفان بنى قرية، وسماها ثمانين، فأصبح ذات يوم، وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها: اللسان العربي، وكان لا يفهم بعضهم على بعض. وقيل:\nسمّيت بذلك؛ لتبلبل ألسنة الخلق عند سقوط صرح نمرود. انتهى سمين. والله أعلم بالحقيقة.\nوهاروت، وماروت سريانيان، ويجمعان على: هواريت، ومواريت، مثل: طواغيت، وهو جمع: طاغية، ويجمعان على: هوارية، وموارية، وهوار، وموار، وليسا مشتقين من الهرت، والمرت لعدم انصرافهما، ولو كانا مشتقّين كما ذكر؛ لانصرفا.\nتنبيه: لقد ذكر المفسّرون في هاروت، وماروت قصصا، وحكايات هي أقرب إلى الخرافات منها إلى الحقيقة، فأعرض عنها، وعن ذكرها لتفاهتها، واكتف بما ذكره البيضاوي،","vol":"1","page":271},{"text":"رحمه الله تعالى، قال: هما ملكان أنزلا لتعليم السّحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزا بينه وبين المعجزة، وما روي أنّهما بشرين، وركب فيهما الشهوة، فتعرضا لامرأة يقال لها: زهرة، فحملتهما على المعصية، والشرك، ثمّ صعدت إلى السّماء بما تعلّمت منهما؛ فمحكيّ عن اليهود، ولعلّه من رموز الأوائل، وحلّه لا يخفى على ذوي البصائر. وقيل: هما رجلان سمّيا ملكين باعتبار صلاحهما، ويؤيّده قراءة («الملكين») بالكسر! انتهى. وقال الجمل: وقيل: إنّهما أنزلا لتعليم السحر للتمييز بينه وبين المعجزة، لئلا يغترّ به الناس، وذلك: أنّ السحرة كثروا في ذلك الزمان، واستنبطوا أبوابا غريبة من السّحر وكانوا يدّعون النبوة، فبعث الله هذين الملكين؛ ليعلّما الناس أبواب السحر؛ حتّى تمكّنوا من معارضة أولئك الكذّابين، وإظهار النّاس على أمرهم. انتهى. هذا؛ وحديث هاروت، وماروت رواه الإمام أحمد، وابن حبّان في صحيحه عن ابن عمر﵄-، عن النبيّ ﷺ وهو موجود في كتاب التّرغيب، والترهيب، في باب شرب الخمر، والله أعلم.\nهذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-بعد أن ذكر ما نسب إلى ابن عباس، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسّدي، والكلبيّ، ﵏ جميعا-: هذا كلّه ضعيف، وبعيد، ولا يصحّ منه شيء، فإنّه قول تدفعه الأصول في الملائكة، الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. وقال جلّ ذكره:\n ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ انتهى باختصار.\nالإعراب: (﴿اِتَّبَعُوا﴾): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل. ﴿الشَّياطِينُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: اتبعوا الذي، أو شيئا تتلوه الشّياطين. ﴿عَلى مُلْكِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، وملك مضاف، و﴿سُلَيْمانَ﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة عوضا عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون، وقيل: للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا..﴾. معطوفة على جملة: «نبذ» في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾\nالواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كَفَرَ سُلَيْمانُ:﴾ ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من سليمان، والرابط: الواو، وإعادة لفظ ﴿سُلَيْمانَ﴾ للتعظيم، والتفخيم، وهو قائم مقام إضماره.\n ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف استدراك يقرأ بالتّشديد، والتّخفيف.\n ﴿الشَّياطِينُ:﴾ اسم (﴿لكِنَّ﴾) وهو مبتدأ على رفعه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف","vol":"1","page":272},{"text":"خبر: ﴿الشَّياطِينُ﴾ على الوجهين، والجملة الاسمية ﴿وَلكِنَّ..﴾. معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿الشَّياطِينُ﴾ والعامل في الحال (﴿لكِنَّ﴾) لما فيها من رائحة الفعل. وقيل: هي في محل رفع خبر ثان ل ﴿الشَّياطِينُ﴾. وقيل: هي بدل من جملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ أبدل الفعل من الفعل، وقيل: هي مستأنفة، وهو وجه ضعيف. ﴿وَما:﴾ معطوفة على السّحر، الذي هو مفعول ثان، وتحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السّكون في محل نصب. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، أو الرابط. ﴿عَلَى الْمَلَكَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجرّ الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد ﴿بِبابِلَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿أُنْزِلَ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ وهو أقوى، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿هارُوتَ:﴾ عطف بيان، أو بدل بعض من كل من الملكين، مجرور وعلامة جرّه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة، وما بعده معطوف عليه.\nهذا؛ وقال القرطبي: (﴿ما﴾) نفي، والواو للعطف على قوله: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشّياطين كفروا، يعلمون النّاس السّحر ببابل هاروت، وماروت. ثم قال: هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل، وأصحّ ما قيل فيها. انتهى. وهذا يعني: أنّ نائب فاعل ﴿أُنْزِلَ﴾ لا مرجع له، ويجب تقديره كما يلي: أو ما نزل على الملكين شيء، وهذا تكلف، وتعسف، كما هو واضح.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يُعَلِّمانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾\nمفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف، التقدير: وما يعلمان السحر أحدا، منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجرّ الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمَلَكَيْنِ،﴾ والرابط الواو وألف الاثنين، وقيل: معطوفة على ما قبلها، وهو غير وجيه كما هو ظاهر. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة.\n ﴿يَقُولا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَقُولا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾. والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُعَلِّمانِ،﴾ ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿نَحْنُ فِتْنَةٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: إذا","vol":"1","page":273},{"text":"عرفت ما نقول؛ فلا... (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جواب للشرط المقدر ب «إذا».\n (﴿يَتَعَلَّمُونَ﴾): فعل مضارع والواو فاعله. ﴿مِنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالاّن على التثنية. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُفَرِّقُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿الْمَرْءِ﴾ مضاف إليه. (﴿زَوْجِهِ﴾):\nمعطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ..﴾. صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: (﴿يَتَعَلَّمُونَ﴾) قال سيبويه:\nالتقدير: فهم يتعلمون. قال: ومثله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقيل: هو معطوف على موضع (﴿ما يُعَلِّمانِ﴾) لأن قوله: ﴿وَما يُعَلِّمانِ﴾ وإن دخلت عليه ما النافية فمضمّنه الإيجاب في التعليم، وقال الفرّاء:\nهي مردودة على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ،﴾ ويكون: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ متصلة بقوله: ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ فيأتون، فيتعلمون، وهذا يعني: أنّ الجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (﴿ما﴾)، ﴿بِضارِّينَ:﴾ الباء: حرف صلة، (ضارين):\nخبر (﴿ما﴾) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وإن اعتبرت: (﴿ما﴾) مهملة تميمية؛ فالضمير مبتدأ، و(ضارين): خبره مجرور لفظا مرفوع محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان ب (ضارّين) والهاء عائدة على: (﴿ما﴾) المكنى بها عن السحر. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ مفعول به ل (ضارين) لأنه جمع اسم فاعل، فهو مجرور لفظا منصوب محلا، وفاعل (ضارين) مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، وصاحب الحال الضمير المستتر ب (ضارين) أو ﴿أَحَدٍ﴾ وجاز مجيء الحال منه لتقدّم النفي عليه، أو هو الضمير المجرور محلاّ بالباء، و(إذن): مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ:﴾ معطوفة على جملة: (﴿يَتَعَلَّمُونَ﴾) السابقة على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿ما:﴾ مفعول به، وتحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَضُرُّهُمْ:﴾ مضارع، ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ:﴾ معطوفة عليها.\n ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا:﴾ الواو حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية","vol":"1","page":274},{"text":"جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وانظر الآية رقم [٦٥] ﴿لَمَنِ:﴾ اللام: لام الابتداء معلقة للفعل (علم) عن العمل لفظا. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِشْتَراهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد. والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿ما:﴾\nنافية. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر نفسه، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يقول:\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿خَلاقٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: نعت النكرة إذا تقدّم عليها؛ صار حالا. وهذا لا يجيزه كثير من النّحويين؛ لأن الحال هيئة فاعل أو مفعول. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿خَلاقٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ﴿لَمَنِ﴾ في محل نصب سدّت مسد مفعولي: ﴿عَلِمُوا﴾ المعلّق عن العمل بسبب لام الابتداء.\n ﴿وَلَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، واللام: واقعة في جواب القسم (بئس ﴿ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾): انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٩٠] والمخصوص بالذّم محذوف، التقدير: هو علم السحر، والقسم وجوابه كلام مستأنف، أو هو معطوف على ما قبله، لا محل له على الاعتبارين.\n ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه. ﴿يُعَلِّمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لو كانوا يعلمون؛ ما تعلّموا، وانظر الآية التالية. ﴿وَلَوْ﴾ مدخولها كلام معترض في آخر الكلام، مفاده توكيد الذم لشرائهم.\n\n<span id=\"aya-110\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ..﴾. أي: ولو أنّ اليهود، وغيرهم الذين يتعلّمون السحر آمنوا بالله، وخافوا عقابه، فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله، واتّباع كتب الشياطين ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾ أي: لأثابهم الله ثوابا أفضل ممّا شغلوا به أنفسهم من السحر الذي لا يعود عليهم إلا بالويل، والخسار والدمار. والمراد بالعنديّة المجاز عن إثابتهم. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ انظر الآية السابقة ففيها الكفاية.","vol":"1","page":275},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع. وفيه قولان: أحدهما: وهو قول سيبويه: أنه في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف، التقدير: ولو إيمانهم ثابت، والثاني: وهو قول المبرّد في أنه في محل رفع بالفاعلية، رافعه محذوف، تقديره:\nولو ثبت، أو حصل إيمانهم، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدّر، والفعل المقدر وفاعله جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، هذا؛ وقال البيضاوي، والنسفي تبعا للزمخشري: والمعنى: لأثيبوا من عند الله ما هو خير، وأوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب (لو) لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة، واستقرارها، وهذا يعني: أن الجملة الاسمية الآتية هي جواب (لو) وهو مفاد كلام أبي البقاء أيضا، وقال الجلال: جواب (﴿لَوْ﴾) محذوف دل عليه: ﴿لَمَثُوبَةٌ،﴾ واللام جواب قسم محذوف، ثم ابتدأ لمثوبة من عند الله خير، وتكون الجملة جواب القسم المقدر.\nوقال ابن هشام في المغني: والأولى أن يقدر الجواب محذوفا، أي: لكان خيرا لهم، أو أن يقدر (﴿لَوْ﴾) بمنزلة (ليت) في إفادة التمني، فلا تحتاج إلى جواب. أقول: وتبقى الجملة الاسمية جواب القسم المقدر، وتكون الجملة القسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب (مثوبة) أو بمحذوف صفة لها، و(عند) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب (﴿لَوْ﴾)، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره مع تقدير المفعول كما يلي: لو كانوا يعلمون: أنه خير؛ لما آثروه.\n\n<span id=\"aya-111\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾\nالشرح: سبب نزول هذه الآية: أن المسلمين كانوا يقولون: راعنا يا رسول الله! من المراعاة، أي: أرعنا سمعك، وفرّغه لكلامنا، وكانت هذه اللّفظة سبّا قبيحا بلغة اليهود اللؤماء، ومعناها عندهم: اسمع، لا سمعت. وقيل: من الرعونة، فإذا أرادوا أن يحمّقوا إنسانا؛ قالوا:\nراعنا، يعني: أحمق، فلمّا سمعت اليهود هذه الكلمة من المسلمين، قالوا فيما بينهم: كنا نسبّ محمدا سرّا، فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه، ويقولون: راعنا يا محمد! ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ﵁ففطن لها، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: لئن سمعتها","vol":"1","page":276},{"text":"من أحد منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه! فقالوا: أو ألستم تقولونها؟! فأنزل الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله ﷺ. انتهى. خازن. هذا ومثل هذه الآية في مغزاها، ومعناها قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٦] ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾. ﴿وَقُولُوا انْظُرْنا﴾ قال مجاهد: المعنى:\nفهمنا، وبين لنا. وقيل: المعنى انتظرنا، وتأنّ بنا. قال علقمة الفحل: [الطويل]\nفإنّكما إن تنظراني ساعة... من الدّهر ينفعني لدى أمّ جندب\nوقرأ الأعمش وغيره: («أنظرنا») بقطع الألف وكسر الظاء، بمعنى: أخّرنا، وأمهلنا حتى نفهم عنك، ونتلقّى منك، قال عمرو بن كلثوم في معلقته: [الوافر]\nأبا هند فلا تعجل علينا... وأنظرنا نخبّرك اليقينا\n ﴿وَاسْمَعُوا:﴾ أي: ما تؤمرون به، وأطيعوا نهي الله تعالى عباده المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ: راعنا؛ لئلا يتطرّق أحد إلى شتمه. وأمرهم بتوقيره، وتعظيمه، وأن يتخيّروا لخطابه ﷺ من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أدقّها، وإن سألوه؛ يسألوه بتبجيل، وتعظيم، ولين، ولا يخاطبوه بما يسرّ اليهود الخبثاء اللّؤماء.\nففي الآية الكريمة دلالة على النّهي الشديد، والتّهديد، والوعيد على التشبّه بالكفار في أقوالهم، وأفعالهم، ولباسهم، وأعيادهم، وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم؛ التي لم تشرع لنا، ولا نقرّ عليها. قال رسول الله ﷺ: «من تشبّه بقوم فهو منهم». أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود عن ابن عمر، ﵄.\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس منّا من تشبّه بغيرنا، لا تشبّهوا باليهود، ولا بالنصارى، فإنّ تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النّصارى الإشارة بالأكف». رواه الترمذي.\nتنبيه: نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان. وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن، وهذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة بالنداء الدال على الإقبال عليهم أن يتلقى المخاطبين. ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة، والامتثال، وإنما خصّهم الله بالنداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عمّا نهى عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من","vol":"1","page":277},{"text":"المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (أيّ) وانظر الآية رقم [٢١] وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿راعِنا:﴾ فعل صيغته أمر، وهو التماس هنا، مبني على حذف حرف العلة وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» و(نا): مفعوله والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَقُولُوا:﴾\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿اُنْظُرْنا:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت» و(نا) مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿اِسْمَعُوا﴾) معطوفة على جملة: (﴿قُولُوا﴾) لا محل لها مثلها. ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ انظر الآية السابقة رقم [٩٠].\n\n<span id=\"aya-112\"></span>﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿ما يَوَدُّ:﴾ ما يحبّ. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ:﴾ المراد بأهل الكتاب: اليهود، والنصارى والمراد بالمشركين: عبدة الأوثان، وهذا يدلّ على أنّه يقال لليهود، والنصارى، كفار، هذا؛ و﴿أَهْلِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزّوجة، وعلى الأتباع أيضا، والجمع:\nأهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى في سورة (التّحريم): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.\n ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ المراد بالخير، الوحي الذي ينزل بالقرآن، والهدى، هذا؛ والخير يكون بمعنى المال، كما في قوله تعالى في سورة (العاديات): ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ويكون بمعنى: الطعام، كما في قوله تعالى في حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص) رقم [٢٤]:\n ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ،﴾ ويكون بمعنى: القوة، كما في قوله تعالى في سورة (الدخان) رقم [٣٧]: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ويكون بمعنى: العبادة، والطّاعة، كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾ ويكون بمعنى المطر، قال الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢٠٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nسقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت... لهم فلا زال عنها الخير مجدودا","vol":"1","page":278},{"text":"﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ:﴾ نبوته، وتوفيقه، وهدايته. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يعني: أنّ كل خير يناله عباده في دينهم، ودنياهم، فإنّه منه تعالى تفضّلا عليهم من غير استحقاق منهم لذلك، بل له الفضل، والمنّة على خلقه. انتهى خازن.\nهذا؛ وذكر الجمل: أنّ الفعل: «يختص» يستعمل متعديا، ولازما، فعلى الأول فاعله مستتر فيه، والموصول بصلته في محل نصب على المفعولية، والمعنى: والله يخصّ، وعلى الثاني الفاعل هو الموصول بصلته، والمعنى: والله يتميّز برحمته من يشاء الله تمييزه. انتهى. ولم أجده لغيره في كتب اللّغة، هذا؛ وهذه الجملة مذكورة في سورة (آل عمران) رقم [٧٤].\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَوَدُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الاسم الموصول و﴿أَهْلِ:﴾\nمضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿الْمُشْرِكِينَ:﴾ معطوف على ﴿أَهْلِ الْكِتابِ﴾ مجرور مثله، وجوّز النّحاس عطفه على الموصول، لكن لم يقرأ أحد بالواو والنّون، ﴿أَنْ يُنَزَّلَ:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿خَيْرٍ:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَوَدُّ﴾ وجملة: ﴿ما يَوَدُّ:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٍ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَخْتَصُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾).\n ﴿بِرَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف المخاطب، والرابط الواو فقط. وقال صاحب روح المعاني: ابتدائية، ولا وجه له، وقيل: مستأنفة، وهو غير مسلم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ﴾ لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي يشاؤه.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿اللهُ﴾): مبتدأ، ﴿ذُو:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه من الأسماء الخمسة. و﴿ذُو:﴾ مضاف، و﴿الْفَضْلِ:﴾ مضاف إليه، ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة الفضل، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ ذُو﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال.","vol":"1","page":279},{"text":"<span id=\"aya-113\"></span>﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿ما نَنْسَخْ:﴾ النّسخ في اللغة: إزالة الصّورة عن الشيء، وإثباتها في غيره، وفي الشرع: انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي، فكان تبديلا في حقّنا، بيانا في حقّ صاحب الشّرع.\nوسبب نزول هذه الآية: أن اليهود قالوا: إنّ محمدا يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا، ويرجع عنه غدا، ما يقول إلاّ من تلقاء نفسه، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ رقم [١٠١] من سورة (النّحل)، فأنزل الله ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فبيّن بهذه الآية وجه الحكمة في النّسخ، وأنّه من عنده لا من عند محمد ﷺ.\nهذا؛ وبعض المفسرين يقول: إن المشركين في مكّة هم الذين عابوا النّسخ، وطعنوا فيه.\nوهذا غير وجيه؛ لأن مكّة لم يحصل فيها نسخ، ولا تبديل، ولا تغيير، والسبب في ذلك: أنّ مكة لم تنزل فيها آيات الأحكام، ومهمّة الرسول ﷺ في مكة كانت مقصورة على التّوحيد، والإيمان بالبعث، والنشر، والحساب، والجزاء. واليهود أنكروا النّسخ كفرا، وعنادا، فإنه ليس في العقل ما يدلّ على امتناع النّسخ في أحكام الله تعالى، كما أنه يفعل ما يريد، ولا يسأل عما يفعل مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدّمة، وشرائعه الماضية، كما أحلّ لآدم ﵇ تزويج بناته من بنيه، ثمّ حرم ذلك بشريعة نوح، وكما أباح لنوح ﵇ بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثمّ نسخ بعضها، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل، وبنيه، ثم حرّم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، وأمر إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وهم يعترفون بذلك، ويصدفون عنه، عليهم لعائن الله في الدنيا والآخرة!\nهذا والنّسخ على أنواع: منها نسخ الأثقل إلى الأخف، كآية المصابرة المذكورة في سورة الأنفال رقم [٦٦]: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فإنّها نسخت حكم ما قبلها، وكالذي كان على المؤمنين من نسخ قيام اللّيل، كما هو في آخر سورة المزمّل، ومنها نسخ الأخف إلى الأثقل، والأكمل في الثواب، والأجر، كالذي كان على المسلمين من صيام أيام معدودات في كلّ شهر، وصيام يوم عاشوراء، فنسخ ذلك بفريضة صيام رمضان، ونسخ المثل بمثله ثقلا وخفة، كنسخ التوجّه إلى بيت المقدس، وصرفه إلى المسجد الحرام، وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى كما رأيت في سورة المجادلة رقم [١٢] ١٣ - وينسخ القرآن بالقرآن اتفاقا، وينسخ القرآن بالسّنة، كما في آية الوصية للأقربين رقم [١٨٠] الآتية، فإنها منسوخة بقول","vol":"1","page":280},{"text":"النبي ﷺ: «لا وصيّة لوارث». والقرآن يجيزها للورثة، وهذا عند الجمهور، ما عدا الشافعي -﵁فإنّه يرى نسخها بآية المواريث المذكورة في سورة النّساء.\nثمّ النسخ في القرآن على وجوه:\nأحدها: ما رفع حكمه، وتلاوته، كما روي عن ابن أبي أمامة بن سهل﵁-:\nأنّ قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم يذكروا منها إلا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾، فغدوا إلى النبي ﷺ، فأخبروه: فقال رسول الله ﷺ: «تلك السّورة رفعت بتلاوتها وحكمها» أخرجه البغوي، بغير سند، وقيل: إنّ سورة الأحزاب، كانت مثل سورة البقرة، فرفع أكثرها تلاوة، وحكما.\nالوجه الثاني: ما رفع تلاوته، وبقي حكمه، مثل آية الرّجم.\nروي عن ابن عباس﵄قال: قال عمر بن الخطّاب﵁وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ: (إن الله بعث محمدا ﷺ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل عليه آية الرّجم، فقرأناها، ووعيناها، وعقلناها، ورجم رسول الله ﷺ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائل: لا نجد الرّجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإنّ الرّجم في كتاب الله حقّ على كلّ من زنى إذا أحصن من الرّجال والنّساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف). أخرجه البخاريّ، ومسلم. هذا وآية الرّجم: (الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم.) هذا؛ وممّا نسخت تلاوته وبقي حكمه آية الرّضاع التي أخذ بها الشّافعي رحمه الله تعالى، ونصّها: (خمس رضعات يحرّمن).\nالوجه الثالث: ما رفع حكمه وثبت خطّه، وتلاوته، وهو كثير في القرآن الكريم، مثل آية الوصيّة المذكورة آنفا، وآية عدّة الوفاة بالحول، وهي رقم [٢٤٠] الآتية، فإنّها نسخت بآية أربعة أشهر وعشرا وهي رقم [٢٣٤] الآتية، وأيضا آية المصابرة المذكورة آنفا، ومثل ذلك كثير.\n ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ قرئ: («أو ننساها») فالأول من النّسيان، وهو ما رأيته عن أبي أمامة، والثاني:\nالتأخير، والإرجاء. قاله مجاهد، وعطاء. ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها﴾ أي: مما هو أنفع لكم، وأسهل عليكم، وأكثر لأجوركم، وليس معناه في أنّ آية خير من آية؛ لأنّ كلام الله تعالى كلّه خير ﴿أَوْ مِثْلِها﴾ في المنفعة، والأجر، والثّواب... ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ:﴾ هذا خطاب للنبيّ ﷺ، ويشمل كلّ عاقل، وعالم. ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ فيه دليل على تسمية الله تعالى بالقدير، والقادر، والمقتدر، والقدير أبلغ في الوصف. والقدير، والقادر، والمقتدر بمعنى واحد، والاقتدار على الشيء: القدرة عليه، فالله ﷿ قادر، مقتدر، قدير على كلّ ممكن يقبل الوجود، والعدم، فيجب على كل مكلّف أن يعلم: أنّ الله تعالى قادر، له قدرة بها فعل، ويفعل ما يشاء على وفق علمه، واختياره.\nويجب عليه أيضا أن يعلم: أنّ للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على ما تجري العادة،","vol":"1","page":281},{"text":"وأنّه غير مستبد بقدرته وإنّما خصّ هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذّكر دون غيرها؛ لأنه تقدّم ذكر فعل مضمنه الوعيد، والإخافة، فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم لفعل شرطه، وقيل: هي في محل نصب مفعول مطلق. أي نسخ ننسخ آية. ﴿نَنْسَخْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله مستتر تقديره نحن. ﴿مِنْ آيَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، وقال الجمل: متعلقان بمحذوف صفة لها، ولا وجه له. وقال أبو البقاء:\nزائدة، و﴿آيَةٍ﴾ تمييز ل ﴿ما﴾ وليس بالقويّ، والجملة الفعلية: ﴿نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ابتدائية لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نُنْسِها:﴾ مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والفاعل: تقديره: «نحن»، و(ها) مفعول ثان، والأول محذوف؛ إذ التقدير: ننكسها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿نَأْتِ:﴾ فعل مضارع جواب الشّرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِخَيْرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان ب (خير) أو بمحذوف صفة له. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مِثْلِها:﴾\nمعطوف على (خير)، و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ:﴾ لا محل لها؛ لأنها جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: ﴿تَعْلَمْ،﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-114\"></span>﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾\nالشرح: يرشد الله عباده في هذه الآية، إلى أنّه له التصرّف في خلقه بما يشاء، فله الخلق، والأمر، وهو المتصرّف فيهم، فكما خلقهم كما يشاء، يسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويوفّق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد، ولا معقّب لحكمه. ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ،﴾ ويختبر عباده بالنّسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها الله تعالى، ثمّ ينهى عنه لما يعلمه تعالى، فالطّاعة كلّ الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في","vol":"1","page":282},{"text":"تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا، وفي هذا ردّ عظيم، وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم-لعنهم الله-في دعوى استحالة النسخ. وهذا الخطاب وإن كان للنبيّ ﷺ على وجه الخبر، وعظمته، فإنّه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوّة عيسى، ومحمد-عليهما الصّلاة والسّلام-لمجيئهما بما جاءا من عند الله بتغيير ما غيّر الله من حكم التّوراة، فأخبرهم الله: أنّ له تلك السموات والأرض وسلطانها، وأنّ الخلق أهل مملكته، وطاعته، وعليهم السّمع والطّاعة لأمره، ونهيه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية السّابقة. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدّم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿مُلْكُ:﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على سابقه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ:﴾ مستأنفة لا محل لها كالجملة السّابقة، فهي مقرّرة، ومؤكّدة لها. ﴿وَما:﴾\nالواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، وقيل: متعلقان حال من: ﴿وَلِيٍّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليها صار حالا، وهو ضعيف؛ لأنّ كثيرا من النّحاة لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهَ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿نَصِيرٍ:﴾ معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾ مجرور تبعا للفظه، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَكُمْ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم للتفخيم، والتعظيم. هذا؛ وأجاز الجمل اعتبار (﴿ما﴾) حجازية.\nوهذا على قول من يجيز تقديم خبرها؛ وهو ظرف، أو جار ومجرور على اسمها.\n\n<span id=\"aya-115\"></span>﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾\nالشرح: جاء في مختصر ابن كثير ما يلي: نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠١]:\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها؛ تبيّن لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه، فلعلّه أن يحرّم من أجل تلك المسألة، ولهذا جاء في الصحيح: «إنّ أعظم المسلمين جرما من سأل عن","vol":"1","page":283},{"text":"شيء لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته». وثبت في الصّحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: أنّ رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل، وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.\nوفي صحيح مسلم: «ذروني ما تركتكم: فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء؛ فاجتنبوه». وهذا إنّما قاله بعد ما أخبرهم: أنّ الله كتب عليهم الحجّ، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثا، ثم قال ﷺ: «لا، ولو قلت: نعم؛ لوجبت؛ ولو وجبت؛ لما استطعتم». ثمّ قال: «ذروني ما تركتكم». ولهذا قال أنس بن مالك﵁-: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرّجل من أهل البادية، فيسأله؛ ونحن نسمع. وعن ابن عباس﵄قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلّها في القرآن: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ و﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ و﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى﴾ يعني: هذا وأشباهه، رواه البزّار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ﵄.\nهذا؛ ويفيد: أنّ الخطاب للمؤمنين، ويؤيده قوله تعالى: ﴿كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ أي:\nفقد سأل بنو إسرائيل موسى أسئلة كثيرة كلّها تعنّت، وعناد، مثل قولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ..﴾. إلخ وغير ذلك كثير. وقيل: السائل اليهود، فعن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حرملة، ووهب بن زيد: يا محمد! ائتنا بكتاب تنزله علينا نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك، ونصدقك. ويكون قوله: ﴿رَسُولَكُمْ﴾ مأخوذ من عموم بعثته ﷺ للخلق أجمعين، واليهود داخلون في هذا العموم بلا ريب، ولا شك، فصحّ توجيه الخطاب إليهم بهذا العموم، وأيضا سياق الكلام سابقا، ولاحقا في شأن اليهود.\nوقال النّسفي: روي: أن قريشا قالوا: يا محمد! اجعل لنا الصّفا ذهبا، ووسّع لنا أرض مكة، فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات، كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا﴾ وهذا لا وجه له؛ لأنّ سورة البقرة مدنيّة بالإجماع، وسؤال قريش هذه الأسئلة مذكور في سورة الإسراء، وغيرها من السّور المكيّة.\n ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ﴾ أي: ومن يشتر الكفر بالإيمان، ويرضى بذلك. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فقد أخطأ الطّريق المستقيم إلى الجهل، والضلال، و﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ وسطه، وانظر معانيه الكثيرة فيما تقدم، هذا؛ و﴿السَّبِيلِ:﴾ الطريق، يذكر، ويؤنث، بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير:\nسبل بضمتين، و: سبل بضم فسكون. هذا؛ بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [٢٦].","vol":"1","page":284},{"text":"أقول: و«ضل» أكثر ما يستعمل بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضدّ: اهتدى، واستقام، ومصدره: الضّلال، ويأتي «ضلّ» بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ويأتي بمعنى: خفي، يخفى، قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ رقم [٥٢] وضلّ الشيء: ضاع، وهلك، وضل:\nأخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب، بقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضلّ: تحيّر، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى في سورة الضّحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ وأضل، يضلّ غيره من الرّباعي ومصدره: الإضلال، فهو متعدّ، والثلاثي لازم، ومصدره: الضّلال، وهو الخروج عن جادة الحق، والانحراف عن الصراط المستقيم، وينبغي أن تعلم: أنّ طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، وأمّا الضّلال؛ فطرقه كثيرة، ومتشعبة، قال تعالى في سورة (يونس) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ رقم [٣٢] وقال الشاعر الحكيم: [البسيط]\nالطّرق شتّى وطرق الحقّ واحدة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد\nلا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد\nوالنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف إضراب، أو هو حرف انتقال، وهي بمعنى: بل، وعليه فهي المنقطعة، لعدم تقدّم الاستفهام عليها. ﴿تُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَسْئَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿رَسُولَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، و«أن» والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تُرِيدُونَ﴾ مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿سُئِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول.\n ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة للتعذر. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿سُئِلَ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مُوسى﴾. ﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضمّ لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، و(ما) المصدرية، والفعل ﴿سُئِلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: إن تسألوا سؤالا مثل سؤال قوم موسى. وهو قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التّركيب. ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم","vol":"1","page":285},{"text":"على طريق الاتساع، فيكون التقدير: أن تسألوا رسولكم على مثل هذه الحالة؛ لأن حذف الموصول، وإبقاء الصّفة لا يجوز عند سيبويه إلا في مواضع معيّنة، وليس هذا منها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَبَدَّلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من).\n ﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْكُفْرَ﴾ أي: مقابلا، أو مستبدلا بالإيمان. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض والفاعل يعود إلى (من) أيضا.\n ﴿سَواءَ:﴾ مفعول به، وقال أبو البقاء: ظرف مكان، وهو مضاف، و﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه، وخبر المبتدأ الذي هو: (﴿مِنْ﴾) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٨١] والجملة الاسمية:\n ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-116\"></span>﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في نفر من اليهود، وذلك: أنّهم قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر﵃بعد وقعة أحد: لو كنتم على حقّ ما هربتم، فارجعا إلى ديننا، فنحن أهدى سبيلا منكم، فقال عمار﵁-: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا:\nشديد. قال: إنّي عاهدت الله ألا أكفر بمحمد ﷺ ما عشت! قالت اليهود: أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة﵁-: أما أنا فقد رضيت بالله ربّا، وبمحمّد رسولا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. ثمّ إنهما أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بذلك، فقال: «أصبتما الخير، وأفلحتما». انتهى خازن.\n ﴿وَدَّ:﴾ أحب، وتمنّى. ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا:﴾ لو يصيرونكم كفارا مثلهم.\n ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ:﴾ أي: من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب، ولا أمروا به، ولكن حملتهم نفوسهم الخبيثة على ذلك.\n ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ:﴾ يعني في التّوراة: أنّ قول محمد ﷺ ودينه حقّ، لا يشكّون في أمره، لكن كفروا حسدا، وبغيا. هذا؛ والحسد نوعان: مذموم، وممدوح، فالمذموم: أن يتمنّى العبد زوال نعمة الله عن الناس، وسواء تمنّى أن يستفيد من تلك النعمة أم لا. وهذا النّوع","vol":"1","page":286},{"text":"هو الذي ذمّه الله في كتابه في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال رسول الله ﷺ: «إيّاكم والحسد فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب» أو قال:\n «العشب». أخرجه أبو داود، وغيره عن أبي هريرة﵁-، وانظر ما ذكرته في سورة (الفلق) وفي الآية رقم [٥٤] من سورة (النّساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ أي: اتركوهم، وأعرضوا عنهم، فلا تؤاخذوهم، وكان هذا الأمر بالعفو، والصّفح قبل أن يؤمر بالقتال، فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقوله جلّ ذكره: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ..﴾. وكذا قال أبو العالية، وقتادة، والسّدي: إنّها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بعقابه، وبعذابه، وهو القتل، والسبي لبني قريظة، والإجلاء، والنّفي لبني النّضير. قال ابن عباس﵄-: هو أمر الله بقتالهم. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾\nانظر الآية رقم [١٠٦].\nالإعراب: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿كَثِيرٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري.\n ﴿يَرُدُّونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿إِيمانِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كُفّارًا:﴾ مفعول به ثان، و﴿لَوْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿وَدَّ،﴾ وبعضهم يعتبر ﴿لَوْ﴾ شرطية امتناعية، ويقدر لها جوابا كما يلي: لو يردونكم كفارا، لسروا، وفرحوا بذلك. والأوّل أقوى، وأتمّ معنى، كما اعتبر أبو البقاء: ﴿كُفّارًا﴾ حالا من كاف الخطاب، والمرجّح الأول.\n ﴿حَسَدًا:﴾ مفعول لأجله، والعامل فيه: ﴿وَدَّ﴾. ﴿مِنْ عِنْدِ﴾ متعلقان ب ﴿حَسَدًا﴾ أو بمحذوف صفة له، وجوز تعليقهما بالفعل: ﴿وَدَّ،﴾ والأول أقوى معنى وأتمّ سبكا، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿وَدَّ﴾.\n ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْحَقُّ:﴾ فاعل، و﴿ما﴾ والفعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: بعد تبيين الحق لهم، وجملة: ﴿وَدَّ:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاعْفُوا:﴾ الفاء: فيها أقوال، فبعضهم يعتبرها عاطفة جملة إنشائية على جملة خبرية، وابن هشام يعتبرها للسّببيّة المحضة، وأنا أعتبرها الفاء الفصيحة. (اعفوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا حصل من اليهود مثل هذه الأقوال؛ فاعفوا عنهم، واصفحوا. ومتعلّق الفعلين محذوف، التقدير: عنهم.","vol":"1","page":287},{"text":"﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَأْتِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. و«أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَأْتِيَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-117\"></span>﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ لمّا أمر الله المؤمنين بالعفو، والصفح عن اليهود؛ أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم من إقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة الواجبتين، ونبّه بذلك على سائر الواجبات. ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: من طاعة، وعمل صالح، وقيل: أراد بالخير: المال؛ يعني: صدقة التطوّع؛ لأن الزّكاة تقدّم ذكرها، وجاء في الحديث: «إنّ العبد إذا مات؛ قال النّاس: ما خلّف؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟».\nوخرّج البخاريّ، ومسلم عن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «أيّكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله! ما منّا أحد إلا ماله أحبّ إليه!.\nقال: «فإنّ ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر».\nوجاء عن عمر﵁-: أنه مرّ ببقيع الغرقد، فقال: السّلام عليكم أهل القبور! أخبار ما عندنا؛ فإنّ نساءكم قد تزوّجت، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت، فأجابه هاتف: يا بن الخطاب! أخبار ما عندنا: ما قدّمناه؛ وجدناه، وما أنفقناه؛ فقد ربحناه، وما خلّفناه؛ فقد خسرناه. ولقد أحسن من قال: [الكامل]\nقدّم لنفسك قبل موتك صالحا... واعمل فليس إلى الخلود سبيل\nوقال آخر: [الكامل]\nقدّم لنفسك توبة مرجوّة... قبل الممات وقبل حبس الألسن\nوقال أبو العتاهية الصّوفي رحمه الله تعالى: [الوافر]\nاسعد بمالك في حياتك إنّما... يبقى وراءك مصلح أو مفسد","vol":"1","page":288},{"text":"فإذا تركت لمفسد لم يغنه... وأخو الصّلاح قليله يتزيد\nوإن استطعت فكن لنفسك وارثا... إنّ المورّث نفسه لمسدّد\nالإعراب: ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها.\n ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به ﴿الزَّكاةَ:﴾ مفعول به ل: (﴿آتُوا﴾). ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم للفعل بعده. ﴿تُقَدِّمُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِأَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿تَجِدُوهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية ﴿وَما تُقَدِّمُوا..﴾. في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: مستأنفة، والأول أقوى.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ الآتي. و(ما) تحتمل الموصوفة، والمصدرية. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد والرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم.\n ﴿بَصِيرٌ﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-118\"></span>﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ أي: اليهود، والنّصارى، وانظر الآية رقم [٦٢]. ﴿أَمانِيُّهُمْ:﴾ جمع:\nأمنية، وانظر الآية رقم [٧٨]. ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، ولكلّ عاقل يستطيع أن يحاجهم، ويقول لهم ذلك على سبيل التبكيت، والتقريع، والتأنيب. قال ابن هشام في قطر النّدى: وأما هات، وتعال؛ فعدّهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال. والصّواب: أنّهما فعلا أمر بدليل: أنّهما دالان على الطّلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، فتقول: هاتي، وتعالي. واعلم: أنّ آخر (هات) مكسورا أبدا إلا إذا كان لجماعة المذكرين؛ فإنه يضم، فنقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتيا يا زيدان، وهاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات، كلّ ذلك بكسر التاء، وتقول:\nهاتوا يا قوم، بضمها، قال تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ،﴾ وأنّ آخر","vol":"1","page":289},{"text":"«تعال» مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، تقول: تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا زيدان، وتعاليا يا هندان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات، كلّ ذلك بالفتح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ...،﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾. ومن ثمّ لحنوا أبا فراس الحمداني بقوله حيث كسر لام تعالي: [الطويل]\nأيا جارتا ما أنصف الدّهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي\nوأقول: إنّ الفعلين (هات، وتعال) ملازمان للأمرية، فلا يأتي منهما فعل مضارع، ولا ماض، وهما بمعنى (احضروا، أو أحضروا) فالأول لازم، وهو من الثلاثي، والثاني متعدّ، وهو من الرباعي، وأما: تعالى، يتعالى فهما بمعنى: تعاظم، يتعاظم، أو بمعنى: تنزّه، يتنزه، وقل في إعلال «تعالوا» أصله: تعالووا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام لتدلّ على الألف المحذوفة.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿وَدَّ..﴾. لا محلّ لها مثلها. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَدْخُلَ﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، وانظر الآية رقم [٥٨] ففيها الكفاية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السّكون في محل رفع فاعل ﴿يَدْخُلَ،﴾ ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿هُودًا:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط عود الضمير إليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نَصارى:﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط عود الضمير إليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نَصارى:﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿لَنْ يَدْخُلَ﴾ في محل نصب مقول القول.\n ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَمانِيُّهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معترضة بين الدّعوى، وطلب الدليل عليها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت».\n ﴿هاتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿بُرْهانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٩١].\nوالشّرط وجوابه في محل نصب مقول القول.","vol":"1","page":290},{"text":"<span id=\"aya-119\"></span>﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿بَلى:﴾ فيه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وانظر شرح ﴿بَلى﴾ في الآية رقم [٨١]. ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ:﴾ انقاد لأوامره بكليته. وخصّ الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة، وفيه أكثر الحواس، ولأنه موضع السّجود، ومظهر آثار الخشوع، والخضوع، وفيه مظهر العزّ، والذّل، والسّرور، والغمّ، والهمّ، وغير ذلك، والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشّيء، قال الله لنبيّه ﷺ: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ رقم [٢٠] من سورة (آل عمران)، وإذا جاء العبد بوضع وجهه على الأرض في السّجود. فقد جاء بجميع أعضائه، قال زيد بن عمرو بن نفيل-وهو من المتحنّفين في الجاهلية-: [المتقارب]\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت... له الأرض تحمل صخرا ثقالا\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت... له المزن تحمل عذبا زلالا\nيعني بذلك: استسلمت لطاعة من استسلمت لطاعته الأرض، والمزن. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي:\nفي عمله، وله شرطان: أحدهما: أن يكون خالصا لله تعالى، والثاني: أن يكون صوابا موافقا للشّريعة؛ التي جاء بها محمد ﷺ، فمتى اختلّ شرط منهما؛ كان العمل غير مقبول قطعا. ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ:﴾ ثوابه مدّخر عند ربه يوفيه إياه يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدّنيا، وليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة، وخوفها على المطيعين، إلا أنّه يخفّف عنهم، وإذا صاروا إلى رحمته؛ فكأنهم لم يخافوا. هذا؛ والحزن: ضدّ السرور، ولا يكون إلا على ماض، وحزن الرّجل، وأحزنه غيره، وحزّنه أيضا، مثل: سلكه، وأسلكه، قال اليزيدي: حزّنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بهما إلا في سورة (الأنبياء) فإنّه في الأولى فقط قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ وهي أفصح اللّغتين.\nالإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب، تبتدأ بعده الجمل. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿وَجْهَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَسْلَمَ﴾ المستتر، وهذه الحال مؤكدة؛ لأنّ من أسلم وجهه؛ فهو","vol":"1","page":291},{"text":"محسن. والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿أَجْرُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر ثان، أي: ثابت، وبعضهم يعلقه بمحذوف حال من المبتدأ. وهو ضعيف يمنعه كثيرون. و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما بينته مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، وجملة: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشّرط في العموم.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال «ليس» لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف تقديره: حاصل، أو موجود، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وقرأ جماعة: «ولا خوف» بفتح الفاء على اعتبار (﴿لا﴾) عاملة عمل «إنّ» لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرّفع؛ لأن (﴿لا﴾) لا تعمل في معرفة، فاختاروا في الأول الرفع أيضا؛ ليكون الكلام من وجه واحد.\nويجوز أن تكون: (﴿لا﴾) في قولك: ﴿وَلا خَوْفٌ﴾ بمعنى «ليس». انتهى. قرطبي. أقول: وقد ذكرت لك: أنها إذا تكرّرت؛ أهملت، أي: لا تعمل عمل «ليس». تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-120\"></span>﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ أي: كفر اليهود بعيسى، وقالوا: ليست النصارى على دين صحيح معتدّ به، فدينهم باطل. ﴿وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ:﴾\nالمعنى واضح من أنّ كل طائفة كفّرت الأخرى، وهذا كان لمّا قدم وفد نجران من النّصارى المدينة، واجتمعوا بالنبي ﷺ أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ، فقال رافع بن","vol":"1","page":292},{"text":"حرملة للنّصارى: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى، والإنجيل. وقال رجل من أهل نجران لليهود: ما أنتم على شيء، وكفر بموسى، والتّوراة، فأنزل الله الآية الكريمة.\n ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ:﴾ أي: إنّ كلاّ من اليهود، والنصارى يقرءون كتابهم، وفيه تصديق الكتاب الآخر، فاليهود قرءوا التّوراة، وفيها البشارة بعيسى، والإنجيل، والنّصارى قرءوا الإنجيل، وفيه تصديق التّوراة، والإيمان بموسى، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ اختلف في هؤلاء، والمعتمد: أنهم هم المشركون، فقد كانوا ينفون جميع الأديان السماويّة، ولا يعترفون إلا بوثنيتهم العربيّة. ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ..﴾. أي: إنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل، الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال ذرة. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحجّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.\nالإعراب: ﴿وَقالَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قالَتِ﴾): فعل ماض، والتاء تاء التأنيث حرف لا محل له. ﴿الْيَهُودُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿قالُوا..﴾.) في الآية رقم [١١١]. ﴿لَيْسَتِ﴾ فعل ماض ناقص، والتاء تاء التأنيث الساكنة. ﴿النَّصارى﴾ اسم (ليس) مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف المقصورة للتعذّر. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَتِ،﴾ والجملة في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... والواو فاعله. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو الجملة الاسمية في محل نصب حال من اليهود والنصارى، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول:\n ﴿قالَ﴾. وقيل: بدل من الكاف، وقال أبو البقاء: منصوب ب ﴿يَعْلَمُونَ﴾ والمعنى لا يؤيده، و﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و﴿قَوْلِهِمْ﴾ مضاف إليه، وقيل: هو بدل من اسم الإشارة، وفيه بعد لا يخفى، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَاللهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف، ويجوز اعتبارها فصيحة. (الله): مبتدأ. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر","vol":"1","page":293},{"text":"بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَحْكُمُ﴾ أيضا، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿فِيما:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَحْكُمُ﴾ أيضا، ويجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (في). ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَخْتَلِفُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا ب (في) التقدير: في الذي، أو: في شيء كانوا يختلفون فيه، والمصدرية ضعيفة كما ترى.\n\n<span id=\"aya-121\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ:﴾ استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد أظلم ممن منع... إلخ.\nهذا؛ والممنوع في الحقيقة إنّما هم الناس الّذين يريدون العبادة في المساجد. ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: بالتوحيد، والصلاة، والتّسبيح، وغير ذلك. ﴿وَسَعى فِي خَرابِها﴾ أي: بالهدم، وتعطيل إقامة الشعائر فيها.\nوخراب المساجد يكون حقيقيّا، كتخريب بختنصر بيت المقدس، فغزا اليهود، وسباهم، وحرّق التوراة، كما سترى في سورة (الإسراء). ويكون مجازا لمنع المشركين المسلمين حين صدّوا رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام عام الحديبية. وعلى الجملة: فتعطيل المساجد عن الصّلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها.\nهذا؛ وجمع ﴿مَساجِدَ اللهِ﴾ وإن كان المراد واحدا، إمّا المسجد الحرام، وإما بيت المقدس؛ ليعمّ جميع مساجد الله في الدنيا في القديم، والجديد، كما تقول لمن آذى صالحا واحدا: ومن أظلم ممّن آذى الصّالحين؟!.\n ﴿أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ:﴾ هذا خبر معناه الطلب؛ أي: لا تمكّنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة، والجزية، ولهذا لمّا فتح رسول الله ﷺ مكّة؛ أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادي علي﵁برحاب منى: ألا لا يحجّنّ، بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عريان، ومن كان له أجل؛ فأجله إلى مدّته.","vol":"1","page":294},{"text":"وأما النصارى فإنّ بيت المقدس موضع حجّ النصارى، وزيارتهم. قال ابن عباس﵄-: لم يدخلها بعد عمارتها روميّ، أو نصرانيّ إلا خائفا، إن علم به؛ قتل. وقيل:\nأخيفوا بالجزية، والقتل، فالجزية على الذمّي، والقتل للحربيّ. وقيل: خوفهم هو فتح مدائنهم الثلاث: قسطنطينية، ورومية، وعمورية من قبل المسلمين.\n ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ:﴾ هو الجزية على الذمّي، والقتل للحربيّ كما تقدّم. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ:﴾ هو الخلود في جهنم لهم، ولكل كافر معاند للحقّ.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره. ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان بأظلم. ﴿مَنَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو، والجملة الفعلية صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿مَساجِدَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ يُذْكَرَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤول منهما، في محل نصب مفعول ثان ل ﴿مَنَعَ،﴾ أو هو مفعول لأجله على حذف مضاف، التقدير: كراهة أن يذكر، أو هو بدل من ﴿مَساجِدَ اللهِ﴾ أو هو على إسقاط حرف الجر، والأصل: من أن يذكر. ذكر الأوجه الأربعة سليمان الجمل نقلا عن السّمين بدون ترجيح. ﴿فِيهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَسَعى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿سَعى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِي خَرابِها:﴾ متعلقان بالفعل (﴿سَعى﴾). و(ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿مَنَعَ﴾ التي هي صلة (من) أو صفتها.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿ما:﴾ حرف نفي. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلّقان بمحذوف في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ مقدم. ﴿يَدْخُلُوها:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾. وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله. و(ها): مفعوله، والمصدر من: ﴿أَنْ يَدْخُلُوها:﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر. ﴿خائِفِينَ:﴾ حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير:\nما كان لهم الدخول في جميع الأحوال إلا في حالة الخوف، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجوز تعليقهما بالمصدر ﴿خِزْيٌ﴾ بعدهما، واعتبارهما متعلقين بمحذوف حال منه غير مسلّم.\n ﴿خِزْيٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ولا يجوز اعتبارها حالا مثل ﴿خائِفِينَ﴾ لأن استحقاقهم الخزي ثابت في كلّ حال، لا في حال دخولهم المساجد خاصة.\nوالتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.","vol":"1","page":295},{"text":"<span id=\"aya-122\"></span>﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ:﴾ موضع الشّروق. ﴿وَالْمَغْرِبُ:﴾ موضع الغروب، أي: هما لله ملك، وما بينهما من الجهات، والمخلوقات بالإيجاد، والاختراع، وخصّهما بالذّكر، والإضافة إليه تشريفا، نحو بيت الله، وناقة الله. هذا؛ وفي سورة (الرّحمن) قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشّتاء والصّيف، ومغربيهما، وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ فقد جمع المشرق، والمغرب كما ترى باعتبار مشارق الشمس، ومغاربها في السّنة، وهي ثلاثمائة وستون، تشرق الشمس كلّ يوم في واحد منها، وكذا تغرب في واحد منها.\nهذا؛ وتقديم المشرق في جميع حالاته على المغرب يوحي بأفضليته عليه. هذا؛ وكان من حق المشرق والمغرب فتح العين، وهي الراء فيهما؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان، إذا أخذ أحدهما من فعل ثلاثي، مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها، وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب النّحو، من ذلك: المسجد، والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر.\nوالتّحقيق: أنّها أسماء نوعيّة، غير جارية على فعلها، وإلا؛ فلا مانع من الفتح.\n ﴿تُوَلُّوا:﴾ تتّجهوا في صلاتكم، وقرأ الحسن: («تولّوا») بفتح التاء، واللام، والأصل:\n «تتولوا». و(ثم) بفتح الثاء ظرف مكان بمعنى هناك، وانظر الآية رقم [٥٦]. ﴿وَجْهُ اللهِ:﴾ جهته التي ارتضاها قبلة، وأمر بالتوجّه إليها، وقال الحذاق من علماء القرآن والسنة: ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام؛ إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشّاهد، وأجلها قدرا، وقال ابن عباس﵄-: الوجه: عبارة عنه ﷿، كما قال:\n ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وقيل: الوجه القصد، كما قال الشاعر: [البسيط]\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل\nهذا؛ واختلف في المعنى الذي أنزلت فيه الآية على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن الرّسول ﷺ لمّا هاجر إلى المدينة المنوّرة؛ أمر بالتوجّه إلى بيت المقدس في صلاته ستة عشر، أو سبعة عشر شهرا، ثمّ صرفه الله إلى الكعبة، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. عن ابن عباس﵄قال: كان أوّل ما نسخ من القرآن القبلة، وانظر الآية رقم [١٤٤] الآتية؛ ففيها البحث كاف واف.\nالثاني: قال قوم: بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذنا من الله تعالى أن يصلّي المتطوع حيث توجه من شرق، أو غرب في سفره؛ لما روي عن ابن عمر﵄-:\nأنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر: أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، ويتأوّل هذه الآية: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.","vol":"1","page":296},{"text":"القول الثالث: قال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة، فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة؛ لما روي عن عامر بن ربيعة عن أبيه﵁قال:\nكنا في ليلة سوداء مع رسول الله ﷺ، فنزلنا منزلا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه، فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير قبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ..﴾ ..\nهذا وقال ابن جرير: ويحتمل: فأينما تولوا في دعائكم لي؛ فهنالك وجهي أستجب لكم دعاءكم. ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية، والرزق، والجود، والعطاء، وهو واسع الفضل، والرّحمة. وقيل: واسع القدرة، والرزق. وقيل: هو الغني؛ الذي وسع جميع مخلوقاته غناه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأفعالهم ما يغيب منها شيء، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.\nمسألة تتعلّق بحكم الآية، وهي: أن المسافر إذا كان في مفازة، أو بلاد الشّرك، واشتبهت عليه القبلة، فإنّه يجتهد في طلبها بنوع من الدلائل، ويصلي إلى الجهة التي أدّى إليها اجتهاده، ولا إعادة عليه، وإن لم يصادف القبلة، فإنّ جهة الاجتهاد قبلته، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللّوح، فإنه يصلي على حسب حاله، وتصحّ صلاته، وكذا المشدود على جذع شجرة، ونحوها، بحيث لا يمكنه الاستقبال، والله أعلم.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِلّهِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿الْمَشْرِقُ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالْمَغْرِبُ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿فَأَيْنَما:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع أو هي الفصيحة. (أينما): اسم شرط جازم مبني على السكون. ويقال: مبني على الفتح، و(ما): زائدة، وهو في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل بعده. وقيل: متعلق بجوابه، والأول أصح. ﴿تُوَلُّوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو هي في محل جر بإضافة: (أينما) إليها على اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿فَثَمَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ثمّ): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وقد بني على الفتح لتضمنه معنى الإشارة، وقيل: لتضمنه معنى حرف الخطاب. ﴿وَجْهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿لِلّهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، والشرط ومدخوله كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-123\"></span>﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ أي: اليهود، والنّصارى، ومن زعم: أنّ الملائكة بنات الله، وهم العرب. ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا:﴾ فقد أخرج البخاري عن ابن عباس﵄عن النبيّ ﷺ","vol":"1","page":297},{"text":"قال: «قال الله تعالى: كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي؛ فزعم أنّي لا أقدر على إعادته كما كان، وأما شتمه إيّاي، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتّخذ صاحبة وولدا». سبحانه! انظر الآية رقم [٣٢].\n ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا، والملكية تنافي الولادة. هو سبحانه المتصرّف في خلقه، وهو خالقهم، ورازقهم، ومسخّرهم، ومسيّرهم، ومصرّفهم كما يشاء، والجميع عبيد له، وملك له، فكيف يكون له ولد منهم؛ والولد إنّما يكون من شيئين متناسبين، والله ﵎ ليس له نظير، لا مشارك له في عظمته، وكبريائه!.\nهذا؛ وعبّر سبحانه ب (﴿ما﴾) تغليبا لما لا يعقل على من يعقل، كما غلّب في آيات كثيرة من يعقل على ما لا يعقل. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كلّ ما فيها، فالتنوين عوض من المضاف إليه. ﴿قانِتُونَ:﴾ مطيعون، منقادون مذلّلون، مسخّرون، المسلمون، والكافرون، والصّالحون، والفاسدون، فالأوّلون بالعبادة، والطاعة، والإنابة، والكافرون مسخّرون لأوامره، وتنفيذ قضائه عليهم في الدنيا، وفي الآخرة محاسبون، ومجزيون على كفرهم، وفسوقهم بالعذاب الأليم، والعقاب الشديد. وأيضا فيه تغليب من يعقل على ما لا يعقل؛ حيث جمع بالواو والنون جمع المذكر السالم.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n (﴿قالَتِ الْيَهُودُ﴾) في الآية رقم [١١٣]، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ،﴾ وقرئ بدون واو، فتكون مستأنفة. ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف معترضة لا محل لها من الإعراب.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب تبتدأ بعده الجمل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم غير متعلقة بكلام سابق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما﴾. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، ﴿لَهُ:﴾ متعلقان ب ﴿قانِتُونَ﴾ بعدهما. ﴿قانِتُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في الصلة المقدرة، وهذه الحال مؤكّدة لمضمون الجملة الاسمية فيها.\n\n<span id=\"aya-124\"></span>﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ منشئهما، وموجدهما، ومبدعهما، ومخترعهما على غير حدّ، ولا مثال سبق، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾","vol":"1","page":298},{"text":"﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَإِذا قَضى أَمْرًا:﴾ أي: إذا أراد إحكامه، وإتقانه كما سبق في علمه؛ فإنما يقول له: كن فيكون، احدث، فيحدث، وليس المراد حقيقة أمر، بل هو تمثيل ما تعلّقت به إرادته تعالى بلا مهلة بطاعة المأمور، والمطيع بلا توقّف. انتهى بيضاوي. قال الشاعر: [الطويل]\nإذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول-له التنزيه-كن فيكون\nتنبيه: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى-القضاء يحتمل الحكم، كقوله تعالى:\n ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليحكم ما قد علم: أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة، انتهى. هذا؛ والماضي: «قضى» والمصدر «قضاء» بالمد؛ لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه: «قضي» بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ومصدره: «قضيا» بالتّحريك كطلب طلبا، فتحركت الياء فيه أيضا، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار: قضاء ممدودا، وجمع القضاء: أقضية، كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في قول الشاعر، وهو الشّاهد رقم [١٧٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]\nوجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول\nوقال الشمّاخ في عمر﵁-: [الطويل]\nقضيت أمورا ثمّ غادرت بعدها... بوائق في أكمامها لم تفتق\nويكون بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾.\nوبمعنى العلم، تقول: قضيت بكذا، أي: أعلمتك به، وبمعنى الإتمام، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾. وبمعنى الفعل، قال تعالى، حكاية عن قول السّحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ وبمعنى الإرادة، وهو كثير كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وبمعنى الموت، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النّار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾. وبمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللّوح المحفوظ. وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. وبمعنى الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. وبمعنى بلوغ المراد، والأرب، قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾.\nوبمعنى وفاء الدّين تقول: قضى فلان ما عليه إذا ما أوفى ذمته، وأبرأها مما عليه من ديون.\nانتهى قسطلاني في شرح البخاري، بتصرف. أضيف: أنه يكون بمعنى: أوحينا، كقوله تعالى:\n ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾.\nقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني؛ فلا يجوز إطلاق القول بأنّ المعاصي بقضاء الله تعالى؛ لأنّه إن أريد به الأمر؛ فلا خلاف: أنه لا يجوز ذلك؛","vol":"1","page":299},{"text":"لأن الله تعالى لا يأمر بها، فإنّه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصريّ، فقال: إنّه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنّك قد عصيت ربك، وبانت منك. فقال الرّجل:\nقضى الله عليّ، فقال الحسن، وكان فصيحا، ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر الله به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾.\nهذا؛ و(﴿الْأَمْرُ﴾): واحد الأمور، وليس بمصدر: أمر، يأمر، قال العلماء: والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها: الأول: الدّين، قال تعالى: ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي: دين الإسلام. الثّاني: القول، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ يعني: قولنا، وقوله تعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ يعني قولهم. الثالث: العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يعني: لما وجب العذاب بأهل النار. الرابع: عيسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْرًا﴾ يعني: عيسى، وكان في علمه تعالى أن يكون من غير أب. الخامس: القتل ببدر، قال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ يعني: القتل ببدر، وقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ يعني: قتل أهل مكة. السادس: فتح مكة، قال تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني:\nفتح مكة. السّابع: قتل قريظة، وجلاء النضير، قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾. الثامن: القيامة، قال الله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾. التاسع: القضاء، قال الله تعالى:\n ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعني: القضاء. العاشر: الوحي، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ يقول: ينزل الوحي من السماء إلى الأرض. وقوله تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ يعني:\nالوحي. الحادي عشر: أمر الخلق، قال تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ يعني: أمور الخلائق. الثاني عشر: النصر، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعنون النصر.\nالثالث عشر: الذّنب، قال تعالى: ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها﴾ أي: جزاء ذنبها. الرابع عشر: الشأن، والفعل، قال تعالى: ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: فعله، وشأنه، وقال جلّ شأنه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: فعله، وقوله. انتهى قرطبي.\nالإعراب: ﴿بَدِيعُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو بديع، والجملة الاسمية معترضة بين الكلام السابق، واللاحق لا محل لها. هذا؛ وقرئ بجر («بديع») على أنه بدل من الضمير في (﴿لَهُ﴾) على مذهب الكسائي، والمحققون لا يجيزون إبدال ظاهر من الضمير، وقرئ بنصبه على: أنه منصوب على المدح بفعل محذوف، و﴿بَدِيعُ:﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لمفعولها، وفاعلها ضمير مستتر تقديره: هو، أو هو اسم فاعل، كما رأيت في الشرح، وهو أولى. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾):\nظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على","vol":"1","page":300},{"text":"السكون في محل نصب. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى «الله» تقديره: هو.\n ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على القول المرجوح وهو المشهور. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب (﴿إِذا﴾)، (إنما) كافة ومكفوفة. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: هو. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما في الآية رقم [١١٥].\n ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): فعل مضارع تام، وفاعله مستتر تقديره: هو، يعود إلى ﴿أَمْرًا﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يكون، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، وهذا القول يعزى لسيبويه. وقيل: إنّ (يكون) معطوف على: ﴿يَقُولُ﴾ وهذا يعزى للزّجاج، والطبريّ، وقيل: هو معطوف على ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى، وهو قول الفارسيّ، انتهى سليمان الجمل. هذا؛ وقرأ ابن عامر بالنصب على أنّ الفعل منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، وضعفه أبو البقاء.\nوأقول: لا يمكن سبك مصدر من المضمر، والفعل، وعطفه على مصدر متصيّد من الفعل السابق؛ إذ لا يقال: ليكن حدوث، فحدوث.\n\n<span id=\"aya-125\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هم اليهود. قال مجاهد: هم النصارى، ورجّحه الطّبريّ. وقال الربيع، والسّدي، وقتادة: هم مشركو العرب، ﴿لَوْلا:﴾ هلا ﴿يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ أي: يقول لنا: إنّك رسول الله. ﴿أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ:﴾ دلالة واضحة تدلّ على صدقك في دعواك النبوة، والرسالة. ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب، أو الأمم السالفة في قول: من جعل الذين لا يعلمون اليهود والنصارى، أو اليهود في قول من جعل الذين لا يعلمون النّصارى.\n ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ:﴾ في الكفر، وترك الإيمان، والتعنيت، والاقتراح، وهو مثل قوله تعالى في الآية رقم [١١٣]: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ﴾ أي: الدّلالات على نبوّة محمد ﷺ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: إنّ آيات القرآن، وما جاء به محمد ﷺ من المعجزات الباهرات كافية لمن كان طالبا لليقين. وإنّما خصّ أهل الإيقان بالذكر؛ لأنهم هم أهل التثبّت في الأمور، ومعرفة الأشياء على يقين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"1","page":301},{"text":"الإعراب: (﴿قالَ﴾): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾): مستأنفة لا محل لها؛ لأنّ الكلام مستأنف لحكاية نوع آخر من قبائح اليهود، والنّصارى. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يُكَلِّمُنَا:﴾ فعل مضارع، و(نا) مفعوله. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَأْتِينا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و(نا) مفعول به. ﴿آيَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف حرف تشبيه وجر. (وذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير:\nقال الذين من قبلهم قولا كائنا مثل قولهم، أو مثل ذلك القول، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ل ﴿قالَ،﴾ وهي قائمة مقام كلام كثير، كما رأيت في الشرح، فلذا صح أن تكون مفعول به ل ﴿قالَ؛﴾ لأنها لا تنصب إلا الجمل، أو ما يقوم مقامها. و﴿مِثْلَ:﴾ مضاف، و﴿قَوْلِهِمْ:﴾ مضاف إليه. والهاء: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿تَشابَهَتْ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَيَّنَّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، المراد منها بيان: أنّ الله لم يترك شيئا بدون توضيح، وتبيين. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. والجملة الفعلية بعده في محل جر صفة ل (قوم).\n ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.\n\n<span id=\"aya-126\"></span>﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾\nالشرح: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ. ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا:﴾ مبشرا لأهل الطاعة بالثّواب العظيم، والأجر الجزيل، والدّخول في دار النعيم. ﴿وَنَذِيرًا:﴾ لأهل المعاصي والفساد من غضب الله، وعقابه. ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ أي: أنت لست مسئولا عمّن لم يؤمن منهم، بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم إلى الإيمان، وقرئ الفعل بقراآت كثيرة، ومنها قراءة بالجزم على النّهي. قال ابن عبّاس ﵄: وذلك: أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم: «ليت شعري ما فعل أبواي». فنزلت هذه الآية. والمعنى: إنا أرسلناك بالحق لتبليغ ما أرسلت به، فإنّما عليك البلاغ، ولست مسئولا عمّن كفر، وهذا ينفي القول بأنّ الله","vol":"1","page":302},{"text":"أحيا أبوي النّبي ﷺ. والقول الفصل بأنّ أبويه ﷺ ناجيان مع أهل الفترة كما ذكرته في سورة (الإسراء)، وهما في الجنّة وجميع أجداده، وجدّاته، إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من كاف الخطاب، أي: متلبسا بالحقّ. ﴿بَشِيرًا:﴾ حال أيضا. ﴿وَنَذِيرًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (﴿لا﴾): نافية، ﴿تُسْئَلُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا،﴾ فهي في محل نصب حال أيضا. ﴿عَنْ أَصْحابِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. و﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف، و﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-127\"></span>﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ...:﴾ في هذا الكلام تيئيس، وتقنيط للرّسول ﷺ من إسلام اليهود، والنّصارى، فإنهم إذا كانوا لم يرضوا حتى يتبع ملتهم، فكيف يسلمون؟!.\nهذا؛ والملّة بكسر الميم: الطريقة، والشريعة، والدّيانة، وهي بفتح الميم: الرّماد الحار، وقد تمسّك بهذه الآية جماعة من العلماء، منهم أبو حنيفة، والشافعي على أنّ الكفر ملّة واحدة، لقوله تعالى: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ فوحّد الملّة، وبقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ولقول النبي ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر». وذهب مالك، وأحمد إلى أنّ الكفر ملل، فلا يرث اليهوديّ النّصرانيّ، ولا يرثان المجوسيّ، والعكس كذلك، أخذا بظاهر قول النبي ﷺ: «لا يتوارث أهل ملّتين». وأما قوله تعالى:\n ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ فالمراد: الكثرة، وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول:\nأخذت عن علماء المدينة علمهم، وسمعت عنهم حديثهم، يعني: علومهم، وأحاديثهم. قرطبي.\n ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ أي: ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدّعيه هؤلاء، والمراد دين الإسلام، الذي ارتضاه الله لنفسه، وللناس أجمعين، حيث قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾.\n ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ:﴾ في هذا الخطاب وجهان: أحدهما: أنه للرّسول ﷺ على سبيل الفرض، والتقدير؛ أي: إن حصل منك ذلك. والثاني: أنّه للرسول، والمراد أمّته، وفيه تأديب لهم، وتهذيب لهم. وسبب نزول الآية: أن علماء اليهود، والنّصارى،","vol":"1","page":303},{"text":"كانوا يسألون المسالمة، والهدنة، ويعدون الرسول ﷺ بالإسلام، فأعلمه الله: أنّهم لن يرضوا عنه حتى يتّبع ملتهم، وأمره بجهادهم.\nالإعراب: ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال.\n ﴿تَرْضى:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾) علامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَنْكَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْيَهُودُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿النَّصارى:﴾ معطوف على:\n ﴿الْيَهُودُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر؛ بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَتَّبِعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد حتّى، والفاعل تقديره:\nأنت، و«أن» المضمرة، والفعل: ﴿تَتَّبِعَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَرْضى﴾. ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هُدَى:﴾\nاسمها منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿هُدَى﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْهُدى:﴾ خبره مرفوع..، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\nهذا؛ ويجوز اعتبار الضمير توكيدا لاسم ﴿إِنَّ﴾ على المحل كما يجوز اعتباره ضمير فصل، وعليهما فخبر ﴿إِنَّ﴾ هو ﴿الْهُدى،﴾ وجملة: ﴿قُلْ..﴾. مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها.\n ﴿وَلَئِنِ﴾ الواو حرف استئناف، واللام موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿اِتَّبَعْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. و﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿جاءَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد إلى الموصول، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم فيه. ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [١٠٧] وهي هنا جملة اسمية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المدلول عليه باللام، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسّابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ..﴾. مستأنف لا محل له.","vol":"1","page":304},{"text":"<span id=\"aya-128\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: هم أصحاب محمد ﷺ والكتاب على هذا التأويل: القرآن، وقال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: هم من أسلم من بني إسرائيل، والكتاب: على هذا التأويل: التوراة، والآية تعمّ. انتهى قرطبي. وقال ابن عباس -﵄-: نزلت في أهل السفينة الّذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا أربعين رجلا: اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة، وثمانية من رهبان الشام، منهم بحيرا الرّاهب. انتهى.\nخازن. وهو غير مسلم قطعا، وهل عاش بحيرا الراهب إلى زمن رجوع جعفر من الحبشة؟ وما الذي ذهب به إلى الحبشة، ثمّ أتى إلى الشام؟.\n ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أي: يقرءونه كما أنزل، لا يغيّرونه، ولا يحرفونه، ولا يبدلون ما فيه من نعت الرسول ﷺ. وقيل: معناه: يتبعونه حقّ اتباعه، فيحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويقفون عنده، ويكلون علمه إلى الله تعالى. وقيل:\nمعناه: تدبّروه حقّ تدبره، وتفكّروا في معانيه، وحقائقه.\n ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: الذين يتلونه حق تلاوته يصدّقون به. فإن قلنا: إنّ الآية نزلت في أهل الكتاب؛ فيكون المعنى: إنّ المؤمن بالتوراة الذي يتلوها حقّ تلاوتها هو المؤمن بمحمّد ﷺ، لأنّ في التوراة نعته، وصفته، وإن قلنا: إنّها نزلت في المؤمنين عامة؛ فظاهر. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ:﴾ يجحد ما فيه من فرائض الله، ونبوّة محمّد ﷺ. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: خسروا أنفسهم؛ حيث استبدلوا الكفر بالإيمان.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَتْلُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المفعول الأول، أو المفعول الثاني. وقيل: في محل رفع خبر المبتدأ، ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق.\nويقال: نائب مفعول مطلق، و﴿حَقَّ﴾ مضاف، و﴿تِلاوَتِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ","vol":"1","page":305},{"text":"على اعتبار جملة (﴿يَتْلُونَهُ﴾) حالا، أو في محل رفع خبر ثان له على اعتبار الجملة الفعلية الأولى خبرا أولا، وقيل: مستأنفة، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾\nالواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): مبتدأ. ﴿هُمُ:﴾\nضمير فصل لا محل له. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، والخاسرون خبر عنه؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشّرط، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا.\nوالجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-129\"></span>﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢)﴾\nانظر الآية رقم [٤٧] لشرح هذه الآية وإعرابها. قال البيضاوي: لمّا صدّر قصتهم بالأمر بذكر النّعم، والقيام بحقوقها، والحذر من إضاعتها، والخوف من السّاعة، وأهوالها؛ كرّر ذلك، وختم به الكلام معهم مبالغة في النّصح، وإيذانا بأنه فذلكة القصّة، والمقصود من القصّة، انتهى.\n<span id=\"aya-130\"></span>﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾\nانظر الآية رقم [٤٨] لشرح هذه الآية وإعرابها، وقال الخازن: وفي هذه الآية عظة لليهود الذين كانوا في زمن الرّسول ﷺ. وكرّرها في أول السّورة، وهنا للتّوكيد، وتذكير النّعم. انتهى.\n<span id=\"aya-131\"></span>﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ (١٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذِ ابْتَلى:﴾ قال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير والشرّ، وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان، والحارث بن عوف المرّيين: [الطويل]\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو\nفجمع بين اللّغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشرّ: بلوته، وفي الاختبار:\nابتليته، وبلوته. قاله النّحاس، والابتلاء في الأصل: الشّيء الشاقّ. والابتلاء يكون في الخير،","vol":"1","page":306},{"text":"والشرّ، وقال تعالى في حقّ بني إسرائيل: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ وأصل الابتلاء: الامتحان، والاختبار؛ ليظهر للناس حال الإنسان، والله تعالى عالم بحال الإنسان من الأزل إلى الأبد، فالمراد: أنه عامله معاملة المختبر؛ ليظهر ذلك للخلق.\nهذا؛ ولقد اختلف في الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فقال عكرمة: عن ابن عبّاس﵄-: هي ثلاثون من شرائع الإسلام:\nعشر في (براءة): ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ الآية رقم [١١٢]، وعشر في (الأحزاب): ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ..﴾.\nإلخ الآية رقم [٣٥] وعشر في (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ..﴾ .. وقال طاوس-رحمه الله تعالى -عن ابن عباس﵄-: ابتلاه الله بعشرة أشياء هي الفطرة: خمس في الرأس الشّامل للوجه: قصّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وخمس في الجسد: تقليم الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، والاستنجاء بالماء. وإنّي أعتمد هذا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nوفي الصّحيحين عن أبي هريرة﵁عن النّبيّ ﷺ قال: «الفطرة خمس:\nالختان، والاستحداد، وقصّ الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط». وفي الخبر: أنّ إبراهيم ﵇ أول من قص الشارب، وأول من اختتن، وكان عمره ثمانين سنة، في رواية ثانية:\nمائة وعشرين سنة، وهو أول من قلّم الأظفار، وأوّل من رأى الشيب، فلمّا رآه؛ قال: يا ربّ، ما هذا؟ قال: الوقار، قال: يا ربّ زدني وقارا. ﴿فَأَتَمَّهُنَّ:﴾ قام بهن على الوجه الأكمل. ﴿قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا:﴾ قدوة في الخير، فالمعنى: جاعلك للناس إماما يأتمّون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصّالحون، فجعله الله تعالى إماما لأهل طاعته، فكذلك اجتمعت الأمم على الدّعوى فيه. هذا؛ والإمام: الطريق. والكتاب: إمام. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾. ولا تنس دعوة عباد الرحمن في سورة (الفرقان): ﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا﴾ فعلم:\nأنّ المراد من الإمامة في الآية الكريمة الإمامة في الدّين، والطاعة، والعبادة، ولو كانت الإمامة الدّنيوية؛ لخالف ذلك الواقع؛ إذ نالها كثير من الظالمين.\n ﴿قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي:﴾ أي: نسلي، وعقبي، وهي تقع على الجمع كما هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾. وتقع على الواحد، كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا ﵊: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ قيل: هي مشتقة من الذّرا بفتح الذال، وهي كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظلّ فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، وتحت حمايته، وهو بضم الذّال: أعلى الشيء. وقيل: مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾.","vol":"1","page":307},{"text":"﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ:﴾ المراد بالعهد: النّبوة، والإمامة، والقدوة الحسنة. هذا؛ وقرئ: («الظالمون») والمعنى لا يتغيّر؛ لأن من نالك؛ فقد نلته، ومن نلته؛ فقد نالك.\nهذا؛ و(﴿إِبْراهِيمَ﴾) اسم عجمي، ومعناه: أب رحيم، وهو إبراهيم بن تارخ، وهو آزر بن ناخور ابن شاروع، بن أرغو بن فالغ، بن عابر، بن شالح، بن أرفحشد بن سام بن نوح ﵇، وقد ولد بحرّان من أرض العراق، ولكن نقله أبوه إلى أرض بابل، وهي أرض نمرود الجبّار، وإبراهيم- على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يعترف بفضله جميع الطوائف البشرية قديما، وحديثا، فأمّا اليهود، والنّصارى؛ فإنّهم مقرّون بفضله، ويتشرفون بالانتساب إليه، وأنهم أولاده، وأمّا العرب في الجاهلية؛ فإنهم يعترفون أيضا بفضله، ويتشرفون بالانتساب إليه أيضا؛ لأنهم أولاده.\nومن ساكني حرمه، وخدّام بيته. ولمّا جاء الإسلام؛ زاده الله شرفا، وفضلا.\nهذا؛ ومناسبة الآية والتي بعدها لما قبلها: أنّ الله تعالى لما ذكر في الآيات السابقة نعمه على بني إسرائيل، وبيّن كيف كانوا يقابلون النّعم بالكفر، والعناد، ويأتون المنكرات في الأقوال، والأعمال؛ وصل حديثهم بقصّة إبراهيم أبي الأنبياء الّذي يزعم اليهود، والنصارى انتماءهم إليه، ويقرّون بفضله وشرفه، ولو كانوا صادقين؛ لوجب عليهم اتباع محمد ﷺ، ودخولهم في دينه القويم؛ لأنه أثر دعوة إبراهيم الخليل حين دعا لأهل الحرم، ثم هو من ولد إسماعيل ﵇، فكانوا أولى بالاتباع، والتمسّك بشريعته الحنيفية السّمحة التي هي شريعة إبراهيم على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَإِذِ:﴾ الواو: حرف عطف؛ إذا كان الكلام موجها إلى اليهود، وحرف استئناف؛ إذا كان موجها للنّبي ﷺ. (﴿إِذِ﴾): ظرف لما مضى من الزمان متعلّق بفعل محذوف، تقديره: اذكروا، أو: اذكر حسب المراد من الكلام، كما ترى، مبني على السكون في محل نصب. وقيل: هو في محل نصب مفعول به للفعل المقدّر، وانظر الشرح والإعراب في الآية رقم [٣٠]. ﴿اِبْتَلى:﴾ فعل ماض. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به، وهو واجب على التقديم على الفاعل هنا عند جمهور النّحاة؛ لأنه متى اتصل بالفاعل ضمير يعود إلى المفعول وجب تقديمه لئلا يعود الضّمير على متأخر لفظا، ورتبة. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذِ﴾) إليها. هذا؛ وقرئ برفع («إبراهيم») ونصب («ربّه») على أنه دعا ربّه، وهي قراءة شاذة قراءة وعربيّة لعود الضمير حينئذ على متقدم لفظا ورتبة، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوشاع نحو خاف ربّه عمر... وشذّ نحو زان نوره الشّجر\nفالشّطر الأول للقراءة الأولى، وهي سبعية، والشّطر الثاني للقراءة الثانية الشّاذة، انظر الشاهد رقم [٣٠٨] وما بعده من كتابنا: «فتح ربّ البرية»؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"1","page":308},{"text":"﴿بِكَلِماتٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (أتمّهن): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّهُ،﴾ ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿جاعِلُكَ:﴾ خبر: (إنّ) والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأوّل، وفاعله مستتر فيه، تقديره: أنا. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿إِمامًا﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا».\nوهذا أقوى من تعليقهما ب (جاعل). ﴿إِمامًا:﴾ مفعول به ثان ل (جاعل). وجملة: ﴿إِنِّي..﴾.\nإلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ إِنِّي...:﴾ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾): متعلقان بفعل محذوف، تقديره: اجعل من بعض ذريتي إماما، وهذا كعطف التلقين، كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيدا؛ أي: أكرم زيدا، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ولا تنس أنّ الجار والمجرور في محل نصب مفعول به أوّل، والمفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير: اجعل بعض ذريتي إماما، وقدّره أبو البقاء: اجعل فريقا من ذريتي إماما، والفعل المقدّر، ومفعولاه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ:﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر، كالجملة السابقة، واللاحقة. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنالُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَهْدِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلّم... إلخ. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، وعلى قراءته بالواو فيكون فاعلا، و﴿عَهْدِي﴾ مفعولا به، وجملة: ﴿لا يَنالُ..﴾. في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-132\"></span>﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْنًا وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ:﴾ اسم غالب للكعبة، كالنّجم للثّريا. ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ:﴾ أي:\nمرجعا، يقال: ثاب، يثوب، مثابا، ومثابة، وثئوبا، وثوبانا، فالمثابة مصدر وصف به، ويراد به الموضع يثاب إليه؛ أي: يرجع إليه، قال ورقة بن نوفل: [الطويل]\nمثابا لأفناء القبائل كلّها... تخبّ إليها اليعملات الذّوامل\nويحتمل أن يكون مصدرا من الثّواب، أي: يثابون هناك. وقال مجاهد: لا يقضي أحد منه وطرا. قال الشاعر: [الرمل]","vol":"1","page":309},{"text":"جعل البيت مثابا لهم... ليس منه الدّهر يقضون الوطر\nهذا؛ والأصل: مثوبة، فقل في إعلاله اجتمع معنا حرف صحيح وساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الثاء قبلها بعد سلب سكونها. ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. ومثله (﴿مَقامِ﴾) في إعلاله. ﴿وَأَمْنًا:﴾ مأمنا لأهله من الظلم والاعتداء، والغارات التي تقع في غيره، كان الرجل يرى فيه قاتل أبيه، فلا يزعجه لحرمة الحرم، قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٧].\n ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾.\n ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى:﴾ مكانا للصلاة، وقيل: مكان دعاء، فهو بمعنى: مدّعى، ومقام إبراهيم: هو الحجر الذي وقف عليه عند بناء الكعبة المعظمة، وأصله من الجنّة كالحجر الأسود، وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «إنّ الركن، والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنّة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما؛ لأضاء ما بين المشرق، والمغرب» أخرجه الترمذيّ، قال: وهذا يروى عن ابن عمر موقوفا.\n ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ﴾ أي: أمرناهما، وألزمناهما، وأوجبنا عليهما. قيل: إنما سمي إسماعيل؛ لأن إبراهيم كان يدعو له الناس أن يرزقه ولدا، ويقول في دعائه: اسمع يا إيل، وإيل بلسان السريانية: هو الله، فلما رزق الولد؛ سماه به. ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ:﴾ يعني الكعبة المعظمة، أضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما وتفضيلا وتخصيصا، أي: ابنياه على الطهارة، والتوحيد. وقيل: طهراه من سائر الأقذار، والأنجاس، وقيل: طهراه من الشرك، والأوثان، وقول الزّور ﴿لِلطّائِفِينَ:﴾ الذين يطوفون حوله. (﴿الْعاكِفِينَ﴾): المقيمين في الحرم حول البيت، والعكوف: اللزوم والإقبال على الشيء، قال العجاج يصف ثورا: [الرجز]\nفهنّ يعكفن به إذا حجا... عكف النّبيط يلعبون الفنزجا\nالفنزجة، والفنزج: رقص العجم إذا أخذ بعضهم يد البعض؛ وهم يرقصون، ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: المصلون، جمع راكع، وجمع ساجد، وقال تعالى في سورة (الحج): ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.\nتنبيه: جاء في البخاري: أن المقام هو الحجر، الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت، وغرقت قدماه فيه، قال أنس﵁-: رأيت في المقام أثر أصابعه، وعقبه، وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم.\nتنبيه: هذه الآية من الآيات التي وافقت رأي عمر﵁قال: يا رسول الله! لو صلّيت خلف المقام، فنزلت الآية الكريمة.","vol":"1","page":310},{"text":"تنبيه: ذكر العلامة ابن القيّم-رحمه الله تعالى-أنّ السرّ في تفضيل البيت العتيق ظاهر في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب، ومحبتها له، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهم يثوبون إليه من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرا، بل كلّما ازدادوا له زيارة؛ ازدادوا اشتياقا، قال الشاعر: [البسيط]\nلا يرجع الطّرف عنها حين يبصرها... حتّى يعود إليها الطّرف مشتاقا\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ معطوفة على مثلها في الآية السابقة. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل وفاعل، وهو بمعنى: صيرنا هنا، فلذا نصب مفعولين. ﴿الْبَيْتَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَثابَةً:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال إذا كان الفعل بمعنى: خلقنا. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَثابَةً﴾ أو بمحذوف صفة له، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿جَعَلْنَا﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها.\n ﴿وَأَمْنًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَاتَّخِذُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِتَّخِذُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والنون فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ مَقامِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وإن علقتهما بمحذوف حال من: ﴿مُصَلًّى﴾ كما رأيت في الآية السابقة؛ فلست مفندا، وبعضهم يعتبر (من) زائدة في الإيجاب، ومقام مفعولا به، وهو غير مسلّم لهم، و﴿مَقامِ:﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة (﴿اِتَّخِذُوا..﴾.) إلخ: في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تقديره: قلنا:\nاتخذوا... إلخ وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنَا؛﴾ فهي في محل جر مثلها، وهناك أقوال أخرى لا وجه لها أبدا. هذا؛ وقد قرئ الفعل بصيغة الماضي، وفي هذه الجملة حينئذ ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنَا،﴾ فهي في محل جر مثلها، ويكون الكلام جملتين: والثاني: أنها معطوفة على: جملة محذوفة، التقدير: فثابوا، واتخذوا. وفي هذين الوجهين تكلّف لا داعي له.\nوالثالث: أنها معطوفة على مجموع: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا..﴾. إلخ، فيحتاج إلى تقدير: أي: وإذ اتخذوا... ﴿مُصَلًّى:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.\n (﴿عَهِدْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿إِلى إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِسْماعِيلَ:﴾ معطوف على ما قبله فهو مجرور مثله، وعلامة الجر فيهما مثل: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ السابق. ﴿أَنْ:﴾ مفسرة؛ لأن في:\n (عهدنا): معنى القول، وقيل: مصدرية، ولا أعتمده. ﴿طَهِّرا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿بَيْتِيَ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لِلطّائِفِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، واللام بمعنى: من أجل. ﴿وَالْعاكِفِينَ:﴾ معطوف على ما","vol":"1","page":311},{"text":"قبله مجرور مثله، وعلامة الجر فيهما الياء؛ لأنّهما جمعا مذكر سالمان، وعطف (﴿الْعاكِفِينَ﴾) على (الطائفين) لتباين ما بينهما، بخلاف (الركع) و(السجود) فإنّ المراد بهما شيء واحد، وهو الصّلاة؛ إذ لو عطف؛ لتوهم: أنّ كلاّ منهما عبادة على حيالها. هذا؛ والصّفات كلها لموصوف محذوف، وجملة: ﴿طَهِّرا﴾ لا محل لها؛ لأنها تفسير لقوله: (﴿عَهِدْنا﴾). هذا قول الجمهور، وقال الشلوبين: بحسب ما تفسره. وهو جيد. وجملة: (﴿عَهِدْنا﴾) معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنَا﴾ فهي في محل جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-133\"></span>﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: ذا أمن، يأمن فيه أهله. وإنّما دعا إبراهيم له بالأمن؛ لأنه بلد ليس فيه زرع، ولا ثمر، وإذا لم يكن آمنا؛ لم يجلب إليه شيء من النواحي البعيدة، فأجاب الله دعاء إبراهيم له بالأمن، فما قصده جبّار، إلا قصمه الله تعالى، كما فعل بأصحاب الفيل.\nقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فروي: أنه لمّا دعا بهذا الدّعاء؛ أمر الله تعالى جبريل ﵇، فاقتلع الطّائف من الشّام، فطاف بها حول البيت أسبوعا، فسمّيت الطّائف لذلك، ثم أنزلها تهامة، وكانت مكّة وما يليها حين ذلك قفرا، لا ماء، ولا نبات، فبارك الله فيما حولها، كالطّائف، وغيرها، وأنبت فيها أنواع الثّمار. ثمّ قال: ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على الأمن في مكة ما شوهد من أمر الصيد فيها، فيجتمع فيها الكلب، والصيد، فلا يهيج الكلب الصّيد، ولا ينفر منه؛ حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب على الصيد، وعاد إلى النفور، والهرب. انتهى.\nوفي بيان هذا الأمن قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاها». فقال العباس﵄-: يا رسول الله! إلا الإذخر، فإنّه لقينهم، ولبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر». أخرجه البخاريّ، ومسلم عن عبد الله بن عبّاس، ﵁. والقين: الحدّاد، ويختلى خلاه: يقطع النبات الّذي ينبت بنفسه.\n ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ليقبلوا على طاعتك، ويتفرّغوا لعبادتك. وخصّ بدعوته المؤمنين فقط. قال الخليل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف","vol":"1","page":312},{"text":"سلام-: الرزق على الإمامة، فنبهه الله على أنّ الرزق رحمة دنيوية شاملة للمؤمن، والكافر، والبرّ، والفاجر بخلاف الإمامة. فإنّها خاصّة بالخواص من المؤمنين، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ أي: وأرزق من كفر أيضا، كما أرزق المؤمن، والمعنى: أأخلق خلقا، ثمّ لا أرزقهم؟! أما الكافر فأمتعه في الدّنيا متاعا قليلا، وذلك مدّة حياته فيها. ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ:﴾ ثم ألجئه في الآخرة، وأسوقه إلى عذاب النّار، فلا يجد عنها محيصا، ولا مهربا، والمضطر: هو الذي لا يملك لنفسه الامتناع ممّا اضطر إليه. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ:﴾ وبئس المآل، والمرجع للكافر أن يكون مأواه نار جهنم. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (الحج)، وقال الرسول ﷺ:\n «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه؛ لم يفلته»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ رقم [١٠٢] من سورة (هود). رواه أبو موسى الأشعري﵁والظالم قد يكون من المسلمين، كما ذكرته لك مرارا، وقد يكون أخبث من الكافر، وأشدّ مكرا، وخداعا.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ:﴾ هذا الكلام معطوف على مثله في الآية رقم [١٢٤] وجملة:\n ﴿قالَ إِبْراهِيمُ:﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿رَبِّ﴾ منادى حذف منه حرف النداء منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف... والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وانظر ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥٤] فيجوز في ﴿رَبِّ﴾ ما جاز فيه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول.\n ﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أوّل، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَلَدًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة:\n ﴿اِجْعَلْ..﴾. في محل نصب مقول القول. ﴿وَارْزُقْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اُرْزُقْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَهْلَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: (﴿اُرْزُقْ﴾): معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿أَهْلَهُ﴾ بدل بعض من كل. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنَ﴾ لا محل لها.\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(﴿مِنَ﴾) بيان لما أبهم في ﴿مِنَ﴾.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على (الله)، ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة اليوم.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف معطوف بالواو العاطفة على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ عطف تلقين،","vol":"1","page":313},{"text":"كأنه قيل: وأرزق من كفر، وهذا المحذوف مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره: أنا، وجملة ﴿كَفَرَ﴾ مع فاعله المستتر، ومتعلقه المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجوز أن تكون (﴿مِنَ﴾) نكرة موصوفة فتكون الجملة الفعلية صفة لها.\n (أمتعه): مضارع، والفاعل تقديره: أنا، والهاء مفعوله. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف؛ أي: تمتيعا قليلا، أو: صفة زمان محذوف، أي: زمانا قليلا، وجملة: ﴿فَأُمَتِّعُهُ...:﴾\nمعطوفة على جملة: «أرزق من كفر». هذا؛ ويجوز أن تكون (من): موصولة، أو شرطية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرَ:﴾ صلتها، أو شرطها، وجملة: (أمتعه) خبره والفاء صلة على اعتبار (﴿مِنَ﴾) موصولا، وهي رابطة للجواب على اعتبار (﴿مِنَ﴾) شرطا، وجملة (أمتعه) في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: (أنا أمتعه) وعليه فالجملة اسمية لا فعلية، وهي في محل جزم جواب الشرط. وجملة: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ﴾ معطوفة على جملة:\n (أمتعه) ب ﴿ثُمَّ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وجملة: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مستأنفة لا محل لها، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: هو العذاب، أو: هو النار، ونحو ذلك.\n\n<span id=\"aya-134\"></span>﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ:﴾ ﴿يَرْفَعُ:﴾ يبني، ورد التعبير بصورة المضارع حكاية عن الماضي، ولذلك وجه معروف في محاسن البيان، وهو استحضار الصورة الماضية، وكأنّما هي مشاهدة بالعيان، فكأنّ السامع ينظر، ويرى إلى البنيان وهو يرتفع، والبنّاء هو: إبراهيم، وإسماعيل، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿الْقَواعِدَ:﴾ الأسس التي ترتكز عليها الجدران، أو هي الجدران نفسها. ﴿الْبَيْتِ:﴾ الكعبة المعظمة.\nهذا وفي القسطلاني على البخاريّ ما نصّه، وبنيت الكعبة عشر مرات: الأول: بناء الملائكة، روي: أن الله تعالى أمرهم أن يبنوا في كلّ سماء بيتا، وفي كل أرض بيتا، قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتا، الثاني: بناء آدم. روي: أنه قيل له: أنت أوّل الناس، وهو أول بيت وضع للناس. الثالث: بناه ابنه شيث ﵇ بالطّين، والحجارة، فلم يزل معمورا به، وبأولاده، ومن بعدهم حتّى كان زمن نوح ﵇ فأغرقه الطّوفان، وغيّر مكانه. الرابع:\nبناء إبراهيم، وكان المبلّغ له ببنائه جبريل عن الملك الجليل، والمبلّغ، والمهندس: جبريل، والباني: الخليل، والمعين والمساعد: إسماعيل. الخامس: بناء العمالقة. السّادس: بناء جرهم، والذي بناه منهم الحارث بن مضاض الأصغر. السابع: بناه قصيّ خامس جدّ للنبي ﷺ، الثامن: بناء قريش، وحضره النّبيّ ﷺ، وهو ابن خمس وثلاثين سنة. التاسع: بناء عبد الله بن","vol":"1","page":314},{"text":"الزّبير﵄وسببه توهين الكعبة من حجارة المنجنيق الّتي أصابتها حين حوصر ابن الزّبير بمكّة. العاشر: بناء الحجّاج بعد قتل ابن الزبير، ونظم العشرة بعضهم، فقال: [الطويل]\nبنى بيت ربّ العرش عشر فخذهم... ملائكة الله الكرام وآدم\nفشيث فإبراهيم ثمّ عمالق... قصيّ قريش قبل هذين جرهم\nوعبد الإله بن الزّبير بنى كذا... بناء لحجّاج وهذا متمّم\nانتهى جمل نقلا من القسطلاني. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-: حجّ آدم البيت أربعين حجّة من الهند ماشيا على رجليه، هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] من سورة (إبراهيم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٢٤]، وجملة: ﴿يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ﴾ في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿مِنَ الْبَيْتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْقَواعِدَ،﴾ وقيل:\nمتعلقان بمحذوف صفة لها، وهذا لا يكون إلا إذا اعتبرنا (ال) للجنس، وليس الجنس مرادا هنا، وقيل: متعلقان بالفعل ﴿يَرْفَعُ﴾ وليس بالقويّ.\n ﴿وَإِسْماعِيلُ:﴾ معطوف على ﴿إِبْراهِيمُ﴾. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تَقَبَّلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه تقديره: أنت، والجملتان: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ﴾ في محل نصب مقول القول لفعل محذوف، التقدير: «يقولان ربنا...» والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من: (إبراهيم وإسماعيل)، والعامل الفعل: ﴿يَرْفَعُ﴾. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّكَ﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: الأول: اعتباره ضمير فصل لا محل له، والثاني: اعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، وعليهما ف ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبر ل (إنّ). والثالث: اعتباره مبتدأ، و﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ:﴾ خبران له، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع: (إن) والجملة الاسمية تعليل للدعاء لا محل لها، وهي بدورها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تأمل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-135\"></span>﴿رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ:﴾ مخلصين لك، من: أسلم وجهه، أو: مستسلمين، من:\nأسلم: إذا استسلم، وانقاد. والمراد طلب المزيد في الإخلاص، والإذعان، والثبات على الإسلام مقرونا بالعمل الصّالح. هذا؛ وقرئ: («مسلمين») بصيغة الجمع على أن المراد أنفسهما،","vol":"1","page":315},{"text":"وهاجر. (﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنا﴾): (﴿مِنْ﴾) للتبعيض؛ أي: واجعل بعض ذريتنا؛ لأن الله تعالى قد كان أعلمه:\nأنّ منهم ظالمين. ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ:﴾ جماعة خاضعة، منقادة لأوامرك، وإنّما خصّ الذريّة بالدّعاء؛ لأنهم أحقّ بالشّفقة، والنّصيحة، قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا﴾. ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا؛ صلح بهم غيرهم.\nهذا؛ و﴿أُمَّةً﴾ تكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حقّ إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾ رقم [١٢٠] من سورة (النّحل)، وقال رسول الله ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده»؛ لأنه لم يشرك في دينه غيره، والأمّة: الطريقة والملّة والدّين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. وكل جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾. وانظر الآية رقم [١٩٩] الآتية. والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين. والأمّة: الشّجّة التي تبلغ الدماغ، يقال: رجل مأموم، وأميم. والأمة أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة؛ أي: حسن القامة، قال الشاعر: [المتقارب]\nوإنّ معاوية الأكرمي... ن حسان الوجوه طوال الأمم\n ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا:﴾ علّمنا، وأصله: أرئينا، انظر (نرى) في الآية رقم [٥٥]، وهو هنا بمعنى:\nعرّفنا، يتعدّى لواحد فقط، ويتعدى للثاني بواسطة همزة التعدية. هذا؛ والمناسك: شرائع العبادة على اختلاف درجاتها، وتفاوت مراتبها، أو هي: مناسك الحجّ. وقيل: مذابحنا، والنّسك:\nالذبيحة، وأصل النسك: العبادة، والناسك: العابد. ويستدل بهذه الآية من يقول بتناسخ الأرواح. ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٧]. هذا؛ والمراد بقوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ طلب التثبيت على الطّاعة، والدوام على العبادة، لا لأنهما كان لهما ذنب. وقيل: المراد: البيان للناس: أنّ ذلك الموقف، وتلك المواضع مكان التنصّل من الذّنوب، وطلب التّوبة، والمغفرة.\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، وانظر الآية السّابقة. (﴿اِجْعَلْنا﴾): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: أنت. و(نا): مفعول به أول. ﴿مُسْلِمَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وجمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان ب ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿وَاجْعَلْنا﴾ معطوفة على جملة: ﴿تَقَبَّلْ﴾ في الآية السابقة، وجملة النداء: ﴿رَبَّنا﴾ معترضة لتأكيد الدعاء.\n (﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنا﴾): متعلقان بفعل محذوف، تقديره: اجعل، وهما في محل نصب مفعوله الأول.\nو(نا): في محل جر بالإضافة، ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به ثان للفعل المقدر. ﴿مُسْلِمَةً:﴾ صفة ﴿أُمَّةً،﴾ ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُسْلِمَةً﴾ أو بمحذوف صفة له. وذكر أبو البقاء وجها آخر","vol":"1","page":316},{"text":"للإعراب، لا مبرر له، وجملة: «اجعل من ذريتنا» معطوفة على الجملة السابقة، فهي داخلة في المقول، (أرنا): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. و(نا): مفعول به أول. ﴿مَناسِكَنا:﴾ مفعول به ثان. و(نا):\nفي محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وكذلك جملة: ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ معطوفة أيضا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ انظر الآية السابقة، فهي مثلها بلا فارق.\nتنبيه: بالإضافة لما ذكرته في سورة (إبراهيم) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام أذكر هنا ما يلي: ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵊، وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين، وقد نقل معهم الحجارة، وله ﷺ من العمر خمس وثلاثون سنة.\nقال محمّد ابن اسحاق في السيرة: ولمّا بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبناء الكعبة، وكانوا يهابون هدمها، وقد كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها، وتسقيفها، وذلك: أن نفرا سرقوا كنزا للكعبة، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدّة لرجل من تجّار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها، فأعدّوه لتسقيفها، وكان بمكّة رجل قبطيّ نجّار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها.\nوكانت حيّة تخرج من بئر الكعبة، فتتشرّق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك:\nأنها كانت لا يدنو منها أحد إلا احزألّت (ارتفعت، واشتدّت للوثوب) وكشّت، وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما تتشرّق على جدار الكعبة ذات يوم، كما كانت تصنع؛ بعث الله إليها طائرا، فاختطفها، وذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا (أي: من هدم الكعبة وبنائها) عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحيّة، فلمّا أجمعوا أمرهم في هدمها، وبنائها؛ قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش! لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيه مهر بغيّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.\n\n<span id=\"aya-136\"></span>﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني: محمدا ﷺ، فقد روى خالد بن معدان﵁أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ، قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك، قال: «نعم: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى». وروى الإمام أحمد، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي عند الله لخاتم النّبيّين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأوّل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمّي الّتي رأت، وكذلك أمهات النبيّين يرين». هذا؛ وبشارة","vol":"1","page":317},{"text":"عيسى ﵇ هي قوله تعالى حكاية عن قوله حيث قام خطيبا في بني إسرائيل، فقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. ورؤيا أمّة كانت مناما، رأته حين حملت به، وقصّته على قومها. فشاع فيهم، واشتهر بينهم.\n ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ:﴾ يقرأ عليهم آيات الكتاب الذي تنزّله عليهم، والمراد: القرآن الكريم الذي نزل على قلب الرسول ﷺ. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: القرآن، وهو آيات الله المذكورة، فعلى ذلك فهو من اختلاف اللفظ، واتحاد المعنى. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ المعرفة بالدّين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو منحة، ونور من الله تعالى، قاله مالك، وقال أبو بكر بن دريد: هي كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٨] فإنه جيد والحمد لله. ﴿يُزَكِّيهِمْ:﴾ يطهرهم من الشرك، والمعاصي، وسوء الأخلاق، والطباع. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ الغالب الذي لا يقهر، ولا يغلب على ما يريد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ،﴾ ومن قول الخنساء﵂-: [المتقارب]\nكأن لم يكونوا حمى يتّقى... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦٨] فإنه جيد، والحمد لله!\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. (﴿اِبْعَثْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\nأنت. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَسُولًا﴾ وبمحذوف صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تَقَبَّلْ..﴾.\nإلخ في الآية رقم [١٢٧] فهي داخلة معها في المقول. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولًا،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿رَسُولًا﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بالجار والمجرور بعده. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتِكَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، (﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾): فعل مضارع ومفعولاه، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولًا،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وأيضا جملة: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ وما يتعلق بالفعل معطوفة عليها. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ انظر الآية رقم [١٢٧] فهو مثله بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-137\"></span>﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ أي: لا يرغب، فالاستفهام بمعنى النّفي. هذا؛ والفعل: «يَرْغَبُ» يتغيّر معناه بتغير الجار الذي يتعلق به، تقول: رغبت عن الشيء: إذا كرهته، ولم تحبّه.","vol":"1","page":318},{"text":"ورغبت فيه: إذا أردته، وأحببته، ولذا كان قول القائل-وهو الشاهد رقم [٩٢٥] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم\nمحتملا للمدح والذمّ بسبب تقدير الجار والمجرور، كما يجوز تقدير (عن) أو (في) في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ومثل يرغب: ادّعى، يقال: ادّعى فلان في بني هاشم: إذا انتسب إليهم، وادّعى عنهم: إذا عدل بنسبه عنهم. ومثله: عدل، ومال، وانحرف، وغير ذلك كثير، وهذا ممّا يدلّ على اتساع اللغة العربية. ﴿مِلَّةِ إِبْراهِيمَ:﴾ دينه، وطريقته، وشريعته. هذا؛ والملة بفتح الميم: الرّماد الحار.\n ﴿إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ:﴾ استمهنها، وأذلّها، واستخفّ بها. قال المبرد، وثعلب: سفه بالكسر متعدّ، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء عن النبي ﷺ: «الكبر أن تسفه الحقّ، وتغمص النّاس» أي: تحتقرهم، والأول من باب: طرب، والثاني من باب: ظرف. هذا؛ وجاء في المختار:\nوقولهم: سفه نفسه، وغبن رأيه، وبطر عيشه، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، كان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلمّا حوّل الفعل إلى الرّجل؛ انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه؛ لأنّه صار في معنى سفّه نفسه بالتّشديد. هذا قول البصريين، والكسائي، ويجوز عندهم تقديم هذا المنصوب، كما يجوز: غلامه ضرب زيد. وقال الفرّاء: لمّا حوّل الفعل من النفس إلى صاحبها؛ خرج ما بعده مفسّرا ليدلّ على أنّ السّفه فيه، وكان حكمه من النفس سفه زيد نفسا؛ لأنّ المفسّر لا يكون إلا نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونصب، كنصب النّكرة تشبيها بها، ولا يجوز عنده تقديمه؛ لأن المفسّر لا يتقدّم، ومثله قولهم: ضقت به ذرعا، وطبت به نفسا، والمعنى: ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به. انتهى بحروفه.\n ﴿اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا﴾ اخترناه على غيره بالرّسالة والخلّة. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي:\nالذين لهم الدّرجات العلى. هذا؛ والصّلاح درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سأل الله هذه المنزلة يوسف الصدّيق، عليه وعلى نبينا، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام، سأله هذه المنزلة قبل وفاته، وقد حكى القرآن ذلك عنه: ﴿*رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وسألها إبراهيم ﵇، وحكاها القرآن عنه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ سورة (الشعراء). وطلبها سليمان ﵇، وحكاها القرآن الكريم عنه: ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ سورة (النمل)، وقال تعالى في حقّ إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.","vol":"1","page":319},{"text":"تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة: أن عبد الله بن سلام﵁كان من أحبار اليهود، وقد أسلم، ودعا ابني أخيه إلى الإسلام، وهما: مهاجر، وسلمة، فقال لهما: قد علمنا: أن الله تعالى قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيّا اسمه أحمد، فمن آمن به؛ فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به، فهو ملعون. فأسلم سلمة، وامتنع مهاجر عن الإسلام، فنزلت الآية الكريمة. والعبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، فهو تعريض، وتوبيخ لليهود، والنصارى، ومشركي العرب؛ لأنّ اليهود، والنّصارى يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم؛ لأنهم من بني إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والعرب يفتخرون به؛ لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وإذا كان كذلك كان إبراهيم هو الذي طلب بعثة الرسول في آخر الزمان، فمن رغب عن الإيمان بهذا الرسول، الذي هو دعوة إبراهيم؛ فقد رغب عن ملّة إبراهيم. انتهى الخازن، وغيره.\nهذا؛ وروى حجّاج بن حجّاج الأحول المعروف ب «زق العسل» قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: اللهم إنّ الصّالحين أنت أصلحتهم، ورزقتهم أن عملوا بطاعتك، فرضيت عنهم، اللهم كما أصلحتهم، فأصلحنا، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك، فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك، وارض عنّا.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْغَبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: هو، يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، ﴿عَنْ مِلَّةِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿مِلَّةِ﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿يَرْغَبُ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، أو حرف استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع بدل من الضمير المستتر في: ﴿يَرْغَبُ،﴾ أو في محل نصب على الاستثناء، ورجّح الأول؛ لأن الكلام منفي معنى.\n ﴿سَفِهَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. وقيل: ﴿نَفْسَهُ﴾ منصوب على التمييز، مثل: غبن رأيه. وألم رأسه كما قيل: هو منصوب على نزع الخافض؛ أي: سفه على نفسه، وجملة: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها.\n ﴿وَلَقَدِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، واللام واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال.\n ﴿اِصْطَفَيْناهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به: والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٥]. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّهُ﴾): حرف مشبه","vol":"1","page":320},{"text":"بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان باسم فاعل محذوف: التقدير: وإنّه صالح في الآخرة. وقيل: متعلقان بمصدر محذوف، تقديره: صلاحه في الآخرة. وهذا لأن (ال) بمعنى الموصول، والجار والمجرور صلة، ولا تتقدم الصّلة على الموصول. وقول ثالث: إنّ ﴿الصّالِحِينَ﴾ ليس بمعنى: الذين صلحوا، ولكنّه اسم قائم بنفسه، كما يقال: الرجل، والغلام، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-138\"></span>﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أي: اثبت على الإسلام، واستقم على نهجه، وطريقته، لأنه كان مسلما، ولأن الأنبياء جميعا نشئوا على الإسلام والتوحيد. قال ابن عباس﵄-:\nقال له ذلك حين خرج من السّرب، وذلك عند استدلاله بالكواكب، والشّمس، والقمر، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وافتقارها إلى محدث مدبّر، كما ذكر الله في سورة (الأنعام) رقم [٧٥] وما بعدها، فلما عرف ذلك؛ قال له ربه: أسلم، ﴿قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: قال إبراهيم، -على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: خضعت بالطّاعة، وأخلصت العبادة لمالك الخلائق ومدبّرها، ومحدثها. هذا؛ والمراد بالإسلام: التوحيد، وليس المراد الإسلام المتعارف عليه في شريعة محمد ﷺ، وكذلك ما يذكر عن إسلام كثير من الأنبياء السّابقين، فإن المراد: التّوحيد، والاستسلام، والانقياد. هذا؛ والسّرب الذي ذكره ابن عباس﵄-: يشير إلى أنّ إبراهيم ﵇ قد ربّي خفية عن النّمرود الجبّار؛ الذي ادعى الألوهية، وأن تربية إبراهيم كانت في السّرب بعيدة عن الناس خوفا من النّمرود، فهي شبيهة بتربية موسى ﵇.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة التفات من التكلّم في الآية السابقة إلى الغيبة في هذه الآية؛ إذ كان مقتضى الكلام: «إذ قلنا...» إلخ، وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السّمع عن الضّجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقّلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختصّ كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرّر في علم البديع، ووجهه حثّ السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلّم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصّصه بالمواجهة.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان مبنيّ على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وقيل: هو ظرف للفعل ﴿اِصْطَفَيْناهُ﴾ وقيل: هو بدل من الجار والمجرور: «فى الدنيا». وهذا ضعيف جدّا.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿أَسْلِمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية","vol":"1","page":321},{"text":"في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ تقديره: هو.\n ﴿أَسْلَمْتُ:﴾ فعل وفاعل، ﴿لِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ربّ) مضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿أَسْلَمْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-139\"></span>﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَوَصّى:﴾ وقرئ: («وأوصى») والأول أبلغ. ﴿بِها:﴾ بالملّة، وقيل: بالكلمة، وهي: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ﴿إِبْراهِيمُ بَنِيهِ:﴾ بنو إبراهيم هم: إسماعيل وأمّه هاجر، ولد قبل: إسحاق بأربع عشرة سنة، وعاش مائة وسبعا وثلاثين سنة، وكانت سنّه يوم مات أبوه تسعا وثمانين سنة، وإسحاق وأمّه سارة، وعاش مائة وثمانين سنة، ثمّ لمّا توفيت سارة تزوج إبراهيم ﵇ قطورا بنت يقطن الكنعانية، فولدت له مدين، ومديان، ويقشان، وزمران، ويشبق، وسوح، فهم ستة مع الاختلاف في تسميتهم بحسب الروايات. ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ أي: أوصى بنيه، وهم اثنا عشر ولدا، وهم: روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وريالون، ويشجر، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ويوسف، وبنيامين، ولا تنس أن يعقوب ولد في حياة إبراهيم جدّه، وهو النافلة بنصّ القرآن.\n ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ: هذا من وصية يعقوب لبنيه، وأصل بنيّ: «بنين لي» فحذفت اللام الجارة، ثم حذفت النون للإضافة، ثم أدغمت ياء المتكلم في ياء الجمع. و﴿اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ:﴾ اختار لكم دين الإسلام، وهو التوحيد، الذي ذكرته فيما مضى. ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: الزموا الإسلام، ودوموا عليه، ولا تفارقوه حتّى تموتوا، فالنّهي في اللفظ عن الموت على غير الإسلام، وهو في المعنى على غير ذلك؛ إذ المعنى: لا تفارقوا الإسلام حتى تموتوا، كما في قولك: لا تصلّ إلا وأنت خاشع، والمعنى: صلّ الصّلاة مقترنة بالخشوع، وهذه الجملة مذكورة في سورة آل عمران برقم [١٠٢].\nالإعراب: ﴿وَوَصّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِبْراهِيمُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ أَسْلَمْتُ..﴾. إلخ. في الآية السابقة: لا محل لها مثلها. ﴿بَنِيهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَعْقُوبُ:﴾ معطوف على إبراهيم، فهو مرفوع مثله. وقيل: هو مبتدأ حذف خبره،","vol":"1","page":322},{"text":"التقدير: ويعقوب وصّى بنيه أيضا، والأول أقوى. هذا؛ ويقرأ بالنصب عطفا على ﴿بَنِيهِ﴾ وهو بعيد؛ لأنّ يعقوب لم يكن بين أولاد إبراهيم لمّا وصاهم. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو.\n (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جرّ بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اِصْطَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعول به، والكلام: ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ فيه وجهان: أحدهما: أنّه من مقول ﴿إِبْراهِيمُ﴾ وذلك على القول بعطف (﴿يَعْقُوبُ﴾) على ﴿إِبْراهِيمُ﴾. الثاني: أنه من مقول (﴿يَعْقُوبُ﴾) على القول برفعه على الابتداء، ويكون قد حذف مقول ﴿إِبْراهِيمُ﴾ للدّلالة عليه، وعلى كل تقدير فالكلام منصوب بقول محذوف على رأي البصريين، أي: فقال: يا بني... إلخ، وبفعل الوصية؛ لأنها في معنى القول عند الكوفيين. انتهى. جمل نقلا من السّمين.\nهذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٢]: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا..﴾. إلخ. حيث قال البصريون: إنّ قوله: ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول لقول محذوف وقال الكوفيون: في محل نصب مفعول به للفعل: (﴿نادى﴾) وخذ قول الراجز، وهو الشاهد رقم [٧٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فالقول فيه مثل الآيتين: [الرجز]\nرجلان من مكة أخبرانا... إنّا رأينا رجلا عريانا\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: أراها الفصيحة، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، ومن يجيز عطف الإنشاء على الخبر يعتبرها عاطفة. (لا): ناهية. ﴿تَمُوتُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة: فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل لها، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-140\"></span>﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾\nالشرح: روي: أن اليهود قالوا للنبيّ ﷺ: ألست تعلم: أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات؟! فنزلت الآية الكريمة، وفيها توبيخ لهم، وتقريع. ﴿شُهَداءَ:﴾ حضورا، جمع: شاهد، وشهيد. ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعد موتي. أراد تقريرهم على التوحيد، والإسلام، وأخذ","vol":"1","page":323},{"text":"ميثاقهم على الثبات عليها، وأتى ب ﴿ما﴾ التي لغير العاقل؛ لأن المعبودات في ذلك الزّمان كانت غير عاقلة، كالأوثان، والشّمس، والقمر، فعرف بنوه ما أراد، فأجابوه بالحق؛ إذ الجواب على وفق السؤال. هذا؛ وقد عدّ إسماعيل ﵇ أبا يعقوب مع كونه عمّه أخا أبيه تغليبا للأب، والجدّ، أو لأنه كالأب في التقدير والاحترام، وقد قال النبي ﷺ: «عمّ الرجل صنو أبيه». وقال في عمّه العباس: «هذا بقية آبائي». وقدّم إسماعيل على إسحاق في الذكر لسببين: أولهما: أنّه أسبق منه في الولادة بأربع عشرة سنة، وثانيهما: أنه جدّ نبينا محمد ﷺ، فاستحق التّقدير لذلك.\n ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: موحّدون، مطيعون، خاضعون، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ هذا؛ والإسلام هو ملّة الأنبياء، وطريقة الرّسل قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وذكرت لك: أنّ معنى الإسلام التّوحيد. وقال النبيّ المعظم ﷺ: «نحن معشر الأنبياء أولاد علاّت، ديننا واحد».\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي منقطعة، وبمعنى: بل، والهمزة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي: ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت، وقال لبنيه ما قال؛ فلم تدعون اليهودية عليه؟! أو هي متصلة بمحذوف، تقديره: أكنتم غائبين، أو شهداء وقت حضر... إلخ.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية معطوفة على المقدّر على الوجهين. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السّكون في محل نصب متعلّق ب ﴿شُهَداءَ﴾. ﴿حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقتها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿لِبَنِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم.\n ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ بَعْدِي:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿نَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\nنحن. ﴿إِلهَكَ:﴾ مفعول به: والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (﴿إِلهَ﴾): معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿آبائِكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ بدل من ﴿آبائِكَ﴾ بدل كل من كل، أو هو عطف بيان عليه، مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية.","vol":"1","page":324},{"text":"﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ:﴾ معطوفان على ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مجروران مثله. ﴿إِلهًا:﴾ بدل من (﴿إِلهَ آبائِكَ﴾) بدل كل من كل. ﴿واحِدًا:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ:﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَعْبُدُ﴾ المستتر، والرّابط: الواو، والضمير، وقيل: معطوفة على جملة:\n ﴿نَعْبُدُ..﴾. إلخ، والأول أقوى. وقيل: معترضة؛ ولا وجه له، والجار والمجرور: ﴿لَهُ﴾ متعلقان ب ﴿مُسْلِمُونَ﴾ بعدها.\n\n<span id=\"aya-141\"></span>﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ:﴾ الإشارة إلى إبراهيم وذريته الطّيبة، على نبينا، وعليهم أفضل الصلاة، وأتمّ التسليم، وأنث لتأنيث الخبر. ﴿أُمَّةٌ:﴾ جماعة. ﴿خَلَتْ:﴾ مضت، وأصله: خلات، حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. ﴿لَها ما كَسَبَتْ:﴾ أي ما عملت من الأعمال، وقدّمت من الصّالحات في دنياها لآخرتها. ﴿وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ:﴾ مثله، يريد من خير، وشر.\nوالمعنى: إنّ انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمال إبراهيم، وذرّيته. وإنّما تنتفعون بموافقتهم، واتّباعهم بأعمالهم، كما قال النبي ﷺ لأقربائه: «لا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالأنساب». ﴿وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا..﴾. إلخ، أي: لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾.\nهذا؛ وفي الآية دليل على: أن العبد يضاف إليه الأعمال كسبا، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، إن كان خيرا؛ فبفضله، وإن شرّا، فبعدله. وهذا مذهب أهل السنة، والآي في القرآن بهذا المعنى كثيرة، فالعبد مكتسب لأفعاله، على معنى: أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار، وحركة الرّعشة مثلا، وذلك التمكّن هو مناط التكليف، وقالت الجبرية بنفي اكتساب العبد، وأنّه كالنبات الّذي تصرّفه الرياح، وقالت القدرية، والمعتزلة خلاف هذين القولين، وأن العبد يخلق أفعاله.\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أُمَّةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، والتاء حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى: ﴿أُمَّةٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. هذا؛ وقال القرطبي: وإن شئت كانت الجملة خبر المبتدأ، وتكون ﴿أُمَّةٌ﴾ بدلا من: ﴿تِلْكَ﴾. وهذا غير مسلم له؛ لأنه لا يبدل من اسم الإشارة إلا الاسم المقرون بال. والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.","vol":"1","page":325},{"text":"﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخّر.\n ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿أُمَّةٌ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: لها الذي، أو شيء كسبته، وعلى المصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: لها كسبها، وعلى كلّ فالجملة اسمية، وهي في محل رفع صفة ثانية ل ﴿أُمَّةٌ،﴾ أو هي في محل نصب حال من فاعل:\n ﴿خَلَتْ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ:﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، و﴿ما﴾ تحتمل ما ذكرته في الأولى.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿تُسْئَلُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو: نائب فاعله. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: عن عملهم، وجملة: ﴿وَلا تُسْئَلُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل في: ﴿كَسَبْتُمْ،﴾ وهي حال مؤكدة، والرابط: الواو، والضمير، والحالية أقوى من العطف، وقال أبو البقاء: مستأنفة لا غير، ولا وجه له. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبرها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-142\"></span>﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: اليهود، والنصارى. ﴿كُونُوا:﴾ صيروا. ﴿هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا:﴾ تكونوا على الحق، وتكونوا من المهتدين. ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ..﴾. أي: قل يا محمد:\nبل نتبع ملّة إبراهيم. ﴿حَنِيفًا:﴾ أي: مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحقّ دين إبراهيم، ﵇، قال الشاعر: [الوافر]\nولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين\nورجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كلّ واحدة منهما إلى أختها بأصابعها.\nقالت أم الأحنف بن قيس: [الرجز]\nوالله لولا حنف برجله... ما كان في فتيانكم من مثله","vol":"1","page":326},{"text":"وقال قوم: الحنف الاستقامة، فسمّي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته، وسمّي المعوجّ الرّجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة كما قيل للديغ: سليم، وللمهلكة: مفازة. انتهى قرطبي. والعرب تسمّي كل من حجّ، أو اختتن: حنيفا، تنبيها على أنه على دين إبراهيم.\nهذا؛ ومناسبة الآية لما قبلها: أن الله تعالى لمّا ذكر: أنّ ملة إبراهيم هي الملة الحنيفية السمحة، وأنّ من لم يؤمن بها، ورغب عنها؛ فقد بلغ الذروة العليا في الجهالة، والسفاهة؛ ذكر تعالى في هذه الآية ما عليه أهل الكتاب من الدّعاوى الباطلة من زعمهم: أن الهداية في اتباع اليهودية، والنصرانية، وبيّن: أن تلك الدّعاوى لم تكن عن دليل، أو شبهة، بل هي مجرد جحود، وعناد. ثمّ عقّب ذلك بأنّ الدين الحق هو التمسك بالإسلام، وهو دين إبراهيم، ودين جميع الأنبياء، والمرسلين، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قالُوا﴾): ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة في المعنى على الآية رقم [١١١]، ومستأنفة في الإعراب.\n ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿هُودًا:﴾ خبر: ﴿كُونُوا:﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿نَصارى:﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿تَهْتَدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تكونوا هودا؛ تهتدوا، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، ومتعلقه محذوف. ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: بل نتبع ملّة، و﴿بَلْ﴾ حرف إضراب، وقيل: منصوب على الإغراء، وقدّر البيضاوي فعلا ناقصا: «نكون» ولا وجه له. هذا؛ وقرئ برفع: («ملّة») على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: بل ملّتنا ملة، أو: بل ملّة إبراهيم ملّتنا. و﴿مِلَّةَ﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿حَنِيفًا:﴾ حال من: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف كجزء منه، قال ابن مالك﵀في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\nوقيل: هو منصوب بإضمار: أعني، ولا وجه له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (﴿ما﴾): نافية.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود إلى إبراهيم. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور","vol":"1","page":327},{"text":"متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ والرابط:\nالواو، والضمير، وهي حال متعدّدة، ومؤكّدة لما قبلها، والجملة المقدرة: «بل نتبع ملة\nإلخ» في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-143\"></span>﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾\nالشرح: ﴿قُولُوا:﴾ أمر للرسول ﷺ ولأمته، فقد أخرج البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة﵁قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسّرونها لأهل الإسلام بالعربيّة، فقال رسول الله ﷺ: «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله. وما أنزل...» إلخ. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ..﴾. إلخ: المراد به: الصّحف التي أنزلت على إبراهيم، وقد عمل بها إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وأحفاده، وهم بالطبع أحفاد لإبراهيم، ثم صار أولاد يعقوب الاثنا عشر قبائل، يطلق عليها: الأسباط، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب من بني إسماعيل، وانظر سبب ذكر إسماعيل، وسبب تقديمه على إسحاق في الآية رقم [١٣٣].\n ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى﴾ أي: التوراة. ﴿وَعِيسى:﴾ أي: أوتي الإنجيل. ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ والمعنى: آمنا بالتوراة، والإنجيل، والكتب، والصحف التي أوتي جميع الأنبياء، والمرسلين. وصدّقنا: أن ذلك كلّه حقّ، وهدى، ونور، وأنّ الجميع من عند الله. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: لا نفعل ذلك كما فعل اليهود، والنصارى، كما قال الله فيهم: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ الآيتان [١٥٠ - ١٥١] من سورة (النساء): ﴿وَنَحْنُ لَهُ:﴾\nلله. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خاضعون، منقادون، مخلصون له في العبادة، مقرّون له بالألوهيّة، والربوبيّة.\nهذا؛ والأسباط جمع سبط، وهو ولد الولد، وهو: الحافد، والحفيد. ومنه قيل للحسن، والحسين: سبطا رسول الله ﷺ. وجمع إبراهيم: براهيم، وجمع إسماعيل: سماعيل قاله الخليل، وسيبويه، وقاله الكوفيون أيضا. وحكوا: براهمة، وسماعلة، وبراهم، وسماعل.\nوسماعيل. وجمع إسحاق: أساحيق، وجمع يعقوب: يعاقيب، وحكى الكوفيون: أساحقة، وأساحق، ويعاقبة، ويعاقب. هذا، والأسماء في هذه الآية كلها تجمع جمعا مذكرا سالما، فيقال: إبراهيمون، وإسحاقون، ويعقوبون... إلخ.\nهذا؛ وروي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: كلّ الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل،","vol":"1","page":328},{"text":"ومحمدا صلّى الله عليهم وسلم أجمعين. بعد هذا ينبغي أن تعلم أنّ هذه الآية مذكورة في سورة آل عمران برقم [٨٤] مع الاختلاف في بعض الكلمات، وبعض الحروف. والمعنى واحد مع ملاحظة: أنّ الأمر هنا موجّه إلى المسلمين عامّة، وفي سورة (آل عمران) موجّه إلى الرسول ﷺ.\nالإعراب: ﴿قُولُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُولُوا..﴾. إلخ مبتدأة أو مستأنفة لا محل لها. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على (الله). ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، والجملة الفعلية صلتها. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿إِلى إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والأسماء بعده معطوفة عليه. ﴿وَما:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) لا محل لها والعائد محذوف، التقدير: والذي أوتيه موسى وعيسى. ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ:﴾\nمعطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا ثانيا للفعل ﴿أُوتِيَ،﴾ التقدير: منزّلا من ربهم، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُفَرِّقُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: نحن. ﴿بَيْنَ﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَحَدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ وجملة: ﴿لا نُفَرِّقُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا) والرابط الضمير فقط، والجملة الاسمية: (﴿نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾) في محل نصب حال ثانية من (نا) أيضا، وهي حال مؤكدة للإيمان، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-144\"></span>﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ أي: اليهود، والنصارى. ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ولأمته. والمعنى: فإن أتوا بإيمان كإيمانكم، وتوحيد كتوحيدكم-والمراد: ما ذكر في الآية السابقة-. ولم يفرقوا بين الرّسل، وبين الكتب السّماوية. ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: أصابوا الحق، وأرشدوا إليه- ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإيمان الصحيح بعد قيام الحجة، والبرهان. ﴿فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ﴾ أي: في خلاف معكم. هذا؛ وللشقاق ثلاثة معان: أحدها: العداوة، كما في قوله","vol":"1","page":329},{"text":"تعالى حكاية عن قول شعيب لقومه: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. إلخ. والثاني: الضلال، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾. والثالث: الخلاف، كما في قوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ لأنّ كل واحد من المتشاقين يكون في شقّ غير شقّ صاحبه في ناحية وجهة، قال الشاعر: [الوافر]\nوإلاّ فاعلموا أنّا وأنتم... بغاة ما بقينا في شقاق\n ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ:﴾ وعد من الله لرسوله، وللمؤمنين بالحفظ من كيدهم، والنّصر عليهم.\nوقد حقّق الله ما وعد بقتل بعضهم، وإجلاء بعضهم، كما هو معروف، ومسطور. وفي هذا الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر الالتفات في الآية رقم [١٣١]. وهذا الحرف:\n ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ هو الذي وقع عليه دم عثمان بن عفان﵁حين قتل بإخبار النّبيّ ﷺ. ﴿السَّمِيعُ:﴾ لأقوالهم. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بأفعالهم، وما في ضمائرهم من الحقد، والحسد، والعداوة، والبغضاء. وهما صيغتا مبالغة.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع عما سبق في الآية قبلها. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿بِمِثْلِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. مثل: مجرور لفظا، صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: فإن آمنوا إيمانا مثل ما... إلخ. وقيل: (مثل) هي الصلة، والتقدير: بما آمنتم به، فعلى الأول (مثل) مضاف، و﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وعلى الثاني فالباء حرف جر، و﴿ما:﴾ اسم موصول في محل جر بالباء: والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ صلة الموصول على الوجهين السابقين، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ نكرة موصوفة؛ فالجملة صفتها. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِهْتَدَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. و(إن) ومدخولها كلام مفرع على ما قبله لا محل له من الإعراب. هذا؛ وزيادة لفظ (مثل) قيل به في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآية رقم [١١] من سورة الشورى، وبه قيل في قول أوس بن حجر: [المتقارب]\nوقتلى كمثل جذوع النّخي... ل يغشاهم مطر منهمر\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة","vol":"1","page":330},{"text":"الفعلية لا محل لها مثل سابقتها. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي شِقاقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جواب الشرط، والشرط ومدخوله معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ:﴾\nالفاء: حرف استئناف. والسين: حرف استقبال، وهو هنا متحقّق الوقوع، (يكفيكهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به أول، والهاء مفعول به ثان. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو، والضمير، وقيل:\nمستأنفة، والأول أقوى.\nتنبيه: اتصل بالفعل: (يكفي) ضميران: ضمير المخاطب، وضمير الغائب، والأول أعرف كما في قوله تعالى في سورة (هود) حكاية عن قول نوح لقومه: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ فيجب تقديم الأعرف في هذه الحالة إذا اتصلا بالفعل، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوقدّم الأخصّ في اتّصال... وقدّمن ما شئت في انفصال\nعلما بأنّ ضمير المتكلم أعرف من ضمير المخاطب، وضمير المخاطب أعرف من ضمير الغائب. هذا؛ ويجوز وصل الضميرين بالفعل: (يكفي) و(نلزم) وفصلهما. وكذلك يجوز الأمران في حال اتصالهما بالأفعال: منع وسأل، وأعطى، وكسا، وألبس. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوصل أو افصل هاء سلنيه وما... أشبهه في كنته الخلف انتمى\nكذاك خلتنيه واتّصالا... أختار غيري اختار الانفصالا\n\n<span id=\"aya-145\"></span>﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)﴾\nالشرح: ﴿صِبْغَةَ اللهِ:﴾ دين الله. قال ابن عباس﵄-: وإنّما سماه الله صبغة؛ لأن أثر الدين يظهر على المتديّن، كما يظهر أثر الصّبغ على الثّوب، وذلك بطريق الاستعارة. وقد ورد عن ابن عباس﵄قال: «إنّ بني إسرائيل قالوا: يا نبيّ الله هل يصبغ ربّك؟ فقال: اتقوا الله! فناداه: يا موسى! إن سألوك: هل يصبغ ربّك؟ فقل: نعم، أنا أصبغ الألوان: الأحمر، والأبيض، والأسود، والألوان كلّها من صبغي». والمعنى: تطهير الله، لأنّ الإيمان يطهّر النفوس. والأصل فيه: أنّ النّصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمّونه المعموديّة، ويقولون: هو تطهير لهم، فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك؛ قال: الآن صار نصرانيّا حقّا، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله، وصبغنا الله بالإيمان صبغته، ولم","vol":"1","page":331},{"text":"نصبغ صبغتكم. وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة، كقولك لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلا يصطنع الكرام. انتهى نسفي. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ أي: لا أحد أحسن من الله صبغة، أي: دينا. وقيل: تطهيرا؛ لأنّه يطهر من أوساخ الكفر. ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ مطيعون، ولا نعصيه. هذا؛ وقال بعض شعراء ملوك همدان: [المتقارب]\nوكلّ أناس لهم صبغة... وصبغة همدان خير الصّبغ\nصبغنا على ذاك أبناءنا... فأكرم بصبغتنا في الصّبغ\nالإعراب: ﴿صِبْغَةَ:﴾ مفعول مطلق، وقال أبو البقاء: انتصابه بفعل محذوف، أي: اتبعوا دين الله، وقيل: هو منصوب على الإغراء، أي: الزموا صبغة الله، وقيل: هو بدل من ﴿مِلَّةِ إِبْراهِيمَ،﴾ وقال النسفي: هو مصدر مؤكد، عن قوله: ﴿آمَنّا بِاللهِ،﴾ وهذا يعني: أنه مفعول مطلق، عامله: ﴿آمَنّا،﴾ وانظر الكلام في الشرح، والكلام اللاحق، و﴿صِبْغَةَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿مَنْ﴾):\nاسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَحْسَنُ﴾. ﴿صِبْغَةَ:﴾ تمييز، والجملة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها.\nوالجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ:﴾ معطوفة على قوله تعالى: ﴿آمَنّا بِاللهِ..﴾. إلخ في الآية رقم [١٣٦].\nوهذا العطف يدلّ على أنّ قوله: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ داخل في مفعول: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ﴾ أي:\nقولوا: هذا، وهذا. ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ وهذا يرد قول من قال: إنّ ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ بدل من: ﴿مِلَّةِ إِبْراهِيمَ﴾ أو نصب على الإغراء بمعنى: عليكم صبغة الله، لما فيه من فك النظم، وإخراج الكلام عن التئامه، وانتصابها على أنّها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام.\nانتهى. نسفي. وهو من الكشاف للزّمخشري. وقال الجمل: وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ معترض بين المعطوف، والمعطوف عليه. انتهى نقلا من أبي السعود. وهذا مبني على أنّ التقدير: صبغنا الله صبغة. وما ذكره النسفي أولى بالاعتبار.\n\n<span id=\"aya-146\"></span>﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، وتعليم له في مخاطبة اليهود الذين قالوا للمسلمين:\nنحن أهل الكتاب الأول، وقبلتنا أقدم من قبلتكم، ولم تكن الأنبياء من العرب، ولو كان محمد نبيّا؛ لكان منّا. ﴿أَتُحَاجُّونَنا:﴾ أتخاصموننا في شأن الله: أنه بعث نبيّا من العرب؟. ﴿وَهُوَ رَبُّنا﴾","vol":"1","page":332},{"text":"﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ هو مالكنا، ومالككم، ومتولي شئوننا وشئونكم. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ العبادة. ﴿وَلَنا أَعْمالُنا:﴾ نجازى عليها. ﴿وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ تجزون عليها؛ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وتكرر هذا المعنى في كثير من الآيات، كقوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ،﴾ وقال تعالى:\n ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾.\nهذا؛ والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. قال ﷺ: «إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا؛ فهو لشريكي، يا أيّها الناس! أخلصوا أعمالكم لله تعالى، فإنّ الله تعالى لا يقبل إلاّ ما خلص له، ولا تقولوا: لله، وللرّحم، فإنّها للرّحم، وليس لله منها شيء». رواه الضحاك بن قيس الفهري؛ قال: قال رسول الله ﷺ، فذكره. خرّجه الدارقطني. وقال رويم: الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عوضا في الدّارين، ولا حظّا من الملكين. وقال الجنيد رحمه الله تعالى: الإخلاص بين العبد وبين الله، لا يعلمه ملك، فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله، وذكر أبو القاسم القشيري، وغيره عن النبي ﷺ:\nأنه قال: «سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت ربّ العزّة عن الإخلاص ما هو؟ قال: سرّ من أسراري، استودعته قلب من أحببته من عبادي». انتهى قرطبي.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الزمر): ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾.\nوقد قال الرسول ﷺ: «من فارق الدّنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة؛ فارقها؛ والله راض عنه». رواه ابن ماجة، والحاكم عن أنس﵁-.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَتُحَاجُّونَنا﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (﴿تُحَاجُّونَنا﴾) فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(نا) مفعوله. ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾\nالواو: واو الحال، هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّنا:﴾ خبره، و(نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ:﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو، والضمير. ﴿وَلَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَعْمالُنا:﴾ مبتدأ مؤخّر. و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال، وأيضا الجملتان بعدها معطوفتان عليها، وإن اعتبرتها أحوالا متعددة؛ فلست مفنّدا. والجار والمجرور: ﴿لَهُ﴾ متعلقان ب ﴿مُخْلِصُونَ﴾ بعدهما.","vol":"1","page":333},{"text":"<span id=\"aya-147\"></span>﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ تَقُولُونَ:﴾ خطاب لليهود، والنصارى، وفيه توبيخ لهم. ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ:﴾ انظر الآيتين رقم [١٣٣] و[١٣٦]. ﴿كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى﴾ والمعنى: أتزعمون أنّ إبراهيم، وبنيه كانوا على دينكم، وملّتكم؟ وإنما حدثت اليهودية، والنصرانية بعدهم، فثبت كذبكم يا معشر اليهود والنصارى على إبراهيم، وبنيه. ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ أي: هل أنتم أعلم بديانتهم أم الله؟ وقد شهد الله لهم بملة الإسلام، وبرّأهم من اليهودية، والنصرانية، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ فكيف تزعمون: أنهم على دينكم؟.\n ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ﴾ أي: أخفى: قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-كانوا يقرءون في كتاب الله الذي آتاهم: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ وإنّ محمدا رسول الله، وإنّ إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط كانوا براء من اليهودية، والنّصرانية، فشهد الله بذلك، وأقرّوا على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك. انتهى. والمعنى: ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله، فكتمها، وأخفاها.\n ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تكرر ورود هذه الجملة في مواطن كثيرة من القرآن، قال أبو حيّان-رحمه الله تعالى-: ولا تأتي هذه الجملة إلا عقب ارتكاب معصية، فتجيء متضمنة وعيدا، ومعلمة: أن الله لا يترك أمرهم سدى. انتهى. والجملة فيها تهديد، ووعيد شديدان، والمعنى: أن الله لا يترك أمرهم سدى. انتهى. والمعنى: أن علمه تعالى محيط بأعمالهم صغيرها، وكبيرها، ويجزيهم بها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي تحتمل الاتصال، والانقطاع، وعلى الاتصال فهي معادلة للهمزة في قوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونَنا﴾ في الآية السابقة. ﴿تَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة على الانقطاع لا محل لها، ومعطوفة على جملة:\n ﴿أَتُحَاجُّونَنا﴾ على الاتصال، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ اسمها، والأسماء المذكورة معطوفة عليه. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿هُودًا﴾ خبر (كان) والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نَصارى:﴾ معطوف على: ﴿هُودًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.","vol":"1","page":334},{"text":"﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَأَنْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري.\n (﴿أَنْتُمْ أَعْلَمُ﴾): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي معادلة للهمزة. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، أي: الله أعلم، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة.\n ﴿كَتَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: هو، والجملة صلة: (من) أو صفتها.\n ﴿شَهادَةً:﴾ مفعول به ثان، والأول محذوف، التقدير: كتم الناس شهادة. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿شَهادَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ اللهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ثانية، وجوز تعليقهما بالفعل: ﴿كَتَمَ،﴾ ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس» ﴿اللهُ﴾ اسم (﴿مَا﴾)، ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (﴿مَا﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و(﴿مَا﴾): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء يعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جرّ ب (عن) التقدير: عن عملكم.\n\n<span id=\"aya-148\"></span>﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾\nانظر شرح هذه الآية وإعرابها برقم [١٣٤]. وكرّرت للمبالغة في التهديد، والتخويف، وللمبالغة في الزّجر عمّا هم فيه من الافتخار بالآباء، والاتكال على أعمالهم، والمعنى: إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم، وفضلهم يجازون بكسبهم؛ فأنتم أحرى.\n<span id=\"aya-149\"></span>﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾\nالشرح: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ..﴾. إلخ: السين: حرف استقبال، وهذه الآية نزلت قبل الآية رقم [١٤٤] الآتية، وهي مترتبة على ما يذكر فيها من تحويل القبلة إلى الكعبة المعظمة، فإذا هي من","vol":"1","page":335},{"text":"الإخبار بالغيب، والحكمة من الإخبار بما يقول قبل وقوعه توطين نفوس المؤمنين على الصبر؛ إذ المفاجأة بالمكروه أشد، وإعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأبلغ في الحجة، فقبل الرمي يراش السهم. وهذه الآية متقدّمة في نظم القرآن، متأخرة في النزول عن الآية التي أشرت إليها، ويعزون هذا إلى ابن عباس﵄وإلى غيره.\nفمعنى: ﴿سَيَقُولُ..﴾. إلخ: أنّهم يستمرّون على هذا القول، وإن كانوا قد قالوه. وحكمة الاستقبال: أنهم كما قالوا ذلك في الماضي، منهم من يقوله أيضا في المستقبل. انتهى ملخصا من الجمل. هذا؛ و﴿السُّفَهاءُ﴾ جمع: سفيه، وهو الجاهل، ضعيف الرأي، قليل المعرفة بالمنافع والمضار. وأصل السّفه: الخفة، والرّقة، من قولهم: ثوب سفيه: إذا كان خفيف النّسج، والمراد: اليهود، والمنافقون. ﴿ما وَلاّهُمْ:﴾ ما صرفهم. ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها:﴾\nالتي كانوا يتوجهون إليها في صلاتهم، وهي بيت المقدس.\n ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ:﴾ أي جميع جهاتها فهي ملك لله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء.\n ﴿يَهْدِي:﴾ يوجه، ويدل، ويرشد. ﴿مَنْ يَشاءُ:﴾ هدايته، وتوفيقه. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ طريق.\n ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ لا اعوجاج فيه، وانظر سورة (الفاتحة)؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وخرّج البخاري-رحمه الله تعالى-عن البراء بن عازب﵁-: أن النبي ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه أول صلاة صلاها-أي: إلى الكعبة-العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممّن كان صلى مع النبي ﷺ، فمرّ على أهل المسجد، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا، كما هم قبل البيت ففي هذه الرواية كانت الصلاة صلاة العصر، وفي رواية مالك: صلاة الصبح، وقيل: صلاة الظهر. والمراد بأهل المسجد الذين مرّ عليهم الرّجل: أهل مسجد قباء. هذا؛ وقيل: نزل ذلك على النبي ﷺ في مسجد بني سلمة، وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها، فتحول في الصلاة، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين. وكان التحوّل إلى الكعبة قبل موقعة بدر.\nهذا واختلف في اتجاه النبي ﷺ في صلاته قبل الهجرة، فقالت طائفة: إلى بيت المقدس، وبالمدينة ستة عشر شهرا، ثم صرفه الله تعالى: إلى الكعبة. قاله ابن عباس ﵄.\nوقال آخرون: أول ما فرضت عليه الصّلاة إلى الكعبة، فلمّا هاجر؛ أمر بالتوجّه إلى بيت المقدس، ثمّ صرفه الله إلى الكعبة، قال أبو عمر: وهذا أصح القولين عندي.\nوقال أبو حاتم البستي: صلّى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء، وذلك: أنّ قدومه المدينة كان يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول،","vol":"1","page":336},{"text":"وأمره الله ﷿ باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان. انتهى كلّه من القرطبي بتصرّف كبير منّي.\nالإعراب: ﴿سَيَقُولُ:﴾ السين: حرف استقبال. (يقول السّفهاء): مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿السُّفَهاءُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿وَلاّهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾)، تقديره: هو، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما وَلاّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿قِبْلَتِهِمُ﴾. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا عَلَيْها﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.\n ﴿الْمَشْرِقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ لِلّهِ..﴾.\nإلخ، مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَالْمَغْرِبُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمفعول محذوف، أي: هدايته، وتوفيقه. والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، وجملة:\n ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. وقيل: هي في محل نصب مقول القول، والأوّل أقوى. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة صراط.\n\n<span id=\"aya-150\"></span>﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الإشارة إلى مفهوم الآية السابقة؛ أي: كما جعلناكم مهديّين إلى الصّراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل؛ جعلناكم... إلخ ﴿أُمَّةً وَسَطًا:﴾ خيارا، أو عدولا مزكّيين بالعلم، والعمل. وهو يستوي فيه المذكر، والمؤنث. ولمّا جعل الله هذه الأمة","vol":"1","page":337},{"text":"وسطا؛ خصّها بأكمل الشّرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ وفي سورة (ن): ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي:\nأعدلهم، وخيرهم، وقال زهير في معلقته: [الطويل]\nهم وسط يرضى الأنام بحكمهم... إذا نزلت إحدى اللّيالي بمعظم\nوفي الحديث: «خير الأمور أوساطها». وفيه عن علي﵁-: «عليكم بالنّمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النّازل». وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء، والوسط بسكون السين: الظرف، تقول: صليت وسط القوم، وجلست وسط القوم. قال الجوهري: كل موضع صلح فيه «بين» فهو وسط، وإن لم يصلح فيه «بين» فهو وسط بالتّحريك.\nوانظر الآية رقم [٢٣٧] الآتية.\n ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ هذا يكون يوم القيامة، يوم يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم السّابقة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ فينكرون، ويقولون: ﴿ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ فيسأل الله الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا! قد بلغنا، فيسألهم البينة-وهو أعلم بهم-إقامة للحجّة، فيقولون: أمّة محمد ﷺ تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد، ﵊ فيشهدون لهم: أنهم قد بلّغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا، وإنّما كانوا بعدنا؟ فيسأل الله هذه الأمّة، فيقولون: أرسلت إلينا رسولا كريما، وأنزلت عليه كتابا مبينا، أخبرتنا فيه بتبليغ الرّسل، وأنت صادق فيما أخبرت. ثم يؤتى بمحمّد سيّد الخلق، وحبيب الحقّ، فيسأل عن حال أمّته، فيزكّيهم ويشهد بصدقهم. انتهى. خازن.\n ﴿شُهَداءَ:﴾ جمع شاهد، أو شهيد. ﴿الرَّسُولُ﴾ المراد به هنا محمّد ﷺ. ﴿الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أي: أوّلا، وهي الكعبة المعظّمة، وكان النبيّ ﷺ يتوجّه إليها في صلاته، وهو في مكّة، كما رأيت فيما سبق، فلمّا هاجر إلى المدينة المنوّرة؛ أمره ربّه باستقبال بيت المقدس، تألّفا لليهود، فصلّى مستقبلا إيّاه، كما رأيت فيما سبق، ثمّ حوّل، وهو ما تراه في الآية التالية.\n ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ..﴾. إلخ أي: لنمتحن به الناس، ونميّز من يتّبعك في التّوجه إليها ممّن يرتدّ عن دينك شكّا، وتحيّرا. وقد ارتدّ جماعة. هذا؛ والتعبير بقوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ استعارة تمثيلية؛ حيث مثّل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه. ومثل هذه الآية قوله تعالى:\n ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ الآية [١٤٠] من سورة (آل عمران)، وقوله تعالى:\n ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (محمد ﷺ).\n ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ أي: وإنّ هذا التوجه والتحويل إلى الكعبة كان امتحانا كبيرا، وشاقّا على ضعفاء الإيمان، لكنّ الذي كتب الله لهم السعادة ثبتهم على الإيمان،","vol":"1","page":338},{"text":"واتّباع الرسول ﷺ، فلم يرتابوا. هذا؛ واسم (﴿كانَ﴾) يعود إلى القبلة، أو التّحويلة، أو التولية، فلذا أنث الفعل.\n ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ أي: وما كان ليضيع ثواب صلاتكم إلى بيت المقدس. وذلك أنّ بعض اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس: إن كانت على هدى؛ فقد تحوّلتم عنه، وإن كانت على ضلالة؛ فقد دنتم الله بها مدّة، ومن مات منكم عليها؛ فقد مات على ضلالة؟! فانطلق جماعة من المسلمين إلى النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله! قد صرفك الله إلى ملّة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا، وهم يصلّون إلى بيت المقدس؟! فأنزل الله:\n ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾. انتهى جمل بتصرّف.\nهذا؛ وقد عبّر الله تعالى عن الصّلاة بالإيمان لعظم شأنها، وجلالة قدرها، وأنّها قاعدة الإسلام، وروح الإيمان. ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ الرأفة: شدة الرحمة، والعطف والحنان، وفي الصّحيح: أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت كلّما وجدت صبيّا من السّبي؛ أخذته، فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلمّا وجدته؛ ضمّته إليها، وألقمته ثديها، فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه طارحة ولدها في النّار؛ وهي تقدر على ألا تطرحه؟». قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فو الله لله أرحم بعباده من هذه بولدها!». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٦] فإنّه جيّد، والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿كَذلِكَ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَعَلْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعول به أول. ﴿أُمَّةً،﴾ مفعول به ثان. ﴿وَسَطًا:﴾ صفة.\n ﴿أُمَّةً﴾ وجملة: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، انظر تأويل الكلام في الشرح.\n ﴿لِتَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبره.\nو«أن» المضمرة والفعل: (تكونوا) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أي: جعلناكم لكونكم شهداء على الناس في المستقبل. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾\nمتعلقان ب ﴿شَهِيدًا﴾. ﴿وَيَكُونَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿الرَّسُولُ:﴾ اسمه.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿شَهِيدًا﴾. و﴿شَهِيدًا:﴾ خبر ل (﴿يَكُونَ﴾).\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْقِبْلَةَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿الْقِبْلَةَ﴾. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كُنْتَ،﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿الَّتِي،﴾ وتقدير الكلام:","vol":"1","page":339},{"text":"جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿لِنَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿مَنْ:﴾ مفعول به. وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. وجملة: ﴿يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب على الاستثناء؛ إذ المعنى: وما رددناك إلى القبلة الّتي تحب أن تستقبلها، إلا امتحانا للناس، وابتلاء؛ لنعلم.... ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان بالفعل (نعلم) ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والأول أقوى. ﴿يَنْقَلِبُ﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، والجملة الفعلية صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها. ﴿عَلى عَقِبَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما في محل نصب حال من الفاعل المستتر، التقدير: ينقلب مرتدّا على عقبيه، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (﴿ما جَعَلْنَا..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) الواقعة فاعلا؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرّابط: الواو، والضمير، وهو (نا).\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنْ﴾): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمها تقديره: هي، يعود إلى التولية المفهومة من الكلام السابق، أو إلى القبلة، والأول أقوى معنى. ﴿لَكَبِيرَةً:﴾ اللام: هي الفارقة بين «إن» النّافية، والمخفّفة المهملة. هذا؛ ويقول الكوفيون: إنّ (إن) نافية بمعنى «ما» واللام بمعنى «إلاّ» وهو ضعيف جدّا، وغير مسلّم لهم. (كبيرة): خبر كانت. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾\nمتعلقان ب (كبيرة) أو بمحذوف صفة لها. ﴿هَدَى:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: على الذين هداهم الله، وجملة:\n ﴿وَإِنْ كانَتْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من التولية، أو من القبلة، والرابط: الواو، والضمير.\nوإن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها؛ فلست مفندا.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿لِيُضِيعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: وما كان الله مريدا إضاعة إيمانكم، وجملة: (﴿ما كانَ اللهُ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِيمانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿بِالنّاسِ:﴾ متعلقان بأحد الاسمين بعدهما على التنازع، ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (رءوف رحيم) خبران ل ﴿إِنْ﴾ والجملة الاسمية تعليل للنفي المتقدّم لا محل لها.","vol":"1","page":340},{"text":"<span id=\"aya-151\"></span>﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ:﴾ ذكرت لك: أن هذه مقدّمة في النزول على الآية رقم [١٣٨]، ومعنى ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ:﴾ تردّد وجهك في جهة السماء تطلّعا للوحي، قال السّدّي: كان النبي ﷺ إذا صلى نحو بيت المقدس؛ رفع رأسه إلى السّماء ينظر ما يؤمر به، وكان يحبّ أن يصلي إلى قبل الكعبة. وخصّ السماء بالذكر؛ إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها، ويعود منها كالمطر، والرحمة، والوحي.\n ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ:﴾ فلنجعلنك تتوجه في صلاتك إلى الكعبة المعظمة، التي ﴿تَرْضاها:﴾ تحبّها، وتتشوّق بالاتجاه إليها. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ:﴾ اصرف وجهك، وتوجّه في صلاتك. ﴿شَطْرَ:﴾ جهة.\nقال الشاعر: [الوافر]\nأقول لأمّ زنباع أقيمي... صدور العيس شطر بني تميم\nهذا؛ وشطر الشيء: نصفه، ومنه قول النبي ﷺ: «الطّهور شطر الإيمان» وجمعه: أشطر، وشاطره ماله: إذا ناصفه إياه. والشّاطر: المتصف بالدّهاء، والمكر، والخبث. والشّطير:\nالبعيد، والغريب، ومنه قول الشّاعر، وهو الشّاهد رقم [٢١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nلا تتركنّي فيهمو شطيرا... إنّي إذن أهلك أو أطيرا\n ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي: المحرّم فيه الظلم، والاعتداء، ولا يصاد صيده، ولا يختلى خلاه، ومن دخله كان آمنا، والمراد بالمسجد الحرام الكعبة المعظمة، ويطلق أيضا على ما حولها مهما اتّسع. ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ:﴾ في أيّ أرض، وفي أيّ مكان من المعمورة. ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ:﴾\nفتوجّهوا في صلاتكم إليه، واجعلوه قبلتكم، والفعل منه من الأضداد يتغيّر معناه بتغيّر الجار.\nيقال: أشطر إلى كذا: إذا أقبل نحوه، وشطر عن كذا: إذا أبعد منه، وأعرض عنه، وانظر الآية رقم [١٣٠].\n ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ المراد بهم اليهود الذين كانوا في عصره ﷺ. ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ..﴾.\nإلخ: ذلك؛ لأن من صفات النبي ﷺ في كتبهم: أنه يصلّي إلى القبلتين: الكعبة، وبيت المقدس، ويستقر الأمر بالتوجّه إلى الكعبة المعظمة. والضمير المتصل ب: ﴿أَنَّهُ﴾ عائد إلى التوجّه إلى الكعبة المفهوم من الكلام السابق. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٤٠].","vol":"1","page":341},{"text":"تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة: أنّ النبيّ ﷺ بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة أمره ربه أن يستقبل بيت المقدس في صلاته تأليفا لليهود، فرضي، وأحبّ، وامتثل، وصلّى نحوه ستة عشر، أو سبعة عشر شهرا، ومع ذلك كان يحبّ بطبعه أن يستقبل الكعبة؛ لأنّها قبلة أبيه إبراهيم، وأقدم القبلتين، وأدعى للعرب إلى الإيمان، ولمخالفة اليهود اللّؤماء؛ الذين ناصبوه العداء، فقال لجبريل ﵇: «وددت لو حوّلني الله إلى الكعبة» فقال جبريل ﵇: إنّما أنا عبد مثلك. وجعل ﵊ يديم النظر إلى السّماء رجاء أن ينزل جبريل ﵇ بما يحبّ من أمر القبلة، فأنزل الله تحقيقا لأمنيته، واستجابة لرغبته: ﴿قَدْ نَرى..﴾. إلخ. انتهى.\nخازن، وبيضاوي بتصرف. ورحم الله من يقول: [الكامل]\nكم للنّبيّ المصطفى من آية... غرّاء حار الفكر في معناها\nلمّا رأى الباري تقلّب وجهه... ولاّه أيمن قبلة يرضاها\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق، وقيل: هي حرف تكثير هنا. ﴿نَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر، والفاعل مستتر تقديره: نحن، وهو بصري، اكتفى بمفعول واحد، وهو: ﴿تَقَلُّبَ﴾. و﴿تَقَلُّبَ﴾ مضاف، و﴿وَجْهِكَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿تَقَلُّبَ﴾. وأجيز أن يكونا متعلّقين بمحذوف حال من: ﴿وَجْهِكَ﴾ أي: متطلّعا في السّماء.\nوالجملة الفعلية: ﴿قَدْ نَرى..﴾. إلخ هي في المعنى علّة ثانية لقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا..﴾. إلخ في الآية السابقة.\n ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ:﴾ الفاء: حرف تفريع عما سبق. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.\n (نولينك): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل لها، والكاف: مفعول به أول. ﴿قِبْلَةً:﴾ مفعول به ثان، والفاعل: مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية، لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، والقسم، وجوابه كلام مفرّع عما قبله، لا محل له. ﴿تَرْضاها:﴾ (ترضى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر، و(ها): مفعول به، والفاعل مستتر، تقديره: أنت، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿قِبْلَةً﴾ أي: قبلة مرضية عندك، أو لك.\n ﴿فَوَلِّ﴾ الفاء: هي الفصيحة، (ولّ): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: أنت. ﴿وَجْهِكَ:﴾ مفعول به، الكاف في محل جر بالإضافة. ﴿شَطْرَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وقيل: هو مفعول ثان: وهو مضاف، و﴿الْمَسْجِدِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة المسجد، والجملة الفعلية: ﴿فَوَلِّ..﴾. إلخ","vol":"1","page":342},{"text":"لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا» إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فولّ\nإلخ.\n ﴿وَحَيْثُ ما:﴾ الواو: حرف عطف. (حيثما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلّق بمحذوف في محل نصب خبر ل ﴿كُنْتُمْ﴾ تقدّم عليه.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.\n ﴿فَوَلُّوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ولّوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها شرط غير ظرفي. ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿شَطْرَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وقيل: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿وَحَيْثُ ما..﴾. إلخ ومدخولها كلام معطوف على الشرط المقدّر السابق، ومدخوله، لا محل له مثله. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال، (﴿إِنَّ﴾) حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو: نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق، ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَيَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، واللام هي المزحلقة. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر (أنّ)، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (يعلمون)، ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الحق، والجملة الفعلية: ﴿لَيَعْلَمُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من التوجه إلى الكعبة المفهوم من الكلام السابق، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [١٤٠].\n\n<span id=\"aya-152\"></span>﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ..﴾. إلخ أي: وعزتي، وجلالي لئن جئت اليهود، والنّصارى بكلّ معجزة، وبرهان، وحجّة على صدقك في أمر القبلة، وغيره ممّا بعثك الله به؛ ما اتبعوك يا محمد! ولا صلّوا إلى قبلتك! فهو قطع لأمل الرسول ﷺ في إيمانهم؛ لأنهم لم يتركوا الإيمان لشبهة تزيلها الحجّة، وإنما كفروا مكابرة، وعنادا. ﴿وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ:﴾ هذا قطع","vol":"1","page":343},{"text":"لأطماعهم، فإنّهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا؛ لكنا نرجو: أنه صاحبنا الّذي ننتظره. وهم كاذبون في قولهم هذا.\n ﴿وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ أي: إنّ اليهود لا يصلّون إلى قبلة النّصارى، وهي مشرق الشّمس، وإن النّصارى لا يصلون إلى قبلة اليهود، وهي بيت المقدس، فهذا إعلام باختلافهم، وتدابرهم، وضلالهم. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ..﴾. إلخ: هذا على سبيل الفرض، والتقدير.\nومحال أن يتّبع الرّسول ﷺ آراءهم الزائفة! ومثله في الآية رقم [١٢٠]. ﴿إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي:\nلأنفسهم باتّباع ما لم يأذن به الله.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَتَيْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿بِكُلِّ﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَتَيْتَ،﴾ و(كل) مضاف، و﴿آيَةٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تَبِعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله. ﴿قِبْلَتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالجملة القسمية، والشرطية كلتاهما معطوفتان على جملة: (حيثما...) إلخ في الآية السابقة، والاستئناف ممكن بالإعراض عن الكلام السابق. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (﴿ما﴾). ﴿بِتابِعٍ:﴾ الباء حرف جر صلة. (تابع): خبر (﴿ما﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه تقديره: أنت. ﴿قِبْلَتَهُمْ:﴾ مفعول به ل (تابع)، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الشرطية، وإعراب: ﴿وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ مثلها، وهي أيضا معطوفة على ما قبلها، ولا يخفى عليك بعد ما تقدم إعراب: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِتَّبَعْتَ،﴾ و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿جاءَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل:\n ﴿جاءَكَ﴾ المستتر، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل","vol":"1","page":344},{"text":"والكاف اسمه. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء، لا عمل له هنا. هذا؛ وإن اعتبرته ظرفا متعلقا ب ﴿الظّالِمِينَ﴾ بعده؛ فلست مفندا. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من ﴿الظّالِمِينَ﴾):\nمتعلقان بمحذوف خبر (إن)، التقدير: إنك لكائن من الظالمين حينئذ، والجملة الاسمية جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهذا الكلام معطوف على سابقه.\n\n<span id=\"aya-153\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ هم اليهود، والنّصارى، والمراد: علماؤهم.\n ﴿يَعْرِفُونَهُ:﴾ الضمير يعود لرسول الله ﷺ وإن لم يسبق له ذكر؛ لدلالة الكلام عليه، وعدم اللّبس. ويقال: بل سبق ذكره بلفظ الرسول مرّتين، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم، وذلك بنعته في كتبهم. قال عبد الله بن سلام﵁-: لقد عرفت محمّدا كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشدّ، فقال له عمر﵁-: ولم؟ قال: لأنّي لست أشكّ في محمّد: أنه نبيّ، فأمّا ولدي، فلعل والدته قد خانت، فقبّل رأسه، وفي رواية: أنّ عمر﵁قال لعبد الله بن سلام﵁-:\nأتعرف محمدا ﷺ، كما تعرف ابنك؟ قال: نعم، وأكثر! بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته، فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمّه. وإنّما خصّ الأبناء بالذّكر دون البنات؛ لأنّ الذكور أشهر، وأعرف، وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. انتهى كشاف.\n ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا:﴾ جماعة من اليهود، والنصارى، والمراد رؤساهم، وعلماؤهم. ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ:﴾ ليخفون، وينكرون صفات النّبيّ ﷺ الموجودة في التوراة، والإنجيل، وهم يعلمون: أنّ كتمان الحق، ونكرانه معصية من أعظم المعاصي، وهو ظاهر في صحة الكفر عنادا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾.\nعن عطاء بن يسار-رحمه الله تعالى-قال: لقيت عبد الله بن عمرو﵄-، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: «أجل، والله إنّه لموصوف في التّوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وحرزا للأميّين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل؛ ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسّيئة السّيئة، ولكن يعفو، ويغفر، ولن يقبضه الله حتّى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعين عميّ، وآذان صمّ، وقلوب غلف». رواه البخاريّ، وأحمد.","vol":"1","page":345},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾\nفعل ماض، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿يَعْرِفُونَهُ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ ويجوز اعتبار الموصول صفة ل ﴿الظّالِمِينَ﴾ أو بدلا منه، وعليه فجملة: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر.\n (ما): مصدرية. ﴿يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار، والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يعرفونه معرفة كائنة مثل معرفتهم أبناءهم... إلخ. وانظر: ﴿كَما سُئِلَ﴾ في الآية رقم [١٠٨].\n ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿فَرِيقًا:﴾ اسمها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقًا:﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿لَيَكْتُمُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يكتمون): مضارع، وفاعله. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:\n ﴿وَإِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو والضمير. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:\nواو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المقدر في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة؛ التي هي فاعل (يكتمون) فهي حال متداخلة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-154\"></span>﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾\nالشرح: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمعنى: ما أنت عليه يا محمد من الهدى، والنور إنما هو الحقّ، ومن ذلك استقبال الكعبة، لا ما أخبرك به اليهود من استقبال بيت المقدس. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ الشّاكين في الذي أنت عليه، وهذا على سبيل الفرض، والتقدير؛ لأنه من المحال أن يشكّ النّبيّ ﷺ، فيما أنزل إليه من ربه، هذا؛ وقيل: الخطاب للنبي ﷺ، والمراد أمته؛ لأن النهي المذكور محال في حقه ﷺ.\nوحاصل الجواب: أن متعلّق الامتراء هو علم أهل الكتاب بحقيّة القرآن، وهو أحد الأجوبة في الكشاف. والثاني: أنه من باب التهييج، والتّحريض على الأمر. والامتراء: الشك، ومنه المراء، والتماري، والمماراة؛ لأنّ كلّ واحد منهم يشك في قول صاحبه. وانظر مثل هذه الآية في مماراة النّصارى لسيّد الخلق في شأن عيسى في الآية رقم [٦٠] من سورة (آل عمران).\nالإعراب: ﴿الْحَقُّ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وجوز أن يكون","vol":"1","page":346},{"text":"﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، وخبره محذوفا؛ أي: الحقّ من ربك يعرفونه، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من: ﴿الْحَقُّ﴾ وهو ضعيف كما ذكرته فيما مضى. هذا؛ وقرئ بنصب («الحقّ»)، وخرج على وجوه: على أنّه منصوب ب ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ أو على تقدير: الزم الحق، أو على اعتباره بدلا من سابقه. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ فعل مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم بلا الناهية، والنون حرف لا محل له، اسمه ضمير مستتر تقديره:\nأنت. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونَنَّ:﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط المحذوف المقدر ب «إذا»، والشرط المقدر، ومدخوله كلام مستأنف لا محل له فيما يظهر.\n\n<span id=\"aya-155\"></span>﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ:﴾ أي: لكلّ فريق من المسلمين، واليهود، والنصارى. وجهته.\nوالقياس: جهة، مثل: زنة، وعدة، وقد جاء على الأصل المتروك في عدة، وزنة. هذا؛ وقيل:\nسلمت الواو في ﴿وِجْهَةٌ﴾ للفرق بين عدة، وزنة؛ لأنّ «جهة» ظرف، وتلك مصادر، ومعنى ﴿وِجْهَةٌ:﴾ قبلة يتّجه إليها في صلاته، فقبلة المسلمين الكعبة، وقبلة اليهود بيت المقدس، وقبلة النّصارى مشرق الشمس. ﴿هُوَ:﴾ في هذا الضمير وجهان: أحدهما هو ضمير اسم الله، والثّاني: هو ضمير (كلّ) فعلى الأولى المعنى: الله موجّه من يشاء إلى الجهة التي يشاؤها، وعلى الثاني المعنى: صاحب القبلة مولّيها نفسه.\n ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ أي: سارعوا، وبادروا، وتنافسوا في الخيرات، وهي الطّاعات. قال تعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ، وقال جلّ ذكره: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾.\nإلخ، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾.\n ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا:﴾ أي: يجمعكم يوم القيامة للحساب، والجزاء، فيجازيكم بأعمالكم، والله قادر مقتدر، لا يعجزه شيء. هذا؛ والرسول ﷺ حثنا كذلك على المسابقة في الأعمال الصالحات، والمسابقة إلى الخيرات قبل فوات الأوان، وضياع الفرص، فقال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع اللّيل المظلم، يصبح الرّجل مؤمنا، ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدّنيا». أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁.\nفالله ورسوله لم يحثّا العباد على جمع الدّنيا، والركض فيها، والتّفاني في جمع حطامها الفاني، بل حثّا على المسابقة على الطّاعات، والمسارعة إلى الأعمال الصّالحات.","vol":"1","page":347},{"text":"الإعراب: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِكُلٍّ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿وِجْهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُوَلِّيها:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول، وفاعله مستتر فيه، والمفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير: موليها ذلك الفريق بأمره. وهذا على اعتبار: ﴿هُوَ:﴾ ضمير اسم الله، وأما على الاعتبار الثاني فيه، فالتقدير: ﴿هُوَ﴾ أي: الفريق مولّي الوجهة نفسه، وهذا أقوى من الأول، ويؤيده قراءة: («هو مولاّها») بفتح اللام، وصيغة المفعول. فنائب الفاعل-وهو المفعول الأول-يعود إلى كل فريق، و(ها): مفعوله الثاني، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ في محل رفع صفة: ﴿وِجْهَةٌ﴾. هذا؛ وقال مكيّ: واللام في (﴿لِكُلٍّ﴾) متعلق ب: (مولي)، وهي زائدة.\n ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. ﴿الْخَيْراتِ:﴾ منصوب بنزع الخافض، والناصب له عند البصريين النزع، وعند الكوفيين الفعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا؛ فاستبقوا الخيرات. ﴿أَيْنَ ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، وبعضهم يعتبر (﴿ما﴾) زائدة. فيكون مبنيّا على الفتح، وهو في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف في محل نصب خبر ﴿تَكُونُوا؛﴾ لأنه ناقص، وهو فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلة ابتدائية لا محل لها بمفردها. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ومتعلقه محذوف. انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والشرط ومدخوله كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ إعراب هذه الجملة واضح إن شاء الله تعالى، وهي تعليل لمدخول الشرط.\n\n<span id=\"aya-156\"></span>﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ أي: من أيّ مكان خرجت للسّفر، وفي أيّ مكان كنت فيه.\n ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: التوجه إلى الكعبة حيثما وجد المسلم. وكرّر الأمر بالتوجه إلى الكعبة، لتأكيد أمر القبلة، وتشديده، لأنّ النّسخ من مظانّ الفتنة، والشبهة، فكرّر عليهم ليثبتوا، على أنّه نيط بكلّ واحد ما لم ينط بالآخر، فاختلفت فوائدها. انتهى. نسفي. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٤٠] ويقرأ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياء، والتاء.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): حرف جر. ﴿حَيْثُ:﴾ اسم مبني على الضم في محل جر ب (﴿مِنْ﴾)، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (ولّ) الآتي. ﴿خَرَجْتَ﴾ فعل","vol":"1","page":348},{"text":"وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿فَوَلِّ:﴾ الفاء: حرف جر صلة، وإن اعتبرتها حرفا أصليّا دالاّ على الاستئناف؛ فالواو تكون زائدة. (ولّ): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، الفاعل مستتر تقديره: أنت.\n ﴿وَجْهَكَ:﴾ مفعول به أوّل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿شَطْرَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وقيل: هو مفعول ثان، وهو مضاف، و﴿الْمَسْجِدِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة:\n ﴿الْمَسْجِدِ،﴾ والجملة الفعلية: (ولّ...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها. هذا؛ وهناك أوجه أخر في إعراب ما تقدّم، فبعضهم يعتبر ﴿حَيْثُ﴾ شرطا يحتاج إلى فعل شرط، وجواب، والفعل ﴿خَرَجْتَ﴾ شرطه، وجملة ﴿فَوَلِّ﴾ جوابه، وهذا غير مسلّم؛ لأنه يشترط أن تتصل (ما) ب ﴿حَيْثُ﴾ لتكون من أدوات الشرط الجازمة، وبعضهم يعلق: ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ بفعل محذوف عطف عليه: ﴿فَوَلِّ،﴾ والتقدير: ومن حيث خرجت افعل ما أمرت به فول... إلخ، وهذا ظاهر فيه التكلف. فالوجه ما ذكرته أولا. والله أعلم.\n ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال، (﴿إِنَّهُ﴾): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَلْحَقُّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (الحق): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من التوجه المفهوم من الكلام السابق، وهو أقوى من الاستئناف، والعطف لا وجه له هنا، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (الحق)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس»، ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على (ما) قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية.\nفعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، والرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو: عن شيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن) التقدير: بغافل عن عملكم.\n\n<span id=\"aya-157\"></span>﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ..﴾. إلخ: هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض. وقد اختلفوا في حكمة هذا التّكرار ثلاث مرّات، فقيل: تأكيد","vol":"1","page":349},{"text":"لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نصّ عليه ابن عباس، وغيره، وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأول: لمن شاهد الكعبة، والأمر الثاني: لمن هو في مكة غائبا عن الكعبة، والأمر الثالث: لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي. وقال القرطبي: الأول: لمن هو في مكة، والثاني: لمن هو في بقيّة الأمصار، والثالث: لمن خرج في الأسفار.\n ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ:﴾ المراد بهم اليهود، فإنّهم يعلمون من صفة هذه الأمّة التوجّه إلى الكعبة، فإن فقدوا ذلك من صفتها؛ ربما احتجّوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجّوا بموافقة المسلمين إيّاهم في التوجّه إلى بيت المقدس. وقال أبو العالية: يعني به أهل الكتاب حين قالوا:\nصرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه، ودين قومه، وكانت حجّتهم على النبي ﷺ انصرافه إلى البيت الحرام، أن قالوا: سيرجع إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا.\n ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي: إلا المعاندين منهم: اليهود، والمشركون، فاليهود قالوا: ما تحوّل محمد إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين آبائه، وحبّا لبلده. والمشركون قالوا: رجع محمّد إلى قبلة إبراهيم، وسيرجع إلى دين آبائه، وأجداده. وجواب الجميع: أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربّه تعالى في ذلك، ثمّ صرفه إلى قبلة إبراهيم، وهي الكعبة، فامتثل أمر الله تعالى في ذلك أيضا، فهو-صلوات الله وسلامه عليه-مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله تعالى طرفة عين، وأمته تبع له.\nذكر الأخفش، والفرّاء، وأبو عبيدة، ومعمر بن المثنى: أنّ «إلاّ» تأتي عاطفة بمنزلة الواو في التّشريك في اللفظ، والمعنى، وجعلوا منه: ﴿إِلاَّ﴾ في هذه الآية، والآية رقم [١١] من سورة النّمل، وتأولهما الجمهور على الاستثناء المنقطع، وخذ قول الفرزدق: [البسيط]\nما بالمدينة دار غير واحدة... دار الخليفة إلاّ دار مروانا\nفالعطف فيه ظاهر، وأيضا قول الآخر: [الكامل]\nوأرى لها دارا بأغدرة ال... يدان لم يدرس لها رسم\nإلاّ رمادا هامدا دفعت... عنه الرّياح خوالد سحم\nهذا؛ والمراد بحجّتهم الاعتراض، والمجادلة بالباطل، لا الحجّة حقيقة، والمجادلة الباطلة قد تسمّى حجة، كقوله تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لشبهها لها صورة، وسمّاها الله تعالى حجّة، وحكم بفسادها حيث كانت من ظلمة. والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة؛ حيث قالوا: ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ وتحيّر محمّد في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تصدر إلا من عابد وثن، أو من يهوديّ، أو منافق.","vol":"1","page":350},{"text":"﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ:﴾ فلا تخافوا جدالهم في التوجّه إلى الكعبة. ﴿وَاخْشَوْنِي:﴾ خافوني بامتثال أمري، واجتناب نهيي، هذا؛ والماضي: خشي، والمصدر خشية، والرّجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذاك، أي: أشد خوفا، وقد يأتي خشي بمعنى: علم القلبيّة، قال الشاعر المسلم: [الكامل]\nولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد\nقالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الخضر: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾. قال الأخفش: معناه: كرهنا. هذا؛ والخشية أصلها: طمأنينة في القلب تبعث على الترقّي. والخوف: فزع القلب تخفّ له الأعضاء، ولخفة الأعضاء سمّي خوفا.\n ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: بالهداية، والتوفيق إلى القيام بما آمركم به، والابتعاد عمّا أنهاكم عنه، وأيضا بالرّضا، والتسليم، والاستسلام لكلّ ما شرعت من الأحكام، من تغيير، وتبديل، وناسخ، ومنسوخ من التعاليم. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ:﴾ توفّقون إلى الحق. وإلى ما ضلّت عنه الأمم، وهديناكم إليه، وخصصناكم به، وبهذا كانت هذه الأمّة أشرف الأمم، وأفضلها.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ:﴾ هو مثل الآية السابقة بلا فارق، وهي معطوفة عليها، ومؤكّدة لها. ﴿وَحَيْثُ ما:﴾ الواو: حرف عطف. (حيثما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية.\nوبعضهم يقول: مبني على الضمّ على اعتبار (ما) زائدة، متعلق بمحذوف في محل نصب خبر ل ﴿كُنْتُمْ﴾ تقدّم عليه. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فَوَلُّوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ولوا): فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿شَطْرَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وقيل: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، والجملة الفعلية: (ولوا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها من الإعراب؛ لأنها لم تحل محل المفرد.\n ﴿لِئَلاّ..﴾. إلخ: اللام: حرف تعليل وجر. (أن): حرف مصدري ونصب مدغم في (لا) النافية. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن». ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونَ﴾ مقدم. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف المقدّم. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿حُجَّةٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، ﴿حُجَّةٌ:﴾ اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر، و«أن» والفعل: ﴿يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعلنا ذلك لقطع حجة","vol":"1","page":351},{"text":"الناس عليكم. وهذا الكلام مستأنف مبين لحكمة التوجه إلى الكعبة المشرفة. ﴿إِلاَّ﴾ حرف استثناء ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من (النّاس)، وجملة: ﴿ظَلَمُوا:﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان للموصول.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة فيما أرى، ويعتبرها ابن هشام للسببية المحضة، ومن يجيز عطف الإنشاء على الخبر يعتبرها عاطفة. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَخْشَوْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿وَاخْشَوْنِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَلِأُتِمَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:\nأنا، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ..﴾. إلخ. وقال الزجاج: متعلقان بفعل محذوف، التقدير:\nولأتم نعمتي عليكم عرفتكم نعمتي، فهما متعلقان ب «عرفتكم». ﴿نِعْمَتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (أتمّ).\n ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَهْتَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية معطوفة على (ما) قبلها، فهي تعليل ثالث لقطع حجّة الناس عليكم.\n\n<span id=\"aya-158\"></span>﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾\nالشرح: ﴿كَما أَرْسَلْنا:﴾ انظر الإعراب لربطه بما قبله. أو بما بعده. ﴿فِيكُمْ:﴾\nالخطاب للعرب. ﴿رَسُولًا:﴾ هو محمد ﷺ ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من العرب المخاطبين، ولم يبعثه من العجم كما لم يبعثه ملكا من الملائكة. ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [١٢٩] مع ملاحظة الغيبة هناك، والخطاب هنا.\n ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ:﴾ هذه الجملة بعد سابقتها من باب ذكر العام بعد الخاص؛ لإفادة","vol":"1","page":352},{"text":"الشمول، وهذا يسمّى في البلاغة بالإطناب، والمعنى: يعلمكم أمورا لا تعلمونها بعقولكم، ولا تصل إليها أفهامكم، وذلك بأخبار الأمم الماضية، وقصص الأنبياء، وأخبار الحوادث المستقبلة، بالإضافة إلى الأمور التشريعية؛ التي لم تكن موجودة في الديانات السابقة ولا علم لكم بها. هذا؛ ومعنى الآية الكريمة: أن الله تعالى يذكّر عباده المؤمنين بما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد ﷺ، فهو يقرأ عليهم آيات القرآن البينات، ويزكيهم؛ أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب، وهو القرآن، والحكمة، وهي السنة المطهرة وغير ذلك مما ذكرته سابقا، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول العقلاء، والحكماء، فانتقلوا ببركة رسالته، وبمنّ دعوته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علما، وأبرّهم قلوبا، وأطهرهم نفوسا، وأصدقهم حجة، وقد قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٦٤]: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وقال تعالى في سورة الجمعة رقم [٢]: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.\nالإعراب: ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿فِيكُمْ:﴾ صفة ﴿رَسُولًا﴾ و(ما) المصدرية، والفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل: (أتمّ) في الآية السابقة، وتقدير الكلام: لأتمّ نعمتي عليكم إتماما كائنا مثل إرسالنا فيكم رسولا. هذا؛ وجوز البيضاوي، والنّسفي تبعا للزمخشري تعليق الجار والمجرور بالآية التالية؛ أي: فاذكروني كما ذكرتكم بإرسال رسول... إلخ، والأول قاله الفرّاء، واستحسنه ابن عطيّة. والثاني اختاره الزجّاج. وقال القرطبيّ: وهو اختيار الترمذيّ الحكيم في كتابه... إلخ، كما أجيز تعليقهما بمحذوف حال من الكاف، والميم، والمعنى: ولأتمّ نعمتي عليكم في هذه الحال.\n ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولًا﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿رَسُولًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، والجمل بعدها معطوفة عليها على الاعتبارين فيها، ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (﴿يُزَكِّيكُمْ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى رسولا، والكاف مفعول به، (﴿يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ﴾): مضارع، ومفعولاه، والفاعل يعود إلى رسولا أيضا. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ معطوف على ما قبله. (﴿يُعَلِّمُكُمُ﴾): مضارع ومفعوله الأول، والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولًا.﴾. ﴿ما:﴾","vol":"1","page":353},{"text":"تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لَمْ:﴾\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يعلمكم الذي، أو: شيئا لم تكونوا تعلمونه.\n\n<span id=\"aya-159\"></span>﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: معناه: اذكروني بطاعتي؛ أذكركم بمعونتي.\nوقيل: اذكروني في النعمة، والرّخاء؛ أذكركم في الشدّة والبلاء. وقال أهل المعاني: اذكروني بالتّوحيد، والإيمان؛ أذكركم بالجنان، والرّضوان، وقيل: اذكروني بالإخلاص؛ أذكركم بالخلاص، وقيل غير ذلك.\nهذا؛ وقال أرباب المعاني: ربط ﷾ بني إسرائيل بذكر النّعمة؛ حيث قال:\n ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٠]، وأسقطه عن أمّة محمد ﷺ، ودعاهم إلى ذكره، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ليكون نظر الأمم من النّعمة إلى المنعم، ونظر أمّة محمد ﷺ من المنعم إلى النّعمة. وقال بعض العارفين: عبيد النّعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكّر بني إسرائيل بنعمه عليهم؛ حتّى يعرفوا منها المنعم. فقال: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ، وأما أمّة محمد ﷺ، فقد ذكّرهم بالمنعم، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ليتعرفوا من المنعم على النّعمة، وشتّان ما بين الأمرين. هذا؛ وانظر الشكر في الآية رقم [٥٢]. ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ أي: لا تجحدون، وسمّي الجحود كفرانا؛ لأنه مثل الكفر في التغطية، والستر، وقلب الشيء عن وجهه.\nبعد هذا فقد جعل الله لكل طاعة، وعبادة أولا وآخرا إلا الذكر، فإنّه لا أوّل له، ولا آخر، قال تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٣٥]: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾ أي: كثيرا، وقال فيها أيضا رقم [٤١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ وقال ابن عباس﵄-: لم يفرض الله﷿على عباده فريضة إلا وجعل لها حدّا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر؛ غير الذّكر، فإنّه لم يجعل له حدّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا مغلّبا على عقله، وأمرهم به في الأحوال كلّها، فقال تعالى في سورة النساء رقم [١٠٣]: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ وقال جل ذكره: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ يعني: باللّيل والنّهار، في البرّ والبحر، في الصّحة والمرض، في السرّ والعلانية، وقيل: الذّكر الكثير هو أن لا ينساه أبدا. وخذ ما يلي:","vol":"1","page":354},{"text":"فعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبّئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟». قالوا: بلى، قال: «ذكر الله». قال معاذ بن جبل﵁-: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله. رواه الإمام أحمد بإسناد حسن، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من عجز منكم عن اللّيل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدوّ أن يجاهده؛ فليكثر ذكر الله». رواه الطّبراني، والبيهقيّ، وغيرهما.\nوعن عبد الله بن عمرو﵁عن النبي ﷺ: أنه قال: «إنّ لكلّ شيء صقالة، وإنّ صقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله». قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولو أن يضرب بسيفه؛ حتّى ينقطع». رواه البيهقيّ، وغيره.\nوعن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ قال: «أربع من أعطيهنّ؛ فقد أعطي خيري الدّنيا، والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها، وماله». رواه الطّبراني.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال النّبي ﷺ: «مثل الّذي يذكر ربّه، والّذي لا يذكر الله مثل الحيّ والميت». رواه البخاريّ، ومسلم.\nوعن أنس﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله؛ خنس، وإن نسي؛ التقم قلبه». رواه البيهقي، وغيره.\nوفي التّحذير من غفلة القلب عن ذكر الله خذ ما يلي:\nفعن عائشة﵂-: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ساعة تمرّ بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير؛ إلاّ تحسّر عليها يوم القيامة». رواه البيهقي، وغيره.\nوعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيّهم؛ إلاّ كان عليهم ترة، فإن شاء؛ عذّبهم، وإن شاء؛ غفر لهم». رواه أبو داود، والترمذي، والبيهقي.\nوتكرّم النبيّ ﷺ، وتفضل بما يلي: «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك». رواه أبو داود، والترمذي، والنّسائي عن أبي هريرة﵁-.\nوعن سعد بن أبي وقاص﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير الذّكر الخفيّ، وخير الرّزق ما يكفي». رواه ابن حبّان، وأبو عوانة في صحيحيهما. نعم أفضل الذكر","vol":"1","page":355},{"text":"الخفيّ، وأما الذين يذكرون الله رقصا، ودبكا، وصياحا؛ فليسوا على شيء! وانظر ما ذكرته بشأن هؤلاء الجهلة في سورة (ص) رقم [٤٤] وفي (الزّمر) رقم [٢٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وقال عبد الله بن زيد-رحمه الله تعالى-: غلطت في أربعة أشياء في الابتداء مع الله تعالى: ظننت أنّي أحبه، فإذا هو أحبني، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ،﴾ وظننت أني أرضى عنه، فإذا هو قد رضي عني، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وظننت: أني أذكره، فإذا هو يذكرني، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ -ولا تنس الآية التي نحن بصدد شرحها-. وظننت أني أتوب، فإذا هو قد تاب عليّ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.\nالإعراب: ﴿فَاذْكُرُونِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، (اذكروني): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب، لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فاذكروني. ﴿أَذْكُرْكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تذكروني أذكركم، وعليه فالفاء للاستئناف لاستحالة تقدير شرطين على مدخول واحد، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكْفُرُونِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-160\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (١٥٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر مثل هذا النداء في الآية رقم [١٠٤]. هذا؛ ولمّا فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر، وعدم الجحود للنّعم شرع في بيان الصبر، والإرشاد، والاستعانة بالصبر، والصلاة على متاعب الحياة، ومحنها، فإنّ العبد إما أن يكون في نعمة؛ فيشكر عليها، أو في نقمة؛ فيصبر عليها، كما جاء في قول النبي ﷺ: «عجبا لأمر المؤمن، إنّ أمره له كلّه خير، وليس ذلك إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراء؛ شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء؛ صبر، فكان خيرا له»، رواه مسلم عن صهيب الرّومي﵁-، وبيّن الله ﷿ أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المصائب الصبر، والصّلاة، انظر الآية رقم [٤٥] ففيها الكفاية. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أي: بالمعونة، والهداية، والتوفيق، والرعاية، والسّداد. هذا؛ ومعية الله على نوعين:\nعامّة، وخاصّة، فالأولى: لكلّ الناس، وهي معيّة بالعلم، والقدرة، والإحاطة. والثانية:\nللمؤمنين المتّقين، والمحسنين، هي: الحفظ، والنصر، والتأييد، والمعونة... إلخ، قال","vol":"1","page":356},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nهذا، وبالإضافة لما ذكر فيما تقدم بشأن الصّلاة؛ فخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرّات، هل يبقى من درنه شيء؟! قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا». رواه الستّة إلا أبا داود.\nولكن يجب أن تعلم: أنّ الصلاة يمحو الله بها الصّغائر من الذّنوب، وأما الكبائر؛ فلا يمحوها صوم، ولا صلاة، ولا حجّ، ولا زكاة، وعلى الأخص حقوق النّاس، فقد قال الرسول ﷺ:\n «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ، إذا اجتنبت الكبائر». وفي رواية: «ما لم تفش الكبائر».\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له أقحم للتّوكيد، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (﴿أَيُّهَا﴾)، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿اِسْتَعِينُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها، لأنّها ابتدائية كالجملة النّدائية قبلها. ﴿بِالصَّبْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَالصَّلاةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و﴿الصّابِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-161\"></span>﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾\nالشرح: نزلت هذه الآية الكريمة فيمن قتل من المسلمين في غزوة بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين، وهم: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعمير بن أبي وقاص، وعمرو بن نضلة، وعاقل بن البكير، ومهجع مولى لعمر بن الخطاب، وصفوان ابن بيضاء، وثمانية من الأنصار، وهم: سعد بن خيثمة، ومبشّر بن عبد بن المنذر، ويزيد بن الحارث، وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلّى، وحارثة بن سراقة، وعوف، ومعوّذ، ابنا الحارث، وأمّهما اسمها عفراء﵃ أجمعين-، كان الناس يقولون لمن قتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا، ولذاتها، فأنزل الله هذه الآية، وهي برهان قاطع على أنّ حياة الشّهداء ليست بالجسد، ولا من جنس ما يحسّ به من الحيوانات، وإنّما هي أمر لا يدرك بالعقل، بل بالوحي. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إنّ الشهداء أحياء عند ربهم، تعرض","vol":"1","page":357},{"text":"أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الرّوح، والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوّا، وعشيّا، فيصل إليهم الوجع، والألم. وفي هذه الآية دلالة على: أنّ الأرواح جواهر قائمة بنفسها، مغايرة لما يحسّ به من البدن، تبقى بعد الموت داركة. وعليه جمهور الصّحابة، والتابعين، وبه نطقت الآيات، والسّنن، وعلى هذا فتخصيص الشّهداء لاختصاصهم بالقرب من الله، ومزيد البهجة والكرامة. انتهى. بيضاوي، وغيره بتصرّف. ففيه دليل على أن المطيعين لله يصل إليهم ثوابهم. وهم في قبورهم، وكذا العصاة يعذبون في قبورهم، والنعيم والعذاب في القبر، إنما هو للروح فقط؛ لأنّ الجسد يطرأ عليه الفناء كما هو معروف. ﴿وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا ترونهم أحياء، فتعلمون ذلك حقيقة، وإنما تعلمون ذلك بإخباري إيّاكم. هذا؛ والثابت في القرآن والسنة النبوية: أن جميع المطيعين من المسلمين، يصل إليهم من نعيم الجنة في قبورهم، وإنما خص الشهداء بالذكر؛ لأنهم فضلوا على غيرهم بمزيد من النعيم، والتكريم، والتعظيم، وعلوّ الدّرجات، وكثير النفحات، والبركات. وخذ ما يلي:\nفعن معاذ بن جبل﵁-: أنّه سمع النبي ﷺ يقول: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ فقد وجبت له الجنّة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا، ثمّ مات، أو قتل؛ فإنّ له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة؛ فإنّها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزّعفران، وريحها ريح المسك». رواه أبو داود، والتّرمذيّ.\nوعن أبي هريرة﵁-. أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة مائة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين، كما بين السّماء والأرض». رواه البخاريّ.\nوعن أنس﵁عن النّبيّ ﷺ قال: «ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا، وإنّ له ما على الأرض من شيء إلاّ الشّهيد، فإنّه يتمنّى أن يرجع إلى الدّنيا، فيقتل عشر مرّات؛ لما يرى من الكرامة». وفي رواية: «لما يرى من فضل الشّهادة». رواه الشيخان، وغيرهما.\nوعنه أيضا﵁-: أنّ الرّبيّع بنت البراء﵂وهي أمّ حارثة بن سراقة-أتت النبيّ ﷺ، فقالت: يا رسول الله! ألا تحدّثني عن حارثة-وكان قتل يوم بدر-فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك؛ اجتهدت عليه في البكاء! فقال: «يا أمّ حارثة إنّها جنان، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى». أخرجه البخاريّ. وانظر الآية رقم [١٩٥] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.","vol":"1","page":358},{"text":"﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(من) تحتمل أن تكون موصولة وأن تكون موصوفة. ﴿يُقْتَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، وقد راعى لفظها فيه، وراعى معناها فيما يأتي. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل العائد إلى (من)، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿أَمْواتٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم أموات، وقد راعى فيه، وفيما بعده معنى (من). والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب ﴿أَحْياءٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف أيضا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة القول.\n\n<span id=\"aya-162\"></span>﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ (١٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ:﴾ الابتلاء: الاختبار، والامتحان، ويكون في الخير، وفي الشرّ، قال تعالى في حق اليهود اللّؤماء: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال تعالى:\n ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ والمعنى: ولنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم، هل تصبرون على البلاء، وتستسلمون للقضاء أم لا؟ قال تعالى في سورة (محمد ﷺ): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾. ﴿بِشَيْءٍ﴾ أي: بشيء قليل، وإنّما قلّله بالنسبة إلى ما وقاهم منه ليخفف عليهم، ويريهم: أنّ رحمته لا تفارقهم، وإنّما أخبرهم به قبل وقوعه؛ ليوطّنوا أنفسهم عليه، وليظهر الطائع من العاصي، والصّابر من الجازع؛ الذي لا يصبر، ولا يرضى بما يصيبه في دنياه ﴿مِنَ الْخَوْفِ:﴾ الخوف على النفس، أو على الولد، أو على المال، أو على الكرامة هو من أعظم البلاء؛ لذا قدّمه الله تعالى بالذّكر قال الشاعر: [الطويل]\nكأنّ بلاد الله وهي عريضة... على الخائف المطلوب كفّة حابل\nالكفّة: بكسر الكاف ما يصاد بها الظّباء يجعل كالطّوق. والأمن على ما ذكر من أعظم أنواع السّعادة. قال الرسول ﷺ: «من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه؛ فقد ملك الدّنيا بحذافيرها». ﴿وَالْجُوعِ:﴾ أي: المتسبب من الفقر، وهو يتسبب من الجدب، والقحط، وهو مع الخوف من أشدّ أنواع البلاء، قال تعالى في حقّ القرية الكافرة بأنعم الله: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ رقم [١٢] من سورة (النّحل)، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ﴾ بموت المواشي، وخسران التجارة، وغير ذلك، وانظر الآية رقم [١٧٦] الآتية. ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب، والأقارب، والأحباب، وهو جمع: نفس جمع قلة. وانظر الآية رقم [٩].","vol":"1","page":359},{"text":"﴿وَالثَّمَراتِ:﴾ ثمرات الزّروع، والأشجار، والخضار بسبب الآفات السّماوية التي تصيبها، وانظر الآية رقم [٢٢] وقيل: المراد بالثّمرات: الأولاد؛ لأنّ الولد ثمرة القلب، وخذ ما يلي:\nفعن أبي موسى الأشعري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات ولد العبد؛ قال الله ﷿ لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك، واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد». رواه الترمذيّ، وابن حبّان.\nهذا؛ وعن الشّافعي﵁-: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، والنّقص من الأموال الصّدقات، والزّكوات، ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد.\nانتهى. بيضاوي.\nأقول: سياق الآيات لا يناسب تفسير الخوف، والنقص بما ذكر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: وعزتي وجلالي، وهو أولى من تقدير: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم.\nواللام: واقعة في جواب القسم. (نبلونكم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها جواب القسم. والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْخَوْفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (شيء)، و﴿وَنَقْصٍ:﴾ معطوف على الخوف.\n ﴿مِنَ الْأَمْوالِ:﴾ متعلقان ب (نقص) لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، وجوز أن يكونا متعلقين في محل نصب صفة لمفعول محذوف نصب بهذا المصدر المنون، التقدير: ونقص شيئا كائنا من كذا. ذكره أبو البقاء، ولا وجه له، بل هو تعسّف.\n ﴿وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ:﴾ معطوفان على الأموال، ﴿وَبَشِّرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿بَشِّرِ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿الصّابِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في المفرد، ولا تنس: أنه صفة لموصوف محذوف، وهو يشمل الإناث أيضا، وذكّر على التغليب، والجملة الفعلية: ﴿وَبَشِّرِ..﴾.\nإلخ معطوفة على الجملة القسمية السابقة، عطف المضمون على المضمون، أي: الابتلاء حاصل لكم، وكذا البشارة، لكن لمن صبر. قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني.\n\n<span id=\"aya-163\"></span>﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ:﴾ المصيبة: هي كل ما يصيب المؤمن من مكروه؛ لقول النبي ﷺ: «نعم كلّ ما آذى المؤمن فهو مصيبة». وهذه الجملة قالها الرّسول ﷺ حين طفئ","vol":"1","page":360},{"text":"مصباحه ذات ليلة، واسترجع، فقالت له عائشة﵂-: أوتعدّ هذا مصيبة؟ قال:\n «نعم...» إلخ. هذا؛ وأصاب فلانا البلاء: وقع عليه، وأصابهم المطر: نزل عليهم. قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٤٨]: ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وتقول:\nأصاب السّهم، يصيب، فلم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب ويأتي (أصاب) بمعنى قصد، وأراد، قال تعالى في حقّ سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾. وقال الشاعر: [المتقارب]\nأصاب الكلام فلم يستطع... فأخطأ الجواب لدى المفصل\n ﴿قالُوا إِنّا لِلّهِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا، يتصرّف فينا كيف يشاء. فهو توحيد، وإقرار بالعبودية لله. ﴿وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ أي: في الآخرة بعد الموت، فيجازينا بأعمالنا قولا، وفعلا، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، فكل من مات، وخرجت روحه من بين جنبيه، فقد رجع إلى الله، وقد قال الرسول ﷺ: «من مات فقد قامت قيامته». والجملة إقرار بالهلاك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين: أنّ رجوع الأمر كلّه إلى الله تعالى.\nتنبيه: هذه الجملة: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ لم يعطها الله لأمة قبل أمة محمّد ﷺ، ولم يهبها لنبيّ قبل محمّد ﷺ، ولو أطلع الله عليها يعقوب لم يقل: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ عند فقد يوسف، ثم أعادها عند فقد أخيه بنيامين، لذا فهي من الكنوز الّتي ادّخرها الله لهذه الأمّة، وخذ ما يلي:\nعن أمّ سلمة زوج النبي ﷺرضي الله عنها-قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، اللهمّ اؤجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها إلاّ أجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرا منها». قالت: فلمّا مات أبو سلمة؛ قلت:\nأيّ المسلمين خير من أبي سلمة، أوّل بيت هاجر إلى الله، ورسوله ﷺ: ثمّ إني قلتها، فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله ﷺ. رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذيّ.\nوعن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فأحدث استرجاعا-وإن تقادم عهدها-كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب». رواه ابن ماجة. فهذا تنبيه على قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ مع الاسترجاع إمّا بالخلف، كما أخلف لأم سلمة من هو خير من أبي سلمة كما رأيت، وإمّا بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، كما في حديث أبي موسى المذكور في آخر الآية السابقة. وقد يكون بهما معا، والله ذو الفضل العظيم.\nتنبيه: من أعظم المصائب المصيبة في الدّين عند من يعقل، ولكن أكثر المسلمين في هذه الأيام بمعزل عن هذا، يهدم من دينهم كلّ يوم ركن، وأركان، من صوم، وصلاة، وحجّ،","vol":"1","page":361},{"text":"وزكاة، ويرتكبون الجرائم من بعد عن الحق، ومحاربته، واتّباع للباطل، بل ودعمه، والدّفاع عنه. هذا؛ بالإضافة لاتّصافهم بصفات المنافقين، من كذب، وفجور، وخلف للوعد، ونقض للعهد، وخيانة للأمانة بجميع أنواعها، ولكنّ الواحد منهم إذا أصيب بمصيبة في ماله مهما كانت قليلة، أو إذا غبن في بيع، أو شراء؛ فإنه يتنغص عيشه أياما كثيرة، ويتحسّر، ويتأسّف، فصاروا كالبهائم؛ الّتي لا يهمّها إلا ملء بطنها، ورحم الله من قال: [الكامل]\nأبنيّ إنّ من الرّجال بهيمة... في صورة الرّجل السّميع المبصر\nفطن بكلّ مصيبة في ماله... وإذا أصيب بدينه لم يشعر\nهذا؛ وذكر أبو عمر الفريابي؛ قال: حدّثنا فطر بن خليفة، قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أصاب أحدكم مصيبة؛ فليذكر مصابه بي، فإنّها من أعظم المصائب». أخرجه السّمرقندي أبو محمد في مسنده، قال أبو عمر رحمه الله تعالى: وصدق رسول الله ﷺ لأنّ المصيبة به أعظم من كل مصيبة. يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشرّ بعده بارتداد العرب، وغير ذلك من الفتن التي ظهرت بعد قتل عثمان، وفي حياته. قال أبو سعيد الخدري﵁وغيره: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله ﷺ حتّى أنكرنا قلوبنا. ولقد أحسن أبو العتاهية الصّوفي-رحمه الله تعالى-حيث يقول: [الكامل]\nاصبر لكلّ مصيبة وتجلّد... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد\nأو ما ترى أنّ المصائب جمة... وترى المنيّة للعباد بمرصد\nمن لم يصب ممّن ترى بمصيبة؟ ... هذا سبيل لست فيه بأوحد\nوإذا أردت مصيبة تسلو بها... فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح، وفيه أربعة أوجه: الأول: أن يكون في محل نصب على النّعت ل ﴿الصّابِرِينَ﴾. الثاني: أن يكون في محل نصب على المدح بفعل محذوف. الثالث: أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي: هم الذين.\nوالجملة الاسمية على هذا مستأنفة لا محل لها، والرابع: أن يكون مبتدأ، خبره الجملة الاسمية بعده. انتهى جمل. نقلا عن السّمين. بتصرّف مني. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿أَصابَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح.","vol":"1","page":362},{"text":"﴿قالُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول. ﴿إِنّا:﴾ مثل سابقتها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿راجِعُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَإِنّا إِلَيْهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهو في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-164\"></span>﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة ل ﴿الصّابِرِينَ﴾ الذين تقدّم ذكرهم. ﴿صَلَواتٌ:﴾ مغفرة، ورحمة، وجمعها للتنبيه على كثرتها، وتنوعها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ كرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا، وإشباعا. كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ وفي الكشاف:\nوالصلاة: الحنو، والتعطف، فوضعت موضع الرأفة. وجمع بينها وبين الرحمة، كقوله تعالى:\n ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ و«رؤف رحيم» والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة بعد رحمة. وانظر الصّلاة في الآية رقم [٤٣].\nهذا؛ وروي عن عمر﵁-: أنه قال: ما أصابتني مصيبة إلا وجدت فيها ثلاث نعم: الأولى: أنّها لم تكن في ديني، الثّانية: أنها لم تكن أعظم ممّا كانت. الثّالثة: أنّ الله تعالى يجازي عليها الجزاء الكبير، ثم تلا الآية الكريمة: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ.\nوعنه﵁قال: نعم العدلان، ونعمت العلاوة، أراد بالعدلين: الصّلاة، والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء. والعلاوة: ما توضع بين العدلين، وفوق حمل الجمل، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم، وزيدوا أيضا التوفيق إلى العمل الصّالح، والسير على الصّراط المستقيم، وإلى تسهيل المصائب، وتخفيف الحزن عند وقوعها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿صَلَواتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ فيكون: ﴿صَلَواتٌ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور؛ إذ التقدير:\nأولئك ثابت عليهم صلوات، وعلى كلّ فالجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر:\n ﴿الَّذِينَ﴾ في الآية السابقة على وجه مرّ ذكره، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على: ﴿صَلَواتٌ﴾. ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه. (﴿أُولئِكَ﴾): مبتدأ مثل سابقه. ﴿هُمُ:﴾","vol":"1","page":363},{"text":"ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُهْتَدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْمُهْتَدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأوّل، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-165\"></span>﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾\nالشرح: ﴿الصَّفا:﴾ جمع: صفاة، وهي الصّخرة الصّلبة الملساء، وألفه منقلبة عن واو بدليل قلبها في التثنية واوا. قالوا: صفوان، والاشتقاق يدل عليه أيضا؛ لأنه من الصّفو، وهو الخلوص، والنقاء، وقيل: الذي لا يخالطه غيره من طين، أو تراب، و(المروة): الحجر الرّخو، جمعها:\nمرو، ومروات، وهذا معناها لغة، والمراد بهما: جبلان صغيران قرب الكعبة المعظّمة، معروفان، يقع السّعي بينهما، وهو ركن من أركان الحجّ، والعمرة عندنا معاشر الشّافعية. ﴿شَعائِرِ اللهِ:﴾\nأعلام دينه، جمع: شعيرة، وهي العلامة، والمراد بالشّعائر: تكاليف الإسلام من صوم، وصلاة، وحجّ، وزكاة. والسّعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج، والعمرة، كما أسلفت. ﴿حَجَّ:﴾\nأراد، وقصد الكعبة المعظمة لأداء النسك؛ الّذي هو أحد أركان الإسلام الخمسة. ﴿اِعْتَمَرَ:﴾\nزار الكعبة المشرفة، وأعمال العمرة أعمال الحجّ ما عدا الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ومنى.\n ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ:﴾ لا إثم، ولا مؤاخذة عليه. ﴿يَطَّوَّفَ:﴾ أصله: يتطوّف، وماضيه:\nتطوّف، قلبت التاء طاء في المضارع، وأدغمت الطاء في الطاء، والمعنى: يسعى بينهما. ﴿تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: فعل طاعة فرضا كان، أو نفلا، أو زاد على ما فرضه الله عليه من حجّ، أو عمرة، أو غير ذلك. ﴿شاكِرٌ:﴾ أي: لعمله بأن يثيبه عليه. ﴿عَلِيمٌ﴾ بالعمل الصّالح الذي يعمله العبد.\nهذا؛ والشكر معناه: مقابلة النعمة والإحسان بالثناء والعرفان. وهذا محال على الله؛ إذ ليس لأحد عنده يد، ونعمة، ولهذا حمله العلماء على الثّواب، والجزاء؛ أي: إنه تعالى يثيبه، ولا يضيع أجر العاملين. والصّحيح ما عليه السلف من إثبات الصفات كما وردت، فهو شكر يليق بجلاله، وكماله. وخذ ما يلي:\nفقد روى الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: عن عروة بن الزبير، عن خالته الصدّيقة بنت الصديق، قال: قلت: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ..﴾. إلخ. فو الله ما على أحد جناح ألا يطوّف بهما. فقالت﵂-: بئس ما قلت يا بن أختي! إنها لو كانت على ما أوّلتها عليه؛ كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. ولكنّها إنما أنزلت أنّ الأنصار كانوا قبل أن يسلموا، كانوا يهلّون لمناة الطّاغية؛ الّتي كانوا يعبدونها عند المشلّل، وكان من أهلّ لها، يتحرّج أن يطوّف بالصّفا، والمروة، فسألوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله! إنا كنا","vol":"1","page":364},{"text":"نطّوّف بالصّفا، والمروة في الجاهلية، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ..﴾. إلخ. قالت عائشة﵂-: «ثمّ قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما». رواه الشيخان، وأحمد. وقال أنس﵁-: كنّا نرى: أنّهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام؛ أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾. وقال الشعبيّ: كان (إساف) على الصفا، وكانت (نائلة) على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرّجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. وقال طليب: رأى ابن عباس﵄قوما يطوفون بين الصفا، والمروة، فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل.\nهذا؛ وذكّر الصّفا؛ لأنّ آدم ﵇ وقف عليه فسمي به، ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المروة، فأنّث لذلك، وزعم أهل الكتاب: أنّ إساف، ونائلة زنيا في الكعبة فمسخهما الله حجرين. فوضعوهما على الصفا، والمروة ليعتبر بهما الناس، فلما طالت المدة؛ زين الشيطان عبادتهما لهم، فعبدا من دون الله. والله تعالى أعلم.\nوفي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-: أنّ رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الرّكن، فاستلمه، ثمّ خرج من باب الصّفا، وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ ثمّ قال: «أبدأ بما بدأ الله به»، وقال: «اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السّعي». وقد استدلّ بهذا الحديث من يرى: أنّ السّعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشّافعي، ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك. وقيل: إنّه واجب، وليس ركنا، فإن تركه عمدا، أو سهوا؛ جبره بدم. وهو رواية عن أحمد، وهو عند الحنفية مستحب، وقيل: واجب. واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ والقول الأوّل أرجح؛ لأنّ النبي ﷺ طاف بينهما، وقال: «خذوا عنّي مناسككم»، وبيّن الله تعالى: أنّ الطواف بين الصفا، والمروة من شعائر الله، أي ممّا شرع الله تعالى لإبراهيم، وإسماعيل في مناسك الحج.\nوقد تقدم في حديث ابن عباس﵄-: أنّ أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر رحمها الله تعالى، وتردادها بين الصّفا، والمروة في طلب الماء لها، ولولدها لمّا نفد زادهما، فلم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة، متذلّلة، خائفة، وجلة؛ حتّى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدّتها، وأنبع لها زمزم؛ التي ماؤها (طعام طعم، وشفاء سقم) فالسّاعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذلّه، وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله﷿لتفريج ما هو به.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الصَّفا:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وهناك مضاف محذوف؛ إذ الأصل: إنّ طواف الصفا، فلما حذف المضاف؛ أخذ المضاف إليه محلّه في الإعراب. ﴿وَالْمَرْوَةَ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿مِنْ شَعائِرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها من","vol":"1","page":365},{"text":"الإعراب. ﴿فَمَنْ﴾ الفاء: حرف استئناف. (من) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حَجَّ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو. ﴿الْبَيْتَ:﴾ مفعول به. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿اِعْتَمَرَ:﴾ فعل ماض معطوف على سابقه، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، ومتعلقه محذوف؛ إذ التقدير: اعتمر فيه.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل إنّ. ﴿جُناحَ:﴾\nاسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (لا). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَطَّوَّفَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنَّ﴾ والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. و﴿إِنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في تطوافه بهما، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿جُناحَ﴾ لأنه مصدر، أو المصدر في محل نصب بنزع الخافض. هذا؛ وقد قيل: إنّ خبر (لا) محذوف، التقدير: فلا جناح في الحجّ، وإنّ الوقف على ﴿جُناحَ﴾ وأنّ ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، والمصدر المؤوّل في محل رفع مبتدأ مؤخر، وهو وجه ضعيف، فلا حاجة إلى تكلّفه. وجملة: (لا ﴿جُناحَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الّذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة فعل الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المعتمد عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، فتكون الجملة الفعلية بعده صلته، والخبر جملة: ﴿فَلا جُناحَ..﴾. إلخ، واقترنت بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: (من ﴿حَجَّ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿خَيْرًا:﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: تطوع بخير، أو هو صفة مصدر محذوف، أي: تطوع تطوعا خيرا، وقيل: هو حال من ذلك المصدر المقدّر معرفة عند سيبويه، هو مذهبه، انتهى جمل نقلا من السمين. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ) حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وقل فيها ما قلته بسابقتها من أوجه الإعراب. والله الموفق للحقّ والصّواب.\n\n<span id=\"aya-166\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ (١٥٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ أي: يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات الدالة على صدق محمد ﷺ وثبوت نبوته. ﴿وَالْهُدى:﴾ ما يهدي إلى","vol":"1","page":366},{"text":"وجوب اتباعه، والإيمان به. ﴿مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ﴾ ليتبعوه، ويهتدوا به، ويسيروا على نهجه. والذين كتموا هم: أحبار اليهود، ورهبان النصارى، كتموا أمر محمد ﷺ مع أن الإنجيل، والتوراة قد أمرهم باتباع محمد ﷺ. وموسى، وعيسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة وألف سلام-قد بشرا به، قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ رقم [١٥٧]. ﴿فِي الْكِتابِ﴾ المراد:\nالتوراة. ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ أي: الملائكة، والمؤمنون، أو كلّ شيء في السّماوات، والأرض، ويكونون قد جمعوا جمع من يعقل بالواو، والنون؛ لأنه أسند إليهم فعل من يعقل: كقوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:\n ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ ولم يقل: ساجدات. ومثله كثير، فهو من باب التغليب.\nهذا؛ واللعن: الطرد، والإبعاد من رحمة الله تعالى، ولقد كرّر الله لعن الكافرين في هذه الآية، كما لعن الظّالمين، والكاذبين، والمنافقين النّاقضين للعهد، والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أنّ من مات على كفره؛ فقد استحقّ اللّعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين، وأمّا الأحياء من الكفار؛ فقد قال بعض العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعلّه يؤمن، ويموت على الإيمان، وقد قيّد الله في الآية التالية إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معيّن من الكفار بدليل قتاله. وهو الصّحيح، كيف لا؟ وقد لعن حسان بن ثابت﵁أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ. خذ قوله: [السريع]\nلعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر\nوقد لعن الفاروق﵁أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، وغيرهم؛ الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبيّ ﷺ الأمان على أن يكلّموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إنّ لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشقّ ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، فقال الفاروق﵁-: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الأمان، فقال الفاروق﵁-: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه؛ ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك. كيف لا؟ وآية النور رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه؛ إن كان من الكاذبين.\nوأما العصاة من المسلمين لا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق فيجوز، كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات، والخبيثين،","vol":"1","page":367},{"text":"والخبيثات... إلخ؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله السّارق يسرق البيضة، والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ: «الواشمة، والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكلّ ذلك في الصحيح من الأحاديث، وخذ ما يلي:\nعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ العبد إذا لعن شيئا؛ صعدت اللّعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإن لم تجد مساغا؛ رجعت إلى الّذي لعن، فإن كان أهلا، وإلاّ؛ رجعت إلى قائلها». رواه أبو داود.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في أحبار اليهود، ورهبان النّصارى الذين كتموا ما في التوراة كآية الرّجم، ونعت محمد ﷺ، وهي تعمّ كلّ من كتم شيئا من أحكام الدّين لعموم الحكم؛ فإنّ خصوص السّبب لا يمنع تعميم الحكم إلى يوم القيامة، والأحاديث الشريفة كثيرة في هذا الباب، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم، فكتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة.\nوعن أبي سعيد الخدريّ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من كتم علما ممّا ينفع الله به النّاس في أمر الدّين؛ ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». رواه ابن ماجة.\nوعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «مثل الّذي يتعلّم، ثمّ لا يحدّث به، كمثل الّذي يكنز الكنز، ثم لا ينفق منه». رواه الطّبرانيّ في الأوسط.\nوعن ابن عباس﵄-: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تناصحوا في العلم، فإنّ خيانة أحدكم في علمه أشدّ من خيانته في ماله، وإنّ الله مسائلكم». رواه الطّبرانيّ في الكبير.\nوهذه الآية هي التي أراد أبو هريرة﵁في قوله: لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدّثتكم حديثا، وقال الرسول ﷺ: «لا تمنعوا الحكمة أهلها، فتظلموهم، ولا تضعوها في غير أهلها، فتظلموها». وروي عنه ﷺ: أنّه قال: «لا تعلّقوا الدّرّ في أعناق الخنازير».\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى﴾ دلّ على أنّ ما كان من غير ذلك جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف، فإنّ ذلك آكد للكتمان، وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف، فقال: حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأمّا أحدهما؛ فبثثته، وأما الآخر؛ فلو بثثته؛ قطع هذا البلعوم.\nأخرجه البخاريّ. قال العلماء: وهذا الذي لم يبثّه أبو هريرة﵁وخاف على نفسه من الفتنة، والقتل، إنّما هو ممّا يتعلق بأمر الفتن، والنّص على أعيان المرتدّين، والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلّق بالبينات، والهدى. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":368},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَكْتُمُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي أو شيئا أنزلناه. ﴿مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما؛﴾ ﴿وَالْهُدى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَكْتُمُونَ﴾. ﴿ما:﴾ مصدرية، واعتبارها موصولة ضعيف B» . بَيَّنّاهُ»: فعل، وفاعل، ومفعول به. و﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل (بينا) أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من مفعوله. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ فعل مضارع، ومفعوله، وفاعله.\nوالجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا، وجوز اعتبار: ﴿أُولئِكَ﴾ بدلا من ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ خبر (إنّ). ولا أراه قويّا، وجملة: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها على الوجهين المعتبرين فيها والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين فيها.\n\n<span id=\"aya-167\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا:﴾ رجعوا عن سوء فعلهم، وندموا. (﴿أَصْلَحُوا﴾) أي: عملهم بالعزم على عدم العودة إلى سوء فعلهم. (﴿بَيَّنُوا﴾) أي: ما كتموا من الحق، وهو عبارة عن الإقلاع عن سوء العمل، وهو هنا الكتمان، وهذه الآية الكريمة تشير إلى شروط التوبة النصوح المذكورة في سورة التحريم، والشروط هي: الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان، وانظر توبة آدم في الآية رقم [٣٧]. ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ:﴾ أقبل توبتهم. ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ:﴾ انظر مثلهما في الآية رقم [٣٧]. ومعناها: المبالغة في قبول التوبة، ونشر الرّحمة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تابُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والجملتان: (﴿أَصْلَحُوا﴾) و(﴿بَيَّنُوا﴾) معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: زائدة في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿أَتُوبُ:﴾ فعل مضارع،","vol":"1","page":369},{"text":"والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء من الكلام السابق، واعتبار المفرد: ﴿الَّذِينَ﴾ مستثنى من الكلام السابق يجعل الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع كونها مرتبطة بها معنى. ﴿وَأَنَا:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿أَنَا﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَتُوبُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معترضة في آخر الكلام، وهو ما يسمّى بالاعتراض التذييلي، والغاية منه تحقيق مضمون ما قبله من قبول التوبة للتائبين.\n\n<span id=\"aya-168\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ:﴾ أي: كفروا، واستمرّوا على الكفر؛ حتى داهمهم الموت، وهم على تلك الحالة. ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ..﴾. إلخ، أي: يلعنهم الله، وملائكته، وأهل الأرض جميعا؛ حتّى الكفار، فإنّهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا، هذا بالإضافة لما تقدم أذكر: أنه اختلف في لعن المسلم العاصي المعيّن، فذكر ابن العربي: أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتّفاقا؛ لما روي عن النبي ﷺ: أنه أتي بشارب خمر مرارا، فقال بعض من حضره: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ: «لا تكونوا عون الشّيطان على أخيكم».\nأخرجه الشّيخان، فجعل له حرمة الأخوّة، وهذا يوجب الشفقة، وأجاز بعضهم لعنه. وإنّما قال ﵊ ما تقدّم في حقّ الصحابي نعيمان بن عمرو بن رفاعة، شهد العقبة، وبدرا، والمشاهد كلّها، وكان كثير المزاح، يضحك النبي ﷺ من مزاحه، وقال ذلك الرسول المعظم بعد إقامة الحد على نعيمان المذكور، ومن أقيم عليه حدّ الله تعالى؛ فلا ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه الحدّ؛ فلعنته جائزة، سواء سمّي أم لا؟ لأنّ النبي ﷺ لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للّعن، فإذا تاب منها، وأقلع عنها، وطهّره الحد؛ فلا لعنة تتوجّه عليه. انتهى من القرطبي بتصرف منّي. وعليه فيجوز لعن فاسق بعينه؛ لأنّ الحدود غير مقامة على أصحاب الكبائر، وهم يسرحون، ويمرحون بدون خجل، أو ارعواء.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والجملة بعدها ﴿وَماتُوا﴾ معطوفة عليها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كُفّارٌ:﴾ خبر (﴿هُمْ﴾) والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، الضمير. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ،","vol":"1","page":370},{"text":"والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿لَعْنَةُ:﴾\nمبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، فيكون ﴿لَعْنَةُ﴾ فاعلا به، التقدير: أولئك مستحق عليهم لعنة، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية هذه مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَالْمَلائِكَةِ:﴾\nمعطوف على لفظ الجلالة مجرور مثله، وقرئ بالرفع بالعطف على محل الجلالة؛ لأنّ محلّه الرفع كما رأيت، وهذا معروف في العربية، ومشهور. ﴿وَالنّاسِ:﴾ معطوف على (﴿الْمَلائِكَةِ﴾) جرّا ورفعا.\n ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد ل (﴿النّاسِ﴾) على الجر، فهو مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ وقرئ: («أجمعون») توكيد ل («الناس») على الرّفع، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. هذا؛ ومن الإتباع على المحل قول زياد العنبري، وهو الشاهد رقم [٨٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nقد كنت داينت بها حسّانا... مخافة الإفلاس واللّيانا\nف «اللّيانا»: معطوف على محل «الإفلاس» المجرور لفظا المنصوب محلاّ؛ لأنه مفعول للمصدر، وهو: «مخافة»، ومنه أيضا قول لبيد بن ربيعة العامري﵁-: [الكامل]\nحتّى تهجّر في الرّواح وهاجها... طلب المعقّب حقّه المظلوم\nف «المظلوم» صفة «المعقب» على المحل؛ لأنه فاعل بالمصدر «طلب» وأيضا قول المتنخل الهذلي: [البسيط]\nالسّالك الثّغرة اليقظان سالكها... مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل\nف «الهلوك» فاعل بالمصدر «مشي» وهو مجرور لفظا، مرفوع محلاّ، و«الخيعل» و«الفضل» صفتان له على المحل.\n\n<span id=\"aya-169\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾\nالشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ الخلود: الدوام، والمراد: عدم الخروج أبدا. ﴿فِيها:﴾ أي: في اللعنة المذكورة، أو النار المدلول عليها باللّعنة، والإضمار قبل الذكر تفخيما لشأنها، وتهويلا، أو اكتفاء بدلالة اللّعنة عنها، وكثيرا ما وقع في القرآن: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وهو عائد على النّار ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ يمهلون. أو لا ينظر إليهم نظر رحمة، قال تعالى في سورة (الزخرف): ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.\nهذا؛ وقال الإمام الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إنّ عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ وبأن معصية الظالم متناهية،","vol":"1","page":371},{"text":"فالعقاب بما لا يتناهى ظلم. والجواب: إن قوله: ﴿أَحْقابًا﴾ لا يقتضي: أنّ له نهاية؛ لأن العرب يعبّرون به، وبنحوه عن الدّوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأنّ الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيّا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا. انتهى جمل في سورة (هود) [١٠٧].\nالإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدّرة من الضمير المجرور في الآية السابقة، وهو عائد على واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ،﴾ ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخَفَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول.\n ﴿عَنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال أخرى من الضمير المجرور، وهي حال مؤكدة للحال المفردة، والرابط الضمير فقط. وقال أبو البقاء: حال من الضمير المستتر في: ﴿خالِدِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَلا هُمْ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها في محل نصب حال أيضا.\nهذا؛ وذكرت لك: أنّ ﴿خالِدِينَ﴾ حال مقدّرة؛ إذا الحال بالنسبة للزّمان على ثلاثة أقسام:\nحال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. ومنها الحال في هذه الآية، كما رأيت. وحال محكيّة، وهي الحال الماضية، نحو جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها بمعنى: أنّ المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم. خذ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ف (آيات) حال من الضمير المنصوب.\nهذا؛ والحال أيضا على نوعين: إمّا مؤسّسة، وإما مؤكدة، فالأولى هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو جاء زيد ضاحكا، ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول، والمؤكدة هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنّما يؤتى بها للتّوكيد، وهذه ثلاثة أنواع:\nالأولى: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأولى كقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾.\nالنوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ رقم [٩٩] من سورة (يونس) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالنوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو","vol":"1","page":372},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ وقولك: «هو الحق صريحا أو بينا» وقول سالم بن دارة اليربوعي وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا فتح ربّ البرية: [البسيط]\nأنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟\nوهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى: في سورة (ص) رقم [٢٩] («كتاب أنزلناه إليك مباركا») بالنّصب؛ لأنّ البركة لا تفارق الكتاب، وهو القرآن.\nوأخيرا خذ الحال السببية، ولم يذكرها أحد من المفسّرين، ولا المعربين قطعا، ومثالها قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المعارج) وفي سورة (ن): ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ ف ﴿لاهِيَةً﴾ و﴿خاشِعَةً﴾ حال مما قبلهما في الإعراب، وعند التأمل يتبيّن لك: أنهما حالان ممّا بعدهما، وهذا كما في النعت السببي في قولك: مررت برجال كريم آباؤهم، وبنسوة كريم آباؤهن، فكريم صفة لما قبله في الإعراب، وهو في الحقيقة صفة لما بعده. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-170\"></span>﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾\nالشرح: (﴿إِلهُكُمْ﴾): خطاب عام لجميع الناس، أي: هو المستحقّ منكم العبادة. ﴿واحِدٌ:﴾\nلا شريك له هو الذي يصح أن يعبد، أو يسمى إلها. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ تقدير للوحدانية، ودفع لأن يتوهم: أنّ في الوجود إلها آخر. سبب نزول هذه الآية: أنّ كفار قريش قالوا: يا محمد! صف لنا ربك، وانسبه! فأنزل الله هذه الآية، وسورة (الإخلاص) ومعنى الوحدة:\nالانفراد، وحقيقة الواحد هو الشيء الذي لا يتبعّض، ولا ينقسم، والواحد في صفة الله: أنه واحد، لا نظير له، وليس كمثله شيء. وقيل: واحد في ألوهيته، وربوبيته، ليس له شريك؛ لأنّ المشركين أشركوا معه الآلهة، فكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ يعني: لا شريك له في مصنوعاته، وواحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في صفاته، لا يشبهه شيء من خلقه.\nانتهى خازن.\n ﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ:﴾ يعني: أنّه المولى لجميع النّعم، أصولها، وفروعها، فلا شيء سواه بهذه الصّفة؛ لأنّ كلّ ما سواه إمّا نعمة، وإما منعم عليه، وهو المنعم على خلقه، الرّحيم بهم، وعن أسماء بنت يزيد﵂-، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين:\n ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ..﴾. إلخ، وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ»﴾. أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حديث صحيح. وقيل: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمدا يقول: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ فليأتنا بآية إن كان صادقا، فأنزل الله الآية التالية. انتهى خازن. وإذا علمت: أنّ السورة مدنية؛ فلم يبق ما عزي إلى المشركين صحيحا. والله أعلم.","vol":"1","page":373},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِلهُكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِلهُكُمْ﴾): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة: ﴿إِلهٌ﴾ وهو الخبر في الحقيقة؛ لأنه محط الفائدة، ألا ترى أنه لو اقتصر على ما قبله؛ لم يفد، وهذا يشبه الحال الموطئة، كما في قوله تعالى:\n ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهٌ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم (﴿لا﴾) على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى.\n ﴿الرَّحْمنُ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدلا ظاهر من مضمرة الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الرحمن، وحسّن حذفه توالي اللفظ مرتين، الثالث: أن يكون خبرا ثالثا: لقوله: (﴿إِلهُكُمْ﴾) أخبر عنه بقوله: ﴿إِلهٌ واحِدٌ،﴾ وبقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ،﴾ وبقوله: ﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ وذلك عند من يرى تعدد الخبر مختلفا بالإفراد والجملة، والرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. ﴿الرَّحِيمُ:﴾\nيجري فيه ما جرى في سابقه، وإن اعتبرته بدلا من الرحمن؛ فلست مفندا، بل هو الأقوى؛ لأنهما اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى على المعتمد، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-171\"></span>﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: وما فيهما. ذكر الله في هذه الآية من آثار قدرته، ودلائل عظمته ثمانية أنواع، وقدم السّماوات والأرض في الذكر هنا، وخصّهما بالذكر في كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن سبعا بدليل قوله تعالى في سورة (الطلاق) رقم [١٢]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصّفات، والآثار، والحركات، وقدّمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدّم وجودها، ولأنها متعبّد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في","vol":"1","page":374},{"text":"الأرض، وأيضا: لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض، كنزول المني من الذّكر في المرأة، ولأن الأرض تنبت، وتخضرّ بالمطر. ووحّد الأرض؛ لأنها بجميع طبقاتها جنس واحد، وهو التّراب.\nوآية السموات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها، ولا علائق من فوقها، ثمّ ما فيها من الشمس، والقمر، والنجوم السائرة، والكواكب الزاهرة، شارقة وغاربة، نيّرة وممحوة آية ثانية.\nوآية الأرض: مدّها، وبسطها، وما فيها من الجبال، والبحار، والمعادن، والجواهر، والأنهار، والأشجار، والثمار، وما بثّ فيها من أجناس المخلوقات: فيعلم العباد حينئذ أنّ لهما خالقا مدبّرا حكيما؛ لأنّ عظم آثاره، وأفعاله تدلّ على عظم خالقها، كما قيل: [المتقارب]\nوفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد\n ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ بالذهاب، والمجيء، والزيادة، والنقصان. قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ،﴾ وقال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وانظر الآية رقم [٥١] لشرحهما.\n ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ:﴾ (﴿الْفُلْكِ﴾) يقرأ بضمّ الفاء وسكون اللام، وبضمّهما، وهو يطلق على المفرد، والجمع. يذكّر، ويؤنّث، قال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ فأنّث.\nويحتمل الإفراد، والجمع. قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وأنّث، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب، فيذكّر، وإلى السّفينة، فيؤنّث. وقد ألغز فيها الشاعر، حيث قال: [الطويل]\nمكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو\nفإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل\nولا تنس: أنّ أول من اخترع السّفينة-وهي الفلك-نوح، على نبيّنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السّفن، وتتطوّر جيلا بعد جيل، حتّى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ وقد كانت السّفن في الزّمن الماضي تسير بواسطة الرّياح، وأما في أيامنا هذه فإنّها تسير بواسطة البخار، وفي الزّمن الماضي كان البحّارون يلقون العناء إذا اضطرب البحر، أو عاكست الرياح (^١)، وقد عبّر المتنبي عن ذلك بقوله: وهو جار مجرى المثل: [البسيط]\nما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه... تأتي الرّياح بما لا تشتهي السّفن\n_________\n١) أقول: ولا يزال، وسيبقى البحارون يلقون العناء والمشقة إذا اضطرب البحر، وفي زماننا هذا نسمع كثيرا عن غرق كثير من السفن، والعبارات بسبب سوء الأحوال الجوية، واضطراب البحر.","vol":"1","page":375},{"text":"هذا؛ والفلك بفتحتين مدار النجوم، وبجمع على فلك بضم الفاء، وسكون اللام، وضمّهما أيضا، وعلى أفلاك أيضا، والفلك من كلّ شيء: مستداره، ومعظمه، والفلكي منسوب إلى عالم الفلك. ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ أي: الذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب الّتي تصلح بها أحوالهم، وقد قال من طعن في الدّين: إن الله تعالى يقول في كتابكم: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فأين ذكر التّوابل المصلحة للطعام من الملح، والفلفل، وغير ذلك، فقيل له في قوله تعالى: ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾. ﴿وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ﴾ يعني: الأمطار التي بها إنعاش العباد، وإخراج النبات، والأرزاق التي بها حياة كلّ ذي روح من الإنسان، والحيوان، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي: فأظهر الله النبات من الأرض بعد نزول المطر عليها، فأظهر حسنها، وبهجتها، ونضارتها بعد أن كانت يابسة، لا نبات فيها، قال تعالى في سورة (الحج): ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.\n ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ:﴾ فرّق، ونشر، والبثّ: النشر، والتفريق، و﴿دَابَّةٍ:﴾ ما يدبّ على الأرض، من الإنسان، والحيوان، والهوام، والطير، وغير ذلك؛ إذ كلّ ماش على الأرض دابّة، وتجمع على «دواب»، قال تعالى في سورة (الأنفال): ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾.\n ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ:﴾ تصريفها: إرسالها عقيما، وملقحة، وصرّا، ونصرا، وهلاكا، وحارة، وباردة، وليّنة، وعاصفة. والرّيح في الأصل الهواء المسخّر بين السماء والأرض، وهو جسم متحرّك لطيف، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للحسّ بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وهو حياة كلّ نام، من إنسان، وحيوان، ونبات، مثل الماء، بل الحاجة إليه أشدّ، وأصله:\nالرّوح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل به كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ وقد تذكّر على معنى الهواء.\nوالرياح الأصول أربع: إحداها: الشّمال، وتأتي من ناحية الشّمال، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء، والثانية: الجنوب، وهي مقابلتها، أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشّمس، وهي الريح اليمانيّة، والثالثة:\nالصّبا بفتح الصّاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمّى: القبول أيضا، والرابعة: الدّبور، وتأتي من مغرب الشمس، وما أتى منها من بين تلك الجهات؛ يقال لها: النّكباء، ثمّ إن خرجت من بين الجنوب، والشرق؛ قيل لها: أزيب: بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الياء، وإن خرجت من بين الشّمال، والغرب، قيل لها: جربيا: بكسر الجيم وسكون الراء، وكسر الباء، وإن خرجت من بين الشّمال، والشرق، قيل لها: صابية، وإن خرجت من بين الجنوب، والغرب، قيل لها: هيف: بفتح الهاء، وسكون الياء، وقد جمع النواحي الثمانية بقوله: [الطويل]","vol":"1","page":376},{"text":"صبا ودبور والجنوب وشمأل... بشرق وغرب والتيمّن والضّدّ\nومن بينها النّكباء أزيب جربيا... وصابية والهيف خاتمة العدّ\nهذا؛ وأضيف: أنّ ريح الصّبا نصر الله بها نبينا ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدّوا على أعقابهم خاسئين، كما تراه في سورة (الأحزاب)، وأن ريح الدّبور أهلك بها قوم عاد، ونبيّهم هو هود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما تراه في سورة (الأعراف) وسورة (الشعراء) وغيرهما.\nهذا؛ ولا تنس: أنّ الريح تفسر بالدّولة، والقوّة، قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم، وقوتكم، شبّهت في نفوذ أمرها، وتمشّيه بالرّيح، وهبوبها، يقال: هبت رياح بني فلان: إذا دالت لهم الدولة، ونفذ أمرهم، وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر، قال الشاعر: [الوافر]\nإذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون\nولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السّكون متى يكون\nفعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشّافعيّ في مسنده بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه.\nوروي: أن النبي ﷺ كان إذا اشتدت الريح، وهبّت يقول: «اللهمّ اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا». ويقول: «اللهمّ إنّي أسألك خيرها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها، وشرّ ما أرسلت به».\nهذا؛ ومن وحّد الريح؛ فلأنه اسم جنس يدل على القليل، والكثير، ومن جمع، فلاختلاف الجهات التي تهبّ فيها الرّياح، ومن جمع مع الرحمة، ووحد مع العذاب، فإنّه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن: نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ سورة (الروم) رقم [٤٦] وقوله تعالى: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ سورة (الذاريات) فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة، مفردة مع العذاب إلا في سورة (يونس) رقم [٢٢] قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ وذلك لأنّ ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة، فلذلك هي رياح، وأفردت مع الفلك في سورة (يونس) لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متّصلة، ثم وصفت بالطيب، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب.\n ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ:﴾ المذلل بأمر الله تعالى يسير حيث شاء بواسطة الرياح، وسمي الغيم سحابا؛ لانسحابه في الهواء، قال تعالى: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾","vol":"1","page":377},{"text":"وقال جلّ ذكره: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ والسّحاب: الغيوم التي تراها العيون في السماء، وهو واحد في اللفظ، ولكنه جمع، وقيل: السّحاب اسم جنس، واحده:\nسحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو ﴿الثِّقالَ﴾ في آية (الرّعد)، وتجمع السّحابة على: سحاب، وسحائب، وسحب، وهو غربال الماء، قاله عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه. هذا؛ وقيل:\nالسحاب: الغيم فيه ماء، أولم يكن فيه ماء، وأصل السّحب الجرّ، وسمّي السّحاب سحابا، إمّا لجرّ الريح له، أو لجرّه الماء، أو لانجراره في سيره.\nفقد روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة﵁-، عن النبي ﷺ قال:\n «بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحّى ذلك السّحاب، فأفرغ ماءه في حرّة، فإذا شرجة من تلك الشّراج قد استوعبت ذلك الماء كلّه، فتتبّع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحوّل بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان- للاسم الّذي سمع في السّحابة-فقال له: يا عبد الله! لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إنّي سمعت صوتا في السّحاب الّذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمّا إذ قلت هذا؛ فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدّق بثلثه، وآكل أنا، وعيالي ثلثه، وأردّ ثلثه إلى الأرض». القرطبيّ. الحرّة: أرض ذات حجارة سود، والشّرجة: طريق الماء، وسبيله.\n ﴿لَآياتٍ:﴾ دلالات واضحة على وحدانية الله، وقدرته. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:﴾ يتدبرون وانظر شرح العقل في الآية رقم [٤٤].\nبعد هذا؛ فقد نزلت الآية الكريمة حيث طلب المشركون دليلا على وحدانية الله المذكور في الآية السّابقة، وعن عطاء-رحمه الله تعالى-قال: أنزل بالمدينة على النبي ﷺ: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ فقال كفار قريش بمكّة: كيف يسع الناس إله واحد؟! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ. هذا؛ وروي: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ فيها» أي: لم يتفكر فيها، ولم يعتبر بها، ومثلها في (آل عمران) رقم [١٩٠].\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: إنّ الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي:\nالقاصف، والعاصف، والصّرصر، والعقيم، وأربع منها رحمة، وهي: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذّاريات.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي خَلْقِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، و﴿خَلْقِ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: خلق الله السّماوات. وقال الجمل: الخلق هنا بمعنى المخلوق؛ إذ الآيات التي تشاهد إنّما هي في المخلوق، الذي هو السّماوات والأرض، وحينئذ فالإضافة بيانية. انتهى. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿وَاخْتِلافِ:﴾ معطوف على ﴿خَلْقِ﴾","vol":"1","page":378},{"text":"وهو مضاف، و﴿اللَّيْلِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَالْفُلْكِ:﴾ معطوف على: ﴿خَلْقِ﴾. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (﴿الْفُلْكِ﴾). ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (﴿الْفُلْكِ﴾)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، التقدير:\nتجري بالّذي، أو: بشيء ينفع الناس، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: تجري بنفع الناس، وفيه ضعف، لعدم ظهور فاعل الفعل: ﴿يَنْفَعُ﴾.\n ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿خَلْقِ﴾. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾\nفعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد محذوف، التقدير: الّذي أنزله الله. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾\nمتعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلَ﴾ أو بمحذوف حال من مفعوله المحذوف. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ بدل ممّا قبلهما بدل اشتمال، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَأَحْيا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بما قبله، وهو مضاف، و﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَثَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وقيل: ﴿مِنَ﴾ زائدة في الإيجاب على مذهب الأخفش، و﴿كُلِّ﴾ مفعول به ل (﴿بَثَّ﴾)، و﴿كُلِّ﴾ مضاف. ﴿دَابَّةٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَتَصْرِيفِ:﴾ معطوف على ﴿خَلْقِ﴾ وهو مضاف، و﴿الرِّياحِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر للفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: وتصريف الرياح السّحاب، أو هو من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: وتصريف الله الرّياح. ﴿وَالسَّحابِ:﴾ معطوف على ﴿الرِّياحِ﴾ وهو أولى من عطفه على: ﴿خَلْقِ﴾. ﴿الْمُسَخَّرِ:﴾ صفة له. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿الْمُسَخَّرِ﴾ لأنه اسم مفعول، أو هو متعلق بمحذوف حال من نائب فاعله المستتر فيه. و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿السَّماءِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على السماء. ﴿لَآياتٍ:﴾\nاللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آيات) ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صفة قوم، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.","vol":"1","page":379},{"text":"<span id=\"aya-172\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ: لما أثبت الله وحدانية بالدلائل السابقة؛ بيّن: أنّ بعض الناس لم يعتقدها، ولم يؤمن بها، بل سلك طريق الإشراك سفها، وغباوة، وجهلا، فقال:\n ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ: أي: بعض الناس يتخذ آلهة من دون الله يعبدونها، ويقدّسونها، ويعظّمونها كما يعظم المؤمنون ربّهم، ويقدّسونه، و﴿أَنْدادًا﴾ جمع: ند، انظر الآية [٢٢]. هذا والحبّ، والمحبّة: ميل القلب، استعير لحبّة القلب، ثمّ اشتقّ منه الحبّ؛ لأنه أصابها، ورسخ فيها، ومحبّة العبد لله تعالى: إرادة طاعته، وتحصيل مراضيه، والابتعاد عن معاصيه، ومناهيه، ومحبّة الله للعبد: إرادة إكرامه، واستعماله في الطاعة، وصرفه عن المعاصي، وإغداق رحمته، وجوده، وكرمه، وإحسانه عليه، قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥٤]: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.\n ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ أي: أثبت، وأدوم على محبّته، لا يختارون على الله سواه، لا في شدّة، ولا في رخاء، ولا في سرّاء، ولا في ضرّاء، والمشركون يعدلون عن آلهتهم في الشّدائد، ويقبلون على الله، قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٥]: ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ،﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (لقمان) رقم [٣٢]: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ،﴾ وكان المشركون أيضا إذا اتّخذوا صنما، ثم رأوا آخر أحسن؛ طرحوا الأوّل، واختاروا الثاني، وكان بعضهم يصنع الصّنم من الزّبد، والحلوى في أوقات السّنة، فإذا جاعوا؛ أكلوه.\n ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا..﴾. إلخ؛ أي: ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، والمعاصي عند رؤية العذاب حين يقذف بهم في النار؛ لعرفوا مضرّة الكفر، وأنّ ما اتّخذوه من الأصنام لا ينفعهم، وعلموا، وأيقنوا: أنّ القوة، والعزّة لله جميعا، ولشاهدوا: أنّ الأمر ليس على ما كانوا عليه من الشّرك، والجحود، واتّباع تزيين الشّياطين لهم.\nقال أبو عبيد: المعنى: لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة؛ لعلموا حين يرونه:\nأن القوة لله جميعا. و﴿يَرَى﴾ على هذا من رؤية البصر، وضعّف هذا التقدير محمد بن يزيد، واستبعده؛ لأنه يجعل العذاب مشكوكا فيه، وقد أوجبه الله تعالى، ولكنّ التقدير: «ولو يرى الذين ظلموا: أنّ القوّة لله» أولى، وهو قول الأخفش، وانظر الإعراب، ولم يأت ل (لو) جواب، قال الزهري، وقتادة: الإضمار أشدّ للوعيد. هذا؛ ويقرأ بالتاء: («ترى»)، والمعنى يكون","vol":"1","page":380},{"text":"تقديره: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب، وفزعهم، واستعظامهم له؛ لأقرّوا: أنّ القوة لله. وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب، وفزعهم منه؛ لعلمت: أنّ القوّة لله جميعا. وقد كان النبي ﷺ علم ذلك، ولكن خوطب، والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. انتهى قرطبي بتصرف.\nهذا؛ وفائدة هذا الكلام المبالغة في تهويل الخطب، وتفظيع الأمر، فإن اختصاص القوّة به تعالى لا يوجب شدّة العذاب بجواز تركه عفوا مع القدرة عليه. انتهى جمل.\nتنبيه: في هذه الآية أضيفت ﴿إِذْ﴾ لما هو مستقبل، ويحصل يوم القيامة، لكنّه لتحقّق وقوعه عبّر عنه بما يعبّر عن الماضي، وذلك؛ لأنّ خبر الله تعالى المستقبل في الصّحة كالماضي، وهو مما يتكرّر في القرآن الكريم، كقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٧١]: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ..﴾. إلخ. وعكسه قوله تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً..﴾. إلخ. انظر شرح الآيتين في محلّهما.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنَ النّاسِ﴾): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخّر، هذا هو الظاهر، ولا أرتضيه، بل ولا أعتمده. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨].\n ﴿يَتَّخِذُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ تقديره: هو، والجملة الفعلية صلة (﴿مِنَ﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدّم على الأول، و﴿دُونِ﴾ مضاف. و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْدادًا:﴾\nمفعوله الأول. ﴿يُحِبُّونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون في محل رفع صفة: ﴿مِنَ﴾ في أحد وجهيها، والضّمير المرفوع يعود إليها بعد اعتبار اللفظ في فاعل: ﴿يَتَّخِذُ،﴾ والثاني: أن تكون في محل نصب صفة: ﴿أَنْدادًا﴾ والضمير المنصوب يعود إليهم، فهو رابط الصّفة، وإنما جمعوا جمع العقلاء؛ لأنّ المشركين يعاملونهم معاملة العقلاء. والثالث: أن تكون في محل نصب حال من فاعل:\n ﴿يَتَّخِذُ﴾ المستتر، وقد أفرد في الأول حملا على اللفظ، وجمع في الثاني: حملا على المعنى.\n ﴿كَحُبِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا. التقدير: يحبونهم حبّا كائنا كحب الله. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنّما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدّم. وإنّما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى جمل نقلا من السمين. و(حبّ) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ أي: كحبهم الله.","vol":"1","page":381},{"text":"﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلته. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره، ومتعلقه-وهو المفضل عليه- محذوف، تقديره: منهم، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو والضمير المحذوف مع جارّه، وهو: «منهم».\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الاعتراض، أو حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: أنفسهم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والجملة الفعلية ﴿يَرَى الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (﴿لَوْ﴾) محذوف. انظر تقديره في الشرح. وأقول هنا: يقدر بعد انتهاء الآية؛ أي: لما اتخذوا من دون الله أندادا، أو: لعلموا أنّ الأصنام لا تضرّ، ولا تنفع.\nهذا؛ وعلى قراءة الفعل: («ترى») بالتاء خطابا للنبيّ ﷺ، أو لكلّ من يتأتّى منه الرؤية، فيكون الفاعل مستترا تقديره «أنت» و﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به، ويكتفى به؛ لأنه بمعنى: تبصر.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان؛ لأنه بمعنى «إذا» هنا، كما رأيت في الشرح، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿يَرَى﴾. ﴿يَرَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع والواو فاعله.\n ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: ﴿إِذْ﴾ لها. ﴿أَنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْقُوَّةَ:﴾ اسمه. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿يَرَى﴾. وانظر ما قدّمته من أنّ المصدر المؤوّل يقع بعد جواب «لو» المحذوفة، فيكون في محلّ نصب سدّ مسدّ مفعوله، وعليه يكون مفعول ﴿يَرَى﴾ محذوفا، وأما على قراءة:\n («ترى») بالتاء فالمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنّ القوة... إلخ، وقال القرطبي: في موضع نصب مفعول لأجله، وأنشد سيبويه قول حاتم الطائي-وهو الشّاهد رقم [٣٤٦] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [الطويل]\nوأغفر عوراء الكريم ادّخاره... وأعرض عن شتم اللّئيم تكرّما\nهذا؛ وقد قرئ بكسر همزة («إن»)، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع جوابا ل (﴿لَوْ﴾)، التقدير: لقالوا: إنّ القوة... إلخ، وإعراب ما بعدها مثلها على قراءتي كسر الهمزة، وفتحها، و﴿شَدِيدُ﴾ مضاف، و﴿الْعَذابَ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصّفة المشبهة لفاعلها.","vol":"1","page":382},{"text":"<span id=\"aya-173\"></span>﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ يعني: السادة، والرّؤساء تبرءوا ممّن اتّبعهم على الكفر، ينكرون إضلالهم. وفي مختصر ابن كثير: تبرأت الملائكة الّذين كانوا يزعمون: أنّهم يعبدونهم في الدّار الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ سورة (القصص) رقم [٦٣]. ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ سورة (سبأ) رقم [٤١]، والجن أيضا تتبرأ منهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ (الأحقاف) رقم [٦]، والمعتمد الأول. ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهم الضعفاء الذين اتبعوا الأقوياء، وقلّدوهم بالكفر، والضلال. هذا؛ والتبرّؤ: الخلوص، والانفصال، ومنه: برئت من الدين، ونحوه، وهو هنا بمعنى: يتبرأ، وعبّر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، ومثله كثير في القرآن الكريم. ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ يعني: التابعين، والمتبوعين. قيل: عند تيقنهم العذاب عند المعاينة، وقيل: عند العرض والمساءلة في الآخرة، قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: كلاهما حاصل، يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان. وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب، والنّكال. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ جمع: سبب، وهو في الأصل: ما يتصل به إلى شيء عينا كان، أو معنى، والمراد به هنا: الوصل التي كانت بينهم في الدّنيا من القرابات، والصّداقات، والمال، وغير ذلك. وأسباب السموات: أبوابها، وطرقها، قال تعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ﴾.\nوقال زهير في معلّقته: [الطويل]\nومن هاب أسباب المنايا ينلنه... ولو رام أسباب السّماء بسلّم\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقتها في الآية السابقة. ﴿تَبَرَّأَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿اُتُّبِعُوا﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَبَرَّأَ﴾ وجملة: ﴿اُتُّبِعُوا﴾ مع مفعوله المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ:﴾ فعل ماض وفاعله ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، وهي على تقدير: «قد» قبلها، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال مثلها.","vol":"1","page":383},{"text":"<span id=\"aya-174\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ (١٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا:﴾ هم الضّعفاء الذين اتّبعوا الأقوياء، والرّؤساء في الشرك، والضلالة. ﴿لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً:﴾ رجعة إلى الدنيا. ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ:﴾ من المتبوعين. ﴿كَما تَبَرَّؤُا مِنّا:﴾ الكرّة: الرّجعة، والعودة إلى حال قد كانت، أي: قال الأتباع: لو رددنا إلى الدّنيا؛ حتّى نعمل صالحا، ونتبرأ منهم كما تبرءوا منا. وهم كاذبون في هذا، كما أخبر الله عنهم بقوله:\n ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ رقم [٢٨] من سورة (الأنعام).\n ﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أراهم الله العذاب كذلك يريهم أعمالهم. قال الربيع-رحمه الله تعالى-أي: الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها في الدّنيا، فوجبت لهم بها النار، وقال ابن مسعود والسّدي: الأعمال الصالحة التي تركوها، ففاتتهم الجنة.\nورويت في هذا القول أحاديث. قال السّدّي: ترفع لهم الجنّة، فينظرون إليها، وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى، ثمّ تقسم بين المؤمنين، فذلك حين يندمون. وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأمّا إضافة الأعمال الفاسدة إليهم؛ فمن حيث عملوها.\n ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ دليل على خلود الكفار فيها، وأنّهم لا يخرجون منها. هذا؛ وعدل عن الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية؛ إذ الأصل: «وما يخرجون» للمبالغة في الخلود، والإقناط من الخلاص والرّجوع إلى الدّنيا.\nهذا؛ و﴿حَسَراتٍ﴾ جمع: حسرة، وهي شدّة الندم، وتألّم القلب على شيء فات، وهي ساكنة السين، وفتحت في الجمع على القاعدة المتّبعة، وهي: أنه إذا جمع الاسم الثلاثي الصحيح العين، الساكنها، المؤنث المختوم بالتاء أو المجرد عنها بألف وتاء أتبعت عينه لفائه، سواء كانت فاؤه مضمومة، أو مفتوحة، أو مكسورة، فتقول في بسرة، وجمل: بسرات، وجملات. وفي حفنة، ودعد: حفنات، ودعدات. وفي كسرة، وهند: كسرات وهندات، ويجوز في العين بعد الضمة، والكسرة التسكين، والفتح، فتقول: بسرات، وبسرات، وجملات وجملات، وكسرات وكسرات، وهندات وهندات، ولا يجوز التسكين بعد الفتحة، بل يجب الاتباع.\nهذا؛ وقال المرحوم مصطفى الغلاييني: وإن جمعت اسما ثلاثيّا مضموم الأول، أو مكسوره، ساكن الثاني، صحيحه، خاليا من الإدغام، مثل: خطوة، وجمل، وهند، وقطعة، وفقرة؛ جاز فيه ثلاثة أوجه: الأول: إتباع ثانيه لأوله كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثاني: فتح ثانيه كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثالث: إبقاء ثانيه على حاله من السّكون، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات.","vol":"1","page":384},{"text":"أما الاسم فوق الثلاثي، كزينب، والاسم الصّفة، كضخمة، والاسم الثلاثي المحرّك الثاني كشجرة. والاسم الّذي ثانيه حرف علّة، كجوزة، والاسم الثلاثي الذي فيه إدغام كمرّة، فكل ذلك لا تغيير فيه عند جمعه جمع مؤنث سالما.\nالإعراب: (﴿قالَ﴾): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله. ﴿اِتَّبَعُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف تمنّ.\n ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿كَرَّةً:﴾ اسمها مؤخر. و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل بالفعل المحذوف، تقديره: يقع، أو يحصل، ونحوه. وقد اختلف: هل ل ﴿لَوْ﴾ هذه جواب؟ والمعتمد: أنّ جوابها محذوف قام مقامه الكلام الآتي. ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ الفاء: هي السببية (نتبرأ): فعل مضارع منصوب ب (أن) مضمرة بعد الفاء، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن».\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المضمرة بعد الفاء، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيّد من الفعل السّابق، وتقدير الكلام: نتمنى رجعة إلى الدنيا، وبراءة من هؤلاء المتبوعين. وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة:\n (﴿قالَ..﴾.) إلخ معطوفة على جملة: (نتبرأ) فهي في محل جرّ مثلها.\n ﴿كَما:﴾ الكاف حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿تَبَرَّؤُا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا للفعل قبله، التقدير:\nفنتبرأ منهم تبرّؤا كائنا مثل تبرّؤهم منّا. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنّما مذهبه في مثل ذلك أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل السّابق، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى سمين في غير هذا الموضع.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا للفعل بعده، التقدير: يريهم الله أعمالهم إراءة كائنة... إلخ. وانظر: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ﴾ في الآية رقم [٧٣]. ﴿يُرِيهِمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿حَسَراتٍ:﴾ مفعول به ثالث، وقيل: حال منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنّث سالم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حَسَراتٍ﴾ لأنه جمع: حسرة، وهي مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿هُمْ﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِخارِجِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (خارجين): خبر:","vol":"1","page":385},{"text":"(﴿ما﴾) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وفاعله مستتر فيه: ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان ب: (خارجين) والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ...﴾. إلخ في محل نصب حال من الضّمير الواقع مفعولا به، والرابط:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-175\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾\nالشرح: لمّا بيّن الله تعالى: أنّه لا إله إلا هو، وأنّه المستقلّ بالخلق؛ شرع يبيّن: أنه الرزّاق لجميع خلقه، مؤمنهم، وكافرهم، وصالحهم، وفاسدهم، فذكر في معرض الامتنان: أنّه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا مستطابا في نفسه، غير ضارّ للأبدان، ولا للعقول، ونهاهم عن اتّباع خطوات الشّيطان الرّجيم.\nنزلت الآية الكريمة في بني ثقيف، وخزاعة، وعامر بن صعصعة، وبني مدلج فيما حرّموا على أنفسهم من الحرث، والأنعام، والبحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام. انظر الآية رقم [٣] من سورة (المائدة)، والآية رقم [١٣٦] من سورة (الأنعام) وما بعدها، لترى أعمال أهل الجاهلية. وعن عياض بن حماد﵁عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «يقول الله تعالى: إنّ كلّ مال منحته عبادي فهو لهم حلال» وفيه: «وإنّي خلقت عبادي ضعفاء، فجاءتهم الشّياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم». رواه مسلم، ومعنى اجتالتهم: صرفتهم عن الهدى إلى الضلالة.\nهذا؛ والحلال: المباح الذي أحلّه الشرع، وانحلّت عقدة الخطر عنه، وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد. والطّيب: ما يستلذّه المسلم، والمسلم لا يستطيب إلا الحلال، ويعاف الحرام. هذا؛ والأمر للإباحة، لا للوجوب، و(من) دالة على التبعيض؛ إذ لا يؤكل كل ما في الأرض، والطّيب: ما يستطيبه الشّرع، وتقبله الفطرة السّليمة، والخليقة المستقيمة، وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن عباس﵄قال: تليت هذه الآية عند رسول الله ﷺ: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ..﴾. إلخ فقام سعد بن أبي وقاص﵁فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدّعوة، فقال له النبي ﷺ: «يا سعد أطب مطعمك؛ تكن مستجاب الدّعوة، والّذي نفس محمّد بيده! إنّ العبد ليقذف اللّقمة الحرام في جوفه ما يتقبّل منه عمل أربعين يوما، وأيّما عبد نبت لحمه من سحت؛ فالنّار أولى به». رواه الطبراني في الصغير. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ:﴾ خطواته: زخارفه، ووساوسه، وأحابيله، وتزيينه تحليل الحرام، وتحريم الحلال.\nوالمعنى: لا تسلكوا سبيله، ولا تأتمّوا به، ولا تقفوا آثاره.\nقال قتادة، والسّديّ: كلّ معصية لله فهي من خطوات الشّيطان، وقال مسروق-رحمه الله تعالى-أتي عبد الله بن مسعود﵁بضرع، وبلح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من","vol":"1","page":386},{"text":"القوم، فقال ابن مسعود﵁-: ناولوا صاحبكم! فقال: لا أريده. فقال: أصائم أنت؟ قال: لا، قال: فما شأنك؟ قال: حرّمت أن آكل ضرعا أبدا! فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطعم، وكفّر عن يمينك. رواه ابن أبي حاتم عن أبي الضّحى عن مسروق، وعن ابن عباس﵄قال: ما كان من يمين، أو نذر في غضب؛ فهو من خطوات الشّيطان، وكفارته كفارة يمين.\n ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ:﴾ بيّن العداوة. وقد بيّن الله لنا عداوته لآدم، ولذريته، قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [٦] ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا..﴾. إلخ، وقال في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ،﴾ ومثل ذلك كثير في آيات الله، وهو غاية في التّحذير من كيده، وشرّه.\nالإعراب: (﴿يا﴾): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و(ها) حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النّاسُ:﴾ بدل من (أيّ) أو عطف بيان عليه، وانظر الآية رقم [٢١]. ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.\n ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، أو بمحذوف صفة: (ما) إن كانت نكرة موصوفة. ﴿حَلالًا:﴾ حال من: (ما) وقيل: هو مفعول به ل ﴿كُلُوا﴾. وقيل: هو صفة مصدر محذوف، أي: أكلا حلالا، وقال مكي: صفة مفعول به، التقدير: شيئا حلالا، أو رزقا حلالا. ﴿طَيِّبًا:﴾ صفة: ﴿حَلالًا﴾ وهي صفة مؤكدة. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وهو مضاف، و﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وانظر الآية رقم [٢٠٧]. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر: (إنّ).\n ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-176\"></span>﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾\nالشرح: (السوء ﴿وَالْفَحْشاءِ﴾): قال البيضاوي: هو ما استقبحه الشّرع، وأنكره العقل.\nوالعطف لاختلاف الوصفين، فإنه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء باستقباحه إياه، وقيل:\nالسوء: من القبائح، والفحشاء: ما تجاوز الحد من الكبائر. وقيل: الأول ما لا حدّ فيه،","vol":"1","page":387},{"text":"والثاني ما شرع فيه الحد. انتهى. وسمّي السّوء سوءا؛ لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه، وهو مصدر: ساء، يسوء، سوءا، ومساءة: إذا أحزنه، والسّوء: الشرّ، والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السّين من: ساءه، وبفتحها المصدر، تقول: «رجل سوء» بالإضافة و«رجل السّوء» ولا تقول: الرّجل السّوء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾. هذا؛ والفحشاء أصله قبح المنظر، كما قال امرؤ القيس في معلّقته رقم [٣٢]: [الطويل]\nوجيد كجيد الرّئم ليس بفاحش... إذا هي نصّته ولا بمعطّل\nوقال مقاتل رحمه الله تعالى: إنّ كلّ ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزنى إلا قوله تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ فإنّه منع الزكاة؛ أي: البخل بإنفاق المال.\n ﴿وَأَنْ تَقُولُوا..﴾. إلخ: تفتروا على الله أشياء لا أصل لها، كاتّخاذ الأنداد، وتحليل المحرّمات، وتحريم الطيبات، وغير ذلك ممّا هو مخالف للدّين الحنيف، والشّرع الشّريف، فيدخل في هذا كلّ كافر، وكلّ مبتدع أيضا. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿يَأْمُرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانِ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالسُّوءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْفَحْشاءِ:﴾ معطوف على ما قبله. (أن): حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾\nفعل مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعل، والألف للتفريق و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر معطوف على (السّوء ﴿وَالْفَحْشاءِ﴾).\n ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة: (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا تعلمونه.\n\n<span id=\"aya-177\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ:﴾ وإذا قيل للمشركين: ﴿اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ على رسوله من الوحي، والقرآن، والهدى، والنور، والإيمان، واتركوا ما أنتم عليه من الجهل، والضّلال، والطّغيان. ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ. ونظيرها الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان)، وأيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ رقم [١٠٤] من سورة (المائدة). وإنما عدل عن الخطاب معهم للنّداء على ضلالتهم، كأنه التفت إلى العقلاء، وقال","vol":"1","page":388},{"text":"لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون؟! ومعنى ﴿ما أَلْفَيْنا:﴾ ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام، وتحريم السوائب، والبحائر، وغيرها، فإنهم كانوا خيرا منّا، وأعلم، وأعقل، فلذا ردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ..﴾. إلخ؛ أي: أيتبعون آباءهم؛ وإن كانوا سفهاء أغبياء، ليس لهم عقل يردعهم عن الشر، ولا بصيرة تنير لهم الطريق؟! والاستفهام للإنكار، والتوبيخ، والتعجيب من حالهم في تقليدهم الأعمى للآباء. وعن ابن عباس﵄-:\nأنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ، والأولى التعميم، وهي بالعرب الجاهليين ألزق، وألزم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: اتبعوا الذي، أو شيئا أنزل الله، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف ما بعده على جملة محذوفة قبله، تقديرها: لا نتبع ما أنزل الله بل نتبع... إلخ، وقال أبو البقاء: ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب عن الأول، أي: لا نتبع ما أنزل الله، وليس بخروج من قصّة إلى قصة، يعني بذلك:\nأنه إضراب إبطال، لا إضراب، وانتقال، وعلى هذا يقال: كلّ إضراب في القرآن المراد به الانتقال من قصّة إلى قصّة إلا في هذه الآية، وإلا في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فإنّه محتمل للأمرين. انتهى جمل بتصرف. ﴿نَتَّبِعُ:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿ما﴾ مفعول به، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَلْفَيْنا:﴾ فعل وفاعل.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، تقدم على الأول. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به، و(نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والجملة الفعلية: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب: (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿أَوَلَوْ..﴾. إلخ: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. الواو: فيها قولان: أحدهما-وإليه ذهب أبو البقاء، وابن عطية-: أنها للعطف، والثاني: -وإليه ذهب الزمخشري في كشافه، وتبعه البيضاوي، والنسفي-: أنها واو الحال. وللجمل كلام كثير في الجمع بين القولين، نقله عن","vol":"1","page":389},{"text":"شيخه. وأرى: أنها حرف استئناف؛ لأنّ الجملة بعدها متضمنة التوبيخ، والإنكار، وأن الوقف على ﴿آباءَنا﴾ جيد، والمعنى تامّ لا يحتاج إلى تقييده بحال، وأن الاستفهام إنشاء، ولا يصح وقوعه حالا كما هو معروف، وأن تقدير معطوف عليه محذوف تكلّف لا داعي له.\n (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿آباؤُهُمْ:﴾\nاسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع وفاعله. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به، وله متعلق محذوف، التقدير: شيئا نافعا من أمر الدين، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: لا يهتدون إلى حق. وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (﴿لَوْ﴾) محذوف، التقدير: لاتبعوهم، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، كما ذكرت في الواو، وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [١٠٤] من سورة (المائدة)؛ فهي مثلها في كل شيء مع اختلاف في بعض الألفاظ، وأيضا الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان) وهو لا يؤثر في المعنى، والإعراب. والله الموفق للحقّ والصواب.\n\n<span id=\"aya-178\"></span>﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ..﴾. إلخ: شبّه الله تعالى واعظ الكفار، وداعيهم، وهو محمّد ﷺ بالرّاعي الذي ينعق بالغنم، والإبل، فلا تسمع إلا دعاءه، ونداءه، ولا تفهم ما يقول. هكذا فسره ابن عباس﵄وغيره، وهذه نهاية الإيجاز. قال سيبويه-رحمه الله تعالى-:\nولم يشبهوا بالناعق، إنّما شبهوا بالمنعوق به، والمعنى: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا كمثل الناعق، والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم. فحذف لدلالة المعنى عليه، وقال ابن زيد -رحمه الله تعالى-: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة من الجماد، كمثل الصّائح في جوف الليل، فيجيبه الصّدى، فهو يصيح بما لا يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة فيه، ولا منتفع.\nوقيل: المعنى: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم، كمثل النّاعق بغنمه، لا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنّه في عناء، وكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة إلا العناء.\nوقيل غير ذلك، والأوّل هو الأولى بالاعتبار.\nهذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ تشبيه مرسل، ومجمل، مرسل لذكر الأداة، ومجمل لحذف وجه الشبه. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين عن الآية: لك أن تجعل هذا التشبيه من المركّب، وأن تجعله من التشبيه المفرّق، فإن جعلته من المركّب؛ كان تشبيها للكفار في عدم فقههم، وانتفاعهم بالغنم؛ الّتي ينعق بها الراعي: فلا تفقه من قوله شيئا غير","vol":"1","page":390},{"text":"الصّوت المجرّد الذي هو الدعاء والنّداء. وإن جعلته من التشبيه المفرّق؛ فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النّعق، وإدراكهم مجرد الدّعاء والنّداء كإدراك البهائم مجرّد صوت الناعق. والله أعلم.\nهذا ويقال: نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا، ونعاقا: إذا صاح بها، وزجرها. قال الأخطل في هجاء جرير: [الكامل]\nفانعق كضأنك يا جرير فإنّما... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا\nوبالجملة: المعنى: ومثل الكفار في عدم انتفاعهم بالقرآن، وحججه السّاطعة، ومثل من يدعوهم إلى الهدى، كمثل الراعي الذي ينعق بغنمه، ويزجرها، فهي تسمع الصّوت، والنداء دون أن تفهم الكلام، والمراد، أو تدرك المعنى الّذي يقال لها، ولكنّها لا تجيب بالقول، فهؤلاء الكفار كالدّواب، لا يفهمون ما تدعوهم إليه، ولا يفقهون، يسمعون القرآن، ويصمّون عنه.\n ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ انظر الآية رقم [١٨] وخذ هنا زيادة على ما ذكرته هناك قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٣٩]: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٩]: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَمَثَلُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَثَلُ﴾): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾\nمضاف إليه مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَنْعِقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الّذي، وهو العائد، والجملة صلة: ﴿الَّذِي﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة المنفية: ﴿لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الفاعل العائد إلى (ما)، وينبغي أن تعرف: أنّ بعد هذا الإعراب حذفا، وتقدير الكلام: مثل داعي الذين كفروا إلى الهدى كمثل الناعق بالغنم، وإنما قدر ذلك ليصح التشبيه، فداعي الذين كفروا كالناعق بالغنم، ومثل الذين كفروا كالغنم المنعوق بها. انتهى عكبري بتصرف. وانظر الشرح. والجملة الاسمية: (﴿مَثَلُ الَّذِينَ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ:﴾ يجوز أن تكون هذه الأسماء أخبارا لمبتدإ محذوف، وأن تكون أخبارا لمبتدآت محذوفة، والجملة الاسمية الواحدة، أو الجمل المتعدّدة في محل نصب حال من واو الجماعة. والرابط الضمير فقط، وهو المبتدأ المقدر ب «هو»، والاستثناء ممكن، فلا يكون لها محل من الإعراب. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على","vol":"1","page":391},{"text":"السكون في محل رفع مبتدأ. (لا:) نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع، والواو فاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، على الاعتبارين فيها. هذا؛ ومن الغريب: أنّ الواحدي في كتابه (البسيط) قد اعتبر ﴿إِلاّ﴾ زائدة في هذه الآية، وأنشد عليه قول الفرزدق: [الطويل]\nهم القوم إلاّ حيث حلّوا سيوفهم... وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم\n\n<span id=\"aya-179\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾\nالشرح: نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان! وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وعشرين موضعا من القرآن، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطاعة، والامتثال، وإنما خصّهم الله بالنداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عما نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.\n ﴿كُلُوا:﴾ الأمر مستعمل في كلّ من الوجوب، والندب، والإباحة، الأول: إذا كان لقيام البدن، والثاني: كالأكل مع الضّيف، والثالث: في غير ما ذكر. انتهى جمل بتصرف. وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك؛ إن كانوا عبّاده، والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدّعاء، والعبادة كما أنّ الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء، والعبادة، كما جاء في الحديث الشريف من قول الرسول ﷺ: «أيّها النّاس إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب له؟!». رواه أبو هريرة ﵁، وأخرجه مسلم، وأحمد، والترمذي.\nوعن ابن عباس ﵄، قال: تليت هذه الآية عند رسول الله ﷺ: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص﵁فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدّعوة، فقال له النبي ﷺ: «يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدّعوة؛ والّذي نفس محمّد بيده! إنّ العبد ليقذف اللّقمة الحرام في جوفه، ما يتقبّل منه عمل أربعين يوما، وأيّما عبد نبت لحمه من سحت؛ فالنّار أولى به». رواه الطّبراني في الصغير.","vol":"1","page":392},{"text":"والمراد من: ﴿طَيِّباتِ:﴾ حلالات، والحلال هو المراد عند الإطلاق؛ لأنّ الحرام خبيث، نجس؛ وإن كان مستلذّا عند من يأكله. وانظر الدّعاء في الآية رقم [١٨٥] الآتية.\n ﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ﴾ انظر الشكر في الآية رقم [٥٢]. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ:﴾ انظر العبادة في سورة الفاتحة، ولا تنس: أنّ تقديم المفعول يوحي بالاختصاص. وعن النبيّ ﷺ قال:\n «يقول الله ﷿: أنا، والإنس، والجنّ في نبأ عظيم، أخلق، ويعبد غيري، وأرزق، ويشكر غيري!».\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر إعراب مثلها فيما تقدّم قريبا. ﴿مِنْ طَيِّباتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و﴿طَيِّباتِ﴾ مضاف. ﴿ما:﴾ في محل جر بالإضافة وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. هذا؛ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، ومفعول: ﴿كُلُوا﴾ محذوف، التقدير: كلوا رزقكم، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وجوز الأخفش اعتبار:\n ﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب، وعليه ف ﴿طَيِّباتِ﴾ مجرور لفظا منصوب محلاّ. ﴿رَزَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: من طيبات الذي، أو: شيء رزقناكموه، على اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: طيبات رزقنا، وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء: اسمه. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان).\nوجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مرتبط بما قبله لا محل له مثله. هذا؛ ويجيز بعض الكوفيين اعتبار (إن) بمعنى: «إذ» أي: ظرفا. وردّه ابن هشام في المغني.\n\n<span id=\"aya-180\"></span>﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما:﴾ كلمة موضوعة للحصر، تتضمّن النفي، والإثبات، فتثبت ما تناوله الخطاب، وتنفي ما عداه، وقد حصرت هاهنا التحريم، لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾.","vol":"1","page":393},{"text":"﴿الْمَيْتَةَ﴾ أي: أكلها، أو الانتفاع بشيء منها، وهي الّتي ماتت من غير ذكاة شرعية، والحديث ألحق بها ما أبين من حيوان حيّ، وخصّ منها السّمك، والجراد بقول النبي ﷺ:\n «أحلّت لنا ميتتان، ودمان: السّمك، والجراد، والكبد، والطّحال».\nوكذلك جنين المذكّاة الميت في بطنها، فأكله جائز من غير تذكية له إلا أن يخرج حيا فيذكّى، ويكون له حكم أمّه، فقد روى جابر بن عبد الله﵄-: أنّ رسول الله ﷺ سئل عن البقرة، والشاة تذبح، والناقة تنحر، فيكون في بطنها جنين ميّت، فقال: «إن شئتم فكلوه؛ لأنّ ذكاته ذكاة أمّه». أخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\nهذا؛ ويلحق بالميتة ذبيحة كل وثنيّ، ووثنية، بخلاف ذبيحة الكتابيّ، والكتابية، فإنّها تؤكل، وكذا نكاح المحصنات من أهل الكتاب جائز لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].\nهذا؛ وأصل الميتة بتشديد الياء؛ لأن بناءه فيعلة، والأصل ميوتة فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداها بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، والميتة والميت بفتح الميم وسكون الياء فيهما، وهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات. وأما المشدّد فهو الحيّ الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ،﴾ وجمعه: موتى، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل]\nأيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل\nفمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل\nهذا هو الأصل الغالب في الاستعمال. وقد يتعاوضان كما في قول عديّ بن الرّعلاء الغسّاني-وهو الشّاهد رقم [٨٣٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف]\nليس من مات فاستراح بميت... إنّما الميت ميّت الأحياء\nإنما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء\n (﴿الدَّمَ﴾): المراد به دم الحيوان الذي يذبح، كان الجاهليون يجمدونه، ويقلونه بالزيت، ونحوه، ويأكلونه. اتفق العلماء على أنّ الدّم حرام نجس، لا يؤكل، ولا ينتفع به، قال ابن خويز منداد: وأمّا الدّم فحرام ما لم تعم به البلوى، ومعفو عمّا تعمّ به لبلوى، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه، ويسيره في البدن، والثوب يصلى فيه. وقد روت عائشة -﵂-: كنّا نطبخ البرمة على عهد رسول الله ﷺ، يعلوها الصفرة من الدّم، فنأكل، ولا ننكره؛ لأنّ التحفظ من هذا إصر، وفيه مشقة، والإصر، والمشقّة في الدّين موضوع. وقد أحلّ لنا دمان بقول النبي ﷺ: «أحلّ لنا من الدّم دمان، ومن الميتة ميتتان: الحوت، والجراد،","vol":"1","page":394},{"text":"ومن الدم الكبد والطّحال» رواه الطّبراني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن عمر، ﵃ أجمعين. هذا؛ وقيده ﷾ في سورة (الأنعام) رقم [١٤٥] بقوله:\n ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أي: سائلا، والمطلق يحمل على المقيّد.\n ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ:﴾ والمراد جميع أجزائه، وإنّما خصّ اللحم بالذّكر؛ لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان، ومعظم الانتفاع متعلّق به، ويجمع لحم على: لحوم، ولحام، قال لبيد﵁- في معلّقته: [الكامل]\nأدعو بهنّ لعاقر أو مطفل... بذلت لجيران الجميع لحامها\nهذا؛ ويقال: لحم، وألحم، ولحمان، ولحام، ورجل لحم شحيم، إذا كان قرما إلى اللّحم. ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ:﴾ رفع به الصّوت عند الذبح للصنم، هي ذبيحة المجوسيّ، والوثنيّ، والمعطّل. فالمجوسيّ يذبح لناره، والوثني لوثنه، والمعطل-أي الملحد-لا يعتقد شيئا، فيذبح لنفسه، ويدخل في ذلك كلّ ما لم يقصد به وجه الله تعالى، كالذي يذبح على الأضرحة، وللأولياء، ويقول: هذه ذبيحة جدّي فلان، والرّسول ﷺ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سماواته، وردّد اللعنة على واحد منهم ثلاثا، ولعن كلّ واحد منهم لعنة تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من أتى شيئا من البهائم، ملعون من عقّ والديه، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غيّر حدود الأرض، ملعون من ادّعى إلى غير مواليه، ملعون من ذبح لغير الله». رواه الطّبراني في الأوسط عن أبي هريرة﵁-، وعنه أيضا: أنّ النبي ﷺ قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أحمد، وأبو داود.\nولذلك نهى الإمام عليّ﵁ وكرّم الله وجهه-عن أكل الإبل التي ذبحها جد الفرزدق، ومنافسه عند مباراتهما في الكرم، وقال: هذا ممّا ذبح لغير وجه الله! فأكلتها الوحوش، والطيور. وقس على ذلك كلّ ما لم يقصد به وجه الله تعالى.\nهذا؛ والإهلال: رفع الصوت، وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم، والأصل: أن يرفع الصوت بالتكبير عند رؤية الهلال في مطلع الشهر الجديد، يقال: أهلّ بكذا، أي: رفع صوته.\nقال ابن أحمر يصف فلاة: [السريع]\nيهلّ بالفرقد ركبانها... كما يهلّ الرّاكب المعتمر\nوقال النابغة: [الكامل]\nأو درّة صوفيّة غوّاصها... بهج متى يرها يهلّ ويسجد\n ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ..﴾. إلخ: المضطر: هو المكلف بالشيء، الملجأ إليه، المكره عليه، وهو على ثلاثة أقسام: إما بإكراه من ظالم، أو بجوع في مخمصة، أو بفقر لا يجد شيئا البتّة، فإن التّحريم","vol":"1","page":395},{"text":"يرتفع مع وجود هذه الأقسام بحكم الاستثناء في قوله تعالى: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وتباح له الميتة، فأمّا الإكراه؛ فيبيح له ذلك إلى أن يزول، وأما المخمصة، فلا يخلو أن تكون دائمة، فلا خلاف في جواز الشّبع منها. وإن كانت نادرة؛ فاختلف فيها العلماء، وللشّافعي فيها قولان: أحدهما:\nأنّه يأكل ما يسدّ به الرّمق، وبه قال أبو حنيفة. والثاني: أنه يأكل قدر الشّبع. وبه قال مالك، وهو المعتمد إن شاء الله، وحديث العنبر نصّ في ذلك، فإنّ أصحاب النبي ﷺ، لما رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد، وكانوا في غزوة على ساحل البحر، فرفع لهم على ساحله كهيئة الكثيب الضّخم، فلمّا أتوه، فإذا هي دابة تدعى: العنبر، فقال أبو عبيدة أميرهم﵁-: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم، فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرا، ونحن ثلاثمائة؛ حتى سمنّا، فأكلوا، وشبعوا رضوان الله عليهم مما اعتقدوا: أنّها ميتة، وتزوّدوا منها إلى المدينة، وذكروا ذلك للنبي ﷺ، فأخبرهم ﷺ: أنّه حلال، وقال: «هل معكم من لحمه شيء، فتطعمونا؟». فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله، فهو معجزة للنبي ﷺ، وكرامة لهم حيث لم ينتن.\nمسألة: إذا وجد المضطر ميتة، وطعام الغير، بحيث لا قطع فيه، ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بلا خلاف؛ لحديث عبّاد بن شرحبيل الغزي﵁- قال: أصابنا عام مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطا، فأخذت سنبلا، ففركته، وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط، فضربني، وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته. فقال للرّجل: «ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا، ولا علّمته إذ كان جاهلا». فأمره، فردّ إليه ثوبه، وأمر له بوسق طعام، أو نصف وسق. رواه ابن ماجة. وقال مسروق: من اضطر إلى طعام، أو شراب، فله أن يأكل، ويشرب، فإن لم يأكل، ولم يشرب، ثم مات؛ دخل النار.\nوذكر التّرمذي عن يحيى بن سليم بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر﵃ أجمعين-عن النبي ﷺ قال: «من دخل حائطا؛ فليأكل، ولا يتّخذ خبئة». قال أبو عبيد: قال أبو عمر: وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء. وروى أبو داود عن الحسن عن سمرة﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها؛ فليستأذنه، فإن أذن له؛ فليحتلب، ويشرب، ولا يحمل».\n ﴿غَيْرَ باغٍ:﴾ خارج على المسلمين، و﴿وَلا عادٍ﴾ معتد عليهم بقطع الطّريق، فيدخل فيها قاطع الطريق، الخارج على السّلطان بدون تأويل، والمسافر في قطع الرحم، وقصد السّرقة، وإيذاء الناس، وما شاكله من الأمور غير المباحة، وهذا قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، وبه قال المفسّرون من أئمة الشّافعية. وقال قتادة، والحسن، والرّبيع، وابن زيد،","vol":"1","page":396},{"text":"وعكرمة: ﴿باغٍ﴾ قاصد للشّهوة، واللّذة، و﴿عادٍ﴾ متجاوز مقدار الحاجة من سدّ الرّمق، ودفع الخوف، والتخلّص من الإكراه. وبه قال المفسّرون من أئمة الحنفية، وغيرهم، وانظر الآية رقم [٩٠].\nهذا؛ وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول: خرج الرّجل في بغاء إبل له، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل]\nلا يمنعنّك من بغا... ء الخير تعتاد الرّتائم\nإنّ الأشائم كالأيا... من والأيامن كالأشائم\nبعد هذا، فأنا أعلّمها لك، فأقول-وبالله التوفيق-: أصل باغ: باغي، بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة على الياء علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة، أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الغين مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: باغ بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأنّ الياء محذوفة لعلة الالتقاء كالثابتة فتمنع الرفع للغين. وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من: ال، والإضافة، سواء أكان ثلاثيّا، أو رباعيّا، وعاد مثله، أصله:\nعادي. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: أصله: عائد، فهو من المقلوب، كشاكي السّلاح، وهار، ولاث، والأصل: شائك، وهائر، ولائث. ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ فلا مؤاخذة، ولا جناح في أكله الميتة، وما عطف عليها في حال الضّرورة. ﴿غَفُورٌ:﴾ لعبده المؤمن إذا فعل ذلك، وهو صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم؛ حيث رخّص لهم الأمور المحظورة في حال الضرورة.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿حَرَّمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمَيْتَةَ:﴾ مفعول به منصوب، وما بعده معطوف عليه، هذا، ويقرأ برفع «الميتة» وما بعده، وخرج على أنّ (ما) غير كافة ل (إنّ) فهي عاملة و(ما) اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها على حدّ قوله تعالى في سورة (طه): ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ وجملة: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: إنّ الذي حرّمه الله عليكم: ﴿الْمَيْتَةَ﴾.\nوهذه القراءة قراءة ابن أبي عبلة، وقرئ «حرّم» بالبناء للمجهول، وخرج على وجهين:\nأحدهما: أنّ (ما) غير كافة، وهي اسم (إنّ) كما تقدّم، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) الموصولة، وهو العائد، والجملة صلة لها، و﴿الْمَيْتَةَ﴾ خبر (﴿إِنَّ﴾). والوجه الثاني: أنّ (ما) كافة لها، وأنّ ﴿الْمَيْتَةَ﴾ بالرّفع نائب فاعل: ﴿حَرَّمَ،﴾ وهذه قراءة أبي جعفر بن القعقاع، والقراءتان غير سبعيتين، وسواء أكانت الجملة فعلية، أم اسمية، فهي مستأنفة لا محل لها من الإعراب.","vol":"1","page":397},{"text":"﴿وَما﴾ اسم موصول مبني على السكون معطوف على الميتة على الوجهين المعتبرين فيه.\n ﴿أُهِلَّ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل: ﴿أُهِلَّ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور بالباء، و(غير) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَمَنِ:﴾\nالفاء: حرف عطف وتفريع. (من): اسم شرط جازم، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿اُضْطُرَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ونائب الفاعل يعود إلى (من). ﴿غَيْرَ:﴾ حال من نائب الفاعل المستتر، وقال النسفي، وغيره: التقدير: فأكل غير... إلخ، وهذا يعني: أنّه حال من فاعل الفعل المقدر، وعليه فالجملة المقدرة معطوفة على سابقتها. و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿باغٍ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي المفهوم من (﴿غَيْرَ﴾). ﴿عادٍ:﴾ معطوف على: ﴿باغٍ﴾ مجرور مثله. ﴿فَلا:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط.\n (﴿لا﴾): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِثْمَ﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر (﴿لا﴾) وخبر المبتدأ الّذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا. هذا؛ ويجوز اعتبار (من) اسما موصولا مبتدأ، وجملة: ﴿اُضْطُرَّ..﴾. إلخ صلته، وجملة: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في محل رفع خبره، وقد اقترنت بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، و﴿اللهِ:﴾ اسمه. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-181\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١٥٩]، والمراد: علماء اليهود كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد ﷺ، وصحّة رسالته، فعلوا ذلك؛ لئلا تذهب رياستهم، وما كانوا يأخذون من العوامّ من الهدايا، والتّحف. ومعنى ﴿أَنْزَلَ:﴾ أظهر، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٣]: ﴿وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: سأظهر. وقيل: هو على بابه من النزول، أي: أنزل به ملائكته على رسله. ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا:﴾ انظر الآية رقم [٧٩] ففيها الكفاية.\n ﴿أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ:﴾ ذكر البطون دلالة، وتأكيدا على حقيقة الأكل؛ إذ قد يستعمل مجازا في مثل: فلان أكل أرضي، ونحوه. وفي ذكر البطون أيضا تنبيه على","vol":"1","page":398},{"text":"جشعهم، وأنّهم باعوا آخرتهم بحظّهم من المطعم الذي لا خطر له، فسمى الله ما أكلوه من الرّشا نارا؛ لأنّه يؤدّيهم إلى النار. هكذا قال أكثر المفسرين.\nوقيل: إنّه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنّم حقيقة، كأنما أخبر عن المآل بالحال، كما قال تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٠]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أي: إنّ عاقبته تؤول إلى ذلك، ومنه قول أبي سعيد سابق البريري، وهو الشّاهد رقم [٣٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nفللموت تغذو الوالدات سخالها... كما لخراب الدّور تبنى المساكن\nوأيضا قول عبد الله بن الزّبعرى-وهو الشاهد رقم [٣٨٨] من كتابنا المذكور-: [المتقارب]\nفإن يكن الموت أفناهمو... فللموت ما تلد الوالده\n ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: كلام رحمة لشدّة غضبه عليهم، وإنّما يكلمهم كلام سخط، ومقت، فيقول لهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾. انظر سورة (المؤمنون) رقم [١٠٨].\n ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ:﴾ ولا يطهّرهم من أدران الذنوب، والسيئات. أو: لا يصلح أعمالهم الخبيثة، فتطهر، وفي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذّاب، وعائل مستكبر».\nوإنّما خص هؤلاء بأليم العذاب، وشدّة العقوبة لمحض المعاندة، والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاجة، ولا دعتهم إليه ضرورة، كما تدعو من لم يكن مثلهم.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محلّ نصب، والجملة الفعلية بعدها صلتها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التّقدير: يكتمون الّذي، أو شيئا أنزله الله. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَكْتُمُونَ..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.\n ﴿فِي بُطُونِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والأول أقوى. والهاء: في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة","vol":"1","page":399},{"text":"الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة لا محل لها، وهي تؤكد معنى الآية رقم [١٥٩] مع تباعد ما بينهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿النّارَ﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بما قبله، وهو مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (﴿لا﴾): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿يُزَكِّيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، وحذف المتعلق، وهو الظرف اكتفاء بالأول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تحتمل العطف على الجملة الفعلية قبلها، وعلى الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ﴾ لكن عطفها على الأولى أقوى من جهة المعنى، وعلى الثاني أقوى من جهة عطف الاسمية على الاسمية. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\nالشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ؛ أي: الموصوفون بما ذكر. ﴿اِشْتَرَوُا..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٦] ففيها الكفاية. وقال القرطبيّ هنا: ولمّا كان العذاب تابعا للضلالة، وكانت المغفرة تابعة للهدى؛ الذي اطّرحوه؛ دخلا في تجوّز الشراء. هذا؛ ولا تنس: أنّ الآية المتقدّمة إنّما نزلت في حق المنافقين، وهذه الآية إنّما هي في حقّ اليهود؛ الذين الكلام فيهم.\n ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ:﴾ معنى هذه الجملة التعجّب، تعجب من حالهم في الالتباس بموجبات النّار من غير مبالاة بغضب الله الواحد القهار، كأنه قال: اعجبوا من صبرهم على النار، ومكثهم فيها! ومثلها قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ وقريب منه في سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وقال الحسن وغيره: ما لهم والله عليها من صبر! ولكن ما أجرأهم على النار! وقال الكسائي، وقطرب: أي: ما أدومهم على عمل أهل النار! وقيل: (ما) استفهام، معناه التوبيخ، قاله ابن عباس﵄وغيره، ومعناه: أيّ شيء صبّرهم على عمل أهل النار؟! وقيل هذا على وجه الاستهانة بهم، والاستخفاف بأمرهم. ﴿ذلِكَ﴾ أي: العذاب في جهنّم ﴿بِأَنَّ﴾ بسبب أنّ ﴿اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ فرفضوه، والمراد بالكتاب: التوراة، فيكون اليهود هم المذمومين، وكذلك النصارى؛","vol":"1","page":400},{"text":"حيث اختلفوا فيما ذكر فيها من صفة عيسى، ومحمد ﷺ. وقيل: المراد: القرآن، و﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ كفار قريش، حيث قال بعضهم: هو سحر، وبعضهم يقول: شعر، كهانة، أساطير الأولين... إلخ، وانظر ﴿شِقاقٍ﴾ في الآية رقم [١٣٧].\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وفيها معنى التوكيد لجملة: ﴿أُولئِكَ﴾.\n ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الضَّلالَةَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْهُدى:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من الضّلالة، التقدير:\nمستبدلة بالهدى. (﴿الْعَذابَ﴾): معطوف على الضلالة. ﴿بِالْمَغْفِرَةِ:﴾ معطوفان على: ﴿بِالْهُدى﴾ على الاعتبارين في تعليقهما.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف، أو هي حرف استئناف، (ما): نكرة تامة بمعنى شيء مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْبَرَهُمْ:﴾ فعل ماض جامد دال على التعجب مبني على الفتح، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود إلى (ما)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (ما)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها، والأول أقوى. وهذا الإعراب هو المشهور عن سيبويه رحمه الله تعالى.\nوقال الأخفش رحمه الله تعالى: (ما): نكرة موصوفة، والجملة بعدها صفتها. وقال أيضا:\nهي موصولة، والجملة بعدها صلتها، فله قولان، والخبر محذوف، التقدير على الأول: شيء أصبرهم على النار عظيم، وعلى الثاني: الّذي أصبرهم على النار شيء عظيم. وقال الفراء، وابن درستويه: (ما) استفهامية مشوبة بتعجب والجملة بعدها خبر عنها، والتقدير: أيّ شيء أصبرهم على النّار؟! وهناك قول خامس: أنّ (ما) نافية؛ أي: فما أصبرهم الله على النار، أي:\nما منحهم الصّبر... إلخ. وهذا ضعيف جدّا.\nوهناك خلاف في (أفعل) فهو فعل عند البصريين، وهو المعتمد، وهو اسم عند الكوفيين، كما يترتب عليه خلاف في نصب الاسم بعده، هل هو مفعول به، أو هو مشبّه بالمفعول به.\n ﴿عَلَى النّارِ﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. واللام للبعد. والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أنّ)، حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها، والجملة الفعلية ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ؛ أي:","vol":"1","page":401},{"text":"ذلك العذاب مستحق بسبب كونهم... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾ وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما.\n ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل و﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، والجملة الفعلية صلته لا محل لها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة، (في ﴿شِقاقٍ﴾): متعلّقان بمحذوف خبر (إنّ).\n ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة شقاق، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْكِتابَ،﴾ والرابط:\nالواو، وإعادة الكتاب بلفظه للتعظيم، والتنويه بشأنه، ورفعة قدره.\n\n<span id=\"aya-184\"></span>﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾\nالشرح: من هنا بداية النصف الثاني من السّورة الكريمة على وجه التّقريب، ونصف السّورة السّابق كان متعلقا بأصول الدّين، وبقبائح اليهود، ومساوئهم، وهذا النصف غالبه متعلق بأحكام الإسلام الفرعية تفصيلا: من صيام، وحج، وطلاق، وعدة، كما ستراه مفصلا؛ إن شاء الله تعالى، ووجه المناسبة: أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة: أنّ أهل الكتاب اختلفوا في دينهم اختلافا كبيرا صاروا بسببه في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم أمر القبلة؛ إذ أكثروا الخوض فيه، وأنكروا على المسلمين التحوّل إلى استقبال الكعبة، وادّعى كلّ من الفريقين: اليهود، والنصارى:\nأن الهدى مقصود على قبلته، فردّ الله عليهم، وبيّن: أنّ العبادة الحسنة، وعمل البر ليس بتوجّه الإنسان جهة المشرق، والمغرب، ولكن بطاعة الله، وامتثال أوامره، وبالإيمان الصّادق الرّاسخ.\nهذا؛ والآية الكريمة، كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، دالة عليها صريحا، أو ضمنا، فإنّها بكثرتها، وتشعّبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحّة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس، ولذلك وصف المستجمع لها بالصّدق نظرا إلى إيمانه، واعتقاده، وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق، ومعاملته مع الحقّ، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: «من عمل بهذه الآية؛ فقد استكمل الإيمان». وإليك التفصيل:\n ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ البر: كلمة جامعة لخصال الخير الدنيوية، والأخروية من قول، أو عمل، أو اعتقاد، وهو بكسر الباء، وهو بضم الباء: القمح، ونحوه ممّا يقتات، ويؤكل، وهو بفتحها:\nالبار بوالديه، وبأرحامه، وهو أيضا اسم من أسماء الله الحسنى، وهو أيضا: الأرض الفلاة،","vol":"1","page":402},{"text":"والأرض اليابسة ما عدا البحر. ﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ:﴾ توجّهوا، أي: في الصلاة. ﴿قِبَلَ:﴾ جهة.\n ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ:﴾ انظر الآية رقم [١١٥]. ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ تقدّم شرح هذه الكلمات مفصّلا في محاله.\n ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ في مرجع الضّمير قولان: أحدهما: يرجع إلى المال نفسه؛ أي: إنّ المؤتي محتاج إليه، وهو مع ذلك يؤثر غيره به. والثاني: يرجع إلى الله تعالى؛ أي: يؤتي المال على حبّ الله تعالى. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الدّهر): ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.\nهذا و﴿الْمالَ﴾ قال فيه ابن الأثير: وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهريّ: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسّان﵁-: [البسيط]\nالمال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال\nوعن المفضل الضّبّيّ: المال عند العرب: الصّامت، والنّاطق، فالصّامت: الذهب، والفضة، والجواهر، والناطق: البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فهو الناطق، وإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصّامت. هذا؛ والنّشب: يطلق على المال الثابت، كالضّياع، والدّور، وقد قال عمرو بن معديكرب الزّبيدي﵁في ذلك-وهو الشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ورقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\n ﴿ذَوِي الْقُرْبى:﴾ أصحاب القرابات من جهة الأب، أو الأم. والإنفاق عليهم مع حاجتهم للمال أفضل من الإنفاق على الغرباء؛ لأنه صدقة، وصلة، فعن سليمان بن عامر﵁عن النبيّ ﷺ قال: «الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي الرّحم ثنتان: صدقة، وصلة»، أخرجه النّسائي، والترمذي. وفضّل الرسول ﷺ الصدقة على الأقارب على عتق الرّقاب. فقال لميمونة زوجه، وقد أعتقت وليدة: «أما إنّك لو أعطيتها أخوالك؛ كان أعظم لأجرك». وعن عبد الله بن عمر -﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّما رجل أتاه ابن عمّه، فسأله من فضله، فمنعه؛ منعه الله فضله يوم القيامة». أخرجه الطّبرانيّ، وقال زهير بن أبي سلمى: [الطويل]\nومن يك ذا فضل فيبخل بفضله... على قومه يستغن عنه ويذمم\n ﴿وَالْيَتامى:﴾ انظر الآية رقم [٨٣]. (﴿الْمَساكِينَ﴾) جمع مسكين، وهو ممن دخله لا يقوم بكفايته، والفقير أسوأ حالا منه. (﴿اِبْنَ السَّبِيلِ﴾): المسافر، والمنقطع في سفره، وأطلق عليه ابن السبيل لملازمته الطّريق. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٢٦] ومثلها في سورة (الروم) رقم [٣٨]: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. هذا؛ واختلف: هل يعطى اليتيم","vol":"1","page":403},{"text":"من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصّلة، وإن كان غنيّا، أو لا يعطى؛ حتى يكون فقيرا؟ قولان للعلماء، وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة على ما بيّنته، أما الزكاة الواجبة؛ فلا يعطى منها إلا إذا كان فقيرا.\n ﴿وَالسّائِلِينَ:﴾ جمع: سائل، وهو الذي يطلب منك المال، ويريد منك المساعدة، والعون، وقد حثّ الرّسول ﷺ على إعطاء السّائل، وبذل المال له مهما كان قليلا، ومهما كانت هيئة السّائل، وحالته، فقد قال ﷺ: «لا تردّوا السّائل ولو بظلف محرق». وقال: «أعطوا السّائل ولو جاء على ظهر فرس». وإن كان ضعيفا. وفي رواية للإمام أحمد، وأبي داود: «للسّائل حقّ؛ وإن جاء على فرس». وفي الوقت نفسه حذر الرّسول ﷺ من السؤال، والمسألة، وشدّد النكير على الذين يتسوّلون. وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن عمر﵄-: أنّ النبي ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتّى يلقى الله تعالى؛ وليس في وجهه مزعة لحم». أخرجه البخاري، ومسلم.\nوعنه أيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسألة كلوح في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء استبقى على وجهه». رواه الإمام أحمد.\nفالرّسول ﷺ يريد من المسلم أن يكون عزيز النفس، مرفوع الرأس، لذا نفّر من السؤال، والمسألة، ورغّب في العمل، فعن الزّبير بن العوّام﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكفّ بها وجهه خير له من أن يسأل النّاس أعطوه، أم منعوه» وغير ذلك. وخذ هذه الطرفة عن الأصمعي-رحمه الله تعالى -حيث قال: مررت في بعض سكك الكوفة؛ فإذا برجل قد خرج من حشّ وعلى كتفه جرّة، وهو يقول: [الطويل]\nوأكرم نفسي إنّني إن أهنتها... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي\nفقلت له: أتكرمها بمثل هذا؟ قال: نعم، وأستغني عن مسألة مثلك: إذا سألته، ثم قال:\nصنع الله بك، وترك! فقلت: تراه عرفني، فأسرعت، فصاح بي، وأنشد: [الوافر]\nلنقل الصّخر من قلل الجبال... أحبّ إليّ من منن الرّجال\nيقول النّاس كسب فيه عار... وكلّ العار في ذلّ السّؤال\n ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي: فكّها من الرّقّ، والعبودية يوم كانت موجودة، وذلك بالمكاتبة، أو فكّ الأسارى. وإعطاء المال لهؤلاء، والحثّ عليه المراد به غير الزكاة المفروضة، وغير الكفّارات على جميع أنواعها، وإنّما هو على سبيل القرب بدليل عطف الزكاة عليه فيما يلي.\n ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا:﴾ هم الذين إذا وعدوا؛ أنجزوا، وإذا نذروا؛ وفّوا، وإذا حلفوا؛ بروا في أيمانهم. وإذا قالوا؛ صدقوا في أقوالهم، وإذا ائتمنوا؛ أدّوا الأمانة. خازن.","vol":"1","page":404},{"text":"وانظر الآية رقم [٥١]. وهذه صفات المؤمنين الحقيقيين، ونقيضها صفات المنافقين الكذّابين، المخادعين ﴿وَالصّابِرِينَ:﴾ انظر: الآية رقم [٤٥].\n ﴿الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ:﴾ اسمان مشتقان من البؤس، والضر بضم الباء والضاد، ولا فعل لهما؛ لأنهما اسمان، وليسا بنعت، وعن الأزهريّ: البأساء في الأموال، كالفقر، والضرّاء في الأنفس، كالمرض، وبعبارة أوضح أقول: البؤس: الشرّ، والجهد، والشدّة، مؤنّثه: بؤسى بوزن رجعى، وتمدّ فتفتح الباء، كما في هذه الآية، وغيرها.\n ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: حين شدّة القتال في سبيل الله، قال الإمام عليّ﵁-: كنّا إذا اشتدّ البأس؛ اتّقينا برسول الله ﷺ.\n ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر، ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ أي: الذين امتثلوا أمر الله فيما أمر، وفيما نهى عنه. هذا؛ وجاء الخبر في الجملة الأولى فعلا ماضيا: ﴿صَدَقُوا﴾ لإفادة التحقيق، وأن ذلك وقع منهم، واستقرّ، وجاء الخبر في الجملة الثانية جملة اسمية: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ليدل على الثبوت، وأنه ليس متجدّدا، بل صار كالسّجيّة لهم، ومراعاة للفاصلة أيضا. ووصفهم الله بالصدق في الأقوال، والأعمال، والتّقوى في أمورهم والوفاء بها، وهذا غاية الثناء. والصّدق:\nخلاف الكذب، ويقال: صدقوهم القتال بمعنى: ثبتوا في الميدان، والصّدّيق: الملازم للصّدق، وفي الحديث الصّحيح: «عليكم بالصّدق، فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرّجل يصدق، ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا». أخرجه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن عبد الله بن مسعود﵁عن النّبي ﷺ.\nتنبيه: جاء (﴿الصّابِرِينَ﴾) منصوبا بالياء، والأصل أن يكون مرفوعا عطفا على ما قبله، وإنما نصب على الاختصاص، أو المدح؛ أي: وأخص بالذّكر، أو أمدح الصابرين، وهذا الأسلوب معروف عند البلغاء، فإذا ذكرت صفات للمدح، أو الذمّ، وخولف الإعراب في بعضهما؛ فذلك تفنّن، ويسمّى: قطعا؛ لأن تغيير المألوف يدل على مزيد اهتمام بشأنه، وتشويق لسماعه. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٦٢]: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾.\nتنبيه: يطعن المستشرقون، والملحدون من أبناء المسلمين في الإسلام، وينعتونه بالقسوة، وبأنّه عمل على تكديس الرقّ، وتكريسه، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٣] من سورة (النور) تجد الجواب كافيا شافيا بحمد الله، وتوفيقه.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿الْبِرَّ:﴾ خبر: ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تُوَلُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخّر. وهذه قراءة حفص، وقرأ الباقون برفع («البر») على أنّه اسم:","vol":"1","page":405},{"text":"﴿لَيْسَ﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها، التقدير: ليس البرّ توليتكم وجوهكم، وعلى الأول: ليس توليتكم وجوهكم البرّ، والقراءتان حسنتان، كقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [١٠]: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى..﴾. إلخ. وقوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [١٧]:\n ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ وقوله تعالى في سورة (الجاثية) رقم [٢٥]: ﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا﴾.\n ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قِبَلَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿الْمَشْرِقِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْبِرَّ:﴾ اسمها. هذا؛ وقرئ بتخفيف نون (﴿لكِنَّ﴾) ورفع («البر») على أنه مبتدأ، و(﴿لكِنَّ﴾) حرف استدراك مهمل لا عمل له، والخبر محذوف على الوجهين؛ إذ التقدير: برّ من... إلخ، وعليه ف ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بإضافة ذلك المحذوف إليه. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا، أو نكرة موصوفة بمعنى شخص، وهو يشمل الذّكر، والأنثى. ﴿بِاللهِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها.\n (﴿الْيَوْمِ﴾) و(﴿الْمَلائِكَةِ﴾) و(﴿الْكِتابِ﴾) و(﴿النَّبِيِّينَ﴾): هذه الأسماء كلّها معطوفة على لفظ الجلالة، و﴿الْآخِرِ﴾ صفة: (﴿الْيَوْمِ﴾).\n ﴿وَآتَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿الْمالَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿آمَنَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿عَلى حُبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المال، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول محذوف، أو من إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف، وذلك بحسب مرجع الضمير كما رأيت في الشرح. ﴿ذَوِي:﴾ مفعول به ثان ل (﴿آتَى﴾) لأنه بمعنى: أعطى فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿ذَوِي:﴾ مضاف، و﴿الْقُرْبى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿ذَوِي﴾ فهي منصوبة مثله، و(﴿اِبْنَ﴾): مضاف، و﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَالسّائِلِينَ:﴾ معطوف أيضا فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n ﴿وَفِي الرِّقابِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وآتى المال في فكّ الرقاب، وعليه فالجار والمجرور في محلّ نصب مفعوله الثاني، والمضاف محذوف، وهذه الجملة المقدرة على جملة الصّلة أيضا، وجوز عطف الجار والمجرور على: ﴿ذَوِي﴾ بدون تقدير فعل، ولكن الأول أقوى، والجملتان: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ معطوفتان على جملة الصّلة، لا محل لهما مثلها.","vol":"1","page":406},{"text":"﴿وَالْمُوفُونَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: العطف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ والتقدير: ولكن البر المؤمنون، والموفون، والثاني: هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: وهم الموفون. الثالث: هو معطوف على الضمير في: ﴿آمَنَ﴾ فهو مرفوع على جميع الاعتبارات، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضّمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع لاسم فاعل. ﴿بِعَهْدِهِمْ:﴾\nمتعلقان ب (﴿الْمُوفُونَ﴾)، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية متعلق ب (﴿الْمُوفُونَ﴾) أيضا، مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿عاهَدُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.\n ﴿وَالصّابِرِينَ:﴾ منصوب على المدح بفعل محذوف، التقدير: أمدح، أو أخص، ونحوه، وقال مكي: أو على العطف على ﴿ذَوِي الْقُرْبى﴾ وقال: وإذا عطفت على ﴿ذَوِي﴾ لم يجز أن ترفع: ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ إلا على العطف على المضمر في: ﴿آمَنَ﴾ ليكون داخلا في صلة: ﴿مَنْ﴾.\nهذا والجملة الفعلية: «أمدح الصابرين» معطوفة في المعنى على ما قبلها، ويجوز اعتبارها مستأنفة. وفاعل (﴿الصّابِرِينَ﴾) مستتر فيه. ﴿فِي الْبَأْساءِ:﴾ متعلقان ب (﴿الصّابِرِينَ﴾). ﴿وَالضَّرّاءِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. (﴿حِينَ﴾): ظرف زمان معطوف على الجار والمجرور قبله، فهو متعلق ضمنا ب (﴿الصّابِرِينَ﴾) وانظر ما ذكرته في سورة (النساء) في الآية رقم [١٦٢].\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة بعده صلته، والمتعلق محذوف، أي: صدقوا في الإيمان، وفعل البر. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ مثل سابقه. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْمُتَّقُونَ﴾ خبره. والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومؤكّدة لها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-185\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان! وقد خاطب","vol":"1","page":407},{"text":"الله عباده المؤمنين بهذا النّداء في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن الكريم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال، وإنّما خصّهم الله بهذا النّداء؛ لأنّهم هم المستجيبون لأوامره، المنتهون عمّا نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي. ﴿كُتِبَ:﴾ فرض، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ﴾ ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الخفيف]\nكتب القتل والقتال علينا... وعلى الغانيات جرّ الذّيول\n ﴿الْقِصاصُ:﴾ القود الذي هو قتل القاتل فقط لا يتجاوز إلى غيره، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٣]: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.\nوالإسراف: هو قتل غير القاتل: انظر شرحها هناك. هذا؛ والقصاص لا يقيمه إلا أولو الأمر، فلو ترك لوليّ القتيل؛ تقع الفوضى في المجتمع، ويختلّ النظام الاجتماعي. ﴿الْقَتْلى﴾ جمع:\nقتيل، لفظه مؤنث تأنيث الجماعة، وهو ممّا يدخل على الناس المساءة، فلذلك جاء على هذا البناء، كجرحى، وزمنى، وحمقى، وصرعى، وغرقى. هذا؛ وخذ ما يلي: [مجزوء الخفيف]\nإنّ قومي تجمّعوا... وبقتلي تحدّثوا\nلا أبالي بجمعهم... كلّ جمع مؤنّث\n ﴿الْحُرُّ﴾ هو الذي لا ملك لأحد فيه. و(﴿الْعَبْدُ﴾) بخلافه. هذا؛ وقد اختلف في تأويل الآية، فقالت طائفة: جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرّا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال يبينه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٤٥]: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..﴾. إلخ وبينه النّبيّ ﷺ بسنّته لما قتل اليهوديّ بالمرأة.\nوذهب أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-إلى أنّ الحرّ يقتل بالعبد لعموم آية المائدة المذكورة، وهو مروي عن عليّ، وابن مسعود، ﵁. قال البخاريّ-رحمه الله تعالى-: يقتل السيد بعبده لعموم قول النّبيّ ﷺ: «من قتل عبده؛ قتلناه، ومن جدع عبده؛ جدعناه، ومن خصاه؛ خصيناه».\nوخالفهم الجمهور، فقالوا: لا يقتل الحرّ بالعبد؛ لأنّ العبد سلعة، لو قتل خطأ؛ لم يجب فيه دية، وإنّما تجب فيه قيمته، ولأنه لا يقاد بطرفه، ففي النفس بطريق الأولى. وذهب الجمهور إلى أنّ المسلم لا يقتل بالكافر؛ لما ثبت عن البخاري في عليّ﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «لا يقتل مسلم بكافر» ولا يصحّ حديث، ولا تأويل يخالف هذا. وأما أبو حنيفة؛ فذهب إلى أنّه يقتل به لعموم آية المائدة المذكورة، وقد عيب عليه ذلك، وقد أفتى أبو يوسف﵀بذلك، وقد قال بعض الشعراء ذامّا له، بل ومتهجّما عليه، خذ قوله: [السريع]","vol":"1","page":408},{"text":"يا قاتل المسلم بالكافر... جرت وما العادل كالجائر\nيا من ببغداد وأطرافها... من فقهاء النّاس أو شاعر\nجار على الدّين أبو يوسف... بقتله المسلم بالكافر\nفاسترجعوا وابكوا على دينكم... واصطبروا إنّ الأجر للصّابر\nأقول وبالله التوفيق: لو أقيمت الحدود الشّرعية في هذه الأيام؛ لوجب قتل المسلم بالكافر، والسّبب في ذلك تغيّر الأوضاع الاجتماعية، كما لا يخفى.\n ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي: سمح بأن تنازل وليّ المقتول عن بعض حقّه، أو تنازل عن قتل القاتل إلى أخذ الدّية، وفي ذكر ﴿أَخِيهِ﴾ تعطّف، وتلطّف داع إلى العفو، وإعلام من الله تعالى لعباده المؤمنين بأن القتل لا يقطع أخوّة الإيمان بينهم.\n ﴿فَاتِّباعٌ﴾ أي: فمطالبة من العافي، أو المتنازل عن بعض حقّه للقاتل. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾\nباللطف، والرّفق. ﴿وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ أي: وعلى القاتل الذي تنازل له وليّ المقتول عن بعض حقّه أن يؤدّي ما عليه بإحسان؛ أي: بلا بخس للحقّ، ولا مطل، ولا خداع.\n ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الحكم المذكور من جواز القصاص، والعفو عنه إلى الدّية، أو إسقاط بعضها. ﴿تَخْفِيفٌ:﴾ تسهيل، وتيسير. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: من الله تعالى بكم حيث وسع في ذلك، ولم يحتّم واحدا منهما، كما حتم على اليهود القصاص، وعلى النصارى الدّية، لا يجوز لكلّ ملّة منهم أن تأخذ بغير ما فرض الله عليها، وفي هذا تضييق على كلّ من وليّ المقتول، والقاتل، وقد خير الله هذه الأمة بين القود، والدّية، وأيضا العفو تيسير عليها، وقال تعالى في آية المائدة بعد ذكر القصاص: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ فندب إلى رحمة العفو، والصدقة.\n ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي: بأن قتل وليّ المقتول القاتل، أو تعرّض له بسوء بعد أخذ الدية، أو بعد العفو عنه. قال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا؛ فرّ إلى قومه، فيجيء قومه، فيصالحون بالدّية، فيقول وليّ المقتول: إنّي أقبل بالدّية، حتّى يأمن القاتل، ويخرج، فيقتله، ويرمي إليهم بالدّية. واختلف فيمن قتل بعد أخذ الدية، فقال جماعة من العلماء، ومنهم: مالك، والشّافعي: هو كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة. وقال قتادة، وعكرمة، والسّدي، وغيرهم: عذابه أن يقتل البتّة، ولا يمكّن الحاكم الوليّ من العفو. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله﵄قال:\nقال رسول الله ﷺ: «لا أعفي من قتل بعد أخذه الدّية». وهذا دعاء عليه، أي: لا كثر ماله، ولا استغنى، ولا أعفاه الله من عذاب الآخرة. وفي سنن الدّارقطني عن أبي شريح الخزاعي-رضي","vol":"1","page":409},{"text":"الله عنه-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أصيب بدم، أو خبل-والخبل: العرج-فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرّابعة، فخذوا على يديه بين أن يقتصّ، أو يعفو، أو يأخذ العقل، فإن قبل شيئا من ذلك ثمّ عدا بعد ذلك؛ فله النّار خالدا فيها مخلّدا».\nهذا؛ وإذا قتل الابن أباه؛ يقتل حتما، وإذا قتل الأب ابنه؛ فيه خلاف، ومذهب مالك: أنّه يقتل إذا قتل ابنه متعمدا، مثل أن يضجعه، ويذبحه، أو يصبره، ويضربه، مما لا عذر له فيه، ولا شبهة في ادّعاء الخطأ: أنّه يقتل به قولا واحدا، فأمّا إن رماه بالسّلاح أدبا، أو حنقا، فقتله، ففيه في المذهب قولان. وقال الشّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: لا قود فيه، وعليه ديته، فقد روى الدّارقطني، وأبو عيسى التّرمذيّ عن سراقة بن مالك﵁- قال: حضرت رسول الله ﷺ، يقيد للأب من ابنه، ولا يقيد للابن من أبيه. قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح.\nوقد استدل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بهذه الآية على قوله: لا تقتل الجماعة بالواحد، قال: لأنّ الله سبحانه شرط المساواة، ولا مساواة بين الجماعة والواحد، وقد قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها..﴾. إلخ، والجواب: أنّ المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان ردّا على العرب؛ التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة افتخارا، واستظهارا بالجاه، والمقدرة، فأمر الله سبحانه بالعدل، والمساواة، وذلك بأن يقتل من قتل، وقد قتل عمر﵁سبعة برجل بصنعاء، وقال: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا). وقتل عليّ﵁طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء بعبد الله بن خبّاب. وفي الترمذيّ عن أبي سعيد، وأبي هريرة﵄عن رسول الله ﷺ قال:\n «لو أنّ أهل السّماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النّار». وأيضا فلو علم الجماعة: أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا؛ لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم، وبلغوا الأمل من التشفّي. ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ. هذا؛ ولا تنس أنّ هنا فعلا محذوفا، التقدير: فمن اعتدى بعد ذلك، فقتل. ومثله آية الصّيام الآتية.\nتنبيه: قيل: نزلت الآية الكريمة في الأوس، والخزرج، وكان لأحد الحيّين زيادة على الآخر في الكثرة، والشرف، وكانت حصلت بينهم حروب، ووقعت دماء كثيرة، فأقسم الفريق المتعالي بكثرته. لنقتلنّ بالعبد منّا الحر منهم، وبالمرأة منا الرّجل منا الرّجلين منهم، فلمّا أسلموا جميعا، وأرادوا المصالحة فيما بينهم؛ رفعوا أمرهم إلى النبي ﷺ فأنزل الله هذه الآية الكريمة، وأمرهم بالمساواة، فرضوا، وسلّموا. وانظر آية (المائدة).\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب «أدعو»، أو: أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، أقحم","vol":"1","page":410},{"text":"للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من لفظ (﴿أَيُّهَا﴾).\nوجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف: صلة الموصول، لا محل لها، ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿الْقِصاصُ:﴾ نائب فاعل، ﴿فِي الْقَتْلى:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْقِصاصُ﴾. وقيل: الفاء للسببية، فتكون متعلقة بالفعل ﴿كُتِبَ﴾. والجملة الفعلية ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الْحُرُّ:﴾ مبتدأ.\n ﴿بِالْحُرِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ؛ أي: مقتول ومأخوذ بالحرّ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، واعتبارها مفسرة للقصاص معنى مقبول، والجملتان الاسميتان بعدها معطوفتان عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿عُفِيَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وهو مبني للمجهول. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَخِيهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٌ﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّ من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿شَيْءٌ﴾ نائب فاعل: ﴿عُفِيَ﴾. ﴿فَاتِّباعٌ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط، (اتباع): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فعليه اتباع، وقيل:\nخبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالأمر اتباع، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت فيما سبق. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: ﴿عُفِيَ..﴾. إلخ صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ خبره، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشّرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة على الاعتبارين لا محل لها. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان ب (اتباع) لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له.\n (﴿أَداءٌ﴾): مبتدأ، خبره محذوف، أي: وعلى القاتل أداء، أو بمحذوف صفة له. ﴿بِإِحْسانٍ:﴾\nمتعلقان بما تعلق به: ﴿إِلَيْهِ،﴾ وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المجرور ب (إلى) وهو ضعيف.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿تَخْفِيفٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وأجيز اعتبارها في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة السابقة، والرابط اسم الإشارة. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب (﴿تَخْفِيفٌ﴾) لأنه صفة مشبهة، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على: ﴿تَخْفِيفٌ﴾. ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ إعرابه","vol":"1","page":411},{"text":"مثل إعراب سابقه. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وتتمة الكلام مثل ما قبله بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-186\"></span>﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾\nالشرح: ﴿الْقِصاصُ﴾ انظر الآية السابقة. ﴿حَياةٌ:﴾ بقاء عظيم، وهذا كلام في غاية الفصاحة، والبلاغة من حيث جعل الشيء محلّ ضدّه، وعرّف ﴿الْقِصاصُ﴾ ونكّر الحياة؛ ليدلّ على أن في هذا الجنس من الحكم نوعا من الحياة عظيما، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سبب حياة نفسين، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، ويقتلون الجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم، فإذا اقتصّ من القاتل؛ سلم الباقون، ويصير ذلك سببا لحياتهم. انتهى بيضاوي. وهذا الحكم غير مختص بالقصاص الذي هو القتل، بل يدخل فيه جميع الجروح، والشّجاج، وغير ذلك؛ لأن الجارح إذا علم أنّه إذا جرح؛ جرح؛ لم يجرح، فيصير ذلك سببا لبقاء الجارح، والمجروح، وربما أفضت الجراحة إلى الموت، فيقتص من الجارح، وانظر ما ذكرته في سورة (المائدة) رقم [٣٨] تجد ما يسرك.\nوقيل في معنى الآية: إنّ الحياة: سلامته من قصاص الآخرة، فإنّه إذا اقتصّ منه في الدنيا؛ لم يقتص منه في الآخرة، وفي ذلك حياته، وإذا لم يقتصّ منه في الدنيا؛ اقتص منه في الآخرة.\nانتهى خازن. وهذا لا يناسب معنى الآية، ولكن صريح قول الرسول ﷺ: «من عوقب في الدّنيا؛ فهو كفّارة له» هو الذي يفيد ما ذكرته، وانظر سورة (المائدة) آية [٣٣].\nهذا؛ وقد اتّفق علماء البيان على أنّ هذه الجملة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ بالغة أعلى درجات البلاغة. ونقل عن العرب في هذا المعنى قولهم: «القتل أنفى للقتل» ولكن شتّان ما بين الآية الكريمة من البلاغة، وبين قول العرب، فقد جعلت الآية الكريمة سبب الحياة القصاص، وهو القتل عقوبة على وجه التماثل، وقول العرب جعل سبب الحياة القتل، ومن القتل ما يكون ظلما، فيكون سببا للفناء، وتصحيح العبارة أن يقال: القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما. والآية الكريمة جاءت خالية من التكرار اللفظي، وقول العرب كرر فيه لفظ (القتل) فمسّه بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية. وقد ذكر وجوه كثيرة من التفريق بين الآية الكريمة، واللفظة العربية، وقد ذكرها السّيوطي في الإتقان. وانظر ما ذكرته في قوله تعالى في سورة (الأنبياء) آية [٢٣]: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾.","vol":"1","page":412},{"text":"(﴿أُولِي﴾): أصحاب، ولا واحد له من لفظه، وإنّما واحده «ذي» المضاف، إن كان مجرورا، و«ذا» المضاف إن كان منصوبا، و«ذو» المضاف إن كان مرفوعا. ﴿الْأَلْبابِ:﴾ العقول، جمع:\nلب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمّي بذلك لأحد وجهين: إما لبنائه من: لبّ بالمكان:\nأقام به، وإما من اللّباب، وهو الخالص من كل شائبة. هذا؛ واللبيب: العاقل الفاهم، والجمع: ألباء، والأنثى لبيبة، وجمعها: لبيبات ولبائب، واللّب: خالص كلّ شيء. انظر الآية رقم [١٩٦] الآتية، ففيها بحث جيد. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ انظر الآية رقم [٢١]، والمراد هنا:\nلعلكم تتقون القتل، أي: تبتعدون عنه مخافة القصاص. وانظر الآية رقم [١٨١] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْقِصاصِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بخبر ثان، كما جوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، واعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿حَياةٌ﴾ ضعيف؛ لأن كثيرا من النحاة، لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ.\n ﴿حَياةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿يا أُولِي:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب: أدعو. (﴿أُولِي﴾): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السّالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه، والجملة النّدائية، ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.\n ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية فيها معنى التعليل لما قبلها.\n\n<span id=\"aya-187\"></span>﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾\nالشرح: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ:﴾ فرض عليكم. ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: إذا حضرت أمارته، كالمرض المخوف؛ الذي لا يرجى برؤه، وحضور الموت: وجود أسبابه، ومتى حضر السبب كنّت به العرب عن المسبّب، قال عنترة: [الوافر]\nوإنّ الموت طوع يدي إذا ما... وصلت بنانها بالهندواني\n ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: مالا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٥] فإنه جيد، وشرح (أحد) في الآية رقم [٩٦]. هذا وعبر عن المال بالخير؛ لأن الإنسان يكسب به العزة، والشرف، والأجر، والثواب، وقد يكون العكس؛ إذا كسبه من حرام، وأنفقه في حرام. ﴿الْوَصِيَّةُ:﴾ هي تبرع بشيء","vol":"1","page":413},{"text":"مضاف لما بعد الموت. ﴿لِلْوالِدَيْنِ:﴾ فيه تغليب الوالد على الوالدة، ومثله: الأبوان.\n ﴿وَالْأَقْرَبِينَ:﴾ جمع: الأقرب، بمعنى القريب، وليس صيغة تفضيل. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ بالعدل بأن لا يزيد على الثلث، ولا يفضل الغني لغناه، وهو بخلافه في الآية رقم [١٧٧] ﴿حَقًّا:﴾ واجبا ثابتا، من: حقّ، يحقّ، بمعنى: وجب، يجب.\nتنبيه: حكم هذه الآية كان في بدء الإسلام، فنسخ بآية المواريث الموجودة في سورة النساء، وبقول النبي ﷺ: «إنّ الله أعطى كلّ ذي حقّ، حقّه، ألا لا وصيّة لوارث؛ إلاّ أن يجيزها باقي الورثة». رواه أصحاب السنن عن عمرو بن خارجة، ﵁. وقيل: هي غير منسوخة؛ لأنها نزلت في حقّ من ليس بوارث بسبب الكفر؛ لأنّ الرّجل كان يسلم، ووالداه يبقيان على كفرهما، فلذا استحقا الوصية؛ لأن الإسلام قطع الإرث بين المسلم، والكافر، فشرعت الوصية قضاء لحقّ القرابة ندبا، وعلى هذا لا يراد ب ﴿كُتِبَ﴾ فرض، وبقيت ندبا بحدود الثلث؛ حتى لا تجحف بورثته، كما ثبت في الصحيحين: أن سعد بن أبي وقاص﵁-، قال: يا رسول الله! إنّ لي مالا، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال:\n «لا» قال: فبالشطر؟ قال: «لا» قال: فبالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير. إنّك إن تذر ورثتك أغنياء؛ خير من أن تدعهم عالة، يتكفّفون النّاس».\nهذا؛ والوصية لوارث موقوفة على إجازة الورثة، فقد روى الدّارقطني عن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجوز الوصيّة لوارث؛ إلاّ أن يشاء الورثة». وروى أيضا عن عمرو بن خارجة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا وصيّة لوارث إلاّ أن تجيز الورثة».\nهذا؛ والوصية سنّة مؤكّدة، فقد أخرج الدّارقطني عن أبي أمامة، ومعاذ بن جبل﵄عن النبي ﷺ، قال: «إنّ الله تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة لكم في حسناتكم؛ ليجعلها لكم زكاة». وعن عبد الله بن عمر﵄-: أنّ رسول الله ﷺ قال:\n «ما حقّ امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين» وفي رواية: «ثلاث ليال، إلاّ ووصيّته مكتوبة عنده». قال نافع مولى ابن عمر: سمعت عبد الله بن عمر﵄يقول: ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك؛ إلا وعندي وصيتي مكتوبة. رواه مالك، والستّة.\nوعن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات على وصيّة مات على سبيل، وسنّة، ومات على تقى، وشهادة، ومات مغفورا له». أخرجه ابن ماجة.\nهذا؛ والرسول ﷺ فضّل الصّدقة، وأعمال الخير في حال الصّحّة، على حال المرض، ودنو الموت، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ، فقال: يا رسول الله! أيّ الصدقة أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدّق، وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم؛ قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا؛ وقد كان لفلان كذا».","vol":"1","page":414},{"text":"رواه الستّة إلا الترمذيّ. وعن أبي سعيد الخدري﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لأن يتصدّق المرء في حياته، وصحّته بدرهم خير له من أن يتصدّق عند موته بمائة». رواه أبو داود، وغيره. وعن أبي الدّرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل الّذي يتصدّق عند موته، كمثل الّذي يهدي بعد ما يشبع». رواه النّسائيّ، وابن حبّان، وغيرهما.\nهذا؛ وقد حذّر الرّسول ﷺ من الحيف في الوصية، وشدّد النكير على الذين يجورون فيها.\nوخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الرّجل ليعمل-أو المرأة-بطاعة الله ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصيّة، فتجب لهما النّار» ثمّ قرأ أبو هريرة﵁قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حتى بلغ: «ذلك الفوز العظيم». رواه أبو داود، والترمذيّ.\nوإن الذين يحرمون البنات من أملاكهم في حياتهم، ويسجّلون للذكور خاصّة؛ حرمهم الله من رحمته، وأبعدهم من رضوانه، وجنّته! وحديث بشير بن النّعمان﵁مشهور، ومسطور، فقد جاء إلى النبيّ ﷺ، وقال: يا رسول الله! إن ابنة رواحة أعجبها أن أشهدك على ما وهبت لابنها. فقال سيّد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «أكلّ ولدك نحلت مثله؟» قال: لا، قال: «لا أشهد على جور! اتّقوا الله، واعدلوا في أولادكم». فالله يقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ،﴾ وهم يقولون: المال، والملك كلّه للذكور خاصّة، ولا حظّ فيه للإناث.\nالإعراب: ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، وفي نائب الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون: ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ وذكّر الفعل للفصل، ولكون ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مؤنثا مجازيّا، والثاني: أنه الإيصاء المدلول عليه بالوصية، أي: كتب هو، أي: الإيصاء. والثالث: أنه الجار والمجرور:\n ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهذا يتجه على رأي الأخفش، والكوفيين، وعلى الوجهين الأولين فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما في محل نصب مفعول به. انتهى جمل نقلا عن السّمين.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية متعلّق بالفعل قبله مبني على السّكون في محل نصب.\n ﴿حَضَرَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَحَدَكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَوْتُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدَكُمُ﴾. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به، واكتفى به؛ لأنّ الفعل بمعنى:\nخلّى، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوف دلّ عليه لفظ الوصية، التقدير: إن ترك خيرا؛ فليوص. ﴿الْوَصِيَّةُ:﴾\nنائب فاعل: ﴿كُتِبَ؛﴾ وعليه فالجملة الشرطية معترضة بين الفعل ونائب فاعله. ﴿لِلْوالِدَيْنِ:﴾","vol":"1","page":415},{"text":"جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى، وهذا ما جرى عليه ابن هشام في المغني، وقد ردّ على الأخفش، الذي اعتبر ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وحذفت الفاء التي تقع في جواب الشرط؛ إذا كانت الجملة اسمية، كما في قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت﵄، وهو الشاهد رقم [١٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nمن يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان\nإذ التقدير: فالله يشكرها، فقال: مردود؛ لأن الفاء لا تحذف إلا في ضرورة الشّعر، والقرآن لا ضرورة فيه، بل هو منزّه عن الضرورة، واعتبر ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ نائب فاعل ﴿كُتِبَ﴾. هذا؛ وردّ مكيّ ما تقدم بقوله: ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: فعليكم الوصية. ويبعد رفعها ب ﴿كُتِبَ﴾ لأنها تصير عاملة في ﴿إِذا﴾ فإذا كانت ﴿إِذا﴾ في صلة الوصية؛ فقد قدمت الصّلة على الموصول، ونائب فاعل ﴿كُتِبَ﴾ مضمر دلّت عليه (﴿الْوَصِيَّةُ﴾) تقديره: كتب عليكم الإيصاء إذا حضر، فالإيصاء عامل في ﴿إِذا﴾. انتهى بتصرف. وهو كلام فيه تكلّف، ثم ذكر كلاما للنّحاس بعيدا كل البعد.\n ﴿وَالْأَقْرَبِينَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون فيه، وفي سابقه عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو من ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ إن كانت نائب فاعل، أي: ملتبسة بالمعروف. ﴿حَقًّا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: حقّ ذلك حقّا. قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: كتبا حقّا، أو إيصاء حقّا. قال الجلال:\n ﴿حَقًّا﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله. أقول: وعلى تقدير فعل قبله، فجملته في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها. ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ متعلقان ب ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف صفة له.\n\n<span id=\"aya-188\"></span>﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ:﴾ فمن غيّر الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقا للشرع من الأوصياء، والشهود. ﴿فَإِنَّما إِثْمُهُ﴾ أي: التبديل المفهوم من: ﴿بَدَّلَهُ﴾. ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي: يبدلون الإيصاء، ولا يعود الضمير على التبديل. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ:﴾ أي: لأقوال الناس من موص، وموصى له، ووصي، وشاهد. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأفعال الناس جميعا، فيجازي كلّ واحد بما قال، أو فعل، ولا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، وقال ابن عباس﵄-:\nوقع أجر الميت الموصي على الله، وتعلّق الإثم بالّذين بدّلوا. وهذه الآية في الوصية المحكمة المعمول بها إلى الآن، وإلى يوم القيامة.","vol":"1","page":416},{"text":"قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: لكن هنا وقفة من حيث إنّ الكلام السابق إنما هو في الوصية المنسوخة، التي هي للوالدين، والأقربين، والكلام في هذه الآية، والتي بعدها، إنّما هو في الوصية، التي استقر عليها الشرع، ويعمل بها إلى الآن، وإذا كان كذلك، فكيف يعود الضمير من المحكمة على المنسوخة؟! فليتأمل، فإني لم أر من نبّه على هذا. أقول: الذي جوز ذلك الاسم الجامع بينهما بغضّ النظر عن المنسوخة، والمحكمة.\nالإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَدَّلَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به. (﴿بَعْدَ﴾): ظرف زمان متعلق بما قبله وهو مضاف. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، ﴿سَمِعَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير:\nبعد الذي سمعه. هذا؛ وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة (﴿بَعْدَ﴾) إليه، التقدير: بعد سمعه، والمتعلق محذوف، التقدير: بعد سمعه له. ﴿فَإِنَّما:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿إِثْمُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿يُبَدِّلُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: (إنما ﴿إِثْمُهُ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّما..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهو جيد، والمعنى لا يأباه، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية: مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ إعرابها لا خفاء فيه، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، الغاية منها: التهديد، والوعيد لمن يغيّر في الوصيّة شيئا.\n\n<span id=\"aya-189\"></span>﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ خافَ:﴾ توقّع، وقيل: معناه: علم، وهو مجاز، والعلاقة بينهما هو أنّ الإنسان، لا يخاف شيئا؛ حتى يعلم أنّه ممّا يخاف منه، فهو من باب التعبير عن السبب بالمسبّب. ومن مجيء الخوف بمعنى العلم، قوله تعالى في الآية رقم [٢٢٩] الآتية: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ انتهى جمل. هذا؛ وأمّا التّخوّف، فهو التنقّص، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٤٧] من سورة (النحل): ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾. يروى: أن عمر","vol":"1","page":417},{"text":"الفاروق﵁قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التّخوّف: التنقّص، قال:\nفهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال: شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]\nتخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن\nفقال عمر﵁-: أيها الناس عليكم بديوانكم، لا تضلّوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهليّة، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن، يحصل من توقّع مكروه يقع في المستقبل، وأصل خاف: (خوف) فقل في إعلاله:\nتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. ﴿جَنَفًا﴾ ميلا، من: جنف، يجنف، جنفا، قال الأعشى: [الطويل]\nتجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما قصدت من أهلها لسوائكا\nومنه الآية الكريمة. والجنف: الجور، قال الشاعر: [الوافر]\nهم المولى وإن جنفوا علينا... وإنّا من لقائهم لزور\nوقال لبيد﵁-: [الكامل]\nإنّي امرؤ منعت أرومة عامر... ضيمي وقد جنفت عليّ خصوم\n ﴿أَوْ إِثْمًا:﴾ ظلما، وخروجا عن الحقّ، ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في هذا الإصلاح؛ إذ الجنف في الوصيّة، والإثم: العمد، وعليه فمعنى الآية: إذا حضر رجل مريضا؛ وهو يوصي، فرآه يميل في وصيته، إما بتقصير، أو بإسراف، أو وضع الوصية في غير موضعها؛ فلا حرج عليه أن يأمره بالعدل في وصيته، وينهاه عن الجنف، والميل. وقيل: إن المراد به: إذا أخطأ الميت في وصيته، أو جنف متعمّدا؛ فلا حرج على وليه، أو وصيه، أو ولي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته، وبين الموصى لهم، ويردّ الحق إلى نصابه، ويقيم العدل بينهم؛ وإن حصل في الوصية تبديل، وتغيير؛ لأن فيه خيرا، بخلاف التبديل السّابق. وانظر الأحاديث التي ذكرتها في الآية السّابقة، التي تشدّد النكير على من يجوز في وصيته. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ واسع المغفرة، والرّحمة لمن قصد بعمله الإصلاح. فهما صيغتا مبالغة.\nالإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): انظر الاعتبارين فيها في الآية السابقة.\n ﴿خافَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنْ مُوصٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿جَنَفًا﴾ كان صفة، فلما قدّم عليه صار حالا، على القاعدة المشهورة: «نعت النكرة... إلخ». وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة، لالتقاء الساكنين.","vol":"1","page":418},{"text":"﴿جَنَفًا:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿إِثْمًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَأَصْلَحَ:﴾\nالفاء: حرف عطف. (أصلح): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿خافَ..﴾. إلخ، ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (من) على اعتبارها شرطية، أو موصولة. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِثْمَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشّرط، أو في محل رفع خبر (من) على اعتبارها موصولة. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ هذه الجملة مفيدة للتعليل، أو هي معترضة في آخر الكلام، الغرض منها الترغيب في الإصلاح بين الناس، وعلى الاعتبارين لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-190\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان، وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن الكريم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكّرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال، وإنّما خصّهم الله بالنّداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، والمنتهون عمّا نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.\n ﴿كُتِبَ:﴾ فرض. ﴿الصِّيامُ﴾ هو في اللغة: الإمساك، وقد يكون إمساكا عن الكلام على حدّ قوله تعالى لمريم ﵍: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي:\nسكوتا عن الكلام، وقد يكون إمساكا عن غيره، ومنه قول النّابغة الذبياني: [البسيط]\nخيل صيام وخيل غير صائمة... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما\nأي: خيل ثابتة ممسكة عن الجري، والحركة، فهي تعلك لجمها، لمنعها عن الجري، والركض، ثمّ نقل الصيام في الشرع إلى إمساك مخصوص عن الطعام، والشراب، والجماع، ونحو ذلك بنيّة مخصوصة، من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، وتمامه، وكماله باجتناب المحرّمات، وعدم الوقوع في المحظورات، لقول النبيّ ﷺ: «من لم يدع قول الزّور، والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». أخرجه البخاريّ، وغيره عن أبي هريرة ﵁. وقال أيضا: «ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع، والعطش، وربّ قائم حظّه من قيامه الكدّ، والسّهر»، أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁. ورحم الله من يقول: [الطويل]","vol":"1","page":419},{"text":"وما صام من صامت عن الزّاد بطنه... وأذعن للآثام والشّهوات\nوليس له من صومه غير جوعه... وقد باء بالخسران والحسرات\nوقال آخر: [الطويل]\nإذا لم يكن في السّمع منّي تصاون... وفي بصري غضّ في منطقي صمت\nفحظّي من صومي هو الجوع والظّما... وإن قلت إنّي صمت يوما فما صمت\nوينبغي أن تعلم: أنّ الله فرض على نبيه ﷺ في ابتداء الدّعوة إلى الإسلام صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وكانت قريش تصوم يوم عاشوراء، وكان ﷺ يصومه، ولمّا هاجر إلى المدينة رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا يوم صالح نجّى الله فيه بني إسرائيل من فرعون، فصامه موسى ﵇ فنحن نصومه، فقال: «أنا أحق منكم بموسى ﵊»، فصامه، وأمر بصيامه، فلما فرض الله صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة؛ نسخ فرض ما تقدّم، وبقيت سنّيته، كما هو مقرر ومعلوم في الشريعة الإسلامية إلى يوم القيامة.\nوقد روي: أنّ هذا الصيام لم يزل مشروعا من زمن نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.\nهذا؛ وفعل المادة واوي: صام، يصوم، ومصدره: صوما، وصواما، وقد قلبت الواو ياء في الثاني لمناسبة الكسرة، ومثله: قيام، مصدر قام يقوم، فقد ذكر السيوطي رحمه الله تعالى في (همع الهوامع) في باب الإبدال ما يلي: تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معتل العين، موزون بفعال، نحو: قام قياما، وعاد عيادا، بخلاف عين غير المصدر، كصوان وسواك، والمصدر المفتوح أوله كرواح، أو المضمون كقوار، والمكسور الذي لم تعلّ عين فعله، ك «لاوذ، لواذا» و«عاود عوادا»، أو الموزون بفعل كالحول، وتبدل أيضا بعد كسرة من واو هي عين جمع لواحد ساكن العين، أو معتلها، صحيح اللام، موزون بفعال كثوب وثياب، وحوض وحياض، ودار وديار، وريح ورياح، بخلاف عين المفرد. انتهى.\n ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ يعني من الأمم، وأنبيائهم، من لدن آدم إلى عهدكم، والمعنى: أنّ الصوم عبادة قديمة لم يخل الله أمّة إلا وقد فرضه عليها، كما فرضه عليكم، وذلك لأنّ الصوم عبادة شاقة، والشيء الشّاقّ إذا عمّ سهل عمله، وقيل: إنّ أول من صام شهر رمضان نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nهذا؛ وقيل: إنّ صيام شهر رمضان كان واجبا على النّصارى، كما فرض علينا، فصاموا رمضان زمانا، فربما وقع في الحرّ الشديد، والبرد الشديد، وكان ذلك يشقّ عليهم في أسفارهم، ويضرّهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوه في فصل من السنة،","vol":"1","page":420},{"text":"معتدل بين الصيف والشتاء، فجعلوه في فصل الرّبيع، ثم زادوا عشرة أيام كفارة لما صنعوا، فصاموا أربعين يوما، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه، فجعل لله عليه، إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعا، فزادوا فيه أسبوعا، ثم مات ذلك الملك بعد زمان، ووليهم ملك آخر، فقال: ما شأن هذه الثلاثة أيام؟! أتمّوه خمسين، فأتموه خمسين.\nواختار هذا القول النّحاس، وقال: وهو أشبه بما في الآية، وفيه حديث يدلّ على صحته، أسنده عن دغفل بن حنظلة، عن النبي ﷺ قال: «كان على النصارى صوم شهر، فمرض رجل منهم، فقالوا: لئن شفاه الله؛ لنزيدنّ عشرة أيام، ثم كان ملك آخر، فأكل لحما، فأوجع فاه، فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدنّ سبعة أيام، ثم كان ملك آخر، فقال: لنتمّنّ هذه السبعة، ونجعل صومنا في الربيع، قال: فصار خمسين». انتهى خازن، وقرطبي، وفي الكشاف باختصار.\nوأقول: ثمّ فكر علماؤهم بأنّ الامتناع من الطّعام، والشّراب طيلة النّهار، ثم الانفلات من ذلك عند المساء، والانكباب على الطّعام، والشراب هذا لا يكسر شره النفس، ولا يحقّق الحكمة من الصّوم، وهي تهذيب الأخلاق، وتأديب الجوارح، فرأوا أن يكون الامتناع عن الدسم-أي: عما يخرج من الحيوان-أردع للنفس وأزجر لها عن المعاصي، فقرّروا أن يكون الصّوم عن ما يخرج من الحيوان من اللّحم، وغيره، وهذا كلّه يخضع لقاعدة عندهم، وهي أن ما يعقد في الأرض يعقد في السّماء، وما يحلّ في الأرض يحلّ في السماء، فكأنّ وظيفة الرّبّ في نظرهم هي الموافقة على ما يحلّلون، وما يحرّمون فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!\n ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ انظر الآية رقم [١٨٦] الآتية.\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾). و(ها): حرف تنبيه، لا محل له من الإعراب، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من لفظ: (﴿أَيُّهَا﴾) وجملة:\n ﴿آمَنُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الصِّيامُ:﴾ نائب فاعل (﴿كُتِبَ﴾) والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مبتدأة كالجملة الندائية قبلها. ﴿كَما:﴾ الكاف:\nحرف تشبيه وجر، (ما): مصدرية. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الصِّيامُ﴾. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و(ما) المصدرية، والفعل: ﴿كُتِبَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة كائنة مثل كتابته على الذين. أو","vol":"1","page":421},{"text":"هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الصِّيامُ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة الصيام على اعتبار (ال) فيه للجنس، وليست للتعريف، وزاد أبو البقاء وجها رابعا بقوله: صفة: (صوما) ولا وجه له. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، وجملة: ﴿تَتَّقُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-191\"></span>﴿أَيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾\nالشرح: ﴿أَيّامًا مَعْدُوداتٍ:﴾ جاء وصف (﴿أَيّامًا﴾) في الآية رقم [٨٠]: ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ وهذا يدل على أنه يجوز في العربية استعمال اللّفظين في وصف (﴿أَيّامًا﴾) كما ترى، وهو وصف قلّة كما ترى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا:﴾ المرض المبيح للفطر هو المرض الذي تحصل معه مشقّة إذا صام الرّجل، أو المرأة، بخلاف المرض البسيط، كمرض الرّجل، واليد، وغير ذلك. ﴿أَوْ عَلى سَفَرٍ:﴾ السفر الذي يبيح الفطر تقدّر مسافته في هذه الأيام بخمسة وثمانين كيلو مترا، إذا أنشأ السفر صباحا قبل الإمساك، ولا يجوز له الفطر إذا أنشأ السفر بعد الصّبح إلا إذا لحقه مشقّة في السفر، ويشترط أن يكون السفر في طاعة، أو مباحا لتجارة، ونحوها، والرّخصة موجودة، ومشروعة، ولو كان السفر في الطّائرة، وقطع المسافة في دقائق معدودة، ولكن نقول للصّائم المسافر: إذا كان لا يتضرّر بالصيام؛ فالأولى له أن يصوم حتّى يحوز بركة أيام رمضان، ويكون مشاركا إخوانه المسلمين في صومهم، وروحانيتهم، وإذا ترخّص، وأفطر؛ فالقضاء واجب عليه، وتأكّد عليه أن يصوم؛ إذا لم يتضرّر بالصوم.\nومن الأعذار المبيحة للإفطار: الحيض، والنفاس. ولو طرأ أحدهما قبل الغروب بلحظات؛ بطل صوم المرأة، ونرجو من الله أن يثيبها على صومها يومها، وإن لم يحسب لها، وإذا انقطع دمها يقينا في اللّيل؛ يجوز لها أن تنوي الصوم، وإن لم تغتسل، وينبغي لها أن تستنجي قبل طلوع الفجر مع النية؛ حتى لا تحتاج للمبالغة بعد طلوع الفجر، ولا قضاء عليها للصّلاة، وعليها قضاء الصوم؛ لأنه لا يتكرّر، بخلاف الصلاة، فإنها تتكرّر عليهما كما هو معروف.\nومن الأعذار المبيحة للإفطار: المرأة الحامل، والمرضع؛ إذا خافتا على نفسيهما، أو على ولديهما. وأيضا الهرم، والشيخوخة؛ إذا كان الصوم يضعف الرجل، أو المرأة، ويؤثر على حركتهما، وذوو الأعمال الشاقة لا يجوز لهم أن يهملوا السحور، والنّية، من الليل، بل يجب عليهم أن يعقدوا النية على الصّوم، ويتوكّلوا على الله، وإذا حصلت لهم المشقّة أثناء النهار؛","vol":"1","page":422},{"text":"فالرّخصة موجودة بقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها،﴾ وبقوله جل ذكره: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\n ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ أي: كلّ من أفطر بعذر يجب عليه أن يعدّ الأيام التي أفطرها، ثم يقضيها بعد التمكّن من القضاء إلا المريض الّذي لا يرجى برؤه، والشّيخ، والشّيخة اللذين لا يرجى صومهما بسبب الهرم، والضعف، فهؤلاء يخرجون كفارة لكلّ يوم أفطروا فيه. هذا؛ و﴿أُخَرَ:﴾ صفة ل ﴿أَيّامٍ،﴾ و«أُخَرَ» على ضربين: ضرب جمع: أخرى تأنيث أخر، بفتح الخاء أفعل تفضيل، وضرب جمع: أخرى بمعنى: آخرة، تأنيث آخر بكسرها مقابل ل «أول»، ومنه قوله تعالى: ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ فالضرب الأول لا يصرف، والعلّة المانعة من الصّرف:\nالوصف، والعدل. ولا تنس أنّ قبل: ﴿فَعِدَّةٌ..﴾. إلخ جملة محذوفة التقدير: «فأفطر».\n ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ:﴾ روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن سلمة ابن الأكوع﵁-: أنه قال: لمّا نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية الّتي بعدها، فنسختها. ومثله عن ابن عمر، ﵄، وبه قال السّدّي، والمراد بالتي بعدها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وقال ابن عباس -﵄-: ليست منسوخة، هو الشّيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا. أخرجه البخاريّ عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، وعليه يكون المعنى: وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشّباب، ثم يعجزون عنه في حال الشّيخوخة فدية طعام مسكين، ولذا قرأ ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وقيل: هي محكمة، وقبلها «لا» مقدّرة، أي: لا يطيقونه لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه.\n ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ:﴾ هي القدر الذي يبذله المسلم يقي نفسه به من تقصير وقع منه في عبادة، أو نحوها من كفارة يمين، أو ظهار، أو جماع في شهر رمضان، أو فعل محظور في الحجّ... إلخ، لكن ما مقدار هذه الفدية فيما ذكر؟ فالله يقول: ﴿طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ وكثير من العلماء يقولون: مدّ من قمح، وهل يكون المدّ في هذه الأيام طعام مسكين؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله، فقد روى البخاريّ رحمه الله تعالى: أنّ أنس بن مالك﵁أطعم بعد ما كبر عاما، أو عامين، عن كلّ يوم مسكينا خبزا، ولحما، وأفطر. فأنس﵁يطعم المسكين خبزا، ولحما، وهم يعطونه مدّ قمح، فكأنه بنظرهم حمامة، أو دجاجة يلتقط الحبّات بمنقاره، وانظر شرح المسكين في الآية رقم [١٧٧].\n ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فهذه الخيرية تعمّ كلّ من ترخّص الإفطار بعذر من الأعذار، ويقدر على الصوم بلا مشقّة، وعناء، ما عدا الحائض، والنفساء، فإنّ فطرهما واجب، وصومهما لا ينعقد. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بركة الصيام في رمضان؛ فلا تفطروا بمجرد العذر المرخّص للإفطار.","vol":"1","page":423},{"text":"الإعراب: ﴿أَيّامًا:﴾ مفعول به لفعل محذوف، دلّ عليه ﴿الصِّيامُ،﴾ التقدير: صوموا أياما، وقيل: هو ظرف متعلق بهذا المحذوف، التقدير: صوموا في أيام، وقيل: هو منصوب ب ﴿الصِّيامُ﴾ وردّه أبو البقاء للفصل بينهما. وقيل: هو منصوب ب ﴿كُتِبَ﴾ ولا وجه له؛ لأنه استوفى مفعوله، وهو الصّيام، الذي جعل نائب فاعل له، وقال الفراء: مفعول ثان له، ولا وجه له أيضا؛ لأنه ليس من الأفعال التي تنصب مفعولين إلا بتضمين بعيد. ﴿مَعْدُوداتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّامًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة المقدرة ب «صوموا... إلخ» مفسرة للصّيام، وهو أولى من الاستئناف. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر يعود إلى (من). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿مَرِيضًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مَرِيضًا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿عَلى سَفَرٍ﴾ معطوفان على قوله: ﴿مَرِيضًا﴾ فهما في محل نصب مثله. ﴿فَعِدَّةٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عدة):\nخبر لمبتدإ محذوف، التقدير، فالواجب عدّة، أو هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فعلية عدّة، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشّرط، وقيل:\nهو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (عدّة...) إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره، فهو كلام سديد، وتقدّم كثير مثله. ﴿مِنْ أَيّامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (عدة). ﴿أُخَرَ:﴾ صفة: ﴿أَيّامٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة والعدل، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولا تنس الجملة المقدّرة قبلها في الشرح «فأفطر».\n ﴿وَعَلَى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿عَلَى الَّذِينَ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿يُطِيقُونَهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والمتعلق محذوف، التقدير: يطيقونه منكم، ﴿فِدْيَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿طَعامُ:﴾ بدل من: ﴿فِدْيَةٌ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي طعام، وعليه.\nفالجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿فِدْيَةٌ﴾ و﴿طَعامُ﴾ مضاف، و﴿مِسْكِينٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. هذا؛ وقرئ: («فدية طعام مساكين») بالإضافة والجمع. والجملة الاسمية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿تَطَوَّعَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿خَيْرًا:﴾ منصوب على نزع","vol":"1","page":424},{"text":"الخافض، التقدير: تطوع بخير، أو هو صفة مصدر محذوف، أي: تطوع تطوعا خيرا، وقيل:\nهو حال من ذلك المصدر المقدر معرفة عند سيبويه، وهو مذهبه، والمعتمد الأول. ﴿فَهُوَ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو ﴿خَيْرٌ﴾): مبتدأ، وخبر. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وبقية الكلام كما في قوله تعالى: (من ﴿كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا..﴾.) إلخ بلا فارق.\n ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْ﴾) حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَصُومُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿أَنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(﴿أَنْ تَصُومُوا﴾) في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره.\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ وتقدير الكلام: صيامكم خير لكم. والجملة الاسمية في محل نصب حال مقدرة من كاف الخطاب في ﴿مِنْكُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وقلت: مقدرة؛ لأنها مستقبلة بواسطة (﴿أَنْ﴾) وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، التقدير: تعلمون أنه خير، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشّرط محذوف، التقدير: فافعلوه، ونحو ذلك. و﴿أَنْ﴾ مدخولها كلام معترض في آخر الكلام لا محلّ له، الغرض منه الحثّ على الصيام.\n\n<span id=\"aya-192\"></span>﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾\nالشرح: ﴿شَهْرُ:﴾ الشهر فيه لأهل اللغة قولان: أشهرهما: أنه اسم مدّة الزّمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمّي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات، وغيرها. والثّاني: قاله الزّجاج: أنه اسم للهلال نفسه. ويجمع على: أشهر، وشهور.\n ﴿رَمَضانَ:﴾ مأخوذ من: رمض الصائم، إذا احترق جوفه من شدّة العطش، والرّمضاء (ممدودة): شدّة الحر، وفي هذه التسمية أقوال: أحدها: أنه وافق مجيئه في الرّمضاء. وهي شدّة الحر، فسمّي به، كما سمّي ربيع لموافقته فصل الربيع، وكما سمّي جمادى لموافقته فصل","vol":"1","page":425},{"text":"الشتاء الشّديد البرد، وقيل: لأنّه يرمض الذنوب، أي: يحرقها. بمعنى: يمحوها، وقيل: لأن القلوب تحترق فيه من الموعظة، والقرآن. ويجمع على: رمضانات، وأرمضة.\n ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وشرح هذا الإنزال في شهر رمضان: أن جبريل ﵊ نسخه من اللّوح المحفوظ، ونزل به جملة واحدة، ووضعه في السّماء الدّنيا في مكان يسمّى بيت العزّة، وقد صادف ذلك ليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ ثم نزل به جبريل الأمين على الرسول ﷺ مفرّقا في ثلاث وعشرين سنة، على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال والحاجات.\nهذا؛ وقرآن مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. وخذ قول عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [١٧]: [الوافر]\nذراعي عيطل أدمان بكر... هجان اللّون لم تقرأ جنينا\n «لم تقرأ جنينا»: لم تضم، ولم تجمع في رحمها ولدا قط. وهو في اللّغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء، قرآنا: إذا جمعته. وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدّفتين، المتعبّد بتلاوته المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس. وهذا التعريف متّفق عليه بين العلماء والأصوليين، أنزله الله؛ ليكون دستورا للأمة، وهداية للخلق أجمعين، وليكون آية دالة على صدق الرسول ﷺ، وبرهانا ساطعا على نبوته، ورسالته، وحجّة قائمة إلى يوم الدين، تشهد: أنّه تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة، التي تتحدى الأجيال، والأمم على مر الأزمان، ومرّ الدهور. ورحم الله شوقي إذ يقول: [البسيط]\nجاء النّبيّون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بكتاب غير منصرم\nآياته كلّما طال المدى جدد... يزينهنّ جمال العتق والقدم\nوللقرآن أسماء عديدة، كلّها تدلّ على رفعة شأنه، وعلوّ مكانته، وعلى أنّه أشرف كتاب سماوي على الإطلاق، فيسمّى: القرآن، والفرقان، والتنزيل، والذّكر، والكتاب، والنور، والهدى... إلخ، كما وصفه الله بأوصاف عديدة، منها: نور، وهدى، ورحمة، وشفاء، وموعظة، وعزيز، ومبارك، وبشير، ونذير إلى غير ذلك من الأوصاف التي تشعر بعظمته، وقدسيّته. ويحرم على محدث حدثا أكبر: قراءته، ومسّه، وحمله، وعلى المحدث حدثا أصغر:\nحمله، ومسّه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠٦]: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾. وعلى","vol":"1","page":426},{"text":"اعتباره مصدرا جاء قول الشاعر-مع اختلاف في قائله، والمراد به عثمان بن عفّان﵁-، وهو الشاهد رقم [٣٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nضحّوا بأشمط عنوان السّجود به... يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا\nأي: قراءة. ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾ أي: هاديا لهم من الضّلالة. ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ أي: آيات، ودلائل، وحجج مبينة، واضحة، جلية لمن فهمها، وتدبرها، دالة على صحّة ما جاء به محمّد ﷺ من الهدى المنافي للضّلال، والرشد المخالف للغيّ، ومفرقا بين الحقّ، والباطل، والحلال، والحرام.\n ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ:﴾ أي: إيجاب حتم على من حضر استهلال الشهر، وهو صحيح مقيم مطيق للصوم، مع صحة إسلامه أن يصوم أيام رمضان، وهذه الجملة ناسخة للإباحة المتقدّمة في الآية السابقة. ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ انظر الآية السابقة ففيها الكفاية.\n ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أي: التيسير، والتسهيل، فلذا أباح لكم الفطر في المرض، والسّفر، ونحوهما من الأعذار. ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ:﴾ التعسير، والتشديد في الأحكام.\nففي الجملتين من المحسنات البديعية طباق السّلب. هذا؛ ويقرأ بتسكين السين في الكلمتين، وضمهما. وقال عيسى بن عمر رحمه الله تعالى: كلّ اسم على ثلاثة أحرف وسطها ساكن، فمن العرب من يخفّفه، ومنهم من يثقّله، وذلك مثل: حلم، ورحم، وعسر... إلخ.\nهذا؛ ودلت الآية الكريمة على: أنّ الله سبحانه مريد بإرادة قديمة أزلية، زائدة على الذّات.\nهذا مذهب أهل السّنّة، كما أنّه جلّت قدرته عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، وهذه كلّها معان وجودية أزلية زائدة على الذّات. وذهب المعتزلة، والشّيعة إلى نفيها، والّذي يقطع دابر هؤلاء أن يقال: لو لم يصدق كونه ذا إرادة؛ لصدق: أنه ليس بذي إرادة، ولو صح ذلك؛ لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة، فلم يبق إلا أن يكون الذي لم يتّصف بالإرادة أنقص ممّن هو متّصف بها، ولا يخفى ما فيه من المحال، فإنّه كيف يتصوّر أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والبديهة تقضي بردّه، وإبطاله، وقد وصف الباري نفسه ﷻ، وتقدّست أسماؤه بأنّه مريد، فقال تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وقال جل شأنه:\n ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وقال جلت قدرته: ﴿وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\n ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي: عدّة أيام رمضان، وذلك بقضاء ما فاتكم منه بسبب المرض، والسفر، وغيرهما من الأعذار المبيحة للإفطار. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ أي: في يوم عيد الفطر، وليلته، قال الرسول ﷺ: «زيّنوا أعيادكم بالتّكبير». ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ أي: أرشدكم لمعالم","vol":"1","page":427},{"text":"دينه، ووفقكم للقيام بها على الوجه الأكمل. وقيل: لما ضلّ فيه النصارى من تبديل صيامهم، ولما كانت الجاهلية تفعله، فأرشدكم إلى الحقّ والصواب، وتولاكم بعنايته، ورعايته.\n ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على نعمه، وتوفيقه للقيام بطاعته، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا، واحتسابا؛ غفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا، واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». أخرجه الشيخان، وغيرهما.\nوعن أبي سعيد الخدري﵁عن النّبيّ ﷺ قال: «من صام رمضان، وعرف حدوده، وتحفّظ ما ينبغي له أن يتحفّظ؛ كفّر ما قبله». رواه ابن حبّان.\nوالأحاديث في الترغيب في فضل رمضان كثيرة جدّا موجودة في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وغيره، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة، ولا مرض؛ لم يقضه صوم الدّهر كلّه؛ وإن صامه». أخرجه الترمذيّ، وغيره.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «عرا الإسلام، وقواعد الدّين ثلاثة، عليهنّ أسّس الإسلام، من ترك واحدة منهنّ؛ فهو بها كافر، حلال الدّم: شهادة أن لا إله إلاّ الله، والصّلاة المكتوبة، وصوم رمضان».\nالإعراب: ﴿شَهْرُ:﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿الَّذِي﴾. أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: ذلكم، أو:\nهو شهر، أو: الأيام المعدودة شهر... إلخ، أو هو بدل من الصيام على حذف مضاف؛ أي: كتب عليكم الصّيام صيام شهر... إلخ، وعلى هذه الأوجه ف ﴿الَّذِي﴾ صفة: ﴿شَهْرُ﴾. هذا وقرئ بالنصب («شهر») وخرّج على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «أياما تصوموا». والثاني: على إضمار:\nأعني، والثالث: أن يكون منصوبا ب ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أو ب (﴿أَنْ تَصُومُوا﴾). ولم يجوّز هذا النحاس؛ لأنه يدخل في الصّلة، ثم يفرق بين الصلة والموصول، وهو يعني بالصّلة والموصول: (أن) والفعل المضارع: ﴿تَصُومُوا﴾. وقال: يجوز أن تنصبه على الإغراء، أي: الزموا شهر رمضان، وصوموا شهر رمضان. واستبعد هذا القرطبيّ. و﴿شَهْرُ﴾ مضاف، و﴿رَمَضانَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر، أو نعت ل ﴿شَهْرُ،﴾ وعلى نصبه فهو نعت فقط.\n ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْقُرْآنُ:﴾\nنائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُدىً:﴾ حال من: ﴿الْقُرْآنُ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل","vol":"1","page":428},{"text":"عليها، وليست عينها، وهو بمعنى: هاديا. ﴿لِلنّاسِ﴾ متعلقان ب ﴿هُدىً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَبَيِّناتٍ:﴾ معطوف على: ﴿هُدىً﴾ منصوبه مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنَ الْهُدى:﴾ متعلقان ب (﴿بَيِّناتٍ﴾) أو بمحذوف صفة له، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْفُرْقانِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو على تقدير حرف الجر؛ أي: ومن الفرقان.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شَهِدَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، العائد إلى (من) و(من) بيان لما أبهم فيه. ﴿الشَّهْرَ﴾ مفعول به، وقيل: هو ظرف متعلق بالفعل قبله. ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. واللام: لام الأمر. (يصمه):\nفعل مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى (من)، والهاء عائدة على الشّهر على الوجهين المعتبرين فيه: ظرف زمان، أو مفعول به على السّعة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ صلته الجملة بعده، وخبره جملة: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ انظر الآية السابقة ففيها الكفاية، فهي مثلها محلاّ، وإعرابا.\n ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الْيُسْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية تعليل للتّرخيص في إفطار المريض، والمسافر، ونحوهما في شهر رمضان، والتي بعدها معطوفة عليها، مفيدة للتعليل مثلها. ﴿وَلِتُكْمِلُوا:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لِتُكْمِلُوا﴾): اللام: لام التعليل. (تكملوا): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعِدَّةَ:﴾ مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور معطوفان في المعنى على الجملة الفعلية السّابقة المفيدة للتعليل، وإعراب: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ مثلها، والجار والمجرور بعد التأويل معطوفان أيضا على ما قبلهما. ﴿عَلى:﴾ حرف جر.\n ﴿ما:﴾ مصدرية، ﴿هَداكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به، والمتعلق محذوف، التقدير: إليه، و﴿ما﴾ المصدرية والفعل (﴿هُدىً﴾) في تأويل مصدر في محل جرّ ب ﴿عَلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: لتكبروا الله على هدايتكم؛ أي: هدايته إيّاكم. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ تقدّم إعراب مثلها كثيرا، وهي معطوفة على ما قبلها، ومفيدة للتعليل أيضا.","vol":"1","page":429},{"text":"هذا وقدّر الجمل، والبيضاوي فعلا لتعليق هذه العلل، فقالا: وشرع الله تلك الأحكام على سبيل اللّف فإنّ قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ علّة للأمر بمراعاة العدّة، وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ علّة للأمر بالقضاء، وبيان كيفيته، وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علّة للترخيص، والتيسير، ثمّ قال الجمل-رحمه الله تعالى-: وهذا نوع من اللّف لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبيينه إلا النقّاد من علماء البيان. انتهى.\nبعد هذا يجوز عطف (﴿لِتُكْمِلُوا﴾) و(﴿لِتُكَبِّرُوا﴾) على ﴿الْيُسْرَ﴾ و﴿الْعُسْرَ﴾ وعليه في اللام أوجه، أحدها: أنها مزيدة في مفعول الإرادة. قاله الزمخشري في غير هذا الموضع، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له، لما فيها من معنى الإرادة. وقال ابن عطية-رحمه الله تعالى-: اللام مؤكدة دخلت على المفعول؛ لأن التّقدير: يريد الله بكم اليسر، وتكميل العدة والتكبير في يوم العيد، وليلته. والثاني: أنها لام العلّة، وهذا تقدّم. والثالث: أنها بمعنى «أن» الناصبة، وأنها نصبت الفعل بنفسها، قال الفراء: العرب تجعل لام «كي» في موضع «أن» في أراد، وأمر، وإليه ذهب الكسائي أيضا، انظر الآية رقم [٣٢] من سورة (التوبة) والآية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب) والآية رقم [٢٦] من سورة (النساء) والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام) والآية رقم [٨] من سورة (الصف)، ومثل ذلك قول كثيّر-وهو الشّاهد رقم [٣٩٤] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nأريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل\n\n<span id=\"aya-193\"></span>﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾\nالشرح: ﴿عِبادِي﴾ جمع: عبد، وهو الإنسان، حرّا كان، أو رقيقا، ويقال للملوك: عبد قن، وله جموع كثيرة، أشهرها: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، والإضافة إضافة تشريف، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنّبيّ ﷺ اسم أشرف منه وأعظم؛ لسماه به حينما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال جلّ ذكره: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. وفي معناه أنشدوا: [السريع]\nيا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي\nلا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنّه أشرف أسمائي\n ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي: منهم، أي: بالاطلاع على أحوالهم، وأقوالهم، وأفعالهم. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ أي: بإعطائه ما سأل. ﴿دَعانِ:﴾ سألني حوائجه، وما يريد من خيري الدّنيا، والآخرة،","vol":"1","page":430},{"text":"وهذا وعد من السميع العليم بإعطاء العبد سؤله. هذا؛ والياءان من قوله: ﴿الدّاعِ﴾ و﴿دَعانِ؛﴾ من الزوائد عند القرّاء، ومعنى ذلك: أنّ الصحابة لم تثبت لها صورة في المصحف، فمن القرّاء من أسقطها تبعا للرّسم وقفا، ووصلا، ومنهم من يثبتها في الحالين، ومنهم من يثبتها وصلا، ويحذفها وقفا. ومثل هذا كثير مثل قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾.\n ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: بالطاعة، والخضوع، والامتثال لأمري. فيما آمر به، وفيما أنهى عنه. هذا؛ وأجاب، واستجاب بمعنى، فالسين والتاء زائدتان، انظر: ﴿اِسْتَوْقَدَ﴾ في الآية رقم [١٧]. ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي:﴾ هذا أمر بالثبات على الإيمان، والمداومة عليه. هذا؛ وقال القرطبيّ:\nالدّعاء هنا بمعنى: العبادة، والإجابة بمعنى: القبول، فصار المعنى: أقبل عبادة من عبدني.\nدليله ما رواه أبو داود عن النّعمان بن بشير﵄عن النّبي ﷺ قال:\n «الدّعاء هو العبادة، قال ربّكم: ادعوني أستجب لكم» فسمّى الدعاء عبادة.\nأقول: إبقاء الكلام على ظاهره من أنّ المراد الدّعاء أولى، وأصحّ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ:﴾\nيهتدون، ويوفّقون إلى ما فيه خيرهم، وصلاحهم. هذا؛ والرّشد، والرّشد، والرّشاد: الهدى، والاستقامة، وضدّه: الغيّ، والضّلال، والفساد. والفعل رشد يأتي من الباب الأول، رشد، يرشد رشدا، ومن الباب الرّابع رشد، يرشد رشدا.\nتنبيه: روي: أنّ جماعة من الصّحابة قالوا: يا رسول الله! أقريب ربّنا، فنناجيه، أم بعيد، فنناديه؟ فنزلت الآية الكريمة. وقال ابن عبّاس﵄-: قال يهود المدينة: يا محمّد! كيف يسمع ربنا دعاءنا؛ وأنت تزعم أنّ بيننا وبين السّماء خمسمائة عام، وأن غلظ كلّ سماء مثل ذلك؟!\nهذا؛ وما ذكر في الكتاب والسنّة من قرب الله، ومعيّته لا ينافي ما ذكر من علوّه، وفوقيته، فإنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وفي الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ: «إنّ الّذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».\nتنبيه: لعلّك تدرك معي: أنّ هذه الآية معترضة بين سابقتها، ولاحقتها؛ لأنّ الآيتين، بل الآيات كلّها متعلقة بأحكام صيام رمضان. هذا؛ وإنّ الغرض من إقحام هذه الآية بينهما هو الاهتمام بالدّعاء، وبيان فضله، والحثّ على الإكثار منه، وأنّه عند الله بمقام عظيم، وأجر جزيل، ولذا قال النبيّ ﷺ: «الدّعاء مخّ العبادة»، رواه الترمذيّ عن أنس، ﵁. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الدّعاء سلاح المؤمن، وعماد الدّين، ونور السّماوات، والأرض». رواه الحاكم.\nوعن سلمان الفارسيّ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله حييّ كريم، يستحيي إذا رفع الرّجل إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة.","vol":"1","page":431},{"text":"وعن ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من نزلت به فاقة، فأنزلها بالنّاس؛ لم تسدّ فاقته، ومن نزلت به فاقة، فأنزلها بالله؛ فيوشك الله برزق عاجل، أو آجل».\nرواه أبو داود، والترمذي، والحاكم.\nوعن عائشة﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يغني حذر من قدر، والدّعاء ينفع ممّا نزل، وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل، فيلقاه الدّعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة». رواه الطّبرانيّ، وغيره. وانظر ما ذكرته في سورة (الأعراف) رقم [٥٥] فإنّه جيد، والحمد لله!\nوالأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة مسطورة في (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري.\nوانظر فيه شروط الدّعاء، وأركانه، وآدابه لتحقيق الإجابة. وأهم ركن، وأعظم شرط لإجابة الدّعاء هو أكل الحلال، ولولا الإطالة عليك؛ لذكرتها لك، وانظر الآية رقم [١٧٢] المتقدّمة، وانظر رقم [١١] من سورة (الإسراء) وسورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nهذا؛ وقد نهانا الرسول ﷺ عن الدّعاء على أنفسنا، وأولادنا؛ فعن جابر﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم». رواه مسلم.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿سَأَلَكَ:﴾\nفعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿عِبادِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة.\n ﴿عَنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على القول المشهور المرجوح، وهذا يعني: أنّ (﴿إِذا﴾) متعلقة بجوابها. وضعفه ابن هشام في المغني لاقتران الجواب بالفاء، ولا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها. ﴿فَإِنِّي:﴾ الفاء: واقعة في جواب (﴿إِذا﴾). (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية جواب (﴿إِذا﴾): لا محل لها، وقال أبو البقاء: هو على تقدير: فقل لهم: إنّي قريب. ﴿أُجِيبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل (إنّ)، وقيل: نعت ل ﴿قَرِيبٌ﴾ والأول أولى. ﴿دَعْوَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الدّاعِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة، كما رأيت في الشرح، وهو من إضافة المصدر لمفعوله، ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل: ﴿أُجِيبُ،﴾ مبني على السكون في محل نصب. ﴿دَعانِ﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى الدّاع، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتّخفيف في محل نصب مفعول به، والنون للوقاية، والكسرة دالة على الياء المحذوفة. هذا؛ وجوز اعتبار (﴿إِذا﴾) شرطية. والأول أقوى.","vol":"1","page":432},{"text":"﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا منّي... إلخ، اللام: لام الأمر. (يستجيبوا): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدر ب ﴿إِذا﴾ كما رأيت، والشرط المقدر، ومدخوله كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، والجملة: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمه. ﴿يَرْشُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعل)، والجملة الاسمية مفيدة للتوقع، والترجّي، والتعليل، لا محلّ لها.\nتنبيه: وما ذكره أبو البقاء من تقدير: «قل» قبل الجملة الاسمية: ﴿فَإِنِّي..﴾. إلخ؛ فقد قاسه على مثل قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ولكن عدم التقدير أولى وأبلغ، ولأن الله قد تولى جوابهم بنفسه إشعارا بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل سائل؛ بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوي الحاجات. انتهى صابوني، وهو جيد إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-194\"></span>﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَاِبْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾\nالشرح: ﴿أُحِلَّ:﴾ الحلال ضدّ الحرام، انظر الآية رقم [٨٥] ولفظ ﴿أُحِلَّ﴾ يوحي أنّ شيئا كان محرما قبل ذلك، ثم نسخ كما ستعرفه. ﴿لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ أي: ليالي صيام رمضان.\n ﴿الرَّفَثُ:﴾ يطلق على الكلام الفاحش، والقبيح بين الناس، والمراد به: الجماع، فقد كنى الله به عنه، وعدّي ب ﴿إِلى﴾ لتضمّنه معنى الإفضاء، وهو من الكنايات الحسنة، كقوله تعالى:\n ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ وقوله جل ذكره: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ وقوله تعالت حكمته: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قال ابن عباس﵄-: إن الله﷿- كريم، حليم، يكني.","vol":"1","page":433},{"text":"﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ:﴾ هذه استعارة بديعة، وأصل اللباس في الثياب، فقد شبه الله كلّ واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في العناق، والضم باللباس المشتمل على لابسه، وسمّي امتزاج كلّ واحد من الزّوجين بصاحبه لباسا، لانضمام الجسد إلى الجسد، وامتزاجهما، وتلازمهما بالثّوب، قال النابغة الجعدي﵁-: [الرمل]\nإذا ما الضّجيع ثنى جيدها... تداعت فكانت عليه لباسا\nوقال أيضا-وهو كناية عن جيل عاصره، ثمّ فني الجيل، وبقي حيّا؛ يريد بذلك بيان عمره الطّويل-: [المتقارب]\nلبست أناسا فأفنيتهم... وأفنيت بعد أناس أناسا\nوقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء، وواراه: لباس، فجائز أن يكون كلّ واحد منهما سترا لصاحبه عمّا لا يحل. كما ورد عن النبي ﷺ قوله: «من رزقه الله امرأة صالحة؛ فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشّطر الثّاني». رواه الطّبرانيّ في الأوسط، والحاكم عن أنس، ﵁. وفي رواية للبيهقيّ قال رسول الله ﷺ: «إذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدّين، فليتّق الله في النّصف الباقي».\nأقول: وهذا المعنى هو أولى ما تفسر به الآية، فإنّ الرجل، والمرأة حينما يكون أحدهما عزبا، فإنه يكون عرضة لكلام الناس، فحينما يتزوج تنقطع ألسنة الناس عنه. هذا بالإضافة لما فهم من الحديث الشريف من تحصين الفرج، وغضّ البصر، فصار كلّ منهما لباسا لصاحبه بهذا المعنى، وقدّم سبحانه قوله: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ تنبيها على شدّة احتياج الرّجل للمرأة، وعدم صبره عنها، ولأنّه هو البادئ بطلب ذلك منها، وعليه؛ فينبغي لكلّ منهما أن ينتقي هذا اللباس من أهل التّقوى، والدّين، والأحاديث التي ترغب في اختيار الزّوجين موجودة في كتاب الترغيب، والترهيب، وغيره، لا أطيل الكلام في ذلك، وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة؛ فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم، فإنّه له وجاء». رواه الستّة ما عدا ابن ماجة.\n ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ:﴾ تظلمون أنفسكم بتعريضها للعقاب، وتنقيص حقها من الثواب. والاختيان أبلغ من الخيانة، كالاكتساب من الكسب، وسمّاه الله: خائنا لنفسه؛ من حيث كان ضرره عائدا عليه، وكلّ عاص لله خائن لنفسه بتعريضها للعقاب، وتنقيص حقّها من الثواب، وألف: ﴿تَخْتانُونَ﴾ مبدلة من الواو؛ لأنه من: خان، يخون، وتقول في الجمع: خونة، واسم الفاعل: خائن، وأصله: خاون؛ مثل: قائل، أصله: قاول.","vol":"1","page":434},{"text":"﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ:﴾ قبل توبتكم، ووفّقكم للتوبة، والاعتراف بالذّنب. ﴿وَعَفا عَنْكُمْ:﴾ أي:\nتجاوز عنكم، ولم يعاقبكم بذنوبكم. ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ:﴾ كناية عن الجماع، كما تقدّم، وسمّي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه، وأطلقت على الجماع للزومها فيه. وهذا الأمر، والثلاثة بعده للإباحة. ﴿وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ:﴾ اطلبوا ما قدّره الله لكم من الولد، وما يتبع ذلك من قصد التحصين، والعفة بالنسبة للرّجل، والزوجة، وبهذا القصد يؤجر الرجل على هذا العمل، ويؤيّده قول الرسول ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي ذرّ﵁-: «وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه وزر؟» قالوا: نعم، قال: «فكذلك إذا وضعها في حلال؛ كان له أجر». أقول: ولكنّ الأجر متوقف على القصد؛ الّذي ذكرته.\n ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا:﴾ قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في المغني: إذا تعلّق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليه، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمّى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ وأيضا ما في هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (الإنسان) رقم [٢٠]: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ،﴾ إذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء، والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم؟ وأوقعوا الأكل والشرب، وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..﴾. إلخ ألا ترى: أنّ موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-إنما رحمهما؛ إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السّقي، لا لكون المسقي غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولهما: (﴿نَسْقِي﴾) السّقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل قدّر: يسقون إبلهم، وتذودان عنهما، ولا نسقي غنما. انتهى.\n ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ﴾ يقال: تبين الشيء، وبان، وأبان، واستبان، كلّه بمعنى واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا. ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ..﴾. إلخ: شبه ﷾ أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، وما يمتدّ معه من غبش الليل بخيطين: أبيض وأسود، واكتفى سبحانه ببيان الخيط الأبيض بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه، وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل. بيضاوي. وينبغي أن تعلم: أن الفجر الذي يحرم بطلوعه الطّعام، ويحلّ به الصّلاة هو الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة. روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن سمرة بن جندب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يغرّنّكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا؛ حتّى يستطير هكذا». وحكاه حماد بيديه، قال: يعني: معترضا. وروى الدّارقطني عن عبد الرحمن بن عباس: أنه بلغه أنّ رسول الله ﷺ، قال: «هما فجران: فأمّا الّذي","vol":"1","page":435},{"text":"كأنّه ذنب السّرحان؛ فإنّه لا يحلّ شيئا، ولا يحرّمه، وأمّا المستطيل الّذي عارض الأفق؛ ففيه تحلّ الصّلاة، ويحرم الطّعام». هذا مرسل. وروى الدّارقطني عن عائشة﵂عن النبي ﷺ قال: «من لم يبيّت الصّيام قبل طلوع الفجر؛ فلا صيام له». قال الشاعر: [البسيط]\nالخيط الأبيض ضوء الصّبح منفلق... والخيط الاسود جنح اللّيل مكتوم\n ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ:﴾ فإذا جاء الليل؛ فقد حلّ الأكل، والشّرب، والجماع، وكلّ شيء كان محظورا، كما جاء في الصحيحين من قول الرسول ﷺ: «إذا أقبل اللّيل من هاهنا، وأدبر النّهار من هاهنا فقد أفطر الصّائم». ويستحبّ تعجيل الإفطار، لما رواه سهل بن سعد الساعدي﵁عن النبي ﷺ قال: «لا يزال النّاس بخير ما عجّلوا الفطر». أخرجه أحمد، والترمذيّ.\n ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ:﴾ لا تجامعوا النساء، وأنتم مقيمون في المساجد بنية الاعتكاف. والمعلوم: أنّ الجماع في المسجد حرام، بل هو كبيرة من غير نيّة الاعتكاف، ولكن المراد: أنّ الجماع لا يجوز للمعتكف، ولو في بيته ما دام متلبسا بنيّة الاعتكاف، وهذا إذا كان الاعتكاف منذورا، أو مقيّدا بمدة معلومة، فأما إذا كان مطلقا، وتطوعا، فله إبطال نيته، والجماع، ثم إذا أراد الاعتكاف؛ فليجدّد نيته. هذا؛ وأقلّ الاعتكاف عند مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد: يوم وليلة، وشرطه الصّوم، وعند الشافعيّ، وقول آخر لأحمد: أقلّه لحظة، ولا حدّ لأكثره، وليس من شرطه الصوم، لذا يندب في حق الدّاخل المسجد أن ينوي الاعتكاف، ولو دخل لأداء الصّلاة المفروضة عند الشّافعيّ. ونرجو من الله الأجر والثواب إن تأدب الدّاخل بآداب المسجد، وأمّا إن دخل يهرهر، وخرج يهرهر؛ فبشره بالوزر، وويل له إن جلس بعد الصّلاة، وتكلم الكلام في الدّنيا من غير ذكر، فبشره بأنه يخرج من المسجد محملا بالأوزار، وعرضة لغضب الواحد القهار. والأحاديث التي تشدّد النكير على الذين يجعلون المسجد مقهى كثيرة مشهورة مسطورة، أكتفي منها بما يلي:\nعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «سيكون في آخر الزّمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة». رواه ابن حبان. وفي رواية: «فلا تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة».\n ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي: الأحكام التي ذكرت في هذه الآية، جمع: حدّ، وهو في اللغة:\nالحاجز بين شيئين متجاورين، والمراد هنا: الحدّ الفاصل بين الحلال والحرام، فلذا يعاقب من تجاوزه بالحدّ، وهو العقوبة المقرّرة لذلك. ﴿فَلا تَقْرَبُوها:﴾ نهى عن قربانها، فضلا عن انتهاكها، والقاعدة: أنّ الأحكام إذا كانت نواهي، يقال فيها: فلا تقربوها؛ على حدّ قوله تعالى:\n ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى،﴾ ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ وهكذا، وإن كانت أوامر، يقال فيها: (لا ﴿تَعْتَدُوها﴾) أي: لا تتجاوزوها، كما في الآية رقم [٢٢٨] الآتية، وما هنا من قبيل الأوّل، والآية الأخرى من قبيل الثاني، فكلّ جاء على ما يليق به. انظر الآية رقم [٢٢٨] ففيها بحث جيّد، والحمد لله!.","vol":"1","page":436},{"text":"﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾ أي: كما بيّن الصيام، وأحكامه، وشرائعه، وتفاصيله، كذلك يبين سائر أحكام الشريعة على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي:\nيعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون؟ فيبتعدون عن المعاصي، أو ينتظمون في سلك المتقين.\nوالترجّي في هذه الآية، وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يقع منه ترجّ لعباده، وأعمالهم. تعالى عن ذلك علوّا كبيرا!\nتنبيه: سبب نزول الآية الكريمة: أنّه كان في ابتداء الأمر بالصّوم إذا أفطر الصائم عند الغروب؛ حلّ له الطعام، والشّراب، والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة، أو ينام قبلها، فإذا صلّى، أو رقد قبلها؛ حرم عليه ذلك كله إلى الليلة القابلة، ثم إن عمر بن الخطاب﵁واقع أهله بعد ما صلّى العشاء، فلما اغتسل؛ أخذ يبكي، ويلوم نفسه، ثم أتى النّبيّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله، وإليك من هذه الخطيئة، وإنّي رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء، فوجدت رائحة طيبة، فسولت لي نفسي، فجامعت أهلي. فقال النّبيّ ﷺ: «ما كنت جديرا بذلك يا عمر!» فقام رجال، فاعترفوا بمثل ذلك، فنزل في عمر، وأصحابه﵃أجمعين، قول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ..﴾. إلخ.\nوعن البراء بن عازب﵁قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائما، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته، ولا يومه؛ حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري﵁كان صائما، فلمّا حضر الإفطار؛ أتى امرأته، فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا، لكن انطلق، فأطلب لك طعاما، وكان يومه يعمل، فغلبته عينه، فنام، فجاءته امرأته، فلما رأته نائما؛ قالت: خيبة لك يا قيس! فلمّا انتصف النهار؛ غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت الآية الكريمة، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا..﴾. إلخ.\nتنبيه: من أكل، أو شرب ناسيا؛ فإنه لا يفطر، سواء أكان الصّوم فرضا، أم تطوّعا، لقوله ﷺ: «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمّ صومه، فإنّما أطعمه الله، وسقاه». ومن جامع في رمضان فإنّه يفطر، وتفطر المرأة، وتجب الكفارة على الفاعل فقط عند الشّافعي رحمه الله تعالى، وعند مالك، وأبي يوسف، وأصحاب الرأي تجب على الرّجل، والمرأة، وتوسّط أبو حنيفة، فقال: إن طاوعته؛ فعليها الكفارة مثله، وإن أكرهها؛ فلا كفارة عليها، وأظنّ: أن هذا مذهب أحمد بن حنبل أيضا، رحم الله الجميع برحمة واسعة، ورحمنا معهم.\nهذا؛ وأما الفطر في رمضان عامدا متعمدا من غير عذر، ومن غير جماع؛ فيجب عليه القضاء فقط عند الشّافعي، والقضاء مع الكفارة عند غيره، وتأوّل الشافعي الحديث الّذي رواه الترمذيّ عن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة، ولا مرض؛ لم يقضه صوم الدهر كله؛ وإن صامه» بأنّ المراد بتحصيل الأجر، والثواب؛ الذي يفوته","vol":"1","page":437},{"text":"بفطره ذلك اليوم. وأرى: أن رأيه جدير بالاعتبار، وإذا أخذنا برأي غيره، ماذا يفعل من بلغ من العمر في هذه الأيام الثلاثين، والأربعين سنة؛ وهو لا يصوم شهرا، ولا أياما، ثم راجع نفسه، وصار يصلّي، فنراه يقضي ما فاته من صلاة، بينما لا يذكر ما فاته من صيام، ولا يخطر له على بال.\nالإعراب: ﴿أُحِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَيْلَةَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. هذا هو المشهور، ورده الجمل بقوله: وليس بشيء؛ لأنّ الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت، وفيه قول ثان. هو: أنه مدلول عليه بلفظ الرّفث، تقديره: أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام، وإنّما لم يجز أن ينتصب بالرفث؛ لأنه مصدر مقدّر بموصول، ومعمول الصّلة لا يتقدّم على الموصول. وفيه قول ثالث: أنه متعلّق بالرّفث، وذلك على رأي من يرى الاتساع في الظروف، والمجرورات. انتهى جمل بتصرف. و﴿لَيْلَةَ﴾ مضاف، و﴿الصِّيامِ﴾ مضاف إليه. ﴿الرَّفَثُ:﴾ نائب فاعل: ﴿أُحِلَّ﴾. ﴿إِلى نِسائِكُمْ:﴾ متعلقان بالرّفث، وجملة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة في الإعراب، ومرتبطة بالآيتين السّابقتين في المعنى.\n ﴿هُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لِباسٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، وقال البيضاوي: مستأنفة. وليس بشيء. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿لِباسٌ﴾ ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِباسٌ:﴾ خبره. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿لِباسٌ﴾. والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿عَلِمَ اللهُ:﴾ ماض وفاعله. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَخْتانُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ:﴾\nفي محل نصب خبر: ﴿كُنْتُمْ﴾. وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّكُمْ﴾ و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسدّ مفعولي: ﴿عَلِمَ،﴾ وجملة ﴿عَلِمَ اللهُ..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، ولست مفنّدا. وقيل: هي تعليل. ولا وجه له.\n ﴿فَتابَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تاب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿عَلِمَ..﴾.\nإلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فتبتم، فتاب عليكم، وهذا الكلام معطوف على جملة: ﴿عَلِمَ اللهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجملة:\n ﴿وَعَفا عَنْكُمْ﴾ معطوفة على جملة: (تاب ﴿عَلَيْكُمْ﴾).","vol":"1","page":438},{"text":"﴿فَالْآنَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (الآن): ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿بَاشِرُوهُنَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَابْتَغُوا﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿كَتَبَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ابتغوا الذي، أو: شيئا كتبه الله لكم. هذا؛ والجملتان ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا:﴾ معطوفتان على ما قبلهما، لا محل لهما أيضا، ومفعول الفعلين محذوف، كما رأيت في الشرح. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة، وهي بمعنى: «إلى أن». ﴿يَتَبَيَّنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْخَيْطُ:﴾ فاعله. ﴿الْأَبْيَضُ:﴾ صفته. ﴿مِنَ الْخَيْطِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾. ﴿الْأَسْوَدِ:﴾ صفة له. ﴿مِنَ الْفَجْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال أخرى من ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ وهما بمعنى البدل من: ﴿الْخَيْطُ﴾ وعلقهما الجمل بالفعل: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾. وقال أبو البقاء: يجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الضمير في: ﴿الْأَبْيَضُ﴾ ويجوز أن يكونا تمييزا، والأول أولى بالاعتبار، و«أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جرّ ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بأحد الفعلين (﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾) على التنازع.\n ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿أَتِمُّوا:﴾ فعل أمر، وفاعله. ﴿الصِّيامِ:﴾ مفعول به. ﴿إِلَى اللَّيْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الصِّيامِ﴾ أي: ممتدّا إلى الليل، وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُبَاشِرُوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾):\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عاكِفُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل. ﴿فِي الْمَساجِدِ﴾ متعلقان ب ﴿عاكِفُونَ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حُدُودُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (لا ﴿تَقْرَبُوها﴾): إعرابها مثل إعراب: (﴿لا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب","vol":"1","page":439},{"text":"الشرط مقدر ب «إذا» التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فلا تقربوها، والجملة الشرطية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-:\nدخول الفاء هنا عاطفة على محذوف، تقديره: تنبهوا، فلا تقربوها.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، التقدير: يبين الله أحكام دينه، وشريعته للناس تبيينا مثل تبيينه أحكام الصيام في هذه الآيات، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿آياتِهِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يُبَيِّنُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ انظر إعراب مثلها، ومحلها في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-195\"></span>﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ:﴾ لا يأخذ بعضكم مال البعض بالوجه الذي لم يبحه الشرع الشريف، والدين الحنيف. والتعبير ب ﴿أَمْوالَكُمْ﴾ فيه منتهى الردع، والزجر عن أكل مال المسلم؛ لأنه يجب عليك أن تحافظ على ماله، كما تحافظ على مالك، ولأن الاعتداء على ماله كالاعتداء على مالك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٤] فإنّه جيد، والحمد لله! وكلّ من أخذ مال غيره، لا على وجه إذن الشرع؛ فقد أكله بالباطل، ومن الأكل بالباطل أن يحكم الحاكم لك، وأنت تعلم أنك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء الحاكم؛ لأنه يقضي بالظاهر، فقد روى الأئمة عن أمّ سلمة﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قطعت له من أخيه شيئا؛ فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من نار». وانظر شرح (الباطل) في الآية رقم [٤٢] ويجمع (باطل) على: أباطيل شذوذا، كما شذّ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع، في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. وفي القرطبيّ: وجمع الباطل: بواطل، والأباطيل جمع:\nالبطولة.\nهذا؛ وأخذ أموال الناس بالباطل يشمل، ويعمّ كلّ مال أخذ بدون وجه شرعيّ، وأبوابه كثيرة متنوعة، أذكر منها على سبيل المثال ما أشاع الفساد، والضّلال: الرّبا بآثامه وشروره، واستغلال النفوذ بأنواعه، وفجوره، والرّشوة بأنواعها، واحتكار البضائع لبيعها بثمن أعلى، وخزنها، وتصريفها بثمن أغلى، والذين يأخذون معاشاتهم، ولا يؤدون أعمالهم، ويقبضون","vol":"1","page":440},{"text":"أجورهم، ويتهرّبون من واجباتهم، والذين يسرقون، ويخونون، ويغشّون، ويختلسون، ويدخل في ذلك: القمار، والخداع، والغصوب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، كما يؤخذ بالحياء، إذ ما أخذ بالحياء؛ فهو حرام، أو حرمته الشريعة؛ وإن طابت به نفس مالكه، وحلوان الكهّان، والمنجّمين، والمشعوذين، وأثمان الخمور، والخنازير، وأثمان الملاهي الشاغلة عن ذكر الله تعالى، وربحها، بل وتجارتها حرام، والغبن الفاحش في البيع والشّراء، وأفحش ذلك أكل مال اليتيم بغير حقّ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.\n ﴿وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ:﴾ الإدلاء في الأصل: إرسال الدلو في البئر، ثم جعل كلّ إلقاء، أو رفع لقول، أو فعل إدلاء، يقال: أدلى بحجته، أي: أرسلها، والمراد بالإدلاء هنا:\nالدفع إلى الحاكم بطريق الرّشوة لأجل تغيير الحكم، وإضاعة الحق، وإقامة الباطل. والمعنى في الآية: لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل، الّذي تقدّم ذكره، وبين الإدلاء إلى الحكّام بالحجج الباطلة، والدّعاوى الفاسدة. وهو كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ وقيل:\nالمعنى: لا تصانعوا الحكام بأموالكم، وترشوهم؛ ليقضوا لكم بالباطل على غيركم. وهذا القول يترجّح لأن الحكام مظنّة الرّشا، والحيف في الحكم، إلا من عصم الله، وهم قليل.\n ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ أي: لتأخذوا قطعة، وجزءا، وقسما من أموال الناس. هذا؛ والفريق في الأصل يطلق على الجماعة، والطائفة من الناس، قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (الأعراف) وقال جل ذكره في سورة (الشورى) رقم [٧]: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ هذا؛ والإثم: الباطل، والمعصية، والذنب. والإثم: اسم من أسماء الخمرة، قال الشاعر: [الوافر]\nشربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول\n ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ أنكم مبطلون، وتأكلون أموال الناس بالباطل.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَأْكُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَمْوالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من واو الجماعة، أو من ﴿أَمْوالَكُمْ﴾ وجملة: ﴿وَلا تَأْكُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولا يوجد مناسبة للعطف على ما قبلها.\n ﴿وَتُدْلُوا:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، فهو مجزوم مثله، وجوز أن يكون منصوبا ب «أن» مضمرة بعد الواو على اعتبارها للمعيّة، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله،","vol":"1","page":441},{"text":"والألف للتفريق، وعلى النصب يؤول الفعل مع «أن» المضمرة بمصدر معطوف بواو المعية على مصدر متصيد من الفعل السابق، والتقدير: لا يكن منكم أكل لأموال الناس، وإدلاء بها\nإلخ. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأيضا: ﴿إِلَى الْحُكّامِ﴾ متعلقان به.\n ﴿لِتَأْكُلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، «أن» المضمرة والفعل (تأكلوا) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿تُدْلُوا﴾). ﴿فَرِيقًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَمْوالِ:﴾\nمتعلقان ب ﴿فَرِيقًا﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿أَمْوالِ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿بِالْإِثْمِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿تَأْكُلُوا﴾ أو بمحذوف حال من واو الجماعة، أو بمحذوف صفة ﴿فَرِيقًا﴾ أي: مقرونا بالإثم. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-196\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾\nالشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ أصل «سأل» إذا كان من السّؤال أن يتعدّى إلى مفعولين، نحو قوله تعالى في سورة (هود) على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ رقم [٤٦]، ويجوز أن تقتصر على مفعول واحد، كما تقتصر في أعطيت، وكسوت، نحو قوله تعالى في سورة (الممتحنة) رقم [١٠]: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ فإذا اقتصرت على مفعول واحد؛ جاز أن يتعدى إلى ذلك الواحد بحرف الجر، كما في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ والتقدير: سأل سائل النبيّ عن عذاب واقع؛ إذ الباء بمعنى «عن».\nفائدة: كلّ ما جاء في القرآن من السؤال أجيب ب «قل» بلا «فاء» إلا في قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ..﴾. إلخ فبالفاء؛ لأن الجواب في الجميع كان بعد وقوع السؤال، وفي سورة (طه) كان قبله؛ إذ تقديره: إن سئلت عن الجبال؛ فقل.\nهذا؛ و(سأل) تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى ب (عن) كهذه الآية، وفي أول سورة (الأنفال) وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين، نحو: سألت زيدا مالا.","vol":"1","page":442},{"text":"﴿الْأَهِلَّةِ﴾ جمع: هلال، سمّي به القمر لرفع أصواتهم عند رؤيته في جهة المغرب في أوّل الشهر. واختلف اللّغويون إلى متى يسمّى هلالا، فقال الجمهور: يقال لليلتين، وقيل: لثلاث، ثم يكون قمرا. وقال أبو الهيثم: لليلتين من أوّل الشهر، ولليلتين من آخره، وما بينهما قمر.\nانتهى جمل نقلا عن السّمين. هذا؛ وجمع الهلال على: أهلة، وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر غير كونه هلالا في آخر، فإنّما جمع أحوال من الأهلة، ويريد بالأهلة شهورها، وقد يعبّر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه. وقيل: سمّي شهرا؛ لأن الأيدي تشير بالإشارة إلى موضع الرؤية، ويدلون عليه. وانظر الآية رقم [١٨٤].\n ﴿قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ:﴾ تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر، ونقصانه، وهو زوال الإشكال في الآجال، والمعاملات، والأيمان، والحجّ، والعدد، والصّوم، والفطر، ومدّة الحمل، والإجارات، والأكرية إلى غير ذلك من مصالح العباد. ونظيره قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٢]: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ،﴾ وقوله تعالى في سورة يونس رقم [٥]:\n ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾. هذا؛ و﴿مَواقِيتُ﴾ جمع: ميقات، مثل موازين، ومواعيد، ومواريث، جمع: ميزان، وميعاد، وميراث، والأصل: موزان، وموعاد، وموراث، وموقات، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، وردت الواو لأصلها في الجمع؛ لأن جمع التكسير يرد الأشياء إلى أصولها. وإنّما خصّ الحج بالذكر؛ لأنّه ممّا يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لم يقع فيه النسيء الّذي كانت العرب تفعله في الجاهلية من تأخير حرمة شهر إلى آخر.\nتنبيه: لقد استدل مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما على أنّ الإحرام بالحجّ يصحّ، وينعقد في غير أشهر الحجّ بهذه الآية؛ لأنّ الله تعالى جعل الأهلة كلّها ظرفا لذلك، وخالف في ذلك الشافعي لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ رقم [١٩٧].\n ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ أي: ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها، كما كنتم تفعلون في الجاهلية. وانظر: ﴿الْبِرُّ﴾ في الآية رقم [١٧٧]. ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ:﴾ عمل الخير؛ الذي يحبه الله، ويرضاه. ﴿مَنِ اتَّقى:﴾ امتثل أمر الله فيما أمر، واجتنب كل ما نهى عنه، فهذا الذي يقربكم إلى الله. ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها:﴾ ادخلوها كعادة الناس من الأبواب. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تقدّم شرح مثل ذلك كثيرا.\nهذا؛ وحكى المهدوي، ومكيّ عن ابن الأنباري، والماورديّ عن ابن زيد-رحم الله الجميع-: أنّ الآية مثل في جماع النساء، أمر بإتيانهن في القبل، لا من الدبر، وسمّي النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت. قال ابن عطية: وهذا بعيد مغير نمط الكلام. أقول:\nبحث ذلك يأتي في الآية رقم [٢٢٢] الآتية، وانظر: (ائتوا) في الآية [٢٣].","vol":"1","page":443},{"text":"فائدة: يجوز عند مالك، وأحمد-رحمهما الله-البيع في السّلم، وغيره إلى الحصاد، أو إلى الدياس، وعند الشّافعيّ، وأبي حنيفة رحمهما لا يجوز إلا بتعيين اليوم، والشهر، ولا خلاف في ذلك بين العلماء في بيع شيء بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهر عربي، أو روميّ.\nتنبيه: ما في الآية الكريمة ممّا سأل عنه اليهود، واعترضوا به على النّبي ﷺ: فقال معاذ بن جبل﵁-: يا رسول الله! إن اليهود تغشانا، وتكثر مسألتنا عن الأهلّة، فما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يزيد؛ حتى يستوي، ويستدير، ثم ينقص؛ حتى يعود كما كان؟ وكان ناس من الأنصار إذا أحرموا بالحجّ، أو بالعمرة لم يدخل أحد منهم حائطا، ولا دارا، ولا فسطاطا من باب، فإن كان من أهل الدّار نقب نقبا في ظهر بيته، يدخل منه، ويخرج، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء، وكانوا يعدون ذلك برّا، وعملا صالحا، ووجه اتصال الكلام ببعضه: أنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر، وعن حكم دخولهم بيوتهم من غير أبوابها، فنزلت الآية الكريمة في هذين السّببين.\nتنبيه: في هذه الآية بيان: أنّ ما لم يشرعه الله قربة، ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب له به متقرّب. قال ابن خويز منداد: إذا أشكل ما هو برّ، وقربة بما ليس هو برّ، وقربة أن ينظر في ذلك العلم، فإن كان له نظير في الفرائض، والسنن؛ فيجوز أن يكون، وإن لم يكن؛ فليس ببرّ، ولا قربة. انتهى قرطبي. أقول: قد يكون حراما، وبدعة سيّئة، وما أكثر البدع في هذه الأيام، خذ منها الأذكار المشتملة على الرّقص، والدّبك، وما يحدث فيها من الهيام المخترع المسمّى بالحال، وأسوأ السوء فيه ما يحدث من ضرب الشّيش، وغير ذلك من الخزعبلات، والتّدجيل، ولا تنس الموالد وما يكون فيها من مغالاة، وما يقع فيها من إسراف، وتبذير، والمبذرون إخوان الشياطين، وما يحصل فيها من رياء، وحبّ السّمعة، والمحمدة.\nتنبيه: علماء البلاغة يعدون القسم الأول من الآية الكريمة، بل ويسمّونه: أسلوب الحكيم، ويكون بتنزيل السؤال منزلة سؤال آخر مناسب لحالة المسألة، فجاء الجواب في الآية الكريمة عن الحكمة المترتّبة على ذلك؛ لأنّها أهمّ للسائل، فنزّل سؤالهم عن سبب الاختلاف منزلة السّؤال عن حكمته، ومثلها الآية رقم [٢١٤] الآتية.\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿عَنِ الْأَهِلَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، ومتعلقه محذوف، التقدير: قل لهم. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مَواقِيتُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَواقِيتُ﴾ أو بمحذوف صفة له، وهو أقوى. ﴿وَالْحَجِّ:﴾ معطوف على (الناس)، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر.","vol":"1","page":444},{"text":"﴿وَلَيْسَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَيْسَ﴾): فعل ماض ناقص. ﴿الْبِرُّ:﴾ اسمها. ﴿بِأَنْ:﴾\nالباء: حرف جر. (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿تَأْتُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿الْبُيُوتَ:﴾ مفعول به.\n ﴿مِنْ ظُهُورِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْبُيُوتَ،﴾ (وها): في محل جر بالإضافة، (وأن) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر (﴿لَيْسَ﴾). هذا؛ وقيل: الباء حرف جر صلة، والمصدر مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والأول أقوى، وتقدّم له نظائر كثيرة، وجملة:\n ﴿وَلَيْسَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَلكِنَّ:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾) حرف مشبه بالفعل. ﴿الْبِرُّ:﴾ اسمها. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جرّ بإضافة اسم محذوف إليه هو الخبر، التقدير: ولكنّ البرّ برّ من، ومثله الآية رقم [١٧٦]. ﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد، والجملة صلة لها.\n ﴿وَأْتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة معطوفة على ما قبلها: فهي من جملة مقول القول، مع ملاحظة: أنها إنشائية، والتي قبلها خبرية. ﴿الْبُيُوتَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَبْوابِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿الْبُيُوتَ،﴾ و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة أيضا.\nقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: ولمّا تقدم جملتان خبريّتان، وهما: (﴿لَيْسَ الْبِرُّ..﴾.) إلخ، ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ عطف عليهما جملتان أمريتان: الأولى للأولى، والثانية للثانية، وهما: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ،﴾ ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾. انتهى نقلا عن السّمين. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ تقدّم إعراب مثلها كثيرا.\n\n<span id=\"aya-197\"></span>﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ هذه الآية أوّل آية نزلت في الأمر بالقتال؛ إذ من المعلوم: أنّ القتال كان محظورا قبل الهجرة، والآيات التي تنهى عن القتال قبل الهجرة، وتحثّ على الصّبر، وتحمّل الأذى من قريش كثيرة، فلمّا هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة؛ أمر بالقتال، فنزلت الآية الكريمة، قاله الرّبيع بن أنس، وغيره، وروي عن أبي بكر الصديق﵁-","vol":"1","page":445},{"text":"وأرضاه: أنّ أول آية نزلت في القتال قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٣٩]: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ والأوّل أكثر، وأنّ آية الإذن إنما نزلت في القتال غاية لمن قاتل، ولمن لم يقاتل من المشركين، وأن هذه الآية نزلت لمّا تجهز المسلمون لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي قريش بما وعدت من الشّروط، والعهود؛ الّتي عقدت في غزوة الحديبية، ويقاتلون المسلمين، وقد كره المسلمون قتالهم في الحرم، والشّهر الحرام، فنزلت الآية الكريمة تبيح قتال المشركين؛ إن هم قاتلوهم، انظر غزوة الحديبية وما حصل فيها من شروط، وعهود بين المسلمين، وبين المشركين-فإنّه جيد، والحمد لله-وذلك في سورة (الفتح). وفي الآية الكريمة إباحة القتال لمن يقاتل من المشركين دون من ليس من أهل المناصبة، والمقاتلة من الشيوخ، والصبيان، والرّهبان، والنّساء، والزّمنى، والأجراء، إلا أن يكون لأحد منهم إذاية للمسلمين، بقول، أو فعل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تتجاوزوا ما شرعه الله، وأباحه لكم.\nتنبيه: لا يذكر في القرآن الكريم لفظ القتال، أو الجهاد؛ إلا ويقرن بكلمة: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من القتال، والجهاد غاية شريفة نبيلة، هي إعلاء كلمة الله، لا السيطرة، أو المغنم، أو الاستعلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدنيئة.\n ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: المتجاوزين ما شرعه الله لهم. هذا؛ وعدم محبّة الله لهم كناية عن البغض، والسّخط، والغضب، والطرد من رحمته، ورضوانه، ومحبته للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه.\nالإعراب: ﴿وَقاتِلُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿قاتِلُوا﴾): فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿يُقاتِلُونَكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَقاتِلُوا..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَعْتَدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾.\n ﴿الْمُعْتَدِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.","vol":"1","page":446},{"text":"<span id=\"aya-198\"></span>﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١)﴾\nالشرح: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث وجدتموهم، فهو مثل قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥]: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ بل هذه أعمّ، والأولى أخصّ، لذا قيل:\nهذه ناسخة لتلك. هذا؛ والثقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء، علما كان، أو عملا، فهو يتضمن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف، ثقفا. ويقال: رجل ثقف لقف، أي: خفيف حاذق: إذا كان محكما لما يتناول من الأمور، قال الشاعر: [الوافر]\nفإمّا تثقفوني فاقتلوني... فمن أثقف فليس إلى خلود\n ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: أخرجوكم من مكّة كما فعلوا بكم، وقد تمّ ذلك بفضل الله عام الفتح. ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ فسر بالشرك، والأولى تفسيرها بالمحنة؛ التي يفتن بها الإنسان، كالتعذيب، والإخراج من الوطن أعظم من القتل؛ لدوام تعبها، وتألم النفس بها، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nلقتل بحدّ السّيف أهون موقعا... على النّفس من قتل بحدّ فراق\n «تقتلوهم»، «يقتلوكم»، «قتلوكم:» هذه الأفعال الثلاثة تقرأ بالألف، وبدونها، ولا يتغيّر معناها، ولا إعرابها. ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ..﴾. إلخ: جاء في الصحيحين من قول الرسول ﷺ:\n «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحلّ إلاّ ساعة من نهار-وإنّها ساعتي هذه-فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ؛ فقولوا: إنّ الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم». يعني بذلك ﷺ: قتاله أهله يوم فتح مكّة. هذا؛ ونصّ الآية الكريمة: أنه لا يجوز قتال الكافر حتّى يقاتل في الحرم، ولكن الآية الآتية: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ عمّمت القتال. ﴿كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ:﴾ أي: مثل ذلك جزاؤهم، يفعل بهم مثل ما فعلوا بكم، والجزاء من جنس العمل.\nالإعراب: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية، معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، مبني على الضم في محل نصب. ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذّكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة:","vol":"1","page":447},{"text":"﴿وَأَخْرِجُوهُمْ:﴾ معطوفة على جملة: (﴿اُقْتُلُوهُمْ﴾) لا محل لها، وإعرابها مثلها. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جرّ ب ﴿مِنْ﴾ وجملة: ﴿أَخْرَجُوكُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها.\n ﴿وَالْفِتْنَةُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿الْفِتْنَةُ أَشَدُّ﴾): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، وهو أقوى من الحالية. ﴿مِنَ الْقَتْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَشَدُّ،﴾ ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُقاتِلُوهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿الْمَسْجِدِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة.\n ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و«أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: ﴿تَقْتُلُوهُمْ﴾.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿قاتَلُوكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاقْتُلُوهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اقتلوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، ومتعلقه مع متعلق سابقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، والشرط ومدخوله كلام معطوف، ومفرّع عمّا قبله لا محل له أيضا.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف:\nحرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام مقوّية لمضمون الكلام السّابق.\n\n<span id=\"aya-199\"></span>﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن الكفر بأن أسلموا، وتركوا القتال. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدّم من ذنوبهم، يرحم كلاّ منهم بالعفو عمّا اجترم، نظيره قوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ رقم [٣٨]، والرّسول ﷺ قال: «الإسلام يجبّ ما قبله» أي: يمحو جميع ما فعله الكافر من إيذاء، وقتل للمسلمين.","vol":"1","page":448},{"text":"الإعراب: ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِنْتَهَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها بساكنة مع واو الجماعة، وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، و(إنّ) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة لا محل لها مثله، والاستئناف ممكن.\n\n<span id=\"aya-200\"></span>﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ (١٩٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ:﴾ أمر بالقتال لكلّ مشرك في كلّ موضع على قول من رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة؛ قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ قاتَلُوكُمْ﴾. والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق، لا بشرط أن يبدأ الكفار: دليل ذلك قوله تعالى:\n ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾. وفي سورة (الأنفال): ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ وقال الرسول ﷺ:\n «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم، وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام». هذا؛ والفتنة هنا بمعنى الشّرك، ومثله في (الأنفال) رقم [٣٩] والآية رقم [٩١] السّابقة، وتكون الفتنة بمعنى العبرة، كقوله تعالى في سورة (يونس) رقم [٨٥]: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ولها معان أخر بحسب موقعها من الجملة.\n ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا:﴾ أي: عن الكفر، إمّا بالإسلام، كما تقدّم، أو بأداء الجزية، كما رأيت في سورة (التّوبة). ﴿فَلا عُدْوانَ:﴾ المراد به هنا: المعاقبة، والمقاتلة، وسمّى ما يصنع بالظالمين:\nعدوانا من حيث هو جزاء عدوان؛ إذ الظلم يتضمّن العدوان، فسمّى جزاء العدوان عدوانا من قبيل المشاكلة، وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى، كما في الآية التالية: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وقوله تعالى في آخر سورة (النّحل): ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ومثل ذلك كثير في كتاب الله. قال الزجّاج-رحمه الله تعالى-: العرب تقول: ظلمني فلان، فظلمته؛ أي: جازيته بظلمه، وقال ابن الرقعمق في المشاكلة: [الكامل]\nأصحابنا قصدوا الصّبوح بسحرة... وأتى رسولهم إليّ خصيصا\nقالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه... قلت: اطبخوا لي جبّة وقميصا","vol":"1","page":449},{"text":"وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [١١٤]: [الوافر]\nألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nمن ذلك قول الرسول ﷺ: «فإنّ الله لا يملّ؛ حتّى تملّوا» فمعناه أن الله تعالى لا يقطع فضله عنكم حتى تملوا من مسألته، وتزهدوا فيها؛ لأنّ الله لا يملّ في الحقيقة، وإنما نسب الملل إليه لازدواج اللّفظين.\nهذا؛ وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ تصريح بأن يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، فهذا المراد والغاية من القتال، كما ثبت في الصّحيحين عن أبي موسى الأشعري﵁قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرّجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله».\nالإعراب: ﴿وَقاتِلُوهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قاتِلُوهُمْ﴾): فعل أمر، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآيات السابقة، لا محل لها مثلها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَكُونَ:﴾ فعل مضارع تام منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ ﴿فِتْنَةٌ:﴾ فاعله، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب «حتى»، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿حَتّى﴾ بمعنى «كي» أو بمعنى: «إلى أن»، ﴿وَيَكُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يكون): معطوف على سابقه منصوب مثله، وهو يحتمل التّمام والنّقصان، ﴿الدِّينُ:﴾ فاعله، أو اسمه. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل (يكون)، أو هما متعلقان بمحذوف خبره على نقصانه. ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: حرف تفريع، (إن ﴿اِنْتَهَوْا﴾): انظر الآية السابقة.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿عُدْوانَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلَى الظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (لا) وإن كانت بصورة النفي، فهي بالمعنى إثبات، ففي الإثبات تقول: العدوان على الظالمين، فإذا جئت بالنفي، وإلا بقي الإعراب على ما كان عليه. انتهى عكبري. هذا ويجوز أن يكون خبرها محذوفا، تقديره: فلا عدوان على أحد، فيكون الجار والمجرور بدلا من: «على أحد» بإعادة العامل.\n\n<span id=\"aya-201\"></span>﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾\nالشرح: ﴿الشَّهْرُ﴾ انظر الآيتين رقم [١٨٥] و[١٨٩]. ﴿الْحَرامُ:﴾ أي: المحرم، والأشهر المحرمة أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وشهر رجب، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾","vol":"1","page":450},{"text":"﴿عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. الآية رقم [٣٦] من سورة (التوبة).\nوقال الرسول الأعظم ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب الّذي بين جمادى، وشعبان».\nوسميت حرما لتحريم القتال فيها، وكان القتال محرّما في هذه الأشهر في بدء الإسلام، ثمّ نسخ هذا التحريم، كما ستعرفه فيما يأتي إن شاء الله تعالى، والمعنى: الشهر الحرام مقابل بمثله، أي: فكما قاتلوكم فيه؛ فاقتلوهم في مثله.\n (الحرمات): جمع: حرمة، وهي ما يجب المحافظة عليه من مال، وعرض، ونسب. هذا؛ والحرام في الأصل كلّ ممنوع، والحرمات كلّ ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك. وقولهم:\nلفلان بي حرمة، أي: ممتنع من مكروهه. وحرمة الرّجل محظورة به عن غيره، وقوله تعالى:\n ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو الممنوع من المال، والتلذّذ به. والإحرام بالحجّ هو المنع من أمور معروفة، وإنّما جمعت الحرمات؛ لأن المراد حرمة الشّهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الإحرام بالعمرة.\n ﴿قِصاصٌ﴾ أي: يجري فيها معاقبة؛ أي: فكما هتكوا حرمة شهركم بالصّدّ عن دخول الحرم، وقاتلوكم في الشهر الحرام؛ فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة، فاقتلوهم؛ إن قاتلوكم. ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ:﴾ انظر المشاكلة في الآية السابقة، وانظر المعاقبة في الآية رقم [١٢٦] من سورة (النّحل) وانظر المجازاة والانتقام من المعتدي، والظالم في الآية رقم [٤٠] من سورة (الشورى) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، فامتثلوا أمره فيما أمر، واجتنبوا كلّ شيء عنه نهى، وزجر، وراقبوه في جميع أعمالكم، وأقوالكم. وفيه التّحذير من مجاوزة الحدّ في الانتقام من المعتدي أكثر من اعتدائه. هذا ويؤخذ من قضاء الرسول ﷺ العمرة لمّا صدّ عن دخول مكة، وأدائها على أنّ الشروع في الحجّ، والعمرة ملزم بإتمامهما، فإن منع المحرم من أحدهما من الإتمام لسبب من الأسباب؛ وجب عليه القضاء لما منع من أدائه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: بالنّصر، والمعونة، والتأييد في الدنيا، والآخرة.\nتنبيه: خرج المسلمون بصحبة النبي ﷺ للعمرة في شهر ذي القعدة في السنة السادسة للهجرة النّبوية، فصدّهم المشركون، ثم وقعت مفاوضات بين الرسول ﷺ وبين المشركين، وانتهت المفاوضات بعقد معاهدة الحديبية المشهورة، ومن شروطها: أن يعود الرسول ﷺ بالمسلمين هذا العام من غير عمرة، على أن يعتمروا في العام القادم، فلمّا أراد المسلمون قضاء العمرة في العام القادم في شهر ذي القعدة؛ خافوا من معارضة قريش لهم، وكرهوا قتالهم في","vol":"1","page":451},{"text":"الشّهر الحرام، فقيل لهم: هذا الشهر الحرام بذلك الشّهر الحرام، وهتكه بهتكه، فلا تبالوا فيه.\nومعناه: إن قاتلوكم؛ فقاتلوهم، ولا إثم عليكم، ولا مؤاخذة.\nالإعراب: ﴿الشَّهْرُ:﴾ مبتدأ. ﴿الْحَرامُ:﴾ صفته. ﴿بِالشَّهْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.\n ﴿الْحَرامُ:﴾ صفة (الشّهر) والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ:﴾\nمبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِعْتَدى:﴾\nفعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَاعْتَدُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعتدوا): فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وخبره جملة: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. والأول أقوى؛ لأن وقوع خبر المبتدأ جملة طلبية منازع فيه.\nوالجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، ومفرّعة عما قبلها، لا محل لها.\n ﴿بِمِثْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وقيل: الباء زائدة، و(مثل) صفة لمصدر محذوف، التقدير: اعتدوا عليه اعتداء مثل جناية اعتدائه عليكم، و(مثل) مضاف، و﴿مَا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اِعْتَدى عَلَيْكُمْ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: بمثل الذي اعتدى عليكم به. هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿مَا﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة (مثل) إليه، أي: بمثل اعتدائه عليكم.\n ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِتَّقُوا﴾): فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وأيضا جملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ معطوفة أيضا على ما قبلها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبرها، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿الْمُتَّقِينَ﴾ مضاف إليه مجرور\nإلخ، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: (﴿اِعْلَمُوا﴾).\n\n<span id=\"aya-202\"></span>﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ أي: ابذلوا المال. ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ المراد به هنا: الجهاد بالمال، وهو أمر بالجهاد به بعد الأمر بالجهاد بالنفس، والروح. دلّ على ذلك الأمر به في الآيات","vol":"1","page":452},{"text":"السابقة. وقيل: هو عام في الجهاد، وغيره. وهو الحقّ، انظر شرح: ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ في الآية [١٩٠] ﴿وَلا تُلْقُوا:﴾ الإلقاء: هو الطرح، والرمي. وقيل: معناه هنا: ولا تفضوا. ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ أي:\nبأنفسكم هكذا فسر. وقيل: الباء سببية، والمفعول محذوف، أي: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم.\nوانظر شرح (اليد) في الآية رقم [٧٩]. ﴿التَّهْلُكَةِ﴾ مصدر: هلك بكسر اللام، وهو مثل الهلك، والهلاك، والهلوك، فهذه كلها مصادر له، هذا معنى: ﴿وَلا تُلْقُوا..﴾. إلخ؛ أي: بالإسراف في الإنفاق، وتضييع الزوجة، والأولاد، والدستور في ذلك-وهو مما نفخر، ونعتز به-قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٢٩]: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. وقوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٦٧]: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾. ﴿وَأَحْسِنُوا..﴾. إلخ؛ أي: في جميع أعمالكم، وأقوالكم، وأخلاقكم؛ حتّى يحبّكم الله، وتكونوا من أوليائه المقرّبين.\nهذا؛ ومضمون الآية وفحواها الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات، ووجوه الطاعات؛ وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوّي المسلمين على أعدائهم، والإخبار عن ترك ذلك بأنّه هلاك، ودمار لمن لزمه، واعتاده. ثم عطف الأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، ولما سئل الرسول ﷺ عن الإحسان قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». هذا؛ وقال ابن عبّاس﵄-: أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن إلا سهم، أو مشقص، لا يقولنّ أحدكم: لا أجد شيئا. ونحوه عن السّدّي- رحمه الله تعالى-: أنفق ولو عقالا، ولا تلق بيدك إلى التهلكة، فتقول: ليس عندي شيء.\nفائدة: روي: أنّ رجلا من المسلمين حمل على جيش الروم في خلافة الفاروق حتى دخل فيهم، فصاح الناس: سبحان الله! ألقى بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري﵁-: إنّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار حين أعزّ الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقلنا: لو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فنزلت الآية، فكانت التهلكة: الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وترك الجهاد في سبيل الله. أخرجه أبو داود، والترمذي، والنّسائي. فما زال أبو أيوب﵁شاخصا في سبيل الله حتى استشهد، ودفن بأرض الروم، وكان ذلك تحت إمرة يزيد في عهد معاوية.\nفعن البراء بن عازب﵁قال له رجل: يا أبا عمارة! قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أهو الرجل يلقى العدو، فيقاتل؛ حتى يقتل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذّنب، فيقول: لا يغفره الله. رواه الحاكم موقوفا، وقال: صحيح على شرط الشّيخين، وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (النساء) فالمعنى متشابه.\nالإعراب: ﴿وَأَنْفِقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْفِقُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا،","vol":"1","page":453},{"text":"والمفعول محذوف، تقديره: أنفقوا المال. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُلْقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿بِأَيْدِيكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجرّ كسرة مقدّرة على الياء للثقل، وقيل: الباء: حرف جر صلة، و(أيديكم): هو المفعول، فهو مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة أيضا، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ مفيدة للتعليل، لا محل لها. وانظر إعراب ما يشبهها في الآية رقم [١٨٩].\n\n<span id=\"aya-203\"></span>﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)﴾\nالشرح: المناسبة بين هذه الآيات، والتي قبلها: لمّا ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام؛ أعقب ذلك بذكر أحكام الحج؛ لأن شهوره تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأمّا آيات القتال، فقد ذكرت عرضا لبيان حكم هامّ، وهو بيان الأشهر الحرم، والقتال فيها، وفيما لو تعرض المشركون للمؤمنين، وهم في حالة الإحرام، هل يباح لهم ردّ العدوان عن أنفسهم، والقتال في الأشهر الحرم؟ فقد وردت الآيات السابقة تبيّن حكم الأهلة، وأنها مواقيت للصيام، والحج، ثمّ بينت الآيات بعدها موقف المسلمين من القتال في الشهر الحرام، وذلك حين أراد رسول الله ﷺ العمرة، وصدّه المشركون، ومنعوه من دخول مكة، ووقع صلح الحديبية، ثم لما أراد القضاء في العام القابل، وخشي أصحابه غدر المشركين بهم؛ وهم في حالة الإحرام؛ نزلت الآية تبيّن: أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص، ودفع العدوان، ثم عاد الكلام إلى أحكام الحجّ، وحكم الإحصار فيه. فهذا هو الارتباط بين الآيات السابقة، واللاحقة. انتهى صفوة التفاسير.\n ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ أدّوهما كاملين بأركانهما، وشروطهما، وجميع حقوقهما، قال تعالى في الآية رقم [١٢٤]: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ وهذا الأمر يدل على وجوبهما، ويؤيده قراءة من قرأ: («وأقيموا الحج والعمرة»)، وانظر شرحها في الآية رقم [١٥٨]. هذا؛ وحجّ الرسول","vol":"1","page":454},{"text":"ﷺ حجّة واحدة، هي حجة الوداع، واعتمر أربع عمر، كلّها في ذي القعدة: عمرة الحديبية سنة ست، وعمرة القضاء سنة سبع، وعمرة الجعرّانة سنة ثمان، وعمرته التي اعتمر بها مع الحجّ سنة عشر، وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي». وسبب ذلك: أنها عزمت على الحج معه ﷺ، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطّهر، وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: هو من خصائصها.\nهذا؛ والحج فرض في العمر مرّة واحدة متّفق عليه، وأما العمرة؛ فقد اختلف فيها، فقال جمع من الصحابة، والتابعين: هي فرض مثل الحجّ: وهو قول الشافعيّ، رحمه الله تعالى، وأحمد، رحمه الله تعالى، وسئل زيد بن ثابت﵁عن العمرة قبل الحجّ، فقال:\nصلاتان، لا يضرك بأيّهما بدأت. ذكره الدّارقطني. وروي مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الحجّ والعمرة فريضتان، لا يضرّك بأيهما بدأت».\nوقال جمع من الصحابة، والتابعين: هي سنّة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، رحمهما الله تعالى، وقالوا: معنى (أتموا): إلزام الإتمام؛ لو أحرم، وشرع، لا إلزام الابتداء. والله أعلم. هذا؛ وقرأ الشعبي، وأبو حيدة برفع تاء العمرة، وهي تدلّ على عدم الوجوب، وقرأ الجماعة بنصب التاء، وهي تدل على الوجوب.\n ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ:﴾ منعتم من إتمامهما، أو من أحدهما بعد الإحرام بها بسبب عدوّ، أو مرض، ونحو ذلك. والحصر: المنع، والحبس، وهو يحتمل أن يكون من الرّباعي: أحصر، ومن الثلاثي: حصر. وقال أبو عبيدة، والكسائي: أحصر بالمرض، وحصر بالعدو. وفي المجمل لابن فارس على العكس: حصر بالمرض، وأحصر بالعدو. وقالت طائفة: يقال: أحصر فيهما جميعا من الرّباعي، حكاه أبو عمر، والصحيح: أنهما يستعملان فيهما، وهو ما قدّمته أولا.\nقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأكثر من أهل اللغة على أنّ حصر في العدو، وأحصر في المرض. وأصل الكلمة من الحبس، ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسرّه، والحصير:\nالملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب. والحصير: الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات القش إلى بعض.\nتنبيه: من أنواع الإحصار في هذه الأيام ما يطلب من دراهم زيادة على رسوم الحجّ المعتادة بمعنى: أنّ من طلب منه ذلك لا يجب عليك الحجّ، ولا يكلّف المسلم أن يعطي للواسطة مبلغا من المال يشترطه عليه.\n ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: إذا منعتم من إتمام الحج، أو العمرة بمرض، أو عدوّ، وأردتم التحلّل؛ فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة، أو بقرة، أو شاة. و﴿الْهَدْيِ:﴾ هو ما يساق من النّعم ليذبحه المحرم بحجّ، أو عمرة في الحرم، فإن أحصر؛ ذبح في موضع الإحصار. وهو","vol":"1","page":455},{"text":"قول الشّافعي، وقال قتادة، وإبراهيم النّخعي: يبعث بهديه إن أمكن، فإذا بلغ محلّه؛ صار حلالا، ومحلّه الحرم، وقال أبو حنيفة: دم الإحصار لا يتوقف على يوم النّحر، بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر؛ إذا بلغ محلّه. وخالفه صاحباه، فقالا: يتوقف على يوم النّحر، وإن نحر قبله؛ لم يجزه، فهذا فحوى قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. قال عبد الله ابن عمر -﵄-: خرجنا مع رسول الله ﷺأي: إلى العمرة-فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﷺ هديه، وحلق رأسه. ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فالمحصر الذي خشي أن يفوته الوقوف بعرفة يتحلل من إحرامه في مكانه الذي أحصر بحلق رأسه، أو تقصيره بعد ذبح هديه؛ إن كان معه هدي، وإن لم يكن معه هدي؛ يشتري ما يتيسر له من النّعم، ويذبحه في مكان الإحصار، أو يبعثه إلى الحرم على اختلاف بين المذاهب كما قدّمته، فإن لم يتيسر له؛ عدل إلى قيمة الحيوان، واشترى به طعاما، وتصدّق به في مكان الإحصار، فإن لم يجد؛ صام عن كل مدّ يوما حيث شاء، وله التحلل حالا قبل الصوم، وهذا الدّم دم ترتيب، وتعديل، وهو في هذه الصّورة، وفي الوطء، كما أشار إليه ابن المقري﵀بقوله: [الرجز]\nوالثّاني ترتيب وتعديل ورد... في محصر ووطء حج إن فسد\nإن لم يجد قوّمه ثمّ اشترى... به طعاما طعمة للفقرا\nثمّ لعجز عدل ذاك صوما... أعني به عن كلّ مدّ يوما\n ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ:﴾ بأن كان به هوامّ تؤذيه، أو صداع شديد يصعب احتماله. وهنا معطوف محذوف، أي: فحلق شعره، أو لبس ثيابه. ومنه: التطيّب، وقلم الظفر، ووطء ثان، أو وقع وطء بين تحلّلين. ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وعن كعب بن عجزة -﵁قال: أتى عليّ النبي ﷺ، وأنا أوقد تحت قدر؛ والقمل يتناثر على وجهي، أو قال: حاجبي، فقال: «يؤذيك هوامّ رأسك؟» قلت: نعم، قال: «فاحلقه، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستّة مساكين، أو انسك نسيكة». قال أيوب: لا أدري بأيتهنّ بدأ. رواه الإمام أحمد.\nوكفارة ما ذكر مخيرة بين ثلاثة أمور، كما رأيت، وهذا الدّم دم تخيير، وتقدير، كما أشار له ابن المقري-رحمه الله تعالى-بقوله: [الرجز]\nوخيّرت وقدّرن في الرابع... إن شئت فاذبح أو فجد بآصع\nللشّخص نصف أو فصم ثلاثا... تجتثّ ما اجتنيته اجتثاثا\nفي الحلق والقلم ولبس دهن... طيب وتقبيل ووطء ثني\nأو بين تحلّلي ذي إحرام... فذي دماء الحجّ بالتّمام","vol":"1","page":456},{"text":"هذا؛ و(﴿نُسُكٍ﴾): جمع نسيكة، وهي الذّبيحة ينسكها العبد لله تعالى، ويجمع أيضا على:\nنسائك، والنّسك في الأصل: العبادة، ومنه قوله تعالى حكاية، عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في الآية رقم [١٢٨] -: ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ أي: متعبداتنا، وانظرها هناك، وانظر رقم [٢٠٠] الآتية. وقيل: إنّ أصل النسك في اللغة: الغسل، ومنه: نسك ثوبه: إذا غسله، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. هذا؛ وسمّيت ذبيحة الأنعام نسكا؛ لأنها من أعظم العبادات، التي يتقرب بها إلى الله تعالى. هذا؛ والمنسك بفتح السين، وكسرها:\nالمذبح، وهو موضع ذبح القربان، قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا..﴾. إلخ: الآية رقم [٣٤] من سورة (الحج). والمنسك: الشريعة، قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٦٧]: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ﴾.\n ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ أي: كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين. ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أي: أحرم بالعمرة قبل الحج، وفي أشهر الحج. وهذا يسمى متمتعا، ومتلذّذا يستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطّيب، واللّباس، والنّساء، وغيرها، فيصير بعد فراغه من العمرة كأهل مكّة، على أن يكون من أهل الآفاق، وقدم مكة، ففرغ من العمرة، ثمّ أقام بمكة حلالا إلى أن أنشأ الحجّ منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده، أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته، فإذا فعل ذلك صار متمتعا، وعليه ما أوجب الله على المتمتّع، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ يذبحه، ويعطيه للمساكين بمنى، أو بمكّة، وهو دم المتعة، وهو نسك عند أبي حنيفة، ويأكل منه، وعند الشّافعية يجري مجرى الجنايات، ولا يأكل منه، ويذبحه يوم النّحر عند أبي حنيفة، وعند الشّافعي: إذا أحرم بحجته. فإن لم يجد صام ثلاثة قبل يوم عرفة، وسبعة إذا رجع إلى بلده، وهذا دم ترتيب، وتقدير، وهو فداء لأمور كثيرة ذكرها ابن المقري رحمه الله تعالى بقوله: [الرجز]\nأربعة دماء حجّ تحصر... أوّلها المرتّب المقدّر\nتمتّع فوت وحجّ قرنا... وترك رمي والمبيت بمنى\nوتركه الميقات والمزدلفه... أو لم يودّع أو كمشي أخلفه\nناذره يصوم إن دما فقد... ثلاثة فيه وسبعا في البلد\nفقد اشتملت الآية الكريمة على ثلاثة أنواع من أنواع الدم الواجب في النّسك، وبقي الرابع يذكر في سورة (المائدة) في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ..﴾. إلخ الآية رقم [٩٥] هو دم تخيير، وتعديل، ويجب في شيئين، كما أشار إليه﵀بقوله: [الرجز]\nوالثّالث التخيير والتّعديل في... صيد وأشجار بلا تكلّف\nإن شئت فاذبح أو فعدّل مثل ما... عدّلت في قيمة ما تقدّما","vol":"1","page":457},{"text":"﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ:﴾ هذه الجملة تأكيد لما قبلهما، وحثّ على صيامها، وعدم التهاون بها، أو تنقيص عددها، وهي تجزئ عن الذّبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان إن شاء الله تعالى، وهذا عند فقدان الذّبيحة بأن كان فقيرا لا يجد ثمنها. وانظر شرح لفظ عشرة في الآية رقم [٦٠]، وانظر ما ألحق بالمتمتع في قول ابن المقري.\n ﴿ذلِكَ﴾ أي: الحكم المتقدّم ذكره. ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ:﴾ بأن لم يكن أهله على دون مرحلتين من الحرم عند الشّافعي، رحمه الله تعالى، فإن كان؛ فلا دم عليه، ولا صيام؛ وإن تمتع. وكذلك لا يحصر بمرض وغيره، بل يجب عليه أن يحضر المشاهد كلّها، وإن يمش مشيا لقرب المسافة بالبيت، وقال أبو حنيفة، وأصحابه: كل من منع من الوصول إلى البيت بعدوّ، أو مرض، أو ذهاب نفقة، أو إضلال راحلته، أو لدغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه، ويبعث بهديه، أو بثمنه، فإذا نحر؛ فقد حلّ من إحرامه، كذلك قال عروة، وقتادة، والحسن، وعطاء، والنخعي، ومجاهد لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.\n ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ انظر التقوى في الآية رقم [٢]. وفي الأمر بالتقوى حثّ على المحافظة على أوامره، ونواهيه، وخصوصا الحج، وأحكامه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ فيه تهديد، ووعيد لمن يخالف أوامر الله، ونواهيه.\nبعد هذا خذ ما يلي: عن عبد الله بن عباس﵄قال: جاءت ضباعة بنت الزّبير﵄إلى رسول الله ﷺ، فقالت: إنّي امرأة ثقيلة، وإني أريد الحجّ، فكيف تأمرني أن أحجّ؟ قال: «أهلّي، واشترطي: أنّ محلّي حيث حبستني». قال: أدركت الحجّ، ولم تحلل؛ حتّى فرغت منه.\nالإعراب: ﴿وَأَتِمُّوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَتِمُّوا﴾): فعل أمر وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْحَجَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآيات السابقة، والاستئناف ممكن. ﴿وَالْعُمْرَةَ:﴾ معطوف على ﴿الْحَجَّ،﴾ ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ أي: كائنين لله. هذا؛ وعلى قراءة: («العمرة») بضم التاء، فهو مبتدأ، و﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْحَجَّ﴾ والرابط: الواو فقط. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿أُحْصِرْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي ﴿فَمَا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فعليكم ما... إلخ، أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب ما... إلخ، ويجوز أن تكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف،","vol":"1","page":458},{"text":"التقدير: فاهدوا، أو: فأدوا ما... إلخ. ﴿اِسْتَيْسَرَ:﴾ فعل ماض، والفعل يعود إلى (ما) ﴿مِنَ الْهَدْيِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها إن اعتبرتها نكرة موصوفة، والعائد أو الرابط هو الفاعل المستتر، العائد عليها، وجملة: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها، و(إن) ومدخولها كلام مفرع عمّا قبله لا محل لها من الإعراب.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَحْلِقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رُؤُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَبْلُغَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الْهَدْيِ:﴾ فاعله. ﴿مَحِلَّهُ:﴾ اسم مكان متعلق بالفعل قبله، وهو يطلق على الزمان أيضا، وقيل: مفعول به ولا وجه له، و«أن» المضمرة والفعل ﴿يَبْلُغَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَلا تَحْلِقُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (﴿أَتِمُّوا..﴾.) إلخ لا محل لها مثلها، وقيل:\nمعطوفة على (إنّ) ومدخولها، والأوّل أقوى.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء حرف عطف، أو استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه يعود إلى (من). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿مَرِيضًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مَرِيضًا:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف معطوف على: ﴿مَرِيضًا،﴾ التقدير: أو كائنا به. ﴿أَذىً:﴾ فاعل بمتعلق الجار والمجرور؛ لأن الجار إذا اعتمد رفع الفاعل عند الجمهور، وهو في الحقيقة فاعل بالمتعلق المحذوف، كما رأيت، ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و﴿أَذىً﴾ مبتدأ مؤخر، فهو مرفوع على الوجهين، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب، وهي معطوفة على خبر: ﴿كانَ﴾ وهو: ﴿مَرِيضًا﴾. ﴿مِنْ رَأْسِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع صفة ﴿أَذىً﴾. ﴿فَفِدْيَةٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (فدية): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب فدية، أو هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فعليه فدية، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:\nلا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، الجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَفِدْيَةٌ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهو كلام","vol":"1","page":459},{"text":"سديد، والجملة الاسمية: (من ﴿كانَ..﴾.) إلخ مفرعة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ صِيامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة. (فدية). ﴿صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ معطوفان على ﴿صِيامٍ﴾.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء حرف عطف، وقيل: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَمِنْتُمْ:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح.\n ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل ما تقدّم، فهو واضح إن شاء الله تعالى، لا أطيل الكلام في إعرابه، والجملة الاسمية الحاصلة منه على الوجهين المعتبرين في (من) جواب: (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على (إن) ومدخولها. وقيل: مستأنف. ﴿إِلَى الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف، التقدير: واستمر تمتّعه إلى الحج، أي: إلى الإحرام بالحجّ.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء حرف عطف، أو استئناف. (من): تحتمل الشرطية، والموصولة. ﴿لَمْ:﴾\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿فَصِيامُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (صيام):\nخبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الواجب صيام، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليه صيام، و(صيام) مضاف، و﴿ثَلاثَةِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله، و﴿ثَلاثَةِ:﴾\nمضاف، و﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه، ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ل ﴿ثَلاثَةِ أَيّامٍ،﴾ وقيل: حال من: ﴿ثَلاثَةِ أَيّامٍ،﴾ ﴿وَسَبْعَةٍ﴾ معطوف على لفظ: ﴿ثَلاثَةِ﴾ وقرئ بنصبه، فيكون معطوفا على محل:\n ﴿ثَلاثَةِ﴾. وقيل: منصوب بفعل محذوف، التقدير: وصوموا سبعة. ﴿إِذا:﴾ ظرف متعلق ب (صيام) مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَجَعْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿عَشَرَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿كامِلَةٌ:﴾ صفة: ﴿عَشَرَةٌ﴾ صفة مؤكدة، والجملة الاسمية مؤكدة لما قبلها.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم.\n ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿أَهْلُهُ:﴾ اسمه، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿حاضِرِي:﴾ خبر (﴿يَكُنْ﴾) منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و﴿الْمَسْجِدِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة: ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٩٤]. و﴿شَدِيدُ:﴾ مضاف، و﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعله، التقدير: شديد عقابه.","vol":"1","page":460},{"text":"<span id=\"aya-204\"></span>﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)﴾\nالشرح: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وهي: شوال، وذو، والعشر الأول من ذي الحجة. وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى. والقول بصحّة الإحرام بالحجّ في جميع السنة هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد رحمهم الله تعالى. واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فعند الشافعية إذا أحرم بغير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة.\n ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ:﴾ بنية الإحرام عند الشّافعي، وعند أبي حنيفة بالتلبية، وإنّما سمي شهران، وبعض الشهر أشهرا، إقامة للبعض مقام الكل، أو إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد، أو هو من باب التغليب.\n ﴿فَلا رَفَثَ:﴾ المراد به هنا: الجماع، انظر الآية رقم [١٨٧] فإنه جيد. أي: من أحرم بالحج، أو بالعمرة؛ فليجتنب الجماع، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة، والتقبيل، ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء. قال ابن عمر﵄-: الرفث: إتيان النساء، والتكلم بذلك للرّجال، والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم، ومنه قول المحرم لامرأته:\nفإذا أحللنا؛ فعلنا بك كذا من غير كناية. وقاله ابن عباس أيضا، وأنشد وهو محرم: [الرجز]\nوهنّ يمشين بنا هميسا... إن تصدق الطّير ننك لميسا\nفقال له صاحبه حصين بن قيس: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إن الرّفث ما قيل عند النّساء.\nهذا؛ والرّفث: كلّ كلام ساقط لا قيمة له، قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الشاعر: [الرجز]\nوربّ أسراب حجيج كظّم... عن اللّغا ورفث التّكلّم\n ﴿وَلا فُسُوقَ:﴾ ولا خروج عن حدود الشّريعة. وقيل: هو السباب، والتنابز بالألقاب، وقال ابن عباس﵄-: الفسوق: جميع المعاصي المنهي عنها في حال إحرامه بالحج، أو بالعمرة، ومنه قتل الصيد، وقصّ الظفر. وقد ثبت عن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «من حجّ هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه». ورواية الصّحيحين: «رجع كيوم ولدته أمّه». ﴿وَلا جِدالَ﴾ أي: ولا مماراة، ولا مخاصمة. وهذه الأمور الثلاثة منهي عنها في جميع الحالات، وفي جميع الأوقات، والأمكنة.\nوفي حالة الإحرام آكد، وهي في الحج أقبح، صيغته نفي، وحقيقته نهي، أي: لا يرفث... إلخ، وهو أبلغ من النّهي الصريح، كما هو معروف في فن البلاغة. قال رسول الله ﷺ:","vol":"1","page":461},{"text":"«ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا﴾. رواه الترمذي، وابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁.\n ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهو الذي يجازيكم عليها. حثّ الله على فعل الخير عقيب النهي عن الشرّ، وهو أن يستعملوا مكان الرّفث الكلام الحسن، ومكان الفسوق البرّ، والتقوى، ومكان الجدال الوفاق، والأخلاق الجميلة.\nهذا؛ وذكر سبحانه الخير، وإن كان عالما بجميع أفعال العباد لفائدة، وهي: أنّه تعالى إذا علم من عبده المؤمن الخير؛ ذكره في الملأ الأعلى، وأشهره، وإذا علم منه الشر؛ أسرّه، وأخفاه:\nفإذا كان هذا فعله مع عبده المؤمن في الدنيا؛ فكيف يكون في العقبى، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا يخجل العبد من ربّه حين ارتكابه المعصية؛ وهو يوقن: أنّه يراه، ويعلم ما يفعل.\nهذا؛ والإحرام بالحج، والعمرة على ثلاثة أنواع: إفراد، وتمتّع، وقران. فصورة الإفراد: أن يحج، ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحلّ. وصورة التّمتّع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، ويأتي بأعمالها، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من مكّة في تلك السّنة. وصورة القرآن: أن يحرم بالعمرة، والحج في أشهر الحجّ، فينويهما بقلبه، وكذلك: لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحجّ قبل أن يفتتح الطواف، فيصير قارنا. واختلفوا في الأفضل: فذهب مالك، والشّافعي إلى أن الإفراد أفضل، ثم التمتّع، ثم القران. وذهب الثوريّ، وأبو حنيفة إلى أن القرآن أفضل. وذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه إلى أن التمتّع أفضل، ولكلّ دليله، علما بأن المفرد بالحج لا يلزمه شيء، وأما القارن، والمتمتع؛ فيلزمهما دم، أو صيام، كما قدّمته فيما سبق.\n ﴿وَتَزَوَّدُوا:﴾ أمر الله باتخاذ الزاد في سفر الحج. نزلت في أناس من أهل اليمن، كانوا يخرجون للحجّ من غير زاد، ويقولون: نحن متوكّلون، ويقولون: نحج بيت ربنا. أفلا يطعمنا؟ فإذا قدموا مكة؛ سألوا الناس، وربما أفضى بهم الحال إلى الغصب، والنهب، والسّرقة. قال رجل للإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: أريد أن أخرج إلى مكة على التوكّل بلا زاد. فقال له:\nاخرج في غير القافلة. فقال: لا، إلا معهم، قال ﵀: فعلى جرب النّاس توكّلت!.\n ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ أي: تزودوا ما تتبلّغون به. وتكفّون به وجوهكم عن الناس، واتّقوا إبرامهم، والتثقيل عليهم، وكذلك ما تتقون به من الهلكة، والضياع. وقيل: المعنى تزوّدوا من العبادة، والطّاعة، فإن الإنسان لا بدّ له من سفر في الدنيا، ولا بدّ له من زاد، ويحتاج فيه إلى الطّعام، والشراب... إلخ، ولا بدّ له من سفر في الدّنيا إلى الآخرة، ولا بدّ له من زاد، وهو تقوى الله، والعمل بطاعته، وهذا أفضل من الزاد الأول، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد الدنيا، وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم، وفي هذا المعنى يقول الأعشى من قصيدته التي أعدّها لمدح الرسول ﷺ: [الطويل]","vol":"1","page":462},{"text":"إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا\nندمت على أن لا تكون مكانه... وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا\nانظر الشاهد رقم [٣٩١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وانظر حياة الأعشى في كتابنا:\n «فتح الكبير المتعال إعراب المعلقات العشر الطوال» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَاتَّقُونِ﴾ أي: خافوا عقابي، واشتغلوا بطاعتي، وتقواي، وفيه تنبيه على كمال الله ﷻ. ﴿يا أُولِي الْأَلْبابِ:﴾ يا أصحاب العقول السليمة، والقلوب الفاهمة، وقد خص الله أولي الألباب بالخطاب، وإن كان الأمر يعم جميع الناس؛ لأنهم الذين قامت عليهم الحجّة، وهم العاملون بأوامر الله، المنتهون عن زواجره. وانظر الآية رقم [١٧] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، وقال بعضهم: التقدير: الحج حجّ أشهر معلومات، وقيل: التقدير: وقت الحج. ﴿مَعْلُوماتٌ:﴾ صفة ﴿أَشْهُرٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فَرَضَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْحَجُّ:﴾ مفعول به. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَفَثَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي في الموضعين. ﴿فُسُوقَ،﴾ ﴿جِدالَ:﴾\nمعطوفان على ﴿رَفَثَ﴾. ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (﴿لا﴾). هذا وجه للإعراب، ويجوز اعتبار (﴿لا﴾) عاملة في الثلاثة، والجار والمجرور: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبر الأخيرة، وخبر الأولى والثانية محذوف لدلالة خبر الثالثة عليه. هذا؛ وتقرأ الأسماء الثلاثة بالرّفع، وخرج على وجهين: إهمال (﴿لا﴾)، وإعمالها، فعلى الإهمال فيه أيضا وجهان: اعتبار الأول مبتدأ، والثاني، والثالث معطوفان عليه، و﴿فِي الْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبره. والوجه الثاني اعتبار الكل مبتدءات، و﴿فِي الْحَجِّ﴾ خبر الثالث، وخبر الثاني والأول محذوفان لدلالة الثالث عليهما، كما يجوز اعتبار: ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ خبرا للأول، وخبر الثاني، والثالث محذوفان لدلالة خبر الأول عليهما، وعلى إعمال (﴿لا﴾) عمل ليس يجوز أيضا جميع الاعتبارات التي ذكرتها في إهمالها، كما قرئ برفع الأولين، وتنوينهما، وفتح الأخير، وعلى هذه القراءة يجوز في الأولين ما ذكرته في وجهي إهمال (﴿لا﴾) وإعمالها من الاعتبارات، وتعتبر الأخيرة عاملة عمل «إنّ» والخبر لها، وخبر الأولين محذوف على جميع الاعتبارات، وخذ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوركّب المفرد فاتحا كلا... حول ولا قوّة والثّان اجعلا","vol":"1","page":463},{"text":"مرفوعا أو منصوبا او مركّبا... وإن رفعت أوّلا لا تنصبا\nانظر مبحث (﴿لا﴾) النافية للجنس في كتابنا: «فتح ربّ البرية» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوانظر شرح ابن عقيل أيضا، وجملة: (لا ﴿رَفَثَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار (﴿مِنْ﴾) اسما موصولا، والجملة الاسمية على الاعتبارين معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿يَعْلَمْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\nوالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها.\n ﴿وَتَزَوَّدُوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (﴿تَزَوَّدُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿خَيْرٍ:﴾ اسمها، و﴿خَيْرٍ:﴾\nمضاف، و﴿الزّادِ:﴾ مضاف إليه. ﴿التَّقْوى:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية تعليل للأمر قبلها، لا محل لها. ﴿وَاتَّقُونِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (﴿يا﴾): أداة نداء. (﴿أُولِي﴾): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف، و﴿الْأَلْبابِ:﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-205\"></span>﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ (١٩٨)﴾\nالشرح: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ:﴾ أي: إثم، ومؤاخذة. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ أي: رزقا، أي: ربحا بسبب التجارة. وابتغاء الفضل بمعنى التجارة. ورد في قوله تعالى في سورة (الجمعة): ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾. والدليل على صحة هذا ما رواه البخاري عن ابن عباس﵄قال: كانت عكاظ، ومجنّة، وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثّموا أن يتّجروا في المواسم، فنزلت الآية الكريمة.","vol":"1","page":464},{"text":"هذا؛ و«عكاظ» نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال. و«ذو المجاز» خلف عرفة. و«مجنة» بمر الظهران، قرب جبل، يقال له: الأصفر، وهو بأسفل مكة على قدر ميل منها. وهذه أسواق للعرب، وكان أهل الجاهلية يصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة، ثم يذهبون منه إلى مجنّة بعد مضي عشرين يوما من ذي القعدة، فإذا رأوا هلال ذي الحجّة؛ ذهبوا من مجنّة إلى ذي المجاز، فلبثوا فيه ثماني ليال، ثم يذهبون إلى عرفة، ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومائة، لمّا خرج الحروري بمكّة مع أبي حمزة المختار بن عوف، خاف الناس أن ينتهبوا، فتركت إلى الآن، ثمّ ترك ذو المجاز، ومجنّة بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكّة، وبمنى، وعرفة.\nهذا وفي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يعدّ شركا، ولا يخرج به المكلّف عن اسم الإخلاص المفترض عليه؛ ما لم يكن الباعث على التّجارة أقوى من الباعث على الحج، فقد روى الدّارقطنيّ في سننه عن أبي أمامة التيمي﵁قال: قلت لابن عمر﵄-: إنّي رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناسا يقولون:\nإنه لا حجّ لك، فقال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فسأله مثل هذا الذي سألتني، فسكت حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ فقال رسول الله ﷺ: «إنّ لك حجّا».\n ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ:﴾ أي: اندفعتم، يقال: أفاض الإناء: إذا امتلأ؛ حتى ينصبّ عن نواحيه.\nورجل فياض، أي: متدفق بالعطاء. قال زهير بن أبي سلمى في ممدوحه: [الطويل]\nوأبيض فيّاض يداه غمامة... على معتفيه ما تغبّ فواضله\nهذا؛ وفاض: لازم، وأفاض متعدّ، تقول: فاض الإناء، وأفضته، أي: ملأته. ﴿مِنْ عَرَفاتٍ:﴾ اسم علم سمي بلفظ الجمع كأذرعات في قول امرئ القيس، وهو الشاهد رقم [١٨٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» إعراب شواهد جامع الدروس العربية: [الطويل]\nتنوّرتها من أذرعات وأهلها... بيثرب أدنى دارها نظر عالي\nفقد قرئ ﴿عَرَفاتٍ﴾ بالتنوين، وهي قراءة الجماعة، والتنوين هنا بمنزلة النون في مسلمين.\nقال النحاس: هذا الجيد. وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات، يقول: هذه عرفات يا هذا، ورأيت عرفات يا هذا، ومررت بعرفات يا هذا، بكسر التاء، وبغير تنوين، قال:\nلما جعلوها معرفة حذفوا التنوين، وحكى الأخفش، والكوفيّون فتح التاء تشبيها بتاء فاطمة، وطلحة؛ أي: فهو ممنوع من الصرف، وانظر الكلام على بيت امرئ القيس في الكتاب المذكور؛ فإنّه جيد، والحمد لله!.\nهذا؛ وسميت تلك البقعة المقدسة عرفات؛ لأنها وصفت لإبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، فلما رآها؛ عرفها، وقيل: إنّ جبريل ﵇ حين كان يدور به في","vol":"1","page":465},{"text":"المشاعر أراه إيّاها، فقال: قد عرفت. وقيل: لأنّ الناس يتعارفون فيها، إذا أوقفوا جميعا في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، وقيل: لأن آدم﵇لمّا هبط في الهند، وحواء -﵍هبطت بجدّة، فاجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عرفة، وتعارفا، فسمّي اليوم: عرفة، والموضع: عرفات. والله أعلم بحقيقة ذلك. والظاهر أنّ اسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع. وعرفة هي نعمان الأراك، وفيها يقول الشاعر: [الطويل]\nتزوّدت من نعمان عود أراكة... لهند، ولكن من يبلّغه هندا\nوقيل: مأخوذ اسمها من العرف، وهو الطّيب. قال تعالى في سورة محمد ﷺ: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أي: طيّبها؛ بخلاف «منى» التي فيها الفروث، والدّماء. هذا؛ والوقوف بعرفات هو الرّكن الهامّ في الحج، قال الرسول ﷺ: «الحجّ عرفة، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ».\nووقت الوقوف بعرفة من زوال الشّمس يوم التاسع إلى طلوع الفجر صباح العيد. وانفرد الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-بجواز الوقوف من أوّل يوم عرفة، وحديث عروة بن مضرّس﵁مشهور مسطور، والجمع بين الليل، والنهار في موقف عرفة سنة عند الشّافعي، وواجب عند أبي حنيفة ولازم عند مالك، وأحمد. يقول بقول الشافعي، والأحسن والأفضل الجمع بين اللّيل والنهار للتّوفيق بين جميع المذاهب، وعليه العمل الآن، فلا يدفع أحد من عرفة إلا بعد غروب الشمس. هذا؛ وتصلّى صلاة العصر مع الظّهر في يوم عرفة جمع تقديم مع القصر. هذا؛ وعرفة كلّها موقف إلا بطن عرنة، فمن وقف فيه، واقتصر عليه؛ فلا يصحّ حجّه.\n ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ:﴾ أي: بالدعاء، والتلبية، والتهليل، والتكبير. ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ:﴾\nجبل صغير في المزدلفة، يقال له: قزح. والمشعر: المعلم؛ لأنه معلم للعبادة، وصف بالحرام لحرمته، وتعظيمه، وسميت تلك الأرض: المزدلفة، وجمعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها؛ أي: ودنا منها. أو لأن الحاج يجمع فيها بين صلاتي المغرب، والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء فقط، أو لأن الناس يزدلفون فيها إلى الله، يتقرّبون بالوقوف، والدّعاء فيها. والمبيت بمزدلفة يدخل وقته بنصف ليلة العيد إلى طلوع الفجر، وليس ركنا من أركان الحج، فمن فاته الوقوف فيه يذبح شاة، انظر الدماء في الآية رقم [١٩٦]. ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسّر؛ قال رسول الله ﷺ: «عرفة كلّها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلّها موقف، وارتفعوا عن بطن محسّر». أخرجه مالك في موطّئه.\n ﴿وَاذْكُرُوهُ:﴾ بالدعاء والتلبية... إلخ. ﴿كَما هَداكُمْ:﴾ أي: لهدايتكم، أو لهدايته إيّاكم، إلى الخير، والأعمال الصّالحة. ففيه تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية، والبيان، والإرشاد إلى مشاعر الحجّ، على ما كان عليه من الهداية لإبراهيم الخليل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ أي: من","vol":"1","page":466},{"text":"قبل البيان والهدى، أو من قبل القرآن، أو من قبل الرسول ﷺ والكل متقارب، ومتلازم، وصحيح المعنى.\nخاتمة: يوم عرفة فضله عظيم، وثوابه جسيم، يكفّر الله فيه الذنوب العظام، ويضاعف فيه الصّالح من الأعمال. روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي قتادة﵁قال: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة، فقال: «يكفّر ذنوب السّنة الماضية، والقابلة». وفي رواية:\n «أحتسب على الله أنّ يكفّر... إلخ».\nوقال ﷺ: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا، والنّبيّون من قبلي: لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له».\nوروى الدّارقطنيّ-رحمه الله تعالى-عن عائشة﵂-: أنّ رسول الله ﷺ قال:\n «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النّار من يوم عرفة، وإنّه ليدنو ﷿، ثمّ يباهي بهم الملائكة، يقول: ما أراد هؤلاء؟».\nوفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلاّ لما رأى من تنزّل الرّحمة، وتجاوز الله عن الذّنوب العظام؛ إلاّ ما أري يوم بدر» قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟! قال: «أما إنّه قد رأى جبريل يزع الملائكة». أي: يصفّهم، ويسويهم، ويهيّئهم للحرب.\nولقد تبسم رسول الله ﷺ لما أصبح بالمزدلفة، فقال له أبو بكر، وعمر﵄-:\nإنّ هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك؟ أضحك الله سنّك! قال: «إنّ عدوّ الله، إبليس لمّا علم أنّ الله قد استجاب لي دعوتي، وغفر لأمّتي؛ أخذ التراب، فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثّبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه».\nهذا؛ وحديث عروة بن مضرّس الطائي﵁قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله! إنّي جئت من جبل طيئ، فأكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه! فهل لي من حجّ يا رسول الله؟! فقال رسول الله ﷺ: «من صلّى معنا صلاة الغداة بجمع، وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا، أو نهارا؛ فقد قضى تفثه، وتمّ حجّه». أخرجه غير واحد من الأئمّة، منهم: أبو داود، والنّسائي، وأحمد، والدّارقطنيّ، وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿جُناحٌ:﴾ اسمها مؤخّر، ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿تَبْتَغُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿تَبْتَغُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر","vol":"1","page":467},{"text":"محذوف، التقدير: في ابتغاء فضله، والجار، والمجرور متعلّقان ب ﴿جُناحٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: المصدر المؤول في محل نصب خبر: ﴿لَيْسَ،﴾ وقدّر:\nفي أن تبتغوا، وسكت عن تعليق: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهو ضعيف، والمعتمد ما قدّمته، وهو ما جريت عليه في مثل ذلك في سورة (النساء) وسورة (النور) وغيرهما، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. ﴿فَضْلًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَضْلًا﴾ أو بمحذوف صفة له، وجوز تعليقهما بالفعل قبلهما، وهو ضعيف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَفَضْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعول محذوف، التقدير: أفضتم أنفسكم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿مِنْ عَرَفاتٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب (إذا). (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عِنْدَ:﴾\nظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿الْمَشْعَرِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ:﴾\nصفة له، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين، وجملة: (﴿اُذْكُرُوهُ﴾): معطوفة على جواب (إذا) ومؤكدة له توكيدا لفظيّا.\n ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، وقيل: الكاف للتعليل، قيل: هي بمعنى: «على» وقيل: هي كافة ل (ما) وليس بشيء. (ما): مصدرية. ﴿هَداكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والكاف مفعول به، و(ما) والفعل: (هدى) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: اذكروا الله ذكرا مشابها لهدايتكم. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، التقدير: اذكروه مشبهين لكم حين هداكم، وعلى اعتبار الكاف للتعليل، أو بمعنى «على» فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْ﴾): مخففة من الثقيلة مهملة، وقيل: هي نافية، وقيل: هي بمعنى «قد»، ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف، يدل عليه ما بعده، التقدير: ضالّين من قبله، ولا يجوز تعليقهما بما بعدهما؛ لأنّ ما بعد «ال» الموصولة، لا يعمل فيما قبلها، إلا على رأي من يتوسع في الظرف، والجار والمجرور. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين المخفّفة، والنافية، وهي بمعنى «إلا» عند الكوفيين، وصلة على اعتبار (إن) بمعنى «قد». (من ﴿الضّالِّينَ﴾): متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: (﴿إِنْ كُنْتُمْ..﴾.) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير.","vol":"1","page":468},{"text":"<span id=\"aya-206\"></span>﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا..﴾. إلخ: الخطاب لقريش المسمّون في الجاهلية الحمس، فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة، وهي من الحرم، وكانوا يقولون:\nنحن قطين الله، فينبغي لنا أن نعظّم الحرم، ولا نعظم شيئا من الحل، وكانوا مع معرفتهم، وإقرارهم: أنّ عرفة موقف إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-لا يخرجون من الحرم، ويقفون ب «جمع» ويفيضون منه، ويقف الناس ب «عرفة» فقيل لهم: أفيضوا مع الناس.\nوقال الضحاك-رحمه الله تعالى-: المخاطب بالآية جميع الأمّة، والمراد بالناس: إبراهيم ﵇، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٧٣]: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فالمراد بالناس الأولى: شخص واحد. انظر الآية هناك، فإنّه جيد، والحمد لله!.\nفلمّا جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفة، فيقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ والمراد بالإفاضة هاهنا الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، وهذا بعد الإفاضة من عرفة، ويحتمل أن يكون المراد: ثمّ أفيضوا من عرفة... إلخ.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وقرئ: («من حيث أفاض النّاس») بكسر السين، يريد آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهي صفة غلبت عليه، كالعباس، والحارث، ودلّ عليه قوله تعالى في سورة (طه): ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ:﴾ اطلبوا منه المغفرة. والسين، والتاء للطلب، وذلك لمخالفتكم في الموقف، ونحو ذلك ممّا كنتم تفعلونه في جاهليتكم، أو من تقصيركم في أعمال الحجّ. هذا؛ و«استغفر» يتعدّى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني ب «من» نحو: استغفرت الله من ذنبي، وقد يحذف حرف الجر، كقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٨٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط]\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل\nفائدة: كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، كما في هذه الآية؛ حيث أمر بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة، والإفاضة منها، وقد ثبت في صحيح مسلم: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثا، وفي الصّحيحين: أنّه ندب إلى التسبيح، والتحميد، والتكبير ثلاثا وثلاثين بعد كلّ صلاة، وقد روى ابن جرير-رحمه الله تعالى-استغفاره ﷺ لأمته عشية عرفة. وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر﵄-: أن أبا بكر﵁قال: يا رسول الله! علّمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: «قل: اللهمّ إنّي ظلمت نفسي","vol":"1","page":469},{"text":"ظلما كثيرا، ولا يغفر الذّنوب إلاّ أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم». وطلب الاستغفار بعد أداء العبادات لأمرين: أولهما: لعلّه يحصل تقصير في أداء العبادات، أو يحصل خلل فيها، ولا يعلم العبد، والأمر الثاني: أنّ طلب المغفرة بعد أداء العبادة يكون أرجى للقبول، وأبلغ في وصول المأمول.\nعلما بأنّ الرسول ﷺوجزاه الله عنا خير الجزاء-قد حثّنا على الاستغفار في جميع الحالات، وفي جميع الأوقات، فعن شداد بن أوس﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «سيّد الاستغفار أن يقول العبد: اللهمّ أنت ربي لا إله إلاّ أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنّه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة، فمات في ليلته؛ دخل الجنّة، ومن قالها في يومه، فمات؛ دخل الجنّة». رواه البخاري، والنّسائي، والترمذي. وليس لشداد في البخاريّ غير هذا الحديث.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من لزم الاستغفار؛ جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود، والنّسائي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي.\nوعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلّكم على دائكم، ودوائكم؟ ألا إنّ داءكم الذّنوب، ودواءكم الاستغفار». رواه البيهقي، وغير ذلك كثير. انظر الترغيب، والتّرهيب للحافظ المنذري.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَفِيضُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتّفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿حَيْثُ:﴾ اسم مبني على الضم في محل جر ب ﴿مِنْ﴾ والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَفاضَ النّاسُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-207\"></span>﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ..﴾. إلخ: أديتم أعمال حجّكم من الوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، ورمي جمرة العقبة، والطواف بالكعبة، والحلق، وانتهيتم من ذلك. وانظر شرح","vol":"1","page":470},{"text":"﴿قَضى﴾ في الآية رقم [١١٧]. هذا؛ ومناسك: جمع منسك بفتح السين، وكسرها، وهو مصدر ميمي، أو اسم مكان، والأول أرجح، وانظر الآية رقم [١٢٨]. ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والتقديس، والتعظيم. ﴿كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ:﴾ اختلف في معناه، فقال عطاء: هو كما يلهج الصّبيّ بذكر أبيه، وأمّه، فكذلك أنتم الهجوا بذكر الله بعد قضاء النّسك. وقال ابن عباس﵄-: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويتحمّل الدّيات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمّد ﷺ الآية. وقول آخر لابن عباس: هو أن تغضب لله تعالى؛ إذا عصي أشدّ من غضبك لوالديك إذا شتما. و﴿أَوْ:﴾ للتخيير، والإباحة.\n ﴿فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا..﴾. إلخ قال ابن عبّاس﵄-: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا، فأنزل الله فيهم الآية. انتهى. والسبب في ذلك: أنّهم كانوا لا يعرفون الآخرة، ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدّعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم، ويجوز أن يتناول هذا الوعيد المؤمن إذا قصر دعواته في الدنيا، على هذا. ﴿وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ أي: كخلاق الذي يسأل الآخرة. والخلاق: الحظ، والنصيب.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية السابقة. ﴿قَضَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿مَناسِكَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وهناك مضاف محذوف، انظر تقديره في الشّرح. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اذكروا): فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿كَذِكْرِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: اذكروا الله ذكرا مشابها لذكر آبائكم، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: اذكروا الله مشبهين لكم حين ذكركم آباءكم، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿آباءَكُمْ:﴾ مفعول به للمصدر، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿أَشَدَّ:﴾ معطوف على (ذكر) المجرور، فهو مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة، ووزن أفعل، أو هو معطوف على الكاف المضاف إليه، وذلك على اللفظ، فهو مجرور أيضا، أو هو معطوف على: ﴿آباءَكُمْ﴾ فهو منصوب، أو هو منصوب بمضمر دل عليه المعنى؛ تقديره: أو كونوا أشدّ. انتهى. بيضاوي،","vol":"1","page":471},{"text":"وعكبري بتصرف. وعلى هذا ف ﴿ذِكْرًا:﴾ تمييز. وقال الجلال، وتبعه الجمل: ونصب ﴿أَشَدَّ﴾ على الحال من (﴿ذِكْرًا﴾) المنصوب ب (اذكروا) إذ لو تأخر عنه؛ لكان صفة له، وتفسيره:\nأنّ (﴿أَشَدَّ﴾) حال ممّا بعده، كان صفة له، فلما تقدّم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدّم عليها؛ صار حالا»، وعلى هذا ف (ذكرا) مفعول مطلق للفعل: (اذكروا) وهو قول أبي حيّان أيضا، ولم يرتضه ابن هشام في المعنى.\n ﴿فَمِنَ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من ﴿النّاسِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.\n ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ والجملة صلتها، أو صفتها. هذا هو الإعراب الظاهر في مثل ذلك، ولا أعتمده، وإنّما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٨]. ﴿رَبَّنا:﴾\nمنادى، حذف حرف النداء، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آتِنا:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، و(نا): مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول كالجملة الندائية قبلها. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما والجملة الاسمية: ﴿فَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما من تعدّد الخبر، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿خَلاقٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَقُولُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-208\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ (٢٠١)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ..﴾. إلخ: هذا فريق غير الفريق الأول، الّذي طلب الدنيا، ومتاعها، وملذاتها، وشهواتها. ﴿وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ لأنّ همّه مقصور على الدّنيا؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة. وأمّا هذا الفريق، فإنّه يطلب الصحة، والكفاف من الرزق، والتوفيق لعمل الخير في الدّنيا، ويطلب الأجر، والثواب في الآخرة، كما يطلب الوقاية من النّار، وذلك بالحفظ من المعاصي، والذنوب المؤدية إلى النّار.","vol":"1","page":472},{"text":"فقد جمعت الدعوة في هذه الآية كلّ خير في الدنيا، وصرفت كل شرّ، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كلّ مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة صالحة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وجار صالح، وثناء جميل، وغير ذلك، وأما الحسنة في الآخرة؛ فأعلى ذلك دخول الجنّة، وما فيها من النعيم المقيم، والأمن من الفزع الأكبر في عرصات القيامة، وتيسير الحساب، وغير ذلك من الأمور الآخرة الصّالحة. وأما النّجاة من النّار؛ فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدّنيا، من اجتناب المحارم، والمآثم، وترك الشّبهات وأكل الحرام.\nعن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ، قال: «أربع من أعطيهنّ؛ فقد أعطي خيري الدّنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها، وماله». رواه الطّبراني بإسناد جيد.\nولهذا وردت السنة بالتّرغيب بالدّعاء في هذه الآية، فقال البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أنس﵁-: كان النبي ﷺ يقول: «اللهمّ ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النّار»، وكان أنس﵁إذا أراد أن يدعو بدعوة؛ دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء؛ دعا بها فيه.\nوقال ابن عباس﵄-: إنّ عند الرّكن اليماني ملكا قائما منذ خلق الله السّماوات والأرض، يقول: آمين، فقولوا: ﴿رَبَّنا آتِنا..﴾. إلخ. وسئل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني، وهو يطوف بالبيت، فقال: حدثني أبو هريرة﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «وكّل به سبعون ملكا، فمن قال: اللهمّ إنّي أسألك العفو والعافية في الدّنيا والآخرة، ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار؛ قالوا: آمين». أخرجه ابن ماجة في السّنن.\nبعد هذا؛ ف (﴿قِنا﴾) من الوقاية، وهي التّحرّز من المهالك في الدنيا، والآخرة، فهو فعل دعاء، وصيغته صيغة أمر، فهو من: وقى، يقي اللفيف المفروق، فتحذف فاؤه من المضارع مثل كلّ فعل مثال، مثل: وعد، يعد، و: وزن، يزن... إلخ، والأمر منه: اوقنا، حذفت منه الواو، كما حذفت من مضارعه، واستغني عن همزة الوصل لتحرك الحرف المبدوء به، وتحذف لامه مع فائه لبنائه على حذف حرف العلّة، مثل كل فعل ناقص معتل الآخر، مثل: اسع، وادع، وارم، فيبقى فعل الأمر باللفظ حرفا واحدا (ق) ومثله: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطى، يطي، ط. وإذا لم يتصل به ضمير؛ تلحقه هاء السكت، فتقول: فه، قه، له عه، طه، وبه يلغز، فيقال: [الرجز]\nفي أيّ لفظ يا نحاة الملّه... حركة قامت مقام الجمله؟\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:","vol":"1","page":473},{"text":"﴿حَسَنَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً:﴾ معطوف على ما قبله عطف مفردات، أو هو على تقدير فعل محذوف، فيحصل جملة تعطف على ما قبلها. (﴿قِنا﴾): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، هو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. و(نا) مفعول به أول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَقِنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-209\"></span>﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الفريقين المذكورين، فللمؤمن الصّالح ثواب علمه، ودعائه، وللكافر، والفاجر، والفاسق عقاب سوء عمله، وقصر نظره إلى الدّنيا. وهو مثل قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٣٢]: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾. وقيل: يرجع إلى الفريق الثاني فقط، والأول أولى. ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ:﴾ حظّ من الخير، أو من الشرّ. ﴿مِمّا كَسَبُوا:﴾ أي:\nمن جنس ما عملوا، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشر، فالفريق الأول يستحق النار، وما فيها من المقت، والنّكال، والفريق الثاني يستحق الجنّة، وما فيها من النّعيم المقيم؛ الذي لا يزول.\n ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ:﴾ لا يحتاج إلى عدّ، ولا إلى عقد، ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحسّاب، ولهذا قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وقال رسول الله ﷺ في دعائه يوم الخندق: «اللهمّ منزّل الكتاب، سريع الحساب... إلخ» والمعنى: أنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن. فكما يرزقهم في ساعة واحدة؛ يحاسبهم لذلك في ساعة واحدة، قال تعالى:\n ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ رقم [٢٨] من سورة (لقمان)، وقيل للإمام علي﵁-: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم. وقال ابن عباس﵄-: إذا أخذ في حسابهم؛ لم يقل أهل الجنة إلا فيها، ولم يقل أهل النار إلا فيها. هذا؛ ويقيل: من القيلولة، وهي الاستراحة وقت الظهيرة، ومعنى الحساب، وفائدته تعريف الله العباد مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إيّاهم بما قد نسوه؛ بدليل قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾.\nهذا؛ وقال ابن عباس﵄في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ..﴾. إلخ: هو الرّجل يأخذ مالا يحجّ به عن غيره، فيكون له ثواب. وروي عنه في هذه الآية: أن رجلا قال:\nيا رسول الله! مات أبي، ولم يحجّ، أفأحجّ عنه؟ فقال ﷺ: «لو كان على أبيك دين، فقضيته، أما كان ذلك يجزي؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحقّ أن يقضى». قال: فهل لي من أجر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ، يعني: من حجّ عن ميّت؛ كان الأجر بينه، وبين الميّت.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"1","page":474},{"text":"هذا والحاج عن غيره عند الشافعي لا يجوز حتّى يكون قد قضى الحج عن نفسه أولا، وعند غيره يجوز أن يحجّ عن غيره، ولو لم يكن قد أدى فرضه، وقالوا: كلّ من لم يراع مصالحه في الدنيا يصحّ أن ينوب عن غيره في مثلها، فتتم لغيره، وإن لم تتم له لنفسه، ويزوّج غيره، وإن لم يزوّج نفسه؛ أي: وإن كان غير متزوّج.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. والكاف حرف خطاب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿أُولئِكَ﴾ فيكون: ﴿نَصِيبٌ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور، التقدير: أولئك ثابت لهم نصيب. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَصِيبٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كَسَبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء كسبوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير:\nنصيب من كسبهم، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (الله): مبتدأ.\n ﴿سَرِيعُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْحِسابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: سريع حسابه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-210\"></span>﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقى وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ:﴾ بالتكبير مع قطع التلبية. ﴿فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٨٤]. والمراد: التكبير في أدبار الصلوات، وعند ذبح القرابين، وعند رمي الجمار، وغيرها في أيام التشريق، وهي الأيام التي تلي يوم الأضحى، ويبدأ التكبير عقب الصلوات من صبح يوم عرفة، وينتهي بعد صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التّشريق عند الشّافعيّ، وعليه العمل في هذه الأيام. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٢٨]: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ فأيام الرّمي معدودات، وأيام النّحر معلومات، وروى نافع عن ابن عمر﵄-: أنّ الأيام المعدودات، والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم، وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى، والأضحية جائزة في يوم النّحر العيد، وثلاثة بعده، وهذه الأيام لا يجوز صومها لقول الرّسول ﷺ: «أيّام التّشريق أيّام أكل، وشرب، وذكر لله» أخرجه مسلم، وأحمد، رحمهما الله تعالى.","vol":"1","page":475},{"text":"﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: نفر من منى إلى مكّة في اليوم الثاني من أيام التشريق. ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ فلا مؤاخذة عليه بشرط أن ينفر قبل الغروب، ويرمي فيه بعد الزوال عند الأئمة الثلاثة، إلا أبا حنيفة فإنّه يجيز الرّمي قبل الزوال، بخلاف الرمي يوم العيد، فإنّه يدخل وقته بنصف ليلة النّحر. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: تأخر في الخروج من منى إلى اليوم الثالث من أيام التشريق؛ فلا حرج، ولا جناح عليه. وينبغي أن تعلم: أن المبيت بالمزدلفة، وبمنى، والرّمي في يوم العيد، وفي اليوم الثاني بعده، والثالث: وهو الثاني من أيام التّشريق واجب، فمن ترك شيئا من ذلك فعليه دم، انظر ما ذكرته في الدّماء في الآية رقم [١٩٦]. ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ الله في حجّه بأن قام بشرطه، وأركانه، وواجباته، وآدابه.\n ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ؛ أي: خافوا الله، وأيقنوا: أنكم مجموعون إليه للحساب، والجزاء، فيجازيكم بأعمالكم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا؛ وأصل: (﴿اِتَّقى﴾) و(﴿اِتَّقُوا﴾) اوتقى، واوتقوا، فقلبت الواو تاء، وأدغمت التاء بالتاء.\nتنبيه: يكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجّه للكافرين الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا، وقد توجّه إلى النبيّ ﷺ في سورة (طه) رقم [١١٤] وفي سورة (القيامة) أيضا. بينما حث الله تعالى على المسارعة إلى فعل الطاعات، فقال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٣٣]: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (الحديد) رقم [٢١]: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ كما وصف أنبياءه، ورسله بأنهم ﴿كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ في الآية رقم [٩٠] من سورة (الأنبياء) وهذا لا يناقض ما ورد: «العجلة من الشّيطان، والتّأنّي من الرّحمن». وقال الشاعر: [البسيط]\nقد يدرك المتأنّي بعض حاجته... وقد يكون مع المستعجل الزّلل\nلأن المسارعة إلى الطّاعات مستثناة من ذلك، كما أنّ هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها كأداء الصلاة المكتوبة إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن عليّ﵁، وكرّم الله وجهه-قال: قال رسول الله ﷺ: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». أخرجه الترمذي، وجاء في الشّعر العربي الحثّ على العجلة، قال بشار بن برد الأعمى: [البسيط]\nمن راقب النّاس لم يظفر بحاجته... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج","vol":"1","page":476},{"text":"واختصره سلم الخاسر، فقال: [مخلّع البسيط]\nمن راقب النّاس مات همّا... وفاز باللذّة الجسور\nونسب للأعشى، ولغيره ما يلي: [البسيط]\nوربّما فات قوما جلّ أمرهم... من التّأنّي وكان الجزم لو عجلوا\nف «لو» مصدرية، والتقدير، وكان الحزم تعجيلهم. وقال آخر: [البسيط]\nوربّما ضرّ بعض النّاس بطؤهم... وكان خيرا لهم لو أنّهم عجلوا\nالإعراب: (﴿اُذْكُرُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿فِي أَيّامٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَعْدُوداتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّامٍ﴾. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَعَجَّلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِي يَوْمَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ».\n ﴿إِثْمَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا) والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرت مرارا، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ في محل رفع خبرها، وزيدت الفاء في خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\n ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، ومتعلق الفعل: ﴿تَأَخَّرَ﴾ محذوف لدلالة المقام عليه، وانظر الشرح. ﴿لِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الذي ذكر من التأخير، أو من الأحكام لمن اتقى. وقدّر مكي رحمه الله تعالى: المغفرة لمن اتقى المحرّمات. وقيل: تقديره: الإباحة في التأخير، والتعجيل لمن اتقى. و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة.\n ﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية التي رأيت تقديرها في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الكلام السابق برمّته.\n ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله،","vol":"1","page":477},{"text":"والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n (﴿اُذْكُرُوا..﴾.) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَاعْلَمُوا:﴾ أمر، وفاعله. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّكُمْ،﴾ و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: (﴿اِعْلَمُوا﴾)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-211\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ:﴾ يروقك، ويعظم في نفسك ما يقوله. هذا؛ والعجب-بفتح العين، والجيم-: انفعال نفساني، يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو استنكاره ما يرد عليه، ويشاهده. وقال الراغب-رحمه الله تعالى-: العجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة: أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه، انتهى جمل نقلا من السّمين. والعجب-بضم العين، وسكون الجيم-: رؤية النفس، وهو نوع من الكبر، وهو من المهلكات، ففي حديث أنس﵁-. عن النبي ﷺ: «وثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه» رواه البيهقي. وعنه أيضا: قال رسول الله ﷺ: «لو لم تذنبوا؛ لخشيت عليكم ما هو أكبر منه: العجب». رواه البزار بإسناد جيد.\n (﴿يُشْهِدُ اللهَ﴾): يحلف كذبا، ويشهد الله على أنّ ما في قلبه موافق للسانه؛ أي: يظهر الإيمان بلسانه، ثم يظهر منه خلاف ذلك. ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ:﴾ شديد الخصومة، والعداوة لك يا محمد، ولصحابتك الكرام. هذا؛ و﴿أَلَدُّ﴾ صفة مشبّهة، واللّدد: شدة الجدال، ورجل ألدّ، وامرأة لدّاء، وهم أهل لدد، قال الشاعر: [الكامل]\nوألدّ ذي حنق عليّ كأنّما... تغلي عداوة صدره في مرجل\nوقال آخر: [الخفيف]\nإنّ تحت التّراب عزما وحزما... وخصيما ألدّ ذا مغلاق\nهذا؛ وقال تعالى في سورة مريم-على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. وقال الرسول ﷺ: «إنّ أبغض الرّجال إلى الله، الألدّ الخصم». رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنّسائيّ عن عائشة، ﵂.","vol":"1","page":478},{"text":"و﴿الْخِصامِ:﴾ مصدر: خاصم، يخاصم، وقال الخليل، رحمه الله تعالى، وقال الزجاج: هو جمع: خصم، كصعب، وصعاب، وضخم، وضخام. وعن ابن عباس﵄-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما». رواه الترمذي، رحمه الله تعالى. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه؛ إلاّ أوتوا الجدل، ثمّ قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ»﴾. رواه الترمذي، وابن ماجة.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة، والتي بعدها في الأخنس بن شريق الثقفي، واسمه أبيّ، والأخنس لقب لقّب به؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من حلفائه من بني زهرة عن قتال رسول الله ﷺ، كما ستعرفه في سورة (آل عمران) كان منافقا حسن المنظر، حلو الكلام للنبي ﷺ فجاء بعد ذلك، فأظهر الإسلام، وقال: الله يعلم أنه صادق، ويحلف بالله: أنه مؤمن برسالته، ومحبّ له، وكان الرسول ﷺ يقرّبه، ويدني مجلسه، ولكن الله تعالى قد كذّبه في دعواه، فقد مرّ بزرع، وحمر لبعض المسلمين، فأحرقه، وأحرقها، كما بينت الآية التالية. وهذا وأمثاله من المنافقين، والكذابين يطلق عليهم في عرف الشّرع الإسلامي: أصحاب الوجهين، واللّسانين، وما أكثرهم في هذا الزمن! وخذ ما يلي:\nعن سعد بن أبي وقاص﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ذو الوجهين في الدّنيا، يأتي يوم القيامة؛ وله وجهان من نار». رواه الطبرانيّ في الأوسط. وعن عمار بن ياسر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان له وجهان في الدّنيا؛ كان له يوم القيامة لسانان من نار». رواه أبو داود، وابن حبان. وعن أنس﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من كان ذا لسانين؛ جعل الله له يوم القيامة لسانين من نار». رواه الطبرانيّ، وغيره.\nورحم الله صالح بن عبد القدّوس؛ إذ يقول: [الكامل]\nلا خير في ودّ امرئ متقلّب... حلو اللّسان وقلبه يتلهّب\nيلقاك يحلف أنّه بك واثق... وإذا توارى عنك فهو العقرب\nيعطيك من طرف اللّسان حلاوة... ويروغ منك كما يروغ الثّعلب\nالإعراب: ﴿وَمِنَ النّاسِ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف، (﴿مِنَ النّاسِ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب المتعارف عليه وهو الظاهر، ولا أعتمده، وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٨]. ﴿يُعْجِبُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿قَوْلُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فِي الْحَياةِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان ب:","vol":"1","page":479},{"text":"﴿قَوْلُهُ﴾ لأنه مصدر. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. (﴿يُشْهِدُ﴾) مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي قَلْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (﴿يُشْهِدُ..﴾.) إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿يُعْجِبُكَ..﴾. إلخ. كذا قيل، والأولى أن تكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو يشهد... إلخ، وهذه الجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُعْجِبُكَ﴾ المستتر، والرابط الواو والضمير، وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ محذوف؛ لأن الجملة المضارعية المقترنة بالواو لا تقع حالا، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت\nوذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿أَلَدُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْخِصامِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي من تعدّد الحال، وهو جملة. وإن اعتبرتها حالا من فاعل: (يشهد) فهي حال متداخلة.\n\n<span id=\"aya-212\"></span>﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا تَوَلّى:﴾ أدبر، وانصرف من عند رسول الله ﷺ، وخرج. وانظر الآية رقم [٦٤]. ﴿سَعى فِي الْأَرْضِ:﴾ أي: مشى بقدميه في الأرض؛ ليستعمل مكره، ودهاءه، وإدارة الدّوائر على الإسلام، وأهله. وهذا كان منه بعد إلانة القول، وحلاوة المنطق.\n ﴿لِيُفْسِدَ فِيها:﴾ بقطع الأرحام، وسفك دماء المسلمين. ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ:﴾ الزرع.\n ﴿وَالنَّسْلَ:﴾ الحيوانات التي تتوالد. وذلك: أن الأخنس الخبيث، كان بينه وبين بني ثقيف خصومة، فبيّتهم، فأحرق زروعهم، وأهلك مواشيهم؛ التي كانت متروكة في تلك الزروع. وانظر الآية السابقة.\nوقيل: المعنى: إذا صار واليا، وملك رقاب الناس؛ سعى في الأرض؛ ليفسد فيها بالظلم، والعدوان، كما يفعل ولاة السوء، والظلمة. وعلى كلّ فالآية عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات في كل زمان، ومكان؛ لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ،﴾ أي: لا يرضى بالإيذاء، والضرر، والضرر قرين الشرك بالله.","vol":"1","page":480},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر، يعود إلى (من) تقديره: هو، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿سَعى فِي الْأَرْضِ﴾ جواب (﴿إِذا﴾)، لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، ويجوز عطفه على جملة: ﴿يُعْجِبُكَ..﴾. إلخ في الآية السابقة، فيكون من جملة الصلة، أو الصفة مثلها: ﴿لِيُفْسِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿سَعى﴾.\n ﴿وَيُهْلِكَ:﴾ معطوف على: (يفسد) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى «من» أيضا. ﴿الْحَرْثَ:﴾\nمفعول به. ﴿وَالنَّسْلَ:﴾ معطوف عليه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو واو الحال، (﴿اللهُ﴾) مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.\nيحب: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الْفَسادَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-213\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ..﴾. إلخ: أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله، وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عما أنت عليه من التلوّن، وارجع إلى الحق؛ امتنع، وأبى، وأخذته الحميّة، والغضب بالإثم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذه صفة الكافر، والمنافق الذّاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا. وقال عبد الله بن مسعود﵁-: إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقال للعبد: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك. وروي: أنه قيل لعمر -﵁-: اتق الله، فوضع خده على الأرض تواضعا لله تعالى. لكن في هذه الأيام إذا قيل لأحدهم: هذا لا يحله الشرع، وإن أحله القانون؛ يقول: هو لا يؤمن بهذا الشرع.\nهذا؛ و﴿الْعِزَّةُ:﴾ القوة، والغلبة، من: عزّه، يعزه: إذا غلبه، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٣٩]: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ وقال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١٠]:\n ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ وفي سورة (المنافقون) رقم [٨]: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والعزة في هذه الآية: الحمية، والأنفة، ومنه قول الشاعر: [الرمل]\nأخذته عزّة من جهله... فتولّى مغضبا فعل الضّجر","vol":"1","page":481},{"text":"وقال تعالى في سورة (ص): ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾. ذكر: أنّ يهوديّا كانت له حاجة عند هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه سنة، فلم يقض حاجته، فوقف على الباب يوما، فلما خرج هارون؛ سعى؛ حتى وقف بين يديه، وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابته، وخرّ ساجدا، فلمّا رفع رأسه؛ أمر بحاجته، فقضيت، فلمّا رجع قيل له: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي، قال: لا ولكن تذكّرت قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ..﴾.\nإلخ. ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ:﴾ كافيه معاقبة، وجزاء جهنم، كما تقول للرجل: كفاك ما حلّ بك.\n ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ الفراش؛ أي: ما يفترشه في الآخرة، والمهاد: جمع. المهد، وهو الموضع المهيّأ للنوم، ومنه مهد الصبي، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٤٦]: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾. وفي هذه الجملة تهكم بالمنافقين، والكافرين، حيث جعلت لهم جهنم غطاء، ووطاء، فأكرموا بذلك، كما تكرم الأمّ ولدها بالغطاء، والوطاء اللّينين.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ مثل الآية السابقة. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اِتَّقِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: أنت. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ،﴾ وانظر ما ذكرته فيما مضى كثيرا.\n ﴿أَخَذَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْعِزَّةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها معطوف على مثله في الآية السابقة: ﴿بِالْإِثْمِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضّمير المنصوب.\n ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ:﴾ الفاء: أراها الفصيحة. (حسبه جهنم): مبتدأ، وخبر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدّر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر شأنه، وحاله؛ فحسبه جهنم. والجملة الشرطية هذه مستأنفة، لا محل لها.\nو﴿وَلَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة جوابا لقسم مقدر. (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْمِهادُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذمومة هي، أو جهنم. والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو.\n\n<span id=\"aya-214\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)﴾\nالشرح: لما ذكر الله صنيع المنافقين؛ ذكر بعده صنيع المؤمنين الصّادقين. هذا؛ وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية أقوال كثيرة، وروايات مختلفة، والمعتمد: أنها نزلت في صهيب بن سنان بن","vol":"1","page":482},{"text":"مالك الرّومي، وهو عربي الأصل سباه الرّوم، وهو صغير، فجلب إلى مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان. وقيل: بل هرب من الرّوم، فقدم مكة، وحالف ابن جدعان، وكان﵁من السّابقين إلى الإسلام، شهد بدرا، والمشاهد كلّها، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين.\nقال ابن عباس﵄-: نزلت الآية في صهيب﵁-. وذلك: أنّه لمّا أراد الهجرة، منعه كفار قريش أن يهاجر بماله، وأخذوه، وعذبوه، فقال لهم: إنّي شيخ كبير، ولا يضركم: أمنكم كنت، أم من غيركم؟ فهل لكم أن تأخذوا مالي، وتذروني، وديني؟! ففعلوا ذلك، وكان شرط عليهم رحله، ونفقة. وفي رواية ثانية: خرج من مكة مهاجرا، فلحقه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، وأخذ قوسه، وقال: لقد علمتم أنّي من أرماكم، وايم الله! لا تصلون إليّ؛ حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي بيدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم! فقالوا: لا نتركك تذهب عنا غنيّا، وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلّنا على مالك بمكة، ونخلي عنك. فعاهدوه على ذلك، ففعل، فلمّا قدم على رسول الله ﷺ، قال له: «ربح بيعك أبا يحيى»، وتلا عليه الآية. وفي رواية: تلقّاه أبو بكر، وعمر﵄- ورجال، فقال له الصّدّيق: ربح بيعك أبا يحيى، فقال له صهيب: وبيعك فلا يخسر! فما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا. وقرأ عليه الآية الكريمة.\n ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ:﴾ يبيعها، بمعنى: يبذلها في طاعة الله من صلاة، وصيام، وحجّ، وجهاد، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر. وقال تعالى عمّا فعل إخوة يوسف فيه: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: باعوه، وأصله: الاستبدال، ومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١١١]: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ..﴾. إلخ. ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوإن كان ريب الدّهر أمضاك في الألى... شروا هذه الدّنيا بجنّاته الخلد\n ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ ابتغاء طلب مرضاة الله. ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ حيث أرشدهم إلى مثل هذا الشراء، وكلّفهم بالجهاد، فعرضهم لثواب الغزاة، والشّهداء. هذا؛ والرأفة: أشدّ الرحمة، و﴿رَؤُفٌ﴾ صيغة مبالغة، ومن رأفة الله بعباده أن جعل النّعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته: أنّه يقبل توبة عبده المذنب، ومن رأفته: أن نفس العباد، وأموالهم ملكه، ثم إنه تعالى يشتري ملكه بملكه فضلا منه، ورحمة، وإحسانا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٣] فإنه جيد، والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ انظر الآية رقم [٢٠٤] فهو مثله بلا فارق. ﴿يَشْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿اِبْتِغاءَ﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و﴿مَرْضاتِ﴾ مضاف","vol":"1","page":483},{"text":"إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿مَرْضاتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله أيضا، وفاعله محذوف أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ فلست مفندا، والرابط:\nالواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتعظيم. هذا؛ وجاز وقوع الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف عامل فيه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n\n<span id=\"aya-215\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾\nالشرح: لمّا بيّن الله سبحانه: أنّ من الناس مؤمن، وكافر، ومنافق؛ قال: كونوا على ملّة واحدة، واجتمعوا على الإسلام، واثبتوا عليه. فالسّلم هنا بمعنى الإسلام، ومنه قول الشاعر الكندي: [الوافر]\nدعوت عشيرتي للسّلم لمّا... رأيتهم تولّوا مدبرينا\nأي: إلى الإسلام، وذلك لمّا ارتدت قبيلة كندة بعد وفاة النّبي ﷺ مع الأشعث بن قيس الكندي. هذا؛ ويقرأ «السلم» بكسر السين وفتحها، وهو: الاستسلام، والخضوع، والطاعة، و﴿السِّلْمِ﴾ أيضا: الإسلام، وقال حذيفة ابن اليمان﵁في هذه الآية: الإسلام ثمانية أسهم: الصّلاة سهم، والزّكاة سهم، والصّوم سهم، والحجّ سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له في الإسلام. هذا؛ والسّلم: المسالمة، والمصالحة، قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦١] مخاطبا نبيّه ﷺ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ وهو أيضا بكسر السين وفتحها، وهو يذكّر، ويؤنث بدليل: (لها) و﴿كَافَّةً﴾. و﴿كَافَّةً﴾ بمعنى جميعا، والمعنى: تقبلوا جميع تعاليم الإسلام، ولا تقبلوا غيرها أبدا.\n ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ انظر الآية رقم [١٦٨]، وخطواته:\nوساوسه، وأحابيله، وزخارفه، و﴿مُبِينٌ﴾ اسم فاعل من: أبان الرّباعي، أصله مبين بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، واسم الفاعل من بان الثلاثي: بائن، وأصله: باين. وعداوة الشيطان بينة بتبيين الله لنا عداوته، فكأنه بيّن؛ وإن لم نشاهده.","vol":"1","page":484},{"text":"تنبيه: نزلت الآية الكريمة في عبد الله بن سلام﵁وأصحابه، كانوا من اليهود، وأسلموا، فعظّموا السبت، وكرهوا لحوم الإبل بعد إسلامهم. وانظر الآية رقم [١٤٦] للكلام على عبد الله بن سلام، وانظر نداء المؤمنين في الآية رقم [١٠٤]. وعن أبي هريرة﵁عن رسول الله ﷺ، قال: «والّذي نفس محمّد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة، يهوديّ، ولا نصرانيّ، ثم يموت، ولا يؤمن، بالّذي أرسلت به؛ إلاّ كان من أصحاب النّار». أخرجه مسلم.\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و(ها) حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من لفظ: (أي). ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اُدْخُلُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فِي السِّلْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَافَّةً:﴾ حال من ﴿السِّلْمِ﴾ وقيل: حال من واو الجماعة، وضعّفه ابن هشام. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾) ناهية. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿خُطُواتِ:﴾ مضاف، و﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر (إنّ)، ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-216\"></span>﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ أي: إن انحرفتم عن الصّراط المستقيم من بعد مجيء الحجج الباهرة، والبراهين الساطعة على أنّ دين الإسلام هو الدّين الحق. وأصل الزلل في القدم، ثمّ استعمل في الأمور المعنوية على سبيل الاستعارة. ويقال: زلّت قدمه: إذا ذهب عزّه. وفي المثل: «زلت نعله» يضرب لمن نكب، وزالت نعمته، قال زهير بن أبي سلمى في ممدوحيه: [الطويل]\nتداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها... وذبيان إذ زلّت بأقدامها النّعل","vol":"1","page":485},{"text":"﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ﴾ أي: المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين؛ ف ﴿الْبَيِّناتُ﴾ ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد ﷺ، والتّعريف به، وبرسالته. وفي الآية دليل على أنّ عقوبة العالم بالذّنب أعظم من عقوبة الجاهل به.\n ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ:﴾ قوي في نقمته ممّن خالفه، لا يعجزه شيء. ﴿حَكِيمٌ:﴾ لا يفعل إلا ما فيه حكمة، أو لا ينتقم إلا بحق. والحكيم: ذو الإصابة في الأمور كلها. وفي الآية وعيد، وتهديد لمن في قلبه شكّ، ونفاق، أو عنده شبهة في الدّين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٩].\nتنبيه: روي: أنّ أعرابيّا سمع قارئا يقرأ: فاعلموا أن الله غفور رحيم، فأنكره، ولم يكن يقرأ القرآن، وقال: إن كان هذا كلام الله، فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزّلل؛ لأنه إغراء به. ومثله روي: أن قارئا قرأ قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قرأ: فإنك أنت الغفور الرحيم، فأنكره آخر، ولم يكن يقرأ القرآن أيضا، وقال: هذا لا يناسب من يقدر على التّعذيب، والمغفرة.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿زَلَلْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْكُمُ:﴾ فعل ماض. والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به.\n ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، و﴿ما﴾ المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، من بعد مجيء البينات لكم. هذا؛ واعتبار ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة، يحوج إلى تقدير عائد، أو رابط، التقدير: من بعد الّذي، أو شيء جاءتكم البينات به. وهذا تكلف لا حاجة له، وهو ضعيف معنى. ﴿فَاعْلَمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وجملة: (اعلموا ﴿أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾) في محل جزم جواب الشرط، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٠١]. و﴿أَنَّ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-217\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي مفيد للتّوبيخ؛ أي: لا ينبغي لهم إلا انتظار إتيان العذاب. ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظر التّاركون الدّخول في السلم، والمتّبعون خطوات الشيطان.","vol":"1","page":486},{"text":"إلا أن يأتيهم الله؛ أي: أمر الله، أو عذابه. فالكلام على حذف مضاف، مثل قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي: بخذلانه إياهم.\n ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمع ظلّة، كقلة، وقلل، وهي ما أظلّك، وعلاك، وتجمع (ظلة) جمع مؤنث سالما: ظللات، وأنشد سيبويه قول النابغة الجعدي-رحمه الله تعالى-: [الطويل]\nإذا الوحش ضمّ الوحش في ظللاتها... سواقط من حرّ وقد كان أظهرا\nوظلال: جمع ظل في الكثير، والقليل: أظلال. ﴿مِنَ الْغَمامِ﴾ هو السّحاب الأبيض، وإنّما يأتيهم العذاب فيه؛ لأنّه مظنّة الرّحمة، فإذا جاء العذاب منه؛ كان أفظع؛ لأنّ الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب، كان أصعب، فكيف إذا جاء من حيث يحتسب بالخير، قال تعالى في بيان عذاب قوم هود-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا،﴾ قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (الأحقاف).\n ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ أي: وتأتيهم الملائكة. ففي تفسير ابن كثير: أي: ما ينتظرون شيئا إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق؛ حيث تنشقّ السّماء، وينزل الجبار﷿في ظلل من الغمام، وحملة العرش، والملائكة الذين لا يعلم كثرتهم إلا الله، ولهم زجل من التسبيح، يقولون: سبحان ذي الملك، والملكوت! سبحان رب العرش، والجبروت! سبحان الحيّ الذي لا يموت! سبحان الّذي يميت الخلائق، ولا يموت! سبّوح قدوس، ربّ الملائكة والرّوح.\nو﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم، كما قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ الآية رقم [٧] من سورة (الشورى)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾ هو مثل قوله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ رقم [٥٣] من سورة (الشورى) وقوله جلّ ذكره في كثير من الآيات: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ والمقصود: تصوير عظمته تعالى يوم القيامة، وهولها وشدتها، وبيان: أن الحاكم فيها هو ملك الملوك جلّ وعلا؛ الذي لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، وهو أحكم الحاكمين. بعد هذا فخذ ما يلي:\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: واعلم: أنّ هذه الآية من آيات الصّفات، وللعلماء في آيات الصّفات، وأحاديث الصّفات مذهبان:\nأحدهما: وهو مذهب سلف هذه الأمة، وأعلام أهل السنّة: الإيمان، والتسليم لما جاء في آيات الصّفات، وأحاديث الصّفات، وأنّه يجب علينا الإيمان بظاهرها، ونؤمن بها كما جاءت، ونكل علمها إلى الله، وإلى رسوله ﷺ، مع الإيمان، والاعتقاد بأنّ الله تعالى منزّه عن سمات الحدوث، وعن الحركة والسّكون.","vol":"1","page":487},{"text":"قال الكلبيّ-رحمه الله تعالى-: هذا من الّذي لا يفسّر. وسفيان بن عيينة-رحمه الله تعالى- قال: كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه؛ فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، وليس لأحد أن يفسّره إلا الله، ورسوله. وكان الزّهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثّوري، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه-رضوان الله عليهم أجمعين-يقولون في هذه الآية، وأمثالها: اقرءوها كما جاءت، بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل. هذا مذهب أهل السّنّة، ومعتقد سلف الأمّة، وأنشد بعضهم في المعنى: [الطويل]\nعقيدتنا أن ليس مثل صفاته... ولا ذاته شيء عقيدة صائب\nنسلّم آيات الصّفات بأسرها... وأخبارها للظّاهر المتقارب\nونؤيس عنها كنه فهم عقولنا... وتأويلنا فعل اللّبيب المغالب\nونركب للتّسليم سفنا فإنّها... ليسلم دين المرء خير المراكب\nالمذهب الثاني: وهو قول جمهور علماء المتكلمين، وذلك: أنه أجمع جميع المتكلمين من العقلاء، والمعتبرين من أصحاب النظر على أنه تعالى منزّه عن المجيء، والذهاب، ويدلّ على ذلك: أنّ كلّ ما يصحّ عليه المجيء، والذهاب، ولا ينفكّ عن الحركة، والسكون-وهما محدثان- وما لا ينفك عن المحدث؛ فهو محدث، والله تعالى منزّه عن ذلك، فيستحيل ذلك في حقّه تعالى، فثبت بذلك: أنّ ظاهر الآية ليس مرادا، فلا بد من التأويل على سبيل التفصيل. فعلى هذا قيل في معنى الآية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ أي: بالآيات، فيكون مجيء الآيات مجيئا لله تعالى على سبيل التفخيم لشأن الآيات. وقيل: معناه: إلا أن يأتيهم أمر الله، ووجه هذا التأويل: أن الله تعالى فسّره في آية أخرى، فقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الآية [٣٣] من سورة (النحل)، فصار هذا الحكم مفسرا لهذا المجمل في هذه الآية.\nقال ابن تيميّة-رحمه الله تعالى-في رسالته التدمرية: وصفه تعالى نفسه بالإتيان في ظلّ من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر، ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه، أو صحّ عن رسول الله ﷺ، والقول في جميع ذلك من جنس واحد، وهو مذهب سلف الأمّة، وأئمتها، إنّهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته، والله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه؟ فليقل له: كما لا تعلم كيفية ذاته، كذلك لا تعلم كيفية صفاته. انتهى. صفوة التفاسير. وانظر ما ذكرته رقم [٧] من سورة (آل عمران)، فله اتصال بمعنى هذا الكلام.\nأقول: وإنما ذهب جمهور العلماء من المتكلّمين إلى ما ذهبوا في العصر العباسي حينما كثرت الفرق الإسلامية الضالّة، وكثرت البدع، والآراء الشاذّة، فتصدى هؤلاء إلى تزييف تلك","vol":"1","page":488},{"text":"الآراء الشاذّة، وصاروا يؤوّلون الآيات، والأحاديث التي توهم تشبيها لله تعالى؛ تأويلا يقبله العقل، والشرع، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ وقوله جلّ ذكره: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ والأحاديث مثل قول النبي ﷺ: «إذا كان الثّلث الأخير من اللّيل؛ ينزل ربّنا... إلخ».\nومذهب السّلف يسمّى: مذهب التّفويض، والثاني يسمّى: مذهب التأويل، ومذهب السّلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم. هذا ما أردت إيراده هنا، والله وليّ التوفيق.\nالإعراب: ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام إنكاري توبيخي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿فِي ظُلَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من أمر الله المقدّر. ﴿مِنَ الْغَمامِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ظُلَلٍ﴾ كما يجوز تعليقهما بالفعل السابق. ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على أمر الله المقدّر، وقرئ بالجر عطفا على: ﴿ظُلَلٍ﴾ أو على ﴿الْغَمامِ،﴾ ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ:﴾ الواو حرف عطف. (﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾): فعل ماض مبني للمجهول ونائب فاعله، والفعل بمعنى المضارع. لذا فالجملة الفعلية معطوفة على ما بعد ﴿إِلاّ﴾ فهي في حيّز الانتظار. وقيل: هي مستأنفة، وليست في حيّز الانتظار، فهي باقية على ماضويّتها، وجملة: ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ مستأنفة، لا محل لها، والفعل يقرأ بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول، فهو يحتمل أن يكون لازما، ومتعديا.\n\n<span id=\"aya-218\"></span>﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١)﴾\nالشرح: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، أمره ربّه أن يسأل يهود المدينة، وليس المراد بهذا السّؤال العلم بالآيات؛ لأنّه ﷺ كان قد علمها بإعلام الله إياه، ولكن المراد بهذا السؤال التّقريع، والتّوبيخ، والمبالغة في الزّجر عن الإعراض عن دلائل الله، وترك الشكر على نعمة الله. وقيل: المراد بهذا السؤال: التقرير. وتذكير النعم؛ التي أنعم الله بها على سلفهم. انتهى خازن.\nفالله تعالى يذكر عن بني إسرائيل: كم شاهدوا على يد موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده، وعصاه، وفلقه البحر، وضربه الحجر؛ ليخرج الماء منه، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدّة الحرّ، ومن إنزال المنّ، والسّلوى يوم كانوا في التّيه، وغير ذلك من المعجزات الدّالات على صدقه، وعلى قدرة الله الفاعل المختار، ومع ذلك فقد أعرض كثير منهم عنها، وبدّلوا نعمة الله بالجحود، والكفر؛","vol":"1","page":489},{"text":"أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر، والإعراض عنها، كما قال تعالى إخبارا عن كفار قريش:\n ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ الآية رقم [٢٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ فيه تهديد، ووعيد لمن يبدل نعمة الله، ويجحدها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: ﴿سَلْ:﴾ أصله: اسأل، نقلت حركة الهمزة الثانية، التي هي عين الكلمة إلى الساكن قبلها، ثم حذفت تخفيفا، وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، فصار وزنه: «فل» ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (ن): ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ هذا؛ وفرق بين إثبات الهمزة، وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ، كما في الآيتين، وتثبت في العطف، مثل قوله تعالى في سورة (يوسف): ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nالإعراب: ﴿سَلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرة الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام، وقيل: خبرية بمعنى كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان للفعل بعدها، أو هي في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها. فيكون الرابط محذوفا، التقدير: آتيناهم إيّاها. وقال مكي: ﴿كَمْ﴾ في موضوع نصب بإضمار فعل بعدها، تقديره: كم آتينا آتيناهم. والجملة على جميع الاعتبارات في محل نصب مفعول به ثان ل ﴿سَلْ﴾ المعلّق عن العمل بسبب ﴿كَمْ﴾. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿آيَةٍ:﴾ تمييز ل ﴿كَمْ﴾ على الوجهين فيها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجر الزائد. ﴿بَيِّنَةٍ:﴾ صفة آية على لفظها، وجملة:\n ﴿سَلْ..﴾. إلخ: مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُبَدِّلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ،﴾ ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿نِعْمَةَ اللهِ﴾. و﴿ما﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد مجيئها له. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿شَدِيدُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل: شديد عقابه، والجملة الاسمية: (إن ﴿اللهِ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها لأنّها لم تحل محلّ المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت جواب الشرط محذوفا، التقدير: فله السّخط، والغضب، ونحو ذلك؛ فلست مفندا، وتكون الجملة الاسمية مفيدة","vol":"1","page":490},{"text":"للتعليل، ولا محلّ لها، والمعنى لا يأباه، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-219\"></span>﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)﴾\nالشرح: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ..﴾. إلخ، حسنت في أعينهم، وأشربت محبتها في قلوبهم، حتّى تهالكوا عليها، وأعرضوا عن غيرها، والمزيّن في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا هو فاعله، وكلّ من الشيطان، والقوّة الحيوانية، وما خلقه الله فيها من الأمور البهيمية، والأشياء الشهيّة مزين بالعرض. انتهى بيضاوي. وهذا مذهب أهل السنة، والجماعة، وانظر ما ذكرته بشأن المعتزلة، وغيرهم من الفرق الضالة في الآية رقم [١٤] من سورة (آل عمران) وغيرها.\n ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ﴾ أي: يهزأ كفار قريش من الذين آمنوا؛ أي: من فقراء المسلمين، كبلال، وعمار، وصهيب، وخبّاب، وغيرهم، والسّخرية بالناس حرام، فقد روى عليّ﵁-:\nأنّ النبي ﷺ قال: «من استذلّ مؤمنا، أو مؤمنة، أو حقّره لفقره، وقلّة ذات يده؛ شهّره الله تعالى يوم القيامة، ثمّ فضحه، ومن بهت مؤمنا، أو مؤمنة، أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله على تلّ من نار يوم القيامة؛ حتّى يخرج ممّا قال فيه، وإنّ عظم المؤمن أعظم عند الله، وأكرم عليه من ملك مقرّب، وليس شيء أحبّ إلى الله من مؤمن تائب، أو مؤمنة تائبة، وإنّ الرّجل المؤمن يعرف في السّماء، كما يعرف الرجل أهله، وولده». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥]. هذا وقد أورد التزيين بصيغة الماضي لكونه مفروغا منه، مركوزا في طبائعهم، وعطف عليه بالفعل المضارع للدّلالة على استمرار السّخرية منهم؛ لأن صيغة المضارع تفيد الاستمرار، والتّجدد.\n ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: إنّ الله تعالى يرفع درجات الفقراء المؤمنين يوم القيامة، حتّى يجعلهم في أعلى علّيين، ويضع درجات الكافرين المستكبرين حتى يجعلهم في أسفل سافلين، والمؤمنون في الآخرة في أوج العز، والكرامة، والكافرون، والفاسدون المفسدون في حضيض الذلّ، والمهانة. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة المطففين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ،﴾ ثمّ قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾.\nعن حارثة بن وهب﵁-: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنّة؟ كل ضعيف متضعّف، لو أقسم على الله؛ لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النّار؟ كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر». متّفق عليه.\n ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي: بغير تقدير، فيوسّع في الدنيا استدراجا تارة، وابتلاء أخرى، وأمّا في الآخرة، فرزقه للمؤمنين واسع، لا يضبطه عدّ، ولا كيل، ولا وزن بخلاف","vol":"1","page":491},{"text":"رزق الدّنيا؛ فإنّه مضبوط محصور، ورزق الآخرة لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كدّ الاكتساب، وخوف الحساب، لا منّة فيه، ولا عذاب.\nالإعراب: ﴿زُيِّنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\nوجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْحَياةُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَيَسْخَرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَسْخَرُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها هذا، ويجوز تقدير مبتدأ قبلها، وهي خبره، أي: وهم يسخرون... إلخ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٤]. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية بعد الموصول صلته، والمتعلّق محذوف.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، تقديره: اتقوا الله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف، و﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ، ﴿يَرْزُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير، رزقا واسعا، ونحوه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها، والحالية ضعيفة، ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nيشاؤه ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(غير): مضاف، و﴿حِسابٍ:﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-220\"></span>﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾\nالشرح: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: كان الناس متفقين على الحقّ. قال ابن جرير: عن ابن عباس﵄قال: كان بين آدم، ونوح-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام","vol":"1","page":492},{"text":"-عشرة قرون، كلّهم على شريعة من الحقّ، فاختلفوا. ودلّ على هذه الجملة لدلالة قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. وانظر شرح أمّة في الآية رقم [١٢٨]، والإمة بكسر الهمزة: النعمة؛ لأنّ الناس يقصدون قصدها. ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ:﴾ انظر الآية رقم [٦١]. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ للمؤمنين بالجنّة، وحسن المآل. (﴿مُنْذِرِينَ﴾): مخوفين للكافرين، والعاصين بالنّار، وسوء الحساب.\n ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ المراد به الجنس، لا المراد: أنّ الله تعالى أنزل بكلّ واحد منهم كتابا يخصّه، فإن أكثرهم لم يكن معهم كتاب يخصّهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم. انتهى بيضاوي، وذلك كما في أنبياء بني إسرائيل، فإنّ جميعهم كان يحكم بالتوراة؛ حتّى بعث عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، بل وحتى عيسى كان يحكم بالتّوراة؛ لأن الإنجيل الّذي أنزل عليه، لم يكن فيه سوى بعض الأحكام المغيّرة لأحكام التوراة.\n ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يحتمل رجوع الفاعل إلى ﴿اللهُ﴾ أو النبيّ المبعوث، أو كتابه، ويؤيد الأول قراءة الجحدري: («لنحكم») بنون العظمة. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي: في الحقّ، أو في الكتاب. ﴿أُوتُوهُ﴾ أي: الكتاب حيث آمن به بعض، وكفر به بعض آخر. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ:﴾ المعجزات الظاهرات، والحجج السّاطعات على التوحيد. ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسدا بينهم أو ظلما، وعدوانا لحرصهم على الدنيا، ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ ثبّتهم الله على الحق ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ:﴾ بأمره، وتوفيقه. ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ ففي هذه الآية ردّ على المعتزلة بقولهم: إنّ العبد يخلق أفعال نفسه، ويستبدّ بهدايته إلى ما يشاء، ويريد.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال النبي ﷺ: «نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، نحن أوّل النّاس دخولا الجنّة، بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدا لليهود، وبعد غد للنّصارى». المراد باليوم الذي اختلفوا فيه: يوم الجمعة.\nوعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه﵁-: اختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السّبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمّة محمد ﷺ ليوم الجمعة.\nواختلفوا في الصّلاة، فمنهم من يركع، ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلّي؛ وهو يتكلم، ومنهم من يصلي؛ وهو يمشي، فهدى الله أمّة محمد ﷺ للحقّ من ذلك.\nواختلفوا في إبراهيم، ﵊، فقالت اليهود: كان يهوديّا، وقالت النّصارى: كان نصرانيّا، وجعله الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمّة محمد ﷺ للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانا عظيما، وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه، وكلمته، فهدى الله أمّة محمد ﷺ للحقّ من ذلك. وكان أبو العالية﵀- يقول: في هذه الآية المخرج من الشّبهات، والضّلالات، والفتن.","vol":"1","page":493},{"text":"وفي صحيح البخاري، ومسلم عن عائشة﵂-: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهمّ ربّ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».\nوفي الدعاء المأثور: «اللهمّ أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا، فنضلّ، واجعلنا للمتّقين إماما».\nالإعراب: ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿النّاسُ:﴾ اسمها. ﴿أُمَّةً:﴾ خبرها. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَبَعَثَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وهناك جملة مقدرة قبلها، التقدير: فاختلفوا، فبعث. ﴿النَّبِيِّينَ:﴾\nمفعول به. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ حال من النبيين. ﴿وَمُنْذِرِينَ:﴾ معطوف عليه، وعلامة النصب في الثلاثة الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنها جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. (﴿أَنْزَلَ﴾):\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿مَعَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾ أي: ملتبسا بالحق، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: هي في محل نصب حال، وهذا يحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، لتقربها من الحال. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، انظر الشرح، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزل)، ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿النّاسُ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (يحكم) أيضا، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (في).\n ﴿وَمَا:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿اِخْتَلَفَ:﴾ فعل ماض. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (في) والرابط:\nالواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿أُوتُوهُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِخْتَلَفَ:﴾ ﴿مَا:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، و﴿مَا﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه؛ التقدير: من بعد مجيء البينات. ﴿بَغْيًا:﴾ مفعول لأجله، وقيل: حال، ولا وجه له. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿بَغْيًا﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة.","vol":"1","page":494},{"text":"(هدى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾\nمفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (هدى)، (﴿وَمَا﴾) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة (ما) أو صفتها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب (في) العائد بدوره على (﴿مَا﴾)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها.\n ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: (هدى) أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ التقدير:\nمأذونا لهم، وجملة: ﴿فَهَدَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والاستئناف ممكن.\n ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهدي الذي أو شخصا يشاؤه. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَهْدِي﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-221\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ:﴾ منقطعة هنا. انظر مبحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿حَسِبْتُمْ:﴾\nظننتم، فهو من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون السين في المضارع مع الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها من البابين: الرّابع، والسادس. والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا من باب:\nقتل، بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ أي: ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم، فتصبروا كما صبروا، أو المعنى: ولما يصبكم مثل الذين أصاب الذين من قبلكم من البلاء، قال تعالى في أول سورة (العنكبوت): ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ:﴾ انظر شرح هذه الآيات هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿مَسَّتْهُمُ:﴾ أصابتهم. ﴿الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ:﴾ انظر الآية رقم [١٦٧]. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ خوّفوا من الأعداء تخويفا شديدا، وامتحنوا امتحانا عظيما، كما جاء في الحديث عن خبّاب بن الأرت","vol":"1","page":495},{"text":"-﵁قال: قلنا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرّجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشقّ باثنتين وما يصدّه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم، أو عصب، وما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر، حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذّئب على غنمه، ولكنّكم تستعجلون». رواه البخاري [٣٦١٢].\n ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ أي: بلغ بهم الضجر، ولم يبق لهم صبر؛ حتى قالوا ذلك. ومعناه: طلب الصبر، وتمنيه، واستطالة زمان الشدة، بحيث تقطّعت حبال الصّبر عندهم، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدّة، وتماديه في العظم؛ لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم، واصطبارهم، وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتّى ضجوا؛ كان ذلك الغاية في الشدّة؛ التي لا مطمع وراءها.\n ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ:﴾ هذا جواب من الله تعالى، ووعد لهم بالنصر، وفي ضمنه كلام آخر، التقدير: فاصبروا، كما صبروا؛ تظفروا بالنّصر، كما ظفروا. هذا؛ وقرئ: ﴿حَتّى يَقُولَ﴾ بالنصب على إضمار «أن» ومعنى الاستقبال؛ لأنّ «أن» تصرف الفعل المضارع له. وقرئ بالرّفع على أنه بمعنى الحال، كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير بطنه، إلا أنها حال ماضية محكية. وانظر مبحث «حتّى» في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nتنبيه: قال قتادة، والسّدي، وأكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصابهم من الجهد والشدّة، والحرّ، والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد، وكان كما قال الله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ،﴾ وقيل: نزلت في حرب (أحد) نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ رقم [١٤٢].\nوقالت جماعة أخرى: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم، وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله الآية الكريمة تطييبا لقلوبهم، وتفريجا لهمومهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل». ﴿حَسِبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع: ﴿تَدْخُلُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿حَسِبْتُمْ﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨]. ﴿وَلَمّا:﴾ الواو:","vol":"1","page":496},{"text":"واو الحال. (لمّا): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لمّا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به.\n ﴿مَثَلُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله. وقدّر الجلال، والجمل محذوفا بين المتضايفين، فالجلال قدّر: مثل ما أتى الّذين. والجمل قدّر: مثل محنة المؤمنين الّذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصولة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿مَسَّتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَأْساءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجوز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَالضَّرّاءُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿حَتّى:﴾\nحرف غاية، وجر. ﴿يَقُولَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الرَّسُولُ:﴾\nفاعله. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته.\n ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿زُلْزِلُوا﴾) وعلى قراءة الفعل بالرّفع؛ فالجملة معطوفة على ما قبلها عطفا.\n ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزّمانية متعلق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَلا:﴾ حرف استفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿نَصْرُ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبر: ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: قيل لهم ذلك، والقائل هو الله تعالى؛ الذي لا يخلف وعده. والقول، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. وقال أبو البقاء﵀-:\nهو من مقول الرّسول. والأول أقوى.\nهذا؛ والجملة الاسمية فيها عدّة مؤكدات، تدل على تحقّق النصر: أولا: بدء الجملة بأداة الاستفتاح: ﴿أَلا﴾ التي تفيد التأكيد. ثانيا: ذكر ﴿أَنْ﴾ الدّالة على التوكيد أيضا. ثالثا: إيثار الجملة الاسمية على الفعلية، فلم يقل: «ستنصرون». والتعبير بالجملة الاسمية يفيد التأكيد.\nرابعا: إضافة النّصر لله ربّ العالمين القادر على كلّ شيء.","vol":"1","page":497},{"text":"<span id=\"aya-222\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾\nالشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ انظر الكلام على: سأل، يسأل في الآية رقم [١٨٩] والخطاب للنبي ﷺ، والسائل هو عمرو بن الجموح، ﵁، وكان شيخا كبيرا ذا مال جم، فسأل الرسول ﷺ عمّا ينفق، وعلى من ينفق. ﴿ماذا يُنْفِقُونَ﴾ أي: ما قدره، وما جنسه؟ والمراد: نفقة التطوع، لا الزكاة، فالآية محكمة لا منسوخة، فهي مبينة لمصارف صدقة الصّدقة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الإسراء) وسورة (الروم): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. هذا؛ ويعدّ علماء البلاغة هذه الآية من الأسلوب الحكيم؛ حيث قالوا: إن السائل سأل الرسول ﷺ عن حقيقة الإنفاق، وعن كمية المال الذي ينفق: الربع، أو الثلث، أو النصف مثلا، فأجيب ببيان طرق إنفاق المال تنبيها على أنّ هذا هو الأولى، والأجدر بالسّؤال عنه. ومثل هذه الآية في هذا الحكم الآية رقم [١٨٩]، فقد بني الكلام في هذه على ما هو الأهم، وهو بيان المصرف؛ لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، كما قال الشاعر الحكيم: [الكامل]\nإنّ الصّنيعة لا تكون صنيعة... حتّى يصاب بها طريق المصنع\nفإذا صنعت صنيعة فاعمد بها... لله أو لذوي القرائب أو دع\n ﴿قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ:﴾ من مال، وانظر الآية رقم [١٠٥]. ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ:﴾ فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين في قدر ما لهما من حاجة من طعام، وكسوة، وسكن يليق بهما، وعليه أن يزوج أباه إن كانت نفسه تتشرف إلى الزّواج؛ لأن إعفاف الأب مطلوب، بل هو أولى من الطّعام، والكسوة، وعليه نفقة امرأة أبيه إن تزوّج بعد موت أمّ أولاده امرأة أجنبية، ولا يجوز للولد أن يمنع أمّه من الزّواج؛ إن طلبت الزواج بعد موت أبيه؛ لأنّ إعفافها مطلوب أيضا، وعليه أن يخرج عنهما صدقة الفطر؛ لأنّها مستحقّة بالنفقة، والإسلام. أمّا ما يتعلق بالعبادات من الأموال، فليس على الولد أن يعطيهما ما يحجّان به، ولكن من باب البرّ الّذي أوصى الله به أن يبذل لهما من المال ما يحجّان به، ولا سيما الأم التي تعبت في تربيته، ولاقت العناء الشديد في حمله، ووضعه. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وانظر الآية رقم [١٧٦] ففيها الكفاية. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ:﴾ المراد به كلّ عمل صالح من إنفاق مال، وغيره. ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ:﴾ يجازي به الجزاء الأوفى.\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿ذا﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل","vol":"1","page":498},{"text":"رفع خبره، وجملة: ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ صلته، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي ينفقونه؟. هذا، ويجوز اعتبار: ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مركبا، وفي إعرابه وجهان: اعتباره مفعولا متعدّيا للفعل بعده، واعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف، وهو مفعول الفعل المحذوف. وسواء أكانت الجملة اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها. وجملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل شرطه. ﴿أَنْفَقْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (للوالدين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فمصرفه للوالدين. والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول:\nلا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ما﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي أنفقتموه، ويكون: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ متعلقين بمحذوف حال من هذا المحذوف، ويكون: (للوالدين) متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، واقترن بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، ورجّح الأول لمناسبة الجملة الثانية؛ إذ لا يصح فيها الاعتبار الثاني.\nتأمّل، وعلى كلّ فالجملة: ﴿ما أَنْفَقْتُمْ..﴾. إلخ سواء أكانت اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هذه الأسماء معطوفة على (الوالدين) مجرورة مثله، وعلامة الجر في الأول الياء، وفي الثاني كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وفي الأخيرين الكسرة الظاهرة، و(﴿اِبْنِ﴾): مضاف، و﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه، وإعراب الجملة: (﴿ما تَفْعَلُوا..﴾.) إلخ لا يخفى عليك بعد إعراب ما تقدّم، و(ما) لا يجوز فيها إلا الشرطية، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، و(ما) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهي في محل نصب مقول القول مثلهنّ، والجار والمجرور: ﴿بِهِ﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعده، تأمل، وتدبر، وربك أعظم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-223\"></span>﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾\nالشرح: مناسبة الآية، والتي بعدها: لمّا ذكر الله تعالى في الآيات السابقة: أنّ النّاس فريقان: فريق يسعى في الأرض فسادا، ويضلّ الناس بخلابة لسانه، وقوّة بيانه، وحلاوة كلامه.","vol":"1","page":499},{"text":"وفريق باع نفسه للحقّ، يبتغي به وجه الله، ورضاه، ولا يرجو أحدا سواه. ولمّا كان لا بدّ للتنازع بين الخير والشر، ولا بدّ للحقّ من سيف مصلت إلى جانبه؛ لذا شرع الله للمؤمنين أن يحملوا السّيف مناضلين، وشرع الجهاد دفعا للعدوان، وردعا للظّلم، والطغيان. صفوة التفاسير.\n ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ:﴾ فرض عليكم الجهاد في سبيل الله. قال عمر بن أبي ربيعة: [الخفيف]\nكتب القتل والقتال علينا... وعلى الغانيات جرّ الذّيول\nوقد ذكرت لك فيما مضى: أنّ الله جلّت قدرته لم يأذن للمسلمين بالقتال قبل الهجرة، فلمّا هاجر الرّسول ﷺ والمسلمون إلى المدينة؛ أذن لهم بالجهاد باللّسان، والسنان. والجهاد في بدء الإسلام كان فرض عين، فلمّا عزّ الإسلام، وانتشرت دعوته؛ صار فرض كفاية، إذا قام به البعض؛ سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام، كما في أيّامنا هذه، حيث احتل اليهود اللّؤماء أراضينا، فهو فرض عين على كل قادر على حمل السلاح.\n ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي: كره في الطّباع البشرية. قال ابن عرفة: الكره-بضم الكاف-:\nالمشقة، وبالفتح: ما أكرهت عليه. هذا هو الاختيار، ويجوز الضم في معنى الفتح، فيكونان لغتين، وإنما كان الجهاد كرها؛ لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الوطن، والأهل، والتعرض بالجسد للشّجاج، والجراح، وقطع الأطراف، وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. هذا؛ و﴿كُرْهٌ﴾ مصدر وضع موضع اسم المفعول: «مكروه» للمبالغة.\n ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ (﴿عَسى﴾) من الله واجبة في جميع القرآن، والمعنى:\nعسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقّة؛ وهو خير لكم في أنّكم تغلبون، وتظفرون، وتغنون، وتؤجرون، ومن مات؛ مات شهيدا. ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا﴾ الدّعة، وترك القتال، ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ في أنّكم تغلبون، وتذلّون، ويذهب عزّكم، وتضعف شوكتكم. هذا؛ وبين الجملتين من المحسنات البديعية ما يسمّى بالمقابلة، فقد قابل بين الكراهية، والحب، وبين الخير، والشر.\n ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: الله أعلم بعواقب الأمور منكم، وأدرى بما فيه صلاحكم في دنياكم، وآخرتكم، فبادروا إلى ما يأمركم به. وفي هذه الجملة طباق السّلب.\nهذا؛ وإن النفس تميل إلى الشر بسبب ميلها إلى الدّعة، والراحة، وإلى الشهوات الموجبة لهلاكها، وتنفر من الخير الّذي يتسبّب عن التكاليف الإلهية الموجبة لسعادتها، وإن كان في ظاهرها مشقة، وجهد، وعناء، فالآية الكريمة تحثّ على الجهاد، فلعلّ لكم فيه وإن كرهتموه خيرا؛ لأن فيه إمّا الظفر، والغنيمة، وحسن السّمعة، والثناء من الناس، أو الشهادة، والأجر؛ الذي أعدّه الله للمجاهدين؛ الذين يبذلون أرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الله، مع أن في تركه شرّا؛ لأن فيه الذل، والفقر، والحرمان من الأجر. والمحروم من حرم الأجر، والثواب.","vol":"1","page":500},{"text":"الإعراب: ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.\n ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا ارتباط لها بما قبلها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كُرْهٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب ﴿كُرْهٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو اسم مفعول، والجملة الاسمية في محل نصب حال من القتال، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَعَسى:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿عَسى﴾): فعل ماض جامد من أفعال الرجاء، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو تام هنا. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nبعد عسى اخلولق أوشك قد يرد... غنى بأن يفعل عن ثان فقد\n ﴿أَنْ تَكْرَهُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ تَكْرَهُوا:﴾ في تأويل مصدر في محل رفع فاعل (﴿عَسى﴾)، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُتِبَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في محل نصب حال من: ﴿شَيْئًا﴾ وهو نكرة، وكان الواجب أن تكون صفة على القاعدة: «الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال»، والمعارض في ذلك الواو، فإنها لا تعترض بين الصفة، والموصوف، خلافا للزمخشري، وأبي البقاء، وإنّما توسّطت الواو في رأي الزمخشري؛ لتأكيد لصوق الصّفة بالموصوف. هذا الذي أجازه أبو البقاء هنا، والزمخشري في الآية الكريمة: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ الآية رقم [٤] من سورة (الحجر)، وهو رأي ابن خيران، وسائر النّحويين يخالفونه. انتهى. جمل نقلا عن السّمين.\nأقول: ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٢٥٩]: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾. والشاهد على هذه المسألة في مغني اللبيب قول قيس بن ذريح، وهو الشاهد رقم [٧٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nمضى زمن، والنّاس يستشفعون بي... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع؟\nوإعراب: ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا..﴾. إلخ لا يخفى عليك بعد هذا، والجملة معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) ومفعوله محذوف، التقدير:\nيعلم ما هو خير لكم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف المجرورة محلاّ باللام، والرابط: الواو، والضمير في الجملة الثانية المعطوفة عليها؛ لأن الجملتين المتعاطفتين كالجملة الواحدة. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل","vol":"1","page":501},{"text":"مضارع، وفاعله، ومفعوله محذوف تقديره: لا تعلمون ذلك، وهذه الجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-224\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧)﴾\nالشرح: فقد روى أبو اليسار عن جندب بن عبد الله: أنّ النبي ﷺ بعث رهطا في جمادى الآخرة قبل وقعة بدر بشهرين، وقيل: في شهر رجب، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الحارث، فلمّا ذهب لينطلق؛ بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ، فبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأ الكتاب؛ حتى يبلغ مكان كذا، وكذا، وقال: لا تكرهنّ أصحابك على المسير معك. فلمّا بلغ المكان؛ قرأ الكتاب، فاسترجع، وقال: سمعا، وطاعة لله، ولرسوله. قال:\nفرجع رجلان، ومضى بقيّتهم معه، فلقوا ابن الحضرمي، فقتلوه، وأسروا رجلين كانا معه، هما عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت منهم نوفل بن عبد الله، وأخذوا ما كان معهم من عير، ثمّ قدموا بالعير، والأسيرين على رسول الله ﷺ، وقال عبد الله بن جحش﵁-: اعزلوا ممّا غنمنا الخمس لرسول الله ﷺ، ففعلوا، فكان أول خمس في الإسلام، ثمّ نزلت الآية في سورة (الأنفال) رقم [٤١] تؤيّد ذلك-وكانت تلك الحادثة قد وقعت في أوّل ليلة من شهر رجب، أو في آخر ليلة منه، والأول أشهر-فعيّر المشركون المسلمين بانتهاك حرمة الشّهر الحرام، والرّسول ﷺ لامهم على ذلك، فخاف المسلمون من ذلك، فنزلت الآية الكريمة تؤيّد ما فعله عبد الله، وأصحابه بالمشركين.\nواختلف العلماء في نسخ هذه الآية، فالجمهور على نسخها، وأنّ قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٣]. واختلف في ناسخ هذه الآية، وقد قال عبد الله بن جحش﵁لمّا عيّرهم المشركون بقتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ما يلي: [الطويل]\nتعدّون قتلا في الحرام عظيمة... وأعظم منه لو يرى الرّشد راشد\nصدودكم عمّا يقول محمّد... وكفر به والله راء وشاهد\nوإخراجكم من مسجد الله أهله... لئلاّ يرى لله في البيت ساجد","vol":"1","page":502},{"text":"فإنّا وإن عيّرتمونا بقتله... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد\nسقينا من ابن الحضرميّ رماحنا... بنخلة لمّا أوقد الحرب واقد\nدما وابن عبد الله عثمان بيننا... ينازعه غلّ من القدّ عاند\n ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ:﴾ تقدّم الكلام على هذا فيما مضى. ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ المعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟ فقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ يدل على الاستفهام، كما قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٨١]: [الطويل]\nأصاح ترى برقا أريك وميضه... كلمع اليدين في حبيّ مكلّل\n ﴿قُلْ﴾ لهم: القتال فيه أمره كبير، ووزره عظيم، ولكن هناك ما هو أعظم، وأخطر، وهو (﴿صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾) أي: الإعراض عن دين الله. هذا، و(﴿صَدٌّ﴾) مصدر: صد، يصد من باب:\nقتل، وله مصدر آخر: صدود. قال تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ رقم [٦١] من سورة (النّساء) ومضارعه: يصدّ. ﴿وَكُفْرٌ بِهِ:﴾ بالله. ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي: ومنع، وصدّ عن بيت الله، كما فعل كفار قريش مع المسلمين. ﴿وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ..﴾. إلخ، أي: إخراج الرّسول ﷺ، وأصحابه من المسجد الحرام ﴿أَكْبَرُ﴾ وأعظم عند الله ممّا فعلته سريّة عبد الله بن جحش، وأصحابه﵁-. من قتل ابن الحضرمي، وأسر رفيقيه... إلخ وكان ذلك على سبيل الخطأ، وعدم التحقّق من الشّهر الحرام، ولا تنس تعذيب المشركين للمستضعفين المسلمين، فإنّه أشدّ قبحا، وأشنع فعلا من قتل واحد في الشّهر الحرام. والعندية هنا مجاز؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يحيط به.\n ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ:﴾ والشرك أكبر، وأعظم من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام. ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ..﴾. إلخ؛ أي: هم مستمرون على عداوتكم، وقتالكم إلى أن يردّوكم إلى الشّرك؛ إن قدروا على ذلك، ولن يقدروا بتوفيق الله لكم، وحفظه، ورعايته لكم. والخطاب للمسلمين، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، كما يكون الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ومن المفرد إلى الجمع، وبالعكس. وانظر الآية رقم [١٣١].\n ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ قيّد الردّة بالموت عليها بعد أن يستتاب، فإذا لم يرجع؛ يقتل. قال الرسول ﷺ: «من بدّل دينه؛ فاقتلوه». والمعنى: من خرج من الإسلام إلى الكفر؛ فاقتلوه، وأما من خرج من كفر إلى كفر؛ فلا سلطان عليه لأحد. والكلام على المرتد وعلى مآله طويل في كتب الفقه، وإذا أخذنا بأحكام الشريعة في هذه الأيام؛ نجد الألوف بل الملايين من أبناء المسلمين مرتدّين، ولا حول ولا قوّة إلا بالله! هذا؛ وقرئ الفعل:\n ﴿يَرْتَدَّ﴾ في سورة (المائدة) رقم [٥٤] بالفك، والإدغام.","vol":"1","page":503},{"text":"﴿فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ والمراد: الأعمال النافعة بطل ثوابها، وأجرها. هذا؛ وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب، حبطا بالسكون، وحبوطا: فسد، وهدر. وحبط، يحبط من باب ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ. وحبط دم فلان من باب: تعب: هدر. وأحبطت العمل والدم بالألف: أهدرته. وفي المختار: والحبط بفتحتين: أن تأكل الماشية، فتكثر؛ حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها. وقيل:\nهو أن ينتفخ بطنها من أكل الذرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث: «إنّ ممّا ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الدّاء: حباط. والفعل حبط: لازم، ويتعدّى بالهمزة، كما في قوله تعالى: في كثير من الآيات: ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾. وباقي الكلام تقدّم مثله كثيرا.\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿عَنِ الشَّهْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة الشهر. ﴿قِتالٍ﴾ بدل اشتمال من الشهر؛ لأن القتال يقع فيه، وهو مشتمل عليه، وقد يقع بدل الاشتمال في إبدال الظاهر من ضمير الغيبة، كما في قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ وقوله تعالى في سورة (مريم) على نبينا، وعليها، وعلى ولدها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ،﴾ ومن إبدال الظاهر من ضمير التكلم قول عدي بن زيد العبادي: [الوافر]\nذريني إنّ أمرك لن يطاعا... وما ألفيتني حلمي مضاعا\nوأيضا، كقول النابغة الجعدي﵁ وهو الشاهد رقم [٥١٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل]\nبلغنا السّماء مجدنا وسناؤنا... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا\n ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿قِتالٍ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وقال الكسائي: هو مخفوض على التكرير، تقديره عنده: عن الشهر، عن قتال فيه. وقال الفراء: هو مخفوض بإضمار «عن». وقال أبو عبيدة: هو مخفوض على الجوار. والمعتمد الأول بلا شك.\nوجملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله أنت. ﴿قِتالٍ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان ب ﴿قِتالٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿كَبِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَصَدٌّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿صَدٌّ﴾): مبتدأ، ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان ب (﴿صَدٌّ﴾)، أو بمحذوف صفة له، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَكُفْرٌ﴾ معطوف على (﴿صَدٌّ﴾). ﴿بِهِ:﴾ متعلقان ب (﴿كُفْرٌ﴾) أو بمحذوف صفة له.","vol":"1","page":504},{"text":"﴿وَالْمَسْجِدِ:﴾ معطوفة على ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة (﴿الْمَسْجِدِ﴾)، والتقدير: وصد عن المسجد. وقال أبو البقاء: متعلق بمحذوف، دل عليه: (﴿صَدٌّ﴾) والتقدير: ويصدّون عن المسجد الحرام، وقال الفراء: ﴿وَكُفْرٌ:﴾ عطف على: ﴿كَبِيرٌ،﴾ ﴿وَالْمَسْجِدِ:﴾ عطف على الهاء في:\n ﴿بِهِ﴾ فيكون الكلام نسقا متصلا غير منقطع، قال ابن عطية: وذلك خطأ؛ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: بالله عطف أيضا على ﴿كَبِيرٌ﴾ ويجيء من ذلك: أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله، وهذا بيّن فساده. وصحّح ابن هشام في المغني: أن خفض (المسجد) بباء محذوفة لدلالة ما قبلها عليها، لا بالعطف، ورجوع الجار والمجرور على: (به) لأنه لا يعطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض. ﴿وَإِخْراجُ:﴾ معطوف على: (صدّ)، وهو مضاف، و﴿أَهْلِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. التقدير: وإخراجكم أهله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر (إخراج). ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ (صدّ) وما عطف عليه، وساغ ذلك؛ لأنه أفعل تفضيل، وهو يستوي فيه الواحد، والأكثر، والمذكر، والمؤنث، إذا كان مجردا من ال، والإضافة، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوإن لمنكور يضف أو جرّدا... ألزم تذكيرا وأن يوحّدا\n ﴿عِنْدَ﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿أَكْبَرُ﴾. و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وتمييز ﴿أَكْبَرُ﴾ محذوف، التقدير: أكبر وزرا عند الله، وجملة: ﴿وَصَدٌّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا الجملة الاسمية: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبار هذه الجمل في محل نصب حال صحيح معنى. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا) نافية. ﴿يَزالُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع، والواو اسمه. ﴿يُقاتِلُونَكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (يزال) وجملة: ﴿وَلا يَزالُونَ...:﴾ معطوفة على الجمل الاسمية قبلها، وفيه ضعف من جهة المعنى، والأولى عطفها على جملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ،﴾ كما يجوز اعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة. فتلخص من ذلك: أن الكلام من قوله: ﴿وَصَدٌّ﴾ إلى قوله: ﴿الْقَتْلِ﴾ يجوز اعتباره معطوفا على جملة:\n ﴿قِتالٍ فِيهِ..﴾. إلخ فهو في محل نصب مقول القول، ويجوز اعتباره في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿كَبِيرٌ﴾ والرابط: الواو فقط، وأن جملة: ﴿وَلا يَزالُونَ..﴾. إلخ يجوز فيها ثلاثة أوجه: العطف على جملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ، والحالية من واو الجماعة، والاستئناف.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَرُدُّوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَنِ﴾","vol":"1","page":505},{"text":"﴿دِينِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿اِسْتَطاعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن استطاعوا أن يردّوكم؛ فليردوكم.\n (﴿مِنَ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ﴿يَرْتَدِدْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مِنَ﴾). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَرْتَدِدْ﴾ المستتر، و(﴿مِنَ﴾) بيان لما أبهم في (من). ﴿عَنْ دِينِهِ:﴾ متعلقان بالفعل يرتدد، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَيَمُتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. يمت: معطوف على: ﴿يَرْتَدِدْ﴾ مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (﴿مِنَ﴾) أيضا. ﴿وَهُوَ كافِرٌ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (يمت) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿حَبِطَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (أولئك..) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، والمرجح: أنه جملتا الشرط والجواب، كما رأيته فيما سبق، والجملة الاسمية: (﴿مِنَ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي الدُّنْيا﴾ متعلقان بالفعل: ﴿حَبِطَتْ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ تقدّم مثل هذه الجملة كثيرا، ويأتي مثلها، وفي محل الجملة الاسمية وجهان: عطفها على جملة جواب الشرط، واستئنافها. تأمل، وتدبّر.\n\n<span id=\"aya-225\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾\nالشرح: قال جندب بن عبد الله، وعروة بن الزبير﵄-: لمّا قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام؛ توقّف رسول الله ﷺ عن أخذ خمسه؛ الّذي وفّق في فرضه له عبد الله بن جحش، وفي الأسيرين، فعنّف المسلمون عبد الله بن جحش، وأصحابه؛ حتّى شقّ ذلك عليهم، فتلافاهم الله﷿بهذه الآية في الشهر الحرام، وفرّج عنهم، وأخبر: أنّ لهم ثواب من هاجر، وغزا. وقال بعض المسلمين: إن سلموا من الإثم؛ فليس لهم أجر، فردّ الله عليهم بهذه الآية. فالإشارة إليهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم هي باقية في كلّ من فعل ما ذكره الله ﷿.","vol":"1","page":506},{"text":"﴿هاجَرُوا:﴾ الهجرة معناها: الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني، والهجر ضدّ الوصل، وهو بفتح الهاء، والهجر بضم الهاء: الفحش في القول. (﴿جاهَدُوا﴾):\nقاتلوا. ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ من أجل نصر دين الله. ﴿أُولئِكَ:﴾ المؤمنون المهاجرون المجاهدون.\n ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ:﴾ يطلبون رحمة الله بما فيها من خير عميم، وفضل عظيم. وإنّما قال جلّ ذكره: ﴿يَرْجُونَ﴾ وقد مدحهم، وأثنى عليهم بالإيمان والهجرة والجهاد؛ لأنّه لا يعلم أحد في هذه الدنيا: أنه صائر إلى الجنة، ولو بلغ في طاعة الله كلّ مبلغ؛ لأمرين: أحدهما: لا يدري بما يختم له، والثاني: لئلا يتّكل على عمله.\nهذا؛ والرجاء: الطّمع، والأمل في الشيء، والرّجاء معه خوف لا بدّ، كما أنّ الخوف معه رجاء، والرّجاء من الطّمع، والأمل (ممدود)، والرّجا بالقصر: ناحية الشيء، وطرفه، والعوام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيم الرجا، ويقال: ترجيته، وارتجيته، ورجيته، كله بمعنى:\nرجوته، قال بشر يخاطب ابنته: [الوافر]\nفرجّي الخير وانتظري إيابي... إذا ما القارظ العنزيّ آبا\nوالرجاء بمعنى الأمل، والطّماعية في الشّيء، ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nأترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب\nوالرّجاء يأتي بمعنى عدم المبالاة إذا كان منفيّا، قال خبيب بن عدي ﵁: [الطويل]\nلعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي\nوقد يأتي الرجاء بمعنى الخوف، وبه فسر كثير من المفسرين الآية الأخيرة من سورة (الكهف) وغيرها، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال، وهو الذي يقطف عسل النحل: [الطويل]\nإذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عوامل\nوقال بعض العلماء: لا يقع الرّجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد؛ أي: النّفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كلّ موضع دلّ عليه المعنى، وهو المعتمد. هذا، والدّبر: النحل، والنّوب بضم النون أيضا: النّحل، واحدة: نوب. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لما فعله أهل سرية عبد الله خطأ، وقلّة احتياط. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم، فهو يجزل لهم الأجر، والمثوبة، وهما صيغتا مبالغة.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق","vol":"1","page":507},{"text":"المحذوف: صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة:\n ﴿وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على جملة الصّلة، لا محل مثلها، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، ﴿رَحْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مبتدأة، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه، والاستئناف ممكن.\n\n<span id=\"aya-226\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾\nالمناسبة: لمّا ذكر الله تعالى في الآية السابقة أحكام الجهاد، وبيّن الهدف السامي من مشروعيته، وهو نصرة الحق، وإعزاز الدّين، وحماية الأمة من أن يلتهمها العدو الخارجيّ؛ ذكر بعدها ما يتعلق بإصلاح المجتمع الداخلي على أسس من الفضيلة والخلق الكريم، ولا بدّ للدولة من الإصلاح الداخلي، والخارجي؛ لتقوم دعائمها على أسس متينة، وتبقى صرحا شامخا، لا تؤثر فيه الأعاصير.\nالشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فقد روى جماعة عن ابن عبّاس﵄قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمّد ﷺ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة، كلّهن في القرآن:\n ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ،﴾ ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ،﴾ ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى..﴾. إلخ ما كانوا يسألون إلا عمّا ينفعهم. قال ابن عبد البر: ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث.\nأقول: يناقض هذا قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وعن المغيرة بن شعبة﵁-، عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله حرّم عليكم، عقوق الأمّهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم: قيل، وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال». أخرجه البخاريّ، وغيره. فهذا يدلّ على أنّهم كانوا يكثرون السؤال.","vol":"1","page":508},{"text":"﴿عَنِ الْخَمْرِ:﴾ ﴿الْخَمْرِ:﴾ مأخوذ من خمر: إذا ستر، ومنه: خمار المرأة. وكلّ شيء غطّى شيئا فقد خمره. ومنه قول النّبي ﷺ: «خمّروا آنيتكم». فالخمر تخمر العقل، أي: تغطيه، وتستره، ومن ذلك الشّجر الكثير الملتف يقال له: الخمر بفتح الميم؛ لأنه يغطّي ما تحته، ويستره، يقال منه: أخمرت الأرض: كثر خمرها، قال الشاعر: [الوافر]\nألا يا زيد والضّحّاك سيرا... فقد جاوزتما خمر الطّريق\nأي: سيرا مدلّين فقد جاوزتما الوهدة الّتي يستتر بها الذّئب، وغيره. وهو على حذف مضاف؛ إذا التقدير: يسألونك عن شرب الخمر. ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ أي: وعن تعاطي الميسر: وهو قمار العرب بالأزلام، واشتقاقه من اليسر؛ لأنّه أخذ المال بسهولة من غير تعب، قال ابن عباس -﵄-: كان الرّجل في الجاهلية يقامر الرّجل على أهله، وماله، فأيّهما قمر صاحبه؛ ذهب بماله، وأهله. والأزلام هي: سهام الميسر، وهي أحد عشر سهما، منها سبعة لها حظوظ، وفيها فروض على عدد الحظوظ، وهي: الفذّ، وفيه علامة واحدة، وله نصيب، وعليه نصيب إن خاب. الثاني: التوأم، وفيه علامتان، وله نصيبان وعليه نصيبان. الثالث:\nالرّقيب، وفيه ثلاث علامات على ما ذكرنا. الرابع: الحلس، وله أربع. الخامس: النّافر، أو النافس أيضا، وله خمس. السّادس: المسبل، وله ست. السّابع: المعلّى، وله سبع، فذلك ثمانية، وعشرون فرضا، وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعي، وبقي من السّهام أربعة، وهي الأغفال، لا فروض لها، ولا أنصباء، وهي: المصدّر، والمضعّف، والمنيح، والسّفيح.\nوقيل: الباقية الأغفال الثلاثة: السّفيح، والمنيح، والوغد. قال بعضهم: [مجزوء الرمل]\nلي في الدّنيا سهام... ليس فيهنّ ربيح\nإنمّا سهمي وغد... ومنيح وسفيح\nتزاد هذه الثلاثة لتكثر السّهام على الّذي يجيلها، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا. وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه السّهام في الشدّة، وضيق الوقت، وكلب البرد على الفقراء، يشترى الجزور، ويضمن الأيسار ثمنها، ويرضى صاحبها من حقّه، وكانوا يفتخرون بذلك، ويذمّون من لم يفعل ذلك منهم، ويسمونه البرم؛ أي: البخيل. قال متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك، ومدحه: [الطويل]\nولا برما تهدي النّساء لعرسه... إذا القشع من برد الشّتاء تقعقعا\nوكانوا لا يأكلون منه شيئا، ويدعونه للفقراء، ويكتفون بمدح الناس لهم، والثّناء عليهم.\nتنبيه: نزل في الخمر أربع آيات، نزل في مكّة قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فهذه الآية في معرض الامتنان على الناس جميعا، فكان المسلمون يشربونها، وهم في مكّة، وهي حلال لهم، وبعد","vol":"1","page":509},{"text":"الهجرة إلى المدينة المنورة جاء عمر، ومعاذ، ونفر من الصّحابة رضوان الله عليهم إلى النبي ﷺ، وقالوا: يا رسول الله! أفتنا في الخمر، فإنّها مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزلت الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، فشربها قوم، وتركها آخرون تورّعا، وترجيحا لمضرّتها على منفعتها، الّتي ذكرتها، ثم إن عبد الرحمن بن عوف﵁دعا جماعة من الصحابة إلى بيته، فشربوا، وسكروا، فلمّا حضرت صلاة المغرب، قدّموا أحدهم يصلّي بهم، فقرأ سورة (الكافرون): ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلخ، وحذف (لا) النافية، فأنزل الله تعالى قوله في سورة (النساء): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى..﴾. إلخ، فتركها الأكثرون، وقلّ من يشربها، وعمر بن الخطاب﵁كان يقول دائما: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا.\nثم إنّ عتبان بن مالك الأنصاري﵁دعا جماعة من الصّحابة فيهم سعد بن أبي وقاص﵃ أجمعين-، فأكلوا، وشربوا، حتّى أخذت منهم الخمر، فافتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد﵁قصيدة فيها فخر بقومه، وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير، فضرب به رأس سعد، فشجّه موضحة، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ، وشكا إليه الأنصاريّ، فقال الفاروق﵁-: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! ويروى: أن الحمزة﵁شرب الخمرة يوما، وخرج، فلقي رجلا من الأنصار، وبيده ناضح ناقة له، والأنصاريّ يتمثّل ببيتين لكعب بن مالك﵁-، يمدح بهما قومه، وهما: [الطويل]\nجمعنا مع الإيواء نصرا وهجرة... فلم ير حيّ مثلنا في المعاشر\nفأحياؤنا من خير أحياء من مضى... وأمواتنا من خير أهل المقابر\nفقال الحمزة﵁-: أولئك المهاجرون، وقال الأنصاريّ: بل نحن الأنصار، فجرد الحمزة سيفه، وعدا على الأنصاريّ، فهرب الأنصاريّ، وترك ناضحه، فقطعه الحمزة بسيفه، فجاء الأنصاريّ شاكيا إلى رسول الله ﷺ، فأخبره بفعل الحمزة، فغرم له رسول الله ﷺ ناقة، فقال الفاروق﵁-: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! فأنزل الله تعالى آية (المائدة) قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..﴾. إلخ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال الفاروق﵁-: انتهينا يا رب! فكانت الآيات مما وافق رأي عمر﵁وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيّام.\nهذا؛ والحكمة في وقوع التّحريم على هذا التّرتيب: أنّ الله تعالى علم: أنّ القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنّه لو منعهم من الخمر دفعة واحدة؛ لشقّ ذلك عليهم، فلا جرم استعمل هذا التّدريج، وهذا الرّفق. قال أنس ﵁: حرّمت","vol":"1","page":510},{"text":"الخمر، ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها، وما حرّم عليهم شيء أشدّ من الخمر. انتهى.\nما تقدّم من الخازن، والبيضاوي، والنّسفي، والجمل، والكشّاف بتصرّف كبير.\nأما بالنسبة لتحريم الخمر، فقد روى أنس﵁قال: لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: «عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشترى له». رواه الترمذيّ.\nوعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله حرّم الخمر، وثمنها، وحرّم الميتة، وثمنها، وحرّم الخنزير، وثمنه». رواه أبو داود، وغيره.\nوعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «من زنى، أو شرب الخمر؛ نزع الله منه الإيمان، كما يخلع الإنسان القميص من رأسه». رواه الحاكم.\nوعن خباب بن الأرتّ﵁عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إيّاك والخمرة؛ فإنّ خطيئتها تفرع الخطايا، كما أنّ شجرتها تفرع الشّجر». رواه ابن ماجة.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا الخمر؛ فإنّها مفتاح كلّ شرّ». رواه الحاكم.\nوعن عثمان بن عفان﵁-، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اجتنبوا أمّ الخبائث.. إلخ» الحديث. رواه ابن حبّان، والبيهقيّ، والأحاديث في ذلك كثيرة. وروي عن عليّ﵁قال: لو وقعت قطرة خمر في بئر، فبنيت مكانها منارة؛ لم أؤذّن عليها، ولو وقعت في بحر، ثم جفّ، ونبت فيه الكلأ؛ لم أرعه.\nثمّ إنّ الشّارب يصير ضحكة للعقلاء، فيلعب ببوله، وعذرته، وربما يمسح وجهه به؛ حتّى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله، ويقول: اللهم اجعلني من التّوابين، واجعلني من المتطهّرين.\nورؤي بعضهم؛ والكلب يلحس وجهه، وهو يقول له: أكرمك الله؛ كما أكرمتني.\nوأمّا القمار؛ فإنه يورث العداوة، والبغضاء؛ لأنه أكل مال الغير بالباطل، والحكم في الآية يعمّ جميع أنواع القمار فكلّ شيء فيه مقامرة؛ فهو من الميسر، وكلّ شيء فيه رهن فهو منه، حتى لعب الصبيان بالجوز، والكعاب، والطاولة. وأما النّرد (الورق) فيحرم اللعب به، ولو بغير رهن، ويدلّ على تحريمه ما روي عن بريدة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من لعب بالنّرد شير؛ فكأنما صبغ يده في دم خنزير». رواه مسلم. وعن أبي موسى الأشعريّ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من لعب بالنّرد؛ فقد عصى الله ورسوله». أخرجه أبو داود، وغيره، وقد أخرج البيهقيّ كما في الزّواجر عن يحيى بن كثير؛ قال: مرّ رسول الله ﷺ على قوم يلعبون بالنّرد، فقال: «قلوب لاهية، وأيد عاملة، وألسنة لاغية».\nوعن عليّ﵁-: قال: النّرد، والشّطرنج من الميسر. واختلفوا في الشّطرنج، فمذهب أبي حنيفة: أنه يحرم اللعب به، سواء كان برهن، أو بغير رهن. ومذهب الشافعي: أنّه","vol":"1","page":511},{"text":"مباح بشروط، ذكرها الشّافعي، فقال: إذا خلا الشطرنج عن الرّهان، واللّسان عن الهذيان، والصلاة عن النسيان؛ لم يكن حراما، وهو خارج عن الميسر؛ لأنّ الميسر ما يوجب دفع مال، وأخذ مال، وهذا ليس كذلك. انتهى خازن. أقول: ولعلّ السبب في عدم تحريمه عند الشّافعي -رحمه الله تعالى-: أنّه قائم على النظر، والفكر. ومثله ما يسمّى اليوم ب «الضّاما».\n ﴿قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أي: وزر عظيم، والسّبب في ذلك ما قدّمته من ذكر المفاسد؛ التي تنتج من تعاطيهما، فالخمرة عدو للعقل، فإذا غلبت على عقل الإنسان؛ ارتكب كلّ قبيح، ففي ذلك آثام كبيرة، منها: إقدامه على شرب المحرّم، ومنها: فعله ما لا يحلّ فعله. وأما الإثم الكبير في الميسر؛ فهو أكل المال الحرام بالباطل، وما يجري بين المتقامرين من المشاتمة، والمخاصمة، والمعاداة، وكلّ ذلك فيه آثار كثيرة، وخطيرة. هذا؛ وقرأ حمزة والكسائي: («كثير») وحجتهما: أن النبي ﷺ لعن الخمرة، ولعن معها عشرة، كما رأيت فيما تقدّم، وأيضا جمع المنافع يحسن معه جمع الآثام. وقرأ الباقون: ﴿كَبِيرٌ﴾ وحجّتهم: أنّ الذنب في القمار، وشرب الخمر من الكبائر، فوصفه بالكبير أليق. هذا؛ وقد فسر الإثم في آية (الأعراف) رقم [٣٣] بالخمرة، واستدلوا بقول الشاعر: [الوافر]\nشربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول\n ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ:﴾ ربح الخمر بالتجارة، فقد كانوا يجلبونها من الشّام برخص، فيبيعونها في الحجاز بربح كبير، فهذا أصحّ ما قيل في منفعتها، وقيل: من منافعها: أنّها تهضم الطعام، وتقوي الضّعيف، وتعين على الباه، وتسخّي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفّي اللون إلى غير ذلك من اللّذة بها، وقد قال حسان﵁قبل إسلامه: [الوافر]\nونشربها فتتركنا ملوكا... وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء\nوأما منفعة القمار، فهي مصير الشّيء إلى الإنسان في القمار بغير كدّ، ولا تعب. ﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما:﴾ أعلم الله﷿-: أن الإثم، والضّرر أكبر من النّفع، وأعود بالضّرر في الدنيا والآخرة، فالإثم الكبير بعد التّحريم، والمنافع قبل التحريم؛ فقد سلبهما الله جميع المنافع بعد التّحريم تحريما قاطعا، ومن ظنّ: أن فيهما منفعة بعد التحريم فهو ناقص العقل، والإيمان، دخل الرسول ﷺ على زوجه أمّ سلمة﵂وهي تسقي بنتا لها مريضة شيئا من النّبيذ، فقال لها: ما هذا؟ قالت: إنّها مريضة، وإنّي أداوي بها علّتها. فقال لها ﷺ: «إنّ الله لم يجعل شفاء أمّتي فيما حرّم عليها، إنّها داء، وليست بدواء». ورحم الله من يقوله: [السريع]\nمن جعل الخرم شفاء له... فلا شفاه الله من علّته\nوإنّ الخمر المحرّمة هي ما خامرت العقل، وغطّته، فمناط الحكم في التّحريم الإسكار، لقول الرسول ﷺ: «كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام». فكلّ ما أسكر تحت أيّ اسم، وفي أيّ","vol":"1","page":512},{"text":"لون، ومن أيّ مادّة؛ كانت فهو حرام. وخاب الفسقة، والفجرة الّذين يقولون: إنّ الله لم يحرم الخمر تحريما قاطعا؛ لأنه لم يذكر مادة: «حرّم» في تحريمها، وقد قال تعالى في تحريم الشّرك: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال في تحريم الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ فالاجتناب للشرك كالاجتناب للخمر، فاعتبروا يا أولي الأبصار.\n ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ:﴾ السائل هو عمرو بن الجموح﵁سأل في الآية رقم [٢١٥] عن مصرف الزّكاة، وفي هذه الآية سأل عن قدر الإنفاق، فإنه قال﵁-:\nكم أنفق؟ ﴿قُلِ الْعَفْوَ،﴾ أي الفضل، أي: ما فضل عن الحاجة، وتيسّر، ومنه قول أسماء بن خارجة الفزاري يخاطب زوجته حين بنى بها: [الطويل]\nخذي العفو منّي تستديمي مودّتي... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السّفلى، وابدأ بمن تعول». أخرجه مسلم. وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ لرجل قال: يا رسول الله! عندي دينار، قال: «أنفقه على نفسك». قال: عندي آخر، قال:\n «أنفقه على أهلك» قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على ولدك». قال: عندي آخر، قال: «فأنت أبصر به». رواه ابن جرير، وأخرجه مسلم بنحوه. قال الكلبيّ: كان الرّجل بعد نزول هذه الآية؛ إذا كان له مال من ذهب، أو فضة، أو زرع، أو ضرع؛ نظر إلى ما يكفيه، وعياله لنفقة سنة، أمسكه، وتصدّق بسائره، وإن كان ممّن يعمل بيده؛ أمسك ما يكفيه، وعياله يوما، وتصدّق بالباقي؛ حتى نزلت آية الزّكاة المفروضة، فنسخت هذه الآية، وكلّ صدقة أمروا بها.\n ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: كما فصّل لكم هذه الأحكام وبيّنها، كذلك يبيّن لكم سائر الآيات في أحكامه، ووعده، ووعيده. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس﵄-: يعني في زوال الدّنيا، وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها. وقال الحسن-رحمه الله تعالى-: هي والله لمن تفكّر فيها، ليعلم: أن الدنيا دار بلاء، ثم دار فناء، وليعلم: أن الآخرة دار جزاء، ثمّ دار بقاء. وانظر التفكر في آل عمران رقم [١٩١].\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ:﴾ الإعراب مثل الآية [٢١٧] إفرادا، وجملة.\n ﴿وَالْمَيْسِرِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، والفاعل تقديره: أنت. ﴿فِيهِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِثْمٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿كَبِيرٌ:﴾ صفة: ﴿إِثْمٌ﴾. ﴿وَمَنافِعُ:﴾ معطوفة على: ﴿إِثْمٌ﴾ عطف مفرد على","vol":"1","page":513},{"text":"مفرد. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: (﴿مَنافِعُ﴾)، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له. ﴿وَإِثْمُهُما:﴾ الواو:\nواو الحال. (﴿إِثْمُهُما﴾): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله؛ لأنّ الخمر، والميسر هما اللذان يؤثمان، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (في) العائد على الخمر، والميسر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنْ نَفْعِهِما:﴾ متعلقان ب ﴿أَكْبَرُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.\n ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ:﴾ انظر الإعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٢١٥] والجملة الفعلية معطوفة على أول الآية، لا محل لها مثلها. ﴿الْعَفْوَ﴾ يقرأ بالنصب، والرفع، فالنصب على تقدير فعل، تقديره: أنفقوا العفو، وهذا إن جعلت: ﴿ماذا﴾ اسما واحدا مركبا في محل نصب مفعول به مقدّم للفعل بعده، والرفع على أنّه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: قل: المنفق العفو، وهذا، إن جعلت (﴿ماذا﴾) مبتدأ، وخبرا؛ لأن (﴿الْعَفْوَ﴾) جواب، وإعراب الجواب كإعراب السّؤال، وحكى النّحويون: ماذا تعلّمت: أنحوا أم شعرا؟ بالنّصب، والرّفع على أنّهما جيدان حسنان؛ إلا أنّ التفسير في الآية على النّصب. والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n ﴿كَذلِكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله الفعل الّذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\n ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْآياتِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وتقدير الكلام: يبين الله لكم الآيات تبيينا مثل هذا التبيين، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَتَفَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للتبيين. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ معطوف على الدّنيا.\n\n<span id=\"aya-227\"></span>﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى:﴾ روى أبو داود، والنّسائي عن ابن عباس﵄قال: لما أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿إِنْ﴾","vol":"1","page":514},{"text":"﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، واعتزل الأوصياء اليتامى، ومخالطتهم، والاهتمام بشئونهم تحرّجا من الإثم، فشقّ ذلك على الأوصياء، واليتامى، فذكروا ذلك للنّبيّ ﷺ فنزلت هذه الآية، فخلطوا طعامهم بطعام اليتامى، وشرابهم بشرابهم.\n ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ: ﴿إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: مخالطتهم، ومداخلتهم لإصلاح أحوالهم، وإصلاح أموالهم بالحفظ، والتنمية خير من مجانبتهم. ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ أي:\nإذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم؛ فهم إخوانكم في الدين، وأخوّة الدين أقوى من أخوة النّسب، ومن حقوق هذه الأخوة المخالطة بالإصلاح، والنفع.\n ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ:﴾ وعد، ووعيد، فالوعيد لمن يفسد في مال اليتيم، ويضرّ بمصالحه، والوعد لمن يقوم بتربية اليتيم، وحفظ ماله، والاهتمام بشأنه. والعلم يقتضي المجازاة على الإفساد، والإصلاح. وبالجملة: الله تعالى أعلم وأدرى بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة، والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح، فيجازي كلاّ بعمله. وبين المفسد، والمصلح طباق، وهو من المحسّنات البديعية.\n ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ:﴾ أي: لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج، والمشقّة، وشدّد عليكم، ولكنّه يسّر عليكم الدّين، وسهّله رحمة بكم. والعنت هنا: المشقة، والتضييق. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ:﴾ غالب على أمره، قويّ لا يقهره أحد. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في صنعه يضع الأمور مواضعها لحكمة يعلمها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لا يحسن مكانه غفور رحيم. وانظر الآية رقم [٢٠٩].\nالإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ:﴾ تقدّم إعراب مثل هذه الكلمات إفرادا، وجملة.\n ﴿إِصْلاحٌ:﴾ مبتدأ، وهو نكرة سوغ الابتداء به وصفه بالجار والمجرور: ﴿لَهُمْ،﴾ أو بعمله فيهما؛ إن علقتهما به؛ لأنه مصدر. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تُخالِطُوهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَإِخْوانُكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إخوانكم): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nفهم إخوانكم، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:\nلا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول مثله.","vol":"1","page":515},{"text":"﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود على (الله)، ﴿الْمُفْسِدَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (إخوانكم) والرابط: الواو، وضمير مقدر؛ إذا التقدير: المفسد لأموالهم، والمصلح لأموالهم. والاستئناف ممكن. ﴿مِنَ الْمُصْلِحِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمُفْسِدَ﴾ وذلك على اعتبار (ال) للتعريف.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَعْنَتَكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾)، (أعنتكم): فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾)، لا محل لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، واعتباره في محل نصب مقول القول غير بعيد.\nوالجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ مفيدة للتعليل، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-228\"></span>﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَنْكِحُوا:﴾ لا تتزوّجوا، فهو من الثلاثي المتعدي لواحد، وهو بفتح تاء المضارعة، بخلاف الآتي؛ فإنّه بضمّها؛ لأنه من الرّباعي وهو حقيقة في العقد، مجاز في الوطء على الأصحّ عند الشافعي، ﵁، والعكس عند غيره. ﴿الْمُشْرِكاتِ:﴾ جمع: مشركة، وهي الوثنية، مثل: مشركي العرب في الجاهلية، والمجوس، وكل من يدين بدين غير سماوي.\nهذا؛ و﴿الْمُشْرِكاتِ﴾ تعمّ الكتابيات؛ لأنّ أهل الكتاب مشركون، لقوله تعالى في سورة (التوبة):\n ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ وكان ابن عمر﵄يقول: حرّم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربّها عيسى، وهو عبد من عباد الله، ومع ذلك فقد خصّت هذه الآية بقوله تعالى في سورة (المائدة): ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ..﴾. إلخ. ﴿حَتّى يُؤْمِنَّ:﴾ فإن آمنت المشركة؛ فأحر بها أن تكون زوجة، ويحصل أجر، وثواب لمن يكون سببا في إيمانها. هذا؛ ويجوز عند غير الشافعي زواج الكتابية، وتركها على دينها بدون شروط، وعند الشّافعي يجوز زواجها مع بقائها على دينها بشرطين: الأول أن يكون نسبها عائدا إلى يعقوب، على نبينا، وعليه","vol":"1","page":516},{"text":"ألف صلاة، وألف سلام، والثاني: أن يعلم عدم دخول أحد آبائها في اليهودية، أو النّصرانية بعد بعثة محمّد ﷺ.\n ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ بحسنها، وجمالها، وقدّها، واعتدالها. وقد نهى الرسول ﷺ وحذّر من التزوّج لذلك، فقال: «لا تزوّجوا النّساء لحسنهنّ، فعسى حسنهنّ أن يرديهنّ، ولا تزوّجوهنّ لأموالهنّ؛ فعسى أموالهنّ أن تطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ على الدّين، والخلق، ولأمة خرماء سوداء، ذات دين أفضل» رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو ﵄.\nهذا؛ وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في مرثد بن أبي مرثد الغنوي، واسمه كنّاز بن حصين الغنوي، بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة سرّا ليخرج رجلا من أصحابه، وكانت له بمكّة امرأة يحبّها في الجاهلية، يقال لها: عناق، فجاءته، فقال لها: إنّ الإسلام حرّم ما كان بينهما في الجاهلية، قالت: فتزوجني، قال: حتّى أستأذن رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ، فاستأذن، فنهاه عن التزوّج بها؛ لأنّه كان مسلما، وهي مشركة، وانظر مثل هذا في رقم [٣] من سورة (النور).\nهذا؛ وقال السّدّيّ، وغيره: كان لعبد الله بن رواحة﵁أمة سوداء، فلطمها في غضب، ثمّ ندم، فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فقال: «يا عبد الله! ما هي؟». فقال: تصوم، وتصلّي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ:\n «هذه مؤمنة». فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنّها، ولأتزوجنّها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. وقال الطبري، وغيره: نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان﵁فقال لها حذيفة:\nيا خنساء! قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك، ودمامتك، وأنزل الله ذكرك في كتابه. هذا، وقال ابن حبيب من المالكية: ونكاح اليهودية، والنصرانية؛ وإن كان الله قد أحلّه مستثقل مذموم. أقول: والسبب في ذلك هو الخوف على الأولاد والّذين تنجبهم من أن يتأثّروا بديانتها، وهذا كله متوقف على شخصية الزّوج، ورجوليته؛ لأنّنا رأينا، وسمعنا: أن رجالا مسلمين تزوجوا نصرانيات، فلمّا كانوا مستقيمين بيّنوا لهن محاسن الإسلام، وأخذوهن باللطف، والمعروف، والدّعوة الحسنة حتّى آمنّ، وصرن أعبد منهم.\nطرفة: تزوج رجل مسلم اسما من عائلة كان لها مجد غابر نصرانيّة بإذن أهلها، فأنجبت منه بنتين، فكانت تصحبهما معها إلى الكنيسة؟! والزوج متهتّك ذو شخصية هزليّة، فقلت لقريبه:\nكيف يسمح لها أن تصحب البنتين إلى الكنيسة، فقال لي: هي أحسن منه، هي تعرف: أنّها لها دين، وهو لا يعرف: أنّه له دين يدين به، فكانت خيرا منه، فأيّدته.","vol":"1","page":517},{"text":"﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ولا تزوجوا المشركين بناتكم، فقد أجمعت الأمّة على أنّ المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام من وجوه: الأول: لأن الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه، والزواج فيه علوّ، وتسلّط للرّجل على المرأة، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان. الثاني: جاز أن يتزوج المسلم الكتابية، ولا يجوز أن يتزوج الكتابيّ المسلمة؛ لأنّ المسلم يقدّس ما تقدّسه الكتابية في دينها، من تعظيم مريم، وتقديس عيسى، على نبينا، وعليهما ألف صلاة وألف سلام، فلا يؤذيها بسب ما تعظّمه في دينها، بخلاف الكافر إذا تزوج مسلمة؛ فلا يعظّم ما تعظمه في دينها، فقد يؤذيها بسبّ، وشتم ما تقدّسه في دينها، وهذا لا يحتاج إلى إيضاح.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة دليل بالنّصّ على أن لا نكاح إلى بوليّ، قال محمد بن علي بن الحسين الشهير بالباقر: النّكاح بوليّ في كتاب الله، ثمّ قرأ: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ..﴾. إلخ قال ابن المنذر: ثبت: أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاح إلاّ بوليّ» وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير ولي، فقال كثير من أهل العلم: «لا نكاح إلا بولي». روي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب، وعليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وأبي هريرة﵁-، وبه قال من التابعين سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، والشّافعي، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة، ومالك، وأبو ثور، والطّبريّ ﵃ أجمعين.\nويعضد ما تقدّم قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ رقم [٢٣٢] الآتية، وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٩]: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فلولا أنّ الولي له حقّ في الإنكاح؛ ما نهي عن العضل، وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٢٥]: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ وقال تعالى في سورة (النور) رقم [٣٢]: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى عن قول شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص) رقم [٢٧]: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٣٤]: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ فقد تعاضد الكتاب، والسنة على أنه لا نكاح إلا بوليّ، ولا تنس الخطاب للأولياء في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا﴾.\nوروى الدّارقطنيّ عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزوّج المرأة المرأة، ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها».\nوروى أبو داود من حديث سفيان عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها، فنكاحها باطل-ثلاث مرّات- فإن دخل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا؛ فالسّلطان وليّ من لا وليّ له». وأما قول الرسول ﷺ: «الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها» فإن المعنى في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها،","vol":"1","page":518},{"text":"لا أنها أحقّ بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليّها، ولو كانت ثيبا، أو بنت خمسين سنة، وعن عائشة﵂-: أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاح إلاّ بولي، وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك؛ فهو باطل، فإن تشاجروا؛ فالسلطان وليّ من لا وليّ له». في هذا الحديث زيادة «شاهدي عدل» وبه أخذ الشّافعيّ ﵁.\nهذا؛ وقد كان الزّهري، والشعبيّ يقولان: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين، فذلك نكاح جائز، وبقولهما أخذ أبو حنيفة، ﵁. وقال أيضا: إن زوجت نفسها غير كفؤ؛ فالنّكاح جائز، وللأولياء أن يفرّقوا بينهما. قال ابن المنذر-رحمه الله تعالى-: وأما ما قاله النعمان؛ فمخالف للسنة، خارج عن قول أكثر أهل العلم. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يجوز النكاح إلا بوليّ. فإن سلّم الولي جاز، وإن أبى والزوج كفؤ؛ أجازه القاضي. وهو قول محمد بن الحسن، ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه: أنه إذا أذن لها وليها، فعقدت النّكاح بنفسها جاز، وحمل القائلون بمذهب الزّهري قول النبي ﷺ: «لا نكاح إلاّ بوليّ» على الكمال، لا على الوجوب، واستدلّوا على هذا بقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية رقم [٢٣٢] الآتية، وأيضا رقم [٢٣٩]، وبما روى الدّارقطني عن سماك بن حرب، قال: جاء رجل إلى عليّ﵁- فقال: امرأة أنا وليّها، تزوّجت بغير إذني، فقال عليّ-كرم الله وجهه-: ينظر فيما صنعت، فإن كانت تزوّجت كفؤا؛ أجزنا ذلك لها، وإن كانت تزوجت غير كفؤ لها؛ جعلنا ذلك إليك. وفي الموطأ: أنّ عائشة﵂زوّجت بنت أخيها عبد الرحمن؛ وهو غائب، ولكن ثبت:\nأنّ عائشة قرّرت المهر، وأحوال النكاح، وتولّى العقد أحد عصبتها، ونسب العقد إلى عائشة لمّا كان تقريره إليها. واختلف في الأولياء، فالأرجح: أنّهم العصبات على ترتيب الإرث.\n ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ أي: مملوك. ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي: بحسنه، وماله، وحسبه، ومنصبه. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المشركون من رجال، ونساء. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ أي: إلى الأعمال الموجبة إلى النار، فإن صحبتهم، ومخالطتهم، ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النّسل. ﴿وَاللهُ يَدْعُوا﴾ أي: المؤمنين إلى العمل المؤدي على غفران الذنوب، ثمّ إلى دخول الجنة. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ بتوفيقه للطاعات، وإرادته للخيرات. وبين الجملتين مقابلة، وهي من المحسّنات البديعيّة. ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ:﴾ أحكام شريعته. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ يتعظون، فيعملون بأحكامه، ومواعظه. انتهى كلّه من القرطبي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾) ناهية جازمة. ﴿تَنْكِحُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف في الجمع للتفريق. ﴿الْمُشْرِكاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه","vol":"1","page":519},{"text":"جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يُؤْمِنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، وهو في محل نصب ب «أن» المضمرة، ونون النسوة فاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: يؤمنّ بالله ورسوله، و«أن» المضمرة، والفعل ﴿يُؤْمِنَّ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَلَأَمَةٌ:﴾ الواو: واو الاعتراض. اللام: لام الابتداء. (أمة): مبتدأ. ﴿مُؤْمِنَةٌ:﴾ صفة لها.\n ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِنْ مُشْرِكَةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ؛﴾ لأنه أفعل تفضيل، والجملة الاسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. وقال البيضاويّ، والجمل-رحمهما الله تعالى-: تعليل للنّهي. ولا أرى له وجها؛ لأن الواو لا تفيد التعليل، ولو قالا: هي في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من نون النسوة؛ لكان وجها مقبولا. والرابط: الواو فقط. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو:\nواو الحال. (﴿لَوْ﴾): وصلية. ﴿أَعْجَبَتْكُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مُشْرِكَةٍ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الموصوف ب ﴿مُشْرِكَةٍ،﴾ التقدير: امرأة مشركة، وهو أولى من اعتبارها حالا من: ﴿مُشْرِكَةٍ،﴾ والرابط: الواو والضمير، وتكون الحال متداخلة على وجه مرّ ذكره، أو هي مكررة.\n ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه، مع ملاحظة حذف المفعول الأول للفعل: (﴿لا تَنْكِحُوا﴾)، إذ التقدير: لا تنكحوا بناتكم المشركين.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، يكون فيه تغليب الذكور على الإناث. هذا؛ وإن اعتبرت الفعل مبنيا على السكون، ونون النسوة فاعله؛ يكون فيه تغليب الإناث على الذّكور، والأول أولى لشرف الذكور، وعلى الوجهين فالجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، لا محلّ لها على الاعتبارين. (﴿اللهُ﴾) مبتدأ. ﴿يَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿إِلَى الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿وَالْمَغْفِرَةِ:﴾\nمعطوفة على ما قبله. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَدْعُوا﴾ المستتر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، (﴿يُبَيِّنُ﴾) فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿آياتِهِ﴾ التقدير: واضحات للناس، وجملة: ﴿وَيُبَيِّنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَدْعُوا..﴾.\nإلخ فهي في محل رفع مثلها وجملة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ مفيدة للتعليل، لا محل لها.","vol":"1","page":520},{"text":"<span id=\"aya-229\"></span>﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾\nالشرح: كان أهل الجاهلية لا يساكنون الحيّض من النّساء، ولا يؤاكلونهنّ، كفعل اليهود والمجوس، واستمرّ ذلك إلى أن سأل ثابت بن الدّحداح﵁مع نفر من الصّحابة رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت الآية الكريمة، وقال الرسول ﷺ: «اصنعوا كلّ شيء إلاّ النّكاح». فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا؛ إلا خالفنا فيه! وإذا علمت: أنّ النّصارى كانوا لا يتحاشون شيئا حتى الجماع؛ تبيّن لك: أن شريعتنا الغرّاء وسط بين التّفريط، والإفراط.\n ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ:﴾ أي: يسألك المسلمون عن المحيض. هذا؛ وقد جاء هذا الفعل ثلاث مرات مقرونا بواو العطف، وجاء أربع مرات غير مقرون بواو العطف، كما رأيت فيما مضى ذكره في هذه السورة الكريمة. والجواب: أن السؤالات الأواخر وقعت في وقت واحد، فجمع بينها بواو العطف المفيدة لمطلق الجمع، وأما السؤالات الأولى، فوقعت في أوقات متفرقة، فلذلك استؤنفت كلّ جملة منها، وجيء بها وحدها. انتهى. جمل بتصرف كبير.\n ﴿الْمَحِيضِ:﴾ الحيض، وهو مصدر، يقال: حاضت المرأة حيضا، ومحاضا، ومحيضا، فهي حائض بدون تاء، كطالق، وعاقر؛ لأنها أوصاف خاصّة بالنساء، وروي: حائضة عن الفرّاء، وأنشد: [الطويل]\nكحائضة يزنى بها غير طاهر\nهذا؛ وللحيض أسماء كثيرة؛ منها: الطّمث، ومنها: ضاحك، كما في سورة هود رقم [٧١] قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ،﴾ ومنها: كابر، كما في سورة يوسف رقم [٣١] ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. والحيض: خلقة في النّساء، وطبع معتاد معروف منهنّ، تترك المرأة الصّوم، والصلاة في أيام حيضها، وفي أيام نفاسها وجوبا، ويحرم عليها قراءة القرآن، ودخول المسجد، والطواف في المسجد الحرام، وتمكين زوجها منها، ولكنّها تقضي الصّوم، ولا تقضي الصلاة لكثرتها، وتراكمها في كلّ شهر بخلاف الصّوم.\nفقد روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أبي سعيد الخدري﵁قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو فطر إلى المصلّى، فمرّ على النساء، فقال: «يا معشر النّساء! تصدّقن، فإنّي أريتكنّ أكثر أهل النّار». فقلن: وبم يا رسول الله؟! قال: «تكثرن اللّعن، وتكفرن","vol":"1","page":521},{"text":"العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرّجل الحازم من إحداكنّ». قلن: وما نقصان عقلنا، وديننا يا رسول الله؟! قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرّجل؟» قلن:\nبلى! قال: «فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم؟» قلن: بلى يا رسول الله! قال: «فذلك من نقصان دينها».\nهذا؛ وأمّا نكران العشير؛ فقد فسّر في حديث آخر بأنّ الرجل مهما صنع مع المرأة من معروف، ثم رأت ما يغيّر خاطرها؛ تقول: ما رأيت منك خيرا قط! وهذا واقع، وكثير في هذا الزمن.\n ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ أي: هو شيء تتأذّى به المرأة، وغيرها، وهو كناية عن القذر، ويطلق أيضا على القول المكروه، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [٢٦٤]: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ وقوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٨]: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وفي حديث شعب الإيمان: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».\n ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي: في زمن الحيض، أو في محلّه، فظهر بذلك: أنّ المحيض يطلق على الحيض نفسه إذا كان مصدرا، وعلى زمانه، وعلى مكانه، وهذا مقرّر في القواعد النحوية، مثل قوله تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول فرعون الطاغية لموسى﵇-: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ﴾ ف ﴿مَوْعِدًا﴾ يحتمل اسم الزمان، واسم المكان. أمّا كيفية اعتزال الرجل المرأة في أيام حيضها، ونفاسها أيضا؛ فقد روي في ذلك حديثان: الأول: قال الرسول ﷺ، لمن سأله: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال:\n «شدّ عليها إزارها، ثمّ شأنك بأعلاها». ومثله قوله ﷺ لعائشة﵂-: «شدّي عليك إزارك، ثمّ عودي إلى مضجعك». وقال ﷺ: «اصنعوا كلّ شيء إلاّ النّكاح». والأول أحوط؛ لأنّ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.\n ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ:﴾ هو كناية عن جماعهنّ، وهو أبلغ في النهي عن التعبير بالجماع.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٦]. هذا؛ ويقرأ الفعل بتسكين الطاء، وتشديدها على أن أصله:\nيتطهّرن، فعل به ما فعل بقوله تعالى: ﴿يَطَّوَّفَ﴾ في الآية رقم [١٥٨]. ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ أي:\nاغتسلن بالماء، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد ﵄. وقال أبو حنيفة، وصاحباه﵃-: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة؛ لم يجز حتى تغتسل، أو يدخل عليها وقت صلاة، واختلف في الزوجة الكتابية، هل تجبر على الاغتسال، من الحيض، والنفاس، أو لا تجبر؟ لا شكّ إن امتنع عنها مدّة؛ فإنها تخضع، وتغتسل بدون إكراه لها، وهو أفضل له.\n ﴿فَأْتُوهُنَّ:﴾ جامعوهن، وهو كناية أيضا، وهذا شأن الله-جلّ الله، وتعالى شأنه-في كتابه من استعمال الكنايات في الألفاظ غير الحسنة. ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ:﴾ ﴿مِنْ﴾ بمعنى «في»","vol":"1","page":522},{"text":"أي: فأتوهنّ في المحل الذي أمر الله بالإتيان فيه. وهو معروف. والأمر للإباحة. هذا؛ وأقل الحيض عند الشّافعي، وأحمد، ومالك يوم، وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما، وأقلّه عند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وما نقص عن الأقل، وزاد على الأكثر؛ فهو استحاضة عند الجميع. والمستحاضة لا تمنع من عبادة من العبادات، لكنّها تتحفّظ بعد دخول وقت الصلاة، وتتوضّأ، وتبادر للصّلاة.\n ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ من الذنوب، فهو صيغة مبالغة، وانظر الآية رقم [٣٧]: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: من الأقذار، والفواحش، ومن إتيان المرأة في أيام الحيض. هذا؛ ومعنى محبة الله للعبد: رضاه عنه، ورحمته، ورضوانه، وبغضه له هو العكس.\nهذا؛ والنهي للتّحريم، وهي بمعنى: إلى أن، ويجب على من وطئ الحائض في أوّله أن يتصدق بدينار مع التّوبة، وعلى من وطئ في آخره أن يتصدّق بنصف دينار. وقدّم الله بالذّكر التائبين من الوطء بالحيض، والتائبين من غيره على من لم يذنب؛ لئلا يقنط التائب من الرحمة، ولا يعجب المتطهر بنفسه، كما قال تعالى في الآية رقم [٣٢] من سورة (فاطر): ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾.\nالإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ﴾ هذه الكلمات تقدّم إعراب مثلها فيما تقدّم جملة، وإفرادا، ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَذىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاعْتَزِلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، (اعتزلوا): فعل أمر مبني على حذف النّون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْمَحِيضِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿النِّساءَ﴾ وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما؛ إذا المعنى: متلبسات في الحيض. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان الحيض أذى كما ذكر؛ فاعتزلوا... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (لا) ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبُوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَطْهُرْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون في محل نصب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ ونون النسوة فاعله، والمتعلق محذوف، و«أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ ونون النسوة فاعله، والمتعلق محذوف، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السّكون في محل نصب. ﴿تَطَهَّرْنَ:﴾ فعل، وفاعل،","vol":"1","page":523},{"text":"والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَأْتُوهُنَّ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب (إذا). (ائتوهنّ): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، وهو (إذا)، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جرّ. ﴿أَمَرَكُمُ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها، ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية، تعليل للأمر، لا محلّ لها. ﴿التَّوّابِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ إعراب هذه المفردات واضح إن شاء الله، والجملة الفعلية معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ﴾.\n\n<span id=\"aya-230\"></span>﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾\nالشرح: روى الأئمّة، واللّفظ لمسلم-رحمه الله تعالى-عن جابر بن عبد الله﵄قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرّجل امرأته من دبرها في قبلها؛ جاء الولد أحول، فنزلت الآية: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات، ومدبرات، قائمات، وقاعدات، مستلقيات، ومجبّيات... إلخ، لكن في الفرج فقط، وفي الحديث: «أقبل، وأدبر، واتّق الدّبر، والحيضة». أخرجه الترمذيّ. هذا؛ والحرث: مصدر، أخبر به عن الجمع، مثل:\nرجل صوم، وقوم صوم، والحرث: بمعنى المحترث، وهو على حذف مضاف؛ أي: موضع حرث، أو على سبيل التشبيه، فالمرأة كالأرض، والنطفة من الرّجل كالبذر، والولد كالنبات الخارج من الأرض. وأنشد ثعلب: [مجزوء الرمل]\nإنّما الأرحام أرضون لنا محترثات... فعلينا الزّرع فيها وعلى الله النّبات\nقال الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ،﴾ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ،﴾ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ هو من الكنايات اللطيفة، والتعريضات المستحسنة، وهذه، وأمثالها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلّموها، ويتأدّبوا بها. ويتكلّفوا مثلها في محاوراتهم، ومكاتباتهم، وخذ ما يلي:\nعن ابن عباس﵄قال: إن ابن عمر-والله يغفر له-أوهم، إنّما كان هذا الحيّ من الأنصار-وهم أهل وثن-مع هذا الحيّ من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم","vol":"1","page":524},{"text":"فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب، ألا يأتوا النّساء إلا على حرف (على جنب)، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النّساء شرحا منكرا، ويتلذّذون منهنّ مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة؛ تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنّما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك، وإلا؛ فاجتنبني، حتّى شري أمرهما، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ، فأنزل الله﷿-: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ؛﴾ أي: مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد. أخرجه أبو داود. ومعنى قوله: (أوهم) ابن عمر، فإنه قال: يأتيها في قبلها، وسكت، ولم يزد على ذلك.\n ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: الأعمال الصّالحات، وما ينفعكم غدا، فحذف المفعول، وقيل: هو طلب الولد الصّالح، وقيل: التسمية قبل الوطء، وفيه الترغيب من النبي ﷺ، حيث قال: «لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله؛ قال: بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشّيطان، وجنّب الشّيطان ما رزقتنا، فإنّه إن يقدّر بينهما ولد في ذلك؛ لم يضرّه شيطان أبدا». أخرجه البخاريّ، ومسلم عن ابن عبّاس﵄واللفظ لمسلم.\n ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ تحذير، ووعيد. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ:﴾ صائرون إلى الله، وذلك بالبعث، والحشر بعد الموت فاستعدّوا للقائه بالعمل الصّالح، وترك العمل السّيّئ. وعن عبد الله بن عباس﵄قال سمعت رسول الله ﷺ، وهو يخطب يقول: «إنكم ملاقوا الله حفاة، عراة، مشاة، غرلا» ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ. أخرجه مسلم بمعناه.\n ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ المستوجبين للمدح، والتعظيم بترك القبائح، وفعل الأعمال الصّالحات، ولا تنس الالتفات من خطاب الجماعة إلى خطاب المفرد.\nبعد هذا؛ فقد رأيت: أنّه لا يجوز للرّجل أن يأتي امرأته في أيّام حيضها، ونفاسها، كما لا يجوز له أن يأتيها في دبرها. وخذ ما يلي من قول سيد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ، فعن عبد الله ابن عمرو﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «هي اللّوطيّة الصّغرى، يعني: الرّجل يأتي امرأته في دبرها». رواه أحمد، والبزّار. وعن خزيمة بن ثابت﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا يستحيي من الحقّ-ثلاث مرات-لا تأتوا النّساء في أدبارهنّ». رواه ابن ماجة، والنّسائي. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أتى النّساء في أعجازهنّ؛ فقد كفر». رواه الطّبرانيّ في الأوسط. وعنه: أنّ رسول الله ﷺ قال:\n «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أحمد، وأبو داود، وعنه أيضا: أنّ رسول الله ﷺ قال:\n «من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فصدّقه؛ كفر بما أنزل الله على محمّد ﷺ».\nرواه خمسة غير البخاريّ، ومسلم.","vol":"1","page":525},{"text":"الإعراب: ﴿نِساؤُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَرْثٌ﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿حَرْثٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدّر. (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حَرْثَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشّرط المقدر ب «إذا» التقدير: وإذا كان نساؤكم حرثا لكم؛ فأتوا حرثكم. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال تقدم على عامله، وقيل: هو في محل نصب على الظرفية متعلّق بالفعل بعده. ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها. هذا؛ والجملة الشرطية التي رأيت تقديرها معطوفة على الجملة الاسمية، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَقَدِّمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قَدِّمُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشّرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿مُلاقُوهُ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: (اعلموا). ﴿وَبَشِّرِ:﴾\nالواو: حرف استئناف، (بشر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-231\"></span>﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً:﴾ العرضة: فعلة بمعنى: مفعول، كالقبضة بمعنى المقبوض، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء، من عرض العود على الإناء، فيعترض دونه، ويصير حاجزا، ومانعا منه، تقول: فلان عرضة دون الخير. والعرضة أيضا: المعرض للأمر؛ بمعنى المعدّ، والمهيّأ، قال الشاعر أبو تمّام: [الطويل]\nدعوني أنح وجدا كنوح الحمائم... ولا تجعلوني عرضة للّوائم\nوفلان عرضة للنّاس: لا يزالون يقعون فيه، والعرضة: الهمّة، والقدرة، قال حسّان﵁-: [الوافر]\nوقال الله قد أعددت جندا... هم الأنصار عرضتها اللّقاء","vol":"1","page":526},{"text":"﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ أي: في أن تفعلوا الخير، والمعروف، والإحسان. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ الله.\n ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ:﴾ والمعنى: لا تمنعنّكم الأيمان بالله ﷿ من فعل الخير، وتقوى الله، والإصلاح بين الناس؛ إذا كانوا متنازعين متخاصمين. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم، وأيمانكم.\n ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيّاتكم، وأحوالكم، وأفعالكم، فهما صيغتا مبالغة.\nهذا؛ والإصلاح بين النّاس مقامه عظيم، وأجره كبير، وخذ ما يلي:\nفعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام، والصّلاة، والصّدقة؟» قالوا: بلى! قال: «إصلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة». رواه أبو داود، والتّرمذيّ، وقال الترمذي أيضا: ويروى عن النّبيّ ﷺ: أنه قال: «هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين».\nهذا؛ وقد أباح الرّسول ﷺ الكذب لإصلاح ذات البين، كما إذا غيّر الكلام القبيح من أحد المتخاصمين بكلام حسن. وخذ ما يلي:\nفعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط﵂-: أنّ النبي ﷺ قال: «لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح». وفي رواية أخرى: «ليس بالكاذب من أصلح بين النّاس، فقال خيرا، أو نمى خيرا». رواه أبو داود.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق﵁حين حلف: أنّه لا ينفق على مسطح ابن خالته لافترائه على عائشة، ﵂. والقصّة مذكورة بكاملها في سورة (النّور) وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة﵁حين حلف: أنّه لا يكلّم ختنه-أي: صهره- بشير بن النعمان، ولا يصلح بينه، وبين أخته عمرة، وهي زوجة بشير﵃أجمعين.\nوالمعنى: لا تمتنعوا من فعل الخير؛ إذا حلفتم عليه، بل ائتوه، وكفروا، كقوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها؛ فائت الّذي هو خير، وكفّر عن يمينك».\nرواه البخاريّ، ومسلم. وعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها؛ فليكفّر عن يمينه، وليفعل الّذي هو خير». رواه مسلم، وعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها؛ إلاّ أتيت الّذي هو خير، وتحلّلتها». رواه البخاريّ، ومسلم. وقيل:\nمعنى الآية الكريمة: لا تكثروا الحلف بالله؛ وإن كنتم بارّين متّقين مصلحين، فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجراءة على الله، وقد نهى الله عن كثرة الحلف، كما نهى عن تصديق من يكثر الحلف.\nفقال تعالى في سورة (القلم): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف، (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَجْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف","vol":"1","page":527},{"text":"للتّفريق فيه وفيما بعده. ﴿اللهَ عُرْضَةً:﴾ مفعولان للفعل: ﴿تَجْعَلُوا،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِأَيْمانِكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عُرْضَةً﴾ وأجيز تعليقهما بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ تَبَرُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب على نزع الخافض، التقدير:\nفي أن تبروا. وهذا على قول الخليل، والكسائي، رحمهما الله تعالى. وقال الزمخشريّ، وتبعه البيضاويّ، والنّسفيّ، والجمل: عطف بيان ل (أيمانكم) أي: للأمور المحلوف عليها، الّتي هي البرّ، والتقوى، والإصلاح بين الناس. وقيل: المصدر المؤول في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: البرّ، والتّقوى، والإصلاح أولى، وأمثل، مثل قوله تعالى: ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾. وهو قول الزّجاج، والنّحاس، وهو يفيد: أنّ الجملة الاسمية تعليل للنّهي، وقال الزّجاج أيضا: محل المصدر النّصب بفعل محذوف، التّقدير: لا تمنعنّكم اليمين بالله﷿- عن البر، والتقوى، والإصلاح. وإذا رجعنا إلى قول البصريين، والكوفيين في مثل ذلك، فالبصريون يعتبرون المصدر في محل جر بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: مخافة أو كراهة بركم، والكوفيون يقدّرون: لئلا تبروا، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ الآية رقم [١٧٦] من سورة (النساء). ﴿وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا:﴾ هذان الفعلان معطوفان على: ﴿تَبَرُّوا﴾ وهما مثله في الإعراب، والتأويل، والتقدير. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ معترضة في آخر الكلام، وهي متضمّنة معنى الوعيد، والتهديد، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-232\"></span>﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾\nالشرح: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ:﴾ اللغو: هو السّاقط من الكلام؛ الذي لا يعتدّ به، ولغو اليمين ما لا عقد معه، قال الفرزدق: [الطويل]\nولست بمأخوذ بلغو تقوله... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم\nوقال ابن عباس﵄-: هو قول الرّجل في درج كلامه، واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله، وإي والله، وكلاّ والله لمجرد التّوكيد لقوله، فهذا لا إثم فيه، ولا كفارة. وعليه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٨٩]: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾.\nوعن عروة بن الزبير: أنّ خالته الصّدّيقة بنت الصّدّيق﵃-، قالت: أيمان اللغو ما كانت في المراء، والهزل، والمزاحة، والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب. وقيل: اللّغو: أن يحلف الرجل على شيء يرى أنّه صادق، ثم يتبيّن له خلاف ذلك. وبه قال أبو حنيفة، ومالك.\nوالأول هو مذهب الشافعي، ولا كفارة على مذهبه، ولا كفارة على مذهب مالك، وأبي حنيفة،","vol":"1","page":528},{"text":"كلّ فيما ذهب إليه، ومذهب الشّافعي هو قول عائشة، والشعبي، وعكرمة، ومذهب مالك، وأبي حنيفة هو قول ابن عبّاس، والحسن، ومجاهد، والنخعي، وغيرهم. ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: لكن يؤاخذكم بما عزمتم عليه، وقصدتم له، كما قال تعالى في آية (المائدة):\n ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾. وكسب القلب هو العقد، والعزم، والنية. و﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لعباده فيما هو لغو من أيمانهم، والتي أخبر أنه لا يؤاخذهم عليها، ولو شاء لآخذهم، وألزمهم الكفارة في العاجل، والعقوبة عليها في الآجل. ﴿حَلِيمٌ﴾ في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة.\nقال الحليمي-رحمه الله تعالى-في معنى: الحليم: إنّه الّذي لا يحبس إنعامه، وإفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنّه يرزق العاصي، كما يرزق المطيع، ويقيه؛ وهو منهمك في معاصيه، كما يقي البرّ المتّقي، وقد يقيه الآفات، والبلايا، وهو غافل لا يذكره فضلا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يدعوه، ويسأله. وقال أبو سليمان الخطّابي: الحليم: ذو الصفح، والأناة الذي لا يستفزّه غضب، ولا يستخفّه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا يستحقّ الصّافح من العجز اسم الحليم، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام، المتأنّي؛ الذي لا يعجّل بالعقوبة.\nتنبيه: لا يجوز الحلف إلا باسم من أسماء الله الحسنى، أو بصفة من صفاته تعالى؛ مثل قولك: وقدرة الله، وعزة الله... إلخ. أما كفارة اليمين؛ فقد ذكرت في آية المائدة مخيرة ابتداء مرتبة انتهاء، وقد أنكرت على من يفتي بإعطاء عشرة مساكين خمسة كيلوات من القمح كفارة اليمين، وأما اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، فهي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حقّ. وخذ ما يلي:\nعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي﵁-: أنّ رسول الله ﷺ: قال: «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه؛ فقد أوجب الله له النّار، وحرّم عليه الجنّة». قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئا يسيرا؟ فقال: «وإن كان قضيبا من أراك». رواه مسلم والنّسائيّ وابن ماجة.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس شيء ممّا عصي الله به هو أعجل عقابا من البغي، وما من شيء أطيع الله فيه أسرع ثوابا من الصّلة، واليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع». رواه البيهقيّ. ولا تنس: أنّ حقّ الكافر أعظم جرما من حقّ المسلم.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤاخِذُكُمُ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِاللَّغْوِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي أَيْمانِكُمْ﴾ متعلقان ب: (اللغو)؛ لأنه مصدر، كما يجوز تعليقهما بمحذوف حال من (اللغو) على اعتبار (ال) فيه للتعريف، أي: اللغو كائنا في أيمانكم، وبمحذوف صفة له على اعتبار (ال) فيه للجنس، التّقدير: اللغو الكائن في أيمانكم. والكاف ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة.","vol":"1","page":529},{"text":"﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿يُؤاخِذُكُمُ:﴾\nفعل مضارع، والكاف مفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو بشيء كسبته قلوبكم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسب قلوبكم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام، الغاية منها تأكيد الغفران، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُؤاخِذُكُمُ﴾ المستتر؛ فلست مفنّدا. والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-233\"></span>﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾\nالشرح: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ:﴾ يحلفون، والمصدر: إيلاء، وأليّة، فالإيلاء في اللغة: الحلف، قال الشاعر: [الطويل]\nفآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة... تكون وإيّاها بها مثلا بعدي\nوفي الشرع: اليمين على ترك وطء الزّوجة. وقال ابن دريد في مقصورته: [الرجز]\nأليّة باليعملات يرتمي... بها النّجاء بين أجواز الفلا\nوجمع ألية: ألايا، قال الشّاعر: [الطويل]\nقليل الألايا حافظ ليمينه... وإن سبقت منه الأليّة برّت\nقال ابن عباس﵄-: كان إيلاء الجاهلية السّنة، والسّنتين، وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقّت الله للمسلمين أربعة أشهر، فمن آلى بأقلّ من ذلك، فليس بإيلاء حكميّ. ولا تنس: أنّ النبيّ ﷺ آلى على نسائه كما ستراه في سورة الأحزاب حينما سألته زيادة النّفقة، وكذلك آلى من زينب﵂حيث ردت هديّته. ذكره ابن ماجة.\nهذا؛ ويقال: آلى، يؤلي، وتألّى تألّيا، وائتلى ائتلاء؛ أي: حلف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ..﴾. إلخ [النور: ٢٢]. ﴿مِنْ نِسائِهِمْ﴾ أي: يحلفون على نسائهم ألا يجامعوهن. والإيلاء: الحلف، وحقّه أن يعدّى ب «على» ولكن لمّا ضمن هذا القسم معنى البعد عدّي ب «من». ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: انتظار، وتمهل، وترقّب، وتأخّر، ومنه قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ،﴾ وقال الشاعر: [الطويل]\nتربّص بها ريب المنون لعلّها... تطلّق يوما أو يموت حليلها","vol":"1","page":530},{"text":"والحكم في ذلك: أنّ الزوج إذا حلف لا يطأ زوجته مدّة أقل من أربعة أشهر؛ فليس لها حق المطالبة بذلك، وإذا حلف مدّة أربعة أشهر؛ فلها الحقّ أن ترفع دعواها إلى الحاكم، كما سيأتي. وجعل الله للزوج مدّة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر، لقوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [٣٤]: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ﴾. وقد آلى النبي ﷺ من أزواجه شهرا تأديبا لهنّ، وقد قيل: إنّ الأربعة الأشهر، هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها. وقد روي: أن الفاروق﵁كان يطوف ليلة بالمدينة، فسمع امرأة تنشد: [الطويل]\nتطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه... وأرّقني أن لا حليل ألاعبه\nفو الله لولا الله أنّي أراقبه... لحرّك من هذا السّرير جوانبه\nمخافة ربّي والحياء يصدّني... وأكرم بعلي أن تنال مراتبه\nفسأل عمر﵁عن المرأة، فقيل له: إنّ زوجها مع المجاهدين في العراق، فاستدعى نساء، فسألهنّ: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقلّ صبرها في ثلاثة، وينفد صبرها في أربعة، فجعل عمر﵁مدّة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت استردّ الغازين، ووجّه آخرين. وهذا-والله أعلم-يقوي اختصاص مدّة الإيلاء بأربعة أشهر.\n ﴿فَإِنْ فاؤُ:﴾ رجعوا في المدة، أو بعدها عن اليمين إلى الوطء، ويحنث في يمينه، فيكفّر عنها، يقال: فاء، يفيء، فيئة، وفيوءا، وإنّه لسريع الفيئة، يعني: الرجوع. قال الشاعر: [الطويل]\nففاءت، ولم تقض الّذي أقبلت له... ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا\n ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ أي: لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف. ﴿رَحِيمٌ:﴾ أي: بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة.\nالإعراب: ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿يُؤْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿مِنْ نِسائِهِمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿تَرَبُّصُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، و﴿تَرَبُّصُ﴾ مضاف، و﴿أَرْبَعَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لظرفه، و﴿أَرْبَعَةِ﴾ مضاف، و﴿أَشْهُرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء حرف تفريع، وعطف.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿فاؤُ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، و(إنّ) ومدخولها كلام مفرّع عمّا قبله، لا محلّ له.","vol":"1","page":531},{"text":"<span id=\"aya-234\"></span>﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾\nالشرح: ﴿عَزَمُوا الطَّلاقَ:﴾ العزم، والعزيمة: ما عقدت عليه نفسك من أمر: أنّك فاعله.\nو﴿الطَّلاقَ:﴾ حل عقدة النكاح، وأصل معناه: التّخلية. يقال: نعجة طالق، وناقة طالق؛ أي:\nمهملة، قد تركت في المرعى، لا قيد لها، ولا راعي. ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال المولين. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم، وجميع تصرفاتهم.\nملخص الإيلاء: أن يحلف الرّجل أن لا يطأ امرأته مدّة تزيد على أربعة أشهر، فتنتظره الزّوجة مدّة أربعة أشهر، فإن وطئها؛ فبها، ونعمت، ويكون قد حنث في يمينه، وعليه الكفارة، وإن لم يطأها؛ وقعت الفرقة، والطّلاق بمضيّ تلك المدة عند أبي حنيفة، وعند الشّافعي، وأحمد ومالك: ترفع أمرها للقاضي، فيأمره إمّا بالفيئة، أو الطّلاق، فإن أبى عنهما؛ طلّق عليه الحاكم طلقة رجعيّة. هذا هو خلاصة حكم الإيلاء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ..﴾. إلخ: إعراب هذه الآية مثل إعراب سابقتها بلا فارق. وقيل:\n ﴿الطَّلاقَ﴾ منصوب على نزع الخافض، التقدير: على الطلاق. وقيل: إنّ جواب الشرط محذوف، التقدير: فليوقعوه، وعليه تكون الجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل.\n<span id=\"aya-235\"></span>﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ:﴾ جمع: مطلقة بصيغة مفعول. لمّا ذكر الله الإيلاء، وأنّ الطلاق قد يقع فيه؛ بيّن تعالى حكم المرأة بعد التّطليق. ولفظ (﴿الْمُطَلَّقاتُ﴾) عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهنّ، وخرجت المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٩]: ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها،﴾ وخرجت الحامل بقوله تعالى في سورة (الطلاق) رقم [٤]:\n ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ:﴾ ينتظرن، ويتمهّلن عن النّكاح، والأزواج، وهو بمعنى الأمر؛ إذ المعنى: لينتظرن، وتغيير العبارة للتّأكيد، والإشعار بأنه ممّا يجب أن يسارع إلى امتثاله، وهو كقولك في الدعاء: ﵀. أخرج مخرج الخبر ثقة بالاستجابة، كأنّما وجدت الرّحمة، فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما يزيده فضل تأكيد؛ لأن الجملة الاسمية تدلّ على الثبات، والدّوام بخلاف الفعلية. وفي ذكر الأنفس بعث لهن على التربّص؛ لأن أنفس النساء طوامح إلى الرّجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطّموح، ويجبرنها على التربّص. وانظر شرح (النّفس) في الآية رقم [٩].","vol":"1","page":532},{"text":"﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ:﴾ جمع: قرء، بفتح القاف، وضمّها، ولكن جمع الأول: قروء، وأقرؤ، وجمع الثاني: أقراء، وقروء جمع كثرة، والموضع موضع قلّة، فكان الوجه: ثلاثة أقراء.\nواختلف في تأويله، فقيل: ووضع جمع الكثرة في موضع جمع القلة. وقيل: لمّا جمع المطلقات؛ أتى بلفظ جمع الكثرة؛ لأن كل مطلقة تتربص ثلاثة قروء. وقيل: التقدير: ثلاثة أقراء، من: قرء. انتهى. عكبري. واختلف في الأقراء، فقال أبو حنيفة، وأحمد-رحمهما الله تعالى-: القرء: الحيض، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم من التابعين. ودليلهم ما جاء في الحديث عن فاطمة بنت أبي حبيش: أن رسول الله ﷺ قال لها: «دعي الصّلاة أيّام أقرائك». فهذا لو صحّ؛ لكان صريحا في أنّ القرء هو الحيض. مختصر ابن كثير. وقال أهل الحجاز: هي الأطهار. وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وهو مذهب الشّافعي، ومالك، واستشهد أبو عبيدة وغيره بقول الأعشى: [الطويل]\nأفي كلّ عام أنت جاشم غزوة... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا\nمورّثة مالا وفي الحيّ رفعة... لما ضاع فيها من قروء نسائكا\nأراد: أنه كان يخرج للغزو، ولم يغش النّساء، فتضيع أقراؤهن زمان الطّهر، لا زمان الحيض. وأصل القرء: الانتقال من الطّهر إلى الحيض، وهو المراد به في الآية؛ لأنّه الدال على براءة الرّحم، لا الحيض. وقال آخر في الحيض: [الرجز]\nيا ربّ ذي ضغن عليّ فارض... له قروء كقروء الحائض\nيعني: أنّه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة﵂في أنّ الأقراء هي الأطهار، وفي أيامنا تعطي المحاكم الشّرعية مدة ثلاثة أشهر للمطلقة المدخول بها، سواء أكانت من ذوات الحيض، أم لا؟ وهو جيّد، وفيه زيادة احتياط لبيان براءة الرّحم، وحفظ الفروج.\n ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ﴾ أي: يخفين ما في أرحامهن من الولد، أو الحيض استعجالا في العدّة، أو إبطالا لحقّ الزوج في الرجعة، وزيادة النفقة عليه. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرّحم بحقيقة ما فيه. وليس مفهوم الشّرط في الإيمان على أنّه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم؛ لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن أيضا، فهو كقوله تعالى في سورة (النور): ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ رقم [٣٣].\n ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في زمن التربّص، وهو العدّة الواجب مراعاتها. والبعولة جمع: بعل، وهو الزّوج، سمّي بعلا؛ لعلوه على الزّوجة بما قد ملكه من زوجيتها. ومنه قوله:","vol":"1","page":533},{"text":"﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ الآية رقم [١٢٥] من سورة (الصّافات)، والبعل: المستعلي على غيره، ولمّا كان الزوج مستعليا على المرأة، قائما بأمرها؛ سمّي بعلا، ويقال للمرأة أيضا: بعل، وبعلة، كما يقال لها: زوج، وزوجة، والتاء في البعولة لتأنيث الجمع، كعمومة، وخئولة. وفي الكشاف:\nوالبعولة جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث اللفظ، كما في الحزونة، والسهولة. ﴿إِنْ أَرادُوا﴾ أي:\nالأزواج. ﴿أَصْلَحا﴾ أي: إن أراد لأزواج بالرّجعة الإصلاح، وحسن العشرة، لا الإضرار بهنّ.\nوهذا الشرط لا مفهوم له مثل سابقه.\n ﴿وَلَهُنَّ:﴾ من الحقوق. ﴿مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ:﴾ للأزواج، وقد بيّن الرسول ﷺ الحقوق، والواجبات المتبادلة بين الزوجين فيما يلي: عن عمرو بن الأحوص الجشمي﵁-:\nأنّه سمع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع يقول بعد أن حمد الله، وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال: «ألا استوصوا بالنّساء خيرا، فإنما هنّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنّ شيئا غير ذلك؛ إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن؛ فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن أطعنكم؛ فلا تبغوا عليهنّ سبيلا، ألا إنّ لكم على نسائكم حقّا، ولنسائكم عليكم حقّا، فحقّكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقّهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ، وطعامهنّ». رواه ابن ماجة، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-: إنّي لأحبّ أن أتزين لامرأتي، كما أحبّ أن تتزيّن لي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ..﴾. إلخ. ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: في الفضيلة في الخلق والخلق، والمنزلة بين الناس، وطاعة الله، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة، وهو واضح في الميراث، والجهاد، ومن ذلك وجوب طاعتها له إذا دعاها إلى فراشه، ولا يجب عليه إجابتها لذلك، لكن يسنّ؛ حتى يعفّها. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٣٤]: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾.\nقال ابن عباس﵄التقدير: بما ساق لها من المهر، وبما أنفق عليها.\nوقيل: إنّ فضيلة الرجل على المرأة بأمور، منها: العقل، والشهادة، والميراث، والدّية، وصلاحية الإمامة، والقضاء، وللرّجل أن يتزوج عليها، وليس لها ذلك، وبيد الرجل الطلاق، وبيده الرجعة إذا طلقها رجعيّا، وليس بيدها شيء من ذلك. ولا تنس: أنّ هذه الدرجة تكليف، لا تشريف، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي في انتقامه ممّن عصاه، وخالف أمره. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في أمره، ونهيه، وشرعه، وتشريعه. ولا يصلح مكان هذه الجملة ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ انظر الآية رقم [٢١٨].\nبعد هذا أذكر: أنه كان الرّجل في الجاهلية يطلّق امرأته ما شاء من الطلاق، ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدّتها، ولو طلقها ألف مرة، كان له الحق في مراجعتها، فعمد رجل في الإسلام","vol":"1","page":534},{"text":"لامرأته، فقال لها: لا آويك، ولا أدعك تحلّين! قالت: وكيف؟ قال: أطلقك، فإذا دنا مضيّ عدّتك؛ راجعتك. فشكت المرأة أمرها للنّبيّ ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ..﴾. ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ..﴾. إلخ، أما الرجعة إن كانت قبل انقضاء العدّة؛ فلا يكلّف الزوج شيئا ماديّا، ولا تتوقّف الرجعة على رضا الزّوجة، وموافقتها، وأمّا بعد انقضاء العدة؛ فيكلّف الزوج مهرا جديدا، وتحتاج إلى عقد جديد بوليّ، وشاهدين، كما رأيت فيما تقدّم، وتحتاج أيضا إلى موافقة الزوجة؛ لأنها بانقضاء عدّتها ملكت نفسها. هذا؛ والرجعة قبل انقضاء العدّة تحتاج إلى لفظ: راجعت زوجتي، ونحو ذلك عند الشافعي، ومالك، وتحصل الرّجعة قبل قضاء العدّة عند أبي حنيفة بالوطء، والنّظر بشهوة إلى فرجها، وكذا إن قبّلها، أو لمسها بشهوة، ونحو ذلك، ويسنّ الإشهاد على الرّجعة خوفا من الإنكار، قال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ رقم [٢].\nوفسر الشّيعة الإشهاد على الطّلاق، ولذلك لا يقع الطلاق عندهم إلا إذا أشهد عليه، ووجد من يفتي بذلك، فيتحمّل الذّنوب لقاء دريهمات يأخذها من الناس، وحسابهم على الله تعالى.\nالإعراب: (﴿الْمُطَلَّقاتُ﴾): مبتدأ. ﴿يَتَرَبَّصْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث. وقيل: الباء زائدة، و(أنفسهن): توكيد للضمير. وليس بشيء؛ لأنه لا يوجد فاصل لصحّة التوكيد. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوإن تؤكّد الضّمير المتّصل... بالنّفس، والعين فبعد المنفصل\nعنيت ذا الرّفع وأكّدوا بما... سواهما، والقيد لن يلتزما\n ﴿ثَلاثَةَ:﴾ مفعول به على حذف مضاف، التقدير: يتربصن مضيّ ثلاثة، فلما حذف المضاف؛ أقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: هو ظرف زمان على تقدير مدّة ثلاثة. و﴿ثَلاثَةَ:﴾\nمضاف، و﴿قُرُوءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَحِلُّ:﴾ فعل مضارع، ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث في كلّ الآية. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكْتُمْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، وهو في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ ونون النسوة فاعله، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: ﴿يَحِلُّ،﴾ التقدير: ولا يحل لهنّ كتمان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿خَلَقَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو","vol":"1","page":535},{"text":"الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا خلقه الله. ﴿فِي أَرْحامِهِنَّ:﴾ متعلقان بالفعل خلق، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿كُنَّ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والنون اسمها.\n ﴿يُؤْمِنَّ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان) والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كن يؤمن؛ فلا يكتمن. والجملة الشرطية بكاملها بمنزلة الحال من نون النسوة، وهي غير مقيد بها الكتمان كما رأيت في الشرح. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوفة على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة اليوم.\n ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَقُّ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿بِرَدِّهِنَّ:﴾\nمتعلقان ب ﴿أَحَقُّ﴾ لأنه صفة مشبهة، أو اسم فاعل، ففاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله. ﴿فِي ذلِكَ﴾ متعلقان ب ﴿أَحَقُّ﴾ أو ب (ردهنّ) لأنه مصدر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، واعتبارها في محل نصب حال من نون النسوة غير مستبعد، وعليه فالرابط: الواو، والضمير. ﴿أَنْ﴾ حرف شرط. ﴿أَرادُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِصْلاحًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها، على مثال ما تقدّم، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن أرادوا إصلاحا؛ فهم أحقّ بردّهنّ. والجملة الشرطية في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَحَقُّ﴾ المستتر، وانظر ما ذكرته في سابقتها.\n (﴿لَهُنَّ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِثْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه مبني على السكون في محل جر. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مِثْلُ،﴾ وجوز أن يكونا متعلقين بالخبر المحذوف، الذي متعلق به (﴿لَهُنَّ﴾) والأول أولى، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها أيضا، والاستئناف ممكن. ﴿وَلِلرِّجالِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، وجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من ﴿دَرَجَةٌ﴾ وهو ضعيف. ﴿دَرَجَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وفي هذه الجملة إيجاز، وإبداع لا يخفى، فقد حذف من الأول بقرينة الثاني، ومن الثاني بقرينة الأول. والمعنى: ولهنّ على الرّجال من الحقوق، مثل الذي للرّجال عليهنّ من الحقوق. ومثله يسمّى في علم البيان الاحتباك. وفي الجملة من المحسنات البديعية:\nالطباق بين (﴿لَهُنَّ﴾) و(﴿عَلَيْهِنَّ﴾)، وهو طباق بين حرفين. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام. انظر معناها في الشرح.","vol":"1","page":536},{"text":"<span id=\"aya-236\"></span>﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٢٩)﴾\nالشرح: عن عروة بن الزبير﵄قال: كان الرجل إذا طلق امرأته، ثمّ ارتجعها قبل أن تنقضي عدّتها؛ كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته، فطلقها، حتى إذا شارفت انقضاء عدّتها؛ ارتجعها، ثم قال: والله لا آويك إليّ، ولا تحلّين أبدا، فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾. وثبت: أنّ أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكانت العدّة عندهم معلومة مقدّرة، ولما نزلت الآية الكريمة؛ استقبل الناس الطلاق جديدا من ذلك اليوم من كان طلق، ومن لم يكن طلق. انتهى خازن. أخرجه الترمذيّ. هذا؛ والطلاق اسم مصدر بمعنى التطليق، كالسلام بمعنى التسليم، والمعنى: التّطليق الرجعي اثنتان؛ لما روي: أنّ النبي ﷺ سئل عن الثالثة؟ فقال: «إمساك ﴿بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ». أخرجه الدارقطنيّ عن أنس بن مالك ﵁.\nهذا؛ والطلاق في أصله مباح، وقد يكون مكروها؛ إذا كانت الزّوجة صالحة مستقيمة، وقد يكون مندوبا؛ إذا كانت سيئة الخلق، لا تخضع لأوامر الزّوج، وقد يكون واجبا؛ إذا كانت المرأة معوجّة السلوك في عرضها، وخلقها، أو تخونه في ماله، ونفسها، فقد روى الدّارقطني عن معاذ بن جبل﵁قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحبّ إليه من العتاق، ولا خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطّلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حرّ إن شاء الله؛ فهو حرّ، ولا استثناء له، وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فله استثناؤه، ولا طلاق عليه». وهذا في طلاق الصّالحة المستقيمة، كما قدمت. وممّن رأى الاستثناء في الطلاق طاوس، وحمّاد، وأبو ثور، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا يراه مالك، والأوزاعي، والحسن، وقتادة. انتهى قرطبي بتصرف.\nهذا؛ وللطلاق ألفاظ صريحة لا تحتاج إلى نيّة عند الشّافعي، وهي لفظ الطلاق، والسّراح، والفراق، وهو ممّا ورد به القرآن، قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ وقوله: ﴿أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ،﴾ وهناك ألفاظ كثيرة تعدّ كناية عن الطلاق، إن نوى الطلاق؛ يقع، وإن لم ينوه؛ لم يقع. وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق. ولفظ: (عليّ الحرام) هو من","vol":"1","page":537},{"text":"الكنايات عند الشّافعي، ومن الطلاق عند أبي حنيفة، كما هو مشهور في مذهبه. هذا؛ واختلف في لفظ الثلاث: قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: واتفق أئمّة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السّلف، وشذّ طاوس، وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع واحدة، وقال بعضهم: لا يلزم منه شيء، وهو قول مقاتل بن سليمان، ويحكى عن داود: أنه قال: لا يقع. وروى كثيرون عن ابن عباس﵄- فيمن طلّق امرأته ثلاثا: أنه قد عصى ربه، وبانت منه امرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج. وفي ذلك ما يدلّ على وهن رواية طاوس، وغيره، وما كان لابن عباس أن يخالف الصّحابة إلى رأي نفسه.\nوروي عن ابن عباس﵄-: أنّه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر﵁-: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم.\nهذا؛ والطلاق على ضربين: سنّيّ: وهو أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، وبدعي: وهو أن يطلقها في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، وعدّ منه الطلاق بلفظ الثلاث.\nهذا؛ ومعنى ما تقدم: الطّلاق المشروع؛ الذي يملك به الزوج الرّجعة مرتان، وليس بعدها إلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة، أو التسريح؛ أي: التطليق بإحسان بألا يظلمها من حقّها شيئا، ولا يذكرها بسوء، ولا ينفّر الناس عنها.\n ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ أي: ولا يحلّ لكم أن تضاجروهن، وتضيقوا عليهن؛ ليفتدين منكم بما أعطيتموهنّ من المهور، أو بعضها، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ رقم [١٩] من سورة (النساء)، وانظر الآية رقم [٢٣١] الآتية. ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ المعنى: إلا أن يظنّ كلّ واحد من الزّوجين بنفسه: أنه لا يقيم حقّ النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ. واختلف هل يكتفي الزوج أن تردّ عليه ما أعطاها؟، فمذهب الشافعي يجوز أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها. والخوف هنا بمعنى العلم، أي: أن يعلما ألا يقيما حدود الله.\n ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: فإن خفتم سوء العشرة بينهما، وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها، أو بدفع شيء من المال لزوجها؛ حتّى يطلقها، فلا إثم، ولا مؤاخذة عليهما. والخطاب للولاة، وللأولياء. هذا؛ وأصل ﴿خِفْتُمْ:﴾ (خوفتم) فحذفت الواو لثقل الكسرة عليها، فصار الفعل: (﴿خِفْتُمْ﴾) ثم قلبت الفتحة كسرة لخفتها، وهي دالة على حركة المحذوف، ولو كانت دالة على المحذوف؛ لكانت ضمّة.","vol":"1","page":538},{"text":"تنبيه: أول خلع حصل في الإسلام كان بما يلي: روى عكرمة عن ابن عباس﵄قال: أوّل من خالع في الإسلام أخت عبد الله بن أبي ابن سلول، أتت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله! لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا، إنّي رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدّة، إذا هو أشدّهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها، فقال: أتردّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته. ففرّق بينهما، رواه ابن ماجة، ورواه البخاريّ بتغيير ببعض ألفاظه.\nكما اختلف في المرأة فقيل: اسمها: جميلة، وقيل: اسمها: حبيبة، وقيل: هي أخت عبد الله المنافق. وقيل: هي بنته، والمعتمد: أنّها أخته، وقيل: هي حبيبة بنت سهل الأنصاري، والزوج هو ثابت بن قيس ابن شمّاس ﵁، وكان في أذنيه صمم.\nبعد هذا: فإن كان الزوج مضارّا للزّوجة، وحملها على الافتداء؛ فحرام عليه رائحة الجنّة، ولها العذر بتخليصها نفسها من ظلمه، وأمّا إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.\nوهذه الصحابية قد بينت العذر في بغضها لثابت، وهذا عذر مقبول، مع كون ثابت من كرام الصّحابة. انظر ما ذكرته بشأنه في سورة (الحجرات) رقم [٢] فإنّه جيد والحمد لله، ولا تنس أن ما يعجب الرجل من امرأته، يعجبها منه مثله.\nتنبيه: يصحّ الخلع في الحيض، والطّهر؛ لأنه لا يوصف بسنّيّ، ولا بدعيّ، وتملك المرأة به نفسها، فلا رجعة للزّوج عليها إلا بعقد جديد، ومهر، ووليّ، وشاهدين. وهل ينقص الخلع عدد الطّلاق؟ فخذه بما يلي: فعن ابن عباس﵄-: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص﵄سأله، فقال: طلّق رجل امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوّجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق. ذكر الطلاق في أوّل الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ..﴾. إلخ.\nوهذا الذي ذهب إليه ابن عباس رواية عن عثمان، وابن عمر، وبه يقول الإمام أحمد، وهو مذهب الشّافعي في القديم. والقول الثاني في الخلع: إنّه طلاق بائن، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد. وللشّافعي قول آخر في الخلع، وهو: أنّه إذا لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن البيّنة؛ فليس بشيء بالكلّية، والمفتى به القول الأوّل.\nويؤيّده حديث الرّبيّع بنت معوّذ﵂-: أنها اختلعت على عهد النبي ﷺ، فأمرها ﷺ أن تعتدّ بحيضة، فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق، وذلك: أنّ الله تعالى قال:\n ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قرء واحد.\nوروى الترمذيّ، وأبو داود، والدّارقطنيّ عن ابن عباس﵄-: أنّ النبيّ ﷺ أمر","vol":"1","page":539},{"text":"امرأة ثابت بن قيس﵁أن تعتدّ بحيضة واحدة. هذا؛ ويكون الخلع مخلصا، ومخرجا من الحلف بالثّلاث، وتفسيره بما يلي:\nإذا حلف على الشّيء بالطّلاق بالثّلاث، تجري المخالعة بينهما، ثم يفعل المحلوف عليه، ثم يرتجعها بعقد جديد، ومهر جديد، ووليّ، وشاهدين، ويكون قد فعل المحلوف عليه، وهي بائنة منه. ولا تنس: أنّ الحلف بالطلاق يمين الفسّاق، فقد ورد في أحاديث الرّسول ﷺ: «لا يحلف بالطّلاق إلاّ فاسق، ولا يرضى به إلاّ منافق». وسمع النبي ﷺ رجلا يحلف بالطّلاق، فقام مغضبا، وظهرت الكراهية في وجهه، وقال: «ألعبا بدين الله؛ وأنا فيكم؟! ألعبا بدين الله؛ وأنا بين أظهركم؟! من كان حالفا؛ فليحلف بالله، أو ليصمت». انتهى كلّه من القرطبيّ بتصرف كبير.\n ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ أي: هذه الأحكام هي التي شرعها الله في حدوده، فلا تتجاوزوها، كما ثبت في الحديث الصحيح: أنّ النبي ﷺ قال: «إن الله حدّ حدودا، فلا تعتدوها، وفرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحرّم محارم، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها». وانظر رقم [١٨٧] آخرها ففيها بحث جيّد، والحمد لله!.\n ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ:﴾ يتجاوز ما شرعه الله، فقد عرض نفسه لسخط الله، وغضبه، وهو من الظالمين لأنفسهم، المستحقّين للعقاب الشديد، والعذاب الأليم، وقد روعي لفظ (﴿مَنْ﴾) في رجوع الفاعل إليها، ومعناه في الإشارة إليها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الطَّلاقُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَرَّتانِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام على حذف مضاف؛ إذ التقدير:\nعدد الطلاق مرتان. ﴿فَإِمْساكٌ،﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إمساك): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فعليكم إمساك، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب إمساك.\n ﴿بِمَعْرُوفٍ:﴾ متعلقان ب (إمساك) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وفاعله ومفعوله محذوفان، التقدير: فإمساككم إيّاهنّ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ:﴾ معطوفة على ما قبلها وهو مثله بالإعراب، هو مثله بالإعراب، والتقدير، والتركيب... إلخ، ﴿وَلا﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية.\n ﴿يَحِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، ﴿أَنْ تَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَأْخُذُوا﴾ في محل رفع فاعل يحلّ، والتقدير: ولا يحلّ لكم أخذ شيء.\n ﴿مِمّا:﴾ جار، ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْئًا﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدّم عليها صار حالا». ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذّكور، وحركت بالضّمّ لتحسين اللّفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول","vol":"1","page":540},{"text":"به، والنّون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء آتيتموهن إيّاه.\n ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به ل ﴿تَأْخُذُوا﴾. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء ﴿أَنْ يَخافا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخافا﴾ في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: إلا في حال خوف عدم القيام بحقوق الزّوجية، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال.\nأن: حرف ناصب. (لا): نافية. ﴿يُقِيما:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون، والألف فاعله، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به، وانظر ما قدّرته. ﴿حُدُودَ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف. ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وإعراب: ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ ومحله مثل إعراب ما قبله، ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر (لا).\n ﴿فِيمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف. ﴿اِفْتَدَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى المرأة المفهومة من المقام. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) على اعتبارها موصولة، أو صفتها على اعتبارها موصوفة، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، والجملة الاسمية: (لا ﴿جُناحَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها.\n ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿حُدُودَ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿حُدُودَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، (لا): نافية جازمة.\n ﴿تَعْتَدُوها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، و(ها) مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وحاصلا؛ فلا تعتدوها، والجملة الشرطية هذه معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَعَدَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الألف والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: «هو». ﴿حُدُودَ:﴾ مفعول","vol":"1","page":541},{"text":"به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الظّالِمُونَ﴾ خبره، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر: (أولئك)، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-237\"></span>﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي: الزوج بعد الطّلقتين ثالثة. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-:\n ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ وتفسير لقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ اعترض بينهم ذكر الخلع، دلالة على أن الطلاق يقع مجانا تارة، وبعوض أخرى. ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد الطلقة الثالثة. قال القرطبيّ: احتجّ بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أنّ المختلعة يلحقها الطلاق، قالوا: فشرع الله سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق.\n ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ:﴾ نكاحا صحيحا بشروطه جميعها، وبعد انقضاء عدتها من المطلق. ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي: الزوج الثاني. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا:﴾ فلا إثم، ولا مؤاخذة أن يرجع كلّ من المرأة والزوج الأول إلى بعضهما بعد انقضاء عدتها من الثاني، وذلك بعقد جديد، ومهر جديد، ووليّ وشاهدين.\n ﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما..﴾. إلخ؛ أي: إن رأى كلّ من الزّوجين صلاح حاله، وأنّه يقوم بحق الآخر عليه، وأمّل كلّ منهما حياة هانئة مع الآخر. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها:﴾ يوضّحها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: الحقّ، وفيهم إيمان، وخوف من الله، وإنما خص أهل العلم بالذكر؛ لأن الجاهل إذا كثر له أمره، ونهيه؛ فإنه لا يحفظه، ولا يتعاهده، والعالم يحفظ، ويتعاهد، فلهذا المعنى خاطب العلماء، ولم يخاطب الجهّال.\nهذا؛ وقال ابن خويز منداد: واختلف أصحابنا: هل على الزوجة خدمته أو لا؟ فبعضهم لم يكلفها خدمته، وإنما قصر أمرها على الاستمتاع بها. أقول: والحقّ: أن هذا يعود إلى حال الزّوج عسرا، ويسرا، وإلى البيئة، فكثير من الناس كانوا فقراء، وكانوا يخدمون غيرهم، فدالت الأيام لهم، فصار عندهم عبيد، وإماء، وخدم، وحشم. وكثير كانوا يخدمون، فدالت الأيام عليهم، والدهر ذو تقلب. وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر، وحديثه بما","vol":"1","page":542},{"text":"ذكرت، ألا ترى: أنّ أزواج النبي ﷺ وأصحابه كن يتكلّفن الطّحين، والخبيز، والطبيخ، وفرش الفراش، وتقريب الطعام، وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك، وقول فاطمة الزهراء﵂-:\n «طحنت حتّى مجلت يداي» مشهور. والرسول ﷺ اعتبرها مجاهدة؛ إذا قامت بشئون بيتها، وتربية أولادها، فالمغزل في يدها كالسّيف في يد زوجها، وخذ ما يلي:\nعن ابن عباس﵄قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إنّي وافدة النساء إليك؛ هذا الجهاد كتبه الله على الرّجال، فإن يصيبوا؛ أجروا، وإن قتلوا؛ كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟.\nفقال رسول الله ﷺ: «أبلغي من لقيت من النّساء: أنّ طاعة الزّوج، واعترافا بحقّه يعدل ذلك، وقليل منكنّ يفعله». رواه الطّبرانيّ، والبزار.\nبعد هذا أذكر: أنّ تزوج المرأة بالزّوج الثاني لا بدّ من الدّخول فيها على مذهب الجمهور، وأنّه لا يكفي العقد عليها؛ لما روى البخاريّ، ومسلم عن عائشة﵂قالت:\nجاءت امرأة رفاعة القرظي، واسمها تميمة، وقيل: عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي، وكانت عند ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي، فطلقها ثلاثا، وتزوجت غيره، فجاءت للنبي ﷺ وقالت: يا رسول الله كنت عند رفاعة، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير-بفتح الزاي المشددة-وإنما معه مثل هدبة الثّوب، فتبسّم الرّسول ﷺ، وقال:\n «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟» قالت: نعم. قال: «لا؛ حتّى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته» وأبو بكر جالس.\nفإذا علم الزّوج من نفسه: أنّه لا يقدر أن يقوم بحقوق الزوجة المادية، والمعنوية؛ فلا يحل له الإقدام على خطبة أنثى، والعقد عليها؛ حتّى يبيّن لها، وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علّة تمنع الاستمتاع بها، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا؛ فله الردّ، فإن كان العيب بالرّجل؛ فلها الصداق إن كان دخل بها، وإن لم يدخل بها؛ فلها نصفه، وإن كان العيب بالمرأة؛ ردّها الزوج، وأخذ ما أعطاها من الصّداق، فقد روي: أنّ النبيّ ﷺ تزوج امرأة من بني بياضة، فوجد بكشحها برصا، فردّها، وقال: «دلّستم عليّ». ومن المنصوص عليه في الفقه من العيوب: الجنون، والجذام، والبرص، والرّتق، والقرن، وأذكر من العيوب هنا: أنه إذا تزوجها بكرا، فوجدها ثيبا، أو كانت لا تأتيها العادة الشّهرية منتظمة-وهذا قد يمنع الحمل-ففي هاتين الحالتين إن وطئها تكن الحقوق بالمصالحة، والتّسامح. والله أعلم.\nهذا؛ والحكمة من تزوّج المرأة بالزّوج الثاني الزّجر، والرّدع عن التّسرّع إلى الطلاق، والنفور منه، ومن العود إلى المرأة المطلقة ثلاثا، والرغبة فيها. والنكاح بشرط التحليل فاسد","vol":"1","page":543},{"text":"عند الشّافعي، وأحمد، ومالك. ولو تزوجها، ولم يشترط في العقد: أنه يفارقها؛ فالنّكاح صحيح، ويحصل به التّحليل إذا طلّقها، وانقضت العدّة، غير أنه يكره إذا كان في عزمهما ذلك.\nوبه قال الشّافعي، وأبو حنيفة.\nهذا وقد لعن الرسول ﷺ: «المحلّل، والمحلّل له». فخذه بما يلي: عن جابر﵁-: أن رسول الله ﷺ، قال: «لعن الله المحلّل، والمحلّل له». رواه الترمذيّ. وعن عقبة بن عامر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟!» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «هو المحلّل، والمحلّل له». رواه ابن ماجة. وعن عمر بن نافع عن أبيه: أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر﵄-، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوّجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلّها لأخيه، هل تحلّ للأول؟ فقال: لا؛ إلا نكاح رغبة، كنّا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ. رواه الحاكم في المستدرك.\nهذا؛ والطلاق سلاح شرعه الله حينما يستفحل النزاع بين الزوجين، ويبدو أن لا وفاق بينهما، والنّصارى الذين كانوا لا يبيحونه قطعا أدركوا حكمة الطلاق؛ فأباحوه في هذه الأيام، وحكمت به محاكمهم، ووقعت الفرقة بين كثير من الأزواج عندهم، ولكن الكثير من المسلمين قد أساءوا استعمال هذا السّلاح في هذه الأيام، كما هو مشاهد، وواقع. فلا حول، ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم!\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم، ﴿طَلَّقَها:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل محذوف لدلالة المقام عليه، و(ها):\nمفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا):\nنافية. ﴿تَحِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى المرأة المطلقة. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، و(إن) ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محل له. ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وقد يبنى (﴿بَعْدُ﴾) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَنْكِحَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة، والفاعل محذوف لدلالة المقام عليه، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَحِلُّ،﴾ وساغ ذلك لاختلاف معاني الحروف. ﴿زَوْجًا:﴾ مفعول به. ﴿غَيْرَهُ:﴾\nصفة: ﴿زَوْجًا﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والإضافة للضمير لا تزيده تعريفا لشدة إبهامه.\nهذا؛ ولا يخفى عليك بعد هذا الإعراب إعراب: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾. والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُقِيما﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في مراجعتهما، والجار","vol":"1","page":544},{"text":"والمجرور متعلقان بما يتعلق: ﴿عَلَيْهِما﴾ وقد مرّ مثله معنا. ﴿أَنْ:﴾ حرف جازم. ﴿ظَنّا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها، مثل ما تقدّم. ﴿أَنْ يُقِيما:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: (ظن)، ﴿حُدُودَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ:﴾ مبتدأ، وخبر، و﴿حُدُودَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ﴿يُبَيِّنُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ و(ها):\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿حُدُودَ﴾ أو من: ﴿اللهِ﴾ والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط، والعامل في الحال: اسم الإشارة. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر صفة: (قوم) ولم يذكر مفعول للفعل؛ لأنه بمعنى: يفهمون، ويعملون بمقتضى العلم.\n\n<span id=\"aya-238\"></span>﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ..﴾. إلخ: الخطاب للأزواج. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ:﴾ قاربن انقضاء عدّتهن؛ لأنّه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، بخلافه في الآية التالية. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ..﴾.\nإلخ: هذا أمر من العلي القدير للرّجال، بأنّه إذا طلّق أحدهم المرأة طلاقا رجعيّا، أن يحسن في أمرها؛ إذا قاربت انقضاء عدّتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها؛ أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، ويعاشرها بالمعروف الّذي أمر الله ورسوله به، أو يتركها؛ حتى تنقضي عدّتها وتذهب إلى حال سبيلها، من غير شقاق ولا مخاصمة، ولا تشاجر. ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا:﴾ قال ابن عباس، ومجاهد﵃-:\nكان الرجل يطلّق امرأته، فإذا قاربت انقضاء العدّة راجعها، يقصد ضرها؛ لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها، فتعتدّ، فإذا شارفت على انقضاء عدّتها؛ طلّق؛ لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعّدهم عليه، فقال جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.\n ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ أي: لا تهزءوا بأحكام الله، وأوامره، ونواهيه، فتجعلوا شريعته مهزوءا بها بمخالفتكم لها. قال الحسن، وقتادة﵄-: هو الرّجل يطلّق،","vol":"1","page":545},{"text":"ويقول: كنت لاعبا. أو يعتق، أو ينكح، ويقول: كنت لاعبا. وقال ابن عباس﵄-: طلّق رجل امرأته، وهو يلعب لا يريد الطّلاق، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ فألزمه رسول الله ﷺ الطّلاق. وقال ﵊: «ثلاث جدّهنّ جدّ، وهزلهنّ جدّ: النّكاح، والطّلاق، والرّجعة». رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة. والمراد بالرّجعة:\nرجعة المرأة المطلّقة، وهي في عدّتها. وراوي الحديث هو أبو هريرة﵁-، وروي عن علي، وابن مسعود وأبي الدرداء﵃كلهم قالوا: ثلاث اللعب فيهن، واللاعب فيهن جادّ: النكاح، والطلاق، والعتاق.\n ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بالإسلام وإرسال الرّسول ﷺ بالهدى، والبيّنات. ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ:﴾ القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةِ:﴾ هي السنّة المطهّرة، وانظر الآية رقم [١٢٩] فهو جيد.\nوالحمد لله! ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم، وينهاكم عن ارتكاب المحارم، ويخوّفكم عقابه. وإنّما لم يثنّ: الضمير؛ لأنه عائد على (﴿ما﴾) وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧٠] فإنّه جيد. والحمد لله! ﴿وَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ: تقدّم مثله كثيرا، ومضمونه التّأكيد، والوعيد، والتّهديد.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿طَلَّقْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَبَلَغْنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (بلغن): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَجَلَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون في الكلّ حرف دالّ على جماعة الإناث. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (﴿إِذا﴾). (أمسكوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها.\n ﴿بِمَعْرُوفٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها أيضا.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تُمْسِكُوهُنَّ:﴾ مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿ضِرارًا:﴾ مفعول لأجله، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال؛ أي: مضارين، كجاء زيد ركضا. ﴿لِتَعْتَدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف فيه، وفيما بعده للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿ضِرارًا﴾ فيكون علّة للعلّة، ولا يجوز تعليقهما بالفعل؛ لأن المفعول لأجله لا يتعدّد إلا بالعطف، وهو مفقود هنا، انتهى.\nجمل. و﴿وَإِذا﴾ ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.","vol":"1","page":546},{"text":"﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، تقديره: هو.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿ظَلَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعد إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم عند الجمهور، وخبر المبتدأ الّذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، والمرجّح: أنه جملة الشرط، والجواب. والجملة الاسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، الغرض منها التأكيد، والتهديد، والوعيد.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾)\nإلخ، والواو فاعله. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿آياتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ﴿هُزُوًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل، لا محل لها. ﴿وَاذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نِعْمَتَ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوفة على ﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾ فهو عطف خاص على عام. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾)، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) والعائد محذوف، التقدير: والذي أنزله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد إلى (﴿ما﴾)، ﴿مَنْ:﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿وَالْحِكْمَةِ:﴾ معطوف على: ﴿الْكِتابِ﴾. ﴿يَعِظُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾)، والكاف مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَنْزَلَ﴾ أو من مفعوله، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين، وجوز أبو البقاء اعتبار (﴿ما﴾) مبتدأ، وجملة: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ في محل رفع خبره. ولا أراه قويّا، وتكون الجملة الاسمية على رأيه معترضة بين المتعاطفين.\n ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها أيضا.\n ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(كلّ) مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر: ﴿أَنَّ﴾. و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: (﴿اِعْلَمُوا﴾).","vol":"1","page":547},{"text":"<span id=\"aya-239\"></span>﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾\nالشرح: فقد ثبت: أنّ هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني، وأخته. وخذ ما يلي:\nعن معقل﵁-، قال: كانت لي أخت تخطب، وأمنعها من النّاس، فأتاني ابن عمّ لي، فأنكحتها إيّاه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طلّقها طلاقا له رجعة، ثمّ تركها؛ حتى انقضت عدّتها، فلمّا خطبت إليّ؛ أتاني يخطبها مع الخطّاب، فقلت له: خطبت إليّ، فمنعتها النّاس، وآثرتك بها، فزوّجتك، ثمّ طلقتها طلاقا لك فيه رجعة ثم تركتها؛ حتى انقضت عدّتها، فلمّا خطبت إليّ؛ أتيني تخطبها مع الخطّاب؟! والله لا أنكحتها لك أبدا! ففيّ نزلت هذه الآية، فكفّرت عن يميني، وأنكحتها إيّاه. أخرجه البخاريّ.\nوفي رواية الترمذي: ثم طلّقها تطليقة لم يراجعها؛ حتّى انقضت عدّتها، فهويها، وهويته، ثمّ خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع ابن لكع! أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك! فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله الآية، فلمّا سمع معقل﵁قال: سمع لربّي، وطاعة. ثمّ دعاه، فزوّجه إيّاها، وكفّر عن يمينه ﵁.\n ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ:﴾ الخطاب للأزواج، والأولياء، والنّساء. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدّتها يقينا بخلاف الآية السابقة. ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ:﴾ فلا تمنعوهن أن يرجعن إلى أزواجهنّ بعقد جديد. هذا؛ والعضل: التضييق، والمنع، وهو راجع إلى معنى الحبس. ومن قول معاوية: معضلة ولا أبا حسن لها، يريد عليّا﵁-؛ الّذي كان يحلّ المعضلات من الأمور، وانظر حلّه المعضلة في الآية التالية. والمعضلة: مسألة صعبة ضيقة المخارج، وقال طاوس: لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عبّاس ﵄. وكلّ مشكل عند العرب معضل، ومنه قول الشّافعي﵁-: [المتقارب]\nإذا المعضلات تصدّينني... كشفت حقائقها بالنّظر\nهذا؛ والعضل: الحبس، قال الشّاعر: [الوافر]\nوإنّ قصائدي لك فاصطنعني... عقائل قد عضلن عن النّكاح\nوقال آخر: [الكامل]\nفلأعضلنّ قصائدي من بعده... حتّى أزوّجها من الأكفاء","vol":"1","page":548},{"text":"وداء عضال: أي: شديد عسر البرء، أعيا الأطباء. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ..﴾. إلخ دليل قويّ للشّافعي، وموافقيه: أن المرأة لا تتولى نكاح نفسها، ولو كانت ثيبا، وبنت خمسين سنة، وقد ذكرته في الآية رقم [٢٢١]. ﴿إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: إذا تراضى الأزواج، والزّوجات المطلّقات. والمعروف هنا: ما وافق الشّرع من عقد حلال بشروطه: مهر... إلخ، وقيل: هو أن يرضى كلّ منهما، ويتعهّد بما التزمه لصاحبه بحقّ العقد؛ حتّى تحصل الصّحبة الحسنة، والعشرة الجميلة. هذا؛ وفي واو الجماعة تغليب الذّكور على الإناث.\n ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الأحكام المذكورة. ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾ أي: ينتفع به، ويهتدي إلى طريق السداد، وهم المؤمنون بالله واليوم الآخر. هذا؛ وأفرد ﴿ذلِكَ﴾ ولم يقل: ذلكم؛ لأنّه محمول على معنى الجمع بدليل ما بعدها. ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: الاتّعاظ بما ذكر، والتمسّك بأوامر الله، خير، وأنفع لكم، وأطهر من الآثام، وأوضار الذّنوب، والمعاصي. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: والله يعلم ما هو أصلح لكم من الأحكام والشّرائع، وأنتم لا تعلمون ذلك، فامتثلوا أمره تعالى، ونهيه في جميع ما تأتون، وما تذرون.\nقال الإمام الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: الحكمة في إثبات حقّ الرّجعة: أنّ الإنسان ما دام مع صاحبه لا يدري هل تشق عليه المفارقة، أو لا؟ فإذا فارقه؛ فعند ذلك تظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرّجوع؛ لعظمت المشقّة على الإنسان؛ إذ قد تظهر المحبّة بعد المفارقة، ثمّ لما كان كمال التّجربة لا يحصل بالمرّة الواحدة؛ أثبت الله تعالى حقّ المراجعة مرّتين، وهذا يدلّ على كمال رحمته تعالى، ورأفته بعباده!. انتهى. صفوة التفاسير.\nالإعراب: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَنْكِحْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ ونون النسوة في محل رفع فاعل، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف عند الخليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير:\nفلا تعضلوهن من نكاح أزواجهنّ، وهو في محل نصب بنزع الخافض عند سيبويه. ﴿إِذا:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تَراضَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ الّتي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أو بمحذوف صفة مصدر محذوف، التقدير: تراضوا تراضيا كائنا بالمعروف، وجملة: ﴿تَراضَوْا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها، وإن اعتبرتها شرطية؛ فجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه.","vol":"1","page":549},{"text":"﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُوعَظُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ﴾ على قول من يجيز التعليق بالفعل الناقص، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على (﴿اللهُ﴾). ﴿الْآخِرِ﴾ صفة (﴿الْيَوْمِ﴾)، وجملة: (﴿يُؤْمِنُ..﴾.) إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محلّ لها.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿أَزْكى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿أَزْكى﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف صفة له. وليس بشيء. ﴿وَأَطْهَرُ:﴾\nمعطوف على ﴿أَزْكى،﴾ وحذف متعلقه اكتفاء بسابقه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ أَزْكى﴾ مؤكدة للأولى وهو أولى من اعتبارها بدلا منها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لمضمون ما قبلها. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-240\"></span>﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله تعالى جملة من الأحكام المتعلّقة بالنكاح، والطلاق، والعدة، والرّجعة، والعضل؛ ذكر في هذه الآية الكريمة حكم الرّضاع؛ لأنّ الطلاق يحصل به الفراق، وقد يطلّق الرّجل زوجته، ويكون لها منه طفل ترضعه، وربما أضاعت الطفل، أو حرمته الرضاع انتقاما من الزوج، وإيذاء له في ولده، لذلك وردت هذه الآية لندب الوالدات المطلّقات إلى رعاية الأطفال، والاهتمام بشأنهم.","vol":"1","page":550},{"text":"﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ أي: ليرضعن، فهو خبر بمعنى الأمر، وهذا الأمر للندب، وللوجوب، فالأوّل عند وجود ثلاثة شروط: قدرة الأب على الاستئجار، ووجود غير الأم، وقبول الولد للبن غيرها، وللوجوب عند فقد واحد منها. هذا؛ وإن تربية الطفل بلبن الأم أصلح من غيرها، لكمال شفقتها عليه، ويدلّ على أنه لا يجب على المرأة إرضاع ولدها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولو وجب عليها الرضاع؛ لما استحقّت الأجرة. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ سورة (الطلاق) هذا نصّ صريح في ذلك، انظر شرح الآية هناك، فإنه جيد، والحمد لله!.\n ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ:﴾ الحول، والعام، والسّنة بمعنى واحد، والحول: من: (حال): إذا انقلب من حال إلى حال، و﴿كامِلَيْنِ:﴾ توكيد؛ لأنّه مما يتسامح فيه، فيقال: أقمت عند فلان يومين -والقائل يريد يوما وبعض اليوم الآخر-كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وقد مرّ في الآية رقم [٢٠٣]. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى الأب نفقة الوالدات المطلّقات، وكسوتهن بما هو متعارف عليه بدون إسراف، ولا تقتير لتقوم بخدمة الولد حقّ القيام، وإنما عبر سبحانه بهذا؛ لأن الوالدات إنما ولدن للآباء، ولذلك ينسب الولد للأب دون الأم، وينسب للمأمون ما يلي: [البسيط]\nلا تزدرين فتى من أن يكون له... أمّ من الرّوم أو سوداء عجماء\nفإنّما أمّهات النّاس أوعية... مستودعات وللأبناء آباء\nهذا ولم تحذف النون من (تزدرين) مع كونه مجزوما ب (لا) الناهية لضرورة الشعر.\nوالهاء في (له) عائدة على (ال) لأنّ المعنى: الذي يولد له، وهو الوالد. هذا؛ والرضاع المحرّم هو الذي يكون في حدود الحولين، وبعدهما لا تحريم بالرّضاع، كما رأيته في الآية رقم [٢٣] من سورة (النساء).\n ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها:﴾ إلا طاقتها، ومقدرتها على الإنفاق، والمعنى: أن أبا الولد لا يكلّف في الإنفاق عليه، وعلى أمّه إلا ما قد تتّسع به مقدرته، كذلك لا تكلف المرأة الصّبر على التقتير في الأجرة، بل يراعى القصد، والاعتدال، وفي هذه الأيام القاضي الشّرعي هو الذي يقرّر نفقة المطلقة، ونفقة الولد حسب دخل الرّجل الشّهري، هذا، وكثيرا ما نسمع من ويلات الطلاق من قبل الفاسقين، والفاسدين؛ الذين ينكحون ثانية، وثالثة، ويتركون الأولى، ويدعون لها أولادها بدون إنفاق عليها، وعلى أولادهم؛ سواء طلّقوا، أم لم يطلقوا! فلا حول ولا قوة إلا بالله!.\nهذا؛ وفي هذه الآية دليل على أنّ الحضانة للأم، ويقدر مدّتها في هذه الأيام القاضي الشرعي، والرّسول ﷺ قال للأم: «أنت أحقّ به ما لم تنكحي». فقد روى أبو داود عن","vol":"1","page":551},{"text":"الأوزاعي، قال: حدّثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو: أنّ امرأة جاءت إلى النبيّ ﷺ، فقالت: يا رسول الله! إنّ ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلّقني، وأراد أن ينتزعه منّي. فقال لها رسول الله ﷺ: «أنت أحقّ به ما لم تنكحي». وخذ ما يلي هذه الطّرفة:\nفقد روى القالي في أماليه عن أبي عبيدة، قال: جرى بين أبي الأسود الدّؤلي وامرأته كلام في ابن لها منه، وأراد نزعه منها، فصارا إلى زياد بن أبيه، وهو والي البصرة، فقالت المرأة:\nأصلح الله الأمير، هذا ابني، كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتّى إذا استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوكعت أوصاله، وأمّلت نفعه، ورجوت خيره أراد أن يأخذه كرها، فآوني أيها الأمير، فقد رام قهري، وأراد قسري. فقال أبو الأسود: أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، أنا أقوم في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستحكم فتله. فقالت المرأة: أصلحك الله، حمله خفّا، وحملته ثقلا، وضعه شهوة، ووضعته كرها. فقال زياد: ردّ على المرأة ولدها، فهي أحقّ به منك، ودعني من سجعك. انتهى. فإن تزوّجت المطلقة؛ فأمّها أحقّ بحضانة أولادها الصّغار.\n ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي: لا يضرّ الوالدان بالولد، فيفرطا في تعهّده، أو يقصّرا في ما ينبغي له، أو يضارّ أحدهما الآخر، بسبب الولد، فترفض الأمّ إرضاعه؛ لتضرّ أباه بتربيته، أو ينتزع الأب الولد منها إضرارا بها؛ مع رغبتها في إرضاعه، ليغيظ أحدهما صاحبه. وإضافة الولد لكلّ منهما في الموضعين للاستعطاف.\n ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ:﴾ اختلفوا في تأويله، فقال عمر بن الخطاب﵁- وغيره: المراد: وارث أبي الصّبيّ، فعليه أن ينفق على الطّفل، وعلى والدته التي ترضعه، وتحضنه من غير تقصير، ولا إفراط، ولا تفريط. وهو قول الجمهور، وقد استدلّ الحنفيّة، والحنابلة بذلك على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض؛ سواء كانوا من جهة الأب، أو من جهة الأم، كما في المواريث، ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم؛ عتق عليه». وقيل: المراد: وارث الصّبيّ إذا مات. وقيل: المراد: الوارث هو الصّبيّ نفسه؛ أي: عليه إذا ورث أباه بعد موته إرضاع نفسه من المال الذي ورثه.\n ﴿فَإِنْ أَرادا﴾ أي: الأب، والأم. ﴿فِصالًا:﴾ فطاما للولد. ﴿عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ﴾ أي: عن اتفاق بينهما على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا مؤاخذة، ولا إثم عليهما. فيؤخذ منه: أنه لا يجوز لأحدهما أن يستبدّ بفطامه دون مشاورة الآخر. وفي هذا احتياط لمصلحة الطفل، وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله","vol":"1","page":552},{"text":"بعباده، قال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾.\n ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا..﴾. إلخ: هذا خطاب للآباء إذا أرادوا أن يستأجروا مرضعات لأولادهم غير أمهاتهم، فلا إثم عليهم، ولا حرج، ولا سيما إذا تزوّجت أم الولد غير أبيه بعد طلاقها منه، أو طلبت فوق أجرة المثل. والسين، والتاء للطلب، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر الالتفات في الآية رقم [١٣١].\n ﴿إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: دفعتم الأجرة إلى المرضعة كاملة. وقال مجاهد:\nأسلمتم إلى الأمهات أجرهنّ بحساب ما أرضعن إلى وقت الاسترضاع. و(المعروف):\nالإحسان، والإجمال في القول. أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة لمن ترضع الطفل مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن؛ حتى يؤمن تفريطهن في إرضاع الطفل. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوا الله فيما أوجب عليكم من الحقوق، وفيما أجب عليكم لأولادكم، وهو يعمّ المرضعات. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه خافية من جميع أعمالكم سرّها، وعلانيتها، فإنه تعالى يعلمها.\nبعد هذا فقوله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ مثل قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٤]: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ وقد استنتج من الآيتين ومن آية (الأحقاف) رقم [١٥] وهي قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا:﴾ أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر. وهو استنتاج قوي، وصحيح.\nروى محمّد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله الجهني، قال: تزوّج رجل منّا امرأة من جهينة، فولدت ولدا لتمام ستّة أشهر من زواجها، فانطلق زوجها إلى عثمان﵁فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها؛ بكت أختها، فقالت: ما يبكيك؟ فو الله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قطّ، فيقضي الله ﷾ فيّ ما شاء، فلمّا أتي بها عثمان﵁أمر برجمها، فبلغ ذلك عليّا﵁فأتاه، فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له عليّ كرم الله وجهه: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى! قال: أما سمعت الله ﷿ يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال في سورة (البقرة): ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ..﴾.\nإلخ، وقال في سورة (لقمان): ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ فلم تجده بقي إلا ستة. قال: فقال عثمان -﵁-: والله ما فطنت بهذا، عليّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها، قال: فقال معمر -﵁-: فو الله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلمّا رآه أبوه، قال: إنّي والله لا أشك فيه. قال: وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة، فما زالت تأكله؛ حتّى مات. أخرجه ابن أبي حاتم. انتهى. مختصر ابن كثير. انظر ما قاله معاوية في حقّ عليّ في الآية السابقة، وقد صار مثلا من الأمثال عند وجود مشكلة معضلة.","vol":"1","page":553},{"text":"هذا؛ ويفيد قوله: «فوجدوها قد فرغ منها»: أنها أقيم عليها حد الرّجم، وانتهى أمرها.\nوذكر القرطبي في تفسير سورة (الأحقاف): أنّ عثمان﵁رجع عن قوله، ولم يحدّها، والمروي في الموطأ: أنّها رجمت. وفي تيسير الوصول، فأمر عثمان بردّها، فوجدت قد رجمت. وهذا هو المعتمد، رحمها الله تعالى. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-:\nإذا وضعت المرأة لتسعة أشهر؛ كفاه من الرّضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر؛ كفاه من الرّضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر؛ فحولين كاملين؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾. هذا؛ وأصل الكلام: وأنّ حمله وفصاله ثلاثون شهرا. ولا يصح المعنى إلا بهذا. هذا؛ والواقع يوحي بأنّ المرأة المذكورة كانت ثيبا؛ إذ لو كانت بكرا لكان حدّها الجلد، لا الرّجم، تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَالْوالِداتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الْوالِداتُ﴾): مبتدأ. ﴿يُرْضِعْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿أَوْلادَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿حَوْلَيْنِ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿كامِلَيْنِ:﴾ صفة ﴿حَوْلَيْنِ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبهما الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنهما مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿يُرْضِعْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ، التقدير:\nذلك؛ أي: ما تقدّم من إرضاع الولد حولين، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَرادَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط. ﴿أَنْ يُتِمَّ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى (من)، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به.\n ﴿الرَّضاعَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ: صلة (من) أو صفتها، والجملة الاسمية:\n (﴿الْوالِداتُ﴾) ... إلخ مستأنفة، أو هي معترضة بين المتعاطفتين، لا محل لها على الاعتبارين.\n (﴿عَلَى الْمَوْلُودِ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْمَوْلُودِ﴾ على أنهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿رِزْقُهُنَّ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ علقهما أبو البقاء بمحذوف حال من: ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ وهذا لا يجيزه كثير من النحاة؛ لأن الحال هيئة فاعل، أو مفعول، والأولى تعليقهما بمحذوف حال من الضمير في الخبر المحذوف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُكَلَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿نَفْسٌ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مفيدة للتعليل لا محلّ لها.","vol":"1","page":554},{"text":"﴿لا:﴾ نافية، أو ناهية. ﴿تُضَارَّ:﴾ قرئ بالرّفع، والجزم، وبالبناء للفاعل، وبالبناء للمجهول، وأصل الأول (تضارر) بكسر الراء الأولى في الأول، وبفتحها في الثاني، ومثله في الآية رقم [٢٨٢] الآتية، وقرئ بالفكّ («تضارر») وبالإدغام: ﴿تُضَارَّ؛﴾ فعلى الفكّ هو ظاهر، وعلى الإدغام؛ فعلى الرفع بالضّمّة ظاهرة، وعلى الجزم والإدغام، فإنّه حرك بالفتحة لالتقاء السّاكنين، وكان الفتح أولى لتجانس الألف والفتحة قبلها، كما هو القاعدة في جزم المضعّف.\n ﴿والِدَةٌ:﴾ نائب فاعله. ﴿بِوَلَدِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما والباء للسببية، و(ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بمنزلة البدل ممّا قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿مَوْلُودٌ:﴾ معطوف على: ﴿والِدَةٌ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. ﴿بِوَلَدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل المحذوف؛ إذ التقدير: ولا يضارّ مولود له، والهاء في محل جر بالإضافة. (﴿عَلَى الْوارِثِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِثْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿مِثْلُ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها أيضا.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَرادا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والألف فاعله. ﴿فِصالًا:﴾ مفعول به، ﴿عَنْ تَراضٍ﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فِصالًا،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿مِنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿تَراضٍ﴾. ﴿وَتَشاوُرٍ:﴾ معطوف على ﴿تَراضٍ﴾. ﴿فَلا:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشّرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِنْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النّون... إلخ، والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَوْلادَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ:﴾ إعرابه مثل ما قبله، والجملة الاسمية في محلّ جزم جواب الشرط... إلخ، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. هذا ومفعول: ﴿تَسْتَرْضِعُوا﴾ في الحقيقة محذوف، و﴿أَوْلادَكُمْ﴾ منصوب بنزع الخافض، وتقدير الكلام: وإن أردتم أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلّق ب (﴿جُناحَ﴾). ﴿سَلَّمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. وقيل: ﴿إِذا﴾ شرطية، فيكون جوابها محذوفا، دلّ","vol":"1","page":555},{"text":"عليه ما قبلها، وتكون ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مؤكّد لمضمون الشرط السابق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿آتَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي آتيتموهن إيّاه نقدا. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٢٣١] إفرادا وجملا. ﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية.\n ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محلّ جر بالباء، التقدير: بعلمكم. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر: ﴿أَنْ﴾.\n\n<span id=\"aya-241\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله ﷿ عدّة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع؛ ذكر عدّة الوفاة أيضا؛ لئلا يتوهم: أنّ عدة الوفاة مثل عدّة الطلاق، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ..﴾. إلخ.\nوأصل التوفّي أخذ الشّيء وافيا، فمن مات؛ فقد استوفى عمره كاملا، ورزقه، قال الرسول ﷺ:\n «يا أيّها النّاس اتّقوا الله، وأجملوا في الطّلب، فإنّ نفسا لن تموت حتّى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتّقوا الله، وأجملوا في الطّلب، خذوا ما حلّ، ودعوا ما حرم». أخرجه ابن ماجة، والحاكم عن جابر ﵁. هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم، بمعنى:\nيستوفون آجالهم.\n ﴿وَيَذَرُونَ أَزْواجًا:﴾ المراد بالأزواج هنا: النّساء؛ لأنّ العرب تطلق اسم الزوج على المرأة، والرجل، كما رأيت في الآية رقم [٢٥]. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ انظر [٢٢٨] ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا:﴾\nأي: وعشرة أيام، وإنّما قال: وعشرا؛ لأنّ العرب إذا أبهمت العدد من الليالي، والأيام؛ غلّبوا الليالي، حتى إنّ أحدهم ليقول: صمت عشرا من الشهر؛ لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام؛ فإذا أظهروا الأيام؛ قالوا: صمنا عشرة أيام. وقيل: إن هذه الأيام أيام حزن، ولبس إحداد؛ فشبّهها بالليالي على سبيل الاستعارة.\nووجه الحكمة في أنّ الله تعالى حدّ العدة في هذا القدر؛ لأن الولد يتحرك في بطن أمه لنصف مدّة الحمل، وقيل: إنّ الروح ينفخ في الولد في هذه العشرة أيام. ويدلّ على ذلك ما روي","vol":"1","page":556},{"text":"عن ابن مسعود﵁قال: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق: «أنّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، أو سعيد، ثم ينفخ فيه الرّوح». أخرجاه في الصّحيحين بزيادة. فدلّ هذا الحديث على أنّ خلق الولد يجتمع في مدة أربعة أشهر، ويتكامل خلقه بنفخ الروح فيه في هذه الأيام الزائدة.\nوهذا الحكم يشمل الزّوجات المدخول بهنّ، وغير المدخول بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأهل السّنن: أنّ ابن مسعود -﵁سئل عن رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها مهرا، فتردّدوا إليه مرارا في ذلك، فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا؛ فمن الله، وإن كان خطأ فمنّي، ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصّداق كاملا. وفي لفظ: لها صداق مثلها، ولا وكس، ولا شطط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام معقل بن يسار الأشجعي﵁فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في «بروع بنت واشق» ففرح عبد الله﵁- بذلك فرحا شديدا.\nولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدّتها بوضع الحمل، لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ سورة (الطلاق). وكان ابن عباس﵄يرى: أن عليها أن تتربّص بأبعد الأجلين: من الوضع، أو من أربعة أشهر، وعشر، للجمع بين الآيتين، وهذا مسلك جيد، ومأخذ قويّ، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية﵂المخرج في الصّحيحين من غير وجه: أنّها توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها؛ تجمّلت للخطّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك﵁فقال لها: ما لي أراك متجمّلة لعلك ترجين النّكاح؟ والله ما أنت بناكح؛ حتى يمرّ عليكم أربعة أشهر، وعشر! قالت﵂-: فلمّا قال لي ذلك؛ جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوّج؛ إن بدا لي. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أنّ ابن عباس رجع إلى حديث سبيعة، لما احتجّ به عليه، ويصحح ذلك عنه: أنّ أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة. انتهى. مختصر ابن كثير. هذا؛ وسعد بن خولة﵁من بني عامر، وكان من أهل بدر، توفي في حجّة الوداع، وأبو السّنابل﵁من بني عبد الدار. هذا؛ وقال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها غير أنّه لا يقربها حتى تطهر.\nهذا؛ ويجب على من توفي عنها زوجها الإحداد، وهو ترك الزينة، والطّيب، ودهن الرأس بكلّ دهن، والكحل المطيّب، فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة؛ فيرخص لها. وبه قال مالك،","vol":"1","page":557},{"text":"وأبو حنيفة، وقال الشّافعي: تكتحل به باللّيل، وتمسحه بالنّهار. عن أم سلمة﵂- قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت عليّ صبرا، فقال: «ما هذا يا أمّ سلمة؟» فقلت: إنّما هو صبر يا رسول الله! ليس فيه طيب، فقال: «إنه يشبّ الوجه، فلا تجعليه إلا باللّيل. وتنزعينه بالنّهار. ولا تمتشطي بالطّيب، ولا بالحنّاء؛ فإنّه خضاب». قلت:\nبأيّ شيء أتمشّط يا رسول الله! قال: «بالسّدر تغلّفين به رأسك». أخرج أبو داود، والنّسائي نحوه، ومعنى يشبّ الوجه: يحسّنه، وينوّره. والسّدر: يشبه الشّجر المسمّى في بلادنا بالغار.\nوعن زينب بنت أبي سلمة، قالت: دخلت على أمّ حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب، فيه صفرة خلوق، أو غيره، فدهنت به جارية، ثم مست بعارضيها، ثمّ قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحلّ لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا».\nقالت زينب﵂-: ثمّ دخلت على زينب بنت جحش﵂حين توفي أخوها، فدعت بطيب، فمسّت منه، ثم قالت: والله ما لي بالطّيب من حاجة غير أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا». متفق عليه.\nهذا؛ ومن الإحداد أن لا تخرج من بيتها حتى تنتهي عدّتها كالمطلقة، وثبت: أنّ النّبي ﷺ قال للفريعة بنت مالك بن سنان: «امكثي في بيتك حتّى يبلغ الكتاب أجله» وكانت متوفى عنها زوجها. أخرجه مالك في موطئه عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة.\nهذا؛ وتخرج المعتدّة من مسكنها لقضاء حوائجها؛ إذا لم يكن لها من يقضيها لها، ولا يجوز لها المبيت إلا في بيت عدّتها إلا إذا خافت على نفسها، أو مالها، فعند ذلك يجوز لها ذلك. هذا؛ والمطلقة طلاقا رجعيّا تنتقل إلى عدّة الوفاة، وترثه، بخلاف البائنة، والمطلقة ثلاثا، فلا تنتقلان إلى عدّة الوفاة، ولا ترثان، كما إذا ماتتا، فلا يرثهما أيضا.\nتنبيه: هذه الآية ناسخة لحكم الآية رقم [٢٤٠] وإن كانت متأخّرة بالتّرتيب، لكنّها متقدّمة بالنزول، كما ستقف عليه.\n ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ:﴾ انقضت عدّتهن يقينا. واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها، أو طلاقه، فقالت طائفة من الصّحابة والتابعين: العدّة في الطلاق، والوفاة من يوم يموت، أو يطلق. وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وقالت طائفة من الصّحابة، والتابعين:\nإنّ عدتها من يوم يبلغها الخبر. والصّحيح الأوّل؛ لأنّ الله تعالى علّق العدّة بالوفاة، أو الطلاق، ولأنّها لو علمت بموته، فتركت الإحداد عمدا، انقضت عدّتها، فإذا تركته مع عدم العلم؛ فهو أهون. والمعنى: أنّ العدة لا تقضى. والله أعلم.","vol":"1","page":558},{"text":"﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ الخطاب للأولياء؛ لأنهم هم الذين يتولّون العقد في المذهب الشّافعي. ﴿فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني: من التزيين، والتطييب، والنقلة من المسكن الذي كانت معتدة فيه، ونكاح من يجوز لها نكاحه. واحتجّ الحنفية على جوار النكاح بغير وليّ بهذه الآية؛ لأنّ إضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة، وأجاب الشّافعي: أنّ قوله تعالى:\n ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ خطاب للأولياء، ولو صح العقد بغير وليّ؛ لما كان مخاطبا، وأجيب عن قوله: ﴿فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ:﴾ إنّما هو التزين، والتطيب بعد انقضاء العدّة، لا أنها تزوّج نفسها.\n ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يعني: أنه تعالى لا تخفى عليه خافية. و(الخبير): من أسماء الله الحسنى، وهو: العالم بكنه الشيء، وحقيقته من غير شكّ. و(الخبير) في صفة المخلوقين إنّما يستعمل في نوع من العلم، وهو الذي يوصل إليه بالاجتهاد، والفكر، والله تعالى منزّه عن ذلك كلّه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يُتَوَفَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، أو للمعلوم مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو الفاعل، أو نائب الفاعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْواجًا﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٢٨]، لكن الجملة الفعلية هنا خبرا للمبتدإ غير مسلّم؛ لأنها لم تشتمل على ضمير يعود إلى المبتدأ، لذا فإنّ في إعراب هذا التركيب ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ التقدير: وأزواج الذين يتوفون... إلخ، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا مستعمل عربية. الثاني: أنّ التقدير: يتربصن بعدهم، قال الأخفش: فيكون الرابط مقدرا، والمقدر كالمذكور. الثالث: أنّ ﴿يَتَرَبَّصْنَ..﴾. إلخ: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أزواجهم يتربصن... إلخ، والجملة خبر عن الأول، قاله المبرد. انتهى جمل نقلا عن السّمين بتصرف كبير. وقال مكّي: وقياس قول سيبويه: أنّ الخبر محذوف، تقديره: وفيما يتلى عليكم الّذين... إلخ، مثل: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ﴾. والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السّكون في محل نصب. ﴿بَلَغْنَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿أَجَلَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا).\n (لا): نافية للجنس، تعمل عمل «إنّ».","vol":"1","page":559},{"text":"﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (لا). ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف. ﴿فَعَلْنَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: في الّذين، أو: في شيء فعلنه. ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿فَلا جُناحَ..﴾. إلخ، جواب: (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية السابقة، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-242\"></span>﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ:﴾ لا إثم، ولا مؤاخذة عليكم. ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ:﴾ وهن في عدّة الوفاة، أو في عدّة الطلاق البائن، وهو مباح في العدّة، وهو أن يقول لها: إنّك لجميلة، وإنّك لصالحة، ومن يجد مثلك؟ وإني أريد أن أتزوج، وإنّي فيك لراغب، وأرجو أن يرزقني الله امرأة صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم من غير تصريح، بأن يقول:\nإنّي أريد أن أتزوّجك. وخطبة النساء بكسر الخاء. وبضمها: الموعظة، والإرشاد، والنصيحة.\nهذا؛ والتعريض للمعتدّة الرّجعية لا يجوز. ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أضمرتم، وسترتم، وأخفيتم في أنفسكم رغبتكم في نكاح المعتدّات من وفاة، أو من طلاق بائن.\nهذا؛ والفرق بين الكناية، والتعريض واضح: في الكناية: أن تذكر الشيء بغير لفظه، الموضوع له، كقولك: طويل النّجاد، والحمائل لطويل القامة. وكثير الرّماد، وجبان الكلب، ومهزول الفصيل؛ للمضياف. والتّعريض: أن تذكر شيئا تدل به على شيء، لم تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك؛ لأسلّم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم. ولذا قالوا: [الطويل]\nوحسبك بالتّسليم منّي تقاضيا\nوكأنه إمالة الكلام إلى عرض، يدل على العرض، ويسمّى التلويح؛ لأنه يلوح منه ما يريده.\n ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ:﴾ لا محالة، ولا تنفكّون عن النّطق برغبتكم فيهنّ، ولا تصبرون عنه، وفيه طرف من التّوبيخ، مثل قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. هذا؛ وشهوة النفس، والتّمني، لا يخلو منها أحد، فلمّا كان هذا الخاطر كالشّيء السّاقط؛ أسقط عنه الحرج.","vol":"1","page":560},{"text":"﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا:﴾ اختلفوا في هذا السّر المنهي عنه، فقيل: هو الزّنى؛ كان الرجل يدخل على المرأة يعرّض بالنّكاح، ومراده الزّنى، ويقول لها: عديني، فإذا انقضت عدّتك؛ أظهرت نكاحك. ومنه قول الأعشى من قصيدته الّتي مدح بها النّبيّ ﷺ: [الطويل]\nفلا تقربنّ جارة إنّ سرّها... عليك حرام فانكحن أو تأبّدا\nوقال الحطيئة: [الوافر]\nويحرم سرّ جارتهم عليهم... ويأكل جارهم أنف القصاع\nوقيل: السرّ: الجماع؛ أي: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النّكاح، فإنّ ذكر الجماع مع غير الزّوجة فحش. وهذا قول الشّافعي، ﵁. وقال امرؤ القيس: [الطويل]\nألا زعمت بسباسة اليوم أنّني... كبرت وألاّ يحسن السّرّ أمثالي\n ﴿إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا:﴾ هو ما ذكر من التعريض بالخطبة من غير تصريح بذلك، و﴿إِلاّ﴾ متعلّق. ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ أي: لا تواعدوهن مواعدة قطّ إلا مواعدة معروفة غير منكرة.\n ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ أي: لا تعقدوا عقد النكاح على معتدة الوفاة، أو غيرها حتّى تنتهي عدّتها المفروضة عليها. وعزم على الشيء: قرر، وصمّم على فعله، وذكر العزم للمبالغة في النّهي عن مباشرة النكاح، فإذا نهى عنه؛ كان النهي عن الفعل من باب أولى. هذا؛ وسمّى الله العدّة، وانتهاءها: كتابا؛ لأنها فرضت به، وهو كقوله تعالى:\n ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ﴾.\n ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ؛ أي: اعتقدوا، وأيقنوا: أنّ الله يعلم ما تخفون في أنفسكم، وما تظهرون من أقوالكم، وأعمالكم، ﴿فَاحْذَرُوهُ:﴾ خافوا حسابه، وعقابه، ففيه تهديد، ووعيد لمن يخالف الشّرع الشّريف في هذه الأحكام، أو بعضها. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ:﴾ لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، بل يستر عليه. هذا؛ واختلفوا فيمن تزوّج امرأة في عدّتها، فدخل بها، فإنه يفرّق بينهما، ويجب عليها عدّتان: إتمام عدة الأول، واستئناف عدّة الثاني، وهل تحرم عليه أبدا؟ قولان: الجمهور على أنّها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها. وذهب الإمام مالك-رحمه الله تعالى-إلى أنّها تحرم عليه على التأبيد، ومأخذ هذا أنّ الزّوج لما استعجل ما أجّل الله؛ عوقب بنقيض قصده، فحرمت عليه على التأبيد. كالقاتل لمورثه يحرم من الميراث. ومن طلب شيئا قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه.\nتنبيه: عدّة الوفاة عدّة تفجّع مهما كان عمر المرأة، وأمّا عدّة الطلاق؛ فالغالب: أنها لبراءة الرّحم من الحمل، وقد تكون تعبّديّا، كطلاق الآيسة، والصّغيرة؛ الّتي لم تحض. والله أعلم بمراده، وأسراره.","vol":"1","page":561},{"text":"الإعراب: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿مِنْ خِطْبَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والعامل الفعل. ﴿عَرَّضْتُمْ،﴾ أو بمحذوف حال من (ما)، وتكون (﴿مِنْ﴾) بيانا لما أبهم في (ما) والعامل هو الاستقرار المحذوف. و﴿خِطْبَةِ﴾ مضاف، و﴿النِّساءِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. وجملة: ﴿وَلا جُناحَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَكْنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشّرح.\n ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، والكاف في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿عَرَّضْتُمْ..﴾. إلخ. ﴿عَلِمَ اللهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله.\n ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ:﴾ السين: حرف استقبال.\n (تذكرونهن): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (﴿عَلِمَ﴾)، والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محلّ نصب حال من تاء الفاعل؛ فالرابط الضّمير فقط، ويجب تقدير: «قد» قبلها، ويكون المعنى: حالة كونكم معلومين عند الله.\n ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل، لا عمل له، ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُواعِدُوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿سِرًّا:﴾ مفعول به ثان، وقيل: هو حال بمعنى: مستسرين، فيكون المفعول الثاني محذوفا. وقيل: هو صفة لمصدر محذوف، التقدير:\nمواعدة سرّا. وقيل: التقدير: في سرّه، فيكون ظرفا، أو هو منصوب بنزع الخافض، وجملة:\n ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ..﴾. إلخ معطوفة على محذوف، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فاذكروهن، ولكن... إلخ.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف استثناء منقطع. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النّون، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿قَوْلًا﴾ مفعول مطلق. ﴿مَعْرُوفًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء المنقطع، والمستثنى منه محذوف، وتقدير الكلام: لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة، أو: إلا مواعدة بقول معروف، فيكون مجرورا بحرف جرّ محذوف، ومتعلقا بالمستثنى. ﴿وَلا تَعْزِمُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿عُقْدَةَ:﴾ منصوب على نزع الخافض، التقدير: على عقدة، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها، و﴿عُقْدَةَ﴾ مضاف، و﴿النِّكاحِ﴾ مضاف","vol":"1","page":562},{"text":"إليه. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَبْلُغَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الْكِتابُ:﴾ فاعله. ﴿أَجَلَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل ﴿يَبْلُغَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَعْزِمُوا﴾.\n ﴿وَاعْلَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِعْلَمُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جرّ بالإضافة، و﴿أَنْ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (﴿اِعْلَمُوا﴾) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وجملة: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، ولا يخفى عليك إعراب: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-243\"></span>﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾\nالشرح: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ: لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا تبعة في طلاق النساء اللّاتي لم يدخل بهن الأزواج بعد إجراء العقد عليهنّ، ولم يسمّ الأزواج لهنّ مهرا أيضا، فهؤلاء يجب على الأزواج أن يعطوهنّ شيئا من المال تطييبا لخاطرهنّ، وما يعطى لهنّ على سبيل الهدية يسمّى متعة ماليّة، وهذا القدر المالي يختلف باختلاف حال الزّوج المالي المادّي.\nومعنى ﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ تجامعوهنّ، فيعلّمنا ربّنا أن نتحاشى الألفاظ الفاحشة في الكلام، ومثل هذا الأدب كثير في القرآن الكريم، وقرئ: («تماسّوهنّ») من المفاعلة؛ لأن الوطء يتم بها.\n ﴿فَرِيضَةً:﴾ المراد بها ما يسمّى من المهر للمرأة. ﴿الْمُوسِعِ:﴾ الغني. ﴿الْمُقْتِرِ:﴾ الفقير الضيق الحال. وهو بفتح القاف، وتشديد التاء: البخيل الشحيح.\nهذا؛ ويفهم من نصّ الآية الكريمة: أنه لا يشترط تسمية المهر في العقد، وإنّما التسمية سنّة، وبعد العقد، وبعد الدخول إن اتّفقا على مهر؛ وإلا؛ فلها مهر مثلها.\nتنبيه: المطلّقات أربع: مطلقة مدخول بها، ومفروض لها، وقد ذكر حكمها قبل هذه الآية: أنّه لا يسترد منها شيء من المهر، وأنّ عدّتها ثلاثة قروء. ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، فهذه الآية في شأنها، ولا مهر لها، بل أمر الله تعالى بإمتاعها. وبيّن الله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٩] أنّ غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدّة عليها، وطلاقها لا يوصف","vol":"1","page":563},{"text":"بسنّيّ، ولا بدعيّ. ومطلقة مفروض لها، غير مدخول بها ذكرها الله تعالى في الآية التالية.\nومطلقة مدخول بها، غير مفروض لها، ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ رقم [٢٤] من سورة (النساء). فذكر الله تعالى في هذه الآية، والتي بعدها مطلقة قبل المسيس، وقبل الفرض، ومطلقة قبل المسيس، وبعد الفرض، فجعل للأولى المتعة، وجعل للثانية نصف الصّداق؛ لما لحق الزّوجة من دحض العقد، ووصم الحلّ الحاصل للزوج بالعقد، وقابل المسيس بالمهر الواجب. انتهى. قرطبي بتصرف.\nوإن وقع الموت قبل الفرض، فخذه بما يلي: عن ابن مسعود﵁-: أنّه سئل عن رجل تزوّج امرأة لم يفرض لها، ولم يدخل بها؛ حتّى مات. فقال: لها مثل صداق نسائها، لا وكس، ولا شطط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي﵁-، فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منّا، مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود، ﵁. وقال عليّ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر﵃-: لها الميراث، ولا صداق لها، وعليها العدّة. وهو قول الشّافعيّ. وروي عنه: أنّه رجع بمصر عن هذا القول.\nهذا؛ واختلف في المتعة، هل هي واجبة لكل مطلّقة، أم هي على سبيل النّدب؟ والمعتمد الوجوب؛ فقد روى الثعلبيّ: أنّ رجلا من الأنصار، عقد على امرأة من بني حنيفة، ولم يسمّ لها مهرا، ثم طلّقها قبل أن يمسّها، فنزلت الآية الكريمة، فقال له النبيّ ﷺ: «متّعها؛ ولو بقلنسوتك».\nوروى الدّارقطنيّ عن سويد بن غفلة، قالت: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن عليّ﵄فلمّا أصيب عليّ، وبويع الحسن بالخلافة، قالت: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال:\nيقتل عليّ، وتظهرين الشماتة؟! اذهبي فأنت طالق ثلاثا! قال: فتلفّعت بساجها، وقعدت؛ حتّى انقضت عدّتها، فبعث إليها بعشرة آلاف متعة، وبقيّة ما بقي لها من صداقها، فقالت: [الطويل]\nمتاع قليل من حبيب مفارق\nفلمّا بلغه قولها؛ بكى، وقال: لولا أني سمعت جدّي-أو: حدثني أبي: أنه سمع جدي- يقول: «أيّما رجل طلّق امرأته ثلاثا مبهمة، أو ثلاثا عند الأقراء؛ لم تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره؛ لراجعتها». وخاب الّذين يقولون: لفظ الثلاث لا يقع إلا واحدة!.\nالإعراب: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة فيما تقدّم. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿طَلَّقْتُمُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله.\n ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ مصدرية ظرفية زمانية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر، التقدير: زمن عدم المسيس، والفرض، وقيل: هي شرطية مقدّرة ب «إن» فتكون من باب اعتراض الشرط على","vol":"1","page":564},{"text":"الشرط، ويكون الثاني قيدا في الأول، كما في قولك: إن تأتني، إن تحسن إليّ؛ أكرمك. أي:\nإن تأتني محسنا إليّ. والمعنى: إن طلقتموهن غير ماسّين لهنّ. وهذا المعنى أقعد من الأوّل.\nانتهى جمل بتصرّف.\nهذا؛ ويظهر لي وجه بعيد: أنّ ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى «اللاتي» واستعمال: ﴿ما﴾ للعاقلات هنا لمعنى دقيق لطيف، وهو أنّ المرأة ملك الرّجل، كسائر ما يملك من غير العاقلين؛ لسببين: الأوّل: أنّ للرجل قوامة على المرأة بسبب الإنفاق عليها، قال تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ رقم [٣٤] من سورة (النساء) والثاني: أنّ الرّجل يملك رقبة المرأة بعقدة النكاح التي بينهما، كما ستراه في الآية التالية، وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ..﴾. إلخ.\n ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون في الجميع حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية محلّها بحسب معنى (﴿ما﴾). ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَفْرِضُوا:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، فهو مجزوم مثله، والواو فاعله. هذا، واعتبره البيضاوي تبعا للزمخشري: أنّ الفعل منصوب ب «أن» مضمرة بعد (أو). وأنّ المعنى: إلا أن تفرضوا. أو: حتى تفرضوا، وعليه ينتفي الجناح عن المطلّق على الأوّل بانتفاء الجماع، أو الفرض، وعلى الثاني بانتفاء الجماع فقط؛ إذ لو مسّ، أو فرض؛ لزم الكلّ، أو النصف. انتهى جمل نقلا عن كرخي. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق.\n ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، واقعة جوابا لشرط غير جازم، وتقدير الكلام: إذا طلقتم النساء قبل المسيس، والفرض؛ فلا تعطوهنّ المهر، ومتعوهنّ. ﴿عَلَى الْمُوسِعِ:﴾ متعلقان بمحذوف خير مقدّم. ﴿قَدَرُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية، قيل:\nمستأنفة، وقيل: في محل نصب حال، وعليه: فتحتاج إلى تقدير رابط؛ أي: على الموسع منكم قدره، والجملة الثانية: ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ معطوفة عليها. ﴿مَتاعًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، أو للفعل المذكور.\n ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَتاعًا﴾. ﴿حَقًّا:﴾ صفة: ﴿مَتاعًا،﴾ وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو أولى. ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ متعلقان ب ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.","vol":"1","page":565},{"text":"<span id=\"aya-244\"></span>﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ..﴾. إلخ: لمّا ذكر الله تعالى حكم المفوضة في الآية السّابقة، وهي التي لم يسمّ لها مهر حال العقد عليها، كما رأيت؛ أتبعه بحكم المسمّى لها مهر. ومعنى:\n ﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ تجامعوهن. ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً:﴾ سمّيتم لهن مهرا. ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أي: فلهنّ نصف المهر المسمّى.\nومذهب الشافعي-رحمه الله تعالى-: أنّ الخلوة من غير مسيس، لا توجب إلا نصف المهر المسمّى؛ لأن المسيس، إمّا حقيقة في المسّ باليد، أو جعل كناية عن الجماع، وأيّهما كان فقد وجد الطلاق قبله. وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: الخلوة الصحيحة تقرّر المهر. ومعنى الخلوة الصحيحة: أن يخلو بها، وليس هناك مانع حسّيّ، ولا شرعيّ، فالحسّيّ: نحو الرّتق، والقرن، أو يكون معهما ثالث. والشّرعي: نحو الحيض، والنفاس، وصوم الفرض، وصلاة الفرض، والإحرام، سواء كان فرضا، أو نفلا. والآية حجّة لمذهب الشافعي.\nقال شريح القاضي-رحمه الله تعالى-: لم أسمع: أنّ الله تعالى ذكر في كتابه بابا، ولا سترا، فإن زعم: أنّه لم يمسّها؛ فلها نصف الصّداق. وقال ابن عباس﵄-: إذا خلا بها، ولم يمسّها؛ فلها نصف المهر. هذا؛ ولو مات أحد الزّوجين بعد التّسمية، وقبل المسيس، فلها المهر كاملا، وعليها العدّة، إن كان الزوج هو الميت بالاتفاق، وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (النساء).\n ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني: النساء المطلقات، والمعنى: إلا أن تترك المرأة المطلقة نصيبها من الصّداق، فتهبه للزوج، فيعود جميع الصداق له، بشرط أن تكون العافية بالغة عاقلة راشدة، بخلاف التي في حجر أب، أو وصيّ، فلا يجوز وضعها لشيء من صداقها، ولا خلاف فيه.\n ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ:﴾ فيه قولان: أحدهما: أنّه ولي المرأة، وهو قول ابن عباس -﵄وكثير من التّابعين، وبه قال الشافعي في القديم، والإمام مالك قال به أيضا.\nوالقول الثاني: أنه الزّوج، وهو قول عليّ، وابن عباس في الرواية الأخرى، وجبير بن مطعم -﵃وكثير من التابعين، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد، وجمهور الفقهاء.\n ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى:﴾ الخطاب للأزواج، والزّوجات، وفيه تغليب الذكور على الإناث، ومثله ما بعده. ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ:﴾ المعروف، والإحسان لا تهملوه، بل","vol":"1","page":566},{"text":"استعجلوه بينكم، قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: الفضل: إتمام الرّجل الصداق كلّه، أو ترك المرأة النصف الّذي لها. عن عليّ﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتينّ على النّاس زمان عضوض، يعضّ المؤمن على ما في يديه»؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ «شرار يبايعون كلّ مضطرّ». رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ. وقد نهى الرسول ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، فإن كان عندك فضل؛ فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكا إلى هلاكه، فإنّ المسلم أخو المسلم، لا يحزنه، ولا يحرمه.\n ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ فيه وعد للمحسن، ووعيد للمسيء؛ أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم. وعن جبير بن مطعم﵁-: أنه تزوج امرأة، ثمّ طلقها قبل أن يدخل بها، فأكمل لها الصّداق، وقال: أنا أحق بالعفو. وعنه: أنه دخل على سعد بن أبي وقاص -﵁فعرض عليه بنتا له، فتزوّجها، فلمّا خرج طلّقها، وبعث إليها بالصّداق كاملا، فقيل له: لم تزوجتها؟ فقال: عرضها عليّ، فكرهت ردّه. قيل له: لم بعثت إليه بالصّداق، قال:\nفأين الفضل؟ والمراد بالتزوج بالاثنتين: إجراء عقد النكاح. وفي هذه الأيام حدّث ولا حرج عن ظلم المرأة، وأكل حقوقها، وتعسّفها، وامتهانها.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والنون فيه، وفيما بعده حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿أَنْ تَمَسُّوهُنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿إِنْ﴾)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الهاء، والرابط: على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿فَنِصْفُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (نصف): مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليكم، أو: فلهن نصف، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب نصف، وقرئ بالنّصب على تقدير: فأدّوا النصف، (نصف): مضاف، و(ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَرَضْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: نصف الذي، أو: شيء فرضتموه، والجملة الاسمية: ﴿فَنِصْفُ..﴾. إلخ: في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها.","vol":"1","page":567},{"text":"﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، أو: استثناء. ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَعْفُونَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، التي هي فاعله، وهو في محل نصب ب ﴿إِنْ﴾ و﴿إِنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، والتقدير: فنصف ما فرضتم إلا في حال عفوهنّ، أو عفو الزوج، فلا تنصيف حينئذ.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَعْفُوَا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو منصوب تبعا لمحلّه، ومؤوّل مثله بمصدر. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله. ﴿بِيَدِهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عُقْدَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿النِّكاحِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿وَأَنْ تَعْفُوا:﴾ الواو: واو الحال. ﴿تَعْفُوا:﴾ مضارع منصوب ب (﴿إِنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول منهما في محل رفع مبتدأ.\n ﴿أَقْرَبُ:﴾ خبره. ﴿لِلتَّقْوى﴾ متعلقان ب ﴿أَقْرَبُ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب حال ممّا قبله؛ لأن الخطاب للأزواج، والزوجات على سبيل التغليب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿تَنْسَوُا:﴾\nفعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله.\n ﴿الْفَضْلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿الْفَضْلَ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثلهما فيما تقدم، وهي مفيدة للتعليل، أو هي مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-245\"></span>﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)﴾\nالشرح: توسطت هاتان الآيتان الآمرتان بالمحافظة على الصلاة خلال الآيات الكريمة المتعلقة بأحكام الأسرة وعلاقات الزّوجين عند الطّلاق، أو الافتراق لحكمة عالية، وهي: أنّ الله تعالى لمّا أمر بالعفو، والتسامح، وعدم نسيان الفضل بعد الطّلاق؛ بيّن، بل وحثّ على المحافظة على الصّلاة؛ لأنّها أعظم وسيلة إلى نسيان هموم الدّنيا، وأكدارها، ولهذا كان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر شديد؛ فزع إلى الصّلاة، وقال: «أرحنا بلال، أرحنا بلال». فالطّلاق، وما ينتج عنه يولّد الشّحناء، والبغضاء، والصّلاة تدعو إلى الإحسان، والتّسامح، وتنهى عن الفحشاء، والمنكر، وذلك أفضل وسيلة لتربية النفس الإنسانيّة، فلا ريب: أنّها عماد الدين،","vol":"1","page":568},{"text":"ورأس الإيمان، واليقين. هذا؛ وانظر ما ذكرته في آية الدّعاء المقحمة بين آيات الصّيام؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\n ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ أي: الخمس، فيأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها، وإتمام ركوعها، وسجودها، وخشوعها، كما ثبت في الصّحيحين عن ابن مسعود﵁قال: سألت رسول الله ﷺ، قلت: يا رسول الله! أيّ العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثمّ أي؟، قال: «ثم بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال:\n «الجهاد في سبيل الله». هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المعارج): ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثم ذكر ثماني صفات، وقال في العاشرة: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾. وقال أبو البقاء: في ﴿حافِظُوا﴾ معنى لا يوجد في: احفظوا، وهو تكرير الحفظ.\n ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى:﴾ تأنيث الأوسط، ووسط الشيء: أعدله، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [١٤٣]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ انظر شرحها هناك، فإنّه جيد. والحمد لله!\nوقال أعرابي يمدح النبي ﷺ: [البسيط]\nيا أوسط النّاس طرّا في مفاخرهم... وأكرم النّاس أمّا برّة وأبا\nوإفراد الصّلاة الوسطى بالذّكر، وقد دخلت في عموم الصّلوات تشريفا لها. واختلف فيها على عشرة أقوال، والمعتمد: أنّها صلاة العصر لأحاديث صحيحة وردت في ذلك، خرّجها مسلم، وأنصّها حديث ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الصّلاة الوسطى صلاة العصر». أخرجه الترمذيّ. وعن عليّ﵁-: أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب، وفي رواية: يوم الخندق: «ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا، كما شغلونا عن الصّلاة الوسطى حتّى غابت الشّمس». وفي رواية أخرى: «شغلونا عن الصّلاة الوسطى؛ صلاة العصر». وزاد في أخرى: «ثمّ صلاّها بين المغرب، والعشاء». أخرجاه في الصّحيحين، والإمام أحمد أخرجه كذلك.\nوعن ابن مسعود﵁-، قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر، حتى احمرّت الشّمس-أو: اصفرت-فقال رسول الله ﷺ: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم، وقبورهم نارا». أو: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا». وقد خصّت صلاة العصر بمزيد من التأكيد، والأمر بالمحافظة عليها، والتغليظ لمن ضيّعها، ويدلّ على ذلك ما روي عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة، فقال في يوم ذي غيم: بكّروا بصلاة العصر. فإن النّبيّ ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله». رواه البخاريّ، وغيره.\nوعن ابن عمر﵄عن النبي ﷺ، قال: «الّذي تفوته صلاة العصر؛ فكأنّما وتر","vol":"1","page":569},{"text":"أهله، وماله». رواه الستّة، ومالك أيضا. ومعنى وتر: أي: نقص، وسلب أهله، وماله. وقال ﷺ: «إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب».\n ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ:﴾ مطيعين خاضعين خاشعين في الصّلاة، وغيرها. والقنوت: أن تذكر الله قائما. والقنوت: طول القيام. قاله ابن عمر﵄وقرأ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا﴾. وقال النبي ﷺ: «أفضل الصّلاة طول القنوت». أخرجه مسلم، وغيره، وقال الشاعر: [الرمل]\nقانتا لله يدعو ربّه... وعلى عمد من النّاس اعتزل\nوقال السّدّيّ-رحمه الله تعالى-: قانتين: ساكتين، دليله: أنّ الآية نزلت في المنع من الكلام في الصّلاة، وكان ذلك مباحا في صدر الإسلام، وهذا هو الصحيح؛ لما رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود﵁قال: كنا نسلم على رسول الله ﷺ، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلمّا رجعنا من عند النّجاشي؛ سلّمنا عليه، فلم يردّ علينا، فقلنا: يا رسول الله! إنّا كنّا نسلّم عليك في الصلاة، فتردّ علينا! فقال: «إنّ في الصّلاة لشغلا». وروى زيد بن أرقم؛ قال: كنّا نتكلّم في الصّلاة يكلّم الرّجل صاحبه؛ وهو إلى جنبه في الصّلاة، حتّى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسّكوت، ونهينا عن الكلام. ومن القنوت أيضا: طول الرّكوع، والسّجود، وغضّ البصر، والهدوء في الصّلاة، وخفض الجناح، والخشوع فيها. وكان العلماء إذا قام:\nأحدهم يصلّي؛ يهاب الرّحمن أن يلتفت، أو يقلّب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا إلا ناسيا. خازن.\nالإعراب: ﴿حافِظُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النّون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿عَلَى الصَّلَواتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والآية معترضة كما بيّنته في الشرح.\n ﴿وَالصَّلاةِ:﴾ معطوف على ما قبله عطف خاص على عام. ﴿الْوُسْطى:﴾ صفة الصلاة مجرور مثله، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف للتعذّر. (﴿قُومُوا﴾): فعل أمر مثل سابقه.\n ﴿لِلّهِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿قانِتِينَ﴾ حال من واو الجماعة. هذا؛ وجوز تعليق ﴿لِلّهِ﴾ ب: ﴿قانِتِينَ﴾ والمعنى لا يأباه.\n\n<span id=\"aya-246\"></span>﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾\nالشرح: لما أمر الله تعالى عباده بالمحافظة على الصّلوات، والقيام بحدودها، وشدّد الأمر بتأكيدها؛ ذكر الحال التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال، والتحام الحرب. فقال جلّ ذكره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ..﴾. إلخ؛ المعنى: إن لم يمكنكم أن","vol":"1","page":570},{"text":"تقوموا قانتين موفين حدود الصّلاة من إتمام الركوع، والسجود، والخضوع، والخشوع؛ لخوف عدوّ، أو سيل، أو خوف سبع؛ فصلّوا مشاة على أرجلكم، أو ركبانا على دوابّكم، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، ولا تهملوها أصلا.\nوصلاة الخوف قسمان، أو نوعان: أحدهما: أن يكون في حال القتال، وهو المراد بهذه الآية. والثاني في غير حال القتال، وهو المذكور في سورة النّساء في قوله تعالى: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ رقم [١٠٢].\n (رجالا): جمع: راجل. ﴿أَوْ رُكْبانًا:﴾ جمع راكب، فإذا التحم القتال، ولم يكن لأحد تركه؛ فمذهب الشّافعي: أنّهم يصلون ركبانا على الدّواب (على السّيارات، والدّبابات، والطّيارات)، ومشاة على الأرجل، والأقدام، إلى القبلة، وإلى غير القبلة، يومئون بالرّكوع، والسّجود، ويكون السجود أخفض من الرّكوع، ويحترزون عن الصّياح، فإنّه لا حاجة إليه، وقال أبو حنيفة: لا يصلّي الماشي، بل يؤخر الصّلاة، ويقضيها؛ لأنّ النبي ﷺ أخّر الصّلاة يوم الخندق، فصلّى الظّهر، والعصر، والمغرب بعد ما غربت الشّمس، فيجب علينا الاقتداء به في ذلك. واحتجّ الشّافعيّ-رحمه الله تعالى-بهذه الآية، وأجيب عمّا ذكر يوم الخندق بأنه لم يكن نزل حكم صلاة الخوف، فلمّا نزلت الآية الكريمة لم يؤخر النّبيّ ﷺ بعد ذلك صلاة قطّ. هذا؛ ومالك يقول بقول الشّافعي، وأمّا الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-فصلاة الخوف عنده تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلى ذلك ينزل الحديث؛ الذي رواه مسلم عن ابن عباس﵄قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا، وفي السّفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، وتأوّل الشّافعيّ هذا بأنّ المراد به ركعة مع الإمام، وركعة أخرى يأتي بها منفردا.\nولعلّك تدرك معي أهميّة الصّلاة في الدّين بأنّها لم تسقط في عذر من الأعذار، لا في السّفر، ولا في المرض، وجد الماء، أم لم يوجد، ولا في شدّة الحرب، فيجب أن تصلّى بأية كيفية كانت، وعلى أيّة حالة حصلت، وقد شدّد النبيّ ﷺ في طلبها، واعتبر من تركها عمدا كافرا. وخذ ما يلي:\nعن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «بين الرّجل وبين الكفر ترك الصّلاة». رواه مسلم، وأحمد. وعن بريدة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «العهد الّذي بيننا وبينهم الصّلاة، فمن تركها؛ فقد كفر». رواه أحمد، وأبو داود، والنّسائيّ، والترمذيّ. وغير ذلك كثير.\n ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ أي: أقيموا الصّلاة كما أمرتم، فأتمّوا لها ركوعها، وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها. ﴿كَما عَلَّمَكُمْ..﴾. إلخ؛ أي: مثل ما أنعم الله عليكم، وهداكم","vol":"1","page":571},{"text":"للإيمان، وعلّمكم ما ينفعكم في الدّنيا، والآخرة، فقابلوه بالشّكر، والذّكر، كقوله تعالى بعد ذكر صلاة الخوف في الآية رقم [١٠] من سورة (النساء): ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ..﴾. إلخ.\n ﴿كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ:﴾ قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فاشكروا الله على الأمن، واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علّمكم من الشّرائع، وكيف تصلّون في حال الخوف، وفي حال الأمن.\nهذا؛ وبين ﴿خِفْتُمْ﴾ وبين: ﴿أَمِنْتُمْ﴾ طباق، وهو من المحسنات البديعية. وقال أبو السّعود-رحمه الله تعالى-: في إيراد هذه الشّرطية بكلمة (إن) المنبئة عن عدم تحقّق وقوع الخوف، وقلّته، وإيراد الثانية بكلمة (إذا) المنبئة عن تحقّق وقوع الأمن، وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى، والإطناب في جواب الثانية من الجزالة، ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولي الأبصار. انتهى جمل نقلا منه.\nهذا؛ وأشرح قوله، وأوضّحه بما يلي: (إن) تفيد الشّكّ في المعنى، وتجزم في اللّفظ، و(إذا) بالعكس تجزم في المعنى، ولا تجزم في اللفظ، ولذا ألغز بعضهم بقوله: [الكامل]\nسلّم على شيخ النّحاة وقل له... عندي سؤال من يجبه يعظّم\nأنا إن شككت رأيتموني جازما... وإذا جزمت فإنّني لم أجزم\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَرِجالًا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (رجالا): حال عامله محذوف، التقدير: فصلوا رجالا. وهو جمع: راجل كما رأيت، فهو مشتق، وليس جامدا، والجملة المقدّرة هذه في محل جزم جواب الشّرط، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف ومفرّع عمّا قبله، لا محل له.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَمِنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التّعظيم، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.\n ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): تحتمل الموصولة، والمصدرية.\n ﴿عَلَّمَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والكاف مفعوله، فعلى اعتبار: (ما) موصولة فالجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: كالّذي علّمكم إيّاه، وعلى اعتبارها","vol":"1","page":572},{"text":"مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور على الاعتبارين متعلّقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا.\nالتقدير: اذكروا الله ذكرا كائنا مثل الذي علمكموه. أو: كائنا مثل تعليمه إياكم.\nوعلى التقدير الأوّل ثبت المفعول الثاني. تأمّل. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف حرف تعليل؛ فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويكون التقدير: اذكروا الله لتعليمه إيّاكم، فيكون مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٩٨]: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾. ما: اسم موصول بدل من (ما) الأوّل على اعتبارها موصولة، ومفعول ثان للفعل (علم) على اعتبار الأولى مصدرية. ﴿لَمْ:﴾\nحرف نفي، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص مجزوم بلم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف خبره، والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف، وهو مفعول: ﴿تَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-247\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾\nالشرح: ذهب جماعة من المفسّرين في تأويل هذه الآية: أنّ المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى عنها حولا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت؛ لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها، ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر، والعشر، ونسخت النفقة بالرّبع، والثّمن في سورة (النساء). قاله ابن عباس وغيره، قال البخاري: قال ابن الزبير﵁-: قلت لعثمان بن عفان﵁-: هذه الآية في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا..﴾. إلخ؛ قد نسختها الآية رقم [٢٣٤]، فلم تكتبها، ولا تدعها؟! قال: يا بن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. فأجابه بأنّ هذا أمر توفيقي، لا يجوز تغييره، ولا إبداله. فأخزى الله الذين يقولون: إنّ عثمان حرّف القرآن، وغيّر فيه!.\nفإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدّمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة، وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ رقم [١٤٢] مع قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ رقم [١٤٤]. انتهى كشاف.\n ﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ أي: فيجب أن يعين لهنّ ما يكفيهن نفقة عام كامل من مال الزّوج المتوفّى. ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ:﴾ قال عطاء ﵀: إن شاءت؛ اعتدت في بيت زوجها، وسكنت في وصيتها، وإن شاءت؛ خرجت، ولا وصية لها، لقول الله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ﴾","vol":"1","page":573},{"text":"﴿عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ فهي مخيّرة، ولا تجبر على الخروج من بيت المتوفّى عنها.\n ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ هو مثل قوله تعالى فيما سبق: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو الذي لا ينكره الشرع الشريف من التزيّن، والتطيّب، والتّعرّض للخطاب. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ:﴾ قوي، وغالب، وقاهر، ينتقم ممّن يخالف أوامره. ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما دبّر، وقضى، وحكم. ففيه وعيد، وتهديد، لا يصلح محلّه:\n ﴿(غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ كما رأيت فيما تقدّم.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُتَوَفَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْواجًا:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَصِيَّةً:﴾\nمفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: يوصون وصية، وقدّر الجلال، فليوصوا وصية، وعليه ف (﴿وَصِيَّةً﴾) مفعول به للمقدّر. وعلى الاعتبارين فالجملة المقدرة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ ويقرأ: («وصيّة») بالرفع على أنّها مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: عليهم وصية، أو على أنها خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب وصية، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ: (الذي). ﴿لِأَزْواجِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة وصية، أو هما متعلقان بها على اعتبارها مصدرا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَتاعًا﴾ بدل من (الوصية) أو صفة لها على نصبها، وقيل: حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أي: متمتّعات. وقيل: مفعول ثان لفعل محذوف، التقدير: ويعطوهنّ متاعا، وهذه الجملة معطوفة على المقدّرة قبلها. ﴿إِلَى الْحَوْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَتاعًا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿غَيْرَ:﴾\nحال من (أزواجهم) أو صفة: ﴿مَتاعًا﴾ أو بدل منه، وقيل: نائب مفعول مطلق، وهو ضعيف، ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿إِخْراجٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع. (إن ﴿خَرَجْنَ..﴾.) إلخ:\nانظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٢٣٤]، مع ملاحظة أنّ الشّرط هنا هو (إن). ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ هذه الجملة معترضة في آخر الكلام الغاية منها التّهديد، والوعيد.\n\n<span id=\"aya-248\"></span>﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ قد بيّن الله في الآية رقم [٢٣٦] المتعة، وقدرها، وقد رأيت فيما سبق: أنّ هذه المتعة إنّما تتبع حال الزّوج المطلّق ضيقا، وسعة، وهو تأويل قوله تعالى هنا: ﴿بِالْمَعْرُوفِ،﴾ وقد فسّر النسفي كلمة: ﴿مَتاعٌ﴾ بنفقة العدّة. وهو غير مسلّم له: فمتعة المطلقة زيادة على نفقة العدّة. ﴿حَقًّا﴾ أي: وجبت وجوبا، وقد رأيت فيما سبق: أنّها واجبة، وغير واجبة. هذا؛ وقد قال الخازن: لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ..﴾. إلخ؛","vol":"1","page":574},{"text":"قال رجل من المسلمين: إذا فعلت أحسنت، وإن لم أرد لم أفعل، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ..﴾. إلخ، فجعل المتعة لهنّ بلام التّمليك. انتهى. فيكون المتأخر ناسخا للسّابق. هذا؛ وقال زيد بن أسلم: هو نسخ محض. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِلْمُطَلَّقاتِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.\n ﴿مَتاعٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿حَقًّا:﴾\nمفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: حقّ ذلك حقّا، والجملة الفعلية هذه في محل رفع صفة ثانية ل ﴿مَتاعٌ،﴾ والصفة الأولى متعلّق ب: (المعروف). ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف صفة له.\n\n<span id=\"aya-249\"></span>﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾\nالشرح: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما تقدّم من أحكام المطلّقات، والعدد.\n ﴿يُبَيِّنُ..﴾. إلخ: هذا وعد من العليم الحكيم بأنّه سيبين لعباده من الدّلائل، والأحكام ما يحتاجون إليه في دنياهم، وآخرتهم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون، وتتدبّرون، فتستعملون العقل فيها.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله الفعل الذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وتقدير الكلام: يبيّن الله لكم آياته تبيينا مثل هذا التبيين.\nوالجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.\n ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للتبيين، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-250\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾\nالشرح: مناسبة الآيات الآتية لما قبلها: لمّا ذكر الله تعالى أحكام الأسرة بالتّفصيل، والتّنظيم التي تربط بين أفرادها، وذكر طرق إصلاحها باعتبار: أنّها النواة، واللّبنة؛ التي يشاد منها صرح المجتمع الفاضل؛ ذكر بعدها أحكام الجهاد، وذلك لحماية العقيدة، وصيانة","vol":"1","page":575},{"text":"المقدّسات، وتأمين البيئة الصّالحة للأسرة المسلمة، التي تنشد الحياة الكريمة، فلا صلاح للأسرة إلا بصلاح المجتمع، ولا بقاء لها، ولا خلود إلا ببقاء الحقّ، وأنصاره، ولهذا أمر الله تعالى بالقتال، وضرب عليه الأمثال بالأمم السّابقة، وكيف جاهدت في سبيل الحق، وانتصرت القلّة مع إيمانهم على الكثرة، والتزامهم له، وجهادهم في سبيله.\n ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ، أو لكلّ أحد، والاستفهام تعجّب، وتشويق إلى استماع ما بعده؛ إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين، أو هو استفهام، وتقرير؛ إن كان المخاطب يعلم بحالهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير، ولم يسمع؛ لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجّب.\n ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ:﴾ جمع: ألف، وهو جمع كثرة، ويجمع أيضا على آلاف، وهو جمع قلّة.\nواختلف في عددهم، فقيل: هم سبعون ألفا. وقيل غير ذلك. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ:﴾ خوف الموت، وفرارا منه. ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾ فماتوا. ﴿ثُمَّ أَحْياهُمْ:﴾ أعاد الله إليهم أرواحهم، بعد موتهم.\n ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ:﴾ صاحب كرم، وجود، وإنعام؛ حيث يذكر لهم من القصص ما فيه عبرة لمن يعتبر، ويتذكّر. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ فضل الله، وإنعامه.\nتنبيه: المراد بما في الآية الكريمة أهل قرية «داوردان» قرية قبل واسط، وقع فيها طاعون، فخرجوا هاربين، فأماتهم الله، ثمّ أحياهم؛ ليعتبروا! ويتيقّنوا: أن لا مفرّ من قضاء الله تعالى، وقدره. أو هم قوم من بني إسرائيل، دعاهم ملكهم إلى الجهاد، ففرّوا خوف الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام، ثمّ أحياهم بدعوة نبيهم حزقيل، وهو الخليفة الثالث من خلفاء موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام. ويقال له: ذو الكفل؛ لأنه تكفّل سبعين نبيّا، وأنجاهم من القتل، فقد مرّ فيهم، وهم موتى، فتعجب من حالهم، فأوحى الله إليه أن ناد: قوموا بإذن الله.\nفنادى، فقاموا يقولون: سبحانك اللهم، وبحمدك، لا إله إلا أنت. وفائدة القصّة تشجيع المسلمين على الجهاد، والتّعرّض للشّهادة، وحثّهم على التوكّل، والاستسلام للقضاء. انتهى.\nبيضاوي بتصرّف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٣] فإنّه جيد. والحمد لله!.\nوفي هذه القصّة عبرة، ودليل على أنّه لا يغني حذر من قدر، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه، فإنّ هؤلاء خرجوا فرارا من الوباء طلبا لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، ثمّ أحياهم.\nوميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها. وقال مجاهد: إنّهم لما أحيوا؛ رجعوا إلى قومهم، يعرفون: أنّهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما؛ حتى ماتوا لآجالهم؛ التي كتبت لهم. وفيه ردّ على من يقول: كيف أميت هؤلاء مرّتين في الدّنيا، وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الدخان)؟ قيل: إن موتهم، وإحياءهم كان معجزة من معجزات ذلك النّبيّ،","vol":"1","page":576},{"text":"ومعجزات الأنبياء خوارق للعادات. فلا يقاس عليها. وفي هذه الآية احتجاج على اليهود، ومعجزة عظيمة لنبيّنا ﷺ حيث أخبرهم بأمر لم يشاهدوه، وهم يعلمون صحّة ذلك.\nهذا؛ وأخرج أبو عيسى الترمذيّ عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد﵄-:\nأنّ النبيّ ﷺ ذكر الطّاعون: فقال: «بقيّة رجز، أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع في أرض؛ وأنتم فيها؛ فلا تخرجوا منها، وإذا وقع في أرض، ولستم بها؛ فلا تهبطوا عليها». وبمقتضى هذا عمل عمر، والصّحابة-رضوان الله عليهم-لما رجعوا من «سرغ» -موضع في الشام-حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف﵁بالحديث على ما هو مشهور في الموطّأ، وغيره، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجّا عليه لمّا قال له حين رجع عمر من فلسطين، وكان طاعون عمواس: أفرارا من قدر الله؟! فقال عمر﵁-: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.\nالمعنى: لا محيص للإنسان عمّا قدّره الله له، وعليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرّز من المخاوف، والمهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقّي من المكروهات. ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت واديا، له عدوتان، إحداها خصبة، والأخرى جدبة؟ أليس إن رعيت الخصبة؛ رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة؛ رعيتها بقدر الله؟! ثم رجع﵁من موضعه ذلك إلى المدينة المنورة.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وانظر الشرح. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، وهو لازم؛ لأنّه بمعنى: «تنظر» تعدى بحرف الجر. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿خَرَجُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ:﴾ الواو: واو الحال.\n (﴿هُمْ أُلُوفٌ﴾): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير. ﴿حَذَرَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و﴿الْمَوْتِ:﴾ مضاف إليه، من: إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n (قال): فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مُوتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَرَجُوا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَحْياهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فماتوا، فأحياهم.","vol":"1","page":577},{"text":"﴿إِنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لَذُو:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو، نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذو) مضاف، و﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿فَضْلٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يَشْكُرُونَ:﴾ في محل رفع خبر (﴿لكِنَّ﴾)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-251\"></span>﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾\nالشرح: في هذه الآية خطاب لأمّة محمد ﷺ بالقتال في سبيل الله، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩٠] فإنّه جيد والحمد لله! وقيل:\nالخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل. ﴿وَاعْلَمُوا:﴾ أيقنوا، واعتقدوا. ﴿سَمِيعٌ:﴾ لأقوالكم.\n ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم وأحوالكم، فيجازيكم عليها. فيه وعد لمن بادر للجهاد في سبيل الله، ووعيد لمن تخلّف عنه، والاسمان صيغتا مبالغة، كما لا يخفى، وكما أنّ الحذر لا يغني من القدر؛ فكذلك الفرار من الجهاد لا يقرب أجلا، ولا يبعده.\nالإعراب: ﴿وَقاتِلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قاتِلُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، تقديره: الكفار ونحوه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فأطيعوا الله، وقاتلوا... إلخ، والجملة المحذوفة تقع في التقدير جوابا لشرط محذوف، وتقدير الكلام: وإذا كان الموت واقعا على كل حال؛ فأطيعوا الله، وقاتلوا... إلخ ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. (﴿اِعْلَمُوا﴾): فعل أمر وفاعله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران لها. و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي (﴿اِعْلَمُوا﴾). تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم.\n<span id=\"aya-252\"></span>﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ:﴾ إقراض الله مثل لتقديم العلم الذي يطلب به ثوابه، والقرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، قال لبيد﵁-: [الرمل]\nوإذا جوزيت قرضا فاجزه... إنّما يجزي الفتى ليس الجمل","vol":"1","page":578},{"text":"وقال الزجّاج: القرض في اللغة: البلاء الحسن، والبلاء السيئ. قال أميّة بن أبي الصّلت: [البسيط]\nكلّ امرئ سوف يجزى قرضه حسنا... أو سيّئا، ومدينا مثل ما دانا\nوقال آخر: [المتقارب]\nتجازى القروض بأمثالها... فبالخير خيرا وبالشّرّ شرّا\nوطلب القرض في هذه الآية وأمثالها إنّما هو تأنيس، وتقريب للنّاس بما يفهمون، والله هو الغنيّ الحميد، لكنّه تعالى شبّه إعطاء المؤمنين المال، وإنفاقهم في الدّنيا الذي يرجون ثوابه بالقرض، كما شبّه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنّة بالبيع والشراء، كما ذكر الله بقوله:\n ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ الآية رقم [١١١] من سورة (التوبة)، وكما كنى الله ﷾ عن الفقير بنفسه العلية المنزّهة عن الحاجات ترغيبا في الصّدقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدّسة عن النقائص والآلام، ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى: «يا بن آدم مرضت فلم تعدني، استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تسقني، وقال: يا ربّ كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنّك لو سقيته لوجدت ذلك عندي». أخرجه البخاريّ، ومسلم، وهذا كلّه خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به. ويجب على المستقرض ردّ القرض؛ لأنّ الله تعالى بيّن: أنّ من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله، بل يردّ الثواب قطعا، وأبهم الجزاء، وقد بيّن الله تعالى في الآية رقم [٢٦١] الآتية: أنّ النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر، وقال هاهنا: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ وهذا لا نهاية له.\nوعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أسري بي على باب الجنّة مكتوبا: الصّدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت لجبريل: ما بال القرض أفضل من الصّدقة؟ قال: لأنّ السّائل يسأل، وعنده ما يكفيه، والمستقرض لا يستقرض إلاّ من حاجة». أخرجه ابن ماجة، وفي رواية: «ما بال القرض أفضل من الصّدقة، وهو يعود، والصّدقة لا تعود؟!». ولكن في هذه الأيام القرض ضال إلا ما ردّه الله، وذلك لسوء معاملة الناس.\nهذا وقال العلماء في القرض بمعنى الصّدقة: لا يكون القرض حسنا حتى تجتمع فيه أوصاف عشرة، وهي: أن يكون المال من الحلال، وأن يكون من أجلّ المال، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه، وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها، وأن تكتم الصدقة ما أمكنك، وأن لا تتبعها بالمنّ، والأذى، وأن تقصد بها وجه الله، ولا ترائي بها النّاس، وأن تستحقر ما تعطي؛ وإن كان كثيرا، وأن يكون من أحبّ أموالك إليك، وأ لا ترى عزّ نفسك، وذلّ الفقير، وخذ ما يلي:","vol":"1","page":579},{"text":"عن عبد الله بن مسعود﵁-، قال: لمّا نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ..﴾. إلخ قال أبو الدحداح﵁-: يا رسول الله! إن الله ﷿ ليريد منّا القرض؟! قال: «نعم يا أبا الدّحداح». قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربّي ﷿ حائطي، قال: وحائطه فيه ستمائة نخلة، وأم الدّحداح وعيالها فيه، قال: فجاء أبو الدّحداح، فناداها: يا أمّ الدّحداح! قالت: لبيك! قال: اخرجي، فقد أقرضته ربّي عزّ، وجلّ، فقالت الزّوجة الصّالحة: ربح بيعك، وبارك الله لك فيما اشتريت! فقال النبيّ ﷺ: «كم من عذق رداح، ودار فياح لأبي الدّحداح في الجنّة». هذا و﴿قَرْضًا﴾ مصدر جاء بخلاف المصدر، كقوله تعالى في سورة (نوح): ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا﴾. ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً:﴾ كثرة لا يقدرها، ولا يعرفها إلا الله، و﴿أَضْعافًا﴾ جمع: ضعف، وهو بكسر الضاد وسكون العين مثل الشّيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله، هذا هو الأصل في الضّعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزيادة حدّ، فيقال: هذا ضعف هذا، أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا، ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه ضممت إليه مثله فصاعدا، وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في سورة (الأحزاب) رقم [٣٠] ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وفي الآية رقم [٦٩] من سورة (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ﴾ وفي الآية رقم [٤٠] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ هذا وللضّعف بفتح الضاد والضّعف بكسرها، والضّعف بضمها معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز]\nفي الرّأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف\nزيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف، وهو شاكي الضّرّ\n ﴿يَقْبِضُ:﴾ يمسك الرزق عمّن يشاء ابتلاء، (﴿يَبْصُطُ﴾): يوسّعه لمن يشاء امتحانا، وهو يقرأ بالسين والصاد، وبينهما طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.\nالإعراب: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي:﴾ ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿ذَا﴾ أو هو بدل منها. هذا؛ وجوز أن يكون ﴿مَنْ ذَا﴾ اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿يُقْرِضُ:﴾ فعل مضارع. والفاعل يعود إلى من ﴿اللهَ﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قَرْضًا:﴾\nمفعول مطلق، وقيل: مفعول به، ﴿حَسَنًا:﴾ صفته. ﴿فَيُضاعِفَهُ:﴾ الفاء: هي السببية.\n (يضاعفه): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء. والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿لَهُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَضْعافًا:﴾ حال، وقيل: مفعول مطلق، وقيل: مفعول ثان لتضمّن المضاعفة معنى التصيير. ﴿كَثِيرَةً:﴾ صفة أضعافا، و«أن» المضمرة والفعل المضارع","vol":"1","page":580},{"text":"في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من الفعل السابق، التقدير: من ذا الذي يحصل منه قرض لله، فمضاعفه له. هذا ويقرأ الفعل بالرّفع، فيكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يضاعفه، والجملة الاسمية مستأنفة على حدّ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في كثير من الآيات. (﴿اللهَ﴾): مبتدأ. ﴿يَقْبِضُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهَ﴾)، والجملة الفعلية في محل رفع خبره. (﴿يَبْصُطُ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهَ﴾) أيضا، ومفعوله محذوف مثل سابقة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (﴿إِلَيْهِ﴾):\nجار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-253\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٢٤٦)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [٢٤٣] ﴿الْمَلَإِ:﴾ الجماعة الأشراف، والوجهاء، سمّوا بذلك؛ لأنّهم يملئون القلوب مهابة، والعيون حسنا، وبهاء، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر. ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ أي: بزمن طويل. ﴿إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ:﴾ انظره فيما يأتي. ﴿اِبْعَثْ لَنا مَلِكًا:﴾ عيّن لنا أميرا ينظّم أمورنا، ونقاتل معه عدوّنا. ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ..﴾. إلخ: المعنى: إني أتوقّع جبنكم في القتال؛ إن فرض عليكم، وندبتم إليه، فأدخل ﴿هَلْ﴾ على فعل التوقّع، مستفهما عمّا هو المتوقع عنده تقريرا، وتثبيتا.\n ﴿تَوَلَّوْا:﴾ هربوا، وولّوا الأدبار: ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر.\n ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ:﴾ هذا وعيد، وتهديد لهم على ظلمهم بترك الجهاد، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدّعة، والرّفاهية تتمنّى الحرب أوقات الرّاحة، فإذا حضرت؛ جبنت، وولّت الأدبار، وعن هذا المعنى نهى النّبيّ ﷺ بقوله: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم؛ فاثبتوا». رواه الأئمة.\nتنبيه: سبب طلب بني إسرائيل من نبيهم ما ذكر في الآية الكريمة: أنه مات موسى-على نبينا، وعليه ألف سلام-وخلفه يوشع بن نون، أقام فيهم أمر الله، وحكم بالتوراة، ثمّ خلفه كالي بن يوقنا، ثمّ حزقيل المذكور في الآية رقم [٢٤٣] ثم إلياس، ثم اليسع، ثم ظهر لهم","vol":"1","page":581},{"text":"أعداؤهم العمالقة بزعامة جالوت، فقاتلوهم، وغلبوا على كثير من أرضهم، وسبوا كثيرا منهم، ولم يكن لهم إذ ذاك نبي يدبر أمورهم، وكان سبط النبوة قد هلكوا إلا امرأة حبلى فولدت غلاما، فسمّته شمويل، ومعناه بالعربية: إسماعيل، وعرف بابن العجوز، وإنّما قيل له ذلك؛ لأن أمه كانت سألت الله الولد، وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها، فلما كبر سلمته التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم، فلما كبر نبأه الله تعالى، وأرسله إليهم، فقالوا له: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل معه في سبيل الله، وكان قوام بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك، وطاعة أنبيائهم، فكان الملك هو يسيّر الجموع، والنبي يرشده، ويقيم أمره. انتهى.\nخازن. بتصرف.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤٣]. ﴿مِنْ بَنِي:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الملأ، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ فهي حال متداخلة، أو بمحذوف حال من ﴿الْمَلَإِ﴾ فتكون حالا متعدّدة، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿مُوسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿إِذْ:﴾ قال أبو البقاء: بدل من ﴿بَعْدِ﴾ لأنهما زمانان، وأما الجمل تبعا للجلال فعلّقه بمحذوف مضاف إلى الملأ، وقدّره: ألم تر إلى قصة الملأ. وهو قول ابن هشام في المغني، فهو على الأول مبني على السكون في محل جر، وعلى الثاني في محل نصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض وفاعله والألف للتفريق. ﴿لِنَبِيٍّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (نبي).\n ﴿اِبْعَثْ:﴾ فعل أمر والتماس، وفاعله: أنت. ﴿لَنا:﴾ متعلقان به. ﴿مَلِكًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِبْعَثْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿نُقاتِلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وفاعله مستتر تقديره: نحن، وقد قرئ بالرفع والياء: («يقاتل») على أن تكون جملته في محل نصب صفة ملكا، كما قرئ بالرّفع، والنون على الاستئناف. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى النبي. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿عَسَيْتُمْ:﴾\nفعل ماض مفيد للترجي والتوقع، مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.\n ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعل ﴿كُتِبَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط","vol":"1","page":582},{"text":"محذوف، التّقدير: إن كتب عليكم القتال؛ فلا تقاتلون. ﴿أَلاّ:﴾ (أن) حرف مصدري ونصب.\n (لا) نافية. ﴿تُقاتِلُوا:﴾ مضارع منصوب ب «أن» وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والمصدر المؤول من «أن» والفعل المضارع في محل نصب خبر ﴿عَسَيْتُمْ،﴾ والجملة الشرطية معترضة بين اسم (عسى) وخبرها، وجملة: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله. ﴿وَما لَنا:﴾ الواو: حرف عطف على محذوف، التقدير: أيّ غرض لنا في ترك القتال، وقد عرض لنا ما يوجبه، ويحثّ عليه. وهذا تقدير البيضاوي، وهو حلّ معنى كما ترى. وقال الجمل، وأبو البقاء: دخلت الواو لتدلّ على ربط هذا بما قبله. (﴿ما﴾):\nاسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿لَنا﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿نُقاتِلْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) والفاعل تقديره نحن، والمصدر المؤول منهما في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nوما لنا في ترك القتال، والجار والمجرور متعلقان ب (﴿ما﴾) لتضمنها معنى الفعل: «استفهم». وقال أبو البقاء: متعلقان بالخبر المحذوف، الذي تعلّق به ﴿لَنا،﴾ وقال الأخفش: (أن) زائدة، والجملة حال، تقديره: وما لنا غير مقاتلين، مثل قوله تعالى حكاية على قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا،﴾ وقد أعمل (﴿إِنْ﴾) وهي زائدة. انتهى. والكلام: ﴿وَما لَنا..﴾. إلخ كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنّها بمنزلة جواب عن الكلام السابق. ﴿وَقَدْ﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿أُخْرِجْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و(نا) في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿نُقاتِلْ﴾ المستتر، والرابط الواو والضمير. ﴿مِنْ دِيارِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَبْنائِنا:﴾ معطوف على ما قبله، و(نا) في محل جر بالإضافة، وهذا ظاهر الإعراب، وفي المعنى لا بدّ من تقدير فعل، أي: وأبعدنا من أبنائنا.\n ﴿فَلَمّا﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول:\nحرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوّب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعله. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَلاّ:﴾ أداة","vol":"1","page":583},{"text":"استثناء. ﴿قَلِيلًا:﴾ منصوب على الاستثناء. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿قَلِيلًا﴾. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو:\nواو الاعتراض. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبره. ﴿بِالظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بما قبله. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ استئنافية، الغرض منها الوعيد والتهديد كما رأيت.\n\n<span id=\"aya-254\"></span>﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ:﴾ اختار لكم طالوت ملكا. ﴿طالُوتَ:﴾ اسم أعجمي مثل: داود، وجالوت، وجمعها: طواليت، ودواويد، وجواليت، وهي ممنوعة من الصرف، ولو سمّيت رجلا بطاوس وراقود؛ لصرفت وإن كانا أعجميين، والفرق بين هذا وبين الأوّل أنك تقول: الطاوس، فتدخل الألف واللام، فيمكّن في العربية، ولا يمكّن هذا في ذاك. وذلك: أنه لمّا سأل الله إرسال ملك لهم، أرسل الله له عصا، وقرنا فيه دهن القدس، وقيل له: إنّ صاحبك الذي يكون ملكا هو من يكون طوله طول هذه العصا، وانظر إلى القرن الذي فيه الدهن، فإذا دخل عليكم رجل، فانتشر الدّهن الذي في القرن، فهو ملك بني إسرائيل، فادهن رأسه بالدّهن، وملّكه عليهم، واسمه: طالوت، فدخل طالوت. فوجد فيه ما ذكر، فقال له: أنت ملك بني إسرائيل الّذي أمرني ربّي أن أملكك عليهم.\nفقال: أو لم تعلم: أنّ سبطي أدنى من سبط ملوك بني إسرائيل؟! قال: بلى! والله يؤتي ملكه من يشاء.\n ﴿قالُوا:﴾ أي: بنو إسرائيل لمّا قال لهم نبيهم: إنّ ملكهم طالوت: ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا﴾ أي: كيف يملكنا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ؟!﴾ فهو استبعاد، واستغراب لما قال لهم النبي، وبيّنوا له السبب؛ بأنّه ليس من بيت الملوك، وبأنّه فقير، وإنّما قالوا ذلك؛ لأنّ طالوت كان راعيا، أو سقاء، أو دبّاغا. ﴿قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ:﴾ اختاره لكم ملكا، وليس الأمر لي. ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: منحه قوّة في العلم الّذي هو ملاك الإنسان، وقوّة في الجسم الذي هو معينه في الحروب، وعدّته عند اللّقاء.\nهذا؛ وقد كان طالوت من سبط بنيامين، ولم تكن فيهم النبوّة والملك، وإنّما كانت النبوة في أولاد لاوي بن يعقوب، والملك في أولاد يهوذا، وكان فيهم من السّبطين خلق يومئذ. ﴿قالَ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ، لمّا استبعدوا تملكه؛ ردّ عليهم نبيّهم ذلك بأمور أربعة: الأول: أن الله هو الذي","vol":"1","page":584},{"text":"اختاره ملكا عليهم، وهو أعلم بالمصالح، الثاني: أنّ الله منحه من العلم ما يجعله أهلا لذلك؛ ليتمكّن بالعلم من معرفة الأمور السياسيّة، ومنحه من قوة الجسم، وطوله؛ ليكون أعظم خطرا في القلوب، وأقوى على مكابدة الحروب، الثالث: أن الله تعالى مالك الملك على الإطلاق، فله أن يختصّ بملكه من يشاء، الرابع: أن الله واسع الفضل يوسع على الفقير، ويغنيه، عليم بمن يليق بالملك. انتهى. بيضاوي بتصرّف، وانظر شرح ﴿واسِعٌ﴾ في الآية رقم [١١٥].\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، ﴿نَبِيُّهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال، ﴿بَعَثَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان به. ﴿طالُوتَ:﴾ مفعول به. ﴿مَلِكًا:﴾ حال من ﴿طالُوتَ﴾ أو هو مفعول ثان على تضمين ﴿بَعَثَ﴾ معنى: أرسل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قالَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام وتعجب، مبني على السكون في محل نصب حال، عامله ما بعده، وقال القرطبيّ: في محل نصب على الظرف، ولا وجه له. ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص.\n ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿الْمُلْكُ:﴾ اسمه مؤخر. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿يَكُونُ﴾ تامّا، فيكون ﴿لَهُ﴾ متعلقين به، و﴿الْمُلْكُ﴾ فاعله، ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُلْكُ﴾. وقال أبو البقاء: في محل نصب حال من ﴿الْمُلْكُ،﴾ والأول أقوى، وجملة: ﴿أَنّى يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿نَحْنُ﴾): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحَقُّ:﴾ خبره، ﴿بِالْمُلْكِ مِنْهُ:﴾ كلاهما متعلقان ب ﴿أَحَقُّ﴾ لأنه اسم تفضيل، والجملة اسمية في محل نصب حال من (نا) المجرورة ب (على) والرابط الواو والضمير. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لَمْ﴾): حرف نفي وقلب وجزم، ﴿يُؤْتَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿طالُوتَ﴾ وهو المفعول الأول. ﴿سَعَةً:﴾ مفعول ثان. ﴿مِنَ الْمالِ:﴾ متعلقان ب ﴿سَعَةً﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية ﴿وَلَمْ يُؤْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وجملة: ﴿قالَ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿نَبِيُّهُمْ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿اِصْطَفاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل","vol":"1","page":585},{"text":"لها. ﴿وَزادَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿زادَهُ﴾): فعل ماض والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والهاء مفعول به أول، ﴿بَسْطَةً:﴾ مفعول به ثان، ﴿فِي الْعِلْمِ:﴾ متعلقان ب ﴿بَسْطَةً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَالْجِسْمِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (﴿اللهَ﴾): مبتدأ. ﴿يُؤْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (﴿اللهَ﴾). ﴿مُلْكَهُ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان.\n ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهَ﴾)، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شخصا يشاؤه، والجملة الفعلية: ﴿يُؤْتِي..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ:﴾ معترضة في آخر الكلام، مؤكدة لما قبلها.\n\n<span id=\"aya-255\"></span>﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ:﴾ بعد أن طلبوا علامة دالة على ملك طالوت. ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أي: علامة تمليك طالوت عليكم. ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ:﴾ كان من خشب الشّمشاذ بكسر الشين، وهو الذي تتخذ منه الأمشاط، وكان مموها بالذّهب، طوله ثلاثة أذرع، وعرضه ذراعان، وكان عند آدم ﵇ فيه صور جميع الأنبياء فقد رآها آدم كلها، ثم توارثه أولاده إلى أن وصل إلى موسى، على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، فكان يضع فيه التوراة، ومتاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثم توارثه بنو إسرائيل بعده، وكانوا إذا اختلفوا في شيء؛ تحاكموا إليه، فيكلّمهم، ويحكم بينهم، وكانوا إذا خرجوا للقتال؛ يقدّمونه بين أيديهم، وكانوا معدّين جماعة لحمله، ثم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا صيحة استيقنوا بالنّصر، فلما عصوا الله، وأفسدوا في الأرض؛ سلّط الله عليهم العمالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه، وجعلوه في موضع البول، والغائط، فلمّا أراد الله أن يملك طالوت؛ سلط الله عليهم البلاء، حتى إنّ كلّ من بال عنده ابتلي بالبواسير، وهلكت من بلادهم خمس مدائن، فعلم الكفار: أن ذلك بسبب استهانتهم بالتّابوت، فأخرجوه، فاحتملته الملائكة، وأتت به بني إسرائيل، كما ذكرت الآية الكريمة.\n ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ طمأنينة لقلوبكم بسببه، فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت.","vol":"1","page":586},{"text":"ونظيره قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٤٠]: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: أنزل عليه ما سكن به قلبه، وقال وهب بن منبه: السكينة: روح من الله تتكلّم، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم، ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ..﴾.\nإلخ: وهي نعل موسى وعصاه، وعمامة هارون، وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم، ورضاض ألواح التوراة التي تكسّرت حين ألقاها موسى عند عودته من جبل الطور، ورأى قومه قد عبدوا العجل، فغضب، وألقى ألواح التوراة، فتكسرت، فنزع منها ما كان صحيحا، وأخذ رضاض ما تكسر، فجعله في التابوت. ولفظ (﴿آلُ﴾) مقحم، فإن المراد موسى وهارون أنفسهما، وقيل: بل المراد أنبياء بني إسرائيل من بعدهما، والأول أقوى، ومثله في آل عمران رقم [٣٣].\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً..﴾. إلخ: أي: في إتيان التابوت لعلامة واضحة على تمليك طالوت عليكم.\nوهذا يحتمل أن يكون من تمام كلام النبي، وأن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى.\nفحملته الملائكة بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت، فأقروا بملكه، وتسارعوا إلى الجهاد معه، فاختار من شبابهم سبعين ألفا، وكان من جملتهم داود النبي قيل منحه النبوة، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: (﴿قالَ﴾): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلّقان به. ﴿نَبِيُّهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿آيَةَ:﴾\nاسمها، وهو مضاف، و﴿مُلْكِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَأْتِيَكُمُ:﴾\nفعل مضارع منصوب ب ﴿إِنَّ﴾ والكاف مفعول به. ﴿التّابُوتُ:﴾ فاعله، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: يجيئكم، و﴿إِنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿سَكِينَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿التّابُوتُ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿سَكِينَةٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (﴿بَقِيَّةٌ﴾): معطوف على ﴿سَكِينَةٌ﴾. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (﴿بَقِيَّةٌ﴾)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَرَكَ آلُ:﴾ ماض وفاعله، و﴿آلُ:﴾ مضاف، و﴿مُوسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف التقدير: من الذي، أو: من شيء تركه آل موسى. ﴿آلُ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿هارُونَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿تَحْمِلُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به، ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من ﴿التّابُوتُ﴾.","vol":"1","page":587},{"text":"﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء، (آية):\nاسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آية). والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط. والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبره منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فإن في ذلك... إلخ، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-256\"></span>﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٢٤٩)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ:﴾ خرج من بلده بالشّباب الّذين اختارهم لقتال العمالقة، وكان الوقت قيظا، فسلكوا مفازة، وسألوا الله أن يجري لهم نهرا. ﴿قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ:﴾ مختبركم. ﴿بِنَهَرٍ:﴾ ليظهر منكم المطيع والعاصي، وهذا النهر ممتد بين فلسطين والأردن، ويسمّى نهر الشريعة، ويقرأ بفتح الهاء، وسكونها، ويجمع على أنهر، ونهر، ونهور.\n ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي: من شرب من النهر فليس من أشياعي، وأتباعي. ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي:﴾ ومن لم يذقه؛ فإنه منّي، أي: من أشياعي، وأتباعي، وإنّما علم ذلك بالوحي إن كان نبيا، كما قيل، أو بإخبار النبيّ شمويل، ولم يقل: ومن لم يشربه؛ لأنّه من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرّروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللّغات، فلا عبرة بقدح من يقول: لا يقال: طعمت الماء. هذا وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة﵁-:\nأنّ رسول الله ﷺ، قال: «من حمل علينا السّلاح فليس منّا، ومن غشّنا فليس منّا». هذا وقال النابغة الذبياني يخاطب به عيينة بن حصن الفزاري: [الوافر]\nإذا حاولت في أسد فجورا... فإنّي لست منك ولست منّي\n ﴿إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: اكتفى بغرفة، وهذه الغرفة كفته، فلم يعطش بعدها، بخلاف الذي شرب كثيرا فإنه لم يرو. ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ أي: شرب أكثرهم كثيرا،","vol":"1","page":588},{"text":"واكتفى القليل بغرفة. هذا؛ والاغتراف: الأخذ من الشيء باليد، وبآلة، ومنه الغرفة، ﴿غُرْفَةً:﴾\nبضم الغين وفتحها قراءتان ولغتان، ورحم الله عمرو بن العلاء الذي كان يطلب دليلا لغويّا على قراءة الفتح، فوجده في قول أمية بن أبي الصّلت، وهو الشاهد رقم [٥٥٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]\nربّما تكره النّفوس من الأم... ر له فرجة كحلّ العقال\nبفتح فاء (فرجة) فقد روي: أنه-رحمه الله تعالى-هرب من الحجّاج إلى اليمن، فسمع أعرابيّا يوما ينشد القصيدة التي منها هذا البيت، وقد فتح فاء (فرجة) فقال: ما وراءك يا أعرابي؟! قال: مات الحجّاج، فقال-رحمه الله تعالى-: والله فلم أدر بأيهما أفرح؟ أبموت الحجّاج أم بقوله (فرجة)؛ لأنّي كنت أطلب شاهدا لاختياري القراءة في سورة البقرة: ﴿إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ يريد فتح الغين من (غرفة). كما فتحت الفاء في (فرجة)، هذا، وقال عليّ﵁-: الأكف أنظف الآنية، ومنه قول الحسن: [البسيط]\nلا يدلفون إلى ماء بآنية... إلاّ اغترافا من الغدران بالرّاح\nوقال الرسول ﷺ: «من شرب بيده، وهو يقدر على إناء، يريد به التّواضع، كتب الله له بعدد أصابعه حسنات، وهما إناء عيسى ابن مريم ﵉؛ إذ طرح القدح، فقال: أفّ هذا مع الدّنيا» أخرجه ابن ماجة، من حديث ابن عمر﵄-.\n ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: قطع النهر هو والذين اقتصروا على الغرفة.\n ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنَا..﴾. إلخ: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فلم يقطعوا النهر معه، واسودت شفاههم، وغلبهم العطش، فلم يرووا، وجبنوا. ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ:﴾ قال الذين شربوا قليلا، وجاوزوا معه النهر، وامتلأت قلوبهم إيمانا، ويقينا، وصرامة، وشجاعة؛ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ..﴾. إلخ: كثير من الجماعات القليلة قد غلبت الكثيرة بإرادة الله ومشيئته، فليس النصر عن كثرة العدد، وإنّما النّصر من عند الله العزيز الحكيم، وفي قولهم هذا- رضوان الله عليهم-تحريض على القتال، واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ربّه، ووثق به.\nقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل، لكن الأعمال القبيحة، والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدّام اليسير من العدو، كما شاهدناه غير مرّة، وذلك بما كسبت أيدينا، وقد قال الرسول ﷺ: «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟!» فالأعمال فاسدة، والضّعفاء مهملون، والصّبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى زائلة، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ﴾","vol":"1","page":589},{"text":"﴿اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ،﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال) رقم [٤٥]. فهذه أسباب النصر وشروطه، وهي غير موجودة فينا، فإنا لله، وإنا إليه راجعون على ما أصابنا، وحلّ بنا، ولم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه؛ لظهور الفساد، ولكثرة الطّغيان، وقلّة الرشاد، حتّى استولى العدوّ شرقا وغربا، برّا، وبحرا، وعمّت الفتن، وعظمت المحن، ولا عاصم إلا من رحم الله.\n ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أي: بالمعونة، أو الهداية، والتوفيق، والرعاية، والسّداد، هذا، ومعية الله على نوعين: عامّة، وخاصة، فالأولى لكل الناس، وهي معيّة بالعلم، والقدرة، والإحاطة.\nوالثانية للمؤمنين المتّقين، والمحسنين، وهي الحفظ، والنصر، والتأييد، والمعونة، قال تعالى:\n ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٢٤٦]. ﴿فَصَلَ طالُوتُ﴾ ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبار (لمّا) ظرفا.\n ﴿بِالْجُنُودِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: هو، يعود إلى ﴿طالُوتُ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿اللهَ:﴾ اسمها، ﴿مُبْتَلِيكُمْ:﴾ خبر. ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بِنَهَرٍ:﴾ متعلقان باسم الفاعل، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿شَرِبَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في الأصل صفة لمفعول به محذوف، التقدير: شرب ماء منه. الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (ليس): فعل ماض ناقص، واسمه مستتر يعود إلى (من) أيضا. ﴿مِنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) والجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، وجملة: ﴿شَرِبَ مِنْهُ﴾ صلته، وجملة: (ليس ﴿مِنِّي﴾) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة اسمية على الاعتبارين، وهي في محل نصب مقول القول أيضا، ولا يخفى عليك إعراب ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ إفرادا، وجملة، وهي معطوفة عليها فمحلّها مثلها.","vol":"1","page":590},{"text":"﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مستثنى من (﴿مَنْ﴾) الأولى، وهو قول ابن هشام في «المغني». ﴿اِغْتَرَفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: هو. ﴿غُرْفَةً:﴾ مفعول مطلق، وقيل: مفعول به، والأول على قراءته بفتح الغين، والثاني على قراءته بضم الغين، قاله ابن هشام في «المغني». ﴿بِيَدِهِ:﴾ متعلقان ب (﴿غُرْفَةً﴾)، أو بمحذوف صفة لها، وجوز تعليقهما بالفعل قبلهما، وجملة ﴿اِغْتَرَفَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا﴾ مستثنى ب (﴿إِلاّ﴾). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿قَلِيلًا،﴾ ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): مثل ما قبلها. ﴿جاوَزَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿طالُوتُ﴾ والهاء مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على الضمير المستتر. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة ﴿جاوَزَهُ..﴾.\nإلخ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها... إلخ. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿طاقَةَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿لَنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (﴿لا﴾). ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان. ﴿بِجالُوتَ﴾ متعلّقان بالخبر المحذوف، أو بخبر ثالث، فيكون الخبر قد تعدّد، وهو شبه جملة، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية والعجمة، ﴿وَجُنُودِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا طاقَةَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿قالَ الَّذِينَ:﴾ ماض وفاعله. ﴿يَظُنُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿مُلاقُوا:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي ﴿يَظُنُّونَ،﴾ ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى كثير، مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. وجوّز البيضاوي اعتبارها استفهامية. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة، ﴿فِئَةٍ:﴾ تمييز ل: ﴿كَمْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿قَلِيلَةٍ:﴾ صفة ﴿فِئَةٍ﴾ على اللّفظ. ﴿غَلَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء","vol":"1","page":591},{"text":"للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿فِئَةٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿كَمْ،﴾ والجملة الاسمية ﴿كَمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فِئَةٍ:﴾ مفعول به. ﴿كَثِيرَةً:﴾ صفة ﴿فِئَةٍ﴾. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والأول أولى. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهَ﴾): مبتدأ.\n ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿الصّابِرِينَ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة إن كانت من كلام الله تعالى أخبر بها عن حال ﴿الصّابِرِينَ،﴾ ومعطوفة على ما قبلها إن كانت من مقول (﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾).\n\n<span id=\"aya-257\"></span>﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا بَرَزُوا:﴾ ظهروا، ودنوا منهم، ومنه سمّيت المبارزة في الحرب لظهور كلّ قرن إلى صاحبه. (جالوت): اسم ملك العمالقة، ويقال: إنّ البربر من نسله. ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا:﴾ اصبب علينا، فيه استعارة تمثيلية، حيث شبّه حالهم، والله تعالى يفيض عليهم، ويتكرّم بالصّبر بحال الماء يصب، ويفرغ على الجسم، فيعمّه كلّه، ظاهره، وباطنه، فيلقي في القلب بردا، وسلاما، وهدوءا، واطمئنانا. هذا؛ وقد دعا أولئك القوم بثلاث دعوات، تفيد أسباب النّصر، فقالوا: أولا: ربنا أفض علينا صبرا يعمّنا في جمعنا، وفي خاصّة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ أي: ثبتنا في ميدان الحرب، ولا تجعل للفرار سبيلا إلى قلوبنا. وهي الدّعوة الثانية. ﴿وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي: انصرنا على من كفر بك، وكذّب رسلك، وهي الدعوة الثالثة.\nوكان الرسول ﷺ إذا لقي العدو يقول: «اللهم بك أصول، وأجول». ويقول أيضا عند لقاء الأعداء: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من شرورهم، وأجعلك في نحورهم».\nالإعراب: ﴿وَلَمّا﴾ الواو: حرف عطف. (لمّا): انظر مثلها فيما تقدّم. ﴿بَرَزُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿لِجالُوتَ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وهو ضعيف. وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَجُنُودِهِ:﴾ معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَفْرِغْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر، تقديره: أنت. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿صَبْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في","vol":"1","page":592},{"text":"محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها معطوف على ما قبله. (﴿ثَبِّتْ﴾): فعل دعاء، وفاعله تقديره: أنت. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَقْدامَنا:﴾ مفعول به، و(نا) في محل جر بالإضافة. (﴿اُنْصُرْنا﴾): فعل دعاء. وفاعله مستتر فيه، و(نا) مفعول به، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله... إلخ.\n\n<span id=\"aya-258\"></span>﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)﴾\nالشرح: ﴿فَهَزَمُوهُمْ:﴾ غلب جيش طالوت جيش العمالقة، وانتصروا عليهم بأمر الله تعالى وإرادته، ومعونته. ﴿داوُدُ﴾ ابن إيشا، وكان من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، على نبينا وعليهم ألف صلاة وألف سلام. وهو من أهل بيت المقدس، وكان إيشا أبو داود في عسكر طالوت مع ستّة من بنيه، وكان داود سابعهم، وهو صغير يرعى الغنم، فأوحى الله إلى شمويل أنّ داود بن إيشا هو الذي يقتل جالوت، فطلبه من أبيه، فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجار، دعاه كلّ واحد منها أن يحمله، وقالت له: إنّك تقتل بنا جالوت، فحملها في مخلاته، ورمى بها جالوت، فقتله، وزوّجه طالوت ابنته، وروي: أنّه حسده، وأراد قتله، ثمّ تاب.\n ﴿جالُوتَ:﴾ هو جبار العمالقة، من أولاد عمليق بن عاد، وكانت بيضته فيها ثلاثمائة رطل.\n ﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: جمع الله لداود الملك بعد طالوت والنبوة بعد شمويل، ولم يجتمعا لغير داود، وابنه سليمان، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ:﴾ من صنعة الدّروع، وكلام الطّير، والدّواب وغير ذلك، وقد دام ملك طالوت أربعين سنة، وكانت مدّة ملك داود بعد طالوت سبع سنين، وقد ألان الله لداود الحديد حتّى صار في يده كالعجين، كما ذكر الله في سورة (سبأ) كما علّمه الله فهم منطق الطير، والبهائم على جميع أشكالها، وأصنافها، وسخّر له الجبال يسبّحن معه بالعشي والإشراق.\n ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ..﴾. إلخ: في هذا الكلام تأويلات، وتفسيرات، خذها فيما يلي:\nالأول: عام، وهو: أنّ الله يدفع الناس بتولية بعضهم البعض الآخر؛ أي: يجعل البعض حكاما، والبعض الآخر محكومين، فالحاكم ينصف المظلوم من الظّالم، ويكبح جماح الأشرار، والمعتدين، ويعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، وهذا ما نراه في الحكومات القائمة في كلّ زمان، ومكان، ولا سيّما في الحكومات الديمقراطية الّتي لا تسلّط للفرد فيها على الجماعة؛ حتى ولو كانت كافرة، وهو كثير، ومشاهد في زمننا هذا.","vol":"1","page":593},{"text":"الثاني: وهو معزيّ لابن عباس﵄-، وهو أنّ الله تعالى يدفع المشركين بجنود المسلمين. ولولا وجود مسلمين مجاهدين؛ لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين، وخرّبوا المساجد والبلاد، وأهلكوا العباد، ونشروا في الأرض الفساد، وهذا أيضا كثير ومشاهد في زمننا هذا وفي الأزمان الغابرة، وهو كقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا﴾.\nالثالث: وهو خاصّ، وهو معنويّ غير مشاهد، ولا محسوس، وهو: أنّ الله يدفع بالمؤمنين، والأبرار البلاء عن الفسّاق، والفجّار. ومعنى ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ:﴾ لهلك من فيها بنزول البلاء عاجلا. روى الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-عن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ليدفع بالمسلم الصّالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء»، ثمّ قرأ الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، وروي عن النبي ﷺ قال: «إنّ لله ملائكة تنادي كلّ يوم: لولا عباد ركّع، وأطفال رضّع، وبهائم رتّع؛ لصبّ عليكم العذاب صبّا» أخذ بعضهم المعنى، فقال: [الرجز]\nلولا عباد للإله ركّع... وصبية من اليتامى رضّع\nومهملات في الفلاة رتّع... صبّ عليكم العذاب الأوجع\nهذا، وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم؟ فقيل: هم الأبدال، وهم أربعون رجلا كلّما مات واحد بدّل الله آخر، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم، اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق، وروي عن عليّ﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الأبدال يكونون بالشّام، وهم أربعون رجلا، كلّما مات منهم رجل، أبدل الله مكانه رجلا، يسقى بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء، ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء». ذكره التّرمذي الحكيم في نوادر الأصول.\nوخرج أيضا عن أبي الدرداء﵁-، قال: إنّ الأنبياء كانوا أوتادا للأرض، فلمّا انقطعت النّبوّة؛ أبدل الله مكانهم قوما من أمّة محمد ﷺ، يقال لهم: الأبدال، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم، ولا صلاة، ولكن بحسن الخلق، وصدق الورع، وحسن النّيّة، وسلامة القلوب لجميع المسلمين، والنّصيحة لهم، ابتغاء مرضاة الله، بصبر، وحلم، ولبّ، وتواضع في غير مذلّة، فهم خلفاء الأنبياء، قوم اصطفاهم الله لنفسه، واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صدّيقا، منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم، خليل الرّحمن، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض، والبلايا عن النّاس، وبهم يمطرون. وبهم يرزقون، ولا يموت الرجل منهم حتّى يكون قد أنشأ من يخلفه. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"1","page":594},{"text":"الإعراب: ﴿فَهَزَمُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هزموهم): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله.\n ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(إذن) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الواقعة جوابا ل: (لمّا) في الآية قبل السابقة، لا محل لها مثلها. ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ:﴾\nماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، ﴿وَآتاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول، ﴿اللهِ:﴾ فاعله، ﴿الْمُلْكَ:﴾ مفعول به ثان، ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَعَلَّمَهُ:﴾ فعل ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أيضا، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء يشاؤه.\n ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَوْلا﴾): حرف امتناع لوجود. ﴿دَفْعُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به للمصدر، ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ بدل من الناس بدل بعض من كل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾\nمتعلقان بالمصدر ﴿دَفْعُ﴾ على أنهما مفعوله الثاني، أفاده أبو البقاء، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: موجود، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَفَسَدَتِ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْلا﴾)، (فسدت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْلا﴾) لا محلّ لها، و(لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿ذُو:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَضْلٍ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على (﴿لَوْلا﴾) ومدخولها، لا محلّ لها مثله.\n\n<span id=\"aya-259\"></span>﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما تقدّم ذكره من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ إلى هنا، والمعنى: إنّ ما قصصنا عليك يا محمد من الأمور الغريبة، والقصص العجيبة، الّتي وقعت في بني إسرائيل، هي من آيات الله، وأخباره المغيبة، التي أوحاها إليك","vol":"1","page":595},{"text":"بالحق بواسطة جبريل الأمين. ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ في هذه الجملة ثلاثة مؤكّدات: واو الحال، وإنّ، ولام الابتداء، تؤكّد للرّسول ﷺ: أنّه من جملة المرسلين، والدّليل هو إخباره الناس بهذه القصص القديمة من غير أن يعرفها بقراءة كتب، ولا استماع أخبار من إذاعات، وغيرها، ومن غير أن يدرس في الجامعات، ويحمل الإجازات والدكتوراة.\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿آياتُ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾\nمضاف إليه، ﴿نَتْلُوها:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: نحن، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿آياتُ اللهِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيها من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿آياتُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، واعتبار الجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والأول أقوى؛ لأنّ إبدال الاسم من اسم الإشارة يجب أن يكون مقرونا بال كما هو معروف، ويؤيد الوجه الأول قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا،﴾ ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، وهذا يعني: أنها حال متداخلة. ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّكَ﴾): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ اللام: لام الابتداء زحلقت إلى الخبر كراهة توالي مؤكّدين. هذا؛ وإنّ (من ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾) متعلقان بمحذوف خبر إن وعلامة الجر الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف في ﴿عَلَيْكَ﴾ والرابط الواو والضمير، وهذا يعني: أنّها حال متكررة.\n\n<span id=\"aya-260\"></span>﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ:﴾ لم يقل: «ذلك» مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة. ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي: خصصنا بمنقبة ليست لغيره. ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ أي: كلمه الله بغير واسطة كموسى؛ حيث كلّمه ربه على جبل الطور، وكمحمد ﷺ حين كلّمه ربّه في ليلة الإسراء، والمعراج، وهذا تفصيل للتفضيل، ويسمى في البلاغة التقسيم. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ:﴾ المراد به سيّد الخلق، وحبيب الحق، نبينا المعظم ﷺ؛ حيث رفعه درجات على غيره، بعموم الدّعوة، وختم النبوة، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات الكثيرة، التي من أهمّها القرآن الكريم","vol":"1","page":596},{"text":"المعجزة الخالدة، ولم يصرّح باسمه الكريم لتفخيم شأنه، كأنه العلم المتعيّن لهذا الوصف، المستغني عن التعيين، ولا تنس ما في الآية من الالتفات الذي أذكره، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبيّ من الأنبياء إلاّ وقد أعطي من الآيات، ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» متّفق عليه.\nوعن جابر بن عبد الله﵄-، قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة، فليصلّ، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة». متّفق عليه.\n ﴿وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ:﴾ الحجج الدّامغات، والمعجزات الباهرات، وهي: إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الميّت، وغير ذلك ممّا ذكر في آل عمران، وسورة المائدة.\n ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ:﴾ قوّيناه بجبريل ﵇، رواه أبو مالك، وأبو صلاح عن ابن عباس﵄-، ومعمر بن قتادة، وقال حسّان﵁-: [الوافر]\nوجبريل رسول الله فينا... وروح القدس ليس به خفاء\nقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إنّما سمّي جبريل: روح القدس؛ لأنّ القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف، وقال الرّازي-رحمه الله تعالى-: وما يدلّ على أنّ روح القدس جبريل، قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وقال النّحاس-رحمه الله تعالى-: سمّي جبريل روحا، وأضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله ﷿ له روحا من غير ولادة والد ولده، وكذلك سمّي عيسى روحا لهذا. هذا؛ والقدس:\nالطّهر، وعيسى مأخوذ من العيس، وهو بياض يخالطه شقرة، قاله أبو البقاء، أما مريم فهي بالعبرية بمعنى الخادم، ثمّ سمّي به كثير من النّساء، ومريم في لسان العرب هي الّتي تكره مخالطة الرّجال، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم ابنة عمران، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا. هذا؛ وفي القاموس المحيط: المريم هي التي تحبّ مخالطة الرجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قبله، قال الشاعر: [الطويل]\nوزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير\nفقلت لها أهلا وسهلا أمريم؟ ... فقالت: نعم من أنت؟ قلت لها: زير\n ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ المراد به ما وقع ويقع بين أتباع الرّسل من الاختلافات، والمنازعات التي تؤدّي في كثير من الأحيان إلى الحروب الطّاحنة، وبيّن ربنا جلّت","vol":"1","page":597},{"text":"قدرته، وتعالت حكمته: أن ما يقع إنّما هو بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ ﴿لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ:﴾ بالله، ورسله، وكتبه، وملائكته، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ أي: بعد نبيه حيث ترك تعاليمه، وخالف أمره، كما فعل اليهود، والنصارى بعد موسى، وعيسى، وغيرهما، وكما فعل كثير من المسلمين، ويفعلون.\nوفي قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ تفصيل للاختلاف، مثل سابقه، وبين ﴿آمَنَ﴾ و﴿كَفَرَ﴾ طباق. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا:﴾ كرره للتأكيد، أي: لو شاء الله ألا يقتتلوا؛ لم يقتتلوا؛ إذ لا يجري في ملكه إلا ما يوافق مشيئته، وهذا يبطل قول المعتزلة، فإنّهم يقولون: شاء أن لا يقتتلوا، فاقتتلوا، وقد صفع ابن المنير الزّمخشريّ صفعة لطيفة على حيله، وتحيله. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ:﴾\nأثبت الله لنفسه الإرادة، كما هو مذهب أهل السنة، يعني: أنّ الله تعالى يوفق من يشاء لطاعته والإيمان به فضلا منه، ورحمة، ويخذل من يشاء عدلا منه، لا اعتراض عليه في ملكه، وفعله.\nسأل رجل عليّا﵁عن القدر، فقال: طريق مظلم، فلا تسلكه، فأعاد السؤال، فقال: بحر عميق، فلا تلجه، فأعاد السؤال، فقال: سرّ الله قد خفي عليك، فلا تفتشه.\nتنبيه: أثبتت الآية الكريمة التفاضل بين الرّسل، كما أثبته الله في سورة (الإسراء) بقوله:\n ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ وهذا مشكل، والأحاديث الثابتة بأنّ النبيّ ﷺ قال: «لا تخيّروا بين الأنبياء» و«لا تفضّلوا بين أنبياء الله». رواه الشّيخان عن أبي هريرة﵁بلفظ: استبّ رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال اليهوديّ: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فلطم المسلم بيده وجه اليهودي... إلخ، وفي ذلك أجوبة:\nالأول: أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتّفضيل.\nالقول الثاني: أن الرسول ﷺ بين أنه سيد ولد آدم، وأنّ القرآن ناسخ للمنع من التفضيل.\nالقول الثالث: أنّ الرسول ﷺ أراد بقوله: «لا تخيّروني على موسى» وقوله: «لا يقل أحد:\nأنا خير من يونس بن متّى» التواضع.\nالقول الرابع: أنّ النبي ﷺ نهى عن الخوض في ذلك؛ لأنّه يؤدّي إلى الجدال، وذلك يؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر، ويقلّ احترامهم لبعض الأنبياء عند المماراة.\nالقول الخامس: أن التفضيل تابع للتفاوت في الفضائل النّفسانية التي وهبها الله لكلّ واحد، ولهذا اشتهر منهم أولو العزم، الّذين تحمّلوا المتاعب، والمصاعب فما وهنوا، وما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله، وعلى ما تقدّم فلا تفاضل من جهة النّبوة، التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها.\nوهكذا القول في الصّحابة إن شاء الله الذين اشتركوا في الصّحبة، ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب، والوسائل، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكلّ شملتهم الصّحبة،","vol":"1","page":598},{"text":"والعدالة، والثّناء عليهم، ما عدا الّذين برز نفاقهم، فهم مغضوب عليهم، محرومون من رحمة الله، ورضوانه، ويكونون في أعمق واد من أودية جهنّم.\nتنبيه: في الآية الكريمة التفاتات كثيرة: منها: التفات من التكلّم بقوله: ﴿فَضَّلْنا﴾ إلى الغيبة بقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ،﴾ ثم منه إلى التكلّم بقوله: ﴿وَآتَيْنا،﴾ ﴿وَأَيَّدْناهُ﴾ ثمّ منه إلى الغيبة بقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ..﴾. إلخ، وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السّمع عن الضّجر، والملال؛ لما جبلت عليه النّفوس من حبّ التنقّلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد هذه فوائده العامّة، ويختصّ كلّ موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حيث السّامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلّم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصّصه بالمواجهة.\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الرُّسُلُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.\n ﴿فَضَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وجوّز السفاقسي، وأبو البقاء اعتبار ﴿الرُّسُلُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الرُّسُلُ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، وهذا غير متعارف عليه في مثل هذا التّركيب.\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محلّ رفع مبتدأ مؤخر. ﴿كَلَّمَ اللهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: منهم الذي، أو:\nشخص كلّمه الله، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه والمشهور في مثل هذه الجملة، ولا أعتمده، والأصحّ: أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و﴿مَنْ:﴾ هي الخبر؛ لأنّ (﴿مَنْ﴾) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: وبعضهم من كلمه الله، وجمع الضمير يؤيّده، ويؤيده قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ،﴾ ف (أكثرهم) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) [٦٦]: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ؛﴾ ف (كثير) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمْ﴾ وخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب\nهذا؛ وليوث: جمع: ليث، وهو السّبع، لا ترام: لا تقصد، قمشت: جمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كلّ شيء، والجملة الاسمية: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ:﴾ هذه تحتمل أن تكون مستأنفة لا محلّ لها، وأن تكون بدلا من جملة ﴿فَضَّلْنا..﴾.","vol":"1","page":599},{"text":"إلخ، قال بعض المتأخرين: هذا مردود؛ لأنّ الاسمية لا تبدل من الفعلية، قال ابن هشام: ولم يقم دليل على امتناع ذلك. (﴿رَفَعَ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، ﴿دَرَجاتٍ:﴾ مفعول به ثان، وكان في الأصل مجرورا بحرف جر، فلمّا حذف الجار وصل إليه الفعل بنفسه، ويسمّى مثل ذلك منصوبا بنزع الخافض، وقيل: هو حال، ولا وجه له، وقيل:\nهو مفعول مطلق وهو غريب، وجملة: (﴿رَفَعَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها. (﴿آتَيْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿عِيسَى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿اِبْنَ:﴾ صفة عيسى، أو بدل منه. و﴿اِبْنَ﴾ مضاف، و﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي ﴿الْبَيِّناتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة:\n ﴿وَآتَيْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها. (أيدناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، ﴿بِرُوحِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(روح) مضاف، و﴿الْقُدُسِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَأَيَّدْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾\nفعل ماض وفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ألا يقتتلوا، ونحوه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِقْتَتَلَ الَّذِينَ:﴾ فعل ماض وفاعله، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محل لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ يجوز أن يكونا متعلقين بالفعل قبلهما، ويجوز اعتبارهما بدلا ممّا قبلهما بإعادة حرف الجر. ﴿مَا:﴾\nمصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّناتِ:﴾ فاعله، و﴿مَا﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه. والتقدير: من بعد مجيئهم البينات. ﴿وَلكِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنِ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له.\n ﴿اِخْتَلَفُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها مثله.\n ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (منهم ﴿مَنْ آمَنَ﴾) إعراب هذه الجملة مثل إعراب الجملة السابقة، والتي بعدها مثلها أيضا، والجملتان الاسميتان مستأنفتان لا محل لهما ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا:﴾ مثل إعراب سابقتها بلا فارق بينهما. ﴿وَلكِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنِ﴾) حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿مَا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصولة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة (﴿مَا﴾) أو صفتها، والعائد","vol":"1","page":600},{"text":"أو الرابط محذوف، التقدير: يفعل الذي، أو: شيئا يريده، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (﴿لكِنِ﴾)، والجملة الاسمية معطوفة على جواب (﴿لَوْ﴾) لا محل لها مثله.\n\n<span id=\"aya-261\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٥٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان، وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة والامتثال، وإنّما خصّهم الله بالنّداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عما نهى عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو نهي.\n ﴿أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ:﴾ الإنفاق: بذل المال، وهو يشمل الواجب، مثل الزكاة، والكفارات على جميع أنواعها، واختلاف مراتبها، والمندوب؛ أي: صدقات التطوّع، قال ابن جريج، وسعيد بن جبير-رحمهما الله تعالى-: هذه الآية تجمع الزّكاة المفروضة، والتطوّع. هذا؛ والفعل الماضي: أنفق، وهو رباعي الحروف، مضارعه: يؤنفق، ويكون ثلاثيّا: نفق، قاله الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ:﴾ صريح بأنّ المال الذي بيد العبد إنّما هو من فضله تعالى، وكرمه، وجوده، والعبد موكل على المال وكالة، كما قال تعالى في سورة (الحديد): ﴿وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.\n ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ:﴾ المراد به يوم القيامة. ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: ولا شراء، والمعنى لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال، ولو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبا، لا يقبل. ﴿وَلا خُلَّةٌ:﴾\nولا صداقة، ولا مودة، وهي بضم الخاء، وهي أيضا ما خلا من النبات، يقال: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها، والخلة بالفتح: الفقر، والحاجة، وهي أيضا الخمرة الحامضة، وهي بكسر الخاء نبات معروف، تنظف به الأسنان من آثار الطّعام، وهي أيضا ما يبقى بين الأسنان.\nهذا؛ والخلّة بالضم: الخليل، يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لأنّه في الأصل مصدر قولك:\nخليل بيّن الخلّة. هذا، والخليل هو الصّديق الّذي صفت مودّته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك، كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضّبيّ: [الوافر]\nأخوك أخوك من تدنو وترجو... مودّته، وإن دعي استجابا\nإذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا","vol":"1","page":601},{"text":"وهو معدوم في هذا الزّمن؛ الذي فسد أهله، وصاروا خلّا ودودا، كما قال القائل: [الوافر]\nسألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا: النّاس من خلّ ودود\nفقلت: أليس فيهم ذو وفاء؟ ... فقالوا: كان ذلك في الجدود\nاحفظ البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التام، لذا فإنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال: [الكامل]\nقد قيل: إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي\nوقال الآخر: [الوافر]\nسألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا ما إلى هذا سبيل\nتمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل\nوممّا هو جدير بالذكر: أنّ كل صداقة لا تكون على أساس من التّقوى تنقلب عداوة في الدنيا والآخرة، خذ قوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس اللّعين في سورة (إبراهيم) رقم [٢٢] وفي سورة (ق) أيضا.\nوفي مصنّف أبي داود عن أبي هريرة﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «الرّجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ولقد أحسن من قال: [السريع]\nمن لم تكن في الله خلّته... فخليله منه على خطر\n ﴿وَلا شَفاعَةٌ﴾ أي: ولا يقبل منها شفاعة، كما في الآية رقم [٤٨]. والشّفاعة: التوسّل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسّل يسمّى الشّفيع، والشفاعة في الدّنيا تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حقّ مسلم، أو دفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من الحدود، ولا في حق من حقوق العباد، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك، وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدّعوة للمسلم؛ لأنّها بمعنى الشّفاعة إلى الله تعالى، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب، استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك» فذلك النصيب الذي ذكر الله بقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ رقم [٨٥] من سورة (النساء)، وروى مسلم عن أمّ الدّرداء﵄-، قالت: حدّثني سيّدي: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول:\n «إذا دعا الرّجل لأخيه بظهر الغيب. قالت الملائكة: ولك بمثله».\nولا ريب: أنّ المراد بالشفاعة في هذه الآية الشّفاعة يوم القيامة، والشّفاعة العظمى مختصة بنبينا ﷺ ثمّ يتلوها شفاعات أخر، كما هو معلوم من الدين، وأحكامه، وهو مذهب أهل الحقّ، والسّنّة، والجماعة.","vol":"1","page":602},{"text":"وأنكر المعتزلة الشّفاعة، وخلّدوا أهل الكبائر من المسلمين الّذين دخلوا النار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأنّ من كان من العصاة المذنبين الموحّدين من أمم النبيين هم الّذين تنالهم شفاعة الشّافعين من الملائكة، والنبيين، والشهداء، والصالحين، قال ابن المنير المعلّق على الكشّاف: أما من جحد الشفاعة؛ فهو جدير ألا ينالها، وأمّا من آمن بها، وصدّقها، وهم أهل السّنّة، والجماعة؛ فأولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم: أنها تنال العصاة من المذنبين، وإنّما ادّخرت لهم في الآخرة.\nأقول: والأحاديث في الشّفاعة كثيرة مشهورة، وفي كتب الأحاديث مسطورة، والدّليل القرآنيّ يوحي بأنّ أقواما تنالهم الشّفاعة، كما أنّه يصرّح بأن أقواما لا تنالهم بكفرهم، وعظيم جرائمهم، وهو كثير.\nقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فإن قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب ردّ هذه الأخبار، مثل قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ،﴾ وفي الآية رقم [٤٨]: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ،﴾ قلنا: ليست هذه الآية عامة في كلّ ظالم، والعموم لا صيغة له، فلا تعمّ هذه الآيات كلّ من يعمل سوءا، وكلّ نفس، وإنّما المراد بها الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك، وانظر قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٩]: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ تجد ما يسرك ويثلج صدرك، وقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد ب (نفس) في الآية رقم [٤٨] النّفس الكافرة، لا كلّ نفس. انتهى بتصرف.\nبعد هذا؛ المعنى للآية الكريمة: أنفقوا من المال الّذي رزقناكموه من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرّطتم، والخلاص من عذابه؛ إذ لا بيع فيه؛ فتحصّلون ما تنفقون، أو تفتدون به من العذاب، ولا خلّة؛ حتّى يعينكم عليه أخلاّؤكم، أو يسامحوكم به، ولا شفاعة إلا لمن أذن له الرّحمن ورضي له قولا؛ حتّى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم في حطّ ما في ذممكم، والمراد ب: ﴿وَالْكافِرُونَ:﴾ المانعون للزّكاة، كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٩٧]: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ مكان من لم يحج؛ وإيذانا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار بقوله تعالى:\n ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ رقم [٦ - ٧] سورة (فصلت). انتهى. بيضاوي بتصرف كبير، فلم يبق لما قاله عطاء بن دينار، والحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ،﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، فلم يبق لقوله معنى، ولا فائدة.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾) منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾) وها: حرف تنبيه، لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب","vol":"1","page":603},{"text":"المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع بدلا من (أيّ) أو عطف بيان عليه. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها؛ ﴿أَنْفِقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعله، والجملة فعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.\n ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمفعول به محذوف، التّقدير: أنفقوا شيئا كائنا ممّا... إلخ، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما على أنّهما مفعول به؛ لأنّ (من) للتبعيض، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿رَزَقْناكُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أنفقوا من الذي، أو من شيء رزقناكموه. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَنْفِقُوا﴾ أيضا. ﴿أَنْ يَأْتِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿يَوْمٌ:﴾ فاعل ﴿يَأْتِيَ﴾.\n ﴿لا:﴾ نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿بَيْعٌ:﴾ اسم ﴿لا﴾. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾. ﴿لا:﴾ صلة في الموضعين، و﴿خُلَّةٌ﴾ و﴿شَفاعَةٌ:﴾ معطوفان على ﴿بَيْعٌ﴾ عطف مفرد على مفرد، وإن اعتبرت (﴿لا﴾) عاملة فيهما، فخبرها محذوف في الموضعين لدلالة خبر الأولى عليه. هذا؛ وإن اعتبرت (﴿لا﴾) مهملة لا محل لها ف: ﴿بَيْعٌ﴾ يكون مبتدأ، خبره: الجار والمجرور: ﴿فِيهِ،﴾ ويجوز فيهما بعده الوجهان اللّذان ذكرتهما في حال عمل (﴿لا﴾) عمل «ليس» وهما عطف ﴿خُلَّةٌ﴾ و﴿شَفاعَةٌ﴾ عطف مفرد على مفرد، أو هما مبتدءان، وخبرهما محذوف لدلالة خبر الأول عليه، كما أجيز إعمال (﴿لا﴾) فيهما عمل «ليس» فهذه ثلاثة أوجه في ﴿خُلَّةٌ﴾ و﴿شَفاعَةٌ﴾ على رفع بيع، ومثل الآية الكريمة قول عبيد بن حصين الرّاعي النّميري، وهو الشّاهد رقم [٣٠١] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [البسيط]\nوما هجرتك حتّى قلت معلنة... لا ناقة لي في هذا، ولا جمل\nهذا؛ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو الأسماء الثلاثة بالفتح من غير تنوين، وخرجت هذه القراءة على إعمال ﴿لا﴾ الأولى عمل «إنّ». و﴿بَيْعٌ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، و﴿فِيهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبرها، والواو حرف عطف، و﴿لا:﴾ صلة لتأكيد النفي في الموضعين، و﴿خُلَّةٌ﴾ و﴿شَفاعَةٌ:﴾ معطوفان على بيع، ويجوز اعتبار ﴿لا﴾ عاملة في الثلاثة، والجار والمجرور: ﴿فِيهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر الأولى، وخبر الثانية والثالثة محذوفان؛ لدلالة خبر الأولى عليهما. هذا؛ ويجوز في غير القرآن: لا بيع فيه ولا خلّة؛ ببناء الأول على الفتح، ورفع الثاني، وشواهده في كتب النّحو قول الشّاعر، وهو الشاهد رقم [٣٠٢] من كتابنا فتح رب البريّة: [الكامل]\nهذا-لعمركم-الصّغار بعينه... لا أمّ لي، إن كان ذاك ولا أب","vol":"1","page":604},{"text":"ويجوز أن تبني الأول، وتنصب الثاني؛ وتنوّنه، وشواهده في كتب النّحو قول الآخر، وهو الشّاهد رقم [٣٠٤] من كتابنا فتح ربّ البريّة: [السريع]\nلا نسب اليوم، ولا خلّة... اتّسع الخرق على الرّاقع\nويجوز في غير القرآن أيضا أن ترفع الأول، وتبني الثاني، وشواهده في كتب النحو قول أميّة ابن أبي الصّلت، وهو الشاهد رقم [٣٠٣] من كتابنا المذكور: [الوافر]\nفلا لغو ولا تأثيم فيها... وما فاهوا به أبدا مقيم\nوهذه الأوجه كلّها تجري في الجملة: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». وخذ قول ابن مالك ﵀ في ألفيته مقرّرا جميع الوجوه الّتي ذكرتها، وزيادة: [الرجز]\nوركّب المفرد فاتحا كلا... حول ولا قوّة، والثاني اجعلا\nمرفوعا أو منصوبا، أو مركّبا... وإن رفعت أوّلا لا تنصبا\nبعد هذا فجملة: ﴿لا بَيْعٌ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿يَوْمٌ،﴾ والرابط: الضمير المجرور ب (في) وما بعدها معطوف عليها، إما جملة، أو إفرادا، كما رأيت تفصيله. (﴿الْكافِرُونَ﴾): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر الأول. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا لا محل له، ﴿الظّالِمُونَ﴾ خبر (﴿الْكافِرُونَ﴾) وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام أفادت التهديد والوعيد لمانعي الزّكاة، والصدقات.\n\n<span id=\"aya-262\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾\nالشرح: هذه الآية سيدة آي القرآن، وأعظم آية، نزلت ليلا، ودعا النّبيّ ﷺ زيد بن ثابت -﵁-، فكتبها، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، ترغّب في قراءتها في جميع الأحوال، في دبر الصّلوات الخمس، وعند النّوم، وفي الصّباح، والمساء، وهي حفظ من الشياطين، والمردة، والسحرة، والمعتدين، والظّالمين، أكتفي بما يلي:\nعن أبيّ بن كعب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فضرب في صدري،","vol":"1","page":605},{"text":"وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» أخرجه مسلم، وغيره، وزاد الترمذيّ الحكيم في روايته:\n «فو الّذي نفسي بيده إنّ لهذه الآية لسانا، وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش».\nومن حديث أبي ذر﵁الطويل، قال: سألت رسول الله ﷺ: أيّ آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم؟ ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ..﴾. إلخ.\nوقال ابن عباس ﵄: أشرف آية في القرآن آية الكرسيّ، قال بعض العلماء:\nلأنّه يكرّر فيها اسم الله تعالى بين مضمر، وظاهر ثماني عشرة مرّة.\n ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ إخبار بأنّه سبحانه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق. ﴿اللهُ:﴾ علم على الذّات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلّف شروط الإجابة، الّتي أعظمها أكل الحلال. ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٦٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تسمّى أحد (﴿اللهُ﴾) غير (﴿اللهُ﴾)؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين، وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنّه لم يذكر في سورتي الرّحمن، والواقعة. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحيّ في نفسه؛ الذي لا يموت أبدا، القيّم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره، وهما اسمان من أسماء الله الحسنى، وأصل ﴿الْحَيُّ:﴾\nالحيي بياءين متحركتين، فسكنت الأولى، ثمّ أدغمت في الثانية، وأصل ﴿الْقَيُّومُ:﴾ القيووم؛ لأنّه من: قام بالأمر يقوم، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، قال الشّاعر: [الخفيف]\nإنّ ذا العرش للّذي يرزق النّا... س وحيّ عليهم قيّوم\n ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص، ولا غفلة، ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كلّ نفس بما كسبت، شهيد على كلّ شيء، لا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السّماء، وهو السّميع العليم، و(السّنة) بكسر السين: النّعاس في قول الجميع، قال عديّ بن الرقاع العاملي: [الكامل]\nوسنان أقصده النّعاس فرنّقت... في عينه سنة، وليس بنائم\nوفرّق المفضل بينهما، فقال: السّنة في الرأس، والنّعاس في العين، والنّوم في القلب، وبالجملة: السّنة والنعاس فتور يعتري الإنسان، ولا يفقد معه عقله، والمراد بهذه الآية: أنّ الله تعالى لا يدركه خلل، ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال، والأصل في ﴿سِنَةٌ﴾ وسنة؛ حذفت الواو، كما حذفت من يسن الماء والأصل: وسن، يسن؛ مثل: وعد، يعد. هذا؛ والوسن أيضا النّعاس، قال المتنبّي أبو الطّيب: [البسيط]\nأبلى الهوى أسفا يوم النّوى بدني... وفرّق الهجر بين الجفن والوسن","vol":"1","page":606},{"text":"وهذا هو الشاهد رقم [٩٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nهذا؛ والنّوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين: فترة طبيعية، تعتري الإنسان، وتتعطّل حواسّه بها، وأمّا نوم القلب؛ فهو تعطيل القوى المدركة، والثّاني لم يقع منه ﷺ؛ لأنّ قلبه لا ينام، كما في حديث الصّحيحين عنه ﷺ: أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي» ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]\nلا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم\nوهذا، والمنام مصدر بمعنى النّوم، أو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأنّ مفعلا يصلح لهذا كلّه. هذا وقدمت السّنة بالذّكر؛ لأنّها سابقة في الوجود على النّوم، قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: والنّاس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة﵁-، قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى على المنبر، قال: وقع في نفس موسى: هل ينام الله جلّ ثناؤه، فأرسل الله إليه ملكا. فأرّقه ثلاثا، ثمّ أعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ، فينحّي إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان، قال: ضرب الله له مثلا: أن لو كان ينام؛ لم تمتسك السّماء والأرض، ولا يصحّ هذا الحديث، ضعفه غير واحد، منهم البيهقيّ. انتهى. قرطبي.\nوفي مختصر ابن كثير عن ابن عباس﵄-: أنّ بني إسرائيل، قالوا: يا موسى! هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله! فناداه ربّه ﷿: يا موسى! سألوك هل ينام ربّك؟ خذ زجاجتين في يديك، فقم الليلة، ففعل موسى، فلمّا ذهب من الليل ثلث نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش، فضبطهما حتّى إذا كان آخر الليل؛ نعس، فسقطت الزّجاجتان، فانكسرتا، فقال:\nيا موسى لو كنت أنام؛ لسقطت السّماوات والأرض، فهلكت، كما هلكت الزّجاجتان في يديك، فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ آية الكرسي، رواه ابن أبي حاتم.\nأقول: خذ قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٤١]: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنّه جيد، والحمد لله!.\n ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ ﴿لَهُ:﴾ أي: بالملك التام، الجميع خلقا، وعبيدا في قهره، وتحت سلطانه، وقد ذكر ما فيهما دونهما للردّ على المشركين العابدين لبعض الكواكب، الّتي في السّماء، والأصنام الّتي في الأرض، يعني: فلا تصلح أن تعبد؛ لأنها مملوكة لله، مخلوقة له، والتعبير ب ﴿ما﴾ التي لغير العاقل، للتغليب وفيه ردّ على المشركين الذين قالوا عن الأصنام ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾.\n ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ:﴾ الاستفهام معناه النفي، وفيه ردّ لزعم المشركين: أنّ الأصنام تشفع لهم، وهو كقوله تعالى في سورة (النّجم): ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي﴾","vol":"1","page":607},{"text":"شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى وكقوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ وهذا من عظمة الله، وجلاله، وكبريائه ﷿؛ حيث لا يجرؤ أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في قول النبيّ ﷺ في حديث الشّفاعة:\n «آتي تحت العرش، فأخرّ ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثمّ يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفّع».\n ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ:﴾ الضمير يعود إلى الخلق المعبّر عنهم ب ﴿ما؛﴾ والمعنى:\nيعلم الله ما هو حاضر، وشاهد لهم، وهو الدّنيا وما فيها، وما خلفهم، أي: أمامهم من أمر الآخرة، ويجوز أن يكون المعنى ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ:﴾ أمر الآخرة، ﴿وَما خَلْفَهُمْ:﴾ أمر الدّنيا؛ لأنّ الإنسان مستقبل للآخرة، مستدبر للدنيا، فهو دليل قاطع على إحاطة علمه ﷿ بجميع الكائنات، ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها.\n ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ أي: لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما أعلمهم الله إياه على ألسنة الرّسل، أو المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته، وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.\n ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ يقال: فلان وسع الشيء سعة: إذا احتمله، وأطاقه، وأمكنه القيام به، وأصل الكرسيّ في اللغة: من تركّب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكرّاسة لتركيب بعض أوراقها على بعض، والكرسيّ في العرف: اسم لما يقعد عليه، وسمّي به لتركيب خشباته بعضها على بعض، واختلفوا في الكرسيّ هنا على أربعة أقوال:\nأحدها: أنّ الكرسيّ هو العرش نفسه، قاله الحسن البصري؛ لأنّ العرش، والكرسي اسم للسّرير؛ الذي يصحّ التمكّن عليه.\nالثاني: أنّ الكرسيّ غير العرش، وهو أمامه، وهو فوق السّماوات السّبع، ودون العرش، قال السّدّي رحمه الله تعالى: إنّ السموات والأرض في جوف الكرسيّ كحلقة ملقاة في فلاة، والكرسيّ في جنب العرش كحلقة في فلاة، وعن ابن عباس﵄-: إنّ السموات السّبع في الكرسيّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس.\nالقول الثالث: إنّ الكرسي هو الاسم الأعظم؛ لأنّ العلم يعتمد عليه، كما أنّ الكرسي يعتمد عليه، وقال ابن عباس: كرسيّه: علمه، وهو قول ثان له، ورجّحه الطبري، قال: ومنه الكرّاسة التي تضمّ العلم، ومنه قيل للعلماء: كراسي؛ لأنّهم يعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، قال الشاعر: [الطويل]\nيحفّ بهم بيض الوجوه وعصبة... كراسيّ بالأحداث حين تنوب","vol":"1","page":608},{"text":"أي: علماء بحوادث الأمور.\nالقول الرابع: المراد بالكرسيّ: الملك، والسّلطان، والقدرة؛ لأنّ الكرسيّ موضع السلطان، والملك، فلا يبعد أن يكنى عن الملك بالكرسيّ على سبيل المجاز. انتهى. خازن.\nهذا وقد قال الرسول ﷺ: «ما السّماوات السّبع في الكرسيّ إلاّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس»، وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذرّ﵁-، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ ما أنزل الله عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي». ثمّ قال: «يا أبا ذرّ ما السّماوات السبع مع الكرسيّ إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على الحلقة». أخرجه البيهقيّ، وغيره، وذكر: أنّه صحيح، وهذا من الأمور المغيّبة، التي يجب على المسلم الإيمان بها، والتّسليم بحقائقها، ولا مجال للعقل فيها، والسّؤال عن ذلك ب «كيف» ونحوها يحدث بلبلة في عقله، واضطرابا في إيمانه.\n ﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما:﴾ ولا يثقل عليه، ولا يصعب حفظهما، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ:﴾ المتعالي عن الصفات التي لا تليق به. ﴿الْعَظِيمُ:﴾ بمعنى عظيم القدر، والخطر، والشرف، وقيل: هو بمعنى المعظم، وأنكره بعضهم، فقالوا: لو كان بمعنى معظم؛ لوجب أن لا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق، وبعد فنائهم؛ إذ لا معظّم له حينئذ.\nقال الزّمخشري في كشافه: فإن قلت: لم فضّلت هذه الآية؛ حتى ورد فيها ما ورد، منه قوله ﷺ: «ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر، ولا ساحرة أربعين ليلة، يا عليّ علّمها ولدك، وأهلك، وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها».\nوعن عليّ﵁-: سمعت نبيّكم ﷺ على أعواد هذا المنبر، وهو يقول: «من قرأ آية الكرسيّ في دبر كلّ صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنّة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلاّ صدّيق، أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه، أمّنه الله على نفسه، وجاره، وجار جاره، والأبيات حوله».\nوتذاكر الصّحابة-رضوان الله عليهم-أفضل ما في القرآن، فقال لهم عليّ كرّم الله وجهه: أين أنتم من آية الكرسيّ؟! ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عليّ! سيّد البشر آدم، وسيد العرب محمّد، ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيّد الرّوم صهيب، وسيّد الحبشة بلال، وسيّد الجبال الطّور، وسيّد الأيام الجمعة، وسيّد الكلام القرآن، وسيّد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسيّ».\nقلت: كما فضلت سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد الله تعالى، وتعظيمه؛ وتمجيده، وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من ربّ العزة، فما كان ذكرا له، كان أفضل من سائر الأذكار، وبهذا يعلم: أن شرف العلوم، وأعلاها عند الله منزلة علم أهل العدل، والتوحيد، ولا يغرنّك عنه كثرة أعدائه، قال الشاعر: [البسيط]","vol":"1","page":609},{"text":"إنّ العرانين تلقاها محسّدة... ولن ترى للئام النّاس حسّادا\nفهو يعني: علم أهل العدل، والتوحيد: علم الاعتزال، ويعني بالعرانين: شيعة المعتزلة، كما هو دأبه في نصرة مذهبهم، ويروى: أنّه رجع عن هذا المذهب قبل وفاته، وترك نصرته عفا الله عنا، وعنه.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له.\n ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى. ﴿الْحَيُّ﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر، الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحيّ، وحسّن حذفه توالي اللفظ ب ﴿هُوَ﴾ مرّتين، الثالث: أن يكون خبرا ثانيا، لقوله: ﴿اللهُ﴾ أخبر عنه أولا بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وذلك عند من يرى تعدّد الخبر مختلفا في الإفراد، والجملة، الرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائيّ، فإنّه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشّرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. ﴿الْقَيُّومُ:﴾ يجري فيه ما جرى في سابقه، وإن اعتبرته بدلا من ﴿الْحَيُّ﴾ فلست مفندا، بل هو الأقوى؛ لأنهما اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى على المعتمد. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم، والجملة الاسمية ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَأْخُذُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿سِنَةٌ:﴾ فاعله. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. ﴿لا﴾ صلة لتأكيد النفي. ﴿نَوْمٌ:﴾ معطوف على ﴿سِنَةٌ،﴾ والجملة الفعلية تحتمل ثلاثة أوجه: أن تكون في محلّ رفع خبر ثالث للمبتدإ، وأن تكون في محلّ نصب حال من الضمير المستتر في ﴿الْقَيُّومُ،﴾ وأن تكون مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.\n ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي:﴾ ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبره.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿ذَا،﴾ أو هو بدل منها.\nهذا؛ وجوز أن يكون ﴿مَنْ ذَا﴾ اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَشْفَعُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وقيل: الظرف متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يَشْفَعُ﴾ المستتر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والهاء في محل جرّ بالإضافة.","vol":"1","page":610},{"text":"﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول معطوف على ما قبله. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):\nنافية. ﴿يُحِيطُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ عِلْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة (شيء)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، ﴿بِما:﴾ بدل من قوله: ﴿بِشَيْءٍ﴾ كما تقول: ما مررت بأحد إلا بزيد، و(﴿ما﴾) تحتمل الموصولة والموصوفة. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا بالذي، أو: بشيء شاءه، وجملة: ﴿وَلا يُحِيطُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَسِعَ:﴾ فعل ماض. ﴿كُرْسِيُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿السَّماواتِ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَسِعَ..﴾. إلخ تحتمل ما ذكرت من أوجه. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَؤُدُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعوله. ﴿حِفْظُهُما:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:﴾\nخبران للمبتدإ، والجملة الاسمية تحتمل الأوجه الثلاثة التي ذكرت فيما مضى قبلها، بعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ كل جملة في الآية الكريمة مستقلة، ويجوز الوقف على آخرها.\n\n<span id=\"aya-263\"></span>﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾\nالشرح: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ..﴾. إلخ المعنى: لا تكرهوا أحدا على الدّخول في دين الإسلام، فإنّه بيّن واضح، وجليّ؛ دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونوّر بصيرته؛ دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه، وبصره، فإنّه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا. هذا، والدّين اسم لجميع ما يتعبّد به الله تعالى. هذا، والدّين يطلق على العادة، والشأن، والحال، كما في قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٠]: [الطويل]\nكدينك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل","vol":"1","page":611},{"text":"هذا، والدّين أيضا: الملّة، والشريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [٧٦]: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ،﴾ ويوم الدين: يوم الجزاء والحساب، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. هذا؛ والدّين بفتح الدال القرض المؤجّل، وجمع الأول:\nأديان: وجمع الثاني: ديون وأدين. هذا؛ والدّينونة: القضاء، والحساب. والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ:﴾ يقال: تبين الشيء وبان، وأبان، واستبان كلّه بمعنى واحد، وهو لازم. وقد يستعمل بعضها متعدّيا، ﴿الرُّشْدُ:﴾ الاهتداء، والاستقامة على طريق الحقّ، وضدّه: الغيّ، والضّلال، يقال: رشد، يرشد، رشدا، ورشد، يرشد، رشدا، فالأول من الباب الأول، والثاني من الباب الرّابع.\n ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ:﴾ هو الأصنام، أو الشيطان، أو الكاهن، وكلّ رأس في الضلالة وداع إليه، وهو يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، واشتقاقه من: طغى، يطغى، أو من: طغا يطغو: إذا تجاوز الحدّ، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ ويجمع على: طواغيت، ولم يرد في القرآن الكريم بلفظ الجمع، والكفر بالطاغوت:\nعدم الرضا به، وعدم الانقياد له. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ أي: فقد تمسّك بالدّين بأقوى سبب، والعروة في الأصل موضع شدّ اليد، وأصل المادة تدل على التعلّق، ومنه: عروته إذا ألمحت به متعلقا به، واعتراه الهمّ تعلّق به. ﴿الْوُثْقى:﴾ تأنيث الأوثق، وهي للتفضيل، كفضلى تأنيث الأفضل، وجمع الوثقى: الوثق، مثل: الفضلى، والفضل، وفي الآية تشبيه، والمشبه به:\nالإيمان، وقيل: استعارة تمثيلية؛ حيث شبه المستمسك بدين الإسلام بالمستمسك بالحبل المحكم، وعدم الانفصام ترشيح.\n ﴿لا انْفِصامَ:﴾ لا انقطاع لها، والانفصام في اللغة: الانكسار من غير بينونة، والفصم: كسر مع بينونة، وفي صحيح الحديث عن عائشة﵂-: «فيفصم عنهﷺالوحي؛ وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا». وخذ قوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾. هذا؛ ولما كان الكفر بالطّاغوت، والإيمان بالله ما ينطق به اللسان، ويعتقده القلب؛ حسن قوله تعالى: ﴿سَمِيعٌ﴾ من أجل النّطق، ﴿عَلِيمٌ:﴾ من أجل المعتقد.\nتنبيه: خذ سبب الآية الكريمة فيما يروى عن ابن عباس﵄قال: كانت المرأة من الأنصار قبل الإسلام لا يعيش لها ولد، فكانت تنذر: لئن عاش لها ولد؛ لتهوّدنّه، فإذا عاش جعلته في اليهود، فجاء الإسلام، وفيهم منهم، فلمّا أجليت بنو النضير، كان فيهم عدد من أولاد الأنصار، فأرادوا استردادهم، وقالوا: هم أبناؤنا، وإخواننا، فنزلت الآية الكريمة، فقال رسول الله ﷺ: «قد خيّر أصحابكم فإن اختاروكم؛ فهم منكم، وإن اختاروهم؛ فأجلوهم معهم».\nوقيل: كان لرجل من الأنصار، يقال له: أبو الحصين ابنان متنصّران قبل الإسلام، ثم قدما المدينة المنوّرة في نفر من النّصارى يحملون الزيت. فلزمهما أبوهما، وقال: لا أدعكما حتّى","vol":"1","page":612},{"text":"تسلما، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقال الأب: يا رسول الله! أيدخل بعضي النار؛ وأنا أنظر إليه؟! فنزلت الآية الكريمة، فخلّى سبيلهما، وقيل: نزلت في أهل الكتاب؛ إذا قبلوا بذل الجزية، لم يكرهوا على الإسلام. انتهى. خازن.\nهذا واختلف في هذه الآية، فقيل: إنّها منسوخة؛ لأنّ النبي ﷺ أكره العرب على الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا الإسلام، فنسختها الآية في سورة التّوبة، وفي سورة التّحريم، وهي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وقال الرسول ﷺ: «أمرت أن أقاتل النّاس؛ حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها؛ عصموا منّي دماءهم وأموالهم...».\nوقيل: إنّها ليست بمنسوخة، وإنّما نزلت في أهل الكتاب خاصّة، وأنّهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية، والذين يكرهون: أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فهم الّذين نزل فيهم: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ﴾ والحجّة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه، قال:\nسمعت عمر بن الخطاب﵁يقول لعجوز نصرانيّة: أسلمي أيتها العجوز؛ تسلمي، إنّ الله بعث محمدا بالحقّ، قالت: أنا عجوز، والموت إليّ قريب، فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ..﴾. إلخ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِكْراهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿الرُّشْدُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْغَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿تَبَيَّنَ،﴾ وهما في محل نصب مفعول به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الرُّشْدُ﴾ والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها، ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالطّاغُوتِ:﴾ متعلقان به. ﴿وَيُؤْمِنْ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق مثل سابقه. ﴿اِسْتَمْسَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد. ﴿بِالْعُرْوَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْوُثْقى:﴾ صفة (العروة) مجرورة مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا انْفِصامَ لَها:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ،﴾ وهي في محل جر صفة ثانية ل (عروة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، والرابط على الاعتبارين الضمير، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾\nمعترضة في آخر الكلام، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.","vol":"1","page":613},{"text":"<span id=\"aya-264\"></span>﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ أي: متولّي أمورهم، وناصرهم على أعدائهم. هذا؛ ويكثر قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ فالولي: من يتولّى شئون غيره، والنّصير: المعين والمساعد، والفرق بينهما أنّ الولي قد يضعف عن النّصرة، والمعاونة، والنّصير قد يكون أجنبيّا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن المواظبة على الطّاعات، المعرض على الانهماك في اللّذات والشّهوات. وفيه وجهان: أحدهما: أنّه فعيل بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا هو من يتولّى الله حفظه، ورعايته، فلا يكله إلى غيره، ونفسه طرفة عين، كما قال تعالى:\n ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ،﴾ والوجه الثاني: أنّه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى:\nراحم، وعالم، فعلى هذا هو من يتولّى عبادة الله تعالى، من غير أن يتخلّلها عصيان، أو فتور، وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أنّه من شرط النّبيّ أن يكون معصوما، فكلّ من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بوليّ، بل هو مغرور مخادع، ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمة الطّريقة، رحمهم الله تعالى من شرح ألفاظ الزبد للشّيخ أحمد بن حجازي الفشني، رحمه الله تعالى، وربنا يقول في الحديث القدسيّ: «من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب» انظر الآية رقم [٢٧٩] الآتية.\n ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾ الظلمات: جمع ظلمة، وهي الكفر، والجهل، والظلم، ونحو ذلك، وإنّما جمعها لتعدّد فنون الضّلال، والمعاصي. ﴿النُّورِ:﴾ الهدى، والإيمان، وإنّما لم يجمع؛ لأن الإيمان واحد لا يتعدّد بخلاف الضّلال، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٥٣]: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\nوقال الشاعر الحكيم: [البسيط]\nالطّرق شتّى وطرق الحقّ مفردة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد\nلا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد\nوالنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد\n ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ المراد به الجمع، ولذا قرئ: (الطّواغيت)، وفسر بكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وسائر رءوس الضّلالة في كلّ زمان، ومكان.","vol":"1","page":614},{"text":"﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ:﴾ في معنى هذا الإخراج قولان: إما في مقابلة الأول، أو فيمن آمن من اليهود بالنّبي ﷺ قبل وجوده، وبعثته، كما رأيته فيما سبق في الآية رقم [٨٩] ثمّ كفر به بعد بزوغ فجر الإسلام. هذا؛ وإنّ في الكلام استعارة؛ حيث استعير لفظ الظّلمات للكفر، وما يتعلق به، والجامع بينهما عدم الاهتداء، واستعير لفظ النّور للإيمان بجامع الاهتداء في كلّ منهما. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ:﴾ جعل الله الكفار أصحاب النار، بمعنى مالكيها بملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾. ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾\nمقيمون، ماكثون، لا محيد لهم عنها، ولا محيص، قال رسول الله ﷺ: «أمّا أهل النّار، الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها، ولا يحيون، ولكن أقوام أصابتهم النّار بخطاياهم، فأماتتهم إماتة حتّى إذا صاروا فحما أذن لهم في الشّفاعة» رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة﵁-، والمذكورون في آخر الحديث هم عصاة المسلمين يدخلون النار، ويعذّبون على حسب جرائمهم، ثمّ يخرجون منها حمما ثمّ يدخلون الجنة.\nهذا و﴿أَصْحابُ﴾ جمع: صاحب، ويكون بمعنى المالك كما هنا، ويكون بمعنى الصّديق، ويجمع أيضا على صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب، والصّحابيّ: هو من اجتمع مع الرّسول ﷺ في حياته ولو ساعة بشرط أن يكون مسلما موحّدا، فإن اجتمع بالنبي ﷺ وجالسه في حياته وهو غير مؤمن ثمّ آمن به بعد وفاته، مثل كعب الأحبار؛ فيقال عنه: تابعي.\nالإعراب: ﴿اللهُ وَلِيُّ:﴾ مبتدأ، وخبر، و﴿وَلِيُّ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آمَنُوا:﴾\nفعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يُخْرِجُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وجوز الاستئناف، وهو ضعيف. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾\nكلاهما متعلقان بالفعل ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ مبتدأ أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلته، ﴿أَوْلِياؤُهُمُ:﴾ مبتدأ ثان، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الطّاغُوتُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز بسابقتها. ﴿مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل لها، ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم","vol":"1","page":615},{"text":"الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ،﴾ والأول أقوى؛ لأنّ لها نظائر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-265\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٢٥٨)﴾\nالشرح: لما ذكر الله تعالى الإيمان بالله وصفاته القدسية العلية، وذكر ولايته للمؤمنين، وولاية الطاغوت للكافرين؛ ذكر هنا نموذجا عن تحكم الطغيان في نفوس الكفرة المعاندين، ومجادلتهم في وحدانية الله، فذكرها هنا قصصا ثلاثة: الأولى في بيان إثبات الخالق الحكيم، والثانية، والثالثة في إثبات الحشر، والبعث بعد الفناء.\n ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ أو لكل أحد، والاستفهام تعجب وتشويق إلى استماع ما بعده إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين، أو استفهام تقرير إن كان المخاطب يعلم بحال المذكورين، ويجوز أن يخاطب به من لم ير، ولم يسمع؛ لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجب.\n ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ:﴾ هو النّمرود بن كوش، بن كنعان، بن سام، بن نوح النبي، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كان ملك زمانه، وهو أوّل من وضع التاج على رأسه، وتجبّر في الأرض، وادّعى الرّبوبية، وهو صاحب النّار، والبعوضة، وكان هلاكه كما يلي:\nطلب المحاربة مع الله تعالى، ففتح الله عليه بابا من البعوض، فستروا عين الشّمس، وأكلوا عسكره، ولم يتركوا إلا العظام بعد أن أكلوا لحومهم، وشربوا دماءهم، ودخلت واحدة منها في دماغه، فأكلته؛ حتّى صارت مثل الفأرة، فكان أرحم الناس به من يجمع له يديه، ثمّ يضرب بهما رأسه، فبقي في ذلك أربعين يوما، وقيل: أربعين سنة، ثم انفجر رأسه وخرجت، وهي تقول: هذا جزاء من يحارب الله، وكان ملكه فيما ذكروا أربعمائة عام.\nوفي قصص هذه المحاجة روايتان:","vol":"1","page":616},{"text":"إحداهما: أنّهم خرجوا إلى عيد لهم، فتخلف إبراهيم ودخل على أصنامهم، فكسرها، فلما رجعوا، وتساءلوا من كسرها؟ قال لهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ؟!﴾ فقالوا: فمن تعبد؟ قال: أعبد ربّي الذي يحيي ويميت.\nوالثانية: أن نمرود كان يحتكر الطّعام، فكان إذا أتى أحد يمتار سأله: من ربّك؟ فيقول:\nأنت، فيميره، فخرج إبراهيم ﵇ إليه ليميره الطّعام لأهله، فقال له: من ربك؟ قال: ربي الّذي يحيي، ويميت... إلخ، فردّه بغير طعام، فرجع إبراهيم إلى أهله، فمرّ على كثيب رمل أعفر، فملأ غرارتين منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم، فلمّا أتى أهله؛ وضع متاعه، فنام، فقامت زوجته سارة ﵍ إلى رحله، ففتحته، فإذا هو طعام أجود ما رآه أحد، فصنعت منه خبزا، فلما استيقظ قرّبته إليه، فقال لها ﵇: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، فعلم: أن الله قد رزقه ذلك بقلب الرّمل قمحا، فحمد الله تعالى.\n ﴿أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ أي: طغى، وتجبّر؛ لأنّ الله آتاه الملك، وكان الأحرى به أن يشكر الله، ويعبده، قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران؛ فأمّا المؤمنان؛ فسليمان بن داود وإسكندر ذو القرنين، وأما الكافران؛ فنمرود، وبختنصر. وقيل:\nكلاهما ولد زنى، وجدا لقيطين عند الأصنام، فبختنصر حقيقة لقيط، فاسمه مركب من: بخ:\nبمعنى ابن بالفارسية، وتنصّر: اسم الصّنم، فمعناه: ابن الصنم.\n ﴿إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ:﴾ هذا الكلام كان جوابا للنمرود اللّعين لمّا قال له: من تعبد؟ ﴿قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أي: بالقتل، والعفو، فدعا برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر. ﴿قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ:﴾ هذا من إبراهيم ﵊ انتقال إلى حجة أوضح، فإنّه لمّا رآه غبيّا أحمق؛ قال له هذا الكلام، والمعنى:\nإذا كنت كما تدّعي من أنك تحيي، وتميت، فالّذي يحيي، ويميت هو الّذي يتصرف بالوجود، في خلق ذراته، وتسخير كواكبه، وحركاته، فهذه الشمس تبدو كلّ يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما ادعيت تحيي وتميت، فائت بها من المغرب؟.\n ﴿فَبُهِتَ:﴾ أفحم، وأخرس، وتحيّر، ودهش، وهذا الفعل من الأفعال التي جاءت على صورة المبني للمجهول، والمعنى فيها للمعلوم. هذا؛ ويقال: بهت الرّجل، وبهت، وبهت، إذا انقطع، وسكت متحيّرا، وورد في الخبر: «أنّ الله تعالى قال: وعزّتي، وجلالي! لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أنّي القادر على ذلك». هذا وبين ﴿يُحْيِي﴾ و(﴿يُمِيتُ﴾) وبين ﴿الْمَشْرِقِ﴾ و﴿الْمَغْرِبِ﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.\nهذا؛ و﴿الْمَشْرِقِ:﴾ موضع شروق الشمس، و﴿الْمَغْرِبِ:﴾ موضع غروبها، وفي سورة (الرحمن): ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشّتاء، والصيف، ومغربيهما، وفي سورة","vol":"1","page":617},{"text":"(المعارج): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ فقد جمع المشرق والمغرب، كما ترى باعتبار مشارق الشّمس ومغاربها في السّنة، وهي ثلاثمائة وستون، تشرق كلّ يوم في واحد منها، وكذا تغرب في واحد منها. هذا؛ وفي تقديم المشرق على المغرب في جميع حالاته يوحي بأفضليته عليه، وكان من حقّ المشرق والمغرب، فتح العين، وهي الراء فيهما؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان إذا أخذ أحدهما من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها، وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب اللغة، والنحو، من ذلك: المسجد والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر، والتحقيق أنها أسماء نوعية غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح.\n ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ:﴾ لا يرشدهم، ولا يوفقهم إلى حجّة يدحضون بها حجج أهل الحق عند المحاجّة، والمخاصمة، وفي الآية الكريمة دليل على جواز مناظرة الكفار، والملحدين؛ لإظهار الحقّ، وفي القرآن الكريم، والسّنة المطهّرة من هذا كثير لمن تأمّله، انظر آية المباهلة في سورة (آل عمران) رقم [٦١].\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وانظر الشرح. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، وهو لازم لأنّه بمعنى تنظر، تعدّى بحرف الجر. ﴿إِلَى الَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿حَاجَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى النمرود، وهو غير مذكور، ولكنّه مفهوم من المقام، كما في قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ،﴾ وفي سورة (القيامة):\n ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ فإن الفاعل في الآيتين الرّوح، ولم يتقدّم لها ذكر، وأيضا قوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ومثل هذه الآيات في الشّعر كثير، أكتفي بقول حاتم الطّائي: [الطويل]\nلعمرك ما يغني الثّراء عن امرئ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر\n ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي رَبِّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿حَاجَّ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿آتاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ والهاء في محل نصب مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمُلْكَ:﴾ مفعول به ثان:\nو﴿أَنْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف عند الخليل، التقدير:\nلإتيانه الملك، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿حَاجَّ،﴾ وفي محل نصب بنزع الخافض عند","vol":"1","page":618},{"text":"سيبويه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق ب ﴿حَاجَّ﴾ أو ب (أتى)، وقيل: بدل من المصدر المؤول، وليس بشيء؛ لأنّ الظرف غير المصدر، إلا أن تقدر ﴿إِذْ﴾ بمعنى «أن» المصدرية. انتهى. عكبري. وقال الجلال: بدل من ﴿حَاجَّ﴾ بدل اشتمال؛ لأنّ وقت القول المذكور يشتمل على المحاجّة، وعلى غيرها؛ لأنّه أوسع منها. انتهى. جمل.\n ﴿قالَ إِبْراهِيمُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿فَإِنَّ﴾ الفاء: صلة، وقال الجمل: والفاء في جواب شرط مقدر، أي: إن كنت قادرا كقدرة الله؛ فإنّ الله... إلخ، وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى -: أو دخلت الفاء إيذانا بتعلّق هذا الكلام بما قبله، والمعنى: إذا ادعيت الإحياء، والإماتة، ولم تفهم؛ فالحجّة أنّ الله يأتي بالشّمس، هذا هو المعنى. أقول: اعتبار الفاء الأولى صلة، والثانية الفصيحة هو الأولى، والأقوى. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَأْتِي:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾.\n ﴿بِالشَّمْسِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم، إن كان الشرط المقدر «إن» ولا محل لها إن كان الشرط المقدر «إذا». ﴿مِنَ الْمَشْرِقِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَأْتِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة على المعتمد. (ائت): فعل أمر مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:\nأنت. بها: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْمَغْرِبِ:﴾ متعلقان به أيضا، والجملة الفعلية لا محل لها كما رأيت، وهي من جملة مقول القول.\n ﴿فَبُهِتَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بهت): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الَّذِي:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلته، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾\nصفة ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.\nتنبيه: ذكرت لك في الإعراب: أنّ مفعول ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ و﴿أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ محذوف، وفيه وفي أمثاله قال ابن هشام في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثّابت، ولا يسمّى محذوفا؛ لأنّ الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه ما ذكر في هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [١٨٧] في هذه السورة وفي سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (الدّهر): ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾.","vol":"1","page":619},{"text":"<span id=\"aya-266\"></span>﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ كَالَّذِي..﴾. إلخ: التقدير عند الكسائي، والفراء: هل رأيت كالّذي حاجّ إبراهيم في ربه؟ أو كالذي مر على قرية؟ وقال المبرد: المعنى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، ألم تر من هو كالّذي مرّ على قرية؟ فأضمر في الكلام: من هو. انتهى. قرطبي. وقيل: الكاف مزيدة، وتقدير الكلام: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو الذي مرّ على قرية؟. انتهى.\nبيضاوي. وهو فحوى قول الزّمخشري: ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل:\nأرأيت كالّذي حاجّ إبراهيم؟ أو كالّذي مرّ على قرية؟ وتخصيص الكلام بحرف التشبيه؛ لأن المنكر للإحياء كثير، والجاهر بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدّعي الرّبوبية.\nوالذي مرّ هو عزير بن شرخيا، وهو من سبط هارون بن عمران. ﴿عَلى قَرْيَةٍ:﴾ هي بيت المقدس حين خرّبه بختنصر بعد سليمان بن داود، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته في أول سورة (الإسراء). وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف المذكورون في الآية رقم [٢٤٣]، وليس بشيء. هذا؛ والقرية اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة وعلى غيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله جل ذكره مكة المكرمة أم القرى في قوله تعالى شأنه في الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام): ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها،﴾ كما تطلق على الضّيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها قرويّ، وقرئيّ، والفتح أقوى.\n ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها:﴾ خالية، ساقطة حيطانها على سقوفها، فوقف متنكرا فيما آل إليه أمرها بعد العمارة العظيمة، والزخرفة الجميلة؛ التي صنعها سليمان فيها. ﴿قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها:﴾ وذلك لما رأى من دثورها، وشدّة خرابها، وإحياؤها إنما هو بعمارتها، وتشييدها، ووجود السكان فيها، وخوت الدار، وخويت: لا سكان فيها، ومنه قوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٥٢]: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا،﴾ وقوله هذا تلهّف على مدينته التي عهد فيها أهله، وأحبته، ثمّ رآها خرابا يبابا، وعلى كلّ فموت القرية هو موت سكانها، فهو مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل، وإرادة الحال.","vol":"1","page":620},{"text":"﴿فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ:﴾ قبض روحه، وتركه جثّة هامدة لا حراك فيها، والعام: السنة، والحول، وجمعه: أعوام. ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ:﴾ أحياه بردّ روحه إليه. ويحكى في قصص هذه الآية: أنّ الله تعالى بعث لها ملكا من الملوك يعمرها، ويجدّ في ذلك حتّى كان كمال عمارتها بعث القائل، وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، ورجع بنو إسرائيل إليها، فلمّا أحياه الله، فكان أوّل شيء أحياه فيه عيناه لينظر بها إلى صنع الله، كيف يحيي الله بدنه، فلمّا استوى قائما سويّا، قال الله له بواسطة الملك: ﴿كَمْ لَبِثْتَ:﴾ كم نمت، ومكثت في هذه الحال؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم؛ وذلك أنّه مات أوّل النهار، ثم بعثه في آخر النّهار. فلما رأى الشمس عصرا ظنّ: أنها شمس ذلك اليوم، ومثله ما ذكر الله في شأن أهل الكهف: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. ﴿قالَ:﴾ أي الملك لعزيز. ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ أي: مكثت ميتا مائة عام كاملة. ﴿فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أي: إن شككت في ذلك؛ فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغيّر بمرور الزمن، وكان معه عنب، وتين، وعصير، فوجدها على حالها لم تفسد، والهاء في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ أصلية، أو هاء السكت، واشتقاقه من السّنة على الوجهين؛ لأنّ لامها هاء؛ لأن الأصل سنهة، والفعل سانهت، يقال: سانهت فلانا، أي:\nعاملته سنة، أو واو لأن الأصل سنوة، والفعل سانيت. قال النّحاس: أصح ما قيل فيه: أنه من السّنة، أي لم تغيره السّنون، ويحتمل أن يكون من السّنة، وهي الجدب، ومنه قوله تعالى:\n ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ وانظر الإعراب. هذا؛ ولم يثنّ فاعله مع كونه عائدا على الطعام والشراب؛ لأحد أمرين: إما لكونهما متلازمين، فصارت كالشيء الواحد، وهو الغذاء، وإما لأنّ الضمير يعود إلى الشراب فقط، وثمّ جملة أخرى مقدرة حذفت لدلالة هذه عليها، والتقدير: انظر إلى طعامك لم يتسنه، وإلى شرابك لم يتسنه. انتهى. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أي: دليلا على البعث، والحشر، والنشور بعد الموت.\n ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها:﴾ نحييها، أو نرفع بعضها فوق بعض، ونركبه عليه، والنشز: المرتفع من الأرض، والارتفاع، ومنه المرأة النشوز، والناشز: وهي المرتفعة عن موافقة زوجها، قال تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ ومنه قوله تعالى في سورة (المجادلة):\n ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا،﴾ وقال الشاعر: [الطويل]\nترى الثّعلب الحوليّ فيها كأنّه... إذا ما علا نشزا حصان مجلّل\n ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا:﴾ الكسوة ما وارى الجسد من الثياب، واستعيرت هنا لما أنشئ من اللحم الذي غطى العظم، وهي استعارة جيدة، وحسنة. ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ:﴾ لمّا اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل عيانه، ﴿قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: قال: أيقنت وعلمت علم مشاهدة أنّ الله قادر، ومقتدر لا يعجزه شيء.","vol":"1","page":621},{"text":"هذا والحمار معروف، يكون وحشيّا، ويكون أهليّا، وأنثاه: أتان، ويقال: حمارة أيضا، ويجمع على حمير، وحمر، وحمور، وحمرات، وكلّها للكثرة، ويجمع جمع قلّة على أحمرة، قال الرّاعي النّميري، أو القتال الكلابي، وهو الشّاهد رقم [٣٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nهنّ الحرائر، لا ربّات أحمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور\nولفظ ﴿الْحَمِيرَ﴾ ورد في سورة (النّحل)، وفي سورة (لقمان) ولفظ ﴿حُمُرٌ﴾ ورد في سورة (المدثّر)، ولفظ المفرد ذكر في هذه السورة والحمار الأهلي يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرّة واحدة، وبحدّة السمع، وللناس في مدحه وذمّه أقوال متباينة، وقد أطال الدّميري الكلام فيه.\nبعد هذا اذكر: أن بني إسرائيل لمّا بالغوا في الفساد؛ سلّط الله عليهم بختنصر البابلي ملك الفرس، فسار إليهم في ستمائة ألف راية، فخرّب بيت المقدس الذي بناه سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وجعل بني إسرائيل أثلاثا: ثلثا قتله، وثلثا أقرّه بالشام، وثلثا سباه، وكان هذا الثلث مائة ألف فقسمه بين الملوك الذين كانوا معه، وكان عزير من جملة السّبي، فلمّا خلص من السبي، وجاء إلى بيت المقدس، ورآها على تلك الحالة، قال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ وكان راكبا على حمار، دخلها، وطاف بها فلم ير أحدا، وكان إذ ذاك غالب أشجارها حاملا ثمره، فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب، فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلّة، وفضل العصير في زقّ أو ركوة، ثم ربط حماره بحبل قوي وثيق، وألقى الله عليه النوم، فلمّا نام نزع روحه، وأمات حماره، وبقي عصيره وتينه المعبّر عنه بالطعام عنده، وذلك ضحى، ومنع لحمه من السّباع، والطير.\nفلما مضى من وقت موته سبعون سنة أرسل الله ملكا من الملائكة إلى ملك من ملوك فارس، يقال له: بوشك، وكان صالحا، وقال له: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك، فتعمر بيت المقدس، حتى يعود كما كان، فسار بجنوده حتى أتاه، فعمره، وصار أحسن ما كان، ورد الله من بقي من بني إسرائيل إلى بيت المقدس ونواحيه، فعمروه في ثلاثين سنة، وكثروا أحسن ممّا كانوا، وأعمى الله العيون عن العزير هذه المدّة، فلم يره أحد، فلما مضت المئة أحيا الله تعالى منه عينيه، وسائر جسده ميت، ثمّ أحيا الله تعالى جسده، وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره، وعظامه بيض متفرقة، فسمع صوتا من السّماء: أيتها العظام البالية! إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض، ثم نودي: إنّ الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا، فكان كذلك، ثم نودي: إنّ الله يأمرك أن تحيا، فقام الحمار بإذن الله، ثم نهق. انتهى. خازن.\nهذا وقال الأعمش: جعل الله عزيرا موضع آية: أنّه جاء شابّا على حاله يوم مات، فوجد الأبناء والحفدة شيوخا، وروي عن عليّ﵁-: أنّ عزيرا خرج من أهله، وخلّف امرأته","vol":"1","page":622},{"text":"حاملا، وله خمسون سنة، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه، فرجع إلى أهله، وهو ابن خمسين سنة، وله ولد من مائة سنة، فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة، وروي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: لمّا أحيا الله عزيرا ركب حماره، فأتى محلّته، فأنكر الناس، وأنكروه، فوجد في منزله عجوزا عمياء كانت أمة لهم، خرج عنهم عزير، وهي بنت عشرين سنة، فقال لها: هذا منزل عزير؟ فقالت:\nنعم، ثمّ بكت، وقالت: فارقنا عزير منذ كذا، وكذا سنة، قال: فأنا عزير، قالت: إن عزيرا فقدناه منذ مائة سنة، قال: فالله أماتني مائة سنة، ثم بعثني، قالت: فعزير كان مستجاب الدّعوة للمريض، وصاحب البلاء، فيفيق، فادع الله يرد عليّ بصري! فدعا الله، ومسح على عينيها بيده، فصحّت مكانها كأنّها نشطت من عقال: قالت: أشهد أنّك عزيز، ثم انطلقت إلى بني إسرائيل، وفيهم ابن العزير شيخ ابن مائة وثمانية وعشرين سنة، وبنو بنيه شيوخ، فقالت: يا قوم! هذا عزير: فأقبل إليه ابنه مع الناس، وقال: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فنظرها فإذا هو عزير.\nوقيل: لما رجع عزير إلى قريته، وكان بختنصر قد أحرق التّوراة، فكان يحفظها في صدره، فلمّا قال لهم: أنا عزير، فلم يصدقوه، فقال: أنا عزير، وقد بعثني الله إليكم لأجدّد لكم توراتكم، قالوا: فأملها علينا، فأملاها عليهم من ظهر قلبه، فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعد ما ذهبت إلا أنّه ابنه، وانظر ما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٣٠].\nتنبيه: قاتل الله اليهود أنى يؤفكون، فقد حدثهم النبي ﷺ بأحاديث ما هو من صميم عقائدهم، وبأمور من تاريخهم، وبأشياء كثيرة من مفاسدهم، لا يعلم ذلك إلا المهرة فيهم، والنبي ﷺ كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يتصل بواحد من علمائهم، فمن أين أتى بذلك؟ إن هو إلا وحي يوحى.\nخاتمة بل فائدة: لم يحفظ التوراة غيبا سوى أربعة: موسى وهارون، ويوشع بن نون وعزير، بينما يوجد من أمة محمد ﷺ في كل زمان الألوف من حفظة القرآن غيبا والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كَالَّذِي:﴾ الكاف اسم بمعنى «مثل» مبني على الفتح في محل نصب، انظر تقديره في الشرح، والكاف مضاف، و(الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وقيل: الكاف صلة، و(الذي) معطوف على مثله في الآية السابقة، انظر الشرح أيضا. ﴿مَرَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلته، لا محل لها، ﴿عَلى قَرْيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهِيَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هِيَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خاوِيَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى عُرُوشِها:﴾ متعلقان ب ﴿خاوِيَةٌ،﴾ و(ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وهي نكرة، وكان الواجب أن تكون صفة على القاعدة: «الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال» والمعارض في ذلك الواو، فإنّها لا تعترض بين الصّفة والموصوف، خلافا للزمخشري وأبي البقاء، وإنما توسّطت الواو في رأي الزمخشري لتأكيد لصوق","vol":"1","page":623},{"text":"الصّفة بالموصوف، وهذا الذي أجازه أبو البقاء هنا، والزّمخشري في الآية الكريمة: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ رقم [٤] من سورة (الحجر) هو رأي ابن خيران وسائر النحويين يخالفونه، ومثل هذه الآية رقم [٢١] والشاهد على هذه المسألة في مغني اللبيب قول قيس بن ذريح، وهو الشاهد رقم [٧٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nمضى زمن، والنّاس يستشفعون بي... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع؟\nوقد أغرب الجمل في اعتبارها حالا من فاعل ﴿مَرَّ،﴾ كما أغرب أبو البقاء كلّ الغرابة باعتبار الجار والمجرور بدلا من ﴿عَلى قَرْيَةٍ،﴾ وقدّر تقديرات لا وجه لها بعد أن ذكر تعليقهما ب ﴿خاوِيَةٌ﴾ وهو الوجه الصحيح لا غير. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى عزير المعبر عنه ب: (الذي ﴿مَرَّ﴾). ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزّمانية متعلق بالفعل بعده، وهو بمعنى: متى، أو هو في محل نصب حال من ﴿هذِهِ﴾ إن كان بمعنى:\nكيف. ﴿يُحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿هذِهِ:﴾\nالهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، ويحتمل تعليقه بمحذوف حال من ﴿هذِهِ،﴾ و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿مَوْتِها:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها؛ لأنّها بمنزلة جواب لسؤال مقدر. ﴿فَأَماتَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أماته): فعل ماض، والهاء مفعول به.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ، لا محلّ لها مثلها ﴿مِائَةَ﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وقيل: متعلق بفعل محذوف، تقديره: فأماته، فلبث مائة عام؛ لأنّ الإماتة سلب الحياة، وهي لا تمتدّ. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعَثَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ أو إلى الملك. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده، وتمييزه محذوف التقدير: كم يوما، كم شهرا... إلخ. ﴿لَبِثْتَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى عزير. ﴿لَبِثْتَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿يَوْمًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.\n ﴿بَعْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو ظرف مثله، و﴿بَعْضَ﴾ مضاف، و﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَبِثْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ أو إلى الملك. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف.\n ﴿لَبِثْتَ:﴾ فعل وفاعل، ﴿مِائَةَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿عامٍ:﴾","vol":"1","page":624},{"text":"مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ما لبثت يوما أو بعض يوم، بل لبثت مائة عام، وهذا الكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت.\n ﴿إِلى طَعامِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَشَرابِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَتَسَنَّهْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه السكون، أو حذف حرف العلة، وهو الألف، والهاء للسكت، وانظر الشرح، والفاعل تقديره: هو، وانظر الشرح أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (﴿شَرابِكَ﴾)، وجملة:\n (انظر...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: إذا لم يحصل لك طمأنينة في أمر البعث؛ فانظر، والشرط المقدر، ومدخوله في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿اُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ﴾) معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وهي من جملة مقول القول.\n ﴿وَلِنَجْعَلَكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِنَجْعَلَكَ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: نحن، والكاف مفعول به أول. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿آيَةً،﴾ و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور معطوفان على محذوف، والمحذوف متعلق بمحذوف، وتقدير الكلام: فعلنا ما فعلنا من إحيائك بعد ما ذكر لتعاين ما استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل، ولنجعلك... إلخ، والكلام كلّه معترض بين الجمل المتعاطفة؛ لا محلّ له.\nوالجملة: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة مقول القول أيضا.\n ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من الهاء الواقعة مفعولا به.\n ﴿نُنْشِزُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: نحن، و(ها) مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بدل اشتمال من ﴿الْعِظامِ،﴾ التقدير: انظر إلى العظام كيفية نشزها، وهو إعراب ابن هشام في مغني اللبيب، وبعضهم يعتبر الجملة الفعلية في محل نصب سدّت مسدّ المفعول به للفعل (انظر) المعلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، ومثل هذه الآية كثير في القرآن الكريم، كما في سورة (الفرقان) رقم [٤٥]، وفي سورة الغاشية، ومثل ذلك قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [٣٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nإلى الله أشكو بالمدينة حاجة... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نَكْسُوها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، و(ها) مفعول به أول. ﴿لَحْمًا:﴾ مفعول به ثان:\nوالجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في التركيب، والتأويل.\n ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول:\nحرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جنّي،","vol":"1","page":625},{"text":"وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوّب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير يعود إلى الإحياء، التقدير:\nفلمّا تبيّن له ذلك، وانظر ما يأتي. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَبَيَّنَ،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى عزير. ﴿أَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿أَنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي ﴿أَعْلَمُ..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وقال الجمل: معطوف على مقدر يستدعيه المقام، كأنّه قيل: فأنشزها الله تعالى، وكساها لحما، فنظر إليها، فتبيّن له كيفية الإحياء، فلمّا تبين له ذلك؛ قال... إلخ، وهذا كما ترى حلّ معنى، بعد هذا؛ قال الزمخشري -رحمه الله تعالى-: اعتبر الكلام من باب التنازع، حيث قال: وفاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ مضمر، تقديره: فلمّا تبين له: أن الله على كل شيء قدير؛ قال: أعلم أنّ الله على كل شيء قدير. فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني، وضربت زيدا، وشرحه: أن الفعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ يطلب فاعلا، و﴿أَعْلَمُ﴾ يطلب مفعولا، وكلاهما تنازعا المصدر المؤول، ويصلح أن يكون فاعلا ل: ﴿تَبَيَّنَ﴾ ومفعولا ل ﴿أَعْلَمُ،﴾ وعبارة السمين: وفي فاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ قولان: أحدهما مضمر يفسره سياق الكلام، تقديره: فلمّا تبين له كيفية الإحياء، التي استغربها، وقدّره الزمخشري: فلمّا تبين له ما أشكل عليه؛ يعني: من أمر الإحياء، والأول أولى؛ لأن قوة الكلام تدلّ عليه بخلاف الثاني، والثاني-وبه بدأ الزمخشري-: أن تكون المسألة من باب التنازع، وشرحها ما قدّمته، والله وليّ التوفيق، ولم يرتض ابن هشام هذا التّنازع، فقد قال: الصّواب: أنّ فاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ ضمير مستتر، إمّا للمصدر، أي: فلمّا تبين له تبين، أو لشيء دلّ عليه الكلام؛ أي: فلمّا تبيّن له الأمر، أو: ما أشكل عليه.\n\n<span id=\"aya-267\"></span>﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى:﴾ اختلفوا في سبب هذا السّؤال من إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فقيل: إنّه مرّ على دابّة ميتة، وهي جيفة","vol":"1","page":626},{"text":"حمار، وقيل: بل كانت حوتا ميتا بساحل البحر، فرآها وقد توزّعها دواب البحر والبر، فإذا مدّ البحر جاءت الحيتان، فأكلت منها، وإذا جزر البحر جاءت السّباع، فأكلت منها، فإذا ذهبت السّباع جاءت الطّير، فأكلت منها، فلما رأى إبراهيم ﵇ ذلك تعجّب منها، وقال: يا ربّ إني قد علمت: أنّك تجمعها من بطون السّباع، وحواصل الطّير، وأجواف الدّواب، فأرني كيف تحييها؛ لأعاين ذلك، فأزداد يقينا! فعاتبه ربه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ أي: توقن، وتصدّق بقدرتي.\n ﴿قالَ بَلى﴾ أي: يا ربّ قد علمت، وصدّقت، وآمنت. هذا؛ و﴿بَلى﴾ حرف جواب ك «نعم» و«جير» و«أجل» و«جلل» و«إي» إلا أنّ «بلى» جواب لنفي متقدّم وإبطال ونقض وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام أم لا، فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد؟ فتقول: بلى قد قام، وقوله:\nأليس زيد قائما؟ فتقول: بلى، أي: هو قائم، قال تعالى في سورة الأعراف رقم [١٧٢]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس﵄-: لو قالوا: نعم؛ لكفروا.\n ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: سألتك ليسكن قلبي، ويستقرّ عند المعاينة، والمشاهدة، ولهذا قال الرسول ﷺ: «ليس الخبر كالمعاينة» رواه ابن عباس، -﵄-. وعن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم، إذ قال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الدّاعي». رواه البخاريّ، ومسلم. فمعناه:\nلو كان شاكا لكنّا أحقّ بالشكّ منه، ونحن لا نشكّ، فإبراهيم ﵇ أحرى ألا يشك.\nوالسؤال كان عن حالة الإحياء؛ لأنّ السؤال ب «كيف» إنّما يكون عن حالة شيء موجود متقرّر الوجود عند السّائل، والمسئول، فأراد إبراهيم ﵇ بهذا السؤال أن يترقّى من علم اليقين إلى عين اليقين، والهمزة في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ ليست للاستفهام، وإنّما هي ألف إيجاب، وتقرير، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ،﴾ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ وقال جرير في مدح بني أميّة، وهو الشاهد رقم [١١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nألستم خير من ركب المطايا... وأندى العالمين بطون راح؟\n ﴿قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ:﴾ يقرأ بكسر الصّاد، ومعناه: قطّعهنّ، ومزّقهنّ، وقرئ بضمّها، ومعناه: أملهنّ، واضممهنّ. وقد قرئ بضم الصّاد وتشديد الرّاء مضمومة، ومفتوحة، والمعنى: اجمعهن إليك لتتأمّلهنّ، وتعرف صفاتهنّ، لئلا يلتبس عليك أمرهنّ بعد الإحياء، فأخذ طاووسا، وديكا، وغرابا، وحمامة-ومنهم من ذكر النّسر بدل الحمامة-فذبحهنّ، وقطّعهنّ، وخلط لحمهنّ، وجعلهنّ على أربعة جبال، وقيل: سبعة، وأمسك رءوسهنّ بيده، وقال لهنّ:\nتعالين بإذن الله، فجعل كلّ جزء يطير إلى الآخر، حتّى صارت جثثا، ثم أقبلن نحوه، فانضممن إلى رءوسهن، وإبراهيم ﵇ ينظر إليهنّ.","vol":"1","page":627},{"text":"قيل: إنّما أخذ إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-الطيور الأربعة دون غيرها، ولم يعينها له ربّه؛ لأنّ في الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حبّ الزينة والجاه، وفي النّسر: إشارة إلى شدّة الشّغف بالأكل، وفي الدّيك إشارة إلى شدّة الشغف بحب السّفاد، وفي الغراب إشارة إلى شدّة الحرص، ففي هذه الطّيور مشابهة لما في الإنسان من جميع هذه الأوصاف، وفيه إشارة إلى أنّ الإنسان إذا ترك هذه الصفات الذّميمة؛ ارتقى أعلى الدرجات في الجنّة، وفاز بما يتمنّاه فيها.\n ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا:﴾ مسرعات مشيا، أو طيرانا، ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ:﴾ قويّ لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، فما شاء كان بلا مانع؛ لأنّه القاهر لكلّ شيء، وما لم يشأ لم يكن.\n ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله، وأحكامه، وقضائه، وقدره. بعد هذا: أما ﴿الطَّيْرِ﴾ فهو اسم جنس جمعي، مثل: خيل، وغنم، وقيل: بل هو جمع طائر، مثل: صحب، وصاحب، ويصحّ إطلاقه على المفرد، والمثنّى، والجمع، والمذكّر، والمؤنّث، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل: فرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب، وأبو عبيدة: قد يقع الطّير على الواحد، كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٤٩]: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ،﴾ وطائر الإنسان: عمله الذي قلّده، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٣]: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ والطير أيضا: الاسم من التطيّر، ومنه قولهم: لا طير إلاّ طير الله، كما يقال: لا أمر إلا أمر الله. انتهى مختار الصّحاح.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وقيل: مفعول به لهذا الفعل المحذوف. ﴿قالَ إِبْراهِيمُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿رَبِّ﴾ منادى حذف منه حرف النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلّم المحذوفة للتّخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلّم المحذوفة في محلّ جرّ بالإضافة، وفي مثل هذا المنادى لغات أخرى: فتح الباء مع حذف الياء: (ربّ)، وإثبات الياء وإسكانها: (يا ربّي)، وإثبات الياء وفتحها: (يا ربّي)، وإثبات الياء وقلبها ألفا: (يا ربّا). قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nوهناك لغة سادسة: بضم الباء والقطع عن الإضافة (يا ربّ)، وبها قرئ قوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: (﴿قالَ: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾).\n ﴿أَرِنِي:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محلّ نصب حال من الموتى، والعامل الفعل ﴿تُحْيِ،﴾ وهو فعل","vol":"1","page":628},{"text":"مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: أنت. ﴿الْمَوْتى:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها، التقدير: أرني كيفيّة إحياء الموتى، وقد علّق الفعل عن العمل بها بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والكلام: ﴿وَإِذْ قالَ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله في الآية السابقة، فهو يتضمّن عطف قصّة على قصّة كما هو ظاهر.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وعتاب.\nالواو: حرف عطف على محذوف، التقدير: أشككت، ولم تؤمن؟. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) والفاعل تقديره: أنت، والمتعلق محذوف، التقدير: بي، وبقدرتي، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمُ﴾. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول، وبعدها جملة محذوفة انظر الشرح. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لكِنْ﴾):\nحرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لِيَطْمَئِنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿قَلْبِي:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة، والفعل (يطمئن) في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: سألتك ذلك لاطمئنان قلبي، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها المقدّرة بعد ﴿بَلى،﴾ والكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة (﴿قالَ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، ﴿فَخُذْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (خذ): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَرْبَعَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَرْبَعَةً،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: إذا أردت مشاهدة ذلك؛ فخذ أربعة من الطير، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَصُرْهُنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (صرهنّ): فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\nقال ابن هشام: وهذا لا يصحّ إذا فسر (صرهن) ب «قطعهنّ» وإنّما تعلقه ب «خذ»، وأمّا إن فسر ب «أملهنّ» فالتعلق به، وعلى الوجهين يجب تقدير مضاف، أي: إلى نفسك، وانظر التنبيه الآتي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله:\nأنت. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿جَبَلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُنَّ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿جُزْءًا،﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اُدْعُهُنَّ:﴾ فعل أمر","vol":"1","page":629},{"text":"مبني على حذف حرف العلة، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: أنت، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿يَأْتِينَكَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، وهو في محل جزم جواب الأمر، ونون النسوة فاعله، والكاف مفعول به. ﴿سَعْيًا:﴾ حال بمعنى: ساعيات، وقيل: مفعول مطلق للفعل قبله؛ لأنّ السعي، والإتيان متقاربان، فكأنّه قال: يأتينك إيتاء. ﴿وَاعْلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (﴿اِعْلَمْ﴾): فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ خبران ل ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي (﴿اِعْلَمْ﴾)، والكلام كله في محل نصب مقول القول.\nتنبيه: قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ..﴾. إلخ وقوله في سورة (القصص): ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ،﴾ فقال ابن هشام-طيّب الله ثراه-في هذه الآيات: وهذا كلّه يتخرّج على التعلّق بمحذوف، كما قيل في اللام في: «سعيا لك»، وإما على حذف مضاف، التقدير: فصرهنّ إلى نفسك، واضمم إلى نفسك جناحك... إلخ، وذلك لأنّه لا يتعدّى فعل المضمر إلى ضميره المتّصل إلا في باب «ظنّ» وأورد قول الأعور الشنّي، وهو الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب]\nهوّن عليك فإنّ الأمور... بكفّ الإله مقاديرها\nفليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها\nوأيضا الشاهد رقم [٢٦٧] و[٢٦٨] من كتابنا المذكور.\n\n<span id=\"aya-268\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله تعالى في الآيات السابقة: أنّ الناس فريقان: أولياء الله، وهم المؤمنون، وأولياء الطّاغوت، وهم الكافرون، ثمّ أعقبه بذكر نموذج للإيمان، ونموذج للطغيان؛ ذكر هنا ما يرغب في الإنفاق في سبيل الله، وخاصّة في أمر الجهاد لأعداء الله.\n ﴿مَثَلُ الَّذِينَ..﴾. إلخ هو على حذف مضاف، التّقدير: مثل نفقة الذين ينفقون ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ في طاعة الله، وفي وجوه الخير التي يحبّها، ويرضاها، والمراد هنا: الجهاد؛ إذ لا يذكر في القرآن لفظ القتال أو الجهاد إلا ويقرن بكلمة ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ،﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من الجهاد بالنفس، والمال غاية شريفة نبيلة، هي إعلاء كلمة الله، لا حبّ السيطرة، أو المغنم، أو الاستعلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدنيئة. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ:﴾ الحبة","vol":"1","page":630},{"text":"اسم جنس لكلّ ما يزرعه ابن آدم، ويقتاته، وأشهر ذلك البرّ، فكثيرا ما يراد بالحبّ، ومنه قول المتلمّس، وهو الشاهد رقم [١٤٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nآليت حبّ العراق الدّهر أطعمه... والحبّ يأكله في القرية السّوس\nوحبّة القلب: سويداؤه، والحبّة بكسر الحاء: بذور البقول ما ليس بقوت، والحبّة بضم الحاء: الحبّ والمحبّة، يقال: نعم، وحبّا، وكرامة، والحبّ بكسر الحاء: الحبيب. ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ أي: أخرجت ساقا تشعب منه سبع شعب في كلّ واحدة منها سنبلة، وهذا مشاهد في الذّرة، والدّخن، وفي القمح في الأراضي الخصبة، والسّنبلة، والسّبلة بمعنى واحد. وأسند الله تعالى الإنبات إلى الحبّة، لمّا كانت من الأسباب، كما يسند إلى الأرض والماء، والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى، فهو إسناد مجازي، ويسمّى المجاز العقلي، وفي الآية تشبيه مرسل مجمل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه.\n ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أي: يزيد على سبعمائة، فيكون مثل المتصدّق مثل الزّارع، إن كان حاذقا في عمله، والبذر جيدا، والأرض خصبة يكون الزّرع أكثر، فكذلك المتصدّق إذا كان صالحا، مخلصا، والمال من حلال، ووضعه عند المستحقّ، فيصير الثواب أكثر، والأجر أعظم، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يقبل الله إلاّ الطّيّب، فإنّ الله يقبلها بيمينه، ثمّ يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فلوّه حتّى تكون مثل الجبل» رواه الشيخان، وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠] ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n ﴿وَاللهُ واسِعٌ:﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والرزق والجود والعطاء، وهو واسع الفضل والرحمة، وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغني الّذي وسع جميع مخلوقاته غناه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأفعال عباده، ما يغيب عنه منها شيء، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.\nتنبيه: استدل بهذه الآية على أن اتّخاذ الزرع من أجلّ الحرف التي يتخذها الناس، والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله بها المثل لنفقة المؤمن في سبيل الله، فقال جل ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ..﴾. إلخ، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو بهيمة، أو إنسان إلا كان له صدقة» والزراعة من فروض الكفاية، فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها، وما كان في معناها من غرس الأشجار، حكي عن المعتضد العباسي: أنه قال: رأيت عليّ بن أبي طالب﵁في المنام، فناولني المسحاة، وقال: خذها فإنّها مفاتيح خزائن الأرض، وروت عائشة﵂عن النبي ﷺ قال: «التمسوا الرّزق في خبايا الأرض».","vol":"1","page":631},{"text":"تنبيه: نزلت الآية الكريمة في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف﵄-، وذلك: أنّ رسول الله ﷺ لمّا حثّ على الصّدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك؛ جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول الله! كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربّي، فقال له رسول الله ﷺ: «بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت!» وقال عثمان﵁-: يا رسول الله! عليّ جهاز من لا جهاز له، وجاء بمال كثير، فقال الرسول ﷺ: «اللهمّ ارض عن عثمان، فإنّي عنه راض!».\nالإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ جرّ بالإضافة، وهناك مضاف محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾\nمفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(مثل):\nمضاف، و﴿حَبَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْبَتَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿حَبَّةٍ﴾ والجملة الفعلية صفة ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿سَنابِلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى المجموع، وهي علّة تقوم مقام علتين من موانع الصّرف. ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿سُنْبُلَةٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿مِائَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿حَبَّةٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿سَنابِلَ﴾. هذا؛ وجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة ﴿سَنابِلَ﴾ و﴿مِائَةُ﴾ فاعلا بالجار والمجرور، ولكن الأوّل أشهر.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿يُضاعِفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾)، والمفعول محذوف، التقدير: الأجر والثواب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة صلة الموصول، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: للذي، أو: لشخص يشاؤه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-269\"></span>﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ ذكرت لك في الآية السابقة: أنّ الآيات نزلت في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف﵄-. ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا:﴾ المنّ","vol":"1","page":632},{"text":"هو: ذكر الصّنيعة، وتعداد النّعمة، والمنّان من بني آدم، هو الذي يعطي العطاء، ثم يذكّر من أعطاه، ويعدّد له ما فعله من الخير، مثل أن يقول له: أعطيتك كذا، وفعلت لك كذا، وصنعت معك كذا، وهو تكدير، وتعيير تنكسر منه القلوب، لذا كان مذموما، يمحق الثواب، ويبطله، بل ويغضب الله تعالى، كما بيّنت الآية الكريمة، التي نحن بصدد شرحها، قال عبد الرحمن بن زيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا، ورأيت أنّ سلامك يثقل عليه؛ فلا تسلّم عليه، والعرب تمدح بترك المنّ، وكتم المعروف، وتذمّ على إظهاره، والمنّ به، قال قائلهم في المدح بترك المنّ: [الرمل]\nزاد معروفك عندي عظما... أنّه عندك مستور حقير\nتتناساه كأن لم تأته... وهو في العالم مشهور كبير\nوقال قائلهم يذم المنّان بالعطاء: [الطويل]\nأتيت قليلا ثم أسرعت منّة... فنيلك ممنون لذاك قليل\nوقال آخر: [الطويل]\nوإنّ امرأ أسدى إليّ صنيعة... وذكرنيها مرّة للئيم\nوقال آخر: [البسيط]\nأفسدت بالمنّ ما أسديت من حسن... ليس الكريم إذا أسدى بمنّان\nوفي نوابغ الكلم: صنوان: من منح سائله ومنّ، ومن منع نائله وضنّ، وفيها: طعم الآلاء أحلى من المنّ، وهو أمر من اللأواء مع المنّ، والمنّ لا يليق إلا في جانب الله تعالى؛ لأنه المتفضل بما يملكه حقيقة، وغيره لا ملك له حقيقة، فلا يليق به المنّ، كيف لا؟ وقد سمّى نفسه سبحانه: المنان.\n ﴿أَذىً:﴾ هو أن يشكو منهم بسبب ما أعطاهم، أو يسمعهم كلاما يجرح به كرامتهم.\n ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ:﴾ ثواب أعمالهم، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ العنديّة عنديّة تشريف، لا عنديّة مكان.\n ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ:﴾ في الآخرة، ولا فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ:﴾ على ما خلفوه من الأموال والأولاد؟ ولا على ما فاتهم من الحياة الدنيا، وزهرتها، فلا يأسفون عليها؛ لأنهم صاروا إلى نعيم دائم لا يزول.\nتنبيه (بل فائدة): لم يقترن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ هنا بالفاء، واقترن بها في الآية رقم [٢٧٤] الآتية، وأيضا في الآية رقم [٦٢]، والفرق بينهما: أنّ الموصول هنا لم يضمّن معنى الشرط بخلافه ثمّة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"1","page":633},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُتْبِعُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول.\n ﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الّذي، أو: شيئا أنفقوه، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ثم لا يتبعون إنفاقهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿مَنًّا﴾ مفعول به ثان.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَذىً:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿أَجْرُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف، أو ب ﴿أَجْرُهُمْ﴾ لأنه مصدر، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من المبتدأ، التقدير: فلهم أجرهم ثابتا عند ربهم، وهو غير مسلّم له؛ لأن مجيء الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النحاة، وعلى رأسهم سيبويه؛ لأن الحال تبين هيئة الفاعل، أو المفعول، ولو قال: متعلّق بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، لسلم له و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها على الاعتبارين، ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، أو هي صلة لتأكيد النفي، ولا يجوز إعمالها إعمال ليس؛ لأنها تكرّرت ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، أو موجود، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين فيها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): مهملة مثل ما قبلها. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ.\n ﴿يَحْزَنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. هذا؛ وقرأ جماعة: («فلا خوف») بفتح الفاء على اعتبار (﴿لا﴾) عاملة عمل «إنّ» التي لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع، والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة، لا يكون فيه إلا الرّفع؛ لأنّ (﴿لا﴾) لا تعمل في معرفة فاختاروا في الأول الرفع أيضا، ليكون الكلام من وجه واحد، ويجوز أن تكون (لا) في قولك:","vol":"1","page":634},{"text":"(﴿وَلا خَوْفٌ﴾) بمعنى ليس. انتهى. قرطبي. وقد ذكرت لك: أنها إذا تكررت؛ أهملت، أي: لا تعمل عمل «ليس»، تأمّل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-270\"></span>﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾\nالشرح: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ:﴾ كلام حسن، وردّ على السائل جميل، وقيل: عدة حسنة تعده بها. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: تستر عليه خلّته، وفقره، ولا تهتك ستره، وقيل: هو أن يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه حال ردّه، وقد قال الرّسول ﷺ: «الكلمة الطيّبة صدقة، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق». أخرجه مسلم، فيتلقّى السّائل بالبشر، والتّرحيب، ويقابله بالطلاقة، والتقريب؛ ليكون مشكورا؛ إن أعطى، ومعذورا؛ إن منع. وقد قال بعض الحكماء: الق صاحب الحاجة بالبشر، فإن عدمت شكره؛ لم تعدم عوزه، وحكى ابن لنكك: أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها، وظهر له ضجر، فقال: [الكامل]\nلا تدخلنّك ضجرة من سائل... فلخير دهرك أن ترى مسئولا\nلا تجبهن بالرّدّ وجه مؤمّل... فبقاء عزّك أن ترى مأمولا\nتلقى الكريم فتستدلّ ببشره... وترى العبوس على اللّئيم دليلا\nواعلم بأنّك عن قليل صائر... خبرا فكن خبرا يروق جميلا\n ﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ المغفرة هنا السّتر للخلّة، وسوء حالة المحتاج، ومن هذا قول الأعرابي، وقد سأل قوما بكلام فصيح، فقال له قائل: ممّن الرّجل؟ فقال له: اللهمّ غفرا، سوء الاكتساب يمنع من الانتساب. وقيل: المعنى: تجاوز عن السّائل إذا ألحّ، وأغلظ، وجفى خير من التصدّق عليه مع المنّ والأذى، ويجوز أن يكون المعنى: وغفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنّون بها على النّاس.\n ﴿يَتْبَعُها أَذىً:﴾ بالمنّ، والتعيير، أو بالكلام الجافي القاسي، ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ﴾ أي: مستغن عن صدقة العباد، وهو الغني الكامل الغنى الذي لا يحتاج إلى أحد. ﴿حَلِيمٌ:﴾ أي: يحلم، ويغفر، ويصفح، ويتجاوز عن المنّان بعطيته، والمؤذي للسّائل بقوله، وفعله، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، قال الحليمي-رحمه الله تعالى-في معنى (الحليم): إنّه الذي لا يحبس إنعامه وإفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنّه يرزق العاصي، كما يرزق المطيع، ويبقيه وهو منهمك في معاصيه، كما يبقي البرّ المتّقي، وقد يقيه الآفات، والبلايا، وهو غافل، لا يذكره، فضلا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يدعوه، ويسأله، وقال أبو سليمان الخطّابي: (الحليم): ذو الصّفح، والأناة؛ الذي لا يستفزّه غضب، ولا يستخفّه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا","vol":"1","page":635},{"text":"يستحقّ الصّافح من العجز اسم (الحليم)، إنّما (الحليم) الصّفوح مع القدرة على الانتقام، المتأنّي الّذي لا يعجّل بالعقوبة.\nالإعراب: ﴿قَوْلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مَعْرُوفٌ:﴾ صفة له. ﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿مِنْ صَدَقَةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿يَتْبَعُها:﴾ فعل مضارع. و(ها):\nمفعول به. ﴿أَذىً:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، (الله) مبتدأ. ﴿غَنِيٌّ حَلِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محلّ لها.\nهذا؛ وقال أبو البقاء، والقرطبي، ومكّي أوجها أخر في الإعراب: منها اعتبار خبر ﴿قَوْلٌ﴾ محذوفا، التقدير: قول معروف أولى، أو أمثل من غيره. وقال القرطبيّ: قال النحاس: ويجوز أن يكون ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خبر ابتداء محذوف، أي: الذي أمرتم به قول معروف، وعليه ف ﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ..﴾. إلخ: مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وما قدّمته من الإعراب أقوى، وأولى، وهو ما في شرح ابن عقيل، والله وليّ التوفيق، وبه أستعين.\n\n<span id=\"aya-271\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ..﴾. إلخ: المراد: ثواب صدقاتكم. قال جمهور العلماء في هذه الآية: إنّ الصدقة التي يعلم الله من صاحبها: أنّه يمنّ ويؤذي بها؛ فإنها لا تقبل.\nوقيل: بل قد جعل الله للملك عليها أمارة، فهو لا يكتبها، وقال بعض البلغاء: من منّ بمعروفه؛ سقط شكره، ومن أعجب بعمله؛ حبط أجره. قال أبو بكر الورّاق، فأحسن: [مجزوء الرجز]\nأحسن من كلّ حسن... في كلّ وقت وزمن\nصنيعة مربوبة... خالية من المنن\nوقد وردت أحاديث شريفة بالنهي عن المنّ في الصّدقة، ففي صحيح مسلم عن أبي ذرّ -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». وعن أبي الدّرداء﵁-، عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة عاقّ، ولا منّان، ولا مدمن خمر، ولا مكذّب بقدر». رواه ابن مردويه، وأخرجه أحمد، وابن ماجة.","vol":"1","page":636},{"text":"﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ:﴾ مثّل الله تعالى الّذي يمنّ، ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى، وبالكافر الذي ينفق؛ ليقال: جواد، وليثنى عليه بأنواع الثناء، والرّياء: شرك كما صرحت به الأحاديث الشّريفة الكثيرة، وخذ ما يلي:\nعن شدّاد بن أوس﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي؛ فقد أشرك، ومن صلّى يرائي؛ فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي؛ فقد أشرك». رواه البيهقيّ.\nوعن محمود بن لبيد﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر» قالوا: ما الشرك الأصغر؟ يا رسول الله! قال: «الرّياء، يقول الله ﷿ إذا جزى النّاس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدّنيا، فانظروا: هل تجدون عندهم جزاء». رواه الإمام أحمد، والبيهقيّ.\nوعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎:\nأنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري؛ تركته وشركه». أخرجه مسلم.\n ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ أي: الإيمان الحقيقي. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هو آخر أيام الدّنيا، فيه الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الربّانيّ.\n ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ:﴾ الصّفوان: الحجر الأملس الكبير، قال الأخفش: وهو جمع، واحده: صفوانة، وقيل: هو اسم جنس كالحجر، وجمعه: صفي، ففيه تشبيه تمثيلي؛ لأنّ وجه الشبه منتزع من متعدّد. ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ:﴾ على ذلك الصّفوان تراب يستره، ويغطيه. ﴿فَأَصابَهُ وابِلٌ:﴾ مطر شديد نزل عليه. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا:﴾ أملس، لا شيء عليه من ذلك التراب، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق، والمرائي، والمنّان بصدقته، يؤذي النّاس بمنّه، وتعييره، فيرى الناس: أن لهؤلاء أعمالا في الظاهر، كما يرى التّراب على الصّفوان، فإذا جاء المطر الشّديد؛ أذهبه، وأزاله، وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، تبطل أعمالهم، وتضمحلّ لأنّها لم تكن لله تعالى، كما أذهب المطر ما على الصّفوان من التّراب. هذا؛ والمطر أوّله رشّ، ثمّ طشّ، ثمّ طلّ، ثم هطل، ثم وابل، ثمّ جود، والوابل: المطر الشديد الغزير، قال النّابغة الذبياني: [الطويل]\nفلا زال قبر بين بصرى وجاسم... عليه من الوسميّ جود ووابل\nفينبت حوذانا وعوقا منوّرا... سأتبعه من خير ما قال قائل\n ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أي: لا يقدرون على ثواب شيء ممّا عملوا في الدنيا، وواو الجماعة عائدة على المنّان، والمؤذي، والمرائي، وقيل: عائدة على (الّذي)، وجمع الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ الآية رقم [٦٩] من سورة","vol":"1","page":637},{"text":"(التوبة)؛ لأن المراد به الجنس، أو الجمع، أو الفريق، كما أنّ الضمائر الأربعة السّابقة له باعتبار اللفظ، ومثل هذه الآية الكريمة الآية رقم [١٧] من هذه السّورة، ومثل الآيات قول الأشهب بن زميلة النّهشلي، وهو الشّاهد رقم [٣٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والمكرّر برقم [٩٥٦] لكلام فيه، وهو: [الطويل]\nوإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد\n ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ إلى الخير، والهدى، والرشاد، وفيه تعريض بأنّ الرّياء، والمنّ، والأذى مع إنفاق المال من صفات الكفّار، ولا بدّ للمؤمن إن أراد النّجاة من غضب الله أن يتجنّب هذه الصفات الذّميمة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و(ها): حرف تنبيه، لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (أي)، أو عطف بيان عليه.\n ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُبْطِلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿صَدَقاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، ﴿بِالْمَنِّ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَذى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿كَالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا للفعل قبله، التقدير: لا تبطلوا... إبطالا مثل الذي، وهذا ليس مذهب سيبويه، رحمه الله تعالى، وإنّما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل السابق، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصّفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، ومثله في مغني اللّبيب لابن هشام، لذا فالتقدير: لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الّذي... إلخ، فهذا التقدير لا حذف فيه.\n ﴿يُنْفِقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الّذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة له، لا محلّ لها. ﴿مالَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿رِئاءَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: اعتباره صفة لمصدر محذوف، التقدير: إنفاقا رئاء النّاس، ومفعولا لأجله، وحالا، التقدير: مرائيا الناس، والأوّل ضعيف، و﴿رِئاءَ:﴾ مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى","vol":"1","page":638},{"text":"(الذي) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة له.\n ﴿فَمَثَلُهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (مثله): مبتدأ، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿كَمَثَلِ:﴾\nمتعلّقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وقيل: معطوفة على جملة الصّلة، فلا محل لها أيضا. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿تُرابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿صَفْوانٍ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف صفة ﴿صَفْوانٍ﴾ و﴿تُرابٌ﴾ فاعلا بمتعلّقه، فهو وجه جيّد لا غبار عليه.\n (أصابه): فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿وابِلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محلّ جرّ مثلها. (تركه): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿وابِلٌ،﴾ والهاء مفعول به أوّل. ﴿صَلْدًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَقْدِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ،﴾ و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. وجملة:\n ﴿كَسَبُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير:\nعلى شيء من الّذي، أو: من شيء كسبوه من الأعمال، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محلّ جرّ ب (من)، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ﴾ التقدير:\nمن كسبهم. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثّقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿الْقَوْمَ:﴾\nمفعول به. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-272\"></span>﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمَثَلُ..﴾. إلخ: وهذا مثل آخر ضربه الله لنفقة المؤمن الكامل الإيمان، المنفق ماله ابتغاء مرضاة الله، وطلبا لرحمته، وكرمه، وجوده، ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تصديقا، ويقينا، قاله ابن عباس﵄-، وقال مجاهد، والحسن البصري: معناه: وأنهم يتثبّتون أين يضعون صدقاتهم، وقال الحسن: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبّت، فإن كان ذلك لله؛ أمضاه، وإن خالطه شكّ؛ أمسك، أقول: وينبغي أن يخص بصدقته الأبرار المتّقين، ويبحث عن الفقراء المتعفّفين، ويخصّ أرحامه الفقراء بشيء من صدقاته، فقد قال الرسول ﷺ: «الصدقة","vol":"1","page":639},{"text":"على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة» أخرجه النّسائيّ، والترمذيّ عن سليمان بن عامر﵁-.\nوروي: أنّ أم المؤمنين ميمونة﵂أعتقت جارية في سبيل الله، فقال لها سيّد الخلق، الناطق بالصّدق ﷺ: «أمّا إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك».\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّما رجل أتاه ابن عمّه يسأله من فضله، فمنعه، منعه الله فضله يوم القيامة» أخرجه الطّبرانيّ. هذا؛ وقد قال تعالى في سورتي (الإسراء) و(الروم): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ،﴾ وقال زهير في معلّقته، انظر شرحها وإعرابها في كتابنا: «فتح الكبير المتعال»: [الطويل]\nومن يك ذا فضل فيبخل بفضله... على قومه يستغن عنه ويذمم\n ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ:﴾ الجنّة: البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار الكثيفة حتى تغطّيها، وتستر ما فيها، فهي مأخوذة من لفظ: الجنّ، والجنين، لاستتارهم. ﴿أَصابَها وابِلٌ:﴾\nنزل عليها مطر شديد، والرّبوة: المكان المرتفع عن الأرض؛ لأنّ ما ارتفع من الأرض عن سيل الماء والأودية؛ كان ثمرها أحسن، وأزكى، إذا كان لها من الماء ما يرويها، فإذا كانت الأرض بهذه الصّفة؛ كثر ريعها، وحملت أشجارها. قال الأعشى في معلّقته رقم [١٢] انظر شرحها وإعرابها في كتابنا فتح الكبير المتعال: [البسيط]\nما روضة من رياض الحزن معشبة... خضراء جاد عليها مسبل هطل\nأراد بالحزن: ما غلظ، وارتفع من الأرض. ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ أي: فأعطت ثمرتها مثلين، قيل: إنّها حملت في سنة من الرّيع ما يحمله غيرها في سنتين. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ:﴾ تأكيد منه تعالى لمدح هذه الرّبوة، فإنها إن لم يصبها وابل فإنّ الطلّ يكفيها، وينوب مناب الوابل في إخراج الثّمرة ضعفين، وذلك لكرم الأرض، وطيبها، والطّلّ: المطر الضعيف المستدق من القطر الخفيف، وقال قوم، منهم مجاهد: الطّلّ: النّدى، فشبّه الله نموّ نفقات هؤلاء المخلصين الّذين يربّي الله لهم صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل، بنمو نبات الحبة بالرّبوة الموصوفة، بخلاف الصّفوان الذي ينكشف عنه ترابه، فيبقى صلدا.\nوخرّج مسلم، وغيره عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب-ولا يقبل الله إلا الطّيّب-فإنّ الله يقبلها بيمينه، ثمّ يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل». ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ تحذير من الرياء، وترغيب في الإخلاص؛ أي: فإنّ الله تعالى لا تخفى عليه خافية، فيجازي كلّ إنسان بما يستحق. وقرئ الفعل بالياء أيضا، كأنّه يريد به الناس أجمع، أو يريد المنفقين فقط، فهو وعد محض.","vol":"1","page":640},{"text":"هذا وفي قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ:﴾ تشبيه تمثيليّ؛ لأنّ وجه الشبه منتزع من متعدّد، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾.\nهذا و(مثل) بفتح الميم والثاء بمعنى: مثل، ومثيل، وشبه، وشبيه. ومثل: اسم متوغّل في الإبهام، لا يتعرّف بإضافته إلى الضّمير، وغيره من المعارف، ولذلك نعتت به النّكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، تذكيرا، وتأنيثا، كما في الآية الكريمة، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، والثاني:\nبمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رقم [١١] من سورة (الشورى)، والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية رقم [١٣٧] من هذه السورة، أي: بما آمنتم.\nوأما المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-فهو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه؛ أي: الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللّغة العربية، علما بأنّ الأمثال لا تغيّر، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي: أصله، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنّه يضرب لكلّ من فرّط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.\nهذا؛ وأصاب فلانا البلاء: وقع عليه، وأصابهم المطر: نزل عليهم، كما في هذه الآية وسابقتها، وتقول: أصاب السّهم، يصيب، فلم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى الصواب. ويأتي «أصاب» بمعنى: قصد، وأراد، قال تعالى في حق سليمان-على نبينا وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾.\nقال الشاعر: [المتقارب]\nأصاب الكلام، فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصل\nفائدة: قال مكيّ بن أبي طالب القيسيّ-رحمه الله تعالى-في التركيب ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها﴾ ونحوه: دخلت (إن) على (لم) ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ «لم» تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و«إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلمّا صارت «لم» ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي؛ ردتها «إن» إلى الاستقبال؛ لأن «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.\nالإعراب: (﴿مَثَلُ﴾): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وهناك مضاف محذوف؛ إذ التقدير: ومثل نفقة الذين. و﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع","vol":"1","page":641},{"text":"مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَمْوالَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ مفعول لأجله، وقيل: هو مصدر في موضع الحال، واستحسن لعطف (﴿تَثْبِيتًا﴾) عليه، و﴿اِبْتِغاءَ﴾ مضاف، و﴿مَرْضاتِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿مَرْضاتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿وَتَثْبِيتًا:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان ب (﴿تَثْبِيتًا﴾) والهاء في محل جر بالإضافة، كمثل: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(﴿مَثَلُ﴾) مضاف، و﴿جَنَّةٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿بِرَبْوَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (﴿جَنَّةٍ﴾)، والجملة الاسمية: (﴿مَثَلُ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿أَصابَها:﴾ فعل ماض، و(ها): مفعول به، ﴿وابِلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل ﴿جَنَّةٍ﴾ أو صفة (ربوة)؛ لأنّ الجنة بعض الرّبوة، ويجوز أن تكون في محل نصب حال من ﴿جَنَّةٍ﴾ يعد وصفها بما تقدّم. (آتت): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهي محذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والفاعل يعود إلى (الجنّة)، والمفعول الأول محذوف، التقدير: فآتت صاحبها. ﴿أُكُلَها:﴾ مفعول به ثان، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ حال من ﴿أُكُلَها﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُصِبْها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، و(ها): مفعول به. ﴿وابِلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفية. ﴿فَطَلٌّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط، (طلّ): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فطلّ يكفيها، أو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالذي يصيبها طلّ، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، و(إنّ) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ الآتي، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nبالذي، أو: بشيء تعملونه بصير، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، التقدير: بعملكم بصير. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محلّ لها، الغرض منها: التّهديد، والوعيد.","vol":"1","page":642},{"text":"<span id=\"aya-273\"></span>﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾\nالشرح: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ:﴾ الخطاب لكلّ عاقل يتأتّى له التفكّر، والاعتبار، والاتعاظ، والمعنى: أيحبّ، ويتمنّى أحدكم مثل ما ذكر في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ:﴾ بستان فيه الأشجار المختلفة، التي من جملتها النّخيل، والأعناب، وخصّ الله هذين النّوعين بالذّكر لشرفهما، وكثرة منافعهما، و﴿نَخِيلٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنّه اسم جمع، واحده: نخلة، والثاني: جمع: نخل؛ الذي هو اسم جنس، و(﴿أَعْنابٍ﴾) جمع: عنب؛ الذي هو اسم جنس جمعي، مثل: تمر، ويفرّق بينه وبين واحده بالتاء، وهي عنبة، وتمرة.\n ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت أشجار النّخيل، والعنب، وكذلك من تحت القصور. ﴿لَهُ﴾ أي: لأحدكم. ﴿فِيها:﴾ في الجنة المذكورة. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ:﴾ من كل أنواع الثّمار غير النخيل، والأعناب، وهذا يدلّ على أنّ تلك الجنّة احتوت على سائر أنواع الأشجار، والثمار، ﴿وَأَصابَهُ الْكِبَرُ:﴾ أدركه الشيخوخة، والعجز، والهرم. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ:﴾\nأولاد صغار لا يقدرون على الكسب لضعفهم، وعجزهم. ﴿فَأَصابَها إِعْصارٌ:﴾ رياح شديدة عاتية. ﴿فِيهِ نارٌ:﴾ ملتهبة شديدة. ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ أي: أحرقت النار تلك الجنّة بما فيها.\n ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: مثل هذا البيان الواضح في هذا المثل الرائع الحكيم يبين الله لكم دلائل قدرته في كتابه الحكيم؛ لكي تتفكروا، وتتدبّروا بما فيها من العبر والعظات، وتنزلونها على المراد منها، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ رقم [٤٣] من سورة (العنكبوت)، وفي الآية الكريمة استعارة تمثيلية، وهي تشبيه حال بحال لم يذكر فيه سوى المشبه به فقط، وقامت قرائن تدلّ على إرادة التشبيه، وانظر التفكر في (آل عمران) رقم [١٩١]. بعد هذا: في الآية الكريمة مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق، والمرائي، والمنّان، يقول: مثل عمل هؤلاء في حسنه كحسن جنّة، ينتفع بها صاحبها، فلما كبر، وضعف، وصار له أولاد صغار ضعاف أصاب جنته إعصار شديد، فيه نار، فأحرقتها، وهو أحوج ما يكون إليها، فحصل في قلبه من الغمّ، والحسرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لكبره، وضعفه، وضعف أولاده، فهو لا يجد ما يعود به على أولاده، وهم لا يجدون ما يعودون به عليه، فبقوا جميعا متحسّرين، عجزة، لا حيلة لهم، فكذلك حال من أتى يوم القيامة بأعمال حسنة، ولم يقصد بها وجه الله تعالى، فيبطلها الله؛ وهو في غاية الحاجة إليها، حين لا مستعتب له، ولا توبة، وخذ ما يلي: فعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ:","vol":"1","page":643},{"text":"«يؤتى يوم القيامة بصحف مختّمة، فتنصب بين يدي الله تعالى، فيقول الله ﵎: ألقوا هذه، واقبلوا هذه، فتقول الملائكة: وعزّتك وجلالك ما رأينا إلاّ خيرا، فيقول الله ﷿: إنّ هذا كان لغير وجهي، وإنّي لا أقبل إلاّ ما ابتغي به وجهي» رواه الطبرانيّ، والبيهقيّ، والبزار.\nوقال عبيد بن عميرة: قال عمر﵁يوما لأصحاب رسول الله ﷺ: فيمن ترون نزلت هذه الآية: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ..﴾. إلخ؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر﵁-، وقال: قولوا: نعلم، أو: لا نعلم، فقال ابن عباس﵄-: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين! فقال عمر: قل يا بن أخي، ولا تحقر نفسك، فقال: ضرب الله مثلا لعمل، قال:\nلأيّ عمل؟ قال: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشّيطان، فعمل بالمعاصي؛ حتّى أحرق أعماله كلّها، أخرجه البخاري. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار (﴿يَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾): مضارع، وفاعله، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب (أن). ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم على نقصانه، ومتعلقان به على تمامه.\n ﴿جَنَّةٌ﴾ اسم ﴿تَكُونَ﴾ مؤخّر، أو فاعل به، والمصدر المؤوّل: من: ﴿أَنْ تَكُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَيَوَدُّ..﴾. إلخ مستأنفة في الإعراب، ومتّصلة بما قبلها في المعنى. ﴿مِنْ نَخِيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة جنة. ﴿وَأَعْنابٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان به. و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿جَنَّةٌ﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، وأجاز مكيّ اعتبارها في محل نصب خبر ﴿تَكُونَ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف. أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. هذا؛ والمبتدأ محذوف والجار والمجرور: ﴿مِنْ كُلِّ﴾ متعلقان بمحذوف صفة، وتقدير الكلام: له فيها ثمر، أو: رزق كائن من كل الثمرات، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز في الجملة الفعلية التي قبلها من اعتبارات، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿الثَّمَراتِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَأَصابَهُ﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَصابَهُ﴾): فعل ماض، والهاء مفعوله. ﴿الْكِبَرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ باللاّم، وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط الواو، والضمير، وهي حال متداخلة. (﴿لَهُ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ذُرِّيَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿ضُعَفاءُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وقال الجمل: هي حال من الضمير المنصوب،","vol":"1","page":644},{"text":"فتكون حالا متداخلة أيضا، وجملة: ﴿فَأَصابَها إِعْصارٌ﴾ معطوفة على صفة الجنّة، قاله أبو البقاء، يعني: على قوله: ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ وما بعده. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نارٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة ﴿إِعْصارٌ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف صفة ﴿إِعْصارٌ،﴾ واعتبار ﴿نارٌ﴾ فاعلا في الجار والمجرور.\n ﴿فَاحْتَرَقَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نارٌ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أصابها ﴿إِعْصارٌ﴾) فهي من جملة صفة (﴿جَنَّةٌ﴾) أيضا.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر. و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، التقدير: يبين الله دلائل قدرته، وفوائد حكمته تبيينا مثل تبيينه حال أعمال المنافقين والمرائين والمنّانين، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.\n ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَتَفَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الخطاب، والرابط: الضمير فقط، وبعضهم يعتبرها للتعليل لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-274\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٢٥٤]، وهو خطاب لجميع أمة محمد ﷺ، وإن كان سبب النزول خاصّا كما ستعرفه. ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ:﴾ المراد به الحلال كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٩٢]: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ هذا وظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة الذهب، والفضة، وعروض التجارة؛ لأنّ ذلك يوصف بأنّه مكتسب، وجمهور العلماء على وجوب الزكاة في مال التّجارة، دليل ذلك ما روي عن سمرة بن جندب﵁-، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإخراج الصدقة من الذي يعدّ للبيع. أخرجه أبو داود.\nوعن أبي عمرو بن خماس: أن أباه، قال: مررت بعمر بن الخطاب﵁-، وعلى عنقي أدمة أحملها، فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا خماس؟ فقلت: ما لي غير هذا، وأهب في القرظ، قال: ذاك مال فضع، فوضعتها، فحسبها، فأخذ منها الزكاة.","vol":"1","page":645},{"text":"فإذا حال الحول على عروض التّجارة، قوّمت، فإن بلغت قيمتها النّصاب أخرج منها ربع العشر. وخذ ما يلي:\nعن المقدام﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيّ الله، داود كان يأكل من عمل يده» أخرجه البخاريّ.\nوعن عائشة: أن رسول الله ﷺ، قال: «إنّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنّ أولادكم من كسبكم» أخرجه الترمذيّ، والنسائي.\n ﴿وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ:﴾ ظاهر الآية يدلّ على وجوب الزّكاة في كل ما خرج من الأرض من النبات، ممّا يزرع الآدميون، لكن جمهور العلماء خصّصوا هذا العموم، فأوجبوا الزكاة في النّخيل والكروم، وفيما يقتات، ويدّخر من الحبوب، وأوجب أبو حنيفة ﵁ الزكاة في كلّ ما يقصد من نبات الأرض، كالفواكه، والبقول، والخضراوات، كالبطيخ، والقثاء، والخيار، ونحو ذلك، دليل الجمهور ما روي عن معاذ﵁-: أنّه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضروات، وهي البقول: فقال: «ليس فيها شيء» أخرجه الترمذيّ، وقال الزهريّ، والأوزاعيّ، ومالك: تجب الزكاة في الزّيتون، وتجب في الثّمار عند بدوّ الصلاح، وهو أن يحمرّ البسر، ويصفرّ وقت الإخراج بعد الاجتناء، والجفاف، وفي الحبوب عند الاشتداد، ووقت الإخراج بعد الدراس، والتصفية.\n ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي: ولا تقصدوا الرديء من أموالكم. ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي:\nمن الخبيث، عن البراء بن عازب﵁قال: نزلت الآية فينا معشر الأنصار؛ كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع؛ أتى القنو، فضربه بعصاه، فسقط البسر، أو التمر، فيأكل، وكان الناس ممّن لا يرغب في الخير، فيأتي بالقنو، فيه الشّيص، والحشف، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل الله تعالى الآية.\n ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي: لو أنّ أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى؛ لم يأخذه إلا على إغماض، وحياء؛ فكيف تؤدّون منه حق الله تعالى؟! قال البراء﵁-: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده، أخرجه الترمذي. هذا؛ والإغماض في اللغة: غض البصر، وإطباق الجفن، والمراد به هنا: التجوّز والمساهلة؛ لأنّ الإنسان إذا رأى ما يكره؛ أغمض عينيه؛ لئلا يرى ذلك، ففي الكلام مجاز مرسل، أو استعارة، ومن ذلك قول الطرماح: [الخفيف]\nلم يفتنا بالوتر قوم وللذّ... لّ أناس يرضون بالإغماض\nوقد يحتمل أن يكون منتزعا من تغميض العين؛ لأنّ الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عينيه، قال الشاعر: [الطويل]","vol":"1","page":646},{"text":"إلى كم وكم أشياء منك تريبني؟ ... أغمّض عنها العين ليست بذي عمى\nوإمّا من قول العرب: أغمض الرجل: إذا أتى غامضا من الأمر. هذا ﴿وَلَسْتُمْ:﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء والسين، إذ أصله: ليس: بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأنّ التخفيف بالتّسكين في الجامد أسهل من القلب، فلمّا اتصل بضمير رفع متحرك؛ سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيقنوا: ﴿أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ:﴾ عن نفقاتكم، فلم يأمركم بها لاحتياجه إليها، بل لنفعكم بها، واحتياجكم لثوابها، فينبغي لكم أن تتحروا فيها الطيب، والرسول ﷺ قال: «إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا...» إلخ الحديث أخرجه مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة﵁-، ويراد بالطيب في هذه الحديث الحلال، كما يراد منه الجيد، وذكرت لك في الآية رقم [٢٦٥] قوله ﷺ: «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب...» إلخ. ﴿حَمِيدٌ:﴾ محمود على أفعاله، وعلى كلّ حال من التعذيب، والإثابة، والخير، والشر، وهو سبحانه مستحقّ للحمد في ذاته، محمود، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٢٦٤]. ﴿مِنْ طَيِّباتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: أنفقوا شيئا كائنا من طيبات، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به؛ لأن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، و﴿طَيِّباتِ:﴾ مضاف، و﴿ما﴾ في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كَسَبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: طيبات الذي، أو: طيبات شيء كسبتموه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: طيبات كسبكم. ﴿وَمِمّا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (﴿مِمّا﴾): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وهناك محذوف، تقديره: ومن طيبات ما أخرجنا، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، وهي في محل جر بإضافة ذلك المحذوف إليها. ﴿أَخْرَجْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: ومن طيبات الذي، أو: شيء أخرجناه لكم. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المقدر الواقع مفعولا به.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَيَمَّمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْخَبِيثَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَنْفِقُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. وأجيز","vol":"1","page":647},{"text":"تعليقهما ب ﴿الْخَبِيثَ﴾ أو بمحذوف حال منه، والأول أقوى. ﴿تُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْخَبِيثَ،﴾ والرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (﴿مِنْ﴾) وهو مما يقوي التعليق به، وعلى التعليق ب ﴿الْخَبِيثَ﴾ فتحتاج الجملة إلى تقدير رابط، التقدير: تنفقونه.\n ﴿وَلَسْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَسْتُمْ﴾): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، ﴿بِآخِذِيهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (آخذيه):\nخبر (ليس) مجرور لفظا منصوب محلاّ، وعلامة الجر اللفظي، والنصب المحلي الياء نيابة عن الكسرة، والفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: (﴿لَسْتُمْ..﴾.) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تُغْمِضُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إلا بإغماضكم، والجار والمجرور متعلقان ب (آخذيه) وأجاز أبو البقاء اعتبار المصدر المؤول في محل نصب على الحال، والعامل فيه (آخذيه) والمعنى:\nلستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَنْفِقُوا..﴾. إلخ وما عطف عليها، والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبلها.\n\n<span id=\"aya-275\"></span>﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾\nالشرح: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ:﴾ يخوّفكم من الفقر، وانظر الآية رقم [٢٧١] الآتية. هذا؛ والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قيّد بالموعد ما هو، فقد يقدر بالخير، وبالشرّ، كالبشارة، لكنّ الوعيد لا يكون إلا بالشرّ. هذا و(يعد) أصله: يوعد فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المتكلّم، والمخاطب قياسا عليه. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ:﴾ بالبخل، ومنع الزّكاة، والصّدقة. قال الكلبيّ:\nكلّ فحشاء في القرآن فهي الزنى إلا هذا الموضع، وفي هذه الآية لطيفة، وهي أن البخل صفة مذمومة عند كلّ أحد، فلا يستطيع الشّيطان أن يحسّن له البخل إلا بتلك المقدّمة، وهي التخويف من الفقر، فلهذا قال تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ..﴾. إلخ. هذا والفعل (﴿يَأْمُرُكُمْ﴾) وما فيه «أمر» يتعدّى لمفعولين، تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وقال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي","vol":"1","page":648},{"text":"-﵁-، وهو الشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» رقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط]\nأمرتك الخير، فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nوتارة يتعدّى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكان، ووزن، قال الشاعر: وهو الشّاهد رقم [٤٨٦] من كتابنا فتح ربّ البرية: [البسيط]\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد، إليه الوجه والقبل\nوقد تحذف الهمزة من أمره، فتقول: مر، كما تحذف من أمر: أخذ، يأخذ، فتقول: خذ، وتحذف من أمر: أكل يأكل، فتقول: كل، والأصل: اؤمر، وأؤخذ، واؤكل، فحذفت الهمزتان من الأفعال الثلاثة لاجتماع الضّمّات، وقد قالوا: اؤمر أؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه اؤمر في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف)، وفي الآية رقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٧] من سورة (لقمان).\n ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ:﴾ لذنوبكم، وسترا لعيوبكم، وخلفا لما تنفقون زائدا عن الأصل، ورزقا حسنا. ﴿وَفَضْلًا:﴾ كرما، وجودا منه تعالى، فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة، والفضل إشارة إلى منافع الدنيا، وما يحصل من الرّزق، والخلف. ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦١] ففيها الكفاية، وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ للشّيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة، فأمّا لمّة الشّيطان فإيعاد بالشرّ، وتكذيب بالحقّ، وأمّا لمّة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحقّ، فمن وجد ذلك؛ فليعلم: أنّه من الله تعالى، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى؛ فليتعوّذ بالله من الشّيطان، ثمّ قرأ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ..﴾. إلخ». أخرجه الترمذيّ، والنّسائي، وغيرهما.\nوعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ: «لا يخرج رجل شيئا من الصّدقة حتّى يفكّ عنها لحيي سبعين شيطانا». أخرجه الإمام أحمد.\nطرفة: يروى: أنّ واعظا ذكر هذا الحديث في مجلس وعظه. فتحمّس أحد السّامعين، وقال: أنا أفك لحيي سبعين شيطانا السّاعة، فذهب إلى بيته، فملأ ذيله من القمح، أو الشعير، فتعلّقت به زوجته، وأخذت تتلتله، وتقول له: الله يساعدنا نحن كذا.. نحن كذا حتى ألقت ما في ذيله في العتبة، فرجع خائبا، فقال له الواعظ: ما لك؟ فقال: غلبت سبعين شيطانا، فجاءت أمّهم، فغلبتني.\nهذا؛ والشيطان: اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كلّ نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان، وما أكثر الشيطان بهذا المعنى من بني آدم، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي﴾","vol":"1","page":649},{"text":"﴿بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ انظر شرحها هناك، وقال الرسول ﷺ لأبي ذرّ الغفاري﵁-: «يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم». ولا تنس أنّ لكلّ واحد من بني آدم شيطانا بدليل قول النبي ﷺ لعائشة﵂-، وقد رآها غضبى: «أجاءك شيطانك؟» قالت: أولي شيطان؟ قال: «نعم؛ ما من أحد إلاّ وله شيطان» قالت:\nوأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا؛ إلاّ أنّني أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». يروى بضم الميم وفتحها. هذا والشيطان: واحد الشياطين، مأخوذ من: شطن: إذا بعد، والنّون أصلية، فهو مصروف على هذا، وسمّي الشّيطان شيطانا لبعده عن الحقّ، وتمرّده عليه، قال جرير: [البسيط]\nأيّام يدعونني الشّيطان من غزل... وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا\nوقيل: مأخوذ من شاط: إذا احترق، وشاط: بطل، فالنون زائدة، وعليه فهو غير مصروف، و«شطن» من باب: قعد، و«شاط» من باب: ضرب. هذا؛ واشتاط الرّجل: إذا احتد غضبا، واشتاط: إذا هلك، قال الأعشى في معلقته رقم [٦٤]: [البسيط]\nقد نخضب العير في مكنون فائله... وقد يشيط على أرماحنا البطل\nويقوي الاعتبار الأول، ويضعف الثاني: أنّ سيبويه-رحمه الله تعالى-حكى: أنّ العرب تقول: تشيطن فلان: إذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن أنه تفيعل من: شطن، ولو كان من شاط؛ لقالوا: تشيّط.\nالإعراب: ﴿الشَّيْطانُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَعِدُكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿الْفَقْرَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَأْمُرُكُمْ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ،﴾ والكاف مفعول به.\n ﴿بِالْفَحْشاءِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: (﴿اللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً﴾): معطوفة على سابقتها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿مِنْهُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب ﴿مَغْفِرَةً﴾. ﴿وَفَضْلًا:﴾ معطوف على ﴿مَغْفِرَةً،﴾ وقد حذف متعلقه لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-276\"></span>﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)﴾\nالشرح: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ:﴾ قال ابن عباس﵂-: يعني: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله، وقال مجاهد","vol":"1","page":650},{"text":"رحمه الله تعالى: الحكمة ليست بالنبوة، ولكنّه العلم، والفقه، والقرآن، وقال أبو العالية-رحمه الله تعالى-: الحكمة: خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة. وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود﵁-، مرفوعا عن أنس قال ﷺ: «رأس الحكمة مخافة الله». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٩] فإنّه جيد، والحمد لله!.\n ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ أي: يريد الله من عباده ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ..﴾. إلخ، أي: من أعطي، ومنح الحكمة؛ فقد أعطي الخير الكثير لمصير صاحبها إلى السّعادة الأبدية، لذا فأصل الحكمة:\nالمنع، ومنه: حكمة الدابة؛ لأنها تمنعها من النفور، والجماح، قال الشاعر: [الكامل]\nأبني حنيفة أحكموا سفهاءكم\n ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾ أي: وما يتّعظ، وينتفع بما وعظه الله، وأصل الفعل: يتذكر، فقلبت التاء ذالا، ثمّ أدغمتا. ﴿إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي: أصحاب العقول السليمة والقلوب الفاهمة، ولا واحد له من لفظه، وإنّما واحده «ذي» المضاف إن كان مجرورا، و«ذا» المضاف إن كان منصوبا، و«ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و﴿الْأَلْبابِ﴾ جمع: لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمّي بذلك لأحد وجهين: إمّا لبنائه من: لبّ بالمكان: أقام به، وإمّا من: اللّباب، وهو الخالص من كلّ شائبة. هذا؛ واللبيب: العاقل الفاهم، والجمع: ألباء، والأنثى: لبيبة، وجمعها: لبيبات، ولبائب، واللّب: خالص كلّ شيء.\nالإعراب: ﴿يُؤْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْحِكْمَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السّكون في محلّ نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفته، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: الذي، أو شخصا يشاؤه، والجملة الفعلية: ﴿يُؤْتِي..﴾. إلخ: في محل نصب حال من لفظ الجلالة في الآية السابقة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الحال، ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُؤْتَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: هو يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو المفعول الأول.\n ﴿الْحِكْمَةَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط «قد»: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره (هو) يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، وهو المفعول الأول. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة له، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشّرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل:\nالجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من مفعول ﴿يَشاءُ﴾ المحذوف، والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.","vol":"1","page":651},{"text":"﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يَذَّكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم.\nو﴿أُولُوا﴾ مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة السابقة على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام. لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-277\"></span>﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ:﴾ قليلة، أو كثيرة، طاعة، أو معصية، سرّا، وعلانية، واجبة كالزّكاة، والكفّارات على اختلاف أنواعها، أو غير واجبة كصدقة التّطوّع. ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ:﴾ بشرط، أو بغير شرط، في طاعة، أو في معصية، وفّيتم به، أم لم توفّوا به. ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ:﴾ لا يخفى عليه، وهو مجازيكم به، وإنّما وحّد الضمير مع أنّه عائد على النّفقة، والمنذر، أي: فلم يقل: يعلمهما؛ لأنّ ردّ الضمير على الثاني منهما، فهو كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٢]: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٢]: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ،﴾ وقيل: إن الكناية عادت على ما في قوله: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ﴾ لأنّها اسم، فهو كقوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ رقم [٢٣١]، كما أنشد سيبويه لامرئ القيس وهو في معلقته: [الطويل]\nفتوضح فالمقراة لم يعف رسمها... لما نسجتها من جنوب وشمأل\nقال ابن عطية رحمه الله تعالى: ووحد الضمير في ﴿يَعْلَمُهُ،﴾ وقد ذكر شيئين من حيث أراد: ما ذكر، أو نصّ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ أي: الواضعين الصدقة في غير موضعها، وقيل: الذين يريدون بصدقاتهم الرياء، والسمعة، وقيل: هم الذين يتصدّقون بالمال الحرام، وقيل: لمن منع الزكاة، أو صرف المال في معاصي الله. ﴿مِنْ أَنْصارٍ:﴾ من أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى، ففيه وعيد شديد، وتهديد عظيم، وخذ ما يلي:\nفعن عائشة﵂-، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه». أخرجه البخاري.\nوعن ابن عباس﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر نذرا لم يسمّه؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا لا يطيقه؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا، فأطاقه فليف به» أخرجه أبو داود.\nوعن عمران بن حصين﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم». أخرجه النّسائيّ.","vol":"1","page":652},{"text":"وعن عبد الله بن عمر﵄-: أنّ رسول الله ﷺ نهى عن النذر، وقال: «إنّه لا يأتي بخير، وإنّما يستخرج به من البخيل» متفق عليه.\nوعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «إنّ النّذر لا يقرّب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدّره له، ولكن النّذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج». أخرجه مسلم.\nقال بعض العلماء: يحتمل أن يكون سبب النّهي عن النذر كون الناذر يصير ملتزما مالا، فيأتي به تكلّفا من غير نشاط، أو يكون سببه كونه يأتي على سبيل المعاوضة عن الأمر الّذي طلبه، فينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون متمحّضة لله تعالى، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون النّهي؛ لكونه قد يظنّ بعض الجهلة أنّ النذر يردّ القدر، أو يمنع من حصول المقدور، فنهي عنه خوفا من اعتقاد ذلك، وسياق الحديث يؤكّد هذا.\nوقوله في بعض روايات الحديث: «إنّه لا يأتي بخير»، «إنه لا يردّ شيئا من القدر» وقوله:\n «فيخرج بذلك من البخيل، ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج» معناه: أنّه لا يأتي بهذه القربة تطوعا محضا مبتدأ، وإنّما يأتي بها في مقابلة شيء يريده، كقوله: إن شفى الله مريضي؛ فلله عليّ كذا، ونحو ذلك ممّا يحصل بالنّذر، والله أعلم! انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محلّ نصب مفعول به مقدّم لفعل شرطه. ﴿أَنْفَقْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ نَفَقَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾). و﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم فيها.\n ﴿مِنْ نَذْرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة ب ﴿أَوْ﴾ على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿يَعْلَمُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشّرط، والشرط ومدخوله كلام مستأنف لا محل له.\nهذا وجوز اعتبار (﴿ما﴾) موصولة مبنية على السكون في محلّ رفع مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أنفقتموه، والجار والمجرور ﴿مِنْ نَفَقَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف من العائد المحذوف، العائد على (﴿ما﴾)، والجملة الاسمية: (إن...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار مستأنفة، لا محل لها، كما في الوجه الأول.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَنْصارٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة","vol":"1","page":653},{"text":"على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجرّ الزائد. هذا؛ وهناك من يجيز اعتبار ﴿أَنْصارٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور قبله لاعتماده على النفي، ولم يذكر تعليق الجار والمجرور، فهما متعلقان بفعل محذوف، تقديره: وما يوجد للظالمين أنصار. هذا؛ وإن اعتبرت (﴿ما﴾) نافية حجازية تعمل عمل ليس، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبرها مقدّما، و﴿أَنْصارٍ﴾ اسمها مؤخر، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محلّ نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، أو معترضة اعتراضا تذييليّا في آخر الكلام، لا محلّ لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-278\"></span>﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ أي: تجهروا بها، وتظهروها، والصّدقة: ما يخرجه المسلم من ماله على وجه القربة، فيدخل فيه الزّكاة الواجبة، وصدقة التطوّع. ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ أي: فنعمت الخصلة هي، فهذا ثناء على الجهر بها، وإظهارها. ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ فهذا حكم على أنّ الإخفاء خير من الجهر بها، ولذلك قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف؛ فاستره، وإذا اصطنع إليكم فانشروه. قال دعبل الخزاعي في ممدوحيه: [المتقارب]\nإذا انتقموا أعلنوا أمرهم... وإن أنعموا أنعموا باكتتام\nوقال سهل بن هارون: [البسيط]\nخلّ إذا جئته يوما لتسأله... أعطاك ما ملكت كفّاه واعتذرا\nيخفي صنائعه، والله يظهرها... إنّ الجميل إذا أخفيته ظهرا\nوقال العبّاس عم النبي ﷺرضي الله عنه-: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره، وستره، فإذا عجّلته؛ هنيته، وإذا صغّرته؛ عظّمته، وإذا سترته؛ أتممته، وقال بعض الشعراء، فأحسن: [الرمل]\nزاد معروفك عندي عظما... أنّه عندك مستور حقير\nتتناساه كأن لم تأته... وهو عند النّاس مشهور خطير\nقال ابن عباس﵄-: جعل الله صدقة السرّ في التطوّع تفضل علانيتها، يقال:\nبسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرّها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفا، قال: وكذلك جميع الفرائض، والنّوافل في الأشياء كلّها، أي: في الصّلاة، والصّوم، وغيرهما.","vol":"1","page":654},{"text":"هذا واتّفق العلماء على أنّ كتمان صدقة التطوع أفضل، وإخفاؤها خير من إظهارها؛ لأنّ ذلك أبعد من الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، وفي صدقة السرّ أيضا فائدة ترجع إلى الفقير الآخذ، وهي: أنّه إذا أعطي في السر؛ زال عنه الذل والانكسار، وإذا أعطي في العلانية يحصل له الذلّ والانكسار، ويدلّ على أن صدقة السرّ أفضل ما روي عن أبي هريرة﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: إمام عادل، وشابّ نشأ في طاعة الله تعالى، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله تعالى، اجتمعا على ذلك، وتفرّقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه من خشية الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال: إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». أخرجاه في الصّحيحين، وفي الحديث أيضا: «صدقة السّرّ تطفئ غضب الربّ ﷿».\nوأما الزّكاة الواجبة فالجهر بها أفضل من الإسرار لأمرين: أولهما: ليقتدى بفاعلها، وثانيهما: لئلا يتّهم بمنعها، ولا سيما إن كان ظاهر الغنى.\n ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ:﴾ يمحو، ويزيل، أو يعفو، ويصفح، وأصل التكفير في اللغة: التغطية، والسّتر، ويقرأ الفعل بالياء والنون، وبالرّفع وبالجزم عطفا على جملة جواب الشرط، والسيئات: هي المعاصي، والمخالفات التي يفعلها العبد، ومفردها: سيئة. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يعني: لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والخبير من أسماء الله الحسنى، وهو العالم بكنه الشيء وحقيقته من غير شك، والخبير في صفة المخلوقين إنّما يستعمل في نوع من العلم، وهو الّذي يوصل إليه بالاجتهاد، والفكر، والله تعالى منزّه عن ذلك كلّه.\nهذا؛ و«نعم» فعل ماض لإنشاء المدح، و«بئس» فعل ماض لإنشاء الذم، قال في المختار:\nنعم: منقول من: نعم فلان-بفتح النون وكسر العين-: إذا أصاب النّعمة، و«بئس» منقول من:\n «بئس» بفتح الباء، وكسر الهمزة: إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرّفا، وفيهما أربع لغات: «نعم، وبئس» بكسر، وسكون، وهي أفصحهن، ثم «نعم، وبئس» بكسر أولهما، وثانيهما، غير أن الغالب في (نعم) أن يتصل بها (ما) كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وكما في قوله تعالى في الآية رقم [٥٨] من سورة (النساء): ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ و«بئس» اتصلت بها (ما) على اللغة الفصحى، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٩٠]: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ..﴾. إلخ، والآية رقم [٩٣]: ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ..﴾. إلخ، والآية رقم [١٥٠] من سورة الأعراف: ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي..﴾. إلخ، واللغة الثالثة: «نعم، وبأس» بفتح، وسكون، والرابعة: (نعم، وبئس) بفتح وكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بدّ لهما من شيئين:\nفاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nفعلان غير متصرّفين... نعم وبئس رافعان اسمين","vol":"1","page":655},{"text":"مقارني ال أو مضافين لما... قارنهما كنعم عتبى الكرما\nويرفعان مضمرا يفسّره... مميّز كنعم قوما معشره\nوالقول بفعليتهما إنّما هو قول البصريّين، والكسائي، بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول النبيّ ﷺ: «من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» وقال الكوفيون إلا الكسائيّ: هما اسمان، بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأنّ امرأته ولدت بنتا له: والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة، وقول آخر: نعم السّير على بئس العير، وأوّله البصريون على حذف كلام مقدّر، التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه:\nنعم الولد، ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير، والمعتمد في ذلك قول البصريّين.\nهذا ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا بال، أو مضافا لمقترن بها، أو ضميرا مميزا بنكرة، أو كلمة «ما» فالأول: كما في قوله تعالى: «نعم المولى ونعم النّصير»، والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ،﴾ والثالث: مثل قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا،﴾ والرابع: كما في الآية التي بين أيدينا، وهذا شرح لأبيات ابن مالك.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الصَّدَقاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية لا محل؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿فَنِعِمّا:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشّرط، (نعم): فعل ماض جامد دال على إنشاء المدح، وفاعله ضمير مستتر، و(ما): نكرة تامّة بمعنى شيء مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مقدّم، و﴿هِيَ:﴾ مبتدأ مؤخر، ويجوز أن تكون خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: الممدوحة هي، والجملة: (نعما ﴿هِيَ﴾) سواء أكانت اسمية، أم فعلية في محل جزم جواب الشّرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محلّ المفرد.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم، ﴿تُخْفُوها:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والواو فاعله، و(ها) مفعول به. ﴿وَتُؤْتُوهَا:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله، وعلامة الجزم فيهما حذف النّون، والواو فاعله، و(ها) مفعول به أوّل. ﴿الْفُقَراءَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها على نحو ما سبق. هذا؛ ويجوز اعتبار (﴿تُؤْتُوهَا﴾): منصوبا ب «أن» مضمرة بعد الواو. على القاعدة: «وإذا» عطف مضارع على فعل الشرط بالواو، أو بالفاء، يجوز اعتباره مجزوما، أو منصوبا ب «أن» مضمرة بعد الواو ﴿فَهُوَ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة الاسمية في محل جزم","vol":"1","page":656},{"text":"جواب الشرط عند الجمهور... إلخ. و(﴿يُكَفِّرُ﴾): فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (﴿اللهُ﴾) فعلى قراءته بالجزم معطوف على جواب الشرط، وعلى قراءته بالرّفع، فهو مع فاعله في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يكفر. أو: فنحن نكفر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها وانظر ما أذكره في الآية رقم [٢٨٥] الآتية. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنْ سَيِّئاتِكُمْ:﴾ قيل: ﴿مِنْ﴾ زائد في الإيجاب، و﴿سَيِّئاتِكُمْ:﴾ مفعول به، وهذا على مذهب الأخفش، وعند سيبويه المفعول محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة له، التقدير: يكفر شيئا كائنا من سيئاتكم. وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما على أن ﴿مِنْ:﴾ للتبعيض، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَبِيرٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n (﴿اللهُ..﴾.) إلخ مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، الغرض منها الحثّ على الصّدقات، والتّرغيب في الإخلاص.\n\n<span id=\"aya-279\"></span>﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾\nالشرح: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ:﴾ الخطاب للنّبي ﷺ، ويعمّ كلّ مسلم، والمعنى: لا يجب عليك أن تجعل الناس مؤمنين مهديين، وإنّما عليك الإرشاد، والنّصح بالمعروف، والحث على محاسن الأعمال، والنّهي عن القبائح. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ:﴾ فهذا تصريح بأن الهداية من الله تعالى، يخصّ بها من يشاء من عباده، وفيه ردّ على القدريّة، وطوائف من المعتزلة كما تقدّم.\nهذا وروى سعيد بن جبير﵁مرسلا عن النبي ﷺ في سبب نزول الآية الكريمة: أنّ المسلمين كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلمّا كثر فقراء المسلمين، قال رسول الله ﷺ: «لا تتصدّقوا إلاّ على أهل دينكم»، فنزلت الآية الكريمة مبيحة للصّدقة على من ليس من دين الإسلام، فأمر ﷺ بعدها بالصّدقة على كلّ سائل من أيّ دين. رواه ابن أبي حاتم.\nوروى ابن عباس﵄-: أنّه قال: كان ناس من الأنصار لهم قرابات من المشركين، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية. رواه","vol":"1","page":657},{"text":"النّسائيّ. هذا، والمعتمد: أنّ هذه الصّدقة التي أبيح إعطاؤها لغير المسلمين، إنّما هي صدقة التطوّع، وأما المفروضة؛ فلا يجزئ دفعها لكافر، لقول النبي ﷺ: «أمرت أن آخذ الصّدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم». وقال الرّسول ﷺ لمعاذ﵁-: «خذ الصّدقة من أغنيائهم، وردّها على فقرائهم».\nهذا وقال ابن العربي: فأمّا المسلم العاصي؛ فلا خلاف: أنّ صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصّلاة، والصّيام، فلا تدفع إليه الصّدقة؛ حتّى يتوب، وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها؛ لدخولهم في اسم المسلمين.\n ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: الأجر، والثواب لكم، فلا تمنّوا على أحد، ولا تنفقوا الخبيث من أموالكم، فهو مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ وعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أيكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله! ما منّا أحد إلاّ ماله أحبّ إليه! قال: «فإنّ ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر». أخرجه البخاريّ.\nهذا وقد حكي: أنّ بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف، ثمّ يحلف: أنّه ما فعل مع أحد خيرا، فقيل له في ذلك، فيقول: إنّما فعلت مع نفسي، ويتلو: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. وخذ قوله تعالى في آخر سورة (المزمّل): ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾.\nهذا؛ والمراد ب: ﴿خَيْرٍ﴾ في هذه الآية في الموضعين: المال، قال تعالى في سورة العاديات: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ،﴾ ويكون الخير بمعنى: الطّعام، كما في قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص) رقم [٢٤]:\n ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ،﴾ ويكون بمعنى القوّة، كما في قوله تعالى في سورة (الدخان) رقم [٣٧]: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ويكون بمعنى العبادة والطاعة، كما في قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾ ويكون بمعنى الوحي، كما في قوله تعالى في الآية رقم [١٠٥] من هذه السّورة: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وأخيرا: يكون بمعنى المطر، قال الشّاعر-وهو الشّاهد رقم [٢٠٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nسقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت... لهم فلا زال عنها الخير مجدودا\n ﴿وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ:﴾ طلب مرضاته تعالى، ورضوانه، قال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله؛ فلا عليك ما كان عمله، والمعنى: أنّ المتصدق إذا تصدّق ابتغاء وجه الله؛ فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: البرّ أو فاجر، أو مستحقّ، أو غيره؟ وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية، والحديث المخرّج","vol":"1","page":658},{"text":"في الصحيحين، عن أبي هريرة﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «قال رجل لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية، فأصبح النّاس يتحدّثون: تصدّق الليلة على زانية! فقال: اللهمّ لك الحمد على زانية! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فوضعها في يد غنيّ، فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق اللّيلة على غنيّ! فقال: اللهمّ لك الحمد على غنيّ! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدّق الليلة على سارق! فقال:\nاللهمّ لك الحمد على زانية! وعلى غنيّ، وعلى سارق، فأتي (في المنام) فقيل له: أمّا صدقتك فقد قبلت، أما الزّانية فلعلّها أن تستعفف عن زناها، وأمّا الغنيّ فلعلّه يعتبر، فينفق ما أعطاه الله، وأمّا السّارق فلعلّه يستعفف عن سرقته».\n ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ:﴾ فهذه الجملة تأكيد، وبيان لما قبلها، وهي تفيد فائدة زائدة، وهي: أنّ ثواب الإنفاق يدّخر للمنفقين يوم القيامة، ولا يبخسون منه شيئا، فيكون ذلك البخس ظلما لهم، ومثل هذا يسمّى في علم المعاني إطنابا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدّم. ﴿هُداهُمْ:﴾ اسمها مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، وهو أقوى، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر (﴿لكِنَّ﴾) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مَنْ:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهدي الذي، أو: شخصا يشاء هدايته.\n (﴿ما﴾): اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿تُنْفِقُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾)، و﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (لأنفسكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو لأنفسكم، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية:\n ﴿وَما تُنْفِقُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، ﴿وَما:﴾ الواو: واو الاعتراض.\n (﴿ما﴾): نافية. ﴿تُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية معترضة بين المتعاطفتين لا محل لها، وقال البيضاوي: حال، أو عطف على ما قبله، والأول لا وجه له، والثاني لا يصحّ إلا على قول من يعتبر النفي بمعنى النّهي.","vol":"1","page":659},{"text":"﴿إِلاَّ:﴾ حرف استثناء، أو حرف حصر. ﴿اِبْتِغاءَ﴾ قال الجمل: هو استثناء من أعمّ العلل؛ أي: والمعنى: لا تنفقوا أموالكم لغرض إلا لهذا الغرض. انتهى. و﴿اِبْتِغاءَ﴾ مضاف، و﴿وَجْهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿وَجْهِ:﴾ مضاف، و﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ:﴾ انظر ما قبله، فهو مثله. ﴿يُوَفَّ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل، تقديره: (هو) يعود إلى ﴿خَيْرٍ﴾. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها ومؤكدة لها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبلها.\n\n<span id=\"aya-280\"></span>﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾\nالشرح: ﴿لِلْفُقَراءِ..﴾. إلخ: قال السّدي-رحمه الله تعالى-: المراد بهم فقراء المهاجرين من قريش، وغيرهم، وكانوا نحوا من أربعمائة رجل، لم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر، وكانوا يأوون إلى صفّة في المسجد، قال أبو ذرّ﵁-: كنت من أهل الصّفّة، وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ، فيأمر كل رجل فينصرف برجل، ويبقى من بقي من أهل الصّفة، عشرة، أو أقل، فيؤتى النّبيّ ﷺ بعشائه، فنتعشى معه، فإذا فرغنا قال رسول الله ﷺ: ناموا في المسجد، وانظر في الآية [٢٦٧] ما ذكره البراء بن عازب﵁-، وكانوا رضوان الله عليهم في المسجد ضرورة، وكانوا يأكلون من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين؛ استغنوا عن تلك الحال، فخرجوا، ثمّ ملكوا، وتأمّروا، ثم ذكر الله من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب العطف، والشفقة عليهم، فقال جل ذكره: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ حبسوا، ومنعوا عن التصرف في معايشهم خوف العدو، لكون البلاد كلها كفرا مطبقا، وهذا في صدر الإسلام، فقلّتهم وضعفهم يمنعان من الاكتساب بالجهاد، وإنكار الكفار عليهم","vol":"1","page":660},{"text":"إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة، فبقوا فقراء، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سفرا للتسبب في طلب المعاش، والضرب في الأرض: هو السّفر، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٠١]: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ،﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (المزمل): ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾.\nهذا والحصر: المنع، والحبس، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وهو يحتمل أن يكون من الرباعي «أحصر» ومن الثلاثي «حصر» وقال أبو عبيدة، والكسائي: أحصر بالمرض، وحصر بالعدو، وفي المجمل لابن فارس على العكس؛ فحصر بالمرض، وأحصر بالعدو، وقالت طائفة: يقال: أحصر فيهما جميعا من الرباعي، حكاه أبو عمر، والصحيح أنهما يستعملان فيهما، وهو ما قدمته أولا، قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:\nالأكثر من أهل اللغة على أن حصر في العدو، وأحصر في المرض، وأصل الكلمة من الحبس، ومنه: الحصير للذي يحبس نفسه على البوح بسره، والحصير الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات القش إلى بعض، هذا، ويقال: ألحف، وأحنى، وألحّ في المسألة سواء، قال بشار بن برد الأعمى: [الرجز]\nالحرّ يلحى، والعصا للعبد... وليس للملحف مثل الرّدّ\nواشتقاق الإلحاف من اللّحاف، سمي بذلك لاشتماله على وجود الطّلب في المسألة، كاشتمال اللحاف من التغطية، أي: هذا السائل يعمّ الناس بسؤاله، فيلحفهم بذلك، ومنه قول ابن أحمر: [الوافر]\nفظلّ يحفّهنّ بقفقفيه... ويلحفهنّ هفهافا ثخينا\nيصف ذكر النعام، يحضن بيضه بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللحاف، وهو رقيق مع ثخنه.\nهذا والحصير: الملك؛ لأنه كالمحبوس من وراء حجاب، قال لبيد﵁-: [الكامل]\nوقماقم غلب الرّقاب كأنّهم... جنّ لدى باب الحصير قيام\nوالإلحاف في المسألة مع الغنى عنها حرام، لا يحلّ، فقد روى أبو هريرة﵁-، عن النبي ﷺ قال: «من سأل النّاس أموالهم تكثّرا، فإنّما يسأل جمرا، فليستقلّ أو ليستكثر» أخرجه مسلم.\nوعن ابن عمر﵄-: أن النبي ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتّى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم» أخرجه البخاريّ، ومسلم.\n ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ﴾ أي: بحالهم. ﴿أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: إنّهم من تركهم السؤال، والتوكل على الله، والقناعة، والرضا بقضاء الله، وقدره يظنّهم الجاهل بحالهم أغنياء. هذا؛","vol":"1","page":661},{"text":"والفعل: حسب، يحسب من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون السين في المضارع، ومع الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها من البابين: الرابع، والسادس، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء. وحسبت المال حسبا من باب قتل بمعنى: أحصيته عددا.\n ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ:﴾ السّيما بالقصر: العلامة، وقد تمدّ، فيقال: السيماء، والسّمة أيضا:\nالعلامة التي يعرف بها الشيء، واختلفوا في معناها، فقيل: هي الخضوع، والتواضع. وقيل: هي أثر الجهد من الحاجة، والفقر. وقيل: هي صفرة ألوانهم من الجوع، ورثاثة ثيابهم من الضرّ، وسوء الحال. ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا﴾ أي: لا يسألون الناس أبدا، وقيل: إن سألوا لا يلحّون بالسؤال، وإنما يسألون برفق وتلطف، ولا يكلّفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل، وله ما يغنيه عن المسألة؛ فقد ألحف في المسألة، والخطاب للرسول ﷺ، أو لكلّ أحد، وخذ ما يلي:\nفعن ابن عباس﵄قال: وقف رسول الله ﷺ يوما على أصحاب الصّفّة، فرأى فقرهم، وجهدهم، وطيب قلوبهم، فقال: «أبشروا يا أصحاب الصّفة! فمن بقي من أمّتي على العنت الذي أنتم عليه، راضيا بما فيه، فإنّه من رفقائي في الجنّة»، وقال ﷺ: «إنّ الله يحبّ الحييّ الحليم المتعفّف، ويبغض البذيء السّائل الملحف». وعن أبي هريرة﵁-:\nأنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الّذي تردّه اللّقمة واللّقمتان، والتّمرة والتّمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس» رواه البخاريّ ومسلم، وغيرهما، وعنه أيضا: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس الغنى عن كثرة المال والعرض، ولكن الغنى غنى النّفس» متفق عليه.\nوقال الإمام أحمد عن رجل من مزينة: أنه قالت له أمّه: ألا تنطلق، فتسأل رسول الله ﷺ، كما يسأله النّاس! قال: فانطلقت أسأله، فوجدته قائما يخطب، وهو يقول: «ومن استعفّ أعفّه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل النّاس، وله عدل خمس أواق؛ فقد سأل النّاس إلحافا» فقلت بيني وبين نفسي: لنا ناقة لهي خير من خمس أواق، ولغلامي ناقة أخرى، فهي خير من خمس أواق، فرجعت، ولم أسأل.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل، وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا، أو خموشا، أو كدوحا في وجهه» قالوا: يا رسول الله! وما غناه؟ قال: «خمسون درهما أو حسابها من الذّهب»، أخرجه أبو داود، والترمذي، والنّسائي، والإمام أحمد.\nفالرّسول ﷺ يريد من المسلم أن يكون عزيز النفس، مرفوعها، لذا نفّر من السّؤال، والمسألة، ورغّب في العمل، فعن الزبير بن العوام﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ:","vol":"1","page":662},{"text":"«لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره، فيبيعها، فيكفّ بها وجهه خير له من أن يسأل النّاس، أعطوه، أم منعوه» رواه البخاريّ، وغير ذلك كثير، وخذ ما يلي:\nعن الأصمعي-رحمه الله تعالى-قال: مررت في بعض سكك الكوفة، فإذا برجل قد خرج من حشّ، على كتفه جرّة، وهو يقول: [الطويل]\nوأكرم نفسي إنّني إن أهنتها... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي\n [الوافر]\nلنقل الصّخر من قلل الجبال... أحبّ إليّ من منن الرّجال\nيقول النّاس: كسب فيه عار... وكلّ العار في ذلّ السّؤال\nفقلت له: إكرامها بمثل هذا؟! قال: نعم، واشفني عن سؤلي، فقلت: إذا سألته، ثم قال:\nصنع الله بك، وترك، فقلت: قد عرفني، فأسرعت فصاح بي وأنشد: [الطويل]\nوأكرم نفسي إنّني إن أهنتها... وجدّك لم تكرم على أحد بعدي\nبقي أن تعرف: لو أعطي الإنسان شيئا لم يسأله ماذا يفعل؟ فخذ الجواب مما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ: «من آتاه الله شيئا من هذا المال من غير أن يسأله، فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله إليه». ورواته محتج بهم في الصحيح.\nوعن عابد بن عمرو﵁عن النبي ﷺ، قال: «من عرض له من هذا الرّزق شيء من غير مسألة، ولا إشراف نفس، فليتوسّع به في رزقه، فإن كان غنيّا، فليوجّهه إلى من هو أحوج إليه منه». رواه أحمد، والطبراني، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم.\nالإعراب: ﴿لِلْفُقَراءِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nالصدقات للفقراء، أو هما متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أدوا زكاة أموالكم للفقراء، وقيل:\nمتعلقان بقوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ في الآية السابقة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة (الفقراء) أو بدل منه، ويجوز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، التقدير:\nأعني الذين، كما يجوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وهذان الاعتباران على القطع. ﴿أُحْصِرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: مجاهدين في سبيل، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ﴿ضَرْبًا:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وقيل: مستأنفة وهو ضعيف.","vol":"1","page":663},{"text":"﴿يَحْسَبُهُمُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الْجاهِلُ:﴾ فاعله. ﴿أَغْنِياءَ:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية قل فيها مثل سابقتها. ﴿تَعْرِفُهُمْ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل تقديره: أنت، والهاء مفعول به. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جر بالإضافة.\nوقل في الجملة مثل ما قبلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْئَلُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: لا يسألون الناس شيئا، وقل في الجملة الفعلية مثل ما قبلها.\n ﴿إِلْحافًا:﴾ فيه ثلاثة أوجه: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يلحفون إلحافا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، ومفعول لأجله، أي لا يسألون الناس لأجل الإلحاف، وحال، تقديره: لا يسألون ملحفين. انتهى. نقلا من السمين. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ:﴾ انظر إعرابه في الآية السابقة، مع ملاحظة: أنّ جواب الشرط محذوف، التقدير: فهو يجازيكم به، والجملة الشرطية بكاملها تحتمل العطف على ما في الآية السابقة، والاستئناف، والاعتراض في آخر الكلام الغرض منه الترغيب في الإنفاق، وخصوصا على المتعفّفين الذين لا يسألون الناس. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها، وهذا أولى من اعتبارها جوابا للشرط المتقدّم.\n\n<span id=\"aya-281\"></span>﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق﵁حين تصدّق بأربعين ألف درهم: عشرة في الليل، وعشرة في النّهار، وعشرة بالسرّ، وعشرة بالعلانية، وقيل: نزلت في عليّ كرم الله وجهه تصدق بأربعة دراهم، ولم يكن يملك غيرها، تصدّق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرّا، وبدرهم جهرا، وكون ما ذكر سببا لنزولها لا يقتضي خصوص الحكم به، بل العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وهذا يقال في كلّ الآيات القرآنية، التي نزلت بسبب ما.\nوروي عن ابن عباس﵄-: أنّها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله، وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «هم أصحاب الخيل»، وقد ذكر الله ذلك صراحة في قوله:\n ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال) انظر شرحها هناك تجد ما يسرك ويثلج صدرك، ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٦٢] ففيها الكفاية.","vol":"1","page":664},{"text":"هذا وفي الآية إشارة إلى أنّ صدقة السرّ أفضل من صدقة العلانية؛ لأنّه تعالى قدم نفقة الليل على نفقة النهار، وقدّم السرّ على العلانية، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧١].\nوالجملة في الآية الكريمة مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات؛ حتّى إنّ النفقة على الأهل تدخل في ذلك، فعن سعد بن أبي وقاص﵁-:\nأنّ رسول الله ﷺ، قال له: «وإنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلاّ أجرت عليها حتّى ما تجعل في في امرأتك» رواه البخاريّ، ومسلم. وعن ابن مسعود﵁-، عن النّبيّ ﷺ، قال: «إذا أنفق الرّجل على أهله نفقة، وهو يحتسبها؛ كانت له صدقة»، رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ. هذا؛ وبين الليل والنّهار، وبين السرّ والعلانية طباق لفظيّ، وهو من المحسّنات البديعية.\nهذا؛ و(ينفقون) ماضيه: نفق، قال الزمخشري رحمه الله تعالى: إنّ كلّ ما فاؤه نون وعينه فاء، يدلّ على معنى الخروج والذّهاب، مثل: نفق، ونفخ، ونفذ، ونفش... إلخ.\nهذا، والمال قال فيه ابن الأثير: المال في الأصل: ما يملك من الذّهب، والفضة، ثم أطلق على كلّ ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنّها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أنّ المال يؤنث، وأنشد لحسّان﵁-: [البسيط]\nالمال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال\nوعن الفضل الضّبيّ: المال عند العرب الصّامت، والناطق، فالصّامت: الذهب، والفضة، والجواهر، والناطق: البعير، والبقرة، والشاة فإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فهو النّاطق، وإذا قلت عن حضريّ: كثر ماله؛ فهو الصامت. هذا؛ والنّشب يطلق على المال الثابت، كالضياع، والدور، وقد قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي﵁في ذلك: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nهذا، و(الليل) فهو واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على: ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، وشبه، ومشابه، وحاجة، وحوائج، وذكر، ومذاكر، وكأنّ: ليلى في القياس جمع ليلاة، وقد استعملوا ذلك في الشّعر، وأنشد ابن الأعرابي، وهو الشاهد رقم [٦٦] من كتاب: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nيا ويحه من جمل ما أشقاه... في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه\nواللّيل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر: هو من غروب الشمس إلى طلوعها، والنّهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع","vol":"1","page":665},{"text":"العذاب، والسّراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر-بضمتين-كسحاب، وسحب، وفي القليل: أنهر، وقال ابن فارس: النّهر معروف، والجمع: أنهر، وأنهار، ويقال: إنّ النهار يجمع على نهر، قال الشاعر: [الرجز]\nلولا الثّريدان هلكنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر\nوالنّهار: من طلوع الفجر، أو: من طلوع الشمس على ما تقدّم في نهاية اللّيل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما تراه في الآية رقم [٢٠٣] هذا والليل يطلق على الحبارى، أو فرخها، وفرخ الكروان، والنّهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]\nإذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\nالإعراب: الذين ينفقون أموالهم: انظر الآية رقم [٢٦٢]. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً:﴾ حال بمعنى مسرّين ومعلنين، قال أبو البقاء: وهما مصدران في موضع الحال، وقد أغرب البيضاوي-رحمه الله تعالى-في قوله:\nوقيل: الفاء للعطف، والخبر محذوف؛ أي: ومنهم الذين، ولذلك جوّز الوقف على ﴿وَعَلانِيَةً،﴾ (لهم ﴿أَجْرُهُمْ..﴾.) إلخ: انظر الآية رقم [٢٦٢] ففيها الكفاية، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-282\"></span>﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥)﴾\nالشرح: لمّا ذكر تعالى الأبرار المؤدّين النفقات، المخرجين الزّكوات، المتفضّلين بالبرّ، والصدقات لذوي الحاجات، والقرابات في جميع الأحوال، والأوقات، وحضّهم على أن يكون ما يتصدّقون به، من الكسب الطّيب؛ ذكر هنا ما يقابل ذلك، وهو الرّبا: الكسب الخبيث، الّذي هو شحّ، ودنس، بينما الصّدقة عطاء، وسماحة، وطهارة، يظهر الفارق بوضوح بين الكسب الطيب وثمرته، وبين الكسب الخبيث ونتيجته، فكما قيل: وبضدها تتميز الأشياء، فقال تعالى:\n ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ أي: الآخذون الرّبا، وإنّما ذكر الله الأكل؛ لأنه أعظم منافع المال؛ لأنّ المال لا يؤكل، إنّما يصرف في المأكول، ثمّ يؤكل، ولأنه دالّ على الجشع، وهو","vol":"1","page":666},{"text":"أشد الحرص، ويلحق به اللباس، والكسوة، والادّخار، والإنفاق على العيال، وجميع منافعه.\nوالرّبا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشّيء يربو: إذا زاد، وكثر، ونما، قال تعالى في سورة (الحجّ) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. وفي الشرع: مقابلة عوض بآخر مجهول التّماثل في معيار الشّرع حالة العقد، أو مع تأخير في العوضين، أو أحدهما، وهو حرام قطعا بجميع أنواعه.\n ﴿لا يَقُومُونَ:﴾ يعني من قبورهم يوم القيامة، ﴿إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أي:\nيصرعه، وأصل الخبط: الضرب، والوطء على غير هدى، واستواء، يقال: ناقة خبوط، التي تضرب الأرض بقوائمها، وتطأ الناس بأخفافها، ومنه قولهم: يخبط خبط عشواء؛ للرّجل الذي يتصرّف في الأمور على غير اهتداء، وتمييز وتدبّر، قال زهير في معلّقته: [الطويل]\nرأيت المنايا خبط عشواء من تصب... تمته، ومن تخطئ يعمّر، فيهرم\n ﴿مِنَ الْمَسِّ:﴾ من الجنون، يقال: مسّ الرّجل، فهو ممسوس: إذا كان به جنون، قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصّرع من جهة الجنّ، وزعم: أنّه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مسّ.\nوقد روى النّسائيّ عن أبي اليسر﵁قال: كان رسول الله ﷺ يدعو، فيقول:\n «اللهمّ إنّي أعوذ بك من التردّي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا!» وعن أنس﵁- عن النبي ﷺ: أنّه كان يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من الجنون، والجذام، والبرص، وسيّئ الأسقام، والمسّ، والجنون!» رواه أبو داود.\nوروي في حديث الإسراء: «فانطلق بي جبريل، فمررت برجال كثير، كلّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، منضّدين على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيّا، فيقبلون مثل الإبل المهيومة، فيتخبّطون الحجارة، والشّجر، لا يسمعون، ولا يعقلون، فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون؛ قاموا، فتميل بهم بطونهم، فيصرعون، ثم يقوم أحدهم، فيميل به بطنه، فيصرع، فلا يستطيعون، براحا؛ حتى يغشاهم آل فرعون، فيطئونهم مقبلين، ومدبرين، فذلك عذابهم في البرزخ بين الدّنيا والآخرة، وآل فرعون يقولون: اللهم لا تقم السّاعة أبدا، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الرّبا ﴿لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ»﴾. أخرجه البغويّ بسند الثعلبي عن أبي سعيد الخدري﵁-.\n (ذلك) أي: العذاب الذي نزل بهم بسبب قولهم في الدّنيا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أي:\nبالحلّ، والإباحة، وذلك: أنّ أهل الجاهلية، كان أحدهم إذا حل أجل دينه على غريمه يطالبه","vol":"1","page":667},{"text":"به، فيقول الغريم لصاحب الحقّ: زدني في الأجل، حتّى أزيدك في المال، فيفعلان ذلك، وكانوا يقولون: سواء علينا الزيادة في أوّل البيع بالرّبح، أو عند المحلّ لأجل التأخير، فكذّبهم الله تعالى، وردّ عليهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾. هذا؛ ولم يقل: إنّما الرّبا مثل البيع، مع أن الكلام في الرّبا لا في البيع؛ لأنّه جيء به على طريقة المبالغة، ويسمّى التشبيه المقلوب، وهو أعلى مراتب التشبيه؛ حيث يجعل المشبّه مكان المشبّه به، والأصل في الآية أن يقال: الربا مثل البيع، ولكنّه بلغ من اعتقادهم في حل الرّبا أن جعلوه أصلا يقاس عليه، فشبهوا به البيع، والتشبيه المقلوب باب واسع من أبواب النّحو، انظر كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وخذ منه قول رؤبة بن العجّاج وهو الشاهد رقم [١١٨٧] منه: [الرجز]\nومهمه مغبرة أرجاؤه... كأنّ لون أرضه سماؤه\n ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا:﴾ أي: وأحل الله لكم الأرباح في التّجارة بالبيع، والتجارة، وحرّم الرّبا الذي هو زيادة المال لأجل تأخير الأجل، وذلك لأنّ الله تعالى خلق الخلق فهم عبيده، وهو مالكهم يحكم فيهم بما شاء، ويستعبدهم بما يريد، وليس لأحد أن يعترض عليه في شيء ممّا أحلّ، أو حرّم، وإنما على كافة الخلق الطّاعة، والتسليم لحكمه، وأمره، ونهيه.\n ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: فمن بلغه وعظ من الله، وزجر بالنّهي عن الرّبا، وإنما ذكر الفعل؛ لأنّ الموعظة من المؤنث المجازي، ولأنّ الوعظ، والموعظة شيء واحد. ﴿فَانْتَهى:﴾\nعن أكل الربا. ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ:﴾ تقدّم أخذه قبل التحريم، لا يسترد منه ما أخذه بعقد الربا.\n ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ يعني: بعد النّهي، إن شاء عصمه؛ حتى يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله؛ حتى يعود إلى أكل الرّبا. وقيل: معناه: وأمره إلى الله فيما يأمره، وينهاه، ويحلّ له، ويحرم عليه، وليس له من أمر نفسه شيء، والمعنى في حق المسلم: فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. ﴿وَمَنْ عادَ:﴾ إلى أكل الرّبا بعد التّحريم، والنّهي. ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ،﴾ والآية تفيد تخليد آكل الرّبا في النار، وهذا مع الاستحلال؛ لأنّهم بالاستحلال صاروا كافرين؛ لأن من أحلّ ما حرّم الله﷿فهو كافر، فلذا استحقّ الخلود، وبهذا تبيّن: أنّه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفاسقين في النّار.\nهذا وبين (﴿أَحَلَّ﴾) و(﴿حَرَّمَ﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعية؛ أما الحرام في الأصل فهو كلّ ممنوع، والحرمات كلّ ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك. وقولهم: لفلان بي حرمة؛ أي:\nأنا ممتنع من مكروهه، وحرمة الرّجل محظورة به من غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم: هو الممنوع من المال، والتلذّذ به، والإحرام بالحجّ، والعمرة: هو المنع من أمور معروفة في الفقه الإسلاميّ.","vol":"1","page":668},{"text":"هذا وروى أبو داود-رحمه الله تعالى-عن عبد الله بن عمر﵄-، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه عنكم؛ حتى ترجعوا إلى دينكم».\nوفسر أبو عبيدة الهرويّ «العينة» فقال: هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمّى، ثم يشتريها منه بأقلّ من الثمن الّذي باعها به، وسمّيت: عينة لحضور النقد لصاحب العينة، وذلك: أنّ العين هو المال الحاضر، والمشتري إنّما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره. انتهى. قرطبي. وهي مذمومة، وحيلة لأكل الرّبا، ولذلك اعتبرها الرّسول ﷺ من الأمور الّتي تغضب الله تعالى، وتكون سببا لتسليط الذّلّ على المسلمين وإهانتهم حتى يتوبوا، ويرجعوا إلى دينهم.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْكُلُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿الرِّبا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَقُومُونَ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿يَقُومُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿يَتَخَبَّطُهُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ متعلقان ب ﴿لا يَقُومُونَ،﴾ وقال أبو البقاء: متعلقان بالفعل ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، وتقدير الكلام:\nلا يقومون إلا قياما مشابها قيام الّذي... إلخ.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة.\n ﴿الْبَيْعُ:﴾ مبتدأ. ﴿مِثْلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الرِّبا﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْبَيْعُ،﴾ والرابط: الواو. وإعادة (﴿الْبَيْعُ﴾) بلفظه للبيان،","vol":"1","page":669},{"text":"والوضوح، وهي على تقدير «قد» قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال من ﴿الرِّبا﴾ والرابط: الواو. وإعادة ﴿الرِّبا﴾ بلفظه للبيان، والوضوح أيضا.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، والهاء مفعول به. ﴿مَوْعِظَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَوْعِظَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿سَلَفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الاسمية: (له ﴿ما سَلَفَ﴾) في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مِنَ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (﴿مِنَ﴾) اسما موصولا مبتدأ، فجملة: ﴿جاءَهُ..﴾. إلخ صلته، والجملة الاسمية: (له ﴿ما سَلَفَ﴾) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَمْرُهُ:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿أَمْرُهُ﴾): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها.\n ﴿وَمَنْ عادَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مَنْ عادَ﴾): إعراب الكلمتين مثل ما قبلهما.\n ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿النّارِ:﴾\nمضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وعلى اعتبار (من) موصولا؛ فهي في محل رفع خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، لما فيه من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل (أولئك)، والأول أقوى.\n\n<span id=\"aya-283\"></span>﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾\nالشرح: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ أي: ينقصه، ويهلكه، ويذهب ببركته، قال ابن عباس﵄-: لا يقبل الله منه صدقة، ولا حجّا، ولا جهادا، ولا صلة رحم، بل ويعاقبه عليه،","vol":"1","page":670},{"text":"قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقال أيضا: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ وقال ابن مسعود﵁-: «الرّبا وإن كثر فإنّ عاقبته إلى قلّ». وفي مسند الإمام أحمد يرويه ابن مسعود عن النبي ﷺ.\n ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ:﴾ يزيدها، ويكاثرها، ويضاعفها، ويبارك فيها، فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلاّ الطيب، إلا أخذها الرّحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كفّ الرّحمن حتّى تكون أعظم من الجبل، كما يربّي أحدكم فلوّه، أو فصيله» أخرجه مسلم، وتقدّم ما يشبهه برواية البخاريّ.\n ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾ يعني: كلّ مصرّ على كفره، مقيم عليه، مستحلّ لأكل الرّبا، ﴿أَثِيمٍ:﴾ متماد في الإثم، وقيل: المراد: الكفار ويحتمل أن يكون راجعا إلى مستحل الرّبا، و(الأثيم): يرجع إلى من يفعله مع اعتقاد التّحريم، فتكون الآية جامعة للفريقين، وخذ ما يلي:\nفعن جابر بن عبد الله﵄قال: «لعن رسول الله ﷺ: آكل الرّبا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء»، رواه أحمد، وغيره، وعدّ الرّسول ﷺ أكل الرّبا من الكبائر السّبع، والسّبع الموبقات، والأحاديث المنفرة من الرّبا كثيرة مشهورة، ومسطورة، وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ليأتينّ على النّاس زمان، لا يبقى منهم أحد إلاّ آكل الرّبا، فإن لم يأكله؛ أصابه من غباره» رواه أبو داود، وابن ماجة.\nتنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية، لم يتعرّض لها المفسرون، وهي ما إذا وقعت «كلّ» في حيز النفي؛ كان النفي موجها إلى الشّمول خاصّة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: (ما جاء كلّ القوم ولم آخذ كلّ الدّراهم، وكلّ الدّراهم لم آخذ) وإن وقع النفي في حيزها، اقتضى السّلب عن كلّ فرد، كقول النبي ﷺ لمّا قال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟!: «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٨]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ،﴾ ومثلها في سورة (الحديد) رقم [٢٣]، وقوله تعالى في سورة (ن): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ،﴾ وما في الآية التي نحن بصدد شرحها حيث وقعت ﴿كُلَّ﴾ في حيز النفي، فتفيد: أن المنفي الشّمول، وأنّ البعض ثابت له المحبّة من الله. والجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم إنّما يعوّل عليها عند عدم المعارض، وهو موجود هنا؛ إذ دلّ الدّليل، والإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا، ومستند هذا الإجماع الأحاديث الشّريفة الكثيرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَمْحَقُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الرِّبا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيُرْبِي:﴾ الواو:\nحرف عطف. (﴿يُرْبِي﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل","vol":"1","page":671},{"text":"يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿الصَّدَقاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿كَفّارٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: كلّ شخص كفّار. ﴿أَثِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية تحتمل العطف على ما قبلها، والاستئناف، والحالية، من لفظ الجلالة، وهو الأقوى، والرابط: الواو، وإعادة اسم الجلالة بلفظه.\n\n<span id=\"aya-284\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله، ورسوله، واليوم الآخر... إلخ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف درجاتها، وتفاوت مراتبها، والتي منها تحريم الرّبا بأنواعه. هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها يوحي بأنّ العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بدون عمل، وهو ما أفاده قول الرّسول ﷺ: «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه» كما أنّ الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، ويسمّى مثل هذا في علم المعاني: احتراسا.\n ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ:﴾ خصّ الصّلاة والزكاة بالذّكر، وقد تضمّنها عمل الصّالحات تشريفا لهما، وتنبيها على قدرهما؛ إذ هما رأس الأعمال: الصّلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال.\nومعنى (﴿أَقامُوا الصَّلاةَ﴾): أدّوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام الصّلاة. هذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتّسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي. هذا؛ وبيّن الله تعالى: أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المتاعب، والمصائب الصّبر، والصّلاة، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ الآية رقم [١٥٣]، وكان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة؛ هذا؛ والصلاة من العبد معناها: التضرّع والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن الله على عباده معناها: الرّحمة، وإنزال البركات.\nوقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الأحزاب).","vol":"1","page":672},{"text":"﴿وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أدّوها، والإيتاء: الإعطاء، يقال: آتيته: أعطيته، قال الله تعالى، حكاية عن قول المنافق في سورة (التّوبة) رقم [٧٥]: ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وأتيته بالقصر من غير مد بمعنى: جئته، فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مدّ، ومنه الحديث ولآتينّ رسول الله ﷺ فلأخبرنّه. هذا؛ وأصل آتوا «آتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان:\nالياء والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، فصار «آتوا». ويقال في إعلاله أيضا: تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: (آتاوا) فاجتمع ساكنان: الألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: آتوا، وبقيت الفتحة على التاء دليلا على الألف المحذوفة، وما ذكرته يجري في إعلال كلّ فعل ناقص، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا، هذا، وتحرك واو الجماعة بالضّمة إذا لقيها ساكن، كما في هذه الآية (آتوا) ولم تحرك بالكسرة؛ لأنّ الكسرة لا تناسبها، وقيل: حركت بالضم دون غيره؛ ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: «لو اجتهدت؛ لنجحت». وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: ضمت؛ لأنّ الضّمة هنا أخفّ من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: غير ذلك.\nهذا والزكاة في اللغة التطهير والإصلاح والنماء والمدح، يقال: زكا الزرع والمال، يزكو، إذا كثر وزاد، وسمي الإخراج من المال زكاة، وهو نقص منه حيث ينمو بالبركة، قال تعالى في سورة سبأ رقم [٣٩]: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ كما يقال: زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق، الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي ﷺ سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس، وقد قال تعالى في سورة التوبة رقم [١٠٣] ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾.\nوالزكاة في الشرع: اسم لما يخرج من مال، أو بدن على وجه مخصوص، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة الّتي بني عليها الإسلام، ومن ثمّ يكفر جاحدها على الإطلاق، أو في القدر المجمع عليه، ويقاتل الممتنع عن أدائها، وتؤخذ منه قهرا، كما فعل الصدّيق﵁-، وتدفع الزكاة لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وزكاة الفطر لا يوجد نصّ صريح في القرآن عليها، إلا ما تأوّله بعض المفسرين في قوله تعالى في سورة الأعلى:\n ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى،﴾ وتحدّثت عنها بعونه تعالى عند الكلام على آي الصيام.\nهذا وأضيف: أنّ الزكاة قرينة الصّلاة، فقد روي: أنّ أعرابيّا جاء إلى ابن عباس﵄-، فقال له: يا بن عباس! أنت حبر الأمة، وترجمان القرآن، علّمك الله أسرار الكتاب، وفقّهك في الدّين، فقل لي بربك: لماذا قرن الله الصّلاة إلى الزّكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عبّاس﵄-: ذلك لتعلم أنّ الصلاة، والزّكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حقّ الله، وهذه حقّ الناس، ورضي الله عن الصدّيق الذي سوّى","vol":"1","page":673},{"text":"بين المرتدّين ومانعي الزكاة في المحاربة، والقتال، كما هو معلوم ومشهور، وخذ قول أبي العتاهية الصّوفي، ﵀: [الكامل]\nأقم الصّلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات\nوإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصّدقات\nفي الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزّكاة قرينة الصّلوات\nهذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى في غير هذا الموضع-: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث، فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة، من قال: أطيع الله ولا أطيع الرسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصّلاة، ولا أوتي الزكاة، والله يقول: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ ومن فرّق بين شكر الله وشكر والديه، والله ﷿ يقول:\n ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ». انتهى. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٦٢] ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿وَعَمِلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، لا محل لهما أيضا.\n ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، وهو صفة لموصول محذوف. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٦٢] ففيها الكفاية، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-285\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٥٤] ففيها الكفاية، فالله يأمر عباده المؤمنين بتقواه، وينهاهم عمّا يقرّبهم إلى سخطه، ويبعدهم عن رضاه، والمعنى: خافوا الله، وراقبوه فيما تفعلون، ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإنذار. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ مصدقين بما شرع الله لكم من تحليل البيع، وتحريم الربا، وغير ذلك.\nوقد ذكروا: أنّ هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عمير، من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلمّا جاء الإسلام، ودخلوا جميعا في الإسلام؛ طلبت ثقيف أن تأخذه منهم. فتشاوروا، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدّي الربا في الإسلام، فكتب عتّاب ابن أسيد والي مكة بعد فتحها إلى رسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله ﷺ،","vol":"1","page":674},{"text":"فقالوا: نتوب إلى الله، ونذر ما بقي من الرّبا، فتركوه كلّهم. ذكره ابن جريج، ومقاتل، والسدّيّ. وخذ ما يلي:\nفعن عبادة بن الصامت﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد». أخرجه مسلم، رحمه الله تعالى. فنصّ رسول الله ﷺ على جريان الرّبا في هذه الأشياء الستّة.\nهذا وأما (ذر) فهو بمعنى: أعرض، واترك، والمستعمل من هذه المادة: المضارع، والأمر فقط، ومثله: (دع) ومضارعه: يدع، فكلا المادتين ناقص التصرّف، وهما بمعنى الترك والإعراض، وقد سمع سماعا نادرا الماضي منهما. فقالوا: ودع ووذر بوزن وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى: أنهم لم يتكلموا به البتة، بل تكلموا به دهرا، ثمّ أماتوه بإهمالهم استعماله، فلمّا جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا، إلا ما سمع منه سماعا نادرا، فقد قرئ قوله تعالى في سورة (الضّحى): («ما ودعك ربّك وما قلى») بالتّخفيف، وقال الشاعر: [الطويل]\nوثمّ ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراف المثقّفة السّمر\nوقال آخر: [الرمل]\nليت شعري يا خليلي ما الّذي... نما له في الحبّ حتّى ودعه\nوقال الرسول ﷺ: «دعوا الحبشة ما ودعوكم». وسمع المصدر منه في قوله ﷺ: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو لأحرّقنّ عليهم بيوتهم» أي: عن تركهم إيّاها، وسمع منه اسم الفاعل، واسم المفعول في أبيات من الشعر، قال خفاف بن ندبة﵁-: [الطويل]\nإذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودوع وواعد مصدّق\nهذا رأي أكثر النّحاة. وقال محبّ الدين الخطيب شارح شواهد الكشّاف-رحمه الله تعالى-: فقد رويت هذه الكلمة، أي: (دع) عن أفصح العرب-يقصد النّبيّ ﷺونقلت عن طريق القراء، فكيف تكون إماتة؟ وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة، وأضيف: إن كثيرا من النّحاة يقولون في ماضي: (عم ويعم) ما قيل في ماضي (دع، وذر) وخذ قول امرئ القيس وهو الشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٨٥] من كتابنا فتح ربّ البرية: [الطويل]\nألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي... وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟\nوهل يعمن من كان أحدث عهده... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال؟","vol":"1","page":675},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و(ها): حرف تنبيه لا محلّ له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه ولا يقال ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (أيّ) أو عطف بيان عليه. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والجملة بعدها معطوفة عليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَقِيَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، ﴿مِنَ الرِّبا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر ﴿كُنْتُمْ:﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فاتقوا الله وذروا... إلخ، والجملة الشرطية لا محل لها كالجمل الّتي قبلها.\n\n<span id=\"aya-286\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾\nالشرح: بالإضافة لما ذكرته من سبب نزول الآيات، قيل: نزلت في العباس، وعثمان -﵄-، وكانا قد أسلفا في التّمر، فلما كان وقت الجذاذ؛ قال صاحب التّمر لهما:\nإن أنتما أخذتما حقّكما لم يبق ما يكفي عيالي، فهل لكما أن تأخذا النّصف، وتؤخرا النصف، وأضعف لكما، ففعلا، فلمّا حلّ الأجل طلبا منه الزّيادة، فبلغ ذلك النّبي ﷺ، فنهاهما، وأنزل الله هذه الآيات، فسمعا، وأطاعا. وأخذا رءوس أموالهما، وقال الرسول ﷺ في حجّة الوداع فيما رواه جابر﵁من إفراد مسلم رحمه الله تعالى: «ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد، فقتله بنو هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع ربانا؛ ربا عبّاس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كلّه».","vol":"1","page":676},{"text":"﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا:﴾ فإن لم تتركوا الرّبا، وتمتثلوا أمر الله، وأمر رسوله بذلك، وانظر ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها﴾ في الآية رقم [٢٦٥]. ﴿فَأْذَنُوا:﴾ فاعلموا، وأيقنوا، ويقرأ: («فآذنوا») بمد الهمزة وكسر الذال، ومعناه: فأعلموا غيركم. والفعل على القراءتين مأخوذ من الأذان، وهو الإعلام في اللّغة. ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ محاربة الله للمرابي في النار يوم القيامة، فعن ابن عبّاس﵄-. قال: يقال لآكل الرّبا يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب، ومحاربة الرّسول ﷺ له بالسّيف في الدّنيا، وهذا يقتضي أن يقاتل المرابي حتّى ينتهي عن الرّبا، ويعلن توبته، وقتاله كقتال البغاة. يروى: أن أصحاب الرّبا حين نزلت الآية الكريمة؛ قالوا: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله، واكتفوا برءوس أموالهم، وأعلنوا توبتهم. ﴿لا تَظْلِمُونَ:﴾ غرماءكم بأخذ الزيادة على رأس المال. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ:﴾ أنتم من قبلهم بالمطل، والنقصان، ويفهم منه: أنهم إن لم يتوبوا؛ فليس لهم رأس مالهم، وهو سديد على ما قلناه؛ إذ المصرّ على التّحليل مرتدّ، وماله فيء. انتهى. بيضاوي.\nتنبيه: لم يؤذن الله أحدا بالمحاربة غير آكل الرّبا، والمؤذي لأولياء الله الصّالحين، وخذ ما يلي: فقد روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى قال: من عادى لي وليّا، فقد آذنته بالحرب... إلخ». هذا والولي: هو الذي لم يفعل كبيرة، ولم يصرّ على صغيرة. هذا؛ ويقرأ الفعل: («ما بقي») بسكون الياء، ومثل هذا يرد في الشعر العربي، قال جرير في عبد الملك بن مروان، وهو الشاهد رقم [١١٣٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nهو الخليفة فارضوا ما رضي لكمو... ماضي العزيمة ما في حكمه جنف\nوقال عمر بن أبي ربيعة، وهو الشاهد رقم [٣٤٧] من الكتاب المذكور: [البسيط]\nكم قد ذكرتك لو أجزى بذكركمو... يا أشبه النّاس كلّ النّاس بالقمر\nإنّي لأجذل أن أمسي مقابله... حبّا لرؤية من أشبهت في الصّور\nالشاهد فيهما تسكين ياء (رضي) وياء (أمسي) مع أنّ الواجب تحريكها بالفتحة. هذا؛ وقرأ الحسن: («ما بقى») بالألف، وهي لغة طيّئ، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nلعمرك لا أخشى التّصعلك ما بقى... على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.","vol":"1","page":677},{"text":"﴿فَأْذَنُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (ائذنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُبْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ، والمتعلّق محذوف. ﴿فَلَكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿رُؤُسُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿أَمْوالِكُمْ:﴾\nمضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿تَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-287\"></span>﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ كانَ..﴾. إلخ: بعد خضوع أصحاب الدّيون لأمر الله، وأمر رسوله، حيث رضوا برءوس أموالهم، وتجاوزوا عن الرّبا، كما رأيت في الآية السابقة؛ طالبوا المدينين برءوس أموالهم، وألحّوا في الطّلب، فشكا المدينون الإعسار، وطلبوا الإمهال، والإنظار، فأبوا، فنزلت الآية الكريمة الّتي توجب الإنظار إلى اليسار، والسّعة، وتحثّ على الصدقة بإسقاط بعض الدّيون عن المعسرين، أو بإبرائهم منها، والإسقاط، أو الإبراء سنّة، وهو أفضل من الإمهال، وهو واجب، وهذا من المستثنيات من قاعدة: «الواجب أفضل من المندوب»، ومنه ابتداء السّلام سنّة، وهو أفضل من الردّ مع كونه واجبا، هذا، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الالتفات في الآية رقم [٢٥٣].\nهذا والعسرة: الضيق المالي، والفقر، والحاجة. والنّظرة: الإمهال، والانتظار، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [١٠٤]: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنا،﴾ وقال علقمة الفحل: [الطويل]\nفإنّكما إن تنظراني ساعة... من الدّهر ينفعني لدى أمّ جندب\nوقال عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [٢٠]: [الوافر]","vol":"1","page":678},{"text":"أبا هند فلا تعجل علينا... وأنظرنا نخبّرك اليقينا\n ﴿إِلى مَيْسَرَةٍ:﴾ إلى زمن اليسار، وهو ضدّ الإعسار، وهو وجدان المال الذي يؤديه في دينه. ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدّين، فتتركوا رءوس أموالكم للمعسر خير لكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ أنّ التصدق خير لكم وأفضل؛ لأنّ فيه الثناء الجميل في الدّنيا، والثّواب الجزيل في العقبى، وخذ ما يلي:\nعن أبي قتادة﵁-: أنه طلب غريما له، فتوارى عنه، ثمّ وجده، فقال: إنّي معسر، قال: فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة؛ فلينفّس عن معسر، أو يضع عنه»، أخرجه مسلم.\nوعن أبي اليسر﵁قال: سمعت من رسول الله ﷺ يقول: «من أنظر معسرا، أو وضع عنه؛ أظلّه الله يوم القيامة في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه» أخرجه مسلم.\nوعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «كان فيمن قبلكم تاجر يداين النّاس، فإن رأى معسرا؛ قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعلّ الله أن يتجاوز عنّا، فتجاوز الله عنه» متّفق عليه.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض تام بمعنى: وجد، وحدث، مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿ذُو:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف، و﴿عُسْرَةٍ:﴾\nمضاف إليه. هذا؛ وقيل: ﴿كانَ﴾ ناقصة، وتكلف تقدير خبر لها، ولا داعي لهذا التكلّف.\nوقرئ: («كان ذا عسرة») وعليه فهي ناقصة، واسمها محذوف، التقدير: كان المدين ذا عسرة، و(ذا) خبرها منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وعلى كلّ فجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\nهذا؛ ومن ورود «كان» تامة في الشّعر العربي قول الشاعر: [الطويل]\nفدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي... إذا كان يوم ذو كواكب أشحب\n ﴿فَنَظِرَةٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (نظرة): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nفالواجب نظرة، أو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليكم نظرة، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، و(﴿إِنْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف، أو معطوف على ما قبله لا محلّ له مثله. ﴿إِلى مَيْسَرَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (نظرة)، أو ب (نظرة). ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال، (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿تَصَدَّقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا:﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾","vol":"1","page":679},{"text":"وتقدير الكلام: صدقاتكم، أو تصدقكم خير لكم، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من تاء الفاعل في الآية السابقة، فلست مفندا، وهي حال مقدرة، والرابط: الواو والضمير، ويكون ما بينهما كلاما معترضا بين الحال وصاحبها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، التقدير:\nتعلمون: أنه خير، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كُنْتُمْ﴾ والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كنتم تعلمون: أنه خير؛ فافعلوه، ونحو ذلك، والجملة الشرطية معترضة في آخر الكلام لا محل لها، الغرض منها الحثّ على الصّدقة، والتصدّق.\n\n<span id=\"aya-288\"></span>﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّقُوا:﴾ خافوا، واحذروا، وأصله: اتّوقيوا، فأبدل من الواو تاء، ثمّ أدغمت التاء في التاء، وسكنت الياء بعد حذف ضمتها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار (﴿اِتَّقُوا﴾) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ:﴾ هو يوم القيامة الذي يحاسب الله فيه الناس على أعمالهم. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ:﴾ تجزى كلّ نفس جزاء عملها. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: بنقص حسنة، أو زيادة سيّئة، وهذه الجملة تأكيد لما قبلها.\nروي عن ابن عبّاس﵄-: أنّها آخر آية نزل بها جبريل ﵇، وقال للرّسول ﷺ: ضعها في رأس المائتين والثّمانين من سورة البقرة، وعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقيل: أحدا وثمانين، وقيل: سبعة أيام، ثمّ توفي يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة الشّريفة، والآية تتضمّن الوعيد، والتهديد؛ ليستعدّ المؤمن ليوم الرّحيل من هذه الدّنيا الفانية.\nالإعراب: ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِتَّقُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يَوْمًا:﴾ مفعول به. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والواو نائب فاعله. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿يَوْمًا،﴾ والرابط الضمير المجرور محلاّ ب (في). ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿تُرْجَعُونَ،﴾ وجملة: (﴿اِتَّقُوا..﴾.) إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢٧٨] لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تُوَفّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به","vol":"1","page":680},{"text":"ثان. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٍ﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا كسبته، وإن اعتبرت (﴿ما﴾) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: توفى كلّ نفس كسبها، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تُرْجَعُونَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مثلها.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ،﴾ وجمع الضمير لعوده على ﴿كُلُّ،﴾ والرابط: الواو والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-289\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله تعالى الربا، وبيّن ما فيه من قبح وشناعة؛ لأنّه زيادة مقتطعة من عرق المدين، ولحمه، وهو كسب خبيث يمقته الإسلام، ويحرمه؛ أعقبه بذكر القرض الحسن بلا فائدة. وذكر الأحكام الخاصة بالدّين، والتّجارة والرّهن، وكلّها طريقة شريفة لتنمية المال، وزيادته بما فيه صلاح الفرد، والمجتمع.\nوآية الدين أطول آيات القرآن على الإطلاق مما يدلّ على عناية الإسلام بالنّظم الاقتصادية، وقد قال ابن جرير الطّبري عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه: أن أحدث القرآن بالعرش آية الدّين.","vol":"1","page":681},{"text":"﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: لمّا حرم الله الرّبا؛ أباح السّلم، وقال: أشهد أن السّلف المضمون إلى أجل مسمّى، قد أحلّه الله في كتابه، وأذن فيه. هذا وهي تتناول جميع المداينات إجماعا، وقال خويز منداد: إنّها تضمنت ثلاثين حكما. ﴿بِدَيْنٍ:﴾ تأكيد مثل قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ وحقيقة الدّين عبارة عن كل معاملة، كان أحد العوضين فيها نقدا، والآخر في الذّمّة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدّين ما كان غائبا، قال الشاعر: [الوافر]\nلترم بي المنايا حيث شاءت... إذا لم ترمني في الحفرتين\nإذا ما أوقدوا حطبا ونارا... فذاك الموت نقدا غير دين\n ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: معين معلوم، قال ابن المنذر: دلّ قوله تعالى على أنّ السّلم إلى الأجل المجهول غير جائز، ودلّت السّنّة على مثل معنى كتاب الله، فقد ثبت: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، وهم يستلفون في الثّمار السّنتين، والثلاث، فقال رسول الله ﷺ: «من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس﵄-. وجوز المالكية السّلم إلى الحصاد، والجذاذ؛ لأن ذلك يختصّ بوقت، وزمن معلوم.\n ﴿فَاكْتُبُوهُ:﴾ أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة، والحفظ، فأمر العباد أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم، قال ابن جريج-رحمه الله تعالى-: من ادّان فليكتب، ومن ابتاع، فليشهد؛ فقد روى الإمامان: الحافظ ابن مردويه، والحاكم في مستدركه عن النبي ﷺ، قال: «ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيّئة الخلق فلم يطلّقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلا مالا، فلم يشهد» قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، وقال قتادة﵀ذكر لنا أنّ أبا سليمان المرعشي، كان رجلا صحب كعبا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعا إلى أجل، فلم يشهد، ولم يكتب، فلما حلّ ماله جحده صاحبه، فدعا ربّه، فلم يستجب له؛ لأنه قد عصى ربّه.\n ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط، والحق، ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة، ولا نقصان، ومن غير تقديم أجل، أو تأخيره. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون.\n ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ:﴾ ولا يمتنع كاتب من كتابة وثيقة بين المتداينين.\nواختلف في وجوب الكتابة على الكاتب، والشهادة على الشاهد، فأحسن ما قيل: إنه فرض","vol":"1","page":682},{"text":"كفاية، وهو قول الشّعبي، فإن لم يوجد إلا واحد، وجب عليه ذلك، وقيل: هو على النّدب، والاستحباب، وذلك؛ لأن الله تعالى لمّا علمه الكتابة، وشرّفه بها، استحبّ له أن يكتب ليقضي حاجة أخيه المسلم، ويشكر تلك النعمة التي أنعم الله بها عليه، وهو المعتمد، ودليل ذلك: أنه يجوز له أن يتقاضى أجرا على كتابته، ولو كانت واجبة؛ لا يجوز له أخذ الأجرة عليها.\nهذا؛ و﴿يَأْبَ:﴾ من الإباء، وهو الامتناع، أو أشدّه، وإباء الله: قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون، قال تعالى في سورة (التّوبة) رقم [٣٢]: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾. ويكون متعدّيا إن كان بمعنى: كره، ولازما إن كان بمعنى: امتنع، وهذا الفعل يتضمّن النفي، والإيجاب؛ لأنه بمعنى: لا يقبل إلا... إلخ. هذا؛ وأبى، يأبى من الباب الثالث شاذّ؛ لأنه لم يكن عينه أو لامه حرفا من حروف الحلق، ولم يجئ منه إلا قلى، يقلى، وغسى، يغسى، وجبى، يجبى، وعسى، يعسى.\n ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ أي: يلقي الذي عليه الحق، ويقرّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه من الحقّ، فيذكر قدره، وجنسه، وصفة الأجل، ونحو ذلك. والإملال، والإملاء: لغتان فصيحتان معناهما واحد، تقول: أمللت، وأمليت. وجاء القرآن باللّغتين. ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ أي: وليخف ربّه في إملائه على الكاتب. ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: ولا ينقص من الحقّ الذي عليه شيئا في الإملاء، فيكون جحودا لبعض حقّه.\n ﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ أي: جاهلا بالإملاء، وقيل: هو الطفل الصغير. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: السفيه: هو المبذر، المفسد لماله، ودينه. هذا، والسّفه: سخافة العقل. ومن ركب متن الباطل كان سفيها، فكل هذه المعاني يجوز إطلاقها على السّفه، والسّفيه. وانظر (سفه) في الآية رقم [١٣٠]. ﴿أَوْ ضَعِيفًا:﴾ صبيّا، أو شيخا عاجزا. هذا؛ والبذيء اللسان يسمى: سفيها؛ لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهّال الناس، وأصحاب، العقول الخفيفة، والعرب تطلق السّفه على ضعف العقل تارة، وعلى ضعف البدن أخرى، قال الشاعر: [السريع]\nنخاف أن تسفه أحلامنا... ويجهل الدّهر مع الحالم\nوقال ذو الرّمّة: [الطويل]\nمشين كما اهتزّت رماح تسفّهت... أعاليها مرّ الرّياح النّواسم\n ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ أي: لا يقدر على الإملاء لخرس، أو جهل باللغة، أو لعيّه، أو جهله بأداء الكلام، أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكاتب، أو يجهل بما له، أو عليه، فهؤلاء كلّهم لا يصحّ إقرارهم وإملاؤهم، فلا بدّ من أن يقوم غيرهم مقامهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي: ولي كلّ واحد من هؤلاء المحجور عليهم؛ لأنّه يقوم مقامه في صحة الإقرار،","vol":"1","page":683},{"text":"والإملاء؛ وقال ابن عباس ﵄: المراد بالوليّ صاحب الدّين، يعني إن عجز الذي عليه الحق من الإملاء فليملل صاحب الحقّ؛ لأنه أعلم بحقه. ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ:﴾ الاستشهاد: طلب الشهادة، وهي سنّة على المعتمد، رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته في الحقوق المالية، والبدنية، والحدود، وجعل في كلّ فنّ شهيدين إلا في الزنى فإنّهم أربعة. و(﴿شَهِيدٌ﴾) بناء مبالغة، وقوله: (﴿رِجالِكُمْ﴾) نصّ في رفض شهادة الكفّار والصّبيان، والنّساء.\nوالكفار يشهد بعضهم لبعض، وعلى بعض. وأمر الله بالاستشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة.\n ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ:﴾ فشهادة المرأتين تقوم مقام شهادة الرجل الواحد، وهذا إنّما يكون في الأموال، وما يقصد به المال عند الشافعي، وبما عدا الحدود، والقصاص عند أبي حنيفة، وأما الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء فتكفي شهادة أربع نسوة، وقد بين الله سبحانه السّبب بجعل شهادة المرأتين مقابل شهادة الرجل الواحد بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى:﴾ فالمرأة يغلب عليها النسيان، حتى لو نسيت إحداهما ذكرتها الأخرى، فتقول: حضرنا مجلس كذا، وسمعنا كذا، فيحصل بذلك الذكرى، وقد جعل ذلك من نقص العقل، كما قال مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ: أنه قال: «يا معشر النّساء! تصدّقن وأكثرن الاستغفار، فإنّي رأيتكنّ أكثر أهل النّار». فقالت امرأة منهنّ جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: «تكثرن اللّعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل، ودين أغلب لذي لبّ منكنّ» قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدّين؟ قال: «أمّا نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث اللّيالي لا تصلّي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدّين».\nوعن أبي سعيد﵁-، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في أضحى، أو في فطر.\nفمرّ على النساء، فقال: «يا معشر النّساء! تصدّقن، فإنّي أريتكنّ أكثر أهل النّار» فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللّعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنّ» قلن: وما نقصان عقلنا، وديننا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرّجل؟» قلن: بلى! قال: «فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم؟» قلن: بلى! قال: «فذلك من نقصان دينها».\nومن قول علي﵁في وصف النّساء: يتظلّمن، وهنّ الظّالمات، ويتمنّعن وهنّ الراغبات، لو صنعت مع إحداهنّ الخير الدّهر كلّه، ثم رأت ما يغير خاطرها، تقول: ما رأيت خيرا قطّ، وهذا تفسير لقول الرسول ﷺ: «تكفرن العشير».\n ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ أي: لا يمتنع الشهداء عن تحمّل الشّهادة إذا دعوا إلى تحمّلها، وذكرت آنفا: أن تحمّل الشهادة فرض كفاية. هذا، وفسر قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ﴾","vol":"1","page":684},{"text":"﴿الشُّهَداءِ﴾ أي: ممن ترضون دينه، وخلقه، وأمانته، وهو ما يعبر عنه بالعدالة، وهي الاعتدال في الأحوال الدينية، وذلك يتمّ بأن يكون مجتنبا للكبائر، محافظا على مروءته، وغير مصرّ على الصغائر، ظاهر الأمانة غير مغفل هذا، وإذ قد شرط الله تعالى الرضا، والعدالة في المداينة، فاشتراطها عند الأئمّة في النّكاح أولى، خلافا لأبي حنيفة حيث قال: إنّ النّكاح ينعقد بشهادة فاسقين.\n ﴿وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ﴾ أي: لا تملّوا أن تكتبوا الحقّ على أيّ حال كان من القلّة، والكثرة إلى أجله، قال الأخفش: يقال: سئمت، أسأم، سأما، وسآمة وسآما، وسأمة وسأما، قال زهير في معلقته رقم [٥٨]: [الطويل]\nسئمت تكاليف الحياة، ومن يعش... ثمانين حولا-لا أبا لك-يسأم\n ﴿ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ:﴾ أعدل. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ:﴾ أصح، وأحفظ. ﴿وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا:﴾\nوأقرب إلى اليقين وعدم الريبة؛ لأنكم ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم. ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً..﴾. إلخ؛ أي: إذا كان البيع الحاضر يدا بيد؛ فلا حاجة إلى الكتابة لانتفاء المحذور، وهو التنازع، ومعنى ﴿تُدِيرُونَها:﴾ تعاطيها يدا بيد. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ..﴾. إلخ: فلا بأس ولا مؤاخذة. ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ:﴾ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا، ناجزا، أو كالئا؛ لأنه أبعد من وقوع الاختلاف، وهو أمر ندب بلا شكّ، ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضّحاك. قال: وقد باع النبي ﷺ وكتب، وقد باع ولم يشهد، واشترى، ورهن درعه عند يهودي، ولم يشهد، ولو كان الإشهاد واجبا؛ لوجب مع الرهن لخوف المنازعة.\n ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ:﴾ يحتمل الفعل البناء للفاعل، والبناء للمفعول، فالمعنى على الأول: لا يدخل الكاتب، والشاهد الضّرر على صاحب الحق، والمدين بزيادة أو نقص. وعلى الثاني: لا يدخل الضرر من صاحب الحق والمدين على الكاتب، والشهيد، بأن يدعى الشّاهد إلى الشهادة، والكاتب إلى الكتابة، وهما مشغولان؛ فإن اعتذرا بعذرهما؛ أخرجهما وآذاهما، وقال: خالفتما أمر الله. ونحو هذا من القول الفظ، فيضربهما. هذا؛ وعلى الأول فأصل الفعل: (يضارر) وعلى الثاني، فأصله: (يضارر) بفتح الراء الأولى، والأول بكسرها، ومثله قوله تعالى في الآية رقم [٢٣٣]: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾.\n (﴿إِنْ تَفْعَلُوا﴾) يعني: المضارّة ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي: معصية. فعن سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-قال: فالكاتب، والشاهد يعصيان بالزيادة، والنقصان، وذلك في الكذب المؤذي في الأموال، والأبدان، وفيه إبطال الحق، وكذلك إذايتهما إذا كانا مشغولين معصية، وخروج عن الصّواب من حيث المخالفة لأمر الله.","vol":"1","page":685},{"text":"﴿وَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ: وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علّمه، أي: يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه، وقد يجعل الله في قلبه فرقانا؛ أي: فيصلا يفصل به بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٢٩]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا..﴾.\nإلخ. هذا وكرّر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث؛ لإدخال الرّوعة في القلوب، وتربية المهابة في النفوس.\nفائدة: العلم نوعان: كسبيّ، ووهبيّ، أما الأول؛ فيكون تحصيله بالاجتهاد، والمثابرة والمذاكرة، وأما الثاني؛ فطريقه: تقوى الله، والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾. وهذا العلم يسمّى العلم اللّدنّي، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٦٦]:\n ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو العلم النافع الذي يهبه الله لمن يشاء من عباده المتقين، وإليه أشار الإمام الشّافعي رحمه الله تعالى بقوله: [الوافر]\nشكوت إلى وكيع سوء حفظي... فأرشدني إلى ترك المعاصي\nوأخبرني بأنّ العلم نور... ونور الله لا يهدى لعاصي\nتنبيه: الآية الكريمة في بيع السّلم، أو السّلف عبارتان في معنى واحد، وقد جاء في حديث النبي ﷺ، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب: السّلم؛ لأن السّلف يقال على القرض، والسّلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهي النبي ﷺ عن بيع ما ليس عندك، وأرخص ﷺ فيه؛ لأنه لمّا كان بيع معلوم في الذمّة، كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثّمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبّانها لينفقه عليها، فظهر: أن بيع السلم من المصالح الحاجيّة، وقد سمّاه الفقهاء: بيع المحاويج، وللسّلم شروط متفق عليها، ومختلف فيها، وهي تسعة، ستّة في المسلم فيه، وثلاثة في رأس مال السّلم.\nأما الستة التي في المسلم فيه؛ فأن يكون في الذمّة، وأن يكون موصوفا، وأن يكون مقدّرا، وأن يكون مؤجّلا، وأن يكون الأجل معلوما، وأن يكون موجودا عند محل الأجل، وأما الثلاثة التي في رأس مال السلم فأن يكون معلوم الجنس، وأن يكون مقدّرا، وأن يكون نقدا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nوهذه الشروط في المذهب المالكي، وخذها في المذهب الشافعي، وهي ما يلي: قال أبو شجاع رحمه الله تعالى: ويصحّ السّلم حالا، ومؤجّلا فيما تكامل فيه خمسة شرائط: أن يكون مضبوطا بالصّفة، وأن يكون جنسا لم يختلط فيه غيره، ولم تدخله النار لإحالته، وأن لا يكون معينا، ولا من معين. ثمّ لصحة المسلم فيه ثمانية شرائط، وهو أن يصفه بعد ذكر جنسه، ونوعه","vol":"1","page":686},{"text":"بالصفات؛ التي يختلف بها الثّمن، وأن يذكر قدره بما ينفي الجهالة وإن كان مؤجّلا ذكر وقت محله، وأن يكون موجودا عند الاستحقاق في الغالب عنه، وإن يذكر موضع قبضه، وأن يكون الثمن معلوما، وأن يتقابضا قبل التفرق، وأن يكون عقد السّلم ناجزا، لا يدخله خيار الشرط.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [٢٧٨] فإعرابها مثله. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تَدايَنْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِدَيْنٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان به أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف صفة (دين)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، ﴿فَاكْتُبُوهُ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا،﴾ (اكتبوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. والهاء مفعوله، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محل له؛ لأنه مبتدأ كالجملة الندائية قبله، ﴿وَلْيَكْتُبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كاتِبٌ:﴾ فاعله. ﴿بِالْعَدْلِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان ب ﴿كاتِبٌ:﴾ أو بمحذوف صفة له، وقيل: الباء زائدة، و(العدل) مفعول به، والأول أولى بالاعتبار، والجملة الفعلية: ﴿وَلْيَكْتُبْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿يَأْبَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ﴿كاتِبٌ:﴾\nفاعله. ﴿أَنْ يَكْتُبَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى ﴿كاتِبٌ،﴾ و﴿أَنْ يَكْتُبَ:﴾\nفي تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، إن كان ﴿يَأْبَ﴾ بمعنى يكره؛ أي: يكره الكتابة، وفي محل نصب بنزع الخافض إن كان بمعنى: يمتنع؛ أي: يمتنع من الكتابة، وجملة: ﴿وَلا يَأْبَ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):\nمصدرية. ﴿عَلَّمَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف. ﴿اللهُ:﴾\nفاعل. و(ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: أن يكتب كتابة كائنة مثل تعليم الله له، ويجوز اعتبار (ما) اسما موصولا مجرورا بالكاف، ويكون التقدير أن يكتب كتابة كائنة مثل الّتي علمه الله إيّاها، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدّم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها.","vol":"1","page":687},{"text":"﴿فَلْيَكْتُبْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ليكتب): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿كاتِبٌ،﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (ليكتب...) إلخ، وهي مؤكدة لها. ﴿وَلْيُمْلِلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحَقُّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة، لا محل لها. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول، و﴿الْحَقُّ:﴾ فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بمتعلقه، التقدير: ليملل الّذي استقر عليه الحق.\n ﴿وَلْيَتَّقِ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الّذين. ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم.\n ﴿رَبَّهُ:﴾ بدل منه، أو عطف بيان عليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَلا يَبْخَسْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. (﴿مِنْهُ﴾): جار ومجرور متعلقان به. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. هذا؛ ويجوز تعليق الجار والمجرور ﴿مِنْهُ﴾ بمحذوف حال من ﴿شَيْئًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾. ﴿عَلَيْهِ الْحَقُّ:﴾ مثل سابقه بلا فارق. ﴿سَفِيهًا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿أَوْ ضَعِيفًا:﴾\nمعطوف على ما قبله، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الذي، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿سَفِيهًا،﴾ التقدير: أو كان غير مستطيع. ﴿أَنْ يُمِلَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى الذي. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للفاعل المستتر، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به. ﴿فَلْيُمْلِلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليملل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿وَلِيُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل، أو إضافة الصفة المشبهة للمفعول، والفاعل مستتر تقديره:\nهو. ﴿بِالْعَدْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز اعتبار الباء زائدة، فيكون العدل مفعولا به مجرورا لفظا، منصوبا محلاّ، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، والجملة الشرطية مفرعة، ومعطوفة على ما قبلها لا محلّ لها أيضا.","vol":"1","page":688},{"text":"﴿وَاسْتَشْهِدُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (استشهدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿شَهِيدَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْ رِجالِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف صفة ﴿شَهِيدَيْنِ،﴾ والأولى تعليقهما ب ﴿شَهِيدَيْنِ؛﴾ لأنه مبالغة اسم فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُونا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين اسمه. ﴿رَجُلَيْنِ:﴾ خبره منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها مثل ما تقدّم. ﴿فَرَجُلٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (رجل): مبتدأ.\n ﴿وَامْرَأَتانِ:﴾ معطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (رجل ﴿وَامْرَأَتانِ﴾) أي: كائنون من، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: من الذين ترضونهم. ﴿مِنَ الشُّهَداءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا به. هذا؛ وخبر المبتدأ محذوف؛ إذ التقدير: يشهدون. هذا؛ وجوز اعتبار (رجل ﴿وَامْرَأَتانِ﴾) خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير:\nفالمستشهد رجل... إلخ، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وعليه فالجملة الجوابية فعلية. تأمّل. و(﴿أَنْ﴾) ومدخولها كلام معطوف ومفرع عما قبله، لا محل لها من الإعراب. ﴿تَضِلَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والمصدر المؤول منهما في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بضلال، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وتعدّد النساء لأجل ضلال إحداهما، وهذا كلام محمول على المعنى، التقدير: وتعدّد النساء لأن تذكر إحداهما الأخرى إذا ضلّت. أو لضلالها.\nانتهى عكبري بتصرف كبير. أقول: ولا مانع من اعتبار تعدّد المقدّر فعلا ماضيا، والنّساء المقدّر أيضا فاعلا به، والجار والمجرور «لضلال» متعلقين بالفعل الماضي، فتكون الجملة فعلية. هذا؛ وقال مكي: الجار والمجرور متعلقان بالفعل «يشهدون» المقدّر خبرا، واعتبر اللام المقدرة للعاقبة مثل قوله عبد الله بن الزّبعرى: وهو الشاهد رقم [٣٨٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب]\nفإن يكن الموت أفناهم... فللموت ما تلد الوالده\nوأرى أن لا وجه له. ﴿إِحْداهُما:﴾ فاعل ﴿تَضِلَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.","vol":"1","page":689},{"text":"﴿فَتُذَكِّرَ:﴾ معطوف على ﴿تَضِلَّ﴾ منصوب مثله. ﴿إِحْداهُما:﴾ فاعله. ﴿الْأُخْرى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وقرئ: (﴿أَنْ﴾) بكسر الهمزة على أنها حرف شرط جازم، ويكون ﴿تَضِلَّ﴾ فعل الشرط مجزوما، وحرك بالفتحة على قاعدة المضعّف، كما يقرأ («تذكر») بالرفع على أن الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهي تذكر، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط، على حد قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٥]: ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ،﴾ والجملة الشرطية: ﴿أَنْ تَضِلَّ..﴾. إلخ فيها معنى التعليل. وقال القرطبيّ، ومكيّ: في محل رفع صفة (﴿اِمْرَأَتانِ﴾). هذا؛ وأقول: إن معنى القراءتين يختلف فالفتح على معنى التعليل، والكسر على معنى: إن وقع ضلال فالضلال منتظر.\nومثل ذلك قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [٢٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» حيث يروى بفتح الهمزة وكسرها، وخذه: [الطويل]\nأتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا، ولم تغضب بقتل ابن حازم؟\n ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ:﴾ انظر مثله فيما تقدّم، والجملة الفعلية معطوفة على ما تقدّم. ﴿إِذا:﴾\nانظر إعرابها في أول الآية. ﴿ما:﴾ صلة. ﴿دُعُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، على المشهور المرجوح، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إذا ما دعوا للشهادة فلا يأبوا تحملها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذا﴾ مجردة من الشرطية فتكون ظرفا متعلقا بالفعل قبلها، ولا تحتاج إلى جواب.\n ﴿وَلا تَسْئَمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به. ﴿صَغِيرًا:﴾ حال من الضمير المنصوب، وقيل: خبر ل «كان» محذوفة، وليس بشيء. ﴿كَبِيرًا:﴾ معطوف عليه. ﴿إِلى أَجَلِهِ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، أي: مستقرّا في ذمّة المدين إلى وقت حلوله، وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما، ولا وجه له لعدم استمرار الكتابة إلى أجله؛ إذ تنتهي في زمن يسير، قاله أبو حيان، وهو في مغني اللّبيب، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَقْسَطُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾\nظرف مكان متعلق ب ﴿أَقْسَطُ،﴾ و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَقْوَمُ﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِلشَّهادَةِ:﴾ متعلقان ب (﴿أَقْوَمُ﴾)، وفيه وفي سابقه ضمير مستتر هو فاعل لهما.","vol":"1","page":690},{"text":"﴿وَأَدْنى:﴾ معطوف على (﴿أَقْوَمُ﴾) مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر.\n ﴿أَلاّ:﴾ (أن) حرف ناصب. (لا): نافية. ﴿تَرْتابُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أدنى في عدم الرّيب والشّكّ. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ تَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ واسمه محذوف لعلمه من المقام؛ إذ التقدير:\nإلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة.\nوقال الزمخشري رحمه الله تعالى: التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب: [الطويل]\nبني أسد هل تعلمون بلاءنا؟ ... إذا كان يوما ذا كواكب أشفعا\nأي: إذا كان اليوم يوما. هذا؛ ويقرأ برفع («تجارة») على أنّ ﴿تَكُونَ﴾ تام بمعنى تحصل، أو تقع، و(«تجارة») فاعله، و(«حاضرة») صفة تجارة، والمصدر من (﴿أَنْ تَكُونَ﴾) في محل نصب على الاستثناء من الجنس؛ لأنه أمر بالكتابة في كل معاملة، واستثنى منها التجارة الحاضرة، والتقدير:\nإلا في حال حضور التجارة، وقال مكيّ-رحمه الله تعالى-: المصدر المؤول في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، والأول أصوب. ﴿تُدِيرُونَها:﴾ فعل مضارع، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب، أو في محل رفع صفة ثانية ل ﴿تِجارَةً﴾ ويجوز أن تكون في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم. هذا؛ وقيل: الجملة في محل نصب خبر ﴿تَكُونَ﴾ على رفع (﴿تِجارَةً﴾) واعتبار الفعل ناقصا. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَلَيْسَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) مقدم. ﴿جُناحٌ:﴾ اسمها مؤخر. ﴿أَلاّ تَكْتُبُوها:﴾ إعرابه مثل:\n ﴿أَلاّ تَرْتابُوا﴾ والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في عدم الكتابة، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿جُناحٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. وجملة: ﴿فَلَيْسَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة من قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً..﴾. إلخ، والسببية فيها واضحة، أفاده سليمان الجمل، أي: تسبب عن ذلك رفع الجناح في عدم الكتابة. ﴿وَأَشْهِدُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِذا:﴾ انظر مثلها في أول الآية ﴿تَبايَعْتُمْ:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إذا تبايعتم؛ فأشهدوا، ويجوز أن تكون ظرفا مجردا عن الشرطية، فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى: افعلوا الشهادة وقت التبايع. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):\nناهية جازمة. ﴿يُضَارَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وحركت الراء بالفتحة للخفّة. ﴿كاتِبٌ:﴾\nفاعله، والمفعول محذوف، التقدير: لا يضار كاتب أحد المتداينين، وهذا على اعتبار الفعل مبنيّا","vol":"1","page":691},{"text":"للمعلوم، وعلى اعتباره مبنيّا للمجهول، ف ﴿كاتِبٌ:﴾ نائب فاعله، وعلى فك الفعل فالجزم ظاهر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): معطوفة على ما قبلها. ﴿شَهِيدٌ:﴾ معطوف على ﴿كاتِبٌ﴾. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: المضارة، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فُسُوقٌ:﴾ خبر (إنّ).\n ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (﴿فُسُوقٌ﴾)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ﴾ في محل جزم جواب الشرط، و(إنّ) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر وفاعله. (الله) منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو يعلمكم الله، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة. هذا ورجّح الاستئناف على الحالية. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-290\"></span>﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾\nالشرح: لما ذكر الله تعالى النّدب إلى الإشهاد، والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان؛ عقّب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرّهن، ونصّ من أحوال العذر على السّفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيّما في ذلك الوقت لكثرة الغزو. ويدخل في ذلك بالمعنى كلّ عذر، فربّ وقت يتعذّر فيه الكاتب في الحضر، كأوقات أشغال الناس، وباللّيل، وأيضا فالخوف على خراب ذمّة الغريم عذر، يوجب طلب الرهن، ولا سيما في هذا الزمن. وقد رهن النّبيّ ﷺ درعه عند يهوديّ طلب منه سلف الشّعير، فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال ﷺ: «كذب إنّي لأمين في الأرض، أمين في السّماء، ولو ائتمنني لأدّيت، اذهبوا إليه بدرعي» فمات، ودرعه ﷺ مرهونة عند اليهوديّ بثلاثين صاعا من شعير لأهله. أخرجه النّسائيّ من حديث ابن عباس﵄-، وفي الصحيحين عن عائشة، وأنس ما يشبه ذلك، واسم اليهودي: أبو الشّحم.\nهذا وفي النّفس من هذا الرّهن شيء، ما الذي ألجأ الرّسول ﷺ إلى ذلك، والمسلمون فدوه بأرواحهم، وأموالهم، وعند وفاته ﷺ كان بعض المسلمين أثرياء، كعثمان وعبد الرحمن بن","vol":"1","page":692},{"text":"عوف، وكثير من الأنصار كانوا على جانب عظيم من الثّراء. فكيف رضي المسلمون بهذا الرّهن، ولا سيّما بعد أن تفوه اليهوديّ بما تفوّه به، لا أجد تفسيرا لذلك؛ إلا أن النبي ﷺ أراد أن يضرب مثلا لحلّ معاملة أهل الكتاب بالبيع، والشّراء، والرّهن، وغير ذلك من أنواع المعاملات. والله أعلم.\nهذا؛ والرهن: احتباس العين وثيقة بالحقّ، ليستوفى الحقّ من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم. وهو في اللّغة بمعنى الدّوام، والثبوت، والاستمرار.\nهذا؛ وبما أن الرّهن وثيقة لوفاء الدّين، لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون، فقد أخرج الدّارقطني عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يغلق الرّهن، ولصاحبه غنمه وعليه غرمه»، المعنى: لصاحبه منفعته، وعليه نفقته، ومصروفه. قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا: أنّ لبن الرهن، وظهره للرّاهن. هذا وغلق الرّهن في يد مرتهنه: إذا لم يفتكّ. قال الشاعر: [الطويل]\nأجارتنا من يجتمع يتفرّق... ومن يك رهنا للحوادث يغلق\nوقال زهير بن أبي سلمى: [البسيط]\nوفارقتك برهن لا فكاك له... يوم الوداع فأمسى الرّهن قد غلقا\n ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: فإن كان الّذي عليه الحقّ أمينا عند صاحب الحقّ، ولم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ المعنى: فليؤد المدين الّذي عليه الحقّ، والذي كان أيضا في ظنّ الدّائن، الذي هو صاحب الحقّ أمينا، ﴿أَمانَتَهُ﴾ أي: حقّه، وسمى الدّين: أمانة-وإن كان مضمونا-لائتمانه عليه؛ حيث أمن من جحوده، فلم يكتب، ولم يشهد عليه، ولم يأخذ منه رهنا، وهذا حثّ للمدين على أن يكون عند حسن ظنّ الدائن الذي ائتمنه، وأن يؤدي إليه حقّه، الذي ائتمنه عليه.\n ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ أي: المدين في أداء الحقّ عند حلول الأجل من غير مماطلة، ولا جحود، بل يعامله معاملة حسنة، كما أحسن ظنّه فيه، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أخذ أموال النّاس، يريد أداءها؛ أدّى الله عنه، ومن أخذ أموال النّاس يريد إتلافها؛ أتلفه الله». رواه البخاريّ، وغيره.\nوعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشّهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا!.\nقال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله وكيلا! قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمّى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجّله، فلم يجد","vol":"1","page":693},{"text":"مركبا، فأخذ خشبة، فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبها، ثمّ زجّج موضعها، ثمّ أتى بها البحر، فقال: اللهم إنّك تعلم أنّي تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا! فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا! فرضي بك، وإنّي جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإنّي أستودعكها! فرمى بها في البحر؛ حتّى ولجت فيه، ثمّ انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الذي كان أسلفه ينظر لعلّ مركبا قد جاء بماله، فإذا الخشبة الّتي فيها المال، فأخذها حطبا لأهله، فلمّا نشرها وجد المال والصّحيفة، ثمّ قدم الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: أخبرك أنّي لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه! قال: فإنّ الله قد أدّى عنك الذي بعثته في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشدا»، رواه البخاريّ معلقا مجزوما، والنّسائي، وغيره مسندا.\n ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ أي: إذا دعيتم إلى إقامتها، وأدائها، وذلك لأنّ الشاهد متى امتنع من إقامة الشّهادة، وكتمها؛ فقد أبطل بذلك حقّ صاحب الحقّ، فلهذا نهى عن كتمان الشهادة! وبالغ في الوعيد عليه، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ أي: فاجر قلبه، وإنما أضيف الإثم إلى القلب؛ لأن الأفعال من الدّواعي، والصّوارف إنما تحدث في القلب، فلمّا كان الأمر كذلك؛ أضيف الإثم إلى القلب، قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده على كتمان الشّهادة، فإنّه تعالى، قال: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وأراد به مسخ القلب، نعوذ بالله من ذلك! انتهى. خازن.\nوقال النسفي-رحمه الله تعالى-: وإنّما أسند إلى القلب، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؛ لأنّ كتمان الشهادة إنّما يضمرها في القلب، ولا يتكلّم بها، فلمّا كان إثما مقترفا مكتسبا بالقلب؛ أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، كما تقول: هذا مما أبصرته عيني، وممّا سمعته أذني، وممّا عرفه قلبي، ولأن القلب رئيس الأعضاء، والمضغة التي إن صلحت؛ صلح الجسد كلّه، وإن فسدت؛ فسد الجسد كلّه، فكأنه قيل: فقد تمكّن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان منه، ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسّيئات، الإيمان، والكفر، وهما من أفعال القلوب؟! وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب؛ فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب، وعن ابن عباس﵄قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وشهادة الزّور، وكتمان الشّهادة، وهو مأخوذ من قول الرسول ﷺ وهو ما يلي:\nفعن أبي موسى الأشعري﵁عن النبي ﷺ قال: «من كتم شهادة إذا دعي إليها، كان كمن شهد بالزّور» رواه البخاريّ.","vol":"1","page":694},{"text":"وعن أبي بكر﵁-، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا): الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزّور، ألا وشهادة الزّور، وقول الزور، وكان متكئا فجلس، فما زال يكرّرها حتّى قلنا: ليته سكت!» رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ.\nهذا وقال تعالى حكاية عن قول الشّاهدين العدلين: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ رقم [١٠٦] من سورة (المائدة). هذا؛ ولا تنس: أنّ الله تعالى قد قرن شهادة الزور بعبادة الأوثان، والأصنام، قال جلّ ذكره في سورة الحج رقم [٣٠]: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ:﴾ فيه تهديد، ووعيد للذين لا يقومون بأداء الشّهادة على وجهها.\nالإعراب: (إن): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿عَلى سَفَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَجِدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كاتِبًا:﴾ مفعول به، وفي الجملة الفعلية ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معطوفة على جملة فعل الشرط، الثاني: أنها عطف على خبر (كان)، الثالث: أنها في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وأضعفها أولها، وأقواها ثانيها. ﴿فَرِهانٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (رهان): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالوثيقة رهان، أو هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فرهان مقبوضة تستوثقون بها، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما في الآية السابقة. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَمِنَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ، ﴿فَلْيُؤَدِّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليؤد): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله. ﴿اُؤْتُمِنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلته، لا محل لها. ﴿أَمانَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: (ليؤد...) إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و(إن) ومدخولها معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين، وجملة: ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n ﴿رَبَّهُ:﴾ بدل مطابق من لفظ الجلالة، أو عطف بيان عليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.","vol":"1","page":695},{"text":"﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكْتُمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الشَّهادَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْتُمْها:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، والهاء مفعول به. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿آثِمٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿قَلْبُهُ:﴾ فاعل ب ﴿آثِمٌ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجوز اعتبار ﴿آثِمٌ﴾ خبرا مقدما، و﴿قَلْبُهُ:﴾ مبتدأ مؤخرا، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وجوز اعتبار ﴿آثِمٌ﴾ مبتدأ، و﴿قَلْبُهُ﴾ فاعلا سادا مسد خبره، ويحصل جملة في محل رفع خبر (إنّ)، كما جوز اعتبار ﴿قَلْبُهُ﴾ بدلا من ﴿آثِمٌ،﴾ بدل البعض من الكل، أو بدلا من الضمير المستتر في ﴿آثِمٌ،﴾ وهذان ضعيفان. هذا؛ وقرئ بنصب: («قلبه») على أنّه مفعول ب ﴿آثِمٌ﴾ وقال ابن هشام في المغني: والصّواب: أنه مشبه بالمفعول به لحسن وجهه أو بدل من اسم (إنّ) وعلى جميع الوجوه فجملة: (إنه...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، و﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٧١].\nخاتمة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: لمّا أمر الله تعالى بالكتب والإشهاد، وأخذ الرّهان؛ كان ذلك نصّا قاطعا على مراعاة حفظ الأموال، وتنميتها، وردّا على الجهلة المتصوفة، ورعاعها الّذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم، ولا يتركون كفاية لأنفسهم، وعيالهم، ثمّ إذا احتاج، وافتقر عياله؛ فهو إما أن يتعرّض لمنن الإخوان، أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدّنيا، وظلمتهم، وهذا الفعل مذموم منهيّ عنه، قال أبو الفرج الجوزي: ولست أعجب من المتزهدين الّذين فعلوا هذا مع قلّة علمهم، إنما أتعجب من أقوام لهم علم، وعقل: كيف حثّوا على هذا، وأمروا به مع مضادّته للشّرع، والعقل، وممّا يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها، قال ﷺ: «من قتل دون ماله فهو شهيد... إلخ» الحديث بطوله أخرجه أبو داود، وغيره عن سعيد بن زيد﵁-.\nأقول: وليت متصوفة هذه الأيام يفعلون ما فعل أولئك، ولكنّهم بالعكس؛ انكبّوا على الدنيا، وأخذوا يسلبون، وينهبون، ويجرون في ركاب الظّالمين. ويتكلّمون باسم الدّين الحنيف، يحسّنون القبيح، ويقبّحون الحسن. واتخذوا اللّحى، والعمائم مصيدة للدّنيا، إلا من رحم ربّك، وحفظه وتولاه، ولا حول، ولا قوة إلا بالله!.","vol":"1","page":696},{"text":"<span id=\"aya-291\"></span>﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾\nالشرح: ﴿لِلّهِ ما فِي..﴾. إلخ؛ أي: كلّ ما فيهما ملك لله تعالى خلقا، وعبيدا، وفي ﴿ما﴾ تغليب غير العاقل على العاقل؛ لأنّهم أكثر، وقال الجمل: في هذه الآية استدلال على قوله:\n ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ،﴾ فاستدلّ بسعة ملكه على سعة علمه. ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾\nتظهروا ما في أنفسكم من السّوء، والعزم عليه. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ:﴾ تسرّوه في قلوبكم، وضمائركم.\nهذا؛ وما يخطر على البال، وتتحدّث به النفس له مراتب خمسة: القصد، والهاجس، والخاطر، وهمّ، وعزم، فنظمها بعضهم في قوله: [البسيط]\nمراتب القصد خمس هاجس ذكروا... وخاطر فحديث النّفس فاستمعا\nيليه همّ فعزم كلّها رفعت... سوى الأخير، ففيه الأخذ قد وقعا\nفي الآية الكريمة أقوال كثيرة، أكتفي بقولين:\nالأوّل: أنها منسوخة بالآية التالية قاله كثير من الصحابة والتابعين، وذلك: أنّه لمّا نزلت اشتد ذلك على الصّحابة، فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الرّكب، وقالوا: يا رسول الله! كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصّلاة، والصّيام، والجهاد، والصّدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ: «أتريدون أن تقولوا، كما قال أهل الكتابين من قبلكم:\nسمعنا، وعصينا؟! بل قولوا: سمعنا، وأطعنا، غفرانك ربّنا وإليك المصير» فلمّا أقرّ بها القوم، وذلّت بها ألسنتهم؛ أنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ..﴾. إلخ، فلمّا فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾.\nالقول الثاني: أنّها محكمة غير منسوخة، والله يحاسب خلقه على ما عملوا من عمل، وعلى ما لم يعملوه ممّا ثبت في نفوسهم، وأضمروه، ونووه، وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر، والنّفاق، ذكره الطّبريّ عن قوم، فقد روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس﵄-: أنه قال: لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول: «إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم، فأمّا المؤمنون، فيخبرهم، ثمّ يغفر لهم، وأمّا أهل الشّكّ والرّيب؛ فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، فذلك قوله: ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ..﴾. إلخ، وهو قوله ﷿: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ من الشكّ، والنّفاق، وقال الضحاك: يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسرّه؛ ليعلم: أنّه لم يخف عليه، وفي الخبر: «إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يوم تبلى فيه","vol":"1","page":697},{"text":"السّرائر، وتخرج الضمائر، وأن كتّابي لم يكتبوا إلاّ ما ظهر من أعمالكم، وأنا المطّلع على ما لم يطّلعوا، ولم يخبروه، ولم يكتبوه، فأنا أخبركم به، وأحاسبكم عليه، فأغفر لمن أشاء، وأعذّب من أشاء، فيغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين». وهذا أصحّ ما في الباب. انتهى قرطبي.\nوروى ابن جرير عن مجاهد، والضحاك: أنه قال: هي محكمة، لم تنسخ، واختار ابن جرير ذلك، واحتجّ على أنّه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنّه تعالى قد يحاسب، ويغفر، وقد يحاسب، ويعاقب بالحديث الذي رواه قتادة عن صفوان بن محرز﵁-، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر﵄-، وهو يطوف؛ إذ عرض له رجل، فقال: يا بن عمر! ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النّجوى؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدنو المؤمن من ربّه ﷿ حتّى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه، فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: ربّ أعرف-مرّتين-حتّى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ. قال: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا، وإنّي أغفرها لك اليوم» قال: فيعطى صحيفة حسناته، أو كتابه بيمينه، وأمّا الكفار، والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الأشهاد: ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ رواه مسلم رحمه الله تعالى. هذا؛ وبين ﴿تُبْدُوا﴾ و﴿تُخْفُوهُ﴾ وبين (يغفر) و(﴿يُعَذِّبُ﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.\nالإعراب: ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي وجد، أو سيوجد. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وتقديره. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون نيابة عن السّكون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد في أنفسكم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تُخْفُوهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله... إلخ، والهاء مفعول به.\n ﴿يُحاسِبْكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والكاف مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية.\n ﴿فَيَغْفِرُ:﴾ يقرأ هذا الفعل بالجزم، والنّصب، والرفع، فالجزم بالعطف على جواب الشرط، والنصب على إضمار «أن» بعد الفاء على اعتبارها للسّببية، وعليه، فتؤوّل «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من الفاعل السّابق، والرفع على الاستئناف؛","vol":"1","page":698},{"text":"أي: على اعتبار الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يغفر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، وفاعل (يغفر) على جميع الاعتبارات يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ وما ذكرته في الآية الكريمة من وجوه الإعراب مقرّر في القواعد النّحوية كما يلي: «إذا عطف مضارع بالواو أو بالفاء على فعل الشرط يجوز جزمه، ونصبه، وإذا عطف على الجواب مضارع بالواو، أو بالفاء يجوز جزمه، ونصبه، ورفعه»، وخذ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوالفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن\nوجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو ان بالجملتين اكتنفا\nومن شواهده الشّعرية قول الشّاعر: [الوافر]\nفإن يهلك أبو قابوس يهلك... ربيع النّاس والشّهر الحرام\nوتأخذ بعده بذناب عيش... أحبّ الظّهر، ليس له سنام\n ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(من): تحتمل الموصولة، والموصوفة.\n ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: للذي، أو: لشخص يشاؤه. ﴿وَيُعَذِّبُ:﴾ معطوف على (يغفر) رفعا، ونصبا، وجزما، وباقي الإعراب مثل سابقه، ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، ﴿عَلى كُلِّ:﴾\nمتعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام مبينة لكمال قدرته جلّ علاه، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-292\"></span>﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾\nالشرح: ﴿آمَنَ:﴾ صدق. ﴿الرَّسُولُ:﴾ محمّد ﷺ. ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ:﴾ أي: من القرآن، وتعاليم السّماء النازل بها الوحي. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: آمنوا بما آمن به محمّد ﷺ.\n ﴿كُلٌّ:﴾ أي: كلّهم. ﴿آمَنَ بِاللهِ:﴾ بأنّه واحد أحد، فرد صمد، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لا إله غيره، ولا رب سواه.\n ﴿وَمَلائِكَتِهِ:﴾ أي بوجودهم، وأنّهم معصومون مطهّرون، وأنّهم السّفرة الكرام البررة، وأنّهم الوسائط بين الله وبين رسله. ﴿وَكُتُبِهِ:﴾ أي: بأنّ الكتب المنزلة من عند الله هي وحي من الله إلى رسله، وأنّها حقّ، وصدق من عند الله من غير شكّ، ولا ارتياب، وأنّ القرآن لم","vol":"1","page":699},{"text":"يحرّف، ولم يبدّل، ولم يغيّر، وأنّه مشتمل على المحكم، والمتشابه، وأنّ محكمه يكشف عن متشابهه. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ بأنّهم رسل الله إلى عباده، وأمناؤه على وحيه، وأنّهم معصومون، وأنّهم أفضل الخلق، وأنّ بعضهم أفضل من بعض بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية رقم [٢٥٣].\n ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ:﴾ كما فعل اليهود والنّصارى حيث أنكر اليهود نبوّة عيسى ﵇، ثم أنكروا مع النّصارى نبوّة محمد ﷺ، أمّا نحن؛ فنؤمن بجميع الرّسل من لدن آدم إلى عهد حبيبنا، وشفيعنا محمّد ﷺ. ﴿وَقالُوا سَمِعْنا﴾ أي: سماع قبول فيما يأمرنا الله به.\n ﴿وَأَطَعْنا﴾ أي: وأطعناه فيما ألزمنا به من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلّمنا لله فيما أمرنا به، ونهانا عنه. ﴿غُفْرانَكَ﴾ أي: نسألك غفرانك يا ربنا! ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: قالوا: إليك يا ربنا مرجعنا، ومآلنا، ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، ففيه إقرار بالبعث والجزاء.\nفقد روى البغويّ بغير سند عن حكيم بن جابر: أنّ جبريل الأمين ﵇، قال للنّبيّ ﷺ: «إنّ الله ﷿ أثنى عليك، وعلى أمّتك، فسل تعطه!» فسأل... إلى آخر السّورة.\nالإعراب: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل العائد إلى (ما)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾ يحتمل أن يكون معطوفا على الرسول، والوقف عليه، وأن يكون مبتدأ، والوقف على ﴿رَبِّهِ﴾ فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، والمضاف إليه محذوف، التقدير: كلهم. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿كُلٌّ﴾ باعتبار لفظه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة: ﴿كُلٌّ آمَنَ:﴾ مستأنفة على اعتبار المؤمنون معطوفا على ما قبله، وهي في محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، والرابط الضمير الذي قدرته.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ هذه الأسماء معطوفة على لفظ الجلالة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُفَرِّقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لفعل محذوف، التقدير: يقول، أو يقولون، وهذه الجملة في محل نصب حال من ﴿كُلٌّ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿أَحَدٍ:﴾\nمضاف إليه ﴿مِنْ رُسُلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَحَدٍ﴾. (قالوا): ماض مبني على الضم،","vol":"1","page":700},{"text":"والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَطَعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آمَنَ..﴾. إلخ.\n ﴿غُفْرانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: اغفر غفرانك، أو هو مفعول به ثان لفعل محذوف، التقدير: نسألك غفرانك، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية على الوجهين في محل نصب مقول القول. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول أيضا. (﴿إِلَيْكَ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على محذوف، التقدير: منك المبتدأ، وإليك المصير، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-293\"></span>﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)﴾\nالشرح: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها:﴾ التكليف: ما فيه كلفة، وقد يكون فيه مشقّة، وتكلّفت الأمر: تجشمته، وهذا نصّ على أنّ الله تعالى لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلوب، أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلّف، وفي مقتضى إدراكه، ومقدوره، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر، وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة﵁قال: ما وددت: أنّ أحدا ولدتني أمّه إلا جعفر بن أبي طالب -﵁-، فإنّي تبعته يوما، وأنا جائع، فلمّا بلغ منزله؛ لم يجد فيه سوى نحي سمن قد بقي فيه أثارة، فشقّه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما فيه من السّمن، والرّبّ (دبس التمر إذا طبخ) وهو يقول: [البسيط]\nما كلّف الله نفسا فوق طاقتها... ولا تجود يد إلاّ بما تجد\nوقال ابن عباس﵄في رواية عنه: هم المؤمنون خاصّة، وسّع الله عليهم أمر دينهم، ولم يكلفهم ما لا يستطيعون، كما قال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ،﴾ وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته","vol":"1","page":701},{"text":"بهم، وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصّحابة في قوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ أي: هو وإن حاسب، وسأل؛ لكن لا يعذب إلا بما يملك الشّخص دفعه، فأمّا ما لا يملك دفعه من وسوسة النّفس، وحديثها؛ فهذا لا يكلّف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السّيئة من الإيمان.\nفعن أبي هريرة﵁قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه، فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلّم به، قال: «وقد وجدتموه؟!» قالوا: نعم، قال: «ذاك صريح الإيمان» أخرجه مسلم، وسئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال: «تلك صريح الإيمان» أخرجه مسلم أيضا.\nهذا وذكرت الجملة: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ في سورة (الأنعام) رقم [١٥٢] بعد نهي، وأمرين، وذكرت في سورة (الأعراف) رقم [٤١] بعد ذكر الإيمان، والعمل الصالح؛ ليبين الله:\nأن المطلوب من التكاليف والأعمال الصالحة ما سهل فعله، وما فيه عسر، ومشقّة فلسنا مكلّفين بفعله، وغير مؤاخذين بتركه، والوسع: الطاقة، والقدرة.\n ﴿لَها ما كَسَبَتْ:﴾ الضمير يعود إلى النفس. و﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من الخير ﴿وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من الشر، أي: لا ينتفع بطاعتها أحد غيرها، ولا يتضرّر بمعاصيها غيرها، وتخصيص الكسب بالخير، والاكتساب بالشّرّ؛ لأن الاكتساب فيه اعتمال، والشر تشتهيه النفس، وتنجذب إليه، فكانت أجدّ في تحصيله، بخلاف الخير. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وجاءت العبارة في الحسنات ب ﴿لَها﴾ من حيث هي بما يفرح المرء بكسبه، ويسرّ بها، فتضاف إلى ملكه، وجاءت السّيئات ب (﴿عَلَيْها﴾) من حيث هي أثقال، وأوزار، ومتحمّلات صعبة، وهذا كما تقول: لي مال، وعليّ دين، وكرّر فعل الكسب، فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ قال ابن عطيّة-رحمه الله تعالى-:\nويظهر لي في هذا أن الحسنات هي ما تكتسب دون تكلّف بها؛ إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى، ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة؛ إذ كاسبها يتكلّف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتخطّاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى، وفي الجملتين ما يسمّى بالطباق المعنوي، وهو من المحسّنات البديعيّة.\n ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ أي: لا تؤاخذنا؛ إن حصل منا تفريط، أو تقصير بحقّك بسبب نسيان، أو خطأ، لا عن عمد، كما آخذت غيرنا، وقد تكرّم الله على هذه الأمة؛ حيث رفع عنها ذلك؛ فعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله وضع عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجة، وابن حبان، وعن أمّ الدرداء -﵂عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله تجاوز لأمّتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنّسيان،","vol":"1","page":702},{"text":"والاستكراه» وطلب رفع المؤاخذة اعتراف بنعمة الله علينا، وقد كانت الأمم السابقة تؤاخذ بالخطإ، والنّسيان. ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا..﴾. إلخ: الإصر: الأمر الغليظ الصعب، ومنه قول النابغة: [البسيط]\nيا مانع الضّيم أن يغشى سراتهم... والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا\nهذا وسميت التكاليف الشّاقّة إصرا؛ لأنّها تثقل كاهل صاحبها، ومنه قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧] ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ كما يسمى العهد والميثاق إصرا؛ لأنّه ثقيل، ومنه قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٨١]: ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾. ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا:﴾ المراد به ما كلّف به بني إسرائيل من قتل النفس في التّوبة، وإخراج ربع المال في الزّكاة، وقرض موضع النّجاسة، ومن أصاب ذنبا أصبح؛ وذنبه مكتوب على باب داره، ونحو ذلك من الأثقال، والآصار الّتي فرضت عليهم: كانوا يبتعدون عن المرأة في أيام حيضها، وإذا جمعوا الغنائم لم يأكلوها، بل تنزل نار من السّماء، فتأكلها، لذا دعاهم الله إلى الإيمان بمحمّد ﷺ؛ ليخفّف عنهم هذه الأحكام الشّاقة، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧]: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. هذا؛ والإصرار:\nالعهد، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٨١]: ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾.\n ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أي: من التّكاليف الشّاقّة، أو من العقوبات، والمصائب، والشّدائد التي لا نستطيع حملها، وقيل: هيجان الغلمة، والعزوبة، وقيل: هو الفرقة، والقطيعة، وقيل: هو حديث النفس، والوسوسة، كما تقدم. ﴿وَاعْفُ عَنّا﴾ أي: تجاوز عن ذنوبنا، وسيئاتنا. ﴿وَاغْفِرْ لَنا:﴾ استر علينا ذنوبنا، ولا تفضحنا، والغفر: الستر.\n ﴿وَارْحَمْنا:﴾ تغمّدنا برحمتك التي تنجّينا بها من عقابك، فإنه ليس بناج من عقابك، وسخطك إلا من رحمته، وأصل الرّحمة: رقّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، ولهذا وصف بها الله تعالى، فليس يراد إلا الإحسان المجرد، والتفضّل على العباد دون الرقّة، وقيل: إنّ طلب العفو هو أن يسقط عنه عقاب ذنوبه، وطلب المغفرة هو أن يستر عليه صونا له من الفضيحة، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو، وإذا عفوت عنّي، فاستره عليّ، فإذا عفا الله عن العبد، وستره، وتعطّف عليه بالرّحمة-التي هي الإنعام والإحسان-فإنه يفوز بالنعيم والثواب. ﴿أَنْتَ مَوْلانا:﴾\nولينا، وناصرنا، ومتولّي أمورنا. ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي: الجاحدين؛ الذين عبدوا غيرك، وجحدوا وحدانيتك، وكذّبوا برسالة نبيك ﷺ.\nتنبيه: ورد في فضل سورة البقرة أحاديث ترغّب في قراءتها، وتنوّه بشأنها، وهناك أحاديث تخصّ آية الكرسي بمزيد من الفضل، وأحاديث تنوّه بشأن هاتين الآيتين اللتين ختم الله بهما هذه السورة الكريمة، أذكر منها ما رواه عبد الله بن عمر﵄-، قال: سمعت رسول الله ﷺ","vol":"1","page":703},{"text":"يقول: «أنزل الله عليّ آيتين من كنوز الجنّة، ختم بهما سورة البقرة، من قرأهما بعد العشاء مرّتين أجزأتاه عن قيام اللّيل»، وقيل: «كفتاه من شرّ الشّيطان، فلا يكون له عليه سلطان» رواه مسلم.\nوعن أبي ذرّ﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه؛ الّذي تحت العرش، فتعلّموهنّ، وعلّموهنّ نساءكم، وأبناءكم، فإنّهما صلاة، وقرآن، ودعاء» رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاريّ، وقال الإمام عليّ -﵁-: ما أظنّ أنّ أحدا عقل، وأدرك الإسلام ينام حتّى يقرأهما، وروي عن النبي ﷺ قال: «أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز، تحت العرش، لم يؤتهنّ نبيّ قبلي».\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُكَلِّفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به أوّل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، وقيل: المفعول الثاني محذوف، التقدير: لا يكلف الله نفسا عبادة، وعليه ف ﴿وُسْعَها﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلا بوسعها، والأول أقوى، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل له. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسًا،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيء كسبته، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخّر، التقدير: لها كسبها، وهي مستأنفة كما رأيت، واعتبارها صفة ﴿نَفْسًا﴾ بعيد. ﴿وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي معطوفة عليها لا محلّ لها مثلها.\n ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ دعائية. ﴿تُؤاخِذْنا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ والفاعل مستتر تقديره: أنت، و(نا) مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَسِينا:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط. و(نا) فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن نسينا؛ فلا تؤاخذنا، وجملة:\n ﴿أَخْطَأْنا﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام لا محل له كالجملة الندائية. هذا؛ ويستشهد بهذا الكلام على مجيء (نا) مشتركة بين الرفع، والنصب، والجر.\n ﴿رَبَّنا:﴾ هذه الجملة الندائية معترضة بين الجمل المتعاطفة لإظهار مزيد الضراعة، والالتجاء إلى الربّ الكريم، وقل مثل ذلك في الثالثة، وجملة: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا﴾ معطوفة على جملة: ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾ وهي مثلها في محلّها، وإعرابها، ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه. وجر.","vol":"1","page":704},{"text":"(ما): مصدرية. ﴿حَمَلْتَهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: على الذين وجدوا من قبلنا. (ونا) في محل جر بالإضافة، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: ولا تحمل علينا إصرا حملا كائنا مثل حمله. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة مجرورة بالكاف، وجملة:\n ﴿حَمَلْتَهُ﴾ صلته، ويكون التقدير: مثل الذي حملته، وهذا ليس مذهب سيبويه-رحمه الله تعالى- وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل السّابق، وإنّما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة. وليس هذا منها، ومثله في المغني لابن هشام.\n ﴿رَبَّنا:﴾ مثل سابقتها، ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): دعائية. ﴿تُحَمِّلْنا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا، والفاعل تقديره: أنت، و(نا) مفعول به أول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿طاقَةَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لَنا،﴾ أو متعلقان بمحذوف خبر ثان. (اعف):\nفعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره أنت. ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ومثلها ﴿وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا﴾.\n ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿مَوْلانا:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من:\nإضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفين لا محل لها، وإن اعتبرتها مفيدة للتعليل؛ فتكون الفاء بعدها مفيدة للسببية المحضة، وهي عاطفة على رأي ابن هشام، وعلى رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وأرى: أنها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كنت مولانا، فانصرنا... إلخ، واعتبار الفاء للسببية هو مفاد كلام الجمل، نقلا عن السّمين.\nوصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.\nانتهت سورة البقرة بعون الله تعالى وتوفيقه شرحا وإعرابا والحمد لله ربّ العالمين","vol":"1","page":705},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>سورة آل عمران</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nهي مدنية، وهي مائتا آية، وثلاثة آلاف، وأربعمائة وثمانون كلمة، وأربعة عشر ألفا، وخمسمائة، وعشرون حرفا. انتهى خازن.\nهذا؛ وسميت السّورة ب (آل عمران) لورود ذكر قصّة تلك الأسرة الفاضلة (آل عمران) والد مريم أم عيسى، وما تجلّى فيها من مظاهر القدرة الإلهية بولادة مريم البتول، وابنها عيسى ﵉، وقد ورد في بيان فضل هذه السورة الكريمة ما يلي:\nفعن النواس بن سمعان﵁قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله؛ الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة، وآل عمران». مسلم.\nوعن أبي أمامة الباهلي﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزّهراوين: البقرة، وآل عمران، فإنّهما يأتيان يوم القيامة، كأنّهما غمامتان، أو غيابتان-أو: كأنهما فرقان من طير-تحاجّان عن أصحابهما.\nاقرءوا سورة (البقرة) فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». أخرجه مسلم.\nقال معاوية بن سلام: بلغني: أنّ البطلة: السّحرة.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-294\"></span>﴿الم (١)﴾\nانظر ما ذكرته في أول سورة البقرة ففيه الكفاية.\n<span id=\"aya-295\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ إخبار بأنه سبحانه المنفرد بالألوهيّة لجميع الخلائق. ﴿اللهُ:﴾\nعلم على الذات الواجب الوجود، المستحقّ لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل عنه؛ أعطى، وإنّما تخلّفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدّعاء به لتخلّف شروط الإجابة، الّتي أعظمها أكل الحلال. ولم يسمّ به أحد سواه. قال تعالى في سورة (مريم) رقم [١٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تسمّى أحد الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنّه لم يذكر في سورتي (الرّحمن)، و(الواقعة).","vol":"2","page":5},{"text":"﴿الْحَيُّ﴾ أي: الذي لا يموت أبدا. ﴿الْقَيُّومُ﴾ أي: بغيره. فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره. وهما اسمان من أسماء الله الحسنى. وأصل ﴿الْحَيُّ:﴾\nالحيي بياءين متحركتين. فسكنت الأولى، ثم أدغمت في الثانية، وأصل ﴿الْقَيُّومُ:﴾ القيووم؛ لأنه من قام بالأمر، يقوم، فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، قال الشّاعر:\nإنّما العرش للّذي يرزق النّا... س وحيّ عليهم قيّوم\nهذا؛ و﴿الْقَيُّومُ:﴾ القائم بذاته، والقائم بتدبير الخلق، ومصالحهم فيما يحتاجون إليه في معاشهم، ومعادهم.\nنبيه: قال المفسّرون، وأصحاب السّير: أنزلت هذه الآية في وفد نجران، وكانوا ستين راكبا، قدموا على رسول الله ﷺ، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم، وهم: العاقب: واسمه: عبد المسيح، وهو أميرهم، وصاحب مشورتهم؛ الذي لا يصدرون إلا عن رأيه. والسّيد، واسمه: الأيهم، وهو عالمهم القائم بمالهم، وصاحب رحلهم، الذي يقوم بأمر طعامهم، وشرابهم. وأبو حارثة بن علقمة، وهو أسقفّهم، وحبرهم، وكان ملوك الروم يكرمونه لما بلغهم عن علمه، واجتهاده في دينه. فدخلوا مسجد رسول الله ﷺ حين يصلّي العصر، وعليهم ثياب الحبرات؛ جبب، وأردية، يقول من رآهم من أصحاب النبي ﷺ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله ﷺ، فقال ﷺ:\n «دعوهم». فصلّوا إلى المشرق.\nفلمّا فرغوا كلّم السيد، والعاقب رسول الله ﷺ، فقال لهما رسول الله ﷺ: «أسلما». قالا:\nأسلمنا قبلك، قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما لله ولدا، وعبادتكما الصّليب، وأكلكما الخنزير». قالا: إن لم يكن عيسى ولدا لله، فمن أبوه؟! وخاصموه جميعا في عيسى، ﵊، فقال ﷺ: «ألستم تعلمون: أنّ ربّنا حيّ لا يموت، وأنّ عيسى يأتي عليه الموت؟!» قالوا: بلى! قال: «ألستم تعلمون: أنّ ربّنا قيّم على كلّ شيء، يحفظه، ويرزقه؟» قالوا: بلى! قال: «فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟». قالوا: لا! قال: «ألستم تعلمون: أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السّماء؟!». قالوا: بلى! قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إلاّ ما علم؟!» قالوا: لا!.\nقال: «ألستم تعلمون: أن ربّنا صوّر عيسى في الرّحم كيف شاء، وربّنا لا يأكل، ولا يشرب؟!» قالوا: بلى! قال: «ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته أمّه، كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثمّ غذّي، كما يغذّى الصّبيّ، ثمّ كان يطعم، ويشرب، ويحدث؟!» قالوا: بلى! قال: «فكيف يكون إلها، كما زعمتم؟!». فسكتوا، فأنزل الله صدر سورة (آل عمران)","vol":"2","page":6},{"text":"إلى بضع وثمانين آية منها. زاد بعضهم، فقالوا: يا محمد! ألست تزعم: أنّ عيسى كلمة الله، وروح منه؟ قال: بلى! قالوا: حسبنا، ثمّ أبوا إلا جحودا إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة المذكورة في الآية [٦١] الآتية.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له.\n ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: الأوّل: كونه بدلا من اسم (﴿لا﴾) على المحل؛ إذ محله الرّفع على الابتداء، والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء عند سيبويه، والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى. ﴿الْحَيُّ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها أن يكون بدلا من: ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر، الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحيّ، وحسن حذفه توالي اللفظ ب ﴿هُوَ﴾ مرتين، والثالث: أن يكون خبرا ثانيا لقوله: ﴿اللهُ﴾ أخبر عنه أولا بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وذلك عند من يرى تعدّد الخبر مختلفا بالإفراد، والجملة، الرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشّرطين:\nأن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. ﴿الْقَيُّومُ:﴾ يجري فيه ما جرى في سابقه، وإن اعتبرته بدلا من: ﴿الْحَيُّ﴾ فلست مفندا، وهو الأقوى؛ لأنهما اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى على المعتمد. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم. والجملة الاسمية: ﴿اللهُ﴾ إلخ مستأنفة لا محلّ لها. هذا، وقال مكي: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ و﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ابتداء وخبر في موضع الحال من: ﴿اللهُ﴾ وقيل: من المضمر في: ﴿نَزَّلَ﴾ تقديره: الله نزل عليك الكتاب متوحدا بالربوبية، وقيل: هو بدل من موضع ﴿لا إِلهَ،﴾ ثمّ قال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ:﴾ نعتان ل ﴿اللهُ﴾ ﵎. وكلّ ما قاله غير جار على سنن العربية.\n\n<span id=\"aya-296\"></span>﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ:﴾ قال: ﴿نَزَّلَ﴾ بالنسبة للقرآن الكريم، وقال: (﴿أَنْزَلَ﴾) بالنسبة للتّوراة؛ لأن الأول يفيد التكثير، مرّة بعد مرّة، وهو ما اتصف به القرآن؛ لأنه نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه الشّعر، والخطابة، بخلاف التوراة والإنجيل، فإنّهما نزلا دفعة واحدة. ونزول القرآن مفرّقا كان ممّا يريب الكافرين، كما حكى الله سبحانه عنهم بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبيّن سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الفرقان).","vol":"2","page":7},{"text":"هذا؛ و﴿الْكِتابَ﴾ في اللغة: الضم، والجمع، وسمّيت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطّة واحدة، كما سمّي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضمّ الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتّبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب وفصول، ومسائل غالبا. وقد أكثر الشّعراء في مدح الكتاب.\nوبالجملة: فالكتاب هو نعم الذّخر، والشّغل، والحرفة، جليس لا يضرّك، ورفيق لا يملّك، يطيعك باللّيل طاعته بالنّهار، ويطيعك في السّفر طاعته في الحضر، إن ألفته على الأيام؛ خلّد ذكرك، وإن درسته؛ رفع بين النّاس قدرك. وإن أردت الزّيادة؛ فانظر الآية رقم [١٠١] من سورة (البقرة).\n ﴿بِالْحَقِّ:﴾ الحق: خلاف الباطل، وضدّه، قال الراغب-رحمه الله تعالى-: أصل الحق المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الدّار في حقّه لدورانه على الاستقامة. والحقّ يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحقّ. وللموجود بحسب مقتضى الحكمة: حقّ، ولذلك يقال: فعل الله كله حقّ، نحو الموت، والحساب... إلخ.\nوللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو: اعتقاد زيد في الجنة حقّ، وللفعل والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا، أي: أثبته حقّا، أو حكمت بكونه حقّا. انتهى بغدادي.\n ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني: لما قبله من الكتب المتقدّمة المنزلة على الأنبياء، والمرسلين، فهي تصدّقه بما أخبرت به، وبشّرت في قديم الزمان، وهو يصدّقها؛ لأنّه وافق ما أخبرت به، وبشّرت من الوعد من الله بإرسال محمّد ﷺ، وإنزال القرآن الكريم.\nهذا؛ وقوله: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من مجاز الكلام، وذلك: أنّ (ما ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾): أمامه فقيل: كلّ شيء تقدّم على الشّيء: هو بين يديه لغاية ظهوره، واشتهاره. هذا؛ والتوراة: هي الكتاب الذي أنزل على موسى، ﵊. والتوراة معناها: الضّياء، والنور، مشتقّة من: ورى الزند: إذا خرجت ناره، وأصلها: تورية على وزن تفعلة، التاء زائدة، وتحرّكت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وقيل: التوراة مأخوذة من التّورية، وهي: التعريض بالشيء، والكتمان لغيره، فكان أكثر التّوراة معاريض، وتلويحات من غير تصريح، وإيضاح. هذا قول المؤرّج، والجمهور على القول الأوّل، لقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ هذا؛ وأنّثت التوراة نظيرة لموماة، ودوداة، ونحوها في كلام العرب. ويجمع التوراة على: توار.\nوالإنجيل: هو الكتاب الذي أنزل على عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، يذكّر، ويؤنّث، فمن أنّث؛ أراد الصحيفة، ومن ذكّر؛ أراد الكتاب، وهو الأكثر. ويجمع على أنا جيل، وهو مشتقّ من النّجل، وهو الأصل، كأنه أصل الدّين يرجع إليه، ويؤتمّ به، ومنه سمي الولد، والنّسل: نجلا لخروجه من والديه، كما قال الشاعر: [الطويل]","vol":"2","page":8},{"text":"إلى معشر لم يورث اللّؤم جدّهم... أصاغرهم، وكلّ فحل لهم نجل\nويقال: لعن الله ناجليه، يعني: والديه؛ إذ كانا أصله. ويقال: [مجزوء الوافر]\nوبئس النّجل ما نجلا\nهذا وقد يسمّى القرآن: إنجيلا أيضا، كما روي في قصّة موسى-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أنه قال: «يا ربّ! أرى في الألواح أقواما أناجيلهم في صدورهم، فاجعلهم أمّتي. فقال الله﷿له: تلك أمة أحمد يا موسى!» وإنّما أراد بالأناجيل القرآن، هذا والإنجيل خال من الأحكام، والتّشريع، وكلّ ما فيه حكم، ومواعظ؛ لذا فالنّصارى عيال علينا في كثير من الأحكام، وخاصّة المواريث، وقد دخل الإنجيل التّحريف، والتزييف، كما دخلا التّوراة، وما إنجيل متّى، ومرقس... إلخ إلا من اختراعهم، وابتداعهم.\n ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل تنزيل القرآن. ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾ أي: لقوم موسى، وعيسى، أو لجميع الناس، فيكون حالا من الكتب الثلاثة: القرآن، والتوراة، والإنجيل. هذا؛ وأصل ﴿هُدىً:﴾\nهديا، أو هدي، بضم الهاء، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف، والتنوين الذي يرسم ألفا في حالة النّصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿هُدىً﴾ وإنّما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: هدا، فلا يوجد ما يدل عليها. وهذا الإعلال يجري في كل اسم مقصور مجرد من ال، والإضافة.\n ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ يعني: الفارق بين الحقّ، والباطل. قيل: أراد به القرآن، وإنّما أعاده تعظيما لشأنه، ومدحا؛ لكونه فارقا بين الحقّ، والباطل، وقيل: إنّما أعاد ذكره؛ ليتبيّن: أنه تعالى أنزله بعد التوراة، والإنجيل، ليجعله فارقا بين ما اختلف فيه اليهود، والنصارى في أمر عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، وقيل: المراد الكتب الثلاثة؛ لأنّها كلّها هدى للناس، ومفرّقة بين الحلال، والحرام، والحق، والباطل، والغيّ، والرّشاد بما يذكره الله من الحجج البينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه، ويوضحه، ويفسّره ويقرّره، ويرشد إليه، وينبه عليه.\nالإعراب: ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾ أي:\nملتبسا بالحقّ. ﴿مُصَدِّقًا:﴾ حال ثانية منه. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقًا﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة أيضا. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف","vol":"2","page":9},{"text":"صفتها، التقدير: مصدقا للّذي، أو لشيء يوجد بين يديه، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، ﴿يَدَيْهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وابن هشام-رحمه الله تعالى-يعتبر اللاّم-في مغنيه-زائدة، ويسمّيها:\n «لام التقوية» فإذا (ما) مجرورة لفظا منصوبة محلاّ. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البروج):\n ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وفي سورة (المعارج). ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ وفي سورة (الأنبياء): ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾. وأورد ابن هشام قول حاتم الطائيّ، وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري﵁وهو الشّاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nإذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي\n ﴿وَأَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، وفاعله تقديره: هو. ﴿التَّوْراةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿وَالْإِنْجِيلَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. وقيل: مبني على الضم في محل جر ب ﴿مِنْ﴾ لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى ﴿هُدىً:﴾ حال من: ﴿التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ولم يثنّ؛ لأنه مصدر، ويجوز أن يكون حالا من الإنجيل، ودلّ على حال للتوراة محذوفة، كما يدلّ أحد الخبرين على الآخر، وهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿هُدىً﴾ أو بمحذوف صفة له ﴿وَأَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الْفُرْقانَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-297\"></span>﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي: جحدوا آيات القرآن، ولم يؤمنوا بها. هذا؛ (وآيات ﴿اللهِ﴾) جمع: آية، وهي في الأصل: العلامة الظاهرة، وتقال للمصنوعات في هذا الكون من حيث إنّها تدل على وجود الصّانع، وعلمه، وقدرته، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٦٤]: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال في هذه السورة رقم [١٩٠]: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ..﴾. إلخ، كما يقال لكلّ طائفة من القرآن، كما في هذه الآية، كما تطلق على المعجزة الخارقة للعادة، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق، ويراد بها العبرة، والاعتبار، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ..﴾. إلخ رقم [١٣] الآتية. ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ:﴾ في الدنيا بسبب كفرهم بالسّيف، والقتل، والجلاء، وغير ذلك، وفي الآخرة بالخلود في النار وبئس القرار! ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ:﴾ قويّ غالب على أمره، فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده، ووعيده. ﴿ذُو انْتِقامٍ:﴾ صاحب عقوبة شديدة لمن عصاه،","vol":"2","page":10},{"text":"لا يقدر على مثلها أحد. والنقمة عقوبة المجرم، وقد تكون ظلما، وعدوانا، قال تعالى في سورة (الأعراف) في الآية رقم [١٢٦] حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (البروج): ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ يقال: نقم من كذا: إذا أنكره، وانتقم منه: إذا كافأه، والفعل نقم، ينقم من باب:\nضرب. ونقم، ينقم من باب فهم، يفهم، وعلم يعلم. قال أبو جهل الخبيث في غزوة بدر، التي كانت فيها خيبته، وخزيه-وهو الشاهد رقم [٦٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]\nما تنقم الحرب العوان منّي... بازل عامين حديث سنّي\nلمثل هذا ولدتني أمّي\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ ولم تقترن الجملة الاسمية بالفاء لشدّة ارتباط الكفر بالعذاب، فلا حاجة إلى رابط، هذا وجوز اعتبار الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ و﴿عَذابٌ﴾ فاعلا بمتعلقه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الاعتراض.\n (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿عَزِيزٌ:﴾ خبر أول. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف، و﴿اِنْتِقامٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، الغرض منها التّهديد، والوعيد، فلا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-298\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ..﴾. إلخ: أي: لا يغيب عن علمه شيء، فهو العالم بما كان، وما يكون؛ فكيف يكون عيسى إلها، أو ابن إله؟! ... وهل تخفى عليه هذه الأشياء. وقدّم ذكر الأرض على السماء ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، والمراد بما في الأرض، وبما في السماء من كلّيّ، وجزئيّ. وخصّهما بالذّكر؛ لأنّ الحسّ البشري لا يتجاوزهما، هذا وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله، تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. وقل مثله في إعلال «بناء» ونحوه من «صحراء، وحمراء، وزرقاء».\nهذا؛ والسّماء يذكر، ويؤنث، وهو كل ما علاك، فأظلّك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء.\nوالسماء يطلق على المطر، يقال: ما زلنا نطأ السّماء حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]","vol":"2","page":11},{"text":"إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء المطر، ثمّ أعاد الضمير عليه في: رعيناه بمعنى النبات. وهذا يسمّى في فن البديع بالاستخدام.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْفى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْءٌ:﴾ فاعل يخفى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَيْءٌ﴾. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ معطوفان على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-299\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ﴾ أي: الله. ﴿الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ:﴾ يخلقكم، فالتّصوير: جعل الشيء على صورة، والصّورة هيئة يكون عليها الشّيء بالتّأليف. والأرحام: جمع: رحم، وهو موضع الجنين في بطن المرأة، وغيرها من الحيوانات. ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي: من الصّور المختلفة المتفاوتة في الخلقة، من ذكورة، وأنوثة، وبياض، وسواد، وحسن، وقبح، وقصر، وطول، وسلامة، وعاهة، إلى غير ذلك من السّعادة، والشّقاء. وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصّادق المصدوق: «إنّ أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقيّ، أو سعيد، ثمّ ينفخ فيه الرّوح، فإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الجنّة، فيدخل الجنّة، وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الجنّة، حتّى ما يكون بينه، وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النّار، فيدخل النّار». رواه البخاريّ [٣٣٣٢]، هذا؛ وانظر الآية رقم [٥] من سورة (الحج) والآية رقم [١٢] وما بعدها من سورة (المؤمنون) وانظر آية التوحيد في الآية رقم [٢٨] و[٢٩] من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوفي صحيح مسلم من حديث ثوبان﵁-: أنّ يهوديّا قال للنبي ﷺ: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض، إلا نبيّ، أو رجل، أو رجلان، قال: «ينفعك إن حدّثتك؟» قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد؟ فقال النبي ﷺ: «ماء الرّجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا منيّ الرّجل منيّ المرأة؛ أذكرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة منيّ الرّجل آنثا بإذن الله». الحديث رقم [٣١٥] [٣٤].\nهذا؛ والآية وسابقتها واردتان على النّصارى، وذلك: أنّ عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان يخبر بالغيب، فيقول: أكلت في دارك كذا، وصنعت كذا، وأنّه أحيا","vol":"2","page":12},{"text":"الميت، وأبرأ الأكمه، والأبرص، وخلق من الطّين طيرا، فادّعت النصارى فيه الإلهية، وقالوا:\nما قدر على ذلك إلا أنّه إله. فردّ الله تعالى عليهم بذلك، وأخبر: أنّ الإله المستحقّ لهذا الاسم هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء، وأنّه المصور في الأرحام كيف يشاء، وأنّ عيسى ﵇ صوّره الله في الرّحم، فنبه بكونه مصورا في الرّحم على أنّه عبد مخلوق كغيره، وأنّه يخفى عليه ما لا يخفى على الله، عزّ، وجلّ.\n ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا خالق، ولا مصوّر إلا الله، وذلك دليل وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلها مصوّرا، وهو مصوّر. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ القوي الغالب؛ الذي لا يغالب. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ المحكم، أو ذو الحكمة. هذا؛ ولا يصلح مكان الاسمين الكريمين هنا: (الغفور الرحيم) ونحوهما.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السّكون في محل رفع خبره. ﴿يُصَوِّرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فِي الْأَرْحامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل ﴿يَشاءُ﴾ بعده. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ أو من مفعوله، هذا وذكر الجمل نقلا عن السّمين: أنّ ﴿كَيْفَ﴾ أداة شرط وتعليق، وذكره ابن هشام في المغني، وذكرته أنا في سورة (الغاشية)، وأرى: أنّ تعليق الجملة بحرف جرّ محذوف-التقدير: يصوركم في الأرحام بكيفية يشاؤها-هو الأولى، والأقوى. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ:﴾ انظر الآية رقم [٢] فالإعراب مثله، والجملة هنا مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-300\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ:﴾ القرآن. والخطاب لسيّد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ.\n ﴿مِنْهُ:﴾ من القرآن. ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ:﴾ مبيّنات، مفصّلات، واضحات الدّلالة، أحكمت عبارتها من احتمال التأويل، والاشتباه، وحفظت من الإجمال، والاحتمال، سمّيت: محكمة من الإحكام، كأنّه تعالى أحكمها، فمنع الخلق من التّصرّف فيها؛ لظهورها، ووضوح معناها.\n ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ:﴾ أصله؛ الذي يرجع إليه في الأحكام، ويعمل به في الحلال، والحرام، فلا يحتجن إلى تأويل. والقياس: أمهات بالجمع، فأفرد إما لأنّ المعنى: كلّ واحدة منهنّ، وإما","vol":"2","page":13},{"text":"لأنّ مجموع الآيات بمنزلة أمّ واحدة، وكلام الله كلّه شيء واحد. قال الشّريف الرضي: هذه استعارة، والمراد بها: أنّ هذه الآيات جماع الكتاب، وأصله، فهي بمنزلة الأم له، وكأنّ سائر القرآن يتبعها، أو يتعلق بها، كما يتعلّق الولد بأمّه، ويفزع إليها في مهمّة. انتهى صفوة التفاسير.\n ﴿وَأُخَرُ:﴾ جمع أخرى، ولم يصرف (﴿أُخَرُ﴾) لأنّه معدول به عن الآخر.\n ﴿مُتَشابِهاتٌ:﴾ لا يفهم معناها، كالحروف المقطعة الموجودة في أوائل السّور، ومنه قوله تعالى في سورة (الفتح): ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (طه) وغيرها: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ (٥)، ومنه وقت قيام السّاعة، وخروج يأجوج، ومأجوج، والدّجال، ونزول عيسى ﵇ وجعله كله محكما بقوله تعالى في أول سورة هود: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أي:\nفي النّظم، والرّصف، وأنّه حقّ من عند الله، وأنّه ليس فيه عيب قطعا، وجعله متشابها بقوله تعالى في سورة (الزّمر): ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ بمعنى: يشبه بعضه بعضا في الحسن، والصّدق، والفصاحة، والبلاغة، والتّناسب بدون تعارض، ولا تناقض، وفي تركيب النّظم، وصحة المعنى، والدّلالة على المنافع العامّة.\n ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ:﴾ ميل عن الحقّ، ومنه: زاغت الشّمس عن كبد السماء، وزاغت الأبصار. وهذه الآية تعمّ كلّ طائفة من كافر، وزنديق، وجاهل، وصاحب بدعة؛ وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: إن لم يكونوا الحرورية، وأنواع الخوارج؛ فلا أدري من هم؟ نعم منهم الزّنادقة، والقرامطة الطاعنون في القرآن، ومن على شاكلتهم من الباطنيين الذين يقولون: للقرآن ظاهر، وباطن، فيقولون: القرآن محرّف، ومبدّل. وخرّج مسلم-رحمه الله تعالى-عن عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ..﴾. إلخ، ثم قال: «إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الّذين سمّاهم الله؛ فاحذروهم». وأثبت أبو أمامة﵁-: أنّهم الخوارج.\nثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفرّقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وسائرهم في النّار، ولتزيدنّ عليهم هذه الأمّة، واحدة في الجنّة، وسائرهم في النّار».\n ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنما يأخذون بالمتشابه الّذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأمّا المحكم؛ فلا نصيب لهم فيه؛ لأنّه دامغ لهم، وحجّة عليهم.\n ﴿اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: طلب الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم: أنّهم يحتجّون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجّة عليهم، لا لهم، كما لو احتجّ النّصارى بأنّ القرآن نطق بأن عيسى روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى في سورة (الزخرف):\n ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ وبقوله تعالى في هذه السّورة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ﴾","vol":"2","page":14},{"text":"آدَمَ... إلخ رقم [٥٩]. ﴿وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تحريفه على ما يريدون، ويشتهون. ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ أي: لا يعلم تفسير المتشابه، ومعناه الحقيقي إلا الله وحده. وقيل: يجوز أن يكون للقرآن تأويل، استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، كالحروف المقطّعة\nإلخ. انظره فيما سبق.\n ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أي: الثابتون في العلم. وهم الذين أتقنوا علمهم؛ بحيث لا يدخل في علمهم شكّ، والرّسوخ: الثبوت في الشّيء، وكلّ ثابت راسخ، وأصله في الأجرام: أن يرسخ الجبل، والشّجر في الأرض. قال الشاعر: [الطويل]\nلقد رسخت في الصّدر منّي مودّة... لليلى أبت آياتها أن تغيّرا\nهذا؛ وقال ابن أبي حاتم بسنده: حدّثنا عبيد الله بن يزيد-وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ: أنسا، وأمامة، وأبا الدرداء ﵃-: أنّ رسول الله ﷺ سئل عن الرّاسخين في العلم، فقال: «من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عفّ بطنه، وفرجه، فذلك من الرّاسخين في العلم». وقال ابن المنذر في تفسيره عن نافع بن يزيد: الرّاسخون في العلم:\nالمتواضعون لله، المتذلّلون له في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحتقرون من دونهم. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استعارة، والمراد بها: المتمكنون في العلم تشبيها برسوخ الشيء الثقيل في الأرض الخوّارة، وهذا أبلغ من قوله: والثابتون في العلم. هذا؛ والراسخ في العلم من وجد من العلم في علمه أربعة أشياء: التّقوى فيما بينه وبين الله تعالى، والتواضع فيما بينه وبين النّاس، والزّهد فيما بينه وبين الدّنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النّفس.\n ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ قال ابن عباس﵄-: سمّاهم راسخين في العلم بقولهم:\n ﴿آمَنّا بِهِ﴾ فرسوخهم في العلم هو الإيمان به، وقال عمر بن عبد العزيز﵁-: في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ يعني: المحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، وما علمنا به، وما لم نعلم، ونحن معتقدون في المتشابه بالإيمان به، ونكل معرفته إلى الله تعالى، وفي المحكم يجب علينا الإيمان به، والعمل بمقتضاه. ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦٩] من سورة (البقرة).\nتنبيه: فإن قيل: القرآن نزل لإرشاد العباد، فهلا كان كلّه محكما؟! والجواب: أنّه نزل بألفاظ العرب، وعلى أسلوبهم، وكلامهم على ضربين: الموجز الذي لا يخفى على سامع. هذا هو الضّرب الأول، والثاني: المجاز، والكنايات، والإرشادات، والتلويحات. وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل الله القرآن على الضّربين. ليتحقّق عجزهم، فكأنه قال: عارضوه بأيّ الضّربين شئتم. ولو نزل كلّه محكما؛ لقالوا: هلاّ نزل بالضّرب المستحسن عندنا.","vol":"2","page":15},{"text":"وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: الحكمة في ذلك-والله أعلم-أن يظهر فضل العلماء؛ لأنه لو كان كلّه واضحا لم يظهر فضل بعضهم على بعض، وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا، يجعل بعضه واضحا، وبعضه مشكلا، ويترك للجثوة موضعا؛ لأنّ ما هان وجوده؛ قلّ بهاؤه. انتهى.\nوقال الإمام أحمد﵀بسنده: سمع رسول الله ﷺ قوما يتدارءون، فقال: «إنّما هلك من قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنّما أنزل كتاب الله ليصدّق بعضه بعضا، فلا يكذّبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه؛ فقولوا آمنّا به، وما جهلتم؛ فكلوه إلى عالمه». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٩] من سورة (البقرة)؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿آياتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُحْكَماتٌ:﴾ صفة: ﴿آياتٌ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْكِتابَ﴾.\nهذا؛ ويجوز اعتبار مضمون: ﴿مِنْهُ﴾ مبتدأ؛ لأنّه بمعنى: بعضه، و﴿آياتٌ﴾ خبره، وتبقى الجملة حالا من الكتاب، والرابط الضمير فقط على الاعتبارين. ﴿هُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أُمُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْكِتابَ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة: ﴿آياتٌ﴾. ﴿وَأُخَرُ:﴾ معطوف على آيات عطف مفرد على مفرد.\n ﴿مُتَشابِهاتٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد. أمّا كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فالذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون. وأمّا كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله. ويعلم ذلك من تتبّع مواقعها. وأمّا كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقّق الجواب، وتفيد: أنّه واقع لا محالة؛ لكونها علّقته على أمر متيقّن. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول.\n ﴿زَيْغٌ:﴾ فاعل متعلّق الجار والمجرور؛ إذ التقدير: الذين يوجد في قلوبهم زيغ. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف خبر مقدّم، و﴿زَيْغٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿فَيَتَّبِعُونَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). ﴿فَيَتَّبِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنها معطوفة، ومفرّعة عما قبلها، وكذا لو اعتبرتها مستأنفة. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَشابَهَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَشابَهَ﴾ المستتر،","vol":"2","page":16},{"text":"و(من) بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و﴿الْفِتْنَةِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿تَأْوِيلِهِ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿تَشابَهَ﴾ المستتر، والرابط الواو، والضمير. ﴿وَالرّاسِخُونَ:﴾ قال مجاهد وحده: معطوف على لفظ الجلالة، واحتجّ له بعض أهل اللّغة. فقال: معناه: والراسخون في العلم يعلمونه قائلين: آمنا. وقال ابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وعائشة﵃-: مستأنف على أنه مبتدأ، والوقف التام على لفظ الجلالة. ﴿فِي الْعِلْمِ:﴾ متعلقان ب (﴿الرّاسِخُونَ﴾). ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال على قول مجاهد، وفي محل رفع خبر: (﴿الرّاسِخُونَ﴾) على قول ابن عباس... إلخ، ومثل هذه الآية الكريمة قول الشاعر: [مجزوء الكامل]\nالرّيح تبكي شجوها... والبرق يلمع في الغمامه\nف «البرق» يجوز اعتباره مبتدأ، والجملة بعده خبره، ويجوز عطفه على الريح، والجملة في محل نصب حال منه. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّنا﴾ مضاف إليه مجرور، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يَذَّكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولُوا﴾ مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه. والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي معترضة في آخر الكلام، لا محل لها على الاعتبارين، وفيها مدح للرّاسخين في العلم بجودة الذّهن، وحسن النّظر.\n\n<span id=\"aya-301\"></span>﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٨)﴾\nالشرح: هذه الآية من دعاء الراسخين في العلم، ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمد! ويقال: إزاغة القلب: فساد، وميل عن الحقّ، والدين. وهل كانوا يخافون-وقد هدوا-أن ينقلهم الله إلى الفساد؟ والجواب: لعلّهم سألوا إذ هداهم الله ألا يبتليهم بما يثقل عليهم من الأعمال، فيعجزوا عنه. وقال ابن كيسان-رحمه الله تعالى-: سألوا أن لا يزيغوا، فيزيغ الله","vol":"2","page":17},{"text":"قلوبهم. مثل قوله تعالى في سورة (الصف): ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ومعنى: ﴿لا تُزِغْ﴾ إلخ:\nثبتنا على هدايتك؛ إذ هديتنا، وألا نزيغ فنستحقّ أن تزيغ قلوبنا، وروى الترمذيّ من حديث شهر بن حوشب﵁قال: قلت لأمّ سلمة﵂-: يا أم المؤمنين! ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ: «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك». فقلت: يا رسول الله! ما أكثر دعاءك: يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: «يا أمّ سلمة! إنّه ليس آدميّ إلاّ وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ». وهذه الآية، وأمثالها حجّة على المعتزلة، ومن نحا نحوهم في قولهم: إنّ الله لا يضلّ العباد، ولو لم تكن الإزاغة من قبله؛ لمّا جاز أن يدعى في دفع ما لا يجوز عليه فعله. وروي:\nأنّ أمّ سلمة﵂سألت النبي ﷺ أن يعلّمها دعوة تدعو بها لنفسها، فقال: قولي:\n «اللهمّ ربّ محمد النبيّ اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلاّت الفتن».\n ﴿وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً:﴾ امنحنا، وتكرّم علينا برحمة من عندك تفضلا، وتكرما لا عن سبب منّا، ولا عمل. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ:﴾ الهبة: العطية الخالية من الأعواض، والأغراض، و﴿الْوَهّابُ:﴾\nصفة الله تعالى؛ الذي يعطي كلّ أحد على قدر استحقاقه، وخالية ممّا ذكره. وهو المتفضل بما ينعم على عباده، لا يجب عليه شيء. هذا؛ و(لدن) بمعنى: عند، وفيها إحدى عشرة لغة، أفصحها إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلّما تفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة؛ تمحضت للزّمان؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث». ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لمّا لم يتمحض (لدن) في الأصل للزّمان، وإذا أضيفت للضّمير؛ وجب إثبات النّون؛ لأنه لا يقال: لده، ولا: لدك.\nفائدة: قال مكيّ بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الربّ قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم. وعلّة ذلك: أنّ في حذف (يا) من نداء الربّ تعالى، فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك: أنّ النداء فيه ضرب من معنى الأمر، لأنّك إذا قلت: يا زيد! فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد. فحذفت (يا) من نداء الرب؛ ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأنّ (يا) تؤكّده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للربّ تعالى، فكثر حذفها في القرآن الكريم، والكلام العربيّ في نداء الربّ لذلك المعنى. انتهى.\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و(نا) في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ دعائية. ﴿تُزِغْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ والفاعل مستتر، تقديره: أنت. ﴿قُلُوبَنا:﴾ مفعول به، و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْدَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿إِذْ﴾ ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿هَدَيْتَنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة: ﴿إِذْ﴾","vol":"2","page":18},{"text":"إليها، والغالب، والكثير أن تحذف الجملة المضافة إليها: ﴿إِذْ﴾ ويعوّض عنها تنوين: ﴿إِذْ﴾ مثل قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾. ﴿وَهَبْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنْكَ:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب ﴿مِنْ﴾ والجار والمجرور متعلقان ب (﴿هَبْ﴾) أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَحْمَةً﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به، والآية الكريمة في محل نصب مقول قول الراسخين في العلم.\n ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿أَنْتَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول أن يكون توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، والثاني: أن يكون ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، وعلى هذين الوجهين ف ﴿الْوَهّابُ﴾ خبر (إنّ) والثالث: أن يكون في محل رفع مبتدأ، و﴿الْوَهّابُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ﴾ إلخ تعليل للدعاء، وهي من جملة قول الرّاسخين أيضا.\n\n<span id=\"aya-302\"></span>﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)﴾\nالشرح: الآية الكريمة من بقية دعاء الراسخين في العلم، وذلك: أنّهم طلبوا من الله تعالى أن يثبت قلوبهم على الحقّ، وأن يمنحهم الهداية، والرّحمة، وذلك من مصالح الدين، والدنيا، ثم إنّهم أتبعوا ذلك بقولهم: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ..﴾. إلخ، ومعناه: إنّا نوقن إنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ونعلم: أنّ وعدك حقّ، لا شكّ فيه، وأنّك لا تخلف الميعاد. فهو كقوله في سورة (النساء) رقم [٨٧]: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾.\nهذا؛ و(الريب): الشكّ، تقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في ريبة، أي: في شكّ، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».\nأخرجه الترمذيّ، والنسائيّ عن الحسن بن عليّ سبط رسول الله ﷺ وريحانته، ﵁.\nوقد يستعمل الرّيب في التّهمة، قال جميل بن معمر العذريّ: [الطويل] بثينة قالت يا جميل أربتني... فقلت كلانا يا بثين مريب\nواستعمل أيضا في الحاجة، كما قال كعب بن مالك﵁-: [الوافر]\nقضينا من تهامة كلّ ريب... وخيبر ثمّ أجمعنا السّيوفا\nهذا؛ و﴿الْمِيعادَ﴾ بمعنى الموعد، والوعد، ويحتمل الزّمان، والمكان، وأصله: موعاد.\nقلبت الواو ياء؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها. ومثله: ميثاق، وميزان... إلخ.","vol":"2","page":19},{"text":"الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ إعرابه مثل ما قبله. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه.\n ﴿جامِعُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِيَوْمٍ:﴾ متعلّقان ب ﴿جامِعُ﴾. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿رَيْبَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (﴿لا﴾) والجملة الاسمية في محل جرّ صفة (يوم). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخْلِفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الْمِيعادَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والآية الكريمة بكاملها من مقول قول الرّاسخين، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-303\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله، ورسوله. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ إلخ. لن تنفع، ولن تدفع عنهم أموالهم، ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، وفي معناه قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣٧]: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾. وأيضا قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥٥] ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ وانظر الآية رقم [١١٦].\n ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين كفروا، على اختلاف مللهم، ونحلهم. ﴿هُمْ وَقُودُ النّارِ:﴾\nبفتح الواو؛ أي: ما توقد به النّار، وأما بضمها فهو المصدر، وكذلك الاسم منه، وبعضهم قال: كلّ من الفتح، والضم يجري في الآلة، والمصدر، وكذا يقال في الوضوء، والسّحور، والطّهور، ونحو ذلك، ولكن المشهور الأول، والمراد في الآلة: ما توقد به، وبالمصدر الفعل، والحدث. ويقرأ بفتح الواو وضمّها.\nهذا؛ والمال قال فيه ابن الأثير: المال في الأصل: كلّ ما يملك من الذّهب، والفضّة، ثمّ أطلق على كلّ ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل؛ لأنّها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهريّ: ذكر بعضهم: أنّ المال يؤنّث، وأنشد لحسّان -﵁-: [البسيط]\nالمال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال\nوعن الفضل الضّبيّ: المال عند العرب: الصّامت، والناطق، فالصّامت: الذّهب، والفضّة، والجواهر، والنّاطق: البعير، والبقرة، والشّاة، فإذا قلت عن بدويّ: كثر ماله؛ فهو الناطق، وإذا قلت عن حضريّ: كثر ماله؛ فهو الصّامت. هذا؛ والنّشب يطلق على المال الثابت، كالضّياع،","vol":"2","page":20},{"text":"والدّور. قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي﵁في ذلك-وهو في فتح القريب المجيب رقم [٥٩٧] وفي كتابنا: «فتح رب البرية» رقم [٤٨٥] -: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nهذا؛ وقد قال الرّسول ﷺ: «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الإيمان متعلّق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه؛ فقد ذهب الثّلثان، فإذا انضمّ إليه القلب؛ فقد ذهب الكلّ.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسمه. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تُغْنِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وقرأ الحسن: («يغني») بالياء، وسكون الياء الآخرة للتخفيف، وأنشد الفرّاء: [الرجز]\nكأنّ أيديهنّ بالقاع القرق... أيدي جوار يتعاطين الورق\n ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَمْوالُهُمْ:﴾ فاعل. ﴿تُغْنِيَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. الواو: حرف عطف.\n (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيهما في محل جرّ بالإضافة. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تُغْنِيَ﴾ وهما في محل نصب مفعول به. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول مطلق، أو نائب عنه، وجوز أن يكون مفعولا به، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال منه كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة الّتي ذكرتها مرارا.\n (﴿أُولئِكَ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب أو هو مبتدأ مبني على السكون في محل رفع. ﴿وَقُودُ:﴾\nخبر: (﴿أُولئِكَ﴾): أو هو خبر الضّمير، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (﴿أُولئِكَ﴾) و﴿وَقُودُ﴾ مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-304\"></span>﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)﴾\nالشرح: ﴿كَدَأْبِ﴾ الدأب: العادة، والشّأن، والحال. وهو أيضا مصدر: دأب في عمله يدأب، دأبا، ودءوبا: إذا وجد، واستمرّ فيه. وهو من باب: قطع. وهو بمعانيه كلّها تفتح الهمزة، وتسكن، قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦] [الطويل]\nكدأبك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل","vol":"2","page":21},{"text":"والدائبان: الليل، والنهار، والشمس، والقمر. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾.\nوالمعنى: اعتاد كفار قريش، ومن على شاكلتهم من العرب الكفر، والإعنات للنبي ﷺ كما اعتاد آل فرعون ومن معه قبلهم من الكافرين من إعنات الأنبياء. والمراد ب ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾\nقوم ثمود، وقوم نوح، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. وقال ابن عباس -﵄-: المعنى كصنيع آل فرعون... إلخ.\n ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ يحتمل أن يكون المراد بالآيات: المعجزات، وأن يكون المراد الآيات الكونية المنصوبة للدّلالة على الوحدانية، كما قال تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ:﴾ فأهلكهم الله بسبب كفرهم، وعنادهم، وشقاقهم. ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ شديد الأخذ، والانتقام ممّن يخالف أوامره، ونواهيه.\nهذا؛ و﴿آلِ:﴾ أصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار: «أأل» ثمّ أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة، والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى». وذلك مثل آدم، وإيمان، وأومن، فإنّ الأصل: أأدم، وإئمان، وأؤمن. وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة كما في أراق، فإنّ أصله هراق، كما تقلب الهمزة هاء، ومن قول الشاعر-وهو الشّاهد رقم [٤١٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nألا يا سنا برق على قلل الحمى... لهنّك من برق عليّ كريم\n «لهنّك» أصلها: لأنّك والأوّل كثير، وهو مستعمل في الشّعر العربي، وغيره، وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله: (أول) كجمل من: آل يؤول، تحركت الواو. وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وقد صغّروه على: أهيل، وهو يشهد للأول، وعلى: أويل، وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل: «آل» إلا فيما له خطر، وشأن، بخلاف «أهل» يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال:\nآل الحجّام، ولكن أهله، ولا ينتقض بآل فرعون؛ فإنّ له شرفا باعتبار الدّنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنّحاس، وزعم أبو بكر الزّبيدي: أنه من لحن العوام.\nوالصّحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جدّ النبي ﷺ: [مجزوء الكامل]\nلا همّ إنّ المرء يم... نع رحله فامنع رحالك\nوانصر على آل الصّلي... ب عابديه اليوم آلك\nوفي الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ: «اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى آله». و﴿آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ قومه، وأتباعه، وأهل دينه، وكذلك آل الرسول ﷺ من هم على دينه، وملّته في","vol":"2","page":22},{"text":"عصره، وسائر الأعصار؛ سواء كان نسيبا له، أو لم يكن، ومن لم يكن على دينه، وملّته، فليس من آله، ولا من أهله؛ وإن كان نسيبه، وقريبه، خلافا للرّافضة، حيث قالت: إن آل الرسول ﷺ: فاطمة، والحسن، والحسين، وذريّتهما فقط. دليلنا الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وقوله تعالى في سورة (غافر): ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ أي: آل دينه، وملّته؛ إذ لم يكن له ذرّية، ولا أب، ولا عم، ولا أخ، ولا عصبة، ولأنّه لا خلاف: أنّ من ليس بمؤمن، ولا موحّد؛ فإنّه ليس من آل محمّد، وإن كان قريبا له. ولأجل هذا يقال: إنّ أبا لهب، وأبا جهل ليسا من آله، ولا من أهل ملّته، وإن كان بينهما وبين النبي ﷺ قرابة. ولأجل هذا؛ فإن الله تعالى قال في ابن نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾.\nوفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارا غير سرّ، يقول: «ألا إنّ آل أبي-يعني: فلانا-ليسوا لي، بأولياء، إنّما وليّي الله، وصالح المؤمنين». وانظر ما ذكرته في سورة (الأحزاب) بهذا الصدد-والله ولي التوفيق-وورد: «أنا جدّ كلّ تقيّ، ولو كان عبدا حبشيّا» أي: وإن كان ضعيفا.\nهذا؛ و﴿فِرْعَوْنَ﴾ قال المسعودي-رحمه الله تعالى-: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية.\nوظاهر كلام الجوهري: أنّه مشتق من العتو، فإنّه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: ذو دهاء، ومكر. وقال الزّمخشري في الكشاف: وفرعون علم لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، ولعتو الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان: إذا عتا، وتجبّر. وفي ملح بعضهم: [الكامل]\nقد جاءه الموسى الكلوم فزاد في... أقصى تفرعنه وفرط عرامه\nهذا؛ والموسى: ما يحلف به شعر الرأس: والكلوم فعول من الكلم، وهو الجرح، والعرام: الشرّ، والخبث، وضمير «جاء» راجع إلى الصّبيّ، وهذا كناية عن الختان، وبه النموّ، والفتوّة، لا كناية عن حلق العانة، كما قيل. قال المولى سعد الدين: وهذا مع وضوحه، وشهرته فقد خفي حتّى قيل: إنه كناية عن حلق العانة. وكان فرعون موسى مصعب بن الريّان، وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام- ريان ابن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة، وكان فرعون موسى قد عاش ستمائة وعشرين سنة، لم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدّة جوع يوم، أو وجع يوم، أو حمّى يوم؛ لمّا ادّعى الألوهية. وقال الرسول ﷺ في حقّ أبي جهل الخبيث، «فرعوني أشدّ من فرعون موسى». وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلّم، ومنه إلى الغيبة. انظر الالتفات في الآية رقم [٢٥٣].\nالإعراب: ﴿كَدَأْبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: كفرت العرب كفرا ككفر آل فرعون، فهو يعني: أنّ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف","vol":"2","page":23},{"text":"صفة لمصدر محذوف، وردّ النّحاس بقوله: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة ب ﴿كَفَرُوا﴾ لأن ﴿كَفَرُوا﴾ داخلة في الصلة. و(دأب) مضاف، و﴿آلِ﴾ مضاف إليه، و﴿آلِ﴾ مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرمه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَالَّذِينَ﴾ فيه وجهان: الأول: العطف على: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فيكون مبنيّا على الفتح في محل جر، والثاني: اعتباره مبتدأ، فيكون مبنيّا على الفتح في محل رفع. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذين وجدوا من قبلهم، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿فِرْعَوْنَ﴾ وما عطفت عليه، وهي على تقدير «قد» قبلها، أو هي في محل رفع خبر (﴿الَّذِينَ﴾) على اعتباره مبتدأ، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَخَذَهُمُ﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِذُنُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ.\n ﴿شَدِيدُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْعِقابِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية هذه معترضة في آخر الكلام، وفيها تهويل للمؤاخذة، وزيادة تخويف للكفرة.\n\n<span id=\"aya-305\"></span>﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢)﴾\nالشرح: قال محمد بن إسحاق-رحمه الله تعالى-: لمّا أصاب رسول الله ﷺ قريشا يوم بدر، وقدم المدينة؛ جمع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال: «يا معشر اليهود! احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أنّي نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم». فقالوا: يا محمد! لا يغرنّك، أنّك قتلت أقواما أغمارا، لا علم لهم بالحرب، فأصبت فيهم فرصة، والله لو قاتلناك؛ لعرفت أنا نحن النّاس! فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾. فهذه رواية عكرمة، وابن جبير عن ابن عباس، ﵃ أجمعين. وفي رواية أبي صالح عنه: أنّ اليهود لمّا فرحوا بما أصاب المسلمين يوم أحد؛ نزلت. والأولى أصحّ.\n ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي: في الدنيا بالقتل، والأسر، والتشريد. ﴿وَتُحْشَرُونَ:﴾ تساقون. والحشر:\nالجمع، ومنه قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ وهذا كثير في القرآن الكريم بصيغة الماضي، والمضارع، والأمر، مثل قوله في سورة (الصّافات): ﴿*احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾. ﴿إِلى جَهَنَّمَ:﴾ هي الدار الّتي يعذّب الله فيها الفجرة، والكفرة في الآخرة. ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ الفراش، تقول: مهد، يمهد من باب قطع.\nومهد الفراش: بسطه. وسوّاه، وسهّله، وأصلحه، وفيه تهكم بالكافرين، والفاسدين المفسدين؛","vol":"2","page":24},{"text":"حيث جعلت لهم جهنم غطاء، ووطاء، فأكرموا بذلك، كما تكرم الأمّ ولدها بالعطاء، والوطاء اللينين. وانظر الآية رقم [٤٦] الآتية والمخاطب ب ﴿قُلْ﴾ سيّد الخلق، وحبيب الحق ﷺ.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿سَتُغْلَبُونَ:﴾ السين: حرف استقبال، وتنفيس. (تغلبون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِلى جَهَنَّمَ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿قُلْ﴾ إلخ، مستأنفة لا محل لها.\n (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْمِهادُ:﴾ فاعله. والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هي. وهذا المخصوص إما خبر لمبتدإ محذوف، أو هو مبتدأ مؤخر، خبره الجملة الفعلية. هذا؛ والجملة: «بئس المهاد المذمومة هي» إمّا من تمام القول، فتكون في محل نصب مقول القول، وإما مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لتهويل جهنّم، وتفظيع حال أهلها.\n\n<span id=\"aya-306\"></span>﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ هذا الخطاب للمؤمنين، وفائدته تثبيت نفوسهم، وتشجيعها؛ حتى يقدموا على حرب مثليهم، وأمثالهم. ويحتمل: أن الخطاب لجميع الكفار، من يهود المدينة، ومشركي العرب، هذا؛ ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأحد أمرين: الأول الفصل بالجار والمجرور. والثاني: كون ﴿آيَةٌ﴾ مؤنثا مجازيّا، وما كان كذلك يجوز تأنيث فعله، وتذكيره.\nقال تعالى في سورة المزمل: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ،﴾ وقال امرؤ القيس: [المتقارب]\nبرهرهة رؤدة رخصة... كخرعوبة البانة المنفطر\nهذا؛ و: ﴿آيَةٌ:﴾ عبرة، وعظة. ﴿فِي فِئَتَيْنِ:﴾ طائفتين. ﴿فِئَةٌ:﴾ طائفة، وجماعة من الناس، وهي اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، وفريق، ومعشر... إلخ. ﴿اِلْتَقَتا﴾ أي: يوم بدر. ﴿تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ في طاعة الله، ومن أجل إعلاء كلمته؛ إذ لا يذكر لفظ القتال، أو الجهاد؛ إلا ويقرن بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من القتال، والجهاد غاية شريفة نبيلة، هي إعلاء كلمة الله، لا السيطرة، أو المغنم، أو الاستيلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدنيئة.","vol":"2","page":25},{"text":"﴿وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾ أي: بالله، ورسوله. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ:﴾ يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين، وكانوا قريبا من ألف مقاتل، أو مثلي عدد المسلمين، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان ذلك بعد أن قلّلهم الله في أعينهم، حتى اجترءوا عليهم، وتوجّهوا إليهم، فلمّا لاقوهم؛ كثروا في أعينهم؛ حتّى غلبوا. وكان ذلك مددا من الله تعالى للمؤمنين. أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين، قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٤٣]:\n ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ إلخ، وقال في الآية بعدها ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ إلخ؛ حتى قال ابن مسعود ﵁ لمن كان بجانبه: أتراهم سبعين؟ قال:\nأراهم مائة، قال: فلما أخذنا الأسارى؛ أخبرونا: أنهم كانوا ألفا.\n ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: كما أيّد المسلمين السابقين في غزوة بدر، وغيرها.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي: لعظة، وتذكيرا، واعتبارا لأصحاب العقول السليمة، والبصائر النيرة، فيستدلّون بذلك على قدرة الله تعالى، وقال تعالى في سورة (الحشر):\n ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ فيكون ﴿الْأَبْصارِ﴾ جمع: بصيرة، وهو غير معروف في اللغة؛ لأنّ جمع البصيرة بصائر، فالأولى اعتباره جمع: بصر بمعنى العلم.\nهذا؛ والعين تطلق على الماء الجاري، أو النابع من الأرض، وجمعها في القلّة: أعين، وفي الكثرة: عيون، قال تعالى في سورة (الذاريات) وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع في الكثرة أيضا على: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال. كما تطلق العين على العين الباصرة، وهو أكثر، وأشهر ما تستعمل في أولئك، كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة، أي: بث جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء خالد عينه، وتطلق على الشّمس. وعين الشيء خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط]\nواستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو\nفالمراد ب «العين» نفسه، وذاته، والمراد ب «جارية» عينه الباصرة، الّتي تجري بالدّمع.\nوالمراد بقوله: (بها): نقد الذهب، وهذا يسمّى في فن البديع استخداما. وتطلق العين على أشياء كثيرة أيضا، وعلى المطر الهاطل من السّحاب، قال عنترة في معلقته رقم [٢٩] وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الكامل]\nجادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم\nهذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الأخوة من الأبوين.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدّم على","vol":"2","page":26},{"text":"اسمها. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةٌ﴾ كان نعتا له، فلمّا قدم عليه صار حالا على القاعدة التي ذكرتها مرارا. ﴿آيَةٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿فِي فِئَتَيْنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ على الاعتبار الأول، والثالث في: ﴿لَكُمْ﴾. أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةٌ﴾ على الاعتبار الثاني، وجملة: ﴿قَدْ كانَ﴾ إلخ مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل: جواب قسم مقدّر، ولا أرى له وجها إلا على تقدير اللام: لقد كان... إلخ.\n ﴿اِلْتَقَتا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح، المقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث السّاكنة، والتي حرّكت بالفتحة أيضا لالتقائها ساكنة مع الألف التي هي في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿فِئَتَيْنِ﴾.\n ﴿فِئَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: إحداهما فئة. هذا؛ وقرئ بالجر على أنّه بدل بعض من: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ كما قرئ بالنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني فئة.\nوقيل: على الحال. ﴿تُقاتِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى فئة، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل صفة: ﴿فِئَةٌ﴾. ﴿فِي سَبِيلِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾\nمضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأُخْرى﴾ معطوف على: ﴿فِئَةٌ﴾ على جميع حركاتها، وهو أقوى من اعتبارها خبرا لمبتدإ محذوف. ﴿كافِرَةٌ:﴾ صفة (﴿أُخْرى﴾) على جميع حركاتها أيضا.\n ﴿يَرَوْنَهُمْ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (﴿أُخْرى﴾) بعد وصفها ب ﴿كافِرَةٌ﴾ أو هي صفة ثانية لها. ﴿مِثْلَيْهِمْ:﴾ حال من الضمير المنصوب، فهي حال متداخلة من وجه، فهو منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿رَأْيَ:﴾ مفعول مطلق، وهو مضاف، و﴿الْعَيْنِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. (﴿اللهِ﴾) مبتدأ. ﴿يُؤَيِّدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِنَصْرِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾)، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا يشاؤه.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء، (عبرة): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، ﴿لِأُولِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (عبرة)، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر، وحذفت النون للإضافة، و(أولي) مضاف و﴿الْأَبْصارِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.","vol":"2","page":27},{"text":"<span id=\"aya-307\"></span>﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ..﴾. إلخ: حسّنت في أعينهم، وأشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، وأعرضوا عن غيرها. والمزين في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا هو فاعله، وكلّ من الشيطان، والقوة الحيوانية، وما خلقه الله فيها من الأمور البهيمية، والأشياء الشهية مزيّن بالعرض. انتهى بيضاوي.\nهذا؛ وفي كثير من الآيات: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾. وفي كثير منها إسناد الفاعل إلى الله، مثل قوله تعالى: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾. وفي كثير ﴿زُيِّنَ﴾ بالبناء للمجهول، والمزيّن في الحقيقة هو الله تعالى عند أهل السنة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوب العباد، وليس له قدرة أن يضل، أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط ممّن أراد الله، وقدر شقاوته سلطه عليه؛ حتى يقبل وسوسته. وهذا مبني على أنّ العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله تعالى، كما قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾.\nوأما المعتزلة؛ فيسندون الوسوسة، والتزيين إلى الشيطان حقيقة، وهذا مبنيّ على اعتقادهم:\nأنّ العبد يخلق أفعال نفسه، وهو مبني على القاعدة الفاسدة في إيجاب رعاية الصلاح، والأصلح للعبد، وامتناع أن يخلق الله تعالى للعبد إلا ما هو مصلحة له، فمن ثم اعتبروا التزيين من الله تعالى مجازا، ومن الشيطان حقيقة، ولو عكسوا الجواب؛ لفازوا بالصواب، وإلى الله المرجع والمآب. وتزيين الله للابتلاء، وليتبيّن عبد الشهوة من عبد المولى، وهو ظاهر قول عمر -﵁-: (اللهمّ لا صبر لنا على ما زيّنت لنا، إلاّ بك).\nوقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ دليل واضح، وصريح:\nأنّ الله هو الفاعل المختار، فالمعتزلة تقول: العبد يخلق أفعال نفسه، والجبرية تقول: ليس للعبد كسب، بل هو مجبور كالريشة المعلّقة في الهواء، تقلبها الرياح كيف شاءت، فالمعتزلة فرّطوا، والجبرية أفرطوا، وتوسط أهل السّنّة، وخير الأمور أواسطها؛ حيث قالوا: ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجبرية، وليس خالقا لها كما تقول المعتزلة، فخرج مذهبهم من بين فرث، ودم خالصا سائغا للشاربين. قال أحد الجبريّة موردا على أهل السنة: [البسيط]\nما حيلة العبد والأقدار جارية... عليه في كلّ حال أيّها الرّائي؟","vol":"2","page":28},{"text":"ألقاه في اليمّ مكتوفا، وقال له: ... إيّاك إيّاك أن تبتلّ في الماء\nفأجابه بعض أهل السنة بقوله: [البسيط]\nإن حفّه اللّطف لم يمسسه من بلل... ولم يبال بتكتيف وإلقاء\nوإن يكن قدّر المولى بغرقته... فهو الغريق ولو ألقي بصحراء\n ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ:﴾ المشتهيات، سماها الله شهوات مبالغة، وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبتها، حتّى أحبوا شهوتها. وحركت الهاء بالفتح فرقا بين الاسم، والنعت، ومفردها: شهوة، واتباع الشهوات مرد، وطاعتها مهلكة. وأخرج مسلم-رحمه الله تعالى-عن أنس﵁- عن النبي ﷺ قال: «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار بالشّهوات» والمعنى: أنّ الجنة لا تنال إلا بطاعة الله؛ وإن كان ثقيلة على النفس، وأنّ النار لا ينجى منها إلا بترك المحرّمات؛ التي تشتهيها النفس وعبّر الله عن المشتهيات بالشّهوات مبالغة، كأنّها نفس الشهوات، وتنبيها على خسّتها؛ لأنّ الشهوات مسترذلة عند العقلاء.\n ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ بدأ الله بذكر النساء من المشتهيات؛ لأنّ الالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أتمّ، ولأنهنّ حبائل الشيطان، وأقرب إلى الافتتان بهنّ، كما ثبت في الصحيح: أنه ﷺ قال: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرّجال من النّساء». ففتنة النساء أعظم من جميع الأشياء.\nويقال: في النّساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة، فأما اللّتان في النساء؛ فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الأرحام؛ لأنّ المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات، والأخوات. والثاني بأن يبتلى بجمع المال من الحلال، والحرام بسبب مطالب الزوجة، التي لا تنتهي، ولا سيما في هذا الزمن. وانظر إعلال ﴿النِّساءِ﴾ في الآية رقم [٦١] الآتية.\n ﴿وَالْبَنِينَ:﴾ مفرده: ابن. وإنّما ثنّى بالبنين؛ لأنهم ثمرات القلوب، وقرّة الأعين، كما قال القائل: [السريع]\nوإنّما أولادنا بيننا... أكبادنا تمشي على الأرض\nلو هبّت الرّيح على بعضهم... لامتنعت عيني من الغمض\nوحب البنين تارة يكون للتفاخر، والتباهي، والزينة، فهو مذموم، وتارة يكون لتكثير النّسل، وتكثير أمّة محمد ﷺ ممّن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث: «تزوّجوا الودود الولود، فإنّي مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». رواه أبو داود، والنسائي عن معقل بن يسار، ﵁، ولهذا ثنّى بالبنين بعد النساء وفي حديث الرسول ﷺ:\n «الولد مبخلة مجبنة محزنة» ولأنهم فروع منهنّ، وثمرات نشأت عنهنّ. وقدّموا على الأموال لأنّهم أحبّ إلى المرء من ماله. وخصّ البنون بالذكر دون البنات؛ لأن حبّ الذكر أكثر من حبّ","vol":"2","page":29},{"text":"الأنثى، ولأن والده يتكثّر به، ويعضده، ويقوم مقامه. وحب المال كذلك، تارة يكون للفخر، والخيلاء، والتكبّر على الضعفاء، والتجبّر على الفقراء، فهذا مذموم. وتارة يكون للنفقة في القربات، وصلة الأرحام، والقرابات، ووجوه البرّ، والطاعات. فهذا ممدوح محمود شرعا.\n ﴿وَالْقَناطِيرِ:﴾ جمع قنطار. هذا؛ وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها: أنه المال الجزيل، كما قاله الضحّاك، وغيره. و﴿الْمُقَنْطَرَةِ:﴾ المجمّع بعضها فوق بعض، وتقول العرب: قنطرت الشيء: إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة؛ لإحكامها، قال طرفة بن العبد في معلّقته رقم [٢٢]: [الطويل]\nكقنطرة الرّوميّ أقسم ربّها... لتكتنفن حتّى تشاد بقرمد\n ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:﴾ هذان أصل التعامل مع الناس، فلذا خصّا بالذّكر، فالذهب يذكّر، ويؤنث، وهو مأخوذ من الذّهاب. والفضّة مأخوذة من انفضّ الشيء: تفرق، ومنه فضضت القوم، فانفضوا؛ أي: فرقتهم، فتفرقوا. وهذا الاشتقاق يشعر بزوالها، وعدم ثبوتها كما هو مشاهد في الوجود. ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم: [البسيط]\nالنّار آخر دينار نطقت به... والهمّ آخر هذا الدّرهم الجاري\nوالمرء بينهما إن كان ذا ورع... معذّب القلب بين الهمّ والنّار\n ﴿وَالْخَيْلِ:﴾ (﴿الْخَيْلِ﴾): اسم جمع لا واحد لها من لفظها، وتجمع على: خيول. والخيل مؤنثة؛ لأنّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها؛ إذا كانت لغير الآدميين مثل: خيل، وغنم، وإبل، فالتأنيث لها لازم. وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان؛ فإنّما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل. وقال ابن كيسان: حدّثت عن أبي عبيدة: أنه قال: واحد الخيل:\nخائل، مثل: طاير، وطير، وسمّي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه. وفي الخبر من حديث عليّ ﵁؛ قال: «إن الله خلق الفرس من الرّيح، ولذلك جعلها تطير بلا جناح».\nوسمّيت خيلا؛ لأنّها موسومة بالعز، فمن ركبها اعتز بنحلة الله له، ويختال بها على أعداء الله تعالى. وسمي الواحد فرسا؛ لأنه يفترس مسافات الأرض افتراس الأسد وثبانا، وسمي عربيّا؛ لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربيّ فصارت نحلة من الله، فسمي عربيّا. والأحاديث في مدح الخيل، ومدح من يقتنيها، وينفق عليها كثيرة.\n ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ يعني: الراعية في المروج، والمسارح. قال سعيد بن جبير﵁- يقال: سامت الدّبة، والشاة: إذا سرحت، تسوم سوما، فهي سائمة. وقيل: (﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾) من السّمة، وهي العلامة. واختلفوا في تلك العلامة. فقيل الغرّة، والتحجيل. وقيل: هي الخيل البلق. وقيل: هي المعلمة بالكيّ. وقيل: ﴿الْمُسَوَّمَةِ:﴾ المضمّرة الحسان. قال النابغة: [الوافر]","vol":"2","page":30},{"text":"بضمر كالقداح مسوّمات... عليها معشر أشباه جنّ\n (﴿وَالْأَنْعامِ﴾): جمع: نعم، وهي الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة (الأنعام) ولا يقال للجنس الواحد منها: نعم؛ إلا للإبل خاصّة، فإنه غلب عليها. قال حسّان﵁-: [الوافر]\nوكانت لا يزال بها أنيس... خلال مروجها نعم وشاء\nهذا؛ وفي سنن ابن ماجة عن عروة البارقي﵁يرفعه؛ قال: «الإبل عزّ لأهلها، والغنم بركة، والخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة».\n ﴿وَالْحَرْثِ:﴾ الأرض المعدّة للزراعة، والغراس. وفي صحيح البخاريّ عن أبي أمامة الباهليّ -﵁وقد رأى سكة، وشيئا من آلة الحرث، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذّلّ». قال المهلّب: المعنى-والله أعلم-: الحضّ في هذا الحديث على معالي الأمور، وطلب الرّزق من أشرف الصناعات، وذلك لما خشي النبي ﷺ على أمته من الاشتغال بالحرث، وتضييع ركوب الخيل في سبيل الله؛ لأنهم إن اشتغلوا بالحرث؛ غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها، فحضّهم على التعيش من الجهاد، لا من الإخلاد إلى عمارة الأرض، ولزوم المهنة. وفي الوقت نفسه رغّب الرسول ﷺ في الزّراعة، فقال: «ما من مسلم غرس غرسا، أو زرع زرعا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة؛ إلاّ كان له به صدقة». أخرجاه في الصّحيحين عن أنس، ﵁. وقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-عن سويد بن هبيرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خير مال امرئ، له مهرة مأمورة، أو سكّة مأبورة». المأمورة:\nالكثيرة النّسل، والسّكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقّحة.\nقال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كلّ نوع من المال يتموّل به صنف من الناس، أمّا الذهب، والفضة؛ فيتمول بها التّجار، وأمّا الخيل المسوّمة، فيتموّل بها الملوك، وأمّا الأنعام؛ فيتموّل بها أهل البوادي. وأمّا الحرث؛ فيتمول به أهل الرساتيق (القرى) فتكون فتنة كلّ صنف من النّوع الذي يتموّل به. وأما النّساء، والبنون؛ فهي فتنة للجميع.\n ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى جميع ما ذكر. ﴿مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: يتمتع به فيها، ثم يفنى، كما تفنى. وهذا منه تعالى تزهيد في الدنيا، وانظر الترغيب في الآخرة في الآية التالية، وقد قال الرسول ﷺ: «الدّنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصّالحة». أخرجه مسلم، والنّسائي عن عبد الله بن عمرو، ﵄.\n ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ:﴾ عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان. ﴿حُسْنُ الْمَآبِ:﴾ حسن المرجع والثّواب، من: آب، يؤوب إيابا: إذا رجع، قال امرؤ القيس: [الوافر]\nوقد طوّفت في الآفاق حتّى... رضيت من الغنيمة بالإياب","vol":"2","page":31},{"text":"وقال عبيد بن الأبرص في معلّقته: [مخلّع البسيط]\nوكلّ ذي غيبة يؤوب... وغائب الموت لا يؤوب\nوأصل مآب: مأوب، مثل: مقول، فقل في إعلالهما: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الواو إلى الهمزة، والميم قبلها، ثمّ يقال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.\nالإعراب: ﴿زُيِّنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان به. ﴿حُبُّ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف، و﴿الشَّهَواتِ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. التقدير:\nحبّهم الشهوات. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الشَّهَواتِ﴾. ﴿وَالْبَنِينَ:﴾\nمعطوف على ﴿النِّساءِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْقَناطِيرِ:﴾ معطوف على ﴿النِّساءِ﴾.\n ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ صفة له. ﴿مِنَ الذَّهَبِ:﴾ متعلقان ب ﴿الْمُقَنْطَرَةِ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (﴿الْقَناطِيرِ﴾). ﴿وَالْخَيْلِ:﴾ معطوف على النّساء. ﴿الْمُسَوَّمَةِ:﴾ صفة (﴿الْخَيْلِ﴾). ﴿وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ:﴾ معطوفان أيضا على ﴿النِّساءِ﴾. والجملة الفعلية: ﴿زُيِّنَ﴾ إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَتاعُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿حُسْنُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وهذا وإن اعتبرت الظرف متعلقا بمحذوف خبر المبتدأ ف ﴿حُسْنُ﴾ يكون فاعلا به؛ أي: بمتعلقه، وهو وجه صحيح لا غبار عليه، التقدير: والله يوجد عنده حسن. و﴿حُسْنُ﴾ مضاف، و﴿الْمَآبِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ﴾ إلخ في محل نصب حال من متاع الحياة، والرابط الواو فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، وهو أولى من العطف على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-308\"></span>﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ، والمعنى:\nهل تريدون أن أخبركم بما هو أفضل، وأعظم ممّا ذكر في الآية السّابقة من المشتهيات؟ هذا؛","vol":"2","page":32},{"text":"و(﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾) مضارع ماضيه «نبّأ». هذا؛ والأفعال: نبّأ، وأنبأ، وخبّر، وأخبر، وحدّث تتعدى لاثنين: إلى الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفا، وقد يحذف الأول للدلالة عليه. وقد جاءت الاستعمالات الثلاث في قوله تعالى من سورة (التّحريم): ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فقوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدى لاثنين، حذف أولهما، والثاني مجرور بالياء، أي: نبأت به غيرها، وقوله: ﴿فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ﴾ ذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هذا﴾ ذكرهما، وحذف الجار، فالأول تعدى إلى مفعول صريح، وإلى الثاني بحرف الجر، والفعل الثاني مثله، والثالث تعدّى إلى مفعولين صريحين. وهذا إذا لم يدخل: (نبّأ، وأنبأ) على المبتدأ، والخبر؛ جاز أن يكتفى فيها بمفعول واحد، وبمفعولين، فإذا أدخلا على المبتدأ، والخبر؛ تعدّى كلّ واحد إلى ثلاثة مفاعيل، ولم يجز الاقتصار على الاثنين دون الثالث؛ لأن الثالث هو خبر المبتدأ في الأصل، فلا يقتصر دونه، كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر. ومثال دخول أحدهما على المبتدأ، أو الخبر قولك: نبأت زيدا عمرا منطلقا، أو: أنبأت زيدا عمرا مجتهدا، ففي المثالين يجب نصب ثلاثة مفاعيل. والله وليّ التوفيق. ومن ذلك قول النابغة الذبياني-وهو الشاهد رقم [٢٠] من كتابنا: فتح رب البريّة إعراب شواهد جمع الدروس العربية-: [الكامل]\nنبّئت زرعة والسّفاهة كاسمها... يهدي إليّ غرائب الأشعار\nوأيضا قوله-وهو الشاهد رقم [٢١] من الكتاب المذكور-: [البسيط] نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني... ولا قرار على زار من الأسد\nوأيضا قول قيس بن الملوّح-وهو الشاهد رقم [١١٨] من كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الطويل]\nونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة... إليّ فهلاّ نفس ليلى شفيعها\nهذا؛ والنبأ: الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخصّ من الخبر؛ لأنّ النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأخبار. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظنّ، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ؛ حتى يتضمّن هذه الأشياء الثلاثة، وحقّه أن يتعرّى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرّسول ﷺ. هذا؛ وقد يجيء الفعل من نبّأ غير مضمن معنى: أعلم، فلذلك يعدى بواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في الآية المذكورة.\n ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ قال ابن عباس﵄-: المراد: المهاجرون، والأنصار، يعرفهم، ويشوقهم الله إلى الآخرة، قال العلماء: ويدخل في هذا الخطاب كلّ من اتّقى الشرك، فأخبرهم الله: أن ما عنده، أي: الذي ادّخره لهم خير ممّا كان في الدنيا؛ وإن كان محبوبا عندهم، فرغّبهم الله على ترك ما يحبّون لما يرجون.","vol":"2","page":33},{"text":"﴿جَنّاتٌ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان من النخل، والشّجر الكثير المتكاثف؛ الّذي يجنّ؛ أي: يستر ما يكون متداخلا فيه. وسمّيت دار الثواب: جنّة؛ لما فيها من النّعيم؛ الذي لا ينفد.\nوجمع الجنّة على جنّات يدلّ على جنات كثيرة مرتّبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكلّ طبقة منهم جنّة من تلك الجنان، وهي سبع، بل ثمان: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، ودار المقامة، ودار السّلام، وجنة المأوى، وعليّون، وفي كل منها مراتب ودرجات متفاوتة على حسب درجات الأعمال، والعمال. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت قصورها، وأشجارها، ولم يجر لها ذكر؛ لأن الجنّات تدلّ عليها، والأنهار لا تجري، وإنما يجري الماء فيها، فهو من تسمية الشيء باسم محله، ويسمى مجازا مرسلا، وهو كثير في كتاب الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها، وقال الشاعر: [الكامل]\nنبّئت أنّ النّار بعدك أوقدت... واستبّ بعدك يا كليب المجلس\nأي: أهل المجلس. هذا؛ و﴿الْأَنْهارُ﴾ جمع: نهر، وهو معروف في الدّنيا، ولكن شتان ما بين أنهار الجنّة، وأنهار الدّنيا، فأنهار الجنة من أنواع الأشربة من العسل، واللبن، والخمر، والماء وغير ذلك. هذا؛ ويجمع النّهر على أنهر، ونهر، ونهور، وأنهار. وهاء النّهر تسكّن، وتفتح؛ هذا وروي: أنّ أنهار الجنّة ليست في أخاديد، إنّما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها.\n ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين مقيمين فيها أبدا. وهذا من تمام السّعادة، فإنّهم مع هذا النعيم في مقام أمين، يعيشون مع زوجاتهم في هناء خالد، لا يعتريه انقطاع، ولا يصيبهم مرض، ولا همّ، ولا غمّ، ولا يطرأ عليهم عجز، وشيخوخة، فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله﵃قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أهل الجنة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون». قالوا: فما بال الطعام؟! قال: «جشاء، ورشح كرشح المسك. يلهمون التّسبيح، والتّحميد، كما تلهمون النّفس».\n ﴿وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: ولهم في الجنّة زوجات مطهّرات من الأقذار، والأدناس الحسّيّة، والمعنويّة. فالحسّيّة: مثل الحيض، والنفاس، والبول، والغائط، والنّخام. والمعنوية: مثل سوء الخلق، وإيذاء الأزواج، وعدم طاعتهم، والانصياع لأوامرهم. وكذلك نساء الدّنيا المؤمنات يكنّ يوم القيامة أجمل من الحور العين، كما قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا﴾ ولكل مؤمن في الجنة زوجتان من نساء الدنيا، وعدد من الحور العين على حسب درجته، ومكانته عند الله تعالى. ﴿وَرِضْوانٌ:﴾ أي يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبدا، ولهذا قال تعالى في سورة (براءة): ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي:\nإنّ رضوان الله الذي ينزله عليهم أكبر من كلّ ما سلف ذكره من نعيم الجنّة. وخذ ما يلي:","vol":"2","page":34},{"text":"فعن أبي سعيد الخدري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ﵎ يقول لأهل الجنّة: يا أهل الجنّة! فيقولون: لبّيك ربّنا، وسعديك، والخير كلّه في يديك! فيقول:\nهل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربّنا؛ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا!». متفق عليه.\n ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ يعني: إن الله عالم بمن يؤثر ما عنده من النّعيم المقيم ممّن يؤثر شهوات الدنيا، فيجازي كلاّ على عمله، فيثيب، ويعاقب على قدر الأعمال.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، واستخبار، (﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به.\n ﴿بِخَيْرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنْ ذلِكُمْ:﴾ متعلقان ب (خير) واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالخبر المحذوف، أو هو متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، وهو بدوره عائد على: ﴿جَنّاتٌ﴾ و(﴿عِنْدَ﴾) مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَنّاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، ويكون الوقف على: ﴿ذلِكُمْ﴾ جيدا. هذا وجه للإعراب.\nوقيل: ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقان ب (خير) وعليه ف ﴿جَنّاتٌ﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي جنات.\nولا تنس: أن ﴿جَنّاتٌ﴾ يقرأ بالجر، وخرّج على أنه بدل من: (خير). ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْأَنْهارُ﴾ وهو ضعيف و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل تجري، والجملة الفعلية صفة: ﴿جَنّاتٌ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم. والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿وَأَزْواجٌ:﴾ معطوف على ﴿جَنّاتٌ﴾. ﴿مُطَهَّرَةٌ:﴾ صفة له. ﴿وَرِضْوانٌ:﴾ معطوف على جنات أيضا. وهذا على رفع ﴿جَنّاتٌ﴾ وأما على قراءة الجر ف (﴿أَزْواجٌ﴾) و(﴿رِضْوانٌ﴾): مبتدأ محذوف الخبر، التقدير: ولهم أزواج ورضوان. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (﴿رِضْوانٌ﴾) أو بمحذوف صفة له. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، فيها وعد، ووعيد. ﴿بِالْعِبادِ:﴾ متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾.","vol":"2","page":35},{"text":"<span id=\"aya-309\"></span>﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ (١٦)﴾\nالشرح: هذه الآية الكريمة، والتي بعدها تصفان المتّقين الذين أكرمهم الله بالخلود في دار النعيم. ﴿رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا﴾ أي: صدقنا بك، وبكتبك، وبرسلك، واليوم الآخر، وبملائكتك، وقضائك، وقدرك خيره، وشره. ﴿فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا:﴾ سيئاتنا، ومعاصينا. والذنب يطلق على مخالفة الله فيما أمر، وفيما نهى عنه، وهو على درجات، منها: الصغائر، ومنها: الكبائر، وتفصيلها معروف في محالّها. هذا؛ وذنوب بالمعنى المتقدّم بضم الذال، وهو بفتحها بمعنى النصيب، قال تعالى في سورة (الذّاريات) رقم [٥٩]: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾. وهو أيضا الدّلو العظيمة في الأصل، قال الراجز: [الرجز]\nإنّا إذا شاربنا شريب... له ذنوب ولنا ذنوب\nفإن أبى كان له القليب\n ﴿وَقِنا:﴾ فعل دعاء من الوقاية، وهي التحرّز من المهالك في الدنيا، والآخرة، وصيغته صيغة أمر، فهو من اللّفيف المفروق: «وقى، يقي» فتحذف فاؤه من المضارع مثل كلّ فعل مثال، كوعد، يعد، ووزن، ويزن... إلخ، والأمر منه: اوقنا بهمزة وصل، حذفت منه الواو، كما حذفت من مضارعه، واستغني عن همزة الوصل لتحرك الحرف المبدوء به، وتحذف لامه مع فائه لبنائه على حذف حرف العلة مثل كلّ فعل ناقص معتلّ الآخر، مثل: اسع، وادع، وارم. فيبقى فعل الأمر فعلا واحدا (ق) ومثله: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطى، يطي، ط، ووأى يئي إ. قال: «أبو يعقوب بن يوسف الدباغ الصقلي» وهو الشاهد رقم [١٣] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الخفيف]\nإنّ هند المليحة الحسناء... وأي من أضمرت لخلّ وفاء\n «إنّ» أصله: «إينّ» بمعنى: «عدي» فحذفت الياء لالتقائها ساكنة مع النون المدغمة. «وأي»:\nوعد.\nوإذا لم يتصل به ضمير تلحقه هاء السكت. فتقول: قه، فه، له، عه، طه، إه، وبه يلغز، كما في قول القائل: [الرجز]\nفي أيّ لفظ يا نحاة الملّه... حركة قامت مقام الجمله؟\nهذا؛ و﴿عَذابَ﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب، بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وسلام، ونبات، من:\nأعطى، وسلّم، وأنبت. هذا؛ والعذاب: كل ما شقّ على الإنسان احتماله، ومنعه من مراده، وهو النّكال: وزنا، ومعنى.","vol":"2","page":36},{"text":"أما ﴿النّارِ﴾ فأصلها النّور: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكّر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنّم؛ التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين، كما أنها تستعار للشدّة، والضيق، والبلاء. قال الشاعر: [الطويل]\nوألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها\nوالفعل: نار، ينور، يستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ فيه أوجه: الإتباع على البدلية من: (الذين اتقوا) فيكون مبنيّا على الفتح في محل جر. والقطع على إضمار: أمدح، أو أعني، فيكون مبنيّا على الفتح في محل نصب. والقطع على إضمار «هم» فيكون مبنيّا على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف.\n ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء. و(نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا) في محل نصب اسمها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) وهنا قد وقعت (نا) ضميرا مشتركا بين الرفع، والنصب، والجر. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها في مثل ذلك الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَنا:﴾ مفعول به. و(نا): في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، التقدير: وإذا كان الإيمان حاصلا منا؛ فاغفر لنا ذنوبنا. والكلام كلّه في محل نصب مقول القول. (﴿قِنا﴾): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» ونا مفعول به أول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لظرفه، وفاعله محذوف. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-310\"></span>﴿الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿الصّابِرِينَ:﴾ يعني: على أداء الواجبات، وعن المحرّمات، والمنهيّات، وفي البأساء والضراء، وحين البأس، والصّابرين على أنواع البلاء. (﴿الصّادِقِينَ﴾) يعني: في إيمانهم، قال قتادة-رحمه الله تعالى-: هم قوم صدقت نيّاتهم، واستقامت ألسنتهم، وقلوبهم في السرّ، والعلانية، والصّدق يكون في القول، والفعل، والنّيّة، فأمّا صدق القول؛ فهو مجانبة الكذب","vol":"2","page":37},{"text":"فيه. وأما الصّدق في الفعل هو عدم الانصراف عنه قبل تمامه. والصّدق في النيّة: العزم على الفعل؛ حتى يبلغه. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ:﴾ يعني أموالهم في طاعة الله تعالى. ويدخل فيه: نفقة الرجل على نفسه، وعلى أهله، وأقاربه، وصلة رحمه، والزّكاة، والنفقة في القربات. وانظر ما ذكرته في سورة البقرة؛ تجد ما يسرّك.\n ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ:﴾ ومثله قوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.\nهذا؛ والأسحار جمع: سحر: آخر الليل، وهو بفتحتين، وهو بكسر السين، وسكون الحاء:\nخزعبلات، وضلالات يقوم بها أفّاكون، ودجّالون. وهو بفتح السين، وسكون الحاء: منتهى قصبة الحلقوم، ومنه قول أم المؤمنين عائشة﵂-: قبض رسول الله ﷺ، ورأسه بين سحري، ونحري. انتهى جمل نقلا من السّمين.\nوقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية الكريمة حصر لمقامات السّالك على أحسن ترتيب، فإنّ معاملته مع الله تعالى: إمّا توسل، وإمّا طلب، والتوسّل إمّا بالنفس، وهو منعها من الرّذائل، وحبسها على الفضائل، والصبر يشملها. وإمّا بالبدن، وهو إما قولي، وهو الصّدق، وإما فعلي، وهو القنوت؛ الذي هو ملازمة الطّاعة. وإمّا بالمال، وهو الإنفاق في سبيل الخير، وأمّا الطلب؛ فبالاستغفار؛ لأنّ المغفرة أعظم المطالب، بل الجامع لها. وتوسيط الواو بينها للدلالة على استقلال كلّ واحدة منها، وكمالهم فيها، أو لتغاير الموصوفين بها.\nوتخصيص الأسحار بالذّكر؛ لأنّ الدّعاء فيها أقرب إلى الإجابة؛ لأنّ العبادة حينئذ أشقّ، والنّفس أصفى، والرّوع أجمع للمجتهدين. قيل: إنّهم كانوا يصلّون إلى السّحر، ثم يستغفرون بالأسحار، ويدعون انتهى بحروفه.\nنعم؛ قال نافع مولى ابن عمر﵄-: كان ابن عمر يحيي اللّيل، ثمّ يقول: يا نافع! أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصّلاة، فإذا قلت: نعم؛ قد يستغفر، ويدعو حتّى يصلّي الصّبح. فعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربّنا ﵎ كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا حين يبقى الثّلث الأخير، فيقول: من يدعوني، فأستجيب له؟! من يسألني فأعطيه؟! من يستغفرني فأغفر له؟! حتى يطلع الفجر» متّفق عليه. فهذا الحديث من أحاديث الصّفات، وللعلماء فيه، وفي أمثاله مذهبان معروفان: مذهب السّلف: الإيمان به، وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية عنه. والمذهب الثاني هو مذهب من يتأوّل أحاديث الصّفات، انظر الآية رقم [٧]. وبالجملة فقد وصف الله تعالى هؤلاء بما وصف، ثمّ بيّن: أنّهم مع ذلك لشدّة خوفهم، ووجلهم: أنهم يستغفرون بالأسحار، وروي: أنّ لقمان﵇قال لابنه: يا بني! لا تكن أعجز من الدّيك، فإنه يصوّت بالأسحار؛ وأنت نائم على فراشك. وقد قال الزمخشري: وخصّ الأسحار؛ لأنّهم كانوا يقدّمون قيام الليل، فيحسن طلب الحاجة بعده، كما قال تعالى في سورة (فاطر): ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.","vol":"2","page":38},{"text":"هذا؛ وإنّ الله جلّت قدرته حثّنا على الاستغفار في جميع الأوقات، ورغّبنا فيها الرّسول ﷺ في جميع الحالات، فعن عبد الله بن بسر﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفار كثير!» رواه ابن ماجة، والبيهقيّ. وعن محمّد بن عبد الله ابن محمد بن جابر بن عبد الله﵁عن أبيه عن جدّه، قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: وا ذنوباه! وا ذنوباه! فقال هذا القول مرّتين، أو ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ: «قل:\nاللهمّ مغفرتك أوسع من ذنوبي! ورحمتك أرجى عندي من عملي!». فقالها، ثم قال: «عد»، فعاد، ثم قال: «عد» فعاد، ثم قال: «قم فقد غفر الله لك».\nوعن بلال بن يسار بن زيد﵁قال: حدثني أبي عن جدّي: أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: «من قال: أستغفر الله الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم، وأتوب إليه؛ غفر له؛ وإن كان فرّ من الزّحف». رواه أبو داود، والترمذيّ. وانظر الآية رقم [١٣٥] الآتية.\nالإعراب: ﴿الصّابِرِينَ:﴾ صفة: ﴿الَّذِينَ﴾ أو بدل منه، وذلك على اعتباره في محل نصب، أو في محل جر، وأما على اعتباره في محل رفع؛ ف ﴿الصّابِرِينَ﴾ يكون منصوبا بفعل محذوف، تقديره: أمدح، أو أعني، ونحو ذلك، وعلامة النصب، أو الجر فيه، وفيما بعده الياء نيابة عن الفتحة، أو الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفي كلّ واحد منها ضمير مستتر، هو فاعله؛ لأنها كلّها أسماء الفاعلين.\n\n<span id=\"aya-311\"></span>﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ..﴾. إلخ: بيّن الله، وأعلم عباده بانفراده بالوحدانية. وقال ابن عباس﵄-: خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد لنفسه بنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان، ولم تكن سماء، ولا أرض، ولا بر، ولا بحر، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾.\n ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ أي: وشهد الملائكة. فمعنى شهادة الله تعالى: الإعلام، والإخبار. ومعنى شهادة الملائكة، والمؤمنين: الإقرار، والاعتراف بأنّه لا إله إلا هو. ولمّا كان كل واحد من هذين الأمرين يسمّى شهادة؛ حسن إطلاق الشهادة عليها. ﴿وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ أي: وشهد أولو العلم بأنّه لا إله إلا هو. وفيه دليل على فضل العلم، وشرف العلماء، فإنّه لو كان أحد أشرف من العلماء؛ لقرنهم الله باسمه، واسم ملائكته، كما قرن اسم العلماء؛ لذا قال في شرف العلم لنبيه ﷺ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فلو كان شيء أشرف من العلم؛ لأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يسأله المزيد منه، كما أمره أن يستزيده من العلم. وخذ ما يلي:","vol":"2","page":39},{"text":"فعن أبي الدرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غدا يريد العلم يتعلّمه لله؛ فتح الله له بابا إلى الجنة، وفرشت له الملائكة أكنافها، وصلّت عليه ملائكة السّماوات، وحيتان البحر، وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السّماء، والعلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا، ولا درهما، ولكنّهم ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر، وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسدّ، وهو نجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم» رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة.\n ﴿قائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، ومعناه: أنه تعالى قائم بتدبير خلقه، كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، يعني: أنه مدبّر له، ومتعهّد لأسبابه. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ذكرها للتأكيد، وفائدتها:\nالإعلام بأنّ هذه الكلمة أعظم الكلام، وأشرفه. ففيه حثّ للعباد على تكرارها، والاشتغال بها، فإنه من اشتغل بها؛ فقد اشتغل بأفضل العبادات، وأعظم الطّاعات. وخذ ما يلي:\nفعن غالب القطّان، عن الأعمش؛ قال: حدّثني أبو وائل عن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله تعالى: عبدي عهد إليّ، وأنا أحقّ من وفّى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنّة». رواه الطّبراني في الكبير. وقال الخازن: وروى البغوي بسند الثعلبي عن غالب القطّان... إلخ، والمراد بصاحبها: الّذي يقول الآية.\nوقد ورد في فضل الآية الكريمة أيضا: أنّ من قرأها عند منامه، وألحق بها قوله تعالى:\n ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ ثمّ قال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، فمات من ليلته؛ مات على إيمان كامل، ويجزيه بها ربّنا ما تقدّم في الحديث الشريف. وذكر القرطبيّ-رحمه الله تعالى-حديثا عن أنس﵁بشأن قراءة الآية عند النّوم فيه مجازفات كبيرة، وضعفه ظاهر للعيان. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم.\nذكر في سبب نزول الآية الكريمة: أنّه لمّا استقرّ الرسول ﷺ بالمدينة؛ وفد عليه حبران من أحبار الشام، فلمّا دخلا عليه؛ عرفاه بالصّفة، والنّعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: «نعم».\nقالا: وأنت أحمد؟ قال: «نعم». قالا: نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها؛ آمنا بك، وصدّقناك، فقال لهما رسول الله ﷺ: «سلاني!» فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله.\nفنزلت: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ الآية، فأسلم الرجلان، وصدّقا برسول الله ﷺ.\nوخذ المحاورة اللّطيفة بين العقل، والعلم، حيث يقول القائل، وقد أحسن، وأجاد: [البسيط]\nعلم العليم وعقل العاقل اختلفا... من ذا الّذي منهما قد أحرز الشّرفا\nفالعلم قال أنا أحرزت غايته... والعقل قال أنا الرّحمن بي عرفا\nفأفصح العلم إفصاحا وقال له... بأيّنا الله في فرقانه اتّصفا؟\nفبان للعقل أنّ العلم سيّده... فقبّل العقل رأس العلم وانصرفا","vol":"2","page":40},{"text":"الإعراب: ﴿شَهِدَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، وقال أبو البقاء والزّمخشري: يقرأ: («شهداء لله») بالنصب على الحال من الأسماء السابقة، وبالرّفع على تقدير: هم شهداء لله، ويكون:\nو﴿وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ معطوفين على الضمير المستتر ب (شهداء). وجاز ذلك للفصل، وهذه القراءة لا تعطي المعنى الجيد كما في القراءة الأولى، وعلى كلّ فهي قراءة شاذّة: ﴿أَنَّهُ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل رفع خبر:\n (أنّ) و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: يكون لا إله إلا الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:\n ﴿شَهِدَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، ﴿وَأُولُوا:﴾\nمعطوف أيضا، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(﴿أُولُوا﴾) مضاف، و﴿الْعِلْمِ﴾ مضاف إليه. ﴿قائِمًا:﴾ حال من لفظ الجلالة، أو من الضمير المنفصل، وهي حال لازمة على الاعتبارين، والعامل في الحال معنى الجملة، و﴿بِالْقِسْطِ﴾ متعلقان ب ﴿قائِمًا﴾ لذا فهو يحمل ضمير مستترا هو فاعله. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة، وسابقتها في أول السّورة.\n\n<span id=\"aya-312\"></span>﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ أي: إن الدين المرضي عند الله هو الإسلام، كما قال تعالى في سورة (المائدة): ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ وقال في الآية رقم [٨٥] الآتية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وانظر شرح: ﴿الدِّينَ﴾ في سورة (البقرة) رقم [٢٥٦] و﴿الْإِسْلامُ﴾ هو الدخول في السّلم، وهو الاستسلام، والانقياد، والدخول في الطاعة.\nو﴿الْإِسْلامُ﴾ وهو الشريعة المرضية عند الله، والمبعوث به الرسل من لدن آدم إلى عهد نبينا، عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وهو المبنيّ على التوحيد، وهو المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ولا انحراف.\n ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: من اليهود، والنصارى، أو من أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام. فقال قوم: إنه حق، وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقا، أو اختلفوا في التوحيد، فثلثت النصارى، وقالت اليهود: عزيز ابن الله، وكان هذا منهم بعد ما علموا حقيقة الأمر، وتمكّنوا من العلم بها، أي: بالحجج الدامغات، والآيات السّاطعات، والمعجزات الباهرات. ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ:﴾ أي: بغي بعضهم على","vol":"2","page":41},{"text":"بعض، فاختلفوا في الحقّ بسبب تحاسدهم، وتباغضهم، وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جمع أقواله، وأفعاله؛ وإن كانت حقّا.\n ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: من جحد ما أنزل الله في كتابه من صفة الرسول ﷺ ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لا يحتاج إلى عدّ، ولا إلى عقد، ولا إلى إعمال فكر، كما يفعله الحسّاب، ولهذا قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وقال الرسول ﷺ في دعائه يوم الخندق: «اللهمّ منزل الكتاب، سريع الحساب...» إلخ. والمعنى: أن الله تعالى، لا يشغله شأن عن شأن، فكما يرزقهم في ساعة واحدة، يحاسبهم لذلك في ساعة واحدة. قال تعالى:\n ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ رقم [٢٨] من سورة (لقمان) وقيل للإمام عليّ﵁-: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟! قال: كما يرزقهم في يوم. وقال ابن عباس﵄-: إذا أخذ الله في حسابهم: لم يقل أهل الجنة إلا فيها. هذا؛ ويقيل من القيلولة وهي الاستراحة وقت الظهيرة. ومعنى الحساب وفائدته تعريف الله العباد مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إيّاهم ما قد نسوه بدليل قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾.\nهذا؛ وأما البغي، فهو الظلم، والاعتداء على حقّ الغير، وعواقبه ذميمة، ومآله وخيم، وعقباه أليمة؛ ولو أنّ له جنودا بعدد الحصى، والرّمل، والتّراب. ورحم الله من يقول-وهو الشاهد رقم [٢٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nلا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل\nوعن النبي ﷺ: أنّه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. وقال جلّ شأنه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال أبو بكر الصّديق -﵁-: «ثلاث من كنّ فيه؛ كنّ عليه» وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ قال:\n «أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشّرّ عقابا البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس -﵄-: أنه قال: «لو بغى جبل على جبل؛ لدكّ الباغي».\nفأخذه بعض الشعراء، فقال: [البسيط]\nيا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير مقال المرء أعدله\nفلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله\nوكان المأمون يتمثّل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأه بالبغي عليه. قال الشّاعر الحكيم: [الكامل]","vol":"2","page":42},{"text":"والبغي يصرع أهله... والظّلم مرتعه وخيم\n «جاء» يستعمل متعديا إن كان بمعنى: بلغ، ولازما إن كان بمعنى: أقبل، ومثله: أتى.\n ﴿أُوتُوا:﴾ أصله أوتيوا فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء، فصارت (﴿أُوتُوا﴾) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو، فصار ﴿أُوتُوا﴾.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الدِّينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من: ﴿الدِّينَ﴾ والعامل فيه: ﴿إِنَّ﴾ لما فيها من معنى الفعل، وهو: أؤكد، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْإِسْلامُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة («أنّ») فيكون المصدر المؤول منها، ومن اسمها، وخبرها بدلا من: ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في الآية السابقة بدل اشتمال، أو بدل كلّ من كلّ. (﴿مَا﴾): نافية.\n ﴿اِخْتَلَفَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل: ﴿اِخْتَلَفَ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهو أقوى من العطف على الجملة الاسمية قبلها.\n ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِخْتَلَفَ﴾. ﴿مَا:﴾ مصدرية. ﴿جاءَهُمُ الْعِلْمُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله، وفاعله، و﴿مَا:﴾ المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه، التقدير: من بعد مجيء العلم لهم. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة، فهي في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: إلا من بعد الذي، أو: شيء جاءهم العلم به. ﴿بَغْيًا:﴾\nمفعول لأجله. وقيل: حال، وهو ضعيف، ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿بَغْيًا﴾ لأنه مصدر.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: (من). ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(آيات) مضاف. ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبر: (إنّ) وهو مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، التقدير: فلا يضرك كفره، فالجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ تكون تعليلية لا محل لها، ولكن الأول أقوى معنى. هذا؛ وقد اختلف في خبر المبتدأ الذي هو (من) فابن هشام يقول: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، والمرجح عند المعاصرين: أنه جملتا الشرط، والجواب، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"2","page":43},{"text":"<span id=\"aya-313\"></span>﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ:﴾ الخطاب لسيّد الخلق، وحبيب الحقّ محمد ﷺ. وواو الجماعة عائدة على اليهود، والنصارى. ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ أي: انقدت لله بقلبي، ولساني، وجميع جوارحي، وإنّما خصّ الوجه بالذكر؛ لأنه أشرف الجوارح الظّاهرة، وأجمعها، فإذا خضع وجه الإنسان لشيء؛ فقد خضع له سائر جوارحه، قال الشاعر: وهو زيد بن عمرو بن نفيل، وهو من المتحنفين في الجاهلية: [المتقارب]\nأسلمت وجهي لمن أسلمت... له المزن تحمل عذبا زلالا\nهذا؛ ويعبّر بالوجه عن الذات، ومنه قوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وفي آخر سورة (القصص): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ ومثله في سورة (البقرة) رقم [١١٢]، فيكون مجازا مرسلا من إطلاق الجزء، وإرادة الكلّ.\nوقيل: أراد بالوجه العمل، أي: أخلصت عملي لله، وقصدت بعبادتي الله. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: أسلم وجهه لله، كما أسلمت. ويجمع وجه: على وجوه، ويقال: أجوه بإبدال الواو همزة.\n ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ وهم اليهود، والنصارى، وعبّر عنهم ب ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ زيادة في التشنيع، والتقبيح عليهم، فإنّ كفرهم بمحمد ﷺ، واختلافهم فيما بينهم مع علمهم بالتوراة، والإنجيل في غاية القبح، والشّناعة، ولكنهم في هذه الأيام اتّحدوا، واتّفقوا على معاداة العرب والمسلمين، ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ يعني: العرب الوثنيين، ووصف العرب بالأميين للذمّ ما عدا النبي ﷺ فإنّه وصف في سورة (الأعراف) بالأميّ للمدح، والتّشريف، والتّعظيم. وانظر الآية [٧٥] الآتية.\n ﴿أَأَسْلَمْتُمْ:﴾ لفظه: استفهام، ومعناه: أمر، أي: أسلموا، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ يعني: إلى الفوز، والفلاح، والنجاح في الدنيا، والآخرة. فلما قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على اليهود الذين كانوا في المدينة، وعلى النصارى الذين جاءوا من نجران؛ قالوا جميعا: قد أسلمنا. فقال ﷺ لليهود: «أتشهدون: أن موسى كليم الله، وعبده، ورسوله، وعزير نبيّ».\nفقالوا: معاذ الله! وقال للنصارى: «أتشهدون: أن عيسى كلمة الله، وعبده، ورسوله». قالوا:\nمعاذ الله أن يكون عيسى عبدا!\n ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإيمان بك يا محمد، وعن شريعتك، ولم يقبلوا منك ما قلت لهم. ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ يعني: عليك تبليغ الرسالة، وليس عليك هدايتهم، كما قال تعالى","vol":"2","page":44},{"text":"في سورة (الرّعد) له: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾. هذا؛ و﴿الْبَلاغُ﴾ مصدر ل: بلغ بتخفيف اللام، واسم مصدر ل: بلّغ بتشديد اللام، مثل: عذاب، وسلام... إلخ. هذا؛ واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، والمراد بها تسلية النبي ﷺ؛ لأنّه كان يحرص على إيمانهم، ويتألم لتركهم الإجابة، وذهبت طائفة إلى أنّها منسوخة بآية السيف؛ لأن المراد بها الاقتصار على التبليغ، وهذا منسوخ بآية السّيف المذكورة في سورة الحجّ، وهي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾.\n ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي: عليم، وخبير بأحوال العباد، فيهدي من يستحقّ الهداية، ويضل من يستحقّ الإضلال، وله الحجّة البالغة، والحكمة التامّة، والقدر النّافذ، والحكم الصائب.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿حَاجُّوكَ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَسْلَمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿وَجْهِيَ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قل...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَمَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على تاء الفاعل، وجاز ذلك للفصل بينها بالمفعول به، وقيل: هو في محل نصب مفعول معه. ﴿اِتَّبَعَنِ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مَنِ﴾) وهو العائد، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة في محل نصب مفعول به. وقد قرأ بعضهم: («اتبعني») بإثبات الياء. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وحذف ياء المتكلم من آخر الفعل كثير، ولا سيما في رءوس الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار (﴿مَنِ﴾) مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: ومن اتبعن أسلم وجهه لله، كما أجاز عطفه على: (﴿اللهُ﴾).\n ﴿وَقُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان به. ﴿أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ انظر الآية السابقة. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ معطوف على (﴿الَّذِينَ﴾) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام بمعنى الأمر. (﴿أَسْلَمْتُمْ﴾): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿فَقُلْ﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها. فهي في محل جزم مثلها، ولا يصعب عليكم بعد هذا إعراب: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾.","vol":"2","page":45},{"text":"﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله في محل جزم فعل الشرط، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها، كما رأيت في التي قبلها.\n ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لا تحلّ محلّ المفرد، و(إن) ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ معترضة في آخر الكلام، فيها وعد، ووعيد.\n\n<span id=\"aya-314\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ:﴾ يجحدون القرآن، وينكرونه، وهم اليهود، والنصارى. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ إلخ: كان أكثر أنبياء بني إسرائيل يأتيهم الوحي، ولم يكن يأتيهم كتاب، مثل: يحيى، وزكريا، ويوشع، وشمويل، وحزقيل، وغيرهم؛ لأنهم كانوا ملتزمين بأحكام التوراة، فكانوا يعظون قومهم، وينصحونهم، فيقتلونهم، فيقوم رجال ممّن آمن بهم، وصدّقهم، فيذكّرونهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فيقتلونهم أيضا. فهم ﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل بين الناس.\nروى البغوي بسند الثعلبي عن أبي عبيدة بن الجراح﵁قال: قلت:\nيا رسول الله! أيّ الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبيّا، أو رجلا أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر» ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى أن انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ثم قال رسول الله ﷺ: «يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّا من أوّل النّهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عبّاد بني إسرائيل، فأمروهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم الذين ذكرهم الله في كتابه، وأنزل الآية فيهم».\n ﴿فَبَشِّرْهُمْ:﴾ أمر من البشارة، وهي الإخبار بما يظهر أثره على البشرة-وهي ظاهر الجلد- لتغييرها بأوّل خبر يرد عليها، ثمّ الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخبر المبشّر به، وغير مقيد به أيضا، ولا يستعمل في الشر إلا مقيدا منصوصا على المبشّر به على سبيل التهكّم، كما في هذه الآية، وقال تعالى في سورة (النّحل) رقم [٥٨]: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. هذا؛ وحمله بعضهم على الاستعارة، وهو: أنّ إنذار الكفار بالعذاب قام مقام","vol":"2","page":46},{"text":"بشرى المحسنين بالثّواب. وفي هذه الآية توبيخ لليهود؛ الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ وإن كان أسلافهم الذين قتلوا الأنبياء، ومثله كثير في القرآن، كما في قوله تعالى في (البقرة): ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ..﴾. إلخ الآية رقم [٦١] ونحوها.\nهذا؛ ودلّت الآية الكريمة على أنّ الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر كان واجبا في الأمم السابقة، وهو فائدة الرّسالة، وخلافة النّبوة، قال الحسن﵁قال رسول الله ﷺ:\n «من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه». وعن درّة بنت أبي لهب﵁قالت: قلت: يا رسول الله! من خير النّاس؟ قال: «أتقاهم للرّبّ، وأوصلهم للرّحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر». وعن أنس بن مالك﵁قال: قيل: يا رسول الله! متى نترك الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم». قلنا: يا رسول الله! وما ظهر في الأمم قبلنا؟!\nقال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم». أخرجه ابن ماجة برقم [٤٠١٦]. قال زيد-رحمه الله تعالى-: تفسير معنى قوله النبي ﷺ: «والعلم في رذالتكم»:\nإذا كان العلم في الفسّاق، وأزيد أنا: والمنافقين. ومعنى: صغاركم: الحقيرون، الذليلون.\nومعنى كباركم: العظماء في أعين الناس.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان به، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و(غير) مضاف، و﴿حَقٍّ﴾ مضاف إليه، وكذلك جملة: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ﴾ إلخ معطوفة أيضا، لا محل لها مثلها، ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة في: ﴿يَأْمُرُونَ﴾.\n ﴿فَبَشِّرْهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: ومن كفر؛ فبشرهم. (بشرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والجملة الشرطية معترضة بين اسم: ﴿إِنَّ﴾ وخبرها، وهو الجملة الاسمية الآتية، هذا وجه للإعراب، والوجه الثاني: اعتبار الفاء زائدة في خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول الذي هو اسم «إنّ» يشبه الشرط في العموم. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وقد منع سيبويه إدخال الفاء في خبر «إن»، ك: «ليت»، «ولعلّ» ولذلك قيل: الخبر: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ، وهو ما ذكرته أولا. هذا؛ والذي قرأته في مغني اللبيب: أنّ الخلاف حاصل في وقوع الجملة الإنشائية خبرا","vol":"2","page":47},{"text":"ل «إنّ» فمنهم من يجيزه ومنهم من يمنعه، والمانعون يؤوّلون الجملة الإنشائية الواقعة خبرا ل «إن» بجملة خبرية، أو يعتبرونها مقولة لقول محذوف. انظر الشاهد رقم [١٠٠١] من كتابنا فتح القريب المجيب، وهذا نصه: [البسيط]\nإنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما\nوالشاهد رقم [١٠٠٢] منه، وهذا نصه: [الرجز]\nإنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه\nهناك أوصيني ولا توصي بيه\nولم يتعرّض ابن هشام-رحمه الله تعالى-لدخول الفاء في خبر «إنّ» أو إحدى أخواتها، والذي تعرض لذلك الأشموني-رحمه الله تعالى-حيث قال: وإذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ؛ الذي اقترن خبره بالفاء؛ أزال الفاء؛ إن لم يكن (إنّ، أو أنّ، أو لكنّ) بإجماع المحقّقين، فإن كان (إنّ، أو أنّ، أو لكنّ) جاز بقاء الفاء. نصّ على ذلك في «إنّ، وأنّ» سيبويه، وهو الصحيح الذي ورد القرآن المجيد به، وأورد آيات كثيرة، من جملتها الآية التي نحن بصدد شرحها، وإعرابها. فأنت ترى: أن البيضاوي-رحمه الله تعالى-قد نقل عن سيبويه عكس ما ذكره الأشموني، والمنقول عن الأخفش-رحمه الله تعالى-: أنه هو الذي منع دخول الفاء الزائدة على خبر المبتدأ المنسوخ بأيّ ناسخ كان. وقد أطلت عليك في هذه المسألة لأحيلك على هذه الآية كلّما عرض لنا شيء من هذا القبيل. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم. وانظر الآية رقم [٩٠] الآتية.\n\n<span id=\"aya-315\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ﴾ إلخ: أي: المتصفون بتلك الصفات القبيحة، وهم اليهود؛ الذين قتلوا الأنبياء، والذين أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر. والنصارى؛ الذين رفضوا الإسلام، ويلحق بهم الوثنيون من العرب في كلّ زمان، ومكان. ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:﴾ بطلت أعمالهم الصالحة، من صدقة، وحسن جوار، وصلة رحم، وغير ذلك، فلا يجدون لها أجرا، وثوابا في الدّنيا، ولا في الآخرة. بسبب كفرهم بمحمّد ﷺ. وقد بيّن الله سبحانه في سورة (النور) رقم [٣٩] وفي سورة (الفرقان) رقم [٢٣]: أن أعمال الكفار الصّالحة في نظرهم إنّما هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وهي هباء منثور، لا قيمة لها عند الله، ولا تنفع أصحابها شيئا. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي: مانعين يمنعونهم من عذاب الله تعالى.","vol":"2","page":48},{"text":"هذا؛ وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب، حبطا بالسّكون، وحبوطا:\nفسد، وهدر، وحبط، يحبط من باب: ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذّ، وحبط دم فلان من باب تعب: هدر، وأحبطت العمل، والدم بالألف: أهدرته. وفي المختار: والحبط بفتحتين: أن تأكل الماشية، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها، وقيل: هو أن ينتفخ بطنها من أكل الدرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث: «إنّ ممّا ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى واسم هذا الدّاء: الحباط، والفعل: حبط لازم، ويتعدّى بالهمزة، كما في قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (﴿إِنَّ﴾) في الآية السابقة، أو هي مستأنفة لا محل لها، انظر الآية السابقة.\n ﴿حَبِطَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، في الدنيا: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَعْمالُهُمْ﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على: ﴿الدُّنْيا﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد. هذا؛ ويجوز اعتبار (﴿ما﴾) نافية حجازية عاملة عمل «ليس» وباقي الإعراب ظاهر، والجملة الاسمية في محل نصب من الاسم الموصول، والرابط: الواو، والضمير. وهو أقوى من العطف على الجملة الاسمية السابقة.\n\n<span id=\"aya-316\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلخ: تعجيب للنبي ﷺ، ولكل من تأتّى منه الرؤية، والنّظر من حال أهل الكتاب، وسوء صنيعهم، فهو استفهام تعجيب، وتشويق إلى استماع ما بعده، وهو جار مجرى المثل في معنى التعجّب. ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ:﴾ أعطوا حظّا، ونصيبا من التوراة.\nوالمراد بذلك الحظّ، والنصيب ما بيّن لهم في التوراة من العلوم، والأحكام؛ التي من أهمها ما علموه من نعوت النّبي ﷺ، وحقيقة الإسلام. ﴿يُدْعَوْنَ:﴾ الداعي هو محمد ﷺ. ﴿إِلى كِتابِ اللهِ:﴾ هو القرآن، أو التوراة. وذلك: أنّ اليهود دعوا إلى حكم القرآن، فأعرضوا عنه. قال ابن عباس﵄-: إنّ الله﷿جعل القرآن حكما فيما بينهم وبين رسول الله ﷺ فحكم القرآن على اليهود، والنّصارى: أنهم على غير الهدى، فأعرضوا عنه.","vol":"2","page":49},{"text":"وروي عن ابن عباس﵄أيضا: أنّ رسول الله ﷺ دخل بيت المدراس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله﷿فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أيّ دين أنت يا محمد؟! فقال: «على ملة إبراهيم». قالا: إنّ إبراهيم كان يهوديّا. فقال رسول الله ﷺ: «هلمّوا إلى التوراة فهي بيتنا، وبينكم!» فأبيا عليه، فأنزل الله هذه الآية، فعلى هذا القول يكون المراد بكتاب الله: التوراة.\nوروي عنه أيضا: أنّ رجلا، وامرأة من أهل خيبر زنيا، وكان في كتابهم الرّجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله ﷺ ورجوا أن تكون عنده رخصة، فحكم عليهما بالرّجم، فقال النعمان بن أوفى، وبحريّ بن عمرو: جرت عليهما يا محمد، وليس عليهما الرّجم. فقال رسول الله ﷺ: «بيني وبينكم التّوراة». فقالوا: قد أنصفت، فقال: «من أعلمكم بالتوراة؟». فقالوا: رجل أعور، يقال له: عبد الله بن صوريا، يسكن فدك، فأرسلوا إليه، فقدم المدينة، وكان جبريل ﵇ قد وصفه للنبيّ ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم، قال: «أنت أعلم اليهود بالتّوراة؟» قال: كذلك يزعمون. فدعا رسول الله ﷺ بالتوراة، وقال له: اقرأ، فقرأ حتى أتى على آية الرّجم، وضع يده عليها، وقرأ ما بعدها، فقال عبد الله بن سلام﵁-: يا رسول الله! قد جاوزها، ثم قام، ورفع كفّه عنها، وقرأها على رسول الله ﷺ وعلى اليهود، وفيها: (إنّ المحصن، والمحصنة إذا زنيا، وقامت عليهما البينة؛ رجما، وإن كانت المرأة حبلى؛ تربّص بها حتّى تضع ما في بطنها). فأمر رسول الله ﷺ باليهوديين، فرجما، فغضبت اليهود لذلك، فأنزل الله الآية الكريمة.\n ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليقضي بينهم. وإضافة الحكم إلى الكتاب هو على سبيل المجاز.\n ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى:﴾ يعرض، وأصله: الإعراض، والإدبار عن الشيء بالجسم، ثمّ استعمل في الإعراض عن الأوامر، والأديان والمعتقدات اتّساعا، ومجازا. ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: الرّؤساء، والعلماء منهم. هذا؛ والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، ومعشر، وجمعه في أدنى العدد: فرقة، وفي الكثير: فرقاء. وقال الأعلم-رحمه الله تعالى- الفريق: يقع للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، مثل: صديق، وعدو، وقعيد.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتشويق، وتعجيب. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم، ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وهو: بصريّ، فاكتفى بالجار والمجرور. وجملة: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان ب ﴿نَصِيبًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يُدْعَوْنَ:﴾\nفعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو","vol":"2","page":50},{"text":"نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل. ﴿إِلى كِتابِ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا..﴾. إلخ، والرابط: الضمير فقط، و﴿كِتابِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الْكِتابِ﴾ أو إلى: ﴿اللهِ﴾ و«أن» المضمرة، والفعل: (يحكم) في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يُدْعَوْنَ﴾.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتَوَلّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَرِيقٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُدْعَوْنَ﴾ إلخ، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿فَرِيقٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:\nواو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (من)، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: معطوفة على متعلق: ﴿مِنْهُمْ﴾. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: حال من: ﴿فَرِيقٌ،﴾ وإنما ساغ ذلك لتخصصه بالصّفة. والأول أقوى، وأولى بالاعتبار.\n\n<span id=\"aya-317\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى التولّي، والإعراض المذكور في الآية السّابقة. ﴿بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ﴾ إلخ: قال مجاهد-رحمه الله تعالى-عن ابن عباس﵄-: إنّ اليهود كانوا يقولون: إنّ هذه الدّنيا سبعة آلاف سنة، وإنّما نعذب في النار يوما بكل ألف سنة، وإنما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل الله تعالى الآية رقم [٨٠] من سورة (البقرة) ردّا عليهم. وقال العوفي عن ابن عباس أيضا. قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين يوما، وهي مدّة عبادة آبائهم العجل. هذا وقد جاء وصف: ﴿أَيّامًا﴾ في هذه الآية وفي آية الصيام بلفظ ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ وجاء في الآية رقم [٨٠] من سورة البقرة بلفظ: ﴿مَعْدُودَةً﴾ وهذا يدلّ على أنّه يجوز في العربية استعمال اللفظتين في وصف ﴿أَيّامًا﴾.\nفاليهود جازمون بدخول النار من أجل عبادة آبائهم العجل، فدخولها يطهّرهم من عبادة آبائهم، ومن ذنوبهم، وقبائحهم؛ الّتي يفعلونها. ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾. ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ..﴾.\nإلخ: خدعهم ظنّهم، واعتقادهم الفاسد من أنّ النار لن تصيبهم إلا أياما قلائل. أو: أن آباءهم يشفعون لهم. أو: أن يعقوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-وعده الله تعالى ألا يعذب أولاده إلا تحلّة القسم.","vol":"2","page":51},{"text":"الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمّ الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، والجملة الفعلية مع مقولها في محل رفع خبر (أن) و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ﴾ إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَمَسَّنَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ و(نا):\nمفعول به. (﴿النّارُ﴾): فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (﴿إِلاّ﴾): حرف حصر.\n ﴿أَيّامًا﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو منصوب بنزع الخافض. ﴿مَعْدُوداتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّامًا﴾ منصوب مثلهن، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَغَرَّهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. في دينهم: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وقيل:\nالجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَفْتَرُونَ﴾ بعدهما، والمعنى يؤيده. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه. ﴿يَفْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: غرهم الذي أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: غرّهم افتراؤهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾.\nإلخ، فهي في محل رفع مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فلست مفندا، والرابط الواو والضمير، ويجب تقدير «قد» قبلها لتقرّبها من الحال.\n\n<span id=\"aya-318\"></span>﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿فَكَيْفَ إِذا..﴾. إلخ: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: استعظام لما يحيق بهم في الآخرة، وتكذيب لقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا..﴾. إلخ والمعنى: فكيف يكون حالهم؟! أو فكيف يصنعون؟! ﴿لِيَوْمٍ:﴾ في يوم. قاله الكوفيون، وقال البصريون: التقدير: جمعناهم لحساب يوم لا ريب فيه؛ أي لا شكّ فيه: أنه واقع، وكائن، وهو يوم القيامة، وفيه تهديد، ووعيد لهم، واستعظام لما أعدّ لهم في ذلك اليوم، وأنهم يقعون فيه لا محالة، ولا حيلة لهم فيه، وأنّ ما حدّثوا به أنفسهم، وسهّلوه عليها تعلّل بباطل، وطمع فيما لا يكون، ولا يحصل لهم. قيل: إنّ","vol":"2","page":52},{"text":"أول راية ترفع لأهل الموقف يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود، تفضحهم على رءوس الأشهاد، ثمّ يؤمر بهم إلى النار؛ لأنهم افتروا المفتريات. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أي:\nجوزيت كل نفس بما عملت من خير، أو شرّ، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: بنقص حسنة؛ إن كانت لهم حسنات، أو زيادة سيئة، والكفر أعظم السيئات، وأعظم الجرائم. وواو الجماعة عائدة إلى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ على المعنى؛ لأنه في معنى كل إنسان. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل؛ لتحقّق وقوعه.\nهذا؛ و﴿جَمَعْناهُمْ﴾ أي: لليهود، وللناس أجمعين. وهذا في الأعيان، ويقال: أجمع الأمر إذا عزم عليه، والأمر مجمع. ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قوم فرعون، وأشياعه في سورة (طه) رقم [٦٤]: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ ولا يقال: أجمع أعوانه وشركاءه، وإنّما يقال: جمع أعوانه، وأصدقاءه. وهذا مبنيّ على قاعدة: «يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان». هذا هو الأكثر، والمستعمل، وقد يستعمل كلّ واحد مكان الآخر، قال تعالى في سورة (طه): ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾.\nهذا؛ والمراد ب (يوم) في هذه الآية يوم القيامة وما فيه من الحساب، والعذاب، والأهوال.\nوقد ذكرا الله طوله في سورة (الحج) بقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ رقم [٤٧]. هذا؛ واليوم في الدنيا: هو الوقت من طلوع الشّمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشّرعي، فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس. كما يطلق اليوم على اللّيل والنّهار معا، وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت، والجمع: أيّام، أصله أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وجمع الجمع: أياويم. وأيام العرب:\nوقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه. قال تعالى في سورة (يونس) رقم [١٠٢]: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. وقال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ ويقال: فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: اعتبر حالي فيما أنا فيه. وخذ قوله تعالى في الآية رقم [١٤٠] الآتية: ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وانظر شرح الليل، والنهار في الآية رقم [٢٧٤] من سورة (البقرة).\nالإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: كيف حالهم. أو هو في محل نصب حال، عامله محذوف، التقدير: كيف يصنعون، والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل المقدر، أو هو متعلق بنفس المبتدأ الذي قدرناه. ﴿جَمَعْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿لِيَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. هذا، ومثل هذه الآية في إعرابها الآية","vol":"2","page":53},{"text":"رقم [٤١] من سورة (النساء) ومثل الآيتين قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [٢٢٥] من كتابنا فتح رب البرية، والشاهد رقم [٥٢٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nفكيف إذا مررت بدار قوم... وجيران لنا كانوا كرام؟\n ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» (﴿رَيْبَ﴾): اسم (﴿لا﴾) مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾ والجملة الاسمية في محل جر صفة: (يوم).\n (﴿وُفِّيَتْ﴾): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، والتاء للتأنيث. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأوليين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا كسبته. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: وفّيت كلّ نفس كسبها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-319\"></span>﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلِ:﴾ خطاب للرّسول ﷺ؛ أي: يا محمد قل معظما لربّك، وشاكرا له، ومفوضا إليه أمرك، ومتوكلا عليه في جميع شئونك. ﴿اللهُمَّ﴾ أصله: يا الله، قاله الخليل، وسيبويه، فحذفت «يا» وعوض عنها الميم المشدّدة في الآخر، وهذا الحذف، والتعويض من خصائص الاسم الكريم، كدخول «يا» عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، ودخول تاء القسم عليه، ولا يجمع بين العوض، والمعوض إلا في ضرورة الشعر، كقول الشاعر: [الرجز]\nوما عليك أن تقولي كلّما... سبّحت أو هلّلت يا اللهمّا\nاردد علينا شيخنا مسلّما... فإنّنا من خيره لن نعدما\nوأيضا قول أمية بن أبي الصّلت-وهو الشاهد رقم [٤٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]\nإنّ تغفر اللهمّ تغفر جمّا... وأيّ عبد لك لا ألمّا؟\nإنّي إذا ما حدث ألمّا... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا","vol":"2","page":54},{"text":"هذا؛ وقال الكوفيّون: فإنّ الأصل في: ﴿اللهُمَّ﴾ يا الله آمنّا بخير. والأول هو المعتمد.\n ﴿مالِكَ الْمُلْكِ:﴾ يتصرّف فيما يمكن التصرف فيه تصرف الملاّك فيما يملكون. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ:﴾\nتعطي، وتمنح من تشاء النصيب الذي قسمت له من الملك. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ:﴾ تسلب، وتسترد الملك ممّن تشاء أن تنزعه منه. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ:﴾ يعني: محمدا ﷺ بالنبوّة، والرّسالة، وكلّ مؤمن بالإيمان، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ إذلاله بالكفر، كاليهود، والنّصارى بأخذ الجزية منهم، ونزع النبوة عنهم. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ:﴾ يعني: النّصر، والغنيمة. هذا؛ وقد ذكر الله سبحانه الخير، والشرّ من قدرته أيضا، اكتفاء بالمقابل، وإنّما خصّ الخير بالذكر؛ لأنه المرغوب فيه، أو لأنه المقضيّ بالذّات، والشرّ مقضيّ بالعرض؛ إذ لا يوجد شرّ جزئيّ ما لم يتضمن خيرا كلّيّا. ﴿إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ قادر مقتدر؛ يعني: من إيتاء الملك من تشاء، وإعزاز من تشاء، وإذلال من تشاء.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة من المحسّنات البديعيّة الطباق بين: (تؤتي، وتنزع) وبين: (تعزّ، وتذلّ)، والإيجاز بالحذف، حيث حذف مفعول الأفعال الأربعة، كما تراه في الإعراب، وكذلك الاقتصار على ذكر الخير، دون ذكر الشرّ، فإن فيه تعليم الأدب لنا مع الله، فالشرّ لا ينسب إليه تعالى أدبا، وإن كان منه خلقا، وتقديرا، كما قال تعالى في (سورة النّساء) رقم [٧٨]: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ومع ذلك قال تعالى في الآية بعدها: ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.\nتنبيه: ذكر البيضاوي-رحمه الله تعالى-: أن النبي ﷺ وعد أصحابه ملك كسرى، وقيصر، وهم في أشدّ المحن، وذلك في غزوة الخندق المسماة بغزوة الأحزاب أيضا، فقال المنافقون:\nهيهات! هيهات! ما يعدنا محمد إلا غرورا، يعدنا ملك كسرى، وقيصر، وأحدنا لا يجرؤ على البراز خارجا، فنزلت الآية الكريمة. وانظر سورة (الأحزاب).\nوقال ابن عباس﵄-: لمّا فتح رسول الله ﷺ مكة؛ وعد أمّته ملك فارس، والروم، فقال المنافقون، واليهود: هيهات! هيهات! من أين لمحمد ملك فارس، والروم، وهم أعزّ، وأمنع من ذلك؟! ألم يكف محمدا مكة، والمدينة حتى طمع في ملك فارس، والروم؟! فأنزل الله هذه الآية. وهذا ضعيف، ويضعّفه: أنّ اليهود قد قضي عليهم قبل فتح مكة.\nهذا؛ وفي بعض كتب الله المنزلة: أنا الله ملك الملوك، ومالك الملك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني؛ جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني؛ جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. هذا؛ و(يشاء) ماضيه:\nشاء، وأصله شيء على فعل بكسر العين، بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها. ومفعوله محذوف يقدر في هذه الآية على حسب المعنى، ويكثر حذف مفعوله، ومفعول: أراد حتى كاد لا ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى","vol":"2","page":55},{"text":"في سورة (الأنبياء) رقم [١٧]: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوينبغي أن تعلم: أنه يكثر حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» كما رأيت.\nو«شيء» في اللّغة: عبارة عن كل موجود. إمّا حسّا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت شيئا. وجمع الشيء: أشياء، غير منصرف، واختلف في علّته اختلافا كثيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: إن وزنه شياء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزن لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا:\nأدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.\nوأما اليد؛ فإنها تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٥]: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقد تطلق على القدرة، والقوة، وهو كثير مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ وخذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا فتح رب البرية: [الطويل]\nوحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان\nكما تطلق اليد على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان يد عندي؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. كما تطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. ويد الله في هذه الآية، وشبهها فيها مذهبان: مذهب الخلف التأويل بمعنى: القدرة، والقوة. ومذهب السّلف: التفويض، يقولون: الله أعلم بمراده. وبعضهم يقول: لله يد تليق به.\nالإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿اللهُمَّ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بيا المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر. (ملك:) فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من: ﴿اللهُمَّ﴾. والثاني: أنه عطف بيان. الثالث: أنه منادى ثان، حذف منه حرف النداء، أي: يا مالك الملك. الرابع: أنّه نعت ل ﴿اللهُمَّ﴾ على الموضع، فلذلك نصب، وهذا ليس مذهب سيبويه، فإنه لا يجيز نعت هذه اللفظة لوجود الميم في آخرها؛ لأنها أخرجتها عن نظائرها من الأسماء، وأجاز المبرد من ذلك، واختاره الزجّاج. قالا: لأن الميم بدل من (يا)، والمنادى مع (يا) لا يمتنع وصفه، فكذا ما هو عوض منها، وأيضا فإن الاسم الكريم لم يتغيّر عن حكمه، ألا ترى إلى بقائه مبنيّا على الضم، كما كان مبنيّا مع (يا).\nانتهى جمل نقلا عن السمين، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الروم): ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ..﴾.\nإلخ. وقولهما: المنادى مع (يا) لا يمتنع وصفه، أي: كما في قول جرير في مدح عمر بن عبد العزيز﵁، وهو الشاهد رقم [١٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]","vol":"2","page":56},{"text":"فما كعب بن مامة وابن سعدى... بأجود منك يا عمر الجوادا\nو﴿مالِكَ﴾ مضاف، و﴿الْمُلْكِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت. ﴿تُؤْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: أنت. ﴿الْمُلْكِ﴾ مفعول به أول. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿تَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير: تشاء إتيانه الملك، والجملة الفعلية: قال أبو البقاء -رحمه الله تعالى-: هي وما بعدها من المعطوفات خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: أنت تؤتي\nإلخ، وقيل: مستأنفة لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وانتصاب الحال من المنادى مختلف فيه، وتقدير الجملة الثانية: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ أن تنزعه منه. أقول: مجيء الحال من المنادى مستعمل من غير خلاف، كقول الشّاعر: [البسيط]\nيا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته\nوقال مكيّ: في موضع الحال من المضمر في: (ملك). وقوله: مستأنف الأولى أن يقال:\nجملة ابتدائية؛ لأنه يكثر وقوع الجمل الفعلية بعد النداء، واعتبارها ابتدائية أولى؛ لأنه لا يقع نداء إلا وبعده جملة فعلية، ويكثر أن تكون إنشائية، وهي بمنزلة الجواب عن النداء، وأما الوجه الأول؛ الذي ذكره؛ فلا مسوّغ له، والجملة الباقية معطوفة على جملة: ﴿تُؤْتِي﴾ إلخ، ولا خفاء في إعرابها، وتقدير الجملتين: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ﴾ إعزازه. ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ إذلاله.\n ﴿بِيَدِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْخَيْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وقيل فيها ما قيل بالجمل قبلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمها. على كلّ: متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر (إنّ) والجملة الاسمية مفيدة للتعليل.\n\n<span id=\"aya-320\"></span>﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله تعالى: أنه مالك الملك؛ أردفه بذكر قدرته الباهرة في حال الليل، والنهار، وفي المعاقبة بينهما. وحال إخراج الحي من الميت، ثمّ عطف عليه: أنه يرزق من يشاء بغير حساب، وفي ذلك دلالة على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيّرة لذوي الأفهام، والعقول؛ فهو قادر على أن ينزع النبوة من اليهود، والنصارى، وأن ينزع الملك من فارس، والروم، واليهود، ويذلهم جميعا، ويؤتيه العرب، ويعزّهم.","vol":"2","page":57},{"text":"﴿تُولِجُ:﴾ تدخل، والماضي: أولج، فهو رباعي، ومصدره: الإيلاج، وأما الثلاثي فهو:\nولج، يلج، ومصدره: الولوج. والمراد بإيلاج الليل في النّهار، وبالعكس بأن يزيد كلّ منهما بما نقص من الآخر، وهو ظاهر في طول الليل، وقصره تبعا لفصول السنة. هذا؛ وفي الجملتين ردّ العجز على الصّدر، وفيها استعارة عجيبة، فإنّ الإيلاج عبارة عن إدخال هذا على هذا، أو إدخال هذا في هذا، وذلك؛ لأنّ ما ينقصه من الليل يزيده في النهار، والعكس، ولفظ الإيلاج أبلغ؛ لأنّه يفيد إدخال كلّ واحد منهما في الآخر بلطيف الممازجة، وشديد الملابسة. وبين ﴿اللَّيْلَ﴾ و﴿النَّهارِ﴾ وبين ﴿الْحَيَّ﴾ و﴿الْمَيِّتِ﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعية.\n ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ:﴾ ﴿الْحَيَّ﴾ كالإنسان، والطائر، و﴿الْمَيِّتِ:﴾ النّطفة تخرج من الإنسان، والبيضة تخرج من الطائر. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ:﴾ الإنسان، والطائر من النطفة، والبيضة.\n ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ:﴾ النطفة، والبيضة من الإنسان، والطائر. ويقال أيضا في جميع البذور، وما يخرج منها من النباتات. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-معناه: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وروي نحوه عن سلمان الفارسي﵁-. وروى معمر بن الزّهري: أنّ النبي ﷺ دخل على نسائه، فإذا بامرأة حسنة الهيئة، قال: «من هذه؟» قلن: إحدى خالاتك قال: لو من هي؟ «قلن: هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال ﷺ: «سبحان الّذي يخرج الحيّ من الميّت». وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافرا. خذ قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٢]: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ﴾. انظر شرحها هناك.\n ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي: بغير تقدير، فيوسع في الدنيا استدراجا تارة، وابتلاء أخرى. وأما رزقه في الآخرة للمؤمنين؛ فيكون تكريما واسعا، لا يضبطه عدّ، ولا كيل، ولا وزن بخلاف رزق الدّنيا؛ فإنه مضبوط محصور، ورزق الآخرة لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كدّ الاكتساب، وخوف الحساب، ولا منّة فيه، ولا عذاب.\nهذا و(ميت) أصله: ميوت، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسّكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء، في الياء. هذا؛ وتخفف الياء بالسّكون، فيقال:\nميت، بفتح الميم وسكون الياء، وهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات، وأما المشدّد؛ فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وجمعه: موتى، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل]\nأيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل\nفمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل","vol":"2","page":58},{"text":"هذا هو الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان، كما في قول عديّ بن الرّعلاء-وهما الشاهد رقم [٨٣٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف]\nليس من مات، فاستراح بميت... إنما الميت ميّت ميّت الأحياء\nإنما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء\nومنه الآية التي نحن بصدد شرحها، والآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام) حيث استعمل المشدّد فيها لفاقد الحياة والرّوح، كما هو واضح فيها.\nالإعراب: ﴿تُولِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي النَّهارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرت حكمها حكم ما قبلها؛ فلست مفنّدا، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها لإخفاء فيه. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ترزق الذي، أو شخصا تشاؤه رزقا واسعا بغير حساب. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بواسعا الذي قدرته لك، وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، أو من الفاعل، أو بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، وكل هذه الأقوال لا طائل تحتها؛ لأنّ الفعل: (﴿تَرْزُقُ﴾) ينصب مفعولين، لأنه بمعنى:\nتعطي، وتمنح، وقد نصبهما. والثاني فيهما: «رزقا» الذي قدرته.\n\n<span id=\"aya-321\"></span>﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾\nالشرح: نهى الله المؤمنين في هذه الآية عن موالاة الكافرين لقرابة، أو صداقة، ونحوهما؛ حتى لا يكون حبّهم، وبغضهم إلا لله، كما نهى عن الاستعانة بهم في الغزو، وسائر الأمور الدّينيّة، والدّنيوية، وإنّما يجب الحب للمؤمنين خاصّة، والمعاونة، والمساعدة لهم، وبهم، ومثل هذه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ، وفي أوّل سورة (الممتحنة): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي..﴾. إلخ. انظر شرح الآيات في محالها.\nهذا؛ ويروي التاريخ: أنه لمّا وقع الخلاف بين معاوية، وعليّ بن أبي طالب عرض قيصر الروم مساعدته لمعاوية، فردّ عليه معاوية بقوله: أنا أستعين بكافر على مسلم، والله لو قطّعت إربا إربا ما استعنت بكافر على مسلم، وانظر الآية رقم [١١٨] الآتية.","vol":"2","page":59},{"text":"﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: ومن يوال الكفار، ويستعين بهم على المؤمنين، أو ينقل إليهم أخبار المؤمنين، أو يطلع الكافرين على عورات المؤمنين، فليس من دين الله في شيء، وليس من ولايته في شيء. وهذا أمر مقول من أنّ ولاية المولى معاداة أعدائه، وموالاة الله، وموالاة الكفار صنوان لا يجتمعان. كما قال الشاعر: [الطويل]\nتودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني... صديقك ليس النّوك عنك بعازب\nفليس أخي من ودّني رأي عينه... ولكن أخي من ودّني في المغايب\n ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ المعنى: إن الله نهى المؤمنين عن موالاة الكفار، ومداهنتهم، إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كافرين، فيداريهم؛ وقلبه مطمئنّ بالإيمان، دفعا عن نفسه من غير أن يستحل حراما، أو مالا حراما، أو يظهر الكفار على عورات المسلمين. والتقية لا تجوز إلا مع خوف القتل مع سلامة النية. قال الله تعالى في سورة (النّحل) رقم [١٠٦] ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد. والحمد لله! ثم هذه التقية رخصة، فلو صبر على إظهار إيمانه حتى قتل؛ كان له بذلك أجر عظيم، وأنكر قوم التقيّة.\nفقال معاذ بن جبل، ومجاهد﵃-: كانت التقية في جدّة الإسلام قبل قوّة المسلمين، فأمّا اليوم-أي: في زمننا-فقد أعزّ الله الإسلام أن يتّقوا من عدوّهم. وقال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة. أقول: وفي هذه الأيام واقعة، ولا بدّ منها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنّ المسلم مضايق في دينه، وإقامة شعائره. هذا؛ وإن الشّيعة يقولون: إن عليّا﵁سكت عن المطالبة بالخلافة تقية، فهم يصمونه بالجبن، وهم لا يعلمون، وحاشاه من الجبن، هذا وقال ابن عباس﵄-: ليس التّقيّة بالعمل، إنما التقيّة باللّسان. ورضي الله عن أبي الدّرداء؛ إذ قال: إنا لنبشّ في وجه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم.\n ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أي: نقمته، وسطوته، وعذابه في مخالفة أمره، وموالاة أعدائه.\n ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ:﴾ المرجع، والمنقلب، والمآب، فيجازيكم بأعمالكم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. وفي هذه الآية تهديد عظيم، ووعيد شديد. و﴿تُقاةً﴾ أصله: (وقية) على وزن فعلة، ويجمع على: تقى، كرطبة، ورطب، فأبدلت الواو تاء، والياء ألفا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها.\nوانظر مثلها في الآية رقم [١٠٢] مع اختلاف المعنى هنا، وهناك، فالإعلال واحد.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿يَتَّخِذِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به أوّل منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون فيه وفي سابقه عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَوْلِياءَ﴾ لأنه جمع: ولي، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له. وقال الجمل: متعلقان بمحذوف حال من","vol":"2","page":60},{"text":"الفاعل، وأوّله تأويلا فيه تكلّف. و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله مستتر يعود إلى: (من). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ لها.\n ﴿فَلَيْسَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليس): فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من).\n ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلمّا قدم عليه، صار حالا، على القاعدة: (نعت النكرة إذا تقدّم عليها صار حالا). ﴿فِي شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (ليس).\nوالجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت، في الآية رقم [١٩] والجملة الاسمية: (من...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿أَنْ تَتَّقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور بدل من معلّل محذوف، وفي السمين: وهذا استثناء مفرغ من المفعول لأجله، والعامل فيه: ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ أي: لا يتخذ المؤمن الكافر وليّا لشيء من الأشياء، ولا لغرض من الأغراض، إلا للتقية ظاهرا؛ بحيث يكون مواليه في الظاهر، ومعاديه في الباطن، وعليه فقوله:\n ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ..﴾. معترض بين العلة، ومعلولها. انتهى جمل. ﴿تُقاةً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تتقوا تقاة. أو عامله المذكور، وهو أولى، أو هو مفعول به، على تأويل تتقوا المذكور ب «تخافوا تقاة».\n ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿يُحَذِّرُكُمُ﴾): فعل مضارع، والكاف مفعول به أول.\n ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-322\"></span>﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾\nالشرح: يخبر الله تعالى عباده: أنه يعلم السرائر، والضمائر، والظواهر، وأنّه لا تخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في جميع الأحوال، والأزمان، واللحظات، والأوقات، وجميع","vol":"2","page":61},{"text":"ما في السموات والأرض، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض، والبحار، والجبال، والأنهار والمراد-والله أعلم-: أنه تعالى يعلم ما تكنّه الصدور من ولاية الكفار، وحبّهم، وموالاتهم. وبين (﴿تُخْفُوا﴾) و(تبدوا) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.\nهذا؛ وذكر الله الصدور؛ لأنّها وعاء القلوب. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: فيقدر على عقوبتكم، وعلى الانتقام منكم؛ إن لم تنتهوا عن موالاة الكفار؛ لأنه تعالى يتّصف بعلم ذاتي محيط بالمعلومات، وقدرة ذاتيّة تعمّ المقدورات بأسرها، فلا تجسروا على عصيانه؛ إذ ما من معصية؛ إلا وهو مطلع عليها، قادر على العقاب بها. وينبغي أن تعلم: أنّ الحبّ في الله، والبغض في الله عظيم في الإيمان. وخذ ما يلي:\nفعن معاذ بن أنس﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من أعطى لله، ومنع لله، وأحبّ لله، وأبغض لله، وأنكح لله؛ فقد استكمل إيمانه». أخرجه الإمام أحمد، والترمذي.\nهذا؛ والفعل: (﴿يَعْلَمُ﴾) في هذه الآية من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nلعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنّه ينصب مفعولين، أصلهما: مبتدأ، وخبر. وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلّقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم؛ فإنّ متعلقه المعاني، والنّسب. وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنّك عرفت ذاته، ولم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك. وإذا قلت: علمت زيدا فقيها، لم يكن المقصود: أنّ العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أنّ العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصّفة. هذا؛ ولا يعزب عن بالك: أنّ في ﴿ما﴾ بألفاظها الثلاثة تغليبا لغير العقلاء على العقلاء.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿تُخْفُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد في صدوركم. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تُبْدُوهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والواو فاعله، والهاء مفعول به. ﴿يَعْلَمْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والهاء مفعول به.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة.","vol":"2","page":62},{"text":"﴿وَيَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿يَعْلَمُ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾.\n ﴿ما:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما﴾. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه، ومحله مثله، والجملة الفعلية: ﴿وَيَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولم أطلع على قراءة بنصب الفعل، أو جزمه، وهو جائز عربيّة، كما رأيت شرح ذلك في الآية رقم [٢٨٤] من سورة (البقرة). ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-323\"></span>﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَجِدُ..﴾. إلخ: يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير، أو شرّ، كما قال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (القيامة):\n ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ فما رأى من أعماله حسنا؛ سرّه، وأفرحه، وما رآه من قبيح؛ ساءه، وأغصّه، وودّ لو أنّه تبرّأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقرونا به في الدّنيا، وأضلّه، وأغواه، وجرّأه على فعل السّوء، كما حكى الله ذلك عنه بقوله: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ وبين: ﴿مُحْضَرًا﴾ و﴿بَعِيدًا﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعية.\nهذا؛ و﴿تَجِدُ﴾ أصله: توجد، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الفتحة، والكسرة، ويقال: بين الياء، والكسرة في مضارع الغائب: (يجد) قياسا على مضارع الحاضر. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ:﴾ يخوّفكم عقابه، وبطشه، وانتقامه، وذكرت لك مرارا: أنّه يعبّر عن الذّات بالنفس. ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ:﴾ فيه إشارة إلى أنّه سبحانه إنّما نهاهم عن معصيته، وحذّرهم عقابه رأفة بهم، ومراعاة لمصالحهم، فإنّه سبحانه ذو مغفرة ترجى رحمته، وذو عقاب يخشى عذابه. هذا؛ والأمد:\nالغاية، وجمعه: آماد، ويقال: استولى على الأمد، أي: غلب سابقا، قال النابغة في استعطاف النّعمان بن المنذر في معلّقته البيت رقم [٢٥] [البسيط]\nإلاّ لمثلك أو من أنت سابقه... سبق الجواد إذا استولى على الأمد\nهذا؛ والرأفة: شدّة الرحمة، والعطف، والحنان. والله منزّه عمّا يكون في القلب، و﴿رَؤُفٌ﴾ صيغة مبالغة، ومن رأفته جلّ ذكره بعباده أن جعل النعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل المتقطع في الدنيا، ومن رأفته: أنه يقبل توبة عبده المذنب، ومن رأفته: أنّ نفس العباد، وأموالهم ملكه، ثم إن يشتري ملكه بملكه فضلا منه، ورحمة، وإحسانا. وفي الصحيح: أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأة من السّبي في غزوة حنين قد فرّق بينها، وبين ولدها، فجعلت كلما","vol":"2","page":63},{"text":"رأت صبيّا من السّبي أخذته، فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلمّا وجدته؛ ضمّته إليها، وألقمته ثديها، فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه طارحة ولدها في النّار؛ وهي تقدر على أن لا تطرحه؟». قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فو الله لله أرحم بعباده من هذه بولدها».\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اذكر يوم. وذهب الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي إلى جواز اعتباره منصوبا ب ﴿تَوَدُّ،﴾ وقدّروا تقديرات فيها تكلّف. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-متعلق بقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ إلخ. وقيل: هو متصل بقوله: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. انتهى. والمعتمد الأول، ومثله قوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ..﴾. إلخ. ﴿تَجِدُ:﴾\nفعل مضارع. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول. ﴿عَمِلَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى نفس، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير:\nالذي، أو: شيئا عملته. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿مُحْضَرًا:﴾ مفعول ثان ل ﴿تَجِدُ﴾ أو هو حال من الضمير المحذوف. ﴿وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وتقديره.\n ﴿تَوَدُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿عَمِلَتْ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بَيْنَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿وَبَيْنَهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿أَمَدًا﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿بَعِيدًا:﴾ صفته، والمصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في محل رفع مبتدأ عند سيبويه، وخبره محذوف، التقدير: ولو أمد بعيد موجود، وقال المبرد: المصدر المؤول في محل رفع فاعل لفعل محذوف. التقدير: ولو ثبت وجود أمد بعيد بينها وبين ما عملته. وقول المبرد هو المرجح؛ لأنّ «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدّر، والفعل المقدر، وفاعله جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب: ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لسرت بذلك، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مفعول به ل ﴿تَوَدُّ﴾ هذا؛ وبعضهم يعتبر: ﴿لَوْ﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر مفعول به ل ﴿تَوَدُّ﴾ وهذا غير مسلّم له؛ لأن الحرف المصدري لا يدخل على مثله. تأمل!\nهذا؛ ويظهر لي جواز اعتبار (﴿ما﴾) الثانية مبتدأ، وجملة: ﴿تَوَدُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، والرابط الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والمعنى يؤيد هذا الوجه، وتكون الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية","vol":"2","page":64},{"text":"مستأنفة لا محل لها. (﴿اللهُ﴾) مبتدأ. ﴿رَؤُفٌ﴾ خبره. ﴿بِالْعِبادِ:﴾ متعلقان به، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ فلست مفندا.\n\n<span id=\"aya-324\"></span>﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ محمد ﷺ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ:﴾\nالمحبة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقربها إليه، والعبد إذا علم: أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، ﷿، وأنّ كل ما يراه كمالا من نفسه، أو من غيره؛ فهو من الله، وبالله، وإلى الله؛ لم يكن حبه إلا لله، وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول ﷺ، والحرص على مطاوعته. انتهى بيضاوي.\nلذا فهذه الآية حاكمة على كل من ادعى المحبّة لله؛ وليس هو على الطريقة المستقيمة؛ التي أمر الله بها، وحثّ عليها الرسول ﷺ بقوله، وفعله، فهو كاذب في دعواه، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردّ». ورحم الله من يقول: [الكامل]\nتعصي الإله وأنت تظهر حبّه... هذا لعمري في القياس بديع\nلو كان حبّك صادقا لأطعته... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع\nومن دعائه ﷺ: «اللهم ارزقني حبّك، وحبّ من أحبّك، وحبّ ما يقربني إلى حبّك، واجعل حبّك أحبّ إليّ من الماء البارد». لذا فدليل حبّ الله امتثال أمره، واجتناب نهيه. ودليل محبة الرسول ﷺ الاقتداء به، والأخذ بتعاليمه، والسير على سنته، وطريقته. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم لله، وهو محبّته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء، والحكماء: ليس الشأن أن تحبّ. ومعنى محبة الله للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. ومعنى بغضه للعبد: طرده من رحمته، وإبعاده من جنته. وأظهر لفظ الجلالة في مقام الإضمار في الثاني لزيادة التفخيم، والتعظيم. وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله إذا أحبّ عبدا؛ دعا جبريل، فقال: إنّي أحبّ فلانا، فأحبّه. قال: فيحبّه جبريل، ثمّ ينادي في السّماء: إنّ الله يحبّ فلانا، فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا؛ دعا جبريل، ﵇، فيقول: إنّي أبغض فلانا، فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في","vol":"2","page":65},{"text":"أهل السماء: إن الله يبغض فلانا، فأبغضوه. قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض». أخرجه مسلم، ﵀.\n ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ:﴾ وهذا من ثمرات محبّة الله أيضا، وعبّر سبحانه عن رضاه عن عبده المحبّ له على طريق الاستعارة، أو المقابلة، المعبّر عنها في البلاغة بالمشاكلة؛ لأن المحبة من فعل القلوب، والله لا قلب له مثلنا. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لأوليائه. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم. وهما صيغتا مبالغة.\nيروى: أنّ الآية الكريمة نزلت لمّا قالت اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ فعرضها عليهم رسول الله ﷺ فلم يقبلوها. وقيل: نزلت في وفد نجران، ولمّا قالوا: إنّما نعبد المسيح حبّا لله.\nوقيل: نزلت في أقوام زعموا على عهد رسول الله ﷺ: أنهم يحبّون الله، فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقا من العمل. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.\n ﴿تُحِبُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كُنْتُمْ﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاتَّبِعُونِي:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (اتبعوني): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿يُحْبِبْكُمُ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والكاف مفعول به. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها لوقوعها جوابا للطلب. ﴿وَيَغْفِرْ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَاللهُ:﴾\nمبتدأ. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام مقرّرة لما قبلها.\n\n<span id=\"aya-325\"></span>﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَطِيعُوا..﴾. إلخ، يروى: أنّه لمّا نزلت الآية السابقة؛ قال عبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين لأصحابه: إنّ محمدا يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبّه كما أحبّت النّصارى عيسى ابن مريم، فأنزل الله هذه الآية.","vol":"2","page":66},{"text":"هذا؛ وطاعة الله: امتثال أمره، واجتناب نهيه، وطاعة الرسول ﷺ: الأخذ بتعاليمه، والتمسّك بسنّته، قال تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقد قرن الله طاعته بطاعة رسوله في هذه الآية، وفي الآية رقم [٥٩] من سورة (النساء): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ..﴾. إلخ، وفي كثير من الآيات: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾.\nهذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى في غير هذا الموضع-: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال:\n «من فرّق بين ثلاث؛ فرق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرّسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ومن قال: أقيم الصّلاة، ولا أوتي الزكاة، والله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله ﷿ يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾.\nهذا؛ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ ولم يقل: فإنّه. ويكثر مثله في القرآن الكريم إذا أعظمت الشيء أعدت ذكره، وأنشد سيبويه قول عدي بن زيد العبادي-وهو الشاهد رقم [٨٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف]\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء... نقص الموت ذا الغنى والفقيرا\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿أَطِيعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف هي الفارقة بين واو العلّة، وواو الضمير. هذا هو الإعراب المتعارف عليه بين الناس، والأصل أن يقال في مثل ذلك:\nفعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلّص من التقاء الساكنين، وحرّك بالضمة لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كلّ فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل: أطيعا، وقد حرّك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة: أطيعي، وقد حرك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة.\n ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَالرَّسُولَ:﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ:﴾ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، أصله: تتولوا، فحذفت تاء المضارعة. أو هو ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، واعتباره مضارعا أقوى ليبقى الكلام على نسق واحد، وهو الخطاب. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ و﴿الْكافِرِينَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية","vol":"2","page":67},{"text":"في محل رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، تقديره: فلا تحزن، ونحوه؛ فتكون الجملة الاسمية مفيدة للتعليل. وهو كلام لا غبار عليه، والشرط، ومدخوله مستأنف، ومفرّع عمّا قبله، لا محلّ له أيضا.\n\n<span id=\"aya-326\"></span>﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفى﴾ اختار، واختصّ بالرّسالة، والخصائص الرّوحانية، والجسمانيّة، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم. (﴿آلَ إِبْراهِيمَ﴾): إسماعيل، وإسحاق، وأولادهم، ونبينا ﷺ من نسل إسماعيل. (﴿آلَ عِمْرانَ﴾): موسى، وهارون، أو عيسى؛ لأنّ أمّه ابنة عمران، وهو المعتمد بدليل الآيات التالية، وكان بين العمرانيين ألف وثمانمائة سنة. وانظر شرح (﴿آلَ﴾) في الآية رقم [١١]. وفي البخاريّ عن ابن عباس﵄قال: آل إبراهيم، وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقيل: المراد من آل إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٤٨]: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ﴾.\nهذا؛ وانظر شرح خلق آدم في سورة (البقرة) مفصلا، وقد عمّر ﵇ تسعمائة وستين سنة أما نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فاسمه السّكن، وقيل: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وقيل: لأنه مرّ بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح! فأوحى الله إليه:\nأعبتني، أم عبت الكلب، وقيل: أنطقه الله، فقال: أتسخر من الخالق، أم من المخلوق؟ ونوح أول رسول بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف.\nوهو أول من عذّبته أمّته لردّهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة، وقيل: عمر ألفا وستّا وخمسين سنة، ولم تنقص قوّته، ولم يشب، ولم تسقط له سنّ، وصبر على إيذاء قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الأخيرة من السورة باسمه. ويروى: أنّ جبريل﵇قال له: يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر.\nوبشريعته غيّرت بعض أحكام شريعة آدم، ولا سيما تحريم زواج الأخوات. ونوح من أولي العزم الخمسة، ويقال له: شيخ المرسلين.","vol":"2","page":68},{"text":"وأمّا إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فقد عاش مائة وخمسا وسبعين سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة وستمائة وأربعون سنة، وبنوه: إسماعيل، وأمه هاجر، ولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة، وعاش مائة وسبعا وثلاثين سنة، وكانت سنه يوم مات أبوه تسعا وثمانين سنة، وإسحاق، وأمّه سارة، وعاش مائة وثمانين سنة، ثم لمّا توفيت سارة؛ تزوج إبراهيم﵇قطورا ابنة يقطن الكنعانية، فولدت له: مدين، ومديان، ويقشان، وزوان، ويشباق، وشوما، فهم ستة مع الاختلاف في تسميتهم بحسب الروايات، فيكون جملة أولاده من صلبه ثمانية. وإبراهيم من أولي العزم الخمسة.\n ﴿وَآلَ عِمْرانَ﴾ اختلف في هذا، فإن كان عمران أبا موسى، وهارون، فإنّما اختارهما الله على العالمين حيث أنزل على قومهما المنّ، والسلوى، وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم، وإن كان أبا مريم فإنّه اصطفى له مريم بولادة عيسى من غير أب، ولم يكن ذلك لأحد في العالم. وهو ما رجّحته سابقا، والمراد ب ﴿الْعالَمِينَ﴾ عالمو زمانهم؛ لأنّ سيدنا، وحبيبنا أفضل الرّسل جميعا، وأمته أفضل الأمم بفضل الله وإنعامه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. هذا؛ وعمران والد موسى وهارون هو ابن يصهر، بن فاهث، بن لاوي بن يعقوب، وعمران، والد مريم هو ابن أشيم بن أمون، وقيل: ابن ماثان، وهو من ولد سليمان بن داود، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.\nتنبيه بل فائدة: يقول بعض الناس: إنّ المراد ب (عمران) أبو طالب والد عليّ﵁فهم يزعمون: أن اسم أبي طالب عمران، يريدون من ذلك ما يريدون من التّحريف، والتبديل، والتزييف، واسم أبي طالب الحقيقي عبد مناف.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اِصْطَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿آدَمَ:﴾\nمفعول به، وما بعده معطوف عليه، و(﴿آلَ﴾): مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، و(آل) مضاف، و﴿عِمْرانَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿اِصْطَفى..﴾. وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها من الإعراب على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-327\"></span>﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿ذُرِّيَّةً:﴾ هي النسل من بني آدم، وهي تطلق على الجمع، كما في قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٩]: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾. وتطلق على الواحد،","vol":"2","page":69},{"text":"كما في قوله تعالى في الآية رقم [٣٨] الآتية حكاية عن قول زكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. قيل: هي مشتقة من الذّرا بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظلّ فلان، وفي ذراه؛ أي: في كنفه، وستره، وتحت حمايته. وهي بضم الذال أعلى الشيء. وقيل: هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ رقم [٢٤] من سورة (الملك) وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ رقم [١١] من سورة (الشورى) فأبدلت همزة الذرء ياء، ثم شدّدت الياء، وتبعتها الراء في التّشديد.\n ﴿بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني: إن الآلين ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض، تناصرت على الحق، وقيل: متسلسلة في الاجتباء، والاصطفاء، والنبوة. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ:﴾ لأقوال الناس.\n ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأفعالهم، فيصطفى، ويختار من كان مستقيم القول، والعمل، أو هو سميع بقول امرأة عمران، عليم بنيتها.\nالإعراب: ﴿ذُرِّيَّةً:﴾ بدل من (نوح) وما بعده. وقيل: بدل من الآلين فقط، أو هو حال من:\n (آدم) وما عطف عليه. قاله الأخفش، ومكي: والعامل فيه: ﴿اِصْطَفى﴾. ﴿بَعْضُها:﴾ مبتدأ، وها في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْضٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ (﴿اللهُ﴾) مبتدأ، ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران ل (﴿اللهُ﴾). والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، فهي مؤكدة لمعنى الكلام السابق.\n\n<span id=\"aya-328\"></span>﴿إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ:﴾ اسمها حنة بنت فاقوذ بن قنبل أم مريم جدّة عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. و﴿عِمْرانَ﴾ أبو مريم لم يكن نبيّا، وكذا أبو موسى لم يكن نبيّا أيضا. ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ قيل: إن سبب نذرها هذا: أنّها كانت كبيرة لا تلد، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، وأنّها كانت تحت شجرة، فبصرت بطائر يزقّ فرخا له، فتحرّكت نفسها لذلك، ودعت ربّها أن يهب لها ولدا، ونذرت: إن ولدت؛ أن تجعل ولدها محرّرا، أي: حقيقا خالصا لله تعالى، خادما للكنيسة، حبيسا عليها، مفرغا لعبادة الله تعالى.\nوكان ذلك جائزا في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم، فكان المحرّر عندهم إذا حرّر جعل في الكنيسة يخدمها، ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم، ثم يخيّر، فإن اختار الإقامة فيها؛ لا يجوز له بعد ذلك الخروج منها، وإن أبى؛ ذهب حيث شاء، ولم يكن أحد من أنبياء بني إسرائيل، وعلمائهم إلا ومن أولاده من هو محرّر لخدمة بيت المقدس، ولم يكن يحرّر إلا الذكور، ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس، لما يصيبها من الحيض، والأذى، فحرّرت","vol":"2","page":70},{"text":"امرأة عمران ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، وسألت ربّها أن يقبل منها ما حرّرت، ووقفت، فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت؟ أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى؛ فلا تصلح لذلك. فوقعا في همّ شديد من أجل ذلك، ثمّ توفي زوجها، وهي حامل بمريم، ﵍.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. أو هو مفعول به لهذا المقدر، وهو قول محمد بن يزيد، وقال أبو عبيد: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وعلّقه الزّجاج بالفعل: ﴿اِصْطَفى﴾ وعلقه مكي ب ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ والأول هو المعتمد. ﴿قالَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿اِمْرَأَتُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿عِمْرانَ:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿رَبِّ﴾ انظر الآية رقم [٢٥٩] من سورة (البقرة) ففيها الكفاية. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿نَذَرْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به: ﴿فِي بَطْنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة الموصول، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُحَرَّرًا:﴾ حال من: ﴿ما﴾ ليس غير، ووقعت ﴿ما﴾ لغير العاقل للإبهام.\n ﴿فَتَقَبَّلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (تقبل): فعل دعاء، وفاعله تقديره: أنت، ومفعوله محذوف، التقدير: تقبل مني ما نذرته. ﴿مِنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا مني؛ فتقبله مني، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٨] وهي مفيدة للتعليل، لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-329\"></span>﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها:﴾ التأنيث لما نذرته، وإنّما أنث؛ لأنه كان أنثى. ﴿قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى﴾. قالت ذلك تحسرا، وتحزّنا إلى ربّها؛ لأنّها كانت ترجو أن تلد ذكرا. والسبب ما ذكرته في الآية السابقة. وقد خرجت الجملة الفعلية من معنى الإخبار إلى معنى التحسّر، والتحزّن.\n ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ أي: عالم بما ولدت، وهو إخبار من الله تعالى. وقرئ بضم التاء على أنها فاعل، فيكون من كلام أمّ مريم على تقدير: أنها لمّا قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى﴾ خافت أن تكون أخبرت الله بذلك، فأزالت هذه الشبهة بقولها: (والله أعلم بما وضعت).","vol":"2","page":71},{"text":"﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى:﴾ يعني في خدمته الكنيسة، والعبّاد الذين فيها، والأصل: وليس الأنثى كالذكر، فحصل في الكلام قلب، والمراد منه تفضيل الذكر على الأنثى؛ لأنّ الذكر يصلح للخدمة، ولا تصلح الأنثى لضعفها، وما يحصل لها من الحيض، ولأنّها عورة، ولا يجوز لها الحضور مع الرّجال، وكانت مريم من أجمل النّساء، وأفضلهنّ في وقتها، كما ستعرفه فيما بعد.\n ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ يعني: العابدة، والمطيعة بلغتهم، فأرادت بذلك التقرّب، والطلب إليه أن يعصمها؛ حتّى يكون فعلها مطابقا لاسمها، وأن يصدق ظنّها بها، ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها، ولولدها من الشّيطان الرّجيم، ومعنى ﴿أُعِيذُها﴾ أجيرها، وأحصّنها، وأحفظها بكفالتك لها. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦٨] من سورة (البقرة) لشرحه، ومعناه.\nهذا؛ و﴿الرَّجِيمِ﴾ فعيل بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم باللّعن، والطّرد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى. قيل: هو فعيل بمعنى فاعل، أي: إنّه يرجم غيره بالإغواء، والوسوسة.\nوأصل الرّجم: الرمي بالحجارة. والرّجم: القتل، واللّعن، والطّرد، والشّتم. وقد قيل: هذا كله في قوله تعالى حكاية عن قول قوم نوح له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ رقم [١١٦] من سورة (الشّعراء). والرّجم: القول بالظن، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ رقم [٢٢] من سورة (الكهف)، وقال زهير في معلّقته رقم [٢٩]: [الطويل]\nوما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم... وما هو عنها بالحديث المرجّم\nبعد هذا: ففي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود يولد إلاّ نخسه الشّيطان، فيستهلّ صارخا من نخسة الشّيطان، إلاّ ابن مريم، وأمّه». ثمّ قال أبو هريرة﵁-: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها..﴾. إلخ.\nقال العلماء: أفاد هذا الحديث: أنّ الله تعالى استجاب دعاء أمّ مريم، فإنّ الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتّى الأنبياء، والأولياء إلا مريم، وابنها، ولا يلزم من نخس الشّيطان إضلال المنخوس، وإغواؤه، فكم تعرّض الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله ممّا يرومه الشّيطان منهم. كما قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ مع أنّ كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من الشّياطين، كما بينته فيما سبق. فمريم، وابنها وإن عصما من نخسه؛ فلم يعصما من ملازمته لهما، وقال ابن الرّومي في صراخ المولود: [الطويل]\nلما تؤذن الدّنيا به من صروفها... يكون بكاء الطّفل ساعة يولد\nوإلاّ فما يبكيه منها وإنّه... لأفسح ممّا كان فيه وأرغد\nإذا أبصر الدّنيا استهل كأنّه... بما سوف يلقى من أذاها يهدّد","vol":"2","page":72},{"text":"يقول: إنّما يكون بكاء الطفل ساعة الولادة؛ لما يعلم: أنّ الدنيا موضع الفتن، ومكان المحن، وإلا فما يبكيه منها؛ والحال: أنه نجا من ضيق الرّحم، وانفصل منه إلى موضع هو أفسح، وأرغد منه؟!\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السّراج، والفارسي، وابن جنّي، وجماعة. تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوّب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿وَضَعَتْها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ والتاء للتأنيث. و(ها) مفعول به، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ أيضا. ﴿رَبِّ﴾ منادى حذف منه حرف النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وانظر الآية رقم [١٢٦] من سورة (البقرة) إن أردت الزيادة، والجملة الندائية، وما بعدها في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَتْ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿وَضَعَتْها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿أُنْثى:﴾ حال مؤكدة، وهي على تأويله ب «مؤنثا»، وقيل: بدل من الهاء. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾ وضعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث والفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ والجملة الفعلية صلة:\n (ما) والعائد محذوف، التقدير: بالذي وضعته، واعتبار (ما) موصوفة، ومصدرية ضعيف معنى، والجملة الاسمية معترضة لا محلّ لها. ﴿وَلَيْسَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَيْسَ﴾): فعل ماض ناقص. ﴿الذَّكَرُ:﴾ اسمها. ﴿كَالْأُنْثى:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: (﴿لَيْسَ﴾) هذا؛ ويجوز اعتبار الكاف اسما بمعنى: مثل، فتكون مبنية على الفتح في محل نصب خبرها، وهي مضاف، و(الأنثى) مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، وجملة:\n (﴿لَيْسَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنِّي﴾): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلّم اسمها.\n ﴿سَمَّيْتُها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿مَرْيَمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿وَإِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿أُعِيذُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنا، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَذُرِّيَّتَها:﴾ معطوف على الهاء الواقعة","vol":"2","page":73},{"text":"مفعولا به. وها في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أُعِيذُها﴾.\n ﴿الرَّجِيمِ:﴾ صفة: ﴿الشَّيْطانِ﴾.\n\n<span id=\"aya-330\"></span>﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ أي: فقبل الله سبحانه مريم؛ الّتي نذرتها أمّها، كما تقدّم. وقيل:\nمعنى التقبّل: التكفل في التربية، والقيام بشأنها. ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أي: قبلها الله قبولا حسنا. قال ابن عباس﵄-: سلك بها طريق السّعداء. ﴿وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أي: سوّى خلقها من غير زيادة، ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد. هذا؛ والقبول، والنبات اسما مصدر، والمصدر: تقبّلا، وإنباتا؛ لأن فعلهما تقبّل، وأنبت، وهما مثل: عطاء، وسلام، وعذاب... إلخ، قال القطامي-وهو الشاهد رقم [٥٣٠] من كتاب: «فتح رب البريّة» -: [الوافر]\nأكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا\nأراد بعد إعطائك، لكن لمّا قال: أنبتها؛ دلّ على نبت، كما قال امرؤ القيس قائد الشّعراء إلى النّار. [الطويل]\nفصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا... ورضت فذلّت صعبة أيّما إذلال\nوإنّما مصدر ذلّت: ذلّ، ولكنّه ردّه إلى معنى: أذللت، وكذلك كلّ ما يرد عليك في هذا الباب. فمعنى: تقبل، وقبل واحد، وأيضا قول القطامي: [الوافر]\nوخير الأمر ما استقبلت منه... وليس بأن تتبعه اتّباعا\nلأن تتبعت، وأتبعت بمعنى واحد، والأصل في القوم ضم القاف؛ لأنه مصدر مثل الدّخول، والخروج، والفتح جاء في حروف قليلة، مثل الولوع، والوزوع، هذه الثلاثة لا غير، قاله أبو عمرو، والكسائي، والأئمة.\n ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا:﴾ ضمها إليه؛ أي: ألزم الله زكريا كفالتها، وقدّر ذلك، ويسّره له، وكانت أمّها لمّا ولدتها لفّتها بخرقة، وأتت بها الأحبار سدنة بيت المقدس، وقالت: دونكم هذه النّذيرة، فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت إمامهم، وصاحب قربانهم، فقال زكريا﵇-: أنا أحقّ بها؛ لأن خالتها عندي؛ لأن زكريا، وعمران تزوجا أختين، وكانت إيشاع بنت فاقوذ، وهي أمّ يحيى بن زكريا، وكانت حنّة بنت فاقوذ أخت إيشاع عند عمران، فقال الرّهبان،","vol":"2","page":74},{"text":"والأحبار: لا! حتّى نقترع، فانطلقوا، وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن، وألقوا أقلامهم على أنّ من ثبت قلمه في الماء، وصعد؛ فهو أولى بها، فثبت قلم زكريا، فأخذها، وبنى لها غرفة في المسجد بسلّم، لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بأكلها، وشربها، ودهنها، فيجد عندها فاكهة الصّيف في الشّتاء، وفاكهة الشّتاء في الصيف.\nهذا؛ والمحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس، والمراد به الغرفة التي بناها لها زكريا في المسجد، سمّيت بذلك؛ لأنها محلّ محاربة الشّيطان؛ لأنّ المتعبد فيها يحاربه، ولذلك يقال لكلّ محلّ من محال العبادة: محراب. قال وضاح اليمن: [السريع]\nربّة محراب إذا جئتها... لم ألقها أو أرتقي سلّما\nأي: ربة غرفة. ﴿أَنّى لَكِ هذا﴾ أي: من أين لك هذا؟ قاله أبو عبيدة، والنحاس. وهذا فيه تساهل؛ لأنّ أين سؤال عن الموضع، وأنّى سؤال عن المذهب، والجهات، والمعنى: من أي المذاهب، ومن أي الجهات لك هذا؟ وقد فرّق الكميت بينهما؛ حيث قال: [المنسرح]\nأنّى ومن أين آبك الطّرب... من حيث لا صبوة ولا ريب\n ﴿قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: هو من الجنّة يرزقني الله إياه. ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ يحتمل أن يكون من كلام مريم، وأن يكون مستأنفا من الله تعالى، وانظر الآية رقم [٢٧]. وفي هذا دليل على جواز كرامات الأولياء على أيديهم، وظهور خوارق العادات.\nتنبيه: روى: أن فاطمة الزهراء﵂أهدت إلى رسول الله ﷺ على طبق رغيفين، وبضعة لحم، فرجع بها إليها؛ أي: أرسلها إليها، أو أخذها، ورجع بها مغطاة، وقال:\nهلمّي يا بنية! فكشفت عن الطّبق، فإذا هو مملوء خبزا، ولحما، فقال لها: أنّى لك هذا؟ قالت:\nهو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال: الحمد الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل! ثمّ جمع عليّا، والحسن، والحسين، وجميع أهل بيته، فأكلوا، وشبعوا، وبقي الطعام كما هو، فأوسعت على جيرانها! انتهى جمل نقلا من أبي السعود.\nالإعراب: ﴿فَتَقَبَّلَها:﴾ الفاء: حرف عطف. (تقبلها): فعل ماض. و(ها) مفعول به. ﴿رَبُّها:﴾\nفاعله، و(ها) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَتْ﴾ في الآية السابقة. هذا؛ ويقرأ الفعل بلفظ الدّعاء، و(﴿رَبُّها﴾) بالنصب؛ أي: يا ربها، وكذا الفعلان. (﴿أَنْبَتَها﴾) و(﴿كَفَّلَها﴾) قال أبو البقاء، والزّمخشري: فيكون الفاعل مستترا تقديره: أنت، وتكون الجملة من مقول ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ ولكن على تقدير الفاء الفصيحة؛ أي: وإذا كان ذلك حاصلا مني؛ فتقبلها. ﴿بِقَبُولٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول مطلق. ﴿حَسَنٍ:﴾ صفة (قبول)، وجملة: ﴿وَأَنْبَتَها﴾ معطوفة على ما قبلها على","vol":"2","page":75},{"text":"القراءتين. ﴿نَباتًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة له. (﴿كَفَّلَها﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّها﴾ و(ها) مفعول به أول. ﴿زَكَرِيّا:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ويقرأ الفعل بتخفيف الفاء، فيكون: ﴿زَكَرِيّا﴾ فاعلا به.\n ﴿كُلَّما﴾. (كل): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين، مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿دَخَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿زَكَرِيّا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذر. ﴿الْمِحْرابَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل: ﴿دَخَلَ﴾ عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون-وعلى رأسهم الأخفش-ينصبونه على التوسّع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل ذلك قل في: دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشّام، وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وهذا إن كان الفعل ثلاثيّا، وأمّا إذا كان رباعيّا بأن دخلت عليه همزة التعدية، ونصب مفعولين، فالمفعول الثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأوّل يكون صريحا، مثل: أدخلت خالدا البيت، و(ما) والفعل: ﴿دَخَلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت دخول عليها المحراب، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كل) وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا، والمدرّسون في هذا الزمن يقولون: ﴿كُلَّما﴾ أداة شرط غير جازمة، ولا يعرفون هذا الإعراب، والتفصيل. ﴿وَجَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿عِنْدَها:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿وَجَدَ﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من:\n ﴿رِزْقًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿زَكَرِيّا،﴾ (يا): أداة نداء، تنوب مناب «أدعو».\n (﴿مَرْيَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿أَنّى:﴾ اسم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿لَكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. ﴿هذا:﴾\nاسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الاسمية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. وقد أغرب الجمل كلّ الغرابة حيث قال: إنّ ﴿قالَ﴾ هي العامل في ﴿كُلَّما﴾ وهو يعني: أنها الجواب، ثم ناقص نفسه، فقال: استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذه الآية؟ فقل: ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى..﴾. إلخ، وعلى قوله الأول فجملة: ﴿وَجَدَ﴾","vol":"2","page":76},{"text":"﴿عِنْدَها رِزْقًا﴾ في محل نصب حال من زكريا، والمعنى لا يؤيده. كما أغرب أبو البقاء، فقال:\nويجوز أن يكون التقدير: فقال، فحذف الفاء. وهو تكلّف لا داعي له أيضا.\n ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿مَرْيَمُ﴾ هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يَرْزُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أوّل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يرزق الذي، أو: شيئا يشاؤه رزقا واسعا. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان ب «واسعا» الذي قدرته لك. وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من المفعول؛ لأن الفعل ﴿يَرْزُقُ﴾ ينصب مفعولين؛ لأنه بمعنى: يعطي، ويمنح، وقد نصبهما، والثاني منهما: ﴿رِزْقًا﴾ الذي قدرته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ إن كانت من كلام مريم ﵍، ومستأنفة؛ إن كانت من كلام الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-331\"></span>﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿هُنالِكَ:﴾ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم، أو في ذلك الوقت. فقد يستعار: هنا، وحيث، وثمّ للزّمان، وإن كان الأصل فيهنّ للمكان. ومثله قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ﴾ وقال في سورة (الكهف): ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ ومثلها في سورة (الأعراف)، و(الفرقان)، و(الأحزاب) وسورة (ص) و(غافر). ولمّا رأى زكريا، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام إتيان الرزق لمريم في غير أوانه، وعلم: أنّ القادر على ذلك قادر على الإتيان بالولد على الكبر، وكان أهل بيته قد انقرضوا؛ سأل الله الولد، وكان ذلك في جوف اللّيل لمّا دخل محرابه للصّلاة، والعبادة.\n ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي: نسلا صالحا، مباركا، تقيّا، رضيّا. وإنما قال: ﴿طَيِّبَةً﴾ لتأنيث لفظ الذرية، كقول الشاعر: [الوافر]\nأبوك خليفة ولدته أخرى... وأنت خليفة ذاك الكمال\nفأنّث «ولدته» لتأنيث لفظ الخليفة، وروي من حديث أنس﵁قال، قال النبيّ ﷺ: «أيّ رجل مات، وترك ذريّة طيّبة؛ أجرى الله له مثل أجر عملهم، ولم ينقص من أجورهم شيئا». ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ:﴾ سامعه، ومجيبه.","vol":"2","page":77},{"text":"وإذا ثبت هذا؛ فالواجب على الإنسان أن يتضرّع إلى الله في هداية ولده، وزوجه بالتوفيق لهما، والهداية، والصّلاح، والعفاف، والرعاية، وأن يكونا معينين له على دينه، ودنياه، حتّى تعظم منفعته بهما في أولاه، وأخراه، ألا ترى قول زكريا في سورة (مريم): ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ وقال هنا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.\nهذا؛ ودلّت الآية الكريمة على طلب الولد الصّالح، وهي سنّة المرسلين والصّدّيقين، قال الله تعالى في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً﴾. وقال تعالى في سورة (الفرقان) في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. ودعا الرسول ﷺ لأنس، ولغيره من الصحابة بكثرة الولد.\nوأخرج أبو داود عن معقل بن يسار﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «تزوّجوا الودود الولود فإنّي مكاثر بكم الأمم يوم القيامة».\nالإعراب: ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظّرفية المكانية، أو الزمانية متعلّق بالفعل بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿دَعا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. ﴿زَكَرِيّا:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ. ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل تقديره: أنت. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿هَبْ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ كان صفة له: فلما قدم عليه صار حالا، و(لدن): مبني على السكون في محل جر ب (من) والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ذُرِّيَّةً﴾ مفعول به. ﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿هَبْ لِي..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مفسرة للدعاء، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.\n ﴿سَمِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الدُّعاءِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها، وهي في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-332\"></span>﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ:﴾ ناداه جبريل وحده، وجمع، كما في قولهم: فلان يركب الخيل، ويلبس الثياب، وماله غير فرس، وثوب. أو على أنه أريد بالعام الخاصّ تعظيما له. انتهى جمل.","vol":"2","page":78},{"text":"ومثله نداؤه لمريم الآتي. وأنث الفعل؛ لأن لفظ: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ جمع تكسير، وما كان مثله، يجوز تذكير الفعل، وتأنيثه، تقول: جاء الرّجال، وجاءت الرجال، وذكّر في سورة (الرعد) في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ لذا. لا يستدل بهذه الآية على تأنيث الملائكة. ﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ:﴾ من المعلوم: أنّ كيفية الصلاة تختلف في الديانات السّابقة عن كيفية صلاتنا. والمحراب موضع الصلاة، كما رأيته فيما سبق. ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى:﴾ سمّاه الله بذلك؛ لأنه أحياه بالإيمان، والعلم، والنبوّة. وقال بعضهم: سمي بذلك؛ لأن الله تعالى أحيا به النّاس بالهدى. وقيل: لأنّه أحيا به رحم أمّه. وقيل: هو أعجميّ لا اشتقاق له.\n ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ:﴾ المراد به عيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. وسمّي (كلمة) لأن الله تعالى. قال له: كن، فكان من غير أب، وكان يحيى أول من آمن بعيسى، وصدّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، ويقال بستة أشهر، وكانا ابني خالة، كما قدّمت لك، فلمّا سمع زكريا شهادته؛ قام إلى عيسى فضمّه إليه، وهو في خرقة.\n ﴿وَسَيِّدًا:﴾ يسود قومه، ويفوقهم في العلم، والتقوى، والصلاح. روي: أنه ما همّ بمعصية قطّ، وقال الزّجاج: السّيد: الذي يفوق أقرانه في كلّ شيء من الخير، وقال الكسائيّ-رحمه الله تعالى-السيد من المعز: المسنّ. وفي الحديث: «ثنيّ من الضّأن خير من السّيّد من المعز». قال الشاعر في ممدوحه: [الطويل]\nسواء عليه شاة عام دنت له... ليذبحها للضّيف أم شاة سيّد\n ﴿وَحَصُورًا:﴾ أصله من الحصر، وهو الحبس. يقال: حصرني، وأحصرني: إذا حبسني. قال ابن ميادة: [الطويل]\nوما هجر ليلى أن تكون تباعدت... عليك ولا أن أحصرتك شغول\nوالحصور: الذي لا يأتي النّساء، كأنّه محجم عنهنّ، ف (يحيى) ﵇ حصور، فعول بمعنى فاعل: لا يأتي النساء، ولا يقربهنّ مع القدرة على الجماع حصرا لنفسه عن الشّهوات، ولعلّ هذا كان شرعه، فأما شرعنا؛ فالنكاح مفضّل على العزوبة. والحصور: البخيل، قال الأخطل: [البسيط]\nوشارب مربح بالكأس نادمني... لا بالحصور ولا فيها بسوّار\nوالحصور: الملك؛ لأنّه كالمحبوس من وراء حجاب. قال لسيد﵁-: [الكامل]\nوقماقم غلب الرّجال كأنّهم... جنّ لدى باب الحصور قيام\n ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ هذا؛ والصّلاح درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سألها يوسف الصدّيق في الآية رقم [١٠١] من السورة المسماة باسمه. وسألها إبراهيم في الآية رقم [٨٣] من","vol":"2","page":79},{"text":"سورة (الشعراء) وسألها سليمان في الآية رقم [١٩] من سورة (النمل) وقال تعالى في حقّ إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام-:\n ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.\nهذا؛ و﴿قائِمٌ﴾ أصله: قاوم، اسم فاعل من: قام، فقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، ومثله قل في اليائي: بائع، فإن أصله: بايع.\nو(سيّد) أصله: سيود، فاجتمعت الياء والواو، والأول منهما ساكن، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، فصار سيد.\nأمّا (كلمة) ففيها ثلاث لغات: الأولى: كلمة، على وزن: نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم، كنبق. والثانية: كلمة، على وزن سدرة. والثالثة: كلمة، على وزن نمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى كلم كسدر، والثانية كلم كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو: فخذ، وشهد.\nوهي في الأصل: قول مفرد، مثل: محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ وقال النبي ﷺ: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: [الطويل]\nألا كلّ شيء-ما خلا الله-باطل»\nالمراد ب «كلمة»: الشطر الأول بكامله. وتقول: قال فلان: كلمة، والمراد به كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربيّة في القديم، والحديث. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nكلامنا لفظ مفيد كاستقم... واسم وفعل ثمّ حرف الكلم\nواحده كلمة والقول عم... وكلمة بها كلام قد يؤم\nالإعراب: ﴿فَنادَتْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نادته): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية:\n ﴿وَهُوَ قائِمٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به. ﴿يُصَلِّي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى زكريا، والجملة الفعلية تحتمل أن تكون في محل رفع خبر ثان للمبتدإ: (هو) وأن تكون في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، فيكون من تعدّد الحال، وهو جملة، وأن تكون في محل نصب حال من الضمير المستتر ب ﴿قائِمٌ﴾ فتكون من تداخل الحال، وعلى كلّ الوجوه؛ فالرابط الضمير، وهو الفاعل المستتر. ﴿فِي الْمِحْرابِ:﴾ متعلقان ب ﴿قائِمٌ﴾ أو بالفعل: ﴿يُصَلِّي﴾ على التنازع.","vol":"2","page":80},{"text":"﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُبَشِّرُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهَ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكون الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل نادى. هذا؛ ويقرأ بكسر همزة («إن»). وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مفعول به لنادى، وهو بمعنى: قال، وهو أولى من تقدير قول محذوف، ﴿بِيَحْيى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مُصَدِّقًا:﴾ حال من:\n (يحيى). ﴿بِكَلِمَةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿مُصَدِّقًا﴾ لأنه اسم فاعل، لذا فيه ضمير مستتر هو فاعله. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (كلمة). ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (نبيّا).\n\n<span id=\"aya-333\"></span>﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ:﴾ هذا استفهام عن كيفية حدوث الغلام، ووجوده، واستبعاد من حيث العادة، أو استعظام لشأن خلقه، أو هو تعجب من قدرة الله، لا استبعاد، وإنكار، فلا يرد: كيف قال زكريا ذلك؟ ولم يكن شاكّا في قدرة الله تعالى عليه. انتهى جمل بتصرّف.\nوأيضا في معنى الاستفهام وجهان: أحدهما: أنه سأل: هل يكون له الولد؛ وهو، وامرأته على حاليهما، أو يردّان إلى حال من يلد؟ الثاني: سأل: هل يرزق الولد من امرأته العاقر، أو من غيرها؟ هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بمعنى أصلح رحمها، وهيأه للحمل، وجعلها ولودا بقدرته، وإرادته.\n ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ:﴾ قال ابن عباس، والضّحاك﵁-: كان يوم بشّر ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة، وكان عمر إبراهيم، وزوجه سارة يوم بشّرا بإسحاق مثل عمر زكريا، وزوجه، كما ذكرته في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وشفيعنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي: من العجائب، وخوارق العادات مثل ذلك الفعل، وهو إنشاء الولد من شيخ فان، وعجوز عاقر. هذا؛ وقد قال في حقّ زكريا: ﴿يَفْعَلُ﴾ وفي حق مريم: ﴿يَخْلُقُ﴾ مع اشتراكهما في بشارتهما بولد؛ لأن استبعاد زكريا لم يكن لأمر خارق، بل نادر، وبعيد، فحسن التعبير بيفعل، واستبعاد مريم كان لأمر خارق، أي: لأغربيّته؛ لأنه اختراع بلا مادة، أي: من غير إحالة على سبب ظاهر، فكان ذكر الخلق أنسب. انتهى جمل.","vol":"2","page":81},{"text":"هذا، و﴿عاقِرٌ:﴾ لا تلد؛ لأنه مشتق من العقر، وهو القطع؛ لقطعه النسل. ولم يؤنّث؛ لأن العقر من أوصاف النّساء، كما في حائض، وطالق، ونحو ذلك. وقيل: عاقر، يراد به ذات عقر على النّسب، ولو كان على الفعل؛ لقال: عقرت، فهي عقيرة؛ كأنّ بها عقرا، أي: كبرا من السنّ يمنعها من الولد. أما ﴿غُلامٌ﴾ فإنه يطلق على الصبي دون البلوغ مشتق من الغلمة، وهو شدة طلب النكاح، واغتلم الفحل غلمة: هاج من شهوة الضّراب. قالت ليلى الأخيليّة في مدح الحجّاج: [الطويل]\nإذا هبط الحجّاج أرضا مريضة... تتبّع أقصى دائها فشفاها\nشفاها من الدّاء العضال الّذي بها... غلام إذا هزّ القناة سقاها\nويجمع غلام على: غلمان، وغلمة، وأغلمة. كما يطلق على العبد، والأجير؛ وإن كانا كبيرين. هذا؛ وقد يقال للأنثى غلامة. خذ قول الشاعر: [الطويل]\nفلم أر عاما أكثر الدهر هالكا... ووجه غلام يشترى وغلامه\nوقال أوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرسا: [الوافر]\nومركضة صريحي أبوها... تهان لها الغلامة والغلام\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى مثل سابقه.\n ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون بمعنى: كيف في محل نصب على الحال من ﴿غُلامٌ﴾ والعامل: ﴿يَكُونُ﴾. وإن اعتبرته بمعنى: من أين؟ فيكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر: ﴿يَكُونُ﴾ على نقصانه، ومتعلق به على تمامه. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونُ﴾ تقدم على اسمها، وذلك على الوجه الأول في: ﴿أَنّى﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿غُلامٌ﴾ وذلك على الوجه الثاني في: ﴿أَنّى﴾ وأيضا على اعتبار ﴿يَكُونُ﴾ تامّا. ﴿غُلامٌ:﴾ اسم ﴿يَكُونُ،﴾ أو فاعل به، وجملة: ﴿أَنّى يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. (﴿بَلَغَنِيَ﴾): فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿الْكِبَرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَامْرَأَتِي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿عاقِرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: هو، يعود إلى: (الله). ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف:\nحرف تشبيه وجر، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد،","vol":"2","page":82},{"text":"والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، التقدير: الله يفعل ما يشاء فعلا كائنا مثل ذلك الفعل. هذا؛ وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، كما قيل: متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و﴿اللهُ:﴾ مبتدأ مؤخر. والأول هو المعتمد. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ على الوجهين الأولين في: ﴿كَذلِكَ﴾. ﴿يَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ﴾.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي أو شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو لفظ الجلالة، وأما على الوجه الثالث في لفظ الجلالة؛ فالجملة الفعلية في محل نصب حال منه، والكلام: ﴿كَذلِكَ اللهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-334\"></span>﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً:﴾ علامة أعرف بها حمل امرأتي بالغلام؛ لأستقبله بالفرح، والسرور، والشّكر للربّ الغفور. ﴿قالَ آيَتُكَ﴾ أي: علامتك على الذي طلبت معرفة علمه: ﴿أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أي: لا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام؛ أي: مدّة ثلاثة أيام بلياليها. والقائل جبريل بأمر الله تعالى له. ﴿إِلاّ رَمْزًا﴾ يعني: إشارة، وهي قد تكون باليد، وبالعين وبالإيماء بالرأس، وكانت إشارته بالإصبع المسبّحة. وقد يكون الرمز باللّسان من غير تبيين كلام، وهو الصوت الخفي شبه الهمس. ومن الإشارة بالعين قول عمر ابن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nأشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nقال جمهور المفسرين: عقد لسانه عن تكليم الناس ثلاثة أيام مع بقائه على قدرة التسبيح والذّكر، ولذلك قال في الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ يعني: في أيام منعك من الكلام. وهذه من الآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة؛ لأنّ قدرته على التسبيح، والذكر مع عجزه على تكليم الناس بأمور الدنيا، وذلك مع صحة الجسم، وسلامة الجوارح من أعظم المعجزات. وإنما منع من الكلام مع الناس ليخلص في الأيام الثلاثة لعبادة الله تعالى، وذكره، ولا","vol":"2","page":83},{"text":"يشغل لسانه بشيء آخر. توفيرا منه على قضاء حق هذه النعمة الجسيمة، وشكرا لله على إجابته فيما طلب الآية من أجله، وأن يكون ذلك دليلا على وجود الحمل؛ ليتمّ سروره بذلك. هذا؛ وقال قتادة، وغيره: إنّما أمسك لسانه عن الكلام عقوبة لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إيّاه ببشارة الولد. وقالوا: وكذلك إن لم يكن من مرض: خرس، أو نحوه؛ ففيه على كل حال عقاب له.\nهذا؛ و﴿رَمْزًا﴾ بفتح الراء، وسكون الميم، ويقرأ بضمهما، وقرئ بفتحهما، على أنه جمع:\nرامز كخادم، وخدم، وهو حال من: ﴿زَكَرِيّا﴾ ومن ﴿النّاسَ﴾ أي: من الفاعل، والمفعول.\nومثله قول عنترة-وهو الشاهد رقم [١٥٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]\nمتى ما تلقني فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا\nفقوله: فردين: حال من الفاعل المستتر، وياء المتكلّم المفعول به. وأيضا قول الآخر: [الكامل]\nفلئن لقيتك خاليين لتعلمن... أيّي وأيّك فارس الأحزاب؟\nفقوله: خاليين حال من تاء المتكلم، وكاف الخطاب.\nهذا؛ و(العشي) ومثله: عشية، وجمعها: عشيات، ويراد بهما: الوقت من صلاة المغرب إلى العتمة، وهو قول الجوهري، وقال: قلت: قال الأزهري: العشيّ ما بين زوال الشّمس وغروبها. انتهى. وهذا هو المعتمد. و(﴿الْإِبْكارِ﴾) هو من طلوع الشمس إلى الضّحوة الكبرى.\nومثله: بكرة (بضم الباء وسكون الكاف) قال زهير في معلقته: [الطويل]\nبكرن بكورا واستحرن بسحرة... فهنّ ووادي الرّسّ كاليد في الفم\nقال: بكر، وبكّر، وابتكر، وأبكر، وباكر كلّه بمعنى واحد. هذا؛ وبين (العشي) و(الإبكار) طباق، وهو نوع من المقابلة، كما يقال العشي بالغدو، كما في قوله تعالى في سورة (غافر) في حق فرعون، وأشياعه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ كما يقابل العشي بالغداة، قال تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ كما يقابل الغدو بالآصال، وهو جمع أصيل، قال تعالى في سورة (النور): ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ..﴾. إلخ، ومثله في آخر سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿رَبِّ:﴾ تقدم إعرابها.\n ﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل دعاء: والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى جبريل.\n ﴿آيَتُكَ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا):\nنافية. ﴿تُكَلِّمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) والفاعل مستتر، تقديره: أنت، و(أن) والفعل","vol":"2","page":84},{"text":"المضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: آيتك عدم تكليمك الناس، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿ثَلاثَةَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و﴿ثَلاثَةَ:﴾ مضاف، و﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿رَمْزًا:﴾ مستثنى ب ﴿أَلاّ﴾ وانظر الشرح.\n ﴿وَاذْكُرْ﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اُذْكُرْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فاشكر، واذكر، والفاء هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا حصل منك عدم القدرة على الكلام؛ فاشكر، واذكر. وهذا الكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿رَبَّكَ:﴾\nمفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: اذكر ربك ذكرا كثيرا. وبعضهم يعربه: نائب مفعول مطلق. ﴿وَسَبِّحْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت، ومفعوله محذوف، التقدير: سبح ربك، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْإِبْكارِ:﴾ معطوف على ما قبله.\nخاتمة: ولد يحيى، ﵇، وتولاّه ربّه بعنايته، ورعاه برعايته، وحفظه من المعاصي، والسّيئات، وكمّله، وجمّله بأحسن الصفات، وكريم الأخلاق والعادات، وقد فاق قومه في عبادة، وطاعة ربّ الأرض، والسموات، وقد برع في الشريعة الموسوية، وصار مرجعا مهمّا لكل من يستفتي في أحكامها، وكان أحد حكام البلاد الشّامية في عهده. يقال له:\nهيرودس، وكانت له بنت أخ، يقال لها: هيروديا بارعة الجمال، أراد عمّها أن يتزوّجها، وكانت البنت، وأمّها تريدان ذلك، غير أنّ يحيى ﵇ لم يرض عن هذا الزواج، ولم يوافق عليه؛ لأنّه محرّم في التوراة، فانتهزت أمّ الفتاة إخراج بنتها إلى عمّها في زينتها، فرقصت أمامه، فسرّ منها، وطلب إليها أن تقول ما تتمنّاه؛ ليعمله لها، وكانت أمّها قد لقّنتها أن تطلب رأس يحيى بن زكريا في هذا الطّبق إذا سألها عمّها أن تقول ما تتمنّاه، فقال: ويحك سليني غير هذا.\nقالت: لا أسألك غيره، فلمّا أبت عليه؛ بعث إليه، فأتي برأسه في الطبق، والرأس يتكلّم؛ حتى وضع بين يديه، وهو يقول: لا تحلّ لك، فلمّا أصبح إذا دمه يغلي، ويفور، فأمر بتراب، فألقي عليه، فارتفع الدّم فوقه، فلم يزل يغلي، ويفور؛ حتى جاء بختنصر، كما عرفته.\nفلمّا سمع زكريا ﵇ أن ابنه يحيى قد قتل؛ انطلق هاربا في الأرض؛ حتّى دخل بستانا عند بيت المقدس فيه الأشجار، فنادته شجرة: يا نبي الله! إلى هنا، فلمّا أتاها؛ انفتقت له الشّجرة، ودخل في وسطها، فانضمّت عليه، فأخذ إبليس-أخزاه الله-بطرف ردائه، فأخرجه من شقّها، وأخذ الملك، وأعوانه يبحثون عن زكريا، ﵇؛ حتّى أتوا البستان، فدلّهم إبليس","vol":"2","page":85},{"text":"-أخزاه الله-على الشّجرة. التي دخلها زكريا، وأراهم طرف ردائه، فأخذوا المناشير، ونشروا الشّجرة نصفين، فسلّط الله عليهم أخبث أهل الأرض علجا مجوسيّا، كما رأيت في الآية رقم [٢٥٩] من سورة (البقرة) وذكرتها أيضا في الآية رقم [٥] من سورة (الإسراء) فانتقم الله منهم بدم يحيى، وزكريا، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، فقتل عظماءهم، وسبى منهم مائة وسبعين ألفا. انتهى بتصرف كبير من قصص الأنبياء للنجّار، وللثّعالبي. وهكذا كان خبث بني إسرائيل، وخروجهم عن طاعة الله تعالى، وقتلهم الأنبياء بغير حقّ.\nوينبغي أن تعلم: أنّ قتل هذين النّبيّين كان في حياة عيسى، وأنّهم كانوا جميعا في زمن واحد، ولم يذكر أحد عمر يحيى ﵇، غير أنّ عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-قال: ولما بلغ المسيح أنّ يحيى قد قتل؛ جهر بدعوته، وقام في الناس واعظا. انتهى. وإذا علمت: أن يحيى، وعيسى متقاربان في زمن ولادتهما، وأن عيسى قد رفع، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة تبيّن لك أن يحيى لم يعش ثلاثين عاما. تأمل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ وأكرم، وصلّى الله على حبيبنا وشفيعنا محمد، وعلى عيسى، ويحيى، وزكريا، وجميع الأنبياء والمرسلين، وسلم.\n\n<span id=\"aya-335\"></span>﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ:﴾ قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: كلّموها شفاها كرامة لها. ومن أنكر الكرامة زعم: أن ذلك كان معجزة لزكريا، ﵇، وإرهاصا لنبوة عيسى، ﵇، فإن الإجماع على أنّ الله تعالى لم يستنبئ امرأة لقوله تعالى في سورة (الأنبياء):\n ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا﴾. وقيل: ألهموها. وصحّح القرطبي نبوتها.\nوالمعتمد الأوّل للآية القرآنية. والاصطفاء الأول: تقبلها من أمها، ولم تقبل قبلها أنثى، وتفريغها للعبادة، وإغناؤها برزق الجنّة عن الكسب، وتطهيرها عمّا يستقذر من النساء. والثاني:\nهدايتها، وإرسال الملائكة إليها، وتخصيصها بالكرامات السّنية، كالولد من غير أب، وتبرئتها ممّا قذفها اليهود به بإنطاق الطفل، وجعلها، وابنها آية للعالمين. والمراد ب (﴿الْمَلائِكَةُ﴾): جبريل وحده، كما في ندائه لزكريا، ﵇. هذا؛ وقيل المراد ب ﴿نِساءِ الْعالَمِينَ:﴾ نساء زمانها، والمعتمد: أنّ المراد نساء العالمين أجمع إلى يوم الصّور. وقد نظم بعضهم الأفضلية بينها، وبين غيرها، فقال: [البسيط]\nفضلى النّسا بنت عمران ففاطمة... خديجه ثمّ من قد برّأ الله\nوالمراد ب «من قد برأ الله»: عائشة﵂-. وعن أبي موسى الأشعري﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلاّ مريم بنت","vol":"2","page":86},{"text":"عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام». متّفق عليه. وعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون». أخرجه الترمذي.\nقال القرطبي: وروي من طرق صحيحة: أنّه عليه الصلاة، والسّلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة -﵁-: «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد». ومن حديث ابن عباس﵄عن النبي ﷺ قال: «أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». وروى موسى بن عقبة بن كريب عن ابن عباس﵄قال:\nقال رسول الله ﷺ: «سيدة نساء العالمين مريم، ثمّ فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية» ثم ذكر رحمه الله تعالى أمورا اختصّ الله بها مريم، واستدل بها على نبوّتها. والجواب ما ذكرته سابقا من أنّ الله لم ينبّئ امرأة بدليل الآية من سورة (الأنبياء). والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nهذا؛ وإن الله تعالى سيزوّج نبينا ﷺ في الجنّة مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكلثوم أخت موسى بن عمران. فعن ابن عباس﵄-: أنّ النبي ﷺ دخل على خديجة﵂-، وهي في الموت، فقال لها: «يا خديجة! إذا لقيت ضرّاتك؛ فأقرءيهنّ مني السّلام».\nفقالت: يا رسول الله! وهل تزوجت قبلي؟! قال: «لا، ولكنّ الله زوّجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وكلثوم أخت موسى». فقالت له: يا رسول الله بالرّفاه، والبنين!\nوذكر الحافظ ابن عساكر عن ابن عمر﵄قال: جاء جبريل﵇إلى رسول الله ﷺ فمرّت خديجة﵂فقال جبريل: «إنّ الله يقرئها السّلام، ويبشّرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب لا صخب فيه، ولا نصب، من لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم». انتهى. والمحفوظ: أنّها قالت حينما أعلمها الرسول ﷺ بذلك:\nهو السّلام، ومنه السّلام، وإليه يعود السّلام. فلم تقل: وعليه السّلام؛ لأنّه لا يجوز للعبد أن يقول: وعلى الله السّلام، وهذا من كمال عقلها، وفهمها، وذكائها﵂-، وأرضاها.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآية رقم [٣٥]، ﴿قالَتِ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها.\n (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (﴿مَرْيَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اِصْطَفاكِ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملتان بعدها معطوفتان عليها فهما في محل رفع مثلها. ﴿عَلى نِساءِ:﴾","vol":"2","page":87},{"text":"متعلقان بما قبلهما، و﴿نِساءِ:﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والآية كلّها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-336\"></span>﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي..﴾. إلخ: القنوت: الطاعة، والانقياد، والخضوع. وقال تعالى عنها في آخر سورة التحريم: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أي: أطيلي القيام في الصّلاة. وقال الأوزاعي: -رحمه الله تعالى-لما قالت لها الملائكة ذلك؛ قامت في الصّلاة حتى ورمت قدماها، وسالتا دما، وقيحا، ﵍. والقنوت: أن تذكر الله قائما، والقنوت: طول القيام. قاله ابن عمر﵄وقرأ قوله تعالى في سورة (الزّمر):\n ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا﴾. وقال النبي ﷺ: «أفضل الصلاة طول القنوت». أخرجه مسلم، وغيره، وقال الشاعر: [الرمل]\nقانتا لله يدعو ربّه... وعلى عمد من النّاس اعتزل\n ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي:﴾ إنما قدّم السجود على الرّكوع؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، إنّما هي لمطلق الجمع، كأنه قيل لها: افعلي الركوع، والسجود. وقيل: إنّما قدم السجود على الركوع؛ لأنه كان كذلك في شريعتهم. وقال ابن الأنباري: أمرها أمرا عامّا، وحضّها على فعل الخير، فكأنه قال: استعملي السّجود في حال، والركوع في حال، ولم يرد تقديم السجود على الركوع، بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين، وإنما قال: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات؛ لأن لفظ الراكعين أعمّ، فيدخل فيه الرجال، والنساء، والصّلاة مع الرجال أفضل، وأتم، وعلى كلّ ففيه تغليب الرّجال على النّساء، كما في قوله تعالى: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾.\nوانظر شرح الركوع في الآية رقم [٤٣] من سورة (البقرة) فإنّه جيد.\nهذا؛ و(مريم) بالعبرية بمعنى الخادم، ثم سمّي به كثير من النّساء، و(مريم) في لسان العرب هي التي تكون مخالطة، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم، وقد ذكرت في ثلاثين موضعا. هذا؛ وفي القاموس المحيط: المريم: هي التي تحبّ مخالطة الرجال، ولا تفجر. وهذا يناقض ما قبله. قال الشاعر: [الطويل]\nوزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير\nفقلت لها أهلا وسهلا أمريم؟ ... فقالت: نعم من أنت قلت لها: زير","vol":"2","page":88},{"text":"الإعراب: ﴿يا مَرْيَمُ:﴾ منادى مثل ما قبله. ﴿اُقْنُتِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية، وما عطف عليها، والجملة الندائية كلّ ذلك في محل نصب مقول قول الملائكة.\n ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿الرّاكِعِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ.\n\n<span id=\"aya-337\"></span>﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر من أمر زكريا، ويحيى، ومريم، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ:﴾ من أخبار الغيب. والغيب: كلّ ما غاب عنّا. ولم تدركه حواسنا، قال الشاعر: [الطويل]\nوبالغيب آمنّا، وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد\nورحم الله من يقول: [الطويل]\nإذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن قل عليّ رقيب\nولا تحسبنّ الله يغفل ساعة... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب\n ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ:﴾ نخبرك به بواسطة جبريل الأمين، ﵇. وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرّسول المرسل لقومه، مثل موسى، وعيسى، ومحمّد، صلّى الله عليهم أجمعين. والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطّير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النّحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام. واختلف في الوحي إلى أمّ موسى، فقيل: كان في المنام. وقيل: كان إلهاما. وقيل:\nكان يكلّمها جبريل، ﵇. قال تعالى في سورة (طه) حكاية عمّا أجاب به موسى فرعون:\n ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾. وعن عائشة﵂قالت: إن الحارث بن هشام﵁سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال:\n «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فينفصم عنّي؛ وقد وعيت ما قال. وأحيانا يأتيني الملك رجلا، فيكلّمني، فأعي ما يقول». قالت عائشة﵂-: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه؛ وإن جبينه ليتفصّد عرقا. أخرجه البخاريّ ومسلم، وعن عبد الله بن عمرو﵁قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت:\nيا رسول الله! هل تحس بالوحي؟ فقال ﷺ: «أسمع صلاصل، ثمّ أسكت عند ذلك، فما من مرّة يوحى إليّ؛ إلاّ ظننت أنّ نفسي تقبض». أخرجه الإمام أحمد، رحمه الله تعالى.","vol":"2","page":89},{"text":"﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ وما كنت موجودا عندهم. ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ في النّهر حين اختصموا، وتنافسوا على كفالة مريم، كلّ يريد أن تكون في كنفه، ورعايته، حتّى فصلت بينهم القرعة، وكانت من نصيب زكريا، كما رأيت في الآية [٣٧]. هذا؛ و﴿يُلْقُونَ﴾ بمعنى: ألقوا، و﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ بمعنى: اختصموا، أو هما حكاية حال ماضية.\nهذا؛ و﴿لَدَيْهِمْ﴾ ظرف مكان بمعنى: عند، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزّمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر، -كما هنا-قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف «على» و«إلى» ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر]\nإلاكم يا خناعة لا إلانا... عزا النّاس الضّراعة والهوانا\nفلو برأت عقولكمو بصرتم... بأنّ دواء دائكمو لدانا\nوذلكمو إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكمو علانا\nثمّ اعلم: أنّ «عند» أمكن من: «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به. ويمتنع ذلك في لدى، ذكره ابن الشّجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنّك تقول: عندي مال؛ وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا، قاله جماعة، منهم الحريري، وأبو هلال العسكري، وابن الشّجري. وزعم المعري: أنه لا فرق بينهما، وقول غيره أصحّ. انتهى. فتح القريب المجيب.\nتنبيه: الآية الكريمة تذكّر النبي ﷺ بما أنعم الله عليه من نعم. ومثلها كثير في القرآن، وفيه منّ على الرّسول العظيم لا يخفى، وهذا المنّ من الله على نبيّه مقبول؛ لأنّ الله ﷿ يمنّ بما يملك حقيقة، فهو المنعم، والمتفضل، بخلاف منّ العبد على العبد، فهو مذموم؛ لأنّ العبد يمنّ على العبد بما رزقه الله تعالى، وأنعم به عليه، فلا ملك له في الحقيقة. تأمّل، وتدبّر.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿مِنْ أَنْباءِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿أَنْباءِ:﴾\nمضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه. ﴿نُوحِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿نُوحِيهِ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، إن عاد الضمير على الإشارة، أو في محل نصب حال من الغيب إن عاد الضمير إليه، هذا وقال الجمل: جملة: ﴿نُوحِيهِ﴾ مستأنفة، وقال أبو البقاء: ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ولا أؤيد ما قالا.","vol":"2","page":90},{"text":"﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السّكون، والتاء اسمه. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: (كان) فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء، لاتصاله بالهاء التي هي ضمير متّصل في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالخبر المحذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يُلْقُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿أَقْلامَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَيُّهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَكْفُلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿أَيُّهُمْ﴾. ﴿مَرْيَمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع جر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ليعلموا أيهم... إلخ، ومعلوم: أن هذا المحذوف يتحصّل منه جار ومجرور بالتأويل، وهما متعلقان بالفعل: ﴿يُلْقُونَ﴾ وقدّر السّمين المحذوف:\nينظرون أيهم... إلخ، وبه قال مكيّ، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، وقدّر الجلال: يقترعون ليظهر لهم أيهم... إلخ، فاعتبره فاعلا لفعل محذوف، ولا وجه له؛ لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، إلا إذا اعتبر: (أيكم) اسما موصولا، وجملة: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ..﴾. إلخ مثل سابقتها إعرابا، ومحلاّ بسبب العطف.\n\n<span id=\"aya-338\"></span>﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ:﴾ انظر الآية رقم [٤٢]. ﴿إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ سمي هذا الولد: كلمة؛ لأنه وجد بكلمة: «كن» فهو من باب إطلاق السبب على المسبّب، والمراد: أنّه وجد من غير واسطة أب؛ لأنّ غيره وإن وجد بتلك الكلمة لكنه بواسطة أب، وقوله تعالى: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إيحاء إليها بأنها تلده من غير أب، فلذا ينسب إليها. وعادة الرّجال نسبتهم إلى آبائهم. ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيا:﴾ ذا وجاهة عالية، ومكانة في الدنيا والآخرة، وجاهته في الدنيا بالنبوة، وكثرة الأتباع بالحقّ، لا الذين حرفوا، وغيروا، وزيّفوا شريعته، وتعاليمه، وفي الآخرة بالشّفاعة لهم، والتنصّل ممّن بدلوا دينه، وهديه، واتخذوه إلها. انظر آخر سورة المائدة، تجده مفصّلا. ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: عند الله يوم القيامة.\nهذا؛ و﴿الْمَسِيحُ﴾ لقب عيسى، ﵇، وهو من الألقاب المشرفة، كالصدّيق لأبي بكر، والفاروق لعمر﵁-. قال ابن عباس﵄-: سمي عيسى مسيحا؛ لأنه ما مسح ذا عاهة؛ إلا برأ منها. وقيل: لأنه مسح بالبركة، كما حكى القرآن قوله","vol":"2","page":91},{"text":"في سورة (مريم): ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ﴾. وقيل: لأنه مسح من الأقذار، وطهّر من الذنوب. وقيل: سمّي مسيحا؛ لأنّه كان مسيح القدمين، لا أخمص له. ولا أرتضيه؛ لأنه عيب في الرّجال، ونبينا ﷺ كان خمصان الأخمصين. وأصله بالعبرانية المشيح بالشّين، فيعرّب، كما عرّب موسى، وأصله موشى، كما ذكرته لك مرارا. هذا وسمّي الدّجال مسيحا؛ لأنه ممسوح العينين، وقد يكون المسيح بمعنى الكذّاب، وهو بالدّجال ألصق، وعليه تكون الكلمة من الأضداد، وبعضهم يقول في الدّجال: المسيح بالخاء، قال الشاعر: [الرجز]\nإنّ المسيح يقتل المسيحا\nوأطلق على الدّجال المسيح بالحاء؛ لأنه يسيح في الأرض؛ أي: يطوفها، ويدخل جميع بلدانها إلا مكّة، والمدينة، وبيت المقدس، فالدّجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم يمسحها منحة. وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جندب﵁عن النبيّ ﷺ:\nوأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم، وبيت المقدس، وأنّه يحصر المؤمنين في بيت المقدس... وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-من قول الرسول ﷺ: «فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعا كفّيه على أجنحة ملكين. إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدّر منه جمان، كاللؤلؤ، فلا يحلّ لكافر يجد ريح نفسه إلا مات. ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه؛ حتى يدركه بباب لدّ، فيقتله...» إلخ الحديث بطوله.\nقوله: مهرودتين، أي: في شقّتين، أو حلّتين. وقيل: الثوب المهرود الّذي يصبغ بالورس، ثمّ بالزعفران. والجمان-بضم الجيم-: حبات من الفضة، تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، ولدّ بضم اللام، وتشديد الدال: بلدة في فلسطين.\nتنبيه: يحكى: أنّ طبيبا نصرانيّا حاذقا جاء مجلس هارون الرشيد، فناظر عليّ بن الحسين الواقدي، رحمه الله تعالى، فقال النّصرانيّ: إنّ في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله تعالى، وتلا هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٧٠]: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فقرأ الواقدي ﵀ له قوله تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [١٣]: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وقال له: إذا يلزم أن تكون جميع الأشياء جزءا منه سبحانه.\nفانقطع النصرانيّ، وأسلم، وفرح الرّشيد بذلك فرحا شديدا، وأعطى الواقديّ هدية فاخرة.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من مثلها في الآية رقم [٤٢] وقال القرطبيّ: متعلقة ب ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ ويجوز أن تكون متعلّقة بقوله: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ وقال مكي مثله. والمعنى لا يؤيد قوله قطعا، وعلى الأول فالكلام كلّه معترض بين البدل، والمبدل منه. ﴿قالَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. (﴿يا﴾): أداة","vol":"2","page":92},{"text":"نداء. (﴿مَرْيَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُبَشِّرُكِ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والآية كلّها في محل نصب مقول القول.\n ﴿بِكَلِمَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْهُ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (كلمة).\n ﴿اِسْمُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ خبره. ﴿عِيسَى:﴾ بدل من المسيح، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية: ﴿اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى﴾ في محل جر صفة ثانية ل (كلمة) أو في محل نصب حال من (كلمة) بعد وصفها بما تقدم، والرابط: الضمير. وذكّر؛ لأنّ المراد ب (كلمة) الولد، وذكّر لهذا المعنى. ﴿اِبْنُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، و﴿اِبْنُ﴾ مضاف، و﴿مَرْيَمُ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية والتأنيث المعنوي، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من: ﴿عِيسَى﴾ أو من (كلمة).\nوقال ابن المنير-رحمه الله تعالى-بعد كلام كثير: وأما ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فخبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو عيسى، وعلى قوله يكون (ابن) صفة عيسى، وتكون: الجملة: هو عيسى... إلخ في محل نصب حال من المسيح، والرابط المبتدأ المحذوف. ﴿وَجِيهًا:﴾ حال من: ﴿عِيسَى﴾.\n ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان ب ﴿وَجِيهًا﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على: ﴿الدُّنْيا﴾. ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال أيضا معطوفة على: ﴿وَجِيهًا﴾ أي: وكائنا من المقرّبين. هذا؛ واعتبر الجمل ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أخبارا للمبتدإ الأول. والمعتمد ما ذكرته أولا.\n\n<span id=\"aya-339\"></span>﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصّالِحِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ:﴾ المهد هو في الأصل: ما يمهّد للصبي، ويوطّأ؛ لينام فيه في رضاعه. قال تعالى في الآية رقم [١٢]: ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾. والكلام على حذف مضاف، أي: في زمان المهد، ومدته، والذي تكلّم به في المهد هو ما حكاه القرآن عنه في سورة (مريم): ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ..﴾. إلخ، وبعد ما تكلم بهذا الكلام سكت، فلم يتكلّم حتى بلغ أوان النّطق عادة. انتهى جمل. ﴿وَكَهْلًا:﴾ زمن الكهولة هو ما بين الثلاثين والأربعين سنة، وفائدة البشارة بكلامه كهلا؛ والناس في ذلك سواء: البشارة بحياته إلى سن الكهولة، وعدم التفاوت بين كلامه طفلا، وكلامه كهلا. انتهى جمل. وقال المهدوي: وفائدة الآية: أنه أعلمهم، أن عيسى ﵇ يكلمهم في المهد، ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا؛ إذ كانت العادة: أنّ من تكلّم في المهد لم يعش. انتهى قرطبي. وهذا يردّه ما أذكره قريبا.\nوقال: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ آية، ويكلمهم كهلا بالوحي، والرّسالة، وقال أبو العباس -رحمه الله تعالى-: كلمهم في المهد حين برّأ أمه، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾. وأما كلامه؛ وهو","vol":"2","page":93},{"text":"كهل. فإذا أنزله الله من السماء؛ أنزله على صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة-وهو الكهل-فيقول لهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ كما قال في المهد. فهاتان آيتان، وحجّتان. انتهى. قرطبي.\n ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: من العباد الصّالحين، مثل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وهارون، وغيرهم من الأنبياء، وفي وصف عيسى﵇بهذه الصفات المتغايرة إشارة إلى أنّه بمعزل عن الألوهيّة. ففيه رد على النّصارى، وقوله: (﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾) أي: الكاملين في الصلاح، فإنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا؛ لأنه لا يكون لذلك إلا إذا كان في جميع الأفعال، والمتروك مواظبا على المنهج الأصلح، وذلك من تناول جميع المقامات في الدين، والدنيا، في أفعال القلوب، والجوارح، ولهذا قال سليمان﵊بعد النبوة:\nB» وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ». وقال يوسف الصديق بعد النبوة أيضا: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾.\nبعد هذا أقول: مشايخ هذا الزمن يحبّون أن تقبّل أيديهم، وأرجلهم، ويقولون: يستحب تقبيل يد الرّجل الصالح! فهلا يأتون بالرجل الصالح بعد ما قدمته في وصف الصالحين؟! وخذ ما يلي:\nقال أبو هريرة﵁-: دخلت السّوق مع النبي ﷺ، فاشترى سراويل، وقال للوزان:\n «زن، وأرجح». فوثب الوزان إلى يد الرسول ﷺ ليقبلها، فجذب يده، وقال: «هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، وإنّما أنا رجل منكم». ثمّ أخذ السراويل، فذهبت لأحملها، فقال:\n «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله». فالرسول ﷺ لم يرض أن تقبل يده، وجذب يده من يد الوزّان. وقال ما قال، وهم يمدّون أيديهم على طولها؛ ليتبارك بها من يقبلها من الناس.\nبعد هذا؛ فقد قال صاحب السيرة الحلبية-رحمه الله تعالى-: وقد تكلّم جماعة في المهد، نظمهم الجلال السّيوطي-رحمه الله تعالى-في قوله: [الطويل]\nتكلّم في المهد النّبيّ محمّد... ويحيى وعيسى والخليل ومريم\nومبري جريج ثمّ شاهد يوسف... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم\nوطفل عليه مرّ بالأمة الّتي... يقال لها تزني ولا تتكلّم\nوما شطة في عهد فرعون طفلها... وفي زمن الهادي المبارك يختم\nوقال بعضهم: لكنّ النبي ﷺ حصر من تكلّم في المهد في ثلاثة، ولم يذكر نفسه، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ، قال: «لم يتكلّم في المهد إلاّ ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وابن المرأة الّتي مرّ عليها بامرأة، يقال لها: زنت».\nوقد يقال: هذا الحصر إضافي، أي: ثلاثة من بني إسرائيل، أو إنّ ذلك كان قبل أن يعلم بما زاد، ثمّ بعد هذا أعلمه الله تعالى بما شاء من ذلك، فأخبره به، والله أعلم.","vol":"2","page":94},{"text":"الإعراب: ﴿وَيُكَلِّمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يُكَلِّمُ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى المسيح عيسى. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿وَجِيهًا﴾ فهي في محل نصب حال مثله. ﴿فِي الْمَهْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعله المستتر. ﴿وَكَهْلًا:﴾ معطوف على: ﴿وَجِيهًا﴾ أيضا. ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف معطوف على وجيها أيضا، التقدير: وكائنا من الصالحين.\n\n<span id=\"aya-340\"></span>﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ:﴾ قالت تخاطب جبريل الأمين. ﴿رَبِّ:﴾ يا رب! أي: يا سيدي، ومثله في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: «اذكرني عند ربّك، فأنساه الشّيطان ذكر ربّه» لأنه لمّا تمثل لها؛ قال لها: ﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ فلمّا سمعت ذلك منه ذلك؛ استفهمت عن طريق الولد، فقالت: ﴿أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أي: بنكاح: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فروي: أن جبريل﵇حين قال لها: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ وفي سورتها قال لها: ﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ نفخ في جيب درعها، وكمّها. قاله ابن جريج. وقال ابن عباس﵄-: أخذ جبريل ردن قميصها بإصبعه.\nفنفخ فيه، فحملت من ساعتها بعيسى. وقيل: غير ذلك. انظر ما ذكرته في سورتها. ﴿وَإِذا قَضى أَمْرًا﴾ أي: إذا أراد إحكامه، وإتقانه، كما سبق في علمه. ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي:\nاحدث، فيحدث، وليس المراد حقيقة أمر، بل هو تمثيل لما تعلقت به إرادته تعالى. بلا مهلة بطاعة المأمور، والمطيع بلا توقف. انتهى بيضاوي. قال الشاعر: [الطويل]\nإذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول له كن قولة فيكون\nهذا؛ و﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: «الفلك» تطلق على المفرد، والجمع. وسمي بنو آدم بشرا؛ لبدوّ بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات فإنّها مكسوة بالشّعر، أو بالصوف، أو بالرّيش. هذا؛ و﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على المفرد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم) ولذا ثنّي في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون). ويطلق على الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ رقم [٣٦] من سورة (مريم).\nتنبيه: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى-: القضاء يحتمل الحكم، كقوله تعالى:\n ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليحكم ما قد علم: أنه يكون كائنا، أو ليتمّ أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه؛ فهو مفعول لا محالة. انتهى. هذا؛ والماضي: قضى.","vol":"2","page":95},{"text":"والمصدر: قضاء (بالمدّ) لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه: (﴿قَضى﴾) بفتح الياء، فقلبت ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها. ومصدره: (قضيا) فأبدلت الثانية همزة، فصار قضاء ممدودا.\nوجمع القضاء أقضية كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [١٧٩] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الخفيف]\nوجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول\nوقال الشّماخ في عمر﵁يرثيه: [الطويل]\nقضيت أمورا ثمّ غادرت بعدها... بوائق في أكمامها لم تفتّق\nويكون بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا،﴾ وبمعنى العلم. تقول: قضيت بكذا، أي: أعلمتك به. وبمعنى الإتمام. قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾. وبمعنى الفعل، قال تعالى، حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾.\nوبمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ.\nوبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ،﴾ وبمعنى الخلق، كقوله تعالى:\n ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. وبمعنى بلوغ الأرب، والمراد، قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ وبمعنى وفاء الدين، تقول: قضى فلان ما عليه: إذا أوفى ذمته، وأبرأها ممّا عليه من ديون. انتهى قسطلاني. شرح البخاري بتصرف. وأضيف: أنه يكون بمعنى:\nأوحينا، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ..﴾. إلخ.\nقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-فإذا كان القضاء بهذه المعاني؛ فلا يجوز إطلاق القول بأنّ المعاصي بقضاء الله تعالى؛ لأنّه إن أريد به الأمر، فلا خلاف: أنه لا يجوز ذلك؛ لأنّ الله لا يأمر بها، فإنه لا يأمر الفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال:\nإنّه طلق امرأته ثلاثا، فقال: قد عصيت ربك، وبانت منك، فقال الرجل: قضى الله عليّ، فقال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى الله ذلك! أي: ما أمر به. وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾.\nهذا (﴿وَالْأَمْرُ﴾) واحد الأمور، وليس بمصدر: أمر، يأمر. قال العلماء: والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها: الأول: الدّين، قال تعالى: ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي: دين الإسلام. الثاني: القول، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ يعني: قولنا. وقوله تعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ يعني: قولهم. الثالث: العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يعني لما وجب العذاب بأهل النار. الرابع: عيسى، ﵇. قال تعالى في هذه الآية: ﴿إِذا قَضى أَمْرًا﴾ يعني: عيسى، وكان في علمه تعالى أن يكون من غير أب. الخامس: القتل ببدر، قال","vol":"2","page":96},{"text":"تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ يعني: القتل ببدر، وقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ يعني: قتل أهل مكّة.\nالسادس: فتح مكة، قال تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني: فتح مكة. السّابع:\nقتل قريظة، وجلاء النّضير، قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾.\nالثامن: القيامة، قال تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ التاسع: القضاء، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعني: القضاء. العاشر: الوحي، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ يقول: ينزل الوحي من السماء إلى الأرض، وقوله تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ يعني: الوحي. الحادي عشر:\nأمر الخلق، قال تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ يعني: أمور الخلائق. الثاني عشر: النصر، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعنون: النّصر. الثالث عشر: الذنب، قال تعالى: ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها﴾ أي: جزاء ذنبها. الرابع عشر: الشأن، والفعل، قال تعالى: ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: فعله وشأنه، وقال جل شأنه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن فعله، وقوله. انتهى قرطبي.\nالإعراب: ﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ:﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٤٠] ففيها الكفاية.\n ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال، (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم، ﴿يَمْسَسْنِي:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، ﴿بَشَرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى جبريل المبلّغ عن الله-قال: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ انظر الآية رقم [٤٠] وما فيها من اعتبارات، والمرجح فيها، والمرجح هنا الوجه الثاني من الاعتبارات، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، يعني: على السكون في محل نصب. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على الفتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ تقديره: هو. ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب: ﴿إِذا﴾.\n (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (إنما يقول...): جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف هنا، لا محلّ له.\nتنبيه: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، وفيه معنى الشرط، واختلف في ناصبها، فقيل: الجواب، واعترض بأن الجواب قد يقترن بالفاء، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها.","vol":"2","page":97},{"text":"وقيل: بالشرط. واعترض أيضا بأنّها مضافة للشرط، والمضاف إليه، لا يعمل في المضاف، وأجيب عن هذا الاعتراض بأنّ القائلين: إنّ الناصب هو الشرط، لا يقولون بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليه، فلذا كان الثاني أرجح، وإن كان الأول أشهر، فقول بعض المعربين، خافض لشرطه، منصوب بجوابه جري على غير الراجح، ولذا كانت عبارة سيبويه-رحمه الله تعالى- (خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك) محتملة لما في ذلك من احتمالات.\n ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): فعل مضارع تام. وفاعله مستتر تقديره: هو يعود إلى: ﴿أَمْرًا﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يكون، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. وهذا القول يعزى لسيبويه. وقيل: إنّ ﴿يَكُونُ﴾ معطوف على:\n ﴿يَقُولُ لَهُ﴾ وهذا يعزى للزّجاج، والطّبري. وقيل: معطوف على: ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى، وهو قول الفارسي. انتهى سليمان الجمل. هذا؛ وقرأ ابن عامر بالفعل: («يكون») بالنّصب على أنه منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء على اعتبارها للسببية، وضعّفه أبو البقاء. وأقول: لا يمكن سبك مصدر من أن المضمرة، والفعل، وعطفه على مصدر متصيّد من الفعل السّبق؛ إذ لا يقال:\nليكن حدوث، فحدوث.\n\n<span id=\"aya-341\"></span>﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيُعَلِّمُهُ:﴾ الضمير المنصوب يعود إلى: (عيسى) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والفاعل يعود إلى: (الله) ويقرأ الفعل بالياء، والنون. ﴿الْكِتابَ﴾ أي: الخط، والكتابة، فكان-عليه الصلاة، والسّلام-أحسن الناس خطّا. وقيل: المراد جنس الكتب الإلهية، وأفرد الكتابين: الإنجيل، والتوراة بالذّكر لزيادة فضلهما، وشرفهما. وانظر الآية رقم [٣]. أما (الحكمة) فهي المعرفة بالدّين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو منحة، ونور من الله تعالى. قاله مالك، رحمه الله تعالى. وقال أبو بكر بن دريد-رحمه الله تعالى-كلّ كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة، وقال أبو العالية-رحمه الله تعالى-: الحكمة: خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة. وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود﵁مرفوعا عن النبي ﷺ: «رأس الحكمة مخافة الله». وهو حديث لا أصل له في كتب السّنة إلاّ أنّ المعنى صحيح.\nخاتمة بل فائدة: قال الصّلاح الصّفدي-رحمه الله تعالى-: رأيت بخط ابن خلّكان: أنّ مسلما ناظر نصرانيّا، فقال النّصرانيّ في خلال كلامه، مختفيا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم! كيف كان وجه عائشة زوج نبيكم في تخلّفها عن الرّكب عن نبيكم، معتذرة بضياع عقدها؟! فقال","vol":"2","page":98},{"text":"له المسلم: يا نصراني! كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج! فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم؛ اعتقدنا مثله في ديننا من براءة عائشة زوج نبينا! فانقطع النّصرانيّ، ولم يحر جوابا.\nالإعراب: ﴿وَيُعَلِّمُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يُعَلِّمُهُ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n (الله) والهاء مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والأسماء بعده معطوفة عليه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل، ذكرت تطييبا لقلبها، وإزاحة لما همّها من خوف العتاب، واللوم لمّا علمت أنّها تلد من غير زوج. وقيل: معطوفة على: ﴿وَجِيهًا﴾ أي: فهي في محل نصب حال مثله، وارتضاه مكيّ، وعلى هذين الاعتبارين؛ فالآية السابقة معترضة بين المتعاطفين.\n\n<span id=\"aya-342\"></span>﴿وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب، وآخرهم عيسى، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.\nوتخصيص بني إسرائيل بالذّكر لبيان: أنه أرسل إليهم خاصة، ولم تكن رسالته، كما في رسالة نبينا، وعظيمنا محمد ﷺ، فإنها كانت للإنس، والجنّ، والأبيض، والأسود، والعرب، والعجم.\n ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بعلامة على صدقي. والمراد: المعجزات التي أيده الله بها. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ أي: أصور لكم؛ أي: لأجل هدايتكم، وتصديقكم بي. ﴿مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الهيئة: الصورة المهيّأة. من قولهم: هيأت الشيء: إذا قدّرته، وأصلحته. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الطين المصور. والضمير للكاف؛ أي: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير.\n ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا:﴾ فيصير طيرا كسائر الطيور، وانظر شرح الطير في سورة (البقرة) رقم [٢٦٠].\n ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ معناه: بتكوين الله، وتخليقه. والمعنى: أني أعمل هذا التصوير أنا، فأما خلق الحياة؛ فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزة على يد عيسى، ﵇، مثل نفخ جبريل، ﵇، في كمّ مريم، والصانع هو الله تعالى، قال وهب-رحمه الله تعالى-: كان الطائر الذي يصنعه يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم؛ سقط ميتا؛ ليتميّز فعل الخلق من فعل الله تعالى. وقيل: لم يخلق غير الخفاش؛ هذا الذي يطير في الليل. إنما خص الخفاش؛ لأنه من أكمل الطير خلقا؛ لأنه يطير بلا ريش، وله أسنان. ويقال: إنّ الأنثى منه لها ثدي، وتحيض، ولا تبيض، كما تبيض سائر الطيور، وإنما يلد كما يلد الحيوان.","vol":"2","page":99},{"text":"﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ وهو الذي يولد أعمى. ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ البرص: داء معروف، وهو بياض يظهر على جلد الإنسان ينفر منه الناس، فهو داء قبيح. ولم يقل في هذين: ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ لأنهما ليس فيهما كبير غرابة بالنسبة لغيرهما من المعجزات، فتوهّم الألوهيّة فيهما بعيد، فلا يحتاج للتنبيه على نفيه.\n ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: قد أحيا أربعة أنفس: العاذر، وكان صديقا له، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح. فأما عاذر؛ فإنه كان توفي قبل ذلك بأيام، فدعا الله، فقام بإذن الله، فعاش، وولد له. وأما ابن العجوز، فإنه مرّ به يحمل على سريره، فدعا الله، فقام، ولبس ثيابه، وحمل السّرير على عنقه، ورجع إلى أهله، وولد له. وأما ابنه العاشر؛ فكان أبوها يأخذ العشور من الناس، فكان أتى عليها ليلة، فدعا الله فعاشت، وولد لها، فلمّا رأوا ذلك؛ قالوا: إنّك تحيي من كان موته قريبا، فلعلّهم لم يموتوا، فأصابتهم سكتة، فأحي لنا سام بن نوح.\nفقال لهم: دلّوني على قبره، فخرج، وخرج معه القوم؛ حتى انتهى إلى قبره، فدعا الله:\nفخرج من قبره، وقد شاب رأسه، فقال له عيسى﵇-: كيف شاب رأسك؛ ولم يكن في زمانكم شيب؟ فقال: يا روح الله! إنك دعوتني، فسمعت صوتا يقول: أجب روح الله!\nفظننت: أنّ القيامة قد قامت، فمن هول ذلك شاب رأسي، فسأله عن النّزع، فقال: يا روح الله، إن مرارة النزع لم تذهب من حنجرتي، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: صدّقوه، فإنّه نبي! فآمن به بعضهم، وكذّبه بعضهم، وقالوا: هذا سحر.\n ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ هذه معجزة أخرى؛ حيث كان يتكلّم بشيء من الغائب، فقد كان ﵊ يخبر الرّجل بما أكل البارحة، وبما يأكله اليوم، وبما يدّخر للعشاء. وقال سعيد بن جبير، وغيره: كان يخبر الصبيان في الكتّاب بما يدّخر آباؤهم؛ حتى منعوهم من الجلوس معه. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في الذي ذكر من المعجزات. ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: لعلامة، ودلالة على صدق أنّي رسول من الله إليكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ مصدقين بذلك.\nتنبيه: قال السّمين-رحمه الله تعالى-: قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١١٠]: ﴿بِإِذْنِي﴾ أربع مرات عقيب أربع جمل، وفي (آل عمران): ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ مرّتين؛ لأن هناك أي: في آيات المائدة إخبار، فناسب الإيجاز، وهنا أي: في آيات (آل عمران) مقام تذكير بالنعمة، والامتنان، فناسب الإسهاب. انتهى بتصرف.\nخاتمة: قال كثير من العلماء: بعث الله كلّ نبيّ من الأنبياء، وأيّده بمعجزة من جنس ما برع به قومه، فقد كان الغالب على زمان موسى ﵇ السّحر، وتعظيم السّحرة، فأيده الله بقلب العصا حيّة؛ حيث بهرت الأبصار، وحيّرت كل سحّار، فلما استيقن السّحرة: أنها من صنع","vol":"2","page":100},{"text":"العظيم الجبار؛ انقادوا للإيمان، وصاروا من عباد الله الأبرار، وأما قوم عيسى؛ فقد برعوا في الطبّ، فجاءهم بما ذكر في هذه الآية من المعجزات. بما لا سبيل لأحد إليه؛ إلا أن يكون مؤيدا من ربّ الأرض، والسّماء، وأمّا قوم محمد ﷺ؛ فقد برعوا في الفصاحة، والبلاغة، ونظم الشعر، والسّجع، فأتاهم بكتاب من عند الله أخرسهم، وأسكتهم، وتحدّاهم بأن يأتوا بعشر سور، بل بسورة من مثله، فعجزوا، وأنّى يستطيعون، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَرَسُولًا:﴾ معطوف على وجيها متضمنا معنى النّطق، فكأنّه قال: وناطقا بأنّي\nإلخ، أو هو مفعول به ثان لفعل محذوف، التقدير: ويجعله رسولا، وتكون الجملة معطوفة على جملة: (﴿يُعَلِّمُهُ..﴾.) إلخ. ﴿إِلى بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (﴿رَسُولًا﴾) أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي:﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿أَنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء التكلم اسمه. ﴿قَدْ:﴾\nحرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ). ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، التقدير: جئتكم ملتبسا بآية. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آية)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف عند الخليل، التقدير: بكوني... إلخ، والجار والمجرور متعلّقان ب (﴿رَسُولًا﴾) أو بمحذوف صفة له. وسيبويه يعتبره في محل نصب بنزع الخافض، وجوز أبو البقاء اعتباره في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو أني، ووجوها أخر غير جديرة بالاعتبار، والمصدر المؤول من: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه في محل جر بدلا من (آية). والثاني: أنه في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nهي أني. والثالث: أنه بدل من ﴿أَنِّي﴾ الأولى. وهذا هو الأقوى. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة، فتكون الجملة اسمية، وهي مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَهَيْئَةِ:﴾ الكاف: اسم بمعنى:\nمثل، مبني على الفتح في محل نصب مفعول به للفعل ﴿أَخْلُقُ﴾ والكاف مضاف، و(هيئة) مضاف إليه. هذا؛ ووقوع الكاف اسما بمعنى: مثل كثير في القرآن الكريم ذكرته في محاله، وهو وارد في الشعر العربي بكثرة، خذ قول العجّاج-وهو الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٦١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الرجز]\nبيض ثلاث كنعاج جمّ... يضحكن عن كالبرد المنهمّ\n ﴿فَأَنْفُخُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنفخ): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا.\n ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَخْلُقُ..﴾.","vol":"2","page":101},{"text":"إلخ، فهي في محل رفع مثلها، والضمير المجرور عائد على الكاف. وقال أبو البقاء: يعود على الهيئة؛ لأنها بمعنى المهيأ، أو يعود على ﴿الطَّيْرِ﴾ والمعتمد الأول. وجملة: (يكون ﴿طَيْرًا﴾) معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بالفعل يكون، أو بمحذوف صفة طيرا، وجملة: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿وَأُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(إذن): مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.\n ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: أنبئكم بالذي، أو: بشيء تأكلونه ﴿وَما تَدَّخِرُونَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في المحل، والتقدير. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل تدّخرون، وحذف مثلها من ﴿تَأْكُلُونَ﴾ اكتفاء، بها، فهو من حذف الأول لدلالة الثاني عليه، وإن علّقتها بالفعل: ﴿تَأْكُلُونَ﴾ فيكون الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدّم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء، (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ المؤخر. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والجملة الفعلية لا محلّ لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه.\n\n<span id=\"aya-343\"></span>﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ:﴾ لما تقدّم قبلي من شريعة موسى، ﵇، وذلك؛ لأنّ الأنبياء-عليهم جميعا السّلام-يصدّق بعضهم بعضا، فكلّ واحد يصدّق الذي قبله، ويصدّق","vol":"2","page":102},{"text":"بما أنزل الله من الكتب، والشرائع، والأحكام. وانظر ما عطف عليه في سورة (الصفّ) فإنّه جيد، ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ..﴾. إلخ: أحلّ لهم ما حرّم عليهم في شريعة موسى كالشّحوم، والثّروب، والسّمك، ولحوم الإبل، والعمل في يوم السبت. وهو يدلّ على أن شرع عيسى ناسخا لشرع موسى، ﵉؛ أي لبعض الأحكام، فإنّ قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا..﴾. إلخ يدلّ على أنه جاء مؤيدا لما في التوراة، يستثنى من ذلك ما أحلّه الله لهم في شريعة عيسى، وأيضا ما رفعه عنهم من الأغلال، والآصار. هذا؛ وبين (أحلّ) و(حرّم) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.\n ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ وإنّما وحّد، وهي آيات كما رأيت في الآية السابقة؛ لأنها جنس واحد في الدّلالة على رسالته. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، واعملوا ما يأمركم به. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾\nفيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإنّ طاعتي من طاعة الله. هذا؛ والبعض الذي أحلّه عيسى لهم، وكان محرّما عليهم في شريعة موسى﵇مثل تحليل لحوم الإبل، وأشياء من الشّحوم، كما ذكر الله في سورة الأنعام رقم [١٤٦] انظر شرحها هناك. وقد يوضع (البعض) بمعنى (الكلّ) إذا انضمّت إليه قرينة تدل عليه، كما في قول طرفة بن العبد، خاطب به عمرو بن هند الملك لما أراد قتله: [الطويل]\nأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض\nالإعراب: ﴿وَمُصَدِّقًا:﴾ حال معطوف على متعلق ب (آية) في الآية السابقة. وقال البيضاوي، وغيره: عطف على (﴿رَسُولًا﴾). ولا وجه له لاختلاف العامل، وفاعله. ثمّ قال: أو هو منصوب بإضمار فعل دل عليه ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أي: وجئتكم مصدقا. وهو جيد، ومؤيّد للأوّل؛ الذي ذكرته. ﴿لِما:﴾ انظر الآية رقم [٣] ففيها الكفاية. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة:\n (ما) أو بمحذوف صلتها، التقدير: مصدقا للذي، أو: لشيء يوجد ﴿بَيْنَ يَدَيَّ:﴾ و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿يَدَيَّ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ التَّوْراةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما).\n ﴿وَلِأُحِلَّ﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِأُحِلَّ﴾): مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: أنا، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وجئتكم؛ لأحل، وقال البيضاوي- رحمه الله تعالى-: أو هو مردود على قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ أو هو معطوف على معنى:\n (﴿مُصَدِّقًا﴾) كقولهم: قد جئتك معتذرا، ولأطيّب قلبك. ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿حُرِّمَ﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلته. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.","vol":"2","page":103},{"text":"﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي معطوفة على ما قبلها المقدّرة، وهي: وجئتكم لأحل لكم... إلخ، وكررت الجملة للتوكيد. ﴿فَاتَّقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتقوا ﴿اللهَ﴾): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فاتقوا الله. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (﴿أَطِيعُونِ﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-344\"></span>﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿اللهَ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿رَبِّي:﴾ مالكي، وسيدي، ومولاي.\n ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ مالككم، وسيدكم، ومتولّي أموركم. هذا؛ والربّ يطلق، ويراد به المالك، والسيد، ومنه قوله تعالى، حكاية عن قول يوسف الصديق-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾. وقال الأعشى: [الكامل]\nربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا\nكما يقال: رب الدار، ورب الأسرة؛ أي: مالكها، ومتولّي شئونها، كما يراد المربّي، والمصلح. يقال: ربّ فلان الضيعة، يربّها: إذا أصلحها. والله ربّ العالمين: مالكهم، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينمّيه، وينشّيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. هذا؛ ولا يطلق لفظ الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: ربّ الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك، وقد قالوه في الجاهلية للملك. قال الحارث بن حلّزة في معلقته رقم [٣٨]: [الخفيف]\nوهو الرّبّ والشّهيد على يو... م الحيارين والبلاء بلاء\nوالربّ: المعبود بحق، وهو المراد به عند الإطلاق، ومنه قول راشد بن عبد ربّه السلمي الصّحابي﵁، وهو الشاهد رقم [١٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nأربّ يبول الثّعلبان برأسه... لقد هان من بالت عليه الثّعالب\nولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف﵇لصاحبي السّجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾. كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]","vol":"2","page":104},{"text":"هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر خمس مخمّسا\nوهو اسم فاعل بجميع معانيه السابقة، أصله: رابب، ثم خفّف بحذف الألف، وإدخال أحد المثلين في الآخر.\n ﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾ العبادة: غاية التذلّل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السّجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. أما ﴿صِراطٌ﴾ فهو في لغة العرب بمعنى طريق واضح لا اعوجاج فيه، قال جرير في مدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]\nأمير المؤمنين على صراط... إذا اعوجّ الموارد مستقيم\nوقال عامر بن الطفيل: [الوافر]\nشحنّا أرضهم بالخيل حتّى... تركناهم أذلّ من الصّراط\nثمّ إن العرب تستعير الصراط في كل فعل، وعمل وصف باستقامة، أو اعوجاج، والمراد به هنا: امتثال أمر الله في فيما أمر، وفيما نهى، والأخذ بقول الرسول ﷺ. و﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ لا اعوجاج فيه، وأصله: (مستقوم) لأنه من: استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معناه حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار: (مستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.\nبعد ما تقدّم: في الآية حجة بالغة على نصارى وفد نجران، ومن قال بقولهم من سائر النصارى إلى يوم القيامة بإخبار الله﷿عن عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: أنه كان بريئا مما نسبه إليه النّصارى، وأنه كان عبد الله، وخصّه بنبوته، ورسالته.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿رَبِّي:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اعبدوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم. التقدير:\nوإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فاعبدوه. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿صِراطٌ:﴾ خبره. ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ صفة ﴿صِراطٌ﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة، أو تعليلية، لا محلّ لها على الاعتبارين.","vol":"2","page":105},{"text":"<span id=\"aya-345\"></span>﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ﴾ أي: عرف من اليهود ﴿الْكُفْرَ﴾ والخبث، واللؤم.\nوالإحساس: الإدراك ببعض الحواس الخمس، وهو الذوق، والشم، واللمس، والسمع، والبصر. وفيه استعارة؛ إذ الكفر ليس بمحسوس، وإنّما يعلم، ويفطن به، فإطلاق الحسن عليه من نوع الاستعارة. ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي: مع الله، والظاهر: أنه أراد: من أنصاري في الدّعوة إلى الله، كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج: «من يؤويني؛ حتّى أبلّغ رسالة ربّي؟ فإنّ قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربّي». وهذه سنّة الله في أنبيائه، وأوليائه، وقد حكى الله عن لوط قوله في سورة (هود): ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.\n ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ..﴾. إلخ: جمع: حواري، وهم أصفياء عيسى، ﵇، وكانوا اثني عشر رجلا، واختلف في تسميتهم بذلك، فقال ابن عباس﵄-: سمّوا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين. وقيل: كانوا قصارين. وقيل: كانوا ملوكا يلبسون الثياب البيض. والحواري: الناصر، فعن جابر﵁قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير﵁-، ثم ندبهم: فانتدب الزبير، فقال الرسول ﷺ: «إنّ لكلّ نبيّ حواريّا وحواريي الزّبير». متفق عليه، والحواريات: النساء الحضريات لخلوص ألوانهن، وبياضهن، ونظافتهن. قال الشاعر: [الطويل]\nفقل للحواريّات يبكين غيرنا... ولا تبكنا إلاّ الكلاب النّوابح\nفهو يعني: أنه ليس من عرف بالحضر، والتنعم بالحياة، بل هو من أهل البدو، والمحاربة، ولا يبكى عليه إلا الكلاب؛ اللاتي تساق معه في البدو، والصيد. ﴿وَاشْهَدْ:﴾ الخطاب لعيسى ﵇؛ أي: اشهد لنا عند ربك يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم، أو عليهم.\n ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ منقادون، طائعون. والإسلام: الاستسلام، والانقياد لأوامر الله. ﴿أَنْصارُ اللهِ:﴾\nأنصار دينه. هذا؛ والآية الكريمة تبيّن: أن الإسلام، والإيمان شيء واحد، ولكن قد يختلفان، كما في آخر سورة (الحجرات).\nهذا؛ وقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: ﴿الْحَوارِيُّونَ﴾ هم أصحاب المسيح عيسى بن مريم-صلوات الله، وسلامه عليه-وخاصته؛ الذين اختارهم؛ ليكونوا تلاميذه، وبادروا إلى الإيمان به، وتتلمذوا له، وتعلّموا منه، وكانوا اثني عشر رجلا. وهذا اللفظ لم أعرفه عبرانيّا، وأما عربيّا فقد قال صاحب القاموس، وقد جاء إطلاق حواري رسول الله ﷺ","vol":"2","page":106},{"text":"على الزّبير بن العوام، -﵁-، ويظهر: أن لفظ الأنصار في جانب رسول الله ﷺ بمنزلة الحواريين في جانب المسيح ﵇. والأناجيل تعبّر عنهم بلفظ التلاميذ.\nوإذا جاز لي هذا اللفظ، فإنّي أقول: إنّ معناه: الإخوان في طلب العلم، من لفظ: حور العبري، وهو التلميذ، وجمعه: حوريم، نطق به في العربية حواري، وحواريين. هذا؛ وذكرت أسماء الحواريين في إنجيل متّى في الإصحاح العاشر، وقد ذكر برنابا أسماء التلاميذ في الفصل الرابع عشر من إنجيله، وهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر من إنجيل متّى:\n١ - سمعان الذي يقال له: بطرس\n٢ - أندراوس أخو سمعان: بطرس\n٣ - يعقوب بن زيدي\n٤ - فيلبس\n٥ - برثولماوس\n٦ - يوحنّا أخو يعقوب\n٧ - توما\n٨ - متّى العشّار\n٩ - يعقوب بن حلفي\n١٠ - لباوس الملقّب تداوس\n١١ - سمعان القانوني\n١٢ - يهوذا الإسخريوطي\nوهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر عند برنابا\n١ - أندراوس\n٢ - بطرس\n٣ - برنابا\n٤ - متّى العشّار\n٥ - يوحنا بن زيدي\n٦ - يعقوب بن زيدي\n٧ - تداوس","vol":"2","page":107},{"text":"٨ - يهوذا\n٩ - برثولماوس\n١٠ - فيلبس\n١١ - يعقوب بن حلفي\n١٢ - يهوذا الإسخريوطي\nومن ذلك نرى: أنّ برنابا نقص من الحواريين عند متّى اثنين، وهما: سمعان الغيور المعروف بالقانوني، وتوما، ووضع مكانهما اسمه، واسم تداوس، فهل الصواب معه؟ ولكن الكنيسة لما رأت إنجيله يخالف ما تهوى حذفت اسمه، واسم سمعان من بين التلاميذ؛ لأنهما كانا متطابقين في الرأي، قد يكون ذلك، وأنّهم اكتفوا في عقابه بهذا مع بقاء اسمه بين الرسل؛ الذين حملوا قسطا عظيما في نشر الدعوة، والتبشير باقتراب ملكوت السموات، وهؤلاء الحواريون الذين استجابوا لعيسى، ﵇، وهم الذين بثهم في القرى اليهودية؛ ليدعوا الكفار بدعوة المسيح، ومن غلا في شأنه، أو كذّبه، وردّ دعوته. وقد قص شأن الحواريين في هذه السورة، وفي آخر سورة (المائدة) وفي سورة (الصف). انتهى بتصرف.\nوهذا يدل على أنّ رسالة عيسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أعم من رسالة جميع المرسلين قبله، وذكرت أكثر من هذا في سورة (الصف).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٣٦] ﴿أَحَسَّ:﴾ فعل ماض. ﴿عِيسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبار (لمّا) حرفا.\n ﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكفر.\n ﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿عِيسى﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْصارِي:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر، أو هو من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَنْصارِي﴾ أو بمحذوف حال منه، التقدير: ملتجأ، أو ذاهبا، ونحوه، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على محذوف التقدير: فكذبوه فلمّا... إلخ.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْحَوارِيُّونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على","vol":"2","page":108},{"text":"الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْصارُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وإضافته لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿أَنْصارُ اللهِ﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب مقول القول، أو هي مستأنفة، لا محل لها. فهذه احتمالات أربعة. وعلى الاستئناف فالوقف على لفظ الجلالة جيد. والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَاشْهَدْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِشْهَدْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: أنت.\n ﴿بِأَنّا:﴾ الباء: حرف جر. (أنّا): حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، و(أنّا) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿آمَنّا﴾ وجملة: (﴿اِشْهَدْ..﴾.) إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فاسمع، واشهد... إلخ والفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا منا؛ فاشهد... إلخ، والشرط المقدّر، ومدخوله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-346\"></span>﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا آمَنّا:﴾ توجه الحواريّون بالخطاب إلى الله تعالى. ﴿بِما أَنْزَلْتَ﴾ أي: على عيسى، ﵇، والمراد به: الإنجيل؛ الذي أنزله الله، لا إنجيل متّى، ولا مرقس\nإلخ. ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ أي: عيسى. ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ:﴾ لك بالوحدانية، ولرسولك بالصّدق، والبلاغ، فأثبت أسماءنا مع أسمائهم، واجعلنا في عدادهم، ومعهم فيما تكرمهم به.\nوالمراد: مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم. وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين الذين سأل الحواريون أن يكونوا معهم مزيد فضل عليهم، وهم الأنبياء، كما قدمت؛ لأن كل نبي شاهد على أمته، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾. وقال ابن عباس﵄-: المراد: محمد ﷺ، وأمته؛ لأنهم المخصوصون بتلك الفضيلة، فإنهم يشهدون للرّسل بالبلاغ، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى، حذفت منه أداة النداء، و(نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَنْزَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: آمنا بالذي، أو: بشيء أنزلته،","vol":"2","page":109},{"text":"والكلام من مقول الحواريين. ﴿وَاتَّبَعْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَاكْتُبْنا:﴾ الفاء في مثل ذلك يعتبرها من يجيز عطف الإنشاء على الخبر عاطفة، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منا؛ فاكتبنا. (اكتبنا): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، ونا: مفعول به. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿مَعَ﴾ مضاف، ﴿الشّاهِدِينَ:﴾\nمضاف إليه مجرور... إلخ.\n\n<span id=\"aya-347\"></span>﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَمَكَرُوا﴾ يعني: كفار بني إسرائيل؛ الذين أحسّ عيسى منهم الكفر؛ حيث دبّروا قتل عيسى، ﵇. وأصل المكر: صرف الغير عمّا يقصده بضرب من الحيلة، وهذا شأن اليهود في غابر الأزمان، وحاضرها، فقد قتلوا يحيى، وزكريا، وغيرهما من الأنبياء، وقد نوّه القرآن الكريم بذلك كثيرا. ﴿وَمَكَرَ اللهُ:﴾ جازاهم الله على مكرهم، حيث رفع عيسى إلى السّماء، وألقى بشبهه على من أراد قتله؛ حتى قتل. هذا؛ والمكر معناه: الخبث، والخداع، والاحتيال، وهو مستحيل في حقّ الله تعالى، وإنّما ذكر ذلك من باب المقابلة، وهذا ما يسمّى عند البلغاء بالمشاكلة؛ أي: ذكر الله سبحانه جزاءهم من جنس صنيعهم، ومنه قوله سبحانه:\n ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ،﴾ ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (البقرة) إن أردت الزيادة.\nقال صاحب البحر المحيط-رحمه الله تعالى-: سأل رجل الجنيد-رحمه الله تعالى-فقال:\nكيف رضي الله-سبحانه-لنفسه المكر، وقد عاب به غيره. فقال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان الظّهراني: [الوافر]\nويقبح من سواك الفعل عندي... فتفعله فيحسن منك ذاكا\nثمّ قال له: قد أجبتك؛ إن كنت تعقل. ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ أي: هو أفضل المجازين بالسيئة العقوبة. ومكر الله في هذه الآية خاصة إلقاء الشبه على صاحبه؛ الّذي دلّهم على عيسى حين أرادوا قتله حتّى قتل، ورفع عيسى إليه. وذلك: أن اليهود لما اجتمعوا على قتل عيسى﵇دخل البيت هاربا منهم، فقال ملكهم لرجل منهم خبيث، هو: يهوذا، وكان أحد الحواريين لكنّه نافق، ادخل عليه، فاقتله، أو أخرجه، فدخل البيت، فلم يجد عيسى فيه، وألقى الله عليه شبه عيسى، فلمّا خرج رأوه على شبه عيسى، ﵇، فأخذوه، وقتلوه، وصلبوه، وهو يقول لهم: أنا صاحبكم، ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا صاحبنا؛ فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى؛ فأين صاحبنا؟ فوقع بينهم قتال، فقتل بعضهم بعضا. قال تعالى في","vol":"2","page":110},{"text":"سورة (النّساء) رقم [١٥٧]: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك.\nومنع الله عيسى منهم، ورفعه إليه، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم، والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش، وصار إنسيّا ملكيّا أرضيّا سماويّا؛ حتّى ينزل آخر الزمان.\nفعن أبي هريرة﵁-: أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والّذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما، عدلا، مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال؛ حتّى لا يقبله أحد». زاد في رواية: «حتى تكون السّجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها». ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ متفق عليه.\nالإعراب: ﴿وَمَكَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال.\n ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْماكِرِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، ولفظ الجلالة، الذي أعيد للتفخيم، والتعظيم.\n\n<span id=\"aya-348\"></span>﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ:﴾ اختلف المفسّرون في هذه الوفاة، فقال جماعة، منهم: قتادة، والضحاك، والفرّاء: هذا من المقدّم، والمؤخّر. تقديره: إني رافعك إليّ، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء في آخر الزمان، كقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ إذ التقدير: ولولا كلمة سبقت من ربّك، وأجل مسمّى؛ لكان لزاما. ومثل ذلك قول الأحوص-وهو الشاهد رقم [٦٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام\nوأيضا قول حسّان﵁يهجو أبا سفيان وزوجه هندا بعد موقعة أحد: [الكامل]\nلعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر\nوقال الحسن، وابن جريج: معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ:﴾ قابضك، ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل: توفّيت مالي من فلان، أي: قبضته. وقال وهب بن منبه: توفّاه الله ثلاث ساعات","vol":"2","page":111},{"text":"من أوّل النهار، ثم رفعه إلى السّماء، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النّوم، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٠]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾. وكان الرسول ﷺ يقوم إذا قام من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا». وعن ابن عباس -﵄معنى متوفيك: مميتك. وهذا أضعف الأقوال، ولعل النسبة إليه ليست صحيحة. والحقّ: أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة، ولا نوم، كما قال الحسن، وابن زيد، وهو اختيار الطّبري، وهو الصّحيح عن ابن عباس، فترجع الوفاة إلى معنى القبض، وهو فحوى ما حكى الله في قوله في آخر سورة (المائدة): ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾.\nوهناك قول بأن المعنى: موفيك أجرك غير منقوص.\n ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من سوء أعمالهم. وخبث صحبتهم. بمعنى: مخرجك من بينهم، ومنجّيك من كيدهم. ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي:\nيغلبونهم بالحجّة، أو السيف في غالب الأمر، والّذين اتبعوا عيسى هم النصارى؛ الذين لم يغيّروا، ولم يبدّلوا، ويعتقدون: أنّه رسول الله، لا ابنه، ولكنّهم صاروا بعد ذلك شيعا، وفرقا ثلاثة، ثم صاروا اثنتين وسبعين فرقة. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (التوبة) فإنّه جيد. والحمد لله!.\nهذا؛ وإن الذين اتبعوا عيسى بالتوحيد، وعدم الشرك هم المسلمون، فهم أحقّ بعيسى﵇في الدّنيا، والآخرة، وإنّه إذا نزل في آخر الزّمان يكون واحدا من أمّة محمد ﷺ كما أنّ المسلمين أحقّ بموسى﵇بدليل قول نبينا ﷺ لليهود حينما هاجر من مكّة المكرمة إلى المدينة، ورآهم يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صومه، فقالوا: هذا يوم صالح نجّى الله فيه بني إسرائيل، فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصومه، فقال لهم ﷺ: «أنا أحق منكم بموسى». فصامه، وأمر بصيامه، ولذا عزّ المسلمون لتمسّكهم بالتوحيد الذي هو دين محمّد، ودين جميع الأنبياء، والمرسلين، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وتحقّق لهم وعد الرسول ﷺ في غزوة الخندق، وهو تحقيق وعد الله لهم في الآية رقم [٥٥] من سورة (النور): ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بعيسى حقّا سلبوا النّصارى بلاد مصر، والشام... إلخ.\nقال البيضاوي: -رحمه الله تعالى-: وإلى الآن لم يسمع غلبة اليهود على أتباع عيسى، ولم يتّفق لهم ملك، ودولة. انتهى. أقول: ولكن في هذه الآية قد قام لهم ملك، ودولة بمساعدة النّصارى أنفسهم، وبسبب تخاذل المسلمين، وتفرّقهم، وهجرهم تعاليم دينهم، وسنّة نبيهم، وما قام لهم في هذه الأيام إنما هو دليل قاطع على رسالة محمد ﷺ حيث أخبر بأنه سيقوم لهم ملك","vol":"2","page":112},{"text":"ودولة، وذلك في قوله ﷺ: «تقاتلكم يهود، فتنصرون عليهم، حتى يقول الحجر والشّجر:\nيا مسلم! هذا يهوديّ اختبأ ورائي تعال فاقتله». ومقاتلتهم المسلمين لا تكون إلا عن ملك، ودولة، كما هو الحال في هذه الأيام. متى يكون هذا النّصر؟ ذلك في علم الله، وأغلب الظن أنه لا يكون إلا بعد نزول عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nوأخرج مسلم-رحمه الله تعالى-من حديث النواس بن سمعان﵁قال: فبينما هما كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق.\nوعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ، قال: «ليس بيني، وبين عيسى نبيّ، وأنّه نازل، فإذا رأيتموه، فاعرفوه، فإنّه رجل مربوع إلى الحمرة، والبياض، ينزل بين ممصّرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدقّ الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله الملل في زمانه كلّها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفّى، ويصلّي عليه المسلمون». أخرجه أبو داود.\nوأخبر الرسول ﷺ في حديث آخر: أن عيسى﵇هو الذي يقتل الدّجال الذي ينتظره اليهود، ويكونون جندا له. كما روي: أن عيسى يتزوّج، ويولد له ولدان، يسمّي أحدهما موسى، والآخر أحمد. ونقل بعضهم: أنّ عيسى ﵇ يدفن في حجرة النبي ﷺ، فيقوم أبو بكر وعمر﵄يوم القيامة بين نبيين: محمد، وعيسى، ﵉، والمعتمد: أنّ عيسى يمكث في الأرض سبع سنوات، ومكث ثلاثا وثلاثين قبل رفعه، فتكون مدة حياته في الأرض أربعين سنة. وهذا هو المعتمد إن شاء الله تعالى.\nوفي حديث عند أبي داود: أربعين سنة، فيحتمل: أن المراد لبثه في الأرض قبل الرفع، وبعده. وروي: أن الله أرسل سحابة إلى عيسى، فرفعته، فتعلّقت به أمّه، وبكت، فقال لها: إنّ القيامة تجمعنا، وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: (﴿مَكَرُوا﴾)، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بهذا المقدّر. ﴿قالَ اللهُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (﴿عِيسى﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم المقدّر على الألف في محل نصب ب (يا). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿مُتَوَفِّيكَ:﴾ خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرافِعُكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله،","vol":"2","page":113},{"text":"وهو مثله في إعرابه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَجاعِلُ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اِتَّبَعُوكَ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و﴿فَوْقَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا إِلى يَوْمِ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة. من: إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n ﴿فَأَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر، تقديره: «أنا» والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (أحكم)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَخْتَلِفُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (في).\n\n<span id=\"aya-349\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ يعني: جحدوا نبوّة عيسى، وخالفوا ملّته، وقالوا فيه ما قالوا من الباطل، ووصفوه بما لا ينبغي، وهم من سائر اليهود، والنصارى. ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا﴾ يعني: بالقتل، والسبي، والذلّة، وأخذ الجزية منهم. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ مانعين يمنعونهم من عذابنا في الدنيا، والآخرة.\nهذا؛ وفي هذه الآية التفات من الخطاب في الآية السابقة إلى التكلّم في هذه الآية، ثم التفات من المتكلّم في هذه الآية إلى الغيبة في الآية التي تليها. وللالتفات فوائد كثيرة، منها:\nتطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حثّ السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.","vol":"2","page":114},{"text":"هذا؛ والمراد بالآخرة: الحياة الثانية؛ التي تكون بعد الموت، ثمّ بعد البعث، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها. والأولى لمن آمن، وعمل صالحا، والثانية لمن كفر، وعمل سيئا. ورحم الله من يقول: [البسيط]\nالموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟!\nورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط]\nالدار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار\nهما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار\nأما الكفر: فهو ضدّ الإيمان، وهو المراد في الآية، وقد يكون بمعنى جحود النعمة، والإحسان، ومنه قول النبي ﷺ في النّساء في حديث الكسوف: وأريت النّار، فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع، ورأيت أكثر أهلها النّساء. قيل: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهنّ». قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهنّ الدهر كلّه، ثمّ رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ». أخرجه البخاريّ برقم (١٠٥٢) وغيره، ويروى بأطول من هذا من رواية أبي سعيد الخدري﵁-، وأصل الكفر في كلام العرب. السّتر، والتغطية. قال لبيد﵁في معلقته رقم [٤٢] في وصف بقرة وحشية: [الكامل]\nيعلو طريقة متنها متواتر... في ليلة كفر النّجوم غمامها\nوسمّي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا في سورة (الحديد) رقم [٢٠]: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾. ويسمى الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته، قال لبيد في معلقته رقم [٦٥]: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nكما يطلق لفظ الكافر على النّهر، قال المتلمّس حين ألقى الصّحيفة في النّهر: [الطويل]\nوألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل\nرضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيار في كلّ جدول\nهذا؛ وكفر فلان النعمة، يكفرها، كفرا، أو كفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. قال تعالى في سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:\n ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال القطامي: -وهو الشاهد رقم [٥٣١] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الوافر]\nأكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا","vol":"2","page":115},{"text":"الإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد. أمّا كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فالذين كفروا... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب «مهما يك من شيء» فصار: (أما ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾). وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله.\nويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأمّا كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنّه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب: (أما).\n (أعذبهم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فأنا أعذبهم، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق، وهو اسم مصدر؛ لأن المصدر:\nتعذيب. ﴿شَدِيدًا:﴾ صفته. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ جار، ومجرور، متعلقان بالفعل: (أعذب) أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانيا ل ﴿عَذابًا﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، بعد وصفه بما تقدّم.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء، التي جلبها حرف الجر الزائد، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وإن اعتبرت: (ما) نافية حجازية؛ فالأمر واضح، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-350\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ الأعمال الصالحات على تفاوتها، واختلاف درجاتها. وعطف العمل الصالح على الإيمان يسمّى احتراسا. انظر الآية رقم [٢٧٧] من سورة (البقرة). ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ:﴾ يعطيهم ثواب أعمالهم الصالحة كاملا غير منقوص في الدنيا بالنّصر، والظفر، وفي الآخرة في الجنات العالية، والنعيم المقيم. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي: يسخط، ولا يرحم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، والمنكرات، هذا وعدم محبّة الله كناية عن البغض، والسخط، والغضب، والطرد من رحمته ورضوانه. ومحبته للعبد رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه.\nتنبيه: لمّا ذكر الله في الآية السابقة الكافرين، وما أعدّ لهم من العذاب الشديد، والعقاب الأليم؛ ذكر في هذه الآية المؤمنين الصادقين، وما أعدّ لهم من النعيم المقيم في جنات النعيم.","vol":"2","page":116},{"text":"وتلك سنة الله في كتابه الكريم، حيث اقتضت حكمته تعالى، ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنّة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسّخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب (﴿أَمَّا﴾). (يوفيهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) تقديره: هو، والهاء مفعول به أول. ﴿أُجُورَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يوفيهم، والجملة الاسمية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (﴿اللهُ﴾).\n ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعل (يوفيهم) على تأويلها بظرف؛ ويكون المعنى: فيوفيهم أجورهم وقت كون الله لا يحبّ الظالمين، والرابط: الواو فقط، ومثل هذه الآية قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٨٤٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -وهاكه: [الطويل]\nوقد أغتدي والطّير في وكناتها... بمنجرد قيد الأوابد هيكل\nوالآية الكريمة، والبيت مثل قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-351\"></span>﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما ذكر من خبر عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ:﴾ نقرؤه، ونقصّه. والخطاب لسيد الخلق محمّد ﷺ. ﴿مِنَ الْآياتِ﴾ أي: آيات القرآن. وقيل: المراد بالآيات: المعجزات، والعلامات الدّالة على صدقك، ونبوّتك يا محمد! لأنها أخبار، لا يعلمها إلا من يقرأ، أو يكتب، أو نبيّ يوحى إليه، وأنت أميّ لا تقرأ، ولا تكتب، فثبت: أنّ ذلك من الوحي السّماويّ؛ الذي أنزل عليك. انتهى خازن.\n ﴿وَالذِّكْرِ:﴾ القرآن. ﴿الْحَكِيمِ:﴾ المحكم؛ أي: لا خلل فيه، ولا تناقض. وقيل: ذو الحكمة.\nوقيل: الحاكم. أو: وصفه الله بالحكيم؛ لاشتماله على الحكم، أو: لأنه كلام حكيم، أو:","vol":"2","page":117},{"text":"محكمة آياته، لم ينسخ منها شيء. وقيل: ﴿الْحَكِيمِ﴾ بمعنى المحكوم فيه؛ أي: حكم الله فيه بالعدل، والإحسان، وبالنّهي عن الفحشاء، والمنكر، وبالجنّة لمن أطاعه، وبالنّار لمن عصاه.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَتْلُوهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنَ الْآياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والعامل الفعل، كما يجوز أن يكونا متعلّقين بخبر ثان للمبتدإ محذوف، كما جوز اعتبار ذلك خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر ذلك. وفيه ضعف ظاهر، وعلى جميع الاعتبارات؛ فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَالذِّكْرِ:﴾ معطوف على: ﴿الْآياتِ﴾. ﴿الْحَكِيمِ:﴾ صفته.\n\n<span id=\"aya-352\"></span>﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى..﴾. إلخ أي: شأن عيسى الغريب، وحاله العجيب كشأن آدم، وحاله، وهو من تشبيه الغريب بالأغرب، والعجيب بالأعجب؛ ليكون أوقع في النفس، وأقطع للخصم، وأفحم له، وإن كان بين آدم، وعيسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام- فرق كبير. بعد أن يجتمعا في وصف واحد، فإنّ آدم خلق من تراب، ولم يخلق عيسى من تراب، فكان بينهما فرق من هذه الجهة، ولكن شبه ما بينهما: أنّهما خلقا من غير أب. ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ:﴾ صوّر جسمه من طين لازب مأخوذ من التراب. هذا؛ وقال تعالى في سورة (مريم):\n ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ثم قال له: كن فيكون: أي: أحدث، فيحدث، فهو حكاية حال ماضية، أي: فكان بشرا سويّا، قال الشاعر: [الطويل]\nإذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول له كن قولة فيكون\nهذا؛ و﴿آدَمَ﴾ أصله: أأدم بهمزتين، انظر: (آل) في الآية رقم [١١] فهو مثله في إعلاله.\nتنبيه: ذكرت لك في أوّل هذه السورة: أنّ وفد نجران، قدموا على النبيّ ﷺ، فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا، وتسبّه؟ فقال: من هو؟ قالوا: عيسى! تزعم: أنه عبد الله، قال: أجل! إنّه عبد الله! فقالوا: هل رأيت له مثلا خلق من غير أب؟! ومن لا أب له؛ فهو ابن الله. ثمّ خرجوا من عنده، فجاءه جبريل، ﵇، فقال له: قل لهم إذا أتوك: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ..﴾. إلخ. والمعنى: أنّ من لم يقرّ بأنّ الله تعالى خلق عيسى من غير أب، مع اعترافه بخلق آدم من غير أب خارج عن طور العقلاء. انتهى خازن، وغيره.","vol":"2","page":118},{"text":"روي: أنّ بعض العلماء أسر عند الروم، فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له، فقال لهم: آدم أولى؛ لا أب له، ولا أم، فقالوا: كان عيسى يحيي الموتى، فقال: حزقيل أولى؛ لأنّ عيسى أحيا أربعة نفر، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف، فقالوا: إنه كان يبرئ الأكمه، والأبرص، فقال: جرجيس أولى؛ لأنه طبخ، وأحرق، ثمّ خرج سالما. انتهى نقلا من السّمين.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَثَلَ:﴾ اسمها. و﴿عِيسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف في محلّ رفع خبر أول، وهو ممهّد للثّاني، ولا تتمّ الفائدة به. و﴿عِنْدَ﴾ مضاف. و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان ل ﴿إِنَّ﴾ وهو الذي تمت به الفائدة، و(مثل): مضاف، و﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ مَثَلَ:﴾ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿خَلَقَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آدَمَ﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. وقيل:\nمفسرة ل (مثل آدم) وقيل: مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٤٧] والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها صناعة؛ لأنّ ﴿ثُمَّ﴾ هنا لترتيب الخبر، لا لترتيب المخبر عنه؛ لأنّ قوله: ﴿كُنْ﴾ لم يتأخر عن خلقه، وإنما هو في المعنى تفسير لمعنى الخلق، وقد جاءت: ﴿ثُمَّ﴾ غير مفيدة بترتيب المخبر عنه. انتهى عكبري باختصار.\n\n<span id=\"aya-353\"></span>﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ؛ أي: ما ذكر في عيسى هو القول الحق؛ الذي لا محيد عنه، ولا مقبول سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟! لا ما يدعيه النّصارى من أنّ عيسى﵇ابن الله، أو هو الإله، كما يقول بعضهم: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾\nالشّاكّين في الذي أنت عليه، وهذا على سبيل الفرض، والتقدير؛ لأنّه من المحال أن يشكّ النبي ﷺ فيما أنزل إليه من ربّه. هذا؛ وقيل: الخطاب للنبي ﷺ، والمراد أمّته؛ لأن النهي المذكور محال في حقّه ﷺ. وحاصل الجواب: أنّ متعلّق الامتراء هو علم أهل الكتاب بحقيّة القرآن، وهو أحد الأجوبة في الكشاف. والثاني: أنّه من باب التهيّج، والتّحريض لزيادة الثبات على ما ورد في شأن عيسى، ﵇، والوقوف عنده، وهو لكلّ سامع من أمّة محمّد ﷺ بأنّ عيسى عبد الله، ورسوله، لا ابنه، كما زعمت النّصارى. بعد هذا؛ فالامتراء: الشّكّ، ومنه المراء، والتّماري، والمماراة؛ لأنّ كلّ واحد من المتخاصمين يشكّ في قول صاحبه، وما ذكر يكون بمعنى الجدال، كما في قوله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (الكهف): ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً﴾","vol":"2","page":119},{"text":"ظاهِرًا... إلخ. بعد هذا فالآية مذكورة في سورة (البقرة) برقم [١٤٧] وهناك ذكرت بشأن مماراة اليهود النبيّ ﷺ في استقبال بيت المقدس في الصّلاة.\nالإعراب: ﴿الْحَقُّ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الحق، فيكون الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف حال من:\n ﴿الْحَقُّ﴾ أو بمحذوف خبر ثان للمبتدإ المقدّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾\nالفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم، واسمه مستتر فيه، تقديره: أنت. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدّر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فلا تكن... إلخ، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-354\"></span>﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ:﴾ جادلك، وخاصمك. والمحاجّة: المجادلة. والخطاب للنبي ﷺ.\n ﴿فِيهِ:﴾ في شأن عيسى، ﵇. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: من البينات الموجبة للعلم بأنّ عيسى عبد الله، ورسوله. ﴿فَقُلْ تَعالَوْا:﴾ هلموا، وأقبلوا. والمراد: المجيء بالعزم، والرأي. ﴿نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ:﴾ فيه دليل على أن أبناء البنات يسمّون: أبناء، كيف لا؟! وقد قال الرسول ﷺ: «كلّ نبيّ أبناؤه من صلبه، وأبنائي من صلب عليّ». ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ:﴾ ندعو، ونتضرّع.\nوالابتهال: التضرّع، والدعاء، مأخوذ من «البهلة» بفتح الباء، وضمها، وهي: اللعنة. هذا أصله، ثم استعمل في كلّ دعاء مجتهد فيه؛ وإن لم يكن التعانا. قال لبيد﵁-: [الرمل]\nفي كهول سادة من قومه... نظر الدّهر إليهم فابتهل\nأي: اجتهد الدّهر في هلاكهم. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ أي: نقول: اللهم العن الكاذب في شأن عيسى. روي: أنّ النبي ﷺ لمّا دعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتّى ننظر في أمرنا، فلمّا تخالفوا؛ قالوا للعاقب-وكان صاحب رأيهم-: ماذا ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم نبوّة محمد! ولقد جاءكم بالفصل في أمر عيسى، والله ما باهل قوم نبيّا قطّ إلا هلكوا! فإن أبيتم إلا إلف دينكم؛ فوادعوا الرّجل، وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله ﷺ، وقد غدا محتضنا للحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ﵁يمشي خلفها، وهو يقول: «إذا أنا دعوت؛ فأمّنوا». فقال أسقفهم: يا معشر النّصارى! إني لأرى وجوها. لو سألوا","vol":"2","page":120},{"text":"الله أن يزيل جبلا من مكانه؛ لأزاله، فلا تباهلوا؛ فتهلكوا! فأذعنوا لرسول الله ﷺ، وبذلوا الجزية ألفي حلة حمراء، وثلاثين درعا من حديد كلّ عام، فقال النبي ﷺ: «والّذي نفسي بيده لو باهلوا؛ لمسخوا قردة، وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران، وأهله؛ حتّى الطّير على الشّجر!» وهو دليل على نبوّته، وفضل من أتى بهم من أهل بيته. انتهى بيضاوي، وغيره. وفي الآية رقم [٩٥] من سورة (البقرة) ما يشبه هذا مع اليهود.\nروي: أنهم قالوا للنّبي ﷺ: ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا، فإنكم عندنا رضا! فقال رسول الله ﷺ: «ائتوني العشيّة؛ أبعث معكم القويّ الأمين». فكان عمر﵁يقول: ما أحببت الإمارة قطّ حبّي إيّاها يومئذ؛ رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجّرا، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر؛ سلم، ثم نظر عن يمينه، وشماله. فجعلت أتطاول له؛ ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره؛ حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه، فقال: «اخرج معهم، فاقض بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه». قال عمر:\nفذهب بها أبو عبيدة﵁-.\nتنبيه: وإنما خص الله الأبناء، والنساء بالذّكر؛ لأنهم أعزّ الأهل، وإنما قدمهم في الذكر على النفس لينبه بذلك على لطف مكانهم، وقرب منزلتهم، ولأنّ الرّجل يخاطر بنفسه في سبيلهم، ويحارب دونهم. وينبغي أن تعلم: أن وفودهم على النبي ﷺ كان سنة تسع من الهجرة؛ لأنّ الزّهري قال: كان أهل نجران أول من أدّى الجزية إلى رسول الله ﷺ. وآية الجزية الموجودة في سورة (التوبة) رقم [٣٠] إنما نزلت بعد الفتح.\nهذا؛ و(نساء) اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأنّ مفرده: امرأة، وجمعها في القلّة:\nنسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين. وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان؛ الذي شرحته مرارا، فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا، ويقال لكل هذه الجموع: اسم جمع لا واحد له من لفظه، أمّا المرأة؛ فهي مأخوذة من المرء، وهو الرجل، فلذا سميت بذلك، والأم حواء-عليها ألف صلاة، وألف سلام-سميت بذلك؛ لأنها مأخوذة من: حي، وهو: آدم، ﵇.\nهذا؛ و(أبناء) أصله: أبناو، وهو جمع: ابن، وأصله: بنو. و(نساء) أصله: نساي.\nوأيضا: آباء أصله: أباو؛ لأنه جمع: أب، وأصله: أبو، فقل في الثلاثة: تحركت الواو والياء، وانفتح ما قبلهما، فقلبتا ألفا، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان، الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة.\nهذا؛ ولقد سئلت عمّا يلي: همزة المصدر: استغفار، ونحوه همزة وصل، فإذا جمعت:\nاستغفارات، ونحوه تبقى الهمزة همزة وصل، وهمزة ابن همزة وصل أيضا، فلما جمع أبناء صارت الهمزة همزة قطع، فما الفرق بينهما؟ والجواب: أنّ همزة المصدر أصلية، وأما همزة","vol":"2","page":121},{"text":"ابن؛ فليست أصلية، إذ أصله: بنو، كما رأيت، فالهمزة فيه بدل من حرف علة أصلي، فلما جمع؛ جمع على: أبناء، فهذه الهمزة همزة أفعال، وليست همزة ابن كما قد يتوهم.\nهذا؛ وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يجعل اللعنة على الكاذبين، ولقد كرر الله لعن الكافرين في الآية رقم [١٥٩] من سورة (البقرة) كما لعن الظالمين، والفاسقين، والناقضين للعهد في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره؛ فقد استحق اللعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين، وأما الأحياء من الكفار؛ فقد قال بعض العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعله يؤمن، ويموت على الإيمان، وقد قيّد الله في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة) إطلاق اللعنة على من مات على الكفر. ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ: «لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل قتاله، وهو الصّحيح، كيف لا؟! وقد لعن حسّان بن ثابت﵁أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ. خذ قوله: [الكامل]\nلعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر\nوقد لعن الفاروق﵁أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السّلمي، وغيرهم؛ الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلّموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك! فشقّ ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال له الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال: «إنّي أعطيتهم الأمان» فقال الفاروق: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه. ولم ينكر عليه النّبيّ ﷺ ذلك. كيف لا؛ وآية (النور) رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين؟! وأمّا العصاة من المسلمين فلا يجوز لعن واحد منهم على التّعيين قطعا، وأما على الإطلاق؛ فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات، والخبيثين، والخبيثات... إلخ؛ لما روي: أنّ النبي ﷺ، قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة، والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ: «الواشمة، والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكل ذلك في الصّحيح من الأحاديث، وخذ ما يلي:\nعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ العبد إذا لعن شيئا؛ صعدت اللعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثمّ تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثمّ تأخذ يمينا، وشمالا، فإن لم تجد مساغا؛ رجعت إلى الّذي لعن، فإن كان أهلا، وإلاّ؛ رجعت إلى قائلها». رواه أبو داود.","vol":"2","page":122},{"text":"هذا، وأما (النّفس) فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس. والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكّر باعتبار الشّخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا-كما في هذه الآية- سواء أكان ذكرا، أم أنثى؟ فعلى الأول قيل: هي جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرطب، فتكون سارية في جميع البدن، قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود. قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي..﴾. إلخ.\nوقال بعضهم: إنّ هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تنكّرها تسمى عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى روحا، ومن حيث شهوتها تسمى نفسا. فالثلاثة متّحدة بالذّات، مختلفة بالاعتبار. وهذا ما تدل عليه الآثار الصّحاح. هذا؛ ومن الدليل على أن النّفس هي الروح قوله تعالى في سورة (الزّمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ يريد الأرواح، وذلك بيّن في قول بلال﵁للنبي ﷺ في حديث ابن شهاب: «أخذ بنفسي يا رسول الله الّذي أخذ بنفسك». وهذا كان في الوادي الذي ناموا فيه عن صلاة الصبح؛ حتى طلعت الشمس، وهم قافلون من غزو تبوك. والنفس أيضا: الدم، يقال: سالت نفسه. قال الشاعر: [الطويل]\nتسيل على حدّ الظّبات نفوسنا... وليست على غير الظّبات تسيل\nوقال إبراهيم النّخعي-رحمه الله تعالى، وهو المقرر في الفقه-: «ما ليس له نفس سائلة؛ فإنّه لا ينجس الماء إذا مات فيه». والنفس أيضا، الجسد، قال الشاعر: [الكامل]\nنبّئت أنّ بني سحيم أدخلوا... أبياتهم تامور نفس المنذر\nوالتامور أيضا: الدم. هذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أنّ للنفس خمس مراتب: الأمّارة بالسوء، واللّوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية. ويزاد: الملهمة، والكاملة. فالأمّارة: هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشّهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق، لكن بقي فيها للشهوات سميت: لوامة. وإن زال عنها هذا الميل، وقدرت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقّت الإلهامات؛ سميت:\nملهمة. فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشّهوانية حكم أصلا؛ سميت مطمئنة، فإن ترقّت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت من جميع مراداتها؛ سميت راضية. فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضيّة عند الحق، وعند الخلق. فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سمّيت: كاملة. فالنفس لها سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدّمت.\nوأخيرا خذ ما ذكره القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي ﷺ: أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية. وإن","vol":"2","page":123},{"text":"أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية؟» قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب، قال: «فو الّذي نفسي بيده، إنّها لنفوسكم الّتي بين جنوبكم». انتهى.\nالإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حَاجَّكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، والكاف مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف. و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿جاءَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد على: ﴿ما﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، هذا ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية. فيكون فاعل (جاء) ﴿الْعِلْمِ﴾ و﴿مِنْ﴾ مزيدة على مذهبه، وبعد سبك المصدر من: ﴿ما﴾ والفعل: (جاء) يكون التقدير: من بعد مجيء العلم لك.\n ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت» ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نَدْعُ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والجملتان في محل نصب مقول القول، وجملة: (قل...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لا تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه. فقيل: جملة الشرط.\nوقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين، والجملة الاسمية ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَبْناءَنا:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، و(نا) والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نَبْتَهِلْ:﴾ فعل مضارع معطوف على: ﴿نَدْعُ﴾ مجزوم مثله.\n ﴿فَنَجْعَلْ:﴾ معطوف عليه أيضا، وفاعلهما مستتر وجوبا تقديره: نحن. ﴿لَعْنَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَى الْكاذِبِينَ:﴾ متعلقان بالفعل (نجعل) وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وهو قول أبي البقاء، وأرى: أنّه لا بأس بتعليقهما ب ﴿لَعْنَتَ﴾.\n\n<span id=\"aya-355\"></span>﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ؛ أي: ما قصّ الله علينا من خبر عيسى، ومريم هو الحقّ، دون ما يذكره النّصارى من أنّه الله، أو ابن الله. تعالى الله عمّا يقولون، ويكذّبون علوّا كبيرا! هذا؛","vol":"2","page":124},{"text":"و﴿الْقَصَصُ﴾ مصدر: قصّ فلان الحديث، يقصّه قصّا، وقصصا، وأصله: تتبع الأثر. فلان خرج يقصّ أثر فلان؛ أي: يتتبّعه؛ ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى في سورة (القصص): ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره. ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ:﴾ فيه إثبات الإلهيّة لله وحده. وفيه ردّ على النصارى، وعلى المشركين؛ الذين يزعمون إلهية غير الله. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي، الغالب، المنتقم ممن عصاه، وخالف أمره، وادّعى معه إلها آخر. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قضائه، وتدبيره، يضع الأمور مواضعها.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْقَصَصُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ أو هو ضمير فصل لا محل له، و﴿الْقَصَصُ﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾ ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على ضمير الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. ﴿الْحَقُّ:﴾ صفة: ﴿الْقَصَصُ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ. وقيل: خبر المبتدأ محذوف، التقدير: وما إله لنا، و﴿اللهُ﴾ بدل من محل: ﴿إِلهٍ﴾ وفيه ضعف، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-356\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإيمان، واتباع ما جئت به يا محمد. وانظر الآية رقم [٢٣]. ﴿فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: الذين يعبدون غير الله، ويدعون الناس إلى عبادة غيره. ففيه تهديد، ووعيد لهم. ووضع المظهر: ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ موضع المضمر: «بهم» ليدل على أن التولّي عن الحجج، والإعراض عن التوحيد إفساد للدين، والاعتقاد المؤدّي إلى فساد النفس، بل إلى فساد العالم. انتهى بيضاوي.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها","vol":"2","page":125},{"text":"ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِالْمُفْسِدِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، و(إنّ) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-357\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق محمد ﷺ. ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ المراد بهذا النداء: اليهود، والنصارى، فقد قال المفسرون: لمّا قدم وفد نجران المدينة؛ اجتمعوا مع اليهود عند النبي ﷺ واختصموا في إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فزعمت النّصارى: أنه كان نصرانيّا، وهم على دينه، وهم أولى النّاس به. وزعمت اليهود: إنه كان يهوديّا، وهم على دينه، وأولى الناس به. فقال رسول الله ﷺ: كلا الفريقين بريء من إبراهيم، ودينه، بل كان حنيفا مسلما؛ وأنا على دينه، فاتّبعوا دينه الإسلام. فقالت اليهود: ما تريد إلا أن نتّخذك ربّا، كما اتخذت النّصارى عيسى ربّا. وقالت النصارى: ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير. فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا..﴾. إلخ.\n ﴿إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ أي: فيها عدل، وإنصاف، لا ميل فيها، ولا انحراف. قال زهير: [الوافر]\nأروني خطّة لا ضيم فيها... يسوّى بيننا فيها السّواء\nوقال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٨]: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ..﴾. إلخ. هذا؛ ووصفت: ﴿كَلِمَةٍ﴾ ب ﴿سَواءٍ﴾ لأنه يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث.\nهذا؛ و(بين) ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السين، تقول: جلس بين القوم، كما تقول:\nجلس وسط القوم، ولا يضاف إلا لمتعدد، سواء أكان تعدده بسبب التثنية، أو الجمع، أم كان تعدده بسبب العطف، فمثال الأول: جلست بين الزيدين، وجلست بين الأدباء، وفي الآية أضيف إلى الضميرين، وهما بمعنى الجمع، كما ترى. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد. وهو أيضا: الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض. وقرئ قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بفتح النون، وضمها، وفسر بالمعنيين: الفراق، والوصل. ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير ﵁وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]","vol":"2","page":126},{"text":"وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\n ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ:﴾ نوحده بالعبادة، ونخصه فيها. ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ أي: لا نجعل له شريكا في العبادة، ولا نرى شيئا في الوجود أهلا لأن يعبد. ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وذلك: أنّ النّصارى عبدوا غير الله، وهو المسيح، وأشركوا به، وهو قولهم: أب، وابن، وروح القدس، فجعلوا الواحد ثلاثة، واتّخذوا أحبارهم، ورهبانهم أربابا من دون الله، وذلك:\nأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الشّرك. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عمّا دعوتهم إليه، وأمرتهم به. ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: مخلصون التوحيد لله وحده. والخطاب للنبي ﷺ، ولأصحابه.\nوخذ ما يلي: فقد روى الترمذيّ، وأحمد عن عديّ بن حاتم﵁-، قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: «يا عديّ! اطرح عنك هذا الوثن» فطرحته، وسمعته يقرأ في سورة (براءة): ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ حتى فرغ، فقلت: يا رسول الله! إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليسوا يحرّمون ما أحلّ الله، فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله، فتستحلّونه؟» قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم» قال عبد الله بن المبارك-رحمه الله تعالى-: [الوافر]\nوهل بدّل الدّين إلاّ الملو... ك وأحبار سوء ورهبانها؟\nلذا فإن كل إنسان يتّبع إنسانا آخر في كلّ زمان، ومكان في تحليل، أو تحريم ما لم يأذن به الله كمن اتخذه ربّا. هذا؛ ولا تنس: أن النبي ﷺ أرسل إلى الملوك في السنة السادسة بعد الهجرة بعد غزوة الحديبية، ودعاهم إلى الإسلام، وفي كتابه إلى هرقل ما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم؛ تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين، وإنّ تولّيت؛ فإنّ عليك إثم الأريسيّين». ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ..﴾. إلخ. وخذ ما يلي:\nقال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر الندى: وأمّا: «هات» و«تعال» فعدّهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصّواب: أنهما فعلا أمر، بدليل: أنّهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، فتقول: هاتي، وتعالي. واعلم: أنّ آخر «هات» مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكرين؛ فإنه يضم، فتقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتيا يا زيدان، وهاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات، كلّ ذلك بكسر التاء، وتقول: هاتوا يا قوم بضمّها. قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. وأنّ آخر «تعال» مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، تقول: تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا زيدان، وتعاليا يا هندان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات، كل ذلك بالفتح. قال تعالى في سورة","vol":"2","page":127},{"text":"(الأنعام): ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. إلخ، وقال الله جلّ ذكره في سورة (الأحزاب): ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾. ومن ثمّ لحّنوا أبا فراس الحمداني في قوله: [الطويل]\nأيا جارتا ما أنصف الدّهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي\nوأقول: إنّ الفعلين (هات، وتعال) ملازمان للأمرية، فلا يأتي منهما مضارع ولا ماض، وهما بمعنى: (أحضروا، أو: احضروا) فالأول متعد، وهو من الرّباعي، والثاني لازم، وهو من الثلاثي، وأما تعالى، يتعالى، فهما بمعنى: تعاظم، يتعاظم، أو بمعنى: يتنزه. وقل في إعلال تعالوا: أصله: تعالووا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام لتدلّ على الألف المحذوفة.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. (يا): أداة نداء، تنوب مناب أدعو. (أهل): منادى، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى كَلِمَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، ولم يذكر مثلهما في الآية رقم [٦١] لأنّ المقصود هناك مجرد الإقبال، ويجوز أن يكون حذفه للدلالة عليه، تقديره: تعالوا إلى المباهلة. انتهى جمل نقلا عن السّمين.\n ﴿سَواءٍ:﴾ صفة ﴿كَلِمَةٍ﴾. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلّق بسواء، و(نا) في محل جر بالإضافة.\n (﴿بَيْنَكُمْ﴾): ظرف معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿نَعْبُدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن)، والفاعل تقديره: نحن. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والمصدر المؤول من: ﴿أَلاّ نَعْبُدَ﴾ تفسر ل ﴿كَلِمَةٍ﴾ أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nهي عدم عبادتنا لغير الله. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والجملة الفعلية بعدها خبرها، ويقال في المصدر المؤول منها، واسمها، وخبرها ما قيل في المصدر السابق. ﴿نُشْرِكَ﴾ و﴿يَتَّخِذَ﴾ معطوفان على: ﴿نَعْبُدَ﴾ وهما شريكان له في النصب، والتأويل. ﴿بَعْضُنا:﴾ فاعل ﴿يَتَّخِذَ﴾. ﴿بَعْضًا﴾ مفعول به أول. ﴿أَرْبابًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَتَّخِذَ﴾ أو هما متعلقان ب ﴿أَرْبابًا﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا﴾ انظر الآية السابقة. ﴿اِشْهَدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِأَنّا:﴾ الباء: حرف جر. (أنّا): حرف مشبه. و(نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر: (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿اِشْهَدُوا﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قولوا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها... إلخ. ﴿فَإِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، ورجّحه ابن هشام في المغني.","vol":"2","page":128},{"text":"<span id=\"aya-358\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ..﴾. إلخ: قال الزجاج رحمه الله تعالى: هذا الآية: أبين حجة على اليهود، والنصارى:\nإذا التوراة، والإنجيل أنزلا من بعده، وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كلّ كتاب؛ فكيف يكون يهوديّا، أو نصرانيّا، واليهودية، والنصرانية إنما حدثتا بعد إبراهيم بزمن طويل؟! ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تفهمون بطلان قولكم، ودحوض حجتكم يا معشر اليهود، والنصارى؛ حتى لا تجادلوا هذا الجدال المحال.\nهذا؛ و(﴿أَهْلَ﴾): اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط. والأهل: العشيرة وذو القربى، ويطلق على الزوجة، والأتباع، والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات. وبالأوّلين قرئ قوله تعالى في سورة (التّحريم): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.\n ﴿لِمَ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف: اللام الجارة، والاسم: (﴿ما﴾) الاستفهامية. وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها،﴾ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿*عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ،﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية، ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار. ومن شواهدها الشعرية قول الكميت وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nفتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟\nوأيضا عمر بن معد يكرب﵁وهو الشاهد رقم [٢٥٠] من كتابنا المذكور: [الطويل]\nعلام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت\nوقد ثبتت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر، ومنه قول حسان بن ثابت﵁يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر]\nعلى ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان\nالإعراب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ انظر الآية السابقة، والجملة الندائية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وعلامة الجر الكسرة المقدرة على الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار. ﴿تُحَاجُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون،","vol":"2","page":129},{"text":"والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها، كالجملة الندائية قبلها. ﴿فِي إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (﴿ما﴾): نافية. ﴿أُنْزِلَتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث.\n ﴿التَّوْراةُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والرابط: الواو، والضمير المجرور محلاّ بالإضافة الآتي. ﴿وَالْإِنْجِيلُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أُنْزِلَتِ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة:\nحرف استفهام، وتقريع، وتأنيب، والفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة مقدرة، التقدير: اطبع على قلوبكم، فلا تعقلون؟! والكلام كله معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-359\"></span>﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ:﴾ المراد بهم أهل الكتابين. يعني: يا معشر اليهود، والنصارى! ﴿حاجَجْتُمْ:﴾ جادلتم، وخاصمتم. ﴿فِيما لَكُمْ بِهِ﴾ يعني: فيما وجدتم في كتبكم، وأنزل الله عليكم بيانه في أمر عيسى، وموسى، ﵉، وادعيتم: أنكم على دينهما، وقد أنزل الله عليهما التوراة، والإنجيل؛ لتعملوا فيهما. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ..﴾. إلخ؛ أي: فلم تجادلون، وتخاصمون في شيء لا علم لكم به، وهو دعواكم: أنّ إبراهيم كان يهوديّا، أو نصرانيّا؛ لأنه لا ذكر لذلك في التوراة، والإنجيل. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ:﴾ ما كان عليه إبراهيم﵇من الدين، والشريعة. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ شيئا من شأن إبراهيم، وما كان عليه من الدين والشريعة.\nالإعراب: (ها): حرف تنبيه لا محل له. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه أيضا. (أولاء): اسم إشارة، مبني على الكسر في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿حاجَجْتُمْ﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، مقرّرة لما قبلها. هذا؛ ويعتبر الكوفيون: ﴿هؤُلاءِ﴾ اسما موصولا خبر المبتدأ، والجملة الفعلية صلة له، لا محلّ لها. ولم يجزه البصريّون؛ لأن: ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم إشارة، ولا يكون بمعنى «الذين». هذا وجه للإعراب.\nالوجه الثاني: اعتبار الضمير مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، و﴿هؤُلاءِ﴾ منادى بأداة نداء محذوفة، والجملة الندائية معترضة بين المبتدأ، والخبر. وهذا عند الكوفيين، واستدلوا بقول ذي الرّمّة-وهو الشاهد رقم [١٠٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nإذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك-هذا-لوعة وغرام","vol":"2","page":130},{"text":"فإنه أراد: (يا هذا). والبصريّون يعتبرون حذف حرف النداء من اسمي الجنس، والإشارة شاذّا، وابن هشام يقول بقولهم، أمّا ابن مالك، فلم يعتبره شاذّا؛ لوروده في الشعر العربي، وخذ قوله: [الرجز]\nوغير مندوب ومضمر وما... جا مستغاثا قد يعرّى فاعلما\nوذاك في اسم الجنس والمشار له... قلّ ومن يمنعه فانصر عاذله\nالوجه الثالث: اعتبار: ﴿هؤُلاءِ﴾ مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: أعني هؤلاء، والجملة الفعلية معترضة بين المبتدأ، والخبر. الوجه الرابع: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ:﴾ مبتدأ، وخبر على تقدير مضاف محذوف، التقدير: ها أنتم مثل هؤلاء، كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، فعلى هذا جملة:\n ﴿حاجَجْتُمْ﴾ في محل نصب حال من ﴿هؤُلاءِ،﴾ والعامل في الحال معنى التشبيه.\nالوجه الخامس: اعتبار ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ ثانيا، والجملة الفعلية خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وهو الضمير.\n ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة المعروفة: «نعت النكرة... إلخ». وهذا قول أبي البقاء، وسليمان الجمل، وهذا ضعيف؛ لأنّ كثيرا من النّحاة لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ، والأولى تعليقهما بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿عِلْمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ:﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ:﴾ انظر الآية السابقة. فهي مثلها في إعرابها، والفاء تحتمل أن تكون حرف استئناف، وان تكون حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأعتبرها في مثل ذلك الفصيحة. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس تقدم على اسمها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور، قل فيهما ما ذكرته فيما قبلهما. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، والجملة الفعلية (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والرابط الواو فقط، وهي مؤولة بظرف كما رأيت في الآية رقم [٥٧]. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنتم): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.","vol":"2","page":131},{"text":"﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-360\"></span>﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾\nالشرح: هذه الآية ردّ لما ادعى اليهود، والنصارى في شأن إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا:﴾ مائلا عن الأديان الباطلة كلها إلى دين التوحيد.\nوالحنيف: هو الذي يوحد، ويحجّ، ويضحّي، ويختتن، ويستقبل القبلة في صلاته، وهو أحسن الأديان، وأسهلها، وأحبّها إلى الله ﷿، قال الشاعر المسلم: [الوافر]\nولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين\nورجل حنيف: هو الذي تميل قدماه كلّ واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. قالت أم الأحنف بن قيس﵁-: [الرجز]\nوالله لولا حنف برجله... ما كان في فتيانكم من مثله\nوقال قوم: الحنف: الاستقامة، فسمّي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته، وسمّي معوجّ الرجلين: أحنف تفاؤلا بالاستقامة، كما قيل للّديغ: سليم، وللمهلكة: مفازة. ﴿مُسْلِمًا:﴾\nموحدا، وليس المراد: أنه كان على ملة الإسلام، التي جاء بها محمد ﷺ، ولو قلنا بذلك لردّ علينا بما رددنا به على اليهود، والنصارى من أنّ ملة الإسلام الحادثة حدثت بعد إبراهيم بزمن طويل، فكيف يكون إبراهيم عليها؟! وقل مثل ذلك في إسلام نوح، وغيره من الأنبياء من أنّ المراد بإسلامهم التوحيد. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ هذا تعريض بأنّ اليهود، والنصارى مشركون، لقولهم: عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله. وفيه أيضا ردّ على مشركي قريش في ادّعائهم: أنهم على ملة إبراهيم، وتعريض بشركتهم لعبادتهم الحجارة؛ التي لا تنفع، ولا تضرّ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه!\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿إِبْراهِيمُ:﴾ اسمها. ﴿يَهُودِيًّا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي.\n ﴿نَصْرانِيًّا:﴾ معطوف على: ﴿يَهُودِيًّا﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمُ﴾. ﴿حَنِيفًا:﴾\nخبرها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مُسْلِمًا:﴾ صفة: ﴿حَنِيفًا:﴾\nصفة مؤكدة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه","vol":"2","page":132},{"text":"يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمُ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-361\"></span>﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ أَوْلَى..﴾. إلخ؛ أي: أحقّ الناس بالانتساب إلى إبراهيم أتباعه؛ الذين سلكوا طريقه، ومنهاجه في عصره، وبعده. ﴿وَهذَا النَّبِيُّ﴾ أي: محمد ﷺ حثّ أمّته على الاقتداء به في سيرته. وأفرد ذكره تعظيما له ﷺ. وقد كان نبينا موافقا لإبراهيم في التوحيد، وفي أكثر فروع الشريعة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من أمة محمد، فهم أحق أيضا بإبراهيم. ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: متولي أمورهم، وناصرهم، وحافظهم من شرّ أعدائهم.\nوقال ابن عباس﵄-: قال رؤساء اليهود: لقد علمت يا محمد! أنّا أولى الناس بإبراهيم منك، ومن غيرك، فإنّه كان يهوديّا، وما بك إلا الحسد لنا! فأنزل الله هذه الآية.\nهذا؛ وقد ذكر الخازن: أنّ سبب نزول الآية ما حدث لجعفر بن ابي طالب عند النّجاشي حين حاولت قريش ردّهم إليها. ولم يذكر ذلك غيره. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَوْلَى:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿أَوْلَى﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِإِبْراهِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَوْلَى﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية والعجمة. ﴿لَلَّذِينَ:﴾ اللام هي المزحلقة. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَهذَا:﴾ الواو: حرف عطف. الهاء: حرف تنبيه لا محل لها. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع معطوف على الموصول. ﴿النَّبِيُّ:﴾ بدل، أو عطف بيان من اسم الإشارة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا:﴾\nمعطوف على: (الذين ﴿اِتَّبَعُوهُ﴾) وأجيز النعت. ﴿وَاللهُ وَلِيُّ:﴾ مبتدأ، وخبر. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا، على اعتبارها مؤوّلة بظرف كما في الآية رقم [٥٧] سديد.\n ﴿وَلِيُّ:﴾ مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n<span id=\"aya-362\"></span>﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿وَدَّتْ:﴾ تمنّت، وأحبّت، وأرادت. ﴿طائِفَةٌ:﴾ جماعة من الناس، ولا واحد لها من لفظها مثل: فريق، ورهط، ونفر. وجمعها: طوائف. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ المراد بهم:","vol":"2","page":133},{"text":"اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ:﴾ يخرجونكم عن الإيمان، والإسلام. ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ لأن إثم إضلالهم يعود عليهم، والمؤمنون لا يطيعونهم فيه، فيبوءون بإثم ما تمنوا به إضلال المؤمنين.\n ﴿وَما يَشْعُرُونَ:﴾ الشعور: إدراك الشيء من وجه يدقّ، ويخفى، مشتقّ من الشّعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا؛ لفطنته، ودقة معرفته. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أنّ وبال تمنيهم راجع على أنفسهم، وأنهم سيحاسبون حسابا عسيرا، وسيعاقبون عقابا شديدا.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في معاذ بن جبل. وحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر﵃ أجمعين-حين دعاهم اليهود من بني النضير، وبني قريظة وبني قينقاع إلى دينهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٩]: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾.\nالإعراب: ﴿وَدَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿طائِفَةٌ﴾. و﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿يُضِلُّونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، و﴿لَوْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودت طائفة... إضلالكم. وإن اعتبرت: ﴿لَوْ﴾ حرف امتناع لامتناع؛ يكون جوابها محذوفا، ويكون مفعول: ﴿وَدَّتْ﴾ محذوفا، ويكون التقدير: ودت طائفة إضلالكم، وكفركم، لو يضلونكم؛ لسرّوا بذلك، وفرحوا. انتهى جمل نقلا من السّمين.\nوالأول أسهل، وأولى بالاعتبار؛ لأنه لا حذف فيه، ولا تقدير.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يُضِلُّونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلا بأس، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ معطوفة عليها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-363\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ الخطاب لليهود اللّؤماء. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ يعني:\nالقرآن. أو المراد: الآيات الواردة في التوراة، والإنجيل من نعت محمّد ﷺ وصفته.\nوتحريفهم، وتبديلهم ما فيها من البشارة بنبوته، والأمر باتباعه، والاهتداء بهديه. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ:﴾ أن نعته، وصفته مذكور في التوراة، والإنجيل، وذلك: أن أحبار اليهود، كانوا يكتمون الناس نعته، وصفته فإذا خلا بعضهم ببعض؛ أظهروا ذلك فيما بينهم، وشهدوا: أنه حقّ. ولا تنس: أن الاستفهام للتوبيخ، والتأنيب.","vol":"2","page":134},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٦٥].\n ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَشْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-364\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ الخطاب لليهود الخبثاء. ﴿لِمَ﴾ الاستفهام للتوبيخ، والتأنيب.\n ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ:﴾ اللبس: الخلط، يقال: لبست عليه الأمر، ألبسه: إذا مزجت بيّنه بمشكله، وحقّه بباطله، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩]: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ ومن هذا المعنى قول عليّ﵁للحارث بن حوط: يا حارث! إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرّجال، اعرف الحق؛ تعرف أهله. وقالت الخنساء﵁-: [البسيط]\nترى الجليس يقول الحقّ تحسبه... رشدا، وهيهات، فانظر ما به التبسا\nصدّق مقالته، واحذر عداوته... والبس عليه أمورا مثل ما لبسا\nوروى سعيد بن جبير عن قتادة يقول: لا تلبسوا اليهودية، والنصرانية بالإسلام؛ وقد علمتم:\nأنّ دين الله الذي لا يقبل غيره، ولا يجزي به الإسلام، وأنّ اليهودية، والنصرانية بدعة، وليست من الله. وعن ابن عباس، وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحقّ في الكتاب بالباطل، وهو التغيير، والتبديل؛ الذي فعلوه في التوراة. وقال أبو العالية: قالت اليهود: محمد مبعوث، ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حقّ، وجحدهم: أنه بعث إليهم باطل. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: نبوة محمد ﷺ ونعته الموجودين في التوراة، والإنجيل. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن نبوّته حق. وانظر الآية السابقة، والآية مذكورة بحروفها ومعناها في سورة (البقرة) [٤٢].\nهذا؛ و(﴿تَكْتُمُونَ﴾) ماضيه: كتم، من باب: نصر، وربما عدّي إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث. وقال تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ والأكثر: أن يتعدى للثاني بحرف الجر، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥٩]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى﴾ وتزاد «من» جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وقد تعدّى في الآية الكريمة إلى مفعول واحد. وكتم الشيء: بالغ في كتمانه، أي: في إخفائه. قال الرسول ﷺ: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». قال صاحب القاموس: والكتم-محركة-والكتمان-بالضم-:\nنبت يخلط بالحناء، ويخضب به الشّعر، ويصنع منه مداد الكتابة. انتهى. ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]","vol":"2","page":135},{"text":"فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم\nولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم\nلو كنت أعلم أني ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم\nأمّا (الباطل) فهو ضدّ الحق، و(الباطل) بمعنى الفاسد، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل-بفتحتين-: الشجاع، والبطل-بضم فسكون-: الباطل، والكذب، والزور، والبهتان، والبطالة: التعطّل، والتفرّغ من العمل، ويجمع باطل على: أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع، في جمع حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل اسم فاعل من: أبطل الرّباعي. هذا؛ والباطل في قوله تعالى في سورة (فصلت): ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾. قال السّدّيّ، وقتادة:\nالباطل: الشيطان: لا يستطيع أن يغير في القرآن شيئا، ولا يزيد، ولا ينقص منه، وقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ الباطل: الشرك، والبطلة في قول الرسول ﷺ: «لا تستطيعها البطلة» أي: لا تستطيع قراءة سورة (البقرة)، و(آل عمران) السّحرة.\nالإعراب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٦٥] ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: (﴿تَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾) معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. وانظر مثلها في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-365\"></span>﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصّيف، وكانا من أحبار اليهود، فإنما قالا لأصحابهما لما حوّلت القبلة إلى الكعبة المعظّمة: آمنوا بما أنزل على المسلمين من تحويل القبلة، وصلّوا معهم إلى جهة الكعبة أول النهار، ثم صلّوا إلى صخرة بيت المقدس آخره، لعلهم يقولون: هم أعلم منا؛ وقد رجعوا، فيرجعون. وقيل: إن اثني عشر من أحبار اليهود تقاولوا فيما بينهم بأن يدخلوا في الإسلام أول النهار، ويقولوا في آخره: نظرنا في كتابنا، وشاورنا علماءنا، فلم نجد محمدا بالنّعت الذي ورد في التوراة. لعلّ أصحابه يشكّون فيه، فيرجعوا عن دينهم، ويقولون: هم أهل الكتاب، وهم أعلم منّا، فيرجعون إلى قبلتنا.\nفأطلع الله رسوله ﷺ على خبثهم، وما بيتوه من مكرهم، وأنزل الله هذه الآية؛ التي كشفت سوء صنيعهم، فلم يتم لهم ما دبّروا، ومكروا، ولم يحصل لمكيدتهم في قلوب المسلمين أيّ أثر،","vol":"2","page":136},{"text":"ولولا هذا الإعلام من الله تعالى لرسوله؛ لكان ربما أثّر ذلك في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف. انتهى. بيضاوي وخازن بتصرف كبير. ووجه النهار: أوله، وسمي وجها؛ لأنّه أحسنه، وأوّل ما يواجه منه، قال لبيد﵁-: [الكامل]\nوتضيء في وجه النّهار منيرة... كجمانة البحريّ سلّ نظامها\nوفي معلّقته: «في وجه الكلام» وقال آخر: [الكامل]\nمن كان مسرورا بمقتل مالك... فليأت نسوتنا بوجه نهار\nالإعراب: ﴿وَقالَتْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿قالَتْ﴾): فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿طائِفَةٌ﴾ و﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور، متعلقان بما قبلهما. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: (الذي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلته، لا محل لها. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿آمِنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿وَجْهَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿النَّهارِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاكْفُرُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿آمِنُوا..﴾. إلخ، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿آخِرَهُ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-366\"></span>﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ:﴾ هذا متصل بما قبله، وهو من قول اليهود، يقول بعضهم لبعض: ولا تصدقوا إلا من تبع ملّتكم، وهي اليهودية. أو: لا تقرّوا، وتعترفوا بما نقول لكم إلا لأتباعكم في الدين. ﴿قُلْ﴾ هذا خطاب من الله لرسوله ﷺ. ﴿إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ﴾ أي:\nإنّ الدين دين الله، والبيان بيانه، هو الذي يهدي من يريد سعادته في الدنيا، والآخرة، بما يقيم له من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وإن أقمتم أيها اليهود المكايد، والحيل لتضليل المسلمين؛ فإنّ الهداية بيد الله.","vol":"2","page":137},{"text":"﴿أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ فهذا متصل بكلامهم السّابق؛ أي: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم، والحكمة، والكتاب، والآيات من فلق البحر، وإنزال المنّ، والسلوى عليكم.\n ﴿أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي: ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم؛ لأنّكم أصح دينا منهم. وقيل: (﴿أَوْ﴾) بمعنى: «حتى» كما قرئ: («إن») بكسر الهمزة، فيكون المعنى: ما أعطى الله أحدا من النعم مثل ما أعطيتم يا أمة محمّد من الدّين، والحجّة، والبرهان؛ حتى يحاجّوكم عند ربكم، فيكون من كلام الله، وليس حكاية عن قول اليهود، وهو في محل نصب مقول القول، أو هو مستأنف.\nهذا؛ وقرأ ابن كثير: («آن») بالمدّ على الاستفهام، والتوبيخ، فيكون المعنى، والتقدير: ألأن يعطى أحد مثل ما أعطيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة، فتحسّونه، ولا تؤمنون به، فيكون كلّه من كلام الله تعالى، ثبّت به قلوب المؤمنين؛ لئلا يشكوا بسبب تلبيس اليهود، وتزويرهم في دينهم، فتكون الآية كلّها خطابا للمؤمنين عند تلبيس اليهود؛ لئلا يرتابوا، ولا يشكّوا.\n ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: الأمور كلّها تحت تصرّفه، وهو المعطي المانع، يمنّ على من يشاء بالإيمان، والعلم، والتصرّف التام، ويضلّ من يشاء، فيعمي بصره، وبصيرته، ويختم على قلبه، وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة. وله الحجّة، والحكمة البالغة.\n ﴿وَاللهُ واسِعٌ:﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية، والرزق، والجود، والعطاء، وهو واسع الفضل، والرحمة. وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغني الّذي وسع جميع مخلوقاته غناه. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعال عباده، ما يغيب عنه منها شيء، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.\nالإعراب: (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِمَنْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: اللام زائدة، و(من): مفعول به فهو مجرور لفظا منصوب محلاّ. وقيل: (من) منصوبة على الاستثناء على معنى: ولا تؤمنوا لأحد إلا من، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَبِعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة صلته، أو صفته. ﴿دِينَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آمِنُوا﴾ في الآية السابقة فهي محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره أنت. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْهُدى:﴾\nاسمها. ﴿هُدَى:﴾ خبرها، وعلامة النصب في الأول وعلامة الرفع في الثاني مقدرتان على الألف للتعذر، و﴿هُدَى﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ معترضة، أو مستأنفة حسب ما رأيت في الشرح. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُؤْتى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿إِنَّ﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَحَدٌ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول","vol":"2","page":138},{"text":"الأول. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿مِثْلَ:﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أُوتِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية صلة: (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: مثل الذي، أو: شيء أوتيتموه، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ يُؤْتى﴾ مفعول به لفعل محذوف، والفعل المحذوف، ومفعوله معطوف على ما قبله، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْهُدى..﴾. إلخ معترضة. هذا وجه للإعراب، كما أجيز اعتبار المصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن يؤتى، وهذا عند الخليل. أو المصدر في محل نصب بنزع الخافض عند سيبويه، وهناك وجه آخر، وهو: أن المصدر في محل نصب مفعول لأجله على حذف مضاف، التقدير: مخافة إتيان، وهذا عند البصريين. وعند الكوفيين، التقدير: لئلا يؤتى، وعلى جميع التقديرات؛ فتبقى الجملة الاسمية معترضة.\nهذا؛ وعلى قراءة: («إن») بكسر الهمزة، فالجملة منفية، وهي في محل نصب مقول القول، وعلى قراءة: («آن») بمد الهمزة، فالمصدر المؤول في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: آن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، تصدقون، أو تقرون؛ أي: إيتاء موجود مصدّق، أو مقرّ به، كما جوز أن يكون المصدر في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أتقرون أن يؤتى، أو: تذكرون ذلك، ونحوه، وعلى هذه القراءة؛ فالكلام مرتبط بما قبله، والجملة الاسمية معترضة، كما أجيز اعتبار المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو: إتيان. قال الواحدي-رحمه الله تعالى-:\nوهذه الآية من مشكلات القرآن، وأصعبه تفسيرا، وإعرابا، ولقد تدبرت أقوال أهل التفسير، والمعاني في هذه الآية، فلم أجد قولا يطرد فيها من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى، وصحة النظم.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُحاجُّوكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به. وقيل: إنّ النصب بأن مضمرة بعد: ﴿أَوْ﴾ لأنها هنا بمعنى: «حتّى» أو «إلا أن» فالأول كقول امرئ القيس: [الطويل]\nفقلت له لا تبك عينك إنّما... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا\nوالثاني كقول زياد الأعجم-وهو الشاهد رقم [١٤٦] من كتابنا فتح رب البرية، والشاهد رقم [١٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nوكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما\n ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكُمْ:﴾ مضاف إليه. والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْفَضْلَ:﴾ اسمها. ﴿بِيَدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبرها، و(يد) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول","vol":"2","page":139},{"text":"القول، وجملة: ﴿قُلْ:﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾) والهاء مفعول به أول. ﴿مَنْ﴾ مفعول به ثان، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يؤتيه الذي، أو:\nشخصا يشاؤه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ وقيل: هي مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام متضمنة للتهديد، والوعيد.\n\n<span id=\"aya-367\"></span>﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ:﴾ بنبوته، وتوفيقه، وهدايته. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يعني:\nأن كلّ خير يناله عباده في دينهم، ودنياهم فإنّه من الله تعالى تفضلا عليهم، ومنّة من غير استحقاق منهم لذلك، بل له المنة، والفضل على عباده. هذا؛ وذكرت في سورة (البقرة) نقلا عن الجمل: أنّ الفعل: ﴿يَخْتَصُّ﴾ يستعمل متعديا، ولازما، فعلى التعدي فاعله مستتر فيه، والموصول بصلته في محل نصب على المفعولية، والمعنى: والله يختص... إلخ وعلى اللزوم الفاعل هو الموصول بصلته، والمعنى: والله يتميّز برحمته من يشاء الله تمييزه. انتهى. ولم أجده لغيره، كما لم أجده في كتب اللغة. وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (البقرة) برقم [١٠٥] وفي الآية الكريمة ردّ، وإبطال لما زعموه بالحجّة الواضحة.\nالإعراب: ﴿يَخْتَصُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾). ﴿بِرَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ يَشاءُ:﴾ انظر مثله في الآية السابقة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿ذُو﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو:﴾ مضاف، و﴿الْفَضْلِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة (﴿الْفَضْلِ﴾) والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَخْتَصُّ﴾ المستتر؛ فلست منفدا، ويكون الرابط الواو، وإعادة لفظ الجلالة.\n<span id=\"aya-368\"></span>﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في اليهود، فأخبر الله تعالى: أن فيهم أمانة، وخيانة. وقسمهم قسمين. والقنطار: عبارة عن المال الكثير، كما رأيت في الآية رقم [١٤]. والدّينار: عبارة عن","vol":"2","page":140},{"text":"المال القليل. وهو أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعيرات، مجموعه اثنتان وسبعون حبّة. هذا؛ والدينار أصله: دنّار، فعوضت من إحدى النونين ياء طلبا للخفة لكثرة استعماله، يدل عليه أنه يجمع: دنانير، ويصغّر: دنينير، ورحم الله من يقول فيه: [البسيط]\nالنّار آخر دينار نطقت به... والهمّ أخر هذا الدّرهم الجاري\nوالمرء بينهما إن كان ذا ورع... معذّب القلب بين الهمّ والنّار\nهذا؛ والأول من أهل الكتاب هو عبد الله بن سلام﵁كان حبرا من أحبار اليهود؛ الذين هداهم للإيمان، استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا، فأداه إليه لمّا طلبه بدون تأخير. والثاني هو فنحاص بن عازوراء استودعه قرشي آخر دينارا، فجحده. وقيل:\nهو كعب بن الأشرف. ﴿إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ إلا في مدة دوامك قائما على رأسه مبالغا في مطالبته، بالتقاضي، والترافع، وإقامة البينة لردّ الحق، والأمانة منه، هذا وذكر الله تعالى قسمين: من يؤدّي، ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة له، وقد يكون من الناس من لا يؤدي، وإن دمت عليه قائما، وما أكثرهم في هذا الزّمن! هذا؛ و﴿دُمْتَ﴾ بضم الدال من باب فعل، يفعل، مثل: قال، يقول، ودام يدوم، وقرئ بكسر الدال فعل يفعل، مثل خاف يخاف، على دام يدام، وكذلك: (متّ) فيمن كسر الميم أو ضمها.\n ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما يفعلونه من خيانة الأموال. والإشارة بالبعيد للإيذان بكمال غلوّهم في الشرّ، والفساد. ﴿بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ..﴾. إلخ؛ أي: ليس علينا حرج، ومؤاخذة في أكل أموال من ليس على ديننا من العرب؛ لمخالفتهم لنا في الدّين. وادّعوا: أنّ ذلك في كتابهم، فأكذبهم الله ﷿، بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ أنهم كاذبون في دعواهم.\nهذا؛ و﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ جمع: أمّيّ، وهو من لا يحسن القراءة، والكتابة، وهي صفة ذمّ إلا في نبينا ﷺ، فإنّها له صفة مدح؛ لأنه أتى بعلوم الأوّلين، والآخرين، كما رأيته في الآية رقم [١٥٧] من سورة (الأعراف) وأميّ منسوب إلى الأم؛ التي ولدته، أو إلى الأمة، وهي القامة، والخلقة، كأن الذي لا يقرأ، ولا يكتب قائم على الفطرة، والجبلّة. قال الرسول ﷺ: «إنّا أمّة أمّيّة، لا نكتب، ولا نحسب، الشّهر هكذا، وهكذا، وهكذا...» الحديث، أو هو منسوب إلى الأمة؛ لأنّها ساذجة قبل أن تعرف المعارف. هذا؛ و(السّبيل) الطريق يذكّر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾.\nومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل-بضمتين-وسبل، بضمّ، وسكون.","vol":"2","page":141},{"text":"هذا؛ والأمانة عظيمة القدر في الدّين، ومن عظم قدرها: أنها تقوم هي، والرّحم على جنبتي الصراط-كما في صحيح مسلم-فلا يمكّن من الجواز إلا من حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة﵁قال: حدّثنا النبي ﷺ عن رفع الأمانة، قال: «ينام الرجل النّومة، فتقبض الأمانة من قلبه... إلخ» وهو مذكور بطوله في كتاب التّرغيب والترهيب. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الأحزاب) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وخذ هنا ما يلي:\nعن عمران بن حصين﵁عن النبي ﷺ قال: «خير القرون قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن». رواه البخاري، ومسلم. وعن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» رواه البخاريّ، ومسلم، ورواه أبو يعلى من حديث أنس﵁قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام، وصلّى، وحجّ، واعتمر، وقال: إنّي مسلم».\nوعن عبد الله بن عمرو﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه؛ كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ؛ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاريّ، ومسلم.\nعن صعصعة بن يزيد: أن رجلا سأل ابن عباس﵄-. فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمّة الدّجاجة، والشاة. قال ابن عباس: فتقولان ماذا؟ قال، نقول: ليس علينا بذلك بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. إنّهم إذا أدّوا الجزية؛ لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ أَهْلِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الكلام، ولا أعتمده، وإنّما أعتمد ما أذكره في الآية رقم [١١٠] الآتية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿تَأْمَنْهُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، والهاء مفعول به.\n ﴿بِدِينارٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والباء الجارة بمعنى: على، ومثله قول راشد بن عبد ربه السّلمي -﵁، وهو الشاهد رقم [١٥٧]: من كتابنا فتح القريب المجيب، والشاهد رقم [٤٧٤] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل]\nأربّ يبول الثّعلبان برأسه؟ ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب\nوالجملة الفعلية: ﴿تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُؤَدِّهِ:﴾ جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء،","vol":"2","page":142},{"text":"والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ والهاء مفعول به. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط المفعول في الجملة الأولى، والفاعل في الجملة الثانية؛ لأنّ كليهما عائد على: ﴿مَنْ﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ هذا الكلام مثل سابقه محلاّ، وإعرابا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ ظرفية مصدرية. ﴿دُمْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿قائِمًا:﴾ خبر «دام» و﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية، متعلق بالفعل: ﴿لا يُؤَدِّهِ﴾ وهو في الأصل مستثنى من الظرف العام؛ إذ التقدير: لا يؤده إليك في جميع الأزمان إلا في مدّة دوامك قائما عليه. وقيل: متعلق بحال محذوفة. ولا وجه له.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، ويقال: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلٌ﴾ بعدهما، والتقدير: في أموال الأميين. ﴿سَبِيلٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا﴾ إلخ في محل رفع خبر (أنّ) و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَقُولُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به؛ لأنّ الفعل بمعنى:\nيفترون، ولو كان القول على حقيقته؛ لما نصبه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا﴾ فهي في محل رفع مثلها، أو هي في محل نصب حال، ولكن يجب تقدير مبتدأ قبلها، فتكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، وتقدير الكلام: وهم يقولون. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٧١].\n\n<span id=\"aya-369\"></span>﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿بَلى:﴾ ردّ لما ادعاه اليهود في الآية السابقة من: أنّه ليس عليهم إثم، ومؤاخذة في أكل أموال العرب الأميين؛ أي: بلى عليهم السّخط، والعذاب، والغضب بكذبهم، واستحلال أموال الناس بغير حقّ. ﴿مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى:﴾ هذه الجملة مقررة للجملة الّتي سدّت: ﴿بَلى﴾","vol":"2","page":143},{"text":"مسدها، والمعنى من أدى حقوق الناس، ووفى بعهوده، ووعوده، واتقى الله، وخافه في جميع تصرفاته؛ فإنّ الله يحبه، ويرحمه، ويدخله جنته. هذا؛ والمراد ب ﴿مَنْ﴾ الجماعة، والناس، وقد وضع الظاهر؛ أي: ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ موضع المضمر، فإن الأصل: يحبهم، وذلك لإظهار شرف الموفين بعهد الله، والخائفين منه. هذا؛ وقيل: نزلت الآية في عبد الله بن سلام﵁وليس ذلك ببعيد، ومع ذلك فهي تعمّ كلّ من يفعل ذلك إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم.\nهذا؛ و«بلى» حرف جواب، ك (نعم)، وجير، وأجل، وإي، إلا أنّ «بلى» حرف جواب لنفي متقدّم؛ أي: وإبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام، أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فتقول: بلى، أي: قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول:\nبلى. أي: هو قائم، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس﵄-: لو قالوا: نعم؛ لكفروا.\nهذا؛ وعهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود؛ الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم﵇بأن يقرّوا بربوبيته، وهو قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾. والعهد الثاني: خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدّين، وهو قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ..﴾. إلخ. والعهد الثالث: خصّ به العلماء من كلّ أمة، وهو قوله في هذه السورة رقم [١٨٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾.\nالإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول؛ إذ التقدير: قل: يا محمد: بلى.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿بِعَهْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَاتَّقى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِتَّقى﴾): معطوف على ما قبله، فهو مثله في محل جزم، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهَ﴾. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن). والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما رأيت فيما سبق، هذا وإن اعتبرت (﴿مَنْ﴾) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية ﴿مَنْ أَوْفى..﴾. إلخ على الوجهين مستأنفة، لا محل لها. وقيل: جواب الشرط أو الخبر محذوف: تقديره: يحبه الله. ودل على حذفه قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ انتهى جمل نقلا من السّمين. وهو قول ابن هشام في المغني، وعليه؛ فالجملة الاسمية هذه تعليلية، لا محل لها.","vol":"2","page":144},{"text":"<span id=\"aya-370\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ (٧٧)؟؟؟؟؟؟ U﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ:﴾ يستبدلون. ففيه استعارة تبعية، فالاشتراء مستعار للاستبدال، فعبر عنه بالاشتراء؛ لأن الشراء إنما يكون فيما يحبّه مشتريه. ﴿بِعَهْدِ اللهِ:﴾ بما عهد إليهم في التوراة من الإيمان بمحمّد ﷺ، ومن الوفاء بالأمانات؛ التي عهد عليهم فيها.\n ﴿وَأَيْمانِهِمْ:﴾ بما حلفوا به من قولهم: لنؤمننّ به، ولننصرنّه. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا:﴾ عرض الدنيا؛ إذ كل ما فيها قليل، لا قيمة له بجانب الآخرة. ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر. ﴿لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ:﴾ لا نصيب لهم في الآخرة، ونعيمها الدائم، وسعادتها الأبدية. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ أي: تكليم رضا، ورحمة، وإنّما يكلّمهم تكليم سخط، وغضب، مثل قوله تعالى: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾. ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: نظر رحمة، ورضا، وإنّما ينظر إليهم نظر سخط. ومقت، وكلّ إنسان، وكلّ مخلوق في هذا الكون لا يعزب عن علم الله أبدا. وقيل:\nالمراد به هنا: الإعراض؛ لأن من سخط على غيره، واستهان به؛ أعرض عنه، وعن التكلّم معه، والالتفات إليه، والمرضي عنه بالعكس. و﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ هو اليوم الذي يخرج الناس فيه من قبورهم للحساب والجزاء. وأصل القيامة: القوامة، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها.\n ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ:﴾ لا يطهّرهم من دنس الذنوب بالعذاب المنقطع، إلى النعيم الدائم، بل يخلدهم في النار. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ مؤلم.\nبعد هذا قال عكرمة-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في أحبار اليهود، ورؤسائهم: أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب؛ الّذين كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن النبي ﷺ، فبدلوه، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا: أنه من عند الله، لئلا تفوتهم الرّشا، والمآكل؛ التي كانوا يأخذونها من أتباعهم، وسفلتهم.\nوقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: روى الأئمة عن الأشعث بن قيس﵁-.\nقال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدّمته إلى النبي ﷺ، فقال لي رسول الله ﷺ: «هل لك بينة؟» قلت: لا، قال لليهودي: احلف، قلت: إذا يحلف. فيذهب بمالي. فأنزل الله تعالى الآية. بعد هذا أقول: الآية تعمّ كل واحد يفعل شيئا من ذلك إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم. وخذ ما يلي:\nفعن أبي أمامة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه؛ فقد حرّم الله عليه الجنّة، وأوجب له النّار». فقالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئا يسيرا؟! «قال:\nوإن كان قضيبا من أراك». أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن مسعود﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حلف على مال امرئ مسلم، بغير حقّه؛ لقي الله؛ وهو عليه غضبان».","vol":"2","page":145},{"text":"قال ابن مسعود: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ..﴾. إلخ. متفق عليه، والأحاديث في ذلك كثيرة.\nتنبيه: دلّت الآية الكريمة، والأحاديث الصّحيحة: أنّ حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر؛ إذا علم المحكوم له بطلانه. وقد روى الأئمّة عن أم سلمة﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّكم تختصمون إليّ، وإنّما أنا بشر مثلكم، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، وإنّما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا؛ فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من النّار، يأتي بها يوم القيامة».\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَشْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِعَهْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(عهد): مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَيْمانِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿ثَمَنًا:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة له. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لا:﴾ نافية للجنس، تعمل عمل: «إنّ» ﴿خَلاقَ:﴾\nاسم. ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿لا،﴾ ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُكَلِّمُهُمُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به.\n ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.\n\n<span id=\"aya-371\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾ أي: من المحرّفين للتوراة، ككعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وغيرهم جماعة. ﴿يَلْوُونَ:﴾ يميلون عن قراء التوراة الصحيحة إلى","vol":"2","page":146},{"text":"قراءة ما حرّفوه، وزيّفوه منها. ومنه قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [٤٦]: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. انظر شرح (الكتاب) في الآية [٣]. ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ:﴾ يحرفون الكلم عن مواضعه؛ لتظنّوه من التوراة، وما هو منها. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: ما فعلوه من التحريف، والتزييف. ﴿وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ ليس من عند الله قطعا. وباقي الكلام ظاهر معناه.\n ﴿أَلْسِنَتَهُمْ﴾ جمع: لسان، وهو على هذا مذكر، كحمار، وأحمرة، ويجمع أيضا على:\nلسن، بضم اللاّم، وضمّ السّين، وتسكينها أيضا. ويجمع أيضا على: ألسن، وهو على هذا مؤنث كذراع، وأذرع، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السّوء، كما في قول الشاعر-وهو الشّاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nلسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا\nفيؤنّث لا غير، كما يجعل كناية عن الرّسالة، أو القصيدة من الشّعر، كقول الآخر: [البسيط]\nإنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر\nقال الجوهري: يروى: «من علو» بضم الواو، وفتحها، وكسرها. وفي سورة (النحل) رقم [١٠٣] حيث قال جلّ ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلّ ذكره في سورة (مريم)، على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها. ﴿لَفَرِيقًا:﴾ اللام: لام الابتداء.\n (فريقا): اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر.\n ﴿يَلْوُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَلْسِنَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: (فريقا) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على الآية رقم [٧٥]: لا محل لها أيضا. ﴿بِالْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿لِتَحْسَبُوهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محلّ نصب مفعوله الثاني، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعلوا ذلك؛ لتحسبوه.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية مهملة، أو حجازية. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (﴿ما﴾). ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان","vol":"2","page":147},{"text":"بمحذوف خبر المبتدأ، أو بمحذوف خبر (﴿ما﴾) والجملة على الوجهين اسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: الجملة حال من:\n ﴿الْكِتابِ﴾ والأول أقوى. ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَقُولُونَ﴾): فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَلْوُونَ..﴾. إلخ. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول القول، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه ﴿وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والرابط: الواو، والضمير أيضا. ﴿وَيَقُولُونَ..﴾.\nإلخ: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب صفة مثلها.\n\n<span id=\"aya-372\"></span>﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ:﴾ ما صحّ، وما ينبغي. والتعبير بهذين اللفظين، ونحوهما معناه:\nالحظر، والمنع، فيجئ لحظر الشيء، والحكم بأنّه لا يجوز، كما في هذه الآية، وفي الآية رقم [٣٦] من سورة (الأحزاب) وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النّحل):\n ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾. وربما كان العلم بامتناعه شرعا، كما في هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾. وربما كان في المندوبات، كما تقول على سبيل التوبيخ: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح، والعشاء في الجماعة. ونحو ذلك. ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ:﴾ أن يعطيه، وأن يمنحه. ﴿الْكِتابَ:﴾\nالإنجيل، أو القرآن، والمراد ب (بشر) عيسى، أو محمد ﷺ. (الحكم) مثل: الحكمة المذكورة في الآية رقم [٤٨]. (النبوة): هي ما يمنحه الله للأنبياء، والمرسلين من العلوم، والمعارف، والفيوضات الإلهية، مأخوذة من: النبأ، وهو الخبر، أو: من النّبأة، وهي الارتفاع، والظهور؛ لأنّ مرتبة النبي فوق كلّ المراتب، وأعلى كلّ المناصب. ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أي:\nيدّعي ذلك الرسول، أو النبي الإلهية، ويدعو الناس إلى عبادته، وتأليهه. هذا؛ و(عباد) جمع:\nعبد، وهو الإنسان حرّا، كان، أو رقيقا. ويقال للملوك: عبد قن، وله جموع كثيرة، أشهرها:\nعبيد، وعباد، وعبدان، وعبدة. والإضافة في نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ إضافة تشريف، وتكريم. وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنّبيّ ﷺ اسم أشرف منه، وأعظم؛ لسمّاه به حينما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال جلّ ذكره:\n ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. إلخ. وفي معناه أنشدوا: [السريع]","vol":"2","page":148},{"text":"يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي\nلا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنّه أشرف أسمائي\n ﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ جمع: رباني، وفيه قولان: أحدهما: أنه منسوب إلى الربّ، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة. والثاني: أنه منسوب إلى ربّان، والرّبان: هو المعلم للخير، ومن يسوس الناس، ويعرّفهم أمر دينهم، فالألف، والنون دالان على زيادة في الوصف، كهي في: عطشان، ونحوه. والثاني هو قول المبرد. واختلفوا في معنى الرّباني، فقال ابن عباس﵄-: معناه: كونوا فقهاء، علماء. وعنه: كونوا فقهاء معلّمين.\nوقيل: الرّباني: الذي يربّي الناس بصغار العلم، وكباره. وقيل: الرّبانيّ: العالم الذي يعمل بعمله. وقيل: الرّباني: العالم بالحلال، والحرام، والأمر، والنهي. وقيل: الرّبانيّ: الذي جمع بين علم البصيرة، والعلم بسياسة الناس. ولما مات ابن عباس﵄قال ابن الحنفية﵄-: اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة. وانظر شرح: ﴿رِبِّيُّونَ:﴾ في الآية رقم [١٤٦]: ومعنى الآية على ما تقدّم: لا أدعوكم إلى أن تكونوا عبادا لي، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا، وعلماء، ومعلمين الناس الخير، ومواظبين على طاعة الله، وعبادته. وقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: أحسب: أنّ هذه الكلمة ليست عربيّة، إنما هي عبرانيّة، أو سريانية، وسواء أكانت عربية، أو عبرانية؟ فهي تدل على الذي علم، وعمل بما علم، وعلّم الناس طريق الخير. ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ..﴾. إلخ: أي: كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين، ومعلمين، وبسبب دراستكم الكتاب. فنزلت الآية على: أن العلم، والتعليم، والدراسة توجب أن يكون العبد ربانيّا، فمن اشتغل بالعلم، والتعليم لا لهذا المقصود؛ ضاع علمه، وخاب سعيه.\nتنبيه: في الآية الكريمة تكذيب، وردّ على النصارى؛ حيث زعموا: أن عيسى﵊أمرهم بعبادته. وقيل: إنّ أبا رافع القرظي، والسّيد النّجراني، قالا للرّسول ﷺ: يا محمد! أتريد أن نعبدك، ونتخذك ربّا؟! فقال: معاذ الله أن يعبد غير الله، وأن نأمر بعبادة غير الله، فما بذلك بعثني الله، ولا بذلك أمرت، فنزلت الآية. وقيل: قال رجل: يا رسول الله! نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيّكم، واعرفوا الحقّ لأهله. وفي حديث آخر: «لو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها كلّما دخل عليها؛ لما فضّله الله عليها».\nبعد هذا؛ ف (الناس) اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ:\nواحده: إنسان، وإنسانة من غير لفظه، وتصغيره: نويس. وناس، وإنسان، وأناسيّ، وإنس من مادة واحدة، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس. قال تعالى: ﴿مِنْ﴾","vol":"2","page":149},{"text":"شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ وأصله:\nالأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، فلا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٠] ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾.\nهذا؛ وقيل: الناس مأخوذ من النّوس، وهو الحركة، يقال: ناس، ينوس: إذا تحرك.\nوقيل: أصله من: نسي، فأصل ناس: نسي، قلب، فصار: نيس، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام، فقيل: الناس، قال ابن عباس﵄-:\nنسي آدم عهد الله، فسمي إنسانا. وقال النبي ﷺ: «نسي آدم، فنسيت ذرّيّته». وقال تعالى في سورة (طه): ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. وعلى هذا فالهمزة زائدة، قال الشاعر: [الكامل]\nلا تنسين تلك العهود فإنّما... سمّيت إنسانا لأنّك ناس\nوقال آخر: [البسيط]\nفإن نسيت عهودا منك سالفة... فاغفر فأوّل ناس أوّل النّاس\nوقيل: سمي إنسانا؛ لأنسه بحواء، ﵍. وقيل: لأنسه بربه. قال الشاعر: [الطويل]\nوما سمّي الإنسان إلاّ لأنسه... ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِبَشَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُؤْتِيَهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، وما بعده معطوف عليه، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ في محل رفع اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر، التقدير: ما كان إتيان الله الكتاب... إلخ واقعا، أو حاصلا لبشر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَقُولَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، ويقرأ بالرفع على الاستئناف، وهذا يعني: تقدير مبتدأ، التقدير: ثمّ هو يقول، والفاعل يعود إلى: (بشر).\nوالجملة الفعلية في محل رفع خبر للضمير المقدر، والجمة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿عِبادًا:﴾ خبر: ﴿كُونُوا﴾. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عِبادًا﴾.\n ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿عِبادًا﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿كُونُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.","vol":"2","page":150},{"text":"﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له، وجملة: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ في محل نصب مقول القول لفعل محذوف، التقدير: ولكن يقول: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ:﴾\nوالكلام معطوف على ما قبله. ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُعَلِّمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله.\n ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ و(ما) المصدرية و﴿كُنْتُمْ﴾ في تأويل مصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: ﴿كُونُوا﴾ التقدير: بسبب كونكم معلّمين، وبسبب كونكم دارسين، وجوز تعليقهما ب ﴿رَبّانِيِّينَ﴾. ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة في الموضعين، وذلك على قراءة تشديد اللام، والسين، ويكون العائد، أو الرابط محذوفا، وهو مفعول الفعلين، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-373\"></span>﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ؛ أي: لا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبيّ مرسل، ولا ملك مقرّب. ويقرأ الفعل بالنصب عطفا على: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ ويقويه ما ذكرته عن اليهود في الآية السابقة، فيكون الفاعل عائدا على (بشر). ويقرأ بالرفع على الاستئناف والقطع من الكلام السابق، فيكون الفاعل عائدا إلى: (الله). ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ..﴾. إلخ: الاستفهام للتعجب، والإنكار. المعنى: لا يقول هذا، ولا يفعله! فالجهلة من الأحبار، والرّهبان، ومشايخ الضلال من المسلمين يدخلون في هذا الذّم، والتوبيخ، بخلاف الرّسل، وأتباعهم من العلماء العاملين. والخطاب للمسلمين، وللناس أجمعين.\nهذا؛ وقد اتخذت بعض القبائل العربية، والصابئون الملائكة أربابا من دون الله. وقد ألزم الله الخلق حرمة الملائكة، والأنبياء، وتقديسهم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقولنّ أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي. ولا يقل أحدكم: ربّي، وليقل سيّدي». وانظر ما ذكرته في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nهذا؛ و(الملائكة): أجسام نورانية لطيفة، قادرة على التشكّل، والتمثّل بأيّة صورة أرادوا، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، ولا يهرمون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. لا يتناكحون، ولا يتناسلون. يلهمون الحمد، والتسبيح لله، كما نلهم النّفس. لا يوصفون بذكورة، ولا أنوثة، فمن وصفهم بذكورة؛ فسق، ومن وصفهم بأنوثة: كفر، ولهم قدرة خارقة للعادة، ولا تحكم عليهم الصّورة. ومعناه: أن","vol":"2","page":151},{"text":"الملك إذا تصور بصورة ما، وسدّد إنسان سهما نحوه، أو جني عليه بجناية؛ فلا يناله شيء من الأذى، بخلاف الجنّي؛ إذا تصور بصورة ما؛ فيجري عليه حكم الصّورة بلحوق الأذى إليه.\nوانظر ما ذكرته في سورة (الجنّ) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nوهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال. ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار. ويتشكّلون بأشكال حسنة، بخلاف الجنّ؛ الذين يتشكلون بأشكال قبيحة.\nالإعراب: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ:﴾ انظر الشرح لإعراب هذه الجملة. ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا:﴾ في محل نصب مفعول به ثان عند سيبويه، وفي محل جر بحرف جر محذوف عند الخليل، التقدير: باتخاذكم، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَالنَّبِيِّينَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَرْبابًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿أَيَأْمُرُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكار، وتعجيب. (﴿يَأْمُرَكُمْ﴾): فعل مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (بشر) أو إلى: (الله) والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ﴿بِالْكُفْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل المفعول الثاني. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿إِذْ﴾ ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-374\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ..﴾. إلخ: ذكروا في معنى أخذ الميثاق وجهين: أحدهما: أنه مأخوذ من الأنبياء، والثاني أنه مأخوذ لهم من غيرهم، فلهذا السبب اختلفوا في المعنيّ بهذه الآية، فذهب قوم إلى: أن الله تعالى أخذ ميثاقا من النّبيّين خاصّة قبل أن يبلّغوا كتاب الله، ورسالاته إلى عباده أن يصدّق بعضهم بعضا، وأخذ العهد على كل نبيّ أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء، وينصره-إن أدركه، وإن لم يدركه-أن يأمر قومه بنصرته؛ إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد ﷺ وعليهم أجمعين. هذا قول سعيد بن جبير، والحسن، وطاوس. وقيل: إنّما أخذ الميثاق من النبيين في أمر محمد ﷺ خاصّة، وهو قول عليّ، وابن عبّاس، وقتادة، والسّدّيّ. فعلى هذا القول اختلفوا، فقيل: إنّما أخذ الميثاق على أهل","vol":"2","page":152},{"text":"الكتاب الذين أرسل إليهم النّبيّين، ويدلّ عليه قوله: ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ وإنّما كان محمّد ﷺ مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين، وإنما أطلق هذا اللفظ عليهم؛ لأنّهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمّد؛ لأنا أهل كتاب، والنّبيّون منا.\nوقيل: أخذ الله الميثاق على النبيّين، وأممهم جميعا في أمر محمد ﷺ، فاكتفى بذكر الأنبياء؛ لأنّ العهد مع المتبوع عهد مع التابع. وهو قول ابن عباس﵄-. قال عليّ كرّم الله وجهه: ما بعث الله نبيّا؛ آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في أمر محمّد ﷺ، وأخذ هو العهد على قومه ليؤمننّ به، ولئن بعث؛ وهم أحياء؛ لينصرنّه. انتهى خازن. وقال كثير من المفسّرين: إنّ الأنبياء كانوا يأخذون العهد، والميثاق على أممهم بأنّه إذا بعث محمد ﷺ أن يؤمنوا به، وينصروه.\nومعنى ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ:﴾ أنّ الله تعالى وصفه في كتب الأنبياء المتقدّمة، وشرح فيها أحواله، فإذا جاءت صفاته، وأحواله مطابقة لما في كتبهم المنزلة؛ فقد صار مصدّقا لها، فيجب الإيمان به، والانقياد له. ومعنى ﴿لِما مَعَكُمْ﴾ أي: من الشرائع، والكتاب، والحكمة.\nهذا؛ وأصل الفعل: (تؤمنون) فلمّا اتّصلت به نون التوكيد؛ صار لتؤمنوننّ، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فالتقى ساكنان: واو الجماعة، والنون الأولى من المشدّدة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على النّون قبلها؛ لتدل عليها. وإعلال ما بعده مثله.\n ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي:﴾ قال البغويّ-رحمه الله تعالى-: قال الله﷿للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم-والأنبياء فيهم كالمصابيح-وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمّد ﷺ: أأقررتم؟. وقال الفخر الرازي: يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرّر في عقولهم من الدلائل الدّالة على أنّ الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء رسول، وظهرت المعجزات الدّالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك: أنّ الله أمر الخلق بالإيمان به؛ عرفوا عند ذلك وجوبه بتقرير هذا الدليل في عقولهم. فهذا هو المراد من الميثاق. وهذا إن فسرنا: أن أخذ الميثاق كان من النبيّين، وكان معناه: قال الله تعالى للنبيين: أأقررتم بالإيمان به، والنصر له؟! وإن فسّرنا بأنّ أخذ الميثاق كان على الأمم؛ كان معناه: قال كل نبي لأمته: أأقررتم؟. وذلك؛ لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه. وإن كان النبيون أخذوه على الأمم؛ فذلك طلب هذا الإقرار، وأضافه إلى نفسه؛ وإن وقع من الأنبياء. هذا؛ والأصر-بفتح الهمزة، وكسرها لغتان-هو العهد، وهو المراد هنا، وهو في اللغة: الثّقل، وسمي العهد إصرا؛ لأنه منع، وتشديد. وانظر الآية الأخيرة من سورة (البقرة).\n ﴿قالُوا أَقْرَرْنا﴾ أي: قال النبيّون: أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك؛ الذين ترسلهم مصدّقين لما معنا. ﴿قالَ فَاشْهَدُوا﴾ أي: قال الله﷿للنبيّين: فاشهدوا على أنفسكم، أو","vol":"2","page":153},{"text":"على أممكم، وأتباعكم الذين أخذتم عليهم الميثاق. وقيل: قال الله: للملائكة: فاشهدوا.\nوقيل: معناه: فاعلموا، وبيّنوا؛ لأن أصل الشهادة العلم، والبيان. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: عليكم، وعلى أتباعكم.\nالإعراب: (﴿إِذْ﴾): ظرف مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب، متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. ﴿أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها، و﴿مِيثاقَ:﴾ مضاف، و﴿النَّبِيِّينَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، أو لمفعوله. ﴿لَما:﴾ هذا اللفظ يقرأ بكسر اللام، وفتحها، فالكسر أمره هيّن. فاللام لام التعليل، و(ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعده بمصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَخَذَ﴾. هذا قول البيضاوي. وقال القرطبيّ: متعلقان بمحذوف، التقدير: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمنّ الناس لما جاءكم من كتاب، وحكمة، ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا. وقال ابن هشام في المغني:\nمتعلقان بقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ الواقع جوابا لأخذ الميثاق على الاتساع في الظرف، والتقدير:\nلإيتائي، لأجل إيتائي. وجوز اعتبار (ما) موصولة، وموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للذي، أو: لشيء آتيتكموه. وأما الفتح ففيه الأقوال الكثيرة، وها أنا ذا ألخصها لك مبتدئا بالمعتمد منها.\nالأول: اللام لام الابتداء. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿آتَيْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد محذوف، التقدير: للّذي آتيتكموه. ﴿مِنْ كُتُبٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول الثاني المحذوف، العائد على (ما)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (ما) و﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس. ﴿وَحِكْمَةٍ:﴾ معطوف على:\n ﴿كِتابٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف.\n ﴿جاءَكُمْ﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿رَسُولٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، والعائد في الأولى عائد فيها؛ لأن الجملتين المتعاطفتين كالجملة الواحدة، أو العائد محذوف، التقدير: ثم جاءكم به. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة: ﴿رَسُولٌ﴾. ﴿لَما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمصدّق، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣]. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها على اعتبارها موصوفة، والكاف في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو (ما) محذوف؛ إذ التقدير: للذي آتيتكموه... هو الحق، والجملة الاسمية هذه مؤكدة لمعنى القسم، أي: فكأنها قسم ثان. ﴿لَتُؤْمِنُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب أخذ الميثاق المتضمّن معنى القسم. (تؤمنن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه حذف النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له،","vol":"2","page":154},{"text":"والجملة الفعلية جواب أخذ الميثاق المتضمن معنى القسم، لا محل لها، والجملة: ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ..﴾. إلخ معترضة بين القسم، وجوابه مؤكدة لمعنى القسم، كما رأيت.\nالقول الثاني: اللام واقعة في جواب أخذ الميثاق المتضمّن معنى القسم، وجملة: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جواب قسم محذوف، والقسم المحذوف وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: (ما) الموصولة، والجملة الاسمية: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ..﴾. إلخ جواب أخذ الميثاق المتضمّن معنى القسم.\nالقول الثالث: وهو للزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنّسفي كعادتهما، وبه قال القرطبيّ، وهو قول المبرد، والكسائي، والزجاج: أن اللام هي الموطئة للقسم، و(ما) تحتمل الشرطية، والموصولة، فعلى الأول؛ فهي في محل نصب مفعول به مقدّم، وعلى الثاني؛ فهي مبتدأ، وجملة: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ فعل الشرط على الأول، وصلة الموصول على الثاني، والعائد محذوف، كما رأيت تقديره فيما سبق. و﴿مِنْ كُتُبٍ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الضمير المقدّر. كما سبق، وجملة: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما». وهذا ضعيف، لا اعتبار له؛ لأنه لا يبقى لأخذ الميثاق جواب، وكذلك إن اعتبرت (ما) موصولة، وخبرها محذوفا، وجملة: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جواب القسم المدلول عليه باللام، ولذا قال ابن هشام في المغني: وعلى هذا؛ فالأحسن ألا تكون اللام موطئة، و(ما) شرطية، بل للابتداء، و(ما) موصولة؛ لأنه حمل على الأكثر.\nهذا؛ ويقرأ: («لمّا») بفتح اللام وتشديد الميم، وفيها وجهان: أحدهما: أنّها الزّمانية، أي:\nأخذنا ميثاقهم لمّا آتيناهم شيئا من كتاب وحكمة، ورجع من الخطاب إلى الغيبة على المألوف من طريقتهم في الالتفات، والثاني: أنه أراد (لمن ما) ثم أبدل من النون ميما لمشابهتها إيّاها، فتوالت ثلاث ميمات، فحذفت الثانية لضعفها بكونها بدلا، وحصول التكرير بها. ذكر هذا المعنى ابن جني في المحتسب. انتهى أبو البقاء.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وانظر الفاعل في الشرح. ﴿أَأَقْرَرْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.\n (﴿أَقْرَرْتُمْ﴾): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَخَذْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى ذلِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿إِصْرِي:﴾ مفعول به، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة.\nوجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿أَقْرَرْنا:﴾ فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير: أقررنا بذلك، والجملة الفعلية في محل نصب مقول","vol":"2","page":155},{"text":"القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهُ﴾. ﴿فَاشْهَدُوا:﴾ الفاء: صلة. (اشهدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. هذا؛ ويجوز اعتبار الفاء فصيحة، أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: قال: إذا كان ذلك حاصلا منكم؛ فاشهدوا. وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَنَا:﴾\nالواو: واو الحال. (﴿أَنَا﴾) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مَعَكُمْ:﴾\nظرف مكان متعلّق بما بعده، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وجوز اعتبارها مستأنفة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥] بشأن آل عمران، وتعليق الجار، والمجرور يقال مثله في الظرف: ﴿مَعَكُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-375\"></span>﴿فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ تَوَلّى:﴾ أعرض عن الإيمان بمحمد ﷺ، ونصرته. ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾ الإقرار الذي تقدّم. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن الإيمان والطاعة. هذا؛ وأعاد الضمير في ﴿تَوَلّى﴾ على لفظ (من) وجمع: (أولئك...) إلخ حملا على معناها، كما في الآية رقم [٨٤] الآتية.\nهذا، و﴿الْفاسِقُونَ﴾ جمع: فاسق، وهو الخارج عن حدّ الاستقامة، وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أوامر الله بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات:\nالأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إيّاها. والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إيّاها. فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خطّه؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ولا بس الكفر، لكن ما دام في درجة التغابي، والانهماك؛ فلا يسلب عنه اسم المؤمن، لاتصافه بالتّصديق، الذي هو مسمّى الإيمان.\nانتهى بيضاوي.\nالإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جزم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره هو. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الْفاسِقُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع","vol":"2","page":156},{"text":"خبر (أولئك) هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿الْفاسِقُونَ﴾ خبر (أولئك) وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٦١] والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-376\"></span>﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ:﴾ قال الكلبي-رحمه الله تعالى-: إن كعب بن الأشرف، وأصحابه اختصموا مع النّصارى إلى النبي ﷺ، فقالوا: أينا أحقّ بدين إبراهيم؟ فقال لهم النبيّ ﷺ: «كلا الفريقين بريء من دينه». فقالوا: لا نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك.\nفنزلت الآية الكريمة. والمراد بالاستفهام الإنكار، والتوبيخ. المعنى: أفبعد أخذ الميثاق عليهم، ووضوح الدلائل لهم: إنّ دين إبراهيم هو دين الله الإسلام؛ أي: أفغير دين الله تطلبون يا معشر اليهود، والنّصارى؟!.\n ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ أي: استسلم، وانقاد، وخضع، وذلّ، وكلّ مخلوق فهو منقاد، ومستسلم لله؛ لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: أسلم المؤمن طوعا. والكافر عند موته كرها، ولا ينفعه ذلك لقوله تعالى في آخر سورة (غافر): ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾. ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ فيه تغليب العاقل على غيره، كما غلب غير العاقل على العاقل في غير ما موضع، مثل قوله تعالى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾.\n ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا:﴾ الطّوع: الانقياد، والاتّباع بسهولة، والكره: ما كان بمشقّة، وإباء من النفس. وأحسن ما قيل في تفسيرها: إنّه لا سبيل لأحد من الخلق إلى الامتناع على الله في مراده، فأما المسلم؛ فينقاد لله فيما أمره، أو نهاه عنه طوعا، وأما الكافر، والفاجر؛ فينقاد لله كرها في جميع ما يقضي عليه، ولا يمكنه دفع قضائه، وقدره، وخذ قوله تعالى في سورة (الرّعد): ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي: يرجع الخلق كلهم إلى الله يوم القيامة. ففيه وعيد عظيم، وتهديد شديد لمن خرج عن طاعته، وخالف أمره في الدنيا. هذا؛ وتقرأ الأفعال بالتاء، والياء. هذا؛ وبين ﴿طَوْعًا﴾ و(﴿كَرْهًا﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.\n (غير): اسم شديد الإبهام ك «مثل» لا يتعرّف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، ولا تدخل عليه (ال) وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها؛ إن فهم المعنى، أو تقدّمت عليها كلمة","vol":"2","page":157},{"text":"(ليس)، يقال: قبضت عشرة ليس غير. وهو مبني على الضّمّ، أو على الفتح، خلاف. وإن أردت الزيادة، فانظر مبحثنا في كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nفائدة: روى مجاهد عن ابن عباس﵄قال: إذا استصعبت دابة أحدكم، أو كانت شموسا؛ فليقرأ في أذنها هذه الآية: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿أَفَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. غير: مفعول به مقدم، وهو مضاف، و﴿دِينِ﴾ مضاف إليه، و﴿دِينِ﴾ مضاف ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَبْغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة مقدّرة قبلها، التقدير: أيتولون عن الإيمان الحقيقي فغير دين الله يبغون. ويكون الكلام كله مستأنفا. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَهُ﴾): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الوصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا:﴾ مصدران في موضع الحال من ﴿مَنْ﴾ أي: طائعين، ومكرهين. (﴿إِلَيْهِ﴾): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، هذا؛ وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف كجزء منه، قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n\n<span id=\"aya-377\"></span>﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ:﴾ لمّا ذكر الله ﷿ في الآية المتقدمة أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرّسول؛ الذي يأتي مصدقا لما معهم؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ﴾ وإنما وحّد الضمير في قوله: ﴿قُلْ﴾ وجمع في قوله: ﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ لأنّه إنما خاطبه بلفظ الوحدان، ليدل هذا الكلام على أنّه لا يبلغ هذا التكليف عن الله تعالى إلى الخلق إلا هو. ثم قال:\n ﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ تنبيها على أنّه حين قال هذا القول وافقه أصحابه، فحسن الجمع في قوله:","vol":"2","page":158},{"text":"﴿آمَنّا﴾. وقال مكيّ-رحمه الله تعالى-: التقدير: قل: قولوا: آمنا، فالضمير في: ﴿آمَنّا﴾ للمأمورين، والآمر لهم النبي ﷺ. ويجوز: أنّ الأمر له ﷺ. يراد به أمّته.\n ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا:﴾ المراد به القرآن الكريم، وإنّما ذكره؛ لأنه أشرف الكتب، وأنّه لم يحرّف، ولم يبدّل، وغيره حرّف، وبدّل. ﴿وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ..﴾. إلخ: المراد به الصّحف التي أنزلت عليه، وقد عمل بها أولاده، وأحفاده. ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ هم أولاد يعقوب الاثنا عشر، ثم صاروا قبائل، يطلق عليها الأسباط، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب من بني إسماعيل. وقدّم إسماعيل على إسحاق في الذّكر لسببين: أولهما: أنه أسبق في الولادة بأربع عشرة سنة، وثانيهما: أنّه جدّ نبينا ﷺ، فاستحق التقديم لذلك. وإنّما خص الله هؤلاء الأنبياء بالذكر؛ لأنّ أهل الكتاب يعترفون بوجودهم، ولم يختلفوا في نبوّتهم. ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى﴾ أي:\nالتوراة. ﴿وَعِيسى﴾ أي: الإنجيل.\n ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ:﴾ كما فعل اليهود، والنصارى من الإيمان ببعض الرّسل، والكفر ببعضهم، كما قال الله فيهم: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ..﴾. إلخ رقم [١٥٠]: من سورة (النساء). ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي:\nمنقادون مخلصون له في العبادة، مقرّون له بالألوهية، والربوبية، لا نشرك معه أحدا أبدا، فالمؤمنون-كما في هذه الآية-يؤمنون بكل نبيّ أرسل، وبكلّ كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك. والحمد لله! هذا والآية مذكورة في سورة (البقرة) برقم [١٣٦]: مع الاختلاف في بعض الألفاظ، والمعنى واحد مع ملاحظة ما يلي:\nعدّي الفعل: ﴿أُنْزِلَ﴾ هنا بحرف الاستعلاء (على) وفي سورة (البقرة) بحرف الانتهاء (إلى) لوجود المعنيين؛ إذ الوحي ينزل من فوق، وينتهي إلى الرّسول، فجاء تارة بأحد المعنيين، وتارة أخرى بالمعنى الآخر.\nبعد هذا: ف: (﴿النَّبِيُّونَ﴾) جمع: نبي، يقرأ بالهمز، وبدونه، وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر؛ لأن النبي يخبر عن ربّه. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهي الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبي غير الرسول بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾. وقيل: هو أعمّ منه؛ لأنّ كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، أمّا تعريفهما؛ فالرّسول: ذكر حرّ من بني أدم سليم عن منفّر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبيّ، وليس رسولا، فنبينا ﷺ صار نبيّا بنزول سورة اقرأ عليه، وبعد ستة أشهر من نزولها صار رسولا بنزول سورة (المدثر).\nهذا؛ ويروى: أن أبا ذر﵁سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قال: كم عدد الرّسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم،","vol":"2","page":159},{"text":"وآخرهم نبيّكم». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط. هذا؛ وأربعة منهم من العرب: هم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ. وإسماعيل بن إبراهيم مستعرب، سكن مكة مع قبيلة جرهم، وتزوّج منهم بامرأتين. والمذكور من الرّسل في القرآن الكريم بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كلّ مسلم، ومسلمة من المكلّفين. وأعني بمعرفتهم:\nأنه لو أعرض اسم رسول منهم على مسلم، فيحب أن يعرف: أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (النساء): ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وقال في سورة (غافر): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. هذا؛ وقد قال ابن عباس﵄-: كلّ الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمدا، صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما كثيرا.\nهذا؛ وقد ذكر الله في آيات (الأنعام) رقم [٨٣]: وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب لا بحسب الزّمان، ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، وبقي سبعة منهم، لم يذكروا في سورة (الأنعام)، وقد ذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وذو الكفل، وآدم، ومحمد، صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما كثيرا. فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا الذين يحب الإيمان بهم، ومعرفتهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]\nحتم على كلّ ذي التكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا\nفي (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا...) منهم ثمانية﴾\nمن بعد عشر ويبقى سبعة وهمو\nإدريس هود ولوط صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا\nويعني في قوله: (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا﴾) آيات الأنعام المذكورة. وينبغي أن تعلم أن هؤلاء الرسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل، بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة، أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسيد الجميع، وأفضل الخلق قاطبة محمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما.\nوالرسل والأنبياء-صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين-تجوز عليهم الأعراض البشرية، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحّون، ويمرضون، وينكحون النساء، ويمشون في الأسواق.\nتعتريهم الأعراض البشرية من ضعف، وشيخوخة إلا أنهم يمتازون بخصائص كريمة عالية، ويتّصفون بصفات عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللّوازم، وهي ما يلي: الصدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النبوّة، وبعدها، والسلامة من العيوب المنفّرة، ويستحيل عليهم ضدّها.","vol":"2","page":160},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل.\nوالجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على (الله). ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، والجملة الفعلية صلتها. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿عَلى إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، والأسماء بعده معطوفة عليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): معطوفة على ما قبلها. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد محذوف، التقدير: والذي أوتيه موسى، وعيسى. ﴿وَالنَّبِيُّونَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو من عطف العام على الخاص. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أُوتِيَ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا ثانيا، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (﴿ما﴾).\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُفَرِّقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا) والرابط الضمير فقط. ﴿بَيْنَ﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَحَدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (أحد)، ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: واو الحال. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا) أيضا، وهي مؤكدة للإيمان. والرابط: الواو والضمير.\n\n<span id=\"aya-378\"></span>﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا﴾ يعني: إن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام، وإنّ كلّ دين سواه غير مقبول عنده؛ لأن الدّين الصحيح ما يأمر الله به، ويرضى عن فاعله، ويثيبه عليه. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ يعني: الذين وقعوا في الخسار، وهو: حرمان الثّواب، وحصول العقاب.\nهذا؛ وقيل في تفسير «الخسران»: إنّه جعل لكلّ واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النّار، فإذا كان يوم القيامة؛ جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنّة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النّار. فذلك هو الخسران! وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران؟! وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلاّ","vol":"2","page":161},{"text":"له منزلان: منزل في الجنّة ومنزل في النّار، فإذا مات، فدخل النّار؛ ورث أهل الجنّة منزله».\nفذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَبْتَغِ﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو. ﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به. ﴿دِينًا:﴾ تمييز، هذا وجه، ووجه ثان: ﴿غَيْرَ﴾ حال من ﴿دِينًا﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا. ﴿دِينًا:﴾ مفعول به. ووجه ثالث. ﴿غَيْرَ﴾ مفعول به. و﴿دِينًا﴾ بدل منه، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿الْإِسْلامِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يُقْبَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب (لن) ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿غَيْرَ الْإِسْلامِ﴾. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ؛ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت فيما تقدّم.\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان باسم فاعل محذوف، التقدير: وإنه خاسر في الآخرة. وقيل: متعلقان بمصدر محذوف، التقدير: خسرانه في الآخرة.\nوهذا؛ لأن (ال) بمعنى الموصول، والجار والمجرور من صلة الموصول، ولا تتقدم الصلة على الموصول. وقول ثالث: إنّ ﴿الْخاسِرِينَ﴾ ليس بمعنى: الذين خسروا، ولكنه اسم قائم بنفسه، كما يقال: الرجل، والغلام؛ أي: فالألف للتعريف، لا بمعنى «الذي». وهو أولى، وأسهل في الإعراب، فيكون الجار والمجرور: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلقين به. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب:\n (من) والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن.\n\n<span id=\"aya-379\"></span>﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ..﴾. إلخ: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في اثني عشر رجلا ارتدّوا عن الإسلام، وذهبوا إلى مكّة كفارا، منهم: الحارث بن سويد الأنصاري، وطعمة بن أبيرق، وحجوج بن الأسلت. وقال ابن عباس﵄-: نزلت في اليهود، والنصارى، وذلك: أنّ اليهود كانوا قبل مبعث النبي ﷺ يستفتحون به على الكفار، ويقرّون به، ويقولون: قد أظلّ زمان نبي مبعوث، نقتلكم معه قتل عاد، وإرم، انظر الآية رقم [٤٩]: من سورة (البقرة) -فلمّا بعث محمد ﷺ كفروا به بغيا، وحسدا. ومعنى الآية: كيف يرشد","vol":"2","page":162},{"text":"الله للصواب، ويوفق للإيمان قوما جحدوا نبوة محمد ﷺ بعد تصديقهم إيّاه، وإقرارهم بما جاء به من عند ربّه.\n ﴿وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ أي: الحجج، والبراهين، والمعجزات الدّالة على نبوّته؛ التي بمثلها ثبتت النبوة. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الحقّ، والصّواب؛ لما سبق في علمه تعالى: أنهم ظالمون، وأنّهم لا يهتدون.\nهذا؛ والمراد ب ﴿الظّالِمِينَ﴾ في هذه الآية: الكفار، كما عبّر الله عنهم في آيات كثيرة (﴿الْمُجْرِمِينَ﴾) و(﴿الْفاسِقِينَ﴾) و(﴿الْكاذِبِينَ﴾) وغير ذلك، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتّصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم التهديد، والوعيد، كما يوجه إلى الكفار؟ الحقّ أقول: نعم، يوجّه إليهم ذلك، ولا سيّما من قرأ منهم القرآن الكريم، واطّلع على أخبار الأمم السابقة، والقرون السالفة؛ كيف نكّل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين؟! وإنّما سمّي الكافر ظالما؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها، وكلّ من يدّعي الإسلام، ولا يعمل بتعاليمه؛ فهو ظالم لنفسه، ويستحقّ ما يستحقّ الكافر من العذاب في الدّنيا، والآخرة.\nالإعراب: ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام، واستبعاد مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَفَرُوا:﴾\nفعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿قَوْمًا﴾. ﴿بَعْدَ:﴾\nظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿إِيمانِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. (﴿شَهِدُوا﴾): ماض، وفاعله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الرَّسُولَ:﴾ اسمها.\n ﴿حَقٌّ:﴾ خبرها، والمصدر المؤوّل منها، ومن اسمها، وخبرها في محل نصب مفعول به عند سيبويه، وفي محل نصب بنزع الخافض عند الخليل. والجملة الفعلية فيها ثلاثة أوجه: أحدها:\nأنها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. والثاني: أنّها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها؛ أي: كيف يهديكم الله بعد اجتماع الأمرين. والثالث: أن يكون التقدير: وأن شهدوا؛ أي: بعد أن آمنوا، وأن شهدوا، فيكون معطوفا على: ﴿إِيمانِهِمْ﴾ على هذا التأويل. انتهى عكبري. وأقواها الوجه الأول.\n ﴿وَجاءَهُمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿جاءَهُمُ﴾): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الأوجه الثلاثة فيها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به، ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ.","vol":"2","page":163},{"text":"<span id=\"aya-380\"></span>﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المرتدّون عن الإسلام؛ الّذين مرّ ذكرهم فيما سبق. ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أي:\nالذي يستحقونه فيما سبق من كفرهم، وانظر شرح باقي الكلمات فيما تقدّم قريبا من هذه السورة.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ مبتدأ ثان. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿لَعْنَةَ:﴾ اسمها المؤخر، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع خبر: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، هذا وأجيز اعتبار: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بدلا من: ﴿أُولئِكَ﴾ بدل الاشتمال، فيكون المصدر خبرا عنه. وفيه ضعف ظاهر وانظر الآية رقم [١٣٦] الآتية.\n ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ:﴾ معطوفان على لفظ الجلالة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد ل (﴿النّاسِ﴾) على لفظه.\n<span id=\"aya-381\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ الخلود: الدّوام، والمراد عدم الخروج أبدا. ﴿فِيها﴾ أي: في اللّعنة المذكورة، أو النار المدلول عليها باللّعنة. والإضمار قبل الذّكر تفخيما لشأنها، وتهويلا لعظمهما، أو اكتفاء بدلالة اللّعنة عليها، وكثيرا ما وقع في القرآن: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وهو عائد على النار. ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ يمهلون، أو: لا ينظر إليهم نظر رحمة. قال تعالى في سورة (الزخرف):\n ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.\nهذا؛ وقال الإمام الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إنّ عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ وبأنّ معصية الظالم متناهية، فالعقاب بما لا يتناهى ظلم. والجواب: أن قوله: ﴿أَحْقابًا﴾ لا يقتضي بأنّ له نهاية؛ لأنّ العرب يعبّرون به، وبنحوه عن الدّوام. ولا ظلم في ذلك؛ لأنّ الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيّا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدّائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا.\nالإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدّرة من الضمير المجرور في الآية السّابقة، وهو عائد على واو الجماعة، منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخَفَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول.\n ﴿عَنْهُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال أخرى من الضمير المجرور، وهي حال مؤكدة للحال المقدرة، والرابط: الضمير فقط. وقال أبو","vol":"2","page":164},{"text":"البقاء: حال من الضمير المستتر في: ﴿خالِدِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة، أو هي مستأنفة، لا محل لها. أفاده مكيّ، ﵀. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ.\n ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَلا هُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا.\nهذا؛ وذكرت لك: أنّ ﴿خالِدِينَ﴾ حال مقدرة؛ إذ الحال بالنسبة للزّمان على ثلاثة أقسام:\nحال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. ومنها الحال في هذه الآية، كما رأيت، وحال محكية، وهي الحال الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها؛ بمعنى: أن المقصود الصّفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى:\n ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ف: ﴿آياتٍ﴾ حال من الضمير المنصوب، وليست مقصودة.\nهذا؛ والحال أيضا على نوعين: مؤسّسة، ومؤكّدة، فالأولى هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو جاء زيد ضاحكا، ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول. والمؤكدة هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهذه ثلاثة أنواع:\nالأولى: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي الّتي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول: كقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾.\nالنوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾.\nالنوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ وقول سالم بن دارة اليربوعي-وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nأنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟\nوهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٩]: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ بالنّصب؛ لأن البركة لا تفارق الكتاب، وهو القرآن. وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [١٩١] الآتية: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا﴾.\nوأخيرا خذ الحال السببية، ولم يذكرها أحد من المفسرين، ولا المعربين، ومثالها قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المعارج) وفي سورة (ن):","vol":"2","page":165},{"text":"﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ فلاهية، و﴿خاشِعَةً﴾ حال ممّا من قبلهما في الإعراب، وعند التأويل يتبين لك: أنهما حالان مما بعدهما، وهذا كما في النّعت السببي في قولك: مررت برجال كريم آباؤهم، وبنسوة كريم آباؤهنّ، ف: «كريم» صفة لما قبله في الإعراب، وهو في الحقيقة صفة لما بعده. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-382\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ أي: رجعوا إلى الإيمان، وتابوا توبة نصوحا. ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد ارتدادهم عن الإسلام. وذلك: أن الحارث بن سويد الأنصاري لمّا لحق بالكفار؛ ندم على ذلك، فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله ﷺ: هل لي من توبة؟! ففعلوا، فأنزل الله الآية، فبعث بها إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه، فأقبل إلى المدينة تائبا، وقبل رسول الله ﷺ توبته، وحسن إسلامه. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي: ضمّوا إلى التوبة الأعمال الصالحات. وهذا دليل على أنّ التوبة إذا لم تتبع بالعمل الصالح؛ فلا قيمة لها. قال تعالى في سورة (طه): ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾.\nقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: وهذا مشروع بيان تقسيم الكفار إلى ثلاثة أقسام:\nقسم تاب توبة صحيحة، فنفعته توبته، كما هنا. وقسم تاب توبة فاسدة، فلم تنفعه، كما في الآية التالية. وقسم لم يتب أصلا، كما يأتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من واو الجماعة في الآية السابقة. ﴿تابُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له، وجملة: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبران ل (إنّ) والجملة الاسمية مفرّعة عمّا قبلها، لا محلّ لها أيضا، وهذا الإعراب يجعل هذه الجملة لا ارتباط لها بما قبلها. والأولى اعتبار الموصول مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب مستثنى من مضمون الكلام السابق. والاستثناء متصل، أو منقطع حسبما رأيت في الشرح، ومثل هذه الآية في الإعراب الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة) والآية [٦٠] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها، وعلى ولدها ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"2","page":166},{"text":"<span id=\"aya-383\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ (٩٠)﴾\nالشرح: ذكر الله في هذه الآية القسم الثاني من الناس، وهم الذين تابوا توبة فاسدة، وهم اليهود، فإنّهم كفروا بعيسى، وبالإنجيل بعد الإيمان بموسى، وبالتوراة، ثم ازدادوا كفرا بمحمّد ﷺ وبالقرآن. أو: هم اليهود، والنصارى جميعا، وذلك أنّهم كفروا بمحمّد ﷺ لمّا رأوه بعد إيمانهم به قبل مبعثه؛ لما ثبت عندهم من نعته، وصفته في كتبهم، ثمّ ازدادوا كفرا بتبديلهم، وتحريفهم التوراة، والإنجيل. ومثل هذه الآية ما ذكره الله بشأن المنافقين في قوله تعالى في سورة (النساء): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا..﴾. إلخ.\n ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ:﴾ لقد اختلف المفسّرون في معنى هذه الجملة، فقال الحسن البصري، وعطاء، وقتادة، والسدي: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، وهو وقت الحشرجة؛ لأنّ الله تعالى قال في سورة (النساء): ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. وقال ابن عباس﵄-: إنّهم الذين ارتدوا، وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم، والكفر في ضمائرهم. وقال أبو العالية: هم قوم تابوا من ذنوب عملوها في حال الشّرك، ولم يتوبوا من الشّرك، فإن توبتهم في حال الشرك غير مقبولة.\nوقيل غير ذلك. والأول أولى بالاعتبار. وانظر آية (النساء) رقم [١٧ و١٨]. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ أي: الخارجون عن منهج الحقّ إلى طريق الغيّ.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿إِيمانِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِزْدادُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿كُفْرًا:﴾ تمييز. وقيل: مفعول به، ولا وجه له. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تُقْبَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿لَنْ﴾. ﴿تَوْبَتُهُمْ:﴾ نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٨٢] والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وهي مؤكدة لمضمونها.\nتنبيه: لم تدخل الفاء في خبر: ﴿إِنَّ﴾ هنا. ودخلت في الآية التالية؛ لأنّ الكلام فيها مبني على الشرط، والجزاء، وأنّ سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر بخلافه هنا؛ لأن الكلام مبتدأ، وخبر، ولا دليل فيه على التسبب، كما تقول: الذي جاءني له درهم. لم تجعل","vol":"2","page":167},{"text":"المجيء سببا في استحقاق الدرهم، بخلاف قولك: فله درهم. انتهى كشاف بتصرف كبير.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١].\n\n<span id=\"aya-384\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)﴾\nالشرح: هذه الآية تعمّ جميع من مات على الكفر من اليهود، والنّصارى، والوثنيين بأنّ مأواهم جهنم، وبئس المصير، ولا يقبل من أحدهم فداء يفتدي به من عذاب الله، ولو كان بملء الأرض من ذهب. وهذا مبالغة في التيئيس، والتقنيط من رحمة الله، وعفوه. وذكر الذهب؛ لأنه أعز الأشياء، وأغلاها، وهو على سبيل الفرض والتقدير؛ لأنّ الملك يوم القيامة لله وحده، ولا يملك عبد يومئذ مثقال ذرة من تراب، ولا يقبل من الكافر شفاعة، ولا يؤخذ منه عدل، قال تعالى في سورة (المائدة): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. وقيل: معنى الآية: لو أن الكافر أنفق في الدنيا ملء الأرض ذهبا، ثم مات على كفره؛ لم ينفعه ذلك؛ لأنّ الطاعة مع الكفر غير مقبولة. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ مانعين يمنعونهم من عذاب الله.\nفعن أنس﵁عن النبي ﷺ قال: يقول الله﷿لأهون أهل النّار عذابا يوم القيامة: «لو أنّ لك ما في الأرض من شيء؛ أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم! فيقول الله:\nأردت منك أهون من ذلك، وأخذت عليك في ظهر أبيك آدم ألاّ تشرك بي شيئا، فأبيت إلاّ الشّرك». أخرجه البخاريّ، ومسلم. وهذا يتعارض ظاهره مع قوله تعالى في سورة (الأعراف):\n ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾.\nويجاب بأن آية (الأعراف) معناها الخضوع، والتذلل، وما في الحديث معناه: الانقياد والطاعة. بعد هذا؛ فالموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب:\nقسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَهُمْ كُفّارٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: صلة للتأكيد. (لن): حرف ناصب. ﴿يُقْبَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب (لن). ﴿مِنْ أَحَدِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِلْءُ:﴾ نائب فاعل، وهو مضاف، و﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ذَهَبًا:﴾ تمييز، وقال الكسائي: منصوب بنزع الخافض،","vol":"2","page":168},{"text":"أي: من ذهب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها بمنزلة البدل من الآية السابقة.\n ﴿وَلَوِ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَوِ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿اِفْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود على ﴿أَحَدِهِمْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (﴿لَوِ﴾) محذوف؛ إذ التقدير: لو افتدى به لا يقبل منه. و(﴿لَوِ﴾) ومدخولها كلام معترض في آخر الكلام، واعتبار (﴿لَوِ﴾) وصلية، والجملة الفعلية في محل نصب حال ضعيف. هذا؛ وقيل: الواو متممة. ولا وجه له بعد التقدير؛ الذي رأيته.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا، وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ و﴿عَذابٌ﴾ فاعلا به؛ فهو كلام لا غبار عليه، والتقدير: أولئك ثابت لهم عذاب. وعلى كلّ فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٦] وهي معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ باللام. والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-385\"></span>﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ:﴾ فسّر البرّ بالجنّة، والمعنى: لن تدخلوا الجنة، وتعطوها حتى تنفقوا ممّا تحبّون. وقيل: البرّ: الطاعة، والعمل الصالح، وقد يستعمل في البرّ حسن الصّدق، وحسن الخلق؛ لأنّهما من الخير المتوسّع فيه. فعن عبد الله بن مسعود﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «عليكم بالصّدق! فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرّى الصّدق؛ حتّى يكتب عند الله صدّيقا. وإيّاكم والكذب! فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وما يزال الرّجل يكذب، ويتحرّى الكذب؛ حتّى يكتب عند الله كذّابا». رواه الشّيخان، وغيرهما.\n ﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ أي: من جيد أموالكم، وأنفسها عندكم. وقد نهى الله عن التصدّق بالرديء، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٧]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ..﴾. إلخ. هذا؛ والمراد: الصدقات في","vol":"2","page":169},{"text":"وجوه الخيرات كلها. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: من أيّ شيء كان، من طيب تحبّونه، أو من خبيث تكرهونه، فإنّ الله يعلمه.\nبعد هذا، فخذ ما يلي: عن أنس﵁قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحبّ أموال إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها عذب. قال أنس﵁-: فلمّا نزل قوله تعالى:\n ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة، وقال: يا رسول الله! إنّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ..﴾. إلخ، وإنّ أحبّ أموالي إلي «بيرحاء» وإنّها صدقة لله، عزّ، وجل.\nأرجو برّها، وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ:\n «بخ بخ، ذلك مال رابح». فهذه كلمة تقال عند المدح، والرضا، وتكريرها للمبالغة، وهي مبنية على السكون، فإذا وصلت جرّت، ونوّنت: فقلت: بخ بخ.\nهذا، وقد تبرّع كثير من الصحابة في سبيل الله ممّا يحبّون، منهم: عمر بن الخطاب، وزيد ابن حارثة، وأبو ذر الغفاري﵃وروي: أنّ عمر بن عبد العزيز﵁- كان يشتري أعدالا من سكر، ويتصدّق بها، فقيل له: هلاّ تصدّقت بقيمتها؟ فقال: لأنّ السكر أحبّ إليّ، فأردت أن أنفق ممّا أحبّ.\nالإعراب: ﴿لَنْ تَنالُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْبِرَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تُنْفِقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل: ﴿تُنْفِقُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿تَنالُوا﴾. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة مفعول به محذوف، التقدير:\nحتى تنفقوا شيئا كائنا من الذي تحبونه؛ فلا بأس به.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿تُنْفِقُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر: (إنّ). والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"2","page":170},{"text":"<span id=\"aya-386\"></span>﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)﴾\nالشرح: سبب نزول هذه الآية، والتي بعدها: أن اليهود قالوا للنبي ﷺ: إنّك تزعم: أنك على ملّة إبراهيم، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل، وألبانها، وأنت تأكل ذلك كلّه، فلست على ملّته، فقال النبي ﷺ: «كان ذلك حلالا لإبراهيم». قالوا: كلّ ما تحرمه التوراة اليوم كان ذلك حراما على نوح، وإبراهيم حتّى انتهى إلينا. فأنزل الله ﷿: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾.\nالمعنى: ليس الأمر على ما تدّعيه اليهود من تحريم لحوم الإبل على إبراهيم، بل كان ذلك حلالا على إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وإنّما حرمه يعقوب﵇بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده. فأنكر اليهود ذلك، فأمرهم رسول الله ﷺ بإحضار التوراة، وطلب منهم أن يستخرجوا منها: أن ذلك كان حراما على إبراهيم ﵇، فعجزوا عن ذلك، وافتضحوا وبان كذبهم فيما ادعوا من حرمة هذه الأشياء على إبراهيم، وفي هذا دليل على صحة نبوّة محمد ﷺ؛ لأنه كان أميّا لم يقرأ الكتب، ولم يعرف ما في التوراة، فلمّا أخبر:\nأن ذلك ليس في التوراة؛ علم: أنّ الذي أخبر به ﷺ وحي من الله تعالى. وفيه دليل على جواز نسخ الأحكام، وتغييرها؛ لأنّ اليهود كانوا ينكرونه.\n ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ أي: كل أنواع الطعام، أو سائر المطعومات. ﴿حِلاًّ:﴾ مصدر أخبر به عن جمع، فهو يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ:﴾ فقد روى الطّبريّ بسنده عن ابن عبّاس﵄-: أنّ عصابة من اليهود حضرت عند رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم! أيّ الطعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله ﷺ: «أنشدكم بالله الّذي أنزل التّوراة على موسى، هل تعلمون أنّ إسرائيل مرض مرضا شديدا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرا: لئن عافاه الله من سقمه؛ ليحرّمنّ أحبّ الطّعام، والشّراب إليه، وكان أحبّ الطعام إليه لحم الإبل، وأحبّ الشراب إليه ألبانها؟ فقالوا: اللهمّ نعم! وكان سبب ذلك: أنه اشتكى عرق النّسا» وهو عرق يخرج من الورك، فيستبطن الفخذين، ثم يمرّ بالعرقوب؛ حتى يبلغ الحافر.\n ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها﴾ فلم يأتوا بالتوراة إلى رسول الله ﷺ. فثبت كذبهم، وافتراؤهم، فبهتوا، ولعنوا بما قالوا. ونزلت الآيات رقم [١٦٠]: وما بعدها من سورة (النساء) تبيّن: أن هذا التّحريم كان عقوبة لليهود بسبب ظلمهم، ومخالفتهم لأوامر ربّهم، وكان ذلك في زمن موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"2","page":171},{"text":"بعد هذا، فقد أخرج ابن ماجة في سننه ما يلي: عن أنس بن مالك﵁قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «شفاء عرق النّسا ألية شاة أعرابية تذاب، ثم تجزّأ ثلاثة أجزاء، ثمّ يشرب على الرّيق في كلّ يوم جزء». قال أنس﵁-: فوصفته لأكثر من مائة، فبرأ بإذن الله تعالى، وقال شعبة: حدّثني شيخ في زمن الحجّاج بن يوسف في عرق النّسا: (أقسم لك بالله الأعلى لئن لم تنته؛ لأكوينّك بنار، ولأحلقنّك بموسى!)، ويمسح على ذلك الموضع.\nهذا؛ و(بني) أصله: بنين، حذفت النون للإضافة، وهو جمع: ابن مأخوذ من البناء؛ لأن الابن مبنى أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى الصّانع، وأصله بني. وقيل: بنو، وتصغيرها على الأول بنيّ، وعلى الثاني بنيو، ثم يقال فيه: قلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء. فصار بنيّ.\n ﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، على نبيّنا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، ومعناه في العربية: صفوة الله، أو عبد الله، ف (إسرا) هو: العبد، أو:\nالصفوة، و(إيل) هو: الله، وفيه سبع لغات. قرئ بها كلّها، وتميم يقولون: إسرائين. قال الشاعر، انظر الشاهد [٣٣٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» وما يتعلّق به: [الرجز]\nقالت وكنت رجلا قطينا... هذا لعمر الله إسرائينا\nالإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ وهو مضاف، و﴿الطَّعامِ﴾ مضاف إليه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿كُلُّ﴾. ﴿حِلاًّ:﴾ خبره، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِبَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حِلاًّ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(بني): مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء من اسم: ﴿كانَ﴾ وجوّز أبو البقاء اعتباره مستثنى من الضمير المستتر في: ﴿حِلاًّ﴾. ﴿حَرَّمَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ فاعله. ﴿عَلى نَفْسِهِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا الذي، أو: شيئا حرّمه إسرائيل. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿حَرَّمَ﴾ وقيل: متعلقان ب ﴿كانَ حِلاًّ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تُنَزَّلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿التَّوْراةُ:﴾ نائب فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه، التقدير:\nمن قبل تنزيل التوراة.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: صلة. (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالتَّوْراةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما،","vol":"2","page":172},{"text":"والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء الفصيحة تفصح عن شرط مقدر، التقدير: قل: إذا كان ما تدّعونه صحيحا؛ فأتوا بالتوراة؛ فالكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَاتْلُوها﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾\nخبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-387\"></span>﴿فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنِ افْتَرى..﴾. إلخ: الافتراء: اختلاق الكذب، والفجور، والإفساد في الأرض. مأخوذ من: فرى الأديم: إذا قطعه. ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد ظهور الحجّة بأنّ التحريم إنّما كان من جهة يعقوب، ولم يكن محرّما من قبله. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ:﴾\nالمعتدون، المتجاوزون الحقّ إلى الباطل، المستحقّون للعذاب الأليم، والعقاب الشديد؛ لأنّ كفرهم ظلم منهم لأنفسهم، ولمن أضلّوه عن الدّين من بعدهم.\nبعد هذا فالآية الكريمة تشنّع على اليهود كذبهم، وافتراءهم، وقبائح أعمالهم، فتصفهم بأنّهم كاذبون، والكذب ديدنهم، وصفة لازمة لهم في ماضيهم، وحاضرهم. والكذب من أفحش الذنوب الكبار، ومن أخبث ما يتصف به إنسان، وأبرز صفات المنافقين. هذا؛ فقد حذّر القرآن الكريم منه، والرّسول ﷺ حذّر منه؛ ولو في المزاح، والضّحك، ومهما دعت الحاجة إليه؛ لأنّ فيه الهلاك، وفي الصّدق النّجاة. وخذ ما يلي:\nفعن منصور بن المعتمر﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «تحرّوا الصّدق-وإن رأيتم: أنّ الهلكة فيه-فإنّ فيه النّجاة». رواه ابن أبي الدنيا. وقال الشاعر: [السريع]\nعليك بالصّدق، ولو أنّه... أحرقك الصّدق بنار الوعيد\nواعتبر الرّسول ﷺ الكذب من أبرز صفات المنافقين مع الخيانة، والفجور، وخلف الوعد، ولا يكذب إلا حقير مهين، لا كرامة له بين الناس، قال الشاعر: [البسيط]\nلا يكذب المرء إلاّ من مهانته... أو فعله السّوء أو من قلّة الأدب\nلبعض جيفة كلب خير رائحة... من كذبة المرء في جدّ وفي لعب\nوعن صفوان بن سليم﵁قال: قيل: يا رسول الله! أيكون المؤمن جبانا؟ قال: «نعم» قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: «نعم». قيل له: أيكون المؤمن كذّابا؟ قال:\n «لا!». وهذا الحديث ضعيف، رواه مالك هكذا مرسلا.","vol":"2","page":173},{"text":"هذا؛ وقال تعالى في سورة (النّحل) رقم [١٠٥] ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ ورحم الله من قال: [البسيط]\nعوّد لسانك قول الصّدق تحظ به... إنّ اللّسان لما عوّدت معتاد\nالإعراب: ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) على الله: متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكذب، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ:﴾ انظر مثلها في الآية رقم [٨٢]: والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (أولئك...): خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. والجملة اسمية على الاعتبارين، وهي تحتمل الاستئناف، فلا محل لها، وتحتمل العطف على جملة: ﴿فَأْتُوا..﴾. إلخ في الآية السابقة، فتكون من جملة مقول القول.\n\n<span id=\"aya-388\"></span>﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ. ﴿صَدَقَ اللهُ﴾ فيما أخبر: أن لحوم الإبل، وألبانها كانت محلّلة لإبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وإنّما حرّمها يعقوب﵇على نفسه، وعلى ذرّيته للسّبب الذي ذكر في الآية السابقة، وكما ذكر الله في سورة (النساء) أنّ الله حرّم على اليهود أشياء كثيرة بفسادهم، وخروجهم عن طاعة ربّهم، ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: اتبعوا ما يدعوكم إليه محمّد ﷺ من ملّة إبراهيم، وهي الدّين الصّحيح، وهو الإسلام. هذا؛ و(الملّة): الطريقة، والشريعة، والدّين. وهي بفتح الميم:\nالرّماد الحار. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لم يدع مع الله إلها آخر، ولا عبد سواه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿صَدَقَ اللهُ﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَاتَّبِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتبعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَنِيفًا:﴾ حال من:\n ﴿إِبْراهِيمَ﴾. وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنّ المضاف كجزء منه. انظر ما ذكرته في","vol":"2","page":174},{"text":"الآية رقم [٨٣]. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متعدّدة، ومؤكّدة لما قبلها.\n\n<span id=\"aya-389\"></span>﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ..﴾. إلخ سبب نزول الآية: أن اليهود قالوا للمسلمين: بيت المقدس قبلتنا، وهو أفضل من الكعبة، وأقدم، وهو مهاجر الأنبياء، وقبلتهم، وأرض المحشر. فقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله الآية. ﴿وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ أي: جعله الله موضعا للطّاعات، والعبادات، وقبلة للصلاة، وموضعا للحجّ، وللطواف، تزداد فيه الخيرات، وثواب الطاعات، والنّاس فيه سواء، كما قال تعالى في سورة (الحجّ): ﴿جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾.\nوقوله ﴿لَلَّذِي﴾ أي: للبيت الّذي ببكة، وفي حذف الموصوف من التفخيم، والتعظيم ما لا يخفى.\n ﴿بِبَكَّةَ﴾ قيل: هي مكة نفسها، والعرب تعاقب بين الباء، والميم، مثل: ضربة لازب، ولازم. وقيل: (بكة) اسم لموضع البيت، و(مكة) اسم للبلد، وقال: محمد بن شهاب: (بكة):\nالمسجد، ومكة: الحرم كلّه تدخل فيه البيوت. هذا، وقد ذكروا لمكّة أسماء كثيرة: مكّة، وبكّة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، وأمّ القرى، والنّاءوس؛ لأنّها تطهّر من الذنوب، والمقدّسة، والحاطمة، والرأس، والبلدة، والبنيّة، والكعبة. هذا؛ وقيل: (بكّة) مشتقة من البك، وهو الازدحام، وسمّيت (بكة) لازدحام الناس في موضع طوافهم. وقيل: سميت بذلك؛ لأنّها كانت تدق رقاب الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم. والبكّ: دق العنق. قال عبد الله ابن الزّبير﵁-: لم يقصدها جبّار بسوء؛ إلا وقصمه الله، عزّ، وجل. وأمّا مكّة؛ فقيل: إنها سميت بذلك؛ لأنّها تمكّ المخّ من العظم ممّا ينال قاصدها من المشقة.\nواختلف العلماء في كون البيت أوّل بيت وضع الناس على قولين: أحدهما: أنّه أوّل في الوضع، والبناء. قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين. وهذا قول ابن عمر، ومجاهد، وقتادة، والسّدي. وعن عليّ بن الحسين بن عليّ -﵃-: أنّ الله تعالى وضع تحت العرش بيتا، وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به، ثمّ أمر الملائكة الذين في الأرض أن يبنوا بيتا في الأرض على مثاله، وقدره، فبنوا هذا البيت، واسمه الضراح، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. انظر شرح (البيت المعمور) في سورة (الطور). وروي: أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام، وكانوا يحجّونه، فلمّا حجّه آدم؛ قالت الملائكة: برّ حجّك يا آدم! لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. هذا؛ و(البيت) اسم غالب للكعبة، كالنّجم للثريّا.","vol":"2","page":175},{"text":"القول الثاني: أنّ المراد من الأوليّة كون هذا البيت أوّل بيت، وضع للنّاس مباركا. ويدلّ عليه سياق الآية. وسئل عليّ﵁-: أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، قد كان قبله بيوت كثيرة، ولكنّه أول بيت وضع للناس مباركا، وهدى، وفيه مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا.\nعن أبي ذرّ﵁قال: قلت: يا رسول الله! أيّ مسجد وضع أوّل؟ قال:\n «المسجد الحرام». قلت ثم: أيّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة». قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «حيث أدركتك الصّلاة فصلّ، فكلّها مسجد». رواه الإمام أحمد، وأخرجه الشيخان بنحوه، وعن ابن عمر﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام». متفق عليه.\nوعن أبي الدّرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصّلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصّلاة بمسجدي هذا بألف صلاة، والصّلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة». الطّبراني.\nهذا؛ و(الأول) هو الفرد السّابق المتقدّم على ما سواه. وقيل: هو اسم للشيء الذي يوجد ابتداء، سواء حصل عقبه شيء آخر، أو لم يحصل، وفيه مسائل: الأولى: أنّ أصله: أوأل بوزن أفعل، قلبت الثانية واوا، ثم أدغمت بما قبلها، فصار: أوّل، بدليل قولهم في الجمع:\nأوائل. وقيل: أصله: ووّل بوزن فوعل، قلبت الأولى همزة، وإنّما لم يجمع على وأوائل لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.\nالثانية: الصحيح: أنّ أوّل لا يستلزم ثانيا، وإنّما معناه: ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أوّل مال اكتسبته، وقد تكتسب بعده شيئا، وقد لا تكتسب. وقيل: إنّه يستلزم ثانيا، كما أنّ الآخر يقتضي أوّلا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا؛ فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره وقع الطّلاق على الأول، دون الثاني.\nالثالثة: ل (أول) استعمالان: أحدهما: أنه يكون صفة؛ أي: أفعل تفضيل بمعنى: الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل، من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو هذا أول هذين، ولقيته عاما أوّل. والثاني: أنه يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أوّلا، ومنه قولهم: ماله أوّل، ولا آخر.\nقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: في محفوظي: أنّ (أوّل) يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أولة، وآخرة بالتنوين. انتهى همع الهوامع شرح جمع الجوامع للسّيوطي، رحمه الله تعالى.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَوَّلَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿بَيْتٍ﴾ مضاف إليه.","vol":"2","page":176},{"text":"﴿وُضِعَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والفاعل يعود إلى بيت، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿بَيْتٍ﴾. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَلَّذِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (الّذي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿بِبَكَّةَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث. ﴿مُبارَكًا:﴾ حال من: (الّذي) أو من الضمير المستتر في متعلق الظرف. وقيل: من نائب فاعل ﴿وُضِعَ﴾ أفاده مكيّ، وهو ضعيف. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بهدى، أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-390\"></span>﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿فِيهِ:﴾ في البيت المذكور في الآية السابقة. ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ:﴾ دلائل واضحات على حرمته، ومزيد فضله، ومن تلك الآيات: ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ أي: الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، فأثّرت قدماه فيه، وغاصتا إلى القدمين، وبقي إلى الآن مع تطاول الزّمان، وتداول الأيدي عليه. ومنها: تضعيف الحسنات للأعمال الصّالحات، ومنها: انحراف الطّيور عن موازاتها، فلا تعلوه على مدى الأعصار، ومنها: أنّ كلّ جبّار قصده بسوء قصمه الله، كما فعل الله بأصحاب الفيل. ومنها: أنّ الوحوش لا تؤذي بعضها في الحرم؛ حتّى الكلاب لا تهيج الظّباء، ولا تصطادها. ومنها: أنّ الطير إذا مرض منه شيء استشفى بالكعبة، ومنها: تعجيل العقوبة لمن انتهك حرمة هذا البيت. ومنها: أنّ الغيث إذا كان ناحية الرّكن اليماني كان الخصب في اليمن، وإذا كان بناحية الشّام كان الخصب بالشّام، وإذا عمّ البيت كان الخصب في جميع البلدان، ومن الآيات التي فيه: الحجر الأسود، والملتزم، وزمزم، والحطيم، ومشاعر الحج؛ التي فيه؛ كلّها من الآيات. ومنها: أنّ الآمر ببناء هذا البيت هو الجليل، والمهندس له جبريل، والباني هو إبراهيم الخليل، والمساعد في بنائه هو إسماعيل. فهذه فضيلة عظيمة لهذا البيت، وخذ قول أبي طالب: [الطويل]\nوموطئ إبراهيم في الصّخر رطبة... على قدميه حافيا غير ناعل\nهذا؛ و﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ هو الحجر الّذي وقف عليه عند بناء الكعبة المعظّمة، كما رأيت، وأصله من الجنّة كالحجر الأسود. وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو﵄قال:","vol":"2","page":177},{"text":"سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الرّكن، والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنّة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما؛ لأضاءتا ما بين المشرق، والمغرب». أخرجه الترمذيّ. وقال: هذا يروى عن ابن عمر موقوفا.\nوأصل مقام: مقوم، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها. ثمّ قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.\n ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ على نفسه، وماله، ودمه من أن يهاج فيه، وكان العرب يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض، وكان من دخل الحرم؛ أمن من القتل، والغارة. وهو المراد من حكم الآية على قول أكثر المفسرين. قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٧]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ؟﴾ وقيل: هو خبر بمعنى الأمر: أي: ومن دخله فأمّنوه. وهو قول ابن عبّاس، ﵄، فيكون خاصّا بالمسجد الحرام، حتى ذهب أبو حنيفة﵀إلى أنّ من وجب عليه القتل قصاصا كان، أو حدّا، فالتجأ إلى الحرم؛ فإنه لا يستوفى منه القصاص، أو الحد فيه، لكنّه لا يطعم، ولا يبايع، ولا يشارى، ويكلّم، ويضيّق عليه؛ حتى يخرج منه، فيقام عليه الحدّ خارج المسجد. انتهى خازن، وقرطبي. وفنّد رأيه القرطبي.\nوقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: إذا وجب عليه القصاص خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم؛ استوفي منه في الحرم. وأجمعوا على: أنّه لو قتل في الحرم، أو سرق، أو زنى؛ فإنه يستوفى منه الحدّ عقوبة له. وقد أمر الرسول ﷺ بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. ولا تنس: أن إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قد دعا الله أن يجعل هذا البلد آمنا في سورة (البقرة): ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا﴾.\nوفي بيان هذا الأمن قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا يصاد صيده، ولا تلتقط لقطته إلاّ من عرّفها، ولا يختلى خلاه». فقال العبّاس﵁-: يا رسول الله! إلا الإذخر، فإنّه لقينهم، ولبيوتهم. فقال: «إلاّ الإذخر». أخرجه الشّيخان عن ابن عباس﵄-. والقين: الحداد. ويختلى خلاه: يقطع النبات؛ الّذي ينبت بنفسه، أمّا ما يزرعه الآدميّون؛ فلا يمنع من قطعه، وخلعه.\nتنبيه: -ذكر الله سبحانه آيتين من الآيات الكثيرة في الآية الكريمة، وطوى غيرهما، فلم يذكره؛ ليدلّ على تكاثر هذه الآيات. ونحوه في الطيّ قول الرسول ﷺ: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث، الطّيب، والنّساء، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» ف «قرة عيني» ليس من الثلاث، بل هو ابتداء كلام؛","vol":"2","page":178},{"text":"لأنّها ليست من الدّنيا، والثالث مطويّ، وكأنّه ﷺ ترك ذكر الثالث تنبيها على أنّه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئا من الدّنيا، فذكر شيئا من الدّين. ونحوه في طيّ الذكر قول جرير: [البسيط]\nكانت حنيفة أثلاثا فثلثهمو... من العبيد، وثلث من مواليها\nفلم يذكر الثّلث الثالث.\n ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ..﴾. إلخ أي: يجب على النّاس أن يحج البيت منهم المستطيع.\nوقد فسّر الرسول ﷺ الاستطاعة بوجود الزّاد، والرّاحلة. فقد روى الترمذيّ-رحمه الله تعالى-عن الحارث، عن عليّ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من ملك زادا، أو راحلة تبلّغه إلى بيت الله، ولم يحجّ؛ فلا عليه أن يموت يهوديّا، أو نصرانيّا». وذلك: أنّ الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وروي نحوه عن أبي أمامة، وعمر، ﵄.\nهذا؛ ويشترط لوجوب الحج أن يكون الطريق آمنا، فإن كان فيه خوف من عدوّ مسلم، أو كافر، أو رصديّ يطلب الخفارة؛ لا يلزمه، وكذا إن احتاج لدفع رشوة، كما في هذه الأيّام.\nوعن عبد الله بن جبير﵄عن عليّ﵁-: أنّ رسول الله ﷺ، قال في خطبته: «يا أيّها النّاس إنّ الله فرض الحجّ على من استطاع إليه سبيلا، ومن لم يفعل؛ فليمت على أيّ حال شاء، إن شاء يهوديّا، أو نصرانيّا، أو مجوسيّا، إلاّ أن يكون به عذر من مرض، أو سلطان جائر، لا نصيب له في شفاعتي، ولا ورود حوضي». وقد كان الحجّ عند العرب معلما عندهم؛ مع كونهم كانوا يعبدون الحجارة، والأوثان، وكان لهم في أيام الحجّ أسواق معلومة، ينتفعون فيها.\nوعن أبي هريرة﵁قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيّها النّاس! قد فرض الله عليكم الحجّ، فحجّوا». فقال رجل: كلّ عام يا رسول الله؟! فسكت؛ حتى قالها الرّجل ثلاثا، فقال ﷺ: «لو قلت: نعم؛ لوجبت، ولما استطعتم». ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عنه؛ فدعوه». متّفق عليه.\nبعد هذا في الاستطاعة وجهان: أن يكون مستطيعا ببدنه، واجدا من ماله ما يبلغه الحج.\nوالثاني: أن يكون معضوبا في بدنه، لا يثبت على مركبه، وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة، أو بغير أجرة بعد هذا: فالحج على التّراخي ما لم يضيق الوقت، وضيق الوقت هو: أن يناهز القادر على مئونة الحجّ الستّين من عمره؛ لأن النبيّ ﷺ قال: «أعمار أمّتي ما بين السّتّين إلى السّبعين، وقلّ من يتجاوزها». فكأنّه في هذا العشر قد يتضايق عليه الخطاب، وقال رسول الله ﷺ: «معترك أمتي من الستّين إلى السّبعين، وقلّ من يتجاوز ذلك».","vol":"2","page":179},{"text":"وإذا اعترض عليه الحجّ، والزّواج لنفسه، أو لولده؛ بمعنى: لا يقدر على تنفيذ الأمرين معا في عام واحد، فليقدّم الزواج لنفسه، أو لولده غضّا للبصر، وتحصينا للفرج، ولا اعتبار لمن يتحجّج بقوله: الحجاز قبل الزّواج.\nوخذ ما يلي: عن أنس﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رزقه الله امرأة صالحة؛ فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشّطر الباقي». رواه الطبرانيّ، والحاكم. وفي رواية للبيهقي؛ قال رسول الله ﷺ: «إذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدّين، فليتّق الله في النّصف الباقي».\nوالعبد يشمل الذّكر، والأنثى، والزّوجة، والزّوج أصبح كلّ منهما لصاحبه-في هذا الزمن الفاسد أهله-الدين كلّه، كيف لا؟! وربّنا يقول: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾.\n ﴿وَمَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ. قال ابن عباس﵄-: أي: ومن جحد فريضة الحجّ؛ فقد كفر، والله غنيّ عنه، ويدخل في ذلك اليهود، وغيرهم من الملل الضالّة؛ الّتي تدّعي الإسلام، ولا تؤدي فريضة الحجّ، ولقد وضعت الجملة موضع: «ومن لم يحج» تأكيدا لوجوبه، وتشديدا على تاركه، وتغليظا عليه. وخذ ما يلي:\nعن ابن عباس﵄-، قال: كان الفضل بن عباس رديف النّبيّ ﷺ، فجاءته امرأة خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشّقّ الآخر، قالت: يا رسول الله! إنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحجّ عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع.\nأخرجاه في الصّحيحين.\nفقه هذا الحديث: إن كان المتوفّى قبل أن يحجّ قادرا على الحج ماديّا؛ فيجب على ورثته أن يخرجوا حجّته من رأس ماله وجوبا، وإن كان فقيرا، فإن فعل الوارث ذلك؛ فهو من باب التبرّع، وله أجره إن شاء الله تعالى. وخذا ما يلي في التّرغيب في الحجّ.\nعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة». متّفق عليه. وعن ابن مسعود﵁-:\nأن رسول الله ﷺ قال: «تابعوا بين الحجّ، والعمرة، فإنّهما ينفيان الذّنوب، والفقر، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضّة. وليس لحجة مبرورة ثواب إلاّ الجنّة. وما من مؤمن يظلّ يومه محرما إلاّ غابت الشّمس بذنوبه». أخرجه الترمذيّ. وله عن سهل بن سعد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يلبّي إلاّ لبّى ما عن يمينه، وشماله من حجر، أو شجر، أو مدر، حتّى تنقطع الأرض من هاهنا، وهاهنا». وعن النبي ﷺ قوله: «من مات في أحد الحرمين؛ بعث يوم القيامة آمنا». وعنه ﷺ: «الحجون، والبقيع يؤخذ بأطرافهما، وينثران في الجنّة». وهما مقبرتا مكّة، والمدينة. وعن ابن مسعود﵁قال: وقف رسول الله","vol":"2","page":180},{"text":"ﷺ على ثنيّة الحجون، وليس فيها يومئذ مقبرة، فقال: «يبعث الله يوم القيامة من هذه البقعة، ومن هذا الحرم كلّه سبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر، يدخلون الجنّة بغير حساب، يشفع كلّ واحد منهم في سبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر». انتهى كشاف.\nالإعراب: ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿آياتٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر.\n ﴿بَيِّناتٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مفسّرة للهدى، والبركة، أو هي في محل نصب حال أخرى، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مُبارَكًا﴾ وهو العامل فيها، كما جوز فيها الاستئناف. ﴿مَقامُ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف؛ إذ التقدير: منها مقام. قاله الأخفش، وقال المبرد: بدل من ﴿آياتٌ﴾ بدل بعض من كل. وقيل: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي مقام، وتبقى الجملة فيها معنى التفسير ل ﴿آياتٌ﴾. وقول الأخفش معروف في كلام العرب، كما قال زهير: [البسيط]\nلها متاع وأعوان غدرن به... قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا\nوأجاز الزمخشري اعتبار: ﴿مَقامُ﴾ عطف بيان من ﴿آياتٌ﴾. ولا وجه له.\nو﴿مَقامُ﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿دَخَلَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، واسمه يعود إلى (من). ﴿آمِنًا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، وجملة:\n ﴿دَخَلَهُ:﴾ صلته، وجملة: ﴿كانَ آمِنًا:﴾ خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة من حيث اللفظ، ومعطوفة على سابقتها من حيث المعنى؛ إذ التقدير: ومنها أمن من دخله.\nوأغرب مكيّ-رحمه الله تعالى-حيث قال: (من) معطوفة على: ﴿مَقامُ﴾ على وجوهه.\n ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِلّهِ﴾): جار ومجرور متعلقان بخبر مقدّم، التقدير: واجب لله على الناس؛ أي: متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿حِجُّ:﴾ مبتدأ مؤخّر، وهو مضاف، و﴿الْبَيْتِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعل المصدر مستتر فيه، وتقدير الكلام: وواجب لله على الناس أن يحجوا البيت. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من فاعل المصدر، أو في محل جر بدل من الناس، وقال الكسائيّ: في محل رفع فاعل بالمصدر، فيفسد المعنى عليه؛ إذ يصير المعنى: واجب لله على الناس أن يحج البيت كلّ من استطاع، سواء أكان","vol":"2","page":181},{"text":"حاجّا، أم لم يحجّ؟ وهذا غير مراد، كما رأيت في الشرح. ﴿اِسْتَطاعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ والجملة الفعلية صلتها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. وأجيز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به. انتهى.\nوقال الكسائي: ﴿مَنْ:﴾ شرط في موضع رفع بالابتداء، و﴿اِسْتَطاعَ﴾ فعل شرطه، والجواب محذوف، التقدير: فعليه الحج. وهو تكلّف لا داعي له. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ: إعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وعلى اعتبار: ﴿مَنْ﴾ موصولة فالجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر الموصول، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، هذا؛ وعلى اعتبار ﴿مَنْ﴾ شرطية أجيز اعتبار الجواب محذوفا قياسا على قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [٢٣]: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ وعليه؛ فالجملة: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها بخلافها في سورة (لقمان) فإنّها في محل جزم جواب الشرط.\n\n<span id=\"aya-391\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾\nالشرح: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، وفي هذه الآية من التعنيف، والتوبيخ للكفرة من اليهود، وغيرهم ما لا يخفى، وذلك لعنادهم للحقّ، وكفرهم بآيات الله، وصدّهم الناس عن دين الله؛ مع علمهم بأنّ ما جاء به الرسول ﷺ حقّ من الله، وقد توعّدهم الله على ذلك، وأخبر بأنّه مطلع على صنيعهم بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومعاملتهم الرّسول المبشّر به بالتكذيب، والجحود، والعناد.\nوالمراد ب (آيات الله) السّمعية، والعقلية الدّالة على صدق محمد ﷺ فيما يدّعيه من وجوب الحج، وغيره. وتخصيص أهل الكتاب بالنّداء، دليل على أنّ كفرهم أقبح؛ لأن معرفتهم بالآيات أقوى، وأنّهم وإن زعموا: أنّهم مؤمنون بالتوراة، والإنجيل؛ فهم كافرون بهما لعدم عملهم بتعاليمهما.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: أنت. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب:\nأدعو. (﴿أَهْلَ﴾): منادى، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون على الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار في محل جرّ باللام. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾\nمتعلقان به، و(آيات): مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملتان: الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.","vol":"2","page":182},{"text":"﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله شهيدا): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. أو من: لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتفخيم، والتعظيم. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿شَهِيدٌ﴾ و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nشهيد على الذي، أو: شيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى﴾ التقدير: شهيد على عملكم. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله.\n\n<span id=\"aya-392\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: تصرفون، وتمنعون الناس عن دين الإسلام من آمن بالله ورسوله. والفعل بضمّ الصّاد. وقرأ الحسن: («تصدّون») بضم التاء، وكسر الصاد. وهما لغتان: صدّ، وأصد، مثل: صد اللحم، وأصد: إذا أنتن، وضمّ، وأضم أيضا: إذا تغيّر، وهو من صدّ صدودا: إذا تنكّب. وليس فصيحا؛ لأن في «صدّ» مندوحة عن تكلّف التعدية بالهمزة. هذا؛ ويأتي الفعل بمعنى: يعرضون، ويميلون، كما في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. ويأتي بمعنى: يضجّون فرحا، ولكنه بكسر الصاد، كما في قوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿*وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ومصدر الأولين صدّ، وصدود، ومصدر الأخير: صديد. والصّدد: القرب، يقال: داري صدد داره، أي: قبالتها، وقربها.\nوالصّدد: القصد، تقول: رجعنا إلى ما نحن بصدده؛ أي: بقصده. وهو أيضا: الميل، والناحية.\n ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا:﴾ تطلبون لها اعوجاجا، وميلا عن القصد، والاستقامة، وذلك بمنعكم الناس عن الدّخول في الإسلام، وأنّث الضمير على اعتبار (السبيل) مؤنثة. والعوج بكسر العين وفتحها، وقد فرّق العرب بينهما، فخصّوا المكسور في المعاني، والمفتوح في الأعيان. تقول في دينه، وقوله، وعمله: عوج. وتقول في الجدار، وكلّ شيء قائم: عوج (بالفتح) ومعنى قوله تعالى في سورة (طه): ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا معدل لهم عن دعائه، فلا يزيغون، ولا ينحرفون. وعاج بالمكان، وعوّج: أقام، ووقف. والعائج: الواقف. قال الفرزدق من قصيدة مدح بها هشام بن عبد الملك: [الوافر]\nألستم عائجين بنا لعنّا... نرى العرصات أو أثر الخيام","vol":"2","page":183},{"text":"«لعنّا» لغة في لعلّ. والرّجل الأعوج: السّيّئ الخلق، وفاسد العمل. والعوج من الخيل هي الكريمة، التي في أرجلها تحنيب، ويقال: فرس محنّب: إذا كان بعيد ما بين الرجلين بغير فج.\nوالخيل الأعوجيّة تنسب إلى فرس كان في الجاهلية.\n ﴿وَأَنْتُمْ شُهَداءُ﴾ جمع: شاهد، أو شهيد بمعنى حاضر، وعالم، فيكون المعنى: وأنتم عالمون: أنّ في التوراة مكتوبا: أنّ دين الله؛ الّذي لا يقبل غيره هو الإسلام؛ الذي جاء به محمد ﷺ.\n ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تكرّر ورود هذه الجملة في مواطن من القرآن. قال أبو حيّان-رحمه الله تعالى-: ولا تأتي هذه الجملة إلا عقب ارتكاب معصية، فتجيء متضمنة وعيدا، ومعلمة: أن الله لا يترك أمر الفاسدين سدى. انتهى. وبالجملة فيها تهديد، ووعيد شديدان، والمعنى: أن الله عالم، ومحيط بأعمالهم صغيرها، وكبيرها، ويجزيهم بها. علما بأنّ اليهود، والنصارى جمعوا بين الوصفين: الضلال، والإضلال. كما أشارت الآيتان الكريمتان، فقد كفروا بالإسلام، ثم صدّوا الناس عن الدخول فيه بإلقاء الشّبه، والشّكوك في قلوب الضّعفة من أتباعهم.\nالإعراب: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿تَصُدُّونَ﴾. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلتها. ﴿تَبْغُونَها:﴾ فعل مضارع، وفاعل، ومفعوله الأول، والضمير كان مجرورا بحرف الجر، فلمّا حذف الجار؛ اتصل بالفعل، وانتصب به على حدّ قوله في سورة (المطففين): ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ ومثل ذلك قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٠١] من كتابنا فتح رب البريّة، والشّاهد رقم [٧٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر\n ﴿عِوَجًا:﴾ مفعول به ثان على التوسّع. وقيل: إنّ الضمير مفعول به صراحة، و﴿عِوَجًا﴾ حال من الضمير بمعنى معوجّة، ولا بأس به، وجملة: ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ لاشتمالها على ضميرين راجعين إليهما، والجملة الاسمية:\n ﴿وَأَنْتُمْ شُهَداءُ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمَا:﴾\nالواو: واو الحال. (ما): حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء:\nحرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (غافل) و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط","vol":"2","page":184},{"text":"محذوف، التقدير: بغافل عن الّذي، أو: عن شيء تعملونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب (عن) التقدير: وما الله بغافل عن عملكم. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، فتكون الحال قد تعدّدت، وهي جملة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-393\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠)﴾\nالشرح: سبب نزول الآية الكريمة، والتي بعدها ما ذكر: أنّه مرّ «شاس بن قيس اليهودي» -لعنه الله تعالى! -على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدّثون، فغاظه تحدّثهم، وتآلفهم، فأمر شابّا من اليهود أن يذكّرهم «يوم بعاث» لعلّهم يغضبون-وكان يوما اقتتلت فيه الأوس، والخزرج قبل الإسلام، وكان الظّفر فيه للأوس-ففعل، فتنازع القوم عند ذلك، وقالوا: السلاح السلاح، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، والأنصار، فقال: «أدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وألّف بين قلوبكم؟!». فعرف القوم: أنها نزعة من الشّيطان، وكيد من عدّوهم، فألقوا السّلاح. وبكوا، وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع الرّسول ﷺ سامعين مطيعين، ونزلت الآيتان. قال جابر بن عبد الله﵁-: ما رأيت يوما أقبح أوّل، وأحسن آخرا من ذلك اليوم! هذا؛ وإنما خاطبهم الله ﷿ بنفسه بعد أن أمر رسوله بأن يخاطب أهل الكتاب إظهارا لجلالة قدرهم، وإشعارا بأنّهم هم الأحقّاء بأن يخاطبهم الله، ويكلمهم. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم.\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنيّة على الضمّ في محل نصب ب (يا) و(ها): حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من: (أي). وانظر الآية رقم [١] من سورة (النساء). ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، والمتعلق محذوف. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُطِيعُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَرِيقًا:﴾ مفعول به.\n ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقًا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَرُدُّوكُمْ:﴾ جواب الشرط مجزوم مثل سابقه، وعلامة","vol":"2","page":185},{"text":"جزمه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعوله الأول. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، ويجوز تعليقه ب ﴿كافِرِينَ﴾. و﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و﴿إِيمانِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كافِرِينَ﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من الكاف؛ إن اكتفى: (يردّ) بمفعول واحد، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكّر سالم... إلخ، وجملة:\n ﴿يَرُدُّوكُمْ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية: ﴿إِنْ تُطِيعُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها كالجملة الندائية قبلها.\n\n<span id=\"aya-394\"></span>﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ:﴾ الخطاب للأوس، والخزرج، والاستفهام للإنكار، والتعجّب لكفرهم بنعم الله في وقت اجتمعت لهم الأسباب الدّاعية إلى الإيمان الصارفة عن الكفر، والتعجّب إنّما يليق بمن لا يعلم السّبب، وذلك على الله محال، فالمراد منه: المنع، والتغليظ، وذلك؛ لأنّ تلاوة آيات الله-وهي القرآن-حالا بعد حال، وكون رسول الله ﷺ فيكم يرشدكم إلى مصالحكم، وذلك يمنع من وقوع الكفر، فكان وقوع الكفر منهم بعيدا على هذا الوجه.\nقال قتادة-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية علمان بينان: كتاب الله تعالى، ونبي الله ﷺ، أما نبي الله؛ فقد مضى، وأما كتاب الله تعالى؛ فقد أبقاه الله بين أظهركم رحمة منه، ونعمة، فيه حلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته. وخذ ما يلي:\nعن زيد بن أرقم﵁قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بما يدعى: خمّا بين مكّة، والمدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ، وذكّر، ثمّ قال: «أمّا بعد ألا أيّها النّاس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي، فأجيب، وتارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى، والنّور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي! أذكّركم الله في أهل بيتي! أذكّركم الله في أهل بيتي!». أخرجه مسلم. وعن ابن عباس: -﵁-: أنّ رسول الله ﷺ خطب الناس في حجّة الوداع، فقال: «إنّ الشّيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك ممّا تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا. إنّي تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدا، كتاب الله، وسنّة نبيّه». رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.\n ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ أي: يمتنع بالله، ويستمسك بدينه، وطاعته. يقال: أعصم به، واعتصم، وتمسّك به، واستمسك: إذا امتنع به من غيره، وكلّ متمسّك بشيء معصم، ومعتصم، وكل مانع شيئا؛ فهو عاصم. قال الفرزدق: [الوافر]\nأنا ابن العاصمين بني تميم... إذا ما أعظم الحدثان نابا","vol":"2","page":186},{"text":"وقال النّابغة الذبياني في معلّقته رقم [٤٦] [البسيط]\nيظلّ من خوفه الملاّح معتصما... بالخيزرانة بعد الأين والنّجد\nوقال أوس بن حجر: [الطويل]\nفأشرط فيها نفسه، وهو معصم... وألقى بأسباب له وتوكّلا\nوعصمه الطعام: منعه من الجوع. قال أحمد بن يحيى: العرب تسمّي الخبز: عاصما، وجابرا، وأنشد: [الرجز]\nفلا تلوميني ولومي جابرا... فجابر كلّفني الهواجرا\nويسمّونه: عامرا. ويسمّون: الجوع: أبا مالك، قال الشاعر: [الطويل]\nأبو مالك يعتادني بالظّهائر... يجيء فيلقي رحله عند عامر\n ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إلى طريق واضح، وهو طريق الحقّ المؤدّي إلى الجنّة، ومن يجعل ربه ملجأ، ومفزعا، ومستغاثا؛ يسدّد خطاه على طريق الحقّ، والصواب، ويلهمه رشده في جميع أموره، وحركاته، وسكناته، والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿كَيْفَ﴾): اسم استفهام، وإنكار، وتعجب، مبني على الفتح في محل نصب حال من واو الجماعة، والعامل في الحال الفعل بعده. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الشرطية قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتُ:﴾ نائب فاعل: ﴿تُتْلى،﴾ و﴿آياتُ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلى..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. (﴿فِيكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿رَسُولُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل نصب حال مثلها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْتَصِمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به.\n ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال.\n ﴿هُدِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿إِلى صِراطٍ﴾ متعلقان به.\n ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة صراط، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي","vol":"2","page":187},{"text":"يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحل محلّ المفرد. هذا وإن اعتبرت الجواب محذوفا، تقديره: فهو آمن، أو: فلا يحزن؛ فالجملة الفعلية تكون تعليلا للجواب المحذوف، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما قد ذكرته لك مرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ:﴾ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-395\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄في معنى هذه الآية: هو أن يطاع، فلا يعصى، ويشكر، فلا يكفر، ويذكر، فلا ينسى. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: هو أن تجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، وتقوموا بالقسط؛ ولو على أنفسكم، وآبائكم، وأبنائكم. وعن أنس﵁قال: لا يتّقي الله عبد حقّ تقاته حتى يخزن لسانه.\nواختلف العلماء في هذا القدر من هذه الآية، هل هو منسوخ، أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه منسوخ، وذلك: أنّه لمّا نزلت هذه الآية؛ شقّ ذلك على الصحابة الكرام، وقالوا: يا رسول الله! ومن يقوى على هذا؟! فأنزل الله النّاسخ، وهو قوله تعالى في سورة (التّغابن): ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن زيد، والسّدّي. والقول الثاني: أنها محكمة غير منسوخة. وهو رواية عن ابن عباس أيضا، وبه قال طاوس.\nوموجب هذا الاختلاف يرجع إلى معنى الآية، فمن قال: إنّها منسوخة، قال: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ:﴾ هو أن يأتي العبد بكل ما يجب عليه، ويستحقّه. فهذا يعجز العبد عن الوفاء به، فتحصيله ممتنع. ومن قال: إنّها محكمة؛ قال: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ:﴾ أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته، فكان قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسرا لحقّ تقاته، لا ناسخا، ولا مخصّصا، فمن اتقى الله ما استطاع؛ فقد اتّقاه حقّ تقواه. وقيل: معنى ﴿حَقَّ تُقاتِهِ:﴾ كما يجب أن يتقى، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه. وقيل في معنى قول ابن عباس: هو أن يطاع فلا يعصى: صحيح، والذي يصدر من العبد على سبيل الخطأ، والسهو، والنسيان غير قادح فيه؛ لأنّ التكليف في تلك الحالات مرفوع عنه، وكذلك قوله: وأن يشكر فلا يكفر؛ فواجب على العبد حضور ما أنعم الله به عليه بالبال، وأمّا عند السّهو، والخطأ؛ فلا يجب عليه. وكذلك قوله: وأن يذكر فلا ينسى، فإنّ هذا إنّما يجب عند الدّعاء، والعبادة، لا عند السّهو، والنسيان. انتهى خازن.\n ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: الزموا الإسلام، ودوموا عليه، ولا تفارقوه؛ حتّى تموتوا.\nفالنهي في اللّفظ عن الموت على غير الإسلام، وهو في المعنى على غير ذلك؛ إذ المعنى: لا تفارقوا الإسلام؛ حتى تموتوا، كما في قولك: لا تصلّ؛ إلا وأنت خاشع. والمعنى صلّ الصلاة مقترنة بالخشوع. وقيل: المعنى: لا تموتن إلا وأنتم مخلصون، مفوضون إلى الله أموركم، تحسنون الظنّ بالله، ﷿.","vol":"2","page":188},{"text":"عن ابن عباس﵄-: أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية، ثمّ قال: «لو أنّ قطرة من الزّقوم، قطرت في الدّنيا؛ لأفسدت على أهل الدّنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!» رواه الترمذي، والنسائي وابن ماجة. وانظر إعلال: ﴿تُقاتِهِ﴾ في الآية رقم [٢٨] مع اختلاف المعنى هنا، وهناك.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠]. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مبتدأة كالجملة الندائية قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿حَقَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، وهو مضاف، و﴿تُقاتِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَمُوتُنَّ:﴾\nفعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محلّ له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من واو الجماعة مستثنى من عموم الأحوال، والرابط: الواو، والضمير. وهذه الجملة مذكورة بحروفها في سورة (البقرة) [١٣٢].\n\n<span id=\"aya-396\"></span>﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا:﴾ الحبل: لفظ مشترك بين معان كثيرة، وأصله في اللغة: السبب الذي يتوصّل به إلى البغية، والحاجة، وهو: حبل العاتق بين العنق، والمنكب.\nوالحبل: المستطيل من الرّمل، ومنه الحديث: والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه؛ فهل لي من حجّ، والحبل: رسن الدّابة، والحبل: العهد، قال الأعشى: [الكامل]\nوإذا تجوّزها حبال قبيلة... أخذت من الأخرى إليك حبالها\nيريد الأمان، والحبل: الدّاهية، قال كثيّر عزّة: [الطويل]\nفلا تعجلي يا عزّ أن تتفهّمي... بنصح أتى الواشون أم بحبول\nوقال ابن مسعود﵁-: حبل الله: القرآن، وعن عليّ﵁مرفوعا:\nالقرآن حبل الله المتين، وصراطه المستقيم. وروى ابن مردويه عن ابن مسعود﵁-","vol":"2","page":189},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النّور المبين، وهو الشّفاء النّافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتّبعه». وروي عن ابن مسعود أيضا قال: حبل الله الجماعة. والمعنى متقارب متداخل في كلّ ما ذكر، فإنّ الله تعالى يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، فإنّ الفرقة هلكة، والجماعة نجاة. ورحم الله ابن المبارك؛ حيث قال: [البسيط]\nإنّ الجماعة حبل الله فاعتصموا... منه بعروته الوثقى لمن دانا\nوعلى كلّ ففيه استعارة، حيث شبّه القرآن بالحبل، واستعير المشبّه به-وهو الحبل-للمشبّه -وهو القرآن-على سبيل الاستعارة التّصريحية، والجامع بينهما النّجاة في كلّ.\n ﴿وَلا تَفَرَّقُوا:﴾ ولا تختلفوا في الدّين، كما اختلف من قبلكم من اليهود، والنّصارى. فعن معاوية؛ قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا، فقال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النّار وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة». رواه أحمد، وأبو داود برقم [٤٥٩٧]. وزاد في رواية: «وإنّه سيخرج من أمّتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق، ولا مفصل إلاّ دخله». هذا؛ وفي رواية عن ابن عمر﵄عن النبي ﷺ: «وإنّ بني إسرائيل تفرّقت اثنتين وسبعين ملّة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين ملّة، كلّهم في النّار إلاّ ملّة واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: «ما أنا عليه، وأصحابي».\nبعد هذا: أصول الفرق ستّ: الحروريّة، والقدريّة، والجهميّة، والمرجئة، والرافضة والجبريّة.\nهذه أصول الفرق الضّالّة، وقد انقسمت كلّ فرقة إلى اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين فرقة.\nانتهى قرطبي. وقد فصّل-رحمه الله تعالى-هذه الفرق تفصيلا واسعا، وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرّقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم. ويكره لكم ثلاثا: قيل، وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال». أخرجه مسلم.\nفأوجب الله علينا التمسّك بكتابه، وسنّة نبيه، والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع، والمحبّة، والتآلف، وعدم المنازعات في الأشياء الباطلة، التي لا تمتّ إلى الدّين بصلة، وليس فيه دليل على الاختلاف في فروع الشّريعة، فإن ذلك ليس اختلافا؛ إذ الاختلاف ما يتعذّر من الائتلاف، والجمع. وأما حكم مسائل الاجتهاد، فإنّ الاختلاف فيها بسبب بيان الأحكام، واستخراج معاني العبادة، فليس اختلافا، وما زالت الصحابة والتابعون لهم بإحسان يختلفون في أحكام الحوادث: وهم مع ذلك متآلفون متحابّون. قال رسول الله ﷺ: «اختلاف أمّتي رحمة». انتهى قرطبي بتصرف.","vol":"2","page":190},{"text":"﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ: أمر تعالى بتذكر نعمه، وأعظمها الإسلام، واتّباع محمد ﷺ، فإنّ به زالت العداوة، والفرقة، وحلّت محلّها المحبّة، والألفة. والمخاطب بذلك الأنصار من الأوس، والخزرج، كما تقدّم. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم: [٦٢ و٦٣] ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ..﴾. إلخ، وقد امتنّ عليهم، وذكّرهم رسول الله ﷺ بذلك يوم قسم غنائم حنين، وعتب عليه من عتب منهم، بما فضّل عليهم في القسمة بما أراده الله، فخطبهم، فقال: «يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلاّلا، فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرّقين، فألّفكم الله بي؟ وكنتم عالة، فأغناكم الله بي؟» فكلما قال شيئا؛ قالوا: الله ورسوله أمنّ. و(أصبحتم) بمعنى: صرتم، فليس على بابه من التوقيت في الصّباح.\nهذا؛ و﴿أَعْداءً﴾ أصله: أعدوا؛ لأنّ مفرده: عدو، ويجمع أيضا على أعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر اسم الجمع، وسمي العدوّ عدوّا لعدوه عليك عند أوّل فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك. كما سمّي الصديق صديقا لصدقه فيما يدّعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبّة.\nوعدو: ضدّ الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور. وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ رقم [٦] من سورة (فاطر) فقد عبّر به عن مفرد، وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ رقم [٧٧] من سورة (الشعراء) فقد عبّر به عن جمع، ومثله: صديق؛ أي: في إتيانه بلفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال الشاعر-وهو الشّاهد رقم [٣٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nفلو أنك في يوم الرّخاء سألتني... طلاقك لم أبخل وأنت صديق\nوقال آخر: [الرجز]\nهنّ صديق للّذي لم يشب\n ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ..﴾. إلخ: على طرف حفرة، وشفا كل شيء: طرفه، وحرفه، وكذلك شفيره، مثل: شفا البئر، ومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٩]: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾. وقال الراجز: [الرجز]\nنحن حفرنا للحجيج سجله... نابتة فوق شفاها بقله\nوأشفى على الشيء: أشرف عليه، ومنه: أشفى المريض على الموت، وما بقي منه إلا شفا؛ أي: قليل: قال ابن السّكيت-رحمه الله تعالى-: يقال للرجل عند موته، وللقمر عند امّحاقه، وللشّمس عند غروبها: ما بقي منه إلا شفا؛ أي قليل. قال العجاج: [الرجز]","vol":"2","page":191},{"text":"ومربا عال لمن تشرّفا... أشرفته بلا شفى أو بشفى\nقوله: بلا شفى: أي: غابت الشمس، أو بشفى، أي بقيت منها بقيّة. هذا؛ فقد شبّه الله حالهم التي كانوا عليها في الجاهلية بحال من كان مشرفا على حفرة عميقة، وهوّة سحيقة. ففيه استعارة تمثيلية.\nوأصله: شفو فقل في إعلاله: تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وقيل: أصله:\nشفي. والمعتمد الأول. ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها:﴾ يحتمل عود الضمير إلى الحفرة، أو إلى النار، أو للشفا، وإنّما أنّث للإضافة للمفردة، فاكتسب التأنيث منها على حدّ قول الأعشى-وهو الشاهد رقم [٩٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nوتشرق بالقول الّذي قد أذعته... كما شرقت صدر القناة من الدّم\n ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ..﴾. إلخ أي: كما بيّن الله لكم: أنّه ألف بين قلوبكم، وصرتم إخوانا متآلفين متحابين، كذلك يبيّن سائر أحكام دينه على لسان عبده، ورسوله محمد ﷺ. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى طريق الحقّ والصّواب، والترجي في هذه الآية، وأمثالها، إنّما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يقع منه ترجّ لعباده، وأعمالهم. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا!.\nالإعراب: ﴿وَاعْتَصِمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية، والتي بعدها معطوفة على ما قبلها. ﴿بِحَبْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(حبل) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من واو الجماعة. (﴿لا تَفَرَّقُوا﴾): فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n (﴿اُذْكُرُوا﴾): أمر، وفاعله... إلخ. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نِعْمَتَ﴾. ﴿إِذْ:﴾ ظرف زمان بمعنى وقت مبني على السكون في محل نصب متعلّق ب ﴿نِعْمَتَ﴾ أيضا، أو بالفعل اذكروا.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السّكون، والتاء اسمه. ﴿أَعْداءً:﴾ خبره. ﴿فَأَلَّفَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿قُلُوبِكُمْ:﴾\nمضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة.\n (أصبحتم): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِنِعْمَتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (أصبح) أي: متلبسين، أو مشمولين بنعمته. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِخْوانًا:﴾ خبر ثان ل (أصبح) أو هو حال من تاء الفاعل، أو من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو هو خبر واحد ل (أصبح)، وعليه يكون: ﴿بِنِعْمَتِهِ:﴾ متعلقين بمحذوف حال من تاء الفاعل، أو بمحذوف حال من: ﴿إِخْوانًا:﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، ومثله قول الأخطل التّغلبي-وهو الشاهد رقم [١٣٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]","vol":"2","page":192},{"text":"كانت منازل ألاّف عهدتهم... إذ نحن إذ ذاك دون النّاس إخوانا\nهذا؛ وإن اعتبرت الفعل تاما؛ فالإعراب لا يتغيّر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء اسمه. ﴿عَلى شَفا﴾ متعلقان بمحذوف خبره، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، و﴿شَفا﴾ مضاف، و﴿حُفْرَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حُفْرَةٍ﴾.\n (أنقذكم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل، فهي في محل جرّ أيضا.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محلّ جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يبين الله لكم أحكام دينه تبيينا مثل تبيينه لكم: أنه ألف بين قلوبكم... إلخ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع، ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَهْتَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الخطاب، والرابط الضمير فقط، وبعضهم يعتبرها للتّعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-397\"></span>﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾\nالشرح: لمّا حذر الله من مكايد أهل الكتاب، وأمر بالاعتصام بحبل الله المتين، والتمسّك بشرعه القويم؛ دعا المؤمنين إلى القيام بواجب الدّعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأمر بالائتلاف، وعدم الاختلاف، ثمّ ذكر ما حلّ باليهود من الذلّ، والصّغار بسبب البغي، والعدوان.\n ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ..﴾. إلخ: اللام لام الأمر، و(من) للتبيين، وذلك؛ لأنّ الله﷿- أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على كلّ الأمة في قوله تعالى في الآية رقم [١١٠] الآتية، فيجب على كل مكلف الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، كما في قول النبيّ المعظّم ﷺ: «من رأى منكم منكرا؛ فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». رواه مسلم، وغيره عن أبي سعيد الخدري، ﵁.\nفعلى هذا يكون معنى الآية: كونوا دعاة إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر. ومن قال بهذا القول يقول: إنّ الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض؛ سقط","vol":"2","page":193},{"text":"الإثم عن الباقين. وقيل: إنّ معنى (من) للتبعيض، وذلك؛ لأنّ في الأمّة من لا يقدر على الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر لعجز، أو ضعف. وقيل: إنّ ذلك يختصّ بالعلماء، وولاة الأمور، فعلى هذا يكون المعنى: ليكن بعضكم آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وخذ ما يلي:\nفعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ، قال: «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان، أو أمير جائر». رواه أبو داود، والترمذيّ. وعن جابر﵁عن النبيّ ﷺ قال:\n «سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره، ونهاه، فقتله». أخرجه الترمذيّ، والحاكم. وعن جرير بن عبد الله﵁-، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيّروا عليه، فلا يغيروا؛ إلاّ أصابهم الله منه بعقاب من قبل أن يموتوا». رواه أبو داود، وابن ماجة. وعن ابن عباس﵃عن النبي ﷺ قال: «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقّر كبيرنا، ويأمر بالمعروف، وينه عن المنكر». رواه أحمد، والترمذيّ، وابن حبّان، والأحاديث في ذلك كثيرة.\nبعد هذا: ولكن يجب على من يأمر، وينهى أن يكون مؤتمرا منتهيا بنفسه، وإلا كان أمره، ونهيه وبالا عليه. وخذا ما يلي: عن أسامة بن زيد﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالرّجل يوم القيامة، فيلقى في النّار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرّحى، فيجتمع إليه أهل النّار، فيقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف، ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه». رواه البخاري، ومسلم. وعن أبي برزة﵁قال قال رسول الله ﷺ: «مثل الّذي يعلّم النّاس الخير، وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للنّاس، وتحرق نفسها». والأحاديث في ذلك كثيرة، ورحم الله أبا الأسود الدؤلي؛ إذ يقول-وهو الشاهد رقم [٦٧٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [١٤٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل]\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم\nويروى من قول سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ: «كيف بكم إذا طغى نساؤكم، وفجر شبابكم، وتركتم جهادكم؟!». قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟! قال: «نعم والّذي نفسي بيده، وأشدّ منه سيكون! كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر؟!» قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟! قال: «نعم والّذي نفسي بيده، وأشدّ منه سيكون! كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟!». قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟! قال: «نعم والّذي نفسي بيده، وأشدّ منه سيكون! كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف؟!» قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟! قال: «والذي نفسي بيده، وأشدّ منه سيكون! يقول الحقّ ﷿: بي حلفت لأفتننّهم فتنة تدع الحليم حيران». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] والآية رقم [٧٨] من سورة (المائدة).","vol":"2","page":194},{"text":"بعد هذا انظر شرح الخير في الآية رقم [٢٧١] من سورة (البقرة). و﴿أُمَّةٌ﴾. المراد بها هنا:\nجماعة، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حق إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا..﴾. إلخ، وقال الرسول ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده»؛ لأنه لم يشرك في دينه غيره. والأمّة:\nالطريقة، والملّة، والدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ:﴾\nومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. وكلّ جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾. ويستدل بهذه الآية من يقول بتناسخ الأرواح. والأمّة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت وحين، والأمة: الشجّة التي تبلغ الدّماغ. يقال: رجل مأموم. والأمة: أيضا القامة، يقال:\nفلان حسن الأمة؛ أي: حسن القامة. قال الشاعر: [المتقارب]\nوإنّ معاوية الأكرمي... ن حسان الوجوه طوال الأمم\nهذا؛ والمعروف: ما استحسنه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة. والمنكر: ما استقبحه الشرع، والعقل، والفطرة السّليمة. (أولئك): الإشارة إلى الذين يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وهو جمع: «ذلك» وقد يجمع على: ألالك، وأنشد ابن السكيت: [الطويل]\nألالك قومي لم يكونوا أشابة... وهل يعظ الضّلّيل إلاّ ألالكا؟\nوأولئك: لجماعة العقلاء، وربما جاء لغير العقلاء، ومنه قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٦]: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ وقال جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق-وهو الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل]\nذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى... والعيش بعد أولئك الأقوام\n ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون برضا الله، الناجون من غضبه، وعقابه، فهو جمع اسم فاعل من أفلح الرجل: فاز ببغيته، ومراده، وأصله: مؤفلح، فاستثقلت الفتحة على الهمزة فحذفت، فصار: موفلح، ثم حذفت الواو لالتقائها ساكنة مع الفاء الساكنة، فصار: مفلح. هذا؛ والفلح، والفلاح مشتقان في اللغة من الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرضين، أي: شقها للحرث، ولذلك سمي الزّراع فلاّحا، ويقال للذي شقت شفته السفلى، أو العليا: أفلح، والفلاح: البقاء، والدوام، قال الأضبط بن قريع السّعدي في الجاهلية: [المنسرح]\nلكلّ همّ من الهموم سعه... والمسي والصّبح لا فلاح معه\nيقول: ليس مع كرّ الليل، والنّهار بقاء. وقال آخر: [الطويل]\nنحلّ بلادا كلّها حلّ قبلنا... ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير","vol":"2","page":195},{"text":"ولا تنسى أنّ بين الجملتين: (﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾) و(﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾) مقابلة، وهي من المحسّنات البديعية.\nالإعراب: ﴿وَلْتَكُنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الأمر. (تكن): فعل مضارع ناقص مجزوم بلام الأمر. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل الناقص، أو بمحذوف حال من:\n ﴿أُمَّةٌ﴾ كان نعتا له، انظر الآية السابقة. ﴿أُمَّةٌ﴾ اسم: (تكن). ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله، ومفعول ما بعده محذوف للعلم به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (تكن). هذا؛ وإن اعتبرت الفعل تامّا، ف ﴿أُمَّةٌ﴾ فاعله، وجملة: ﴿يَدْعُونَ﴾ في محل صفة له، وقد جمع الضمير مع كونه راجعا إلى:\n ﴿أُمَّةٌ﴾ وذلك باعتبار عدد أفراد الأمة. ﴿إِلَى الْخَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملتان:\n ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ معطوفتان على الجملة السابقة على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٨٢]\n\n<span id=\"aya-398\"></span>﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾\nالشرح: ينهى الله ﷿ عباده المؤمنين عن التفرّق، والاختلاف كما اختلف اليهود، والنصارى في أمر دينهم. وانظر ما ذكرته فيما مضى. قيل: تفرقوا بسبب العداوة، واتباع الهوى، واختلفوا في دين الله، فصاروا فرقا مختلفين. وقال ابن عباس﵄-: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف، والفرقة، وأخبرهم إنّما هلك من كان قبلهم بالمراء، والخصومات في الدّين. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ أي: الحجج الواضحات، فعلموها، ثم خالفوها. وذكّر الفعل؛ لأنّ البينات ليست مؤنثا حقيقيّا وفي كثير من الآيات: ﴿جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ﴾. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ..﴾. إلخ أي: لهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا عذاب عظيم في الآخرة، وفيه زجر عظيم للمؤمنين عن التفرّق، والاختلاف، وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلاّ من أبى» قالوا: ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني؛ دخل الجنّة، ومن عصاني؛ فقد أبى». أخرجه البخاري. وعن ابن عمر﵄-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله لا يجمع أمّتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ في النّار». أخرجه الترمذيّ.\nوعن أبي ذرّ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه». أخرجه أبو داود. أراد ب «ربقة الإسلام»: عقد الإسلام. وأصله: أنّ","vol":"2","page":196},{"text":"الرّبق حبل في عدّة عرا، يشدّ بها الغنم، الواحدة من العري: ربقة. وروى البغوي عن عمر -﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من سرّه أن يسكن بحبوحة الجنّة؛ فعليه بالجماعة، فإنّ الشيطان مع الفذّ، وهو مع الاثنين أبعد». وقد ذكرت لك فيما مضى: أنّ النّهي مخصوص بالتفرّق في أصول الدّين دون فروع الشّريعة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق: ﴿كَالَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: «مثل» فهي الخبر، وهي مضاف و(الذين) مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿تَفَرَّقُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين على التنازع. ﴿ما:﴾ مصدرية.\n ﴿جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله، وفاعله، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ إلخ معطوفة على جملة: (اعتصموا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٩١] وهي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. بعد هذا: وقوع الكاف اسما كثير في اللغة انظر ما ذكرته في الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهذا نصّه، وقائله العجّاج: [الرجز]\nبيض ثلاث كنعاج جمّ... يضحكن عن كالبرد المنهمّ\n\n<span id=\"aya-399\"></span>﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ:﴾ يكون هذا يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم، تكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه الكافرين مسودة. قال تعالى في سورة (طه): ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ والمجرمون على اختلاف مللهم من كافرين، وظالمين، ومنافقين... إلخ، وفي بياض الوجوه، وسوادها قولان:\nأحدهما: أن البياض كناية عن الفرح، والسرور. والسّواد كناية عن الغمّ، والحزن. وهذا مجاز مستعمل، يقال لمن نال بغيته، وظفر بمطلوبه: ابيضّ وجهه، يعني: من السرور، والفرح، ولمن ناله مكروه: اسودّ وجهه، واربدّ لونه؛ يعني: من الحزن، والغمّ. قال تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ يعني: من الحزن.","vol":"2","page":197},{"text":"والقول الثاني: أنّ بياض الوجوه، وسوادها حقيقة فيهما، والحكمة في بياض الوجوه وسوادها: أن أهل الموقف إذا رأوا بياض وجه المؤمن؛ عرفوا أنه من أهل السّعادة، وإذا رأوا سواد وجه الكافر، والمنافق؛ عرفوا: أنه من أهل الشقاوة، وبين كلمتي، ﴿تَبْيَضُّ،﴾ و(﴿تَسْوَدُّ﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.\n ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ..﴾. إلخ. اختلف العلماء في هؤلاء، فروي عن أبيّ بن كعب -﵁-: أنه قال: أراد به الإيمان يوم أخذ الميثاق حين قال لهم في عالم الذّرّ:\n ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ فآمن الجميع في ذلك الحين، فكلّ من كفر بعد بلوغه؛ فقد كفر بعد الإيمان. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: هم المنافقون، وذلك أنهم تكلّموا بالإيمان بألسنتهم، وأنكروه بقلوبهم، وقال عكرمة-رحمه الله تعالى-: هم أهل الكتاب، وذلك: أنهم آمنوا بمحمد ﷺ قبل مبعثه، فلمّا بعث؛ أنكروه، وكفروا به. وقيل: هم الذين ارتدّوا بعد وفاة النبي ﷺ. وقيل: هم الخوارج، والملل، والنحل الّتي شذّت، وزيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، فيكون في الكلام إخبار بما سيقع بعد وفاة الرسول ﷺ. وخذ ما يلي:\nفعن ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويت إليهم لأنالهم؛ اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ! أصحابي! فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك». متّفق عليه. وعن زيد بن وهب﵁-:\nأنّه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ كرم الله وجهه لمّا سار إلى الخوارج، فقال عليّ﵁-: أيها الناس! إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمّتي، يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن، وهم يحسبون: أنّه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّميّة». متفق عليه، ويزاد في رواية أخرى: «فأينما لقيتموهم، فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة». والأحاديث في ذلك كثيرة.\n ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ..﴾. إلخ: هذا الأمر للإهانة؛ أي: يقال لهم: ذوقوا جزاء كفركم. هذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس، فذقه. وانظر فلانا؛ فذق ما عنده. قال الشمّاخ يصف قوسا: [الطويل]\nفذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يفرق السّهم حاجز\nوقد يعبّر بالذّوق عمّا يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعونا لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nفذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم","vol":"2","page":198},{"text":"وتقول: ذقت ما عند فلان؛ أي: اختبرته. وذقت القوس: إذا جذبت، وترها لتنظر ما شدّتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه. قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]\nفذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوب\nوتذوّقته؛ أي: شيئا، فشيئا. وأمر مستذاق، أي: مجرب معلوم. قال الشاعر: [الوافر]\nوعهد الغانيات كعهد قين... دنت عند الجعائل مستذاق\nوأصل الذوق بالفم، وذوقوا في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعيّة تخيليّة. وذكر العذاب في كثير من الآيات استعارة مكنية، حيث شبّه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبّه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخيلا.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب ﴿عَظِيمٌ﴾ في الآية السّابقة، أو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكروا اليوم. وقيل: متعلق بالخبر المحذوف الذي تعلق به: ﴿لَهُمْ﴾.\n ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، وجملة:\n ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (أمّا): انظر الآية رقم [٥٦]. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِسْوَدَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿وُجُوهُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَكَفَرْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ، (﴿كَفَرْتُمْ﴾): فعل، وفاعل. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بما قبله، وهو مضاف، و﴿إِيمانِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فيقال لهم: أكفرتم... إلخ، والفاء واقعة في جواب (أمّا)، والجملة الفعلية في محل رفع المبتدأ، وهي في الوقت نفسه جواب (أمّا) وهي ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محلّ له. ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْفُرُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: (ذوقوا) أو بمحذوف حال من: ﴿الْعَذابَ:﴾ واعتبار (ما) موصولة فيه ضعف ظاهر، وجملة: (ذوقوا...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط محذوف، التقدير: إذا كان ما ذكر من كفركم حاصلا؛ فذوقوا. والجملة الشرطية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول.","vol":"2","page":199},{"text":"<span id=\"aya-400\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ..﴾. إلخ انظر الآية السابقة. ﴿فَفِي رَحْمَتِ اللهِ:﴾ جنته، وثوابه؛ الذي لا ينقطع. والجنّة: هي رحمة الله الخالدة. فعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبيّ ﷺ قال: «احتجّت الجنّة والنّار، فقالت النّار: فيّ الجبّارون، والمتكبّرون. وقالت الجنّة:\nفيّ ضعفاء المسلمين، ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنّك الجنّة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنّك النّار عذابي أعذّب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها». رواه مسلم.\nهذا؛ وإن الله﷿ذكر في الآية السّابقة: أن سواد وجوه الكافرين في الآخرة، وإذاقتهم العذاب الأليم إنّما هو بسبب كفرهم، وذكر في هذه الآية: أن بياض وجوه المؤمنين، وإدخالهم جنّات النعيم إنّما هو برحمة الله، ومحض كرمه، تنبيها على أنّ المؤمن-وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى-لا يدخل الجنة إلا برحمته، وفضله. وإليك ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لن يدخل أحدا عمله الجنّة».\nقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا؛ إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته! فسدّدوا، وقاربوا». أخرجه البخاريّ. بعد هذا انظر المقابلة في الآية رقم [٥٧] هذا؛ وكان من حقّ الترتيب أن يقدّم ذكر المؤمنين، ولكن قصد أن يكون مطلع الكلام، وانتهاؤه حلية المؤمنين، وثوابهم، وهو ما يعبّر عنه في البلاغة بحسن المطلع، وحسن الانتهاء، كما يعبّر عنه باللّف، والترتيب، والنشر المشوّش، وكرّر الله كلمة (في) لأن في كلّ واحدة منهما معنى غير الأخرى، المعنى: أنهم في رحمة الله، وأنّهم في الرّحمة خالدون.\nالإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ:﴾ الإعراب مثل الآية السابقة بلا فارق. ﴿فَفِي:﴾\nالفاء: واقعة في جواب (أمّا). (في رحمة): متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ، التقدير: فهم في رحمة، و﴿رَحْمَتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ، وهي جواب (أمّا) و(أمّا) ومدخولها معطوف على ما قبله في الآية السابقة، لا محلّ له مثله. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مفيدة للتوكيد، كأنّه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقال: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ،﴾ ولا يلتفت لمن يقول:\n (في رحمة) متعلقان ب: ﴿خالِدُونَ﴾.\n<span id=\"aya-401\"></span>﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ؛ أي: الواردة في وعده، ووعيده، المبيّنة لنعيم الأبرار، وتعذيب الكفار. ﴿نَتْلُوها:﴾ نقرؤها. ﴿عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ الواضح؛ الذي لا ارتياب فيه، ولا شكّ. ﴿وَمَا اللهُ﴾","vol":"2","page":200},{"text":"يُرِيدُ... إلخ؛ أي: ليس بظالم لهم، بل هو الحاكم العدل؛ الّذي لا يجور؛ لأنّ القادر على كلّ شيء، العالم بكلّ شيء، لا يعجزه شيء، لذا فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه.\nوالالتفات ظاهر من التكلّم إلى الغيبة. انظر الالتفات في الآية رقم [٥٦].\nهذا و(العالمين) جمع: عالم بفتح اللام، وجمع؛ لاختلاف أنواعه، وهو جواب عمّا يقال:\nإنّه اسم جنس يصدق على ما سوى الله، والجمع لا بدّ أن يكون له أفراد ثلاثة، فأكثر. وجمع بالياء والنون، كما يجمع بالواو والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكلّ ما سوى الله، ويدلّ له قوله تعالى حكاية عن قول «موسى» -على نبينا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التّسليم-لمّا قال له فرعون: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. هذا والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البرّ والبحر؛ إذ كلّ جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ ولا واحد له من لفظه مثل: معشر، ورهط، وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: العالمون ثمانون ألف عالم، أربعون ألف عالم في البرّ، وأربعون ألف عالم في البحر. انتهى. وجمع جمع المذكّر السالم، وذلك بتغليب من يعقل على ما لا يعقل. والعالم مشتق من العلامة؛ لأنه دالّ على وجود خالقه، وصانعه، وعلى وحدانيته، جلّ، وعلا، كما قال أبو العتاهية: [المتقارب]\nفيا عجبا كيف يعصى الإل... هـ أم كيف يجحده الجاحد؟\nوفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿نَتْلُوها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، و(ها) مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آياتُ اللهِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة على حدّ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، وهذا يعني: أنّها حال متداخلة.\n ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿اللهِ:﴾ اسمها.\n ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿ظُلْمًا:﴾ مفعول به. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿ظُلْمًا﴾ أو بمحذوف صفة له. هذا؛ ونقل الجمل عن السّمين اعتبار اللام زائدة، لا تعلّق لها بشيء، زيدت في مفعول المصدر تقوية له، وأنّ فاعل المصدر محذوف، التقدير: وما الله يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام تقوية للعامل؛ لكونه فرعا في العمل، كقوله تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾. انتهى بحروفه. هذا؛ والجملة الفعلية في محل نصب خبر (﴿مَا﴾) أو في محل رفع خبر","vol":"2","page":201},{"text":"المبتدأ؛ إن اعتبرتها مهملة، والجملة الاسمية على الوجهين معطوفة على ما قبلهما، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-402\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾\nالشرح: قال المهدويّ-رحمه الله تعالى-: وجه اتصال هذا بما قبله: أنه لمّا ذكر أحوال المؤمنين، والكافرين، وأنّه لا يريد ظلما للعالمين؛ وصله بذكر اتّساع قدرته، وغناه عن الظلم بكون ما في السّماوات، وما في الأرض له؛ حتّى يسألوه، ويعبدوه، ولا يعبدوا غيره. انتهى قرطبي. والمراد: كلّ ما فيهما ملك لله تعالى ملكا، وخلقا، وعبيدا. وفي: ﴿ما﴾ تغليب غير العاقل على العاقل؛ لأنّهم أكثر. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: أمور الخلق كلّهم يوم القيامة، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. هذا؛ والفعل يقرأ بالبناء للمجهول، فيكون من المتعدّي، ويقرأ بالبناء للمعلوم فيكون من اللّازم؛ لأن هذا الفعل يكون متعدّيا، ولازما، فمن المتعدي صراحة قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾. ومن اللازم قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَإِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُ:﴾ فعل مضارع يقرأ بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول. ﴿الْأُمُورُ:﴾ فاعله، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n<span id=\"aya-403\"></span>﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠)﴾\nالشرح: ذكر الخازن-رحمه الله تعالى-: أن سبب نزول الآية مثل ما ذكرته في الآية رقم [١٠٠] ولا وجه له، بل هو كلام مستأنف. ومعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ..﴾. إلخ؛ أي: في علم الله تعالى، أو في اللّوح المحفوظ، أو فيما بين الأمم المتقدّمين. و﴿خَيْرَ﴾ أفعل تفضيل، أصله:\nأخير، نقلت حركة الياء للخاء قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في حبّ، وشرّ، اسمي تفضيل؛ إذ أصلها أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان","vol":"2","page":202},{"text":"المتماثلان في بعضهما، ثمّ حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء والشين، وقد يستعمل «خير» و«شر» على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر): («سيعلمون غدا من الكذّاب الأشر») بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجّاج: [الرجز]\nيا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\nو: خير، وشر، وحب، يستعملن بصيغة واحدة للمذكّر، والمؤنث، والمفرد، والمثنّى، والجمع؛ لأنهنّ بمعنى أفعل، كما رأيت. ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٤] وخذ هنا ما يلي:\nعن حذيفة بن اليمان﵁-: أنّ النبيّ ﷺ قال: «والّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله لأن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم تدعونه، فلا يستجاب لكم». أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجة. وعن درّة بنت أبي لهب﵂- قالت: قلت يا رسول الله ﷺ! من خير النّاس؟ قال: «أتقاهم للرّبّ، وأوصلهم للرّحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر». رواه البيهقيّ، وغيره. وقال الإمام أحمد: قام رجل إلى النبيّ ﷺ؛ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله! أيّ النّاس خير؟ ... إلخ الحديث، وذكر ما روته درّة.\n ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ:﴾ الإيمان بالله يتضمن كلّ ما أمر أن يؤمن به. وإنّما أخّره، وحقّه أن يقدّم؛ لأنّه قصد بذكره الدّلالة على أنّهم أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر إيمانا بالله، وتصديقا به، وإظهارا لدينه. وأيضا: فالإيمان يشترك فيه جميع الأمم المؤمنة، وإنّما فضّلت هذه الأمّة الإسلاميّة على غيرها بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فكان ذلك سببا في تأخير الإيمان بالذّكر.\n ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ أي: اليهود، والنّصارى بمحمّد ﷺ، وبالدّين الذي جاء به.\n ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: لكان الإيمان خيرا لهم ممّا هم فيه من الرّئاسة، ومن حطام الدّنيا؛ الذي اغترّوا فيه، ولو أنّهم آمنوا؛ لحصل لهم عزّ الدنيا، وسعادة الآخرة. ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كعبد الله بن سلام، وأصحابه؛ الّذين أسلموا من اليهود، والنّجاشي، وأصحابه؛ الّذين أسلموا من النصارى. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: المتمرّدون في الكفر، والطّغيان، والفساد. بعد هذا فخد ما يلي بشأن هذه الأمة.\nففي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه؛ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «أنتم توفون سبعين أمّة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿». وإنّما حازت هذه الأمّة قصب السبق إلى الخيرات بنبيّها ﷺ فإنّه أشرف خلق الله، وأكرم الرّسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبيّ، ولا رسول قبله، فالعمل على منهاجه، وسبيله يقوم القليل منه مالا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه. ومن قوله ﷺ من الأمور التي خصّه الله بها: «وجعلت أمّتي خير الأمم». رواه الإمام أحمد من حديث عليّ، كرّم الله وجهه.","vol":"2","page":203},{"text":"وعن ابن مسعود﵁-، قال: قال النبيّ ﷺ: «عرضت عليّ أمّتي بالمواسم، فراثت (تأخرت) عليّ أمّتي، ثمّ رأيتهم، فأعجبتني كثرتهم، وهيئتهم، قد ملئوا السّهل، والجبل.\nفقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم، قال: فإنّ مع هؤلاء سبعين ألفا، يدخلون الجنّة بغير حساب، وهم الّذين لا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون». فقام عكّاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم». فقام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكّاشة».\nوعنه﵁قال: قال يا رسول الله ﷺ: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة» فكبّرنا.\nثمّ قال: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟» فكبّرنا. ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنّة؟». أخرجه الشّيخان. فهذه الأحاديث في معنى الآية الكريمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ..﴾.\nإلخ، فمن اتصف من هذه الأمّة بهذه الصّفات؛ دخل معهم في هذا المدح، كما قال قتادة- رحمه الله تعالى-: بلغنا: أنّ عمر﵁في حجّة حجّها رأى من الناس كثرة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ..﴾. إلخ، ثمّ قال: (من سرّه أن يكون من هذه الأمّة؛ فليؤدّ شرط الله فيها). رواه ابن جرير.\nومن لم يتّصف بذلك أشبه أهل الكتاب؛ الذين ذمّهم الله بقوله: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾. ولهذا مدح الله هذه الأمة على هذه الصّفات. هذا؛ وقال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السّنن: عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وعدني ربّي أن يدخل الجنّة من أمّتي سبعين ألفا، مع كلّ ألف سبعون ألفا، لا حساب عليهم، ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربّي، ﷿». وأكتفي بهذا القدر بشأن هذه الأمّة.\nالإعراب: ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿خَيْرَ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه، وقال القرطبيّ، وغيره: (كان) التّامة، والمعنى: خلقتم، ووجدتم خير أمّة، و﴿خَيْرَ﴾ حال من تاء الفاعل.\nوقيل: (كان) زائدة، والمعنى أنتم خير أمّة. وليسا بشيء؛ لأنّ كان من أفعال الاستمرار تصلح لكلّ زمان، مثل قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وزيادة «كان» لا تقع إلا بين شيئين متلازمين، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nوقد تزاد كان في حشو ك: ما... كان أصحّ علم من تقدّما\n ﴿أُخْرِجَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿أُمَّةٍ﴾ والتاء للتأنيث.\n ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة: ﴿أُمَّةٍ﴾. ﴿تَأْمُرُونَ:﴾ فعل مضارع","vol":"2","page":204},{"text":"مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للعلم به، وكذا مفعول ما بعده. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محلّ نصب خبر ثان ل (كان): أو هي في محل نصب حال من تاء الفاعل. قاله الراغب، وابن عطية. والثالث: أنها في محل نصب صفة ل ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ قاله الحوفي. والرابع: أنها مستأنفة. وهذا أغرب الأوجه. انتهى نقلا عن السّمين. والجملتان بعدها معطوفتان عليها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿آمَنَ أَهْلُ:﴾\nماض، وفاعله، و﴿أَهْلُ:﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وحذف المتعلق للعمل به بداهة، انظر الشرح. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (كان): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على المصدر المدلول عليه بفعله، التقدير: لكان الإيمان خيرا لهم. والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.\n ﴿مِنْهُمُ:﴾ مضمون الجار والمجرور مبتدأ؛ لأنهما بمعنى: بعضهم، ويؤيده عطف (﴿أَكْثَرُهُمُ﴾) عليه، ومقابلته به، ولا يصح المعنى إلا على هذا الاعتبار، وهو خير ما يؤيّد ما ذهبت إليه فيما مضى. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، واعتبارها في محل نصب حال من: ﴿أَهْلُ الْكِتابِ﴾ لا بأس به، ويكون الرابط الضمير فقط، والتي بعدها معطوفة عليها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-404\"></span>﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾\nالشرح: سبب نزول هذه الآية: أن رؤساء اليهود عمدوا إلى من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، وأصحابه-رضوان الله عليهم-يؤذونهم لإسلامهم. والمعنى: لن يضرّوكم أيّها المؤمنون إلا أذى، يعني: باللّسان، من طعنهم في دينكم، أو تهديد، أو إلقاء شبهة، وتشكيك في القلوب، وكلّ ذلك يسبب الأذى، والغمّ. ﴿وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ﴾ أي: منهزمين مخذولين. ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ:﴾ لا يكون لهم النصر عليكم، بل تنصرون عليهم. فأخبر الله سبحانه: أن الدائرة على اليهود؛ إن قاتلوا، وأنّ عاقبتهم العجز، والخذلان. وهذه الآية من الإخبار بالمغيبات؛ الّتي وافقها الواقع؛ إذ كان كذلك حال قريظة، والنّضير، وبني قينقاع، ويهود خيبر، كلّهم أذلّهم الله، وكذلك النّصارى في الشّام هزمهم الصّحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام. والتاريخ شاهد صدق على ذلك، وانظر إعلال مثل: ﴿أَذىً:﴾ في الآية رقم [٣].","vol":"2","page":205},{"text":"هذا؛ و﴿الْأَدْبارَ﴾ جمع دبر بضم الباء، وسكونها، وهو الظّهر. ودبر كل شيء: آخره، وعقبه، فعن كعب بن عجرة﵁عن النبي ﷺ، قال: «معقّبات لا يخيب قائلهنّ، أو فاعلهنّ دبر كلّ صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة». رواه مسلم، والترمذي، والنّسائي.\nالإعراب: ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَضُرُّوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَذىً:﴾ مستثنى من المصدر العام، كأنه قيل: لن يضروكم ضررا البتّة إلا ضرر أذى لا يبالى به. وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلا بأذى يسير، ولا بأس به، وعليه: فالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب على الاستثناء. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.\nويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُوَلُّوكُمُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم مثل فعل شرطه، والواو فاعله، والكاف مفعوله الأول. ﴿الْأَدْبارَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف في الإعراب، وفي المعنى حرف استئناف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُنْصَرُونَ﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، ولهذا ثبتت فيها النون، وللزمخشري كلام جيد ملخصه: وعدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنّه قيل:\nثمّ أخبركم: أنهم مخذولون منتف عنهم النصر، ولو جزم؛ لكان نفي النّصر مقيدا بقتالهم، بينما النّصر وعد مطلق بقتال، أو بدونه، فهم مخذولون على كلّ حال. وهو جيد، وألف جيد.\n\n<span id=\"aya-405\"></span>﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: لزمهم الذلّ، والهوان. ﴿أَيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ أي: أحاط بهم كما يحيط البيت المضروب بصاحبه، ففيه استعارة بالكناية، حيث شبّه الذلّ بالخباء المضروب على أصحابه. قال الشاعر في مدح ابن الحشرج أمير خراسان: [الكامل]\nإنّ السّماحة والمروءة والنّدى... في قبّة ضربت على ابن الحشرج","vol":"2","page":206},{"text":"وقال الفرزدق في هجاء جرير، ووعيده، وتهديده له: [الكامل]\nضربت عليك العنكبوت بنسجها... وقضى عليك به الكتاب المنزل\n ﴿أَيْنَ ما ثُقِفُوا:﴾ أينما وجدوا. قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. هذا؛ والثّقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء علما كان، أو عملا، فهو يتضمّن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف ثقفا، ويقال: رجل ثقف لقف، أي: خفيف حاذق: إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور. قال الشاعر: [الوافر]\nفإمّا تثقفوني فاقتلوني... فمن أثقف فليس إلى خلود\n ﴿إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: إلا بعهد من الله، وهو أن يسلموا، فتزول عنهم الذلّة. ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ بعهد من الناس أي: المؤمنين ببذل الجزيرة، والمعنى: ضربت عليهم الذلّة في عامّة الأحوال، إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، وحبل من النّاس، وهو ذمّة الله، وعهده، وذمّة المسلمين، وعهدهم، لا عزّ لهم إلا بهذه الواحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوه من بذل الجزية، ولذا قدّر القرطبي: إلا أن يعتصموا بحبل، وإنّما سمي العهد حبلا؛ لأنه يوصل إلى الأمن، وزوال الخوف. وانظر الاستعارة في الآية رقم [١٠٣].\n ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ﴾ أي: انقلبوا، ورجعوا بغضب من الله؛ أي: لزمهم ذلك. وصاروا أحقاء به، ومنه قول النبي ﷺ في حديث الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي» أي: أعترف بنعمتك عليّ، وأرجع بذنبي إليك؛ لتغفره لي. وقال تعالى في سورة (المائدة) حكاية عن قول هابيل لأخيه قابيل: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ وأصله في اللغة: الرجوع، ومثله: آب بتقديم الهمزة على الباء، قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته رقم [٧٧] [الوافر]\nفآبوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مصفّدينا\nأي: رجعوا، ورجعنا. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ هذا؛ والذلّة: الذلّ والصّغار، والمسكنة:\nالفقر، فلا يوجد يهوديّ، وإن كان غنيّا خاليا من زيّ الفقر، وخضوعه، ومهانته، ولقد أذلّهم الله كلّ حياتهم، وفي جميع عصورهم، ف (بختنصر) المجوسي أذلّهم، وامتهنهم، كما رأيت في أوّل سورة الإسراء، ثمّ النصارى ساموهم سوء العذاب، ولمّا جاء الإسلام؛ طردهم الرسول ﷺ من المدينة المنوّرة، ثمّ طهّر الفاروق بلاد الحجاز من رجسهم، ثمّ لما فتح بيت المقدس في عهده ضرب عليهم الجزية، ولكن في هذه الأيام صار لهم صولة، ودولة بسبب تفرّق المسلمين، وإهمالهم لتعاليم دينهم، وتركهم لسنّة نبيّهم، وتركهم الجهاد في سبيل الله، وإقبالهم على الدّنيا، وكأنّ الله نزع الذلّة، والمسكنة من رقاب اليهود، وألبسهما أعناق المسلمين بسبب ذلك. وخذ ما يلي:\nعن ثوبان﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: من قلّة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثيرون،","vol":"2","page":207},{"text":"ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: «حبّ الدّنيا، وكراهية الموت». أخرجه أبو داود، وأحمد، وغيرهما.\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه عنكم حتّى ترجعوا إلى دينكم». أخرجه أبو داود. ومن قول ابن مسعود﵁-: نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، إذا طلبنا العزّة بغيره؛ أذلّنا الله.\n ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بسبب كفرهم بآيات الله؛ أي: التوراة، أو بالمعجزات؛ الّتي أجراها الله على يد موسى تأييدا لدعوته، وتقوية لحجّته. ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ﴾ مثل: يحيى، وزكريا، وشعيا، وغيرهم، فعن ابن مسعود﵁قال: «كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثمّ يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار» بمعنى: لا يهمهم ذلك، ولا يكترثون به، ولا يحسبون له حسابا. رواه أبو داود الطيالسي. وكلمة: «في اليوم» لا تعني كلّ يوم، ولكن في بعض الأيام، وعن ابن مسعود﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبيّ، أو قتل نبيّا، وإمام ضلالة، وممثّل من الممثّلين». أخرجه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الحديث قاله الرسول ﷺ حين طعن أبيّ بن خلف في غزوة أحد، وكان ذلك سببا في موته.\n ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ:﴾ معلوم: أنّه لا يقتل نبيّ بحقّ، ولكن يقتل بالدّفاع عن الحقّ، فصرح بقوله ذلك للتّشنيع عليهم، فلم يأت نبي قط بشيء يوجب قتله. فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم، وزيادة في علوّ مقاماتهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك خذلانا لهم. قال ابن عبّاس، والحسن﵃لم يقتل نبيّ قطّ من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلّ من أمر بقتال؛ نصر. انتهى، ومعلوم: أن نبينا ﷺ أمر بقتال، فنصر. والحمد لله!\n ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا:﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من ضرب الذلّة، والمسكنة عليهم، والعصيان:\nخلاف الطاعة. ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ:﴾ يتجاوزون حدود الله، فينتهكونها، ويؤخذ من هذا: أنّ صغار الذنوب يجرّ إلى كبارها، وأنّ صغار الطّاعات يجرّ إلى كبارها أيضا، فاليهود جرّهم ارتكاب معصية الله إلى عظائم الأمور؛ حيث قتلوا الأنبياء، واستحلّوا المحرّمات، وجرّهم ذلك أيضا إلى الكفر بمحمّد ﷺ، وتحريف التّوراة، وغير ذلك ممّا ذكره القرآن الكريم عنهم.\nالإعراب: ﴿ضُرِبَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّلَّةُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.","vol":"2","page":208},{"text":"﴿أَيْنَ ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، ويقال: مبني على الفتح و(﴿ما﴾) زائدة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلّق بالفعل بعده. ﴿ثُقِفُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، وإن اعتبرت الشرط متعلقا بجوابه؛ فالجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿أَيْنَ ما﴾ إليها، وجواب الشرط محذوف، التقدير: عذّبوا، وذلّوا. وقيل: دلّ عليه ما قبله. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿أَيْنَ ما﴾ ظرفا مجردا عن الشرطية؛ فلا يحتاج إلى جواب، ويكون متعلقا بالفعل:\n ﴿ضُرِبَتْ﴾ والمعنى لا يأباه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِحَبْلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، والمعنى: ضربت عليهم الذلّة في عامّة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (﴿حَبْلٍ﴾). ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. (﴿باؤُ﴾): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِغَضَبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: رجعوا مغضوبا عليهم، وهو جيّد. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (غضب) أو هما متعلقان به؛ لأنه مصدر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ:﴾ هذه الجملة معطوفة على سابقتها، وهي مثلها في إعرابها بلا فارق.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا﴾. وهذه الجملة في محل رفع خبر (أنّ) و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: مبطلين بغير.\nو(غير) مضاف، و﴿حَقٍّ﴾ مضاف إليه.\n ﴿ذلِكَ:﴾ مبتدأ مثل سابقه. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿عَصَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار ولمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: ذلك بسبب عصيانهم. والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، وهي مؤكّدة لسابقتها. ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ:﴾ إعرابها مثل إعراب: ﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ وهي","vol":"2","page":209},{"text":"معطوفة على ما قبلها، وتؤوّل مثلها بمصدر بسبب العطف، التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، وبسبب اعتدائهم.\n\n<span id=\"aya-406\"></span>﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾\nالشرح: قال ابن عباس ﵁: لمّا أسلم عبد الله بن سلام، وأصحابه من اليهود؛ قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد ﷺ إلا شرارنا، ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم. فأنزل الله الآية الكريمة. وفي قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ قولان: أحدهما: أنه كلام تامّ يوقف عليه.\nوالمعنى عليه: أن أهل الكتاب الّذين سبق ذكرهم: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ ليسوا سواء. وقيل: لا يستوي اليهود، وأمّة محمد ﷺ القائمة بأمر الله، الثابتة على الحقّ.\nوالأوّل هو الأقوى. والقول الثاني: أنّ قوله: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ متعلّق بما بعده، ولا يوقف عليه.\n ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ:﴾ فيه اختصار، وإضمار، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب.\n ﴿لَيْسُوا:﴾ الضمير يعود إلى أهل الكتاب. ﴿سَواءً:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٦] ﴿أَهْلِ الْكِتابِ:﴾\nانظر الآية رقم [٦٤] ﴿أُمَّةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ١٢٨]. ﴿قائِمَةٌ:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [١٨] ومعناه: المستقيمة العادة الثابتة، وهم الذين أسلموا منهم ك «عبد الله بن سلام» وأصحابه، وجماعة من نصارى نجران أسلموا. ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ:﴾ يقرءون القرآن. وقيل:\nالمراد: يصلون في الليل، فيقرءون القرآن، وانظر الآية رقم [٢/ ٣٩] ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة.\n ﴿آناءَ:﴾ ساعات، واحدها إنى بفتح الهمزة والنون، أو: إنى بكسر الهمزة وفتح النون، أو أني بالفتح والسكون، و: إنّي بالكسر والسكون، أو: إنو بالكسر والسكون وبالواو، وكل واحد من هذه المفردات الخمس يطلق على الساعة من الزمان. وانظر مفرد آلاء في الآية رقم [٧/ ٦٨] فهو قريب منه. ﴿اللَّيْلِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٥١] ﴿يَسْجُدُونَ:﴾ يصلون. هذا وقد جمع الضمير فيه وفي يتلون، وكذلك فيما يأتي مع كونه راجعا إلى أمة، وذلك باعتبار عدد أفرادها.\nالإعراب: ﴿لَيْسُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضمّ، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿سَواءً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُمَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي مفيدة للتفصيل المتضمّن نفي التسوية بين المستقيمين من أهل الكتاب، وبين المنحرفين منهم. ﴿قائِمَةٌ:﴾ صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. هذا؛ وأجاز الفرّاء رفع ﴿أُمَّةٌ﴾ ب ﴿سَواءً﴾ وليس بشيء يعتدّ به. وقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: ﴿أُمَّةٌ﴾ اسم (ليس) و﴿سَواءً﴾ خبرها، وأتى الضمير في (ليس) على لغة من قال: أكلوني البراغيث. وهذا بعيد جدّا.","vol":"2","page":210},{"text":"﴿يَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محلّ رفع صفة ثانية ل ﴿أُمَّةٌ﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المستتر ب ﴿قائِمَةٌ﴾. ﴿آناءَ:﴾\nظرف زمان متعلّق بالفعل: ﴿يَتْلُونَ﴾ وهو مضاف، و﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة بعده في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة. والرابط: الواو، والضمير.\nوأجيز اعتبارها معطوفة على جملة: ﴿يَتْلُونَ﴾ فتكون حالا من الضمير المستتر ب ﴿قائِمَةٌ﴾ مثلها.\n\n<span id=\"aya-407\"></span>﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ:﴾ يقرّون بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبسيّدنا محمد ﷺ نبيّا، وشفيعا، ورسولا. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ يعتقدون بوجوده، وبوقوعه لا محالة، وذلك؛ لأن إيمان أهل الكتاب فيه شرك، ويصفون اليوم الآخر بغير ما يصفه المؤمنون من أمّة محمد ﷺ، والإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه، وأهل الكتاب ليسوا كذلك، والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من جميع المعاصي، وأهل الكتاب لا يحترزون منها، فلم يحصل الإيمان الخالص بالله واليوم الآخر. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ..﴾. إلخ: يعني غير مداهنين، كما يداهن أهل الكتاب بعضهم بعضا، ويأمرون بتوحيد الله وبمحمّد ﷺ وينهون عن الشرك، وعن كتم صفة محمد ﷺ.\n ﴿وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ أي: يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابها، ومبادرتهم بالعمل الصّالح قبل الموت. قال تعالى في وصف الأنبياء في سورة (الأنبياء):\n ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ..﴾. إلخ. ﴿وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ أي: مع الصالحين في الجنة، وهم أصحاب محمد ﷺ الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى، واستحقّوا رضاه، وإحسانه، وثناءه. والإشارة بالبعيد لبيان علوّ درجتهم، ومنزلتهم في الفضل. هذا؛ والصّلاح:\nضد الفساد، فإذا حصل الصّلاح للعبد؛ فقد حصل له أعلى الدّرجات، وأكمل المقامات، كيف لا؛ والصّدّيق يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-حكى القرآن دعاءه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وحكى دعاء سليمان-على حبيبنا، وعليه ألف تحيّة-: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ ولكن بعض مشايخ المسلمين يمدّ يده لتقبّل، ويقول: يسنّ تقبيل يد الرجل الصّالح، والرّسول ﷺ رفض تقبيل يده، وخذ ما يلي:\nقال أبو هريرة﵁-: دخلت السّوق مع النبيّ ﷺ، فاشترى سراويل، وقال للوزان:\n (زن وأرجح) فوثب الوزّان إلى يد رسول الله ﷺ ليقبّلها، فجذب يده، وقال: «هذا تفعله الأعاجم","vol":"2","page":211},{"text":"بملوكها، ولست بملك، وإنّما أنا رجل منكم» ثمّ أخذ السراويل، فذهبت لأحملها، فقال:\n «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله» ولكنّ المشايخ في هذه الأيام يمدّون أيديهم للتّقبيل.\nهذا؛ وقد تكرّر الحثّ على الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر في هذه السّورة الكريمة.\nوخذ ما يلي ملخصا من القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البرّ- رحمه الله تعالى-: أنّ المنكر واجب تغييره على كلّ من قدر عليه، وأنّه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللّوم؛ الذي لا يتعدى إلى الأذى؛ فإنّ ذلك لا ينبغي أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر، فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبه، فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال:\nوالأحاديث عن النبيّ ﷺ في تأكيد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كثيرة جدّا، ولكنّها مقيّدة بالاستطاعة، قال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: إنّما يكلّم مؤمن يرجى، أو جاهل يعلم، فأمّا من وضع سيفه، أو سوطه، فقال: اتّقني! اتّقني! فما لك، وماله. وقال ابن مسعود﵁-: بحسب المرء إذا رأى منكرا، لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه: أنه له كاره.\nوروى ابن لهيعة عن الأعرج، عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحلّ لمؤمن أن يذلّ نفسه». قالوا: يا رسول الله! وما إذلال نفسه؟ قال: «يتعرّض من البلاء لما لا يقوم له». وروي عن بعض الصّحابة: أنه قال: إنّ الرّجل إذا رأى منكرا، لا يستطيع النكير عليه؛ فليقل ثلاث مرات: اللهم إنّ هذا منكر. فإذا قال ذلك؛ فقد فعل ما عليه. وزعم ابن العربيّ: أنّ من رجا زواله، وخاف على نفسه من تغييره الضّرب، أو القتل؛ جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله؛ فأيّ فائدة عنده؟ قال: والذي عندي: أنّ النية إذا خلصت؛ فليقتحم، كيف ما كان، ولا يبالي.\nالإعراب: ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة: (﴿الْيَوْمِ﴾) والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿أُمَّةٌ﴾ أو في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالضمير فقط، أو من الضمير في: ﴿قائِمَةٌ﴾ أو هي مستأنفة لا محل لها بالإعراض عمّا قبلها.\nوما بعدها مثلها في محلّها، وإعرابها. ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف، (﴿أُولئِكَ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، وعطفها على ما قبلها لا يجيزه من لا يجيز عطف الاسمية على الفعلية.\n\n<span id=\"aya-408\"></span>﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ..﴾. إلخ: قرئ الفعلان بالياء؛ لأنّ الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، وذلك: أنّ اليهود قالوا لعبد الله بن سلام، وأصحابه: إنّكم خسرتم","vol":"2","page":212},{"text":"بسبب هذا الدّين؛ الذي دخلتم فيه ما عملتم من الصّالحات. فأخبر الله-عزّ، وجلّ-: أنهم فازوا بالدّرجات العلى، وما فعلوه من خير يجازيهم به الله. ولا يمنع خصوص السبب عموم الحكم، فيدخل فيه كلّ فاعل للخير، وقرئ الفعلان بالتاء على أنّه ابتداء كلام، وهو خطاب لجميع المؤمنين، فيدخل فيه مؤمنو أهل الكتاب أيضا. ومعنى: (فلن تكفروه): فلن تعدموا ثوابه، أو تمنعوه، بل يشكره الله لكم، ويجازيكم به. هذا وسمّى الله ذلك كفرانا، كما سمّى توفية الثواب شكرا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ بمعنى: إنّ الله عليم بعمل المتقين، فيجازيهم على عملهم أحسن الجزاء. ففيه بشارة لهم، وإشعار بأنّ التّقوى مبدأ الخير، وحسن العمل، وأنّ الفائز عند الله هم المتّقون، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.\nو(المتقين) جمع: متق، فهو مأخوذ من التّقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من «الوقاية» وهي: الحفظ، والتحرّز من المهالك دنيا، وأخرى. وفيه تغليب الرجال على النّساء؛ إذ ما من شكّ أنّ في النساء متّقيات، وصالحات. هذا؛ وأصل (المتقين): الموتقين، فيقال في إعلاله: قلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء، وحذفت الكسرة عن الياء الأولى، ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار:\n (المتقين).\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿يَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾). و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والجملة الفعلية ابتدائية، لا محلّ لها من الإعراب. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال.\n ﴿يُكْفَرُوهُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب (لن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل، والهاء مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ عَلِيمٌ﴾): مبتدأ، وخبر ﴿بِالْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفنّدا، وتكون الحال بمعنى الظرف كما رأيت في الآية رقم [٥٧]. هذا؛ وتعدّى: ﴿يُكْفَرُوهُ﴾ إلى مفعولين؛ وإن كان: (شكر)، و(كفر) لا يتعدّيان إلا إلى واحد، تقول: شكر النّعمة، وكفرها؛ لتضمّنه معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه؛ أي: فلن تحرموا جزاءه، وأجره.","vol":"2","page":213},{"text":"<span id=\"aya-409\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: المراد بهذه الآية بنو قريظة، وبنو النضير، وذلك: أنّ رؤساء اليهود مالوا إلى تحصيل الأموال في معاداة الرّسول ﷺ، وإنّما كان مقصودهم بمعاداته تحصيل الرئاسة، والأموال، فقال الله﷿-: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ﴾. وقيل: نزلت في مشركي قريش، فإن أبا جهل الخبيث كان كثير الافتخار بالأموال، وأنفق أبو سفيان مالا كثيرا في يومي بدر وأحد على المشركين. وقيل: إنّ الآية عامّة في جميع الكفار؛ لأن اللفظ عام، ولا دليل يوجب التخصيص، فوجب إجراء اللّفظ على عمومه. وإنّما خصّ الأموال، والأولاد بالذّكر؛ لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بالفداء بالمال، وتارة بالاستعانة بالأولاد، فأعلم الله ﷿: أن الكافر لا ينفعه شيء من ذلك في الآخرة، ولا مخلص من عذاب الله. وهو فحوى الجملة التالية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ: انظر سورة (البقرة) رقم [٢٥٧].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَنْ تُغْنِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾.\n ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿أَمْوالُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها.\n ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿تُغْنِيَ﴾ وهما في محل نصب مفعول به. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول مطلق، أو نائب عنه، وجوّز أن يكون مفعولا به، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا.\n ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿أُولئِكَ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿النّارِ:﴾\nمضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى التشبيه، والرابط الضمير فقط، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوّز اعتبارها خبرا ثانيا ل (﴿أُولئِكَ﴾). والأول أقوى.","vol":"2","page":214},{"text":"<span id=\"aya-410\"></span>﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾\nالشرح: في الآية الكريمة تشبيه، وتمثيل لنفقات الكافرين في معاداة الرسول ﷺ، ومحاربة الإسلام. ويشمل أيضا نفقات المرائين، كما رأيت في الآية رقم [٢٦٣] من سورة (البقرة) والتي بعدها. كما يشمل أيضا نفقات المنّانين، وانظر شرح (﴿مَثَلُ﴾) في الآية رقم [٢٦٤]: منها أيضا، وشرح (أصاب) فيها أيضا، ولقد وصف الله الحياة الّتي نحياها ب (﴿الدُّنْيا﴾) لحقارتها، ومهانتها، وأنّها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ورحم الله من يقول: [الكامل]\nيا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nوما أحسن قول الشّافعي﵁في ذمّها: [الطويل]\nوما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها\nفإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها\nوانظر شرح ﴿الرِّياحِ﴾ في الآية رقم [١٦٤]: من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿فِيها:﴾ في الريح. ﴿صِرٌّ:﴾ فيه وجهان: أحدهما وهو قول أكثر المفسرين، وأهل اللغة: أنّ الصّر: البرد الشديد. قاله ابن عباس، وقتادة، والسّدّي، وابن زيد﵃-. والوجه الثاني: أنّ الصّر: هو السموم الحارّة؛ التي تقتل. وهو رواية عن ابن عباس﵄وبه قال ابن الأنباري من أهل اللغة. وعلى الوجهين فالتشبيه صحيح، والمقصود منه حاصل؛ لأنّها سواء كان فيها برد، فهي مهلكة، أو حرّ، فهي مهلكة أيضا، وعليه، فهو من الأضداد واللغة العربية غنيّة بالكلمات التي تعني الضدّين، ومنه: «الغارين» في كثير من الآيات، فهو يحتمل أن يكون بمعنى الماضين، وبمعنى الباقين. قال أبو ذؤيب الهذليّ من قصيدته في رثاء أولاده: [الكامل]\nفغبرت بعدهم بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع\nومنها لفظ: «جلل» للعظيم، والحقير، فمن الأول قول الحارث بن وعلة بن ذهل بن شيبان الذّهلي-وهو الشاهد رقم [١٩٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [السّريع]\nفلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي\nومن الثاني قول امرئ القيس لمّا قتل أبوه، وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب]\nبقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل","vol":"2","page":215},{"text":"أي: هيّن حقير، لا قيمة له. ومنها «الجون» للأبيض، والأسود، و«البين» للقرب، والبعد و«الصّريم» للّيل، والنهار، وبهما فسّر قوله تعالى في سورة (ن): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ و«النّاصع» للأبيض، والأسود، و«النّاهل» للريّان، والعطشان، و«السّليم» للّديغ، والصحيح، و«وراء» بمعنى خلف، وقدام، و: شعبت الشيء: أصلحته، وشققته، و«الصّارخ» للمغيث، والمستغيث، و«الهاجد» للمصلّي في الليل، والنائم، و«الوهدة» للانحدار، والارتفاع، و«التعزير» للإكرام، والإهانة، و«التقريظ» للمدح، والذم، و«ترب» للغنيّ، والفقير، و«الإهماد» للسرعة في السّير والإقامة، و«عسعس» إذا أقبل، وإذا أدبر، قال تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ و«القرء» للحيض، والطّهر.\nومنه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [٦٢]: من سورة (طه) وفي الآية رقم [٣]: من سورة (الأنبياء): ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ وفي الآية رقم [٥٤]: من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾. إنّ أسروا: يحتمل أن يكون بمعنى:\nأظهروا، أو أن يكون بمعنى: أخفوا، فهو من الأضداد، كما قيل به في قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٧٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nتجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي\n ﴿أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ أي: أصابت الرّيح التي فيها صرّ زرع قوم. ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ بالكفر، والمعاصي، ومنع حق الله فيه. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي: أهلكت الريح الزّرع، وفحوى الآية: أنّ مثل نفقات الكفار، والمنافقين، والمرائين في ذهابها وقت الحاجة إليها، كمثل زرع أصابته ريح باردة، فأهلكته، أو نار، فأحرقته، فلم ينتفع به أصحابه. وفي الآية التشبيه المركّب، وهو ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين، وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين. فعلى هذا زال الإشكال. ومن التشبيه ما حصلت فيه المشابهة بين المقصودين من الجملتين، وبين أجزاء كلّ واحدة منهما، فإن جعلنا هذا المثل من هذا القسم؛ ففيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون التقدير: مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون، كمثل الريح المهلكة للحرث.\nالوجه الثاني: مثل ما ينفقون كمثل مهلك الرّيح، هو الحرث. والمقصود من ضرب هذا المثل هو تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكليّة، ولا يبقى منه شيء. ويطلق على هذا التشبيه اسم:\nالتشبيه التمثيلي أيضا.\n ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ أي: بعدم قبول نفقاتهم. ﴿وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، فاستحقّوا عقابه، وحرموا الأجر، والثواب. حيث لم يجعلوها محلاّ للقبول، ومنارة للوصول. وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٦١].\nالإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع،","vol":"2","page":216},{"text":"وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: مثل الذي، أو: شيء ينفقونه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: مثل إنفاقهم المال. ﴿فِي هذِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، التقدير: كائنا في هذه. ﴿الْحَياةِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعتبره نعتا.\n ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر.\n ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿صِرٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿فِيها صِرٌّ:﴾ في محل جر صفة: ﴿رِيحٍ﴾. هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش تعليق الجار والمجرور بمحذوف صفة: ﴿رِيحٍ﴾ واعتبار: ﴿صِرٌّ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور.\n ﴿أَصابَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رِيحٍ﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل ﴿رِيحٍ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. ﴿حَرْثَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة: ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث والفاعل يعود إلى: ﴿رِيحٍ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿أَصابَتْ..﴾. إلخ على الوجهين: المعتبرين فيها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية.\n ﴿ظَلَمَهُمُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة في: ﴿ظَلَمَهُمُ﴾ لا يأباه المعنى، ويكون الرّابط الواو، والضمير.\n ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدّم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-411\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄في سبب نزول هذه الآية: كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة، والصّداقة، والحلف، والجوار، والرّضاع، فأنزل الله ﷿ هذه الآية، ونهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم. ويدلّ على صحّة هذا القول: أنّ الآيات المتقدّمة فيها ذكر اليهود، فتكون هذه الآية كذلك. وقيل: كان قوم من","vol":"2","page":217},{"text":"المؤمنين يصافون المنافقين، ويفشون إليهم الأسرار، ويطلعونهم على الأحوال الخفيّة، فنهاهم الله عن ذلك. وحجّة هذا القول الآية التالية، فإنّها من صفات المنافقين. انتهى خازن.\nهذا؛ و(البطانة) مصدر يطلق على الواحد، والجمع. وبطانة الرجل: خاصته؛ الذين يعرفون أسراره ثقة بهم، شبّهوا ببطانة الثوب، كما شبهوا في الشّعار في قول النبي ﷺ: «الأنصار شعار، والناس دثار» ومثل (البطانة): ﴿وَلِيجَةً:﴾ المذكورة في سورة (التوبة) رقم [١٦].\nقال الشاعر: [الطويل]\nأولئك خلصائي نعم وبطانتي... وهم عيبتي من دون كلّ قريب\nفقد نهى الله ﷿ المؤمنين في هذه الآية أن يتخذوا من الكفّار، والمنافقين دخلاء، وولجاء، يفاوضونهم في الآراء؛ لأن الإنسان يلوث بهم، وينسب إليهم، قال طرفة بن العبد في معلّقته: [الطويل]\nعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي\nإذا كنت في قوم فصاحب خيارهم... ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدي\nوفي سنن أبي داود عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ، قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] فإنّه جيد. والحمد لله! وقد انقلبت الأحوال في هذه الأيّام، فاتّخذ المسلمون أحبابا، وأعوانا، وأنصارا من الكافرين، والمنافقين. وخذ ما يلي: فقد روى البخاريّ، والنّسائي عن أبي سعيد الخدريّ﵁-:\nأنّ رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله من نبيّ، ولا استخلف من خليفة، إلاّ كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير، وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشّرّ، وتحثّه عليه، والمعصوم من عصمه الله». وقيل لعمر﵁-: إنّ هاهنا غلاما من أهل الحيرة، حافظ كاتب، فلو اتّخذته كاتبا، فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على: أنّ الكافرين لا يجوز استعمالهم في الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين، واطّلاع على دواخل أمورهم؛ التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب. ومعنى ﴿مِنْ دُونِكُمْ:﴾ من سواكم، من غيركم.\nقال الفرّاء في قوله تعالى: ﴿لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ﴾ أي: سوى ذلك.\n ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا:﴾ لا يقصّرون فيما فيه الفساد عليكم، ولا يتوانون في إيصال الضّرر إليكم. هذا؛ ويقال: لا آلو جهدا؛ أي: لا أقصّر، قال امرؤ القيس، أمير الشعراء، وحامل لوائهم إلى النار: [الطويل]\nوما المرء ما دامت حشاشة نفسه... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل","vol":"2","page":218},{"text":"هذا؛ والخبال، والخبل: الفساد، وقد يكون ذلك في الأفعال، والأبدان، والعقول، وفي حديث النبي ﷺ: «من أصيب بدم، أو خبل» أي: جرح يفسد العضو. وأنشد الفرّاء قول الشّاعر: [الكامل]\nنظر ابن سعد نظرة ويلا لها... كانت لصحبك والمطيّ خبالا\nهذا؛ وأصل: (دون) من الدون، وهو القرب، ومثله: أدنى، قال تعالى في سورة (النساء):\n ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ ومنه تدوين الكتب؛ لأنّه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرّتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف، والسيادة، ثمّ اتّسع فيهما؛ أي: «دون» و«أدنى»، فاستعملا في كلّ تجاوز حدّ إلى حد، وتخطّي حكم إلى حكم، قال تعالى في الآية رقم [٢٨] ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا يتجاوز وقاية المؤمنين إلى الكافرين، وقال أميّة بن أبي الصّلت: [البسيط]\nيا نفس مالك دون الله من واق... وما على حدثان الدّهر من باق\nأي: إذا تجاوزت وقاية الله، ولم تناليها؛ لم ينفعك غيره. ويأتي «دون» بمعنى قدّام، قال الأعشى: [الطويل]\nتريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق\nو«دون» نقيض «فوق» وهو تقصير عن الغاية. ويكون اسم فعل أمر، كقولك: دونك الدّرهم، أي: خذه، ويكون ظرفا، وهو الأصل فيه، والدّون: الحقير الخسيس، قال الشاعر: [المتقارب]\nإذا ما علا المرء رام العلاء... ويقنع بالدّون من كان دونا\n ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أي: أحبّوا، وتمنّوا عنتكم، والعنت: المشقّة، والتضييق. قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ و﴿الْعَنَتَ﴾ في قوله تعالى في سورة (النساء) ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ المراد به: الزنى، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.\n ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ أي: ظهرت العداوة، والتكذيب لكم من أفواههم؛ لأنّهم لا يتمالكون لفرط عداوتهم، وبغضهم، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه. والفعل به اتصلت به تاء التأنيث، فصار بدات، فحذفت الألف لالتقائها مع تاء التأنيث ساكنة. ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ:﴾ هذا إخبار، وإعلام من العليم الحكيم بأنّهم يبطنون من العداوة، والبغضاء أكثر ممّا ينطقون به.\n ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ:﴾ وضّحنا. ﴿الْآياتِ﴾ أي: الدّالة على وجوب موالاة المؤمنين، والإخلاص في العمل، والدّالة على وجوب معاداة الكافرين، والمنافقين. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون ما بيّن لكم، فتتعظون به. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"2","page":219},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠]. ﴿لا تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية، لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿بِطانَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ دُونِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿بِطانَةً﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْلُونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به، وجمع الضمير على إرادة أفراد البطانة. ﴿خَبالًا:﴾\nمفعول به ثان. وقيل: مفعول مطلق على تأويل: ﴿يَأْلُونَكُمْ:﴾ لا يخبلونكم خبالا. وقيل:\nمنصوب بنزع الخافض. وقيل: تمييز، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل ﴿بِطانَةً﴾ أو بمحذوف حال منها بعد وصفها بما تقدّم.\n ﴿وَدُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ مصدرية.\n ﴿عَنِتُّمْ:﴾ فعل وفاعل، و﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودّوا عنتكم، والجملة الفعلية مثل ما قبلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة؛ فلا بأس به، ولكن يجب تقدير «قد» قبلها لتقربها من الحال. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿بَدَتِ:﴾\nفعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث؛ التي هي حرف لا محلّ له. ﴿الْبَغْضاءُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ أَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْبَغْضاءُ﴾ التقدير: ظاهرة من أفواههم، والجملة الفعلية مثل سابقتها، واعتبار الحالية فيها قويّ لوجود «قد» قبلها. وقيل: الجمل الثلاث مستأنفة، ومفيدة للتعليل.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنيّة على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تُخْفِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.\n ﴿صُدُورُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيء تخفيه صدورهم. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط:\nالواو، والضمير.\n «قد»: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَيَّنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط","vol":"2","page":220},{"text":"غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم تعقلون؛ فقد بينا لكم الآيات. وقدره الجلال: فلا توالوهم. و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض مستأنف، لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-412\"></span>﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾\nالشرح: ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين الصادقين. و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ للمنافقين، والمعنى: أنتم أيها المؤمنون تحبّون المنافقين؛ واليهود؛ الذين نهيتكم عن مباطنتهم، وموالاتهم للأسباب التي بينكم، وبينهم من القرابة، والرّضاع، والمصاهرة، والحلف. ﴿وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي:\nلا يصافونكم المحبّة؛ وإن تظاهروا بألسنتهم بأنّهم يحبّونكم، ويودّونكم. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ أي: تؤمنون يا مسلمون بجميع الكتب السماوية؛ التي أنزلها الله على رسله، واليهود يؤمنون بالبعض، والمنافقون لا يؤمنون بشيء.\n ﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا﴾ أي: بمحمد ﷺ، وبالقرآن الذي أنزل عليه، ومثله في سورة (البقرة) رقم [١٤]. ﴿وَإِذا خَلَوْا﴾ أي: خلا بعضهم إلى بعض. ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: عضّوا أطراف الأصابع من الغيظ، والحنق عليكم، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هؤلاء ظهروا، وكثروا؟! والعض: عبارة عن شدّة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه، ويوصف المغتاظ، والنّادم بعضّ الأنامل، والبنان، والإبهام ومنه قول أبي طالب: [الطويل]\nيعضّون غيظا خلفنا بالأنامل\nوقال الحارث بن ظالم المرّيّ: [الطويل]\nفأقتل أقواما لئاما أذلّة... يعضّون من غيظ رءوس الأباهم\nوكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية، قال: هم الإباضية. قال ابن عطيّة-رحمه الله تعالى-:\nوهذه الصفة قد تترتّب في كثير من أهل البدع، وهو الصحيح، فتشمل الفرق الضالّة الاثنتين والسبعين، الذين ذكرتهم في الآية رقم [١٠٣]. والعضّ يعبّر به عن الشدّة، والألم. قال الفرزدق في مدح عبد الملك: [الطويل]\nوعضّ زمان يا بن مروان لم يدع... من المال إلاّ مسحتا أو مجلّف\n «مجلّف» معطوفة على معنى: لم يبق من المال إلا مسحة، أو مجلّف. والعضّ يعبّر به عن شدة التمسّك بالشيء، ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الذي يرويه عنه العرباض بن سارية﵁-: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنّواجذ». هذا؛","vol":"2","page":221},{"text":"والأنامل جمع: أنملة، والأصابع جمع: إصبع، ففيهما تسع لغات: تثليث همزتهما، وتثليث ميم أنملة، وتثليث باء إصبع، وتزيد أصبوعا، وقد نظم بعضهم ذلك، فقال: [البسيط]\nبا إصبع ثلّثن مع ميم أنملة... وثلّث الهمز أيضا وارو أصبوعا\n ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ:﴾ دعاء عليهم بدوام الغيظ، وزيادته بتضاعف قوّة الإسلام، وأهله إلى أن يهلكوا، فعليه يتّجه أن يدعو عليهم بهذا مواجهة، وغير مواجهة بخلاف اللّعنة. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ:﴾\nخبير، وبصير، لا يعزب عن علمه شيء. ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: إنّ الله عليم بما في صدور عباده من نيّة حسنة، أو نيّة خبيثة، فيفعل بهم على حسب ما تكنّه صدورهم من غدر، وخيانة، وتبييت للشرّ، وغير ذلك.\nهذا؛ و(ذات) بمعنى: صاحبة، فجعلت صاحبة الصّدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها.\nنحو قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ و﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. هذا، و(ذات) مؤنث «ذو» الذي هو بمعنى:\nصاحب، وقد يثنّى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي، كذا من غير ردّ لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنّى «ذو» ب «ذوا» أو «ذوي» على لفظه ويجوز فيها: «ذواتا» على الأصل بردّ لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرّك العين، وهي الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤٨]: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ وقال في سورة (سبأ) رقم [١٦]: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.\nهذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء: (ثمّت، وربّت، ولات) ولكنّها تعرب بالحركات الظاهرة على التّاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ والنّصب جاء في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ سورة (المسد) وكلّ معانيها في القرآن الكريم: صاحبة؛ إلا في موضعين، فإنّها جاءت بمعنى:\nالجهة، وذلك في قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ وقد رأيت تثنيتهما في الآيتين المذكورتين في حالتي النّصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع. هذا؛ ولم يتعرّض لها النحويّون بهذا المعنى مع كثرة تعرّضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا: «ذات» بمعنى: الّتي، و«ذوات» بمعنى: اللّواتي، وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات\nقال الأشموني رحمه الله تعالى: أي: عند طيئ ألحقوا ب «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم، وحكى الفراء: «بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات فضّلكم الله بها». وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة: [الرجز]\nجمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق","vol":"2","page":222},{"text":"والفرق بين الأولى، والثانية: أن الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها كما رأيت، بخلاف الثانية، فإنها معرفة بالصّلة التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة. تنبه لهذا، وأفهمه، فإنّه معنى دقيق، وأسأل الله لي المزيد من التّوفيق. هذا؛ وأضيف: أنّ جمع «ذات»: «ذوات» من لفظه كما يجمع على: أولات من غير لفظه، قال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. كما يجمع المذكر «ذو» بمعنى صاحب: «أولو» من غير لفظه، وهو كثير في القرآن الكريم.\nالإعراب: ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ:﴾ لا أرى حاجة إلى المزيد عمّا ذكرته في الآية رقم [٦٦] والله المستعان. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُحِبُّونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، والتي بعدها معطوفة أيضا عليها.\n ﴿بِالْكِتابِ﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كُلِّهِ:﴾ توكيد لما قبله، وهو بمعنى: الكتب، كما رأيت في الشرح، والهاء في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقُوكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله والكاف مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (﴿إِذا﴾) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعله، والألف للتفريق، ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف، أو معطوف على ما قبله، لا محلّ له على الاعتبارين. ﴿وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا:﴾ إعرابه ظاهر إن شاء الله، وهو معطوف على ما قبله.\n ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْأَنامِلَ﴾ التقدير: عضوا الأنامل مغتاظين عليكم. ﴿الْأَنامِلَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْغَيْظِ:﴾ متعلقان بالفعل:\n ﴿عَضُّوا﴾ وهما في محلّ مفعول لأجله.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿مُوتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِغَيْظِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِذاتِ:﴾\nمتعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ و(ذات) مضاف، و﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية تحتمل أن تكون في محل نصب مقول القول، وأن تكون مستأنفة، ومفيدة للتعليل، ومردّها إلى مقول القول.","vol":"2","page":223},{"text":"<span id=\"aya-413\"></span>﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ:﴾ تصبكم أيّها المؤمنون. وأصل المسّ: الجسّ باليد، ثمّ يطلق على كل ما يصل إلى الشيء على سبيل التشبيه، كما يقال: مسّه نصب، وتعب، وهو يأتي للخير، والشرّ، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٧]: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. و﴿حَسَنَةٌ:﴾ نعمة، كنصر، وغنيمة، ورخاء عيش، وخصب بالثّمار، والزروع. ﴿تَسُؤْهُمْ:﴾ تحزنهم. ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ:﴾ شرّ، كهزيمة، وجدب، وبلاء، وأمثال ذلك. ﴿يَفْرَحُوا بِها:﴾ يسرّوا بها. والمعنى في الآية الكريمة إنّ من كان هذا شأنه، وهذه صفته من شدّة الحسد، والحقد يفرح بنزول الشّدائد، ويغتمّ بنزول الخير لم يكن أهلا لأن يتّخذ صديقا، وبطانة، تفشى إليه الأسرار، ويطّلع على بواطن الأمور، ويركن إليه في هذه الحياة. ولله درّ القائل: [الطويل]\nوداريت كلّ النّاس إلاّ حواسدي... مداراتهم عزّت وعزّ نوالها\nوكيف تداري عنك حاسد نعمة... إذا كان لا يرضيه إلاّ زوالها\nهذا؛ وعبر سبحانه بالمسّ في الخير، وبالإصابة في الشرّ، وذلك للإشارة إلى أنّ الحسنة تسوء الأعداء الحاسدين، ولو كانت بأيسر الأشياء؛ ولو مسّا خفيفا، وأمّا السيئة؛ فإذا تمكّنت الإصابة إلى الذي يرثي له الشّامت؛ فإنّهم لا يرثون، بل يفرحون، ويسرّون. ورحم الله من يقول: [البسيط]\nكلّ العداوة قد ترجى إزالتها... إلاّ عداوة من عاداك من حسد\nهذا؛ وفي الجملتين من المحسّنات البديعيّة: المقابلة، حيث قابل الحسنة، والمساءة بها بالسّيئة، والفرح بها. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على أذاهم، وعلى طاعة الله، وموالاة المؤمنين، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله فيما أمر وفيما نهى. ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا:﴾ لا يضرّكم مكرهم، وعداوتهم، وحسدهم شيئا؛ لأنكم في حفظ الله، ورعايته، وعنايته. يقال: ضارّه، يضوره ضورا، ويضيره ضيرا. ﴿إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: هو سبحانه عالم بما يدبّرونه، ويحيكونه لكم من مكائد، فيصرف عنكم شرّهم، ويعاقبهم على نواياهم الخبيثة بما يستحقّون، فلا يفوتونه، ولا يعجزونه. يقال: أحاط السّلطان بفلان: إذا أخذه حاصرا من كلّ جهة، فهو من باب المجاز، بل هي استعارة تبعيّة في الصّفة، سارية إليها من مصدرها، وقال الشاعر: [الطويل]\nأحطنا بهم حتّى إذا ما تيقّنوا... بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السّلم","vol":"2","page":224},{"text":"ومنه قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وقال تعالى في آخر سورة (الطلاق):\n ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. هذا؛ وأصل ﴿مُحِيطٌ:﴾ (محوط) لأنّه من أحاط يحيط، أو من حاط يحوط، وهو أولى فهو من الباب الأول، فقل في إعلاله:\nاجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء فصار: (محوط) ثم انقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَمْسَسْكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والكاف مفعوله. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿تَسُؤْهُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿حَسَنَةٌ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها. وقال الجلال، ووافقه الجمل: متّصلة بالجملة الشرطية: ﴿وَإِذا لَقُوكُمْ..﴾. إلخ، وجملة: ﴿قُلْ مُوتُوا..﴾. إلخ معترضة بين الجملتين.\n ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ..﴾. إلخ: هذه الجملة إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي معطوفة عليها. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا:﴾ مثل سابقه. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ يجوز أن يكون مجزوما بسبب العطف على فعل الشرط، ويجوز أن يكون منصوبا على إضمار: «أن» كما هي القاعدة في عطف المضارع على فعل الشرط، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى الأول فالجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وعلى اعتبار الفعل منصوبا ب «أن» مضمرة يؤوّل معها بمصدر معطوف على مصدر متصيّد من الفعل السابق، التقدير: وإن يكن صبر، وتقوى.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَضُرُّكُمْ:﴾ هذا الفعل يقرأ بكسر الضاد، وسكون الراء على أنّه جواب الشرط، وقد ظهر جزمه، وعليه: فهو من: ضار، يضير ضيرا بمعنى: ضرّ، ويقرأ بضم الضّاد، وتشديد الرّاء، وضمها، وهو من: ضرّ يضرّ، وفي رفعه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه في نية التقديم، أي: لا يضرّكم كيدهم شيئا؛ إن تتقوا. وهو قول سيبويه، وعليه قول زهير بن أبي سلمى-وهو الشاهد رقم [٧٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nوإن أتاه خليل يوم مسغبة... يقول لا غائب مالي ولا حرم\nوالثاني: أنه حذفت الفاء الرابطة للجواب؛ إذ التقدير: فلا يضركم، وهو قول المبرّد، وعليه قول حسّان بن ثابت﵁-، وهو الشاهد رقم [٧٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nمن يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان","vol":"2","page":225},{"text":"وعلى هذين الوجهين فالضمة إعراب. والثّالث: أنّها ليست إعرابا، بل لمّا اضطرّ إلى التحريك؛ حرّك بالضم إتباعا لضمّة الضاد. وقيل: حركها بحركتها الإعرابية المستحقّة لها في الأصل. أبو البقاء بتصرف كبير. أقول: وهذا القول الأخير لا ضرورة فيه، وإنّما هو وجه من أوجه ثلاثة تجري في المضعّف المجزوم كما هو مقرّر في القواعد النحوية. ويقرأ بفتح الراء على أنّه مجزوم، حرّك بالفتحة لالتقاء الساكنين؛ إذ كان أخف من الضم والكسر. والكاف مفعول به.\n ﴿كَيْدُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئًا:﴾ نائب مفعول مطلق. والجملة الفعلية لا محل لها مثل ما قبلها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ التقدير: بالذي، أو: بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير:\nبعملهم. ﴿مُحِيطٌ:﴾ خبر: ﴿إِنْ﴾. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ معترضة في آخر الكلام، متضمنة للوعيد، والتهديد لأعداء المسلمين.\n\n<span id=\"aya-414\"></span>﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾\nالشرح: في الآيات الكريمة الحديث عن غزوة أحد. ومناسبتها لما قبلها: أنّه تعالى لمّا حذّر من اتّخاذ بطانة السوء؛ ذكر هنا: أنّ السبب في همّ الطائفتين من الأنصار بالفشل إنّما كان بسبب تثبيط المنافقين، وعلى رأسهم رأس النفاق ابن أبيّ، كما ذكر الله تعالى أن فشل المؤمنين في هذه الحرب إنّما هو مخالفة أوامر الرسول ﷺ. إذا فالمناسبة واضحة.\n ﴿غَدَوْتَ:﴾ خرجت غدوة، وهي السّاعات الأولى من الصّباح. ﴿مِنْ أَهْلِكَ:﴾ من بيت عائشة﵂-، وفيه مفخرة لها، ورفعة لشأنها. ﴿تُبَوِّئُ:﴾ تنزل. وفي سورة (الحشر) [٩]: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ:﴾ اتخذوها منزلا. يقال: بوّأته منزلا، وبوّأت له، كما يقال: مكّنته، ومكّنت له، والمبوّأ: المنزل الملزوم، ومنه: بوّأه الله منزلا؛ أي: ألزمه إيّاه، وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ: «من كذب عليّ متعمّدا؛ فليتبوّأ مقعده من النّار». أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة -﵁-. وقال الشاعر: [المنسرح]\nوبوّئت في صميم معشرها... فتمّ في قومها مبوّؤها\n ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ:﴾ مواطن، ومواقف من الميمنة، والميسرة، والقلب، والجناحين، والسّاقة. على أنّه جمع: مقعد، وفي سورة (الجن) قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بنيّاتكم، وسرائركم.","vol":"2","page":226},{"text":"تنبيه: الآية الكريمة، وما بعدها تتحدّث عن غزوة أحد. وملخّصها كما يلي: نزل كفّار قريش، وحلفاؤهم بأحد يوم الأربعاء ثاني عشر شوال، سنة ثلاث من الهجرة، وكانوا ثلاثة آلاف مقاتل، ليأخذوا بثأرهم ممّن قتل يوم بدر، فاستشار الرّسول ﷺ أصحابه، وقد دعا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، ولم يدعه من قبل، فقال هو، وأكثر الأنصار: أقم يا رسول الله بالمدينة، ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدوّ إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟! فدعهم، فإن أقاموا؛ أقاموا بشرّ محبس، وإن دخلوا؛ قاتلهم الرّجال، ورماهم النّساء، والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا؛ رجعوا خائبين. وأشار بعضهم إلى الخروج، فقال ﷺ:\n «إنّي رأيت في منامي بقرا مذبوحة حولي، فأوّلتها خيرا. ورأيت في ذباب سيفي ثلما، فأوّلتها هزيمة. ورأيت كأنّي أدخلت يدي في درع حصينة، فأوّلتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا في المدينة، وتدعوهم».\nفقال رجال فاتتهم بدر، وأكرمهم الله بالشّهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا! وبالغوا في ذلك حتى دخل الرسول ﷺ، فلبس لأمته-أي: درعه-فلما رأوا ذلك؛ ندموا على مبالغتهم، وقالوا: يا رسول الله! اصنع ما رأيت. فقال: لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته. فيضعها؛ حتّى يقاتل، فخرج بعد صلاة الجمعة بألف إلا خمسين رجلا، وأصبح بشعب أحد يوم السبت، ونزل في عدوة الوادي، وجعل ظهره، وعسكره إلى جبل أحد، وسوّى صفهم، وأمّر عبد الله بن جبير﵁على الرّماة الّذين وضعهم على ظهر الجبل، وقال: «انضحوا بالنّبل عنّا، لا يأتونا من ورائنا! وقال لهم: اثبتوا في هذا المقام، فإذا عاينوكم؛ ولّوا الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين، ولا تخرجوا من هذا المقام على أيّ حال، وإن رأيتمونا تخطفنا الطّير؛ فلا تبرحوا مكانكم!».\nولمّا خالف رسول الله ﷺ رأي رأس المنافقين؛ شقّ عليه ذلك، وقال لأصحابه:\nأطاع الولدان، وعصاني! ثم قال لأصحابه: إنّ محمدا إنّما يظفر بعدوّه بكم. وقد وعد أصحابه: أنّ أعداءهم إذا عاينوهم؛ انهزموا، فإذا رأيتم أعداءه، فانهزموا أنتم. فيتبعونكم، فيصير الأمر إلى خلاف ما قاله محمد لأصحابه، فلمّا التقى الجمعان، وكان عسكر المسلمين ألفا، وكان المشركون ثلاثة آلاف؛ انخذل الخبيث بثلاثمائة من أصحابه من المنافقين، وبقي مع رسول الله ﷺ نحو سبعمائة من أصحابه، فقوّاهم الله تعالى، وثبّتهم؛ حتى هزموا المشركين.\nفلمّا رأى المؤمنون أصحاب عبد الله بن جبير انهزام المشركين؛ طمعوا أن تكون هذه الوقعة كوقعة بدر، فطلبوا المدبرين، وخالفوا أمر رسول الله ﷺ، فأراد الله أن يقطعهم عن هذا الفعل؛ لئلا يقدموا على مثله من مخالفة رسول الله ﷺ، وليعلموا: أنّ ظفرهم يوم بدر إنّما كان ببركة طاعة الله، وطاعة رسول الله ﷺ. ثمّ إنّ الله نزع الرّعب من قلوب المشركين، فكرّوا راجعين","vol":"2","page":227},{"text":"على المؤمنين، فانهزم المسلمون، وبقي رسول الله ﷺ في جماعة من أصحابه، منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، وسعد، وقتل الحمزة مع من قتل، ﵃ أجمعين، وكسرت رباعيّة رسول الله ﷺ، وشجّ وجهه يومئذ، وكان من غزوة أحد ما كان.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب، متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وابن هشام يعتبره مفعولا به لهذا المحذوف. ﴿غَدَوْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (إذا) إليها، والكلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين. ﴿مِنْ أَهْلِكَ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، التقدير: خارجا من أهلك، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تُبَوِّئُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنت. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾\nمفعول به أوّل منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿مَقْعَدِ:﴾ مفعول به ثان، ويتعدّى ﴿تُبَوِّئُ﴾ في الأصل للثاني بحرف الجر. كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿مَقاعِدَ﴾ ظرف مكان؛ فلست مفنّدا. ﴿لِلْقِتالِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تُبَوِّئُ﴾ أو: هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مَقْعَدِ﴾ وجملة: ﴿تُبَوِّئُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط الضمير فقط. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿غَدَوْتَ﴾ فعلا ناقصا؛ فالتاء اسمه، وجملة: ﴿تُبَوِّئُ..﴾. إلخ في محل نصب خبره، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-415\"></span>﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ:﴾ عزمت، وأرادت، والهمّ: العزم على الشيء، والمقاربة من الفعل من غير دخول فيه، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف الصدّيق-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها﴾ وقال عمرو بن ضابئ البرجمي: [الطويل]\nهممت ولم أفعل وكدت وليتني... تركت على عثمان تبكي حلائله\nوالهمّ أيضا: الحزن، ومثله: الغمّ، ويفرّق بينهما بأن الأوّل لأجل تحصيل شيء في المستقبل، والثاني: لأجل فوات شيء، وفقدانه في الماضي، وبأنّ الأوّل يطرد النّوم، ويسبّب الأرق، والثاني: يجلب النوم، ويسبب الهدوء والسّكون. والهموم، والأحزان، إذا تفاقمت على الإنسان أسرع فيه الشيب، وهزل جسمه. روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «الهمّ نصف الهرم».\nوقال أبو الطّيّب المتنبي: [الكامل]\nوالهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصّبيّ فيهرم","vol":"2","page":228},{"text":"﴿طائِفَتانِ:﴾ قبيلتان، وهما: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي عسكر المسلمين. وانظر شرح: ﴿طائِفَةٌ﴾ في الآية رقم [٦٩]. ﴿أَنْ تَفْشَلا:﴾ أن تجبنا عن القتال، وترجعا كما رجع الخبيث عبد الله بن أبيّ المنافق، وأصحابه، وقال: علام نقتل أنفسنا، وأولادنا؟! فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري﵁وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم! فقال ابن أبيّ الخبيث: لو نعلم قتالا؛ لاتّبعناكم، فهمّ الحيّان باتّباعه، فعصمهما الله، ولم يرجعا. روى البخاريّ عن جابر﵁قال: فينا نزلت الآية الكريمة ونحن الطائفتان، وما نحبّ: أنّها لم تنزل لقول الله ﷿: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾. وانظر شرح: ﴿وَلِيُّ﴾ في الآية رقم [٢٥٧] من سورة (البقرة).\nهذا؛ والتوكّل: تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره.\nوقالوا: المتوكل من إذا دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا: إذا وقع الإنسان في محنة، ثمّ سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حدّ التوكّل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنّما هو من متعاطي الأسباب في دفع المحنة. وخذ ما يلي:\nفعن عمر بن الخطاب﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذيّ. هذا؛ وللفرق بين التوكّل، والتّسليم، والتّفويض يقال: التوكل: أن تسكن إلى وعد الله، والتّسليم: أن تكتفي بعلم الله تعالى، والتّفويض: أن ترضى بحكم الله تعالى. وانظر الآية رقم [١٦٠] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب ﴿عَلِيمٌ﴾ أو هو بدل من سابقه. ﴿هَمَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَتانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر إضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَتانِ﴾. ﴿أَنْ تَفْشَلا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: بالفشل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومثله قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٣]. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿وَلِيُّهُما:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ألف الاثنين، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"2","page":229},{"text":"﴿وَعَلَى:﴾ الواو: زائدة فيما أرى. (﴿عَلَى اللهِ﴾): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ:﴾ الفاء:\nحرف استئناف، أو هي الزائدة، والواو حرف استئناف. اللام: لام الأمر، (يتوكل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محلّ لها. هذا؛ وقال أبو البقاء- رحمه الله تعالى-: دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى: إن فشلوا؛ فتوكلوا أنتم، وإن صعب الأمر؛ فتوكلوا. وعليه: فالواو ليست زائدة، وإنّما هي عاطفة جملة شرطية على الكلام السابق، وتكون الفاء هي الفصيحة، ولا يخفى ما فيه من التكلّف. وهذه الجملة مذكورة في الآية رقم [١٦٠] الآتية، انظرها هناك.\n\n<span id=\"aya-416\"></span>﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾\nالشرح: يذكّر الله الصحابة الكرام-الذين أصيبوا في غزوة أحد-بنعمته عليهم في غزوة بدر الكبرى، وكان ذاك حين اعتمدوا، وتوكّلوا على الله. وبدر: ماء هنالك، وبه سمي الموضع، وقال الشعبيّ-رحمه الله تعالى-: كان ذلك الماء لرجل من جهينة يسمّى بدرا، وبه سمّي الموضع، ويوم بدر كان يوم الجمعة وافق السّابع عشر من رمضان من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان؛ الّذي أعز الله فيه الإسلام، وأهله، ودفع فيه الشرك، وحزبه مع قلّة المسلمين، وكثرة المشركين. ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: ذليلون، جمع: ذليل، واسم الذلّ هنا مستعار؛ لأنّهم كانوا في أنفسهم أعزّة، ولكن نسبتهم إلى عدوّهم، وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند المتأمّل ذلّتهم، وأنهم يغلبون لقلّة عددهم، وضعف عددهم من ضعف الحال، وقلّة السلاح، والمركوب، والمال، وذلك؛ لأنهم خرجوا يوم بدر على نواضح. وقد تكفّلت سورة (الأنفال) بشرح غزوة بدر.\n ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: في الثبات مع رسول الله ﷺ، واصبروا، فإنّ النّصر مع الصبر، وأنّ مع العسر يسرا. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: بتقواكم، وطاعتكم لله ما أنعم عليكم من نصرته يوم بدر مع قلّة عددكم، وضعف قوّتكم.\n ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على ما أنعم به عليكم. والترجّي إنّما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ لعباده. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا! هذا، والفعل يتعدّى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له، وباللام أفصح، هذا ومن أسماء الله تعالى: الشّكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدّرجات، ويعطي في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. وخذ ما يلي: قيل في معنى الشكر لله تعالى ما يلي:","vol":"2","page":230},{"text":"قال سهل بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: الشكر: هو الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ، والعلانية. وقالت طائفة أخرى: الشكر: هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم، ولذلك قال تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ فقال داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: كيف أشكرك يا ربّ؛ والشكر نعمة منك عليّ؟ فقال تعالى: الآن قد عرفتني، وشكرتني؛ إذ قد عرفت: أن الشكر منّي نعمة عليك. وقال موسى﵇-:\nكيف أشكرك، وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ فأوحى الله إليه:\nيا موسى! الآن شكرتني. وقال ذو النون المصري-رحمه الله تعالى-: الشكر لمن فوقك بالطّاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان، والإفضال. قرطبي بتصرف.\nهذا؛ وشكر الله يستوجب المزيد من النعم، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وجحودها يستوجب سلبها، وذهابها. قال تعالى في الآية نفسها رقم [٧]: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾. لذا قيل: إنّ الشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. وينبغي أن تعلم: أن فائدة الشكر تعود على الشاكر نفسه، قال تعالى في سورة (النّمل) رقم [٤٠]: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. هذا؛ والشكر مطلوب لكلّ منعم، ومحسن، ولو كان من البشر، لذا فقد ندبنا سيّد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ على أن نشكر من أحسن إلينا من الناس؛ لذا قال تعالى: ﴿اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وخذ ما يلي:\nفعن جابر بن عبد الله﵄عن النبي ﷺ، قال: «من أعطي عطاء، فوجد؛ فليجز به، فإن لم يجد؛ فليثن، فإنّ من أثنى؛ فقد شكر، ومن كتم؛ فقد كفر، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذيّ. وعن أسامة بن زيد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثّناء».\nوعن النّعمان بن بشير﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير. ومن لم يشكر النّاس؛ لم يشكر الله. والتّحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». قال الخطابي-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام يتأول على معنيين: أحدهما: أنّ من كان طبعه كفران نعمة الناس، وترك الشكر لمعروفهم؛ كان من عادته كفران نعم الله، ﷿، وترك الشكر له. والوجه الآخر: أنّ الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان النّاس إليه، ويكفر معروفهم؛ لاتصال أحد الأمرين بالآخر. ورحم الله من قال: [الطويل]\nومن لم يؤدّ الشّكر للنّاس لم يكن... لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر (الواو) عاطفة. وبعضهم","vol":"2","page":231},{"text":"يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلّمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو: وأقسم والله، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف. وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنّما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدّم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدّم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ. الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا، واحفظه، فإنّه جيد، والله ولي التوفيق.\nفإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم. فالجواب:\nأنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ،﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ فإن التقدير: وربّ النجم، وربّ الشمس... إلخ، الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ، وأظهر منه في سورة (المائدة) رقم [٧٣]: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. قالوا: (الواو) في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نَصَرَكُمُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿بِبَدْرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من كاف المخاطبين، والجملة الاسمية:\n ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ في محل نصب حال من الكاف أيضا، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿فَاتَّقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه؛ التي تعتبر في الفاء، والجملة القسمية مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للعلم به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية:\n ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-417\"></span>﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ..﴾. إلخ: هذا حكاية من قول الرسول ﷺ للمؤمنين يوم بدر حين استقلّوا عددهم،","vol":"2","page":232},{"text":"واستكثروا عدد عدوّهم، فوعدهم الرسول المعظم بأنّ الله سيمدّهم بألف من الملائكة. واختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بدر، أو يوم أحد؟ على قولين: أحدهما: أنّ هذا الكلام متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾. قاله عباد بن منصور، واختاره ابن جرير. وقال الربيع بن أنس﵁-: أمدّ الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة، ثم صاروا خمسة آلاف.\nالقول الثاني: أنّ هذا الوعد متعلّق بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ..﴾. إلخ، وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحّاك، ﵃، لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف؛ لأن المسلمين فرّوا يومئذ، ولم يصبروا، ولم يثبتوا، ولكن ثبت بأنّ الله أيّد الرسول ﷺ يوم أحد، فقد قال عمير بن إسحاق﵁-: لما كان يوم أحد؛ انجلى القوم عن رسول الله ﷺ، وبقي سعد بن مالك﵁يرمي-وفتى شاب يتنبّل له، كلّما فني نبله؛ أتاه به فنثره، وقال: أرم أبا إسحاق! ارم أبا إسحاق! مرّتين. فلمّا انجلت المعركة سئل عن ذلك الرّجل، فلم يعرف. وعن سعد بن أبي وقاص﵁قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ، وعن شماله يوم أحد رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه، كأشدّ القتال، ما رأيتهما قبل، ولا بعد. يعني: جبريل، وميكائيل، ﵉. متفق عليه.\nوهناك من يقول: إنّ الملائكة نزلت يوم الخندق، فقد صبر المسلمون يومئذ، واتّقوا، وثبتوا. فقد قالت عائشة﵂-: لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل؛ أتاه جبريل، ﵇، فقال: قد وضعت السّلاح؟ والله ما وضعناه! أخرج إليهم. قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا. وأشار إلى بني قريظة. فخرج النبي ﷺ إليهم. متّفق عليه.\nوعن أنس﵁قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل ﵇ حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة. أخرجه البخاري.\nهذا؛ ونزول الملائكة إنّما هو لتشريف هذه الأمّة، ولإلقاء الرّعب في قلوب المشركين. ويسأل لماذا ينزل الآلاف من الملائكة، وجبريل﵇أهلك أقواما كثيرين بصيحة واحدة، كقوم لوط، وقوم صالح، والجواب: أن هذا كلّه في عذاب الاستئصال، وقوم محمد ﷺ لم يستأصلوا كما هو معروف؛ لأنّ الله علم: أن فيهم من يؤمن بالله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من: (﴿إِذْ غَدَوْتَ﴾) أو هي متعلقة بالفعل: ﴿نَصَرَكُمُ﴾ على حسب ما رأيت من الاختلاف في التفسير. وقيل: متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿تَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلَنْ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَكْفِيَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾) والكاف مفعول به. (﴿أَنْ﴾): حرف مصدري، ونصب. ﴿يُمِدَّكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ:﴾ والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر","vol":"2","page":233},{"text":"بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و﴿أَنْ،﴾ والفعل مضارع في تأويل مصدر في محل رفع فاعل، وتقدير الكلام: ألن يكفيكم إمداد ربكم. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿تَقُولُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِثَلاثَةِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و(ثلاثة) مضاف، و﴿آلافٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (ثلاثة ﴿آلافٍ﴾) أو صفة له، وهما تمييز له في الأصل. ﴿مُنْزَلِينَ:﴾ حال من الملائكة، أو صفة ثانية له، وهو أظهر. انتهى نقلا عن السمين.\n\n<span id=\"aya-418\"></span>﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾\nالشرح: ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا:﴾ على لقاء العدو، وتثبتوا في ميدان الحرب. لكنّهم صبروا في موقعة بدر، وفي غزوة الخندق، ولم يصبروا في غزوة أحد. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله في جميع أحوالكم، وتخافوه في جميع تصرّفاتكم، وحركاتكم، وسكناتكم. ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا:﴾ الفور:\nالسرعة، والعجلة، وهو من: فارت القدر: إذا غلت، فاستعير للسّرعة، ثمّ سميت بها الحالة؛ التي لا ريث فيها، ولا تعريج على شيء من صاحبها، يقال: خرج من فوره، كما يقال: خرج من ساعته، ولم يلبث.\n ﴿مُسَوِّمِينَ:﴾ بكسر الواو المشدّدة، أي: معلمين أنفسهم، أو خيولهم بعلامة يعرفون بها في الحرب. والسّيماء، والسّيمة، والسّومة: العلامة، وهذه العلامة يعلّمها الفارس يوم اللقاء ليعرف بها. قال عنترة في معلّقته: [الكامل]\nفتعرفوني أنّني أنا ذلكم... شاكي السّلاح في الحوادث معلم\nهذا؛ ودلّت الآية الكريمة على اتّخاذ العلامة للقبائل، والكتائب يجعلها السّلطان لهم لتتميز كلّ قبيلة، وكتيبة من غيرها عند الحرب. وفي عصرنا هذا كلّ دولة تتخذ علما خاصّا بها. ويقرأ بفتح الواو المشدّدة بمعنى معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم، أو معلمين بعمائم بيض.\nفعن ابن عباس﵄قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا معلمين بالصّوف الأبيض في نواصي الدواب، وأذنابها، وقد كانوا على صور الرّجال، ويقولون للمؤمنين: اثبتوا؛ فإنّ عدوّكم قليل. والله معكم.\nتنبيه: سئل السّبكي-رحمه الله تعالى-عن الحكمة في قتال الملائكة مع أنّ جبريل ﵇ قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه. وأجاب بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبيّ ﷺ وأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش في الحرب، رعاية لصورة الأسباب؛ التي أجراها الله تعالى في عباده، والله فاعل للجميع. وذكرت الجواب في الآية السابقة.","vol":"2","page":234},{"text":"الإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب، لا محل له. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله والألف للتفريق، والمتعلق محذوف. انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والفعلان: (تتقوا) و(يأتوكم): يجوز اعتبارهما مجزومين، أو منصوبين، كما رأيت: (تتقوا) في الآية رقم [١٢٠]. ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿فَوْرِهِمْ﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿يُمْدِدْكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والكاف مفعوله. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ﴿بِخَمْسَةِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، وباقي الإعراب مثل الآية السابقة، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول فيما يظهر، وهو أولى من الاستئناف.\n\n<span id=\"aya-419\"></span>﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما جَعَلَهُ:﴾ وما جعل الإمداد المذكور في الآية السابقة. وقيل: تعود الهاء على المدد، وهم الملائكة. وقيل: تعود على التّسويم. وقيل: على الإنزال، ودل عليه ﴿مُنْزَلِينَ﴾ وقيل: تعود على العدد. ﴿بُشْرى لَكُمْ:﴾ بشارة لكم بالنصر، والعزّة، والكرامة. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي: لتسكن، وتستقرّ ضمائركم، فلا تجزع من كثرة عدوّكم، وقلّة عددكم. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: لا تحيلوا النصر على الملائكة، والجند، وكثرة العدد، والعدد؛ فإن النّصر من عند الله، لا من عند غيره. والفرض أن يكون توكّلهم على الله، لا على الملائكة الّذين أمدّوا بهم. وفيه تنبيه على الإعراض عن الأسباب، والإقبال على مسبّب الأسباب. ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فاستعينوا به، وتوكلوا عليه؛ لأنّ العزّ، وهو كمال القدرة، والقوّة، والحكم، وهو كمال العلم، فلا تخفى عليه مصالح العباد، والبلاد. وعلى كلّ فقد كان ذلك الإمداد بمنزلة السّكينة لبني إسرائيل (^١)، بشارة بالنّصر، وطمأنينة للقلوب، وهذه الآية مذكورة بجميع ألفاظها بسورة (الأنفال) رقم [١٠].\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿جَعَلَهُ اللهُ:﴾ فعل ماض. ومفعوله الأول، وفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بُشْرى:﴾ مفعول لأجله مستثنى من عموم العلل. أو هو\n_________\n١) إشارة لقوله تعالى في سورة البقرة [٢٤٨]: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ... إلخ.","vol":"2","page":235},{"text":"مفعول ثان. والأول أقوى، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿لَكُمْ:﴾\nجار، ومجرور متعلقان ب ﴿بُشْرى﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ الواو: حرف عطف.\n (﴿لِتَطْمَئِنَّ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعل الله ذلك بكم؛ لاطمئنان قلوبكم، وهذا على اعتبار: ﴿بُشْرى﴾ مفعولا ثانيا، أو هما معطوفان على: ﴿بُشْرى﴾ على اعتباره مفعولا لأجله، وتقدير الكلام: إلا للبشارة، وللاطمئنان. ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (﴿ما﴾): نافية. ﴿النَّصْرُ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْعَزِيزِ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. ومثله:\n ﴿الْحَكِيمِ﴾ وانظر ما ذكرته في إعراب البسملة أول سورة (الفاتحة). والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها؛ إن لم تجوز عطف الاسمية على الفعلية.\n\n<span id=\"aya-420\"></span>﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧)﴾\nالشرح: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ هذا متعلّق بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾.\nوالمعنى: إن المقصود من نصركم ببدر؛ ليقطع طرفا؛ أي: ليهلك طائفة من الذين كفروا.\nوقيل: المعنى: ليهدم ركنا من أركان الشّرك بالقتل، والأسر، فقتل من سادات قريش، وقادتهم سبعون، وأسر سبعون. ومن حمل الآية على غزوة أحد؛ قال: قتل من الكافرين ستة عشر، وكان النّصر فيه للمسلمين حتّى خالفوا أمر رسول الله ﷺ. فانقلب الحال.\n ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ:﴾ أصل الكبت في اللّغة: صرع الشيء على وجهه. والمعنى: أن يصرعهم على وجوههم. والمراد منه: القتل، والهزيمة، أو الإهلاك، أو اللّعن، والخزي. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ أي: فيرجعوا بالخيبة، لم ينالوا شيئا من الّذي أمّلوه. قال القحيف العقيلي شاعر إسلامي-وهو الشاهد رقم [١٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nفما رجعت بخائبة ركاب... حكيم بن المسيّب منتهاها\nالإعراب: ﴿لِيَقْطَعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ وأن المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿نَصَرَكُمُ﴾ أو بالفعل: ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾. وقيل: متعلقان بفعل محذوف يدلّ عليه أحد الفعلين المذكورين. ﴿طَرَفًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طَرَفًا﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف","vol":"2","page":236},{"text":"عطف. ﴿يَكْبِتَهُمْ:﴾ فعل مضارع معطوف على: (يقطع) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهُ﴾ أيضا، والهاء مفعول به. ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾ الفاء: حرف عطف. (ينقلبوا): فعل مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿خائِبِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-421\"></span>﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨)﴾\nالشرح: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: بل الأمر كلّه إليّ. كما قال تعالى في سورة (الرّعد): ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (سورة البقرة». وقال محمد بن إسحاق-رحمه الله تعالى-: المعنى: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم، ثمّ ذكر بقيّة الأقسام، فقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ممّا هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضّلالة. ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدّنيا، والآخرة على كفرهم، وذنوبهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ أي: يستحقّون ذلك. وخذ ما يلي:\nعن أنس﵁-: أنّ النبي ﷺ لما كسرت رباعيته، وشجّ وجهه يوم أحد؛ حتّى سال الدم على وجهه؛ قال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم؛ وهو يدعوهم إلى الله ﷿؟!». فأنزل الله الآية الكريمة. أخرجه الإمام أحمد. وقيل: استأذن ربّه في أن يدعو في استئصالهم، فأنزل الله الآية، فعلم: أنّ منهم من سيسلم. وقد آمن الكثير منهم، مثل: خالد، وعمرو بن العاص، وعكرمة، وصفوان، وغيرهم. وقيل: نزلت في أهل بئر معونة، قتلهم عامر بن الطفيل، فعن عبد الله بن عمر﵄-: أنّه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الرّكوع في الركعة الثانية من الفجر يقول: «اللهمّ العن فلانا، وفلانا، وفلانا» فأنزل الله الآية.\nوالمعتمد: أنّ الآية نزلت في وقعة أحد، والذي شجّ وجه رسول الله ﷺ وكسر رباعيّته هو: عتبة بن أبي وقّاص أخو سعد﵁-.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿لَيْسَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٌ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، وهو غير مسلّم، والأولى تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿شَيْءٌ:﴾ اسم: ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتُوبَ:﴾ معطوف على (يقطع) في الآية السابقة، فهو منصوب مثله، وعليه: فجملة ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفين، ويحتمل أن يكون منصوبا ب «أن» مضمرة بعد: ﴿أَوْ﴾ ويكون المصدر المؤول منها، ومن الفعل المضارع معطوفا على الأمر، أو على:","vol":"2","page":237},{"text":"﴿شَيْءٌ﴾. التقدير: ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم، أو: ليس لك من أمرهم شيء، أو التعدية عليهم، أو: تعذيبهم. فيكون مثل قوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥١]: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا..﴾. إلخ. ومثل هذه الآية قول ميسون بنت بحدل الكلبيّة-وهو الشّاهد رقم [٤٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف\nوأيضا قول الآخر-وهو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [البسيط]\nلولا توقّع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب\nوأيضا قول أنس بن مدركة الخثعمي-وهو الشاهد رقم [١٤٠]: من الكتاب المذكور-: [البسيط]\nإنّي وقتلي سليكا ثمّ أعقله... كالثّور يضرب لمّا عافت البقر\nوخذ القاعدة من قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوإن على اسم خالص فعل عطف... تنصبه إن ثابتا أو منحذف\nوقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى: إلاّ أن، كقولك: ألزمنّك، أو تعطيني حقي، على معنى: ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم، فتفرح بحالهم، أو يعذبهم، فتشفى منهم، ومثل ذلك قول زياد الأعجم-وهو الشاهد رقم [١٠٤]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [١٤٦]: من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]\nوكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يُعَذِّبَهُمْ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله، وفاعله ما قبله، يعود إلى: (الله) والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية تعليل لعذابهم؛ إن عذبهم الله تعالى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n\n<span id=\"aya-422\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٠٩]: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ بفضله، ورحمته. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: بعدله، وحكمته، يحكم فيهم بما يشاء، لا منازع له في","vol":"2","page":238},{"text":"حكمه، ولا معارض له في فعله. وبين: ﴿يَغْفِرُ﴾ و(﴿يُعَذِّبُ﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعية. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: أنه تعالى يستر ذنوب عباده، لا على سبيل الوجوب عليه؛ لأنه تعالى لو أدخل جميع خلقه الجنّة؛ لكان ذلك برحمته، ولو أدخل جميع خلقه النّار؛ لكان ذلك بمحض عدله، ولكن جانب المغفرة، والرّحمة غالب. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٢٩] ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (الله) ومفعوله محذوف، والجملة في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفنّدا. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (الله) والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يغفر للذي، أو: لشخص يشاؤه. والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. (الله): مبتدأ. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-423\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدّقتم بالله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان، الذي هو زينة الإنسان. وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن الكريم. ونداء المخاطبين باسم المؤمنين، يذكّرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطاعة، والامتثال. وإنّما خصّهم الله بالنداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عمّا نهى عنه؛ إذا الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.\n ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا:﴾ ينهى الله عن تعاطي الربا، وإنما ذكر الأكل؛ لأنّه أعظم منافع المال؛ لأنّ المال لا يؤكل، إنّما يصرف في المأكول، ثم يؤكل... إلخ، وانظر الآية رقم [٢٧٥]. من سورة (البقرة). ﴿أَضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ أراد به ما كانوا يفعلونه في الجاهلية عند حلول الدّين من زيادة المال، وتأخير الأجل. كان الرّجل في الجاهلية إذا كان له على آخر دين، فإذا جاء الأجل، ولم يكن للمدين ما يؤدّي؛ قال صاحب الدّين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل، فربما فعلوا ذلك مرارا فيصير الدّين أضعافا مضاعفة، فنهى الله ﷿ عن ذلك، وحرّم الله أصل الرّبا، ومضاعفته.\nهذا؛ و﴿أَضْعافًا﴾ جمع: ضعف، وهو بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشيء، وضعفاه:\nمثلاه، وأضعافه: أمثاله. هذا هو الأصل في الضّعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد، وليس","vol":"2","page":239},{"text":"للزيادة حدّ، فيقال: هذا ضعف هذا؛ أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال:\nأضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته. فمعناه: ضممت إليه مثله فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من: ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في سورة (الأحزاب): ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾. وفي (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾. وفي (النّساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. هذا؛ وللضّعف بفتح الضاد، والضّعف بكسرها، والضّعف بضمها معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز]\nفي الرّأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف\nزيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ\n ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه في أكل الرّبا، واحذروه، فلا تأكلوه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ أي لكي تسعدوا بثوابه في الآخرة؛ لأنّ الفلاح والفوز النجاح يتوقف على التقوى. وانظر ما ذكرته بشأن الربا في سورة (البقرة) رقم [٢٧٥].\nبعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ ذكر الأضعاف المضاعفة في الآية الكريمة ليس للقيد، والشرط، وإنّما هو لبيان الحالة التي كان الناس عليها في الجاهلية، وللتشنيع عليهم بأن هذه المعاملة ظلما صارخا، وعدوانا مبينا؛ حيث كانوا يأخذون الربا أضعافا مضاعفة، قال أبو حيّان -رحمه الله تعالى-نهوا عن الحالة الشّنعاء، الّتي يوقعون عليها الربا، فربما استغرق بالنّذر اليسير مال المدين، فالرّبا محرّم بجميع أنواعه، فهذه الحالة ليست قيدا في النّهي.\nوينبغي أن تلاحظ: أن هذا النهي عن أكل الرّبا جاء اعتراضا بين أثناء قصّة غزوة أحد، وإنّما خصّه الله بالذكر من بين المعاصي؛ لأنّه هو الذي آذن فيه بالحرب في قوله في سورة (البقرة) رقم [٢٧٩]. والحرب يؤذن بالقتل، فكأنّ الله﷿يقول: إن لم تتقوا الرّبا هزمتم، وقتلتم، فأمرهم بترك الرّبا؛ لأنّه كان معمولا به عندهم، والاعتراض بشيء بين ما هو بحث في شيء آخر إنّما هو للتنبيه على أهميته، كما في ذكر الدّعاء الذي بين آيات الصيام، وذكر الصّلاة بين الآيات المتعلّقة بالنّكاح، والطّلاق. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠]: ففيها الكفاية. ﴿لا تَأْكُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.\n ﴿الرِّبَوا﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَضْعافًا:﴾ حال من: ﴿الرِّبَوا﴾. ﴿مُضاعَفَةً:﴾ صفة له. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٢٣].","vol":"2","page":240},{"text":"<span id=\"aya-424\"></span>﴿وَاِتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ:﴾ هذا الوعيد لمن استحل الرّبا، ومن استحلّ الرّبا؛ فإنّه يكفر، وكلّ معصية من يستحلّها؛ فإنه كافر، ويستحقّ النار، وبئس القرار. قال ابن عباس﵄-: هذا تهديد للمؤمنين أن يستحلّوا ما حرّم الله من الرّبا وغيره مما أوجب الله فيه النّار، وقال بعضهم: إن هذه الآية أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد الله المؤمنين بالنّار المعدّة للكافرين؛ إن لم يتقوه، ويجتنبوا محارمه. وقال الواحديّ﵀-: في هذه الآية تقوية لرجاء المؤمنين برحمة من الله تعالى؛ لأنه قال: أعدّت للكافرين، فجعلها معدّة للكافرين دون المؤمنين. وجوابه ما تقدّم من أنّ من استحلّ شيئا من محارم الله؛ فإنه كافر بالإجماع.\n ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ:﴾ هيئت، وفيه دليل على أنّ النار موجودة الآن، وكذلك الجنّة، لقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وفيه ردّ على المعتزلة، وغيرهم الّذين ينكرون وجودهما الآن. هذا؛ وأصل: (﴿اِتَّقُوا﴾): اوتقيوا، قلبت الواو تاء، وأدغمت بالتاء، وحذفت الضمة التي على الياء فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، فصار: (﴿اِتَّقُوا﴾) ثم قلبت الكسرة ضمّة لمناسبة الواو.\nأمّا ﴿النّارَ﴾ فأصلها: النور، تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وهي المؤنث من المجازي، وقد تذكّر. وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنّم، الّتي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين الفاسدين يوم الدّين، كما أنّها تستعار للشدّة، والضّيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل]\nوألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها\nفهي مستعارة في هذا البيت لشدّة النكاية؛ التي أذاقها قبيلة قيس. والفعل: نار، ينور، يستعمل لازما، ومتعديا؛ إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.\nالإعراب: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ:﴾ إعرابه مثل ما قبله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿النّارَ﴾. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى النّار، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n<span id=\"aya-425\"></span>﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾\nالشرح: فهذه الآية تقرن طاعة الرّسول بطاعة الله تعالى، وهذا كثير في الآيات القرآنية، ومنه قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٠]: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾. وانظر ما ذكرته","vol":"2","page":241},{"text":"في الآية رقم [٣٢]: فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فقد أتبع سبحانه الوعد بالوعيد، ترهيبا عن المخالفة، وترغيبا في الطّاعة. وانظر مثل هذا الترجّي في الآية رقم [١٢٣].\nهذا؛ و(لعل) و«عسى» في مثل ذلك تفيدان تحقيق ما ذكر، وفي هذه الآية إطماع من ربّ كريم، فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه.\nفائدة: وفي السّمين ما نصه: (لعل) في كلام الله تعالى للناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ لعل على بابها من الترجّي، والإطماع، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين؛ أي: لعلّكم ترحمون على رجائكم، وطمعكم. وكذا قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ أي: اذهبا على رجائكما.\nوالثاني: أنّها للتعليل؛ أي: أطيعوا الله؛ لكي ترحموا، وبه قال قطرب، والطبري، وغيرهما.\nوالثالث: أنها للتعرّض للشّيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرّضين لأن ترحموا.\nالإعراب: (﴿أَطِيعُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَالرَّسُولَ:﴾ معطوف عليه. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-426\"></span>﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَسارِعُوا..﴾. إلخ؛ أي: سارعوا بالأعمال الصّالحة، التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتّوبة؛ لأنّها تؤدي إلى المغفرة. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا..﴾. إلخ: لو وصل بعضها ببعض. وقيل: إنّ الله شبه عرض الجنّة بعرض السموات والأرض، لو وصل بعضها ببعض؛ لكان عرض الجنة في قدرها جميعا. وقيل: إنّ السّماوات السّبع، والأرضين السّبع لو جعلت صفائح، وألزق بعضها ببعض؛ لكان عرض الجنة في قدرها جميعا. وقيل: إنّ الله تعالى شبّه عرض الجنة بعرض السّماوات والأرض، ولا شكّ: أن الطّول يكون أزيد من العرض، فذكر العرض تنبيها على أنّ طولها أضعاف ذلك، ومن عادة العرب: أنّها تعبّر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله، قال الشّاعر: [الطويل]\nكأن بلاد الله وهي عريضة... على الخائف المطلوب كفّة حابل\n «الكفّة» بكسر الكاف: ما يصاد به الظباء، يجعل كالطوق. والأصل فيه: أنّ ما اتّسع عرضه؛ لم يضق، ولم يدقّ، وما ضاق عرضه؛ دقّ، فجعل العرض كناية عن السّعة. وروي: أنّ هرقل أرسل إلى النبي ﷺ: إنك تدعوني إلى جنّة، عرضها السموات والأرض. فأين النّار؟ فقال","vol":"2","page":242},{"text":"رسول الله ﷺ: «سبحان الله فأين اللّيل إذا جاء النّهار؟» قيل: معناه-والله أعلم بذلك-: أنّه إذا دار الفلك حصل النّهار في جانب، والليل في ضدّ ذلك الجانب، فكذلك الجنّة في جهة العلوّ، والنار في جهة السّفل.\nوروى طارق بن شهاب: أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب﵁وعنده أصحابه، فقالوا: أرأيتم قولكم: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النّار؟ فقال: فأين الليل إذا جاء النهار؟ فقالوا: إنّ لمثلها في التوراة. ومعناه: حيث يشاء الله تعالى.\nوقيل: هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه، ويقع في نفوسهم وأفكارهم، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض فشبه عرض الجنة بعرض السموات والأرض على ما يعرفه الناس. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-: تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض، كما تبسط الثياب، ويوصل بعضها ببعض، فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله، وهذا قول الجمهور، وذلك لا ينكر. فإن في حديث أبي ذر﵁عن النبي ﷺ قال: «ما السّماوات السّبع والأرضون السّبع في الكرسيّ إلاّ كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، وما الكرسيّ في العرش إلاّ كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض» فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدّا من السموات والأرض، وقدرة الله أعظم من ذلك كله. هذا وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من سورة (الحديد) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، هذا؛ وفي الآية تشبيه بليغ حيث حذف أداة التشبيه، وصرح بها في آية (الحديد) رقم [٢١].\nبعد هذا: فقد حثّنا الله هنا إلى المسارعة إلى ما يوجب مغفرة الذنوب، وحضّنا على المسابقة إلى مثل ذلك في سورة (الحديد) وقال في سورة (المائدة) رقم [٤٨]: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ:﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٨] من سورة (البقرة) ففيها شفاء، ودواء لقلبك.\nتنبيه: حثّ الله ﷾ في الآيات التي ذكرتها على المسارعة إلى الأعمال الصّالحة، كما وصف أنبياءه بأنّهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض ما روي:\n «العجلة من الشيطان والتأنّي من الرّحمن» لأنه مستثنى منه، كما أنّ هناك أمورا تسنّ المبادرة إلى فعلها، كأداة الصّلاة المكتوبة إذا دخل وقتها، وقضاء الدّين بحقّ الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ لها، ودفن الميت، وإكرام الضّيف إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن عليّ﵁قال: قال رسول الله له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها، الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». أخرجه الترمذيّ، وجاء في الشعر العربيّ الحثّ على العجلة. قال بشار بن برد الأعمى: [البسيط]\nمن راقب النّاس لم يظفر بحاجته... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج\nواختصره سلم الخاسر، فقال: [مخلّع البسيط]\nمن راقب النّاس مات همّا... وفاز باللّذة الجسور","vol":"2","page":243},{"text":"ونسب للأعشى، ولغيره ما يلي: [البسيط]\nوربّما فات قوما جلّ أمرهم... من التّأنّي وكان الحزم لو عجّلوا\nوقال آخر: [البسيط]\nوربّما ضرّ بعض النّاس بطؤهم... وكان خيرا لهم لو أنّهم عجّلوا\nالإعراب: ﴿وَسارِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ويقرأ بدون واو على الإفراد، فتكون الجملة مستأنفة. ﴿إِلى مَغْفِرَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَجَنَّةٍ:﴾ معطوف على: ﴿مَغْفِرَةٍ﴾. ﴿عَرْضُهَا:﴾ مبتدأ، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿السَّماواتُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة: (﴿جَنَّةٍ﴾). ﴿وَالْأَرْضُ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: (﴿جَنَّةٍ﴾) والتاء للتأنيث. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل (﴿جَنَّةٍ﴾) أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، والاستئناف ممكن.\n\n<span id=\"aya-427\"></span>﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ أي: المال. ﴿فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ﴾ أي: في العسر، واليسر، في الغنى، والفقر، والرّخاء، والشدّة، لا يتركون الإنفاق في جميع الحالات، لا في فرح وسرور، ولا في حال محنة وبلاء، وسواء أكان الواحد منهم في عرس، أو حبس، فإنّهم لا يدعون الإحسان إلى النّاس، فأول ما ذكر الله من أخلاقهم الموجبة للجنّة السّخاء، وبذل المال؛ لأنّه أشقّ على النفس، وكانت الحاجة إلى بذل المال في ذلك الوقت أعظم الأحوال للحاجة إليه في مجاهدة الأعداء، ومواساة الفقراء المسلمين مهاجرين، وغيرهم. وقد ذكرت لك فيما مضى كثيرا من الأحاديث النبوية التي ترغّب في إنفاق المال في وجوه الخير. وخذ هنا ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مثل البخيل والمنفق، كمثل رجلين عليهما جنّتان من حديد، من ثديّهما إلى تراقيهما، فأمّا المنفق؛ فلا ينفق شيئا إلا مادت على جلده؛ حتى تجنّ بنانه، وتعفو أثره، وأمّا البخيل؛ فلا يريد أن ينفق شيئا، إلاّ لزقت كلّ حلقة موضعها، فهو يوسّعها، ولا تتّسع». متّفق عليه. ولا تنس: أنّ بين ﴿السَّرّاءِ﴾ و﴿وَالضَّرّاءِ﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعية.","vol":"2","page":244},{"text":"﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ؛ كظموه، بمعنى: كتموه، فلم يعملوه، وعفوا عمّن أساء إليهم، وقد ورد في بعض الآثار: يقول الله ﷿: «يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أهلك فيما أهلك». رواه ابن أبي حاتم. والغيظ: شدّة الغضب، ومنه رجل كظيم، ومكظوم: إذا كان ممتلئا غمّا، وحزنا. قال تعالى في حقّ «يعقوب» على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. وقال تعالى في من يسوءه ولادة الأنثى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. وقال تعالى في حقّ «ذي النّون» على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. والغيظ: أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان، لكن فرقان ما بينهما: أنّ الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب، فإنّه يظهر على الجوارح مع فعل ما، ولا بدّ، ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى: أنّه هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم، وخذ ما يلي:\nفعن معاذ بن أنس﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من كظم غيظا، وهو قادر على أن ينفّذه؛ دعاه الله سبحانه على رءوس الخلائق حتّى يخيّره من الحور العين ما شاء». رواه أبو داود، والترمذيّ.\nوعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «ليس الشّديد بالصّرعة، إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما. وانظر الترغيب، والترهيب للحافظ المنذري؛ إن أردت الزيادة.\n ﴿وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ:﴾ يعفون عمّن أساء إليهم، أو ظلمهم، والعفو عن الناس أجلّ ضروب فعل الخير، والإحسان، والأحاديث المرغّبة في ذلك كثيرة، أكتفي منها هنا بما يلي:\nعن أبي كبشة الأنماريّ﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ثلاث أقسم عليهنّ، وأحدّثكم حديثا، فاحفظوه. قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلاّ زاده الله عزّا، فاعفوا؛ يعزّكم الله، ولا فتح عبد باب مسألة إلاّ فتح الله عليه باب فقر». رواه أحمد، والترمذي. وعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ، قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلاّ عزّا، وما تواضع أحد لله؛ إلاّ رفعه الله ﷿». رواه مسلم، والترمذيّ. وروى أنس: أنّ رجلا قال: يا رسول الله! ما أشدّ من كلّ شيء؟ قال: «غضب الله» قال: فما ينجي من غضب الله؟ قال: «لا تغضب». قال العرجي: [الكامل]\nوإذا غضبت فكن وقورا كاظما... للغيظ تبصر ما تقول وتسمع\nفكفى به شرفا تصبّر ساعة... يرضى بها عنك الإله وترفع\nوقال عروة بن الزّبير﵄في العفو: [البسيط]\nلن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا... حتّى يذلّوا وإن عزّوا لأقوام","vol":"2","page":245},{"text":"ويشتموا فترى الألوان مشرقة... لا عفو ذلّ ولكن عفو إكرام\n ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: يثيبهم على إحسانهم. قال سريّ السّقطي-رحمه الله تعالى- الإحسان أن تحسن وقت الإمكان، فليس كلّ وقت يمكنك الإحسان، قال الشاعر: [البسيط]\nبادر بخير ما كنت مقتدرا... فليس في كلّ وقت أنت مقتدر\nوقال أبو العباس الجماني، فأحسن: [الخفيف]\nليس في كلّ ساعة وأوان... تتهيّأ صفائح الإحسان\nوإذا أمكنت فبادر إليها... حذرا من تعذّر الإمكان\nهذا؛ وللإحسان المقبول شرطان: أحدهما: أن يكون خالصا لوجه الله تعالى. والثاني: أن يكون موافقا للشريعة؛ التي جاء بها محمّد ﷺ. فمتى اختلّ شرط منهما؛ كان العمل غير مقبول قطعا.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: الأول: الجر على أنّه صفة ل (المتقين) أو بدل منه. والثاني: النصب على إضمار فعل، تقديره: أعني، أو أمدح. والثالث: الرّفع من وجهين:\nأحدهما: أنه خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هم الذين. والثاني: أنه مبتدأ، خبره ما بعده، وهو مبني على الفتح في محل جرّ، أو في محل نصب، أو في محل رفع. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فِي السَّرّاءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالضَّرّاءِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَالْكاظِمِينَ:﴾\nمعطوف على: ﴿الَّذِينَ﴾ على الجر والنصب، ولم يقرأ بالرفع، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْغَيْظَ:﴾\nمفعول به ب (﴿الْكاظِمِينَ﴾). ﴿وَالْعافِينَ:﴾ معطوف على: (﴿الْكاظِمِينَ﴾) على الوجهين المعتبرين فيه، والياء هي النائبة مناب الكسرة، أو الفتحة في الاسمين؛ لأنهما صفتا جمع مذكر سالم، والنون فيهما عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَنِ النّاسِ:﴾ متعلقان ب (﴿الْعافِينَ﴾) قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وفاعله مستتر فيه. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (﴿اللهُ يُحِبُّ..﴾.) إلخ معترضة بين المتعاطفين مقرّرة لمحبّة الله للمحسنين.\n\n<span id=\"aya-428\"></span>﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً:﴾ يعني: فعلة فاحشة خارجة عمّا أذن الله فيه.\nوالفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال، والأقوال. وقال جابر بن عبد الله﵁-:","vol":"2","page":246},{"text":"الفاحشة: الزنى. ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ ظلم النفس هو ما دون الزنى، مثل القبلة، والمعانقة، واللمس، والنظر. ﴿ذَكَرُوا اللهَ:﴾ ذكروا وعيد الله، وعقابه، ووقوفهم بين يديه حين يسألهم عن أعمالهم يوم الفزع الأكبر، ذكروا عظمته، وكبرياءه. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: لأجل ذنوبهم، فتابوا منها، وأقلعوا عنها، نادمين على فعلها، عازمين على ألا يعودوا إليها. وهذه شروط التوبة المقبولة من حقّ الله، وأمّا التوبة من حقّ العبد؛ فلها شرط رابع، وهو ردّ الحقّ إلى صاحبه.\n ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ أي: لا يغفر الذنوب إلا الله. وصف سبحانه نفسه بسعة الرحمة، وقرب المغفرة، وأن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا إلى فضله، وكرمه، وعفوه، ورحمته، وإحسانه. وفيه تنبيه على: أنّ العبد لا يطلب المغفرة إلا منه، وأنّه القادر على عقاب المذنب، وكذلك هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه، فثبت: أنّه لا يجوز طلب المغفرة إلا منه، ﷿.\n ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ يعني: ولم يقيموا على الذنوب، ولم يستمرّوا عليها، ولكن تابوا منها، وأنابوا، واستغفروا. والإصرار: هو العزم بالقلب على ترك الأمر، والإقلاع عنه، ومنه صرّ الدّنانير، أي: الربط عليها. وقال قتادة: الإصرار: الثبوت على المعاصي، قال الشاعر: [البسيط]\nيصرّ باللّيل ما تخفي شواكله... يا ويح كلّ مصرّ القلب ختّار\nقال سهل بن عبد الله-رحمه الله تعالى-الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصر هالك. والإصرار هو التّسويف، والتّسويف أن يقول: أتوب غدا. وبمعنى الثبوت قوله تعالى في سورة (الجاثية) رقم [٨]: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها،﴾ وفي سورة (الواقعة) قوله تعالى: ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. وقيل: الإصرار: ترك الاستغفار.\nفعن أبي بكر﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما أصرّ من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرّة». الترمذيّ.\n ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ فيه أقوال كثيرة، قال ابن عباس﵄-: وهم يعلمون: أنها معصية، وأنّ لهم ربّا يغفرها. وقيل: وهم يعلمون: أن الإصرار ضارّ. وقيل: وهم يعلمون: أنّ الله ملك مغفرة الذنب. وقيل: وهم يعلمون: أنّ الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب؛ وإن كثرت.\nوقيل: وهم يعلمون: أنهم إن استغفروه؛ غفر لهم. قال ثابت البناني-رحمه الله تعالى-: بلغني:\nأنّ إبليس بكى حين نزلت الآية الكريمة. وذكر في مختصر ابن كثير عن أنس﵁-.\nبعد هذا: فقد ندبنا الله ﷿ في كثير من الآيات القرآنيّة إلى الاستغفار، وحثّنا عليه الرسول ﷺ في أحاديثه الكثيرة الصّحيحة. وخذ من ذلك ما يلي: فعن عليّ﵁- قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدّثني عنه غيره؛ استحلفته، فإذا حلف لي؛ صدّقته، وإنّ أبا بكر﵁حدّثني، وصدق: أنّه سمع","vol":"2","page":247},{"text":"رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل يذنب ذنبا، فيتوضّأ، ويحسن الوضوء، ثمّ يصلّي ركعتين، فيستغفر الله، ﷿؛ إلاّ غفر له». ثم قرأ هذه الآية، والآية رقم [١١٠] من سورة (النساء).\nأخرجه أبو داود، والترمذيّ. أقول: والمرأة مثل ذلك.\nوعن أنس﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، قال الله ﷿: «يا بن آدم! إنّك ما دعوتني، ورجوتني؛ غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي. يا بن آدم! إنّك لو بلغت ذنوبك عنان السّماء، ثمّ استغفرتني؛ غفرت لك، ولا أبالي. يا بن آدم! إنّك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثمّ لقيتني لا تشرك بي شيئا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة». أخرجه التّرمذيّ، وقال: حديث حسن.\nوعن أبي سعيد الخدري﵁قال: «قال إبليس: وعزّتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم! فقال: وعزّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني!». رواه الإمام أحمد، والحاكم. وعن ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال:\nأستغفر الله العظيم، الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه؛ غفرت ذنوبه، وإن كان فرّ من الزّحف». أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والحاكم. هذا بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [١٧] وفي الآية رقم [١٩٩] من سورة (البقرة) وخذ ما يلي:\nفقد روي: أنّ عمر﵁خرج يستسقي، فما زاد الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد استسقيت بمجاديح السّماء التي يستنزل بها المطر. شبّه الاستغفار بالأنواء الصّادقة التي لا تخطئ. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: أنّ رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، فقال: استغفر الله، وآخر شكا إليه قلة الأولاد، فقال:\nاستغفر الله، وشكا إليه آخر قلة ريع أرضه، فقال: استغفر الله، فقال له الربيع ابن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا، ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلّهم بالاستغفار! فتلا عليه قوله تعالى في سورة نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا﴾.\nبعد هذا؛ فالفعل: «استغفر» يتعدّى لاثنين، أولهما بنفسه، والثّاني ب «من» نحو: استغفرت الله من ذنبي، وقد يحذف حرف الجر، كقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٨٦]: من كتابنا فتح رب البريّة: [البسيط]\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والقبل\nومثل: استغفر: أمر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله في الآية السابقة على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب لجوابه، صالح لغير ذلك،","vol":"2","page":248},{"text":"مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَعَلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فاحِشَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. وجملة: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ معطوفة عليها، وجملة: ﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ:﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها، والإعراب مثل الأولى، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنه صلة الموصول.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف، واعتراض. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام بمعنى النفي مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (﴿مَنْ﴾). ﴿الذُّنُوبَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهَ:﴾ بدل من الفاعل المستتر، والجملة الاسمية: (﴿مَنْ يَغْفِرُ..﴾.) إلخ معترضة بين المتعاطفين، مؤكدة سعة رحمة الله تعالى، وعموم مغفرته، والحثّ على الاستغفار، والوعد بقبول التوبة.\n (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وجزم، وقلب. ﴿يُصِرُّوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وجملة: ﴿فَعَلُوا﴾ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ولم يصروا على الذي، أو: على شيء فعلوه، وعلى اعتبار ما مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى﴾ التقدير: على فعلهم، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها مثله، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة في «استغفروا» فلست مفندا.\nالواو: واو الحال «هم»: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾\nفعل مضارع، والواو فاعله، وانظر تقدير المفعول في الشرح، والجملة الفعلية في محل خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُصِرُّوا،﴾ والرابط: الواو، والضمير، فتكون حالا متداخلة على الوجه الثاني في الجملة قبلها.\n\n<span id=\"aya-429\"></span>﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى الموصوفين بما تقدّم، والإشارة بالبعيد للإشعار ببعد منزلتهم، وعلوّ مكانتهم في الفضل. ﴿جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ..﴾. إلخ: قدّم سبحانه المغفرة على الجنّة؛ لأنّ التخلية مقدّمة على التّحلية، فلا يستحقّ دخول الجنّة من لم يتطهّر من الذنوب، والآثام. هذا؛ وتفيد الآية الكريمة: أنّ المطلوب بالتوبة أمران: أحدهما الأمن من العقاب،","vol":"2","page":249},{"text":"وإليه الإشارة بقوله جلّ ذكره: ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ والثاني: إيصال الثواب، وإليه الإشارة بقوله تعالى شأنه: ﴿وَجَنّاتٌ تَجْرِي..﴾. إلخ؛ أي: ذلك لهم ذخر لا يبخس، وأجر لا يوكس. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ أي: ونعم ثواب المطيعين؛ أي: الجنة، وما فيها من النّعيم، والخير العميم.\nتنبيه: لا يلزم من إعداد الجنّة للمتقين، والتائبين جزاء لهم ألا يدخلها المصرّون، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم ألا يدخلها غيرهم، بل المصرّون يدخلون الجنّة بعد أن يعذّبوا في نار الجحيم على حسب جرائمهم، ويدخل النّار من غير الكافرين عصاة المسلمين من الفاسدين، والظّالمين في هذه الدّنيا. وتنكير (﴿جَنّاتٌ﴾) على الأول يدلّ على أنّ ما لهم دون ممّا للمتّقين الموصوفين بتلك الصّفات المذكورة في الآية المتقدّمة، وكفاك فارقا بين القبيلتين: أنّه فصّل آيتهم، بأن بيّن: أنّهم محسنون، مستوجبون لمحبّة الله، وذلك؛ لأنّهم حافظوا على حدود الشرع، وتخطّوا التّخصّص بمكارمه. وفصّل آية هؤلاء بقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ؛﴾ لأنّ المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل بعض ما فوّت على نفسه، وكم بين المحسن، والمتدارك، والمحبوب، والأجير! ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذا النّكتة. انتهى بيضاوي.\nوفي هذا ردّ على الزّمخشري القائل: وفي هذه الآيات بيان قاطع: أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متّقون، وتائبون، ومصرّون، وأنّ الجنّة للمتّقين، والتّائبين منهم دون المصرّين.\nومن خالف في ذلك، فقد كابر عقله، وعاند ربّه. انتهى كشّاف. وقد صفعه ابن المنير-رحمه الله تعالى-صفعة ناعمة، ثمّ ذكر ما يلي:\nروي: أنّ الله﷿أوحى إلى موسى﵇-: «ما أقلّ حياء من يطمع بجنّتي بغير عمل؟! كيف أجود برحمتي على من بخل عليّ بطاعتي؟!» وعن شهر بن حوشب-رحمه الله تعالى-: طلب الجنّة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشّفاعة بلا سبب نوع من الغرور.\nوارتجاء الرحمة ممّن لا يطاع حمق، وجهالة. وعن الحسن﵁-: يقول الله يوم القيامة: جوزوا الصّراط بعفوي، وادخلوا الجنّة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم. وعن رابعة البصريّة﵂-: أنها كانت تنشد، وفي كتاب أدب الدّنيا، والدّين: أن ذلك لأبي العتاهية الصّوفي: [البسيط]\nما بال دينك ترضى أن تدنّسه... وثوب دنياك مغسول من الدّنس\nترجو النّجاة ولم تسلك مسالكها... إنّ السّفينة لا تجري على اليبس\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ مبتدأ ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. مغفرة: خبره، والجملة الاسمية في محلّ رفع خبر المبتدأ. هذا؛","vol":"2","page":250},{"text":"وأجيز اعتبار: ﴿جَزاؤُهُمْ..﴾. بدلا من أولئك بدل الاشتمال، فيكون المصدر خبرا عنه، وذكرت في الآية رقم [٨٧] ضعفه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ..﴾. إلخ على اعتباره مبتدأ على وجه من ذكره، كما يجوز اعتباره في محل رفع خبر:\n (﴿الَّذِينَ إِذا..﴾.) إلخ على اعتباره مبتدأ، وغير معطوف على سابقه، أو هي مستأنفة لا محل لها من الإعراب بالإعراض عن الكلام السّابق. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة مقدّرة له. ﴿وَجَنّاتٌ:﴾ معطوف على: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و«ها» في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (﴿جَنّاتٌ﴾). ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وذكرت لك فيما مضى صحّة مجيء الحال من المضاف إليه، وفاعله مستتر فيه. وقال مكي: حال من: ﴿أُولئِكَ﴾ ولا وجه له البتة. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿وَنِعْمَ﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿نِعْمَ﴾): فعل ماض جامد دالّ على إنشاء المدح. ﴿أَجْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْعامِلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرّه الياء... إلخ من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: ونعم أجر العاملين؛ الّذي ذكر، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-430\"></span>﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ خَلَتْ:﴾ مضت، وذهبت. وإعلاله مثل إعلال: «بدا» في الآية رقم [١١٨].\n ﴿سُنَنٌ:﴾ وقائع سنّها الله في الأمم التي كذبت رسلها؛ حيث أهلكها الله بسبب مخالفتها للأنبياء. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين الذين أصيبوا يوم أحد، ففيه تسلية لهم على ما أصابهم من الحزن، والكآبة في هزيمة غزوة أحد. وهذا رجوع لتفصيل بقية قصّة أحد، بعد تمهيد مبادئ الرّشد، والصلاح، وأوّلها الآية رقم [١٢١]: فقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا﴾ إلى هذه الآية اعتراض في خلال القصّة الواحدة. وخذ قول الشاعر، من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفلا تجزعن من سيرة أنت سرتها... فأوّل راض سنّة من يسيرها\nوالسّنّة: الإمام المتّبع المؤتمّ به. قال لبيد﵁في معلّقته: [الكامل]\nمن معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها\nوالسّنة: الأمّة، والسّنن: الأمم. قاله المفضل، وأنشد: [البسيط]\nما عاين النّاس من فضل كفضلهم... ولا رأوا مثلهم في سالف السّنن","vol":"2","page":251},{"text":"هذا؛ والسّنة بمعنى: الشّريعة، والطّريقة، تكون حسنة، إن كانت في الخير، وتكون سيّئة إن كانت في الشرّ. وخذ ما يلي: عن النّبيّ ﷺ قال: «من سنّ خيرا، فاستنّ به؛ كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا. ومن سنّ شرّا، فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه الإمام أحمد، والحاكم عن حذيفة﵁ورواه مسلم، وابن ماجة، والترمذيّ عن جرير بن عبد الله البجلي بأطول من هذا.\n ﴿فَسِيرُوا:﴾ هذا الأمر لصحابة رسول الله ﷺ لينظروا، ويعتبروا بأحوال الأمم الماضية.\nوفيه ردع، وزجر للكافرين المكذّبين بأنّ الله سيهلكهم، كما أهلك من قبلهم؛ لأنّ الكافر إذا تأمّل أحوال الكفار المهلكين تأمّل اعتبار؛ صار ذلك داعيا إلى الإيمان، والكف عن كثير من طغيانه، وجبروته؛ لأن النّظر إلى آثار المتقدّمين له أثر في النفس الكاملة، كما قيل: [الخفيف]\nإنّ آثارنا تدلّ علينا... فانظروا بعدنا إلى الآثار\nهذا؛ وعاقبه كلّ شيء آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله. ولم يؤنّث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأنّ عاقبة مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، أو لأن عاقبة اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهو مصدر مثل: «العافية» ... إلخ.\nبعد هذا: فإنّي ألفت النظر إلى أنّه تعالى، قال هنا: ﴿فَانْظُروا﴾ بعد الأمر بالسّير في الأرض، وقال جلّ ذكره في الآية رقم [١١] من سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ والفرق بينهما:\nأنّ النظر جعل مسببا عن السّير، فكأنه قيل: سيروا؛ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السّير هناك: إباحة السّير في الأرض للتّجارة، وغيرها، وإيجاب النّظر في آثار الهالكين، ونبّه على ذلك ب (ثم) التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح. انتهى.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿سُنَنٌ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة: نعت النكرة... إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سُنَنٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَسِيرُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر، التقدير: إنّ شككتم في ذلك ﴿فَسِيرُوا﴾. (سيروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محلّ جزم جواب للشّرط المقدّر: «إن».\n ﴿فَانْظُروا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظروا): مثل سابقه في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ تقدّم عليها وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف،","vol":"2","page":252},{"text":"و﴿الْمُكَذِّبِينَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبلهما المعلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام.\n\n<span id=\"aya-431\"></span>﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾\nالشرح: ﴿هذا:﴾ الإشارة إلى القرآن، أو إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ..﴾. إلخ، أو إلى ما ذكر من أحوال المتقين، والتّائبين. هذا؛ والبيان: الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة، بعد أن كانت حاصلة. والهدى: بيان طريق الرّشد المأمور بسلوكه دون طريق الغيّ. والموعظة: هي الكلام الذي يفيد الزّجر عمّا لا ينبغي في طريق الدّين، وإنّما خصّ المتّقين بالهدى، والموعظة؛ لأنّهم هم المنتفعون بهما دون غيرهم. انتهى خازن بتصرّف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له (ذا) اسم إشارة مبنيّ على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَيانٌ:﴾ خبره. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿بَيانٌ﴾ لأنّه مصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على ﴿بَيانٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَمَوْعِظَةٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب (﴿مَوْعِظَةٌ﴾) أو بمحذوف صفة لها، وحذف متعلق (﴿هُدىً﴾) لدلالة متعلق (﴿مَوْعِظَةٌ﴾) عليه، أو هو من باب التنازع. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-432\"></span>﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة يوم أحد حين أمر رسول الله ﷺ أصحابه بطلب المشركين مع ما أصابهم من الجراح، والقتل، وكان قد قتل من الأنصار سبعون رجلا، ومن المهاجرين خمسة رجال، منهم: الحمزة، ﵃ أجمعين. ومعنى الآية: لا تضعفوا عن الجهاد، ولا تجزعوا على من قتل منكم؛ لأنهم في الجنّة. ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ يعني: بالعزة، والنّصر، والغلبة عليهم.\nقال ابن عباس﵄-: انهزم أصحاب رسول الله ﷺ في الشّعب، فأقبل خالد ﷺ في خيل المشركين، يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال رسول الله ﷺ: «اللهمّ لا يعلوه علينا، اللهمّ لا قوّة لنا إلاّ بك» فثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا الجبل، ورموا خيل المشركين؛ حتّى انهزموا، وعلا المسلمون الجبل. وقيل: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ؛﴾ لأنّ حالكم خير من حالهم؛ لأنّ قتلاكم في الجنّة، وقتلاهم في النّار، وأنتم تقاتلون على الحقّ، وهم يقاتلون على الباطل، ولأنّ العاقبة الحسنة لكم بالظفر، والنصر عليهم. وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة؛ لأنّه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، فقد قال لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:","vol":"2","page":253},{"text":"﴿قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ وقال لهذه الأمة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ مصدّقين بوعد الله، فلا تهنوا، ولا تحزنوا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَهِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة في المعنى على قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَلا تَحْزَنُوا:﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿وَأَنْتُمُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمُ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْأَعْلَوْنَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١٨] وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. انظر الشرح.\n\n<span id=\"aya-433\"></span>﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (١٤٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٠]، ﴿قَرْحٌ:﴾ يقرأ بفتح القاف، وضمها، وهما لغتان، كالضّعف، والضّعف. وقيل: بالفتح: الجراح، وبالضّمّ: ألمها. ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ..﴾. أي: فقد أصاب الكفار أعداءكم قريب من ذلك من قتل، وجراح. قال تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٠٤]: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ..﴾. إلخ. ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ:﴾ نصرفها بين الناس من فرح، وحزن، وصحّة، وسقم، وغنى، وفقر، واجتماع، وفرقة، كما قال الشاعر: [الطويل]\nثمانية للمرء لا بدّ منهم... وكلّ امرئ لا بدّ له من ثمانيه\nسرور وحزن واجتماع وفرقة... عسر ويسر ثم سقم وعافيه\nوالدّولة: الكرّة، قال النّمر بن تولب الصّحابي﵁وهو الشاهد رقم [٢٠٩]:\nمن كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [المتقارب]\nفيوم علينا ويوم لنا... ويوم نساء ويوم نسرّ\nوالمداولة: مثل المعاورة، قال الشاعر: [الكامل]\nفلأهدينّ مع الرّياح قصيدة... منّي محيّرة إلى القعقاع\nترد المياه فلا تزال مداولا... في النّاس بين تمثّل وسماع","vol":"2","page":254},{"text":"﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليظهر الله للناس إيمان الذين آمنوا، ويميّزهم من غيرهم، فهو سبحانه عليم بالناس، وأعمالهم، وأقوالهم، ونيّاتهم قبل أن يخلقوا وبعد أن خلقوا. فالعلم هنا بمعنى الظّهور، والتمييز. ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ أي: وليكرم قوما بالشهادة، من أراد أن يكرمهم بها، وذلك؛ لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنّون لقاء العدو، وأن يكون لهم يوم كيوم بدر، فيقاتلون العدوّ، ويلتمسون فيه الشهادة، ﴿شُهَداءَ..﴾. جمع: شهيد، سمّي بذلك؛ لأنّه مشهود له بالجنّة. والشهيد بمعنى الشّاهد؛ أي: الحاضر للجنّة. والشّهادة فضلها عظيم، ويكفيك في بيان فضلها قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١١١]: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ..﴾.\nإلخ، وقوله تعالى في سورة (الصف): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-في هذه الآية دليل على أنّ الإرادة غير الأمر، كما يقوله أهل السنّة، فإنّ الله نهى الكفار عن قتل المؤمنين؛ حمزة، وأصحابه؛ وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشّجرة، وأراده، فواقعه آدم، وعكسه: أنّه أمر إبليس بالسّجود لآدم، ولم يرده، فامتنع، وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق في سورة (التوبة): ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد، ولكنّه-جلّ ذكره-خلق الكسل، والأسباب القاطعة عن المسير، فقعدوا. انتهى.\n ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ:﴾ تقدّم معنى محبة الله، وعدم محبته لعباده، وانظر شرح: ﴿الْأَيّامُ﴾ في الآية رقم [٢٥].\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَمْسَسْكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والكاف مفعوله. ﴿قَرْحٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَسَّ:﴾ فعل ماض. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿قَرْحٌ﴾ فاعله. ﴿مِثْلُهُ...:﴾ صفته، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط فيما يظهر، وعند التأمل يتبيّن لك: أنّ الجواب محذوف، التقدير: إن يمسسكم قرح؛ فلا تحزنوا، أو: فتأسّوا. وعليه فجملة:\n ﴿فَقَدْ مَسَّ..﴾. إلخ تعليل للجواب المحذوف، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.\n ﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿تِلْكَ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿الْأَيّامُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿نُداوِلُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿الْأَيّامُ﴾ خبر المبتدأ. وعليه فالجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه.","vol":"2","page":255},{"text":"﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِيَعْلَمَ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على علة محذوفة، التقدير: نداولها بين الناس ليكون كذا، وكذا، وليظهر الله الذين آمنوا للنّاس. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿وَيَتَّخِذَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَتَّخِذَ﴾): فعل مضارع معطوف على (﴿يَعْلَمِ﴾) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾.\n ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شُهَداءَ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا... إلخ. ﴿شُهَداءَ:﴾ مفعول به.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو حرف استئناف، واعتراض. «الله»: مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿الظّالِمِينَ...:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء\nإلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، وهو أولى من اعتبارها حالا من فاعل (﴿يَتَّخِذَ﴾) المستتر، وعند ما تعلم: أنّ ﴿وَلِيُمَحِّصَ..﴾. إلخ معطوف على الكلام السابق؛ يتبيّن لك: أنّها معترضة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-434\"></span>﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَلِيُمَحِّصَ..﴾. إلخ: ليطهّرهم، ويصفّيهم من الذنوب؛ إن كانت الدّولة عليهم، والتمحيص: التنقية، والإزالة. ﴿وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ:﴾ يهلكهم؛ إن كانت الغلبة عليهم. ومعنى الآية: إن قتلكم الكافرون؛ فهو شهادة لكم، وتطهير من الذنوب، والسّيئات، وإن قتلتموهم أنتم؛ فهو محقهم، واستئصالهم، ومحو آثارهم.\nالإعراب: ﴿وَلِيُمَحِّصَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِيُمَحِّصَ﴾): إعرابه مثل إعراب: (﴿لِيَعْلَمَ﴾) والجار والمجرور معطوفان عليه أيضا. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلته. ﴿وَيَمْحَقَ:﴾ فعل مضارع معطوف على (يمحص) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ.\n<span id=\"aya-435\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ (١٤٢)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ..﴾. إلخ. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى: «بل» وقيل: الميم زائدة، ويبقى الاستفهام للتوبيخ، والإنكار. وانظر شرح (يحسب) في الآية رقم [٢٧٣]: من سورة (البقرة)، والمعنى: لا تظنوا أيّها المؤمنون أن تدخلوا الجنة، وتنالوا كرامتي، وثوابي. ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ﴾","vol":"2","page":256},{"text":"﴿جاهَدُوا مِنْكُمْ:﴾ قال الإمام فخر الدّين الرازي-رحمه الله تعالى-: ظاهر الآية يدلّ على وقوع النفي عن العلم، والمراد وقوعه على نفي المعلوم، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولمّا يصدر الجهاد عنكم، وتقديره: أنّ العلم متعلّق بالمعلوم، كما هو عليه، فلما حصلت هذه المطابقة؛ لا جرم حسن إقامة كلّ واحد منهما مقام الآخر. وقال الواحدي-رحمه الله تعالى- النفي في الآية واقع على العلم، والمعنى على الجهاد دون العلم، وذلك لما فيه من الإيجاز في انتفاء جهاد لو كان؛ لعلمه، والتقدير: ولمّا يكن المعلوم من الجهاد، الذي أوجب عليكم.\nفجرى النفي على العلم للإيجاز على سبيل التوسّع في الكلام؛ إذ المعنى مفهوم من غير إخلال.\nوقال الزجّاج-رحمه الله تعالى-: المعنى: ولما يقع العلم بالجهاد، والعلم بصبر الصابرين، أي: ولمّا يعلم الله ذلك واقعا منكم؛ لأنّه يعلمه غيبا، وإنّما يجازيهم على عملهم. انتهى خازن بحروفه.\n ﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ يعني: في الحرب، وعلى ما نالهم في ذات الله ﷿ من جراح، وألم، ومكروه. وفي هذه الآية معاتبة لمن انهزم يوم أحد، والمعنى: أم حسبتم أيها المنهزمون يوم أحد أن تدخلوا الجنّة كما دخلها الّذين قتلوا، وبذلوا مهجهم لربّهم، ﷿، وصبروا على ألم الجراح، والطعن، وثبتوا لعدوّهم من غير أن تسلكوا طريقهم، وتصبروا صبرهم. انتهى خازن. وانظر سبب نزول الآية رقم [٢١٤] من سورة (البقرة) فهو شبيه بما هنا.\nتنبيه: لعلّك تدرك معي: أنّ في الآيات التفاتا كثيرا من الخطاب إلى الغيبة، ثم إلى الخطاب، ثم إلى التكلّم، ثمّ إلى الغيبة، ثم إلى الخطاب، ثمّ إلى الغيبة، ثمّ إلى الخطاب، استخرج ذلك بنفسك، وانظر شرح الالتفات الآية رقم [٥٦]. والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. وهي بمعنى «بل» التي للإضراب. ﴿حَسِبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿حَسِبْتُمْ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الْجَنَّةَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون، وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسّع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظّرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشّام)، وأيضا قوله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وهذا إذا كان الفعل ثلاثيّا، وأما إذا كان رباعيّا بأن دخلت عليه همزة التعدية، ونصب مفعولين؛ فإنه يقال في المفعول ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأول يكون صريحا، مثل: أدخلت خالدا البيت.","vol":"2","page":257},{"text":"﴿وَلَمّا:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَمّا﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْلَمِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمّا﴾) وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، هذا وقرئ بالفتحة شاذّا على أنّ أصله: («يعلمن») فحذفت نون التوكيد الخفيفة، وبقيت الفتحة قبلها، وعليه فهو مبني على الفتح في محلّ جزم، وتوكيد المضارع بعد «لمّا» شاذ، لذا قلت: فالقراءة شاذة. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعوله.\nوجملة: ﴿جاهَدُوا مِنْكُمْ..﴾. صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير المجرور محلاّ ب (من) ﴿وَيَعْلَمَ:﴾ الواو: واو المعية. (﴿يَعْلَمِ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الواو، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالواو على مصدر متصيّد من الفعل السّابق، التقدير: ولمّا يحصل علم الله بالذين جاهدوا، وعلمه بالصّابرين. هذا؛ ويقرأ الفعل بالرفع. فتكون الواو للحال، ولا يسوغ هذا إلا على إضمار مبتدأ قبله، فتكون الجملة الاسمية، كأنّه قال: ولمّا تجاهدوا؛ وأنتم صابرون. ﴿الصّابِرِينَ:﴾ مفعول به، ولا تنس:\nأنّ الفعل (﴿يَعْلَمِ﴾) من المعرفة، لا من العلم اليقيني. انظر الآية رقم [٢٩].\n\n<span id=\"aya-436\"></span>﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ..﴾. إلخ: هذا خطاب خوطب به الّذين لم يشهدوا بدرا، وكانوا يتمنّون أن يحضروا مشهدا مع رسول الله ﷺ؛ لينالوا كرامة الشّهادة، وهم الذين ألحوا على رسول الله ﷺ في الخروج من المدينة إلى أحد، وكان رأيه الإقامة فيها. والمعنى: وكنتم تمنّون الموت قبل أن تشاهدوه، وتعرفوا شدّته، فقد رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم، وشارفتم أن تقتلوا معهم. وهذا توبيخ لهم على ما تسبّبوا له من خروج رسول الله ﷺ بإلحاحهم عليه، ثمّ انهزموا عنه، وإنّما تمنّوا الشّهادة؛ لينالوا كرامة الشّهداء من غير قصد إلى ما يتضمّنه من غلبة الكفّار. ولقد قال عبد الله بن رواحة﵁حين نهض إلى مؤتة. وقيل له:\nردّكم الله سالمين غانمين! [البسيط]\nلكنّني أسأل الرّحمن مغفرة... وضربة ذات فرغ (^١) تقذف الزّبدا\nأو طعنة بيدي حرّان مجهزة... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا\nحتّى يقال إذا مرّوا على جدثي... أرشده الله من غاز وقد رشدا\nبعد هذا؛ فجملة: (أنتم تنتظرون) مؤكدة لما قبلها؛ لأنّ الرؤية، والنظر بمعنى واحد، وانظر شرح الموت في الآية رقم [٩٠]. و﴿تَمَنَّوْنَ﴾ أصله: «تتمنون» فحذفت إحدى التاءين. وهذا الحذف\n_________\n١) ذات فرغ: أي: واسعة","vol":"2","page":258},{"text":"كثير في كتاب الله، وفي الكلام العربيّ. هذا؛ والتمنّي: طلب الشيء البعيد حصوله بخلاف الترجيّ، فإنّه طلب الشيء الممكن حصوله. وتمنّى الشيء: أحبه، ورغب فيه، ويأتي «تمنّى» بمعنى: قرأ، قيل به في قوله تعالى في سورة (الحجّ) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: إذا تلا؛ ألقى الشيطان في تلاوته. انظر شرحها هناك، فإنّه جيد، والحمد لله! وأنشد الشاعر في عثمان بن عفان﵁-: [الطويل]\nتمنّى كتاب الله آخر ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل\nوقال كعب بن مالك﵁فيه أيضا: [الطويل]\nتمنّى كتاب الله أوّل ليله... وآخره لاقى حمام المقادر\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر الآية رقم [١٢٣]. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَمَنَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.\n ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَلْقَوْهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» وعلامة نصبه حذف النّون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. هذا؛ ويقرأ شاذّا بضم لام (﴿قَبْلِ﴾) بقطعه عن الإضافة، فيكون المصدر المؤول في محل نصب بدل اشتمال من: ﴿الْمَوْتَ﴾ فيكون التقدير: تمنّون الموت لقاءه.\n ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَأَيْتُمُوهُ..﴾. فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-437\"></span>﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ (١٤٤)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة، وما بعدها بسبب انهزام المسلمين يوم أحد، وكان ذلك لمّا رمى عبد الله بن قمئة الحارثي-لعنه الله تعالى-رسول الله ﷺ بحجر، فكسر رباعيّته، وشجّ","vol":"2","page":259},{"text":"وجهه، وأقبل يريد قتله، فذبّ عن النبي ﷺ مصعب بن عمير﵁-، وهو صاحب الراية يوم بدر، ويوم أحد؛ حتّى قتله ابن قمئة، وهو يرى: أنّه رسول الله ﷺ، فقال: قد قتلت محمدا، وصرخ صارخ: ألا إنّ محمدا قد قتل! وقيل: كان الصارخ الشّيطان، ففشا في الناس خبر قتله ﷺ فانكفا، فجعل الرسول ﷺ يدعو: إليّ عباد الله! حتّى انحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم على هربهم، فقالوا: يا رسول الله! فديناك بآبائنا، وأمهاتنا! أتانا خبر قتلك، فرعبت قلوبنا، فولّينا مدبرين! فنزلت.\nوروي: أنه لما صرخ الصّارخ؛ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان! وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيّا؛ لما قتل! ارجعوا إلى إخوانكم، وإلى دينكم.\nفقال أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالك﵁-: يا قوم! إن كان محمد قتل؛ فإنّ ربّ محمد حيّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ؟! فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء! وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء! ثم شدّ بسيفه، فقاتل حتّى قتل﵁-، وأرضاه!\nومعنى قوله تعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ..﴾. إلخ؛ أي: محمد ﷺ من جملة الرّسل؛ الذين مضوا قبله، فكما ثبت أتباعهم على دينهم، فأثبتوا أنتم على دينكم بعد موته؛ لأنّ المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرّسالة، وإلزام الحجّة، لا وجوده بين أظهر قومه. ﴿أَفَإِنْ ماتَ﴾ محمد ﷺ: ﴿أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ أي: رجعتم إلى دينكم الأول؟! ففيه استعارة تصريحية بالفعل، وذكرت في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أنها استعارة تمثيلية؛ حيث مثّل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه. ومثله قوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾.\nهذا؛ والأعقاب: جمع عقب، وهو مؤخر الرّجل، وتثنيته: عقبان. قال الرسول ﷺ في حقّ الذين لا يغسلون الأعقاب في الوضوء جيدا: «ويل للأعقاب من النّار!». ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ:﴾ يرجع عن الإسلام. ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا﴾ وإنما يضرّ نفسه بتعريضها للسخط، والعذاب، والانتقام. ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ..﴾. أي: يثبّت الله المطيعين؛ الذين ثبتوا على الإيمان، ولم يرتدّ عن الإسلام. وهذه الجملة بعد سابقتها فيها اتصال الوعد بالوعيد.\nورحم الله القرطبي؛ إذ يقول: هذه الآية أدلّ دليل على شجاعة الصدّيق، وجراءته، فإنّ الشّجاعة، والجرأة حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبيّ ﷺ، كما هو معروف، فظهرت عنده شجاعته، وعلمه، فإن المسلمين اضطربوا عند موت النبي ﷺ، وهاجوا، وماجوا، منهم عمر﵁حيث طار صوابه، وأخذ يقول: من قال:\nإنّ محمدا قد مات؛ قطعت رأسه بهذا السّيف! وعثمان﵁قد أقعد، وعليّ","vol":"2","page":260},{"text":"-كرم الله وجهه-قد أخرس، واضطرب الأمر، فكشفه الصدّيق﵁، ولعن مبغضيه- بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسّنح... الحديث كما في البخاري، رحمه الله تعالى.\nوفي سنن ابن ماجة-رحمه الله تعالى-عن عائشة﵂قالت: لمّا قبض رسول الله ﷺ، وأبو بكر عند امرأته ابنة خارجة بالعوالي، فجعلوا يقولون: لم يمت النبيّ ﷺ، إنّما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحي، فجاء أبو بكر﵁-، فكشف عن وجه النّبيّ ﷺ، وقبّله بين عينيه، وقال: أنت أكرم على الله أن يميتك مرّتين. قد مات والله رسول الله ﷺ! وعمر في ناحية المسجد يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ، ولا يموت؛ حتّى يقطع أيدي أناس من المنافقين، وأرجلهم! فقام أبو بكر﵁، ولعن الله مبغضيه-فصعد المنبر. فقال: من كان يعبد الله؛ فإن الله حيّ لا يموت، ومن كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمدا قد مات! وتلا الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها فقال عمر﵁، ولعن الله مبغضيه أيضا-: والله لكأني ما قرأت هذه الآية إلا يومئذ! وتلا الصدّيق قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ..﴾. إلخ، كما تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.\nفعن أنس﵁قال: لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة؛ أضاء منها كلّ شيء فلمّا كان اليوم الذي مات فيه؛ أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا عن النبي ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا. أخرجه ابن ماجة.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية مهملة. ﴿مُحَمَّدٌ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر ﴿رَسُولٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محلّ له. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الرُّسُلُ:﴾ فاعل: ﴿خَلَتْ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة رسول.\n ﴿أَفَإِنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف عطف، أو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿ماتَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مُحَمَّدٌ﴾ ﷺ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿قُتِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول معطوف على ما قبله، فهو في محل جزم مثله، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿مُحَمَّدٌ﴾ ﷺ أيضا.\n ﴿اِنْقَلَبْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم جواب الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿عَلى أَعْقابِكُمْ...:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، والتقدير:\nانقلبتم مرتدّين على أعقابكم، والكلام: ﴿أَفَإِنْ..﴾. إلخ جملة مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"2","page":261},{"text":"﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا:﴾ انظر إعراب مثله في الآية التالية. ﴿عَلى عَقِبَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَنْقَلِبْ﴾ أي: مرتدّا على عقبيه، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جرّ بالإضافة، و﴿شَيْئًا..﴾. نائب مفعول مطلق، والجملة الاسمية:\n ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَسَيَجْزِي:﴾ الواو: حرف استئناف. السين: حرف تنفيس، واستقبال. (يجزي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثّقل. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. ﴿الشّاكِرِينَ:﴾\nمفعول به... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-438\"></span>﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ (١٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٧٩] والمعنى: لا يصح، ولا يكون لنفس الموت إلا بأمر الله تعالى، وقضائه، وقدره، وعلمه، وذلك: أنّ الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح، فلا يموت أحد إلا بإذن الله تعالى، وأمره. والمراد من الآية: تحريض المؤمنين على الجهاد، وتشجيعهم على لقاء العدو بإعلامهم بأنّ الجبن لا ينفع، وأن الحذر لا يدفع المقدور، وأنّ أحدا لا يموت قبل أجله؛ وإن خاض المهالك، واقتحم المعارك، كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٤]: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.\n ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا:﴾ أي: مؤقتا، له أجل معلوم، لا يتقدّم، ولا يتأخّر، والمراد ب ﴿كِتابًا:﴾\nاللّوح المحفوظ؛ لأنّ فيه آجال جميع الخلائق. قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١١]: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ والمعتزلي يقول: يتقدّم الأجل، ويتأخر، وأن من قتل فإنّما يهلك قبل أجله، وكذلك: كلّما ذبح حيوان؛ كان هلاكه قبل أجله؛ لأنّه وجب على القاتل الضّمان، والدّية، وقد ردّ عليهم اللّقاني-رحمه الله تعالى بقوله: [الرجز]\nوميّت بعمره من يقتل... وغير هذا باطل لا يقبل\n ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها﴾ أي: من يرد بعمله، وطاعته الدّنيا، ويعمل لها؛ نؤته منها ما يكون جزاء، والمعنى نؤته منها ما نشاء على ما قدّرناه له. نزلت في الذين تركوا الجبل يوم أحد، وطلبوا الغنيمة. قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾.\n ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها﴾ أي: نؤته جزاء عمله على ما وصف الله تعالى من تضعيف لمن يشاء، والمراد بهم: الّذين ثبتوا من الرّماة على الجبل. قال تعالى في سورة (الشورى): ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.","vol":"2","page":262},{"text":"﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ:﴾ المؤمنين المطيعين؛ الذين لم يشغلهم شيء عن الجهاد، ولم يريدوا بأعمالهم إلا الله، والدار الآخرة. هذا؛ و(نجزي) من الجزاء، والمجازاة، وهي المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾. وتكون في الشر، قال تعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فقد أراد جزاء الشرّ. والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. والفعل منه ينصب مفعولين، تقول: جزى زيد عمرا خيرا. وانظر الشّكر في الآية رقم [١٢٣]. هذا؛ و«الشّكور» اسم من أسماء الله الحسنى ويفسّر بحقه تعالى بالّذي يعطي على العمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. وخذ ما يلي: فعن عمر﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه». متفق عليه.\nوعن زيد بن ثابت﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدّنيا همّه؛ فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدّنيا إلاّ ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيّته؛ جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدّنيا؛ وهي راغمة».\nرواه ابن ماجة، والطّبرانيّ باختلاف في بعض ألفاظه. ومثل هذا كثير في: «التّرغيب والترهيب».\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾) نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿لِنَفْسٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَمُوتَ:﴾ منصوب ب «أن» والفاعل يعود إلى (نفس) والمصدر المؤول من:\n ﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ في محل رفع اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَمُوتَ﴾ المستتر، التقدير: أن تموت إلا مأذونا لها. هذا وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ وعليه يكون: ﴿لِنَفْسٍ﴾ متعلقين ب ﴿كانَ﴾. و(إذن) مضاف ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كِتابًا﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: كتب كتابا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال أيضا، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿مُؤَجَّلًا:﴾ صفة:\n ﴿كِتابًا..﴾. والجملة الفعلية: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُرِدْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿ثَوابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف و﴿الدُّنْيا:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿نُؤْتِهِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: نحن، والهاء مفعول به. ﴿مِنْها:﴾","vol":"2","page":263},{"text":"جار ومجرور متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه. فقيل: جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان. وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق بينهما. ﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ:﴾ انظر الآية السابقة، فإعرابها مثلها.\n\n<span id=\"aya-439\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اِسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ (١٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي: وكثير من الأنبياء قاتل معهم جماعات كثيرون، فأصابهم من أعدائهم قروح، وجراحات. ﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ﴾ بل استمروا على جهادهم أعداءهم؛ لأنّ الذي أصابهم إنّما هو في سبيل الله، وطاعته. وإقامة دينه، ونصرة نبيه، فكان ينبغي لكم أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد! وحجّة هذه القراءة ما روي عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: أنه قال: ما سمعنا أن نبيّا قتل في القتال، وعلى هذه القراءة فالوقف على ﴿قاتَلَ﴾ جائز. هذا؛ ويقرأ: («قتل») بالبناء للمجهول، ففيه أوجه: أحدها: أن يكون القتل راجعا على النبيّ وحده. والوجه الثاني: أنّ القتل نال النبيّ، ومن معه من الربّيّين، ويكون المراد البعض، فيكون المعنى: وكأين من نبيّ قتل، وبعض من كان معه، فما ضعف الباقون لقتل من قتل من إخوانهم. والوجه الثالث أن يكون القتل نال الربّيّين لا النبيّ. والمعنى: وكأين من نبيّ قتل من كان معه، وعلى دينه من الربّيّين. والقراءة الأولى أقوى.\nهذا؛ و(الرّبيّون): قال ابن عباس﵄-: جموع كثيرة. وقيل: هم فقهاء علماء. وقيل: هم الأتباع. ويقال: ربّيون بفتح الراء منسوب إلى الرّب. قال الخليل-رحمه الله تعالى-: الرّبّيّ: الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء، وهم الرّبانيّون نسبوا إلى التألّه، والعبادة، ومعرفة الربوبية لله تعالى. وانظر شرح: ﴿رَبّانِيِّينَ﴾ في الآية رقم [٧٩].\n ﴿فَما وَهَنُوا:﴾ ضعفوا، وجبنوا. ﴿لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: من القتل، والجراح، وذهاب الأموال في سبيل إعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه. ﴿وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا:﴾ خضعوا وذلّوا، وأصله: استكن من السّكون؛ لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة. أو أصله: استكون من الكون، فنقلت حركة الواو إلى الكاف؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ثم يقال: قلبت الواو ألفا لتحرّكها بحسب الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ:﴾ انظر المحبّة فيما تقدّم. وانظر «الصّبر» في آخر السّورة، والمراد هنا: الصّابرين في الجهاد، والمعنى: أنّ من صبر على تحمل الشّدائد في طلب","vol":"2","page":264},{"text":"الآخرة، ولم يظهر الجزع، والعجز؛ فإنّ الله يحبّه، ومحبّة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه، وإعزازه، وإيصال الثواب له، وإدخاله الجنّة مع أوليائه، وأصفيائه.\nبعد هذا: (﴿كَأَيِّنْ﴾) أصلها «أي» الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم، مثل: كم، وكذا. وفيها خمس لغات، كلّها قرئ بها: إحداها: (﴿كَأَيِّنْ﴾) وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلا ابن كثير، وقال الشاعر: [الوافر]\nوكأيّن من أناس لم يزالوا... أخوهم فوقهم وهمو كرام\nوالثانية: كائن بوزن كاعن، وبها قرأ ابن كثير، وجماعة، وهي أكثر استعمالا من كأيّن، وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشّعر العربي، مثل قول جرير-وهو الشّاهد رقم [٨٨٥]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nوكائن بالأباطح من صديق... يراني لو أصبت هو المصابا\nوأيضا قول زهير-وهو الشاهد رقم [٩٦] من كتابنا: «فتح ربّ البريّة» -: [الطويل]\nوكائن ترى من صامت لك معجب... زيادته أو نقصه في التّكلّم\nوالثالثة: كئين بوزن كريم. والرابعة: كيئن بياء ساكنة، وهمزة مكسورة، والخامسة: كأن بوزن: كفن. هذا؛ والجلال المحلّى اعتبر (﴿كَأَيِّنْ﴾) بسيطة غير مركبة، وأنّ آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدّعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل-والشيخ رحمه الله تعالى- سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويّون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم، مع ما ينضمّ إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذّهن، وتمرينه. انتهى جمل بالإضافة إلى ما أضفته من شواهد شعرية.\nالإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿كَأَيِّنْ﴾): اسم كناية بمعنى كثير مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز السّمين اعتباره مفعولا به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَبِيٍّ:﴾ تمييز ل (﴿كَأَيِّنْ﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿قاتَلَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿رِبِّيُّونَ:﴾ فاعل:\n ﴿قاتَلَ،﴾ أو هو نائب فاعل: (﴿قاتَلَ﴾) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ.\nهذا؛ وقيل: إنّ فاعل: ﴿قاتَلَ﴾ أو نائب فاعل (﴿قاتَلَ﴾) يعود إلى: ﴿نَبِيٍّ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، ومعه: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم. و﴿رِبِّيُّونَ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من الفاعل المستتر، أو من نائبه. كما قيل:\nإن الجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿نَبِيٍّ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ.","vol":"2","page":265},{"text":"وهنالك أقوال أخر ضعيفة ضربت عنها صفحا روما للاختصار. ﴿كَثِيرٌ﴾ صفة: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَكَأَيِّنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿وَهَنُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَصابَهُمْ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَما وَهَنُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها، والجملتان: ﴿وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا:﴾ معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو:\nواو الحال. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الصّابِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط، والحال بمعنى الظرف كما ذكرته في الآية رقم [٥٧] والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبل الجملة الاسمية.\n\n<span id=\"aya-440\"></span>﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ﴾ أي: قول الربّيّين الذين قاتلوا مع الأنبياء. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا..﴾.\nإلخ: أضافوا الذنوب، والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربّانيّين هضما لها، واستقصارا في العمل. والدّعاء بالاستغفار من الذنوب جعلوه مقدّما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب، والنصرة على العدوّ؛ ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاء، وطهارة، وخضوع أقرب إلى الاستجابة، ففيه تعريض بالمنهزمين يوم أحد. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا:﴾ في مواطن الحرب؛ لكي لا تزول عند لقاء العدو، وذلك يكون بإزالة الخوف، والرّعب من قلوبهم. ﴿وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ:﴾ لأنّ النصر على الأعداء لا يكون إلا من عند الله. بيّن الله جلّت قدرته، وتعالت حكمته: أن الربّيّين كانوا مستعدّين عند لقاء العدو بالدّعاء، والتضرّع، وطلب الإعانة، والنّصر من الله تعالى. والغرض من ذلك أن يقتدي بهم في هذه الطريقة الحسنة أمّة محمّد ﷺ. وخذ ما يلي:\nفعن أبي موسى الأشعري﵁عن النبي ﷺ: أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي». أخرجه مسلم. فالرّسول ﷺ منزّه عن الخطأ، والجهل، والإسراف في الأمر، فعلى المسلم أن يستعمل ما في كتاب الله، وصحيح السنة من الدّعاء، ويدع ما سواه، ولا يقول: أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه، وأوليائه، وعلّمهم كيف يدعون؟ وانظر: «الإسراف» في سورة (النساء) رقم [٦]","vol":"2","page":266},{"text":"الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿قَوْلَهُمْ:﴾ خبر كان مقدم. والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا؛ ويقرأ برفع (﴿قَوْلَهُمْ﴾) على أنّه اسم كان، فيكون المصدر المؤول في محل نصب خبرها، ولهذا نظائر في كتاب الله كثيرة، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها، وعليه تكون الجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ معترضة بين المتعاطفتين، لا محلّ لها. ﴿رَبَّنَا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:\nأنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَنا:﴾ مفعول به. ﴿وَإِسْرافَنا:﴾ معطوف على ما قبله، و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿فِي أَمْرِنا﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا) في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَثَبِّتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ثَبِّتْ﴾): فعل دعاء، وفاعله: أنت. أقدامنا: مفعول به، (نا) في محل جرّ بالإضافة. (﴿اُنْصُرْنا﴾): فعل دعاء، وفاعله: أنت، و(نا) مفعول به. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة:\n ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، والكلام: ﴿رَبَّنَا..﴾. إلخ كلّه في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-441\"></span>﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾\nالشرح: ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا:﴾ أعطاهم الله، ومنحهم بسبب الاستغفار، واللّجوء في الشدائد إلى الله ثواب الدنيا من النّصر، والغنيمة، وقهر الأعداء، والثناء الجميل، وغفران الذنوب والخطايا. وحسن ثواب الآخرة؛ يعني: الجنة، وما فيها من النعيم المقيم. إنّما خص ثواب الآخرة بالحسن إجلالا له، وتنبيها على عظمته؛ لأنه غير زائل، ولم يشب بتنغيص، ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلّته؛ ولأنه سريع الزوال مع ما يشوبه من التنغيص، والأكدار، والهموم، والأحزان. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ انظر الآية رقم [١٣٤].\nالإعراب: ﴿فَآتاهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (آتاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿ثَوابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الدُّنْيا﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿وَحُسْنَ:﴾ معطوف على ﴿ثَوابَ﴾ وهو مضاف ﴿ثَوابَ:﴾ مضاف إليه، و﴿ثَوابَ﴾ مضاف، و﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَآتاهُمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ:﴾\nانظر إعراب مثلها في الآية [١٤٦] وهي مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، لا محل لها.","vol":"2","page":267},{"text":"<span id=\"aya-442\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩)﴾\nالشرح: قال عليّ﵁-: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة يوم أحد: ارجعوا إلى إخوانكم، وادخلوا في دينهم. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-إن تستنصحوا اليهود، والنصارى، وتقبلوا منهم؛ لأنهم كانوا يستفزونهم، ويوقعون الشّبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيّا؛ لما غلب، ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنّما هو رجل حاله كحال غيره من الناس، يوما له، ويوما عليه. وعن السدي: إن تستكينوا لأبي سفيان، وأصحابه، وتستأمنوهم. ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ إلى دينهم. وقيل: هو عامّ في جميع الكفار، وإن على المؤمنين أن يجانبوهم، ولا يطيعوهم في شيء، ولا ينزلوا على حكمهم، ولا على مشورتهم؛ حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم. وانظر الآية رقم [١٠٠]: فهي مثلها. ﴿عَلى أَعْقابِكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٤]: وانظر ما ذكرته في النّداء في رقم [١٣٠].\n ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أي: في الدّارين، أما خسران الدنيا؛ فلأنّ أشقّ الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد إلى العدوّ، وإظهار الحاجة إليه، وأما خسران الآخرة؛ فالحرمان من الثواب المؤبّد، والوقوع في العقاب المخلّد. انتهى جمل.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٠]: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿تُطِيعُوا﴾ فعل مضارع فعل الشر مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَرُدُّوكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿عَلى أَعْقابِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول الثاني على اعتبار الفعل متعديا لمفعولين، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكاف على اعتباره متعديا لمفعول واحد، والجملة الشّرطية: لا محل لها كالجملة الندائية. ﴿فَتَنْقَلِبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو هي فاء السببية. (تنقلبوا): فعل مضارع مجزوم بسبب العطف على جواب الشرط، أو هو منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة الجزم أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ويجوز في مثل ذلك رفع الفعل، كما رأيت في الآية رقم [٢٨٤]: من سورة (البقرة) وعلى وجه النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من","vol":"2","page":268},{"text":"الفعل السابق، التقدير: إن تطيعوا... يقع ردّكم على أعقابكم، فانقلابكم. ﴿خاسِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب... إلخ.\n\n<span id=\"aya-443\"></span>﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ (١٥٠)﴾\nالشرح: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ:﴾ وليكم، وناصركم، وحافظكم، فاستعينوا به، ولا تستعينوا بغيره. هذا؛ و(مولى) يطلق في الأصل على الإله المعبود بحقّ، كما هنا، ومن أسماء الله الحسنى: المولى، ويطلق على العبد، والسيد، والأمير، وابن العم، والحليف، والناصر، والمعين، كما في قوله تعالى في سورة (الدّخان): ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. وقال تعالى في سورة (الحج): ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ و«مولى» يكون بمعنى:\nالمقرّ، والمصير، والاستيلاء. قال تعالى في سورة (الحديد) مخاطبا الكافرين، والمنافقين:\n ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ كما يطلق على مولى العتاقة، والمحالفة، وكلّ منهما لا يكون متصل النّسب في القبيلة، ولكنّه لصيق بها، والموالي في نظر العرب من الخسّة، والضّعة بحيث لا يرونهم في مصافهم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ أي: إنه تعالى قادر على نصركم، فكيف تطيعون الكفار، وتسمعون كلام المنافقين؛ وهم عاجزون عن نصر أنفسهم؛ فضلا عن نصرهم غيرهم؟!.\nالإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب تبتدأ بعده الجمل، انظر مبحثه في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَوْلاكُمْ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، هذا وقرئ بنصب لفظ الجلالة، على تقدير: بل أطيعوا الله، فيكون: ﴿مَوْلاكُمْ﴾ بدلا منه، أو عطف بيان عليه.\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾) ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾\nخبره، وهو مضاف، و﴿النّاصِرِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مَوْلاكُمْ﴾ والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-444\"></span>﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ (١٥١)﴾\nالشرح: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ..﴾. إلخ: وذلك: أنّ أبا سفيان، ومن معه ارتحلوا متوجهين إلى مكّة، فلمّا بلغوا بعض الطريق؛ ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا! قتلناهم؛ حتى إذا لم يبق منهم","vol":"2","page":269},{"text":"إلا الشّريد؛ تركناهم، ارجعوا إليهم، فاستأصلوهم، فلمّا عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرّعب، يعني: الخوف الشديد، كما قال الله تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ حتّى رجعوا عمّا همّوا به، فعلى هذا القول يكون الوعد بإلقاء الرّعب في قلوب الكفار مخصوصا بيوم أحد. وقيل: إنّه عام، وإن كان السبب خاصّا، وقد ثبت في الصّحيحين عن جابر بن عبد الله﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أعطيت خمسا، لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي:\nنصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا، وأحلّت لي الغنائم، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة».\nهذا؛ و﴿الرُّعْبَ﴾ يقرأ بضم العين، وسكونها. قال عيسى بن عمر﵀-: كلّ اسم ثلاثي يجوز فيه ضم العين، وسكونها، وذلك مثل عسر، ويسر، وحلم... إلخ.\n ﴿بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أي: حجّة، وبرهانا. وسمّيت الحجّة:\nسلطانا؛ لأن السّلطان مشتقّ من السّليط؛ وهو ما تستصبح به. وقيل: السّلطان: القوّة، والقدرة، وسمّيت الحجّة سلطانا؛ لقوّتها في دفع الباطل. وقال بعض المفسّرين المحقّقين: سمّيت الحجّة سلطانا؛ لأنّ صاحب الحجّة يقهر من لا حجّة له، كالسّلطان بقهر غيره. وقال الزجّاج:\nالسّلطان: هو الحجّة، وسمّي السّلطان سلطانا؛ لأنّه حجّة الله في أرضه، هذا؛ وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجّة، والبرهان.\nهذا؛ والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام، قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾. وقال في سورة (الشّعراء): ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾. وقال فيها أيضا: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ﴾ كما قد يستعار للمعاني، كما في هذه الآية، وكقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.\n ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ:﴾ مستقرّهم، وملجؤهم النّار، وبئس القرار! ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ:﴾\nمأواهم، والفرق بين مأوى، ومثوى: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقّتا، وقدّم المأوى على المثوى؛ لأنه على التّرتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي. انتهى جمل. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿سَنُلْقِي:﴾ السين: حرف استقبال. (نلقي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن. هذا؛ ويقرأ: («سيلقي») على أنّ الفاعل يعود إلى (الله)، وعلى القراءة الأولى يوجد التفات من الغيبة إلى التكلّم، وعلى هذه القراءة لا يوجد التفات. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، و﴿قُلُوبِ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الرُّعْبَ:﴾ مفعول: (نلقي). ﴿بِما:﴾ الباء: حرف","vol":"2","page":270},{"text":"جر. (ما): مصدرية. ﴿أَشْرَكُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(ما) والفعل: ﴿أَشْرَكُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (نلقي). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَشْرَكُوا﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿أَشْرَكُوا﴾. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُنَزِّلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء.\n ﴿وَمَأْواهُمُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿مَأْواهُمُ﴾): مبتدأ، والهاء في جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله: ﴿النّارُ﴾ في المعنى؛ إذ المعنى: وتؤويهم النار. ﴿النّارُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها. ﴿وَبِئْسَ﴾ الواو: حرف عطف. (﴿بِئْسَ﴾): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿مَثْوَى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿مَثْوَى﴾ مضاف، و﴿الظّالِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره:\nالنّار، وهذا المخصوص فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مقدّم، والثاني: أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي النّار، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وعطفها على ما قبلها يقوّي الاستئناف.\n\n<span id=\"aya-445\"></span>﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾\nالشرح: قال محمد بن كعب القرظي﵁-: لمّا رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد أحد؛ وقد أصيبوا، قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النّصر؟! فنزلت هذه الآية، وذلك: أنّ المسلمين قتلوا صاحب لواء المشركين، وسبعة نفر منهم بعده على اللّواء، وكان النصر ابتداء للمسلمين؛ غير أنّهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعض الرّماة أيضا مركزهم طلبا للغنيمة، فكان ذلك سبب الهزيمة. وقال محمّد بن كعب: ولمّا قتل صاحب لواء المشركين، وسقط لواؤهم؛ رفعته عمرة بنت علقمة الحارثيّة، وفي ذلك يقول حسّان﵁-: [الطويل]\nفلولا لواء الحارثيّة أصبحوا... يباعون في الأسواق بيع الجلائب","vol":"2","page":271},{"text":"﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ:﴾ تقتلونهم قتلا ذريعا. وقيل: معناه: تستأصلونهم بالقتل بأمر الله، وقضائه، وقدره. و(الحسّ): الاستئصال بالقتل، قال جرير: [الوافر]\nتحسّهم السّيوف كما تسامى... حريق النّار في الأجم الحصيد\nوقال آخر: [الطويل]\nحسسناهم بالسّيف حسّا فأصبحت... بقيّتهم قد شرّدوا وتبدّدوا\n ﴿حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ﴾ أي: جبنتم، وضعفتم؛ إذ معنى الفشل: الضعف مع الجبن، قال تعالى في الآية رقم [١٢٢]: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ وقال تعالى في سورة (الأنفال): ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾. ﴿وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ:﴾ اختلفتم. والمراد: الرّماة الذين أقامهم الرّسول ﷺ ردءا للجيش، حين قال بعضهم: نلحق المنهزمين من الكفّار. وقال بعضهم:\nبل نثبت في مكاننا الّذي أمرنا النبي ﷺ بالثبوت فيه. ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أي: خالفتم أمر الرسول ﷺ في الثبوت، وكان ثبت عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر يسير دون العشرة ممّن كان معه، فلمّا رأى خالد بن الوليد، وعكرمة ابن أبي جهل خلوّ الجبل من الرّماة؛ حملوا على الرّماة الذين بقوا مع عبد الله بن جبير﵁فقتلوهم، وانقضّوا على المسلمين من خلفهم، فدهش المسلمون، وتحولت الريح دبورا بعد أن كانت صبا، وانتفضت صفوف المسلمين، واختلطوا، فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا، وما يشعرون من الدّهش، ونادى إبليس: إنّ محمدا قد قتل. فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين. وذكرت لك فيما سبق: أنّ الذي قال: قتلت محمدا هو: عبد الله بن قمئة.\n ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ:﴾ من النّصر، والظفر، والغنيمة يا معشر المسلمين! وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين، وولّوا الأدبار. ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ أي: الغنيمة.\nقال ابن مسعود﵁-: ما شعرنا أنّ أحدا من أصحاب النبي ﷺ يريد الدنيا، وعرضها؛ حتى كان يوم أحد، والمراد بهم: من تركوا الجبل، كما رأيت فيما تقدم. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ:﴾ وهم الذين ثبتوا على الجبل مع أميرهم، ولم يخالفوا أمر نبيهم ﷺ.\n ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ يا معشر المسلمين بعد أن استوليتم على المشركين، ردّكم عنهم بالانهزام، والفشل، ودلّ هذا على: أن المعصية مخلوقة لله تعالى. وقالت المعتزلة: المعنى: ثم انصرفتم. فإضافته إلى الله تعالى بإخراجه الرّعب من قلوب الكافرين من المسلمين ابتلاء لهم، قال القشيري-رحمه الله تعالى-: هذا لا يغنيهم؛ لأنّ إخراج الرّعب من قلوب الكافرين حتّى يستخفّوا بالمسلمين قبيح عندهم، ولا يجوز أن يقع من الله قبيح، فلا يبقى لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ معنى. ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ:﴾ ليمتحنكم، ويختبركم؛ ليميز المؤمن من الكافر، ومن المنافق، ومن يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة.","vol":"2","page":272},{"text":"﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ أي: سامحكم، فلم يعاقبكم أيّها المخالفون أمر رسول الله ﷺ، فلم يستأصلكم بسبب المخالفة، والمعصية. ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ بالعفو، والمغفرة، وهذا من تمام نعم الله على عباده المؤمنين؛ لأنه نصرهم أولا، ثمّ عفا عن المذنبين منهم ثانيا؛ لأنه ذو الفضل، والإحسان.\nوفي الآية الكريمة دليل على أن صاحب الكبيرة مؤمن، وأنّ الله تعالى يعفو عنه بفضله، وكرمه إن شاء؛ لأنه تعالى سمّاهم مؤمنين مع ما ارتكبوه من مخالفة أمر رسول الله ﷺ، وهي كبيرة، وعفا عنهم بعد ذلك؛ لأنّ الرسول ﷺ اعتبر التولّي يوم الزحف من الموبقات، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ، قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل:\nيا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».\nرواه الشّيخان، وغيرهما.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٣] ففيها الكفاية. ﴿صَدَقَكُمُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله الأول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿وَعْدَهُ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم جوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب، متعلّق بالفعل: (صدق). ﴿تَحُسُّونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما: أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش جارة ل: ﴿إِذا﴾. وقدّره ابن هشام في المغني. وقد اختلف في متعلّقها على قول الأخفش على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها متعلقة ب ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ والثاني: أنها متعلقة ب ﴿صَدَقَكُمُ﴾ وهو ظاهر قول الزمخشري. والثالث:\nأنها متعلقة بمحذوف دلّ عليه السياق، تقديره: دام لكم ذلك إلى وقت فشلكم.\n ﴿إِذا﴾ على القول الثاني في: ﴿حَتّى:﴾ في محل جرّ ب ﴿حَتّى﴾ وعلى القول الأول:\nظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه. صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَشِلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. (﴿تَنازَعْتُمْ﴾): فعل، وفاعل. ﴿فِي الْأَمْرِ:﴾ متعلقان به، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿وَعَصَيْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿عَصَيْتُمْ﴾): فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿أَراكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به أول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والفعل بصري، لكنّه تعدى إلى الثاني بهمزة","vol":"2","page":273},{"text":"التعدية. ﴿تُحِبُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أراكم الذي، أو: شيئا تحبّونه. و﴿ما﴾ المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد رؤيته لكم الذي تحبونه. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وجواب ﴿حَتّى﴾ محذوف، وعند التأمل يتبيّن لك: أنّ جواب ﴿إِذا﴾ هو المحذوف. ثم قال: ومثل هذا جائز، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٣٥] ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ؛ إذ التقدير: فافعل. وقال الفرّاء: جواب ﴿حَتّى:﴾ ﴿وَتَنازَعْتُمْ﴾ والواو مقحمة زائدة، كقوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ﴾ أي: ناديناه.\nوقال امرؤ القيس في معلّقته رقم [٣٧]: [الطويل]\nفلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل\nأي: انتحى. وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو من: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم؛ عصيتم. وعلى هذا: فيه تقديم، وتأخير، أي: حتى إذا تنازعتم، وعصيتم؛ فشلتم.\nوقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون الجواب: ﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ و﴿ثُمَّ﴾ زائدة، والتقدير: حتى إذا فشلتم، وتنازعتم، وعصيتم؛ صرفكم عنهم، وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قول زهير، وهو الشاهد رقم [١٨٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nأراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى... فثمّ إذا أمسيت أمسيت غاديا\nوجوز الأخفش أن تكون زائدة، كما في قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ..﴾. إلخ. وقيل: ﴿حَتّى﴾ بمعنى «إلى» وحينئذ لا جواب له، أي: صدقكم الله وعده إلى أن فشلتم؛ أي: كان ذلك الوعد بشرط الثبات. انتهى قرطبي بتصرّف. انظر ما ذكرته عنه من شواهد في محالها التي ذكرتها في كتبي؛ ليتبيّن لك: أنّ ﴿حَتّى﴾ لا جواب لها، وأن الجواب لأداة شرط جازمة أو غير جازمة، وعليه ف ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مبتدأ، أو مستأنف لا محلّ له.\n (﴿مِنْكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، ولا أعتمده، وإنّما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿صَرَفَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب: ﴿إِذا﴾ المقدّرة، وعليه فالجملتان الاسميتان معترضتان بين المتعاطفتين لا محلّ لهما.","vol":"2","page":274},{"text":"﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلّقان بما قبلهما، أي: صرفكم عنهم؛ لابتلائكم، واختباركم. ﴿عَنْهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ:﴾ انظر أول الآية. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (الله): مبتدأ ﴿ذُو:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنّه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب (فضل) أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ ذُو..﴾. إلخ: مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، الغرض منها بيان فضل الله، وجوده على عباده المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-446\"></span>﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ:﴾ تذهبون. والإصعاد: الذهاب في الأرض. قال القتبي، والمبرد: أصعد: أبعد في الذهاب، وأبعد فيه، فكأنّ الإصعاد: إبعاد في الأرض كإبعاد الارتفاع. قال الأعشى من قصيدته الّتي هيأها لينشدها الرّسول ﷺ في المدينة بعد الهجرة، وقبل فتح مكة: [الطويل]\nألا أيّهذا السّائلي أين أصعدت... فإنّ لها في بطن يثرب موعدا\nوقال الفرّاء: الإصعاد: الابتداء في السّفر. والانحدار: الرجوع منه. وأنشد أبو عبيدة: [الرجز]\nقد كنت تبكين على الإصعاد... فاليوم سرّحت وصاح الحادي\n ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ:﴾ تعرّجون، وتقيمون؛ أي: لا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا، ولا يقف واحد منكم لآخر. وانظر الآية [٧٨]: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ:﴾ يناديكم من ورائكم. يقول: «إليّ عباد الله! إليّ عباد الله! من يكرّ؛ فله الجنة». ﴿فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: فجزاكم غمّا على غمّ. قال ابن عبّاس﵄-: الغمّ الأول بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل النّبيّ ﷺ. والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ: «اللهمّ ليس لهم أن يعلونا!». وقال السّدي-رحمه الله تعالى-: الغمّ الأول بسبب ما فاتهم من الغنيمة، والنصر. والثاني: بإشراف العدوّ عليهم. وقال محمّد بن إسحاق-رحمه الله تعالى-: أي: كربا بعد كرب بقتل من قتل من إخوانكم، وعلوّ عدوّكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قتل بينكم، فكان ذلك متتابعا عليكم غمّا بغمّ. وقيل غير ذلك.","vol":"2","page":275},{"text":"﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ﴾ أي: لكي تحزنوا على ما فاتكم، وأصابكم عقوبة لكم على مخالفتكم أوامر الرسول ﷺ. قال ابن عباس﵄-:\nالذي فاتهم الغنيمة، والّذي أصابهم القتل، والهزيمة. وهذا على اعتبار (لا) صلة، وأما على اعتبارها نافية، فالمعنى يكون: ولقد عفا عنكم؛ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصابكم؛ لأنّ عفوه يذهب كلّ همّ، وحزن.\nهذا؛ وسميت العقوبة التي نزلت بالمسلمين: ثوابا على سبيل المجاز؛ لأنّ لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، وقد يجوز استعماله في الشرّ؛ لأنّه مأخوذ من: ثاب: إذا رجع، فأصل الثّواب كلّ ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله، سواء كان خيرا، أو شرّا، فمتى حملنا لفظ الثّواب على أصل اللغة؛ كان حقيقة، ومتى حملناه على الأغلب؛ كان مجازا، كقول الشاعر: [الطويل]\nأخاف زيادا أن يكون عطاؤه... أداهم سودا أو محدرجة سمرا\nفجعل العطاء مكان العقاب؛ لأنّ الأداهم السّود هي: القيود الثقال. والمحدرجة هي:\nالسياط. ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: عالم بأعمالكم صغيرها، وكبيرها، فيجازيكم بها. فيه ترغيب في الطّاعة، وترهيب من المعصية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف متعلق بأحد الأفعال السابقة. وقيل: متعلق بفعل محذوف، تقديره:\nاذكروا، فهو مبني على السّكون في محل نصب. ﴿تُصْعِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (﴿إِذْ﴾) إليها، والّتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل جرّ مثلها.\n ﴿وَالرَّسُولُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿الرَّسُولُ﴾): مبتدأ. ﴿يَدْعُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى الرّسول، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فِي أُخْراكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَثابَكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أثابكم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به أول. ﴿غَمًّا:﴾ مفعول به ثان. ﴿بِغَمٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿غَمًّا﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿تُصْعِدُونَ﴾ أو هي معطوفة على جملة: ﴿صَرَفَكُمْ﴾. والأوّل أقوى.\n ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا..﴾. إلخ: اللام: حرف تعليل وجر. (كي): حرف مصدري، ونصب.\n (لا): نافية، أو حرف صلة، كما رأيت في الشرح. ﴿تَحْزَنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (كي)","vol":"2","page":276},{"text":"وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى:﴾\nحرف جر. (﴿ما﴾): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فاتَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): مثل سابقتها. ﴿ما أَصابَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، و(كي) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿عَفا﴾ وعليه ف (﴿لا﴾) نافية، أو: هما متعلقان ب (أثابكم) وعليه ف (﴿لا﴾) صلة.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، والحالية فيها ضعيفة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَبِيرٌ﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: خبير بالّذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير:\nبعملكم. والجار والمجرور متعلقان ب ﴿خَبِيرٌ﴾\n\n<span id=\"aya-447\"></span>﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين. ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا:﴾ الأمنة، والأمن سواء. وقيل: الأمنة إنّما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع عدمه. فقد روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أنس﵁-: أنّ أبا طلحة قال: غشينا النعاس؛ ونحن في مصافّنا يوم أحد. قال: فجعل سيفي يسقط من يدي، وآخذه، ويسقط، وآخذه. والنّعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، والطّمأنينة، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾. قال عبد الله بن مسعود﵁-: النّعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصّلاة من الشّيطان. والفائدة في كون النّعاس أمنة في القتال: أنّ الخائف على نفسه، لا يأخذه النوم، فصار حصول النّوم وقت الخوف الشّديد دليلا على الأمن، وإزالة الخوف، والثقة بوعد الله","vol":"2","page":277},{"text":"بالنّصر. وينبغي أن تعلم: أنّ النعاس في هذه السّورة لم يعقبه نوم، بخلافه في سورة (الأنفال) في غزوة بدر فقد أعقبه نوم، كما رأيت هناك. هذا؛ والنعاس، والسّنة، والوسن: أوائل النوم، قال أبو الطيب المتنبّي-وهو الشاهد رقم [٩٦٦]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nابلى الهوى أسفا يوم النّوى بدني... وفرّق الهجر بين الجفن والوسن\n ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ:﴾ والمعنى: أعقبكم بما نالكم من الخوف، والرّعب أن أمنكم أمنا تنامون معه؛ لأن الخائف لا يكاد ينام، فأمّنهم بعد خوفهم. ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ:﴾\nالمراد بهم: المنافقون، أراد الله ﷿ أن يميز المؤمنين من المنافقين، فأوقع النعاس على المؤمنين؛ حتّى أمنوا، ولم يوقع النعاس على المنافقين، فبقوا في الخوف، والرعب. قال الزبير بن العوام﵁-: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتدّ علينا الخوف، أرسل الله تعالى علينا النّوم، والله إني لأسمع قول معتّب بن قشير، والنعاس يغشاني ما أسمعه كالحلم يقول ما قاله الله تعالى عنه: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾.\n ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: يظنون: أنّ الله لا ينصر محمدا، وأصحابه، وأنّ دينه يضمحل، والمعنى: يظنّون غير الظنّ الذي يجب أن يظنّ به من نصر دينه، ورفعة شأنه وعزة في الدنيا، والآخرة، وينصر المؤمنين، ويمكنهم من أعدائهم، ويخذل المشركين أعداءه، وأعداء المؤمنين. ﴿ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ أي: كظن الجاهلية، الذين يحاولون أن يبطلوا دين الله بشتّى الأساليب، ومختلف المحاولات.\n ﴿يَقُولُونَ:﴾ أي: يقول المنافقون. ﴿هَلْ لَنا:﴾ أي: ما لنا. ﴿مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ:﴾ وذلك:\nأنّه لمّا شاور النّبيّ ﷺ عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين في هذه الواقعة، وأشار عليه ألا يخرج من المدينة، فلمّا خالفه النبيّ ﷺ، وخرج، وقتل من قتل؛ قيل لابن أبيّ: قد قتل بنو الخزرج، قال: هل لنا من الأمر من شيء؟ وهو استفهام على سبيل الإنكار، أي: ما لنا أمر يطاع. وقيل: المراد بالأمر: النصر، والظفر، يعني: ما لنا من هذا الذي يعدنا به محمّد من النصر، والظفر من شيء، وإنّما هو لكفار قريش، وأشياعهم، أي: من المشركين.\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق محمّد ﷺ أي: قل لهؤلاء المنافقين:\nإنّ النصر، والظفر، والأمور كلّها بيد الله، يصرّفها كيف يشاء، ويدبّرها كيف أراد، وأحبّ.\n ﴿يُخْفُونَ..﴾. إلخ: يعني: يخفون في أنفسهم من الكفر، والشكّ في وعد الله، ﷿، أو:\nيخفون النّدم على خروجهم مع المسلمين من المدينة. وقيل: الذي أخفوه هو قولهم: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ..﴾. إلخ.\n ﴿قُلْ:﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ:﴾ أي:\nكتب عليهم القتل، وقدّر عليهم. ﴿إِلى مَضاجِعِهِمْ:﴾ إلى مصارعهم؛ الّتي يصرعون فيها وقت","vol":"2","page":278},{"text":"القتل، ومعنى الآية: إنّ الحذر لا ينفع مع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير، فالذين قدّر عليهم القتل، وقضاه الله، وحكم به عليهم لا بدّ وأن يقتلوا. والمعنى: لو جلستم في بيوتكم؛ لخرجتم منها، ولظهر الذين قضى الله عليهم بالقتل، وقضاه إلى حيث يقتلون فيه؛ لأن كلّ إنسان يموت في المكان الّذي قدّر الله فيه موته، وكذلك في الزّمان المحدّد فيه موته، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.\n ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ:﴾ وجرى ما جرى، وحصل ما حصل في غزوة أحد؛ ليختبر الله إيمان المؤمنين، ويظهر نفاق المنافقين، وليمحّص ما في قلوبكم: وليكشف الله ما في قلوبكم من الإيمان، أو من النفاق. وانظر الآية رقم [١٤١]. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ:﴾ انظر الآية رقم [١١٩].\nتنبيه وفائدة: روي: أنّ ملك الموت -﵇حضر مجلس سليمان بن داود-على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-فنظر إلى رجل من أهل المجلس نظرة هائلة، فلمّا قام؛ قال الرجل: يا نبيّ الله! من هذا؟ فقال سليمان: هذا ملك الموت. قال: أرسلني مع الرّيح إلى عالم آخر، فإنّي رأيت منه مرأى هائلا! فأمر سليمان الريح، فألقته في قطر سحيق-أي بعيد-من أقطار العالم، فما لبث أن عاد ملك الموت ﵇ إلى سليمان ﵇، فقال: كنت أمرت بقبض روح ذلك الرّجل في هذه الساعة في أرض كذا، فلما رأيته في مجلسك؛ قلت: متى يصل هذا إليها، وقد أوصلته الريح إلى هناك، فقضي أمر الله في زمانه، ومكانه من غير إخلال بشيء من ذلك. انتهى جمل نقلا عن أبي السّعود. فعليه: من قدّر الله موته في مكان كذا يجعل الله له حاجة في ذلك المكان؛ حتّى يقع كما قدّر الله تعالى، وأراد.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿الْغَمِّ﴾ مضاف إليه. ﴿أَمَنَةً:﴾ مفعول به. ﴿نُعاسًا:﴾ بدل من: ﴿أَمَنَةً﴾ بدل كلّ من كلّ. وقيل: بدل اشتمال. وقيل: ﴿نُعاسًا﴾ مفعول به. ﴿أَمَنَةً﴾ حال منه متقدّمة، وساغ ذلك على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وقيل: ﴿أَمَنَةً﴾ حال من كاف الخطاب، بمعنى: ذوي أمنة.\nوقيل: مفعول لأجله، وعليهما ف ﴿نُعاسًا﴾ مفعول به. ﴿يَغْشى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى: ﴿نُعاسًا﴾. ﴿طائِفَةً﴾ مفعول به.\n ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةً﴾ وجملة: ﴿يَغْشى..﴾. إلخ في محل نصب صفة: ﴿نُعاسًا﴾ ويقرأ الفعل بتاء المضارعة، وعليه فالجملة الفعلية صفة: ﴿أَمَنَةً﴾.\n ﴿وَطائِفَةٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿طائِفَةً﴾): مبتدأ، وصفتها محذوفة، ودلّ عليها ما قبلها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَهَمَّتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول","vol":"2","page":279},{"text":"به. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: الجملة في محل نصب حال، والعامل: ﴿يَغْشى﴾ وتسمّى هذه الواو واو الحال. وسبقه مكيّ إلى ذلك.\nوقال القرطبيّ: الواو واو الحال بمعنى: «إذ» وهذا يعني: أنّ الحال بمعنى الظرف، والرابط:\nالواو فقط. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٧]: تجد ذلك مفصّلا. ﴿يَظُنُّونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب محلاّ. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿غَيْرَ:﴾ نائب مفعول مطلق لإضافته لمصدر محذوف، التقدير: غير الظنّ الحقّ، وهو مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه. ﴿ظَنَّ:﴾ بدل من ﴿غَيْرَ﴾ و﴿ظَنَّ﴾ مضاف، و﴿الْجاهِلِيَّةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وهو في الأصل: كظن الجاهلية، فحذفت أداة التشبيه، فانتصب، كما ذكرت. هذا؛ وقال أبو البقاء: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ مفعول أوّل ل ﴿يَظُنُّونَ﴾ و﴿بِاللهِ﴾ في محل المفعول الثاني، و﴿ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ مفعول مطلق. هذا؛ وقال النّسفي﵀-:\nوجملة: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ صفة ل ﴿طائِفَةً﴾ و﴿يَظُنُّونَ﴾ خبر ل ﴿طائِفَةً﴾ أو صفة أخرى، أو حال؛ أي: قد أهمتهم أنفسهم ظانين.\n ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع وفاعله. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى النفي، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾. وقال امرؤ القيس، وهو الشاهد رقم [٦٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nوإن شفائي عبرة مهراقة... وهل عند رسم دارس من معوّل\n ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ﴾ ويقول: كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، وهو غير مسلّم لهم. ﴿مِنْ﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:\n ﴿هَلْ لَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ بدل من جملة:\n ﴿يَظُنُّونَ﴾. أو هي مفسّرة لها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَمْرِ:﴾\nاسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿كُلَّهُ:﴾ توكيد، وصح ذلك لاختلاف أنواع الأمر. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ ويقرأ: («كلّه») فيكون مبتدأ، و﴿لِلّهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ و﴿إِنَّ﴾ واسمها، وخبرها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو معترضة كما ستقف عليه. ﴿يُخْفُونَ:﴾ فعل","vol":"2","page":280},{"text":"مضارع، وفاعله. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُبْدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يخفون الذي، أو: شيئا لا يبدونه. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يُخْفُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿يَقُولُونَ﴾ والرابط: الضمير فقط.\n ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ مقدّم. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾\nمتعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ﴾ وهو غير مسلّم. ﴿شَيْءٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قُتِلْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، و(نا) نائب فاعله. ﴿هاهُنا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (هنا): اسم إشارة مبني على السّكون في محل نصب على الظّرفية المكانية متعلّق بما قبله، وجملة: ﴿ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محلّ لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ لَوْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. وقال أبو البقاء: حال من الضمير في: ﴿يُخْفُونَ﴾. وقال النّسفي: بدل من: ﴿يُخْفُونَ﴾ أو استئناف. هذا؛ وأرى جواز التفسير لما يخفون في أنفسهم. تأمّل، وتدبّر.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿لَوْ﴾ مثل ما قبلها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ لا محل لها... إلخ. ﴿لَبَرَزَ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (برز): فعل ماض.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، ﴿الْقَتْلُ:﴾ نائب فاعل: ﴿كُتِبَ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلى مَضاجِعِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل: (برز) والهاء في محل جر بالإضافة، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n (﴿لِيَبْتَلِيَ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿ما:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾\nمتعلّقان بمحذوف صلة: ﴿ما﴾ أو: صفتها، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وفعل الله ذلك بكم ليبتلي... إلخ، أو عطف على محذوف، التقدير: لبرز الذين.. لنفاذ القضاء، أو لمصالح","vol":"2","page":281},{"text":"جمّة، وللابتلاء. أو عطف على قوله في الآية السابقة: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا..﴾. إلخ. وقدّر القرطبيّ-رحمه الله تعالى-ما يلي: فرض الله عليكم القتال، والحرب، ولم ينصركم يوم أحد؛ ليختبر صبركم، وليمحّص عنكم سيئاتكم؛ إن تبتم، وأخلصتم. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ:﴾\nإعرابه مثل إعراب ما قبله.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ و(ذات) مضاف، و﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-448\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ أي: انهزموا، وهربوا منكم يا معشر المسلمين من ساحة الحرب. فهو خطاب لمن كان مع النّبيّ ﷺ من المؤمنين يوم أحد، وكان قد انهزم أكثر المسلمين، ولم يبق مع النّبيّ ﷺ إلا أربعة عشر رجلا: سبعة من الأنصار، وسبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص﵃ أجمعين-. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ أي: الجيشان.\n ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أي: طلب زلّتهم، كما يقال: استعجله، أي: طلب عجلته. أو المعنى: دعاهم إلى الزلّة، وحملهم عليها بإلقاء الوسوسة في قلوبهم. ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ أي:\nبمعصيتهم النّبيّ ﷺ، فالإضافة إلى الشّيطان لطف، وتقريب، والتعليل بكسبهم وعظ، وتأديب، وانظر قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها﴾.\n ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ أي: تجاوز الله، وصفح عن الّذين هربوا يوم أحد، فلم يعاقبهم بذلك، وغفر لهم، مع أنّ الهرب من ساحة الحرب من الموبقات السّبع كما ذكرته سابقا. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور لمن تاب، وأناب، حليم: لا يعجّل بالعقوبة على من عصاه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦٣] من سورة (البقرة).\nهذا؛ والعفو بمعنى ما ذكر كثير في القرآن الكريم كثرة لا تعدّ، ولا تحصى، كما يأتي (﴿عَفَا﴾) بمعنى الكثرة، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٩٥]: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا..﴾. إلخ؛ أي: حتى كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم، من قولهم: عفا النبات، وعفا الشّحم، والوبر: إذا كثر. قال الحطيئة: [الطويل]\nبمستأسد الغربان عاف نباته\nوعفا المنزل، يعفو عفاء،: إذا انمحت آثاره، ومعالمه ذهبت. قال الأخطل التّغلبي، وهو الشاهد رقم [٤٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]","vol":"2","page":282},{"text":"وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد\nوعفو المال: ما يفضل عن الحاجة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٩]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعافي: طالب المعروف، والإحسان، قال عروة بن الورد العبسي المعروف بعروة الصّعاليك: [الطويل]\nوإنّي امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد\nوجمع العافي: عفاة، قال الأعشى في مدح ممدوحه: [المتقارب]\nتطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: الذين تولوا كائنين منكم. ﴿يَوْمَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿اِلْتَقَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.\n ﴿الْجَمْعانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿اِسْتَزَلَّهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (﴿إِنَّ﴾) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿بِبَعْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بإضافة: (بعض) إليها. ﴿كَسَبُوا:﴾\nفعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ببعض الذي، أو: شيء كسبوه، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة: (بعض) إليه، التقدير: ببعض كسبهم.\n ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالله. (اللام): واقعة في جواب القسم. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَفَا اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٣]. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها.\n ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها.","vol":"2","page":283},{"text":"<span id=\"aya-449\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾\nالشرح ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية [١٣٠]. ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المنافقين عبد الله بن أبيّ، وأصحابه. وأطلق الله عليهم لفظ: الكفر؛ لأنهم أخبث من الكفار في كلّ زمان ومكان، وفي الآخرة يكون عذابهم أشدّ من عذاب الكفار. قال تعالى في سورة (النساء): ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾. ﴿وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾ يعني: إخوانهم في النفاق، والكفر.\nوقيل: لإخوانهم في النسب، وكانوا مسلمين، فيكون المراد بهم الّذين بعثهم الرسول ﷺ إلى بئر معونة، ويطلق عليهم اسم القراء. ﴿إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سافروا في الأرض لتجارة، وغيرها. ففيه استعارة تشبيها للمسافر في البر بالسّابح الضارب في البحر؛ لأنه يضرب بأطرافه في غمرة الماء شقّا لها، واستعانة على قطعها.\n ﴿أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ أي: خرجوا غازين في سبيل الله. فهو جمع: غاز، أي: خارج للحرب، والقياس: غزاة؛ لأنه جمع: غاز، وهو اسم منقوص، كقاض، وقضاة، لكنّه جاء على: فعّل حملا على الصّحيح، نحو: شاهد، وشهّد، وغائب، وغيّب، ونائم، ونوّم، وصائم، وصوّم... إلخ.\n ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾ أي: مقيمين في بلدنا معنا. ﴿ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾ لأن المنافقين يعتقدون أن الموت، والقتل بسبب السفر في الأرض، أو الخروج إلى الحرب، لا بالأجل.\n ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ﴾ أي: ظنهم، وقولهم. ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ غمّا، وتأسّفا في قلوبهم، والحسرة: شدّة الندم، وتألّم القلب على شيء فات، لا يمكن تداركه، قال الشاعر: [الطويل]\nفوا حسرتي لم أقض منها لبانتي... ولم أتمتّع بالجوار وبالقرب\nوقيل: ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم يوم القيامة؛ لما هم فيه من الخزي، والنّدامة، ولما فيه المسلمون من النعيم، والكرامة. هذا؛ وجمعها: حسرات انظر الآية رقم [١٦٧]: من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وقد تكلّم الزمخشري في فاعل الحسرة في هذه الآية بما يوافق مذهبه الاعتزالي، ولم يتعرّض له ابن المنير كعادته.\n ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنّ الله هو المؤثر في الحياة، والممات، لا الإقامة، ولا السفر، فإن الله قد يبقي المسافر، والغازي حيّا، ويميت المقيم في بيته، والقاعد في أهله. وهذا واقع ومشاهد. وفيه ردّ لما يعتقده المنافقون، وضعفاء الإيمان. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ فيه تهديد","vol":"2","page":284},{"text":"ووعيد للمؤمنين؛ إن قالوا واعتقدوا اعتقاد الكافرين، والمنافقين، فإنّ الآية الكريمة تنهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم في الاعتقاد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nروي: أنّ خالد بن الوليد﵁قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح، وها أنا ذا أموت على فراشي، كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء!\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٠]. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كَالَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُوا﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي الخبر، فهي مبنية على الفتح في محل نصب، وتكون مضافة، و(﴿الَّذِينَ﴾) مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لا تَكُونُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. (﴿قالُوا﴾): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِإِخْوانِهِمْ﴾ متعلقان ب (﴿قالُوا﴾) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرّد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل: (﴿قالُوا﴾). ﴿ضَرَبُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كانُوا:﴾\nفعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿غُزًّى:﴾ خبر: ﴿كانُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وجملة: ﴿كانُوا غُزًّى﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ مثل سابقه. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿كانُوا﴾ و(نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿ماتُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَفَرُوا﴾ لا محلّ لها مثلها.\n ﴿لِيَجْعَلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حَسْرَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقان ب ﴿حَسْرَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، و«أن» المضمرة والفعل: (يجعل) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قالوا، وهذا على أنّ اللام لام العاقبة، وهي متعلّقة بمحذوف؛ إن كانت للتعليل، التقدير: أوقع ذلك في قلوبهم ليجعله. وقيل غير ذلك.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يُحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة، مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع","vol":"2","page":285},{"text":"خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مبينة قدرة الله فيما يريد من الإحياء، والإماتة. والحالية ضعيفة. وجملة: ﴿وَيُمِيتُ:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٥٣]: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، فيها ما ذكرته في الشرح.\nتنبيه: حذف مفعول: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ للعلم بهما من المقام، وقد قال ابن هشام رحمه الله تعالى في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرّد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليه، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمّى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعوله له، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ومثله في سورة (البقرة) رقم [١٨٦]:\nوأيضا قوله تعالى في سورة (الدهر): ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ..﴾. إلخ.\nإذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء، والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم، وأوقعوا الأكل، والشرب، وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح. قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..﴾. إلخ: ألا ترى: أن موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-إنما رحمهما؛ إذ كانتا على ضفة الذّياد، وقومهما على السّقي، لا لكون مذودهما غنما، ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولهما: ﴿نَسْقِي﴾ السقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل، قدّر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنمنا.\nتنبيه: تكرار الماضي المتّصل به واو الجماعة في هذه الآية، والإعراب المتعارف عليه هو ما ذكرته، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة.\n\n<span id=\"aya-450\"></span>﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: في الجهاد لإعلاء كلمة الله. ﴿أَوْ مُتُّمْ:﴾ أي على فراشكم من غير قتل. ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ﴾ لمن آمن، وعمل صالحا، واهتدى بهدي النبي ﷺ. ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ..﴾. إلخ يعني: من الغنائم. والمعنى: ولئن وقع فيكم ما تخافونه من القتل في سبيل الله، أو الهلاك بالموت؛ فإنّ ما تنالونه من المغفرة، والرحمة من الله أفضل من الدنيا وحطامها الفاني، ومتاعها الزّائل.","vol":"2","page":286},{"text":"هذا؛ والفعل: ﴿مُتُّمْ﴾ يقرأ بضم الميم، وكسرها، فالأول من باب: نصر، ك: «قلت» و«صنت». والثاني من باب: علم، ك «خفت» و«نمت». وقال المفسرون: من: مات، يمات، كخاف، يخاف، ونام ينام، وهو بعد الإعلال يعود على باب: علم.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، أي دالة عليه.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿قُتِلْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي سَبِيلِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مُتُّمْ:﴾ فعل وفاعل والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿لَمَغْفِرَةٌ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف. (مغفرة): مبتدأ. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (مغفرة) أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على (مغفرة) وحذف متعلقه لدلالة ما قبله عليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، ﴿يَجْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء يجمعونه، وعلى اعتبار (ما) أو مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من جمعهم، والجملة الاسمية: ﴿لَمَغْفِرَةٌ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\n\n<span id=\"aya-451\"></span>﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾\nالشرح: المعنى: سواء متم على فراشكم، أو قتلتم في ساحة الحرب؛ فإنّ مرجعكم إلى الله. فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقرّبكم إلى الله. ويوجب لكم رضاه من الجهاد في سبيله، والعمل بطاعته. ولله درّ القائل: [الطويل]\nفإن تكن الأبدان للموت أنشئت... فقتل امرئ بالسّيف في الله أفضل\nوالموت لا بد منه، ورحم الله من قال: [الطويل]\nومن لم يمت بالسّيف مات بغيره... تنوّعت الأسباب والموت واحد\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لَإِلَى:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف. (إلى الله): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول","vol":"2","page":287},{"text":"مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النّون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وانظر الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-452\"></span>﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾\nالشرح: ﴿فَبِما:﴾ (ما) زائدة وتسمى في القرآن صلة، وهناك من يقول: إنّها غير زائدة، وهي نكرة موصوفة. وحجّة من يقول هذا تنزيه كلام الله تعالى من الزيادة، وعليه ذهب أبو بكر الزبيدي وغيره، وهذا فيه نظر؛ لأنّ القائلين بكون هذا زائدا لا يعنون أنّه يجوز سقوطه، ولا أنه مهمل، ولا معنى له، بل يقولون: إنّه زائد للتّوكيد، فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن. انتهى جمل بتصرف.\nأقول: زيادة (ما) ظاهرة في قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٥٥]: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٤٠]: ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ وانظر موجز القول في (ما) وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\n ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: فبسبب رحمة الله: أودعها الله في قلبك يا محمد! كنت هينا لينا مع أصحابك؛ مع أنهم خالفوا أمرك، وعصوك. ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ:﴾ الفظّ:\nالغليظ الجافي، والأنثى فظّة، والجمع: أفظاظ، قال الشاعر في ممدوحه: [الطويل]\nليس بفظّ في الأدانيّ والألى... يؤمّون جدواه ولكنّه سهل\nوفظّ على أعدائه يحذرونه... فسطوته حتف ونائله جزل\nوغلظ القلب عبارة عن تجهّم الوجه، وقلّة الانفعال في الرّغائب، وقلّة الإشفاق، والرحمة، ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط]\nيبكى علينا ولا نبكي على أحد... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل\n ﴿لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ:﴾ لتفرّقوا عنك، ونفروا منك، ومن قول أبي النّجم، يصف إبلا: [الرجز]\nمستعجلات القيض غير جرد... ينفضّ عنهنّ الحصى بالصّمد\nوالمعنى: ولو كنت سيئ الكلام، والأخلاق، قاسي القلب، والطباع؛ لانفضّوا عنك، وتركوك، ولكن الله حسّن أخلاقك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو -﵁-: إنّي أرى صفة رسول الله ﷺ في التوراة: «إنّه ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق ولا يجزي السّيّئة بالسّيّئة، ولكن يعفو، ويصفح».","vol":"2","page":288},{"text":"﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أي: تجاوز عن زلاّتهم، وما فعلوا يوم أحد من الهزيمة. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: واسأل الله المغفرة لهم؛ حتّى يشفّعك فيهم. وقيل: فاعف ما كان منهم يوم أحد ممّا يختصّ بك، واستغفر لهم فيما يختصّ بحقوق الله، وذلك من إتمام الشفقة عليهم، والرأفة بهم.\n ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في أمر الحرب ونحوه، مما لم ينزل عليك فيه وحي، تطييبا لنفوسهم، وترويحا لقلوبهم، ورفعا لأقدارهم، أو لتقتدي بك أمّتك فيها، جاء من قول النبي ﷺ: «ما تشاور قوم قطّ إلاّ هدوا لأرشد أمورهم». ومن قوله ﷺ: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد». وقال الحسن البصريّ، والضحّاك: ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلّمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمّته من بعده.\nولقد روى البغويّ-رحمه الله تعالى-بسنده عن عائشة﵂أنّها قالت: ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرّجال من رسول الله ﷺ استشار أصحابه في كثير من أمور الدنيا، مما لم ينزل عليه فيها وحي، فقد شاورهم حين خرج إلى بدر، واستشارهم في النزول في مكان في بدر، فأشار عليه الحباب بن المنذر بغير المكان الذي أراد النزول فيه، واستشارهم في أسرى بدر، وفي غزوة الخندق، وفي الخروج إلى أحد كما رأيت فيما سبق، وغير ذلك كثير.\nهذا؛ الاستشارة دعامة تقوم عليها أمور الدنيا، والآخرة، قال عليّ بن أبي طالب -﵁-: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبّر قبل العمل يؤمّنك من الندم. وقال بعض الحكماء: ما استنبط الصّواب بمثل المشاورة. ومن فوائدها: أنه قد يعزم الإنسان على أمر، فيشاور فيه، فيتبين له الصواب في قول غيره، فيعلم بذلك عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح. ومنها: أنه إذا لم ينجح أمره؛ علم: أنّ امتناع النجاح محض قدر، فلم يلم نفسه. وقال بعضهم في مدح المشاورة: [الطويل]\nوشاور إذا شاورت كلّ مهذّب... لبيب أخي حزم لترشد في الأمر\nولا تك ممّن يستبدّ برأيه... وشاورهم في الأمر حتما بلا نكر\nقال العلماء: وصفة المستشار في الأحكام الدينية: أن يكون عالما ديّنا. وفي أمور الدنيا:\nأن يكون عاقلا مجرّبا وادّا في المستشير، قال الشاعر: [المتقارب]\nإذا كنت في حاجة مرسلا... فأرسل حكيما ولا توصه\nوإن باب أمر عليك التوى... فشاور لبيبا ولا تعصه\nوأكتفي بما تقدّم هنا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨]: من سورة (الشورى) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَإِذا عَزَمْتَ﴾ أي: على أمر من الأمور؛ فامض وتوكل على الله، وثق به، ولا تعتمد","vol":"2","page":289},{"text":"إلا عليه، فإنه ولي الإعانة، والعصمة، والتسديد. والمراد: ألا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله تعالى في كلّ أموره، وإنّ المشاورة لا تنافي التوكّل. والعزم، والعزيمة: ما عقدت عليه نفسك من أمر أن تفعله، وعزم على الشيء: قدر، وصمّم على فعله، قال الشاعر: [الطويل]\nإذا همّ ألقى بين عينيه عزمه... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا\nولم يستشر في رأيه غير نفسه... ولم يرض إلاّ قائم السّيف صاحبا\nالإعراب: ﴿فَبِما:﴾ الفاء: حرف استئناف. الباء: حرف جر. (ما): حرف صلة. ﴿رَحْمَةٍ:﴾\nاسم مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلّقان ب ﴿رَحْمَةٍ﴾ أو بمحذوف صلة لها. ﴿لِنْتَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾):\nحرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.\n ﴿فَظًّا:﴾ خبر أول. ﴿غَلِيظَ:﴾ خبر ثان ل (كان)، و﴿غَلِيظَ﴾ مضاف، و﴿الْقَلْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، وجملة: ﴿كُنْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لانْفَضُّوا:﴾ اللام واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (انفضوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب لو، لا محل لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين. ﴿مِنْ حَوْلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَاعْفُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اعف): فعل أمر مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب شرط يقدّر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فاعف عنهم. (﴿اِسْتَغْفِرْ﴾): أمر، وفاعله: أنت.\n ﴿لَهُمْ﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَشاوِرْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبنيّ على السكون في محل نصب. ﴿عَزَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَتَوَكَّلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (توكل) فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب: (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع،","vol":"2","page":290},{"text":"والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الْمُتَوَكِّلِينَ:﴾ مفعول به.\n\n<span id=\"aya-453\"></span>﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ﴾ أي: إن يعنكم الله بنصره، ويمنعكم من عدوّكم، كما فعل يوم بدر؛ ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ أي: لا أحد من الناس يغلبكم، ويقهركم؛ لأنّ الله تعالى هو المتولي نصركم. ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ:﴾ كما فعل يوم أحد، فلم ينصركم، بل وكلكم إلى أنفسكم لمخالفتكم أمره، وأمر رسوله ﷺ. ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ:﴾ من بعد خذلانه، وهو ترك المعونة.\nوالمعنى: لا أحد ينصركم من بعد الله. وينبغي تعميم الخطاب للمؤمنين إلى يوم القيامة، فالهاء تعود على الله جلّ ذكره. وقيل: بل تعود على الخذلان.\n ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا على غيره؛ لأنّ الأمر كلّه لله، لا رادّ لقضائه، ولا دافع لحكمه، فيجب أن يتوكل العبد في كل الأمور على الله تعالى، لا على غيره. وقيل:\nالتوكل: أن لا تعصي الله من أجل رزقك، ولا تطلب لنفسك ناصرا غيره، ولا لعملك شاهدا سواه، وخذ ما يلي:\nعن عمران بن حصين﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا بغير حساب» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟! قال: «هم الّذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون». فقام عكّاشة بن محصن﵁-، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم! فقال: «أنت منهم». فقام آخر، فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يجعلني منهم! فقال: «سبقك بها عكّاشة». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٢]: فإنّه جيد، والحمد لله!\nهذا؛ والخذلان: ترك العون. والمخذول: المتروك لا يعبأ به، وخذلت الوحشية: أقامت على ولدها في المرعى، وتركت صواحباتها، فهي خذول، قال طرفة في معلقته رقم [٨]: [الطويل]\nخذول تراعي ربربا بخميلة... تناول أطراف البرير وترتدي\nانظر شرحه في كتابنا إعراب المعلّقات؛ فإنّه جيد، والحمد لله. وقال طرفة أيضا: [الكامل]\nنظرت إليك بعين جارية... خذلت صواحبها على طفل\nولا تنس أنّ بين: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ﴾ وبين: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ مقابلة، وهي من المحسّنات البديعية.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَنْصُرْكُمُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة","vol":"2","page":291},{"text":"شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ».\n ﴿غالِبَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ:﴾\nإعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبره.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿ذَا﴾. أو هو بدل منها. هذا؛ وجوز أن يكون: (من ذا) اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، والذي خبره.\n ﴿يَنْصُرْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: (من ذا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَعَلَى اللهِ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٢٢].\n\n<span id=\"aya-454\"></span>﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض القوم: لعلّ رسول الله ﷺ أخذها، فنزلت الآية الكريمة. أخرجه أبو داود، والترمذيّ. وروي عن الضّحاك-رحمه الله تعالى-قال: بعث رسول الله ﷺ طلائع، وجاءت غنائم للنّبيّ ﷺ، فلم يقسم للطّلائع، فأنزل الله الآية الكريمة.\nوروي ابن جرير الطّبري عن ابن عباس﵄قوله: المعنى: ما كان لنبيّ أن يقسم إلى طائفة من المؤمنين، ويترك طائفة، ويجور في القسم، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله تعالى، ويحكم فيه بما أنزل الله، يقول: ما كان الله ليجعل نبيّا يغلّ من أصحابه، فإذا فعل ذلك؛ استنّوا به.\nوقال مقاتل، والكلبي: نزلت في غنائم أحد حين ترك الرّماة المركز للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبيّ ﷺ: من أخذ شيئا فهو له، أو ألا تقسم الغنائم، كما لم تقسم يوم بدر، فتركوا المركز، ووقعوا في الغنائم، فقال لهم النبي ﷺ: «ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز، حتّى يأتيكم أمري؟» قالوا: تركنا بعض إخواننا وقوفا، فقال النبيّ ﷺ: بل ظننتم أنا نغلّ، فلا نقسم.\nفأنزل الله هذه الآية.","vol":"2","page":292},{"text":"وقال محمد بن كعب القرظيّ، ومحمد بن إسحاق: هذا في شأن الوحي، يقول: وما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي، رغبة، أو رهبة، أو مداهنة، والغلول: هو الخيانة، وأصله: أخذ الشيء في خفية يقال: غل فلان، يغل بفتح الياء، وضم الغين؛ أي: وما كان لنبي أن يخون؛ لأنّ النبوة والخيانة لا يجتمعان؛ لأن منصب النبوة أعظم المناصب، وأشرفها، وأعلاها، فلا تليق به الخيانة؛ لأنّها في نهاية الدناءة، والخسّة، والجمع بين الضدّين محال. فثبت بذلك: أنّ النبي ﷺ لم يخن أمّته في شيء، لا من الغنائم، ولا من الوحي.\nوقيل: المراد به: الأمة؛ لأنه قد ثبتت براءة ساحة النبيّ من الغلول، والخيانة، فدلّ ذلك على أنّ المراد بالغلول غيره. انتهى خازن بتصرف. وهذا الذي أعتمده إن شاء الله؛ لأنه قد خوطب النبي ﷺ بأشياء كثيرة، والمراد أمّته، مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ..﴾. إلخ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ، وغير ذلك.\n ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته، معذبا بحمله، وثقله، ومرعوبا بصوته، وموبّخا بإظهار خيانته على رءوس الناس، هذه الفضيحة التي يوقعها الله تعالى بالغالّ نظير الفضيحة التي يوقعها الله بالغادر في أن ينصب له لواء عند استه بقدر غدرته.\n ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ:﴾ تعطى جزاء ما كسبت وافيا غير ناقص، وكان المناسب لما قبله أن يقال: ثم يوفى ما كسب، ولكنّه عمّم الحكم؛ ليدخل تحته كلّ كاسب من الغالّ وغيره، فاتّصل به من حيث المعنى، وهو أثبت، وأبلغ. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ فلا ينقص ثواب محسنهم، ومطيعهم، ولا يزاد في عقاب سيّئهم. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول، فعظّمه، وعظّم أمره، ثم قال: «لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني! فأقول، لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس، له حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة، لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس، لها صياح، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك».\nأخرجه الإمام مسلم، وغيره. حمحمة الفرس: صوته دون الصهيل. الرّقاع: الثياب، جمع رقعة وقيل: هي التي فيها الحقوق، وخفوقها: حركتها، والصّامت: الذهب، والفضّة.","vol":"2","page":293},{"text":"فتبيّن: أن الغلول كبيرة من الكبائر، بدليل الآية الكريمة، والحديث الشريف. ومن الغلول هدايا العمال، وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغال، فقد روى أبو داود في سننه، ومسلم في صحيحه عن أبي حميد الساعديّ﵁-: أن النبيّ ﷺ، استعمل رجلا من الأزد، يقال له: ابن اللّتبيّة على الصّدقة، فجاء، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقام النبي ﷺ على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ما بال العامل نبعثه، فيجيء، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي؟ ألا جلس في بيت أمّه وأبيه، فينظر أيهدى له، أم لا؟! لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة، إن كان بعيرا؛ فله رغاء، أو بقرة؛ فلها خوار، أو شاة تيعر» ثمّ رفع يديه حتّى رأينا عفرتي إبطيه، ثمّ قال: «اللهمّ هل بلّغت. اللهمّ هل بلّغت» وابن اللّتبية اسمه عبد الله صحابيّ، واللّتبية أمه، ومنهم من يفتح اللام.\nوروى أبو داود عن بريدة﵁عن النبي ﷺ قال: «من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول». فويل ثمّ ويل، ثم ويل لحكام هذا الزّمن، ولموظفي هذا الزّمن الذين لا يعملون إلا إذا أخذوا الرّشوة جهرا، لا خيفة، وينهبون من مؤسّسات الدّولة ما يستطيعون نهبه، كلّ بحسب وظيفته، ومركزه فيها، وجلالته، وعظمته في جهاز الدّولة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم!\nالإعراب: (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِنَبِيٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. (﴿يَغُلَّ﴾): فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل يعود إلى النبيّ، والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه في محلّ رفع اسم كان مؤخّر، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَغْلُلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره هو. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا، والجملة الفعلية، لا محل لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل:\nالجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿غَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ومفعوله ومفعول ما قبله محذوف، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، التقدير: يأت بالذي، أو بشيء غلّه. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تُوَفّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وقد اكتسب التأنيث","vol":"2","page":294},{"text":"من المضاف إليه، فهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء كسبته، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب المفعول الثاني، التقدير: توفّى كلّ نفس كسبها.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿كَسَبَتْ﴾ وجمع الضمير على معنى ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والرابط: الواو، والضمير، والجملة الفعلية: ﴿تُوَفّى..﴾.\nإلخ معطوفة على الجملة الشرطية قبلها، لا محل لها مثلها.\nتنبيه: ذكرت لك: أن ﴿كُلُّ﴾ اكتسب التأنيث من إضافته لنفس، واكتساب المضاف من المضاف إليه التذكير أو التأنيث باب من أبواب النّحو معروف، انظره في كتابنا: «فتح القريب المجيب». ومن أمثلته قول المجنون-وهو الشاهد رقم [٩٠٣] منه-: [الوافر]\nأمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا\nوما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا\n\n<span id=\"aya-455\"></span>﴿أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ﴾ أي: ترك الغلول، وصبر على الجهاد، وامتثل أمر الله فيما أمر، وانتهى عمّا نهى عنه، وزجر، واهتدى بهدي سيد البشر ﷺ. ﴿كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: رجع بغضب من الله بأن غلّ، أو تولّى من الميدان في ساحة الطّعن، والطّعان، ثمّ ارتكب المحرّمات، وفعل المنهيات. والمعنى لا يستوي الأول، والثاني في الحكم عند الله، فالفرق بعيد بينهما، كما بين المشرق، والمغرب، أو بين السماء، والأرض، ولهذه الآية نظائرها في سورة (الرّعد) رقم [٢١] وسورة (السّجدة) رقم [١٨] وغير ذلك. ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ:﴾ مآله، ومصيره، ومقرّه. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المذموم هو.\nهذا؛ والهمزة في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ﴾ للإنكار، وهي في نية التّأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدّم على الواو، وثم تنبيها على أصالتها في التّصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ﴾","vol":"2","page":295},{"text":"بِهِ. وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف في ذلك جماعة، أوّلهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدّمة في محلّها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدّرة بينها وبين العاطف، فيقولون:\nالتقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ:﴾ أمكثوا، فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم، فنضرب عنكم؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل... إلخ، ويضعف ما في قولهم من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع.\nانتهى مغني بتصرف. وانظر الآية رقم [١٦٥] الآتية.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف. (من): تحتمل الموصولة، والموصوفة-أي: شخص، أو: إنسان-مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿اِتَّبَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: هو. ﴿رِضْوانَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(من) تحتمل الموصولة والموصوفة أيضا. ﴿باءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها أيضا. ﴿بِسَخَطٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (سخط) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: يستوي الأمران، أو: الشخصان... إلخ، والمعتمد الأوّل.\n ﴿وَمَأْواهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿مَأْواهُ﴾): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وفي المعنى فاعله جهنّم، التي هي خبره في الظّاهر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿باءَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿بِئْسَ﴾):\nفعل ماض جامد لإنشاء الذّم، ﴿الْمَصِيرُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هي جهنم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ولا يجوز عطفها على ما قبلها؛ لأنها إنشائية، والإنشاء لا يكون حالا.\n\n<span id=\"aya-456\"></span>﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾\nالشرح: أي: هم درجات متفاوتة، ومختلفو المنازل عند الله، فلمن اتّبع رضوانه الكرامة، والثواب العظيم، ولمن باء بسخط منه المهانة، والعذاب الأليم، بل هم على درجات، أو في درجات على حسب أعمالهم، فالأعمال الصّالحة ليست بدرجة واحدة، من النّفع، والحسن،","vol":"2","page":296},{"text":"والأعمال السّيّئة ليست بدرجة واحدة من الضرّ، والقبح. هذا والغالب استعمال الدّرجات في العرف لأهل الثواب، واستعمال الدّركات لأهل النّار، والعقاب. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿عِنْدَ﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: ﴿دَرَجاتٌ﴾. و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٥٣].\n\n<span id=\"aya-457\"></span>﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ أحسن إليهم، وتفضل عليهم، والمنّة: النعمة العظيمة، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا من الله؛ لأنه المالك للنّعمة حقيقة، وغيره من المخلوقين لا يملكها حقيقة، وإنّما هي وكالة يقوم بها إن أحسن الوكالة. ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني: من جنسهم عربيّا مثلهم، ولد ببلدهم، ونشأ بينهم، يعرفون نسبه، وليس حيّ من أحياء العرب، إلا له فيهم نسب، إلا بني تغلب، فإنهم كانوا نصارى، وقد ثبتوا على النصرانية، فطهّر الله رسوله ﷺ من أن يكون له فيهم نسب، وقرئ شاذّا: («من أنفسهم») بفتح الفاء. يعني:\nمن أشرفهم؛ لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل من قريش، وقريش أفضل من سائر العرب، والعرب أفضل من غيرهم. وقيل: أراد بالمؤمنين: جميع المؤمنين، ومعنى: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ أنه واحد منهم، وبشر مثلهم، وإنما امتاز عنهم بالوحي، والرّسالة. وهو معنى قوله تعالى في آخر سورة (التوبة): ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ وقوله تعالى في سورة (الجمعة):\n ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ..﴾. إلخ. وخص المؤمنين بالمنّة، والذكر؛ لأنهم المنتفعون به، والمهتدون بهديه، فالمنة عليهم أعظم.\n ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ:﴾ يقرأ عليهم كتابه الذي أنزل عليه بعد أن كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي السّماوي. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ:﴾ ويطهّرهم من دنس الكفر، ونجاسة المحرمات، والخبائث، وسوء الأخلاق، والطّباع. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: القرآن، وهو آيات الله المذكورة، فعلى هذا؛ فهو بالنسبة لما قبله من اختلاف اللفظ، واتحاد المعنى. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٨]. ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل بعثة محمد ﷺ. ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ لفي جهالة، وحيرة عن الهدى عميا صمّا، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فهداهم الله بنبيه ﷺ.\nهذا؛ و«ضلّ» أكثر ما يستعمل بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضدّ: اهتدى، واستقام.\nومصدره: الضّلال كما في هذه الآية، ويأتي ضل بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ﴾","vol":"2","page":297},{"text":"عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ويأتي بمعنى: خفي يخفى، قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾. وضلّ الشيء: ضاع، وهلك، ومنه قوله تعالى في سورة (الرّعد): ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ،﴾ وضلّ: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم له في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ،﴾ وضلّ: تحيّر، وهو أقرب ما يفسّر به قوله تعالى مخاطبا حبيبه ﷺ في سورة (الضّحى): ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾.\nوأضلّ، يضل غيره من الرّباعي، ومصدره: الإضلال، فهو متعدّ، والثلاثي لازم، ومصدره:\nالضّلال، وهو الخروج عن جادّة الحقّ، والانحراف عن الصّراط المستقيم. وينبغي أن تعلم أنّ طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وأما الضّلال؛ فطرقه كثيرة ومتشعّبة، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام:\n ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾. وقال الشاعر الحكيم: [البسيط]\nالطّرق شتّى وطرق الحقّ واحدة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد\nلا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد\nوالنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. وقيل: هي لام الابتداء، (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَنَّ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\n ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، أو هي ابتدائية لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل، أو هي ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿مَنَّ﴾. ﴿بَعَثَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها على اعتبار ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل، وهي في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها على اعتبارها ظرفية. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَسُولًا﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى:\n ﴿رَسُولًا﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿رَسُولًا﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل،","vol":"2","page":298},{"text":"والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولًا﴾ أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وكذا جملة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ معطوفة عليها أيضا.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنْ﴾): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان ب ﴿كانُوا﴾ وقد بني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي الفارقة بين «إنّ» العاملة، والمهملة، وهي لازمة عند الإهمال. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل\n (في ﴿ضَلالٍ﴾): متعلقان بمحذوف خبر: (كان) وهذا الإعراب على مذهب البصريين، وأما الكوفيون فيقولون: (﴿إِنْ﴾) نافية بمعنى «ما» واللام بمعنى: «إلا» والمعنى: ما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين، ويستدلون على ذلك بقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٢٠]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» [البسيط]\nأمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان\nوالجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو والضمير.\n\n<span id=\"aya-458\"></span>﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ:﴾ أو حين: انظر تقدّم الهمزة على الواو في الآية [١٦٢]:\nوقدمت عليها، كما تقدّمت على الفاء في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ وغيرها كثير، وكما دخلت على (ثم) في قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾. هذا قول سيبويه، وقال الأخفش: زائدة، ومذهب الكسائي: أنها «أو» تحركت الواو منها تسهيلا، وتقرأ («أو») ساكنة الواو، فتجيء بمعنى «بل». وقال ابن عطية: وهذا تكلّف، والصحيح قول سيبويه.\n ﴿أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني: ما أصابهم يوم أحد. ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها:﴾ يوم بدر بأن قتلتم منهم سبعين، وأسرتم سبعين، والأسير في حكم المقتول؛ لأنّ الآسر يستطيع قتل أسيره؛ إن أراد. أو المعنى: فهزمتموهم يوم بدر، ويوم أحد أيضا في الابتداء، وقتلتم فيه منهم قريبا من عشرين، فنلتم منهم في يومين، ونالوا منكم في يوم واحد.\n ﴿قُلْتُمْ أَنّى هذا﴾ أي: من أين أصابنا هذا الانهزام، والقتل؛ ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا رسول الله ﷺ والوحي؟! ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: إنما وقعتم فيما","vol":"2","page":299},{"text":"وقعتم فيه بشؤم ذنوبكم، وهو مخالفتكم أمر الرسول ﷺ في أمرين: أولهما: أنه ﷺ اختار الإقامة في المدينة على الخروج إلى العدوّ في أحد، واختاروا هم الخروج. والأمر الثاني:\nمخالفة الرّماة أمر الرسول ﷺ الذين أقامهم على الجبل، وخذ ما يلي:\nروى عبيدة السلماني-رحمه الله تعالى-عن عليّ﵁قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ، فقال: إنّ الله كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى يوم بدر، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أن يضربوا أعناق الأسارى، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدّتهم. فذكر ذلك رسول الله ﷺ للنّاس، فقالوا: يا رسول الله! عشائرنا، وإخواننا. بل نأخذ منهم فداء، فنقوى به على قتال عدوّنا، ويستشهد منّا عدّتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى بدر. لم يسنده البغوي، وأسنده ابن جرير الطّبري. انتهى خازن، وقرطبي. وفي النّفس من هذه الرواية شيء.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير، وتوبيخ. الواو: حرف عطف، أو استئناف. (﴿لَمّا﴾): انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿أَصابَتْكُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية ابتدائية، لا محلّ لها على القول بحرفية (﴿لَمّا﴾)، وهي في محل جر بإضافة: (﴿لَمّا﴾) إليها على القول بظرفيتها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَصَبْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِثْلَيْها:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و(ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿مُصِيبَةٌ﴾ أو في محل نصب حال من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الضمير فقط. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدّم، وهذا إذا كان الاستفهام عن الحال، وأما إذا كان بمعنى: «من أين» فيكون مبنيّا على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿هذا:﴾\nالهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتُمْ..﴾. إلخ جواب ل: (ما) لا محل لها و(﴿لَمّا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. أبو السعود.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿أَنْفُسِكُمْ:﴾\nمضاف إليه، والكاف في محل جرّ بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و(﴿كُلِّ﴾) مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي مفيدة للتعليل، لا محلّ لها على الاعتبارين، وهي من مقول القول على اعتبارها للتعليل.","vol":"2","page":300},{"text":"<span id=\"aya-459\"></span>﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَصابَكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين، والذي أصابهم: هو القتل، والجراح، والهزيمة. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ:﴾ جمع المؤمنين، وجمع المشركين، وذلك ب «أحد» يوم أحد. ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: فبعلمه، وقضائه، وقدره، وحكمه، وحكمته. وفيه تسلية للمؤمنين بما حصل لهم يوم أحد من القتل، والهزيمة، ولا تقع التسلية إلا إذا علموا: أن ذلك كان واقعا بقضاء الله وقدره، فحينئذ يرضون بما قضى الله لهم، وعليهم. وانظر شرح (أصاب) في الآية رقم [١٥٦]: من سورة (البقرة).\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصابَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.\n ﴿اِلْتَقَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر. ﴿الْجَمْعانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فَبِإِذْنِ:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ، وساغ ذلك لشبه الموصول بالشرط في العموم، (بإذن): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و(إذن): مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. هذا؛ واعتبار (﴿ما﴾) شرطية غير مستبعد، وعليه فالفعل أصاب فعل شرطها، وهي مبتدأ، والجملة الاسمية: «فهو بإذن الله» في محل جزم جوابها، وخبرها مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا، والجملة على الاعتبارين اسمية، وهي معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾.\nو«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور معطوفان على معنى: (بإذن الله). عطف سبب على سبب. وقيل: متعلقان بمحذوف، التقدير:\nوفعل ما أصابكم ليعلم... إلخ. والأول أولى. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنّون عوض من التنوين في الاسم المفرد.\n<span id=\"aya-460\"></span>﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ المعنى: ليظهر إيمان المؤمنين بثباتهم على ما نالهم، ويظهر نفاق المنافقين بقلّة صبرهم على ما نزل بهم. فالمراد من العلم: المعلوم، والمراد: ليتبيّن","vol":"2","page":301},{"text":"المؤمن من المنافق، وليتميّز أحدهما من الآخر، كقوله جلّ ذكره: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ رقم [١٤١]. هذا؛ والنفاق: إظهار الإيمان، وإخفاء الكفر، وسمّي المنافق منافقا، أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره الذي يقيم فيه، فإنّه يجعل له بابين، ويدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكافرين بقوله: أنا كافر. وكان المنافقون في عهد الرسول ﷺ ثلاثمائة من الرجال، ومائة من النساء، هذا وقال تعالى في سورة (التوبة): ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب في القول، ويخلف في الوعد، ويخون في الأمانات، ويفجر في الخصومة، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأمّا الأول؛ فيقال له: نفاق العقيدة، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشدّ منه، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٥]: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. وقد حذّر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به، فإنّه يجرّ إلى نفاق العقيدة. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». رواه البخاريّ، ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-: أن النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه؛ كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ، كانت فيه خصلة من النّفاق؛ حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاريّ، ومسلم.\n ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا:﴾ المقول له عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق، وأصحابه، وذلك: أنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى أحد بألف رجل؛ حتى إذا كان بالشّوط بين أحد، والمدينة؛ انخذل عبد الله المنافق بثلث النّاس، وقال: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟! فرجع بمن معه من المنافقين، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر﵁-، وهو يقول:\nيا قوم! أذكّركم الله أن تخذلوا نبيّكم عند حضور عدوّه! تعالوا قاتلوا في سبيل الله-أي: لأجل دين الله وطاعته-أو ادفعوا عن أموالكم، وأهليكم! وقيل: معناه: تعالوا كثّروا سواد المسلمين؛ إن لم تقاتلوا، ليكون ذلك دفعا، وقمعا للعدو، فإنّ السّواد إذا كثر؛ حصل دفع العدو. قال أنس -﵁-: رأيت يوم القادسية عبد الله ابن أمّ مكتوم الأعمى، وعليه درع يجرّ أطرافها.\nوبيده راية سوداء، فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ فقال: بلى، ولكنّي أكثّر سواد المسلمين بنفسي. ومعنى قوله﵁-: إن لم تقاتلوا في سبيل الله، فقاتلوا دفعا عن أنفسكم، وحريمكم. ألا ترى أنّ قزمان بن الحارث العبسي المنافق، قال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، وقال فيه رسول الله ﷺ: «إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر».","vol":"2","page":302},{"text":"﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: المنافقون في يوم أحد. ﴿أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ أي: بينوا حالهم، وهتكوا أستارهم، وكشفوا عن كفرهم، ونفاقهم لمن كان يظنّ: أنهم مؤمنون، فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على التّحقيق.\n ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يظهرون الإيمان بألسنتهم، ويضمرون الكفر في قلوبهم، وهذه صفة المنافقين، لا صفة المؤمنين. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ أي: يخفون، ويضمرون من الكفر، والنفاق. وانظر شرح: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ في الآية رقم [٧١]\nهذا؛ و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف زمان مضاف لظرف آخر، والتنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة، دلت عليها الغاية، فإنّ الأصل: يوم إذ جاءت قريش ورأوها. و(إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوّض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت في:\n «صه، ومه» عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: «حينئذ، وساعتئذ» ونحو ذلك.\n ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله، والجار والمجرور الناتجان منه معطوفان على مثلهما، والفاعل مستتر، تقديره: هو يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿نافَقُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. (﴿قِيلَ﴾): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. وقيل: هما في محل رفع نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: هو، يعود إلى مصدر الفعل. ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وقيل: في محل رفع نائب فاعل: (﴿قِيلَ﴾)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ومفعولا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه. قال ابن هشام﵀ في المغني-: فليس هذا من باب الإسناد إلى الجملة؛ لما بيّنا؛ أي: من أنّ الجملة إذا قصد لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، فيجوز حينئذ وقوعها مبتدأ، وفاعلا، أو نائبا عنه، ومثّل لذلك في شذور بقول النبي ﷺ: «أفضل ما قلت أنا والنّبيّون من قبلي: لا إله إلاّ الله» انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\n ﴿قاتِلُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مثل سابقتها في المحل، وإنما لم يكن بحرف العطف؛ لأنّه أراد أن يكون كلّ من الجملتين مقصودة بنفسها. وقيل: الثانية في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأنّها إنشائية. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾\nمضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿اِدْفَعُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: (﴿وَقِيلَ..﴾.) إلخ تحتمل العطف على جملة: ﴿نافَقُوا﴾ فتكون داخلة في حيز الموصول، وتحتمل الاستئناف.","vol":"2","page":303},{"text":"﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضمّ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿قِتالًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لاتَّبَعْناكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب: ﴿لَوْ﴾. (اتبعناكم): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِلْكُفْرِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَقْرَبُ﴾ بعدهما، وكذلك ﴿لِلْإِيمانِ﴾ متعلقان به، وإن كان بمعنى واحد، وجاز أن يعمل:\n ﴿أَقْرَبُ﴾ فيهما؛ لأنهما يشبهان الظرف، وكما عمل «أطيب» في قولهم: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» في الظرفين المقدّرين؛ لأن أفعل يدل على معنيين: على أصل الفعل، وزيادة، فيعمل في كلّ واحد منهما بمعنى غير الآخر، فتقديره: يزيد قربهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان. انتهى أبو البقاء. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿أَقْرَبُ﴾ أيضا، و(إذا): ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، وحرّك بالكسر لالتقاء الساكنين، وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿أَقْرَبُ﴾ أيضا، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة ب ﴿قالُوا﴾ فلست مفندا، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِأَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وساغ ذلك؛ لأنها بمعنى: كلام كثير. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ وجملة: ﴿لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ تحتمل الاستئناف، وأن تكون في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ (من)، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة من وجه واحد. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلقان ب (﴿أَعْلَمُ﴾) لأنه بمعنى: عالم، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أعلم بالذي، أو بشيء يكتمونه في قلوبهم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أعلم بكتمانهم النفاق. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\nوالاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبل الجملة الاسمية. تأمّل، وتدبر، وربّك أعلم.","vol":"2","page":304},{"text":"<span id=\"aya-461\"></span>﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في عبد الله بن أبيّ المنافق، وأصحابه. وفي المراد ب (إخوانهم) قولان: أحدهما: أنّ المراد ب (إخوانهم): الذين استشهدوا بأحد، فيكون (إخوانهم) في النسب لا في الدين. والقول الثاني: أن المراد ب (إخوانهم): المنافقون. فعلى القول الأول يكون معنى الآية: الذين قالوا في إخوانهم، أو عن إخوانهم الذين قتلوا بأحد: لو أطاعونا ما قتلوا. وعلى القول الثاني يكون معنى الآية: الذين قالوا: وهم ابن أبيّ، وأصحابه لإخوانهم في النفاق.\n ﴿وَقَعَدُوا﴾ أي: قالوا هذا القول، وقعدوا بأنفسهم عن القتال. ﴿قُلْ:﴾ خطاب للرسول ﷺ.\n ﴿فَادْرَؤُا:﴾ فادفعوا، والدرء: الدفع. قال الرسول ﷺ: «ادفعوا الحدود بالشّبهات». ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ إن كنتم صادقين بقولكم: ﴿لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا؛﴾ فادفعوا الموت عن أنفسكم، يعني: أن الحذر لا ينفع من القدر. وفي الآية دليل على أنّ المقتول يموت بأجله، خلافا لمن يزعم من المعتزلة، وغيرهم: أن القتل يقطع على المقتول أجله، روي: أنّه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا. قال أبو الليث السّمرقندي: سمعت بعض المفسّرين بسمرقند يقول: لمّا نزلت الآية؛ مات سبعون نفسا من المنافقين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، ويجوز أن يكون في محل رفع بدلا من الواو في: ﴿يَكْتُمُونَ،﴾ وأن يكون في محل رفع مبتدأ خبره: ﴿قُلْ فَادْرَؤُا﴾ وهذا ضعيف جدّا، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم بفعل محذوف، ويجوز أن يكون في محل جرّ بدلا من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة في قوله: ﴿بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ومثله قول الفرزدق: [الطويل]\nعلى حالة لو أنّ في القوم حاتما... على جوده لضنّ بالماء حاتم\n ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لِإِخْوانِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَقَعَدُوا:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَعَدُوا﴾): ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. وقيل: معطوفة على جملة الصلة.\n ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَطاعُونا:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قُتِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محلّ لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول.\n ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَوْتَ﴾ مفعول به.","vol":"2","page":305},{"text":"﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها\nإلخ، وجواب الشرط محذوف. انظر تقديره في الشّرح. و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض في الآخر، لا محل له، المراد منه تحدّيهم، وإظهار كذبهم.\n\n<span id=\"aya-462\"></span>﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾\nالشرح: لا تزال الآيات الكريمة تتابع أحداث غزوة أحد، وتكشف عن أسرار المنافقين، ومواقفهم المخزية لهم في الدّنيا، والآخرة، وبينت ما أعدّ الله من الكرامة للشهداء شهداء أحد وغيرهم إلى يوم القيامة، فهي عامّة في جميع الشهداء، فقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا أصيب إخوانكم بأحد؛ جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنّة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة في ظلّ العرش، فلمّا وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم؛ قالوا: من يبلّغ إخواننا عنّا: أنّا أحياء في الجنّة، نرزق؛ لئلاّ يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب؟! فقال الله سبحانه: أنا أبلّغهم عنكم، قال: فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى آخر الآيات.\nوعن جابر﵁قال: لقيني رسول الله ﷺ، فقال: «يا جابر! ما لي أراك منكّسا مهتما؟!». قلت: يا رسول الله استشهد أبي، وترك عيالا، وعليه دين، فقال: «ألا أبشّرك بما لقي الله﷿به أباك؟» قلت: بلى يا رسول الله! قال: «إنّ الله أحيا أباك، وكلّمه كفاحا (مواجهة) وما كلّم أحدا قطّ إلاّ من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي! تمنّ؛ أعطك، قال: يا ربّ، فردّني إلى الدّنيا، فأقتل فيك ثانية، فقال الربّ﵎-: إنّه سبق منّي: أنّهم إليها لا يرجعون، قال: يا ربّ فأبلغ من ورائي، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا..﴾. إلخ». رواه ابن ماجة، والترمذي، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٤]: من سورة (البقرة). وخذ هنا ما يلي:\nفعن أبي موسى﵁-: أنّ أعرابيّا أتى النبيّ ﷺ، فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل؛ ليذكر، والرجل يقاتل؛ ليرى مكانه؛ فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». أخرجه الشيخان، وغيرهما.\nوينبغي أن تعلم: أنّ الشهيد ثلاثة أنواع: شهيد في الدنيا، والآخرة، وشهيد في الدنيا، وشهيد في الآخرة فقط، فالأول: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والثاني: من قاتل للمغنم، أو ليذكر، أو لغرض من أغراض نفسه الدنيوية، والثالث: خذه ممّا يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما تعدّون الشّهيد فيكم؟» قالوا:\nيا رسول الله من قتل في سبيل الله؛ فهو شهيد. قال: «إنّ شهداء أمّتي إذا لقليل» قالوا: فمن هم","vol":"2","page":306},{"text":"يا رسول الله؟! قال: «من قتل في سبيل الله؛ فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله؛ فهو شهيد، ومن مات في الطّاعون؛ فهو شهيد، ومن مات في البطن؛ فهو شهيد». أخرجه مسلم. وفي رواية لمالك، والبخاريّ، والترمذي: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله». وفي رواية لأبي داود، والنسائي: «وما تعدّون الشّهادة؟» قالوا:\nالقتل في سبيل الله. فقال النبي ﷺ: «الشّهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمطعون شهيد، والّذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد».\nوعن سعيد بن زيد﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله؛ فهو شهيد، ومن قتل دون دمه؛ فهو شهيد، ومن قتل دون دينه؛ فهو شهيد، ومن قتل دون أهله؛ فهو شهيد». رواه أبو داود، وغيره. والأحاديث في ذلك كثيرة. ولا تنس الطّباق بين: ﴿أَحْياءٌ﴾ و﴿أَمْواتًا﴾ فهو من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب (﴿لا﴾) الناهية، والنون حرف لا محلّ له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، ويقرأ الفعل بياء المضارعة، وعليه ف ﴿الَّذِينَ﴾ فاعله، ويكون المفعول الثاني محذوفا. ﴿قُتِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿أَمْواتًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿قُتِلُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (﴿لا تَحْسَبَنَّ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب مبتدأ بعده. ﴿أَحْياءٌ:﴾\nخبر لمبتدإ محذوف، التقدير: «بل هم أحياء»: الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عِنْدَ:﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أن يكون خبرا ثانيا للمبتدإ. الثاني: أن يكون ظرفا ل ﴿أَحْياءٌ﴾. الثالث: أن يكون ظرفا ل ﴿يُرْزَقُونَ﴾ بعده. الرابع: أن يكون نعتا ل ﴿أَحْياءٌ﴾.\nالخامس: أن يكون حالا من الضمير المستكن في: ﴿أَحْياءٌ﴾. والمراد في كل ذلك متعلّق الظرف، لا الظرف نفسه، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يُرْزَقُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والثاني محذوف. والجملة الفعلية فيها أربعة أوجه: أحدها: أنها خبر ثالث للمبتدإ، أو ثان؛ إذا لم نجعل الظرف خبرا.\nالثاني: أنها صفة ل ﴿أَحْياءٌ﴾. والثالث: أنها حال من الضمير في ﴿أَحْياءٌ﴾. الرابع: أنها حال من الضمير المستكن في الظرف. والمراد في كل ذلك: أنّها في محل... إلخ.","vol":"2","page":307},{"text":"<span id=\"aya-463\"></span>﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾\nالشرح: ﴿فَرِحِينَ..﴾. إلخ أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه من النّعمة، ومستبشرون بإخوانهم الّذين يقتلون بعدهم في سبيل الله: أنّهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون ممّا أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم. وقال محمد بن إسحاق-رحمه الله تعالى-: أي: ويسرّون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم.\nوقال السّدّي-رحمه الله تعالى-: يؤتى الشهيد بكتاب، فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا، وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا، وكذا، فيسرّ بذلك، كما يسرّ أهل الدّنيا بغائبهم إذا قدم عليهم.\nهذا؛ والاستبشار: هو الفرح، والسرور الذي يحصل للإنسان عند البشارة. وأصله: من البشرة؛ لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه. وانظر الفرح في الآية رقم [١٨٨] الآتية.\nالإعراب: ﴿فَرِحِينَ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه حال من واو الجماعة في: ﴿يُرْزَقُونَ﴾.\nوالثاني: أنه حال من الضمير في: ﴿أَحْياءٌ﴾. والثالث: أنه حال من الضمير المستكن في الظرف. والرابع: أنه منصوب على المدح بفعل محذوف. وأقواها أولها. فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد.\nهذا وقرأ ابن أبي عبلة شاذّا: («فرحون») على أنّه نعت ل ﴿أَحْياءٌ﴾ أو خبر متعدد للمبتدإ المقدّر قبله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿فَرِحِينَ﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿آتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي أو بشيء آتاهم الله إيّاه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير الواقع مفعولا ثانيا، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على محل: ﴿فَرِحِينَ﴾ فهي في محل نصب حال مثله، أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهم يستبشرون، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿فَرِحِينَ﴾ فهي حال متداخلة.\n ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَلْحَقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِهِمْ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ متعلقان","vol":"2","page":308},{"text":"بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلّفين عنهم، أي:\nمتأخّرين في الحياة، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة.\n ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. (لا): نافية مهملة. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو هما متعلقان ب ﴿خَوْفٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، التقدير: لا خوف عليهم موجود، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر (أن) المخففة من الثّقيلة، و(أن) واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بدل من (الذين). أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن لا... إلخ، والجار والمجرور على هذا بدل من قوله: (الذين)، التقدير: بعدم الخوف عليهم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-464\"></span>﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾\nالشرح: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ..﴾. إلخ: واو الجماعة عائدة على: ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وكرر الفعل للتأكيد. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ بأجر، وثواب، وهو الجنّة، وما أعدّه الله فيها للمجاهدين، وغيرهم من المؤمنين. ﴿وَفَضْلٍ:﴾ زيادة على الأجر والثّواب، وهو النظر لوجهه الكريم، كما قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ وقوله تعالى في سورة (ق): ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾. ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ لا يبطل ثوابهم، ولا يمحق بركته، وهو يشعر بأنّ من لا إيمان له يحبط أجره من جميع الأعمال الصالحة التي يعملها.\nتنبيه: بيّن الله ﷿ في الآية السابقة: أن الشهداء يستبشرون بالّذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وبيّن في هذه الآية: أنهم يستبشرون أيضا لأنفسهم بما رزقوا من النعيم والفضل، فالاستبشار الأوّل كان لغيرهم، والثّاني كان لأنفسهم خاصّة. وخذ ما يلي:\nعن المقداد بن معد يكرب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «للشّهيد عند الله ستّ خصال: يغفر له في أوّل دفعة، ويرى مقعده من الجنّة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدّنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه». أخرجه التّرمذيّ، وابن ماجة.\nوعنه ﷺ: أنه قال: «أكرم الله الشهداء بخمس كرامات، لم يكرم بها أحدا من الأنبياء، ولا أنا: أحدها: أنّ جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت، وهو الذي سيقبض روحي، وأمّا","vol":"2","page":309},{"text":"الشهداء فالله هو الّذي يقبض أرواحهم بقدرته، كيف يشاء، ولا يسلّط على أرواحهم ملك الموت. والثّاني: أنّ جميع الأنبياء قد غسّلوا بعد الموت، وأنا أغسّل بعد الموت، والشّهداء لا يغسّلون، ولا حاجة لهم إلى ماء الدّنيا. والثّالث: أنّ جميع الأنبياء قد كفّنوا وأنا أكفّن، والشّهداء لا يكفّنون، بل يدفنون في ثيابهم. والرابع: أنّ الأنبياء لمّا ماتوا سمّوا: أمواتا، وإذا متّ قالوا: مات، والشّهداء لا يسمّون أمواتا. والخامس: أنّ الأنبياء تعطى لهم الشّفاعة يوم القيامة، وشفاعتي أيضا يوم القيامة، وأمّا الشّهداء فإنّهم يشفعون كلّ يوم فيمن يشفعون». انتهى قرطبي.\nالإعراب: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية فيها أوجه: أحدها: أنّها مستأنفة، والثاني: أنّها توكيد للأولى، وإليه ذهب الزمخشري، والبيضاوي. والثالث: أنّ الفعل بدل من الأول. ﴿بِنِعْمَةٍ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (نعمة) أو بمحذوف صفة له.\n ﴿وَفَضْلٍ:﴾ معطوف على سابقه، (﴿أَنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿يُضِيعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿أَجْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (﴿أَنَّ﴾). و(﴿أَنَّ﴾) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جرّ معطوف على نعمة، هذا ويقرأ بكسر همزة (﴿أَنَّ﴾) على أن الجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو: وإعادة الاسم الكريم بلفظه. وقيل: مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-465\"></span>﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ:﴾ لبّوا نداء الرسول ﷺ حين دعاهم للخروج بعد غزوة احد. هذا؛ و﴿اِسْتَجابُوا﴾ بمعنى: أجابوا، فليست السين، والتاء للطلب، مثل قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ فإنه بمعنى: أوقد، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي فيها أخاه شبيبا، ومن أبياتها الشاهد رقم [٧٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nوداع دعا من ذا يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nأي: يجبه عند ذاك مجيب. ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ انظر الآية رقم [١٤٠]. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: العمل، وعملوا بما يرضي الله. هذا وروي: أن أبا سفيان، وأصحابه لمّا قفلوا راجعين بعد غزوة أحد، ونالوا من المسلمين ما نالوا، فبلغوا الرّوحاء؛ ندموا، وهمّوا بالرجوع إلى المدينة؛ ليستأصلوا المسلمين قبل أن يستعيدوا قواهم، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك، فندب","vol":"2","page":310},{"text":"أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، وقال: لا يخرجنّ معنا إلا من حضر يومنا بالأمس.\nفخرج معه جماعة من أصحابه؛ حتّى بلغوا حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وكان بأصحابه القرح الذي أصابهم يوم أحد، فتحاملوا على أنفسهم؛ حتّى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرّعب في قلوب المشركين، فذهبوا إلى مكّة المكرمة، ونزلت تلك الآية، وما بعدها.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ل: ﴿الْمُؤْمِنِينَ،﴾ أو بدل منه، أو هو في محل نصب على المدح بفعل محذوف، أو هو في محل رفع مبتدأ، خبره الجملة الاسمية الآتية. ﴿اِسْتَجابُوا﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالرَّسُولِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا. ﴿ما:﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد إصابة القرح إياهم. هذا؛ وقال مكي: ﴿مِنْ بَعْدِ..﴾.\nإلخ: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ وهذا على اعتباره مبتدأ. ﴿أَصابَهُمُ الْقَرْحُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَحْسَنُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والمفعول محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح. ﴿وَاتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والمفعول محذوف، التقدير: اتقوا الله. (﴿أَجْرٌ﴾): مبتدأ مؤخر.\n ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿لِلَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها على الوجهين الأوّلين في (الدّين) الأول. وعلى قول مكي المتقدّم، أو هي في محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ.\n\n<span id=\"aya-466\"></span>﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ:﴾ المراد بهم: أصحاب النبي ﷺ. ﴿قالَ لَهُمُ النّاسُ:﴾ المراد به: نعيم بن مسعود الأشجعي قبل أن يسلم، وأطلق عليه لفظ الناس؛ لأنه من جنسهم، كما يقال: فلان يركب الخيل، وماله إلا فرس واحد، أو لأنه انضم إليه ناس من المدينة، أي: من المنافقين، وأذاعوا كلامه. وانظر الآية رقم [٥٤] من سورة (النساء). ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ:﴾ المراد به:\nأبو سفيان، وقومه، ومن انضمّ إليهم من حلفائهم. ﴿فَاخْشَوْهُمْ:﴾ خافوهم. والماضي: خشي، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذاك، أي: أشد خوفا، وقد يأتي «خشي» بمعنى: «علم» القلبية، قال الشاعر المسلم: [الكامل]\nولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد","vol":"2","page":311},{"text":"قالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الخضر﵇-: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. هذا؛ والخشية:\nأصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقّي. والخوف: فزع في القلب تخفّ له الأعضاء، ولخفة الأعضاء سمّي خوفا. ﴿فَزادَهُمْ إِيمانًا:﴾ تصديقا بالله، وثقة بوعده. هذا؛ وزاد، يزيد ضد:\nنقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية التي بين أيدينا، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبرّ مدّا؛ فدرهما، ومدّا تمييز، ومثله قل في: نقص، فمن المتعدي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ ومن اللازم قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.\nتنبيه: أفادت الآية الكريمة: أن الإيمان يزيد، وينقص، ومثلها قوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ وكذلك الكفر، والنفاق يزيد، وينقص، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا،﴾ قال تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ..﴾. إلخ. انظر شرح الآيتين في محلهما.\nويعضد ذلك قول ابن عمر﵄-: قلنا: يا رسول الله! الإيمان يزيد، وينقص؟ قال:\n «نعم، يزيد؛ حتّى يدخل صاحبه الجنّة، وينقص؛ حتّى يدخل صاحبه النّار». وقال ﷺ: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمّة؛ لرجح به». وهذا هو المعتمد إن شاء، وهو مذهب الأشاعرة.\nتنبيه-روي: أنا أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد! موعدنا موسم بدر القابل؛ إن شئت. فقال عليه الصلاة، والسّلام: إن شاء الله، فلمّا كان العام القابل خرج في أهل مكة؛ حتّى نزل بمرّ الظهران، فأنزل الله الرّعب في قلبه، كما وعد الله بقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ..﴾. إلخ، وبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم مكة معتمرا، فسأله أن يذهب إلى المدينة، ويثبّط همم المسلمين، ويخوفهم، وقد التزم له عشرا من الإبل، فخرج نعيم إلى المدينة، فوجد المسلمين يتجهزون للخروج، فقال لهم: أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم إلا الشديد. يريد ما حصل في غزوة أحد من انكسار المسلمين، أفترون أن تخرجوا؛ وقد جمعوا لكم؟! ففتروا، فقال النبي ﷺ: «والّذي نفسي بيده لأخرجنّ، ولو لم يخرج معي أحد!» فخرج المسلمون معه؛ وهم يقولون: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ولم يلتفتوا إلى ما قاله نعيم، حتى بلغوا بدرا الصّغرى، وكانت موضع سوق للعرب، يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام، فأقام المسلمون تلك المدة في بدر، وصادفوا الموسم، وباعوا ما كان معهم من التجارات، فربحوا الدرهم درهمين، ولم يأتهم أحد من أهل مكّة. وهذا ما تفيده الآية التالية.\nوقال القرطبي﵀في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: كافينا الله. وروى البخاري عن ابن عباس﵄قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ﴾","vol":"2","page":312},{"text":"النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ... إلخ قالها إبراهيم الخليل﵊حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين ﴿قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ وورود «حسب» بمعنى: كاف كثير في القرآن مع إضافته لجميع الضمائر. قال الشاعر -وهو الشاهد رقم [٩٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nإذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك (^١) سيف مهنّد\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من سابقه على جميع الوجوه فيه. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿النّاسُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿النّاسُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿جَمَعُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿فَاخْشَوْهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اخشوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وصحيحا؛ فاخشوهم. والكلام كلّه في محل نصب مقول القول. ﴿فَزادَهُمْ:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (زادهم): فعل ماض، والفاعل محذوف يدل عليه المقام، أي: فزادهم قول الناس، مثل قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾. انظرهما في محلّهما، والهاء مفعول به أول. ﴿إِيمانًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. (﴿قالُوا﴾): ماض وفاعله. ﴿حَسْبُنَا:﴾ مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله ضمير مدلول عليه بلفظ الجلالة. ﴿اللهُ:﴾ خبر لمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَنِعْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿نِعْمَ﴾): فعل ماض جامد لإنشاء المدح. ﴿الْوَكِيلُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: ونعم الوكيل الممدوح الله. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-467\"></span>﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾\nالشرح: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ..﴾. إلخ؛ أي: رجع المسلمون من بدر الصغرى بربح عظيم، وسلامة، وسرور كما رأيت في الآية السابقة. ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ:﴾ لم يصبهم أذى من جرح، أو\n_________\n١) روي بالفتح، والضم، والكسر، ولكلّ تأويله. انظره في المصدر المشار إليه.","vol":"2","page":313},{"text":"قتل، أو كيد عدوّ. ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ:﴾ عملوا بما يسبب رضوان الله. ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ:﴾ الله صاحب كرم، وجود، وإحسان على عباده المؤمنين الممتثلين أوامره المجتنبين نواهيه، وقد تفضّل عليهم بالتثبيت، وزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد، والتصلّب في الدّين، وإظهار الجرأة على العدو، وبالحفظ من كل ما يسوءهم، وإصابة النفع مع ضمان الأجر، والرّضا، والرّضوان، والعفو، والغفران. والحمد لله ربّ العالمين.\nالإعراب: ﴿فَانْقَلَبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: خرجوا مع النبي ﷺ، فانقلبوا، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿بِنِعْمَةٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (نعمة)، أو هما متعلقان به.\n ﴿وَفَضْلٍ:﴾ معطوف على (نعمة)، وحذف متعلقة اكتفاء بما قبله. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَمْسَسْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ والهاء مفعول به. ﴿سُوءٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال. من واو الجماعة، التقدير: غير ممسوسين بسوء. ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾\nماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رِضْوانَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله ضمير فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ لا محل لها مثلها، أو هي معطوفة على ما قبلها، فتكون في محل نصب حال مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾\nالواو: واو الحال، أو واو الاعتراض. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿ذُو:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو:﴾ مضاف، و﴿فَضْلٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿فَضْلٍ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه. وقيل: معترضة في آخر الكلام، الغرض منها بيان فضل الله، وجوده على عباده المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-468\"></span>﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ المراد به: أبو سفيان، أو نعيم بن مسعود؛ الذي تقدّم ذكره.\nقال أبو حيان: وإنما نسب إلى الشّيطان؛ لأنه ناشئ عن وسوسته، وإغوائه، وإلقائه. فيكون في الكلام استعارة. وانظر شرح ﴿الشَّيْطانُ﴾ في الآية رقم [٢٦٨]: من سورة (البقرة). ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ:﴾ أتباعه، وأنصاره القاعدين عن الخروج مع الرّسول ﷺ، وهم المنافقون. أو المعنى:\nيخوفكم بأوليائه، فحذف حرف الجر، والضمير، ووصل الفعل إلى الاسم، فنصبه.\n ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أي: لا تخافوا أولياء الشيطان، ولا تقعدوا عن قتالهم. والمراد: الكافرون المذكورون فيما سبق. ﴿وَخافُونِ﴾ أي: خافوني في ترك أمري، وجاهدوا في سبيلي مع رسولي، فإنّي وليّكم، وناصركم على أعدائي، وأعدائكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ مصدّقين بوعدي أنى متكفّل لكم بالنّصر، والظفر؛ لأنّ الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره.","vol":"2","page":314},{"text":"هذا؛ والخوف: الذّعر، والرعب. وأما التّخوّف؛ فهو التنقّص، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٤٧] من سورة (النحل): ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾. يروى: أنّ عمر الفاروق﵁-. قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا التخوّف: التنقّص، قال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]\nتخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن\nفقال عمر﵁-: أيها الناس عليكم بديوانكم، لا تضلّوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. وأصل الخوف في الباطن يحصل من توقع مكروه، يقع في المستقبل، وقد أمرنا الله في هذه الآية بأن نخافه، ونخشاه، كما أمر سلفنا الصالح بذلك، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ وقال في سورة (المائدة): ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وقال مخاطبا نبيه وحبيبه ﷺ في سورة (الأحزاب): ﴿وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ وخذ ما يلي من قول نبينا، وحبيبنا ﷺ في الخوف:\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربّه جلّ، وعلا: أنّه قال:\n «وعزّتي لا أجمع على عبدي خوفين، وأمنين، إذا خافني في الدّنيا أمّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدّنيا؛ أخفته يوم القيامة». رواه ابن حيّان في صحيحه. وعن أبي ذرّ﵁قال:\nقرأ رسول الله ﷺ: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حتّى ختمها، ثمّ قال: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السّماء، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع قدم إلاّ ملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنّساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله! والله لوددت أنّي شجرة تعضد!».\nرواه البخاريّ باختصار، والترمذيّ، إلا أنه قال: «ما فيها موضع أربع أصابع». ورغب النبي ﷺ في البكاء. فخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كلّ عين باكية يوم القيامة إلاّ عين غضّت عن محارم الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين خرج منها مثل رأس الذّباب من خشية الله ﷿». رواه الأصبهاني، وانظر التّرغيب والترهيب؛ إن أردت الزيادة.\nلذلك كان الخوف من الله شعار المغربين، وقرين المهتدين، وكان بشير النجاة، والأمان الأكبر عند الله، وكان طريقا لهداية القلوب النافرة، وسبيلا لسلوك النفوس الحائرة، من استضاء بنوره؛ وصل، ومن تمسك بحبله؛ رشد، ومن أخذ نفسه به؛ فقد هدي إلى صراط مستقيم. من خاف؛ سلم، ومن أطاع مولاه؛ غنم، ومن خاف ربّه، وخشي ذنبه؛ استقام، واهتدى؛ لأنه","vol":"2","page":315},{"text":"علم: أنّ العمل اليوم، وأنّ الحساب غدا، لذلك كان الخوف من الله طريق الأنبياء، وحلية الأصفياء من الأتقياء، وخوف الرّسول ﷺ وخوف صحابته: أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الله بن رواحة-رضوان الله عليهم-محفوظ، ومعروف في بطون الكتب.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. الشّيطان: خبره. ﴿يُخَوِّفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ والمفعول الأول محذوف، انظر الشرح. ﴿أَوْلِياءَهُ:﴾\nمفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الشَّيْطانُ﴾ والعامل في الحال اسم إشارة، مثل قوله تعالى حكاية عن قول سارة: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿الشَّيْطانُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر الأول، كما أجيز اعتبار الجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَخافُوهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فلا تخافوهم، وهذا الكلام مستأنف لا محل له. (﴿خافُونِ﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ تقدم إعرابها كثيرا.\n\n<span id=\"aya-469\"></span>﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ..﴾. إلخ: نزلت الآية في قوم أسلموا، ثمّ ارتدوا عن الإسلام خوفا من المشركين، فاغتمّ الرسول ﷺ لذلك. وقيل: هو عامّ في جميع الكفّار.\nومسارعتهم في الكفر: المظاهرة على حرب الرّسول ﷺ. قال القشيري-رحمه الله تعالى-:\nالحزن على كفر الكافر طاعة، ولكنّ النبيّ ﷺ كان يفرط في الحزن على كفر قومه، فنهي عن ذلك، كما قال تعالى له: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ وقال جلّ ذكره، وتعالى شأنه:\n ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾. هذا؛ والحزن: ضدّ السرور، ولا يكون إلا على ماض، وحزن الرّجل، وأحزنه غيره، أيضا، مثل: سلكه، وأسلكه. قال اليزيدي: «حزنه» لغة قريش، و«أحزنه» لغة تميم، وقرئ بهما، إلا في سورة (الأنبياء)، فإنّه في الأولى فقط. قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. وهي أفصح اللغتين.","vol":"2","page":316},{"text":"﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقصون من ملك الله، وسلطانه شيئا بسبب كفرهم، كما روي في حديث أبي ذرّ الطويل: «يا عبادي لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا». أخرجه مسلم في صحيحه، والترمذيّ، وغيرهما.\n ﴿يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ يعني: لا يجعل لهم نصيبا في ثواب الآخرة ونعيمهما الدائم، فلذلك خذ لهم؛ حتّى سارعوا في الكفر. وفي الآية دليل على أنّ الخير، والشر بإرادة الله تعالى، وفيه ردّ على القدرية، والمعتزلة؛ الذي يقولون: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه. هذا؛ والحظّ: النّصيب والجدّ، وهو البخت، والدولة، يقال: فلان ذو حظّ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ، وجدود، ورحم الله المعرّي؛ إذ يقول: [الكامل]\nلا تطلبنّ بغير حظّ رتبة... قلم الأديب بغير حظّ مغزل\nسكن السّماكان السّماء كلاهما... هذا له رمح وهذا أعزل\nالسّماكان: كوكبان، يقال لأحدهما: الأعزل، وهو منازل القمر، وهو الّذي له النوء، وسمّي أعزل؛ لأنّه لا شيء من الكواكب بين يديه، ويقال للآخر: الرّامح، وسمّي رامحا بكوكب يتقدّمه.\nومعنى البيتين: أنهما مع استوائهما في وجود كلّ منهما في السّماء، امتاز أحدهما عن الآخر، فلهذا حظّ، ولا حظّ لذاك، فالمدار على القضاء الأزليّ، والسّعد الأولي. اللهم اجعلنا من السّعداء، ولا تجعلنا من الأشقياء! وما أحسن قول من قال في بيان حظوظ الرّجال: [الرمل]\nخلق الحظّ جمانا وحصى... خالق الإنسان من ماء وطين\nفوليد تسجد الدّنيا له... ووليد في زوايا المهملين\nوقال المتنبي، وقد أجاد، وأحسن: [الطويل]\nهو الحظّ حتّى تفضل العين أختها... وحتّى يصير اليوم لليوم سيّدا\nهذا؛ والحظّ: النصيب. قال تعالى في سورة (النساء) في آية المواريث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٤]: في ذمّ اليهود اللّؤماء: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿يَحْزُنْكَ:﴾ مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، والكاف مفعول به، ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿يُسارِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿فِي الْكُفْرِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يَضُرُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾)","vol":"2","page":317},{"text":"وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، الواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾.\nإلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو نائب مفعول مطلق. ﴿يُرِيدُ:﴾\nفعل مضارع.\n ﴿اللهَ:﴾ فاعله. (أن) حرف ناصب. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَجْعَلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿حَظًّا:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿حَظًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، والمصدر المؤول من: ﴿أَلاّ يَجْعَلَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من اعتبارها حالا. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر. عظيم: صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-470\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ﴾ الشراء هنا: مستعار، والمعنى: استحبّوا الكفر على الإيمان، كما قال تعالى في سورة (فصلت): ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فعبّر عنه بالشّراء؛ لأنّ الشراء إنّما يكون فيما يحبّه مشتريه، فأمّا أن يكون في معنى شراء المعاوضة؛ فلا؛ لأن الكافرين، والمنافقين لم يكونوا مؤمنين، فيبيعون إيمانهم. وقال ابن عباس -﵄-: أخذوا الكفر، وتركوا الإيمان. ومعناه: استبدلوا، واختاروا الكفر على الإيمان، وإنّما أخرجه بمعنى الشّراء توسّعا؛ لأن الشراء، والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كلّ من استبدال شيئا بشيء. قال أبو ذؤيب الهذلي-وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nفإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل\nهذا؛ والباء بمعنى «بدل» وقد دخلت على المتروك.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: (﴿إِنَّ﴾). ﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْإِيْمانِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكُفْرَ﴾ التقدير:\nمستبدلا بالإيمان. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل ما قبله، وكررت للتّوكيد، وهي في محل رفع خبر: (﴿إِنَّ﴾). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا","vol":"2","page":318},{"text":"محل لها. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. وانظر إعرابها في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-471\"></span>﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ أي: الكفار. وقرئ: («ولا تحسبنّ») بتاء المضارعة. والمعنى: لا تحسبنّ يا محمد. وهو يعمّ كل مخاطب. ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ:﴾ الإملاء: الإمهال، وطول العمر مع رغد العيش. وقيل: المراد تخليتهم وشأنهم، من: أملى لفرسه: إذا أرخى لها الطول؛ لترعى كيف شاءت. ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا﴾ أي: إنّ الله يعطيهم ما يحبّون، ويمهلهم؛ ليزدادوا طغيانا، فهو كقوله تعالى في سورة (مريم): ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾. وقوله تعالى في سورة (القلم): ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وانظر رقم [١٩٧].\nوروي عن ابن مسعود، وابن عباس﵄قولهما: ما من أحد برّ، ولا فاجر إلاّ والموت خير له؛ لأنّه إنّ كان برّا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ وإن كان فاجرا؛ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا﴾ وهذا يعارض ما ورد من قول النبي ﷺ:\n «لا يتمنّى أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا؛ فلعلّه يستعتب». أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁.\nوعن أبي بكرة ﵁: أنّ رجلا قال: يا رسول الله أيّ الناس خير؟ قال: «من طال عمره، وحسن عمله». قال: فأيّ الناس شرّ؟ قال: «من طال عمره، وساء عمله». رواه الترمذيّ، والطبرانيّ. والآية نص في بطلان رأي المعتزلة، والقدريّة؛ لأنّ الله تعالى أخبر: أنه يطيل أعمارهم؛ ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. وقد تحمّل الزمخشري في هذه الآية تأويلات فاسدة، فصفعه ابن المنبر-رحمه الله تعالى-صفعة ناعمة.\nهذا؛ و«عذاب» اسم مصدر لا مصدر؛ لأنّ المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب.\nومثله: سلام، وعطاء، وكلام... إلخ، و«مهين» أصله: مهين، فإعلاله قل فيه: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الياء إلى الهاء بعد سلب سكونها، فصار: مهين، ومثله قل في إعلال مبين، ونحوه.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿يَحْسَبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب (﴿لا﴾) الناهية، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه","vol":"2","page":319},{"text":"محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَّما:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل.\n (ما): مصدرية. ﴿نُمْلِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب اسم: (أنّ) التقدير: أنّ إملاءنا. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر: (أنّ) ﴿لِأَنْفُسِهِمْ:﴾\nمتعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، ويجوز اعتبار (ما) اسما موصولا في محل نصب اسم: (إنّ) والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: أنّ الذي نمليه لهم، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي الفعل قبله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ..﴾. إلخ، لا محل لها، وهي مستأنفة.\nوما تقدّم إنّما هو على قراءة الفعل بالياء، وأما على قراءته بالتاء، فالفاعل مستتر، تقديره:\nأنت، و﴿الَّذِينَ﴾ هو مفعول واحد؛ لأنّ التعويل على البدل، وهو ينوب عن المفعولين لو حلّ محلّ المفعولين كما هو معروف. ﴿أَنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿نُمْلِي:﴾ فعل مضارع... إلخ.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿لِيَزْدادُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة بعد لام التعليل، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل نملي أيضا. ﴿إِثْمًا:﴾ تمييز، والجملة الفعلية: ﴿أَنَّما نُمْلِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ:﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير. هذا؛ وهناك قراءة شاذّة، وأوجه إعراب ضعيفة ضربت عنها صفحا روما للاختصار.\n\n<span id=\"aya-472\"></span>﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾\nالشرح: اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، فقال الكلبيّ-رحمه الله تعالى-: قالت قريش: يا محمد! تزعم: أنّ من خالفك فهو في النّار، والله عليه غضبان، وأنّ من أطاعك، وتبعك على دينك، فهو في الجنة، والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك، وبمن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال السّدّيّ-رحمه الله تعالى-قال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ أمّتي في صورها في الطّين، كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن بي، ومن يكفر بي». فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا استهزاء: زعم محمد: أنّه يعلم من يؤمن به، ومن يكفر، ممّن لم يخلق بعد، ونحن معه، وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقام على المنبر، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام طعنوا في علمي؟! لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين","vol":"2","page":320},{"text":"السّاعة، إلاّ نبّأتكم به». فقام عبد الله بن حذافة السّهمي، فقال: من أبي يا رسول الله؟! فقال:\n «حذافة» فقام عمر﵁فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبك نبيّا؛ فاعف عنّا، عفا الله عنك! فقال النبي ﷺ: «فهل أنتم منتهون، فهل أنتم منتهون؟!». ثم نزل عن المنبر، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنّ المؤمنين سألوا أن يعطوا آية يفرّقون بها بين المؤمن، والمنافق، والكافر، فنزلت هذه الآية.\nوالمعنى: لا يترككم الله أيّها النّاس مختلطين، لا يعرف مؤمنكم من منافقكم؛ حتى يميز المؤمن المخلص من المنافق، وذلك بالوحي إلى نبيّكم عن أحوالكم، أو بالتكاليف الشاقّة؛ التي لا يصبر عليها إلا المخلصون منكم، كبذل الأموال، والأنفس في سبيل الله ليختبر به بواطنكم، ويكشف به عن عقائدكم.\nهذا؛ و«يذر» لا يأتي منه ماض ك: «يدع» استغناء عنه بتصرف مرادفه، وهو: «يترك»، وحذفت الواو من «يذر» من غير موجب تصريفي، وإنّما حمل على «يدع» لأنه بمعناه و«يدع» حذف الواو منه لموجب تصريفي، وهو وقوع الواو بين عدوتيها، وهما: الياء، وكسرة مقدرة، وأما الواو في «يذر» فوقعت بين ياء، وفتحة أصلية. انتهى جمل نقلا من السّمين، أقول: وقوله كسرة مقدّرة؛ إذ الأصل: يودع مثل: يوعد، وإنّما فتحت الدّال من «يدع» لأنّ لامه حرف حلقيّ. فيفتح ما قبله، ومثله: يقع، ويطأ، ويسع، وانظر «دع» و«ذر» في سورة (البقرة) رقم [٢٧٨] فإنّه جيّد، والحمد لله!\n ﴿حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ:﴾ ﴿يَمِيزَ:﴾ مضارع، وماضيه «ماز» ومثله: ميّز، وأماز بمعنى:\nفرز الشيء عن غيره، وبمعنى: فضّله على غيره. وقرئ: («حتّى يميّز») بالتشديد من: ميّز، وكذا قوله تعالى في (الأنفال): ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ و﴿تَكادُ تَمَيَّزُ:﴾ تنقطع، وبهذا فسّر قوله تعالى في سورة (الملك): ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (يس): ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ بمعنى: اعتزلوا من المؤمنين الصّالحين، وانظر ما ذكرته فيها هناك، فإنّه جيد.\nهذا؛ والمراد ب ﴿الْخَبِيثَ:﴾ الكفر، والنفاق، أو الكافرون، والمنافقون، والمراد ب ﴿الطَّيِّبِ:﴾ الإيمان، أو المؤمنون، كما يطلقان على العمل الصّالح، والسيئ. وانظر قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٢٦]: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ..﴾. إلخ ففي الكلام استعارة، وطباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.\n ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ:﴾ وما كان الله ليبيّن لكم المؤمن من الكافر، فيقول: فلان مؤمن، وفلان كافر، وفلان منافق؛ لأنّه لا أحد يعلم الغيب إلا الله، وإنّ سنّة الله جارية ألا يطّلع على غيبه أحد من الناس، فلا سبيل إلى معرفة المؤمن من الكافر، أو المنافق إلا بالامتحان بالآفات، والمصائب؛ ليتميز المؤمن المخلص بثباته على إيمانه، ويتزلزل المنافق عند المحن، والبلايا.","vol":"2","page":321},{"text":"﴿وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: ولكنّ الله يصطفي، ويختار من رسله من يشاء، فيطلعه على ما يشاء من غيبه. ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ:﴾ يقال: إنّ الكفّار لمّا سألوا رسول الله ﷺ أن يبيّن لهم من يؤمن منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يعني: لا تشتغلوا بما لا يعنيكم، واشتغلوا بما يعنيكم، وهو الإيمان، والعمل الصالح، ولا تتشوّفوا إلى اطلاع علم الغيب، فهو ليس لكم، وإنّما قال: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ على الجمع، لقوله جلّ ذكره: ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، ولأنّ من أقر بجميع الرّسل؛ كان مقرّا؛ ومعترفا بأحدهم بداهة، وهذه صفة المؤمنين؛ لأنّهم آمنوا بجميع الرّسل.\n ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: وإن تصدّقوا من اجتبيته برسالتي، وأطلعته على ما أشاء من غيبي، وأعلمته بالمنافق منكم، والمؤمن المخلص، وتتّقوا ربّكم فيما أمركم به، ونهاكم عنه.\n ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: بإيمانكم، وطاعتكم لربّكم.\nيروى: أنّ رجلا منجّما كان عند الحجّاج، فأخذ الحجاج حصيات عرف عدّتها، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب المنجّم، فأصاب، فأغفله الحجّاج، وأخذ حصيات لم يعدّهنّ، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب، فأخطأ، ثمّ حسب، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عدد ما في يدك؟ قال: لا، قال: فما الفرق بينهما؟ فقال: إنّ ذاك أحصيته، فخرج عن حدّ الغيب، فحسبت، فأصبت، وإن هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى.\nالإعراب: ﴿ما كانَ:﴾ ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها.\n ﴿لِيَذَرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ إذ المعنى: ما كان الله مريدا ترك المؤمنين. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾\nمفعول به منصوب... إلخ. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يذر) و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور ب ﴿عَلى﴾.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَمِيزَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ و«أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿يَمِيزَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يذر). ﴿الْخَبِيثَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيِّبِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَمِيزَ﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿الْخَبِيثَ﴾. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق.","vol":"2","page":322},{"text":"﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَجْتَبِي:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (﴿لكِنَّ﴾) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿مِنْ رُسُلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محلّ نصب مفعول به، ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: الّذي، أو: شخصا يشاؤه.\n ﴿فَآمِنُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، (آمنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وحاصلا؛ فآمنوا... إلخ، والكلام كلّه معطوف على ما قبله. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله، أو هو منصوب ب «أن» مضمرة بعد واو المعية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، وعلى النصب ف «أن» المضمرة تؤول مع الفعل بمصدر في محل رفع معطوف على مصدر متصيّد من الفعل السابق، التقدير: وليكن منكم إيمان، وتقوى. ﴿فَلَكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَلَكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-473\"></span>﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾\nالشرح: اختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية، فقال عبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس في رواية أبي صالح عنه، والشّعبي، ومجاهد﵃ أجمعين-: نزلت هذه الآية في الذين يبخلون أن يؤدّوا زكاة أموالهم. ووجه هذا القول: أنّ أكثر العلماء ذهبوا إلى أنّ البخل عبارة عن منع الواجب، وأنّ من منع التطوّع، لا يكون بخيلا، ويدلّ عليه الوعيد الشديد في سياق الآية.","vol":"2","page":323},{"text":"وقال ابن عباس في رواية عطية عنه، وابن جريج عن مجاهد: أنّها نزلت في أحبار اليهود؛ الذين كتموا صفة النبي ﷺ، ونبوّته. وهذا القول هو اختيار الزجّاج، ووجه هذا القول: أن البخل عبارة عن منع الخير، والنفع، ويدخل فيه منع العلم، كما يقال: بخل فلان بعلمه.\nوالمعتمد الأوّل، وإن كان الثاني يدخل فيه. انتهى خازن. وخذ ما يلي:\nأولا: عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «من آتاه الله مالا، فلم يؤدّ زكاته؛ مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يطوّقه يوم القيامة، ثمّ يأخذ بلهزمتيه-يعني: شدقيه- ثمّ يقول: أنا مالك، أنا كنزك». ثم تلا هذه الآية. أخرجه الشيخان، وغيرهما.\nثانيا: عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم، فكتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وعن عبد الله بن عمرو﵁أنّ رسول الله ﷺ قال: «من كتم علما؛ ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». ابن حبّان.\nالمعنى: ولا يظننّ الذين يمنعون زكاة أموالهم، ويبخلون في إنفاقه في وجوه الخير خيرا لهم في الدنيا، والآخرة، بل هو شرّ، ووبال عليهم، وهلاك لهم. ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ:﴾ أي: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق في العنق. انظر الحديث الشريف المتقدّم. ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أخبر ﷾ ببقائه، ودوام ملكه، وأنه في الأبد كهو في الأزل غنيّ عن العالمين، فيرث الأرض، ومن عليها بعد فناء خلقه، وزوال ملكهم، فتبقى الأملاك، والأموال، لا يدّعى فيها، فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وليس هذا بميراث في الحقيقة؛ لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل، والله ﷾ مالك السموات والأرض، وما بينهما، وما فيهما، وكانت السموات وما فيها، والأرض وما فيها له، وأنّ الأموال كانت عارية عند أربابها، فإذا ماتوا؛ ردّت العارية إلى صاحبها، الذي كانت له في الأصل، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ ومثل هذه الآية الآتية رقم [١٠] من سورة (الحديد). ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ فيه تهديد، ووعيد للبخلاء، والمقصرين بحقوق الله. ويقرأ الفعل بالياء، والتاء، -على الالتفات-في بعض القراءات فيه، وفي سابقه. وخذ ما يلي في البخلاء، والأسخياء:\nفعن عبد الله بن عمر﵄-، قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: «إيّاكم والظّلم! فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش، والتّفحّش! وإيّاكم والشّحّ، فإنّما هلك من كان قبلكم بالشّحّ، أمرهم بالقطيعة، فقطعوا، وأمرهم بالبخل، فبخلوا، وأمرهم بالفجور، ففجروا...» إلخ. رواه أبو داود مختصرا.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الله جنّة عدن بيده، ودلّى فيها ثمارها، وشقّ فيها أنهارها، ثمّ نظر إليها، فقال لها: تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال: وعزّتي، وجلالي لا يجاورني فيك بخيل!» رواه الطّبرانيّ في الكبير، والأوسط.","vol":"2","page":324},{"text":"وعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «السّخيّ قريب من الله، قريب من الجنّة، قريب من النّاس، بعيد من النّار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنّة، بعيد من النّاس، قريب من النّار، ولجاهل سخيّ أحبّ إلى الله من عابد بخيل». رواه الترمذيّ.\nوعنه﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ظهرها». رواه الترمذي.\nوعن عمر﵁قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ بعث حبيبي جبريل﵇إلى إبراهيم، ﵇، فقال له: يا إبراهيم! إنّي لا أتّخذك خليلا على أنّك أعبد عباد لي، ولكن اطّلعت على قلوب المؤمنين، فلم أجد قلبا أسخى من قلبك». أخرجه الطّبراني، وغيره وانظر الآية رقم [٣٧]: من سورة (النساء) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٧٨]:\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنيّة على السكون في محل جرّ بالباء. ﴿آتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أوّل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط، وهو المفعول الثاني محذوف، التقدير: يبخلون بالذي، أو: بشيء آتاهم الله إيّاه.\n ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، والمفعول الأول ل: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ محذوف، التقدير: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم... والهاء في محل جر بالإضافة، ودلّ على المحذوف: ﴿يَبْخَلُونَ﴾.\nوقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: وفي المفعول الأوّل وجهان: أحدهما: ﴿هُوَ﴾ ضمير البخل الذي دل عليه: ﴿يَبْخَلُونَ﴾. الثاني: محذوف، تقديره: البخل، و﴿هُوَ﴾ على هذا فصل، والمفعول الثاني ﴿خَيْرًا﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرًا﴾ هذا، وعلى قراءة الفعل:\n («تحسبن») بالتاء، فالفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، المراد به النبي ﷺ، أو كلّ مخاطب، والمفعول الأول محذوف قام مقامه: ﴿الَّذِينَ﴾ بعد حذفه، التقدير: ولا تحسبن بخل الذين يبخلون، أي: فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. قال الزجّاج: هو مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ و﴿خَيْرًا﴾ هو المفعول الثاني.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وانتقال، تبتدأ بعده الجمل، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿سَيُطَوَّقُونَ:﴾ السين: مفيدة للتوكيد، وإن كانت في الأصل للاستقبال، (يطوقون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب","vol":"2","page":325},{"text":"فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، مبنيّة على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿بَخِلُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بما قبله، و﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿سَيُطَوَّقُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِلّهِ﴾): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم.\n ﴿مِيراثُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٥٣].\n\n<span id=\"aya-474\"></span>﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾\nالشرح: مناسبة الآيات لما قبلها ظاهرة، وذلك بعد أن انتهى الاستعراض القرآني لمعركة أحد، وما فيها من عبر، وعظات، وتناولت الآيات ضمن ما تناولت مكائد المنافقين، ودسائسهم، وما انطوت عليه نفوسهم من الكيد للإسلام، والغدر بالمسلمين، وتثبيط عزائمهم عن الجهاد في سبيل الله؛ أعقبه الله بذكر دسائس اليهود الخبيثة، وأساليبهم الشنيعة في محاربة الدّعوة الإسلاميّة عن طريق التشكيك، والبلبلة، والكيد، والدسّ؛ ليحذّر المؤمنين من خطرهم، كما حذّرهم من المنافقين. والآيات الكريمة تتحدّث عن اليهود، وموقفهم المخزي من الذّات الإلهية، وأنّها تهم لله ﷿بأشنع الاتهامات بالبخل، والفقر، ثم نقضهم للعهود، وقتلهم للأنبياء، وخيانتهم للأمانة؛ التي حمّلهم الله إيّاها، إلى آخر ما هنالك من جرائم، وشنائع اتّصف بها هذا الجنس الملعون. صفوة التفاسير.\nسبب النزول روي: أنّ النبي ﷺ أرسل مع أبي بكر﵁كتابا إلى يهود بني قينقاع، يدعوهم فيه إلى الإسلام، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، فقال «فنحاص» اللّعين-وكان من علمائهم، ومعه حبر آخر يقال له: أشيع-: إنّ الله فقير حتى سأل القرض؟ فلطمه أبو بكر﵁على وجهه، وقال: لولا ما بيننا من العهد؛ لضربت عنقك! فشكاه إلى رسول الله ﷺ، وجحد ما قاله، فنزلت الآية الكريمة، في تصديق الصّدّيق﵁وتكذيب «فنحاص». ومثل هذه الآية من قولهم الشنيع الآية رقم [٦٧]:\nمن سورة (المائدة): ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ..﴾. إلخ.","vol":"2","page":326},{"text":"﴿لَقَدْ سَمِعَ..﴾. إلخ: المعنى: لم يخف عليه ما قالوه، وأنّه سبحانه أعدّ لهم العقاب الشديد، والعذاب الأليم. هذا؛ و: سمع، يسمع من الأفعال الصّوتية، إن تعلّق بالأصوات؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذّوات؛ تعدّى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعليّة مصدّرة بمضارع من الأفعال الصّوتية. مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسيّ.\nواختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، مثل قولك: سمعت زيدا يقول كذا، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.\n ﴿قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ:﴾ انظر الآية رقم [٦] من سورة (النساء) لشرح (الفقير). ﴿وَنَحْنُ أَغْنِياءُ:﴾\nقالوا ذلك تمويها على ضعفائهم، لا أنّهم يعتقدون هذا، وغرضهم تشكيك الضعفاء من المؤمنين، وتكذيب النبيّ ﷺ أي: إنه فقير على قول محمّد؛ لأنه اقترض منّا. ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ:﴾ سنجازيهم عليه. وقيل: معناه: سنكتبه في صحائف أعمالهم، وهو كقوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ والكاتبون للأعمال هم الملائكة الموكّلون بذلك، والله هو الآمر بالكتابة، فأسند إليه الفعل مجازا، والموجودون في زمن الرسول ﷺ لم يقتلوا الأنبياء، وإنّما نسب لهم القتل لرضاهم له، ولما بينهم وبين أصولهم من الخبث، والمكر، والخداع، وسوء الطّباع، فلذا صحّت الإضافة إليهم؛ لأنّ الرضا بالمعصية معصية، فقد روي: أن رجلا حسّن عند الشّعبيّ قتل عثمان﵁-، فقال له الشّعبيّ: شركت في دمه. فجعل الرّضا بالقتل قتلا. وقد روى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي﵁- عن النبي ﷺ: «إذا عملت الخطيئة في الأرض؛ كان من شهدها، فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها، فرضيها؛ كان كمن شهدها». ﴿وَنَقُولُ:﴾ لهؤلاء الّذين قالوا هذه المقالة: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: فننتقم منهم، ونقول لهم. وانظر ﴿ذُوقُوا﴾ في الآية رقم [١٠٦].\nهذا؛ والقول يطلق على خمسة معان، أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾. الثالث:\nالحركة، والإمالة، يقال: قالت النّخلة؛ أي: مالت. الرابع: يشهد به الحال، كما في قوله تعالى في سورة (فصلت): ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ..﴾. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول الأشاعرة، وهذه مقالة المعتزلة، أي: ما يعتقدونه.\nهذا، وأمّا الكلام بالنسبة إلى البشر؛ فيدلّ على أحد ثلاثة أمور:\nأولها: الحدث الذي يدلّ على لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، وتريد: تكليمك إيّاه، وقال الشاعر: [البسيط]\nقالوا كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا","vol":"2","page":327},{"text":"وثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكلّ ما يعبّر عنه باللفظ لإفادة السّامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيّلته: كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التّغلبي: [الكامل]\nلا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا\nإنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا\nثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال، انظر إلى قول العرب: «القلم أحد اللسانين» وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: «كلام الله»، ثم انظر إلى قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (التوبة): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلّت حكمته في هذه السورة: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾. ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي؛ الذي نفى عن محبوبته الكلام اللفظي، وأثبت لعينها القول، والكلام: [الطويل]\nأشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nوالدليل عليه فيما نطق به الحال قول نصيب: [الطويل]\nفعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\nوقال تعالى في سورة (فصلت) حكاية عن قول السّماء، والأرض: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ فقال قوم من العلماء: إنّهما تكلّمتا حقيقة، وقال آخرون: إنّهما لمّا انقادتا لأمر الله ﷿؛ نزّل ذلك منزلة القول والكلام. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَمِعَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿قَوْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جرّ بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها صلة الموصول لا محلّ لها، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ مبتدأة، أو جواب لقسم محذوف، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿فَقِيرٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿نَحْنُ﴾): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَغْنِياءُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وفيها معنى التأكيد للجملة قبلها.","vol":"2","page":328},{"text":"﴿سَنَكْتُبُ:﴾ السين: مفيدة للتوكيد، والتّحقيق. (نكتب): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: سنكتب الذي، أو:\nشيئا قالوه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: سنكتب قولهم، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَقَتْلَهُمُ:﴾ معطوف على ﴿ما﴾ أو على المصدر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْأَنْبِياءَ:﴾\nمفعول به للمصدر. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالمصدر، و(غير): مضاف، و﴿حَقٍّ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَنَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نقول): فعل مضارع، والفاعل تقديره: نحن. ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، و﴿الْحَرِيقِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف للصفة؛ إذ الأصل: العذاب المحرق. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَنَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿سَنَكْتُبُ..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-475\"></span>﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى العذاب المذكور في الآية السابقة. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ:﴾ من قتل الأنبياء، وقولهم المذكور في الآية السابقة، وسائر الأعمال القبيحة؛ الّتي صدرت عنهم في الدنيا، وإنّما ذكر الله﷿الأيدي على سبيل المجاز؛ لأنّ الفاعل هو الإنسان، لا اليد، إلا أنّ اليد لمّا كانت آلة الفعل؛ حسن إسناد الفعل إليها، ولأنّ أكثر الأعمال يكون باليد، فجعل كلّ عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التّغليب.\nهذا؛ واليد تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقد تطلق على القدرة، والقوّة، وهو كثير، مثل قوله تعالى في سورة (ص): ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ وخذ قول عروة بن حزام العذري-وهو الشاهد رقم [١١٦]: من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الطويل]\nوحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان\nكما تطلق اليد على النّعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة، والتدبير، يقال: لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. ﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ:﴾ ليس المراد بظلام المبالغة؛ حتّى تنتفي المبالغة، ويبقى أصل الظلم، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، وإنّما المراد نفي نسبة الظلم إليه تعالى؛ إذ المعنى: ليس بذي ظلم، والآية مذكورة بحروفها بسورة (الأنفال) برقم [٥١] ومن ذلك قول","vol":"2","page":329},{"text":"الرّسول ﷺ فيما رواه الترمذيّ عن ابن مسعود﵁-: «لا يكون المؤمن لعّانا» فالمراد نفي للّعن أبدا، لا نفي المبالغة. وخذ قول امرئ القيس-وهو الشّاهد رقم [١٧٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nوليس بذي رمح فيطعنني به... وليس بذي سيف وليس بنبّال\nفهذه الصيغ ليست للمبالغة، وإنّما هي للنّسب، مثل: عطّار، ونجّار، وتمّار. قال ابن مالك -﵀-: [الرجز]\nومع فاعل وفعّال فعل... في نسب أغنى عن اليا فقبل\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ، (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيكُمْ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير:\nبالذي، أو: بشيء قدّمته أيديكم. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ تقديره:\n «هو»، ﴿بِظَلاّمٍ﴾ الباء: حرف جر صلة. (ظلام) خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿لِلْعَبِيدِ:﴾ متعلقان ب (ظلام). وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (﴿أَنَّ﴾) و(﴿أَنَّ﴾) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على (ما) فهو في محل جر مثلها، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول لقول محذوف، التقدير: ويقال لهم إذا لقوا في جهنم: ذلك... إلخ.\nأو: ونقول لهم إذا ألقوا... إلخ تقريعا، وتوبيخا، وتحقيرا، وتصغيرا.\n\n<span id=\"aya-476\"></span>﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا:﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن صيفي، ووهب بن يهوذا، وزيد بن تابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحيي بن أخطب من اليهود، أتوا النبيّ ﷺ، فقالوا: يا محمد! تزعم: أنّ الله بعثك إلينا رسولا، وأنزل عليك كتابا، وإنّ الله عهد إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول يزعم: أنه جاء من عند الله، حتّى يأتينا بقربان تأكله","vol":"2","page":330},{"text":"النّار، إن جئتنا به؛ صدقناك! فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ يعني: قد سمع الله قول الذين قالوا: إنّ الله عهد إلينا، يعني: أمرنا، وأوصانا في كتبه: أن لا نؤمن لرسول... إلخ.\nهذا؛ وذكر الواحدي عن السّدّيّ: أنه قال: إنّ الله أمر بني إسرائيل في التّوراة: من جاءكم يزعم: أنه رسول الله؛ فلا تصدقوه؛ حتّى يأتيكم بقربان تأكله النار؛ حتّى يأتيكم المسيح، ومحمّد، فإذا أتياكم؛ فآمنوا بهما، فإنّهما يأتيان بغير قربان. زاد غير الواحدي: أنّه قال: وكانت هذه العادة باقية فيهم إلى مبعث المسيح، عليه الصّلاة، والسّلام، ثم ارتفعت، وزالت. هذا؛ وإسناد الأكل إلى النّار استعارة؛ إذ حقيقة الأكل إنّما تكون في الإنسان، والحيوان.\nهذا؛ والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من أعمال البر، من نسك، وصدقة، وذبح، وصوم. وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قربانا، أو غنموا غنيمة؛ جمعوا ذلك، وجاءت نار بيضاء من السماء، لا دخان لها، ولها دوي، وحفيف، فتأكل ذلك القربان، أو الغنيمة، وتحرقه، فيكون ذلك دليلا على القبول، وإذا لم يقبل؛ بقي على حاله، ولم تنزل نار.\n ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب لحبيب الحق، وسيّد الخلق ﷺ. ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ يا معشر اليهود.\n ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي﴾ يعني: مثل: زكريا، ويحيى، ويوشع، وغيرهم. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ بالمعجزات الواضحات، والحجج الدّامغات. ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي: ما ذكرتم من القربان. ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ يعني: فلم قتلتم الأنبياء؛ الذين أتوا بما طلبتم منهم من القرابين، والمراد بذلك: أسلافهم، كما ذكرته لك مرارا، والتقريع، والتوبيخ للموجودين في عهد نبينا محمد ﷺ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾\nأنكم تتبعون الحقّ، وتنقادون للرّسل. وذكرت لك مرارا: أن ﴿رُسُلٌ﴾ وما أشبهه يجوز تسكين عينه وتحريكها بالضم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل مثله في الآية رقم [١٨١] ويجوز أن يكون في محل نصب بفعل محذوف، التقدير: أذمّ الذين، كما يجوز أن يكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nهم الذين. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة مع مقولها صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَهِدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ:﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (﴿إِنَّ﴾) حرف مصدري ونصب.\n (لا): نافية. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿إِنَّ﴾) والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: نحن، و(أن) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف خبر محذوف، التقدير: عهد إلينا بعدم الإيمان، والجار والمجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿لِرَسُولٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿عَهِدَ﴾.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَأْتِيَنا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن»","vol":"2","page":331},{"text":"المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفاعل يعود إلى (رسول) ونا: مفعول به، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ ب (﴿حَتّى﴾) والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿نُؤْمِنَ﴾).\n ﴿بِقُرْبانٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿تَأْكُلُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿النّارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة (قربان).\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿رُسُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل جاء، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلٌ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل (جاء). ﴿وَبِالَّذِي:﴾ جار ومجرور معطوفان على البينات.\n ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: بالذي قلتموه.\n ﴿فَلِمَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر. (لم): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وعلامة الجر الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار. ﴿قَتَلْتُمُوهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان قد جاءكم رسل... فلماذا قتلتموهم؟!. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾\nتقدّم إعراب مثلها كثيرا، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه.\n\n<span id=\"aya-477\"></span>﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أي: كذّب اليهود، وقومك يا محمد! ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مثل: نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وغيرهم من الرّسل. هذا؛ وذكّر الفعل هنا، وأنّث في سورة (الأنعام) رقم [٣٤]: وفي سورة فاطر رقم [٤]: مع أنّ الفاعل ﴿رُسُلٌ:﴾ في الآيات الثلاث؛ لأن رسل جمع تكسير ل: «رسول» وجمع التكسير يجوز تذكير فعله، وتأنيثه، كما هو مقرّر في القواعد النّحوية. وفي الآيات الثلاث تسلية للرّسول ﷺ. ﴿جاؤُ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالدّلالات الواضحات، والمعجزات الباهرات. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ أي: الكتب. واحدها: زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم، من: زبرت الشيء: إذا حبسته. وقيل: الزبور: المواعظ، والزواجر، من:\nزبرته: إذا وعظته، وزجرته، وكلّ زبور فهو كتاب، والعكس صحيح، قال امرؤ القيس: [الطويل]","vol":"2","page":332},{"text":"لمن طلل أبصرته فشجاني... كخطّ زبور في عسيب يماني\n ﴿وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ:﴾ الواضح. والكتاب: ما يتضمّن الشّرائع، والأحكام، ولذلك جاء الكتاب، والحكمة متعاطفين في كثير من الآيات القرآنية. وقيل: المراد بالزّبور: الصّحف المنزلة على الأنبياء، كصحف إبراهيم، وهي ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة، وهي عشرة، وكصحف شيث، وهي ستّون، وصحف إدريس، وهي عشرة، فجملة الصحف مائة وعشرة، تضمّ لها الكتب الأربعة: التوراة، والإنجيل، والزّبور، والقرآن، فجملة الكتب المنزلة على الأنبياء مائة وأربعة عشر، وسور القرآن مائة وأربع عشرة، لذا فقد حوى جميع ما نزل في الكتب التي نزلت على الأنبياء، ومثل هذه الآية الآية رقم [٢٥]: من سورة (فاطر).\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم، ﴿كَذَّبُوكَ:﴾ فعل ماض مبني على الضمّ في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُذِّبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿رُسُلٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محلّ المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا فالجملة الفعلية تكون مفيدة للتعليل، ويكون التقدير: فإن كذبوك؛ فلا تحزن؛ لأنّه قد كذب\nإلخ. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلٌ﴾ وهو أقوى من تعليقهما بالفعل: ﴿كُذِّبَ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿جاؤُ:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية لرسل، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾\nمتعلّقان بما قبلهما، أو بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿الْمُنِيرِ:﴾ صفة (الكتاب).\n\n<span id=\"aya-478\"></span>﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾\nالشرح: يخبر الله جلّت قدرته في هذه الآية، وفي سورة (الأنبياء) رقم [٣٥] إخبارا عامّا يعمّ جميع الخليقة بأنّ كلّ نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ فهو وحده الحيّ الذي لا يموت، والجنّ، والإنس يموتون، وكذلك الملائكة، وحملة العرش، وينفرد الواحد القهار بالدّيمومة، والبقاء، فيكون باقيا كما كان أزليّا قديما، وهذه الآية، وآية (الأنبياء) فيهما تعزية لجميع الناس، فإنّه لا يبقى أحد على وجه الأرض؛ حتّى يموت. ورحم الله من قال: [البسيط]","vol":"2","page":333},{"text":"الموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار\nالدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار\nروى ابن أبي حاتم عن عليّ﵁قال: لمّا توفّي النّبيّ ﷺ. وجاءت التّعزية، جاءهم آت يسمعون حسّه، ولا يرون شخصه، فقال: السّلام عليكم أهل البيت، ورحمة الله وبركاته: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركا من كلّ فائت، فبالله ثقوا، وإيّاه فارجوا، فإنّ المصاب من حرم الثواب، والسّلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته. قال جعفر الصّادق-رحمه الله تعالى- فأخبرني أبي: أنّ علي بن أبي طالب﵁-، قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر ﵇.\n ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ:﴾ أبعد، وجنّب النّار. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ أي: نجا من النّار، وظفر برضا الله، ورضوانه. هذا؛ والفعل «زحزح» يكون لازما ومتعديا، قال الشاعر في اللازم: [الطويل]\nخليليّ ما بال الدّجى لا يتزحزح... وما بال ضوء الصّبح لا يتوضّح؟\nوقال ذو الرّمّة في المتعدي: [البسيط]\nيا قابض الرّوح عن جسم عصا زمنا... وغافر الذّنب زحزحني عن النّار\nوروى النّسائيّ عن أبي هريرة﵁عن النبيّ ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله؛ زحزح الله وجهه عن النّار سبعين خريفا».\n ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: إنّ العيش في هذه الدّار الفانية يغرّ الإنسان بما يمنيه من طول البقاء، وسينقطع عن قريب. قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، فأمّا من اشتغل بطلب الآخرة، فهي له متاع، وبلاغ إلى ما هو خير منها، وهذا بضم الغين، وهو بفتح الغين: الشيطان، كما في قوله تعالى: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ ومن قول العوام-وليس بشيء-: الغرور: ما تحمله المرأة أيام حيضها، أو نفاسها، ثم تلقيه في أماكن معروفة، وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله ﷿: «أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم:\n ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ»﴾. أخرجه البخاريّ، وزاد الترمذي: «وفي الجنّة شجرة يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا، وما فيها، واقرءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ..﴾. إلخ».","vol":"2","page":334},{"text":"هذا؛ وقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرهما الحياة التي يحياها ابن آدم ب:\n ﴿الدُّنْيا؛﴾ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، كما جاء في الحديث الشريف، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول: [الكامل]\nيا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى، وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nولقد أحسن من قال: [المتقارب]\nهي الدّار دار الأذى والقذى... ودار الفناء ودار الغير\nولو نلتها بحذافيرها... لمتّ ولم تقض منها الوطر\nأيا من يؤمّل طول الخلود... وطول الخلود عليه ضرر\nإذا أنت شبت وبان الشبا... ب فلا خير في العيش بعد الكبر\nهذا؛ والمتاع: كل شيء يتمتّع به الإنسان في دنياه، ويتلذّذ به من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، وولد، وزوجة، ولذا قال الرسول ﷺ: «الدّنيا متاع وخير متاعها المرأة الصّالحة» رواه مسلم، والنّسائيّ عن عبد الله بن عمر﵄-. وربّنا جلّت قدرته قال للكافرين:\n ﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ وقال تعالى شأنه: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾.\nهذا والتمتّع بالشّيء: التلذذ به، والانتفاع بفوائده، ومثله الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتّع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثمّ لمن تمتّع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة بكسر الميم، وضمها: اسم للتمتّع، والزاد القليل، وما يتمتّع به من الصّيد، والطعام. ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وإزار، وملحفة. قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ والتمتّع بالمرأة إلى أجل معلوم بيّنت فساده في أول سورة (المؤمنون) وفي سورة (المعارج) وبالله التوفيق.\nقال الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: شبّه الدّنيا بالمتاع الذي يدلّس به على المستام، ويغرّ؛ حتّى يشتريه، والشّيطان هو المدلّس، والغرور. انتهى. أي: فهو من باب الاستعارة، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾.\nالإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، ﴿ذائِقَةُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْمَوْتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر تقديره:\nهي، وقرئ بتنوين («ذائقة») ونصب («الموت»). والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِنَّما:﴾","vol":"2","page":335},{"text":"الواو: حرف عطف. (﴿إِنَّما﴾): كافة ومكفوفة. ﴿تُوَفَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول.\n ﴿أُجُورَكُمْ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿زُحْزِحَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، ونائب فاعله مستتر تقديره: هو يعود إلى (من). ﴿عَنِ النّارِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَأُدْخِلَ﴾ معطوف على ما قبله، ونائب فاعله يعود إلى (من) أيضا. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به ثان، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٢]. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فازَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، هذا وإن اعتبرت (من) اسما موصولا في محل رفع مبتدأ، فالجملة بعده صلته، وجملة: (قد فاز) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَا﴾): نافية مهملة. ﴿الْحَياةُ:﴾ مبتدأ. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة لها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وقال الجمل: الإضافة على معنى: في، ولا أرى له وجها قويّا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَتاعُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْغُرُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-479\"></span>﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾\nالشرح: ﴿لَتُبْلَوُنَّ:﴾ لتختبرن، وتقع عليكم المحن، والمصائب؛ ليعلم المؤمن من غيره. والاختبار، والامتحان يمحّص الجيد من الرديء، كما ذكره الله سابقا، فعلى هذا يكون معنى الاختبار في وصف الله تعالى محال؛ لأنّ الله عالم بحقائق الأشياء قبل أن يخلقها. فعلى هذا يكون معنى الاختبار في وصف الله تعالى: أنه يعامل العبد معاملة المختبر. ﴿فِي أَمْوالِكُمْ:﴾ بكثرة المصائب فيها بالآفات التي نتعرّض لها، وبالإنفاق في سبيل الله، وسائر","vol":"2","page":336},{"text":"تكاليف الشرع. ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ يعني: بالمصائب، والأمراض، والقتل، وفقد الأحباب، كقوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ﴾.\nخوطب المسلمون بهذه الآية؛ ليوطنوا أنفسهم على احتمال الأذى، وما سيلقون من الشدائد، والمصائب؛ ليصبروا على ذلك، حتى إذا لقوها؛ لقوها؛ وهم مستعدّون بالصبر لها، لا يرهقهم ما يرهق غيرهم ممّن تصيبه الشّدة بغتة، فينكرها، ويشمئزّ منها.\n ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا:﴾ يقول الله تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليا لهم عمّا ينالهم من الأذى من اليهود، ومن المشركين، بل ومن المنافقين، وآمرا لهم بالصّبر، والعفو؛ حتّى يأتي الله بالنّصر.\nوقد تحقّق ذلك للمسلمين بعد سنوات عدّة بقتل اليهود قبيلة، قبيلة، وبذلّ المنافقين، وأخيرا بفتح مكة، قال عكرمة: نزلت في أبي بكر، وفنحاص كما رأيت في الآية رقم [١٨١] والأصح:\nأنّها نزلت قبل وقعة بدر، كما ذكرت آنفا.\n ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق، ولأصحابه. والمعنى: وإن تصبروا على أذاهم، وتتّقوا الله فيما أمركم به، ونهاكم عنه؛ لأنّ الصبر عبارة عن احتمال الأذى، والمكروه، والتقوى عبارة عن الاحتراز عمّا لا ينبغي. هذا؛ والإشارة بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ ذلِكَ﴾ للصّبر، والتّقوى. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: ممّا عزمه الله، وأمر به، وقطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه قول النبي ﷺ: «لا صيام لمن لم يعزم الصّيام من اللّيل» أي: لم يقطعه، ويجزم به بالنّيّة.\nهذا؛ ودخلت لام الابتداء في سورة (الشّورى) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ،﴾ وهي للتّوكيد، ولم تدخل في هذه الآية، ولا في سورة (لقمان) رقم [١٧] لأنّ الصبر على مكروه حدث بظلم-كقتل-أشدّ من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم، كموت ولد، كما أنّ العزم على الأول آكد منه على الثّاني، وما في سورة (الشورى) من القبيل الأول، فكان أنسب بالتوكيد، وما هنا، وما في سورة (لقمان) من القبيل الثاني، فكان أنسب بعدمه. انتهى جمل نقلا عن كرخي.\nبعد هذا: فالفعل «تسمع» صحيح الآخر، فلمّا أسند لواو الجماعة صار: تسمعون، فلمّا أكّد بنون التوكيد صار: تسمعوننّ، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار تسمعون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على العين؛ لتدلّ عليها، فصار (لتسمعن). وإذا أسند الفعل المعتل الآخر لواو الجماعة، مثل: يدعو، يرمي، يسعى، فتحذف نون الرفع وواو الجماعة، وحرف العلة، مثل: لتدعنّ لترمنّ، إلا مع المعتل بالألف، فتثبت الواو؛ لأنّ قبلها فتحة، مثل لتسعونّ، ومنه: لتبلونّ.\nالإعراب: ﴿لَتُبْلَوُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وعزتي، وجلالي! والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (تبلون): فعل مضارع مبني للمجهول","vol":"2","page":337},{"text":"مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو نائب فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿فِي أَمْوالِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَنْفُسِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَتَسْمَعُنَّ﴾): إعرابه مثل إعراب:\n ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها؛ لأنها جواب القسم المقدّر. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿وَمِنَ الَّذِينَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿أَشْرَكُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَذىً:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة له.\n (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. (﴿تَتَّقُوا﴾): انظر إعراب مثله في الآية رقم [١٧٩]: ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (﴿إِنْ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾\nاسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿مِنْ عَزْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنْ﴾) و﴿عَزْمِ﴾ مضاف، و﴿الْأُمُورِ:﴾ مضاف، والجملة الاسمية: (إن ﴿ذلِكَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، (﴿إِنْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-480\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ أخذ الله. ﴿مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ يعني: اليهود، والنصارى، والمراد منهم العلماء خاصّة، وأخذ الميثاق هو: التوكيد، والإلزام لبيان ما أوتوه من الكتاب، وانظر الآية رقم [٨١]: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ يعني: ليبينن ما في الكتاب، وليظهرن للناس؛ حتى يعلموه، وذلك: أنّ الله أوجب على: علماء التّوراة، والإنجيل أن يشرحوا للناس ما في هذين الكتابين من الدّلائل الدّالة على نبوّة محمد ﷺ: ﴿وَلا تَكْتُمُونَهُ:﴾\nولكنّهم كتموه، وتعوضوا عما وجدوا عليه من الخير في الدنيا، والآخرة بالدّون الطفيف، والحظّ الدّنيوي السّخيف، فبئست الصفقة صفقتهم! وبئست البيعة بيعتهم! وفي هذا تحذير لعلماء المسلمين أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم من السّخط، والغضب، والحرمان من رضا الله في الدنيا، والآخرة. والضمير يعود إلى الميثاق، أو إلى الرسول ﷺ.","vol":"2","page":338},{"text":"﴿فَنَبَذُوهُ:﴾ طرحوه، والنبذ: الطرح. ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: لم يعملوا به، ولم يبينوه، فيكون الضمير عائدا إلى الكتاب أيضا، ومثله قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠١]: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾. ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا:﴾ هو ما يأخذونه من سفلتهم من المآكل، والرّشا.\n ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ:﴾ ذمهم الله تعالى على فعلهم ذلك، ويدخل في هذا الذمّ علماء السّوء من المسلمين؛ لأنهم أهل كتاب أيضا، وهو القرآن، وهو أشرف الكتب. قال قتادة: رحمه الله تعالى: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئا؛ فليعلّمه، وإيّاكم وكتمان العلم؛ فإنّه هلكة، وقال أيضا: مثل علم لا يقال به، كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج، كمثل صنم لا يأكل، ولا يشرب. وقال أيضا: طوبى لعالم ناطق، ومستمع واع، هذا علم علما، فبذله، وهذا سمع خبرا، فقبله، ووعاه. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من سئل علما يعلمه، فكتمه؛ ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة». أخرجه الترمذي.\nهذا؛ ولا تنس الاستعارة في النبذ، والاشتراء: شبه عدم التمسك، أو العمل به بالشيء الملقى خلف ظهر الإنسان، باشتراء ثمن قليل ما تعوّضوه من الحطام على كتم آيات، وفي الآية الكريمة من المحسّنات البديعية: الطباق بين (﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾) و(﴿لا تَكْتُمُونَهُ﴾).\nهذا وجاء (﴿وَراءَ﴾) هنا بمعنى: خلف، ويأتي بمعنى: أمام، وقدّام، قال تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وأيضا قوله تعالى في سورة (المؤمنون):\n ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ كما يأتي بمعنى «بعد» خذ قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: من بعد إسحاق يعقوب، وقال النابغة الذبياني: [الطويل]\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للمرء مطلب\nأي: وليس بعد الله ﷻ، وكذلك قوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده. ومن مجيئه بمعنى:\nأمام، وقدّام قول لبيد﵁-: [الطويل]\nأليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع؟\nوأيضا قول سوار بن المضرّب السّعدي، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب ابن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل]\nأيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا\nوثبت بما تقدّم: أنّه من الأضداد، وهو منصوب على الظرفية المكانية، قال الأخفش:\nيقال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما، وهو غير متمكن، كقوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ وأنشد قول الشاعر: [الطويل]","vol":"2","page":339},{"text":"إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن... لقاؤك إلاّ من وراء وراء\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت، وابن هشام في مغني اللبيب يعتبره مفعولا به لهذا المقدّر. ﴿أَخَذَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِيثاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، وهو مفهوم من أخذ الميثاق. (تبيننه):\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، وجملة: ﴿وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها، ولم تؤكد بنون التوكيد؛ لأنّها للحال، وشرط توكيد الفعل بالنون أن يكون مستقبلا مثل ما قبله.\n ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿فَنَبَذُوهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نبذوه): فعل ماض، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَخَذَ اللهُ..﴾. إلخ فهي في محل جرّ مثلها، ﴿وَراءَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، وهو مضاف، وظهورهم مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة.\n (﴿اِشْتَرَوْا﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿ثَمَنًا:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ أيضا.\n ﴿فَبِئْسَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بئس): فعل ماض جامد دال على إنشاء الذمّ. ﴿ما:﴾\nنكرة موصوفة مبنية على السّكون في محل نصب على التّمييز، وفاعل (بئس) ضمير مستتر دلّ عليه هذا التمييز. ﴿يَشْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محلّ نصب صفة (ما) والرابط محذوف، وتقدير الكلام: بئس الشيء شيئا مشترى به أنفسهم.\nوإن أردت الزيادة؛ فانظر الآية رقم [٩٠] من سورة (البقرة).\n\n<span id=\"aya-481\"></span>﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾\nالشرح: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ:﴾ قرئ بالتاء على الخطاب للنبيّ ﷺ، أي: لا تحسبن يا محمد الفارحين؛ الذين يفرحون. وقرئ بالياء على الغيبة، يعني: لا يحسبن الذين يفرحون","vol":"2","page":340},{"text":"فرحهم منجيا لهم من العذاب. نزلت الآية الكريمة في المنافقين. وخذ ما يلي: عن أبي سعيد الخدري﵁-: أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو، وتخلّوا عنه؛ فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ، فإذا قدم رسول الله ﷺ، اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت الآية الكريمة. متّفق عليه. وانظر سورة (التوبة) رقم [٨١].\nوقيل: نزلت في اليهود. وخذ ما يلي: عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف﵄-:\nأن مروان بن الحكم-وكان أميرا على المدينة-قال: لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كلّ منا فرح بما أتى، وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذبا؛ لتعذبنّ أجمعون!\nقال ابن عباس﵄-: مالكم ولهذه الآية؟، إنّما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس﵄الآية، والتي قبلها. وقال ابن عباس: سألهم رسول الله ﷺ عن شيء، فكتموه إيّاه، وأخبروه بغيره. فخرجوا؛ وقد رأوا: أنّهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا عليه بذلك، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه. متفق عليه أيضا. وقال محمّد بن كعب القرظي﵁-: نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم.\n ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أي: ويحبّون أن يحمدهم الناس على شيء لم يفعلوه؛ أي:\nيحبون أن يقول الناس لهم: علماء، وليسوا بأهل العلم على الحقيقة. وقيل: فرحوا بما أتوا من تبديلهم التوراة، وأحبّوا أن يحمدهم الناس على ذلك. ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ أي:\nبمنجاة من العذاب، والمفازة: المنجاة، وتطلق على الأرض الفقر الواسعة الشّاسعة، سمّيت بذلك على جهة التفاؤل، أو لأنّ من قطعها؛ فاز. وقرئ الفعل بفتح التاء، والياء، فيكون الفعل تأكيدا للأول وقرئ بفتح التاء، وضمّ الباء، فيكون المراد النبي ﷺ وأصحابه، والمعنى: لا تظنّهم بمنجاة من العذاب؛ الذي أعدّه الله لهم في الدنيا من القتل، والأسر، وضرب الجزية، والذلّة، والصغار، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة، وهذه الآية وإن كانت نزلت في اليهود، أو المنافقين، فإنّ حكمها عامّ في كلّ من أحبّ أن يحمد بما لم يفعل من الخير، والصلاح، أو ينسب إلى العلم؛ وليس هو كذل.، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والفرح لذة في القلب في إدراك المحبوب، ولذا أكثر ما يستعمل في اللّذات البدنية الدنيويّة، وقد ذمّ الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٧٦]:\n ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ رقم [١٠] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ولكنّه مطلق، فإذا قيد الفرح؛ لم يكن ذمّا، كقوله تعالى في هذه السورة في حقّ الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال تعالى:","vol":"2","page":341},{"text":"﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ رقم [٥٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام. وقال جلّ ذكره في سورة (الروم) رقم [٤ و٥]: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محلّ جزم ب (﴿لا﴾) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». وهذا على فتح الباء، وأمّا على ضمّها؛ فالفاعل واو الجماعة، وهي محذوفة دلّ عليها الضمّة على الباء قبلها، ويكون علامة الجزم حذف النّون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. و﴿الَّذِينَ:﴾ هو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، دلّ عليه ما بعده، تقديره: بمفازة، وأما على قراءة الياء، فالذين هو الفاعل، والمفعولان محذوفان، اكتفاء بمفعولي الفعل الآتي، ومنه قول الكميت بن زيد الأسدي، وهو الشاهد رقم [١] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [الطويل]\nبأيّ كتاب أم بأيّة سنّة... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب\n ﴿يَفْرَحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء.\n ﴿أَتَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء أتوه. (﴿يُحِبُّونَ﴾): مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أن يحمدوا: فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون، وهو مبنيّ للمجهول، والواو نائب فاعله، والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به. ﴿بِما:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و(ما) مثل سابقتها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه... إلخ، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء لم يفعلوه، ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. أو هي صلة على اعتبار الفعل بعدها بدلا من السابق. ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه.\n ﴿بِمَفازَةٍ:﴾ متعلّقان به، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي بدل منها، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلقان ب (مفازة) أو:\nبمحذوف صفة لها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-482\"></span>﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ..﴾. إلخ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا، وفي كثير من الآيات: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ أي: الموجود بين السماء، والأرض، من أفلاك، وكواكب في السماء، وما على","vol":"2","page":342},{"text":"الأرض من جبال، وأنهار، وبحار... إلخ، فكل ذلك ملك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد، وما يملكه الإنسان في هذه الدنيا الفانية، فإنما هو له ملك في الظاهر، قد منحه الله له ليتمتع به على وجه الوكالة والأمانة، فهنيئا لمن أحسن الوكالة، وويل لمن قصر في الوكالة، وخان في الأمانة.\n ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: قادر على كلّ شيء لا يعجزه شيء، فاعبدوه، ولا تخالفوه، واحذروا غضبه، ونقمته، فإنّه العظيم الّذي لا أعظم منه، القدير الّذي لا أقدر منه.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على سابقه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بقدير بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلهما لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-483\"></span>﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)﴾\nالشرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ١٦٤] ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٥١] والمراد باختلافهما ما يحصل فيهما من الزيادة والنقصان تبعا لفصول السنة كما هو معروف. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلائل واضحة على وجود الصانع، ووحدته، وكمال علمه وقدرته لذوي العقول المجلوة الخالصة عن شوائب الوهم، والحس، كما سبق في الآية رقم [٢/ ١٦٤] ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية؛ لأن مناط الاستدلال هو التغيير، وهذه متعرضة لجميع أنواعه. ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ١٧٨].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي خَلْقِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. و﴿خَلْقِ:﴾\nمضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وقال الجمل: الخلق: بمعنى المخلوق، إذ الآيات التي تشاهد إنما هي في المخلوق الذي هو السموات والأرض، وحينئذ فالإضافة بيانية. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿وَاخْتِلافِ:﴾\nمعطوف على: ﴿خَلْقِ:﴾ وهو مضاف، و﴿اللَّيْلِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف على الليل. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِأُولِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آيات) وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(أولي): مضاف، و﴿الْأَلْبابِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.","vol":"2","page":343},{"text":"<span id=\"aya-484\"></span>﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ (١٩١)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ..﴾. إلخ. أي: يذكرون الله دائما على جميع الحالات، قائمين، وقاعدين، ومضطجعين، وماشين، وراكبين. وقيل: معناه يصلّون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم، لقول النّبيّ ﷺ لعمران بن حصين﵁لمّا أصيب بالبواسير: «صلّ قائما، فإن لم تستطع؛ فقاعدا، فإن لم تستطع؛ فعلى جنب». أخرجه الشيخان في الصّحيحين، ولا دليل في الآية الكريمة للّذين يذكرون الله قياما، وهم يصفّقون، ويأتون بحركات، ويتكلّمون بكلمات ليست من الدّين في شيء. انظر ما نقلته عن القرطبي في سورة (الأنفال) رقم [٢] و[٣٥] تجد ما يسرّك.\nهذا؛ وإنّ النّبيّ ﷺ ذكر لنا ألفاظا، ورغّبنا بذكر الله فيها، لا ما ينطق به هؤلاء المبتدعة.\nمن ذلك قوله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». أخرجه الخمسة ما عدا أبا داود.\nوعن أبي هريرة﵁-، وعن سمرة بن جندب﵁قال، قال رسول الله ﷺ: «أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر. لا يضرّك بأيّهنّ بدأت». رواه مسلم، وغيره.\nوعن عبد الله بن عمر﵁-: أنّ رسول الله ﷺ حدّثهم: أنّ عبدا من عباد الله قال: «يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السّماء، فقالا: يا ربنا! إنّ عبدك قد قال مقالة، لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله-وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربّ! إنّه قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتّى يلقاني، فأنا أجزيه بها». رواه أحمد.\nوعن أبي أيوب﵁قال، قال رجل عند رسول الله ﷺ: «الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه» فقال رسول الله ﷺ: «من صاحب الكلمة؟» فسكت الرّجل، وظن: أنّه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه، فقال رسول الله ﷺ: «من هو؟ فإنّه لم يقل إلا صوابا».\nفقال الرّجل: أنا قلتها يا رسول الله! أرجو بها الخير، فقال: «والّذي نفسي بيده لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك أيّهم يرفعها إلى الله ﵎». رواه الطّبراني، وانظر الآية رقم [١٥٢] من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nعن عائشة﵂قالت: كان رسول الله ﷺ يذكر الله ﷿ في كلّ أحيانه.\nأخرجه مسلم. وأقول: وفي كلّ حالاته، وحركاته، وسكناته، لكن لا بالتّصفيق، والرقص،","vol":"2","page":344},{"text":"والتّمايل إلى الأمام، والوراء. وعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه؛ كانت عليه من الله ترة. ومن اضطجع مضجعا، لا يذكر الله فيه؛ كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه؛ إلا كانت عليه من الله ترة».\nأخرجه أبو داود. والتّرة: النقص. وقيل: التّبعة بمعنى المؤاخذة.\n ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ وإذا تفكّروا؛ اتعظوا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا الله. والتفكّر في صنع الله أعظم عبادة يقوم بها العبد، وقد ورد: لتفكّر ساعة في صنع الله خير من عبادة سنة. وفي رواية عن النّبيّ ﷺ: أفضل من عبادة ستين سنة، وورد تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله، فإنّه لا تحيط به الفكرة. ومرّ النبي ﷺ على قوم يتفكرون في الله، فقال: «تفكّروا في الخلق، ولا تفكّروا في الخالق، فإنّكم لا تقدرون قدره».\nوروي عن رسول الله ﷺ: أنّه قال: «لا عبادة كالتّفكّر» لأنّه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق. وروي عن أبي هريرة﵁عن النبيّ ﷺ قال: «بينما رجل مستلق على فراشه؛ إذ رفع رأسه، فنظر إلى السّماء، والنّجوم، فقال: أشهد أنّ لك ربّا، وخالقا! اللهمّ اغفر لي! فنظر الله إليه، فغفر له».\nهذا؛ والفكر: تصرف القلب في طلب الأشياء. وقال صاحب المفردات: الفكر: قوّة مطرقة للعلم إلى العلوم. والتفكّر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب. انتهى. هذا؛ والفكر يؤدّي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس، والتجانس بين الأشياء، كالزوجين.\nوإنّما خصّ السموات، والأرض بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع ﴿السَّماواتِ﴾ دون (﴿الْأَرْضِ﴾) وهي مثلهنّ سبعا بدليل قوله تعالى في سورة الطّلاق: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ؛﴾ لأنّ طبقاتها مختلفة بالذّات، متفاوتة في الصّفات، والآثار، والحركات، وقدّمها لشرفها، وعلوّ مكانها، وتقدّم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض. وأيضا: لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السّماء على الأرض كنزول المني من الذّكر في رحم المرأة، ولأنّ الأرض تنبت، وتخضرّ بالمطر.\nووحّد الأرض؛ لأنها بجميع طبقاتها جنس واحدة، وهو التراب، والأحجار.\nوآية السموات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها، ولا علائق من فوقها، ثمّ ما فيها من الشّمس، والقمر، والنجوم السّائرة، والكواكب الزّاهرة، شارقة، وغاربة، نيّرة، وممحوة آية ثانية، وآية الأرض: مدّها، وبسطها، وما فيها من الجبال، والبحار، والمعارف، والجواهر، والأنهار، والأشجار، والثمار، وما بثّ فيها من أجناس المخلوقات، فيعلم العباد حينئذ: أنّ لهما خالقا مدبّرا حكيما؛ لأن عظم آثاره، وأفعاله تدلّ على عظم خالقها، كما قيل: [المتقارب]","vol":"2","page":345},{"text":"وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد\n ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا﴾ أي: يقولون: ربنا ما خلقت هذا خلقا باطلا بغير حكمة، بل خلقته لحكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلّفين، وأدلّة لهم على معرفتك، وتحثّهم على طاعتك؛ لينالوا الحياة الأبدية، والسّعادة السّرمدية في جوارك.\n ﴿سُبْحانَكَ:﴾ تنزيها لك عن جميع المعايب، والنقائص، و(سبحان): اسم مصدر. وقيل:\nمصدر، مثل: غفران. وليس بشيء؛ لأن الفعل «سبّح» بتشديد الباء، والمصدر تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري على التّسبيح، بمعنى التنزيه على الشّذوذ في قول الأعشى: [السريع]\nقد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة في قوله تعالى، حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقد نزّه الله ذاته في كثير من الآيات تنزيها يليق بجلاله، وعظمته. وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكّن؛ لأنّه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجرّ، ولا تدخل عليه الألف، واللام، ولم يجئ من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف والنون، ومعناه: التنزيه، والبراءة لله﷿من كلّ نقص، فهو ذكر لله تعالى، لا يصلح لغيره، والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر له فعل من لفظه، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزّه الله تنزيها، فوقع: «سبحان الله» مكان: «تنزيها لله». وانظر الإعراب.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح، وفيه أوجه: الأول: في محل جر بدلا من: (أولي الألباب) أو صفة. الثاني: في محل نصب بفعل محذوف، التقدير: أمدح، أو أعني. الثالث: في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وعليه؛ فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿يَذْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿قِيامًا:﴾ حال من واو الجماعة، وهو مصدر بمعنى: قائمين. ﴿وَقُعُودًا:﴾ معطوف عليه، وهو بمعنى: قاعدين. ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أيضا، معطوف على ما قبله، التقدير: ومضطجعين على جنوبهم. والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ معطوفة على جملة الصّلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿فِي خَلْقِ:﴾ متعلقان به، و﴿خَلْقِ:﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، وانظر الآية السّابقة.","vol":"2","page":346},{"text":"﴿رَبَّنا:﴾ منادى، حذف منه أداة النداء، ونا في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلَقْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه، لا محلّ له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿باطِلًا:﴾\nحال من اسم الإشارة، وهي حال لازمة لا يستغنى عنها؛ إذ لو حذفت؛ للزم نفي الخلق، وهو لا يصحّ. انظر الحال، وأنواعها في الآية رقم [٨٨]. أو هو مفعول لأجله، أي: للباطل. أو هو منصوب بنزع الخافض. انتهى جمل نقلا عن كرخي. وقيل: هو صفة مصدر محذوف، التقدير:\nما خلقت هذا خلقا باطلا. وقيل: هو على المفعول الثاني، ويكون (خلق) بمعنى: «جعل» والكلام في محلّ نصب لقول محذوف، يقع حالا، التقدير: قائلين: ربنا ما خلقت... إلخ، والحال من واو الجماعة.\n ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿فَقِنا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (قنا): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. و:\n (نا) مفعول به أول، وانظر شرح هذا الفعل في الآية رقم [١٦]. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَقِنا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: فإذا نزهناك، وعظمناك؛ فقنا... إلخ.\n\n<span id=\"aya-485\"></span>﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية رقم [٨]. ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي: أذللته، وأهنته. وقال المفضل: أهلكته، وأنشد قول الشّاعر: [الكامل]\nأخزى الإله مع الصّليب عبيده... اللابسين قلانس الرّهبان\nوالإخزاء هو: الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني، وهو الشاهد رقم [٢٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nلاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني\nومنه قول حسّان بن ثابت﵁-، يخاطب به من شجّ وجه النبيّ ﷺ في غزوة أحد: [الطويل]\nفأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك... ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق","vol":"2","page":347},{"text":"مددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق\nوهو على هذا من الرّباعي، كما في الآية الّتي بين أيدينا. وهو من الثلاثي: خزي، يخزى، خزاية، بمعنى: استحيا، وخجل. قال نهشل بن حريّ الدّارميّ من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل مع الإمام علي﵁بصفّين: [الطويل]\nأخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٢٤]: من كتابنا المذكور، وقال ذو الرمة: [البسيط]\nخزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب\nويفهم من الآية الكريمة: أنّ العذاب الرّوحاني أفظع من العذاب الجسماني؛ لأنّ الإخزاء هو الذلّ، كما رأيت، ولا يكون إلا من مؤثّرات الرّوح، لا البدن. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ:﴾\nمن شفعاء، وأعوان، والظالمون: هم الذين ظلموا أنفسهم بالشّرك، أو بارتكاب الكبائر، وماتوا قبل أن يتوبوا. وقد وضع المظهر موضع المضمر؛ للدّلالة على أنّ ظلمهم تسبب لإدخالهم النار، وانقطاع النّصرة عنهم في الخلاص. والأحاديث الشّريفة تثبت وقوعها لهم. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل نصب مفعول به مقدّم، وعلى الأوّل؛ فالمفعول الأول لفعل الشرط محذوف، التقدير: تدخله. ﴿تُدْخِلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿النّارَ:﴾ يقال في هذا ما رأيته في مفعول:\n ﴿تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ في الآية رقم [١٤٢]. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَخْزَيْتَهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. هذا؛ وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، و﴿مَنْ﴾ ومدخولها على الوجهين المعتبرين فيها في محل رفع خبر: (إنّ) والكلام كلّه في محل نصب مقول القول لقول محذوف واقع حالا، كما رأيت في الآية السابقة، وهو أولى من اعتباره كلاما مستأنفا.\n ﴿وَما:﴾ حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَنْصارٍ:﴾ مبتدأ مؤخّر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وهناك من يجيز اعتبار أنصار فاعلا بالجار والمجرور قبله، لاعتماده على النّفي، ولم يذكر المتعلّق، فهما متعلقان بفعل","vol":"2","page":348},{"text":"محذوف، تقديره: وما يوجد للظالمين أنصار. هذا؛ وإن اعتبرت (﴿ما﴾): نافية حجازية تعمل عمل ليس؛ فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبرها مقدّما، و﴿أَنْصارٍ﴾ اسمها مؤخرا، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، أو معترضة اعتراضا تذييليّا في آخر الكلام، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-486\"></span>﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ:﴾ قال ابن عباس﵄وأكثر المفسّرين: المنادي هو محمد ﷺ. ويدلّ على صحة هذا القول قوله تعالى في آخر سورة (النّحل): ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..﴾. إلخ. وقوله جلّ شأنه في سورة (الأحزاب): ﴿وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ..﴾. إلخ، وقال محمّد بن كعب القرظي﵁-:\nالمنادي هو القرآن؛ إذ ليس كلّ أحد لقي النبيّ ﷺ. ووجه هذا القول: أنّ كل واحد يسمع القرآن، ويفهمه، فإذا وفقه الله تعالى للإيمان به؛ فقد فاز به، وذلك؛ لأنّ القرآن مشتمل على الرّشد، والهدى، وأنواع الدلائل الدّالة على الوحدانية، فصار كالدّاعي إليها.\n ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا:﴾ فصدقنا. ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا:﴾ كبائر ذنوبنا. ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ أي: صغائر ذنوبنا. هذا؛ وجمع بين غفران الذنوب، وبين تكفير السّيئات؛ لأنّ غفران الذنوب بمجرّد الفضل، وتكفير السّيئات بمحوها بالحسنات. أو الأوّل في الكبائر، والثّاني في الصغائر، فلا تكرار، فلا يرد السّؤال: كيف ذكر الثاني مع أنّه معلوم من الأول؟ ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ أي: اقبض أرواحنا في جملة الأبرار، أي: اجعلنا منهم، أو محشورين معهم، والأبرار واحدهم: برّ وبارّ، وهو من يفعل أفعال البرّ، أي: الخير، والمراد بهم الأنبياء، والصدّيقون، والصّالحون. وفيه تنبيه على أنّهم يحبّون لقاء الله، ومن أحبّ لقاء الله؛ أحبّ الله لقاءه.\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ مثل سابقه. ﴿إِنَّنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): في محل نصب اسمها.\n ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُنادِيًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). والكلام كله في محل نصب مقول القول لقول محذوف، كما رأيت في الآيتين السابقتين. ﴿يُنادِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿مُنادِيًا﴾.\n ﴿لِلْإِيمانِ:﴾ متعلقا بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿مُنادِيًا﴾ أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مُنادِيًا﴾. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فأيّة فائدة في الجمع بين (المنادي) و(ينادي) قلت: ذكر النّداء مطلقا، ثمّ مقيّدا بالإيمان. تفخيما لشأن","vol":"2","page":349},{"text":"المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان. ونحوه: قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام، وذلك: أنّ المنادي إذا أطلق؛ ذهب الوهم إلى مناد للحرب، وغير ذلك انتهى.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير؛ لأنّها سبقت بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وبعضهم يعتبرها مصدرية. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِرَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مفسّرة لا محل لها، وعلى اعتبار: (﴿أَنْ﴾) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: بأن آمنوا، أي: بالإيمان، والجارّ، والمجرور متعلّقان بما قبلهما، والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. ﴿فَآمَنّا:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (آمنا): فعل، وفاعل. والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿سَمِعْنا..﴾. إلخ.\n ﴿رَبَّنا:﴾ توكيد لما قبلها. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَنا:﴾ مفعول به، و(نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الإيمان حاصلا منّا؛ فاغفر... إلخ، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَوَفَّنا:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو «الألف» والفاعل مستتر تقديره: أنت، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (نا) التقدير: توفنا أبرارا مع الأبرار. و﴿مَعَ:﴾ مضاف، و﴿الْأَبْرارِ:﴾ مضاف، ومثل الآية الكريمة قول النابغة في حذف متعلّق الظرف: [الوافر]\nكأنّك من جمال بني أقيش... يقعقع خلف رجليه بشنّ\nأي: كأنّك جمل من جمال بني أقيش. انتهى مكي.\n\n<span id=\"aya-487\"></span>﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا وَآتِنا:﴾ أعطنا، وامنحنا. ﴿ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أي: على ألسنة رسلك من الفضل، والرّحمة، والعزّة، والنّصر، والتأييد، والمعونة، ودخول الجنّة للمطيعين. وهذا السؤال ليس من خوف الخلف في حقّه تعالى، بل هو مخافة ألا يعمل الموعودون بما أمر الله به من قصور في الامتثال، أو مخافة من سوء العاقبة، والعياذ بالله!. ﴿وَلا تُخْزِنا﴾ أي: لا تعذبنا،","vol":"2","page":350},{"text":"ولا تفضحنا، ولا تهنّا، ولا تمقتنا يوم القيامة. ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ أي: بإثابة المؤمن المطيع، وإجابة الدّاعي، وتحقيق النصر، وتوفير العزّة، والكرامة للمؤمنين. وفيه: أنّهم دعوا بهذا الدّعاء على جهة العبادة، والخضوع، والتوكيد لما تقدّم، كقوله تعالى في آخر سورة (الأنبياء): ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ ومعلوم: أنه سبحان لا يقضي، ولا يحكم إلا بالحقّ. هذا وانظر الوعد في الآية رقم [٥١]: من سورة (البقرة) فإنّه جيد، والحمد لله!\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ تقدم إعرابها. (﴿آتِنا﴾): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، و(نا) مفعول به أوّل.\n ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنيّة على السّكون في محل نصب مفعول به ثان.\n ﴿وَعَدْتَنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: آتنا الذي، أو: شيئا وعدتناه. ﴿عَلى رُسُلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال؛ أي: منزلا، أو محمولا على لسان رسلك، والكاف في محل جرّ بالإضافة، وجملة: ﴿وَآتِنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اغفر...) إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿وَلا تُخْزِنا:﴾ الواو: حرف عطف. لا ناهية جازمة. تخزنا: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة... إلخ، والفاعل تقديره: أنت، و(نا) مفعول به.\n ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمه، والجملة الفعلية: ﴿لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للدّعاء لا محلّ لها، وجملة الكلام في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-488\"></span>﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ:﴾ أي: فأجاب الله دعاءهم، وأعطاهم سؤلهم. ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: لا أحبط، ولا أبطل عملكم أيها المؤمنون، بل أثيبكم عليه. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ أي: لا أضيع عمل عامل منكم ذكرا كان، أو أنثى. فعن أمّ سلمة﵂- قالت: قلت يا رسول الله! ما أسمع الله تعالى ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى:\n ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ..﴾. إلخ. أخرجه الترمذيّ، وغيره. ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني: في","vol":"2","page":351},{"text":"الدّين، والنصرة، والمولاة، والأحكام، والطاعة لله، وفي العقاب أيضا على الإساءة. وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ طباق وهو من المحسّنات البديعية.\n ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا..﴾. إلخ: يعني: المهاجرين الذين هجروا أوطانهم، وأهليهم، وآذاهم المشركون بسبب إسلامهم، ومتابعتهم للرّسول ﷺ. ومعنى ﴿فِي سَبِيلِي:﴾ في طاعتي ودينين وابتغاء مرضاتي، وهم المهاجرين؛ الذين أخرجهم المشركون من مكّة، فهاجروا إلى الحبشة، ثمّ إلى المدينة.\n ﴿وَقُتِلُوا﴾ أي: أعداء الله. ﴿وَقُتِلُوا﴾ أي: استشهدوا في سبيل الله، وجهاد الكفار.\n ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ:﴾ لأمحونّ عنهم ذنوبهم، ولأغفرنّها لهم. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يعني: الذي أعطاهم الله إيّاه من تكفير سيئاتهم، وإدخالهم الجنة، ذلك ثواب، وجزاء من فضل الله، وإحسانه إليهم. ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ:﴾ هذا تأكيد لكون الثواب الذي أعطاهم من فضله وكرمه. وأضافه إليه، ونسبه سبحانه إليه؛ ليدلّ على أنّه عظيم؛ لأنّ العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا، كما قال الشاعر: [الخفيف]\nإن يعذّب يكن غراما وإن يع... ط جزيلا فإنّه لا يبالي\nفقد روى ابن جرير الطّبري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل ثلّة تدخل الجنّة فقراء المهاجرين، الّذين يتّقى بهم المكاره، إذا أمروا؛ سمعوا، وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان؛ لم تقض له حتّى يموت، وحاجته في صدره، فإنّ الله يدعو الجنّة يوم القيامة، فتأتي بزخرفها، وزينتها، فيقول: أين عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي، وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي، أدخلوا الجنّة! فيدخلونها بغير حساب، ولا عذاب، فتأتي الملائكة، فيسجدون، ويقولون: ربّنا نحن نسبّح لك اللّيل، والنّهار، ونقدّس لك، من هؤلاء الّذين آثرتهم علينا، فيقول الرّبّ ﷿: هؤلاء عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي! فتدخل عليهم الملائكة من كلّ باب، يقولون لهم: سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدّار». انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿فَاسْتَجابَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (استجاب): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. أنّي: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أُضِيعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿عَمَلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿عَمَلَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَمَلَ﴾. ﴿مِنْ ذَكَرٍ:﴾ بدل من قوله.\n ﴿مِنْكُمْ﴾ وهو بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف","vol":"2","page":352},{"text":"صفة ثانية ل: ﴿عَمَلَ﴾ كما يجوز أن يكونا متعلّقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في:\n ﴿مِنْكُمْ﴾ التقدير: استقرّ منكم كائنا من ذكر. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أُنْثى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جرّه كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، وأنّ، واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: بأنّي، أي: بكوني. والجار والمجرور متعلقان بالفعل استجاب، هذا وقرئ بكسر الهمزة على تضمين استجاب معنى القول، فتكون الجملة الاسمية، في محلّ نصب مفعول به.\n ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْضٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية معترضة. وقيل: هي مستأنفة جيء بها لتبيين شركة النساء مع الرّجال في الثواب الذي وعد الله به عباده العاملين، وجوّز أبو البقاء اعتبارها حالا، أو صفة.\n ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿هاجَرُوا﴾ صلته، والجمل بعدها كلّها معطوفة عليها، وأفعالها مبنيّة على الضمّ مع ملاحظة المبني للمعلوم، والمبني للمجهول منها، والواو فاعل، أو نائب فاعل. ﴿فِي سَبِيلِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَأُكَفِّرَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وعزتي، وجلالي! (أكفرن) فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب للقسم المحذوف. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ قاله ابن مالك، ومنعه ثعلب، ومثله قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٧٢]: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ومثل ذلك قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٧٥٦]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nجشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين... وإذا أتاك فلات حين مناص\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة (العنكبوت) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان، ويقال فيه أيضا ما رأيته في مفعول قوله تعالى: ﴿تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ في الآية رقم [١٤٢]، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ في محل جرّ صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾.\n ﴿ثَوابًا:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لقوله: (﴿لَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾) لأنّ المعنى: لأثيبنهم ثوابا. وهذا عند البصريين. وقال الكسائي: انتصب على القطع، أي: عامله محذوف من لفظه. وقال الفراء:","vol":"2","page":353},{"text":"على التفسير؛ أي: هو تمييز. ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿ثَوابًا﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿عِنْدَهُ:﴾\nظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حُسْنُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. هذا وإن اعتبرت الظرف متعلقا بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿حُسْنُ﴾ فاعلا بمتعلقه فهو جيد لا غبار عليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ لا محل لها. و﴿حُسْنُ﴾ مضاف، و﴿الثَّوابِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصّفة للموصوف؛ إذ الأصل: الثواب الحسن.\n\n<span id=\"aya-489\"></span>﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦)﴾\nالشرح: روي: أنّ بعض المسلمين كانوا يرون المشركين في رخاء، ولين عيش، فيقولون:\nأعداء الله فيما نرى من الخير، والنّعمة، والرّفاهية؛ ونحن نهلك من الجوع، والجهد! فنزلت الآية الكريمة، ومثلها قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ وقال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٧٠) والخطاب في الآية الكريمة لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ والمراد أمته، كيف لا؟ وقد قال له في سورة (الحجر) وسورة (طه): ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ..﴾. إلخ، والمعنى: لا يغرنّك أيّها السامع، ولا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السّعة، ولا تغترر بظاهر ما ترى من تبسّطهم في مكاسبهم، ومتاجرهم، ومزارعهم... إلخ.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿يَغُرَّنَّكَ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له في محل جزم ب ﴿لا﴾ الناهية، والكاف مفعول به. ﴿تَقَلُّبُ﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بالمصدر: ﴿تَقَلُّبُ﴾.\n<span id=\"aya-490\"></span>﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧)﴾\nالشرح: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٨٥] وسمّاه الله: قليلا؛ لأنّه فان، وكلّ فان قليل؛ وإن كان كثيرا لقصر مدته، أو في جنب ما أعدّ الله للمؤمنين في الآخرة. وفي صحيح الترمذي عن المستورد الفهري﵁قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما الدّنيا في الآخرة، إلاّ","vol":"2","page":354},{"text":"كما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟». ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ انظر الآية رقم [١٢].\nهذا وبيّن الله تعالى في كثير من الآيات: أنّ إعطاء الله الدّنيا للكافرين، إنّما هو إمهال لا إهمال، واستدراج لا إكرام، قال تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧٨].\nوعن عمر﵁قال: جئت رسول الله ﷺ فإذا هو في مشربة، وإنّه لعلى حصير، ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وعند رجليه قرظ مصبور، وعند رأسه أهب معلّقة، فرأيت الحصير قد أثر في جنبه، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا رسول الله! إنّ كسرى، وقيصر فيما هما فيه؛ وأنت يا رسول الله! تنام على حصير قد أثّر في جنبك؟! قال: «أما ترضى أن تكون لهما الدّنيا، ولنا الآخرة». رواه البخاريّ، ومسلم. وفي رواية عن ابن مسعود أطول من هذا؛ وفيه: «ما أنا في الدّنيا إلاّ كراكب استظلّ تحت شجرة، ثمّ راح، وتركها». المشربة: الغرفة.\nالإعراب: ﴿مَتاعٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: تقلّبهم متاع. ﴿قَلِيلٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، أو هي في محل نصب حال من: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ﴾ والرابط: المبتدأ المقدّر. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله في المعنى ما هو خبر عنه وهو: ﴿جَهَنَّمُ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ تقدم إعرابها كثيرا، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: هي جهنم.\n\n<span id=\"aya-491\"></span>﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)﴾\nالشرح: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ:﴾ فيما أمرهم به من العمل بطاعته، واتّباع مرضاته، واجتناب ما نهاهم عنه من معاصيه. هذا؛ ويقرأ بتشديد نون (﴿لكِنِ﴾). ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها:﴾ تقدّم شرح هذه الكلمات كثيرا. ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ النّزل: ما يعدّ للنازل، أي: للضيف من طعام، وشراب، وإكرام. قال أبو الشعراء الضبّي، وهو على سبيل الاستعارة التهكميّة: [الطويل]\nوكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا\nهذا؛ وذكر أبو البقاء رحمه الله تعالى: أنه يجوز أن يكون جمع: نازل، كما قال الأعشى في معلقته: [البسيط]\nإن تركبوا فركوب الخيل عادتنا... أو تنزلون فإنّا معشر نزل","vol":"2","page":355},{"text":"هذا؛ ويقرأ («نزل») بضم الزاي وسكونها، مثل: عسر، وحلم... إلخ قال عيسى بن عمر -رحمه الله تعالى-: كل اسم على ثلاثة أحرف يجوز ضمّ ثانيه، وسكونه.\nالإعراب: ﴿لكِنِ:﴾ حرف استدراك مهمل لا عمل له على تخفيفه، وحرف مشبّه بالفعل على تشديده. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب اسم: (لكنّ) على تشديده. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف لتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿جَنّاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ و﴿جَنّاتٌ﴾ فاعل بمتعلقه؛ فالتقدير: يوجد لهم جنات، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ في محل رفع صفة: ﴿جَنّاتٌ،﴾ وأجاز مكي اعتبارها في محل نصب حال من متعلّق: ﴿لَهُمْ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة وقال مكي: حال من الضمير المخفوض في: ﴿لَهُمْ﴾ وهي حال مقدّرة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر تقديره: هم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾.\n ﴿نُزُلًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد، فعله محذوف، التقدير: يقال لهم: انزلوها نزلا. وقيل:\nحال. وقيل: تمييز. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نُزُلًا﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿عِنْدِ:﴾\nمضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿لكِنِ الَّذِينَ﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾\nالواو: واو الحال. (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدِ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾\nخبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم للتفخيم، والتعظيم. ﴿لِلْأَبْرارِ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-492\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩)﴾\nالشرح: قال ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك﵃-: نزلت في النّجاشي ملك الحبشة، واسمه: أصحمة، ومعناه في العربية: عطية، وذلك: أنّه لمّا مات؛ نعاه جبريل﵇لرسول الله ﷺ في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه:\n «اخرجوا، فصلّوا على أخ لكم، مات بغير أرضكم النّجاشيّ». فخرج إلى البقيع، وكشف له إلى","vol":"2","page":356},{"text":"أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي، فصلى عليه، وكبّر أربع تكبيرات، واستغفر له، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلّي على علج حبشيّ نصرانيّ، لم يره قط، وليس على دينه، فأنزل الله تعالى الآية الكريمة. وبهذا استدلّ الشّافعي﵁على صلاة الغائب.\nوقيل: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الرّوم كانوا على دين عيسى، ﵇، فآمنوا بالنبيّ ﷺ، وصدّقوه. وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام، وأصحابه. وقيل: نزلت في جميع مؤمني أهل الكتاب. وهذا القول أولى؛ لأنه لمّا ذكر أحوال الكفار، وأحوال أهل الكتاب، وأنّ مصيرهم إلى النار؛ ذكر حال من آمن من أهل الكتاب، وأنّ مصيرهم إلى الجنّة.\n ﴿خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ يعني: خاضعين لله، متواضعين له غير مستكبرين. وانظر الخشوع في الصّلاة في أول سورة (المؤمنون) فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: لا يغيّرون كتبهم، ولا يحرّفونها، ولا يكتمون صفة محمد ﷺ لأجل الرئاسة، والمآكل، والرّشا، كما يفعله غيرهم من علماء اليهود، وسمّاه الله: قليلا؛ لأنه لا بقاء له، ولا قيمة له بجانب نعيم الآخرة الدّائم.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى من هذه صفته من أهل الكتاب. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ لهم ثواب أعمالهم؛ التي عملوها لله في الدنيا، مدخر لهم عند الله، يوفّيهم إيّاه يوم القيامة. والعنديّة عنديّة تكريم، وتشريف، لا عندية مكان. إن الله سريع الحساب: انظر الآية رقم [١٩] وخذ ما يلي:\nفعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لهم أجران:\nرجل من أهل الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بمحمد ﷺ، والعبد المملوك إذا أدّى حقّ الله، وحقّ مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها، فأدّبها، فأحسن تأديبها، وعلّمها، فأحسن تعليمها، ثمّ أعتقها، وتزوّجها، فله أجران». متفق عليه.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿مِنْ أَهْلِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها. و﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَمَنْ:﴾ اللام: لام الابتداء.\n (﴿مِنْ﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر، وانظر الآية رقم [١١٠]: وقس هذه عليها. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: هو. ﴿بِاللهِ:﴾\nمتعلقان به، والجملة الفعلية صلة: (﴿مِنْ﴾) لا محل لها، والجملة الاسمية: (﴿إِنَّ مِنْ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها. (﴿ما﴾): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على لفظ الجلالة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿خاشِعِينَ:﴾ حال من فاعل: ﴿يُؤْمِنُ﴾ المستتر، وجمعه باعتبار المعنى، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان","vol":"2","page":357},{"text":"ب ﴿خاشِعِينَ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾\nمتعلقان به، (آيات): مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ﴿ثَمَنًا:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب حال أيضا من فاعل: ﴿يُؤْمِنُ﴾ المستتر، فتعدّدت الحال وهي مختلفة إفرادا، وجملة.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿أَجْرُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة الاسمية في محلّ رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ ف: ﴿أَجْرُهُمْ﴾ يكون فاعلا بمتعلق الجار والمجرور، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿أَجْرُهُمْ﴾ لأنه مصدر. و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-493\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠] ﴿اِصْبِرُوا:﴾ انظر «الصّبر» في الآية رقم [٤٥] من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَصابِرُوا:﴾ غالبوا أعداءكم بالصبر على شدائد الحرب، ومنه: مغالبة الشّيطان فيما يأمر به، ومغالبة النفس الأمارة بالسّوء فيما تأمر به. وتخصيصه بالذكر بعد الأمر بالصبر مطلقا لشدّته. والمصابرة: مكافحة الأعداء، والثبات في الميدان، ومنه قول عنترة: [الطويل]\nفلم أر حيّا صابروا مثل صبرنا... ولا كافحوا مثل الّذين نكافح\n ﴿وَرابِطُوا:﴾ المرابطة هي: الحراسة، والوقوف في الثغور مترصدين للعدو، ولصدّ هجمات الأعداء والمعتدين، فعن سهل بن سعد﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدّنيا، وما عليها. وموضع سوط أحدكم من الجنّة خير من الدّنيا، وما عليها.\nوالرّوحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدّنيا وما عليها» متّفق عليه.\nوعن فضالة بن عبيد﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «كلّ ميّت يختم على عمله إلاّ المرابط في سبيل الله، فإنّه ينمي له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر». أخرجه أبو داود، والترمذي. وعن عثمان بن عفان﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:","vol":"2","page":358},{"text":"«حرس ليلة في سبيل الله، أفضل من ألف ليلة، يقام ليلها، ويصام نهارها». أخرجه الحاكم.\nوعن ابن عباس﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عينان لا تمسّهما النّار:\nعين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». أخرجه الترمذيّ.\nهذا؛ وقال ابن عباس﵄المرابطة: المداومة في مكان العبادة، وانتظار الصّلاة بعد الصلاة. ويشهد له قول النبي ﷺ: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويكفّر به الذنوب؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة، فذلكم الرّباط». رواه ابن حبّان عن جابر بن عبد الله، -﵁-، وأخرجه مسلم، وغيره من رواية أبي هريرة.\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء. (﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾): انظر الآية رقم [١٣٠]. ﴿اِصْبِرُوا:﴾ فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ تقدّم إعراب مثلها كثيرا. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيّدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة آل عمران شرحا، وإعرابا.\nفلله الحمد والمنّة، ونسأله الوفاة على الكتاب والسّنّة.","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>سورة النّساء</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (النساء) مدنية إلا آية واحدة نزلت في مكّة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها..﴾. إلخ، وهي رقم [٥٨]. وهي مائة وخمس وسبعون آية، وثلاث آلاف وخمس وأربعون كلمة، وستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-494\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾\n\nالشرح: ١ - سمّيت سورة النساء لكثرة ما ورد فيها من الأحكام؛ التي تتعلّق بهنّ بدرجة لم توجد في غيرها من السّور، ولذلك أطلق عليها اسم سورة (النّساء الكبرى) في مقابلة سورة (النساء الصّغرى) التي عرفت في القرآن بسورة (الطلاق).\n٢ - قال عبد الله بن مسعود﵁-: إنّ في سورة (النساء) لخمس آيات ما يسرّني أن لي بها الدنيا، وما فيها: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ،﴾ و﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ و﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..﴾. إلخ، و﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ و﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. رواه ابن جرير.\n٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ نداء يعمّ بني آدم جميعا، كقوله تعالى في سورة (الأعراب): ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾. ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمُ:﴾ خافوا ربّكم، واحذروا غضبه، وانتقامه؛ إن عصيتموه، وخالفتم أوامره، ونواهيه. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ وهو آدم، عليه ألف صلاة، وألف سلام، وإنّما أنّث ﴿واحِدَةٍ:﴾ على لفظ النفس، وإن كان المراد به آدم، وهو ذكر، كما قال بعضهم: [الوافر]\nأبوك خليفة ولدته أخرى... وأنت خليفة ذاك الكمال\n ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ يعني: حواء، وذلك: أنّ الله تعالى لمّا خلق آدم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ألقى عليه النّوم، ثمّ خلق حوّاء من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو قصير، فلمّا استيقظ؛ رآها جالسة عند رأسه، فقال لها: من أنت؟ قالت امرأة، قال: لماذا","vol":"2","page":360},{"text":"خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، وأسكن إليك. فمال إليها، وألفها؛ لأنّها خلقت منه. هذا هو المشهور، وتؤيّده الأحاديث الشريفة، ولكن هناك من يتبجّح، ويقول: إن الله خلقها بدون واسطة، يعني: أنّ الله خلقها من تراب، كما خلق آدم، ولهذا يقدّرون مضافا محذوفا، فيقولون:\nالأصل من جنسها، أي: من البشر، وهاك قول الشاعر: [الطويل]\nهي الضّلع العوجاء لست تقيمها... ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها\nأتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «استوصوا بالنّساء، فإنّ المرأة خلقت من ضلع، وإنّ أعوج ما في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه؛ كسرته، وإن تركته؛ لم يزل أعوج. فاستوصوا بالنّساء». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما. وروى ابن أبي حاتم عن قتادة، عن ابن عباس﵄-: «خلقت المرأة من الرّجل، فجعلت نهمتها في الرّجل، وخلق الرّجل من الأرض، فجعلت نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم».\n ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ أي: نشر، وفرّق من آدم، وحواء خلائق كثيرين ذكورا، وإناثا.\nوإنّما وصف الله الرّجال بالكثرة دون النساء؛ لأنّ حال الرّجال أتمّ، وأكمل، وهذا كالتنبيه على أنّ اللائق بحال الرّجال الظهور، والاستشهار، وبحال النّساء الاختفاء والخمول، والواقع والمشهور: أن نسبة الإناث أكثر من الذّكور في كلّ زمان، ومكان. هذا؛ والرّجل مشتق من الرجولة، وهي الشّجاعة، والنّجدة، والمرأة مشتقة من المرء، وهو الرّجل الذي خلقت منه، كما رأيت. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ كرّره للتأكيد، ولا تنس الطّباق بين: ﴿رِجالًا﴾ و(﴿نِساءً﴾)\n ﴿تَسائَلُونَ بِهِ:﴾ يسأل بعضكم بعضا به، فيقول: أسألك بالله، وقد حذفت منه تاء المضارعة، أصله: تتساءلون، وقرئ بتشديد السّين؛ فأدغمت التاء الثانية في السّين.\n ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ويقرأ بكسر الميم عطفا على الضمير المجرور بالباء، وقد استقبحها كثير من العلماء. قال أبو العباس المبرّد-رحمه الله تعالى-: لو صليت خلف إمام يقرأ: («ما أنتم بمصرخيّ»)، («واتّقوا الله الّذي تساءلون به والأرحام»)؛ لأخذت نعلي، ومضيت. ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nفاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا... فاذهب فما بك والأيّام من عجب\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا:﴾ حافظا، أو عالما، أو مطّلعا. هذا؛ و(الأرحام) جمع رحم، وهو القريب من جهة الأب، أو من جهة الأم، وقد عطف الله الأرحام على اسمه تنبيها على مكانتها عنده، كيف لا وقد أمر الله بصلتها في كثير من الآيات، وحذّر من قطعها، وهو الذي يقول في سورة (محمّد) ﷺ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ﴾","vol":"2","page":361},{"text":"لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. والرسول ﷺ حثّ على صلة الأرحام، وحذّر من قطعها، وخذ ما يلي:\nفعن أنس بن مالك﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». أخرجه البخاري، ومسلم. وعن عائشة﵂عن النبي ﷺ قال: «الرّحم متعلّقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». رواه البخاريّ، ومسلم. وعن أبي هريرة﵁قال، قال رسول الله ﷺ:\n «إنّ الله خلق الخلق حتّى إذا فرغ منهم؛ قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائد بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى! قال: فذاك لك، ثمّ قال رسول الله ﷺ: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ»﴾. رواه البخاريّ، ومسلم.\nقال المرحوم سليمان الجمل: ومعلوم: أنّ (كان) في القرآن الكريم على أوجه: بمعنى الأزل، والأبد، وبمعنى المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى: «صار» وبمعنى: «ينبغي» وبمعنى: «حضر» أو «وجد» أو «حصل» وترد للتأكيد، وهي الزائدة. انتهى نقلا عن كرخي، ولو قلنا: إنّ «كان» من أفعال الاستمرار، ومعنى:\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الآبدين في الدّنيا، والآخرة لكان كافيا وافيا.\nالإعراب: (﴿يا﴾): حرف نداء ينوب مناب «أدعو» أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾) وها: حرف تنبيه لا محلّ لها، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى.\n ﴿النّاسُ﴾ بعضهم يعرب هذا، وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أيّ» واسم الإشارة إن كان مشتقّا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع، أعني: (أيّ) منصوب محلاّ، وكذا التابع أعني: (﴿النّاسُ﴾) فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللّفظية، وإنّما أتبعت ضمة البناء مع أنّها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمّة بناء؛ لكنّها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبّان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إنّ رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرّفع، وأجيب بأنّ العامل يقدّر من لفظ عامل المتبوع مبنيّا للمجهول، نحو: «يدعى» وهو مع ما فيه من التكلّف يؤدّي إلى قطع المتبوع. وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأنّ المنادى في الحقيقة هو المحلّى بال، ولكن لمّا لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصّلوا إلى","vol":"2","page":362},{"text":"ندائه ب (أيّ) أي: مع قرنها بحرف التنبيه. وردّه بعضهم بأنّ المراعى في الإعراب اللّفظ، وأنّ الأول منادى، والثاني تابع له.\n ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها مبتدأة كالجملة الندائية قبلها. ﴿رَبَّكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محلّ جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿رَبَّكُمُ﴾. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ نَفْسٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدَةٍ:﴾ صفة: ﴿نَفْسٍ﴾ وجملة: ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها:﴾ معطوفة على ما قبلها. وقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أنشأها، وخلق... إلخ. (﴿بَثَّ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿مِنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿رِجالًا:﴾ مفعول به. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة له ﴿وَنِساءً:﴾ معطوف على: ﴿رِجالًا﴾ وحذفت صفته لدلالة الأول عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿تَسائَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها.\n ﴿وَالْأَرْحامَ:﴾ بالنصب. فهو على وجهين: أحدهما: أنه معطوف على لفظ الجلالة، والثاني:\nأنه معطوف على محل: ﴿بِهِ﴾ لأنهما في محل نصب مفعول به، وقرئ بالجر عطفا على محل الهاء، وهو ضعيف كما رأيت في الشرح، كما قرئ بالرّفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، التقدير:\nوالأرحام كذلك، وهو ضعيف أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ ﴿كانَ:﴾\nفعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿رَقِيبًا:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، أو هي مستأنفة، أو هي معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها على جميع هذه الوجوه.\n\n<span id=\"aya-495\"></span>﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾\nالشرح: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ..﴾. إلخ: نزلت الآية الكريمة في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلمّا بلغ اليتيم؛ طلب المال، فمنعه عمّه، فنزلت، فقال العمّ: نعوذ بالله من الحوب الكبير! وردّ المال، فقال النبي ﷺ: «من يوق شحّ نفسه، ورجع به-هكذا-فإنّه يحلّ داره». يعني: جنته. فلمّا قبض الفتى المال؛ أنفقه في سبيل الله. فقال النبي ﷺ: «ثبت","vol":"2","page":363},{"text":"الأجر، وبقي الوزر». فقيل: كيف يا رسول الله؟! قال: «ثبت الأجر للغلام، وبقي الوزر على والده». لأنّه كان مشركا.\nهذا؛ وإيتاء المال لليتامى: تسليمهم مالهم الّذي كان تحت يد الوصي، أو القيّم، أو القاضي، وسمّاهم الله يتامى باعتبار ما كان؛ أي: الذين كانوا يتامى؛ لأنه لا يتم بعد البلوغ، وكان يقال: يتيم أبي طالب للنّبيّ ﷺ استصحابا لما كان. ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: المال الحرام. ﴿بِالطَّيِّبِ:﴾ بالمال الحلال، وهذا الخطاب لأولياء اليتامى في كلّ زمان، ومكان، فكانوا في الجاهلية، وصدر الإسلام يعمد أحدهم إلى الرديء من ماله، فيبدله بالجيّد من مال اليتيم، ويقولون: اسم باسم، ورأس برأس: فنهاهم الله عن ذلك. ولا تنس الطّباق بين:\n ﴿الْخَبِيثَ﴾ و(الطيب).\n ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ أي: لا تضمّوا أموال اليتامى إلى أموالكم؛ فتختلط فيها، ويحصل الجور، والظلم. وقيل: إنّ ﴿إِلى﴾ بمعنى: مع. ﴿إِنَّهُ كانَ حُوبًا:﴾ ذنبا عظيما، والهاء عائدة على المصدر، وهو الأكل المفهوم من (﴿لا تَأْكُلُوا﴾). هذا؛ والتحوّب: التحزّن، والصّياح الشّديد، وهو أيضا: التوجّع، قال طفيل: [الطويل]\nفذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب\nهذا؛ واليتامى جمع: يتيم، وهو من فقد أباه، وأمّه، أو فقدهما معا، وقد يغلب أن يكون المراد: من فقد معيله، وهو الأب من بني آدم، والأمّ من الحيوانات والطّيور. وهناك يتيم العقل، والأدب، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان بلغ من العمر الخمسين، والستّين، ويملك من المال الملايين. ولله درّ القائل: [البسيط]\nليس اليتيم الّذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العلم والأدب\nوخذ قول الآخر: [الكامل]\nليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة وخلّفاه ذليلا\nإنّ اليتيم هو الّذي تلقى له... أمّا تخلّت أو أبا مشغولا\nالإعراب: ﴿وَآتُوا﴾ الواو: حرف عطف. (﴿آتُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محلّ لها أيضا. ﴿الْيَتامى:﴾ مفعول به أوّل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذّر.\n ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):\nناهية جازمة. ﴿تَتَبَدَّلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿الْخَبِيثَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالطَّيِّبِ:﴾","vol":"2","page":364},{"text":"متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْخَبِيثَ﴾ أي: مستبدلا بالطيب، والباء داخلة على المتروك. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِلى أَمْوالِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَمْوالَهُمْ﴾ التقدير: مضافة إلى أموالكم، والهاء، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها، وهي مفيدة للتعليل.\n\n<span id=\"aya-496\"></span>﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣)﴾\nالشرح: روى الأئمة-واللّفظ لمسلم-: عن عروة بن الزبير، عن عائشة﵂- في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ..﴾. إلخ قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها من غير أن يقسط لها في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ من الصّداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ. انتهى قرطبي.\nهذا؛ و«تقسطوا» من الرّباعي بمعنى: تعدلوا، قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وهو من الثلاثي بمعنى: جار، وظلم، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾.\n ﴿فَانْكِحُوا:﴾ تزوّجوا. ﴿ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ:﴾ ما حلّ لكم من النساء؛ لأنّ منهنّ ما حرم كاللاتي في آية التحريم رقم [٢٢]: الآتية. هذا؛ ووقعت: ﴿ما﴾ على النساء، وهنّ عاقلات، وهي لغير العاقل، كما هو معروف؛ لأنّهن ناقصات العقل، كما وقعت على النساء الإماء أيضا؛ ولأنهن ناقصات العقل أيضا، ولأنّهن يبعن، ويشترين كالبهائم، وتقديم المهر للمرأة الحرّة بمنزلة الثمن للأمة. وأيضا: إنّ «من وما» قد يتعاقبان، وقد يتقارضان، قال تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ انظر سورة (الشمس) وقال تعالى في سورة (النّور): ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ..﴾. إلخ. هذا؛ و«خفتم» أصله: خوفتم، فنقلت حركة الواو إلى الخاء قبلها، بعد سلب فتحتها، فسكنت الواو، ثمّ حذفت لالتقاء السّاكنين، فالكسرة على الخاء للدّلالة على حركة المحذوف، ولو كانت دليلا على المحذوف؛ لكانت ضمّة.\n ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ:﴾ هذه الألفاظ معدولة عن اثنتين اثنتين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع.\nوينبغي أن تعلم: أن الواو بمعنى «أو» للتخيير هنا، وليست لمطلق الجمع، ولو كانت كذلك؛ لكان يحلّ للمسلم الجمع بين تسع نسوة، وهو قول الشّيعة، وقد بينت السنة الشّريفة الحجر على المسلم في الجمع بين أكثر من أربع نسوة. وخذ ما يلي:","vol":"2","page":365},{"text":"عن الحارث بن قيس﵁-، قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «اختر منهنّ أربعا» أخرجه الترمذيّ. وعن ابن عمر﵄-:\nأنّ غيلان بن سلمة، أو ابن أمية الثقفي﵁أسلم، وتحته عشرة نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعا، ويترك سائرهن، فإن ذلك ما اختصّ به ﷺ انظر ما ذكرته في سورة (الأحزاب) بشأن خصوصياته ﷺ؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ ومجيء الواو بمعنى «أو» وارد في لسان العرب بكثرة، منه قول كثيّر عزّة-وهو الشاهد رقم [٦٦٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nوقالوا نأت فاختر لها الصّبر والبكا... فقلت البكا أشفى إذا لغليلي\nانظره، وانظر ما بعده من شواهد. ومجيء «أو» بمعنى الواو وارد أيضا في لسان العرب بكثرة، من ذلك قول جرير في مدح الخليفة عمر بن عبد العزيز﵁-: [البسيط]\nجاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر\nانظره في كتابنا: «فتح القريب المجيب» وانظر ما بعده برقم [٩٦] وما بعده.\n ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ أي: إن خفتم أن لا تقدروا على العدل بين الزّوجات المتعدّدة؛ فاقتصروا على واحدة، ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ من الإماء، والسراري؛ أي: وإن خفتم من الجور، وعدم العدل؛ فاقتصروا على حرّة واحدة، وما ملكتم من الإماء، والسّراري؛ إذ ليس لهنّ قسم مثل الزّوجات الحرائر. هذا؛ وأسند تعالى الملك إلى اليمين؛ إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوص بالمحاسن؛ لتمكّنها، ويعبّر باليمين عن القوّة، مثل قوله تعالى في سورة (الصّافات): ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ وقال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾. واليمين هي المبايعة، وبها سمّيت الألية يمينا، وهي الملتقية لرايات المجد، والسّؤدد، كما قال الشّمّاخ في عرابة الأوسي﵁-: [الوافر]\nإذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين\nوقال آخر: [الطويل]\nولمّا رأيت الشّمس أشرق نورها... تناولت منها حاجتي بيميني\nهذا؛ و«الإيمان» بكسر الهمزة هو التّصديق بالجنان، والإقرار باللّسان، والعمل بالأركان.\nولمّا سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر: خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد كما بينته في الآية رقم [٢]: من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون، أعلاها: (لا إله إلاّ الله) وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق.","vol":"2","page":366},{"text":"﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ أي: ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحقّ، وتجوروا. يقال: الرّجل يعول إذا جار، ومال، ومنه قولهم: عال السّهم عن الهدف: مال عنه. قال ابن عمر﵁-: إنّه لعائل الكيل، والوزن، قال الشاعر: [البسيط]\nقالوا اتّبعنا رسول الله واطّرحوا... قول الرّسول وعالوا في الموازين\nأي: جاروا. وعال الرّجل، يعيل: إذا افتقر، فصار عالة، ومنه قول تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾. ومنه قول أحيحة بن الجلاح: [الوافر]\nوما يدري الفقير متى غناه... وما يدري الغنيّ متى يعيل\nوقال الشافعي﵁-: ﴿أَلاّ تَعُولُوا:﴾ ألا تكثر عيالكم. قال الكسائي: العرب تقول: عال، يعول، و: أعال، يعيل: إذا كثر عياله، وقال أبو عمر الدّوري، وكان إماما في اللّغة غير مدافع،: هي لغة حمير، وأنشد قول الشاعر: [الوافر]\nوإنّ الموت يأخذ كلّ حيّ... بلا شكّ وإن أمشى وعالا\nأي: وإن كثرت ماشيته، وعياله. وقرأ طلحة بن مصرّف: («ألاّ تعيلوا») من: أعال الرّباعي، وهي حجّة للشافعي﵁-.\nتنبيه: مسألة تعدّد الزّوجات ضرورة إنسانيّة، اقتضتها ظروف الحياة، وهي ليست تشريعا، فنظمه، وشذّبه، وجعله علاجا، ودواء لبعض الحالات الاضطرارية الّتي يعاني منها المجتمع، مثل: عقم المرأة، وعدم صلاحيتها للوطء في بعض الحالات. وفي الحقيقة: إن تشريع التعدّد مفخرة من مفاخر الإسلام؛ لأنه استطاع أن يحلّ مشكلة اجتماعيّة هي من أعقد المشاكل، التي تعاينها الأمم، والمجتمعات اليوم، فلا تجد لها حلاّ، فهو سلاح يسيء الكثير من المسلمين استعماله بسبب الجور، والظّلم.\nإنّ المجتمع كالميزان، يجب أن تتعادل كفتاه، فماذا نصنع حين يختل التوازن، ويصبح عدد النساء أضعاف عدد الرّجال؟ وهو في كلّ زمان، ومكان أكثر من الرّجال، أتحرم المرأة من نعمة الزّوجية، ونعمة الأمومة، ونتركها تسلك طريق الفاحشة، والرذيلة، أم نحلّ هذه المشكلة بتعدّد الزّوجات، وهي طرق فاضلة، نصون فيها كرامة المرأة، وطهارة الأسرة، وسلامة المجتمع؟\nوأقرب الأمثلة شاهدا على ما نقول ما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث زاد عدد النساء على الرّجال زيادة فاحشة، فأصبح مقابل كلّ شاب ثلاث فتيات، وهي حالة اختلال اجتماعي، فكيف يواجهها المشرّع؟ لقد حلّ الإسلام بتشريعه الرائع بتعدّد الزوجات، بينما وقفت المسيحية حائرة مكتوفة الأيدي، لا تبدي، ولا تعيد.\nإنّ الرّجل الأوربي لا يبيح له دينه التعدّد، لكنّه يبيح لنفسه مصاحبة المئات من الفتيات بطريق الرّذيلة، يرى الوالد منهم فتاته مع عشيقها، فيسرّ، ويغتبط، بل ويمهّد لهما السبل المؤدية","vol":"2","page":367},{"text":"لراحتهما؛ حتى أصبح ذلك عرفا ساريا، اضطرت معه الدّول إلى الاعتراف بمشروعية العلاقات الآثمة بين الجنسين، ففتحت باب التدهور الخلقي على مصراعيه، ووافقت على قبول مبدأ (تعدّد الزوجات) ولكن تحت ستار المخادنة، وهو زواج حقيقي، لكنّه غير مسجّل بعقد، ويستطيع الرّجل أن يطردها متى شاء دون أن يتقيد حيالها بأي حقّ من الحقوق، والعلاقة بينهما علاقة جسد، لا علاقة أسرة، وزوجية، فيا عجبا ممّن من منع تعدّد الزوجات بالحلال، وأباحه بالحرام! حتى نزلوا بالمرأة من مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الحيوانية، انتهى صفوة التفاسير بتصرف بسيط مني، ثم أنشد قول القائل: [الخفيف]\nربّ إنّ الهدى هداك وآيا... تك حقّ تهدي بها من تشاء\nهذا؛ ويستدلّ بعض جهلة علماء السّوء في هذا الزّمن بهذه الآية، وفي الآية رقم [١٢٩]:\nالآتية على وجوب الاقتصار على زوجة واحدة، وهو استدلال باطل محض، تردّه الشريعة الغرّاء، والسّنّة النبويّة المطهّرة، فويل لهم ممّا يأفكون!\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَلاّ:﴾ (﴿إِنْ﴾): حرف مصدري ونصب. (لا):\nنافية. ﴿تُقْسِطُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿إِنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(﴿إِنْ﴾) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به صريح، أو هو في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: إن خفتم من عدم العدل، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْيَتامى:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَانْكِحُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، هذا في الظاهر، وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-واتّفق كلّ من يعاني العلوم على: أنّ هذا الشرط لا مفهوم له، وأقول-وبالله التوفيق-: إنّ جواب الشرط محذوف، التقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى؛ فلا تتزوجوهنّ، والفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير:\nوإذا كان ذلك حاصلا منكم؛ فانكحوا غيرهنّ ما طاب. ﴿وَإِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿فَانْكِحُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، وهو «إذا» المقدّرة، وهذه الجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿طابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، واعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية ضعيف.\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل طاب","vol":"2","page":368},{"text":"المستتر، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾. ﴿مَثْنى:﴾ حال من فاعل: ﴿طابَ﴾ المستتر. وقيل:\nحال من: ﴿النِّساءِ﴾. وقيل: بدل من: (﴿ما﴾) وضعفهما الجمل نقلا عن السمين، وما بعدها معطوف عليه، ولم تنوّن؛ لأنها ممنوعة من الصّرف، للصّفة، والعدل.\n ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. (واحدة): مفعول به لفعل محذوف، التقدير:\nفانكحوا واحدة، وقرئ بالرفع، التقدير: فواحدة كافية، فتكون الجملة اسمية، وعلى الاعتبارين فالجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، والجملة الشّرطية مستأنفة لا محلّ لها. أو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ معطوفة على (واحدة) على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ملكته أيمانكم. وقال مكي: ﴿ما﴾ مصدرية، وهو ضعيف جدّا.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَدْنى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلاّ تَعْدِلُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿أَلاّ تُقْسِطُوا﴾ وهو مثله في التقدير، أي: أدنى من عدم العول، أو: أدنى إلى عدم العول، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَدْنى﴾.\n\n<span id=\"aya-497\"></span>﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ أي: أعطوا النّساء مهورهنّ عطية عن طيب خاطر، وسماحة نفس. وقال ابن عباس، وغيره: الخطاب للأزواج. وقيل: للأولياء، فقد كان الولي في الجاهلية يأخذ مهر المرأة، ولا يعطيها شيئا، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يدفعوا ذلك إليهنّ، ولا تزال آثار الجاهلية فاشية في المجتمع البدويّ، ومن على شاكلتهم من الذين لم يتذوّقوا معنى الإيمان، ولم يعرفوا تعاليم الإسلام. وأقول: إنّ الخطاب يعمّ الأزواج، والأولياء جميعا، وعلى السّواء، وخذ ما يلي:\nعن ميمون الكردي، عن أبيه﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيّما رجل تزوّج امرأة على ما قلّ من المهر، أو كثر، ليس في نفسه أن يؤدّي إليها حقّها، خدعها، فمات، ولم يؤدّ إليها حقّها؛ لقي الله يوم القيامة وهو زان. وأيّما رجل استدان دينا، لا يريد أن يؤدّي إلى صاحبه حقّه، خدعه؛ حتّى أخذ ماله، فمات؛ ولم يؤدّ إليه دينه؛ لقي الله؛ وهو سارق». رواه الطّبرانيّ في الصّغير، والأوسط، ويلحق بهذا من يغتصبها صداقها بعد زواجه بها.\nهذا؛ و﴿نِحْلَةً:﴾ عطيّة، وهبة، ومنحة. فعن أيوب بن موسى، عن أبيه، عن جده﵃-: أن رسول الله ﷺ قال: «ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن». رواه الترمذيّ.","vol":"2","page":369},{"text":"﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ..﴾. إلخ. أي: سمحن، ووهبن عن طيب نفس للأزواج، أو للأولياء عن شيء من مهورهنّ، فلا بأس به بعد قبضها له. وقالوا: إذا كان بعد سنة من زواجها؛ لأنّها صاحبة الحق، تفعل في مهرها ما تشاء، والضمير في منه يعود إلى الصّداق المفهوم مما تقدّم. ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أي: لا إثم فيه، ولا حرج، ولا داء فيه أيضا. أو هنيئا في الدنيا بلا مطالبة، مريئا في العقبى بلا تبعة. وهما صفتان من: هنؤ الطّعام، ومرؤ: إذا كان سائغا، لا تنغيص فيه. ومنه قول كثيّر عزّة: [الطويل]\nهنيئا مريئا غير داء مخامر... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت\nروي: أن رجلا دخل على علقمة؛ وهو يأكل شيئا وهبته له امرأته من مهرها، فقال له: كل من الهنيء، والمرئ. وروي عن عليّ﵁، وكرم الله وجهه-: أنه قال: إذا اشتكى أحدكم شيئا، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، ثم ليشتر بها عسلا، فليشربه بماء السّماء، فيجمع الله هنيئا، ومريئا، وشفاء، ومباركا. وروي: أن ناسا يأكلون يتأثّمون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا ممّا ساقه إليها من المهر، فنزلت الآية الكريمة.\nالإعراب: ﴿وَآتُوا النِّساءَ﴾ مثل سابقه في إعرابه، ﴿صَدُقاتِهِنَّ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿نِحْلَةً:﴾ مفعول مطلق على حد: قعدت جلوسا، أو هو حال بمعنى: ناحلين إن كان من واو الجماعة، أو بمعنى: منحولين، إن كانت من النّساء، أو من الصّدقات. وقيل: هو تمييز. (إن): حرف شرط جازم. ﴿طِبْنَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عَنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿نَفْسًا:﴾ تمييز محول عن الفاعل. ﴿فَكُلُوهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (كلوه):\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها... إلخ. ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا:﴾ حال من الضمير المنصوب. وقيل: هما صفتان لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أكلا هنيئا مريئا، والأول أقوى، وهما بمعنى: مهنّأ ممرّأ، و(إن) ومدخولها كلام مفرغ عمّا قبله لا محل له من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-498\"></span>﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيامًا وَاُرْزُقُوهُمْ فِيها وَاُكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ..﴾. إلخ: لمّا أمر الله بدفع أموال اليتامى إليهم فيما تقدّم، وإيصال الصّدقات إلى الزّوجات؛ بيّن أنّ السّفيه، وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه، فدلّت الآية على ثبوت الوصيّ، والوليّ، والكفيل للأيتام. وفي هذه الآية دليل الحجر على","vol":"2","page":370},{"text":"السّفهاء. وهم أقسام: فتارة يكون الحجر للصّغر، وتارة يكون للجنون، وتارة يكون لسوء التصرّف لنقص العقل، أو الدين، وهو المراد في الآية الكريمة بالنسبة لليتامى، وأوليائهم، وتارة يكون الحجر للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل، وضاقت أمواله عن وفائها. وقال ابن عباس﵄-: هم بنوك، والنّساء، وقال: لا تعمد إلى مالك، وما خوّلك الله، وجعله الله معيشة، فتعطيه امرأتك، أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم. انتهى. وعليه في الآية نهي لكلّ أحد أن يعمد إلى ما خوّله الله تعالى من المال، فيعطيه امرأته، وأولاده، ثم ينظر إلى ما في أيديهم تحسّرا، وندامة، وكم رأينا، وسمعنا أناسا فعلوا ذلك، ولا سيّما الذين يحرمون الإناث، ويعطون الذكور، ثمّ أهانوهم، بل وطردوهم من بيوتهم، والسّعيد من وعظ بغيره، والشّقيّ من اتّعظ غيره به.\nهذا؛ وقوله تعالى: ﴿أَمْوالَكُمُ:﴾ إن كان المراد به أموال اليتامى، وأضافه إلى الأولياء، والأوصياء؛ فهو كقوله ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم...» إلخ وإن كان المراد به أموال المخاطبين أنفسهم؛ فقد رأيته فيما تقدّم، وانظر شرح ﴿سَفِيهًا﴾ في الآية رقم [٢٨٢] من سورة (البقرة).\nوقال ابن جرير عن أبي موسى﵁-، قال: ثلاثة يدعون الله، فلا يستجيب لهم:\nرجل له امرأة سيّئة الخلق، فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيها، وقد قال الله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ ورجل كان له على رجل دين، فلم يشهد عليه. انتهى، أقول: والمراد بسيئة، عهرها، وخروجها عن طاعة ربها.\nهذا؛ وإنما قال: ﴿الَّتِي﴾ ولم يقل: اللاتي؛ لأنه جمع ما لا يعقل، فجرى على لفظ الواحد، كما قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:\n ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وقال في سورة (مريم): ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي..﴾.\nإلخ. ولو كان لما يعقل لقال: اللاتي، كما في الآية [٢٣] الآتية: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ وفي سورة (النور): ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي..﴾. إلخ، هذا هو الأكثر في لسان العرب، وقد يجوز فيما لا يعقل: «اللاتي»، وفيما يعقل «التي».\n ﴿قِيامًا:﴾ هو ما يقام به، وإعلاله مثل إعلال «صيام» فيما تقدّم، وأضيف هنا ما ذكره أبو البقاء؛ حيث قال: هو مصدر: قام، والياء بدل من الواو، وأبدلت منها لمّا أعلّت في الفعل، وكانت قبلها كسرة، والتقدير: التي جعل الله لكم سبب قيام أبدانكم، أي: بقائها، ويقرأ:\n («قيما») بغير ألف، وفيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: انّه مصدر مثل الحول، والعوض، وكان القياس أن تثبت الواو، ولتحصّنها بتوسّطها، كما حصّنت في الحوض، والعوض، ولكن أبدلوها ياء حملا على «قيام» وعلى اعتلالها في الفعل.","vol":"2","page":371},{"text":"والثاني: أنه جمع: قيمة، كديمة، وديم، والمعنى: أنّ الأموال كالقيم للنفوس إذا كان بقاؤها بها. وقال أبو علي الفارسي: هذا لا يصحّ؛ لأنه قد قرئ في قوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وفي سورة (المائدة): ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا﴾. ولا يصحّ معنى القيمة فيها.\nوالوجه الثالث: أن يكون الأصل قياما، فحذفت الألف، كما حذفت في: خيم.\nويقرأ: قواما بكسر القاف، وبواو، وألف، وفيه وجهان:\nأحدهما: هو مصدر قاومت، قواما، مثل: لاوذت، لواذا، فصحّت في المصدر لمّا صحت في الفعل.\nوالثاني: هو اسم لما يقوم به الأمر، وليس بمصدر، ويقرأ كذلك إلا أنه بغير ألف، وهو مصدر صحّت عينه، وجاء على الأصل كالعوض.\nويقرأ بفتح القاف، وواو، وألف: قواما، وفيه وجهان أيضا:\nأحدهما: هو اسم للمصدر مثل: السّلام، والكلام، والدوام.\nوالثاني: هو لغة في القوام الذي هو بمعنى القامة، يقال: جارية حسنة القوام، والقوام.\nوالتقدير: الّتي جعلها الله سبب بقاء قاماتكم.\n ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ﴾ أي: اجعلوا رزقهم، وكسوتهم من تلك الأموال، والضمير المنصوب يعود إلى الزوجة، والأولاد، أو إلى اليتامى، انظره فيما تقدّم من الشرح. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أراد تليين الخطاب، والوعد الجميل، واختلف في «القول المعروف» فقيل: معناه:\nادعوا لهم: بارك الله فيكم، وأنا ناظر لكم، وهذا الاحتياط يرفعه نفعه إليكم. وقيل: معناه:\nوعدوهم وعدا حسنا، أي: إن رشدتم؛ دفعنا إليكم أموالكم، ويقول الأب لابنه: مالي إليك مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبه؛ إذا ملكت رشدك، وعرفت تصرّفك.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُؤْتُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿السُّفَهاءَ:﴾ مفعول به أوّل. ﴿أَمْوالَكُمُ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿أَمْوالَكُمُ﴾. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قِيامًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: التي جعلها الله لكم قياما. ﴿وَارْزُقُوهُمْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها،","vol":"2","page":372},{"text":"لا محلّ لها أيضا. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول مطلق.\n ﴿مَعْرُوفًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-499\"></span>﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى:﴾ نزلت الآية الكريمة في ثابت بن رفاعة، وفي عمّه، وذلك: أنّ رفاعة مات، وترك ابنه ثابتا، وهو صغير، فجاء عمّه إلى النّبيّ ﷺ، وقال له: إن ابن أخي يتيم في حجري: فما يحلّ لي من ماله، حتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله الآية الكريمة: والمعنى:\nاختبروهم في عقولهم، وأديانهم، وفي تنمية أموالهم. هذا؛ وقال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير، والشرّ، وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان، والحارث بن عوف المرّيّين: [الطويل]\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو\nفجمع بين اللّغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته، وفي الاختبار:\nابتليته، وبلوته، قال النحاس: والابتلاء يكون في الخير، وفي الشرّ، قال تعالى في حقّ اليهود اللّؤماء: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾.\n ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أي: البلوغ، ويكون بالاحتلام، أو ببلوغه خمسة عشر عاما عندنا، وثمانية عشر عاما عند أبي حنيفة، وبلوغ النكاح كناية عن البلوغ؛ لأنّه يصلح للنكاح عنده، وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الأصح عند الشّافعي﵁-، والعكس عند غيره.\n ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا:﴾ أبصرتم هداية في التّصرفات، وصلاحا في المعاملات، واستقامة في الدّين، والأخلاق، وأنس: أبصر، قال تعالى في سورة (القصص): ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ وقال النابغة في معلقته: [البسيط]\nكأنّ رحلي، وقد زال النّهار بنا... بذي الجليل على مستأنس وحد\nهذا؛ وقرئ: («رشدا») بفتحتين، وهما لغتان: ف: ﴿رُشْدًا:﴾ مصدر: رشد، ورشدا مصدر:\nرشد، وكذلك الرّشاد، فادفعوا إليهم أموالهم: أي بدون تأخير عن سن البلوغ. ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: مسرفين مبذرين ومبادرين كبرهم؛ أي: بلوغ السنّ التي يستلمون فيها أموالهم، أو لإسرافكم، ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها، وتقولون: ننفق فيما نشتهي","vol":"2","page":373},{"text":"قبل أن يكبر اليتامى، فينتزعوها من أيدينا. والإسراف في اللغة: الإفراط في كل شيء؛ ومجاوزة الحد فيه، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقال جرير في مدح بني أميّة: [البسيط]\nأعطوا هنيدة يحدوها ثمانية... ما في عطائهم منّ ولا سرف\n «هنيدة» اسم لكل مائة من الإبل، ومن دعاء الصّالحين المصلحين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا﴾ رقم [١٤٧]: من سورة (آل عمران). وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٠]: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فيها أكبر رادع، وزاجر من التعدّي على مال اليتيم.\nومن كان غنيّا؛ فليستعفف: أي عن الأكل من مال اليتيم، وإن عمل فيه، وقام بمصالحه، يقال: عف الرّجل عن الشّيء، واستعفّ: إذا أمسك، والاستعفاف عن الشيء: تركه، ومنه قوله تعالى في سورة (النور): ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا،﴾ والعفة: الامتناع عمّا لا يحلّ، ولا يحبّ فعله.\n ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ المراد به هنا: بقدر حاجته، وأجر عمله في مال اليتيم، ولفظ: الاستعفاف، والأكل مشعر بأنّ للوليّ حقّا في مال اليتيم، فقد روى أبو داود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدّه: أنّ رجلا أتى النبي ﷺ، فقال: إنّي فقير، وليس لي شيء، ولي يتيم. فقال: «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذّر، ولا متأثّل»؛ أي: مدّخر، وهذا إذا كان العمل في مال اليتيم يصرفه عن معاشه، وما يحتاج إليه. هذا؛ وبين ﴿غَنِيًّا﴾ و﴿فَقِيرًا﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعية، وبين الجملتين مقابلة لطيفة، فتأمّلها.\nهذا؛ والفقير أصله في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم أطلق على المعدم الذي لا يجد كفايته من المال؛ لأنه يشبه الّذي أنبتّ ظهره، وعدم الحول، والقوة، وهو أسوأ حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعيّة، ويدلّ عليه قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فسمّاهم الله مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتّجرون فيها، وينقلون البضائع من صقع إلى صقع، وكان النبي ﷺ يسأل الله المسكنة، ويتعوّذ به من الفقر، فعن أبي سعيد الخدري﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ أحيني مسكينا، وتوفّني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين، وإنّ أشقى الأشياء من اجتمع عليه فقر الدّنيا، وعذاب الآخرة». رواه ابن ماجة، وروى الترمذيّ مثله عن أنس﵁-.\n ﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: فإذا سلّمتم إلى اليتامى أموالهم، فأشهدوا عليهم لئلا يجحدوا تسلّمها، فإنه أنفى للتّهمة، وأبعد للخصومة، ووجوب الضمان، والأمر للإرشاد، وليس للوجوب. ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا:﴾ حافظا لأعمال خلقه، ومحاسبهم عليها.","vol":"2","page":374},{"text":"هذا؛ والفعل: «كفى» بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ وقد يأتي بمعنى:\nحسب، وهو بهذه الصيغة، ويكون قاصرا لا يتعدّى بنفسه إلى المفعول به، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول سحيم بن وثيل الرّياحي-وهو الشاهد رقم [١٦١]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nعميرة ودّع إن تجهّزت غازيا... كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا\nوأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعدّيا لواحد، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٦٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nقليل منك يكفيني ولكن... قليلك لا يقال له قليل\nوإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنّه يكون متعدّيا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ رقم [٢٥]: من سورة (الأحزاب).\nالإعراب: ﴿وَابْتَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْيَتامى:﴾ مفعول به منصوب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، لا عمل لها عند الجمهور هنا، والأخفش يعتبرها في مثل هذا جارة ل ﴿إِذا﴾ ووافقه الزجّاج، وابن درستويه على ذلك. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبنيّ على السّكون في محل نصب. ﴿بَلَغُوا:﴾\nفعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿النِّكاحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (إن): حرف شرط جازم. ﴿آنَسْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السّكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله.\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رُشْدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَادْفَعُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ادفعوا): فعل أمر، وفاعله. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾\nمفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها، والجملة الشرطية: (إن ﴿آنَسْتُمْ..﴾.) إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب: ﴿إِذا:﴾ و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد: ﴿حَتّى﴾ لا محلّ له، واعتبره الزّمخشري مثل قول جرير، وهو الشاهد رقم [٢٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفما زالت القتلى تمجّ دماءها... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَأْكُلُوها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، وها: مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها،","vol":"2","page":375},{"text":"لا محل لها أيضا. ﴿إِسْرافًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال بمعنى: مسرفين. ﴿وَبِدارًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكْبَرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ..﴾.\nإلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل في محلّ نصب مفعول به لبدارا، والمعنى: مبادرين كبرهم، وبلوغهم.\n (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى (﴿مَنْ﴾).\n ﴿غَنِيًّا:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، اللام: لام الأمر، (يستعفف): فعل مضارع مجزوم بلا الأمر، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط.\nوقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية ﴿وَمَنْ كانَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محلّ لها، والتي بعدها إعرابها مثلها، وهي معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): مثل سابقتها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة في محلّ جرّ بإضافة (إذا) إليها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿فَأَشْهِدُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا) وهذا يرجّح ما ذهبت إليه من أن العامل في: (إذا) فعل شرطها لا جوابها؛ لأنه لا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها. ﴿فَأَشْهِدُوا:﴾ فعل أمر وفاعله، والجملة الفعلية جواب: (إذا) لا محل لها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف.\n ﴿وَكَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقيل: الباء أصلية، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما على أنّهما مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: الاكتفاء، والمعتمد الأول. ﴿حَسِيبًا:﴾ تمييز. وقيل:\nحال، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-500\"></span>﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في أوس بن ثابت الأنصاري﵁توفي، وترك امرأة، يقال لها: أم كجّة، وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عمّ الميت، ووصيّاه،","vol":"2","page":376},{"text":"يقال لهما: سويد، وعرفجة، فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته، وبناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء، ولا الصّغير؛ وإن كان ذكرا، ويقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرماح، وضارب بالسيوف، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كجّة ذلك لرسول الله ﷺ، فدعاهما، فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلاّ، ولا ينكأ عدوا. فقال ﵊: انصرفا؛ حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهنّ، فأنزل الله الآية الكريمة ردّا عليهم، وإبطالا لقولهم، وتصرفهم بجهلهم، فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحقّ بالمال من الكبار لعدم تصرفهم، والنظر في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأبطلوا الحكمة، فضلّوا بأهوائهم، وأخطئوا في آرائهم، وتصرفاتهم.\n ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ:﴾ مبهم، بيّنته آيات المواريث الآتية. ﴿مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ﴾ ففيه تغليب الأب على الأم، وأيضا في لفظ: الأبوين، وفيه أشعار بتفضيل الأب على الأم، والذكر على الأنثى.\nهذا؛ والتغليب باب من أبواب النّحو معروف، ومشهور. خذ قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [١١٦٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nأخذنا بآفاق السّماء عليكم... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع\n ﴿مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ أي: سواء أكان الذي تركه المتوفّي مالا قليلا، أو كثيرا، فلكلّ من الرجال، والنساء نصيب بينته الآية الآتية. ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: معلوما مقطوعا لكلّ وارث.\nهذا؛ وبين: ﴿قَلَّ﴾ و﴿كَثُرَ﴾ طباق.\nالإعراب: ﴿لِلرِّجالِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَصِيبٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿مِمّا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ ب (من). ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْوالِدانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو: من شيء تركه الوالدان. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿لِلرِّجالِ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿مِمّا:﴾ بدل مما قبلهما، وجوز أبو البقاء اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا به.\n ﴿قَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والتي بعدها معطوفة عليها، وحذف متعلقها اكتفاء بما قبله. ﴿نَصِيبًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لمعنى الكلام السابق. وقيل: حال. وقيل: منصوب على الاختصاص بفعل محذوف، تقديره: أعني. ﴿مَفْرُوضًا:﴾ صفة له.","vol":"2","page":377},{"text":"<span id=\"aya-501\"></span>﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ..﴾. إلخ: أي: فارضخوا لهم من المال قبل القسمة؛ إن كانوا غير وارثين. واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا قبل نزول آية المواريث فلمّا نزلت آية المواريث؛ جعلت الأموال لأهلها، ونسخت هذه الآية. وهي رواية مجاهد عن ابن عبّاس، وقول سعيد بن المسيب، وعكرمة، والضّحاك. وقال قوم: هي محكمة غير منسوخة، وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس، وهو قول أبي موسى الأشعري، وكثير غيره، ثم اختلف العلماء بعد القول بأنّها محكمة: هل هذا الأمر أمر وجوب، أو ندب؟ على قولين:\nأحدهما: أنه واجب. فقيل: إن كان الوارث كبيرا؛ وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر تطيب به نفسه، وإن كان الوارث صغيرا؛ وجب على الولي أن يعتذر إليهم، ويقول: إني لا أملك هذا المال، وهو لهؤلاء الضّعاف، ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفوا حقّكم. هذا هو القول المعروف. وقال بعضهم: هذا حق واجب في مال الصّغار، والكبار، فإن كان الورثة كبارا؛ تولّوا إعطاءهم بأنفسهم، وإن كانوا صغارا؛ أعطى وليّهم. انتهى. خازن.\nأقول: الآية محكمة، ولفظ القسمة يوحي بأنّها نزلت بعد آية المواريث. وقيل آية الموارث لم تكن قسمة؛ لأنّ الكبار كانوا يحرمون النساء، والصغار من الميراث، كما رأيت في الآية السابقة، ويستولون على تركة الميت. وسواء أكان الأمر للوجوب، أو للندب، فهو عمل إنساني نبيل، وقد طبّقه القانون في أكثر البلاد الإسلامية على الأحفاد الّذين مات والدهم قبل جدّهم، ثمّ مات الجدّ، فإنّه يعطي هؤلاء الأحفاد نصيب أبيهم لو كان حيّا بشرط ألا يزيد على الثلث، وقد أطلق عليه اسم الوصية الواجبة، ولا بأس به، فهو عمل إنسانيّ؛ لأنّ النفوس في هذه الأيام قد طبعت على الشحّ، وقست، فلم يبق فيها عطف، ولا شفقة.\nهذا؛ والضمير في: ﴿مِنْهُ﴾ عائد على معنى القسمة؛ إذ هي بمعنى المقسوم، كقوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ أي: السقاية؛ لأنّ الصواع مذكّر، وهما بمعنى واحد.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٦]. ﴿حَضَرَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿الْقِسْمَةَ:﴾ مفعول به. ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولُوا:﴾ مضاف، و﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه","vol":"2","page":378},{"text":"مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْيَتامى:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿وَالْمَساكِينُ:﴾ معطوفة أيضا على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿حَضَرَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ارزقوهم): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين. ﴿وَقُولُوا..﴾.\nإلخ: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥]: وهي معطوفة على جواب: (إذا).\n\n<span id=\"aya-502\"></span>﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في الأوصياء. أي: تذكّر أيها الوصيّ ذريّتك الضّعاف من بعدك، وكيف يكون حالهم، وعامل اليتامى الذين في حجرك بمثل ما تريد أن يعامل به أبناؤك من بعدك. وقيل: هذا في الرّجل يحضره الموت، فيقول له من بحضرته عند وصيته: إنّ الله سيرزق ولدك، فانظر لنفسك، وأوص بمالك في سبيل الله، وتصدّق، وأعتق؛ حتّى يأتي على عامّة ماله، أو يستغرقه، فيضرّ ذلك بورثته، فنهوا عن ذلك، فكأنّ الآية تقول لهم: كما تخشون على ذريتكم، وورثتكم الضّياع من بعدكم، فكذلك اخشوا على ورثة غيركم، ولا تحملوا المحتضر على تبذير ماله، قاله ابن عباس﵄وغيره، وروى سعد بن جبير عن ابن عباس: أنه قال: إذا حضر الرجل الوصية؛ فلا ينبغي أن يقول للموصي: أوص بمالك؛ فإنّ الله رازق ولدك، ولكن يقول: قدّم لنفسك، واترك لولدك. فذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللهَ﴾.\nوقال مقسم وحضرميّ: نزلت في عكس هذا، وهو أن يقول للمحتضر من يحضره: أمسك على ورثتك، وأبق لولدك، فليس أحد أحقّ بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية، فيتضرر بذلك ذوو القربى، وكلّ من يستحقّ أن يوصى له، فقيل لهم: كما تخشون على ذريتكم، وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك سدّدوا القول في جهة المساكين، واليتامى، واتقوا الله في ضررهم أصوب. وهذا القول، والأول أقعد في معنى الآية. والله أعلم بمراده، وأسراره كتابه. هذا؛ والقول السديد: العدل، والصّواب الموافق لما أمر الله، ورسوله به من الإحسان إلى اليتيم، والعدل في الوصيّة: «لا ضرر ولا ضرار».\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى وقوع: ﴿لَوْ تَرَكُوا﴾ وجوابه صلة ل ﴿الَّذِينَ﴾ قلت: معناه، وليخش الذين صفتهم وحالهم: أنهم لو شارفوا أن يتركوا ذريّة ضعافا -وذلك عند احتضارهم-خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم، وكاسبهم، كما قال خالد القناني الخارجي. انظر الشاهد رقم [٩٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]","vol":"2","page":379},{"text":"لقد زاد الحياة إليّ حبّا... بناتي إنّهنّ من الضّعاف\nأحاذر أن يرين البؤس بعدي... وأن يشربن رنقا بعد صافي\nالإعراب: ﴿وَلْيَخْشَ:﴾ اللام: لام الأمر. (يخش): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾\nحرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَرَكُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة المشهورة. ﴿ذُرِّيَّةً:﴾ مفعول به. ﴿ضِعافًا:﴾\nصفة: ﴿ذُرِّيَّةً﴾. ﴿خافُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، التقدير:\nخافوا عليهم الضياع. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها. و﴿لَوْ:﴾ ومدخولها صلة الموصول.\n ﴿فَلْيَتَّقُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ليتقوا): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-503\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾\nالشرح: قال مقاتل بن حيّان: نزلت الآية الكريمة في رجل من غطفان، يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه، وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل الله فيه هذه الآية.\n ﴿إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا﴾ يعني: سيأكلون يوم القيامة، فهو مجاز مرسل، وهو باعتبار ما يؤول إليه أمرهم، كقوله تعالى حكاية عن قول الرائي في منامه في سورة (يوسف) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي: عنبا يؤول أمره إلى الخمر.\nوعكسه باعتبار ما كان قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ فسمّاهم يتامى باعتبار ما كان؛ لأنّهم لا يعطون المال؛ وهم صغار يتامى.\nوإنّما خصّ الأكل بالذكر، وإن كان المراد سائر أنواع الإتلافات، وجميع التصرّفات الرديئة المتعلقة؛ لأن الأكل معظم المقصود من المال. وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها للتأكيد، والمبالغة، فهو كقولك: أبصرت بعيني، وسمعت بأذني، ومثله قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾.","vol":"2","page":380},{"text":"﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا:﴾ يقال: صلي النار، يصلاها صلى، وصلاء: قاسى حرها. قال تعالى في سورة (الأعلى): ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ والصّلاء هو التسخن بقرب النار، أو مباشرتها، ومنه قول الحارث بن عبّاد: [الخفيف]\nلم أكن من جناتها علم الل... هـ وإنّي لحرّها اليوم صال\nوصليته في النار: شويته فيها، وأصليته مثله، وصلّيته بتشديد اللام من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾. وتصلّيت: استدفأت بالنار، قال الشاعر: [المنسرح]\nوقد تصلّيت حرّ حربهم... كما تصلّى المقرور من قرس\nهذا؛ وقال السّدي-رحمه الله تعالى-: يبعث آكل اليتيم ظلما يوم القيامة، ولهب النار يخرج من فيه، ومن سمعه، وعينيه، وأنفه، يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم. وفي حديث أبي سعيد الخدري﵁قال: حدّثنا النبي عن ليلة أسري به، قال: «نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثمّ يجعل في أفواههم صخرا من نار، يخرج من أسافلهم. قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنّما يأكلون في بطونهم نارا». قرطبي، وخازن.\nوعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل:\nيا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».\nرواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنّسائي.\nهذا؛ ولما نزلت الآية الكريمة؛ ثقل ذلك على الناس، واحترزوا من مخالطة اليتامى، وأموالهم بالكلية، فشق ذلك على اليتامى، فنزل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٠]: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾. انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وقد أوصى الله، ورسوله باليتيم، وحفظ ماله، فقال تعالى في كثير من الآيات:\n ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾. فعن سهل بن سعد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما». رواه البخاريّ، وأبو داود، والترمذي.\nورغّب ﵊ المرأة في القعود على أولادها إذا آمت من زوجها. فعن عوف بن مالك الأشجعي﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أنا وامرأة سفعاء الخدّين كهاتين يوم القيامة، امرأة آمت من زوجها ذات منصب، وجمال، حبست نفسها على يتاماها؛ حتّى بانوا، أو ماتوا». رواه أبو داود.","vol":"2","page":381},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، و﴿أَمْوالَ﴾ مضاف، و﴿الْيَتامى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿ظُلْمًا:﴾ حال بمعنى:\nظالمين. وقيل: مفعول لأجله. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِي بُطُونِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نارًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وجملة: ﴿إِنَّما يَأْكُلُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿نارًا:﴾ مفعول به. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. السين: حرف استقبال، وهي هنا مؤكدة للتحقيق، والوعيد. (يصلون): مضارع، وفاعله. ﴿سَعِيرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الواقعة خبرا ل ﴿إِنَّ﴾ فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-504\"></span>﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾\nالشرح: اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: منها ما ذكرته عن أمّ كجّة، ﵂. وعن جابر﵁قال: «جاءت امرأة سعد بن الرّبيع﵁بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الرّبيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمّهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال. قال:\n «يقضي الله في ذلك». فنزلت آية المواريث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمّهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثّمن، وما بقي فهو لك». أخرجه الترمذي، وأبو داود، وأحمد، وابن ماجة. وقيل: غير ذلك من الأسباب.\nهذا؛ ولقد بين الله في هذه الآية ما أجمله فيما سبق، فدلّ هذا على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدّين، وعمدة من عمد الأحكام، وأمّ من أمهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر؛ حتى إنّها ثلث العلم، بل روي: نصف العلم، وهو أول علم ينزع من النّاس، وينسى.\nهذا؛ ولقد نسخت هذه الآية الوصية للوالدين، والأقربين المذكورة في الآية رقم-١٧٩ - من سورة (البقرة) انظرها هناك.","vol":"2","page":382},{"text":"فقد روى الدّارقطني عن أبي هريرة﵁أنّ النبي ﷺ قال: «تعلّموا الفرائض، وعلّموها النّاس، فإنّه نصف العلم، وهو أوّل شيء ينسى، وأوّل شيء ينزع من أمّتي».\nوروي أيضا عن ابن مسعود﵁قال: قال لي رسول الله ﷺ: «تعلّموا القرآن، وعلّموه النّاس، وتعلّموا الفرائض، وعلّموها النّاس، وتعلّموا العلم، وعلّموه النّاس، فإنّي امرؤ مقبوض، وإنّ العلم سيقبض، وتظهر الفتن؛ حتّى يختلف الاثنان في الفريضة، لا يجدان من يفصل بينهما».\n ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ:﴾ يعهد إليكم، ويأمركم. ﴿فِي أَوْلادِكُمْ:﴾ في شأن ميراثهم منكم. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإنّ أهل الجاهلية كانوا يجعلون للذكر دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصّنفين، فجعل للذّكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرّجل إلى مئونة النكاح، والنفقة، ومعاناة التكسب، وتحمّل المشاق، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى. وقد استنبط من الآية: أنّ الله تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنّه أرحم بهم منهم.\n ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً﴾ أي: إن كان الأولاد نساء خلصا ليس معهن ذكر يعصبهن. ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ أي: اثنتين فما فوقهما. وقد استدلّ بعضهم بهذه الآية على أنّ أقل الجمع اثنان فما فوق، وقد قال الرسول ﷺ: «الاثنان فما فوقهما جماعة». وحكي عن سيبويه: أنه قال: سألت الخليل عن قوله: «ما أحسن وجوههما» فقال: الاثنان جماعة، وقد صحّ قول الشاعر: [الوافر]\nيحيّى بالسّلام غنيّ قوم... ويبخل بالسّلام على الفقير\nأليس الموت بينهما سواء... إذا ماتوا وصاروا في القبور\nفواو الجماعة عائدة على الغني، والفقير ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أي: المتوفّى: وهو كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى في سورة (ص): ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. هذا؛ ويقال: ثنتان، وثنتين، ولكن الأوّل أحسن، وأجود، والتاء في ثنتان كالتاء في بنتان، إلا أنّه لم يستعمل واحد الثنتين بالتاء، كما استعمل بنت، وكذلك التاء في اثنتان كالتاء في ابنتان، إلا أنهم لم يقولوا: اثنة، كما قالوا: ابنة، وخذ قول جعفر بن علبة الحارثي-وهو الشاهد رقم [١٠٣]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nفقالوا لنا ثنتان لا بدّ منهما... صدور رماح أشرعت أو سلاسل\n ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً:﴾ أي: المولودة الوارثة منفردة؛ فنصيبها نصف الميراث. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ..﴾. إلخ. أي: لكل واحد من أبوي الميت سدس ميراثه؛ إن كان له ولد ذكر، أو أنثى، لكن يأخذ الأب مع البنت السدس فرضا، ويأخذ الباقي تعصيبا، إن لم يكن ثمّة وارث آخر من ذوي الفروض.","vol":"2","page":383},{"text":"﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ..﴾. إلخ. أي: إن مات ذكر، أو أنثى، ولم يكن له وارث غير أبويه، فأمّه تأخذ، وتستحقّ الثلث فرضا، والباقي يأخذه الأب. ومثل ذلك ما إذا كان مع الأبوين أحد الزّوجين. فإن الأم تأخذ ثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزّوجين، والباقي للأب، وذلك للمحافظة على أن يأخذ الأب مثلي الأم، وهذا كله إن لم يكن للميت إخوة من أي جهة كانوا، فإنّ للأم حينئذ السدس فرضا؛ لأن الأخوة وإن كانوا محجوبين بالأب، فهم يحجبون الأمّ من الثّلث إلى السّدس حجب نقصان.\n ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ أي: إن تقسيم الورثة على ما تقدّم بيانه إنّما هو بعد تنفيذ الوصية، ووفاء الدّين من المال الذي تركه الميت. هذا؛ وقدّم ربنا ذكر الوصية على الدّين، وهي متأخرة عنه في الحكم؛ لأنها مشبهة بالميراث، شاقة على الورثة، ولأنها صلة بلا عوض، وأداؤها مظنّة للتفريط. عن الحارث عن علي﵁أنّ النبي ﷺ قضى بالدّين قبل الوصية، وأنتم تقرءون الوصية قبل الدّين، قال: والعمل على هذا عند عامّة أهل العلم: أنّه يبدأ بالدّين قبل الوصية. وروى الدّارقطنيّ من حديث عاصم بن ضمرة عن عليّ﵁قال، قال رسول الله ﷺ: «الدّين قبل الوصيّة، وليس لوارث وصيّة» أي: إلا أن يجيزها باقي الورثة.\nولمّا ثبت هذا؛ تعلّق الشافعي﵁بذلك في تقديم دين الزّكاة، والحجّ على الميراث، فقال: إنّ الرجل إذا فرّط في زكاته؛ وجب أخذ ذلك من رأس ماله. وهذا ظاهر ببادئ الرأي، ولأنّه حقّ من الحقوق، فيلزم أداؤه عنه بعد الموت، كحقوق الآدميين، لا سيّما والزكاة مصرفها إلى الآدمي. وقال أبو حنيفة، ومالك-رحمهما الله تعالى-: إن أوصى؛ أدّيت من ثلث ماله، وإن سكت؛ لم يخرج عنه شيء. قالوا: لأن ذلك موجب لترك الورثة فقراء، إلا أنّه قد يتعمّد ترك الكل؛ حتّى إذا مات؛ استغرق ذلك جميع ماله، فلا يبقى للورثة حقّ، انتهى قرطبي.\n ﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممّن يرثكم من أصولكم، وفروعكم في عاجلكم، وآجلكم، فاعملوا بما أوصاكم لا تعمدوا إلى تفضيل بعض، وحرمان بعض آخر. روي: أن أحد المتوالدين-أي: من الآباء أو من الأبناء-إذا كان أرفع درجة من الآخر في الجنّة سأل الله أن يرفع إليه ابنه، أو أباه. فيرفع بشفاعته.\nوإذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي للإنسان أن يحرم بعض أولاده، ويعطي الآخرين من ماله، فيسبب بذلك عقوق أولاده المحرومين في الدّنيا، والآخرة. وإن كثيرا من المسلمين في هذه الأيام يفعلون ذلك، فيخالفون ما أوصى الله به في هذه الآية، وما أوصى به الرسول ﷺ من حسن معاملة الأولاد، والعدل بينهم؛ حتى في الابتسامة، والقبل.\n ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي: هذا الذي ذكر في تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض هو فرض من الله، حكم به، وقضاه. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: كان عليما بالأشياء","vol":"2","page":384},{"text":"قبل خلقها، حكيما فيما قدّر من الفرائض في المواريث، وفرض من الأحكام، وفي لفظة:\n ﴿كانَ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ الله تعالى كان عليما بالأشياء قبل خلقها، ولم يزل كذلك، الثاني: حكى الزجاج عن سيبويه: أنه قال: إنّ القوم لمّا شاهدوا علما، وحكمة، ومغفرة، وفضلا، قيل لهم: إن الله كان كذلك، ولم يزل على ما شاهدتهم. الثالث: قال الخليل: الخبر عن الله ﷿ بمثل هذه الأشياء كالخبر بالحال، والاستقبال؛ لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزّوال، والتقلّب انتهى خازن.\nتنبيه: موانع الإرث: اختلاف الدّين، والرّقّ، والقتل وهو يمنع الإرث عمدا كان-أي:\nالقتل-أو خطأ؛ لما روي عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «القاتل لا يرث».\nأخرجه الترمذيّ.\nويتعلق بتركة الميت حقوق أربعة: تجهيزه، ووفاء ديونه، وتنفيذ وصاياه، ثم تقسيم تركته بين ورثته حسب الكتاب، والسنة.\nالإعراب: ﴿يُوصِيكُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لِلذَّكَرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مِثْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿حَظِّ﴾ مضاف إليه، و﴿حَظِّ﴾ مضاف، و﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مفسّرة لمعنى الوصية، والرابط محذوف، التقدير: للذكر منهم... إلخ. وقيل: الجملة مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (يوصي) وعليه أبو البقاء.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كُنَّ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة اسمه. ﴿نِساءً:﴾ خبره.\n ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صفة: ﴿نِساءً﴾. وقيل: متعلّق بمحذوف في محل نصب خبر ثان ل (كان) والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لهنّ): جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿ثُلُثا:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنّى، وحذفت النون للإضافة. و﴿ثُلُثا:﴾ مضاف، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى المتوفّى، وهو معلوم من المقام كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: فلهن ثلثا ما تركه، والجملة الاسمية هذه في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية: ﴿فَإِنْ كُنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"2","page":385},{"text":"﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث، واسمه يعود إلى غير مذكور أيضا.\n ﴿واحِدَةً﴾ خبر: ﴿كانَتْ﴾ وقرئ برفع واحدة على اعتباره فاعلا ب (﴿كانَتْ﴾) التّامّة، وهي بمعنى:\nوقعت، وحدثت، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها. (﴿لِأَبَوَيْهِ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، وعلامة الجر الياء... إلخ، وحذفت النون للإضافة والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِكُلِّ:﴾ بدل مما قبلها بدل البعض، و(كلّ) مضاف، و﴿واحِدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿واحِدٍ﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿السُّدُسُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها أيضا.\n ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السُّدُسُ﴾ و(ما) تحتمل ما ذكرته، وجملة:\n ﴿تَرَكَ﴾ صلة، أو صفة (ما) ... إلخ. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ مقدّم. ﴿وَلَدٌ:﴾\nاسمها مؤخر، والجملة لا محل لها... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ، وجملة: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَواهُ﴾ معطوفة على جملة شرط (إن) والجملة الاسمية: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ في محلّ جزم جواب الشّرط، والجملة الشّرطية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ إعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الأنصباء للورثة من بعد، وجوز أبو البقاء تعليقهما بمحذوف حال من (﴿السُّدُسُ﴾) كما جوز تعليقهما بفعل محذوف، التقدير: يستقرّ لهم ذلك من بعد... إلخ، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿وَصِيَّةٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿يُوصِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل محذوف كما في السّابقة، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿دَيْنٍ﴾ معطوف على: ﴿وَصِيَّةٍ﴾.\n ﴿آباؤُكُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿وَأَبْناؤُكُمْ:﴾ معطوف عليه، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿تَدْرُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَيُّهُمْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿أَقْرَبُ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَقْرَبُ﴾. ﴿نَفْعًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محلّ نصب سدّت مسد مفعولي الفعل قبلهما المعلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وهو من أفعال القلوب. هذا؛ وجوّز اعتبار: ﴿أَيُّهُمْ﴾ اسما موصولا مفعول به أوّل للفعل قبله. و﴿أَقْرَبُ﴾ خبرا لمبتدإ محذوف؛ أي: هو أقرب. وهذه الجملة صلة الموصول،","vol":"2","page":386},{"text":"والمفعول الثاني محذوف، ولكنّ الأوّل أشهر عند المعربين، والجملة الفعلية: ﴿لا تَدْرُونَ..﴾.\nإلخ في محلّ رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿آباؤُكُمْ..﴾. إلخ معترضة بين الجمل المتعاطفة، لا محلّ لها. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: خبر المبتدأ محذوف، تقديره: هم المقسوم عليهم، وهم المعطون وما قدّمته أولى بالاعتبار.\n ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لما جاء في هذه الآية من الوصية الباهرة، على حدّ: قعدت جلوسا. وقيل: هو مفعول مطلق، عامله من لفظه محذوف، التقدير: فرض الله ذلك فريضة.\nوقيل: حال مؤكّدة، والعامل: يوصيكم، وهو ضعيف. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾\nاسم ﴿إِنْ﴾. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا:﴾ خبران ل: ﴿كانَ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\nتنبيه: كثر حذف فاعل الأفعال في الآية الكريمة كما رأيت، ومثل هذا قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٤]: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقوله تعالى في سورة (ص): ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ وفي سورة (الواقعة) قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وفي سورة (القيامة) قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ ففي كل ذلك الفاعل محذوف يدلّ عليه المقام، ومثل هذه الآيات قول حاتم الطّائي: [الطويل]\nلعمرك ما يغني الثّراء عن امرئ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر\nوأيضا قول سوار بن المضرّب السّعدي-وهو الشّاهد رقم [١٩١]: من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الطويل]\nإذا كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا\n\n<span id=\"aya-505\"></span>﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ:﴾ الخطاب للرّجال الوارثين من نسائهم. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ أي: وارث ذكرا كان، أو أنثى من بطنها، أو من صلب بنيها الذّكور، وإن","vol":"2","page":387},{"text":"سفل؛ ذكرا كان، أو أنثى. منكم، أو من غيركم. أما بنو البنت وإن سفلت؛ فلا حظّ لهم في الميراث؛ لأنّهم من الأرحام. ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ممّا ذكر؛ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ فالولد منها يحجب الزّوج من النّصف إلى الرّبع، سواء أكان منه، أو من غيره.\n ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ من الزوجة، أو من غيرها، فالولد يحجبها من الرّبع إلى الثّمن، فقد فرض الله للرّجل بسبب الزواج ضعف ما للمرأة، كما في النسب. وهكذا قياس كل رجل، وامرأة اشتركا في الجهة، والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم، كما ستعرفه، فإنّهم شركاء في القسمة سواء. وينبغي أن تعلم أنّ الزوجة الواحدة، والاثنتين، والثّلاث، والأربع شركاء في الرّبع، أو في الثّمن. وينبغي أن تعلم: أنّ الثّلث، والسّدس، والرّبع، والثّمن تقرأ بضم أولها، وأوساطها، كما تقرأ بضم أولها وسكون أوساطها.\nوالأولى هي اللّغة الجيدة، والإسكان لغة. قال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-كلّ اسم من ثلاثة أحرف أوّله مضموم، يجوز ضمّ ثانيه، وسكونه، وذلك مثل: عسر، ويسر... إلخ.\n ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً..﴾. إلخ: الكلالة: هو الذي ليس له ولد، ولا والد، رجلا كان، أو امرأة، فإن مات أحدهما على هذه الصّفة، وله أخ، أو أخت من الأم، فلأحدهما عند انفراده السّدس من ورثة الميت، فإن كانوا اثنين، فأكثر يأخذون الثلث، ويقتسمونه بالسّويّة بدون تفضيل الذّكر على الأنثى، فقد سوّى الله بينهما؛ لأنّ الإدلاء بمحض الأنوثة. وتفسير الكلالة بهذا هو المعتمد. وقيل: الكلالة: الورثة. وقيل: المال الموروث. وقيل: الإرث. وقيل:\nالقرابة. هذا؛ واشتقاقها من الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء، فكأنّ الميراث يصير للوارث بعد إعياء، وذلك لعدم أصول، وفروع للميت، وانظر الآية الأخيرة من هذه السّورة، وخذ هنا قول الأعشى من قصيدته؛ الّتي مدح بها النبيّ ﷺ: [الطويل]\nفآليت لا أرثي لها من كلالة... ولا من وجى حتّى تلاقي محمّدا\nومنه قوله أيضا: [الطويل]\nإليك أبيت اللّعن كان كلالها... إلى الماجد القرم الجواد المحمّد\n ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: غير مضارّ لورثته بالزيادة على الثلث، أو قصد المضارّة بالوصية دون القرابة، والإقرار بدين لا يلزمه لأجنبيّ، فعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ:\nقال: «إنّ الرّجل ليعمل، أو المرأة بطاعة الله ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصيّة، فتجب لهما النّار». ثمّ قرأ أبو هريرة﵁-: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حتّى بلغ: ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. رواه أبو داود، والترمذي. هذا؛ وقيل: إنّ الإضرار في الوصية من الكبائر؛ لأنّ مخالفة أمر الله﷿كبيرة، وقد نهى الله","vol":"2","page":388},{"text":"عن الإضرار في الوصية، فدلّ على: أنّ ذلك من الكبائر، فويل للذين يحرمون بعض الأولاد، ويعطون البعض الآخر، وقال الرسول ﷺ: «إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى؛ حاف في وصيّته، فيختم له بشرّ عمله، فيدخل النّار. وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيّته، فيختم له بخير عمله، فيدخل النّار». رواه ابن ماجة عن أبي هريرة﵁-. هذا؛ وذكرت لك في الآية السابقة سبب تقديم الوصية على الدّين.\n ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ أي: فريضة من الله. وقيل: عهدا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بمن جار، أو عدل في وصيته. ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعاجل المعتدين بالعقوبة. وهذا وعيد، وتهديد لهم. وانظر الآية رقم [٢٢٥]: من سورة (البقرة). وإنّما كررت الوصية في هذه الآية لاختلاف الموصين، كما هو واضح.\nهذا؛ ويقال: رجل كلالة، وامرأة كلالة، لا يثنّى، ولا يجمع؛ لأنّه مصدر كالوكالة، والدّلالة، والسّماحة، والشّجاعة. وأعاد ضمير مفرد في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ ولم يقل لهما على عادة العرب إذا ذكرت اسمين، ثمّ أخبرت عنهما، وكانا في الحكم سواء، ربما أضفت إلى أحدهما، وربما إليهما جميعا.\nهذا؛ وأصل «أخ» أخو بدليل تثنية أخوين، وأخوان، فحذف منه، وغيّر على غير قياس و«ابن» أصله بني، فحذف منه الياء، وعوض منها الهمزة في أوله، قال الفرّاء-رحمه الله تعالى-: ضمّ أول الأخت؛ لأن المحذوف منها واو. وكسر أول بنت لأن المحذوف منها الياء، وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا.\nتنبيه: كانت الوراثة في الجاهلية بالرّجولة، والقوّة، فقد كانوا يورّثون الرجال دون النساء، فأبطل الله ﷿ ذلك، كما رأيت فيما تقدّم رقم [٧]: وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدء الإسلام بالمحالفة، قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ انظر الآية رقم [٣٣]: الآتية، ثمّ صارت بعد المحالفة بالهجرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال)، وهذا معنى التوارث بأخوّة الإسلام، ثم ثبت التّوارث بآيات (النّساء) الّتي الكلام فيها. والحمد لله.\nفائدة: المسألة الحماريّة: زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة لأب، وأم. فقال قوم: للزوج النصف، وللأم السّدس وللأخوة لأم الثلث، وسقط الأشقّاء. وبه قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. روي: أنّ الأخوة الأشقاء قالوا لعمر﵁-: هب أنّ أبانا كان حمارا! وفي رواية: هب أن أبانا كان حجرا ملقى في اليم، فأشركنا بقرابة أمّنا! فأشركهم مع الإخوة لأم في الثّلث. وبه قال مالك، والشّافعي﵁-، وأبو حنيفة وافق أحمد بن حنبل﵁-. وتسمّى هذه المسألة: المشتركة، والحمارية، واليميّة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"2","page":389},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نِصْفُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: نصف الّذي، أو: شيء تركه أزواجكم، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السّابقة، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه.\n ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة. و(إن) ومدخولها كلام مفرّع عما قبله، مستأنف لا محلّ له، والجملة قبلها معطوفة على الكلام السّابق كما ترى.\n ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (﴿الرُّبُعُ﴾) إن كانت «ال» للتعريف، أو في محلّ رفع صفة له إن كانت «ال» للجنس، وقل مثل ذلك فيما تقدّم، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَرَكْنَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء تركنه. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ انظر تعليق مثلها في الآية السّابقة، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿وَصِيَّةٍ﴾ مضاف إليه، ﴿يُوصِينَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿بِها:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿دَيْنٍ﴾ معطوف على: ﴿وَصِيَّةٍ﴾.\n ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام فيما تقدّم مع التعليق وجواب الشرط المحذوف. ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ:﴾\nانظر إعراب مثل هذا الكلام فيما تقدّم أيضا. ﴿تُوصُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع المتعلّق صفة:\n ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿أَوْ دَيْنٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض تام مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط. ﴿رَجُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿يُورَثُ:﴾ فعل مضارع، وقرئ بالبناء للمعلوم بتشديد الراء، وتخفيفها، وعليهما ف: ﴿كَلالَةً﴾ مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾ والجملة الفعلية في محلّ رفع صفة ﴿رَجُلٌ﴾. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالبناء للمجهول، ف ﴿كَلالَةً﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يورث وراثة كلالة، وأجيز اعتبار: ﴿كَلالَةً﴾ اسما للورثة كما قدمت، فتكون: ﴿كَلالَةً﴾ خبرا ل: ﴿كانَ﴾ وهي ناقصة، التقدير: وإن كان رجل يورث ذا كلالة، كما يجوز أيضا أن تكون: ﴿كانَ﴾ تامة بمعنى: وقع، وحصل، وجملة: ﴿يُورَثُ:﴾ نعت ل: ﴿رَجُلٌ﴾ و﴿كَلالَةً﴾ نصب على التمييز، أو الحال على أن الكلالة هو الميت، التقدير: وإن كان رجل يورث متكلل النّسب إلى الميت.\n ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ معطوف على: ﴿رَجُلٌ﴾ وحذفت الصفة و«كلالة» اكتفاء بما ذكر بعد: ﴿رَجُلٌ﴾.","vol":"2","page":390},{"text":"﴿وَلَهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَهُ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَخٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿رَجُلٌ﴾ والرابط: الواو والضمير، وصحّ مجيء الحال منه لوصفه بما بعده، إذ الوصف يخصص، وحذف مثل هذه الجملة بعد:\n ﴿اِمْرَأَةٌ﴾. ﴿فَلِكُلِّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (لكل): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و(كلّ) مضاف، و﴿واحِدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمَا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة:\n ﴿واحِدٍ﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿السُّدُسُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والجملة الشرطية: ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها أيضا.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَكْثَرَ:﴾ خبر:\n (كان) والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأكثر، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿فَهُمْ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (هم): مبتدأ. ﴿شُرَكاءُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محلّ جزم جواب الشرط... إلخ. ﴿فِي الثُّلُثِ:﴾ متعلّقان ب ﴿شُرَكاءُ﴾ أو بمحذوف صفة له، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الأنصباء للورثة من بعد.\nوذكرت لك في الآية السّابقة: أنّ أبا البقاء جوّز تعليقهما بمحذوف حال من الثّلث، كما جوّز تعليقهما بمحذوف فعل، التقدير: يستقرّ لهم ذلك من بعد. و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿وَصِيَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يُوصى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نائب فاعله، ويقرأ بالبناء للمعلوم، فيكون الفاعل عائدا على الموصي، والجملة الفعلية في محل جر صفة:\n ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ معطوف على: ﴿وَصِيَّةٍ﴾. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من فاعل ﴿يُوصى﴾ أو من نائب فاعله، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿مُضَارٍّ﴾ مضاف إليه.\nهذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فأين ذو الحال فيمن قرأ: ﴿يُوصى بِها﴾ على ما لم يسمّ فاعله؟ قلت: يضمر ب ﴿يُوصى﴾ فينتصب عن فاعله؛ لأنّه لمّا قيل: يوصى بها، علم: أن ثمّ موصيّا، كما قال تعالى في سورة (النّور) رقم [٣٦]: (﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾) على ما لم يسمّ فاعله، فعلم: أن ثمّ مسبّحا، فأضمر في: (﴿يُسَبِّحُ﴾) فكما كان ﴿رِجالٌ﴾ فاعل ما يدلّ عليه (﴿يُسَبِّحُ﴾) كان ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حالا ممّا يدل عليه: ﴿يُوصى بِها﴾ انتهى بتصرف.\nأقول: ومثل الآيتين قول نهشل بن حري-وهو الشّاهد رقم [١٩٣]: من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [١٠٤٨]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]","vol":"2","page":391},{"text":"ليبك يزيد ضارع لخصومة... ومختبط ممّا تطيح الطّوائح\n ﴿وَصِيَّةٍ:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لما جاء في هذه الآية من الوصية الباهرة على حدّ: قعدت جلوسا. وقيل: هو مفعول مطلق، عامله من لفظه محذوف، التقدير: وصّى الله ذلك وصية.\nوقيل: حال مؤكدة، والعامل فعل الوصية، وهو ضعيف. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-:\nوالعامل ﴿يُوصِيكُمُ﴾ ويصح أن يعمل فيها: ﴿مُضَارٍّ﴾ وهما ضعيفان. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿وَصِيَّةٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، الغرض منها التّهديد، والوعيد. تأمل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-506\"></span>﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ يعني: الأحكام التي تقدّم ذكرها في هذه السّورة من مال اليتامى، والوصايا، والأنكحة، والمواريث. وإنّما سماها حدودا؛ لأنّ الشّرائع كالحدود المضروبة للمكلّفين، فلا يجوز لهم أن يتجاوزوها. والحدود جمع: حد، وهو في اللغة الحاجز بين شيئين متجاورين، والمراد هنا: الحد الفاصل بين الحلال، والحرام، فلذا يعاقب من تجاوزه بالحدّ.\nوهو: العقوبة المقرّرة لذلك، وقال ابن عباس﵄-: يريد ما حدّ الله من فرائضه.\n ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني: في شأن المواريث، ورضي بما قسم الله له، وحكم عليه. ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ..﴾. إلخ: وحّد الفاعل في هذه الآية، وفي الآية التالية؛ لأنّ إدخال الجنّة للمطيع، وإدخال النّار للعاصي إنّما هو بيد الله، والرّسول ﷺ لا فعل له في ذلك.\n ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ جمعه، وهو عائد على (من) باعتبار معناها، وأفرده في الآية التالية باعتبار لفظها. ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾ النجاح الكبير في الآخرة يوم لا ينفع مال، ولا بنون؛ إلا من أتى الله بقلب سليم.\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حُدُودُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، و﴿حُدُودُ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ:﴾ انظر الآية التالية. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، ويقال فيه ما يقال في مفعول: ﴿(تدخلوا الجنة﴾ في الآية رقم [١٤٢]: من سورة (آل عمران). ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.","vol":"2","page":392},{"text":"﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان به، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان خالدين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ذلِكَ﴾): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف الخطاب. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفته، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-507\"></span>﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ يخالف أوامرهما فيما أمرا به، ولم يرض بقسمة الله في المواريث. ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ:﴾ يتجاوز ما أمر الله به. ﴿يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ:﴾ قال الخازن﵀فإن قلت: كيف قطع الله للعاصي بالخلود في النار في هذه الآية؟ وهل فيها دليل للمعتزلة على قولهم: إنّ العصاة، والفسّاق من المسلمين يخلدون في النّار؟ قلت: قال الضّحاك: المعصية هنا: الشرك. وروى عكرمة عن ابن عباس﵄في معنى الآية: من لم يرض بقسمة الله، ويتعدّ ما قال الله؛ يدخله نارا. وقال الكلبي:\nيكفر بقسمة المواريث، ويتعدّ حدود الله استحلالا، إذا ثبت ذلك، فمن ردّ حكم الله، ولم يرض بقسمته؛ كفر بذلك، ومن كفر؛ كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار؛ إذا لم يتب قبل موته، وإذا مات وهو مصرّ على ذلك كان مخلّدا في النار بكفره، فلا دليل في الآية للمعتزلة.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْصِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. (﴿يَتَعَدَّ﴾): فعل مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها ويجوز في مثله النصب على القاعدة التي تراها قريبا، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿حُدُودَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُدْخِلْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا، وقرئ: («ندخله»): على الالتفات، فيكون الفاعل مستتر وجوبا تقديره: نحن، والهاء مفعوله الأول. ﴿نارًا:﴾ مثل: ﴿جَنّاتٍ﴾ في الآية السابقة. ﴿خالِدًا:﴾ حال من الفاعل المستتر","vol":"2","page":393},{"text":"العائد إلى (﴿مَنْ﴾) وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-508\"></span>﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ﴾ المراد بها هنا: الزنى، والفاحشة: الفعلة القبيحة، فهي مصدر كالعاقبة، والعافية، سمّيت بذلك لفحشها، وقبحها، ومعنى ﴿يَأْتِينَ:﴾ يفعلنها. يقال:\nأتى الفاحشة، وجاءها، وغشيها، ورهقها: إذا فعلها. ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، فجعل الله الشهادة على الزنى خاصة أربعة تغليظا على المدّعي، وسترا على العباد.\nوتعديد الشهود بالأربعة في الزنى حكم ثابت في التوراة، والإنجيل، والقرآن، قال تعالى في سورة النّور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ وقال هنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ولا بدّ أن يكون الشهود ذكورا، وعدولا. والخطاب للأزواج. وقيل: هو للحكّام، قال عمر﵁-: إنّما جعل الله الشّهود أربعة سترا ليستركم به دون فواحشكم.\n ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ أي: فاحبسوهنّ في البيوت، والحكمة في حبسهن: أن المرأة إنّما تقع في الزنى عند الخروج، والبروز للرّجال، فإذا حبست في البيت؛ لم تقدر على الزنى. ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ يعني: تتوفاهنّ ملائكة الموت عند انقضاء آجالهن. ففيه مجاز عقلي؛ حيث أسند الوفاة إلى الموت. ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا:﴾ وهذا الحكم كان في أوّل الإسلام، قبل نزول الحدود، كانت المرأة إذا زنت؛ حبست في البيت حتّى تموت، ثم نسخ ذلك بالحدود، وجعل الله لهن سبيلا، وخذ ما يلي:\nعن عبادة بن الصامت﵁قال: كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه؛ كرب لذلك، وتربّد له وجهه، فأنزل عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلمّا سرّي عنه؛ قال: «خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلا، الثّيب بالثّيب، والبكر بالبكر، الثّيّب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة». أخرجه مسلم، وغيره، فقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: يجمع على الثيب الجلد، والرّجم بنصّ الحديث. والجمهور على أنه يكتفي بالرّجم.\nويفهم من هذا: أنّ الآية منسوخ حكمها بآية (النّور) قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما..﴾. إلخ، وبآية الرّجم المنسوخة تلاوة، والباقية حكما إلى يوم القيامة، وهي قوله تعالى:","vol":"2","page":394},{"text":"(الشيخ والشيخة، إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله، والله عزيز حكيم)، وهذه الآية كانت من سورة (الأحزاب) وأيّد ذلك قول الرسول ﷺ وفعله، فقد ثبت: أنّه ﷺ رجم ماعزا، والغامدية في حديث صحيح. انظر ما ذكرته في سورة (النور) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَاللاّتِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللاّتِي﴾): اسم موصول مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْتِينَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ نِسائِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نون النسوة، والكاف في محل جر بالإضافة، وفي خبر المبتدأ وجهان:\nأحدهما الجملة الفعلية: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ..﴾. إلخ، وجاز دخول الفاء زائدة على الخبر على رأي الجمهور؛ لأنّ المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولا عامّا صلته فعل مستقبل. الوجه الثاني: أنّ الخبر محذوف، التقدير: فيما يتلى عليكم حكم اللاّتي... إلخ، فحذف الخبر، والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا نظير ما فعله سيبويه-رحمه الله تعالى- في نحو قوله تعالى في سورة (النّور): ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (المائدة): ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ أي: فيما يتلى عليكم حكم الزانية... إلخ، ويكون الفعل المذكور في هذه الآيات دالاّ على ذلك المحذوف؛ لأنّه بيان له. انتهى. جمل نقلا عن السّمين.\n (استشهدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿أَرْبَعَةً:﴾ مفعول به.\n ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَرْبَعَةً﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على الوجه الأول في الإعراب، ولا محل لها على الوجه الثاني لأنها جواب الشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فاستشهدوا. وتكون الفاء: فصيحة.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم، ﴿شَهِدُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أمسكوهن): فعل أمر وفاعله ومفعوله، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ. ﴿فِي الْبُيُوتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَتَوَفّاهُنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعله. «وأن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَوْ:﴾ حرف","vol":"2","page":395},{"text":"عطف. ﴿يَجْعَلَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من:\n ﴿سَبِيلًا﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به.\n\n<span id=\"aya-509\"></span>﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذانِ:﴾ تثنية «الذي» وكان القياس أن يقال: اللذيان، كرحيان، ومصطفيان... إلخ، قال سيبويه-رحمه الله تعالى-: حذفت الياء؛ ليفرق بين الأسماء المتمكنة، والأسماء المبهمة. وقال علي الفارسي: حذفت الياء تخفيفا؛ إذ قد أمن اللبس في «اللذان» لأن النّون لا تنحذف، ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في:\nرحياك، ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء؛ لاشتبه المفرد بالاثنين.\n ﴿يَأْتِيانِها﴾ أي: الفاحشة. ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: المسلمين. ﴿فَآذُوهُما﴾ أي: عيروهما بالقول، واللسان، وهو أن يقال له: أما خفت الله؟! أما استحيت من الله حين زنيت؟! وقال ابن عباس﵄-: سبّوهما، واشتموهما. ﴿فَإِنْ تابا:﴾ من الفاحشة، وحسنت توبتهما. ﴿وَأَصْلَحا﴾ أي: عملهما فيما يأتي. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُما﴾ أي: اتركوهما، ولا تؤذوهما.\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أي: يعود على عبده بفضله، ومغفرته، ورحمته، إذا تاب إليه، وأناب إلى رحمته، وعفوه.\nهذا؛ وقد وصف الله نفسه بأنّه توّاب، وتكرّر هذا اللفظ في القرآن منكّرا، ومعرّفا، واسما، وفعلا، وقد يطلق على العبد أيضا توّاب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال ابن العربي: ولعلمائنا في وصف الرب بأنه توّاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز في حق الرّبّ ﷾، فيدعى به كما في الكتاب، والسنة، ولا يتأول. وقال آخرون: هو وصف حقيقي لله تعالى، وتوبة الله على العبد: رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة. وقال آخرون: توبة الله على العبد قبول توبته، وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله ﷾: قبلت توبتك، وأن يرجع إلى خلقه الإنابة، والرجوع في قلب المسيء من إجراء الطّاعات على جوارحه، وإنّما قيل لله تعالى: تواب لمبالغة الفعل، وكثرة قبوله توبة عباده، ولكثرة من يتوب عليه.\nتنبيه: كان حدّ الزاني في ابتداء الإسلام الأذى بالتوبيخ، والتعيير باللّسان، ثم صار بالحبس، كما رأيت في الآية السابقة، فلما نزلت الحدود، وثبتت الأحكام؛ نسخ ذلك بآية (النور) قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي..﴾. إلخ، فثبت الجلد على البكر بنصّ الكتاب، وثبت الرّجم على الثيب المحصن بآية (الأحزاب) المنسوخة تلاوة، والباقية حكما، وثبت: أنّ رسول الله ﷺ","vol":"2","page":396},{"text":"رجم-كما ذكرت لك-ماعزا، والغامدية، ورجم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، -﵃ أجمعين-.\nالإعراب: ﴿وَالَّذانِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذانِ﴾): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وبعضهم يعتبره مبنيّا على الألف في محل رفع، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿يَأْتِيانِها:﴾ فعل مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، الألف فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ألف التثنية، وخبر المبتدأ يقال فيه ما قيل في الآية السابقة.\n ﴿فَآذُوهُما:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية يقال فيها ما يقال في الآية السابقة.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تابا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ.\n ﴿وَأَصْلَحا:﴾ معطوف على ما قبله، والألف فاعله. ﴿فَأَعْرِضُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. ﴿فَأَعْرِضُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا:﴾ انظر مثلها في الآية رقم [١١].\n\n<span id=\"aya-510\"></span>﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ﴾ أي: إن قبول التوبة كالمحتوم على الله فضلا، وكرما بمقتضى وعده الذي قطعه على نفسه بأنّ من يتوب يقبل الله توبته. قال تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وقال جلّ ذكر في سورة (التوبة):\n ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ وقال في سورة (طه): ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وقيل: ﴿عَلَى﴾ بمعنى: عند، فيكون المعنى: التوبة التي عند الله. وقيل: هي بمعنى من، أي: من الله، وقال أهل المعاني: إن الله تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين في قوله جل ذكره في سورة (الأنعام) رقم [٥٤]: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وإذا وعد شيئا؛ أنجز ميعاده، وصدق فيه. فمعنى قوله: ﴿عَلَى اللهِ:﴾ أوجب على نفسه من غير إيجاب أحد عليه؛ لأنه تعالى يفعل ما يريد.","vol":"2","page":397},{"text":"﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ:﴾ يعني: يعملون الذنوب، والمعاصي. سميت سوءا؛ لسوء عاقبتها؛ إذا لم يتب منها، وهو مصدر: ساء، يسوء، سوءا، أو مساءة: إذا أحزنه. والسّوء: الشر، والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وبفتحها المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرّجل السّوء. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ سورة (الأنبياء).\n ﴿بِجَهالَةٍ﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أنّ كل شيء عصي الله به؛ فهو بجهالة، عمدا كان، أو غيره. وكلّ من عصى الله؛ فهو جاهل، وقال ابن عباس﵄-: من عمل السوء؛ فهو جاهل، ومن جهالته عمل السوء، فكل من عصى الله؛ سمّي جاهلا، وسمي فعله جهالة، وإنما سمّي من عصى الله جاهلا؛ لأنه لم يستعمل ما معه من العلم بالثّواب، والعقاب، وإذا لم يستعمل ذلك؛ سمّي جاهلا بهذا الاعتبار. وقيل:\nمعنى الجهالة هو اختيار اللّذة الفانية على اللّذة الباقية.\n ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ يعني: يتوبون من الذنب بعد الإقلاع منه بزمن قريب؛ لئلا يعدّ في زمرة المصرّين. وقيل: القريب: أن يتوب في صحّته قبل مرض موته. وقيل: قبل معاينة ملك الموت، ومعاينته أهوال الموت. وإنما سميت هذه المدّة قريبة؛ لأنّ كلّ ما هو آت قريب، وفيه تنبيه على أنّ عمر الإنسان-وإن طال-قريب، وهو قليل، وإن الإنسان يتوقع كل ساعة، ولحظة نزل الموت به، وعن ابن عمر﵄-: أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». أخرجه الترمذي، الغرغرة: أن يجعل المشروب في فم المريض، فيردده في الحلق، ولا يصل إليه، ولا يقدر على بلعه، وذلك عند بلوغ الرّوح الحلقوم. وروى البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الشّيطان قال:\nوعزّتك يا ربّ لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم! فقال الرّبّ ﵎:\nوعزّتي وجلالي، وارتفاعي في مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني!».\nبعد هذا: فالتوبة المقبولة هي التوبة النّصوح، ولها شروط: الندم بالجنان. والاستغفار باللسان، ورد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان، ولقد أحسن محمود الورّاق؛ حيث قال -رحمه الله تعالى-: [الكامل]\nقدّم لنفسك توبة مرجوّة... قبل الممات وقبل حبس الألسن\nبادر بها غلق النّفوس فإنّها... ذخر وغنم للمنيب المحسن\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿التَّوْبَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة التوبة على اعتبار (ال) للجنس، أو في محل نصب حال منها على اعتبار (ال) للتعريف، وهذا على قول من يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز اعتبار: ﴿عَلَى اللهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، ويكون: ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقين بمحذوف حال","vol":"2","page":398},{"text":"من الضمير المستتر في الجار والمجرور: ﴿عَلَى اللهِ﴾. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿السُّوءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِجَهالَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من السوء. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\nوجملة: ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يَتُوبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة السابقة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا:﴾ مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها. لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-511\"></span>﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ أي: المقبولة عند الله. ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ:﴾ جمع:\nسيئة، وهي عمل السّوء، وجمعها يدلّ على كثرتها بخلاف السّوء في الآية السّابقة، فإنه يدلّ على قلّة السيئات؛ لأنّ «ال» فيه للجنس. هذا؛ وأصل «سيئة» سيوئة، قلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. ﴿حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ يعني: وقع في النزع، وعاين ملائكة الموت، وهو حالة السّوق، حيث تساق الرّوح للخروج من جسده. ﴿قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ قال المحققون: قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من قبولها مشاهدة الأحوال، التي لا يمكن الرّجوع إلى الدنيا بحال، ولذلك لم تقبل توبة فرعون، ولا إيمانه، كما قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٩٠]: ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ..﴾. إلخ. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٨٥]: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾. ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ﴾ أي: لا تقبل توبة الكافرين؛ إذا ماتوا على كفرهم. انظر في الآية رقم [٩١] من سورة (آل عمران) فإنه جيد، والحمد لله! ﴿أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ:﴾ هيأنا، والإعتاد:\nالتهيئة، من العتاد، وهو العدّة. وقيل: أصله: أعددنا، فأبدلت الدال الأولى تاء.\nقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: الآية الأولى في المؤمنين، والوسطى في المنافقين.\n ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى..﴾. إلخ، والأخرى في الكافرين: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وانظر شرح ﴿الْآنَ﴾ في الآية رقم [٧١] من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"2","page":399},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَيْسَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَيْسَتِ﴾): فعل ماض ناقص. والتاء حرف لا محلّ له. ﴿التَّوْبَةُ:﴾ اسم. (ليس). ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (ليس) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿السَّيِّئاتِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، الجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ:﴾\nانظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٦]: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿أَحَدَهُمُ:﴾ ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿تُبْتُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله. ﴿الْآنَ﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:\n (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿الَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، ورجحه ابن هشام في المغني، وجوز أبو البقاء اعتباره مبتدأ، خبره الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ.\n ﴿يَمُوتُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾\nالواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كُفّارٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محلّ لها، أو هي في محل رفع خبر: (﴿الَّذِينَ﴾) على رأي أبي البقاء. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-512\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في أهل المدينة، وذلك: أنهم كانوا في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام إذا مات الرّجل، وخلّف امرأة؛ جاء ابنه من غيرها، أو قريبه من ذوي عصبته، فألقى ثوبه على تلك المرأة، أو على خبائها، فصار أحقّ بها من نفسها، ومن غيره، فإن شاء؛ تزوجها بغير صداق إلا الصّداق الأول الذي أصدقها الميّت، وإن شاء؛ زوّجها من غيره، وأخذ صداقها وإن شاء؛ عضلها، ومنعها من الأزواج، يضارّها بذلك؛ لتفتدي منه بما ورثت من الميّت، أو تموت هي، فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها وليّ زوجها ثوبه؛ كانت أحقّ","vol":"2","page":400},{"text":"بنفسها. وكانوا على ذلك حتّى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري﵁وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها، يقال له: حصن-وقيل: اسمه: قيس بن أبي قيس-فطرح ثوبه عليها، فورث نكاحها، ثمّ تركها، فلم ينفق عليها، يضارّها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله! إن أبا قيس توفي، وورث نكاحي ابنه، فلا هو ينفق عليّ، ولا هو يدخل بي، ولا هو يخلّي سبيلي. فقال رسول الله ﷺ: «اقعدي في بيتك؛ حتّى يأتي أمر الله فيك». فأنزل الله ﷿ الآية الكريمة.\n ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ..﴾. إلخ. أي: لا تمنعوهنّ من الأزواج. والعضل: التّضييق، والمنع، وهو راجع إلى معنى الحبس، ومن قول معاوية: معضلة ولا أبا حسن لها! يريد عليّا﵁- الذي كان يحل المعضلات من الأمور. والمعنى: مسألة صعبة ضيّقة. وقال طاوس-رحمه الله تعالى-: لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عباس﵄-. وكلّ مشكل عند العرب معضل، ومنه قول الشّافعي﵁-: [المتقارب]\nإذا المعضلات لك فاصطنعني... كشفت حقائقها بالنّظر\nهذا؛ والعضل: الحبس. قال الشاعر: [الوافر]\nوإنّ قصائدي لك فاصطنعني... عقائل قد عضلن عن النّكاح\nوقال آخر: [الكامل]\nفلأعضلنّ قصائدي من بعده... حتّى أزوّجها من الأكفاء\n ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لتضجر، فتفقدي ببعض مالها. قيل: هو خطاب للأزواج. قال ابن عباس﵄-: هذا في الرّجل تكون له امرأة، وهو كاره لها، ولصحبتها، ولها عليه مهر، فيضارّها؛ لتفتدي منه، وتردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عن ذلك. وقيل: هو خطاب لأولياء الميت، فنهاهم الله عن عضل المرأة. وهو ما الكلام فيه.\n ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ:﴾ اختلف في الفاحشة، فقيل: هي الزنى. وقيل: هي النشوز، وسوء الخلق، وإيذاء الزّوج، وأهله، والبذاء في الكلام، والفجور، فكلّ ذلك يحلّ للزّوج أن يأخذ منها فداء، وهو فحوى قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٩]: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وهذا ما يسمّى بالخلع، والمخالعة.\n ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قيل: هو راجع للكلام الذي قبله، والمعنى: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فصدر الآية ينهى عن فعل الجاهلية، وتقاليدها، وآخرها ينهى عن سوء معاملة الزّوج في جميع الأحيان والأمكنة، والمعاشرة بالمعروف: توفية حقّها من المهر، والنفقة، وألا يعبس في وجهها لغير ذنب، وأن يكون لينا هينا في القول، لا فظّا، ولا غليظا، ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والدّستور في ذلك قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٩]:","vol":"2","page":401},{"text":"﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٢٣١]: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ..﴾. إلخ. والرّسول ﷺ أوصى بذلك، فخذ من قوله ما يلي:\nعن عمرو بن الأحوص الجشميّ﵁-: أنّه سمع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع يقول: بعد أن حمد الله، وأثنى عليه، وذكّر، ووعظ، ثمّ قال: «ألا واستوصوا بالنّساء خيرا، فإنّما هنّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنّ شيئا غير ذلك؛ إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن؛ فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا. ألا إنّ لكم على نسائكم حقّا، ولنسائكم عليكم حقّا، فحقّكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ، وطعامهنّ». رواه ابن ماجة، والترمذي.\n ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لدمامة، أو لسوء خلق من غير ارتكاب فاحشة، أو نشوز؛ فهذا يندب فيه الاحتمال، والصبر، وقسر النّفس على الرّضا، والقناعة بهنّ، فعسى أن يؤول الأمر إلى الخير منهنّ بأن يرزق الله منهنّ أولادا صالحين، فتنقلب تلك الكراهية محبة، والنفرة رغبة. وفي الآية ندب إلى إمساك المرأة مع الكراهية لها؛ لأنّه إذا صحبها، وتحمل ذلك المكروه طلبا للثواب، وأنفق عليها، وأحسن صحبتها؛ استحقّ الثّناء الجميل في الدّنيا، والثواب الجزيل في العقبى، والرسول ﷺ أوصى بذلك، فخذ ما يلي من قوله:\nعن أبي هريرة﵁قال رسول الله ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا؛ رضي منها آخر». رواه مسلم، وغيره. وبشار بن برد في المعاشرة يقول: [الطويل]\nإذا كنت في كلّ الأمور معاتبا... صديقك لم تلق الّذي لا تعاتبه\nفعش واحدا أوصل أخاك فإنّه... مقارف ذنب مرّة ومجانبه\nإذا أنت لم تشرب مرارا على القذى... ظمئت وأيّ النّاس تصفو مشاربه؟\nومن ذا الّذي ترضى سجاياه كلّها؟ ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَحِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَرِثُوا:﴾\nفعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَرِثُوا:﴾ في محل رفع فاعل: ﴿يَحِلُّ﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به. ﴿كَرْهًا:﴾ حال بمعنى: مكرهات. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية، أو ناهية. ﴿تَعْضُلُوهُنَّ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو منصوب، أو مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وعلى النصب فهو داخل","vol":"2","page":402},{"text":"في جملة التأويل بالمصدر، وعلى الجزم فالجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِتَذْهَبُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل: وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿بِبَعْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما و(بعض) مضاف، و﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة.\n ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: آتيتموهن إيّاه. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يَأْتِينَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون في محل نصب ب ﴿أَنْ﴾ ونون النسوة فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿يَأْتِينَ:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، أو في محل نصب على الاستثناء، وهو أقوى. ﴿بِفاحِشَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مُبَيِّنَةٍ:﴾ صفة: (فاحشة). و(﴿عاشِرُوهُنَّ﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون حرف دال لجماعة الإناث. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان به، أو بمحذوف حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، والفعل في محل جزم فعل الشرط، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها شرط جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعَسى:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (عسى): فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر وهو تام، و﴿أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: (عسى) والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط.\nهذا؛ وأجيز اعتبار الجواب محذوفا، التقدير: فاصبروا عليهنّ. وعليه فجملة: (عسى) مفيدة للتعليل لا محلّ لها. ﴿وَيَجْعَلَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فِيهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-513\"></span>﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله تعالى في الآية حكم الفراق؛ الّذي سببه المرأة بنشوزها، وأنّ للزّوج أخذ المال منها عقّب ذلك بذكر الفراق؛ الّذي سببه الزوج، وبيّن: أنّه إذا أراد الطّلاق من غير نشوز، وسوء عشرة؛ فليس له أن يطلب منها مالا.","vol":"2","page":403},{"text":"واختلف العلماء فيما إذا كان الزّوجان يريدان الفراق، وكان منهما نشوز، وسوء عشرة، فقال مالك﵁-: للزّوج أن يأخذ منها؛ إذا تسببت في الفراق، ولا يراعى تسببه هو.\nوقالت جماعة من العلماء: لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنّشوز، وتطلبه في ذلك.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة دليل على جواز المغالاة في المهور؛ لأنّ الله تعالى لا يمثل إلا بمباح. وخطب عمر﵁-، فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النّساء، فإنّها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله؛ لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ، ما أصدق قطّ امرأة من نسائه، ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقيّة. فقامت إليه امرأة، فقالت: يا عمر! يعطينا الله، وتحرمنا! أليس الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا؟!﴾ قال﵁-: أصابت امرأة، وأخطأ عمر. وفي رواية: كلّ الناس أفقه منك يا عمر! والجملة فيها تفخيم الأمر، وتأكيده، والمبالغة فيه.\n ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: ظلما، وباطلا ظاهرا. والبهتان: هو الافتراء، وهو:\nأن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به، وهو بريء منه؛ لأنه يبهت عند ذلك، ويتحيّر. والاستفهام للتوبيخ، والتقريع.\nهذا؛ و﴿زَوْجٍ﴾ يطلق على الرّجل، والمرأة، والقرينة تبيّن الذّكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنّها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث، قال الأصمعي: ولا تكاد العرب تقول: زوجة. وحكى الفرّاء: أنه يقال: زوجة، وأنشد للفرزدق: [الطويل]\nوإنّ الّذي يسعى ليفسد زوجتي... كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها\nوقال عمّار بن يسار﵁في شأن عائشة﵂-: «والله إنّها لزوجة نبيّكم ﷺ في الدّنيا والآخرة، ولكنّ الله﵎ابتلاكم ليعلم: إيّاه تطيعون، أم هي؟» ذكره البخاريّ. وعن أنس ﵁: أنّ النبي ﷺ كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل، فدعاه، فقال: «يا فلان هذه زوجتي». فقال: يا رسول الله! من كنت أظنّ به، فلم أكن أظنّ بك! فقال ﷺ: «إنّ الشّيطان يجري من الإنسان مجرى الدّم في العروق». أخرجه مسلم. والمحفوظ:\nأنّ ذلك كان ليلا، وأنّ الرّجل كان الزّبير بن العوّام، -﵁-.\nهذا؛ والزوج: القرين، قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: قرناءهم، الآية رقم [٢٢] من سورة (الصافات)، والزّوج: ضد الفرد، وكلّ واحد منهما يسمى: زوجا أيضا، ويقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء. قال تعالى لنوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كلّ زوج","vol":"2","page":404},{"text":"ذكرا، وأنثى. رقم [٤٠] من سورة (هود). وقال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ.﴾.\nإلخ، والمعنى: ثمانية أفراد، والزّوج: الصّنف، والنوع، قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٠]: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ومثله في سورة الحجّ رقم [٥]. وانظر (القنطار) في سورة (آل عمران) الآية رقم [١٤].\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْتُمُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿اِسْتِبْدالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿زَوْجٍ:﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مَكانَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالمصدر، أو مفعول ثان له، والمعنى لا يأباه. (﴿آتَيْتُمْ﴾): فعل، وفاعل. ﴿إِحْداهُنَّ:﴾\nمفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الذكور. ﴿قِنْطارًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (لا): ناهية. ﴿تَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿شَيْئًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على (إن) السابقة ومدخولها، لا محلّ لها مثله.\n ﴿أَتَأْخُذُونَهُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (﴿تَأْخُذُونَهُ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بُهْتانًا:﴾ حال بمعنى: باهتين، أو هو مفعول لأجله. ﴿وَإِثْمًا:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-514\"></span>﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ:﴾ كلمة تعجب، أو استفهام، وإنكار. والمعنى: كيف يليق بالعاقل أن يستردّ ما بذله لزوجته عن طيب نفس؟! ﴿وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ أصل الإفضاء في اللغة: الوصول، يقال: أفضى إليه؛ أي: وصل إليه. ثمّ للمفسرين في معنى الإفضاء في هذه","vol":"2","page":405},{"text":"الآية قولان: أحدهما: أنّه كناية عن الجماع، وهو قول ابن عباس﵄-، فإنّه قال: الإفضاء في هذه الآية: الجماع، ولكنّ الله كريم يكني. وهو قول مجاهد، والسّدي، واختيار الزجّاج، وابن قتيبة. وهو مذهب الشّافعي؛ لأنّ عنده أنّ الزّوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع بنصف المهر؛ وإن خلا بها. والقول الثاني في معنى الإفضاء هو: أن يخلو بها؛ وإن لم يجامعها.\nقال الفراء: الإفضاء: أن يخلو الرّجل، والمرأة؛ وإن لم يجامعها. وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله تعالى-وأصحابه، قالوا: إذا خلا بها خلوة صحيحة، يجب كمال المهر، والعدّة، دخل بها، أو لم يدخل بها؛ لما رواه الدّارقطني عن ثوبان﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من كشف خمار امرأة، ونظر إليها؛ وجب الصّداق». وقال عمر﵁-: إذا أغلق بابا، وأرخى سترا، ورأى عورة؛ فقد وجب الصّداق، وعليها العدّة، ولها الميراث. وانظر الآية رقم [٢٣٧] من سورة (البقرة) فإنّه جيد، والحمد لله!.\n ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ المراد بذلك: عقد النكاح: زوّجت، وأنكحت. وقال سفيان الثوري﵀-: هو قوله تعالى: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾. وفي صحيح مسلم عن جابر﵁في خطبة الوداع: أنّ النبيّ ﷺ قال فيها: «واستوصوا بالنّساء خيرا، فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله». وفي الآية الكريمة استعارة لفظ الميثاق للعقد الشّرعيّ.\nالإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. كيف: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من واو الجماعة. ﴿تَأْخُذُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿أَفْضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (﴿أَخَذْنَ﴾): فعل، وفاعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿مِيثاقًا﴾. ﴿مِيثاقًا:﴾ مفعول به. ﴿غَلِيظًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-515\"></span>﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾\nالشرح: سبب نزول هذه الآية والتي قبلها ذكرته في الآية رقم [١٩]. ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ أي: لا تتزوّجوا ما تزوّج آباؤكم من النّساء. وهذا نهي لما كان الجاهليّون يفعلونه","vol":"2","page":406},{"text":"من التزوّج بامرأة الأب، سواء المدخول بها، والمعقود عليها من غير دخول بها، وانظر تفسير النكاح، وشرحه في الآية رقم [٦]. ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ أي: مضى من تزوّج بعضكم حليلة أبيه، قبل نزول الأحكام، وتبيين الحلال، والحرام. هذا؛ ووقعت: ﴿ما﴾ على النّساء، كما وقعت في الآية رقم [٣].\n ﴿إِنَّهُ:﴾ أي: النكاح، والزواج المفهوم من الفعل السّابق. ﴿كانَ فاحِشَةً:﴾ سمّاه الله فاحشة؛ لأنّ زوجة الأب بمنزلة الأم، ونكاح الأمهات حرام، فلمّا كان كذلك؛ سمّاه الله فاحشة؛ لأنّه من أقبح المعاصي. ﴿وَمَقْتًا﴾ يعني: أنّه يورث المقت من الله، وهو أشدّ الغضب، وغاية الخزي، والنّدامة. ﴿وَساءَ سَبِيلًا﴾ أي: وبئس ذلك طريقا؛ لأنّه يؤدّي إلى مقت الله، والعرب تسمّي الرّجل من امرأة أبيه مقيتا، وكان منهم الأشعث بن قيس، وأبو معيط بن أبي عمرو بن أميّة. وذكر القرطبيّ كثيرين غيرهما.\nقال أبو العباس: سألت ابن الأعرابيّ عن نكاح المقت، فقال: هو أن يتزوّج الرّجل امرأة أبيه؛ إذا طلقها، أو مات عنها، ويقال لهذا الرجل: الضّيزن. وقال ابن عرفة: كانت العرب إذا تزوّج الرجل امرأة أبيه، فأولدها، قيل للولد: المقتيّ. وأصل المقت: البغض، من: مقته، يمقته، مقتا، فهو ممقوت، ومقيت، فكانت العرب، تقول للرّجل من امرأة أبيه: مقيت، فسمّى الله تعالى هذا النكاح مقتا؛ إذ هو ذا مقت، يلحق فاعله، وخذ ما يلي:\nفقد روى البغويّ بسنده عن البراء بن عازب﵁قال: مرّ بي خالي، ومعه لواء، فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثني النبيّ ﷺ إلى رجل تزوّج امرأة أبيه أن آتيه برأسه. وينبغي أن تعلم: أنّ ما ذكر في هذه الآية مشروع في بيان من يحرم نكاحها، ومن لا يحرم، وإنّما خصّ هذا النكاح بالنّهي، وأفرده بالذّكر في هذه الآية مبالغة في الزّجر عنه، حيث كانوا مصرّين على تعاطيه. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَنْكِحُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، فلا محلّ لها على الاعتبارين، ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأوّلين مبنية على السّكون في محل نصب مفعول به. ﴿نَكَحَ:﴾ فعل ماض. ﴿آباؤُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ولا تنكحوا الذي، أو شيئا نكحه آباؤكم. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ وعلى اعتبارها مصدرية، وتؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر، والمصدر يؤول باسم مفعول، ويكون التقدير: ولا تنكحوا منكوحة آبائكم. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾","vol":"2","page":407},{"text":"تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السّكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع، أو المتصل. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَلَفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى الزواج، أو النّكاح المفهوم من الفعل السابق. ﴿فاحِشَةً:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿وَمَقْتًا:﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محلّ لها.\n (﴿ساءَ﴾): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فسّره التمييز، وهو: ﴿سَبِيلًا،﴾ والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: ذلك النكاح، وجملة: ﴿وَساءَ سَبِيلًا﴾ مستأنفة لا محل لها. وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف معطوف على خبر: ﴿كانَ﴾ التقدير: ومقولا فيه ساء سبيلا. وهو تكلّف لا داعي له.\n\n<span id=\"aya-516\"></span>﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أي: حرّم عليكم نكاحهنّ، وهو عامّ في كلّ حال، لا يتخصّص بوجه من الوجوه. هذا؛ و﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾ جمع: أم، والقياس أن يكون جمعها أمّات، قال الزّمخشري في الكشاف عند قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. والهاء مزيدة في أمّات، كما زيدت في: أراق، فقيل: أهراق، وشذّت زيادتها في الواحدة كما في قول قصي بن كلاب، وهو الجدّ الرابع للنبي ﷺ: [الرجز]\nأمّهتي خندف والياس أبي... عند تناديهم بهال وهب\nوقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء فيه زائدة، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة يستدلّ على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي؛ إلا أنّ الفرق بين أمّ، وأمّهة: أنّ أمهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدّا، نحو قول السّفاح بن بكير: [السريع]","vol":"2","page":408},{"text":"قوّال معروف وفعّاله... عقّار مثنى أمّهات الرّباع\nو«أمّ» يقع في الغالب على من لا يعقل، وقد يقع على من يعقل، نحو قول جرير: [الوافر]\nلقد ولد الأخيطل أمّ سوء... على باب استها صلب وشام\nوممّا يدل أيضا على زيادة الهاء في أمهة قولهم: أمّ بينة الأمومة-بغير هاء-ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدلّ على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم: تأمّهت أمّا، فتأمّهت تفعّلت بمنزلة: تنبّهت مع أن زيادة الهاء قليلة جدّا، فمهما أمكن جعلها أصلية؛ كان ذلك أولى فيها. والصّحيح: أنها زائدة؛ لأنّ الأمومة حكاها أئمّة اللغة، وأما تأمّهت، فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به لكثرة اضطرابه، وخلله.\nهذا؛ والأمّ تعمّ من ولدتك، أو ولدت من ولدك، وإن علت. ﴿وَبَناتُكُمْ:﴾ جمع بنت أو ابنة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] وتتناول من ولدتها، أو ولدت من ولدها، وإن سفلت.\n ﴿وَأَخَواتُكُمْ:﴾ من جهة الأب، أو الأم، أو منهما. ﴿وَعَمّاتُكُمْ:﴾ جمع: عمّة، وهي كل أنثى ولدها من ولد ذكرا ولدك. ﴿وَخالاتُكُمْ:﴾ جمع: خالة، وهي كلّ أنثى ولدها من ولد أنثى ولدتك قريبا، أو بعيدا. ﴿وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ﴾ تتناول القربى، والبعدى، فهذه الأصناف السّبعة محرّمة بسبب النّسب بنصّ القرآن، وجملته: أنه يحرم على الرّجل أصوله، وفصوله، وفصول أوّل فصل من كلّ أصل بعده أصله، وقل مثله في المرأة، قال العلماء: كلّ امرأة حرّم الله نكاحها بالنسب، والرّحم؛ فحرمتها مؤبّدة، لا تحلّ بوجه من الوجوه.\nالصنف الثاني من المحرمات المحرمات بالسّبب، وهنّ سبع أيضا: الأول، والثاني المحرمات بالرّضاع، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ فكلّ أنثى انتسبت باللّبن إليها فهي أمّك، وبنتها أختك. وإنّما نصّ الله على ذكر الأم، والأخت ليدلّ بذلك على جميع الأصول، والفروع، فنبّه بذلك: أنّه تعالى أجرى الرّضاع مجرى النّسب.\nويدلّ على ذلك ما روي عن عائشة﵂-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «يحرم من الرّضاع ما يحرم من الولادة». أخرجه البخاريّ، ومسلم، فزوج المرضعة أبو الرّاضع، وأولادها أخوته، وأخواتها خالاته، وإخوتها أخواله... إلخ. وإنما سمّى الله المرضعات: أمّهات لأجل الحرمة، فيحرم عليه نكاحها، ويحلّ له النّظر إليها، والخلوة بها، والسّفر معها، وتقديرها، واحترامها، كما فعل الرسول ﷺ في غزوة حنين مع حليمة، السّعدية مرضعته على القول بحياتها بعد انتهاء تلك الغزوة، وإكرام أخته الشّيماء بنت حليمة﵂-. ولا يترتّب على الرضاع جميع أحكام الأمومة من كلّ وجه، فلا يتوارثان، ولا تجب على كلّ واحد نفقة الآخر، وغير ذلك من الأحكام، وصلة الرّحم مشروعة بينهما بلا شكّ.","vol":"2","page":409},{"text":"وإنما يثبت الرضاع بشرطين: أحدهما أن يكون إرضاع الصّبيّ، والصّبيّة في حال الصّغر، وذلك إلى انتهاء سنتين من ولادته، لقوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ وقوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾. الشرط الثاني: أن يكون الرّضاع خمس رضعات متفرّقات. روي ذلك عن عائشة، وبه قال ابن الزّبير﵁-، وإليه ذهب الشّافعي، ويدلّ على ذلك ما روي عن عائشة﵂-: أنّ النبي ﷺ قال: «لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان». أخرجه مسلم.\nوعن عائشة؛ قالت: كان فيما أنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرمن) ثمّ نسخت ب (خمس معلومات) فتوفي رسول الله ﷺ، وهنّ فيما يقرأ من القرآن. قولها: فتوفي رسول الله ﷺ يحتمل: أنّه لم يبلغها نسخ ذلك، وأجمعوا على أنّ هذا لا يتلى، فهو ما نسخ تلاوته وبقي حكمه كآية الرّجم؛ التي ذكرتها مرارا.\nوذهب جمهور العلماء إلى أنّ قليل الإرضاع، وكثيره يحرّم، وهو قول ابن عبّاس، وابن عمر﵃-، وبه قال سعيد بن المسيّب، وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وأبو حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والرواية الثانية كمذهب الشافعي، واحتجّ الجمهور بمطلق الآية؛ لأنه عمل بعموم القرآن، وظاهره، ولم يذكر عددا، وأجاب الشافعي، ومن وافقه في هذه المسألة بأنّ السّنّة مبينة للقرآن، ومفسرة له.\n ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ يعني: إذا تزوّج الرّجل بامرأة حرمت عليه أمّها الأصلية، وجميع جدّاتها من قبل الأب، والأم كما في النسب، والرّضاع أيضا، ومذهب أكثر الصحابة وجميع التّابعين، وكلّ العلماء: أنّ من تزوّج امرأة حرمت عليه أمّها بنفس العقد، سواء دخل بها، أو لم يدخل بها، وذهب جمع من الصحابة إلى أنّ أم المرأة إنّما تحرم بالدخول بابنتها، وهو قول عليّ، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن الزّبير، وجابر، وأظهر الروايات عن ابن عباس﵃ أجمعين-، والعمل اليوم على القول الأوّل، وهو مذهب الجمهور، ويدلّ على ذلك ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه: أن رسول الله ﷺ قال: «أيّما رجل نكح امرأة؛ فلا يحلّ له نكاح ابنتها، وإن لم يكن دخل بها؛ فلينكح ابنتها، وأيّما رجل نكح امرأة؛ فلا يحلّ له أن ينكح أمّها؛ دخل بها، أو لم يدخل». أخرجه الترمذيّ. وروي: أنّ النبي ﷺ قال في رجل تزوّج امرأة، فطلقها قبل أن يدخل بها: «إنّه لا بأس أن يتزوّج ابنتها، ولا يحلّ له أن يتزوّج أمّها». وهذا ما يقرّر قاعدة شرعيّة: (العقد على البنات يحرّم الأمّهات، والدّخول على الأمّهات يحرّم البنات).\n ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ:﴾ ربائبكم: جمع ربيبة، والرّبيب: ولد المرأة من زوج آخر، سمّي بذلك؛ لأنّه يربّه، أي: يتولّى شئونه، ويقوم عليه،","vol":"2","page":410},{"text":"كما يربّ ولده في غالب الأمر. ﴿فِي حُجُورِكُمْ:﴾ خرّج مخرج الغالب، وهو قيد غير لازم؛ لأنّ الرّبيب، والرّبيبة يحرمان، وإن لم يكونا في حجر أحد الزوجين.\nهذا؛ و﴿حُجُورِكُمْ﴾ جمع: حجر بفتح الحاء، وكسرها: مقدّم الثوب، والمراد لازم الكون في الحجور، وهو الكون في تربيتهم، وتحت عنايتهم. هذا؛ والحجر يطلق على أمور: حضن الإنسان، وهو ما بين يديه من ثوبه، يقال: نشا فلان في حجر فلان، أي في رعايته، وحفظه.\nهذا؛ والحجر بفتح الحاء: المنع من التصرّفات الماليّة لسفه، وفلس، وغير ذلك، وأمّا الحجر بكسر الحاء، فيطلق على الفرس، وعلى العقل، وعلى حجر إسماعيل، وعلى حجر ثمود، وعلى الكذب، وعلى الحرام، كما في قوله تعالى في سورة (الفرقان): ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وقد نظمها بعضهم في قوله: [البسيط]\nركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجر... وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر\nلله حجر منعني من دخول الحجر... ما قلت حجرا ولو أعطيت ملء الحجر\nهذا؛ ويقرأ («اللائي») بالهمزة، كقوله تعالى في سورة الطّلاق: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ وقال الشاعر: [الطويل]\nمن اللاء لم يحجبن يبغين حسبة... ولكن ليقتلن البرئ المغفّلا\nهذا؛ و(﴿اللاّتِي﴾) و(﴿اللاّئِي﴾) جمعان ل «الّتي» كما تجمع على: «اللواتي» ولم يوجد هذا الجمع في القرآن، كما تجمع على: «ذوات» قال ابن مالك﵀في ألفيته: [الرجز]\nباللاّت واللاّء الّتي قد جمعا... واللاّء كالّذين نزرا وقعا\n ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ يعني: أزواج أبنائكم. ﴿وَحَلائِلُ﴾ جمع:\nحليلة، أو حليل، والمراد هنا الأوّل. وقيل في اشتقاقهما: إنّهما من الحلول، فسمّيا بذلك؛ لأنهما يحلان منزلا واحدا، وفراشا، فحليل على هذا القول: فعيل بمعنى: مفاعل، مثل شريب، وأكيل، ونديم، بمعنى مشارب، ومؤاكل، ومنادم. وقيل: بل هما مشتقّان من الحلّ؛ لأنّ كلاّ منهما يحلّ لصاحبه، فعلى هذا القول «فعيل» بمعنى: مفعل مثل: حكيم بمعنى محكم.\nوقيل: بل هما مشتقّان من الحل، وهو على هذا القول «فعيل» بمعنى: فاعل، وسمّيا بذلك لأنّ كلاّ منهما يحل إزار صاحبه. وقيل: سمّيا بذلك؛ لأنّ كلاّ منهما يحل من الآخر محلاّ، لا يحلّه سواه، وهو قريب من الأوّل.\nوقوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ خرج الولد المتبنّى، فإنه يجوز له أن يتزوّج امرأة من تبنّاه؛ لأنه كان في الجاهلية، وصدر الإسلام الولد المتبنّى بمنزلة الابن. وقصّة زيد بن حارثة في سورة (الأحزاب) أكبر شاهد على ذلك، ومثل زوجة الابن من الصّلب في التحريم زوجة الابن من الرّضاع.","vol":"2","page":411},{"text":"مسألة البنت المخلوفة من الزّنى: وشرحها: لو زنى بامرأة، ولم يتزوجها بعقد صحيح، وحملت منه ببنت، فيجوز له أن يتزوّج هذه البنت عند الشافعي؛ لأنّه لا حرمة لماء الزنى، ولا يجوز له أن يتزوّجها عند مالك، والثّوري، وأبي حنيفة، والأوزاعيّ، والليث. ولأحمد روايتان، وبالغوا في ذلك بأنّه لو مسّها بشهوة؛ حرمت عليه أمّها، وابنتها، وحرمت على الأب، والابن. وإنّي أجرؤ على الفتوى: أنه على رأيهم في هذا الزّمن لا يوجد شيء حلال؛ لما نسمعه، ونسأل عنه من مباضعة الحموات، أي: أمهات الزّوجات، وغيرهنّ، فضلا عن المداعبة، واللّمس، والنّظر بشهوة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وحجّة الشّافعي﵁فيما ذهب إليه مبدأ: (الحرام لا يحرّم الحلال) وهذا مبدأ مستقيم، والله المستعان، وبه التّوفيق، وعليه الاتّكال.\n ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ:﴾ بنسب، أو رضاع، بل، وبملك يمين؛ أي: لا يجوز للرّجل أن يجمع بين أختين في عصمته في حياتهما، وأجمع العلماء على أنّه لو طلق المرأة طلاقا رجعيّا؛ لا يجوز له أن يتزوج أختها، أو أربعا سواها حتى تنقضي عدّتها. واختلفوا لو طلقها طلاقا بائنا، ولم تنقض عدّتها؛ فالمعتمد: أنه يجوز له زواج أختها، أو أربع. ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ يعني: لكن ما قد مضى؛ فإنّه معفو عنه بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقيل: إنّ فائدة هذا الاستثناء: أنّ أنكحة الكفار صحيحة، فلو أسلم عن أختين؛ قيل: له أختر أيتهما شئت، ويدلّ على ذلك ما روي عن الضّحّاك بن فيروز عن أبيه، قال:\nقلت: يا رسول الله! أسلمت، وتحتي أختان. قال: «طلق أيتهما شئت». أخرجه أبو داود، ومثله ما إذا أسلم، وعنده أكثر من أربع نسوة، فإنّه يختار أربعا، ويطلق سائرهنّ.\nوقال بعض العلماء في حدّ ما يحرم الجمع بينهما، أقول: قرابة بنسب أو لبن، لو فرض أحدهما ذكرا؛ لا يجوز له زواج الآخر، لا يجوز الجمع بينهما. أقول: ويستثنى من ذلك زوجة أبي المرأة فيجوز الجمع بينها وبين ربيبتها، وعليه لا يجوز الجمع بين المرأة، وعمّتها، ولا بين المرأة، وخالتها، ودليله ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها». رواه البخاريّ، ومسلم. والشيعة يجوزون الجمع بين من ذكر؛ لأنهم لا يأخذون بالأحاديث النبوية إلا إذا كانت مروية عن طريق أهل البيت. أعرف شيعيّا جمع بين المرأة، وبنت أختها في حياتهما. والحكمة في منع ذلك ظاهرة، وهو ما يحدث بين الضرائر من التنازع، والتشاجر، وفيه قطع للرّحم بين المرأة وبين بنت أخيها، أو بنت أختها. هذا؛ وقال ابن شهاب: فنرى خالة أبيها، وعمّة أبيها بهذه المنزلة. وإنّما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة، والعمّة على العموم، وتمّ له ذلك.","vol":"2","page":412},{"text":"الإعراب: ﴿حُرِّمَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أُمَّهاتُكُمْ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، والكاف في محل جر بالإضافة، والأسماء التالية معطوفة عليه، و(﴿بَناتُ﴾) مضاف، ﴿الْأَخِ﴾ مضاف إليه، و(﴿بَناتُ﴾) مضاف، و﴿الْأُخْتِ﴾ مضاف إليه. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة (﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾). ﴿أَرْضَعْنَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والنون فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَأَخَواتُكُمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿مِنَ الرَّضاعَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال ممّا قبلهما. ﴿وَأُمَّهاتُ:﴾\nمعطوف أيضا، وهو مضاف، و﴿نِسائِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَرَبائِبُكُمُ:﴾ معطوف أيضا. ﴿اللاّتِي:﴾ صفة له. ﴿فِي حُجُورِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ نِسائِكُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (﴿رَبائِبُكُمُ﴾). ﴿اللاّتِي:﴾ صفة له.\n ﴿دَخَلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة صلة: ﴿اللاّتِي﴾. ﴿بِهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿دَخَلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. و(إن) ومدخولها كلام معترض بين الأسماء المتعاطفة.\n ﴿وَحَلائِلُ:﴾ معطوف على الأسماء السابقة، وهو مضاف، و﴿أَبْنائِكُمُ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جرّ صفة:\n ﴿أَبْنائِكُمُ﴾. ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿الَّذِينَ﴾.\n ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْ﴾): حرف مصدري، ونصب. ﴿تَجْمَعُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (﴿أَنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(﴿أَنْ﴾) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على ﴿أُمَّهاتُكُمْ:﴾ التقدير: وحرم عليكم الجمع... إلخ. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله،","vol":"2","page":413},{"text":"و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿الْأُخْتَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ:﴾ انظر الآية السّابقة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿غَفُورًا رَحِيمًا:﴾ خبران ل ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنْ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-517\"></span>﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ:﴾ عطف على المحرّمات المذكورات قبل. والتحصين:\nالتمنّع، ومنه الحصن؛ لأنّه يمتنع فيه، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾. ومنه: الحصان للفرس؛ لأنّه يمنع صاحبه من الهلاك، والحصان: المرأة العفيفة، والحرّة، والمرأة المسلمة الشّريفة. قال حسّان﵁في الصدّيقة بنت الصدّيق﵂-: [الطويل]\nحصان رزان ما تزنّ بريبة... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\nوالمعنى: حرّمت النساء ذوات الأزواج من النساء، فلا يحلّ لأحد نكاحهنّ قبل مفارقة أزواجهنّ، أو موتهم، وهذه هي السّابعة من النساء، اللاّتي حرمن بالسّبب. قال أبو سعيد الخدري﵁-: نزلت هذه الآية في نساء كنّ هاجرن إلى رسول الله ﷺ، ولهنّ أزواج في مكّة، فتزوجن ببعض المسلمين، ثم قدم أزواجهنّ مهاجرين، فنهى الله عن نكاحهنّ. والمراد تحريم نكاح المذكورات فهو على حذف مضاف.\n ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ يعني: السّبايا، اللاتي سبين ولهنّ أزواج في دار الحرب، فيحلّ لمالكهنّ وطؤهنّ. فعن أبي سعيد الخدري﵁-: بعث رسول الله ﷺ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فأصابوا سبايا لهنّ أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهنّ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. أخرجه مسلم. قال الفرزدق في هذا المعنى: [الطويل]\nوذات حليل أنكحتها رماحنا... حلال لمن يبني بها لم تطلّق\n ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ المعنى: حرمت عليكم أمهاتكم... وكتب عليكم هذا كتابا، بمعنى:\nفرضه، وقضى به. وقيل: المعنى: الزموا كتاب الله، واعملوا به، ولا تخرجوا عن حدوده.","vol":"2","page":414},{"text":"﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ أي: وأحلّ لكم ما سوى ذلكم الذي ذكر من المحرّمات، وظاهر هذه الآية يقتضي حلّ ما سوى المذكورين من الأصناف المحرّمات، لكن قد دلّ الدّليل من السّنّة بتحريم أصناف أخر سوى ما ذكر.\nفمن ذلك: أنّه يحرم الجمع بين المرأة، وعمّتها، وبين المرأة، وخالتها، كما رأيته في الآية السّابقة، ومن ذلك: المطلقة ثلاثا، لا تحلّ لزوجها الأوّل حتى تنكح زوجا غيره. ومن ذلك المعتدّة، فلا تحلّ للأزواج حتى تنقضي عدّتها. ومن ذلك: أنّ من كان عنده أربع نسوة حرم عليه أن يتزوج بخامسة. ومن ذلك الملاعنة، فإنّها محرّمة على الملاعن بالتأبيد، لقوله ﷺ:\n «المتلاعنان لا يجتمعان». فهذه أصناف من المحرمات سوى ما ذكر في الآيتين. فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ ورد بلفظ العموم، لكن العموم دخله التّخصيص، فيكون عامّا مخصوصا.\n ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ﴾ أي: وأحلّ لكم أن تطلبوا بأموالكم، أي: تنكحوا بصداق، أو تشتروا بثمن. وفي الآية دليل على أنّ الصداق لا يتقدّر بشيء، فيجوز على القليل، والكثير، وهو مذهب الشّافعي﵁-، لقوله ﷺ في حديث الموهوبة: «التمس ولو خاتما من حديد». وقال أبو سعيد الخدري﵁-: سألنا رسول الله ﷺ عن صداق النّساء، فقال: «هو ما اصطلح عليه أهلوهم». وروى جابر﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو أنّ رجلا أعطى امرأة ملء يديه طعاما؛ كانت به حلالا». أخرجهما الدّارقطنيّ في سننه.\nقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: لا يكون الصّداق أقل من ربع دينار، أو ثلاثة دراهم كيلا، وعند أبي حنيفة، وأحمد رحمهما الله تعالى: أقلّه عشرة دراهم، واحتجّا بما رواه جابر:\nأنّ رسول الله ﷺ قال: «لا صداق دون عشرة دراهم». أخرجه الدارقطنيّ. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وفي سنده مبشر بن عبيد متروك الحديث.\n ﴿مُحْصِنِينَ:﴾ متعفّفين بالزّواج عن الزنى. ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ:﴾ غير زانين. والسّفاح: الفجور، والزنى، وأصله من السّفح، وهو الصبّ، والسّيلان، قال تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا،﴾ وإنّما سمّي الزنى سفاحا؛ لأنّ الزاني لا غرض له إلا صب النّطفة، ومنه قول النبي ﷺ حين سمع الدفاف في عرس: «هذا النّكاح، لا السّفاح، ولا نكاح السّرّ».\n ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ:﴾ الاستمتاع: التلذّذ. والأجور: المهور، وسمّي المهر أجرا؛ لأنّه أجر الاستمتاع. وهذا نصّ في أنّ المهر يسمى أجرا، ودليل على أنّه في مقابلة البضع؛ لأنّ ما يقابل المنفعة يسمّى أجرا. واختلف في معنى الآية، فقال الحسن، ومجاهد، وغيرهما: المعنى: فما أنفقتم، وتلذّذتم بالجماع من النّساء بالنكاح الصّحيح. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، فالمهر بدل المنافع ليس بدل الأعيان، كما سمّي بدل الدّار، والدّابة أجرا.","vol":"2","page":415},{"text":"وقال قوم: المراد من الآية نكاح المتعة، وهو أن ينكح امرأة إلى مدّة معلومة بشيء معلوم، فإذا انقضت تلك المدّة؛ بانت منه بغير طلاق، ويستبرئ رحمها، وليس بينهما ميراث، وكان هذا في ابتداء الإسلام، ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن المتعة، فحرّمها. ففي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه: أنّه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، فقال ﷺ: «يا أيّها النّاس إنّي كنت أذنت لكم في الاستمتاع بالنّساء، وإنّ الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء؛ فليخلّ سبيله، ولا تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا». وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصّحابة، فمن بعدهم. وعن عليّ﵁-، قال: نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. وفي رواية: الأهلية. أخرجه البخاريّ، ومسلم.\nواختلفت الرّوايات عن ابن عباس﵄في المتعة، فروي عنه: أنّ الآية محكمة. وكان يرخّص في المتعة، قال عمارة: سألت ابن عباس عن المتعة، أسفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا سفاح، ولا نكاح، قلت: فما هي؟ قال: متعة؛ قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾. قلت: هل لها عدّة؟ قال: نعم حيضة، قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا. وروي: أنّ النّاس لما ذكروا، وتذاكروا فتيا ابن عباس بالمتعة؛ حتّى قال أحد الشّعراء: [البسيط]\nأقول للرّكب إذ طال الثّواء بنا... يا صاح هل لك في فتيا ابن عبّاس؟\nفي بضّة رخصة الأطراف ناعمة... تكون مثواك حتّى مرجع النّاس\nقال: قاتلهم الله! أنا ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق، لكن قلت: إنّما تحلّ للمضطر كما تحلّ الميتة له. وروي: أنّه رجع، وقال بتحريمها. روى عطاء الخراساني عن ابن عباس: أنّها صارت منسوخة، بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. وروى سالم بن عبد الله بن عمر: أنّ عمر بن الخطاب﵁صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: ما بال أقوام ينكحون هذه المتعة، وقد نهى رسول الله ﷺ عنها؟ لا أجد رجلا نكحها إلا رجمته بالحجارة. وقال: هدم المتعة النكاح، والطلاق، والعدّة، والميراث. وهذا ما اتفق المسلمون عليه جيلا بعد جيل، وقبيلا بعد قبيل، وآخر من تكلّم بحلّها من المسلمين المأمون الخليفة العباسي، وهو ما يلي:\nفقد روي: أنّه أباحها للمجاهدين، وهم بعيدون عن أهليهم، فدخل عليه العالم الجليل يحيى بن أكثم-رحمه الله تعالى-وهو يرتعد غضبا، فقال المأمون: ما للإمام يشتاط غضبا؟ فقال الإمام العظيم: كيف لا وقد انتهكت حرمات الله، وأحلّ ما حرّم الله، ورسوله؟! قال المأمون:\nومن فعل ذلك؟ فقال: أمير المؤمنين فعل ذلك. قال: وكيف كان ذلك؟! قال: ألم تحل المتعة؛ وقد حرّمها الله، ورسوله إلى يوم القيامة؟ قال: أليست تحلّ بعقد شرعيّ، ومهر، ورضا،","vol":"2","page":416},{"text":"واختيار، مع رشد، وعقل؟! قال: يا أمير المؤمنين! فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أهي زوجة ترث، وتورث؟ قال: لا. قال:\nأيلحق الولد بالمتمتع إذا كان بعيدا عن البلد المتمتّع بها؟ قال: لا، قال: فإذا محرّمة إذا كانت ليست زوجة بالمعنى الصحيح، ولا أمة بملك اليمين. فرجع المأمون عن تحليلها، واستغفر الله.\nبعد هذا أقول: تأباها المروءة، والشّرف، فأيّ رجل فيه شيء من ذلك، ثمّ هو يرضى بأن يعطي أخته، أو بنته لشخص أياما معدودة، ثم هو يردّها له، وقد تكون حملت منه بولد؟! ثمّ ما مصير هذا الولد؟ هل هو لقيط، أو ابن زنى، أو هو ولد شرعي، فيجب أن يرث من والده، وينتسب إليه؟! وهل يتأتّى هذا في نكاح المتعة؟.\n ﴿فَرِيضَةً:﴾ لازمة، وواجبة. ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ:﴾ اختلفوا فيهنّ، فمن حمل ما قلته على نكاح المتعة قال: أراد أنّهما إذا عقدا عقدا إلى أجل على مال، فلمّا تمّ الأجل، فإن شاءت المرأة؛ زادت في الأجل، وزاد الرّجل في الأجر، وإن لم يتراضيا؛ فارقها، وقد تقدّم: أنّ ذلك كان جائزا، ثمّ نسخ، وحرم. ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنّكاح الصحيح؛ قال: المراد بقوله: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾ يعني: من الإبراء من المهر، والافتداء، والاعتياض. وقال الزجّاج: معناه: لا جناح عليكم أن تهب المرأة للزّوج مهرها، وأن يهب الرّجل المرأة التي لم يدخل بها نصف المهر؛ الذي لا يجب عليه.\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا:﴾ بما يصلحكم أيها الناس في مناكحكم، وغيرها من سائر أموركم.\n ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبّر لكم من التدبير، وفيما أمركم به، ونهاكم عنه، ولا يدخل حكمه خلل، ولا زلل، والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿وَالْمُحْصَناتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الْمُحْصَناتُ﴾): معطوف على: ﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾ في الآية السابقة عطف مفرد على مفرد، أو هو نائب فاعل لفعل محذوف، التقدير: وحرمت عليكم المحصنات، فيكون العطف عطف جملة فعلية على مثلها. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان ب (﴿الْمُحْصَناتُ﴾) لأنّه صيغة مفعول. وقيل: متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿إِلاّ﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية.\n ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي. أو إلا شيئا ملكته أيمانكم، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر، والمصدر يؤوّل بصيغة المفعول في محلّ نصب على الاستثناء؛ إذ التقدير: إلا مملوكة أيمانكم.\n ﴿كِتابَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، دلّ عليه: ﴿حُرِّمَتْ﴾ في الآية السابقة، أو المقدّر قبل (﴿الْمُحْصَناتُ﴾). و﴿كِتابَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.","vol":"2","page":417},{"text":"﴿عَلَيْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل المقدر، والجملة الفعلية على هذا مستأنفة، لا محلّ لها.\nهذا؛ وقال الزجّاج، والكوفيّون: ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ اسم فعل أمر، فهو إغراء، و﴿كِتابَ:﴾ مفعول به مقدّم له. وهو غير مسلّم، فإنّ الإغراء لا يجوز فيه تقديم معموله عليه، فلا يقال: زيدا عليك، وزيدا دونك، بل يقال: عليك زيدا، ودونك عمرا. وهناك من يقول: هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: الزموا كتاب الله. هذا؛ وقرأ أبو حيوة، وابن السميقع: («كتب الله عليكم») على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالى، والمعنى: كتب الله عليكم ما قصّه من التحريم.\n ﴿وَأُحِلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أُحِلَّ﴾): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل:\n (﴿أُحِلَّ﴾) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، وعليه ف ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ معترض بين الجمل المتعاطفة، لا محلّ له. ﴿وَراءَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿وَراءَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: لأن، أو بأن تبتغوا، وجوز اعتبار المصدر بدلا من: ﴿ما﴾. وأرى صحة اعتبار المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو ابتغاؤكم، وهذه الجمل يجوز اعتبارها حالا من: ﴿ما﴾ أو مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿بِأَمْوالِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْصِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿غَيْرَ:﴾ حال ثانية، وهو مضاف، و﴿مُسافِحِينَ:﴾ مضاف إليه، وعلامة النصب في الأول، وعلامة الجر في الثاني الياء؛ لأنّهما جمعا مذكر سالمان، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِسْتَمْتَعْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف حال من الهاء العائدة إلى (ما) و(من) بيان لما أبهم فيما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَآتُوهُنَّ:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (فآتوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو (ما) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤]، والجملة الفعلية: (آتوهن...) إلخ في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) موصولة بمعنى اللاتي، وعليه فجملة ﴿اِسْتَمْتَعْتُمْ﴾ صلته، وجملة: ﴿فَآتُوهُنَّ..﴾. إلخ خبره، ودخلت الفاء","vol":"2","page":418},{"text":"على الخبر، وهي زائدة؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: أجورهنّ التي فرضتم لهنّ، وهذه الجملة المقدّرة صلة الموصول المقدّر. وقيل: إنّه حال من: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ فتكون بمعنى: مفروضة.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿جُناحَ﴾ اسمها مبني على الفتح في محلّ نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر: (﴿لا﴾). ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالخبر المحذوف. ﴿تَراضَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) على اعتبارها موصولة، أو صفتها على اعتبارها موصوفة، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور بالباء. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والعامل: ﴿تَراضَيْتُمْ:﴾ أو بمحذوف حال من (ما) وتكون ﴿مِنَ﴾ بيانا لما أبهم فيها، والعامل هو الاستقرار المحذوف، و﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و﴿الْفَرِيضَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَلا جُناحَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ: انظر الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-518\"></span>﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا:﴾ أي: لم يجد غنى، وسعة، ومالا يتزوّج به النساء الحرائر المؤمنات. وسمّي الغنى، والمال: طولا؛ لأنّه ينال به من المراد ما لا ينال مع الفقر، والضيق في العيش. والطّول المراد به هنا: مؤن الزّواج، والنفقات المتعلّقة به. ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي: فلينكح الإماء عند العجز عن تكاليف نكاح الحرّة. والمراد: جارية أخيه المسلم، فإنّ الإنسان لا يجوز أن يتزوّج جارية نفسه بعقد، بل يطؤها بملك اليمين من غير عقد عليها.\nوالخطاب لمن أراد الزواج بالأمة هو مثل قول الرّسول ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم». ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي: من المسلمات، لا من فتيات غيركم، والفتيات الجواري: المملوكات، جمع: فتاة، يقال للأمة صغيرة وكبيرة: فتاة، وللعبد صغيرا","vol":"2","page":419},{"text":"وكبيرا: فتى، وأمّا الأحرار؛ فلا يقال للذّكر فتى، وللأنثى فتاة إلا إذا كانا شابّين، وفي الحديث الصّحيح عن النبي ﷺ قال: «لا يقولنّ أحدكم عبدي، وأمتي، ولكن ليقل: فتاي، وفتاتي».\nوإنّما كان نكاح الأمة منحطّا عن نكاح الحرّة لما فيه من إتباع الولد لأمّه في الرقّ، ولثبوت حقّ السيّد فيها، وفي استخدامها، ولأنّها ممتهنة مبتذلة، خارجة، ولّاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى النّاكح، ومهانته، والعزّة والكرامة من صفات المؤمنين.\n ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ﴾ المعنى: إنّ الله أعلم بتفاصيل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان، ورجحانه، ونقصانه فيهم، وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرّة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرّجل، وحقّ المؤمنين ألا يعتبروا إلا فضل الإيمان، لا فضل الأحساب، والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء، وترك الاستنكاف منه.\n ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: إنّكم كلّكم من نفس واحدة، فلا تستنكفوا من نكاح الإماء عند الضرورة. وإنّما قيل لهم ذلك؛ لأنّ العرب كانت تفتخر بالأنساب، والأحساب، ويسمّون ابن الأمة: الهجين، إذا كانت الأمة ملكا للواطئ، وإذا لم تكن ملكا له؛ فولدها رقيق مثلها، فأعلم الله: أنّ ذلك أمر لا يلتفت إليه، فلا يتداخلنّكم شموخ، وأنفة من التزويج بالإماء، فإنّكم متساوون في النّسب إلى آدم. قال ابن عباس﵄-: يريد الله: أنّ المؤمنين بعضهم أكفاء بعض.\n ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: اخطبوا الإماء إلى ساداتهنّ: فدلّ على أنّ السيّد هو ولي أمته، لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك العبد لا يزوّج نفسه. فعن نافع: أنّ ابن عمر﵄- أخذ عبدا له نكح بغير إذنه، فضربه الحدّ، وفرّق بينهما، وأبطل صداقها؛ لأنّه كان يرى نكاح العبد بغير إذن وليه زنى. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله﵄يقول: قال رسول الله ﷺ: «أيّما عبد نكح بغير إذن سيّده فهو عاهر». فإن كان مالك الأمة امرأة زوّجها من يزوّج المرأة بإذنها، قال رسول الله ﷺ: «لا تزوّج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها، فإنّ الزّانية هي الّتي تزوّج نفسها». هذا؛ وذكرت لك في الآية رقم [٢٢١] من سورة (البقرة) قول الرّسول ﷺ: «لا نكاح إلاّ بوليّ، وشاهدي عدل». انظرها هنالك؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ويحتجّ أبو حنيفة في الآية، فيقول: إنّ لهنّ أن يباشرن العقد بأنفسهن؛ لأنّه اعتبر إذن الولي في نكاحهنّ لا عقدهنّ، وهو مخالف لرأي الجمهور، كما رأيت فيما تقدم.\n ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ أي: وأدّوا إليهن مهورهن بغير مطل، وضرار، وإحواج إلى الاقتضاء واللزوم، وإنّما أضاف الأجور، أي المهور إلى الإماء، والواجب أداؤها إلى أسيادهن، لا إليهن؛ لأنّهن وما في أيديهن مال أسيادهن، فكان أداؤها إليهن أداء إلى السيد، أو هو على حذف مضاف، أصله: فآتوا مواليهن.","vol":"2","page":420},{"text":"﴿مُحْصَناتٍ:﴾ عفائف شريفات. ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ:﴾ غير زانيات، وبين الكلمتين طباق وهو من المحسّنات البديعية. ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ:﴾ زانيات سرّا، والأخدان جمع: خدن، وهو الصّديق في السّرّ. ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ:﴾ زوجن. وقيل: أسلمن، والأول أولى. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ أي: بزنى. وسمي الزنى فاحشة لفحشة؛ لأنّه لم تبحه ديانة من الدّيانات. وذكرت ما فيه الكفاية بشأن الزنى في سورة (الإسراء) وغيرها. ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ أي: من الحدّ الذي على الحرائر. والجمهور على أنّ الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء أكانت مسلمة، أو كافرة، مزوّجة، أو بكرا، مع أنّ مفهوم الآية يقتضي: أنّه لا حدّ على غير المحصنة من الإماء، وقد قال الجمهور: المنطوق مقدّم على المفهوم، فمن المنطوق ما رواه مسلم في صحيحه عن عليّ﵁-: أنّه خطب، فقال: يا أيّها النّاس أقيموا الحدّ على إمائكم؛ من أحصن منهنّ، ومن لم يحصن، فإنّ أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: «أحسنت! اتركها حتّى تتماثل». وفي رواية: «فإذا تعافت من نفاسها، فاجلدها خمسين».\nوعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم، فتبيّن زناها؛ فليجلدها الحدّ، ولا يثرّب عليها (^١)، ثمّ إن زنت؛ فليجلدها الحدّ، ولا يثرّب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فتبيّن زناها؛ فليبعها ولو بحبل من شعر». أخرجاه في الصّحيحين.\n ﴿ذلِكَ:﴾ أي: التّرخيص في نكاح الإماء عند فقد الحرّة، أو عند فقد مئونتها. ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ العنت: المشقة، والتضييق، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ:﴾ وقال تعالى في سورة (آل عمران) محذّرا المؤمنين من الكافرين، والمنافقين: ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ والمراد به هنا: الزّنى. والعنت في الأصل: انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكلّ مشقّة، وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم بأفحش القبائح، وهو الزنى؛ لما يجرّ من الحدّ في الدّنيا، والعقاب الشديد في الآخرة. هذا؛ و﴿خَشِيَ﴾ مضارعه: يخشى، والمصدر: خشية، والرّجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذاك، أي: أشد خوفا، وقد يأتي «خشي» بمعنى علم القلبية، قال الشاعر المسلم: [الطويل]\nولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد\nقالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الخضر﵇-:\n ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. هذا؛ والخشية أصلها: طمأنينة في القلب، تبعث على التوقّي. والخوف: فزع القلب تخفّ له الأعضاء، ولخفّة الأعضاء سمّي: خوفا.\n_________\n١) لا يثرّب عليها: أي لا يوبّخها، ولا يقرّعها بالزنى بعد الضرب. (النهاية).","vol":"2","page":421},{"text":"هذا؛ ويفهم من الآية الكريمة: أنّ نكاح الأمة مشروط بشرطين: العجز عن نكاح الحرّة، وخوف الزنى. والحمد لله رب العالمين حيث ألغي الرقّ. ولم يبق للإماء وجود، ولكن لا بدّ من القول: إنّه قد حلّ محل الإماء الآنسات، وبنات العوائل كما يسمّونه في هذا العصر، فهن القينات، والمغنّيات، والرّاقصات، والخالعات، والهالعات المبتذلات.\n ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ أي: وصبركم عن نكاح الإماء متعفّفين خير لكم. قال النبيّ ﷺ: «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاكه». رواه أبو هريرة﵁-، ورواه أبو إسحاق الثّعلبي.\nوهذا يعني: أنّ الصبر على العزوبة خير من نكاح الأمة؛ لأنّه يفضي إلى إرقاق الولد، والغضّ من النّفس، والصّبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة.\nهذا؛ والصبر: حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللّسان عن الشّكوى، وحبس الجوارح عن التّشويش، وهو مرّ المذاق، يكاد لا يطاق، إلا أنّه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]\nالصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل\nوبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحضّ عليه في الكتاب، والسّنة مقرّر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، ولا تنس: أنّ من أسماء الله: الصّبور، وفسّر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الرّعد) رقم [٢٢]: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله. طالبا بذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسبا أجره على الله. فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله.\nوأمّا إذا صبر العبد؛ ليقال: ما أعظم صبره! وما أشدّ قوّته على تحمّل النوائب! أو يصبر لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كلّه مذموم، ولا ينيل صاحبه الدّرجات العلى، والمقام الرّفيع عند الله، وقد يعرّضه لشديد غضب الله، ونقمته.\nهذا؛ والصّبر على أنواع: الصّبر عن المعصية، وله ثلاثمائة درجة، والصّبر على الطاعة، وله ستمائة درجة، والصّبر على البلاء، وله تسعمائة درجة في الجنّة، لكن ذلك لا يكون إلا بالصّبر عند الصّدمة الأولى، كما روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أنس﵁-، عن النبي ﷺ: أنّه قال: «إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى». وأخرجه مسلم بأتمّ منه، وقال الأستاذ أبو علي: الصّبر حدّه: ألا تعترض على التّقدير، فأمّا إظهار البلوى على غير وجه الشّكوى؛ فلا ينافي الصّبر. قال تعالى في سورة قصّة أيوب-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:\n ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ بعد أن أخبر عنه: أنّه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.","vol":"2","page":422},{"text":"ثمّ اعلم: أنّ الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها الآية رقم [١٥٥] من سورة (البقرة) وما بعدها: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ..﴾. إلخ: ومن آنقها قوله تعالى في سورة (ص) في حقّ أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ حيث قرن هاء الصّبر بنون العظمة. ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد):\n ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾. ومن أعظمها بشارة قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [١٠]: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾.\nفائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا:﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال تعالى شأنه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْتَطِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(﴿مَنْ﴾) بيان لما أبهم في (﴿مَنْ﴾).\n ﴿طَوْلًا:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَنْكِحَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، والمصدر المؤول منهما في محلّ نصب مفعول به ل ﴿طَوْلًا﴾ أو هو بدل من: ﴿طَوْلًا﴾ بدل كلّ من كلّ، أو في محل جر بحرف جر بمحذوف، يقدر ب «إلى» أو بلام التعليل، وعلى الاعتبارين فالجار والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿طَوْلًا﴾. هذا؛ وقيل: إنّ ﴿طَوْلًا﴾ مفعول لأجله، كما قيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، والمعتمد الأوّل.\n ﴿الْمُحْصَناتِ:﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: أن ينكح النّساء المحصنات. ﴿الْمُؤْمِناتِ:﴾\nصفة ثانية، فهما منصوبان، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّهما جمعا مؤنث سالمان. ﴿فَمِنْ ما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من ما): متعلّقان بفعل محذوف، التقدير: فلينكح من ما... إلخ. وقيل: هما متعلّقان بمحذوف صفة لموصول محذوف، التقدير:\nفلينكح امرأة كائنة ممّا. وقيل: متعلّقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالمنكوحة ممّا... إلخ. والكلام على جميع الاعتبارات في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ له؛ لأنّه لم يحلّ محلّ المفرد. ﴿مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة، ومحلّها، وما ذكرته فيها. ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من مفعول: ﴿مَلَكَتْ﴾. ﴿الْمُؤْمِناتِ:﴾ صفة لما قبله. وقيل: هو صفة لموصوف محذوف واقع مفعولا به للفعل المقدّر، التقدير: من فتياتكم الفتيات المؤمنات، وفيه تكلّف لا يخفى، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل:\nالجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت: (﴿مَنْ﴾) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ،","vol":"2","page":423},{"text":"والجملة بعده صلته، والجملة المقدّرة على جميع الاعتبارات خبره، وتكون الفاء زائدة في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والكلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرّابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِإِيمانِكُمْ:﴾ متعلّقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿مِنْ بَعْضٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير، أو هي مستأنفة؛ لا محلّ لها.\n ﴿فَانْكِحُوهُنَّ:﴾ الفاء حرف عطف. على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسّببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (انكحوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء في محل نصب مفعول به، والنون فيه وما في بعده حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، و(إذن) مضاف، و﴿أَهْلِهِنَّ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿وَآتُوهُنَّ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾. ﴿مُحْصَناتٍ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ. ﴿غَيْرَ:﴾ حال أخرى من الضمير، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿مُسافِحاتٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿مُتَّخِذاتِ:﴾ معطوف على: ﴿مُسافِحاتٍ،﴾ وهو مضاف، و﴿أَخْدانٍ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبنيّ على السكون في محل نصب. ﴿أُحْصِنَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، ونون النسوة نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَتَيْنَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿بِفاحِشَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَعَلَيْهِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (عليهن): جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نِصْفُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْمُحْصَناتِ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور","vol":"2","page":424},{"text":"قبلهما، و﴿مَنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والجملة الاسمية: (عليهن ﴿نِصْفُ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ، و(إن) ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنّه جواب (إذا)، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿خَشِيَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) وهو العائد. ﴿الْعَنَتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الفاعل المستتر، و﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْ﴾): حرف مصدري، ونصب. ﴿تَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محلّ رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف المجرورة ب (﴿مَنْ﴾)، والرّابط: الواو، والضمير. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-519\"></span>﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يريد الله إنزال هذه الآيات من أجل أن يبيّن لكم دينكم، ويوضّح لكم شرعكم، ومصالح أموركم. وقيل: يبيّن لكم ما يقرّبكم منه، وما يحل لكم، وما يحرم عليكم، وذلك يدلّ على امتناع خلوّ واقعة عن حكم الله تعالى، كما قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي:\nيرشدكم إلى شرائع من قبلكم في تحريم الأمّهات، والبنات، والأخوات، فإنّها كانت محرّمة على من قبلكم. وقيل: يرشدكم إلى ما لكم فيه مصلحة، كما بينه لمن كان قبلكم. وقيل:\nيهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء، والصّالحين، والطّرق التي سلكوها في دينهم؛ لتقتدوا بهم. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ:﴾ ويوفقكم للتّوبة عمّا كنتم عليه من مخالفة أوامر الله. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ:﴾\nبمصالح عباده فيما يهمّهم في أمر دينهم، ودنياهم. ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما شرع لهم.\nهذا؛ والإرادة: نزوع النّفس، وميلها إلى الفعل، بحيث يحملها عليه، ويقال للقوّة التي هي مبدأ النّزوع، والأوّل مع الفعل، والثّاني قبله، وكلا المعنيين غير متصوّر اتصاف الباري تعالى","vol":"2","page":425},{"text":"به، ولذا اختلف في معنى إرادته تعالى، فقيل: إرادته لأفعاله: أنّه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها. فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النّظام الأكمل، والوجه الأصلح، وانظر الآية رقم [٢٨].\nهذا؛ و﴿سُنَنَ﴾ جمع: سنّة، وهي الشريعة، والطريقة، قال خالد بن زهير الهذلي، وهو الشاهد رقم [٩٢٣]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفلا تجزعن من سيرة أنت سرتها... فأوّل راض سنّة من يسيرها\nوالسّنّة: الإمام المتّبع المؤتم به، قال لبيد﵁في معلّقته: [الكامل]\nمن معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها\nوالسنّة: الأمة، والسّنن: الأمم. قال المفضّل، وأنشد: [البسيط]\nما عاين النّاس من فضل كفضلهم... ولا رأوا مثلهم في سالف السّنن\nهذا؛ والسّنّة بمعنى الشّريعة، والطريقة، تكون حسنة إن كانت في الخير، وتكون سيئة إن كانت في الشر، وخذ ما يلي: عن النبي ﷺ قال: «من سنّ خيرا فاستنّ به؛ كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا، فاستنّ به؛ كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه الإمام أحمد، والحاكم عن حذيفة﵁-. ورواه مسلم، وابن ماجة، والترمذي عن جرير بن عبد الله البجلي بأطول من هذا.\nالإعراب: ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِيُبَيِّنَ:﴾ في اللام أوجه: أحدها:\nأنّها مزيدة في مفعول فعل الإرادة. قاله الزمخشري في غير هذا الموضع، وكأنّ هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له، لما فيها من معنى الإرادة. وقال ابن عطيّة-رحمه الله تعالى-: اللام مؤكدة، دخلت على المفعول به؛ لأنّ التقدير: يريد الله بما أنزل التّبيين. وقيل: اللام لام التعليل، والفعل منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وعليه فالمفعول محذوف، والتقدير: يريد الله بما أنزل التبيين. الثالث: أنّها بمعنى «أن» الناصبة، وأنّها نصبت الفعل بنفسها. قال الفرّاء: العرب تجعل لام «كي» في موضع «أن» في: أراد، وأمر، وإليه ذهب الكسائي، وخطّأ الزجّاج هذا القول، وقال: لو كانت اللام بمعنى «أن» لدخلت عليها لام أخرى، كما تقول: جئت كي تكرمني، ثمّ تقول: جئت لكي تكرمني، وأنشد قول قيس بن عبادة: [الطويل]\nأردت لكيما يعلم النّاس أنّها... سراويل قيس والوفود شهود","vol":"2","page":426},{"text":"قال: والتقدير: أراد الله به ليبيّن لكم، ومثل هذه الآية الآية رقم [٣٢] من سورة (التّوبة)، والآية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب)، والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٨] من سورة (الصف) ومثل ذلك قول كثيّر عزّة-وهو الشّاهد رقم [٢٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nأريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور، متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿سُنَنَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف. و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾\nمتعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَيَتُوبَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ أيضا. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، وتقدير الكلام بعد تأويل الأفعال بمصادر: يريد الله لكم التبيين، وهدايتكم إلى طرق من قبلكم، والتوبة عليكم. وجملة:\n ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ:﴾ مستأنفة أيضا.\n\n<span id=\"aya-520\"></span>﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ:﴾ كرّره للتوكيد، وقال ابن عبّاس﵄-: يريد أن يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحبّ، ويرضى. وقيل: معناه: يدلّكم على ما يكون سببا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ:﴾\nالمراد بهم اليهود، والنصارى، والمجوس، فقد كانوا ينكحون الأخوات من الأب، وبنت الأخ، وبنت الأخت، فلمّا حرّمهن الله تعالى؛ قالوا: إنكم تحلّون بنت الخالة، وبنت العمّة، والخالة، والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنت الأخ، وبنت الأخت، فنزلت الآية. وقيل: هم الزّناة يريدون أن تكونوا مثلهم. هذا؛ و﴿الشَّهَواتِ﴾ جمع: شهوة، وهي حلال إن كانت ممّا أباحه الشّرع الشريف، وحرام إن كانت ممّا حرّمه الدّين الحنيف.\n ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ أي: بموافقتهم على اتباع الشّهوات، واستحلال المحرّمات، فتكونوا مثلهم. هذا؛ والفعل «مال، يميل» من الأفعال التي يتغيّر معناها بتغيّر الجارّ، فتقول:\nملت عنه: إذا كرهته، وأعرضت عنه، وملت إليه: إذا أحببته، وأقبلت عليه. وانظر الآية رقم [١٢٧]: الآتية، ورقم [١٣٥].\nالإعراب: (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿أَنْ يَتُوبَ﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ:﴾ والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمصدر المؤوّل منهما في محلّ نصب","vol":"2","page":427},{"text":"مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿الشَّهَواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿أَنْ تَمِيلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب مفعول به. ﴿مَيْلًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له.\nتنبيه: إرادة الله الخير لعباده المؤمنين ثابتة، وإرادة الفجرة، والكفرة الشرّ للمؤمنين متجدّدة في كلّ وقت، وحين. والأول مستفاد من الجملة الاسمية، والثاني مستفاد من الجملة الفعلية.\n\n<span id=\"aya-521\"></span>﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أي: ليسهّل عليكم أحكام الشّرائع، فهو عامّ في كلّ أحكام الشّرع، وجميع ما يسّره الله لنا، وسهّله علينا، إحسانا منه إلينا، وتفضّلا، ولطفا علينا، ولم يثقل التكاليف علينا، كما أثقلها على بني إسرائيل، فهو كقوله تعالى في سورة (البقرة):\n ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وكما روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «بعثت بالحنيفيّة السّمحة».\nفلذلك رخّص لكم في المضايق، والأمور الشّاقة، كإحلال نكاح الأمة عند عدم القدرة على نكاح الحرّة، وكالإفطار في رمضان بسبب المرض، والسّفر، وغير ذلك كثير ممّا هو معلوم من الدّين.\n ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ والمعنى: أنّ هواه يستميله، وشهوته، وغضبه يستخفّانه، وهذا أشدّ الضّعف، فاحتاج إلى التّخفيف. وقال طاوس-رحمه الله تعالى-: ذلك في أمر النّساء خاصّة. وروي عن ابن عباس﵄-: أنّه قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ أي: لا يصبر عن النّساء. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: لقد أتى عليّ ثمانون سنة، وذهبت إحدى عينيّ، وأنا أعشو بالأخرى، وصاحبي أعمى، وأصمّ-يعني: ذكره-وإنّي أخاف من فتنة النّساء. قال عبادة بن الصّامت﵁-: ألا تروني لا أقوم إلا رفدا، أي: إلا أن أعان على القيام، ولا آكل إلا ما لوّق لي، أي: ليّن، وسخّن، وقد مات صاحبي منذ زمان-يعني ذكره-وما يسرّني أنّي خلوت بامرأة لا يحلّ لي-أي: الخلوة بها-وأنّ لي ما تطلع عليه الشمس، مخافة أن يأتيني الشّيطان، فيحركه، على أنّه لا سمع له، ولا بصر. لذا حذّر الرسول ﷺ من الخلوة.","vol":"2","page":428},{"text":"فعن جابر بن عبد الله﵄-: أنّ النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلّون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإنّ ثالثهما الشّيطان».\nوقال ﷺ: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرّجال من النّساء».\nوقال ﷺ: «لا خير في النّساء، ولا صبر عنهنّ، يغلبن كريما، ويغلبهنّ لئيم، فأحبّ أن أكون كريما مغلوبا، ولا أحبّ أن أكون لئيما غالبا».\nهذا؛ وقيل: معنى: ﴿ضَعِيفًا:﴾ أي: خلق الإنسان من شيء ضعيف، من طين، أو من نطفة، ثمّ من علقة، ثم من مضغة. قال تعالى في سورة الرّوم: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾.\nهذا؛ و﴿الْإِنْسانُ﴾ كلمة تطلق على الذّكر، والأنثى من بني آدم خاصّة، ومثلها: شخص، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أنّ الله لم يقصد الذكور خاصّة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أنّ المراد: الذكر، والأنثى، واللام في الإنسان لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صحّ الاستثناء من الإنسان في سورة العصر. هذا؛ وإنسان العين هو المثال؛ الّذي يرى فيها، وهو النقطة السّوداء؛ التي تبدو لامعة وسط السّواد.\nتنبيه: روي عن ابن عبّاس﵄أنّه قال: ثماني آيات في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس، وغربت: هذه الآيات الثلاث المذكورة تباعا، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ..﴾. إلخ، و﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..﴾.\nإلخ، و﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..﴾. إلخ، و﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ..﴾. إلخ، و﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ..﴾. إلخ.\nتنبيه: دلّت الآيات الثلاث على أنّ الله ﷾ مريد بإرادة قديمة زائدة على الذّات. هذا مذهب أهل السنة، كما أنّه جلّت قدرته عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، سميع يسمع، بصير يبصر، متكلّم بكلام. وهذه كلّها معان وجوديّة أزلية، زائدة على الذّات. وذهب المعتزلة، والشّيعة إلى نفيها، والّذي يقطع دابر هؤلاء أن يقال: لو لم يصدق كونه ذا إرادة؛ يصدق أنّه ليس بذي إرادة، ولو صحّ ذلك؛ لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة، فلم يبق إلا أن يكون الذي لم يتّصف بالإرادة أنقص ممّا هو متّصف بها، ولا يخفى ما فيه من المحال، فإنّه كيف يتصور أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والبديهة تقضي بردّه، وإبطاله. وقد وصف الباري نفسه ﷻ، وتقدّست أسماؤه بأنّه مريد، فقال تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ،﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وانظر الآية رقم [٢٦].\nالإعراب: ﴿يُرِيدُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ يُخَفِّفَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَخُلِقَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿خُلِقَ﴾): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ نائب","vol":"2","page":429},{"text":"فاعله. ﴿ضَعِيفًا:﴾ حال من: ﴿الْإِنْسانُ﴾. وقيل: تمييز، والأوّل أقوى، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير فقط، وقبلها «قد» مقدرة؛ لتقرّب الماضي من الحال.\n\n<span id=\"aya-522\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدّقتم بالله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الّذي هو زينة الإنسان. وقد خاطب الله عباده المؤمنين بهذا النداء في ثمانية وعشرين موضعا من القرآن، وهذا ثاني نداء في هذه السّورة، وخطاب خوطب به المؤمنون بالنداء الدالّ على الإقبال عليهم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم: أن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال. وإنّما خصّهم الله بالنداء؛ لأنّهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عمّا نهى عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.\n ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ:﴾ فقد أضاف الله الأموال إلى المخاطبين، والمراد أموال غيركم. فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وفيه منتهى الزّجر؛ لأنّ الإنسان الكامل يجب عليه أن يحافظ على مال غيره، كما يحافظ على ماله من الضّياع، والهلاك، وهذا من قبيل التعاون الذي حثّ عليه ربّنا، جلّ وعلا، ونبينا ﷺ ذكر مثل ذلك في خطبة الوداع في حجّة الوداع، فقال: «إنّ دماءكم، وأموالكم حرام عليكم... إلخ».\n ﴿بِالْباطِلِ:﴾ بما لم يبحه الشّرع الشّريف، والدّين الحنيف، وهو يعمّ كلّ مال أخذ بدون وجه شرعيّ، وأبوابه كثيرة متفرّعة، ومتنوعة، أذكر منها على سبيل المثال ما أشاع الفساد، والضّلال: الرّبا بآثامه، وشروره، واستغلال النفوذ بأنواعه، وفجوره، والرّشوة بأنواعها، واحتكار البضائع لبيعها بثمن أعلى، وخزنها، وتصريفها بثمن أغلى، والذين يأخذون معاشاتهم، ولا يؤدّون أعمالهم، ويقبضون أجورهم، ويتهرّبون من واجباتهم، والّذين يسرقون، ويخونون، ويغشّون، ويختلسون. ويدخل في ذلك: القمار، والخداع، والغصب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، كما يؤخذ بالحياء؛ إذ ما أخذ بالحياء؛ فهو حرام، أو حرّمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، مثل حلوان الكهّان، والمنجّمين، والمشعوذين، وأثمان الخمور، والخنازير، وأثمان الملاهي الشّاغلة عن ذكر الله تعالى، وربحها، بل وتجارتها حرام، والغبن الفاحش في البيع والشراء، وأفحش ذلك أكل مال اليتيم بغير حقّ، كما رأيته في الآية رقم [١٠].","vol":"2","page":430},{"text":"ومن الأكل بالباطل: أن يحكم الحاكم لك؛ وأنت تعلم أنّك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء الحاكم؛ لأنّه يقضي بالظاهر. فقد روى الأئمّة عن أمّ سلمة﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قطعت له من حقّ أخيه شيئا؛ فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من نار». وفي رواية أخرى: «فليحملها، أو ليذرها».\nهذا؛ والباطل: ضد الحقّ، والباطل بمعنى الفاسد، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ و«بطل» من باب دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل: بضم فسكون: الباطل، والكذب، والزور، والبهتان، والبطالة: التعطّل، والتفرّغ من العمل، ومبطل: اسم فاعل من: أبطل الرّباعي، والباطل في قوله تعالى في سورة (فصلت):\n ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ قال قتادة، والسّدي: الباطل: الشّيطان لا يستطيع أن يغيّر في القرآن شيئا، ولا يزيد، ولا ينقص منه، وقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ الباطل: الشرك، والبطلة في قول الرّسول ﷺ: «لا تستطيعها البطلة» أي: لا تستطيع قراءة سورة (البقرة) السّحرة. هذا؛ ويجمع «باطل» على: أباطيل شذوذا، كما شذّ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع حديث، وعريض، وفظيع. وفي القرطبي: وجمع الباطل: بواطل، والأباطيل جمع: البطولة، ولم أجده في كتب اللغة.\n ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً:﴾ أي: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، والتّجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه: الأجر، والثواب؛ الّذي يعطيه الله تعالى للعبد يوم القيامة عوضا عن الأعمال الصّالحة؛ التي هي بعض من فعله. قال تعالى في سورة (الصف): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾. وقال تعالى في سورة (فاطر): ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.\nوقال تعالى في سورة (التوبة): ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ..﴾. إلخ، فسمّى الله ذلك كلّه: بيعا، وشراء على سبيل المجاز. تشبيها بعقود البيع، والشراء؛ التي تحصل بها الأغراض، والمعاوضات. ﴿عَنْ تَراضٍ:﴾ أي: عن طيب نفس كلّ واحد من المتبايعين. وقيل: هو أن يخيّر كلّ واحد منهما صاحبه بعد البيع فيلزم، وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرّقا، لما روي عن ابن عمر﵄-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا تبايع الرّجلان؛ فكلّ واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرّقا، وكانا جميعا، أو يخيّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك؛ فقد وجب البيع، وإن تفرّقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع؛ فقد وجب البيع». رواه الشّيخان، وغيرهما.\nهذا؛ ومن هذه الآية الكريمة احتجّ الشافعي﵁على أنّه لا يصحّ البيع إلا بالإيجاب، والقبول؛ لأنّه يدلّ على التّراضي نصّا بخلاف المعاطاة، فإنّها قد لا تدلّ على","vol":"2","page":431},{"text":"الرّضا. وخالف الجمهور في ذلك: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد﵃فرأوا: أنّ الأقوال كما تدلّ على التراضي، فكذلك الأفعال تدلّ في بعض المحالّ قطعا، فصحّحوا ببيع المعاطاة مطلقا. هذا؛ وقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾.\nوالرسول ﷺ رغب التّجار في الصّدق، والأمانة، وحذّرهم من الكذب، والخيانة، فعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ قال: «التّاجر الصّدوق الأمين مع النّبيّين، والصّدّيقين والشّهداء يوم القيامة». رواه الترمذيّ.\nوعن عبد الرحمن بن شبل﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ التّجّار هم الفجّار». قالوا: يا رسول الله! أليس قد أحلّ الله البيع؟ قال: «بلى: ولكنّهم يحلفون، فيأثمون، ويحدّثون، فيكذبون». رواه الإمام أحمد، والحاكم، وإنّما قال ذلك؛ لأنّهم أهل دين واحد، فهم كنفس واحدة. وصحّ عن النّبي ﷺ: أنه قال في حجّة الوداع: «ألا لا ترجعوا بعدي ضلاّلا يضرب بعضكم رقاب بعض». وقيل: المعنى لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب المعاصي، ويحتمل أن يكون المعنى: لا تقتلوا أنفسكم في حال ضجر، أو غضب. وقد احتجّ عمرو بن العاص بهذه الآية حين بعثه النبي ﷺ في غزوة ذات السّلاسل، فقال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت، ثمّ صلّيت بأصحابي صلاة الصّبح، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو صلّيت بأصحابك؛ وأنت جنب؟» قلت: يا رسول الله إنّي احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك! فذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيمّمت، ثمّ صليت.\nفضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئا. رواه أحمد، وأبو داود، وانظر قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ في سورة (البقرة) رقم [١٩٤] فله صلة بهذه الآية.\nهذا وأورد ابن مردويه عند هذه الآية قول الرسول ﷺ: «من تردّى من جبل، فقتل نفسه، فهو في نار جهنّم يتردّى فيها خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا، فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا». أخرجه الشّيخان، وغيرهما عن أبي هريرة، ﵁.\n ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ يعني: إنّ الله تعالى من رحمته بكم نهاكم عن كلّ شيء تستوجبون به مشقة، أو محنة. وقيل: إنّه تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم؛ ليكون ذلك توبة لهم، وكان بكم يا أمّة محمد رحيما؛ حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الشاقّة الصّعبة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: (﴿يا﴾) أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). (ها): حرف تنبيه لا محلّ له، وأقحم للتّوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محلّ جرّ بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى. وانظر","vol":"2","page":432},{"text":"الآية رقم [١] إن أردت الزيادة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (﴿أَيُّهَا﴾)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لا:﴾\nناهية جازمة. ﴿تَأْكُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.\n ﴿أَمْوالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما أيضا.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء منقطع بمعنى: لكن. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَكُونَ:﴾\nفعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿تِجارَةً:﴾ يقرأ بالنصب على اعتبار الفعل ناقصا، فيكون اسمه محذوفا، التقدير: إلا أن تكون المعاملة تجارة. ويقرأ بالرفع على اعتبار الفعل تامّا بمعنى: إلا أن تقع تجارة، أو: إلا أن توجد تجارة، مثل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨١]: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ،﴾ وقال الشاعر: [الطويل]\nفدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب\nو﴿أَنْ تَكُونَ:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء المنقطع من: ﴿أَمْوالَكُمْ؛﴾ لأنّ التجارة ليست من جنس الأموال المنهي عن أكلها. ﴿عَنْ تَراضٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف صفة:\n ﴿تِجارَةً﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿تَراضٍ﴾. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل ما قبلها، وهي معطوفة عليها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل... إلخ وإعرابها ظاهر.\n\n<span id=\"aya-523\"></span>﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ أي: ما سبق ذكره من قتل النفس المحرّمة؛ لأنّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور. وقيل: إنّه يعود إلى قتل النفس، وأكل المال بالباطل؛ لأنّهما مذكوران في آية واحدة. وقيل: إنّه يعود إلى كلّ ما نهى الله عنه من أول السّورة إلى هنا. ﴿عُدْوانًا وَظُلْمًا﴾ العدوان: تجاوز الحد، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وقيّد الوعيد بذكر العدوان والظلم؛ ليخرج منه فعل السّهو، والخطأ، وعطف (﴿ظُلْمًا﴾) على ما قبله من تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، فهو من باب الترادف، كما قال عديّ بن زيد العبادي-وهو الشاهد رقم [٦٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nوقدّمت الأديم لراهشيه... وألفى قولها كذبا ومينا","vol":"2","page":433},{"text":"﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ:﴾ ندخله، فيحترق بحرّ نار جهنم. فهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كلّ عاقل لبيب ممّن ألقى السّمع وهو شهيد. ويقرأ الفعل بفتح النون على أنّه مأخوذ من: صلي نارا، وبضمّها على أنّه مأخوذ من: أصلى، ويقرأ بالياء على أنّ الفاعل يعود إلى الله.\n ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا:﴾ سهلا لينا هينا؛ لأنّ الله تعالى قادر على كلّ شيء، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له.\n ﴿عُدْوانًا:﴾ حال من فاعل: ﴿يَفْعَلْ﴾ المستتر، وهو مصدر بمعنى: معتديا. وقيل: هو مفعول لأجله. (﴿ظُلْمًا﴾): معطوف عليه. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿نُصْلِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، أو هو حسب القراءات، والهاء مفعول به أول. ﴿نارًا:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٢٥]. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾\nاسمها. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلّقان بما بعدهما. ﴿يَسِيرًا:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، واعتبارها حالا من الضمير الواقع مفعولا به فيه بعد.\n\n<span id=\"aya-524\"></span>﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ:﴾ اجتناب الشيء: المباعدة عنه، وتركه جانبا، والكبيرة: ما كبر، وعظم من الذّنوب، وعظمت عقوبته. وقال عليّ﵁-: الكبيرة:\nكل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وسئل ابن عباس عن الكبائر: أسبع هي؟ قال: هي إلى السّبعمائة أقرب، وفي رواية: إلى السّبعين أقرب، إلا أنّه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وقال: كلّ شيء عصي الله به فهو كبيرة، فمن عمل شيئا؛ فليستغفر الله، فإنّ الله لا يخلّد في النار من هذه الأمة إلا من كان راجعا عن الإسلام، أو جاحدا فريضة، أو مكذّبا بقدر. وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل:\nيا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ،","vol":"2","page":434},{"text":"وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».\nرواه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنّسائيّ.\nهذا؛ والكبائر لا حدّ لها، فهي كثيرة، مثل: الشرك، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والزنى، واللّواط، واليمين الغموس، والإضرار في الوصية، والغلول. وفي كلّ واحدة أحاديث تحذّر من اقتحامها، وارتكابها. ويضاف إلى ذلك: أكل أموال الناس بالباطل، والإفطار في رمضان بلا عذر، وقطع الرّحم، والخيانة في الكيل، والوزن، وتأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حقّ، والكذب على رسول الله ﷺ عمدا، وسب أصحابه، وكتمان الشّهادة بلا عذر، وأخذ الرّشوة، والقوادة بين الرّجال، والنساء، والسّعاية عند السّلطان، ومنع الزّكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة عليه، ونسيان القرآن بعد تعلّمه، وإحراق الحيوان بالنّار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن.\n ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ أي: نسترها عليكم؛ حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل؛ لأنّ أصل التكفير: السّتر، والتغطية، فصغار الذنوب تكفّر بالحسنات، ولا يكفّر كبارها إلا التوبة والإقلاع عنها، كما ورد في الصحيح عن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ، قال:\n «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ؛ إذا اجتنبت الكبائر». أخرجه مسلم. فقد ثبت بما تقدّم من الأدلّة: أنّ الذنوب على قسمين: صغائر، وكبائر، وانظر قوله تعالى في سورة النّجم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ فإنّه جيّد، والحمد لله!.\nهذا؛ والإصرار على الصّغيرة كبيرة، وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن مسعود﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّهنّ يجتمعن على الرّجل حتّى يهلكنه». وإنّ رسول الله ﷺ: «ضرب لهنّ مثلا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرّجل ينطلق فيجيء بالعود، والرّجل يجيء بالعود حتّى جمعوا سوادا، وأجّجوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها». رواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي. وفي رواية: «إنّ الشّيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب، ولكنّه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقّرات، وهي الموبقات يوم القيامة».\nوعن عائشة﵂-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة! إيّاك ومحقّرات الذّنوب، فإنّ لها من الله طالبا». رواه النّسائيّ، وابن ماجة.\nهذا؛ والصغائر مثل: اللمسة، والنظرة، والكلمة المنهي عنهنّ؛ لأنّهنّ يكنّ ذرائع الفساد، والزنى.","vol":"2","page":435},{"text":"﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ يعني: حسنا شريفا، وهو الجنّة. والمعنى: إذا اجتنبتم الكبائر، وأتيتم بالطاعات؛ نكفّر عنكم الصّغائر، وندخلكم مدخلا تكرمون فيه، وخذ ما يلي:\nقال أبو جعفر بن جرير عن صهيب مولى الصّواري: أنّه سمع أبا هريرة ﵁، وأبا سعيد الخدري ﵁ يقولان: خطبنا رسول الله ﷺ يوما، فقال: «والّذي نفسي بيده- ثلاث مرّات-»، ثمّ أكبّ، فأكبّ كلّ رجل يبكي لا ندري ماذا حلف عليه، ثمّ رفع رأسه، وفي وجهه البشرى، فكان أحبّ إلينا من حمر النّعم. فقال: «ما من عبد يصلّي الصّلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزّكاة، ويجتنب الكبائر السّبع، إلاّ فتحت له أبواب الجنّة، ثمّ قيل له:\nادخل بسلام». رواه النّسائيّ، والحاكم، وابن حبان.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَجْتَنِبُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿كَبائِرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جرّ بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تُنْهَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور ب (عن). وتقدير الكلام: كبائر الذي، أو كبائر شيء تنهون عنه، وجملة: ﴿تَجْتَنِبُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال:\nلأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نُكَفِّرْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة من الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَنُدْخِلْكُمْ:﴾ معطوف على جواب الشرط، ويجوز في مثله النصب على إضمار «أن» والرّفع على الاستئناف. كما رأيت في الآية رقم [٢٨٤]: من سورة (البقرة)، والفاعل مستتر، تقديره «نحن» والكاف مفعول به. ﴿مُدْخَلًا:﴾ مفعول مطلق على اعتباره مصدرا ميميّا، أو هو ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله على اعتباره اسم مكان. ﴿كَرِيمًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-525\"></span>﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾\nالشرح: عن مجاهد، عن أمّ سلمة﵂-، قالت: قلت: يا رسول الله! يغزو الرّجال، ولا نغزو، وإنّما لنا نصف الميراث. فأنزل الله الآية. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-:","vol":"2","page":436},{"text":"وأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ..﴾. إلخ الآية من سورة (الأحزاب). أخرجه الترمذي.\nوقيل: قال الرجال: نرجو أن يكون أجرنا على الضّعف من أجر النساء كالميراث. وقالت النّساء: نرجو أن يكون وزرنا على النّصف من وزر الرّجال، كالميراث، فنزلت.\nهذا؛ وأصل التمنّي: تقدير الشيء في النّفس، وتصديره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين أن يحصل له مال غيره مع زوال النّعمة عن ذلك الغير، فهذا القسم هو الحسد، وهو مذموم؛ لأنّ الله تعالى يفيض نعمه على من يشاء من عباده، وهذا الحاسد يعترض على الله تعالى فيما فعل، وربما اعتقد في نفسه: أنّه أحقّ بالنعمة من ذلك الإنسان أيضا، فهذا اعتراض أيضا، وهو مذموم. القسم الثاني: أن يتمنّى مثل مال غيره، ولا يحبّ أن يزول المال عن الغير، وهذا حسد الغبطة، وهذا ليس بمذموم، ومن الناس من منع منه أيضا، قال: لأنّ تلك النعمة ربّما كانت مفسدة في حقّه في الدّين، أو في الدّنيا.\nقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لا تتمنّ مال فلان، ولا مال فلان، فلا تدري لعلّ هلاكك في ذلك المال، فليعلم العبد: أنّ الله تعالى أعلم بمصالح عباده، فليرض بقضائه، ولتكن أمنيته الزيادة من عمل الآخرة، وليقل: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني، ودنياي، ومعادي. والمعنى: اطلبوا الفضل بالعمل، لا بالحسد، ولا بالأماني الباطلة. قال الرسول ﷺ: «ليس الإيمان بالتّمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل».\nهذا؛ والتمنّي: طلب الشيء البعيد حصوله، بخلاف الترجّي، فإنّه طلب الشيء الممكن حصوله، وتمنّى الشيء: أحبه، ورغب فيه. ويأتي تمنّى بمعنى قرأ، قيل به في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: إذا قرأ ألقى الشّيطان في تلاوته، انظر شرحها هناك، فإنّه جيد. والحمد لله! وأنشد الشّاعر في عثمان بن عفّان﵁-: [الطويل]\nتمنّى كتاب الله آخر ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل\nوقال كعب بن مالك﵁فيه أيضا: [الطويل]\nتمنّى كتاب الله أول ليلة... وآخره لاقى حمام المقادر\n ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: يعني: ممّا ترك الوالدان والأقربون من الميراث، يقول: للذّكر مثل حظ الأنثيين. وقيل: هو الاكتساب في الأجر، يعني: أنّ الرّجال، والنساء في الأجر في الآخرة سواء؛ لأنّ الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، يستوي في ذلك الرّجال، والنّساء، وإن فضّل الرّجال في الدنيا على النّساء.\nوقيل: للرّجال نصيب ممّا اكتسبوا من أمر الجهاد، وللنّساء نصيب مما اكتسبن، يعني: من طاعة","vol":"2","page":437},{"text":"الأزواج، وحفظ الفروج. هذا؛ وشبّه الله تعالى استحقاقهم للإرث، وتملّكهم له بالاكتساب، واشتقّ في لفظ الاكتساب: ﴿اِكْتَسَبُوا﴾ على طريقة الاستعارة التبعية.\n ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يعني: من رزقه. وقيل: من طاعته، وهو سؤال التوفيق للعبادة. وقيل: لم يأمر الله عباده بالمسألة إلا ليعطيهم، وفيه تنبيه على أنّ العبد لا يعيّن شيئا في الدّعاء، والطّلب، لكن يطلب من فضل الله ما يكون سببا لصلاح دينه، ودنياه، وآخرته. وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «سلوا الله من فضله فإنّ الله يحبّ أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج». رواه الترمذيّ.\nوخرّج أيضا ابن ماجة: عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يسأل الله؛ يغضب عليه». وهذا يدلّ على أنّ الأمر بالسّؤال لله تعالى واجب، وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى، فنظمه، فقال: [الكامل]\nلا تسألنّ نبي آدم حاجة... وسل الّذي أبوابه لا تحجب\nالله يغضب إن تركت سؤاله... وبني آدم حين يسأل يغضب\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا:﴾ يعني: إنّه تعالى عليم بما يكون صلاحا للسّائلين، فليقتصر العبد على المجمل في الطّلب، فإنّ الله تعالى عليم بما يصلحه، فلا يتمنّ غير الذي قدّر له. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه؛ حيث جعل النّاس طبقات، ورفع بعضهم درجات.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَتَمَنَّوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فَضَّلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضّمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من بعضكم. ﴿لِلرِّجالِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة معترضة، لا محلّ لها. ﴿مِمَّا:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿نَصِيبٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و(﴿ما﴾) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة. ﴿اِكْتَسَبُوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء اكتسبوه. ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ..﴾. إلخ: إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَسْئَلُوا:﴾ الواو: حرف عطف.","vol":"2","page":438},{"text":"﴿وَسْئَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهُ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: حوائجكم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿لا تَتَمَنَّوْا..﴾.) إلخ، وما بينهما معترض. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من لفظ الجلالة والهاء في محلّ جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى الله. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلّقان ب ﴿عَلِيمًا﴾ بعدهما، و(كلّ) مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَلِيمًا:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-526\"></span>﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ أي: لكلّ تركة جعلنا ورّاثا يستحقّونها. أو: لكلّ ميت جعلنا ورّاثا يرثونه. فالتنوين في (كلّ) قائم مقام المضاف إليه، كما ترى، ويسمّى تنوين العوض. فليرض كل واحد بما قسم الله له من الميراث، ولا يتمنّ مال غيره. ﴿جَعَلْنا مَوالِيَ:﴾ ورّاثا، وموالي: جمع مولى، وهو يطلق في الأصل على الإله المعبود بحقّ، ومن أسماء الله الحسنى: المولى، ويطلق على العبد، والسيد، والأمير، وابن العم. قال الفضل بن العباس﵄-: [البسيط]\nمهلا بني عمّنا مهلا موالينا... لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا\nكما يطلق على الحليف، والناصر، والمعين. قال تعالى في سورة (الدّخان) رقم [٤١]:\n ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى،﴾ ويطلق على مولى العتاقة، والمحالفة، وكلّ منهما لا يكون متصل النّسب في القبيلة، ولكنّه لصيق بها، والموالي في نظر العرب من الخسّة، والضّعة بحيث لا يرونهم في مصافّهم.\n ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ المعاقدة: المحالفة، والمعاهدة، وقد كانوا في الجاهلية وفي بدء الإسلام إذا تحالفوا؛ أخذ كلّ واحد بيد صاحبه، وتحالفوا على الوفاء بالعهد، والتمسّك به، فيقول أحدهم للآخر: دمي دمك، وهدمي هدمك، أعقل عنك، وتعقل عنّي، وأرثك، وترثني.\nفيقبل الآخر، فيكون لكلّ واحد من تركة الآخر السّدس، هذا قول. والقول الآخر: أنّها في شأن المؤاخاة الواقعة بين المهاجرين، والأنصار، وقد نسخت بالآية الكريمة في آخر سورة (الأنفال): ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾.\nوفسّرها أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-بما يلي: لو أسلم رجل، أو امرأة على يد رجل، وتعاقدا على أن يتعاقلا، ويتوارثا، وليس أحدهما بعربيّ، والآخر عربيّ، فيقول الآخر: واليتك","vol":"2","page":439},{"text":"على أن تعقلني إذا جنيت، وترث منّي إذا متّ. ويقول الآخر: قبلت؛ انعقد ذلك، ويرث الأعلى من الأسفل.\n ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ:﴾ من الميراث، والنّصرة، والمعاونة، والنّصيحة، والوصيّة لهم، فنسخ الحكم بالنّسبة للميراث، كما رأيت، وهو باق في البواقي. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ:﴾ ولم يزل كائنا.\n ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا:﴾ قال عطاء-رحمه الله تعالى-: يريد: أنّه لم يغب عنه علم ما خلق، وبرأ. فعلى هذا: الشهيد بمعنى: الشاهد، والمراد منه علمه بجميع الأشياء. وقيل: الشّهيد: هو الشّاهد على الخلق يوم القيامة بكلّ ما عملوه، فعلى هذا: الشّاهد بمعنى: الخبر. وفيه وعد للطّائعين، ووعيد للعاصين.\nهذا؛ وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنا﴾ يكثر التعبير بمثل هذا في القرآن الكريم. قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح): وقوله تعالى: ﴿كَتَبْنا،﴾ ﴿جَعَلْنا،﴾ ﴿إِنّا،﴾ ﴿نَحْنُ،﴾ ﴿نَقُصُّ،﴾ ﴿نُسْئَلُ﴾ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكن له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كلّ ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة، وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنّا، ونحن، وفعلنا، وضربنا... إلخ، ولا يريدون: أنّهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك ربّ العالمين، وربّ كلّ شيء، ومليكه، هو أحقّ أن يقول: ﴿إِنّا نَحْنُ..﴾. إلخ، مع أنّه ليس شريك، ولا مثل، بل له جنود السّماوات والأرض.\nانتهى.\nأقول: و«نا» هذه تسمّى: نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلّم بها العبد. فيقول: أخذنا، وأعطينا، وليس معه أحد، وهذا مستعمل، وواقع.\nالإعراب: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِكُلٍّ﴾): متعلقان بما بعدهما على أنّهما مفعوله الثاني. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَوالِيَ:﴾ مفعول به أول. هذا وجه للإعراب، وهناك وجه آخر، وهو: أنّ الجار، والمجرور: (﴿لِكُلٍّ﴾) متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، والمبتدأ محذوف، والجملة الفعلية صفة (كل) والمفعول الأول محذوف، وتقدير الكلام: ولكلّ جعلنا لهم موالي حظّ. وفيه تكلّف لا يخفى. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة «حظ» المحذوف على الوجه الثاني من الإعراب، أو هما متعلقان بفعل محذوف، تقديره: يرثون مما، وهذه الجملة تكون صفة موالي، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ ب (من). ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْوالِدانِ:﴾ فاعله مرفوع وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ:﴾ معطوف على ما","vol":"2","page":440},{"text":"قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم... إلخ، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء تركه الوالدان.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. وقيل: هو منصوب بفعل محذوف، يفسّره المذكور بعده. وقيل: هو معطوف على (مولى) والمعتمد الأول. ﴿عَقَدَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: عقدت أيمانكم لهم. ﴿فَآتُوهُمْ:﴾ الفاء: صلة. (آتوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿نَصِيبَهُمْ:﴾ مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشّرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ. انظر إعراب الآية السابقة، فإعراب هذه الجملة مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-527\"></span>﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ:﴾ أي: متسلّطون على تأديب النّساء، والأخذ على أيديهنّ. قال ابن عباس﵄-: أمّروا عليهنّ، فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله. والقوّام: هو القائم بالمصالح، والتدبير، والتأديب، فالرّجل يقوم بأمر المرأة، ويجتهد في حفظها. ولمّا أثبت الله القيام للرّجال على النّساء، بيّن السبب، فقال: ﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ يعني: فضّل الله تعالى الرّجال على النّساء بأمور: منها: زيادة العقل، والدّين، والولاية، والشهادة، والجهاد، والجمعة، والجماعات، وبالإمامة، ولأنّ منهم الأنبياء، والخلفاء، والأئمة. ومنها: أنّ الرّجل يتزوج بأربع نسوة، ولا يجوز للمرأة غير زوج واحد، ومنها: زيادة النّصيب في الميراث، والتّعصيب في الميراث، وبيده الطّلاق، والنكاح، والرجعة، وإليه انتساب الأولاد. هذا؛ والتّعبير بالبعضية إيحاء بأنّ المرأة من الرّجل بمنزلة عضو من جسم الإنسان، وكذلك الرّجل، ولا ينبغي أن يتكبّر عضو على عضو، فالكلّ يؤدي دوره بانتظام، ولا غنى لواحد عن الآخر. ﴿قَوّامُونَ﴾ مبالغة قائم، مثله في الآية رقم [١٣٥] الآتية.","vol":"2","page":441},{"text":"وربما أنفقوا من أموالهم يعني: وبما أعطوا من مهور النّساء، والنّفقة عليهنّ. فعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». أخرجه الترمذيّ. هذا؛ وفهم العلماء من هذه الجملة: أنّ الزّوج متى عجز عن نفقتها؛ لم يكن قوّاما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها؛ كان لها فسخ العقد لزوال المقصود؛ الّذي شرع لأجله النكاح، وهو النّفقة عليها، وهو مذهب مالك، والشّافعي. وقال أبو حنيفة: لا يفسخ العقد. لقوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾.\n ﴿فَالصّالِحاتُ..﴾. إلخ هذا كلّه خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزّوج، والقيام بحقّه في ماله، وفي نفسها في حال غيبته. وفي مسند أبي داود عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «خير النّساء الّتي إذا نظرت إليها؛ سرّتك، وإذا أمرتها؛ أطاعتك، وإذا غبت عنها؛ حفظتك في نفسها، ومالك». قال: وتلا هذه الآية: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾. وقال ﷺ لعمر﵁-: «ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء؟ المرأة الصّالحة، إذا نظر إليها؛ سرّته، وإذا أمرها؛ أطاعته، وإذا غاب عنها؛ حفظته». أخرجه أبو داود أيضا.\nومعنى: ﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ أي: بما حفظ من الله حين أوصى بهنّ الأزواج، وأمرهم بأداء المهر، والنّفقة إليهنّ. وقيل: المعنى: بما حفظهنّ الله، وعصمهنّ، ووفّقهن لحفظ الغيب.\n ﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ﴾ أي: تعلمون، وتتيقّنون، مثل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٩]: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾. وقيل: الخوف فيهما بمعنى الظن. ﴿نُشُوزَهُنَّ:﴾ عصيانهنّ، وترفّعهن عن طاعة الأزواج. قال ابن عبّاس﵄-: هو أن تستخفّ بحقوق زوجها، ولا تطيع أمره، وترفع صوتها عليه. والنّشوز مأخوذ من النّشز، وهو ما ارتفع من الأرض، يقال: نشز الرّجل، ينشز، وينشز: إذا كان قاعدا، فنهض قائما، ومنه قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا،﴾ وقال أبو منصور اللغوي: النّشوز: كراهية كلّ واحد من الزوجين صاحبه، يقال: نشزت، تنشز، فهي ناشز بغير هاء.\n ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي: بكتاب الله، أي: ذكّروهن ما أوجب الله عليهنّ من حسن الصّحبة، وجميل العشرة للزّوج، والاعتراف بالدّرجة التي له عليها، ويذكر له قول النّبي ﷺ: «أيّما امرأة ماتت؛ وزوجها عنها راض؛ دخلت الجنّة». رواه ابن ماجة، والترمذيّ عن أمّ سلمة﵂وقوله ﷺ: «إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت بعلها؛ قيل لها: ادخلي من أيّ أبواب الجنّة شئت». رواه الإمام أحمد، والطبرانيّ عن عبد الرحمن بن عوف﵁-. وقال للسّائلة عن حقّ الزوج: «من حقّه أن لو سال منخراه دما، وقيحا، فلحسته بلسانها؛ ما أدّت حقّه، ولو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر؛ لأمرت المرأة","vol":"2","page":442},{"text":"أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها لما فضّله الله عليها». رواه البزار، والحاكم عن أبي هريرة -﵁-. وقال ﷺ: «لا تمنعه نفسها؛ وإن كانت على ظهر قتب». رواه ابن ماجة عن ابن أبي أوفى﵁-.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دعا الرّجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة؛ حتّى تصبح». رواه الشّيخان، وغيرهما، وانظر الآية رقم [١٨].\n ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ:﴾ الهجر في المضجع: هو أن يولّيها ظهره في الفراش، ولا يجامعها. وقيل: هو الابتعاد عن فراشها. وهذا الأولى، فإنّ الزّوج إذا أعرض عن فراشها، فإن كانت محبّة للزّوج؛ فذلك يشقّ عليها، فترجع للصّلاح، وإن كانت مبغضة له، فيظهر النّشوز منها، ويتبيّن: أنّه من قبلها. وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر، كما فعل النبي ﷺ حين أسرّ إلى حفصة، فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه، وكما فعل ﷺ حين تآمرن عليه، وطلبن زيادة في النفقة. انظر سورة (الأحزاب) وسورة (التحريم). ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا عذرا للمولي، كما رأيت في سورة (البقرة) رقم [٢٢٦]، وقد ثبت: أنّ الهجر للمرأة خير علاج لنشوزها، وترفّعها، ولا سيما إذا كان الهجر كناية عن الجماع.\n ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ يعني: إن لم يصلح حالهنّ بالهجران بعد الوعظ، فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، ولا شائن، وهو الذي لا يكسر عظما، ولا يشين وجها، فإنّه إذا أدى إلى الضّرر؛ وجب الضمان مثل ضرب المعلم المؤدّب غلامه للعلم، والأدب. هذا؛ وقال الرسول ﷺ في حجّة الوداع:\n «ألا واستوصوا بالنّساء خيرا فإنّما هنّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنّ شيئا غير ذلك، إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن؛ فعظوهنّ، واهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن أطعنكم، فلا تبغوا عليهنّ سبيلا، ألا إنّ لكم على نسائكم حقّا، ولنسائكم عليكم حقّا، فحقّكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقّهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ، وطعامهنّ». رواه ابن ماجة، والترمذي عن عمرو بن الأحوص الجشمي﵁-.\nقال عليّ﵁-: يعظها بلسانه، فإن انتهت؛ فلا سبيل له عليها، فإن أبت؛ هجر مضجعها، فإن أبت؛ ضربها، فإن لم تتّعظ بالضّرب؛ بعث الحكم. وقال آخرون: هذا الترتيب مراعىّ عند خوف النّشوز، أمّا عند تحقّق النشوز؛ فلا بأس بالجمع بين الكلّ.\n ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ فيما أمرتموهنّ، وطلبتم منهنّ. ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: فلا تطلبوا عليهنّ طريقة تحتجّون بها عليهنّ إذا قمن بواجب حقّكم. وعن حكيم بن معاوية﵁- عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت،","vol":"2","page":443},{"text":"وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلاّ في البيت». أخرجه أبو داود.\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا:﴾ فيه تهديد، ووعيد، وتحذير من ظلم المرأة إذا هي انصاعت لأوامر الزّوج بعد نشوزها. والمعنى: اعلموا: أنّ قدرة الله عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم من نساء، وضعفاء، فأنتم أحقّ بالعفو؛ إن حصل منهم هفوات، ومخالفات. وانظر نشوز الرّجل في الآية رقم [١٢٨].\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في سعد بن الرّبيع﵁أحد نقباء الأنصار، نشزت عليه زوجته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبي زهير، فلطمها، فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! أفرشته كريمتي، فلطمها، فقال ﷺ: «لتقتصّ منه» فانصرفت لتقتصّ منه، فقال ﷺ: «ارجعوا، هذا جبريل أتاني» فأنزل الله هذه الآية، فقال ﷺ: «أردنا أمرا، وأراد الله غيره، وما أراد الله خير» ونقض الحكم الأوّل. وقيل: إنّ في هذا المردود نزل قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.\nتنبيه: ممّا تقدّم يتبيّن لنا: أنّ الله ﷿ لم يأمر في شيء من كتابه بالضّرب صراحا إلا هنا، وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهنّ لأزواجهنّ بمعصية الكبائر، وولّى الأزواج ذلك دون الأئمّة، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود، ولا بيّنات ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النّساء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الرِّجالُ:﴾ مبتدأ. ﴿قَوّامُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَى النِّساءِ:﴾ متعلقان ب ﴿قَوّامُونَ﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿قَوّامُونَ﴾ أيضا، و(ما) تحتمل الموصولة، والمصدرية. ﴿فَضَّلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد محذوف، والتقدير: بالّذي فضّل الله به... إلخ، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ جرّ بالباء، التقدير: بسبب تفضيل بعضهم على بعض. ﴿وَبِما:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، و(ما) تحتمل ما ذكر.\n ﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والتقدير: بالذي، أو: بشيء أنفقوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محلّ جرّ بالباء، التقدير: بإنفاقهم. ﴿مِنْ أَمْوالِهِمْ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف. و﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في (ما)، والهاء في محل جر بالإضافة.","vol":"2","page":444},{"text":"﴿فَالصّالِحاتُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (الصالحات): مبتدأ. ﴿قانِتاتٌ:﴾ خبر أول.\n ﴿حافِظاتٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لِلْغَيْبِ:﴾ متعلقان ب ﴿حافِظاتٌ﴾ لأنّه اسم فاعل، لذا ففيه، وفي سابقه ضمير مستتر هو فاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿حافِظاتٌ﴾ أيضا، و(ما) تحتمل الموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين فجملة: ﴿حَفِظَ اللهُ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء حفظه الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بحفظ الله لهنّ حقوقهنّ، وكرامتهن. ﴿وَاللاّتِي:﴾ الواو: حرف عطف.\n (﴿اللاّتِي﴾): اسم موصول مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَخافُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (﴿اللاّتِي﴾) لا محل لها. ﴿نُشُوزَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون فيه، وفيما بعده حرف دال على جماعة الإناث، وفي خبر المبتدأ وجهان: أحدهما: أنّه الجملة الفعلية. ﴿فَعِظُوهُنَّ..﴾. إلخ، وجاز دخول الفاء زائدة على الخبر على رأي الجمهور؛ لأنّ المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولا عامّا، صلته فعل مستقبل. الوجه الثاني: أنّ الخبر محذوف، التقدير: فيما يتلى عليكم حكم اللاتي... إلخ، فحذف الخبر، والمضاف إلى المبتدأ لا لدلالة عليها، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا نظير ما فعله سيبويه-رحمه الله تعالى-في نحو قوله تعالى في سورة (النّور): ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا..﴾. إلخ؛ أي: فيما يتلى عليكم حكم الزانية... إلخ، ويكون الفعل المذكور في هذه الآيات دالاّ على ذلك المحذوف؛ لأنّه بيان له. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n ﴿فَعِظُوهُنَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على الوجه الأول في الإعراب، وهي لا محلّ لها على الوجه الثاني؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فعظوهن، وتكون الفاء فصيحة، والتي بعدها معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة الفعلية:\n ﴿فَعِظُوهُنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَطَعْنَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَبْغُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد.","vol":"2","page":445},{"text":"﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به. و(إن) ومدخولها كلام مفرع، ومستأنف، لا محلّ له. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا:﴾ إعرابها واضح إن شاء الله.\n\n<span id=\"aya-528\"></span>﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ:﴾ أي: وإن علمتم، وتيقّنتم. وقيل: معناه الظنّ؛ أي: إن ظننتم.\nوأصل الفعل: خوفتم، فنقلت حركة الواو إلى الخاء قبلها بعد سلب فتحتها، فسكنت الواو، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فالكسرة على الخاء للدّلالة على حركته المحذوفة، ولو كانت دليلا على المحذوف؛ لكانت ضمّة. والجمهور على أنّ المخاطب: الحكام، والأمراء. ﴿شِقاقَ:﴾\nللشّقاق ثلاثة معان: أحدها: العداوة، كما في قوله تعالى حكاية عن قول شعيب لقومه: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. إلخ. والثاني: الضّلال: كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾. وكما في الآية الكريمة؛ التي نحن بصدد شرحها؛ لأنّ كلّ واحد من المتشاقّين يكون في شقّ غير شقّ صاحبه، أي: في ناحية، وجهة. قال الشاعر: [الوافر]\nوإلاّ فاعلموا أنّا وأنتم... بغاة ما بقينا في شقاق\nهذا؛ و(بين) ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السّين، لا يقع إلا بين متعدّد لفظا، وحكما. تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى الوصل ما قرئ به سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه، ومن استعماله بمعنى الفراق والبعاد قول كعب بن زهير﵁من قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ، وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nوما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\n ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها:﴾ المخاطب بذلك الحاكم الشّرعي في هذه الأيام؛ لأنّ تنفيذ الأحكام إليه، ويجوز أن يتولّى ذلك جماعة من المسلمين ممّن يسعون في الإصلاح بين النّاس. وقيد الله الحكمين من أهل الزّوجين؛ لأنّهما أعرف بحال الزوجين، ويجب أن يكونا من أهل العدالة، وحسن النظر، والبصر بالفقه، فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك، فيرسل من غيرهم عدلين، عالمين، وذلك إذا أشكل أمرهما، ولم يدر ممّن الإساءة منهما، فأمّا إذا عرف الظّالم منهما؛ فإنّه يؤخذ منه الحقّ لصاحبه، ويجبر على إزالة الضّرر. وهذا بعد أن يختلي الحكم بمن ينوب عنه، ويتعرّف أحواله، ومظالمه، وشكواه، وعلى","vol":"2","page":446},{"text":"الحكمين أن يسعيا بالإصلاح بين الزّوجين، ويذكّر انهما بالله، وبالنّصيحة، وما أفضى به كلّ منهما، فإن أنابا، ورجعا؛ تركاهما، وضمنا لهما حياة سعيدة رغيدة، وإن كان غير ذلك، ورأيا الفرقة؛ فرّقا بينهما، وتفريقهما جائز على الزّوجين، وسواء وافق حكم قاضي البلد، أو خالفه، وكّلهما الزوجان بذلك، أو لم يوكّلاهما. والفراق في ذلك طلاق بائن.\nوقال قوم: ليس لهما الطّلاق ما لم يوكّلهما الزّوج في ذلك، وليعرّفا القاضي بذلك، وهذا بناء على أنّهما رسولان شاهدان، ثمّ القاضي يفرّق إن أراد، ويأمر الحكم بالتّفريق، وهو قول كثيرين. والصّحيح الأول، وأنّ للحكمين التّطليق دون توكيل، وهو قول مالك، والشافعي، وهو مرويّ عن عثمان، وعليّ، وابن عبّاس﵃-، وخالف أبو حنيفة-رحمه الله تعالى- في ذلك، فيرى: أنّ الحكمين لا يطلقان إلا برضا الزوج، واحتجّ بما يلي:\nفقد روى الدارقطنيّ من حديث محمّد بن سيرين عن عبيدة في هذه الآية، قال: جاء رجل، وامرأة إلى عليّ﵁-، ومع كلّ واحد منهما جماعة من الناس، فأمرهم، فبعثوا حكما من أهله، وحكما من أهلها، وقال عليّ للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تفرّقا؛ فرقتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه، ولي. وقال الزّوج: أمّا الفرقة؛ فلا، فقال عليّ﵁-: كذبت! والله لا تبرح حتى تقرّ بمثل الذي أقرّت به! هذا؛ وفي الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما تقول الخوارج: لا تحكيم إلا لله، فهذه كلمة حق يريدون بها الباطل، وقد وافق الإمام أحمد أبا حنيفة فيما ذهب إليه.\n ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا..﴾. إلخ أي: إن يرد الزوجان إصلاحا، وصدقا فيما أخبرا به الحكمين؛ يوفّق الله بينهما، وقال ابن عباس ومجاهد﵃-: إن يرد الحكمان إصلاحا؛ يوفّق الله بين الزوجين. وقيل: المراد: الزوجان.\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا:﴾ يعني: أنّ الله تعالى يعلم كيف يوفّق بين المختلفين، ويجمع بين المتفرّقين. وفيه وعيد شديد للزّوجين، والحكمين؛ إن سلكوا غير طريق الحق. هذا؛ وذكر الله في الآية الكريمة الإصلاح، ولم يذكر ما يقابله وهو التفريق، وفيه إشارة لطيفة إلى أنّه ينبغي للحكمين أن يبذلا جهدهما في الإصلاح؛ لأنّ في التفريق خراب البيوت، وتشتيت الأولاد، وذلك ممّا ينبغي أن يجتنب.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿شِقاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿بَيْنِهِما:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لظرفه، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَابْعَثُوا:﴾ الفاء:","vol":"2","page":447},{"text":"واقعة في جواب الشرط. (ابعثوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿حَكَمًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَهْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حَكَمًا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَحَكَمًا:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿مِنْ أَهْلِها:﴾ متعلقان بمحذوف صفة له، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يُرِيدا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ. ﴿أَصْلَحا:﴾ مفعول به.\n ﴿يُوَفِّقِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿بَيْنِهِما:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله.. إلخ، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا:﴾ تقدّم إعراب مثلها كثيرا.\n\n<span id=\"aya-529\"></span>﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦)﴾\nالشرح: أجمع العلماء: أنّ هذه الآية من المحكم المتّفق عليه، وليس منها شيء منسوخ، وكذلك في جميع الكتب السماوية، ولو لم يكن كذلك؛ لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به كتاب. انتهى. قرطبي. ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ:﴾ العبادة: غاية التذلّل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السّجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا:﴾\nالشرك على أنواع: الأول: الشّرك الظاهر، وهو أن يتّخذ العبد إلها غير الله من حجر، أو شمس، أو قمر، أو شخص من البشر. والثاني: الشرك الخفيّ، وهو أن يعتقد أنّ للشيء تأثيرا في هذا الكون، أو تأثيرا في شيء من الأشياء. ومن الشرك الخفيّ: الرّياء. فعن عبد الله بن عباس﵄-، قال: قال رجل: يا رسول الله! إني أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني. فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ حتّى نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. رواه الحاكم، والبيهقي. قال الماورديّ: قال جميع أهل التأويل: إنّ المراد بالآية النهي عن الرّياء، كيف لا؟ وأحاديث الرّسول ﷺ تصرّح بأنّ الرّياء شرك.\nفعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى يوم القيامة بصحف مختّمة، فتنصب بين يدي الله تعالى، فيقول الله ﷿: ألقوا هذه، واقبلوا هذه، فتقول","vol":"2","page":448},{"text":"الملائكة: وعزّتك وجلالك ما رأينا إلاّ خيرا، فيقول الله ﷿: إنّ هذا كان لغير وجهي، وإنّي لا أقبل إلاّ ما ابتغي به وجهي». رواه الطبرانيّ، والبيهقيّ، والبزّار.\nوعن محمود بن لبيد﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر!» قالوا: وما الشّرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: «الرّياء، يقول الله ﷿ إذا جزى النّاس بأعمالهم: اذهبوا إلى الّذين كنتم تراءون في الدّنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!». رواه الإمام أحمد، والبيهقي. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الكهف) فإنّه جيد، والحمد لله، وانظر «الإخلاص» في سورة (الزّمر) رقم [١١].\n ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ أي: وأحسنوا بالوالدين، والإحسان إلى الأبوين يعرفه كلّ واحد من الناس بفطرته، وهو أن يقوم المرء بخدمتهما، ولا يرفع صوته عليهما بقدر سعته. نعم إنّ البر بالوالدين أمر عظيم حثّ عليه الشّرع، واستحسنه الذّوق، والطّبع، ولكنّهما كما تعلم ليسا في الدّرجة سواء، فإنّ الأمّ قد كابدت في سبيلك، وتعبت أكثر من تعب الأب، وجهاده أضعافا مضاعفة، فهي التي تحمّلت المشقّات، فحملتك في بطنها تسعة أشهر، وهي التي كادت تنزل إلى قبرها حينما ولدتك، ثمّ بعد ذلك هي التي وضعت نفسها تحت تصرفك في ليلك ونهارك، تقوم إذا تحرّكت، وتنزعج إذا بكيت، وكم أصابها المرض، وأعياها السهر، وأضناها البكاء من أجلك، كلّ ذلك في سبيل تربيتك، وتأمين راحتك، وأنت لا تعلم من ذلك شيئا، ولذا جاء التنبيه عليها في سورة (لقمان) رقم [١٤]، وفي سورة (الأحقاف) رقم [١٥] وخذ هنا قول القائل بالإضافة لما ذكرته في سورة (الإسراء) رقم [٢٣ و٢٤]: [الطويل]\nلأمّك حقّ لو علمت كبير... كثيرك يا هذا لديه يسير\nفكم ليلة باتت بثقلك تشتكي... لها من جواها أنّة وزفير\nوفي الوضع لو تدري عليها مشقّة... فمن غصص منها الفؤاد يطير\nفدونك فارغب في عميم دعائها... فأنت لما تدعو إليه فقير\n ﴿وَبِذِي الْقُرْبى﴾ أي: القرابات من جهة الأب، ومن جهة الأم، وهم الأرحام، فقد أمرنا الله ورسوله بالإحسان إليهم وصلتهم، فعن أنس﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسّأ له في أثره؛ فليصل رحمه». رواه البخاريّ، ومسلم.\nوعن عبد الرحمن بن عوف﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﷿: أنا الله، وأنا الرّحمن خلقت الرّحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها؛ وصلته، ومن قطعها؛ قطعته». رواه أبو داود، والترمذيّ.","vol":"2","page":449},{"text":"وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله خلق الخلق، حتّى إذا فرغ منهم، قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك». ثمّ قال رسول الله ﷺ:\n «اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ»﴾. رواه البخاريّ، ومسلم.\n ﴿وَالْيَتامى:﴾ انظر الآية رقم [٢] ورقم [٣] من هذه السّورة ففيهما الكفاية. ﴿وَالْمَساكِينِ﴾ انظر الآية رقم [٨] من هذه السّورة. ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى:﴾ الجار القريب منك، أي: فهو رحم. ﴿وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ أي: الجار الغريب. وقيل: الأوّل الذي قرب جواره منك، والثاني الّذي بعد جواره منك. والتفسير الأوّل قاله علقمة بن عبدة، يخاطب به الحارث بن جبلة الغسانيّ: [الطويل]\nفلا تحرمنّي نائلا عن جناية... فإنّي امرؤ وسط القباب غريب\nوقال نوف الشّامي-رحمه الله تعالى-: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى:﴾ المسلم، و﴿وَالْجارِ الْجُنُبِ:﴾ الكافر، وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها، مندوب إليها، مسلما كان، أو كافرا، وهو الصحيح، والإحسان يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى، والمحاماة دونه، فقد روى البخاريّ عن عائشة﵂عن النبي ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت: أنّه سيورّثه». وروي عن ابن عمر من وجه آخر.\nوعن أبي شريح الكعبي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن!» قيل: يا رسول الله! لقد خاب وخسر من هذا؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه» قالوا: وما بوائقه؟ قال: «شرّه». رواه البخاريّ.\nوروى البزّار عن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «الجيران ثلاثة: جار له حقّ واحد، وهو أدنى الجيران حقّا، وجار له حقّان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقّا، فأمّا الجار الّذي له حقّ واحد؛ جار مشرك لا رحم له، له حقّ الجوار، وأمّا الجار الّذي له حقّان؛ فجار مسلم، له حقّ الإسلام وحقّ الجوار، وأمّا الّذي له ثلاثة حقوق؛ فجار مسلم ذو رحم، له حقّ الجوار، وحقّ الإسلام، وحقّ الرّحم». والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة، ومسطورة.\n ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ:﴾ عن عليّ، وابن مسعود﵄-، قالا: هي المرأة، وقال ابن عباس، ومجاهد﵃-: هو الرّفيق في السّفر، وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: هو الرّفيق الصّالح. وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في","vol":"2","page":450},{"text":"السّفر. قال القرطبيّ: وأسند الطبريّ: أنّ رسول الله ﷺ كان معه رجل من أصحابه، وهما على راحلتين، فدخل رسول الله ﷺ غيضة، فقطع قضيبين، أحدهما معوجّ، فخرج، وأعطى لصاحبه القويم، فقال: كنت يا رسول الله أحقّ بهذا! فقال: «كلاّ يا فلان إنّ كلّ صاحب يصحب آخر فإنّه مسئول عن صحابته ولو ساعة من نهار».\n ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ:﴾ فعن ابن عباس، وجماعة: هو الضعيف. وقال مجاهد: هو الذي يمر عليك مجتازا في السفر. وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضّعيف: المارّ في الطريق، فهما سواء، فعن أبي شريح خويلد بن عمرو﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيّام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحلّ له أن يثوي عنده؛ حتّى يحرجه» رواه مالك، والخمسة ما عدا النّسائي.\n ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ أمر الله بالإحسان إلى المماليك. عن عبد الله بن عمرو﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمّن يملك قوتهم». رواه مسلم.\nوعن أبي هريرة﵁-، عن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه، وكسوته، ولا يكلّف من العمل إلاّ ما يطيق». أخرجه مسلم. وعن أبي ذرّ﵁عن النبيّ ﷺ قال: «هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم، فأعينوهم». أخرجاه في الصّحيحين.\nهذا؛ وذكرت في سورة (النور) رقم [٣٣] كلمة حول ما يطعن به المستشرقون، والملحدون من أبناء المسلمين في الإسلام، وينعتونه بالقسوة، وبأنّه عمل على تكديس الرّق. انظرها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ:﴾ حب الله للعبد: رحمته، وغفرانه، ورضوانه. وعدم محبّته: غضبه، وسخطه، وانتقامه. ﴿مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا:﴾ المختال: المتكبّر، العظيم في نفسه؛ الذي لا يقوم بحقوق الناس، والفخور على عباد الله بما أعطاه الله من نعمه، ولا يشكره عليها. وإنّما ختم الله هذه الآية بهذين الوصفين المذمومين؛ لأنّ المختال الفخور يأنف من أقاربه الفقراء، ومن جيرانه الضّعفاء، فلا يحسن إليهم، ولا يلوي بنظره عليهم؛ ولأنّ المختال هو المتكبّر، ومن كان متكبرا؛ فلا يقوم بحقوق الناس. وخذ ما يلي:\nعن ابن عمر﵄-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء». متفق عليه. وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعظّم في نفسه، أو اختال في مشيته؛ لقي الله-تبارك، وتعالى-وهو عليه غضبان». رواه الطبرانيّ في الكبير، والحاكم بنحوه. وعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي","vol":"2","page":451},{"text":"في حلّة، تعجبه نفسه، ومرجّل جمّته، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة». متفق عليه.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله-جلّ وعلا-:\nالكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في النّار». رواه ابن ماجة، وغيره، والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة مسطورة.\nالإعراب: ﴿وَاعْبُدُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اُعْبُدُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق بين واو العلة، وواو الضمير. هذا هو الإعراب المتعارف عليه، والمشهور بين الناس، والإعراب الحقيقي أن يقال في مثل ذلك: فعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلّص من التقاء الساكنين. أو يقال: منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمّ الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كلّ فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل: اعبدا، وحرّك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة، مثل: اعبدي، وقد حرك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة. والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُشْرِكُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما.\n ﴿شَيْئًا:﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف.\n ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿بِالْوالِدَيْنِ﴾): جار ومجرور متعلّقان بفعل محذوف، والتقدير: أحسنوا بالوالدين، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى لفظا، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة. و(﴿ذِي﴾) مضاف، و﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على (﴿ذِي الْقُرْبى﴾). ﴿ذِي الْقُرْبى:﴾ صفة (الجار) مجرور... إلخ. ﴿الْجُنُبِ:﴾ صفة (الجار).\n ﴿بِالْجَنْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿الصّاحِبِ﴾) وهو أولى من التعليق به نفسه. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ:﴾ معطوف أيضا على ما قبله.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): معطوفة على المجرورات السّابقة مبنية على السّكون في محلّ جرّ، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والتقدير: والذي، أو: وشيء ملكته أيمانكم، وعلى","vol":"2","page":452},{"text":"اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر، والمصدر يؤوّل باسم مفعول، التقدير: ومملوك أيمانكم.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها، والمعلّل محذوف؛ إذ التقدير: لا تفتخروا على هؤلاء؛ لأنّ الله... إلخ. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿مُخْتالًا:﴾\nخبر: ﴿كانَ﴾. ﴿فَخُورًا:﴾ خبر ثان لها، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها.\n\n<span id=\"aya-530\"></span>﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (٣٧)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في اليهود الذين بخلوا ببيان صفة النبي ﷺ فكتموها، وعلى هذا يكون المراد بالبخل: كتمان العلم. وقال ابن عباس﵄-: نزلت في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار، ويقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، ولا تدرون ما يكون. وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالبخل: كتمان العلم، ومنع المال؛ لأنّ البخل في كلام العرب منع السّائل من فضل ما لديه، وإمساك المقتنيات. وفي الشّرع: البخل عبارة عن إمساك الواجب، ومنعه. وإذا كان كذلك؛ أمكن حمله على منع المال، ومنع العلم. ولا بأس به، وبالإضافة لما ذكرته بشأن البخل، والشح في الآية رقم [١٨٠] من سورة (آل عمران) أذكر هنا ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنّم في جوف عبد أبدا. ولا يجتمع شحّ، وإيمان في قلب عبد أبدا». رواه النّسائيّ، وغيره. وعن الحسن البصري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بقوم خيرا؛ ولّى أمرهم الحكماء، وجعل المال عند السّمحاء. وإذا أراد الله بقوم شرّا؛ ولّى أمرهم السّفهاء وجعل المال عند البخلاء». رواه أبو داود في مراسيله.\nوعن جابر بن عبد الله﵄-، عن رسول الله ﷺ، عن جبريل﵇عن الله تعالى قال: «إنّ هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلح له إلاّ السّخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه». رواه الطّبراني في الأوسط. وقال عليّ-كرّم الله وجهه-: إذا أقبلت عليك الدنيا؛ فأنفق منها، فإنّها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك؛ فأنفق منها، فإنّها لا تبقى، وأنشد: [البسيط]","vol":"2","page":453},{"text":"لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة... فليس ينقصها التّبذير والسّرف\nوإن تولّت فأحرى أن تجود بها... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف\nورحم الله من قال: [الوافر]\nوذي حرص تراه يلمّ وفرا... لوارثه ويدفع عن حماه\nككلب الصّيد يركض وهو طاو... فريسته ليأكلها سواه\n ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ قيل: هم الأغنياء؛ الذين كتموا الغنى، وأظهروا الفقر، وبخلوا بالمال. وقيل: المراد اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ الموجودة في التوراة، والإنجيل.\nعن عطاء بن يسار-رحمه الله تعالى-قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص﵄فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: أجل، والله إنّه لموصوف في التّوراة بصفته في القرآن: «يا أيّها النّبيّ إنّا أرسلناك شاهدا، ومبشّرا، ونذيرا، وحرزا للأمّيين، أنت عبدي، ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخّاب بالأسواق، ولا يدفع السّيّئة بالسّيّئة، ولكن يعفو، ويغفر، ولن يقبضه الله؛ حتّى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلاّ الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا». رواه البخاريّ، وأحمد، رحمهما الله تعالى!.\nهذا؛ و(كتم) من باب: نصر، وربما عدّي إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، ومنه الآية رقم [٤٢] الآتية، والأكثر أن يتعدّى للثاني بحرف الجر، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى..﴾. إلخ، وتزاد (من) جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وكتّم الشيء: بالغ في كتمانه، أي: في إخفائه، قال الرسول ﷺ: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» قال صاحب القاموس: والكتم محركة، والكتمان بالضّمّ: نبت يخلط بالحناء، ويخضّب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة. انتهى.\nورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]\nفإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم\nولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم\nلو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم\n ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ:﴾ للجاحدين نعمة الله عليهم؛ إذ يراد بالكفر: الجحود. ﴿عَذابًا مُهِينًا:﴾ أي: يهانون به في الآخرة. وإعلاله مثل إعلال: ﴿مُبِينًا﴾ في الآية رقم [٢٠].","vol":"2","page":454},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب بدلا من: ﴿مَنْ كانَ﴾ في الآية السابقة، أو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، أو هو في محل رفع لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وتكون الجملة بدلا من جملة: ﴿كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ أو مفسرة لها، أو الموصول في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذين يبخلون بما أعطوا، ومنحوا. وأجيز اعتبار الخبر: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ..﴾. إلخ على بعد فيه. ﴿يَبْخَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها، وكذلك جملة:\n ﴿وَيَكْتُمُونَ..﴾. إلخ معطوفة عليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من المفعول الثاني المقدّر. و﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nيكتمون الذي، أو: شيئا آتاهم الله إيّاه من فضله.\n ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَعْتَدْنا﴾): فعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به. ﴿مُهِينًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، وإعادة (الكافرين)، وكان حقّه الإضمار، وأعاده بلفظ (الكافرين) للتشنيع على الباخلين، والكاتمين، و«قد» مقدرة قبل الجملة. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-531\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ..﴾. إلخ: يعني: للفخار، والسّمعة، وليقال: ما أسخاهم! وما أجودهم! لا يريدون بما أنفقوا وجه الله تعالى. نزلت الآية في اليهود الذين يبخلون، ويأمرون الناس بالبخل... إلخ. وقيل: نزلت في المنافقين؛ لأنّ الرّياء ضرب من النّفاق. وقيل: نزلت في مشركي مكّة المنفقين أموالهم في عداوة رسول الله ﷺ في غزوة بدر وغيرها. هذا؛ والرياء شرك. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-، قال: سمعت رسول الله ﷺ: يقول: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملا أشرك معي غيري؛ تركته وشركه». أخرجه مسلم.","vol":"2","page":455},{"text":"وعن شدّاد بن أوس﵁-: أنّه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي؛ فقد أشرك. ومن صلّى يرائي؛ فقد أشرك. ومن تصدّق يرائي؛ فقد أشرك». رواه البيهقيّ.\n ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ أي: الإيمان الحقيقي. ﴿وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هو آخر أيام الدّنيا، فيه الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الربّانيّ.\n ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا..﴾. إلخ. يعني: من يكن الشّيطان صاحبه، وخليله؛ فبئس الصّاحب! وبئس الخليل الشيطان في الدنيا وفي الآخرة! وبيّن الله نتيجة صداقة الشيطان في سورة (ق) وفي سورة (إبراهيم) على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والقرين: المقارن، أي: الصاحب، والصديق. قال طرفة في معلّقته-وينسب لعديّ بن زيد العبادي: وهو مذكور في كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿رِئاءَ:﴾ حال بمعنى مرائين، أو مفعول لأجله، أي: لأجل الرّياء. وقيل: صفة لمفعول مطلق محذوف، والتقدير:\nإنفاقا رئاء. وهو ضعيف. و﴿رِئاءَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِاللهِ﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): حرف نفي. ﴿بِالْيَوْمِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة: (اليوم).\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكُنِ:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ اسم: ﴿يَكُنِ﴾. ﴿لَهُ﴾.\nجار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿قَرِينًا:﴾ خبر: ﴿يَكُنِ﴾. ﴿فَساءَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ساء): فعل جامد لإنشاء الذمّ، وفاعله ضمير مستتر يفسّره التمييز الذي بعده، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: فساء قرينا الشّيطان، وذرّيته! وهذه الجملة في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَكُنِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"2","page":456},{"text":"<span id=\"aya-532\"></span>﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ: أي: وأيّة تبعة، ومؤاخذة، ووبال عليهم في الإيمان بالله، واليوم الآخر؟! والجواب: لا تبعة، ولا ضرر عليهم. والمراد: الذمّ، والتّوبيخ للذين أعرضوا عن الإسلام؛ لأنّ الواقع كلّ مصلحة، ومنفعة موجودة في الإيمان بالله واليوم الآخر، وهذا كقولك للعاقّ: ما ضرّك لو كنت بارّا بوالديك؟! وقد علم: أنّه لا مضرّة في البرّ، والإحسان للوالدين، ولكنّه ذمّ، وتوبيخ. ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا:﴾ تهديد، ووعيد للّذين أعرضوا عن الإيمان بالله، واليوم الآخر... إلخ.\nالإعراب: ﴿وَماذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿ذا﴾): اسم موصول بمعنى الّذي مبني على السكون في محل رفع خبره.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صلة (﴿ذا﴾). هذا؛ ويجوز اعتبار (﴿ماذا﴾) اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجار والمجرور: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلّقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة (﴿الْيَوْمِ﴾). و(﴿لَوْ﴾) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بحرف جر محذوف. انظر تقديره في الشّرح. وقيل: هي الامتناعية جوابها محذوف، التقدير: لو آمنوا؛ لم يضرّهم الإيمان شيئا. والأول أقوى.\n ﴿وَأَنْفَقُوا:﴾ معطوف على: ﴿آمَنُوا،﴾ ويقدّر مثله بمصدر، انظر الشرح. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿رَزَقَهُمُ اللهُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله الأول، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: وأنفقوا من الذي، أو من شيء رزقهم الله إيّاه. ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا:﴾ إعرابها واضح إن شاء الله.\nوالجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿عَلِيمًا﴾ بعدهما.\n<span id=\"aya-533\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: إنّ الله لا يبخس الناس، ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرّة، بل يجازيهم بها، ويثيبهم عليها، فهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وفي صحيح مسلم: عن أنس-رضي الله","vol":"2","page":457},{"text":"عنه-قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدّنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأمّا الكافر؛ فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدّنيا؛ حتّى إذا أفضى إلى الآخرة؛ لم يكن له حسنة يجزى بها». هذا والذّرّة: النّملة الحمراء الصّغيرة، وتقال لكلّ جزء من أجزاء الهباء المنتشر في الفضاء، وهي لا ترى إلا في ضوء الشّمس الدّاخل إلى مكان مظلم.\n ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ أي: يكثر ثوابها، ويبارك فيها، قال قتادة-رحمه الله تعالى-:\nلأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرّة أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها. وفي الصّحيحين عن أبي سعيد الخدري﵁عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطّويل، وفيه: «فيقول الله ﷿: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان، فأخرجوه من النّار».\nوفي لفظ: «أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجوه من النّار. فيخرجون خلقا كثيرا». ثمّ قال أبو سعيد﵁-: اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: قال عبد الله بن مسعود﵁-: يؤتى بالعبد، أو بالأمة، فينادي مناد على رءوس الخلائق: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حقّ؛ فليأت إلى حقّه، ثمّ يقول: آت هؤلاء حقوقهم! فيقول: يا ربّ من أين لي، وقد ذهبت الدّنيا عنّي؟! فيقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى أعماله الصّالحة، فأعطوهم منها. فإن بقي منها مثقال ذرّة من حسنة؛ قالت الملائكة: يا رب-وهو أعلم بذلك منهم-قد أعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، وبقي مثقال ذرّة من حسنة، فيقول الله تعالى للملائكة: ضعّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنّة. ومصداقه:\n ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ..﴾. إلخ. وإن كان عبدا شقيّا؛ قالت الملائكة: إلهنا! فنيت حسناته، وبقيت سيّئاته، وبقي طالبون كثير، فيقول الله تعالى: خذوا من سيئاتهم، وأضيفوها إلى سيّئاته، ثمّ صكّوا له صكّا إلى النّار.\nفالآية على هذا التفسير في الخصوم، وأنّه تعالى لا يظلم مثقال ذرّة للخصم على الخصم يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له، بل يثيبه عليها، ويضعفها له، وقد تقدّم في الآية رقم [٢٨] عن ابن عبّاس﵄-: أنّ هذه الآية إحدى الآيات، الّتي هي خير ممّا طلعت عليه الشّمس.\n ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة. والمعنى: يعطي من عنده أجرا عظيما بعد مضاعفة الحسنة الّتي توفرت له. قال أبو هريرة﵁-: إذا قال الله ﷿: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره؟! وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة مع أنّ له حسنات كثيرة، وأعمالا صالحات.\nهذا؛ والضّعف بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشّيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه:\nأمثاله، هذا هو الأصل في الضّعف، ثمّ استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزّيادة حدّ، فيقال:","vol":"2","page":458},{"text":"هذا ضعف هذا، أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله، فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ بعضهم في سورة (الأحزاب): ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وفي (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وفي هذه السورة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. هذا؛ وللضّعف بتثليث الضّاد معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز]\nفي الرّأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف\nزيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ\nهذا؛ و(لدن) بمعنى: عند، وفيها إحدى عشر لغة، أفصحها إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلّما تفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة؛ تمحّضت للزّمان؛ لأنّ ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث». ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لما لم يتمحّض. (لدن) في الأصل للزّمان. وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنّه لا يقال: لده، ولا لدك. وانظر الآية [٨] من سورة (آل عمران).\n ﴿تَكُ:﴾ أصله تكون، فلمّا دخل الجازم؛ صار: «إن تكون» فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار «إن تكن» ثم حذفت النون الساكنة للتخفيف ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز، وغير لازم، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته ممّا اختصت به كان: [الرجز]\nومن مضارع لكان منجزم... تحذف نون وهو حذف ما التزم\nولحذف النون شروط: أن يكون مضارعا مجزوما بالسّكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا ضمير متّصل كما في الآية الكريمة، وغيره كثير، ومثلها كثير في الشّعر العربي، ولا تحذف عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشّعر، كما في قول الخنجر بن صخر الأسدي-وهو الشاهد رقم [٢٤٣] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [الطويل]\nفإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم\nوأيضا قول الآخر: وهو الشاهد رقم [٢٤٤] من الكتاب المذكور: [الطويل]\nإذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم\nوقرئ شاذّا قوله تعالى: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب...» إلخ. ولم تحذف في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]\nدع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها","vol":"2","page":459},{"text":"فإلاّ يكنها أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها\nيريد نقيع الزّبيب.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَظْلِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها، ومفعول ﴿يَظْلِمُ﴾ محذوف، والتقدير: لا يظلم أحدا.\n ﴿مِثْقالَ:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، والتقدير: ظلما مثقال ذرّة، كما تقول: لا أظلم قليلا، ولا كثيرا. وقيل: ضمن: ﴿يَظْلِمُ﴾ معنى ما يتعدى لمفعولين، فانتصب: ﴿مِثْقالَ﴾ على أنّه مفعول ثان، والأول محذوف، التقدير: لا ينقص، أو لا يغصب أحدا مثقال ذرة من الخير، أو الشر. انتهى. جمل نقلا عن أبي حيان. و﴿مِثْقالَ:﴾ مضاف، و﴿ذَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنَّ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: هو، يعود إلى: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ وإنّما أنّث الضمير؛ لكون: ﴿مِثْقالَ﴾ مضافا إلى ﴿ذَرَّةٍ،﴾ وهي مؤنثة: أو الاسم محذوف، التقدير: إن تك فعلته. ﴿حَسَنَةً:﴾ خبر: ﴿تَكُ﴾.\nهذا؛ وقرئ بالرفع على اعتبار: ﴿تَكُ﴾ تامة، و(«حسنة») فاعلها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُضاعِفْها:﴾ جواب الشّرط، والفاعل يعود إلى الله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: معطوفة على الجملة الاسمية قبلها.\n (﴿يُؤْتِ﴾): فعل مضارع معطوف على جواب الشّرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والمفعول الأول محذوف، التقدير: ويؤت من يريد. هذا؛ ويجوز في مثل هذا الفعل في العربية النصب على إضمار «أن» والرّفع على الاستئناف، كما رأيت في الآية رقم [٢٨٣] من سورة (البقرة).\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنْهُ:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب ﴿مِنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من:\n ﴿أَجْرًا﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-534\"></span>﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾\nالشرح: ﴿فَكَيْفَ إِذا..﴾. إلخ. يعني: فكيف يكون حال هؤلاء المشركين، والمنافقين يوم القيامة. ﴿إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يريد: بنبيّها، والمعنى: يؤتى بالأنبياء يشهدون على أممهم، ولها. ﴿وَجِئْنا بِكَ:﴾ يا محمد. ﴿عَلى هؤُلاءِ﴾","vol":"2","page":460},{"text":"﴿شَهِيدًا﴾ أي: شاهدا على من آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق.\nوقيل: المعنى: وجئنا بك يا محمد شاهدا على صدق هؤلاء الأنبياء بأنّهم بيّنوا لأممهم طريق الحقّ، والصّواب لعلمك بشرعهم، وعقائدهم. هذا؛ وفي الآية ما يسمّى: السؤال عن المعلوم لتوبيخ السّامع، وتقريعه.\nفعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأ عليّ القرآن».\nفقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري». قال:\nفقرأت عليه سورة (النساء) حتى جئت هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ..﴾. إلخ. قال: «حسبك الآن!» قال:\nفالتفتّ إليه، فإذا عيناه تذرفان. متّفق عليه، وزاد مسلم، فقال: «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم» أو قال: «ما كنت فيهم» شكّ أحد رواته. انتهى خازن.\nهذا؛ و«جاء» يستعمل لازما، إن كان بمعنى حضر، وأقبل، ومتعدّيا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول ما هو في هذه الآية، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾. ومثله «أتى» يستعمل لازما، ومتعديا.\n (أمّة): تكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حقّ إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا..﴾. إلخ. وقال الرسول ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده» لأنّه لم يشرك في دينه غيره، و«الأمّة» الطريقة، والملّة، والدّين، كقوله تعالى، حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. وكلّ جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت وحين، و«الأمة»: الشجة التي تبلغ الدماغ، يقال: رجل مأموم، وأميم.\nو«الأمة» أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي: حسن القامة. قال الشاعر: [المتقارب]\nوإنّ معاوية الأكرمين... حسان الوجوه طوال الأمم\nالإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فكيف حالهم، أو في محل نصب حال، عامله محذوف، التقدير: فكيف يصنع هؤلاء الكفرة، والجملة سواء أكانت اسمية، أو فعلية: مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل المقدّر، أو هو متعلّق بنفس المبتدأ الّذي قدّرناه. ﴿جِئْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. هذا؛ ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [٢٥]: من سورة (آل عمران)، ومثل الآيتين قول الفرزدق-وهو الشّاهد رقم [٢٢٥]: من كتابنا: «فتح رب البريّة»، والشاهد رقم [٥٢٨]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]","vol":"2","page":461},{"text":"فكيف إذا مررت بدار قوم... وجيران لنا كانوا كرام\n ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(﴿كُلِّ﴾) مضاف، و﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِشَهِيدٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَجِئْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾\nالهاء للتنبيه لا محل لها. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: ﴿جِئْنا،﴾ أو هما متعلّقان ب ﴿شَهِيدًا﴾ بعدهما. ﴿شَهِيدًا:﴾ حال من كاف الخطاب.\n\n<span id=\"aya-535\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ..﴾. إلخ أي: في اليوم العصيب الذي يشهد فيه كلّ نبيّ على أمته، ويشهد الرّسول ﷺ على أمّته يتمنّى الذين كفروا، وعصوا الرسول لو يدفنوا في الأرض، ثمّ تسوى بهم كما تسوّى بالموتى، أو لو تنشق الأرض، فتبتلعهم، ويكونون ترابا، كقوله تعالى في آخر سورة النبأ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾.\n ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا:﴾ قال ابن عباس﵄في رواية عطاء عنه: لو تسوّى بهم الأرض، وأنّهم لم يكونوا كتموا أمر محمد ﷺ، ولا كفروا به، ولا نافقوه. فعلى هذا القول يكون الكتمان ما كتموا في الدنيا من صفة محمّد ﷺ، ونعته، وهو كلام متصل بما قبله.\nوقيل: هو كلام مستأنف، قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: سأل رجل ابن عباس -﵄فقال: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: هات ما يختلف عليك، قال: منها قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا،﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فقد كتموا، فقال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإسلام ذنوبهم، ويدخلهم الجنة، فيقول المشركون: تعالوا نقول: ما كنا مشركين، فيقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فيختم على أفواههم، وتنطق أيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك عرفوا: أنّ الله لا يكتم حديثا، وعنده ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلاّ من عند الله.\nوقال الحسن البصري: إنّها مواطن؛ ففي موطن لا يتكلّمون، ولا تسمع إلا همسا، وفي موطن يعترفون على أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾. وفي موطن لا يتساءلون، وفي موطن يتساءلون، وفي موطن يسألون الرجعة، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم، وتتكلّم جوارحهم، فهو قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾.","vol":"2","page":462},{"text":"هذا؛ و﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان مضاف لظرف آخر، التنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة دلّت عليها الغاية، فإنّ الأصل: يوم إذ جئنا من كل أمة بشهيد... إلخ، و(إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوّض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء السّاكنين، كما كسرت في (صه، ومه) عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما.\nالإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل بعده. وقيل: متعلّق ب ﴿شَهِيدًا﴾ قبله، وإذ ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرّك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿يَوَدُّ﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل.\n ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿يَوَدُّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها على تعليق الظرف ب ﴿يَوَدُّ،﴾ وصفة له على تعليقه بما قبله. ﴿وَعَصَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، وحركت بالضم لالتقاء الساكنين، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصّلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول به. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري.\n ﴿تُسَوّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿بِهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعل، و﴿لَوْ﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ل ﴿يَوَدُّ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):\nنافية. ﴿يَكْتُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿حَدِيثًا:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محلّ لها. انظر الشرح، وجوز أبو البقاء اعتبارها حالا من واو الجماعة، ويكون الرّابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-536\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾\nالشرح: وجه اتصال الآية بما قبلها: أنّ الله تعالى قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ثمّ ذكر بعد الإيمان الصّلاة التي هي رأس العبادات، ولذلك يقتل تاركها. ولا يسقط فرضها بحال من الأحوال، بل يجب أن تؤدّى بقدر الإمكان.\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: خصّ الله ﷾ المؤمنين بهذا الخطاب؛ لأنّهم كانوا يقيمون الصّلاة، وقد أخذ بعض الصحابة من الخمر، وأتلفت عليهم عقولهم، فخصّوا بهذا","vol":"2","page":463},{"text":"الخطاب. وقيل لهم: لا تدخلوا في الصلاة، وتحرموا بها في حال سكركم، ونهى عن قربان الصّلاة في حال السّكر، وهو أبلغ في النّهي عن الصّلاة في تلك الحالة. والقاعدة: أنّ الأحكام إذا كانت نواهي؛ يقال فيها: لا تقربوها؛ على حدّ قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى،﴾ و﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ وهكذا، وإن كانت أوامر، يقال فيها: لا تعتدوها، أي: لا تتجاوزوها، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾. هذا وقيل: المراد بالصلاة: أمكنتها، وهي المساجد. و﴿سُكارى﴾ يقرأ بفتح السين وضمها، كما قرئ: («سكرى») كهلكى، على أنّه جمع، أو مفرد بمعنى: وأنتم قوم سكرى.\n ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ أي: في صلاتكم من الذكر، وقراءة القرآن. وهذا كان قبل نزول تحريم الخمر، كما ستعرفه. ﴿وَلا جُنُبًا﴾ أي: في حال الجنابة، والجنب يستوي فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث؛ لأنّه اسم جرى مجرى المصدر الّذي هو: الإجناب، وأصل الجنابة: البعد، سمّي الذي أصابته الجنابة جنبا؛ لأنّه يتجنّب الصلاة، والمسجد. وقيل:\nلمجانبته النّاس؛ حتّى يغتسل، قال علقمة بن عبدة: [الطويل]\nفلا تحرمنّي نائلا عن جنابة... فإنّي امرؤ وسط القباب غريب\nهذا؛ والجنابة تحصل بخروج المنيّ بأيّ سبب كان، وبإدخال الحشفة في فرج، ولو بهيمة، ولو من غير إنزال.\nهذا؛ ويحرم على الجنب خمسة أشياء: الصّلاة، والطّواف، وقراءة القرآن، ودخول المسجد، ومسّ المصحف، وحمله. ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ العابر هاهنا: اسم فاعل من العبور، وهو قطع الطريق من هذا الجانب إلى الجانب الآخر. واختلف العلماء في معناه على قولين:\nأحدهما: أنّ المراد بالعبور في المسجد، وذلك أنّ قوما من الأنصار، كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم الجنابة، ولا ماء عندهم، ولا ممرّ لهم إلا في المسجد، فرخّص لهم العبور فيه. فعلى هذا يكون المراد بالصّلاة موضع الصّلاة. والمعنى: لا تقربوا المسجد، وأنتم جنب إلا مجتازين فيه، إمّا للخروج منه، أو للدخول فيه، مثل أن يكون قد نام في المسجد، فأجنب، فيجب الخروج منه، أو يكون الماء في المسجد، فيدخله إليه، أو يكون طريقه عليه، فيمر فيه من غير إقامة. وهذا قول ابن مسعود، وأنس، والحسن البصري، وكثير من التابعين، وإليه ذهب الشّافعي، وأحمد﵃-.\nالقول الثاني: أنّ المراد من قوله: ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ المسافرون، والمعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين، ولم تجدوا ماء، فتيمّموا. فمنع الجنب من الصّلاة؛ حتّى يغتسل، إلا أن يكون في سفر، ولا ماء معه، فيتيمّم، ويصلّي إلى أن يجد ماء، فيغتسل.","vol":"2","page":464},{"text":"وهذا قول عليّ، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، فمن جعل عابري السبيل المسافرين؛ منع الجنب من العبور في المسجد. وهو مذهب أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.\nوصحّح ابن جرير الطبري، والواحدي القول الأول، ويدلّ عليه: أنّ جميع القراء استحسنوا الوقف على قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.\nتنبيه: اختلف العلماء في العبور في المسجد، فأباحه قوم على الإطلاق، وهو قول الحسن، وبه قال مالك، والشّافعي. ومنعه قوم على الإطلاق، وهو قول أصحاب الرأي. وقال قوم: يقيم للعبور في المسجد. واختلف العلماء في المكث في المسجد أيضا للجنب، فمنعه أكثر أهل العلم، وقالوا: لا يجوز للجنب المكث في المسجد بحال، لما روي عن عائشة﵂قالت: جاء رسول الله ﷺ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد» فخرج إليهم بعد، فقال: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإنّي لا أحلّ المسجد لحائض، ولا جنب». أخرجه أبو داود. وجوز الإمام أحمد المكث في المسجد للجنب بشرط الوضوء. وعن عبد الله بن عمر﵄-، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقرأ الجنب، ولا الحائض، ولا النّفساء من القرآن شيئا». أخرجه الدّارقطني.\n ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى:﴾ جمع مريض، وأراد به المرض الذي يضرّ معه إمساس الماء، فيخاف من استعماله التلف، أو زيادة المرض، فإنّه يتيمّم، ويصلي مع وجود الماء، وإن كان بعض أعضائه صحيحا، وبعضها جريحا؛ غسل الصّحيح، ويتيمّم عن الجريح في الوجه واليدين، لما روي عن جابر﵁-، قال: خرجنا في سفرنا، فأصاب رجلا منّا حجر، فشجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمّم؟ فقالوا: ما نحد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنّما شفاء العيّ السّؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم، ويعصر، أو يعصب-شكّ الرّاوي-على جرحه خرقة، ثمّ يمسح عليه، ويغسل سائر جسده». أخرجه أبو داود، والدارقطني.\nولم يجوّز أصحاب الرأي الحنفيّة الجمع بين الغسل، والتيمم، قالوا: إذا كان أكثر أعضائه أو بدنه صحيحا غسل الصحيح، ولا يتيمّم عليه، وإن كان الأكثر جريحا؛ اقتصر على التيمّم.\nوالحديث حجّة لمن أوجب الجمع بين الغسل، والتيمّم.\n ﴿أَوْ عَلى سَفَرٍ﴾ يعني: أو كنتم مسافرين، وأراد به السّفر الطّويل، والقصير، وعدم الماء، فإنّه يتيمّم، ويصلّي، ولا إعادة عليه، لما روي عن أبي ذر﵁قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ: أي: من مال الزّكاة، فقال: «يا أبا ذرّ! ابد فيها» أي: أخرج إلى البادية فيها، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس، والستّ، فأتيت رسول الله ﷺ","vol":"2","page":465},{"text":"فأخبرته، فقال: «ثكلتك أمّك يا أبا ذرّ! لأمّك الويل!» فدعا بجارية سوداء، فجاءت بعسّ فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترت بالرّاحلة، فاغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلا، فقال ﷺ:\n «الصّعيد الطّيّب وضوء المسلم إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء؛ فأمسّه جلدك، فإنّ ذلك خير». أخرجه أبو داود.\nأمّا إذا لم يكن الرّجل مريضا، ولا على سفر، وعدم الماء في موضع لا يعدم فيه غالبا؛ فإنّه يتيمّم، ويصلي، ثمّ يعيد إذا وجد الماء، وقدر عليه. وبه قال الشّافعيّ. وقال مالك، والأوزاعيّ: لا إعادة عليه، وقال أبو حنيفة: يؤخّر الصّلاة حتّى يجد الماء.\n ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ:﴾ الغائط: المكان المطمئن من الأرض، وجمعه: الغيطان، وكانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث، فكنوا به عن الحدث، وذلك أنّ الرّجل منهم كان إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطا من الأرض-يعني: مكانا منخفضا من الأرض-يحجبه عن أعين الناس، فسمّي الحدث بهذا الاسم، فهو من باب تسمية الشّيء باسم مكانه.\n ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ:﴾ إذا أفضى الرّجل بيده، أو بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة، ولا حائل بينهما؛ انتقض وضوؤهما، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وبه قال الزّهري، والأوزاعيّ، والشّافعيّ، لما رواه الشافعي بسنده عن ابن عمر: أنّه قال: «قبلة الرّجل امرأته، وجسّها بيده من الملامسة، فمن قبّل امرأته، أو جسّها بيده؛ فعليه الوضوء». أخرجه مالك في الموطّأ. وقال الشافعي: وبلغنا عن ابن مسعود مثله، وقال مالك، والليث بن سعد، وأحمد: إذا كان اللمس بشهوة؛ انتقض الوضوء، وإن لم يكن بشهوة؛ فلا. وقال أبو حنيفة: لا ينتقض الوضوء باللّمس إلا أن يحدث الانتشار، وقال: إنّ ﴿لامَسْتُمُ﴾ بمعنى: جامعتم، ويؤيد الأوّل قراءة: («لمستم») واللّمس يطلق في الشّرع على الجسّ باليد، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: جسّوه. وقال ﷺ لماعز حين أقرّ بالزنى يعرض له بالرجوع عن الإقرار: «لعلّك قبلت، أو لمست». وفي الحديث الصحيح: «واليد تزني، وزناها اللّمس». وقالت عائشة﵂-: قلّ يوم إلا ورسول الله ﷺ يطوف علينا، فيقبّل، ويلمس، ولا دليل فيه لعدم النّقض، بل هو دليل على أنّ اللّمس: الملامسة، لا الجماع.\n ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا:﴾ اعلم أنّ التيمم من خصائص هذه الأمّة، خصّها الله به؛ ليسهل عليهم أسباب العبادة، ويدلّ على ذلك ما روي عن حذيفة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «فضّلنا على النّاس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلّها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا؛ إذا لم نجد الماء». أخرجه مسلم.\nوكان سبب بدء التيمّم ما روي عن عائشة﵂-، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتّى إذا كنّا بالبيداء، أو بذات الجيش؛ انقطع عقد لي، فأقام رسول الله","vol":"2","page":466},{"text":"ﷺ على الناس، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى النّاس إلى أبي بكر -﵁فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة برسول الله ﷺ، وبالنّاس معه، وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر، ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي؛ قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليس معهم ماء قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده بخاصرتي، فلا يمنعني من التّحرّك، إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمّم، فتيمّموا، فقال أسيد بن حضير ﵁وهو أحد النّقباء-: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر! قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته. أخرجاه في الصّحيحين.\nواختلف في الصّعيد الطيب: فقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار، وهو القدوة في اللّغة، وقوله في ذلك حجّة، وقد وافقه على ذلك الفراء، وأبو عبيدة في أنّه التراب. وجميع الأقوال في الصّعيد صحيحة في اللّغة، وقد قال ابن عباس﵄-: الصّعيد: هو التراب، ولأن النبيّ ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجدا، وترابها طهورا». فخصّ التراب بالطّهور، ولأنّ الله تعالى وصف الصّعيد بالطّيب، والطّيب من الأرض الّذي هو ينبت فيها، بدليل قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ فعلى هذا ما لا ينبت ليس بطيّب، وللشّافعي أيضا قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وكلمة (من) للتبعيض هنا، ولا يأتي ذلك في الصّخر الذي لا تراب عليه. وأيضا فإنّه يقال للغبار: صعيدا؛ لأنّه مأخوذ من الصّعود، وهو الارتفاع، ولا يكون ذلك في الصّخر، وما أشبهه.\nوذهب أبو حنيفة، ومالك-رحمهما الله تعالى-إلى أنّه يجوز التيمّم بكل ما هو من جنس الأرض، كالرّمل، والجصّ، والنّورة والزّرنيخ، ونحو ذلك حتى لو ضرب يده على صخرة ملساء، لا غبار عليها؛ صحّ تيمّمه عندهم، واحتجّوا بظاهر الآية، قالوا: لأنّ التيمّم القصد، والصّعيد اسم لما تصاعد من الأرض، فقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي: اقصدوا أرضا، فوجب أن يكون هذا القدر كافيا.\n ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ:﴾ الوجه الممسوح في التيمّم هو المحدود في الوضوء، وفي اليدين إلى المرافق، وذلك يكون بضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين.\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا:﴾ يتجاوز عن ذنوب عباده، ويعفو عنهم، ويصفح، فهو صيغة مبالغة.\n ﴿غَفُورًا:﴾ ستورا على عباده، يغفر الذنوب، ويسترها. وفيه تنبيه على أنّ الله تعالى رخّص لعباده أمر العبادة، ويسّرها عليهم؛ لأنّ من كانت عادته أن يغفر الذّنوب، ويسترها؛ كان أولى بأن يرخّص للعاجزين أمر العبادة.","vol":"2","page":467},{"text":"بعد هذا: أفادت الآية الكريمة: أنّ الجنب، والمحدث إذا فقد كلّ منهما الماء؛ يتيمّم بالتّراب، لا فرق بينهما في الحكم، ويقاس عليهما الحائض، والنفساء، وكذلك يتيمّم المريض، والّذي يخشى ضررا من البرد، وأنّ التيمّم في الوجه، واليدين دون سائر الأعضاء.\nبعد هذا انظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [٢١٩] بشأن تحريم الخمر، وكيف كان تحريمه على دفعات، ومراتب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٢٩]. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿سُكارى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿تَعْلَمُوا:﴾\nفعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والفعل بمعنى: تعرفوا، فلذا اكتفى بمفعول واحد، و«أن» المضمرة والفعل في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nحتى تعلموا الذي، أو: شيئا تقولونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: حتى تعلموا قولكم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية.\n ﴿جُنُبًا:﴾ معطوف على الجملة الاسمية الواقعة حالا. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عابِرِي:﴾ مستثنى من عموم الأحوال منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم. وحذفت النون للإضافة، و﴿عابِرِي:﴾ مضاف، و﴿سَبِيلٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وهناك قول بأنّ ﴿إِلاّ﴾ صفة: ﴿جُنُبًا﴾ وهي بمعنى: غير، ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية لكونها على صورة الحرف، وهي مضافة، و﴿عابِرِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المنقولة إليه من ﴿إِلاّ﴾ ووقوع ﴿إِلاّ،﴾ بمعنى «غير» قاله به ابن هشام في المغني، ومن شواهدها قول لبيد بن ربيعة ﵁وهو الشّاهد رقم [١١٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nلو كان غيري-سليمى-الدّهر غيّره... وقع الحوادث إلاّ الصّارم الذّكر\n ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا﴾ بلا فارق، والجار والمجرور الناتجان من ﴿حَتّى﴾ والمصدر المؤوّل متعلّقان بالفعل: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ أيضا.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مَرْضى:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه","vol":"2","page":468},{"text":"فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿عَلى سَفَرٍ:﴾ معطوفان على ﴿مَرْضى﴾ فهما متعلقان بمحذوف خبر (كان) في المعنى. ﴿جاءَ أَحَدٌ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿مَرْضى﴾ أيضا كذا قيل، والأصح: أنّها معطوفة على ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أيضا. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿مِنَ الْغائِطِ:﴾ متعلقان ب ﴿جاءَ﴾. ﴿لامَسْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَجِدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ماءً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أيضا. ﴿فَتَيَمَّمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تيمموا):\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد. و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له من الإعراب، وبعده كلام مقدّر، أي: فاضربوا به ضربتين.\n ﴿صَعِيدًا:﴾ مفعول به. وقيل: منصوب بنزع الخافض؛ أي: بصعيد. وقيل: هو ظرف مكان، ومن جعل ﴿طَيِّبًا﴾ بمعنى: حلالا نصبه على الحال، أو المصدر، وقوله تعالى:\n (امسحوا) معطوف على المحذوف؛ الذي رأيت تقديره. ﴿بِوُجُوهِكُمْ:﴾ الباء: حرف جر صلة.\n (وجوهكم): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَفُوًّا غَفُورًا:﴾ خبران ل ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها مستأنفة، ومفيدة للتّعليل.\n\n<span id=\"aya-537\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ ألم تنظر. فهو تعجب من حال اليهود، والخطاب للنبيّ ﷺ، ويعمّ كلّ مؤمن عاقل عنده شيء من التفكير، والتبصّر. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ:﴾ المراد بهم علماء اليهود، والمراد بالنصيب الذي أوتوه: ما بيّن لهم في التوراة من الأحكام، والعلوم التي من جملتها ما علموه من صفات النبي ﷺ وأحقيّة الإسلام. ومعنى: ﴿أُوتُوا:﴾ أعطوا، وأصله أوتيوا، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، فصار: (﴿أُوتُوا﴾) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو، فصار: ﴿أُوتُوا﴾.","vol":"2","page":469},{"text":"﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ أي: يختارونها على الهدى، أو يستبدلونها به، لذا فأصل الكلام: يشترون الضلالة بالهدى، فالباء بمعنى: بدل، وهي داخلة على محذوف، والمراد بأنّهم يأخذون الرّشا، ويحرّفون التوراة. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: لم يكفهم أن ضلّوا في أنفسهم؛ حتّى تعلّقت آمالهم بضلالكم أنتم أيها المؤمنون عن سبيل الحقّ؛ لأنّهم أيقنوا: أنّهم قد خرجوا من الحق إلى الباطل، فكرهوا أن يكون المؤمنون مختصين باتباع الحق، فأرادوا أن تضلوا كما ضلّوا، كما قال تعالى في الآية رقم [٨٩] الآتية: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾. ولا تنس الاستعارة في:\n ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ فالشراء هنا مستعار، والمعنى: استحبوا الكفر على الإيمان.\nقال ابن عباس﵄-: نزلت هذه الآية الكريمة في رفاعة بن زيد، ومالك بن الدخشم اليهوديين، كانا إذا تكلّم رسول الله ﷺ لويا ألسنتهما، وعاباه، وكانا يأتيان رأس المنافقين، ورهطه، يثبطانهم عن الإسلام.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجّب. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿نَصِيبًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَصِيبًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يَشْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.\n ﴿الضَّلالَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح. (﴿يُرِيدُونَ﴾): مضارع، وفاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَضِلُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله... إلخ، و﴿أَنْ تَضِلُّوا:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿السَّبِيلَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَيُرِيدُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-538\"></span>﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ:﴾ أي: منكم، فيخبركم بهم لتبتعدوا عنهم، ولتكونوا على حذر منهم، ومن مخالطتهم. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا﴾ أي: حافظا من شرّهم، فثقوا به، واعتمدوا عليه.\n ﴿نَصِيرًا﴾ معينا يعينكم على أعدائكم.\nهذا؛ والولي: من يتولّى شئون غيره، والنّصير بمعنى المعين، والمساعد، والفرق بينهما:\nأنّ الولي قد يضعف عن النّصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيّا من المنصور، فبينهما","vol":"2","page":470},{"text":"عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطّاعات، المعرض عن الانهماك في اللّذات، والشّهوات.\nوفيه وجهان: أحدهما: أنّه فعيل بمعنى: مفعول، كقتيل بمعنى: مقتول، وجريح بمعنى:\nمجروح. فعلى هذا هو: من يتولّى الله حفظه، ورعايته، فلا يكله إلى غيره، ونفسه طرفة عين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. الوجه الثاني: أنّه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا هو من يتولّى عبادة الله تعالى من غير أن يتخلّلها عصيان، أو فتور. وكلا المعنيين شرط في الولاية.\nفمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أنّ من شروط النّبيّ أن يكون معصوما، فكلّ من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بولي، بل هو مغرور مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمّة الطّريقة، رحمهم الله تعالى. انتهى من شرح ألفاظ الزبد للشيخ أحمد بن حجازي الفشني، رحمه الله تعالى. وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليّا؛ فقد آذنته بالحرب».\nهذا؛ والفعل (﴿كَفى﴾) بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ وانظر:\nالآية رقم [٦] ففيها فضل زيادة.\nالإعراب: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ أَعْلَمُ﴾): مبتدأ، وخبر. ﴿بِأَعْدائِكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (﴿اللهُ﴾): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقيل: الباء أصلية، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، على أنّهما مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: الاكتفاء. والمعتمد الأول. ﴿وَلِيًّا:﴾ تمييز.\nوقيل: حال. والمعتمد الأول، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-539\"></span>﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من: «هاد» بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى، حكاية عن قولهم في سورة (الأعراف) رقم [١٥٦]: ﴿إِنّا﴾","vol":"2","page":471},{"text":"هُدْنا إِلَيْكَ أو سمّوا بذلك نسبة إلى يهودا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أي: يغيّرون كلام الله في التوراة، ويبدّلونه، فكانوا يغيّرون صفات الرّسول ﷺ الموجودة في التوراة، فقد وضعوا مكان أبيض ربعة: آدم طوال، وهكذا. وقال ابن عباس﵄-: كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ، فيسألونه عن الأمر، فيخبرهم به، فيرى: أنّهم يأخذون بقوله، فإذا خرجوا من عنده؛ حرّفوا كلامه. وانظر الآية رقم [٤١٢] من سورة (المائدة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وقرئ: «الكلم» بكسر الكاف وسكون اللام، وبفتح الكاف وكسر اللام، وهو جمع:\nكلمة، وهو مؤلف من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة، أم لم يفد. وأمّا الكلام فلا يكون إلا من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة يحسن السكوت عليها، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nكلامنا لفظ مفيد كاستقم... واسم وفعل ثمّ حرف الكلم\nواحده كلمة والقول عم...\n ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا﴾ أي: قولك بآذاننا. ﴿وَعَصَيْنا:﴾ أي: أمرك بقلوبنا، وجوارحنا. وذلك:\nأنّهم كانوا إذا أمرهم النبيّ ﷺ بأمر؛ قالوا في الظاهر: سمعنا، وقالوا في الباطن: عصينا. وهذا أبلغ في الكفر، والعناد. ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع ما نقول، لا سمعت؛ والكلام ذو وجهين: يحتمل الخير، والشرّ، فأصله للخير، أي: لا سمعت مكروها، ولكن اليهود اللّؤماء، كانوا يقصدون به الدّعاء على الرسول ﷺ؛ أي: لا أسمعك الله، وهو دعاء عليه بالصّمم، أو بالموت. أو: اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع غير مسمع كلاما ترضاه. أو:\nاسمع كلاما غير مسمع إيّاك؛ لأنّ أذنك تنبو عنه.\n ﴿وَراعِنا﴾ معناها في العربية: أنظرنا، وتمهّل علينا، وهي في لغة اليهود سبّ من الرّعونة، وكانوا يقولون لأصحابهم: إنّنا نشتم محمدا، ولا يعرف، ولو كان نبيّا؛ لعرف ذلك، فأطلعه الله على خبث ضمائرهم، وسوء نيّاتهم، وما في قلوبهم من العداوة، والبغضاء. ومثل هذه الآية في معناها، ومغزاها قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا..﴾. إلخ.\n ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ:﴾ أي: صرفا للكلام عن نهجه الصّحيح إلى نسبة السّبّ؛ حيث وضعوا:\n ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ موضع: لا سمعت مكروها، وأجروا: راعنا، مجرى: أنظرنا. وأصل ليّا: لويا فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. وأصل اللّي: فتل الحبل، فاستعير هنا للكلام الذي قصد به غير ظاهره.\n (ألسنتهم): جمع لسان، وهو على هذا مذكّر، كحمار، وأحمرة، ويجمع أيضا على:\nألسن. وهو على هذا مؤنّث، كذراع، وأذرع. ويجمع أيضا على: لسن بضم اللام، وضم","vol":"2","page":472},{"text":"السين، وتسكينها أيضا، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللّسان كناية عن كلمة السّوء، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nلسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا\nفيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو القصيدة من الشّعر، كقول الآخر: [المتقارب]\nأتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر\nوقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط]\nإنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر\nقال الجوهري: يروى: من علو-بضم الواو، وفتحها، وكسرها-أي أتاني خبر من أعلى.\nوالتأنيث للكلمة، وقد أطلق الله اللّسان على القرآن بكامله مع التّذكير في سورة (النّحل) حيث قال جلّ ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ كما أطلقه على الثناء الجميل، والذّكر الحسن في قوله جلّ ذكره في سورة (مريم) على نبينا وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.\n ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: استهزاء، وسخرية. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أي: قالوا بدل:\n ﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا:﴾ ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾. ﴿وَاسْمَعْ:﴾ أي: بدل: لا سمعت. ﴿وَانْظُرْنا:﴾ أي: بدل قولهم: ﴿وَراعِنا﴾. ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: قولهم ذلك أفضل. ﴿وَأَقْوَمَ﴾ أي: أعدل، وأصوب، وأنجى لهم في الدنيا، والآخرة. وانظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [١٠٤] فإنّه جيّد. والحمد لله!.\n ﴿وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: طردهم من رحمته، وأبعدهم من رضوانه بسبب كفرهم بمحمّد ﷺ. وانظر «اللّعن» في الآية رقم [٦١] من سورة (آل عمران). ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي: فلا يؤمن من اليهود إلا نفر قليل، مثل: عبد الله بن سلام، وأصحابه. أو المعنى: إلا إيمانا قليلا ضعيفا، لا يعبأ به، وهو إيمانهم بأنّ الله خالقهم، ورازقهم، أو أراد بالقلّة: العدم، كقول الشاعر: [الطويل]\nقليل التّشكّي للمهمّ يصيبه\nأي: عديم التشكي. هذا؛ وقال الله هنا: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾. وقال تعالى في سورة (المائدة): ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ فالأوّل بمعنى الإمالة، والإزالة، والتّغيير، والتّبديل. وأمّا","vol":"2","page":473},{"text":"الثّاني؛ فإنّه بمعنى: أنّه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرّفوه تركوه كالغريب، الّذي لا موضع له بعد مواضعه، ومقارّه. انتهى. كشّاف.\nالإعراب: ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم لمبتدإ محذوف. هذا؛ وقال الزّجّاج-رحمه الله تعالى-: إن جعلت: ﴿مِنَ﴾ متعلقة بما قبل، فلا يوقف على قوله:\n ﴿نَصِيرًا،﴾ وإن جعلتها منقطعة عما قبلها، فيجوز الوقف على: ﴿نَصِيرًا،﴾ ويكون التقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، ثمّ حذف. وهذا مذهب سيبويه، وأنشد النّحويون: [الرجز]\nلو قلت ما في قومها لم تيثم... يفضلها في حسب وميسم\nقالوا: المعنى لو قلت: ما في قومها أحد يفضلها. ومثله قول تميم بن عقيل: [الطويل]\nوما الدّهر إلاّ تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح\nإذ التقدير: فمنهما تارة أموت منها، وقال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٦٤]: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ انظرها فالكلام عليها جيّد، والحمد لله! وعلى ما تقدّم فالجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿هادُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يُحَرِّفُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله. ﴿الْكَلِمَ﴾ مفعول به. ﴿عَنْ مَواضِعِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة للمبتدإ المحذوف، الذي رأيت تقديره. (﴿يَقُولُونَ﴾): فعل مضارع، وفاعله. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والتي بعدها معطوفة عليها، وحذف مفعول الفعلين، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع صفة مثلها. (﴿اِسْمَعْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الفاعل المستتر، وهو مضاف، و﴿مُسْمَعٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَراعِنا:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: أنت، و(نا): مفعول به، والجملة معطوفة أيضا، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿لَيًّا:﴾ مفعول لأجله، عامله: (﴿يَقُولُونَ﴾).\nوقيل: هو حال من واو الجماعة بمعنى: لاوين. ﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿لَيًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَطَعْنًا:﴾ معطوف على: ﴿لَيًّا﴾. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان ب (طعنا) أو بمحذوف صفة له.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا﴾ الإعراب واضح إن شاء الله. والجمل كلّها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في","vol":"2","page":474},{"text":"محل رفع خبر (أنّ) و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: ولو ثبت، أو حصل قولهم. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو قولهم ثابت، أو حاصل، وقول المبرد هو المرجّح هنا؛ لأنّ «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدّر، وفاعله جملة فعلية لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (كان): فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره: هو، يعود إلى القول المفهوم من الكلام المتقدّم. ﴿خَيْرًا:﴾ خبر كان. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرًا﴾.\n ﴿وَأَقْوَمَ:﴾ معطوف على ﴿خَيْرًا﴾ ومتعلقه محذوف، اكتفاء بمتعلق: ﴿خَيْرًا﴾. وجملة: ﴿لَكانَ..﴾.\nإلخ جواب (لو) لا محلّ لها. و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿لَعَنَهُمُ:﴾\nفعل ماض، ومفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على (لو) ومدخولها، لا محلّ لها أيضا. ﴿بِكُفْرِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف تعليل. (لا): نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية تعليل ل (لعن) لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا إيمانا قليلا، لا يعبأ به، أو هو صفة لمستثنى محذوف، التقدير:\nإلا نفرا قليلا. انظر الشرح.\n\n<span id=\"aya-540\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ هذا النداء يشمل اليهود، والنّصارى، والمراد به هنا:\nاليهود خاصّة. ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ يعني: القرآن الكريم. ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يعني: التوراة، التي كانت بيد اليهود، وأنزلها الله تعالى على موسى، وهارون، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ومعنى تصديق القرآن للتوراة: نزوله حسبما نعت لهم فيها النبيّ ﷺ، أو كونه موافقا لها في القصص، والمواعيد، والدّعوة إلى التّوحيد، والعدل بين النّاس، والنّهي عن المعاصي، والفواحش، وأمّا ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار، والأمم؛ فليس بمخالفة في الحقيقة، بل هو عين الموافقة؛ من حيث إنّ كلاّ منها حقّ بالإضافة إلى عصره، تضمّن للحكمة الّتي يدور عليها فلك التشريع.","vol":"2","page":475},{"text":"هذا؛ وقال تعالى في هذه الآية: ﴿بِما نَزَّلْنا،﴾ وقال في كثير من الآيات: ﴿أَنْزَلْنا﴾ والفرق بينهما: أنّ الأوّل يفيد: أنّ القرآن نزل مفرّقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه أهل الشّعر، والخطابة، وهذا ممّا يريب الكافرين، والملحدين، كما حكى الله سبحانه عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبيّن سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الفرقان)، وأمّا لفظ: ﴿أَنْزَلْنا﴾ فإنّه يفيد: أنّه نزل جملة واحدة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا..﴾. إلخ: أي: من قبل أن نمحو عنهم تخطيط صورها، ونجعلها على هيئة أدبارها. يعني: الأقفاء. وقيل: نديرها، فنجعل الوجوه إلى خلف، والأقفاء إلى قدّام، وإنّما جعل الله هذا عقوبة لهم، لما فيه من تشويه الخلقة، والمثلة، والفضيحة، وعند هذا تكثر الحسرات، ويحصل لهم الغمّ. وقال ابن عباس﵄-: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا:﴾\nنجعلها كخفّ البعير، أو كحافر الدّابة. وقال قتادة، والضّحاك: نعميها، كقوله تعالى: ﴿فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾ رقم [٣٧] من سورة (القمر). وقيل: المعنى: نجعل منابت الشعر كوجوه القردة. هذا؛ ولم يفعل الله بهم ما هدّدهم به؛ لأنّ هذا الوعيد، والتّهديد كان مشروطا بعدم الإيمان، وقد آمن منهم ناس، فرفع عن الباقين.\nروي: أنّ عبد الله بن سلام﵁لمّا سمع هذه الآية، وكان قافلا من الشّام جاء إلى النبيّ ﷺ قبل أن يأتي أهله، فأسلم، وقال: يا رسول الله! ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يحوّل وجهي إلى قفاي! وكذلك روي عن كعب الأحبار: أنّه لمّا سمع هذه الآية في خلافة عمر -﵁أسلم، وقال: يا ربّ! أسلمت مخافة أن يصيبني وعيد هذه الآية، فكان هذا الوعيد مشروطا بأن لا يؤمن أحد منهم، وهذا الشّرط لم يوجد؛ لأنّه آمن منهم جمع كثير في زمن النبيّ ﷺ وبعده. هذا؛ والوجه: ما تتمّ به المواجهة، وقد يعبّر به عن الذّات، ومنه قوله تعالى في سورة (الرّحمن): ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وفي آخر سورة (القصص): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾.\n ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ:﴾ السبت: أحد أيام الأسبوع المعروفة، قال ابن عطية-رحمه الله تعالى-: والسّبت إما مأخوذ من السّبوت، الذي هو الرّاحة والدّعة، وإمّا من السبت، وهو:\nالقطع؛ لأنّ الأشياء سبتت، وتم خلقها في أيام الأسبوع السّتّة قبله. هذا؛ والسّبت بكسر السين:\nالجلد المدبوغ بالقرظ، ولم ينجرد من شعره. وقال أبو زيد: السّبت: جلود البقر خاصّة مدبوغة.\nقال عنترة في معلّقته-وهو الشّاهد رقم [٣٠٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nبطل كأنّ نيابه في سرحة... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم","vol":"2","page":476},{"text":"هذا؛ وقصّة أصحاب السبت كانت في زمن داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بقرية، يقال لها: أيلة على شاطئ البحر الأحمر، وتدعى اليوم: إيلات، وهي مرفأ هام لليهود على البحر الأحمر، يروى: أنّ الله تعالى اختار لهم يوم الجمعة؛ ليكون يوم راحة، وعبادة، ونظافة، وغير ذلك، فأبوا، وقالوا: فرغ ربّنا من خلق السموات والأرض يوم الجمعة، واستراح يوم السّبت، فنحن نختاره، ولذلك، شدّد الله عليهم بأن حرّم عليهم أيّ عمل دنيويّ ما عدا العبادة، والنظافة، وأمثالها، وكانت معيشة أهل تلك القرية من صيد الأسماك، لا مورد لهم غيرهم، فابتلاهم الله، أي: اختبرهم، فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السّبت، وأقبل نحوهم، فإذا مضى يوم السّبت؛ ذهبت الحيتان في أعماق البحر، فلم يتمكّنوا من الصّيد طوال أيام الأسبوع. كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٣]: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\nفظهر لهم الشّيطان، وقال لهم: احفروا حياضا قرب البحر، وافتحوا جداول بينها وبين البحر، فكانت الحيتان تدخل الحياض يوم السّبت، ويصطادونها يوم الأحد، فنهاهم نبيّهم عن فعلهم هذا، فصاروا ثلاث فرق، وكانوا سبعين ألفا: فرقة أمسكت، ونهت، وفرقة أمسكت، ولم تنه، وفرقة اصطادت، واعتدت، فهذه هي الّتي مسخت قردة لهم أذناب يتعاوون. وقيل: مسخ الشباب قردة، والشيوخ خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام فقط، ثم هلكوا، ولم يأكلوا، ولم يشربوا، ولم يتوالدوا، ونجت الفرقتان الأخريان: النّاهية، والسّاكتة عن النّهي. وقيل: هلكت أيضا.\nويقال: إنّ النّاهين قالوا: لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار، فأصبح النّاهون ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للنّاس لشأنا، فعلوا الجدار، فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا الأبواب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابهم من الإنس، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس، فتشمّ ثيابه، وتبكي، فيقول لهم: ألم ننهكم؟ فتقول القردة برأسها: نعم، وانظر تفصيل ذلك في سورة (الأعراف).\nقال ابن عباس﵄-: لم يعش مسخ قطّ فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل، ولم يشرب، ولم ينسل، قال ابن عطيّة رحمه الله تعالى: وروي عن النّبي ﷺ، وثبت: أنّ الممسوخ لا ينسل، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، أمّا قول النّبيّ ﷺ لبني قريظة، ولبني النّضير: «يا أحفاد القردة» لم يرد به إلاّ التّقريع، والتوبيخ.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]: ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضمّ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون،","vol":"2","page":477},{"text":"والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِما:﴾ جار، ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿نَزَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالّذي، أو: بشيء نزّلناه، وجملة: ﴿آمِنُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿مُصَدِّقًا:﴾ حال من المفعول المحذوف. ﴿لِما:﴾ جار، ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقًا،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها، التقدير: مصدقا للذي، أو: لشيء يوجد معكم، والكاف في محل جرّ بالإضافة. هذا؛ وابن هشام في مغني اللبيب يعتبر اللام زائدة، ويسمّيها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلاّ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البروج):\n ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وفي سورة (المعارج): ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ وفي سورة (الأنبياء): ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ،﴾ وأورد ابن هشام قول حاتم الطائي-وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري﵁وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nإذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي\n ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿آمِنُوا﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿نَطْمِسَ:﴾\nفعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن، والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿وُجُوهًا:﴾ مفعول به. ﴿فَنَرُدَّها:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (نردّها): معطوف على نطمس منصوب مثله، والفاعل تقديره: نحن، و(ها) مفعول به. ﴿عَلى أَدْبارِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة. (أو): حرف عطف. ﴿نَلْعَنَهُمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل تقديره: نحن، والهاء مفعول به.\n ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿لَعَنّا:﴾ فعل، وفاعل، و(ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: نلعنهم لعنا كائنا مثل لعننا أصحاب السبت. وهو قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التركيب. ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم على طريق الاتساع، فيكون التقدير: نلعنهم على مثل هذه الحالة، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-541\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾\nالشرح: قال ابن جرير الطّبري-رحمه الله تعالى-: معناه: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا، فإنّ الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فعلى هذا يكون","vol":"2","page":478},{"text":"في الآية دلالة على: أنّ اليهودي يسمّى مشركا في عرف الشّرع. وقيل: إنّ الآية نزلت في وحشي، وأصحابه، وذلك لمّا قتل وحشيّ حمزة﵁ورجع إلى مكّة؛ ندم هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ: إنّا قد ندمنا على ما صنعنا، وإنّه ليس يمنعنا من الإسلام إلا أنّا سمعناك بمكّة، تقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ..﴾. إلخ الآيات من سورة (الفرقان) وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس الّتي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه الآية؛ لاتّبعناك، فنزلت: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا..﴾. إلخ الآيتان من سورة (الفرقان) بعد الأولى، فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم، فلمّا قرءوهما؛ كتبوا إليه: هذا شرط شديد، ونخاف ألا نعمل عملا صالحا، فنزلت: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ فبعث بها إليهم، فبعثوا إليه: إنّا نخاف ألا نكون من أهل المشيئة، فنزلت: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ..﴾. إلخ الآية من سورة (الزمر) فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام، ورجعوا إلى النبيّ ﷺ، فقبل منهم.\nثم قال لوحشي: «أخبرني كيف قتلت حمزة؟» فلمّا أخبره، قال: «ويحك! غيّب وجهك عنّي». فلحق بالشّام، فكان به إلى أن مات. انتهى خازن. والمشهور: أنّ هذا كان بعد فتح مكة، بعد أن أهدر الرّسول ﷺ دم وحشي فيمن أهدر، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فتوسّل ببعض الصّحابة، فأدله على النبي الكريم، فعفا عنه، وحصل ما حصل من المناقشة شفاها، ونزلت الآيات تباعا، أو متفرقات. ولحوق وحشي بالشّام كان بعد وفاة النبي ﷺ بزمن طويل؛ إذ كان بعد فتح بلاد الشام في زمن الفاروق﵁-. والمشهور: أنّه أقام في بلاد الحجاز. وحارب في حروب الردّة، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب، وكان يقول: قتلت خير رجل في الإسلام، وشرّ رجل في الكفر، وأرجو أن تكون هذه بهذه! ويروى: أنّه لمّا قال له النبيّ ﷺ: «ويحك! غيّب وجهك عنّي!» قال: أنبيّ، وحقود؟ فقال ﷺ: «بل نبيّ، وفقود».\nبعد هذا: المراد بالشّرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوّليّا، فإنّ الشرع قد نصّ على شرك أهل الكتاب قاطبة، وقضى بخلود أصناف الكفرة في النّار. ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ أي:\nما دون الشّرك من الذنوب صغائرها، وكبائرها. ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ أي: لمن يتكرّم الله عليه، ويتفضّل بالعفو، والإحسان. ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل، واقترف ﴿إِثْمًا:﴾ ذنبا.\nوفي الآية تهديد، ووعيد لليهود، فإنّهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التّحريف في التوراة، ويطمعون في المغفرة، كما قال تعالى عنهم في سورة (الأعراف) رقم [١٦٩]. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولمّا هددهم الله بهذه الآية؛ قالوا:\nلسنا مشركين، بل نحن من خواصّ خلق الله، كما حكى الله عنهم قولهم في سورة (البقرة):\n ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً،﴾ وحكى عنهم: أنهم قالوا: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾","vol":"2","page":479},{"text":"إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى، وحكى قولهم في سورة (المائدة): ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾.\nهذا؛ وفي الآية ردّ على المعتزلة، والقدرية؛ حيث قالوا: لا يجوز في الحكمة أن يغفر لصاحب كبيرة. وعند أهل السنة: إنّ الله يفعل ما يشاء، لا مكره له، ولا حجر عليه، ويدلّ على ذلك ما روي عن ابن عمر﵄-: أنّه قال: كنّا على عهد رسول الله ﷺ إذا مات الرجل على كبيرة؛ شهدنا: أنّه من أهل النّار حتّى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ..﴾. إلخ، فأمسكنا عن الشهادة. ويروى عن عليّ﵁-: أنّه قال: ما في القرآن أحبّ إليّ من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾. أخرجه الترمذيّ. وخذ ما يلي:\nعن أنس﵁عن النبي ﷺ: «الظّلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يترك الله منه شيئا، فأمّا الظّلم الّذي لا يغفره الله: فالشّرك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأمّا الظّلم الّذي يغفره الله: فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربّهم، وأمّا الظّلم الّذي لا يتركه: فظلم العباد بعضهم لبعض». رواه البخاريّ، ومسلم.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُشْرَكَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، وهما في محل رفع نائب فاعله، و﴿أَنْ يُشْرَكَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿وَيَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل رفع مثلها. وقيل:\nمستأنفة. وليس بشيء. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، و﴿دُونَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَغْفِرُ﴾ المثبت، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ باللام. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية صلة (﴿مَنْ﴾) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للّذي، أو لشخص يشاؤه الله. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشْرَكَ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود","vol":"2","page":480},{"text":"إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿إِثْمًا:﴾ مفعول به. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو: (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-542\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ: الخطاب للنّبيّ ﷺ، أو لكلّ أحد، والاستفهام تعجيب، وتشويق إلى استماع ما بعده؛ إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين، أو هو استفهام تقرير؛ إن كان المخاطب يعلم بحالهم، ويجوز أن يخاطب به من لم ير، ولم يسمع؛ لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجّب.\n ﴿إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ:﴾ المراد بهم اليهود، حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ وقيل:\nجاء ناس منهم بأطفالهم إلى رسول الله ﷺ، وقالوا له: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: «لا» قالوا:\nوالله ما نحن إلا كهيئتهم، ما عملناه باللّيل؛ كفّر عنا بالنّهار، وما عملناه بالنّهار؛ كفّر عنا باللّيل. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى﴾.\nوالتزكية هنا عبارة عن مدح الإنسان نفسه بالصّلاح، والدّين، وغير ذلك، وقد نهى الله عن ذلك، فقال في سورة (النجم): ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى،﴾ ومعنى: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ:﴾\nيزعمون: أنهم أزكياء؛ لأنّهم برّءوا أنفسهم من الذّنوب. قال تعالى ردّا عليهم: ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ أي: يجعله زاكيا.\nهذا؛ وقيل: نزلت الآية في ذمّ التّمادح، والتزكية. وفي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود﵁-، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المدّاحين التراب. وفي الصّحيحين: عن عبد الله بن أبي بكر﵄عن أبيه: أنّ رسول الله ﷺ سمع رجلا يثني على رجل، فقال: «ويحك! قطعت عنق صاحبك» ثمّ قال: «إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا، ولا يزكّي على الله أحدا». وقال ابن مسعود﵁-:\nإنّ الرجل ليغدو بدينه، ثمّ يرجع، وما معه منه شيء، يلقى الرّجل ليس يملك له ضرّا، ولا نفعا، فيقول له: إنّك والله كيت، وكيت! ولعلّه يرجع، ولم يحظ من حاجته بشيء، وقد أسخط الله.\nوما أكثر الذين يسخطون الله بمدحهم غيرهم؛ لينالوا منافع مادية، أو مناصب معنوية في كل زمان، ومكان! فيبيعون دينهم، وكرامتهم، بل ومروءتهم، وهذا إذا كان المدح نفاقا، وبالباطل.\nفأمّا مدح الرّجل بما فيه من الفعل الحسن، والأمر المحمود؛ ليكون منه؛ ترغيبا له في أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه به؛ فليس بمدّاح بالباطل، والنفاق. كيف لا؛ وقد","vol":"2","page":481},{"text":"مدح الرسول ﷺ في الشّعر، والخطب، والمخاطبة، ولم يحث التّراب في وجوه المدّاحين، ولا أمر بذلك، كمدح العباس، وحسّان، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك له بشعرهم، وكقول أبي طالب فيه ﷺوهو الشّاهد رقم [٢٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nوأبيض يستسقى الغمام بوجهه... ثمال اليتامى عصمة للأرامل\n ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: الذين يزكيهم الله لا يظلمون بنقص ثوابهم، ولا بزيادة سيّئاتهم، وهو يعمّ الذين يزكّون أنفسهم، وغيرهم من جميع النّاس. هذا؛ و(الفتيل) هو الخيط الذي يكون في شق التّمرة، يضرب به المثل في الحقارة. وقال ابن عباس﵄وغيره: هو ما يخرج بين إصبعيك، أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما. ومثل هذا في التحقير قوله تعالى في الآية رقم [١٢٤]: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ والنقير هو: النقرة في ظهر النّواة، تنبت منها النّخلة. و(القطمير) هو: القشرة التي تحيط بالنواة، قال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. ويضرب بالثلاثة المثل في الشيء الحقير التافه؛ الذي لا قيمة له.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٤]. ﴿يُزَكُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، تبتدأ بعده الجمل. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُزَكِّي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يزكّي الذي، أو: شخصا يشاؤه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا﴾): نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله. ﴿فَتِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ظلما فتيلا. وقيل: مفعول به ثان على تضمين: ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ ينقصون، والجملة الفعلية: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ معطوفة على جملة محذوفة، تقديرها: فهم يعاقبون، أو: هم يثابون، ولا يظلمون فتيلا. هذا؛ والتقدير اختلف بحسب تفسير واو الجماعة.\n\n<span id=\"aya-543\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ..﴾. إلخ الخطاب للنبيّ ﷺ. وفحواه: تعجيبه ﷺ ممّا ذكر عنهم في الآية السّابقة. ﴿يَفْتَرُونَ:﴾ يختلقون، والافتراء: الاختلاق، ومنه: افترى فلان على فلان، أي:","vol":"2","page":482},{"text":"رماه بما ليس فيه. وفريت الشيء: قطعته. ﴿الْكَذِبَ﴾ أي: في زعمهم: أنهم أبناء الله، وأحباؤه، وأنّهم مطهّرون من الذنوب، والسّيّئات. وكفى به: أي: بالكذب، والافتراء. ﴿إِثْمًا مُبِينًا:﴾ ذنبا ظاهرا واضحا، لا خفاء فيه.\nهذا؛ والآية الكريمة تشنّع على اليهود كذبهم، وافتراءهم، وقبائح أعمالهم، فتصفهم بأنّهم كاذبون، والكذب ديدنهم، وصفة لازمة لهم في ماضيهم، وحاضرهم، والكذب من أفحش الذّنوب، ومن أخبث ما يتّصف به إنسان، وأبرز صفات المنافقين، وحذّر منه الرسول ﷺ في جميع الحالات، حتّى في المزاحة، والمراء، وخذ ما يلي:\nعن أبي أمامة﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «أنا زعيم ببيت في وسط الجنّة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحا». رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر». رواه البخاريّ، ومسلم.\nوعن عبد الله بن عمر﵄-: أنّ النّبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهنّ؛ كانت فيه خصلة من النّفاق؛ حتّى يدعها: إذا ائتمن؛ خان، وإذا حدّث؛ كذب، وإذا عاهد؛ غدر، وإذا خاصم؛ فجر». رواه الستّة إلا ابن ماجة.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن العبد الإيمان كلّه حتّى يترك الكذب في المزاحة. والمراء، وإن كان صادقا». رواه أحمد، والطبراني، وغير ذلك كثير.\nالإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، وهو معلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده.\n ﴿يَفْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الكذب، تقدّم عليه. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به، وقال الجمل: أو مفعول مطلق؛ لأنّه يلاقي العامل في المعنى؛ إذ الافتراء؛ والكذب متقاربان معنى، أو معناهما واحد، ولا وجه له، وجملة: ﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ل (انظر) المعلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة، والهاء فاعله مجرور لفظا مرفوع محلاّ. وقيل: الباء أصلية، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما على أنّهما مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: الاكتفاء، والمعتمد الأول. ﴿إِثْمًا:﴾ تمييز. وقيل: حال. والمعتمد الأوّل. ﴿مُبِينًا:﴾\nصفة له، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.","vol":"2","page":483},{"text":"<span id=\"aya-544\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٤]. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ:﴾ اختلف العلماء فيهما، فقيل: هما كلّ معبود من دون الله تعالى. وقيل: هما صنمان لقريش سجد اليهود لهما مرضاة لقريش. وقيل: الجبت: اسم للأصنام، والطاغوت:\nشياطين الأصنام، ولكل صنم شيطان يدخل فيه، ويكلّم النّاس، فيفترون بذلك. وقيل: الجبت:\nالكاهن، والطاغوت: الساحر. وقال ابن مسعود﵁-: الجبت، والطاغوت هاهنا كعب ابن الأشرف، وحيي بن أخطب. وقال الفاروق﵁-: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، ولعلّ قول ابن مسعود أقرب إلى الصّواب بدليل قوله تعالى في الآية رقم [٦٠] الآتية: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ﴾.\nو(﴿الطّاغُوتِ﴾)، كل ما عبد من دون الله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ رقم [٦٠] من سورة (المائدة)، وفي سورة (البقرة) رقم [٢٥٦]: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ..﴾. إلخ، وهو يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. واشتقاقه من: طغا، يطغو. أو من طغى، يطغى: إذا تجاوز الحدّ، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ ويجمع على: طواغيت، ولم يرد في القرآن الكريم بلفظ الجمع.\n ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ أي: يقول اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب. ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ المراد أبو سفيان، وأصحابه من قريش. ﴿أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا:﴾ أقوم دينا، وأرشد طريقا.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وسبعين راكبا من اليهود، قدموا مكّة بعد وقعة أحد؛ ليحالفوا قريشا على النبيّ ﷺ، وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ، فنزل كعب بن الأشرف على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزل باقي اليهود على قريش في دورهم، فقال لهم أهل مكّة: أنتم أهل كتاب، ومحمّد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردتم أن نخرج معكم، فاسجدوا إلى هذين الصنمين، ففعلوا ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾.\nثمّ قال كعب بن الأشرف الخبيث لأهل مكة: ليخرج منكم ثلاثون رجلا، ومنا ثلاثون، فنلزم أكبادنا بالكعبة، فنعاهد ربّ هذا البيت لنجهدنّ في قتال محمّد! ففعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب بن الأشرف: إنّك امرؤ تقرأ الكتاب، وتعلم. ونحن أميّون، لا نعلم؛ فأينا أهدى سبيلا:\nنحن، أم محمد؟ فقال كعب بن الأشرف: اعرض عليّ دينكم. فقال أبو سفيان: فنحن ننحر","vol":"2","page":484},{"text":"للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضّيف، ونفكّ العاني، ونصل الرّحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمّد فارق دين آبائه، وقطع الرّحم، وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمد الحديث. فقال كعب الخبيث: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد! فأنزل الله الآية.\nتنبيه: ما ذكر منقول من الخازن، والقرطبي، وهو خطأ تاريخيّ فإنّ الوافد على قريش على رأس سبعين من اليهود إنّما هو حيي بن أخطب، وأمّا كعب بن الأشرف لعنه الله، فقد قتله محمّد بن مسلمة، وصبحه غيلة على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة. راجع السّيرة الحلبية، وزيني دحلان. وذهاب اليهود إلى مكّة كان بعد موقعة أحد، وسببا في غزوة الخندق.\nهذا؛ وفي موقف اليهود من قريش، وتفضيلهم، وثنيتهم على محمّد ﷺ، يقول الدكتور اليهودي إسرائيل ولفنسون في كتابه: (تاريخ اليهود في بلاد العرب) كان من واجب اليهود ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وأن لا يصرّحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التّوحيد الإسلامي، ولو أدّى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم؛ لأنّ بني إسرائيل الذين كانوا منذ عدّة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا نكبات لا تحصى، من تقتيل، واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتّى من أدوار التاريخ، كان من واجبهم أن يضحّوا بحياتهم، وكلّ عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين.\nهذا؛ فضلا عن أنّهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام، إنّما كانوا يحاربون أنفسهم بأنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام، والوقوف منهم موقف الخصومة. انتهى.\nولفنسون يهودي. والذي دعاهم إلى هذا هو الحسد، والحقد، والبغضاء.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ:﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٤٤].\n ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط الضمير فقط. ﴿بِالْجِبْتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالطّاغُوتِ:﴾ معطوف على (الجبت). ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مع مقولها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿أَهْدى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿أَهْدى﴾ لأنّه صيغة تفضيل، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿سَبِيلًا:﴾ تمييز ل:\n ﴿أَهْدى﴾.","vol":"2","page":485},{"text":"<span id=\"aya-545\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى المذكورين في الآية السابقة. ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ:﴾\nأبعدهم من رحمته. ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ:﴾ يطرده من رحمته، ويبعده من رضوانه. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا:﴾ مانعا يمنعه من العذاب بشفاعة، أو غيرها. هذا؛ و(تجد) ماضيه: وجد، والمضارع أصله: يوجد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة في مضارع الغائب يجد، وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه.\nهذا؛ وقد أمر الله رسول الله ﷺ أن يجعل اللّعنة على الكاذبين في سورة (آل عمران) ولقد كرّر لعن الكافرين في سورة (البقرة) وهنا لعن اليهود المعادين للرسول ﷺ وللإسلام، كما لعن الظّالمين، والفاسقين والنّاقضين للعهد في آيات متفرّقة، وهو دليل قاطع على أنّ من مات على كفره، فقد استحقّ اللّعن من الله، والملائكة، والنّاس أجمعين، وأمّا الأحياء من الكفّار؛ فقد قال بعض العلماء: لا يجوز لعن كافر معيّن؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعله يؤمن، ويموت على الإيمان. وقد قيّد الله تعالى في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة) إطلاق اللعنة على من مات على الكفر. ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معيّن من الكفار، بدليل قتاله، وهو الصّحيح، كيف لا؟! وقد لعن حسّان بن ثابت﵁أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ، خذ قوله: [الكامل]\nلعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر\nوقد لعن الفاروق﵁أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السّلمي وغيرهم، الّذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلّموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبيّ ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إنّ لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربّك. فشقّ ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال له الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم. فقال: «إنّي أعطيتهم الأمان». فقال الفاروق:\nاخرجوا في لعنة الله، وغضبه، ولم ينكر عليه النبيّ ﷺ ذلك، كيف لا؟! وآية (النّور) رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين.\nوأمّا العصاة من المسلمين؛ فلا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا، وأمّا على الإطلاق، فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات... إلخ؛ لما روي: أنّ النبي ﷺ قال: «لعن الله السّارق يسرق البيضة، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ: «الواشمة،","vol":"2","page":486},{"text":"والمستوشمة، وآكل الرّبا. ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير مواليه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها». وكل ذلك في الصّحيح من الأحاديث، وخذ ما يلي:\nعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ العبد إذا لعن شيئا صعدت اللّعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثمّ تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثمّ تأخذ يمينا، وشمالا، فإن لم تجد مساغا؛ رجعت إلى الّذي لعن، فإن كان أهلا، وإلاّ؛ رجعت إلى قائلها». رواه أبو داود.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محلّ رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَعَنَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد الضمير المنصوب. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ على اعتبار مفعول الفعل بعده محذوفا، أو هو في محل نصب مفعول به مقدّم له. ﴿يَلْعَنِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف ناصب.\n ﴿تَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (لن) والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَصِيرًا﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بالفعل: ﴿تَجِدَ،﴾ على أنّهما مفعول به ثان تقدّم على الأوّل، وهو: ﴿نَصِيرًا،﴾ والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:\nلا محل لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين.\n\n<span id=\"aya-546\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ:﴾ أي: لليهود اللؤماء. ﴿نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ:﴾ الكلام استفهام إنكاري، أي:\nليس لهم نصيب من الملك؛ إذ لو كان لهم نصيب من ملك الدنيا، أو من ملك الله؛ لبخلوا به على عباد الله، فلا يعطون أحدا من الناس أقل شيء، وذلك لشدّة بخلهم، ولؤمهم، وذلك: أنّ اليهود كانوا يقولون: نحن أولى بالملك، والنبوة من العرب، فكيف نتبعهم؟ فأكذبهم الله، وأبطل دعواهم.\nولكن في هذه الأيام صار لهم ملك، ودولة، بسبب تفرّق كلمة المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وأرجو أن يمنّ الله تعالى على المسلمين بجمع شملهم، وتوحيد كلمتهم، وتنظيم صفوفهم، فعند ذلك يقضون على اليهود، وعلى دولتهم، ولا يكون هذا إلا عند نزول عيسى، ﵇.\nتنبيه: وصف الله اليهود اللؤماء بالبخل بهذه الآية، ووصفهم بالجهل في الآية المتقدّمة، ووصفهم بالحسد في الآية التالية، وهذه الخصال كلّها مذمومة، وهي متأصّلة في اليهود، فكيف يدّعون الملك، ويتمنّون النبوّة؟!","vol":"2","page":487},{"text":"الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي منقطعة عمّا قبلها لتضمّنها الاستفهام الإنكاري.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ الْمُلْكِ:﴾ متعلقان ب ﴿نَصِيبٌ﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿فَإِذًا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كان لهم نصيب من الملك؛ فإذا. (إذا): حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له، وهو يكتب بالنون عند الجمهور، وأجاز الفرّاء كتابته بالتنوين. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، وقرئ بحذف النون، وذلك على إعمال (إذن). ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول.\n ﴿نَقِيرًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، والجملة الفعلية: (إذا...) إلخ لا محل لها؛ لأنّها جواب للشّرط المقدّر ب «إذا» وبعضهم يقدّره ب «لو كان لهم... إلخ» وعلى التقديرين، فالجملة الشّرطية كلام مفرّع عمّا قبله، لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-547\"></span>﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾ أي: اليهود يحسدون. ﴿النّاسَ:﴾ المراد به النبي ﷺ وحده، وإنّما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع، وهو واحد؛ لأنّه ﷺ اجتمع فيه من خصال الخير، والبركة، ما لا يجتمع مثله في جماعة. ومن هذا القبيل، يقال: فلان أمّة وحده. يعني: أنّه يقوم مقام أمّة. قال تعالى في سورة (النحل) في حقّ إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ﴾. هذا؛ وقد أطلق الله لفظ: ﴿النّاسَ﴾ على نعيم بن مسعود في سورة (آل عمران) فقال ﷿: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. وقيل: المراد ب ﴿النّاسَ﴾ النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنّ لفظ «الناس» جمع، وحمله على الجمع أولى.\nوالمراد بالفضل: النبوة؛ لأنّها أعظم المناصب، وأشرف المراتب، وكذلك حسدوه على النّصرة، والإعزاز، والقوّة. وقيل: حسدوه على ما أحلّ الله له من النّساء، وكان له يومئذ تسع نسوة، فقالت اليهود: لو كان محمد نبيّا؛ لشغله أمر النبوة عن الاهتمام بأمر النساء. ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ:﴾ المراد بآل إبراهيم: ذريته الأكرمون، مثل: يوسف، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وغيرهم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام. والمراد ب ﴿الْكِتابَ:﴾ التوراة، والزّبور، والإنجيل. والمراد ب (﴿الْحِكْمَةَ﴾) النبوّة. ﴿وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا:﴾ هو ما وهبه الله لداود، وسليمان من الملك العظيم المذكور في القرآن هنا. وعن ابن عباس﵄-: المعنى: أم يحسدون محمدا ﷺ على ما أحلّ الله له من النّساء، فيكون المراد بالملك العظيم على هذا هو ما أحلّه الله لداود، ولسليمان، فإنّه كان لداود مائة امرأة، ولسليمان ألف امرأة:","vol":"2","page":488},{"text":"ثلاثمائة حرّة، وسبعمائة سرّيّة. والفائدة في كثرة تزوجهما: أنّه كان لكلّ منهما قوة أربعين نبيّا، وقوة النبيّ بقوة أربعين رجلا عاديّا، وكلّ من كان أقوى؛ كان أكثر نكاحا. انتهى. خازن، وقرطبي.\nهذا؛ والحكمة: المعرفة بالدين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو منحة، ونور من ربّ العالمين. قال مالك-رحمه الله تعالى-وقال أبو بكر بن دريد-رحمه الله تعالى-: الحكمة كلّ كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة. وقال أبو العالية-رحمه الله تعالى-: الحكمة خشية الله، فإنّ خشية الله رأس كلّ حكمة، وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود﵁مرفوعا عن النبي ﷺ: «رأس الحكمة مخافة الله».\nهذا؛ و﴿آلَ﴾ أصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار (أأل) ثمّ أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى، على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة، والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى» وذلك مثل آدم، وإيمان، وأومن، فإنّ الأصل: أأدم، وإئمان، وأأمن، وقلب الهاء همزة سائغ، مستعمل لغة في: أراق، فإن أصله: هراق، كما تقلب الهمزة هاء، ومنه قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٤١٦] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nألا يا سنا برق على قلل الحمى... لهنّك من برق عليّ كريم\nوالأول كثير مستعمل في الشعر العربي، وغيره، وهذا مذهب سيبويه، وقال الكسائي:\nأصل: آل (أول) كجمل، من آل يئول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وقد صغّروه على أهيل، وهو يشهد للأول، وعلى أويل، وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر وشأن، بخلاف أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن:\nأهله، ولا ينقض بآل فرعون، فإنّ له شرفا باعتبار الدّنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنّحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنّه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جدّ النبي ﷺ: [الكامل]\nلا همّ إنّ العبد يم... نع رحله فامنع رحالك\nوانصر على آل الصّلي... ب وعابديه اليوم آلك\nوفي الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ: «اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى آله».\nهذا؛ وأمّا (الحسد) فهو تمنّي زوال النعمة عمّن هو مستحق لها، وربما يكون ذلك مع سعي في زوالها، والحسد مذموم، وصاحبه مغموم، وهو «يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب».\nرواه أنس﵁عن النبي ﷺ، ورواه أبو داود عن أبي هريرة﵁وقد أطلت الكلام على الحسد في سورة الفلق، فانظره، فإنّه جيد. والحمد لله! وخذ هنا ما يلي:","vol":"2","page":489},{"text":"فقد قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وعبرة لا تنفد. وقال عبد الله بن مسعود﵁-: لا تعادوا نعم الله! قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، يقول الله في بعض الكتب: (الحسود عدوّ نعمتي، متسخّط لقضائي، غير راض بقسمتي). ورحم الله من قال: [الكامل]\nوإذا أراد الله نشر فضيلة... طويت أتاح لها لسان حسود\nلولا اشتعال النّار فيما جاورت... ما كان يعرف طيب عرف العود\nوقال أبو الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-، وهو الشاهد رقم [٣٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل]\nحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه... فالكلّ أعداء له وخصوم\nكضرائر الحسناء قلن لوجهها... حسدا وبغضا إنّه لدميم\nوقيل: إذا سرك أن تسلم من الحاسد؛ فعمّ عليه أمرك، ولرجل من قريش قال: [الرمل]\nحسدوا النّعمة لمّا ظهرت... فرموها بأباطيل الكلم\nوإذا ما الله أسدى نعمة... لم يضرها قول أعداء النّعم\nهذا؛ وكلّ ذي نعمة محسود. اسمع قول القائل: [البسيط]\nإن يحسدوك على فضل خصصت به... فكلّ منفرد بالفضل محسود\nومآل الحسود في الدّنيا: الهمّ، والغمّ، والهلاك. وفي الآخرة: عذاب النار، وبئس القرار! ولقد أحسن من قال: [مجزوء الكامل]\nاصبر على حسد الحسو... د فإنّ صبرك قاتله\nفالنّار تأكل بعضها... إن لم تجد ما تأكله\nفإبليس لمّا حسد آدم؛ طرد من رحمة الله، وقابيل لمّا حسد أخاه هابيل؛ كان مآله الخزي، والنكال، واليهود لمّا حسدوا الرسول ﷺ طردوا من رحمة الله، واستحقّوا اللعنة في الدنيا والآخرة، وباءوا بغضب من الله بنصّ القرآن، والنصارى ضلّوا سواء السبيل.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» للانتقال من موضوع إلى آخر. ﴿يَحْسُدُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة بعد «بل» لا محلّ لها. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة،","vol":"2","page":490},{"text":"والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى﴾. ﴿آتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر. والهاء مفعول به أوّل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: على الذي، أو: على شيء آتاهم الله إيّاه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول الثاني المحذوف. و﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء:\nحرف تفريع. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿آلَ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف. و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿آتَيْنا آلَ..﴾. إلخ مفرعة عمّا قبلها، ومستأنفة لا محلّ لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-548\"></span>﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ أي: من اليهود. ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ:﴾ أي: بمحمّد ﷺ وصدق بنبوته، ورسالته، كعبد الله بن سلام، وأصحابه﵃وهم قلّة قليلة. وقيل: المراد بما ذكر من حديث آل إبراهيم المتقدّم ذكره. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ:﴾ أعرض، ولم يؤمن به، وهم الكثرة، كقوله تعالى في سورة (الحديد): ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السّكون في حلّ رفع مبتدأ مؤخر. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿آمَنَ،﴾ والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها؛ إن كانت نكرة موصوفة، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الجملة، ولا أرتضيه. والأصح: أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و﴿مَنْ﴾ هي الخبر لأنّ (من) الجارة دالة على التبعيض أي: وبعض الناس، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ويؤيده قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فأكثرهم معطوف على مضمون: (﴿مِنْهُمْ﴾) والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. الباء: حرف جر صلة. (جهنم): فاعل (﴿كَفى﴾) مجرور لفظا، مرفوع محلاّ.\n ﴿سَعِيرًا:﴾ تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة.","vol":"2","page":491},{"text":"<span id=\"aya-549\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا:﴾ هذا وعيد من الله﷿للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل الله تعالى من اليهود، وغيرهم من سائر الكفار، والمعنى: إنّ الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمد من آياتي الدالة على توحيدي، وصدق رسولي محمد ﷺ، سوف أدخلهم نارا، يحترقون فيها. ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: احترقت جلودهم.\n ﴿بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها:﴾ يعني غير الجلود المحترقة. قال ابن عباس، وابن عمر﵃-: إذا احترقوا؛ بدلت لهم جلود بيض كالقراطيس. وروي: أنّ هذه الآية قرئت عند عمر -﵁-، فقال عمر للقارئ: أعدها، فأعادها، وكان عنده معاذ بن جبل، فقال عند تفسيرها: تبدّل كلّ ساعة مائة مرّة، فقال عمر﵁-: هكذا سمعت رسول الله ﷺ.\nذكره البغويّ بغير سند، وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيّام للرّاكب المسرع». رواه البخاريّ، ومسلم.\nوعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «ضرس الكافر، أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيّام». أخرجه مسلم، والترمذيّ.\nوإن أردت الزيادة؛ فانظر التّرغيب، والتّرهيب للحافظ المنذري، رحمه الله تعالى.\nوالحكمة في توسيع جلودهم، وأعضائهم؛ ليذوقوا شدّة العذاب، كما قال تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾. وتبديل الجلود: إعادتها بشكل آخر، كما تقول: صنعت من خاتمي خاتما آخر، فالثاني هو الأوّل غير أنّ الصناعة بدلت الصّفة. وقيل: المراد بالجلود: السّرابيل، كما قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ سمّيت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة، كما يقال للشيء الخاص بالإنسان: هو جلدة ما بين عينيه، وأنشد ابن عمر﵄-: [الطويل]\nيلومونني في سالم وألومهم... وجلدة بين العين والأنف سالم\nونظير تبديل الجلود قوله تعالى في سورة (إبراهيم) أيضا: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ وهي تلك الأرض بعينها إلا أنّها تغيّر آكامها، وجبالها، وأنهارها، وأشجارها، ويزاد في سعتها، ويسوّى ذلك منها، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [الطويل]\nفما النّاس بالنّاس الّذين عهدتهم... ولا الدّار بالدّار الّتي كنت أعرف","vol":"2","page":492},{"text":"هذا؛ و(آيات) جمع: آية، وهي في الأصل: العلامة الظاهرة، وتقال للمصنوعات في هذا الكون من حيث إنّها تدلّ على وجود الصانع، وعلمه، وقدرته. قال تعالى في سورة (البقرة):\n ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ ﴿لَآياتٍ..﴾. إلخ رقم [١٦٤]، وقال في سورة (آل عمران) رقم [١٩٠] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ..﴾. إلخ. كما تقال لكل طائفة من القرآن، كما في هذه الآية، كما تطلق على المعجزة الخارقة للعادة، مثل:\nانشقاق القمر، ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق، ويراد بها العبرة، والاعتبار، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ..﴾. إلخ رقم [١٣] من سورة (آل عمران). هذا؛ والتعبير في هذه الآية وغيرها كثير عن المستقبل بالماضي إنّما هو لتحقق الوقوع.\nهذا؛ و(الذوق) يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول:\nاركب هذا الفرس. فذقه؛ أي: اختبره، وانظر فلان، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل]\nفذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز\nوقد يعبّر بالذّوق عمّا يطرأ في النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nفذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم\nوتقول: ذقت ما عند فلان، أي: اختبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها؛ لتنظر ما شدّتها؟ وأذاقه الله وبال أمره، أي: عقوبة كفره ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]\nفذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب\nوتذوّقته، أي: ذقته شيئا فشيئا. وأمر مستذاق، أي: مجرب معلوم. قال الشاعر: [الوافر]\nوعهد الغانيات كعهد قين... دنت عند الجعائل مستذاق\nوأصله: ذوق بالضم، وذوقوا في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخيليّة، وذكر العذاب في كثير من الآيات استعارة مكنية؛ حيث شبّه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبّه الذّوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذّوق تخييلا.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف","vol":"2","page":493},{"text":"تسويف واستقبال. ﴿نُصْلِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿نارًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأ، أو مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿كُلَّما:﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، و(ما) مصدرية توقيتية. ﴿نَضِجَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، حرف لا محلّ له. ﴿جُلُودُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، و(ما) والفعل (نضج) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت نضج جلودهم، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كلّ). وقيل: (ما) نكرة موصوفة والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: (وقت) أيضا، وانظر مبحث «كلّما» في كتابنا: «فتح القريب المجيب».\n ﴿بَدَّلْناهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿جُلُودًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿غَيْرَها:﴾ صفة:\n ﴿جُلُودًا﴾. و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محلّ لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها في محل نصب حال من الضّمير المنصوب في نصليهم، والرابط الضّمير فقط، ويجوز أن تكون صفة: ﴿نارًا﴾ والرابط محذوف، التقدير: نارا كلّما نضجت فيها جلودهم.\n ﴿لِيَذُوقُوا:﴾ اللام: حرف تعليل وجر. (يذوقوا): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل بدّلناهم. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا:﴾ خبران ل ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتّعليل، أو هي مستأنفة، أو هي معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها على جميع هذه الوجوه.\n\n<span id=\"aya-550\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا:﴾ صدّقوا بالله، ورسوله تصديقا صحيحا. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾\nالأعمال الصّالحات على اختلاف درجاتها، ومراتبها من فعل مأمورات، واجتناب منهيّات.\n ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان المملوء بالنّخيل، والشّجر الكثير، المتكاثف؛ الذي يجنّ؛ أي: يستر ما يكون متداخلا فيه، وسمّيت دار الثواب: جنّة؛ لما فيها من النّعيم؛ الذي لا ينفد، وجمع «الجنّة» على: ﴿جَنّاتٍ﴾ يدلّ على جنان كثيرة مرتبة بحسب أعمال العاملين، لكلّ طبقة منهم جنّة من تلك الجنان، وهي سبع، بل ثمان: جنّة الفردوس، وجنة","vol":"2","page":494},{"text":"عدن، وجنّة النّعيم، ودار الخلد، ودار المقامة، ودار السّلام، وجنّة المأوى، وعليّون. وفي كلّ منها مراتب، ودرجات متفاوتة على حسب درجات الأعمال، والعمّال.\n ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت قصورها، وأشجارها، ولم يجر لهما ذكر؛ لأنّ الجنّات دالة عليهما، والأنهار لا تجري، وإنّما يجري الماء فيها، فهو من تسمية الشيء باسم محلّه، ويسمّى مجازا مرسلا، وهو كثير في كتاب الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي:\nأمر ربك. ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها، وقال الشّاعر: [الكامل]\nنبّئت أنّ النّار بعدك أوقدت... واستبّ بعدك يا كليب المجلس\nأي: استبّ أهل المجلس. و﴿الْأَنْهارُ﴾ جمع: نهر، وهو معروف في الدّنيا، ولكن شتان ما بين أنهار الجنّة، وأنهار الدّنيا. هذا؛ ويجمع النّهر على أنهر، ونهر، وأنهار، وهاء «النّهر» تفتح، وتسكن. هذا؛ ويروى: أنّ أنهار الجنّة ليست في أخاديد، إنّما تجري على أرض الجنّة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها.\n ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين مقيمين لا يبرحون منها. ﴿أَبَدًا:﴾ هو الزّمان الطّويل. الّذي ليس له حدّ، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلّم إلى آخر العمر. وانظر الآية رقم [١٢٢] الآتية. ﴿لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: ولهم في الجنّة زوجات من الحور العين، مطهّرات من الأقذار، والأدناس الحسّيّة، والمعنويّة، فالحسية مثل: الحيض، والنّفاس، والبول، والغائط، والنّخام... إلخ، والمعنوية مثل: سوء الخلق، وعدم الانصياع لأوامر الأزواج، وإيذاء الأزواج، وكذلك نساء الدّنيا المؤمنات يكنّ يوم القيامة أجمل من الحور العين، كما قال تعالى في سورة الواقعة: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا﴾. هذا؛ ولكلّ واحد من أهل الجنة زوجتان من نساء الدّنيا، وعدد من الحور العين على حسب درجته، ومكانته عند الله. هذا و﴿أَزْواجٌ﴾ جمع: زوج، وهو يطلق على الرّجل، والمرأة، والقرينة تبين الذّكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء أفضل إلا في الفرائض، فإنّها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث، وقال الأصمعي-رحمه الله تعالى-: ولا تكاد العرب تقول: زوجة. وحكى الفرّاء: أنّه يقال:\nزوجة، وأنشد للفرزدق: [الطويل]\nوإنّ الّذي يسعى ليفسد زوجتي... كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها\nوقال عمّار بن ياسر﵄في عائشة﵂-: والله إنّي لأعلم أنّها زوجة نبيكم في الدّنيا، والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم؛ لتتّبعوه، أو إيّاها. ذكره البخاريّ. وعن أنس -﵁-: أنّ النبيّ ﷺ كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل، فدعاه، فقال: «يا فلان! هذه فلانة زوجتي» فقال: يا رسول الله! من كنت أظنّ به، فلم أكن أظنّ بك! فقال ﷺ: «إنّ الشّيطان","vol":"2","page":495},{"text":"يجري من الإنسان مجرى الدّم». أخرجه مسلم، والمحفوظ: أنّ ذلك كان ليلا. وأنّ الرجل كان الزّبير بن العوّام﵁-، وأنّ المرأة كانت سودة بنت زمعة﵂-.\nهذا والزوج: القرين، قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [٢٢]. ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: وقرناءهم، والزّوج ضد الفرد، وكلّ واحد منهما يسمّى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء، وقال تعالى في سورة (هود): ﴿اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كلّ نوع ذكرا، وأنثى، وقال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ. والمعنى: ثمانية أفراد، والزّوج الصّنف، والنّوع، قال تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: صنف من النّبات، ومثلها في سورة الحجّ رقم [٥].\n ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ أي: دائما مستمرا، لا تنسخه شمس، ولا يؤذيهم فيه حرّ، ولا برد.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: إذا لم يكن في الجنّة شمس يؤذي حرّها، فما فائدة وصفها بالظلّ الظّليل؟ قلت: إنّما خاطبهم بما يعقلون، ويعرفون، وذلك لأنّ بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظلّ عندهم من أعظم أسباب الرّاحة، واللّذاذة، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وقال في سورة (الرّعد): ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ وقال جلّ شأنه في سورة (المرسلات): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾. انظر شرح هذه الآيات في محالّها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nتنبيه: لمّا ذكر الله تعالى في الآية السابقة الكافرين، وما أعدّ لهم من العذاب الأليم، والعقاب الشّديد؛ ذكر في هذه الآية المؤمنين الصّادقين، وما أعدّ لهم من النّعيم المقيم في جنّات النّعيم، وتلك سنّة الله في كتابه الكريم، حيث اقتضت حكمته تعالى ورحمته، فلا يذكر التّصديق من المؤمنين، إلا ويذكر التّكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان، إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنّة إلا ويذكر النّار، ولا يذكر الرّحمة إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا.\nتنبيه: ذكر الله في الآية السابقة الكفر، ولم يتبعه بشيء؛ بينما ذكر الإيمان في هذه الآية، وأتبعه بذكر العمل الصّالح، وهذا يلاحظ في الآيات القرآنيّة الكثيرة، ممّا يدل على أنّ العمل الصالح قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بدون عمل، وهو ما أفاده قول الرّسول ﷺ:\n «الإيمان، والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أنّ الإيمان مشروط لقبول العمل الصّالح، ويسمّى مثل هذا في علم المعاني احتراسا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب معطوف على اسم (إنّ)، أو هو في محل رفع معطوف على محلّه، أو في محل رفع مبتدأ،","vol":"2","page":496},{"text":"والكلام مستأنف. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. (﴿عَمِلُوا﴾): فعل ماض مبني على الضم، والواو... إلخ.\n ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿سَنُدْخِلُهُمْ:﴾ السين: حرف تنفيس، واستقبال. (ندخلهم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿جَنّاتٍ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون-وعلى رأسهم الأخفش-ينصبونه على التوسّع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل هذا يقال في مفعول «دخل» الثلاثي، ومفعول «نزل» و«سكن» وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وعلى جميع الاعتبارات فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنّه جمع مؤنث سالم.\n ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضّمير المنصوب، منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التّنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلّق به أيضا.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المستتر المستقر في: ﴿لَهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَزْواجٌ﴾ كان صفة له... إلخ، وهو غير مسلّم؛ لأنّ بعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿أَزْواجٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\nوقال أبو البقاء: حال، أو صفة، ولا أراهما قويّين، ولو قيل بالاعتراض بين الجملتين المتعاطفتين؛ لكان أحسن، وأفضل. (ندخلهم ﴿ظِلاًّ﴾): معطوفة على جملة: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ إلخ، فهي في محلّ رفع مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿ظَلِيلًا:﴾ صفة ﴿ظِلاًّ﴾ مؤكّدة. كقولهم:\nشمس شامس، وليل أليل، ويوم أيوم. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-551\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾\nالشرح: قال البغوي-رحمه الله تعالى-: نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدّار، وكان سادن الكعبة، فلمّا دخل رسول الله ﷺ مكّة يوم الفتح؛ أغلق عثمان باب الكعبة،","vol":"2","page":497},{"text":"وصعد السّطح، فطلب رسول الله ﷺ المفتاح، فقيل له: إنّه مع عثمان، فطلب منه رسول الله ﷺ المفتاح: فأبى، وقال: لو علمت: أنّه رسول الله؛ لم أمنعه المفتاح. فلوى علي﵁- يده وأخذ منه المفتاح، وفتح الباب، فدخل رسول الله ﷺ البيت، وصلّى فيه ركعتين، فلمّا خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، وأن يجمع له بين السّقاية، والسّدانة، فأنزل الله الآية الكريمة، فأمر رسول الله ﷺ عليّا﵁أن يردّ المفتاح إلى عثمان، ويعتذر إليه، ففعل ذلك، فقال له عثمان: آذيت، وأكرهت، ثم جئت تترفّق، فقال عليّ﵁-: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان﵁-: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، فقال النبي ﷺ: «خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة، لا يأخذها منكم إلاّ ظالم». فكان المفتاح معه إلى أن مات، فدفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح، والسّدانة في أولادهم إلى يوم القيامة.\nهذا؛ وأثبت أبو عمر بن عبد البر، وابن منده، وابن الأثير: أنّ عثمان بن طلحة﵁- هاجر إلى المدينة في هدنة الحديبية سنة ثمان مع خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص﵃ أجمعين-. انتهى خازن بتصرّف. فيكون من السّابقين.\nهذا؛ و(الأمانة) مصدر، وحقّ المصادر ألا تجمع؛ لأنّها كالفعل يدلّ على الكثير، والقليل من جنسه، ولكن لمّا اختلفت أنواع الأمانة؛ جاز جمعها؛ لأنّها لمّا اختلفت أنواعها شابهت المفعول به، فجمعت كما يجمع المفعول به، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى في سورة (المعارج): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾. والأمانة: خلق من الأخلاق الفاضلة، وصفة من الصفات النبيلة، وأصل من أصول الديانات، ولذلك أكّدت جميع الشرائع أمرها، وحثّت على الاتصاف بها، وبالإضافة لما ذكرته في سورة (آل عمران) رقم [٧٥] أذكر هنا ما يلي:\nفالأمانة تجري في كل شئون الحياة، فمن أسرّ إليك سرّا؛ فقد أودع عندك أمانة، ومن استشار غيره في أمر دنيويّ؛ فهو أمانة، والمال في يد الإنسان أمانة، والولد في يد الإنسان أمانة. قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله سائل كلّ راع عمّا استرعاه، حفظ، أم ضيّع؛ حتّى يسأل الرّجل عن أهل بيته». رواه ابن حبّان في صحيحه عن الحسن﵁-. وعن أنس -﵁-. وجوارح الإنسان كلّها أمانة، والتّكاليف الإلهيّة كلّها أمانة، ومعاملات النّاس كلّها أمانة، وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن مسعود﵁قال: «القتل في سبيل الله يكفّر الذّنوب كلّها إلاّ الأمانة، قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: أي ربّ كيف؛ وقد ذهبت الدّنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثّل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها، فيعرفها، فيهوي في أثرها حتّى يدركها، فيحملها على منكبيه حتّى إذا ظنّ: أنّه خارج؛ زلّت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين. ثمّ قال:","vol":"2","page":498},{"text":"الصّلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة-وأشياء عدّدها-وأشدّ ذلك الودائع». رواه البخاريّ، وأحمد، والبيهقيّ موقوفا. وذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب الزهد: أنّه سأل أباه عنه، فقال: إسناد جيّد. هذا؛ وجميع النعم التي أنعم الله بها على الإنسان أمانة؛ وما أكثرها! قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾.\n ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أي: ويأمركم الله أن تعدلوا بين الناس في أحكامكم. ويدخل في ذلك جميع الخلق، والخطاب يعمّ كلّ من تولّى الحكم بين اثنين من ولاة، وغيرهم. فعن ابن عباس﵄عن النّبيّ ﷺ: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستّين سنة، وحدّ يقام في الأرض بحقّه أزكى فيها من مطر أربعين صباحا». رواه الطّبرانيّ في الكبير، والأوسط، وكلمة «إمام» تعمّ، وتشمل كلّ من تولّى شأنا من شئون المسلمين، وأمرا من أمورهم، فهو يتدرّج من رئيس الدّولة إلى المحافظ.. إلى الشّرطي الذي يتولى التّحقيق بين اثنين متخاصمين. وعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن-وكلتا يديه يمين-الّذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا». رواه مسلم، والنّسائي. وأحقّ الناس بالعدل الأهل، وهو يشمل الزّوجة، والأولاد.\nو(أهل) اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، ونفر... إلخ. والأهل:\nالعشيرة، وذوو القربى. ويطلق على الزّوجة، والأولاد، وعلى الأتباع أيضا، وجمعه: أهلون وأهال، وآهال، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى في سورة التّحريم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.\n ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا..﴾. إلخ أي: ويأمركم بأن تحكموا بالحق، والإنصاف، وإذا قضيتم بين الناس، فلا تميلوا عن الحق إلى أحد المتخاصمين. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا:﴾\nلأقوالكم، ﴿بَصِيرًا:﴾ بأعمالكم. وصف الله تعالى نفسه بأنّه سميع بصير، يسمع ويرى، كما قال تعالى في سورة طه لموسى وهارون على نبينا وحبيبنا وعليهما ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى،﴾ والمعنى: فإذا حكمتم؛ فهو يسمع حكمكم، وإذا أديتم الأمانة؛ فهو يبصر فعلكم. وأصل العدل هو المساواة في الأشياء، فكل ما خرج عن الظلم، والاعتداء سمّي عدلا. قال بعض العلماء: ينبغي للقاضي أن يسوّي بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدّخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم بالحق فيما لهما، وعليهما. وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحقّ إلى مستحقّه، وأن لا يمتزج بغرض آخر. هذا؛ وذكر لفظ الجلالة في ثلاث جمل لتربية المهابة في النّفوس، ولتعظيمه في القلوب.","vol":"2","page":499},{"text":"هذا؛ و(نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح، و(بئس) فعل ماض جامد لإنشاء الذّمّ، قال في المختار: «نعم» منقول من نعم فلان بفتح النون، وكسر العين: إذا أصاب النّعمة. وبئس فلان بفتح الباء، وكسر الهمزة: إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس بكسر فسكون، وهي أفصحنّ، ثمّ نعم بئس بكسر أولهما وثانيهما، غير أنّ الغالب في (نعم) أن يتصل بها «ما» كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وكما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٧١]: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ وبئس اتصلت بها «ما» على اللغة الفصحى، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٩٠]:\n ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ والآية رقم [٩٣] منها أيضا: ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ﴾ والآية رقم [١٥٠] من سورة (الأعراف): ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي..﴾. إلخ، واللغة الثالثة: نعم وبأس بفتح وسكون، والرابعة: نعم وبئس بفتح وكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بدّ لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو بالذمّ، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nفعلان غير متصرّفين... نعم وبئس رافعان اسمين\nمقارني ال أو مضافين لما... قارنها كنعم عقبى الكرما\nويرفعان مضمرا يفسّره... مميّز كنعم قوما معشره\nوالقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي، بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول النبي ﷺ: «من توضّأ يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل». وقال الكوفيّون: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابيّ؛ وقد أخبر بأنّ امرأته ولدت بنتا: والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة. وقول آخر: نعم السّير على بئس العير. وتأوّله البصريّون على حذف كلام مقدّر، والتقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير. والمعتمد في ذلك قول البصريين.\nهذا؛ ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا بال، أو مضافا لمقترن بها، أو ضميرا مميزا بنكرة، أو كلمة «ما»؛ فالأول: كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾. والثالث: مثل قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾. والرابع: كما في الآية التي بين أيدينا. وهذا شرح لأبيات ابن مالك.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَأْمُرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري ونصب.\n ﴿تُؤَدُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنَّ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة،","vol":"2","page":500},{"text":"والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول منهما في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وتقدير الكلام: إنّ الله يأمركم بأداء. ﴿الْأَماناتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. ﴿إِلى أَهْلِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿تُؤَدُّوا﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْأَماناتِ﴾.\n ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بمحذوف على مذهب البصريّين؛ الذين لا يجيزون إعمال ما بعد «أن» المصدرية فيما قبلها، التقدير: ويأمركم أن تحكموا بالعدل إذا حكمتم، وعند الكوفيين متعلق بالفعل الآتي؛ لأنّهم يجيزون إعمال ما بعد «أن» المصدرية فيما قبلها. ﴿حَكَمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ تَحْكُمُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا،﴾ والمصدر المؤول في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، والجار والمجرور معطوفان على مثلهما السّابقين. ﴿بِالْعَدْلِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما على أنّهما مفعوله، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة.\n ﴿نِعِمّا:﴾ (نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح. (ما): نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التّمييز المفسّر لفاعل (نعم) المستتر، التقدير: نعم الشيء شيئا. هذا؛ وجوّز اعتبار (ما) اسما موصولا على أنّها فاعل (نعم) والمعتمد الأول. ﴿يَعِظُكُمْ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صفة (ما) أو صلتها، والرابط، أو العائد هو الضمير المجرور محلاّ بالباء، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: نعم الشيء، أو الذي يعظكم به هو تأدية الأمانة، والحكم بالعدل، وجملة: ﴿نِعِمّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-552\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله في الآية السابقة الأمانة، وأمر بأدائها النّاس جميعا، وأمر الحكام أن يحكموا بين الناس بالعدل؛ تقدّم في هذه الآية إلى الرّعية، فأمر بطاعته أولا، وهي: امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ثمّ أمر بطاعة رسوله ﷺ ثانيا فيما أمر به، ونهى عنه، ثمّ أمر بطاعة الحكام، والأمراء ثالثا على قول الجمهور، وفي مقدّمتهم: أبو هريرة، وابن عباس، وغيرهم من كبار الصحابة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩]. وخذ ما يلي:","vol":"2","page":501},{"text":"فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أطاعني؛ فقد أطاع الله.\nومن عصاني؛ فقد عصى الله. ومن يطع الأمير؛ فقد أطاعني. ومن يعص الأمير؛ فقد عصاني».\nمتفق عليه.\nوعن أنس﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اسمعوا، وأطيعوا، وإن أمّر عليكم عبد حبشيّ، كأنّ رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله». رواه البخاريّ.\nوعن أبي هريرة﵁قال: «أوصاني خليلي ﷺ أن أسمع، وأطيع، وإن كان عبدا حبشيّا مجدوع الأطراف». رواه مسلم، رحمه الله تعالى!.\nوورد في بعض الكتب المنزلة: يقول الله﷿-: «أنا الله ملك الملوك، ومالك الملك، قلوب الملوك، ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني؛ جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني؛ جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطّفهم عليكم».\nوهو معنى قول الرّسول ﷺ: «كما تكونوا يولّ عليكم».\nهذا؛ وقال العلماء: طاعة الإمام واجبة على الرّعية ما دام على الطّاعة، فإذا زال عن الكتاب، والسنة؛ فلا طاعة له، وإنّما طاعته فيما وافق الحقّ. وقال عليّ﵁-: حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدّي الأمانة، فإذا فعل ذلك؛ فحقّ على الرّعية أن يسمعوا، ويطيعوا. وعن ابن عمر﵄-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «على المرء المسلم السّمع والطّاعة فيما أحبّ أو كره إلاّ أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية؛ فلا سمع، ولا طاعة». رواه أبو داود. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ إيحاء على أنّ الحكام الذين تجب طاعتهم؛ إن حكموا بالعدل يجب أن يكونوا مسلمين حسّا، ومعنى، لحما، ودما، لا أن يكونوا مسلمين شكلا، وصورة. وخذ ما يلي:\nقال الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: والمراد ب (﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾): أمراء الحق؛ لأنّ أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله، ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنّما يجمع بين الله، ورسوله، والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل، واختيار الحق، والأمر بهما، والنّهي عن أضدادهما، كالخلفاء الراشدين، ومن تبعهم بإحسان، وكان الخلفاء يقولون:\nأطيعوني ما عدلت فيكم، فإن خالفت؛ فلا طاعة لي عليكم. انتهى.\nهذا؛ ومن العلماء من يقول: المراد بأولي الأمر: العلماء العاملون، الذين يعلّمون النّاس بأمور الدين، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر. وهو قول لابن عباس﵄وكذا قال مجاهد، وعطاء، وغيرهما، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ..﴾. إلخ فأمر الله تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله، وسنّة نبيه ﷺ، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الردّ إلى الكتاب، والسنة. قال تعالى في الآية رقم [٨٣]: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ﴾","vol":"2","page":502},{"text":"﴿مِنْهُمْ﴾ ويدلّ هذا على صحّة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال فتواهم لازما. قال سهل بن عبد الله: لا يزال الناس بخير ما عظموا السّلطان، والعلماء، فإذا عظّموا هذين؛ أصلح الله دنياهم، وأخراهم، وإذا استخفّوا بهذين؛ فسدت دنياهم، وأخراهم. وانظر الآية رقم [٨٣] ومعنى:\n ﴿تَنازَعْتُمْ:﴾ تجادلتم، واختلفتم، فكأنّ كلّ واحد ينتزع حجّة الآخر، ويذهبها، والمنازعة:\nمجاذبة الحديث، والحجج. قال الأعشى في معلّقته: [البسيط]\nنازعتهم قضب الرّيحان متّكئا... وقهوة مرّة راووقها خضل\n ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمر دينكم، ودنياكم. ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: ردّوا ذلك الحكم إلى كتاب الله، ﷿، وإلى رسوله ﷺ في حياته ما دام حيا، وبالنّظر في سنّته بعد وفاته ﷺ.\nومن لم ير هذا اختلّ إيمانه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال العلماء: في الآية دليل على أنّ من لا يعتقد وجوب طاعة الله ﷿، وطاعة الرّسول ﷺ، ومتابعة السنة، والحكم بالأحاديث الواردة عن النبيّ ﷺ لا يكون مؤمنا بالله، واليوم الآخر، وهو الذي يكون فيه الحشر، والنشر، والحساب والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الرّبّانيّ.\n ﴿ذلِكَ خَيْرٌ:﴾ أي: ردّكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب، والسنّة خير من التنازع. ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا:﴾ أي: مرجعا، وأحمد عاقبة، من: آل، يؤول إلى كذا، أي: صار.\nهذا؛ وقال البخاريّ-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في عبد الله بن حذافة السّهمي﵁إذ بعثه رسول الله ﷺ على رأس سرية، فلمّا خرجوا؛ وجد عليهم في شيء، فقال لهم: أليس أمركم رسول الله ﷺ بطاعتي؟ قالوا: بلى! قال: فاجمعوا حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها، ثمّ قال: عزمت عليكم لتدخلنّها! فقال شابّ منهم: إنّما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النّار، فلا تعجلوا حتّى تلقوا رسول الله ﷺ، فإن أمركم أن تدخلوها، فادخلوها، ورجعوا إلى رسول الله ﷺ، فأخبروه، فقال لهم: «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنّما الطّاعة في المعروف». وفي رواية: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». وضعّف الدّاودي هذه الرّواية.\nوقال السّديّ-رحمه الله تعالى-: نزلت في خالد بن الوليد﵁وذلك: أنّه بعثه رسول الله ﷺ على سرية، وفيها عمّار بن ياسر﵄-، فلمّا قربوا من القوم؛ هربوا منهم، وجاء رجل منهم إلى عمّار قد أسلم، فأمّنه عمّار، فجاء خالد﵁-، فأخذ مال الرّجل، فقال عمّار: إني قد أمنته؛ وقد أسلم، فقال خالد: أتجير عليّ؛ وأنا الأمير؟! فتنازعا، وقدما على رسول الله ﷺ، فأجاز أمان عمّار، ونهاه أن يجير ثانية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"2","page":503},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ﴿أَطِيعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، وجملة: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَأُولِي:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(أولي):\nمضاف، و﴿الْأَمْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾).\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَنازَعْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي شَيْءٍ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿فَرُدُّوهُ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (ردّوه): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد.\n ﴿إِلَى اللهِ﴾ متعلّقان بما قبلهما، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَالرَّسُولِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها، وجواب الشّرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم؛ فردّوه، والجملة الشرطية مستأنفة.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَأَحْسَنُ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿تَأْوِيلًا:﴾ تمييز.\n\n<span id=\"aya-553\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ ألم تنظر. فهو تعجيب من حال المنافقين. والخطاب للنبي ﷺ، ويعمّ كلّ عاقل، ومن عنده شيء من التفكير، والتبصّر، فهو إنكار من الله﷿على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنّة رسوله. والآية قال ابن عباس﵄- فيها: نزلت في رجل من المنافقين، يقال له: بشر، كان بينه، وبين يهوديّ خصومة، فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال المنافق: بل ننطلق إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي","vol":"2","page":504},{"text":"سمّاه الله: الطاغوت، فأبى اليهوديّ أن يخاصمه إلا إلى محمد ﷺ، فلمّا رأى المنافق ذلك؛ أتى معه إلى رسول الله ﷺ، فقضى رسول الله ﷺ لليهوديّ، فلما خرجا؛ قال المنافق: لا أرضى! انطلق إلى أبي بكر، فحكم الصديق﵁لليهوديّ، فلم يرض-ذكره الزجّاج -وقال: انطلق بنا إلى عمر، فذهبا إلى عمر، فقال اليهودي: إنا صرنا إلى محمّد، ثم إلى أبي بكر، فلم يرض، فقال عمر﵁للمنافق: أكذاك هو؟ قال: نعم، قال:\nرويدكما حتى أخرج إليكما، فدخل، وأخذ السيف، ثمّ ضرب به المنافق، فقتله، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله، وقضاء رسوله. وهرب اليهوديّ، ونزلت الآية، وقال جبريل﵇-: إنّ عمر فرّق بين الحقّ، والباطل، فسمّي الفاروق. وقال رسول الله ﷺ له: «أنت الفاروق»، وفي ذلك نزلت الآية كلّها إلى قوله: ﴿تَسْلِيمًا﴾ وهذه إحدى الآيات الّتي وافقت رأي عمر، ومثلها الآية رقم [٩٨]، والآية رقم [١٢٥] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٩٤] من سورة (المائدة)، والآية رقم [٦٧] من سورة (الأنفال)، والآية رقم [٥٩] من سورة (الأحزاب)، والآية رقم [٥] من سورة (التحريم) وغير ذلك.\nهذا؛ و﴿يَزْعُمُونَ:﴾ ماضيه زعم، قال الشيخ مصطفى الغلاييني-رحمه الله تعالى-: الغالب في زعم أن تستعمل للظنّ الفاسد، وهو حكاية قول يكون مظنّة للكذب. فيقال فيما يشك فيه، أو فيما يعتقد كذبه. ولذلك يقولون: (زعموا) مطيّة الكذب، أي: إنّ هذه الكلمة مركب للكذب، ومن عادة العرب: أنّ من قال كلاما وكان عندهم كاذبا؛ قالوا: زعم فلان. ولهذا جاء في القرآن الكريم في كلّ موضع ذمّ القائلون به، وقد يراد الزّعم بمعنى القول مجردا عن معنى الظنّ الراجح، أو الفاسد، أو المشكوك فيه، فإن كانت زعم بمعنى: تأمّر، وترأّس، أو بمعنى: كفل به تعدّت إلى واحد بحرف الجر، تقول: زعم على القوم، فهو زعيم، أي: تأمّر عليهم، وترأسهم، وزعم بفلان، وبالمال، أي: كلفه، وضمنه، وتقول: زعم اللّبن، أي: أخذ يطيب، فهو لازم. انتهى.\nأقول: ولا تنس الكفالة، والضمان من (زعم) في قوله تعالى: ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ سورة (يوسف) رقم [٧٢]، وقوله جلّ ذكره: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ سورة (القلم) رقم [٤٠]. بعد هذا أقول: إنّ (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين؛ أصلهما مبتدأ وخبر، إن كان من أفعال الرّجحان، والأكثر أن يسدّ مسدهما: أن، واسمها، وخبرها مخففة من الثقيلة، أو غيرهما، نحو قوله تعالى في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا..﴾. إلخ، وفي هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ..﴾. إلخ. انظر شواهد ذلك في كتابنا: «فتح رب البريّة». والقليل أن تنصب مفعولين صريحين، وهو ناقص التصرّف، ويأتي منه ماض، ومضارع، ولا يأتي منه أمر.","vol":"2","page":505},{"text":"﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ المراد: التّوراة التي أنزلها الله على موسى، وهارون، والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، والزّبور الذي أنزله الله على داود، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ:﴾\nالطاغوت: الكثير الطغيان، والمراد به هنا: كعب بن الأشرف اليهودي اللعين. وانظر الآية [٢٥٦] من سورة (البقرة)، وقد رأيت: أنّ الطاغوت: الشيطان، فقد شبهه الله بالشيطان، أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله ﷺ على التحاكم إليه تحاكما إلى الشيطان بدليل ما بعده:\n ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ:﴾ أي: أن يرفضوه، ولا يقبلوا به؛ لأنّ الكفر بالطّاغوت، وعدم الرضا به هو صريح الإيمان، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ أي: يخرجهم من جادة الحقّ والصّواب إلى الباطل. والإضلال: خلق فعل الضلال في العبد. ﴿ضَلالًا:﴾ هذا مصدر، وليس جاريا على يضلهم، فيحتمل أن يكون جعل مكان الإضلال، مثل قوله تعالى في سورة (نوح) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا﴾ فوضع مصدر الثلاثي موضع مصدر الرّباعي، ويحتمل أن يكون مصدرا للمضارع: (يضلهم) أي:\nفيضلوا ضلالا بعيدا، أي: كبيرا مستمرا إلى الموت. هذا؛ وفي إسناد البعد إلى الضلال مجاز عقلي؛ لأنّ البعيد في الحقيقة إنّما هو الضالّ؛ لأنّه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جدّ جدّه.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجب. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿يَزْعُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي:\n ﴿يَزْعُمُونَ﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ معطوف على سابقه، وإعرابه مثله.\n ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَنْ يَتَحاكَمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمصدر المؤوّل منهما في محل","vol":"2","page":506},{"text":"نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في:\n ﴿يَزْعُمُونَ﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿إِلَى الطّاغُوتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُمِرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿يُرِيدُونَ﴾. والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وتقدير الكلام: وقد أمروا بالكفر به؛ أي: بالطاغوت، وجملة: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله.\n ﴿ضَلالًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿بَعِيدًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-554\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:﴾ للمنافقين. ﴿تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ يعني: هلمّوا إلى حكم الله الّذي أنزله الله في كتابه، وإلى الرسول؛ ليحكم بينكم به. ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ..﴾.\nإلخ: يعرضون عنك، وعن حكمك إعراضا، وأيّ إعراض. وإنّما أعرض المنافقون عن حكم رسول الله ﷺ؛ لأنّهم علموا: أنّه كان يحكم بالحق الصّريح، ولا يقبل الرّشا، وإنّما ذكر لفظ المنافقين في موضع الإضمار للتسجيل عليهم بالنّفاق، وذمّهم به، والتشنيع عليهم. وانظر ما وصفهم الله به في الآية رقم [٨] من سورة (البقرة) وما بعدها.\nهذا؛ و﴿قِيلَ﴾ أصله: (قول) بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثمّ قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار: قيل.\nوأمّا ﴿تَعالَوْا؛﴾ فقد قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر النّدى: وأمّا (هات)، و(تعال) فعدّهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنّهما فعلا أمر؛ بدليل:\nأنّهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، فتقول: هاتي، وتعالي. واعلم: أنّ آخر «هات» مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكرين، فإنّه يضمّ، فتقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتيا يا زيدان. وهاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات. كلّ ذلك بكسر التاء، وتقول: هاتوا يا قوم، بالضم، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ،﴾ وأنّ آخر «تعال» مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، تقول: تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا زيدان، وتعاليا يا هندان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات (كل ذلك بالفتح) قال تعالى","vol":"2","page":507},{"text":"في سورة (الأنعام): ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. إلخ. وقال-جلّ ذكره-في سورة (الأحزاب):\n ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾. ومن ثمّ لحّنوا أبا فراس الحمداني بقوله: [الطويل]\nأيا جارتا ما أنصف الدّهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي\nوأقول: إنّ الفعلين (هات، وتعال) ملازمان للأمريّة، فلا يأتي منهما مضارع، ولا ماض، وهما بمعنى: (أحضروا أو احضروا) فالأول متعدّ، والثاني لازم، وهو من الثلاثي، وأمّا تعالى، يتعالى، فهما بمعنى تعاظم، يتعاظم، أو بمعنى تنزّه، يتنزّه. وقل في إعلال: ﴿تَعالَوْا،﴾ أصله:\nتعالوا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنّها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام؛ لتدلّ على الألف المحذوفة.\nأمّا الفعل: ﴿يَصُدُّونَ﴾ فهو بفتح الياء، وضم الصاد، ويقرأ بضم الياء، وكسر الصاد، وهما لغتان: صدّ، وأصدّ، مثل: صدّ، وأصدّ: إذا أنتن، وضمّ، وأضمّ: إذا تغير، وهو من صدّ، يصدّ صدودا: إذا تنكب، وليس فصيحا؛ لأنّ في صدّه مندوحة عن تكلّف التعدية بالهمزة، ويأتي الفعل بمعنى: يعرضون، ويميلون، كما في هذه الآية الكريمة. كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، لكنه بكسر الصاد، كما في قوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿*وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ،﴾ ومصدر الأولين صدّ، وصدود، ومصدر الأخير: صديد. والصّدد:\nالقرب، يقال: داري صدد داره، أي: قربها، وقبالتها، والصّدد: القصد، تقول: رجعنا إلى ما نحن بصدده، أي: بقصده، وهو أيضا الميل، والناحية.\nهذا؛ والنفاق: إظهار الإيمان، وإخفاء الكفر، وسمّي المنافق منافقا أخذا من نافقاء اليربوع، وهو جحره الّذي يقيم فيه، فإنّه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكافرين بقوله: أنا كافر. وكان المنافقون في عهد الرسول ﷺ ثلاثمائة من الرّجال، ومائة من النساء. هذا وقال تعالى في سورة (التوبة): ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب في القول، ويخلف في الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأمّا الأوّل؛ فيقال له: نفاق العقيدة، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشدّ منه، قال تعالى في الآية رقم [١٤٥] الآتية: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ وقد حذّر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به، فإنّه يجر إلى نفاق العقيدة. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاريّ، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له:\n «وإن صلّى، وصام، وزعم: أنّه مسلم».","vol":"2","page":508},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنيّة على السّكون في محل جرّ ب ﴿إِلى﴾. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾\nماض وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nإلى الذي، أو: إلى شيء أنزله الله، وجملة: ﴿تَعالَوْا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل:\n ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه» وهذا لا غبار عليه. هذا؛ وقيل: الجار والمجرور: ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل يعود إلى مصدر الفعل، أي:\nقيل قول، وهذا مقارب لما قبله، وعليهما تكون الجملة الفعلية: ﴿تَعالَوْا..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محلّ جرّ بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح.\nتنبيه: «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان، وفيه معنى الشرط، واختلف في ناصبها، فقيل:\nبالجواب، واعترض بأنّ الجواب قد يقترن بالفاء. وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها. وقيل:\nالشرط، واعترض أيضا بأنّها مضاف للشرط، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وأجيب عن هذا الاعتراض بأنّ القائلين: إنّ الناصب هو الشّرط، لا يقولون بإضافة «إذا» إليه، فلذا كان الثاني أرجح من الأوّل، وإن كان الأوّل أشهر، فقول بعض المعربين: خافض لشرطه، منصوب بجوابه جرى على غير الراجح، ولذا كانت عبارة سيبويه-رحمه الله تعالى-: «خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك» محتملة لما تريد من احتمالات، ولذا ذكرت هذه الجملة كلّما أعربت: «إذا».\n ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿يَصُدُّونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿عَنْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿صُدُودًا:﴾ مفعول مطلق، وجملة ﴿يَصُدُّونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿الْمُنافِقِينَ،﴾ وإن اعتبرت: ﴿رَأَيْتَ﴾ بصريا، متعديا لمفعول واحد فقط. وفي محل نصب مفعول به ثان؛ إن اعتبرته متعديا لمفعولين.\nوجملة: ﴿رَأَيْتَ..﴾. إلخ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محلّ له على الاعتبارين.","vol":"2","page":509},{"text":"<span id=\"aya-555\"></span>﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿فَكَيْفَ:﴾ أي: فكيف يكون حالهم، أو فكيف يصنعون ﴿إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: عظيمة يعجزون عنها. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: تصيبهم عقوبة بسبب ما قدّمت أيديهم، وهو التحاكم إلى غير رسول الله ﷺ، وهذا وعيد لهم على سوء صنيعهم، ورضاهم بحكم الطّاغوت دون حكم رسول الله ﷺ. وقيل: المصيبة هي قتل عمر﵁لذلك المنافق.\nهذا؛ وإنّما نسبت الأعمال إلى الأيدي؛ لأنّ أكثر الأعمال إنّما تزاول بالأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون، والأيدي تغليبا للأكثر على الأقلّ. هذا؛ واليد تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٥]: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقد تطلق على القدرة، والقوّة، وهو كثير مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ وخذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشّاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nوحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... وما لي بزفرات العشيّ يدان\nكما تطلق اليد على النّعمة، والمعروف. يقال: لفلان يد عندي، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والقوة، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير.\n ﴿ثُمَّ جاؤُكَ﴾ أي: المنافقون حين تصيبهم المصائب يعتذرون إليك. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا:﴾ ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك. ﴿إِلاّ إِحْسانًا﴾ يعني: في التحاكم إلى غيرك، لا إساءة.\n ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ يعني: بين الخصمين، لا مخالفة لك في حكمك. نظيرها قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٧]: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى﴾. وقيل: جاء أولياء المقتول المنافق الّذي قتله عمر﵁إلى النبيّ ﷺ يطلبون ديته، وقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا، ويوفّق بينه، وبين خصمه، وما خطر ببالنا: أنّه يحكم بما حكم به من قتل صاحبنا. فأهدر الله دم ذلك المنافق.\nهذا؛ وأصاب فلانا البلاء: وقع عليه. وأصابهم المطر: نزل عليهم. قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٤٨]: ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وتقول: أصاب السّهم، يصيب: لم يخطئ هدفه، وأصاب الرّجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب. ويأتي «أصاب»","vol":"2","page":510},{"text":"بمعنى: قصد، وأراد. قال تعالى في حقّ سليمان-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام- ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ وقال الشاعر: [المتقارب]\nأصاب الكلام فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصّل\nهذا؛ و«مصيبة» أصلها: مؤصيبة، فحذفت الهمزة فصار: مصيبة، فقل في إعلالها: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الياء إلى الصاد قبلها، فصارت مصيبة. هذا ومضارع أصاب: يصيب، وأصله: يؤصيب، فحذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة (أأصيب) الذي حذفت همزته الثانية للتخفيف من ثقل الهمزتين، فصار: (يصيب) ثم يقال فيه ما قيل في «مصيبة» فصار: يصيب، وحذفت الهمزة من مؤصيبة للتخلص من ثقل الهمزتين في التّقدير.\nالإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فكيف حالهم؟ أو: في محل نصب حال، عامله محذوف، التقدير: فكيف يصنع هؤلاء المنافقون؟ والجملة سواء أكانت اسمية، أو فعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل المقدّر، أو هو متعلق بنفس المبتدأ؛ الّذي قدرناه. ﴿أَصابَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث والهاء مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، ومثل هذه الآية في إعرابها قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [٢٢٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٥٢٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nفكيف إذا مررت بدار قوم... وجيران لنا كانوا كرام\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُصِيبَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة لها، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. وقيل: المصدرية أيضا. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء قدمته أيديهم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُصِيبَةٌ..﴾. إلخ، والتقدير: بتقديم أيديهم الشر، أو السوء... إلخ.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جاؤُكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها. هذا؛ وقال الجلال: جملة: ﴿جاؤُكَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَصُدُّونَ..﴾. إلخ في الآية السّابقة فيكون ما بينهما كلاما معترضا. ولا أراه قويا.\n ﴿يَحْلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو","vol":"2","page":511},{"text":"الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿أَرَدْنا:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم المفهوم من: ﴿يَحْلِفُونَ﴾ لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿إِحْسانًا:﴾ مفعول به، وما بعدها معطوف عليه.\n\n<span id=\"aya-556\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المنافقين المذكورين في الآيات السّابقة. ﴿يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ أي: من النّفاق، وكذبهم في اعتذارهم، فلا ينفعهم الكتمان، والحلف الكاذب، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن عقوبتهم. وقيل: عن قبول عذرهم. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي: باللسان.\nوالمراد: زجرهم بالوعظ من النّفاق، والكفر، والكذب، وتخويفهم بعذاب الآخرة.\n ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يعني: بليغا يؤثّر في قلوبهم موقعه، وهو التّخويف بالله ﷿. وقيل: هو أن يوعدهم بالقتل؛ إن لم يتوبوا من النّفاق. وقيل: هو أن يقول لهم:\nإن أظهرتم ما في قلوبكم من النّفاق؛ قتلتم؛ لأنّ هذا القول يبلغ في نفوسهم كلّ مبلغ. وقيل:\nمعناه: أعرض عنهم في الملأ، وقل لهم في أنفسهم إذا خلوت بهم قولا بليغا، أي: أغلظ لهم في القول خاليا بهم، ليس معهم غيرهم؛ مسارّا لهم النّصيحة؛ لأنّها أنجع في السرّ. وقيل: هذا الإعراض منسوخ بآية القتال. وقد تكلّم العلماء في حدّ البلاغة.\nفقال بعضهم: البلاغة: إيصال المعنى إلى الفهم في أحسن صورة من اللفظ. وقيل:\nالبلاغة: حسن العبارة مع صحّة المعنى. وقيل: البلاغة سرعة الإيجاز مع الإفهام، وحسن التصرف من غير إضجار. وقيل: أحسن الكلام ما قلّت ألفاظه، وكثرت معانيه. وقيل: خير الكلام ما شعرت أوّله: أنّك بشوق إلى سماع آخره. وقيل: لا يستحقّ الكلام اسم البلاغة إلا إذا طابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إلى السّمع أسبق من معناه إلى القلب. وقيل:\nالمراد بالقول البليغ في الآية أن يكون حسن الألفاظ. حسن المعاني، مشتملا على الترغيب، والترهيب، والإعذار، والإنذار، والوعد، والوعيد بالثواب، والعقاب، فإنّ الكلام إذا كان كذلك؛ عظم وقعه في القلوب، وأثر في النفوس. انتهى. خازن.\nويعرّف علماء البلاغة البلاغة بقولهم: هي تأدية المعنى الجليل واضحا بعبارة صحيحة فصيحة، لها في النفس أثر خلاب مع ملاءمة كلّ كلام للموطن الذي يقال فيه، والأشخاص الذين يخاطبون به. وانظر شرح الفصاحة، والبلاغة في قواعد اللّغة العربية الذي شرحته، وعلّقت عليه، وأعربت أمثلته، وشواهده بتوفيق الله، ومنّه.","vol":"2","page":512},{"text":"هذا؛ و«القلب» قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة، خلقها الله في الآدمي، وجعلها محلاّ للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتبه الله فيه بالخط الإلهيّ، ويضبطه بالحفظ الرّباني، حتى يحصيه، ولا ينسى منه شيئا، وهو بين لمّتين: لمة من الملك، ولمة من الشّيطان، كما قال النبيّ ﷺ، وخرّجه الترمذيّ عن عبد الله بن مسعود﵁وقد مضى في الآية رقم [٢٦٩] من سورة (البقرة) وهو محلّ الخطرات، والوساوس، ومكان الكفر، والإيمان، وموضع الإصرار، والإنابة، وموضع الانزعاج، والطمأنينة. وانظر قسوة القلب في الآية رقم [٧٤] من سورة (البقرة).\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَعْلَمُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿ما:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ﴾ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿فَأَعْرِضْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (أعرض): فعل أمر مبني على السّكون، والفاعل مستتر تقديره أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان حالهم كذلك؛ فأعرض عنهم. ﴿وَعِظْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والتي بعدها معطوفة أيضا عليها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿بَلِيغًا﴾. وقيل: متعلقان بالفعل: (قل) وهو ضعيف. ﴿قَوْلًا:﴾\nمفعول مطلق. ﴿بَلِيغًا:﴾ صفته.\n\n<span id=\"aya-557\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ:﴾ أيّ رسول من المرسلين قبلك يا محمد! ﴿إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ يعني: بأمر الله، والمعنى: إنّما وجبت طاعة الرسول بأمر الله؛ لأنّ الله أذن في ذلك، وأمر به. وقيل: معناه: بعلم الله، وقضائه؛ أي: تكون طاعته بإذن الله؛ لأنّه أذن فيه، فتكون طاعة الرسول طاعة لله، ومعصيته معصية لله، ففيه توبيخ، وتقريع للمنافقين الذين تركوا حكم رسول الله ﷺ، ورضوا بحكم الطّاغوت. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: المعنى: لا يطيع أحد إلا من وفّقته لذلك. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وكأنّه احتج بذلك على أنّ الذي لم يرض بحكم الرسول ﷺ، وإن أظهر الإسلام؛ كان كافرا مستوجبا القتل. وتقريره: أنّ","vol":"2","page":513},{"text":"إرسال الرّسول لما لم يكن إلا ليطاع؛ كان من لم يطعه، ولم يرض بحكمه؛ لم يقبل رسالته، ومن كان كذلك؛ كان كافرا مستوجب القتل. انتهى.\n ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ..﴾. إلخ: يرشد الله تعالى العصاة، والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان إلى الرّسول ﷺ في حياته؛ فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنّهم إذا فعلوا ذلك؛ تاب الله عليهم، ورحمهم، وغفر لهم، ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا،﴾ وخذ ما يلي:\nفقد روى أبو صالح عن عليّ﵁قال: قدم علينا أعرابيّ بعد ما دفنّا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله ﷺ، وحثا على رأسه من ترابه، فقال: قلت يا رسول الله، فسمعنا قولك، ووعيت عن الله، فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ..﴾. إلخ، وقد ظلمت نفسي، وجئتك تستغفر لي! فنودي من القبر: أنّه قد غفر لك. انتهى قرطبي.\nوفي مختصر ابن كثير: وقد ذكر جماعة منهم الشّيخ أبو منصور الصّباغ في كتابه: (الشّامل) الحكاية المشهورة عن العتبي، قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﷺ، فجاء أعرابيّ، فقال:\nالسّلام عليك يا رسول الله! سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ..﴾. إلخ، وقد جئتك مستغفرا لذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثمّ أنشد يقول: [البسيط]\nيا خير من دفنت بالقاع أعظمه... فطاب من طيبهنّ القاع والأكم\nنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه... فيه العفاف وفيه الجود والكرم\nثمّ انصرف الأعرابيّ، فغلبتني عيني، فرأيت النبيّ ﷺ في النّوم، فقال: يا عتبيّ! الحق الأعرابي فبشره: أنّ الله قد غفر له.\nهذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ بعد قوله: ﴿جاؤُكَ﴾ إجلال لرسول الله ﷺ، وتفخيم له، وتعظيم لاستغفاره، وأنّهم إذا جاءوه؛ فقد جاءوا من خصّه الله برسالته، وجعله سفيرا بينه، وبين خلقه، ومن كان كذلك فإنّ الله تعالى لا يردّ شفاعته، فلهذا السبب عدل إلى طريقة الالتفات من الخطاب إلى لفظ الغيبة، فلم يقل: واستغفرت لهم، وإنّما قال:\n ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾. وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد.\nهذه فوائده العامة. ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرّر في علم البديع. ووجهه: حثّ السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل عليه المتكلّم، وأعطاه فضل عنايته، وخصّه بالمواجهة. هذا؛ وانظر: «استغفر» و«الاستغفار» في الآية رقم [١٣٥] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.","vol":"2","page":514},{"text":"الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِيُطاعَ:﴾ اللام: لام التعليل. (يطاع): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، ونائب الفاعل يعود إلى (الرّسول)، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ وهو على معنى المفعول لأجله، أي: أرسلنا للطّاعة. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان ب ﴿أَرْسَلْنا﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و(إذن) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: تحتمل العطف، والاستئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿جاؤُكَ﴾. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾\nمفعول به، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿جاؤُكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: ولو حصل مجيئهم. وقال سيبويه-رحمه الله تعالى-: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو مجيئهم حاصل، أو:\nثابت، وقول المبرّد-رحمه الله تعالى-هو المرجح في هذه المسألة؛ لأنّ (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر. والفعل المقدّر، وفاعله جملة فعلية لا محلّ لها؛ لأنّها في محلّ رفع مثلها.\nوأيضا جملة: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ معطوفة عليها أيضا.\n ﴿لَوَجَدُوا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (وجدوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التّعظيم. ﴿تَوّابًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿رَحِيمًا﴾. من تعدّد المفعول الثاني، وقد تعدّد كأصله، وهو الخبر.\n\n<span id=\"aya-558\"></span>﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: المنافقون، وكلّ من أعرض عن حكم الله، وحكم رسوله. ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلف، واختلط. ومنه الشّجر لاختلاف أغصانه، ففيه","vol":"2","page":515},{"text":"استعارة للمعقول بالمحسوس، حيث استعار ما اشتبك، وتضايق من الشّجر للتّنازع الّذي يدخل به بعض الكلام في بعض، قال طرفة في مدح قومه: [الرمل]\nوهم الحكّام أرباب الهدى... وسعاة النّاس في الأمر الشّجر\n ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ أي: في صدورهم ضيقا، وشكّا. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٥]: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾.\n ﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾ أي: حكمت. ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: ويسلّموا لحكمك تسليما، لا شكّ فيه، ولا اعتراض فيه بالظاهر، ولا بالباطن.\nهذا؛ و«ثمّ»: حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كلّ منها خلاف مذكور في «مغني اللبيب»، وقد تلحقها تاء التأنيث السّاكنة، كما تلحق «ربّ» و«لا» العاملة عمل «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهنّ بالفتح. هذا؛ و«ثمّ» هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنّها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشّعراء) رقم [٦٤]: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١١٥]: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. وهذه ظرف لا يتصرّف، ولا يتقدّمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة. وثمّ: تعطف المفرد، والجملة، فإن اتصلت بها التاء؛ اختصت بعطف الجمل.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في الزّبير بن العوّام﵁ورجل من الأنصار، يقال له:\nحاطب بن أبي بلتعة، فعن عروة بن الزّبير﵄عن أبيه: أنّ رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرّة (مسائل الماء التي تكون من الجبل) التي يسقون بها النّخل، فقال الأنصاري: سرّح الماء يمرّ. فأبى عليه، فاختصما إلى النبيّ ﷺ، فقال رسول الله ﷺ للزّبير:\n «اسق يا زبير! ثمّ أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله! آن كان ابن عمّتك؟! فتلوّن وجه رسول الله ﷺ، ثمّ قال للزبير: «اسق يا زبير! ثمّ احبس الماء حتّى يرجع إلى الجدر» فقال الزّبير﵁-: أما إنّي لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك، وتلاها. متّفق عليه.\nزاد البخاري رحمه الله تعالى: فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ للزّبير حقّه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد أشار على الزّبير رأيا، أي: أراد سعة له، وللأنصاري، فلمّا أحفظ الأنصاريّ رسول الله ﷺ؛ استوعى للزّبير حقّه في صريح الحكم، وهو أنّ من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي، فهو أولى بأوّل الوادي، وحقّه تمام السّقي، فرسول الله ﷺ أذن للزبير في السّقي على وجه المسامحة، فلما أبى خصمه ذلك، ولم يعترف بما أشار به رسول الله ﷺ من المسامحة؛ أمر الزبير باستيفاء حقّه على التّمام، وحمل خصمه على مرّ الحقّ، فعلى هذا تكون الآية مستأنفة، لا تعلّق لها بما قبلها.","vol":"2","page":516},{"text":"قال البغوي: وروي: أنّهما لمّا خرجا مرّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء؟ قال الأنصاري. لابن عمّته، ولوى شدقه، ففطن له يهوديّ كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون: أنّه رسول الله ﷺ ثم يتّهمونه في قضاء يقضي بينهم، وايم الله لقد أذنبنا ذنبا مرّة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التّوبة منه، فقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلناه فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربّنا؛ حتّى رضي عنّا! فقال ثابت بن قيس بن شمّاس﵁-: أما والله إنّ الله ليعلم منّي الصدق، ولو أمرني محمّد أن أقتل نفسي؛ لفعلت. انتهى. كلّه من الخازن.\nهذا؛ وفي هذا الحديث إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم؛ وإن ظهر الحقّ، فإن اصطلحوا؛ وإلا استوفى لذي الحقّ حقّه، وثبت الحكم. هذا؛ وقال مجاهد، والشعبيّ- رحمهما الله تعالى-: نزلت هذه الآية في بشر المنافق، واليهودي اللذين اختصما إلى الطاغوت، وعلى هذا القول تكون الآية متّصلة بما قبلها.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): صلة، وهو المعتمد. وقيل: هي ردّ لكلام تقدّمها، تقديره: فلا يفعلون، أو ليس الأمر كما يزعمون من أنّهم آمنوا بما أنزل إليك، ثمّ استأنف. فعلى هذا يكون الوقف على (لا) تامّا. وقيل: هي نافية، والثانية: صلة، والقسم معترض بين حرف النفي والمنفيّ، وهذا ضعيف جدّا، ومثل الآية الكريمة قول امرئ القيس -وهو الشاهد رقم [٤٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]\nفلا-وأبيك-ابنة العامريّ... لا يدّعي القوم أنّي أفرّ\n ﴿وَرَبِّكَ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. (﴿رَبِّكَ﴾): مقسم به مجرور، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (لا:) نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلّ لها، والجملة القسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يُحَكِّمُوكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله والكاف مفعوله، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿شَجَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها.\n ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَجِدُوا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله... إلخ. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من:","vol":"2","page":517},{"text":"﴿حَرَجًا﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا. وقيل: هما مفعول ثان ل ﴿يَجِدُوا﴾.\n ﴿حَرَجًا:﴾ مفعول به. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حَرَجًا﴾ أو بمحذوف صفة له، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿قَضَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء قضيته. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من) التقدير: من قضائك.\n ﴿وَيُسَلِّمُوا:﴾ معطوف على: ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ منصوب مثله. ﴿تَسْلِيمًا:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لعامله.\n\n<span id=\"aya-559\"></span>﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا:﴾ حكمنا، أو فرضنا، وأوجبنا. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على المنافقين.\nوقيل: يعود الضمير على الجميع، فيدخل فيه المنافق، وغيره. ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل. ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما:﴾ كما أوجبنا أيضا على بني إسرائيل ذلك.\n ﴿ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ:﴾ ذكرت لك في الآية السّابقة: أنّ ثابت بن قيس بن شماس﵁قال: أما والله-وإنّ الله ليعلم منّي الصدق-لو أمرني محمّد أن أقتل نفسي؛ لقتلتها.\nوروى ابن مسعود، وعمّار بن ياسر، وعمر﵃قالوا مثل ثابت، فقال رسول الله ﷺ: «والّذي نفسي بيده إنّ من أمّتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرّواسي». ومن قال: إنّ الضمير يعود إلى المنافقين، قال: المعنى: ﴿ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: رياء، وسمعة. وفيه توبيخ عظيم لهم.\n ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: ولو أنّهم فعلوا ما كلّفوا به من طاعة الرّسول ﷺ، والرّضا بحكمه؛ ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: في الدنيا، والآخرة، وإنّما سمّي ذلك التكليف: وعظا؛ لأنّ أوامر الله، وتكاليفه مقرونة بالوعد، والوعيد، والثّواب، والعقاب، وما كان كذلك يسمّى:\nوعظا. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ يعني: تحقيقا، وتصديقا لإيمانهم. والمعنى: أنّ ذلك أقرب إلى ثبات إيمانهم، وتصديقهم.\nوقيل في معنى الآية الكريمة: إنّنا خفّفنا على المنافقين؛ حيث اكتفينا منهم في توبتهم بالرّجوع إلى حكمك، والرّضا، ولم نشدّد عليهم كما شدّدنا على بني إسرائيل في توبتهم من عبادة العجل، حيث أمرناهم بقتل أنفسهم، والخروج من ديارهم، ولو أنّنا فرضنا عليهم ذلك؛ لم يفعله إلا بعضهم، ولو أطاعوا الرّسول، وامتثلوا أوامره؛ لكان أفضل لهم، وأقوى لإيمانهم، وأعظم لثوابهم.","vol":"2","page":518},{"text":"بعد هذا: انظر شرح ﴿كَتَبْنا﴾ ونحوه في الآية رقم [٣٣]. أمّا (النّفس) فإنّها تجمع في القلّة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس. والنّفس تؤنث باعتبار الرّوح، وتذكّر باعتبار الشّخص، أي:\nفإنّها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا، أم أنثى، فعلى الأول قيل: هي جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرّطب، فتكون سارية في جميع البدن، قال الجنيد -رحمه الله تعالى-: الرّوح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنّه موجود. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٨٥]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾.\nوقال بعضهم: إنّ هناك لطيفة ربّانيّة لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكّرها تسمّى عقلا، ومن حيث الجسد بها تسمّى روحا، ومن حيث شهوتها تسمّى نفسا، فالثلاثة متّحدة بالذّات مختلفة بالاعتبار، هذا ما تدلّ عليه الآثار الصحاح، ومن الدليل على أنّ النفس هي الرّوح قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ يعني: الأرواح، وذلك بيّن في قول بلال﵁للنّبيّ ﷺ في حديث ابن شهاب: «أخذ بنفسي يا رسول الله الّذي أخذ بنفسك» وهذا كان في الوادي الّذي ناموا فيه عن صلاة الصّبح حتّى طلعت الشمس، وهم قافلون من غزوة تبوك. والنّفس أيضا: الدّم، يقال: سالت نفسه، قال الشاعر: [الطويل]\nتسيل على حدّ الظّبات نفوسنا... وليست على غير الظّبات تسيل\nوقال إبراهيم النّخعي-رحمه الله تعالى-وهو المقرّر في الفقه: «ما ليس له نفس سائلة، فإنّه لا ينجس الماء إذا مات فيه». والنّفس أيضا: الجسد، قال الشاعر: [الكامل]\nنبّئت أنّ بني سحيم أدخلوا... أبياتهم تامور نفس المنذر\nهذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم للنّفس خمس مراتب: الأمّارة بالسّوء، واللّوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضيّة، ويزاد: الملهمة، والكاملة. فالأمّارة بالسّوء: هي التي تأمر صاحبها بالسّوء، ولا تأمر بالخير إلاّ نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشّهوات، وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتّباع الحق، لكن بقي فيها ميل للشّهوات؛ سمّيت: اللوّامة، فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنّفس الشّهوانية حكم أصلا؛ سميت: مطمئنة، فإن ترقّت من هذا؛ وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سمّيت: راضية، فإن زاد هذا الحال عليها، صارت مرضيّة عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سميت كاملة، فالنّفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدمت.\nوأخيرا: خذ ما ذكره القرطبيّ-رحمه الله تعالى-؛ فقال: وفي الخبر عن النبي ﷺ: أنّه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ","vol":"2","page":519},{"text":"غاية، وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية؟». قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب! قال: «والّذي نفسي بيده، إنّها لنفوسكم الّتي بين جنوبكم». انتهى.\nأمّا ﴿دِيارِكُمْ﴾ فهو جمع: دار، وهي مؤنّثة، وقد تذكّر، وهي منزل الإنسان، ومسكنه، أصلها: دور بفتحتين، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، ودور، وأدؤر، وأدور، وأدورة، وأدوار، ودورات، وديارات اعتلّت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا:\nالبلد، والقبيلة، ودار القرار: الآخرة، والدّاران: الدنيا، والآخرة، ودار الحرب: بلاد العدوّ.\nهذا؛ وقال أبو حاتم: إنّ الدّيار: العساكر، والخيام. لا البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى:\n ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم، وخيامهم ميتين. وقال جلّ شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة. ولو أراد غير ما قيل؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أنّ الديار مخصوصة بالخيام. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى: (أقبّل ذا الجدار) هو حائط البيت، وذلك في قوله-وهو الشاهد رقم [٩٠٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nأمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا\nوما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الديارا\nالإعراب: ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ في الآية رقم [٦٤] بلا فارق. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير؛ لأنّ ﴿كَتَبْنا﴾ بمعنى: قلنا لهم.\n ﴿اُقْتُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها مفسّرة ل ﴿كَتَبْنا﴾ لا محلّ لها، وقال الشلوبين: بحسب ما تفسّره، والتي بعدها معطوفة عليها، واعتبرت ﴿أَنِ﴾ مفسّرة؛ لأنّ ما قبلها مضمّن معنى القول دون حروفه. هذا؛ وبعضهم يعتبرها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جرّ بحرف جر محذوف، التقدير:\nبأن اقتلوا، أو في محل نصب مفعول به، التقدير: كتبنا عليهم القتل. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿فَعَلُوهُ:﴾\nماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محلّ له على الاعتبارين. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلٌ:﴾ بدل من واو الجماعة، وقرئ بالنّصب على الاستثناء. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار، ومجرور متعلقان ب ﴿قَلِيلٌ﴾.\n ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوعَظُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو: نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة","vol":"2","page":520},{"text":"في جواب (﴿لَوْ﴾). (كان): فعل ماض ناقص. واسمه ضمير مستتر تقديره: هو يعود إلى التّكليف، أو الرضا، انظر الشرح. ﴿خَيْرًا﴾ خبر (كان) والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿وَأَشَدَّ﴾ معطوف على: ﴿خَيْرًا﴾. ﴿تَثْبِيتًا:﴾ تمييز.\n\n<span id=\"aya-560\"></span>﴿وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ..﴾. إلخ، لأعطيناهم، ومننّا عليهم ثوابا عظيما، وجزاء وافرا، وانظر (لدن) في الآية رقم [٤٠].\nالإعراب: ﴿وَإِذًا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذًا﴾): حرف جواب، وجزاء مهمل، لا عمل له. ﴿لَآتَيْناهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب «لو» مقدّرة، التقدير: لو ثبتوا على ما ذكر. (آتيناهم):\nفعل ماض، وفاعل، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب «لو» المقدرة.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنّا:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقها بمحذوف حال من: ﴿أَجْرًا﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا، (نا) ضمير متصل في محل جرّ بالإضافة. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له.\n<span id=\"aya-561\"></span>﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: معناه: لأرشدناهم إلى دين مستقيم هو دين الإسلام. وقيل: معناه: لهديناهم إلى الأعمال الصّالحة؛ الّتي تؤدّي إلى الصّراط المستقيم، وهو الصّراط الّذي يمرّ عليه المؤمنون إلى الجنّة؛ لأنّ الله تعالى ذكر الأجر العظيم أولا، ثمّ ذكر الصّراط المستقيم بعده؛ لأنّه هو المؤدّي إلى الجنّة. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: يصلون بسلوكه إلى جناب القدس، ويفتح عليهم أبواب الغيب، قال النبي ﷺ: «من عمل بما علم؛ أورثه الله علم ما لا يعلم».\nهذا؛ والفعل (هديناهم) قد يعدّى إلى الثاني بنفسه كما في هذه الآية. وقد يعدّى إليه ب «إلى» كما في قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٢٣]: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ وقد يعدّى باللام، كما في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤٣]: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾.\nهذا؛ والصراط المستقيم في لغة العرب: الطّريق الواضح؛ الذي لا اعوجاج فيه. قال جرير في مدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]\nأمير المؤمنين على صراط... إذا اعوجّ الموارد مستقيم","vol":"2","page":521},{"text":"وقال عامر بن الطفيل: [الوافر]\nشحنّا أرضهم بالخيل حتّى... تركناهم أذلّ من الصّراط\nثمّ إنّ العرب تستعير «الصّراط» في كلّ قول، وعمل، وصف باستقامة، أو اعوجاج.\nوالمراد به هنا: التوفيق لامتثال أوامر الله فيما أمر، وفيما نهى، والأخذ بتعاليم الرسول ﷺ في قوله، وفعله. و(مستقيم) لا اعوجاج فيه، وأصله: (مستقوم) لأنّه من: استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار: «مستقوم» ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: مستقيم.\nالإعراب: ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهَدَيْناهُمْ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به أول.\n ﴿صِراطًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مُسْتَقِيمًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-562\"></span>﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به، وأنابوا إليه؛ لأنعم عليهم؛ ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله. وهذه الآية تفسير قوله تعالى في سورة (الفاتحة):\n ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ،﴾ وهي المراد في قوله ﷺ عند موته: «اللهمّ الرّفيق الأعلى». وفي البخاريّ عن عائشة﵂قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبيّ يمرض إلاّ خيّر بين الدّنيا والآخرة». وكان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ فعلمت: أنّه خيّر.\n ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ أي: فيما أمرا، وفيما نهيا عنه. ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: هم معهم في دار واحدة يستمتعون برؤيتهم، والحضور معهم، لا أنّهم يساوونهم في الدّرجة، فإنّهم يتفاوتون. لكنّهم يتزاورون للاتباع، والاقتداء وكلّ من فيها قد رزق الرّضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد: أنّه مفضول، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. والصّدّيق فعّيل:\nالمبالغ في الصّدق، والصّدّيق هو الذي يحقّق بفعله ما يقوله بلسانه. وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء كأبي بكر الصدّيق﵁-، وبقيّة العشرة المبشّرين بالجنّة. ﴿وَالشُّهَداءِ:﴾ الذين قتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله. ﴿وَالصّالِحِينَ:﴾ جمع: صالح، وهو الذي استوت سريرته، وعلانيته في الخير. وقيل: الصّالح من اعتقاده صواب، وعمله في سنة، وطاعة. والصّلاح:","vol":"2","page":522},{"text":"درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سألها يوسف الصدّيق في الآية رقم [١٠١] من السورة المسمّاة باسمه، وسألها إبراهيم الخليل في الآية رقم [٨٣] من سورة (الشعراء) وسألها سليمان في الآية رقم [١٩] من سورة (النمل) وقال تعالى في حق إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام-: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الآية [٨٦] من سورة (الأنبياء)، وقال عن إبراهيم في سورة (البقرة) رقم [١٣٠]: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾.\n ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المذكورين، والفعل: (﴿حَسُنَ﴾) محوّل إلى باب فعل، بفتح، وضم، وهذا الباب مستعمل للمدح، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٣٢]: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ويستعمل في الذم كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]:\n ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ فكل فعل ثلاثي إذا حول إلى باب فعل، يحتمل ذلك مع تضمنه التعجب، وورد في الشعر العربي بضم الحاء وسكون السين، ومنه قول الحطيئة: [البسيط]\nطافت أمامة في الرّكبان آونة... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا\nوقول سعد الغنوي-وهو الشاهد رقم [٦٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nلا يمنع النّاس منّي ما أردت ولا... أعطيهمو ما أرادوا حسن ذا أدبا\nتنبيه: كان ثوبان مولى رسول الله ﷺ شديد الحبّ له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغيّر لونه، يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله ﷺ: «ما غيّر لونك يا ثوبان؟!» قال:\nيا رسول الله! ما بي مرض، ولا وجع غير أنّي إذا لم أرك؛ استوحشت وحشة شديدة؛ حتى ألقاك. ثم إنّي إذا ذكرت الآخرة؛ أخاف ألا أراك؛ لأنّك ترفع إلى عليين مع النبيين. وإني إن دخلت الجنة؛ كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنّة؛ لا أراك أبدا... فنزلت الآية الكريمة.\nوذكر مكيّ: أنّ عبد الله بن زيد، الذي أري الأذان في المنام هو الذي نزلت فيه الآية، وأنّه لمّا توفي النبي ﷺ قال: اللهم أعمني حتّى لا أرى شيئا بعده! فعمي. وحكاه القشيري، فقال:\nاللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي! فعمي مكانه، وانظر الآية [٨٠] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يُطِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَالرَّسُولَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.\n ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. و(﴿مَعَ﴾) مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول","vol":"2","page":523},{"text":"مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير في:\n ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وما بعده معطوف عليه، وخبر المبتدأ الذي هو مختلف فيه، قيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. (﴿حَسُنَ﴾): فعل ماض. ﴿أُولئِكَ:﴾ فاعله. ﴿رَفِيقًا:﴾ تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-563\"></span>﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما للمطيعين من الأجر، والثواب، ومزيد الهداية، ومرافقة المنعم عليهم. ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ أي: تفضل به عليهم، لا أنّهم نالوه بطاعتهم. خلافا لما قالته المعتزلة: إنّما ينال العبد ذلك بفعله، فلما امتنّ الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز لأحد أن يثني على نفسه بما لم يفعله؛ دلّ ذلك على بطلان قولهم: ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ أي: بجزاء من أطاعه، أو بمقادير الفضل، واستحقاق أهله، ولا ينبئك مثل خبير.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿الْفَضْلُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.\nوقيل: صفة له. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، هذا وإن اعتبرت الفضل خبر المبتدأ فالجار والمجرور يكونان متعلقين ب ﴿الْفَضْلُ﴾ أو بمحذوف حال منه، والعامل اسم الإشارة.\n ﴿وَكَفى:﴾ الواو حرف استئناف. (﴿كَفى﴾): فعل مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر. ﴿بِاللهِ:﴾\nالباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿عَلِيمًا:﴾ تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة.\n<span id=\"aya-564\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ:﴾ الحذر: احتراز من مخوف، والمعنى: احذروا، واحترزوا من عدوّكم، ولا تمكّنوه من أنفسكم. وقيل: المراد بالحذر: هو السّلاح، يعني: خذوا سلاحكم، وعدّتكم لقتال عدوّكم، وإنّما سمّي السّلاح حذرا؛ لأنّه به يتّقى، ويحذر. ولقائل أن يقول: إذا كان المقدور كائنا؛ فما يمنع الحذر؟ فالجواب عنه بأنّه لمّا كان الكل بقضاء الله، وقدره؛ كان الأمر بأخذ الحذر من قضاء الله، وقدره، ومنه قول الفاروق﵁-: نفرّ من قضاء الله وقدره، إلى قضاء الله وقدره.","vol":"2","page":524},{"text":"﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ أي: اخرجوا سرايا متفرّقين سرية بعد سرية، و﴿ثُباتٍ﴾ جمع: ثبة، وهي الجماعة من الرّجال فوق العشرة، وتجمع أيضا على «ثبين» جمع مذكر سالما، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته: [الوافر]\nوأمّا يوم لا نخشى عليهم... فنصبح في مجالسنا ثبينا\n ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي: اخرجوا جميعا كلكم مع نبيكم ﷺ إلى جهاد عدوّكم. و﴿اِنْفِرُوا:﴾\nبكسر الفاء، وضمها تبعا للمضارع. هذا؛ والنفر: الجماعة، كالقوم، والرهط، لا واحد له من لفظه، والمصدر: النفور، والنّفير، فالله يدعو المؤمنين في الآية الكريمة لمواجهة أعدائهم، ومحاربتهم مجتمعين، ومتفرّقين حسب ما تدعو الحاجة إليه. قال البيضاويّ-رحمه الله تعالى-:\nوالآية وإن نزلت في الحرب، لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلّها كيفما أمكن قبل الفوات. انتهى. فيكون مضمونها مثل قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ، وقوله جلّ ذكره في سورة (الحديد): ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾.\nإلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿خُذُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿حِذْرَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿فَانْفِرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انفروا): أمر، وفاعله. ﴿ثُباتٍ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها، والتي بعدها معطوفة أيضا. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من واو الجماعة أيضا.\n\n<span id=\"aya-565\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ:﴾ نزلت الآية في المنافقين، وإنّما قال الله: ﴿مِنْكُمْ﴾ لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية، والنّسب، وإظهار كلمة الإيمان. والمعنى: وإن منكم لمن ليتأخرنّ، وليتثاقلنّ عن الجهاد، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، وأتباعه.\nكان المنافقون يقولون للمؤمنين: لم تقتلون أنفسكم؟! تأنّوا حتى يظهر الأمر!.\n ﴿فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: من قتل، وهزيمة. ﴿قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ﴾ أي: لقعودي عن الحرب، والجهاد. ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا:﴾ حاضر الحرب، فيصيبني ما أصابهم. هذا؛ وعاد الضمير على (من) مفردا نظرا للفظها.","vol":"2","page":525},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبّه بالفعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها. ﴿لَمَنْ:﴾ اللام: لام الابتداء. (من): اسم موصول. أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل نصب اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر. ولا أعتمده، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥]. ﴿لَيُبَطِّئَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.\n (يبطئن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، والقسم، وجوابه صلة: (من) أو صفتها، وتقدير الكلام: وإنّ منكم لمن أقسم بالله ليبطئن. وساغ ذلك؛ لأنّ القسم وجوابه يعتبر كلاما خبريّا، والإنشائية هي مجرد القسم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧] من سورة (العنكبوت) إن أردت الزيادة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ..﴾. إلخ في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَصابَتْكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل ضمير يعود إلى:\n (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿أَنْعَمَ اللهُ:﴾ ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِذْ:﴾\nظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل: ﴿أَنْعَمَ﴾. ﴿لَمْ:﴾\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَكُنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: أنا. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿شَهِيدًا﴾ الذي هو خبر: ﴿أَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل، فلا محل لها، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا «إذا» الفجائية و(إنّ) ومدخولها كلام مستأنف ومفرّع عمّا قبله، لا محلّ له، وهو معترض بين الجملتين المتعاطفتين.\n\n<span id=\"aya-566\"></span>﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ أي: نصر، وفتح، وغنيمة. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ أي: هذا المنافق قول نادم حاسد. وقرأ الحسن البصري الفعل بضم اللام على معنى (﴿مِنَ﴾) ومن فتح اللام -وهي قراءة سبعيّة-فوحّد الضمير على لفظ (﴿مِنَ﴾). ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ؛ أي: كأن لم تكن بينكم، وبينه معرفة، ومودّة في الدّين. والمعنى: كأنّه ليس من أهل دينكم، وذلك: أنّ المنافقين","vol":"2","page":526},{"text":"كانوا يودّون المؤمنين في الظاهر فحسب. ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ:﴾ على وجه الحسد، أو الأسف على فوت الغنيمة مع الشّكّ في الجزاء من الله. ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: فآخذ نصيبا وافرا من الغنيمة.\nتنبيه: نسبة الفضل في هذه الآية إلى جانب الله تعالى، دون إصابة المصيبة في الآية السابقة من العادات الشّريفة في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام في سورة (الشعراء) -: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وقوله تعالى حكاية عن قول الجن في سورة (الجن): ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. واقرأ الآية رقم [٧٩] من سورة (الكهف) وما بعدها بتأمّل.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَصابَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به.\n ﴿فَضْلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿فَضْلٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿لَيَقُولَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، أي: على لفظه، وعلى قراءته بضم اللام. فيكون الفعل مرفوعا، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والفاعل واو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالجملة القسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنّه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿تَكُنْ﴾ مقدّم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَوَدَّةٌ:﴾ اسم: ﴿تَكُنْ﴾ مؤخّر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:\n ﴿كَأَنْ﴾. والجملة الاسمية معترضة بين القول، ومقوله. وقيل: في محل نصب حال من فاعل الفعل قبله. وقيل: داخلة في المقول. والمعتمد الأول.\n ﴿يا لَيْتَنِي:﴾ (﴿يا﴾): حرف تنبيه لا محلّ له. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير:\nيا قوم، ونحوه. والأول أقوى. (﴿لَيْتَنِي﴾): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان","vol":"2","page":527},{"text":"متعلق بمحذوف خبر: ﴿كُنْتُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَفُوزَ:﴾ الفاء: للسببية. (أفوز):\nفعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، والفاعل مستتر تقديره: أنا، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: أتمنى كينونة معهم، ففوزا. هذا؛ وقرئ: («أفوز») بالرفع على تقدير: فأنا أفوز، فتكون الجملة اسمية، وهي مستأنفة. ﴿فَوْزًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-567\"></span>﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ: هذا خطاب للمنافق المذكور في الآيتين السّابقتين؛ أي: ليخلص المنافق الإيمان، وليقاتل في سبيل الله. وقيل: هو خطاب للمؤمنين المخلصين؛ أي: فليقاتل المؤمنون المخلصون الباذلون أنفسهم، وأموالهم في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية. وفي الآية استعارة، فقد استعار لفظ الشّراء للمبادلة، والباء بمعنى: بدل، وقد دخلت على المتروك. ومثله كثير في الآيات القرآنية، و﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى:\nيشترون، ويبيعون، قال ابن مفرغ الحميري: [مجزوء الكامل]\nوشريت بردا ليتني... من بعد برد كنت هامة\nوقال أبو ذؤيب الهذلي، وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل\n ﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ في طاعة الله، ومن أجل إعلاء كلمته؛ إذ لا يذكر لفظ القتال، أو الجهاد؛ إلا ويقرن بكلمة: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ،﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من القتال، والجهاد غاية شريفة نبيلة، هي: إعلاء كلمة الله، لا السيطرة، أو المغنم، أو الاستيلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدّنيئة. ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ..﴾. إلخ: وعد الله المجاهد في سبيل الله ظافرا، أو مظفورا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله. وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلاّ جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة، أو أرجعه إلى مسكنه، الّذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة». أخرجه مسلم في صحيحه، وفي هذا الحديث، والآية الكريمة وعد من القويّ العزيز؛ ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ؟﴾ لا أحد!.","vol":"2","page":528},{"text":"هذا؛ و(السّبيل) يذكّر، ويؤنّث بلفظ واحد، فمن التّذكير قوله تعالى في سورة (الأعراف):\n ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. ومن التأنيث قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [١٠٨]: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ والجمع:\nسبول، وعلى التذكير: سبل، بضمتين، و: سبل، بضم فسكون.\nالإعراب: ﴿فَلْيُقاتِلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: لام الأمر. (يقاتل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان به، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف. و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل (يقاتل)، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَشْرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة (﴿الْحَياةَ﴾) منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَشْرُونَ﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: مستبدلة بالآخرة.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُقاتِلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَيُقْتَلْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول ونائب فاعله يعود إلى: (﴿مَنْ﴾) وهو معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، ويجوز في القواعد النّحوية. ﴿أَوْ يَغْلِبْ:﴾ ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَغْلِبْ:﴾ معطوف أيضا على فعل الشرط، وفاعله يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿نُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له، وجملة: (سوف...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو: (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٦٩]. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-568\"></span>﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ..﴾. إلخ: استفهام إنكاري توبيخي، أي: أيّ شيء يمنعكم من القتال والجهاد في سبيل إعزاز دين الله، وفي سبيل تخليص المستضعفين الذين استذلّهم المشركون، فمنعوهم من الهجرة إلى المدينة المنورة، أو لا يقدرون على الهجرة لضعفهم،","vol":"2","page":529},{"text":"وعجزهم. ففيه حضّ على الجهاد لإعلاء كلمة الله، وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضّعفاء، وإن كان في ذلك تلف النّفوس. وتخليص الأسارى، والمستضعفين واجب على جماعة المسلمين، إمّا بالقتال، وإمّا بالأموال، لقول النبيّ ﷺ: «فكّوا العاني» والمراد بالمستضعفين:\nمن كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفّار قريش لهم، وهم المعنيّون بقول النبيّ ﷺ: «اللهمّ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين».\nقال ابن عباس﵄-: كنت أنا، وأمّي من المستضعفين. و(الولدان) جمع: ولد، وإنّما ذكر الله سبحانه الولدان مبالغة في الحثّ على الجهاد، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ آذاهم الصّبيان.\n ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ:﴾ المراد بها: مكّة المكرمة. ﴿الظّالِمِ أَهْلُها:﴾\nبالشرك، ويظلمون غيرهم بالإيذاء، والتطاول عليهم، و﴿الظّالِمِ:﴾ نعت سببيّ يجب فيه الإفراد، والتّذكير، ويراعى في تذكيره، وتأنيثه، وجمعه، وتثنيته ما بعده. ﴿وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: من عندك نصيرا، ومعينا، ومخلّصا من إيذاء كفار قريش. وقد استجاب الله دعاءهم، وحقّق رجاءهم بأن يسّر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم في مكّة خير وليّ، وخير ناصر؛ حيث فتح الله مكّة على يد رسوله ﷺ، فتولاّهم، ونصرهم، ثمّ استعمل عليهم عتّاب بن أسيد﵁فحمى المستضعفين، ونصرهم حتّى صاروا أعزّاء أهل مكّة. والحمد لله والمنّة!.\nهذا؛ و«القرية» اسم للمكان الّذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أمّ القرى في قوله تعالى في الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام): ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها،﴾ كما تطلق على الضيعة الصّغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية: بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها: قروي، وقريي، والفتح أقوى.\nالإعراب: ﴿وَما لَكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُقاتِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محلّ نصب حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، والعامل اسم الاستفهام، كما في الآية رقم [٨٨] الآتية، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ وغير ذلك كثير. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، وهذا اختيار الزجاج، وقاله الزّهري، وقال المبرد: اختار أن يكون معطوفا على (السبيل) أي: وفي المستضعفين لاستنقاذهم.","vol":"2","page":530},{"text":"فالسبيلان مختلفان. ﴿مِنَ الرِّجالِ:﴾ متعلقان ب (المستضعفين) لأنّه اسم مفعول، أو هما في محل رفع نائب فاعله، وهو الأولى. ﴿وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ:﴾ معطوفان على: ﴿الرِّجالِ،﴾ وجوز اعتبار المستضعفين منصوبا على الاختصاص بفعل محذوف، ولا وجه له.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: ﴿الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ ويكون في الكلام تغليب، أو هو في محل نصب بفعل محذوف، التقدير: أعني الّذين، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وجملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ مع مقولها صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و(نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَخْرِجْنا:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت» و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية والندائية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ هذِهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿الْقَرْيَةِ:﴾ بدل اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. وقيل: صفة.\n ﴿الظّالِمِ:﴾ صفة: ﴿الْقَرْيَةِ﴾ صفة سببية. ﴿أَهْلُها:﴾ فاعل به، و(ها) في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَاجْعَلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ وجوّز اعتبار الجار والمجرور (لنا) في محل نصب مفعول به أوّل، ووليّا مفعول به ثان، كما أجيز اعتبار: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ متعلقين بمحذوف حال من: ﴿وَلِيًّا﴾ كان صفة له... إلخ.\n\n<span id=\"aya-569\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون لهدف سام، وغاية نبيلة، وهي نصرة دين الله، وإعلاء كلمته ابتغاء مرضاته، فهو تعالى وليّهم، وناصرهم، ومعزّهم، ورافع شأنهم في الدّنيا، والآخرة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أي: الذين كفروا يقاتلون في سبيل الشيطان، وما يأمر به من الظلم، والفساد، وبذلك كان الشيطان وليهم، وناصرهم؛ فشتّان بين من يقاتل لإعلاء كلمة الله، وبين من يقاتل في سبيل الشيطان. فمن قاتل في سبيل الله فهو الذي يغلب؛ لأنّ الله وليه، وناصره، ومن قاتل في سبيل الطاغوت؛ فهو المخذول المغلوب، و﴿الطّاغُوتِ:﴾ كلّ ما عبد من دون الله، وانظر الآية رقم [٥١]. ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ أي: قاتلوا يا أولياء الله أولياء الشيطان، وحزبه، وأنصاره، وهم الكفار. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ:﴾ وساوسه، وزخارفه الّتي يلقيها في عقل ابن آدم. ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ أي: إنّ كيده للمؤمنين بمقارنة كيد الله للكافرين ضعيف، لا يؤبه له، فلا تخافوه، ولا تخافوا أولياءه. وفي هذا غاية التّرغيب في قتال الكافرين.","vol":"2","page":531},{"text":"تنبيه: ذكر الله هنا: أنّ كيد الشيطان ضعيف، وهذا بمقارنته بكيد الله، وذكر في سورة (يوسف) أنّ كيد النّساء عظيم، وهذا بالنسبة إلينا، على أنّه من كلام العزيز زوج المرأة، ولا تنس: قوله تعالى في سورة (التّحريم): ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾.\nفائدة: في الآية الكريمة من المحسّنات البديعية: المقابلة، وهي أن يؤتى بمعنيين، أو أكثر، ثمّ يؤتى بما يقابل ذلك على التّرتيب، تأمّل في الآية تجد ذلك موجودا فيها، كما في الآية رقم [٨٥] الآتية.\nهذا؛ و«الشّيطان» اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كلّ نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان. وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢] -انظر شرحها هناك، ونصّها-: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا،﴾ وقال الرسول ﷺ لأبي ذرّ الغفاري﵁-: «يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال:\nأو للإنس شياطين؟! قال: «نعم». ولا تنس أنّ لكلّ واحد من بني آدم شيطانا بدليل قول النبي ﷺ لعائشة﵂-: «أجاءك شيطانك؟» قالت: أو لي شيطان؟ قال: «ما من أحد إلاّ وله شيطان» قالت: وأنت يا رسول الله؟! قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه، فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». يروى بضم الميم، وفتحها، والمعنى يختلف.\nهذا؛ و«الشّيطان» واحد الشياطين، مأخوذ من شطن: إذا بعد، والنّون أصلية، فهو مصروف على هذا؛ وسمّي الشّيطان شيطانا؛ لبعده عن الحقّ، وتمرّده. قال جرير: [البسيط]\nأيّام يدعونني الشّيطان من غزل... وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا\nوقيل: مأخوذ من: شاط: إذا احترق، وشاط: بطل، فالنون زائدة، وعليه فهو غير مصروف، و«شطن» من باب: قعد، و«شاط» من باب ضرب. هذا؛ واشتاط الرّجل: إذا احتدّ غضبا. واشتاط: إذا هلك. قال الأعشى في معلّقته: [البسيط]\nقد نخضب العير في مكنون فائله (^١) ... وقد يشيط على أرماحنا البطل\nويقوّي الاعتبار الأول، ويضعّف الثاني: أنّ سيبويه-رحمه الله تعالى-حكى: أنّ العرب تقول: تشيطن فلان: إذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن: أنّ تفعلل من شطن، ولو كان من شاط؛ لقالوا: تشيّط.\n_________\n١) الفائل: عرق من الجوف إلى الفخذ، ومنون الفائل: الدم.","vol":"2","page":532},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يُقاتِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف.\nو﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، وإعرابها واضح. ﴿فَقاتِلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (قاتلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا؛ فقاتلوا... إلخ. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَيْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ما قبله. ﴿ضَعِيفًا:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-570\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ محمد ﷺ أو لكلّ أحد.\nوالاستفهام تعجيب، وتشويق إلى استماع ما بعده؛ إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين، أو هو استفهام تقرير؛ إن كان المخاطب يعلم بحالهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير، ولم يسمع؛ لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجّب.\n ﴿إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا..﴾. إلخ: قال الكلبيّ-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في عبد الرحمن بن عوف الزّهري، وجماعة من أصحاب النبي ﷺ، كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا بمكة قبل أن يهاجروا، فكانوا يقولون: يا رسول الله! ائذن لنا في قتالهم، فإنّهم قد آذونا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «كفوا أيديكم فإني لم اؤمر بقتالهم». ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ فيه إشكال، وهو: أنّ الصلاة فرضت في السّنة العاشرة من النبوة، والزّكاة فرضت في السّنة الرابعة من الهجرة، وحلّه-وبالله التوفيق-: أنّ المراد بالصّلاة الصلاة التي كانت مفروضة: ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، وأنّ المراد بالزّكاة مطلق الصدقة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"2","page":533},{"text":"﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ:﴾ فرض عليهم جهاد المشركين، وقتالهم، وأمروا بالخروج إلى بدر ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ جماعة منهم، أي: من الّذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد، واستأذنوا الرسول ﷺ في القتال. ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ أي: يخافون مشركي مكة، كما قال تعالى في سورة (الأنفال): ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ..﴾. إلخ. ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً:﴾ ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو؛ يعني: وأشد خشية. انظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [٧٤] بشأن «أو» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. قال السدي رحمه الله تعالى: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال، فلمّا فرض القتال؛ كرهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين، والمعنى: يخشون القتال مع المشركين، كما يخشون الموت من الله.\n ﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ..﴾. إلخ؛ أي: هلا تركتنا، ولم تفرض علينا القتال حتى نموت بآجالنا. والقائلون لهذا القول هم المنافقون؛ لأنّ هذا القول، لا يليق بالمؤمنين. وقيل:\nقاله بعض المؤمنين، وإنّما قالوا ذلك خوفا، وجبنا، لا اعتقادا، ثمّ إنهم تابوا من هذا القول.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم: أنّ الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين، سامعين، طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة على ما هو معروف من سيرتهم، -﵃-. اللهم إلا أن يكون قائله ممّن لم يرسخ الإيمان في قلبه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإنّ أهل الإيمان متفاضلون، فمنهم الكامل، ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عمّا يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقّة، وتدركه فيه الشدّة. والله أعلم. انتهى.\n ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء: منفعة الدنيا، والاستمتاع بلذّاتها قليل، وسمّاه الله قليلا؛ لأنّه لا بقاء له، وقال النبيّ ﷺ: «مثلي ومثل الدّنيا كراكب قال قيلولة تحت شجرة، ثمّ راح، وتركها». ومثله يروى عن ابن مسعود﵁وغيره كثير. وعن المستورد بن شدّاد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «والله ما الدّنيا في الآخرة إلاّ مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟». أخرجه مسلم. ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ يعني: وثواب الآخرة. ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى:﴾ يعني: اتقى الشرك، وابتعد عن معصية الرسول ﷺ.\n ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا:﴾ ولا تنقصون من أجوركم قدر فتيل، انظر الآية رقم [٤٩].\nهذا؛ وقال ابن أبي حاتم عن هشام؛ قال: قرأ الحسن: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ فقال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، وما الدنيا كلّها أوّلها، وآخرها إلا كرجل نام نومة، فرأى في منامه ما يحبّ، ثمّ انتبه. وقال ابن معين: كان أبو مصهر ينشد: [الطويل]\nولا خير في الدّنيا لمن لم يكن له... من الله في دار المقام نصيب\nفإن تعجب الدّنيا رجالا فإنّها... متاع قليل والزّوال قريب","vol":"2","page":534},{"text":"الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجيب. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿كُفُّوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ،﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١] ﴿أَيْدِيَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ معطوفتان على ما قبلهما.\n ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند الفارسي، وابن السراج، وابن جنّي. تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشّرط بجوابه، وصوّب ابن هشام الأوّل، والمشهور الثّاني. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعل ﴿كُتِبَ،﴾ وجملة: ﴿كُتِبَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية على القول بحرفية (لمّا)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة. وهي تختصّ بالدّخول على الجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، نحو: خرجت؛ فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجّحه: «خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب» لأنّ «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرّد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجّاج، والزمخشري، وزعم هذا الأخير: أنّ عاملها فعل مشتقّ من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزّمخشري، وإنّما ناصبها الخبر المذكور في نحو: «خرجت فإذا زيد جالس» أو المقدّر في نحو: «فإذا الأسد» أي: حاضر. و﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول بظرفيتها. وابتدائية لا محلّ لها على القول بحرفية ﴿إِذا،﴾ وعلى الاعتبارين فالجملة جواب:\n (لمّا)، و﴿إِذا:﴾ واقعة في جوابها، هذا وقيل: (﴿إِذا﴾) على اعتبارها ظرفا متعلقة بمحذوف خبر مقدّم، و﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿مِنْهُمْ،﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَرِيقٌ،﴾ وجملة: ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مِنْهُمْ﴾ وقيل: هي صفة ثانية ل ﴿فَرِيقٌ﴾ وقيل غير ذلك، والمعتمد ما ذكرته أولا. ﴿كَخَشْيَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يخشون الناس خشية كائنة كخشية الله. وهذا قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التركيب، ومذهب سيبويه في مثله النّصب على الحال من المصدر المفهوم من","vol":"2","page":535},{"text":"الفعل المتقدّم على طريق الاتّساع، فيكون التقدير: يخشون الناس على مثل هذه الحال.\nو(خشية) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: كخشيتهم الله.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَشَدَّ:﴾ معطوف على المحذوف، وقد ردّه البيضاوي رحمه الله تعالى، فقال: عطف على (خشية) إن جعلته حالا، وإن جعلته مصدرا؛ فلا؛ لأنّ أفعل التفضيل إذا نصب ما بعده لم يكن من جنسه، بل هو معطوف على اسم الله تعالى؛ أي: كخشية الله، أو كخشية أشد خشية منه على الفرض، اللهم إلا أن يجعل الخشية ذات خشية، كقولهم: جدّ جدّه، على معنى: يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو خشية أشد خشية من خشية الله. هذا؛ وقال الجلال، وتبعه الجمل: ﴿أَشَدَّ:﴾ حال من (خشية) كان صفة له، و(خشية) معطوف على «خشية» المقدّر، وقد أجمل أبو البقاء الكلام، فقال: والقول في قوله: ﴿أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ كالقول في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ وقد ذكر، أي في الآية رقم [٢٠٠] من سورة (البقرة)، وقال مكي: ﴿أَشَدَّ﴾ معطوف على الكاف، وهي عنده اسم بمعنى: «مثل».\n ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. و(نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(ما) مبنية على السكون، وهو الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار. ﴿كَتَبْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقِتالُ:﴾ مفعول به. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أَخَّرْتَنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قَرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿أَجَلٍ،﴾ والكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿مَتاعُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الدُّنْيا:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿قَلِيلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَالْآخِرَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿لِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف، وفاعله يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، ومفعوله محذوف، انظر: الشرح، والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿تُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿فَتِيلًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: تجزون فيها جزاء أعمالكم، ولا تظلمون فتيلا، والكلام في محل نصب مقول القول أيضا.","vol":"2","page":536},{"text":"<span id=\"aya-571\"></span>﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في المنافقين؛ الذين قالوا في قتلى أحد كما حكى الله عنهم:\n ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾ الآية رقم [١٥٦] من سورة (آل عمران)، فردّ الله عليهم بهذه الآية. وقيل: نزلت في الذين قالوا: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ،﴾ فردّ الله عليهم بهذه الآية، فبيّن الله تعالى: أنّه لا خلاص لهم من الموت، وإذا كان لا بدّ من الموت؛ كان القتل في سبيل الله، وجهاد أعدائه أفضل من الموت على الفراش؛ لأنّ الموت في الجهاد تحصل به سعادة الآخرة.\n ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ..﴾. إلخ؛ أي: في أيّ مكان وجدتم، فلا بدّ أن يدرككم الموت عند انتهاء الأجل ويفاجئكم؛ ولو تحصّنتم منه بالحصون المنيعة، فلا تخشوا القتال خوف الموت. هذا؛ والموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته. وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنّصائح. والموت أكبر واعظ. وخذ قول طرفة بن العبد: [الرمل]\nوكفى بالموت فاعلم واعظا... لمن الموت عليه قد قدر\nفاذكر الموت وحاذر ذكره... إنّ في الموت لذي اللّبّ عبر\nكلّ شيء فيه يلقى حتفه... في مقام أو على ظهر سفر\nوالمنايا حوله ترصده... ليس ينجيه من الموت الحذر\nوخذ ما يلي معتبرا، ومفكرا، وبالله التوفيق: [الطويل]\nهو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة... وأنت على سوء من الفعل عاكف\nوإيّاك أن تمضي من الدّهر ساعة... ولا لحظة إلاّ وقلبك واجف\nوبادر بأعمال يسرّك أن ترى... إذا نشرت يوم الحساب الصّحائف\nوواحد (البروج): برج، وهو البناء المرتفع، والقصر العظيم، قال طرفة يصف ناقة: [البسيط]\nكأنّها برج روميّ تكنّفها... بان بشيد وآجرّ وأحجار\nهذا؛ وقال ابن عباس﵄-: (البروج): الحصون، والآطام، والقلاع، ومعنى ﴿مُشَيَّدَةٍ:﴾ مطولة، ومحصّنة، ومزيّنة بالشّيد، وهو الجصّ. والمشيّدة، والمشيد سواء،","vol":"2","page":537},{"text":"قال تعالى في سورة (الحجّ): ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. هذا؛ وقال السّدّي-رحمه الله تعالى-: المراد بالبروج، بروج في السماء الدّنيا مبنية. وحكى هذا القول مكيّ عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: أنّه قال: ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ و﴿جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا﴾ و﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الأولى في سورة (البروج)، والثانية في سورة (الفرقان)، والثالثة في سورة (الحجر). انظر شرح هذه الآيات في محالّها؛ فإنّه جيد، والحمد لله!.\nوهذه الآية تردّ على القدرية في الآجال، فعرّفهم الله بذلك: أنّ الآجال متى انقضت؛ فلا بدّ من مفارقة الرّوح الجسد، سواء أكان بذلك بقتل، أو بموت، حسب ما قدّر الله زهوقها بها، وقالت المعتزلة: إنّ المقتول لو لم يقتل؛ لعاش، فردّ عليهم اللّقاني في جوهرته بقوله: [الرجز]\nوميّت بعمره من يقتل... وغير هذا باطل لا يقبل\n ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ..﴾. إلخ: نزلت في المنافقين، واليهود، وذلك: أنّ المدينة كانت ذات خير، وأرزاق ونعم عند مقدم النبي ﷺ، فلمّا ظهر نفاق المنافقين، وعناد اليهود اللّؤماء؛ أمسك الله عنهم بعض الإمساك، فقال المنافقون، واليهود: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا، ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرّجل، وأصحابه، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ أي: المنافقين، واليهود. ﴿حَسَنَةٌ﴾ أي: خصب في الثمار، ورخص في الأسعار، ونماء في الزروع، والأولاد، وغير ذلك من وجوه الخير. ﴿يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: من قبل الله. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط، وجدب، ونقص في الزّروع، والثمار، أو موت أولاد، أو نتاج، وغير ذلك ممّا يكرهونه. ﴿يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يا محمد! أي: بسببك يا محمد! فهم ينسبون الشرّ إلى النبيّ ﷺ تشاؤما به. وقد حصل التفات من الخطاب إلى الغيبة، انظر الالتفات في الآية [٦٤].\n ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يعني: الحسنة والخير من: خصب، ونصر، وعزّ، وصحّة، وعافية، والسيئة من: هزيمة، وقتل، وموت، ونحو ذلك، فالحسنة فضل، وإنعام من الله، وأمّا السيئة؛ فابتلاء، واختبار منه تعالى. ثمّ قال تعالى منكرا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصّادرة عن شكّ، وريب، وقلّة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: ﴿فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ..﴾. إلخ؛ أي: لا يفهمون معاني القرآن، وأنّ الأشياء كلّها من الله، عزّ، وجل، خيرها، وشرها.\nهذا؛ و(يكاد): يقرب، يقال: كاد يفعل، ولم يفعل، فهو فعل يدلّ على وقوع مقاربة الفعل بعدها، ولذا لم تدخل عليه «أن» لأنّها تخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليها حرف نفي، كما في هذه الآية؛ دلّ على أنّ الفعل بعدها وقع، وإذا لم يدخل عليها حرف نفي؛ لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنّه قارب الوقوع. والفعل واوي العين، ف «كاد» أصله: كود، فتحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ويكاد وزنه: يكود، كيعلم، فنقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ثمّ يقال: تحركت الواو بحسب","vol":"2","page":538},{"text":"الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، فصار: يكاد بوزن: يخاف، ومصدره: الكود، وهذا في «كاد» الناقصة، وأمّا «كاد» التّامة فهي يائية العين المفتوحة في الماضي كباع، المكسورة العين في المضارع كيبيع، ومصدره: الكيد، كالبيع، فهو من الباب الثاني، بخلاف الناقص فإنّه من الباب الرّابع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأوّل قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٥]: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى في سورة (يوسف): ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ ومعنى الأول: المقاربة. ومعنى الثاني: المكر، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تامّ التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.\nفائدة: قد تأتي «كاد» بمعنى: أراد، قال محبّ الدين الخطيب، شارح شواهد الكشّاف، وجعل منه قول الراقدة الأودي: [البسيط]\nوالبيت لا يبتنى إلاّ بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\nفإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا\nأي: الذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [البسيط]\nكدنا وكدت وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى\nأي: أردنا، وأردت، دليله: «خير إرادة». هذا؛ وقد شاع على الألسن أن نفي كاد إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعرّي بقوله: [الطويل]\nأنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود\nإذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود\nفأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل]\nنعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود\nوفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها فالعلم غير بعيد\nوقد اتفقت كلمة النّحاة على أن «كاد» كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن، ومتشابه.\nانظر الشاهد رقم [١١٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والأشموني، وغيرهما، وها أنا ذا أسوق لك ما ذكره السّيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه: (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك. قال ﵀: والتحقيق: أنّها كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات؛ إلا أنّ معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة؛ لأنّ من لم يقارب الفعل؛ لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته","vol":"2","page":539},{"text":"وقوعه، فقولك: «كاد زيد يقوم» معناها: قارب القيام. ولم يقم، ومنه قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٥]: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة، إلا أنّه لم يضيء، وقولك: «لم يكد زيد يقوم» معناه: لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى في سورة النور رقم [٤٠]: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى في سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته فضلا عن أن يسيغه، وعلى هذا الزّجّاجي، وغيره.\nوذهب قوم منهم ابن جنّي إلى أنّ نفيها يدلّ على وقوع الفعل ببطء؛ لآية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة)، فإنّهم فعلوا بعد بطء، والجواب: أنّها محمولة على وقتين، أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذّبح، بل أنكروا أشدّ الإنكار؛ بدليل ما حكى الله عنهم: ﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا؟!﴾.\nوقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنّه إخبار عن حالهم في أوّل الأمر، فإنّهم كانوا بعداء عن ذبحها، بدليل ما يتلى علينا من تعنّتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى. وقوله مشابه لقول السيوطي المتقدّم. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\nالإعراب: ﴿أَيْنَما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، وبعضهم يقول: مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلّق بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ مقدّم على نقصانه، ومتعلّق به على تمامه، و(ما): زائدة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، أو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿يُدْرِكْكُمُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والكاف مفعول به.\n ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والشرط ومدخوله كلام مستأنف لا محلّ له. ويحتمل: أنّه داخل في مقول القول المذكور في الآية السابقة، والمعنى: قل لهم: أينما تكونوا في الحضر، أو في السفر يدرككم الموت الذي تكرهون القتال لأجله. وقرئ شاذّا برفع الجواب وهو على حذف الفاء، أي: فهو يدرككم، واعتبر القرطبيّ-رحمه الله تعالى-قول عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري مثله، وهو الشاهد رقم [٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nمن يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان\nإذ التقدير: فالله يشكرها، والفرق بينهما واضح، فالآية حذف فيها الفاء، والمبتدأ، والبيت حذف فيه الفاء فقط، وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: أو على أنّه كلام مبتدأ، و﴿أَيْنَما﴾ متّصل ب (﴿تُظْلَمُونَ﴾). انتهى. والمعنى لا يؤيّد الوجهين. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو):","vol":"2","page":540},{"text":"وصلية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِي بُرُوجٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) الناقصة. ﴿مُشَيَّدَةٍ:﴾ صفة بروج، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط الواو والضمير. هذا وإن اعتبرت (﴿لَوْ﴾) شرطية غير جازمة فجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ شرطها، ويكون الجواب محذوفا؛ لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ولو كنتم... لأدرككم الموت. هذا؛ وقال الجمل: والجملة؛ أي: (﴿لَوْ﴾) ومدخولها: معطوفة على أخرى مثلها محذوفة، وقدّر كلاما لا داعي له، وأرى أنّ (﴿لَوْ﴾) ومدخولها معطوف على الجملة الشّرطية قبلها.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَقُولُوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذِهِ:﴾ الهاء:\nحرف تنبيه لا محلّ له. (ذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَقُولُوا..﴾.\nإلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، و«إذا» ومدخولها معطوف على ما قبله لا محلّ له مثله. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ..﴾. إلخ: معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق بينهما.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به الإضافة المقدّرة. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف. و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿فَمالِ هؤُلاءِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. اللام: حرف جر. الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الْقَوْمِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، ويقال:\nصفة له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكادُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع... إلخ، والواو اسمه.\n ﴿يَفْقَهُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿حَدِيثًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ نصب خبر: ﴿يَكادُونَ،﴾ وجملة: ﴿لا يَكادُونَ..﴾. إلخ في محلّ نصب حال من: (هؤلاء القوم) والرابط الضمير فقط، والعامل اسم الاستفهام، وقال الجمل: أو هو استئناف مبني على سؤال نشأ، فقيل: ﴿لا يَكادُونَ..﴾. إلخ، والأوّل أقوى. انظر الآية رقم [٧٥].","vol":"2","page":541},{"text":"<span id=\"aya-572\"></span>﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي: من خير، وصحة، ونعمة، وخصب، ونصر، وغنيمة.\n ﴿فَمِنَ اللهِ:﴾ فمن كرم الله، وإحسانه، وجوده، وفضله تعالى يتفضّل به عليك. والخطاب للنبيّ ﷺ، والمراد به أمّته. وقيل: إنّه عامّ، وتقديره: ما أصابك أيّها الإنسان. وإنّما كان من فضل الله؛ لأنّ كل ما يفعله الإنسان من الطاعات لا يكافئ نعمة الوجود، بل، ولا شربة ماء، فكيف يقضي غيره؟! ولذا قال النبي ﷺ: «ما أحد يدخل الجنّة إلاّ برحمة الله». قيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا». وفي رواية أخرى: «لن يدخل أحدا عمله الجنّة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا؛ إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته. فسدّدوا، وقاربوا».\nأخرجه البخاريّ عن أبي هريرة﵁-.\n ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ:﴾ قحط، وجدب، وهزيمة... إلخ. ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: فبما كسبت يداك من المعاصي، كما قال تعالى في سورة (الشّورى): ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ وهو لا ينافي قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ فإنّ الكلّ منه تعالى إيجادا، وإيصالا؛ غير أنّ الحسنة إحسان، وامتحان، والسيئة مجازاة، وانتقام.\nقال ابن عباس﵄-: لما نزلت آية الشّورى قال رسول الله ﷺ: «والّذي نفسي بيده ما من خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر». وقالت السّيدة عائشة﵂-: «ما من مسلم يصيبه وصب، ولا نصب، حتّى الشّوكة يشاكها، وحتّى انقطاع شسع نعله إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر».\n ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ أي: أرسلناك يا محمد إلى النّاس كافّة رسولا؛ لتبلّغهم رسالتي، وما أرسلتك به، وليست رسالتك مقصورة على العرب، كما يقول اليهود اللّؤماء. ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ أي: على أنّه أرسلك للناس كافّة، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك، واتّباعك، وهو عالم بما تبلّغهم إيّاه، وبما يردّون عليك من الحقّ كفرا، وعنادا.\nبقي أن تعرف وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ،﴾ وبين قوله: ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ،﴾ فأمّا إضافة الأشياء إلى الله تعالى، فعلى الحقيقة؛ لأنّ الله﷿هو خالقها، وموجدها، وأمّا إضافة السيئة إلى فعل العبد، فعلى المجاز، تقديره: وما أصابك من سيئة؛ فمن الله بذنب نفسك عقوبة لك. وقيل: إضافة السيئة إلى فعل العبد على سبيل الأدب، فهو كقوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-:\n ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فأضاف المرض إلى نفسه على طريق الأدب. ولا شكّ: أنّ","vol":"2","page":542},{"text":"الممرض هو الله تعالى، وانظر آية (الكهف) رقم [٨٢]، وآية (الجن) رقم [١٠] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصابَكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿ما؛﴾ تقديره: هو، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ حَسَنَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾. ﴿فَمِنَ اللهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من الله): متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهي من الله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو:\n (ما) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ما﴾ اسما موصولا، فهي مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والجملة الاسمية: «فهي من الله» في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء على الخبر زائدة؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ..﴾. إلخ: هذه الجملة معطوفة على التي قبلها، لا محلّ لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، وإعرابها مثلها.\nهذا؛ وقد اعتبر أبو البقاء (ما) في الجملتين شرطية لا غير، وقال: ولا يحسن أن تكون بمعنى «الذي» لأنّ ذلك يقتضي أن يكون المصيب لهم ماضيا مخصصا، والمعنى على العموم، والشّرط أشبه، بينما اعتبرها مكيّ موصولة لا غير، فقال: (ما) فيهما، أي: في الجملتين بمعنى: «الذي» وليست للشرط؛ لأنّها نزلت في شيء بعينه، وهو الجدب، والخصب، والشّرط لا يكون إلا مبهما، يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع، وإنّما دخلت الفاء للإبهام الّذي في «الذي» مع أنّ صلته فعل. هذا؛ وقد أعربت (ما) في الجملتين على الوجهين اللّذين قالاهما حتى لا يبقى عليّ اعتراض لمعترض. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\n ﴿وَأَرْسَلْناكَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَرْسَلْناكَ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب على اعتباره مقصودا به الرّسول ﷺ، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، ومستأنفة على اعتبار الخطاب لكلّ إنسان. ﴿لِلنّاسِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولًا﴾ كان صفة... إلخ.\n ﴿رَسُولًا:﴾ حال من كاف الخطاب مؤكّدة. وقيل: مفعول مطلق؛ أي: إرسالا، ولا وجه له ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٧٠].\n\n<span id=\"aya-573\"></span>﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ..﴾. إلخ: طاعة الرّسول ﷺ من طاعة الله، كما رأيت في الآية رقم [٥٩]، ومحبّة الرسول من محبّة الله عزّ، وجل-لما روي: أنّ النبيّ ﷺ قال: «من أحبّني؛","vol":"2","page":543},{"text":"فقد أحبّ الله، ومن أطاعني؛ فقد أطاع الله». فقال المنافقون: لقد قارف الشرك، وهو ينهى عنه، ما يريد إلا أن نتّخذه ربّا، كما اتخذت النّصارى عيسى ربّا. فنزلت الآية الكريمة.\n ﴿وَمَنْ تَوَلّى﴾ أي: أعرض عن طاعته، وامتثال أمره؛ فقد خاب، وخسر. ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا:﴾ تحفظ أعمالهم، وتحاسبهم عليها، بل كل أمرهم إلى الله، فإنّما عليك البلاغ، وعلينا الحساب. هذا؛ وحصل في الآية الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الالتفات في الآية رقم [٦٤].\nهذا؛ وقال القرطبيّ في غير هذا الموضع: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرّسول، والله يقول:\n ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصّلاة، ولا أوتي الزّكاة، والله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،﴾ ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُطِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول به. ﴿فَقَدْ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَطاعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التّعظيم، والجملة الفعلية في محلّ جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط.\nوقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما):\nنافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حَفِيظًا﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، هذا في الظاهر، وعند التأمّل؛ يظهر لك: أنّ الجواب محذوف، التقدير: ومن تولّى؛ فلا يهمنّك أمره.\nوعليه تكون جملة: (ما أرسلناك...) إلخ مفيدة للتعليل لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-574\"></span>﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ:﴾ نزلت في المنافقين، وذلك: أنّ المنافقين كانوا يقولون باللّسان لرسول الله ﷺ: آمنا بك، وصدّقناك، فمرنا بما تريد، فأمرنا، وشأننا، وحالنا طاعة؛","vol":"2","page":544},{"text":"أي: مطيعون لك. ﴿فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ:﴾ خرجوا من عندك. ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي: زورت خلاف ما قلت لها، وما قالت لك من القبول، وضمان الطّاعة. والتبييت:\nإمّا من البيتوتة؛ لأنّ الأمور تدبّر بالليل، أو من بيت الشّعر، أو البيت المبني؛ لأنّه يسوّى.\nويدبّر. انتهى. بيضاوي.\nوعبارة الخازن: التبييت: كلّ أمر يفعل بالليل، يقال: هذا أمر مبيّت: إذا دبر بليل، وقضي بليل، قال تعالى في الآية رقم [١٠٨] الآتية: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ﴾. والمعنى: أنّهم قالوا، وقدروا أمرا باللّيل غير الذي أعطوك بالنّهار من الطّاعة. و﴿بَيَّتَ:﴾ بدّل، وغيّر. قال الأسود بن عامر الطّائي: [المتقارب]\nوبيّت قولي عبد الملي... ك قاتله الله عبدا كفورا\nوإنّما خصّ الله طائفة من المنافقين بالتبييت في قوله: ﴿مِنْهُمْ،﴾ وكلمة (من) للتبعيض؛ لأنّه تعالى علم: أنّ منهم من يبقى على كفره، ونفاقه، ومنهم من يرجع عنه، ويتوب، فخصّ من يصرّ على النفاق بالذّكر. هذا؛ و﴿طائِفَةٌ:﴾ جماعة من النّاس، لا واحد لها من لفظها، مثل: فريق، ورهط، ونفر، وجمعها: طوائف.\n ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يسجّل في صحائفهم أعمالهم؛ ليجازيهم عليها، والمسجّل هم الملائكة الموكلون بهم يسجّلون أقوالهم، وأعمالهم، ونفاقهم، ومكرهم، وكيدهم. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعاقبهم يا محمد، ولا تحدّث نفسك بالانتقام منهم، وخلّهم في ضلالتهم، فأنا منتقم منهم. وهذا قبل نزول قوله تعالى في سورتي (التوبة) و(التّحريم): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ.\n ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ:﴾ فوض أمورك إلى الله كلّها سيما في شأن المنافقين. فإنّه يكفيك شرّهم، ويدفع عنك ضرّهم، وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام، وقد صدق الله وعده؛ حيث فضحهم، وأظهر خبثهم. اقرأ سورة (التوبة)؛ فإنّك تجد فيها العجب العجاب. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ أي: ناصرا، ومعينا لك عليهم.\nهذا؛ و«التوكل» تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضرّه.\nوقالوا: التوكل: من إذا دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا: إذا وقع الإنسان في محنة، ثمّ سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حدّ التوكّل؛ لأنّه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنّما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة. وخذ ما يلي:\nفعن عمر﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذيّ. هذا؛ والفرق بين","vol":"2","page":545},{"text":"التوكّل، والتسليم، والتفويض، فيقال: التوكّل: أن تسكن النفس إلى وعد الله، والتسليم: أن تكتفي بعلم الله تعالى، والتفويض: أن ترضى بحكم الله، ﷿. وقيل: التوكل: ألا تعصي الله من أجل رزقك، ولا تطلب لنفسك ناصرا غيره، ولا لعملك شاهدا سواه. وخذ ما يلي:\nفعن عمران بن حصين﵁-: قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا بغير حساب» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟! قال: «هم الّذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون». فقام عكّاشة بن محصن﵁فقال:\nيا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «أنت منهم». فقام رجل آخر، فقال:\nيا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكّاشة».\nالإعراب: (﴿يَقُولُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.\n ﴿طاعَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: أمرنا، وشأننا طاعة، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: منّا طاعة لك، وقرئ شاذّا بالنّصب على أنّه مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: نطيع لك طاعة، والجملة على الاعتبارين في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَكادُونَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٧٨] وما بينهما اعتراض، والاستئناف ممكن. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبنيّ على السكون في محل نصب. ﴿بَرَزُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور.\n ﴿مِنْ عِنْدِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَيَّتَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿تَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يحتمل أن يكون تقديره: أنت خطابا للرّسول ﷺ، وأن يكون تقديره: هي يعود إلى طائفة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها، والعائد محذوف. التقدير: الذي تقوله. و(إذا) ومدخولها كلام مفرّع، ومستأنف، لا محلّ لها.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَكْتُبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\nوإن اعتبرتها في محل نصب حال من: ﴿طائِفَةٌ﴾ فالرابط: الواو فقط، والأول أقوى. ﴿ما:﴾\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية؛ فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُبَيِّتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يكتب الّذي، أو شيئا يبيتونه. وعلى اعتبارها مصدريّة تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ نصب مفعول به، التّقدير: يكتب تبييتهم.","vol":"2","page":546},{"text":"﴿فَأَعْرِضْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر؛ أي: فإذا كان هذا حالهم، وشأنهم؛ فأعرض. (أعرض): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدّر ب «إذا» والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٧٠] وهي مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-575\"></span>﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ:﴾ أي: يتفهّمونه، فيعلمون: أنّه من عند الله، ويعلمون ما أعدّ الله للّذين لم يتولّوا عن الإسلام من الخير الكثير، والفضل العميم. أو المعنى: يتفكرون في مواعظه، وزواجره. وتدبّر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب، وجمع الهمّ وقت تلاوته، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصّرف. والتدبير: أن يدبر الإنسان أمره، كأنّه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته. ودلّت هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (محمّد ﷺ): ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ على وجوب التّدبّر في القرآن؛ ليعرف معناه، وكان في هذا ردّ على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي ﷺ، ومنع أن يتأوّل على ما يسوغه لسان العرب، وهذا قول الروافض، وقول من يجري مجراهم، ويتّبع هواهم.\n ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ..﴾. إلخ؛ أي: لو كان القرآن من كلام البشر، كما يزعم الكفار؛ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا:﴾ تناقضا في معانيه، وتباينا في نظمه، وكان بعضه فصيحا، وبعضه ركيكا، وبعضه تصعب معارضته، وبعضه تسهل، ومطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض، وموافقة الفعل لبعض أحكامه دون بعض؛ لنقصان القوّة البشرية عن الكمال.\nقال العلماء: إنّ الله﷿احتجّ بالقرآن، والتدبّر فيه على صحّة نبوّة محمد ﷺ، والحجّة في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: فصاحته التي عجز الخلائق عن الإتيان بمثلها في أسلوبه. الثاني: إخباره عن الغيوب، وهو ما يطلع الله تعالى نبيّه ﷺ على أحوال المنافقين، وما يخفونه من مكرهم، وكيدهم، فيفضحهم بذلك، لا يعلمها إلا الله تعالى. الثالث: سلامته من الاختلاف، والتناقض.\nهذا؛ ولا يدخل في هذا اختلاف ألفاظ القراءات، وألفاظ الأمثال، والدّلالات، ومقادير السّور، والآيات، وإنّما أراد اختلاف التناقض، والتّفاوت، لذا أنزل الله﷿القرآن، وأمرهم بتدبّره؛ لأنّهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف، ولا ردّا له في معنى، ولا تناقضا، ولا كذبا فيما يخبرون به من الغيوب، وما يسرّون.","vol":"2","page":547},{"text":"هذا؛ والهمزة في قوله: ﴿أَفَلا﴾ للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنّه حرف عطف، وكذا تقدّم على الواو، وثمّ، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ. ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾.\nإلخ، وأخواتها تتأخّر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ..﴾. إلخ، ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف في ذلك جماعة، أوّلهم الزمخشري، فزعموا: أنّ الهمزة في الآيات المتقدمة في محلّها الأصلي، وأنّ العطف على جملة مقدّرة بينها، وبين العاطف، فيقولون: التّقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ:﴾ أمكثوا، فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم؟ أتؤمنون في حياته فإن مات، أو قتل... إلخ؟ ويضعف قولهم ما فيه من التكلّف، وأنّه غير مطّرد في جميع المواضع.\nانتهى. مغني اللبيب بتصرّف.\nهذا؛ و(قرآن) مشتقّ من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنّه جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طريق الرّشاد، وخذ قول عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [١٢]: [الوافر]\nذراعي حرّة (^١) ... أدماء بكر\nهجان اللّون لم تقرأ جنينا\nلم تقرأ جنينا: لم تضمّ، ولم تجمع في رحمها ولدا قطّ، وهو في اللّغة مصدر بمعنى:\nالجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته، وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثمّ نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدّفتين، المتعبّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس. وهذا التعريف متفق عليه بين العلماء، والأصوليين. أنزله الله ليكون دستورا للأمة، وهداية للخلق أجمعين، وليكون آية دالّة على صدق الرسول ﷺ، وبرهانا ساطعا على نبوته، ورسالته، وحجة قائمة إلى يوم الدين. تشهد: أنّه تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة التي تهتدي بها الأجيال، والأمم على الأزمان، والدهور، ورحم الله أحمد شوقي؛ إذ يقول: [البسيط]\nجاء النّبيّون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بكتاب غير منصرم\nآياته كلّما طال المدى جدد... يزينهنّ جمال العتق والقدم\nوللقرآن أسماء عديدة، كلّها تدلّ على رفعة شأنه، وعلوّ مكانته، وعلى أنّه أشرف كتاب سماويّ على الإطلاق، فيسمّى: القرآن، والفرقان، والتّنزيل، والذّكر، والكتاب، والنّور،\n_________\n١) وفي رواية: ذراعي عيطل.","vol":"2","page":548},{"text":"والهدى... إلخ، كما وصفه الله بأوصاف عديدة، منها: نور، وهدى، ورحمة، وشفاء، وموعظة، وعزيز، ومبارك، وبشير، ونذير... إلى غير ذلك من الأوصاف الّتي تشعر بعظمته، وقدسيّته، ويحرم على المحدث حدثا أكبر قراءته، ومسّه، وحمله، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله، ومسّه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر غيب. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠٦]: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ وعلى اعتباره مصدرا جاء قول الشاعر مع اختلاف في قائله، والمراد به: عثمان﵁وهو الشّاهد رقم [٣٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nضحّوا بأشمط عنوان السّجود به... يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا\nأي: قراءة. هذا؛ ولم يذكر بلفظه بسورة (البقرة) إلا في الآية رقم [١٨٥]، ولم يذكر في هذه السورة إلا في هذه الآية، ولم يذكر في سورة (آل عمران)، وإنّما يكثر ذكره بما ذكرت لك من أسمائه، وصفاته، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لا): نافية، ﴿يَتَدَبَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى القرآن، تقديره: هو. ﴿مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ،﴾ و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿غَيْرِ:﴾ مضاف إليه، وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَوَجَدُوا:﴾\nاللام واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (وجدوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: (لو) لا محلّ لها. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول. ﴿اِخْتِلافًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة له. و(لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محلّ له على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-576\"></span>﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلًا (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ..﴾. إلخ، وذلك: أنّ النبيّ ﷺ كان يبعث البعوث، والسّرايا بالقتال للكفار، فإذا غلبوا، أو غلبوا؛ بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم، ثم يشيعونه،","vol":"2","page":549},{"text":"ويتحدّثون به قبل أن يحدّث به رسول الله ﷺ فيضعفون به قلوب المؤمنين المقيمين في المدينة، فأنزل الله الآية الكريمة، ومعنى: ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ جاءهم خبر بفتح، وغنيمة. ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني: القتل، والهزيمة. ﴿أَذاعُوا بِهِ:﴾ أفشوا ذلك الخبر، وأشاعوه بين النّاس، يقال: أذاع السّرّ، وأذاع به: إذا أشاعه، وأظهره، قال أبو الأسود الدّؤلي في وصف من هذه صفته: [الطويل]\nأمنت على السّرّ امرأ غير حازم... ولكنّه في النّصح غير مريب\nأذاع به في النّاس حتّى كأنّه... بعلياء نار أوقدت بثقوب\n ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي: الأمر الّذي تحدّثوا به، وأفشوه، وأذاعوه. ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ ﷺ حتى يتحدّث به هو، ويذيعه؛ لكان خيرا لهم في الدّنيا، والآخرة. ﴿وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي:\nردّوه إلى ذوي العقول، والرأي، والبصيرة بالأمور منهم، وهم كبار الصّحابة، كالصّديق، والفاروق، وعثمان، وعليّ، رضوان الله عليهم. وقيل: هم أمراء البعوث، والسّرايا، وإنّما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ على حسب الظاهر، ولأنّ المنافقين كانوا يظهرون الإيمان، فلذا قال: ﴿وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخرجون تدبيره بذكائهم، وفطنتهم، وتجاربهم، ومعرفتهم بأمور الحرب، وما ينبغي لها، ومكايدها، وهم العلماء الذين علموا ما ينبغي أن يكتم من الأمور، وما ينبغي أن يذاع منها، و(النّبط): الماء الذي يخرج من البئر أوّل ما تحفر، واستنباطه: استخراجه، فاستعير لما يخرجه الرّجل بفضل ذكائه، وصفاء قريحته، وفطنته من المعاني، والتدبّر فيما يعضل، ويهمّ، يقال: استنبط الفقيه المسألة: إذا استخرجها باجتهاده، وفهمه.\nوفي الآية دليل على جواز القياس، وأنّ من العلم ما يدرك بالنّصّ، وهو: الكتاب، والسنّة، ومنه ما يدرك بالاستنباط، وهو القياس عليهما. ومعنى الآية: ولو أنّ هؤلاء المنافقين، والمذيعين ردّوا الأمر من الأمن، والخوف إلى الرّسول ﷺ، وإلى أولي الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيهم من جهتهم؛ لعلموا حقيقة ذلك منهم، وأنّهم أولى بالبحث عنه، فإنّهم أعلم بما ينبغي أن يذاع، أو يكتم. ثمّ في هذه الآية تأديب لمن يحدّث بكلّ ما سمع، وكفى به كذبا، وافتراء، وزورا أن يحدّث الإنسان بما سمع قبل تمحيصه، والتأكّد من صحّته. قال الرسول ﷺ:\n «كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكلّ ما سمع». أخرجه مسلم في مقدّمة صحيحه عن أبي هريرة، -﵁-.\nوفي مختصر ابن كثير: ولنذكر هاهنا حديث عمر﵁المتّفق على صحّته حين بلغه: أنّ رسول الله ﷺ طلّق نساءه، فجاء من منزله حتّى دخل المسجد، فوجد النّاس يقولون ذلك، فلم يصبر؛ حتى استأذن على النبيّ ﷺ، فاستفهمه: أطلقت نساءك؟! فقال: «لا!» فقلت:","vol":"2","page":550},{"text":"الله أكبر، وذكر الحديث بطوله. وعند مسلم، فقلت: أطلقتهنّ؟! فقال: «لا!» فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلّق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ..﴾. إلخ، فقال﵁-: فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. انتهى. وانظر الآية رقم [٥٩] ففيها بحث جيّد. وقد استنبط الإمام عليّ﵁أنّ أقلّ مدّة الحمل ستة أشهر من آية (البقرة): ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ..﴾. إلخ، ومن آية (الأحقاف): ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾.\n ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: ولولا إحسانه، وكرمه ببعثة محمّد ﷺ، وإنزال القرآن، ورحمته، وعنايته بالتوفيق، والهداية. ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ أي: زخارفه، ووساوسه، وبقيتم على الكفر، والجهل، والضّلالة. وما كنتم عليه من عبادة الحجارة والأوثان. ﴿إِلاّ قَلِيلًا:﴾ اختلف في هذا الاستثناء وإلى ماذا يرجع؟ فأحسن ما قيل فيه: إنه راجع إلى اتّباع الشيطان، وهو قول الضحّاك، واختاره الزّجاج، ومعلوم: أنّ صرف الاستثناء إلى ما يليه، ويتّصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد. وتقديره: ولولا فضل الله عليكم، ورحمته؛ لاتبعتم الشّيطان إلا قليلا منكم، وهم قوم آمنوا، واهتدوا قبل مبعث النبيّ ﷺ، مثل: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة الإيادي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): انظر الآية رقم [٨١]. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، ومفعوله. ﴿أَمْرٌ:﴾ فاعله والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿مِنَ الْأَمْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَمْرٌ﴾. ﴿أَوِ الْخَوْفِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَذاعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. وقيل: الباء زائدة، والضمير مجرور لفظا، منصوب محلاّ على أنّه مفعول به، والأصل: أذاعوه، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها. و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية السابقة. ﴿وَإِلى أُولِي:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكّر السالم، وحذفت النون للإضافة. و﴿أُولِي﴾ مضاف. و﴿الْأَمْرِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾. ﴿لَعَلِمَهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (علمه): فعل ماض، ومفعوله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها معطوف على (﴿إِذا﴾) ومدخولها، لا محلّ له مثله. ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. أو استئناف. (﴿لَوْلا﴾): حرف امتناع لوجود. ﴿فَضْلُ:﴾\nمبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار","vol":"2","page":551},{"text":"ومجرور متعلقان ب ﴿فَضْلُ﴾. ﴿وَرَحْمَتُهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والخبر محذوف وجوبا، تقديره: موجود، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿لاتَّبَعْتُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْلا﴾). (اتبعتم): فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْلا﴾) لا محلّ لها، و(﴿لَوْلا﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محلّ له على الاعتبارين. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا:﴾ منصوب على الاستثناء.\n\n<span id=\"aya-577\"></span>﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في مواعدة رسول الله ﷺ أبا سفيان موسم بدر الصّغرى، بعد حرب أحد، وذلك في ذي القعدة، فلمّا بلغ الميعاد دعا رسول الله ﷺ الناس إلى الخروج، فكرهه بعضهم فأنزل الله الآية. وانظر تفصيل ذلك في الآية رقم [١٧٢] من سورة (آل عمران) وما بعدها؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\n ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: لإعلاء كلمته، ونصر دينه. ﴿لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ أي: لا تلزم فعل غيرك، ولا تؤاخذ به، بل جاهد في سبيل الله؛ ولو وحدك، فإنّ الله ناصرك بلا جنود، وقد وعدك النصر عليهم، وهو لا يخلف الميعاد. فخرج رسول الله ﷺ في سبعين راكبا إلى بدر الصّغرى، فكفاهم الله القتال، ورجعوا سالمين، وعاتب الله من تخلف عن رسول الله ﷺ بهذه الآية على ترك الجهاد، والخروج معه. وفي الآية دليل على أنّ النبيّ ﷺ كان أشجع الناس، وأعلمهم بأمور القتال، ومكايده؛ لأنّ الله تعالى أمره بالقتال، ولو لم يكن أشجع الناس؛ لما أمره بذلك، كيف لا؛ وقد قال ﷺ: «والله لأقاتلنّهم حتّى تنفرد سالفتي»؟! وموقفه في غزوة هوازن حينما هرب المسلمون، وثبت في مكانه، وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب». وقد قال عليّ بن أبي طالب﵁-: كنّا إذا اشتدّ البأس؛ اتّقينا برسول الله ﷺ. كلّ ذلك يشهد بشجاعته ﷺ.\nولقد اقتدى به الصدّيق﵁في قتال أهل الردّة من بني حنيفة الّذين منعوا الزّكاة، وارتدّ بعضهم عن الإسلام، فعزم على الخروج إلى قتالهم وحده، فقال: والله لو خالفني يميني؛ لجاهدتهم بشمالي.\n ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: حضّهم على الجهاد، ورغّبهم في الثواب، وليس عليك في شأنهم إلا التّحريض، فحسب، لا التوبيخ، والتعنيف. هذا؛ والحرض: الفساد في البدن، وفي المذهب، وفي العقل، والرجل الفاسد: المريض، ومنه: الهزال بسبب همّ، وغمّ. قال تعالى","vol":"2","page":552},{"text":"حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾. والحضّ، والتحريض: الحثّ على الشّيء بكثرة تزيينه، وتسهيله للإنسان. قال الله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ.\n ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ..﴾. إلخ: أي: يكف بطش الكافرين، وشدّتهم، وهم قريش، وقد كفّ الله بأسهم بالرّعب، كما رأيت، فلم يخرجوا، و(﴿عَسَى﴾) في الأصل للترجّي، ولكنّها في جانب الله، وكرمه للتّحقيق، والتأكيد، وهي هنا مطمعة، والإطماع من الله ﷿ واجب، على أنّ الطّمع قد جاء في كلام الربّ على الوجوب، ومنه قوله تعالى في سورة (الشعراء) حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ وقال ابن مقبل: [الكامل]\nظنّي بهم كعسى وهم بتنوفة... يتنازعون جوائز الأمثال\n ﴿وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ أي: صولة، وأعظم سلطانا، وأشدّ انتقاما من أعدائه. ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا:﴾ عقوبة، وانتقاما، ونكّلت بالرّجل تنكيلا من النّكال، وهو اسم ما يجعل عبرة للغير، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٦]: ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣٨]: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللهِ﴾.\nانظر شرح الآيتين في محلهما.\nخاتمة: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: إن قال قائل: نحن نرى الكفّار في بأس، وشدّة، وقلتم: إنّ (﴿عَسَى﴾) بمعنى اليقين، فأين ذلك الوعد؟ قيل له: قد وجد هذا الوعد، ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدّوام، فمتى وجد؛ ولو لحظة مثلا؛ فقد صدق الوعد، فقد كفّ الله بأس المشركين ببدر الصّغرى، وأخلفوا ما كانوا عاهدوا الرّسول ﷺ من الحرب، والقتال:\n ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾. ومثله ما حصل في غزوة الحديبية، وفي غزوة الأحزاب، وأخرج اليهود من ديارهم، وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم، مع أنّه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجمّ الغفير تحت الجزية صاغرين، وتركوا المحاربة داخرين، فكفّ الله بأسهم عن المؤمنين. والحمد لله رب العالمين. انتهى بتصرف. وأقول: إنّ الله يكف بأس الكافرين عن المؤمنين، وأمّا المسلمون المنافقون المزيّفون؛ فلا يكفّ عنهم بأس الكافرين.\nبعد هذا: في الآية الكريمة حضّ على الجهاد، والقتال في سبيل الله، كما قال الرسول ﷺ للمؤمنين في غزوة بدر، وهو يسوّي الصفوف: «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض».\nوقد وردت أحاديث كثيرة ترغّب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاريّ عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة، وصام رمضان كان حقّا على الله أن يدخله الجنّة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه الّتي ولد","vol":"2","page":553},{"text":"فيها». قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر النّاس بذلك؟ فقال: «إنّ في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله؛ بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض. فإذا سألتم الله؛ فاسألوه الفردوس، فإنّه وسط الجنّة، وأعلى الجنّة، وفوق عرش الرّحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنّة».\nالإعراب: ﴿فَقاتِلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط مقدّر، وهي التي تسمّى الفصيحة، وتقدير الكلام: إذا كان الأمر كما ذكر من عدم طاعة المنافقين، وكيدهم، وتقصير الآخرين في مراعاة أحكام الإسلام؛ فقاتل أنت وحدك، غير مكترث بما فعلوا. وفي السّمين: أنّه معطوف على قوله: ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾. انتهى. جمل. (قاتل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\nأنت، ومفعوله محذوف؛ إن لم تعتبره لازما. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُكَلَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: أنت. وهو المفعول الأوّل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَفْسَكَ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لا تُكَلَّفُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَحَرِّضِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت.\nوالجملة معطوفة على جملة: (قاتل...) إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿عَسَى:﴾ فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو ناقص. ﴿اللهِ:﴾\nاسمه. ﴿أَنْ يَكُفَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب خبر (﴿عَسَى﴾) وهو يؤوّل باسم الفاعل؛ أي: كافّا؛ لأنّه لا يخبر عن (﴿عَسَى﴾) بمصدر إلا بتأويله.\nوفاعله يعود إلى (الله). ﴿بَأْسَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَاللهُ أَشَدُّ:﴾\nمبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَكُفَّ﴾ المستتر، والرابط:\nالواو، وإعادة اللفظ الكريم للتفخيم. ﴿بَأْسًا:﴾ تمييز. ﴿وَأَشَدُّ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿تَنْكِيلًا:﴾ تمييز. وجملة: ﴿عَسَى..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-578\"></span>﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾\nالشرح: (الشفاعة) هي التوسّل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسّل يسمّى: الشّفيع.\nوالشّفاعة الحسنة هي الّتي روعي فيها حقّ مسلم، ودفع بها عنه شرّ، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من حدود الله، ولا في","vol":"2","page":554},{"text":"حقّ من حقوق العباد. والسّيّئة: ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة، هي الدعوة للمسلم؛ لأنّها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن أم الدّرداء﵂قالت: حدّثني سيدي: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا دعا الرّجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة: ولك بمثل ذلك». رواه مسلم، وأبو داود.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁قال: كان رسول الله ﷺ جالسا، فجاء رجل يسأل، فأقبل علينا بوجهه، وقال: «اشفعوا؛ تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء». متّفق عليه.\nهذا؛ و(الكفل): النصيب، قال تعالى في آخر سورة (الحديد): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ..﴾. إلخ. والشّافع يؤجر فيما يجوز، وإن لم يشفّع؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ،﴾ ولم يقل: يشفّع، ورحم الله من قال في الشّكر على المعروف سلفا: [البسيط]\nلأشكرنّك معروفا هممت به... إنّ اهتمامك بالمعروف معروف\nولا ألومك إن لم يجره قدر... فالشّيء بالقدر المقدور مصروف\n ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أي: قادرا مقتدرا، قال الزّبير بن عبد المطلب-ولم يدرك النبوة-: [الوافر]\nوذي ضغن نفيت السّوء عنه... وكنت على إساءته مقيتا\nأي: قديرا، فالمعنى: أنّ الله تعالى يعطي كلّ إنسان قوته، ومنه قول النبيّ ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقيت» وفي رواية: (من يقوت). رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم عن عبد الله بن عمرو﵄وأمّا قول السّموءل بن عادياء اليهودي: [الخفيف]\nألي الفضل أم عليّ إذا حو... سبت إنّي على الحساب مقيت\nفقال فيه الطبري: إنّه من غير هذا المعنى المتقدّم، وإنّه بمعنى: الموقوف. هذا؛ وفي الآية الكريمة فن المقابلة، كما في الآية رقم [٧٦] وهذه من المحسّنات البديعيّة، وهي أن يؤتى بمعنيين، أو أكثر، ثمّ يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَشْفَعْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿شَفاعَةً:﴾ مفعول مطلق.\n ﴿حَسَنَةً:﴾ صفة: ﴿شَفاعَةً﴾. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص جواب الشرط مجزوم. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُنْ﴾ مقدّم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ اسمه مؤخّر. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَصِيبٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿يَكُنْ..﴾. إلخ: لا محلّ لها؛ لأنّها","vol":"2","page":555},{"text":"جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، أو «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها.\nوإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾\nاسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: (مقيت). و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُقِيتًا:﴾\nخبر (كان) والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-579\"></span>﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ:﴾ التحية: تفعلة من: حييت، فالأصل: تحيية، مثل: ترضية، وتسمية: فأدغموا الياء في الياء، والتحيّة: السّلام، وأصل التّحية: الدعاء بالحياة، والتحية:\nالملك، قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي: [الوافر]\nأؤمّ بها أبا قابوس حتّى... أنيخ على تحيّته بجندي\nأراد على ملكه، وقال زهير بن جناب الكلبي: [مجزوء الكامل]\nولكلّ ما نال الفتى... قد نلته إلاّ التّحيّة\nونقل عن مالك، وأبي حنيفة-رحمهما الله تعالى-أنّهما قالا: المراد ب ﴿حُيِّيتُمْ:﴾ الهبة؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوها﴾. والصحيح: أنّ التحية هنا السّلام، لقوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ،﴾ وفي كثير من الآيات قوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ وعلى هذا جماعة المفسرين، وإذا ثبت، وتقرّر؛ ففقه الآية أن يقال: أجمع العلماء على أنّ الابتداء بالسلام سنة مرغّب فيها، وردّه فريضة لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ والمعنى: إذا سلم عليكم أحد بسلام؛ فردّوا بأحسن منه، يزيد الراد: وبركاته، وإن قال المسلّم: (السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته) لا يزيد الرادّ شيئا بل يرد هذا الكلام بعينه فقط. قال الله مخبرا عن البيت الكريم في سورة (هود) على نبينا وحبيبنا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة وألف سلام: ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. فإن انتهى بالسّلام غايته زدت في ردّك: الواو في أوّل كلامك، فقلت: وعليك السّلام ورحمة الله، وبركاته. والردّ بالمثل أن يقول لمن قال: السّلام عليك: عليك السّلام. إلا أنّه ينبغي أن يكون كلّه بلفظ الجماعة؛ وإن كان المسلّم عليه واحدا، ذكرا كان، أو أنثى، فإنّ معه الملائكة، وكذلك الردّ يكون بلفظ الجمع، وكذلك يرد السّلام بلفظ الجمع لمن قال له: فلان يقرئك السّلام، أو قرأ رسالة فيها لفظ السّلام عليكم؛ لأنّ الكتاب من الغائب كالسّلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس﵄-: أنّه كان يرى ردّ الكتاب واجبا، كما يرى ردّ السّلام.","vol":"2","page":556},{"text":"بقي أن تعرف: أنّه اختلف العلماء في البدء بالسّلام على الكافر، والردّ عليه، فجوز بعضهم ذلك، فقال النّخعي-رحمه الله تعالى-إذا كانت لك حاجة عند يهوديّ، أو نصرانيّ، فابدأه بالسلام. فظهر بذلك: أنّ قول النبي ﷺ، الّذي رواه أبو هريرة﵁-: «لا تبدءوا اليهود والنّصارى بالسّلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطرّوهم إلى أضيقه». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءوهم بالسّلام من قضاء ذمام، أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة، أو جوار أو سفر... إلخ.\nقال الطبري-رحمه الله تعالى-: وقد روي عن السّلف: أنّهم كانوا يسلّمون على أهل الكتاب. وفعل ابن مسعود﵁بدهقان صحبه في طريقه، قال علقمة: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدءوا بالسلام؟ قال: نعم، ولكن حقّ الصحبة. وسئل الأوزاعيّ عن مسلم مرّ بكافر، فسلّم عليه؟ فقال: إن سلمت؛ فقد سلم الصّالحون قبلك، وإن تركت؛ فقد ترك الصّالحون قبلك. انتهى. قرطبي في غير هذا الموضع.\nأقول: لم يتعرّض للكلام في الردّ عليهم أحد، وأذكر ما رواه أنس﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم». رواه الستّة إلا النّسائي، وهذا يعني: أنّه لا يردّ ﵈ كاملا، ولكن في هذا العصر كثر الاختلاط بهم، وتغيّرت الأوضاع، كما هو معروف، ومعلوم، فإذا كان قد أجاز بعض العلماء بدأهم بالسّلام كما رأيت، فردّ السّلام عليهم كاملا؛ فهو جائز بالأحرى، ولا سيّما في هذا العصر الذي ضعفت فيه الرّوحانية الإسلاميّة عند كثير من المسلمين، وكذلك ما أصاب المسلمين من ضعف، وهوان في هذه الأيام، وإن أراد المسلم التبرئة من التّبعة؛ فلينو بالردّ عليهم، والسّلام عليهم الملائكة الّذين يكتبون أعمالهم، وتصرّفاتهم في جميع أحوالهم، وكذلك ينوي المسلمين من الجنّ الذين يكونون قريبا منهم. أقول هذا؛ والله وليّ التوفيق. وأضيف: أنّه لا يردّ عليهم بالرّحمة، والبركة، بل يكتفي بقوله: وعليكم السّلام.\nوينبغي أن تعلم لفظ: (السّلام عليكم) تحية الإسلام، لم تعرفها العرب، ولا العالم كلّه، وتحيّة العرب كانت بألفاظ، مثل: أنعم صباحا، أنعم مساء، ونحو ذلك، ويروى: أنّ أبا ذر -﵁لمّا أتى النبي ﷺ، قال له: أنعم صباحا، فقال له-صلوات الله وسلامه عليه-:\n «إنّ الله قد أبدلني ما هو خير منها» فقال أبو ذرّ: ما هي؟ قال: «السّلام عليكم». ونهي الرّسول ﷺ عن التشبّه باليهود، والنّصارى بالسّلام، فقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه -﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس منّا من تشبّه بغيرنا، لا تشبّهوا باليهود، ولا بالنّصارى، فإنّ تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإنّ تسليم النّصارى بالأكفّ». رواه الترمذيّ، والطبرانيّ. وعن ابن مسعود﵁عن النبيّ ﷺ، قال: «السّلام: اسم من أسماء الله","vol":"2","page":557},{"text":"تعالى وضعه في الأرض، فأفشوه بينكم، فإنّ الرّجل إذا مرّ بقوم، فسلّم عليهم، فردّوا عليه؛ كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إيّاهم، فإن لم يردّوا عليه؛ ردّ عليه من هو خير منهم». رواه الطبرانيّ والبزّار.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ انظر الآية رقم [٨١]. ﴿حُيِّيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿بِتَحِيَّةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَحَيُّوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (﴿إِذا﴾).\n (حيوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿بِأَحْسَنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجرّ الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للصفة، ووزن أفعل. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (أحسن). ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.\n ﴿رُدُّوها:﴾ فعل، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة بأمر على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها مثله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿حَسِيبًا﴾ و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿حَسِيبًا:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-580\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تقرير للوحدانية؛ لئلا يتوهم: أنّ في الوجود إلها آخر. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: نزلت في الذين شكّوا في البعث، والحشر بعد الموت.\n ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ:﴾ ليحشرنّكم بعد أن يخرجكم من قبوركم. ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ هو الذي يخرج الناس فيه من قبورهم للحساب والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنّها من قام يقوم؛ قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة مثل: الصّيام، والسّياط، ونحوهما. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شكّ فيه، بل هو متحقق الوقوع، وتقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في ريبة، أي: في شكّ، وحقيقة الرّيبة: قلق النفس، واضطرابها. قال الرسول ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذيّ، والنّسائيّ عن الحسن بن عليّ، سبط رسول الله ﷺ، وريحانته﵃-. وقد يستعمل الريب في التهمة، قال جميل بن معمر العذري: [الطويل]\nبثينة قالت يا جميل أربتني... فقلت كلانا يا بثين مريب\nواستعمل أيضا في الحاجة، كما قال كعب بن مالك الأنصاري﵁-: [الوافر]","vol":"2","page":558},{"text":"قضينا من تهامة كلّ ريب... وخير ثمّ أجمعنا السّيوفا\n ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا أحد أصدق من الله في إخباره، ووعده، ووعيده؛ لاستحالة الكذب عليه لقبحه؛ لكونه إخبارا عن الشّيء بخلاف ما هو عليه، فلا إله إلا هو، ولا ربّ سواه.\nهذا؛ وقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أي: للخلق أجمعين، وهذا في الأعيان، ويقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنّما يقال: جمع أعوانه، وشركاءه، وهذا مبنيّ على قاعدة: «يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان». هذا هو الأكثر، والمستعمل، وقد يستعمل كلّ واحد مكان الآخر، قال تعالى في سورة (طه): ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، لا محلّ له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كونه بدلا من اسم: ﴿لا﴾ على المحلّ؛ إذ محله الرّفع على الابتداء. وثانيها: كونه بدلا من: ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنّها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. وثالثها: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى.\nوالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم (يجمعنكم):\nفعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التّوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب القسم المقدّر، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له، أو هو في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، انظر آية الكرسي. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: مفضين. و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس.\n ﴿رَيْبَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا﴾. والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ والرابط: الضمير فقط.\nوقيل: في محل صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: جمعا لا ريب فيه. والجملة الاسمية:\n ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مفيد للنفي مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْدَقُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿حَدِيثًا﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة، فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا. ﴿حَدِيثًا:﴾ تمييز، وانظر الآية رقم [١٢٢] فهو مثله.","vol":"2","page":559},{"text":"<span id=\"aya-581\"></span>﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾\nالشرح: اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، فقد روى مسلم عن زيد بن ثابت﵁قال: لمّا خرج رسول الله ﷺ إلى أحد؛ رجع ناس ممّن خرج معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فئتين، قال بعضهم: نقتلهم. وقال بعضهم: لا. فنزلت الآية، فقال ﷺ: «إنّها طيبة، وإنّها تنفي الخبث، كما تنفي النّار خبث الفضّة». أخرجه البخاريّ، ومسلم. والمعنيّ بالمنافقين هنا عبد الله بن أبيّ، وأصحابه الذين خذلوا رسول الله ﷺ يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا. كما تقدّم في (آل عمران).\nوذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه: أنّها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة، وأظهروا الإسلام، فأصابهم وباء المدينة، وحمّاها. فأركسوا، فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب النّبيّ ﷺ، فقالوا: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة، فاجتويناها. فقالوا: أما لكم في رسول الله ﷺ أسوة؟! فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون، فأنزل الله ﷿ الآية الكريمة.\n ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا:﴾ ردّهم إلى حكم الكفرة، أو نكسهم بأن صيّرهم إلى النار بسبب عنادهم، ومعاصيهم، وحكى الفرّاء: أركسهم، وركسهم؛ أي: ردّهم إلى الكفر، ونكّسهم، وقال النضر بن شميل، والكسائي: والركس، والنكس: قلب الشيء على رأسه، أو ردّا له على آخره، والمركوس: المنكوس. قال أمية بن أبي الصّلت-الذي آمن شعره، وأبى لسانه-في وصف أهل النّار: [البسيط]\nفأركسوا في حميم النّار إنّهم... كانوا عصاة وقالوا الإفك والزّورا\n ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أي: بسبب ما اكتسبوا من الأعمال الخبيثة. وقيل: بما أظهروا من الارتداد بعد أن كانوا على النّفاق.\n ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ:﴾ هذا خطاب للفئة الّتي دافعت عن المنافقين. والمعنى:\nأتبتغون أيّها المؤمنون هداية هؤلاء المنافقين الّذين أضلّهم الله عن الهدى. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ يعني: عن الهدى. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا:﴾ فلن تجد له طريقا إلى الهداية. وفي هذا ردّ على القدرية، والمعتزلة القائلين بأنّ العبد يخلق هدايته بنفسه، ولا تنس الالتفات من الغائب إلى الحاضر؛ أي: الخطاب.\nهذا؛ والإضلال: خلق فعل الضّلال في العبد. والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد. هذا هو الحقيقة عند أهل السنة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضّلال في العبد، فيقول:","vol":"2","page":560},{"text":"إذا لا مؤاخذة على العبد! والجواب: أنّ معنى: خلق... إلخ. تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبنيّ على علم الله الأزلي بأنّ هذا العبد لو ترك وشأنه؛ لم يختر سوى الكفر، والضلال، ولذا قدّره الله عليه. هذا بالإضافة إلى اختياره الضّلال، بعد أن بيّن الله الخير، والشر، والحسن، والقبيح، كما قال جلّ ذكره، وتعالى شأنه: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بيّنا له طريق الخير، والشر. وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الأعراف) فإنّه جيد، والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام إنكاري توبيخي، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿فِي الْمُنافِقِينَ﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا على القاعدة المشهورة «نعت النكرة... إلخ». ﴿فِئَتَيْنِ:﴾ حال من الضّمير المستكنّ في: ﴿لَكُمْ،﴾ والعامل اسم الاستفهام لما فيه من معنى الفعل. هذا؛ وقد اعتبره الجلال خبر ل:\n «صار» محذوفة، ولذا قدّر: ما شأنكم صرتم في المنافقين فئتين، والأوّل أقوى، وانظر الآية رقم [٧٥] والجملة الاسمية: (ما لكم...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿أَرْكَسَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فهي مبنيّة على السّكون في محل جرّ بالباء. ﴿كَسَبُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء كسبوه. وعلى الثّالث تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التّقدير: بكسبهم.\n ﴿أَتُرِيدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (﴿تُرِيدُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَهْدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب مفعول به.\n ﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أن تهدوا الّذي، أو: شخصا أضلّه الله.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُضْلِلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف؛ إن لم تعتبر اسم الشرط مفعولا مقدّما له، التقدير: يضلله الله. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (لن) والفاعل مستتر","vol":"2","page":561},{"text":"تقديره: أنت. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سَبِيلًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به، وجملة: (لن ﴿تَجِدَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه. فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب.\nوقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-582\"></span>﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ..﴾. إلخ؛ أي: تمنّى، وأحبّ المنافقون أن تكونوا مثلهم في الضّلالة. ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ أي: مثلهم، ومساوين لهم في الكفر، والفساد، والإفساد. ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ..﴾. إلخ؛ أي: لا توالوهم، ولا تصادقوهم؛ حتّى يؤمنوا الإيمان الكامل، ويحقّقوا إيمانهم بالهجرة، والجهاد في سبيل الله. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان، والهجرة في سبيل الله.\n ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ..﴾. إلخ؛ أي: خذوهم أسارى، واقتلوهم إن شئتم في أيّ مكان وجدتموهم في حلّ، أو حرم. ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ..﴾. إلخ: تأكيد لما قبله، والمعنى: لا تستنصروهم، ولا تستنصحوهم، ولا تستعينوا بهم في أمر من الأمور، ولو بذلوا لكم الولاية، والنّصرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والهجرة على أنواع: الأولى: هجرة المؤمنين في أوّل الإسلام من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنورة. الثانية: هجرة من لم يهاجر مع رسول الله ﷺ في سبيل الله مخلصين محتسبين.\nوالهجرة الثالثة: هجرة المؤمنين ما نهى الله عنه، فقد قال سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ:\n «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». وهناك هجرة الظالمين، والفاسدين المفسدين.\nهذا؛ و: ﴿سَواءً﴾ مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صحّ الإخبار به عن متعدّد. وقيل: هو بمعنى: مستو، وهو لا يثنّى، ولا يجمع. قالوا: هم، وهما سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنّى قالوا: سيّان، وإن شئت قلت: سواءان، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كلّه ضعيف، ونادر.\nوأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون. هذا؛ ويأتي بمعنى: الوسط، كما في قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٥٥]: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾. ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٨]: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾","vol":"2","page":562},{"text":"﴿عَلى سَواءٍ﴾. و﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ ما استقام منه، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٨]:\n ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسواء الجبل: ذروته. وسواء الشيء:\nغيره. قال الأعشى: [الطويل]\nتجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا\nهذا؛ وانظر الكلام على ﴿حَيْثُ﴾ في كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nالإعراب: ﴿وَدُّوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتّفريق. ﴿لَوْ:﴾ مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ نصب مفعول به، التقدير: ودوا كفركم. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):\nمصدرية. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. و(ما) والفعل: ﴿كَفَرُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: لو تكفرون كفرا مثل كفرهم، وانظر: ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ في الآية رقم [٧٧] ﴿فَتَكُونُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه. ﴿سَواءً:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءَ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط مقدّر ب «إذا» التقدير: إذا كان حالهم ما ذكر؛ فلا تتخذوا... إلخ.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف جر وغاية. ﴿يُهاجِرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع، في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله في محل جزم فعل الشرط، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَخُذُوهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (خذوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب","vol":"2","page":563},{"text":"متعلق بما قبله. ﴿وَجَدْتُمُوهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، لاتصاله بتاء الفاعل المتحركة، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللّفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا:﴾\nإعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي مؤكّدة لها.\n\n<span id=\"aya-583\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ إلخ: هذا الاستثناء يرجع إلى القتل، والأخذ، لا الموالاة، فإنّها لا تجوز بحال من الأحوال مع الإصرار على الكفر. والمعنى: إلا الذين يتّصلون، وينتهون إلى قوم قد حصل بينكم وبينهم معاهدة، ومهادنة، فإنّهم داخلون في عهدكم أيضا، واجعلوا حكمهم كحكمهم. واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق، فقيل: بنو مدلج، فعن الحسن البصري، قال: كان بينهم وبين قريش عقد، وكان بين قريش وبين رسول الله ﷺ عهد. وقال عكرمة: نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، كان بينهم وبين النبيّ ﷺ عهد. وفي هذه الآية دليل على إثبات المهادنة، والموادعة بين المسلمين، والمشركين؛ إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين.\n ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ..﴾. إلخ: هؤلاء قوم آخرون من المستثنيين من الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى مواطن القتال، وهم حصرة صدورهم؛ أي: ضيقة صدورهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم: لا لكم، ولا عليكم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ:﴾ يذكر الله منّته على المسلمين بكف بأس المعاهدين، وذلك لما ألقى الرّعب في قلوبهم، وكفّهم عن قتالهم. ومعنى التسليط هنا: تقوية قلوبهم على قتال المسلمين، ولكن قذف الله الرّعب في قلوبهم، وكفّهم عن قتال المسلمين. وتسليط الكافرين على المسلمين: هو أن يقدرهم على ذلك، ويقوّيهم عليهم؛ إمّا عقوبة، ونقمة عند إشاعة المنكرات، وظهور المعاصي، كما قال تعالى في سورة (محمّد ﷺ): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ وإمّا تمحيصا للذنوب، كما قال تعالى في سورة (آل عمران): ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ولله أن يفعل ما يشاء، ويسلّط من يشاء على من يشاء إذا شاء.\n ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فإن لم يتعرّضوا لكم بقتال، وابتعدوا عنكم. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: انقادوا، واستسلموا، ولم يتعرّضوا لكم بسوء. ﴿فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾","vol":"2","page":564},{"text":"يعني: بالقتل، والقتال. بعد هذا فوجه النظم، واتصال الكلام بما قبله: أي: اقتلوا المنافقين الّذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا، وإلا أن يتّصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق، فيدخلون فيما دخلوا فيه، فلهم حكمهم، وإلا الّذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم، أو يقاتلوا قومهم، فدخلوا فيكم؛ لا تقتلوهم.\nتنبيه: ما ورد في الآية الكريمة منسوخ بآية السيف الآمرة بقتالهم، سواء قاتلوا، أو لم يقاتلوا، وسواء التجئوا إلى المعاهدة، أو لا، وذلك لأنّ الله لمّا أعزّ الإسلام وأهله؛ أمر أن لا يقبل الرّسول ﷺ من مشركي العرب إلا الإسلام، أو القتل، بل ولا يقبل منهم جزية. وقيل:\nالمراد بالّذين حصرت صدورهم: الجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين مكرهين، كالعبّاس﵁ولهذا نهى النبيّ ﷺ يومئذ عن قتل العباس، وأمر بأسره.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من الضمير المنصوب في قوله: (خذوهم ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾). ﴿يَصِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدّم، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَبَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان معطوف على سابقه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِيثاقٌ:﴾ مبتدأ، مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿جاؤُكُمْ:﴾ ماض وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصّلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿حَصِرَتْ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿صُدُورُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها.\nوقيل: لا محلّ لها، وهي دعاء عليهم. وقيل غير ذلك، والمعتمد الحالية، ويؤيّده قراءة:\n («حصرة صدورهم»)، و(حصرات صدورهم). ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدر، ونصب. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: عن قتالكم، وعن قتال قومهم، أو المصدر في محل جرّ بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: كراهة قتالكم، وقتال قومهم.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾\nماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، تقديره: شاء الله تسليطهم عليكم. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَسَلَّطَهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (سلطهم): فعل ماض، والهاء مفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (لقاتلوكم): معطوفة على جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها مثلها.","vol":"2","page":565},{"text":"﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِعْتَزَلُوكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَأَلْقَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَلْقَوْا﴾): فعل ماض مبني على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿إِلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿السَّلَمَ:﴾ مفعول به. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿جَعَلَ اللهُ:﴾\nماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به.\n\n<span id=\"aya-584\"></span>﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)﴾\nالشرح: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: هم بنو أسد، وغطفان، كانوا من حاضري المدينة، فتكلّموا بكلمة الإسلام رياء؛ وهم غير مؤمنين، وكان الرّجل منهم يقول له قومه: بماذا آمنت؟ يقول: آمنت بهذا القرد، والعقرب، والخنفساء. وإذا لقوا المسلمين؛ قالوا: إنا على دينكم، يريدون الأمن من الفريقين. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنّها نزلت في بني عبد الدار، وكانوا بهذه الصّفة. وهذه رواية ضعيفة؛ لأنّ بني عبد الدار كانوا مقيمين في مكّة المكرمة، ولما آمنوا يوم الفتح؛ لم يظهر منهم نفاق. وانظر الآيات التي ذكرها الله في صدر سورة (البقرة) عن المنافقين، وأقوالهم، وأفعالهم، وخداعهم.\n ﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ:﴾ كلّما دعوا إلى الشّرك. ﴿أُرْكِسُوا فِيها:﴾ رجعوا إلى الشرك، وانقادوا إليه منكوسين على رءوسهم. وانظر ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ في الآية رقم [٨٨]. ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ يعني: فإن لم يكفّوا عن إيذائكم، ويبتعدوا عنكم. ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: ينقادوا إليكم ظاهرا، وباطنا، ويخضعوا لأحكام دينكم، وشريعتكم. ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن قتالكم، وإيذائكم. ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أي: أسرى. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ:﴾ حيث وجدتموهم، وتمكّنتم منهم. ومثله في سورة (البقرة) رقم [١٩٠]. هذا؛ والثّقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء","vol":"2","page":566},{"text":"علما كان، أو عملا، فهو يتضمّن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف ثقفا. ويقال: رجل ثقف لقف أي: خفيف حاذق، إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور، فالفعل من باب ظرف، يظرف، ويأتي من باب طرب. قال الشّاعر: [الوافر]\nفإمّا تثقفوني فاقتلوني... فمن أثقف فليس إلى خلود\n ﴿وَأُولئِكُمْ:﴾ الإشارة إلى المنافقين المخادعين. ﴿جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا:﴾ حجة واضحة لظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم في الكفر، والغدر، وإضرارهم بالمسلمين، أو تسلطا ظاهرا؛ حيث أذنّا لكم في قتلهم. هذا؛ و(سلطان): تسلّط، وولاية، ويأتي بمعنى الحجّة، والبرهان كما هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾. ويأتي بمعنى الكتاب، قال تعالى في سورة (الرّوم) رقم [٣٥]: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. وقال بعض المحقّقين: سمّيت الحجّة سلطانا؛ لأنّ صاحب الحجّة يقهر من لا حجّة له، كالسّلطان يقهر غيره بقوّته. وقال الزجّاج: السّلطان: هو الحجّة، وسمّي السلطان سلطانا؛ لأنّه حجّة الله في أرضه. ولا تنس ما قاله عثمان﵁-: «إنّ الله ليزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن». أي: يكفّ عن المعاصي، ويروّع. وجمعه بمعنى الحاكم:\nسلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجّة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفرّاء: أنّ العرب تؤنّث السّلطان، فتقول: قضت به عليك السّلطان، أمّا البصريّون؛ فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن الكريم، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنّه بمعنى الحجّة. هذا؛ والسّلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى حكاية عن قول سليمان-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في حقّ الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ رقم [٢١] من سورة (النّمل).\nهذا؛ و(﴿مُبِينٍ﴾) اسم فاعل من: أبان الرّباعي، أصله: مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأنّ الحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ولا تنس: أنّ اسم الفاعل من: بان الثلاثي، بائن، أصله: باين، فقلبت الياء ألفا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، فصار: بائن، وقل مثله في إعلال: قائل، وقائم.\nهذا؛ وقال مكيّ بن أبي طالب القيسيّ-رحمه الله تعالى-في التركيب: ﴿فَإِنْ لَمْ:﴾ دخلت (إن) على: ﴿لَمْ﴾ ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ (﴿لَمْ﴾) تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و(﴿أَنْ﴾) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال، فلمّا صارت ﴿لَمْ﴾ ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي؛ ردّتها (﴿أَنْ﴾) إلى الاستقبال؛ لأنّ (﴿أَنْ﴾) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال في غير هذا الموضع.","vol":"2","page":567},{"text":"الإعراب: ﴿سَتَجِدُونَ:﴾ السين: حرف تنفيس، واستقبال، وهو مفيد للتّحقيق هنا.\n (تجدون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿آخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَنْ:﴾\nحرف مصدري، ونصب. ﴿يَأْمَنُوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ﴾ والفعل بعدها في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة:\n ﴿آخَرِينَ﴾ وإذا اعتبرنا ﴿آخَرِينَ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: قوما آخرين، فجملة:\n ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ تصلح لأنّ تكون صفة ثانية لهذا المحذوف، ولأن تكون حالا منه لوصفه ب ﴿آخَرِينَ﴾. ﴿وَيَأْمَنُوا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، ومؤوّل مثله بمصدر.\n ﴿قَوْمَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿سَتَجِدُونَ..﴾. إلخ مستأنفة.\n ﴿كُلَّما:﴾ انظر الآية رقم [٥٦]. ﴿رُدُّوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، و(ما) والفعل ﴿رُدُّوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت رد، وهذا التقدير وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل). ﴿إِلَى الْفِتْنَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أُرْكِسُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محلّ لها.\n ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْتَزِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، والفعلان: (﴿يُلْقُوا﴾) و(﴿يَكُفُّوا﴾) معطوفان على فعل الشرط مجزومان مثله. ﴿إِلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾\nمفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَخُذُوهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (خذوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وجملة: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلّق بما قبله. ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللّفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها، و(إن) ومدخولها كلام مفرّع عمّا قبله، ومستأنف لا محلّ له.","vol":"2","page":568},{"text":"﴿وَأُولئِكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿أُولئِكُمْ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محلّ له. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما أيضا، ويجوز اعتبارهما متعلّقين بمحذوف حال من: ﴿سُلْطانًا﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، على القاعدة... إلخ ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿جَعَلْنا..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (﴿أُولئِكُمْ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-585\"></span>﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي، وذلك: أنّه أتى رسول الله ﷺ، وهو بمكّة قبل الهجرة، فأسلم، ثمّ خاف أن يظهر إسلامه لأهله، فخرج هاربا إلى المدينة، وتحصّن في أطم من آطامها. والأطم: الحصن، فجزعت أمّه لذلك جزعا شديدا، وقالت لابنيها: الحارث، وأبي جهل، وهما أخوا عيّاش لأمّه: والله لا يظلّني سقف، ولا أذوق طعاما، ولا شرابا حتى تأتياني به، فخرجا في طلبه، وخرج معهما الحارث بن زيد بن أنيسة، حتّى أتوا المدينة، فأتوا عياشا، وهو في الأطم، فقالوا له: انزل، فإنّ أمّك لم يؤوها سقف بعدك، وقد حلفت لا تأكل، ولا تشرب حتّى ترجع إليها، ولك عهد الله علينا ألا نكرهك على شيء يحول بينك وبين دينك! فلمّا ذكروا له جزع أمه، وأوثقوا له العهد بالله نزل إليهم.\nفأخرجوه من المدينة، وأوثقوه بنسعة، وجلده كلّ واحد منهما مائة جلدة، ثم قدموا به على أمّه، فلمّا أتاها؛ قالت: لا أحلك من وثاقك حتّى تكفر بالذي آمنت به! ثمّ تركوه موثقا في الشّمس ما شاء الله، فأعطاهم الّذي أرادوا، فأتاه الحارث بن زيد، فقال: يا عياش! أهذا الذي كنت عليه؛ لئن كان هدى؛ لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة؛ لقد عكفت عليها، فغضب عيّاش﵁من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خاليا إلا قتلتك! ثمّ إنّ عيّاشا﵁رجع إلى إسلامه، وهاجر، وأسلم الحارث بن زيد أيضا، وهاجر إلى رسول الله ﷺ ولم يعلم عيّاش بإسلامه، فبينما عياش﵁يسير بظهر قباء؛ إذ لقي الحارث، فقتله، فقال له الناس:","vol":"2","page":569},{"text":"ويحك يا عياش! أيّ شيء فعلت؟ إنّه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله ﷺ وقال:\nيا رسول الله! إنّه كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإنّي لم أشعر بإسلامه؛ حتّى قتلته، فنزل قوله تعالى: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ. وفي مختصر ابن كثير: أنّ عياشا﵁- قتل الحارث يوم فتح مكّة.\n ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ:﴾ ما صحّ له، ولا استقام، وما ينبغي. والتعبير بهذين اللفظين ونحوهما معناه: الحظر، والمنع، فيجيء لحظر الشيء، والحكم بأنّه لا يجوز، كما في هذه الآية، ومثلها كثير، وربما كان امتناع ذلك الشّيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النّمل): ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾. وربما كان العلم بامتناعه شرعا، كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٧٩]، وقوله تعالى في سورة (الشّورى) رقم [٥١]: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا..﴾. إلخ. وربما كان في المندوبات، كما تقول على سبيل التوبيخ: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح، والعشاء في الجماعة، ونحو ذلك. ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ أي: عمدا بدون موجب لقتله. ﴿إِلاّ خَطَأً﴾ أي: في حال خطئه.\nهذا؛ وقيل: الخطأ على أنواع: منها: أن يقصد الإنسان شيئا، كعصفور مثلا، فيصيب إنسانا، لا يقصد قتله. ومنها: أن يرمي كافرا، فيصيب مسلما. ومنها: أن يرمي شخصا يظنّه كافرا، فإذا هو مسلم، كالذي فعله عياش﵁-. ومنها: أن يقتل صبيّ كبيرا. وألحق بعضهم بها شبه العمد، وهو أن يضربه بما لا يقتل غالبا. ومنها: نوم الأم على ولدها حتّى يموت، وهي لا تعلم بذلك، وحوادث السّيارات في هذه الأيام تعدّ من القتل خطأ (^١).\n ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ أي: في أيّ نوع من الأنواع المذكورة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ..﴾. إلخ: أي: يجب على الذي يقتل مؤمنا خطأ أن يعتق عبدا مؤمنا كفارة لما فعل، وذلك بعد دفع الدّية لأولياء القتيل. هذا؛ والتّحرير: الإعتاق، وعبّر بالرّقبة عن الإنسان من إطلاق الجزء على الكلّ، وانظر شرح (أهل) في الآية رقم [٥٨].\n ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: يعفو ورثة القتيل عن الدّية، أو عن بعضها، وانظر الآية رقم [١٧٨] من (سورة (البقرة». هذا؛ والدّية على العاقلة (^٢)، أي: على أقرباء القاتل، وأمّا الكفارة فهي على القاتل نفسه. هذا؛ وتقسم دية القتيل على ورثته، كما تقسم أمواله، فقد ورّث النّبيّ ﷺ\n_________\n١) أقول: إن لم يكن السّائق قد خالف أنظمة المرور المعدّة للسلامة العامة، ويكون القتل في مثل هذا الحال شبه عمد لا خطأ.\n٢) الدّية في قتل الخطأ على العاقلة، أمّا في قتل شبه العمد فعلى القاتل نفسه مغلظة، وذلك عند بعض الفقهاء، وهو المرجّح. والله أعلم.","vol":"2","page":570},{"text":"امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها-أي: ديته-و﴿يَصَّدَّقُوا﴾ أصله: يتصدقوا، فقلبت التاء صادا، وأدغمت الصّاد في الصّاد.\nهذا؛ وقد سمّى الله العفو عن الدّية، أو عن بعضها صدقة؛ حثّا عليه، وتنبيها على فضله.\nهذا؛ والدّية: ما يجري عليها الاتفاق في العملة النّقدية المتداولة في كل قطر من أقطار الدّنيا، ولا يلتفت لمن يتبجّح، ويذكر أنّ الدية مائة جمل، فإنّه لا وجود لمائة جمل في هذه الأيام، ويضرب بفتواه عرض الحائط.\n ﴿فَإِنْ كانَ﴾ أي: القتيل خطأ. ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ..﴾. إلخ: وهم كفرة، والمقتول مؤمن؛ فيجب على القاتل إعتاق عبد مؤمن، وهذا يحصل ويكون بإسلام حربيّ في بلاده، ولم يهاجر إلينا. فقتله مسلم خطأ، أي: لا يعرف إيمانه، فيجب فيه الكفارة بقتله للعصمة المؤثّمة، وهي الإسلام، ولا تجب الدّية؛ لأنّ العصمة المقومة بدخول دار المسلمين، ولم توجد. وسقطت الدية لوجهين: أحدهما: أنّ أولياء القتيل كفّار، فلا يصحّ أن تدفع إليهم الدّية، فيتقووا بها علينا. والثاني: أنّ حرمة هذا الذي آمن، ولم يهاجر قليلة، فلا دية له، لقوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٧٢]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾. ومن القتل الخطأ ما تراه في الآية رقم [٩٤] الآتية وقصّة أسامة﵁فيها.\n ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ أي: وإن كان المقتول ذمّيّا؛ أي: معاهدا، أو داخلا بأمان؛ فحكمه حكم المسلم في دفع الدية لورثته، والكفّارة. قاله ابن عباس، والشّعبيّ، والنّخعي، والشّافعيّ، واختاره الطبريّ، وأجمع العلماء على أنّ دية المرأة على النّصف من دية الرجل، من أجل أن لها نصف ميراث الرّجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا إنّما هو في دية الخطأ. وأمّا العمد؛ ففيه القصاص بين الرّجال، والنساء. انظر الآية رقم [١٧٨] من سورة (البقرة).\n ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: لم يجد الرقبة، وهي في هذه الأيام مفقودة حسّا، وشرعا، ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ أي: فعليه، أو: فالواجب صيام شهرين متتابعين، فلو أفطر يوما في آخر الشهرين بغير عذر شرعيّ؛ استأنف الصيام. ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ أي: قبولا من الله، ورحمة منه، أي: حيث خفّف بدفع الدية، ولم يشدّد عليكم بالقصاص. أو المعنى: جعل الله ذلك مغفرة لقاتل الخطأ، وإنّما مسّت حاجة المخطئ إلى التّوبة، والمغفرة؛ لأنّه لم يتحرّز، وكان من حقّه أن يتحفّظ، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾.\n ﴿وَكانَ اللهُ:﴾ ولا يزال في أزله، وأبده. ﴿عَلِيمًا:﴾ بجميع المعلومات، وأمور العباد:\nسرّها، وجهرها. ﴿حَكِيمًا:﴾ فيما قضى، وحكم، وأوجب، وأبرم.","vol":"2","page":571},{"text":"تنبيه: من وجبت عليه كفارة القتل، وعجز عن الصّوم؛ فهل ينتقل عنه إلى الإطعام، فيطعم ستين مسكينا؟ ففيه قولان: أحدهما: أنّه ينتقل إلى الإطعام، كما في كفارة الظّهار، والوطء في رمضان. والثاني: أنّه لا ينتقل؛ لأنّ الله تعالى لم يذكر له بدلا، فقال: ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ فنصّ على الصّوم، وجعل ذلك عقوبة لقتل الخطأ، والله أعلم. انتهى خازن، وقرطبي.\nأقول: وإذا انتقل إلى الإطعام، وهو الأولى؛ فليفهم معنى الإطعام، وقوله تعالى في كفارة اليمين في سورة المائدة: ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ رقم [٨٩]، ولا يأخذ بقول من يفتي بإعطاء المسكين مدّ قمح، فيعتبر المسكين حمامة، أو دجاجة، وقال تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فأين مدّ القمح في هذه الأيام من كسوة المسكين؟ فليتّق أولئك المشايخ الله، وليعملوا بنصّ الآيات القرآنية الصّريحة الواضحة.\nبعد هذا و(دية) أصله: ودي؛ لأنّه من ودى يدي، فحذفت فاء المصدر، وعوض عنه التاء في الآخر، مثل: زنة، وعدة، و«عدو» ضدّ الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل:\nصبور، وشكور. وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد والمثنّى، والجمع، إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية رقم [٦] من سورة (فاطر) فقد عبّر به، عن مفرد، وفي هذه الآية عبّر به عن جمع، ومثل ذلك: صديق، أي: في إتيانه لفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضمّ، والكسر: اسم الجمع. هذا؛ وسمّي العدو عدوا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك، كما سمّي الصديق صديقا؛ لصدقه فيما يدّعيه لك من الألفة، والمحبّة، والمودّة.\nأمّا «قوم» فإنّه اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: نفر، ورهط، ومعشر، فإنّ المفرد لهذه الأسماء: رجل، وجمعها: أقوام، وأنفار، وأراهط. هذا؛ و«قوم» يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى في سورة (الحجرات): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ،﴾ وقال زهير بن أبي سلمى: وهو الشاهد رقم [٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nوما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن أم نساء\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التّبع للرّجال، كما في إرسال الرّسل لأقوامهم؛ إذ إنّ كلّ لفظ: (يا قوم) في القرآن الكريم، إنّما يراد به الرّجال، والنّساء جميعا، كما في هذه الآية الكريمة، وهو يذكّر، ويؤنث، قال تعالى في غير ما آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار","vol":"2","page":572},{"text":"المعنى، وهم أنّهم أمة، وطائفة، وجماعة، وسمّوا: قوما؛ لأنّهم يقومون مع داعيهم بالشّدائد، والمتاعب، إما بالمعاونة على كشفها، وإما بالمضايقة، والإيذاء؛ إن عارضوه، وهذا حال أعداء الخير، والإصلاح في كلّ زمان، ومكان.\nهذا؛ وأمّا (صيام) ففعل المادة واويّ: صام، يصوم، ومصدره: صوم، وصيام، وقد قلبت الواو ياء في الثاني لمناسبة الكسرة، ومثله: قيام مصدر: قام: يقوم، فقد ذكر السّيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه: «همع الهوامع» في باب الإبدال ما يلي: تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معتل العين، موزون بفعال نحو: قام قياما، وعاد، عيادا، بخلاف عين غير المصدر كصوان وسواك، والمصدر المفتوح أوله، كرواج، أو المضموم، كقوار، أو المكسور أوله، الذي لم تعلّ عين فعله، ك «لاوذ، لواذا، وعاد، عوادا» أو الموزون، بفعل كالحول، وتبدل أيضا بعد كسرة من واو، هي جمع لواحد ساكن العين، أو معتلها، صحيح اللام موزون بفعال، كثوب، وثياب، وحوض، وحياض، ودار، وديار، وريح، ورياح، بخلاف عين المفرد.\nانتهى.\nوأمّا «الشهر» ففيه لأهل اللغة قولان: أشهرها: أنّه اسم لمدة الزّمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمّي بذلك؛ لشهرته في حاجة النّاس إليه في المعاملات، وغيرها.\nوالثاني قاله الزجّاج: أنّه اسم للهلال نفسه، ويجمع على: أشهر، وشهور.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿لِمُؤْمِنٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَنْ يَقْتُلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والمصدر المؤوّل منهما في محلّ رفع اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة، فالمصدر يكون فاعلا بها، والجار والمجرور متعلقان بها. ﴿مُؤْمِنًا:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿خَطَأً:﴾ حال من فاعل: ﴿يَقْتُلَ﴾ المستتر بمعنى: مخطئا، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا قتلا خطأ. وقال مكيّ-رحمه الله تعالى-: استثناء منقطع، وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: مفعول لأجله، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو حرف عطف، أو استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿قَتَلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿مُؤْمِنًا:﴾ مفعول به. ﴿خَطَأً:﴾ صفة مفعول مطلق، أو حال من الفاعل المستتر. ﴿فَتَحْرِيرُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تحرير): مبتدأ خبره محذوف، التقدير:\nفعليه تحرير، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب تحرير. و(تحرير) مضاف، و﴿رَقَبَةٍ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مُؤْمِنَةٍ:﴾ صفة رقبة،","vol":"2","page":573},{"text":"والجملة الاسمية في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: فعليه، أو: فالواجب تحرير رقبة في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين لا محلّ لها، إن اعتبرتها مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها. ﴿وَدِيَةٌ:﴾ معطوف على: (تحرير). ﴿مُسَلَّمَةٌ:﴾ صفة: (دية). ﴿إِلى أَهْلِهِ:﴾ متعلقان ب (مسلمة)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ يَصَّدَّقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال؛ أي: عليه ما ذكر في كلّ حال إلا في حال تصدّق أهل القتيل، فلا يجب شيء. وقال مكي: استثناء منقطع؛ لأنّه ليس من جنس ما قبله. وقيل: المصدر المؤول في محلّ جرّ بإضافة «حين» إليه محذوفة، التقدير: إلا حين تصدقهم على القاتل، و«حين» على هذا متعلّقة ب ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر يعود إلى القتيل. ﴿مِنْ قَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿عَدُوٍّ:﴾ صفة ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَدُوٍّ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُؤْمِنٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من اسم كان المستتر، والرابط الواو والضمير، وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا محلّ لها، وجملة: ﴿فَتَحْرِيرُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط. وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق، و(إن) ومدخولها كلام مفرّع عمّا قبله مستأنف لا محلّ له.\n ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدّم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِيثاقٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ﴾.\nهذا؛ وإن اعتبرت الظرف (بين) متعلقا بمحذوف صفة: ﴿قَوْمٍ،﴾ و﴿مِيثاقٌ﴾ فاعلا بمتعلقه، فهو وجه صحيح لا غبار عليه. ﴿فَدِيَةٌ..﴾. إلخ: إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق مع ملاحظة التقديم والتأخير في الكلمات. و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو فعل","vol":"2","page":574},{"text":"الشرط، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف، التقدير: فعليه صيام، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب صيام، والجملة في محلّ جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) على اعتباره شرطا، أو موصولا تقدّم مثله آنفا، و(صيام) مضاف، و﴿شَهْرَيْنِ:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مُتَتابِعَيْنِ:﴾ صفة: ﴿شَهْرَيْنِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿تَوْبَةً:﴾ حال من القاتل المكفّر عن فعله، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير:\nفليتب توبة. وقال أبو البقاء، ومكيّ: مفعول لأجله. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿تَوْبَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-586\"></span>﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في مقيس بن ضبابة الكناني، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد أخاه هشاما قتيلا في محلّة بني النجار، فأخبر بذلك النبي ﷺ فكتب له إليهم يقول: إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة؛ فادفعوه إلى أخيه مقيسة ليقتصّ منه، وإن لم تعلموه؛ فادفعوا إليه دية أخيه، وكان الرّسول ﷺ قد أرسل مع مقيس رجلا من بني فهر، فقال بنو النجار: سمعا وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم قاتلا، ولكنّا نؤدي إليه دية أخيه، فأعطوه مائة من الإبل، وانصرف مقيس، والفهري راجعين نحو المدينة، فأتى الشيطان مقيسا، فوسوس إليه، فقال له:\nتقبل دية أخيك لتكون عليك سبّة، اقتل الفهري الذي معك، فتكون نفس مكان نفس، وفضل الدية لك، فتغفل الفهري، فرماه بصخرة فقتله، ثم ركب بعيرا، وساق بقيتها راجعا إلى مكّة كافرا، وقال في ذلك: [الطويل]\nقتلت به فهرا وحمّلت عقله... سراة بني النّجار أرباب فارع\nحللت به وترى وأدركت ثورتي... وكنت إلى الأصنام أوّل راجع\nفارع: حصن بالمدينة. فقال رسول الله ﷺ: «لا أؤمّنه في حلّ ولا حرم» وأمر بقتله يوم فتح مكة، وهو متعلّق بأستار الكعبة.\nهذا؛ والقتل ثلاثة أنواع: قتل الخطأ، وقد ذكر في الآية السابقة، وقتل شبه العمد، وهو متردّد متوسّط بين الخطأ والعمد، فالضرب مقصود والقتل غير مقصود به، فيسقط القود، وتغلّظ الدية، وتلزم الكفارة، وبمثل ذلك جاءت السنّة المطهّرة. فقد روى أبو داود من حديث عبد الله بن","vol":"2","page":575},{"text":"عمرو﵄أنّ رسول الله ﷺ قال: «ألا إنّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسّوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها». وروى الدارقطني عن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قتل في عمّية بحجر، أو عصا، أو سوط، فهو دية مغلّظة في أسنان الإبل». وروى أيضا من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «عقل شبه العمد مغلّظ مثل العمد، ولا يقتل صاحبه». وقال الإمام أحمد: العمّيّ: هو الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه.\nأمّا العمد بأن يقصد قتله بما يقتل غالبا، عالما بإيمانه، فيجب فيه القود، والكفارة في ماله على المتعمّد، وكان مالك، والشافعي﵄يريان على قاتل العمد الكفارة، كما في الخطأ، قال الشّافعي﵁-: إذا وجبت الكفارة في الخطأ؛ فلأن تجب في العمد أولى، وقال: إذا شرع السّجود في السهو؛ فلأن يشرع في العمد أولى. وقيل: إنّ القاتل عمدا، إنّما تجب عليه الكفارة إذا عفي عنه فلم يقتل، فأمّا إذا قتل فلا تؤخذ من ماله، ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله، أقول: وهذا يحملنا حينئذ على الانتقال من الصّيام إلى الإطعام؛ لأنّ من قتل قودا، أو قتل نفسه تعذّر صيامه. وقد احتجّ من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى:\nعن واثلة بن الأسقع﵁قال: أتى النبيّ ﷺ نفر من بني سليم، فقالوا: إنّ صاحبا لنا قد أوجب: (أي: فعل فعلا يوجب له النار) فقال ﷺ: «فليعتق رقبة يفدي الله بكلّ عضو منها عضوا منه من النّار».\nهذا واختلفوا في الجماعة يقتلون الرّجل خطأ، أو عمدا، أو شبه عمد، فقالت طائفة: على كلّ واحد منهم الكفارة، كذلك قال الحسن، وعكرمة، والنّخعي، والحارث العكلي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقالت طائفة: عليهم كلّهم كفارة واحدة، ويتصوّر قتل الجماعة رجلا خطأ في الجماعة يرمون بالمنجنيق، فيقتلون رجلا، وأقول: لم يذكر أحد الواحد يقتل الجماعة خطأ، كما يقع في حوادث السّيارات في هذه الأيام، فأقول وبالله التوفيق: إنّه يجب كفارة لكلّ واحد، كما تجب دية لكلّ واحد.\nبعد ما تقدّم فالآية الكريمة تذكر: أنّ جزاء قاتل غيره عمدا الخلود في جهنّم، وغضب الله عليه، ولعنة الله عليه، والعذاب العظيم المعدّ له يوم القيامة. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذّنب العظيم، الذي هو مقرون بالشّرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، وأمّا الأحاديث الشّريفة في تحريم القتل؛ فكثيرة جدّا، فمن ذلك ما يلي:\nعن ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أوّل ما يقضى بين النّاس يوم القيامة في الدّماء». رواه الستّة إلا أبا داود.","vol":"2","page":576},{"text":"وعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل:\nيا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».\nرواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما.\nوعن البراء بن عازب﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لزوال الدّنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حقّ». رواه ابن ماجة. وزاد الأصبهاني فيه: «ولو أنّ أهل سماواته، وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن؛ لأدخلهم الله النّار».\nوروى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو﵄قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة، ويقول: «ما أطيبك، وما أطيب ريحك، ما أعظمك، وما أعظم حرمتك، والّذي نفس محمّد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك، ماله، ودمه».\nوعن أبي سعيد، وأبي هريرة﵁عن رسول الله ﷺ قال: «لو أنّ أهل السّماوات وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن؛ لأكبّهم الله في النّار». رواه الترمذيّ.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة؛ لقي الله مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله». رواه ابن ماجة، والأصبهاني.\nوعن عبد الله بن عمرو﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنّة (^١)، وإنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما». رواه البخاري، وغيره.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من تردّى من جبل، فقتل نفسه فهو في نار جهنّم يتردّى فيها خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا، فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا». رواه الشيخان.\nبعد هذا فهل لقاتل المؤمن عمدا توبة؟ فيه خلاف. والمعتمد: أنّ له توبة، وهو ما عليه الجمهور من سلف الأمة، وخلفها: أنّ القاتل له توبة فيما بينه وبين الله ﷿، فإن تاب، وأناب، وخشع، وخضع، وعمل صالحا بدّل الله سيئاته حسنات، وعوّض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن ظلامته، قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ وهذا خبر لا يجوز نسخه. وقال تعالى في سورة (الزّمر): ﴿*قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ﴾\n_________\n١) أي: لم يشمّ رائحة الجنة. (نهاية).","vol":"2","page":577},{"text":"﴿اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ..﴾. إلخ، وهذا عامّ في جميع الذنوب، فكلّ من تاب؛ تاب الله عليه. وفي هذه السّورة قبل الآية التي الكلام فيها وبعدها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾. وثبت في الصّحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثمّ سأل عالما: هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ والحديث مشهور مسطور، وإذا كان هذا في بني إسرائيل؛ فلأن يكون في هذه الأمّة التوبة مقبولة بطريقة الأولى والأحرى؛ لأنّ الله وضع عنا الآصار، والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبينا ﷺ بالحنيفيّة السّمحة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: تعلّقت المعتزلة، ومن يقول بقولهم بهذه الآية لصحّة مذهبهم على أنّ الفاسق مرتكب الكبائر يخلّد في النار، وأجاب أهل السنة بأنّ الآية نزلت في كافر قتل مسلما، فتكون الآية على هذا مخصوصة. وقيل: هذا لمن قتل مسلما مستحلاّ قتله، ومن استحلّ قتل مسلم فهو كافر، وهو مخلّد في النار. وقيل: إنّ الخلود كناية عن طول المكث. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَقْتُلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مُؤْمِنًا:﴾\nمفعول به. ﴿مُتَعَمِّدًا:﴾ حال من فاعل: ﴿يَقْتُلْ﴾ المستتر. ﴿فَجَزاؤُهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (جزاؤه): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه. ﴿خالِدًا:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وساغ ذلك؛ لأنّ المضاف قد عمل فيه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدًا،﴾ وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-:\n ﴿خالِدًا:﴾ حال من محذوف، تقديره: يجزاها خالدا فيها، فإن شئت جعلته من الضمير المرفوع، وإن شئت جعلته من المنصوب، ولا يجوز أن يكون حالا من الهاء في: (جزاؤه) لوجهين: أحدهما: أنّه حال من المضاف إليه، والثاني: أنّه فصل بين صاحب الحال، والحال بخبر المبتدأ، وهو أجنبي، ونقل الجمل عن السّمين مثله.\nأقول: الأول منتقض لكون المضاف عمل في المضاف إليه، والثاني ينتقض باعتبار الجملة المقدّرة حالا من الضمير نفسه، واعتبارها مستأنفة غير جيّد. ﴿وَغَضِبَ اللهُ:﴾ ماض وفاعله.","vol":"2","page":578},{"text":"﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل غضب، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، تدلّ عليها الجملة الشرطية، التقدير: حكم الله بأنّ جزاءه ذلك، وغضب عليه. والجملتان بعدهما معطوفتان أيضا عليها، والجملة المقدّرة، وما عطف عليها كلّها في محل نصب حال مثل: ﴿خالِدًا فِيها﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، والاستئناف ممكن.\n\n<span id=\"aya-587\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ﴿إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ سافرتم، وذهبتم إلى الغزو في سبيل إعلاء كلمة الله. فقد استعير الضّرب للسّعي في قتال الأعداء، واستعير السّبيل له لدين الله. ﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ من التبيين، أي: فاطلبوا بيان الأمر، ولا تعجلوا فيه.\nوقرئ: («فتثبتوا») من الثبات، وهو قريب من معنى الأول. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا:﴾ حيّاكم بتحية الإسلام، وتنفون إيمانه، وتقولون: قالها خوفا، وتقيّة من قتله.\n ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ تطلبون الغنيمة بقتله، الّتي هي من حطام الدنيا، سريعة النّفاد، والذّهاب.\n ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ:﴾ هذه عدة من الله تعالى بما يأتي به في المستقبل على وجهه، ومن حله دون ارتكاب محظور، فلا تتهافتوا. ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منهم على أنفسكم. ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتكرّم الله عليكم بإعزاز الدين، وغلبة المشركين حتّى أظهرتم. ﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ أعاد الأمر بالتّبيين للتّأكيد. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا:﴾ تحذير من مخالفة أمر الله، أي: احفظوا أنفسكم، وجنّبوها الزّلل، والخطأ الموبق. وفي الآية الكريمة ردّ على المعتزلة، والقدرية، فإنّ الله ﷿ أخبر: أنّه منّ على المؤمنين من بين الخلائق حيث خصّهم بالتّوفيق، والهداية للإيمان، وخذ ما يلي:\nقال ابن عباس﵄-: نزلت الآية الكريمة في رجل من بني مرّة بن عوف، يقال له: مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول الله ﷺ تريدهم، وكان على السرية رجل يقال له: غالب بن فضالة الليثي، فهربوا منه، وأقام ذلك الرّجل المسلم، فلمّا رأى الخيل؛ خاف ألا يكونوا مسلمين، فألجأ غنمه إلى سفح جبل، وصعد هو الجبل، فلمّا تلاحقت الخيل؛ سمعهم يكبّرون، فعرف: أنّهم من أصحاب رسول الله ﷺ، فكبّر؛","vol":"2","page":579},{"text":"ونزل، وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السّلام عليكم، فتغشّاه أسامة بن زيد﵁بسيفه، فقتله، واستاق غنمه، ثمّ رجعوا إلى رسول الله ﷺ، وأخبروه الخبر، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا، وكان قد سبقهم الخبر، فقال رسول الله ﷺ: «أقتلتموه إرادة ما معه؟!»، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ على أسامة هذه الآية، فقال أسامة﵁-: يا رسول الله استغفر لي! فقال: «كيف أنت بلا إله إلاّ الله؟!» يقولها ثلاث مرات. قال أسامة﵁-:\nفما زال رسول الله ﷺ يكرّرها حتى وددت أنّي لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي رسول الله ﷺ، وقال: «أعتق رقبة»، وبعث رسول الله ﷺ ديته إلى أهله، وردّ عليهم غنيماته. وفي الآية دليل على صحّة إيمان المكره، وأنّ المجتهد قد يخطئ، وأنّ خطأه مغتفر.\nوروى أبو ظبيان عن أسامة﵁قال: قلت: يا رسول الله! إنّما قالها خوفا من السّلاح، فقال ﷺ: «أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم أقالها خوفا أم لا؟». خازن.\nوقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: والذي عليه الأكثر، وهو في سيرة ابن إسحاق، ومصنف أبي داود، والاستيعاب لابن عبد البر: أنّ القاتل محلّم بن جثّامة، والمقتول عامر بن الأضبط، فقد دعا رسول الله ﷺ على محلّم، فما عاش بعد ذلك إلا سبعا، ثم دفن؛ فلم تقبله الأرض، ثمّ دفن فلم تقبله، ثمّ دفن ثالثة فلم تقبله، فلمّا رأوا: أنّ الأرض لا تقبله ألقوه في بعض الشّعاب. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الأرض لتقبل من هو شرّ منه».\nهذا؛ وعرض الحياة الدنيا: حطامها الفاني، وإنّما سمّى سبحانه منافع الدنيا: عرضا؛ لأنّه لا ثبات له، ولا دوام. ومنه: الدّنيا عرض حاضر يأكل منه البرّ، والفاجر، فكأنّها تعرض، ثم تزول، بخلاف منافع الآخرة فإنّها دائمة لا انقطاع لها. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال:\n «ليس الغنى عن كثرة العرض، إنّما الغنى غنى النّفس». وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى، فنظمه: [الطويل]\nتقنّع بما يكفيك واستعمل الرّضا... فإنّك لا تدري أتصبح أم تمسي\nفليس الغنى عن كثرة المال إنّما... يكون الغنى والفقر من قبل النّفس\nورحم الله من قال: [الطويل]\nغنى النّفس ما يكفيك من سدّ خلّة... فإن زاد ما يكفيك عاد الغنى فقرا\nو﴿عَرَضَ﴾ بفتح العين والرّاء هنا، وهو بضم العين وسكون الراء: ناحية الشيء، من أي وجه جئته، وهو بفتح العين وسكون الراء: ضد الطول، وهو بكسر العين وسكون الراء: النفس، يقال: أكرمت عنه عرضي، أي: صنت عنه نفسي، وهو أيضا: رائحة الجسد، وغيره، طيبة كانت، أو خبيثة، يقال: فلان طيّب العرض، أو: منتن العرض.","vol":"2","page":580},{"text":"﴿لَسْتَ:﴾ حذف عينه لالتقاء السّاكنين: الياء والسين، إذ أصله: ليس بكسر الياء، ثم سكنت للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأنّ التّخفيف بالتّسكين في الجامد أسهل من القلب، فلمّا اتصل بضمير رفع متحرك؛ سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿لَسْتَ﴾.\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). و(ها): حرف تنبيه، لا محلّ له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من: (﴿أَيُّهَا﴾). وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿ضَرَبْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب: ﴿إِذا﴾. (تبينوا): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام متصل بالجملة الندائية لا محلّ له مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها الآتي معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿أَلْقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿إِلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿السَّلامَ:﴾ مفعول به. ﴿لَسْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون والتاء اسمها.\n ﴿مُؤْمِنًا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿تَبْتَغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط الضمير فقط.\n ﴿عَرَضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و﴿الْحَياةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة:\n ﴿الْحَياةِ:﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿فَعِنْدَ:﴾ الفاء:\nأراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر؛ إذ التقدير: وإذا كنتم تبتغون عرض الحياة الدنيا؛ فعند الله... إلخ. (عند): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدّم، و(عند) مضاف،","vol":"2","page":581},{"text":"و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَغانِمُ:﴾ مبتدأ مؤخّر. ﴿كَثِيرَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشّرط المقدّر ب «إذا». ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر (كان) تقدّم عليها وعلى اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كُنْتُمْ﴾. و﴿قَبْلُ:﴾ مبني على الضم في محلّ جرّ لقطعه من الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿فَمَنَّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (تبيّنوا): فعل أمر وفاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدّر.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَبِيرًا﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جرّ بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى المصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرًا﴾ التقدير: خبيرا بعملكم. ﴿خَبِيرًا:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-588\"></span>﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ﴾ أي: عن الجهاد في سبيل الله. ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ:﴾ المرض، أو العاهة من عمى، أو عرج، أو زمانة، ونحوها. ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ أي: لا يكونوا في منزلة واحدة عند الله، وعند رسوله. هذا؛ والفعل «يستوي» من الأفعال التي لا تكتفي بواحد، فلو قلت: استوى زيد؛ لم يصحّ، فمن هنا لزم العطف على الفاعل. أو تعدّده، فقد نفى الله التّساوي بين المجاهد، والقاعد بغير عذر-وإن كان معلوما عند كلّ إنسان-توبيخا للقاعد عن الجهاد، وتحريكا له عليه؛ ليرغّب فيه رفعا لرتبته، وأنفة عن انحطاط منزلته، ونحوه قوله تعالى في سورة (الزّمر): ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فهو تحريك لطلب العلم، وتوبيخ على الرّضا بالجهل.\n ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ:﴾ قدّم الله في هذه الآية وغيرها الجهاد بالمال على النّفس؛ لأنّ المال شقيق الرّوح، وقد يبذل الإنسان روحه، وحياته في سبيل المال، وقد يهدر","vol":"2","page":582},{"text":"كرامته، وشرفه، ومروءته في سبيله، وكثير من النّاس يسبب لهم المال العذاب الأليم في نار الجحيم، وذلك حينما لم يراقبوا الله تعالى في جمعه، وإنفاقه.\n ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ يعني: فضيلة، وكرامة في الآخرة. قال ابن عباس﵄-: أراد بالقاعدين هنا: أولي الضرر، وفضّل الله المجاهدين عليهم درجة؛ لأنّ المجاهد باشر الجهاد بنفسه، وما أدراكم ما الدّرجة؟ هي كما بين السّماء، والأرض. وانظر الحديث في الآية رقم [٨٤]، وخذ ما يلي: روى أبو هريرة﵁- عن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين، كما بين السّماء والأرض». أخرجه البخاريّ.\n ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أي: كلاّ من المجاهدين، والقاعدين وعده الله الجنة بإيمانه بربّه، وتصديقه بنبيّه ﷺ. ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا:﴾ المراد ب: ﴿الْقاعِدِينَ:﴾ الذين لا عذر لهم، ونكر ﴿أَجْرًا﴾ لزيادة التعظيم، والتفخيم بمعنى: لا يعلمه إلا الله، ولا تنس الطّباق بين ﴿الْمُجاهِدِينَ﴾ و﴿الْقاعِدِينَ﴾ وهو من المحسّنات البديعية.\nهذا؛ و«المال» قال فيه ابن الأثير: المال في الأصل: كل ما يملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل؛ لأنّها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أنّ المال يؤنّث، وأنشد لحسان﵁-: [البسيط]\nالمال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال\nوعن الفضل الضّبّي: المال عند العرب الصّامت، والنّاطق، فالصّامت: الذهب، والفضّة، والجواهر، والناطق: البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن بدويّ: كثر ماله؛ فهو الناطق. وإذا قلت عن حضريّ: كثر ماله؛ فهو الصامت. هذا؛ والنّشب يطلق على المال الثابت، كالضّياع، والدور، قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي﵁في ذلك، وهو الشّاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nهذا؛ وقال الرسول ﷺ: «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الإيمان متعلّق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه، فقد ذهب الثّلثان، فإذا انضمّ إليها القلب فقد ذهب الكلّ.\nو«غير» اسم شديد في الإبهام ك «مثل» لا يتعرّف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، أو تقدّمت عليها كلمة «ليس». يقال: قبضت","vol":"2","page":583},{"text":"عشرة ليس غير. وهو مبنيّ على الضم، أو على الفتح خلاف. وإن أردت الزيادة؛ فانظر بحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nأمّا «أولي» فهو بمعنى أصحاب، لا واحد له من لفظه، وإنّما واحده «ذي» المضاف إن كان مجرورا، و«ذا» المضاف إن كان منصوبا، و«ذو» المضاف إن كان مرفوعا.\nوأمّا «الحسنى» فهي مؤنث: الأحسن الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث: أحسن؛ المقابل لامرأة حسناء، والحسنى ضد السّوأى.\nخاتمة: اعلم: أنّ الجهاد ينقسم إلى: فرض عين، وفرض كفاية، ففرض العين: أن يدخل العدو دار قوم من المؤمنين، وبلادهم فيجب على كلّ مكلّف من الرّجال ممّن لا عذر له، ولا ضرر به من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوّهم دفعا عن أنفسهم، وعن أهليهم، وجيرانهم، سواء في ذلك الغني، والفقير، فيجب على الكافة، وهو في حقّ من بعد عنهم من المسلمين فرض كفاية، فإن لم تقع الكفاية بمن نزل بهم العدو، فتجب مساعدتهم على من قرب منهم من المسلمين، أو بعد عنهم. انتهى. خازن.\nهذا؛ وأمّا أهل الضّرر الذين ذكرهم الله في هذه الآية؛ فلهم أجرهم إن كانت نيّتهم الجهاد لولا الأعذار التي منعتهم من الخروج إلى الجهاد. فعن أنس بن مالك﵁-، قال:\nرجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ فقال: «إنّ أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا، ولا واديا، إلاّ وهم معنا، حبسهم العذر». رواه البخاري.\nوعن أبي الدّرداء يبلغ به النبي ﷺ قال: «من أتى فراشه؛ وهو ينوي أن يقوم يصلّي من اللّيل، فغلبته عيناه حتّى أصبح؛ كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربّه». رواه النّسائيّ، وابن ماجة. وعن أبي موسى﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مرض العبد، أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا». رواه البخاريّ، وأبو داود. ورحم الله من يقول: [البسيط]\nيا راحلين إلى البيت العتيق لقد... سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا\nإنّا أقمنا على عذر وعن قدر... ومن أقام على عذر فقد راحا\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْقاعِدُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿الْقاعِدُونَ﴾ أو من الضمير المستتر فيه، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿غَيْرُ:﴾ بالرّفع صفة: ﴿الْقاعِدُونَ﴾ أو بدل","vol":"2","page":584},{"text":"منه، ويقرأ بالنّصب على الحال، أو الاستثناء من: ﴿الْقاعِدُونَ،﴾ ويقرأ بالجر على أنّه صفة للمؤمنين، أو بدل منه، و﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و﴿أُولِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولِي﴾ مضاف، و﴿الضَّرَرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْمُجاهِدُونَ﴾ معطوف على: ﴿الْقاعِدُونَ﴾ مرفوع مثله. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾\nمتعلقان ب: (﴿الْمُجاهِدُونَ﴾)، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف. و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِأَمْوالِهِمْ:﴾ متعلقان ب (﴿الْمُجاهِدُونَ﴾) أيضا. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَسْتَوِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿فَضَّلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿الْمُجاهِدِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم... إلخ. ﴿بِأَمْوالِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُجاهِدِينَ﴾. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْقاعِدِينَ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿فَضَّلَ﴾.\n ﴿دَرَجَةً:﴾ مفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدرجة، أو هو مفعول مطلق؛ لأنّه دال على المرّة، وتضمّن معنى التفضيل. وقيل: هو حال بمعنى: ذوي درجة، وهو ضعيف.\nوجملة: ﴿فَضَّلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n (﴿كُلاًّ﴾): مفعول به أول مقدّم. ﴿وَعَدَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿الْحُسْنى:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذّر. هذا؛ ويقرأ برفع («كل») على أنّه مبتدأ، أي: كلّهم، والجملة الفعلية خبره، والرابط محذوف، التقدير: وعده الله الحسنى، والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسميّة معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها.\n ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿عَلَى الْقاعِدِينَ:﴾ متعلقان بالفعل:\n ﴿فَضَّلَ﴾. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول مطلق، عامله: ﴿فَضَّلَ﴾ لأنّه بمعنى: أجر، أو هو مفعول به ثان على تأويل: ﴿فَضَّلَ﴾ ب: «أعطى» وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، أي: بأجر. وقيل: هو حال من: (﴿دَرَجاتٍ﴾) لأنّه كان صفة له... إلخ، وهو غير صحيح، وجملة: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وهي مؤكّدة لها لفظا، ومعنى، وما بينهما اعتراض.\n\n<span id=\"aya-589\"></span>﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ:﴾ منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، هي من فضل الله، وكرمه على المجاهدين في سبيله. قيل: هي سبع. وقيل: سبعون. وقيل: سبعمائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السّماء، والأرض. هذا والحكمة من ذكر ﴿دَرَجَةً﴾ في الآية السابقة، وذكر ﴿دَرَجاتٍ﴾ في هذه الآية، فإنّ الدّرجة الأولى لتفضيل المجاهدين على القاعدين بوجود الضّرر، والعذر، وأمّا الثّانية فلتفضيل المجاهدين على القاعدين من غير ضرر، ولا عذر، فضّلوا عليهم","vol":"2","page":585},{"text":"بدرجات كثيرة. وقيل: يحتمل أن تكون الأولى درجة المدح، والتعظيم، والدّرجات درجات الجنّة، ومنازلها. انتهى خازن بتصرّف. ﴿وَمَغْفِرَةً﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَرَحْمَةً:﴾ أي: من الله تنزل عليهم، وتعمّهم. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا:﴾ للذّنوب؛ وهي صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمًا﴾ أي: بعباده المؤمنين.\nتنبيه: الآية الكريمة وسابقتها تحثّان المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، وترغّبان فيه، وتبيّنان ما أعدّه الله من الأجر العظيم للمجاهدين في سبيل الله. بعد هذا لا تنس أنّ النبي ﷺ حثّ على جهاد النّفس، وكبحها عن المعاصي، وترويضها على الطّاعات، واعتبر ذلك الجهاد الأكبر، فقد روى البيهقيّ بإسناد حسن صحيح: أنّ أصحاب رسول الله ﷺ حين قدموا من الجهاد، تلقّاهم رسول الله ﷺ، وقال لهم: «مرحبا بكم! قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» قالوا: يا رسول الله! وما الجهاد الأكبر؟ قال: «جهاد النّفس».\nيضاف إلى ذلك السّعي في الدّنيا، والعمل لها ليكسب الإنسان قوته، وقوت زوجه، وأولاده فقد اعتبره المصطفى ﷺ في سبيل الله. فعن كعب بن عجرة﵁قال: مرّ على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحاب رسول الله ﷺ من جلده، ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله! فقال رسول الله ﷺ: «إن كان خرج يسعى على ولده صغارا؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفّها؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء، ومفاخرة؛ فهو في سبيل الشّيطان». رواه الطّبرانيّ. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nوكذلك طلب العلم الشرعيّ (^١) جهاد في سبيل الله؛ فعن أبي هريرة﵁قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلاّ لخير يتعلّمه، أو يعلّمه؛ فهو بمنزلة المجاهدين في سبيل الله، ومن جاء بغير ذلك؛ فهو بمنزلة الرّجل ينظر إلى متاع غيره».\nرواه ابن ماجة، والبيهقي.\nوعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع». رواه الترمذيّ، وقال: حديث حسن.\nوعن أبي الدّرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غدا يريد العلم يتعلّمه لله؛ فتح الله له بابا إلى الجنّة، وفرشت له الملائكة أكنافها، وصلّت عليه ملائكة السّماوات، وحيتان البحر. وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب\n_________\n١) العلم الشرعي: هو علوم الدين وكل علم يرضى عنه الشرع لما فيه من خير المسلمين والبشرية جمعاء.","vol":"2","page":586},{"text":"في السّماء، والعلماء ورثة الأنبياء. إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا، ولا درهما، ولكنّهم ورّثوا العلم، فمن أخذه؛ أخذ بحظّه، وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسدّ، وهو نجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم». رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة، وابن حبّان.\nالإعراب: ﴿دَرَجاتٍ:﴾ بدل من: ﴿أَجْرًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. وقيل: هو حال. وقيل: منصوب بنزع الخافض. وقيل: هو توكيد ل (﴿أَجْرًا﴾) وهو أضعفها، وأقواها الأول. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿دَرَجاتٍ﴾. ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً:﴾ معطوفان على: ﴿دَرَجاتٍ﴾. وقيل: هما مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: غفر لهم مغفرة، ورحمهم رحمة. وحذف متعلّقها اكتفاء بمتعلّق: ﴿دَرَجاتٍ﴾.\nوجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-590\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ..﴾. إلخ: نزلت الآية الكريمة في أناس تكلّموا بالإسلام، ولم يهاجروا: منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما، فلمّا خرج المشركون إلى بدر، خرجوا معهم، فقتلوا مع الكفار الذين قتلوا في بدر، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا على الخروج مع المشركين، فاستغفروا لهم، فنزلت الآية الكريمة.\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ:﴾ يجوز أن يكون هذا الفعل ماضيا، وإنّما لم تلحقه علامة التأنيث للفصل بين الفعل وفاعله بالضّمير المنصوب، ولأنّ لفظ الملائكة من التأنيث المجازي، ولأنّه جمع تكسير، ويؤيد ذلك قراءة: («توفتهم»)، ويجوز أن يكون مضارعا أصله: تتوفاهم، فحذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أصله: تتصدى، وهو كثير في كلام الله تعالى.\nوالتوفّي هنا فيه قولان: أحدهما: أنّه قبض أرواحهم. الثاني: أنّه حشرهم، وسوقهم إلى النّار. فعلى الثاني يكون المراد بالملائكة: الزّبانية؛ الذين يتولّون تعذيب الكفار. والمعتمد هنا الأوّل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (السّجدة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، ولولا الإطالة؛ لذكرته هنا بحذافيره.\n ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ المشركون ظالمون لأنفسهم بالشرك. وقيل: المراد: المسلمون الذين أقاموا في دار الشرك بعد إسلامهم مع قدرتهم على الهجرة؛ لأنّ الله لم يقبل الإسلام من أحد","vol":"2","page":587},{"text":"بعد هجرة النّبيّ ﷺ حتّى يهاجر إليه، ثمّ نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة». أخرجاه في الصّحيحين.\n ﴿قالُوا:﴾ أي: قالت الملائكة؛ الذين يتوفون أولئك المذكورين: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ خطاب للمذكورين، وهو سؤال توبيخ، وتقريع. أي: أكنتم في أصحاب النبي ﷺ أم كنتم مع المشركين؟ و﴿فِيمَ﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف «في» الجارة، والاسم: «ما» الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جارّ، نحو قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿*عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار، ومن شواهدها الشّعرية قول الكميت، وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟\nوأيضا قول عمرو بن معديكرب﵁، وهو الشّاهد رقم [٢٥٠] من كتابنا المذكور-: [الطويل]\nعلام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت؟\nوقد ثبتت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر في قول حسّان بن ثابت﵁يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر]\nعلى ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان\n ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في مكّة. اعتذروا عن الهجرة، وموالاة الكفّار بعجزهم، وضعفهم. وهذا اعتذار غير صحيح؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل، ويهتدون السبيل. ﴿قالُوا﴾ أي:\nالملائكة موبخين، ومؤنّبين لهم. ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أي: فتخرجوا من مكة إلى بلد تكونون فيه أحرارا في عقيدتكم، وعبادتكم، كما فعل المؤمنون الصادقون؛ حيث هاجروا أولا إلى الحبشة، ثمّ إلى المدينة المنورة. ويفيد هذا السؤال، والجواب: أنّهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين؛ لم يقل لهم شيء من هذا.\n ﴿فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ أخبر الله تعالى: أنّهم في جهنّم لتقصيرهم، وتقاعسهم عن الهجرة.\n ﴿وَساءَتْ:﴾ فعل ذمّ يجري مجرى: «بئس». ﴿مَصِيرًا:﴾ مقرّا، ومآلا، وكانت الهجرة واجبة على كلّ من أسلم، وانظر الآية رقم [٨٩].\nتنبيه: في الآية الكريمة دليل على أنّ الإنسان إذا كان في بلد، لا يتمكّن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، والعوائق، أو علم: أنّه في غير بلده أقوم بحقّ الله، وأدوم على العبادة؛ حقّت عليه المهاجرة. وعن النبي ﷺ: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا","vol":"2","page":588},{"text":"من الأرض استوجبت له الجنّة، وكان رفيق إبراهيم، ونبيّه محمّد». عليهما ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مستقرهم، وملجؤهم. ﴿جَهَنَّمُ،﴾ والفرق بين مأوى، ومثوى: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأمّا المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو مؤقتا، وقدّم المأوى على المثوى في كثير من الآيات؛ لأنّه على الترتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي.\nأمّا ﴿كُنْتُمْ﴾ فأصله: «كونتم» فقل في إعلاله: تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلهما، فصار (كانتم) فالتقى ساكنان: الألف، وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (كنتم) بفتح الكاف، ثمّ أبدلت الفتحة ضمّة لتدلّ على الواو المحذوفة، فصار ﴿كُنْتُمْ﴾. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل به ضمير رفع متحرك؛ نقل إلى باب فعل، فصار: كونت، ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: كونت فالتقى ساكنان: العين المعتلّة ولام الفعل، فحذفت عين الفعل، وهي الواو لعلّة الالتقاء، فصار: كنت، وهكذا قل في إعلال كلّ فعل أجوف، واوي، مسند إلى ضمير رفع متحرك. مثل: قام، وقال، ونحوهما.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إنّ). ﴿تَوَفّاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، أو هو فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ظالِمِي:﴾ حال من الضمير المنصوب، منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) مقدّم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والرابط محذوف، التقدير: قالوا لهم... إلخ. وقيل: إنّ الخبر محذوف، تقديره: هلكوا، فتكون جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مبينة لتلك الجملة المحذوفة. وقيل: إنّ الخبر الجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ، ودخلت الفاء على الخبر زائدة؛ لأنّ الموصول يشبه الشّرط في العموم. والمعتمد الأوّل.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿مُسْتَضْعَفِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب،","vol":"2","page":589},{"text":"وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب (﴿لَمْ﴾). ﴿أَرْضُ:﴾ اسمها. و﴿أَرْضُ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿واسِعَةً:﴾ خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَتُهاجِرُوا:﴾ الفاء: للسببية. (تهاجروا): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من الفعل السابق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما.\n ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ ثان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أولئك)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: في محل رفع خبر:\n ﴿إِنَّ﴾ وهو ضعيف، كما قدمته. (﴿ساءَتْ﴾): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر، فسّره التمييز، وهو ﴿مَصِيرًا،﴾ والمخصوص بالذّمّ محذوف، تقديره: هي، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-591\"></span>﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٧٥]. ﴿حِيلَةً:﴾ هي الجدّ في تدبّر الأمور، وتقليب الفكر؛ حتّى يهتدي إلى المقصود، ومثلها: المحاولة. ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يعرفون طريقا إلى الهجرة حتى يهاجروا، ولا يملكون نفقة، ولا قوة لهم على الخروج من مكّة.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ:﴾ مستثنى استثناء منقطعا لعدم دخوله في الموصول، وضميره، والإشارة إليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ متعلقان بالمستضعفين. وهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ:﴾ معطوفان على: ﴿الرِّجالِ﴾.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿حِيلَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الرّجال، وما عطف عليه، أو في محل جر صفة لهم؛ لأنّ «ال» التعريفية تصلح لأن تكون للجنس، وأن تكون للتّعريف، ومثل هذه الآية: [الكامل]\nولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني","vol":"2","page":590},{"text":"وقال تعالى في سورة (يس): ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ وقال في سورة (الجمعة):\n ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا،﴾ وجملة: (﴿لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾):\nمعطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها، وقال مكيّ-رحمه الله تعالى-: جملة: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ..﴾.\nإلخ والتي بعدها: في موضع نصب على الحال من ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ والمعتمد ما قدّمته.\n\n<span id=\"aya-592\"></span>﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المستضعفين المذكورين في الآية السابقة. ﴿عَسَى اللهُ:﴾\nعسى هي مفيدة للتّحقيق والتأكيد، وإن كانت في كلام المخلوقين تفيد الرّجاء، والطّمع؛ لأنّ المخلوق هو الذي تعرض له الشّكوك، والظّنون، والله منزّه عن ذلك. انتهى. نقلا من كرخي.\nوهو فعل جامد لا يأتي منه مضارع، ولا أمر. ﴿أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ:﴾ أن يصفح عنهم، ويغفر ذنوبهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، والفعل «يعفو» بهذا المعنى كثير في القرآن الكريم، كما يأتي «عفا» بمعنى الكثرة. قال تعالى في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأعراف): ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ أي: حتى كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم، من قولهم: عفا النبات، وعفا الشّحم، والوبر: إذا كثر. قال الحطيئة: [الطويل]\nبمستأسد الغربان عاف نباته... بأسؤق عافيات الشّحم كوم\nوعفا المنزل، يعفو، عفاء: إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، قال الأخطل التّغلبيّ-وهو الشاهد رقم [٤٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nوبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النؤي والوتد\nوعفو المال: ما يفضل عن النّفقة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٩]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعافي: طالب المعروف، والإحسان، قال عروة بن الورد العبسي المعروف ب «عروة الصّعاليك»: [الطويل]\nوإنّي امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد\nوجمع العافي: عفاة، قال الأعشى في مدح ممدوحه: [المتقارب]\nتطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن\n ﴿وَكانَ اللهُ عَفُوًّا:﴾ صيغة مبالغة من العفو. ﴿غَفُورًا:﴾ صيغة مبالغة أيضا. هذا؛ وانظر ما ذكرته في شرح (كان) في الآية رقم [١] من هذه السّورة.\n ﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنّما تخلّفت الإجابة في بعض","vol":"2","page":591},{"text":"الأحيان عن الدّعاء به لتخلّف شروط الإجابة، الّتي أعظمها أكل الحلال، ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تعلم أحدا تسمّى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنّه لم يذكر في سورتي: الرّحمن، والواقعة.\nالإعراب: ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿عَسَى:﴾ فعل ماض جامد مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، وهو ناقص هنا. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿عَسَى﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَعْفُوَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محل نصب خبر (﴿عَسَى﴾) بعد تأويل المصدر باسم الفاعل، التقدير: عسى الله عافيا. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿عَسَى..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها، والجملة الفعلية:\n ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-593\"></span>﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا:﴾ وهذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأنّ المؤمن حيثما ذهب؛ وجد عنهم مندوحة، وملجأ يتحصّن فيه. والمراغم:\nمصدر؛ تقول العرب: راغم فلان قومه مراغما، ومراغمة، قال النابغة الجعدي: [المتقارب]\nكطود يلاذ بأركانه... عزيز المراغم والمذهب\nوقال ابن عباس﵄-: المراغم: التّحوّل من أرض إلى أرض. وقيل: معناه:\nإنّ الرّجل إذا خرج عن قومه؛ خرج مراغما لهم؛ أي: مغاضبا، ومقاطعا. وقال الفراء:\nالمراغم: المضطرب، والمذهب في الأرض، وأنشد الزجّاج في المعنى: [المتقارب]\nإلى بلد غير داني المحل... بعيد المراغم والمضطرب\nوقال مجاهد: يجد متزحزحا عمّا يكره. وقيل: المراغمة، والمهاجرة واحدة، يقال:\nراغمت قومي، أي: هاجرتهم، وسمّيت المهاجرة مراغمة؛ لأنّه يهاجر قومه برغمهم، وهو مأخوذ من الرّغام، وهو التراب، يقال: رغم أنفه: إذا التصق بالتّراب، وذلك لأنّ الأنف عضو شريف، والتّراب ذليل حقير، فجعلوا قولهم: «رغم أنفه» كناية عن حصول الذّلّ له. ﴿وَسَعَةً﴾","vol":"2","page":592},{"text":"يعني: في الرزق، وسعة في الأرض الّتي يهاجر إليها، فمن ضاق رزقه في بلده؛ فليلتمسه في غيره، ورحم الله من قال: [الوافر]\nبلاد الله واسعة فضاء... ورزق الله في الدّنيا فسيح\nفقل للقاعدين على هوان... إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا\nورحم الله من قال أيضا: [الكامل]\nوإذا رأيت الرّزق ضاق ببلدة... وخشيت فيها أن يضيق المكسب\nفارحل فأرض الله واسعة الفضا... طولا وعرضا شرقها والمغرب\n ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ قبل بلوغه مهاجره. ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي: فقد وقع أجر هجرته على الله بإيجابه على نفسه بحكم الوعد، والتفضّل، والإحسان، والكرم، لا وجوب استحقاق، وتحتّم؛ لأنّ الله لا يجب عليه شيء لعباده. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا:﴾ للذنوب. ﴿رَحِيمًا:﴾ بعباده. وهما صيغتا مبالغة، كما ذكرته مرارا.\nتنبيه: قال ابن عباس﵄-: لمّا نزلت الآية التي قبل هذه سمعها رجل من بني ليث، شيخ كبير، يقال له: جندع بن ضمرة، فقال: والله ما أنا ممّن استثنى الله ﷿، وإنّي لأجد حيلة، ولي من المال ما يبلغني المدينة، وأبعد منها، والله لا أبيت اللّيلة بمكّة! أخرجوني! فخرجوا به يحملونه على سرير حتّى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت، فصفق بيمينه على شماله، ثمّ قال: اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك. ثم مات، -﵁-، وأرضاه، فبلغ خبره رسول الله ﷺ وأصحابه، فقالوا: لو وافى المدينة؛ لكان أتمّ، وأوفى أجرا، وضحك المنافقون، والمشركون، وقالوا: ما أدرك ما طلب! فنزلت الآية الكريمة. انتهى. خازن، وقرطبي.\nتنبيه: كلّ من خرج لطلب علم أو حجّ، أو جهاد، أو فرارا إلى بلد يزداد فيه طاعة، أو قناعة، أو زهدا، أو ابتغاء رزق طيّب-أي: حلال-فهي هجرة إلى الله ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه؛ فقد وقع أجره على الله. انتهى نسفي. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من خرج حاجّا، فمات؛ كتب له أجر الحاجّ إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا، فمات؛ كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا، فمات؛ كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة». أخرجه الحافظ أبو يعلى.\nوعن عمر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته","vol":"2","page":593},{"text":"لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». رواه البخاريّ، ومسلم. والأحاديث بهذا المعنى كثيرة مشهورة، ومسطورة.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُهاجِرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، لم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُراغَمًا:﴾\nمفعول به. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة له. ﴿وَسَعَةً:﴾ معطوف على ما قبله، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه.\n ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ:﴾ مثل سابقه في إعرابه ومحلّه. ﴿مِنْ بَيْتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُهاجِرًا:﴾ حال من فاعل: ﴿يَخْرُجْ﴾ المستتر. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿مُهاجِرًا؛﴾ لأنّه اسم فاعل، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُدْرِكْهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على فعل الشّرط، مجزوم مثله. وقرأ الحسن البصري بالنّصب على إضمار «أن». وقرأ النخعي، وغيره بالرّفع على إضمار مبتدأ، أي: ثم هو يدركه. والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الفعلية: ﴿يَخْرُجْ..﴾.\nإلخ، والهاء مفعول به. ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعله. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وَقَعَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَجْرُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ وَقَعَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد. وبقيّة الكلام مثل سابقه بلا فارق، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-594\"></span>﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ انظر الآية رقم [٩٤]. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ:﴾ إثم، ومؤاخذة.\n ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ أي: من أربع ركعات إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر، والعصر، والعشاء. ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: يغتالكم، ويقتلكم الذين كفروا. ﴿إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا﴾ أي: ويكونون. ﴿لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا:﴾ انظر الآية رقم [٩١] و[٩٢]. وسبب نزول الآية ذكره ابن جرير عن عليّ﵁قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنّا نضرب في الأرض، فكيف نصلّي؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ.","vol":"2","page":594},{"text":"استدلّ العلماء بهذه الآية على قصر الصلاة في السّفر، على اختلافهم في ذلك. فمن قائل:\nلا بدّ أن يكون السفر سفر طاعة؛ من جهاد، أو حجّ، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة رحم، ونحو ذلك. وذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، والجمهور إلى أنّه يجوز القصر في كل سفر مباح. وذهب أبو حنيفة، والثوري، وداود إلى أنّه يجوز القصر لمطلق السفر، سواء أكان مباحا، أو محظورا، حتى لو خرج لقطع الطريق، وإخافة السبيل، وخالفهم الجمهور.\nوقال داود الظّاهري: لا يجوز القصر إلا في حال الخوف، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى:\n ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأنّ عدم الشّرط يقتضي عدم المشروط. وخالفه جمهور الأمّة، وقالوا: قد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول الآية، فإنّ مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سريّة خاصّة، وسائر الأحيان كانت حربا للإسلام وأهله. والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب، أو على حادثة خاصّة؛ فلا مفهوم له، كقوله تعالى في سورة (النّور): ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا،﴾ وكقوله تعالى في هذه السّورة: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ﴾.\nوقال الإمام أحمد: عن يعلى بن أميّة﵁-، قال: سألت عمر﵁-، قلت له: قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر﵁-: عجبت ممّا عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». أخرجه مسلم.\nوعن أبي حنظلة الحذّاء؛ قال: سألت ابن عمر﵄عن صلاة السّفر، فقال:\nركعتان. فقلت: أين قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا؟﴾ فقال: سنة رسول الله ﷺ.\nهذا؛ وأمّا المسافة التي يجوز فيها قصر الصّلاة؛ فمختلف فيها اختلافا كثيرا، والمفتى به في هذه الأيام أن تكون خمسة وثمانين كيلومترا إلى تسعين كيلومترا، كما اختلفوا في جواز الإتمام في حال السّفر، فذهب مالك، وأبو حنيفة-رحمهما الله-إلى أنّ القصر في السفر واجب، ويدلّ عليه ما روي عن عائشة﵂-: فرض الله الصّلاة حين فرضها ركعتين، ثمّ أتمّها في الحضر، وأقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى. وفي رواية أخرى:\nقالت: فرض الله الصّلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر، والسفر، فأقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. أخرجاه في الصحيحين. وذهب قوم إلى جواز الإتمام في السّفر، ولكن القصر أفضل، وهو مذهب الشّافعي، وأحمد، وهو رواية عن مالك أيضا، ويدلّ على ذلك ما روى البغوي بسند الشافعي عن عائشة﵂قالت: كلّ ذلك فعل رسول الله ﷺ قصر، وأتم. وعنها: أنّها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكّة؛ حتّى إذا قدمت مكّة؛ قالت: يا رسول الله! بأبي أنت، وأمّي! قصرت، وأتممت، وصمت، وأفطرت. قال: «أحسنت","vol":"2","page":595},{"text":"يا عائشة». وما عاب عليّ. أخرجه النّسائيّ. فأنت ترى: أنّ الروايتين عنها قد اختلفتا، وهذا يسمّى اضطراب الروايات.\nهذا؛ ولا يقصر إلا بعد مجاوزة عمران بلده، وينتهي القصر بعوده إلى عمران بلده، والله الموفّق. كما اختلفوا في المدّة التي يقصر فيها في المكان الذي ذهب إليه، فقال مالك، والشافعيّ﵁-: إذا نوى الإقامة أربعة أيام؛ أتمّ، وإن كان أقام لحاجة يتوقّع قضاءها يوما بعد يوم؛ قصر ثمانية عشر يوما. وقال أبو حنيفة﵁وأصحابه: إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة؛ أتمّ. وقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: إذا عزم المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة؛ قصر. وإذا اقتدى بمقيم؛ أتمّ بالاتفاق.\nهذا؛ ولم يتعرّض المفسّرون للجمع بين الصّلوات، فأجازه الشّافعي، ومالك، وأحمد بين العصرين، والعشاءين، تقديما، وتأخيرا، لما روى ابن عباس﵄قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر، والعصر إذا كان على ظهر سفر، ويجمع بين المغرب، والعشاء. رواه البخاريّ، ومسلم.\nوشروط التّقديم أربعة: البداءة بالأولى، ونيّة الجمع فيهما، ولو مع السّلام، والموالاة بينهما، ودوام السّفر إلى الإحرام بالثانية، ويشترط في التّأخير نيّته قبل خروج وقت الأولى، ولو بقدر ركعة، ودوام السّفر إلى تمامها، وإلا صارت الأولى قضاء.\nفقد صحّ: أنّه ﷺ كان إذا ارتحل قبل الزّوال؛ أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثمّ نزل، فجمع بينهما، فإن زالت قبل ارتحاله صلاهما، ثمّ ركب. وأنّه كان إذا جدّ به السير؛ جمع بين المغرب، والعشاء، أي: في وقت العشاء. وأبو حنيفة-رحمه الله تعالى-لا يرى الجمع إلا في يوم عرفة تقديما، وليلة المزدلفة تأخيرا. وفائدة الجمع في السّفر ملموسة، وحكيمة، ونرشد من لا يرى إمامه الجمع أن يقلّد من يراه. والله الموفق.\nأمّا الجمع في المطر في الحضر تقديما؛ فقد صحّ: أنّ النبيّ ﷺ جمع بالمدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف، ولا سفر، فقال الشافعي كمالك﵄-: أرى ذلك بعذر المطر، ويؤيده جمع ابن عباس، وابن عمر﵃به، وأرى: أنّ شروط الجمع بالمطر غير متوفرة في هذه الأيام لتسهيل الطّرق، وتنويرها في اللّيل، وإن قال بعضهم بجوازها. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nالإعراب: (إذا): ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿ضَرَبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿فَلَيْسَ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب (إذا). (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"2","page":596},{"text":"بمحذوف خبر (ليس) تقدّم على اسمها. ﴿جُناحٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿تَقْصُرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ تَقْصُرُوا:﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في قصر الصلاة، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿جُناحٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿مِنَ الصَّلاةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السّكون في محلّ جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَفْتِنَكُمُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والكاف مفعول به، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ والفعل في محل نصب مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن خفتم... فلا جناح... إلخ.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه... إلخ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿عَدُوًّا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿عَدُوًّا:﴾ خبر (كان). ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿كانُوا..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنْ،﴾ وجملة: ﴿أَنْ..﴾. إلخ مفيدة للتّعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-595\"></span>﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾\nالشرح: روي عن ابن عباس﵄-: أنّ المشركين لمّا رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه؛ قاموا إلى الظّهر يصلّون جميعا؛ ندموا، وتمنّوا أن لو كانوا أكبّوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإنّ لهم بعدها صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم، وأمهاتهم-يعني: صلاة العصر-فإذا قاموا إليها؛ فشدّوا عليهم، فاقتلوهم. فنزل جبريل، ﵇، فقال: يا محمد!","vol":"2","page":597},{"text":"إنّها صلاة الخوف، وإن الله ﷿ يقول: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ..﴾. إلخ فعلّمه صلاة الخوف. وروي عن أبي عيّاش الزّرقي﵁في سبب نزول الآية، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلّينا الظهر، فقال المشركون:\nلقد أصبنا غرّة، ولو حملنا عليهم، وهم في الصّلاة، فنزلت الآية بين الظّهر، والعصر.\nوينبغي أن تعلم: أنّ النبي ﷺ صلّى صلاة الخوف بكيفيات مختلفة، ولا يمكن فعل شيء منها في هذه الأيام إلا صلاة الخوف المذكورة في الآية رقم [٢٣٩] من سورة (البقرة)؛ لأنّ وسائل الحرب قد تغيّرت، وأحوال المسلمين، وأوضاعهم قد انقلبت رأسا على عقب، لذا فإنّني أكتفي بشرح ألفاظ الآية وبيان معانيها، والله الموفق.\n ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ..﴾. إلخ: خطاب للنبيّ ﷺ وقد تعلّق بمفهومه من خصّ صلاة الخوف بحضرة الرسول ﷺ وكافة الفقهاء على أنّ الله علّمه كيفيتها؛ ليأتمّ به الأئمّة بعده، فإنّهم نواب عنه بعد وفاته ﷺ فيكون حضورهم كحضوره. ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ أي: فاجعلهم طائفتين: إحداهما تصلّي معك، والأخرى تقف تجاه العدو. ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ:﴾ هذا الأمر للطائفة المصلية مع الرسول ﷺ. وقيل: للحارسة. وذكر الطائفة الأولى يدلّ عليهم. ﴿فَإِذا سَجَدُوا﴾ أي: المصلون مع النبي ﷺ. ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ﴾ أي: ليكن غير المصلين من خلفكم يحرسونكم.\n ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا﴾ أي: أول الصلاة. ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ:﴾ آخر الصلاة.\n ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ أي: وليكونوا حذرين من عدوّهم متأهبين لقتالهم بحمل السلاح.\nظاهر هذا الكلام يدلّ على أنّ النبيّ ﷺ صلّى مرّتين؛ بكلّ طائفة مرّة، وهذا كان ببطن نخل، وإن أريد أن يصلي الإمام بكلّ ركعة-إن كانت الصلاة ركعتين-فكيفيتها أن يصلي بالأولى ركعة، وينتظر قائما حتّى يتمّوا صلاتهم منفردين، ويذهبوا إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى، فيتمّ بهم الركعة الثانية، ثم ينتظرهم قاعدا حتى يتمّوا صلاتهم، ويسلّم بهم، كما فعل رسول الله ﷺ بذات الرّقاع، وقد جعل الله﷿الحذر آلة يتحصّن بها المحارب، فجمع بين الحذر، وبين الأسلحة في وجوب الأخذ بالأسباب، كيف لا؟ والتيقظ، والتحرّز من كيد العدو أعظم من السّلاح.\n ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ..﴾. إلخ: تمنّى الكافرون أن ينالوا منكم غفلة في صلاتكم، فيشدّون عليكم شدّة واحدة، وهذا هو السبب في وجوب حمل السلاح، والتيقظ. وانظر الفعل:\n «مال، يميل» في الآية رقم [٢٧].\n ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ، أي: لا حرج، ولا إثم في عدم حمل السّلاح إذا ثقل عليكم بسبب مطر، أو ضعف بسبب مرض، وهذا يؤيد: أنّ حمل السلاح في أثناء الصّلاة للوجوب دون الاستحباب. ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ:﴾ تأكيد لسابقه.","vol":"2","page":598},{"text":"﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ: هذا وعد من القويّ العزيز بالنّصر المبين على الكافرين بأنّه سيهزمهم بعد الأمر بالحذر، والتيقظ، ليقوّي قلوب المؤمنين، ويشدّ من عزيمتهم، وليعلموا: أنّ الأمر بذلك ليس لضعفهم، وغلبة عدوهم، بل لأنّ الواجب أن يحافظوا على مراسيم التيقّظ والتدبّر. فيتوكّلوا على الله. قال الرسول ﷺ للأعرابي: «اعقل وتوكّل».\nتنبيه: قال ابن عباس﵄-: نزلت الآية الكريمة في النبي ﷺ، وذلك أنّه غزا بني محارب، وبني أنمار، فنزلوا منزلا، ولا يرون من العدو أحدا، فوضع المسلمون السّلاح، فخرج رسول الله ﷺ لحاجة حتّى قطع الوادي، فحال السّيل بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه، فجلس تحت شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال: قتلني الله إن لم أقتله! ثمّ انحدر من الجبل ومعه السّيف، ولم يشعر به النبي ﷺ، إلا وهو قائم على رأسه، وقد سلّ السّيف من غمده، وقال: يا محمد! من يمنعك مني الآن؟! فقال رسول الله ﷺ: «الله ﷿»، ثم قال:\n «اللهمّ اكفني غورث بن الحارث بما شئت!» فأهوى غورث بالسيف ليضرب به رسول الله ﷺ، فأكبّ لوجهه من زلقة زلقها، فبدر السّيف من يده. فقام رسول الله ﷺ، فأخذ السّيف، وقال: «من يمنعك مني الآن يا غورث؟!» فقال: لا أحد! كن خير آخذ يا محمد! فقال رسول الله ﷺ: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله؟». قال: لا! ولكن أشهد: ألا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوّا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال: لأنت خير منّي، فقال رسول الله ﷺ: «أجل أنا أحقّ بذلك منك». فرجع إلى قومه، وقال لهم: جئتكم من عند خير النّاس، وذكر لهم حاله مع رسول الله ﷺ، قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر، وقرأ عليهم: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): انظر الآية السابقة. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَأَقَمْتَ:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (أقمت): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل (تقم) والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلْتَقُمْ..﴾. إلخ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلْيَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها مثله. ﴿أَسْلِحَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَإِذا سَجَدُوا:﴾ إعرابه واضح إن شاء الله. ﴿فَلْيَكُونُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب","vol":"2","page":599},{"text":"(﴿إِذا﴾). (ليكونوا): فعل مضارع ناقص مجزوم بلام الأمر... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ وَرائِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلْيَكُونُوا..﴾. إلخ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿وَلْيَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها مثله. ﴿أَسْلِحَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة.\n ﴿وَلْتَأْتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لْتَأْتِ﴾): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها أيضا. ﴿أُخْرى:﴾ صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُصَلُّوا:﴾\nفعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ .. إلخ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿طائِفَةٌ﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، والجملتان: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ معطوفتان على جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لهما مثله، والإعراب واضح إن شاء الله.\n ﴿وَدَّ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل: ﴿وَدَّ،﴾ والجملة الفعلية تعليل للأمر، أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿تَغْفُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ والواو فاعله، و﴿لَوْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودّوا غفلتكم. ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَمْتِعَتِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. وجملة: (يميلون عليكم) معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة معها بالمصدرية. ﴿مَيْلَةً:﴾ مفعول مطلق.\n ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿جُناحَ:﴾ اسم (﴿لا﴾) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر (﴿لا﴾)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿أَذىً:﴾ اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿مِنْ مَطَرٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿أُخْرى،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه،","vol":"2","page":600},{"text":"و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين ﴿جُناحَ﴾ ومتعلقه الآتي. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كُنْتُمْ:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مَرْضى:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة فعل الشّرط، لا محلّ لها مثلها. ﴿أَنْ تَضَعُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nفي وضع أسلحتكم، والجار والمجرور متعلقان بما تعلّق به: ﴿عَلَيْكُمْ﴾. ﴿أَسْلِحَتِكُمْ:﴾\nمفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَخُذُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حِذْرَكُمْ:﴾\nمفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾) وهي مؤكّدة لها. وحصل في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿مُهِينًا﴾ بعدهما. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به. ﴿مُهِينًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَعَدَّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنْ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-596\"></span>﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أي: فرغتم، وانتهيتم من صلاة الخوف المذكورة.\n ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ يعني: بالتسبيح، والتحميد، والتّهليل، والتكبير، وأثنوا على الله في جميع أحوالكم، واسألوه النّصر لا سيما في حال القتال، كقوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فذكر الله مرغّب فيه في جميع الحالات، وهو في حالة الحرب، وبعد الفراغ من الحرب آكد.\n ﴿قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: اذكروا الله في جميع الحالات، وفي حالة الخوف والحرب آكد كما قدّمت. ويقال: المعنى: إذا صليتم في دار الحرب؛ فصلّوا كيفما قدرتم، وتمكّنتم، كما قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا﴾ فيكون المراد بالذكر الصّلاة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩١] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\n ﴿اِطْمَأْنَنْتُمْ:﴾ سكنت قلوبكم من الخوف. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي: فأتمّوها أربعا. فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة ترك السّفر، المعنى: إذا صرتم مقيمين في أوطانكم؛ فأقيموا الصلاة تامة أربعا من غير قصر. وقيل: المعنى: أقيموا لها ركوعها، وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها. فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة: سكون القلب من الاضطراب، والأمن بعد الخوف.","vol":"2","page":601},{"text":"﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ يعني: فرضا مؤقتا، والكتاب: هنا بمعنى المكتوب؛ يعني: مكتوبة مؤقّتة في أوقات محدودة، فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أيّ حال من خوف، أو أمن. وقيل: معناه: فرضا واجبا مقدّرا في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين.\nوقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وفي الآية دليل على أنّ المراد بالذكر: الصلاة، وأنّها واجبة الأداء حال المسايفة، والاضطراب في المعركة، وتعليل للأمر بالإتيان بها كيفما أمكن.\nوقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: لا يصلّي المحارب حتى يطمئنّ. انتهى. هذا؛ وذكرت لك في الآية السابقة: أنّ الأوضاع قد تغيّرت، والأحوال قد انقلبت رأسا على عقب.\nهذا؛ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أمر معناه الوجوب، وأصله: «أقوموا» فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: «أقوموا» ثمّ قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.\nومعنى: (أقيموا ﴿الصَّلاةَ﴾): أدّوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام الصلاة.\nوهذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء، والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومندوبات، ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي. هذا؛ وقد بيّن الله تعالى: أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المتاعب، والمصاعب الصّبر، والصلاة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥٣]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾. وكان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة.\nهذا؛ والصّلاة من العبد معناها: التضرّع، والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها:\nالاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن الله على عباده معناها: الرحمة، والمغفرة، وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٥٦]: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nتنبيه: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى-: «القضاء» يحتمل الحكم، كقوله تعالى:\n ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليحكم ما قد علم أنّه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه، فهو مفعول لا محالة. انتهى.\nهذا؛ والماضي: قضى، والمصدر: قضاء بالمد؛ لأنّ لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه:\n «قضي» بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومصدره: «قضيا» فأبدلت الثانية همزة، فصار «قضاء» ممدودا، وجمع القضاء: أقضية. كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل:","vol":"2","page":602},{"text":"إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، ومنه قول الشّاعر، وهو الشاهد رقم [١٧٩]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]\nوجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول\nوقال الشمّاخ في عمر بن الخطاب﵁يرثيه: [الطويل]\nقضيت أمورا ثمّ غادرت بعدها... بوائق في أكمامها لم تفتّق\nويكون بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ وبمعنى العلم، تقول: قضيت كذا، أي: أعلمتك به، وبمعنى الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السّحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ،﴾ وبمعنى الإرادة، وهو كثير كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْرًا،﴾ وبمعنى الموت، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النّار في دار القرار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ..﴾. إلخ.\nويأتي القضاء بمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ. وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. وبمعنى الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. وبمعنى بلوغ الأرب، والمراد، قال تعالى:\n ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ وبمعنى: وفاء الدين، تقول: قضى فلان ما عليه: إذا أوفى ذمّته، وأبرأها ممّا عليه من ديون. انتهى. قسطلاني شرح البخاري. وأضيف: أنّه يكون بمعنى:\nأوحينا، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ..﴾. إلخ.\nقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فإذا كان القضاء بهذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأنّ المعاصي بقضاء الله تعالى؛ لأنّه إن أريد به الأمر؛ فلا خلاف: أنّه لا يجوز ذلك؛ لأنّ الله لا يأمر بها، فإنّه لا يأمر بالفحشاء، وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال: إنّه طلق امرأته ثلاثا، فقال: عصيت ربك، وبانت منك. فقال الرّجل: قضى الله عليّ؟ فقال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ..﴾. إلخ.\nبعد هذا؛ فقد جعل الله لكلّ طاعة، وعبادة أولا، وآخرا، إلا الذّكر، فإنّه لا أوّل له، ولا آخر، قال تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾ وقال فيها أيضا رقم [٤١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا،﴾ وقال ابن عباس﵄-: لم يفرض الله﷿على عبادة فريضة إلا جعل لها حدّا معلوما، ثمّ عذر أهلها في حال العذر غير الذّكر، فإنّه لم يجعل له حدّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلبا على عقله، وأمرهم به في جميع الأحوال كلّها،","vol":"2","page":603},{"text":"وذكر الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، وذكر آيتي (الأحزاب)، والمعنى: اذكروا الله في اللّيل، والنّهار، في البرّ، والبحر، في الصّحّة، والمرض، في السّرّ، والعلانية. وقيل: الذكر الكثير هو أن لا ينساه أبدا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩١] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٠١]. ﴿قَضَيْتُمُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿قِيامًا وَقُعُودًا:﴾ حالان من واو الجماعة، وهما مصدران بمعنى: قائمين، وقاعدين. ﴿وَعَلى جُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال معطوف على ما قبلهما، التقدير: ومضجعين على جنوبكم: والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ:﴾ الإعراب مثل سابقه، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الصَّلاةَ:﴾ اسمها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي»، يعود إلى: ﴿الصَّلاةَ﴾. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿كانَتْ﴾. أو هما متعلقان ب ﴿مَوْقُوتًا﴾ بعدهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿كِتابًا:﴾ خبر ﴿كانَتْ﴾. ﴿مَوْقُوتًا:﴾ صفة له، صفة مؤكدة. وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-597\"></span>﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾\nالشرح: سبب نزول هذه الآية الكريمة: أنّ أبا سفيان، وأصحابه لمّا رجعوا من غزوة أحد؛ بلغ النبيّ ﷺ: أنّهم ينوون الرّجوع إلى المدينة، ليستأصلوا المسلمين، فندب الرسول ﷺ المسلمين لملاقاتهم، فشكوا من ألم الجراحات الّتي أصابتهم في غزوة أحد، فأورد الله عليهم الحجّة في هذه الآية الكريمة، وألزمهم بها. وانظر الآية رقم [١٤٠]: ورقم [١٧٢]: من سورة (آل عمران) ففيهما الكفاية.\n ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ:﴾ ولا تضعفوا، ولا تجبنوا في طلب المشركين، وملاقاتهم.\n ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ..﴾. إلخ؛ أي: إن كنتم تتألّمون من الجراح، والقتال؛ فإنّهم يتألّمون منه كما","vol":"2","page":604},{"text":"تتألّمون. فهو مثل قوله في سورة (آل عمران) رقم [١٤٠]: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.\n ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ أي: أنتم وإيّاهم فيما يصيبكم من الجرح، والآلام سواء، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة، والنّصر، والتأييد، كما وعدكم في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئا من ذلك، فأنتم أجدر بالجهاد، والقتال منهم، وأنتم أحقّ في إقامة كلمة الله، وإعلانها. فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم، مع أنّكم أجدر بالصّبر منهم؟!\n ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا:﴾ هو أعلم فيما يقدّره، ويقضيه، وينفذه، ويمضيه من أحكامه الكونية، والشّرعية، وهو المحمود على كلّ حال، وعلى كلّ لسان. والحمد لله!.\nهذا؛ و(﴿تَرْجُونَ﴾) بمعنى: تؤمّلون؛ لأنّ أصل الرّجاء الأمل في الشّيء، والطّماعية فيه، قال الشاعر: [الوافر]\nأترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب\nكما يأتي: «ما أرجو» بمعنى: ما أبالي، قال خبيب بن عديّ﵁ وأرضاه-: [الطويل]\nلعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي\nهذا؛ و«الرّجاء» يأتي بمعنى الخوف، قال تعالى في سورة (الفرقان): ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا..﴾. إلخ، وقال في آخر سورة (الكهف): ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا..﴾. إلخ، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال، أي: الذي يقطف عسل النّحل: [الطويل]\nإذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَهِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي ابْتِغاءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿اِبْتِغاءِ﴾ مضاف، و﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿تَأْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكُونُوا،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّه جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَأْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا","vol":"2","page":605},{"text":"محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، و(أن) ومدخولها كلام مفيد لتعليل النهي، لا محلّ لها، هذا وقرئ بفتح همزة («أن») فتكون ناصبة، والمصدر المؤول منها، ومن الفعل بعده على هذا في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: لأن تكونوا، وهي قراءة شاذّة، وتكون الجملة: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ﴾ تعليلا للنهي أيضا بعد التعليل الأول.\n ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿تَأْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، و(ما) المصدرية، والفعل: ﴿تَأْلَمُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: فإنّهم يألمون ألما مثل ألمكم. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنّما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدّم، وليس هذا منها، وجملة:\n ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ:﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَأْلَمُونَ،﴾ فإنّ المعنى: وإنكم ترجون من الله.\n ﴿ما:﴾ مفعول به، وهي موصولة، أو موصوفة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nويرجون من الله الذي، أو: شيئا لا يرجونه؛ أي: الكفار. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا:﴾ إعرابها واضح، والجملة مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-598\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ:﴾ الواضح الّذي لا خفاء فيه، ولا غموض، والمراد بالكتاب: القرآن الكريم. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ:﴾ بما عرّفك الله، وأوحى إليك. وإنّما سمّي العلم اليقيني: رؤية؛ لأنّه جرى مجراها في قوّة الظّهور. ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ:﴾ لأجل الخائنين. ﴿خَصِيمًا:﴾ مخاصما عنهم، أي: مدافعا عنهم، ومعينا لهم.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة، وما بعدها في طعمة بن أبيرق من بني ظفر من الأنصار، وكان قد سرق درعا من جاره المسلم قتادة بن النّعمان﵁في جراب فيه أثر دقيق، فجعل الدّقيق ينتثر من خرق فيه، وخبّأها عند رجل من اليهود، يقال له: زيد بن السّمين، فالتمست الدّرع عند طعمة بسبب أثر الدّقيق، فلم توجد، وحلف بالله ما أخذها، وما له بها من علم، فتركوه، واتبعوا أثر الدّقيق حتى انتهى إلى نزل اليهودي، فأخذوها، فقال: دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، وشهد له ناس من اليهود، فقال بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ فنسأله أن يجادل عن صاحبنا، فذهبوا، وقالوا: يا رسول الله! إن لم تفعل؛ هلك طعمة، وافتضح، وبرئ اليهوديّ! فهمّ رسول الله ﷺ أن يفعل، فنزل جبريل الأمين﵇بهذه الآيات، ولمّا","vol":"2","page":606},{"text":"سمع طعمة بذلك لحق بمكّة مرتدّا عن الإسلام، ونزل على سلافة بنت سعد بن شهيد، فقال حسّان﵁بيتين يعرّض فيه بها، وهما: [الطويل]\nوقد أنزلته بنت سعد وأصبحت... ينازعها جلد استها وتنازعه\nظننتم بأن يخفى الّذي قد صنعتم... وفينا نبيّ عنده الوحي واضعه\nفلمّا بلغها ذلك، قالت له: إنّما أهديت إليّ شعر حسّان! وأخذت رحله، فطرحته خارج منزلها. ثمّ إنّ طعمة بن أبيرق عدا على الحجّاج بن علاط، فنقب عليه بيته، فسقط عليه حجر من الحائط، فلمّا أصبحوا، أخرجوه من مكّة، فلقي ركبا مسافرين. فعرض لهم، وقال: ابن سبيل، ومنقطع به، فحملوه معهم، حتى إذا جنّ الليل عدا عليهم، فسرقهم، وهرب، فركبوا في طلبه، فأدركوه، فرموه بالحجارة حتّى مات. ومن كانت هذه حاله كان كثير الخيانة، والإثم، فلذلك وصفه الله تعالى بالمبالغة في الخيانة، والإثم.\nقال بعضهم: إذا عثرت من رجل على سيئة؛ فاعلم: أنّ لها أخوات. ويروى: أنّ عمر -﵁أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمّه تبكي، وتقول: هذه أوّل سرقة سرقها، فاعف عنه يا أمير المؤمنين! فقال: كذبت ما كان الله ليفضحه من أوّل مرة.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها للتّخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الكتاب؛ أي: ملتبسا بالحقّ.\n ﴿لِتَحْكُمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل تقديره: أنت، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلْنا﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿بِما:﴾ جار، ومجرور متعلقان بالفعل: (تحكم)، و(ما) موصولة، أو موصوفة.\n ﴿أَراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر، والكاف مفعول به أوّل. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو:\nبشيء أراكه الله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب (﴿لا﴾) واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلْخائِنِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَصِيمًا﴾ بعدهما الّذي هو خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ وجملة: ﴿وَلا تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، يدل عليها النظم الكريم، كأنّه قيل: فاحكم به، ولا تكن... إلخ. ولا يعزب عن بالك: أنّ الفاء المقدّرة إنّما هي الفاء الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فاحكم... إلخ، والكلام كلّه لا محلّ له؛ لأنّه معطوف على الجملة الاسمية قبله.","vol":"2","page":607},{"text":"<span id=\"aya-599\"></span>﴿وَاِسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ:﴾ اطلب من الله المغفرة ممّا هممت به، أي: من القضاء على اليهوديّ بقطع يده، أو من جدالك عن طعمة.\nتنبيه: قد تمسّك بهذه الآية من يرى صدور الذنب من الأنبياء، وقالوا: لو لم يقع من الرّسول ﷺ ذنب؛ لما أمر بالاستغفار. والجواب عمّا تمسّكوا به: أنّ درجة الرّسول ﷺ أعلى الدرجات، ومنصبه أشرف المناصب، فلعلوّ درجته، وشرف منصبه، وكمال معرفته بالله ﷿ فما يقع منه ﷺ على وجه التأويل، أو الاجتهاد، كما في أسرى بدر، وإذنه للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وغير ذلك من أمور الدّنيا، فإنّه ذنب بالنسبة إلى منصبه العظيم، وجاهه الكريم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وذلك بالنسبة إلى منازلهم العالية، ودرجاتهم الرّفيعة. والله أعلم، وانظر الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة) تجد ما يسرّك.\nالإعراب: ﴿وَاسْتَغْفِرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِسْتَغْفِرِ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\nأنت. ﴿اللهَ﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (﴿لا تَكُنْ..﴾.) إلخ، لا محلّ لها مثلها. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا:﴾ تقدّم مثلها كثيرا وهي هنا مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-600\"></span>﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تُجادِلْ:﴾ هذا الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ. ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ:﴾ بتعريضها للعقاب، وحرمانها من الثواب. والاختيان: أبلغ من الخيانة، كالاكتساب، فإنّه أبلغ من الكسب، وسمّاه الله: خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه، وكل عاص لله خائن لنفسه بتعريضها للعقاب، وتنقيص حقّها من الثواب، وألف ﴿يَخْتانُونَ﴾ مبدلة من واو؛ لأنّه من: خان، يخون. وتقول في الجمع: خونة، واسم الفاعل: خائن، وأصله: خاون، مثل: قائل أصله: قاول.\nهذا؛ والمجادلة: المخاصمة من الجدل، وهو الفتل، ومنه: رجل مجدول الخلق، ومنه الأجدل للصّقر. وقيل: هو من الجدالة، وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين؛ يريد أن يلقي صاحبه عليها. ومنه قولهم: تركته مجدّلا؛ أي: مطروحا على الجدالة.\nهذا؛ والجدل، والجدال، والمجادلة: المماراة، وهي مذمومة. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه، إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ:","vol":"2","page":608},{"text":"﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا»﴾. رواه الترمذيّ، وابن ماجة. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ﴾ أي: يبغض؛ لأنّ معنى محبة الله للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه، ومعنى عدم محبّته للعبد: طرده من جنّته، وإبعاده من رحمته. ﴿مَنْ كانَ خَوّانًا:﴾ صيغة مبالغة بمعنى: كثير الخيانة. ﴿أَثِيمًا:﴾ صيغة مبالغة أيضا بمعنى كثير الإثم، والمراد به: طعمة.\nبعد هذا قال العلماء: ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق عنهم؛ ليحموهم، ويدفعوا عنهم، فإنّ هذا قد وقع على عهد النبي ﷺ، وفيهم نزلت الآيات، والخطاب للنبيّ ﷺ، والمراد منه: الّذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين: أحدهما: أنّه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعده بقوله: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ والآخر: أنّ النبيّ ﷺ كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يعتذر إليه، ولا يعتذر هو إلى غيره، فدلّ: أنّ القصد لغيره. انتهى قرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تُجادِلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَنِ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَخْتانُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمه. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة بمعنى شخص أو إنسان، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿خَوّانًا:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿أَثِيمًا:﴾\nخبر ثان، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للنّهي لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-601\"></span>﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ:﴾ يستترون من الناس خوفا، وخجلا. والمراد بذلك بنو ظفر قوم طعمة بن أبيرق. ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ:﴾ وهو أحقّ أن يستحيا منه. وأصل الاستخفاء:\nالاستتار، وإنّما فسّر الاستخفاء بالاستحياء على المعنى؛ لأنّ الاستخفاء من الناس يوجب الاستتار منهم. ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ بالعلم، والقدرة؛ أي: مطّلع عليهم، وعالم بأحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم. هذا؛ وبين الجملتين طباق السّلب، وهو من المحسّنات البديعية. ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ:﴾ أي: يدبرون، ويزوّرون الّذي لا يرضاه الله تعالى من عزمهم على","vol":"2","page":609},{"text":"الحلف الكاذب، ونفي السرقة، ورمي اليهوديّ بها، وانظر (﴿بَيَّتَ﴾) في الآية رقم [٨١]: ﴿وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ أي: عليما دقيقا، فلا يفوته شيء من عملهم، ولا يعجزونه.\nهذا؛ و«محيط» أصله: «محوط» لأنّه من: أحاط، يحيط، أو من: حاط، يحوط، وهو أولى، فهو من الباب الأول، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرّك، والحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء قبلها، فصار: «محوط» ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.\nقال النّسفي-رحمه الله تعالى-: وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلّة الحياء، وعدم الخشية من ربهم مع علمهم: أنّهم في حضرته، لا سترة، ولا غيبة عن علمه. وفي الآية دليل على أنّ الكلام هو المعنى القائم بالنّفس حيث سمّى التدبير: قولا. انتهى.\nالإعراب: ﴿يَسْتَخْفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، ويجوز اعتبارها في محلّ نصب حال من واو الجماعة في: ﴿يَخْتانُونَ﴾. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):\nنافية، وجملة: (﴿لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾) معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو واو الحال. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الاسمية في محلّ نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان في الأصل، وهو هنا للحاضر، مبنيّ على السّكون في محل نصب متعلّق بالخبر المحذوف. ﴿يُبَيِّتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْضى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول به؛ إذ التقدير: الّذي، أو: شيئا لا يرضاه. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، العائد على: ﴿ما﴾. و﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿كانَ﴾): فعل ماض ناقص. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب ﴿مُحِيطًا﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بعملهم. ﴿مُحِيطًا:﴾ خبر: (كان) وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.","vol":"2","page":610},{"text":"<span id=\"aya-602\"></span>﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ..﴾. إلخ: خاصمتم، ودافعتم عنهم. والخطاب لقوم طعمة الذين حاولوا تبرئته من السّرقة، وإلصاقها باليهوديّ؛ أي: كما رأيت فيما تقدّم. ﴿فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ فيه توبيخ، وتهديد، ووعيد. ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا:﴾ محاميا يحميهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة. وانظر الآية رقم [٨١].\nتنبيه: هذه الآية الكريمة تقرع قلب كلّ من يدافع عن مجرم أثيم بالباطل: من قريب للمجرم، أو محام خبيث، وتصكّ آذانهم، وتأتي على بنيانهم من القواعد، فهلا عمل المجرم الأثيم وكالة لمحاميه الخبيث؛ ليدافع عنه أمام الله يوم القيامة؛ ليخلّصه من العقاب الشّديد، والعذاب الأليم.\nالإعراب: ﴿ها أَنْتُمْ:﴾ (ها): حرف تنبيه لا محلّ له. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني هؤلاء، أو هو مبني على الضمّ المقدّر على آخره في محل نصب ب (يا) النداء المحذوفة، وعليه فجملة: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة سواء أكانت فعلية، أم ندائية: معترضة بين المبتدأ، والخبر، لا محلّ لها من الإعراب، إلا أنّ هذا لا يجيزه سيبويه؛ لأنّ (أولاء) مبهم، ولا يحذف حرف النداء مع المبهم. هذا؛ ويعتبر الكوفيون: أنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم موصول هو الخبر، والجملة الفعلية بعده صلته. ولم يجزه البصريون؛ لأنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم إشارة، ولا يكون بمعنى الّذين. وهناك وجه ثالث، وهو: أنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ خبر المبتدأ على تقدير مضاف محذوف، التقدير: ثمّ أنتم مثل هؤلاء، كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، فعلى هذا جملة: ﴿جادَلْتُمْ﴾ في محل نصب حال من: ﴿هؤُلاءِ،﴾ والعامل في الحال معنى التشبيه.\nعكبري. في غير هذا الموضع. هذا؛ وأرى صحة وجه آخر، وهو أن يكون: ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ ثانيا، وجملة: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ في محل رفع خبره. هذا؛ ومثل الآية الكريمة في بعض أوجه إعرابها قول ذي الرّمة-وهو الشّاهد رقم [١٠٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nإذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك-هذا-لوعة وغرام\nحيث قال الكوفيون: إنّ التقدير: يا هذا؛ ومثله الشاهد رقم [١٠٩٥].\n ﴿جادَلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، ويجب تقدير «قد» قبلها على اعتبارها حالا في بعض الوجوه.\n ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الدُّنْيا:﴾","vol":"2","page":611},{"text":"صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية:\n ﴿ها أَنْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم استفهام بمعنى النفي مبنيّ على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُجادِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ مبتدأ مثل ما قبله.\n ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿وَكِيلًا﴾ بعدهما، وهو أولى من تعليقهما بالفعل: ﴿يَكُونُ﴾. ﴿وَكِيلًا:﴾ خبره، وجملة:\n ﴿يَكُونُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-603\"></span>﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أي: عملا يسوء به غيره، كما فعل طعمة بالسّرقة من قتادة، وإنّما خصّ ما يتعدى إلى الغير باسم السّوء؛ لأنّ ذلك يكون في الأكثر إيصالا للضّرر إلى الغير. ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يختصّ به، ولا يتعداه، وذلك كالشّرك، والحلف الكاذب. ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ:﴾\nيطلب منه المغفرة. انظر الآية رقم [١٣٥] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في ترغيب طعمة في التّوبة، وعرضها عليه. وقيل: نزلت في قومه الّذين جادلوا عنه. وقيل: هي عامّة في كلّ مذنب، ومسيء؛ لأنّ خصوص السبب لا يمنع التّعميم، وهو الأصحّ.\nتنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على حكمين: أحدهما: أنّ التوبة مقبولة من جميع الذّنوب: الكبائر، والصغائر؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ عمّ الكلّ. والحكم الثاني: أنّ ظاهر الآية يقتضي: أنّ مجرّد الاستغفار كاف، وقال بعضهم: إنّه مقيد بالتّوبة؛ لأنّه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار. وهو المعتمد، فالمستغفر من الذّنب، وهو مصرّ عليه، كالمستهزئ بربّه، وقد بيّنته مرارا.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿سُوءًا:﴾ مفعول","vol":"2","page":612},{"text":"به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَظْلِمْ:﴾ معطوف على: ﴿يَعْمَلْ﴾ مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿يَسْتَغْفِرِ:﴾ معطوف على فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿يَجِدِ:﴾ فعل جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) أيضا. ﴿اللهَ﴾ منصوب على التعظيم مفعول به أول. ﴿غَفُورًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿رَحِيمًا:﴾ من تعدّد المفعول الثاني؛ لأنّ الأصل-وهو خبر المبتدأ-يتعدّد. وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه. وجملة: ﴿يَجِدِ اللهَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية.\n\n<span id=\"aya-604\"></span>﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾ أي: يعمل ذنبا يأثم به. ﴿فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ يعني: إنّما يعود وبال كسبه عليه، والكسب عبارة عمّا يفيد جر منفعة، أو دفع مضرّة، فكأنّ الله تعالى يقول: يا أيها الإنسان! إنّ الذنب الذي ارتكبته إنّما عادت مضرّته عليك، فإني منزّه عن الضرّ، فأكثر من الاستغفار، ولا تيئس من قبول التّوبة. قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا:﴾ فلا يعاقب بالذّنب غير فاعله.\nهذا؛ وقد فسّر الإثم في آية (الأعراف) رقم [٣٢] بالخمرة، وهو قول الحسن، وعطاء. قال الجوهري: وقد تسمّى الخمرة: إثما، واستدلّ عليه بقول الشّاعر: [الوافر]\nشربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول\nقال ابن سيده صاحب المحكم: وعندي: أنّ تسمية الخمرة بالإثم صحيح؛ لأنّ شربها إثم.\nوأنكر أبو بكر الأنباري تسمية الخمر بالإثم، قال: لأنّ العرب ما سمّته إثما قطّ لا في جاهلية، ولا في إسلام، ولكن قد يكون داخلا تحت الإثم لقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٩]:\n ﴿قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا:﴾ مثل الآية السابقة. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّما): كافة ومكفوفة. ﴿يَكْسِبُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (من). ﴿عَلى نَفْسِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَكْسِبُهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشّرط.\nوقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين. والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في الآية السابقة، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها، وهي مستأنفة.","vol":"2","page":613},{"text":"<span id=\"aya-605\"></span>﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً:﴾ ذنبا صغيرا، أو ما لا عمد فيه. ﴿أَوْ إِثْمًا:﴾ ذنبا كبيرا، وما فيه عمد. وقيل: هما بمعنى واحد، وكرّر لاختلاف اللفظ تأكيدا. وهذه الآية لفظها عام يشمل جميع الذنوب. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أي: بالإثم، أو بالخطيئة، أو بهما جميعا؛ لأنّهما بمعنى واحد كما قدمت، أو المعنى: ثمّ يرم بأحد الأمرين. هذا؛ وتجمع ﴿خَطِيئَةً﴾ على: خطايا، كما في الآية رقم [٥٨] من سورة (البقرة)، وعلى: خطيئات، كما في الآية رقم [١٦١] من سورة (الأعراف).\n ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا:﴾ استعارة؛ إذ الذنوب ثقل، ووزر، فهي كالمحمولات، قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [١٣]: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾. و(البهتان) من: البهت، وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب؛ وهو منه بريء؛ لأنّه يبهت عند ذلك، ويتحيّر. والبهتان:\nالافتراء، والفعل منه: بهت، وبهت. وبهت: إذا انقطع، وسكت متحيّرا مدهوشا. وخذ ما يلي:\nفقد روى مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة﵁-: أنّ النبي ﷺ قال:\n «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذكرك أخاك فيما يكره». قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول؛ فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول؛ فقد بهتّه». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا:﴾ انظر إعراب مثله في الآية السّابقة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَرْمِ:﴾ فعل مضارع معطوف على فعل الشّرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بَرِيئًا:﴾ مفعول به. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿اِحْتَمَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بُهْتانًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَقَدِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ.\n ﴿وَإِثْمًا:﴾ معطوف على سابقه. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة: ﴿إِثْمًا﴾.\n<span id=\"aya-606\"></span>﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ:﴾ كرمه، وجوده، وإنعامه. والخطاب للنبيّ ﷺ، فقد تكرّم الله عليه بإعلامه، وكشف ما أضمر، وبيّت طعمة، وقومه من المؤامرة، والخيانة؛ الّتي رأيتها فيما سبق. ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ:﴾ المراد بهم: بنو ظفر قوم طعمة، و(الطّائفة): الجماعة من","vol":"2","page":614},{"text":"الناس، و(همّت) بمعنى: عزمت، وقرّرت، وأرادت. والهمّ: العزم على الشيء، والمقاربة من الفعل من غير دخول فيه، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) الصدّيق-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها﴾. وقال عمرو بن ضابئ البرجمي: [الطويل]\nهممت ولم أفعل وكدت وليتني... تركت على عثمان تبكي حلائله\nو«الهم» أيضا: الحزن، ومثله: الغمّ. ويفرّق بينهما بأنّ الأول لأجل تحصيل شيء في المستقبل، والثاني لأجل فوات شيء، وفقدانه في الماضي، وبأنّ الأول يطرد النّوم، ويسبب الأرق، والثاني يجلب النّوم، ويسبّب الهدوء، والسكون، والهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان؛ أسرع فيه الشيب، وهزل جسمه. وروي عن النّبيّ ﷺ: أنّه قال: «الهمّ نصف الهرم».\nوقال أبو الطيّب المتنبّي: [الكامل]\nوالهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصّبيّ فيهرم\n ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ أي: يبعدوك عن الحقّ، والعدل مع علمهم بحقيقة الأمر. ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ:﴾ لأنّ وباله عليهم بسبب تعاونهم على الإثم، وبشهادتهم له:\nأنّه بريء، فهم لمّا أقدموا على ذلك؛ رجع وباله عليهم. ﴿وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: وإن بذلوا جهدهم في إلقائك في الباطل، فأنت ما وقعت فيه؛ لأنّ الله متولّي شئونك، وحافظك، وعاصمك من الزّلل، والخطأ في حياتك كلّها، وما هممت به كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر، لا ميلا في الحكم، وخروجا عن الحقّ.\n ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ:﴾ القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ القضاء بهما، وانظر الآية رقم [٥٤]، فكيف يضرّونك بتدليسهم، وخداعهم، وإلقائك في الشّبهات؟! ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ:﴾ من أحكام الشرع، وأمور الدين، وعلّمك من خفيات الأمور، وأطلعك على ضمائر القلوب، وعلّمك من أحوال المنافقين، وكيدهم ما لم تكن تعلم.\n ﴿وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ يعني: لم يزل فضل الله عليك يا محمد عظيما، فاشكره على ما أولاك من إحسان، ومنّ عليك بنبوّته، وعلّمك ما أنزل عليك من كتابه، وحكمته، وعصمك ممّن حاول إضلالك؛ فإنّ الله هو الذي تولاّك بفضله، وشملك بإحسانه، وكفاك غائلة من أرادك بسوء. ففي هذه الآية تنبيه من الله ﷿، وتذكير لنبيه ﷺ على ما حباه من ألطافه، وما شمله من فضله، وإحسانه؛ ليقوم بواجب حقّه. انتهى خازن.\nبعد هذا: فالفعل «علم، وتعلم» في هذه الآية من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أنّ المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى في ألفيته-: [الرجز]\nلعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه","vol":"2","page":615},{"text":"بخلافه من العلم اليقيني، فإنّه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات، دون النّسب، بخلاف العلم، فإنّ متعلقه المعاني، والنسب. وتفصيل ذلك: أنّك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى: أنّك عرفت ذاته، ولم ترد: أنّك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى؛ لم يتجاوز مفعولا واحدا؛ لأنّ العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك. وإذا قلت: عرفت زيدا فقيها؛ لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.\nالإعراب: (لولا) حرف امتناع لوجود. ﴿فَضْلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: موجود. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر: ﴿فَضْلُ﴾. ﴿وَرَحْمَتُهُ:﴾ معطوف على المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، وقائمة مقام شرط (لولا). ﴿لَهَمَّتْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا).\n (همت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُضِلُّوكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه في محل نصب بنزع الخافض، التقدير:\nبإضلالك، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَهَمَّتْ..﴾. إلخ جواب (لولا) لا محلّ لها. وقيل: إنّ جواب (لولا) محذوف، تقديره: لأضلوك، وجملة: ﴿لَهَمَّتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. والذي حمل القائل على هذا هو أنّ اللفظ يقتضي انتفاء همّهم بذلك؛ لأنّ «لولا» تقتضي انتفاء جوابها لوجود شرطها، وهمهم موجود. والجواب: أنّ المراد نفي تأثير همّهم فيه، لا نفيه أصلا. والجملة الاسمية: (لولا...) إلخ كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يُضِلُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون.. إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال مثلها. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الجر الزائد.\n ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾): ماض، وفاعله. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.","vol":"2","page":616},{"text":"﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ معطوف على ما قبله. (علمك): فعل ماض، ومفعوله الأول، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهِ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: أنت. ﴿تَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله تقديره: أنت، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ ومفعول الفعل محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: الذي، أو: شيئا لم تكن تعلمه، وجملة:\n ﴿وَعَلَّمَكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كان) فعل ماض ناقص. ﴿فَضْلُ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿فَضْلُ،﴾ ﴿عَظِيمًا:﴾ خبر (كان). والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-607\"></span>﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ:﴾ أراد ما تفاوض به قوم بني أبيرق، وما دبّروه لتخليص مجرمهم من حدّ السرقة، وذكروه للنبيّ ﷺ. وهو عام في كلّ مناجاة لا تكون بطاعة الله؛ لأنّ خصوص السبب لا يمنع التعميم. هذا؛ والنّجوى: حديث المسارة بين اثنين، وأكثر، وهي مشتقّة من: نجوت الشيء، أنجوه: إذا خلّصته، وأفردته. والنّجوة من الأرض: المرتفع، لانفراده عمّا حوله، والنّجوى: مصدر، وقد تسمى به الجماعة، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ رقم [٤٧] من سورة (الإسراء)، كما يقال: قوم عدل، ورضا. وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن مسعود﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كنتم ثلاثة؛ فلا يتناج اثنان دون الآخر، حتّى يختلطوا بالنّاس؛ من أجل أن ذلك يحزنه» رواه مسلم.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁أيضا: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا ينتجي اثنان دون الثّالث، فإنّ ذلك يحزنه». رواه أبو داود. وانظر ما ذكرته في سورة (المجادلة) فإنّه جيّد، والحمد لله!.\n ﴿إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ:﴾ حثّ النّاس، ورغّبهم في إنفاق المال في وجوه الخير، وفي سبيل الله.\n ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ:﴾ المعروف: لفظ يعمّ أعمال البرّ كلّها؛ أي: ونهى عن منكر. هذا؛ والمعروف:","vol":"2","page":617},{"text":"كل ما يستحسنه الشّرع، والعقول السليمة تضافرت على استحسانه. قال رسول الله ﷺ: «كلّ معروف صدقة، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق». وقال ﷺ: «المعروف كاسمه، أوّل من يدخل الجنّة يوم القيامة المعروف، وأهله». وقال عليّ﵁-: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشّاكر بأضعاف جحود الكافر. وقال الحطيئة: [البسيط]\nمن يفعل الخير لا يعدم جوازيه... لا يذهب العرف بين الله والنّاس\nوأنشد الرّياشي: [الوافر]\nيد المعروف غنم حيث كانت... تحمّلها كفور أو شكور\nففي شكر الشّكور لها جزاء... وعند الله ما كفر الكفور\nوقال الماورديّ-رحمه الله تعالى-: فينبغي لمن قدر على إسداء المعروف أن يعجّله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم: أنّه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة فاتت، فأعقبت ندما، ومعوّل على مكنة زالت، فأورثت خجلا، كما قال الشاعر: [البسيط]\nما زلت أسمع كم من واثق خجل... حتّى ابتليت فكنت الواثق الخجلا\nولو فطن لنوائب دهره، وتحفّظ من عواقب مكره؛ لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مجبورة، فقد روي عن النبي ﷺ: أنّه قال: «من فتح عليه باب من الخير؛ فلينتهزه، فإنّه لا يدري متى يغلق عنه». وروي عن رسول الله ﷺ: أنّه قال: «لكلّ شيء ثمرة، وثمرة المعروف السّراح» أي: التعجيل، ورحم الله من قال: [الوافر]\nإذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون\nولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السّكون متى يكون؟\nوقال العباس﵁-: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره، وستره.\nفإذا عجلته؛ هنأته، وإذا صغرته؛ عظمته، وإذا سترته؛ أتممته. وقال بعض الشعراء: [الرمل]\nزاد معروفك عندي عظما... أنّه عندك مستور حقير\nتتناساه كأن لم تأته... وهو عند النّاس مشهور خطير\nومن شرط المعروف: ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله؛ لما فيهما من إسقاط الشكر، وإحباط الأجر.\n ﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ:﴾ عام في الدّماء، والأموال، والأعراض، وفي كلّ شيء يقع به التداعي، والاختلاف فيه بين المسلمين، وقد قال النبيّ ﷺ لأبي أيوب﵁-: «ألا","vol":"2","page":618},{"text":"أدلّك على صدقة يحبّها الله ورسوله: تصلح بين النّاس؛ إذا تفاسدوا، وتقرّب بينهم؛ إذا تباعدوا». رواه الطبرانيّ.\nوعن أبي الدّرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام، والصّلاة، والصّدقة؟» قالوا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة». رواه أبو داود، والترمذي. وقال الترمذيّ أيضا: ويروى عن النبي ﷺ أنّه قال: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين».\n ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ أي: الأمور المتقدّم ذكرها. ﴿اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ:﴾ يعني: طلب رضاه؛ لأنّ الإنسان إذا فعل ذلك خالصا لوجه الله؛ نفعه، وإن فعله رياء، وسمعة؛ لم ينفعه ذلك لقوله ﷺ: «إنّما الأعمال بالنّيّات...» الحديث. ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ يعني: في الآخرة إذا فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا:﴾ لا حدّ له؛ لأنّ الله سمّاه عظيما، وإذا كان كذلك؛ فلا يعلم قدره إلا الله. هذا؛ ويقرأ الفعل: «نؤتيه» بالياء والنون.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿خَيْرَ:﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِي كَثِيرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا﴾ أو هما متعلّقان ب ﴿خَيْرَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: موجود، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنْ نَجْواهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿كَثِيرٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾\nأداة استثناء، أو حرف حصر. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهي على حذف مضاف، التقدير: إلا نجوى من. وقيل: هو على الاستثناء المنقطع، التقدير: لكن من... إلخ، وهذا يعني: أنّ ﴿إِلاّ﴾ بمعنى: (لكن)، وعلى تفسير «نجوى» بقوم، أو جماعة، فالاستثناء متّصل، ولا حذف، ولا تقدير، أو هو بدل من: ﴿نَجْواهُمْ﴾ بدل بعض من كل؛ لأنّ الكلام منفي، وعلى اعتبار ﴿إِلاّ﴾ بمعنى: لكن يجوز أن تكون ﴿مِنْ﴾ في موضع رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: لكن من أمر... ففي نجواه خير، وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب على الاستثناء من الكلام السابق، وجملة: ﴿أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ﴾ صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق ب ﴿إِصْلاحٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه.\n (﴿مِنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مِنْ﴾). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و﴿مَرْضاتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿مَرْضاتِ﴾","vol":"2","page":619},{"text":"مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله أيضا، وفاعله محذوف أيضا.\n ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف استقبال، وهي مفيدة للتحقيق، والتوكيد هنا. ﴿نُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له، وجملة: (سوف...) إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا وتكرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-608\"></span>﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة، والتي بعدها بسبب طعمة بن أبيرق السّارق لمّا حكم الرسول ﷺ بقطع يده، وهرب إلى مكّة، وارتدّ عن الإسلام، كما رأيته فيما سبق، ومعنى: ﴿يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ ﷺ: يخالفه، ويخرج عن طاعته. هذا؛ وللشّقاق ثلاثة معان انظرها في الآية رقم [٣٥].\nهذا؛ والفعل ﴿يُشاقِقِ﴾ بالفكّ هنا، وقرئ بسورة (الأنفال) رقم [١٣]، وسورة (الحشر) رقم [٤] بالفكّ، والإدغام، وقد ذكرت هناك: أنّهما قراءتان، والقراءة توقيفية، والقواعد النحوية تجيز في المضارع المضعّف المجزوم بجازم: الفكّ، والإدغام.\n ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى:﴾ ظهر له الحق. هذا؛ ويقال: تبين الشيء، وبان، وأبان، واستبان، كلّه بمعنى واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا، يقال: استبان الشّيء، واستبنته. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ غير ما هم عليه من اعتقاد، أو عمل. وهو دليل على: أنّ الإجماع حجّة شرعية لا يجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب، والسنة؛ لأنّ الله تعالى جمع بين اتّباع غير سبيل المؤمنين، وبين مشاقّة الرّسول في الشّرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتّباعهم واجبا كموالاة الرّسول ﷺ. انتهى نسفي.\n ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى:﴾ نجعله واليا لما تولى من الضّلال، وندعه وما اختاره في الدّنيا لنفسه.\nأي: إذا سلك الطّريق المعوجّة؛ جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره، ونزينها له استدراجا له، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقال تعالى:\n ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾. ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ:﴾ ندخله في الآخرة جهنم جزاء إعراضه عن متابعة الرّسول ﷺ، وطريق المؤمنين في الدنيا. ﴿وَساءَتْ مَصِيرًا:﴾ ساء: فعل ذم يجري مجرى:\n «بئس». ﴿مَصِيرًا:﴾ مقرّا، ومآلا.\nروي: أنّ الشافعي﵁سئل عن آية في كتاب الله تعالى تدلّ على أنّ الإجماع حجّة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرّة حتّى استخرج هذه الآية. انتهى خازن.","vol":"2","page":620},{"text":"الإعراب: (﴿مَنْ يُشاقِقِ﴾): إعرابه مثل إعراب ما قبله، والفاعل يعود إلى (من). ﴿الرَّسُولَ:﴾\nمفعول به. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من المصدر المفهوم من الفعل السابق. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْهُدى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذر.\nو﴿ما﴾ والفعل: ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد تبيين الهدى له. ﴿وَيَتَّبِعْ:﴾ معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف إليه، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نُوَلِّهِ:﴾ جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:\nنحن، والهاء مفعول به أول. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا تولاه. ﴿وَنُصْلِهِ:﴾ معطوف على: ﴿نُوَلِّهِ﴾ مجزوم مثله، وجملة: ﴿نُوَلِّهِ..﴾. إلخ جواب الشرط، لا محلّ لها؛ لأنّها لم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيته في الآية رقم [١١١].\nتنبيه: يجوز في العربية نصب: (﴿يَتَّبِعْ﴾)، ونصب: (﴿نُصْلِهِ﴾) ورفعه، وهذا يعتمد على قاعدة، وهي أنّه: إذا عطف مضارع بالواو، أو بالفاء على فعل الشرط جاز نصبه على إضمار «أن» وجزمه بالعطف على فعل الشرط، وإذا عطف مضارع على جواب الشرط بالواو وبالفاء، يجوز جزمه بالعطف على جواب الشرط، ونصبه على إضمار «أن» ورفعه على الاستئناف، ولكن لم يقرأ في هذه الآية بغير الجزم. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته في عوامل الجزم: [الرجز]\nوالفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن\nوجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو ان بالجملتين اكتنفا\n\n<span id=\"aya-609\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ..﴾. إلخ: انظر شرحها في الآية رقم [٤٨]. ﴿ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا:﴾\nخرج عن جادة الحقّ، وابتعد عن الصراط المستقيم، وإن الشّرك أعظم أنواع الضلالة، وأبعدها","vol":"2","page":621},{"text":"عن الصّواب، والاستقامة، وانظر الآية رقم [٦٠] ورقم [٨٨]. وإنّما ذكر سبحانه في الآية الأولى:\n ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾ لأنّها متصلة بقصّة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى التبنّي.\nتنبيه: نزلت الآية الأولى في حقّ وحشي قاتل الحمزة﵁-، وهي متّصلة بالكلام على أهل الكتاب، فهي ترغّبهم في الإيمان. ونزلت هذه الآية في ترغيب طعمة بن أبيرق بالتّوبة، والرّجوع إلى الإيمان، فلا تكرار في الكلام.\nهذا؛ وقيل: جاء شيخ إلى رسول الله ﷺ، وقال: إنّي شيخ منهمك في الذنوب، والمعاصي، إلا أنّي لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته، وآمنت به، ولم أتّخذ من دونه وليّا، ولم أقع في المعاصي جراءة على الله، ولا مكابرة له، وما توهّمت طرفة عين أنّي أعجز الله هربا، وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله تعالى؟ فنزلت الآية الكريمة. وسبق إعراب مثل هذه الآية.\n\n<span id=\"aya-610\"></span>﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ يَدْعُونَ:﴾ ما يعبدون؛ أي: الكفار. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله. ﴿إِلاّ إِناثًا:﴾ المراد بها: الأصنام المسمّاة باللات، والعزى، ومناة، ونحوها، كان لكلّ حيّ صنم يعبدونه، ويسمّونه: أنثى بني فلان، وذلك لتأنيث أسمائها، أو لأنّه كانت جمادات، والجمادات تؤنّث من حيث ضاهت الإناث لانفعالها، أي: لخلقها، ومن حقّ المعبود أن يكون خالقا.\nوقيل: أنّثت؛ لأنّهم كانوا يقولون في أصنامهم: هنّ بنات الله. وقيل: لأنّهم كانوا يلبسونها أنواع الحلي، ويزيّنوها على هيئات النّساء.\n ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا:﴾ لأنّه هو الذي أمرهم بعبادتها، فكانت طاعته في ذلك عبادة له. ونظيره في المعنى قول الله ﷿ في سورة (التوبة): ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: أطاعوهم فيما أمروهم به، لا أنهم عبدوهم. وانظر شرح «الشيطان» في الآية رقم [٧٦]. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-: لكلّ صنم شيطان يدخل في جوفه، ويتراءى للسّحرة، والكهنة، ويكلّمهم: فلذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا﴾.\nهذا؛ و(مريد) هو الذي بلغ النهاية في الشرّ، والفساد، يقال: «مرد» من بابي: نصر، وظرف: إذا عتا، وتجبر؛ فهو مارد، ومريد. هذا؛ وأصل (دون) من الدّون، وهو: القرب، ومثله: أدنى، قال تعالى في الآية رقم [٤]: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ ومنه تدوين الكتب؛ لأنّه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض، ثمّ استعير للرّتب، فيقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، ثم اتّسع فيهما، فاستعملا في كلّ تجاوز حدّ إلى حدّ، وتخطّي حكم إلى حكم، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٢٨]: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا يتجاوز وقاية المؤمنين إلى الكافرين، وقال أميّة بن أبي الصّلت: [البسيط]","vol":"2","page":622},{"text":"يا نفس ما لك دون الله من واق... ولا لسبع بنات الدّهر من راق\nأي: إذا تجاوزت وقاية الله، ولم تناليها لم يقك غيره. ويأتي (دون) بمعنى قدّام، قال الأعشى: [الطويل]\nتريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق\nو(دون) نقيض: فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون اسم فعل أمر، كقولك: دونك الدّرهم؛ أي: خذه، ويكون ظرفا، وهو الأصل فيه، والدون: الحقير، الخسيس، قال الشاعر: [المتقارب]\nإذا ما علا المرء رام العلا... ويقنع بالدّون من كان دونا\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿إِناثًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\nوقال الجمل: الجملتان بمنزلة التّعليل لما قبلهما. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-611\"></span>﴿لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿لَعَنَهُ اللهُ:﴾ أبعده من رحمته، وطرده من جنّته، وانظر الآية رقم [٥٢].\n ﴿وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ:﴾ أي: لأجعلنّ لي. ﴿مِنْ عِبادِكَ:﴾ (عباد) جمع: عبد، وهو الإنسان حرّا كان أو رقيقا، ويقال للملوك: عبد قن، وله جموع كثيرة، أشهرها عبيد، وعباد، وعبدان، وعبدة، والإضافة في نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ إضافة تشريف، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبيّ ﷺ اسم أشرف منه، وأعظم؛ لسمّاه به حينما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حيث قال جلّ ذكره: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾.\nوفي معناه أنشدوا: [السريع]\nيا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي\nلا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنّه أشرف أسمائي\n ﴿نَصِيبًا:﴾ حظّا مقطوعا واجبا لي، وهذا النصيب المقطوع هم الذين يتبعون خطواته، ويقبلون وساوسه، وهم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف، فيدخل الجنّة من كلّ ألف واحد، لقول النبي ﷺ: «ما أنتم فيمن سواكم إلاّ كالشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود». ويعضده قوله","vol":"2","page":623},{"text":"تعالى لآدم يوم القيامة: «يا آدم! أخرج من ذرّيتك بعث النّار، فيقول: يا ربّ! وما بعث النّار؟ فيقول الله تعالى: أخرج من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعند ذلك تشيب الأطفال من شدّة الهول». أخرجه مسلم. فنصيب الشّيطان هو بعث النّار، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة المزمّل؛ تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿لَعَنَهُ:﴾ فعل ماض ومفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل ﴿شَيْطانًا﴾ في الآية السابقة، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، وجوّز «الجمل» فيها الاستئناف، وقال: إمّا إخبار بذلك، وإما دعاء عليه. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿شَيْطانًا﴾. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، والنون حرف لا محلّ له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب صفة مثلها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط: الواو، والضمير، وجوّز اعتبارها مستأنفة. ﴿مِنْ عِبادِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محلّ نصب مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿نَصِيبًا:﴾ مفعول به. ﴿مَفْرُوضًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-612\"></span>﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا (١١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: لأبعدنّهم عن طريق الحقّ. والمراد: التّزيين، والوسوسة، وإلا؛ فليس له من الإضلال شيء. قال بعضهم: لو كانت الضلالة إلى إبليس؛ لأضلّ جميع الخلق. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ قال ابن عباس﵄-: يريد تسويف التوبة، وتأخيرها. وقال الكلبيّ-رحمه الله تعالى-: أي: الأماني الباطلة، كطول الحياة، وأن لا بعث، ولا حساب، ولا عقاب، ولا جنّة، ولا نار. انتهى. والأماني لا تنحصر؛ لأنّ كل واحد في نفسه إنّما يمنّيه بقدر رغبته، وقرائن أحواله. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ﴾ أي: يقطّعونها، ويشعرونها، وهو ما كانوا يفعلونه بالبحيرة، والسّائبة، والوصيلة من الحيوانات المذكورة في سورة (المائدة) رقم [١٠٣]، والبتك: شقّ الأذن، وهو أيضا: القطع. ﴿الْأَنْعامِ:﴾ مأكولة اللّحم من: بقر، وغنم، وإبل، وما عز.\n ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ أي: عن وجهه صورة، أو صفة، ويندرج فيه ما قيل من فقء عين الحامي، وخصاء العبيد، والوشم، والوشر، والوسم في الوجه، واللّواط، والسّحاق","vol":"2","page":624},{"text":"ونحو ذلك، وعبادة الشمس، والقمر، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، ويلحق به تغيير الشيب بالسّواد، والتّخنّث والخنسة، وغير ذلك.\nوفي صحيح مسلم عن عياض بن حمّاد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: إنّي خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشّياطين، فاجتالتهم عن دينهم، فحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا، وأمرتهم أن يغيّروا خلقي».\nوعن ابن مسعود﵁-: أنّه قال: «لعن رسول الله ﷺ الواشمات، والمستوشمات، والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن؛ المغيّرات خلق الله». فقالت له امرأة في ذلك، فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ؟! وفي كتاب الله قال الله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. أخرجه السّتّة.\n ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يعني: يتّخذه ربّا يطيعه فيما يأمره. ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا:﴾ حيث استبدل طاعة الشّيطان بطاعة الله تعالى، والفساد بالصّلاح، والعقاب بالثّواب. هذا؛ وقيل في تفسير (الخسران): أنّه جعل لكلّ واحد من بني آدم منزل في الجنّة، ومنزل في النّار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار الّتي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النّار، فذلك هو الخسران، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران!! وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد، إلاّ وله منزلان: منزل في الجنّة، ومنزل في النّار، فإذا مات، فدخل النّار؛ ورث أهل الجنّة منزله». فذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾.\nتنبيه: قد يرد سؤال: من أين لإبليس العلم بالعواقب حتّى يقول ما قاله الله تعالى عنه:\n ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (الأعراف) حكاية عنه: ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ وفي (الإسراء): ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا،﴾ وأكّد ذلك ما حكاه الله من قوله في سورة (ص):\n ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وما يشبه في سورة (الحجر)؟ والجواب من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنّ إبليس-لعنه الله-ظنّ: أنّ هذه الأمور التي يريدها تقع منهم، فحصل له ما ظنّه، ويدلّ على ذلك قوله تعالى في سورة (سبأ): ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾.\nالوجه الثّاني: قال ابن الأنباري: المعنى: لأجتهدن، ولأحرصنّ في ذلك، لا أنّه كان يعلم الغيب.\nالوجه الثالث: قال الماوردي: من الجائز أن يكون قد علم ذلك من الملائكة بخبر من الله تعالى: أنّ أكثر الخلق لا يؤمنون.\nتنبيه: النصيب المفروض: هو الشيء القليل، وهو ما ذكرته آية (الإسراء)؛ فكيف الجمع بينه وبين حديث: «بعث النار»؟ والجواب: أنّ الكفار الذين هم حزب الشّيطان، وإن كانوا أكثر","vol":"2","page":625},{"text":"من المسلمين في العدد؛ لكنّهم أقلّ من المؤمنين في الفضل، والشرف، وعلوّ الدّرجة عند الله، والمؤمنون وإن كانوا أقلّ من الكفار؛ لكنّهم أكثر منهم؛ لأنّ لهم الفضل، والشرف، والسّؤدد، والغلبة في الدّنيا، وعلو الدّرجة في الآخرة. وأنشد بعضهم في هذا المعنى، فقال: [الكامل]\nوهم الأقلّ إذا تعدّ عشيرة... والأكثرون إذا يعدّ السّؤدد\nبعد هذا؛ فأصل: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ:﴾ يغيّرون، فلمّا اتّصلت به نون التوكيد؛ صار: ليغيّروننّ، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال فصار: ليغيّرونّ، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على الراء قبلها؛ لتدلّ عليها، فصار: (ليغيّرنّ)، وقل مثله في إعلاله: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ،﴾ وكلّ مضارع من الأفعال الخمسة فاعله واو الجماعة، واتصلت به نون التّوكيد.\nالإعراب: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَأُضِلَّنَّهُمْ﴾): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ الّتي هي حرف لا محلّ له، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محلّ لها مثلها، والجملتان: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ معطوفتان عليها، وإعرابهما مثلها بلا فارق، والمتعلق محذوف. ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ليبتكن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون حرف توكيد لا محلّ له. ﴿آذانَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْأَنْعامِ:﴾ مضاف إليه، واللام واقعة في جواب قسم محذوف مثل ما قبلها.\n ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ:﴾ إعرابهما مثل إعراب ما قبلهما. ﴿خَلْقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف.\nو﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَّخِذِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿الشَّيْطانَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب ﴿وَلِيًّا﴾ أو بمحذوف صفة له.\nو﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من).\n ﴿خُسْرانًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿فَقَدْ..﴾. إلخ في محلّ جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته مرارا، وتكرارا.\n\n<span id=\"aya-613\"></span>﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ أي: الشّيطان الوعود الكاذبة، وترّهاته من طول العمر، وبأنّه لا بعث، ولا حساب، ولا جنّة، ولا نار، ويوهمهم الفقر؛ حتّى لا ينفقوا في الخير. ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ الأماني","vol":"2","page":626},{"text":"الباطلة ممّا لا ينالون. وانظر الآية رقم [٣٢]. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ أي: خديعة. قال ابن عرفة-رحمه الله تعالى-: الغرور: ما رأيت له ظاهرا تحبّه، وهو إمّا بالخواطر الفاسدة، أو بألسنة أوليائه. ولا تنس الطباق بين السّلب، والإيجاب.\nالإعراب: ﴿يَعِدُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى «الشّيطان» والهاء مفعول به أوّل، والثاني محذوف، تقديره: طول العمر، ونحوه. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَيُمَنِّيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثّقل، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيضا، والهاء مفعول به أوّل، والثاني محذوف، انظر المعنى والشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية.\n ﴿يَعِدُهُمْ:﴾ فعل مضارع، ومفعوله الأول. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿غُرُورًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط:\nالواو، وإعادة ﴿الشَّيْطانُ﴾ بلفظه، وكان حقّه الإضمار، فأعاده لزيادة التّحقير، والتّحذير منه.\nوإن اعتبرت الجملة مستأنفة؛ فلا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-614\"></span>﴿أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا (١٢١)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة لأولياء الشّيطان، المتّبعون وساوسه، وزخارفه. ﴿مَأْواهُمْ:﴾\nمقرّهم، ومصيرهم، ومآلهم. ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا:﴾ مهربا، ومفرّا.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ ثان مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال.\n (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿عَنْها:﴾\nجار، ومجرور متعلّقان ب ﴿مَحِيصًا﴾ بعدهما. ﴿مَحِيصًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أو من: ﴿جَهَنَّمُ﴾ والرابط على الاعتبارين:\nالواو، والضمير.\n<span id=\"aya-615\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا (١٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٥٧] ففيها الكفاية.\nوأضيف هنا: أنّ الأبد عبارة عن مدّة الزمان الممتد الذي لا انقطاع له، ولا يتجزّأ، كما يتجزأ","vol":"2","page":627},{"text":"غيره من الأزمنة؛ لأنّه لا يقال: أبد كذا، كما يقال: زمن كذا، وفي قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ دليل على أنّ الخلود لا يفيد التأبيد، والدّوام؛ لأنّه لو أفاد ذلك؛ لزم التّكرار، وهو خلاف الأصل، فعلم من ذلك: أنّ الخلود عبارة عن طول الزّمان، لا على الدّوام، فلمّا أتبع الخلود بالأبد؛ علم: أنّه يراد به الدّوام؛ الّذي لا ينقطع.\n ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا:﴾ يعني: وعد الله ذلك الذي ذكر وعدا حقّا. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا:﴾\nأصله: قولا؛ بكسر القاف، وسكون الواو، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، والقيل:\nوالقال، والقول بمعنى واحد. والمقصود من الآية الكريمة معارضة المواعيد الشّيطانية الكاذبة لأوليائه بوعد الله الصادق لأصفيائه، والمبالغة في توكيده، ترغيبا للعباد في تحصيله. وانظر الآية رقم [٨٧] فهو جيّد. هذا؛ ولا تنس المقابلة بين هذه وما تضمّنت من الوعد وبين ما قبلها، وانظر شرح المقابلة في الآية رقم [٨٥].\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا:﴾ انظر الآية رقم [٥٧] ففيها الكفاية. ﴿وَعْدَ:﴾ مفعول مطلق مؤكّد لمضمون (ندخلهم) لأنّه وعد من العزيز الحكيم، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقًّا:﴾\nمفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره: حقّ ذلك حقّا، والجملة الفعلية هذه صفة وعد الله، وجوّز اعتبارها حالا من المصدر قبله، وهو ضعيف.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): اسم استئناف بمعنى النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْدَقُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَصْدَقُ،﴾ أو هما متعلقان ب ﴿قِيلًا﴾ لأنّه مصدر أيضا. ﴿قِيلًا:﴾ تمييز، وانظر الآية رقم [٨٧].\n\n<span id=\"aya-616\"></span>﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٢٣)﴾\nالشرح: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين، والمعنى: ليس الأمر على شهواتكم، وأمانيكم أيّها المسلمون. ﴿وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ وليس الأمر على شهوات أهل الكتاب:\nاليهود، والنصارى. هذا؛ و(﴿أَمانِيِّ﴾) جمع: أمنية بتشديد الياء، وتخفيفها فيهما، قال أبو حاتم- رحمه الله تعالى-: كلّ ما جاء من هذا النحو واحد، مشدّد، فلك فيه التّشديد، والتخفيف، مثل:\nأثافي، وأغاني، وأماني، ونحوه. وهذا من قولهم: مان الرجل في حديثه مينا، وتمنّى، تمنيا، أي: كذب، ومنه قول عثمان بن عفان﵁-: ما تمنّيت مذ أسلمت؛ أي: ما كذبت.\nأو هي جمع: أمنية من التمنّي، وهو طلب شيء محبوب، لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا:\nأو بعيد الوقوع. وإذا كان متوقّع الحصول؛ فإنّ ترقّبه يسمّى ترجيا، وعليه: فالأماني التي يتمنّاها","vol":"2","page":628},{"text":"سفلة اليهود، ويعدهم بها رؤساؤهم مواعيد فارغة؛ من أنّ الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأنّ النّار لن تمسّهم إلا أياما معدودة، وأنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنّهم أبناء الله، وأحباؤه... إلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة. هذا؛ وأصلها: «أمنوية» على وزن «أفعولة» فقل في إعلالها: اجتمعت الواو والياء، والأوّل ساكن، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثمّ قلبت ضمّة النّون كسرة لمناسبة الياء، فصار: أمنية، وانظر (تمنى) في الآية رقم [٣٢].\n ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: من المشركين، وأهل الكتاب، والمسلمين، فمات عليه من غير توبة يجز به النّار، وهو قول الجمهور، ولفظ الآية عام، فالكافر، والمؤمن، مجازى بعمله السّوء، فأمّا مجازاة الكافر؛ فالنّار لأنّ كفره أوبقه، وأمّا مجازاة المؤمن؛ فبنكبات الدنيا، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة﵁-، قال: لمّا نزلت الآية بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله ﷺ: «قاربوا، وسدّدوا، ففي كلّ ما يصاب به المسلم كفّارة له، حتّى النّكبة ينكبها، والشّوكة يشاكها».\nوعن أبي بكر الصدّيق﵁قال: كنت عند رسول الله ﷺ، فنزلت الآية الكريمة، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت عليّ؟». قلت: بلى يا رسول الله! قال: فأقرأنيها، فلا أعلم أنّي وجدت انقصاما في ظهري، فتمطّأت لها، فقال رسول الله ﷺ:\n «ما شأنك يا أبا بكر؟!» قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي! وأيّنا لم يعمل سوءا؟! وإنا لمجزيّون بأعمالنا؟! فقال رسول الله ﷺ: «أمّا أنت يا أبا بكر، والمؤمنون فتجزون بذلك في الدّنيا، حتّى تلقوا الله؛ وليس عليكم ذنوب، وأمّا الآخرون، فيجتمع ذلك لهم حتّى يجزوا به يوم القيامة». أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث غريب. وفي رواية قال له رسول الله ﷺ: «أما تمرض، أو يصيبك بلاء؟» قال: بلى يا رسول الله! قال: «هو ذلك».\n ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ..﴾. إلخ هذا في حقّ الكافر، فأمّا المؤمن؛ فله وليّ، ونصير. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن حملت الآية على الكافر؛ فليس له غدا ولي، ولا نصير، وإن حملت على المؤمن؛ فليس له وليّ، ولا نصير دون الله.\nتنبيه: روي: أنّ المسلمين، وأهل الكتاب تفاخروا، فقال اليهود: نبيّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، فنبيّنا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على كتابكم. فنزلت الآية الكريمة، وقرّرت: أنّ الجزاء من جنس العمل، وأنّ الإيمان ليس بالتمنّي.\nقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل، إنّ قوما ألهتهم الأماني حتّى خرجوا من الدّنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ بالله تعالى، كذبوا، لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل.","vol":"2","page":629},{"text":"هذا؛ ومن أماني أهل الكتاب قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى﴾.\nوقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً﴾. وقيل: الخطاب للمشركين؛ حيث قالوا: لا بعث، ولا حساب... إلخ، والله أعلم.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر، ولم يتقدّم له ذكر؛ أي: ليس الأمر الذي ادعيتموه، أو: ليس ذلك، أو: ليس ثواب الله. ﴿بِأَمانِيِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ؛﴾ أي: منوطا بأمانيّكم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿أَمانِيِّ:﴾ معطوف على سابقه، وهو مضاف، و﴿أَهْلِ:﴾\nمضاف إليه، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿سُوءًا:﴾ مفعول به. ﴿يُجْزَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا، وهو المفعول الأوّل. ﴿بِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيته مرارا، والجملة الاسمية مستأنفة. وقيل: تعليل للنّفي، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَجِدْ:﴾ معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وقرئ بالرفع على الاستئناف، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان ب ﴿نَصِيرًا﴾ بعدهما. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، هما مفعوله الأول، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرًا:﴾\nمعطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-617\"></span>﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ أي: بعضها، فإنّ ﴿مَنْ﴾ للتبعيض هنا؛ لأنّ كل واحد لا يستطيع القيام بجميعها، وليس مكلّفا بها كلّها. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى:﴾ هذا بيان من العليّ القدير: أنّ الأنثى مثل الذّكر في الثّواب، والعقاب، والمسئولية أمام الله، وما أكثر الآيات التي تبيّن، وتصرّح بهذا. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: بالله، ورسوله، واليوم الآخر، والإسلام،","vol":"2","page":630},{"text":"والقرآن، ومحمد ﷺ. وهذا يسمّى في البلاغة: احتراسا؛ إذ لولاه؛ لدخل الجنّة كلّ من عمل صالحا في الدّنيا، من مسلم، ويهوديّ، ونصرانيّ، لكن هذا الشّرط يخرج غير المسلمين، ويحرمهم من دخول الجنّة. ﴿فَأُولئِكَ﴾ أي: الذين يعملون الصالحات، وهم مؤمنون. ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا:﴾ بنقص شيء من الثّواب، ولا بزيادة شيء من العقاب؛ لأنّ المجازي أحكم الحاكمين، ولا يظلم أحدا بمثقال ذرّة، كما رأيت في الآية رقم [٤٠] وانظر شرح «النّقير» في شرح الآية رقم [٤٩]. هذا؛ وروعي لفظ (﴿مَنْ﴾) في أوّل الآية، وروعي معناه في آخرها.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿مِنَ الصّالِحاتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ ذَكَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿يَعْمَلْ﴾ المستتر، و(﴿مَنْ﴾) بيان لما أبهم في: (﴿مَنْ﴾). ﴿أَوْ أُنْثى:﴾ معطوف على: ﴿ذَكَرٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر أيضا، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشّرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وانظر تتمة الكلام في الآية السابقة. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون، وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسّع في الكلام بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام» وأيضا قوله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وهذا إذا كان الفعل ثلاثيّا، وأمّا إذا كان رباعيّا؛ فانظره في الآية رقم [٥٧].\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. ﴿نَقِيرًا:﴾ مفعول به ثان، وهو على تقدير مضاف؛ أي: لا يظلمون بمقدار النّقير. وقيل: هو تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-618\"></span>﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ أي: لا أحد أحسن دينا ممّن انقاد لأمر الله، وشرعه، وأخلص عمله لله تعالى، وأقبل بكلّيته عليه. وخصّ الوجه بالذّكر؛ لأنّه أشرف الأعضاء الظّاهرة، وفيه أكثر الحواس، ولأنّه موضع السجود، ومظهر آثار الخشوع، والخضوع، وفيه يظهر العزّ، والإذلال، والفرح، والحزن، والسّرور، والغمّ، وغير ذلك، والعرب تخبر","vol":"2","page":631},{"text":"بالوجه عن جملة الشيء، قال الله ﷿ لنبيّه ﷺ: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ رقم [٢٠] من سورة (آل عمران)، وإذا جاء العبد بوضع وجهه على الأرض في السّجود؛ فقد جاء بجميع أعضائه، فقال زيد بن عمرو بن نفيل، وهو من الذين تفرقوا في البلدان في الجاهلية يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم﵇-: [المتقارب]\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت... له الأرض تحمل صخرا ثقالا\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت... له المزن تحمل عذبا زلالا\nيعني بذلك: استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته الأرض والمزن.\n ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ:﴾ أي: في عمله. فله شرطان: أحدهما: أن يكون خالصا لله تعالى، والثاني: أن يكون صوابا موافقا للشريعة التي جاء بها محمّد ﷺ. فمتى اختلّ شرط منهما؛ كان العمل غير مقبول قطعا.\nهذا؛ و(الدين) اسم لجميع ما يتعبّد به الله تعالى، والدّين: الملة، والشّريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾. ويوم الدين: يوم الجزاء، والحساب. هذا؛ ويطلق الدّين على العادة، والشأن، والحال، ومنه قول امرئ القيس في معلّقته: [الطويل]\nكدينك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل\nهذا؛ والدّين بفتح الدّال: الدّين المؤجل، وجمع الأوّل: أديان، وجمع الثاني: ديون وأدين، والدّينونة: القضاء، والحساب، والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبّد به الله تعالى.\n ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا:﴾ ملّة إبراهيم: دينه، وطريقته، وهي بكسر الميم، وهي بفتح الميم: الرّماد الحار، و(﴿حَنِيفًا﴾) مائلا عن كلّ دين باطل إلى دين الحقّ. قال الشاعر: [الوافر]\nولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين\nورجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها، قالت أمّ الأحنف بن قيس: [الرجز]\nوالله لولا حنف برجله... ما كان في فتيانكم من مثله\nوقال قوم: الحنف: الاستقامة، فسمّي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته، وسمّي المعوجّ الرّجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة، كما قيل للّديغ: سليم، وللهلكة: مفازة، والعرب تسمي كلّ من حجّ، أو اختتن: حنيفا، تنبيها على أنّه على دين إبراهيم. وخذ قول سيدنا الرّسول ﷺ:\n «بعثت بالحنيفيّة السّمحة».","vol":"2","page":632},{"text":"﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا:﴾ لقد ذكرت أسباب كثيرة لاتخاذ الله إبراهيم خليلا، أكتفي بأمرين من ذلك:\n١ - روي: أنّ إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بعث غلمانه إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت النّاس بشدّة؛ ليمتاروا منه، فقال خليله للغلمان: لو كان إبراهيم يريد الطّعام لنفسه؛ لفعلت، ولكن يريده للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب النّاس من الشدّة، فرجع غلمانه بدون ميرة، فمرّوا في طريقهم ببطحاء من الرملة سهلة، فملئوا الغرائر منها؛ لئلا يرى النّاس: أنّهم رجعوا بدون ميرة، فلما أخبروا إبراهيم بذلك ساءه الخبر، فغلبته عيناه فنام، وقامت سارة﵍إلى غرارة منها، ففتحتها فإذا هي ملأى بأجود دقيق، فأمرت الخبّازين، فخبزوا، وأطعموا النّاس، فاستيقظ إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فوجد ريح الخبز، فقال: يا سارة! من أين لكم هذا؟ فقالت: من عند خليلك المصري. فقال: بل هذا من عند خليلي الله. قال: فيومئذ اتّخذه الله خليلا.\n٢ - روى الطّبرانيّ عن عمر بن الخطاب﵁قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ﵎ بعث حبيبي جبريل﵊إلى إبراهيم ﵇، فقال له:\nيا إبراهيم! إنّي لا أتّخذك خليلا على أنّك أعبد عباد لي، ولكن اطّلعت على قلوب المؤمنين، فلم أجد قلبا أسخى من قلبك».\nهذا؛ وقد اتّخذ الله محمّدا ﷺ خليلا، كما اتّخذ إبراهيم خليلا، فقد ثبت في الصّحيحين عن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ: أنّه قال: «لو كنت متّخذا خليلا غير ربّي؛ لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكنّه أخي، وصاحبي، وقد اتّخذ الله صاحبكم خليلا». أخرجه مسلم.\nفقد ثبت بهذين الحديثين الخلّة ل (إبراهيم) ﵇، وللنبيّ ﷺ، وزاد على إبراهيم﵇بالمحبّة، فمحمّد خليل الله، وحبيبه، فقد جاء في حديث عن ابن عباس﵃-: أنّ النبي ﷺ قال: «وأنا حبيب الله، ولا فخر! وأنا أوّل شافع، وأوّل مشفّع؛ ولا فخر! وأنا أوّل من يحرّك حلقة الجنّة، فيفتح الله، ويدخلنيها؛ ومعي فقراء المؤمنين؛ ولا فخر! وأنا أكرم الأوّلين، والآخرين يوم القيامة؛ ولا فخر!». أخرجه الترمذيّ بأطول من هذا.\nبعد ما تقدّم فالخلّة بين الآدميين: الصّداقة، مشتقّة من تخلّل الأسرار بين المتخالّين. وقيل:\nهي من الخلّة، فكل واحد من الخليلين يسدّ خلّة صاحبه. هذا؛ والخليل: هو الصديق الذي صفت مودّته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضبّي: [الوافر]\nأخوك أخوك من تدنو وترجو... مودّته وإن دعي استجابا\nإذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا","vol":"2","page":633},{"text":"وهو معدوم في هذا الزّمن؛ الّذي فسد أهله، وصاروا خلّا، ودودا، كما قال القائل: [الوافر]\nسألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا: النّاس من خلّ ودود\nفقلت أليس فيهم ذو وفاء... فقالوا: كان ذلك في الجدود\nاحفظ البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التّام، لذا فإنّه لا وجود للصّديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال القائل: [الكامل]\nقد قيل إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي\nوقال الآخر: [الوافر]\nسألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا ما إلى هذا سبيل\nتمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل\nوممّا هو جدير بالذّكر: أنّ كل صداقة لا تكون على أساس من التّقوى، تنقلب عداوة في الدّنيا، والآخرة، خذ قوله تعالى في سورة الزّخرف: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ،﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس اللّعين في سورة (إبراهيم) رقم [٢٢] وفي سورة (ق) أيضا. وفي مصنّف أبي داود عن أبي هريرة﵁-: أنّ النبيّ ﷺ قال: «الرّجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». ولقد أحسن من قال: [السريع]\nمن لم تكن في الله خلّته... فخليله منه على خطر\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿دِينًا:﴾ تمييز.\n ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَحْسَنُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة؛ فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَسْلَمَ،﴾ أو هما متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿وَجْهَهُ،﴾ والجملة الاسمية: (﴿هُوَ مُحْسِنٌ﴾) في محل نصب حال من فاعل:\n ﴿أَسْلَمَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا محلّ لها، والاعتراض يزيد الكلام تقوية، وتسديدا. (اتّبع): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَنِيفًا:﴾ حال من: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ وقيل: هو حال من فاعل: (اتّبع) المستتر، وهو ضعيف، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنّ المضاف كجزء منه، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله","vol":"2","page":634},{"text":"أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\nوجملة: ﴿وَاتَّبَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَسْلَمَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعولاه. وقيل: ﴿خَلِيلًا:﴾ حال من:\n ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ ولا وجه له. والجملة الفعلية معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها من الإعراب.\nقال الزمخشري، كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم: «والحوادث جمّة» (^١) الشّاهد رقم [٧١٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقال: فائدتها تأكيد وجوب اتّباع ملّته؛ لأنّ من بلغ الزّلفى عند الله بأن اتّخذه خليلا؛ كان جديرا بأن تتّبع ملّته، وطريقته، ولو جعلتها معطوفة على الجملة قبلها؛ لم يكن لها معنى. انتهى كشاف.\n\n<span id=\"aya-619\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ: ملكا، وخلقا، وعبيدا، والمعنى: أنّ الله اتّخذ إبراهيم بحسن طاعته، لا لحاجته إلى مخالّته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بقوّته، كيف، وله ما في السموات وما في الأرض؟! وإنّما أكرمه لامتثاله لأمره، واجتنابه لنهيه. وفيه تغليب غير العقلاء على العقلاء. ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا:﴾ انظر الآية رقم [١٠٨] ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها.\n ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُحِيطًا﴾ بعدهما، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُحِيطًا:﴾\nخبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-620\"></span>﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة بسبب سؤال قوم من الصّحابة عن أمر النساء، وأحكامهن في\n_________\n١) البيت بتمامه: [الكامل] يا ليت شعري والحوادث جمّة هل مرّة أغدو وأمري مجمع","vol":"2","page":635},{"text":"الميراث، وغير ذلك، فأمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ أي: يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه. وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السّورة من أمر النساء، وكانوا قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها، فسألوا، فقيل لهم: ﴿اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾.\nوقال ابن عباس﵄-: نزلت في بنات أم كجّة، وقد تقدّمت قصّتهنّ في الآية رقم [٧] من هذه السّورة. وقالت عائشة﵂-: هي اليتيمة تكون في حجر الرّجل، وهو وليّها، فيرغب في نكاحها، إذا كانت ذات جمال، ومال بأقلّ من سنّة صداقها، وإذا كانت غير مرغوب فيها لقلّة الجمال، والمال؛ تركها. وانظر الآية رقم [٣] من هذه السورة. هذا؛ والاستفتاء: طلب الفتوى، وهو إظهار ما أشكل من الأحكام الشّرعية، وكشفه، وتبيينه.\nقال المفسّرون: والذي استفتوه فيه هو ميراث النّساء، وذلك: أنّهم كانوا لا يورّثون النّساء، ولا الصّغار من الأولاد، فلمّا نزلت آيتا الميراث رقم [١١ و١٢] قالوا: يا رسول الله! كيف نورّث المرأة، والصغيرة؟ فأجابهم بهذه الآية: ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ المعنى: الله يفتيكم في النّساء بما أنزل في كتابه عليكم. ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ:﴾ قيل:\nمعناه: في النّساء اليتامى. وقيل: في اليتامى أولاد النساء؛ لأنّ الآية نزلت في يتامى أمّ كجّة.\n ﴿اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ يعني: ما فرض لهنّ من الميراث، وهذا على قول من يقول: إنّ الآية نزلت في ميراث اليتامى الصغار. وعلى القول الآخر: معناه: ما كتب لهنّ من الصّداق.\n ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ التقدير: في أن، أو: عن أن تنكحوهن، فإنّ أولياء اليتامى كانوا يرغبون في نكاحهن إذا كنّ جميلات، ويأكلون مالهنّ، وإلا فيرغبون عن نكاحهنّ إن كنّ غير جميلات، ويعضلوهنّ عن الزّواج بغيرهم، انظر الآية رقم [٣] من هذه السّورة.\n ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ:﴾ فهو معطوف على ما قبله، أي: داخل في المبهم المطلوب بيانه في الفتوى؛ لأنّ العرب لم يكونوا يورّثون من لم يقاتل من النّساء، والولدان. ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ﴾ انظر الآيتين رقم [٢ و٣] فالبحث فيهما كاف ضاف. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ..﴾.\nإلخ: هذا وعد من الكريم لمن آثر الخير في ذلك، وفعله، وقد حذف مقابله اكتفاء به، فإنّ التقدير: وما تفعلوا من شرّ... إلخ.\nتنبيه: روي: أنّ عيينة بن حصن أتى النّبيّ ﷺ فقال: أخبرنا أنّك تعطي الابنة النصف، والأخت النصف، وإنّا كنّا لا نورّث إلا من يشهد القتال، ويحوز الغنيمة! فقال ﷺ: بذلك أمرت. ونزلت الآية الكريمة.\nتنبيه: رأيت: أنّ الفعل «يرغب» تغيّر معناه بتغيّر الجار الذي تعلّق به، وهذا أحد الأفعال التي يتغيّر معناها بتغيّر الجار، كما رأيت في الآية رقم [٢٧] والآية رقم [١٣٥] الآتية، لذا كان قول القائل -وهو الشّاهد رقم [٩٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -محتملا للمدح والذّمّ: [الطويل]","vol":"2","page":636},{"text":"ويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم\nهذا؛ و(نساء) اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأنّ مفرده: امرأة، وجمعها في القلّة:\nنسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلّها مأخوذة من النّسيان، فهي مطبوعة عليه، إمّا إهمالا، وإما كذبا، ويقال لكلّ واحد من هذه الجموع: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، أما «المرأة» فهي مأخوذة من «المرء» وهو الرّجل، فلذا سميت بذلك، والأم الأولى حوّاء﵍سمّيت بذلك؛ لأنّها مأخوذة من: حي، وهو آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي النِّساءِ:﴾\nمتعلّقان به. ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُفْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَما:﴾ موصولة، أو موصوفة، ومحلّها يحتمل الجرّ، والنصب، والرفع، فالجرّ بالعطف على الضّمير المجرور ب (في) من غير إعادة الجار والمجرور على مذهب الكوفيين، والنصب على تقدير فعل محذوف، التقدير: ونبيّن لكم ما يتلى. والرفع-وهو المختار-وفي ذلك ثلاثة أوجه:\nأحدها: هو معطوف على ضمير الفاعل في: ﴿يُفْتِيكُمْ،﴾ وساغ ذلك لوجود الفاصل بالجار والمجرور. والثاني: هو معطوف على (﴿اللهُ﴾) الواقع فاعلا. والثالث: هو مبتدأ، خبره: الجار، والمجرور: ﴿فِي الْكِتابِ﴾. وقيل: هو محذوف، التقدير: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ يبيّن لكم. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، ونائب الفاعل يعود إلى (﴿ما﴾). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وتقدّم وجه ثالث، انظره. وجملة: ﴿يُتْلى..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها. ﴿فِي يَتامَى:﴾ بدل من:\n ﴿فِي الْكِتابِ﴾ بدل اشتمال، وهناك مضاف محذوف، أي: في حكم يتامى. أو هما متعلقان بالفعل: ﴿يُتْلى﴾ أو هما بدل من قوله: ﴿فِيهِنَّ،﴾ أو هما متعلقان ب ﴿الْكِتابِ﴾ نفسه: أي: فيما كتب في حكم يتامى. أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، و﴿يَتامَى﴾ مضاف، و﴿النِّساءِ:﴾ مضاف إليه. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السّكون في محل جر صفة: ﴿يَتامَى النِّساءِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُؤْتُونَهُنَّ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول، والنّون حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو","vol":"2","page":637},{"text":"نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث.\n ﴿وَتَرْغَبُونَ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها، أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وأنتم ترغبون. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف، انظر الشرح، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ:﴾ معطوف على: ﴿يَتامَى النِّساءِ﴾ أو على الضمير بقوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ وقيل:\nمنصوب بفعل محذوف، التقدير: ويبيّن حال المستضعفين. ﴿مِنَ الْوِلْدانِ:﴾ متعلقان ب (﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾) أو بمحذوف حال منه، والمصدر المؤول من: (﴿أَنْ تَقُومُوا..﴾.) إلخ معطوف على: ﴿فِيهِنَّ﴾ من غير إعادة الجار على مذهب الكوفيين، أو هو معطوف على: ﴿يَتامَى النِّساءِ﴾ أو هو معطوف على محل ﴿فِيهِنَّ،﴾ والتقدير: ويبيّن الله لكم أن تقوموا... إلخ.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم لفعل شرطه. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (ما)، و﴿مِنَ﴾ بيان لم أبهم فيها. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿عَلِيمًا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والجملة الشرطية بكاملها مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-621\"></span>﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ:﴾ جمعها من غير لفظها كما رأيت في الآية السابقة. ﴿خافَتْ:﴾\nتوقّعت، ورأت. وقيل: علمت. والعلاقة بينهما: أنّ الإنسان لا يخاف شيئا حتّى يعلم: أنّه ممّا يخاف منه، فهو من باب التعبير عن السّبب بالمسبّب. ومن مجيء الخوف بمعنى العلم قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٩]: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾. هذا؛ وأمّا التخوّف؛ فهو التنقّص، كما في قوله تعالى في سورة (النّحل) رقم [٤٧]: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ﴾","vol":"2","page":638},{"text":"لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. يروى: أنّ عمر﵁قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى:\n ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوّف: التنقّص. قال:\nفهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذليّ: [البسيط]\nتخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن\nفقال عمر﵁-: أيّها النّاس عليكم بديوانكم لا تضلّوا. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإنّ فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن، يحصل من توقع مكروه يقع في المستقبل. وأصل «خاف»: «خوف» فقل في إعلاله:\nتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا.\n ﴿مِنْ بَعْلِها﴾ أي: زوجها سمّي الزوج بعلا؛ لعلوّه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها، ومنه قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٢٥]: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا،﴾ والبعل: المستعلي على غيره، ولمّا كان الزوج مستعليا على المرأة، قائما بأمرها؛ سمّي بعلا، ويقال للمرأة أيضا: بعل، وبعلة، كما يقال لها: زوج، وزوجة، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كما في: الحزونة، والسهولة.\n ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا:﴾ الفرق بينهما: أنّ النّشوز: التباعد. والإعراض: أن لا يكلمها، ولا يأنس بها. فالأول هو التّجافي عنها، والترفّع عن محبّتها، كراهة لها، ومنعا لحقوقها، أو إيذاء لها بسبّ، أو ضرب. وانظر نشوز المرأة في الآية رقم [٣٤]. هذا؛ و(النّشوز) في الأصل الترفع، وهو مأخوذ من النّشز، وهو المرتفع من الأرض. و(الإعراض) بأن يقلّ مجالستها، ومحادثتها، ومؤانستها بسبب كبر، أو دمامة، أو سوء خلق، أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك.\n ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما:﴾ فلا مؤاخذة، ولا إثم عليهما. ﴿أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما:﴾ وفي قراءة:\n («يصّالحا») بتشديد الصّاد، وأصله: يتصالحا، فقلبت التاء صادا، ثم أدغمت الصّاد في الصّاد.\nوقرئ: («يصطلحا») بإبدال التاء طاء، والمصالحة بينهما تكون بحطّ بعض المهر، أو القسم، أو بإسقاط بعض النّفقة. ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفرقة، أو سوء العشرة، والخصومة. ويجوز ألا يراد به التفضيل، بل بيان: أنّه من الخير، كما أنّ الخصومة من الشرور.\n ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: جعلت الأنفس حاضرة للشّح، مطبوعة عليه، فلا تسمح المرأة بالإعراض عنها، والتقصير في حقّها، والرّجل لا يسمح بأن يوفّيها حقّها كاملا، ويمسكها عنده، وكلّ واحد منهما يتشدّد فيما يطلب، ويريد. وانظر نشوز المرأة في الآية رقم [٣٤].\n ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا:﴾ إلى المرأة بالصّحبة الصّالحة، والعشرة الطّيّبة مراعاة لحقّ الصحبة الماضية. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ الله، وتخافوه، أي: أن تجعلوا بينكم وبين النّشوز، والإعراض عن","vol":"2","page":639},{"text":"المرأة، وما يؤدّي إلى الخصومة والشرّ، والفساد وقاية تمنعكم من ذلك. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ﴾ ولا يزال كائنا ﴿بِما تَعْمَلُونَ:﴾ من سوء العشرة، ومن حسنها. ﴿خَبِيرًا:﴾ فيثيبكم خير الجزاء.\nوخذ ما يلي:\nعن عائشة﵂قالت: نزلت الآية في المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، يريد طلاقها، ويتزوّج غيرها، فتقول له: أمسكني، لا تطلّقني، ثم تزوّج غيري، وأنت في حل من النفقة عليّ، والقسمة لي. فذلك قوله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. متّفق عليه.\nتنبيه: كان عمران الخارجي من أقبح بني آدم، وكانت امرأته من أجملهم، فنظرت إليه يوما، وقالت: الحمد لله، على أنّي، وإيّاك من أهل الجنّة! قال: كيف؟! قالت: لأنّك رزقت مثلي، فشكرت، ورزقت مثلك، فصبرت، والجنّة موعودة للشّاكرين، والصّابرين.\nعن عبد الله بن عباس﵄قال: خشيت سودة﵂أن يطلّقها رسول الله ﷺ فقالت: لا تطلّقني، وأمسكني، واجعل يومي لعائشة. ففعل. فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة. أخرجه الترمذيّ.\nهذا؛ وروى مالك عن ابن شهاب عن رافع بن خديج﵁-: أنّه تزوّج خولة.\nوقيل: اسمها عمرة بنت محمد بن مسلمة﵄فكانت عنده حتى كبرت، فتزوّج عليها فتاة شابة، فآثر الشابّة عليها، فناشدته الطّلاق، فطلّقها واحدة، ثم أهملها حتّى إذا كانت تحلّ؛ راجعها، ثم عاد، فآثر عليها الشّابة، فناشدته الطّلاق، فطلّقها واحدة، ثمّ راجعها، فآثر الشّابة عليها، فناشدته الطّلاق، فقال: إنّما بقيت لك واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت فارقتك؟ قالت: بل أستقرّ على الأثرة، فأمسكها على ذلك، ولم ير رافع -﵁إثما حين استقرّت عنده على الأثرة.\nقال أبو عمر بن عبد البر-رحمه الله تعالى-: قوله والله أعلم: «فآثر الشابة عليها» يريد في ميل نفسه إليها، والنشاط لها، لا أنّه آثرها عليها في مطعم، وملبس، ومبيت؛ لأنّ هذا لا ينبغي أن يظنّ بمثل رافع، والله أعلم.\nبعد هذا: أضيف الشّحّ إلى الأنفس: لأنّه غريزة فيها. والشحّ في كلام العرب: البخل مع الحرص، وقد فرّق العلماء بين البخل، والشح، فقالوا: البخل نفس المنع، والشحّ الحالة النفسانيّة، التي تقتضي ذلك المنع. وقد ذكرت لك البخل، والشح، وإضرارهما في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، وأكتفي هنا بما يلي:\nعن عبد الله بن عمر﵄قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «إيّاكم والظلم؛ فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش، والتّفحّش، وإيّاكم والشّحّ، فإنّما هلك من كان","vol":"2","page":640},{"text":"قبلكم بالشّحّ، أمرهم بالقطيعة، فقطعوا، وأمرهم بالبخل، فبخلوا، وأمرهم بالفجور، ففجروا».\nرواه أبو داود، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وخذ ما يلي:\nقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وقد روي: أنّ النبيّ ﷺ قال للأنصار: من سيّدكم؟ قالوا: الجدّ بن قيس على بخل فيه. فقال النبي ﷺ: «وأيّ داء أدوى من البخل؟!» قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟! قال: «إنّ قوما نزلوا بساحل، فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم، فقالوا:\nليبعد الرّجال منّا عن النّساء حتّى يعتذر الرّجال إلى الأضياف ببعد النّساء، ويعتذر النّساء ببعد الرّجال، ففعلوا، وطال ذلك بهم، فاشتغل الرّجال بالرّجال، والنّساء بالنّساء». ذكره الماورديّ.\nانتهى.\nالإعراب: ﴿وَإِنِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنِ﴾): حرف شرط جازم. ﴿اِمْرَأَةٌ:﴾ فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور بعده، وهذا مذهب سيبويه، والبصريين. وقال الكوفيّون: هو مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده، والمعتمد الأول. ﴿خافَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى المرأة، والجملة الفعلية مفسّرة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ بَعْلِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿نُشُوزًا﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿نُشُوزًا:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ إِعْراضًا:﴾ معطوف على سابقه.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء، واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿جُناحَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور.\nوالدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، و(﴿إِنِ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿أَنْ يُصْلِحا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنِ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محلّ جرّ بحرف جر محذوف، التقدير: في الصّلح، والجار والمجرور متعلقان بما تعلّق فيه ما قبلهما. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال من: ﴿صُلْحًا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿صُلْحًا:﴾ مفعول مطلق، أو هو مفعول به على حسب القراءات. ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معترضة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ألف الاثنين؛ فلا بأس به، ويكون التقدير: والصلح خير لهما.\n ﴿وَأُحْضِرَتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَنْفُسُ:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول. ﴿الشُّحَّ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ألف الاثنين، وهي على إضمار «قد» قبلها، والرابط: الواو فقط. وقيل: معترضة لا محلّ لها، والأوّل أقوى.","vol":"2","page":641},{"text":"﴿وَإِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنِ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تُحْسِنُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾\nمعطوف على ما قبله مجزوم مثله، ومفعولاهما محذوفان. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (﴿إِنِ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرًا﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى المصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿خَبِيرًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.\nهذا في الظاهر، وعند التأمّل يظهر لك: أنّ الجواب محذوف، التقدير: وإن تحسنوا، وتتقوا الله؛ فهو يثيبكم على ذلك. أقام كونه عالما بأعمالهم مقام إثابته إيّاهم عليها؛ الذي هو في الحقيقة جواب الشرط إقامة للسّبب مقام المسبّب، وعليه فالجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ مفيدة للتعليل، والشرط، ومدخوله معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.\n\n<span id=\"aya-622\"></span>﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا..﴾. إلخ: أخبر الله تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك من ميل الطبع في المحبّة، والجماع، والحظّ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنّهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض في حال تعدّدهنّ حتى لا يقع ميل البتة، فتمام العدل أن يسوي بينهنّ في المبيت، والنفقة، والتعهد، والنّظر، والإقبال، والمفاكهة، وغيرهما، والمحبّة، والمودّة، وهذا متعذّر، ولذلك كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه في كلّ شيء، فيعدل، ويقول: «اللهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك، ولا أملك». أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن عبد الله بن يزيد عن عائشة﵂-، فهو ﷺ يريد القلب. هذا؛ والتسوية بين الضرائر واجبة في المأكل، والملبس، والمسكن، والبيتوتة، أما في الجماع؛ فلا؛ لأنّ ذلك يدور على النّشاط، وميل القلب، وليس ذلك إليه.\n ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهنّ؛ فلا تبالغوا في الميل بالكليّة. ﴿فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: معناه: لا هي ذات زوج، ولا مطلقة، كالشيء المعلّق لا هو في السّماء، ولا هو في الأرض. وفي الجملة تشبيه مرسل","vol":"2","page":642},{"text":"مجمل، فقد روى الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط».\nوعند أبي داود: «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقّه مائل».\n ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا:﴾ أعمالكم بالعدل بين النساء بعد الجور. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ أي: الجور، أو تخافوا الله في الجور. ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ؛ أي: يغفر لكم ما مضى من الجور، أو يغفر لكم الميل القلبي.\nبعد هذا: فإنّ بعض جهلة علماء السّوء في هذا الزّمن يستدلّون بهذه الآية، وفي الآية رقم [٣] من هذه السّورة على وجوب الاقتصار على زوجة واحدة، وهو استدلال باطل محض تردّه الشريعة الغرّاء، والسنة النبوية المطهّرة. فويل لهم ممّا يأفكون، ويفترون.\nالإعراب: ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال.\n ﴿تَسْتَطِيعُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَنْ تَعْدِلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ..﴾. إلخ، والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾\nظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿النِّساءِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿حَرَصْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (﴿لَوْ﴾) محذوف، تقديره: لما استطعتم، و(﴿لَوْ﴾) ومدخولها بمنزلة الاعتراض؛ لأنّه أعطى الكلام تقوية، وتسديدا.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدّر؛ إذ التقدير: وإذا كان العدل غيرممكن كلية؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية. ﴿تَمِيلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كُلَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿الْمَيْلِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدر ب «إذا» والشرط ومدخوله معطوف على ما قبله لا محلّ له مثله. ﴿فَتَذَرُوها:﴾ الفاء:\nتحتمل العطف، والسببية. (تذروها): فعل مضارع مجزوم بسبب العطف، أو هو منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، وعلى نصبه تؤوّل «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم ميل وترك... إلخ. و(ها): مفعول به. ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الهاء، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى «مثل» فتكون حالا، أو مفعولا ثانيا؛ لأنّ (تذر) بمعنى: تترك، وهو ينصب مفعولين. ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا..﴾. إلخ: انظر الآية السّابقة، فهي مثلها في إعرابها جملة، وإفرادا.","vol":"2","page":643},{"text":"<span id=\"aya-623\"></span>﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا:﴾ وقرئ: («يتفارقا») أي: إن لم يصطلح الزّوجان على شيء ممّا تقدّم في الآية رقم [١٢٨]: وحصلت الفرقة بينهما بالخلع، أو بتطليقه إيّاها، وإعطائها حقوقها كاملة من مهر، ونفقة، وغير ذلك. ﴿يُغْنِ اللهُ..﴾. إلخ؛ أي: يغني الله كلّ واحد من الزوجين من فضله، أي: بأن يرزق كلّ واحد زوجا خيرا من زوجه، وعيشا أهنأ من عيشه. ﴿واسِعًا﴾ أي:\nواسع الفضل، والرّحمة. وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغني الذي وسع جميع مخلوقاته غناه. انتهى. خازن. ﴿حَكِيمًا:﴾ فيما قضى، وحكم؛ حيث رخّص بالفرقة بين الزوجين إذا اشتدّ الخصام بينهما، وساءت عشرتهما مع بعضهما. وقد أدرك الأجانب حكمة الطلاق، والفرقة بين الزوجين، فأقرّوه في محاكمهم بعد تشدّدهم في منعه عشرين قرنا من الزّمن. فلله الحمد، والمنّة على ما شرع لنا من تعاليم؛ النّاس كلّهم بحاجة إليها.\nروي: أنّ رجلا شكا إلى جعفر الصّادق بن محمّد الباقر الفقر، فأمره بالنّكاح، فذهب الرّجل، وتزوّج، ثمّ جاء إليه، وشكا إليه الفقر، فأمره بالطّلاق، فسئل عن ذلك، فقال: أمرته بالنكاح لعلّه يكون من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فلمّا لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق، فقلت: لعلّه من أهل هذه الآية: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿يَتَفَرَّقا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُغْنِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية، لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿كُلاًّ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، و(﴿إِنْ﴾) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة لا محلّ له مثله، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-624\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اِتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ انظر الآية [١٢٦]. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي: اليهود، والنصارى، ومن قبلهم، والمراد ب ﴿الْكِتابَ:﴾ جميع الكتب السماوية،","vol":"2","page":644},{"text":"التي أنزلت على الأنبياء. ومعنى: ﴿أُوتُوا:﴾ أعطوا، وأصله: أوتيوا، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، فصار: (﴿أُوتُوا﴾) ثمّ قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو، فصار: ﴿أُوتُوا﴾.\n ﴿أَنِ اتَّقُوا اللهَ:﴾ وحّدوه، وامتثلوا أوامره، ونواهيه. والمعنى: أنّ الأمر بتقوى الله شريعة قديمة، أوصى الله بها جميع الأمم السّالفة في كتبهم. هذا؛ والتقوى: حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأنّ أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرّز من المهالك دنيا، وأخرى.\n ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ؛ أي: فإنّ الله مالك الملك كلّه، لا يتضرّر بكفركم ومعاصيكم، كما لا ينتفع بشكركم، وطاعتكم، وتقواكم، وإنّما أوصاكم بذلك رحمة بكم. لا لحاجته لذلك، وهذا كما في الحديث القدسي، الّذي رواه مسلم عن أبي ذرّ﵁عن النبي ﷺ، فيما يروي عن ربه ﷿: أنّه قال: «يا عبادي! لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا».\n ﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا:﴾ عن الخلق، وعن عبادتهم. ﴿حَمِيدًا:﴾ محمودا على كلّ حال من الخير، والشر، والتعذيب، والإثابة، وهو سبحانه مستحقّ للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة، وتنطق ذرات المخلوقات بحمده.\nهذا؛ والفعل: (وصّى) حكمه حكم الأمر في معناه، وتصرّفه، يقال: وصيت زيدا بأن يفعل كذا، كما تقول: أمرته بأن يفعل كذا، ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nوذبيانيّة وصّت بنيها... بأن كذب القراطق والقروف\nيصف امرأة وصّت بنيها بحفظ القراطق، جمع القرطق، وهي القطعة المخملية، والقروف:\nأوعية من أدم. ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ بكلمة التوحيد، وأمرهم بها.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٦] ففيها الكفاية، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. واللام: واقعة في جواب القسم. ﴿وَصَّيْنَا:﴾ فعل وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو","vol":"2","page":645},{"text":"المفعول الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: (﴿لَقَدْ..﴾.) إلخ جواب القسم، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَإِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على: ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿أَنِ:﴾ مفسرة، وجملة: ﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ لا محلّ لها؛ لأنّها مفسرة لمعنى: ﴿وَصَّيْنَا،﴾ وهو بمعنى: قلنا. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿أَنِ﴾ مصدرية، ويؤوّلها مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: وصينا... إلخ بتقوى الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿وَصَّيْنَا،﴾ وأعتمد الأول.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنِ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (﴿أَنِ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر:\n (﴿أَنِ﴾) تقدم على اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (﴿أَنِ﴾) مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، والجملة الاسمية: (إن لله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ، وهو في الظاهر، وعند التأمّل يتبيّن لك: أنّ جواب الشرط محذوف، التقدير: إن تكفروا؛ فلا تضروا الله شيئا، وعليه فالجملة الاسمية: (﴿فَإِنَّ لِلّهِ..﴾.) إلخ مفيدة للتعليل. والشرط ومدخوله في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا لهم: إن تكفروا... إلخ، والجملة الفعلية على هذا التقدير معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وإعرابها واضح.\n\n<span id=\"aya-625\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (١٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ انظر شرح هذا الكلام وإعرابه في الآية رقم [١٢٦]. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٨١].\nتنبيه: في تكرير: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ تقرير لما هو موجب تقواه؛ لأنّ الخلق لمّا كان كلّه له، وهو خالقهم، ومالكهم؛ فحقّه أن يكون مطاعا في خلقه غير معصي، وأنّه تعالى متّصف بجميع الكمالات، وله القدرة التّامة على خلقه... إلخ.\nوقال الخازن-رحمه الله تعالى-: الفائدة في ذلك: أنّ لكلّ آية معنى تختصّ به، أمّا الآية الأولى؛ فمعناها: فإنّ لله ما في السموات وما في الأرض، وهو يوصيكم بتقوى الله، فاقبلوا وصيته. وقيل: لمّا قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ بيّن أنّ الله له ما في السموات وما في الأرض، وأنّه قادر على إغناء جميع الخلائق، وهو المستغني عنهم.","vol":"2","page":646},{"text":"وأمّا الآية الثانية؛ فإنّه تعالى قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ والمراد: أنّه تعالى منزّه عن طاعات الطائعين، وعن ذنوب العاصين، وأنّه لا يزداد جلاله بالطّاعات، ولا ينقص بالمعاصي. وقيل: لمّا بيّن: أنّه له ما في السموات وما في الأرض، وقال بعد ذلك: ﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ فالمراد منه: أنّه تعالى هو الغنيّ، وله الملك، فاطلبوا منه ما تطلبون، فهو يعطيكم؛ لأنّ له ما في السموات وما في الأرض.\nوأمّا الثالثة؛ فقال تعالى: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ؛ أي: فتوكّلوا عليه، ولا تتوكّلوا على غيره، فإنّه المالك لما في السموات وما في الأرض. وقيل: تكريرها تعديد لما هو موجب تقواه، أي: تتقوه، وتطيعوه، ولا تعصوه؛ لأنّ التقوى، والخشية أصل كلّ خير.\nهذا؛ وكرّر السّماوات، والأرض، وخصّهما في الذّكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنّهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السّماوات دون الأرض، وهي مثلهنّ سبعا؛ بدليل قوله تعالى في سورة (الطّلاق) [١٢]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأنّ صفاتها مختلفة بالذّات، متفاوتة في الصفات، والآثار، والحركات، وقدّمها لعلوّ مكانها، وشرفها، وتقدّم وجودها، ولأنّها متعبّد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنّها كالذّكر، فنزول المطر من السّماء على الأرض كنزول المني من الذّكر في المرأة، ولأنّ الأرض تنبت، وتخضرّ بالمطر، ووحّد الأرض؛ لأنّها بجميع طبقاتها جنس واحد، وهو التّراب. هذا؛ وأطلق الله (ما) على من في السموات والأرض، وفيهما من يعقل، ومن لا يعقل، وذلك من باب التّغليب، كما تطلق (من) على ما فيهما أيضا.\n\n<span id=\"aya-626\"></span>﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ:﴾ يفنيكم جميعا بالموت، والإهلاك. ﴿أَيُّهَا النّاسُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يريد المشركين؛ والمنافقين. وقيل: الآية عامّة، وهو أولى.\n ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ يعني: بغيركم، أي: يخلق أطوع لله منكم، وهو مثل قوله تعالى في سورة (محمد) ﷺ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ وقال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾.\nقال الكلبي: هم كندة، والنخع من عرب اليمن. وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة:\nهم فارس، والرّوم، وعن أبي هريرة﵁قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا..﴾. إلخ، فقالوا: ومن يستبدل منّا يا رسول الله؟! قال: فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان الفارسي﵁ثمّ قال: «هذا، وأصحابه». أخرجه الترمذي، وقال: حديث","vol":"2","page":647},{"text":"غريب، وفي إسناده مقال، وله رواية أخرى عن أبي هريرة﵁قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله ﷿ إن تولينا، استبدلوا منا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان﵁بجنب رسول الله ﷺ، فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان، فقال: «هذا، وأصحابه، والّذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثّريّا؛ لتناوله رجال من فارس». ولهذا الحديث طريق في الصحيح.\n ﴿وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا﴾ أي: الإعدام، والاستبدال. ﴿قَدِيرًا:﴾ بليغ القدرة، لا يعجزه شيء، وفي هذه الآية تقرير أيضا لغناه تعالى، وكمال عزته، وعظمته، وفيها تهديد، ووعيد لمن عصاه، وخالف أوامره. والقدرة: صفة أزلية، لا تتناهى مقدّرات الله، كما لا تتناهى معلوماته.\nوالماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، والمعنى: كان، ولا يزال كائنا قادرا مقتدرا.\nالإعراب: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ:﴾ الإعراب واضح إن شاء الله تعالى. ﴿وَيَأْتِ:﴾ فعل مضارع معطوف على جواب الشّرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله وما قبله يعود إلى الله تعالى، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٥]. ﴿بِآخَرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و﴿إِنْ﴾ مدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ: الإعراب واضح.\n ﴿أَيُّهَا:﴾ نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب «يا» المحذوفة، و(ها): حرف تنبيه لا محل لها، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا، وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أنّ الاسم الواقع بعد «أي» واسم الإشارة إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع-أعني: «أي» أو اسم الإشارة-منصوب محلاّ، وكذا التابع أعني: ﴿النّاسُ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللّفظية، وإنّما أتبعت ضمة البناء مع أنّها لا تتبع؛ لأنّها وإن كانت ضمة بناء، لكنّها عارضة، فأشبهت ضمّة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبّان؛ لأنّه قال: والمتّجه وفاقا لبعضهم: أنّ ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إنّ رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضى للرّفع، وأجيب بأنّ العامل يقدّر من لفظ عامل المتبوع مبنيّا للمجهول نحو: يدعى، وهو مع ما فيه من التكلّف يؤدّي إلى قطع المتبوع. وقيل: إنّ رفع التابع المذكور بناء؛ لأنّ المنادى في الحقيقة هو المحلّى بال، ولكن لمّا لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصّلوا إلى ندائه ب «أي» أي: مع قرنها بحرف التنبيه، وردّه بعضهم بأنّ المراعى في الإعراب اللّفظ، وأنّ الأوّل منادى، والثاني تابع له، والإعراب السّائد الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ.","vol":"2","page":648},{"text":"<span id=\"aya-627\"></span>﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ كانَ..﴾. إلخ؛ أي: من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة؛ آتاه الله ذلك في الآخرة. ومن كان يطلب بعمله ثواب الدّنيا، أي: حطامها الفاني، كالمجاهد للغنيمة، أو للسّمعة، والمحمدة، وكذا المتصدّق، ونحوه، قال تعالى في سورة (الشّورى): ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.\n ﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: عند الله خير الدّنيا، والآخرة، فما له يطلب أخسّها؟! أي: يؤثر الفاني الخسيس على الباقي النّفيس، فليطلبهما معا، كمن يقول: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. والأولى أن يطلب أشرفهما، وهو ثواب الآخرة، فإنّ من جاهد خالصا لله؛ لم تخطئه الغنيمة، وله في الآخرة من النّعيم المقيم ما هو في جنبه كلا شيء.\nوفي هذا ترغيب في إخلاص العمل لوجه الله تعالى، وأنّه ينبغي للمؤمن أن يطلب الآخرة الباقية. ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا﴾ أي: لأقوالكم. ﴿بَصِيرًا﴾ بأعمالكم، عارفا بالنيات والمقاصد، فيجازي كلّ واحد بحسب قصده، ونيّته.\nنزلت الآية الكريمة في مشركي العرب، وذلك: أنّهم كانوا يقرّون بأنّ الله تعالى خالقهم، ولا يقرّون بالبعث يوم القيامة، فكانوا يتقرّبون إلى الله ليعطيهم من خير الدنيا، ويصرف عنهم شرّها.\nوقيل: نزلت في المنافقين؛ لأنّهم كانوا لا يصدّقون بيوم القيامة، وإنّما كانوا يطلبون بجهادهم مع رسول الله ﷺ عاجل الدنيا، وهو ما ينالونه من الغنيمة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿ثَوابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الدُّنْيا:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان) وجواب الشرط محذوف، تقديره: فله ذلك، أو:\nفهو مخطئ، ونحو ذلك. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما ذكرته مرارا، هذا وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والجملة المقدّرة خبر المبتدأ. ﴿فَعِنْدَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (عند): ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر مقدّم.\nو(عند): مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ثَوابَ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. و﴿الدُّنْيا:﴾\nمضاف إليه. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على ﴿الدُّنْيا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَعِنْدَ اللهِ..﴾. إلخ مستأنفة على جميع الاعتبارات، والجملة الفعلية: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.","vol":"2","page":649},{"text":"<span id=\"aya-628\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ:﴾ مجتهدين في إقامة العدل. مواظبين عليه، و﴿قَوّامِينَ:﴾ صيغة مبالغة مثله في الآية رقم [٣٤]، و(القسط): العدل، قال تعالى في سورة (الحجرات): ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\n ﴿شُهَداءَ لِلّهِ﴾ معناه: شهداء بالحقّ لذات الله، ولوجهه، ولمرضاته، وثوابه. ﴿وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ولو كانت الشّهادة على أنفسكم بأن تقرّوا بها، وتؤدّوها على الوجه الأكمل؛ لأنّ الشهادة بيان للحقّ؛ سواء أكانت عليه، أو على غيره، ولا يظهر الحقّ إلا بأدائها على الوجه الأكمل.\n ﴿أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أي: ولو كانت الشّهادة على الوالدين، والأقربين من ذوي رحمه، أو أقاربه. فالمعنى: أدّوا الشهادة، وأقيموها لله تعالى، ولا تحابوا قريبا لقرابته، ولا غنيّا لغناه، ولا فقيرا لفقره، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلى بِهِما﴾ أي: أرحم بهما منكم، والمعنى: كلوا أمرهم إلى الله تعالى، فهو أعلم بهم، وبحالهم، وإنّما قال: ﴿بِهِما﴾ على التثنية؛ لأنّه ردّ الضمير إلى المعنى دون اللّفظ، يعني: فالله أولى بالغني، وبالفقير؛ أي: الله أولى بكلّ واحد منهما. وقيل: إنّما قال: بهما؛ لأنّه تقدّم ذكرهما، كما قال تعالى في الآية رقم [١٢]: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ،﴾ وانظر شرح «الفقير» في الآية رقم [٦].\n ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى:﴾ يقصر، ويمدّ، والمراد بالأول: العشق؛ والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، وهو ما في الآية الكريمة، ومنه قوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السّماء والأرض، وقد جاء «الهواء» بمعنى العشق ممدودا في الشّعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق\nوإليك هذين البيتين إنّهما من النّكت الحسان: [الكامل]\nجمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران\nفقصّرت بالممدود عن نيل المنى... ومدّدت بالمقصور في أكفاني\nوقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنّه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحبّ الخير، وجمعه: أهواء، وجمع الممدود: أهوية. وقال الشعبيّ","vol":"2","page":650},{"text":"-رحمه الله تعالى-: إنّما سمّي الهوى هوى؛ لأنّه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال ابن عباس﵄-: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمّه، وذكر آياته الكثيرة، وقال عبد الله بن عمرو﵄عن النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به». والأحاديث في ذلك كثيرة، وقال الأصمعي-رحمه الله تعالى-: سمعت رجلا يقول: [الكامل]\nإنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nوسئل ابن المقفّع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر، فنظمه: [الكامل]\nنون الهوان من الهوى مسروقة... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nوقال سهل بن عبد الله التستري: هواك داؤك، فإن خالفته، فدواؤك، وللعلماء في هذا الباب في ذمّ الهوى ومخالفته كتب، وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، وحسبك قوله تعالى:\n ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾.\n ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: لأن تعدلوا عن الحقّ، أو كراهة أن تعدلوا. من العدل. والأول بمعنى:\nأن تميلوا، وهو أحد الأفعال التي يتغيّر معناها بتغير الجار، تقول: عدلت عنه بمعنى: أعرضت عنه، وتقول: عدلت إليه بمعنى: أقبلت عليه. وانظر الآيتين رقم [٢٧ و١٢٧] والفعل «تعدل» جاء هنا محتملا لمعنى الميل، والمعنى العدل، وقد يجيء محتملا لمعنى الميل، ومعنى التّسوية، فذلك كما في قوله تعالى في أول سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فإن جعلت الجار والمجرور: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلقين ب ﴿يَعْدِلُونَ﴾ كان المعنى: إنّ الكفار يسوّون الأصنام بربهم، وإن جعلتهما متعلقين بالفعل: ﴿كَفَرُوا﴾ كان: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بمعنى: يميلون، والمعنى:\nإنّ الكفار يميلون، وينحرفون عن إفراد الله تعالى بالوحدانية. وانظر (المائدة) رقم [٨].\n ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ أي: ألسنتكم عن شهادة الحقّ، فلا تؤدّونها كما ينبغي. هذا ويقرأ بضم اللام، وإسكان الواو من الولاية، بمعنى: وإن وليتم إقامة الشّهادة فأدّوها على وجهها. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ أي: عن أدائها؛ إذا دعيتم إلى أدائها. وهو حرام قطعا، قال تعالى في آخر سورة (البقرة): ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنّه جيد، والحمد لله!.\n ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من الجور في الشّهادة، أو من أدائها على وجهها. ﴿خَبِيرًا:﴾\nبأقوالكم، وأفعالكم. ففي الآية تهديد، ووعيد شديدان.\nتنبيه: قال السّدّيّ-رحمه الله تعالى-: إنّ فقيرا، وغنيّا اختصما إلى النّبيّ ﷺ، فكان صغوه، واستماعه للفقير أكثر، يرى: أنّ الفقير لا يظلم الغنيّ، فأنزل الله هذه الآية، وأمر بالقيام بالقسط مع الفقير، والغني. وقيل: إنّ هذه الآية متعلقة بقصّة طعمة بن أبيرق المذكورة في الآية رقم [١٠٥] وما بعدها، فهي خطاب لقومه الّذين جادلوا عنه، وشهدوا بالباطل. والأولى التّعميم لحكمها في كلّ زمان، ومكان.","vol":"2","page":651},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية التالية. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة التي هي اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوّامِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان ب ﴿قَوّامِينَ﴾. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبر ثان للفعل الناقص أو هو نعت ل: ﴿قَوّامِينَ﴾. أو هو حال من الضمير المستتر ب ﴿قَوّامِينَ﴾. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان ب ﴿شُهَداءَ﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر «كان» محذوفة مع اسمها. انظر الشّرح، والجملة المقدّرة، لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿الْوالِدَيْنِ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ:﴾ معطوف أيضا فهو مجرور، وعلامة الجرّ فيهما الياء؛ لأنّ الأول مثنى، والثاني جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لا تكتموها، و(لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله. هذا؛ وإن اعتبرت (لو) وصليّة؛ فلا جواب لها، وتكون الجملة المقدّرة في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرّابط: الواو فقط.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه محذوف مفهوم من المقام، التقدير: إن يكن المشهود عليه. وقيل: التقدير: إن يكن الخصمان. مراعاة لمعنى: ﴿أَوِ﴾. ﴿غَنِيًّا:﴾ خبر: ﴿يَكُنْ﴾. ﴿أَوْ فَقِيرًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاللهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (الله) مبتدأ. ﴿أَوْلى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، وهذا في الظّاهر، وعند التأمّل يظهر لك: أنّ الجواب محذوف. التقدير: فلا تمتنعوا عن إقامة الشّهادة لله، وعليه فالجملة الاسمية تعليل للنّهي المقدّر. ﴿بِهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَوْلى﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الشرطية فيها معنى التعليل لإقامة الحق، والعدل.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر ب «إذا» (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾\nفعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية وعلامة جزمه حذف النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشّرط المقدّر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان الأمر كما ذكر؛ فلا... إلخ، وهذا الكلام معطوف على ما قبله.\n ﴿الْهَوى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر.","vol":"2","page":652},{"text":"والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ في محل جرّ بحرف جر محذوف عند الكوفيين، التقدير: لئلا تعدلوا عن الحقّ. وعند البصريّين، التقدير: كراهة العدول عن الحق، فهو في محل جر بإضافته لمفعول لأجله محذوف، وهذا؛ إن كان الفعل بمعنى: تميلوا، وأمّا إن كان الفعل على ظاهره بمعنى العدل؛ فالمصدر في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: للعدل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام مفصلا في الآية رقم [١٢٨].\n\n<span id=\"aya-629\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] فإنّه جيد. ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ هذا خطاب للمؤمنين، والمعنى: اثبتوا على الإيمان، ودوموا عليه. ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن الّذي أنزله على محمد ﷺ. ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من كتب. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ..﴾. إلخ. أي: ومن يكفر بشيء من ذلك؛ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].\nهذا؛ وقال ابن عباس﵄-: نزلت الآية الكريمة في عبد الله بن سلام، وأصحابه﵃-: فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب، أتوا النبي ﷺ، فقالوا: إنا نؤمن بك، وبكتابك، وبموسى، والتوراة، وعزير، ونكفر بما سوى ذلك من الكتب، والرّسل، فقال لهم النبيّ ﷺ: بل آمنوا بالله، وبرسوله محمد، والقرآن، وبكلّ كتاب كان قبله، فأنزل الله تعالى الآية. وقيل: الخطاب للمنافقين، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، آمنوا بقلوبكم حتى ينفعكم الإيمان؛ لأنّ الإيمان باللّسان لا ينفع من غير مواطأة القلب. وقيل:\nهو خطاب للمؤمنين. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا في الماضي، والحال آمنوا في المستقبل، ودوموا، واثبتوا على الإيمان.\nهذا؛ وقد قال تعالى في حق القرآن: ﴿نَزَّلَ،﴾ وقال في حقّ الكتب السّابقة: ﴿أَنْزَلَ؛﴾ لأنّ الأول يفيد التكثير مرّة بعد مرّة، وهو ممّا اتصف به القرآن الكريم؛ لأنّه نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه الشعر، والخطابة، بخلاف التوراة، والإنجيل؛ فإنّهما نزلا دفعة واحدة. ونزول القرآن مفرّقا كان ممّا يريب الكافرين، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً﴾","vol":"2","page":653},{"text":"واحِدَةً. فبيّن الله سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الفرقان).\nهذا؛ والكتاب في اللغة: الضم، والجمع، وسمّيت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطّة واحدة، كما سمّي الكاتب كاتبا؛ لأنّه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتّبه. وهو في الاصطلاح: اسم لجملة مختصّة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا، وقد أكثر الشعراء في مدح الكتاب.\nوبالجملة فالكتاب هو نعم الذّخر، والعدّة، والشّغل، والحرفة، جليس لا يضرّك، ورفيق لا يملّك، يطيعك باللّيل طاعته بالنهار. ويطيعك في السّفر طاعته في الحضر، إن ألفته على الأيام؛ خلّد ذكرك، وإن درسته؛ رفع بين النّاس قدرك. وإن أردت الزّيادة فانظر سورة (البقرة) رقم [١٠١].\nوأمّا الكفر: فهو ضدّ الإيمان، وهو المراد في الآية، وقد يكون بمعنى جحود النّعمة، والإحسان، ومنه قول النبي ﷺ في النّساء، في حديث الكسوف: «ورأيت النّار، فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع، ورأيت أكثر أهلها النّساء» قيل: بم يا رسول الله؟! قال: «بكفرهنّ» قيل:\nأيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر كلّه، ثمّ رأت منك شيئا؛ قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ». أخرجه البخاريّ، وغيره. ويروى بأطول من هذا من رواية أبي سعيد الخدري﵁-. وأصل الكفر في كلام العرب السّتر، والتغطية. قال لبيد﵁في معلّقته في وصف بقرة وحشية: [الكامل]\nيعلو طريقة متنها متواتر... في ليلة كفر النّجوم غمامها\nوسمّي الزارع: كافرا؛ لأنّه يلقي البذر في الأرض، ويغطّيه، ويستره بالتّراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا في سورة (الحديد) رقم [٢٠]: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ ويسمّى الليل:\nكافرا؛ لأنّه يستر كلّ شيء بظلمته. قال لبيد﵁-: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nكما يطلق الكافر على النّهر، قال المتلمّس حين ألقى الصّحيفة في النّهر: [الطويل]\nوألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل\nرضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيّار في كلّ جدول\nهذا؛ وكفر فلان النّعمة، يكفرها، كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:","vol":"2","page":654},{"text":"﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال القطامي-وهو الشاهد رقم [٥٣١] من كتابنا: «فتح ربّ البريّة» -: [الوافر]\nأكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا\nهذا؛ والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللّسان، والتّصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما بينته في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون أعلاها: «لا إله إلا الله» وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق. وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى الحلف بالله. أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٤]: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾. واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾. ولا يجمع بالمعنى الأوّل؛ لأنّه مصدر، والمصدر لا يثنى، ولا يجمع. (اليوم الآخر): هو آخر أيام الدّنيا، فيه الحشر، والنّشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الربّاني.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٣]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَالْكِتابِ:﴾ معطوف أيضا. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (الكتاب). ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي نزله، وعلى قراءته بالبناء للمجهول، فنائب الفاعل يعود على: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿عَلى رَسُولِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وبني: ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى.\n ﴿وَمَنْ﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَمَلائِكَتِهِ..﴾. إلخ: هذه الأسماء معطوفة على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة (اليوم).\n ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿ضَلالًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿بَعِيدًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ؛ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته مرارا، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.","vol":"2","page":655},{"text":"<span id=\"aya-630\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: نزلت الآية الكريمة في اليهود آمنوا بموسى.\n ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعبادتهم العجل. ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بعد ذلك، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعيسى، والإنجيل، ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بمحمّد ﷺ. وقيل: نزلت في المنافقين وذلك: أنّهم كفروا بعد الإيمان، ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ يعني: بألسنتهم، وهو إظهارهم الإيمان؛ لتجري عليهم أحكام المؤمنين، ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بموتهم على الكفر. والمعتمد الأوّل.\n ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ذنوبهم إذا أقاموا على الكفر، وماتوا عليه؛ لأنّ الله تعالى أخبر: أنّه يغفر الكفر؛ إذا تاب منه بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ يعني:\nمن كفرهم، الآية رقم [٣٨] من سورة (الأنفال). ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا:﴾ طريقا إلى الجنة. وقيل:\nلا يخصّهم بالتوفيق كما يخصّ أولياءه، وفي هذه الآية ردّ على أهل القدر، والمعتزلة بأنّ الله تعالى بيّن: أنّه لا يهدي الكافرين طريق خير؛ ليعلم العبد: أنّه إنّما ينال الهدى بالله تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والجمل بعدها معطوفة عليها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنِ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾.\n ﴿اللهُ:﴾ اسمه. ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام الجحود، والمصدر المؤول منهما في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُنِ﴾ التقدير: لم يكن الله مريدا لغفران ذنوبهم. والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿لِيَهْدِيَهُمْ:﴾ مثل إعراب ما قبله، والجار والمجرور بعد التأويل معطوفان على ما قبلها. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به ثان.\n<span id=\"aya-631\"></span>﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾\nالشرح: ﴿بَشِّرِ:﴾ أمر من البشارة، وهي الإخبار بما يسرّ المخبر به، سمّي بشارة؛ لأنّ الخبر السار يظهر سرورا في البشرة؛ أي: ظاهر الجلد. والإنذار: الخبر الشاقّ على النّفس، ففي","vol":"2","page":656},{"text":"الكلام استعارة تصريحيّة تبعيّة، وقد تستعمل بالشرّ، وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في هذه الآية، وكثير غيرها. ثمّ إنّ الغالب في الشرّ أن يستعمل مقيدا منصوصا على المبشّر به على سبيل التهكّم، كما ذكرت، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٥٨]: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى﴾. وهذا التهكّم كثير في الشعر العربيّ، ومنه قول أبي الشّعراء الضبّي: [الطويل]\nوكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا\nوأيضا قول عمرو بن كلثوم في معلّقته، وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nنزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا\nالإعراب: ﴿بَشِّرِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿بِأَنَّ:﴾\nالباء: حرف جر. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:\n (أنّ) مقدّم. ﴿عَذابًا:﴾ اسمها مؤخر. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة له، والمصدر المؤوّل من (أنّ) واسمها، وخبرها في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، التقدير: بشر المنافقين بالعذاب الأليم.\n\n<span id=\"aya-632\"></span>﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ:﴾ هم المنافقون اتّخذوا اليهود الذين كانوا يساكنون المسلمين في المدينة أنصارا، وأعوانا. ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ فكانوا يلوذون بهم، ويؤمّلون منهم المنعة، والنّصرة، ويقولون: لا يتم أمر محمد. هذا هو كلام ابن أبيّ ابن سلول، ومن معه من المنافقين؛ الّذين حالفوا بني قينقاع من اليهود. انظر سورة (المائدة) رقم [٥٢] وما بعدها، فإنّه جيد، بحمد الله!.\n ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ:﴾ يطلبون عندهم القوّة، والمنعة، فإنّ العزّة لله جميعا: يعزّ بها، ويكرم بها عباده المؤمنين، كما قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١١]: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا،﴾ وقال في سورة (المنافقون): ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. والمقصود من هذا: التهييج على طلب العزّة، والقوة من جناب الله، والإقبال على عبوديته، والانتظام في جملة عباده؛ الّذين لهم النّصرة في الحياة الدّنيا، ويوم يقوم الأشهاد.","vol":"2","page":657},{"text":"وفي الصحيح عن عائشة﵂-: أنّ رجلا من المشركين لحق النبيّ ﷺ يريد أن يقاتل معه، فقال له: «ارجع فإنّا لا نستعين بمشرك». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران) فإنّه جيّد، والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة المنافقين، أو هو بدل منه، أو في محل نصب على الذمّ بفعل محذوف، التقدير: أذمّ، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وجملة: ﴿يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ لا محلّ لها صلة الموصول.\n ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و﴿دُونِ﴾ مضاف. و﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿أَيَبْتَغُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (﴿يَبْتَغُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿عِنْدَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الْعِزَّةَ:﴾ مفعول به. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿الْعِزَّةَ:﴾ اسمها. ﴿لِلّهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الضمير المستتر في الجار، والمجرور:\n ﴿لِلّهِ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-633\"></span>﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ:﴾ الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن، ومنافق؛ لأنّه إذا أظهر الإيمان؛ فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) [٦٨]: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فالآية هنا مدنيّة تنهى المسلمين عن مجالسة المنافقين، واليهود، وآية (الأنعام) مكيّة تنهى المسلمين عن مجالسة المشركين في مكّة. هذا؛ والفعل: ﴿نَزَّلَ﴾ يقرأ بالبناء للفاعل، وللمفعول.\n ﴿إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ:﴾ انظر (﴿آياتِ﴾) في الآية رقم [٥٦] والمراد بها هنا: آيات القرآن، وما شرعه الله، وبيّنه من أحكام، وتعاليم. ﴿يُكْفَرُ بِها﴾ أي: لا يصدّق بها الكافرون. ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِها:﴾ يستهزئ بها المنافقون، ويسخرون منها، فأوقع السّماع على الآيات، والمراد سماع الكفر، والاستهزاء، كما تقول: سمعت عبد الله يلام، أي: سمعت اللّوم فيه. ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ:﴾ فلا تجالسوهم. ﴿حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: حتى يأخذوا في حديث غير حديث الاستهزاء بآيات الله. هذا؛ والخوض: الدّخول في الشيء كالماء، ونحوه، فاستعير هنا للحديث بالباطل، والبهتان، والاستهزاء.","vol":"2","page":658},{"text":"﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: في الإثم، والوزر إذا قعدتم معهم؛ لأنّكم قادرون على الإعراض عنهم، والإنكار عليهم. وهذا يدلّ على أنّ الرّضا بالمعصية معصية، كالّذي يجالس شاربي الخمر، ولاعبي القمار، ونحو ذلك، والمعاصي، والمنكرات. ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ: أي: كما أشركوهم في الكفر، والرّضا بالباطل، وقعدوا معهم، وجالسوهم، كذلك يشارك الله بينهم في العذاب في نار جهنّم، ويجمع بينهم في دار العقوبة، والنّكال، والقيود، والأغلال، وشراب الحميم، والغسلين... إلخ؛ لأنّ المرء مع من أحبّ، كما هو صريح قول الرّسول ﷺ.\nالإعراب: ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال.\n ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾) والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ:﴾ جارّان، ومجروران متعلّقان بما قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفّف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنّه. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السّكون في محل نصب.\n ﴿سَمِعْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، و﴿آياتِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يُكْفَرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آياتِ اللهِ﴾ والرابط: الضمير المجرور بالباء فقط، وجملة: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِها:﴾ معطوفة عليها، وهي مثلها في إعرابها، وفي محلها.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب: ﴿إِذا﴾. (لا): ناهية. ﴿تَقْعُدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محلّ رفع خبر:\n ﴿أَنْ﴾ المخففة من الثقيلة، و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿نَزَّلَ﴾ على بنائه للفاعل، وفي محل رفع نائب فاعله، على بنائه للمفعول.\n ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَخُوضُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد (حتى) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق، و«أن» المضمرة، والفعل: ﴿يَخُوضُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: ﴿تَقْعُدُوا﴾. ﴿فِي حَدِيثٍ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿غَيْرِهِ:﴾ صفة: ﴿حَدِيثٍ،﴾ والهاء في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿إِذا:﴾ حرف جواب وجزاء، مهمل لا عمل له. ﴿مِثْلُهُمْ:﴾ خبر (إنّ) والهاء في محل جر بالإضافة، ويقرأ بفتح اللام، فيكون مبنيّا على الفتح","vol":"2","page":659},{"text":"في محل رفع خبر المبتدأ، مثل قوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ،﴾ ومنه قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [١٢٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nفأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر\nوالجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ:﴾ تعليل للنهي، لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿جامِعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْكافِرِينَ:﴾ معطوف على سابقه بالواو العاطفة. ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان ب ﴿جامِعُ،﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، والجملة الاسمية: ﴿أَنْ..﴾. إلخ تعليل لكونهم مثلهم في الكفر، فهو تعليل للتّعليل.\n\n<span id=\"aya-634\"></span>﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ:﴾ أي: ينتظرون وقوع أمر بكم يغمّكم، ويحزنكم. والخطاب للمؤمنين. ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ:﴾ نصر، وغنيمة، وغلبة على المشركين. ﴿قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: معاونين لكم في الحرب، ونحن على دينكم، فأعطونا من الغنيمة. ﴿وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أي: حظ من الغلبة على المسلمين، كالذي حصل في غزوة أحد. ﴿قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ:﴾ ألم نغلبكم، ونتمكّن من قتلكم، ولكنّنا أبقينا عليكم. أو المعنى: ألم نغلب عليكم حتّى هابكم المسلمون، وذلك بتثبيطنا لهم، وتقاعدنا عن مشاركتهم في الحرب، كالّذي حصل في غزوة أحد حين انخزل المنافقون عن المؤمنين. هذا؛ وقد سمّى الله ظفر المسلمين بالكافرين: فتحا تعظيما لشأنهم، وعلوّ قدرهم؛ لأنّه أمر عظيم تفتح له أبواب السّماء. وسمّى ظفر الكافرين: نصيبا، تحقيرا لحظّهم؛ لأنّه لحظة من الدّنيا يصيبونها، أمّا الاستحواذ؛ فهو:\nالاستيلاء، يقال: استحوذ على كذا؛ أي: استولى، وغلب عليه، وهذا الفعل جاء على الأصل، ولو أعلّ؛ لكان: ألم نستحذ، والفعل على الإعلال: استحاذ، يستحيذ. وانظر سورة المجادلة رقم [١٩] فالكلام فيها جيد، وجيّد، والحمد لله!.\n ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ..﴾. إلخ يعني: بين المؤمنين، والمنافقين. والمعنى: إنّ الله وضع السيف عن المنافقين في الدّنيا، لا لإكرامهم، بل أخّر عذابهم إلى الآخرة؛ ليضاعفه لهم، كما ستقف عليه في آية تالية.","vol":"2","page":660},{"text":"﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ في هذا أقوال:\nأحدها: وهو قول عليّ، وابن عبّاس﵃-: أنّ المراد به يوم القيامة بدليل عطفه على ما قبله.\nالثاني: أنّ هذا في الدنيا، والمعنى: أنّ حجّة المؤمنين غالبة في الدّنيا على الكافرين.\nالثالث: معناه: إنّ الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بأن يمحو دولة المؤمنين بالكلّية؛ حتى يستبيحوا بيضتهم، فلا يبقى أحد من المؤمنين، كما في صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-من حديث ثوبان﵁عن النبي ﷺ قال: «وإنّي سألت ربّي ألاّ يهلك أمّتي بسنة عامة، وألاّ يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإنّ ربّي قال: يا محمّد! إنّي قضيت قضاء، فإنّه لا يردّ، وإنّي أعطيتك لأمتك ألاّ أهلكهم بسنة عامة، وألاّ أسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتّى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا».\nالرابع: إنّ شريعة الإسلام باقية إلى يوم القيامة، ولا تتغلب عليها شريعة ما.\nالخامس: إنّ الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا إلا أن يتركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويتركوا أوامر الله تعالى، ويهملوا سنّة الرسول ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. والأحاديث الشريفة كثيرة في ذلك، وأكتفي بما يلي:\nعن عبد الله بن عمر﵄قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ-وأعوذ بالله أن تدركوهنّ-: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها إلاّ فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع الّتي لم تكن في أسلافهم؛ الّذين مضوا.\nولم ينقصوا المكيال، والميزان إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المئونة، وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلاّ منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يحكم أئمّتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّروا فيما أنزل الله إلاّ جعل بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، والبيهقيّ.\nويتفرّع عما تقدّم مسائل؛ منها: أنّ الكافر لا يرث المسلم. ومنها: أنّ الكافر لا يتزوّج مسلمة. واستئجار الكافر المسلم لعمل فيه أمر، ونهي مكروه.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [١٣٩]. والجملة الفعلية: ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص","vol":"2","page":661},{"text":"مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿فَتْحٌ:﴾ اسم كان مؤخر. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَتْحٌ؛﴾ لأنّه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وجملة: و﴿كانَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال:\nلأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم جواب الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف مفرّع عمّا قبله، لا محلّ له. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (﴿لَمْ﴾) واسمه ضمير مستتر تقديره: نحن.\n ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿نَكُنْ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ: إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به.\nو(إن) ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.\n ﴿وَنَمْنَعْكُمْ:﴾ فعل مضارع معطوف على: ﴿نَسْتَحْوِذْ﴾ مجزوم مثله، والفاعل مستتر تقديره:\nنحن، وقرئ بنصبه على إضماره «أن» بعد الواو في جواب الاستفهام، كما يجوز في العربية رفعه على إضمار مبتدأ كما ذكرته مرارا. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿فَاللهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله أيضا، و﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَجْعَلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾). ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ..﴾. إلخ مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-635\"></span>﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا (١٤٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ:﴾ الخداع، والمخادعة: أن يوهم المرء صاحبه خلاف ما يريد من المكروه؛ ليوقعه فيه من حيث لا يشعر، أو يوهمه المساعدة على ما يريد هو به؛","vol":"2","page":662},{"text":"ليغترّ بذلك. وكلام المعنيين مناسب للمقام، فإنّهم كانوا يريدون أن يطلعوا على أسرار المؤمنين، فيذيعونها إلى المنابذين، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر الكفرة. وانظر سورة (البقرة) رقم [٩] إن أردت الزيادة في ذلك، والخداع، والمخادعة من مكايد الحرب، وهي ممدوحة فيه، قال الرسول المعظم ﷺ: «الحرب خدعة» والمراد بخداعهم الله: خداع الرسول ﷺ؛ لأنّ الله لا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء.\n ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أي: هو مجازيهم على أعمالهم، وذكر لفظ الخداع للمشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ وإن الله فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع؛ حيث تركهم في الدنيا معصومين الدماء، والأموال، وأعدّ لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار.\nوقيل: يعطون على الصراط نورا، كما يعطى المؤمنون، فيمضون بنورهم، ثم يطفأ نورهم، ويبقى نور المؤمنين، فينادون المؤمنين: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ انتهى جمل. ﴿كُسالى:﴾ قرئ بضم الكاف وفتحها، مثل: سكارى، وقرئ: («كسلى») مثل: سكرى، وهو جمع كسلان. هذا؛ والكسل: الفتور، والتواني، وانحطاط الجسم.\n ﴿يُراؤُنَ النّاسَ:﴾ من المراءاة، وهي مفاعلة من الرؤيا، ومعناها: أنّ المرائي يري النّاس عمله حسنا، ولا يراقب الله في هذا الحسن. والرياء: شرك، كما صرّحت به الأحاديث الشّريفة الكثيرة، وخذ ما يلي:\nعن جندب بن عبد الله﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع؛ سمّع الله به، ومن يرائي؛ يرائي الله به». رواه البخاريّ، ومسلم.\nوعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «من تزيّن بعمل الآخرة، وهو لا يريدها، ولا يطلبها؛ لعن في السّماوات، والأرض». رواه الطّبرانيّ في الأوسط.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من تحبّب إلى النّاس بما يحبّون، وبارز الله بما يكرهون؛ لقي الله؛ وهو عليه غضبان» رواه الطّبرانيّ في الأوسط.\nوعن ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحسن الصّلاة حيث يراه النّاس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربّه ﵎». رواه أبو يعلى.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصّلاة، فتقام، ثمّ آمر رجلا، فيصلّي بالنّاس، ثمّ أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصّلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم». رواه البخاريّ، ومسلم. وانظر الإخلاص في الآية [١٤٦].","vol":"2","page":663},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿يُخادِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محلّ لها على الاعتبارين. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خادِعُهُمْ:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين. وقيل: معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ﴾ وقيل:\nمستأنفة، والحالية أقوى. (إذا): انظر الآية رقم [١٤٠]، وجملة: ﴿قامُوا إِلَى الصَّلاةِ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿قامُوا كُسالى﴾ جواب (إذا) لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ الواقعة خبرا ل: ﴿إِنَّ؛﴾ فهي في محل رفع مثلها. ﴿كُسالى:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة. وقيل: من الضمير المستتر في: ﴿كُسالى﴾. وقيل: إنّها مستأنفة. وقيل: إنّها بدل من: ﴿كُسالى﴾ وهذان ضعيفان، وجملة: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا ذكرا قليلا. وقيل:\nصفة ل: «زمان» محذوف، التقدير: إلا زمانا قليلا. والأول أقوى.\n\n<span id=\"aya-636\"></span>﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾\nالشرح: ﴿مُذَبْذَبِينَ:﴾ متحيّرين، متردّدين بين الإيمان، والكفر، وهو بفتح الذال من:\nالذبذبة، وهي الاضطراب، ومنه قول النابغة الذبياني يخاطب به النّعمان بن المنذر: [الطويل]\nألم تر أنّ الله أعطاك سورة... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب\nوقرئ بكسر الذال، بمعنى: يذبذبون قلوبهم، أو دينهم، ومنه قول البعيث بين حريث: [الطويل]\nخيال لأمّ السّلسبيل ودونها... مسيرة شهر للبريد المذبذب\nوقرئ بالدّال بمعنى: أخذ تارة في دبّة، وتارة في دبّة، وهي الطريقة. ومنه ما روي عن ابن عباس﵄-: اتبعوا دبّة قريش، أي: طريقتهم، وملتهم، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء؛ أي: لا منسوبين إلى المؤمنين، ولا إلى الكافرين. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا:﴾\nانظر الآية رقم [٨٨] ففيها الكفاية، وخذ ما يلي:","vol":"2","page":664},{"text":"عن عبد الله بن عمر﵄عن النبي ﷺ قال: «مثل المنافق كمثل الشّاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرّة، وإلى هذه مرّة». متفق عليه.\nالإعراب: ﴿مُذَبْذَبِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، وعلامة نصبه الياء؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق به، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿إِلى:﴾\nحرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب: ﴿إِلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في:\n ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ انظر الشرح. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٨٨] ففيها الكفاية.\n\n<span id=\"aya-637\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر مثل هذا النداء في الآية رقم [٢٩] فإنّه جيد والحمد لله! ﴿لا تَتَّخِذُوا:﴾ ينهى الله المؤمنين في هذه الآية عن موالاة الكافرين لقرابة، أو صداقة، ونحوهما؛ حتى لا يكون حبّهم، وبغضهم إلا لله، كما ينهى عن الاستعانة بهم في الغزو، وسائر الأمور الدّينية، والدنيوية، وإنّما يجب الحبّ للمؤمنين خاصّة، والمعاونة والمساعدة لهم، وبهم، ومثل هذه الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران): ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والآية رقم [٥١] من سورة (المائدة): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى..﴾. إلخ، وقوله تعالى في أول سورة (الممتحنة): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي..﴾. إلخ، وكل هذه الآيات تنهى المؤمنين الصادقين عن أن يكونوا مثل المنافقين؛ الذين ذكرهم الله في الآية رقم [١٣٩].\n ﴿أَتُرِيدُونَ:﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا:﴾ حجّة، وبرهانا قاطعا على نفاقكم، حتى يعاقبكم في الآخرة، كما يعاقب المنافقين. وتقدّم شرح الكلمات، وإعلال بعضها في الآية [٣] و[٦] من سورة (البقرة). وانظر الآية رقم [٨٩].\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٣] ففيها الكفاية. ﴿لا:﴾ ناهية.\n ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها كالجملة الندائية قبلها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به أوّل. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿أَوْلِياءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿دُونِ﴾","vol":"2","page":665},{"text":"مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَتُرِيدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (﴿تُرِيدُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿أَنْ تَجْعَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه في محل نصب مفعول به. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان تقدّم على الأوّل. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سُلْطانًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-638\"></span>﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ:﴾ المراد به: الطبقة التي في قعر جهنّم.\nوإنّما كان عقابهم كذلك؛ لأنّهم أخبث الكفرة، ضمّوا إلى الكفر استهزاء بالإسلام، وخداعا للمؤمنين. هذا؛ ودركات النار: منازل أهلها؛ إذ النّار دركات، والجنّة درجات، فالدّرك إلى أسفل، والدّرج إلى أعلى، ودركات النّار: طبقاتها، وهي سبع: العليا لعصاة المسلمين، وهي جهنّم، تكون بعد خروجهم منها خرابا، لا نار فيها، والثانية: لظى للنّصارى، والثالثة:\nالحطمة: لليهود، والرّابعة: السّعير للصابئين، والخامسة: سقر للمجوس، والسادسة: الجحيم لأهل الشّرك، والسّابعة: الهاوية، وهي الدّرك الأسفل للمنافقين، وقد يسمّى جميعها باسم جهنّم، ويطلق عليها لفظ النّار جميعا. هذا؛ و﴿الدَّرْكِ﴾ يقرأ بسكون الراء، وفتحها. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا:﴾ ناصرا ينصرهم، ويمنعهم من عذاب الله تعالى.\nهذا؛ ودرجات الجنّة ثمان، وهي: دار الجلال، ودار السّلام، وجنّة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنّة النّعيم، ودار الكرامة، وهي المعبّر عنها بدار المقامة، بقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٥] حكاية عن قول المؤمنين: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي الدَّرْكِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ التقدير: مقيمون في الدّرك. ﴿الْأَسْفَلِ:﴾ صفة له.\n ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الدَّرْكِ،﴾ أو من الضمير المستتر في: ﴿الْأَسْفَلِ﴾.\nوالجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَنْ﴾):\nحرف ناصب. ﴿تَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (﴿لَنْ﴾) والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَهُمْ:﴾","vol":"2","page":666},{"text":"جار ومجرور، متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول، وتعليقهما ب:\n ﴿نَصِيرًا﴾ بعدهما ممكن، والمعنى لا يأباه، والجملة الفعلية: ﴿وَلَنْ تَجِدَ..﴾. إلخ معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ﴾ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-639\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا:﴾ رجعوا عن النفاق. ﴿وَأَصْلَحُوا:﴾ أي: سرائرهم، وأحوالهم بأن طهّروها من النّفاق. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ:﴾ وثقوا به، وتمسّكوا بدينه. وانظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (آل عمران) فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ أي: لا يريدون بعملهم غير وجه الله تعالى. ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فعلوا ما تقدّم؛ فيكونون مع المؤمنين في الدّارين، ورفاقهم في أعلى عليّين. ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابا في الآخرة كثيرا، لا يعلم قدره إلا الله تعالى.\nتنبيه: المنافق أخطر على الإسلام، والمسلمين من الكافر، ولهذا كان عذابه أشدّ من عذاب الكافر، كما رأيت في الآية السابقة، وقد شرط تعالى للتّوبة على الكافر الانتهاء عن الكفر فقط، قال تعالى في سورة الأنفال رقم [٣٨]: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ،﴾ وأمّا المنافق؛ فقد شرط الله عليه للتوبة أربعا: التوبة من النفاق، وإصلاح العمل، والاعتصام بالله، وإخلاص الدّين له.\nهذا؛ و: (الإخلاص) رأس العبادات في التّوحيد، واتّباع الأوامر، واجتناب النّواهي، كيف لا وقد قال الله ﵎ في سورة (الزمر) رقم [٣]: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ أي: من الشرك، والرياء، والنّفاق. وقال جلّ ذكره في سورة (غافر) رقم [١٤]: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ،﴾ وقال تعالت كلمته في سورة (البينة): ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وخذ من قول الرّسول ﷺ ما يلي:\nفعن أنس﵁عن رسول الله ﷺ قال: «من فارق الدّنيا على الإخلاص لله وحده، لا شريك له، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة؛ فارقها والله عنه راض». رواه ابن ماجة، والحاكم.\nوعن ثوبان﵁عن النّبي ﷺ قال: «طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كلّ فتنة ظلماء». رواه البيهقيّ، وعن ابن عبّاس﵄-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أخلص لله أربعين يوما؛ ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه». رواه ابن حبان. وحذّر الرسول ﷺ من الرّياء، وبالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [١٤٢] فخذ هنا ما يلي:","vol":"2","page":667},{"text":"فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج في آخر الزّمان رجال يختلون (^١) الدّنيا بالدّين، يلبسون للنّاس جلود الضّأن من اللّين، ألسنتهم أحلى من السّكّر، وقلوبهم قلوب الذّئاب» يقول الله ﷿: «أبي يغترّون، أم عليّ يجترئون؟! فبي حلفت:\nلأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيرانا!». رواه الترمذيّ برقم [٢٤٠٦] والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من: ﴿الْمُنافِقِينَ﴾ أو: من الضمير المجرور محلاّ باللام، أو هو في محل رفع مبتدأ. ﴿تابُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: تابوا من النفاق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دِينَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿دِينَهُمْ﴾.\n (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ. و﴿مَعَ:﴾ مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة على الوجه الأول في: ﴿الَّذِينَ﴾ وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستثنى من الكلام السّابق، واعتبار المفرد الموصول مستثنى من الكلام السابق يجعل الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع كونها مرتبطة بها معنى، وانظر الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة).\n ﴿وَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿سَوْفَ﴾): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يُؤْتِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به أول منصوب... إلخ. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-640\"></span>﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾\nالشرح: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ..﴾. إلخ؛ أي: لا غاية لله في عذابكم؛ لأنّه لا يشفي غيظا، ولا يدفع ضرّا، ولا يجلب نفعا، فهو الغني المتعالي عن النّفع، والضرّ، وهذا إن شكرتم، وآمنتم،\n_________\n١) أي: يطلبون الدنيا بعمل الآخرة.","vol":"2","page":668},{"text":"وإلاّ؛ فهو سبحانه يعاقب المصرّ على كفره، ونفاقه، وعصيانه. ﴿وَكانَ اللهُ:﴾ ويكون، ولا يزال كائنا. ﴿شاكِرًا عَلِيمًا:﴾ قد قدّم الله الشكر على الإيمان في الآية؛ لأنّ العاقل ينظر إلى ما عليه من النّعمة العظيمة في خلقه، وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم؛ آمن به، ثمّ شكره شكرا مفصلا، فكان الشكر مقدّما على الإيمان.\nهذا؛ والفعل منه يتعدّى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، و: شكرت له، كما تقول:\nنصحته، و: نصحت له، وباللام أفصح. هذا؛ ومن أسماء الله تعالى: الشّكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطّاعات كثير الدّرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. وخذ في معنى الشّكر لله ما يلي:\nقال سهل بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: الشكر هو: الاجتهاد في بذل الطّاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ، والعلانية. وقالت طائفة أخرى: الشّكر: هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا،﴾ فقال داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: كيف أشكرك يا رب، والشّكر نعمة منك علي؟! فقال تعالى: الآن شكرتني، وعرفتني؛ إذ قد عرفت: أنّ الشكر منّي نعمة عليك. وقال موسى﵇-:\nكيف أشكرك يا رب! وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك، لا يجازي بها عملي كلّه؟! فأوحى إليه: يا موسى! الآن شكرتني. وقال ذو النّون المصري-رحمه الله تعالى-: الشكر لمن فوقك بالطّاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان، والإفضال.\nهذا؛ وشكر الله يستوجب المزيد من النعم، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وجحودها يستوجب سلبها، وذهابها، قال تعالى في الآية نفسها رقم [٧]: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ لذا قيل:\nإنّ الشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. وينبغي أن تعلم: أنّ فائدة الشكر، تعود على الشّاكر نفسه، قال تعالى في سورة (النّمل) رقم [٤٠]: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ،﴾ وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾.\nهذا؛ والشّكر مطلوب لكلّ منعم، ومحسن؛ ولو كان من البشر، لذا فقد ندبنا الله ورسوله على أن نشكر من أحسن إلينا من النّاس، لذا قال الله تعالى: ﴿اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.\nوعن جابر بن عبد الله﵁عن النبي ﷺ قال: «من أعطي عطاء، فوجد؛ فليجز به، فإن لم يجد؛ فليثن، فإنّ من أثنى؛ فقد شكر، ومن كتم؛ فقد كفر، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذيّ.\nوعن أسامة بن زيد﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثّناء».","vol":"2","page":669},{"text":"وعن النّعمان بن بشير﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر النّاس؛ لم يشكر الله. والتّحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». قال الخطابي-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام يتأول على معنيين: أحدهما: أنّ من كان طبعه كفران نعمة النّاس، وترك الشكر لمعروفهم؛ كان من عادته كفران نعم الله، ﷿، وترك الشكر له. والمعنى الثاني: أنّ الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه؛ إذا كان العبد لا يشكر إحسان النّاس إليه، ويكفر معروفهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر. ورحم الله من قال: [الطويل]\nومن لم يؤدّ الشّكر للنّاس لم يكن... لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر\nالإعراب: ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. وقيل:\n (﴿ما﴾) نافية. ﴿يَفْعَلُ اللهُ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿بِعَذابِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والباء زائدة في المفعول به على اعتبار (ما) نافية، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿شَكَرْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَآمَنْتُمْ:﴾ معطوف على ما قبله جملة، وإفرادا، ومتعلقه محذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن شكرتم الله، وآمنتم به؛ فما يفعل الله... إلخ، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-641\"></span>﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾\nالشرح: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ..﴾. إلخ: أي: لا يرضى ربّنا أن يجهر المسلم بالقول السيّئ إلا المظلوم، فإنّه يجوز له أن يجهر بظلمه، فيقول: فلان ظلمني، أو سرقني، أو شتمني، ونحو ذلك، كما فسّر بدعاء المظلوم على الظالم، فإنّه يجوز له أن يدعو على ظالمه سرّا، وجهرا.\nوقيل: نزلت الآية في الضّيف إذا نزل بقوم، فلم يقروه، ولم يحسنوا ضيافته؛ فله أن يشكو، ويذكر ما صنع به.\nوقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت في أبي بكر الصديق﵁وذلك: أنّ رجلا نال منه، والنبيّ ﷺ حاضر، فسكت عنه أبو بكر﵁مرارا، ثم ردّ عليه، فقام النبيّ ﷺ من مجلسه، فقال الصدّيق: يا رسول الله! شتمني الرّجل، فلم تقل له شيئا؛ حتّى إذا رددت عليه؛ قمت! فقال النبي ﷺ: «إنّ ملكا كان يجيب عنك، فلمّا رددت عليه؛ ذهب الملك، وجاء الشّيطان، فقمت». ونزلت الآية الكريمة.","vol":"2","page":670},{"text":"هذا؛ وقرئ: («إلاّ من ظلم») بفتح الظّاء، واللام. والمعنى عليه: إلا من ظلم في فعل، أو في قول فاجهروا له بالسّوء من القول. ففيه معنى النهي عن فعله القبيح، والتوبيخ له، والردّ عليه، فإنّه يقال للمنافق: ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدّرك الأسفل من النّار؟! وقال قوم: معنى الكلام: لكن من ظلم، فإنّه يجهر بالسوء ظلما، وعدوانا، وهذا شأن كثير من الظّلمة، ودأبهم، فإنّهم مع ظلمهم يستطيلون على الناس بألسنتهم، وينالون من عرض مظلومهم ما حرّم الله عليهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا:﴾ تحذير للظّالم حتّى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدّى الحدّ في الانتصار. وخذ قوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. وقوله جلّ ذكره فيها أيضا: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وعن أبي هريرة -﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «المستبّان ما قالا، فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم». أخرجه أبو داود برقم: [٤٨٩٤]، ومسلم برقم [٢٥٨٧]، وعن عياض بن حمار﵁قال: قلت: يا نبي الله! الرجل يشتمني، وهو دوني، أعليّ من بأس أن أنتصر منه؟ قال: «المستبّان شيطانان يتهاتران يتكاذبان». رواه ابن حبّان في صحيحه.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿الْجَهْرَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالسُّوءِ:﴾ متعلقان ب ﴿الْجَهْرَ﴾ لأنّه مصدر، فهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (السوء). ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. أو أداة استثناء. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بإضافة اسم محذوف إليه، التقدير: إلاّ جهر من. وهذا المحذوف بدل من: ﴿الْجَهْرَ،﴾ أو هو مستثنى منه. والأول أقوى؛ لأنّ الكلام تامّ منفي، و﴿مِنَ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿ظُلِمَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، أو للمعلوم، ونائب الفاعل، أو الفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ،﴾ والجملة الفعلية صلة:\n ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-642\"></span>﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا..﴾. إلخ؛ أي: إن أظهرتم أيّها النّاس عمل الخير، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمّن أساء إليكم. والخير في هذه الآية يشمل جميع أعمال البرّ من طاعة الله، ومن إحسان، ومعروف لأي مخلوق يدبّ على وجه الأرض. والعفو يشمل التّجاوز عن كلّ إيذاء، وإساءة، ومضرّة من أيّ مخلوق. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ..﴾. إلخ. يعني: لم يزل ذا عفو مع قدرته على الانتقام، فاعفوا أنتم عمّن ظلمكم، واقتدوا بسنّة الله، ورسوله؛ يعف عنكم يوم القيامة؛ لأنّه أهل للتّجاوز، والعفو عنكم.","vol":"2","page":671},{"text":"روى ابن المبارك؛ قال: حدّثني من سمع الحسن؛ يقول: إذا جثت الأمم بين يدي ربّ العالمين؛ نودي: ليقم من أجره على الله! فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا عن المسيئين. ويصدقه قوله تعالى في سورة (الشّورى): ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾. هذا؛ وبين: ﴿تُبْدُوا﴾ و(تخفوا) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، وإعرابهما مثلها، وجواب الشّرط محذوف، تقديره: فهو أولى لكم من تركه، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ تقديره: «هو». ﴿عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ خبران ل:\n ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها تعليلية.\n\n<span id=\"aya-643\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ..﴾. إلخ: نزلت الآية الكريمة في اليهود، والنّصارى جميعا، وذلك: أنّ اليهود آمنوا بموسى، والتوراة، وكفروا بعيسى، والإنجيل، وبمحمد، والقرآن. والنصارى آمنوا بعيسى، والإنجيل، وكفروا بمحمّد ﷺ والقرآن. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: بين الإيمان بالله، والإيمان برسله. فنصّ الله ﷾: أنّ التفريق بين الله، ورسله كفر، وإنّما كان كفرا؛ لأنّ الله تعالى فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرّسل. فإذا جحدوا الرّسل؛ ردّوا عليهم شرائعهم، ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية؛ الّتي أمروا بالتزامها لله تعالى.\n ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ:﴾ هو ما ذكرته مفصلا من إيمان اليهود، وإيمان النصارى آنفا. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: بين الإيمان بالبعض دون البعض يتّخذون مذهبا يذهبون إليه، ودينا وسطا بين الإسلام، واليهودية يدينون به، ولا دين وسط لله تعالى؛ إذ الحقّ لا يختلف، فإنّ الإيمان بالله لا يتمّ إلا بالإيمان برسله، وتصديقهم فيما بلّغوا تفصيلا، وإجمالا، فالكافر ببعض كالكافر بالكلّ في الضّلال، كما قال جلّ ذكره: ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾.","vol":"2","page":672},{"text":"تنبيه بل فائدة: ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الإيمان، والكفر، ولم يقل: بين ذينك؛ لأنّ ذلك تقع للواحد، وللاثنين، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٨٦]: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾. ومن شواهدها الشّعرية قول عبد الله بن الزّبعرى-وهو الشاهد رقم [٣٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والشاهد رقم [١٨٤] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الرمل]\nإنّ للخير وللشّرّ مدى... وكلا ذلك وجه وقبل (^١)\nوقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته مشيرا إلى ذلك في (الإضافة): [الرجز]\nلمفهم اثنين معرّف بلا... تفرّق أضيف كلتا وكلا\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسم (﴿إِنَّ﴾). ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَيُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿أَنْ يُفَرِّقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من الفعل، وناصبه في محلّ نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله. و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿نُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، أو هو متعلّق بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلًا﴾ كان صفة له... إلخ. و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به.\n\n<span id=\"aya-644\"></span>﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٥١)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المذكورون في الآية السابقة. ﴿هُمُ الْكافِرُونَ﴾ أي: الكاملون في الكفر؛ لأنّه لا اعتبار بإيمانهم. ﴿حَقًّا:﴾ تأكيد يزيل التوهّم في إيمانهم حين وصفهم الله بأنهم يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾. وإذا كفروا ببعض الرّسل، فقد كفروا بالله﷿-\n_________\n١) أي: طريق واضح.","vol":"2","page":673},{"text":"كفرا محقّقا، وكفروا بكلّ رسول مبشّر بمحمد ﷺ. ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ أي: كما استهانوا بمن كفروا به من الرّسل. يعذبهم في الآخرة عذابا شديدا يهينهم به جزاء كفرهم، واستهانتهم برسل الله محمد، وعيسى، عليهما ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محلّ رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محلّ له. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\nهذا؛ وإن اعتبرت الضّمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْكافِرُونَ﴾ خبره؛ فالجملة الاسمية تكون في محلّ رفع خبر الأول، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ﴾ إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ في الآية السابقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿حَقًّا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: حقّ ذلك حقّا، والجملة في محلّ نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة الاسمية، أو هو حال صريحة مؤكّدة لمضمون الجملة الاسمية، ومثله قول سالم بن دارة اليربوعي-وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [البسيط]\nأنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟!\nوقيل: ﴿حَقًّا﴾ صفة لمصدر محذوف، التقدير: الكافرون كفرا حقّا. ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿مُهِينًا﴾ بعدهما. ﴿عَذابًا:﴾\nمفعول به. ﴿مُهِينًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، أو هي معترضة بين المتعاطفتين.\n\n<span id=\"aya-645\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يعني بذلك أمّة محمد ﷺ، فإنّهم يؤمنون بكلّ كتاب أنزله الله، وبكلّ رسول بعثه الله تعالى، كما قال الله تعالى في آخر سورة (البقرة): ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ..﴾. إلخ، والآية رقم [٨٤] من سورة (آل عمران):\n ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ..﴾. إلخ. ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ﴾ أي: بالإيمان، وأمّا بالتّفضيل فهو موجود، كما ذكرته مرارا. ﴿أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ فهذا وعد من الجليل بالثّواب الجزيل، والعطاء الجميل، و﴿سَوْفَ:﴾ هنا بحقّ الله تعالى للتّحقيق، والتّأكيد، ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ؟!﴾ ﴿وَكانَ اللهُ:﴾ ولا يزال كائنا. ﴿غَفُورًا﴾ لذنوب عباده. ﴿رَحِيمًا﴾ بهم.\nبعد هذا فإنّ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يقابل قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾. وقوله جلّ شأنه: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا﴾ يقابل قوله تعالت قدرته: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ﴾","vol":"2","page":674},{"text":"يُفَرِّقُوا... إلخ. وأما قوله تعالت حكمته: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا..﴾. إلخ؛ فداخل فيما قبله، فتمّت المقابلة.\nقال النّسفي-رحمه الله تعالى-: والآية تدلّ على بطلان قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة؛ لأنّ الله أخبر: أنّ من آمن بالله، ورسله... إلخ يؤتيه أجره، ومرتكب الكبيرة ممّن آمن بالله ورسوله، ولم يفرّق بين أحد منهم، فيدخل تحت هذا الوعد.\nهذا؛ و(أحد) أصله: وحد؛ لأنّه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، وإنّما يحسن في المضمومة، والمكسورة، مثل قولهم في: وجوه: أوجه، وفي وساءة: إساءة. وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جلّ علاه، فيقال:\nهو الواحد، وهو الأحد. والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: ما في الدّار أحد. وهو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه الواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ولذا صحّت إضافة (بين) إليه، قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٣٢]: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾. وقال جلّ ذكره في سورة (الحاقة) رقم [٤٧]: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ وإن أردت الزيادة؛ فانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (الجن) تجد ما يسرّك ويثلج صدرك.\nالإعراب: (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُفَرِّقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (﴿لَمْ﴾)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَحَدٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿أَحَدٍ﴾.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف تسويف، واستقبال، وهو هنا للتّحقيق. ﴿يُؤْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به أوّل. ﴿أُجُورَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأوّل، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة السابقة الواقعة خبرا ل: (إنّ) فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا:﴾ إعراب هذه الجملة واضح، وهي مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"2","page":675},{"text":"<span id=\"aya-646\"></span>﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾\nالشرح: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ..﴾. إلخ؛ أي: سألك يا محمد أهل الكتاب من اليهود، وذلك: أنّ كعب بن الأشرف، وفنحاص بن عازوراء، وغيرهما قالوا لرسول الله ﷺ: إن كنت نبيّا؛ فائتنا بكتاب من السماء جملة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة. وكان هذا السؤال من اليهود سؤال تعنّت، واقتراح، لا سؤال استرشاد، وانقياد، والله ﷿ لا ينزل الآيات على اقتراح العباد، ولأنّ معجزة الرسول ﷺ كانت قد تقدّمت، وظهرت، فكان طلب الزيادة من باب التعنّت.\n ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ أي: أعظم من الّذي سألوك يا محمد! ففيه تسلية للنبي ﷺ وتوبيخ، وتقريع لليهود؛ حيث سألوا رسول الله ﷺ سؤال تعنّت. والمعنى: لا تعظمنّ عليك مسألتهم يا محمد! فإنّهم من فرط جهلهم، واجترائهم على الله لو أتيتهم بكتاب من السماء؛ لما آمنوا بك. وإنّما أسند السؤال إلى اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، وإن وجد هذا السّؤال من آبائهم الذين كانوا في زمن موسى﵊لأنّهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم، ومشاكلين لهم في التعنّت. وما أكثر مثل هذا التوبيخ للموجودين في عهد الرسول ﷺ بما فعل آباؤهم الأوّلون في سورة (البقرة). انظر الآية رقم [٥٥] وما بعدها.\n ﴿فَقالُوا:﴾ يعني أسلاف اليهود. ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً:﴾ أرناه نره عيانا. وذلك: أنّ سبعين من بني إسرائيل خرجوا مع موسى﵊إلى الجبل ليعتذر إلى الله من عبادة العجل، انظر الآية رقم [٥٥] من سورة (البقرة).\n ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بسبب ظلمهم، وسؤالهم الرؤية. والصّاعقة: الصيحة، وهي صوت هائل سمعوه من جهة السّماء. وقيل: هي نار. وفي سورة (الأعراف) رقم [١٥٥]:\n ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:﴾ وهي الزلزلة، ويمكن الجمع بأنّهم حصل لهم الجميع، انظر الآية [٥٥] من سورة (البقرة) والآية [١٥٢] من سورة (الأعراف).\n ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ يعني: إلها، وهم الذين خلّفهم موسى مع أخيه هارون حين خرج إلى ميقات ربّه ليأتيهم بالتّوراة؛ التي وعدهم بها. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ:﴾ المعجزات الواضحات الدّالة على صدق موسى، وهي: العصا، واليد، وفلق البحر، وغير ذلك من المعجزات الباهرة.\nهذا؛ وأصل (اتخذ) ائتخذ من الأخذ، وزنه: افتعل؛ سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين، فصار: «ايتخذ» فاضطربت الياء في التّصريف. فجاءت ألفا في: «ياتخذ» وواوا في: «موتخذ»","vol":"2","page":676},{"text":"فبدّلت بحرف ثابت من جنس ما بعدها، وهي التاء، ثم أدغمت التاء في التاء، ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق بها، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٨٠]: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ فاستغني عن ألف الوصل بألف التّقرير، ومثله قول ذي الرّمّة: [البسيط]\nأستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا... أم راجع القلب من أطرابه طرب؟\nومثل ذلك كلّه قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٨]: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا؟،﴾ وقوله تعالى في سورة (الصّافات) رقم [١٥٣]: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ؟،﴾ وقوله تعالى في سورة (ص) رقم [٧٥]: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ؟،﴾ وقوله تعالى في سورة (المنافقون) رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. انظر شرح هذه الآيات في محالّها.\n ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ أي: عن ذلك الذنب العظيم، فلم نستأصل عبدة العجل. والمقصود من هذا تسلية النبيّ ﷺ. والمعنى: أنّ هؤلاء الذين يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتابا من السماء إنّما يطلبونه عنادا، ولجاجا، فإنّي قد أنزلت التّوراة جملة على موسى، وآتيته من المعجزات الباهرات، والآيات البينات ما فيه كفاية، ثمّ إنّهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد، وعبدوا العجل، وكلّ ذلك يدلّ على جهلهم، وأنّهم مجبولون على العناد، واللّجاج، وفي قوله تعالى: ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ استدعاء إلى التّوبة، والمعنى: أنّ أولئك الذين أجرموا لمّا تابوا؛ عفونا عنهم، فتوبوا أنتم؛ نعف عنكم... انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به أول. ﴿أَهْلُ:﴾ فاعله، و﴿أَهْلُ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ تُنَزِّلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به ثان، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كِتابًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿كِتابًا،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَسْئَلُكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط مقدّر، التقدير: إن تعجبت من سؤالهم؛ فقد سأل آباؤهم أعظم من ذلك. وهذا قول البيضاوي، والنّسفي تبعا للزّمخشري. وأرى: أنّ الفاء للتعليل، التقدير: لا تستغرب، ولا تتعجّب من سؤالهم؛ لأنّهم سألوا موسى... إلخ. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَأَلُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به أوّل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر. ﴿أَكْبَرَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَكْبَرَ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له، وجملة: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط على رأي البيضاوي... إلخ، ولا محلّ لها على تقديري. والكلام برمّته مستأنف لا محلّ له.","vol":"2","page":677},{"text":"﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف تفسير، مثل: توضأ، فغسل وجهه... إلخ. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَرِنَا:﴾ فعل أمر، والتماس، مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، و(نا): مفعول به.\n ﴿اللهَ:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالوا...) إلخ مفسرة لسؤالهم موسى لا محلّ لها. ﴿جَهْرَةً:﴾ مفعول مطلق نوعي؛ لأنّ الجهر بعض الرؤية.\nوقيل: حال من الفاعل المستتر، أو من لفظ الجلالة. وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: جهرتم جهرة. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الصّاعِقَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n (قالوا...) إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿بِظُلْمِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعِجْلَ:﴾ مفعول به أول، والثاني محذوف، التقدير: اتخذوا العجل إلها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة «إلها» المقدّر. ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء: مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد مجيء البينات.\n ﴿فَعَفَوْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (عفونا): فعل، وفاعل. ﴿عَنْ ذلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَآتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به أول. ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-647\"></span>﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ:﴾ هذه الجملة تفسّر معنى قوله تعالى في سورة الأعراف رقم [٧٠]: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ و﴿الطُّورَ﴾ يطلق في الأصل على كلّ جبل، والمراد به هنا: جبل مخصوص في سيناء من أرض فلسطين، كان موسى -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يناجي ربّه عليه كلّما أراد مناجاته، ومخاطبته.\nوالميثاق: العهد، وأصله: الموثاق، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، والجمع: مواثيق، فهو من: وثق، يثق، ومثله في كلّ ذلك: ميعاد، وميقات، وميزان\nوكان سبب رفع الجبل فوقهم: أنّ بني إسرائيل سألوا موسى أن يأتيهم بكتاب من عند ربّه ليحكم بينهم فيه، فسأل ربّه، فأعطاه التّوراة، فلمّا رأوا ما فيها من التكاليف الشّاقّة؛ كبرت","vol":"2","page":678},{"text":"عليهم، فأبوا قبولها، فأمر الله جبريل، ﵇، فقلع جبل الطّور من مكانه، وكان على قدر عسكرهم، وفوق رءوسهم قدر قامتهم كالظّلّة. وقيل لهم: إن لم تقبلوا التوراة؛ وإلا أنزلته عليكم! فقبلوها مكرهين، وسجدوا على أنصاف وجوههم اليسرى، وجعلوا يلاحظون الجبل بأعينهم اليمنى، وهم سجود، فصار ذلك سنّة في سجود اليهود، لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، وقالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله، ورحم بها عباده، فلمّا رفع عنهم الجبل؛ رجعوا إلى عنادهم، وكفرهم.\n ﴿وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ والطور فوق رءوسهم. والمراد به: باب بيت المقدس، أو باب أريحا، انظر شرح هذا؛ وتفصيله في الآيتين رقم [٥٨ و٥٩] من سورة (البقرة). ﴿وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٧] تجد ما يسرّك. ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أي: مؤكّدا، وهو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة. وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٣٣] ففيها الكفاية.\nالإعراب: (﴿رَفَعْنا﴾): فعل، وفاعل. ﴿فَوْقَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿الطُّورَ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الطُّورَ:﴾ مفعول به. ﴿بِمِيثاقِهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو البقاء: هما في محل نصب مفعول به، ولا أراه قويّا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين، والهاء في محل جرّ بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله. (﴿قُلْنا﴾): فعل، وفاعل. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْبابَ:﴾\nانظر إعراب الجنّة في الآية رقم [١٢٤]. ﴿سُجَّدًا:﴾ حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْنا﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَقُلْنا لَهُمُ:﴾ مثل ما قبله. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَعْدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي السَّبْتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَقُلْنا..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَأَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِيثاقًا:﴾ مفعوله الثاني. ﴿غَلِيظًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا.\n\n<span id=\"aya-648\"></span>﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٥٥)﴾\nالشرح: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ أي: بسبب نقضهم العهود، وخلفهم الوعود؛ التي قطعوها على أنفسهم بأنّهم يقبلون الكتاب؛ الذي يأتيهم به موسى. ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: وبجحودهم","vol":"2","page":679},{"text":"المعجزات؛ التي جاء بها موسى، ثمّ كفرهم بعيسى، والإنجيل، وكفرهم بمحمد ﷺ والقرآن سخطنا عليهم، ولعناهم، وطردناهم من رحمتنا. هذا؛ و«النقض» يستعمل في الشيء المحسوس كالجدار، والحبل، ونحوهما، وقد استعير هنا لشيء معنوي، وهو الميثاق، ونقضه. ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: بغير استحقاق، فقد قتلوا زكريا، ويحيى، وغيرهم كثيرين، كما ذكرته لك فيما تقدّم، وقتل الأنبياء لا يكون حقّا؛ لأنّهم لا يفعلون ما يستوجب القتل، لعصمتهم من الكبائر، بل ومن الصّغائر.\n ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ:﴾ جمع أغلف، أي: مغطاة بأغطية، فلا تعي ما تقول يا محمد! فهم يريدون: أنّها خلقت مغشّاة بأغطية خلقية، فهي لا تعي ما جئت به، وهو مستعار من الأغلف، الذي لم يختن، واستعار الغلاف بمعنى الغطاء لعدم الفهم والإدراك، وقرئ بسكون اللام وضمها مثل: رسل، ونحوه، وقال ابن عباس﵄-: أي: قلوبنا ممتلئة علما، لا تحتاج إلى علم محمّد ﷺ، ولا غيره، ومثل هذه الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة) والآية رقم [٥] من سورة (فصلت)، ونصها: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾.\n ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ:﴾ جعلها محجوبة عن العلم، أو خذلها، ومنعها التوفيق للتدبّر في الآيات، والتذكر في المواعظ. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي: إلا إيمانا قليلا لا قيمة له.\nوقيل: المراد بالقليل عبد الله بن سلام، وأصحابه؛ الّذين آمنوا بمحمّد ﷺ إيمانا صحيحا.\nهذا؛ و«الطبع» الختم، وهو التأثير في الطّين، ونحوه، فاستعير هنا، وفي كثير من الآيات لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، وإذا طبع على قلب إنسان؛ فلا تؤثّر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة، كما قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾.\nهذا؛ والطّبع: السّجية، والخلق الذي طبع عليه الإنسان، والطّبيعة مثله، وجمع الأول: طباع، وجمع الثاني: طبائع، والطّبع: تدنس العرض، وتلطّخه، يقال: طبع السيف، إذا دخله الجرب من شدّة الصدأ، وطبع الرجل: إذا أتى عيبا، يقال: نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع، أي: إلى دنس، قال ثابت بن قطنة: [البسيط]\nلا خير في طمع يدني إلى طبع... وغفّة من قوام العيش تكفيني\nالإعراب: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وهو أقوى من العطف على الآية السّابقة.\n (بما ﴿نَقْضِهِمْ﴾): (ما) مقحمة بين الجار والمجرور. وقيل: (ما): نكرة موصوفة في محل جر بالباء و﴿نَقْضِهِمْ:﴾ بدل منها، وهو ضعيف. وهما متعلقان على رأي الزمخشري، والبيضاوي بمحذوف، تقديره: فخالفوا، ونقضوا، ففعلنا بهم ما فعلنا بسبب نقضهم. وقالا: يجوز تعليقهما بالفعل الآتي: (حرمنا)، وصحّح الجمل تبعا للجلال تعليقهما بمحذوف تقديره: «لعناهم»، وذلك لأنّه صرّح به في قوله تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ الآية رقم [١٣] من سورة","vol":"2","page":680},{"text":"(المائدة) والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، ومثله ما بعده من الضّمائر.\n ﴿مِيثاقَهُمْ:﴾ مفعول به للمصدر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكلّ حرف دالّ على جماعة الذكور. ﴿وَكُفْرِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله... إلخ. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\nو(آيات): مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالمصدر: (قتل)، و(غير) مضاف، و﴿حَقٍّ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَقَوْلِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله أيضا. ﴿قُلُوبُنا:﴾ مبتدأ. (نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿غُلْفٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول للمصدر: (﴿قَوْلِهِمْ﴾).\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب تبتدأ بعده الجمل. ﴿طَبَعَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِكُفْرِهِمْ:﴾ متعلقان به أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ. والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف استثناء.\n ﴿قَلِيلًا:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ على أنّ المراد به عبد الله بن سلام، فيكون استثناء متصلا، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، على التفسير الثّاني.\nقال الجمل: يحتمل كونه نعتا لزمان محذوف، أي: إلا زمانا قليلا، وقال: ولا يجوز نصبه على الاستثناء من فاعل: ﴿يُؤْمِنُونَ؛﴾ لأنّ الضمير في: (لا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾) عائد على المطبوع على قلوبهم، ومن طبع على قلبه بالكفر؛ فلا يقع منه إيمان! أي: فيكون الاستثناء من غير جنسه.\n\n<span id=\"aya-649\"></span>﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بعيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ..﴾. إلخ حين رموها بالزنى، وذلك: أنّهم أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من غير أب، ومنكر قدرة الله كافر، فالمراد بقوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ هو إنكارهم قدرة الله تعالى، والمراد بقولهم: ﴿عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ هو رميهم إيّاها بالزنى، وإنّما سمّاه بهتانا عظيما؛ لأنّه ظهر عند ولادة مريم من المعجزات ما يدلّ على براءتها من ذلك، وانظر شرح البهتان في الآية رقم [١١٢] وانظر تكريمها، وتشريفها، وتفضيلها في سورة (آل عمران).\nالإعراب: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَقَوْلِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء... إلخ. ﴿عَلى مَرْيَمَ:﴾ متعلقان بالمصدر قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿بُهْتانًا؛﴾ لأنّه مصدر أيضا، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا. وعلامة الجرّ الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث. ﴿بُهْتانًا:﴾ مفعول به للمصدر قبله، فإنّه متضمن معنى كلام كثير، نحو: قلت","vol":"2","page":681},{"text":"خطبة، وشعرا. وقيل: منصوب على نوع المصدر، كقولهم: قعد القرفصاء. وقيل: صفة لمصدر محذوف، التقدير: قولا بهتانا. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، أي: مباهتين، وإنّي أعتمد الأوّل، فهو جدير بالاعتبار.\n\n<span id=\"aya-650\"></span>﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا..﴾. إلخ؛ أي: بزعمهم. وهناك مقدّر محذوف، بدليل ما بعده، أي: وصلبناه. ففيه اكتفاء. ﴿الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في سورة (المائدة).\n ﴿رَسُولَ اللهِ:﴾ قد يقال: إنّهم كفروا به وسبّوه، وسبّوا أمه. وقالوا: ساحر، وابن ساحرة، فكيف يقولون فيه: رسول الله؟ والجواب: أنّهم قالوا ذلك تهكّما على حدّ قول المشركين في حقّ محمد ﷺ: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ،﴾ وقول فرعون فيما حكاه الله عنه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾. وأجيب أيضا بأنّ هذا من كلام الله تعالى لمدحه، وتنزيهه عن مقالتهم فيه.\n ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ﴾ هذا ردّ لما ادّعاه اليهود من قتل عيسى﵇وصلبه، وتكذيب النّصارى الذين صدّقوا اليهود في دعواهم قتله، وصلبه، فقد روي: أنّ رهطا من اليهود سبّوا عيسى، وسبّوا أمّه﵉فدعا عليهم بقوله: اللهم أنت ربّي، وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبّني، وسبّ والدتي! فمسخ الله من سبّهما قردة، وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنّه يرفعه إلى السّماء، ويطهّره من صحبة اليهود الخبثاء، فذلك قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٥٥]: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ..﴾. إلخ. انظر شرحها هناك فإنّه جيد. والحمد لله! فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي، فيقتل، ويصلب، ويكون رفيقي في الجنّة؟ فقال رجل منهم: أنا يا روح الله! فألقى الله عليه شبهه، وصلب، ورفع عيسى على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام من البيت إلى السّماء. وقيل:\nكان رجل ينافق عيسى، ﵇، فلمّا أرادوا قتله؛ قال: أنا أدلّكم عليه، فدخل بيت عيسى، ورفع عيسى، وألقى الله شبهه على ذلك، فدخلوا عليه، وقتلوه، وهم يظنّون: أنّه عيسى. وجاز هذا على قوم متعنّتين حكم الله بأنّهم لا يؤمنون. وقيل: دخل طيطايوس اليهودي بيتا كان فيه عيسى، فلم يجده، وألقى الله عليه شبهه، فلمّا خرج؛ ظنّوا: أنّه عيسى، فأخذ،","vol":"2","page":682},{"text":"وصلب، وأمثال ذلك من خوارق العادات؛ التي لا تستبعد في زمان النبوّة. وإنّما ذمّهم الله تعالى بما دلّ عليه الكلام من جراءتهم على الله، وقصدهم قتل المؤيّد بالمعجزات الباهرة.\n ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: اليهود، واختلفوا في شأن عيسى، على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، حيث قال بعضهم: إنّ الوجه المصلوب وجه عيسى، والبدن بدن صاحبنا، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وقال بعضهم: قد قتلناه حقّا، وقال قوم: صلب النّاسوت، وصعد اللاهوت. كما اختلفوا في شأنه، وذاته، فقالت فرقة منهم: كان الله فينا ما شاء الله، ثمّ صعد إلى السماء. وهؤلاء هم اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثمّ رفعه الله إليه. وهؤلاء هم النّسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثمّ رفعه الله إليه، وهؤلاء هم المسلمون منهم الموحّدون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة الموحّدة، فغلبوها، وقتلوها، فلم يزل التوحيد طامسا حتى بعث الله محمّدا ﷺ. وانظر ما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٣٠] بشأن «بولص» لتتعرّف على الحقيقة، والله أعلم.\n ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ:﴾ أي: في تردّد، وتحيّر في شأن عيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والشك كما يطلق على تساوي الطرفين يطلق على مطلق التردّد، وعلى ما يقابل العلم. ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ أي: إنّ اختلافهم في شأن عيسى، وأقوالهم المذكورة، كلّ ذلك ظنّ من غير علم. ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين: أنّه عيسى، بل شاكّين متوهّمين. وقال ابن عباس، والسّدّي: المعنى: ما قتلوا ظنّهم يقينا، كقولك: قتلته علما: إذا علمته علما تامّا، فالهاء عائدة على الظنّ. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَقَوْلِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو مجرور أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. حذفت نونها وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿قَتَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمَسِيحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول للمصدر: (﴿قَوْلِهِمْ﴾).\n ﴿عِيسَى:﴾ بدل، أو عطف بيان من: ﴿الْمَسِيحَ﴾. ﴿اِبْنَ:﴾ صفة: ﴿عِيسَى،﴾ وهو مضاف.\nو﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿رَسُولَ:﴾ بدل، أو عطف بيان من: ﴿الْمَسِيحَ،﴾ أو هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أمدح، ويجوز في العربية رفعه على الابتداء، التقدير: هو رسول، و﴿رَسُولَ:﴾ مضاف. و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية.\n ﴿قَتَلُوهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمَسِيحَ،﴾ والرّابط: الواو، والضمير، والّتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾):\nحرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿شُبِّهَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى","vol":"2","page":683},{"text":"﴿الْمَسِيحَ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، ورجّح الزمخشري اعتبار: ﴿لَهُمْ﴾ نائب فاعل: ﴿شُبِّهَ﴾.\n ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَفِي شَكٍّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في ﴿شَكٍّ﴾): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿شَكٍّ﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿عِيسَى﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿ما لَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها، وجوّز أبو البقاء اعتبارها في محل جرّ صفة: ﴿شَكٍّ﴾ وهو ضعيف. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِتِّباعَ﴾ مستثنى منقطع. هذا؛ ويجوز في العربية رفعه على اعتباره بدلا من محل: ﴿عِلْمٍ﴾ وأنشد سيبويه قول جران العود-وهو الشاهد رقم [٤١٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الرجز]\nوبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس\nهذا؛ و: ﴿اِتِّباعَ﴾ مضاف، و﴿الظَّنِّ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿قَتَلُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿يَقِينًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: وما قتلوه قتلا يقينا، أو هو حال بمعنى: متيقنين.\n\n<span id=\"aya-651\"></span>﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ أي: رفع الله عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-إلى ملكوته الواسع إلى؛ حيث لا حكم فيه إلا لله تعالى. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا:﴾ ولا يزال كائنا قويّا لا يغلب على ما يريده. ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في فعله، وفي خلقه، وفيما دبّر لعيسى ﵇، وانظر الآية السابقة، والآية رقم [٥٥] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nتنبيه: صرحت الآيات القرآنية على أنّ الله تعالى نجّى رسوله عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من كيد اليهود الخبثاء، فلم يقتل، ولم يصلب، وإنّما صلبوا","vol":"2","page":684},{"text":"شخصا غيره ظنّوه عيسى، وهو الذي ألقى الله شبه عيسى عليه. وهذا ما نعتقده نحن المسلمين بتوفيق الله وفضله؛ حيث بيّن لنا في قرآنه ذلك، وأبطل معتقد النّصارى، وخرافاتهم، فيعتقدون:\nأنّه صلب، وأن اليهود أهانوه، ووضعوا القذر، والشّوك على رأسه، وأنّه تضرّع، وبكى مع زعمهم: أنّه هو الله، ولقد أحسن من قال: [المتقارب]\nأعبّاد عيسى لنا عندكم... سؤال عجيب فهل من جواب؟\nإذا كان عيسى على زعمكم... إلها قديرا عزيزا يهاب\nفكيف اعتقدتم أنّ اليهود... أذاقوه بالصّلب مرّ العذاب\nوكيف اعتقدتم بأنّ الإله... يموت ويدفن تحت التّراب\nولقد أحسن من قال: [الوافر]\nإذا صلب الإله بفعل عبد... يهوديّ فما هذا الإله؟\nوبعضهم يزعمون: أنّه ابن الله جاء ليخلّص البشرية من أوزارها إلى غير ما هنالك من التناقض العجيب الغريب، ولقد أحسن من قال: [الخفيف]\nعجبا للمسيح بين النّصارى... وإلى أيّ والد نسبوه؟\nأسلموه إلى اليهود وقالوا: ... إنّهم بعد ضربه صلبوه\nفإذا كان ما يقولون حقّا... وصحيحا فأين كان أبوه؟\nفلئن كان راضيا بأذاهم... فاحمدوهم لأنّهم عذّبوه\nولئن كان ساخطا فاتركوه... واعبدوهم لأنّهم غلبوه\nوالعجب العجاب بأنّ اليهود يقولون عن مريم: إنّها زانية، وإنّ عيسى ابن زنى، وفعلوا بعيسى ما فعلوا من القتل والصلب، بزعمهم، والإسلام، ونبي الإسلام، وقرآن الإسلام ينزه مريم وابنها من كلّ مفتريات اليهود، ويعظّمون عيسى برفعه إلى ملكوت الله، ويصفون اليهود بالخيبة واللعنة، ومع ذلك فالنصارى يدعمون اليهود ماديّا، ومعنويّا، ويحاربون الإسلام، والمسلمين ماديّا ومعنويّا، فلا حول، ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم!!\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب، تبتدأ بعده الجمل. ﴿رَفَعَهُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.","vol":"2","page":685},{"text":"<span id=\"aya-652\"></span>﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ المراد: اليهود، والنصارى. ﴿إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ:﴾ ليعترفنّ بعيسى: أنّه عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته. ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: موت الأحد المقدّر كما ستعرفه في الإعراب، والمعنى: ما من أحد من اليهود، والنصارى إلا ليعترف عند خروج روحه بأنّ عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-عبد الله، ورسوله، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان، وهذا كالوعيد لهم، والتّحريض على معاجلة الإيمان قبل أن يضطروا إليه، ولم ينفعهم إيمانهم ساعتئذ. قال ابن عباس﵄-: معناه: إذا وقع في اليأس حين لا ينفعه إيمانه، سواء احترق، أو تردّى من شاهق، أو سقط عليه جدار، أو أكله سبع، أو مات فجأة، فقيل له: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلّم به في الهواء. فقيل له: أرأيت إن ضربت عنقه؟ قال: يتلجلج به لسانه. وقال شهر بن حوشب-رحمه الله تعالى-: إنّ اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة بأجنحتها وجهه، ودبره، وقالوا: يا عدو الله! أتاك عيسى نبيّا، فكذّبت به. فيقول: آمنت: أنّه عبد الله، ورسوله. وتقول للنّصراني: أتاك عيسى نبيّا، فزعمت:\nأنّه الله، وابن الله، فيقول: آمنت: أنّه عبد الله، فأهل الكتابين يؤمنون إيمانا حقيقيّا عند الموت، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان.\nهذا؛ وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أنّ الضميرين يعودان إلى عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهذا يكون في آخر الزمان حينما ينزل عيسى﵇من السّماء، ويخرج الدّجّال، فيقتله عيسى﵇بالمعاونة مع المهدي، ﵇، فلا يبقى يهوديّ، ولا نصرانيّ إلا آمن به إيمانا صحيحا، حتى تكون الملّة واحدة، وهي ملّة الإسلام، وسيعمّ السّلام، والأمان الدّنيا في عهده، ويمكث في الأرض أربعين سنة، يتزوّج، ويولد له ولدان، يسمّيهما موسى، وأحمد، ثم يموت موتته المقدرة على كلّ حي، فيصلي عليه المسلمون، ويدفنونه في الحجرة الشّريفة بجوار أخيه المصطفى ﷺ، ويدلّ على ذلك ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «والّذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما مقسطا، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، لا يقبله أحد، وحتّى تكون السّجدة الواحدة خيرا من الدّنيا وما فيها». أخرجه البخاري، ومسلم.\nومعنى: يضع الجزية: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان الكافرة، بل لا يقبل إلا الإسلام، أو السّيف. وكان أبو هريرة﵁يقول: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾.\nإلخ. علما بأنّه يحكم بالقرآن، ويكون من أتباع الرّسول محمد ﷺ، وواحدا من أمته.","vol":"2","page":686},{"text":"وسيعمّ الأمان، والسّلام الدّنيا في عهده، وسيرعى الأسد مع الإبل، والنّمر مع البقر، والذّئب مع الغنم، وتلعب الصّبيان بالعقارب، والحيات، فلا يؤذي مخلوق مخلوقا، وسيكون الناس كالملائكة يمشون في الأرض مطمئنّين، وستعمّ الرّحمة، والعدالة جميع الكائنات. وخذ ما يلي من الأحاديث الشريفة:\nفقد روى ابن ماجة في سننه عن أبي أمامة﵁قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثا حدّثناه عن الدجال، وحذّرناه، فكان من قوله أن قال ﷺ: «لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم﵇أعظم من فتنة الدّجال، وإنّ الله﷿- لم يبعث نبيّا إلا حذّر أمّته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم؛ فأنا حجيج كلّ مسلم، وإن يخرج بعدي؛ فكلّ حجيج نفسه، وإنّ الله خليفتي على كلّ مسلم، وإنّه يخرج من خلّة بين الشام، والعراق، فيعيث يمينا، ويعيث شمالا، ألا يا عباد الله! أيها الناس فاثبتوا، وإنّي أصفه لكم صفة لم يصفها إيّاه نبيّ قبلي: إنّه يبدأ، فيقول: أنا نبيّ-ولا نبيّ بعدي-ثم يثنّي فيقول: أنا ربّكم-ولا ترون ربكم حتى تموتوا-وإنه أعور-وإن ربكم ﷿ ليس بأعور-وإنّه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كلّ مؤمن كاتب، أو غير كاتب، وإنّ من فتنته: أنّ معه جنّة، ونارا، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتلي بناره؛ فليستغث بالله، وليقرأ فواتح سورة (الكهف) فتكون عليه بردا وسلاما، كما كانت بردا وسلاما على إبراهيم.\nوإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أمك، وأباك أتشهد أني ربك؟ فيقول:\nنعم، فيتمثل له شيطان في صورة أبيه، وأمّه، فيقولان: يا بنيّ اتبعه، فإنّه ربّك. وإن من فتنته أن يسلّط على نفس واحدة، وينشرها بالمنشار حتى يلقى شقّين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا، فإنّي أبعثه الآن، ثم يزعم: أنّ له ربّا غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول:\nربّي الله، وأنت عدوّ الله أنت الدّجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم.\nوإنّ من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر، فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإنّ من فتنته أن يمرّ بالحيّ، فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، وإنّ من فتنته أن يمرّ بالحيّ، فيصدّقونه، فيأمر السّماء أن تمطر، فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت، وأعظمه، وأمدّه خواصر، وأدرّه ضروعا. وإنّه لا يبقى شيء من الأرض، إلا وطئه، وظهر عليه، إلا مكّة، والمدينة، فإنّه لا يأتيهما من نقب من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسّيوف صلتة حتى ينزل عند الظّريب الأحمر عند منقطع السّبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق، ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها، كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص».","vol":"2","page":687},{"text":"فقالت أم شريك بنت أبي العكر﵂-: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: «هم قليل، وجلّهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدّم يصلّي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم، ﵇، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى﵇يصلّي بالناس، فيضع عيسى يده على كتفيه، ثم يقول:\nتقدّم، فصلّ، فإنّها لك أقيمت. فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف؛ قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدّجال معه سبعون ألف يهوديّ، كلّهم ذو سيف محلّى، وساج، فإذا نظر إليه الدّجال؛ ذاب، كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، فيقول عيسى﵇-: إنّ لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللّدّ الشرقي، فيقتله، ويهزم اليهود، فلا يبقى شيء ممّا خلق الله تعالى يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابة-إلا الغرقدة؛ فإنّها من شجرهم لا تنطق-إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهوديّ، تعال فاقتله». انتهى. بعض حديث ابن ماجه.\nوفي مسلم عن النّواس بن سمعان﵁قال: ذكر رسول الله ﷺ الدّجال ذات غداة. وفيه: قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيّامه كأيّامكم» قلنا: يا رسول الله! وذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؛ قال: «لا، اقدروا له قدره». انتهى بعض حديث مسلم. وفي مختصر ابن كثير الكثير الكثير من ذلك.\n ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: يكون عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شاهدا على اليهود: أنّهم كذّبوه، وطعنوا فيه، وفي أمّه، وعلى النّصارى: أنّهم اتخذوه ربّا، وأشركوا به، ويشهد على تصديق من صدّقه منهم، وآمن به. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: معناه: أنه يكون شهيدا يوم القيامة: أنّه قد بلّغ رسالة ربه، وأقرّ على نفسه بالعبودية، كما حكى عنه قوله في سورة (مريم): ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف نفي بمعنى (ما). ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف مؤخر، التقدير: وما من أهل الكتاب أحد، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَيُؤْمِنَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزتي، وجلالي. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره:\nأقسم. (يؤمننّ): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى «أحد» المقدر. هذا؛ ويقرأ بضم النون فيكون مرفوعا، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها، والقسم المحذوف","vol":"2","page":688},{"text":"وجوابه في محل رفع صفة «أحد» المحذوف. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٦٤]: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وانظر الآية رقم [٤٦]، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿قَبْلَ:﴾ مضاف، و﴿مَوْتِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَوْمَ﴾): ظرف زمان متعلق ب: ﴿شَهِيدًا﴾ بعده، و(يوم) مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر، تقديره:\nهو، يعود إلى عيسى. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿شَهِيدًا﴾ الذي هو خبر: ﴿يَكُونُ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-653\"></span>﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾\nالشرح: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي: فبسبب ظلم منهم. ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ يعني: ما حرمنا عليهم الطيّبات التي كانت حلالا لهم؛ إلا بظلم عظيم ارتكبوه، وذلك الظلم هو ما ذكره الله من نقضهم الميثاق، وما عدد عليهم من أنواع الكفر، والكبائر العظيمة، مثل قولهم:\nاجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وكقولهم: أرنا الله جهرة، وكعبادتهم العجل، وأكلهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، فبسبب هذه الأمور، وكثير غيرها حرّم الله عليهم طيبات كانت حلالا لهم، وهي ما ذكره الله في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام): ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ..﴾. إلخ. وقال الطبريّ-رحمه الله تعالى-في معنى الآية: فحرمنا على اليهود- الذين نقضوا ميثاقهم؛ الذي واثقوا به ربّهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءهم، وقالوا البهتان على مريم، وفعلوا ما وصفهم الله في كتابه-طيبات في المآكل، وغيرها؛ التي كانت حلالا لهم، عقوبة لهم بظلمهم، الّذي أخبر الله عنه في كتابه.\nهذا؛ وقال الواحدي: فأمّا وجه تحريم الطّيبات عليهم: كيف، ومتى كان، وعلى لسان من حرّم عليهم...؟ فلم أجد فيه شيئا أنتهي إليه، فتركته. ولقد أنصف الواحدي-رحمه الله تعالى- فيما قال، فإنّ هذه الآية في غاية الإشكال، وبيانه: أنّ الله تعالى، لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه، وقد ذكر المفسّرون في معنى الظّلم المذكور في الآية مما تقدّم ذكره، وكلّها ذنوب في المستقبل بعد التّحريم.\nفإن قلت: علم الله تعالى وقوع هذه الذنوب قبل وقوعها، فحرّم عليهم ما حرّم من الطّيّبات؛ التي كانت لهم حلالا عقوبة لهم على ما سيقع منهم، قلت: جوابه ما تقدّم، وهو: أنّ الله تعالى","vol":"2","page":689},{"text":"لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه، ولهذا لم يذكر الإمام فخر الدين في تفسير هذه الآية ما ذكره المفسّرون، بل ذكر تفسيرا إجماليا، فقال: اعلم: أنّ أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظّلم للخلق، والإعراض عن الدّين الحقّ. أمّا ظلم الخلق، فإليه الإشارة بقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ،﴾ ثم إنّهم في غاية الحرص على طلب المال، فتارة يحصّلونه بطريق الرّبا مع أنّهم قد نهوا عنه، وتارة يحصّلونه بطريق الرشا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ؛﴾ فهذه الأربعة هي الذنوب التي شدّد الله عليهم بسببها في الدّنيا والآخرة، أمّا التشديد في الدنيا، فهو ما تقدّم من تحريم الطّيبات عليهم، وأمّا التّشديد في الآخرة، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ قال المفسّرون: إنّما قال:\nمنهم؛ لأنّ الله علم: أنّ قوما منهم سيؤمنون، فيأمنون من العذاب. انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿فَبِظُلْمٍ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بظلم): متعلقان بالفعل: ﴿حَرَّمْنا﴾ بعدهما.\nوقال الزجّاج: هذا بدل من: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ قاله القرطبيّ، ولا وجه له قطعا. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾\nمتعلقان ب (ظلم) أو بمحذوف صفة له. ﴿هادُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مع متعلّقاتها مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿طَيِّباتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. ﴿أُحِلَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿طَيِّباتٍ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿طَيِّباتٍ﴾. ﴿وَبِصَدِّهِمْ:﴾ معطوفان على (بظلم) فهما متعلقان حكما بالفعل: ﴿حَرَّمْنا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالمصدر: «صد»، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: بصدهم ناسا كثيرا. وقيل: صفة لمصدر مفعول مطلق محذوف. وقيل: صفة لزمان محذوف: أي: زمانا كثيرا، والمعتمد الأوّل.\n\n<span id=\"aya-654\"></span>﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ:﴾ كان الربا محرّما عليهم، كما حرّم علينا، وكانوا يتعاطونه. ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾ أي: بالرّشا، وسائر الوجوه المحرّمة. ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ هيأنا، والاعتداد التهيئة من العتاد، وهو العدّة. وقيل: أصله: أعددنا، فأبدلت الدال الأولى تاء.\nهذا؛ و﴿النّاسِ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده:\nإنسان، وإنسانة من غير لفظه، وتصغيره نويس، وناس، وإنسان، وأناسيّ، وإنس من مادة","vol":"2","page":690},{"text":"واحدة، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله:\nالأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم، بهذا الأصل ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٠]: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وقيل: إنّ أصله النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنّما قلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.\nهذا؛ وقيل: «الناس» مأخوذ من النّوس، وهو الحركة، يقال: ناس، ينوس: إذا تحرّك.\nوقيل: أصله من نسي، فأصل ناس: نسي، قلب فصار نيس، وتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثمّ دخلت الألف واللام، فقيل: الناس. قال ابن عباس﵄-: نسي آدم عهد الله، فسمّي إنسانا، وقال النبيّ ﷺ: «نسي آدم فنسيت ذرّيّته»، وقال تعالى في سورة (طه) رقم [١١٥]: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ وعلى هذا فالهمزة زائدة، قال الشاعر: [الكامل]\nلا تنسين تلك العهود فإنّما... سمّيت إنسانا لأنّك ناسي\nوقال آخر: [البسط]\nفإن نسيت عهودا منك سالفة... فاغفر فأوّل ناس أوّل النّاس\nوقيل: سمّي: إنسانا؛ لأنسه. وقيل: لأنسه بربّه، قال الشاعر: [الطويل]\nوما سمّي الإنسان إلاّ لأنسه... ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب\nالإعراب: ﴿وَأَخْذِهِمُ:﴾ معطوف على (بظلم) والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الرِّبَوا:﴾ مفعول به للمصدر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿نُهُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أو من (﴿الرِّبَوا﴾) وعلى الاعتبارين فالرابط: الواو، والضمير. ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلقان بالمصدر، أو بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أو بمحذوف حال من: ﴿أَمْوالَ النّاسِ﴾. (﴿أَعْتَدْنا﴾): فعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (الكافرين)، أو بمحذوف صفة له. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَأَعْتَدْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (حرمنا...) إلخ في الآية السابقة، لا محلّ لها مثلها.","vol":"2","page":691},{"text":"<span id=\"aya-655\"></span>﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾\nالشرح: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ:﴾ المراد: عبد الله بن سلام، وأصحابه؛ الذين أسلموا من أهل الكتاب﵃-، وذلك: أنّ اليهود الخبثاء، أنكروا ما تقدّم، وقالوا:\nإنّ هذه الأشياء كانت حراما في الأصل، وأنت تحلّها، ولم تكن حرّمت بظلمنا، فنزلت الآية الكريمة. انتهى قرطبي.\nهذا؛ و: ﴿الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أي: المبالغون في علم الكتاب، الثابتون، وهم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في علمهم شكّ، والرسوخ: الثبوت في الشّيء، وكل ثابت راسخ، وأصله في الأجرام: أن يرسخ الجبل، والشّجر، ونحوهما في الأرض، قال الشاعر: [الطويل]\nلقد رسخت في الصّدر منّي مودّة... لليلي أبت آياتها أن تغيّرا\nهذا؛ وقال ابن أبي حاتم بسنده: حدّثنا عبيد الله بن يزيد-وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ: أنسا، وأبا أمامة، وأبا الدّرداء﵃-: أنّ رسول الله ﷺ سئل عن الرّاسخين في العلم، فقال: «من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعفّ بطنه، وفرجه؛ فذلك من الرّاسخين في العلم». وقال ابن المنذر في تفسيره عن نافع بن يزيد: ﴿الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ:﴾\nالمتواضعون لله، المتذلّلون في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم.\nهذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استعارة، والمراد بها المتمكّنون في العلم، تشبيها برسوخ الشيء الثقيل في الأرض الخوّارة. وهذا أبلغ من قوله: الثابتون في العلم. هذا؛ والرّاسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى فيما بينه وبين الله تعالى، والتّواضع فيما بينه وبين النّاس، والزّهد فيما بينه وبين الدّنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النّفس.\n ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: منهم، والمؤمنون من المهاجرين، والأنصار. ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ﴾ أي:\nيصدقون بالقرآن الذي أنزل عليك يا محمد! ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ المراد به: الكتب السماوية المنزلة على الرّسل السابقين: التوراة، والإنجيل، والزّبور، والصحف الّتي أنزلت على إبراهيم وغيره، صلوات الله، وسلامه على نبينا، وعليهم أجمعين. ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ:﴾ التي فرضها الله عليهم في أموالهم. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هو آخر أيام الدنيا، فيه: البعث، والحشر، والحساب، وإدخال أهل الجنّة الجنّة بالفضل الربّاني، وإدخال أهل النّار النّار بالعدل الإلهي.","vol":"2","page":692},{"text":"﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المذكورين في هذه الآية. ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: سنعطيهم على ما كان منهم من طاعة الله، وامتثال أمره ثوابا عظيما، لا يعلم مقداره إلا الله تعالى. وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم، انظر الالتفات في الآية رقم [٦٤].\nالإعراب: ﴿لكِنِ:﴾ حرف استدراك مهمل، مفيد للاستثناء. ﴿الرّاسِخُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي الْعِلْمِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الرّاسِخُونَ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿الرّاسِخُونَ﴾. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾ معطوف على: ﴿الرّاسِخُونَ﴾ مرفوع مثله.\n ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وما عطف عليه. وقيل: هي في محل نصب حال من: (﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾). وقيل: هي معترضة بين المبتدأ وخبره الآتي. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿إِلَيْكَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله.\n ﴿وَالْمُقِيمِينَ:﴾ منصوب على المدح بفعل محذوف. وهو قول سيبويه، رحمه الله تعالى.\nوقيل: معطوف على (ما) المجرورة بالباء، التّقدير: وبالمقيمين، فيكون المراد بهم الأنبياء والرّسل، الإيمان بهم واجب كما لا يخفى، وذكر مكي أقوالا كثيرة أيضا، وكلّها ضعيفة لا يعتدّ بشيء منها؛ لأنّ مثل هذا وارد في كتاب الله تعالى، قال الله ﷿ في سورة (البقرة) رقم [١٣٦]: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ ومنه قول ابن خياط: [البسيط]\nوكلّ قوم أطاعوا أمر سيّدهم... إلاّ نميرا أطاعت أمر غاويها\nالظّاعنين، ولمّا يظعنوا أحدا... والقائلون لمن دار نخلّيها\nالمعنى: يخافون من عدوهم لقلّتهم، وذلّهم، فيظعنون، ولا يخاف منهم عدوّهم، فيظعن عن دارهم خوفا منهم، وقالت خرنق بنت عفاف من بني قيس، تصف قومها بالظّهور على العدوّ، ونحر الجزر للأضياف، واللازمة للحرب، والعفة عن الفواحش: [السريع]\nلا يبعدن قومي الّذين همو... سمّ العداة وآفة الجزر\nالنّازلين بكلّ معترك... والطّيّبون معاقد الأزر\nالشاهد في البيتين الأولين قوله: «الظاعنين» وفي الآخرين قولها: «النّازلين». هذا وقد قرئ: («والمقيمون») عطفا على: ﴿الرّاسِخُونَ﴾ أو على الضمير في: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أو على أنه مبتدأ خبره ما يأتي. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به ل: (المقيمين). ﴿وَالْمُؤْتُونَ:﴾ يجوز في ما ذكرته في","vol":"2","page":693},{"text":"سابقه في حالة رفعه، وتكون جملة: «أمدح المقيمين» معترضة لا محلّ لها. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾\nمعطوف على: (﴿الْمُؤْتُونَ﴾). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان ب: (﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾). ﴿وَالْيَوْمِ﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿الْآخِرِ﴾ صفة: (﴿الْيَوْمِ﴾).\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب. لا محلّ له. ﴿سَنُؤْتِيهِمْ:﴾ السين: حرف تنفيس، واستقبال. (نؤتيهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به أوّل. ﴿أَجْرًا:﴾\nمفعول به ثان. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿الرّاسِخُونَ﴾ على وجه مرّ ذكره، أو في محل رفع خبر: (المقيمون) على رواية رفعه، وتكون الجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السّابقة.\n\n<span id=\"aya-656\"></span>﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ:﴾ أصل الوحي: الإشارة السّريعة، وهو: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد، صلّى الله عليهم أجمعين. والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النّحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام. واختلف في الوحي إلى أمّ موسى، فقيل: كان في المنام. وقيل: كان إلهاما. وقيل: كان يكلّمها جبريل، ﵇. قال تعالى في سورة (طه) حكاية عمّا أجاب به موسى فرعون: ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ والخطاب للرسول ﷺ، وانظر كيف يأتي الوحي للرّسول ﷺ في الآية رقم [٤٤] من سورة (آل عمران).\n ﴿كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ:﴾ المراد: هود، وصالح، فإنّهما كانا بين نوح، وإبراهيم.\n ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ قدّم إسماعيل على إسحاق في الذّكر لسببين: أولهما: أنّه أسبق منه في الولادة بأربع عشرة سنة، وثانيهما: أنّه جدّ نبينا محمد ﷺ، فاستحقّ التقديم لذلك.\n ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ هو ابن إسحاق. ﴿وَالْأَسْباطِ:﴾ أولاد يعقوب الاثنا عشر، فتفرّع عنهم قبائل بني إسرائيل، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب من بني إسماعيل، والسّبط: ولد الولد، وهو الحافد، والحفيد، ومنه قيل للحسن، والحسين: سبطا رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":694},{"text":"﴿وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ:﴾ كلّهم من ذرية إبراهيم، على نبيّنا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا:﴾ هو اسم للكتاب الذي أنزل على داود، ﵇، وهو مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم تشريع، ولا حلال، ولا حرام، بل فيها تسبيح، وتقديس، وتحميد، وثناء على الله، ﷿، ومواعظ وكان داود ﵇ يخرج إلى البريّة، فيقوم، ويقرأ الزّبور، وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء وتقوم الجنّ خلف الناس، والشّياطين خلف الجنّ، وتجيء الدوابّ التي في الجبال، فيقمن بين يديه، وترفرف الطّيور على رءوس الناس، وهم يستمعون لقراءة داود، ويتعجّبون منها، فلمّا قارف الذّنب؛ زال عنه ذلك. وقيل له: «كان ذلك أنس الطاعة، وهذا ذلّ المعصية». انتهى.\nخازن. وأضيف: أنّ داود﵇كان حسن الصوت، وفي الآخرة يقرأ القرآن في الجنّة، فيجتمع عليه أهل الجنّة، فيستمعون لقراءته، فلا يكون شيء ألذّ عندهم من الاستماع إليه. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال له رسول الله ﷺ: «لو رأيتني البارحة، وأنا أستمع لقراءتك، لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود». متفق عليه. قال الحميدي: زاد البرقاني: قلت: يا رسول الله! لو علمت: أنّك تسمع قراءتي؛ لحبّرتها لك تحبيرا. التّحبير:\nتحسين الصوت بالقراءة.\nهذا؛ وقال بعض العلماء: إنّما لم يذكر موسى في هذه الآية؛ لأنّ الله أنزل عليه التوراة جملة واحدة، وكأنّ المقصود بذكر من ذكر من الأنبياء في الآية: أنّ الله لم ينزل على أحد منهم كتابا جملة واحدة، فلهذا لم يذكر موسى ﵇.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة جوابا لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السّماء، واحتجاجا عليهم بأنّ شأنه في الوحي كشأن سائر الأنبياء الذين ذكروا في هذه الآية، وقد خصّ بالذكر الرّسل المذكورين مع اشتمال النبيين عليهم تعظيما لهم. وقال المفسّرون: وإنّما بدأ الله ﷿ بذكر نوح ﵇ لأنّه أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وأوّل نذير على الشّرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عذّبت أمته لردّهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم ﵉، وكان أطول الأنبياء عمرا، عاش ألفا وخمسين سنة. وقيل: ألفا ومائتين، ولم تنقص قوّته، ولم يشب، ولم تسقط له سنّ، وصبر على أذى قومه طول عمره، وبشريعته غيّرت بعض أحكام شريعة آدم، ولا سيّما تحريم زواج الأخوات.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا) اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل","vol":"2","page":695},{"text":"رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿كَما:﴾\nالكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أوحينا إليك إيحاء مثل إيحائنا، وهو قول أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التّركيب. ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم على طريق الاتساع، فيكون التقدير: أوحينا إليك على مثل هذه الحالة. هذا؛ وجوز اعتبار (ما) موصولة بمعنى «الذي» فتكون الكاف اسما بمعنى «مثل» مفعولا به، وهي مضاف، و(ما) في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: كالذي أوحيناه. ﴿إِلى نُوحٍ:﴾ متعلّقان بما قبلهما.\n ﴿وَالنَّبِيِّينَ:﴾ معطوف على نوح مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (﴿النَّبِيِّينَ﴾) والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلى إِبْراهِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. والأسماء بعده معطوفة على إبراهيم مجرورة مثله. ﴿وَآتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿داوُدَ:﴾ مفعول به أوّل. ﴿زَبُورًا:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-657\"></span>﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ:﴾ القصص: مصدر: قصّ فلان الحديث، يقصّه، قصّا، وقصصا، وأصله تتبّع الأثر، يقال: فلان خرج يقصّ أثر فلان، أي: يتتبّعه؛ ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى في سورة (القصص): ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتّبعي أثره، ومعنى:\n ﴿قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ:﴾ سميناهم في القرآن، وعرّفناك أخبارهم من قبل نزول هذه السّورة، أو قبل اليوم. ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ:﴾ لم نذكرهم في القرآن. ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ أي: بلا واسطة. وتكليم الله موسى﵇منتهى مراتب الوحي، خصّ به موسى من بين المرسلين، وقد فضّل الله محمدا ﷺ بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم، وكلّمه في ليلة الإسراء، والمعراج بلا واسطة.\nهذا؛ والنبيّون: جمع نبيّ، يقرأ بالهمز، وبدونه، وهو مأخوذ من النّبأ، وهو الخبر؛ لأنّ النبي يخبر عن ربّه. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهو: الارتفاع؛ لأنّ رتبة النّبيّ ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبيّ غير الرسول، بدليل عطفه في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]:\n ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..﴾. إلخ.","vol":"2","page":696},{"text":"وقيل: هو أعمّ منه؛ لأنّ كلّ رسول نبيّ، وليس كلّ نبيّ رسولا. أمّا تعريفهما؛ فالرّسول:\nذكر حرّ من بني آدم، سليم عن منفّر طبعا، أوحي إليه بشرع، يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتّبليغ؛ فهو نبيّ، وليس رسولا، فنبينا ﷺ صار نبيّا بنزول سورة (اقرأ) عليه، وبعد ستّة أشهر من نزولها صار رسولا بنزول صدر سورة (المدثر) عليه.\nهذا؛ ويروى: أنّ أبا ذرّ﵁سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قال: كم عدد الرّسل؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، أوّلهم آدم، وآخرهم نبيّكم». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط. هذا؛ وأربعة منهم من العرب:\nهم صالح، وهود، وشعيب، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وإسماعيل بن إبراهيم ﵉ مستعرب لسكناه مكّة مع قبيلة جرهم، وتزوّجه بامرأتين منهم، والمذكور من الرّسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كلّ مسلم، ومسلمة من المكلّفين، وأعني بمعرفتهم: أنّه لو عرض اسم رسول منهم على مسلم؛ فيجب أن يعرف أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٨] كما في هذه الآية التي بين أيدينا:\n ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.\nهذا؛ وقد روي عن ابن عباس﵄-: أنّه قال: كلّ الرسل من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمدا، صلوات الله عليهم جميعا. وذكروا من أنبياء العرب: حنظلة بن صفوان بعث إلى أصحاب الرّسّ، وخالد بن سنان العبسي. انظر أصحاب الرّس، في الآية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان) فإنّه جيد، والحمد لله!.\nهذا؛ وقد ذكر الله في آيات (الأنعام) رقم [٨٣] وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، لا بحسب الزّمان، ولا بحسب الفضل؛ لأنّ الواو العاطفة لا تقتضي التّرتيب، وبقي منهم سبعة لم يذكروا في سورة (الأنعام) وقد ذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب الذي ذكر في سورة الأنبياء، وآدم، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وسلّم تسليما كثيرا، فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا، الّذين يجب الإيمان بهم، ومعرفتهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]\nحتم على كلّ ذي التّكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا\nفي (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا...) منهم ثمانية﴾\nمن بعد عشر ويبقى سبعة وهم\nإدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا\nويعني بقوله: في (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا﴾) آيات الأنعام [٨٣] وما بعدها. وينبغي أن تعلم: أنّ هؤلاء الرسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل، بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم، وهم","vol":"2","page":697},{"text":"خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسيد الجميع، وأفضل الخلق قاطبة محمّد، صلى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما. والأنبياء-صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين-تجوز عليهم الأعراض البشرية، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحّون، ويمرضون، وينكحون النّساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الأعراض البشرية، من ضعف، وشيخوخة، إلا أنّهم يمتازون بخصائص كريمة عالية، ويتّصفون بصفات عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، وهي ما يلي: الصّدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النبوة، وبعدها، والسّلامة من العيوب المنفّرة. ويستحيل عليهم ضدّها.\n ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ أي: تكليما حقيقيّا، وهو يدل على بطلان من يقول: خلق لنفسه كلاما في شجرة، فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلما. هذا؛ وقال وهب بن منبه: إنّ موسى﵇قال: يا ربّ! بم اتّخذتني كليما؟ -طلب العمل الّذي أسعده الله به ليكثر منه-فقال الله تعالى له: أتذكر؛ إذ ندّ من غنمك جدي، فاتّبعته أكثر النّهار، وأتعبك، ثمّ أخذته، وقبّلته، وضممته إلى صدرك، وقلت له: أتعبتني، وأتعبت نفسك.\nولم تغضب عليه. من أجل ذلك اتّخذتك كليما.\nالإعراب: ﴿وَرُسُلًا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿رُسُلًا﴾): مفعول به لفعل محذوف، التقدير:\nأرسلنا، أو: بعثنا، وقرئ: («ورسل») فيكون مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ومنهم رسل. ﴿قَدْ:﴾\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قَصَصْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (﴿رُسُلًا﴾). ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وبني: ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، وجملة:\nB» أَرْسَلْنا رُسُلًا..﴾. إلخ» معطوفة على جملة: ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n (﴿رُسُلًا﴾): مفعول به لفعل محذوف أيضا، والجملة الفعلية المقدرة معطوفة على ما قبلها. ﴿لَمْ:﴾\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَقْصُصْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره:\nنحن، والجملة الفعلية صفة: (﴿رُسُلًا﴾) أيضا. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَكَلَّمَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف.\n ﴿تَكْلِيمًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لفعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: هي في محل نصب حال على إضمار «قد» ولا أراه قويّا.\n\n<span id=\"aya-658\"></span>﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾\nالشرح: ﴿رُسُلًا:﴾ جمع رسول، وهو بضم الرّاء، والسين، ويجوز تسكين السين، قال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-: كلّ اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن،","vol":"2","page":698},{"text":"فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقّله، وذلك مثل: عسر، ويسر، ورحم... إلخ. ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ المطيعين بالجنّة، والرّضا، والرضوان. (﴿مُنْذِرِينَ﴾) أي: مخوّفين العاصين من النار، وغضب الواحد القهار. ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي: فيقولون: لولا أرسلت إلينا رسولا، فيوقظنا من غفلتنا، وينبهنا إلى ما يجب الانتباه له، ويعلّمنا ما يلزمنا في ديننا، ودنيانا ممّا سبيل معرفته السّمع، كالعبادات، والشرائع. أعني: في حقّ مقاديرها، وأوقاتها، وكيفياتها، دون أصولها، فإنّها ممّا يعرف بالعقل. انتهى. نسفي بتصرف. وفيه دليل على أنّ الله لا يعذّب الخلق قبل بعثة الرّسل، كما قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وفيه دليل أيضا لمذهب أهل السنة على أنّ معرفة الله تعالى لا تثبت إلا بالسمع؛ لأنّ صريح الآية يدلّ على أنّ قبل بعثة الرسل تكون لهم الحجّة في ترك الطّاعات، والعبادات.\nهذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾. ومثل ذلك الآية رقم [٤٧] من سورة (القصص).\nوعن المغيرة بن شعبة﵁قال: قال سعد بن عبادة﵁-: لو رأيت رجلا مع امرأتي؛ لضربته بالسّيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «أتعجبون من غيرة سعد، فو الله لأنا أغير منه، والله أغير منّي، ومن أجل غيرة الله حرّم الله الفواحش ما ظهر منها، وما بطن، ولا أحدا أحبّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المنذرين، والمبشّرين، ولا أحدا أحبّ إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنّة». متفق عليه. ويروى باختلاف الألفاظ في الصّحيحين عن ابن مسعود﵁-. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا:﴾ قويّا غالبا في انتقامه ممّن خالف أمره، وعصى رسله. ﴿حَكِيمًا:﴾ فيما قضى، وقدّر، وحكم.\nالإعراب: ﴿رُسُلًا:﴾ منصوب على المدح بفعل محذوف، أو بتقدير: أرسلنا رسلا، أو على الحال من الضمير المنصوب أو على البدلية من: (﴿رُسُلًا﴾) حالا في الآية السابقة. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾\nصفة: ﴿رُسُلًا﴾ أو حال من الضمير المنصوب في الآية السابقة، فيكون: ﴿رُسُلًا﴾ حالا موطئة على وجه فيه. (﴿مُنْذِرِينَ﴾): معطوف على سابقه منصوب مثله، وعلامة النصب فيها الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿لِئَلاّ:﴾ اللام: حرف تعليل، وجر. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية.\n ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: (أن). ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونَ﴾ تقدّم على اسمه. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلّقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿حُجَّةٌ﴾ كان صفة له، وهو غير مسلّم، وأرى جواز تعليقهما ب: ﴿حُجَّةٌ﴾ لأنّه مصدر، خلافا لمن منع ذلك؛ لأنّ الظروف","vol":"2","page":699},{"text":"يتوسّع فيها ما لا يتوسع في غيرها. ﴿حُجَّةٌ:﴾ اسم: ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿حُجَّةٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿الرُّسُلِ:﴾ مضاف إليه، وهناك محذوف؛ إذ التقدير: بعد إرسال الرّسل، فلما حذف المضاف حلّ المضاف إليه محلّه، و(أن) والفعل: (﴿يَكُونَ﴾) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ أو ب: (﴿مُنْذِرِينَ﴾) على اختلاف بين البصريين والكوفيين، وهو على التنازع. وقيل: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أرسلناهم لعدم كون حجّة للناس باقية على الله، وتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿رُسُلًا﴾ بعد وصفه بما تقدّم، أو هي صفة ثانية له. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا:﴾ إعراب هذه الجملة واضح، وهي مستأنفة لا محلّ لها. تأمّل وتدبّر، ربّك أعلم وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمّد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\n\n<span id=\"aya-659\"></span>﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: دخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، فقال لهم: «إنّي والله أعلم أنّكم لتعلمنّ أنّي رسول الله» فقالوا: لا نعلم ذلك، فأنزل الله هذه الآية.\nوفي رواية ثانية عن ابن عباس: أنّ رؤساء مكة أتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد! إنا سألنا اليهود عنك، وعن صفتك في كتابهم، فزعموا: أنّهم لا يعرفونك، فأنزل الله الآية الكريمة:\n ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ..﴾. إلخ؛ المعنى: إن جحدك اليهود يا محمد، وكفروا بما أوحينا إليك، وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء؛ فقد كذبوا بما ادّعوا، فإنّ الله يشهد لك بالنبوّة، ويشهد بما أنزل إليك من كتابه، ووحيه.\n ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: الخاص به؛ الّذي لا يعلمه غيره، وهو تأليفه على نظم يعجز عنه كلّ بليغ، وأنزله بعلم تامّ، وحكمة بالغة. أو: أنزله بعلمه بحال من أنزل عليه، واستعداده لاقتباس نوره، والأخذ بهديه.\n ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ بأنّ الله أنزله عليك، ويشهدون بتصديقك، وبنبوّتك، ورسالتك، وإنّما عرفت شهادة الملائكة؛ لأنّ الله تعالى إذا شهد بشيء شهدت الملائكة بذلك الشّيء، قال تعالى في سورة (آل عمران): ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. وقد ثبت: أنّ الله يشهد بأنّه أنزله بعلمه، فلذلك الملائكة يشهدون بذلك. ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ أي:\nوحسبك يا محمد: أنّ الله يشهد لك، وإن لم يشهد معه أحد غيره. ففيه تسلية للنبي ﷺ عن شهادة أهل الكتاب له، والله أعلم بمراده.","vol":"2","page":700},{"text":"الإعراب: ﴿لكِنِ:﴾ حرف استدراك مهمل لا محلّ له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَشْهَدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة ب ﴿لكِنِ﴾ على الكلام المقدّر قبلها، والذي رأيته في الشّرح. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنيّة على السكون في محل جر بالباء. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يشهد بالذي، أو: بشيء أنزله إليك، وجملة: ﴿أَنْزَلَهُ﴾ مفسرة للجملة قبلها، محلّها مثلها، وإن اعتبرتها بدلا منها؛ فلا بأس به. ﴿بِعِلْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، أي:\nمعلوما بعلمه، أو من الفاعل المستتر؛ أي: عالما به، والهاء في محلّ جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ معطوفة على الجملة الاسمية السّابقة.\n\n<span id=\"aya-660\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جحدوا نبوّة محمد ﷺ. ﴿وَصَدُّوا﴾ منعوا الناس عن الدخول في الإسلام بكتمهم نعت محمد ﷺ الموجود في التوراة، وانظر: ﴿يَصُدُّونَ﴾ في الآية رقم [٦١]. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ عن دين الله الذي ارتضاه للناس، وانظر الآية رقم [٧٤]. ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ انظر الآيتين رقم [٦٠ و٨٨].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَصَدُّوا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان به، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلُّوا:﴾\nماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ضَلالًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿بَعِيدًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ ضَلُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾.\nإلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n<span id=\"aya-661\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ مثل سابقه. ﴿وَظَلَمُوا﴾ أي: ظلموا محمدا ﷺ بإنكار نبوّته، وظلموا النّاس بصدهم عما فيه صلاحهم في الدنيا، وخلاصهم من عذاب الله في الآخرة، وظلموا أنفسهم بإدخالها نار الجحيم، وإذاقتها العذاب الأليم، والمراد: اليهود بلا ريب.","vol":"2","page":701},{"text":"﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ..﴾. إلخ: نفي المغفرة لهم إذا ماتوا على كفرهم، وعنادهم، وأمّا إذا آمنوا؛ فالإيمان يجبّ ما قبله. هذا؛ و«الهداية»: دلالة بلطف، وانظر الآية رقم [٦٨].\nالإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنِ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ اسمه. ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ اللام: لام الجحود. (يغفر): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و«أن» المضمرة والفعل: (يغفر) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُنِ،﴾ التقدير:\nلم يكن الله مريدا لغفران ذنوبهم، وجملة: ﴿لَمْ يَكُنِ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية بمنزلة التوكيد لما قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿لِيَهْدِيَهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب ﴿لِيَغْفِرَ،﴾ والجار والمجرور الناتجان معطوفان على ما نتج من: ﴿لِيَغْفِرَ،﴾ وقد نصب الفعل هنا مفعولين.\n\n<span id=\"aya-662\"></span>﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ أي: الطريق المؤدي إلى جهنّم؛ لقضائه المبرم، ووعده المحتوم على أنّ من مات على كفره؛ فهو خالد في النار، أي: لا يخرج منها أبدا، وانظر «الأبد» في الآية [١٢٢]. ﴿ذلِكَ﴾ أي: جعلهم خالدين في جهنّم. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرًا:﴾ سهلا؛ لأنّه تعالى لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿طَرِيقَ:﴾ مستثنى ب (﴿إِلاّ﴾) وهو مضاف، و﴿جَهَنَّمَ:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿كانَ﴾): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (﴿كانَ﴾)، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿يَسِيرًا﴾ الذي هو خبر (﴿كانَ﴾)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-663\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ..﴾. إلخ: لمّا قرّر الله أمر نبوّة محمد ﷺ، وبيّن الطريق الموصل إلى العلم، وقرّر وعيد من أنكرها، وجحدها؛ خاطب النّاس عامّة بالدّعوة إليها.","vol":"2","page":702},{"text":"والوعد بالإجابة إليها، والوعيد على جحدها وإنكارها. و﴿بِالْحَقِّ:﴾ دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده. وقيل: جاءكم بالقرآن الذي هو الحق. ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: فآمنوا، وصدقوا بما جاءكم به محمّد ﷺ يكن الإيمان بذلك خيرا لكم من الكفر الذي أنتم عليه. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي:\nتجحدوا نبوّة محمد ﷺ، وتكذبوا بما جاءكم به من الحقّ من عند ربكم.\n ﴿فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا، ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء، وهو القادر على ما يشاء، ويريد، وانظر الآيتين رقم [١٣١ و١٣٢] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا:﴾ تقدّم مثلها كثيرا.\nهذا؛ و(خير): أفضل، فهو أفعل تفضيل، أصله: أخير. نقلت حركة الياء إلى الخاء قبلها؛ لأنّ الحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثمّ حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في: حبّ، وشرّ اسمي تفضيل، إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء بحركة الخاء، والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿(سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ)﴾ ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nيا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\nوخير، وشر، وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، وللمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [١٣٣] ففيها الكفاية، والجملة الندائية ابتدائية، لا محلّ لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق، يقرّب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمُ:﴾ ماض، ومفعوله.\n ﴿الرَّسُولُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿النّاسُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال أداة النداء؛ لأنّها بمعنى: أدعو، ووقوع الحال من المنادى مستعمل عربية، كما في قول الشاعر: [البسيط]\nيا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته\n ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الرَّسُولُ﴾. أو هما متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (الحق) فتكون حالا متداخلة، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فَآمِنُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (آمنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط","vol":"2","page":703},{"text":"غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا حقيقة؛ فآمنوا، والمتعلّق محذوف، انظر الشرح.\n ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به لفعل محذوف عند سيبويه، التقدير: ائتوا خيرا، وصفة لمفعول مطلق محذوف عند الفرّاء، التقدير: فآمنوا إيمانا خيرا، وخبر ل «كان» محذوفة مع اسمها، التقدير:\nفآمنوا يكن الإيمان خيرا. وهذا ضعيف؛ لأنّ «كان» لا تحذف مع اسمها إلا بعد: «إن» و«لو» الشرطيتين. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرًا﴾.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائيّة. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فهو غني عنكم. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: (إنّ) تقدّم على اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم: (إنّ) مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: (إنّ ﴿لِلّهِ..﴾.) إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا:﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وإعرابها واضح.\n\n<span id=\"aya-664\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ نزلت هذه الآية في النصارى، وذلك: أنّ الله تعالى لمّا أجاب عن شبه اليهود فيما تقدّم؛ أتبع ذلك بإبطال ما تعتقده النّصارى في عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وأصناف النّصارى أربعة: اليعقوبية، والملكانية، والنّسطورية والمرقوسية. أمّا اليعقوبية، والملكانية، فقالوا في عيسى: إنّه الله. وقال النّسطورية: إنّه ابن الله، وقالت المرقوسية: ثالث ثلاثة. وقيل: إنّهم يقولون: إنّ عيسى جوهر واحد، وثلاثة أقانيم:\nأقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وإنّهم يريدون بأقنوم الأب: الذات، وبأقنوم الابن: عيسى ﵇، وبأقنوم روح القدس: الحياة الحالّة فيه، فتقديره عندهم: الإله ثلاثة. وقيل: يقولون في عيسى: ناسوتية، وألوهية، فناسوتيته من قبل الأم، وألوهيته من قبل الأب. تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا! يقال: إنّ الذي أظهر للنّصارى هذا رجل من اليهود، يقال له: بولص، تنصر، ودسّ هذا في دين النّصارى؛ ليضلّهم بذلك، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة التّوبة؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.","vol":"2","page":704},{"text":"وقيل: يحتمل أن يكون المراد بأهل الكتاب: اليهود، والنصارى جميعا، فإنّهم غلوا في أمر عيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فأمّا اليهود؛ فإنّهم بالغوا في التقصير في حرمته؛ حتّى حطّوه عن منزلته؛ حيث جعلوه مولودا من الزنى. وغلت النّصارى في رفعه عن منزلته، ومكانته؛ حيث جعلوه ممّا وصفته، فقال الله تعالى ردّا عليهم جميعا: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾.\nوأصل «الغلو» مجاوزة الحد، وهو في الدّين حرام. والمعنى: لا تفرّطوا في أمر عيسى، ولا تحطّوه عن منزلته، ولا ترفعوه فوق قدره، ومنزلته، فالإفراط، والتقصير كلّه سيئة، وكفر، ولذلك قال مطرف بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: الحسنة بين سيئتين، وقال الشاعر: [الطويل]\nوأوف ولا تستوف حقّك كلّه... وصافح فلم يستوف قطّ كريم\nولا تغل في شيء من الأمر واقتصد... كلا طرفي قصد الأمور ذميم\nوقال آخر: [الطويل]\nعليك بأوساط الأمور فإنّها... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا\nوقال الرسول ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النّصارى عيسى، وقولوا: عبد الله، ورسوله».\nأخرجه البخاريّ عن عمر﵁-. وانظر الآية رقم [٧٧] من- سورة (المائدة) فإنّه جيد، والحمد لله!.\n ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ أي: لا تقولوا: إن لله شريكا، أو ابنا. ولمّا منعهم الله من الغلوّ في دينهم؛ أرشدهم إلى طريق الحق في أمر عيسى، ﵇، فقال جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ﴾ المعنى: إنّ المسيح هو عيسى ابن مريم، ليس له نسب غير هذا، وهو رسول الله، فمن زعم غير هذا؛ فقد كفر، وأشرك. ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ هي قوله تعالى:\n ﴿كُنْ،﴾ فكان بشرا من غير أب، ولا واسطة. ﴿أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ أي: أوصلها إلى مريم.\n ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: كسائر الأرواح التي خلقها الله تعالى، وإنّما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف، والتكريم، كما يقال: بيت الله، وناقة الله، وهذه نعمة من الله. وقيل: الرّوح هو الذي نفخ فيه جبريل ﵇ في جيب درع مريم، فحملت منه بإذن الله، وكان ذلك النفخ بمنزلة اللّقاح بين الذّكر، والأنثى. وانظر ما ذكرته عن الواقدي في الآية رقم [٤٥] من سورة (آل عمران) فإنّه جيد، والحمد لله! وفيها شرح ﴿الْمَسِيحُ﴾ أيضا.\n ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية الله، وأنّه لا ولد له، وصدقوا رسله فيما جاءوكم به من عند الله، وصدّقوا بأنّ عيسى من رسل الله، فآمنوا به، ولا تجعلوه إلها. ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي: ولا تقولوا: إنّ الآلهة ثلاثة. وذلك: أنّ النصارى يقولون: أب،","vol":"2","page":705},{"text":"وابن، وروح القدس. وهو ما قدّمته آنفا، وهو محض الكفر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة).\n ﴿اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: يكن الانتهاء عن القول بالتثليث خيرا لكم. ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: تنزيها عن أن يكون له ولد؛ لأنّ الولد جزء من الأب، وتنزه الله عن التجزئة، وعن صفات الحدوث، ولأنّ الولد يشبه الأب، ولا شبيه لله، ﷿. ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ وما فيهما خلقا، وعبيدا، وملكا، وعيسى، وأمّه من جملة ما فيهما، فهما ملكه، وعبيده، فإذا كانا عبدين له، فكيف يعقل مع هذا أن يكون له زوجة، وولد، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا:﴾\nانظر الآية رقم [٨١]، وانظر شرح (سبحان) في الآية رقم [١٩١] من سورة (آل عمران).\nالإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَهْلَ﴾): منادى، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَغْلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فِي دِينِكُمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، وإعرابها مثلها.\n ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به.\n ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِيسَى:﴾ بدل من ﴿الْمَسِيحُ﴾ أو: عطف بيان عليه ﴿اِبْنُ:﴾ صفة عيسى، وهو مضاف، و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، هذا وأجيز اعتبار: ﴿عِيسَى﴾ مبتدأ، و(﴿اِبْنُ﴾) خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿رَسُولُ:﴾ خبر أوّل، أو: خبر ثان، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَكَلِمَتُهُ:﴾ معطوف على: ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿أَلْقاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (كلمته) والرابط الضمير فقط، و«قد» قبلها مقدّرة. ﴿إِلى مَرْيَمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُوحٌ﴾ معطوف على ﴿رَسُولُ اللهِ﴾. وقيل: معطوف على فاعل: ﴿أَلْقاها﴾ المستتر. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (روح) أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل.\n ﴿فَآمِنُوا﴾ انظر إعراب مثله في الآية السابقة. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (آمنوا...) إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا، فآمنوا بالله ورسله.\n ﴿وَلا تَقُولُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿ثَلاثَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الآلهة ثلاثة.","vol":"2","page":706},{"text":"وقال أبو علي الفارسي: التقدير: هو ثالث ثلاثة فحذف المبتدأ، والمضاف، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ في الآية السابقة، والجملة الفعلية هنا مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿اللهِ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، أو لمفعوله، والجملة الناتجة منه ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾\nفعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونَ﴾ مقدم. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمه مؤخر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من كونه له ولد، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿سُبْحانَهُ﴾.\n ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليلية، لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله وإعرابه مثله. ﴿وَكَفى:﴾\nالواو: حرف استئناف. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر. ﴿بِاللهِ:﴾\n (الباء): حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَكِيلًا:﴾ تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة؛ لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-665\"></span>﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾\nالشرح: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ﴾ أي: لن يتكبّر، ويترفّع عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أن يكون عبدا لله، وكيف لا يستنكف، وأول كلمة نطق بها، وهو في المهد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ..﴾. إلخ سورة (مريم). ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: فإنّهم لا يأنفون، ولا يترفّعون أن يكونوا عبيدا لله، مع كونهم لا أب لهم، ولا أمّ؛ أي:\nفإنّه أجدر ألا يستنكف أن يكون عبدا لله. ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ..﴾. إلخ: فيه وعيد، وتهديد للمستكبرين عن عبادة الله، مع العلم: أنّ الحشر، والحساب يكونان للمطيعين، والمتكبّرين على السّواء، فيجازي كلاّ بما يستحقّ من الثّواب، أو العقاب، وهو ما تفيده الآية التالية. ولا تنس: أنّ الاستكبار دون الاستنكاف.","vol":"2","page":707},{"text":"تنبيه: روي: أنّ وفد نجران الّذين مرّ ذكرهم في الآية رقم [٥٩] من سورة (آل عمران) وما بعدها قالوا للنبي ﷺ: يا محمد! إنّك تعيب صاحبنا، فتقول: إنّه عبد الله، فقال ﷺ: «إنّه ليس بعار على عيسى أن يكون عبدا لله». فنزلت الآية الكريمة.\nتنبيه: لقد استدلّ بالآية الكريمة من يقول بتفضيل الملائكة على البشر، وجه الدّليل: أنّ الله ارتقى من ذكر عيسى ﵇ إلى ذكر الملائكة الكرام، ولا يرتقى إلا من الأدنى إلى الأعلى. والجواب عنه: أنّ الله تعالى لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر، بل قاله ردّا على من يقول: إنّ الملائكة بنات الله، أو: أنّهم آلهة، كما ردّ على النّصارى قولهم: إنّ المسيح ابن الله. وصفوة القول عند أهل السنة، والجماعة: أنّ خواص البشر، وهم الأنبياء-عليهم الصّلاة والسّلام-أفضل من خواصّ الملائكة، وهم العشرة المقرّبون: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان، ومالك. وخواصّ الملائكة أفضل من عوامّ البشر، أي: المؤمنين منهم. وعوامّ المؤمنين من البشر أفضل من عوامّ الملائكة.\nوالدليل على تفضيل البشر على الملائكة ابتداء؛ أنّهم قهروا نوازع الهوى في ذات الله تعالى، مع أنّهم جبلوا عليها، فضاهت الأنبياء ﵈ الملائكة في العصمة، وتفضّلوا عليهم في قهر البواعث النفسانية، والدّواعي الجسدية، فكانت طاعتهم أشقّ؛ لكونها مع الصوارف بخلاف طاعة الملائكة؛ لأنّهم جبلوا عليها، فكانت أزيد ثوابا بالحديث. انتهى خازن، ونسفي بتصرف.\nالإعراب: ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَسْتَنْكِفَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ﴾ واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿عَبْدًا:﴾ خبره، والمصدر المؤول منه، ومن ناصبه في محل جرّ بحرف جرّ محذوف، التقدير: من كونه عبدا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَبْدًا﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿الْمُقَرَّبُونَ:﴾ صفة: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\nهذا؛ ولم يسوغ الجمل تبعا للجلال العطف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾ وقال الجمل: إذ لا يصح الإخبار عن الملائكة ب ﴿عَبْدًا؛﴾ لأنّه مفرد، واعتبراه مبتدأ، وخبره محذوفا، التقدير: ولا الملائكة المقرّبون عند الله يستنكفون أن يكونوا عبيدا لله، فتكون الجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ وتكون الجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية، لا محلّ لها.","vol":"2","page":708},{"text":"﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَسْتَنْكِفَ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿عَنْ عِبادَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَسْتَكْبِرْ:﴾ معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، والسين: حرف استقبال وتسويف، وهي هنا للتّحقيق. (يحشرهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه.\nفقيل: جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان وهو المرجّح عند المعاصرين.\nهذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، التقدير: فهو يجازيه. فتكون الجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الضّمير المنصوب.\n\n<span id=\"aya-666\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧٣)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصّالحات على اختلاف مراتبها، ودرجاتها، من فعل مأمورات، وترك منهيّات، وعطف: (﴿عَمِلُوا﴾) على: ﴿آمَنُوا﴾ يشير إلى أنّ الإيمان وحده لا يكفي للنّجاة من النار. وأنت إذا تأمّلت في آيات القرآن؛ قلّما تجد ذكر الإيمان، إلا ويعطف عليه الأعمال الصالحات، ويؤيّد ذلك ما ورد من قول الرّسول الأعظم ﷺ: «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه».\n ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ:﴾ يعطيهم ثواب أعمالهم الصالحة كاملا غير منقوص. ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يمنحهم من فضله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\nوقيل: المراد بالزيادة: الشّفاعة فيمن وجبت له النار ممّن صنع إليهم المعروف في دنياهم.\nوالأولى: أنّ الزيادة المراد بها: النظر إلى وجهه الكريم، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا وحبيبنا وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾. وقال ﷿ في سورة (ق): ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾.\n ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا..﴾. إلخ: هذا مقابل ل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ لأنّه قد جرت سنة الله في كتابه أن لا يذكر العمل الصّالح إلا ويذكر العمل السيئ، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، والضّلال، ولا يذكر الجنة إلا ويذكر النار؛ ليكون العبد راغبا في الخير، خائفا من الشر. ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا:﴾ يلي أمورهم، ويدبّر مصالحهم. ﴿وَلا نَصِيرًا:﴾ ينصرهم من الله تعالى، وينجّيهم من عذابه.","vol":"2","page":709},{"text":"تنبيه: التفضيل في هذه الآية غير مطابق للمفضّل في الآية السابقة؛ لأنّ التفضيل اشتمل على الفريقين كما رأيت، والمفضّل على فريق واحد. وجوابه: أنّه حذف أحد الفريقين في المفضّل لدلالة التفضيل عليه، ولأنّ ذكر أحدهما يدلّ على ذكر الثاني، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله تعالى بعد هذا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾. ويجاب أيضا بأن الإحسان إلى غيرهم بما يفهم، فكان داخلا في جملة التنكيل بهم، فكأنّه قيل: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين، وبما يصيبه من عذاب الله تعالى. انتهى. نسفي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف تفريع عما سبق. (أمّا): أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل.\nأمّا كونها أداة شرط؛ لأنّها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فالذين آمنوا... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب: «مهما يك من شيء» فصار: (أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾).\nوأمّا كونها أداة تفصيل؛ فلأنّها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله. ويعلم ذلك من تتبّع مواقعها.\nوأمّا كونها أداة توكيد؛ فلأنّها تحقّق الجواب، وتفيد: أنّه واقع لا محالة؛ لأنّها علّقته على أمر متعين. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَعَمِلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: الأعمال الصالحات. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب (أمّا). (يوفيهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) المفهوم من المقام، والهاء مفعول به أوّل. ﴿أُجُورَهُمْ﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الّذي هو ﴿الَّذِينَ:﴾ هذا، وأجيز اعتبار الجملة الفعلية خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يوفيهم، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يوفيهم، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿الَّذِينَ﴾ والجملة الاسمية مفرعة عمّا قبلها، ومستأنفة لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ مع المفعول الثاني معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة له. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.","vol":"2","page":710},{"text":"(لا): نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول، وتعليقهما ب ﴿وَلِيًّا﴾ أو ب ﴿نَصِيرًا﴾ فلا بأس به، وذلك على التنازع. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال من أحدهما، كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا. على القاعدة:\n «نعت النكرة إذا تقدّم عليها؛ صار حالا». ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما تعلق به قبلهما، و﴿دُونِ:﴾\nمضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا):\nزائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرًا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَلا يَجِدُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-667\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ..﴾. إلخ: لمّا قرّر الله عبودية عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، وقرّر وعيد من اعتقد فيه غير ذلك من بنوّة، أو ألوهية؛ خاطب النّاس عامّة، وبيّن لهم الطّريق السّوي الذي من سلكه نجا في الدنيا، والآخرة. ﴿بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: محمدا ﷺ. قاله الثّوري، وسمّاه برهانا؛ لأنّ معه البرهان، وهو المعجزات الباهرات، وقال مجاهد هاهنا: الحجّة، والمعنى متقارب، فإنّ المعجزات حجّته ﷺ. والنّور المنزل هو القرآن الكريم، وسمّاه الله نورا لأنّ به تتبين الأحكام، ويهتدى به من الضّلالة. وفحوى الكلام: قد جاءكم دلائل العقل، وشواهد النقل، ولم يبق لكم عذر، ولا حجّة تدفعون بها عقاب الله السرمديّ.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ﴾ انظر الآية رقم [١٣٣ و١٧٠] ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بُرْهانٌ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، و«قد» قبلها مقدرة. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نُورًا:﴾ مفعول به. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له.\n<span id=\"aya-668\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ:﴾ صدّقوا بوحدانيته، ونزّهوه عمّا لا يليق به من ولد، وصاحبة، وشريك في الذّات، أو في الصّفات، أو في الأفعال. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ:﴾ وثقوا به، وتمسّكوا بدينه، وتوكّلوا عليه. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ:﴾ في ثواب قدّره بإزاء عمله، وإيمانه رحمة منه تعالى، لا قضاء لحق واجب عليه. ﴿وَفَضْلٍ:﴾ إحسان زائد على الأجر، والثّواب،","vol":"2","page":711},{"text":"ولعلّه النظر إلى وجهه الكريم في الجنّة لأحاديث شريفة وردت في ذلك. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾. انظر الآية رقم [٦٨] ففيها الكفاية، والمعنى هنا: يدلّهم إلى ما يوصلهم إلى ذلك الخير الموعود بسبب التثبيت على الإيمان، والطاعة.\nتنبيه: قد ذكر الله في هذه الآية أصحاب الإيمان، وثوابهم، ولم يذكر الكفر، وأهله إشارة إلى إهمالهم؛ لأنّهم في حيز الطّرح. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧٣].\nالإعراب: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٧٣] ففيها الكفاية.\n ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أمّا) والسين: حرف استقبال، وتسويف، وهي هنا للتحقيق. (يدخلهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والهاء مفعول به أول. ﴿فِي رَحْمَةٍ:﴾\nمتعلّقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ ﴿الَّذِينَ﴾.\nهذا؛ وأجيز اعتبار الجملة خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو سيدخلهم... إلخ، وعليه؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ مفرعة عمّا قبلها، لا محلّ لها. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَحْمَةٍ﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿وَفَضْلٍ:﴾ معطوف على: ﴿رَحْمَةٍ﴾.\n ﴿وَيَهْدِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) والهاء مفعول به أول. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿صِراطًا﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدّم عليها. صار حالا». ﴿صِراطًا:﴾ مفعول به ثان. وقيل: مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ويعرّفهم صراطا. وقيل: هو حال. وقيل: منصوب بنزع الخافض، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. وقيل: الجملة في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: وهو يهديهم، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-669\"></span>﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾\nالشرح: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ:﴾ يطلبون منك الفتوى في ميراث الكلالة، فحذف المتعلق لذكره في الجواب. ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ:﴾ يبيّن لكم حكم الكلالة. والإفتاء: تبيين المبهم من","vol":"2","page":712},{"text":"الأمور. والكلالة: هو الذي لا ولد له، ولا والد، رجلا كان أو امرأة. وتفسيرها بهذا هو المعتمد. وقيل: الكلالة: الورثة. وقيل: المال الموروث، واشتقاقها من الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء، فكأنّ الميراث يصير للوارث بعد إعياء، وذلك لعدم أصول، وفروع للميّت، وخذ قول الأعشى: [الطويل]\nإليك أبيت اللّعن كان كلالها... إلى الماجد القرم الجواد المحمّد\nوقوله أيضا في قصيدته التي مدح بها النّبيّ ﷺ: [الطويل]\nفآليت لا أرني لها من كلالة... ولا من وجى حتّى تلاقي محمّدا\n ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ:﴾ مات، قال تعالى في آخر سورة (القصص): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي: كل شيء يفنى، ولا يبقى إلا الله، ﷿. هذا؛ وأصل «امرئ» المرء، ولمّا كثر استعمالهم لها حتّى أصبحت تستعمل للدّلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازا، وكان الهمز في آخرها ثقيلا بعد السكون خفّفوها بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الرّاء، فقالوا: المر، وبذلك أشبهت الرّاء منها من: (ابن) في تلقى حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرا بحذف الهمز، شبّهوها بما حذف آخره، نحو: (اسم، ابن، است) فجبروه بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردّوا إليها الهمزة، فقالوا: امرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الرّاء والهمزة، فتقول: هذا امرؤ، ورأيت امرأ، ومررت بامرئ، قال تعالى:\n ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ،﴾ ﴿ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ،﴾ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾.\nومثل «امرئ» كلمة: (ابن) إذا زيدت في آخرها (ما) فإنّ حركة الإعراب تظهر على النون والميم، فتقول: حضرا ابنم، ورأيت ابنما، ومررت بابنم. ولا ثالث لهما في اللغة العربية، فاحفظه؛ فإنّه جيد، والحمد لله.\n ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ابن، بخلافه في الآية رقم [١٢] فإنّه يطلق على الابن، والبنت، وليس له والد أيضا، وإنّما فسر الولد بالابن الذّكر هنا؛ لأنّه يسقط الأخت، ولا تسقطها البنت، بل ترث معها؛ لأنّها تصير معها عصبة، كما هو مقرّر في المواريث.\n ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أي: لأب، أو لأبوين معا، أما الأخت، والإخوة لأم فإنّهم من الأرحام، وقد تقرّر حكمهم في الآية رقم [١٢]. ﴿فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ:﴾ يرث كلّ مالها عند عدم وجود الابن لها، وما يبقى بعد فرض البنت إن وجدت لها، وكذا بعد فرض الزّوج إن وجد، وانظر شرح: (إن لم) في الآية رقم [٩١].\n ﴿فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ أي: فإن كانت الأختان اثنتين، أو أكثر. ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ:﴾ وإنّما ثنّى الضّمير، ولم يتقدّم إلا ذكر واحدة؛ لأنّه محمول على المعنى؛ لأنّ تقديره عند الأخفش:","vol":"2","page":713},{"text":"فإن كان من ترك اثنتين، ثم ثنّى الضمير على معنى (من) وانظر شرح (اثنتين) في الآية رقم [١١] فإنّه جيد، والحمد لله!.\n ﴿وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً:﴾ لأب، أو لأبوين. ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا:﴾ أي يبيّن الله لكم أحكام دينه من مواريث وغيرها؛ لأن لا تضلوا؛ أي: تحيدوا، وتخرجوا عن جادة الحقّ، والصّواب. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي:\nخبير بمصالح العباد في الحياة، والممات. فهو صيغة مبالغة.\nتنبيه: عن جابر بن عبد الله﵄قال: مرضت، فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي عليّ، فتوضّأ النبيّ ﷺ، ثمّ صبّ عليّ من وضوئه، فأفقت، فقلت:\nيا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟ وفي بعضها قال الرّسول ﷺ: «يا جابر لا أراك ميّتا من وجعك هذا». وقد عاش جابر﵁بعد مرضه هذا طويلا، ويقال: إنّه آخر من مات من الصّحابة في المدينة المنورة. ويروى: أنّه توفي﵁عن أخوات.\nتنبيه: اشتملت السّورة الكريمة على ثلاث آيات في المواريث: الأولى برقم [١١] وقد تضمّنت بيان إرث الأصول، والفروع، والثانية برقم [١٢] وقد تضمّنت بيان إرث الزّوجين، والإخوة، والأخوات لأم، والثّالثة، وهي الخاتمة لهذه السّورة الكريمة، وقد تضمّنت بيان إرث الإخوة والأخوات الأشقّاء، أو من الأب فقط، وأمّا أولو الأرحام فمذكورون في آخر سورة (الأنفال). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والمتعلّق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: أنت. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ.\n ﴿يُفْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِي الْكَلالَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلِ اللهُ..﴾.\nإلخ: مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿اِمْرُؤٌ:﴾ فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور بعده، وهذا مذهب سيبويه، والبصريّين، وقال الكوفيون: هو مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده، والمعتمد الأول.\n ﴿هَلَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرُؤٌ﴾ والجملة الفعلية مفسّرة، لا محلّ لها. ﴿لَيْسَ:﴾\nفعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدّم على اسمه.\n ﴿وَلَدٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿اِمْرُؤٌ،﴾ وجوز اعتبارها حالا من فاعل: ﴿هَلَكَ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر","vol":"2","page":714},{"text":"مقدم. ﴿أُخْتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لها): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.\n ﴿نِصْفُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، و﴿نِصْفُ﴾ مضاف. و﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض:\nوالفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرُؤٌ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: لها نصف الذي، أو شيء تركه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: لها نصف تركته، والجملة الشرطية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ..﴾. إلخ مفسرة للكلالة.\nوقيل: مستأنفة لا محلّ لها، والأوّل أقوى، وأولى.\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ﴿يَرِثُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أُخْتٌ﴾ أو من فاعل:\n ﴿تَرَكَ﴾ المستتر، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. وقيل: مستأنفة. والأول أقوى، وأولى. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو فعل الشرط. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره مقدّم.\n ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمه مؤخر، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. والجملة المقدرة: «هلك امرؤ» مثلها، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: «فهو يرثها»، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَتَا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث، وحرّكت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين الّتي هي اسمه. ﴿اِثْنَتَيْنِ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال... إلخ. ﴿فَلَهُمَا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لهما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الثُّلُثانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الثُّلُثانِ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية مثل سابقتها، وجملة: ﴿تَرَكَ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف... إلخ. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنِ﴾): حرف شرط جازم.","vol":"2","page":715},{"text":"﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِخْوَةً:﴾ خبر: ﴿كانُوا﴾. ﴿رِجالًا:﴾ بدل بعض من: ﴿إِخْوَةً﴾. ﴿وَنِساءً:﴾ معطوف عليه. ﴿فَلِلذَّكَرِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (للذكر): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.\n ﴿مِثْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿حَظِّ:﴾ مضاف إليه، و﴿حَظِّ﴾ مضاف، و﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾\nمضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية:\n ﴿وَإِنْ كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلهما.\n ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿إِنِ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَضِلُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿إِنِ﴾) وعلامة نصبه حذف النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه مفعول به للفعل قبله، التقدير: يبين الله لكم ضلالكم؛ أي:\nإذا تركتم وشأنكم. والثاني: أنّ المصدر المؤوّل في محل جر بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: مخافة، أو كراهة ضلالكم. وهذا عند البصريّين. والثالث: أنّ التقدير: لئلا تضلّوا، فحذفت اللام الجارة، و(لا) النافية من هذا عند الكوفيين، ويكون التقدير: يبين الله لكم الحقّ لعدم ضلالكم، أو مخافة ضلالكم، فيكون مفعول: ﴿يُبَيِّنُ﴾ على هذين الوجهين محذوفا. وقد بيّن ابن هشام﵀هذين الوجهين في كتابه: مغني اللبيب، وذكر قول عمرو بن كلثوم التّغلبي في معلقته-وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nنزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا\nوجملة: ﴿يُبَيِّنُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله):\nمبتدأ. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعده، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾\nخبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nانتهت سورة النّساء شرحا، وإعرابا بحمد الله تعالى، وتوفيقه، وصلّى الله على سيّدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم.","vol":"2","page":716},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>سورة المائدة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة المائدة هي مدنية إلاّ قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية رقم [٣]، فإنّها نزلت بعرفة في حجّة الوداع يوم عرفة والنبيّ ﷺ واقف بها، فقرأها في خطبته، وقال: «يا أيها الناس إنّ سورة (المائدة) من آخر القرآن نزولا، فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها». وإنّما خصّ النبي ﷺ هذه السورة من بين سور القرآن بالذكر-وكل سور القرآن يجب أن يحل المسلم حلالها، ويحرم حرامها-لزيادة الاعتناء بها، فهو كقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٦]: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ..﴾. إلخ حيث أكد اجتناب الظلم في أربعة منها، وإن كان الظلم لا يجوز في شيء من جميع أشهر السنة؛ لزيادة الاعتناء بها.\nوقيل: إنّما خص النبي ﷺ هذه السورة بالذّكر؛ لأنّ فيها ثمانية عشر حكما لم تنزل في غيرها من سور القرآن. قال البغويّ: روي عن ميسرة؛ قال: إنّ الله تعالى أنزل في هذه السورة ثماني عشر حكما لم ينزلها في غيرها، وهي: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ،﴾ ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ،﴾ ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ وتمام الطّهور في قوله تعالى: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ...،﴾ ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ،﴾ ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ،﴾ وقوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. وفريضة تاسعة عشرة، وهي قوله ﷿: ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السّورة، أمّا ما في سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة، وهو في هذه السّورة عام لجميع الصلوات.\nهذا؛ وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵄قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة (المائدة) وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها، أي: لثقل الوحي الذي ينزل على رسول الله ﷺ. وسمّيت سورة (المائدة) لورود ذكر المائدة فيها، حيث طلب الحواريّون من عيسى﵇آية تدلّ على صدق نبوّته، وتكون لهم عيدا.","vol":"3","page":5},{"text":"وقصة المائدة أعجب ما ذكر فيها؛ لاشتمالها على آيات كثيرة، ولطف عظيم من الله تعالى.\nوهي مائة وعشرون آية.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-670\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدّقتم الله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان. وقد خاطب الله عباده المؤمنين في هذه السّورة بالنّداء الدّالّ على الإقبال عليهم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكّرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال. وإنّما خصّهم الله بالنّداء؛ لأنّهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عمّا نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.\n ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يقال: وفى، وأوفى لغتان، قال تعالى في سورة (التّوبة): ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ،﴾ وقال في سورة (النّجم): ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ وقال طفيل الغنوي: [البسيط]\nأمّا ابن طوق فقد أوفى بذمّته... كما وفى بقلاص النّجم حاديها\nفجمع بين اللّغتين، وقلاص النّجم: هي العشرون نجما الّتي ساقها الدّبران في خطبته الثّريا. كما تزعم العرب. والعقود: جمع عقد، يقال: عقدت العهد، والحبل، فهو يستعمل في المعاني، والأجسام. قال الحطيئة في مدح بغيض بن عامر بن شمّاس: [البسيط]\nقوم إذا عقدوا عقدا لجارهم... شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا\nوالمراد ب: (العقود) ما يعم جميع ما ألزم الله به عباده، وفرضه عليهم من التكاليف، والأحكام الدينية، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات، والمعاملات، ونحوها ممّا يجب الوفاء به، ويحسن دينا. وما في هذه السورة الكريمة من أحكام يبين ذلك، ويوضحه.\nقال الحسن-رحمه الله تعالى-: يعني بذلك عقود الدّين، وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع، وشراء، وإجارة، وكراء، ومناكحة، وطلاق، وموادعة، ومصالحة، وتمليك، وتخيير، وغير ذلك من الأمور ممّا كان غير خارج عن الشّريعة، وكذلك ما عقده الشّخص لله على نفسه من الطّاعات كالحجّ، والصّيام... إلخ.\n ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ أي: أكل لحمها، والانتفاع بصوفها، وشعرها، ودرّها، ونسلها، وجميع أجزائها. والبهيمة: كلّ حيّ لا يميّز، ولا يعقل، وإضافتها إلى الأنعام للبيان، كقولك: ثوب خز، وخاتم فضة، ونحو ذلك.","vol":"3","page":6},{"text":"والمراد ب: ﴿الْأَنْعامِ﴾ الأزواج الثمانية المذكورة في سورة (الأنعام) وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، ويلحق بها الظباء، وبقر الوحش، وما يماثلها في الاجترار، وعدم الأنياب دون ذوات الحافر.\n ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ:﴾ إلا ما يقرأ عليكم تحريمه، أي: في الآية التالية، ونحوها، وفي السنة أيضا قول الرّسول ﷺ: «كلّ ذي ناب من السّباع، فأكله حرام».\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآية ممّا تلوح فصاحتها، وكثرة معانيها على قلّة ألفاظها لكلّ ذي بصيرة بالكلام، فإنّها تضمّنت خمسة أحكام: الأول: الأمر بالوفاء بالعقود.\nالثاني: تحليل بهيمة الأنعام. الثالث: استثناء ما يلي بعد ذلك. الرّابع: استثناء حال الإحرام فيما يصاد. الخامس: ما تقتضيه الآية من إباحة الصّيد لمن ليس بمحرم. وحكى النقاش: أنّ أصحاب الكندي قالوا له: أيّها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن. فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة ثمّ خرج، فقال: والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إنّي فتحت المصحف، فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلّل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثمّ أخبر عن قدرته، وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد. انتهى.\nتنبيه: فسر ابن عباس﵄بهيمة الأنعام بالجنين، والأجنّة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها؛ إذا ذبحت، أو نحرت، ذهب أكثر العلماء في تحليلها، وهو مذهب الشّافعي، ويدلّ عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري﵁عن النبيّ ﷺ: أنّه قال في الجنين: «ذكاته ذكاة أمّه». أخرجه الترمذيّ، وابن ماجة. وفي رواية أبي داود؛ قال: قلنا: يا رسول الله! ننحر الناقة، ونذبح البقرة، والشاة، ونجد في بطنها الجنين، أنلقيه، أم نأكله؟ قال: «كلوه إن شئتم، فإنّ ذكاته ذكاة أمّه». وشرط بعضهم الإشعار، وتمام الخلق، قال ابن عمر﵄-: ذكاة ما في بطنها ذكاتها؛ إذا تمّ خلقه، ونبت شعره. ومثله عن سعيد بن المسيّب-رحمه الله تعالى-وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يحل أكل الجنين؛ إذا خرج بعد ذكاة الأم ميتا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ المعنى: أحل لكم ما تقدّم ذكره ما عدا صيد الوحوش في حال إحرامكم بحجّ، أو عمرة، أو في حال وجودكم بأرض الحرم فإنّ الصيد في هاتين الحالتين محرّم عليكم. ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ يعني: أنّ الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، وفرض ما يشاء أن يفرضه عليكم من أحكامه، وفرائضه ممّا فيه مصلحة لعباده، لا اعتراض عليه، ولا معقّب لحكمه.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (أيّها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا). و(ها): حرف تنبيه لا محلّ له من الإعراب، وأقحم","vol":"3","page":7},{"text":"للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (أيّ) وانظر الآية رقم [١٣٣] من سورة (النساء)؛ إن أردت الزيادة. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَوْفُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِالْعُقُودِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة النّدائية قبلها.\n ﴿أُحِلَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بَهِيمَةُ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف. و﴿الْأَنْعامِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء من: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾. وهذا عند البصريين. وقال الفرّاء: في محل رفع على البدلية من: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، وأصل الكلام: إلا ما يتلى عليكم تحريمه، أو آية تحريمه، فحذف المضاف الذي هو: آية، وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذف المضاف ثانيا، وأقيم الضمير المجرور مقامه، فانقلب الضمير المجرور مرفوعا، واستتر في: ﴿يُتْلى،﴾ وعاد على ﴿ما﴾. وقدّره الزمخشري في الكشّاف: إلا محرم ما يتلى عليكم. انتهى. جمل. والأول أقوى. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿يُتْلى،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها.\n ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الكاف، وقيل: حال من واو الجماعة في: ﴿أَوْفُوا﴾ قاله مكي، وغيره، و﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و﴿مُحِلِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و(محلّي) مضاف، و﴿الصَّيْدِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حُرُمٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مُحِلِّي﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يحكم الذي، أو: شيئا يريده، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، لا محلّ لها من الإعراب.","vol":"3","page":8},{"text":"<span id=\"aya-671\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ جمع: شعيرة، أي:\nلا تتعدوا حدود الله في أمر من الأمور. هذا؛ وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿شَعائِرَ اللهِ:﴾ جميع ما أمر الله به، ونهى عنه. وقال الحسن: دين الله كلّه، كقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ والمراد هنا: مناسك الحج، من وقوف بعرفات، ومبيت بمزدلفة، ورمي للجمار، وسعي، وطواف، وحلق، وغير ذلك. والمراد: النّهي عن هتك حرمة هذه المناسك بفعل شيء مخلّ فيها، والحث على أدائها على الوجه الأكمل. وفي الكلام استعارة؛ حيث استعار الشّعيرة، وهي: العلامة للمتعبّدات؛ التي تعبّد الله بها العباد من الحلال، والحرام.\n ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ:﴾ الشهر فيه لأهل اللغة قولان: أشهرهما: أنّه اسم لمدّة الزمان الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمّي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في العبادات، والمعاملات، وغيرهما. والثاني قاله الزجاج: أنّه اسم للهلال نفسه. ويجمع على أشهر، وشهور. و﴿الْحَرامَ:﴾ المحرّم. والأشهر المحرّمة أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وشهر رجب. قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٦]: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقال الرسول الأعظم ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر الّذي بين جمادى، وشعبان» سمّيت حرما لتحريم القتال فيها، وكان القتال محرّما في هذه الأشهر في بدء الإسلام، ثم نسخ هذا التحريم بقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٣]: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ،﴾ والمعنى: الشهر الحرام مقابل بمثله، أي: فكما قاتلوكم فيه؛ فاقتلوهم في مثله.\nهذا؛ والحرام في الأصل: كلّ ممنوع. وقولهم: لفلان بي حرمة، أي: ممتنع من مكروهه.\nوحرمة الرجل محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو: الممنوع من المال، والتلذّذ به. والإحرام بالحج هو: المنع من أمور معروفة. والبيت","vol":"3","page":9},{"text":"الحرام: الكعبة المعظمة، ويلحق بها جميع الحرم؛ لما صحّ من حديث ابن عباس﵄-: أنّ النبي ﷺ خطب يوم فتح مكّة، فقال: «إنّ هذا البلد حرام حرّمه الله تعالى يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفّر صيده، ولا تلتقط لقطته إلاّ لمن عرّفها، ولا يختلى خلاه». والحلال: ضد الحرام.\n ﴿وَلا الْهَدْيَ:﴾ هو ما أهدي إلى الحرم من النّعم ليذبح فيه، ويأكله الفقراء، والمساكين.\nوالمراد: النّهي عن التعرّض له بسوء. ﴿وَلا الْقَلائِدَ:﴾ هو كل ما علق على أسنمة الهدايا، وأعناقها علامة: أنّه لله سبحانه: من نعل، أو قشر شجر، وهي سنّة إبراهيميّة بقيت في الجاهلية، وأقرّها الإسلام، وعطفها على الهدي من ذكر الخاصّ بعد العام، فإنّها أشرف الهدي، وأعظمه، قال الشاعر:\nحلفت بربّ مكّة والمصلّى... وأعناق هدين مقلّدات\nوالمعنى: ولا تستحلّوا الهدي خصوصا المقلّدات منها. وقيل: أراد أصحاب القلائد، وذلك: أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أرادوا الخروج من الحرم؛ قلّدوا أنفسهم، وإبلهم من لحاء شجر الحرم إذا رجعوا من مكّة؛ ليأمنوا على أنفسهم من العدو، فإنّهم كانوا إذا رأوا شخصا جعل في عنقه تلك القلادة عرفوا: أنّه راجع من الحرم، فلا يتعرضون له. فعلى هذا فالعطف للمغايرة.\n ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ أي: ولا تستحلوا القاصدين إلى البيت الحرام، وهو الكعبة المعظمة شرفها الله، وعظمها. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا:﴾ يطلبون من الله الرزق، والأرباح في التجارة، ويطلبون رضا الله عنهم بزعمهم؛ لأنّ الكافر لا حظّ له في الرضوان، لكن يظن:\nأن فعله ذلك طلب الرضوان، فيجوز أن يوصف به بناء على ظنّه. ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا:﴾ أمر إباحة، أي: إن حللتم من إحرامكم؛ فاصطادوا الوحوش الّتي يحلّ أكلها؛ لأنّ الله تعالى حرّم الصيد على المحرم حالة إحرامه، أو كان في أرض الحرم، كما تقدم.\n ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يحملنكم: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ:﴾ بغض قوم، وعداوتهم. ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي: منعوكم عن المسجد الحرام، وهذا كان من قريش عام الحديبية. ﴿أَنْ تَعْتَدُوا:﴾ عليهم انتقاما منهم بأخذ أموالهم، وقتلهم. هذا؛ وقرئ بفتح الهمزة، وكسرها، فالفتح على التعليل. والكسر، فمعناه: إن وقع صدّ لكم؛ فلا يكسبنكم بغض من صدّكم أن تعتدوا، فالصدّ منتظر، ومنه قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [٢٩] من كتابنا فتح القريب المجيب يروى بفتح همزة: «أن»، وكسرها، وخذه: [الطويل]\nأتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم؟","vol":"3","page":10},{"text":"﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ أي: ليعن بعضكم بعضا على ما يكسب البرّ، والتقوى. قال ابن عبّاس﵄-: البر: متابعة السّنّة. ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ أي: لا يعن بعضكم بعضا على الإثم، وهو الكفر، والعدوان، وهو الظلم، فيأمر الله ﷿ عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات على جميع أنواعها، وهو البرّ. وترك المنكرات، والمعاصي جميعها، وهو التّقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المأثم، والمحارم.\nهذا؛ وفي الجملتين من المحسّنات البديعية: المقابلة.\nوعن النواس بن سمعان﵄قال: سألت رسول الله ﷺ عن البرّ، والإثم، فقال: «البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه النّاس». أخرجه مسلم. هذا؛ وفسر الإثم في الآية رقم [٣٢] من سورة (الأعراف) بالخمر، واستدلّ عليه بقول بعض الجاهليين: [الوافر]\nشربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول\n ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ خافوا الله، واحذروا أن تهملوا ما أمركم به، أو تعتدوا، وتجاوزوا إلى ما نهاكم عنه: ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ لمن خالف أوامره، وتعدّى حدوده. ففيه وعيد، وتهديد عظيمين.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في الحطم، واسمه: شريح بن هند بن ضبعة البكري، أتى المدينة وحده، وخلف خيله خارج المدينة، ودخل على النبيّ، فقال: إلام تدعو الناس؟ فقال:\n «إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة». فقال: حسن إلا أنّ لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلّي أسلم، وآتي بهم! فخرج من عنده، وقد كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلّم بلسان شيطان، فلمّا خرج شريح؛ قال النبيّ ﷺ:\n «لقد دخل بوجه كافر، وخرج بقفا غادر، وما الرّجل بمسلم». فمر بسرح من سرح المسلمين، فاستاقها؛ وهو يرتجز ويقول: [الرجز]\nقد لفّها اللّيل بسوّاق حطم... ليس براعي إبل ولا غنم\nولا بجزّاز على ظهر وضم... باتوا نياما وابن هند لم ينم\nبات يقاسيها غلام كالزّلم... خدلّج السّاقين خفّاق القدم\nفطلبه المسلمون، فلم يدركوه، فلمّا كان العام القابل، وخرج الرّسول ﷺ لعمرة القضية فسمع تلبية حجّاج اليمامة، فقال: هذا الحطم، وأصحابه، وكان قد قلّد ما نهب من سرح المدينة، وأهداه إلى مكّة، فتوجّهوا في طلبه، فنزلت الآية الكريمة، والمعنى: لا تحلّوا ما أشعر لله، وإن كانوا مشركين. ولكن قد نسخ هذا الحكم بسورة (التوبة) وبالآيات التي تأمر بقتال المشركين أينما كانوا. والله أعلم بمراده.","vol":"3","page":11},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية معطوفة على سابقتها. ﴿الشَّهْرَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، دلّ عليه ما قبله، فهو مجزوم مثله؛ إذ التقدير: ولا تحلو الشّهر. ﴿الْحَرامَ:﴾ صفته. ﴿وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ:﴾ مثل سابقه في التقدير. ﴿آمِّينَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف كالذي قبله، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وفاعله ضمير مستتر فيه. والأصل: ولا تحلّوا قتال آمّين: فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿الْبَيْتَ:﴾ مفعول به ل ﴿آمِّينَ﴾. ﴿الْحَرامَ:﴾ صفته. ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿فَضْلًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿فَضْلًا؛﴾ لأنّه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرِضْوانًا:﴾ معطوف على:\n ﴿فَضْلًا﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿آمِّينَ،﴾ وقول مكي:\nصفة ل: ﴿آمِّينَ﴾ صححه ابن هشام في المغني، وهو وصف بعد العمل خلافا لأبي البقاء.\n ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿حَلَلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَاصْطادُوا:﴾\nالفاء: واقعة في جواب (إذا). (اصطادوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف للعلم به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها. (وإذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله، والاستئناف ممكن. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محلّ جزم ب (لا) الناهية، والكاف مفعول به. ﴿شَنَآنُ:﴾ فاعله، وهو مضاف.\nو﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿أَنْ:﴾\nحرف مصدري، ونصب. ﴿صَدُّوكُمْ:﴾ فعل ماض وفاعله ومفعوله، والفعل الماضي في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ وهما في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لأجله، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لصدّهم إيّاكم. والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وانظر الشرح.\n ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ:﴾ معلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَرامَ:﴾ صفة: ﴿الْمَسْجِدِ﴾.\n ﴿أَنْ تَعْتَدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: لا يجرمنّكم شنآن قوم الاعتداء عليهم. ﴿وَتَعاوَنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَى الْبِرِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالتَّقْوى:﴾ معطوف على ما قبله","vol":"3","page":12},{"text":"مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، وأصل الفعل: لا تتعاونوا، فحذفت تاء المضارعة.\n ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾\nاسمها. ﴿شَدِيدُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل: شديد عقابه، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-672\"></span>﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾\nالشرح: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٧٣] من سورة (البقرة) ففيها الكفاية؛ حيث تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n (المنخنقة): هي الدّابة الّتي ماتت خنقا بسبب حبل في رقبتها، أو حبس الهواء عنها، ونحو ذلك. (الموقوذة): هي الدابّة الّتي تموت بضرب حجر، أو عصا، ونحو ذلك. ولا يلتفت لقول من يقول: إنّها المريضة، ويسمّونها المنقوذة. (المتردية): هي التي وقعت من مكان عال في بئر، أو غيره، فماتت. (النطيحة): هي التي نطحتها دابة أخرى، فماتت، وهي اسم مفعول بمعنى منطوحة، ويخطئ من يفسرها ب: منكوحة، وهو يريد الأنثى من البقر، والغنم، والماعز، فلذا يحرّم أكل لحم الأنثى ممّا ذكر، مع أنّ كتب اللغة لا توافق على تفسيرها بما ذكر، والقرآن عربيّ. وإنّما لم تحذف التاء من الأسماء المذكورة مع أنّها بمعنى المفعول؛ لأنّها صفات لموصوف محذوف، وهو الشّاة، كأنّه تعالى قال: حرمت عليكم الشّاة المنخنقة... إلخ.\n ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: كان أهل الجاهلية إذا جرح السّبع شيئا، فقتله، أو أكل منه؛ أكلوا ما بقي منه، فحرّمه الله تعالى. و﴿السَّبُعُ﴾ يقع على كل حيوان له ناب، ويعدو على النّاس، والدّواب، فيغرس بنابه، كالأسد، والذئب، والنّمر، والفهد، ونحوه.\nوفي الآية محذوف، تقديره: وما أكل السبع منه؛ لأنّ ما أكله السّبع؛ فقد فقد، فلا حكم له.\nومعنى ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ:﴾ إلا ما أدركتموه؛ وقد بقيت فيه حياة مستقرّة من هذه الأشياء المذكورة جميعها، وهذا قول عليّ، وابن عباس، والحسن، وقتادة﵃ أجمعين-،","vol":"3","page":13},{"text":"قال ابن عباس﵄-: يقول الله تعالى: ما أدركتم من هذا كلّه؛ وفيه روح؛ فاذبحوه، فهو حلال. وأمّا كيفية إدراكها؛ فقال أكثر أهل العلم من المفسّرين: إن أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف، أو ذنب يتحرّك. فأكله جائز. قال ابن عباس﵄-: إذا طرفت بعينها، أو ركضت برجلها، أو تحركت؛ فاذبح فهو حلال. واختار الزجّاج وابن الأنباري: أنّ معنى التّذكية: أن تلحقها، وفيها بقيّة تشخب معها الأوداج، ويضطرب المذبوح لوجود الحياة فيه قبل ذلك؛ وإلا؛ فهو كالميتة.\nوأصل (الذكاة) في اللّغة: تمام الشيء. فالمراد من التّذكية تمام قطع الأوداج، وإنهار الدم.\nويدل عليه ما روي عن رافع بن خديج عن النّبي ﷺ قال: «ما أنهر الدّم، وذكر اسم الله عليه؛ فكلوه، ليس السنّ الظّفر، وسأحدّثكم عن ذلك، أمّا السّنّ؛ فعظم، وأمّا الظّفر؛ فمدى الحبشة». أخرجاه في الصّحيحين. هذا وأقل الذّبح في الحيوان المقدور عليه قطع المريء، والحلقوم. وأكمله قطع الودجين مع ذلك. وغير المقدور عليه كحيوان وقع في بئر، أو شرد؛ فجرحه في أيّ جزء منه يحلّه، والله الموفّق.\n ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ:﴾ واحد النصاب، وهي: أحجار كانت منصوبة حول الكعبة، أو في مكان آخر يذبحون عليها، ويعدّون ذلك قربة. وقيل: هي الأصنام التي كانوا يعبدونها، فتكون:\n ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام، ويكون المراد تعظيمها بهذا الذّبح، لا المانع ذكر اسمها، فإن ما يذكر اسم الله عليها قد تقدّم بقوله تعالى: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ:﴾ قال الأعشى من قصيدته الّتي مدح بها النّبي ﷺ: [الطويل]\nوذا النّصب المنصوب، لا تنسكنّه... لعافية والله ربّك فاعبدا\n ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ:﴾ تطلبوا القسم، والحكم بالأزلام، وهذا من المحرّمات.\nو(الأزلام): جمع: زلم بوزن جمل، أو صرد لغتان: قدح-بكسر القاف-سهم صغير لا ريش له، ولا نصل، وكانت سبعة مستوية، مكتوب على واحد: أمرني ربي، وعلى واحد: نهاني ربي، وعلى واحد: منكم، وعلى واحد: من غيركم، وعلى واحد: ملصق، وعلى واحد:\nالعقل، وواحد غفل، أي: غير مكتوب عليه شيء. وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا سفرا، أو تجارة، أو نكاحا، أو اختلفوا في نسب، أو أمر قتيل، أو تحمل عقل، أو غير ذلك من الأمور العظام؛ جاءوا إلى هبل، وكان أعظم صنم لقريش بمكة، وكان في الكعبة، وجاءوا بمائة درهم، وأعطوها صاحب القداح؛ حتى يجيلها لهم، فإن خرج: أمرني ربي؛ فعلوا ذلك الأمر، وإن خرج: نهاني ربي؛ لم يفعلوا. وإذا أجالوا على نسب، فإن خرج: منكم؛ كان وسطا فيهم، وإن خرج: من غيركم؛ كان حليفا فيهم، وإن خرج: ملصق؛ كان على حاله. وإن اختلفوا في العقل، وهو الدّية، فمن خرج عليه قدح العقل؛ تحمّله، وإن خرج الغفل؛ أجالوا ثانيا؛ حتّى يخرج المكتوب عليه. فنهاهم الله عن ذلك، وحرّمه، وسمّاه: فسقا. انتهى. خازن.","vol":"3","page":14},{"text":"وقيل: هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة، وهو نوع من القمار، فقد كانوا يتآمرون على ناقة تذبح، فيقطعونها ثمانية وعشرين قطعة، ويأتون بعشرة أقداح، اسم الأول: الفذ، يربح قطعة واحدة، والثاني: التوأم، يربح قطعتين، والثالث: الرقيب، يربح ثلاثا، والرابع: الحلس، يربح أربعا، والخامس: النافس، يربح خمسا، والسادس: المسبل، يربح ستّا، والسّابع: المعلّى، يربح سبعا، والثّامن: السّفيح، والتاسع: الوغد، والعاشر:\nالمنيح، وهذه الأقداح الثلاثة خاسرة لا نصيب لها من الرّبح. يجعلون هذه الأقداح العشرة في خريطة، ويسلمونها إلى رجل مشهور بالأمانة بعيد عن التلاعب، فيخضّها، ثمّ يخرج منها قدحا باسم أحد المتقامرين، ثمّ يخضها ثانية، ويخرج منها قدحا باسم غيره، وهكذا حتى تنتهي القداح العشرة، فمن خرج باسمه الفذ؛ فله سهم واحد، ومن خرج باسمه التوأم؛ فله سهمان إلى أن تنتهي الأسهم الرابحة، أمّا القداح الثلاثة تتمة العشرة؛ فلا تربح شيئا، وأصحاب هذه القداح يدفعون ثمن المقامر عليه مع الرّابحين بالتّساوي طيبة بها نفوسهم مفتخرين. وكان الرّابحون لا يأخذون شيئا ممّا ربحوه، بل يتبرعون بجميعه إلى الفقراء والمحتاجين، ويكتفون بمدح الناس، وثنائهم عليهم. قال عنترة في معلّقته رقم [٥٤] في وصف من قتله: [الكامل]\nربذ يداه بالقداح إذا شتا... هتّاك غايات التّجار ملوّم\nوقال لبيد﵁في معلقته رقم [٧٣ و٧٤]: [الكامل]\nوجزور أيسار دعوت لحتفها... بمغالق متشابه أجسامها\nأدعو بهنّ لعاقر، أو مطفل... بذلت لجيران الجميع لحامها\n ﴿ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي: ما ذكر من هذه المحرمات في هذه الآية؛ لأنّ المعنى: حرّم عليكم تناول كذا، وكذا؛ فإنه فسق، والفسق: ما يخرج من الحلال إلى الحرام. وقيل: إنّ الإشارة عائدة على الاستقسام بالأزلام، والأول أصحّ. ﴿الْيَوْمَ:﴾ لم يرد به يوما بعينه، وإنّما أراد الزمن الحاضر، وما يتّصل به من الأزمنة. وإنّما المعنى: الآن يئس الذين كفروا من دينكم، فهو كما تقول: اليوم قد كبرت، تريد الآن قد كبرت، ولم تقصد به اليوم، قال النّمر بن تولب الصحابي -﵁ وهو الشاهد رقم [٢٠٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الخفيف]\nربّ أمر يسوء ثمّ يسرّ... وكذاك الزّمان حلو ومرّ\nوقيل أراد به: يوم نزولها، وقد نزلت على الرّسول ﷺ، وهو واقف بعرفة بعد عصر الجمعة، وذلك في حجّة الوداع سنة عشر من الهجرة. ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: يئسوا أن ترجعوا عن دينكم إلى دينهم كفارا، وذلك: أنّ الكفار كانوا يطمعون في أن يعود المسلمون إلى دينهم، فلمّا قوي الإسلام؛ أيسوا من ذلك، وكان ذلك هو اليوم الذي دخل فيه رسول الله","vol":"3","page":15},{"text":"ﷺ مكّة عام حجّة الوداع أو هو اليوم الذي فتح فيه رسول الله ﷺ مكّة. هذا؛ و﴿يَئِسَ﴾ ضد طمع بمعنى: قطع أمله، وقد يأتي بمعنى علم، وهي لغة النخع، وقيل: هي لغة هوازن، وإنّما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأنّه سبب عن العلم بأن الميئوس منه لا يكون، وبه فسر قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾ واستدلوا لهذه اللغة بقول سحيم بن وثيل اليربوعي، وقال القرطبي في غير هذا الموضع: هو لمالك بن عوف النّصري: [الطويل]\nأقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم؟\nوزهدم: اسم فرس سحيم. وقال رباح بن عدي: [الطويل]\nألم ييئس الأقوام أنّي أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا\n ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الخشية: خوف يشعر بتعظيم، ومهابة المخوف منه، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه. هذا؛ والماضي: خشي، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك، أي: أشد خوفا منه. هذا؛ وقد يأتي «خشي» بمعنى «علم» القلبية، قال الشاعر المسلم:\nولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد\nقالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٨٠]: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا.\n ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بالنصر، والإظهار على الأديان كلّها، أو بتوضيح قواعد العقائد، وشرح أصول الشرائع، وتبيين قواعد الاجتهاد، وتتميم الفرائض، وذلك: أنّ النبي ﷺ حين كان بمكة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلمّا هاجر إلى المدينة المنورة؛ أنزل الله الآيات التي تبيّن الحلال، والحرام إلى أن حجّ، فلمّا حجّ، وكمل الدّين؛ نزلت هذه الآية على الرسول ﷺ في يوم الجمعة بعد عصر يوم عرفة، وهو واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكادت عضد الناقة تندق من ثقل الوحي فبركت، وكان ذلك في حجّة الوداع سنة عشر من الهجرة، والرسول ﷺ لم يحجّ بعد النبوّة غير هذه الحجّة، وسمّيت حجّة الوداع لشرحه ﷺ أمور الدّين، وتبيين ما يلزم المسلمين في دينهم، ودنياهم، وكثرة وصاياهم بالتقوى﵃وحثهم على أعمال البرّ، والخير؛ حتّى قالوا: كأنّها وصية مودّع. روى الأئمة عن طارق بن شهاب﵁قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر﵁فقال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال﵁-: وأيّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ فقال الفاروق﵁-: إنّي لأعلم","vol":"3","page":16},{"text":"اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على الرسول ﷺ بعرفات في يوم الجمعة، وقد اتخذنا يوم نزولها عيدا. متّفق عليه. وقد روي: أنّ الحجّ بعد ذلك إذا صادف الوقوف بعرفات يوم الجمعة كانت الحجة بسبعين حجّة، وتسمّى: الحج الأكبر.\nهذا؛ وقال ابن عباس﵄-: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد لليهود، وعيد للنّصارى، وعيد للمجوس، ولم تجمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله، ولا بعده، وروي: أنّه لما نزلت هذه الآية بكى عمر﵁فقال له النبي ﷺ: «ما يبكيك يا عمر؟!» فقال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كمل فإنّه لم يكمل إلا نقص، فقال له النبي ﷺ: «صدقت» فكانت هذه الآية نعي رسول الله ﷺ عاش بعدها أحدا وثمانين يوما، ولم ينزل بعدها آية حلال أو حرام، وإن نزل بعدها آية موعظة، وهي قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨١]: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وعاش بعد هذه الآية أحدا وعشرين يوما.\n ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ يعني: بإكمال الدّين، والشّرائع، والأحكام، كما وعدتكم؛ إذ قلت:\n ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فكان من تمام النّعمة أن دخلوا مكّة آمنين، وحجّوا مطمئنين، لم يخالطهم أحد من المشركين. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ أي: اخترت لكم الإسلام دينا من الأديان.\n ﴿الْإِسْلامَ﴾ في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٩]: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ وقال جلّ ذكره في الآية [٨٥] منها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وخذ ما يلي:\nعن جابر بن عبد الله﵄-، عن رسول الله ﷺ، عن جبريل، ﵇، عن الله تعالى؛ قال: «إنّ هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصالح له إلاّ السّخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه». رواه البغوي، والطبراني في الأوسط.\n ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ:﴾ ألجأته الضرورة إلى تناول شيء من المحرّمات في مجاعة. ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ غير مائل منحرف لمعصية بأن يأكلها تلذذا، أو متجاوزا حدّ الحاجة، والرّخصة.\nوانظر: ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ في الآية رقم [١٧٣] من سورة (البقرة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ و(المخمصة): الجوع، وخلاء البطن من الطّعام، والخمص: ضمور البطن، ورجل خميص، وخمصان، وامرأة خميصة، وخمصانة، ومنه: أخمص القدم، ويستعمل كثيرا في الجوع، ومثله الغرث، قال الأعشى: [الطويل]\nتبيتون في المشتى ملاء بطونكم... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا\nأي: منطويات على الجوع، قد أضمر بطونهنّ. وقال النّابغة في خمص البطن من جهة ضمره: [الكامل]","vol":"3","page":17},{"text":"والبطن ذو عكن خميص ليّن... والنّحر تنفجه بثدي مقعد\nوعن عمر﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطّير، تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذي.\nالإعراب: ﴿حُرِّمَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له.\n ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار، ومجرور متعلقان به. ﴿الْمَيْتَةُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَالدَّمُ وَلَحْمُ﴾ معطوفان على: ﴿الْمَيْتَةُ،﴾ و﴿وَلَحْمُ:﴾ مضاف، و﴿الْخِنْزِيرِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَما﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع معطوفة على: ﴿الْمَيْتَةُ﴾.\n ﴿أُهِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالباء، وهو ضعيف، (غير) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿أُهِلَّ﴾. وهما في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضّمير المجرور محلاّ بالباء: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على: ﴿الْمَيْتَةُ﴾ أيضا. (ما): مثل سابقتها.\n ﴿أَكَلَ السَّبُعُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو: شيء أكله السّبع.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ تحتمل ما ذكرته فيما قبلها، فهي مبنية على السّكون في محل رفع معطوفة على: ﴿الْمَيْتَةُ﴾. ﴿ذُبِحَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿عَلَى النُّصُبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿تَسْتَقْسِمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل من الفعل وناصبه في محل رفع معطوف على: ﴿الْمَيْتَةُ..﴾.\nإلخ. ﴿بِالْأَزْلامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿فِسْقٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل بعده. ﴿يَئِسَ﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ دِينِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَئِسَ﴾ والكاف في محلّ جرّ بالإضافة.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة. وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (لا): ناهية","vol":"3","page":18},{"text":"جازمة. ﴿تَخْشَوْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط مقدّر ب: «إذا» التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فلا تخشوهم. والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثله. ﴿وَاخْشَوْنِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.\n ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿أَكْمَلْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿دِينِكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَأَتْمَمْتُ..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محلّ لها مثلها. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نِعْمَتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَرَضِيتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿دِينًا:﴾ مفعول به ثان لرضيت على اعتباره بمعنى جعلت، وصيرت، وقيل: تمييز. وقيل: حال، والأول هو أقوى.\n ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اُضْطُرَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو. ﴿فِي مَخْمَصَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من نائب الفاعل، وهو مضاف، و﴿مُتَجانِفٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿لِإِثْمٍ:﴾ متعلقان ب ﴿مُتَجانِفٍ﴾ وجواب الشرط محذوف، التقدير: فلا إثم عليه، والجملة الاسمية المقدرة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين، هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة؛ فتكون مبتدأ، وجملة:\n ﴿اُضْطُرَّ..﴾. إلخ صلتها، وخبرها الجملة الاسمية المقدّرة، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي مفرّعة عمّا قبلها، ومستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مفيدة للتعليل لا محلّ لها. هذا، وكلام القرطبي يشير إلى أنّ هذه الجملة هي الجواب للشرط؛ لذا قدّر: فإنّ الله له غفور رحيم، قال: فحذف الضمير، وأنشد سيبويه قول أبي النّجم العجلي-وهو الشاهد رقم [٣٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]\nقد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع","vol":"3","page":19},{"text":"<span id=\"aya-673\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢١٨] من سورة (البقرة) فالبحث فيها جيد.\nوالخطاب للنبي ﷺ والسائل هم المؤمنون، فإنّ الله﷿لمّا بين المحرّم عليهم؛ سألوه عن الحلال لهم. والحلال ضدّ الحرام، وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية بسبب عديّ بن حاتم، وزيد بن مهلهل، وهو زيد الخيل الّذي سمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير، قالا: يا رسول الله! إنّا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإنّ الكلاب تأخذ البقر، والحمر، والظباء، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله، فلا ندرك ذكاته، وقد حرّم الله الميتة، فماذا يحلّ لنا؟ فنزلت الآية الكريمة. انتهى.\n ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ:﴾ المستلذّات، وكلّ ما تستطيبه العرب، وتستلذّه من غير ما ورد بتحريمه نصّ من كتاب، أو سنّة، والعبرة في الاستطابة، والاستلذاذ بأهل المروءة، والأخلاق الجميلة، فإنّ أهل البادية منهم من يستطيبون أكل جميع الحيوانات، فلا عبرة بهم. ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي: وأحلّ صيد ما علّمتم من الجوارح، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والجوارح: جمع جارحة، وهي الكواسب من السباع، والطير، كالفهد، والنمر، والكلب، والبازي... إلخ، سميت جوارح من الجرح؛ لأنّها تجرح الصيد عند إمساكه، وقيل:\nسمّيت جوارح؛ لأنّها تكسب، والجوارح: الكواسب من: جرح، واجترح: إذا اكتسب، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾. وفي سورة (الجاثية): ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾. ومعنى ﴿مُكَلِّبِينَ:﴾ معلّمين، ومؤدّبين. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ:﴾ تعلمون الجوارح الاصطياد. ﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ﴾ أي: من العلم الذي علّمكم الله. ففي الآية الكريمة دليل على أنّه لا يجوز صيد جارحة ما لم تكن معلّمة، وصفة التعليم: أن يعلم الرّجل جارحة الصيد، وذلك بأن يوجد فيها أمور: أن تسترسل؛ إذا أرسلت، وتنزجر؛ إذا انزجرت، وإذا أخذت صيدا؛ لم تأكل منه شيئا، وأن لا ينفر منه؛ إذا أراده، وأن يجيبه؛ إذا دعاه. فهذا هو تعليم الجوارح.\nفعن عدي بن حاتم﵁قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: إنّا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: «إذا أرسلت كلبك المعلّم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل ممّا أمسك عليك، إلاّ أن يأكل الكلب؛ فلا تأكل، فإنّي أخاف أن يكون إنّما أمسك على نفسه. وإن خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها، فأمسكن، وقتلن؛ فلا تأكل، فإنّما سمّيت على كلبك، ولم تسمّ على غيره». متفق عليه. وقال﵁-: وسألته عن المعراض، فقال: «إذا أصبت بحدّه؛ فكل، وإذا أصبت بعرضه، فقتل، فإنّه وقيذ؛ فلا تأكل».","vol":"3","page":20},{"text":"﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، وقفوا عند حدوده. ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ:﴾ لا يحتاج إلى عد، ولا إلى عقد، ولا إلى إعمال فكر، كما يفعله الحسّاب، ولهذا قال في سورة (الأنبياء): ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وقال رسول الله ﷺ في دعائه يوم الأحزاب: «اللهمّ منزّل الكتاب سريع الحساب...» والمعنى: أنّه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فكما يرزقهم في ساعة واحدة؛ يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. قال تعالى في سورة (لقمان): ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. وقيل للإمام علي﵁-: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم. وقال ابن عباس﵄-: إذا أخذ الله في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها، ولم يقل أهل النار إلا فيها. هذا؛ ويقيل من القيلولة، وهي الاستراحة وقت الظهيرة، ومعنى الحساب، وفائدته: تعريف الله العباد مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إيّاهم ما قد نسوه بدليل قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾.\nهذا؛ وقد دلّت الآية على جواز اتخاذ الكلاب، واقتنائهما للصيد. وثبت ذلك في صحيح السّنّة، وزادت الحرث، والماشية، وقد كان الرسول ﷺ في أول الإسلام قد أمر بقتل الكلاب؛ حتى كان يقتل كلب المرأة من البادية يتبعها.\nفعن ابن عمر﵄عن النبي ﷺ قال: «من اقتنى كلبا، إلاّ كلب صيد، أو ماشية؛ نقص من أجره كلّ يوم قيراطان» رواه مالك، والبخاري، ومسلم، والترمذيّ، والنسائي.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أمسك كلبا، فإنّه ينقص من عمله كلّ يوم قيراط إلاّ كلب حرث، أو ماشية». رواه البخاريّ، ومسلم. وجعل النقص من أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة، إمّا لترويع الكلب المسلمين، وتشويشه عليهم بنباحه، كما قال زياد الأعجم، وقد نزل بعمّار، فسمع لكلابه نباحا، فأنشأ يقول: [لطويل]\nنزلنا بعمّار فأشلى كلابه... علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل\nفقلت لأصحابي أسرّ إليهم... أذا اليوم أم يوم القيامة أطول\nوإما لمنع دخول الملائكة البيت، كما ورد في الأحاديث الصّحيحة. أو لنجاسته، كما يراه الشافعي﵁-. وقال الرّسول ﷺ في إحدى الرّوايتين: قيراطان، وفي الأخرى قيراط، وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب: أحدهما أشدّ أذى من الآخر، كالأسود الذي أمر النبي ﷺ بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها، فقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النّقطتين، فإنّه شيطان». أخرجه مسلم. ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة، أو بمكّة قيراطان، وبغيرهما قيراط، والله أعلم.","vol":"3","page":21},{"text":"الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر. ﴿أُحِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ذا) وهو العائد، ويجوز اعتبار (ماذا): اسم استفهام مركبا، وفي إعرابه وجهان: اعتباره مفعولا به مقدّما للفعل بعده، واعتباره مبتدأ، والجمل الفعلية خبره، والرابط: رجوع نائب الفاعل إليه، وسواء أكانت الجملة اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها، وجملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: أنت. ﴿أُحِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول.\n ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الطَّيِّباتُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محل رفع، معطوفة على: ﴿الطَّيِّباتُ﴾. ﴿عَلَّمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو: والحيوان علمتموه.\n ﴿مِنَ الْجَوارِحِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضّمير المحذوف، و﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في (ما).\n ﴿مُكَلِّبِينَ:﴾ حال من: «تاء الفاعل والميم» منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون علامة جمع الإناث، والجملة الفعلية في محلّ نصب حال ثانية من تاء الفاعل، أو من الضمير المستتر في: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة. وقيل: مستأنفة لا محلّ لها، وهي معترضة على اعتبار (ما) شرطية. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف هو المفعول الثاني للفعل: (تعلم) أي: تعلمونهنّ شيئا ما... إلخ، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿عَلَّمَكُمُ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني، فإنّ التقدير: من الذي، أو: من شيء علّمكم الله إيّاه.\n ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية السابقة. (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله؛ لأنّ (من) الجارة بمعنى بعض، و(ما): موصولة، أو موصوفة. ﴿أَمْسَكْنَ:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وهو مفعول الفعل، فإنّ التقدير: فكلوا من الّذي، أو من حيوان أمسكنه عليكم، وجملة: (كلوا...) إلخ لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.","vol":"3","page":22},{"text":"هذا وقد أجاز بعضهم اعتبار (ما) شرطية، فتكون مفعولا به مقدّما لفعل شرطها، وهو:\n ﴿عَلَّمْتُمْ،﴾ وجملة: (كلوا...) إلخ في محل جزم جوابها، وتكون الجملة الشرطية برمّتها معطوفة على الطّيبات؛ لأنّها داخلة في الحلّ، أو مستأنفة لا محلّ لها، والغرض منها بيان نوع من أنواع الحلال، فهي من ذكر الخاص من بعد العام، كما يجوز اعتبار (ما) موصولة في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها على نحو ما تقدّم، وتكون جملة: (كلوا...) إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، وتكون الجملة اسمية يجوز فيها ما جاز فيها على اعتبارها شرطية. والمعتمد الأوّل في إعرابها.\n ﴿وَاذْكُرُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكروا): فعل أمر، وفاعله. ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: اذكروا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (كلوا...) إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ومثلها جملة:\n (اتقوا الله). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف.\nو﴿الْحِسابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصّفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: سريع حسابه، والجملة الاسمية مفيدة للتّعليل، لا محلّ لها. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-674\"></span>﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿الْيَوْمَ:﴾ المراد به هنا اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية. وقيل: بل المراد به يوم عرفة الّذي تقدّم ذكره في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ..﴾. إلخ، ويكون ما ذكر في هذه الآية من إتمام النّعمة على المؤمنين بإحلال الطيبات، ونكاح العفيفات. وانظر شرح: ﴿الطَّيِّباتُ﴾ في الآية السّابقة.\n ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ المراد بهم: اليهود، والنصارى، وذبائحهم خاصّة، وأمّا ما حرم علينا من طعامهم؛ فليس بداخل تحت عموم الخطاب. قال ابن عباس: قال الله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ثم استثنى؛ فقال: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني: ذبيحة اليهودي، والنصراني، وإن كان النّصراني يقول عند الذبح:\nباسم المسيح، واليهودي يقول: باسم عزير. ﴿وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ يعني: وذبائحنا حلّ لهم، وهذا يدلّ على أنّهم مخاطبون بشريعتنا، ودليل على حل معاملتنا معهم ببيع، أو شراء. وينبغي أن","vol":"3","page":23},{"text":"تعلم: أنّ ذبائح الأضاحي، والنّذور، وجميع القربات لا يجوز لنا أن نعطيهم منها؛ لأنّها لفقراء المسلمين. وخذ ما يلي:\nعن أبي ثعلبة الخشني﵁قال: قلت: يا رسول الله! إنا بأرض قوم أهل الكتاب؛ أفنأكل في آنيتهم، وبأرض أصيد بقوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلّم، وبكلبي المعلّم، فما يصالح لي؟ قال: «أمّا ما ذكرت من آنية أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها؛ فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها؛ فاغسلوها، وكلوا فيها، وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله عليه؛ فكل، وما صدت بكلبك غير المعلّم، فأدركت ذكاته؛ فكل». أخرجه مسلم، وغيره.\n ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي: وأبيح لكم أيها المؤمنون زواج الحرائر العفيفات من المؤمنات. ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: وأبيح زواج الحرائر من الكتابيات العفيفات أيضا، وقد تزوّج جماعة من الصّحابة من نساء النّصارى، ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية، فقد تزوّج عثمان بن عفان﵁نائلة بنت الفرافصة على نسائه، وهي نصرانيّة، وتزوّج طلحة بن عبيد يهوديّة. وروي عن ابن عمر كراهية ذلك، ويحتج بقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢١]: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾. وكان يقول: لا أعلم شركا أعظم من قولها: إنّ ربّها عيسى. وأجاب الجمهور عن ذلك بأنّه عامّ خصّ بهذه، فأباح الله تعالى المحصنات من أهل الكتاب، وحرّم من سواهنّ من أهل الشّرك. ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي:\nإذا أعطيتموهن مهورهنّ، أي كما هنّ محصنات عفائف، فابذلوا لهنّ المهور عن طيب نفس.\nوقد أفتى جابر بن عبد الله، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري﵃بأنّ الرّجل إذا نكح امرأة، فزنت قبل دخوله بها: أنّه يفرّق بينهما، وتردّ عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير عنهم.\n ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ:﴾ فكما شرط الإحصان في النّساء، وهي العفّة عن الزنى؛ كذلك شرطها في الرّجال، وهي أن يكون الرجل أيضا عفيفا محصنا. ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ أي: وغير متخذين عشيقات، وصديقات تزنون بهنّ سرّا، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (النّساء) فإنّه جيّد والحمد لله!.\n ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ﴾ أي: ومن يجحد ما أمر الله به من توحيده، ونبوّة محمد ﷺ وما جاء به من عند الله. ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ:﴾ بطل ثواب عمله في الدنيا، وخاب، وخسر في الدنيا، والآخرة. وقيل: المعنى: ومن يكفر بشرائع الإيمان، وتكاليفه؛ فقد خاب، وخسر. وقيل: لمّا أباح الله تعالى نكاح الكتابيات؛ قلن فيما بينهن: لولا أنّ الله قد رضي أعمالنا؛ لم يبح للمسلمين تزويجنا، فأنزل الله هذه الآية، والمعنى: إنّ تزوّج المسلمين إياهنّ ليس بالذي يخرجهن من الكفر. وقيل: غير ذلك. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ إذا مات على ذلك؛ لأنّه إذا تاب، وآمن قبل الموت؛ قبلت توبته، وصحّ إيمانه.","vol":"3","page":24},{"text":"هذا وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط-من باب: تعب-حبطا بالسكون، وحبوطا:\nفسد، وهدر. وحبط، يحبط من باب: ضرب لغة. والحبط بفتحتين أن تأكل الماشية، فتكثر حتّى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها، وقيل: هو أن ينتفخ بطنها من أكل الذرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث: «إنّ ممّا ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الداء الحباط، والفعل: حبط، لازم، ويتعدّى بالهمزة، كما في قوله تعالى في كثير من الآيات:\n ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾.\nتنبيه: قد بيّن الله﷿في هذه الآية الكريمة حلّ تناول طعام اليهود، والنصارى، وحلّ نكاح نسائهم، والطّعام يطلق على كل طعام، ويشمل ذبائحهم التي يذبحونها بأيديهم، علما بأنّ حلّ ذبائحهم، ونكاح نسائهم مشروط عند الشافعي﵁بشروط لا تتوفر في هذه الأيام، ومن أهمّها أن يكون منسوبا إلى إسرائيل، وهو يعقوب ﵇، وأن لا يعلم دخول أحد من آبائه، وأجداده في اليهودية، أو النصرانية بعد بعثة محمد ﷺ. وهذا غيرممكن كما هو معلوم، لذا فالتّحريم هو المفتى به في مذهب الشافعي، وأمّا غير الشافعي فإنّه لا يشترط هذه الشروط، وحلّ نكاح نسائهم من غير أن تسلم؛ أي: مع بقائها على دينها، وأمّا إذا أسلمت؛ فإنّها صارت من المؤمنات. وينبغي أن تعلم: أنّه لا يحل ذبائح المجوس، ولا نكاح نسائهم، ولا ذبائح، ونكاح نساء من لفّ لفّهم من الوثنيين؛ الذين يعبدون الشّمس، أو القمر، أو يؤلّهون بشرا، أو حيوانا، وإن ألحقوا بأهل الكتاب بضرب الجزية؛ لقول النبي ﷺ: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم».\nتنبيه: يتساءل كثير من النّاس-ولا سيما النّصارى-: لماذا ننكح نساءهم، ولا ننكحهم نساءنا؟ الجواب سهل بعون الله، وهو: أنّ المسلم لا يؤذيها في دينها؛ لأنّه يقدس عيسى، وأمّه، ويجلّهما، فلا يتعرّض لهما بسوء بخلاف النّصرانيّ، واليهوديّ، فإنّه لا يجلّ محمدا ﷺ، بل يصمه بأبشع الصّفات، فربما يؤذي المسلمة بسبّه، وشتمه. وأيضا الإسلام يعلو، ولا يعلى، والأمر ظاهر في قوامة الرّجل على المرأة وعلوّه عليها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل بعده. ﴿أُحِلَّ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول.\n ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الطَّيِّباتُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَطَعامُ:﴾ الواو: حرف عطف. (طعام): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جرّ بالإضافة. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿حِلٌّ:﴾\nخبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة، لا محلّ لها مثلها. هذا؛ وجوّز أبو البقاء العكبري عطف (طعام) على: ﴿الطَّيِّباتُ﴾ عطف مفرد على مفرد، واعتبر: ﴿حِلٌّ﴾","vol":"3","page":25},{"text":"﴿لَكُمُ:﴾ خبرا لمبتدإ محذوف، ولم يظهر لي وجه جوازه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حِلٌّ؛﴾ لأنّه مصدر، والجملة الاسمية: ﴿وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.\n (المحصنات): مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِناتِ:﴾ متعلقان ب (المحصنات) لأنّه صيغة اسم مفعول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، وخبر المبتدأ محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: حلّ لكم، وساغ ذلك؛ لأنّ (حل) مصدر، والمصدر يخبر به عن المفرد، والمثنى، والجمع. ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ مبتدأ وإعرابه مثل ما قبله، وخبره محذوف، التقدير:\nحلّ لكم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وإن اعتبرت الكلام من عطف المفردات، فلا حاجة إلى تقدير خبر، ويكون الأول خبرا عن الأسماء المتعاطفة. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والكاف في محل جرّ بالإضافة.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق بخبر المبتدأ المحذوف مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول، والنون علامة جمع النسوة.\n ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْصِنِينَ:﴾ حال من تاء الفاعل منصوب... إلخ. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الضمير المستتر ب ﴿مُحْصِنِينَ﴾ فهي حال متداخلة، وقيل:\nصفة له، ولا وجه له، وقيل: حال ثانية من تاء الفاعل، و﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و﴿مُسافِحِينَ:﴾\nمضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿مُتَّخِذِي:﴾ معطوف على ﴿مُسافِحِينَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف. ﴿أَخْدانٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و(لا) أفادت معنى: «غير» بلا ريب، وجملة:\n ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، هذا؛ وقيل: إنّ ﴿إِذا﴾ شرطية، والجواب محذوف، تقديره: حللن لكم، وعليه فالجملة الشرطية في محل رفع خبر (المحصنات).\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان به.\n ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿حَبِطَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَمَلُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه. فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان وهو المرجّح عند المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَهُوَ:﴾\nالواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾","vol":"3","page":26},{"text":"متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: وهو خاسر في الآخرة. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، ولم يجز تعليق: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ ب ﴿الْخاسِرِينَ؛﴾ لأنّ معمول الصلة لا يتقدّم عليها، مع أنّ بعضهم علقهما به، وهذا يكون على التوسّع في الظرف والجار والمجرور، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة بقوله: ﴿عَمَلُهُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-675\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: أردتم القيام إلى الصّلاة، وأنتم محدثون الحدث الأصغر. وربّنا جلّت قدرته نادى المؤمنين خاصّة لأنّهم هم المكلّفون بالصّلاة، وأمّا الكافر فإنّه يطالب أولا بالإيمان، ثمّ يطالب بفروع الشّريعة من صلاة، وغيرها. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ:﴾ جمع: وجه، وهو ما تتمّ به المواجهة، والمقابلة، وحدّه طولا: ما بين منابت شعر الرأس، وأسفل الذّقن. وحدّه عرضا: ما بين شحمتي الأذنين.\nهذا؛ وعدّ الإمام أحمد﵀المضمضة، والاستنشاق فرضا، فاعتبر الأنف والفم من الوجه الواجب غسله، وعامة الفقهاء على أنّهما سنة في الوضوء، والغسل؛ لأنّ الأمر إنّما يتناول الظّاهر دون الباطن، والعرب لا تسمّي وجها إلا ما وقعت به المواجهة، وإن الله لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما المسلمون.\n ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ:﴾ جمع يد، والمراد بها: ما بين رءوس الأصابع، وفوق المرفق؛ لأنّ ما بعد (إلى) داخل في الفرض، كما بينته أحاديث الرسول ﷺ، فتكون (إلى) بمعنى (مع)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾. ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ﴾ جمع: رأس، وإنّما سمّي بذلك لعلوّه، ونبات الشّعر فيه، ومنه رأس الجبل. هذا؛ والرأس يطلق على الجملة التي يعلمها الناس ضرورة، ومنها الأذنان والوجه بما فيه، قال الشاعر: [الطويل]\nإذا احتملوا رأسي وفي الرّأس أكثري... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري","vol":"3","page":27},{"text":"واختلف العلماء بالمقدار الواجب مسحه، فقال الإمام مالك، والإمام أحمد: الباء صلة، والواجب تعميم الرأس بالمسح. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: الباء للتبعيض، والبعض ما يقع عليه الاسم عند الشافعي، ولو بمقدار الأصبع. وعند أبي حنيفة: لا يكون البعض أقل من ربع الرأس، ﵏ جميعا، فأخذ مالك، وأحمد بالاحتياط، فأوجبا الاستيعاب، وأخذ الشافعي باليقين، فأوجب مسح ما يقع عليه اسم المسح، وأخذ أبو حنيفة ببيان السنة، وهو ما روي عن المغيرة بن شعبة﵁-: أنّ النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين. متفق عليه. وقدّر الناصية بربع الرأس.\n ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يقرأ بفتح اللام عطفا على: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ وهذا لا ريب فيه، وإن عطفته على (رءوسكم) فيكون مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان): ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ويكون المعنى هنا: وامسحوا برءوسكم، واغسلوا أرجلكم. وقراءة الجرّ على الجوار، وله نظائر في كتاب الله تعالى، وفي الشّعر العربي، فمن ذلك قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وقوله: (وحور عين) بجر (حور)، وإنّ ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة عذاب، وقد جر لمجاورة ﴿يَوْمٍ،﴾ (وحور) معطوف على ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وهو مرفوع، وقد جرّ لقربه من: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ومن ذلك قول امرئ القيس في معلّقته، وهو الشاهد رقم [٩٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nكأنّ أبانا في عرانين وبله... كبير أناس في بجاد مزمّل\nفجرّ «مزمل» مع كونه صفة لكبير لمجاورته ل «بجاد» وقال زهير: [الكامل]\nلعب الزّمان بها وغيّرها... بعدي سوافي المور والقطر\nقال أبو حاتم: كان الوجه «القطر» بالرفع، ولكنّه جرّه على جوار «المور» كما قالت العرب:\nهذا حجر ضبّ خرب، فجر: خرب، وإنّما هو صفة ل: «حجر» المرفوع. والذي عليه المحققون: أنّ خفض الجوار يكون في النّعت قليلا، وفي التّوكيد نادرا كما في قول أبي الغريب -وهو في: «فتح القريب المجيب» رقم [١١٦٣] -: [البسيط]\nيا صاح بلّغ ذوي الزّوجات كلّهم... أن ليس وصل إذا انحلّت عرا الذّنب\nولا يكون في النسق إلا لحكمة واضحة؛ لأنّ العاطف يمنع من التّجاور، ولذا بين الزمخشري الحكمة في الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، فقال: لما كانت الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة بصبّ الماء عليها؛ كانت مظنّة الإسراف المذموم شرعا، فعطفت على","vol":"3","page":28},{"text":"الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها. وقيل: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فجيء بالغاية إماطة لظنّ من يظنّ: أنّها ممسوحة؛ لأنّ المسح لم تضرب له غاية في الشّريعة. انتهى. رحم الله الزمخشريّ المعتزليّ على هذا البيان! ومثله عن الشّافعيّ؛ لكن باختصار.\nوالقاطع في هذا الباب من أنّ فرض الرجلين الغسل ما قدّمناه، وما ثبت من أحاديث عن سيد الخلق وحبيب الحقّ ﷺ. وخذ منها ما يلي: عن عبد الله بن عمرو﵄قال:\nتخلّف عنّا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا؛ وقد أرهقتنا الصّلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النّار». متّفق عليه، وفي رواية: «ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النّار» رواه البيهقي، والحاكم.\nوقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: عن جابر﵁قال: رأى النبي ﷺ في رجل رجل مثل الدّرهم لم يغسله، فقال: «ويل للأعقاب من النّار». وقال الإمام أحمد: عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ: أنّه رأى رجلا يصلّي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء. ورواه أبو داود، وزاد:\nوالصلاة. وهذا إسناد جيد، وقويّ صحيح. والله أعلم.\nووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهر، وذلك: أنّه لو كان فرض الرّجلين مسحهما، أو:\nأنّه يجوز ذلك فيهما؛ لما توعّد على تركه؛ لأنّ المسح لا يستوعب جميع الرّجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخفّ، وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفّين قولا منه، وفعلا، وقد خالفت الشيعة في ذلك بلا مستند، ولا دليل، مع أنّه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب﵁-، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي ﷺ النهي عن نكاح المتعة، وهم يستبيحونها. وكذلك الآية الكريمة دالة على غسل الرجلين وجوبا؛ مع ما ثبت بالتواتر من فعل الرّسول ﷺ على وفق ما دلّت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كلّه، وليس لهم دليل واضح صحيح في نفس الأمر. ولله الحمد على ما هدانا إليه. ولعلّ السبب في ذلك أخذهم بظاهر الألفاظ، وعدم تعمّقهم في معاني القرآن، وضعفهم في اللّغة العربية التي منهلها القرآن الكريم. خذ قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٠]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ..﴾. إلخ، وانظر شرحها هناك تجد ما يسرّك ويثلج صدرك، فإنّهم يفسّرونها على غير وجهها الصحيح.\nعن عتبة بن عامر﵁قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي، فروّحتها بعشيّ، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدّث الناس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضّأ،","vol":"3","page":29},{"text":"فيحسن وضوءه، ثمّ يا قوم، فيصلّي ركعتين مقبلا عليهما بوجهه، وقلبه؛ إلاّ وجبت له الجنّة» فقلت: ما أجود هذا! فإذا قائل بين يدي يقول: الّتي قبلها أجود! فنظرت فإذا عمر قال: إنّي رأيتك جئت آنفا. قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله، اللهمّ اجعلني من التّوّابين واجعلني من المتطهّرين؛ إلاّ فتحت له أبواب الجنّة الثّمانية يدخل من أيّها شاء».\nوعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أمّتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته وتحجيله فليفعل». رواه البخاريّ، ومسلم. وقد قيل: إنّ قوله: (فمن استطاع... إلخ) إنّما هو مدرج من كلام أبي هريرة موقوف عليه. فأي أثر، وأيّ تحجيل لمن يمسح رجليه مسحا؟! ورحم الله من يقول: [الوافر]\nستأتي النّاس في العرصات سكرى... بلا أثر يكون لهم مزينا\nوتأتي أمّة المختار غرّا... بآثار الوضوء محجّلينا\nهذا؛ واستدلّ الشّافعيّ-رحمه الله تعالى-بهذه الآية على وجوب النية عند غسل الوجه.\nوحجّته: أنّ الوضوء مأمور به، وكلّ مأمور به يجب أن يكون منويّا؛ لما روي في الصحيحين من حديث عمر﵁-: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى». والوضوء من الأعمال، فيجب أن يكون منويّا. وذهب الشّافعي، ومالك، وأحمد- رحمهم الله تعالى-إلى وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، كما في نصّ الآية، فيغسل وجهه أولا، ثمّ يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، فصار الترتيب فرضا سادسا، وأمّا أبو حنيفة فلم يعد النّيّة ركنا، ولا الترتيب أيضا، فأركان الوضوء عنده أربعة فقط.\n ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٤٣] من سورة النّساء ففيه الكفاية.\n ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: إنّ الله لا يريد أن يضيّق عليكم، لذا فقد شرع لكم التيمم تيسيرا عليكم. ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: من الأوساخ الحسّيّة، والمعنوية، فالحسّيّة: كإزالة ما يعلق بالبدن من أقذار مرئيّة، والمعنوية: الذنوب، والسيئات؛ لأنّ الوضوء وما ينوب عنه سبب لمحو الأوزار، والخطايا.\n ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: برخصه عليكم، أو بما شرعه لكم من أحكام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ نعمه التي أنعمها عليكم، فيثيبكم على ذلك، وهذا الفعل يتعدّى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له. كما تقول: نصحته، ونصحت له. والشّكر: صرف العبد","vol":"3","page":30},{"text":"جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ ومن أسماء الله تعالى: الشّكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسر الطاعات كثير الدّرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. هذا والترجّي في هذه الآية وأمثالها، إنّما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ لعباده. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا!.\nبعد هذا فالآية دلّت على أنّ الله ﷾ يريد بإرادة قديمة زائدة على الذّات. هذا مذهب أهل السّنّة، كما أنّه جلّت قدرته عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلّم بكلام. وهذه كلها معان وجوديّة أزليّة زائدة على الذات. وذهب المعتزلة، والشّيعة إلى نفيها، والذي يردّ به عليهم أن يقال: لو لم يصدق كونه ذا إرادة؛ لصدق: أنّه ليس بذي إرادة، ولو صحّ ذلك؛ لكان كلّ ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة، فلم يبق إلا أن يكون الذي لم يتصف بالإرادة أنقص مما هو متّصف بها، ولا يخفى ما فيه من المحال، فإنّه كيف يتصوّر أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والبديهة تقضي بردّه، وإبطاله، وقد وصف الباري نفسه ﷻ، وتقدّست أسماؤه بأنّه مريد، قال تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ،﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nهذا؛ والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل، بحيث يحملها عليه. ويقال للقوّة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصوّر اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته تعالى. فقيل: إرادته لأفعاله: أنّه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النّظام الأكمل، والوجه الأصلح.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢].\n ﴿قُمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿إِلَى الصَّلاةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَاغْسِلُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾.\n (اغسلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها. ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى الْمَرافِقِ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿الْمَرافِقِ﴾ أي: مضافا إلى المرافق، وقال ابن هشام: الصّواب تعلّق ﴿إِلَى﴾ ب: «اغسلوا» محذوفا، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنّه مبتدأ كالجملة الندائية قبله.\n ﴿وَامْسَحُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿بِرُؤُسِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وعلى اعتبار الباء زائدة، فيكون مفعولا به صريحا منصوبا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال","vol":"3","page":31},{"text":"المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ:﴾ معطوف على وجوهكم منصوب مثله، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وهذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجوار، هذا؛ وقرئ بالرّفع على اعتباره مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: وأرجلكم مغسولة. ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل:\n (امسحوا)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (أرجلكم)، التقدير: مضافة إلى الكعبين.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿جُنُبًا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاطَّهَّرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اطّهروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى:﴾ مثل سابقه في إعرابه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿عَلى سَفَرٍ:﴾ معطوفان على: ﴿مَرْضى﴾ فهما متعلقان بمحذوف خبر: (كان) في المعنى. ﴿جاءَ أَحَدٌ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿مَرْضى﴾ كذا قيل، والأصح: أنّها معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾ لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿مِنَ الْغائِطِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جاءَ﴾. ﴿أَوْ لامَسْتُمُ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَجِدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ماءً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أيضا.\n ﴿فَتَيَمَّمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تيمموا): فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿صَعِيدًا:﴾ مفعول به. وقيل: منصوب بنزع الخافض، أي: بصعيد، وقيل: هو ظرف مكان، ومن جعل: ﴿طَيِّبًا﴾ بمعنى: حلالا نصبه على الحال، أو المصدر، ولا بدّ من كلام مقدّر، أي: فاضربوا به ضربتين، وجملة: (امسحوا ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)﴾ معطوفة على هذا المقدّر. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (امسحوا).\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف. ﴿لِيَجْعَلَ:﴾\nاللام: لام التعليل. (يجعل): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِنَ:﴾ حرف جر صلة. ﴿حَرَجٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة","vol":"3","page":32},{"text":"مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و«أن» المضمرة بعد لام التعليل، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محلّ جرّ بلام التعليل، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦] من سورة النّساء، فالبحث فيها كاف ضاف، وجملة: ﴿ما يُرِيدُ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله.\n (ليتم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، يدلّ عليه ما قبله. ﴿نِعْمَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار، ومجرور متعلّقان بما قبلهما.\n ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية مفيدة للتّعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-676\"></span>﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ هذا الخطاب موجّه إلى المؤمنين خاصّة، ونعم الله كثيرة، لا تعدّ، ولا تحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ وأجلّها نعمة الإيمان.\nوما يتعلّق به من بيان شرائع الدّين، وأحكامه. ﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ:﴾ عهده؛ لأنّ الميثاق هو العهد المؤكّد باليمين، والمراد به حين بايعهم النّبيّ ﷺ على السّمع، والطّاعة في العسر، واليسر، والمنشط، والمكره، وكان ذلك ليلة العقبة، أو بيعة الرّضوان في الحديبية. وحمله بعضهم على الميثاق المأخوذ في عالم الأرواح، والمصرّح به قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ وجعل المراد بقوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ..﴾. إلخ إجابة الأرواح في عالم الذرّ بقولهم: ﴿قالُوا بَلى﴾. وقيل:\nهو تذكار لليهود بما أخذ عليهم من العهود، والمواثيق في متابعة محمّد ﷺ، والأوّل أولى بالاعتبار. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، فلا تنسوا نعمه، ولا تنقضوا عهده، وميثاقه. هذا؛ وأصل ميثاق: موثاق، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، وجمعه: مواثيق، ومثله في الإعلال والجمع: ميعاد، وميراث، وميقات، وميزان... إلخ.\n ﴿قُلْتُمْ﴾ أصله: قولتم، فقل في إعلاله: تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وسكون التاء، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (قلتم) بفتح القاف، ثمّ","vol":"3","page":33},{"text":"أبدلت الفتحة ضمة لتدلّ على الواو المحذوفة، فصار: قلتم. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول:\nأصل الفعل: قول، فلمّا اتصل به ضمير رفع متحرك، نقل إلى باب: فعل، فصار: (قولتم)، ثمّ نقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: (قولتم) فالتقى ساكنان: العين المعتلّة ولام الفعل، فحذفت العين، وهو الواو لالتقائهما ساكنين، فصار (قلتم)، وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف، واوي، مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قمت، وقمنا، وقمن.\nهذا؛ و(ذات) بمعنى صاحبة، فجعلت صاحبة الصدور لملازمتها، وعدم انفكاكها عنها، نحو قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. هذا؛ و(ذات) مؤنث «ذو» الذي هو بمعنى صاحب، وقد يثنّى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي، كذا من غير ردّ لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنّى «ذو» ب: «ذوا» أو «ذوي» على لفظه. ويجوز فيها (ذواتا) على الأصل بردّ لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرّك العين، وهي الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤٨]: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ،﴾ وقال في سورة (سبأ) رقم [١٦]: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.\nهذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل: تاء (ثمّت، وربّت، ولات) ولكنّها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ،﴾ والنّصب جاء في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وكلّ معانيها في القرآن الكريم: صاحبة، إلا في موضعين، فإنّها جاءت بمعنى: الجهة، وذلك في قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ،﴾ وقد رأيت تثنيتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النّصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع. هذا، ولم يتعرّض لها النحويّون بهذا المعنى مع كثرة تعرّضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنّهم ذكروا (ذات) بمعنى «التي»، و«ذوات» بمعنى «اللواتي» وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات\nقال الأشموني-رحمه الله تعالى-: أي: عند طيئ ألحقوا ب «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضّمّ حكى الفراء: «بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات فضّلكم الله بها» وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة: [الرجز]\nجمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق\nوالفرق بين الأولى والثانية: أنّ الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها، كما رأيت؛ بخلاف الثانية؛ فإنّها معرفة بالصّلة التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة: تنبّه لهذا فإنّه معنى دقيق، واسأل الله لي ولك المزيد من التوفيق.","vol":"3","page":34},{"text":"هذا؛ وأضيف: أنّ جمع «ذات»: «ذوات» من لفظه، كما يجمع على «أولات» من غير لفظه، قال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. كما يجمع المذكر «ذو» بمعنى صاحب: «أولو» من غير لفظه، وهو كثير في القرآن الكريم.\nالإعراب: (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا هو المتعارف عليه في إعراب هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول:\nفعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرّك بالضمّة لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كلّ فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل: اذكرا، وقد حرّك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة، مثل: اذكري، وقد حرّك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة. ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار، ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان ب ﴿نِعْمَةَ اللهِ﴾ أو هما متعلّقان بمحذوف حال من ﴿نِعْمَةَ اللهِ،﴾ وجملة: ﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمِيثاقَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: (ميثاقه) أو هو بدل منه. ﴿واثَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿واثَقَكُمْ﴾ وقيل: متعلق بمحذوف حال من: (ميثاقه). ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول به محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والتي بعدها معطوفة عليها، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفة على جملة:\n ﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾\nخبرها. ﴿بِذاتِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب (عليم). و(ذات) مضاف، و﴿الصُّدُورِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها، وفيها وعد للمؤمنين، ووعيد لغيرهم.\n\n<span id=\"aya-677\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ انظر الآية رقم [١٣٥] من سورة (النّساء) ففيها الكفاية. ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ﴾","vol":"3","page":35},{"text":"﴿تَعْدِلُوا﴾ أي: ولا يحملنّكم عداوة قوم، وبغضهم على عدم العدل، وعلى الجور. وهذا يشمل كلّ ما يقع بين الناس من عداوة، سواء أكانوا مسلمين جميعا، أم مسلمين، وكافرين، وإن نزلت الآية بشأن عداوة الكافرين للمسلمين، فأمر الله المؤمنين بالعدل مع المشركين الذين ناصبوهم العداء، فلا ينقضوا لهم عهدا، ولا يقتلوا نساء، وصبية، وشيوخا تشفيا ممّا في قلوبهم من الغيظ. هذا و(الشنآن): البغض، والعداوة، كما رأيت في الآية رقم [٢]، وهو مصدر من:\nشنأته، أشنؤه، شنآنا-بالتّحريك-وقال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في (شنآن)، فيقول: شنان ولم أعلم أحدا قرأ بها، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوما العيش إلاّ ما تحبّ وتشتهي... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا\n ﴿عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٥] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أي: عدلكم أقرب للتقوى من تركه. ودلّ الفعل على المصدر الّذي عاد عليه الضمير، كما في قوله تعالى في سورة (النور): ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحلّ الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى في سورة (الفرقان): ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وكقول بعض الصّحابيّات لعمر﵁-: أنت أفظّ، وأغلظ من رسول الله، ومعلوم: أنّه ﷺ منزّه عن الفظاظة، والغلظة. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، واحذروا عقابه.\n ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيجزيكم على ما علم من أعمالكم الّتي عملتموها إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا، وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: وفي هذا تنبيه عظيم على أنّ العدل إذا كان واجبا مع الكفار؛ الّذين هم أعداء الله، وكان بهذه الصّفة من القوّة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الّذين هم أولياؤه، وأحباؤه.\nبل كيف بوجوبه مع أهل بيته، أي: أولاده، وزوجته؟! وقد ثبت في الصّحيحين عن النّعمان ابن بشير﵄-: أنّه قال: نحلني أبي نحلا، فقالت أمّي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله ﷺ، فجاءه يشهده على صدقتي، فقال ﷺ: «أكلّ ولدك نحلت مثله؟» قال: لا! قال: «اتّقوا الله واعدلوا في أولادكم». وقال: «إنّي لا أشهد على جور». قال:\nفرجع أبي، فردّ تلك الصّدقة. وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن-وكلتا يديه يمين-؛ الّذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا». رواه مسلم، وغيره.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون؛ لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة اسمه، والألف للتفريق.","vol":"3","page":36},{"text":"﴿قَوّامِينَ:﴾ خبر: ﴿كُونُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلّقان ب: ﴿قَوّامِينَ،﴾ وقيل:\nمتعلّقان ب: ﴿شُهَداءَ﴾ بعدهما؛ لأنّه جمع اسم فاعل. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبر ثان للفعل الناقص، أو هو نعت ل: ﴿قَوّامِينَ﴾. ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلّقان ب: ﴿قَوّامِينَ﴾. أو ب: ﴿شُهَداءَ،﴾ وجملة:\n ﴿كُونُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة النّدائية قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب: (لا) الناهية، والكاف مفعول به. ﴿شَنَآنُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر.\n (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تَعْدِلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن) وعلامة نصبه حذف النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿اِعْدِلُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿هُوَ أَقْرَبُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من العدل المفهوم من: ﴿اِعْدِلُوا،﴾ والرابط الضمير العائد عليه. وإن اعتبرتها تعليلا للأمر، فالمعنى لا يأباه. ﴿لِلتَّقْوى:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَقْرَبُ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿اِعْدِلُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبرها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ﴾. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: خبير بالّذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: إنّ الله خبير بعملكم.\n\n<span id=\"aya-678\"></span>﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ الوعد يستعمل في الخير، وفي الشرّ، فإذا قلت: وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به؛ كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به؛ كان ذلك شرّا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد من معلّقته رقم [١٢٠]: [الطويل]\nوإنّي وإن أوعدته أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمّة اللغة، وأمّا عند ذكر الموعود به، أو الموعد به، فيجوز أن يستعمل «وعد» في الخير، وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ﴾","vol":"3","page":37},{"text":"﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ والآية التي نحن بصدد شرحها من ذلك، ومن الثاني قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٧٢]: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ،﴾ وأنشدوا قول الشاعر: [الطويل]\nإذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا راث وعتّما\nكما يستعمل «أوعد» فيهما أيضا، كقولك: أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرّا. هذا؛ والمركّز في الطّبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنّك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا؛ كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا؛ كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدّم.\nهذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنّه يجوز إخلاف الوعيد في حقّه تعالى كرما. وعند الماتريدية: لا يجوز، وأمّا الوعد؛ فلا يجوز الخلف في حقّه تعالى اتفاقا؛ لأنّه نقص. دليل الأشاعرة قول النّبيّ ﷺ: «من وعده الله على عمل ثوابا؛ فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه».\n ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت مراتبها في دنياهم. والمراد: وفوا بعهودهم التي قطعوها لغيرهم على أنفسهم، وقاموا بالعدل التي تضمّنته الآية السابقة. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا تعرف كنهه أفهام الخلق، كما قال تعالى في سورة (السجدة): ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ،﴾ وإذا كان الله تعالى قال:\n ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ و﴿أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ و﴿أَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ فمن الذي يقدر قدره؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَعَدَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿آمَنُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محلّ لها.\n (عملوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والمفعول الثاني محذوف لدلالة الجملة الاسمية عليه، تقديره: مغفرة لذنوبهم. وقيل: الجملة الاسمية هي المفعول الثّاني، ومثله قول عبد العزيز الكلابي: [الوافر]\nوجدنا الصّالحين لهم جزاء... وجنّات وعينا سلسبيلا\nفجملة: ﴿لَهُمْ﴾ جزاء في محل نصب مفعول به ثان، فلذلك عطف عليها «جنات» بالنّصب.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة على الوجه الأول في المفعول به، وهي في محل نصب مفعول به ثان على الوجه الثاني فيه. ﴿وَأَجْرٌ﴾ معطوف على: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَعَدَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.","vol":"3","page":38},{"text":"<span id=\"aya-679\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ لم يصدقوا بها. والمراد: ما شرع الله من أحكام، وأوجب على العباد أن ينفّذوها، كما يطلق على الدّلالات التي تدلّ على قدرة الخالق جلّ، وعلا. وتطلق على الآيات القرآنيّة، وتطلق على المعجزات الّتي أيّد الله بها الرسل.\n ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: الّذين يخالفون أوامر الله، وينقضون عهوده مأواهم جهنم وبئس المصير. وأضاف: ﴿أَصْحابُ﴾ إلى: ﴿الْجَحِيمِ﴾ لملازمة الكفار لنار جهنّم، فلا يخرجون منها. وانظر دركات النار في الآية رقم [١٤٥] من سورة (النساء).\nتنبيه: لقد جرت سنة الله في كتابه: أنّه لا يذكر أهل الجنّة إلا ويذكر أهل النار، ولا يذكر الجنّة، ونعيمها، إلا ويذكر النّار، وما فيها؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، فيزداد من الخير المؤدي إلى الجنّة، ويقلّل من الشرّ الموصل إلى النّار.\nوينبغي أن تعلم: أنّ ما ذكر في الآيتين إنّما هو بلفظ المذكّر، وكثير في القرآن مثله، وهو يشمل الذكور، والإناث على السّواء. فيمكن أن يكون من باب تغليب الذكور على الإناث، كما يمكن أن يكون الإناث ملحقة بالذكور إلحاقا، وهناك آيات كثيرة تثني على المؤمنات الصّالحات.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، والمتعلق محذوف، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا) في محل جر بالإضافة.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.\n ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين)، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية في الآية السابقة، وقال الجمل:\nمستأنفة أتى بها اسمية دلالة على الثبوت والاستقرار، ولم يأت بها فعلية كما في الوعد حسما لرجائهم، وقطعا لأملهم في دخول الجنّة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n<span id=\"aya-680\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾\nالشرح: المناسبة بين هذه الآيات والتي قبلها: لمّا ذكر الله تعالى ما شرعه لعباده المؤمنين في هذه السّورة الكريمة من الأحكام، ومن أعظمها بيان الحلال، والحرام؛ ذكر هنا نعمته عليهم","vol":"3","page":39},{"text":"بالهداية إلى الإسلام، ودفع شرّ المعتدين، ثمّ أعقبه ببيان نعمته تعالى على اليهود، والنصارى، وأخذه العهد، والميثاق عليهم، ولكنّهم نقضوا العهد، فألزمهم الله العداوة، والبغضاء إلى يوم القيامة، ثمّ دعا الفريقين إلى التمسّك بنور القرآن، والتمسّك بشريعة خاتم المرسلين.\nذكر في سبب نزول الآية الكريمة أقوال كثيرة: أحدها: ما ذكرته في الآية رقم [١٠٢] من سورة (النساء) من قصّة غورث بن الحارث المحاربي. وثانيها: ما روي: أنّ النبي ﷺ أتى بني النّضير، ومعه الخلفاء الأربعة بعده يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضّمري خطأ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم حتّى نطعمك، ونقرضك، فأجلسوه في صفة، وهمّوا بالفتك به، حيث عمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك الله يده، ونزل جبريل، ﵇، فخرج رسول الله ﷺ من عندهم، واعتبر ذلك نقضا للعهد الذي بينه، وبينهم وأعلن حربهم، ثم أجلاهم عن المدينة المنوّرة. انظر أول سورة الحشر. قال القشيري رحمه الله تعالى: وقد تنزل الآية في قصّة، ثم ينزل ذكرها مرّة أخرى لادّكار ما سبق.\n ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٧]. ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ:﴾ عزموا، وقرّروا، وأرادوا. والهم: العزم على الشيء، والمقاربة من الفعل من غير دخول فيه، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) الصديق، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها﴾ وقال عمرو بن ضابئ البرجمي: [الطويل]\nهممت ولم أفعل وكدت وليتني... تركت على عثمان تبكي حلائله\nوالهم: الحزن، ومثله: الغمّ، ويفرق بينهما بأنّ الأول لأجل تحصيل شيء في المستقبل، والثاني لأجل فوات شيء، وفقدانه في الماضي، وبأنّ الأوّل يطرد النّوم، ويسبب الأرق، والثاني يجلب النّوم، ويسبب الهدوء والسكون. والهموم والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان؛ أسرع فيه الشّيب، وهزل جسمه. وروي عن النبي ﷺ: أنّه قال: «الهمّ نصف الهرم». وقال أبو الطيب المتنبي: [الكامل]\nوالهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصّبيّ فيهرم\nهذا؛ و﴿قَوْمٌ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: رهط، ومعشر، فإنّ المفرد لهذه الأسماء لفظ: رجل، وجمعها: أقوام، وأراهط، ومعاشر، هذا؛ و(قوم) يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى في سورة الحجرات رقم [١١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير بن أبي سلمى: [الوافر]\nوما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوهذا هو الشاهد رقم [٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وربما دخل فيه النّساء على","vol":"3","page":40},{"text":"سبيل التبع للرّجال، والنّساء جميعا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾. وهو يذكّر ويؤنث قال تعالى في غير ما آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار المعنى، وهم أنّهم أمّة، وطائفة، وجماعة، وسمّوا قوما؛ لأنّهم يقومون مع داعيهم بالشدائد، والمتاعب إمّا بالمعاونة على كشفها، وإمّا بالمضايقة، والإيذاء إن عارضوه، وهذا حال أعداء الخير، والإصلاح في كلّ زمان، ومكان.\n ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ:﴾ أن يمدّوا أيديهم إليكم بالقتل، والهلاك، والإيذاء، يقال:\nبسط إليه يده: إذا بطش به، وبسط إليه لسانه: إذا شتمه، فبسط اليد كناية عن البطش، والفتك.\n ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ:﴾ منعها أن تمتدّ إليكم بسوء، وردّ مضرّتها عنكم. وكفّ الأيدي كناية عن الحبس، والمنع.\nهذا؛ و: (اليد) تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٥]: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقد تطلق على القدرة، والقوّة، وهو كثير مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، ولا حيلة، ولا تدبير.\nوخذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشّاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [الطويل]\nوحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... وما لي بزفرات العشيّ يدان\nكما تطلق اليد على النّعمة، والمعروف. يقال: لفلان عندي يد، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. وكثيرا ما تنسب الأعمال إلى الأيدي، مثل قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛﴾ لأنّ أكثر الأعمال إنّما تزاول بالأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون والأيدي تغليبا للأكثر على الأقل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] الآتية فإنّه جيد والحمد لله.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة النّدائية قبلها. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان ب:\n ﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿اللهِ﴾. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾. ﴿هَمَّ قَوْمٌ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ،﴾ إليها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَبْسُطُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من الفعل، وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إذ همّ","vol":"3","page":41},{"text":"قوم ببسط أيديهم إليكم. والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو المصدر في محل نصب بنزع الخافض. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَكَفَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كفّ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾.\n ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿هَمَّ قَوْمٌ..﴾. إلخ، فهي في محل جرّ مثلها.\n ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهِ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اُذْكُرُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿وَعَلَى اللهِ:﴾ الواو:\nفيما أرى صلة. (على الله): متعلقان بما بعدهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الزائدة، اللام: لام الأمر. (يتوكل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها مثلها. وقال أبو البقاء- رحمه الله تعالى-في الآية رقم [١٢٥] من سورة (آل عمران): دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى هنا: إن اعتدوا عليكم؛ فتوكلوا أنتم على الله. وعلى هذا فالواو ليست زائدة، وإنّما هي عاطفة جملة شرطية على الكلام السابق، وتكون الفاء هي الفصيحة، ولا يخفى ما فيه من التكلّف.\n\n<span id=\"aya-681\"></span>﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ..﴾. إلخ: قال ابن عطية-رحمه الله تعالى-: هذه الآيات المتضمّنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوّي: أنّ الآية المتقدّمة في كفّ الأذى إنّما كانت في بني النّضير. وانظر شرح (ميثاق) في الآية رقم [٧]. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ أصل بني: بنين.\nفحذفت النون للإضافة، وهو جمع: ابن، مأخوذ من البناء؛ لأنّ الابن مبنى أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى الصانع، وأصله بنيّ أو بنو، وتصغيره على الأول بنيّ، وعلى الثاني بنيو، ثم يقال فيه: قلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ هو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم، وعلى نبينا، وحبيبنا ألف صلاة وألف سلام. ومعناه في العربية: صفوة الله،","vol":"3","page":42},{"text":"أو: عبد الله، ف: «إسرا» هو العبد، أو: الصفوة، و«إيل» هو الله، وفيه سبع لغات قرئ بها كلّها. وتميم يقولون: إسرائين بالنون، قال الشاعر-انظر الشاهد رقم [٣٣٢] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» وما يتعلق به-: [الرجز]\nقالت-وكنت رجلا فطينا-... هذا-لعمر الله-إسرائينا\nفعلى ما تقدّم يكون ليعقوب اسمان، وممّن له اسمان: يونس، ويسمّى: ذا النون. وإلياس، ويسمّى: ذا الكفل في بعض الأقوال. وعيسى ﵇، يقال له: المسيح، وقد سمّاه الله:\nروحا، وكلمة، وكانوا يسمّونه: أبيل الأبيلين. ذكره الجوهري في صحاحه، ونبينا ﷺ، له أسماء كثيرة تزيد على المائتين، وهي مذكورة بجدران مسجده الشّريف. وبنو إسرائيل: هم المنتسبون لأولاد يعقوب الاثني عشر، ويطلق عليهم في كثير من الآيات اسم: الأسباط.\nهذا؛ والميثاق الذي أخذه الله عليهم هو ما يذكر في هذه الآية، وقد أخذ عهودا، ومواثيق كثيرة، فنقضوها جملة، وإفرادا. انظر الآية رقم [٨٣] من سورة (البقرة) وما بعدها؛ فإنّه جيد والحمد لله. وإسناد أخذ الميثاق إلى الله تعالى من حيث إنّه أمر الله تعالى موسى بذلك؛ لأنّه غيرممكن أن يحصل ذلك مباشرة بينهم، وبين الله تعالى.\n ﴿وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا:﴾ النقيب: هو الذي ينقّب عن أحوال القوم، ويفتّش عنها، كما يقال له: عريف؛ لأنّه يتعرف أحوالهم. ويقال له أيضا: كفيل؛ لأنّه يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به. روي: أنّ بني إسرائيل لمّا فرغوا من فرعون، وتخلّصوا من كيده، واستقرّوا بمصر؛ أمرهم الله بالمسير إلى أريحا أرض الشام، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيّون، وقال لهم: إني كتبتها لكم دارا، وقرارا، فاخرجوا إليها، وجاهدوا من فيها، وإنّي ناصركم عليهم، وأمر موسى﵊أن يأخذ من كلّ سبط نقيبا، يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار النقباء، وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفّل لهم به النقباء، وسار بهم، فلمّا دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسّسون، فرأوا أجراما عظيمة، وقوة، وشوكة، فهابوا، ورجعوا، وحدّثوا قومهم، وقد نهاهم موسى﵇أن يحدّثوهم، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط إفرائيم بن يوسف، وكانا من النقباء. هذا؛ وذكر الخازن أشياء غريبة كعادته في الكتابة عن الإسرائيليات.\nوما أجدرك أن تذكر النّقباء الذين اختارهم الرسول ﷺ من الأنصار في بيعة العقبة الثالثة وتقارن بين وفائهم بما عاهدوا الله عليه، وبين نقض نقباء بني إسرائيل للعهود، والمواثيق التي أبرموها مع موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وكانوا ثلاثة من الأوس، وهم:\nأسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، وأبو الهيثم بن التيهان﵃-، وتسعة من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الرّبيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن","vol":"3","page":43},{"text":"مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصّامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمرو بن خنيس، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له.\nهذا؛ ولفظ: عشرة على عكس المعدود في التّذكير، والتأنيث إن كان مفردا، وعلى وفقه إن كان مركبا، تقول: عشرة رجال، وعشر نسوة، وخمسة عشر رجلا، وخمس عشرة امرأة، وشينه تسكن مع المؤنّث، وهي لغة أهل الحجاز، وقد تكسر، وهي: لغة أهل نجد، وقرئ بهما، وبالفتح أيضا، وهي لغة ثالثة، قال تعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ الآية رقم [٨٩] الآتية.\n ﴿وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ:﴾ بالعون، والنصر، والتأييد. ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ:﴾ أديتموها على الوجه الأكمل، وهذا يثبت: أنّ لليهود صلاة، ولكنّا نجهل كيفيتها بالإضافة لما دخل شريعة موسى ﵇ من تبديل، وتحريف، وتزييف، وانظر: (أقيموا الصلاة) في الآية رقم [١٠٣] من سورة (النّساء).\n ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ:﴾ أعطيتموها لمستحقيها على الوجه الأكمل، وكانت في شريعة موسى- على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-ربع المال. هذا؛ والزّكاة في اللغة:\nالتطهير، والإصلاح، والنّماء، والمدح. يقال: زكا الزّرع، والمال، يزكو: إذا كثر، وزاد.\nوسمّي الإخراج من المال زكاة، وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة. قال تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣٩]: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ كما يقال: زكا فلان؛ أي: طهر من دنس الجرحة، والإغفال، فكأنّ الخارج من المال يطهّره من تبعة الحقّ الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى: أنّ النبي ﷺ سمّى ما يخرج من الزّكاة: أوساخ الناس، وقد قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٣]: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾.\nوالزكاة في الشرع: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن على وجه مخصوص، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة الّتي بني عليها الإسلام، ومن ثمّ يكفر جاحدها على الإطلاق، أو في القدر المجمع عليه، ويقاتل الممتنع من أدائها، وتؤخذ منه قهرا، كما فعل الصديق﵁-.\nوتدفع الزكاة لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وزكاة الفطر لا يوجد نصّ صريح في القرآن عليها إلا ما تأوّله بعض المفسّرين في قوله تعالى في سورة الأعلى:\n ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وتحدّثت عنها في آية الصيام في سورة (البقرة)؛ لأنّ رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر في رمضان.\nهذا؛ وخصّ الله ﵎ في هذه الآية، وغيرها الصّلاة، والزّكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، وشرعت للعطف على الفقراء، والمساكين، ومجموعها التعظيم لأمر الله تعالى، والشّفقة على خلق الله. هذا؛ وأضيف:\nأنّ الزكاة قرينة الصّلاة، فقد روي: أنّ أعرابيّا جاء إلى ابن عباس﵄-: فقال له:","vol":"3","page":44},{"text":"يا بن عباس! أنت حبر الأمّة، وترجمان القرآن علّمك الله أسرار الكتاب، وفقّهك في الدّين، فقل لي بربك: لماذا قرن الله الصلاة إلى الزّكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عباس﵄-: ذلك؛ لتعلم: أنّ الصلاة، والزّكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حقّ الله، وهذه حقّ الناس. ورضي الله عن الصدّيق الذي سوّى بين المرتدّين، ومانعي الزكاة في القتال، والمحاربة. وخذ قول أبي العتاهية الصّوفي، رحمه الله تعالى: [الكامل]\nأقم الصّلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات\nوإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصّدقات\nفي الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزّكاة قرينة الصّلوات\nهذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-في غير هذا الموضع: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرّسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصّلاة ولا أوتي الزّكاة، والله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾.\n ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي:﴾ صدّقتم برسالتهم، واتّبعتم أوامرهم، واهتديتم بهديهم. وانظر الآية رقم [١٦٤] من سورة (النساء) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ:﴾ نصرتموهم، وقويتموهم.\nوالتّعزير: التوقير، والتّعظيم، وهو أيضا ضرب دون الحدّ، وهو أشد الضّرب على فعل مخالف للدّين الحنيف، والشرع الشّريف، فهو من الأضداد، انظر الآية رقم [١١٧] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا:﴾ انظر القرض في الآية رقم [٢٤٥] من سورة (البقرة) تجد ما يسرّك ويثلج صدرك. هذا؛ و﴿قَرْضًا:﴾ مصدر جاء بخلاف المصدر، كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٣٧]: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾.\n ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ:﴾ لأمحونّها، ولأغفرنّها لكم.\n ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ انظر الآية رقم [٥٧] من سورة (النساء) والآية رقم [٦٥] الآتية ففيهما الكفاية. ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي: بعد هذا البيان الذي تضمّن الوعد بغفران الذنوب، ودخول جنات، نعيمها لا ينفد، ولا يزول. ﴿فَقَدْ ضَلَّ:﴾ خرج عن جادة الحقّ، والصّواب. ﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ انظر الآية رقم [٧٧] الآتية.\nتنبيه: في الآية الكريمة التفات من الغيبة، والإفراد إلى التكلّم، والجمع، ثمّ إلى الغيبة والإفراد، وانظر الالتفات في الآية رقم [٦٤] من سورة (النساء)، وفي الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام).","vol":"3","page":45},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنّه على هذا يكون حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو: وأقسم والله.\nواللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة، وهذه اللام إنّما تدخل على «إن» الشرطية؛ لتدل على القسم المتقدّم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدّم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا، واحفظه؛ فإنّه جيّد، والله ولي التوفيق.\nفإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم. فالجواب:\nأنّه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السّور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ﴿وَالتِّينِ..﴾. إلخ، فإنّ التّقدير: وربّ النّجم، ورب التّين. الدليل عليه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،﴾ وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،﴾ وأظهر منه في الآية رقم [٧٣] الآتية: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فالواو في الآيتين حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَخَذَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، لا محلّ لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محلّ له.\n ﴿مِيثاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿بَنِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة. و﴿بَنِي:﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (بعثنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَقِيبًا﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿اِثْنَيْ عَشَرَ﴾ كان صفة له، فلمّا تقدّم عليه؛ صار حالا. ﴿اِثْنَيْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنّه ملحق بالمثنى. ﴿عَشَرَ:﴾ مبني على الفتح لا محلّ له من الإعراب لوقوعه موقع نون المثنى، ولا يصح أن يقال: إنّه مضاف إليه لتضمّنه معنى العطف. ﴿نَقِيبًا:﴾ تمييز. وجملة: (بعثنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:","vol":"3","page":46},{"text":"﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَقَمْتُمُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية.\nويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَآمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِرُسُلِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والواو حرف إشباع تولّدت من إشباع ضمة الميم الأولى، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿قَرْضًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو مفعول مطلق. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿لَأُكَفِّرَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أكفرنّ): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، المدلول عليه باللام، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: (إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما). وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\n ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وتقدّم إعراب مثلها.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.\n ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿كَفَرَ﴾ المستتر، و(من):\nبيان لما أبهم في (من). ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿سَواءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرَ..﴾. إلخ صلته، وجملة: ﴿فَقَدْ ضَلَّ..﴾. إلخ خبره، ودخلت الفاء في خبره؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة لا محلّ لها.","vol":"3","page":47},{"text":"<span id=\"aya-682\"></span>﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ:﴾ نقض اليهود العهود، والميثاق والعهود؛ التي أبرموها مع الله بواسطة موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كما رأيت في الآية السابقة، وانظر (النقض) في الآية رقم [١٥٥] من سورة (النساء)، وانظر شرح (الميثاق) في الآية رقم [٧].\n ﴿لَعَنَهُمُ:﴾ طردناهم، وأبعدناهم من رحمتنا. وهو قول عطاء. واللّعن: الإبعاد، والطّرد من الرحمة. وانظر الآية رقم [٥٢] من سورة (النّساء). ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ أي: صلبة، لا تعي خيرا، ولا تفعله. والقسوة، والقساوة عبارة عن الغلظ مع الصّلابة كما في الحجر، وقسوة القلب: نبوته عن الاعتبار، وعدم قبوله الموعظة، والنصيحة. فقسوته مستعارة من قساوة الحجر. انظر الآية رقم [٧٤] من سورة (البقرة) فإنّه جيد، والحمد لله! وقد قرئ: «(قسيّة)» وهو:\nإمّا مبالغة: قاسية، أو بمعنى: رديئة، قال النحّاس: وهذا قول حسن؛ لأنّه يقال: درهم قسيّ:\nإذا كان مغشوشا بنحاس، أو غيره، ذكر ذلك أبو عبيد، وأنشد قول أبي زبيد الطائي: [البسيط]\nلها صواهل في صمّ السّلام كما... صاح القسيّات في أيدي الصّياريف\nيصف وقع المساحي في الحجارة؛ إذ «السّلام»: الحجارة، والقاسية، والعاتية واحد.\n ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ:﴾ أي: يغيّرون كلام الله في التوراة، ويبدّلونه، فكانوا يغيرون صفات النبي ﷺ الموجودة في التوراة، فقد وضعوا مكان: أبيض، ربعة: آدم طوال. وهكذا، وقال ابن عباس﵄-: كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ فيسألونه عن الأمر، فيخبرهم به، فيرى: أنّه يأخذون بقوله، فإذا خرجوا من عنده؛ حرّفوا كلامه. وانظر الآية رقم [٤١] ففيها بحث جيد، هذا وقرئ: «الكلم» بكسر الكاف، وسكون اللام، وبفتح الكاف وكسر اللام، وهو جمع: كلمة، وهو مؤلف من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة، أم لم يفد، وأمّا الكلام؛ فلا يكون إلا من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة يحسن السّكوت عليها. قال ابن مالك، رحمه الله تعالى: [الرجز]\nكلامنا لفظ مفيد كاستقم... واسم وفعل ثمّ حرف الكلم\n ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: نسوا وعد الله الّذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمّد ﷺ. وقال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: تركوا عرى دينهم، ووظائف الله تعالى؛ التي لا يقبل العمل إلا بها. أو المعنى: نسوا كثيرا من أحكام التّوراة، وآياتها بسبب سوء أعمالهم. فعن ابن مسعود﵁-: «قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية» وتلا هذه الآية.","vol":"3","page":48},{"text":"هذا و(الحظّ): النصيب، والجدّ، وهو: البخت، والدّولة، يقال: فلان ذو حظّ حظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ، وجدود، ورحم الله المعري؛ إذ يقول: [الكامل]\nلا تطلبنّ بغير حظّ رتبة... قلم الأديب بغير حظّ مغزل\nسكن السّماكان السّماء كلاهما... هذا له رمح، وهذا أعزل\n «السّماكان»: كوكبان، يقال لأحدهما: الأعزل، وهو من منازل القمر، وهو الذي له النّوء، وسمّي أعزل؛ لأنّه لا شيء من الكواكب بين يديه، ويقال للآخر: الرّامح، وسمي رامحا بكوكب يتقدّمه. ومعنى البيتين: أنّهما مع استوائهما في وجود كلّ منهما في السّماء، امتاز أحدهما عن الآخر، فلهذا حظّ، ولا حظّ لذاك، فالمدار على القضاء الأزليّ، والسّعد الأوّلي. اللهمّ اجعلنا من السّعداء، ولا تجعلنا من الأشقياء! وما أحسن قول القائل في بيان حظوظ الرّجال: [الرمل]\nخلق الحظّ جمانا وحصى... خالق الإنسان من ماء وطين\nفوليد تسجد الدّنيا له... ووليد في زوايا المهملين\nوقال المتنبي؛ وقد أحسن، وأجاد: [الطويل]\nهو الحظّ حتّى تفضل العين أختها... وحتّى يصير اليوم لليوم سيّدا\nهذا؛ والحظّ: النصيب. قال تعالى في سورة (النساء) في آية المواريث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.\n ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ، بمعنى: إنّ الخيانة من طبيعتهم، وطبيعة أسلافهم، كانوا يخونون رسلهم، وهؤلاء يخونونك، ويهمّون بالفتك بك، و﴿خائِنَةٍ﴾ أي: نفس خائنة، أو فرقة خائنة. هذا؛ ويقال: رجل خائنة: إذا بالغت في وصفه بالخيانة. قال الكلابي يخاطب قرينا أخا عمير الحنفي، وكان له عنده دم: [الكامل]\nحدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن... للغدر خائنة مغلّ الإصبع\n ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ:﴾ وهم الذين آمنوا منهم، كعبد الله بن سلام، وأصحابه﵃-، فإنّهم لم يخونوا. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ أي: إن تابوا، وآمنوا، أو عاهدوا، والتزموا الجزية، وقيل: مطلق، وقد نسخ بآية السيف، وهي قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٢٩]: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ..﴾. إلخ، وانظر: ﴿يَعْفُوَ﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (النساء). ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ:﴾ المحسنون: هم الذين أحسنوا إلى غيرهم بالعفو عنهم، والتّجاوز عن سيّئاتهم. وينبغي أن تعلم: أنّ الله يحبّ العافي عن الكافر مع خيانته، فما بالك بالعفو عن المسلم؛ إذا أساء إليك؟!.","vol":"3","page":49},{"text":"الإعراب: ﴿فَبِما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بما نقضهم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(ما) مقحمة بينهما. وقيل: (ما) نكرة موصوفة مجرورة بالباء، و﴿نَقْضِهِمْ:﴾ بدل من (ما) وهو ضعيف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِيثاقَهُمْ:﴾ مفعول به للمصدر وهو النقض.\n ﴿لَعَنّاهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. (جعلنا): فعل وفاعل. ﴿قُلُوبَهُمْ:﴾ مفعول به أول. ﴿قاسِيَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿يُحَرِّفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة. ﴿الْكَلِمَ:﴾ مفعول به. ﴿عَنْ مَواضِعِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرّابط الضمير فقط. وقيل: من الضمير المنصوب. وقيل: مستأنفة. والأوّل أقوى، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنّ المضاف كجزئه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n ﴿وَنَسُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (نسوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حَظًّا:﴾ مفعول به. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة:\n ﴿حَظًّا﴾. و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محلّ جرّ ب:\n (من). ﴿ذُكِّرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء. وجملة: ﴿وَنَسُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. و«قد» قبلها مقدرة على اعتبار الحالية.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَزالُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنت. ﴿تَطَّلِعُ:﴾ فعل مضارع مرفوع بالضمة. ﴿عَلى خائِنَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خائِنَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة:\n ﴿تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ في محل نصب خبر: (لا تزال)، وجملة: ﴿وَلا تَزالُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها، وقيل: معطوفة على ما قبلها، وقيل: في محل نصب حال، والأول أقوى. ﴿إِلاّ:﴾\nأداة استثناء. ﴿قَلِيلًا:﴾ مستثنى من الضّمير المجرور محلاّ ب: (من). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَلِيلًا﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿فَاعْفُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣]. (اعف): فعل أمر مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الواو، والضمّة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار","vol":"3","page":50},{"text":"ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء.\n ﴿وَاصْفَحْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-683\"></span>﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى..﴾. إلخ: أي: ومن الذين ادّعوا أنّهم نصارى متابعون المسيح ابن مريم، ﵇، وليسوا كذلك، فقد أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرّسول ﷺ، ومناصرته، ومؤازرته واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكلّ نبيّ يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، حيث خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود. ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ:﴾ وهو الإيمان بمحمد ﷺ، أي: لم يعملوا بما أمروا به، وجعلوا ذلك الهوى، والتحريف سببا للكفر بمحمد ﷺ.\n ﴿فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النّصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفّر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، فكلّ فرقة تحرم الأخرى من الدّين، والرّحمة، ولا تدعها تلج معبدها، وكذلك الوثنيّون طوائف، فكلّ طائفة تكفّر الأخرى في هذه الدّنيا، ويوم يا قوم الأشهاد.\n ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ:﴾ هذا تهديد، ووعيد أكيد للكافرين على اختلاف مللهم، ونحلهم من يهود، ونصارى، ووثنيّين على ما ارتكبوه من الكذب على الله، وعلى رسله، وما نسبوه إلى الله-عزّ، وجلّ، وتقدّس عن قولهم-وتعالى علوّا كبيرا-من جعلهم له شريكا في الملك، وصاحبة، وولدا، تعالى الواحد الأحد، الفرد الصّمد؛ الّذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.\nهذا؛ و﴿نَصارى﴾ جمع: نصراني، سمّوا بذلك؛ لأنّهم نصروا عيسى، على نبيّنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها: نصران، أو ناصرة، فسمّوا","vol":"3","page":51},{"text":"باسمها، أو باسم من أسّسها، أو من قولهم لعيسى: نحن أنصار الله حينما قال: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ ثم اختلفوا بعد ذلك إلى: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية، وألّهوا عيسى، فصاروا أنصارا للشيطان، قال سيبويه-رحمه الله تعالى-: لا يستعمل في الكلام إلا مع ياء النسب.\nهذا؛ و﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ هو اليوم الذي يخرج فيه النّاس من قبورهم للحساب، والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنّها من: قام، يا قوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها مثل الصّيام والسّياط، والحياض، ونحو ذلك.\nهذا؛ والفعل ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾ مضارع ماضيه نبّأ. هذا، والأفعال: نبّأ، وأنبأ، وخبّر، وأخبر، وحدّث تتعدى لاثنين، إلى الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفا، وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاث في قوله تعالى من سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فقوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدّى لاثنين، حذف أوّلهما، والثاني مجرور بالباء، أي: نبأت به غيرها، وقوله: ﴿فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ:﴾\nذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هذا﴾ ذكرهما، وحذف الجار، فالأول تعدّى إلى الأول صريحا، وإلى الثاني بحرف الجر، والفعل الثاني مثله، والثالث تعدّى إلى مفعولين صريحين، وهذا إذا لم يدخل: نبّأ، وأنبأ على المبتدأ، والخبر، فإذا دخلا على المبتدأ، والخبر؛ تعدّى كلّ واحد إلى ثلاثة مفاعيل، ولم يجز الاقتصار على الاثنين دون الثّالث؛ لأنّ الثالث هو خبر المبتدأ في الأصل، فلا يقتصر دونه، كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر، ومثال دخول أحدهما على المبتدأ والخبر قولك: نبّأت زيدا عمرا منطلقا، أو أنبأت زيدا عمرا مجتهدا، ففي المثالين يجب نصب ثلاثة مفاعيل. والله وليّ التوفيق. ومن ذلك قول النابغة الذبياني-وهو الشاهد رقم [٢٠] من كتابنا: «فتح رب البريّة» إعراب شواهد جامع الدروس العربيّة-: [الكامل]\nنبّئت زرعة-والسّفاهة كاسمها-... يهدي إليّ غرائب الأشعار\nوأيضا قوله-وهو الشّاهد رقم [٢١] من الكتاب المذكور-: [البسيط]\nنبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني... ولا قرار على زأر من الأسد\nوأيضا قول قيس بن الملوّح-وهو الشاهد رقم [١١٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللّبيب-: [الطويل]\nونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة... إليّ فهلاّ نفس ليلى شفيعها\nهذا، و(النّبأ): الخبر وزنا، ومعنى. ويقال: النّبأ أخصّ من الخبر؛ لأنّ النبأ لا يطلق إلا على كلّ ما له شأن، وخطر من الأخبار. وقال الرّاغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم،","vol":"3","page":52},{"text":"أو غلبة ظنّ، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ حتى يتضمّن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعدّى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. هذا؛ وقد يجيء الفعل من (نبأ) غير مضمّن معنى: أعلم، لذلك يعدّى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في الآية المذكورة.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَخَذْنا﴾ بعدهما على أنّهما مفعول ثان له مقدّم، التقدير: أخذنا من الذين قالوا... إلخ، وهذه الجملة معطوفة على جملة:\n (لقد أخذنا...) إلخ في الآية رقم [١٢] لا محلّ لها مثلها، وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، قامت صفته مقامه، التقدير: من الذين قالوا: إنا نصارى قوم أخذنا ميثاقهم، فيكون مثل قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٦]: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ..﴾. إلخ. وجوز أن يكونا متعلّقين بمحذوف خبر مقدّم، وقدّر المبتدأ موصولا حذف، وبقيت صلته التقدير: ومن الذين قالوا: إنّا نصارى من أخذنا ميثاقهم، وهذا معزوّ للكوفيين، وجوز أن يكونا معطوفين على ﴿مِنْهُمْ﴾ في الآية السابقة، ويكون المعنى: ولا تزال تطلع على خائنة من اليهود. ومن الذين قالوا: إنا نصارى، وعليه فجملة: ﴿أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ:﴾ مستأنفة.\nوالمعتمد الأوّل.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذف نونها للتخفيف، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿نَصارى:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا نَصارى﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِيثاقَهُمْ:﴾\nمفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة، وهي معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. (أغرينا): فعل وفاعل. ﴿بَيْنَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْعَداوَةَ:﴾\nمفعول به. ﴿وَالْبَغْضاءَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل: (أغرينا) أو ب ﴿الْعَداوَةَ﴾ أو ب (البغضاء) على التنازع، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يُنَبِّئُهُمُ:﴾\nفعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿يَصْنَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو","vol":"3","page":53},{"text":"فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ينبئهم الله بالذي، أو: بشيء كانوا يصنعونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: ينبئهم الله بصنعهم، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-684\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ يعمّ اليهود، والنصارى. ﴿قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا:﴾ محمد ﷺ، ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ﴾ أي: من كتبكم من الإيمان بمحمد ﷺ، ومن آية الرّجم، ومن قصّة أصحاب البقرة، ومن قصّة أصحاب السّبت؛ الّذين مسخوا قردة؛ وخنازير، فإنّهم كانوا يخفونها. ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يتركه، ولا يبيّنه، وإنّما يبين ما فيه حجّة على نبوّته، ودلالة على صدقه، وشهادة برسالته، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. وقيل: المعنى: يتجاوز عن كثير، فلا يخبركم به.\nذكر: أنّ رجلا من أحبار اليهود جاء إلى النّبيّ ﷺ، فسأله، فقال: يا هذا عفوت عنّا؟ فأعرض عنه رسول الله ﷺ ولم يبيّن. وإنّما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه، فلمّا لم يبيّن له رسول الله ﷺ قام من عنده، فذهب، وقال لأصحابه: أرى أنّه صادق فيما يقول؛ لأنّه كان وجد في كتابه: أنّه لا يبين له ما سأل عنه. وفي إظهار ما يخفونه معجزة ظاهرة للنبيّ ﷺ؛ لأنّه لم يقرأ كتابهم، ولم يعلم ما فيه إلا ما علّمه ربّه منه.\nهذا؛ و: (أهل) اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، ونفر... إلخ، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزوجة، والأولاد، وعلى الأتباع أيضا، وجمعه:\nأهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى في سورة (التّحريم):\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ..﴾. إلخ.\nهذا، و(الكتاب) في اللغة: الضمّ، والجمع، وسمّيت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطّة واحدة، كما سمّي الكاتب كاتبا؛ لأنّه يضمّ الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه ويرتّبه، وفي الاصطلاح: هو اسم لجملة مختصّة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا. وقد أكثر الشعراء في مدح الكتاب، ومنه قول القائل: [الطويل]\nلنا جلساء ما يملّ حديثهم... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا","vol":"3","page":54},{"text":"يفيدوننا من علمهم علم ما مضى... وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا\nفإن قلت أحياء فما أنت كاذب... وإن قلت أموات فلست مفنّدا\nوبالجملة: فالكتاب نعم الذّخر، والعدّة، والشّغل، والحرفة، جليس لا يضرّك، ورفيق لا يملّك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السّفر طاعته في الحضر، إن ألفته على الأيام؛ خلّد ذكرك، وإن درسته رفع بين النّاس قدرك.\nهذا والفعل جاء يستعمل لازما إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعدّيا إن كان بمعنى:\nوصل، وبلغ. فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾. ومن الثاني قوله تعالى:\n ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ﴾. ومنه ﴿جاءَكُمْ﴾ في هذه الآية وفي الآية التّالية، ومثله «أتى» يكون لازما، ومتعدّيا بسبب ما ذكر.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو أو: أنادي. (أهل): منادى، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾\nفعل ماض، والكاف مفعوله. ﴿رَسُولُنا:﴾ فاعله، (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (أهل الكتاب)، والعامل في الحال (يا) لما فيها من معنى الفعل، وهو مثل قول الشاعر: [البسيط]\nيا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته\n ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولُنا﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كَثِيرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا﴾ في محل نصب حال من ﴿رَسُولُنا﴾ فهي حال متداخلة، والرّابط في الأولى ضمير الخطاب فقط، وفي هذه ضمير الغيبة فقط. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كَثِيرًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُخْفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية هذه صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء كنتم تخفونه. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف.\nو﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿وَيَعْفُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولُنا﴾. ﴿عَنْ كَثِيرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط في الجملتين: الضمير العائد إلى: ﴿رَسُولُنا﴾ فقط.","vol":"3","page":55},{"text":"<span id=\"aya-684\"></span><span id=\"aya-685\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ:﴾ المراد به القرآن الكريم، فإنّه الكاشف لظلمات الشرك، والضلالة، والمبيّن للناس ما كان خافيا عليهم من الحقّ. وقيل: المراد بالنور محمد ﷺ، وبالكتاب القرآن، فيكون في الكلام استعارة تصريحية؛ حيث صرّح بذكر المشبّه به، وهو اسم جامد.\nهذا؛ و: ﴿مُبِينٌ﴾ اسم فاعل من «أبان» الرباعي، أصله: مبين. بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء قبلها بعد سلب سكونها؛ لأنّ الحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة. ولا تنس: أنّ اسم الفاعل من «أبان» الثلاثي «بائن».\n ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ أي: بالقرآن. ووحّد الضمير؛ لأنّ المراد بهما واحد، أو لأنّ محمدا، والقرآن كواحد في الهداية. ومثله قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٢]: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ والآية رقم [٣٤] منها أيضا، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها،﴾ ومنه قول حسّان﵁-: [الخفيف]\nإنّ شرخ الشّباب والشّعر الأسو... د ما لم يعارض كان جنونا\nوأيضا قول ضائي بن الحارث البرجمي-وهو الشاهد رقم [٨٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد [٢٧٩] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الطويل]\nفمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي-وقيّار-بها لغريب\n ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ أي: من سبق في علمه تعالى: أنه يتّبع ما يرضيه، وذلك بالإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن الكريم. ﴿سُبُلَ السَّلامِ:﴾ طرق السّلامة من عذاب الله تعالى، أو المراد:\nطرق الحقّ الّتي شرعها الله لعباده، ومن سلكها كان من النّاجين في الدّنيا، والآخرة.\nهذا، و: ﴿سُبُلَ:﴾ يجوز تسكين بائه، وضمها، قال عيسى بن عمر﵁-: كل اسم على ثلاثة أحرف أولها مضموم وأوسطها ساكن، فمن العرب من يخفّفه، ومنهم من يثقّله، مثل: رسل، وعسر، ويسر، ورحم، وحلم. هذا؛ و﴿سُبُلَ﴾ جمع: سبيل، وهو الطريق، يذكّر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. ومن التأنيث قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل كما في الآية الكريمة.","vol":"3","page":56},{"text":"﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ:﴾ بتوفيقه، وإرادته. هذا؛ و﴿الظُّلُماتِ﴾ جمع: ظلمة، وقد جمعت في القرآن الكريم باعتبار تعدّد معانيها؛ إذ المراد: ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة يوم القيامة، أو المراد ظلمة شديدة، كأنّها ظلمات متراكمة. هذا؛ و«الظلمة» بمعانيها المذكورة مستعارة من ظلمة الليل الحقيقي، والجامع بينهما عدم الاهتداء في كلّ منهما، كما أنّ (النّور) بالمعنى المتقدّم، أو بمعنييه مستعار من نور النّهار، أو من نور المصباح المضيء، والجامع بينهما الاهتداء في كلّ منهما.\n ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الهداية: دلالة بلطف، ورفق، وانظر الآية رقم [٦٨] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله! هذا؛ وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة. انظر الالتفات فيما مضى.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾: ماض، ومفعوله.\n ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نُورٌ﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿نُورٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها مسوقة لبيان: أنّ فائدة مجيء الرسول ﷺ ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه، بل له منافع أخرى، لا تعدّ ولا تحصى. ﴿وَكِتابٌ:﴾ معطوف على: ﴿نُورٌ﴾. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثّقل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: (كتاب) أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، وجوز أن تكون في محل نصب حال من: ﴿رَسُولُنا،﴾ وأن تكون حالا من فاعل: ﴿يُبَيِّنُ،﴾ والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون، أو نكرة موصوفة في محل نصب مفعول به. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط. ﴿رِضْوانَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿سُبُلَ:﴾ مفعول به ثان، وصحّح الجمل انتصابه بنزع الخافض، وتقدّم مثله كثيرا، و(سبل) مضاف، و﴿السَّلامِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَيُخْرِجُهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يخرجهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ أو هو عائد إلى: (من) باعتبار المعنى، وهو أولى، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، والحروف الجارّة كلّها متعلّقة بالفعل: (يخرج) وساغ ذلك لتغير لفظها، ومعناها. والهاء في محل جرّ بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ أو إلى (من) والهاء مفعول به. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان به. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة: ﴿صِراطٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها كالّتي قبلها.","vol":"3","page":57},{"text":"<span id=\"aya-686\"></span>﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هؤلاء نصارى نجران، فإنّهم قالوا هذه المقالة، وهو مذهب اليعقوبيّة، والملكانية من النّصارى، فإنّهم يقولون في المسيح: إنّه الله، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا. وإنّما قالوا هذه المقالة الخبيثة؛ لأنّهم يقولون بالحلول، وإنّ الله قد حلّ في بدن عيسى، فلمّا كان هذا اعتقادهم لا جرم حكم الله عليهم بالكفر. ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء النّصارى الذين يقولون ما تقدّم: فمن يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا إن أراد أن يميت ويهلك عيسى وأمّه، ويهلك من في الأرض جميعا. والمعنى: لو كان عيسى إلها كما يفترون لقدر على دفع الهلاك عن نفسه، وعن أمّه، وغيرها. وهؤلاء استدلوا بأعمال عيسى من إحياء الميت، وإبراء الأبرص، والأكمه... إلخ على ألوهيته، وهم القائلون باتّحاد النّاسوت باللاّهوت. وقيل: لم يصرح به أحد منهم، ولكن لمّا زعموا: أنّ فيه لاهوتا، وقالوا: لا إله إلا واحد؛ لزمهم أن يكون هو المسيح. فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم، وفضحا لمعتقداتهم.\n ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ، أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا. ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ أي: الموجودات بين السّماوات، والأرض من أفلاك، وكواكب في السّماء، وما على الأرض من جبال، وأنهار، وبحار... إلخ، فكلّ ذلك ملك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد، وما يملكه الإنسان في هذه الدنيا إنّما هو ملك له في الظاهر قد منحه الله له؛ ليتمتّع به على سبيل الوكالة، والأمانة، وويل لمن قصّر في الوكالة، وخان في الأمانة!.\nهذا؛ وقد أعاد الضّمير إلى: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مثنى، والمرجوع إليه مجموع السّماوات والأرض، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، أو الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين، كقول القطامي: [الوافر]\nألم يحزنك أنّ حبال قيس؟ ... وتغلب قد تباينتا انقطاعا\nأراد: وحبال تغلب، فثنّى، والحبال: جمع؛ لأنّه أراد الشّيئين، أو النوعين. وقال الشاعر يذمّ عاملا على الصّدقات: [البسيط]","vol":"3","page":58},{"text":"سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين\nلأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nفقد ثنّى: جمال؛ الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسّبد: المال القليل، واللّبد: المال الكثير، وأوبادا: هلكى، جمع: وبد. فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصّدقات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حقّ حتّى لم يبق لنا إلا الشيء القليل من المال، فكيف حالنا، أو: كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرّق في الحرب جمالان، فيحتلوا بالغزوات.\nهذا؛ وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُهْلِكَ..﴾. إلخ يفيد: أنّ عيسى-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مملوك مقهور، وقابل للفناء كسائر الممكنات، ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهية. ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هذه الجملة تزيح الشّبهة عن النّصارى في أمر عيسى، ﵇، فهي تفيد: أنّ الله ﷿ قادر على الإطلاق، يخلق من غير أصل، كما خلق السموات والأرض، ومن أصل كخلق ما بينهما، فينشئ من أصل ليس من جنسه، كآدم خلقه من تراب، وكثير من الحيوانات، ومن أصل يجانسه، إما من ذكر وحده، كحواء، خلقت من آدم، أو من أنثى وحدها، كعيسى خلق من مريم، أو من كليهما كسائر النّاس، والحيوانات. وانظر: ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (آل عمران).\nهذا؛ و(المسيح) لقب عيسى، على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، وهو من الألقاب المشرّفة كالصدّيق لأبي بكر، ﵁، والفاروق لعمر ﵁، قال ابن عبّاس -﵄-: سمّي عيسى: مسيحا؛ لأنّه ما مسح ذا عاهة إلا برأ منها. وقيل: لأنّه مسح بالبركة، كما حكى القرآن قوله في سورة (مريم): ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ وقيل: لأنّه مسح من الأقذار، وطهر من الذنوب. وقيل: سمّي مسيحا؛ لأنّه كان مسيح القدمين، ولا أخمص له. ولا أرتضيه؛ لأنه عيب في الرّجال، ونبينا ﷺ كان خمصان الأخمصين، وأصله بالعبرانية المشيح بالشين، كما عرّب موسى، وأصله: موشى. هذا؛ وسمّي الدجال مسيحا؛ لأنّه ممسوح العينين، وقد يكون المسيح بمعنى الكذّاب، وهو بالدّجال ألصق، وعليه تكون الكلمة من الأضداد، وبعضهم يقول في الدّجال: المسيخ بالخاء، قال الشاعر: [الرجز]\nإنّ المسيح يقتل المسيحا\nوأطلق على الدّجال: المسيح، بالحاء؛ لأنّه يسيح في الأرض، أي: يطوفها، ويدخل جميع بلدانها إلا مكّة، والمدينة، وبيت المقدس، فالدّجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم","vol":"3","page":59},{"text":"يمسحها منحة، وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جندب﵁عن النبي ﷺ: أنّه سيظهر على الأرض كلّها إلا الحرم، وبيت المقدس، وأنّه يحصر المؤمنين في بيت المقدس. وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-من قول الرسول ﷺ: «فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق بين مهرودتين، واضعا كفّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدّر منه جمان كاللّؤلؤ، فلا يحلّ لكافر يجد ريح نفسه إلاّ مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه؛ حتّى يدركه بباب لدّ، فيقتله... إلخ» الحديث بطوله.\nقوله: مهرودتين؛ أي: في شقتين، أو حلّتين، وقيل: الثّوب المهرود الذي يصبغ بالورس، ثم الزّعفران. والجمان بضم الجيم: حبات من الفضّة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، ولدّ بضم اللام وتشديد الدال: بلدة في فلسطين.\nهذا؛ ومريم بالعبرية بمعنى: الخادم، ثم سمّي به كثير من النّساء، ومريم في لسان العرب هي التي تكره مخالطة الرّجال، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا. هذا وفي القاموس المحيط: المريم هي التي تحب مخالطة الرّجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قبله، قال الشّاعر: [الطويل]\nوزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير\nفقال لها أهلا وسهلا أمريم... فقالت له: من أنت قال لها: زير\nوانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (آل عمران) ففيها كبير فائدة.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وعزتي، وجلالي، ونحو ذلك. أو هي لام الابتداء. و(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَفَرَ:﴾\nفعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. والجملة الفعلية جواب القسم، أو هي ابتدائية لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ خبره. ﴿اِبْنُ:﴾ صفته، وهو مضاف، و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرّه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الْمَسِيحُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول. والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها صلة الموصول.","vol":"3","page":60},{"text":"﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: صلة. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أوهما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْئًا﴾ كان صفة له فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَمْلِكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. وقيل: الفاء عاطفة على جملة محذوفة، التقدير: قل: كذبوا، أو: ليس الأمر كذلك، فمن... إلخ، وعليه: فالمعطوف، والمعطوف عليه في محل نصب مقول القول، ولا أرى تقدير المحذوفة قويّا، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُهْلِكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محل نصب مفعول به.\n ﴿الْمَسِيحُ:﴾ مفعول به. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة له، و﴿اِبْنُ:﴾ مضاف، و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿وَأُمَّهُ:﴾ معطوف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ نصب معطوف على: ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من: ﴿الْمَسِيحُ﴾ وما عطف عليه، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائيّة، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف؛ دلّ عليه ما قبله، و﴿إِنَّ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول؛ لأنّه مرتبط بالجملة قبله.\n ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ رفع معطوف على ﴿مُلْكُ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صلة الموصول، أو صفة:\n (ما) على اعتبارها موصوفة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.\n ﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يخلق الذي، أو شيئا يشاؤه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله):\nمبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلّقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.","vol":"3","page":61},{"text":"<span id=\"aya-687\"></span>﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى..﴾. إلخ: قال ابن عبّاس﵄-: خوّف رسول الله ﷺ جماعة من اليهود العقاب، فقالوا: لا نخاف، فإنّا أبناء الله، وأحباؤه، فنزلت الآية الكريمة فيهم، وفي النّصارى. وقال السّدّي-رحمه الله تعالى-: زعمت اليهود أنّ الله﷿أوصى إلى إسرائيل﵇-: أنّ ولدك بكري من الولد، وقال غيره: والنّصارى قالت: نحن أبناء الله؛ لأنّ في الإنجيل حكاية عن عيسى﵇-: أذهب إلى أبي، وأبيكم. وقيل: المعنى نحن أبناء رسل الله، فهو على حذف مضاف، أو المعنى: نحن أتباع ابنيه: عزير، والمسيح، أو مقرّبون عنده قرب الأولاد من والدهم. وبالجملة: فقد كانوا، ولا يزالون يدّعون: أنّ لهم فضلا، ومزيّة عند الله على سائر الخلق.\n ﴿قُلْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي: إن صحّ ما زعمتم؛ فلم يعذبكم بذنوبكم؟ وقد عذّبكم في الدّنيا بالقتل، والأسر، والمسخ، وتشتيت الشّمل، واعترفتم بأنّه سيعذّبكم في الآخرة بالنّار أياما معدودة بعدد الأيام التي عبد فيها آباؤكم العجل، ولا يعذّب الوالد ولده، ولا الحبيب حبيبه؛ فإذا أنتم كاذبون في دعواكم البنوة، والمحبّة. هذا؛ وقيل: معنى: ﴿يُعَذِّبُكُمْ:﴾ عذّبكم، فهو بمعنى المضي، ولا بأس به؛ إذ المعنى عليه. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: أنتم بشر من جملة المخلوقات؛ الّتي خلقها الله تعالى، ولكم ما لهم، وعليكم ما عليهم، يحاسبكم على أعمالكم، ويجازي كلاّ بما عمل.\n ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ لمن يستحقّ المغفرة بسبب توبة، أو طاعة. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ:﴾ من يستحقّ العذاب بسبب كفره، أو إدمانه المعاصي، والمنكرات. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ..﴾. إلخ:\nانظر الآية السّابقة. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ:﴾ إليه المرجع، والمال في الآخرة يحاسب كلّ إنسان على ما قدّمت يداه. هذا؛ وبين: ﴿يَغْفِرُ﴾ و(يعذب) طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.\n ﴿الْيَهُودُ:﴾ سمّوا بذلك نسبة إلى «يهودا بن يعقوب» وهو أكبر أولاده، وقد عبّر عنهم القرآن في كثير من المواضع ب: ﴿الَّذِينَ هادُوا﴾ فهو مثل الأوّل. أو سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من: هاد بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم في سورة (الأعراف): ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾.\nهذا، وماضي: ﴿يَشاءُ:﴾ شاء، ولم يرد له، ولا ل: أراد، يريد أمر فيما أعلم، وأصل شاء شئ على فعل بكسر العين بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما","vol":"3","page":62},{"text":"قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، ومفعول: أراد؛ حتّى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ وقال الشاعر: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيّد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد: «لو» وليس كذلك. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ﴾ إلخ: انظر مثل هذا الكلام في الآية السابقة، وكرّر للتأكيد، والتقرير.\n (بشر): يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: (الفلك) تطلق على المفرد، والجمع، وسمّي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم، وهي ظاهر الجلد بخلاف أكثر المخلوقات، فإنّها مكسوة بالشّعر، أو بالصوف، أو بالرّيش. هذا. و(بشر) يطلق على المفرد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم) ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ رقم [٢٦] من سورة (مريم) أيضا. ومنه ما في هذه الآية، وانظر شرح (لم) وما أشبهه في الآية رقم [٩٧] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!\nالإعراب: ﴿وَقالَتِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿الْيَهُودُ:﴾ فاعله. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَبْناءُ:﴾\nخبره، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَحِبّاؤُهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَقالَتِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿فَلِمَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: إن صحّ ما زعمتم؛ فلم... إلخ. (لم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وقد حذفت ألف ما الاستفهامية فرقا بين الخبر، والاستخبار.\n ﴿يُعَذِّبُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والجملة الفعلية في محل جزم جواب للشرط المقدّر ب «إن» و«إن» المقدرة، ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِذُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبره. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بَشَرٌ﴾.\nو(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿خَلَقَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد والرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذين، أو: أشخاص خلقهم، والجملة الاسمية: ﴿بَلْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول القول أيضا.","vol":"3","page":63},{"text":"﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ ومفعوله محذوف، تقديره: يغفر الذنوب.\n ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للّذي، أو لشخص يشاء مغفرته، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام ومحلّه في الآية السابقة.\n (إليه): جار ومجرور، متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-688\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا:﴾ انظر الآية رقم [١٥]. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: على انقطاع من الرّسل بين محمّد، وعيسى، عليهما الصّلاة والسّلام. والمعنى:\nمضت للرّسل مدّة قبل محمّد ﷺ. واختلف في مقدار هذه المدّة: كم هي؟ فالمعتمد: أنّها بين عيسى، ومحمد ﷺ خمسمائة سنة وتسعا وستين. ذكره الكلبي. وقال قتادة: كانت ستمائة سنة. رواه البخاريّ عن سلمان الفارسي﵁-. وذكر ابن سعد عن عكرمة قال: بين آدم، ونوح عشرة قرون كلّهم على الإسلام، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة، فهذا ما بين آدم، ومحمد﵉من القرون، والسنين.\nانتهى قرطبي. كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أنا أولى النّاس بابن مريم؛ لأنّه ليس بيني وبينه نبيّ» وهذا فيه ردّ على من زعم: أنّه بعث بعد عيسى نبيّ يقال له: خالد بن سنان. والمقصود: أنّ الله بعث محمدا ﷺ على فترة من الرّسل، وطموس من السّبل، وتغيّر الأديان، وكثرة عبادة الأوثان، والنيران، والصّلبان، فكانت النّعمة به أتمّ النّعم، والحاجة إليه أمر عمم، وكان الفساد قد عمّ جميع البلاد، والطّغيان، والجهل قد ظهر في سائر البلاد إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين.\nبالإضافة لما ذكرته في الآية السابقة من تخويف النبي ﷺ لليهود، والنصارى، وقولهم:\n ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ أذكر: أنّ معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب﵃قالوا لهم: يا معشر اليهود اتقوا الله، فو الله إنكم لتعلمون: أنّه رسول الله! ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال رافع بن حريملة، ووهب بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرا، ولا نذيرا من بعده، فأنزل الله ﷿ الآية الكريمة ردّا عليهم.","vol":"3","page":64},{"text":"والمعنى: إنّ الله أرسل محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق بعد انقطاع الرّسل بعد عيسى في المدّة المذكورة؛ ليقطع حجّة اليهود، والنّصارى بعدم إرسال رسول بعد عيسى، ولئلا يبقى لهم عذر يعتذرون به. هذا؛ و﴿بَشِيرٍ﴾ و﴿نَذِيرٍ﴾ هو محمد ﷺ بشير بالجنة، والنعيم المقيم فيها لمن اهتدى، ونذير من النّار لمن كفر، وفسق، وعصى، وشقّ على ربّه العصا.\nالإعراب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [١٥]، ومفعول ﴿يُبَيِّنُ﴾ محذوف، تقديره: الدّين، أو أحكامه، وحذف لفهمه من المقام، أو تقديره: يبين لكم ما كنتم تخفون، وحذف لتقدّم ذكره في الآية السّابقة. ﴿عَلى فَتْرَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جاءَكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿يُبَيِّنُ﴾ المستتر. ﴿مِنَ الرُّسُلِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَتْرَةٍ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» وعلامة نصبه حذف النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق والمصدر المؤول من الفعل وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف عند الكوفيين، التقدير: لئلا تقولوا. والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يبين)، وهو عند البصريّين في محل جر بإضافة اسم إليه واقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهة، أو مخافة قولكم: ما جاءنا... إلخ.\nوانظر الآية الأخيرة من سورة (النساء) ففيها تفصيل، وبيان، وزيادة.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿جاءَنا:﴾ فعل ماض. و(نا) مفعول به. ﴿مِنَ:﴾ حرف جر صلة. ﴿بَشِيرٍ:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا):\nنافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿وَلا نَذِيرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿بَشِيرٍ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية تعليل لكلام محذوف، التقدير: لا تعتذروا بقولكم: ما جاءنا... إلخ؛ لأنّه قد جاءكم بشير، والتعليل، والمعلل كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾\nهو مثل الآية رقم [١٧].\n\n<span id=\"aya-689\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ..﴾. إلخ؛ أي: اذكر يا محمد حين قال موسى لبني إسرائيل: اذكروا نعمة الله العظمى عليكم، واشكروه عليها. قال الطّبريّ-رحمه الله تعالى-:\nهذا تعريف من الله تعالى لنبيه ﷺ بتمادي هؤلاء اليهود في الغيّ، وبعدهم عن الحقّ، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدّة مخالفتهم لأنبيائهم مع كثرة نعم الله عليهم، وتتابع أياديه لديهم،","vol":"3","page":65},{"text":"فسلّى بذلك نبيّه محمدا ﷺ عمّا نزل به من الشدائد؛ التي حصلت له من مخالفة قومه، ومعاصيهم عليه. انتهى. خازن.\n ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ:﴾ أي: كلّما مات نبيّ؛ قام فيكم نبيّ آخر من لدن أبيكم إبراهيم ومن بعده، فلم يخل زمن من نبيّ، ورسول فيكم يدعو إلى الله، ويحذّركم نقمته؛ حتى ختموا بعيسى ابن مريم، ﵇، ثمّ أوحى الله إلى خاتم النبيين، والمرسلين محمد ﷺ المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ أي: جعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد أن كنتم عبيدا.\nوعن ابن عباس﵄قال: كان الرّجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة، والخادم، والدار سمّي: ملكا. وقال ابن جرير: عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵄-، وسأله رجل، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله﵁-: لك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، فقال: إن لي خادما، قال: فأنت من الملوك. أخرجه مسلم. وهذا كما قال رسول الله ﷺ: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه عنده قوت يومه؛ فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها».\nأخرجه الترمذي، وابن ماجة عن عبد الله بن محصن، ﵁. هذا وقيل: إنّ المعنى:\nجعلكم كالملوك في رغد العيش. فحذف أداة التشبيه، ووجه الشبه، فأصبح بليغا.\n ﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ يعني: عالمي زمانكم، فإنّهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان، والقبط، وسائر أصناف بني آدم، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٧ و١٢٢]: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾.\nهذا؛ و﴿الْعالَمِينَ﴾ جمع: عالم بفتح اللام، وجمع لاختلاف أنواعه، وهو جواب عمّا يقال:\nإنّه اسم جنس يصدق على كل ما سوى الله، والجمع لا بدّ أن يكون له ثلاثة أفراد، فأكثر، وجمع بالياء والنون كما يجمع بالواو والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكلّ ما سوى الله، ويدلّ له قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم-لمّا قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. هذا؛ والعوالم كثيرة، لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البرّ، والبحر؛ إذ كلّ جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ ولا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، وقوم. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: العالمون ثمانون ألف عالم: أربعون ألف عالم في البر، وأربعون ألف عالم في البحر. انتهى. وجمع جمع المذكر السالم، وذلك بتغليب من يعقل على ما لا يعقل، والعالم مشتق من العلامة؛ لأنّه دالّ على وجود خالقه، وصانعه، وعلى وحدانيته-جلّ، وعلا-كما قال ابن المعتز: [المتقارب]","vol":"3","page":66},{"text":"فيا عجبا كيف يعصى الإل... هـ أم كيف يجحده الجاحد؟\nوفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه الواحد\n ﴿مُوسى﴾ هو ابن عمران، بن يصهر، بن قاهت، بن لاوي، بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق بن إبراهيم على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. و﴿مُوسى:﴾ اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية، والعجمة، وهو مركب من اسمين: الماء، والشجر، فالشجر يقال له في العبرانية: (مو) والشّجر يقال له: شا، فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسّين، وسبب تسميته بذلك: أنّ امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشّجر لمّا ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و(القصص).\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه في النداء خاصّة؛ لأنّه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي). ومنهم من يثبتها، ويحرّكها بالفتحة، فيقول: (يا قومي). ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قوما) ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: (يا قوم). قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ل: «يا» ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nويزاد سادسة، وهي لغة القطع: (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف يقول: (يا ربّ! يا ربّ! يا ربّ!)، وقرئ في سورة (يوسف) رقم [٣٣]: (قال ربّ السجن أحب إليّ...) إلخ.\nوالآية الكريمة كلّها في محل نصب مقول القول. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَتَ اللهِ،﴾ أو بمحذوف حال منه. ﴿إِذْ:﴾ حرف تعليل، وهو أقوى من اعتبارها ظرفية. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿فِيكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْبِياءَ:﴾ مفعول به أوّل، والجار والمجرور: ﴿فِيكُمْ﴾ هما المفعول الثاني تقدّم على الأول، والجملة الفعلية تعليل للتذكير، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. (آتاكم): فعل","vol":"3","page":67},{"text":"ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والكاف مفعول به أوّل.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لَمْ:﴾\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُؤْتِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو العائد، أو الرابط. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا﴾ صلة (ما) أو صفتها، وجملة: ﴿وَآتاكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدًا،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-690\"></span>﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ:﴾ المطهّرة، أو المباركة، وهي أرض ببيت المقدس، أو: أريحا، أو: فلسطين، أو الشّام كلّها. وسمّيت: مقدّسة؛ لأنّ الله جعلها بعد ذلك قرار الأنبياء، وسكن المؤمنين. ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أي: فرض دخولها عليكم، ووعدكم سكناها؛ إن آمنتم، وأطعتم. يدلّ على ذلك: أنّه حرّمها عليهم بعد ما عصوا الله، كما سيأتي قريبا، وكان ذلك لمّا خرجوا من مصر أمرهم الله بجهاد أهل أريحا من أرض فلسطين، فقالوا:\nلا علم لنا بتلك الدّيار. فبعث موسى بأمر الله اثني عشر نقيبا؛ من كلّ سبط رجل، يتجسّسون الأخبار كما رأيت فيما سبق، فرأوا سكّانها من العمالقة، وهم ذوو أجسام هائلة. وذكر القرطبيّ -رحمه الله تعالى-العجيب من أوصافهم التي تدلّ على قوّتهم، وجبروتهم، وهذا كان لمّا نقض النقباء العهد، وأخبروا قومهم ما عدا يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، كما قدّمته لك. ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ﴾ أي: ولا ترجعوا القهقرى مرتدّين على أعقابكم، ولكن امضوا لأمر الله الذي أمركم به، أو: لا ترتدّوا عن الإيمان بالعصيان، ومخالفة الواحد الديّان. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أي: فترجعوا بالخسران، والحرمان من ثواب الله في الدّنيا، والآخرة.\nالإعراب: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿الْأَرْضَ:﴾ ظرف مكان عند بعض النحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام) وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا،﴾ وهذا إذا كان الفعل ثلاثيّا، وأمّا إذا كان رباعيّا؛ بأن دخلت عليه همزة التعدية، ونصب مفعولين، فالمفعول الثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأوّل يكون صريحا مثل: أدخلت خالدا البيت. ﴿الْمُقَدَّسَةَ:﴾ صفة","vol":"3","page":68},{"text":"﴿الْأَرْضَ﴾. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ثانية للأرض، وجملة: ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: التي كتبها الله لكم.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَرْتَدُّوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿عَلى أَدْبارِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَتَنْقَلِبُوا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، أو هو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء على اعتبارها للسببية، وهو الأولى، والأقوى، وعلامة الجزم، أو النّصب حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى النّصب تؤوّل «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم ارتداد، فانقلاب. ﴿خاسِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب... إلخ. والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وهي من قول موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-691\"></span>﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها﴾ يعني: في الأرض المقدّسة. ﴿قَوْمًا جَبّارِينَ:﴾ قوما عاتين لا طاقة لنا بهم، ولا قوّة لنا بقتالهم. وسمّوا جبارين؛ لشدّة بطشهم، وعظم خلقهم، وكانوا ذوي أجسام طويلة، وأشكال هائلة، وهم العمالقة بقيّة قوم عاد. وأصل الجبّار في صفة الإنسان فعّال؛ من: جبره على الأمر؛ يعني: أجبره عليه، وهو العاتي الّذي يجبر الناس على ما يريد.\nوقيل: مأخوذ من قولهم: نخلة جبّارة: إذا كانت طويلة، مرتفعة، لا تصل إليها الأيدي. ويقال:\nرجل جبّار: إذا كان طويلا، عظيما، قويّا تشبيها بالجبّار من النّخل.\n ﴿وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾ يعني: أرض الجبّارين؛ التي أمرهم الله بدخولها. ﴿حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها:﴾\nحتى يخرج الجبّارون من الأرض المقدّسة. وإنّما قالوا ذلك استبعادا لخروج الجبّارين من أرضهم. ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ:﴾ قال العلماء بالأخبار: إنّ النقباء لمّا خرجوا يتجسّسون الأخبار لموسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ورجعوا إليه، وأخبروه خبر القوم، وما عاينوا منهم، قال لهم موسى: لا تخبروا بني إسرائيل بهذا، فيجبنوا، ويضعفوا عن قتالهم. وقيل: إنّ النقباء الاثني عشر لما خرجوا إلى أرض الجبارين، قال بعضهم لبعض:\nلا تخبروا بني إسرائيل بما رأيتم، فلمّا رجعوا، وأخبروا موسى، فأمرهم ألا يخبروا بني إسرائيل","vol":"3","page":69},{"text":"بذلك، فخالفوا أمره، ونقضوا العهد، وأخبر كلّ رجل من النقباء سبطه بما رأى، إلا يوشع، وكالب. فإنّهما كتما، ووفيّا بالعهد، فلمّا علم بنو إسرائيل بذلك، وفشا ذلك فيهم؛ رفعوا أصواتهم بالبكاء، وقالوا: ليتنا متنا في أرض مصر، ولا يدخلنا الله أرضهم، فتكون نساؤنا، وأولادنا غنيمة لهم، وجعل الرّجل من بني إسرائيل يقول لصاحبه: تعالوا نجعل لنا رأسا، وننصرف إلى مصر. فلمّا قالوا ذلك، وهمّوا بالانصراف إلى مصر؛ خرّ موسى، وهارون ساجدين، وخرق يوشع، وكالب ثيابهما، وقالا ما في الآية التالية.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿يا مُوسى:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب: (أدعو). (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب: (يا). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿إِنَّ:﴾ مقدّم. ﴿قَوْمًا:﴾ اسمها مؤخّر. ﴿جَبّارِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الاسمية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنْ﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَدْخُلَها:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ والفاعل ضمير مستتر تقديره:\nنحن، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ولعلّك تدرك معي: أنّ اتصال الضمير بالفعل ﴿نَدْخُلَها﴾ يؤيد ما ذهب إليه الأخفش، والمحققون من أنّ الاسم المنصوب بعد الأفعال (دخل، ونزل، وسكن) إنّما هو في محل نصب مفعول به، وإن كان رباعيّا دخلت عليه همزة التعدّي، فهو مفعول به ثان انظر الآية السابقة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة.\n ﴿يَخْرُجُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْها:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَخْرُجُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿مِنْها:﴾\nمتعلقان به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّا): حرف مشبّه بالفعل مثل سابقه. و(نا): اسمها.\n ﴿داخِلُونَ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محلّ المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.","vol":"3","page":70},{"text":"<span id=\"aya-692\"></span>﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أي: يخافون الله، ويراقبونه، وهما: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا على المعتمد. ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: بالعصمة، والإيمان، فكتما ما اطّلعا عليه من حال الجبابرة إلا عن موسى، ﵇، بخلاف بقية النّقباء، فإنّهم أفشوا، فجبنوا.\nوقال البيضاوي تبعا للكشّاف: وقيل: كانا رجلين من الجبابرة أسلما، وسارا إلى موسى. فعلى هذا «الواو» لبني إسرائيل، والرّاجع إلى الموصول محذوف، أي: من الذين يخافهم بنو إسرائيل، ويشهد له: أنّه قرئ: «(الذين يخافون)» بالضمّ، أي: المخوفين وعلى المعنى الأوّل يكون هذا من الإخافة؛ أي: من الذين يخوّفون من الله بالتّذكير، أو يخوّفهم الوعيد. انتهى.\n ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا:﴾ بالإيمان، واليقين، والصّلاح. ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ باب قريتهم، أي: باغتوهم، وامنعوهم من الخروج إلى الصّحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا. بخلاف ما إذا دخلتم عليهم الأبواب، فإنّهم لا يقدرون فيها على الكرّ، والفرّ لعظم أجسامهم، ولا يهولنّكم عظم أجسامهم، فقلوبهم ملئت رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة، وقلوبهم ضعيفة جبانة. ﴿فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ:﴾ قالا ذلك تيقّنا بنصر الله، وإنجاز وعده، ولما عهداه من صنع الله بموسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا..﴾. إلخ: أي: اعتمدوا على الله، وثقوا بنصره بعد الأخذ بأسباب النصر، من تضحية، وبذل مال، ونفس في سبيل الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ بالله، وبنبوّة موسى. فلمّا قال الرجلان ذلك؛ أراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة، وعصوا أمرهما، وقالوا ما أخبر الله عنهم بالآية التالية:\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿رَجُلانِ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلانِ﴾. ﴿يَخافُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَنْعَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رَجُلانِ،﴾ أو في محل نصب حال منهما بعد وصفهما بما تقدّم، أو هي حال من الواو، وهو ضعيف، ويجب تقدير «قد» قبلها على اعتبارها حالا، أو هي معترضة بين القول ومقوله على اعتبارها دعائية إنشائية، قاله ابن هشام","vol":"3","page":71},{"text":"-رحمه الله تعالى-: ويضعف من حيث المعنى أن تكون حالا، ولا يضعف في الصناعة لوصفها بالظرف.\n ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبابَ:﴾ انظر: ﴿الْأَرْضَ﴾ في الآية [٢١]، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، وفيه معنى الشرط، واختلف في ناصبها، فقيل:\nبالجواب. واعترض بأن الجواب قد يقترن بالفاء، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها. وقيل:\nبالشرط. واعترض أيضا بأنّها مضافة للشرط، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وأجيب عن هذا الاعتراض بأنّ القائلين: إنّ الناصب هو الشرط، لا يقولون بإضافة: «إذا» إليه، فلذا كان الثاني أرجح، وإن كان الأول أشهر، فقول بعض المعربين: خافض لشرطه، منصوب بجوابه جرى على غير الرّاجح، ولذا كانت عبارة سيبويه-رحمه الله تعالى-: (خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك) محتملة لما تريد من احتمالات، لذا فقد ذكرتها كلّما عرضت «إذا» إليّ.\n ﴿دَخَلْتُمُوهُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المرجوح المشهور. ﴿فَإِنَّكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (إنكم):\nحرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿غالِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿وَعَلَى:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (على الله): متعلقان بالفعل بعدهما.\n ﴿فَتَوَكَّلُوا:﴾ الفاء: حرف صلة. (توكلوا): فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء:\nاسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله، وجملة: ﴿وَعَلَى اللهِ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، والاستئناف ممكن.\n\n<span id=\"aya-693\"></span>﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها:﴾ انظر الآية رقم [٢٢]. ﴿أَبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ وهذا عناد شديد، ونكول عن الجهاد، ومخالفة ظاهرة لأمر الله، وأمر موسى، على نبينا، وحبيبنا،","vol":"3","page":72},{"text":"وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ و«الأبد» عبارة عن الزمان الطويل؛ الذي لا انقطاع له، ولا يتجزأ مثل غيره من الأزمنة؛ لأنّه لا يقال: أبد كذا، كما يقال: زمن كذا، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر.\n ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ:﴾ وصفوا الله بالذّهاب، والانتقال، والله متعال عن ذلك. ﴿إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ:﴾ قالوا ذلك استهانة، واستخفافا بالله، وبنبيّه موسى، ﵇. ولا وجه لما قيل:\nإنّ المراد ب: (ربّك): أخوك، وهو هارون؛ لأنّه كان أكبر من موسى، وكان موسى يطيعه.\nوقال النسفي: من العلماء من حمله على الظّاهر، وقال: إنّه كفر منهم، وليس كذلك؛ إذ لو قالوا ذلك اعتقادا، وكفرا به؛ لحاربهم موسى، ولم تكن مقاتلة الجبّارين أولى من مقاتلة هؤلاء، ولكن الوجه فيه أن يقال: اذهب أنت وربك يعينك على قتالهم، قال الخازن: لكن قوله: فقاتلا يفسد هذا التأويل، والأصح: أنّهم قالوا ذلك جهلا منهم بالله، وبصفاته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.\nتنبيه: ما أكبر الفارق بين أصحاب موسى، وأصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم يوم بدر حين استشارهم في قتال النّفير، فتكلّم أبو بكر﵁فأحسن، ثمّ تكلّم من تكلّم من الصحابة من المهاجرين، ورسول الله ﷺ يقول: «أشيروا عليّ أيّها النّاس» وما يقول ذلك إلا يستعلم به ما عند الأنصار؛ لأنّهم كانوا جمهور الناس يومئذ، فقال سعد بن معاذ﵁-: كأنّك تعرض بنا يا رسول الله! فو الذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته؛ لخضناه معك، ما تخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، وإنّا لصبر في الحرب، صدق في اللّقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله! فسرّ رسول الله ﷺ بقول سعد﵁-، ونشّطه ذلك. وممّن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي﵁-، كما قال عبد الله بن مسعود﵁قال: شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحبّ إليّ مما عدل به: أتى رسول الله ﷺ، وهو يدعو على المشركين يوم بدر، فقال: يا رسول الله! إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:\n ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن امض، ونحن معك، نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك، ومن خلفك. فرأيت وجه رسول الله ﷺ أشرق لذلك، وسرّه ذلك. أخرجه البخاري.\nالإعراب: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٤]، ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلّق بالفعل قبله. ﴿ما:﴾ ظرفية مصدرية. ﴿دامُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: «دام» التقدير: ما داموا موجودين فيها، و﴿ما﴾ والفعل: (دام) في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية،","vol":"3","page":73},{"text":"وهو بدل من: ﴿أَبَدًا﴾ بدل بعض من كل، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب. ﴿فَاذْهَبْ:﴾ الفاء: صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدّر. (اذهب): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. ﴿وَرَبُّكَ:﴾ معطوف على الضمير، وجاز ذلك للتأكيد بالضمير المنفصل، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nوإن على ضمير رفع متّصل... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل\nوقد نقل الجمل عن السّمين ثلاثة وجوه أخرى في إعرابه، لا داعي لها، وهو تكلّف.\nومثل هذه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٣٥]: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾. والجملة الفعلية:\n (اذهب) في محل نصب مقول القول، وعلى اعتبار الفاء الفصيحة فلا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط محذوف، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا منّا؛ فاذهب، والكلام كله في محل نصب مقول القول، والأول أولى؛ لأنّه لا يحوج إلى تقدير محذوف. ﴿فَقاتِلا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿هاهُنا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (هنا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلّق بما بعده. ﴿قاعِدُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وهي مفيدة للتّعليل.\n\n<span id=\"aya-694\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ..﴾. إلخ: لمّا نكل بنو إسرائيل عن القتال مع موسى غضب عليهم، وقال داعيا متوسلا ضارعا: ﴿رَبِّ إِنِّي..﴾. إلخ. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي: افصل، وقيل: احكم، ومن الأوّل قول الشّاعر: [الرجز]\nيا ربّ فافرق بينه وبيني... أشدّ ما فرقت بين اثنين\n ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ جمع فاسق، وهو الخارج عن حدّ الإيمان. وأصل الفسوق: الخروج عن حدّ القصد. والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأول: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إيّاها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة: الجحود وهو أن يرتكبها مستصوبا إيّاها. فإذا","vol":"3","page":74},{"text":"شارف هذا المقام، وتخطّى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التّغابي، أو الانهماك؛ فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتّصديق؛ الذي هو مسمّى الإيمان. انتهى. بيضاوي.\nتنبيه: توجّه موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-إلى ربه بهذا الكلام، باثّا حزنه إليه تعالى لمّا خالفه قومه، ولم يبق معه موافق يثق به إلا هارون أخوه، والرّجلان المذكوران، وإن كانا يوافقانه، ولكنّه لم يثق بهما؛ لما رأى من فسوق قومه، وعصيانهم لأوامر الله تعالى. وقيل: يجوز أن يراد بأخي من يؤاخيني في الدّين، فيدخلان حينئذ، وشكواه ممزوجة برقة القلب، والأسف الشديد. بمثل ذلك يستجاب الدّعاء، وتستجلب الرّحمة، وتستنزل النّصرة، ولذا غضب الله على بني إسرائيل، وفعل بهم ما تراه في الآية التالية.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، وانظر ما يجوز فيه من أوجه الإعراب في الآية رقم [٢٠]. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَفْسِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محلّ جر بالإضافة. ﴿وَأَخِي:﴾ ذكر فيه الجمل نقلا عن السمين ستة أوجه: أظهرها: أنّه منصوب عطفا على: ﴿نَفْسِي﴾. الثاني: أنّه منصوب عطفا على اسم: (إنّ) وخبره محذوف أيضا، والرابع: أنّه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف للدلالة المتقدّمة، ويكون قد عطف جملة اسمية غير مؤكدة على جملة اسمية مؤكدة ب: (إنّ). الخامس: أنّه مرفوع عطفا على الضمير المستتر في الفعل قبله، التقدير: ولا يملك أخي إلا نفسه، وجاز ذلك للفصل.\nالسادس: أنّه مجرور عطفا على ياء المتكلم، وهو جائز على مذهب الكوفيين، وغير جائز على مذهب البصريين للعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. انتهى بتصرّف منّي. هذا؛ وقد زاد ابن هشام في شذور الذهب وجوها أخر ضعيفة، أوصلها إلى أحد عشر.\n ﴿فَافْرُقْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا منهم؛ فافرق... إلخ. (افرق): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و(نا) في محل جر بالإضافة والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول. ﴿وَبَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.","vol":"3","page":75},{"text":"<span id=\"aya-695\"></span>﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ الله ﷿: ﴿فَإِنَّها﴾ أي: الأرض المقدسة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً:﴾ ظرف زمان، فإن علّق ب: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ كان التحريم موقتا بهذه المدّة غير مؤبّد، ويؤيد ذلك ما روي: أنّ موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-سار بعدها بمن بقي معه من بني إسرائيل، ففتح أريحا، وأقام فيها ما شاء الله، ثمّ قبض. وقيل: إنّه قبض في التّيه، ولما احتضر؛ أخبرهم بأنّ يوشع بعده نبيّ، وأنّ الله أمره بقتال الجبّارين، فسار يوشع بهم، وقتل الجبابرة، وصار الشّام كله لبني إسرائيل. وإن علق الظرف بالفعل: ﴿يَتِيهُونَ﴾ أي: يسيرون فيها متحيرين، لا يرون طريقا، ولا يعرفون أين يسيرون، فيكون التحريم مطلقا. روي: أنّه لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممّن قال: ﴿إِنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾. بل هلكوا جميعا في التيه. هذا؛ والتّحريم المذكور تحريم منع، لا تحريم شرع. قاله أكثر المفسّرين، ومنه قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [١١٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nجالت لتصرعني فقلت لها اقصري... إنّي امرؤ صرعي عليك حرام\nف: «حرام» بكسر الميم، انظر كتابنا المذكور لتعرف لماذا كسرت الميم؟ وأصل التيه في اللغة: الحيرة، يقال منه: تاه، يتيه، تيها، وتوها، إذا تحيّر، والأرض التيهاء: التي لا يهتدى فيها. قال الشاعر: [الطويل]\nبتيهاء قفر والمطيّ كأنّها... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها\n ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي: لا تأسف، ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به، فإنّهم مستحقون ذلك، ففيه تسلية لموسى﵇لمّا ندم على الدّعاء عليهم، وبيّن: أنّهم أحقاء بذلك العذاب لفسقهم، ولم يقل: «فلا تأس عليهم» وإنّما وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بشدّة الفسوق، ورسوخه في قلوبهم و«الأسى»: الحزن، وأسي، يأسى، أسى، أي: حزن. قال امرؤ القيس في معلّقته: [الطويل]\nوقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل\nوشرح التيه: أنّهم لبثوا أربعين سنة في تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا، وكانوا ستمائة ألف مقاتل، وكانوا يسيرون من الصّباح إلى المساء، فإذا هم في المكان الذي ارتحلوا عنه، ويسيرون من المساء إلى الصباح فإذا هم في المكان نفسه، وكان ذلك عقوبة لبني إسرائيل، ما خلا موسى. وهارون، ويوشع، وكالب، فإنّ الله سهّله عليهم، وأعانهم عليه، كما سهّل النار على","vol":"3","page":76},{"text":"إبراهيم، وجعلها عليه بردا، وسلاما. وبقاء هذا الجمع العظيم في هذه المساحة من الأرض مدّة أربعين سنة، بحيث لم يخرج منهم أحد، إنّما هو من باب خرق العادة، وهو في زمن الأنبياء غير مستبعد.\nولمّا آذاهم حرّ الشمس؛ أرسل الله عليهم الغمام يظلّهم في النهار، وأرسل عمودا من نور يطلع في الليل، فيضيء لهم طريقهم، وكان طعامهم من المنّ، والسلوى، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٧] مذكّرا الأبناء بنعمه على الآباء: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾. وكان ماؤهم من الحجر الّذي يحملونه، فيضربه موسى بعصاه، فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٠]: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ..﴾. إلخ، ومثلها في الأعراف رقم [١٦٠]، ولكن نفوسهم الخبيثة كرهت المنّ، والسّلوى، وطلبوا الثّوم، والبصل، وغيرهما، وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ..﴾. إلخ. هذا؛ وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم دائمة، فينشأ الناشئ منهم فتكون معه على مقدار هيئته، ولا تبلى حتّى يموت.\nتنبيه: توفي هارون ﵇ في التيه قبل موسى، ولم يره بنو إسرائيل، فقالوا لموسى:\nأنت قتلته لحبّنا إيّاه، وكان ﵇ رفيقا لطيفا بهم، فقال موسى: ويحكم إنّ هارون أخي، أفتروني أنّي أقتله؟! فلما أكثروا عليه؛ قام فصلى ركعتين، ثمّ دعا الله﷿فرفعت الملائكة سرير هارون بأمر الله ﷿؛ حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلّمت الملائكة بموته، فصدقت بنو إسرائيل: أنّه مات. وبرّأ الله موسى ممّا قالوه، ثمّ إنّ الملائكة حملوه، ودفنوه، ولم يطّلع على موضع قبره أحد.\nوفي رواية أخرى: أوحى الله إلى موسى أن انطلق بهم إلى قبره فإنّي باعثه؛ حتى يخبرهم:\nأنّه مات موتا، ولم تقتله. فانطلق بهم إلى قبره، فنادى: يا هارون! فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال: أنا قتلتك؟! قال: لا، ولكنّي متّ، قال: فعد إلى مضجعك. وانصرف.\nوأمّا موسى﵇-، فقال ابن إسحاق: كان صفيّ الله موسى﵇قد كره الموت، وأعظمه، فأراد الله أن يحبب إليه الموت، فنبأ يوشع بن نون، فكان موسى يغدو، ويروح إليه، ويقول له: يا نبيّ الله! ما أحدث الله إليك؟ فيقول له يوشع: يا نبيّ الله ألم أصحبك كذا، وكذا سنة؟ فهل كنت أسألك عن شيء ممّا أحدث الله إليك حتى كنت أنت تبتدئ به، وتذكره لي؟ ولا يذكر له شيئا، فلمّا رأى موسى ذلك كره الحياة، وأحبّ الموت. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أرسل ملك الموت إلى موسى، ﵊، فلمّا جاءه صكّه، ففقأ عينه، فرجع إلى ربّه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فردّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إليه، فقل له يضع يده على متن ثور، فله بما","vol":"3","page":77},{"text":"غطّت يده بكلّ شعرة سنة، قال: أي ربّ! ثمّ مه؟ قال: ثمّ الموت، قال: فالآن». فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر، فقال رسول الله ﷺ: «فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطّريق تحت الكثيب الأحمر». أخرجه مسلم.\nواختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت، وفقئها على أقوال كثيرة، والصّحيح من هذه الأقوال: أنّ موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-عرف ملك الموت، وأنّه جاءه ليقبض روحه، لكنه جاء مجيء الجازم بأنّه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نصّ عليه نبيّنا محمد ﷺ من أنّ الله لا يقبض روح نبيّ حتى يخيّره، فلمّا جاء على غير هذا الوجه الذي أعلم؛ بادر بشهامته، وقوّة نفسه إلى أدبه، فلطمه، ففقأ عينه امتحانا لملك الموت؛ إذ لم يصرح له بالتّخيير، وممّا يدل على صحة هذا: أنّه لما رجع ملك الموت، فخيره بين الحياة والموت؛ اختار الموت، واستسلم. والله بغيبه أحكم، وأعلم، هذا أصحّ ما قيل في وفاة موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصا، وأخبارا الله أعلم بصحّتها، وفي الصحيح غنية عنها، وكان عمره مائة وعشرين سنة يوم توفي.\nخاتمة: بعد وفاة موسى، وهارون في التيه على المعتمد تولى يوشع﵇أمر بني إسرائيل؛ لأنّ الله منحه النبوة، والرسالة، فلمّا انقضت الأربعون سنة أخبرهم أنّ الله ﷿ قد أمره بقتال الجبّارين، فصدّقوه، وتابعوه، فتوجه بهم إلى مدينة الجبّارين، وهي أريحا، وقيل:\nبيت المقدس، فحاصرها حتى فتحها، وكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، وبقيت من الجبّارين بقيّة، وكادت الشمس أن تغرب، وخشي دخول السّبت عليهم، فقال مخاطبا الشمس: إنّك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ! فحبسها الله؛ حتّى فتحها، وأمره الله أن يأمر بني إسرائيل أن يدخلوا باب المدينة المفتوحة سجّدا، وأن يقولوا: حطّة، أي: حطّ عنا يا ربنا ذنوبنا. فبدّلوا ما أمروا به، ودخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حبّة في شعرة. انظر الآيتين [٥٨ و٥٩] من سورة (البقرة)، والآيتين رقم [١٦١ و١٦٢] من سورة (الأعراف)، حيث انتقم الله منهم، وإذا عرفت: أنّ الذين كانوا مع يوشع ﵇ هم أبناء الذين خالفوا أمر موسى ﵇، وتاهوا؛ عرفت الخبث، واللّؤم المتأصّل في اليهود.\nوالحكمة في حبس الشمس على يوشع﵇عند قتاله الجبّارين، وإشرافه على فتح المدينة المذكورة عشيّ يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح: أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السّبت، ويعلم به عدوهم فيعمل بهم السّيف، ويجتاحهم، فكان ذلك آية خصّ بها بعد أن كانت نبوّته ثابتة بخبر موسى، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"3","page":78},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى (الله). ﴿فَإِنَّها:﴾ الفاء:\nحرف صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. التقدير: إذا كان هذا فعلهم؛ فإنّها... إلخ. (إنّها): حرف مشبه بالفعل. و(ها): اسمها. ﴿مُحَرَّمَةٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ وهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿أَرْبَعِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب ﴿مُحَرَّمَةٌ،﴾ أو بالفعل بعده على نحو ما رأيت في التفسير، منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿سَنَةً:﴾ تمييز، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَتِيهُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب: (على) على تعليق الظرف ب: ﴿مُحَرَّمَةٌ:﴾ ومستأنفة لا محلّ لها على تعليق الظرف بالفعل:\n ﴿يَتِيهُونَ﴾. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَأْسَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ صفة القوم.\n\n<span id=\"aya-696\"></span>﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى تمرّد بني إسرائيل، وعصيانهم لأمر الله في قتال الجبّارين؛ ذكر قصّة ابني آدم، وعصيان قابيل لأمر الله، وإقدامه على قتل النّفس البريئة؛ الّتي حرّمها الله، فاليهود اقتدوا في العصيان بأول عاص لله في الأرض، فطبيعة الشرّ، والفساد فيهم مستقاة من ولد آدم الأوّل، فتشابهت القصتان من حيث التمرّد، والعصيان. ثم ذكر الله تعالى عقوبة قطاع الطّريق، والسّرّاق الخارجين على أمن الدولة، والمفسدين في الأرض فيما يأتي من الآيات.\n ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اقرأ على أهل الكتاب الحاسدين لك. ﴿نَبَأَ:﴾ خبر. ﴿اِبْنَيْ آدَمَ:﴾ هما:\nهابيل، وقابيل. و﴿آدَمَ:﴾ اسم علم أعجمي مشتق من الأدمة بمعنى الأسوة، أو من أديم الأرض، أي من وجهها وترابها، أو من الأدمة بمعنى الألفة، قال سعيد بن جبير﵁-:\nإنّما سمي آدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وإنّما سمي إنسانا؛ لأنّه نسي، وكنيته في الجنة أبو محمد وفي الأرض أبو البشر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] سورة (البقرة) وما بعدها.\nوأصله أأدم بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في: إيمان، فإنّ أصله: إئمان، وكما قلبت في: أومن فإن أصله: أأمن.","vol":"3","page":79},{"text":"هذا؛ و(الحق) ضدّ الباطل، قال الرّاغب-رحمه الله تعالى-: أصل الحق: المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، و(الحقّ) يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة. ذلك؛ ويقال: فعل الله كلّه حق، نحو: الموت حقّ، والحساب حقّ، والجزاء حق... إلخ، ويقال للاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشّيء في نفسه، نحو: اعتقاد زيد في الجنة حقّ. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، نحو: قولك حقّ، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا؛ أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقّا. انتهى. بغدادي.\n ﴿قُرْبانًا:﴾ هو اسم لما يتقرّب به إلى الله تعالى، من ذبيحة، أو صدقة، أو صوم... إلخ، وقيل: هو مصدر، ولذا فإنّه لم يثنّ، أي: لم يقل: قربانين؛ مع كونهما اثنين. ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما:﴾ وهو هابيل، وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [١٥٢] من سورة (النساء)، فرفع قربان هابيل إلى الجنة، فلم يزل فيها إلى أن فدي به الذّبيح إسماعيل ﵇. ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ:﴾ هو قابيل. ﴿قالَ:﴾ أي: قابيل. ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ:﴾ توعّد أخاه هابيل بالقتل لفرط حسده على تقبّل قربانه. ﴿قالَ﴾ أي: هابيل. ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: تقبل الله قرباني لحسن نيّتي، وتقواي. وفيه إشارة إلى أنّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه؛ لخبث نيّته، وسوء فعله.\nتنبيه: روي: أنّ حوّاء﵍كانت تلد لآدم﵇بعد هبوطها من الجنة في كل بطن غلاما، وجارية إلا «شيثا» ﵇، فإنّها وضعته مفردا عوضا عن هابيل بعد قتله، وجملة أولادهما تسعة وثلاثون في عشرين بطنا، عشرون من الذكور، وتسعة عشر من الإناث أوّلهم قابيل، وتوأمته إقليما، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أم المغيث، ثم بارك الله في نسل آدم، فلم يمت؛ حتى رأى ولده، وولد ولده قد بلغوا أربعين ألفا، وكان إذا كبر أولاده؛ زوّج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر؛ لأنّه لم يكن نساء إلا أخواتهم، واستمرّ ذلك حتّى عهد نوح، عليه الصّلاة، والسّلام، فنسخ ذلك بتحريم الأخت مطلقا.\nفلمّا كبر قابيل، وهابيل، وكان الأوّل أكبر من الثاني بسنتين أمر آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل، وأن يزوج هابيل إقليما أخت قابيل، وكانت أجمل من لبودا، فذكر آدم ذلك لهما، فرضي هابيل، وسخط قابيل، وقال: هي أختي، وأنا أحق بها، فقال له أبوه: إنّها لا تحلّ لك.\nفأبى، وقال: إن الله لم يأمرك بهذا، وإنّما هو رأيك، فقال لهما: قربا لله قربانا، فأيكما تقبّل قربانه؛ فهو أحق بها، وكانت القرابين إذا قبلت؛ نزلت نار بيضاء من السماء فأكلتها، وإن لم تكن مقبولة؛ لم تنزل النار، بل تأكلها الطيور، والسباع، فخرجا من عند آدم؛ ليقربا القربان، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب صبرة من طعام رديء، وأضمر في نفسه: لا أبالي: قبل، أم لم يقبل؟ لا يتزوج أختي أحد غيري، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أحسن كبش في غنمه،","vol":"3","page":80},{"text":"وأضمر في نفسه ابتغاء مرضاة الله، فوضعا قربانيهما على جبل، ثمّ دعا آدم، فنزلت نار من السّماء، فأكلت قربان هابيل، فغضب قابيل، وأضمر الشرّ في نفسه إلى أن حجّ آدم كعبة الله في مكة المكرمة، فأتى هابيل، وهو في غنمه، وقال: لأقتلنّك؛ لأنّ الله تقبّل قربانك، وردّ قرباني، فقال هابيل: وما ذنبي إنّما يتقبل الله من المتّقين... إلخ.\nقال المرحوم عبد الوهاب النجار في كتابه: (قصص الأنبياء): وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة الدّم، مشهورة بأنّها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عنده، ثم قال: وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير، غير الحافظ: أنّه رأى النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر، وهابيل، أي: في المنام، وأنّه استحلف هابيل: أنّ هذا دمه، فحلف له، وذكر: أنّه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدّعاء، فأجابه إلى ذلك، وصدقه الرسول ﷺ وقال: إنّه، وأبا بكر، وعمر يزورون هذا المكان كلّ خميس، والله أعلم.\nأقول: قد زرت ذلك المكان في عام (١٩٥٨ م) ورأيت الدم لا يزال متجمّدا على الصخرة ماثلا يشاهد بالعين الباصرة بلا ريب، ولا خفاء. والله أعلم بحقيقة الأمر، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩٠] من سورة (الأعراف) فإنّه جيد، والحمد لله!\nتنبيه: ذكر الله هذه الحادثة لنبيه ﷺ، وقال له: اقرأها على اليهود اللّؤماء، وذلك كبرهان قاطع على صحّة نبوّته؛ لأنّه لم يكن يعرف القراءة، والكتابة، وقد أتى بأخبار الأوّلين، وهذا غيض من فيض، ومن قرأ القرآن، وتدبّره يجد الكثير من ذلك موجودا بين دفتيه، وهذه الحادثة مذكورة في التّوراة بكاملها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاتْلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتل): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره. وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما في الآية رقم [٢٠] وما بعدها؛ لأنّ الواو عاطفة حادثة على حادثة. ﴿نَبَأَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اِبْنَيْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى، وحذفت النون للإضافة، و﴿اِبْنَيْ:﴾ مضاف، و﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ أي: ملتبسا بالحقّ، وقيل: من الضمير المستتر بالفعل، والأوّل أقوى. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿نَبَأَ،﴾ أو بمحذوف حال منه، وتعليقه بالفعل: (اتل) لا بأس به. ﴿قَرَّبا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين فاعله. ﴿قُرْبانًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها.\n ﴿فَتُقُبِّلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تقبّل): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى القربان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿مِنْ أَحَدِهِما:﴾","vol":"3","page":81},{"text":"متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.\n ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُتَقَبَّلْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: (لم) ونائب الفاعل يعود إلى القربان. ﴿مِنَ الْآخَرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى قابيل تقديره: هو. ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف تقديره: والله، وهذا الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره:\nأقسم بالله. (أقتلنك): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ الّتي هي حرف لا محلّ له، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدّر، لا محلّ لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى هابيل، تقديره: «هو». ﴿إِنَّما:﴾\nكافة، ومكفوفة. ﴿يَتَقَبَّلُ اللهُ:﴾ مضارع وفاعله، ومفعوله محذوف؛ أي: يتقبّل الله القربان.\n ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها؛ لأنّها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر كالتي قبلها.\n\n<span id=\"aya-697\"></span>﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ..﴾. إلخ؛ أي: لئن قصدت قتلي؛ فأنا لا أقصد قتلك؛ فهذا استسلام من هابيل، ﵇، فبسط اليد كناية عن البطش، والفتك، انظر الآية رقم [١١]، وفي الخبر:\n «إذا كانت الفتنة؛ فكن خير ابني آدم». وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:\nقلت: يا رسول الله! إن دخل عليّ بيتي، وبسط يده إليّ؛ ليقتلني؟ فقال رسول الله ﷺ: «كن كخير ابني آدم» وتلا هذه الآية، وقال عبد الله بن عمر﵄وجمهور الناس: كان هابيل أشدّ قوة من قابيل، ولكنّه تحرّج. قال ابن عطية: وهذا هو الأظهر، ونحو هذا فعل عثمان﵁حين حصره المجرمون، وعرض عليه عليّ، وجماعة من الصّحابة المناصرة، ولكنّه أبى، قال أيوب السّختياني: إنّ أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمّة عثمان بن عفان، ﵁، وروي: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل».\nالإعراب: ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف، التقدير: والله. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿بَسَطْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِتَقْتُلَنِي:﴾ فعل","vol":"3","page":82},{"text":"مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل ﴿بَسَطْتَ﴾.\n ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محلّ رفع اسمها. ﴿بِباسِطٍ:﴾ حرف جر صلة. (باسط): خبر: ﴿ما﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر تقديره:\nأنا. ﴿يَدِيَ:﴾ مفعول به ل: (باسط) منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (باسط)، والجملة الاسمية: ﴿ما أَنَا..﴾. إلخ جواب القسم لا محلّ لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام: ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ لأنّه من قول هابيل.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: أنا. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبَّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، و﴿رَبَّ:﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلامة الجر الياء... إلخ. وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وهي مفيدة للتّعليل.\n\n<span id=\"aya-698\"></span>﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنِّي أُرِيدُ..﴾. إلخ: المعنى: إن أردت قتلي؛ فأنا لا أريد قتلك؛ لأنّي أريد أن تحمل وزري؛ إن قتلتني. وهذا يعضده قوله ﷺ: «يؤتى يوم القيامة بالظّالم، والمظلوم، فيؤخذ من حسنات الظّالم، فتزاد في حسنات المظلوم؛ حتّى ينتصف، فإن لم تكن له حسنات؛ أخذ من سيّئات المظلوم، فتطرح عليه». أخرجه مسلم بمعناه، ويعضده قوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾. وحديث: «أتدرون من المفلس؟» مشهور مسطور. ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ أي: من المخلّدين فيها، الملازمين لها. ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس﵄-: خوّفه بالنار، فلم ينته، ولم ينزجر.","vol":"3","page":83},{"text":"هذا؛ و﴿تَبُوءَ:﴾ ترجع، وتنقلب، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ،﴾ ومنه قول النبي ﷺ في حديث سيد الاستغفار. «أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي» أي: أعترف بنعمتك عليّ، وأرجع بذنبي إليك؛ لتغفره لي. وأصله في اللغة: الرّجوع، ومثله:\n «آب» بتقديم الهمزة على الباء، قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته [٦٥]: [الوافر]\nفآبوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مصفّدينا\n ﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. أمّا ﴿أَصْحابِ﴾ فإنّه جمع: صاحب، ويكون بمعنى المالك كما هنا، ويكون بمعنى الصّديق، ويجمع على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثمّ يجمع أصحاب على: أصاحيب، ثم يخفّف، فيقال: أصاحب. ﴿النّارِ:﴾ أصلها النّور، يقال: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنّث المجازي، وقد تذكّر، وتصغيرها نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة. هذا؛ وقد جعل الله الكفار ﴿أَصْحابِ النّارِ﴾ بمعنى: مالكيها، لملازمتهم، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾.\nهذا؛ ويكنّى بها عن جهنّم؛ التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين المفسدين يوم الدّين، كما أنّها تستعار للشدّة، والضّيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل]\nوألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها\n ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ:﴾ هذا من مقول الله تعالى، فيكون فيه وعيد، وتهديد لكلّ معتد، وظالم، وإن كان من مقول هابيل؛ ففيه وعظ مشوب بالتّهديد، والوعيد. وإنّما قال له هذا بعد أن وعظه، واستعطفه، وذكّره الله تعالى، فلم يرجع، ولم ينته، فلمّا رآه هابيل قد صمّم على القتل؛ قال له: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ..﴾. إلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿أُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَبُوءَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: أنت، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل آخر للنفي في الآية السابقة، وهي من مقول هابيل أيضا. ﴿بِإِثْمِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِثْمِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَتَكُونَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تكون): معطوف على: ﴿تَبُوءَ﴾ منصوب مثله وهو مضارع ناقص، واسمه مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت. ﴿مِنْ أَصْحابِ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر:\n (تكون)، و﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف، و﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله،","vol":"3","page":84},{"text":"وفاعله مستتر فيه. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الظّالِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-699\"></span>﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ:﴾ زينت، وسهّلت. من: طاع له المرتع: إذا اتّسع، وسهل.\nوذلك: أنّ الإنسان إذا تصوّر: أنّ قتل النفس من أكبر الكبائر؛ صار ذلك صارفا له عن القتل، فإذا سهّلت عليه نفسه هذا الفعل؛ فعله بغير كلفة. وقرئ: «(فطاوعت له نفسه)». ﴿قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أي: هابيل. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: خسر دنياه، وآخرته، أمّا دنياه؛ فأسخط والديه، وبقي بلا أخ، وأمّا آخرته فأسخط ربّه، وصار إلى النّار. وانظر (الخسران) في الآية رقم [١١٩] من سورة (النّساء).\nقال ابن جريج: لمّا قصد قابيل قتل هابيل، فلم يدر كيف يقتله؟ فتمثّل له إبليس، وقد أخذ طيرا، فوضع رأسه على حجر، ثمّ رضخه بحجر آخر، وقابيل ينظر، فعلّمه القتل، فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين؛ وهو نائم مستسلم صابر، وقيل: بل اغتاله؛ وهو نائم فقتله، وكان ابن عشرين سنة، واختلف في المكان اختلافا كثيرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] واعتمده.\nعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتل نفس ظلما إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها؛ لأنّه أوّل من سنّ القتل». أخرجه السّتّة ما عدا أبا داود، ثمّ إنّه هرب إلى أرض عدن من اليمن، فأتاه إبليس، وقال له: إنّما أكلت النّار قربان أخيك؛ لأنّه كان يعبدها، فانصب أنت نارا تكون لك، ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من عبد النّار فيما قيل، والله أعلم.\nوروي عن ابن عباس﵄أنّه لمّا قتل قابيل هابيل، وآدم بمكّة؛ اشتاك الشّجر، وتغيّرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبرّت الأرض، فقال آدم- على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند؛ فإذا قابيل قد قتل هابيل، وروي: أنّه لما تغيّرت الحال؛ قال: [الوافر]\nتغيّرت البلاد ومن عليها... فوجه الأرض مغبرّ قبيح\nتغيّر كلّ ذي طعم ولون... وقلّ بشاشا الوجه المليح\nويروى عن ابن عباس﵄-: أنّه قال: من قال: إنّ آدم قال شعرا؛ فقد كذب، وإن محمّدا ﷺ والأنبياء كلّهم في النهي سواء. يروى: أنّ إبليس أخزاه الله جاء إلى","vol":"3","page":85},{"text":"حواء مسرعا، فقال لها: يا حواء! إنّ قابيل قتل هابيل، فقالت: ويحك! وأيّ شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل، ولا يشرب، ولا يتحرك. قالت: ذلك الموت؟ قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم، وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلّمه، ورجع إليها مرّتين، فلم تكلّمه، فقال: عليك الصّيحة وعلى بناتك، وأنا وبنيّ منها براء.\nولمّا مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين. وقيل:\nبخمسين سنة، ولدت حواء له «شيثا»، وتفسيره: هبة الله، أي: خلفا من «هابيل» فأنزل الله عليه خمسين صحيفة، وصار وصيّ آدم، ووليّ عهده، والصّحائف فيها أحكام، وعظات، وتبيين عبادات.\nالإعراب: ﴿فَطَوَّعَتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (طوعت): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿نَفْسُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قَتْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَخِيهِ:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة، والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَقَتَلَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى «قابيل» والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. (أصبح): فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى «قابيل» تقديره: هو. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر: (أصبح) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-700\"></span>﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ:﴾ يحفر الأرض بمنقاره، ورجليه. ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي:﴾ يدفن. ﴿سَوْأَةَ أَخِيهِ:﴾ جسده الميت، فإنّه يستقبح أن يرى مكشوفا متروكا في العراء. ﴿قالَ:﴾ أي: قابيل. ﴿يا وَيْلَتى:﴾ كلمة تحسر، وتلهّف، تقال عند وقوع الدّاهية العظيمة. قال الزجاج: أصلها: يا ويلتي: فأبدل من الياء ألفا؛ لأنّها أخف من الياء، والكسرة.\nهذا؛ ويقرأ فيها وفي مثلها بالياء على الأصل. قال البيضاوي: أصله في الشرّ، فأطلق على كل أمر فظيع، وجاءت في سورة (هود) رقم [٧٢] للتعجّب. ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ﴾ يعني: مثل هذا الغراب الذي وارى الغراب الآخر في الحفرة؛ الّتي حفرها. ﴿فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي:﴾ أي: فأستر جثّته، وعورته عن الأعين.","vol":"3","page":86},{"text":"﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ:﴾ يعني: على حمله، لا على قتله. وقيل: إنّه ندم على قتل أخيه؛ لأنّه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه أبواه، وإخوته، فندم لأجل ذلك، لا لأجل أنّه جنى جناية، واقترف ذنبا عظيما بقتله، فلم يكن ندمه ندم توبة، وخوف، وإشفاق من قتله، فلأجل ذلك لم ينفعه الندم. هذا؛ والغراب طائر أسود يتشاءم النّاس به. ويجمع على: أغرب، وغرب، وأغربة، وجمع الجمع: غربان.\nخاتمة: قال أصحاب الأخبار: لمّا قتل قابيل أخاه هابيل؛ تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع به؛ لأنّه أول ميت من بني آدم، فقصدته السّباع لتأكله، فحمله على ظهره في جراب؛ حتى أنتن، فبعث الله غرابين، فاقتتلا؛ حتى قتل أحدهما الآخر، فحفر بمنقاره، ورجليه حفيرة، ثم ألقاه فيها، وواراه التراب، وقابيل ينظر، فلمّا رأى ذلك من فعل الغراب؛ قال: يا ويلتى... إلخ:\nفأصبح من النادمين على حمله، لا على قتله، فلم يكن ندمه ندم توبة وخوف من فعله، فلأجل هذا لم ينفعه الندم.\nوأمّا قابيل؛ فذهب طريدا شريدا، وأخذ بيد أخته إقليما، وهرب بها إلى أرض اليمن كما قدّمته، وعبد النّار، وفعلت ذريته من بعده الفواحش، والمنكرات حتى أغرقهم الله جميعا بالطّوفان في زمن نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فلم يبق من ذرية قابيل أحد، وأبقى الله ذرية شيث، ونسله إلى يوم القيامة.\nولمّا مات قابيل؛ علقت إحدى رجليه بفخذه، وعلق بها، فهو معلق بها إلى يوم القيامة، وجهه إلى الشمس حيث دارت، وعليه حظيرة من نار في الصّيف، وخطيرة من ثلج في الشتاء، فهو يعذب بذلك إلى يوم القيامة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَبَعَثَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بعث الله غرابا): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَبْحَثُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿غُرابًا﴾.\n ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿غُرابًا﴾.\n ﴿لِيُرِيَهُ:﴾ اللام: حرف جر وتعليل. (يريه): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ على المعتمد، وقيل: إلى (الغراب)، والهاء مفعول به أول، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبله: (بعث)، ويكون الفاعل عائدا إلى: ﴿اللهُ،﴾ أو بالفعل: ﴿يَبْحَثُ﴾ فيكون الفاعل عائدا إلى: (الغراب). ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل:\n ﴿يُوارِي﴾ بعده، الذي هو فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى «قابيل». ﴿سَوْأَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و﴿أَخِيهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ يُوارِي..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (يري).","vol":"3","page":87},{"text":"﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى «قابيل». ﴿يا وَيْلَتى:﴾ (يا): حرف نداء، وندبة ينوب مناب: أدعو. (ويلتى): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والمنقلبة ألفا في الندبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. وأصل النداء أن يكون لمن يعقل، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا، والمعنى: أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك.\n ﴿أَعَجَزْتُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (عجزت): فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: أنا. ﴿مِثْلَ:﴾\nخبر ﴿أَكُونَ﴾ و﴿مِثْلَ:﴾ مضاف، واسم الإشارة: ﴿هذَا﴾ مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له، أو عطف بيان له، وبعضهم يعتبره نعتا له، و﴿أَنْ﴾ و﴿أَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هو منصوب بنزع الخافض.\n ﴿فَأُوارِيَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أواري): معطوف على: (أكون) منصوب مثله، وقيل:\nالفاء للسببية، والفعل منصوب ب: «أن» مضمرة بعدها، ولا وجه له، والفاعل مستتر تقديره: أنا.\n ﴿سَوْأَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَخِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والكلام: ﴿يا وَيْلَتى..﴾. إلخ كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ:﴾ انظر مثلها في الآية السابقة، وهي معطوفة على جملة: (بعث الله...) إلخ. أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-701\"></span>﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: المناسبة بين هذه الآية وبين ما تقدّم تتجلّى فيما يلي: إنّ اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة في الزّجر عن قتل النّفس؛ أقدموا على قتل الأنبياء، والرّسل، وذلك يدلّ على قساوة قلوبهم، وبعدهم عن الله، ﷿. ولمّا كان الغرض من ذكر هذه القصّة-أي:\nالمتقدمة-تسلية النّبيّ ﷺ على ما أقدم عليه اليهود من الفتك به، وبأصحابه؛ فتخصيص بني إسرائيل بالذّكر في هذه الآية مناسب للكلام السّابق، وتوكيد للمقصود. والله أعلم. انتهى.\nخازن. بتصرف.","vol":"3","page":88},{"text":"﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ:﴾ أي: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلما، وعدوانا، وبسبب جنايته عليه.\n ﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم، وفرضنا عليهم، وأعلمناهم، وتخصيص بني إسرائيل بالذّكر، وقد تقدّمتهم أمم قبلهم؛ كان قتل النفس فيهم محظورا؛ لأنّهم أوّل أمّة نزل الوعيد عليهم في قتل النّفس مكتوبا في التّوراة، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، فغلّظ الأمر عليهم بحسب طغيانهم، وسفكهم الدّماء.\n ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ..﴾. إلخ: أي: من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض، واستحلّ قتلها بلا سبب، ولا جناية فكأنّما قتل الناس جميعا. وفي تأويل ذلك أقوال كثيرة، فروي عن ابن عباس﵄-: أنّه قال: المعنى: من قتل نبيّا، أو إمام عدل، فكأنّما قتل الناس جميعا، ومن أحياه بأن شدّ عضده، ونصره؛ فكأنّما أحيا الناس جميعا. وعنه أيضا: أنّه قال: المعنى: من قتل نفسا واحدة، وانتهك حرمتها، فهو مثل من قتل الناس جميعا. ومن ترك نفسا واحدة، وصان حرمتها، واستحياها خوفا من الله؛ فهو كمن أحيا النّاس جميعا. وبالجملة: فقد حرّم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بظلم، وعدوان. وهذا صريح قول الرسول ﷺ: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثّيّب الزّاني، والنّفس بالنّفس، والتّارك لدينه، المفارق للجماعة». أخرجه الخمسة ما عدا ابن ماجة عن عبد الله بن مسعود، ﵁.\nقال سعيد بن جبير﵁-: من استحلّ دم مسلم؛ فكأنّما استحلّ دماء الناس جميعا، ومن حرّم دم مسلم؛ فكأنّما حرّم دماء الناس جميعا. والأقوال في ذلك كثيرة، وأكتفي بهذا. هذا؛ و«الإحياء» يكون بسبب عفو، أو منع من قتل، أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة، كغرق، وحرق... إلخ؛ فكأنّما فعل ذلك بالناس جميعا، والمقصود تهويل أمر القتل، وتفخيم شأن الإحياء. هذا؛ وبين: ﴿قَتَلَ﴾ و﴿أَحْيَا﴾ طباق وهو من المحسّنات البديعيّة.\n ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالبراهين السّاطعة، والحجج الدّامغة، والدّلائل الواضحة. ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود. ﴿بَعْدَ ذلِكَ:﴾ أي: بعد مجيء الرّسل.\n ﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ:﴾ متجاوزون حدود الله. وإنّما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ لأنّه تعالى علم أنّ منهم من يؤمن بالله ورسوله، وهم قليل من كثير، كعبد الله بن سلام، وأصحابه. وفيه تقريع لهم، وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، وما أكثر ما وبّخهم الله، وقرّعهم على فسادهم. ومن قرأ القرآن وتدبّر معانيه؛ يجد ذلك في كثير من سوره.\nبعد هذا: بين ﴿قَتَلَ﴾ و﴿أَحْيَا﴾ طباق، وهو من المحسنات البديعية. وفي قوله تعالى:\n ﴿أَحْياها﴾ استعارة؛ لأنّ المراد استبقاها حيّة، ولم يتعرّض لقتلها، وإحياء النفس بعد موتها لا يقدر عليه إلا الله تعالى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"3","page":89},{"text":"هذا؛ وقوله تعالى: ﴿كَتَبْنا﴾ فإنّه يكثر التعبير بمثل هذا في القرآن الكريم، قال ابن تيميّة -رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح): وقوله تعالى: (جعلنا) (أعطينا) (إنا) (نحن) (نقص) و(نعطي) لفظ يقع في جميع اللّغات على من كان له شركاء، وعلى الواحد العظيم المطاع، الّذي له أعوان يطيعونه؛ وإن لم يكن له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنّا، نحن، وفعلنا، وضربنا... إلخ، ولا يريدون أنّهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك ربّ العالمين، وربّ كلّ شيء، ومليكه هو أحقّ أن يقول: إنّا، نحن... إلخ مع أنّه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السّماوات، والأرض. انتهى.\nأقول: و(نا) هذه تسمّى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلّم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا، وليس معه أحد، وهذا مستعمل، وواقع.\nالإعراب: ﴿مِنْ أَجْلِ:﴾ متعلّقان بالفعل بعدهما، وقيل: متعلّقان ب: ﴿النّادِمِينَ﴾ وهو ضعيف، و﴿أَجْلِ:﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السّكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿كَتَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة إعرابا، ومتّصلة بما قبلها معنى، كما ذكرته في الشّرح. ﴿عَلى بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، وعلامة جرّه الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي:﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وهو ضمير الشأن. ﴿مِنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَتَلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى:\n ﴿مِنْ﴾ تقديره: هو. ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعله المستتر، و(غير) مضاف، و﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿فَسادٍ:﴾ معطوف على ﴿نَفْسٍ:﴾ التقدير: غير فساد، وقرئ بالنّصب على أنّه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أو عمل فسادا. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَسادٍ،﴾ وهما متعلقان به؛ لأنّه مصدر. ﴿فَكَأَنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (كأنّما): كافة، ومكفوفة. ﴿قَتَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ﴾. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿جَمِيعًا:﴾\nحال من ﴿النّاسَ،﴾ وجملة: ﴿فَكَأَنَّما..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ، الذي هو ﴿مِنْ﴾ مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا، وإن اعتبرت ﴿مِنْ﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ والجملة","vol":"3","page":90},{"text":"الفعلية بعدها صلتها، وجملة (كأنّما... إلخ) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿كَتَبْنا﴾.\n ﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا:﴾ إعراب هذا الكلام مثل سابقه بلا فارق، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمة في الآية رقم [١٢]. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به.\n ﴿رُسُلُنا:﴾ فاعله. و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيرًا:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلّق ب: (مسرفون) بعده، وهو مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان ب: (مسرفون) أيضا. ﴿لَمُسْرِفُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مسرفون) خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ كَثِيرًا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة القسمية، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-702\"></span>﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يحاربون شريعة الله، ودينه، وأولياءه، وهم المؤمنون، فهو على حذف المضاف، وفي الحديث القدسي: «من أهان لي وليّا؛ فقد بارزني بالمحاربة». وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى يقول: من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب». أخرجه البخاريّ، رحمه الله تعالى. ومنه قول الرسول ﷺ: «من آذى جاره؛ فقد آذاني، ومن آذاني؛ فقد آذى الله، ومن حارب جاره؛ فقد حاربني، ومن حاربني؛ فقد حارب الله». رواه ابن حبان عن أنس﵁-.\n ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا﴾ أي: بالقتل، وأخذ أموال الناس، وقطع الطريق، وإخافة الناس. ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا..﴾. إلخ: فالقتل لمن قتل فقط. والصّلب لمن قتل، وأخذ المال. والقطع لمن أخذ المال، ولم يقتل. والنفي لمن أخاف النّاس فقط. والقطع من خلاف: أي: تقطع","vol":"3","page":91},{"text":"أيديهم اليمنى، وأرجلهم اليسرى. والنّفي: هو الإبعاد من بلد إلى آخر، بحيث لا يمكّنون من القرار في موضع، والمقصود من ذلك الإيحاش، والبعد عن الأهل، والوطن، فإذا عيّن الحاكم المسلم جهة؛ فليس للمنفي طلب غيرها، وفسّره أبو حنيفة، ومالك بالحبس، فينفى من سعة الدّنيا إلى ضيقها، فصار كأنّه إذا سجن؛ فقد نفي من الأرض إلاّ من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك: [الطويل]\nخرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا\nإذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا\nحكى مكحول-رحمه الله تعالى-: أنّ عمر﵁أوّل من حبس في السّجون، وقال: أحبسه؛ حتى أعلم منه التّوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد، فيؤذيهم. والظاهر: أنّ الأرض في الآية هي أرض النّازلة، وقد تجنّب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذّنوب، ومنه حديث الذي قتل تسعا وتسعين.\n ﴿أَوْ:﴾ في الآية الكريمة للتقسيم، والتنويع، والترتيب، وقيل: إنّها للتّخيير، فالإمام مخيّر بين هذه الأمور، والمعتمد الأوّل. ﴿ذلِكَ﴾ أي: الجزاء المذكور بأنواعه. ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا:﴾ لهم ذلّ، وهوان، وفضيحة، ونكال في هذه الحياة الدنيا مع ما ادّخر الله لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وهذا يؤيد قول من قال: إنّها نزلت في المشركين، فأمّا أهل الإسلام؛ ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت﵁قال: «أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النّساء: ألاّ نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل، ولا يعضه بعضنا بعضا-يرمي غيره بالإفك، والكذب، والبهتان-قال: فمن وفى منكم؛ فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب؛ فهو كفّارة له، ومن ستره الله؛ فأمره إلى الله إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه».\nوعن عليّ-كرّم الله وجهه-قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصاب في الدّنيا ذنبا، فعوقب به؛ فالله أعدل من أن يثنّي عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبا في الدّنيا، فستره الله عليه؛ فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه». رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة برقم [٢٦٠٤].\nوقال ابن جرير: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا، فلهم في الآخرة مع الجزاء الّذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي فرضتها عليهم عذاب عظيم في الآخرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في ثمانية أشخاص من قبيلتي عكل، وعرينة، قدموا المدينة المنورة، وأظهروا الإسلام نفاقا، فأقاموا فيها أياما، فمرضوا؛ لأنّ المدينة لا تقبل من كان في","vol":"3","page":92},{"text":"قلبه دخن، بل تنفيه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ: فرخّص لهم أن يأتوا إبل الصّدقة، فشربوا من ألبانها، وأبوالها، ولمّا صحّوا، وشفوا؛ قتلوا راعي الإبل، واستاقوا الإبل، وكانت خمسة عشر بعيرا، وكان الرّاعي عبدا لرسول الله ﷺ، واسمه: يسار، وكان نوبيّا، فأرسل الرّسول ﷺ في طلبهم عشرين فارسا، أميرهم كرز بن جابر الفهري﵃ أجمعين-، فأدركوهم، وأتوا بهم إلى رسول الله ﷺ، فأمر بهم فسمرت أعينهم، وقطعت أيديهم، وأرجلهم، وتركوا في الحرّة يعضون الحجارة من شدّة العطش، ويستسقون، فلا يسقون حتّى ماتوا، وسمر الأعين معناه: أنّه أحمى مسامير الحديد، وكحل بها أعينهم؛ حتّى ذهب ضوؤها، وهذا الفعل وإن كان من قبيل المثلة المحرّمة، لكن فعله النبي ﷺ إمّا قبل التحريم، أو لأنّهم فعلوا بالرّاعي مثل هذا الفعل.\nتنبيه: خصوص السبب لا يمنع تعميم الحكم. فالحكم باق إلى يوم القيامة، فكلّ من آذى المسلمين بقتل، أو سلب مال، أو إخافة يستحق العقوبة الّتي قرّرتها الآية الكريمة، ويطلق على من يفعل ذلك اسم: البغاة، وهذا الحكم ممّا اختصت به سورة (المائدة) فلم يذكر في غيرها.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿يُحارِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿فَسادًا:﴾ مفعول لأجله، وقيل: هو مصدر وقع موقع الحال بمعنى: يفسدون، أو ذوي فساد، أو هو مفعول مطلق، عامله الفعل قبله؛ لأنّه بمعنى: يفسدون، و«فساد» اسم مصدر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿يُقَتَّلُوا:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، وما بعده معطوف عليه، وقد قرئ بتخفيف الأفعال الثلاثة، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محلّ رفع خبر المبتدأ، الذي هو: ﴿جَزاءُ﴾ فهو إخبار بمصدر عن مصدر، التقدير: إنّما جزاء... إلخ التقتيل، والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ نائب فاعل ل: ﴿تُقَطَّعَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿وَأَرْجُلُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيها في محلّ جرّ بالإضافة.\n ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ،﴾ بمعنى: مختلفة. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿يُنْفَوْا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، وحذفت الصّفة، التقدير: من الأرض التي يريدون الإقامة فيها.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿خِزْيٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر،","vol":"3","page":93},{"text":"والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان ب: ﴿خِزْيٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، ويجوز أن يكون: ﴿خِزْيٌ﴾ خبرا ل: ﴿ذلِكَ﴾. و﴿وَلَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿خِزْيٌ﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا، ويجوز أن يكون: ﴿لَهُمْ﴾ خبرا ل:\n ﴿ذلِكَ﴾. و﴿خِزْيٌ:﴾ فاعل بالجار والمجرور لاعتمادهما على المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان مقدّم، أو هما متعلّقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من الضّمير المستتر في الخبر المحذوف، وتعليقهما بمحذوف حال من: ﴿عَذابٌ﴾ لا يجيزه كثير من النّحويين. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-703\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ أي: من المحاربين، والقطّاع. ومعنى توبتهم: رجوعهم إلى حوزة المسلمين، وتسليم أسلحتهم، واعترافهم بأنّ خروجهم كان خطأ، وجهلا. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ:﴾ وهذا قيد لقبول توبتهم، وهذا في حقّ الله تعالى أيضا، وأمّا حقّ العباد؛ فلا يسقط بتوبتهم، ولو كانت قبل القدرة عليهم، فإن قتلوا نفسا، أو سلبوا مالا؛ فلا بدّ من القصاص منهم؛ وأن ردّوا المال لصاحبه، كما أنّه لا تنفعهم توبتهم بعد القدرة عليهم، وهذا كلّه في حقّ المسلمين إذا خرجوا عن طاعة الحاكم المسلم العادل، وأمّا الكفار؛ فتقبل توبتهم قبل القدرة عليهم، وبعدها؛ حتى في حقّ العباد ما لم يظهر لنا منهم خداع بعد القدرة عليهم.\n ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ:﴾ اعتقدوا، وتيقنوا. ﴿غَفُورٌ﴾ أي: للمحاربين، والقطاع إذا تابوا قبل القدرة عليهم، وهذا في حق الله تعالى، كما قدّمت. و﴿غَفُورٌ:﴾ صيغة مبالغة، و﴿رَحِيمٌ:﴾ مثله.\nهذا وقال قوم من الصحابة، والتابعين: لا يطالب من المال إلا بما وجد عنده، وأمّا ما استهلكه؛ فلا يطالب به، وهذا مذهب مالك، والأوزاعي غير أنّ مالكا-رحمه الله تعالى-قال:\nيؤخذ بالدّم إذا طالب به وليّه، فأمّا ما أصاب من الدّماء، والأموال، ولم يطلبها أولياؤها، فلا يتبعه الإمام بشيء من ذلك، وهذا حكم عليّ﵁بحارثة بن بدر الفداني، فإنّه كان محاربا، ثمّ تاب قبل القدرة عليه، فكتب له عليّ-كرّم الله وجهه-بسقوط الأموال، والدّم عنه كتابا منشورا.\nوكذلك جاء رجل من مراد إلى أبي موسى الأشعري﵁وهو على الكوفة في خلافة عثمان﵁بعد ما صلّى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى! هذا مقام العائذ بك،","vol":"3","page":94},{"text":"أنا فلان بن فلان المرادي، كنت قد حاربت الله، ورسوله، وسعيت في الأرض فسادا، وإنّي تبت من قبل أن يقدر عليّ. فقام أبو موسى، فقال: هذا فلان المراديّ، وإنّه كان حارب الله، ورسوله، وسعى في الأرض فسادا، وإنّه قد تاب من قبل أن يقدر عليه، فلا يتعرّض له أحد إلا بخير. وروى ابن جرير: أنّ عليّا الأسديّ حارب، وأخاف السّبيل، وأصاب الدّم، والمال، فطلبه الأئمة، والعامّة، فامتنع، ولم يقدروا عليه؛ حتّى جاء تائبا، وذلك: أنّه سمع رجلا يقرأ قوله تعالى في سورة الزّمر: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا..﴾. إلخ، فوقف عليه، فقال: يا عبد الله! أعد قراءتها، فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثمّ جاء تائبا؛ حتى قدم المدينة من السّحر، فاغتسل، ثمّ أتى مسجد رسول الله ﷺ، فصلّى الصّبح، ثمّ قعد إلى أبي هريرة﵁في أغمار أصحابه، فلمّا أسفروا؛ عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ جئت تائبا من قبل أن تقدروا عليّ! فقال أبو هريرة﵁-: صدق، وأخذ بيده؛ حتى أتى مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا جاء تائبا، ولا سبيل لكم عليه، فترك وشأنه. ثمّ إنّه خرج مجاهدا في سبيل الله في البحر، فغرق فيه﵁-. وخذ ما يلي:\nقال العلماء: يناشد اللّصّ بالله تعالى، فإن كفّ؛ ترك، وإن أبى؛ قوتل، فإن قتل؛ فشرّ قتيل، ودمه هدر. روى النّسائي عن أبي هريرة﵁-: أنّ رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! أرأيت إن عدي على مالي؟ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: «فقاتل، فإن قتلت؛ ففي الجنّة، وإن قتلت؛ ففي النّار». وأخرجه البخاريّ، ومسلم، وليس فيه ذكر المناشدة. وذكرت لك مرارا عند الكلام على الشّهادة: أنّ من قتل دون ماله فهو شهيد.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ،﴾ وهذا بالطبع أخص من المتقدّم ليصح الاستثناء. وقيل:\nهو في محل رفع مبتدأ. ﴿تابُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ في محل جر بالإضافة، أي: من قبل القدرة عليهم. ﴿فَاعْلَمُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي زائدة في خبر المبتدأ. (اعلموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل: (إنّ) والمصدر المؤول منها، واسمها، وخبرها في محل نصب سدّ مسد مفعولي: (اعلموا)، والجملة الفعلية مستأنفة على الاعتبار الأول في الموصول، وفي محل رفع خبره على الاعتبار الثاني فيه، وعليه؛ فالرابط محذوف، التقدير: غفور لهم رحيم بهم، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ..﴾.\nإلخ في محل نصب على الاستثناء من الكلام السابق، واعتبار الموصول مستثنى من الكلام","vol":"3","page":95},{"text":"السابق يجعل الجملة الفعلية: (اعلموا...) إلخ غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع كونها مرتبطة بها معنى، وقد تقدّم نظائر لها كثيرة.\n\n<span id=\"aya-704\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَاِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿اِتَّقُوا اللهَ:﴾ أصل الفعل:\nاوتّقيوا، قلبت الواو تاء، وأدغمت بالتّاء، وحذفت الضمّة التي على الياء، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء، فصار (اتّقوا) ثم قلبت الفتحة ضمة لمناسبة الواو. هذا؛ و(التّقوى):\nحفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأنّ أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتّحرّز من المهالك في الدّنيا، والآخرة.\n ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ:﴾ اطلبوا إلى الله الوسيلة. قال ابن عباس﵄-:\nالقربة، وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: أي: تقربوا إلى الله بطاعته، والعمل بما يرضيه، والوسيلة هي الّتي يتوصّل بها إلى تحصيل المقصود. قال عنترة: [الكامل]\nإنّ الرّجال لهم إليك وسيلة... أن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي\nوالجمع: الوسائل، قال الشّاعر: [الطويل]\nإذا غفل الواشون عدنا لوصلنا... وعاد التّصافي بيننا والوسائل\nهذا؛ و(الوسيلة): درجة في الجنّة، وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله -﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يسمع النداء: اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة، والصّلاة القائمة آت محمّدا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الّذي وعدته؛ حلّت له شفاعتي يوم القيامة».\nوعن عبد الله بن عمرو﵁-: أنّه سمع النبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن؛ فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ، فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها منزلة في الجنّة، لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة؛ حلّت له الشّفاعة». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنّسائي.\nوعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا صلّيتم عليّ؛ فسلوا لي الوسيلة» قيل: يا رسول الله! وما الوسيلة؟ قال: «أعلى درجة في الجنّة، لا ينالها إلاّ رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو». رواه أحمد، والترمذيّ.","vol":"3","page":96},{"text":"هذا؛ وعلى تفسير (الوسيلة) بطاعة الله، وما يرضيه، وترك السّيّئات، فيكون في الكلام استعارة، وهناك من يتوسّل بالنبي ﷺ، وبالصّالحين في طلب حاجاته من الله تعالى، ولا بأس به إن كان المتوسّل من الصّالحين، فيضم إلى توسّله بصلاحه توسّله بالنبيّ العظيم، والأولياء المقرّبين، وأمّا إن كان المتوسّل من الفاسدين المفسدين؛ فلا ينفعه توسّله بالنبيّ ﷺ، أو غيره.\n ﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ أي: حاربوا أعداء الله بالسّنان، واللّسان، كما قال تعالى في سورة (التوبة) وفي سورة (التحريم): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ.\nو«سبيل الله» دينه الّذي ارتضاه للناس أجمعين، وانظر الآية رقم [١٦].\n ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ تسعدون بالخلود في جنّته؛ لأنّ الفلاح اسم جامع للخلاص من كلّ مكروه، والفوز بكل محبوب، وأصل الفعل: تؤفلحون، حذفت منه الهمزة لثقلها، وانظر مثل هذا الترجّي في الآية رقم [٦].\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [١]. ﴿وَابْتَغُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿إِلَيْهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما ب: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ بعدهما؛ لأنّها بمعنى المتوسّل به، أو بمحذوف حال من: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ أي: الوسيلة كائنة إليه، وهذه الحال كانت صفة ل: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ فلما قدمت عليها؛ صارت حالا، وجملة: ﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمه.\n ﴿تُفْلِحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:\n (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محلّ لها، وبعضهم يعتبرها في محل نصب حال، التقدير: حالة كونكم راجين الفلاح، ويمنع من الحال كون الجملة إنشائية؛ لأنّ التّرجي إنشاء.\n\n<span id=\"aya-705\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾\nالشرح: المعنى: إنّ الكافر لو ملك الدنيا، ودنيا أخرى مثلها معها، ثمّ فدا نفسه من العذاب يوم القيامة؛ لم يقبل منه ذلك الفداء. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. المقصود من هذا؛ أنّ العذاب لازم للكفّار، وأنّه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه بوجه من الوجوه. وملكه الدنيا على سبيل الفرض، والتّقدي. وأنّى له الملك؟! وخذ ما يلي:\nعن أنس﵁عن النبي ﷺ قال: «يقول الله ﷿ لأهون أهل النّار عذابا يوم القيامة: لو كانت لك الدّنيا كلّها؛ ألست مفتديا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك","vol":"3","page":97},{"text":"أيسر من هذا، وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، ولا أدخلك النّار، وأدخلك الجنّة، فأبيت إلاّ الشّرك». هذا لفظ مسلم، وفي رواية البخاري، قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له:\nأرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بي...».\nوهذا يتعارض ظاهره مع قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ ويجاب بأنّ آية (الأعراف) معناها: الخضوع، والتذلّل، وما في الحديث معناه: الانقياد، والطاعة.\nوانظر الآية رقم [٩١] من سورة (آل عمران)، بعد هذا انظر (الكفر) في الآية رقم [١٣٦] من سورة (النساء)، أمّا ﴿عَذابِ﴾ فهو اسم مصدر لا مصدر؛ لأنّ المصدر تعذيب؛ لأنّه من: عذّب يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، ونبات، وسلام، من:\nأعطى، وأنبت، وسلّم.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿ما:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (أنّ) مؤخّر. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من (ما) مؤكدة لها، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر، وفيه قولان: أحدهما وهو قول سيبويه: أنّه في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف التقدير. لو إيمانهم ثابت. والثاني وهو قول المبرد: أنّه في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: لو ثبت إيمانهم، وهو المرجّح؛ لأنّ (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدّر، والفعل المقدّر، وفاعله جملة فعلية، لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَمِثْلَهُ:﴾ معطوف على (ما) منصوب مثله، وقيل: منصوب على المعيّة، ولا وجه له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف حال من: (مثله) والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لِيَفْتَدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل المحذوف، الذي ستعرفه، وقيل: متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وهو: ﴿لَهُمْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقد أفرد الضمير مع كونه عائدا على اثنين، وهما: ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ و(مثله) إما لتلازمهما فهما في حكم شيء واحد، وإمّا لأنّه حذف من الثاني لدلالة ما","vol":"3","page":98},{"text":"في الأول عليه، وإمّا لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة. وانظر مثله في الآية رقم [١٦]. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿عَذابِ﴾ مضاف، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف إليه، و﴿يَوْمِ:﴾\nمضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تُقُبِّلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: هو، يعود إلى: ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محلّ لها من الإعراب. و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر:\n ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها، واعتبارها حالا من الضّمير المجرور في: ﴿لَهُمْ﴾ غير مستبعد، ويكون الرابط:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-706\"></span>﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾\nالشرح: في تفسير الآية وجهان: أحدهما: أنّهم يقصدون الخروج من النّار، ويطلبونه، ولكن لا يستطيعون ذلك. قيل: إذا حملهم لهب النار إلى فوق؛ طلبوا الخروج، فلا يقدرون عليه. والوجه الثاني: أنّهم يتمنّون الخروج من النّار بقلوبهم. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: ولهم عذاب دائم ثابت، لا يزول عنهم، ولا ينتقل أبدا.\nوعن طلق بن حبيب؛ قال: كنت من أشدّ الناس تكذيبا بالشّفاعة؛ حتى لقيت جابر بن عبد الله، -﵄-، فقرأت عليه كلّ آية أقدر عليها يذكر فيها خلود أهل النّار، فقال:\nيا طلق! أتراك أقرأ لكتاب الله، وأعلم بسنّة رسول الله منّي؟! إنّ الّذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا، فعذّبوا، ثمّ أخرجوا منها. ثمّ أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صمّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرجون من النّار بعد ما دخلوا». ونحن نقرأ كما قرأت. رواه ابن مردويه.\nالإعراب: ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يَخْرُجُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ويقرأ بالبناء للمجهول، فيكون من الرّباعي، والواو نائب فاعله، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محلّ نصب مفعول به، وجملة:\n ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو:","vol":"3","page":99},{"text":"واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِخارِجِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (خارجين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (خارجين) والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ..﴾. إلخ في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): جار، ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم.\n ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مُقِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-707\"></span>﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾\nالشرح: المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى أخذ الأموال بطريق السّعي في الأرض، والفساد؛ ذكر حكم السّارق من غير حراب. هذا؛ وقدّم الله السّارق على السّارقة هنا، وقدّم الزانية على الزّاني في سورة (النور)؛ لأنّ الرّجل على السّرقة أجرأ، والزنى من المرأة أشنع، وأقبح، فناسب ذكر كلّ منهما المقام. وقال ابن السائب: نزلت الآية في طعمة بن أبيرق، الّذي تقدّمت قصته في سورة (النساء). وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: بدأ الله في السّارق هنا؛ لأنّ حبّ المال من الرّجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النّساء أغلب، بدأ بهما في الموضعين. هذا؛ وقطعت اليد لأنّها آلة السّرقة، ولم تقطع آلة الزنى تفاديا عن قطع النّسل. هذا؛ والسارق هو الذي يأخذ المال من حرز مثله، وهذا بخلاف الأخذ جهرا، وعنوة، وقهرا، فإنّه تقدّم حكمه في الآية رقم [٣٣].\nهذا؛ والسّارق الذي تقطع يده هو: البالغ، العاقل، العالم بتحريم السّرقة. فلو كان حديث عهد بالإسلام، ولا يعلم: أنّ السرقة حرام؛ فلا قطع عليه. والقطع يكون إذا كان المأخوذ ربع دينار، أو يساويه خفية؛ لقول النبي ﷺ: «القطع في ربع دينار فصاعدا». أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة﵁-. وعن عائشة﵂-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقطع يد السّارق إلاّ في ربع دينار فصاعدا». أخرجاه في الصّحيحين. والقطع يكون من الرّسغ؛ لأنّ النبي ﷺ أتي بسارق، فأمر بقطع يمينه منه، وإن كان يطلق لفظ اليد على تمام العضو.\nوالمراد بالأيدي: الأيمان.\n ﴿جَزاءً:﴾ مجازاة، ومعاقبة، من: المجازاة، وهي: المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ وتكون في الشرّ، قال تعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فقد أراد جزاء الشرّ. والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا فشرّ، والفعل منه ينصب مفعولين، تقول: جزى زيد عمرا خيرا.","vol":"3","page":100},{"text":"﴿نَكالًا مِنَ اللهِ:﴾ عقوبة مفروضة من الله على من اجترأ على أموال النّاس بغير حقّ، فهي تنكل من اعتبر بها، أي: تمنعه من فعل المحرّمات، وتجاوز حدود الله. والنّكال: الزّجر، والعقاب، والنّكل، والأنكال: القيود، وسمّيت القيود أنكالا؛ لأنّها ينكّل بها، أي: يمنع.\nوالتنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تنكّل بهم من وراءهم؛ أي: تخوفهم، وتروّعهم. قال تعالى في سورة (النّازعات) في حقّ فرعون اللّعين: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾. وقال تعالى في حقّ اليهود اللّؤماء في سورة (البقرة) رقم [٦٦]: ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nوالفعل: نكل به، ينكل من باب: قتل، نكلة قبيحة: أصابه بنازلة. ونكّل بالتّشديد مبالغة.\n ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ قوي في انتقامه ممّن عصاه. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما قضى، وحكم. قال الأصمعيّ- رحمه الله تعالى-: قرأت يوما هذه الآية: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ﴾ وإلى جنبي أعرابيّ، فقلت: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله، قال: ليس هذا بكلام الله! أعد، فأعدت، وتنبّهت، فقلت: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: نعم هذا كلام الله، فقلت:\nأتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمت أنّي أخطأت؟! فقال: يا هذا! عزّ، فحكم، فقطع، ولو غفر، ورحم؛ لما قطع. ومثله يذكر في الآية رقم [١١٨] من هذه السورة الكريمة.\nتنبيه: اعترض، ويعترض بعض الملحدين على الشّريعة الغرّاء في قطع يد السّارق بالقليل من المال، ونظم أبو العلاء المعرّي في ذلك شعرا، فقال: [البسيط]\nيد بخمس مئين عسجد وديت... ما بالها قطعت في ربع دينار؟\nتحكّم ما لنا إلاّ السّكوت له... وأن نعوذ بمولانا من النّار\nولمّا قال ذلك، واشتهر عنه، تطلّبه الفقهاء، فهرب منهم، وقد أجابه النّاس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي﵀أن قال: لما كانت أمينة؛ كانت ثمينة، ولما خانت؛ هانت. ويروى: أنّه أجابه شعرا بقوله: [البسيط]\nعزّ الأمانة أغلاها وأرخصها... ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري\nبعد هذا أذكر: أنّ بعض الغربيين، والملحدين من الشّرقيين يعيبون على الشّريعة الإسلامية قطع يد السارق، ويزعمون: أنّ هذه العقوبة صارمة، لا تليق بمجتمع متحضّر، ويقولون: يكفي في عقوبة السّارق السّجن ردعا له، وكان من أثر هذه الفلسفة المعوجّة؛ التي لا تستند على نطق سليم أن زادت الجرائم، وكثرت العصابات، وأصبحت السّجون غاصّة بالمجرمين، وقطّاع الطّريق، الذين يهدّدون الأمن، والاستقرار، يسرق السّارق، ويقتل القاتل، ويختلس المختلس، وهو آمن مطمئنّ لا يخشى شيئا إلا ذلك السّجن، الّذي يطعم فيه، ويكسى، فيقضي مدّة العقوبة، التي فرضها القانون الوضعي، ثمّ يخرج منه إلى الإجرام أميل، وعلى الشرّ أقدر، ولا سيما إذا","vol":"3","page":101},{"text":"أعطى قسطا للقضاء من المال الذي سرقه، ونهبه في هذا الزمن. يؤكّد هذا ما نقرؤه، ونسمعه عن تعداد الجرائم، وزيادتها يوما بعد يوم، وذلك لقصور العقل البشري عن الوصول إلى الدّواء النّاجع، والشّفاء النافع لمعالجة هذه الأمراض الخطيرة، أمّا الإسلام؛ فقد استطاع أن يقتلع الشّرّ من جذوره، ويد واحدة تقطع كافية لردع المجرمين، انظر قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٩]: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nتنبيه: قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ المراد به: المثنّى؛ لأنّ المقصود يد السّارق، ويد السّارقة، وقد جمع المضاف في محل المثنّى، وقد تكلّم السّيوطي-رحمه الله تعالى-على هذه المسألة في كتابه: (همع الهوامع) الذي شرحت شواهده، وأعربتها، وأرجو من الله أن يمنّ عليّ بالتوفيق لطباعته، وها أنا ذا أنقل لك ما قاله بالحرف؛ لتكون على بينة من أمرك.\nقال رحمه الله تعالى: الأصل في كلام العرب دلالة كلّ لفظ على ما وضع له، فيدل المفرد على المفرد، والمثنى على اثنين، والجمع على الجمع، وقد يخرج الكلام عن هذا الأصل، وذلك قسمان: مسموع، ومقيس.\nفالأول: ما ليس جزءا ممّا أضيف إليه. سمع: ضع في رحالهما. يريد في اثنين، وديناركم مختلفة، أي: دنانيركم، وعيناه حسنة، أي: حسنتان، وأورد أربعة أبيات شعرية شاهدا لذلك، قال: ومنه لبّيك، وإخوته، فإنّه مثنى، وضع موضع الجمع، وقالوا: شابت مفارقه، وليس له إلا مفرق واحد، وعظيم المناكب، وغليظ الحواجب، والوجنات، والمرافق، وعظيمة الأوراك، فكل هذا مسموع، لا يقاس عليه، وقاسه الكوفيّون، وابن مالك إذا أمن اللّبس، وهو ماش على قاعدة الكوفيين من القياس على الشّاذّ، والنادر. قال أبو حيّان: ولو قيس على شيء من هذا؛ لالتبست الدّلالات، واختلطت الموضوعات.\nوالثاني: ما أضيف إلى متضمّنه، وهو مثنى لفظا، نحو قطعت رءوس الكبشين، أي:\nرأسيهما، أو معنى، نحو قول الشاعر: [الطويل]\nرأيت بني البكريّ في حومة الوغى... كفاغري الأفواه عند عرين\nفإنّ مثل ذلك ورد فيه الجمع، والإفراد، والتثنية، فمن الأول قوله تعالى في سورة (التحريم): ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما،﴾ والآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها. ومن الإفراد قراءة الحسن قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢١] وفي ثلاث آيات من سورة (الأعراف): (فبدت لهما سوأتهما) ومن التثنية قراءة من قرأ: «(فبدت لهما سوأتاهما)»، وقراءة الجمهور من الأوّل: «فبدت لهما سوأتهما» فطرد ابن مالك قياس الجمع، والإفراد أيضا لفهم المعنى، وخصّ الجمهور القياس بالجمع، وقصروا الإفراد على ما سمع، وورد، وإنّما وافق","vol":"3","page":102},{"text":"الجمهور على قياس الجمع كراهة اجتماع تثنيتين مع فهم المعنى، ولذلك شرط ألا يكون لكلّ واحد من المضاف إليه إلا شيء واحد؛ لأنّه إن كان له أكثر التبس، فلا يجوز في: قطعت أذني الزّيدين الإتيان بالجمع، ولا الإفراد للإلباس، وأورد ستّة أبيات شعرية شاهدا لذلك.\nفإن فرّق متضمناهما، كقوله تعالى في الآية رقم [٧٨] الآتية: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ..﴾. إلخ؛ فقال ابن مالك أيضا بقياس الجمع، والإفراد، وخلافه أبو حيّان؛ لأنّ الجمع إنّما قيس هناك كراهة اجتماع تثنيتين وقد زالت بتفريق المتضمنين قال: فالذي يقتضيه النظر الاقتصار على التثنية، وإن ورد جمع، أو إفراد اقتصر فيه على مورد السّماع. قال: وأمّا الآية فليس المراد فيها باللسان الجارحة، بل المراد الكلام، أو الرسالة، فليس جزءا من داود، ولا من عيسى ﵉. انتهى.\nأقول: ولم يذكر السيوطي-رحمه الله تعالى-أرجح الأوجه الثلاثة في الثاني، وهو ما أضيف إلى متضمنه، وهي جمع المضاف، وبقاء المضاف إليه على تثنيته، وإفراد المضاف، وبقاء المضاف إليه على تثنيته، وبقاء كلّ من المضاف، والمضاف إليه على تثنيته، فأرجحها الوجه الأول، وهذه لغة القرآن كما رأيت، وهو متّفق على رجحانه عند جميع النّحاة، واختلف في الوجهين الآخرين، فذهب ابن مالك إلى رجحان الثاني على الثالث، وذهب أبو حيان إلى العكس، ومنه قول الرّسول ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار... إلخ» وقد أطلت عليك الكلام في ذلك بغية الإفادة، والله ولي التوفيق، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية الآتية برقم [٧٨].\nالإعراب: ﴿وَالسّارِقُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (السارق): مبتدأ. ﴿وَالسّارِقَةُ:﴾ معطوف عليه. وفي الخبر وجهان: أحدهما: محذوف، وهو قول سيبويه، التقدير: فيما يتلى عليكم، أو فيما فرض عليكم حكم السارق، فقد حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعند المبرّد الخبر هو الجملة الفعلية: ﴿فَاقْطَعُوا..﴾. إلخ، وهو موافق للكوفيين في هذا، ودخلت الفاء في الخبر زائدة؛ لأنّ الكلام في معنى الشرط، التقدير: الذي يسرق، والتي تسرق فاقطعوا... إلخ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [١٥] من سورة (النساء): ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (النور): ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا﴾ هذا؛ وقرئ: «(السّارق والسّارقة)» بالنّصب على إضمار فعل يفسره المذكور بعده، وهو المختار في أمثاله؛ لأنّ الخبر لا يكون إنشاء إلا بإضمار، وتأويل. ﴿فَاقْطَعُوا:﴾ الفاء: زائدة، أو للسببية المحضة. (اقطعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو هي مفسرة، أو هي مستأنفة على حسب أوجه الإعراب المتقدّم. ﴿أَيْدِيَهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول لأجله، أو هو","vol":"3","page":103},{"text":"مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: جازاهما جزاء. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:\n ﴿جَزاءً﴾ أو بمحذوف صفة له، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كَسَبا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو:\nبشيء كسباه. ﴿نَكالًا:﴾ مفعول لأجله أيضا، وقيل: هو بدل من: ﴿جَزاءً﴾. هذا وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: جزاء بكسبهما. (الله):\nمبتدأ. ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-708\"></span>﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ أي: تاب بعد سرقته أموال الناس، وأناب إلى الله؛ فإنّ الله يتوب عليه فيما بينه، وبينه، فأمّا أموال الناس؛ فلا بدّ من ردّها إليهم، أو بدلها عند الجمهور. وسمّيت السّرقة ظلما لأمرين: الأوّل: ظلم المسروق، والثاني: ظلم نفسه بالمعصية.\n ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: أصالح نفسه بالعمل، وردّ المسروق لصاحبه. ﴿فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ:﴾ يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة، أمّا القطع فلا يسقط عنه بالتّوبة على المعتمد إلا إذا عفا عنه صاحب المال قبل الرّفع إلى الحاكم، فإنّه يسقط عنه القطع. وعليه الشّافعيّ. وخذ ما يلي:\nفقد روى الإمام أحمد﵁عن عبد الله بن عمرو﵄-: أنّ امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ، فجاء بها الّذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله! إنّ هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها. فقال رسول الله ﷺ: «اقطعوا يدها» فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: «اقطعوا يدها» فقطعت يدها اليمين، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟! قال: «نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمّك» فأنزل الله في سورة (المائدة): ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ..﴾.\nإلخ. وهذه المرأة هي المخزوميّة الّتي سرقت، وحديثها ثابت في الصّحيحين، وخذه بما يلي:\nعن عائشة﵂، وعن والديها-أنّ قريشا أهمّهم شأن المخزوميّة؛ الّتي سرقت فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ؟ ثمّ قالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسول الله ﷺ؟ فكلّمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ: «يا أسامة أتشفع في حدّ من حدود الله؟!». ثمّ قام فاختطب، فقال: «إنّما أهلك الّذين من قبلكم: أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله! لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها».\nأخرجه السّتّة. وانظر التّوبة، وشروطها في الآيتين رقم [١٧ و١٨] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!.","vol":"3","page":104},{"text":"الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تابَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و﴿ظُلْمِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَصْلَحَ:﴾\nمعطوف على: ﴿تابَ﴾ فهو مثله في محل جزم، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَإِنَّ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَتُوبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الّذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، والجملة بعده صلته، والجملة الاسمية: (إنّ الله...) إلخ في محلّ رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم؛ فهو كلام جيّد، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مفرعة عمّا قبلها، ومستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليلية، أو مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، لا محلّ لها على جميع الوجوه.\n\n<span id=\"aya-709\"></span>﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ، ولكلّ من يتأتّى منه العلم، والمعرفة. ودخول الاستفهام على النفي يفيد التقرير. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلقا، وعبيدا، وملكا.\nوقدّمت السموات على الأرض لشرفها، ومزيد فضلها، ولأنّها لا يحصل فيها معاص، ومنكرات كما في الأرض، وخصّهما بالذّكر؛ لأنّهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السّماوات دون الأرض، وهي مثلهنّ سبعا؛ لأنّ طبقاتها مختلفة بالذّات، متفاوتة بالصّفات، والآثار، والحركات.\n ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ انظر الآية رقم [١٨] فقد قدّم المغفرة هناك؛ لأنّ سياق الكلام للترغيب في الإيمان، وقدّم التعذيب هنا؛ لأنّ سياق الكلام للوعيد، أو هو آت على ترتيب ما سبق، أو لأنّ استحقاق التعذيب مقدّم، أو لأنّ المراد به القطع، وهو في الدّنيا.\nوهذه الآية فاضحة للقدريّة، والمعتزلة في قولهم بوجوب الرّحمة للمطيع، والعذاب للعاصي؛ لأنّ الآية دالة على أنّ التعذيب، والرّحمة مفوضان إلى المشيئة، والوجوب ينافي ذلك. وجواب آخر، وهو: أنّ الله تعالى أخبر: أنّ له ملك السموات، والأرض، والمالك له أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء، وأراد، لا اعتراض لأحد في ملكه. ويؤيّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللهُ﴾","vol":"3","page":105},{"text":"﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ يعني: إنّه تعالى قادر على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه، وغفران من أراد إسعاده، وإنقاذه من الهلكة من خلقه؛ لأنّ الخلق كلّهم عبيده، وملكه، يتصرّف فيهم كيف يشاء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اللهَ﴾ اسمها. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخّر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ مُلْكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي الفعل: ﴿تَعْلَمْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يُعَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعذب الذي، أو: شخصا يشاء تعذيبه، وجملة:\n ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وهو أقوى من اعتبارها في محلّ نصب حال من لفظ الجلالة، وجملة: ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها، إفرادا، وجملا. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٧].\n\n<span id=\"aya-710\"></span>﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾\nالمناسبة: لمّا ذكر الله تعالى قصّة ابني آدم، وإقدام الأخ على قتل أخيه بسبب البغي، والحسد، وذكر أحكام البغاة، والسّرقة؛ أعقب ذلك بذكر أمر المنافقين، وأمر اليهود في حسدهم للرّسول ﷺ وتربّصهم به، وبأصحابه الدّوائر، وأمر الله رسوله ﷺ أن لا يحزن لما يناله من أذاهم، فالله سيعصمه من كيدهم، وينجّيه من مكرهم. ثمّ ذكر ما أنزل الله في التوراة من أحكام نورانيّة، وفوائد ربّانيّة.","vol":"3","page":106},{"text":"الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ..﴾. إلخ: لمّا بيّن الله في الآية السابقة: أنّه مالك الملك؛ أمر نبيّه ﷺ بتفويض الأمر إليه، وعدم المبالاة بمكايد الأعداء، وناداه بهذا النداء، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ولم يخاطبه بوصف الرّسالة في جميع القرآن إلا في موضعين في هذه السورة: هذا، وما يأتي في الآية رقم [٦٧]، وبقيّة خطاباته بوصف النبوّة، وكلا النّداءين فيهما تشريف، وتكريم له ﷺ.\n ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يقعون في الكفر سريعا، أي: في إظهاره، والجهر به إذا وجدوا فرصة. والمراد: المنافقون؛ الذين قال الله فيهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ فإنّهم أظهروا الإيمان بالقول، وأخفوا الكفر في القلوب. والمعنى:\nلا تهتمّ يا محمد بهم، ولا تبال بكفرهم، فإنّك منصور عليهم، ومحفوظ من شرّهم، فإنهم لن يضروك أبدا.\n ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي: وطائفة من اليهود كذلك يسارعون في الكفر، ويؤذونك. ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ:﴾ أي: إنّ سفلة اليهود، والمنافقين يسمعون الكذب من الأحبار من تحريف التوراة، والبهتان، والافتراء. وقيل: المعنى: يسمعون كلامك يا محمد؛ ليكذبوا عليك، وذلك: أنّهم كانوا يسمعون من رسول الله ﷺ ثمّ يخرجون من عنده، ويقولون: سمعنا كذا، وكذا، ولم يسمعوا منه، بل كذبوا عليه عند عامّتهم، يريدون تشويه سمعته، وتحريف رسالته، ونبوّته.\n ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ المراد: بنو قريظة الذين كانوا يسكنون المدينة مع النّبيّ ﷺ فكانوا ينقلون الكلام لقوم آخرين هم أهل خيبر محرّفا، ومزيفا، فقد كان بنو قريظة جواسيس، وعيونا على النّبيّ ﷺ. ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ يعني: إنّ أهل خيبر لم يأتوك، ولم يحضروا عندك يا محمد!.\n ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أي: يغيّرون حدود الله الّتي أوجبها عليهم في التّوراة،\nوذلك: أنّهم بدّلوا الرّجم بالجلد، والتّحميم. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إنّهم يغيّرون ما يسمعون من النّبيّ ﷺ بالكذب عليه. هذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ وقال في الآية رقم [١٣] وفي سورة (النساء) رقم [٤٦]: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ والفرق بينهما: أنا إذا فسّرنا: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ بالتّأويلات الباطلة، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ:﴾ أنّهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيها بيان: أنّهم يحرفون تلك اللّفظة من الكتاب، وأما قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ ففيه دلالة على أنّهم جمعوا الأمرين: يعني أنّهم كانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يحرّفون اللّفظة من الكتاب، ففي قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ إشارة إلى التأويل الباطل، وفي قوله:\n ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ إشارة إلى إخراجه من الكتاب بالكلّية. انتهى. خازن. وانظر شرح ﴿الْكَلِمَ﴾ في الآية رقم [١٣]. وملخص الكلام: أنّ لليهود صفتين بارزتين: الأولى: سماع","vol":"3","page":107},{"text":"الكذب من أحبارهم، ونقله إلى عوامّهم. والثانية: وسماع الحق منك يا محمد! ونقله لأحبارهم؛ ليحرفوه. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: علماء اليهود لسفلتهم. ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾ يعني:\nإن أفتاكم محمّد بالجلد، والتّحميم؛ فاقبلوا منه، واعلموا به. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: وإن لم يفتكم بذلك، وأفتاكم بالرّجم؛ فاحذروا أن تقبلوا منه.\n ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: ضلالته في الدنيا، وعقوبته في الآخرة. ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا:﴾ فلن تقدر على دفع أمر الله فيه. وفيه ردّ على من يقول بالصّلاح، والأصلح، وعلى من يقول: إنّ العبد يخلق أفعال نفسه كالمعتزلة. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم من رجس الكفر، وخبث الضّلالة، كاليهود، ونفاق المنافقين.\nوفي هذه الآية دلالة على أنّ الله لم يرد إسلام الكافر، وأنّه لم يطهّر قلبه من الشكّ، والشّرك، ولو فعل ذلك لامن. وهذه الآية من أشد الآيات على القدريّة.\n ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ:﴾ قيل: هو فضيحتهم حين أنكروا الرّجم، ثمّ أحضرت التوراة فوجد فيها الرّجم. وقيل: خزيهم بأخذ الجزية منهم، والقتل، والسّبي، والطّرد من أرض الحجاز إلى غيرها. وخزي المنافقين بالفضيحة، وهتك أستارهم بإظهار نفاقهم، وخبثهم، ومكرهم. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ:﴾ هو الخلود في جهنم، قال أبو حيّان-رحمه الله تعالى-: الآية جاءت تسلية للرسول ﷺ، وتخفيفا عنه من ثقل حزنه على مسارعتهم في الكفر، وقطعا لرجائه من إسلامهم، وفلاحهم.\nهذا والخزي، والإخزاء هو: الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني وهو شاعر جاهليّ: [البسيط]\nلاه ابن عمّك (^١) ... لا أفضلت في حسب\nعنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني\nوهذا هو الشّاهد رقم [٢٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ومنه قول حسّان بن ثابت -﵁يخاطب به من شجّ وجه النّبي ﷺ في غزوة أحد: [الطويل]\nفأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك (^٢) ... ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق\nمددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق (^٣)\nوهو على هذا من الرّباعي، من: أخزى، يخزي، وهو من الثّلاثي: خزي، يخزى، خزاية بمعنى: استحيا، وخجل. قال نهشل بن حريّ الدّارميّ من قصيدة يرثي بها أخاه، وكان قتل بصفين مع الإمام عليّ، كرّم الله وجهه: [الطويل]\n_________\n١) أصله: لله درّ ابن عمّك.\n٢) هو: عتبة بن أبي وقاص.\n٣) البوارق: جمع بارق، وهو السيف، لأنّه يبرق، ويلمع.","vol":"3","page":108},{"text":"أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه\nوهو الشاهد رقم [٣٢٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقال ذو الرّمّة: [البسيط]\nخزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب\nهذا؛ والحزن ضد الفرح، والسرور، ولا يكون إلا على ماض، وحزن الرجل، وأحزنه غيره، وحزنه أيضا، مثل: سلكه، وأسلكه. قال اليزيدي: حزنه لغة الحجاز، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بهما إلا في سورة الأنبياء، فإنّه في الأولى فقط، وهو قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ وهي أفصح اللغتين.\nتنبيه: روي: أنّ رجلا شريفا عند اليهود من خيبر زنى بامرأة شريفة في نظرهم، وكانا محصنين، فكره اليهود رجمهما عملا بالتوراة، فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة؛ ليسألوا رسول الله ﷺ عن الحكم فيهما، وقالوا: إن أمركم محمّد بالجلد، والتحميم؛ فاقبلوا، وإن أمركم بالرّجم؛ فلا، فأمرهم رسول الله ﷺ بالرّجم، فأبوا، وقالوا: إنّ التّوراة لا تأمر بالرّجم، وإنّما تأمر بالجلد، والتحميم، فجعل رسول الله ﷺ ابن صوريا-وهو من علماء اليهود المعظمين عندهم-حكما بينه، وبينهم، فقال رسول الله ﷺ له: «أنشدك الله، الذي لا إله إلا هو الّذي فلق البحر لموسى، ورفع فوقكم الطّور، وأنجاكم، وأغرق آل فرعون، والّذي أنزل عليكم كتابه، حلاله وحرامه: هل تجد فيه الرّجم على من أحصن؟» قال: نعم. فوثبوا عليه، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما عند باب المسجد، ونزلت الآية الكريمة تبيّن ما بيّتوه من مكر، وخديعة، وكشفت نواياهم الخبيثة، وفضحتهم.\nتنبيه: أقام الرسول ﷺ حدّ الرّجم على الزانيين حين ترافعوا إليه، ولو لم يترافعوا إليه؛ لما تعرّض لهم بالحكم عليها. وهذا يجري في كلّ زمان، ومكان إلى يوم القيامة، فإن ترافع اليهود، والنّصارى إلى الحاكم المسلم؛ يحكم عليهم بما أنزل الله، وإلا؛ فلا يتعرّض لهم. وانظر الآية التالية:\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ:﴾ انظر إعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿يَحْزُنْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وهو يقرأ بفتح الياء، وضم الزاي من الثلاثي، وبضم الياء، وكسر الزاي من الرّباعي، والكاف مفعول به.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿يُسارِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِي الْكُفْرِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. و﴿مِنَ﴾ بيان للموصول الأول. ﴿قالُوا:﴾\nفعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.","vol":"3","page":109},{"text":"﴿آمَنّا:﴾ فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿بِأَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم). ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو والضمير، فهي حال متداخلة، وقيل: معطوفة على ما قبلها، والأول أقوى.\n ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا:﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾ وهو مثله في إعرابه.\n ﴿سَمّاعُونَ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف التقدير: هم سماعون. ﴿لِلْكَذِبِ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَمّاعُونَ﴾ وقيل: اللام صلة، و(الكذب): مفعول به ل: ﴿سَمّاعُونَ﴾ فهو مجرور لفظا منصوب محلاّ، والجملة الاسمية: «هم سمّاعون» في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وجوز اعتبار: (من الذين هادوا) متعلقين بمحذوف خبر مقدّم، و﴿سَمّاعُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، وهو في الأصل صفة لموصوف، التقدير: ومن الذين هادوا قوم سماعون... إلخ.\n ﴿سَمّاعُونَ﴾ يجوز فيه ما جاز بسابقه، فيكون من تأكيد الجملة بالجملة، وقيل: هو من تأكيد المفرد بالمفرد. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَمّاعُونَ،﴾ وقيل: متعلقان ب: (الكذب)، المعنى:\nليكذبوا قوما آخرين. والأول أقوى. ﴿آخَرِينَ﴾ صفة: (قوم) مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنّون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَأْتُوكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (قوم) أو في محل نصب حال منه بعد وصفه ب: ﴿آخَرِينَ﴾ والرابط: الضمير فقط.\n ﴿يُحَرِّفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿الْكَلِمَ:﴾ مفعول به.\n ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و﴿مَواضِعِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة أخرى ل: (قوم)، أو في محلّ نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، أو في محل نصب حال من الضّمير المستتر ب: ﴿سَمّاعُونَ،﴾ أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، أي: هم يحرفون... إلخ، ويجوز في الجملة الاسمية هذه ما جاز في الجملة الفعلية، أو هي مستأنفة لا محلّ لها، وما قيل فيها يقال في جملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أُوتِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَخُذُوهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (خذوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة","vol":"3","page":110},{"text":"الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، ولا يخفى عليك إعراب: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ وهذا معطوف على ما قبله فهو مثله في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُرِدِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فِتْنَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف ناصب. ﴿تَمْلِكَ:﴾\nفعل مضارع منصوب ب (لن)، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْئًا﴾ كان صفة له... إلخ.\n ﴿شَيْئًا..﴾. مفعول به، أو هو مفعول مطلق، والجملة الفعلية: (لن تملك...) إلخ في محلّ جزم جواب الشّرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسميّة:\n ﴿وَمَنْ يُرِدِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يُرِدِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَنْ يُطَهِّرَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿إِنْ﴾ والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿قُلُوبُهُمْ...:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:\n ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.\n ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان مقدم، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿خِزْيٌ﴾ كان صفة له... إلخ، وبعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل رفع خبر ثان ل:\n ﴿أُولئِكَ﴾ فلست مفندا، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها.\n\n<span id=\"aya-711\"></span>﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ:﴾ هو مثل الآية السابقة، وكرّر للتّأكيد، والتنفير من فعلهم.\n ﴿أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ...:﴾ هو صيغة مبالغة، والأصل: آكلون، والسّحت: المال الحرام كالرّشا،","vol":"3","page":111},{"text":"والرّبا، وغير ذلك من أنواع الحرام، وهو من: سحته: إذا استأصله، والسّحت في اللغة أصله:\nالهلاك، والشدّة، قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لقوم فرعون: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ..﴾. إلخ، وقال الفرزدق في مدح عبد الملك: [الطويل]\nوعضّ زمان يا بن مروان لم يدع... من المال إلاّ مسحتا أو مجلّف\nوسمّي المال الحرام: سحتا؛ لأنّه يسحت الطّاعات، أي: يذهب بركتها، ويستأصلها، ولأنّه يسحت مروءة الإنسان، وكرامته، وقال الرسول ﷺ: «كلّ لحم نبت من السّحت فالنّار أولى به». أخرجه الطّبراني في الصّغير عن عبد الله بن عبّاس﵄-. والسّحت:\nالرّشوة، فعن ثوبان﵁قال: «لعن رسول الله ﷺ: الرّاشي، والمرتشي، والرّائش». يعني: الذي يمشي بينهما. رواه أحمد، والطّبرانيّ.\nوروي عن وهب بن منبه: أنّه قيل له: الرّشوة حرام في كل شيء؟ قال: لا، إنّما يكره من الرّشوة أن ترشي لتعطى ما ليس لك، أو تدفع حقّا قد لزمك، فأمّا أن ترشي لتدفع عن دينك، ودمك، ومالك؛ فليس بحرام. انتهى. أقول: وكذلك إن دفعت الرّشوة لتصل إلى حقّك، فعند ذلك تقتصر اللّعنة على الّذي يماطل في الحقّ؛ حتى يأخذ الرّشوة؛ مثلا كالموظف الّذي لا يؤدّي واجبه إلا بالرّشوة.\nلذا فقد نزلت الآية الكريمة في حكّام اليهود، مثل: كعب بن الأشرف، وأمثاله، كانوا يرتشون، ويقضون لمن رشاهم. قال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحدهم برشوة؛ جعلها في كمّه، ثمّ يريه إيّاها، ويتكلّم بحاجته، فيسمع منه، ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب، ويأكل الرّشوة، وهي السّحت.\nقال ابن مسعود﵁-: الرّشوة في كل شيء، فمن شفع شفاعة ليردّ بها حقّا، أو يدفع بها ظلما، فأهدى بها إليه هدية، فقبلها؛ فهو سحت. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، فقال الأخذ على الحكم كفر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾. هذا؛ والسّحت يقرأ بضم السّين، وسكون الحاء، وبضمهما، وقرئ بفتح السّين مع سكون الحاء.\n ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ خيّر الله رسوله ﷺ في الحكم بينهم، فإن شاء حكم، وإن شاء ترك. قال الحسن، ومجاهد، والسّدّيّ: نزلت في اليهوديين اللذين زنيا. وقال قتادة: نزلت في رجلين من قريظة، والنضير، قتل أحدهما الآخر. قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: كان حيي بن أخطب قد جعل للنّضيريّ، وللقرظيّ دية واحدة؛ لأنّه كان من النضير، فقالت قريظة: لا نرضى بحكم حيي، ونتحاكم إلى محمّد، فأنزل الله هذه الآية يخير فيها نبيّه","vol":"3","page":112},{"text":"محمدا ﷺ في الحكم بينهم، ولهذا قيل: لو تحاكم كتابيان إلى القاضي المسلم؛ لم يجب عليه الحكم بينهما. وهو قول الشّافعي. والأصح وجوبه إذا كان المترافعان، أو أحدهما ذميّا؛ لأنّا التزمنا الذبّ عنهم، ودفع الظلم عنهم، والآية الكريمة ليست في أهل الذمّة، وعند أبي حنيفة يجب مطلقا. وانظر الآية رقم [٤٨ - ٤٩].\n ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا:﴾ فلن يقدروا على الإضرار بك؛ لأنّ الله حافظك، وعاصمك من كيدهم. وإن حكمت؛ فاحكم بينهم بالقسط: أي: بالعدل الّذي أمر الله به. إنّ الله يحب المقسطين: يحفظهم، ويرفع شأنهم، هذا؛ وأقسط رباعي معناه: العدل، واسم الفاعل منه:\nمقسط بمعنى العادل، أو العدل، بخلاف قسط الثلاثي، فمعناه: الجور، والظلم، يقال: قسط الرجل: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، قال تعالى في سورة (الجنّ) رقم [١٥]: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾. وهذا هو المشهور خلافا للزجّاج في جعلهما سواء، وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن عمرو﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن-وكلتا يديه يمين-الّذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم وما ولوا». رواه مسلم، والنسائي.\nوعنه أيضا: أنّ النبيّ ﷺ قال: «إنّ المقسطين في الدّنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرّحمن -﷿بما أقسطوا في الدّنيا». أخرجه ابن أبي حاتم، والنسائي. وخذ قول الحارث بن حلّزة في معلقته: [الخفيف]\nملك مقسط وأكمل من يم... شي ومن دون ما لديه الثّناء\nهذا؛ و(بين) ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السّين، لا يقع إلا بين متعدد لفظا، وحكما، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، ك: «الجون» يطلق على الأسود، والأبيض. ومن استعماله بمعنى الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: «(لقد تقطع بينكم)» حيث قرئ بضم النون، ومن استعماله بمعنى: الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير﵁من قصيدته الّتي مدح بها النّبيّ ﷺ، وهو الشّاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nوما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\nالإعراب: ﴿سَمّاعُونَ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، أي: هم سمّاعون، والجملة الاسمية مستأنفة إعرابا مؤكّدة لما تقدّم معنى. ﴿لِلْكَذِبِ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَمّاعُونَ﴾ وانظر الآية السابقة.\n ﴿أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ:﴾ هو مثل سابقه إعرابا، ومحلاّ، وفيهما ضمير مستتر هو الفاعل. ﴿فَإِنْ:﴾\nالفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاؤُكَ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في","vol":"3","page":113},{"text":"محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاحْكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (احكم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها... إلخ، وجملة: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ معطوفة عليها، و(إن) ومدخولها كلام مفرّع عما قبله أو مستأنف لا محلّ له. ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ:﴾\nإعراب هذا الكلام مثل سابقه، وهو معطوف عليه. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول مطلق، أو نائبه؛ لأنّه نائب عن مصدر. ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ:﴾ إعراب هذا الكلام واضح إن شاء الله، وهو معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٤]. والجملة الاسمية تعليل لما قبلها.\n\n<span id=\"aya-712\"></span>﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ..﴾. إلخ: هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه ﷺ في تحكيم اليهود إيّاه مع علمهم بما في التّوراة، وتركهم قبول ذلك الحكم مع اعتقادهم صحّته، وعدولهم إلى حكم من يجحدون نبوّته طلبا للرّخصة، وتخفيفا للحكم. لا جرم: أنّ الله تعالى أظهر جهلهم، وعنادهم؛ لأنّهم حكّموا النبي ﷺ في أمر الزّانيين، ثمّ أعرضوا عنه، وعن حكمه. وفي الآية توبيخ، وتقريع لليهود؛ إذ المعنى: وكيف يجعلونك حكما بينهم، ويرضوان بحكمك، وعندهم التّوراة. ﴿فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ يعني: الرجم الّذي تحاكموا من أجله.\n ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ أي: بالمؤمنين، والمصدّقين بكتابهم، كما يزعمون لإعراضهم عنه، وعدم العمل به. وهذا إلزام لهم؛ لأنّ من خالف كتاب الله، وبدّله؛ فدعوى الإيمان باطلة. هذا؛ والإشارة بالبعيد للإيذان ببعد درجتهم في العتوّ، والمكابرة.\nهذا؛ و«ثمّ» حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التّشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كلّ منها خلاف مذكور في مغني اللّبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث السّاكنة، كما تلحق «ربّ» و«لا» العاملة عمل «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهنّ بالفتح.\nهذا؛ و«ثمّ» هذه غير «ثمّ» بفتح الثّاء فإنّها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشّعراء) رقم [٦٤]: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١١٥]:\n ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. وهذه ظرف لا يتصرّف، ولا يتقدّمه حرف التنبيه، ولا يتّصل به كاف","vol":"3","page":114},{"text":"الخطاب، وقد تتّصل به التّاء المربوطة، فيقال: ثمّة، و«ثمّت» العاطفة إذا اتصلت بها تاء التأنيث اختصت بعطف الجمل بخلاف (ثمّ)، فإنّها تعطف المفرد، والجملة.\nالإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والعامل فيه ما بعده. ﴿يُحَكِّمُونَكَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَعِنْدَهُمُ:﴾ الواو: واو الحال. (عندهم):\nظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر مقدّم، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿التَّوْراةُ:﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط الضمير فقط، وهي حال متكرّرة. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿حُكْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محلّ نصب حال من التّوراة، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتَوَلَّوْنَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿بَعْدِ:﴾\nمضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم (ما)، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (المؤمنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-713\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ:﴾ سبب نزول هذه الآية: استفتاء اليهود رسول الله ﷺ في أمر الزّانيين، وقد سبق بيانه، والهدى: هو البيان؛ لأنّ التّوراة بيّنت صحّة نبوّة محمّد ﷺ. وبيّنت ما تحاكموا فيه. والنّور: هو الكاشف للشّبهات، الموضح للمشكلات. والتّوراة كذلك. وقيل: الفرق بين الهدى، والنور: أنّ الهدى محمول على بيان الأحكام، والشّرائع، والنّور محمول على بيان أحكام التّوحيد، والنبوّات، والمعاد. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾.","vol":"3","page":115},{"text":"﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ أراد بالنّبيّين: الّذين بعثوا بعد موسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وذلك: أنّ الله بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء، والمرسلين، وليس معهم كتاب، إنّما بعثوا بإقامة التوراة، وأحكامها. ومعنى ﴿أَسْلَمُوا:﴾ انقادوا لأمر الله تعالى، والعمل بكتابه، وهذا على سبيل المدح لهم، وفيه تعريض باليهود؛ لأنّهم بعدوا عن الإسلام، الذي هو دين الأنبياء. وتنويه بشأن المسلمين؛ الذين هم مهتدون بهدي الأنبياء، والمرسلين. وقال ابن الأنباري: هذا ردّ على اليهود، والنصارى؛ لأنّ الأنبياء﵈ما كانوا موصوفين باليهوديّة، والنّصرانية، بل كانوا مسلمين لله تعالى، منقادين لأمره، ونهيه، ومعنى: ﴿لِلَّذِينَ هادُوا:﴾ على الذين هادوا؛ أي: يحكمون على اليهود بحكم التّوراة، كما فعل رسول الله ﷺ من حملهم على حكم الرّجم، كما هو في التوراة، ولم يوافقهم على الجلد، والتّحميم.\n ﴿وَالرَّبّانِيُّونَ﴾ جمع: رب، وفيه قولان: أحدهما: أنّه منسوب إلى الربّ، والألف، والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة، والثاني: أنّه منسوب إلى ربّان، والرّبّان هو معلم الخير، ومن يسوس النّاس، ويعرّفهم أمر دينهم، فالألف والنون دالان على زيادة في الوصف، كهي في:\nعطشان، ونحوه، وتكون النسبة على هذا للمبالغة في الوصف نحو: أخمري. والأول قول سيبويه، والثاني قول المبرد. واختلفوا في معنى الربّاني؛ فقال ابن عباس﵄-: معناه: فقهاء علماء، وعنه أيضا: فقهاء معلّمون. وقيل: الربّانيّ هو الذي يربّي النّاس بصغار العلم، وكباره، وقيل: الربّانيّ: العالم الّذي يعمل بعلمه، وقيل: الرّبانيّ: العالم بالحلال، والحرام، والأمر، والنهي. وقيل: الربّانيّ الذي جمع بين علم البصيرة، والعلم بسياسة الناس. ولما مات ابن عباس -﵄قال ابن الحنفية﵁-: اليوم مات ربّانيّ هذه الأمة.\n ﴿وَالْأَحْبارُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هم الفقهاء، واحدة: حبر-بفتح الحاء وكسرها لغتان-وإنّما سمي العالم: حبرا؛ لما عليه من أثر جمال العلم، كما أنّ الحبر يترك أثرا على الورقة عند الكتابة به. وهل هناك فرق بين الربّانيين، والأحبار، أم لا؟ فقيل: لا فرق، وهم بمعنى واحد، وهم العلماء، والفقهاء. وقيل: الربّانيّون أعلى درجة من الأحبار؛ لأنّ الله قدّمهم في الذّكر على الأحبار، وقيل: الرّبانيّون: علماء النّصارى، والأحبار: علماء اليهود.\nوانظر توبيخهم في الآية رقم [٦٣] الآتية.\n ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ:﴾ بسبب أمر الله إيّاهم أن يحفظوا كتابه من التّضييع، والتحريف، وقيل: هو أن يحفظوه، فلا ينسوه، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين معا، وذلك بأن يحفظوا كتاب الله في صدورهم، ويدرسونه بألسنتهم؛ لئلا ينسوه، وأن لا يضيعوا أحكامه، ولا يهملوا شرائعه، فإذا فعلوا ذلك؛ كانوا قائمين بحفظه، ورعايته.","vol":"3","page":116},{"text":"﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ...:﴾ رقباء؛ لئلا يحرّف، ويبدّل، ويعلمون: أنّه حقّ من عند الله، وصدق، كما فعل عبد الله بن سلام، وابن صوريا؛ حيث عملا بالتّوراة، وآمنا بمحمد ﷺ:\n ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٣]. ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي..﴾. أي: ولا تستبدلوا بآيات الله، وأحكامه ثمنا قليلا، يعني: الرّشوة في الأحكام، والجاه عند الناس، ورضاهم.\nوالمعنى: كما نهيتكم عن تغيير الأحكام لأجل خوف الناس؛ لذلك أنهاكم عن التغيير، والتبديل؛ لأجل الطّمع في المال، والجاه، وأخذ الرّشوة، فإنّ كلّ متاع الدّنيا قليل، لا قيمة له بجانب نعيم الآخرة الدائم، هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا..﴾. إلخ التفات من الغيبة إلى الخطاب، والقياس: فلا يخشوا، ولا يشتروا. وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السّمع عن الضّجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقلات، والسّآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامّة، ويختصّ كلّ موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرّر في علم البديع، ووجهه حثّ السّامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل عليه المتكلّم، وأعطاه فضل عنايته، وخصّصه بالمواجهة.\n ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ:﴾ مستهينا به، ومنكرا له. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ:﴾\nلاستهانتهم به، وتمرّدهم عليه بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم الله بقوله الآتي: ﴿الظّالِمُونَ﴾ و﴿الْفاسِقُونَ﴾ فكفرهم لإنكاره، وجحوده، وظلمهم بالحكم بخلافه، وفسقهم بالخروج عنه، وقال ابن عباس﵄-: من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا؛ فهو كافر، وإن لم يكن جاحدا؛ فهو فاسق ظالم. وقال ابن مسعود﵁-: هي عامّة في كلّ من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين، واليهود، والكفّار. وقيل: الكافرون للمسلمين، والظّالمون لليهود، والفاسقون للنّصارى. وهذا اختيار أبي بكر ابن العربي. قال: لأنّه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة، والشعبيّ أيضا. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن عمر﵄قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهنّ-وأعوذ بالله أن تدركوهنّ-: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع؛ الّتي لم تكن مضت في أسلافهم؛ الّذين مضوا قبلهم، ولم ينقصوا المكيال، والميزان؛ إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المئونة، وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلاّ منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا ممّا أنزل الله؛ إلاّ جعل الله بأسهم بينهم» رواه ابن ماجة برقم: [٤٠١٩]، والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.","vol":"3","page":117},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا) اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿التَّوْراةَ...:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مبتدأ، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.\n ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿هُدىً:﴾ مبتدأ مؤخّر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية: ﴿فِيها هُدىً﴾ في محل نصب حال من: ﴿التَّوْراةَ﴾ والرّابط: الضمير فقط. ﴿وَنُورٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلّقان به. ﴿النَّبِيُّونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضّمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محلّ نصب حال أخرى من التّوراة. وقيل: حال من الضّمير في: ﴿فِيها﴾ والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط، وقيل:\nمستأنفة لا محلّ لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة. ﴿النَّبِيُّونَ﴾ على معنى المدح، والثناء، لا على معنى الصفة الّتي تأتي للفرق بين الموصوف، وبين من ليس صفته. انتهى. مكي. لأنّه لا يمكن أن يكون ثمّة نبيون غير مسلمين. أقول: لذا يجوز اعتباره منصوبا على المدح بفعل محذوف. ﴿أَسْلَمُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَحْكُمُ،﴾ وقيل: متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلْنَا،﴾ وجملة: ﴿هادُوا﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ:﴾ معطوفان على: ﴿النَّبِيُّونَ﴾. ﴿بِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَحْكُمُ،﴾ وقيل: متعلقان ب: ﴿وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ وقيل: هما بدل من قوله: ﴿بِهَا﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿اُسْتُحْفِظُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء استحفظوه. ﴿مِنْ كُتُبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما) و﴿كِتابِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شُهَداءَ﴾ بعدهما.\n ﴿شُهَداءَ:﴾ خبر: (كانوا)، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصّلة، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات إفرادا، وجملا في الآية رقم [٣] من هذه السّورة. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَشْتَرُوا...:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة","vol":"3","page":118},{"text":"في الفاء. ﴿بِآياتِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جرّ بالإضافة. ﴿ثَمَنًا:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة له.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو بشيء أنزله الله.\nوعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محلّ جر بالباء، التقدير: ومن لم يحكم بإنزال الله. وهو ضعيف معنى كما ترى. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.\n ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محلّ له من الإعراب. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة... إلخ، هذا ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا. و﴿الْكافِرُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا، وعليه فالكلام يعمّ كلّ من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود، والنصارى، والمسلمين. هذا ويجوز اعتبار (من) اسما موصولا مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، فيكون المقصود بهذه الآية اليهود خاصّة، ولا تنس: أنّه روعي لفظ (من) في رجوع الفاعل إليها، وروعي معناها في رجوع الإشارة إليها، وعلى كلّ اعتبار فالجملة اسمية، وهي مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-714\"></span>﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ يعني: وفرضنا على بني إسرائيل في التّوراة: أنّ نفس القاتل تقتل بنفس المقتول وفاقا، فيقتل به، وذلك: أنّ الله حكم في التوراة: أنّ على الزاني المحصن الرّجم، وأخبر تعالى: أنّ اليهود بدّلوه، وغيّروه، وأخبر أيضا أنّ في التوراة: أنّ النّفس بالنفس، وأنّ هؤلاء اليهود غيّروا هذا الحكم، وبدّلوه، ففضلوا بني النّضير على بني قريظة، فكان بنو","vol":"3","page":119},{"text":"النّضير إذا قتلوا من قريظة؛ أدّوا إليهم نصف الدّية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النّضير؛ أدّوا إليهم الدّية كاملة، فغيّروا حكم الله؛ الذي أنزله في التّوراة.\nقال ابن عباس﵄-: أخبر الله بحكمه في التوراة: وهو: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ قال: فما لهم يخالفون، فيقولون النفسين بالنفس، ويفقئون العينين بالعين؟! ومعنى الآية: أنّ قاتل النفس يقتل بها إذا تكافأ الدّمان، وسائر الأطراف، والأعضاء يجري فيها القصاص كذلك.\n ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ يعني: فيما يمكن أن يقتصّ منه، وهذا تعميم بعد التّخصيص؛ لأنّ الله تعالى ذكر النّفس، والعين، والأنف، والأذن، فخصّ هذه الأربعة بالذّكر، ثمّ قال تعالى:\n ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ على سبيل العموم، فيمكن أن يقتصّ منه، كاليد، والرجل، والذّكر، والأنثيين، وغيرها، وأمّا ما لا يمكن القصاص فيه، كرضّ في لحم، أو كسر في عظم، أو جراحة في بطن؛ يخاف منها التّلف؛ فلا قصاص في ذلك. وفيه الأرش، والحكومة (^١). وانظر الآية رقم [١٧٨] من سورة (البقرة).\nواعلم: أنّ هذه الآية دالة على أنّ هذا الحكم كان شرعا في التوراة، فمن قال: شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ منه بالتفصيل؛ قال: هذه الآية حجّة في شرعنا، ومن أنكره؛ قال: إنّها لست بحجّة علينا. وأصل هذه المسألة: أنّ النبي ﷺ وأمّته بعد البعثة متعبّدون بشرع من تقدّم من الأنبياء، ﵈، وفي ذلك خلاف مشهور، فبعض العلماء يقول: إنّ النبي ﷺ كان متعبّدا بما صحّ من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه لا من جهة كتبهم المبدّلة، واختار بعض العلماء المنع من ذلك. واحتجّ الأوّلون لصحّة مذهبهم بأنّ الإجماع منعقد على صحّة الاستدلال بالآية الكريمة مع أنّه من شريعة من تقدّم؛ لأنّه مذكور في التوراة، ومكتوب على بني إسرائيل، ولولا أنّا متعبّدون بشريعة من قبلنا؛ لما صحّ هذا الاستدلال.\n ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: بالقصاص، فلم يقتص من الجاني. ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ:﴾ في هاء: ﴿لَهُ﴾ قولان: أحدهما: أنّ الهاء كناية عن المجروح، وولي المقتول، وذلك أنّ المجروح، أو وليّ المقتول إذا تصدّق بالقصاص؛ كان ذلك كفارة لذنوبه. وهذا قول ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والحسن البصري﵃ويدلّ عليه ما روي عن أبي الدّرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل يصاب بشيء من جسده، فيتصدّق به؛ إلاّ رفعه الله به درجة، وحطّ عنه به خطيئة». أخرجه الترمذيّ. وعن أنس﵁قال: ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو.\n_________\n١) الأرش: هو دية الجراحات؛ أي: التعويض المالي. والحكومة: الحكم الذي يصدره القاضي المسلم في الجراحات.","vol":"3","page":120},{"text":"أخرجه أبو داود، والنسائي. والقول الثاني: يعني: أنّ المجني عليه إذا عفى عن الجاني؛ كان ذلك كفارة لذنب الجاني. لا يؤاخذ به في الآخرة. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، كما أنّ القصاص كفارة له، فأمّا أجر العافي؛ فعلى الله تعالى. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ يعني: لأنفسهم؛ حيث لم يحكموا بما أنزل الله، ﷿.\nهذا؛ والعين تطلق على الماء الجاري: أو النّابع من الأرض، وجمعها في القلّة: أعين، وفي الكثرة: عيون، قال تعالى في سورة (الذاريات) وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع أيضا في الكثرة على: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال، كما تطلق العين على العين الباصرة، كما في الآية التي بين أيدينا، وهو أشهر، وأكثر ما تستعمل في ذلك. كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بثّ الأمير عيونه في المدينة، أي: جواسيسه. كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء خالد عينه، وتطلق على الشّمس. وعين الشيء:\nخياره. وتطلق على النّقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط]\nواستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهم\nفالمراد بالعين: نفسه، وذاته، والمراد ب: «جارية» عينه الباصرة؛ التي تجري بالدّمع، والمراد بقوله: «بها» نقد الذهب، وهذا يسمّى في فنّ البديع استخداما، وتطلق العين على أشياء كثيرة أيضا، وعلى المطر الهاطل من السّحاب، قال عنترة في معلّقته-وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nجادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم\nهذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين.\nالإعراب: ﴿وَكَتَبْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِيها:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿التَّوْراةَ..﴾.\nوساغ ذلك؛ لأنّ الجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَنْزَلْنَا..﴾. إلخ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿النَّفْسَ:﴾ اسمها. ﴿بِالنَّفْسِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ التقدير: تقتل، أو مقتولة بالنفس، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به.\n ﴿وَالْعَيْنَ:﴾ معطوف على: ﴿النَّفْسَ﴾. ﴿بِالْعَيْنِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر، التقدير: أي:\nتقلع، أو مقلوعة بالعين، وقل مثله في بقية الأسماء المعطوفة، هذا؛ وقرئ: «(العين)» بالرفع، وكذلك بقية الأسماء المعطوفة عليها، وفيها ثلاثة أوجه:\nالأول: كلّ واحد منها مبتدأ، والجار والمجرور بعده متعلّقان بمحذوف خبره. وهذه الجمل الاسمية معطوفة على: ﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها باعتبار المعنى، أو هي مستأنفة، ومعناها: وكذلك العين مفقوءة بالعين، والأنف مجدوعة بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسنّ مقلوعة بالسنّ.","vol":"3","page":121},{"text":"والثاني: أنّ (العين) معطوف على محلّ ﴿النَّفْسَ،﴾ و﴿بِالْعَيْنِ﴾ معطوفان على: ﴿بِالنَّفْسِ﴾ فهما متعلقان بمحذوف خبر في التقدير، كما في قراءة النصب. وهناك قول آخر: إنّ المرفوع منها معطوف على الضمير المستتر في قوله: ﴿بِالنَّفْسِ،﴾ والمجرورات على هذا متعلّقة بمحذوف أحوال مبينة للمعنى، والمعتمد الأوّل من هذه الأقوال. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع.\n (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَصَدَّقَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفّارَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَفّارَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-715\"></span>﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ..﴾. إلخ أي: أتبعنا على آثار النبيين الذين أسلموا، والربّانيين، والأحبار بعيسى... إلخ، وأصل (قفينا): قفّونا، قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة. واشتقاقه من:\nقفوته: إذا اتبعت قفاه، ثم اتّسع فيه، فأطلق على كلّ تابع، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع، والقفا: مؤخر العنق، ويقال له: القافية أيضا. ومنه قول النبيّ ﷺ: «يعقد الشّيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد... إلخ». رواه الشيخان، وغيرهما، ومنه: قافية الشعر، وهي آخر حرف من البيت، سميت بذلك لأنّها تعاد، وتتبع ما قبلها من أبيات، هذا وقال تعالى في سورة (الحديد): ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ هذا؛ وعيسى هو بالعبرية: يسوع، مأخوذ من: العيس، وهو بياض يخالطه شقرة، قاله أبو البقاء، ومنه قيل للإبل البيض: عيس، واحدها: بعير أعيس، وناقة عيساء، قال امرؤ القيس: [الطويل]\nيرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه... كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا\nالعيط: جمع: عيطاء، وهي النّاقة الفتية التي لم تحمل. وانظر شرح ﴿مَرْيَمَ﴾ في الآية رقم [١٧].\n ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أي: مؤمنا بها، وحاكما بما فيها، هذا؛ وقوله: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من مجاز الكلام، وذلك: أنّ ما بين يديه أمامه، فقيل لكل شيء تقدّم على الشيء: هو بين يديه لغاية ظهوره، واشتهاره. هذا؛ و﴿التَّوْراةِ﴾ مشتقة من: ورى الزّند: إذا خرجت ناره،","vol":"3","page":122},{"text":"وأصلها تورية على وزن: تفعلة التاء زائدة، وتحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وقيل:\nالتوراة مأخوذة من التّورية، وهي التّعريض بالشّيء، والكتمان لغيره؛ لأنّ أكثر التوراة معاريض، وتلويحات من غير تصريح، وإيضاح. هذا قول المؤرج، والجمهور على القول الأول، لقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nهذا؛ وأنثت التوراة نظيرة ل: موماة، ودوداة ونحوها في كلام العرب.\n ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ﴾ أي: أنزلنا عليه الإنجيل، وهو يذكّر، ويؤنّث، فمن أنّث أراد الصّحيفة، ومن ذكّر أراد الكتاب، وهو الأكثر، ويجمع على: أناجيل، وتجمع التوراة على توار، وهو مشتقّ من النّجل، وهو الأصل، كأنّه أصل الدّين، يرجع إليه، ويؤتمّ به، ومنه سمّي الولد، والنسل: نجلا لخروجه من والديه، كما قال الشاعر: [الطويل]\nإلى معشر لم يورث اللّؤم جدّهم... أصاغرهم وكلّ فحل له نجل\nويقال: لعن الله أناجيله، يعني: والديه؛ إذ كانا أصله، ويقال: [المحدث]\nبئس النّجل ما نجلا\nهذا؛ وقد يسمى القرآن: إنجيلا أيضا، كما روي في قصّة موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أنّه قال: يا رب أرى في الألواح أقواما أناجيلهم في صدورهم، فاجعلهم أمّتي! فقال الله ﷿ له: تلك أمّة أحمد يا موسى! وإنما أراد بالأناجيل: القرآن. هذا والإنجيل خال من الأحكام. وخاصّة المواريث، وقد دخل الإنجيل التحريف، والتزييف، كما دخلا التوراة، وما إنجيل متّى، ومرقس... إلخ إلا من اختراعهم، وابتداعهم.\n ﴿فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ انظر الآية رقم [٤٤]، وأصل: ﴿هُدىً:﴾ هدي-بضم الهاء، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة-فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: هدى وإنّما أتوا بياء أخرى لتدلّ على الياء المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها. وقالوا: هدا، فلا يوجد ما يدلّ عليها. وهذا الإعلال يجري في كلّ اسم مقصور مجرّد من ال، والإضافة.\n ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ:﴾ فالهدى بيان طريق الرّشد المأمور بسلوكه دون طريق الغيّ، والموعظة: هي الكلام الذي يفيد الزّجر عمّا لا ينبغي في طريق الدّين، والأخلاق. وإنّما خص المتقين بالهدى، والموعظة؛ لأنّهم هم المنتفعون بهما دون غيرهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: (قفينا): فعل، وفاعل. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿بِعِيسَى...:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على","vol":"3","page":123},{"text":"جملة: ﴿أَنْزَلْنَا..﴾. إلخ في الآية رقم [٤٤٤] فهي في محل رفع مثلها. ﴿اِبْنِ:﴾ صفة (عيسى) أو بدل منه، و﴿اِبْنِ:﴾ مضاف. و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من (عيسى).\n ﴿لِما﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُصَدِّقًا﴾. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿بَيْنَ:﴾\nظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو صفتها، التقدير: مصدقا للذي، أو: لشيء يوجد بين يديه، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿يَدَيْهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وابن هشام- رحمه الله تعالى-يعتبر اللام في (لما) زائدة، ويسمّيها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلاّ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البروج): ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وفي سورة (المعارج): ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ وفي سورة (الأنبياء): ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾. وأورد ابن هشام قول حاتم الطائي، وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري﵁، وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nإذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي\n ﴿مِنَ التَّوْراةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الظرف ﴿بَيْنَ،﴾ و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما). (آتيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أوّل. ﴿الْإِنْجِيلَ:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها... إلخ. ﴿فِيهِ هُدىً وَنُورٌ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤٤]، وهي هنا في محل نصب حال من: ﴿الْإِنْجِيلَ﴾. ﴿وَمُصَدِّقًا:﴾\nمعطوف على الجملة الاسمية الواقعة حالا، فهو حال مثلها. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب ما قبلها. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على (مصدقا): منصوب مثله... إلخ ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ معطوف على ما قبله أيضا. ﴿لِلْمُتَّقِينَ...:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما على التنازع، وقد حذف متعلّق أحدهما لدلالة متعلق الآخر عليه. هذا؛ وقد قرئ برفع الاسمين على أنّهما مبتدأ حذف خبرهما، التقدير: وفيه هدى، وموعظة للمتقين.\n\n<span id=\"aya-716\"></span>﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلْيَحْكُمْ..﴾. إلخ: يقرأ هذا الفعل بسكون اللام، وكسرها. وقد ذكرت في الآية السابقة: أنّ الإنجيل خال من الأحكام. وإنّما كلّه مواعظ، وحكم؛ فإذا ما معنى الأمر هنا؟ فيه تأويلان: أحدهما: أنّ الإنجيل مصدق للتوراة، ولأحكامها، كما هو صريح الآية السّابقة، فيكون ضمنا آمرا بتنفيذ أحكامهما، وتشريعهما، كما قال تعالى في الآية رقم [٦٨] الآتية: ﴿قُلْ﴾","vol":"3","page":124},{"text":"﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. ومن لم ينفذ ذلك يكن غير مؤمن بالإنجيل. والتّأويل الثاني: أنّ المراد بهذا الحكم الإيمان بمحمّد ﷺ لأنّ ذكره في الإنجيل، ووجوب التّصديق بنبوّته موجود، فإذا آمنوا بمحمّد، وبالقرآن الّذي أنزل عليه؛ فقد حكموا بما في الإنجيل، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧]: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ..﴾. إلخ. هذا؛ وهناك من يقول: إنّ في الإنجيل أحكاما يجب تطبيقها، ولم نطّلع عليها. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ..﴾.\nإلخ. انظر الآية رقم [٤٤] ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿وَلْيَحْكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الأمر. (يحكم): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿أَهْلُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، والإنجيل مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، التقدير: وقلنا: ليحكم... إلخ، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: ﴿أَنْزَلْنَا..﴾. إلخ في الآية رقم [٤٤] فهي في محلّ رفع مثلها. هذا؛ وعلى قراءة كسر اللام؛ فهي لام التعليل و(يحكم): منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و«أن» المضمرة، والفعل: (يحكم) في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: (آتيناه).\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يحكم). و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وجملة: ﴿أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور ب: (في)، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبإنزال فيه، وهو ضعيف كما ترى. وجملة: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ معطوفة على: (هدى وموعظة...) إلخ.\n ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذه الكلمات جملة، وإفرادا في الآية رقم [٤٤].\n\n<span id=\"aya-717\"></span>﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ محمد ﷺ و﴿الْكِتابَ:﴾ القرآن. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ بالأمر الحق. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ﴾ المراد:\nجميع الكتب السماوية؛ التي أنزلها الله على الرّسل، فالقرآن يؤيّدها، ويؤكّدها. وانظر الآية رقم [٤٦]. ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: عاليا على جميع الكتب، ومرتفعا عليها، وشاهدا، ورقيبا على سائر","vol":"3","page":125},{"text":"الكتب المتقدّمة، يشهد لها بالصحّة، والثبات، وجامعا لأحكامها، وتعاليمهما. قال حسان -﵁-: [الكامل]\nإنّ الكتاب مهيمن لنبيّنا... والحقّ يعرفه ذوو الألباب\nهذا؛ ويقرأ بفتح الميم الثانية على صيغة المفعول، وفسّر بأنّ محمدا مؤتمن عليه، وحافظ له من التغيير، والتبديل، والحافظ له في الحقيقة هو الله تعالى بقوله: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ وكذلك الحفّاظ في كل عصر.\n ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: أنزل إليك. هذا أمر يوجب الحكم بين اليهود، والنّصارى، فقيل: هذا نسخ للتخيير في قوله في الآية رقم [٤٢]: ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وقيل: ليس هذا وجوبا، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت. ولا تتبع أهواءهم... إلخ: فهذا النهي ليس على بابه، وإنّما هو على سبيل الفرض، والتقدير. فحاشاه ﷺ أن يميل عن الحقّ لبعض الناس! أو: يكون الخطاب للنبيّ ﷺ والمراد أمّته. وانظر شرح ﴿الْهَوى﴾ في الآية رقم [١٣٥] من سورة النّساء فإنّه جيّد، والحمد لله!.\n ﴿لِكُلٍّ﴾ أي: لكل الناس من مسلمين، ويهود، ونصارى. ﴿جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا:﴾\nشريعة، وطريقة واضحة في الدّين، ومنهاجا يمشون عليه. ويتقيّدون بأحكامه. والشريعة في كلام العرب: المشرعة؛ التي يشرعها الناس، فيشربون، ويسقون منها، وقيل: الشّريعة: الطريقة، ثم استعيرت للطريقة الإلهية المؤدّية إلى الدّين. والمنهاج: الطريق الواضح. وقال بعضهم:\nالشّريعة، والمنهاج عبارتان عن معنى واحد، والتكرير للتّأكيد، والمراد بها الدّين. وقال آخرون:\nبينهما فرق لطيف، وهو أنّ الشريعة هي التي أمر الله بها عباده. والمنهاج: الطّريق الواضح المؤدّي إلى الشّريعة، ولكلّ رسول، وكتاب شريعة، يحلّ الله فيها ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممّن يعصيه، والدّين الذي لا يقبل غيره هو التّوحيد، والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرّسل، ﵈، كما ثبت في صحيح البخاريّ: أنّ رسول الله ﷺ قال: «نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلاّت، ديننا واحد». أي: أبناء ضرائر.\nوقال عليّ﵁-: الإيمان منذ بعث آدم ﵇: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، ولكلّ قوم شريعة، ومنهاج. قال العلماء: وردت آيات دالّة على عدم التباين في طريقة الأنبياء، والرّسل، منها قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا..﴾. إلخ رقم [١٣] من سورة (الشّورى)، ومنها قوله ﷿: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ..﴾. إلخ رقم [٩٠] من سورة (الأنعام)، ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهم، منها قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا،﴾ وطريق الجمع بين هذه الآيات: أنّ كلّ آية دلّت على عدم التباين فهي دالّة على أصول الدّين، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه،","vol":"3","page":126},{"text":"ورسله، واليوم الآخر، وكلّ ذلك جاءت به الرّسل من عند الله، ولم يختلفوا فيه. وأمّا الآيات الدّالّة على حصول التباين بينهم فمحمولة على الفروع، وما يتعلّق بظواهر العبادات، فجائز أن يتعبّد الله عباده في كلّ وقت بما يشاء. فهذه طريق الجمع بين هذه الآيات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. واحتجّ بهذه الآية من قال: إنّ شرع من قبلنا لا يلزمنا؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ يدلّ على أنّ كلّ رسول جاء بشريعة خاصّة، فلا يلزم أمّة رسول الاقتداء بشريعة رسول آخر. انتهى. خازن.\n ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: جماعة متّفقة على شريعة واحدة، ودين واحد، لا اختلاف فيه في جميع الأعصار من غير نسخ، وتبديل. ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ:﴾ ولكن فرّقكم، وجعلكم شيعا؛ ليختبركم فيما آتاكم من الشّرائع المختلفة، وليظهر المطيع منكم، والعاصي، والموافق، والمخالف. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ:﴾ سارعوا إليها انتهازا للفرصة، وحيازة لفضل السّبق، والتقدّم. وفيه استعارة حيث شبه الطّائعين المسارعين إليها بالمتسابقين على ظهور الخيل؛ إذ كلّ واحد ينافس صاحبه في السّبق لبلوغ الغاية المقصودة. ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: ترجعون إلى الله جميعا، وذلك بالموت الذي قهر به العباد، وحكم به على كلّ مخلوق، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ...﴾. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٤] ففيها الكفاية، وخذ قول أبي العتاهية الصّوفي-رحمه الله تعالى-: [الوافر]\nفلو أنّا إذا متنا تركنا... لكان الموت راحة كلّ حيّ\nولكنّا إذا متنا بعثنا... ونسأل بعد ذا عن كلّ شيء\nالإعراب: ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٤٤] فهي في محلّ رفع مثلها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الكتاب، أي: ملتبسا بالحقّ. ﴿مُصَدِّقًا:﴾ حال ثانية من: ﴿الْكِتابَ،﴾ وقيل: من الضّمير المستتر بقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾.\n ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤٦]. ﴿وَمُهَيْمِنًا:﴾\nمعطوف على: ﴿مُصَدِّقًا﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.\n ﴿فَاحْكُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (احكم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت.\n ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (احكم)، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فاحكم بينهم بالذي، أو: بشيء أنزله الله، وجملة: (احكم...) إلخ لا محلّ لها؛","vol":"3","page":127},{"text":"لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وحاصلا؛ فاحكم... إلخ.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: عادلا، أو مائلا عن الحقّ. ﴿جاءَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال (من) الفاعل المستتر، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما).\n ﴿لِكُلٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والتنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف، التقدير: لكلّ النّاس، وهما في محل نصب مفعول به ثان تقدّم على الفعل إن كان بمعنى: صيّر.\n ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بصفة لما عوض عنه تنوين: (كلّ) وقيل: متعلقان بمحذوف، تقديره: أعني: منكم، ولا يجوز تعليقهما بمحذوف على أنّه صفة ل:\n (كلّ) لأنّه يلزم الفصل بين الصفة والموصوف بجملة: ﴿جَعَلْنا﴾. وهي أجنبية ليس فيها تأكيد، وما شأنه كذلك لا يجوز الفصل به، وهو تكلّف لا داعي له، وقد وقع الفصل بين الصفة والموصوف في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ رقم [١٤] من سورة (الأنعام). ﴿شِرْعَةً:﴾ مفعول به. ﴿وَمِنْهاجًا...:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لِكُلٍّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها، جيء بها لحمل أهل الكتابين من معاصريه-عليه الصّلاة، والسّلام-على اتّباعه، والانقياد لحكمه.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾\nماض، وفاعله، والمفعول محذوف دلّ عليه الجواب، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلَكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو).\n (جعلكم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها. و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له.\n ﴿لِيَبْلُوَكُمْ:﴾ اللام: لام التعليل. (يبلوكم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، انظره في الشرح.\n ﴿فِي ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة.\n ﴿آتاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:","vol":"3","page":128},{"text":"ليبلوكم في الّذي، أو: في شيء آتاكموه، والكلام: ﴿وَلكِنْ﴾ معطوف على الواو، ومدخولها، لا محلّ له مثله.\n ﴿فَاسْتَبِقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (استبقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿الْخَيْراتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الابتلاء، والاختبار واقعا؛ فاستبقوا الخيرات. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للأمر لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الكاف، والميم، وهي حال مؤكّدة.\n ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ينبئكم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (الله) والكاف مفعول به أوّل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في محلّ نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ﴾ إلخ صلة: (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط:\nالضمير المجرور محلاّ ب: (في) وعلى اعتبار: (ما) مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ جرّ بالباء، التقدير: فينبئكم باختلافكم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-718\"></span>﴿وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ..﴾. إلخ: فهذا تأكيد لما تقدّم من الأمر بذلك؛ والنهي عن خلافه، وهو النّسخ لقوله تعالى في آية سبقت: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وقال بعض العلماء: ليس في هذه الآية تكرار لما تقدّم، وإنّما أنزلتا في حكمين مختلفين، أمّا الآية الأولى؛ فنزلت في شأن رجم المحصن، حيث طلبت اليهود من النبي ﷺ أن يجلده فقط، وأن يحمّمه، وهذه الآية نزلت في أمر قتيل بينهم.\n ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: إنّ كعب بن أسيد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس-أخزاهم الله-قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمّد؛ لعلّنا نفتنه عن دينه. فأتوه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنّا أحبار اليهود، وأشرافهم، وساداتهم.","vol":"3","page":129},{"text":"وإنّا إن اتّبعناك؛ اتبعتنا اليهود، ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك، فاقض لنا عليهم؛ نؤمن بك، ونصدقك. فأبى رسول الله ﷺ. وإنّما حذّره ربه، وهو رسول معصوم مأمون؛ لقطع أطماع اليهود اللّؤماء. هذا؛ وقيل: المعنى: أن يفتنوك عن كلّ ما أنزل الله إليك، والبعض يستعمل بمعنى الكل، والمعتمد الأوّل، وإنّ المراد به: الرّجم، أو الحكم الذي كانوا أرادوه، ولم يقصدوا أن يفتنوه عن الكلّ.\n ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ فإن أعرضوا عن الحكم بما أنزل الله إليك، وأرادوا غيره. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ..﴾. إلخ؛ أي: فاعتقد أنّ الله يعاقبهم ببعض ذنوبهم. وهذا يشير: أنّ لهم ذنوبا كثيرة. وفيه تعظيم الذنوب، فإنّ بعضها مهلك، فكيف بكلّها؟! هذا؛ وقد أصابهم في الدّنيا ببعض ذنوبهم بالجلاء، والجزية، والقتل، ولعذاب الآخرة أشدّ، وأبقى. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ:﴾\nالمراد: اليهود؛ لأنّهم ردّوا حكم الله تعالى، وما أكثر الفاسقين في هذا الزّمن من الذين يدّعون الإسلام، والإيمان!.\nهذا؛ و«تولى» تفعّل، وأصله: الإعراض، والإدبار عن الشّيء بالجسم، ثمّ استعمل في الإعراض عن الأوامر، والأديان، والمعتقدات اتّساعا، ومجازا، وانظر الآية رقم [٥٦] الآتية.\nهذا؛ وأصل «الفتنة»: الاختبار، ثمّ يختلف معناها، فقوله تعالى هنا: ﴿يَفْتِنُوكَ﴾ معناه:\nيصدّوك، ويردّوك عن الحقّ. وتكون الفتنة بمعنى الشرك، كقوله تعالى في سورة (البقرة) الآية رقم [١٩١]: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ،﴾ ورقم [٢١٧]: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ،﴾ ورقم [١٩٣]:\n ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وهي في (الأنفال) برقم [٣٩]، ولها معان أخر بحسب موقعها من الجملة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مصدري، ونصب. ﴿اُحْكُمْ:﴾ فعل أمر في محل نصب ب: (أن) وفاعله مستتر تقديره: أنت، والمصدر المؤوّل منهما في محلّ نصب معطوف على: ﴿الْكِتابَ﴾ في الآية السابقة، التقدير: أنزلنا إليك الكتاب، والحكم. وقيل:\nمعطوف على ﴿الْحَقِّ﴾ فهو في محل جرّ، وقيل: (أن) مفسّرة، وهناك فعل محذوف، التقدير:\nوأمرناك، ثمّ فسّر هذا الأمر ب: (احكم) ولا بأس به، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n (أنزلنا...) إلخ. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية السّابقة. ﴿وَاحْذَرْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَنِ:﴾\nحرف مصدري، ونصب. ﴿يَفْتِنُوكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنِ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والمصدر المؤوّل منهما بدل اشتمال من: (هم) أي: احذرهم فتنتهم، أو هو مفعول لأجله على حذف مضاف. التقدير:","vol":"3","page":130},{"text":"احذرهم مخافة فتنتهم. ﴿عَنْ بَعْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْضِ:﴾ مضاف، و(ما): مضاف إليه، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن بعض الذي، أو: بعض شيء أنزله الله إليك، والتقدير على المصدرية: عن بعض إنزال الله إليك، وهو ضعيف معنى، كما ترى.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محلّ جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاعْلَمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعلم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿أَنِ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُصِيبَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب:\n ﴿أَنِ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّما..﴾. إلخ في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (اعلم)، وجملة: (اعلم...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور... إلخ، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له مفرّع عمّا قبله لا محلّ له.\n ﴿وَأَنِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيرًا:﴾ اسمها. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿كَثِيرًا﴾ أو بمحذوف صفة له، وتعليقهما ب: (فاسقون) بعدهما ضعيف.\n ﴿لَفاسِقُونَ...:﴾ اللام: هي المزحلقة. (فاسقون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:\n ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، واعتبارها حالا من الضمير: (هم) لا بأس به، ويكون الرابط: الواو فقط، وقد أظهر في محل الإضمار، فمقتضى القياس: «وإنّ كثيرا منهم لفاسقون».\n\n<span id=\"aya-719\"></span>﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿الْجاهِلِيَّةِ...:﴾ تطلق هذه الكلمة على أحوال العرب قبل الإسلام حينما كانوا يعبدون الأوثان، والفوضى ضاربة أطنابها فيهم، وهي أيضا: متابعة الهوى، والميل إلى الباطل، والمداهنة في الحكم، وهي الآن ضاربة أطنابها في بلاد المسلمين بهذا المعنى. وإليك ما جاء في الظلال للمرحوم سيد قطب، قال: إنّ الجاهلية في ضوء هذا النصّ القرآني البليغ هي حكم البشر للبشر، وعبودية البشر للبشر، ورفض ألوهيّة الله، والخروج من عبوديته إلى عبودية غير الله، إنّه مفرق الطريق، فإمّا حكم الله، وإمّا حكم الجاهلية، ولا وسط، ولا بديل، إما أن تنفذ شريعة الله في حياة الناس، أو ينفذ حكم الجاهلية، وشريعة الهوى، ومنهج العبوديّة لغير الله.","vol":"3","page":131},{"text":"والجاهلية ليست فترة من الزّمن، ولكنّها وضع من الأوضاع يوجد بالأمس، واليوم، وغدا.\nوالناس إمّا أنّهم يحكمون بشريعة الله، ويقبلونها، ويسلّمون بها تسليما، فهم إذا مسلمون، وإمّا أن يحكموا بشريعة من صنع البشر، فهم في جاهلية، وهم خارجون عن شريعة الله. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والمعنى: أيتولون عن حكمك، ويبتغون غير حكم الله، وهو حكم الجاهليّة؟! هذا؛ ويقرأ حكم بضم الحاء وسكون الكاف، وبفتحتين، كما يقرأ بفتح الميم، وضمّها.\n ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ: هذا إنكار، ونفي لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكم الله تعالى، أو مساو له؛ وإن كان ظاهر السّبك غير متعرّض لنفي المساواة، وإنكارها.\n ﴿يُوقِنُونَ﴾ أي: يعتقدون بالله، أو بحكمه. وفي الخازن: والإيقان: إتقان العلم بنفي الشّكّ، والشبهة عنه بالاستدلال. واليقين: عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة؛ لأنّ الإنسان في أوّل الحال لا ينفك عن شبهة، وشكّ، فإذا كثرت الدلائل، وتوافقت؛ صارت سببا لحصول اليقين، والطمأنينة في القلب، وزالت الشّبهة عند ذلك. وينبغي أن تعلم أن اليقين من «يقن» الثّلاثي، وأمّا الإيقان؛ فإنّه من «أيقن» الرّباعي. هذا؛ وأصل الفعل: «يؤيقنون» فحذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة مثل: «أؤيقن» الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: «يويقنون» ثم حذفت الياء الساكنة لالتقائها ساكنة مع الواو، فصار (يوقنون).\nتنبيه: سبب نزول هذه الآية الكريمة: كانت بين بني النضير، وبني قريظة-حيين من اليهود في المدينة قبل هجرة الرسول ﷺ إليها-دماء، وكان بنو النضير يفضّلون أنفسهم على بني قريظة، كما ذكرته لك فيما مضى قريبا، فلمّا هاجر الرّسول ﷺ إلى المدينة؛ تحاكموا إليه، فقال بنو قريظة: بنو النضير إخواننا، ويفضّلون أنفسهم علينا، يجعلون القتيل منهم بقتيلين منا، وأرش جراحتنا على النّصف من جراحتهم، فاحكم بيننا، وبينهم، فقال الرسول ﷺ: «أنا أحكم: أنّ دم القرظي كدم النّضيريّ، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم، ولا عقل، ولا جراحة». فغضب بنو النضير، وقالوا: لا نرضى بحكمك! فأنزل الله الآية الكريمة على سيد الخلق، وحبيب الحقّ.\nتنبيه: روي: أنّ طاوس-رحمه الله تعالى-كان إذا سئل عن الرّجل يفضّل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية، وكان﵁يقول: ليس لأحد أن يفضّل بعض ولده على بعض، فإن فعل؛ لم ينفذ، وفسخ. وبه قال الإمام أحمد، وأهل الظاهر، وأجاز ذلك مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، واستدلّوا بفعل الصدّيق﵁في نحله عائشة﵂دون سائر ولده. واحتجّ الأوّلون بقول النبي ﷺ لبشير بن النّعمان﵄-:\n «أكلّ ولدك نحلت مثله؟» فقال: لا، قال ﷺ: «فلا تشهدني إذا؛ فإنّي لا أشهد على جور».","vol":"3","page":132},{"text":"قالوا: وما كان جورا؛ فهو باطل، لا يجوز، وأمّا فعل الصديق﵁فلا يعارض به قول النبي ﷺ، ولعلّه كان قد نحل أولاده نحلا يعادل ذلك.\nوالّذي يرجّح المنع، بل والتحريم ما ينشأ عن ذلك من العقوق؛ الّذي هو أكبر الكبائر، وزرع الضغينة، والحقد، والحسد بين الأولاد، وهذا واقع في حياتنا، ولذلك قال الرسول ﷺ:\n «اتّقوا الله، واعدلوا بين أولادكم».\nوقوله ﷺ: «إنّ الله يحبّ أن تعدلوا بين أولادكم ولو في القبل». قال النّعمان﵁فرجع أبي فردّ تلك الصّدقة. فليتق الله المسلم، وليكن ضابطا لعواطفه حتّى لا يجرّ الشّقاء على ورثته من بعده. والشقي من اتّعظ به غيره، والسّعيد من اتّعظ بغيره.\nالإعراب: ﴿أَفَحُكْمَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. والفاء: حرف عطف. و(حكم):\nمفعول به مقدّم على ناصبه، وهو مبتدأ على رفعه، وهو مضاف، و﴿الْجاهِلِيَّةِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم الفاعل لفاعله. ﴿يَبْغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على رفع: (حكم) ويكون قد حذف الرابط، وهو المفعول به، كما حذفه أبو النّجم العجلي في قوله-وهو الشاهد رقم [٣٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nقد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع\nفتكون الجملة اسمية. وسواء كانت الجملة اسمية، أم فعلية فهي مستأنفة، لا محلّ لها.\nوقال الزمخشري، ومتابعوه: الجملة على الوجهين معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أيتولون عن حكمك، فيبغون حكم الجاهلية؟! ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَحْسَنُ﴾. ﴿حُكْمًا:﴾ تمييز. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب:\n ﴿حُكْمًا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محلّ جرّ صفة: (قوم).\n\n<span id=\"aya-720\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. أمّا المناسبة بين هذه الآية وما يتلوها من آيات، وبين ما تقدّم؛ فإنّ الله تعالى لمّا حكى عن أهل الكتاب: أنّهم تركوا العمل بالتّوراة، والإنجيل، وحكم عليهم بالكفر، والظلم، والفسوق؛ حذّر الله تعالى في هذه الآيات من موالاة","vol":"3","page":133},{"text":"اليهود، والنصارى، ثمّ عدّد جرائم اليهود، وما اتّهموا به الذّات الإلهية المقدّسة من شنيع الأقوال، وقبيح الفعال. واختلف في سبب نزول الآيات.\nفقال قوم: نزلت في عبادة بن الصّامت﵁-، وعبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين، وذلك: أنّهما اختصما، فقال عبادة﵁-: إنّ لي أولياء من اليهود، كثير عددهم، شديدة شوكتهم، وإنّي أبرأ إلى الله، وإلى رسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: لكنّي لا أبرأ من ولايتهم، فإنّي أخاف الدوائر، ولا بدّ لي منهم. فقال النبي ﷺ: «يا أبا الحباب، ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه». فقال: إذن أقبل، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها. والمراد باليهود قبيلة بني قينقاع؛ الذين أجلاهم الرّسول ﷺ من المدينة، وكانوا حلفاء لعبد الله المنافق، فتشبث بهم.\nوقال السدي-رحمه الله تعالى-: لمّا كانت وقعة أحد؛ اشتدّ الأمر على طائفة من الناس، وتخوّفوا أن يدال عليهم للكفار، فقال رجل من المسلمين: أنا الحق بفلان اليهودي، وآخذ منه أمانا، وقال آخر: أنا ألحق بفلان النّصراني من أهل الشام، وآخذ منه أمانا، فأنزل الله هذه الآية ينهاهم فيها عن موالاة اليهود، والنصارى. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، لمّا بعثه ﷺ إلى بني قريظة حين حاصرهم. وهذا ضعيف.\n ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي: يوالي، ويناصر بعضهم بعضا؛ لاتحادهم في الكفر، واجتماعهم على عداوتكم، وما نراه في العصر الحديث من مساعدة الإنكليز، والأمريكان لليهود يؤكّد هذه الحقيقة التي نزل بها القرآن منذ أربعة عشر قرنا، وهي ماثلة أمام أعين الناس أجمعين.\n ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: من يعتمد على اليهود، والنصارى، والمشركين في شئونه، ويأمن غدرهم، وشرّهم؛ فهو منهم، ويحشر معهم يوم القيامة، وهذا تعليم من الله تعالى، وتشديد عظيم في مجانبة الكفار جميعا، وكلّ من خالف دين الإسلام. وانظر الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي..﴾. إلخ. أي: لا يوفق الذين ظلموا أنفسهم بموالاة أعداء الله، أو ظلموا المؤمنين بموالاة أعدائهم، وانظر «الظلم» وأنواعه في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام) والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة.\n ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَهُودَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف عليه منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَوْلِياءَ...:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿لا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿بَعْضٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محلّ لها.","vol":"3","page":134},{"text":"﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّهُمْ:﴾ فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في (من). ﴿فَإِنَّهُ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثّقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفته منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محلّ رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-721\"></span>﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شكّ، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعف الإيمان فيها، و«المرض» حقيقة فيما يعرض للبدن. فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، واستعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: يسارعون في موالاة الكفار، ومودّتهم، والمراد بالذين في قلوبهم مرض: عبد الله بن أبيّ، ومن على شاكلته من المنافقين. انظر الآية السابقة.\n ﴿يَقُولُونَ نَخْشى:﴾ نخاف. ﴿أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ أي: من دوائر الزّمان بأن ينقلب الحال، وتكون الدولة، والغلبة لكفار قريش على المسلمين، و«الدائرة»: اسم للحادثة من حوادث الدّهر، سمّيت بذلك؛ لأنّها تدور على الناس من خير إلى شرّ، ومن شرّ إلى خير، ثم اختصت في الاستعمال بالمكروه من الحوادث، والجمع: دوائر، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٩٨]:\n ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾. وقال عنترة في معلّقته رقم [٧٧]: [الكامل]\nولقد خشيت بأن أموت ولم تدر... للحرب دائرة على ابني ضمضم","vol":"3","page":135},{"text":"﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ:﴾ (عسى) ليست هنا للترجّي، وإنّما هي للتحقيق. قال المفسّرون:\n (عسى) من الله واجب؛ لأنّ الكريم إذا أطمع في خير؛ فعله، وهو بمنزلة الوعد؛ لتعلّق النفس به، ورجائها له. والمعنى: فعسى أن يأتي الله بالفتح لرسوله محمد ﷺ على أعدائه، وإظهار دينه على الأديان كلّها. وقيل: أراد فتح مكة، وقيل: أراد فتح قرى اليهود، مثل: خيبر، وفدك، ونحوهما من بلادهم. ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ:﴾ قال السدي: يعني: ضرب الجزية على اليهود، والنصارى. وقيل: المعنى: إنّ الله تعالى يقطع أصل اليهود من أرض الحجاز، ويخرجهم من ديارهم بلا كلفة، وتعب، كما ألقى الرعب في قلوبهم، فتركوا أصل ديارهم، وخرّبوها بأيديهم، ورحلوا إلى الشّام.\n ﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا..﴾. إلخ. أي: فيكون المنافقون نادمين على إسرارهم الكفر في قلوبهم فضلا عمّا ظهر على ألسنتهم من كلمات الكفر، وذلك إذا رأوا نصر الله للمؤمنين، أو إذا عاينوا العذاب عند الموت. هذا؛ و(يصبح) ليس على بابه من التوقيت في الصّباح، وإنّما هو بمعنى:\nيصير، أو يكون.\nهذا؛ و(ترى) ماضيه: رأى، فالقياس: ترأى، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي-وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا: «فتح القريب» -: [الوافر]\nأري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات\nوربّما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في: «(أرأيتكم)» و«(أرأيت)»: «(أرايتكم)» و«(أرايت)» بدون همز، قال الشاعر: [الخفيف]\nصاح هل ريت أو سمعت براء... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب\nوإذا أمرت منه على الأصل؛ قلت: أرء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال (ترى): أصله: ترأي، قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ثمّ حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الرّاء للتخفيف.\nالإعراب: ﴿فَتَرَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أوّل. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ فاعل بمتعلق الجار والمجرور، والتقدير: ترى الذين استقرّ في قلوبهم مرض. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف خبر مقدّم و﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر؛ فعليه تكون الجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها.","vol":"3","page":136},{"text":"﴿يُسارِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان على اعتبار (ترى) قلبيّا، وفي محل نصب حال من الموصول على اعتبارها بصريّا، ومثله في الآية رقم [٦٢] الآتية. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿نَخْشى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿نَخْشى..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة، أو هي من تعدّد المفعول الثاني على اعتبار (ترى) قلبيّا.\n ﴿فَعَسَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عسى): فعل ماض جامد دال على الرّجاء في الأصل، وانظر الشرح، مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر. ﴿اللهُ:﴾ اسم (عسى)، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ في محل نصب خبر (عسى)، وهو يؤول بعد سبكه باسم الفاعل، فيكون التقدير:\nفعسى الله آتيا. ﴿بِالْفَتْحِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿أَمْرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ عِنْدِهِ:﴾ متعلّقان ب ﴿أَمْرٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَيُصْبِحُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان ب:\n ﴿نادِمِينَ﴾ بعدهما، و﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿أَسَرُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: على الذي، أو: على شيء أسروه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ ب ﴿عَلى،﴾ التقدير: على إسرارهم. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب. ﴿نادِمِينَ﴾ خبر: (يصبحوا) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n\n<span id=\"aya-722\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: حين يمنّ الله بالفتح على المؤمنين، وترجع الحسرة، والخيبة، والندامة للمنافقين. واختلف في المقول لهم: ﴿أَهؤُلاءِ..﴾. إلخ على وجهين:\nإما أن يقوله المؤمنون بعضهم لبعض تعجبا من حال المنافقين، واغتباطا بما منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، والثبات على الإيمان: هؤلاء المنافقون الذين حلفوا لكم بأغلظ","vol":"3","page":137},{"text":"الأيمان: أنّهم معكم، ومعاضدوكم على الكفّار؟ وإما أن يقولوا هذا الكلام لليهود؛ لأنّ المنافقين حلفوا لهم: أنهم معهم بالمعاضدة، والنّصرة، كما حكى الله عنهم في سورة (الحشر):\n ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾. ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ..﴾. إلخ: هذا من تتمّة قول المؤمنين. أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلّفونها في رأي أعين النّاس، ويتزلّفون إليهم بها. وفيه معنى التعجب.\nكأنّه قيل: ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم في الدنيا والآخرة! خسروا في الدنيا بافتضاحهم، وخسروا في الآخرة بإحباط أعمالهم، ودخولهم نار جهنّم وبئس المصير، والقرار! هذا؛ و«جهد اليمين» أغلظه، والجهد بفتح الجيم وضمها: الطاقة، والقدرة، وقرئ بهما قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٧٩]: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُ:﴾ يقرأ بالرفع بواو، وبدونها على الاستئناف، ويقرأ بالنصب عطفا على:\n ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ باعتبار المعنى، وأجيز اعتبار المصدر بدلا من لفظ الجلالة، فيصير التقدير: عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا. وفيه قول ثالث وهو أن تعطفه على (الفتح) على حدّ قول ميسون -وهو الشّاهد رقم [٤٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والشاهد رقم [١٣٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]\nللبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع فاعل، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، وجملة: ﴿أَقْسَمُوا بِاللهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿جَهْدَ:﴾ حال من واو الجماعة بمعنى: جاهدين، وقيل: مفعول مطلق عامله: (أقسموا) و﴿جَهْدَ:﴾ مضاف، و﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ في محل نصب مقول القول.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿لَمَعَكُمْ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (معكم): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية جواب: (أقسموا) لا محلّ لها. ﴿حَبِطَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.\n (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿خاسِرِينَ:﴾\nخبر: (أصبحوا) منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.","vol":"3","page":138},{"text":"<span id=\"aya-723\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر مثل هذا النداء في الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ:﴾ من يرجع عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر؛ فلن يضرّ الله شيئا، وإنّما يضرّ نفسه برجوعه عن الدّين الحق. ففيه دليل على نبوّة سيد الخلق، وحبيب الحقّ؛ حيث أخبر القرآن بأمور لم تكن، فكانت، فقد ارتدّ عن الإسلام من العرب في أواخر عهد رسول الله ﷺ ثلاث فرق: بنو مدلج في اليمن؛ حيث تنبّأ فيهم الأسود العنسي، وكان يلقب بذي الحمار، وكان كاهنا، فكان يقول للحمار سر، فيسير، قف؛ فيقف، وقد أخزاه الله، فقتل قبل وفاة الرّسول ﷺ بليلة، وأخبر المسلمين بقتله، وكان فيروز الدّيلمي﵁بيّته، وقتله.\nوبنو حنيفة: حيث تنبّأ فيهم مسيلمة الكذاب، وقد أخزاه الله، فقتل بخلافة الصدّيق﵁-، وكان الذي باشر قتله وحشيّ قاتل الحمزة﵁-، فكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام، وأرجو أن تكون هذه بهذه. وارتدّ بعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة؛ التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعري: [البسيط]\nامّت سجاح ووافاها مسيلمة... كذّابة من بني الدّنيا وكذّاب\nوكانت شريفة، فلمّا تزوّجها؛ سلمت له، فاتّبعه قومها، وهم بنو حنيفة، وقال الشّاعر فيهما: [الوافر]\nمسيلمة اليمامة كان أدهى... وأكذب حيث سار إلى سجاح\nليمدح قومه بأبي رباح... وفاز وردّ مقصوص الجناح\nوفيهما يقول قيس بن عاصم﵁-: [البسيط]\nأضحت نبيّتنا أنثى نساء بها... وأصبحت أنبياء النّاس ذكرانا\nفلعنة الله والأقوام كلّهم... على سجاح ومن بالإفك أغرانا\nأعني مسيلمة الكذّاب لا سقيت... أصداؤه ماء المزن حيثما كانا\nثمّ لما قتل مسيلمة تابت سجاح، وحسن إسلامها.","vol":"3","page":139},{"text":"وارتدّ بنو أسد؛ حيث تنبّأ فيهم طليحة بن خويلد الأسدي، فبعث إليه رسول الله ﷺ خالد بن الوليد﵁-. فقاتله، فانهزم بعد القتال إلى الشّام، ثمّ أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه. وارتدّ سبع فرق في خلافة الصدّيق﵁-. وقال ابن إسحاق: لمّا قبض رسول الله ﷺ ارتدّت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد جؤاثى في البحرين، وكانوا في ردّتهم على قسمين: قسم نبذ الشّريعة كلّها، وخرج عنها، كما قدّمت، وقسم نبذ وجوب الزّكاة، واعترف بوجوب غيرها، فقالوا: نصوم، ونصلّي، ولا نزكي، فقاتل الصديق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد وغيره إليهم بالجيوش، فقاتلهم، وسباهم، وردّهم إلى الإسلام على ما هو المشهور من أخبارهم.\nومن قرأ التاريخ يعرف ما لأبي بكر﵁من الفضل. قال أبو بكر بن عيّاش:\nسمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر الصدّيق، لقد قام مقام نبيّ من الأنبياء في قتال أهل الردّة. ولقد ارتدّ عن الإسلام في عهد عمر﵁قبيلة غسّان قوم جبلة بن الأيهم، وتنصّر، وهرب-بسبب اللّطمة للفزاري-إلى بلاد الرّوم، انظر قصّته في الآية رقم [١٦] من سورة (البقرة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ ويقرأ: «يرتد» و(يرتدد) بالفك والإدغام، وفي سورة (البقرة) رقم [٢١٧] بالفكّ فقط.\n ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ:﴾ انظر الآية رقم [١٣٣] من سورة (النساء) ففيها الكفاية.\nهذا، والمحبّة ميل النّفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقرّبها إليه.\nوالعبد إذا علم: أنّ الكمال المطلق الحقيقي ليس إلا لله، ﷿، وأنّ كلّ ما يراه كمالا من نفسه، أو من غيره؛ فهو من الله، وبالله، وإلى الله؛ لم يكن حبّه إلا لله، وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، والرّغبة فيما يقرّبه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتّباع الرسول ﷺ في عبادته، والحرص على مطاوعته. انتهى. بيضاوي. ومن محبّة الله للعبد رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. وعدم محبة الله للعبد كناية عن بغضه، والسّخط، والغضب عليه، أعاذنا الله من ذلك. هذا؛ وقد حمل الزّمخشري على الصّوفية بادّعائهم الحبّ، وما ينتج عنه من أعمال دجل، وشعوذة. انظر الكشاف؛ فإنّه جيد.\nقال عبد الله بن زيد﵄-: غلطت في أربعة أشياء: في الابتداء مع الله تعالى:\nظننت: أنّي أحبّه، فإذا هو أحبني، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وظننت: أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عنّي، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وظننت: أنّي أذكره، فإذا هو يذكرني، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ،﴾ وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. وظننت أني أتوب إليه، فإذا هو قد تاب عليّ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.\n ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ويتذلّلون للمؤمنين. متواضعون لهم، عاطفون عليهم، راحمون لهم. من قولهم: دابة ذلول، أي: تنقاد سهلة، ولم يرد ذلّ الهوان. ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾","vol":"3","page":140},{"text":"أشداء، أقوياء، غلظاء على أعدائهم الكافرين. قال ابن عبّاس﵄-: هم للمؤمنين كالوالد للولد، والسّيّد للعبد، وهم في الغلظة على الكفّار كالسّبع على فريسته. قال تعالى في وصفهم في آخر سورة (الفتح): ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ انظر شرحها؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ وبين: ﴿أَذِلَّةٍ﴾ و﴿أَعِزَّةٍ﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.\n ﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ يبذلون أموالهم، وأرواحهم في سبيل نصرة الدّين الحنيف، ولا يخافون لومة لائم: بخلاف المنافقين يخافون الدّوائر، فدلّ بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي﵃ أجمعين-؛ لأنّهم جاهدوا في الله﷿في حياة رسول الله ﷺ، وقاتلوا المرتدّين بعده، ومعلوم: أنّ من كانت فيه هذه الصفات؛ فهو وليّ لله تعالى. وقيل: الآية عامّة في كلّ من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة.\nفعن عبادة بن الصّامت﵁قال: «بايعت رسول الله ﷺ على السّمع، والطّاعة في العسر، واليسر، والمنشط، والمكره، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحقّ أينما كنّا، لا نخاف في الله لومة لائم». متّفق عليه.\nوعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحقرنّ أحدكم نفسه أن يرى لله أمرا لله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا، وكذا؟ فيقول: مخافة النّاس، فيقول: إيّاي أحقّ أن تخاف». أخرجه الإمام أحمد.\n ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبّة، ولين الجانب للمؤمنين، والشدّة على الكافرين، وأنّهم يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم. كلّ ذلك من فضل الله تعالى، تفضّل به عليهم، ومن إحسانه إليهم. ﴿فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ:﴾ يعطيه، ويمنحه من يشاء من عباده. ﴿وَاللهُ واسِعٌ:﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية، والرزق، والجود، والعطاء، وهو واسع الفضل، والرّحمة. وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغنيّ الذي وسع جميع مخلوقاته. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعال عباده، وبمن يستحقّ الفضل، والرحمة، قال تعالى في سورة طه:\n ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ و«أتى» يأتي لازما؛ إن كان بمعنى: حضر، وأقبل. ومتعدّيا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ. فمن الأول ما في الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿يَأْتِي اللهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ،﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ رقم [٤٧] من سورة (الأنعام)، ومثلها برقم [٤٠] منها، هذا؛ و«أتى» بمعنى:\nأعطى، يعطي ينصب مفعولين، ومنه ما في الآية الكريمة: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾. و﴿لائِمٍ﴾ أصله:\nلاوم اسم فاعل من: لام، يلوم، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف","vol":"3","page":141},{"text":"الزائدة لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، فصار: لائم. وقل مثله في اليائي: بائع؛ فإنّ أصله: بايع.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْتَدَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالفتحة للخفّة، ويجوز تحريك الدّال بالكسرة؛ لأنّه الأصل في التخلّص من السكونين، ويمتنع الضم هنا لعدم ضمّ عينه. هذا؛ وعلى قراءة: (يرتدد) فالسكون ظاهر، والفاعل مستتر يعود إلى:\n ﴿مَنْ﴾. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾. ﴿عَنْ دِينِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَسَوْفَ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يَأْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا. ﴿بِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿يُحِبُّهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والهاء مفعول به. والجملة الفعلية في محل جر صفة: (قوم). ﴿وَيُحِبُّونَهُ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وجوز اعتبارها حالا من الضمير المنصوب، ويكون الرابط:\nالواو، والضمير. ﴿أَذِلَّةٍ:﴾ صفة ثانية ل (قوم). ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَذِلَّةٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿أَعِزَّةٍ:﴾ صفة ثالثة ل (قوم) وقرئ بالنصب على الحال من: (قوم) بعد وصفه بما تقدّم.\n ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿أَعِزَّةٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿يُجاهِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النّون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة رابعة ل (قوم) أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. وقيل: حال من الضمير المستتر في: ﴿أَعِزَّةٍ﴾. ﴿فِي سَبِيلِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه، وجملة: (لا يخافون...) إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿لَوْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿لائِمٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿فَضْلُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهُ:﴾\nمضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ:﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محل نصب","vol":"3","page":142},{"text":"مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nيؤتيه الذي، أو: شخصا يشاؤه، والجملة الفعلية هذه في محلّ نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة. وقيل: في محل رفع خبر ثان للمبتدإ.\nوقيل: مستأنفة لا محل لها، والمعتمد الأول، وهو على حدّ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾. ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ:﴾ جملة اسمية مستأنفة أو معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها على الاعتبارين، هذا؛ وساغ مجيء الحال من لفظ الجلالة، وهو مضاف إليه؛ لأنّ المضاف جزؤه، وقال ابن مالك في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n\n<span id=\"aya-724\"></span>﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ..﴾. إلخ: أي: ناصركم، ومعينكم، ويتولّى أموركم الله، ورسوله محمّد ﷺ. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا:﴾ المراد بهم صحابة النّبيّ ﷺ، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، الذين وصفوا بإقامة الصّلاة، وإيتاء الزكاة، وانظر شرح ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ في الآية رقم [١٠٣] من سورة (النّساء)، وشرح (الزّكاة) في الآية رقم [١٢] من هذه السّورة. ﴿راكِعُونَ:﴾ خاشعون، متواضعون في صلاتهم، وأفرد الرّكوع بالذّكر مع كونه داخلا في الصّلاة تنويها بشأنه.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في حقّ عليّ بن أبي طالب﵁حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه، كأنّه كان واسعا، غير محتاج في إخراجه من يده إلى عمل كثير يؤدّي إلى فساد الصّلاة. واستدلّ الشّيعة باطلا بهذه الآية على إمامته، زاعمين: أنّ المراد بالولي المتولّي للأمور، والمستحقّ للتصرّف فيها، وقد قال تعالى: ﴿وَلِيُّكُمُ﴾ ولم يقل:\nأولياؤكم للتنبيه على أنّ الولاية لله تعالى بالأصالة، ولرسوله، وللمؤمنين بالتّبع. ويرد على الشيعة: أن حمل الجمع على الواحد خلاف الظاهر؛ وإن قيل: إنّ الآية نزلت فيه، والمراد بالجمع المفهوم من الموصول.\nهذا؛ وقد ذكر ابن عباس﵄-: أنّ الآية نزلت في عبادة بن الصّامت﵁حين تبرّأ من اليهود، وموالاتهم، وقال: أتولّى الله، ورسوله، والمؤمنين، كما رأيت في الآية رقم [٥٢].\nوقال جابر بن عبد الله﵄-: نزلت الآية في عبد الله بن سلام﵁-، وذلك: أنّه جاء إلى النبي ﷺ بعد إسلامه، فقال: يا رسول الله! إنّ قومنا: قريظة،","vol":"3","page":143},{"text":"والنّضير قد هجرونا، وفارقونا، وأقسموا أن لا يجالسونا. فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله ﷺ، فقال﵁-: رضينا بالله ربّا، وبرسوله نبيّا، وبالمؤمنين أولياء.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿وَلِيُّكُمُ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، انظر الشرح. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو بمعنى الفاعل ب: (ولي)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَرَسُولُهُ:﴾ معطوف على ﴿اللهُ،﴾ والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية بعده صلته، والمتعلّق محذوف.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ يجوز اعتباره بدلا ممّا قبله، وصفة له مع ضعفه، وخبرا لمبتدإ محذوف، التقدير:\nهم الذين، ومفعولا به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذين، وجملة: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. (هم):\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿راكِعُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط: الواو، والضمير. وقيل بجواز عطفها على الجملة الفعلية قبلها.\n\n<span id=\"aya-725\"></span>﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ..﴾. إلخ؛ أي: من فوّض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين؛ فهو من حزب الله. أو المعنى: ومن يتولّ القيام بطاعة الله، ونصرة رسوله، والمؤمنين. وانظر الآية رقم [٤٩]. ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ..﴾. إلخ: فإنّ أنصار الله ﴿هُمُ الْغالِبُونَ﴾ لأنّ الله ناصرهم على عدوهم، قال تعالى في آخر سورة (المجادلة): ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لذلك غلبوا اليهود، والنّصارى بالسّبي، والقتل، وضرب الجزية، والإجلاء من الأرض. هذا و«الحزب» في اللغة: أصحاب الرّجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون معه لأمر حزبه؛ أي: أهمّه. والحزب: الورد في الطاعة، ومنه الحديث: «فمن فاته حزبه من اللّيل». وحزبه أمر: أصابه. والأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأعداء.\nهذا؛ وكل حزب لا يكون سائرا على الجادة المستقيمة، فهو حزب الشيطان، يعني: أتباعه، وأنصاره، وأعوانه، وهم الخاسرون، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي:\nالكاملون في الخسران؛ لأنّهم فوّتوا على أنفسهم النّعيم الدائم، وعرّضوها للعذاب المقيم، وكلّ حزب يسير على الجادة المستقيمة فهو حزب الله، وحزب الله هم المفلحون، أي: الناجون من غضب الله، وعقابه، الفائزون برحمة الله، ورضوانه.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (يتولّ): فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من","vol":"3","page":144},{"text":"آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: هو. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على الله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾\nاسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية بعده صلته، والمتعلق محذوف، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فالله يعينهم، وينصرهم، وهم حزب الله.\nوقد دلّت الجملة الاسمية الآتية على ذلك الجواب المحذوف. وابن هشام في المغني قال بمحذوف الجواب أيضا. وقيل: بل الجملة الاسمية هي الجواب، وقد وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه، وتنويها بذكر المتولّين الله، ورسوله، والمؤمنين، وتعظيما لشأنهم، وتشريفا لهم بهذا الاسم: ﴿حِزْبَ اللهِ﴾ وتعريضا بمن يوالي غير هؤلاء بأنّهم حزب الشيطان، وحزب الشيطان هم المغلوبون.\n ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل، أو هي واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿حِزْبَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْغالِبُونَ:﴾ خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (إنّ). هذا، وإن اعتبرت الضّمير فصلا، لا محلّ له ف: ﴿الْغالِبُونَ﴾ يكون خبر (إنّ) والجملة الاسمية: (إنّ...) إلخ تعليلية لا محلّ لها؛ إن اعتبرت الجواب محذوفا، أو هي في محل جزم جواب الشرط، وهو الظاهر. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-726\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١] من هذه السورة. ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا:﴾ قال ابن عباس﵄-: كان رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام، ثمّ نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فأنزل الله هذه الآية. ومعنى: ﴿اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ هو إظهارهم الإسلام بألسنتهم قولا، وهم مع ذلك يبطنون الكفر، ويسرّونه.\n ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: اليهود. ﴿وَالْكُفّارَ﴾ يعني: عبدة الأصنام، وإنما فصل بينهما، وإن كان أهل الكتاب من الكفار؛ لأنّ كفر المشركين من عبادة الأصنام، أغلظ، وأفحش من كفر أهل الكتاب.","vol":"3","page":145},{"text":"﴿أَوْلِياءَ:﴾ أنصارا، وأعوانا، قال ابن خويز منداد، هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ..﴾. إلخ رقم [٥١]، وقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٨]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ..﴾. إلخ، فقد تضمّنت الآيات هنا، وهناك المنع من التأييد، والانتصار بالمشركين، وأهل الكتاب، روى جابر﵁-: أنّ النبيّ ﷺ لمّا أراد الخروج إلى أحد؛ جاءه قوم من اليهود، فقالوا: نسير معك، فقال سيد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ: «إنّا لا نستعين على أمرنا بالمشركين». ويروى: أنّ قيصر ملك الروم عرض مساعدته لمعاوية في حربه مع عليّ -﵁-، فقال معاوية: والله لو قطّعت إربا، إربا لا أستعين بكافر على مسلم.\n (اتقوا الله): خافوه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ حقّا؛ لأنّ المؤمن الحقّ يأبى موالاة أعداء الله، ومناصرتهم، ومعاونتهم. وانظر شرح الإيمان في الآية رقم [١٣٦] من سورة (النساء)، وانظر شرح (اتقوا) في الآية [٣٢] من هذه السورة. هذا؛ و«الدّين» اسم لجميع ما يتعبّد به الله تعالى، و«الدّين»: الملة، والشريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾. و﴿يَوْمِ الدِّينِ:﴾ يوم الجزاء، والحساب؛ الّذي يحاسب الله الناس فيه على أعمالهم. هذا؛ ويطلق «الدّين» على العادة، والشأن، والحال، ومنه قول امرئ القيس في معلّقته: [الطويل]\nكدينك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل\nهذا؛ و«الدّين» بفتح الدال: القرض المؤجّل، وجمع الأوّل: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. والدينونة: القضاء، والحساب، ومنه: كما تدين تدان، والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.\nهذا وأصل «اتخذتم»: ائتخذتم من: الأخذ، ووزنه: افتعلتم، سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين، فصار: «ايتخذتم» فاضطربت الياء في التصريف، فصارت ألفا في (ياتّخذ) وواوا في (موتخذ) فأبدلت بحرف ثابت من جنس ما بعدها، وهي التاء، ثمّ أدغمت التاء في التاء، ثم اجتلبت ألف الوصل للنّطق بها، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٨٠]: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير، ومنه قول ذي الرّمّة: [البسيط]\nأستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا... أم راجع القلب من أطرابه طرب؟\nومثله قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٨]: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾. وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٣]: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾. وقوله تعالى في سورة (محمد) رقم [٧٥]: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾. وقوله جلّت حكمته في سورة (المنافقون) رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. انظر شرح هذه الآيات في محالّها.","vol":"3","page":146},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة.\n ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾\nماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿دِينَكُمْ:﴾ مفعول به أوّل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هُزُوًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَلَعِبًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾:\nمتعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. و﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في الموصول الأوّل.\n ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل. ﴿الْكِتابَ:﴾\nمفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، العائدة على الموصول، و﴿مِنَ:﴾ بيان لما أبهم في الموصول، والجملة الفعلية: ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَالْكُفّارَ﴾ يقرأ بالنصب عطفا على الموصول الأول، وبالجر عطفا على الموصول الثاني، التقدير: ومن الكفار. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان للفعل: ﴿لا تَتَّخِذُوا:﴾ وهذه الجملة، لا محلّ لها كما رأيت. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فاتقوا الله. و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مرتبط بما قبله تمام الارتباط، لا محلّ له مثله.\n\n<span id=\"aya-727\"></span>﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: قال الكلبي-رحمه الله تعالى-: كان منادي رسول الله ﷺ إذا أذّن إلى الصلاة، وقام المسلمون إليها؛ قالت اليهود-لعنهم الله-: قاموا، لا قاموا، وصلّوا، لا صلّوا، ويضحكون على طريق الاستهزاء. وقال السّدّي-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في رجل من النّصارى كان بالمدينة، فكان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدا رسول الله ﷺ، يقول: حرق الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار، وهو وأهله نيام، فطارت شرارة، فاحترق البيت، واحترق هو، وأهله.","vol":"3","page":147},{"text":"وقيل: إنّ اليهود، والمنافقين كانوا إذا سمعوا الأذان؛ حسدوا المسلمين على ذلك، فدخلوا على رسول الله ﷺ، قالوا: يا محمد! لقد أبدعت شيئا لم يسمع بمثله فيما مضى من الأمم، فإن كنت تدّعي النبوة؛ فقد خالفت الأنبياء قبلك، ولو كان فيه خير؛ لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح العير؟ فما أقبح هذا الصوت! وما أسمج هذا الأمر! فأنزل الله ﷿ هذه الآية، وأنزل قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٣] من سورة (فصلت).\nتنبيه: ليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية، أمّا ذكر النداء في سورة (الجمعة) فهو خاصّ بيوم الجمعة، والأذان سنة لكلّ فرض صلاة، سنة كفاية في الجماعة، وسنّة عين للمنفرد، وأمّا فضل الأذان، والمؤذن؛ فقد جاءت فيه أيضا آثار صحاح، منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «إذا نودي للصّلاة؛ أدبر الشّيطان، وله ضراط؛ حتّى لا يسمع التّأذين... إلخ» الحديث. وفي الموطّأ عن أبي سعيد الخدري﵁أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنّ، ولا إنس، ولا شيء إلاّ شهد له يوم القيامة». وغير ذلك كثير.\nوأمّا مشروعية الأذان؛ فكانت برؤيا عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، وغيرهما من الصّحابة في المنام، ثمّ أيد ذلك الوحي بنزول هذه الآية الكريمة، والأذان مثنى مثنى بالاتّفاق، وأمّا الإقامة؛ فهي عند أبي حنيفة مثنى مثنى أيضا، وعند غيره بالإفراد، وإجابة المؤذن، والمقيم سنّة، فعن عبد الله بن عمرو﵄-: أنّه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ، فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها منزلة من الجنّة، لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة؛ حلّت له الشّفاعة». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.\nتنبيه بل فائدة: ليس أشدّ على الكفار، والمنافقين من كلمات الأذان في كلّ زمان، ومكان، فهي أشدّ عليهم من وقع القنابل، وقذف الصّواريخ، فقد ذكر ابن إسحاق، وغيره في السّيرة: أنّ رسول الله ﷺ لمّا دخل مكّة عام الفتح، ومعه بلال، فأمره رسول الله ﷺ أن يؤذّن على سطح الكعبة، وأبو سفيان، وعتّاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتّاب: لقد كرّم الله أسيدا (والده) ألا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم: أنّه محقّ؛ لاتّبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت؛ لأخبرت عنّي هذه الحصى. فخرج عليهم النّبيّ ﷺ، فقال: «قد علمت الّذي قلتم» ثمّ ذكر ذلك لهم. فقال الحارث، وعتّاب: نشهد: أنّك رسول الله، ما اطّلع على هذا أحد كان معنا، فنقول:\nأخبرك!!.","vol":"3","page":148},{"text":"هذا؛ و﴿هُزُوًا﴾ يقرأ بسكون الزاي، والهمز، وبضم الزاي، والهمز، وبضم الزاي بلا همز، وهو بجميع قراءاته مصدر: هزأ، يهزأ، هزءا من باب: فتح، ويأتي من باب: تعب. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية (الحجرات) الناهية عن السّخرية، والاستهزاء بالنّاس معروفة، وأحاديث الرّسول ﷺ الناهية عن ذلك كثيرة، ومسطورة، وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (البقرة).\n ﴿ذلِكَ﴾ أي: لعبهم، وهزؤهم من أفعال السّفهاء، والجهلة، فكأنّهم لا عقول لهم تمنعهم من ذلك. هذا؛ والعقل: المنع، ومنه: عقال البعير الذي تشدّ به ركبته؛ لأنّه يمنعه من الحركة.\nومنه سمّي العقل: عقلا؛ لأنّه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإنّ كلّ شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصّحيح، فقد ورد: أنّه مرّ رجل معتوه على مجلس النبيّ ﷺ، فقال الصّحابة-رضوان الله عليهم-: هذا مجنون. فقال سيّد الخلق، وحبيب الخالق: «هذا مصاب، وإنّما المجنون من أصرّ على معصية الله». والعقل: الدّية، سميت بذلك؛ لأنّ الإبل المؤداة تعقل بباب وليّ المقتول. والعقال أيضا: صدقة عام، قال الشاعر يهجو عاملا على الصّدقات في عهد بني أميّة: [البسيط]\nسعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين\nلأصبح النّاس أوبادا فلم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nهذا؛ والعقل: ثوب أحمر تتخذه نساء العرب تغشّى به الهوادج. قال علقمة: [البسيط]\nعقلا ورقما تكاد الطّير تخطفه... كأنّه من دم الأجواف مدموم\nهذا؛ والعقل: جوهر لطيف في البدن ينبت شعاعه منه بمنزلة السّراج في البيت، يفصل به بين حقائق المعلومات. ثمّ اختلفوا في محله، فقالت طائفة منهم: محلّه الدّماغ؛ لأنّ الدّماغ محلّ الحسّ. وقالت طائفة أخرى: محلّه القلب؛ لأنّ القلب معدن الحياة، ومادّة الحواس، ويردّ هذين القولين: أنّ فاقد العقل لم يفقد دماغه، ولا قلبه، بل هما موجودان فيه، بل القول الصّحيح: إنّ هناك لطيفة ربّانية، لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكّرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى: روحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، انظر الآية رقم [٧٠] الآتية.\nوقال الخازن-رحمه الله تعالى-: والعقل قوة تهيئ قبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة: عقل، ومنه قول عليّ بن أبي طالب: [مجزوء الوافر]\nوأنّ العقل عقلان... فمطبوع ومسموع\nولا ينفع مطبوع... إذا لم يك مسموع\nكما لا تنفع الشّمس... وضوء العين ممنوع","vol":"3","page":149},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿نادَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿إِلَى الصَّلاةِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿اِتَّخَذُوها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿هُزُوًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب: (إذا) لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿وَلَعِبًا:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنّهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر: (أنّ). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ). و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-728\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب لسيّد الخلق وحبيب الحقّ ﷺ ليسأل اليهود عن سبب نقمتهم على الإسلام، والمسلمين. ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ هذا النداء يشمل اليهود، والنّصارى؛ لأنّ لكلّ كتابا. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا:﴾ هل تنكرون منّا، وتعيبون علينا، وتكرهون؟ يقال: نقم منه كذا: إذا أنكره. وانتقم منه: إذا كافأه على فعله. وقرئ بفتح القاف، والمضارع: ينتقم من الباب الأوّل.\nوقرئ بكسر القاف، وفتحها في المضارع من الباب الرّابع. ﴿إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ:﴾ وحده، لا شريك له، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. والاستفهام بمعنى النفي، وفي الكلام استثناء صفة مدح من صفة ذمّ منفيّة، ومنه قول النّابغة الذّبياني في مدح بني غسّان: [الطويل]\nولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب\nوهذا يسمّى في فنّ البديع: تأكيد المدح بما يشبه الذمّ. ومنه قول ابن قيس الرّقيّات في مدح بني أميّة: [الخفيف]\nوما نقموا من بني أميّة إلاّ... أنّهم يحلمون إن غضبوا\nومنه الآية رقم [٧٤] من سورة (التوبة) والآية رقم [١٢٦] من سورة (الأعراف) وأيضا في سورة (البروج) رقم [٨]. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: آمنا بجميع الكتب المنزلة على","vol":"3","page":150},{"text":"جميع الرسل من لدن آدم إلى محمد، عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ المعنى: إنّ سبب نقمتكم علينا هو الإيمان بالله، والإيمان بالكتب السّماوية جميعها، وكونكم فاسقين خارجين عن جادة الحقّ، والصواب، وقد قال جلّ ذكره: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ لعلمه الأزلي: أنّ من أهل الكتاب من يؤمن بالله، ورسوله.\nتنبيه: جاء جماعة من علماء اليهود، وزعمائهم إلى رسول الله ﷺ وسألوه عمّن يؤمن به.\nفقال: ﴿آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ الآية رقم [٨٤] من سورة (آل عمران)، و[١٣٧] من سورة (البقرة)، فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى﵇-: لا نعلم دينا شرا من دينكم، فأنزل الله الآية الكريمة.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. (يا): أداة نداء تنوب مناب:\n «أدعو». (أهل): منادى، وهو مضاف. و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿تَنْقِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والفعل في محل نصب ب: (أن). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿آمَنّا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ل: ﴿تَنْقِمُونَ﴾ وقال العكبري: مفعول به. و﴿آمَنّا﴾ مفعوله الثاني أي: تقدّم على الأول، والأول أقوى.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ معطوفة على لفظ الجلالة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها. ﴿وَما أُنْزِلَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وبني: ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى.\n ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿أَكْثَرَكُمْ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فاسِقُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على المصدر المؤول من: ﴿أَنْ آمَنّا﴾. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وكأنّ المستثنى لازم الأمرين، وهو المخالفة؛ أي: ما تنكرون منّا إلا مخالفتكم؛ حيث دخلنا في الإيمان، وأنتم خارجون منه. أو كان الأصل: واعتقاد: أنّ أكثركم فاسقون. فحذف المضاف. أو العطف على (ما) أي: وما تنقمون منّا إلاّ الإيمان بالله، وبما أنزل، وبأنّ أكثركم فاسقون. أو العطف على علّة محذوفة، والتّقدير: هل تنقمون منّا إلا أن آمنّا لقلّة إنصافكم، وفسقكم، أو هو منصوب بإضمار فعل يدلّ عليه: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ أي: ولا تنقمون أن أكثركم","vol":"3","page":151},{"text":"فاسقون. أو المصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، أي: وفسقكم ثابت معلوم عندكم، ولكن حبّ الرئاسة، والمال يمنعكم من الإنصاف. انتهى بيضاوي. أقول: المعتمد الوجهان الأولان، والبواقي يظهر فيها التعسّف، والتكلّف. تأمل، وتدبّر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-729\"></span>﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ:﴾ هذا جواب لليهود لمّا قالوا: ما نعرف دينا شرّا من دينكم. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود؛ الّذين قالوا هذه المقالة: هل أخبركم بشرّ من ذلك الذي ذكرتم، ونقمتم علينا من إيماننا بالله، وبما أنزل علينا؟ والخطاب موجّه للنّبيّ ﷺ. وانظر شرح (شر) في الآية [١٧٠] من سورة (النساء). ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ:﴾ جزاء ثابتا عند الله، والمثوبة مختصّة بالخير كالعقوبة مختصّة بالشرّ، فوضعت هنا موضعها تهكما على حدّ قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. هذا؛ وأصلها: مثووبة على وزن مفعولة، فنقلت حركة الواو الأولى إلى الثاء؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فحذفت إحدى الواوين لالتقائهما ساكنتين. ومثله مقولة، ومجوزة، ومضوفة على معنى المصدر، كما قال أبو جندب الهذلي: [الطويل]\nوكنت إذا جاري دعا لمضوفة... أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري\nهذا؛ ودين محمد ﷺ لا شرّ فيه قطعا، ولكن جاء الجواب على حسب قولهم، واعتقادهم، فإن اليهود حكموا بأنّ اعتقاد ذلك الدين شرّ، فقال لهم الله: هب أن الأمر كذلك. لكن من لعنه الله، وغضب عليه، ومسخ صورته شرّ من ذلك. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾ يعني: من اليهود من لعنه الله، وغضب عليه، ومنهم من جعلهم قردة، وخنازير. قال ابن عباس﵄-: إنّ الممسوخين كلاهما أصحاب السّبت، فشبّانهم مسخوا قردة، وشيوخهم خنازير، انظر الآية رقم [٦٥] من سورة (البقرة) وتفصيلها في سورة (الأعراف) الآية [١٦٣] وما بعدها.\nوقيل: إنّ مسخ بعضهم قردة كان في أصحاب السبت من اليهود، ومسخ بعضهم خنازير كان بعد نزول المائدة في زمن عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ولمّا نزلت الآية الكريمة عيّر المسلمون اليهود، وقالوا لهم: يا إخوان القردة، والخنازير، وافتضحوا بذلك، فنكّسوا رءوسهم، وقال الشاعر: [الرجز]\nفلعنة الله على اليهود... إنّ اليهود إخوة القرود\n ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ يعني: وجعل منهم من عبد الطاغوت، يعني من أطاع الشّيطان فيما سوّل له، والطّاغوت: هو الشّيطان، وقيل: هو العجل، وقيل: هو الكهّان، والأحبار. وجملته: أنّ","vol":"3","page":152},{"text":"كل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده، وهو الطّاغوت. انظر الآية رقم [٥١] من سورة (النساء) تجد ما يسرّك ويثلج صدرك. هذا؛ وفي ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ أربع وعشرون قراءة، ثنتان سبعيتان، والباقي من الشّواذ.\n ﴿أُولئِكَ﴾ الملعونون، والمغضوب عليهم، والممسوخون. ﴿شَرٌّ مَكانًا:﴾ يعني: من غيرهم، ونسب الشر إلى المكان، والمراد به أهله، وذلك مبالغة في الذمّ، ومن أحسن ما قيل فيه:\nأولئك الذين لعنهم الله شرّ مكانا في الآخرة من مكانكم في الدّنيا لما لحقكم من الشرّ، يعني:\nمن الهموم الدنيوية، والحاجة، والإعسار، والسّقم، وغير ذلك. وانظر شرح: ﴿سَواءِ السَّبِيلِ﴾ في الآية رقم [٧٧] الآتية.\nتنبيه: القردة، والخنازير الموجودون في زمننا ليسوا ممّا مسخ الله من بني إسرائيل، وإنّما هم موجودون قبل بني إسرائيل، فقد قال سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: عن ابن مسعود -﵁قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة، والخنازير: أهي ممّا مسخ الله؟ فقال:\n «إنّ الله لم يهلك قوما، أو لم يمسخ قوما، فيجعل لهم نسلا، ولا عقبا، وإنّ القردة، والخنازير كانت قبل ذلك». رواه مسلم. وقال أبو داود: عن ابن مسعود﵁-، قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة، والخنازير: أهي من نسل اليهود؟ فقال: «إنّ الله لم يلعن قوما قطّ فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلمّا غضب الله على اليهود، فمسخهم، جعلهم مثلهم». هذا؛ وانظر «اللّعن» في الآية رقم [٥٢] من سورة (النّساء) فإنّه جيد، والحمد لله!.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام.\n ﴿أُنَبِّئُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿بِشَرٍّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنّهما مفعوله الثاني، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (شرّ)؛ لأنّه أفعل تفضيل، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له.\n ﴿مَثُوبَةً:﴾ تمييز. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَثُوبَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، و﴿عِنْدَ:﴾\nمضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ﴾ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بدل من: (شرّ) أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو لعن من لعنه الله، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف دلّ عليه السّابق، أي: أعرفكم من. ﴿لَعَنَهُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، والعائد، أو الرابط:\nالضمير المنصوب. ﴿وَغَضِبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وقد أفرد الضمير فيهما مراعاة للفظ:","vol":"3","page":153},{"text":"﴿مِنْ،﴾ وجمع فيما بعدهما مراعاة لمعناها. ﴿وَجَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقِرَدَةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْخَنازِيرَ:﴾ معطوف على (ما) قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَعَبَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿مِنْ﴾. ﴿الطّاغُوتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة؛ إذ التقدير: ومن عبد الطّاغوت، وهذا على قراءة الفعل بالبناء للمعلوم ونصب: ﴿الطّاغُوتَ﴾ وهو واضح. ويقرأ بالبناء للمجهول ورفع: «(الطّاغوت)» فيحتاج إلى تقدير ضمير يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ فيكون التقدير:\nومن عبد الطاغوت فيهم. وذكرت كثرة القراءات في هذه الجملة، فيطول الكلام فيها وفي أوجه إعرابها، فلذا أعرضت عنها اختصارا.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محلّ رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿شَرٌّ:﴾ خبره. ﴿مَكانًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَأَضَلُّ:﴾ معطوف على: ﴿شَرٌّ﴾ عطف مفرد على مفرد. أو هو خبر لمبتدإ محذوف، أي: هم أضلّ، فيكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها. ﴿عَنْ سَواءِ:﴾ متعلقان ب: (أضلّ)، و﴿سَواءِ:﴾ مضاف، و﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-730\"></span>﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا..﴾. إلخ: قال قتادة-رحمه الله تعالى-: نزلت في أناس من اليهود، دخلوا على رسول الله ﷺ، فأخبروه: أنّهم مؤمنون، راضون بالذي جاء به، وكانوا متمسّكين بضلالهم، وكفرهم، فكان هؤلاء يظهرون الإيمان، وهم منافقون، فأخبر الله نبيه ﷺ بحالهم، وشأنهم.\n ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ:﴾ يعني: إنّهم دخلوا عليك يا محمد كافرين، وخرجوا كما دخلوا كافرين لم يتعلّق بقلوبهم شيء من الإيمان، فهم كافرون في حالتي الدخول، والخروج. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي: يخفون من الكفر في قلوبهم؛ لأنّ الله عالم بالسّرائر، وما تنطوي عليه الضمائر، وإنه عالم الغيب والشهادة. هذا؛ و﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى: عالم؛ لأنّه ليس على بابه؛ إذ ليس لأحد علم يشبه علم الله تعالى حتّى يقارن به، وتجري بينهما المفاضلة، ومثله كثير في آيات القرآن.\nهذا؛ وكتم، يكتم من باب: نصر، وربما عدّي إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، وقال تعالى في سورة (النّساء) رقم [٤٢]: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾. وكتم الشيء: بالغ في كتمانه؛ أي: في إخفائه، قال الرسول ﷺ:","vol":"3","page":154},{"text":"«استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». قال صاحب القاموس: والكتم محركة، والكتمان بالضمّ، نبت يخلط بالحنّاء، ويخضّب به الشّعر، ويصنع به مداد الكتابة، ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول في البيت رقم [١٤] وما بعده: [البسيط]\nفإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم\nولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم\nلو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥٨]. ﴿جاؤُكُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها... إلخ. ﴿قالُوا:﴾\nماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ جواب (إذا) لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿دَخَلُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط: الواو، والضمير. ﴿بِالْكُفْرِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، وقيل: متعلّقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي: دخلوا ملتبسين بالكفر، فتكون حالا متداخلة. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿قَدْ خَرَجُوا﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿قالُوا﴾ فهي حال متعددة. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي: ملتبسين به، فتكون حالا متداخلة أيضا.\n ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْتُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ. والواو فاعله، والجملة الفعلية في محلّ نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أعلم بالّذي، أو بشيء كانوا يكتمونه.\n\n<span id=\"aya-731\"></span>﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿وَتَرى:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمعنى: وترى يا محمد كثيرا من اليهود.\n ﴿يُسارِعُونَ:﴾ المسارعة في الشيء: المبادرة إليه بسرعة، لكن لفظة «المسارعة» إنّما تستعمل في","vol":"3","page":155},{"text":"الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ في سورة (الأنبياء)، وقال تعالى في سورة (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ. وضدّ المسارعة في الخير: العجلة، وتقال في الشر في الأغلب، وإنّما ذكرت لفظة المسارعة في قوله: ﴿يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ..﴾. إلخ لفائدة، وهي: أنّهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات بشغف، كأنّهم محقّون فيها. هذا؛ و﴿الْإِثْمِ:﴾ اسم جامع لجميع المعاصي، والمنهيات، فيدخل تحته العدوان، وأكل السحت، فلهذا ذكر الله العدوان، وأكل السّحت بعده. وقيل: الإثم: ما كتموه من التّوراة، والعدوان: ما زادوا فيها، والسّحت هو الرّشا، وما يأكلونه من غير وجهه المشروع، وقد تقدّم شرح ذلك كلّه.\n ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ فهذا ذمّ لجميع أعمالهم. وانظر شرح «نعم» و«بئس» في الآية رقم [٥٨] من سورة (النساء) فإنّه جيد والحمد لله!\nالإعراب: ﴿وَتَرى:﴾ الواو: حرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل مستتر، تقديره: أنت. ﴿كَثِيرًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿يُسارِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (من) وهو الأقوى، ومثله في الآية رقم [٥٢]. ﴿فِي الْإِثْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما ﴿وَالْعُدْوانِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَأَكْلِهِمُ:﴾ معطوف على: ﴿الْإِثْمِ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿السُّحْتَ﴾ مفعول به للمصدر، وجملة: ﴿وَتَرى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.\n ﴿لَبِئْسَ:﴾ اللام: لام الابتداء. (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر تقديره:\nهو مميز ب: (ما). ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز. ﴿كانُوا:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب صفة (ما)، وتقدير الكلام: بئس الشيء شيئا كانوا يعملونه، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: المذموم عملهم، هذا؛ ويذكر في هذه الجملة وجوه أخر من الإعراب يظهر فيها التعسّف والتكلّف، ذكرتها في الآية رقم [٩٠] من سورة (البقرة). والجملة الفعلية: ﴿لَبِئْسَ..﴾. إلخ، مبتدأ، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين، وكذا لو اعتبرتها جواب قسم محذوف لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-732\"></span>﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض بمعنى: «هلا» مفيدة للتوبيخ، والتأنيب، والتقريع.","vol":"3","page":156},{"text":"﴿يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ:﴾ قال الحسن-رحمه الله تعالى-: الربّانيون: أهل الإنجيل.\nوالأحبار: أهل التوراة. وقال غيره: كلهم من اليهود؛ لأنّ الكلام متّصل بذكرهم، وانظر شرحها، وتفسيرها في الآية رقم [٤٤]. ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ أي: الكذب. وانظر شرحه في الآية رقم [٢] ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ مثل الآية السابقة. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ:﴾ هو أبلغ من قوله:\n ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في الآية السابقة، من حيث: أنّ الصنع عمل الإنسان بعد تدرّب، وتروّ فيه، وتحرّي إجادة، ولذلك ذمّ به خواصهم بينما في الآية السابقة ذمّ به عوامهم. وعن ابن عباس﵄قال: هي أشدّ آية في القرآن؛ حيث أنزل تارك النّهي عن المنكر منزلة مرتكب المنكر في الوعيد. وهذه الآية، والآيتان قبلها في ذمّ اليهود المعاصرين للنبيّ ﷺ، وأمّا الآية رقم [٦٠]؛ فإنّها في ذمّ السّابقين منهم.\nهذا؛ وقال ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر، قال: خطب عليّ بن أبي طالب﵁-، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس! إنّما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربّانيّون، والأحبار، فلمّا تمادوا في المعاصي؛ أخذتهم العقوبات.\nفمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا: أنّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرّب أجلا.\nوروى أبو داود عن جرير بن عبد الله﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيّروا عليه، فلا يغيّروا؛ إلاّ أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا». وإن أردت الزيادة فانظر الآية رقم [١٠٤ و١١٠] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقد تضمنت الآية الكريمة توبيخ العلماء والعبّاد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله تعالى. وأنشد عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: [المتقارب]\nوهل أفسد الدّين إلاّ الملو... ك وأحبار سوء ورهبانها\nالإعراب: ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يَنْهاهُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿الرَّبّانِيُّونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿وَالْأَحْبارُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْإِثْمَ:﴾ مفعول به للمصدر. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل ما قبله في الآية السّابقة بلا فارق.","vol":"3","page":157},{"text":"<span id=\"aya-733\"></span>﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي: محبوسة، مقبوضة عن الرزق، والبذل، والعطاء، فنسبوا إلى الله البخل، والقبض، تعالى الله عن ذلك! وغلّ اليد، وبسطها مجاز عن البخل، والجود. ومنه قوله تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنّه جيد، والحمد لله! وانظر مثل مقالتهم الخبيثة هذه في الآية رقم [١٨١] من سورة (آل عمران). وقائل هذه المقالة الخبيثة هنا، وهناك: فنحاص بن عازوراء لعنه الله! وسببها ما يلي:\nقال ابن عباس﵄-: إنّ الله ﷿ كان قد بسط على اليهود حتّى كانوا في المدينة أكثر الناس أموالا، وأخصبهم ناحية، فلمّا عصوا الله، وكفروا بمحمد ﷺ كفّ عنهم ما بسط عليهم من السّعة، فعند ذلك قال الخبيث هذه المقالة: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ يعني: محبوسة مقبوضة عن الرزق، والبذل، والعطاء، ولما قال الخبيث هذه المقالة الخبيثة، ولم ينهه بقية اليهود، ورضوا بقوله، فإنّ الله جلّت قدرته أشركهم معه جميعا فيما حكى عنهم. تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا!.\nهذا؛ ولمّا كانت اليد آلة لكل الأعمال؛ لا سيما لدفع المال، وإنفاقه، وإمساكه، فقالوا:\nهذه المقالة، فأطلقوا اسم السبب على المسبب، وأسندوا الجود، والبخل إلى اليد مجازا، فقيل للجواد الكريم: فياض اليد، ومبسوط اليد. وقيل للبخيل: مقبوض اليد، ومغلول اليد، وجعد الأصابع، وكزّ الأنامل، قال الشاعر: [البسيط]\nكانت خراسان أرضا إذ يزيد بها... وكلّ باب من الخيرات مفتوح\nفاستبدلت بعده جعدا أنامله... كأنّما وجهه بالخلّ منضوح\n ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾ يعني: أمسكت أيديهم عن كلّ خير، وطردوا عن رحمة الله. قال الزجّاج: ردّ الله عليهم، فقال: أنا الجواد الكريم، وهم البخلاء، وأيديهم هي المغلولة الممسوكة. وقيل: هذا دعاء عليهم، علّمنا الله كيف ندعو عليهم، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي في نار جهنّم، فعلى هذا هو من الغلّ حقيقة؛ أي: شدّت أيديهم إلى أعناقهم، وطرحوا في النّار جزاء لهم على هذا القول. هذا؛ ويقال لهم، ولأمثالهم يوم القيامة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ﴾","vol":"3","page":158},{"text":"﴿صَلُّوهُ..﴾. إلخ. ومعنى: ﴿وَلُعِنُوا بِما قالُوا:﴾ عذّبوا بسبب ما قالوا. فمن لعنتهم: أنّهم مسخوا في الدنيا قردة، وخنازير، وضربت عليهم الذلّة، والمسكنة، والجزية، ولهم في الآخرة عذاب النّار، وانظر شرح اللّعن في الآية رقم [٥٢] من سورة (النّساء).\n ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ يعني: أنّه تعالى جواد كريم. ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ يعني: أنّه تعالى يرزق كما يريد، ويختار، فيوسع على من يشاء، ويقتّر على من يشاء، لا اعتراض عليه في ملكه، ولا فيما يفعله. وعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﵎:\nأنفق أنفق عليك. وقال: يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحّاء اللّيل، والنّهار»، وقال: «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السّماوات والأرض، فإنّه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان، يخفض، ويرفع». متّفق عليه، وهذا الحديث أحد أحاديث الصفات، فيجب الإيمان به، وإمراره كما جاء من غير تشبيه، ولا تكييف، وقال تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾.\n ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ..﴾. إلخ؛ يعني: كلّما نزلت عليك يا محمد آية من القرآن؛ كفروا بها، فازدادوا شدّة في كفرهم، وطغيانا مع طغيانهم. والمراد ب: «الكثير»: علماء اليهود، وحالهم، وشأنهم، كما يزداد المريض مرضا من تناول الغذاء الصّالح للأصحّاء. وإذا كان الكفر يزداد؛ فالإيمان يزيد، وينقص. انظر الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال)، والآية رقم [١٢٦] من سورة (التوبة) تجد فيها ما يسرّك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ..﴾. إلخ؛ أي: ألقينا بين اليهود العداوة، والبغضاء، فكلمتهم مختلفة، وقلوبهم شتّى، لا يزالون متباغضين متعادين إلى قيام الساعة، وهم مذاهب مختلفة متناحرة، كما قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى،﴾ فإنّ بعض اليهود جبرية، وبعضهم قدرية، وبعضهم مشبهة، وكذلك النّصارى فرق، ومذاهب، انظر الآية رقم [١٢٩] من سورة (الأنعام) فهو جيد، والحمد لله!.\n ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ أي: كلما أرادوا حرب رسول الله ﷺ وأثاروا شرّا عليه، وخالفوا حكم الله؛ بعث الله عليهم من يهلكهم: أفسدوا، فبعث الله عليهم بختنصر البابلي فسباهم، وشرّدهم، ثم أفسدوا، فبعث الله عليهم طيطوس الرّومي، فانتقم منهم، ثم أفسدوا فسلّط الله عليهم الفرس، فأذلّوهم، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين فقهروهم، وضربوا عليهم الجزية، وأخرجوهم من بلاد الحجاز في عهد عمر﵁ولكن في هذه الأيام حيث اختلّت كلمة المسلمين، وتمزّقت وحدتهم؛ اتّحدوا، وتعاونوا، وأقاموا لهم دولة في عقر دار الإسلام بمساعدة النّصارى، كما هو الواقع في زمننا. هذا؛ و«إيقاد النار في الحرب» استعارة؛ لأنّ الحرب لا نار لها، وإنّما شبهت بالنّار؛ لأنّها تأكل أهلها، كما تأكل النّار حطبها.","vol":"3","page":159},{"text":"﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا﴾ أي: إنّ من سجيّتهم، وطبعهم: أنّهم دائما يسعون في الأرض فسادا، فهم يجتهدون في دفع الإسلام، ويستعملون المكر، والكيد، والحيل لإطفاء نوره. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: إنّ الله لا يحبّ من كانت هذه صفته، وطبيعته. قال قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذلّ الناس فيها. وهم أبغض خلق الله إليه.\nهذا؛ و«اليد» في كلام العرب تكون للجارحة، كما في قوله تعالى في سورة (ص): ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ وهذا محال على الله تعالى. وتكون للنّعمة، تقول العرب: كم يد لي عند فلان، أي: كم نعمة لي قد أسديتها له. وتكون للقوة، كما في قوله تعالى في سورة (محمد): ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. وتكون للملك، والقدرة، كقوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾. وتكون بمعنى الصلة، قال الله تعالى في سورة (يس): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا﴾ أي: ممّا عملنا نحن، وقال في سورة (البقرة): ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ أي: الذي له عقدة النكاح. وتكون بمعنى التأييد، والنصرة، ومنه قول النبي ﷺ: «يد الله مع القاضي حتّى يقضي والقاسم حتّى يقسم». وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له، وتكريما، قال تعالى في سورة (ص): ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلا يجوز أن يحمل على الجارحة؛ لأنّ الباري-عزّ، وجل-واحد، لا يجوز عليه التبعيض. ولا على القوّة، والملك، والنّعمة، والصّلة؛ لأنّ الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس. انتهى. قرطبي. وانظر ما ذكرته أيضا في الآية رقم [١١] فإنّه جيد أيضا.\nهذا؛ و«زاد، يزيد» ضد: «نقص، ينقص» يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين كما في الآية التي بين أيدينا، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والحبّ مدّا، فدرهما، ومدّا: تمييز، ومثله قل في:\n «نقص» فمن المتعدي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا،﴾ ومن اللازم قوله تعالى في سورة (ق): ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.\nالإعراب: ﴿وَقالَتِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿الْيَهُودُ:﴾ فاعله. ﴿يَدُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف. و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَغْلُولَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَتِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿غُلَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، وهي دعائية إنشائية. ﴿وَلُعِنُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية،","vol":"3","page":160},{"text":"والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لعنوا بالذي أو: بشيء قالوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: لعنوا بسبب قولهم.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿يَداهُ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمّة؛ لأنّه مثنّى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَبْسُوطَتانِ:﴾ خبره مرفوع مثله، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. وقال الجمل: عطف على تقدير يقتضيه المقام، أي: ليس الأمر كذلك، بل هو في غاية الجود. انتهى. نقلا من أبي السعود. وهذا كما ترى حلّ معنى لا إعراب. ﴿يُنْفِقُ:﴾ فعل مضارع وفاعله يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ تقديره: هو.\n ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب مفعول مطلق للفعل بعده، أو هو في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَشاءُ﴾ المستتر، ومفعول: ﴿يَشاءُ﴾ محذوف، كما ترى في شرحه فيما مضى، ومفعول: ﴿يُنْفِقُ﴾ محذوف للتعميم، وجملة: ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ في محل نصب حال من فاعل:\n ﴿يُنْفِقُ﴾ العائد إلى: ﴿اللهِ﴾ تعالى، وقال الجمل نقلا عن السّمين: «كيف» في مثل هذا التركيب شرطية، وقدّر محذوفات، لا داعي لها، وتعسّف تعسّفا ظاهرا في هذه التقديرات. وجملة: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: إنّها في محل رفع خبر ثان للمبتدإ: ﴿يَداهُ،﴾ ولا وجه له.\n ﴿وَلَيَزِيدَنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يزيدن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ الّتي هي حرف لا محلّ له. ﴿كَثِيرًا:﴾\nمفعول به أوّل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب: ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى:\n ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر العائد إلى (ما)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿طُغْيانًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَكُفْرًا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: (ليزيدن...) إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لقسم محذوف، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له، وهو كلام مبيّن لشدّة شكيمتهم، وغلوّهم في المكابرة، والعناد، وعدم إفادة التبليغ نفعا، وتصديره بالقسم لتأكيد مضمونه، وتحقيق مدلوله.\n (ألقينا): فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْعَداوَةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْبَغْضاءَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾ بمعنى: مستمرين إلى يوم، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.","vol":"3","page":161},{"text":"﴿كُلَّما:﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿أَوْقَدُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق.\n ﴿نارًا:﴾ مفعول به. ﴿لِلْحَرْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نارًا﴾ و(ما) والفعل: ﴿أَوْقَدُوا﴾ في تأويل مصدر في محلّ جرّ بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت إيقاد نار، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿أَطْفَأَهَا:﴾ فعل ماض، ومفعوله. ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محلّ لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها، لا محلّ لها أيضا. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَسادًا:﴾ يجوز أن يكون مفعولا مطلقا من معنى الفعل، وأن يكون حالا، بمعنى مفسدين. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (الله): مبتدأ. (لا) نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمُفْسِدِينَ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-734\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ اليهود، والنصارى. والمقصود هنا: اليهود لوجودهم في المدينة في حياة الرّسول ﷺ. ﴿آمَنُوا﴾ أي: بمحمد ﷺ بما جاء به من عند ربه، وانظر الإيمان في الآية رقم [١٣٦] من سورة (النّساء). ﴿وَاتَّقَوْا:﴾ أصل الفعل اتّقى، فلما اتصل به واو الجماعة صار (اتّقاوا) فحذف الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، وبقيت الفتحة على القاف لتدلّ عليها. وانظر (التقوى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أي: لغفرناها لهم، ومحوناها عنهم؛ لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله. ففيه تنبيه عظيم على عظم معاصيهم، وكثرة ذنوبهم، وأنّ الكتابيّ، وغيره من الكفّار لا يدخل الجنة؛ حتى يؤمن بالله ربّا، وبمحمد رسولا، وشفيعا.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿أَهْلَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿آمَنُوا:﴾\nفعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرّد، التقدير: ولو ثبت، أو حصل إيمانهم. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو إيمانهم ثابت، أو حاصل. وقول المبرد هو المرجّح؛ لأنّ «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر. والفعل المقدّر، وفاعله جملة فعليّة لا","vol":"3","page":162},{"text":"محلّ لها من الإعراب؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَاتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل رفع مثلها. ﴿لَكَفَّرْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (كفرنا): فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جرّ بالإضافة، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ لها.\n ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ الواو حرف عطف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (أدخلناهم):\nفعل، وفاعل، ومفعوله الأول. ﴿جَنّاتِ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك يقال في مفعول «دخل» الثلاثي، ومفعول «أنزل» و«سكن». وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وعلى جميع الاعتبارات فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة... إلخ، و﴿جَنّاتِ:﴾ مضاف. و﴿النَّعِيمِ:﴾ مضاف إليه، وجملة:\n (لأدخلناهم...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-735\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ:﴾ الضّمير يعود إلى: ﴿أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ اليهود، والنصارى. ﴿أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ:﴾ عملوا بتعاليمهما، فنشروا أحكامهما، وبيّنوا للنّاس ما فيهما من نعت محمد ﷺ؛ لأنّ ذلك من إقامة هذين الكتابين: الإيمان به، وتصديقه في كلّ ما جاء به، والإذعان لحكمه، فإنّ الكتب الإلهية جميعها آمرة بالإيمان بمن صدّقته المعجزة، ناطقة بوجوب الطّاعة له.\n ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ المراد به القرآن الكريم، أو كلّ الكتب السّماوية. ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: لوسّع الله عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات السماء والأرض، أو بكثرة ثمرة الأشجار، وغلّة الزّروع، أو يرزقهم الجنان الواسعة اليانعة الثمار، فيجنونها من رءوس الأشجار، ويلتقطون ما تساقط منها على الأرض. بيّن الله بذلك: أنّ ما كف عنهم إنّما هو بشؤم كفرهم، ومعاصيهم، لا لقصور الفيض الإلهي، ولو أنّهم آمنوا، وأقاموا ما أمر الله؛ لوسّع عليهم، وجعل لهم خير الدّارين، كما قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَلَوْ أَنَّ﴾","vol":"3","page":163},{"text":"﴿أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾. وبالجملة في الكلام استعارة عن سبوغ النّعم، وتوسعة الرزق عليهم، قال تعالى في سورة (لقمان): ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾.\n ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ أي: من أهل الكتاب جماعة معتدلة مستقيمة غير غالية، ولا مقصّرة، وهم الذين آمنوا بمحمّد ﷺ، كعبد الله بن سلام، والنّجاشي، وسلمان الفارسي، ومن تبعهم من أهل الكتاب. قال تعالى في سورة (الأعراف). ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس ما يعملونه، فيه معنى التعجّب، والذّم، أي: ما أسوأ عملهم! وهو المعاندة، وتحريف الحقّ، والإفراط في العداوة.\nهذا؛ و: ﴿أُمَّةٌ﴾ المراد بها هنا: جماعة، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حق إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا﴾ سورة (النّحل). وقال الرسول ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده» لأنّه لم يشرك في دينه غيره. والأمّة: الطريقة، والملّة، والدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ وكل جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ ويستدلّ بهذه الآية من يقول بتناسخ الأرواح. والأمّة: الحين، والوقت. كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين، والأمّة: الشّجّة التي تبلغ الدماغ، يقال: رجل مأموم، وأيم. والأمّة: القامة، يقال: فلان حسن الأمّة، أي: القامة، قال الشاعر: [المتقارب]\nوإنّ معاوية الأكرمين... حسان الوجوه طوال الأمم\nتنبيه: بينات الآية الكريمة، وما قبلها: أنّ اليهود عوقبوا في الدّنيا بالفقر، وضيق العيش، فلا يرد كون كثير من المتّقين العاملين بطاعة الله في غاية الضّيق، فالتوسّع في الرزق، والتضييق ليسا من الإكرام، والإهانة، ولكنّ الله تعالى يجعل ضيق الرزق كسعته نعمة في بعض عباده، ونقمة على آخرين، فلا يلزم من توسيع الرّزق الإكرام، ولا من تضييقه الإهانة. انتهى. جمل نقلا من كرخي.\nهذا؛ وبيّن الله في غير ما آية أنّه يختبر عباده بالخير، والشر، والنعم، والنقم، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الأنبياء): ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ وأحاديث الرّسول ﷺ كثيرة في ذلك، فمن اطّلع عليها؛ يتبيّن له فضل الله على عبده المؤمن فيما يبتليه من ألوان الفتن، وضروب المحن. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"3","page":164},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على ﴿التَّوْراةَ﴾. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر. و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿لَأَكَلُوا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (أكلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها، و(لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله في الآية السابقة. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة للمفعول المحذوف، التقدير: لأكلوا رزقا كائنا من فوقهم، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَمِنْ تَحْتِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و﴿تَحْتِ:﴾ مضاف ﴿أَرْجُلِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿أُمَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿مُقْتَصِدَةٌ:﴾ صفة: ﴿أُمَّةٌ﴾ هذا هو الإعراب الظاهر، والأصح: أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ، وأمّة هي الخبر؛ لأنّ «من» الجارة دالة على التّبعيض، أي: بعضهم أمّة مقتصدة، وجمع الضمير يؤيّد ذلك، ويؤيده أيضا عطف (كثير) عليه هنا، ومقابلته به، ومثله الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران) ولا يصحّ المعنى إلا على هذا الاعتبار، وخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ-أعني: لفظة: «بعضهم» -وهذا ممّا يدلّ على أنّ مضمون ﴿مِنْهُمْ﴾ مبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَكَثِيرٌ:﴾\nمبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب: (كثير)، أو بمحذوف صفة له. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فسّره التمييز، وهو ﴿ما﴾ فإنّها نكرة موصوفة بمعنى:\nشيئا. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، وواو الجماعة فاعله، والجملة الفعلية صفة ما، والرابط محذوف، التقدير: ساء الشيء شيئا يعملونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا، التقدير: هو عملهم. هذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار الفعل (ساء) متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجاز اعتبار: ﴿ما﴾ موصولة، وموصوفة، ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: وكثير منهم ساءهم الذي أو شيء يعملونه. وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم عملهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَكَثِيرٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.","vol":"3","page":165},{"text":"<span id=\"aya-736\"></span>﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ:﴾ انظر الآية رقم [٤١]. المناسبة: لمّا حذّر الله تعالى من موالاة الكافرين في الآيات السابقة، وكانت رسالته ﷺ تتضمّن الطّعن في أحوال الكفارة، والمخالفين، وعقائدهم، وهذا يستدعي مناصبتهم العداء له، ولأصحابه، وأتباعه؛ أمره الله في هذه الآيات بتبليغ الدّعوة، ووعده بالحفظ، والنّصرة، ثمّ ذكر طرفا من عقائد أهل الكتاب الفاسدة، وبخاصة النّصارى الذين يعتقدون بألوهيّة عيسى، وأنّه ثالث ثلاثة، وردّ عليهم بالدّليل القاطع، والبرهان السّاطع.\n ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ:﴾ روي عن الحسن البصري﵁-: أنّ الله تعالى لمّا بعث رسول الله ﷺ بدين الحقّ؛ ضاق ذرعا، وعرف: أنّ من الناس من يكذّبه، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك: أنّ الرسول ﷺ دعاهم إلى الإسلام، فقالوا:\nأسلمنا قبلك، وجعلوا يستهزءون به، ويقولون: تريد أن نتخذك حنانا، كما اتّخذت النصارى عيسى حنانا! فلمّا رأى-أي رسول الله ﷺذلك منهم؛ سكت، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ..﴾. إلخ. وقيل: نزلت في أمر الجهاد، وذلك: أنّ المنافقين كرهوه، فكان النبي ﷺ يمسك في بعض الأحايين عن الحثّ على الجهاد؛ لما علم من كراهية بعضهم له، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: بلّغ جميع ما أمرت بتبليغه غير مراقب أحدا، ولا خائف مكروها. فدلّت الآية الكريمة على ردّ قول من قال: إنّ النبيّ ﷺ كتم شيئا من أمر الدين تقيّة، وعلى بطلانه، وهم الشيعة. ودلّت أيضا على أنّه ﷺ لم يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدّين؛ لأنّ المعنى: بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا، ولولا هذا ما كان في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ فائدة، وانظر شرح: ﴿فَإِنْ لَمْ﴾ في الآية رقم [٩١] من سورة (النّساء).\nقال البخاريّ-رحمه الله تعالى-عند تفسير هذه الآية: عن عائشة﵂قالت:\nمن حدّثكم: أنّ محمدا ﷺ كتم شيئا ممّا أنزل الله عليه؛ فقد كذب، والله يقول: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. وفي الصّحيحين عنها أيضا: أنّها قالت: لو كان محمد كاتما شيئا من القرآن؛ لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ إلخ رقم [٣٧] من سورة (الأحزاب).\nانظر شرحها هناك. فإنّه جيد، والحمد لله. هذا؛ وفي الآية تأديب للنبيّ ﷺ، وتأديب لحملة العلم من أمّته، وقد قال الرسول ﷺ: «من سئل عن علم، فكتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود، والترمذي عن أبي هريرة﵁-.\nوقال ابن أبي حاتم: عن هارون بن عنترة عن أبيه؛ قال: كنت عند ابن عبّاس﵄فجاء رجل، فقال له: إنّ ناسا يأتوننا، فيخبروننا: أنّ عندكم شيئا لم يبده رسول الله ﷺ","vol":"3","page":166},{"text":"للناس، فقال ابن عباس﵄-: ألم تعلم أنّ الله تعالى قال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ..﴾. إلخ. والله ما ورّثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء!.\nوفي صحيح البخاري عن وهب بن عبد الله السوائي؛ قال: قلت لعليّ بن أبي طالب﵁-: هل عندكم شيء من الوحي ممّا ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصّحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. ومعنى العقل: الدية.\n ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ:﴾ يحفظك، ويرعاك من الكافرين، ويمنعك منهم، فلا يقدر أحد يريدك بالقتل، وإن حصل له بعض الأذى من المشركين كشجّ رأسه، وكسر رباعيّته ﷺ يوم أحد، وتعرّضهم له بالأذى. وقد يجاب عن ذلك بأنّ ما حصل كان قبل نزول الآية الكريمة، وخذ ما يلي:\nوذلك: أنّ رسول الله ﷺ غزا بني محارب، وبني أنمار، فنزلوا منزلا، ولا يرون من العدوّ أحدا، فوضع المسلمون السّلاح، فخرج رسول الله ﷺ لحاجة حتّى قطع الوادي، فحال السّيل بين رسول الله ﷺ وبين أصحابه، فجلس تحت شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال: قتلني الله؛ إن لم أقتله، ثمّ انحدر من الجبل، ومعه السّيف، ولم يشعر به النّبيّ ﷺ، إلا وهو قائم على رأسه، وقد سلّ السيف من غمده، وقال: يا محمد! من يمنعك مني الآن؟ فقال رسول الله ﷺ: «الله ﷿!» ثمّ قال: «اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت!» فأهوى غورث بالسّيف؛ ليضرب به رسول الله ﷺ، فأكبّ لوجهه من زلقة زلقها. فبدر السّيف من يده.\nفقال رسول الله ﷺ فأخذ السّيف، وقال: «من يمنعك منّي الآن يا غورث؟!» فقال: لا أحد! كن خير آخذ يا محمّد! فقال رسول الله ﷺ: «أتشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله؟» قال: لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك، ولا أعين عليك عدوّا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال: لأنت خير منّي، فقال رسول الله ﷺ: «أجل أنا أحقّ بذلك منك». فرجع إلى قومه، وقال لهم: جئتكم من عند خير الناس، وذكر لهم حاله مع رسول الله ﷺ، وسكن الوادي، فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر.\n ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: معناه: لا يرشد من كذّبك، وأعرض عنك. وقال ابن جرير الطّبري: معناه: إنّ الله لا يوفق للرّشد من حاد عن سبيل الحقّ، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئت به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله، وطاعته فيما فرض عليه، وأوجبه.\nوعن أنس بن مالك﵁قال: كان رسول الله ﷺ يحرسه بعض أصحابه ليلا حتى نزلت الآية الكريمة، فأخرج رأسه من قبّة أدم، فقال: «انصرفوا أيّها النّاس! فقد عصمني الله من النّاس». رواه الحاكم، وأخرجه الترمذيّ عن عائشة﵂-.","vol":"3","page":167},{"text":"الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو» أو «أنادي» (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). و(ها): حرف تنبيه لا محلّ له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جرّ بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الرَّسُولُ:﴾ بدل من لفظ: (أيها). ﴿بَلِّغْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها.\n ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر. و﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ والكاف في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ومفعوله محذوف للعلم به من سياق الكلام، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿بَلَّغْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿رِسالَتَهُ:﴾\nمفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ويقرأ: «(رسالاته)» فيكون علامة النصب الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. ﴿وَإِنْ﴾ ومدخولها معطوف على جملة: ﴿بَلِّغْ..﴾. إلخ، أو هو مستأنف ولا محلّ له على الاعتبارين.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ، ﴿يَعْصِمُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الله يعصمك) في محل نصب حال من تاء الفاعل المتحركة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [٥١].\n\n<span id=\"aya-737\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ:﴾ المعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود، والنّصارى: لستم على شيء من الدين الحقّ المرتضى عند الله، ولستم على شيء ممّا تدّعون","vol":"3","page":168},{"text":"أنّكم عليه ممّا جاءكم به موسى﵇-، يا معشر اليهود! ولا ممّا جاءكم به عيسى﵇يا معشر النّصارى! فإنّكم أحدثتم، وغيّرتم ما أنزل الله في كتابكم. وفي هذا التعبير من التّحقير، والتّصغير ما لا غاية وراءه.\nوقال ابن عباس﵄-: جاء رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، منهم رافع بن حارثة، وسلاّم بن مشكم، ومالك بن الصّيف، ورافع بن حرملة، وقالوا: يا محمد! ألست تزعم: أنّك على ملّة إبراهيم، ودينه، وتؤمن بما عندنا من التّوراة، وتشهد: أنّها حق؟ فقال رسول الله ﷺ: «بلى، ولكنّكم أحدثتم، وجحدتم ما فيها ممّا أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيّنوه للناس، فأنا بريء من إحداثكم». قالوا: فإنّا نأخذ بما في أيدينا، فإنّنا على الحقّ والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتّبعك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ انظر الآية رقم [٦٦]. ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ المراد به: القرآن، أو: كل الكتب السماوية، فيجب على اليهود، وعلى كلّ النّاس أن يعملوا بما فيها؛ إذا لم يطرأ عليها تغيير، أو تبديل.\n ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٦٤]. هذا؛ والطّغيان: مجاوزة الحدّ. يقال:\nطغا، يطغى، ويطغو، طغيانا، وطغوانا: جاوز الحدّ، وكلّ مجاوز حدّه في العصيان طاغ، قال تعالى في حقّ فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغى﴾ أي: أسرف في الدّعوى؛ حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى،﴾ والمعنى في الآية: أنّ الله يزيد أهل الكتاب بسبب ما ينزل من آيات القرآن تمرّدا، وفسادا في الأرض. هذا؛ وطغى البحر: هاجت أمواجه. وطغى السيل: جاء بماء كثير. قال تعالى في سورة الحاقة: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. ﴿فَلا تَأْسَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٦] والمعنى هنا: فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم، وكفرهم بما تبلغه إليهم، فإنّ ضرر ذلك لاحق بهم، ولا يتخطّاهم، وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم. ولم يقل: عليهم، وإنّما وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بشدّة الكفر، ورسوخه في قلوبهم.\nهذا؛ و﴿لَسْتُمْ﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء، والسين؛ إذ أصل الفعل: ليس-بكسر الياء-ثمّ سكّنت للتّخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأنّ التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلمّا اتّصل بضمير رفع متحرك؛ سكّنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: (لستم).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. (يا): أداة نداء. (أهل): منادى منصوب، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَسْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر (ليس). ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تُقِيمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ وعلامة","vol":"3","page":169},{"text":"نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿التَّوْراةَ:﴾\nمفعول به. ﴿وَالْإِنْجِيلَ:﴾ معطوف على ما قبله، و«أن» المضمرة، والفعل: ﴿تُقِيمُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالنفي الّذي تضمّنه (ليس) والكلام كلّه في محلّ نصب مقول القول: ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٦٦]: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٦٤] ففيها الكفاية.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط محذوف. (لا): ناهية جازمة.\n ﴿تَأْسَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم، والتقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا منهم؛ فلا تأس عليهم.\nوهذا الكلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة:\n ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-738\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾\nالشرح والإعراب: تفسير هذه الآية، وإعرابها مثل الآية رقم [٦٢] من سورة (البقرة) بلا فارق، انظره هناك تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، مع ملاحظة مجيء (الصابئين) هناك بالياء والنون، ومجيئه هنا بالواو والنون وهذا لا بدّ من إعرابه على هذا الوجه، وذكر ما قيل فيه من أوجه الإعراب، فأقول وبالله التوفيق:\n (الصابئون) مبتدأ خبره محذوف، والنية فيه التأخير عما في حيز ﴿إِنَّ،﴾ والتقدير: إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، كقول ضابئ بن الحارث البرجمي-وهو الشاهد رقم [٢٧٩] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٨٥٨] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nفمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي-وقيّار-بها لغريب\nوهو كاعتراض دلّ به على أنّه لما كان الصّابئون مع ظهور ضلالهم، وميلهم عن الأديان كلّها يتاب عليهم؛ إن صحّ منهم الإيمان، والعمل الصّالح؛ كان غيرهم أولى بذلك. ويجوز أن يكون (والنّصارى) معطوفا عليه، و﴿مَنْ آمَنَ﴾ خبرهما، وخبر (إنّ) مقدّر، دلّ عليه ما بعده كقول قيس بن الحطيم الأوسي-وهو الشاهد رقم [١٠٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المنسرح]\nنحن بما عندنا وأنت بما... عندك راض والرّأي مختلف","vol":"3","page":170},{"text":"ولا يجوز عطفه على محلّ ﴿إِنَّ﴾ واسمها، فإنّه مشروط بالفراغ من الخبر؛ إذ لو عطف عليه قبله كان الخبر خبر المبتدأ، وخبر: ﴿إِنَّ﴾ معا، فيجتمع عليه عاملان. ولا على الضّمير في: ﴿هادُوا﴾ وهو قول الكسائي، والأخفش. قال النّحاس: سمعت الزجّاج يقول، وقد ذكر له قول الأخفش، والكسائي، هذا خطأ من جهتين: إحداهما: أنّ المضمر المرفوع يقبح العطف عليه؛ حتّى يؤكّد.\nوالجهة الأخرى: أنّ المعطوف شريك المعطوف عليه في الحكم. فيصير المعنى: إنّ الصابئين قد دخلوا في اليهودية. وهذا محال. وقيل: (إنّ) بمعنى «نعم»، وما بعدها في محل رفع بالابتداء، و(الصابئون) معطوف عليه، أو هو مبتدأ، وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه، فالعطف يكون على هذا بعد تمام الكلام، وانقضاء الاسم، والخبر. وخذ قول قيس الرقيات-وهو الشاهد رقم [٥١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٥٢٣] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [مجزوء الكامل]\nبكر العواذل في الصّبو... ح يلمنني وألومهنّه\nويقلن شيب قد علا... ك وقد كبرت فقلت إنّه\nوقيل: (الصابئون) معطوف على اسم: ﴿إِنَّ﴾ وهو منصوب، وجاء بالواو على لغة بلحارث الّذين يجعلون المثنّى بالألف على كلّ حال، وجمع المذكر السالم بالواو على كلّ حال. وقيل:\nمنصوب بالفتحة الظاهرة، وقد أجاز أبو علي الفارسي نصب جمع المذكر السالم بالفتحة، وهو بالياء والنون، وأجاز غيره وهو بالواو والنون، والقياس لا يدفعه. انتهى بيضاوي، وعكبري بتصرّف. وذكر مكيّ بن أبي طالب القيسي ما يشبهه.\nهذا؛ وقال سليمان الجمل رحمه الله تعالى تبعا للجلال: خبر ﴿إِنَّ﴾ هذه محذوف، تقديره:\nفلا خوف عليهم ولا هم يحزنون دلّ عليه المذكور، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ مبتدأ فالواو لعطف الجمل، أو للاستئناف، وقوله: ﴿وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى﴾ عطف على هذا المبتدأ، وقوله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ خبر عن هذه المبتدآت الثلاثة. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ..﴾. إلخ: بدل من كلّ منها بدل بعض، فهو مخصّص، فكأنّه قال: الذين آمنوا من اليهود، ومن النصارى، ومن الصّابئين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، فالإخبار عن اليهود، ومن بعدهم بما ذكر بشرط الإيمان، لا مطلقا. هذا حاصل ما درج عليه الشّارح في الإعراب، وفي المقام وجوه تسعة أخرى ذكرها السّمين، وما مشى عليه الجلال أوضح وأظهر من كلّ منها. تأمّل. انتهى بحروفه.\nهذا وأقول: إنّ ابن هشام-طيّب الله ثراه-ذكر: أنّ الفرّاء، والكسائيّ اعتبرا: (الصابئون) معطوفا على محل (الذين) ولذا قال: وأجيب، أي: من طرف البصريين بأمرين: أحدهما: أنّ خبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، أي: مأجورون، أو آمنون، أو فرحون. و(الصّابئون): مبتدأ، وما بعده الخبر، ويشهد له قول الشاعر-وهو الشاهد [٨٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nخليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما... -وإن لم تبوحا-بالهوى دنفان","vol":"3","page":171},{"text":"والأمر الثاني: أنّ الخبر المذكور ل: ﴿إِنَّ﴾ وخبر (الصّابئون) محذوف، تقديره: كذلك، ويشهد له قول صابئ المذكور آنفا، انظر شرح الأبيات المذكورة في كتابينا المذكورين؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\n\n<span id=\"aya-739\"></span>﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ تقدّم شرح هذه الكلمات فيما مضى.\nوالمعنى: أخذنا بالعهود عليهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها من التّوحيد، والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عمّا نهيناهم عنه، ولكنهم نقضوا العهود، والمواثيق التي أخذها الله عليهم في التوراة، واجترحوا من الجرائم العظام ما سجّله التاريخ عليهم؛ أي: في جميع العصور والأزمان، فلا يستغرب منهم ما يصدر من الأذى والعصيان للرسول ﷺ وللمسلمين. ﴿وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ أي: أرسلنا إليهم الرّسل ليرشدوهم، وليبينوا لهم أمر الدين. ﴿كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ:﴾ أي يخالف أهواءهم، ويضاد شهواتهم من ميثاق التكليف، والعمل بالشّرائع.\n ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا:﴾ من الرّسل الذين جاءتهم. ﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ أي: فريقا آخر قتلوه، فكان ممّن كذبوا: عيسى، ومحمد ﷺ. وكان فيمن قتلوا: زكريا، ويحيى، وغيرهما من الأنبياء، وقد تقدّم ذكرهم في سورة (البقرة، وآل عمران) هذا؛ والتعبير بالمضارع: ﴿يَقْتُلُونَ﴾ موضع «قتلوا» على حكاية الحال الماضية، استفظاعا للقتل، وتنبيها على أنّ إيذاء الأنبياء، ومعاداتهم من شأنهم ماضيا ومستقبلا.\nهذا؛ و(فريق) اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط... إلخ: وهو بمعنى:\nالطائفة من الناس. والفريق أكثر من الفرقة، قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وقال ﷿ في سورة (الشّورى): ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. هذا؛ وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٦٦] من سورة (النساء) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:\nوعزّتي، وجلالي. (قد): حرف تحقيق، يقرّب الماضي من الحال. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في اللام. ﴿مِيثاقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿بَنِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي:﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور،","vol":"3","page":172},{"text":"وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، أو للتركيب المزجي. (أرسلنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رُسُلًا:﴾ مفعول به.\n ﴿كُلَّما:﴾ انظر إعرابها في الآية رقم [٦٤]. ﴿جاءَهُمْ رَسُولٌ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، و(ما) والفعل: (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: (كل) إليه. التقدير: كلّ وقت مجيء رسول، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل). ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَهْوى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: كلما جاءهم رسول بالّذي، أو: بشيء لا تهواه أنفسهم. ﴿فَرِيقًا:﴾ مفعول به مقدّم. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محلّ لها، وقيل: هذه الجملة مستأنفة، وجواب ﴿كُلَّما﴾ محذوف، التقدير: كلما جاءهم... إلخ ناصبوه العداء، فتكون الجملة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ دالة عليها، ومفسّرة لها، ويشهد لها قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٧٨]: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ،﴾ والتي بعدها معطوفة عليها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها في محل نصب صفة: ﴿رُسُلًا﴾ والرابط محذوف؛ إذ التقدير: كلّما جاءهم رسول منهم... إلخ.\n\n<span id=\"aya-740\"></span>﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَحَسِبُوا..﴾. إلخ؛ أي: ظنّ اليهود: أن لا يصيبهم بلاء، وعذاب بفعلهم السيّئ من قتلهم الأنبياء، وتكذيبهم لهم فيما جاءوا به من عند ربهم. فعموا عن طريق الحق والصواب، فلم يبصروه. وهذا كناية عن عمى البصيرة لا البصر، قال تعالى في سورة الحج:\n ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. ﴿وَصَمُّوا:﴾ عن استماع الموعظة، والنصيحة، كما فعلوا حين عبدوا العجل، ووعظهم هارون ﵇، فلم يقبلوا منه.\nو«الصمم»: هو كناية عن منع نفوذ الحقّ إلى قلوبهم، وسبب ذلك شدّة جهلهم، وقوّة كفرهم، وإعراضهم عن قبول الحقّ، وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ في سورة (البقرة) مثل ذلك. ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: حين تابوا، واعتذروا؛ قبل الله توبتهم.\n ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ يعني: في زمان عيسى، ويحيى، وزكريا، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام؛ لأنّهم كذبوا عيسى، وقتلوا زكريا، ويحيى. وقيل: إنّ العمى","vol":"3","page":173},{"text":"الأوّل كان بعد موسى، ثمّ تاب عليهم ببعثة عيسى، ﵇، ثمّ عموا، وصموا ببعثة محمّد ﷺ. ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود؛ لأنّ بعضهم آمن بمحمد ﷺ كعبد الله بن سلام، وأصحابه. انظر قوله تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ فشرحها جيد هناك. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ:﴾ فيجازيهم بما يستحقّون، ففيه وعيد، وتهديد.\nهذا؛ و(حسب) من باب «تعب» في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنّهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا.\nالإعراب: ﴿وَحَسِبُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (حسبوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿تَكُونَ:﴾ فعل مضارع تام منصوب ب: (أن). ﴿فِتْنَةٌ:﴾ فاعله، هذا؛ وقرئ الفعل بالرّفع على اعتبار أنّ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنّه. والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، و(أن) على الاعتبارين تؤوّل مع مدخولها بمصدر، وهذا المصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي الفعل: (حسبوا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، ويتغيّر معنى (حسبوا) على الاعتبارين، فعلى اعتبار: (أن) ناصبة يكون معناه: الظنّ، والشكّ. وعلى اعتبارها مخففة من الثقيلة يكون معناه: اليقين. وجملتا: (عموا، وصمّوا) معطوفتان على ما قبلهما أيضا، وانظر متعلّق الفعلين في الشّرح.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تابَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ثمّ تابوا، فتاب الله عليهم، والكلام كلّه معطوف على ما قبله، لا محلّ له أيضا. ﴿عَمُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿كَثِيرٌ:﴾ فيه أربعة أوجه: الأول:\nكونه بدلا من واو الجماعة على اعتبارها فاعلا. والثاني: فاعلا، والواو علامة الجمع، كقولهم:\n «أكلوني البراغيث». والثالث: كونه خبرا لمبتدإ محذوف؛ أي: العمى، والصمم كثير منهم.\nوالرابع: كونه مبتدأ، والجملة الفعلية قبله خبره. وضعّفه البيضاوي؛ لأنّ تقديم الخبر في مثل ذلك ممتنع. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣]: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهذا الاستعمال ورد في قول النبي ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل، وملائكة بالنّهار». وورد في الشعر العربي بكثرة، كقول عبيد الله بن قيس الرّقيات-وهو الشاهد رقم [٦٨٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [١٩٧] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل]\nتولّى قتال المارقين بنفسه... وقد أسلماه مبعد وحميم","vol":"3","page":174},{"text":"وأيضا قول الآخر-وهو الشاهد رقم [٦٨٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]\nيلومونني في اشتراء النّخي... ل أهلي فكلّهم ألوم\nوأيضا: قول أبي فراس الحمداني، -وهو الشاهد رقم [١٩٦] -من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [مجزوء الكامل]\nفتح الرّبيع محاسنا... ألقحنها غرّ السّحائب\nانظر شرح هذه الشّواهد في كتابينا تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيرٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَصِيرٌ﴾. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها على الاعتبارين الأوّلين فيها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بصير بالذي، أو: بشيء يعملونه. وتؤوّل على اعتبارها مصدرية مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: الله بصير بعملهم. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، هذا؛ وقرئ: «(عموا، وصمّوا)» بضم العين، والصاد من باب: زكم، وأزكمه الله، وقد جاء بغير همز فيما لم يسم فاعله، وهو قليل، واللغة الفاشية: أعمى، وأصمّ.\n\n<span id=\"aya-741\"></span>﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢)﴾\nالشرح: مناسبة الآية وما بعدها لما تقدّم: لمّا حكى الله عن اليهود ما حكاه من نقضهم الميثاق، وقتلهم الأنبياء، وتكذيبهم الرّسل، وغير ذلك؛ شرع في الإخبار عن كفر النّصارى، وما هم عليه من فساد الاعتقاد. وما ذكر في هذه الآية من اعتبارهم عيسى إلها هو قول الملكانية، واليعقوبية منهم؛ لأنّهم يقولون: إنّ مريم ولدت إلها، وإنّ الإله جلّ علاه حلّ في ذات عيسى، واتّحد به. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا!\n ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ..﴾. إلخ؛ أي: كفر النّصارى، وخرجوا عن جادة الحقّ، والصّواب بقولهم: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ..﴾. إلخ؛ أي:\nأنا عبد مثلكم، فاعبدوا خالقي، وخالقكم، الّذي يذلّ له كلّ شيء، ويخضع له كل موجود، كيف لا يكون عبدا لله، وأوّل كلمة نطق بها؛ وهو صغير في المهد أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ ولم يقل: إنّي أنا الله، ولا ابن الله، بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. وكذلك قال لهم في كهولته، ونبوّته، آمرا لهم بعبادة الله ربه، وربهم وحده، لا شريك له: قال تعالى هنا:\n ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾.","vol":"3","page":175},{"text":"﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ:﴾ يعني: من يجعل لله شريكا من خلقه في ذاته، أو في صفاته، أو في أفعاله. ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي: دخولها، وأوجب له النّار إذا مات على شركه. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٨ و١١٦]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾. وفي الصّحيح: أنّ النبي ﷺ بعث مناديا ينادي في الناس: «إنّ الجنّة لا يدخلها إلاّ نفس مسلمة». وفي لفظ: «مؤمنة». ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم بالشّرك، وارتكاب المعاصي. ﴿مِنْ أَنْصارٍ:﴾ أي: ما لهم من أنصار، وأعوان ينصرونهم، ويمنعونهم من العذاب يوم القيامة.\nهذا؛ والمراد ب: (الظالمين) في هذه الآية: الكفار، كما عبّر عنهم في آيات كثيرة ب:\n (المجرمين) و(الفاسقين) و(الكاذبين) وغير ذلك، وإنّنا نجد الكثير من المسلمين يتّصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، والوعيد، كما يوجه إلى الكفار؟ الحقّ أقول: نعم يوجه إليهم ذلك، ولا سيّما من قرأ القرآن الكريم، واطّلع على أخبار الأمم السابقة، والقرون السّالفة كيف فعل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين. وإنّما سمّي الكافر ظالما لأنّه وضع العبادة في غير موضعها، وكلّ من يدّعي الإسلام، ولا يعمل بتعاليمه؛ فهو ظالم لنفسه، ويستحقّ ما يستحقّ الكافر من العذاب في الدنيا، والآخرة.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٧٠] ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمَسِيحُ:﴾\nخبره. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة: ﴿الْمَسِيحُ﴾ أو بدل منه، وهو مضاف، و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الْمَسِيحُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ..﴾. إلخ لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين باللام.\n ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ:﴾ فعل ماض، وفاعله. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي.\n (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السّالم، وحذفت النون للإضافة، و(بني): مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ.\n ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبِّي:﴾ بدل من لفظ الجلالة منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جرّ بالإضافة من","vol":"3","page":176},{"text":"إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَبَّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل... إلخ، والكلام: ﴿يا بَنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ..﴾. إلخ في محلّ نصب حال من واو الجماعة، وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط: الواو، والضمير المحذوف؛ إذ التقدير: وقد قال المسيح لهم. وإن اعتبرتها معطوفة على جملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ فلا محلّ لها مثلها.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشْرِكْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحاضر. ﴿حَرَّمَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ..﴾. إلخ في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما ذكرته مرارا، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ يُشْرِكْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر:\n ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر؛ إن كانت من كلام عيسى، ومستأنفة لا محلّ لها؛ إن كانت من كلام الله تعالى ابتداء.\n ﴿وَمَأْواهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (مأواه): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ،﴾ فهي في محل جزم مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (ما): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿أَنْصارٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحلّ بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وهناك من يجيز اعتبار: ﴿أَنْصارٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور قبله؛ لاعتماده على النفي، ولم يذكر تعليق الجار والمجرور، ولعلّه يعني تعليقهما ب:\n (ما) النافية، وهذا غير متعارف عليه، أو هما متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وما يثبت للظالمين أنصار. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) نافية حجازية تعمل عمل «ليس» فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبرها مقدما. و﴿أَنْصارٍ:﴾ اسمها مؤخر، وعلى الوجهين؛ فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام اعتراضا تذييليّا، لا محلّ لها على الاعتبارين. هذا؛ وقد وضع الظّاهر موضع المضمر تسجيلا على أنّهم ظلموا أنفسهم بالشّرك، وعدلوا عن طريق الحقّ، والصواب. ونبّه الله به على أنّهم قالوا ذلك تعظيما لعيسى، وتقرّبا إليه، وهو معاديهم، ومخاصمهم فيه. هذا وقد روعي لفظ: ﴿مَنْ﴾ بالضّمير، في فاعل:\n ﴿يُشْرِكْ﴾ ومعناها في الاسم الظّاهر. تأمّل، وتدبّر، وربّك أعلم، وأجلّ، وأكرم.","vol":"3","page":177},{"text":"<span id=\"aya-742\"></span>﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ:﴾ هذا قول المرقوسيّة، والنّسطورية من النّصارى، ولتفسير قولهم طريقان:\nأحدهما: وهو قول أكثر المفسّرين: أنّهم أرادوا بهذه المقالة: أنّ الله، ومريم، وعيسى آلهة ثلاثة، وأنّ الإلهية مشتركة بينهم، وأنّ كلّ واحد منهم إله، ويبين ذلك قوله تعالى للمسيح في آخر هذه السّورة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ،﴾ فقوله: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ فيه إضمار، تقديره: إنّ الله أحد ثلاثة آلهة، أو: واحد من ثلاثة آلهة.\nقال الواحدي-رحمه الله تعالى-: ولا يكفر من يقول: إنّ الله ثالث ثلاثة، ولم يرد به: أنّه ثالث ثلاث آلهة؛ لأنّه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم، ويدلّ عليه قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ،﴾ وقد قال النبي ﷺ لأبي بكر﵁-: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟!».\nوالطريق الثاني: أنّ المتكلّمين حكوا عن النّصارى: أنّهم يقولون: إنّه جوهر واحد ثلاثة أقانيم: أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إله واحد، كما أنّ الشّمس اسم يتناول القرص، والشّعاع، والحرارة، وعنوا بالأب: الذّات، وبابن: الكلمة، وبالرّوح: الحياة، وأثبتوا الذّات، والكلمة، والحياة، وقالوا: إنّ الكلمة الّتي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللّبن، وزعموا أنّ الأب إله، والابن إله، والرّوح إله، والكلّ واحد. واعلم: أنّ هذا الكلام معلوم البطلان ببديهة العقل، فإنّ الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا ترى في الدنيا مقالة أشدّ فسادا، ولا أظهر بطلانا من مقالة النّصارى. انتهى. خازن. أقول:\nأفسد من عقيدة النصارى عقائد الوثنيّين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧١] من سورة (النّساء).\n ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي: لا يوجد في الكون إله يستحقّ العبادة من حيث هو الفاعل المختار إلا إله واحد منفرد بالوحدانيّة، والقدم، والبقاء، وهو الله تعالى لا شريك له، ولا والد، ولا ولد له، ولا صاحبة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٦٣]: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ انظر شرحها هناك فإنّه جيد، والحمد لله!.\n ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ أي: إن لم ينته النّصارى عن هذه المقالة الباطلة، والادّعاء الكاذب. ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ليصيبنّهم عذاب أليم في الدّنيا، والآخرة. في الدّنيا: القتل، والأسر، والجزية، وقد حصل شيء من هذا. ولعذاب الآخرة","vol":"3","page":178},{"text":"أخزى، وأنكى. هذا؛ وقال تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ لعلمه السّابق: أنّ من النصارى من يؤمن الإيمان الكامل، ويترك هذه الأقوال الفاسدة، وقد حصل ذلك منهم.\nتنبيه: قال مكّي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: في التركيب: ﴿وَإِنْ لَمْ﴾ دخلت: (إن) على (لم) ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ «لم» تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضيّ و«إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلمّا صارت ﴿لَمْ﴾ ولفظ المستقبل بعدهما بمعنى الماضي؛ ردّتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأنّ «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ:﴾ انظر الآية السابقة. و﴿ثالِثُ:﴾\nمضاف، و﴿ثَلاثَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لتقدّم النفي عليها. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿إِلهٍ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة. هذا هو الإعراب الظاهر، والإعراب الحقيقي أن تعتبر الخبر محذوفا، تقديره: موجود، و﴿إِلهٍ:﴾ الثاني بدل من المبتدأ، أو من الضّمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو أقوى على حدّ: «لا إله إلا الله»، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: وعزتي، وجلالي! دلّ على هذا القسم الكلام الآتي، والجار والمجرور متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَنْتَهُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وهو فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محلّ جرّ ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: وإن لم ينتهوا عن الذي، أو: عن شيء يقولونه.\nوعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محلّ جرّ ب: (عن)، التقدير: وإن لم ينتهوا عن قولهم. ﴿لَيَمَسَّنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يمسّنّ): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محلّ له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعده صلته. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعل:\n (يمسّنّ). ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف","vol":"3","page":179},{"text":"لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسّابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محلّ له. هذا؛ مع ملاحظة: أنّ اللام الموطئة للقسم محذوفة، وقد روعي حكمها؛ إذ التقدير: ولئن لم ينتهوا، كما صرّح به في قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ الآية رقم [١٢١] من سورة (الأنعام).\n\n<span id=\"aya-743\"></span>﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ..﴾. إلخ؛ أي: أفلا يرجعون إلى الله بالانتهاء عن تلك العقائد الزائفة، والأقوال الكاذبة في حقّ عيسى، وأمّه، ﵉. وهذا من كرم الله تعالى، وجوده، ولطفه، ورحمته بخلقه مع هذا الذّنب العظيم. وهذا الافتراء، والإفك يدعوهم إلى التوبة، والمغفرة، فكلّ من تاب إليه؛ تاب عليه. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ أي: بالتوحيد، والتنزيه عن الاتحاد، والحلول بعد ما تقدّم من التهديد، والوعيد. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ:﴾ لهم إن تابوا إلى الله، وأنابوا. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم، والإسلام يجبّ ما قبله، وانظر: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٨٢] من سورة (النّساء).\nهذا؛ والفعل: استغفر، ويستغفر: السّين، والتاء فيهما للطّلب، والفعل يتعدّى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني بحرف الجر، نحو: استغفرت الله من ذنبي، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٨٠]: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ فالمفعول الصّريح للأفعال الأربعة محذوف، وقد يحذف حرف الجر، فيصل الفعل إلى الثاني بنفسه، كقول الشاعر-وهو الشّاهد رقم [٤٨٦] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [البسيط]\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل\nومثل «استغفر»: اختار، وكنى، وسمع، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن، وأمر. قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي-وهو الشاهد رقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nالإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار. الفاء: حرف استئناف، وقال الجمل:\nالفاء للعطف على مقدّر، يقتضيه المقام، أي: ألا ينتهون عن تلك العقائد، فلا يتوبون.","vol":"3","page":180},{"text":"﴿يَتُوبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها مستأنفة. أو معطوفة على مقدّر. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وعطفها على الجملة الفعلية السّابقة لا محلّ لها أيضا واعتبارها حالا من لفظ الجلالة جيّد، ويكون الرابط: الواو، وإعادة لفظ الجلالة.\n\n<span id=\"aya-744\"></span>﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ:﴾ فيه نفي الألوهية عنه، كما أنّ الرسل الذين كانوا قبله لم يكونوا آلهة، وأمّا إبراؤه الأكمه، والأبرص، وإحياء الميت على يده؛ فهو كإحياء العصا، وجعلها حيّة في يد موسى، على نبينا، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، قال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٥٩]: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ،﴾ وخلقه من غير ذكر كخلق آدم من غير ذكر، وأنثى، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٥٩]: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\n ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: وما أمّه أيضا إلا كبعض النّساء المصدّقات للأنبياء، المؤمنات بهم، وهذا أعلى مقاماتها، فدلّ على أنّها ليست نبيّة، كما زعمه ابن حزم، وغيره ممّن ذهب إلى نبوّة سارة أم إسحاق، ونبوّة أم موسى، ونبوة أم عيسى استدلالا منهم بخطاب الملائكة لهنّ، والذي عليه الجمهور: أنّ الله لم يبعث نبيّا إلاّ من الرجال، قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾. والإجماع منعقد على ذلك.\n ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين، كما زعمت فرق النّصارى الضالّة عن طريق الهدى، والحقّ، والصّواب. وبالجملة فإنّ فساد عقيدتهم واضح لا يحتاج إلى إقامة دليل.\n ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ﴾ الدّالة على بطلان قولهم، وفساد عقيدتهم. والخطاب للنبي ﷺ، ولكلّ عاقل يفكّر في أمرهم. ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ:﴾ كيف يصرفون عن استماع الحقّ، وقبوله. هذا؛ وتكرير الأمر بالنّظر للمبالغة في التعجّب، ولفظ: ﴿ثُمَّ﴾ لإظهار ما بين العجبين من التّفاوت؛ أي: إن بياننا للآيات أمر بديع بالغ أقصى الغايات من الوضوح، والتحقيق، وإعراضهم عنها أعجب؛ وأبدع.","vol":"3","page":181},{"text":"هذا وأصل «الإفك» قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب: أفّاك؛ لأنّه يقلب الكلام عن وجهه الصّحيح إلى الباطل، وهو بهذا المعنى من الباب الرّابع، ومصدره: إفك، كعلم، ويغلب مجيء فعله بالبناء للمجهول، ويكون بمعنى الصّرف كقوله تعالى في كثير من الآيات:\n ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ومصدره: أفك كضرب، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى في سورة (الشّعراء): ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾. وانظر مثله في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ مبتدأ. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة له، أو بدل منه، وهو مضاف، و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَسُولٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الرُّسُلُ:﴾ فاعل: ﴿خَلَتْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿رَسُولٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿كانا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح، وألف الاثنين اسمه. ﴿يَأْكُلانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله.\n ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانا،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من المسيح وأمّه؛ فيجب تقدير «قد» قبلها.\n ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام، وتعجب مبني على الفتح في محلّ نصب حال من فاعل: ﴿نُبَيِّنُ﴾ المستتر، و﴿كَيْفَ﴾ معلقة للفعل:\n ﴿اُنْظُرْ﴾ عن العمل لفظا. ﴿نُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن.\n ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿اُنْظُرْ،﴾ وهذه الجملة مستأنفة لا محلّ لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام، وتعجب مبني على السّكون في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرتها للمكان-كما هو أصل معناها-فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بالفعل بعدها. ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، انظر: الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿اُنْظُرْ،﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.","vol":"3","page":182},{"text":"<span id=\"aya-745\"></span>﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ هذا خطاب للنّصارى الذين ألّهوا عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والمعنى: يا محمد! قل لهؤلاء النصارى: أتعبدون من دون الله. ﴿ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أي: لا يستطيع أن يضرّكم بمثل ما يضرّكم الله به من البلايا، والمصائب في الأنفس، والأموال، ولا يقدر أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به الله من صحّة الأبدان، وسعة الأرزاق، فإنّ الضار، والنافع هو الله تعالى، لا من تعبدون من دونه، ومن لا يقدر على النّفع، والضّرّ لا يكون إلها. قال في البحر:\nلمّا بيّن الله بدليل النقل، والعقل انتفاء الألوهية عن عيسى ﵇، ودعاهم للتوبة، وطلب الغفران؛ أنكر عليهم، ووبّخهم من وجه آخر، وهو عجز عيسى عن دفع ضرر، وجلب نفع، وأنّ من كان لا يدفع عن نفسه حريّ أن لا يدفع عنكم.\nهذا؛ و«العبادة» غاية التذلّل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السّجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرّضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصّبر على المفقود. وانظر شرح: ﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [١١٦] من سورة (النّساء).\nهذا؛ وإنّما قال، وكنى عن عيسى﵇بما دوّن من التحقيق ما هو المراد من كونه بمعزل عن الألوهية رأسا ببيان انتظامه﵇في سلك الأشياء؛ الّتي لا قدرة لها على شيء أصلا. وانظر مثلها في الآية رقم [٣] من سورة (النساء) والآية الأخيرة من هذه السّورة.\nهذا؛ وقد قال بعض المحققين في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: إذا كان عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لا يملك ضرّا، ولا نفعا لأحد؛ فما بالك بوليّ من الأولياء؛ هل يملك لغيره نفعا، أو ضرّا؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَتَعْبُدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (تعبدون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (ما)، والمراد به عيسى كما رأيت، وهو العائد. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.","vol":"3","page":183},{"text":"﴿ضَرًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَفْعًا:﴾\nمعطوف على ما قبله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ثان.\n ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر الثاني. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان له، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في محل رفع خبر لفظ الجلالة. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير بدلا من لفظ الجلالة، وفصلا لا محلّ له، فيكون: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبرين للفظ الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وجوز اعتبارها حالا من واو الجماعة، ويكون الرابط الضمير فقط، والاستئناف أقوى.\n\n<span id=\"aya-746\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ. ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ الخطاب لأهل الكتابين: اليهود، والنّصارى. ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: غلوّا باطلا، والغلو: مجاوزة الحدّ، وذلك: أنّ الحقّ بين طرفي: الإفراط، والتفريط، ومجاوزة الحدّ، والتقصير مذمومان. فغلو النّصارى رفع عيسى فوق قدره بنسبة الألوهيّة إليه. وغلو اليهود وضعه؛ حيث قالوا: إنّه ابن زنى. وكلا الفريقين متجاوز للحدّ، فهو هالك بالإفراط، أو بالتفريط، وانظر الآية رقم [١٧١] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!.\n ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: أسلافهم، وأئمّتهم الذين خرجوا عن جادة الحقّ، والصّواب قبل مبعث محمد ﷺ؛ حيث حرّفوا، وبدّلوا أحكام التوراة، والإنجيل.\nوالخطاب لليهود، والنصارى الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ، نهوا عن اتّباع أسلافهم فيما ابتدعوه من الضّلالة بأهوائهم. وانظر شرح: ﴿الْهَوى﴾ في الآية رقم [١٣٥] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد لله!. ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ من الناس ممّن شايعوهم، وسمعوا منهم، واتّبعوهم على ضلالتهم، وأهوائهم. ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ:﴾ أي: أخطئوا الطريق السّويّ بعد مبعث محمد ﷺ حيث كذّبوه، وعادوه، وبغوا عليه.\nهذا؛ و«ضلّ» أكثر ما يستعمل بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضدّ: اهتدى، واستقام.\nومصدره: الضّلال، وهو كثير، ويأتي «ضلّ» بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ويأتي بمعنى: خفي، يخفى، قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾. وضلّ الشيء: ضاع، وهلك، ومنه قوله تعالى في سورة (الرعد) وفي سورة (غافر): ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾.","vol":"3","page":184},{"text":"وضل: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم له في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وضل: تحيّر، وهو أقرب ما يفسّر به قوله تعالى مخاطبا حبيبه ﷺ في سورة (الضّحى): ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾.\nو: أضلّ، يضلّ غيره من الرّباعي، مصدره: الإضلال، فهو متعدّ، والثلاثي لازم، وهما في هذه الآية. ومصدر الثلاثي: الضلال، وهو الخروج عن جادة الحقّ، والانحراف عن الصراط المستقيم، وينبغي أن تعلم: أنّ طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وأمّا الضّلال؛ فطرقه كثيرة، ومتشعّبة. قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾. وقال الشاعر الحكيم: [البسيط]\nالطّرق شتّى وطرق الحقّ واحدة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد\nلا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد\nوالنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد\nهذا؛ و«سواء» مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صحّ الإخبار به عن متعدّد في كثير من الآيات، وقيل: هو بمعنى: مستو، وهو لا يثنّى، ولا يجمع. قالوا: هم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى.\nقالوا: سيّان، وإن شئت قلت: سواءان، وفي الجمع: أسواء، وهذا كلّه ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون. هذا؛ ويأتي أيضا بمعنى: الوسط، كما في قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٥٥]: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٥٨] من سورة (الأنفال):\n ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ وسواء السبيل: ما استقام منه، كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [١٠٨] من سورة (البقرة): ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسواء الجبل: ذروته، وسواء الشيء: غيره. قال الأعشى: [الطويل]\nتجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا\nالإعراب: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ انظر الآية رقم [٦٨]. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَغْلُوا:﴾\nفعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿فِي دِينِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿غَيْرَ:﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: لا تغلوا في دينكم غلوّا غير، وجوز اعتباره حالا من واو الجماعة؛ أي: غير محقّين. و﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه،","vol":"3","page":185},{"text":"﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب:\n (لا) ... إلخ. ﴿أَهْواءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿ضَلُّوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني (قبل) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، والجملتان: ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ معطوفتان على ما قبلهما فهما في محل جرّ مثلها.\n\n<span id=\"aya-747\"></span>﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: لعنهم الله في الزّبور، والإنجيل على لسان هذين النبيين. قال ابن عباس﵄-: لعنوا بكلّ لسان، وكلّ كتاب، لعنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزّبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد محمد في القرآن، وفيه جواز لعن الكافرين، وإن كانوا من أولاد الأنبياء، وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقهم، وانظر اللّعنة في الآية رقم [٥٢] من سورة (النساء).\nقال أكثر المفسرين: هم أصحاب السبت لمّا اعتدوا في السّبت، واصطادوا الحيتان فيه.\nقال داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: اللهم العنهم، واجعلهم قردة! فمسحوا قردة، وقد ذكرت قصّتهم بالتفصيل في سورة (الأعراف) الآية رقم [١٦٣] وما بعدها. ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: لعنوا أيضا على لسان عيسى، على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nوهم كفار أصحاب المائدة، لمّا أكلوا، وادّخروا، ولم يؤمنوا؛ قال عيسى: اللهم العنهم، واجعلهم خنازير! فمسخوا خنازير، وستأتي قصّتهم في آخر هذه السورة. ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا﴾ أي: ذلك اللّعن الشنيع المقتضي للمسخ بسبب عصيانهم، واعتدائهم، وخروجهم عن أوامر أنبيائهم؛ الّتي هي من أوامر الله تعالى.\nهذا؛ وإعلال ﴿عَصَوْا﴾ كما يلي: أصله قبل دخول واو الجماعة عليه: «عصي» فقل في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فلمّا اتصلت به واو الجماعة؛ صار:\n «عصاو» فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلّة أولى بالحذف من الضّمير، فحذف حرف العلّة، وبقيت الفتحة على الصّاد دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصالها بواو الجماعة، فصار: (عصيوا) فقلبت الياء ألف لتحركها وانفتاح ما قبلها، فالتقى ساكنان: ألف العلة... إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف","vol":"3","page":186},{"text":"لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار (عصيوا) فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء وواو الجماعة، فحذفت ياء العلّة... إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كلّ فعل ناقص؛ اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا... إلخ.\nتنبيه: جاء لفظ ﴿لِسانِ﴾ بالإفراد دون التثنية، والجمع، فلم يقل: على لساني داود... إلخ على التثنية لقاعدة كلية، وهي أنّ كل جزءين مفردين من صاحبيهما إذا أضيفا إلى كليهما من غير تفريق جاز فيه ثلاثة أوجه: لفظ الجمع، وهو المختار، ويليه التثنية عند بعضهم. وعند بعضهم الإفراد مقدّم على التثنية، فيقال: قطعت رءوس الكبشين، وإن شئت قلت: رأسي الكبشين، وإن شئت قلت: رأس الكبشين، ومنه قوله تعالى في سورة (التّحريم): ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾. انتهى.\nجمل نقلا عن السمين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨] ففيها الشّفاء الكافي لقلبك. وانظر شرح (لسان) في الآية رقم [٤٦] من سورة (النساء).\nالإعراب: ﴿لُعِنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية بعده صلته، والمتعلق محذوف. ﴿مِنْ بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة العائدة على الموصول، و﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم في الموصول. و﴿بَنِي:﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه، وقد تقدّم إعراب مثل هذه الكلمات. ﴿عَلى لِسانِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿لُعِنَ،﴾ و﴿لِسانِ:﴾ مضاف، و﴿داوُدَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n ﴿وَعِيسَى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿اِبْنِ:﴾ صفة (عيسى)، و﴿اِبْنِ:﴾ مضاف، و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة:\n ﴿لُعِنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿بِما:﴾ الباء حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿عَصَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(ما) المصدرية، والفعل: ﴿عَصَوْا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ؛ إذ التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْتَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كانوا)، وجملة: ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ:﴾ معطوفة على ما قبلها، تؤوّل مثلها بمصدر بسبب العطف. التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، وبسبب اعتدائهم. وقيل: هي مستأنفة.\nوالأوّل أقوى.","vol":"3","page":187},{"text":"<span id=\"aya-748\"></span>﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ..﴾. إلخ: أي: كان اليهود، والنصارى لا ينهى بعضهم بعضا عن فعل قبيح؛ إذا أراد البعض فعله. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ:﴾ في هذه الجملة المؤكّدة بالقسم دليل على أنّ ترك النهي عن المنكر من العظائم، فيا خيبة المسلمين في إعراضهم عنه! وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أوّل ما دخل النقص على بني إسرائيل: أنّه كان الرّجل يلقى الرّجل، فيقول: يا هذا اتّق الله، ودع ما تصنع، فإنّه لا يحلّ لك، ثمّ يلقاه من الغد، وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله، وشريبه، وقعيده، فلمّا فعلوا ذلك؛ ضرب الله قلوب بعضهم ببعض»، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾. ثمّ قال: «كلا والله لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحقّ أطرا».\nرواه أبو داود، والترمذيّ، واللفظ لأبي داود. لتأطرنّه: أي: لتردنّه على الحق. وأصل «الأطر» العطف، والتثني.\nوعن أنس بن مالك﵁قال: قيل: يا رسول الله! متى يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا: يا رسول الله! وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالكم». قال زيد:\nتفسير معنى قول النبي ﷺ: «العلم في رذالكم»: إذا كان العلم في الفسّاق. رواه ابن ماجة.\nوعن حذيفة بن اليمان﵁-: أنّ النبيّ ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم». رواه أحمد، والترمذي. وانظر ما ذكرته في الآيتين رقم [١٠٤ و١١٠] من سورة (آل عمران) ففيهما الكفاية، وانظر شرح «نعم» و«بئس» في الآية رقم [٥٩] من سورة (النساء).\nالإعراب: ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَتَناهَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية مفسرة لمعاصيهم، واعتدائهم في الآية السابقة.\n ﴿عَنْ مُنكَرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَعَلُوهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿مُنكَرٍ﴾. ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٦٢].","vol":"3","page":188},{"text":"<span id=\"aya-749\"></span>﴿تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿تَرى:﴾ الخطاب للرسول ﷺ، أو لكلّ أحد. ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود. وقال مجاهد: يعني: المنافقين. ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ يوالون المشركين من أهل مكة، وذلك حين خرجوا إليهم ليجيّشوا على رسول الله ﷺ. وقال ابن عباس﵄-: معناه: ترى كثيرا من المنافقين يتولّون اليهود، ويصافونهم بغضا لرسول الله ﷺ، وللمؤمنين. ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: بئس الشيء؛ الذي قدموه لآخرتهم؛ ليروه يوم القيامة مسجّلا في صحائف أعمالهم. وانظر مثل هذا الذمّ في الآيتين رقم [٦٢ و٦٣] والذي قدموه لأنفسهم هو: سخط الله عليهم في الدّنيا، والآخرة. وخلودهم في النار يوم القيامة. وانظر شرح: ﴿تَرى﴾ في الآية رقم [٥٢].\nالإعراب: ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: أنت. ﴿كَثِيرًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيرًا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يَتَوَلَّوْنَ...:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال على اعتبار: ﴿تَرى﴾ بصرية من: ﴿كَثِيرًا﴾ بعد وصفه بالجار والمجرور، أو هي في محل نصب مفعول به ثان على اعتبار: ﴿تَرى﴾ علميّة.\n ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها، وجملة: ﴿تَرى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿لَبِئْسَ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (بئس) فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر، تقديره: «هو»، مميّز ب: (ما). ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿سَخِطَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل نصب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و﴿أَنْ سَخِطَ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف هو المخصوص بالذم. التقدير: هو سخط الله عليهم. وقيل: المصدر المؤوّل تعليل للذمّ، والمخصوص بالذمّ محذوف، التقدير: لبئس الشيء مقدما لهم ذلك؛ لأنّه أكسبهم السّخط.\n ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (في العذاب): متعلقان ب: ﴿خالِدُونَ﴾ بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير","vol":"3","page":189},{"text":"منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها، فهي من جملة المخصوص بالذمّ.\n\n<span id=\"aya-750\"></span>﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ؛ قيل: المراد بهم: اليهود، فلو كانوا يؤمنون بالله، وبموسى، وبالتوراة؛ التي أنزلت إليه. وقيل: المراد: المنافقون اتّخذوا اليهود أنصارا، وأحبابا. فيكون المراد ب: ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ أي: القرآن؛ الذي أنزل على محمّد ﷺ. ﴿وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ:﴾ خارجون عن دينهم، أو هم مستمرّون في نفاقهم. وإنّما قال تعالى:\n ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ لأنّه علم: أنّ منهم من سيؤمن كعبد الله بن سلام، وأصحابه، وكذلك بعض المنافقين تاب من نفاقه.\nهذا؛ و(النبيّ) يقرأ بالهمز، وبدونه مأخوذ من النبأ، وهو: الخبر، وقيل: مأخوذ من النبوة، وهي الارتفاع؛ لأنّ رتبة النّبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق، وانظر الآية رقم [١٦٤] من سورة (النساء) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلّقان به.\n ﴿وَالنَّبِيِّ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَما:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على (الله والنبي).\n ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ نافية.\n ﴿اِتَّخَذُوهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأوّل. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها، (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبّه بالفعل. ﴿كَثِيرًا:﴾ اسم (لكنّ). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب: ﴿كَثِيرًا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فاسِقُونَ:﴾ خبر (لكنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على (لو) ومدخولها، لا محلّ لها أيضا.","vol":"3","page":190},{"text":"<span id=\"aya-751\"></span>﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ وذلك لشدة شكيمتهم، وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء، ومعاداتهم. وانظر إعلال: (تجد) في الآية رقم [٥٢] (النساء). وإعلال: ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [٣٥] و﴿الْيَهُودَ﴾ في الآية رقم [٢٠]. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ هم أهل مكة المشركون. ﴿مَوَدَّةً:﴾ لينا، ومحبة. ﴿نَصارى:﴾ انظر الآية رقم [١٥] وقد كان النصارى كذلك للين جانبهم، ورقة قلوبهم، وقلة حرصهم على الدنيا، وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر من صفاتهم الحميدة. ﴿قِسِّيسِينَ﴾ جمع قسيس، وهو مثال مبالغة على فعّيل كصديق، وهو هنا رئيس النصارى، وعالمهم، وأصله من تقسس الشيء إذا اتبعه، وتطلبه بالليل، ويقال لرئيس النصارى: قس، وقسيس، وهما بفتح القاف، وكسرها، ولم ينقل أهل اللغة في الأول القس بضم القاف، لا مصدرا، ولا وصفا، فأما قس بن ساعدة الإيادي، فهو علم، وهو بضم القاف، فيكون مما غير عن طريق العلمية، وقس هذا كان أعلم أهل زمانه، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ: «يبعث أمة وحده» انتهى. جمل بتصرف كبير. (رهبان): جمع راهب، وهو من النصارى: من اعتزل الناس إلى دير يتعبد فيه، ويجمع رهبان على: رهابين. والرهبنة، والرهبانية: طريقة الرهبان، وقد بين القرآن الكريم: أنهم ابتدعوها، ولم يفرضها الله، ولا عيسى عليهم. ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ أي عن قبول الحق إذا فهموه، أو يتواضعون، ولا يتكبرون كاليهود، وفيه دليل على أن التواضع، والإقبال على العلم، والعمل، والإعراض عن الشهوات محمودة، وإن كانت من كافر. انتهى. بيضاوي.\nالإعراب: ﴿لَتَجِدَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:\n «أنت». ﴿أَشَدَّ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَداوَةً:﴾ تمييز.\n ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَداوَةً،﴾ أو بمحذوف صفه له، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْيَهُودَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿الَّذِينَ:﴾ معطوف على:\n ﴿الْيَهُودَ،﴾ فهو مبني على الفتح في محل نصب مثله، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] وجملة: ﴿لَتَجِدَنَّ..﴾. إلخ جواب قسم محذوف مع المتعلق، التقدير: (أقسم بالله...) إلخ، والجملة القسمية مستأنفة، لا محل","vol":"3","page":191},{"text":"لها، وجملة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. والجملة الاسمية: ﴿إِنّا نَصارى﴾ في محل مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿مِنْهُمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿قِسِّيسِينَ:﴾ اسم (أنّ) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿وَرُهْبانًا:﴾ معطوف على ما قبله، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ معطوف على المصدر السابق، فهو في محل جر مثله. وإعراب هذه الجملة واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-752\"></span>﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿سَمِعُوا:﴾ هذا الفعل من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية، مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول: كذا. ﴿ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ:﴾ المراد به القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ. (ترى): انظر الآية رقم [٥٥]. ﴿أَعْيُنَهُمْ:﴾ جمع عين، انظر الآية رقم [٤٨].\n ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ:﴾ الفيض: انصباب عن امتلاء، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة. أو جعلت ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾ من فرط البكاء كأنها ﴿تَفِيضُ﴾ بأنفسها، وهو بيان لرقة قلوبهم، وشدة خشيتهم، ومسارعتهم إلى قبول الحق، وعدم تأبيهم عنه. انتهى. بيضاوي. هذا؛ وفي الشهاب: فوضع الفيض موضع الامتلاء للمبالغة، وجعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، يعني أن الفيض مجاز الامتلاء بعلاقة المبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، يعني أن الفيض موضع الامتلاء بعلاقة السببية، فإن الثاني سبب للأول، فالمجاز في المسند، و﴿الدَّمْعِ﴾ هو ذلك الماء، أو الفيض على حقيقته، والتجوز في إسناده إلى العين للمبالغة كجري النهر. انتهى. جمل بتصرف كبير. ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: إن فيض ﴿الدَّمْعِ﴾ المذكور، إنما كان بسبب معرفتهم الحق الذي جاء به محمد ﷺ، هذا؛ وقد قيل: إن ﴿مِنَ﴾ الثانية للتبعيض، أي إنهم عرفوا بعض الحق، فكيف إذا عرفوا كله، وقرءوا القرآن، وأحاطوا بالسنة. ﴿يَقُولُونَ:﴾","vol":"3","page":192},{"text":"انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦]. ﴿رَبَّنا:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] والآية رقم [٢٢] (الأعراف) تجد ما يسرك. ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: من الذين شهدوا بأن ما أنزل على محمد حق، أو اجعلنا من أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة. وقالوا ذلك؛ لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك.\nتنبيه: الآية الكريمة، وما قبلها، وما بعدها تتحدث هذه الآيات عن النجاشي، وأصحابه حين قال لجعفر بن أبي طالب ﵁ لما اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة، والمشركون الذين ذهبوا في طلبهم ليردوهم إلى مكة، وكان قد أحضر الرهبان، والقسيسين: هل في كتابكم ذكر مريم، وعيسى، قال جعفر: نعم، فيه سورة تنسب إلى مريم، قال: اقرأها، فقرأها إلى قوله تعالى: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ..﴾. إلخ وقرأ سورة (طه) إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ فبكى النجاشي، وقومه الحاضرون، وقال: إن هذا؛ والذي أنزل على عيسى من مشكاة واحدة. وفي رواية: أخذ النجاشي عودا من الأرض، وقال: والله ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا العود. فكره المشركون قوله، وتغيرت وجوههم. وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله ﷺ، وهم سبعون رجلا حين قرأ عليهم سورة (يس) فبكوا، وأسلموا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ انظر الآية رقم [٦١] ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع نائب الفاعل إليها، وجملة: ﴿سَمِعُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿تَرى:﴾ انظر إعرابه في الآية رقم [٨٣] وجملة: ﴿تَفِيضُ﴾ في محل نصب حال من: ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾ لأن ﴿تَرى﴾ هنا بصرية. ﴿مِنَ الدَّمْعِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: مملوءة ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾. ﴿مِمّا:﴾\nمتعلقان بالفعل ﴿تَفِيضُ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿عَرَفُوا﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ﴿عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، وجملة: ﴿تَرى..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها معطوف على خبر (أنّ) في الآية السابقة، وهو ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فصار الكلام من مدخول (أنّ). وقيل:\nيجوز أن يكون مستأنفا في اللفظ، وإن كان له تعلق بما قبله في المعنى، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿عَرَفُوا،﴾ والرابط الضمير فقط، والجملة الندائية:\n ﴿رَبَّنا﴾ والفعلية: ﴿آمَنّا﴾ مع المتعلق المحذوف في محل نصب مقول القول. ﴿فَاكْتُبْنا:﴾\nالفاء: هي الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط محذوف، وانظر الآية رقم [٤]. (اكتبنا): فعل، ومفعول به، وانظر إعراب ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله،","vol":"3","page":193},{"text":"وهو مضاف، و﴿الشّاهِدِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة (اكتبنا...) إلخ لا محل لها لأنها جواب للشرط المحذوف، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا ﴿فَاكْتُبْنا..﴾. إلخ، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.\n\n<span id=\"aya-753\"></span>﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ (٨٤)﴾\nالشرح أي: شيء يمنعنا من الإيمان بالله ورسوله، والذي ظهر لنا من صدقه؟! أي: فنحن جديرون بذلك. فهو استفهام إنكار، واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام دليله وموجبه، وهو الطمع في إنعام الله عليهم، بصحبة: ﴿الصّالِحِينَ:﴾ الأبرار. وقيل: لما رجعوا إلى قومهم؛ لاموهم على إيمانهم، فأجابوهم بذلك. ﴿بِاللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. (جاء): انظر الآية رقم [١٦]. ﴿الْحَقِّ﴾ انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿وَنَطْمَعُ:﴾ الطمع: نزوع النفس إلى الشيء، والحرص على حصوله. وهو مذموم إن كان في أمور الدنيا، وصارفا عن الآخرة. ﴿رَبُّنا:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١] أو الآية رقم [٢] (الأعراف). ﴿الْقَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٢].\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُؤْمِنُ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه، تقديره: «نحن». ﴿بِاللهِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال (ما): لما فيها من معنى الفعل، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وهي مبنية على السكون في محل جر معطوفة على لفظ الجلالة. وذكر أبو البقاء أوجها لا وجه لها. وجملة: ﴿جاءَنا﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل العائد إلى (ما)، ومن بيان لما أبهم فيها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا﴾ في محل نصب بنزع الخافض، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ﴿وَنَطْمَعُ﴾ في إدخال ربّنا لنا. وجملة: (نطمع...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا نُؤْمِنُ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، وجوز اعتبارها خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: ونحن نطمع... إلخ، والجملة الاسمية على هذا في محل نصب حال من فاعل: ﴿نُؤْمِنُ﴾ المستتر، فهي حال متداخلة. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل: ﴿يُدْخِلَنا،﴾ ومع مضاف، و﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الصّالِحِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.","vol":"3","page":194},{"text":"<span id=\"aya-754\"></span>﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ..﴾. إلخ: فجزاهم. ﴿اللهُ﴾ بقولهم المذكور فيما تقدم. ﴿جَنّاتٍ..﴾.\nإلخ، وإنما منحهم الله ذلك بمجرد القول؛ لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم فيما قالوا.\nوهو المعرفة، والبكاء المؤذنان بحقيقة الإخلاص، واستكانة القلب؛ لأن القول إذا اقترن بالمعرفة؛ فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿قالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢٦] (البقرة). ﴿جَنّاتٍ:﴾ جمع جنة، وهي البستان من النخل، والشجر الكثير المتكاثف الذي يجن، أي: يستر ما يكون متداخلا فيه، وسميت دار الثواب جنة؛ لما فيها من النعيم الذي لا ينفد. وجمع الجنة على: ﴿جَنّاتٍ﴾ يدل على ﴿جَنّاتٍ﴾ كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت قصورها، وأشجارها.\n ﴿الْأَنْهارُ:﴾ جمع نهر، وهو معروف في الدنيا، ولكن شتان ما بين (أنهار) الجنة و(أنهار) الدنيا، هذا؛ ويجمع النهر على: أنهر، ونهر، ونهور، وهاء النهر تسكن، وتفتح. ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ مقيمين أبدا، لا يموتون، ولا يخرجون. ﴿وَذلِكَ:﴾ إشارة إلى ال ﴿جَزاءُ﴾ والثواب المذكور.\n ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ الذين أحسنوا النظر، والقول، والعمل، أو الذين اعتادوا الإحسان في جميع الأمور. وانظر الآية رقم [١٤] وانظر (يجزون) في الآية [١٢٠] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: (أثابهم): ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصوفة، والموصولة، والمصدرية، وجملة: ﴿قالُوا﴾ صفة (ما)، أو صلتها على الاعتبارين الأولين، والرابط أو العائد محذوف، التقدير: الذي، أو شيء، قالوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بقولهم.\n ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.\nوجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب ﴿خالِدِينَ،﴾ والجملة الفعلية: (أثابهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. (ذلك): مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: (ذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-755\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ (كذبوا بآيات) الله التي أنزلها على نبيه، فقد عطف سبحانه التكذيب بآياته على الكفر، وهو ضرب منه؛ لأن القصد بيان حال","vol":"3","page":195},{"text":"المكذبين، وذكرهم في معرض المصادقين بها جمعا يبن الترغيب والترهيب. ﴿أَصْحابُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢] ﴿الْجَحِيمِ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٥] (النساء)، وانظر (نا) في الآية رقم [٣٥].\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ معطوفة عليها. ﴿أُولئِكَ:﴾\nاسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾\nخبر المبتدأ، و﴿أَصْحابُ:﴾ مضاف، و﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-756\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٢/ ٣]. ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ أي: لا تمنعوا أنفسكم من مستلذات الحياة الدنيا؛ التي أحلها الله لكم. ﴿وَلا تَعْتَدُوا:﴾\nلا تجاوزوا الحد الذي حده الله في التحليل، والتحريم. ﴿لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: يسخط عليهم، ويمقتهم. وانظر المحبة في الآية رقم [٥٧]. هذا؛ وانظر الحرام في الآية رقم [٥].\nتنبيه: روي: أن النبي ﷺ وصف القيامة لأصحابه يوما، وبالغ في إنذارهم، فرقوا، واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، ﵃ أجمعين، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، والودك، ولا يقربوا النساء، والطيب، ويرفضوا الدنيا، ويلبسوا المسوح، ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال لهم: إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقّا، فصوموا، وأفطروا، وقوموا، وناموا، فإني أقوم، وأنام، وأصوم، وأفطر، وآكل اللحم، والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني، ونزلت الآية الكريمة تؤيد رأيه، وآية (الأعراف) رقم [٣١] تؤيده أيضا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [١] و[٥٤]. ﴿طَيِّباتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿طَيِّباتِ:﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير ﴿أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ (لا): ناهية جازمة. ﴿تَعْتَدُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة: ﴿لا تُحَرِّمُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآيتين رقم [١٤] و[٥٤]. وهي تعليل للنهي، لا محل لها.","vol":"3","page":196},{"text":"<span id=\"aya-757\"></span>﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿وَكُلُوا مِمّا..﴾. إلخ: أي: كلوا من رزق الله ما لذ، وطاب إذا كان من كسب حلال؛ لأن الحرام لا يكون طيبا؛ ولو كان من أفخر أنواع الطعام؛ لأن فيه سوء العاقبة في الدنيا، والآخرة. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ فيها توكيد للأمر بما تقدم، وزاد توكيدا بقوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لأن الإيمان بالله من مقتضياته أن يوجب التقوى فيما أمر به، ونهى عنه.\nالإعراب: (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١]. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَلالًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: (رزقكم الله إياه حلالا): فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مفعول (كلوا). الثاني: كونه حالا من الضمير المحذوف المقدر، الثالث كونه صفة لمصدر محذوف، التقدير: (أكلا حلالا)، وجملة: (كلوا...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا تُحَرِّمُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفة عليها أيضا.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾\nخبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد هو الضمير المجرور محلاّ بالباء.\n<span id=\"aya-758\"></span>﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿بِاللَّغْوِ﴾ من الكلام: هو الساقط الذي لا يعتد به، ولغو اليمين: هو ما لا عقد معه، كما إذا سبق به اللسان، أو تكلم به جاهلا لمعناه، كقولك: لا والله، وإي والله، وبلى والله لمجرد التوكيد لقولك، فهذا لا إثم فيه، ولا كفارة. وهذا قول الشافعي،","vol":"3","page":197},{"text":"رحمه الله تعالى. وقيل: الحلف على ما يظن: أنه كذلك، ولم يكن. وإليه ذهب أبو حنيفة، رحمه الله تعالى. ﴿أَيْمانِكُمْ:﴾ جمع يمين، والمراد به الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه. واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على (أيمان)، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، وانظره بكسر الهمزة في الآية رقم [٦٩]. ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ:﴾ تعمدتم، وقصدتم به اليمين، وتعقيد ﴿الْأَيْمانَ:﴾ توثيقها، قال الفرزدق: [الطويل]\nولست بمأخوذ بلغو تقوله... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم\nأي إذا لم توثق، وتعمد. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة البقرة رقم [٢٢٤] بدل هذه الجملة:\n ﴿بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ومعناه: قصدت ﴿قُلُوبُكُمْ﴾. ﴿إِذا حَلَفْتُمْ﴾ وإن كان كذبا، وبه ضياع حق، فهو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار. وقرئ: «عقدتم» بتشديد القاف وتخفيفها، كما قرئ: «(عاقدتم)». ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ أي: كفارة نكثه، أو فكفارة معقود ﴿الْأَيْمانَ،﴾ والكفارة:\nالفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة، أي: تسترها، أو تمحوها، وهو معنى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ و﴿كَفّارَةُ﴾ اليمين كما ترى في الآية الكريمة مخيرة ابتداء، ومرتبة انتهاء، وتفسير الأول أن الحانث في يمينه مخير في الكفارة بين: ﴿إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ،﴾ أو إعتاق عبد، أو عبدة، وقد ذكر ﷾: أن الإطعام يكون من الوسط، لا من الفاخر العالي، ولا من الوضيع الداني، ولكل زمان، ومكان حكمهما، فلذا فإن إعطاء مد قمح للمسكين في هذه الأيام لا يكون من وسط الإطعام، والطعام، وإذا أراد الحانث في يمينه تبرئة ذمته فما عليه إلا أن يعطي المساكين نقودا تكفي لغدائه، أو لعشائه وجبة واحدة من الوسط. وعند أبي حنيفة: وجبتين، أي: غداء، وعشاء. وعند الشافعي لا يكفي إطعام مسكين ولو في عشرة أيام خلافا لأبي حنيفة أيضا، ولو صنع في بيته طعاما من الوسط، ودعا عشرة مساكين إليه، وأشبعهم تبرأ ذمته، كما أن الكسوة تكون من الوسط، والكسوة ثوب يغطي العورة. وعن عبد الله بن عمر -﵄- (قميص، وإزار، ورداء) وهي بكسر الكاف وقد تضم، وهل يعادل مد القمح في هذه الأيام شيئا من الكسوة، وأين هو من إعتاق الرقيق، بل وهل يعادل صيام يوم من الأيام، بل الثلاثة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أو إعتاق عبد مملوك، وشرط فيه الشافعي الإيمان، قياسا على كفارة القتل، فإن لم يجد المكلف أحد الأشياء الثلاثة المذكورة، أو لم يقدر على واحد منها لفقره يصوم ثلاثة أيام، يجوز عندنا تفريقها، وتتابعها، وشرط أبو حنيفة التتابع؛ لأنه قرئ في الشواذ من القراءات (ثلاثة أيام متتابعات). هذا؛ ولفظ (عشرة) هو على عكس المعدود في التذكير، والتأنيث إن كان مفردا. وعلى وفقه إن كان مركبا، تقول: عشرة رجال، وعشر نسوة، وخمسة عشر رجلا، وخمس عشرة امرأة. وشينه تسكن مع المؤنث، وهي لغة أهل الحجاز، وقد تكسر وهي لغة أهل نجد، وقرئ بهما، وبالفتح أيضا، وهي لغة ثالثة.","vol":"3","page":198},{"text":"و﴿مَساكِينَ:﴾ جمع مسكين، وهو عندنا أحسن حالا من الفقير، وعند الحنفية بالعكس. وانظر الآية رقم [٦١] (التوبة) تجد ما يسرك. ﴿أَهْلِيكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٦٢]. ﴿يَجِدْ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٥٢] (النساء). (صيام): انظر الآية رقم [٦٢]. ﴿يَجِدْ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٢/ ٤٨] ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى أنواع الكفارة المذكورة. ﴿إِذا حَلَفْتُمْ﴾ أي: وحنثتم. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ:﴾ بأن تضنوا بها، ولا تبذلوها في كل أمر، أو بأن تبروا فيها ما استطعتم، ولم يفت بها خير، انظر الآية رقم [٢/ ٢٢٤]. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ يوضح. ﴿آياتِهِ:﴾ أحكامه، وتعاليم دينه. ﴿تَشْكُرُونَ﴾ أي: نعمة التعليم، أو جميع نعمه الواجب شكرها، وانظر الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤاخِذُكُمُ:﴾ مضارع، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِاللَّغْوِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما ب: (اللغو) لأنه مصدر، كما جوز تعليقهما بمحذوف حال منه. وجملة: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿بِما:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: (عقدتم الأيمان عليه) وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بتعقيدكم الأيمان، والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَكَفّارَتُهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (كفارته): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على الحنث المفهوم من سياق الكلام، أو هي عائدة على العقد الدال عليه الفعل، وقيل غير ذلك. ﴿إِطْعامُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿عَشَرَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿عَشَرَةِ:﴾ مضاف، و﴿مَساكِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿مِنْ أَوْسَطِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، يقع مفعولا ثانيا للمصدر؛ إذ التقدير: ﴿إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ طعاما كائنا من ﴿أَوْسَطِ﴾. و﴿أَوْسَطِ:﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تطعمونه. ﴿أَهْلِيكُمْ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والكاف: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿فَكَفّارَتُهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب شرط محذوف، التقدير: إن حصل منكم حنث، أو إن سألتم عن كفارة الحنث؛ ﴿فَكَفّارَتُهُ..﴾. إلخ.\n ﴿كِسْوَتُهُمْ:﴾ معطوف على: ﴿إِطْعامُ﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿تَحْرِيرُ:﴾ معطوف عليه أيضا، وهو مضاف، و﴿رَقَبَةٍ:﴾ مضاف إليه","vol":"3","page":199},{"text":"من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. الفاء: حرف عطف. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء حرف عطف، أو استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْ:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو فعل الشرط، وفاعله يعود إلى (من)، ومفعوله محذوف. ﴿فَصِيامُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (صيام): مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليه (صيام)، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فكفارته (صيام)، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: الجملتان وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها، و(صيام) مضاف، و﴿ثَلاثَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿ثَلاثَةِ:﴾ مضاف، و﴿أَيّامٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿ذلِكَ:﴾ مبتدأ. ﴿كَفّارَةُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، و﴿كَفّارَةُ:﴾\nمضاف، و﴿أَيْمانِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف متعلق ب ﴿كَفّارَةُ﴾ مبني على السكون في محل نصب. ﴿حَلَفْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها، وهناك جملة محذوفة معطوفة عليها، تقديرها: وحنثتم، وجملة:\n ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾ معطوفة على الجملة الاسمية لا محل لها مثلها، وهي مؤكدة لمضمون الكلام السابق. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله الفعل الذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، التقدير: يبين الله لكم آياته تبيينا كائنا مثل ذلك التبيين. والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. والكاف اسمه، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر: (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للتبيين، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-759\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٢١٨] ﴿وَالْأَنْصابُ:﴾ الأصنام التي نصبت للعبادة، وانظر الآية رقم [٤]. ﴿وَالْأَزْلامُ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿رِجْسٌ:﴾ نجس، أو خبيث مستقذر، تعافه العقول السليمة، وإفراده لأنه خبر للخمر، وخبر المعطوفات محذوف، أو هو خبر لمضاف محذوف، كأنه قال: إنما تعاطي ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..﴾. إلخ. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ:﴾ لأنه مسبب عن تسويله، وتزيينه، فكأنه عمله، هذا؛ وانظر شرحه، واشتقاقه في الاستعاذة.","vol":"3","page":200},{"text":"﴿فَاجْتَنِبُوهُ:﴾ فابتعدوا عنه، والضمير يعود إلى: ال ﴿رِجْسٌ،﴾ أو لما ذكر، أو للتعاطي المقدر.\n ﴿تُفْلِحُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٨] وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٧].\nتنبيه: اعلم أن الله تعالى أكد تحريم ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ في هذه الآية بأن صدّر الجملة بإنما، وقرنهما (بالأصنام)، و﴿وَالْأَزْلامُ﴾ وسماهما: (رجسا)، وجعلهما ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ،﴾ تنبيها على أن الاشتغال بهما شرّ بحت، أو غالب، وأمر بالاجتناب عن عينهما، وجعله سببا يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدينية، والدنيوية المقتضية للتحريم في الآية التالية. انتهى بيضاوي.\nهذا؛ وأقول: لقد خاب الفسقة، والفجرة الذين يقولون: إن الله لم يحرم الخمر تحريما قاطعا؛ لأنه لم يذكر مادة «حرم» في تحريمها. ألا يكفيهم خزيا: أن الله قرنها بعبادة الأوثان في الآية الكريمة، وطلب الابتعاد عنهما معا، وأ لا يكفيهم خيبة أن اختار للزجر عنها صيغة تحريم الشرك، والأوثان، وتحريم شهادة الزور، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. فاعتبروا يا أولي الأبصار.\nتنبيه: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا..﴾. إلخ وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ..﴾.\nإلخ، وكانت ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ مما يستطاب عندهم؛ بيّن الله تعالى في هذه الآية: أنهما غير داخلين في جملة الطيبات، أي: الحلالات، بل هما من جملة المحرمات. انتهى. خازن. وجمل.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١] ففيه الكفاية. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة.\n ﴿الْخَمْرُ:﴾ مبتدأ، وما بعده معطوف عليه. ﴿رِجْسٌ:﴾ خبر المبتدأ، وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿مِنْ عَمَلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رِجْسٌ،﴾ و﴿عَمَلِ﴾ مضاف، و﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. الفاء:\nهي الفصيحة. (اجتنبوه): فعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١] والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر بإذا؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا ﴿فَاجْتَنِبُوهُ،﴾ والشرط المقدر، ومدخوله معطوف على ما قبله لا محل له مثله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية السابقة، وهي مفيدة للتعليل، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-760\"></span>﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿يُرِيدُ:﴾ انظر الآية رقم [٤٤] و[٢٠] ﴿الشَّيْطانُ:﴾ انظر الاستعاذة. في ﴿الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ:﴾ وإنما خصهما بإعادة الذكر، وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصود بالبيان، وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة، والشرارة لقوله عليه","vol":"3","page":201},{"text":"الصلاة والسّلام: «شارب الخمر كعابد الوثن» وخص ربنا-جل علاه-الصلاة من الذكر بالإفراد للتعظيم، والإشعار بأن الصادّ عنها كالصاد عن الإيمان، من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر. وانظر: ﴿وَيَصُدَّكُمْ﴾ في الآية رقم [٩٩] (آل عمران) وانظر: ﴿الصَّلاةِ﴾ في الآية رقم [١٠٣] (النساء). ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ:﴾ معنى هذه الجملة: (انتهوا). فقد خرج الاستفهام من معناه الأصلي. إلى الأمر.\nتنبيه: هذه الآية الكريمة من الآيات التي وافقت رأي عمر، ﵁. وانظر الآية رقم [٢/ ٩٨] و[٢/ ١٢٥] و[٢/ ٢١٨] ففيها الكفاية، وأيضا انظر الآية رقم [٤/ ٦٠] ورقم [٨٥] من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ الشَّيْطانُ:﴾ فعل وفاعل، والمصدر المؤول من:\n ﴿أَنْ يُوقِعَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَكُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، الكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْعَداوَةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْبَغْضاءَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فِي الْخَمْرِ:﴾\nمتعلقان بالفعل: ﴿يُوقِعَ،﴾ أو هما متعلقان ب ﴿الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾. ﴿وَيَصُدَّكُمْ:﴾ معطوف على ﴿يُوقِعَ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيضا، والكاف مفعول به. ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وذكر مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَعَنِ الصَّلاةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (هل): حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُنْتَهُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر. التقدير، وإذا كان ما ذكر حاصلا ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ، والتقدير:\nفانتهوا كما رأيت في الشرح، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا شرط مقدر، والمعنى يؤيده، بل ويقويه.\n\n<span id=\"aya-761\"></span>﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاِحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ:﴾ طاعته سبحانه تكون باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وكذلك تكون طاعة رسوله ﷺ، وأفادت الآية الكريمة: أن طاعة الرسول مقرونة بطاعته سبحانه، كيف لا؟ والله يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾. انظر الآية رقم [٨٠] (النساء) وما ذكرته تبعا لها، والآية رقم [٩/ ١٢]. ﴿وَاحْذَرُوا:﴾ كونوا حذرين خاشعين؛ لأنهم إذا حذروا؛ دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة، وعمل كل حسنة. هذا؛ والحذر في الأصل: التحرز من الوقوع في الشر. وهو أيضا الخوف. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ أعرضتم عن طاعة الله ورسوله. ﴿فَاعْلَمُوا..﴾. إلخ أي: فأيقنوا أنكم لم تضروا بإعراضكم هذا إلا أنفسكم؛ لأن ﴿الرَّسُولَ﴾ لم يكلف إلا تبليغكم ما أنزل إليه من","vol":"3","page":202},{"text":"ربه، وإعراضكم لا يضره شيئا. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿الرَّسُولَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٤].\n ﴿الْمُبِينُ:﴾ الواضح، وانظر إعلاله في الآية رقم [١٧]. وانظر (نا) في الآية رقم [١٤].\nالإعراب: (أطيعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١]. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على معنى الجملة الاسمية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معطوفة عليها، وكذلك جملة: (احذروا). ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاعْلَمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وإعراب: (اعلموا) مثل إعراب: (أطيعوا) ﴿عَلى رَسُولِنَا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿أَنَّما..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: (اعلموا)، وجملة (اعلموا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-762\"></span>﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿آمَنُوا﴾ أي: آمنوا بالله، ورسوله، وبوجود الملائكة، واليوم الآخر، وما فيه، والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. هذا؛ والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. وانظر زيادة الإيمان ونقصه في الآية رقم [٢] (الأنفال) تجد ما يسرك. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف أنواعها، ومراتبها، ودرجاتها، ﴿جُناحٌ:﴾ إثم ومؤاخذة. ﴿طَعِمُوا﴾ أي: شربوا الخمر، وأكلوا من القمار، قبل تحريمهما. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٧] وأيضا رقم [١٤].\nتنبيه: لما نزل تحريم الخمر، والميسر؛ قالت الصحابة: يا رسول الله، فكيف بإخواننا الذين ماتوا؛ وهم يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر؟! فنزلت الآية الكريمة، وهي تنفي الإثم عمن شرب، وأكل قبل التحريم. هذا؛ وتكرار: ﴿اِتَّقَوْا﴾ لا عيب فيه؛ لأن كل لفظ مع ما بعده يفيد معنى غير المعنى الأول، فمعنى الأول: اتقوا المحرم، واثبتوا على الأعمال ﴿الصّالِحاتِ﴾.\nومعنى الثاني: اتقوا ما حرم عليهم بعد كالخمر، والميسر، وآمنوا بتحريمه. ومعنى الثالث:\nاستمروا، واثبتوا على اتقاء المعاصي، ﴿وَأَحْسَنُوا،﴾ وتحروا الأعمال الجميلة، واشتغلوا بها.","vol":"3","page":203},{"text":"تنبيه: أطلق سبحانه لفظ: ﴿طَعِمُوا﴾ على شرب الخمر، وأكل القمار، وهو يؤول بتناولوا من الخمر شربا، وتناولوا من الميسر أخذ المال. كما لنا كلام في تأويل قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾. هذا؛ وقد قال ابن قتيبة: يقال: لم أطعم خبزا، ولا ماء، ولا نوما، قال الشاعر: [الطويل]\nفإن شئت حرمت النساء سواكمو... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا\nالنقاخ: الماء، والبرد: النوم. ﴿وَاللهُ:﴾ انظر الاستعاذة.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، والعائد: واو الجماعة، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] و﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿جُناحٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿جُناحٌ،﴾ أو بمحذوف صفه له، و﴿مَا﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، وجملة: ﴿طَعِمُوا﴾ صلة: ﴿مَا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: طعموه. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد من الشرطية، مبني على السكون في محل نصب متعلق بما يفهم من الجملة السابقة؛ إذ المعنى:\nلا يأثمون، ولا يؤاخذون وقت اتقائهم، هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿إِذا﴾ متضمنة معنى الشرط، فيكون الفعل بعدها شرطها، وجوابها محذوفا لتقدم ما يدل عليه. ﴿مَا:﴾ صلة. وجملة: ﴿اِتَّقَوْا﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها، وانظر الإعراب في الآية رقم [٦٨] وجملة:\n ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها فهي في محل جر مثلها، وكذلك الجمل ﴿اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ مع المفعول المحذوف أو المتعلق المحذوف كلها معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٤] والجملة الاسمية مستأنفة مؤكدة لمضمون الكلام السابق، واعتبارها حالا من واو الجماعة لا يأباه المعنى، ويكون الرابط الواو فقط.\n\n<span id=\"aya-763\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ:﴾ ليختبرنكم بما نزل بكم. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. ﴿تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ:﴾ تأخذونه ب ﴿أَيْدِيكُمْ،﴾ وتطعنونه ب ﴿وَرِماحُكُمْ،﴾ فالذي يؤخذ باليد الفرخ، وبيض الطيور، والذي يطعن بالرماح كبار الصيد، مثل بقر الوحش، ونحوه. وانظر الآية رقم [١٢] لشرح اليد. ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ:﴾\nليتميز الخائف من عقابه؛ وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه، وقوة إيمانه.","vol":"3","page":204},{"text":"فذكر العلم، وأراد وقوع المعلوم، وظهوره. وانظر مثله في الآية رقم [٣/ ١٦٧] ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ:﴾ تجاوز حدود الله تعالى بأن صاد بعد ذلك الابتلاء، والاختبار. ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ هذا؛ وعيد؛ لأن من لا يملك نفسه في مثل ذلك، ولا يراعي حكم الله فيه، وهو شيء هين فكيف به فيما تكون النفس أميل إليه، وأحرص عليه؟! وانظر الآية رقم [٣٩] لشرح ﴿عَذابٌ﴾.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة عام الحديبية، وكان المسلمون محرمين بالعمرة التي منعوا من أدائها في عامها، فابتلاهم الله بالصيد، فكانت الوحوش، والطيور تغشى رحالهم من كثرتها، فهموا بأخذها، وصيدها، فأنزل الله الآية، وإنما قال: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ ليعلم: أنه ليس بفتنة من الفتن العظام، التي تزل عندها أقدام الثابتين، ويكون التكليف فيها صعبا، وشاقّا، كالابتلاء ببذل الأموال، والأرواح، وإنما هو ابتلاء سهل، كما ابتلى أصحاب السبت بصيد السمك فيه، لكن الله جلت قدرته بفضله، وكرمه، وجوده، وإحسانه عصم أمة محمد ﷺ، فلم يصطادوا شيئا في حالة الابتداء، ولم يعصم أصحاب السبت، فمسخوا قردة، وخنازير. انتهى خازن بتصرف وانظر الآية رقم [٦٥] (البقرة).\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يبلونكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، الكاف: مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم، والجواب كلام لا محل له؛ لأنه وقع بعد النداء. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الصَّيْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (شيء). ﴿تَنالُهُ:﴾ مضارع، ومفعوله. ﴿أَيْدِيكُمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والكاف في محل جر بالإضافة. (رماحكم): معطوف على ما قبله... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿تَنالُهُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: (شيء)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، أو في محل نصب حال من: ﴿الصَّيْدِ﴾. ﴿لِيَعْلَمَ﴾ اللام:\nلام التعليل، و(يعلم): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ:﴾\nمفعوله، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿يَخافُهُ﴾ صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يبلونكم) ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو من الضمير المتصل الواقع مفعولا به. الفاء: حرف استئناف. ﴿مِنَ:﴾\nاسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِعْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ﴾. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية","vol":"3","page":205},{"text":"في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٤٧] هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مِنَ﴾ اسما موصولا، فتكون الجملة الفعلية ﴿اِعْتَدى..﴾. إلخ صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ خبره. ودخلت الفاء في الخبر لشبه الموصول بالشرط في العموم، والجملة على الوجهين اسمية مستأنفة لا محل لها، وهي متضمنة للوعيد، كما رأيت في الشرح.\n\n<span id=\"aya-764\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٥] ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ:﴾ ﴿وَأَنْتُمْ﴾ محرمون بحج أو عمرة. أو: ﴿وَأَنْتُمْ﴾ في أرض الحرم. وحرم جمع حرام، مثل: ردح في جمع رداح. وذكر القتل يشمل الذبح، وغيره، وأراد بالصيد ما يؤكل لحمه من الوحش، والطير، وغير ذلك، دون الذي لا يؤكل لحمه. وهذا عند الشافعي، وأما أبو حنيفة فمأكول اللحم، وغيره عنده سواء، ويؤيده قول النبي ﷺ: «خمس يقتلن في الحل، والحرم: الحدأة، والغراب، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور». وفي رواية: الحية بدل العقرب. متفق عليه، ورواه ابن عمر، وما يشبهه عن عائشة، ﵃ أجمعين. ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ أي: ذاكرا لإحرامه، عالما بأنه حرام، والمعتمد أن فيه الجزاء سواء قتله متعمدا، أو غير متعمد، لكن لا إثم على غير المتعمد، بل عليه الضمان فقط. ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي: شبه ما قتله، واختلفوا في هذه المماثلة، والمشابهة، فعند الشافعي، ومالك المراد: مثله في الهيئة، والخلقة. ووافقهما محمد من الحنفية، وعند أبي حنيفة المراد: المماثلة، في القيمة، يقوّم المصيد حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي؛ خيّر بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعاما، فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوما، وإن لم تبلغ قيمته ما ذكر؛ تخير بين الإطعام، والصوم، وعند الأولين هو مخير بين ذبح المثل وبين التصديق بقيمته طعاما، لكل مسكين مد، وبين الصيام يصوم عن كل مد يوما. وقد وضح الله هذا بما يأتي. هذا؛ والنعم يطلق على الحيوان المأكول الأهلي من بقر، وغنم، وما عز، وإبل، ﴿يَحْكُمُ بِهِ:﴾ بالمثل، أو بالقيمة على ما رأيت من الخلاف. ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: صاحبا عدالة منكم، لهما فطنة، يميزان بها لشبه الأشياء به.\nوقد حكم ابن عباس، وعمر، وعلي﵃في النعامة ببدنه، وابن عباس، وأبو عبيدة في بقر الوحش، وحماره ببقرة، وابن عمر، وابن عوف في الظبي بشاة، وحكم بها ابن","vol":"3","page":206},{"text":"عباس، وعمر، وغيرهما في الحمام؛ لأنه يشبهها في اللعب، هذا؛ و﴿ذَوا﴾ مفرده: ذو، وجمعه:\nذوون، وقد رأيت في الآية رقم [١٧٨] البقرة: أنه يجمع على: ﴿أُولِي﴾ وهو من غير لفظه. ﴿هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: إن ما يذبح بدلا من الصيد، هو بمنزلة الهدية للحرم، ومعنى بلوغه الكعبة: ذبحه في الحرم، والتصدق به فيه، وقال أبو حنيفة يذبح في الحرم، ويتصدق به حيث شاء.\nهذا؛ وسميت ﴿الْكَعْبَةِ﴾ كعبة لارتفاعها، والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة، وقيل سميت لتربيعها، والأولى أن تقول: سميت لارتفاع قدرها، وسمو مكانتها. ﴿عَدْلُ ذلِكَ:﴾ يقرأ بفتح العين، وكسرها. قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه كالصوم، والإطعام، والعدل مثله من جنسه، ومنه: عدلا الحمل، يقال: عندي غلام عدل غلامك بالكسر إذا كان من جنسه، فإن أريد أن قيمته كقيمته، ولم يكن من جنسه، قيل: هو عدل غلامك بالفتح، وانظر الآية رقم [١٣٥] (النساء). ﴿لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ:﴾ ليتحمل ثقل جزاء فعله الذي فعله، وهو هتكه لحرمة الإحرام، والوبال المكروه، والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى:\n ﴿فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ أي: ثقيلا شديدا، والطعام الوبيل هو الذي يثقل على المعدة، فلا يستمرأ.\n ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ:﴾ من قتل الصيد قبل التحريم. وانظر: ﴿عَفَا﴾ في الآية رقم [٥٢] البقرة تجد ما يسرك. ﴿وَمَنْ عادَ:﴾ إلى قتل الصيد بعد التحريم. ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ أي: في الآخرة. وهذا الوعيد لا يمنع إيجاب الجزاء في المرة الثانية، والثالثة. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿عَزِيزٌ:﴾ قوي لا يغلبه شيء. ﴿ذُو انْتِقامٍ:﴾ صاحب انتقام: والانتقام المبالغة في العقوبة، والأخذ الشديد بالثأر.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَقْتُلُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف النون، الواو: فاعله. ﴿الصَّيْدَ:﴾ مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها كالجملة الندائية قبلها، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ:﴾ انظر: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ في الآية السابقة. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: كائنا منكم. ﴿مُتَعَمِّدًا:﴾ حال أخرى من الفاعل المستتر. ﴿فَجَزاءٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (جزاء): مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليه جزاء، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب جزاء. ﴿مِثْلُ:﴾ صفة: (جزاء) أو بدل منه، ويقرأ بالنصب على أنه مفعول ل: (جزاء)، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: يخرج، أو يؤدي مثل. ويقرأ بإضافة (جزاء) إلى: ﴿مِثْلُ،﴾ وهي في الحقيقة إلى: ﴿ما﴾ فتكون ﴿مِثْلُ﴾ مقحمة بين المتضايفين، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. وجملة: ﴿قَتَلَ﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: (قتله). ﴿مِنَ النَّعَمِ:﴾ متعلقان ب (جزاء) على الاعتبار الأخير في إعرابه، أو هو صفة له على اعتبار ﴿مِثْلُ﴾ صفة له، أو بدل منه؛ لأنه مصدر، وما يتعلق به من صلته، والفصل بين الصلة والموصول بالصفة، أو البدل غير جائز؛ لأن الموصول لم يتم، فلا يوصف، ولا يبدل منه. وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿قَتَلَ﴾. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان","vol":"3","page":207},{"text":"بالفعل قبلهما. ﴿ذَوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و﴿ذَوا:﴾ مضاف، و﴿عَدْلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذَوا،﴾ والإضافة لم تفده تعريفا، وجملة: ﴿يَحْكُمُ..﴾. إلخ في موضع رفع صفة: (جزاء) على تنوينه، وفي موضع نصب حال منه على إضافته لما بعده. ﴿هَدْيًا:﴾ حال من الضمير المجرور في: ﴿بِهِ﴾ وقيل: هو مفعول لفعل محذوف، أي يهديه ﴿هَدْيًا،﴾ وقيل: تمييز، وقيل: هو بدل من ﴿مِثْلُ﴾ على محله، أو لفظه فيمن نصبه. والأول أولى، وأحق ﴿بالِغَ:﴾ صفة: ﴿هَدْيًا،﴾ وهو مضاف، و﴿الْكَعْبَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، فهي في نية الانفصال لا تفيد تعريفا، فلذا جازت الصفة، وفي: ﴿بالِغَ﴾ ضمير مستتر تقديره: هو. ﴿كَفّارَةٌ:﴾ معطوف على: (جزاء). ﴿طَعامُ:﴾ بدل منه، أو خبر لمبتدإ محذوف، أي هي ﴿طَعامُ﴾ وقرئ بإضافة ﴿كَفّارَةٌ﴾ ل ﴿طَعامُ﴾. و﴿طَعامُ:﴾ مضاف، و﴿مَساكِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿عَدْلٍ:﴾ معطوف على:\n (جزاء)، وهو مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام:\nللبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿لِيَذُوقَ﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (من)، وأن المضمرة، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، التقدير: فعليه الجزاء، أو الطعام، أو الصوم لإذاقته، ﴿وَبالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَمْرِهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿فَجَزاءٌ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وانظر ﴿فَمَنِ اعْتَدى..﴾. إلخ في الآية السابقة، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الفعلية: ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ عادَ﴾ هو مثل: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ في الآية السابقة. الفاء: واقعة في جواب الشرط، وجملة: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: (فهو ينتقم الله منه) والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط، وانظر الآية السابقة. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو:﴾ مضاف، و﴿اِنْتِقامٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-765\"></span>﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أي: ما صيد منه مما لا يعيش إلا في الماء على أية صورة كانت، وهو حلال لقول النبي ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». وقال أبو حنيفة","vol":"3","page":208},{"text":"﵀: لا يحل منه إلا السمك، وقيل: يحل السمك، وما يؤكل نظيره في البر. ﴿وَطَعامُهُ﴾ أي: ما قذفه ﴿الْبَحْرِ،﴾ أو جف عنه ماؤه، وقيل: الضمير للصيد، و(طعامه): أكله، والأول قول الشافعي، وهو أن ما قذفه ﴿الْبَحْرِ﴾ يؤكل ما لم يوجد منتنا، والمراد بالبحر جميع المياه العذبة، والمالحة، بحرا كان، أو نهرا، أو غديرا. ﴿مَتاعًا:﴾ تتمتعون به، وتتلذذون.\n ﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ أي: المسافرين يتزودون منه. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: حرام عليكم أن تصيدوا شيئا من الطيور، والوحوش المأكولة ما دمتم محرمين بحج، أو عمرة. وأيضا يحرم على غير المحرم أن يصيد في أرض الحرم. وانظر: ﴿حُرُمًا﴾ في الآية السابقة، والحرام في الآية رقم [٥]. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون، وتبعثون، فيجازيكم بأعمالكم.\nتنبيه: ذكر الله تعالى تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة: أحدها في أولها، وهو قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. الثاني: في الآية السابقة. والثالث: في هذه الآية، وكل ذلك لتأكيد تحريم قتل الصيد على المحرم. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿أُحِلَّ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿صَيْدُ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف، و﴿الْبَحْرِ:﴾ مضاف إليه. (طعامه): معطوف على: ﴿صَيْدُ،﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أُحِلَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَتاعًا:﴾ مفعول لأجله، وقيل مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: أي: متعكم بما ذكر تمتيعا. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَتاعًا﴾.\n ﴿وَلِلسَّيّارَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح. ﴿ما:﴾ مصدرية ظرفية. ﴿دُمْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿حُرُمًا:﴾ خبره، و﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل: (حرّم). (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿اللهَ﴾ أو بدل منه. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي عطف إنشاء على خبر. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-766\"></span>﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ:﴾ صيرها، وانظر شرح: ﴿الْكَعْبَةَ﴾ في الآية رقم [٩٨].\n ﴿الْبَيْتَ الْحَرامَ:﴾ سمي بذلك؛ لأن الله حرمه، وعظمه، وشرفه، وحرم أن يصطاد صيده، وأن","vol":"3","page":209},{"text":"يعضد شجره، وأن يختلى خلاه. وأراد ب ﴿الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ جميع الحرم، لما صح حديث ابن عباس﵄أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة، فقال: «إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمن عرفها، ولا يختلى خلاه». ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أي: سببا لانتعاش الناس في أمر معاشهم، ومعادهم، يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار، ويتوجه إليه الحجاج، والعمار. و﴿قِيامًا﴾ أصله: قواما، فقد قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، وانظر الآية رقم [١٨٢] (البقرة) وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] (النساء). (الناس): انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٣]. ﴿ذلِكَ:﴾\nإشارة إلى المذكور. ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: فإن الله شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها، وجلب المنافع المترتبة عليها دليل قاطع على حكمة الشارع جل علاه، وكمال علمه. ﴿شَيْءٍ:﴾\nانظر الآية رقم [١٩] ﴿عَلِيمٌ:﴾ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو صيغة مبالغة، وهو تعميم بعد تخصيص، وانظر شرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١] (الأنعام) فإنه جيد، هذا؛ وفي ﴿ما﴾ تغليب غير العاقل على العاقل.\nالإعراب: ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْكَعْبَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الْبَيْتَ:﴾\nبدل، أو عطف بيان مما قبله. ﴿الْحَرامَ:﴾ صفة ﴿الْبَيْتَ﴾. ﴿قِيامًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلنّاسِ:﴾\nمتعلقان ب ﴿قِيامًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَالشَّهْرَ:﴾ معطوف على: ﴿الْكَعْبَةَ﴾. ﴿الْحَرامَ:﴾\nصفته. ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ:﴾ معطوفان على ﴿الْكَعْبَةَ﴾ أيضا، فالمفعول الثاني، أو الحال على اعتبار: ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: خلق، محذوف لفهم المعنى. ﴿ذلِكَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الحكم الذي حكمناه ذلك لا غير. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي:\nذلك الحكم هو الحق لا غيره. والثالث: أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه السياق، أي: شرع الله ذلك. وهذا أقواها لتعلق لام العلة به. انتهى جمل نقلا من السمين. هذا؛ وقد قيل: إن ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿لِتَعْلَمُوا،﴾ أي: ذلك كائن ﴿لِتَعْلَمُوا﴾. واللام: لام التعليل. (تعلموا): منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، الواو: فاعله، والألف: للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ﴾ مضارع فاعله يعود إلى:\n ﴿اللهُ﴾. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، و﴿يَعْلَمُ﴾ بمعنى: يعرف، فلذا اكتفى بمفعول واحد، وجملة:\n ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (تعلموا) و«أن» المضمرة بعد لام التعليل، والفعل المضارع في تأويل","vol":"3","page":210},{"text":"مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو بالفعل المحذوف الواقع خبرا له، أو بمضمون الجملة الاسمية على الوجهين الآخرين فيه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّ اللهَ..﴾.\nإلخ معطوف على المصدر المؤول السابق فهو في محل نصب مثله، وأخيرا فالجملة الفعلية:\n ﴿جَعَلَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-767\"></span>﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾\nالشرح: في هذه الآية وعيد لمن انتهك محارم الله، وتعدى حدوده، ووعد لمن حافظ على أوامر الله ووقف على حدوده، فأحل ما أحل الله، وحرم ما حرم الله. وذكر الله في هذه الآية الوعيد، والوعد؛ ليكون المؤمن خائفا، وراجيا.\nالإعراب: ﴿اِعْلَمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، الواو: فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١] والمصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: ﴿اِعْلَمُوا،﴾ والمصدر المؤول الثاني معطوف عليه، فهو في محل نصب مثله، و﴿شَدِيدُ:﴾ مضاف، و﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل شديد عقابه.\n<span id=\"aya-768\"></span>﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ..﴾. إلخ: أي ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم إلا تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج. ففي الآية تشديد عظيم في إيجاب القيام بما أمر الله به، وأن الرسول ﷺ قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت الحجة عليكم بذلك، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط. انتهى خازن. وانظر الآية رقم [٩٥] وانظر شرح الرسول في الآية رقم [٨٤]. ﴿تُبْدُونَ:﴾ تظهرون. ﴿تَكْتُمُونَ:﴾ تخفون. والمعنى: لا يخفى عليه سبحانه شيء من أعمالكم، وأحوالكم ظاهرا، وباطنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَلَى الرَّسُولِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ حجازية؛ فالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و﴿الْبَلاغُ﴾ اسمها مؤخر. وهذا ضعيف؛ لأن من شروط عمل «ما» عمل ليس أن لا ينتقض النفي ب: ﴿إِلاَّ،﴾ وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي مستأنفة لا محل لها. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو","vol":"3","page":211},{"text":"صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تبدونه. وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، فيكون في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم إبداءكم، وكتمانكم. وهو ضعيف معنى كما ترى. وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها ﴿وَما تَكْتُمُونَ﴾ مثل ما قبله في إعرابه.\n\n<span id=\"aya-769\"></span>﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: هذا أمر للنبي ﷺ بأن يقول للناس، ويبين لهم. وانظر القول في الآية رقم [٢٦] (البقرة). وقال البيضاوي: هذا حكم عام في نفي المساواة عند الله بين الرديء من الأشخاص، والأعمال، والأموال، وجيدها، رغب به في صالح العمل، وحلال المال.\nانتهى. وقال النسفي: لما أخبر: أنه لا يستوي خبيثهم، وطيبهم، بل يميز بينهما، فيعاقب الخبيث؛ أي: الكافر، ويثيب الطيب؛ أي: المسلم. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ:﴾ فإن العبرة بالرداءة، والجودة دون القلة، والكثرة، فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير. والخطاب لكل معتبر، ولذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ هذا؛ والعجب بفتح العين والجيم: انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه، ويشاهده.\nوقال الراغب: العجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا:\nظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿فَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٨] ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يا أُولِي:﴾ أصحاب. ولا واحد له من لفظه، وإنما واحده (ذي) المضاف إن كان مجرورا، و(ذا) المضاف إن كان منصوبا و(ذو) المضاف إن كان مرفوعا.\n ﴿الْأَلْبابِ:﴾ العقول جمع: لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك لأحد وجهين، إما لبنائه، من: لبّ بالمكان أقام به، وإما من اللباب، وهو الخالص من كل شيء. هذا؛ واللبيب:\nالعاقل الفاهم، والجمع ألباب، والأنثى لبيبة، وجمعها لبيبات، ولبائب، واللب: خالص من كل شيء. ﴿تُفْلِحُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٨].\nتنبيه: روي: أن الآية الكريمة نزلت في حجاج اليمامة لما همّ المسلمون أن يوقعوا بهم، فنهوا عنه؛ وإن كانوا مشركين. انتهى بيضاوي. ولم يقل به أحد غيره، هذا؛ وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٧] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَسْتَوِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿الْخَبِيثُ:﴾ فاعله.","vol":"3","page":212},{"text":"﴿وَالطَّيِّبُ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿لا يَسْتَوِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لا يستويان، ﴿وَلَوْ:﴾ ومدخولها في محل نصب حال من: ﴿الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ،﴾ وما نقله الجمل عن أبي السعود من أن (لو) ومدخولها معطوف على مثلها محذوفة مقدرة، أي: لو لم يعجبك ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ،﴾ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ،﴾ وكلتاهما في موضع الحال من فاعل: ﴿لا يَسْتَوِي..﴾. إلخ، ثم قال: وجواب (لو) محذوف في الجملتين... إلخ لا أراه قويّا، وأظهر من ذلك كله أن تعتبر (لو) وصلية بمعنى (أن) ولا جواب لها، الجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْخَبِيثُ،﴾ والرابط الواو، وإعادة ﴿الْخَبِيثُ﴾ بلفظه. الفاء: هي الفصيحة. (اتقوا الله): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وصحيحا ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أولي): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون بالإضافة، و(أولي): مضاف، و﴿الْأَلْبابِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الندائية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، وهي بمنزلة جواب الأمر. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة، ومحلها في الآية رقم [٣٨].\n\n<span id=\"aya-770\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٥] ﴿أَشْياءَ:﴾ انظر الآية رقم [١٩].\nوالمعنى: لا تسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء إن تظهر لكم؛ تغمكم، وإن تسألوا عنها حين نزول القرآن؛ تظهر لكم، والجملتان الشرطيتان كمقدمتين ينتجان ما يمنع السؤال، وهو أنه مما يغمهم، والعاقل لا يفعل ما يغمه. انتهى. بيضاوي. وانظر شرح: ﴿الْقُرْآنُ﴾ في الآية رقم [٤٩]. ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ أي: ﴿عَفَا﴾ عنها ولم يكلف بها، وانظر ﴿عَفَا﴾ في الآية رقم [٥٢] (البقرة) فإنه جيد.\n ﴿غَفُورٌ:﴾ صيغة مبالغة من غفر. ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعجل بعقوبة المعتدي، والحلم بكسر الحاء وسكون اللام، وهو الأناة والروية في الأمور، والتؤدة، والعقل، ومقابله السفه، والطيش؛ الذي حدثتك عنه في الآية رقم [١٣٠] (البقرة). والحليم من أسماء الله تعالى، ومعناه: هو الذي لا يستفزه عصيان العاصين، ولا يستثيره جحود الجاحدين. وانظر الجهل في الآية رقم [٦٧] من سورة (البقرة).\nتنبيه: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فأذكر بعضا مما قيل فيها، فعن ابن عباس -﵄قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟","vol":"3","page":213},{"text":"ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ أخرجه البخاري. وقيل: نزلت في شأن الحج، فعن علي -كرم الله وجهه-قال: لما نزلت: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ قال: «لا، ولو قلت: نعم؛ لوجبت». فنزلت. أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة﵁قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا. فقال رجل: أفي كل عام؟ فسكت؛ حتى قالها ثلاثا، ثم قال: ذروني ما تركتكم، ولو قلت: نعم؛ لوجبت، ولما استطعتم، وإنما أهلك من قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء؛ فاجتنبوه». متفق عليه. وقيل غير ذلك.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَسْئَلُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف:\nللتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها. ﴿عَنْ أَشْياءَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿تُبْدَ:﴾ مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَشْياءَ﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَسُؤْكُمْ:﴾ جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿أَشْياءَ﴾ أيضا، والكاف: مفعول به، والميم: في الكل علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل جر صفة ﴿أَشْياءَ،﴾ والجملة الشرطية الثانية معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى، والجملة الفعلية: ﴿يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ في محل جر بإضافة: ﴿حِينَ﴾ إليها، و﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ صفة أخرى ل: ﴿أَشْياءَ،﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، فتكون (قد) مقدرة قبلها، وقيل: هي مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-771\"></span>﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿سَأَلَها:﴾ الضمير يعود إلى المسألة التي دل عليها: (تسألوا) ولذا لم يعد بعن. أو لأشياء، فيكون قد حذف الجار، أي: فيكون التقدير: قد سأل عنها. ﴿قَوْمٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢٢].\nوقال المفسرون: المراد: قوم صالح سألوا الناقة، ثم عقروها، ف ﴿أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾. وقوم","vol":"3","page":214},{"text":"موسى قالوا: أرنا الله جهرة. فكان هذا السؤال وبالا عليهم. وقوم عيسى سألوا نزول المائدة عليهم، ثم كذبوا بها. كأنه تعالى يقول: إن أولئك سألوا، فلما أعطوا سؤالهم؛ كفروا به، فلا تسألوا أنتم شيئا، فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم؛ ساءكم ذلك. وانظر الكفر في الآية رقم [٣٩].\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَأَلَها قَوْمٌ:﴾ ماض ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وليسا صفة ل ﴿قَوْمٌ؛﴾ لأن ظرف الزمان لا يكون صفة للجثة، ولا حالا منها، ولا خبرا عنها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف، وانظر الآية رقم [٤٦] لشرحها. ﴿أَصْبَحُوا:﴾\nماض ناقص، والواو: اسمه. ﴿بِها:﴾ متعلقان ب ﴿كافِرِينَ﴾ بعدهما؛ الذي هو خبر منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون: عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَصْبَحُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-772\"></span>﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾\nالشرح: تضمنت الآية الكريمة ردّا، وإنكارا لما ابتدعه أهل الجاهلية، وهو أنهم كانوا إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر؛ بحروا أذنها، أي: شقوها، وخلوا سبيلها، فلا تركب، ولا تحلب، ولا تطرد عن ماء، ولا مرعى. وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت من مرضي، أو رد الله غائبي، أو نحو ذلك، فناقتي ﴿سائِبَةٍ،﴾ ويجعلها كال ﴿بَحِيرَةٍ﴾ في تحريم الانتفاع بها وغير ذلك، وإذا ولدت الشاة أنثى؛ فهي لهم، وإن ولدت ذكرا؛ فهو لالهتهم، وإن ولدتهما؛ قالوا: وصلت الأنثى أخاها، ولم يذبحوه من أجل الأنثى. وكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرا؛ أكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى؛ أرسلت في الغنم. والحام هو الفحل من الإبل يولد من صلبه عشرة أبطن، فيقولون قد حمى ظهره، فيتركونه كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة. وانظر إعلال ﴿لَآتٍ﴾ في الآية رقم [١٣٤] الأنعام فإعلاله مثله. وقيل في تفسير الأربعة غير ما تقدم، ومنشأ الخلاف في تفسيرها يعود إلى اختلاف مذاهب العرب، وآرائهم الفاسدة فيها. هذا؛ والاستفادة من هذه الحيوانات تكون مقصورة على خدام الأصنام، وسدنتها، وأول من ابتدع هذه الأمور في العرب عمرو بن لحي الخزاعي، ولذا قال النبي ﷺ:\n «رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار». رواه البخاري عن أبي هريرة. ﴿كَفَرُوا:﴾\nانظر الآية رقم [٣٩]. ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ:﴾ في نسبة هذا التحريم إليه تعالى. ﴿لا يَعْقِلُونَ:﴾\nلا يفهمون، ولا يعرفون الحلال من الحرام، أو الأمر من النهي، ولكنهم يقلدون كبراءهم،","vol":"3","page":215},{"text":"فأضلوهم السبيلا. وانظر العقل في الآية رقم [٧٥] البقرة، وانظر ما كانوا يفعلون من تحليل، أو تحريم في سورة (الأنعام) الآية رقم [١٣٥] وما بعدها.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، فيجوز أن يكون بمعنى: سمى فيتعدى إلى مفعولين، أحدهما محذوف، التقدير: ما سمى الله حيوانا بحيرة، ويجوز أن يكون بمعنى شرع، ووضع، فيتعدى إلى مفعول واحد فقط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿بَحِيرَةٍ:﴾\nمفعول به على نحو ما رأيت منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما جَعَلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿سائِبَةٍ،﴾ ﴿وَصِيلَةٍ:﴾ معطوفان على لفظ: ﴿بَحِيرَةٍ،﴾ وأيضا:\n ﴿حامٍ:﴾ معطوف عليه، فهو مجرور لفظا، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا:﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ في محل رفع خبر لكن، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها. (أكثرهم):\nمبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-773\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿قِيلَ لَهُمْ:﴾ قيل لعوامهم المعبر عنهم بالأكثر في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾.\n ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: القرآن الذي فيه الهدى والنور. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ:﴾ إلى حكمه، وانظر شرحه في الآية رقم [٨٤]. ﴿حَسْبُنا:﴾ كافينا. وانظر شرحه في الآية رقم [٦٣] (الأنفال). ﴿ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾. هذا؛ وقد قال جل ذكره عنهم في الآية رقم [١٧٠] (البقرة): ﴿ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وقال هنا: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ وهناك: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ للتفنن، أي ارتكاب فنون، وأساليب من التعبير.\nانتهى. جمل. وهذا مما يستحسن لا ريب في ذلك. والذي وجدوا عليه آباءهم هو عبادة الأوثان، وتحريم السوائب، وغيرها، وهم قلدوا آبائهم لاعتقادهم: أنهم كانوا خيرا منهم، وأعلم، ولذا رد الله عليهم. وبيّن لهم أن آباءهم كانوا لا يعلمون شيئا من أمر الدين ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ إلى حق وصواب.\nبعد هذا خذ إعلال، وشرح ما يلي. ﴿قِيلَ:﴾ أصله: قول بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف، وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار ﴿قِيلَ:﴾ وانظر القول في الآية رقم [٢٦] من سورة (البقرة).","vol":"3","page":216},{"text":"﴿تَعالَوْا:﴾ قال ابن هشام-طيب الله ثراه-في قطر الندى: وأما هات، وتعال، فعدهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنهما فعلا أمر، بدليل: أنهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، وتقول: هاتي، وتعالي، واعلم أن آخر (هات) مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكرين؛ فإنه يضم، وأن آخر (تعال) مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، (تقول): تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا هندان، أو يا زيدان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات، كل ذلك بالفتح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. إلخ، وقال تعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ ومن ثم لحّنوا أبا فراس الحمداني بقوله: [الطويل]\nأيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي\nوأقول: إن الفعلين (هات، وتعال) ملازمان للأمرية، فلا يأتي منهما مضارع، ولا ماض، وهما بمعنى (أحضروا، أو احضروا) فالأول متعد، والثاني لازم، وأما: تعالى، يتعالى؛ فهما بمعنى: تعاظم، أو بمعنى: تنزه، يتنزه، وقل في إعلال: ﴿تَعالَوْا﴾ أصله: تعالووا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام لتدل على الألف المحذوفة.\n ﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة للإنكار، وهي في نية التأخير عن الواو؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الفاء، وثم تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وأخواتها تتأخر عن حرف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها، وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا،﴾ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ:﴾ أمكثوا فلم يسيروا في الأرض، أنهملكم فنضرب عنكم، أتؤمنون في حياته، فإن ﴿ماتَ أَوْ قُتِلَ..﴾. إلخ. ويضعف قولهم ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٦١] ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. (لهم): متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعله. (تعالوا): أمر مبني على حذف النون، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١] والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى ما:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أنزله الله. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وانظر تقدير المضاف في الشرح، وجملة: ﴿تَعالَوْا..﴾. إلخ في","vol":"3","page":217},{"text":"محل نصب مقول القول، وبعضهم يعتبرها في محل رفع نائب فاعل: (قيل)، وهذا على رأي من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول، فالأقوال ثلاثة في مثل هذا التركيب، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] ﴿حَسْبُنا:﴾ مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الفعلية ﴿وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بعلى، ونا: فاعل في الأول، وفي محل جر بالإضافة في الثاني، والجملة الاسمية: ﴿حَسْبُنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، ﴿وَإِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، أو هو كلام مستأنف لا محل له ﴿أَوَلَوْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. والواو: فيها قولان، أحدهما -وذهب إليه الزمخشري في كشافه، وتبعه البيضاوي، والنسفي-: أنها واو الحال، والثاني-وذهب إليه أبو البقاء، وابن عطية-: أنها للعطف على كلام سابق، والقولان يعتبرانها للحال، وأرى: أنها حرف استئناف؛ لأن الجملة بعدها متضمنة التوبيخ، والإنكار، وأن الوقف على: ﴿آباءَنا﴾ جيد، والمعنى تام لا يحتاج إلى تقييده بحال، وأن الاستفهام إنشاء، ولا يصح وقوعه حالا كما هو معروف، وأن تقدير معطوف عليه محذوف تكلف لا داعي له، (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿آباؤُهُمْ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ في محل نصب خبرها، والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: شيئا كائنا من أمر الدين، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، وانظر المتعلق في الشرح، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: (لو كان آباؤهم..) يقولون ذلك، أو نحوه، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، كما هو رأيي في الواو، وهو في محل نصب حال على رأي رأيته فيما تقدم.\nوما أجدرك أن تنظر الآية رقم [١٧٠] (البقرة) فهي مثلها في كل شيء مع اختلاف بعض الألفاظ، وهو لا يؤثر في المعنى والإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-774\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٥] ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ:﴾ احفظوها، والزموا إصلاحها، وانظر الآية رقم [٢/ ٩]. ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ أي: لا يضركم كفر من","vol":"3","page":218},{"text":"كفر، وعصيان من عصى إذا كنتم مهتدين. ومن الاهتداء أن ينكر المسلم المنكر حسب طاقته، وإمكانه، كما قال النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». أخرجه مسلم، وغيره عن أبي سعيد الخدري، ﵁.\nهذا؛ وقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: هل يدل ظاهر الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قلت: لا يدل على ذلك، والذي عليه أكثر الناس: أن المطيع لربه ﷿، لا يكون مؤاخذا بذنوب أصحاب المعاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فثابت بدليل الكتاب والسنة. عن قيس بن حازم، عن أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا﴾ .. ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ولا تضعونها موضعها، ولا تدرون ما هي؟ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا ظالما، فلم يأخذوا على يديه؛ أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه». أخرجه الترمذي. وعن أبي أمية الشيباني، قال: سألت أبا ثعلبة الخشني، قلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ؟﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال: «ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله». رواه ابن ماجة، والترمذي، وأبو داود، وزاد، قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا، أو منهم، قال: «بل أجر خمسين منكم». وانظر الآية رقم [٨٢] و[٣/ ١٠٤] ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا:﴾ الرجوع إليه تعالى نوعان: خاص، وعام، فالأول يكون بموت الإنسان، وانتقاله من هذه الدنيا، والثاني يكون بالحشر، والنشر، والحساب، والجزاء. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [١٥] وفي هذه الجملة وعد، ووعيد للفريقين، وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بعمل غيره.\nتنبيه: قال سعيد بن جبير، ومجاهد-رحمهما الله تعالى-: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب اليهود، والنصارى، والمعنى لا يضركم من ضل من أهل الكتاب، فخذوا منهم الجزية، واتركوهم. وقيل: إن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكافرين على كفرهم، فقيل لهم: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ،﴾ واجتهدوا في صلاحها، لا يضركم ضلال الضالين، ولا جهل الجاهلين؛ إذا كنتم أنتم مهتدين. انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١] ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ اسم فعل أمر منقول عن الجار والمجرور، بمعنى احفظوا، أو الزموا أنفسكم، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ مفعول به لاسم الفعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محل لها كالجملة الندائية قبلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَضُرُّكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، أو هو مجزوم بجواب الطلب، أو هو","vol":"3","page":219},{"text":"مجزوم ب: ﴿لا﴾ على اعتبارها ناهية، وضمت الراء اتباعا لضمة الضاد قبلها، وقرئ بفتح الراء المشددة على أنه مجزوم، وحرك بالفتحة للتخفيف، وهو الوجه الثاني من أوجه جزم المضعف، وقرئ: «(لا يضيركم)» من: ضاره، يضيره بالرفع، كما قرئ بسكون الراء، وكسرها مع ضم الضاد من: ضاره يضوره، والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿ضَلَّ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل عليها. ﴿إِذَا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل يضر، وجملة: ﴿اِهْتَدَيْتُمْ:﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، وجملة: ﴿لا يَضُرُّكُمْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، أو هي واقعة جوابا للطلب لا محل لها على الوجهين. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿جَمِيعًا:﴾\nحال من الكاف، والجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (ينبئكم): مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ينبئكم): مضارع مرفوع والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وما تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:\n ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ:﴾ صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: (كنتم تعملونه) وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فينبئكم بعملكم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-775\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٥] ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ:﴾ المراد بهذه الشهادة الإشهاد في الوصية، والإضافة إلى الظرف على الاتساع. ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ:﴾ إذا شارفه.\nوظهرت علاماته، وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [٩٦] (البقرة). فإنه جيد. والموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته. وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح. ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ:﴾ صاحبا عدل من أقاربكم، أو من المسلمين، وانظر:","vol":"3","page":220},{"text":"﴿ذَوا﴾ في الآية رقم [٩٨] والعدل: هو الذي لم يرتكب كبيرة، ولم يصر على صغيرة، وهناك فرق بين عدل الرواية، وعدل الشهادة، ومجال ذلك الفقه الإسلامي. ﴿آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ:﴾ من ملتكم، أي دينكم، أو من غير عشيرتكم، وقبيلتكم. ومن قال بالأول قال بنسخ الحكم لأن شهادة الكافر لا تقبل على المسلم، والحق: أنها ثابتة في وصية مسلم حضره الموت في أرض غربة، ولم يجد مسلمين يشهدان على وصيته، فليشهد كافرين، أو ذميين، أو من أي دين كانا.\nوهو قول ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وابن سيرين، وبه قال أحمد بن حنبل؛ لأن هذا موضع ضرورة. ﴿ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ سافرتم فيها. ﴿تَحْبِسُونَهُما:﴾\nتقفونهما للحلف. ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ:﴾ صلاة العصر؛ لأنه وقت اجتماع الناس، والتقاء ملائكة الليل بملائكة النهار. وقيل: أي صلاة كانت. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ:﴾ فيحلف الشاهدان بالله إن حصل شك في شهادتهما من قبل الورثة، أو من قبل الموصى لهم. ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا:﴾\nفهذا هو المحلوف عليه، ومعناه: لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا، ولا نحلف بالله كاذبين لأجل عرض نأخذه، أو حق نجحده، ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى:﴾ ولو كان المشهود له ذا قرابة منا. ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ أي: الشهادة التي أمرنا الله بها. وإنما أضاف سبحانه الشهادة إليه؛ لأنه أمر بإقامتها، ونهى عن كتمانها. هذا؛ وقد قرئ بتنوين شهادة، وقطع الهمزة بعدها على الاستفهام بالمد على حذف حرف القسم، وتعويض حرف الاستفهام منه، كما قرئ بغير المد كقولهم: الله لأفعلن، وانظر (الريب) في الآية رقم [٢/ ٢]. ﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: الخاطئين إن كتمنا الشهادة، وانظر الاثم في الآية رقم [٣].\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿شَهادَةُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿بَيْنِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿شَهادَةُ﴾ لأنه مصدر، والجملة الفعلية: ﴿حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ:﴾ في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿اِثْنانِ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهذا الخبر على تقدير مضاف محذوف، التقدير: شهادة اثنين. ﴿حِينَ:﴾ بدل من ﴿إِذا،﴾ وقيل بجواز اعتباره متعلقا بالموت، أو بالفعل حضر، ولا وجه لهما. ﴿ذَوا:﴾ صفة ﴿اِثْنانِ﴾ مرفوع مثله، و﴿ذَوا:﴾ مضاف، و﴿عَدْلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿اِثْنانِ،﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم. هذا؛ وقد قال الزمخشري: يجوز أن يكون: ﴿شَهادَةُ﴾ مبتدأ والخبر محذوفا، التقدير: فيما فرض عليكم شهادة، وعليه يكون ﴿اِثْنانِ﴾ فاعلا بشهادة، أي يشهد اثنان. قال الجمل: وهذا ما جرى عليه ابن هشام، وهو الأولى لأن الصريح ليس كغيره. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، ﴿آخَرانِ:﴾\nمعطوف على: ﴿اِثْنانِ﴾ مرفوع مثله... إلخ. ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آخَرانِ،﴾ ولم يصفهما بالعدل كما في الأولين؛ لأن غير المسلم لا يكون عدلا مهما تحلى به من أخلاق","vol":"3","page":221},{"text":"كريمة، وشيم حميدة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَنْتُمْ:﴾ فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، كان متصلا، فلما حذف الفعل؛ انفصل. ﴿ضَرَبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مفسرة، لا محل لها كالجملة المحذوفة المفسرة بها، وهذا عند البصريين، وأما الكوفيون فيعتبرون:\n ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية خبره. والمعتمد قول البصريين في هذه الجملة، وشبهها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (أصابتكم): ماض وتاء التأنيث، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿مُصِيبَةُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿الْمَوْتُ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية.\n ﴿فَأَصابَتْكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: (إن أنتم... فاستشهدوا آخرين). أو فالشاهدان ﴿آخَرانِ﴾. ﴿تَحْبِسُونَهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم، والألف دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿آخَرانِ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والجملة الشرطية: ﴿إِنْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ معترضة بين الصفة، والموصوف. قال البيضاوي: وفائدة الاعتراض الدلالة على أنه ينبغي أن يشهد اثنان منكم، فإن تعذر-كما في السفر-فمن غيركم. أو استئناف، أي الجملة الفعلية مستأنفة، كأنه قيل: كيف نعمل إن ارتبنا بالشاهدين؟ فقال: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾. وهذا هو الأولى بالاعتبار؛ لأن الفصل بين الصفة، والموصوف بأجنبي لا يجوز إلا في ضرورات الشعر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و﴿الصَّلاةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ:﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف، التقدير: إن ارتبتم بخيانة منهما، أو بأخذ شيء من التركة فاحبسوهما، وحلفوهما، والشرط، وجوابه المقدر معترض بين القسم وجوابه، وهو الجملة الفعلية: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ ومثل هذا كثير واقع في الكلام العربي، وهو يعتمد على قاعدة مشهورة؛ وهو أنه إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر مفهوم من المقام؛ إذ التقدير: لو كان المشهود له.\n ﴿ذا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذا:﴾ مضاف، و﴿قُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿كانَ ذا قُرْبى﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ومثل ذلك قل في الجملة الواقعة شرطا ل: ﴿إِنْ﴾ فيما تقدم، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لو كان المشهود له ذا قربى لا نشتري به ثمنا، وجملة: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ معطوفة على جملة:\n ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ لا محل لها مثلها، و(لو) ومدخولها كلام معترض بين المتعاطفين لا محل له.\n ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿إِذا:﴾ حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له.\n ﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ:﴾ اللام هي المزحلقة. (من الاثمين): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للنفي، لا محل لها.","vol":"3","page":222},{"text":"<span id=\"aya-776\"></span>﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ عُثِرَ:﴾ فإن اطلع، يقال: عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على شيء لم يطلع عليه غيره، وأعثرته على كذا: أطلعته عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ. انتهى.\nجمل. ﴿اِسْتَحَقّا إِثْمًا:﴾ فعلا ما أوجب إثما كتحريف، وتزييف بالشهادة بعد حلفهما. وانظر (الإثم) في الآية رقم [٣]. ﴿فَآخَرانِ:﴾ فشاهدان آخران. ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي: من الذين استحق عليهم الإثم، ومعناه من الذين جني عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته، ومقام أصله: مقوم، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف، ثم تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. ﴿الْأَوْلَيانِ:﴾ الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما ليقوما بالشهادة، ويظهرا بها كذب الكاذبين؛ أي: الشاهدين الأولين. ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ..﴾. إلخ: أي: فيحلفان بالله ليميننا أحق بالقبول من يمين هذين الوصيين الخائنين. ﴿وَمَا اعْتَدَيْنا:﴾ وما تجاوزنا الحق في يميننا. ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: الواضعين الباطل موضع الحق، أو الظالمين أنفسهم إذا تجاوزنا الحق، واعتدينا على غيرنا، وانظر الآية رقم [١٤٦] (الأنعام).\nقال البيضاوي: ومعنى الآيتين: أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه، أو دينه على وصيته، أو يوصي إليهما احتياطا، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر؛ فآخرين من غيرهم. ثم إن وقع نزاع، أو ارتياب في صدقهما؛ أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة، أو مظنة؛ حلف آخران من أولياء الميت. والحكم منسوخ؛ إن كان الاثنان شاهدين، فإنه لا يحلف الشاهد، ولا يعارض يمينه بيمين الوارث، وثابت؛ إن كانا وصيين، وردا اليمين إلى الورثة، إما لظهور خيانة الوصيين، فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته. أو لتغيير الدعوى.\nروي: أن تميما الداري، وعدي بن زيد خرجا إلى الشام للتجارة، وكانا نصرانيين حينئذ، ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما، فلما قدموا الشام مرض بديل، فدون ما معه في صحيفة، وطرحها في متاعه، ولم يخبرهما بها، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات، ففتشاه، وأخذا منه إناء من فضة، فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب، فغيباه، فوجد أهله الصحيفة، فطالبوهما بالإناء، فجحدا، فترافعوا إلى رسول الله ﷺ، فنزلت الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ..﴾. إلخ، فحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر، وخلي سبيلهما، ثم وجد الإناء في","vol":"3","page":223},{"text":"أيديهما، فأتاهما بنو سهم في ذلك، فقالا: قد اشتريناه منه، ولكن لم يكن لنا عليه بينة، فكرهنا أن نقر به، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ، فنزلت: ﴿فَإِنْ عُثِرَ..﴾. إلخ، فقام عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي رفاعة السهميان، وحلفا. انتهى بحروفه من البيضاوي.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ عُثِرَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿عُثِرَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنَّهُمَا:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿اِسْتَحَقّا:﴾\nماض، والألف فاعله، والجملة الفعلية خبر (أنّ). ﴿إِثْمًا:﴾ مفعول به، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل: ﴿عُثِرَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَآخَرانِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (آخران): مبتدأ، وفي الخبر احتمالات: أحدهما:\nأنه الجار والمجرور ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ والثاني: أنه جملة: ﴿يَقُومانِ﴾ والثالث: أنه الأوليان، وأحسن من هذا كله اعتباره فاعلا لفعل محذوف، التقدير: فليشهد آخران. وقال أبو البقاء: خبر مبتدأ محذوف، أي فالشاهدان آخران. ﴿يَقُومانِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والألف فاعله، ﴿مَقامَهُما:﴾ مفعول مطلق على اعتباره مصدرا ميميّا، وظرف مكان على اعتباره اسم مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: (آخران)، أو في محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع صفة (آخران) على اعتباره مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، أو اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، أو فاعلا لفعل محذوف كما رأيت، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة:\n ﴿فَآخَرانِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، سواء أكانت فعلية أم اسمية. ﴿اِسْتَحَقَّ:﴾ ماض، ويقرأ بالبناء للفاعل وللمفعول، فعلى الأول فالفاعل: ﴿الْأَوْلَيانِ،﴾ والمفعول محذوف، تقديره الوصية، وعلى الثاني فنائب الفاعل يعود إلى الإثم، وقيل: إلى ﴿الْأَوْلَيانِ،﴾ وقدره الجلال:\nالوصية، والمعتمد الأول. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَوْلَيانِ:﴾ فاعل، أو نائب فاعل على وجهين رأيتهما، أو هو صفة (آخران). أو عطف بيان عليه، أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هما ﴿الْأَوْلَيانِ،﴾ أو هو مبتدأ، خبره (آخران)، وهو أضعف كل الوجوه كما قيل في اعتباره بدلا من الألف في: ﴿يَقُومانِ﴾. هذا؛ ويقرأ «(الأولين)» على اعتباره جمع أول، وفي إعرابه وجهان: أحدهما أنه بدل من ﴿الَّذِينَ،﴾ أو صفة له، والثاني أنه بدل من الضمير في ﴿عَلَيْهِمُ﴾ كما يقرأ «(الأولان)» بتشديد الواو، وإعرابه كإعراب: ﴿الْأَوْلَيانِ﴾. و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَقُومانِ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. واللام: واقعة في جواب القسم. (شهادتنا): مبتدأ، ونا: في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَحَقُّ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿مِنْ شَهادَتِهِما:﴾ متعلقان ب ﴿أَحَقُّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة،","vol":"3","page":224},{"text":"و(ما) حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية: ﴿لَشَهادَتُنا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها.\n (ما): نافية. ﴿اِعْتَدَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣] والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنّا إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة، وهي تعليل للنفي لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-777\"></span>﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الحكم المذكور في رد اليمين على الورثة إذا لم يصدقوا الشاهدين، أو الوصيين. ﴿أَدْنى:﴾ أقرب، وأحق، وانظر شرحه في الآية رقم [٢/ ٦١] تجد ما يسرك. ﴿عَلى وَجْهِها:﴾ على نحو ما تحملوها من غير تحريف، وخيانة فيها، وإنما جمع الضمير في: ﴿يَأْتُوا﴾ لأن المراد ما يعم الشاهدين المذكورين اللذين هما صاحبا الواقعة، وغيرهما من بقية الناس إلى يوم القيامة. ﴿أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ:﴾ ترد اليمين على الورثة، فيحلفون على خيانتهم، وكذبهم، فيفتضحون، ويغرمون ما خانوا فيه. وانظر الأيمان في الآية رقم [٩٣] ﴿وَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿وَاسْمَعُوا:﴾ ما توصون به وتؤمرونه سماع قبول، وانظر الآية رقم [٨٣] ﴿وَاللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. أو الآية رقم [١] الأنفال. ﴿لا يَهْدِي:﴾ لا يوفق إلى طريق الخير، أو إلى طريق الجنة. ﴿الْقَوْمَ:﴾ انظر الآية رقم [٢١]. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ الخارجين عن طاعته، المخالفين أوامره، وانظر الآية رقم [٢٨].\nتنبيه: قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: هذه الآيات الثلاث من أشكل آي القرآن، حكما، وإعرابا، وتفسيرا، ولم يزل العلماء يستشكلونها، ويكفون عنها، حتى قال مكي بن أبي طالب ﵀ في كتابه المسمى بالكشف: هذه الآيات في قراءتها، وإعرابها، وتفسيرها، ومعانيها، وأحكامها من أصعب آي القرآن، وأشكله. قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة، أو أكثر، قال: وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد. وقال السخاوي: لم أر أحدا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها. قلت: وأنا أستعين الله تعالى في توجيه إعرابها، واشتقاق مفرداتها، وتصريف كلماتها. وقراءاتها، ومعرفة تأليفها، وأما بقية علومها؛ فنسأل الله العون في تهذيبه إلى آخر ما في عبارة السمين، فارجع إليه إن شئت انتهى. بحروفه.\nهذا؛ وأنا أقول: إنني بذلت جهدي-مستعينا بالله-في شرح، وإعراب ما رأيته في هذه الوريقات مستمدّا أكثره من المراجع الموجودة لدي، وما أراه ضعيفا ضعفته، وما رأيته قويّا رجحته، وما لم يذكر فيه شيء ذكرته، والله أسأل، وبنبيه أتوسل أن يوفقني وإياك أيها القارئ الكريم إلى ما يحبه ربنا، ويرضاه.","vol":"3","page":225},{"text":"الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَدْنى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، تقديره: من أو إلى الإتيان. ﴿بِالشَّهادَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿عَلى وَجْهِها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الشهادة، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿يَخافُوا:﴾ معطوف على يأتوا منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿تُرَدَّ:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿أَيْمانٌ:﴾ نائب فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة: ﴿أَيْمانٌ﴾. و﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. (اتقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهو عطف إنشاء على خبر، والأولى اعتبارها مستأنفة، وجملة (اسمعوا) معطوفة عليها. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٥١] وهي اسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-778\"></span>﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٤٨] (البقرة) و[١٢٨] (الأنعام) ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، أو رقم [٨/ ١] ﴿الرُّسُلَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٣] ﴿فَيَقُولُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦] البقرة واليوم الذي يجمع فيه الرسل هو يوم القيامة الذي يحشر فيه الناس أجمعون للحساب والجزاء.\n ﴿ماذا أُجِبْتُمْ:﴾ أي إجابة أجابكم قومكم؟ وهذا سؤال توبيخ لأقوامهم. ﴿قالُوا:﴾ عبر بالماضي لتحقق وقوعه في المستقبل. ﴿لا عِلْمَ لَنا:﴾ ينفون العلم عن أنفسهم، ويكلون ذلك إلى الله تعالى: ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ:﴾ تعلم ما غاب عنا من باطن الأمور، ونحن نعلم ما نشاهد، ولا نعلم ما في البواطن. هذا؛ و﴿الْغُيُوبِ﴾ جمع: غيب، وهو ما غاب عنا، ولا نشاهده، ولا نسمعه، وفيه التشكي من أقوامهم، ورد العلم إليه تعالى بما كابدوا منهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وقيل: هو بدل من مفعول (اتقوا) بدل اشتمال، أو هو مفعول (اسمعوا) على حذف مضاف، أي: اسمعوا خبر يوم جمعهم، والجملة: ﴿يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿ماذا:﴾ اسم استفهام مركب مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق قدم على فعله، وقيل: في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بماذا، ولا أؤيد هذين الوجهين،","vol":"3","page":226},{"text":"وأرى ما يلي: يحوز اعتبار ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، كما يجوز اعتبار (ما) مبتدأ، و(ذا) اسما موصولا خبره، والجملة الفعلية صلتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: أجبتم به. والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، ﴿أُجِبْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وانظر إعراب ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣] ﴿قالُوا...:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١]. ﴿لا:﴾\nنافية للجنس. ﴿عِلْمَ:﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر لا، فأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿عِلْمَ،﴾ كما يجوز تعليقهما ب: ﴿عِلْمَ﴾ لأنه مصدر، وعليهما فخبر: ﴿لا﴾ محذوف، تقديره: موجود، أو حاصل، وجملة: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، والثاني: أن يكون ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وعلى هذين الوجهين ف: ﴿عِلْمَ﴾ خبر (إنّ)، والثالث: أن يكون مبتدأ، و﴿عِلْمَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للنفي لا محل لها، وهي من مقول ﴿الرُّسُلَ،﴾ و﴿عِلْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْغُيُوبِ:﴾ مضاف إليه من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه.\n\n<span id=\"aya-779\"></span>﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٢٦] ورقم [٧/ ٤] ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة والآية رقم [٨/ ١] ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] و[٣/ ٤٥] ﴿أَيَّدْتُكَ:﴾ قويتك. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ:﴾\nهو جبريل ﵇ فكان يسير معه حيث سار، يعينه على الحوادث التي تقع، ويلهمه المعارف والعلوم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٧] (البقرة). ﴿تُكَلِّمُ:﴾ انظر: «الكلام» في","vol":"3","page":227},{"text":"الآية رقم [٢/ ٧٥] فإنه جيد. ﴿النّاسَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا:﴾ انظر الآية رقم [٣/ ٤٦] ففيها الكفاية. ﴿الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [٣/ ٤٨] وأيضا الآية رقم [٤٩]. ﴿تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي:﴾ لا أتكلم على هذه الكلمات بأكثر مما ذكرته في الآية رقم [٣/ ٤٩] ﴿كَفَفْتُ:﴾ رددت، ومنعت عنك. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ المراد: اليهود الذين أرادوا قتله، وانظر الآية رقم [٣٣]. ﴿جِئْتَهُمْ:﴾ انظر (جاء) في الآية رقم [١٥] (البيّنات):\nالمعجزات، والبراهين القاطعة. ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿سِحْرٌ:﴾ أي الذي جئت به سحر، وقرئ: «(ساحر)» فيكون المراد عيسى نفسه. ﴿مُبِينٌ:﴾ ظاهر، واضح، وانظر إعلاله في الآية رقم [١٥] وانظر السحر في الآية رقم [١٠٢] من سورة (البقرة).\nتنبيه: قال السمين: قال تعالى هنا: ﴿بِإِذْنِي﴾ أربع مرات عقيب أربع جمل، وفي (آل عمران): ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ مرتين؛ لأن هناك موضع إخبار، فناسب الإيجاز، وهنا مقام تذكير بالنعمة، والامتنان، فناسب الإسهاب. انتهى.\nتنبيه: الآية الكريمة، والتي قبلها، وما بعدها إلى آخر السورة تنص على محاورة بين الله، ورسله يوم القيامة، وهو مستقبل لا ريب فيه، ومضمونه توبيخ الأقوام التي خالفت أوامر الله تعالى، وأوامر رسلهم الذين أرسلوا إليهم وخاصة النصارى كما هو واضح للعيان، والتعبير بالأفعال الماضية بدل الأفعال المستقبلة إنما هو لتحقق وقوع ما يذكر، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة مثل قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وأمر الله المراد به الحشر والنشر... إلخ، وهذا الاستعمال إنما هو فن من فنون البلاغة. ألا فلينتبه العالمون.\nتنبيه: تذكير الله عيسى بإنعامه عليه وعلى أمه في ذلك اليوم العظيم لا يقصد منه تكليف شكره، والقيام بواجبه؛ إذ ليس هناك تكليف، وإنما المراد توبيخ الكفارة المختلفين في شأنه وشأن أمه إفراطا وتفريطا. انتهى جمل نقلا من أبي السعود، وهو بتصرف كبير مني.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾ في الآية السابقة، أو هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ، وهو مبني على السكون في محل نصب، وهي بمعنى إذا التي هي للمستقبل، وجملة: ﴿قالَ اللهُ﴾ في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو.\n ﴿عِيسَى:﴾ منادى مفرد علم، و﴿اِبْنَ﴾ صفة له، وقد نصب؛ لأنه مضاف، وهذه قاعدة كلية مفيدة، وذلك: أن المنادى المفرد المعرفة الظاهر الضمة إذا وصف بابن، أو ابنة، ووقع الابن، والابنة بين علمين، أو اسمين متفقين في اللفظ، ولم يفصل بين الابن وبين موصوفه بشيء تثبت له أحكام، منها: أنه يجوز إتباع المنادى المضموم لحركة نون ابن، فيفتح، نحو يا زيد بن عمرو، ويا هند ابنة بكر بفتح الدال من: زيد، وهند، وضمها، فلو كانت الضمة مقدرة مثل ما نحن فيه،","vol":"3","page":228},{"text":"فإن الضمة مقدرة على ألف ﴿عِيسَى،﴾ فهل يقدر بناؤه على الفتح إتباعا، كما في الضمة الظاهرة؟ خلاف: الجمهور على عدم جوازه؛ إذ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للاتباع، وهذا المعنى مفقود في الضمة المقدرة، وأجاز الفراء ذلك، إجراء للمقدر مجرى الظاهر، وتبعه أبو البقاء، فإنه قال: يجوز أن تكون على الألف من ﴿عِيسَى﴾ فتحة لأنه قد وصف بابن، وهو بين علمين، وأن تكون فيها ضمة، وهو مثل قولك: يا زيد بن عمرو بفتح الدال، وضمها، وهذا الذي قاله غير بعيد. انتهى. بحروفه جمل. طيب الله ثراه. و﴿اِبْنَ:﴾ مضاف، و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي.\n ﴿نِعْمَتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلقان ب: ﴿نِعْمَتِي﴾ على اعتباره مصدرا أو بمحذوف حال منه على اعتباره اسما. ﴿وَعَلى والِدَتِكَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿نِعْمَتِي،﴾ أو بمحذوف حال منه، وأجاز السمين اعتباره بدلا من:\n ﴿نِعْمَتِي﴾ بدل اشتمال؛ لأنه في المعنى تفسير للنعمة. ﴿أَيَّدْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به.\n ﴿بِرُوحِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(روح) مضاف، و﴿الْقُدُسِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف للصفة، إذا الأصل: الروح المقدسة، والجملة الندائية: ﴿يا عِيسَى..﴾. إلخ، والجملة الفعلية: ﴿اُذْكُرْ..﴾. إلخ، كل ذلك في محل نصب مقول القول. ﴿تُكَلِّمُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾ في محل نصب حال من كاف الخطاب.\n ﴿فِي الْمَهْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿وَكَهْلًا:﴾ معطوف على ذلك المحذوف فهو حال أيضا، وهو بمعنى مكتهلا، وهو حال متداخلة. ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ إعرابه ظاهر إن شاء الله، وهو كلام معطوف على: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ..﴾.\nإلخ، ومثله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ..﴾. إلخ. ولا تنس أن الكاف اسم بمعنى مثل، فهي مبنية على الفتح في محل نصب مفعول به، ووقوع الكاف اسما وارد في الشعر العربي بكثرة، ولولا الإطالة لذكرت ذلك، ووقوعها فاعلا، وحالا، ومجرورة، وما عليك إلا أن تنظر الشاهد رقم [٣٢٦] وما يذكر تبعا له في كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب، والكاف مضاف، و(هيئة) مضاف إليه، و(هيئة) مضاف، و﴿الطَّيْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِإِذْنِي:﴾ متعلقان بالفعل:\n ﴿تَخْلُقُ،﴾ أو بمحذوف حال من: ﴿الطَّيْرِ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وجملة: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ معطوفة على جملة: ﴿تَخْلُقُ..﴾. إلخ ﴿طَيْرًا:﴾ خبر:\n (تكون...) إلخ، وقرئ «(طائرا)». ﴿بِإِذْنِي:﴾ متعلقان بالفعل (تكون)، أو بمحذوف صفة:\n ﴿طَيْرًا،﴾ وجملة: (تكون...) إلخ معطوفة على ما قبلها، وكذلك جملة: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾","vol":"3","page":229},{"text":"﴿وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ معطوفة أيضا، ومثلها ما بعدها، والإعراب واضح بعونه تعالى. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿كَفَفْتُ،﴾ وجملة:\n ﴿جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ صلته. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى ما. الهاء: حرف تنبيه. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-780\"></span>﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾\nالشرح: ﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ:﴾ أمرتهم على ألسنة رسلي. وفي الخازن: يعني:\nألهمتهم، وقذفت في قلوبهم، فهو وحي إلهام، كما أوحى إلى أم موسى، وإلى النحل.\nوالحواريون هم أصحاب عيسى، وخواصه. قال نبينا المعظم ﷺ: «لكل نبي حواريون، وحواري الزبير بن العوام». ﴿آمِنُوا بِي:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٩٦]. ﴿وَبِرَسُولِي:﴾ المراد به عيسى، ﵊، وانظر الآية رقم [٨٤]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] و[٧/ ٤] وقد قدم ذكر الإيمان على الإسلام؛ لأن الإيمان من أعمال القلوب، والإسلام هو الانقياد، والخضوع في الظاهر، والمعنى: أنهم آمنوا بقلوبهم، وانقادوا بظواهرهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ معطوف على: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ ﴿أَوْحَيْتُ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب:\n ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٢] والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها، ﴿إِلَى الْحَوارِيِّينَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ مفسرة؛ لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وجوز اعتبارها مصدرية. ﴿آمِنُوا بِي:﴾ فعل أمر، الواو فاعله. ﴿بِي:﴾ متعلقان به، والجملة مفسرة ل: ﴿أَوْحَيْتُ﴾ لا محل لها عند الجمهور، وعند الشلوبين بحسب ما تفسره، وأراه حقّا. هذا؛ وعلى اعتبار: ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ﴾ الأمر بالإيمان. والمعتمد الأول في هذا؛ وأشباهه.\n (برسولي): معطوفان على ما قبلهما. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَاشْهَدْ..﴾. معطوفة على ما قبلها، فهي في نصب مقول القول مثلها، وهي من عطف الإنشاء على الخبر. ﴿بِأَنَّنا:﴾ الباء: حرف جر. (أننا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): في محل نصب اسمها. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع","vol":"3","page":230},{"text":"مذكر سالم، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-781\"></span>﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿الْحَوارِيُّونَ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] و[٣/ ٤٥] ﴿يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ:﴾ بمعنى هل يفعل ربك، أو هل يعطيك ربك إن سألته، فاستطاع، وأطاع بمعنى، كاستجاب، وأجاب؛ لأن قولهم هذا لم يكن بعد عن تحقيق، واستحكام معرفة، وقرأ الكسائي: «(هل تستطيع ربك)» والمعنى هل تستطيع سؤال ربك، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿رَبُّكَ:﴾ انظر سورة الفاتحة والآية [٥/ ٢] ﴿مائِدَةً:﴾ هي في الأصل الخوان الذي يوضع عليه الطعام، فإن لم يكن عليه طعام؛ فليس بمائدة، بل هو خوان. وقال الجمل: هذه المسألة لها نظائر في اللغة، لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه الطعام، وإلا فهو خوان. ولا يقال: كأس إلا وفيها خمر، وإلا فهي قدح، ولا يقال: ذنوب، وسجل إلا وفيه ماء، وإلا فهو دلو، ولا يقال: جراب إلا وهو مدبوغ، وإلا فهو إهاب، ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى وإلا فهو أنبوب. مأخوذ من: ماد الماء، يميد: إذا تحرك، أو من ماده: إذا أعطاه، كأنها تميد من تقدم إليها. ونظيره قولهم: شجرة مطعمة. ﴿السَّماءِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ١٩] و[٦/ ٩٩] ﴿قالَ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] و[٧/ ٤]. ﴿اِتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿اللهَ:﴾\nانظر الاستعاذة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ بكمال قدرة الله، وصحة نبوتي؛ لأن الإيمان يوجب التقوى، وقيل: المعنى: اتقوا الله في اقتراح هذا السؤال بعد ظهور المعجزات.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ منصوب بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وقيل: هو متعلق ب: ﴿قالُوا،﴾ وقيل: متعلق ب: ﴿مُسْلِمُونَ،﴾ وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وانظر إعراب ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ في الآية رقم [١١٠] وهي في محل نصب مقول القول. ﴿هَلْ:﴾\nحرف استفهام. ﴿يَسْتَطِيعُ:﴾ مضارع. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، وعلى قراءة الكسائي هو مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾ في محل نصب مفعول به، وعلى قراءة الكسائي هو في محل نصب مفعول به للمضاف المحذوف الذي رأيت تقديره في الشرح. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مائِدَةً﴾. ﴿قالَ:﴾\nماض، فاعله يعود إلى: ﴿عِيسَى،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ في محل نصب مقول القول، وانظر إعراب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في الآية رقم [٥٧]. والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول.","vol":"3","page":231},{"text":"<span id=\"aya-782\"></span>﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] و[٧/ ٤] ﴿نُرِيدُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩].\nوقولهم: ﴿نُرِيدُ أَنْ..﴾. إلخ: تمهيد عذر، وبيان لما دعاهم إلى السؤال، وهو أن يتمتعوا بالأكل منها. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا:﴾ بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته، وهو على حد قول إبراهيم﵊-: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ نعلم أن قد صدقتنا: في ادعاء النبوة، وأن الله يجيب دعوتنا. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ:﴾ أي نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة، ويقينا، ويؤمن بسببها كفارهم، أو المعنى:\nنكون من المشاهدين لها دون السامعين بخبرها سماعا، ولا ريب أن المشاهدة غير السماع.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [١] ﴿نُرِيدُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر، تقديره نحن، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَأْكُلَ مِنْها﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿نُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (تطمئن): معطوف على ﴿نَأْكُلَ﴾ منصوب مثله.\n ﴿قُلُوبُنا:﴾ فاعله، ونا: في محل جر بالإضافة. (نعلم): معطوف على ﴿نَأْكُلَ﴾ وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير شأن محذوف، التقدير: أنك، وهو ضعيف؛ لأن ضمير الشأن المحذوف يكون ضمير غيبة لا ضمير خطاب، وقيل: ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري وقد لا تمنع من ذلك. ﴿صَدَقْتَنا:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، أو الفعل في محل نصب ب: ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وعلى الوجهين ف: ﴿أَنْ﴾ ومدخولها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (نعلم).\n ﴿وَنَكُونَ:﴾ معطوف أيضا على ﴿نَأْكُلَ،﴾ وهو ناقص، واسمه مستتر تقديره: نحن. ﴿عَلَيْها:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (نكون).\n<span id=\"aya-783\"></span>﴿قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] و[٣/ ٤٥] وأيضا [٣/ ٥٥] ﴿اللهُمَّ:﴾ أصله:\nيا الله فحذفت ياء النداء، وعوض عنها الميم المشددة في الآخر، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه إلا في ضرورة الشعر، وهذا الحذف، والتعويض من خصائص الاسم الكريم،","vol":"3","page":232},{"text":"كدخول (يا) عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وتاء القسم. ﴿رَبَّنا:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] ﴿عِيدًا﴾ أي: يكون يوم نزولها عيدا نعظمه، ونصلي فيه نحن، ومن يجيء بعدنا، فنزلت يوم الأحد، فاتخذه النصارى عيدا. انتهى خازن. والعيد مشتق من العود؛ لأنه يعود كل سنة، قاله ثعلب عن ابن الأعرابي. وقال ابن الأنباري: النحويون يقولون يوم العيد؛ لأنه يعود بالفرح، والسرور، وعيد العرب، لأنه يعود بالفرح، والحزن، وكل ما عاد إليك في وقت فهو عيد. ﴿لِأَوَّلِنا:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٤١] فإنه جيد، وقرئ: «(لأولانا وأخرانا)» بمعنى الأمة، أو الطائفة. ﴿وَآيَةً مِنْكَ:﴾ علامة دالة على كمال قدرتك، وصحة نبوتي. ﴿وَارْزُقْنا:﴾ فهذا الفعل ينصب مفعولين الثاني محذوف، التقدير: المائدة، والشكر عليها. ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي: خير من يرزق؛ لأنه خالق الرزق، ومعطيه بلا عوض وبلا منة، وهو مبذول للمؤمن، والكافر، والعاصي، والمطيع، وانظر شرح: ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [٥٤] من سورة (البقرة).\nتنبيه: طلب عيسى﵊من ربه نزول المائدة حين رأى: أن لهم غرضا صحيحا في ذلك، أو أنهم لا يقلعون عنه، فأراد إلزامهم الحجة بكمالها. انتهى بيضاوي. قيل:\nإنه اغتسل، ولبس المسح، وصلى ركعتين، وطأطأ رأسه، وبكى، ثم دعا\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿عِيسَى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة عيسى، أو بدل منه، وهو مضاف، و﴿مَرْيَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي.\n ﴿اللهُمَّ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بياء المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى مضاف محذوف منه حرف النداء، ونا: في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْزِلْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان به.\n ﴿مائِدَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مائِدَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجوز تعليقهما بالفعل قبلهما. ﴿تَكُونُ:﴾ مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هي»، وقرئ: «(تكن)» بالجزم لوقوعه في جواب الطلب. ﴿لَنا:﴾ يجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف خبر ﴿تَكُونُ،﴾ ويكون ﴿عِيدًا﴾ حالا من الضمير في الظرف، أو حالا من الضمير المستتر في: ﴿تَكُونُ﴾ على قول من ينصب عنها الحال، ويجوز أن يكون: ﴿عِيدًا﴾ الخبر، وفي: ﴿لَنا﴾ على هذا؛ وجهان: أحدهما: أن تكون حالا من الضمير في تكون، والثاني أن تكون حالا من ﴿عِيدًا؛﴾ لأنه صفة له قدمت عليه: ﴿لِأَوَّلِنا﴾ فإذا جعلت: ﴿لَنا﴾ خبرا، أو حالا من فاعل ﴿تَكُونُ﴾ فهو صفة ل: ﴿عِيدًا،﴾ وإن جعلت: ﴿لَنا﴾ صفة ل: ﴿عِيدًا﴾ كان: ﴿لِأَوَّلِنا﴾ بدلا من الضمير المجرور بإعادة الجار، أي: هما بدل من ﴿لَنا﴾. انتهى عكبري. (آخرنا): معطوف على ما قبله، ونا: في محل جر بالإضافة. (آية): معطوف على ﴿عِيدًا﴾. ﴿مِنْكَ:﴾ متعلقان بمحذوف","vol":"3","page":233},{"text":"صفة: (آية). (ارزقنا): فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه، ونا: مفعوله الأول، وانظر تقدير الثاني في الشرح. وهذا؛ والجمل كلها في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الرّازِقِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-784\"></span>﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ أي: إجابة لطلبكم. وقرئ بتشديد الزاي، وتخفيفها، وانظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿عَذابًا:﴾ انظر الآية رقم [٣٧] ﴿أَحَدًا:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٩٦] فإنه جيد. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي: من عالم زمانهم، أو العالمين مطلقا، فإنهم مسخوا قردة وخنازير، ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم، وقال عبد الله بن عمر -﵄-: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. انتهى خازن. وانظر شرح: ﴿الْعالَمِينَ﴾ في سورة (الفاتحة).\nتنبيه: روي: أن المائدة نزلت سفرة حمراء بين غمامتين، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى، ﵇، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها مثلة، وعقوبة، ثم قام فتوضأ، وصلى، وبكى، ثم كشف الغطاء، وقال:\nبسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس، ولا شوك، تسيل دسما، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون رئيس الحواريين: يا روح الله، أمن طعام الدنيا، أم من طعام الآخرة هذا، قال: ليس منهما، ولكن اخترعه الله بقدرته، كلوا ما سألتم، واشكروا يمدكم الله، ويزدكم من فضله.\nفقالوا: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة احيي بإذن الله، فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية.\nوروي: أنهم قالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال: معاذ الله أن آكل منها، إنما يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها أهل الفاقة، والمرض، والبرص، والجذام، والمقعدين، فقال: كلوا من رزق الله، لكم الشفاء، ولغيركم البلاء، فأكلوا منها، وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة، من فقير، ومريض، وزمن، ومبتلى، وصدروا عنها؛ وهم شباع، وإذا","vol":"3","page":234},{"text":"السمكة بحالها حين أنزلت، ثم طارت المائدة صعودا، وهم ينظرون إليها حتى توارت، ولم يأكل منها مريض، أو زمن، أو مبتلى إلا عوفي، ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها. وقيل:\nمكثت أربعين صباحا تنزل ضحى، وكانت تنزل غبّا: يوما تنزل، ويوما لا تنزل، فأوحى الله إلى عيسى﵇-: اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء، حتى شكوا وشككوا الناس فيها، فمسخ الله منهم ثلاثمائة وثلاثين رجلا، باتوا ليلتهم مع نسائهم على فرشهم، ثم أصبحوا خنازير يسعون في الطرق، يأكلون العذرة من الكناسات، والحشوش، فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى ﵇، وبكوا، ولما أبصرت الخنازير عيسى﵇- بكت، وجعلت تطيف به، وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم، فيشيرون برءوسهم، ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا. انتهى بيضاوي، وخازن بتصرف.\nعن عمار بن ياسر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزلت المائدة من السماء خبزا، ولحما، وأمروا ألا يخونوا، ولا يدخروا لغد، فخانوا، وادّخروا لغد، فمسخوا قردة، وخنازير». أخرجه الترمذي. انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿قالَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿مُنَزِّلُها:﴾ خبر (إنّ)، وها: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان باسم الفاعل، وجملة: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع على ما سبق. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بَعْدُ:﴾ ظرف زمان مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَكْفُرْ،﴾ و(من) بيان لما أبهم في (من). ﴿فَإِنِّي:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أُعَذِّبُهُ:﴾ مضارع، ومفعوله، وفاعله مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أُعَذِّبُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء في محل نصب مفعول مطلق؛ لأنها عائدة على المصدر. وقال أبو البقاء: وفيه على هذا أي: اعتبار الهاء عائدة على المصدر وجهان: أحدهما: أن يكون حذف حرف الجر، أي:\nلا أعذب به أحدا، والثاني أن يكون مفعولا به على السعة، وانظر الشاهد رقم [٩٢٣] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» فله شبه بالآية الكريمة. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَحَدًا،﴾ وجملة: ﴿لا أُعَذِّبُهُ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿عَذابًا،﴾ وجملة:\n ﴿أُعَذِّبُهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، وجملة (إني...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٤٧] والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾.\nإلخ لا محل لها لأنها مفرعة عما قبلها.","vol":"3","page":235},{"text":"<span id=\"aya-785\"></span>﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٣/ ٤٢] و[٣/ ٤٥]. ﴿قُلْتَ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٨]. ﴿لِلنّاسِ:﴾\nانظر الآية رقم [٣٢] ﴿دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٢٣] ورقم [٧/ ٢]. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ ما أحراك أن تنظر في الآية رقم [٢/ ٣٢] ففيها الكفاية و[١٠٠] الأنعام ﴿ما يَكُونُ لِي:﴾ ما ينبغي وما يحق لي.\n ﴿بِحَقٍّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ:﴾ تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم ما أجهر به، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك، وفي قوله: ﴿نَفْسِكَ﴾ مشاكلة، وانظرها في الآية رقم [٣٠] الأنفال ورقم [٩/ ٦٨] وانظر شرح النفس في الآية رقم [٢/ ٩] و[٧/ ٩] ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ انظر الآية رقم [١٠٩].\nتنبيه: ما في الآية الكريمة من المحاورة إنما يكون يوم القيامة، ومضمونه توبيخ النصارى على اتخاذ عيسى وأمه إلهين، وتبكيت لهم بإقراره ﵊ على رءوس الأشهاد بالعبودية، وأمره لهم بعبادة الله ﷿، وتبرئته مما نسب إليه، والتعبير بالماضي لما مر من الدلالة على تحقق الوقوع، كما في الآية رقم [١١٣].\nبعد هذا تأمل معي: أن الآيات رقم [١١٤] إلى [١١٩] قد تضمنت شيئا قد وقع في حياة عيسى ﵇، وقبل رفعه إلى السماء، لذا فإني أرى: أن مضمونها معترض معنى بين مضمون الآية رقم [١١٣] وبين مضمون الآية رقم [١١٩] وما بعدها، لذا فإن قول بعض المفسرين إن ما في الآية الكريمة معطوف على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ﴾ لا وجه له، وإنما هو معطوف على الآية رقم [١١٣] وما بينهما اعتراض معنى، وإعرابا.\nتنبيه: انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤/ ١٧١] وما ذكرته في الآية رقم [١٨] و[٧٣] و[٧٥] لتعرف تفسير النصارى لتأليه عيسى، وأمه، عليهما الصلاة والسّلام.\nتنبيه: قال أبو روق: إذا سمع عيسى﵇هذا الخطاب، وهو قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ..﴾. إلخ ارتعدت مفاصله، وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم، وقال مجيبا: سبحانك... إلخ. انتهى خازن. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ:﴾ معطوف على مثله في الآية رقم [١١٢] وهو مثله في إعرابه. ﴿أَأَنْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ لقوم عيسى كما رأيت (أنت): ضمير منفصل","vol":"3","page":236},{"text":"مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿قُلْتَ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣] والجملة الفعلية مع المقول الآتي في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّخِذُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، ﴿وَأُمِّي:﴾ معطوف على ياء المتكلم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿إِلهَيْنِ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، ولا وجه له، ولو قيل: متعلقان بالفعل نفسه لكان مقبولا، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّخِذُونِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (عيسى).\n ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، وانظر الآية رقم [٢/ ٣٢] و[١٠٠] (الأنعام) والجملة الفعلية المكونة من ذلك في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص.\n ﴿لِي:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب خبره تقدم على اسمه، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أَقُولَ﴾ في محل رفع اسمه المؤخر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ﴿ما﴾. ﴿لِي:﴾ متعقلان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾. ﴿بِحَقٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لِي﴾ وجوز أبو البقاء اعتبار: ﴿بِحَقٍّ﴾ متعلقين بمحذوف خبر ليس، و﴿لِي﴾ متعلقين بمحذوف حال من (حق)، كان صفة له فلما قدم عليه صار حالا، وقيل غير ذلك، ولا اعتبار له، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع اسم ﴿لَيْسَ﴾ إليها، وجملة: ﴿ما يَكُونُ لِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ سُبْحانَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿قُلْتُهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والهاء عبارة عن كلام كثير، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كُنْتُ قُلْتُهُ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، و﴿أَنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿تَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت».\n ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي نَفْسِي:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها. ﴿وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، وينبغي أن تعرف: أن علم، وتعلم، وأعلم بمعنى العرفان والمعرفة، فلذا اكتفى بمفعول واحد لهن، وانظر العلم، والمعرفة في الآية رقم [٦٠] (الأنفال). والكلام كله","vol":"3","page":237},{"text":"من تتمة مقول عيسى، ﵇. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [١٠٩] وهو في المعنى تعليل، وفي الإعراب من مقول عيسى ﵇.\n\n<span id=\"aya-786\"></span>﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ..﴾. إلخ: هذا نفي لما فعله النصارى من تأليه عيسى ﵇، فهو يتبرأ منهم، ومما فعلوه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وإثبات لما أمرهم به من عبادة الله وحده لا شريك له. وانظر إعلال: ﴿قُلْتُ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح ﴿رَبِّي﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة). ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: رقيبا أمنعهم أن يقولوا ذلك أو يعتقدوه، أو مشاهدا لأحوالهم من كفر، وإيمان، ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي:﴾ قبضتني بالرفع إلى السماء.\nوالتوفي: أخذ الشيء وافيا، أي كاملا، والموت نوع منه، قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾. وانظر ما ذكرته في الآية [٣/ ٥٥] فإنه جيد. ﴿الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ:﴾\nالمراقب لأحوالهم وشئونهم، فتمنع من أردت عصمته من الكفر بالإرشاد إلى الدلائل، والتنبيه عليها بإرسال الرسل، وإنزال الآيات. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. ﴿شَهِيدٌ:﴾ مطلع وعالم بقولي لهم، وقولهم بعدي، وما فعلوا من تغيير وتحريف وتزييف. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قُلْتُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به وهي كناية عن كلام كثير. ﴿أَمَرْتَنِي:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والنون للوقاية.\n ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿أَنِ:﴾ مفسرة. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبِّي:﴾ صفة الله أو بدل منه منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَبَّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا..﴾. إلخ مفسرة لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، هذا؛ وقد قال أبو البقاء: يجوز أن تكون: ﴿أَنِ﴾ مصدرية، والأمر صلة لها. وفي الموضع ثلاثة أوجه: الجر على البدل من الهاء في: ﴿بِهِ﴾ والرفع على إضمار هو، والنصب على إضمار أعني، أو بدلا من موضع به، ولا يجوز أن تكون بمعنى أي المفسرة؛ لأن القول قد صرح به و«أن» لا تكون مع التصريح بالقول. وقال البيضاوي قريبا من هذا الكلام، والجواب أن التفسير ليس ل ﴿قُلْتُ﴾ وإنما هو ل ﴿أَمَرْتَنِي﴾ وهو فيه معنى القول دون حروفه. ﴿وَكُنْتُ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمه.","vol":"3","page":238},{"text":"﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدًا﴾ الذي هو خبر، وجملة: ﴿وَكُنْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ما قُلْتُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿ما:﴾ مصدرية والزمان معها محذوف، كما ستعرفه. ﴿دُمْتُ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمه. ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر دام، وما ودام في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ظرف إليه محذوف، وهذا الظرف متعلق ب: ﴿شَهِيدًا،﴾ وتقدير الكلام: (كنت شهيدا عليهم مدة دوامي فيهم). ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما) حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند الفارسي، وابن السراح وابن جني، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَوَفَّيْتَنِي:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والنون للوقاية، والجملة لا محل لها على القول بحرفية (لما)، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (كان)، ﴿الرَّقِيبَ:﴾ خبر كان، ويقرأ بالرفع، فيكون: ﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ، والرقيب خبره، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب خبر (كان). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾\nمتعلقان بالرقيب، وجملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٩] والجملة الاسمية مستأنفة، وهي في المعنى معطوفة على خبر (كان)، وعند التأمل يظهر لك: أن الكلام كله من مقول عيسى ﵇، الذي يقوله يوم القيامة لله، ﷿، وهو يعلن براءته مما ألصق فيه النصارى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-787\"></span>﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ:﴾ أي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ..﴾. إلخ: فلا عجز ولا استقباح فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب، الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وثواب، فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت؛ فعدل، وإن غفرت؛ ففضل. انتهى بيضاوي.\nوأحسن منه بل وأولى بالاعتبار ما نقله النسفي عن الزجاج-رحم الله الجميع برحمته الواسعة، ولا ينسانا من رحمته-قال الزجاج: علم عيسى﵇أن منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فقال في جملتهم: إن تعذبهم، أي إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك، مكذبين لأنبيائك، وأنت العادل في ذلك، فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لهم، أي لمن أقلع منهم عن الكفر وآمن، فذلك تفضل منك، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك، عزيز قوي، قادر على الثواب،","vol":"3","page":239},{"text":"حكيم لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. انتهى بحروفه. وهذا الكلام في غاية الجودة؛ لأن الله لا يغفر الكفر قطعا، والنصوص كثيرة في ذلك.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُعَذِّبْهُمْ:﴾ فعل الشرط مجزوم، والفاعل تقديره:\n «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: (فلا اعتراض عليك)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ،﴾ تعليل لهذا النفي الذي رأيته، وإن ومدخولها من مقول عيسى، ﵇. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، وينبغي أن تعلم: أن المفعول محذوف، التقدير: ذنوبهم، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فذلك تفضل منك، وتكرم عليهم، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ..﴾. إلخ تعليل لهذا المحذوف. وانظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١١٦]. واعتبار الجواب محذوفا والجملتين الاسميتين تعليلا للمحذوف، هو الذي يؤيده المعنى وإن أوهم الظاهر خلاف ذلك.\n\n<span id=\"aya-788\"></span>﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] ورقم [٧/ ٤] ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة.\n ﴿يَوْمُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٤٨] ورقم [٦/ ١٢٨] فإنه جيد. ﴿الصّادِقِينَ:﴾ الذي صدقوا ما عاهدوا الله عليه في الدنيا، والذين صدقوا في أقوالهم وأعمالهم. وهذا الكلام إنما يكون يوم القيامة كما قدمت سابقا، والتعبير ب: ﴿قالَ﴾ ذكرته في الآية رقم [١١٣]. ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٥]. ﴿أَبَدًا:﴾ هو الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت:\nلا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر، وهو هنا مفيد للتأبيد المفهوم من الخلود. ﴿﵃:﴾ بالسعي المشكور. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ:﴾ بالجزاء الموفور. ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾ وصفه ﷻ بالعظم؛ لأنه باق بخلاف الفوز في الدنيا فإنه غير باق، بل هو فان.\nتنبيه: تكرر رضا الله عن عباده ورضا عباده، عنه في القرآن الكريم، ويجدر بي أن أقول:\nإن رضا الله عن العبد موقوف على رضا العبد عن الله تعالى، فحوى هذا: أن العبد إذا رضي بكل شيء يصيبه في دنياه، من صحة أو مرض، أو غنى، أو فقر؛ فيكون راضيا عن الله تعالى، فالله يثيبه رضاه، أي رحمته، وعفوه، وجوده، وإحسانه، فعليه من أحب أن يعرف منزلته عند الله تعالى، فلينظر إلى منزلة الله عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه، والدواء الشافي هو الرضا بقضاء الله وقدره في كل ما يصيب المؤمن في دنياه، وخذ جرعة من هذا الدواء على لسان سيد الأنبياء: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو","vol":"3","page":240},{"text":"فوقكم، فهو أجدر ألاّ تزدروا نعمة الله عليكم». رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة، ﵁.\nوانظر ما ذكرته عن أبي زيد في الآية رقم [١١٩] (التوبة) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿قالَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَوْمُ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع. ﴿يَنْفَعُ:﴾ مضارع.\n ﴿الصّادِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿صِدْقُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمُ﴾ إليها، هذا؛ وقد قرئ «(يوم)» بالفتح، قال البيضاوي: على أنه ظرف ل: ﴿قالَ،﴾ وخبر ﴿هذا﴾ محذوف، أو ظرف مستقر وقع خبرا، والمعنى: هذا الذي من كلام عيسى واقع يوم ينفع. وقيل: إنه خبر، ولكن بني على الفتح لإضافته إلى الفعل. وليس بصحيح؛ لأن المضاف إليه معرب، وقال بقول البيضاوي العكبري، وزاد جواز اعتبار: ﴿هذا﴾ مفعولا ل ﴿قالَ،﴾ وما قاله البيضاوي، والعكبري، واعتمداه إنما هو قول البصريين، وما ضعفاه إنما هو قول الكوفيين، وقد رجح ابن هشام في هذه المسألة قول الكوفيين، انظر الشاهد [٩١٦] وما قبله وما بعده من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب. ففيه الكفاية لكل ذي قلب لبيب، والجملة الاسمية: ﴿هذا يَوْمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية ﴿قالَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ في محل رفع صفة ﴿جَنّاتٌ،﴾ ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بخالدين أيضا، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وكذلك جملة: ﴿﵃﴾ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبره ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-789\"></span>﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿لِلّهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿السَّماواتِ:﴾ جمع: سماء. انظر الآية رقم [٦/ ١].\n ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. فقد عظم الله نفسه في هذه الآية الكريمة، ونبه بها على كذب النصارى، وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وبأنه تعالى مالك لكل ما في السموات والأرض، ومن جملته عيسى وأمه، وقد أدخلهما في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا، وهذا مفاد من التعبير ب: ﴿ما﴾ التي هي لغير العقلاء، دون (من) التي هي للعقلاء، فغلب سبحانه غير العقلاء على العقلاء لهذه الغاية، وانظر الآية رقم [٧٩] وأيضا الآية رقم [٣] من سورة (النساء).","vol":"3","page":241},{"text":"الإعراب: ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على: ﴿مُلْكُ﴾. ﴿فِيهِنَّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صلة الموصول، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَهُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بقدير بعدهما، و﴿كُلِّ:﴾\nمضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nانتهى تفسير وإعراب سورة المائدة بمنه تعالى وكرمه، فأسأله تعالى أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى وأن يجعلنا من الفائزين بجنانه. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nفائدة: حيث وقعت (ما) قبل (ليس) أو (لم) أو (لا) أو بعد (إلا) فهي موصولة، نحو ﴿ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ (ما لم تعلم) ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾. وحيث وقعت بعد كاف التشبيه فهي مصدرية، وحيث وقعت بعد الباء، فإنها تحتملهما، نحو ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وحيث وقعت بين فعلين، سبقهما علم، أو دراية، أو نظر احتملت الموصولة، والاستفهامية، نحو ﴿ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وحيث وقعت في القرآن قبل إلا فهي نافية إلا في ثلاثة عشر موضعا: ﴿ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ﴾ ﴿ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلا موضعين هما في قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فهي فيهما مصدرية. ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ حيث كان قاله في الإتقان انتهى. كرخي نقله الجمل.\nأقول: اعتبار هذا ضابطا يجب اتباعه غير مسلم؛ لأن بعض الآيات التي ذكرها، واعتبر فيها ﴿ما﴾ موصولة فقط تحتمل الموصولة، والموصوفة، ولأن بعضها تحتمل فيه ﴿ما﴾ الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والحق: أن مدار ذلك على المعنى، وهذا ما اتبعته فيما تقدم من الإعراب، ولا أتخلى عنه فيما يأتي. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.","vol":"3","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>سورة الأنعام</span>\nوهي مكية ما عدا ست آيات منها فإنها مدنية، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ الثلاث آيات المتضمنة عشر وصايا، والآيات الثلاث: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ..﴾. إلخ إلى قوله ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾. وقد نزلت جملة واحدة غير الآيات المشار إليها، نزلت ليلا، فدعا رسول الله ﷺ الكتاب، فكتبوها من ليلتهم. وآياتها مائة وخمس وستون، أو أربع وستون.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-790\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾\nالشرح: انظر البسملة والكلام عليها في أول سورة الفاتحة. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ لا أتكلم على هذين اللفظين بأكثر مما ذكرته في أول سورة الفاتحة. ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية، و(جعل) هنا بمعنى: خلق وأنشأ.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-الفرق بين ﴿خَلَقَ﴾ و﴿جَعَلَ﴾ الذي له مفعول واحد أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمات بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس، وجمع الظلمة لأنها متعددة، وتختلف باختلاف الشيء الذي تكون فيه، مثل ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة الموضع المظلم، فإن كل واحد منها يخالف صاحبه، ووحد (النور) لأنه نوع واحد لا يختلف، وقدم ﴿الظُّلُماتِ﴾ لأنها مخلوقة قبل النور.\nفعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ الله خلق خلقه في ظلمة، ثمّ ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ». ذكره البغوي. هذا؛ وانظر تفسيرا آخر للظلمات والنور في الآية رقم [١٨] (المائدة). ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] (المائدة). ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٣٩] منها. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة الفاتحة.","vol":"3","page":243},{"text":"﴿يَعْدِلُونَ:﴾ يعرضوان عن عبادة الله تعالى، أو يسوون الأصنام بربهم، والشرح الوافي لذلك انظره في الآية رقم [١٣٥] النساء ففيه الكفاية، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (الله)، أو هو بدل منه. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف عليه، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وإعراب: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ مثلها، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلته. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بالفعل بعدهما على حسب ما رأيت في المعنى، وجملة: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، وقيل: يجوز عطفها على جملة: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ ولم يظهر لي صحة جوازه.\n\n<span id=\"aya-791\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ:﴾ وقال سبحانه في غير هذه الآية: ﴿خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ والمعنى: ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الأولى، وإن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه. أو المعنى: خلق أباكم، فحذف المضاف. هذا قول المفسرين.\nأقول: وعليه فخلقنا من طين أو تراب هو خلق غير مباشر، وهناك خلق مباشر، يدركه كل إنسان، وذلك بالرجوع إلى مبدأ خلقه، فلا ريب أن المادة التي يبدأ خلق الإنسان منها مستمدة من دمه، ودمه مستمد من الغذاء، والشراب، ومصدر هذين إنما هو من الأرض التي ينبت فيها الغذاء على جميع أنواعه، والشراب على اختلاف أجناسه. احفظ هذا؛ وافهمه فإنه جيد، وتوسع في تحليله، والكلام عليه إن أردت. ﴿قَضى:﴾ انظر الآية رقم [١١٧] (البقرة) فالكلام على هذا اللفظ طويل هناك، ومعناه هنا: كتب، وقدر.\nوقد اختلف في تفسير الأجلين المذكورين هنا على أقوال: فقيل: أجل الموت، وأجل القيامة، وقيل، الأول ما بين خلق الإنسان وموته، الثاني ما بين موته وبعثه للحساب، وقيل:\nالأول: النوم، والثاني: الموت، وقيل: الأول لمن مضى، والثاني لمن بقى ولمن يأتي، أو الثاني هو الأول، وتقديره: وهو أجل مسمى؛ أي: معلوم، ومثبت معين. ﴿عِنْدَهُ:﴾ في علمه وتقديره الأزلي. والإضافة إضافة تشريف، وقل مثله في كل إضافة لله جل علاه، وتقدست أسماؤه. وانظر إعلال مثل: ﴿مُسَمًّى﴾ في الآية رقم [٩١]. ﴿تَمْتَرُونَ:﴾ تشكون، من: المرية، أو من المراء، وهو","vol":"3","page":244},{"text":"المجادلة، وأفادت ﴿ثُمَّ﴾ معنى استبعاد ذلك منهم بعد أن ثبت أنه سبحانه خالقهم، وخالق أصولهم، ومحييهم، ومميتهم، وباعثهم ليوم لا ريب فيه، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها وإبداع الحياة فيها وإبقائها؛ كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيا، فالآية الأولى دليل التوحيد، والثانية دليل البعث للحساب والجزاء. انتهى. بيضاوي، وغيره بتصرف.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، وجملة: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿مِنْ طِينٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال، وذلك على تقدير المضاف الذي رأيته في الشرح، أي: كائنا من طين، وجملة: ﴿قَضى أَجَلًا﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿وَأَجَلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مُسَمًّى﴾ صفته مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وهذه الصفة هي التي جوزت الابتداء بالنكرة. هذا؛ وجوز اعتبار (أجل) خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو (أجل)، ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ على الأول، ومتعلق ب: ﴿مُسَمًّى﴾ على الاعتبار الثاني، والجملة الاسمية معطوفة على الوجهين على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿تَمْتَرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-792\"></span>﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿سِرَّكُمْ﴾ أي: ما تسرون وتخفون من أعمال، أو ما تضمرونه في قلوبكم. ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ أي: ما تجهرون به وتظهرونه للناس من أعمال. ﴿ما تَكْسِبُونَ:﴾ من خير أو شر، فيثيب على الخير، ويعاقب على الشر.\nقال البيضاوي: ولعله أريد بالسر والجهر ما يخفى، وما يظهر من أحوال الأنفس، وبالمكتسب أعمال الجوارح، ولا تنس: أن ﴿يَعْلَمُ﴾ بمعنى يعرف فلذا اكتفى بمفعول واحد.\nوانظر العلم والمعرفة في الآية رقم [٦١] (الأنفال).\nالإعراب: ﴿وَهُوَ اللهُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بلفظ الجلالة بتأويله بمشتق، أي: المعبود، أو المستحق للعبادة، وقيل: متعلقان بالفعل بعدهما، والأول أرجح عندي، والجملة الفعلية: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ:﴾ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، ويجوز اعتبارها في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، وقيل: هي مستأنفة. ولا وجه له، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ","vol":"3","page":245},{"text":"معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تكسبونه، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم كسبكم.\n\n<span id=\"aya-793\"></span>﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ «أتى» يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ومن الثاني ما في الآية الكريمة، ومثلها كثير. ﴿آيَةٍ:﴾ تطلق على معان كثيرة، منها الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر ونحوه، وتطلق على الموعظة، كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ كما تطلق على جملتين أو أكثر من كلام الله تعالى، والكل هنا محتمل. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة). ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ مهملين للنظر في تلك الآيات لا يلتفتون إليها لقلة خوفهم من الله، ولقلة فهمهم وإدراكهم. والمراد بالضمائر المتصلة أهل مكة.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء: في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿آيَةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةٍ،﴾ و﴿آياتِ:﴾\nمضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، وانظر إعراب آمنوا في الآية رقم [١] المائدة والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدها. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ خبر: ﴿كانُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. وصاحب الحال هو الضمير المنصوب محلاّ، وقيل ﴿مِنْ آيَةٍ،﴾ وساغ ذلك لتخصصها بالوصف، وعلى الاعتبارين فالرابط الضمير فقط.\n<span id=\"aya-794\"></span>﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ:﴾ كذب كفار قريش بالحق، وهو القرآن المنزل من عند الله لما جاءهم به محمد ﷺ، وهو أعظم آية، وقد تحداهم الله به فعجزوا عن معارضته، وإذا كانوا قد كذبوا به؛ فلم لا يكذبون غيره من آيات؟! وانظر شرح: ﴿بِالْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٧]،","vol":"3","page":246},{"text":"﴿جاءَهُمْ:﴾ جاء: يستعمل لازما، إن كان بمعنى حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ ومن الثاني الآية الكريمة، ومثلها كثير. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَنْبؤُا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٤]، ومعنى ﴿فَسَوْفَ..﴾. إلخ أي: سيظهر لهم عاقبة استهزائهم عند نزول العذاب بهم يوم القيامة، أو حين يعلو شأن الإسلام وتنزل بهم الذلة والمهانة. وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده.\nالإعراب: ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب:\n ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]، ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿جاءَهُمْ:﴾ في محل جر بإضافة:\n ﴿لَمّا﴾ إليها. والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقال السفاقسي وغيره:\nمعطوفة على ما قبلها، وقول الزمخشري: الجملة جواب شرط مقدر، أي: إن كانوا معرضين عن الآيات؛ فلا تعجب، فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها. ففيه تكلف لا يخفى. انتهى جمل بتصرف. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ:﴾ مضارع ومفعوله وفاعله، وانظر الآية السابقة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، و﴿يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ:﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي موصولة، أو موصوفة. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء، ولا يصح اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية لعود الضمير عليها وهي حرف، وجوز ابن عطية اعتبارها مصدرية. وعليه فالضمير يعود على (الحق) وعند الأخفش يعود إليها الضمير؛ لأنها عنده اسم. انتهى جمل بتصرف.\n\n<span id=\"aya-795\"></span>﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿يَرَوْا:﴾ ينظروا، وهو معلق عن العمل بما بعده، وإعلاله مثل إعلال: ﴿عَصَوْا﴾ في الآية رقم [٥/ ٧٨]، ﴿قَرْنٍ:﴾ بفتح القاف وسكون الراء، مائة سنة على الصحيح، وقيل:\nثمانون، وقيل: ثلاثون، ويقال: القرن في الناس: أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة، وقال الرسول ﷺ: «خير القرون قرني... إلخ». ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nإذا ذهب القرن الذي أنت فيهمو... وخلّفت في قرن فأنت غريب","vol":"3","page":247},{"text":"وخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي﵁-: [الطويل]\nفإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل\nوالقرن بفتح القاف أيضا: الزيادة العظمية التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، والقرن الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر، والقرن من القوم: سيدهم، ومن السيف حده، ونصله، وجمعه في كل ما تقدم: قرون، هذا؛ وهو بكسر القاف وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة والعلم وغيرهما، والجمع على هذا: أقران. ﴿مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ جعلنا لهم فيها مكانا يستقرون فيه. أو أعطيناهم من القوى والآلات ما تمكنوا فيه من أنواع التصرف فيها، والمراد:\nقوم عاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم. ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ:﴾ الخطاب لأهل مكة، والمراد: ما لم نجعل لكم ما جعلنا لهم من قوة وطول. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ:﴾ المطر، وأطلق المطر على السماء لنزوله منها. ﴿مِدْرارًا:﴾ غزيرا كثيرا. ﴿الْأَنْهارَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٨٥]، والمراد بيان ما كان فيه أولئك الأقوام من خير ونعمة ورخاء. و﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ..﴾. إلخ: خلقنا وأحدثنا من بعدهم ناسا غيرهم. والمعنى: كما أهلك الله من قبلكم، وأحدث غيرهم كذلك قادر الله على إهلاككم، وخلق غيركم. ففيه تهديد ووعيد لا يخفيان، هذا؛ و«مكّن» يتعدى بنفسه وبحرف الجر كما رأيته في الآية، مثل: نصحته، ونصحت له.\nتنبيه: في الآية الكريمة التفات إلى الخطاب في: ﴿لَكُمْ﴾ الذي هو خطاب لأهل مكة عن الغيبة التي يقتضيها السياق في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا:﴾ فلو قال: ما لم نمكن لهم؛ لكان جاريا على الظاهر. هذا؛ والالتفات يكون أيضا من الخطاب إلى الغيبة، وعنهما إلى التكلم، وبالعكس، ومن المفرد إلى الجمع، وبالعكس، كما سأنبه عليه في محاله إن شاء الله تعالى، وله فوائد كثيرة، منها:\nتطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فائدته العامة، ويختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه: حث السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة. انتهى جمل نقلا من كرخي.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾\nمضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وقال الجلال:\nخبرية بمعنى: كثيرا، وجوز أبو البقاء اعتبارها ظرفا لما بعدها، كما جوز اعتبارها مصدرا، أي:\nفهي مفعول مطلق، والمعتمد الأول، ثم الثاني. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل وفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل (قبلهما)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْنٍ:﴾ تمييز: ﴿كَمْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر","vol":"3","page":248},{"text":"الزائد. ﴿مَكَّنّاهُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي الفعل: ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لمصدر محذوف، التقدير: ﴿مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ التمكين الذي لم نمكن لكم، أو في محل نصب مفعول به ثان على تضمين الفعل معنى: أعطيناكم، والعائد على الوجهين محذوف، أو هي نكرة موصوفة في محل نصب مفعول به ثان، والرابط محذوف أيضا، التقدير: ما لم نمكنه لكم، وجوز أبو البقاء اعتبارها أيضا مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلقة بما قبلها. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿نُمَكِّنْ:﴾ مضارع مجزوم بلم. والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف على نحو ما رأيت. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ:﴾ معطوفة على جملة:\n ﴿مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ فهي في محل جر صفة مثلها. ﴿مِدْرارًا:﴾ حال من السماء. وجملة: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ﴾ معطوفة أيضا عليها. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَنْهارَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْأَنْهارَ﴾ على اعتبار (جعلنا) متعديا لمفعول واحد، أو هي في محل نصب مفعول به ثان على اعتباره متعديا لمفعولين. ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وجملة: ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ:﴾ معطوفة على جملة: ﴿قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل جر صفة مثلها، وجملة: ﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا:﴾ معطوفة أيضا. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَرْنًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وانظر ما ذكرته في التعبير ب (نا) في الآية رقم [٧/ ٥] وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥] فإن ما في الآية ينطبق عليه.\n\n<span id=\"aya-796\"></span>﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿نَزَّلْنا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]، ﴿عَلَيْكَ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ. ﴿كِتابًا فِي قِرْطاسٍ﴾ أي: كتابا مكتوبا في ورق، وانظر شرح الكتاب في الآية رقم [١] (الأعراف)، ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ:﴾ مسوه، وإنما قال: لمسوه، ولم يقل: عاينوه؛ لأن اللمس أبلغ من المعاينة؛ لأن المرئيات قد يدخلها التخيلات كالسحر ونحوه، بخلاف الممسوس، فلا يمكنهم أن يقولوا: إنما سكرت أبصارنا، وانظر شرح (يد) في الآية رقم [٥/ ١١] قال: انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤] ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٦] ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١١٠].","vol":"3","page":249},{"text":"تنبيه: نزلت الآية الكريمة في النضر بن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد، قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه: أنه من عند الله، وأنك رسوله، وقد ذكر الله ذلك عنهم في سورة (الإسراء) رقم [٩٠] وما بعدها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَزَّلْنا:﴾\nفعل وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كِتابًا:﴾ مفعول به. ﴿فِي قِرْطاسٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِتابًا﴾. والجملة الفعلية: ﴿نَزَّلْنا..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَمَسُوهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿نَزَّلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِأَيْدِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَقالَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). ﴿لَقالَ الَّذِينَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مع المقول جواب (لو) لا محل لها.\n ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥/ ١١٠] وهي في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-797\"></span>﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٧/ ٤] أو [٢/ ٢٦]. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿عَلَيْهِ:﴾ على محمد ﷺ. ﴿مَلَكٌ:﴾ من ملائكة السماء، يشهد له أنه نبي. ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لحق إهلاكهم لأن سنة الله جرت بذلك فيمن قبلهم. ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ:﴾ لا يمهلون بعد نزول الملك طرفة عين، بل يعجل لهم العذاب، وقد ذكر الله عنهم ذلك في سورة (الإسراء) وسورة (الفرقان) وانظر ﴿قَضى﴾ في الآية رقم [١١٧] (البقرة) و[٤٥] (الأنفال) فإنه جيد. وانظر ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣] الأعراف ورقم [٤٣] (المائدة).\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق.\n ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَلَكٌ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. والجملة الفعلية: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مَلَكًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية:\n ﴿أَنْزَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها على نحو ما رأيت. ﴿لَقُضِيَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (قضي الأمر): ماض مبني للمجهول ونائب فاعل، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ. والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الوجهين.","vol":"3","page":250},{"text":"<span id=\"aya-798\"></span>﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ..﴾. إلخ: أي: ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا؛ لأنهم كانوا يقولون تارة لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم. ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة. ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أي: لو أرسلنا إليهم ملكا؛ لجعلناه في صورة رجل، وذلك لأن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنسان، كما جاء جبريل إلى النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي، وكما جاء الملكان إلى داود ﵇ في صورة رجلين، وكذلك أتى الملائكة إلى إبراهيم، ولوط عليهما الصلاة والسّلام، ولما رأى النبي ﷺ جبريل في صورته التي خلق عليها؛ صعق لذلك، وغشي عليه. ﴿وَلَلَبَسْنا..﴾. إلخ: هذا جواب ل (لو) محذوفة كما ستعرفه في الإعراب.\nوالمعنى: لو جعلنا الملك المنزل عليهم رجلا؛ لاشتبه الأمر عليهم، واختلط أيضا حيث يقولون له: إنما أنت بشر مثلنا، ولست بملك، ولست برسول، ولو استدل على ملكيته بالقرآن المعجز؛ لكذبوه كما كذبوا محمدا، ﵊، ففيه تأكيد لاستحالة جعل الرسول ملكا. هذا؛ ويقرأ «(لبسنا)» بدون لام، كما يقرأ بالتشديد، وانظر الآية رقم [١٣٧] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿جَعَلْناهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿مَلَكًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها على نحو ما رأيت في الآية السابقة، وجملة: ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلًا:﴾ جواب لولا محل لها، ولو ومدخولها معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿وَلَلَبَسْنا:﴾ الواو: حرف عطف، وجملة:\n ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ:﴾ جواب (لو) محذوفة انظر التقدير في الشرح. و(لو) المقدرة، ومدخولها معطوف على ما قبله لا محل له أيضا. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يلبسونه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: لبسهم.\n<span id=\"aya-799\"></span>﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ فيه تعزية، وتسلية للرسول ﷺ عما كان من تكذيب المشركين له، واستهزائهم به، فقد جعل الله أسوة له في ذلك الأنبياء والمرسلين الذين كانوا قبله، وتلك سنة متبعة في الأولين، والآخرين، حيث لم يقم داع يدعو إلى الإصلاح","vol":"3","page":251},{"text":"والخير، إلا وقوبل بالاستهزاء والسخرية. ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ﴾ أي: فنزل بالأقوام المستهزءين بالرسل العذاب المهين والعقاب الشديد، وفي هذه الآية تحذير للمشركين من أهل مكة أن يفعلوا بنبيهم كما فعل من كان قبلهم بأنبيائهم، فينزل بهم مثل ما نزل بهم، هذا؛ و(رسل) جمع:\nرسول، وانظر: (سبل) في الآية رقم [١٦] (المائدة) تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اُسْتُهْزِئَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿بِرُسُلٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (رسل) والكاف في محل جر بالإضافة: وجملة (لقد... إلخ) جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. (حاق): ماض. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿سَخِرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ انظر إعراب هذه الكلام في الآية رقم [٥] مع ملاحظة: أنّ ﴿ما﴾ وقعت هناك في محل جر بالإضافة، وهنا وقعت في محل رفع فاعل، وهي في الأصل في محل جر بالإضافة، فإن الأصل. حاق عقاب ما كانوا... إلخ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وجميع الاعتبارات هناك معتبرة هنا.\n\n<span id=\"aya-800\"></span>﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا أمر موجه للنبي ﷺ ليرشد قومه بالسير في الأرض، والنظر بما فعل الله بالأقوام الذين كذبوا رسلهم حيث أهلكهم بسبب ذلك. وفيه تهديد ووعيد لا يخفيان لأهل مكة، ولكل المكذبين. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٤٣] (المائدة).\nهذا؛ وقد قال تعالى في الآية رقم [٣/ ١٣٧]. ﴿اُنْظُرُوا﴾. وقال هنا: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا،﴾ والفرق بينهما: أن النظر جعل هناك مسببا عن السير، فكأنه قيل: ﴿سِيرُوا﴾ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير هنا إباحة السير في الأرض للتجارة، وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب: ﴿ثُمَّ﴾ التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب والمباح. انتهى نسفي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [١] المائدة.\nوالجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾\nحرف عطف. ﴿اُنْظُرُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي","vol":"3","page":252},{"text":"في محل نصب مقول القول. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها مرفوع، وهو مضاف، والمكذبين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ: في محل نصب مفعول به للفعل قبلها، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-801\"></span>﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ ﴿ما:﴾\nأطلقت على جميع الموجودات في السموات والأرض من الملك والمخلوقات العاقلة وغيرها، والأصل فيها أن تطلق على غير العاقل، وقد غلب غير العاقل على العاقل، وهو مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، وقد يغلب العاقل على غيره، وذلك باستعمال: (من) مكان: ﴿ما﴾ وهو موجود أيضا ومستعمل في القرآن، وانظر ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وشرحهما في الآية رقم [١]. والمراد بالاستفهام هنا: التوبيخ والتبكيت. ﴿قُلْ لِلّهِ:﴾ هذا تقرير لهم، وتنبيه على أنه المتعين للجواب بالاتفاق بحيث لا يتأتى لأحد أن يجيب بغيره كما نطق به قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾. انتهى جمل نقلا من أبي السعود. ﴿لِلّهِ:﴾ انظر شرحه في الاستعاذة. ﴿كَتَبَ:﴾ هو في الأصل بمعنى: أوجب، وفرض، ولكن يجب تفسيره هنا ب «وعد» لأنه لا يجب على الله شيء، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٧/ ٩] وسأتكلم عن ﴿الرَّحْمَةَ﴾ في الآية رقم [٧/ ١٥٥] إن شاء الله تعالى. ﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ هو اليوم الذي يا قوم فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من: قام، يا قوم. قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. وانظر شرح (اليوم) في الآية رقم [١٢٨]. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك في وجوده وإتيانه. وانظر الآية رقم [٢/ ٢] تجد ما يسرك. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بتعريضها للعذاب الأبدي، وتضييع رأس مالهم الحقيقي، وهو الفطرة الأصلية والعقل السليم، والتفكير القويم، وأي خسران أعظم من خسارة الجنة، والحرمان من نعيمها الذي لا ينقطع؟! وانظر الآية رقم [٥/ ٥] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة","vol":"3","page":253},{"text":"لا محل لها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو الله، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ لِلّهِ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿كَتَبَ:﴾\nماض، وفاعله يعود إلى الله. ﴿عَلى نَفْسِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرَّحْمَةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَتَبَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (يجمعنكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾\nانظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٤/ ٨٧] وانظر إعراب شبيهتها في الآية رقم [٥/ ١٠٩] والجملة الفعلية: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وقيل: الجملة الفعلية جواب ﴿كَتَبَ﴾ لما تضمنه من معنى القسم، وعلى هذا فلا يوقف على قوله: ﴿الرَّحْمَةَ﴾ وهو ضعيف، وأضعف منه ما قاله الزجاج من أن الجملة في محل نصب بدلا من الرحمة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ، وساغ وقوعها هنا لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ الاسمية: (هم...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقد قيل: إن الذين منصوب على الذم بفعل محذوف، كما قيل: أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: أنتم الذين، وهذان القولان ضعيفان، وأضعف منهما قول الأخفش: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ بدل من الضمير المنصوب في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-802\"></span>﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَهُ:﴾ ولله. ﴿ما سَكَنَ:﴾ من السكنى حيث يتناول الساكن والمتحرك، أو من السكون، وهو الهدوء، والاستقرار، ومعناه: ما سكن، وتحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر. ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ انظر شرحهما في الآية رقم [٩٦] الآتية فإنه جيد. ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ:﴾\nصيغتا مبالغة، فهو سبحانه يسمع كل مسموع، ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الليل والنهار، وانظر شرح: ﴿ما﴾ في الآية السابقة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (له): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة: ﴿سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها،","vol":"3","page":254},{"text":"والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْ لِلّهِ﴾ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ معطوفة عليها، واستئنافها ممكن.\n\n<span id=\"aya-803\"></span>﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا أمر موجه للنبي ﷺ لينكر اتخاذ غير الله معبودا، فإن المراد ب: ﴿وَلِيًّا﴾ هنا: إلها، علما بأن الولي يطلق على المعين والنصير والمساعد، ومتولي الأمور ومدبرها.\nوانظر الآية رقم [٤/ ٨٩] ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ومعنى ﴿فاطِرِ:﴾ خالق ومبدع، ومبتدئ.\nوعن ابن عباس﵄-: ما عرفت معنى: ﴿فاطِرِ﴾ حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها. وقرئ «(فطر)» و«(فاطر)» بالجر والنصب والرفع.\n ﴿يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ:﴾ يرزق ولا يرزق. من: أطعم الرباعي، وقرئ الثاني بفتح الياء من الثلاثي، والمعنى: هو المانح جميع النعم للعباد، وهو غير محتاج إلى شيء من ذلك. ﴿قُلْ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤] أو [٢/ ٢٦]. ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ:﴾ فلا ريب أن النبي ﷺ أول سابق إلى الدين والإيمان من أمته. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: وقيل لي: ﴿وَلا تَكُونَنَّ،﴾ ولو عطف على ما قبله لفظا، لقيل، وأن لا أكون... إلخ، والمعنى: أمرت بالإسلام، ونهيت عن الشرك. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿أَوَّلَ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٤١] أو [٧/ ١٤٣].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وإنكار. (غير): مفعول أول قدم على فعله، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَتَّخِذُ:﴾\nمضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به ثان، قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ﴿أَتَّخِذُ﴾ متعديا إلى واحد، وهو ولي، و(غير الله) صفة له، قدمت عليه فصارت حالا. وهو تكلف لا خفاء فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فاطِرِ:﴾ بالجر صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، وبالنصب على تقدير فعل محذوف، وبالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: هو (فاطر)، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من لفظ الجلالة، وكذلك الجملة الفعلية على تقدير فعل، والجملة الفعلية على قراءة «(فطر)» ولكنها تحتاج إلى تقدير (قد) قبلها، فكلتاهما في محل نصب حال من لفظ الجلالة. و﴿فاطِرِ:﴾\nمضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره هو. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله على لفظه. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُطْعِمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ﴾ ومفعوله","vol":"3","page":255},{"text":"محذوف للتعميم. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو والضمير. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): نافية. ﴿يُطْعِمُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أُمِرْتُ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، وتاء الفاعل نائب فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب (أن)، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَوَّلَ:﴾ خبره، و﴿أَوَّلَ:﴾ مضاف، و﴿مَنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَسْلَمَ﴾ صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكوني أول فريق أسلم. والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأفرد ضمير ﴿أَسْلَمَ﴾ لتأويل ﴿مَنْ﴾ بما رأيت، وجملة: ﴿أُمِرْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) وجملة: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له. وهو في محل جزم بلا الناهية، واسمه ضمير مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (تكون)، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقيل لي: ﴿وَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿أُمِرْتُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وجوز البيضاوي العطف على قوله: ﴿قُلْ﴾ والأول أولى بالاعتبار. وفي ظاهر الكلام التفات من التكلم إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٦]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-804\"></span>﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: هذا الكلام جواب ثالث، ومبالغة في قطع أطماع المشركين في أن يترك الرسول ﷺ دعوته، وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب الأليم. وانظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤] وانظر الخوف، والتخويف في الآية رقم [٢/ ١٥٥]. ﴿عَذابَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٦]. ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ:﴾ المراد به: يوم القيامة الذي شرحته لك في الآية رقم [١٢] وانظر شرح ﴿يَوْمٍ﴾ في الآية رقم [١٢٨] الآتية. ﴿رَبِّي:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١] أو الآية رقم [٢] (الأعراف).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي أَخافُ:﴾ هذا يشبه: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ،﴾ ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿عَصَيْتُ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل","vol":"3","page":256},{"text":"الشرط، والتاء فاعله. ﴿رَبِّي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿عَصَيْتُ رَبِّي:﴾ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين الفعل ﴿أَخافُ﴾ ومفعوله، وهو: ﴿عَذابَ،﴾ و﴿عَذابَ:﴾\nمضاف، و﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ،﴾ وجملة: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ:﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-805\"></span>﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أي: يصرف العذاب عنه، ويقرأ بالبناء للمعلوم: (يصرف):\nفيكون الفاعل ضميرا يعود، إلى (الله) وقد قرئ بإظهاره، والمفعول به محذوف. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾\nتنوين (إذ) عوض عن جملة محذوفة، تضاف (إذ) إليها في الأصل، فإن الأصل: «يوم إذ يجيء العذاب» فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت (إذ) لالتقاء الساكنين كما كسرت: (صه) و(مه) عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: (حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما).\n ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ:﴾ نجاه من العذاب وتكرم عليه. ﴿وَذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الصرف، أو إلى الرحمة، أو إلى كليهما. ﴿الْمُبِينُ:﴾ اسم فاعل من أبان الرباعي: أصله: مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من بان الثلاثي بائن، أصله: باين، وإعلاله مثل إعلال: (قائم) في الآية رقم [١٨] (آل عمران).\nالإعراب: ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُصْرَفْ:﴾\nمضارع مبني للمجهول، فعل الشرط مجزوم، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره «هو» يعود إلى ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الآية السابقة، وانظر الشرح، وعلى قراءة البناء للفاعل فالفاعل يعود إلى ربي في الآية السابقة، تقديره: هو، ومفعوله محذوف، تقديره: العذاب. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وانظر ما ذكرته في الشرح. هذا؛ وقد ذكر أبو البقاء أوجها أخر في الإعراب فيها تكلف وتعسف. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَحِمَهُ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، وجملة: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة جواب الشرط، وقيل: هو جملة فعل الشرط، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية:","vol":"3","page":257},{"text":"﴿مَنْ يُصْرَفْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبره. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفته، والجملة الاسمية (ذلك...) إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-806\"></span>﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿يَمْسَسْكَ:﴾ يصبك. وانظر (لمس، ومس) في الآية رقم [٧]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿بِضُرٍّ:﴾ فقر ومرض ونحوهما. ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ:﴾ فلا يقدر على كشفه إلا الله تعالى. ﴿بِخَيْرٍ:﴾ صحة وغنى ونحوهما. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]، ﴿قَدِيرٌ:﴾ مقتدر لا يعجزه شيء في هذا الكون، فهو الضار، وهو النافع، وهو المذل، وهو المعز، والخطاب في الآية للنبي ﷺ ولكنه يعم كل واحد في كل زمان ومكان.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَمْسَسْكَ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وفك التضعيف على قاعدة في المضعف معروفة، والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِضُرٍّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿كاشِفَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾\nمتعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (لا). وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر (لا)، فأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿كاشِفَ،﴾ كما يجوز تعليقهما ب: ﴿كاشِفَ﴾ لأنه اسم فاعل، وعليهما فخبر (لا) محذوف، تقديره، موجود أو حاصل، والجملة الاسمية: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع بدل من محل اسم (لا)؛ لأنه في الأصل مرفوع، أو هو بدل من (لا) واسمها لأنهما في محل رفع مبتدأ، أو هو بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وهو الأقوى والأولى، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، ولا يصعب عليك بعد هذا إعراب بقية الآية.\nوهذا هو الإعراب الظاهر والمتبادر، ولكن عند التأمل يتبين لك: أن جواب الشرط في الجملة الثانية محذوف. التقدير: فلا راد له، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقوله: ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تعليل لكل من الجوابين: المذكور في الشرطية الأولى والمحذوف في الثانية.","vol":"3","page":258},{"text":"<span id=\"aya-807\"></span>﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿الْقاهِرُ:﴾ القهر إما أن يراد به الغلبة أو التذليل، وما هنا من الأول، وكذا قوله تعالى حكاية عن قول فرعون: ﴿وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ وعبارة الخازن: يعني: وهو الغالب لعباده، ﴿الْقاهِرُ﴾ لهم، وهم مقهورون تحت قدرته، والقاهر، والقهار معناه: الذي يدبر خلقه بما يريد، وإن شق عليهم، فلا يستطيع أحد من خلقه رد تدبيره، والخروج من تحت قهره وتقديره. ومعنى ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ هنا: أن قهره قد استعلى على خلقه، فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم من الاقتدار والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه، ولا ينفك عنه. انتهى بتصرف. وهذا يعني أن لا فوقية معلومة. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في أمره وتدبير شئون عباده. ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بعباده وما ببواطنهم وأسرارهم وأحوالهم.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْقاهِرُ:﴾ خبره. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿الْقاهِرُ﴾ وجوز اعتباره متعلقا بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، كما جوز اعتباره متعلقا بمحذوف حال من الضمير المستتر ب ﴿الْقاهِرُ،﴾ التقدير: مستعليا فوق عباده، وهذا يفيده التفسير والشرح. وهو مضاف، و﴿عِبادِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ﴾.\nمستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى.\n<span id=\"aya-808\"></span>﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤] لشرح: «القول». ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿اللهُ شَهِيدٌ..﴾. إلخ: المراد بشهادة الله: إظهار المعجزة على يد النبي ﷺ، وهي فعل، ولا شك أن دلالة الفعل أقوى من دلالة القول، لعروض الاحتمالات في الألفاظ دون الأفعال. فإن دلالتها لا يعرض لها الاحتمال، وأن المعجزة نازلة من قوله تعالى: «صدق عبدي في كل ما يبلغ عني». ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ:﴾ أنزل علي. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٨]. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ:﴾ لأخوفكم بالقرآن عذاب جهنم وسخط الله إن لم تؤمنوا بالله ورسوله، وتتركوا ما أنتم عليه من العبادات الباطلة. ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: ومن سمع القرآن وبلغه إلى يوم القيامة من العرب والعجم، أو من الثقلين إنسا وجنّا ونباتا وجمادا، والمقصود بكاف","vol":"3","page":259},{"text":"المخاطب: أهل مكة الذين كانوا في عصر النبي ﷺ. ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ:﴾ هذا استفهام تقرير وتوبيخ، والمعنى: إنكم تعبدون آلهة مع الله، وتشهدون بأنها حق يجب اتباعه. ﴿قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ أي: لا أعترف ولا أشهد بحقية هذه الأصنام التي تقدسونها وتعبدونها من دون الله. ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ:﴾ هذا تقرير وتثبيت للتوحيد بعبادة إله واحد، وهو الله الذي لا شريك له. ﴿بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أنا أبرأ من كل شيء تعبدونه من دون الله.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة حين قال كفار قريش للنبي ﷺ: يا محمد لقد سألنا عنك اليهود، والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله. هذا؛ ويعلم من الآية الكريمة جواز إطلاق الشيء على الله تعالى، وهو كذلك، لكن بشرط التقييد بأن يقال: هو شيء لا كسائر الأشياء. انتهى جمل نقلا عن شيخه. وقال مكي: وفي الآية دلالة أن شيئا من أسماء الله. أقول: لم يثبت ذلك عمن يحتج بقوله من أئمة المسلمين، ماضيهم وحاضرهم.\nالإعراب: ﴿أَيُّ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبره.\n ﴿شَهادَةً:﴾ تمييز. وقرئ بالجر على الإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، أي: الله أكبر شهادة. ﴿شَهِيدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو شهيد، فالكلام جملتان لا جملة واحدة، وهما جواب ل: ﴿أَيُّ﴾ من حيث اللفظ والمعنى، ويجوز اعتبار الجلالة مبتدأ، و﴿شَهِيدٌ﴾ خبره، والجملة على هذا جواب ل ﴿أَيُّ﴾ من حيث المعنى، أي: إنها دالة على الجواب، وليست بجوابه.\nانتهى جمل نقلا عن السمين. والجملتان أو الجملة في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿شَهِيدٌ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. (أوحي): ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وقيل: صفة. ولا وجه له. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل تقديره: «أنا» والكاف مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأن المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَأُوحِيَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. (من): فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه في محل نصب عطفا على الضمير المتصل الواقع مفعولا به، وتكون (من) موصولة، والعائد عليها من صلتها محذوف، أي: ولأنذر الذي بلغه القرآن، والثاني: أن في ﴿بَلَغَ﴾ ضميرا مرفوعا يعود على (من) ويكون المفعول محذوفا، وهو منصوب المحل أيضا نسقا على مفعول: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾ التقدير:","vol":"3","page":260},{"text":"ولأنذر الذي بلغ الحكم، فالعائد هنا مستقر في الفعل، والثالث: أن (من) مرفوعة المحل نسقا على الضمير المرفوع في: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ،﴾ وجاز ذلك لأن الفصل بالمفعول والجار والمجرور أغنى عن تأكيده، والتقدير: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ،﴾ ولينذركم الذي بلغه القرآن. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nالهمزة: حرف استفهام. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَتَشْهَدُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تشهدون): فعل وفاعل. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومع مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿آلِهَةً:﴾ اسم: ﴿أَنَّ﴾ مؤخر.\n ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿آلِهَةً﴾ منصوب مثله... إلخ، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل: (تشهدون)، وجملة: ﴿لَتَشْهَدُونَ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر (أنّ) والجملة الاسمية: ﴿أَإِنَّكُمْ..﴾. إلخ تحتمل أن تكون داخلة في المقول، وأن تكون مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿هُوَ:﴾\nمبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة إله، هذا؛ وقد جوز أبو البقاء اعتبار (ما) غير كافة موصولة اسم (إنّ). ولا وجه له البتة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما هُوَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ إِنَّما..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (إنني): حرف مشبه بالفعل. والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿بَرِيءٌ﴾ خبره. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بمن، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تشركون به. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) مصدرية تسبك مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: ﴿بَرِيءٌ﴾ من شرككم، والجملة الاسمية (إنني...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-809\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ..﴾. إلخ: المراد بهم علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، وذلك أن كفار مكة قالوا: إنا سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا:\nأنه ليس لك عندهم ذكر، وأنكروا معرفته. فبين الله في الآية السابقة: أن شهادته له كافية على صحة نبوته، وبين في هذه الآية: أن اليهود والنصارى يعرفونه، وأنهم كذبوا في قولهم أنهم لا يعرفونه، هذا؛ وإن الآية ذكرت في سورة (البقرة) رقم [١٤٦] وإذا عرفت أن سورة (البقرة) مدنية، وأن سورة (الأنعام) مكية ظهرت لك الحكمة من تكريرها بألفاظها في سورتين، فهي في سورة (البقرة) تمدح عبد الله بن سلام، وأتباعه، وهي في سورة (الأنعام) تذم الذين أنكروا","vol":"3","page":261},{"text":"صفات النبي ﷺ حينما سئلوا عنها. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ انظر تفسير هذا الكلام في الآية رقم [١٢]. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، وانظر إعراب (حللتم) في الآية رقم [٥/ ٢] ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المنصوب. ﴿يَعْرِفُونَهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والضمير المنصوب يعود إلى الرسول ﷺ، أو إلى القرآن، وكلاهما مفهوم مما تقدم، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. ﴿يَعْرِفُونَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَبْناءَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وما والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يعرفونه معرفة كائنة مثل معرفتهم أبناءهم، وهو قول أبي البقاء وغيره. في مثل هذا التركيب، ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم على طريق الاتساع، فيكون التقدير:\nيعرفونه على مثل هذه الحالة. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ انظر إعرابها في الآية رقم [١٢] أعني به الوجه الأول، وأضيف ما ذكر من أوجه في إعرابها، فقد جوز اعتبار: ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ل:\n ﴿الَّذِينَ﴾ أو بدل منه، كما جوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، أي: هم الذين خسروا أنفسهم، كما جور اعتباره منصوبا على الذم، وهذان الوجهان مفرعان على النعت مقطوعان عنه، وعلى الأقوال الثلاثة يكون قوله: ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ من باب عطف جملة اسمية على مثلها، ويجوز أن يكون عطفا على: ﴿خَسِرُوا،﴾ وفيه نظر من حيث إنه يؤدي إلى ترتب عدم الإيمان على خسرانهم، والظاهر: أن الخسران هو المترتب على عدم الإيمان. انتهى جمل.\n\n<span id=\"aya-810\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ، أي: لا أحد أظلم... إلخ، وذلك لجمعهم بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل، افتراؤهم على الله بما هو باطل غير ثابت، وتكذيبهم ما هو ثابت بالحجة.\nأو المعنى: لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين، فكيف بمن جمع بينهما. انتهى جمل نقلا عن كرخي. والأمر الأول: هو ما زعمه مشركو العرب من كون الملائكة بنات الله تعالى، والأمر الثاني: هو تكذيبهم بالقرآن الكريم، وبالمعجزات التي أيد الله بها نبيه محمدا ﷺ، وانظر شرح ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ:﴾ لا يسعدون بالخلود في جنته؛ لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب. وانظر الآية رقم [١٣٥]. وانظر الظلم في الآية رقم [١٤٤]. وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (يونس) فهذه الآية مثلها في جميع كلماتها.","vol":"3","page":262},{"text":"الإعراب: (من): اسم استفهام مفيد للنفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾\nخبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمَّنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل عليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، وهو ضمير الشأن. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفْلِحُ:﴾ مضارع.\n ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ..﴾. إلخ تعليل للنفي المفهوم من الاستفهام السابق، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-811\"></span>﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨] لشرحه فإنه جيد. والمراد به هنا يوم القيامة.\n ﴿نَحْشُرُهُمْ:﴾ نجمعهم للحساب ونخرجهم من قبورهم للجزاء، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] فإنه جيد. وقرئ مع ما بعده بالياء. ﴿نَقُولُ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾\nجمع من جعل لله ندّا في العبادة. ﴿أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله في العبادة والتعظيم والتقديس. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس) تجد ما يسرك. ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ:﴾ تدعون أنهم يشفعون لكم، والمراد من الاستفهام التوبيخ والتقريع.\nقال البيضاوي: ولعله يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها، ويحتمل: أنهم يشاهدونهم، ولكن لما لم ينفعوهم، فكأنهم غيب عنهم، بعد هذا انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤/ ٦٠] من شرح: ﴿تَزْعُمُونَ﴾. ثم انظر الآية رقم [٩٤].\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، هذا؛ وذكر الجمل وجوها كثيرة يظهر عليها التكلف والتعسف. ﴿نَحْشُرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره نحن، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية: «اذكر يوم...» إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا:﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿نَقُولُ..﴾. إلخ مع المقول الآتي معطوفة على ما قبلها في محل جر مثلها. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿شُرَكاؤُكُمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم","vol":"3","page":263},{"text":"موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿شُرَكاؤُكُمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَزْعُمُونَ﴾ مع مفعوليه المحذوفين في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، والعائد محذوف، وهو أحد المفعولين المحذوفين؛ إذ التقدير: الذين كنتم تزعمونهم شركاء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-812\"></span>﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿فِتْنَتُهُمْ:﴾ قال ابن عباس﵄-: معناه: معذرتهم، هذا؛ والفتنة:\nالتجربة والاختبار، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم؛ قيل له: فتنة. قال الزجاج:\nفي قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ معنى لطيف، وذلك أن الرجل يفتتن بمحبوب، ثم تصيبه فيه محنة، فيتبرأ من محبوبه، فيقال: لم تكن فتنته إلا بذلك المحبوب، فكذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام، ثم لما رأوا العذاب؛ تبرءوا منها، يقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ ومحبتهم للأصنام إلا أن تبرءوا منها. انتهى جمل. ﴿قالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤].\n ﴿وَاللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿رَبِّنا:﴾ انظر الآية رقم [٧/ ٣] و[٧/ ٢٢]. ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ:﴾\nيكذبون ويحلفون على عدم الشرك مع علمهم بأنه لا ينفعهم من فرط الحيرة والدهشة، كما يقولون: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها..﴾. إلخ مع علمهم بالخلود انتهى بيضاوي. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤٦]. والتعبير بالماضي بدلا من المضارع انظر الكلام عليه في الآية رقم [٥/ ١١٦].\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿فِتْنَتُهُمْ:﴾ اسم تكن مرفوع، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والفعل محله النصب ب: ﴿أَنْ،﴾ و﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر: ﴿تَكُنْ﴾. هذا؛ وقد قرئ «(يكن)» بالياء، مع نصب (فتنتهم) فيكون المصدر اسم (يكن) مؤخرا، و(فتنتهم) خبرها مقدما، ﴿وَاللهِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نحلف أو نقسم. ﴿رَبِّنا:﴾ يقرأ بالجر على أنه بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، ويقرأ بالنصب على أنه منادى حذفت منه أداة النداء، وتكون الجملة الندائية معترضة بين القسم وجوابه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ناقص مبني على السكون، ونا: ضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿مُشْرِكِينَ:﴾ خبرها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿ما كُنّا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها أيضا.","vol":"3","page":264},{"text":"<span id=\"aya-813\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿اُنْظُرْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ المراد به اعتذارهم بالباطل، وتبرؤهم من عبادة الأصنام والشرك الذي كانوا عليه، ويستعملون الكذب في الآخرة مثل ما كانوا عليه في دار الدنيا، وذلك لا ينفعهم. وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٧/ ٩] فإنه جيد.\n ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ:﴾ غاب عنهم ولم يروه. هذا معناه هنا. هذا؛ وأكثر استعماله في القرآن الكريم بمعنى كفر وخرج عن جادة الحق والصواب، وهو ضد اهتدى واستقام، وضل الشيء: ضاع وهلك، وضل: أخطأ، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وضل: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ:﴾ يختلقون ويبتدعون من عبادة الأصنام وجميع أنواع الشرك. هذا؛ والتعبير بالماضي بدلا من المستقبل، إنما هو لتحقق وقوعه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٦] (المائدة).\nتنبيه: قال مجاهد-رحمه الله تعالى-إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة، ورأى المشركون سعة رحمة الله تعالى وشفاعة الرسول ﷺ للمؤمنين؛ قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد، فيحلفون الأيمان الكاذبة: أنهم ما كانوا مشركين، فيختم الله على أفواههم، فتشهد عليهم جوارحهم، كما بين الله ذلك في سورة (النور) وسورة (يس)، وسورة (فصلت). انتهى نسفي.\nتنبيه: ذكر الله في هذه الآية: أنهم ينفون شركهم، بل ويحلفون الأيمان الكاذبة، وذكر في الآية رقم [٤/ ٤٢] أنهم لا يقدرون على إخفاء شيء من كفرهم، وذلك بقوله سبحانه ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ والجمع بينهما هو: أن في يوم القيامة مواقف مختلفة، ففي بعضها لا يكتمون، وفي بعضها يكتمون، بل ويكذبون ويحلفون، كما في قوله جل شأنه: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ مع قوله تعالت قدرته ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾. انتهى جمل نقلا عن كرخي.\nوانظر الآية رقم [٣٠] الآتية.\nالإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من واو الجماعة بعده.\n ﴿كَذَبُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿اُنْظُرْ،﴾ وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (ضل):\nماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى","vol":"3","page":265},{"text":"الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلية بعده في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يفترونه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، فيكون في محل رفع فاعل للفعل (ضل) التقدير: ضل عنهم افتراؤهم، وجملة: ﴿وَضَلَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة في حيز المنظور، وجوز اعتبارها مستأنفة فلا تكون داخلة في حيزه، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-814\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمْ:﴾ من المشركين. ﴿يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ:﴾ حين تقرأ القرآن، والمراد: أبو سفيان، وأبو جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف، والحارث بن عامر حين اجتمعوا يستمعون القرآن من النبي ﷺ وهو لا يعلم باستماعهم، فقالوا للنضر-وكان يقرأ تاريخ الفرس، والرومان-يا أبا قتيبة ما يقول محمد، قال: ما أدري غير أني أراه يحرك لسانه، ويقول: أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقّا. فقال أبو جهل: كلا لا تقر بشيء من هذا، الموت أهون علي من هذا.\nهذا؛ وقد قال سبحانه هنا: ﴿يَسْتَمِعُ﴾ وفي سورة (يونس) رقم [٤٢] ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ بالجمع؛ لأن ما هنا في قوم قليلين فنزلوا منزلة الواحد، وما في سورة (يونس) في جميع الكفار، فناسب الجمع، فأعيد الضمير على معنى ﴿مَنْ﴾ وفي الأول على لفظها، وإنما لم يجمع في قوله:\n ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ وهي الآية رقم [٤٣] من سورة (يونس) لأن الناظرين إلى المعجزات أقل من المستمعين للقرآن. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\n ﴿أَكِنَّةً:﴾ أغطية، جمع كنان، وهو الوعاء الجامع المحيط بالشيء، وهو غير الكن بكسر الكاف فإنه يجمع على أكنان، كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا﴾. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ:﴾\nالفقه: الفهم. ﴿وَقْرًا:﴾ الصمم في الأذن، وهو بفتح الواو، و(الوقر) بكسر الواو: حمل البغل، والحمار، والوقار: الحلم والرزانة والتعقل، وهو أيضا: العظمة والهيبة، وفي هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب، فيشرح بعضها للهدى والإيمان، فتتقبله، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله، ولا تؤمن به. ﴿يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أي: لا يصدقوا بكل المعجزات","vol":"3","page":266},{"text":"الدالة على صدقك، وذلك لشدة عنادهم، واستحكام الجهل فيهم، وانظر شرح: ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أي: إنهم إذا رأوا الآيات واستمعوا القرآن إنما جاءوا ليجادلوك ويخاصموك بالباطل لا ليؤمنوا. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الكفار منهم، وانظر (القول) في الآية رقم [٧/ ٤] وانظر (كفروا) في الآية رقم [٥/ ٣٦] ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:﴾ أكاذيب وأباطيل الأمم السابقة وأخبارهم وأقاصيصهم والأساطير جمع: أسطورة، وإسطارة بكسر الهمزة. وقيل:\nواحدها: سطر بفتح الطاء. وأسطار جمع، وأساطير جمع الجمع. هذا؛ وسطر الكتابة جمعه في القلة: أسطر، وفي الكثرة: سطور، مثل: فلس وأفلس وفلوس، هذا؛ وقد قيل في معنى أساطير الأولين: إنها الترهات، وهي عند العرب طرق غامضة، ومسالك وعرة مشكلة، يقول قائلهم؛ أخذنا في الترهات، بمعنى: عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق المشكل الذي لا يعرف، فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة التي لا أصل لها.\nانتهى خازن، وجمل. وانظر الآية رقم [٣١] الأنفال.\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (منهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾\nاسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَسْتَمِعُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ صلة:\n ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. هذا هو الإعراب الظاهر، ولكنني لا أعتمده، وإنما أقول: مضمون (منهم) مبتدأ، و﴿مَنْ﴾ خبره، وانظر شرح ذلك وتفصيله في الآية رقم [٢/ ٨] أو [٧/ ١٦٨] تجد ما يسرك. (جعلنا): فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢] ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على تفسيره ب: «ألقينا» ومتعلقان بمحذوف مفعول به ثان على اعتبار الفعل متعديا لمفعولين، وقد تقدم على المفعول الأول، التقدير: جعلنا الأكنة مستقرة على قلوبهم، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَكِنَّةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَفْقَهُوهُ:﴾ مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، ولا مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا ﴿يَفْقَهُوهُ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (جعلنا)، وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية فهمهم له، فهو مفعول لأجله، وانظر الشاهد [٤٨] من كتابنا فتح القريب المجيب، وجملة ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، هذا؛ وجوز اعتبارها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب: (من)، ويجب تقدير قد قبلها، والرابط: الواو والضمير. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا:﴾\nمعطوف على ما قبله، وإذا قدرت: (جعلنا) قبله وضح لك ذلك. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون","vol":"3","page":267},{"text":"والواو فاعله، والألف للتفريق، والفعل بصري فلذا اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا يُؤْمِنُوا:﴾ جواب الشرط مجزوم... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاؤُكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح.\n ﴿يُجادِلُونَكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ:﴾ مضارع وفاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي بمعنى ما. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، والأولين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. بعد هذا ينبغي لك أن تعرف أن أبا الحسن الأخفش يعتبر ﴿إِذا﴾ في مثل هذه الآية مجرورة ب: ﴿حَتّى،﴾ وهو رأي لا يوافقه عليه أحد من النحويين، تأمل، وتدبر وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-815\"></span>﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَهُمْ:﴾ المراد بهذا الضمير كفار قريش. ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ:﴾ ينهون الناس عن اتباع النبي ﷺ، أو ينهون الناس عن استماع آيات القرآن. ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ:﴾ يبتعدون عنه بأنفسهم، ونأى ينأى نأيا بمعنى بعد، يتعدى بنفسه وبحرف الجر، وهو الأكثر. هذا؛ وإعلال الفعلين مثل إعلال ﴿عَصَوْا﴾ في الآية رقم [٥/ ٧٨]. هذا؛ وقد قال عبد الله بن عباس﵄-:\nنزلت الآية في أبي طالب عم النبي ﷺ، كان ينهى المشركين عن أذى النبي ﷺ، ويمنعه منهم، وينأى هو بنفسه عن الإيمان به. أقول: وذبّ أبي طالب الناس عن النبي ﷺ، وعدم الإيمان به مشهور مسطور، ولكن سياق الآيات المتقدمة يؤيد الوجه الأول؛ لأنها جميعها في ذم طريقتهم وسلوكهم تجاه الإسلام والقرآن ومحمد ﵊. ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ..﴾. إلخ، أي لا يضرون غيرهم بسلوكهم هذا، ولا ﴿يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ،﴾ ولكنهم لا يعلمون الحقيقة.\nهذا؛ والشعور: إدراك الشيء من وجه يدق ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. والمعنى: وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم بما يفعلون، وأنهم","vol":"3","page":268},{"text":"سيحاسبون عليه حسابا عسيرا، وسيعاقبون عليه عقابا شديدا. ولا تنس أن الفعل ﴿يَشْعُرُونَ﴾ من الثلاثي، وهو في الآية رقم [١٠٩] الآتية من الرباعي.\nالإعراب: (هم): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْهَوْنَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿يُهْلِكُونَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو والضمير. (ما): نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف. إذ التقدير: وما يشعرون أنهم هالكون، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-816\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿تَرى:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٥/ ٥٢] وهو خطاب للنبي ﷺ، ولكل من يتأتى منه الرؤية. ﴿وُقِفُوا:﴾ هذا يكون يوم القيامة، وعبر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥/ ١١٦] ﴿النّارِ:﴾ انظر دركاتها في الآية رقم [٤/ ١٤٥]، وإعلاله وشرحه في الآية رقم [٥/ ٣٧]. ﴿فَقالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿نُرَدُّ﴾ أي: إلى دار الدنيا، ﴿بِآياتِ رَبِّنا﴾ أي: بالآيات الناطقة بأحوال النار وأهوالها، والآمرة بالإيمان بالله وبرسوله، فهم يتمنون حين يشاهدون النار وأهوالها ثلاثة أمور: الرجوع إلى دار الدنيا، وعدم التكذيب بآيات الله. أو بالمعجزات، والكون من جملة المؤمنين الصادقين الذين فازوا برضا الله ونعيم الآخرة الذي لا ينقطع، ولا يزول. وانظر شرح: ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤] وانظر شرح: ﴿رَبِّنا﴾ في سورة الفاتحة رقم [١] أو رقم [٧/ ٣] وانظر شرح الإيمان في الآية رقم [٩٥] المائدة.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَرى:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره:\n «أنت»، والمفعول محذوف، التقدير: ترى حالهم، وقيل: هي قلبية، وتكلف تقدير ما لا داعي له.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، وقيل: هي بمعنى «إن»، ولا وجه له، انظر الشرح. ﴿وُقِفُوا:﴾\nماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، فيكون (وقف) متعديا، ويكون بمعنى: (حبسوا) وقد قرئ بالبناء للمعلوم، وعلى الوجهين فالجملة فعلية هي في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿عَلَى النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿تَرى..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لرأيت أمرا فظيعا ونحوه، و(لو)","vol":"3","page":269},{"text":"ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، فإن الكلام شروع في حكاية ما سيصدر عنهم يوم القيامة من القول المناقض لما صدر عنهم في الدنيا. (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب:\n ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية مع مقولها معطوفة على جواب لو الذي رأيت تقديره، لا محل لها مثله. (يا): حرف تنبيه، وجوز اعتبارها أداة نداء، والمنادى محذوف، والأول أقوى، كما يفيده مغني اللبيب، انظر بحث (يا) في كتابنا: «فتح القريب المجيب». (ليتنا):\nحرف مشبه بالفعل، ونا: ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿نُرَدُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: «نحن»، والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: نرد إلى الدنيا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، وجملة: ﴿يا لَيْتَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو المعية، (لا): نافية. ﴿نُكَذِّبَ:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الواو، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و(الله) مضاف إليه. و«أن» المضمرة والفعل: ﴿نُكَذِّبَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق:\nالتقدير: نتمنى ردّا إلى الدنيا وعدم تكذيب. (نكون): مضارع ناقص منصوب بأن المضمرة، أو بسبب عطفه على ما قبله، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر:\n (نكون)، و«أن» المضمرة والفعل (نكون) في تأويل مصدر معطوف على المصدر السابق، هذا؛ وقد قرئ الفعلان بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: العطف على الفعل: ﴿نُرَدُّ،﴾ فيكونان داخلين في المتمنى، وهو ما رأيته في الشرح، والثاني: أن يكون كل منهما خبر مبتدأ محذوف، التقدير:\nونحن لا نكذب... إلخ، ونحن نكون... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من نائب فاعل نرد، وجوز اعتبار الجملتين الاسميتين مستأنفتين، فلا تكونان داخلتين في المتمنى، هذا؛ وقد قرئ برفع الأول، ونصب الثاني، وبالعكس، والإعراب لا يتغير.\n\n<span id=\"aya-817\"></span>﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿بَدا لَهُمْ ما كانُوا..﴾. إلخ: أي: ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم وكفرهم وعنادهم، وقبائح أعمالهم، فتمنوا ما تقدم ذكره ضجرا لا عزما على أنهم لو رجعوا إلى الدنيا لآمنوا. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ أي: إلى الدنيا بعد ما ظهر لهم ما ظهر، وهذا على سبيل الفرض والتقدير؛ لأن الرجوع محال. ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: من الكفر والمعاصي، وذلك للحكم الأزلي في حقهم: أنهم أصحاب النار. فالحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان حيث شملتنا عناية الله ورحمته. ﴿لَكاذِبُونَ﴾ أي: فيما يقولونه، ويعدون به أنفسهم. وانظر التعبير بالماضي عن المستقبل في الآية رقم [٥/ ١١٦] (المائدة).\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿بَدا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.\n ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل","vol":"3","page":270},{"text":"رفع فاعل، وجملة: ﴿كانُوا يُخْفُونَ:﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صلتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يخفونه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الضمير المحذوف الذي رأيت تقديره، و﴿قَبْلُ﴾ بني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. والجملة الفعلية: ﴿بَلْ بَدا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿رُدُّوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف كما رأيت في الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها كما رأيت في الآية السابقة، وجملة ﴿لَعادُوا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]، ﴿لِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿نُهُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله.\n ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿نُهُوا عَنْهُ:﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: (عن)، و(لو) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة.\nوالاستئناف ممكن بالإعراض عن الكلام السابق. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (كاذبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو والضمير معا.\n\n<span id=\"aya-818\"></span>﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿إِنْ هِيَ:﴾ ما هي... إلخ، وقد وصف سبحانه الحياة التي يحياها ابن آدم ب: ﴿الدُّنْيا﴾ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله من قال: [الكامل]\nيا خاطب الدنيا الدّنية إنها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nهذا؛ و﴿هِيَ﴾ ضمير مبهم يفسره خبره، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة.\n ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ:﴾ فهم ينفون البعث للحساب والجزاء يوم القيامة، وهو ركن من أركان الإيمان، كما رأيت فيما مضى.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿حَياتُنَا:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿حَياتُنَا﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر،","vol":"3","page":271},{"text":"والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هِيَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسمها.\n ﴿بِمَبْعُوثِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مبعوثين): خبر (ما)، فهو مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والجملة الاسمية: ﴿وَما نَحْنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لَعادُوا..﴾. إلخ أو على: ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ أو على جملة:\n ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فتكون مستقبلة، وقد عبر بالماضي لتحقق وقوع ذلك، انظر الآية رقم [٥/ ١١٦] أو هي مستأنفة لا محل لها، فتكون مما قالوه في الدنيا، وليست داخلة في حيز (لو)، وعلى الاعتبارات الثلاثة الأول تكون داخلة في حيز: (لو). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-819\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [٢٧]. ومعنى الوقوف على ربهم: حبسهم يوم القيامة للسؤال والتوبيخ. وقيل: معناه: وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه، وعرفوه حق المعرفة. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١]. ﴿قالَ:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿هذا﴾ أي: البعث للحساب والجزاء من عقاب وثواب. والمراد بالاستفهام: التوبيخ والتقريع على تكذيبهم وكفرهم. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧].\n ﴿بَلى:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٨١]. ﴿وَرَبِّنا:﴾ أكدوا اعترافهم بهذا اليمين إظهارا لكمال يقينهم بحقية ما رأوا من البعث؛ حيث انكشف لهم تماما.\nقال ابن عباس﵄-: للقيامة مواقف، ففي موقف ينكرون، ويقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وفي موقف يعترفون بما كانوا ينكرونه في الدنيا، وانظر الآية رقم [٢٤]. ﴿قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ:﴾ القائل هو الله تعالى، أو تقول لهم الخزنة ذلك بأمر الله تعالى، وإنما خص لفظ الذوق؛ لأنهم في كل حال يجدون ألم العذاب وجدان الذائق في شدة الإحساس، وانظر الآية رقم [١٤] من سورة (الأنفال). ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ انظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٣٦] (المائدة).\nالإعراب: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٧] فهو مثله بلا فارق. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ليس) والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ الباء:\nحرف جر زائد. (الحق): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها في محل نصب مقول القول،","vol":"3","page":272},{"text":"﴿وَرَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم، ونا: في محل جر بالإضافة، والجملة القسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، أو هي زائدة. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منكم ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وعلى الوجه الثاني في الفاء فجملة: (ذوقوا...) إلخ في محل نصب مقول القول بمفردها. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل (ذوقوا)، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون.\nوالتاء اسمه. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كنتم تكفرون به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كفركم، ويظهر: أن هذا الوجه أقوى من الوجهين الأولين، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-820\"></span>﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا..﴾. إلخ: ما أجدرك أن تنظر هذه الخسارة في الآية رقم [١٢].\n ﴿بِلِقاءِ اللهِ:﴾ المراد به: البعث بعد الموت للحساب والجزاء... إلخ. أو المراد بلقائه تعالى:\nرؤيته يوم القيامة؛ لأن منكر البعث منكر للرؤية. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿السّاعَةُ:﴾ القيامة، سميت بذلك لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎، وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة أو أقل من ذلك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الأعراف)، وانظر تفسير قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٢/ ٢٠٢]، ولا تنس أن ساعة كل إنسان وقيامته وقت مقدمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ: «من مات فقد قامت قيامته». ﴿بَغْتَةً:﴾\nفجأة. ﴿قالُوا:﴾ انظر القول في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿يا حَسْرَتَنا:﴾ هي شدة التألم، ونداؤه مجاز، فليس القصد حضور الحسرة، بل الاعتراف بما وقع لهم من شدة الندم والتحسر عليه. ﴿عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ أي: قصرنا وأهملنا في الحياة الدنيا، وانظر الآية رقم [٣٨]، وذلك في العمل الصالح، وعاد الضمير على الدنيا ولم يجر لها ذكر؛ لأنها معلومة، أو في الساعة، أي في شأنها والإيمان بها. ﴿أَوْزارَهُمْ:﴾ ذنوبهم التي عملوها في الدنيا.\nهذا؛ والوزر: الثقل، وقد عبر الله عن الذنوب بالأثقال في سورة (العنكبوت) وذلك في قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ وحمل الذنوب بالمعنيين على الظهور قيل به: إن","vol":"3","page":273},{"text":"الكافر إذا أخرج من قبره يوم القيامة يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحا، فيقول له: هل تعرفني، فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك حتى أخزيك على رءوس الخلائق! فيركبه، ويتخطى به الناس، حتى يقف بين يدي الله تعالى. ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ:﴾ بئس ما يحملونه.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرَ الَّذِينَ:﴾ فعل وفاعل.\n ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب آمنوا في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿بِلِقاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(لقاء): مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ومفعول ﴿خَسِرَ﴾ محذوف، تقديره: أنفسهم على حد ما رأيت في الآية رقم [١٢] و[٢٠]. ﴿حَتّى إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٥]. ففيها الكفاية.\n ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿جاءَتْهُمُ..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها... إلخ. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من: ﴿السّاعَةُ﴾. بمعنى: باغتة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، فتكون هذه الجملة في محل نصب حال من ﴿السّاعَةُ﴾. وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا ل: (جاء) من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المقول جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها.\nو﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (حسرتنا):\nمنادى، ونا: في محل جر بالإضافة، ونداء الحسرة مجاز؛ لأنها لا يتأتى منها الإقبال، وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر. وكأنهم نادوا الحسرة، فقالوا: إن كان لك وقت فهذا أوان حضورك، ومثله: يا ويلتا ونحوه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾\nتحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بعلى والجار والمجرور متعلقان بالحسرة لأنها مصدر، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فرطناه فيها، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بعلى، التقدير: يا حسرتنا على تفريطنا في دنيانا، وهذا أقوى من الوجهين السابقين في ﴿ما،﴾ ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وجملة: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير. ﴿عَلى ظُهُورِهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، واعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿أَوْزارَهُمْ﴾ لا بأس به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَزِرُونَ﴾ في محل نصب صفة ما، والتقدير: ساء الشيء شيئا مزرى به، ورابط الصفة محذوف، التقدير: يزرونه، والمخصوص بالذم أيضا محذوف، التقدير: هو حملهم. هذا؛","vol":"3","page":274},{"text":"وأجاز أبو البقاء اعتبار الفعل: ﴿ساءَ﴾ متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجاز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين ﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد او الرابط محذوف، وتقدير الكلام:\nألا ساءهم الذي، أو شيء يزرونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم حملهم، والجملة الفعلية: ﴿أَلا ساءَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-821\"></span>﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: وما أعمال الدنيا إلا لعب ولهو تلهي الناس، وتشغلهم عن طاعة الله تعالى، وما يعقبها من منفعة دائمة، ولذة حقيقية. هذا؛ واللعب: ترك ما ينفع بما لا ينفع، واللهو: الميل عن الجد إلى الهزل. ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ:﴾ المراد بها الجنة وما فيها من نعيم مقيم، والمراد العمل بها. ﴿خَيْرٌ:﴾ أفضل، وانظر ما ذكر في الآية رقم [٢/ ٥٤] أو [٧/ ١٢]. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: يبتعدون عن الشرك والمعاصي.\n ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: ألا تفهمون أن الآخرة خير من الدنيا، فتعملون لها. وانظر الآية رقم [/٤٤ ٢] أو [٥/ ١٠٧] ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ انظر العقل في الآية رقم [٢/ ٧٥]. وقد قرئ الفعل بالتاء والياء، وعلى الأول فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظره في الآية رقم [٦].\nالإعراب: ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿الْحَياةُ:﴾ مبتدأ. ﴿الدُّنْيا:﴾\nصفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿لَعِبٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. (لهو): معطوف على ما قبله. ﴿وَلَلدّارُ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (الدار): مبتدأ. ﴿الْآخِرَةُ:﴾\nصفة (الدار). هذا؛ وقد قرئ «(ولدار الآخرة)» بالإضافة كما في سورة (يوسف). ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾.\nوجملة: ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام.\nالفاء: حرف استئناف. لا: نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل وفاعل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وانظر الآية رقم [١٠٧] (المائدة).\n<span id=\"aya-822\"></span>﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿نَعْلَمُ:﴾ المضارع هنا بمعنى الماضي، أي: علمنا، و﴿قَدْ﴾ مفيدة لتكثير العلم، وقد علق الفعل عن العمل بسبب لام الابتداء التي زحلقت إلى خبر (إنّ) ولذلك كسرت همزتها،","vol":"3","page":275},{"text":"ولولا وجود هذه اللام لفتحت الهمزة كما هو معروف. وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦].\n ﴿لَيَحْزُنُكَ:﴾ ليسوءك، وهو يقرأ بفتح الياء من الثلاثي، كما يقرأ بضمها من الرباعي. ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾ أي: قالوه من قولهم: ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ونحوه. ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: في الحقيقة؛ لأنهم يعلمون صدقك وأمانتك وجميع صفاتك الحميدة. هذا؛ ويقرأ الفعل بتشديد الذال، وتخفيفها من: أكذبه إذا وجده كاذبا، أو نسبه إلى الكذب. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وظلموا الرسول ﷺ بالجحود والإنكار. وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٤]. ﴿بِآياتِ اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يَجْحَدُونَ:﴾ جحد الشيء: أنكره، وجحد الإسلام: كفره به، وهو من باب: فتح.\nتنبيه: قال السدي: التقى الأخنس بن شريق، وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟. فإنه ليس هنا أحد يسمع كلامك غيري. فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة؛ فماذا يكون لسائر قريش. وقال أبو جهل مشافهة للنبي ﷺ: ما نتهمك ولا نكذبك، ولكنا نكذب الذي جئت به، وعن علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-أن أبا جهل -لعنه الله تعالى-قال للنبي: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ..﴾. إلخ. أخرجه الترمذي. وفي الآية الكريمة تسلية للرسول ﷺ، وتعزية له عما يواجهه به قومه من تكذيب وغيره. هذا؛ وجحودهم بآيات الله يفيده قول أبي جهل الخبيث، وغيره.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف مفيد للتكثير كما رأيت. ﴿نَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره: «نحن». ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل والهاء ضمير الشأن في محل نصب اسمها.\n ﴿لَيَحْزُنُكَ:﴾ اللام: هي المزحلقة، (يحزنك): مضارع ومفعوله. ﴿الَّذِي:﴾ فاعله. والجملة الفعلية بعده صلته. والعائد محذوف. إذ التقدير: الذي يقولونه. وجملة: ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل قبلها، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ نَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء:\nحرف تعليل ذكره الجمل، (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يُكَذِّبُونَكَ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب كما أفاده الجمل، وأرى: أنها معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة في المعلوم عند الله تعالى. الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسم (لكنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، وفيه إقامة الظاهر محل المضمر لشدة التشنيع عليهم. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان ب ﴿الظّالِمِينَ،﴾ أو","vol":"3","page":276},{"text":"متعلقان بالفعل بعدهما، وهو الأقوى، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَجْحَدُونَ:﴾\nفعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ). والجملة الاسمية: (لكنّ...) إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-823\"></span>﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿رُسُلٌ:﴾ جمع: رسول، انظر الآية رقم [٥/ ٨٣] والآية رقم [٤/ ١٥٠] و[٤/ ١٦٤] ﴿فَصَبَرُوا:﴾ انظر الصبر في الآية رقم [٢/ ٤٥] فإنه جيد. ﴿وَأُوذُوا:﴾ آذاهم أقوامهم، وتلك هي سنة الأولين والآخرين في إيذاء المجرمين للمؤمنين وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦]. ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ:﴾ المراد بذلك ما ينبئ عنه بقوله جلت قدرته: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. وقوله جل ذكره: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.\nوغير ذلك من المواعيد السابقة للرسل عليهم الصلاة والسّلام، الدال على نصرة محمد ﷺ.\nوانظر الآية رقم [١١٥]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة، ﴿جاءَكَ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿نَبَإِ:﴾\nخبر وقصص المرسلين السابقين قبلك. وانظر (ينبئهم) في الآية رقم [١٤] المائدة.\nتنبيه: في الآية الكريمة تسلية للنبي ﷺ، وتعزية له عما يلقاه من تكذيب قومه له، واعتدائهم عليه، وذلك لأن عموم البلوى مما يهون أمرها بعض تهوين، خذ قول الخنساء في هذا المقام فإنه جيد: [الوافر]\nولولا كثرة الباكين حولي... على إخوانهم لقتلت نفسي\nوما يبكون مثل أخي ولكن... أسلّي النفس عنه بالتّأسّي\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُذِّبَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿رُسُلٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿رُسُلٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها جواب القسم المقدر، والجملة القسمية: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (صبروا): فعل وفاعل والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، و﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: صبروا على تكذيبهم. ﴿وَأُوذُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم،","vol":"3","page":277},{"text":"والواو نائب فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي تسبك بمصدر، تقديرا، أي: وعلى إيذائهم. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر تقدر بعدها «أن» مضمرة. ﴿أَتاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والهاء: في محل نصب مفعول به. ﴿نَصْرُنا:﴾\nفاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير:\nنصرنا إياهم، وأن المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل أتى في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿كُذِّبَتْ،﴾ وهو أولى من تعليقهما ب (صبروا)، أو ب (أوذوا).\n ﴿وَلا:﴾ الواو، واو الحال. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿مُبَدِّلَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِكَلِماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (لا). وانظر إعراب فلا كاشف له في الآية رقم [١٧] و(كلمات) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية ولا مبدل... إلخ.\nفي محل نصب حال من: ﴿نَصْرُنا،﴾ والرابط الواو فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، وهو الأقوى فيما يظهر. ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ:﴾ هو مثل سابقة في إعرابه وفي محله، وفاعل (جاء) مضمر فيه، فقيل:\nتقديره: المجيء، وقيل: تقديره: النبأ، فيكون الجار والمجرور: ﴿مِنْ نَبَإِ﴾ متعلقين بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وأجاز الأخفش اعتبار «من» زائدة، والفاعل ﴿نَبَإِ،﴾ وسيبويه لا يجيز زيادة ﴿مِنْ﴾ في الواجب، هذا؛ وقد قال الجمل: الجار والمجرور في محل رفع على أنه فاعل، أما باعتبار مضمونه، أي: بعض نبأ المرسلين، أو بتقدير الموصوف، أي: بعض من نبأ المرسلين، و﴿نَبَإِ:﴾ مضاف، و﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-824\"></span>﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ:﴾ عظم وشق عليك. ﴿إِعْراضُهُمْ﴾ أي: عنك وعن الإيمان بما جئت به. ﴿اِسْتَطَعْتَ:﴾ قدرت. ﴿تَبْتَغِيَ:﴾ تطلب. ﴿نَفَقًا:﴾ هو سرب في الأرض يخلص منه إلى مكان آخر، وأصله في حجرة اليربوع، ومنه: النافقاء والقاصعاء، وفي هذه الأيام يشق نفق تحت الجبال يكون طريقا عامّا. ﴿سُلَّمًا:﴾ السلم: الدرج يصعد عليه إلى الأعلى، وهو مشتق من السلامة، قالوا: لأنه يسلم به إلى المكان الذي يريد الارتقاء إليه. ﴿فَتَأْتِيَهُمْ:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٤]. ﴿بِآيَةٍ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿شاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿الْجاهِلِينَ:﴾ جمع: جاهل، وهو الذي يجهل ما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم كيفيته وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]","vol":"3","page":278},{"text":"فإن تزعميني كنت أجهل فيكمو... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل\nوإن لم يكن كذلك يصدق عليه أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر الحكيم: [الكامل]\nفضل الحمار على الجهول بخلّة... معروفة عند الّذي يدريها\nإنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهال ما يؤذيها\nومعنى الآية الكريمة: وإن كان شق عليك يا محمد وعظم إعراض قومك عن الإيمان بك وعما جئت به، فإن قدرت أن تذهب في طريق مخفي تحت الأرض، أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية تدلهم على صدقك. والمقصود من هذا أن يقطع الرسول ﷺ طمعه من إيمانهم، ولا يتأذى بسبب إعراضهم عنه، وعن الإيمان به. ويبين الله سبحانه أن الهداية هدايته، فلو شاء لهداهم إلى الإيمان، فالأمر ليس إليك يا محمد، فلا تكونن من الذين يجهلون الحكمة الإلهية.\nوحاشاه ﷺ أن يجهلها!\nتنبيه: ذكر ابن الجوزي في سبب نزول هذه الآية: أن الحارث بن عامر أتى رسول الله ﷺ في نفر من قريش، فقال: ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات، فإن فعلت آمنا بك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ﵄، انتهى خازن.\nالإعراب: (إن): حرف شرط جازم، ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير الشأن محذوف، وقيل: ﴿إِعْراضُهُمْ﴾ اسمها تأخر عن الخبر. ﴿كَبُرَ:﴾\nماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى: ﴿إِعْراضُهُمْ،﴾ أو هو فاعله، كما رأيت، وأرى: أن الفعلين قد تنازعاه، فإذا أعملت فيه أحدهما وجب الإضمار في الثاني، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط (إن استطعت) إعرابه مثل إعراب سابقه، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا﴾ في محل نصب مفعول به، ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نَفَقًا،﴾ وجوز تعليقهما بالفعل: ﴿تَبْتَغِيَ،﴾ كما قيل بتعليقهما بمحذوف حال من فاعله المستتر، والأول أقوى. ﴿سُلَّمًا:﴾ معطوف على: ﴿نَفَقًا،﴾ ﴿فِي السَّماءِ:﴾ يجوز فيهما ما جاز بقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ وجواب الشرط محذوف، التقدير: فافعل، و(إن) ومدخولها في محل جزم جواب (إن) السابقة، والكلام: ﴿وَإِنْ كانَ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له. ﴿فَتَأْتِيَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تأتيهم): معطوف على: ﴿تَبْتَغِيَ﴾ منصوب مثله، والفاعل مستتر تقديره «أنت» والهاء مفعول به. ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول","vol":"3","page":279},{"text":"محذوف، تقديره: هدايتهم، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَمَعَهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (جمعهم): فعل ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿عَلَى الْهُدى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا فلا تكونن... إلخ. (لا): ناهية جازمة.\n ﴿تَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم ب: (لا) الناهية، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر الفعل الناقص، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء.\n\n<span id=\"aya-825\"></span>﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿يَسْتَجِيبُ:﴾ يجيب دعاءك. ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: سماع قبول بقلوبهم وعقولهم.\n ﴿وَالْمَوْتى:﴾ المراد به الكفار؛ لأنهم لا يسمعون الموعظة سماع قبول، وقد حكى القرآن عنهم ذلك: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾. وأكبر دليل على ذلك آية (البقرة) رقم [١٧١] وآية (الأعراف) رقم [١٧٩] اعتبرتهم كالأنعام، بل هم أضل. ﴿يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ أي: في يوم القيامة للحساب والجزاء، فحينئذ يسمعون، وتتفتح آذانهم، وتزال الأكنة عن قلوبهم. هذا؛ وانظر (سمعوا) في الآية رقم [٥/ ٨٣]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٣] ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ رجع، يستعمل لازما ومتعديا، و﴿يُرْجَعُونَ﴾ يقرأ بالبناء للمعلوم والمجهول، فعلى الأول يكون من اللازم، وعلى الثاني يكون من المتعدي.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية:\n ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (الموتى): فيه ثلاثة أوجه: أولها هو مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ في محل رفع خبره، والثاني هو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، ورجح هذا الوجه على الرفع بالابتداء لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها، فهو نظير قوله تعالى: ﴿وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾. بعد قول: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. والثالث هو مرفوع نسقا على الموصول قبله، وعليه فجملة: ﴿يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل نصب حال. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ فعل وفاعل. أو هو فعل ونائب فاعله على نحو ما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.","vol":"3","page":280},{"text":"<span id=\"aya-826\"></span>﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: قال كفار قريش، وانظر الآية رقم [٢٦] (البقرة) أو [٧/ ٤] (الأعراف) لشرح «القول». ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾ أي: على الرسول ﷺ، وانظر: (أنزلنا) في الآية رقم [٥١] (المائدة).\n ﴿آيَةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿رَبِّهِ:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١] و[٧/ ٢]. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة، والمراد بالآية التي طلبوها مثل الناقة والعصا والمائدة ونحو ذلك، فلم يكتفوا بما شاهدوا من المعجزات مثل انشقاق القمر ونحوه. ﴿إِنَّ اللهَ قادِرٌ﴾ أي: على إجراء المعجزات المذكورة، ولكن إذا نزلت ولم يؤمنوا؛ يحل بهم البلاء. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن نزول الآيات التي طلبوها بلاء عليهم وهلاك لهم؛ إن لم يؤمنوا، ويوحدوا بعد نزولها.\nالإعراب: (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿نُزِّلَ:﴾\nماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آيَةٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿آيَةٌ،﴾ وجملة: ﴿لَوْلا نُزِّلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ اللهَ قادِرٌ:﴾ إن واسمها وخبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ في محل جر ب: (على) والجار والمجرور متعلقان بقادر لأنه اسم فاعل، فلذا فيه ضمير مستتر هو فاعله، التقدير: قادر على إنزال آية. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسمها، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل وفاعل. ومفعولاه محذوفان كما رأيت تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لكنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول.\n<span id=\"aya-827\"></span>﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿دَابَّةٍ:﴾ تدب، أي: تمشي على وجه الأرض من الإنسان والحيوان والوحش والهوام وغير ذلك، فلذا يطلق لفظ دابة على الذكر والأنثى مما ذكر. ﴿طائِرٍ:﴾ اسم جنس يطلق على جميع الطيور التي تطير في الهواء. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢/ ٢٦٠]. وإنما ذكر سبحانه الجناحين مع ذكر ﴿يَطِيرُ﴾ للتوكيد، كقولك: كتبت بيدي، ونظرت بعيني. ﴿أُمَمٌ:﴾ جمع: أمة،","vol":"3","page":281},{"text":"وهي الجماعة، والطائفة، والمراد طوائف مختلفة، والجمع باعتبار المعنى. وقال مجاهد: أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. يريد: أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والدواب أمة، والسباع أمة تعرف بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم.\nويدل على أن كل جنس من الدواب أمة ما روي عن عبد الله بن مغفل﵁عن النبي ﷺ قال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم؛ لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم».\nأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. ﴿أَمْثالُكُمْ﴾ أي: في تدبير رزقها وخلقها وأحوالها، وفي أنها تعرف ربها، وتوحده، وتسبحه، وتصلى له، كما أنكم تعرفونه، وتوحدونه، وتسبحونه، وتصلون له، وفي أنها يفهم بعضها عن بعض، ويألف بعضها بعضا، كما أن جنس الإنسان يألف بعضهم بعضا، ويفهم بعضهم عن بعض، وفي أن الذكر منها يعرف الأنثى، وفي أنها تبعث بعد الموت للحساب. انتهى خازن بتصرف.\nهذا؛ وقد قال العلماء: جميع ما خلق الله ﷿ لا يخرج عن هاتين الحالتين، إما أن يدب على الأرض، أو يطير في الهواء، حتى ألحقوا حيوان الماء بالطير؛ لأن الحيتان تسبح في الماء، كما أن الطير تسبح في الهواء، وإنما خص سبحانه ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء، وإن كان ما في السماء مخلوقا له؛ لأن الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأدلى مما لا يشاهد.\nانتهى خازن، وجمل بتصرف. ﴿ما فَرَّطْنا:﴾ يقال: فرط الشيء، أي: ضيعه وتركه، وفرط في الشيء، أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه، وانظر الآية رقم [٣١] ﴿الْكِتابِ:﴾ المراد به اللوح المحفوظ، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من جليل ودقيق، لم يهمل الله فيه أمر حيوان ولا جماد، أو المراد به القرآن الكريم، فإنه سبحانه قد دون فيه ما يحتاج إليه الناس من أمر الدين والدنيا، في العبادة، أو الإشارة، أو في الدلالة، أو في الاقتضاء، وانظر الآية رقم [٧] أو [٧/ ٢] تجد ما يسرك. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٣]، ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة الفاتحة رقم [١] أو [٧/ ٢]، ﴿يُحْشَرُونَ:﴾ يجمعون ويبعثون للحساب والجزاء، والمراد جميع المخلوقات ليدبر شئونهم في الآخرة، كما دبرها في الدنيا.\nقال أبو هريرة﵁-: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير، وكل شيء، فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. انتهى خازن بتصرف. وقول أبي هريرة مأخوذ من قول سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ:﴾\nمبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿دَابَّةٍ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿طائِرٍ:﴾ بالجر معطوف على لفظ: ﴿دَابَّةٍ﴾. وقرئ بالرفع على","vol":"3","page":282},{"text":"محله. ﴿بِجَناحَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسر لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ في محل جر صفة: ﴿طائِرٍ﴾. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أُمَمٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿أَمْثالُكُمْ:﴾ صفة: ﴿أُمَمٌ﴾.\nوالكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿فَرَّطْنا:﴾ فعل وفاعل. وانظر بإعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ واقع موقع المصدر فهو مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره.. إلخ، وجملة: ﴿ما فَرَّطْنا..﴾. إلخ معترضة كذا قيل، وهذا على عطف ما بعدها على ما قبلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل بعدها، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، ﴿يُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-828\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ المراد بهم كفار قريش كذبوا بالقرآن وبالمعجزات. وانظر شرح ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿صُمٌّ:﴾ جمع: أصم، والمراد: أنهم لا يسمعون آيات القرآن الدالة على ربوبية الله تعالى وعظيم قدرته سماعا تتأثر به نفوسهم فينتفعون منه. ﴿وَبُكْمٌ:﴾ جمع:\nأبكم، وهو الذي لا ينطق لمرض في لسانه، والمراد: لا ينطقون الحق مع كونهم ينطقون. وانظر الآية رقم [٣٦] والآية رقم [٢/ ١٨]. ﴿الظُّلُماتِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨] والآية رقم [١]، ﴿يَشَأِ:﴾\nانظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٦].\nتنبيه: في الآية الكريمة دليل واضح على أن الهادي والمضل هو الله تعالى، فمن أحب هدايته وفقه بفضله وإحسانه للإيمان، ومن أحب ضلالته تركه على كفره، وهذا عدل منه؛ لأنه تعالى هو الفاعل المختار، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون. وجواب من يعترض على خلق الضلال في العبد ذكرته في الآية رقم [٤/ ٨٨]. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية:\n ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿صُمٌّ:﴾ خبر المبتدأ، وجوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف. التقدير: بعضهم صم، وعليه فالجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ.\n (بكم): معطوف على ما قبله. وقيل: هو خبر ثان، ولا يتأتى هذا إلا باعتبار الواو زائدة. ﴿فِي الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو ثالث، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير","vol":"3","page":283},{"text":"المستتر في ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ وذكر أبو البقاء أوجها أخر يظهر فيها التكلف، والتعسف. والجملة الاسمية: (الذين...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ﴿يَشَأِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم. وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ومفعوله محذوف، التقدير: ضلاله. ﴿يُضْلِلْهُ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ يَشَأِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإعراب ما بعدها مثلها، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-829\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ أي: أخبروني. قال الجمل: استعمال أرأيت في الإخبار مجاز، أي:\nأخبروني عن حالتكم العجيبة. ووجه المجاز: أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، والأبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه؛ استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر لاشتراكهما في الطلب. انتهى. ﴿أَتاكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿عَذابُ:﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذب، يعذب، بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، نحو: عطاء، ونبات لأعطى، وأنبت. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿السّاعَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٣١]. والمراد: أتاكم هول الساعة وفزعها. ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ:﴾ استفهام إنكاري توبيخي.\nالمعنى لهذه الآية: قل يا محمد لهؤلاء الكفارة: أخبروني ماذا تفعلون إن نزل بكم عذاب الله في الدنيا. مثل ما نزل بالأمم السابقة من غرق وخسف ومسخ وصواعق ونحو ذلك، من أنواع العذاب، أو أتتكم الساعة وأهوالها فجأة، هل تسألون غير الله ليكشف عنكم ما ينزل بكم، إن كنتم صادقين في دعواكم؛ فاسألوا أصنامكم كشف الضر عنكم. هذا؛ ولقد كان الكفار إذا نزل بهم شدة وبلاء رجعوا إلى الله بالتضرع والدعاء، وتركوا الأصنام، فقيل لهم: أترجعون إلى الله في حال الشدة والبلاء، ولا تعبدونه، ولا تطيعونه في حال اليسر والرخاء.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتَكُمْ:﴾ الهمزة حرف استفهام. (رأيتكم): فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. هذا الإعراب هو المعتمد في مثل هذا التركيب، وهناك أقوال وآراء كثيرة ضعيفة أعرضت عنها روما للاختصار. وقد اختلف أيضا في مفعولي هذا الفعل، فقال","vol":"3","page":284},{"text":"قوم: هو محذوف، دل عليه الكلام، تقديره: أرأيتكم عبادتكم الأصنام. هل تنفعكم عند مجيء الساعة. ودل عليه قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾. وقال آخرون: لا يحتاج إلى مفعول؛ لأن بالشرط وجوابه قد حصل معنى المفعول. وملخص كلام السمين: أن المفعول الأول محذوف، والمسألة من باب التنازع، تنازع ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ وفعل الشرط في ﴿عَذابُ اللهِ﴾ فالأول يطلبه مفعولا، والثاني يطلبه فاعلا، فأعمل الثاني، وحذف مفعول الأول، وأما المفعول الثاني، فهو الجملة الاستفهامية. انتهى جمل بتصرف كبير. وأرى أن الفعل معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وأن الجملة الفعلية: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ سدت مسد المفعولين وما بينهما كلام معترض لا محل له أعطى الكلام تقوية وتسديدا، وحذف جواب الشرط لدلالة الكلام عليه، ولا حاجة إلى هذا التكلف، والتعسف. والله الموفق والمعين وبه أستعين، وانظر الآية [٥٠] من سورة (يونس).\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَتاكُمْ:﴾ ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿عَذابُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَتَتْكُمُ:﴾ ماض معطوف على ما قبله، وهو في محل جزم مثله، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها... إلخ، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فمن تدعون؟ وقيل: تقديره: إن أتاكم\nدعوتم الله، وقيل: تقديره: فأخبروني أتدعون غير الله لكشفه. وهذا مأخوذ من معنى الكلام السابق كما رأيت في الشرح، وقيل غير ذلك، ولعلك تدرك معي: أن الأول هو المعتمد. ﴿أَغَيْرَ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري. (غير): مفعول به مقدم، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ أو هي مفعوله الثاني على نحو ما رأيت فيما تقدم. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لا محل لها على نحو ما رأيت، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فادعوا أصنامكم ونحو ذلك، كما رأيت في الشرح.\n\n<span id=\"aya-830\"></span>﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ﴾ أي: بل تتوجهون إلى الله بالدعاء في ساعات البلاء، وتخصونه بالتضرع؛ ليكشف عنكم ما نزل بكم. ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ..﴾. إلخ: أي: فيرفع عنكم البلاء، إن شاء. أن يرفعه تفضلا منه وجودا، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة؛ فلا يشاء ولا يستجيب دعاء الكافرين مهما تضرعوا، ودعوا، كما أفاده قوله تعالى: ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي:","vol":"3","page":285},{"text":"في ضياع، وانظر: ﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ أي: تتركون أصنامكم في حين نزول البلاء لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، وهو يفيد: أن تركهم الأصنام في ساعات البلاء بمنزلة من قد نسيها. وانظر «النسيان» في الآية رقم [١٤] المائدة.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب وانتقال. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ فهي مثلها في محل نصب، وهذا أقوى وأولى من الاستئناف. (يكشف): مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: تدعونه. ﴿إِلَيْهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: ﴿إِلَيْهِ﴾ والجملة الفعلية: (يكشف...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ:﴾\nحرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والمفعول به محذوف والجملة الفعلية: لا محل لها كما رأيت في الآية السابقة، وجواب الشرط محذوف، والجملة الفعلية: «فهو يكشف»: معطوفة على ما قبلها. (تنسون): فعل وفاعل. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، وهي مفعول به، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ما تشركونه مع الله في العبادة، وجملة: ﴿وَتَنْسَوْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والجملة الشرطية معترضة بين المتعاطفين.\n\n<span id=\"aya-831\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: يبين الله في هذه الآية الكريمة أنه أرسل قبل نبينا ﷺ رسلا إلى الأمم السابقة، فكذبوهم، ولم يؤمنوا بما جاءوهم به، فانتقم الله منهم بأن أصابهم بأنواع البلاء ليرجعوا، فلم يرجعوا إلى رشدهم. وتلك هي سنة الله في الأولين، وتلك سنته في الآخرين. وفيه تسلية للنبي ﷺ. هذا؛ و﴿بِالْبَأْساءِ:﴾ الفقر الشديد، وقيل: هو الجوع، وهي مؤنث البؤس الذي هو الشدة والمكروه. والضراء: الأمراض والآفات على اختلاف أنواعها.\nهذا؛ وقد قال البيضاوي: وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما، ولكن، إذا عرفت أن البؤسى تأنيث البؤس، وأن الباء فتحت، ومدت الألف بالبأساء، عرفت أن لها مذكرا. ولا تنس أن البؤسى ضد النعمى، وأن البأساء ضد النعماء. ﴿يَتَضَرَّعُونَ:﴾ يخضعون ويتوبون؛ إذ التضرع: التخشع والتذلل والانقياد، وترك التمرد. والترجي في الآية إنما هو بحسب عقول البشر، وإلا فالله لا يحصل منه ترج ورجاء لشيء من عباده. وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٣٤] ولا تنس أن المفعول محذوف، التقدير: أرسلنا رسلا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَبْلِكَ:﴾ ظرف زمان","vol":"3","page":286},{"text":"مجرور لفظا، منصوب محلاّ، متعلق بالفعل قبله. (أخذناهم): فعل وفاعل ومفعول به أول.\n ﴿بِالْبَأْساءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، معطوفة بدورها على ما قبلها لا محل لها مثلها، انظر الشرح. ﴿وَالضَّرّاءِ:﴾\nمعطوف على سابقه. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-832\"></span>﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿جاءَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿بَأْسُنا:﴾ عذابنا، وانظر الآية السابقة، ﴿تَضَرَّعُوا:﴾ دعوا وتذللوا، وانظر الآية السابقة. ﴿قَسَتْ:﴾ فأصله: قسى، فلما اتصلت به تاء التأنيث التقى ساكنان: الألف، وتاء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. وإذا قسى القلب فلا تؤثر فيه المواعظ، ولا ينتفع بها. وانظر الآية رقم [٥/ ١٣] أو [٢/ ٧٤]. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ انظر الاستعاذة. وتزيين الشيطان: هو زخرفته ووسوسته وإغواؤه في المعاصي والكفر، وما كانوا يفعلونه من تحريم وتحليل، وغير ذلك. وفحوى الآية الكريمة أن الله تعالى يرغب في التوبة والرجوع إليه، ولا سيما في أوقات الشدائد والبلاء، ولكن الكفار لم يرجعوا عن غيهم، بل بقوا سادرين في طغيانهم حتى أهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق. وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿فَلَوْلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿تَضَرَّعُوا﴾. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض ومفعوله. ﴿بَأْسُنا:﴾ فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿تَضَرَّعُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة، وما تعلق بها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿قَسَتْ:﴾\nفعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء حرف لا محل له.\n ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ معطوفة عليها، وقيل: مستأنفة، والأول أقوى وأولى. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يعملونه. وعلى الوجه الثالث في ﴿ما﴾ تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: زين لهم الشيطان عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم،","vol":"3","page":287},{"text":"والواو اسمه، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-833\"></span>﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿نَسُوا:﴾ انظر «النسيان» في الآية رقم [٥/ ١٤] وأصله: نسيوا، فقل في إعلاله:\nاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، ثم قلبت كسرة السين ضمة لمناسبة الواو. والمراد بنسيانهم هنا: تكبرهم وإعراضهم عن الموعظة والنصيحة كبرا وعنادا. ﴿ما ذُكِّرُوا بِهِ:﴾ وعظوا به وخوفوا به، والمراد بذلك: البأساء، والضراء. ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ من الصحة والعافية وسعة العيش، حيث أبدلهم الله مكان البأساء الرخاء، والسعة في العيش، ومكان الضراء الصحة والعافية في الأبدان، وذلك على سبيل الاستدراج لهم، والامتحان لهم بالشدة والرخاء، إلزاما للحجة، وإزاحة للعلة، ومكرا بهم، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧]. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿فَرِحُوا بِما أُوتُوا:﴾ بما أعطوا من الخير والنعمة. وانظر «الفرح» في الآية رقم [٥٨] سورة (يونس) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً:﴾ أهلكناهم فجأة. ﴿مُبْلِسُونَ:﴾ آيسون من كل خير ورحمة.\nوقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، وذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون له جواب: قد أبلس. وأقول: سمي إبليس من هذا؛ لأنه أفلس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه من سعة فضل الله. بعد هذا خذ ما رواه عقبة بن عامر﵁عن النبي ﷺ:\n «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحب، وهو مقيم على معصيته، فذلك منه تعالى استدراج، ثم تلا:\n ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ..﴾. إلخ». ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري. انتهى خازن.\nوانظر الآية رقم [٧/ ١٨٢] والتي بعدها.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند الفارسي، وابن السراج، وابن جني ظرف بمعنى: حين، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول. والمشهور الثاني. ﴿نَسُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب:\n ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿ما:﴾ موصولة أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ذُكِّرُوا بِهِ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا،","vol":"3","page":288},{"text":"وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿فَتَحْنا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَبْوابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَتَحْنا..﴾. إلخ جواب لما لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب: ﴿حَتّى إِذا﴾ انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿فَرِحُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة. ﴿أُوتُوا:﴾\nماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف إذ التقدير: أوتوه. ﴿أَخَذْناهُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الضمير بمعنى مبغوتين، أو هو مفعول مطلق للفعل قبله، على حد: (أتيته ركضا) و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): هي الفجائية، وفيها ثلاثة أوجه: وهي حرف عند الأخفش وابن مالك، وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور. انتهى. من المغني بتصرف. ﴿هُمْ مُبْلِسُونَ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-834\"></span>﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ..﴾. إلخ، فأهلك الكافرون عن آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد.\nو﴿دابِرُ﴾ من: دابره دبرا: ودبورا: إذا تبعه حتى قضى عليه، وانظر شرح: ﴿الْقَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٢]. ﴿ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالكفر والمعاصي ومخالفة أوامر الواحد القهار. وانظر الآية رقم [١٤٤]. ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ انظر شرح مفردات هذه الجملة في الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة) وقد حمد الله نفسه على هلاك الكافرين، من حيث إن هلاكهم تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها. وفيه تعليم للرسل ولمن آمن بهم أن يحمدوا الله على كفايته إياهم شر الذين ظلموا، ويحمد محمد ﷺ وأصحابه ربهم إذ أهلك المشركين المكذبين. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَقُطِعَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قطع): ماض مبني للمجهول. ﴿دابِرُ:﴾ نائب فاعله، وقرئ «(قطع)» بالبناء للفاعل ونصب (دابر)، فيكون الفاعل عائدا، إلى الله تعالى، و﴿دابِرُ:﴾ مضاف، و﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿فَقُطِعَ..﴾.","vol":"3","page":289},{"text":"إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخَذْناهُمْ﴾ لا محل لها مثلها. (الحمد): مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿رَبِّ:﴾ صفة (الله)، و﴿رَبِّ:﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وفيه عطف جملة اسمية على فعلية.\n\n<span id=\"aya-835\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤] والخطاب للنبي ﷺ.\n ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، وانظر الآية رقم [٤٠]. ﴿إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ..﴾. إلخ: أصمكم وأعماكم، وغطى على قلوبكم ما يزول به عقلكم، وفهمكم، وإنما خص سبحانه هذه الأعضاء بالذكر؛ لأنها أشرف أعضاء الإنسان، فإذا تعطلت هذه الأعضاء؛ اختل نظام الإنسان، وفسد أمره، وبطلت مصالحه في الدين والدنيا. هذا؛ ووحد السمع وجمع ما بعده لأنه مصدر حذف ما أضيف إليه لدلالة المعنى؛ إذ التقدير: مواضع سمعهم، أو يقال: وحد السمع لوحدة المسموع وهو الصوت دونهما، أو للمصدرية، والمصادر لا تجمع. وقرئ شاذّا: «(وعلى أسماعهم)».\nوالمراد بالختم هنا: عدم وصول الحق إلى قلوبهم، وعدم نفوذه واستقراره فيها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢/ ٧] بهذا الصدد. ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: بما سلبتم من سمع وبصر وقلب، والمعنى:\nأي فرد من آلهتكم يأتيكم بما ذكر. ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ:﴾ نكررها: تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين. ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ:﴾\nيعرضوان عن الإيمان، يقال: صدف عن الشيء صدفا، وصدوفا، أي: أعرض، و﴿ثُمَّ﴾ معناها هنا: استبعاد واستنكار الإعراض عن الآيات بعد تكريرها وتقريرها. بعد هذا انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يَأْتِيكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿الْآياتِ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٤٣] (المائدة).\nهذا؛ ولم يؤت هنا بالكاف في قوله ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وأتي به في الآية رقم [٤٠] لأن التهديد هناك أعظم. فناسب التأكيد بكاف الخطاب، ولما لم يؤت بالكاف هنا وجب ثبوت علامة الجمع بالتاء لئلا يلتبس. انتهى. جمل بتصرف، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمخاطب به النبي ﷺ.\n ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (رأيتم): فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وقد اختلف في مفعولي هذا الفعل، (فقال قوم): هو محذوف دل عليه الكلام، تقديره: أرأيتم سمعكم... إلخ، هل تستطيعون ردها إن سلبت منكم، ودل عليه قوله: ﴿مَنْ إِلهٌ﴾. وقال","vol":"3","page":290},{"text":"آخرون: لا يحتاج إلى مفعول؛ لأن الشرط وجوابه قد حصل معنى المفعول. وملخص كلام السمين: أن المفعول الأول محذوف، والمسألة من باب التنازع، تنازع: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وفعل الشرط في: ﴿سَمْعَكُمْ..﴾. إلخ، وكلاهما يطلبه مفعولا له، فحذف المفعول الأول، وأعمل: ﴿أَخَذَ﴾ في ﴿سَمْعَكُمْ﴾. وأما المفعول الثاني ل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فهو الجملة الاستفهامية. خذ هذا؛ وأرى أن الفعل:\n ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وأن الجملة الاسمية: ﴿مَنْ إِلهٌ..﴾. إلخ سدت مسد مفعوليه، وما بينهما كلام معترض لا محل له، ولا حاجة إلى هذا التكلف، والتعسف.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية رقم [٤٠]. وجملة:\n ﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلهما لا محل له مثلها، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿غَيْرُ:﴾\nصفة ﴿إِلهٌ،﴾ و﴿غَيْرُ:﴾ مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَأْتِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى إله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿إِلهٌ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال معنى الاستفهام، وهو أرجح الأقوال الثلاثة. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والضمير يعود إلى ما أخذ، وختم عليه، أو إلى أحد هذه المذكورات، وحذف ما يعود إلى الآخرين اكتفاء به.\nوالجملة الاسمية: ﴿مَنْ إِلهٌ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أو هي مفعوله الثاني على نحو ما رأيت فيما تقدم، والجملة الشرطية: ﴿إِنْ أَخَذَ..﴾. إلخ معترضة بينهما، وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿اُنْظُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام وتعجب مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿نُصَرِّفُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول انظر المعلق عن العمل، وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ..﴾. إلخ فهي داخلة مثلها في المفعولية.\n\n<span id=\"aya-836\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ:﴾ انظر الشرح الوافي لهذا الكلام في الآية","vol":"3","page":291},{"text":"رقم [٤٠]. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة من غير مقدمة، أو إنذار. ﴿جَهْرَةً:﴾ عيانا بأن ظهرت أمارات العذاب ليلا أو نهارا. ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ:﴾ الاستفهام بمعنى النفي، أي: لا يهلك إلا القوم الكافرون، والمراد: أن الإهلاك إهلاك سخط وغضب، فلا يرد أن غيرهم يهلكون بلا ريب، لكن ليس سخطا وتعذيبا، بل إثابة، ورفع درجة. انتهى جمل نقلا عن كرخي. وانظر (القوم) في الآية رقم [٢٢] (المائدة).\nالإعراب: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٤٠] ففيه الكفاية. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الضمير المنصوب بمعنى: مباغتين، ويصح أن يكون حالا من:\n ﴿عَذابُ اللهِ﴾ بمعنى مباغتا، أو هو مفعول مطلق عامله الفعل (أتى) من غير لفظه. ﴿جَهْرَةً:﴾\nمعطوف على ﴿بَغْتَةً﴾ على الوجهين المعتبرين فيه، ويقرأ بالواو وبأو. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى النفي. ﴿يُهْلَكُ:﴾ يقرأ بالبناء للفاعل من الثلاثي، وبالبناء للمفعول من الرباعي. ﴿إِلاَّ:﴾\nحرف حصر. ﴿الْقَوْمُ:﴾ فاعل أو نائب فاعل على نحو ما رأيت. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ صفة القوم مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يُهْلَكُ..﴾. إلخ تصالح لما صالح له:\n ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾ انظر في الآية رقم [٤٠].\n\n<span id=\"aya-837\"></span>﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ بفتح السين جمع: رسول، ويجمع على: رسل، كما في قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وانظر شرح الرسول والنبي في الآية رقم [٥/ ٨٣] ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾\nالمطيعين بالجنة والرضا والرضوان. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: مخوفين الكافرين والعاصين من النار وغضب الواحد القهار. ﴿آمَنَ﴾ أي: بالله ورسله، وانظر الآية رقم [٩٣] (المائدة) ﴿وَأَصْلَحَ:﴾\nعمله بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ:﴾ من عذاب الله وغضبه. ﴿عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ:﴾ في الآخرة بسبب شيء يهمهم أو يزعجهم، وهذا؛ وعد من العلي القدير، فهنيئا لمن وفق للعمل الصالح في الدنيا ليفوز في الآخرة برضا ربه، ونعيمه الدائم الذي لا ينقطع، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نُرْسِلُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له.\n ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ حال منصوب... إلخ. (منذرين): معطوف عليه، فهو حال أيضا، والجملة الفعلية: ﴿وَما نُرْسِلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم","vol":"3","page":292},{"text":"شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». (أصالح): فعل ماض معطوف على ما قبله فهو في محل جزم مثله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن علقتهما ب: ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، فيكون الخبر محذوفا، تقديره: موجود، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ، وجملة:\n ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي مثلها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٣٩] هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فتكون جملة: ﴿آمَنَ﴾ صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَلا خَوْفٌ..﴾. إلخ خبره، ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ويقويه عطف الموصول في الآية التالية عليه، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وقد قرئ: «(لا خوف)» بدون تنوين على إعمال (لا) إعمال (إنّ)، وهي قراءة شاذة؛ لأن (لا) متى تكررت أهملت، وآيات كثيرة تشهد بذلك، بعد هذا يجب أن تعلم أنه قد روعي لفظ (من) في إعادة فاعل ﴿آمَنَ﴾ إليها فلذا أفرد، وروعي معناها في: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ،﴾ فلذا جمع الضمير.\n\n<span id=\"aya-838\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ انظر الآية رقم [٣٩]. وهو مقابل لمن آمن في الآية السابقة؛ إذ اقتضت حكمة الله ورحمته ألا يذكر التصديق من المؤمنين، إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة إلا ويذكر الغضب والسخط، ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا... إلخ. ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ:﴾ يصيبهم وينزل بهم العذاب. ﴿يَفْسُقُونَ:﴾ انظر الفاسقين في الآية رقم [٥/ ٢٥] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] الأعراف.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [/١ ٥] ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ:﴾\nمضارع ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥] وغيرها، و(ما) المصدرية وما بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور","vol":"3","page":293},{"text":"متعلقان بالفعل قبلهما، والتقدير: بسبب فسقهم، واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة هنا بعيد.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-839\"></span>﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿خَزائِنُ اللهِ:﴾ خزائن رزقه، و﴿خَزائِنُ﴾ جمع: خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء: إحرازه بحيث لا تناله الأيدي. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: لا أعلم ما لم يوح إلي فيه شيء، ولم ينصب عليه دليل. ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ:﴾ وهذا رد لقولهم: قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج النساء إلى غير ذلك. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي: ما أخبركم إلا بما أنزل الله عليّ. وانظر: ﴿أَوْحَيْنا﴾ في الآية رقم [٤/ ١٦٣]. ﴿الْأَعْمى﴾ أي: الكافر والضال والجاهل، ومعنى عماهم أنهم لا يبصرون طريق الحق والصواب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٦] و[٣٩] ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾ هو المؤمن المهتدي العالم، ومعنى بصره: أنه يبصر طريق الحق والصواب.\n ﴿أَفَلا:﴾ انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥/ ١٠٤]. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في خلق السموات والأرض فتهتدون فلا تكونون ضالين أشباه العميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر ونحو ذلك.\nومجمل معنى الآية الكريمة: أن النبي ﷺ أعلمهم بأمر الله له: أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي، وأنه لا يعلم الغيب فيخبر بما كان وبما سيكون، وأنه ليس بملك حتى يطلع على ما لا يطلع عليه البشر، إنما يتبع ما يوحى إليه من ربه ﷿، فما أخبر عنه من غيب، فإنما هو بوحي الله إليه. انتهى جمل، وخازن. وتتمة المعنى: لا يكون الكافر والمؤمن على درجة واحدة عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وكذلك المطيع والعاصي، ألا يتفكر العقلاء ذوو البصيرة في ذلك لعلهم يرجعون إلى رشدهم.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة حين طلبوا من النبي ﷺ أشياء ليست بمقدوره، واستنكروا منه أشياء لا تكون بزعمهم ممن يدعي النبوة، فبين الله لهم: أن الرسول بشر لا يقدر على أشياء ليست من صنع البشر، وأنه يتلقى ما يعلمه الله إياه بواسطة الملك. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَقُولُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِنْدِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿خَزائِنُ:﴾ مبتدأ","vol":"3","page":294},{"text":"مؤخر، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلا أَقُولُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مَلَكٌ:﴾\nخبرها، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ..﴾.\nإلخ معطوفة على مثيلتها، فهي داخلة في مقول: ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿أَتَّبِعُ:﴾\nمضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد أو الرابط. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتوبيخ. ﴿يَسْتَوِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿الْأَعْمى:﴾ فاعله مرفوع. ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَسْتَوِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام وإنكار وتوبيخ. (فلا):\nالفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَتَفَكَّرُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة إن كانت من مقول الله تعالى، أو هي في محل نصب مقول القول، إن كانت من مقول الرسول ﷺ.\n\n<span id=\"aya-840\"></span>﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ:﴾ خوف بالقرآن الذي أوحي إليك من ربك. ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ:﴾ المراد بهم المسلمون المفرطون في طاعة الله تعالى. المرتكبون للمعاصي والمنكرات، المعترفون بالبعث والحشر، الذي هو الجمع يوم القيامة للحساب والجزاء. وانظر شرح ﴿رَبِّهِمْ﴾ في الآية رقم [٧/ ٣]. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ من غير الله تعالى وانظر رقم [٧/ ٣].\n ﴿وَلِيٌّ:﴾ نصير ومعين، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿شَفِيعٌ:﴾ يشفع لهم من عذاب الله تعالى، وانظر الشفاعة في الآية رقم [٤/ ٨٥] فإنه جيد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ المعاصي فيبتعدون عنها، والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي الحفظ والتحفظ من الشر، والمتقي ربه يجعل نفسه في وقاية من النار.\nوالترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج ورجاء لشيء من عباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.\nالإعراب: ﴿وَأَنْذِرْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنذر): فعل أمر وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَخافُونَ..﴾. إلخ صلة","vol":"3","page":295},{"text":"الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُحْشَرُوا﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (أنذر...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ليس تقدم على اسمها.\n ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، وتعليقهما بشفيع بعدهما، لا يأباه المعنى، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبر ثان، فيكون من تعدد الخبر، وهو شبه جملة، ﴿وَلِيٌّ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. (لا): زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿شَفِيعٌ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لَيْسَ لَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مفيدة للتعليل على نحو ما رأيت في الآية رقم [١٨٥] (البقرة).\n\n<span id=\"aya-841\"></span>﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَطْرُدِ:﴾ الطرد: الإبعاد، وطرده: أبعده، وهو من الباب الأول. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ:﴾ يعبدونه، وقيل: يصلون له؛ لأن الصلاة تشتمل على الذكر والدعاء، والمراد بذكر الغداة والعشي: صلاتا الفجر والعصر، وقيل: المراد الدوام في جميع الأوقات بل وجميع الحالات. هذا؛ وقد قرئ: «(بالغدوة)» بضم الغين وسكون الدال. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] بالإضافة لما ذكرت من تفسير (الغداة والعشي) أقول: العشي ومثله العشية من صلاة المغرب إلى العتمة، وهو قول الجوهري، وقال: قلت قال الأزهري: العشي من بين زوال الشمس وغروبها، ويقابل العشية الغدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وقيل إلى الضحوة الكبرى، أما الغداة فهي في الأصل الضحوة، وجمع العشية: عشيّات، وجمع الغداة:\nغدوات، وجمع الغدوة: غدو، ويقابل بالأصيل، وجمعه: آصال، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ..﴾. إلخ الآية من سورة (النور) كما يقابل الغدو بالعشي، قال تعالى في حق فرعون وأشياعه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا..﴾. إلخ الآية من سورة (غافر)، وانظر الآية رقم [٣/ ٤١] والآية رقم [٧/ ٢٠٥]. ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ:﴾ يطلبون ذاته، فالوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته. وانظر الآية رقم [٢/ ١١٢]. ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ..﴾. إلخ: أي لا تكلف أمرهم ولا يكلفون أمرك. وقيل: ما عليك حساب رزقهم، فتملهم، وتطردهم عنك، ولا رزقك عليهم، إنما الرازق لجميع الخلق هو الله تعالى. انتهى خازن.","vol":"3","page":296},{"text":"وقال البيضاوي: أي ليس عليك حساب إيمانهم، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم انتهى بتصرف. ولو قلنا: معناه: لا تسأل عن أعمالهم، ولا يسألون عن عملك؛ لكان جيدا، ويكون مثل الآية الكريمة رقم [٢/ ١٤١] وهي: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ..﴾. إلخ وانظر ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: إن فعلت ذلك، وحاشاه ﷺ من الظلم، وانظر الآية رقم [١٤٧] الآتية.\nتنبيه: روي: أن زعماء قريش قالوا للنبي ﷺ: لو طردت هؤلاء الأعبد عن مجلسك-يعنون بذلك فقراء المسلمين وضعفاءهم كعمار وصهيب وبلال وخباب-جلسنا إليك، وحادثناك، فقال:\nما أنا بطارد المؤمنين، قالوا: فأقمهم عنا إذا جئناك. قال: نعم. وروي: أن عمر﵁- قال له: لو فعلت حتى تنظر إلى ماذا يصيرون، فدعا بعلي بن أبي طالب ﵁ ليكتب، فنزلت الآية الكريمة وما بعدها، وكذلك نزلت آية (الكهف): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٨] فكان ﵊ إذا أقبل عليه أحد من هؤلاء الفقراء؛ يقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ويرحب بهم، ويجلسهم إلى جانبه.\nهذا؛ وقد قيل: إن الذين طلبوا من النبي ﷺ ما تقدم هم أجلاف العرب، وكان ذلك في المدينة المنورة، ويرده: أن سورة (الأنعام) مكية، وأن الحادثة وقعت في مكة. وانظر الآية رقم [٢٨] من سورة (نوح).\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَطْرُدِ:﴾\nمضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْغَداةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (العشي): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وجملة: ﴿وَلا تَطْرُدِ﴾ .. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿ما:﴾ نافية مهملة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر تقدم على المبتدأ. ﴿مِنْ حِسابِهِمْ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو متعلقان بمحذوف خبر ثان، فيكون من تعدد الخبر، وهو شبه جملة. هذا؛ وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له... إلخ، وكثير من النحاة لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. هذا؛ واعتبار: ﴿مِنْ حِسابِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستقر في الخبر المقدم المحذوف لا غبار عليه. هذا؛ وقد جوز اعتبار: ﴿ما﴾ نافية حجازية تقدم خبرها على اسمها والإعراب على حقيقته، كما جوز اعتبار: ﴿مِنْ حِسابِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و﴿عَلَيْكَ﴾ متعلقين بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ﴾ كما في","vol":"3","page":297},{"text":"تركيب الجملة: ﴿وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ،﴾ وإعرابها كإعراب سابقتها، والجملة الاسمية:\n ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الجمل فيها: هي بمنزلة التعليل، أي للنهي المتقدم. أقول:\nأو هي مستأنفة، فلا محل لها على الوجهين. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية في جواب النفي، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿فَتَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب النهي، واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (تكون). وكلا الفعلين يؤولان مع «أن» المضمرة بمصدر معطوف بفاء السببية على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ التقدير: لا يكن منك طرد للفقراء المؤمنين فتكون من الظالمين، وما حسابهم عليك فتطردهم من اختصاصك. وقيل: (تكون) معطوف على ما قبله على وجه التسبب؛ لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم.\n\n<span id=\"aya-842\"></span>﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿فَتَنّا:﴾ ابتلينا واختبرنا، والضمير في ﴿بَعْضَهُمْ﴾ المراد به بعض الناس، والمعنى: ابتلينا الغني بالفقير، والفقير بالغني، والشريف بالوضيع، والوضيع بالشريف... إلخ، فكل واحد مبتلى بضده، فكان ابتلاء الأغنياء الشرفاء في عهد النبي ﷺ حسدهم لفقراء الصحابة الذين سبقوهم إلى الإسلام، وتقدموا عليهم، فامتنعوا من الدخول في الإسلام لذلك، فكان ذلك فتنة وابتلاء لهم، وأما فتنة الفقراء بالأغنياء، فلما يرون من سعة رزقهم، وخصب عيشهم، فكان ذلك فتنة لهم. انتهى. خازن. ﴿لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ﴾ .. إلخ: أي أهؤلاء أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق لما يسعدهم دوننا، ونحن الأكابر والعظماء، وهم الفقراء والضعفاء؟! وهو إنكار واستغراب لأن يخص هؤلاء بإصابة الحق والسبق إلى الخير، كقولهم في آية أخرى: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ أي: فيعلم الله الشاكر لنعمه، فيزيده منها، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ويعلم الجاحد لنعمه، فينتقم منه، كما أفاده قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف تقدم على عامله، التقدير: فتنا بعضهم فتونا كائنا مثل ذلك الفتون. ﴿فَتَنّا:﴾\nفعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢] ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِيَقُولُوا﴾ اللام: لام التعليل، وقيل: هي لام الصيرورة والعاقبة. (يقولوا): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في","vol":"3","page":298},{"text":"تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية (كذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الهاء:\nحرف تنبيه. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنْ بَيْنِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة.\nهذا؛ ويجوز تعليق: ﴿مِنْ بَيْنِنا﴾ بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ ب: (على)، وفسر بمفردين. هذا؛ وقد اعتبر: (هؤلاء) منصوبا على الاشتغال بفعل محذوف يفسره الفعل الظاهر العامل في ضميره بواسطة (على)، ولا أراه قويّا. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (ليس):\nماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿بِأَعْلَمَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (أعلم): خبر (ليس) مجرور لفظا منصوب محلاّ، وعلامة الجر اللفظي الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة، ووزن أفعل. ﴿بِالشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان ب: (أعلم)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-843\"></span>﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا:﴾ هم الذين نهي الرسول ﷺ عن طردهم في الآية السابقة. وصفهم الله بالإيمان بالقرآن، واتباع الحجج بعد ما وصفهم بالمواظبة على العبادة تنبيها على إحرازهم لفضيلة العلم وفضيلة العمل، وأمر الله نبيه بأن يبدأهم بالسلام، أو يبلغهم سلام ربهم، ويبشرهم بسعة رحمة الله وفضله. ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ:﴾ انظر شرح هذه الجملة في الآية رقم [١٢]. ﴿أَنَّهُ﴾ أي: الحال والشأن. ﴿سُوءًا:﴾ ذنبا ومعصية.\n ﴿بِجَهالَةٍ:﴾ ما أحراك أن تنظر الآية رقم [٤/ ١٧] وانظر الجاهل في الآية رقم [٣٥]. ﴿ثُمَّ:﴾\nانظر الآية رقم [٥/ ٥٠]. ﴿تابَ:﴾ رجع واستغفر من ذنبه، وانظر شروط التوبة في الآية رقم [/١٧ ٤]. ﴿وَأَصْلَحَ:﴾ عمله بالتدارك والعزم على أن لا يعود. ﴿غَفُورٌ:﴾ صيغة مبالغة من الغفران.\n ﴿رَحِيمٌ:﴾ انظر البسملة. بعد هذا انظر (جاءك) في الآية رقم [٥] والإيمان في الآية رقم [٥/ ٩٦] و(آياتنا) في الآية رقم [٤] والقول في الآية رقم [٧/ ٤]. هذا؛ وقد قرئ بفتح همزة «أنه» في الموضعين وبكسرها فيهما، وفتح الأولى، وكسر الثانية، فالقراءات ثلاثة، وكلها سبعية.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿جاءَكَ الَّذِينَ:﴾\nماض ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في","vol":"3","page":299},{"text":"جواب (إذا). ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به-وهو نكرة-الدعاء؛ لأنه من مسوغات الابتداء بالنكرة. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، وجملة: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير الشأن في محل نصب اسمها. ﴿مَنْ:﴾\nاسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في: ﴿مَنْ﴾ ﴿سُوءًا:﴾ مفعول به. ﴿بِجَهالَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر أيضا، ولا بأس بتعليقهما بمحذوف صفة ﴿سُوءًا﴾ أي: كائنا، أو مفعولا ﴿بِجَهالَةٍ﴾. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تابَ:﴾ ماض معطوف على فعل الشرط، والفاعل يعود إلى من. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَصْلَحَ:﴾ معطوف على فعل الشرط أيضا، وفاعله مستتر يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، ومفعوله محذوف، والجملة الاسمية: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٢٩]. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وتعتبر زائدة، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل رفع خبر (أنّ).\nبعد هذا نعود إلى إعراب محل (أنّه) في الموضعين، فتح الهمزة في الأول يجعلها تؤول بمصدر، وفي محله وجوه: أحدها: أنه بدل من ﴿الرَّحْمَةَ﴾ فهو في محل نصب، فإن نفس هذا المصدر المتضمن للإخبار بذلك رحمة. والثاني: أنه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nلأنه من عمل، فلما حذفت اللام جرى في محله الخلاف المشهور. والثالث: كونه في محل رفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف، أي: عليه أنه من عمل... إلخ. والرابع: كونه في محل نصب على أنه مفعول: ﴿كَتَبَ،﴾ و﴿الرَّحْمَةَ﴾ مفعول من أجله. انتهى جمل. وأقواها الوجه الأول، والثالث، والرابع ضعيفان ظاهر فيهما التكلف، والتعسف. وأما كسر الهمزة فينتج عنه جملة اسمية، وفي محلها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة، وجيء بها وبما بعدها كالتفسير لقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ والثاني: أن كتب أجري مجرى قال. فكسرت الهمزة بعده كما تكسر بعد القول الصريح، وأما فتح الهمزة في الموضع الثاني يجعلها تؤول أيضا بمصدر. وفي محله ثلاثة وجوه: أحدها: كونه في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، أي فغفرانه ورحمته حاصلان لمن عمل سوءا بجهالة، ثم تاب من بعده، أو فعليه غفرانه ورحمته.\nالثاني: كون المصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فأمره أو شأنه أنه","vol":"3","page":300},{"text":"غفور رحيم. الثالث: كونه تكرير للأول، كررت (أن) لما طال الكلام، وعطفت الثانية على الأولى بالفاء، وهذا منقول عن أبي جعفر النحاس. انتهى جمل.\nأقول: عند التأمل يظهر لك ضعفه؛ لأن الثانية واقعة في جواب ﴿مَنْ﴾ أو في خبره كما رأيت في الإعراب، فهي ضمنا واقعة في محل رفع خبر الأولى، وأما كسر الهمزة فينتج عنه جملة اسمية، وفي محلها وجهان: أحدهما أنها في محل جزم جواب الشرط، أو في محل رفع خبر ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها موصولة، وهو ما رأيته فيما تقدم من الإعراب، والثاني: أنها عطف على الأولى وتكرير لها انتهى. جمل.\nأقول: هذا ضعيف، وسبب ضعفه، ما ذكرته في الوجه الثالث من أوجه فتحها. وأما القراءة الثالثة؛ فيؤخذ فتح الأولى، وكسر الثانية مما تقدم في كسرهما، وفتحهما بما يليق من ذلك، وهو ظاهر. انتهى جمل.\n\n<span id=\"aya-844\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ:﴾ المعنى: مثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونوضحها، ونلخصها في صفة المطيعين الأوابين، والمجرمين المصرين على الكفر والعناد والمعاصي واقتراف السيئات. وانظر شرح: ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤] وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] ﴿وَلِتَسْتَبِينَ:﴾ لتظهر، يقال: استبان الأمر، وتبين، واستبنته، وتبينته. والمعنى واحد.\n ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ:﴾ طريق المجرمين، وانظر شرح: ﴿سَبِيلُ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٦] فإنه جيد.\nوقرئ الفعل «(تستبين)» بالتاء على اعتباره مؤنثا، وقرئ بالياء على اعتباره مذكرا. هذا؛ و﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ جمع مجرم، والمراد به هنا: الكفار، ويشمل ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ من المسلمين الذين يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، والذين يعتدون على الحرمات. وينتهكون المحرمات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾ الواو: حرف عطف. الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، وتقدير الكلام: ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ تفصيلا كائنا مثل ذلك التفصيل... إلخ. ﴿نُفَصِّلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ..﴾. إلخ معطوفة على ما في الآية رقم [٥٣] أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام:\nحرف تعليل وجر. (تستبين): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل. ﴿سَبِيلُ:﴾ فاعله.","vol":"3","page":301},{"text":"هذا؛ وقد قرئ بنصبه، فيكون الفاعل مستترا تقديره: «أنت»، و﴿سَبِيلُ﴾ مضاف، و﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، و«أن» المضمرة والفعل: (تستبين) على القراءتين في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على جار ومجرور محذوفين، وهما متعلقان بالفعل ﴿نُفَصِّلُ﴾ وتقدير الكلام: نفصل الآيات ليظهر الحق ولتستبين... إلخ.\n\n<span id=\"aya-845\"></span>﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا وما بعده خطاب للنبي ﷺ، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤].\n ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: نهاني ربي عن عبادة الأصنام التي تعبدونها وتقدسونها من دون الله، وقيل: معناه: تدعونها وتلجئون إليها عند الشدائد؛ لأن الجمادات أحقر من أن تعبد، أو يلجأ إليها عند المهمات. ﴿قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ:﴾ هذا تأكيد لقطع أطماع المشركين في أن يميل النبي الكريم إلى عبادة الأصنام، وإشارة إلى أن ما يفعلونه من عبادة الأصنام إنما هو جهل واتباع هوى لا يستند إلى شيء يعتمد عليه. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ أي: إن اتبعت أهواءكم؛ فقد اتبعت طريق غير الحق والصواب. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي: وما أنا في شيء من الهدى إن اتبعت أهواءكم. وفيه تعريض بأنهم على غير هدى وحق. بعد هذا انظر معنى: ﴿أَعْبُدَ﴾ في سورة (الفاتحة)، و﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة.\n ﴿أَهْواءَكُمْ:﴾ جمع هوى، وانظر الآية رقم [٤/ ١٣٥]. ﴿ضَلَلْتُ:﴾ انظر: ﴿وَضَلَّ﴾ في الآية رقم [٢٤]. هذا؛ وقد فك التضعيف لاتصاله بضمير رفع متحرك، وهو واجب، وهو هنا بفتح اللام الأولى، ويقرأ في آية أخرى: «(قل إن ضللت)» بكسرها.\nقال الرازي في مختاره: فهذه، أي الأولى لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون:\n (ضللت) أضل بالكسر فيهما انتهى.. أقول: لغة نجد من باب ضرب والثانية من باب ورث.\nالإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿نُهِيتُ:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، والمصدر المؤول من:\n ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: عن عبادة الذين، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: تدعونه، والجار والمجرور متعلقان به، واعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من المفعول المحذوف لا بأس به، والجملة الفعلية: ﴿نُهِيتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ","vol":"3","page":302},{"text":"مستأنفة لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَتَّبِعُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا» ﴿أَهْواءَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لا أَتَّبِعُ﴾ .. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ﴾ .. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَلْتُ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية مهملة، أو حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (ما). ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (ما)، والجملة اسمية على الوجهين معطوفة على ما قبلها لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-846\"></span>﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿بَيِّنَةٍ:﴾ هي الدلالة الواضحة، والحجة الدامغة. ﴿رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [/٣ ٧]. ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ:﴾ الضمير يعود ل: ﴿رَبِّي﴾ أي: كذبتم به حيث أشركتم به غيره، أو للبينة باعتبار المعنى. وقيل: يعود إلى القرآن؛ لأنه مفهوم من المقام، وهو كالمذكور. ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ:﴾ المراد بالضمير المجرور بالباء: العذاب الذي طلبوه مرارا، وحكاه القرآن عنهم: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ أي: نصيبنا من العذاب، إلى غير ذلك. و﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ أي: ما الحكم في تأخير العذاب، وتعجيله إلا لله. ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ:﴾\nيتبع الحق والحكمة فيما يحكم به، ويقدره. من: قص أثره، أو قص خبره: إذا تتبعه. وقيل: هو بمعنى يقول الحق. ويقرأ «(يقض)» بالضاد، من القضاء، يعني: يقضي القضاء الحق، وانظر شرح ﴿الْحَقَّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٧]. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ:﴾ الله خير القاضين والحاكمين بالحق.\nوانظر شرح: ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [٧/ ١٢]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿عَلى بَيِّنَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِنْ رَبِّي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَكَذَّبْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (كذبتم): فعل وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ في محل نصب","vol":"3","page":303},{"text":"حال من: ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ والرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، وهذا باعتبار رجوع الضمير إلى بينة، كما رأيت، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجوز اعتبارها مستأنفة لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية مهملة.\n ﴿عِنْدِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم منصوب. وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. (ما): تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم: ﴿ما﴾ مؤخر على اعتبارها عاملة عمل ليس، والجملة الفعلية: ﴿تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: من العذاب، وهذا الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء و«من» بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. والجملة الاسمية:\n ﴿ما عِنْدِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِ:﴾ نافية بمعنى: ﴿ما﴾. ﴿الْحُكْمُ:﴾\nمبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا، والجملة الفعلية: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط رجوع الفاعل إليه فقط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْفاصِلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، فهي حال متعددة، أو من فاعل: ﴿يَقُصُّ﴾ المستتر، فهي حال متداخلة، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-847\"></span>﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي..﴾. إلخ، أي لو كان في قدرتي ومكنتي ما تطلبونه من العذاب.\nوانظر الآية السابقة. ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ..﴾. إلخ، أي: لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي، وانتهى الأمر بيني وبينكم إلى المقاطعة التامة والاستراحة من كيدكم وشركم. وانظر: ﴿قَضى﴾ في الآية رقم [٢/ ١١٧] فإنه جيد. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ أي: وبأحوالهم، وما يستحقون من العذاب، والوقت الذي يستحقونه فيه. وقال البيضاوي: فيه معنى الاستدراك، كأنه قال: ولكن الأمر إلى الله، وهو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ، وبمن ينبغي أن يمهل منهم. هذا؛ والمراد ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ هنا: الكفار والمشركون، ويشمل الظالمين من المسلمين الذين يعتدون على حقوق الناس، وينتهكون حرماتهم. وانظر الظلم في الآية رقم [١٤٥] الآتية.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عِنْدِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم","vol":"3","page":304},{"text":"على اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم: ﴿أَنَّ﴾ مؤخر، وانظر الآية السابقة ففيها الكفاية لتتمة الإعراب، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها المقدم في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف هو شرط ﴿لَوْ﴾ عند المبرد، التقدير: لو ثبت استعجالهم العذاب. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو استعجالهم العذاب ثابت أو حاصل. وقول المبرد هو المرجح؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر أو مقدر، والفعل المقدر وفاعله جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَقُضِيَ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (قضي الأمر): ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقُضِيَ..﴾. إلخ جواب لولا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. مستأنفة لا محل لها. (الله): مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِالظّالِمِينَ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-848\"></span>﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَعِنْدَهُ:﴾ عند الله. ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ:﴾ خزائن الغيب، أي ما غاب عن المخلوقات من معلومات لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد ذكرها ربنا في آخر آية من آيات سورة (لقمان). وقال سبحانه في سورة (الرعد) ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾. وعن عبد الله بن عمر﵄أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يدري أحد متى يأتي المطر. وفي رواية أخرى: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى الساعة إلا الله». أخرجه البخاري. أقول: وما اخترع من أشياء، وما اكتشف من أمور في هذا العصر، وما يتحدثون عنه من مغيبات، مثل نزول المطر، وغير ذلك، إنما هو قائم على التجربة، والحدس، والتخمين،","vol":"3","page":305},{"text":"وكثيرا ما يخطئ، وقد يصيب، فيبقى من غيب الله تعالى. وأضيف: أنه ذكر في تفسير: ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ أمور، فقال الضحاك، ومقاتل: ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ،﴾ خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: انقضاء الآجال، وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة، وخواتيم أعمالهم. وقال ابن عباس﵄-: أنها خزائن غيب السموات والأرض، من الأقدار والأرزاق، وغير ذلك. انتهى خازن بتصرف.\nبعد هذا أقول: اختلف في ﴿مَفاتِحُ:﴾ فقيل: هو جمع: مفتح بفتح الميم وكسر التاء، كمخزن وزنا ومعنى، وهذا على تفسيره بخزائن. وقيل: هو جمع: مفتح بكسر الميم، وفتح التاء، وهذا على تفسيره بطرق الغيب، فيكون مرادا به: الآلة المعلومة، ويؤيده قراءة مفاتيح، جمع: مفتاح، ويكون حذف منه عند الجمع الألف التي تقلب ياء في صيغة منتهى الجموع، كما نقل في جمع مصباح مصابح، وفي جمع محراب محارب. انتهى جمل بتصرف كبير.\n ﴿الْبَرِّ:﴾ بفتح الباء، وهو الأرض القفر التي لا ماء فيها ولا نبات. و﴿وَالْبَحْرِ﴾ القرى والأمصار، ولا يحدث فيها شيء إلا والله يعلمه، قاله مجاهد، وقال جمهور المفسرين، هو (البر والبحر) المعروفان؛ لأن جميع الأرض، إما بر وإما بحر، وفي كل واحد منهما من عجائب مصنوعاته، وغرائب مبتدعاته ما يدل على عظيم قدرته، وسعة علمه. وهذا هو المعتمد. هذا؛ والبر بكسر الباء: كلمة جامعة لجميع خصال الخير الدنيوية والأخروية. انظر الآية رقم [١٧٦] من سورة (البقرة) والبر بضم الباء: القمح الحنطة التي نأكلها خبزا... ﴿تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ:﴾ يعلم عدد ما يسقط من أوراق الشجر. وعدد ما يبقى منه. ﴿حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ﴾ أي: حبة موجودة في بطن الأرض، قبل أن تنبت وما يطرأ عليها من تغيرات حتى تخرج من الأرض، وانظر: ﴿ظُلُماتِ﴾ في الآية رقم [١]. ﴿رَطْبٍ وَلا يابِسٍ:﴾ هو عبارة عن كل شيء في الوجود؛ لأن جميع الأشياء، أما رطبة، وإما يابسة. ﴿كِتابٍ:﴾ المراد به اللوح المحفوظ؛ لأن الله تعالى كتب فيه علم ما يكون وما قد يكون قبل أن يخلق السموات والأرض. وفائدة إحصاء الأشياء كلها في هذا الكتاب؛ لتقف الملائكة على إنفاذ ما سجله الله فيه. انتهى خازن. ﴿مُبِينٍ﴾ انظر الآية رقم [١٦].\nالإعراب: (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿مَفاتِحُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْغَيْبِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُها:﴾ مضارع ومفعوله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع وقع فاعلا للفعل قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ والعامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الظرف لوقوعه خبرا، وقال أبو البقاء: أو نفس الظرف، إن رفعت به ﴿مَفاتِحُ﴾ أي: إن رفعته به فاعلا، وذلك على رأي الأخفش. انتهى.\nجمل. أقول: وهذا يشكل بوقوع الحال من المبتدأ، والحال هيئة فاعل، أو مفعول، كما هو","vol":"3","page":306},{"text":"معروف، لذا فإني أرى أن تكون الحال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، والمتعلق هو العامل في الحال، وبهذا يزول الإشكال، وينكشف الغموض. (يعلم): مضارع، وفاعله يعود إلى الله، وهو كسابقه لم ينصب إلا مفعولا واحدا؛ لأنه بمعنى: يعرف، وليس من أفعال القلوب انظر الآية رقم [٦١] من سورة (الأنفال) ففيها البيان الشافي بإذن الله تعالى. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْبَرِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَيَعْلَمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، والاستئناف ممكن. تأمل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يَعْلَمُها:﴾ فعل مضارع، ومفعوله، وفاعله يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿وَرَقَةٍ،﴾ وسوغ مجيء الحال منها وهي نكرة تقدم النفي، فإنه من المسوغات للابتداء بالنكرة. ﴿لا:﴾ زائدة لتأكيد النفي. ﴿حَبَّةٍ:﴾ معطوف على لفظ ﴿وَرَقَةٍ﴾ ولو قرئ بالرفع، لكان على الموضع. ﴿فِي ظُلُماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة حبة، وظلمات مضاف، و﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ:﴾ بالجر معطوفان على لفظ ﴿وَرَقَةٍ﴾ و(لا) مقحمة مفيدة للتوكيد. قال الجمل: لكن لا يناسب تسلط السقوط على الثلاثة، كما لا يخفى؛ إذ لا يناسب وما يسقط رطب ولا يابس، فالمعنى: وما من حبة و﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾. قال البيضاوي: وقرئت-أي: الثلاثة-بالرفع، وفيهن حينئذ وجهان: الأول: عطفها على محل ﴿وَرَقَةٍ﴾ والثاني: على الابتداء، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف بدل من قوله ﴿إِلاّ هُوَ﴾ بدل كل من كل على أن المراد بالكتاب المبين على علم الله تعالى، أو بدل اشتمال إن أريد به اللوح المحفوظ، وهذا على اعتبار ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ﴾ معطوفات على لفظ ﴿وَرَقَةٍ﴾ أو على محلها، وأما على الوجه الثاني فيهن، وهو الرفع على الابتداء، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر عن هذه المرفوعات، التقدير:\nمسجلات في: ﴿كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وينتج عن ذلك جملة اسمية مستأنفة لا محل لها، ويكون الوقف على ﴿يَعْلَمُها﴾ جيدا، وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (يونس) فإنه جيد.\n\n<span id=\"aya-849\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ:﴾ ينيمكم فيه، ويراقبكم. استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس، والتمييز، فإن أصله قبض الشيء بتمامه. انتهى بيضاوي.\nوقال الجلال في تفسيره: يقبض أرواحكم عند النوم، قال الجمل في تعليقه عليه: هذا مبني على أن في الجسد روحين: روح الحياة، وهي لا تخرج إلا بالموت، وروح التمييز، وهي تخرج بالنوم، فتفارق الجسد، فتطوف بالعالم، وترى المنامات، ثم ترجع إلى الجسد عند تيقظه.","vol":"3","page":307},{"text":"وفي زاده على البيضاوي هناك ما نصه: وعلى ما ذكره المصنف ليس في ابن آدم إلا روح واحدة، تكون لابن آدم بحسبها ثلاثة أحوال: حال يقظة، وحالة نوم، وحالة موت، فباعتبار تعلقها بظاهر الإنسان وباطنه تعلقا كاملا تثبت له حالة اليقظة، وباعتبار تعلقها بظاهر الإنسان فقط تثبت له حالة النوم، وباعتبار انقطاع تعلقها عن الظاهر والباطن تثبت له حالة الموت. انتهى جمل. ﴿جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ:﴾ كسبتم فيه، وجرح من باب: نفع، واجترح: عمل بيده واكتسب، ومنه قيل لكواسب الطير والسباع جوارح جمع جارحة؛ لأنها تكسب بيدها. ففي الكلام استعارة تصريحية؛ لأنها استعملت بالفعل. ثم انظر الآية رقم [٩٦] لشرح الليل والنهار. ﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ:﴾ يوقظكم من نومكم في النهار، فقد استعار لفظ الوفاة للنوم، واستعار لفظ البعث للإيقاظ من النوم. ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: ليبلغ المتيقظ في النهار، والنائم في الليل آخر عمره المسمى له في الدنيا، ثم المرجع والمآب بعد ذلك إلى الله تعالى بالموت، وبعد ذلك يكون الإحياء للحساب والجزاء فينبئ كل إنسان بما قدمت يداه في ليله، ونهاره، وغدوه، ورواحه.\nهذا؛ وانظر: ﴿قَضى﴾ في الآية رقم [٢/ ١١٧] و﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤٣] و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٤] و(يعلم) في الآية السابقة.\nالإعراب: (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَتَوَفّاكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nجرحتموه بالنهار، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم جرحكم بالنهار، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، واكتفى الفعل (يعلم) بمفعول واحد، كما في الآية السابقة، وجملة: ﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لِيُقْضى﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، وهو مبني للمجهول. ﴿أَجَلٌ:﴾ نائب فاعله. هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمعلوم ونصب (أجلا) على أنه مفعول به، فيكون الفاعل ضميرا مستترا يعود إلى (الله). ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة لما قبله على الوجهين، فهو مرفوع، أو منصوب، والضمة أو الفتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، و«أن» المضمرة والفعل: (يقضى) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما","vol":"3","page":308},{"text":"قبلهما من مجموع الفعلين، أي: ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ ثم ﴿يَبْعَثُكُمْ﴾ لأجل ذلك. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿يُنَبِّئُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وانظر الإعراب في الآية رقم [٣٠] فإنه مثل: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بلا فارق، والجملة الفعلية: ﴿يُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها أيضا، و﴿ثُمَّ﴾ في الآية للتراخي والمهلة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-850\"></span>﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٨] ففيها الكفاية. ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: ملائكة تحفظ أعمالكم وتسجلها، وهم الملائكة الكاتبون الكرام. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِرامًا كاتِبِينَ﴾ يكتبون ما يقوله وما يفعله العبد من خير وشر، وطاعة ومعصية. قيل: إن مع كل إنسان ملكين، ملك عن يمينه، وملك عن شماله، والأول آمر على الثاني، فإذا عمل العبد حسنة أسرع صاحب اليمين إلى كتابتها، وإذا عمل سيئة، قال لصاحب الشمال: اصبر لعله يتوب، فإن لم يتب منها كتبها صاحب الشمال سيئة واحدة. وفائدة جعل الملائكة موكلين بالإنسان: أنه إذا علم أن له حافظا من الملائكة موكلا به يحفظ عليه أقواله وأعماله في صحائف تنشر له وتقرأ عليه يوم القيامة على رءوس الأشهاد؛ كان ذلك أزجر له عن فعل القبيح وترك المعاصي: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وقيل: المراد بالحفظة هم الملائكة الذين يحفظون ابن آدم من شر المخلوقات يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ وكلا القولين صحيح وواقع. ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: انتهى أجله المحدود له في الدنيا. ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا:﴾ قبض روحه عزرائيل الموكل بقبض الأرواح وأعوانه من الملائكة الذين جعلهم الله تحت إمرته. ﴿وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ:﴾ لا يقصرون فيما وكل إليهم من تقديم أو تأخير. بعد هذا انظر: ﴿جاءَ﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿أَحَدَكُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٩٦]. ﴿الْمَوْتُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٠٩]. ﴿تَوَفَّتْهُ:﴾ إعلاله مثل إعلال: ﴿قَسَتْ﴾ في الآية رقم [٤٣]. ﴿رُسُلُنا:﴾ انظر (سبل) في الآية رقم [٥/ ١٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الأعراف).\nتنبيه: قال الله تعالى في آية: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وقال هنا: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ والجمع بين هذه الآيات: أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد، أمر الله ملك الموت بقبض روحه،","vol":"3","page":309},{"text":"ولملك الموت أعوان من الملائكة، يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم؛ تولى قبضها ملك الموت بنفسه. انتهى خازن بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿الْقاهِرُ؛﴾ لأنه اسم فاعل، و﴿فَوْقَ:﴾ مضاف، و﴿عِبادِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ معطوفة على: ﴿الْقاهِرُ﴾ لأنه بمعنى الذي يقهر عباده، أو هي معطوفة على الجملة الاسمية، وهذا على رأي من يجيز عطف الفعلية على الاسمية، وهو المعتمد. وقيل: هي معطوفة على جملة: ﴿يَتَوَفّاكُمْ..﴾. إلخ في الآية السابقة، فتكون من جملة صلة الموصول.\nوقيل: هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو يرسل... إلخ، وعليه فالجملة اسمية وهي في محل نصب حال من فاعل: ﴿الْقاهِرُ﴾ المستتر. وقيل: مستأنفة، وهو أضعف هذه الأقوال، وأقواها أولها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿وَيُرْسِلُ،﴾ وجوز تعليقهما ب: ﴿حَفَظَةً﴾.\nوقيل: في محل نصب حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ وهذا أضعف الثلاثة، وأقواها القول الأول. ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٢٥] مع العلم: أنه قد قرئ «(توفاه)» وهو ماض. وقيل: هو مضارع حذفت منه تاء المضارعة، أصله: (تتوفاه) والكلام: ﴿حَتّى إِذا جاءَ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. (هم): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾ في محل رفع خبره، وقد قرئ بتشديد الراء وتخفيفها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿رُسُلُنا﴾ والرابط الواو والضمير. وقيل:\nمستأنفة، والأول أولى.\n\n<span id=\"aya-851\"></span>﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ أي: يردون، بمعنى: يرجعون، وعبر بالماضي عن المضارع لتحقق وقوعه، وانظر الآية رقم [٥/ ١١٦] لبحث ذلك فإنه جيد. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة.\n ﴿مَوْلاهُمُ:﴾ متولي أمورهم ومالكهم. هذا؛ وكما يطلق المولى على الإله المعبود بحق، كما في هذه الآية، يطلق على السيد، والعبد، والحليف، وابن العم والنصير، والصاحب. ﴿الْحَقِّ:﴾\nالعدل الذي لا يحكم يوم القيامة إلا بالحق، وانظر الآية رقم [٥/ ٢٧]. ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي:\nالحكم بين العباد يوم القيامة إنما هو لله وحده، بخلاف الدنيا، فإنه وإن لم يكن حاكم في الحقيقة غير الله فيها، لكن فيها بحسب الظاهر حكام متعددة. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\n ﴿أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ:﴾ يحاسب الخلائق يوم القيامة في مقدار حلب الشاة، لا يشغله حساب أحد عن حساب أحد؛ لأنه لا يحتاج إلى فكر وعد. وانظر: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤]","vol":"3","page":310},{"text":"ولا تنس: أن في الكلام التفاتا من الإفراد إلى الجمع، والسر في الإفراد في الآية السابقة، والجمع هنا؛ وقوع الموت، والتوفي على الانفراد، وأما البعث والرجوع إلى الله يوم القيامة فإنه على الجمع، أي يا قوم جميع الخلائق من قبورهم دفعة واحدة.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف للتراخي، وانظر الآية رقم [٥/ ٤٦]. ﴿رُدُّوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ في الآية السابقة، لا محل لها مثله. ﴿مَوْلاهُمُ:﴾ صفة ﴿اللهِ﴾ أو بدل منه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَقِّ:﴾ صفة ثانية. وقيل: هو صفة ل: ﴿مَوْلاهُمُ﴾ ويقرأ بالنصب على إضمار فعل، أي أمدح أو أعني، وذلك على القطع، ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح، يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.\n ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحُكْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ:﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-852\"></span>﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وانظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤].\n ﴿يُنَجِّيكُمْ:﴾ بتشديد الجيم من نجّى، ويقرأ بتخفيفها من: أنجى. ﴿ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ:﴾ أهوالهما وشدائدهما في أسفاركم، استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتها في الهول، وإبطال الإبصار، فيقال لليوم الشديد: يوم متكلم، ويوم ذو كواكب، أي إنه يوم اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وفي ظهور الكواكب فيه؛ لأن الكواكب لا تظهر إلا في الظلمة. وقيل: الحمل على الحقيقة أولى، فظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الرياح، فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب، وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الرياح العاصفة، والأمواج الهائلة، فيحصل من ذلك أيضا الخوف الشديد من الوقوع في الهلاك، وانظر: ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ في الآية رقم [٥٩].\nتدعونه تضرعا وخفية: تسألون الله النجاة من الشدائد والهول في السر والجهر. ﴿لَئِنْ أَنْجانا..﴾.\nإلخ: أي يقولون حين وقوعهم في الشدائد: لئن أنجانا الله من هذه المتاعب، والمشاق؛ لنشكرنه تعالى عليها، ولا يكون الإنسان شاكرا إلا بالإيمان، وما يتعلق به من أعمال، والشكر يتطلب المزيد من النعم. انظر الآية رقم [٥٣]. ويقرأ: «(لئن أنجيتنا)» على الخطاب.","vol":"3","page":311},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنَجِّيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ ظُلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما؛ و﴿ظُلُماتِ:﴾ مضاف، و﴿الْبَرِّ:﴾ مضاف إليه. و(البحر): معطوف على ما قبله. ﴿تَدْعُونَهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، التقدير: داعين إياه، أو من فاعله المستتر، التقدير: مدعوّا من جهتكم، والرابط على الوجهين الضمير فقط. ﴿تَضَرُّعًا:﴾ حال بمعنى متضرعين، فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، وجوز اعتباره مفعولا مطلقا من معنى العامل، لا من لفظه، على حد: (قعدت جلوسا) ﴿وَخُفْيَةً:﴾ معطوف على ما قبله على الاعتبارين فيه، وهو يقرأ بضم الخاء وكسرها، كما قرئ: «(خيفة)» من الخوف. ﴿لَئِنْ﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَنْجانا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿مَنْ﴾ و(نا): مفعول به، وعلى قراءة: «(أنجيتنا)» فهو فعل وفاعل ومفعول به، والجملة فعلية لا محل لها على الوجهين؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ هذِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَنَكُونَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نكونن): فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر تقديره: «نحن»، ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الفعلية: ﴿لَنَكُونَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» والكلام: ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، واقع حالا، أي: قائلين، أو تقولون: ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-853\"></span>﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿يُنَجِّيكُمْ:﴾ يقرأ بتشديد الجيم وتخفيفها كما في الآية السابقة. ﴿مِنْها:﴾ من ظلمات البر والبحر. ﴿كُلِّ كَرْبٍ:﴾ غير ظلمات البر والبحر، والكرب هو: الغم الشديد الذي يأخذ بالنفس. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ أي: تعودون إلى شرككم بعد نجاتكم من الشدائد والأهوال، وهذا كان دأبهم؛ إذا مسهم الضر؛ لجئوا إلى الله وحده، وإذا كشفه عنهم؛ يعودون إلى عبادة الحجارة والأوثان، ألا ساء ما يعملون، وانظر: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥/ ٤٣].\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يُنَجِّيكُمْ مِنْها﴾ في محل رفع خبره، وانظر الآية السابقة لإعرابها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها﴾ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:","vol":"3","page":312},{"text":"﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْ كُلِّ:﴾ معطوفان على ﴿مِنْها،﴾ فهما متعلقان حكما بالفعل السابق، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿كَرْبٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْتُمْ:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿تُشْرِكُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-854\"></span>﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي: كما فعل بقوم نوح، وقوم لوط، وأصحاب الفيل، وعاد، وثمود. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي: كما أغرق فرعون، وخسف بقارون. وقيل: من ﴿فَوْقِكُمْ:﴾ أكابركم، وحكامكم. ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ:﴾ سفلتكم، وعبيدكم.\nولا وجه له. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا:﴾ يخلطكم فرقا متحزبين على أهواء شتى، فيتسبب القتال بينكم.\nوفي الخازن: ﴿شِيَعًا﴾ جمع شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر. فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتوقى بهم الإنسان. انتهى.\nوفي القاموس: وشيعة الرجل-بالكسر-: أتباعه، وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليّا وأهل بيته، حتى صار اسما لهم خاصة. والجمع: أشياع، وشيع، كعنب. انتهى.\n ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ:﴾ يعني: يقتل بعضكم بعضا، هذا هو ما عليه المسلمون في هذه الأيام من الاختلافات، وسفك بعضهم دماء بعض.\nقال الخازن: ثم اختلف المفسرون فيمن عنى الله بهذه الآية، فقال قوم: عنى بها المسلمين من أمة محمد ﷺ، وفيهم نزلت هذه الآية. قال أبو العالية: هن أربع صفات ذكرت في الآية الكريمة، وكلهن عذاب، فجاءت اثنتان بعد رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان، وهما لا بد واقعتان، يعني: الخسف، والمسخ.\nعن جابر بن عبد الله﵄قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: «أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: هذا أهون، أو هذا أيسر». رواه البخاري.\nوعن سعد بن أبي وقاص﵁-: أنه أقبل مع النبي ﷺ ذات يوم من العالية حتى إذا مرّ بمسجد بني معاوية، دخل، فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا به طويلا، ثم انصرف","vol":"3","page":313},{"text":"إلينا، فقال: «سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسّنة (الجدب) فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها». متفق عليه.\nوعن خباب بن الأرت﵁قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة، فأطالها، فقالوا:\nيا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها! قال: «أجل إنّها صلاة رغبة، ورهبة، إنّي سألت الله فيها ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمّتي بسنة (جدب وقحط) فأعطانيها، وسألته أن لا يسلّط عليهم عدوّا من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها». أخرجه الترمذي. انتهى خازن. ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ:﴾ نبين دلائلنا، وحجتنا لهؤلاء المكذبين، وانظر الآية رقم [٤٦]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ:﴾ يفهمون، ويعتبرون، فينزجروا عما هم عليه من الكفر، والتكذيب. وانظر «الترجي» في الآية رقم [٥١] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هُوَ الْقادِرُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا﴾ في محل جر ب: (على) والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿الْقادِرُ﴾ أي: القادر على بعث عذاب عليكم. ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَذابًا،﴾ أو هما متعلقان به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿مِنْ تَحْتِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و﴿تَحْتِ:﴾ مضاف، و﴿أَرْجُلِكُمْ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَلْبِسَكُمْ:﴾\nمضارع معطوف على: ﴿يَبْعَثَ﴾ فهو منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به، وأصل الكلام: يلبس أموركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والفعل يقرأ بفتح الياء وضمها. ﴿شِيَعًا:﴾ حال. ﴿وَيُذِيقَ:﴾ مضارع معطوف أيضا على: ﴿يَبْعَثَ،﴾ وفاعله يعود إلى الله.\n ﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَأْسَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿بَعْضٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٤٦]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة، ومحلها في الآية رقم [٥١].\n\n<span id=\"aya-855\"></span>﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بالعذاب؛ الذي وعدوا به. ﴿قَوْمُكَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٢]. ﴿الْحَقُّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧] ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٢/ ٢٦] أو [٧/ ٤]. ﴿لَسْتُ:﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء والسين؛ إذ أصله: «ليس» بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصل بضمير رفع متحرك؛ سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿لَسْتُ﴾. ﴿بِوَكِيلٍ:﴾ بحفيظ، وكل إلي أمركم، فأمنعكم","vol":"3","page":314},{"text":"من التكذيب، أو أجازيكم، إنما أنا منذر، والله الحفيظ، وإذا عرفت: أن السورة مكية؛ فيكون هذا الحكم منسوخا بآية القتال المدنية.\nالإعراب: (كذب): ماض. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْمُكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والرابط: الواو والضمير. ﴿لَسْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: (وكيل) بعدهما، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال منه: كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿بِوَكِيلٍ:﴾ الباء:\nحرف جر صلة. (وكيل): خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ لَسْتُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-856\"></span>﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ:﴾ لكل خبر أخبر به القرآن من العذاب، والإيعاد بالانتقام من المشركين، والمعاندين وقت يقع فيه المذكور، لا يقدم، ولا يؤخر، سواء أكان ذلك في الدنيا، أو في الآخرة. وكذلك ما أخبر به القرآن من النصر، وعلو الشأن للمؤمنين فله وقت وقوع محدد لا يقدم ولا يؤخر، وانظر: ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٤]. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ترون تحقيق ما ذكر من الوعد والوعيد، وفيه تهديد لا يخفى للكفارة والمعاندين. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(كل) مضاف، و﴿نَبَإٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية مستأنفة، وعلى مذهب الأخفش فهو فاعل بالجار والمجرور. (سوف): حرف استقبال). ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-857\"></span>﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾ أي: يكذبون، ويستهزءون بها، ويطعنون فيها. وانظر: ﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. فلا تجالسهم، وقم عنهم. ﴿حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: حتى يأخذوا في حديث غير حديث الاستهزاء بآيات الله. هذا؛ والخوض: الدخول في الشيء كالماء ونحوه، وهنا استعير للحديث بالباطل، والبهتان، والافتراء. وينبغي أن تعلم: أن هذه الآية مكية،","vol":"3","page":315},{"text":"فهي تنهى المسلمين عن مجالسة المشركين، وأما آية (النساء) رقم [١٤٠] فهي مدنية تنهى المسلمين عن مجالسة اليهود، والمنافقين، انظرها هناك. ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ:﴾ بوسوسته النهي عمّا أمرت به من ترك مجالسة الخائضين بعد تذكرك له، فلا تقعد بعد ذلك معهم. هذا؛ ويقرأ الفعل بتشديد النون، وتخفيفها، وبتشديد السين، وتخفيفها. وانظر «النسيان» في الآية رقم [٥/ ١٤]. ﴿الشَّيْطانُ:﴾\nانظر الاستعاذة. ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: معهم، فوضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب، والاستهزاء موضع التصديق، والاستعظام، وانظر شرح ﴿الْقَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٢] والظالمين في الآية رقم [١٤٤] وانظر شرح: (غير) في سورة (الفاتحة).\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يَخُوضُونَ فِي آياتِنا:﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿رَأَيْتَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة إذا إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: (أعرض عنهم): جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿يَخُوضُوا﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي حَدِيثٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿غَيْرِهِ:﴾ صفة: ﴿حَدِيثٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. (إما) هذه: (إن) الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة. ﴿يُنْسِيَنَّكَ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أو الخفيفة على القراءتين في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا) ناهية. ﴿تَقْعُدْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها.\n ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. و﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و﴿الذِّكْرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و﴿مَعَ:﴾ مضاف، و﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله... إلخ. والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-858\"></span>﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ: أي: ليس حساب المشركين الذين يخوضون في آيات الله على المتقين، ولا يسألون عن شيء من أعمالهم القبيحة، وإن جالسوهم، وحادثوهم.","vol":"3","page":316},{"text":"﴿وَلكِنْ ذِكْرى﴾ أي: ولكن عليهم أن يعظوهم، ويذكروهم بآيات الله لعلهم ينتهون عن شركهم، وعن استهزائهم بالمؤمنين، وعن تكذيبهم بآيات الله. هذا؛ وانظر (التقوى) في الآية رقم [٥/ ٣٥] وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٥١].\nتنبيه: لما نزلت الآية السابقة قال المسلمون: لئن كنا نقوم كلما استهزءوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، ونطوف به، فنزلت هذه الآية.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما) نافية. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنْ حِسابِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة، ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مؤخر، أو اسم ما على اعتبارها عاملة عمل «ليس» فهو مرفوع على الاعتبارين، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿ذِكْرى:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: ولكن ذكروهم ذكرى، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ولكن عليهم، أو عليكم ذكرى، أي: تذكيرهم، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، أي: هو ذكرى، فالأوجه ثلاثة، وجوز رابع، وهو العطف على موضع: ﴿شَيْءٍ﴾ المجرور، فهو عطف مفرد على مفرد، وأما على الأوجه السابقة، فهو من عطف الجمل. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥١].\n\n<span id=\"aya-859\"></span>﴿وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَذَرِ:﴾ اترك، وهذا الفعل لم يأت منه ماض، وانظر الآية رقم [٧/ ٧٠] تجد ما يسرك. ﴿لَعِبًا:﴾ انظر الآية رقم [٣٢] والمعنى: أعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين الذين جعلوا ديانتهم وعبادتهم مبنية على التشهي، يحلون، ويحرمون حسب أهوائهم. ﴿وَغَرَّتْهُمُ:﴾\nخدعتهم، وشغلتهم عن الإيمان بالله وحده. ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن الكريم. ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ:﴾ أن تهلك، وترهن بسوء عملها، وأصل الإبسال والبسل المنع، ومنه: أسد باسل؛ لأن فريسته لا تفلت منه، والباسل: الشجاع؛ لامتناعه من","vol":"3","page":317},{"text":"قرنه. وهذا بسل، أو بسيل عليك، أي: حرام ممنوع. وانظر شرح: ﴿نَفْسٌ﴾ في الآية رقم [/٩ ٢] أو [٧/ ٩]. ﴿بِما كَسَبَتْ:﴾ بما عملت من سيئات، وأوزار. ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ،﴾ انظر الآية رقم [٥١] فهو مثله. ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ أي: وإن تفد كل نفس نفسها من عذاب الله بما تملك من حطام الدنيا؛ لا يؤخذ منها، أي: لا يقبل منها، وما أحراك أن تنظر الآية رقم [٥/ ٤١] و[٣/ ٩١] فإنك تجد ما يسرك. ﴿أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا:﴾ أسلموا إلى العذاب بسبب كفرهم، وعنادهم، وأعمالهم القبيحة. ﴿لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ:﴾ تأكيد لعذابهم، وتحصيل لأنواعه، والمعنى: هم بين ماء مغلي يتجرجر في بطونهم، ونار تشتعل في أبدانهم بسبب كفرهم، وعنادهم. هذا؛ وانظر: ﴿تَعْدِلْ﴾ في الآية رقم [١] وما أحيل عليها برقم [٤/ ١٣٥] وانظر: ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣٦].\n ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤١] أو [٦٦] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿وَذَرِ:﴾ (ذر): فعل أمر مبني على السكون، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ صلة الموصول لا محل لها، والفعل قد نصب مفعولين، أو مفعولا واحدا، فيكون: ﴿لَعِبًا﴾ حالا، أو مفعولا لأجله، وجملة: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة:\n ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ معطوفة على جملة: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، و«لا» مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا تبسل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهة إبسالهم، فهو مفعول لأجله وانظر الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿نَفْسٌ:﴾ نائب فاعل: ﴿تُبْسَلَ﴾.\n ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بما بعدهما على التنازع، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَلِيٌّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، انظر الآية السابقة، وحذف مثله لشفيع، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة نفس وجوز اعتبارها مستأنفة.\n ﴿تَعْدِلْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى نفس. ﴿كُلَّ:﴾\nمفعول مطلق، ويقال: نائب عنه، و﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و﴿عَدْلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يُؤْخَذْ:﴾ مضارع مبني للمجهول، وهو جواب الشرط مجزوم، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿عَدْلٍ﴾ ﴿مِنْها:﴾ متعلقان به، وجملة: ﴿تَعْدِلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجملة: ﴿لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، والجملة الشرطية: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في","vol":"3","page":318},{"text":"محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أُبْسِلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِما:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كسبوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. هذا؛ وإعراب: ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ مثل: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ تقديرا، وتأويلا، وتعليقا، وغير ذلك بلا فارق ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَرابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ حَمِيمٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَرابٌ﴾. (عذاب): معطوف على: ﴿شَرابٌ﴾ عطف مفرد على مفرد.\n ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته. والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ شَرابٌ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿أُولئِكَ،﴾ ويجوز أن تكون في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿أُبْسِلُوا﴾ والرابط الواو فقط، وجوز اعتبارها مستأنفة لا محل لها، وهذا وجوز اعتبار: ﴿الَّذِينَ﴾ بدلا من: ﴿أُولئِكَ﴾ أو نعتا له، فيتعين حينئذ أن تكون الجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ شَرابٌ﴾ خبرا ل: ﴿أُولئِكَ﴾. ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ:﴾ إعراب هذه مثل إعراب: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ في الآية [٣٠] والجار والمجرور: ﴿بِما..﴾. إلخ على جميع الاعتبارات متعلقان ب: ﴿شَرابٌ﴾ أو ب (عذاب) على التنازع أيضا.\n\n<span id=\"aya-860\"></span>﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، والمتعلق محذوف، أي: قل لهؤلاء المشركين عبدة الأصنام، وعلق مثله في كل ما تقدم، وما يأتي أيضا، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤].\n ﴿أَنَدْعُوا:﴾ أنعبد. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: أي: أنعبد الأصنام التي لا تنفع، ولا تضر. وانظر (دون) في الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ..﴾. إلخ: نرجع إلى الشرك، وعبادة الأصنام بعد أن منّ الله علينا بالإيمان، والتعبير عن ذلك بالرد على الأعقاب لزيادة التقبيح؛ إذ الأعقاب جمع عقب، وهو مؤخر القدم. ففيه استعارة لا تخفى. ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ..﴾. إلخ: أي حالنا إن رجعنا إلى الشرك كحال من ذهبت به مردة الجن، فألقته في أرض فلاة، مترامية الأطراف، فهو حيران لا يدري أن يذهب، وماذا يفعل؟ ﴿لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا:﴾\nلذلك الحيران الذي استهوته الشياطين رفقة يدعونه إلى الطريق المستقيم، ويقولون له: ﴿اِئْتِنا﴾.\n ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ أي: إن الدين الإسلامي هو الهدى والنور، وما عداه من الأديان ضلال، وانظر الآية رقم [٣/ ٧٣]. (أمرنا...) إلخ: أمرنا الله أن نسلم وجوهنا وننقاد لأوامره.","vol":"3","page":319},{"text":"(رب العالمين): انظر سورة (الفاتحة)، وانظر شرح: ﴿أَصْحابٌ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٩] وانظر (أتى) في الآية رقم [٤] وانظر شرح: (الشيطان) في الاستعاذة.\nتنبيه: قال سليمان الجمل: قيل: نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق﵁- حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأصنام. فتوجه الأمر حينئذ للإيذان بما بينه وبين الصديق من الاتصال، والاتحاد تنويها بشأن الصديق. وفي البيضاوي إشارة إلى ذلك.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَدْعُوا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (ندعو): مضارع مرفوع، متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُنا:﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَلا يَضُرُّنا:﴾ معطوفة عليها، والعائد أو الرابط هو رجوع الفاعل في الجملتين إلى ما، و(نا): مفعول به، وجملة:\n ﴿أَنَدْعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا﴾ معطوفة على جملة: ﴿أَنَدْعُوا..﴾. إلخ فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وهي داخلة في حكم الإنكار والنفي، والجار والمجرور متعلقان بالفعل نرد، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وجوز اعتبار الجملة في محل نصب حال، على تقدير: «ونحن نرد على أعقابنا» وفيه تكلف. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وبعد مضاف، و﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿هَدانَا اللهُ:﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿كَالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: نرد ردّا كائنا مثل رد الذي استهوته. وهو مذهب أبي البقاء، وغيره في مثل هذا التركيب، ومذهب سيبويه في مثله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم على طريق الاتساع، فيكون التقدير: ونرد على مثل هذه الحالة. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما فالمحل على الوجهين، وتكون مضافة والذي مبنيّا على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿اِسْتَهْوَتْهُ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الشَّياطِينُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَيْرانَ:﴾ حال من الضمير المنصوب. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال أولى من الضمير المنصوب.\nوقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿حَيْرانَ،﴾ أو من الضمير المستتر فيه، ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَصْحابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وجملة: ﴿يَدْعُونَهُ﴾ في محل رفع صفة أصحاب، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير في: ﴿حَيْرانَ﴾. وقيل: هي بدل من الحال التي قبلها، ولا وجه له. ﴿إِلَى الْهُدَى:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِئْتِنا:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، انظر","vol":"3","page":320},{"text":"الشرح، والجملة الفعلية المقدرة في محل نصب حال من واو الجماعة، أي: يدعونه إلى الهدى قائلين له: ﴿اِئْتِنا﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هُدَى:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿هُدَى:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْهُدَى:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هُدَى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n (أمرنا): ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و(نا): في محل رفع نائب فاعله. ﴿لِنُسْلِمَ:﴾\nمضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وجوز اعتبار اللازم زائدة قائمة مقام «أن» المصدرية، فعلى الأول تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويكون المفعول به محذوفا، التقدير: وأمرنا بالإخلاص لإسلام وجوهنا لرب إلخ. وعلى الثاني تؤول أن التي حلت اللام محلها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرنا بالإسلام. ﴿لِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(رب):\nمضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية:\n (أمرنا... إلخ) معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-861\"></span>﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاِتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ:﴾ انظر شرح: ﴿الصَّلاةَ﴾ في الآية رقم [٤/ ١٠٣] ومعنى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ:﴾ أدوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٥]. ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: يجمع الخلائق بعد خروجهم من قبورهم إلى الله؛ ليحاسبهم على أعمالهم. هذا؛ وفي الكلام هنا التفات من التكلم في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، وانظر الالتفات في الآية رقم [٦].\nالإعراب: ﴿وَأَنْ:﴾ (أن): حرف مصدري. ﴿أَقِيمُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به.\n ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، و(أن) المصدرية، والفعل ﴿أَقِيمُوا﴾ في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول: ﴿لِنُسْلِمَ﴾ في الآية السابقة، فهو في محل جر مثله.\nالتقدير: وأمرنا بإقامة الصلاة. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل","vol":"3","page":321},{"text":"بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-862\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٠]. ﴿وَيَوْمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨]. ﴿يَقُولُ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [/٤ ٧]. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: أحدث، فيحدث، وليس المراد حقيقته: أمر، وامتثال، بل هو تمثيل ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور، والمطيع بلا توقف. انتهى بيضاوي. انظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٧] من سورة (البقرة) فهو جيد.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر كما في الآية السابقة، والجملة الفعلية: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: خلق السموات والأرض خلقا ملتبسا بالحق. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، التقدير: محقّا، والأول أقوى معنى، وأتم سبكا. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكر يوم يقول... إلخ، وعليه فالجملة فعلية، وهي مستأنفة لا محل لها، وقال أبو البقاء: فيه جملة أوجه: أحدها: هو معطوف على الهاء في (اتقوه) أي: واتقوا عذاب يوم يقول.\nوالثاني: هو معطوف على السموات، أي خلق يوم يقول. والثالث: هو خبر ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي:\nوقوله الحق يوم يقول، والواو داخلة على الجملة المقدم فيها الخبر، والحق صفة قوله. والرابع:\nهو ظرف لمعنى الجملة التي هي: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي: يحق قوله في يوم، يقول: كن. والخامس:\nهو منصوب على تقدير: اذكر. وأرى أن هذا هو الجدير بالاعتبار، والأوجه الأربعة المتقدمة ظاهر فيها التكلف، والتعسف. ﴿يَقُولُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): مضارع تام، وفي فاعله أوجه: أحدها: أنه ضمير جميع ما يخلقه الله تعالى يوم القيامة. الثاني: أنه ضمير الصور المنفوخ فيها، ودل عليه قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. والثالث: أنه ضمير اليوم، أي: فيكون ذلك اليوم العظيم. والرابع: أن الفاعل هو: ﴿قَوْلُهُ﴾ و﴿الْحَقُّ﴾ صفته، أي: فيوجد قوله الحق، ويكون الكلام على هذا قد تم على الحق. انتهى جمل نقلا عن السمين. ومثله في العكبري، والجملة الفعلية على جميع هذه الاعتبارات معطوفة على جملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وإن اعتبرتها خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: «فهو يكون» يصح على بعض الاعتبارات في الفاعل،","vol":"3","page":322},{"text":"ولا يصح على بعضها. تأمل جيدا، وتفهم حقّا؛ يتوضح لك ذلك. هذا؛ وقرأ ابن عامر في الآية رقم [٢/ ١١٧] بالنصب، كما رأيته هناك، وضعفه أبو البقاء، وبينات سبب ضعفه هناك، فارجع إليه إن شئت. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالشرح: هذا الكلام متصل بالآية السابقة. ومعنى ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي معنى قوله تعالى الحق الواضح الذي لا خفاء فيه، ولا اعوجاج. وله الملك يوم ينفخ في الصور. إنما أخبر عن ملكه في ذلك اليوم العظيم، وإن كان الملك له تعالى خالصا في الدنيا، والآخرة؛ لأنه لا منازع له يومئذ يدعي الملك، وأنه المنفرد بالملك يومئذ، وأن من كان يدعي الملك بالباطل من الجبابرة، والفراعنة، وسائر الملوك الذين كانوا في الدنيا قد زال ملكهم، واعترفوا بأن الملك لله الواحد القهار، وأنه لا منازع له فيه، وعلموا: أن الذي كانوا يدعونه من الملك في الدنيا باطل وغرور.\nهذا؛ والصور: قرن كهيئة البوق. قاله مجاهد، ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود، والترمذي، وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر، فينفخ». فكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله، وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله توكّلنا». وربّما قال: «توكّلنا على الله».\nأخرجه الترمذي. انتهى خازن بتصرف.\nوينبغي أن تعلم: أن الذي ينفخ في الصور إنما هو إسرافيل﵇أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين، بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى لإماتة جميع المخلوقات، والثانية لإحيائهم، وبعثهم للحساب والجزاء، خذ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾. بعد هذا اذكر: أن الزمخشري-رحمه الله تعالى-قال: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، مثل: نفق، ونفد، ونفث، ونفخ، ونفش... إلخ. ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: يعلم سبحانه ما غاب عن أبصار عباده، وما يشاهدونه، فلا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم. ﴿الْحَكِيمُ﴾ أي: في جميع أفعاله، وتدبير خلقه.\n ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بكل ما يفعلونه من خير، أو شر.\nالإعراب: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ:﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، و﴿الْحَقُّ﴾ نعته، وخبره قوله:\n ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي: الظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، كما رأيت في الآية السابقة. والثاني: أنه","vol":"3","page":323},{"text":"فاعل بقوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ و﴿الْحَقُّ:﴾ نعته أيضا، وقد تقدم هذان الوجهان، والثالث: أن ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ وخبر، أخبر سبحانه عن قوله بأنه لا يكون إلا حقّا. الرابع: أن (قول) مبتدأ أيضا، و﴿الْحَقُّ:﴾ نعته، والظرف: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ متعلق بمحذوف خبره، وعليه: فقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملة اسمية معترضة بين المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب. انتهى جمل نقلا عن السمين، وذلك بتصرف. ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملة اسمية معترضة على وجه رأيته، أو هي معطوفة على جملة:\n ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يَوْمَ:﴾ فيه أوجه أيضا:\nأحدها: أنه خبر لقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ وقد تقدم هذا بتحقيقه. الثاني: أنه بدل من: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ فيكون حكمه حكم ذاك. الثالث: أنه ظرف ل: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ أي: وهو الذي إليه تحشرون في يوم ينفخ في ذلك الصور. الرابع: أنه منصوب بنفس ﴿الْمُلْكُ﴾ أي: متعلق به لأنه مصدر، أي: وله الملك في ذلك اليوم. الخامس: أنه منصوب بالفعل ﴿يَقُولُ﴾. السادس: أنه منصوب ب: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ بعده، أي: متعلق به لأنه اسم فاعل، السابع: أنه منصوب بقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ انتهى جمل نقلا من السمين بتصرف مني. ﴿يُنْفَخُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿عالِمُ:﴾\nبالرفع فيه أوجه: أحدها: أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو عالم الغيب، الثاني: أنه فاعل ﴿يَقُولُ﴾ أي: يوم يقول عالم الغيب. الثالث: أنه فاعل بفعل محذوف، يدل عليه الفعل المبني للمجهول، كأنه لما قال: ينفخ في الصور؛ سأل سائل، فقال: من الذي ينفخ؟ فقيل: عالم الغيب، أي ينفخ فيه عالم الغيب، أي: يأمر بالنفخ فيه. انتهى جمل نقلا عن السمين. وأجاز أبو البقاء أيضا اعتباره صفة ل: ﴿الَّذِي﴾ والمعتمد الأول من كل هذه الأقوال. هذا؛ ويقرأ بالجر، قال أبو البقاء: بدل من (رب العالمين) أو من الهاء في: ﴿وَلَهُ﴾ وهذه القراءة ليست سبعية، فلذا يظهر الضعف في الإعراب على الوجهين، و﴿عالِمُ:﴾ مضاف، و﴿الْغَيْبِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره هو يعود إلى (الله). ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. وعلى الوجه الأول من أوجه الرفع وهو أقواها، فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وهي مستأنفة على جميع الوجوه المعتبرة في: ﴿عالِمُ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-863\"></span>﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿إِبْراهِيمُ:﴾ ذكر فيه سبع لغات، انظرها في التفاسير، ومعناه في السريانية: أب رحيم. ﴿آزَرَ:﴾ لقد اختلف في هذا الاسم،","vol":"3","page":324},{"text":"فقيل: هو اسم أبي إبراهيم، وله اسم آخر: «تارح» بالحاء أو بالخاء، فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم اسمان: ﴿آزَرَ﴾ وتارخ، مثل يعقوب، وإسرائيل اسمان لرجل واحد، فيحتمل أن يكون اسمه الأصلي ﴿آزَرَ،﴾ وتارح لقب له.\nوقال سليمان التيمي: ﴿آزَرَ﴾ سب، وعيب، ومعناه في كلامهم: المعوج. وقيل: الشيخ الهرم. وقال سعيد بن المسيب، ومجاهد: ﴿آزَرَ﴾ اسم صنم، كان والد إبراهيم يعبده، فلقب به للزوم عبادته له. وقيل: معناه: يا عابد آزر، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.\nوالصحيح هو الأول. وقد أخرج البخاري في أفراده من حديث أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم ﵇ أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة، وغبرة».\nفثبت بهذا: أن اسمه الأصلي: ﴿آزَرَ،﴾ لا تارخ، والله أعلم. انتهى خازن بتصرف كبير. هذا؛ وقد قرئ برفعه على النداء، وهو مما يؤيده. ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً:﴾ هذا استفهام توبيخي إنكاري، أي: أتعبد أصناما؟ وهي لا تستحق الإلهية. هذا؛ والأصنام جمع: صنم، وهو التمثال الذي يتخذ من خشب، أو حجارة، أو حديد، أو ذهب، أو فضة على صورة الإنسان، أو غيره، وهو الوثن. ﴿وَقَوْمَكَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢١]. ﴿ضَلالٍ:﴾ كفر، وخروج عن جادة الحق والصواب، ﴿مُبِينٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٦]. هذا؛ وانظر (النّصب) في الآية رقم [٥/ ٣] و(الأنصاب) في الآية رقم [٩٣] المائدة.\nتنبيه: قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: قد جرى المفسرون على أن آزر اسم أبيه، وهو مشكل بما تقرر في السير، من أن جميع نسبه ﷺ مطهر من عبادة الأصنام، بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾. ويجاب بأن محل ذلك ما دام النور المحمدي في أصلابهم، أما بعد انتقاله منهم، فتجوز عليهم عبادة الأصنام، وغيرها، من سائر أنواع الكفر. تأمل.\nتنبيه: هناك من يقول: إن آزر عم إبراهيم، وليس أباه، وكثيرا ما يطلق على العم لفظ الأب تجوزا، وكثيرا ما ينادي الرجل ابن أخيه، بقوله: يا بني. أقول: ينفي هذا الزعم تكرر لفظ الأبوة في القرآن الكريم، كما ترى في هذه الآية، وكما في قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ وأيضا في سورة التوبة: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ،﴾ وأيضا في سورة (الشعراء): ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ وغير ذلك كثير، ولا سيما في سورة (مريم).\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. أو هو مفعول به لهذا المقدر، وجملة: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آزَرَ:﴾","vol":"3","page":325},{"text":"بدل مطابق من: (أبيه) أو عطف بيان عليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، ويجوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف، التقدير: أعني ﴿آزَرَ،﴾ وذلك على القطع باعتباره وصفا، وليس علما. هذا؛ ويقرأ بالرفع، وفيه اعتباران:\nالأول أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هو ﴿آزَرَ،﴾ وذلك باعتباره وصفا، والثاني: أنه منادى بأداة نداء محذوفة، أي: يا ﴿آزَرَ،﴾ وذلك باعتباره علما. ﴿أَتَتَّخِذُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وإنكار. (تتخذ): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَصْنامًا:﴾ مفعول به أول.\n ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَراكَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَقَوْمَكَ:﴾ معطوف على الكاف، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني على اعتباره علميّا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكاف الواقعة مفعولا به، وما عطف عليها على اعتبار الفعل بصريّا. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ضلال.\n\n<span id=\"aya-864\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿نُرِي إِبْراهِيمَ:﴾ اختلف في هذه الرؤية. فقيل: كانت بالبصر. وقيل: كانت بالبصيرة، فمن قال بالأول قال: إن الله تعالى شق لإبراهيم﵊السموات حتى رأى العرش، وشق له الأرض حتى رأى ما في بطنها. ومن قال بالثاني قال: إن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة؛ لأن ملكوت السموات والأرض عبارة عن الملك، وذلك لا يعرف إلا بالفعل، فبان بهذا: أن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة. انتهى خازن بتصرف. هذا؛ والملكوت: الملك، زيدت فيه التاء للمبالغة، كالرهبوت، والرغبوت، والرحموت، من الرهبة، والرغبة، والرحمة. قال ابن عباس﵄يعني: خلق السموات والأرض، وقال مجاهد، وسعيد بن حبير -رحمهما الله تعالى-: يعني: آيات السموات والأرض، وذلك أنه أقيم على صخرة، وكشف له عن السموات حتى رأى العرش، والكرسي، وما في السموات من العجائب، وكشف له عن الأرض، حتى نظر إلى أسفل الأرضين، ورأى ما فيها من العجائب. وانظر شرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [١]. ﴿الْمُوقِنِينَ:﴾ جمع: موقن، وأصله: مؤيقن؛ لأنه من: أيقن، فحذفت الهمزة من مضارعه، كما تعرفه في الآية رقم [١٢٤] وحذفت من اسم فاعله، فصار (ميقن) ثم أبدلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها. هذا؛ والإيقان: إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال. وفي الخازن: واليقين عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة؛ لأن","vol":"3","page":326},{"text":"الإنسان في أول الحال، لا ينفك عن شبهة وشك، فإذا كثرت الدلائل، وتوافقت صارت سببا لحصول اليقين، والطمأنينة في القلب، وزالت الشبهة عند ذلك. انتهى. وينبغي أن تعلم أن اليقين من: يقن الثلاثي، وأما الإيقان فإنه من أيقن الرباعي. تأمل، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف عامله الفعل الذي بعده، التقدير: نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض رؤية كائنة مثل رؤيته ضلال أبيه. أو عامله محذوف قبله، التقدير: كما رأى أباه وقومه في ضلال مبين أريناه ذلك. وجوز أبو البقاء تعليق الجار والمجرور بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: والأمر كائن مثل ذلك، والأول أقوى، وأعرف عند النحاة، وانظر الآية رقم [٥٣] لتفصيل إعراب كذلك. ﴿نُرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَلَكُوتَ:﴾ مفعول به ثان، و(هو) مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. (الأرض): معطوف على سابقه. (ليكون): مضارع ناقص منصوب ب:\n «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمه يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (يكون) و«أن» المضمرة، والفعل يكون في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على جار ومجرور محذوفين، وهما متعلقان بالفعل: ﴿نُرِي،﴾ وتقدير الكلام: أريناه ملكوت... إلخ ليستدل على قدرة الله تعالى، وليكون من الموقنين، أي لاستدلاله، ولكينونته ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ،﴾ وجملة (كذلك... إلخ) مستأنفة على جميع الاعتبارات فيها.\n\n<span id=\"aya-865\"></span>﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ:﴾ أقبل الليل على إبراهيم، وستره بظلامه، وغطاه. هذا؛ والجن ضد الإنس، والواحد جني، سموا بذلك لاستتارهم عن أعين الناس، والجنين: الولد في بطن أمه، سمي بذلك لاستتاره أيضا عن الأعين، والجنة: البستان الكثير الأشجار، سمي بذلك لأنه يستر ما فيه لكثرة أشجاره، وهي بفتح الجيم. هذا؛ والجنّة بكسر الجيم: الجنون، وسمي بذلك لأنه يغطي العقل ويذهب به، انظر الآية رقم [١٨٤] من سورة (الأعراف)، وجنّ فلان: ذهب عقله. وهو ملازم للبناء للمجهول، ويقال: أجنه الليل إجنانا، وجن عليه، يجن ويجن جنونا، وإذا قالوا: أجن؛ لم يأتوا بعلى، وإذا قالوا: جن؛ أدخلوا على، كما في الآية الكريمة، وأضيف: أن (أجن) بتخفيف النون، وضم الجيم، وكسرها بمعنى: تغير، يقال: أسن الماء، وأجن: إذا تغير طعمه، وريحه، ويقال: في صدره أجن، أي: حقد، قال الشاعر: [الطويل]\nإذا كان في صدر ابن عمّك أجنة... فلا تستزدها سوف يبدو دفينها\nهذا؛ وانظر شرح ﴿اللَّيْلُ﴾ في الآية رقم [٩٦]. ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أي: لامعا، وهو الزهرة، أو المشتري. ﴿هذا رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة). ﴿أَفَلَ:﴾ غاب. ﴿قالَ:﴾ انظر","vol":"3","page":327},{"text":"«القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: الذين يغيبون، والمعنى: لا أرغب في عبادة الأرباب الذين يتغيرون من حال إلى حال؛ لأن ذلك من صفات الأجسام الحادثة التي يطرأ عليها الزوال، والفناء.\nتنبيه: اختلف المفسرون في بيان الوقت الذي جرى لإبراهيم﵇ما ذكر في هذه الآية، وما بعدها، فقيل: كان ذلك في سن مراهقته. وقيل: كان بعد بلوغه سن الرشد. وقيل:\nكان بعد الأربعين من عمره، وهو السن الذي يمنح فيه الرسول الرسالة على الأغلب. كما اختلف في المعنى المراد من ذلك على الرأي الأخير الذي رجحه المحققون على وجوه:\nالوجه الأول: أن إبراهيم﵇أراد أن يستدرج قومه بهذا القول، ويعرفهم جهلهم، وخطأهم في تعظيم النجوم، وعبادتها؛ لأنها تتغير من حال إلى حال، وما كان بهذه المثابة لا يستحق العبادة.\nالوجه الثاني: أن إبراهيم﵇قال هذا القول على سبيل الاستفهام، والمعنى أيكون هذا ربّا؛ ودلائل النقص فيه ظاهرة؟\nالوجه الثالث: أن إبراهيم﵇قال ذلك على وجه الاحتجاج على قومه، يقول:\nهذا ربي بزعمكم، فلما غاب قال: لو كان إلها كما تزعمون؛ لما غاب.\nالوجه الرابع: أن في هذه الآية إضمار يقولون، أي قال: يقولون هذا ربي.\nالوجه الخامس: أن الله تعالى قال في حقه: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. ثم قال بعده: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ والفاء تقتضي التعقيب، فدل هذا على أن هذه الواقعة بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض بعد الإيقان، ومن كان بهذه المنزلة الشريفة العالية لا يليق بحاله أن يعبد الكواكب، أو يتخذها ربّا. انتهى خازن باختصار، وبتصرف كبير.\nأقول: الوجه الخامس هو بمنزلة البرهان والدليل على صحة الوجوه الأربعة، ولا سيما الوجهين الأولين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: ذكر المفسرون: أن شأن إبراهيم في ولادته شبيه بشأن موسى﵇في ولادته، وأنه ربّي خفية عن النمرود الذي هو شبيه بفرعون بادعاء الألوهية، والربوبية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢/ ٢٥٨] ففيه الكفاية.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٤٤].\nوجملة: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما)، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها. ﴿رَأى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿كَوْكَبًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب (لما)، لا محل لها. وقيل:\nهي في محل نصب حال، وهو ضعيف معنى وتركيبا؛ لأن الجملة الماضوية إذا وقعت حالا؛","vol":"3","page":328},{"text":"تكون «قد» قبلها ظاهرة أو مقدرة، وتقدير «قد» قبلها هنا غير جيد معنى. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل لها. ﴿رَبِّي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هذا رَبِّي﴾ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها على اعتبار جملة: ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ جواب (لما)، وهي جواب (لما) على اعتبار تلك في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب: «على»، وقد رأيت ضعفه، و(لما) ومدخولها. قيل بعطفه على جملة: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ..﴾. إلخ فتكون الآية السابقة معترضة بين المتعاطفين. وقيل: معطوفة على الآية السابقة لا محل لها، ورجح الجمل الأول، وأرجح الثاني. وانظر الوجه الخامس من الشرح يظهر لك ذلك. ﴿فَلَمّا أَفَلَ:﴾ إعرابه مثل سابقه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أُحِبُّ﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنا». ﴿الْآفِلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لا أُحِبُّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه.\n\n<span id=\"aya-866\"></span>﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿بازِغًا:﴾ طالعا؛ إذ البزوغ: الطلوع، وبزغ، يبزغ من باب: نصر، يستعمل لازما، ومتعديا، يقال: بزغ البيطار الدابة، أي: أسال دمها، فبزغ هو، أي: سال، هذا هو الأصل، ثم قيل لكل بزوغ: طلع، ومنه: بزغ ناب الصبي، والبعير تشبيها بذلك انتهى جمل نقلا عن السمين.\n ﴿قالَ هذا رَبِّي:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَفَلَ:﴾ غاب. ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أي: إن لم يثبتني ربي على الهدى. وليس المراد: أنه لم يكن مهتديا؛ لأن الأنبياء لم يزالوا على الهداية من أول الفطرة.\n ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ أي: الكافرين. فيه تعريض لقومه بأنهم على ضلال.\nقال البيضاوي: استعجز إبراهيم نفسه، واستعان بربه في درك الحق، فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه، إرشادا لقومه، وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله، لا يصالح للألوهية، وأن من اتخذه إلها فهو ضال. انتهى.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي:﴾ إعراب هذا الكلام مثله في الآية السابقة.\nو﴿بازِغًا:﴾ حال من ﴿الْقَمَرَ﴾ ولا يصح اعتباره مفعولا ثانيا؛ لأن ﴿رَأَى﴾ بصرية، وليست علمية، والكلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له. ﴿فَلَمّا أَفَلَ قالَ..﴾. إلخ:","vol":"3","page":329},{"text":"انظر مثله في الآية السابقة. ﴿لَئِنْ﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَهْدِنِي:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، انظر الآية السابقة، وانظر بقية الإعراب وتفصيله في الآية رقم [٦٣] فإنه مثله بلا فارق. والكلام: ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-867\"></span>﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآيتين السابقتين. ﴿هذا أَكْبَرُ﴾ أي: جرما، وضوءا، ونفعا من جميع الكواكب، والقمر. ﴿أَفَلَتْ:﴾\nغابت. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢١]. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: بالله من الأصنام، والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث. هذا؛ وقد ذكّر المبتدأ في الجملة: ﴿هذا رَبِّي﴾ و﴿هذا أَكْبَرُ﴾ وهو اسم الإشارة مع كونه عائدا إلى الشمس، وهي مؤنث لتذكير خبره، وهو: (ربي):\nوصيانة للرب عن شبهة التأنيث، ولهذا قالوا في صفات الله تعالى: علام، ولم يقولوا: علامة، وإن كان الثاني أبلغ، تفاديا من علامة التأنيث، وانظر: ﴿بَراءَةٌ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآيتين السابقتين. ﴿هذا أَكْبَرُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا.\n ﴿فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ:﴾ انظر الآيتين السابقتين، وكل ما في هذه الآية معطوف على ما قبله، والاستئناف ممكن. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥/ ٢١] ففيه الكفاية، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَرِيءٌ،﴾ و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء تشركونه مع الله في عبادته، وانظر ما بينات به (من) في الشرح، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: إني بريء من إشراككم. ولعلك تدرك معي: أن هذا أوضح من التقديرين السابقين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"3","page":330},{"text":"<span id=\"aya-868\"></span>﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾\nالشرح: بعد أن أثبت إبراهيم﵊بالدليل القطعي العقلي بطلان عبادة الكواكب، والشمس، والقمر، وأعلن براءته من عبادتها توجه إلى الله بهذا الكلام؛ الذي فيه قصر العبادة على خالق السموات والأرض. والمراد ب: (الوجه) في هذه الآية: جميع البدن، وانظر: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [١] و[١٤]. ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق، قال الشاعر: [الوافر]\nولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين\nهذا؛ والحنف: الميل في القدمين. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ تعريض بقومه بأنهم كافرون مشركون لعبادتهم الكواكب، وهي لا تضر، ولا تنفع.\nالإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿وَجَّهْتُ:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿وَجْهِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ صلة الموصول، والعائد الفاعل المستتر. ﴿حَنِيفًا:﴾ حال من تاء الفاعل. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية مهملة، أو هي عاملة عمل: «ليس». ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (ما). ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو بمحذوف خبر (ما)، والجملة الاسمية على الوجهين في محل نصب حال من تاء الفاعل أيضا، والرابط: الواو والضمير، وجملة: ﴿وَجَّهْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-869\"></span>﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ:﴾ جادلوه، وخاصموه في دينه، وتوحيده، وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء؛ إن تركها، وانظر شرح: ﴿قَوْمُهُ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢١]. ﴿قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ﴾ أي: أتجادلونني في توحيد الله، وإيماني به. هذا؛ وقد قرئ بتشديد النون، وتخفيفها، فعلى الأول تكون نون الوقاية قد أدغمت في نون الرفع بعد تسكينها، وعلى الثاني تكون قد حذفت","vol":"3","page":331},{"text":"إحدى النونين على اختلاف في المحذوف منهما، انظر الكلام على الشاهد [١٠٤٩] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب». هذا؛ ويجري في: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ من سورة (الزمر) ما جرى في:\n ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ قراءة، وحذفا، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة.\n ﴿وَقَدْ هَدانِ:﴾ إلى التوحيد والعبادة، وهو يقرأ بحذف ياء المتكلم، وإثباتها. ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أي: لا أخاف معبوداتكم؛ التي تهددونني بها؛ لأنها لا تضر، ولا تنفع؛ لأنهم قالوا له: إنا نخاف أن تمسّك الأصنام بخبل، أو جنون لعيبك إياها. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا:﴾\nإلا أن يقدّر عليّ ربي أن يصيبني بمكروه من جهتها. ﴿يَشاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨].\n ﴿رَبِّي:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١]. ﴿شَيْئًا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: إن الله بكل شيء عليم، فلا يصيب عبدا شيء من ضر، أو نفع إلا بعلمه، وتقديره، ومشيئته. ﴿أَفَلا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٠٧] فإنه جيد. ﴿تَتَذَكَّرُونَ:﴾ تتعظون، فتميزوا، وتفرقوا بين الصحيح، والفاسد، والقادر، والعاجز.\nتنبيه: قال البغوي: لما رجع إبراهيم إلى أبيه، وصار من الشباب بحالة تسقط عنه طمع الذابحين، أي: (وهذا بناء على ما ذكرته لك من أنه ولد خفية، وربّي خفية) وضمه آزر إلى نفسه، جعل آزر يصنع الأصنام، ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فيذهب وينادي من يشتري ما يضره، ولا ينفعه؟ فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه؛ ذهب بها إلى نهر، فصوب فيه رءوسها، وقال:\n «اشربي» استهزاء بقومه، وبما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومه، وأهل بلدته (حاجّه قومه) يعني: خاصمه قومه، وجادلوه في أمر دينه. انتهى خازن.\nوما أحراك أن تنظر المناظرة بينه، وبين النمرود في الآية رقم [٢٥٨] (البقرة) وانظر النتيجة الحاسمة بينه، وبين قومه في سورة (الأنبياء)، إن كنت من أهل القرآن.\nالإعراب: (حاجه): ماض، ومفعوله. ﴿قَوْمُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿أَتُحاجُّونِّي:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (تحاجوني): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والنون للوقاية، وانظر القراءتين في الشرح، والواو فاعله، وياء المتكلم مفعوله. ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿هَدانِ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المقدرة، أو الثابتة على حسب القراءتين في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو والضمير. وقيل: في محل نصب حال من ياء المتكلم، وتقدير الحال في الأول: هاديا لي. وفي","vol":"3","page":332},{"text":"الثاني: مهديّا من عنده، أي: حال كوني مهديّا من عنده. (لا): نافية. ﴿أَخافُ:﴾ مضارع، وفاعله أنا. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ولا أخاف إشراككم بالله، والجملة الفعلية هذه يجوز أن تكون مستأنفة، ويحتمل أن تكون في محل نصب حال باعتبارين: أحدهما: أن تكون حالا ثانية معطوفة على الأولى، فيكون الحالان من الياء في: ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ والثاني: أنها حال من ياء المتكلم في:\n ﴿هَدانِ،﴾ فتكون جملة حالية من بعد جملة حالية، فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلا أنه لا بد من إضمار مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع لما تقدم من أن الفعل المضارع المنفي ب:\n «لا» حكمه حكم المثبت، من حيث أنه لا تباشره الواو. انتهى.. جمل نقلا عن السمين\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا،﴾ في محل رفع مبتدأ، وخبره محذوف، وتقدير الكلام: لكن مشيئة الله إياي بضر أخافها. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهذا الاستثناء يسمى منقطعا. هذا؛ وجوز اعتباره متصلا؛ لأنه من جنس الأول، والمستثنى منه الزمان، كما أشار إلى ذلك الزمخشري في الكشاف بقوله:\n «لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة أو مضرة إلا وقت مشيئة ربي شيئا».\nوقواه الجمل بقوله: وهو أظهر القولين. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به. وقيل: نائب مفعول مطلق.\n ﴿وَسِعَ:﴾ ماض. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع... إلخ. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عِلْمًا:﴾ تمييز، وجوز اعتباره مفعولا مطلقا عامله: ﴿وَسِعَ؛﴾ لأن معناه: علم، والأول أولى، وأقوى، والجملة الفعلية: ﴿وَسِعَ..﴾. إلخ كالتعليل للاستثناء؛ إذ المعنى فلا يبعد أن يكون في علمه أن يحيق بي مكروه بسبب من الأسباب؛ لأنه أحاط بكل شيء علما. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَتَذَكَّرُونَ:﴾\nفعل وفاعل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وانظر ما قيل في قوله تعالى ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ في الآية رقم [١٠٧] (المائدة) فإنه مثل هذه الآية بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-870\"></span>﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿أَخافُ:﴾ الخوف: الفزع، وانظر الخوف في الآية رقم [١٥٥] (البقرة) تجد ما يسرك. ﴿سُلْطانًا:﴾ حجة، وبرهانا، والمعنى: كيف أخاف الأصنام التي تعبدونها، وهي جمادات لا تضر، ولا تنفع، ولا تبصر، ولا تسمع، وأنتم لا تخافون الله، وقد أشركتم به ما","vol":"3","page":333},{"text":"ليس فيه حجة وبرهان، وهو أعظم الذنوب. ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أي: من الأولى بالأمن من العذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وتفهمون، الموحدون، أم المشركون. هذا؛ والفريق: الطائفة من الناس، وهو أكثر من الفرقة، قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وقال جل شأنه: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ،﴾ والفريق: اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط، وقوم.\nالإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام، وتعجب مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿أَخافُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف مع المتعلق، التقدير: ما أشركتموه بالله، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: أخاف إشراككم بالله غيره. ﴿أَنَّكُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿أَشْرَكْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ..﴾. إلخ يجوز فيها أن تكون معطوفة على ما قبلها، فتكون داخلة في حيز التعجب، والإنكار، وأن تكون في محل نصب حال، التقدير: وكيف أخاف الذي تشركون به حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة إشراككم؟! ولا بد من تقدير المبتدأ قبل المضارع المنفي ب: (لا)، كما رأيت في الآية السابقة، والحال من تاء الفاعل، والرابط:\nالواو، والضمير. ﴿فَأَيُّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أي): اسم استفهام مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْفَرِيقَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى. ﴿أَحَقُّ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿بِالْأَمْنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَحَقُّ﴾ لأنه اسم تفضيل، والجملة الاسمية: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ انظر ما يشبهها في الآية رقم [٤٠].\nبعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الآية بكاملها، والآية التي قبلها كل ذلك من مقول إبراهيم، ﵊. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-871\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا:﴾ لم يخلطوا، وانظر الآية رقم [٩]. ﴿إِيمانَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [/٩٦ ٥]. ﴿بِظُلْمٍ:﴾ المراد به هنا الشرك؛ لما روي: أنه لما نزلت الآية شق ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال﵊ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمان","vol":"3","page":334},{"text":"لابنه: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. رواه البخاري، ومسلم عن ابن مسعود، ﵁. وليس الإيمان بالله أن تصدق بوجود الصانع الحكيم، وتخلط بهذا التصديق الإشراك به. وقيل: المعصية. ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ:﴾ من عذاب الله، ومن سخطه في الدنيا، والآخرة.\n ﴿مُهْتَدُونَ:﴾ موفقون إلى طريق الخير، والسداد، والهدى والرشاد. هذا؛ وقد اختلف: هل الآية الكريمة من تتمة كلام إبراهيم، أو من كلام الله تعالى؟ ويختلف الإعراب على القولين.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nهم الذين. وهذا على اعتباره من تتمة كلام إبراهيم، ﵊، وأما على الاعتبار الثاني، فهو مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، والجملة الفعلية: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وجوز اعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة، فيكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿بِظُلْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿إِيمانَهُمْ﴾. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَمْنُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾ والجملة الاسمية والتي قبلها في محل نصب مقول القول، أي: قال: «هم الذين...» إلخ، وهذا على اعتباره من كلام إبراهيم، وأما على اعتباره من كلام الله تعالى-أي: غير محكي-ففي خبره أوجه: أحدها: أن الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾. الثاني: أن يكون: ﴿أُولئِكَ﴾ بدلا، أو عطف بيان، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾. الثالث: أن ﴿لَهُمُ﴾ خبر: ﴿الَّذِينَ،﴾ و﴿الْأَمْنُ﴾ فاعل بالجار والمجرور، والمعتمد الأول من الثلاثة، والجملة: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها على اعتبارها من كلام الله تعالى، وإن اعتبرتها في محل نصب مقول القول، أي:\nقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ فلست مفندا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ باللام، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-872\"></span>﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا:﴾ الإشارة إلى ما احتج به إبراهيم﵊على قومه: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ﴿آتَيْناها إِبْراهِيمَ:﴾ أعطيناه إياها. أو أرشدناه. أو: علمناه إياها. وانظر شرح: ﴿قَوْمِهِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠]. ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ:﴾ يقرأ بالتنوين وبالإضافة. ورفع الدرجات يكون بالعلم، والحكمة، والتقوى، والصلاح، لا بالمال ولا بمراتب الدنيا الفانية. وانظر شرح: ﴿نَشاءُ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر","vol":"3","page":335},{"text":"سورة (الفاتحة) رقم [١]. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في رفعه، وخفضه، وعزه، وذله لمن يشاء. ﴿عَلِيمٌ:﴾\nبأحوال عباده من يستحق الرفع منهم، ومن يستحق الخفض. وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧].\nهذا؛ وقد قرئ «(يرفع)» و«(يشاء)» بالياء أيضا، ويكون في الكلام التفات، وانظره في الآية رقم [٦].\nالإعراب: (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حُجَّتُنا:﴾ خبر المبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿آتَيْناها إِبْراهِيمَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿حُجَّتُنا﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة. هذا؛ وقيل: الجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، كما قيل: إن ﴿حُجَّتُنا﴾ بدل من اسم الإشارة، والجملة الفعلية في محل رفع خبره. واعتمد الأول؛ لأن له نظائر في كتاب الله، مثل: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً،﴾ ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا،﴾ ﴿عَلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول الأول، التقدير: «حجة على قومه»، والجملة الاسمية: ﴿وَتِلْكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿نَرْفَعُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿دَرَجاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿دَرَجاتٍ﴾ مضاف، و﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نشاؤه. هذا؛ وعلى قراءة التنوين ف: ﴿مَنْ﴾ هو المفعول به، و﴿دَرَجاتٍ﴾ يكون منصوبا بنزع الخافض، التقدير: نرفع في درجات من نشاء رفعه، وجملة: ﴿نَرْفَعُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا) والرابط: الضمير فقط، وجوز اعتبارها مستأنفة، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، ومقوية لمعنى الكلام السابق، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-873\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ أي: لإبراهيم. ﴿إِسْحاقَ:﴾ ابنه، وكان بعد أن دبت في عروقه الشيخوخة، والعجز. وهذا معروف، ومكرر ذكره في القرآن الكريم. ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ ابن إسحاق حفيد إبراهيم وقد ولد قبل وفاة جده. ﴿كُلاًّ هَدَيْنا﴾ أي: كلاّ من إسحاق، ويعقوب هداهما الله للإيمان، وأنعم عليهما بنعمة النبوة، والرسالة. ﴿وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إبراهيم، وقد عد الله هداية نوح نعمة على إبراهيم، من حيث إنه جده، وشرف الأجداد يتعدى إلى الأحفاد، كما هو معروف في جميع العصور. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ:﴾ الضمير لإبراهيم إذ الكلام فيه، وقيل لنوح؛ لأنه أقرب، ولأن يونس، ولوطا ليسا من ذرية إبراهيم، وإنما الجميع من ذرية نوح. ﴿وَأَيُّوبَ:﴾ صاحب البلاء، وهو من ولد العيص بن إسحاق. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾","vol":"3","page":336},{"text":"أي: كما جزيناهم، وفضلناهم بالنبوة، والرسالة نجزي المحسنين خيرا في كل زمان، ومكان.\nهذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية [٣/ ٣٣] من حياة نوح، وعمره، وعمر إبراهيم وعمران، على نبينا وعليهم ألف صلاة وسلام، وانظر إعلال: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ واشتقاقها في الآية رقم [٣/ ٣٤] فإنه جيد.\nتنبيه: ذكر الله في هذه الآية: أنه وهب لإبراهيم الذرية الصالحة، ولم يقل: رزقنا، أو آتينا، أو أعطينا، مما يدل على أن الولد الصالح هبة من الله للعبد، بخلاف الولد الفاسد المفسد، فإنه نقمة، وغضب من الله على العبد، ورحم الله من قال: [الكامل]\nنعم الإله على العباد كثيرة... وأجلّهنّ نجابة الأولاد\nالإعراب: (وهبنا): فعل وفاعل، وانظر: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٢] (المائدة). ﴿لَهُ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به. (يعقوب): معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية:\n (وهبنا...) إلخ معطوفة على الجملة الاسمية في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿كُلاًّ:﴾\nمفعول به مقدم. ﴿هَدَيْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَنُوحًا هَدَيْنا:﴾\nهو مثل سابقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿داوُدَ،﴾ وما عطف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿داوُدَ:﴾ وما بعده معطوف على (نوحا) أي: فالنصب بفعل محذوف دل عليه ﴿هَدَيْنا﴾ السابق. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، وتقدير الكلام:\n «نجزي المحسنين جزاء كائنا مثل ذلك الجزاء الذي جازينا به إبراهيم، وذريته». ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهي معترضة في المعنى لعطف الآية التالية على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-874\"></span>﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٥)﴾\nالشرح: (زكريا ويحيى) انظر الآية رقم [٣٨ و٣/ ٣٩]. (عيسى): هو ابن مريم، وانظر الآية رقم [٥/ ٤٩] وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت. (إلياس) هو ابن ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران. وهو المعتمد.\nالإعراب: ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على الأسماء السابقة، فهي منصوبة بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، ما عدا (إلياس) فإنه منصوب بفتحة ظاهرة. ﴿كُلٌّ:﴾\nمبتدأ، وجاز الابتداء به؛ وهو نكرة لإضافته في المعنى؛ إذ التقدير: كلهم. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة بين الأسماء المتعاطفة.","vol":"3","page":337},{"text":"<span id=\"aya-875\"></span>﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِسْماعِيلَ:﴾ هو ابن إبراهيم من صلبه، وإنما أخر ذكره إلى هنا؛ لأنه ذكر إسحاق، وذكر أولاده من بعده على نسق واحد، فلهذا السبب أخر ذكره إلى هنا. ﴿وَالْيَسَعَ:﴾\nهو ابن أخطوب بن العجوز، وهو علم أعجمي دخلت عليه اللام، كما دخلت في العباس، والفضل، والوليد، واليزيد، ونحو ذلك، ويقرأ بقراءات كثيرة. ﴿وَيُونُسَ:﴾ هو ابن (متى) وهو صاحب الحوت الذي سأتكلم عنه-إن شاء الله تعالى-في سورة (الصافات) بالتفصيل. هذا؛ وفي نونه وسين يوسف ثلاث لغات. ﴿وَلُوطًا:﴾ هو ابن أخي إبراهيم، وقد هاجر معه من العراق إلى فلسطين، كما ذكر الله في سورة الأنبياء، وبعد هجرته منح الرسالة، والنبوة. ﴿وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي: كلاّ من المذكورين في الآيات الثلاث فضلهم الله، ورفع منزلتهم، وأعلى مكانتهم بالنبوة، والهدى على العالمين، عالمي زمانهم ليبقى سيدنا، وشفيعنا محمد ﷺ سيدهم، وسيد الأولين، والآخرين إلى يوم الدين. هذا؛ ويستدل بهذه الآية من يقول: إن الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لأن العالم بفتح اللام اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل فيه الملك، فيقتضي: أن الأنبياء أفضل من الملائكة.\nتنبيه: ذكرت لك في الآية رقم [٤/ ١٦٣] أن أبا ذر﵁سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء قال: «مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفا، قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، أول الرسل آدم، وآخرهم نبيكم محمد ﵊». هذا؛ وأربعة منهم من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم. وإسماعيل مستعرب. والمذكور في القرآن منهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كل مسلم ومسلمة من المكلفين، وأعني بمعرفتهم: أنه لو عرض اسم رسول على مسلم؛ فيجب أن يعرف أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقد ذكر الله في هذه الآيات ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، وبقي سبعة، وهم آدم، وإدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب المتقدم ذكره، ومحمد، فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا هم الذين يجب الإيمان بهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]\nحتم على كلّ ذي التكليف معرفة... بأنبياء على التفصيل قد علموا\nفي تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر، ويبقى سبعة وهمو\nإدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا\nتنبيه: ولما أظهر إبراهيم﵊دينه، وغلب خصمه بالحجج القاطعة، والبراهين القوية، والدلائل الصحيحة؛ التي فهمه الله تعالى إياها، وهداه إليها؛ عدد نعمه عليه،","vol":"3","page":338},{"text":"فإنه رفع ذريته في عليين، وأبقى النبوة في عقبه إلى يوم الدين، فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ..﴾. إلخ، والمقصود من تلاوة هذه النعم على محمد ﷺ تشريفه؛ لأن شرف الوالد يسري إلى الولد.\nالإعراب: ﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ما قبلها، فهي منصوبة مثلها. (كلاّ): مفعول به مقدم. ﴿فَضَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُلاًّ هَدَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-876\"></span>﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ:﴾ هذا الكلام معطوف على: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنا﴾ أي: وهدينا من آبائهم... إلخ، أو هو معطوف على قوله تعالى: ﴿وَكلاًّ فَضَّلْنا﴾ أي: وفضّلنا من آبائهم... إلخ.\n ﴿وَذُرِّيّاتِهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣/ ٣٤]. ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ:﴾ اصطفيناهم، واخترناهم. ﴿وَهَدَيْناهُمْ:﴾ تكرير مؤكد لما ذكر، وسبق. ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨] لشرح الأول، وإعلال الثاني.\nتنبيه: (من) الجارة معناها التبعيض، وهو يفيد أن بعض آبائهم لم يكن نبيّا، بل ولم يكن مهديّا، ويمثل له بآزر على ما سبق، وكذلك بعض الذرية، ويمثل له بابن نوح. عليه الصلاة، والسّلام.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ:﴾ جار ومجرور معطوفان على: (نوحا)، أو على: (كلاّ) كما رأيت في الشرح، و﴿وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ:﴾ معطوفان عليه أيضا، والهاء في الكل في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣] (المائدة) والجملتان معطوفتان على جملة: ﴿كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا..﴾. إلخ، فهما مؤكدتان لما سبق. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة صراط.\n<span id=\"aya-877\"></span>﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى المصدر المفهوم من الفعلين السابقين، أي: الاجتباء، والهداية. ﴿هُدَى اللهِ:﴾ هو توفيق الله، انظر الاستعاذة لشرح الجلالة. ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ:﴾\nيوفق إلى الهداية من يشاء الله هدايته، وتوفيقه إلى الخير، وفيه دليل واضح على أن الله هو المتفضل، والمنعم على من وفق لطاعته، وعبادته. ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ أي: لو أشرك هؤلاء الأنبياء، أو أحد منهم مع فضلهم، وعلو شأنهم. وهذا على سبيل الفرض، والتقدير. ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما﴾","vol":"3","page":339},{"text":"﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لذهب ثواب أعمالهم هباء منثورا، ولكانوا كغيرهم من المشركين في استحقاق العقاب الشديد، والخلود في نار السعير؛ لأن الله لا يقبل مع الشرك أي عمل صالح.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُدَى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والفاعل يعود إلى الله تقديره: «هو». ﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصوفة، والموصولة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، ومن بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ وجملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو في محل نصب حال من: (هدى الله) والعامل في الحال اسم الإشارة، والرابط:\nالضمير المجرور محلاّ بالباء. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿هُدَى اللهِ﴾ بدلا من اسم الإشارة، فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والمعتمد القول الثاني، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٣].\n (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف لا محل لها لأنها؛ ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَحَبِطَ:﴾ اللام: واقعة في جواب لو.\n (حبط): ماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل: (حبط)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيء، كانوا يعملونه، وعلى الثالث تؤول ما مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: لحبط عنهم عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ وجملة: ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها معطوف على الجملة الاسمية لا محل له مثلها، فهي مستأنفة، والمعطوف له حكم المعطوف عليه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-878\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى الرسل الذين ذكروا في الآيات السابقة، أو إلى من نهج نهجهم من الآباء، والذرية، وغيرهم، وليس كل واحد قد أنزل عليه كتاب، إذا فالمراد من أنزل عليهم، وهو موسى، وعيسى، وداود، ومن لم ينزل عليه كتاب، ولكن أمر بالعمل في الكتاب الذي أنزل على من قبله، وهذا يشمل جميع رسل بني إسرائيل الذين كانوا مأمورين بالعمل بما في التوراة. وانظر شرح ﴿الْكِتابَ﴾ في الآية [٢] الأعراف. ﴿وَالْحُكْمَ﴾ أي: الحكمة،","vol":"3","page":340},{"text":"وهي ما تكمل به نفوسهم من المعارف، والأحكام، والأخلاق. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة. ﴿وَالنُّبُوَّةَ:﴾ الرسالة. ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ أي: فإن يكفر بالثلاثة المذكورة أهل مكة. ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ أي: فقد أعددنا ووفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها قوما يؤمنون بها. قيل: هم الأنصار، والمهاجرون، أو كل من آمن برسالة محمد ﷺ إلى يوم القيامة. هذا؛ وانظر: ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ٣٦] وانظر: ﴿قَوْمًا﴾ في الآية رقم [٢٢] (المائدة).\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الفعلية: ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَكْفُرْ:﴾ مضارع فعل الشرط. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة:\n ﴿يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وَكَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣]. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْمًا:﴾\nمفعول به. ﴿لَيْسُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿بِكافِرِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (كافرين): خبر ليس مجرور لفظا منصوب محلاّ، وجملة: ﴿لَيْسُوا..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿قَوْمًا﴾ وجملة: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-879\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ:﴾ الإشارة إلى الرسل الذين ذكروا في الآيات السابقة.\n ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ:﴾ هذا الأمر موجه لسيد الرسل وخاتمهم محمد ﷺ بأن يسير على طريقة الرسل السابقين، وينهج نهجهم، ويتخلق بأخلاقهم والمراد ب: (هداهم) ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا، فليس فيه دليل على أنه ﵊ متعبد بشرع من قبله.\nوالهاء في: ﴿اِقْتَدِهْ﴾ للسكت، وفيها قراءات كثيرة. ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: قل: يا محمد لكفار قريش: لا أطلب منكم أجرا على ما جئتكم به من هدى، ورشاد، وفلاح، كما لم","vol":"3","page":341},{"text":"يطلب غيري من الرسل أجرا من أقوامهم على ما بلغوهم إياه. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ:﴾ ما هو، أي: القرآن أو التبليغ، والإرشاد إلا عظة لجميع المخلوقات من الإنس، والجن.\nتنبيه: احتج بالآية الكريمة بعض العلماء على أن محمدا ﷺ أفضل من جميع الأنبياء وذلك لأن جميع خصال الكمال التي كانت متفرقة فيهم، أمر بالاقتداء بهم فيها، أي بالتخلق بها ليحوز الجميع، فكان نوح صاحب تحمل الأذى من قومه، وإبراهيم صاحب كرم، وإسحاق ويعقوب صاحبي صبر على البلاء، والمحن، وداود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب صاحب صبر على البلاء، ويوسف جامعا بين الصبر والشكر، وموسى صاحب الشريعة الظاهرة، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وإسماعيل صاحب صدق، ويونس صاحب تضرع، فأمر محمد أن يقتدي بهم، وجمع له جميع ما تفرق فيهم. انتهى جمل نقلا من الخازن بالمعنى.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ:﴾ مبتدأ، وخبر، انظر التفصيل في الآية السابقة. وجملة: ﴿هَدَى اللهُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير (هداهم الله) والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَبِهُداهُمُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥]. (بهداهم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿اِقْتَدِهْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء للسكت، وهي حرف يجتلب للاستراحة عند الوقف، وجوز أبو البقاء اعتبارها هاء الضمير، ولا أراه قويّا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فاقتد بهداهم. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والكاف مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى ما. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل لها. ﴿ذِكْرى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿ذِكْرى﴾ لأنه مصدر، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هُوَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-880\"></span>﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق تعظيمه، أو: ما عرفوه حق معرفته في الرحمة، والإنعام على العباد. ﴿إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ:﴾ حين أنكروا الوحي، وبعثة","vol":"3","page":342},{"text":"الرسل، وذلك من عظائم رحمته، وجلائل نعمته. ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى:﴾ وهو التوراة. ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أي: تجعلون التوراة أجزاء أجزاء، تكتبونها في دفاتر مقطعة، تظهرونها للناس، فيها ما تحبون إظهاره، وتخفون كثيرا مما فيها كنعت محمد ﷺ.\nهذا؛ وتقرأ الأفعال الثلاثة بالياء، والتاء. ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ أي: علمتم أشياء لم تكونوا تعلمونها، أنتم ولا أسلافكم، علمتموها من القرآن الكريم، ولم تنص التوراة عليها، فقد بين القرآن ما التبس عليكم، وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم. ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿قُلِ اللهُ﴾ أي: أنزله الله. ﴿ذَرْهُمْ:﴾\nدعهم، واتركهم. وهذا الفعل قد أميت ماضيه، انظر الآية رقم [٧/ ٧٠]. ﴿فِي خَوْضِهِمْ:﴾ في باطلهم، وطغيانهم، وانظر الآية رقم [٦٨]. ﴿يَلْعَبُونَ:﴾ يهزءون ويسخرون. وانظر الآية رقم [٣٢].\n ﴿اللهَ:﴾ انظر «الاستعاذة». ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٤]. ﴿أَنْزَلَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]. ﴿بَشَرٍ:﴾ يطلق هذا اللفظ على الإنسان ذكرا كان أو أنثى، مفردا وجمعا، مثل كلمة «الفلك» تطلق على المفرد والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو الصوف، أو الريش. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به هنا التوراة، وانظر الآية رقم [٧/ ٢] لشرحه. ﴿جاءَ:﴾\nانظر الآية رقم [٥]. ﴿مُوسى:﴾ هو في الأصل موشى بالشين، مركب من اسمين: الماء، والشجر فالماء يقال له في العبرانية (مو) والشجر يقال له (شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر، لما رمته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و(القصص). ﴿وَهُدىً:﴾ أصله هديا، بضم الهاء، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (هدى)، وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة الأصلية، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا (هدا) فلا يوجد ما يدل عليها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٢]. ﴿قَراطِيسَ:﴾\nجمع: قرطاس، وهو الورق الذي يكتب فيه.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في اليهود، أي: علمائهم، فقد ورد: أن مالك بن الصيف جاء يخاصم النبي ﷺ، فقال له النبي: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد فيها:\nأن الله تعالى يبغض الحبر السمين، أي: العالم الجسيم، وكان مالك المذكور كذلك، فقال:\nنعم، وكان يحب إخفاء ذلك، لكن أقر لإقسام النبي عليه، فقال له النبي ﷺ؛ أنت حبر سمين، أي أنت مبغوض، فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال أصحابه الذين كانوا معه: ويحك، ولا على موسى، فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فلما سمعت اليهود تلك المقالة؛ عتبوا عليه، وقالوا: أليس الله أنزل التوراة على موسى، فلم قلت هذا؟! قال:","vol":"3","page":343},{"text":"أغضبني محمد فقلته، فقالوا: وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق، فعزلوه من الحبرية، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. انتهى جمل نقلا من الخازن.\nأقول: ذكرت لك في أول هذه السورة: أنها مكية، وأن هذه الآية وما بعدها مدنيات، وهذا يوافق ما ذكرته لك عن اليهود في المدينة، وهو يدحض قول من يقول: إن القائلين: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ هم كفار قريش، تأمل، وتدبر، والله أعلم.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قَدَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم.\n ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، ويقال: نائب عنه، و﴿حَقَّ:﴾ مضاف، و﴿قَدْرِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان بمعنى: وقت مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. وقيل: ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلى بَشَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها على القول الأول فيها، ولا محل لها على اعتبار: ﴿إِذْ﴾ حرف تعليل. ﴿مِنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ تقديره هو. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة الكتاب، وجملة: ﴿جاءَ بِهِ مُوسى﴾ صلة الموصول، والعائد الضمير المجرور بالباء. ﴿نُورًا:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والعامل فيه: ﴿جاءَ،﴾ أو من ﴿الْكِتابَ،﴾ والعامل فيه: ﴿أَنْزَلَ،﴾ وجملة: ﴿أَنْزَلَ الْكِتابَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿مِنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (هدى): معطوف على: ﴿نُورًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب (هدى)، أو بمحذوف صفة له. ﴿تَجْعَلُونَهُ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿قَراطِيسَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال مثل: ﴿نُورًا﴾ فتكون الحال قد تعددت إفرادا، وجملة. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿قَراطِيسَ﴾ منصوبا بنزع الخافض. وقيل: هو على حذف مضاف، أي ذا قراطيس، وجملة: ﴿تُبْدُونَها﴾ في محل نصب صفة: ﴿قَراطِيسَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، والرابط محذوف؛ إذ التقدير (تخفون منها كثيرا)، وقول مكي: «مبتدأ لا موضع له من الإعراب» لا وجه له، إلا إذا كان يقصد إضمار مبتدأ، التقدير: «وأنتم تخفون كثيرا» فتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة. ﴿وَعُلِّمْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني","vol":"3","page":344},{"text":"على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لم تعلموه. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع تأكيد لواو الجماعة ليصح العطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿آباؤُكُمْ:﴾ معطوف على واو الجماعة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة:\n (علمتم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في الأفعال الثلاثة، وهذا على قراءتها بالتاء، فيجب تقدير «قد» قبلها، وأما على قراءة الأفعال بالياء، ففي الجملة الفعلية وجهان:\nالأول: اعتبارها مستأنفة، والثاني: اعتبارها في محل نصب حال أيضا، ويكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. ﴿اللهَ:﴾ فيه وجهان: الأول اعتباره فاعلا لفعل محذوف، التقدير: أنزله الله، والثاني: مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الله أنزله، والجملة على الوجهين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ اللهُ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿ذَرْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿فِي خَوْضِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير الواقع مفعولا به، أو هما متعلقان بالفعل بعدهما، أو بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أو من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، وجملة: ﴿ذَرْهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-881\"></span>﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿وَهذا كِتابٌ:﴾ المراد به: القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب سيد العالمين نورا ورحمة للناس أجمعين. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]. وليس المراد هنا: أنه أنزل جملة واحدة، بل المراد بيان إنزاله فحسب. وانظر شرح ﴿كِتابٌ﴾ في الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿مُبارَكٌ:﴾ كثير النفع والفائدة. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: موافق للكتب التي قبله في التوحيد، وتنزيه الله تعالى، والدلالة على البشارة، والنذارة. وانظر تفسير الآية رقم [٢/ ٦٦] ففيها فائدة. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى:﴾\nهي مكة المعظمة سميت بذلك؛ لأنها قبلة أهل القرى جميعا، ومحجهم، ومجتمعهم، وأعظم القرى شأنا. وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس. وانظر الآية رقم [١٢٣] هذا؛ وقد قرئ الفعل بالتاء، والياء، والإنذار: التخويف من عذاب الله وسخطه في الدنيا والآخرة. ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي: من القرى، والمراد بعد ذلك جميع الناس شرقا وغربا.\nوانظر شرح (حول) في الآية رقم [١٧] من سورة (البقرة). ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ..﴾. إلخ:","vol":"3","page":345},{"text":"فإن من صدق بالآخرة؛ خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر، والتدبر، حتى يؤمن بالنبي، والكتاب، والضمير في: ﴿بِهِ﴾ يحتملهما، ويحافظ على الطاعة، وتخصيص الصلاة بالذكر؛ لأنها عماد الدين، وعلم الإيمان، والمراد بالإيمان بالآخرة: الإيمان المعتد به بخلاف إيمان اليهود، والنصارى، وغيره بالآخرة فإنه إيمان لا يعتد به لفقد شرطه الأساسي، وهو الإيمان بمحمد ﷺ، وانظر شرح (الصلاة) في الآية رقم [٤/ ١٠٣] والآية رقم [١١] (التوبة) فإنه جيد.\nتنبيه: وصف الله الكتاب الذي أنزله على محمد ﷺ هنا بالإنزال قبل وصفه بالبركة، بخلاف قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾ قالوا: لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال؛ إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل الله على بشر من شيء، بخلافه هناك، ووقعت الصفة الأولى جملة فعلية؛ لأن الإنزال يتجدد وقتا فوقتا، والثانية اسما صريحا؛ لأن الاسم يدل على الثبوت، والاستقرار، وهو مقصود هنا، أي: بركته ثابتة مستقرة. انتهى جمل نقلا عن السمين.\nالإعراب: ﴿وَهذا كِتابٌ:﴾ مبتدأ وخبر، وجملة: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ في محل رفع صفة أولى ل: (الكتاب). ﴿مُبارَكٌ:﴾ صفة ثانية. ﴿مُصَدِّقُ:﴾ صفة ثالثة. هذا؛ ويجوز في غير القرآن نصب الصفتين على الحال من: ﴿كِتابٌ﴾ لوصفه بالجملة الفعلية كما رأيت. هذا؛ و﴿مُصَدِّقُ:﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿يَدَيْهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، والهاء في محل جر بالإضافة. (لتنذر): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وهو يقرأ بالتاء والياء، فعلى الأول تقدير فاعله: أنت، وعلى الثاني تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿كِتابٌ﴾. ﴿أُمَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْقُرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. (من): اسم موصول أو نكرة موصوفة بمعنى ناسا مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على ما قبلها.\n ﴿حَوْلَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (من) أو بمحذوف صفتها على اعتبارها نكرة، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على محذوف، التقدير: «أنزلناه للإيمان، وللإنذار». وقيل: معطوفان على ما دل عليه ﴿مُبارَكٌ﴾ أي: أنزلناه للبركات، وللإنذار، وقيل غير ذلك. (الذين): فيه وجهان:\nأحدهما أنه مبني على الفتح في محل نصب معطوف على: ﴿أُمَّ الْقُرى،﴾ والثاني أنه في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة على الوجه الأول في الموصول، وفي محل رفع خبره على الوجه الثاني فيه. (هم):\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: «يحافظون على صلاتهم» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"3","page":346},{"text":"<span id=\"aya-882\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم، وأفجر، وأفسد من إنسان يختلق الكذب على الله، فزعم أنه نبي بعثه الله، كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي اللذين ادعيا النبوة في آخر حياة الرسول ﷺ. ﴿أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أي: قال نزل علي قرآن، ولم ينزل عليه شيء، كعبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، فلما نزلت الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ..﴾. إلخ، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال عبد الله: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ تعجبا من تفصيل خلق الإنسان، فقال النبي ﷺ: اكتبها، فكذلك نزلت، فشك عبد الله، وقال: لئن كان محمد صادقا؛ لقد أوحي إلي، ولئن كان كاذبا؛ لقد قلت كما قال. فارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين، ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام، فأسلم قبل فتح مكة، والنبي ﷺ نازل بمر الظهران وكان في إسلامه دخن، ودغل ظهر ما ظهر منه في خلافة الإمام علي، ﵁. أي: بعد ثلاثين عاما. ﴿وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ قيل: المراد: كفار قريش، أو النضر بن الحارث. فقالوا، أو قال كما حكى القرآن عنهم: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ والصحيح: أنه من مقول عبد الله بن أبي سرح، فكان من جملة كتبة الوحي، فكان إذا أملى عليه النبي ﷺ: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ كتب مكانه: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وإذا أملى عليه: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ كتب: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وهكذا. ﴿تَرى:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٥٢]. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٤] الآتية.\n ﴿فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ:﴾ شدائده، من غمره الماء: إذا غشيه وغطاه. وانظر شرح ﴿الْمَوْتِ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٠٦]. ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٣٠]. ﴿باسِطُوا أَيْدِيهِمْ:﴾ يقبض أرواح الكفار، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١]. وقبض أرواحهم يكون في شدة، وغلظة. ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: تقول لهم الملائكة: أخرجوا أنفسكم أي: خلصوها من العذاب. وقيل:\nالمعنى: أخرجوا أرواحكم من أجسادكم. وهذا تعنيف، وتغليظ عليهم. وانظر ما يفعل بهم عند الموت في الآية رقم [٨/ ٥٠]. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ:﴾ أراد وقت الإماتة، وما يعذبون به من شدة النزع، أو المراد الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له. والهون: الهوان، وإضافة العذاب إليه، كقولك: رجل سوء، والمراد: التمكن في الهوان. ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ..﴾. إلخ:\nأي: العذاب الشديد واقع بسبب افترائكم على الله أمورا لا أصل لها؛ من أن له شريكا،","vol":"3","page":347},{"text":"وصاحبة، وولدا، ودعوى النبوة، والوحي وغير ذلك. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي:\nفلا تؤمنون بها. وهذا يدل على أن كل شخص وعظ، ونصح، فلم يقبل الموعظة والنصيحة فيكون من المستكبرين عن آيات الله، وينزل به ما نزل بالمشركين؛ الذين أعرضوا عن آيات الله.\nالمفردات: ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. ﴿شَيْءٌ:﴾\nانظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿مِثْلَ:﴾ هو بكسر الميم، وسكون الثاء، ومثله: مثيل، نحو: شبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير، وغيره من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون، وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ،﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، كما في الآية الكريمة، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم حيث قال: المعنى: ليس كذاته شيء، والثالث:\nزائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم.\nهذا؛ وأما المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً..﴾. إلخ، وشبهه، فهو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة، من بعض الوجوه، والممثل بمضربه، أي هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن ألفاظ الأمثال لا تغير، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي: أصله مثل: (الصيف ضيعت اللبن)، فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته. هذا؛ ويجمع مثل بكل معانيه على أمثال، كما في الآية رقم [٧/ ١٩٤]. ﴿أَنْفُسَكُمُ:﴾\nانظر الآية رقم [٧/ ٩]. ﴿الْيَوْمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨]. ﴿كُنْتُمْ:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [٥/ ٨]. ﴿الْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧]. ﴿آياتِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٤] وانظر (الوحي) في الآية رقم [٤/ ١٦٣] وانظر شرح ﴿غَيْرَ﴾ في سورة (الفاتحة).\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ صلة: (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أُوحِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيَّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُوحَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْءٌ:﴾ نائب فاعل، وجملة: ﴿وَلَمْ يُوحَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿قالَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. (من):","vol":"3","page":348},{"text":"اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على (من) المجرورة.\nالتقدير: وممن قال... إلخ. ﴿سَأُنْزِلُ:﴾ السين: حرف استقبال. (أنزل): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به. وقيل: هي صفة لمصدر محذوف، التقدير: سأنزل إنزالا مثل ما أنزل... إلخ. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير، أنزل الله. وعلى الوجه الثالث تؤول ما مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: مثل: إنزال الله. وهذا على اعتبار: ﴿مِثْلَ﴾ صفة لمصدر محذوف، كما رأيت، وجملة:\n ﴿سَأُنْزِلُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها على نحو ما رأيت. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَرى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف، التقدير: ولو ترى الكفار. ﴿إِذِ:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله.\n ﴿الظّالِمُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع... إلخ. ﴿فِي غَمَراتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها، و﴿غَمَراتِ:﴾ مضاف، و﴿الْمَوْتِ:﴾ مضاف إليه، وجواب (لو) محذوف، التقدير: ولو ترى يا محمد الكفار حين الظالمين في غمرات الموت؛ لرأيت أمرا عظيما. (الملائكة): مبتدأ. ﴿باسِطُوا:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿باسِطُوا:﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ:﴾\nمضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: (الملائكة...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق: ﴿فِي غَمَراتِ﴾ والرابط الواو فقط. ﴿أَخْرِجُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قائلين، أو:\nيقولون لهم، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط.\n ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿أَخْرِجُوا،﴾ فيكون الوقف عليه، أو هو متعلق بالفعل بعده، فيكون الوقف على ﴿أَنْفُسَكُمُ﴾. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع.. إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْهُونِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف للصفة، وجملة: ﴿تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ على الوجهين في الظرف داخلة في مقول القول الواقع حالا كما رأيت، وهو أولى من الاستئناف. ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٣٠] فإنه مثله بلا فارق. ﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به على تفسير ﴿تَقُولُونَ﴾ بتفترون، أو تذكرون، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: تقولون قولا غير الحقّ، وهو مضاف، و﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة واضح","vol":"3","page":349},{"text":"إن شاء الله تعالى، وفي محلها وجهان: أولها: العطف على ما قبلها، والثاني: الاستئناف، فتكون لا محل لها، وقد سيقت للإخبار بذلك تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nتنبيه: ذكر أبو البقاء في إعراب: ﴿كَذِبًا﴾ ما يلي: فقال: يجوز أن يكون: ﴿كَذِبًا﴾ مفعول ﴿اِفْتَرى،﴾ وأن يكون مصدرا على المعنى، أي: افتراء، وأن يكون مفعولا من أجله، وأن يكون مصدرا في موضع الحال. أقول: والأول أقواها.\n\n<span id=\"aya-883\"></span>﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى:﴾ فهذا يقال للمشركين يوم القيامة، والقائل هم الملائكة.\nوقيل: هو قول الله تعالى. والأول أقوى؛ لأن هذا الكلام متصل بما قبله، والأول من مقول الملائكة كما رأيت، ولكن إذا عرفت أن الآيات الثلاث السابقة مدنية، وأن هذه الآية، وما بعدها مكية، فيبعد العطف، وإنما الكلام مستأنف، فيصالح للاعتبارين. هذا؛ وقد عبر سبحانه عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه. انظر مبحث هذا في الآية رقم [٥/ ١١٦] فإنه جيد، وانظر (جاء) في الآية رقم [٥]. وقد اختلف في ﴿فُرادى:﴾ هل هو مفرد، أو جمع، أو هو اسم جمع؟ وفي البيضاوي: و﴿فُرادى﴾ جمع فرد، والألف للتأنيث ككسالى، وقرئ: «(فرادا)» بالتنوين، كغراب، و«(فراد)» كثلاث، و«(فردى)» كسكرى. انتهى. فهذه أربع قراءات الأولى هي المتواترة، والثلاثة بعدها شواذ، كما في السمين. انتهى جمل. والمعنى: منفردين عن الأموال، والأولاد، وسائر ما جمعتموه في الدنيا. أو عن الأعوان، والأصنام؛ التي زعمتم أنها تشفع لكم. ﴿كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: على الهيئة التي ولدتم عليها، أي: حفاة، عراة، غرلا، بهما. وانظر شرح: ﴿أَوَّلَ﴾ في الآية رقم [٢/ ٤١] أو [٧/ ١٤٣] فإنه جيد. ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: تركتم الشيء الذي تفضلنا به عليكم في الدنيا، فلم تحملوا منه شيئا إلى الآخرة، قليلا، أو كثيرا. هذا؛ والوراء يأتي بمعنى ما خلف الظهر، وقد يأتي بمعنى أمام، وقدام، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ و﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧]. ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾ أي:\nشركاء الله في ربوبيتكم، واستحقاق عبادتكم لهم. وانظر إعلال: ﴿نَرى﴾ في الآية رقم [٥/ ٥٢] وانظر (زعم) في الآية رقم [٤/ ٦٠] فإنه جيد. والمراد ب ﴿شُفَعاءَكُمُ:﴾ الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي: تقطع وصلكم، وتشتت جمعكم. هذا؛ والبين:","vol":"3","page":350},{"text":"الفراق والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير﵁-: [البسيط]\nوما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطرف مكحول\nهذا؛ وقد قرئ «(بينكم)» بالرفع، والنصب، فالرفع على الفاعل، أي: تقطع وصلكم، والنصب على الحذف يريد: ما بينكم. انتهى مختار الصحاح. ولا تنس: أن (بين) ظرف مكان بمعنى وسط، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم، وانظر الإعراب.\n ﴿وَضَلَّ:﴾ انظر الآية رقم [٢٤]. ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ:﴾ تدعون كذبا، وافتراء: أنهم شفعاؤكم، وأن لا بعث، ولا جزاء.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُمُونا:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع. و(نا): مفعول به.\n ﴿فُرادى:﴾ حال من الفاعل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وهو أولى من العطف كما بينته في الشرح. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿مَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه، و﴿ما﴾ المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، وتقدير الكلام: جئتمونا مجيئا كائنا مثل خلقكم أول مرة، أو هما متعلقان بمحذوف حال واقعة بدلا من: ﴿فُرادى،﴾ أو بمحذوف حال ثانية، إن جوز التعدد فيها، أو حال من الضمير المستتر في: ﴿فُرادى،﴾ وانظر مثله في الآية رقم [٢٠]. (تركتم): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nخولناكموه، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣] وجملة: (تركتم...) إلخ، في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير، و(قد) قبلها مقدرة، و(ترك) متعد لمفعول واحد، وإن كان بمعنى: «صير» فينصب مفعولين ثانيهما محذوف، ويكون الظرف: ﴿وَراءَ﴾ متعلقا به، التقدير: كائنا وراء، و﴿وَراءَ:﴾ مضاف، و﴿ظُهُورِكُمْ:﴾ مضاف إليه والكاف في محل جر بالإضافة، وجوز الاستئناف بجملة ﴿وَتَرَكْتُمْ..﴾.\nإلخ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَرى:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَعَكُمْ:﴾\nظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو بصري، فلذا اكتفى بمفعول واحد، وهو: ﴿شُفَعاءَكُمُ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة لما","vol":"3","page":351},{"text":"قبله، أو هو بدل منه. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿فِيكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿شُرَكاءُ﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿شُرَكاءُ:﴾ خبر (أنّ) و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿زَعَمْتُمْ﴾ والجملة الفعلية هذه صلة الموصول، والعائد اسم (أنّ)، وجملة: ﴿وَما نَرى..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n (تركتم...) إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، هذا؛ وقدر الجلال: ويقال لهم توبيخا: ﴿وَما نَرى..﴾. إلخ، وهذا يعني: أن الجملة الفعلية في محل نصب مقول لقول القول محذوف. ولم أره لغيره. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (قد): حرف تحقيق... إلخ. ﴿تَقَطَّعَ:﴾\nماض، وفاعله مستتر يعود على الاتصال المدلول عليه بما تقدم. هذا؛ وجه فيكون: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والثاني: أن الفاعل هو: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ على تفسيره بالوصال، وهو مبني على الفتح في محل رفع. وقيل: بل هو منصوب، وهو مرفوع المحل، وقالوا: إنما بقي على نصبه اعتبارا بأغلب أحواله. وقول الزمخشري: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ لقد وقع التقطع بينكم، فهذا حل معنى، لا حل إعراب. هذا؛ وعلى قراءة رفعه فهو فاعل بلا خلاف فيه، ويكون خاليا من معنى الظرفية. هذا؛ وقد قرئ «(لقد تقطع ما بينكم)» فما على هذه القراءة هي الفاعل، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، ويكون ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، ولذا فقد اعتبر أبو البقاء على قراءة: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ الفاعل محذوفا، وقدره بشيء، واعتبر الظرف متعلقا بمحذوف صفة لهذا المحذوف. وجملة: ﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (ضل): ماض. ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل ل (ضل)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\n «كنتم تزعمونه». وعلى الاعتبار الثالث، ف ﴿ما﴾ وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل، التقدير: «ضل عنكم زعمكم». والجملة الفعلية هذه معطوفة على جواب القسم، لا محل لها.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَزْعُمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) الناقصة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-884\"></span>﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى:﴾ شاق الحب عن النبات. فيشق الحبة اليابسة، فيخرج منها ورق أخضر، ويشق النواة اليابسة، فيخرج منها شجرة صاعدة في الهواء. و﴿الْحَبِّ﴾ هو الذي ليس له نوى، كالحنطة، والشعير، و(النّوى) ضد الحب، كالرطب، والخوخ، والمشمش. انتهى جمل نقلا من الخازن بتصرف. ﴿الْحَيَّ:﴾ قال البيضاوي: يريد ما","vol":"3","page":352},{"text":"ينمو من الحيوان، والنبات ليطابق ما قبله. ﴿الْمَيِّتِ:﴾ مما لا ينمو كالنطفة، والبيضة، والحبة.\nومعروف إخراج أحدهما من الآخر. هذا؛ وقد قيل: إن المراد بالحي: المؤمن، وبالميت:\nالكافر، فالمؤمن حي القلب بالإيمان، والكافر ميت القلب بالكفر، خذ قول ربك: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ﴾. هذا؛ والميت والميتة بفتح الميم وسكون الياء فيهما، وهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات، وأما المشدد فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. وجمعه: موتى، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل]\nأيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل\nفمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلا من إلى القبر يحمل\nهذا هو الأصل الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان كما في قول عدي بن الرعلاء الغساني: [الخفيف]\nليس من مات فاستراح بميت... إنما الميت ميّت الأحياء\nإنما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء\nأقول: ومن هذا ما في هذه الآية الكريمة، وأيضا الآية رقم [٣/ ٢٧] حيث استعمل المشدد فيهما لفاقد الحياة والروح كما هو واضح، وانظر مثل هذا التعاوض في الآية رقم [٧/ ١٦٨] ولا تنس: أن أصل ميت: ميوت؛ لأنه من: مات، يموت، فقل في إعلاله: اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال سيد، وهين، وصيب ونحو ذلك. هذا؛ وذكر: (مخرج) هنا بلفظ الاسم حملا على:\n ﴿فالِقُ الْحَبِّ،﴾ فإن الجملة الفعلية: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ واقعة موقع البيان له، كما ستعرفه في الإعراب. ﴿ذلِكُمُ اللهُ﴾ أي: ذلكم الله المدبر الخالق الصانع لهذه الأشياء المحيي المميت لها.\n ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ؟﴾ أي: فأنى تصرفون عن الحق، فتعبدون غير الله الذي هو خالق الأشياء كلها؟! قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ فهو من باب: ضرب، ومصدره: أفكا، كضربا. هذا؛ وهو من الباب الرابع بمعنى: كذب، ومصدره: إفكا كعلما، ويغلب مجيء الأول بالبناء للمجهول، وقد يجيء بالبناء للمعلوم كما في الآية رقم [٧/ ١١٧] وقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾. وما في الآية تعجيب للناس من الله تعالى في ذهابهم للفرق بين الرب والمربوب. وفي الآية الكريمة دليل على صحة البعث يوم القيامة بعد الموت لأن القادر على إخراج البدن من النطفة قادر على إخراجه من التراب للحساب والجزاء.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿فالِقُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الْحَبِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره: «هو» وجملة:\n ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ في محل رفع خبر ثان. وقيل: مستأنفة، ولا أرتضيه. ﴿وَمُخْرِجُ:﴾ معطوف","vol":"3","page":353},{"text":"على: ﴿فالِقُ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْمَيِّتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنَ الْحَيِّ:﴾ متعلقان باسم الفاعل، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمُ اللهُ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: أراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وصحيحا؛ فأين تذهبون، وتصرفون عن الحق؟! (أنى): اسم استفهام بمعنى: «كيف» مبني على السكون في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرت (أنى) للمكان كما هو أصل معناها، فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بالفعل بعدها، ﴿تُؤْفَكُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، وواو الجماعة نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية:\n ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ لا محل لها لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، والشرط المقدر، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-885\"></span>﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ:﴾ شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، أو عن بياض النهار، أو شاق ظلمة الإصباح، وهو الغبش الذي يليه، و﴿الْإِصْباحِ﴾ في الأصل مصدر: أصبح: إذا دخل في الصباح، سمي به الصبح. انتهى بيضاوي. هذا؛ والصباح، والصبح: الفجر، وهما خلاف المساء، وأصبحنا: دخلنا في الصباح، وأمسينا دخلنا في المساء. هذا؛ والإمساء ضد الإصباح، قال الشاعر: [الرجز]\nأفنى رياحا وبني رياح... تناسخ الإمساء والإصباح\nوالممسى، والمصبح مثلهما، قال أمية بن أبي الصلت: [البسيط]\nالحمد لله ممسانا ومصبحنا... بالخير صبّحنا ربّي ومسّانا\nهذا؛ وقد قرئ بفتح الهمزة. ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا:﴾ يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه، من: سكن إليه: إذا اطمأن إليه استئناسا به، أو: يسكن فيه الخلق من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ هذا؛ والليل واحد بمعنى الجمع، واحدته الليلة، مثل: تمر وتمرة، وقد جمع على ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر: هو من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع، كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته؛ قلت في الكثير: نهر بضمتين، كسحاب، وسحب، وفي القليل: أنهر. والنهار من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس على ما تقدم في نهاية الليل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما ستعرفه في","vol":"3","page":354},{"text":"الآية رقم [١٢٨]. هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]\nإذا شهر الصيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\n ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا:﴾ تحسب بهما الأوقات، والأيام، والشهور، والأعوام، وذلك بسبب تعاقبهما، وتداولهما. هذا؛ والحسبان مصدر بضم الحاء، وكسرها، فالأول ماضيه من باب: قتل، وهو بمعنى العد. والثاني من باب: تعب، وهو بمعنى الظن. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى فلق الصبح، وتسيير الليل والنهار والشمس والقمر. ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: الذي قهر الشمس والقمر وسيرهما على الوجه المخصوص لمعرفة ما ذكرته، كيف لا، والله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾.\nالإعراب: ﴿فالِقُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو فالق، وهو مضاف، و﴿الْإِصْباحِ:﴾\nمضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه: هذا؛ وقد قرئ «(فلق الإصباح)» وهي قراءة شاذة. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر يعود إلى الله. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به أول.\n ﴿سَكَنًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ:﴾ معطوفان على: ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿حُسْبانًا:﴾ معطوف على: ﴿سَكَنًا﴾. وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، أي: بحسبان، ويشهد له آية الرحمن:\n ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾. هذا؛ وقد قرئ «(فالق)» بالنصب على المدح بفعل محذوف، كما قرئ «(جاعل)» معطوفا على: ﴿فالِقُ﴾ على رفعه، ونصبه، وبجر: ﴿اللَّيْلَ،﴾ كما في: ﴿الْإِصْباحِ،﴾ فيكون عطف: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ على محل: ﴿اللَّيْلَ﴾. وقد قرئا بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: والشمس، والقمر مجعولان. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَقْدِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْعَزِيزِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْعَلِيمِ:﴾ بدل من: ﴿الْعَزِيزِ،﴾ ويقال: صفة له، والجمل في الآية الكريمة كلها مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-886\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ..﴾. إلخ: أي الله هو الذي خلق النجوم ليهتدي بها بنو آدم في ظلمات الليل؛ التي تكون وتحصل في الأرض الفلاة، وكذلك في لجج البحار. وانظر الآية رقم [١]. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ أي: الدلالات على قدرة الله تعالى قد بيناها، وفصلناها فصلا فصلا. وهو ما ذكره في الآية السابقة، وغيرها. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ انظر:","vol":"3","page":355},{"text":"﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠]. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ علم تفهم وعمل، فينتفعون بذلك. هذا؛ وفي الكلام التفات، انظر الآية رقم [٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] وانظر شرح: ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ في الآية رقم [٥٩] وشرح (الآيات) في الآية رقم [٤].\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الفعلية: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِتَهْتَدُوا:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿جَعَلَ،﴾ التقدير: للاهتداء. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي ظُلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿ظُلُماتِ:﴾ مضاف، و﴿الْبَرِّ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْبَحْرِ:﴾ معطوف عليه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فَصَّلْنَا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، وقد حذف المفعول، وهو يؤذن بالعموم، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أما الجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ؛ فإنها معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-887\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ خلقكم، أو: بدأ خلقكم. ﴿نَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ المراد به آدم أبو البشر، وتوضح ذلك آية النساء رقم [١]. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي: فلكم استقرار في الأصلاب، أو فوق الأرض، أو استيداع في الأرحام، أو تحت الأرض، أو موضع استقرار، واستيداع. ويقرأ:\n «(مستقر)» بفتح القاف، وكسرها. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿يَفْقَهُونَ:﴾\nيفهمون ما يقال لهم. هذا؛ وذكر سبحانه مع ذكر النجوم ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لأن أمرها ظاهر، ومع ذكر تخليق بني آدم ﴿يَفْقَهُونَ؛﴾ لأن إنشاءهم من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة، ودقيق نظر.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الفعلية: ﴿أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (مستقر): مبتدأ، خبره محذوف، انظر تقديره في الشرح. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ..﴾. إلخ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية السابقة.","vol":"3","page":356},{"text":"<span id=\"aya-888\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿السَّماءِ:﴾ يذكر، ويؤنث، والسماء كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت:\nسماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناك. قال معاوية بن مالك: [الوافر]\nإذا نزل السماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء: المطر، ثم أعاد الضمير عليه في: «رعيناه» بمعنى النبات. هذا؛ والمراد بالسماء في هذه الآية: السحاب الذي ينزل منه المطر، وإعادة الضمير عليه بمعنى النبات يسمى في فن البديع بالاستخدام. هذا؛ وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان:\nالألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. ﴿ماءً:﴾ أصله: موه، بفتح الميم، والواو، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: (ماه) فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي؛ قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع ماء: أمواه، ومياه، وتصغيره على مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار وديار، وقيمة وقيم، ومثله قولهم: سوط وسياط، وحوض وحياض، وثور وثيرة.\n ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ:﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧] أو [٥/ ١٤]. ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: نبت كل صنف من النبات.\nوالمعنى: إظهار القدرة، وبيانها في إنبات الأنواع المختلفة بماء واحد، كما في قوله تعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ﴾ أي: من النبات، أو من الماء. ﴿خَضِرًا﴾ أي: شيئا خضرا، أي: غضّا طريّا. ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي: من الخضر المذكور، والتعبير بالمضارع مع أن المقام للماضي لاستحضاره الصورة الغريبة. انتهى جمل نقلا من أبي السعود. ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا:﴾ يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة، ونحوها. ﴿قِنْوانٌ:﴾\nجمع: قنو، وهو من النخل كالعنقود من العنب. هذا؛ ويقرأ بتثليث القاف، وجمع أيضا على:\nأقناء، وقنيان بضم القاف، وكسرها. هذا؛ وصنوان مثل: قنوان جمعا، ولغة كما ستعرفه إن شاء الله في سورة (الرعد) والمعنى: وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان. والطلع: أول ما يخرج من العرجون، ثم يصير قنوا. ﴿وَجَنّاتٍ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان. وانظر ما ذكرته في","vol":"3","page":357},{"text":"الآية رقم [٧٦]. ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ:﴾ بعض ذلك الثمر متشابه، وبعضه غير متشابه في الهيئة، والقدر، والطعم، واللون. ﴿اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ﴾ أي: ثمر كل واحد مما ذكر. ﴿إِذا أَثْمَرَ:﴾ إذا أخرج ثمره كيف يثمر ضئيلا، لا يكاد ينتفع به. هذا؛ وثمر جمع: ثمرة، مثل: بقرة، وبقر، وجمع الجمع: ثمار. ﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي: وإلى حال نضجه، كيف يعود ضخما ذا نفع، ولذة، وهو في الأصل مصدر ينعت الثمرة إذا أدركت. وقيل: جمع: يانع، كتاجر، وتجر. وقرئ بالضم، وهو لغة فيه، وقرئ «(يانعة)». ﴿إِنَّ فِي ذلِكُمْ:﴾ الإشارة، إلى جميع ما ذكر من قوله: ﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى..﴾. إلى هنا. ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ لدلالات على وجود القادر الحكيم، وتوحيده، فإن حدوث الأجناس المختلفة، والأنواع المتفننة من أصل واحد، ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها، ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها، ولا يعوقه عن فعله ندّ يعارضه، وضد يعانده، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك به، والرد عليه، وهو ما في الآية التالية. هذا؛ وخص المؤمنون بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بهذه الآيات دون غيرهم.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الفعلية: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ صلة الموصول، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿ماءً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، والجملة الفعلية: ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مستأنفة لا محل لها، ولا يصح عطفها على جملة الصلة لاختلاف الفاعلين في الغيبة، والتكلم.\nوجملة: ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ في محل نصب صفة: ﴿خَضِرًا﴾. ﴿وَمِنَ النَّخْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ طَلْعِها:﴾ بدل مما قبلهما بدل بعض من كل. ﴿قِنْوانٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿دانِيَةٌ:﴾ صفة:\n ﴿قِنْوانٌ،﴾ وذكر أبو البقاء وجوها لا طائل تحتها. ﴿وَجَنّاتٍ:﴾ معطوف على: ﴿حَبًّا﴾. وقيل:\nعلى: ﴿نَباتَ،﴾ كما قيل على: ﴿خَضِرًا،﴾ فتكون الجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفين، و(جنات) منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنْ أَعْنابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: «(جنات)». هذا؛ وقد قرئ برفع: «(جنات)» على اعتباره مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ولكم، أو: ثم جنات، أو: من الكرم جنات، ولا يجوز عطفه على:\n ﴿قِنْوانٌ؛﴾ إذ العنب لا يخرج من النخل. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ:﴾ معطوفان على: ﴿نَباتَ،﴾ أو على: (جنات...) إلخ، وقال البيضاوي: أو نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم. انتهى.. ﴿مُشْتَبِهًا:﴾ حال من: (الرمان)، أو من الجميع. ﴿وَغَيْرَ:﴾ معطوف على ما قبله، و(غير) مضاف، و﴿مُتَشابِهٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿اُنْظُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون.\nوالواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى ثَمَرِهِ:﴾","vol":"3","page":358},{"text":"متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿أَثْمَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿ثَمَرِهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذا﴾ شرطية؛ فيكون جوابها محذوفا، والأول أولى. ﴿وَيَنْعِهِ:﴾ معطوف على: ﴿ثَمَرِهِ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب... إلخ.\n ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-889\"></span>﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿لِلّهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿شُرَكاءَ الْجِنَّ﴾ أي: الملائكة بأن عبدوهم، وقالوا:\nالملائكة بنات الله، سماهم الله جنّا لاجتنانهم، تحقيرا لشأنهم، أو المراد: الشياطين؛ لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى. وانظر: ﴿الْجِنَّ﴾ في الآية رقم [٧٦]. ﴿وَخَلَقَهُمْ:﴾ المعنى: وقد علموا: أن الله خلقهم لا الجن. ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: اختلقوا، وافتروا، وقرئ بتشديد الراء، وتخفيفها، كما قرئ: «(وحرفوا)» أي: زوروا، وواو الجماعة تشمل اليهود، والنصارى، ومشركي العرب، فاليهود قالوا: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: عيسى ابن الله، والعرب قالوا: الملائكة بنات الله من غير علم بذلك، ولا حجة، ولا برهان عليه.\n ﴿سُبْحانَهُ:﴾ اسم مصدر. وقيل: مصدر مثل غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل: «سبح» بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح. ولا يكاد يستعمل إلا مضافا، منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح، بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]\nقد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر؟\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا وعليه الصلاة والسّلام-: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال ذو النون﵇-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. وقد نزه الله ذاته بنفسه تنزيها لائقا به. ﴿وَتَعالى:﴾ تعاظم، ومضارعه: يتعالى، مثل: يتعاظم، ولا أمر له.\n ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: يصفون الله، بأن له ولدا. هذا؛ وانظر شرح: ﴿شُرَكاءَ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس) وشرح: (غير) في سورة (الفاتحة)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"3","page":359},{"text":"الإعراب: (جعلوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني تقدم. ﴿شُرَكاءَ:﴾ مفعول به أول تأخر. ﴿الْجِنَّ:﴾ بدل منه. هذا؛ وجه للإعراب. هذا؛ ويقرأ برفع «(الجن)» على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الجن، وهذا؛ وجه ثان. والوجه الثالث: ﴿شُرَكاءَ،﴾ مفعول ثان تقدم.\n ﴿الْجِنَّ:﴾ مفعول أول تأخر، والجار والمجرور: ﴿لِلّهِ﴾ متعلقان ب ﴿شُرَكاءَ،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة المشهورة. وجملة: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، وهي على تقدير: «قد» قبلها، والرابط: الواو، والضمير. وقيل:\nالجملة مستأنفة، والأول أقوى، والجملة الفعلية: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بَنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. (بنات): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: (خرقوا). وقيل:\nمتعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: خرقوا له خرقا كائنا بغير علم، والأول أقوى.\n ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محل لها. وهذا عند الخليل، وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، والأول أقوى. ﴿وَتَعالى:﴾ فعل ماض معطوف على فعل اسم المصدر المحذوف مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله، والجملة الفعلية لا محل لها مثل الجملة المقدرة. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء يصفونه به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: تعالى الله عن وصفهم. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-890\"></span>﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿بَدِيعُ:﴾ مبدع بمعنى: موجد السموات والأرض على غير مثال سبق، وانظر الآية رقم [١]. ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ:﴾ من أين، أو كيف يكون له ولد. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ أي:\nزوجة يكون له منها الولد. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: من شأنه أن يخلق في هذه الدنيا. وانظر","vol":"3","page":360},{"text":"شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ لا يخفى عليه خافية. وفي الآية الكريمة استدلال على نفي الولد من وجوه.\nالأول: أن من مبدعاته السموات، والأرضين، وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها، وطول مدتها، فهو أولى بأن يتعالى عنها.\nالثاني: أن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثى متجانسين، والله تعالى منزه عن المجانسة.\nالثالث: أن الولد كفؤ الوالد، ولا كفؤ له تعالى لوجهين:\nالأول: أن كل ما عداه مخلوقه، فلا يكافئه. الثاني: أنه لذاته عالم بكل المعلومات، ولا كذلك غيره بالإجماع. انتهى بيضاوي.\nالإعراب: ﴿بَدِيعُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو بديع. وقيل: هو مبتدأ خبره ما بعده.\nوقيل: هو فاعل للفعل (تعالى). وأقواها الأول، وأضعفها الثالث. و﴿بَدِيعُ:﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وقيل: من إضافة الصفة المشبهة.\nوالأول أقوى. انظر الشرح، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال عامله ما بعده، وهو مفيد للإنكار، وهذا على اعتباره بمعنى: «كيف» وأما على اعتباره ظرفا بمعنى: «من أين» فهو مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بما بعده. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخر، وإن اعتبرت يكون تامّا؛ ف: ﴿وَلَدٌ﴾ فاعله، و﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿وَلَدٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وهذا أحسن. تأمل. والجملة الفعلية: ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ، كما رأيت. والأول أقوى. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿صاحِبَةٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب ﴿لَهُ﴾ والرابط:\nالواو، والضمير، وجملة: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال ثانية، و«قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال ثالثة، فتكون الحال قد تكررت؛ وهي جملة.\n\n<span id=\"aya-891\"></span>﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكُمُ:﴾ الإشارة إلى الموصوف بما ذكر من الصفات. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: في","vol":"3","page":361},{"text":"هذا الكون، وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿فَاعْبُدُوهُ،﴾ فوحدوه، وأخلصوا له العبادة، وهي غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السجود لغيره تعالى. هذا؛ وقد قيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. ﴿وَكِيلٌ:﴾ حفيظ، ومتولي جميع أمور خلقه الذين أنتم من جملتهم، ففوضوا أموركم إليه، واقصروا عبادتكم عليه. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اللهُ:﴾ خبر أول. ﴿رَبُّكُمْ:﴾\nخبر ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول كونه بدلا من اسم: ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من: ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى. تأمل. والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثالث. ﴿خالِقُ:﴾ خبر رابع، وهو مضاف، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و﴿كُلِّ:﴾\nمضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. خذ هذا، وقد جوز اعتبار لفظ الجلالة خبرا واحدا، وما بعده بدل منه، كما جوز اعتبار لفظ الجلالة بدلا من اسم الإشارة، والخبر ما بعده. ﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾\nالفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: إذا كان ذلك حاصلا فاعبدوه.\n (اعبدوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر كما رأيت، وانظر الآية رقم [٣٥]. والجملة الاسمية:\n ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ مستأنفة لا محل لها، والإعراب واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-892\"></span>﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ أي: لا تراه ﷾ الأبصار. وقيل: معناه لا تحيط به الأبصار. ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ:﴾ يرى الأبصار، ولا تراه. ﴿اللَّطِيفُ﴾ أي:\nبأوليائه، وأحبابه. ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بهم، وبأعمالهم.\nتنبيه: قال الخازن: قال جمهور المفسرين: معنى الإدراك: الإحاطة بكنه الشيء، وحقيقته.\nوالأبصار ترى الباري ﷻ، ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه، ولا تحيط به، وقال سعيد بن المسيب في تفسير قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ لا تحيط به الأبصار.\nوقال ابن عباس﵄كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة. وقد تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع، وهم الخوارج، والمعتزلة، وبعض المرجئة، وقالوا: إن الله تبارك","vol":"3","page":362},{"text":"وتعالى لا يراه أحد من خلقه، وإن رؤيته مستحيلة عقلا؛ لأن الله أخبر: أن الأبصار لا تدركه، وإدراك البصر عبارة عن الرؤية؛ إذ لا فرق بين قوله: أدركته ببصري، ورأيته ببصري، فثبت بذلك أن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ بمعنى: لا تراه الأبصار، وهذا يفيد العموم.\nومذهب أهل السنّة: أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات القيامة، وفي الجنة، وأن رؤيته غير مستحيلة عقلا، واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتّاب، والسنّة والإجماع من الصحابة، ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله ﵎ للمؤمنين في الآخرة، قال الله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة إلى غير ذلك من الآيات، والأحاديث. انتهى جمل منقولا عن الخازن بحروفه. وبقي فيه كلام كثير.\nأقول: يبقى تأويل الآية الكريمة على استحالة رؤية الله في الدنيا.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُدْرِكُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الْأَبْصارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿يُدْرِكُ:﴾\nمضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْأَبْصارُ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير الواقع مبتدأ، وهو أولى من العطف على ما قبلها. والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-893\"></span>﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿جاءَكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿بَصائِرُ:﴾ جمع بصيرة، وهي للنفس كالبصر للبدن، سميت بها الدلالة؛ لأنها تجلى لها الحق، وتبصرها به.\nوقال النسفي: البصيرة نور القلب الذي يستبصر به القلب، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر. ﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ:﴾ الحق، وآمن به.\n ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: أبصر، وإياها نفع. ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ أي: عن الحق، وضل سواء السبيل.\n ﴿فَعَلَيْها﴾ أي: فعلى نفسه وبال إضلاله. ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: أحفظ أعمالكم، وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر، والله هو الحفيظ، والرقيب عليكم، يحفظ أعمالكم، ويجازيكم عليها. وهذا كلام ورد على لسان رسول الله ﷺ، وحكاه الله عنه.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض، والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿بَصائِرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾","vol":"3","page":363},{"text":"متعلقان ب ﴿بَصائِرُ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَبْصَرَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فَلِنَفْسِهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لنفسه):\nمتعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالإبصار لنفسه، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٩]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فالجملة بعده صلته، والجملة الاسمية المقدرة في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره لشبه الموصول بالشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مفرعة عما قبلها لا محل لها، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها، وإعرابها كإعرابها، والتقدير: ومن عمي فالعمى عليها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس».\n ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿بِحَفِيظٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (حفيظ): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء قد زيدت في خبره، ولكن الأول أعرف، وأشهر. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-894\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ أي: ومثل ذلك التصريف، وهو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة. من: الصرف، وهو: نقل الشيء من حال إلى حال. وانظر الآية رقم [٤٦]. ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أي: قرأت كتب الماضين، وجئت بهذا منها. ويقرأ: «(دارست)» أي: أهل الكتاب، وذاكرتهم. والدرس: القراءة، والتعلم، ويقرأ أيضا بقراءات كثيرة وصلت إلى ثلاث عشرة قراءة، ثلاث منها سبعيات، وسائرهن شاذات. ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ:﴾ الضمير ل ﴿الْآياتِ﴾ باعتبار المعنى، أي بتأويلها بالكتاب، أو للقرآن، وإن لم يذكر؛ لكونه معلوما، أو للمصدر، أي: للتبيين، والتصريف. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ:﴾ خصهم سبحانه بالذكر لعلهم يعملون بما يعلمون، وانظر الفرق بين ﴿يَعْلَمُونَ﴾ و﴿يَفْقَهُونَ﴾ في الآية رقم [٩٨] وانظر: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠] و(نا) في الآية رقم [٦] (الأعراف).\nالإعراب: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نصرف الآيات تصريفا كائنا مثل ذلك التصريف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٥٥]. ﴿نُصَرِّفُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه","vol":"3","page":364},{"text":"جمع مؤنث سالم. (ليقولوا): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور معطوفان على محذوف، التقدير: ليعتبروا، وليقولوا. هذا؛ ويسمي الكوفيون اللام: لام العاقبة، ولام الصيرورة. ﴿دَرَسْتَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (لنبينه):\nإعراب هذا الفعل مثل سابقه، والمؤول معطوف، وتقدير هذه المعطوفات: نصرف الآيات للاعتبار، ولقولهم، وللتبيين. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف للتعميم في محل جر صفة: (قوم)، تأمل، وتدبر وربك أعلم وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-895\"></span>﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ:﴾ هذا أمر للنبي ﷺ بالثبات على الإيمان، والتمسك بما يوحى إليه من آيات القرآن، وأمر له بالإعراض عن المشركين، وبعدم الاعتداد بهم، وبأباطيلهم.\nوهذا قبل الأمر بقتالهم، فالآية محكمة. وقيل: بل هي منسوخة بآية القتال، وإذا علمت: أن الآية مكية، فالأول هو المعتمد. ﴿رَبِّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣] وانظر (الوحي) في الآية رقم [٤/ ١٦٣] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿اِتَّبِعْ:﴾ أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة:\n ﴿أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع نائب الفاعل إليها، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: اتبع إيحاءنا إليك. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٠٢]. وهي معترضة بين المتعاطفين، أو هي في محل نصب حال من: ﴿رَبِّكَ﴾ بمعنى منفردا، والأول أقوى، والجملة الفعلية: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء والثانية بالإتباع، والإعراب واضح إن شاء الله تعالى.\n<span id=\"aya-896\"></span>﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ:﴾ توحيدهم، وعدم إشراكهم. ﴿ما أَشْرَكُوا:﴾ ما عبدوا الحجارة، والأوثان. وهذا نص صريح في أن شركهم كان بمشيئة الله تعالى، خلافا للمعتزلة في قولهم: لم يرد الله من أحد الشرك، وينبغي أن تعلم: أن الإرادة غير الرضا، وانظر: ﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٨] وانظر (الإرادة) في الآية رقم [٥/ ٤١]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿حَفِيظًا:﴾ رقيبا،","vol":"3","page":365},{"text":"وانظر الآية رقم [١٠٤]. ﴿بِوَكِيلٍ:﴾ تقوم بأمورهم، وتتولى شئونهم. هذا؛ وعند التأمل يظهر لك: أن معنى الجملتين واحد، فمعنى الثانية مؤكد لمعنى الأولى. وهذا قبل الأمر بقتال المشركين، كما في الآية السابقة.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ فعل وفاعل. والمفعول محذوف كما رأيت تقديره في الشرح. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَشْرَكُوا:﴾\nفعل، وفاعل. والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١] والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، والأولى لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿جَعَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول أول، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿حَفِيظًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على (لو) ومدخولها، أو هي مستأنفة لا محل لها ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ في الآية رقم [١٠٤] بلا فارق. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، ولا تنس: أن مفعول ﴿حَفِيظًا﴾ محذوف؛ لأنه ينصب المفعول كفعله: (حفظ، يحفظ) وتقديره: (أعمالهم) ونحوه. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأعظم.\n\n<span id=\"aya-897\"></span>﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: ولا تذكروا آلهة المشركين التي يعبدونها بما فيها من القبائح. ﴿فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: اعتداء، وتجاوزا عن الحق إلى الباطل. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: على جهالة بالله، وبما يجب أن يذكر به من تقديس، وثناء، وشكر.\n ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: من الخير، والشر بإحداث ما يمكنهم منه، ويحملهم عليه توفيقا، وتخذيلا، والمعنى: زينا لهؤلاء الكفارة عملهم، كما زينا لكل أمة عملهم، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] و﴿أُمَّةٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ٦٦] والآية [٣٨]. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٣]. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٢]. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٥] وانظر: ﴿دُونِ﴾ في الآية [٧/ ٣] و(غير) في سورة (الفاتحة).\nتنبيه: روي: أن النبي ﷺ كان يطعن في آلهة المشركين، فقالوا له: لتنتهين عن سب آلهتنا، أو لنهجون إلهك، فنزلت الآية الكريمة. وقيل: كان المسلمون يسبونها، فنهوا عن ذلك؛ لئلا يكون سبهم سببا لسب الله تعالى. وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة؛ وجب تركها، فإن ما يؤدي إلى الشر شر. انتهى بيضاوي.","vol":"3","page":366},{"text":"وقيل: لما نزلت هذه الآية؛ قال النبي ﷺ: «لا تسبوا آلهتهم؛ فيسبوا ربكم». فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم. فظاهر الآية وإن كان نهيا عن سب الأصنام، فحقيقتها النهي عن سب الله تعالى؛ لأنه سبب لذلك. انتهى خازن.\nأقول: ومن هذا القبيل ما يفعله كثير من الناس من سب آباء غيرهم، فيردون لهم الكيل كيلين، والصاع صاعين، أي: فيسبون آباءهم، وأمهاتهم، وأجدادهم. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه».\nقيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبّ أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه، فيسبّ أمّه». رواه البخاري، ومسلم.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَسُبُّوا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، والجملة بعده صلته، لا محل لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على الموصول، أو من الموصول نفسه، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَيَسُبُّوا:﴾ مضارع مجزوم، أو منصوب، فالأول بالعطف على السابق، والثاني، بإضمار: «أن» على اعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون\nإلخ، وعلى الاعتبار الثاني تؤول «أن» المضمرة مع الفعل المضارع بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم سبّ للذين يدعون.. فيسبوا الله ظلما... إلخ. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَدْوًا:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مفعول لأجله، والثاني: هو مفعول مطلق من غير لفظ الفعل؛ لأن السب عدوان في المعنى. والثالث:\nمصدر في موضع الحال، أي: معتدين. هذا؛ ويقرأ بضم العين، والدال، وتشديد الواو، فيكون مصدرا على «فعول» كالقعود، والجلوس، ويقرأ: «(عدوا)» بفتح العين، وتشديد الواو على أنه حال. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال، أي: جهلا منهم بالله، و(غير) مضاف، و﴿عِلْمٍ:﴾\nمضاف إليه. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: زينا لهؤلاء أعمالهم تزيينا كائنا مثل تزييننا لكل أمة عملهم، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٥٥] واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿زَيَّنّا:﴾ فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(كل) مضاف، و﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَمَلَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مَرْجِعُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها لا محل لها مثلها. (ينبئهم): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والهاء","vol":"3","page":367},{"text":"مفعول به. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [٥/ ١٤]: ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فإنه مثله بلا فارق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وأعني: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-898\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ حلفوا، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة كما تراه في إعلال: (يصيب) في الآية رقم [١٢٤] الآتية. هذا؛ وأما «قسم» الثلاثي فإنه بمعنى: جزأ، وفرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر وصل. ﴿بِاللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ:﴾ غاية اجتهادهم فيها، وذلك: أنهم كانوا يقسمون بآلهتهم، وآبائهم، فإذا كان الأمر عظيما؛ أقسموا بالله. و(الجهد) بفتح الجيم: المشقة، وبضمها: الطاقة وانظر الآية رقم [٥/ ٥٣] وانظر: ﴿الْأَيْمانَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٨٩]. ﴿جاءَتْهُمْ آيَةٌ:﴾\nانظر الآية رقم [٤] ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها:﴾ ليصدقن بها. ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. ﴿إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: ينزلها كما يشاء، وإذا كانت بمعنى المعجزات، فيظهرها الله على يد الرسول ﷺ في الوقت الذي يريده. ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ:﴾ وما يدريكم، ويعلمكم. وانظر رقم [٢٦].\n ﴿أَنَّها إِذا جاءَتْ..﴾. إلخ: يقرأ بفتح الهمزة وكسرها، وقد ذكر ابن هشام الآية في مغنيه، ونقل فيها أقوال العلماء الأعلام، مثل الخليل، والفارسي، والزجاج، والنحاس، سألخصه في الإعراب إن شاء الله تعالى. هذا؛ والمراد بالعندية في هذه الآية: أنه تعالى هو المختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره، فهي في حكمه، وقضائه، لا تتعلق بها قدرة أحد بوجه من الوجوه.\nالإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ (أقسموا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله: (أقسموا)، وهو من معناه، أو هو حال من واو الجماعة بمعنى: جاهدين، و﴿جَهْدَ:﴾ مضاف، و﴿أَيْمانِهِمْ:﴾\nمضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث والهاء مفعول به. ﴿آيَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يؤمنن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون للتوكيد حرف لا محل له. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية:","vol":"3","page":368},{"text":"﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما ما لم يتقدم عليهما ما يحتاج إلى خبر، فيصح أن يكون الجواب للشرط المتأخر، وأن يكون جوابا للقسم، والمرجح أن يكون للشرط مطلقا». قال ابن مالك﵀في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوإن تواليا وقبل ذو خبر... فالشّرط رجّح مطلقا بلا حذر\nوربّما رجّح بعد قسم... شرط بلا ذي خبر مقدّم\nهذا؛ والقسم المحذوف، وجوابه المذكور، والشرط المذكور، وجوابه المحذوف كل ذلك جواب لقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ﴾ وهذا القسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْآياتُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام إنكاري مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يُشْعِرُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (ما)، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير: بإيمانهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿الْآياتُ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها جواب: ﴿إِذا،﴾ ويقرأ الفعل بالياء، والتاء على الخطاب، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر: (أنّ)، والجملة الاسمية (إنها... إلخ) مفيدة للتعليل، وهذا على قراءة «(إنها)» بكسر الهمزة. هذا؛ وأما على قراءتها بفتح الهمزة، ففيها اعتبارات كثيرة.\nأظهرها: أنها بمعنى «لعلّ» حكى الخليل: (ائت السوق أنّك تشتري لنا منه شيئا) أي:\nلعلك، فهذا من كلام العرب، كما حكاه الخليل شاهدا على كون (أنّ) بمعنى (لعل) ويدل على ذلك أنها في مصحف أبي، وقراءته: (وما أدراكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون) ونقل عنه: (وما يشعركم لعلها إذا جاءت) ورجحوا ذلك بأن «لعل» قد كثر ورودها في مثل هذا التركيب، كقوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ و﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾.\nالثاني أن تكون (لا) مزيدة، وهذا رأي الفراء، وشيخه، قال: ومثله: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد، فيكون التقدير: وما يشعركم: أنها إذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا: أنها لو جاءت لم يؤمنوا.","vol":"3","page":369},{"text":"الثالث: أن (ما) حرف نفي، يعني: أنه نفى شعورهم بذلك، وعلى هذا فليطلب ل: ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ فاعل، فقيل: هو ضمير الله تعالى، أضمر للدلالة عليه. انتهى. وهذا كلام مستأنف من جهته تعالى لبيان الحكمة الداعية إلى ما أشعر به الجواب السابق، من عدم مجيء الآيات، خوطب به المسلمون فقط، أو مع النبي انتهى جمل نقلا عن السمين، وعن أبي السعود.\nأقول: وعلى قراءة فتح الهمزة تؤول مع مدخولها بمصدر، وهذا المصدر في محل جر بحرف جر محذوف. قال ابن هشام: وقال قوم: (أنّ) مؤكدة، والكلام فيمن حكم بكفرهم، ويئس من إيمانهم، والآية عذر للمؤمنين؛ أي: أنكم معذورون؛ لأنكم لا تعلمون ما سبق به القضاء من أنهم لا يؤمنون حينئذ.\nوقيل: التقدير: لأنهم، واللام متعلقة بمحذوف، أي: لأنهم لا يؤمنون امتنعنا من الإتيان بها، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾. واختاره الفارسي. واعلم أن مفعول: ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ الثاني على هذا القول، وعلى القول بأنها بمعنى: «لعل» محذوف، أي: إيمانهم. وعلى بقية الأقوال (أنّ) وصلتها. انتهى مغنى بتصرف. وقد أطلت عليك الكلام حبّا في الإفادة. تأمل، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-899\"></span>﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يعني: ونحول بينهم وبين الإيمان. إذ التقليب تحويل الشيء، وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر؛ لأن الله تعالى إذا صرف القلوب، والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر. وانظر الآية رقم [٢/ ١٤٤]. هذا؛ والأفئدة هي القلوب. ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ:﴾ والمعنى: يصرفون عن التوحيد، والإيمان، كما صرفوا عن التصديق بالآيات التي رأوها أولا مثل انشقاق القمر ونحوه. إذا المراد بالآيات:\nالمعجزات التي اقترحوها على الرسول ﷺ. ﴿وَنَذَرُهُمْ:﴾ نتركهم. وانظر الآية رقم [٧/ ٧٠].\n ﴿طُغْيانِهِمْ:﴾ الطغيان: تجاوز الحد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.\n ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتحيرون، ويترددون، والعمه: التحير، والتردد، وهو قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني. وانظر (نا) في الآية رقم [٥/ ٣٢] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: (نقلب): مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، ويقرأ بياء المضارعة فيكون تقدير الفاعل هو يعود إلى (الله)، ويقرأ بتاء المضارع المضمومة على أنه مبني للمجهول، ورفع","vol":"3","page":370},{"text":"﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾ على أنه نائب فاعله، وعلى الأولين هو مفعول به. ﴿وَأَبْصارَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَوَّلَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿مَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: نقلب أفئدتهم، وأبصارهم تقليبا كائنا مثل صرفهم عن الإيمان بما تقدم من المعجزات. والجملة الفعلية: ﴿وَنُقَلِّبُ..﴾. إلخ معطوفة على قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ في الآية السابقة، أو هي مستأنفة، والأول أقوى. (نذرهم): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، وبالياء تقديره هو يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان؛ لأن (نذر) بمعنى نترك، وهو من أفعال التحويل، والتصيير. هذا؛ ويجوز أن يكون: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف مفعول به ثان، وجملة: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به.\nوأرى: أنها في محل نصب من تعدد المفعول الثاني. وانظر مثل هذا في الآية رقم [٢/ ١٥] والجملة الفعلية: ﴿وَنَذَرُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-900\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ:﴾ الضمير المجرور يعود إلى كفار قريش، ومن على شاكلتهم من كفار العرب، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٦] و﴿نَزَّلْنا﴾ في الآية رقم [٥/ ٤٩].\n ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٣٠]. ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ أي: بأن يقول لهم الأموات، بعد إحيائهم: آمنوا بالقرآن وبمحمد ﷺ لما آمنوا، وانظر الكلام في الآية رقم [٢/ ٧٣] أو [٧/ ١٤٣]. فإنه جيد. والموتى جمع ميت. وانظر الآية رقم [٩٥]. ﴿وَحَشَرْنا:﴾ جمعنا، وبعثنا لهم. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿قُبُلًا:﴾ بضم القاف، والباء جمع: قبيل، وهو الفوج والجماعة من الناس.\nهذا؛ ويقرأ بكسر القاف، وفتح الباء، فهو بمعنى المعاينة، والمشاهدة. هذا؛ والآية تشير إلى الأمور التي طلبها المشركون من النبي المعظم ﷺ، وذكرها الله في قوله حكاية عنهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ،﴾ و﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ و﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ فيبين الله في هذه الآية: أنهم لو أعطوا ما سألوا؛ لا يؤمنون إلا بمشيئته، وإرادته. هذا؛ وانظر الإيمان في الآية رقم [٥/ ٩٣] وانظر:\n ﴿يَشاءَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أنهم لم أعطوا كل ما طلبوه من الآيات؛","vol":"3","page":371},{"text":"لم يؤمنوا؛ لأن الإيمان ليس بمشيئتهم، وإرادتهم، وإنما هو بمشيئة الله، وأيضا الكفر بمشيئته، فمن شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر. هذا؛ وانظر الجهل، والجاهل في الآية رقم [٣٥].\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿أَنَّنا:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿نَزَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿نَزَّلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: لو ثبت إنزالنا الملائكة. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف، التقدير: ولو إنزالنا ثابت، أو حاصل. وقول المبرد هو المرجح. وانظر بقية الكلام في الآية رقم [٥٨]. والجملة الفعلية: ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿قُبُلًا:﴾\nحال من: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾. وقيل: هو ظرف. والأول أقوى. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿لِيُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانُوا﴾ التقدير: ما كانوا مريدين للإيمان، والجملة الفعلية: ﴿ما كانُوا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف استثناء، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهل الاستثناء متصل، أو منقطع؟ خلاف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَجْهَلُونَ﴾ في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية هذه معطوفة على جملة:\n ﴿كانُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-901\"></span>﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ..﴾. إلخ: المعنى: كما جعلنا لك أعداء من قومك، أو من غيرهم؛ جعلنا لكل نبي بعث قبلك إلى قومه أعداء من شياطين الإنس، والجن. ﴿نَبِيٍّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٨١]. ﴿عَدُوًّا:﴾ العدو: ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن، يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: «هذه عدوة الله». قال تعالى ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقال حكاية عن قول إبراهيم﵇-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس المحيط،","vol":"3","page":372},{"text":"والعدا بالضم، والكسر: اسم الجمع. ﴿شَياطِينَ:﴾ جمع: شيطان، انظر الاستعاذة. ﴿الْإِنْسِ:﴾\nالبشر، الواحد إنسي بكسر الهمزة فيهما، وجمع الإنسي أناس، وأناسي، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا﴾ ويقال أيضا: أناسية، مثل: صيارفة، وصياقلة. هذا؛ وسمي بنو آدم إنسا لظهورهم، ولأنهم يؤنسون، أي يبصرون، كما سمي الجنّ جنّا لاجتنانهم، كما رأيت في الآية رقم [٧٦]. وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، كما رأيت في الآية رقم [٩١]. هذا؛ وتطلق كلمة (الإنسان) على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثلها كلمة: (شخص) قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. ومعلوم: أن الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في:\n «الإنسان» إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من الإنسان في السورة الكريمة. هذا؛ وإنسان العين هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد. ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ:﴾ يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، أو بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض. ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ أي: الأباطيل المموهة، من: زخرفه: إذا زينه للناظرين، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. ﴿شاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿رَبُّكَ:﴾\nانظر الفاتحة رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، وانظر الآية رقم [٧/ ١٨٦]. ﴿يَفْتَرُونَ:﴾\nيختلقون من الكفر، وغيره مما زين لهم. وهذا قبل الأمر بالقتال.\nتنبيه: الآية الكريمة صريحة في أنه يوجد شياطين من بني آدم في ثياب البشر، وقد ذكرت لك في الاستعاذة: أن كلمة الشيطان تطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم، من الإنس، والجن، والحيوان، وهذا هو قول ابن عباس﵄في رواية عطاء عنه، وهو قول مجاهد، وقتادة، قالوا: وشياطين الإنس أشد تمردا من شياطين الجن؛ لأن شيطان الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح، وأعياه أمره؛ استعان على إغوائه بشيطان الإنس؛ ليفتنه. ويدل على صحة هذا القول ما رواه أبو ذر﵁قال: قال لي رسول الله ﷺ: «هل تعوّذت بالله من شيطان الجنّ، والإنس؟». قلت: يا رسول الله! وهل للإنس شيطان؟ قال: «نعم شرّ من شياطين الجنّ». ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري.\nوقال مالك بن دينار-رحمه الله تعالى-: إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجرني إلى المعاصي. انتهى خازن بتصرف بسيط.\nأقول: وكما يوجد شياطين من الإنس في ثياب البشر يوجد كلاب، وحيات، وعقارب، وحشرات على اختلاف أنواعها من الإنس في ثياب البشر، والذي يعامل الناس في هذه الأيام، ويخالطهم؛ فإنه يفضل الكلاب، وما ذكرته على كثير منهم. ولولا الإطالة عليك؛ لذكرت لك","vol":"3","page":373},{"text":"الكثير من الأشعار والأقوال المأثورة في هذا الصدد. ولا تنس أخيرا: أن الآية صريحة في أن ما يفعله الكافر، والعاصي، والفاسد، والمفسد إنما هو بمشيئة الله، فهنيئا لمن لم يشأ الله له الضلالة، والمعاصي، والفساد، وويل، ثم ويل، ثم ويل، لمن شاء الله له شيئا من ذلك.\nاللهم تولني بعنايتك، واحفظني من شر شياطين الإنس، والجن، ولا تشأ لي ما يبعدني عن رحاب جودك، وكرمك، وإحسانك، واجعل توسلي هذا شاملا لعقبي، ولإخواني، ولجميع المسلمين، واغفر لي ما قدمت من سيئات في حياتي، واغفر لوالدي، ولجميع المؤمنين والمؤمنات؛ فإنك خير مسئول، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، والحمد لله رب العالمين.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف عامله ما بعده، التقدير: جعلنا لكل نبي... إلخ. جعلا كائنا مثل الجعل الذي جعلناه لك من عداوة قومك لك، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٥٥]. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل وفاعل. وانظر إعراب:\n ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول ثان تقدم على الأول، وهو ﴿عَدُوًّا﴾. ﴿شَياطِينَ:﴾ بدل من: ﴿عَدُوًّا،﴾ وبعضهم أعرب ﴿عَدُوًّا﴾ مفعولا ثانيا مقدما، و﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ حالا منه قدم عليه على القاعدة: «نعت النكرة، إذا تقدم عليها يعرب حالا».\nو﴿شَياطِينَ:﴾ مفعولا أول مؤخرا، وأعرب الزمخشري، وأبو البقاء، والحوفي: ﴿شَياطِينَ﴾ مفعولا أول، والثاني ﴿عَدُوًّا،﴾ و﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ حالا من: ﴿عَدُوًّا﴾ لأنه صفته في الأصل انتهى جمل. و﴿شَياطِينَ:﴾ مضاف، و﴿الْإِنْسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْجِنِّ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿يُوحِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿زُخْرُفَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْقَوْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿غُرُورًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال، بمعنى: غارين، والجملة الفعلية: ﴿يُوحِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من (الشياطين)، وجوز اعتبارها صفة: ﴿عَدُوًّا﴾. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٠٧]. و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (ذرهم): أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الضمير المنصوب، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا تفترونه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، التقدير:\nفذرهم، وافتراءهم. هذا؛ وجوز اعتبار الواو للمعية، فتكون: ﴿ما﴾ على الاعتبارين الأولين في محل نصب مفعول معه، وعلى الاعتبار الثالث يكون المصدر المسبوك منها، ومن الفعل في","vol":"3","page":374},{"text":"محل نصب مفعول معه، والجملة الفعلية: ﴿فَذَرْهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وحاصلا؛ فذرهم... إلخ.\n\n<span id=\"aya-902\"></span>﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلِتَصْغى:﴾ تميل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ وأصغى إليه: مال بسمعه نحوه، وأصغى الإناء: أماله، وبابه، نصر، ورمى، وصدي، والضمير يعود إلى ما عاد إليه الضمير في: ﴿فَعَلُوهُ﴾ وهو زخرفة القول، وما نتج عنه من الاغترار، والخداع. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٣]. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا:﴾ وليكتسبوا من الآثام، والسيئات. ﴿مُقْتَرِفُونَ:﴾\nمكتسبون من الأعمال الخبيثة.\nالإعراب: (لتصغى): مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَفْئِدَةُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر، والجملة الفعلية: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على قوله: ﴿غُرُورًا﴾ لأن اللام مفيدة لمعناه، ويكون ما بينهما كلاما معترضا، ولكن لما كان المفعول الأول مستكملا لشروط النصب؛ نصب، وهذا فات فيه شرط النصب، وهو صريح المصدرية، واتحاد الفاعل، فإن فاعل الوحي ﴿بَعْضُهُمْ،﴾ وفاعل الإصغاء (الأفئدة) فلذا وصل الفعل بحرف العلة. انتهى جمل نقلا عن الكرخي. وقال ابن الأنباري: اللام متعلقة بفعل مضمر معناه: وفعلنا بهم ذلك؛ لكي تصغى إلى الباطل أفئدة... إلخ. وقال غيره: اللام متعلقة ب ﴿يُوحِي﴾. وقيل: اللام لام القسم، وكسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون، وهذا القول عزاه ابن هشام في مغنيه لأبي الحسن الأخفش، وقال: وافقه أبو علي الفارسي على ذلك، وانظر الكلام على الشاهد (٣٧٩) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» ففيه الكفاية. والمعتمد الأول من هذه الأقوال، وقول ابن الأنباري لا بأس به. وانظر الآية [٩/ ٦٢]. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل لهما، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على ما قبلهما، وتقدير الكلام:\nللإصغاء، وللإرضاء، وللاقتراف. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿مُقْتَرِفُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون","vol":"3","page":375},{"text":"عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو: شيئا هم مقترفونه، أو: له.\n\n<span id=\"aya-903\"></span>﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿أَبْتَغِي:﴾ أطلب. ﴿حَكَمًا:﴾ حاكما يحكم بيني، وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل. هذا؛ وحكم أبلغ من حاكم، فلذا لا يوصف به غير العادل؛ لأن الحاكم من شأنه أن يحكم، والحكم أهل أن يتحاكم إليه. ﴿أَنْزَلَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٩]. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به القرآن الكريم، وانظر الآية رقم [٧/ ٢]. ﴿مُفَصَّلًا:﴾ مبينا فيه الحق والباطل، بحيث ينفي التخليط، والالتباس، وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه، وتقريره مغن عن سائر الكتب.\n ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ أعطيناهم. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵊. ﴿أَنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿رَبِّكَ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة) ورقم [٧/ ٣].\n ﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٧] والمراد بالذين يعلمون أن القرآن منزل من عند الله بالحق:\nعبد الله بن سلام، وأصحابه. وقيل: بل المراد جميع اليهود، وإنما وصف جميعهم بالعلم؛ لأن أكثرهم يعلمون، ومن لم يعلم فهو متمكن منه بأدنى تأمل. انتهى بيضاوي بتصرف. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ الشاكين في أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون: أنه منزل من ربك بالحق. هذا؛ وقد قيل: إن هذا الخطاب غير ملائم بحسب الظاهر؛ لأن النهي المذكور محال في حقه ﷺ.\nوحاصل الجواب: أن متعلق الامتراء هو علم أهل الكتاب بحقية القرآن. وهو أحد الأجوبة في الكشاف. والثاني: أنه من باب التهييج، والتحريض على الأمر. والثالث: أن الخطاب له ﷺ، لكن المقصود الغير. انتهى جمل بتصرف.\nأقول: أو أنه على سبيل الفرض، والتقدير؛ لأنه من المحال أن يشك النبي ﷺ في شيء، أو يبني شيئا من أموره على الشك. وانظر الآية رقم [٢/ ١٤٧]. هذا؛ وقد كان المشركون يقولون للنبي ﷺ: اجعل بيننا وبينك حكما. فأمره الله أن يجيبهم بما في الآية الكريمة من جواب.\nالإعراب: ﴿أَفَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. الفاء: حرف عطف.\n (غير): مفعول به مقدم، و(غير) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَبْتَغِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿حَكَمًا:﴾ حال، أو تمييز ل (غير). ذكره الحوفي، وأبو البقاء، وابن عطية. هذا؛ وجوز اعتبار (غير) حالا من:\n ﴿حَكَمًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وانظر الآية رقم [١٦٤] الآتية. فيكون:\n ﴿حَكَمًا﴾ مفعولا به، والجملة الفعلية: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي﴾ معطوفة على مقدر يقتضيه الكلام،","vol":"3","page":376},{"text":"والكلام كله مقول لقول محذوف، التقدير: قل لهم يا محمد: أأميل إلى زخارف الشياطين، فأبتغي حكما؟! انتهى. أبو السعود بتصرف، والناقل الجمل. ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الفعلية: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول، والعائد: رجوع الفاعل إلى الموصول، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مُفَصَّلًا:﴾ حال من: ﴿الْكِتابَ﴾. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المنصوب. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُنَزَّلٌ:﴾ خبرها. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب ﴿مُنَزَّلٌ﴾. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿مُنَزَّلٌ﴾ وأن، واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها غير داخلة في مقول المقدر. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم ب (لا) الناهية، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر الفعل الناقص، والجملة الفعلية: ﴿فَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا فلا تكونن... إلخ، وانظر الآية رقم [٣٥]. والشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف فيما يظهر، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-904\"></span>﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ..﴾. إلخ: يقرأ بالإفراد، والجمع، فمن قرأ بالإفراد؛ قال: الكلمة قد يراد بها الكلمات الكثيرة. إذا كانت مضبوطة بضابط واحد، ومعنى تمامها: بلوغها الغاية في الأخبار، والأحكام، والمواعيد. ﴿صِدْقًا:﴾ في الأخبار، والمواعيد. ﴿وَعَدْلًا:﴾ في الأقضية، والأحكام، والشهادة. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ:﴾ لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق، وأعدل، أو لا أحد يقدر أن يحرفها، كما فعل بالتوراة، وغيرها، والمراد بكلمات الله: قرآنه الذي أنزله، وتولى حفظه ورعايته، كما قال: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. ﴿السَّمِيعُ:﴾ لما يقولون. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بما يضمرون من الكيد، والخداع، فلا يهملهم. هذا؛ وانظر: ﴿لِكَلِماتِ اللهِ﴾ أيضا في الآية رقم [٣٤].\nتنبيه: (كلمت) فيها ثلاث لغات: الأولى: كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم، كنبق. والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم، كسدر، والثانية:","vol":"3","page":377},{"text":"كلم، كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو: كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو:\nفخذ، وشهد. وهي في الأصل قول مفرد، مثل محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ وقال النبي ﷺ: «أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: [الطويل]\nألا كلّ شيء ما خلا الله باطل... وكلّ نعيم-لا محالة-زائل»\nالمراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله. وتقول: قال فلان كلمة، والمراد بها: كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم، والحديث. وانظر شرح الكلام في الآية [٧/ ١٤٣].\nالإعراب: (تمت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، و﴿كَلِمَةُ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿صِدْقًا:﴾ يحتمل المفعول لأجله، والحال، والتمييز. ﴿وَعَدْلًا:﴾ معطوف على سابقه. ﴿لا:﴾\nنافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿مُبَدِّلَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿لِكَلِماتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر: ﴿لا،﴾ وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر ﴿لا﴾ فأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُبَدِّلَ﴾ لأنه اسم فاعل، أو بمحذوف صفة له. والثاني أقوى، وعليهما فخبر: ﴿لا﴾ محذوف، تقديره: موجود، أو حاصل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، وجوز اعتبارها في محل نصب حال من: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ،﴾ وقد أغنى الظاهر عن الضمير، أي: الذي يربط الحال بصاحبها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ مستأنفة مقوية لمعنى الكلام السابق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-905\"></span>﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أكثر الناس، يريد الكفار، والجهال، وأتباع الأهواء الفاسدة. ﴿يُضِلُّوكَ:﴾ يبعدوك. وانظر: ﴿وَضَلَّ﴾ في الآية رقم [٢٤]. ﴿سَبِيلِ اللهِ:﴾ دينه، ومنهاجه القويم، وصراطه المستقيم، وانظر: ﴿سَبِيلِ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٦].\n ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ،﴾ وهو ظنهم: أن آباءهم كانوا على الحق، وأن أصنامهم ستشفع لهم، وتنفعهم، أو هم يتبعون جهالتهم، وآراءهم الفاسدة. فإن الظن يطلق على ما يقابل العلم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ:﴾ يكذبون على الله فيما ينسبون إليه، كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه، وتحليل الميتة، وتحريم البحائر، وغير ذلك. أو يقدرون: أنهم","vol":"3","page":378},{"text":"على شيء. وحقيقة الخرص ما يقال من ظن، وتخمين، ومنه: خرص التمر، والعنب على شجرهما، وهو معروف في مبحث الزكاة في الفقه الإسلامي.\nروي: أن المشركين، قالوا للنبي: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟: فقال: «الله قتلها». قالوا: أنت تزعم: أن ما قتلت أنت، وأصحابك حلال، وما قتلها الكلب، والصقر حلال، وما قتله الله حرام! فنزلت الآية الكريمة.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُطِعْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَكْثَرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿تُطِعْ أَكْثَرَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُضِلُّوكَ:﴾\nمضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي.\n ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿الظَّنَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (إن): حرف نفي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاَّ﴾ حرف حصر لا محل له، وجملة: ﴿يَخْرُصُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-906\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: يا محمد إن ربك هو أعلم منك، ومن جميع خلقه أيّ الناس يكفر، ويخرج عن جادة الحق والصواب.\n ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ كذلك هو أعلم بمن كان على هدى، واستقامة، وسداد، لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه. فأخبر سبحانه: أنه أعلم بالفريقين: الضال، والمهتدي، وأنه يجازي كلاّ بما يستحق. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٢]. ﴿يَضِلُّ:﴾ انظر الآية رقم [٢٤].\n ﴿سَبِيلِهِ:﴾ المراد به دينه، وانظر الآية رقم [٥/ ١٦] هذا؛ وقد قرئ: «يضل» أيضا بضم الياء من الرباعي، وفتحها من الثلاثي.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية","vol":"3","page":379},{"text":"على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، دل عليه: ﴿أَعْلَمُ﴾ لابه؛ لأن أفعل لا ينصب الظاهر، ولا يرفعه إلا في مسألة الكحل، ونحوها. والجملة الفعلية: ﴿يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿مَنْ﴾ استفهامية مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية معلق الفعل المقدر عنها، أي: إنها في محل نصب مفعول به. وقيل: ﴿مَنْ﴾ موصولة، وهي في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بمن، بدليل ظهور الباء بعده في: ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾.\nوعليه فالجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره ﴿بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-907\"></span>﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ:﴾ هذا مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام، ويحرمون الحلال، وهو ما ذكرته لك في شرح الآية رقم [١١٦]. والأمر للإباحة، لا للوجوب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ:﴾ والمعنى: كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه، لا مما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم، أو مات حتف أنفه، فإن الإيمان بآيات الله يقتضي استباحة ما أحله الله، واجتناب ما حرمه. ﴿اِسْمُ:﴾ انظر شرحه في البسملة. ﴿اللهِ:﴾ انظر شرحه في الاستعاذة. ﴿كُنْتُمْ:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [٥/ ٦]. ﴿بِآياتِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٤].\n ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر (الإيمان) في الآية رقم [٥/ ٩٤].\nالإعراب: ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: فيها وجهان: أحدهما: أنها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر: التقدير: إن كنتم صحيحي الإيمان؛ فكلوا. والثاني: أنها عاطفة على محذوف، كأنه قيل: كونوا على الهدى، فكلوا، والظاهر: أنها عاطفة على ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة انتهى. جمل بتصرف كبير. وأرجح الاستئناف على جميع الأقوال المذكورة، وذلك بالإعراض عن الكلام السابق. (كلوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصوفة والموصولة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية: ﴿ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط هو الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والجملة الفعلية: (كلوا...) إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المذكورة في الفاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤٠] والجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ بعدهما، والدلالة على جواب الشرط المحذوف في هذه الآية أوضح منها في تلك.","vol":"3","page":380},{"text":"<span id=\"aya-908\"></span>﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ أي: أيّ شيء يمنعكم من أكل الذي ذكر اسم الله عليه؟! فأرى: أن في الكلام توبيخا. ﴿اِسْمُ اللهِ:﴾ انظر الإحالة في الآية السابقة.\n ﴿فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ:﴾ بين لكم المحرم عليكم، والمحلل لكم، وذلك فيما ذكره في الآية رقم [٥/ ٣]. ﴿إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ:﴾ ألجأتكم الضرورة إلى أكله، وقد ذكر في الآية المذكورة، والمحال عليها أيضا برقم [٢/ ١٧٣]. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ:﴾ يخرجون عن جادة الحق والصواب بتحليل الحرام، وتحريم الحلال. هذا؛ ويقرأ الفعل بفتح ياء المضارعة، وضمها، كما يقرأ «فصل» و«حرم» بالبناء للمفعول، وللفاعل. ﴿بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ،﴾ بما تهواه أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها، وتحريم البحيرة، وغيرها، وذلك من غير علم علموه. هذا؛ و(أهوائهم) جمع: هوى. وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [٤/ ١٣٥] فإنه جيد جدا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ أي: بالمتجاوزين الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام، وبالعكس فيهما.\n ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة)، وانظر شرح: ﴿بِغَيْرِ﴾ فيها أيضا، وانظر شرح (الحرام) في الآية رقم [٥/ ٢].\nتنبيه: في إحالة التفصيل فيما حرم الله على آية (المائدة) إشكال أورده فخر الدين الرازي -رحمه الله تعالى-وحاصله: أن سورة (الأنعام) مكية، وسورة (المائدة) مدنية من آخر القرآن نزولا بالمدينة، وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ..﴾. إلخ يقتضي: أن ذلك التفصيل قد تقدم على هذا المحل، والمدني متأخر عن المكي، فيمتنع كونها متقدمة، ثم قال: بل الأولى أن يقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ..﴾. إلخ، أي في قوله بعد هذه الآية في هذه السورة: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا..﴾.\nإلخ الآية الآتية رقم [١٤٥] وهذه وإن كانت مذكورة بعدها بقليل، إلا أن هذا القدر من التأخر، لا يمنع أن يكون هو المراد.\nقال كاتبه: وقد ذكر المفسرون وجها آخر، وهو: أن الله علم: أن سورة (المائدة) متقدمة على سورة (الأنعام) في الترتيب، لا في النزول، فبهذا الاعتبار حسنت الحوالة على ما في (المائدة) بقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ..﴾. إلخ باعتبار تقدمه في الترتيب، وإن كان متأخرا في النزول، والله أعلم بمراده. انتهى جمل نقلا من الخازن بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبره. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف","vol":"3","page":381},{"text":"ناصب. (لا): نافية. ﴿تَأْكُلُوا:﴾ مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به، التقدير: شيئا كائنا مما... إلخ، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿ذُكِرَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿اِسْمُ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿ذُكِرَ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (على)، و(أن) المصدرية، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في عدم الأكل، والجار والمجرور متعلقان ب (ما) الاستفهامية لتضمنها معنى الفعل. وقيل: هو في محل نصب بنزع الخافض، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَقَدْ:﴾\nالواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فَصَّلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: حرمه عليكم، وفاعل: ﴿حَرَّمَ﴾ يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ أيضا.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به، وهذا على قراءة الفعلين بالبناء للفاعل، وأما على قراءتهما بالبناء للمفعول، فنائب فاعل: (فصّل) هو ﴿ما﴾ ونائب فاعل: (حرّم) يعود على ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط. والجملة الفعلية: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، ورجوع الفاعل عليه في قراءة البناء للفاعل، والواو فقط على قراءة البناء للمفعول. ﴿أَلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهل هو متصل، أو منقطع؟ خلاف، والأرجح الأول؛ لأنه استثناء من: ﴿ما،﴾ أو من ضميرها العائد عليها من الجملة بعدها، فهو استثناء، من الجنس.\n ﴿اُضْطُرِرْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب (إلى). ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيرًا:﴾ اسمها.\n ﴿لَيُضِلُّونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة، والجملة الفعلية: (يضلون بأهوائهم) في محل رفع خبر:\n (إنّ)، فعلى قراءة الفعل بضم الياء يكون المفعول محذوفا، وعلى قراءته بفتح الياء يكون لازما لا يحتاج إلى مفعول. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال، أي: ملتبسين بغير، و(غير) مضاف، و﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولا يوجد رابط لاعتبارها حالا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١١٧] وهي مستأنفة لا محل لها، وفيه تهديد، ووعيد للمتجاوزين حدود الله.","vol":"3","page":382},{"text":"<span id=\"aya-909\"></span>﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَذَرُوا:﴾ اتركوا، وانظر الآية رقم [٧/ ٧٠]. ﴿ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ:﴾ المراد به جميع الذنوب سرها، وعلانيتها. وقيل: المراد بظاهر الإثم: أفعال الجوارح، وباطنه: أفعال القلوب، فيدخل في ذلك الأمراض القلبية كلها من حسد، وكبر، وعجب، وإرادة الشر للعباد.\nوقيل: المراد بظاهر الإثم: الزنى في الحوانيت، وباطنه: الزنى في السر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥/ ٣] فإنه جيد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ:﴾ انظر الآية رقم [٤/ ١١١] فإنه جيد.\n ﴿سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ:﴾ سيعاقبون عقابا شديدا بسبب اكتسابهم الذنوب، والمعاصي، والسيئات. هذا؛ و(يجزون) من الجزاء، والمجازاة، وهي المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر. هذا؛ والفعل: «جزى» وما يتصرف منه ينصب مفعولين.\nالإعراب: (ذروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿ظاهِرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْإِثْمِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة للموصوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَباطِنَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها، وجملة: ﴿يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿سَيُجْزَوْنَ:﴾ السين: حرف استقبال.\n (يجزون): مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بمحذوف مفعوله الثاني، أي: يجزون سوءا كائنا بسبب عملهم، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٢٤] الآتية فإنه مثله بلا فارق، والجملة الفعلية: ﴿سَيُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر:\n ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها.\n<span id=\"aya-910\"></span>﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ:﴾ ظاهر في تحريم متروك التسمية عمدا، أو نسيانا. وإليه ذهب داود الظاهري، وابن سيرين، والشعبي. ونقل عن عطاء: أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام، أو شراب، فهو حرام، واحتجوا على ذلك بظاهر هذه الآية، وهو","vol":"3","page":383},{"text":"مؤول بما ستعرفه. وقال الثوري، وأبو حنيفة: إن ترك التسمية عامدا؛ لا تحل، وإن تركها ناسيا؛ حلت. وقال الشافعي: تحل الذبيحة، سواء ترك التسمية عامدا، أو ناسيا. ونقله البغوي عن ابن عباس، ومالك، ونقل ابن الجوزي عن أحمد روايتين، فيما إذا ترك التسمية عامدا، وإن تركها ناسيا؛ حلت، فمن أباح أكل الذبيحة التي لم يذكر عليها اسم الله تعالى، قال: المراد من الآية الميتات بدون تذكية، وما ذبح على اسم الأصنام، بدليل: أن الله تعالى قال في سياق الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وأجمع العلماء على أن آكل ذبيحة المسلم التي ترك التسمية عليها لا يفسق.\nوفي الحديث حين سئل رسول الله ﷺ عن متروك التسمية، قال: «كلوا فإنّ الله في قلب كلّ مؤمن» وفي الحديث أيضا: «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يذكر اسم الله عليها». ﴿وَإِنَّهُ:﴾\nالضمير يعود إلى (ما)، ويجوز أن يعود إلى الأكل، وهو مصدر الفعل المتقدم. ﴿لَفِسْقٌ:﴾\nخروج عما يحل، وانظر ﴿الْفاسِقِينَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٥]. (شياطين): انظر الآية رقم [١١٢] وانظر الاستعاذة. ﴿لَيُوحُونَ:﴾ يوسوسون، ويزخرفون. ﴿أَوْلِيائِهِمْ:﴾ أتباعهم، وأنصارهم، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ:﴾ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: «الله قتلها»، قالوا: تزعم: أن ما قتلت أنت، وأصحابك حلال، وما قتله الصقر، والكلب حلال، وما قتله الله حرام! ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ أي: في استحلال ما حرم الله.\n ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ:﴾ فإن من ترك طاعة الله إلى طاعة غيره، واتبعه في دينه؛ فقد أشرك، ولأن من أحل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أحل الله؛ فهو مشرك؛ لأنه أثبت حاكما غير الله، ومن كان كذلك؛ فهو مشرك. انتهى بيضاوي وجمل بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَأْكُلُوا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به محذوف، التقدير: شيئا كائنا مما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، وجملة: ﴿لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَأْكُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (ذروا...) إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَفِسْقٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (فسق): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (على)، والرابط:\nالواو، والضمير. هذا؛ وقد جوز اعتبارها مستأنفة لا محل لها، كما جوز اعتبارها معطوفة على ما قبلها مع تخالفهما في الفعلية، والاسمية. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّياطِينَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿لَيُوحُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يوحون): فعل، وفاعل. ﴿إِلى أَوْلِيائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة","vol":"3","page":384},{"text":"بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يوحون)، والجملة الفعلية: ﴿لَيُوحُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿أَطَعْتُمُوهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. اللام: هي المزحلقة. (مشركون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ في محل جزم جواب الشرط، ومن حقها أن تقترن بالفاء، وإنما حسن حذفها فيه لأن الشرط بلفظ الماضي. هذا؛ وقد قيل إن اللام الموطئة للقسم مقدرة، فالأصل لئن أطعتموهم... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ جواب القسم المحذوف المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده على القاعدة التي رأيت شرحها في الآية رقم [١٠٩] والقسم، وجوابه، أو: والشرط وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-911\"></span>﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾\nالشرح: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ:﴾ في الكلام استعارة تمثيلية واضحة، مثل الله به من هداه للإيمان، وأنقذه من الضلال، وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بها بين الحق والباطل، والهدى والضلالة. ﴿مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ أي: كالذي بقي في ظلمات الكفر يتخبط فيها، ولا يستطيع الخروج منها. ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ..﴾. إلخ: أي كما زين للمؤمنين إيمانهم زين للكافرين كفرهم، وسوء أعمالهم. بعد هذا انظر ﴿أَوَلَوْ﴾ في الآية رقم [١٠٤] المائدة ف: ﴿أَوَمَنْ﴾ مثله. ﴿مَيْتًا:﴾ انظر الآية رقم [٩٥] ويقرأ به هنا مخففا، ومشددا. ﴿النّاسِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٢]. ﴿مَثَلُهُ:﴾\nانظر الآية رقم [٩٣]. ﴿الظُّلُماتِ﴾ أي: ظلمة الكفر، وظلمة الجهالة، وظلمة عمى البصيرة، وانظر الآية رقم [١]. انظر الكفر في الآية رقم [٥/ ٣٩]. هذا؛ والمزين هو الله تعالى، ويدل عليه قوله: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ وانظر (نا) في الآية رقم [٣٤] أو رقم [٦] من سورة (الأعراف).","vol":"3","page":385},{"text":"تنبيه: نزلت الآية الكريمة في حمزة، ﵁ وأبي جهل. وقيل: نزلت في عمر، أو عمار بن ياسر﵄-، وأبي جهل، وخصوص السبب لا يمنع العموم، فكل من أنعم الله عليه بالإيمان فقد أحياه به، وكل من خيمت ظلمات الكفر عليه، فهو ميت بلا ريب، أي: ميت القلب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَوَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الواو: حرف عطف، أو استئناف. (من):\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من). ﴿مَيْتًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. (أحييناه): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (جعلنا): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لَهُ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نُورًا:﴾ مفعول به. ﴿يَمْشِي:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به. ﴿فِي النّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿يَمْشِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿نُورًا﴾. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالكاف. ﴿مَثَلُهُ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هذه صلة: (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿بِخارِجٍ:﴾ الباء: حرف جر زائد. (خارج): خبر ﴿لَيْسَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، واسم ﴿لَيْسَ﴾ ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود إلى (من). ﴿مِنْها:﴾ متعلقان ب (خارج)، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (من) أي: مثل الذي أو: شخص استقر في الظلمات حالة كونه مقيما فيها. وقال أبو البقاء: صاحب الحال الضمير المستتر في الجار والمجرور، ولا يجوز أن يكون حالا من الهاء في: ﴿مَثَلُهُ﴾ للفصل بينه وبين الحال في الخبر، وليس بشيء؛ لأن الحال قد تأتي وبينها وبين صاحبها كلام كثير، كما يشهد به الواقع، والكلام: ﴿أَوَمَنْ كانَ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له فيما أرى. ﴿كَذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: زين للكافرين أعمالهم تزيينا كائنا مثل تزيين إيمان المؤمن له أعماله. ﴿زُيِّنَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع نائب فاعل، انظر التقدير آنفا. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: (كانوا يعملونه).","vol":"3","page":386},{"text":"<span id=\"aya-912\"></span>﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا..﴾. إلخ: أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها؛ ليمكروا فيها، جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها؛ ليمكروا فيها. هذا؛ وقرئ: «(أكبر مجرميها)» وانظر الآية رقم [٤١] (المائدة) وتخصيص الأكابر بالذكر؛ لأنهم أقوى على استتباع الناس، والمكر بهم، بما لهم من سلطة، ومال، وجاه، وتلك سنة الله: أنه جعل أتباع الرسل ضعفاء أقوامهم، وجعل فساقهم أكابرهم، وإذا عرفنا: أن العلماء ورثة الأنبياء؛ تجلت لنا هذه الحقيقة في كل زمان، ومكان؛ حيث نجد أصدقاء العلماء، ومجالسيهم، وملازميهم هم الفقراء، والضعفاء، بينما نجد الأغنياء، وأصحاب الجاه الدنيوي بعيدين عنهم، إلا من رحم ربك. ﴿وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: إن وبال مكرهم يعود إليهم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. ﴿وَما يَشْعُرُونَ:﴾ أن وبال ذلك المكر يعود عليهم، ويضرهم. هذا؛ و(القرية) في الأصل: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على الضيعة الصغيرة، وعلى المدينة الكبيرة، كيف لا، وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، كما رأيت في الآية رقم [٩٢]. هذا؛ وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها قروي، وقريي. والمكر: الكيد، والخداع، وتدبير الضر، والشر للناس في الخفاء كالذي حصل من زعماء مكة مع الرسول ﷺ. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٧/ ٩].\n ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ الشعور: هو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته، والمعنى: وما يشعرون: أن وبال مكرهم راجع على أنفسهم، وأنهم سيحاسبون عليه يوم القيامة حسابا عسيرا.\nالإعراب: (كذلك): متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، أي:\nجعلنا في مكة فساقا، ومجرمين جعلا مثل جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٥٥]. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٢] (المائدة) ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿قَرْيَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَكابِرَ:﴾ مفعول به ثان مقدم. ﴿مُجْرِمِيها:﴾ مفعول به أول مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿فِي كُلِّ﴾ مفعولا أولا، و﴿أَكابِرَ﴾ مفعولا ثانيا، و﴿مُجْرِمِيها﴾ بدلا من: ﴿أَكابِرَ،﴾ كما جوز أن يكون:\n ﴿أَكابِرَ:﴾ مضافا، و﴿مُجْرِمِيها:﴾ مضافا إليه، إن فسر الجعل بالتمكين، وأفعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الإفراد، والمطابقة، ولذلك قرئ: «(أكبر مجرميها)». انتهى. بيضاوي. هذا؛ وقد","vol":"3","page":387},{"text":"اعتبر الجمل ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ هو المفعول الثاني وجب تقديمه؛ ليصح عود الضمير عليه، و﴿أَكابِرَ﴾ هو المفعول الأول، وما بعده مضاف إليه، ثم قال: وهذا أحسن الأعاريب، ثم نقل عن السمين كلاما كثيرا لا طائل تحته. ﴿لِيَمْكُرُوا:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: هي لام العاقبة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل جعلنا. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَمْكُرُونَ:﴾ فعل وفاعل، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَمْكُرُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى، وأقوى من الاستئناف، وجملة: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ معطوفة عليها.\n\n<span id=\"aya-913\"></span>﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾\nالشرح: ﴿جاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ أي: جاء كفار قريش علامة، وبينة تدل على صدق الرسول ﷺ.\nوانظر الآية رقم [٤] و[٥]. ﴿قالُوا﴾ أي: كفار قريش، وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٣]. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ أي: قالوا: لن نصدق محمدا حتى ينزل علينا مثل ما نزل عليه من الوحي، والآيات القرآنية. ﴿نُؤْتى:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٤]. ﴿مِثْلَ:﴾ انظر الآية رقم [٩٣]. ﴿رُسُلُ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٨٣] وأيضا رقم [٥/ ١٩]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أي: الله أعلم بالشخص الذي يستحق النبوة، والرسالة، فيخص بها من علم أنه يصالح لها، وذلك بما تحلى به ذلك الشخص من فضائل نفسانية، وأخلاق حميدة؛ إذ الرسالة ليست بالمال، ولا بقوة الرجال، ولا بشرف الأنساب. هذا؛ ويقرأ: «(رسالاته)».\n ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا:﴾ كفروا، وعاندوا. ﴿صَغارٌ:﴾ ذلة، وحقارة. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: يوم القيامة، وقد أصابتهم في الدنيا قبل الآخرة، وذلك بغزوة بدر، وفتح، مكة وغيرهما، ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ،﴾ أي في الآخرة، وانظر: ﴿وَعَذابٌ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣٩]. ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ:﴾ بسبب مكرهم، وخداعهم، وخروجهم عن جادة الحق والصواب، وانظر (المكر) في الآية السابقة. هذا؛ والعندية هنا مجاز عن حشرهم يوم القيامة، أو عن حكمه، وقضائه بذلك.\nتنبيه: (يصيب)، ماضيه: أصاب، وهو يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم، يصيب:\nلم يخطئ هدفه. وأصاب الرجل، يصيب في قوله: أتى بالصواب. وأصاب فلانا البلاء، يصيبه:","vol":"3","page":388},{"text":"وقع عليه. وأصل يصيب: يؤصيب، أو يؤصوب، فقل في إعلاله: حذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل: أؤصيب، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: (يصيب أو يصوب) ثم يقال: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء، أو الواو-وهي الكسرة-إلى الصاد بعد سلب سكونها، فصار: (يصيب، أو يصوب) ثم قلبت الواو في الثاني ياء لانكسار ما قبلها. وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله، مثل: أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم، وأخرج، يخرج، كما حذفت الهمزة الثانية من: يؤمنون؛ لأن ماضيه:\nآمن، وأصله: أأمن، والمضارع يؤأمن، أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]\nفإنه أهل لأن يؤكرما\nولا تنس: أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس: مؤكرم، ومؤكرم، وقس على ذلك. تنبه لهذا؛ واحفظه، فإني لا أعيده مرة ثالثة في هذا الكتاب، والله يتولاني وإياك، ويأخذ بيدي ويدك إلى أقوم طريق.\nتنبيه: يروى: أن الوليد بن المغيرة قال للنبي ﷺ: لو كانت النبوة حقّا؛ لكنت أنا أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنّا، وأكثر مالا، وأعز نفرا. فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك: أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا، منا نبي يوحى إليه. والله لا نؤمن به، ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه. فأنزل الله هذه الآية. وإنما قالوا هذه المقالة الخبيثة حسدا منهم للنبي ﷺ. انتهى بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَنْ:﴾ حرف تفي ونصب واستقبال. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ مضارع منصوب ب (لن)، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿نُؤْتى:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب «أن» المضمرة، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل تقديره: «نحن»، وهو المفعول الأول. ﴿مِثْلَ:﴾\nمفعول به ثان، و﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها،","vol":"3","page":389},{"text":"والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أوتيه رسل الله. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة ﴿مِثْلَ﴾ إليه، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول. ﴿اللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿حَيْثُ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، تقديره: يعلم. ﴿يَجْعَلُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿رِسالَتَهُ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وعلى القراءة الثانية:\n «(رسالاته)» علامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: «يعلم حيث...» إلخ المقدرة هي بمنزلة البدل من: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿سَيُصِيبُ:﴾ السين: حرف استقبال.\n (يصيب): مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَجْرَمُوا﴾ صلته لا محل لها. ﴿صَغارٌ:﴾\nفاعل. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿صَغارٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَعَذابٌ:﴾ معطوف على ﴿صَغارٌ﴾. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفته. ﴿بِما:﴾\nمتعلقان بالفعل (يصيب) و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: «بما كانوا يمكرونه» وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في مجل جر بالباء، التقدير: «بسبب مكرهم». ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَمْكُرُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانُوا﴾.\n\n<span id=\"aya-914\"></span>﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ:﴾ يعرفه طريق الحق، ويوفقه للإيمان. ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ:﴾ يقال شرح الله صدره فانشرح، أي: وسعه لقبول الإيمان، والخير، فوسع، وذلك أن الإنسان إذا اعتقد في عمل من الأعمال: أن نفعه زائد، وخيره راجح، وربحه ظاهر، مال بطبعه إليه، وقويت رغبته فيه، فتسمى هذه الحال: سعة النفس، وانشراح الصدر، فيتسع حينئذ صدره للخبر، ويفسح فيه مجاله. وهذا كله كناية عن جعل النفس قابلة للحق، مهيأة لحلوله فيها، معرضة عما يمنعه، وينافيه. وإليه أشار النبي ﷺ حين سئل عنه، فقال: «نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له، وينفسح». فقالوا: هل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «نعم: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله». أسنده الطبري عن ابن مسعود.","vol":"3","page":390},{"text":"﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا:﴾ حتى لا يدخله الإيمان. وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ. وقال ابن عباس﵄-: إذا سمع ذكر الله؛ اشمأز قلبه، وإذا سمع ذكر الأصنام؛ ارتاح إلى ذلك.\nأقول: ولعله أخذه من قوله تعالى ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. هذا؛ وقرئ: ﴿ضَيِّقًا﴾ بالتخفيف، والتشديد. وقرئ:\n «حرجا» بفتح الراء، وكسرها. ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ:﴾ شبه الله الكافر مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة، ونبه به على أن الإيمان يمتنع منه، كما يمتنع منه الصعود. وقيل: معناه: كأنه يتصاعد إلى السماء نبوّا عن الحق، وتباعدا في الهرب منه. وأصل ﴿يَصَّعَّدُ﴾ يتصعد، وقد قرئ به، كما قرئ بالتخفيف، وقرئ: «(يصّاعد)» بمعنى متصاعد، وانظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ في الآية [٩٩]. ﴿كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: كما يضيق صدر الكافر، ويبعد قلبه عن قبول الحق يجعل العذاب أو الخذلان على الكافرين الذين لا يؤمنون بآيات الله. بعد هذا انظر (يريد) في الآية رقم [٥/ ١٧]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، وانظر: ﴿أَضَلَّ اللهُ﴾ في الآية رقم [٨٨] من سورة (النساء) فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٣٩] والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ إعرابه واضح إن شاء الله تعالى، وهو مثل سابقه. ﴿حَرَجًا:﴾ قيل: هو صفة لما قبله، ولا أراه قويّا، وإنما أرى: أنه من تعدد المفعول الثاني؛ لأن أصل ما قبله خبر ل: ﴿صَدْرَهُ﴾ والخبر يتعدد بلا ريب، فقولك (صدره ضيق حرج) كلام لا غضاضة فيه، فلما دخل الفعل الذي هو من أفعال التصيير والتحويل، فتعدد الخبر صار من تعدد المفعول الثاني. احفظه فإنه جيد.\n ﴿كَأَنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَصَّعَّدُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من).\n ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿كَأَنَّما..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: رجوع الفاعل إليه. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يجعل الله الرجس... جعلا كائنا مثل جعل صدر الكافر ضيقا... إلخ. ﴿يَجْعَلْ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الرِّجْسَ:﴾ مفعول أول. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول ثان، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، والكلام: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مع المقدر المحذوف كله مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-915\"></span>﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَهذا:﴾ هذه الإشارة إلى البيان الذي جاء به القرآن في هذه السورة، وهو ما رأيته. ﴿صِراطُ رَبِّكَ:﴾ طريق ربك الذي ارتضاه الله، وهو الإسلام، والدين الذي جاء به","vol":"3","page":391},{"text":"محمد ﷺ، وتعاليمه السمحة. وقد رأيت في سورة (الفاتحة) أنه يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، ويذكر، ويؤنث، والأول أكثر. هذا؛ ولو جعلت الإشارة إلى ما بعدها، كما في قوله تعالى ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ و﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ فلست مفندا. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ أي: لا عوج فيه، وانظر إعلاله في الآية رقم [٥/ ١٦]. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٩٧].\nوفي الكلام التفات، انظر الآية رقم [٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٦] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿وَهذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿صِراطُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾\nمضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْتَقِيمًا:﴾ حال من: ﴿صِراطُ رَبِّكَ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والجملة الاسمية: ﴿وَهذا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٩٧].\n\n<span id=\"aya-916\"></span>﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾\nالشرح: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ﴾ أي: السلامة، وهي الجنة، وسميت الجنة بذلك؛ لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة، كما قال تعالى في وصفها: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وقيل: المراد بالسلام التحية، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وقال:\n ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ انتهى. خازن باختصار. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ في المراد بهذه العندية وجوه:\nأحدها: أنها معدة عنده، كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة، كقوله ﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.\nوثانيها: أن العندية تشعر بأن هذا الأمر المدخر الموصوف بالقرب من الله بالشرف، والرتبة، لا بالمكان، والجهة لتنزهه تعالى عنهما.\nثالثها: هي كقوله تعالى في صفة الملائكة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ وقوله في الحديث القدسي: «أنا عند المنكسرة قلوبهم». وقوله: «أنا عند ظن عبدي بي». وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ انتهى جمل نقلا من كرخي. ﴿وَلِيُّهُمْ:﴾\nمتولي أمورهم، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ بسبب أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا. هذا؛ وانظر: ﴿دارُ﴾ في الآية رقم [٧٨] (الأعراف). ﴿رَبِّهِمْ،﴾ انظر الآية رقم [٣] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دارُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّلامِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ثان. وقيل: متعلق بمحذوف حال من: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ وكثير من النحاة لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ، والأولى أن يكون","vol":"3","page":392},{"text":"متعلقا بمحذوف حال من الضمير المستقر في الخبر المحذوف، وهو متعلق: ﴿لَهُمْ﴾. و﴿عِنْدَ:﴾\nمضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ دارُ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبار الجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: (قوم)، كما جوز اعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ في محل نصب حال من: ﴿رَبِّهِمْ﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب ﴿وَلِيُّهُمْ﴾ لأنه اسم فاعل، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٢٤] فإنه مثله بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-917\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ:﴾ المراد به يوم القيامة، وما فيه من الحساب، والعذاب، والأهوال.\nهذا؛ واليوم في الدنيا هو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، كما رأيت في الآية رقم [٩٦] وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي لهذا الوقت، والجمع أيام، أصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع: أياويم، وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه. ويقال: فلان ابن الأيام، أي:\nالعارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم، أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه. ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ يبعثهم جميعا للحساب، والجزاء، والضمير مراد به جميع الخلق من الجن، والإنس، ولم يتقدم له ذكر، ولكنه فسر بما بعده، كما ترى، وقرئ بالنون. ﴿يا مَعْشَرَ:﴾ جماعة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ونفر، وجمعه: معاشر، مثل: أراهط. ﴿الْجِنِّ:﴾ انظر الآية رقم [٧٦] ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: قد استكثرتم من إغوائهم، وإضلالهم، أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم، فحشروا معكم، كقولهم: استكثر الأمير من الجنود. انتهى بيضاوي. وانظر ﴿الْإِنْسِ﴾ في الآية رقم [١١٢] (قال): انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٣]. ﴿أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ:﴾ الذين أطاعوا الجن فيما يأمرونهم به. ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أي: انتفع الإنس بالجن، بأن دلوهم على الشهوات، وما يتوصل به إليها، وانتفع الجن بالإنس بأن أطاعوهم، وحصلوا مرادهم منهم. وقيل: استمتاع الإنس بهم: أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز، والمخاوف، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾ واستمتاع الجن بالإنس اعترافهم: أنهم يقدرون على إجارتهم، واستغاثتهم. ﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي﴾","vol":"3","page":393},{"text":"﴿أَجَّلْتَ لَنا:﴾ وهو يوم القيامة إذا بعثوا فيه للحساب، والجزاء، وهو اعتراف منهم بطاعة الشيطان، واتباع الهوى، وتكذيب البعث، وتحسر على حالهم. ﴿قالَ:﴾ القائل الملائكة بأمر الله تعالى.\n ﴿النّارُ مَثْواكُمْ:﴾ منزلكم. هذا؛ والفرق بين مأوى، ومثوى: أن الثاني مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى الذي يأوي إليه الإنسان ولو موقتا. وانظر الآية رقم [٣/ ١٥١]. هذا؛ و﴿النّارُ﴾ أصلها: النور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين. ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أي: إلا الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير. وقيل: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ قبل الدخول، كأنه قيل: «النار مثواكم أبدا إلا ما أمهلكم». ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في أفعاله.\n ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأحوال الثقلين، وأعمالهم. هذا؛ وانظر: ﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠]. ﴿اللهُ:﴾\nانظر الاستعاذة، والآية رقم [٨/ ١] وانظر: ﴿رَبَّنَا﴾ في الآية رقم [٢٣] (الأعراف) تجد ما يسرك.\nالإعراب: (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره هو يعود إلى (الله) وعلى قراءته بالنون فالفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الضمير المنصوب، وهي حال مؤكدة. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (معشر): منادى منصوب، وهو مضاف، و﴿الْجِنِّ:﴾ مضاف إليه، والجملة الندائية اعتبرها البيضاوي، وأبو البقاء في محل نصب ب: «اذكر» المقدر، والصواب: أنها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: «ويقال لهم: يا معشر الجن». والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي داخلة في منصوب «اذكر». ﴿قَدِ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِسْتَكْثَرْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْإِنْسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿قَدِ..﴾. إلخ في محل نصب حال من المنادى، والعامل فيه: «يا» لما فيها من معنى الفعل على حد قول الشاعر: [البسيط]\nيا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته\n ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿أَوْلِياؤُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْإِنْسِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَوْلِياؤُهُمْ﴾. ﴿رَبَّنَا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا:﴾ فعل، وفاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكلام: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها فهي داخلة في منصوب: «اذكر» المقدر، وساغ ذلك؛ لأن ﴿قالَ﴾ حكاية حال ماضية، والصواب أنها مراد بها المستقبل، فهي بمعنى المضارع. وانظر هذا المبحث -أعني به: التعبير بالماضي عن المستقبل-في الآية رقم [٥/ ١١٦] فإنه جيد، وهو أولى من","vol":"3","page":394},{"text":"الاستئناف. (بلغنا): فعل، وفاعل. ﴿أَجَلَنَا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لما قبله، وجملة: ﴿أَجَّلْتَ لَنا﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: أجلته لنا، وجملة: ﴿وَبَلَغْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الله.\n ﴿النّارُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَثْواكُمْ:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهو أولى من اعتباره ظرفا، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من كاف الخطاب منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿النّارُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع؛ لأن الأوقات ليست من جنس ما تقدم. وقد تكلف أبو البقاء تأويلين لاعتبار الاستثناء متصلا، ولا داعي لذلك. وقال مكي: وإن جعلت ﴿ما﴾ لمن يعقل لم يكن منقطعا، فكأنه يريد: أن المستثنى من الخلود أشخاص. ولم يقل به أحد. والجملة الفعلية بعد ﴿ما﴾ صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: «إلا الأوقات شاءها الله». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿حَكِيمٌ:﴾ خبر أول. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الوجهين. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-918\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا:﴾ نكل بعضهم إلى بعض، أو نجعل بعضهم يتولى بعضا، فيغويهم. أو: أولياء بعض، وقرناءهم في العذاب كما كانوا في الدنيا. انتهى. بيضاوي.\nهذا؛ وخذ قول ابن عباس﵄-: إذا أراد الله بقوم خيرا؛ ولى عليهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شرّا؛ ولّى عليهم شرارهم، فعلى هذا القول: إن الرعية متى كانوا ظالمين؛ سلط الله عليهم ظالما مثلهم، فمن أراد أن يخلص من ظلم ذلك الظالم؛ فليترك الظلم. وحديث «كيفما تكونوا يولّ عليكم». مشهور. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: يسلط الله عليهم من يظلمهم بسبب أعمالهم الخبيثة التي اكتسبوها. هذا؛ وما قبله من الخازن. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٥/ ٣٢] و[٧/ ٦] وانظر الظلم في الآية رقم [١٤٤] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: «نولي بعض الظالمين بعضا تولية كائنة مثل إنزال العقاب","vol":"3","page":395},{"text":"بالإنس، والجن الذين استمتع بعضهم ببعض». وقد قدم، وأخر بعضهم في التقدير. وهذا أحسن كما رأيت الكثير منه فيما مضى. ﴿نُوَلِّي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الظّالِمِينَ:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿بَعْضًا:﴾\nمفعول به ثان، فالأول هو المولّى، والثاني هو المولّى عليه. وقدر الجلال: «على بعض» فكأنه يعني: أنه منصوب بنزع الخافض، ولا مبرر له؛ لأن الفعل ينصب مفعولين صريحين، تقول:\nولّيت محمودا عملا. وهو واضح إن شاء الله تعالى. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿نُوَلِّي﴾ وانظر إعراب: ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٢٤].\n\n<span id=\"aya-919\"></span>﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)﴾\nالشرح: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨]. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ:﴾ الرسل من الإنس خاصة، لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ والمرجان يخرج من الملح دون العذب، وتعلق بظاهره قوم منهم الضحاك، ومقاتل، وقالوا: بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم. وقيل: الرسل من الجن رسل المرسل إليهم، وهو ما حصل حينما سمع بعض الجن القرآن من النبي ﷺ، فآمنوا، ثم ذهبوا إلى قومهم منذرين. اقرأ آيات سورة (الأحقاف): ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ..﴾. وسورة (الجن) بكاملها تفهم ذلك؛ إن كنت من أهل القرآن، والإيمان.\n ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي:﴾ يتلونها عليكم مع التوضيح، والتبيين، والقاص من يحكي القصة، ومن أحسن من الله قصصا، ولكن أكثر الناس لا يعقلون. وانظر الآية رقم [٤].\n ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي: ويخوفونكم من يوم القيامة العظيم شأنه، الشديد هوله، الطويل زمانه، الذي تعرضون فيه على ربكم. ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ أي: نقر، ونعترف: أنه وصل إلينا ما ذكر من إرسال الرسل، وإنذارهم إيانا. ﴿وَغَرَّتْهُمُ:﴾ خدعتهم، وفتنتهم. ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾\nانظر الآية رقم [٢٩]. ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ..﴾. إلخ: أي: اعترفوا بكفرهم، وخروجهم عن طاعة ربهم. وهذه الشهادة منهم غير المتقدمة كما ترى، فلا تكرار في الكلام. بعد هذا انظر شرح: ﴿رُسُلٌ﴾ في الآية رقم [٨٣] (المائدة) وشرح (يوم) في الآية رقم [١٢٨] وشرح: ﴿أَنْفُسِنا﴾ في الآية رقم [٧/ ٨] وشرح (الكفر) في الآية رقم [٣٦] من سورة (المائدة).","vol":"3","page":396},{"text":"تنبيه: قال الخازن: فإن قلت: كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية، وجحدوا الشرك، والكفر في قوله تعالى ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ؟﴾ قلت: يوم القيامة يوم طويل، والأحوال فيه مختلفة، فإذا رأوا ما حصل للمؤمنين من الخير، والفضل، والكرامة؛ أنكروا الشرك، لعل ذلك الإنكار ينفعهم، وقالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فحينئذ يختم على أفواههم، وتشهد عليه جوارحهم بالشرك، والكفر، فذلك قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ انتهى بحروفه. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٢] من سورة (النساء).\nالإعراب: ﴿يا مَعْشَرَ:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب «أدعو». (معشر): منادى، وهو مضاف، و﴿الْجِنِّ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام مفيد للتوبيخ. (لم): حرف نفي وقلب وجزم، وبدخول الاستفهام أفاد التقرير أيضا.\n ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿رُسُلٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة له.\n ﴿يَقُصُّونَ:﴾ مضارع، والواو فاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَقُصُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل:\n ﴿رُسُلٌ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. وقيل: في محل نصب حال محذوفة من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، والأول أقوى يؤيده قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾ وجملة: ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، و﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿يَوْمِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة يومكم أي المشار إليه، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وبعضهم يعتبر اسم الإشارة بدلا، أو عطف بيان، وما ذكرته أولى.\nوالجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف كالجملة الندائية قبلها. ﴿شَهِدْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢] ﴿عَلى أَنْفُسِنا﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿شَهِدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك التوبيخ؟ فقيل: ﴿قالُوا شَهِدْنا..﴾. إلخ. و﴿قالُوا:﴾ ماض لفظا، ومعناه مستقبل، أي: يقولون، وانظر هذا البحث في الآية رقم [٥/ ١١٠] تجد ما يسرك.\n (غرتهم): ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿الْحَياةُ:﴾ فاعله.\n ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، واعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة سديد، والمعنى يؤيده، ولكنها تحتاج إلى تقدير: «قد» قبلها، والرابط: الواو،","vol":"3","page":397},{"text":"والضمير. (شهدوا): فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كافِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكونهم كافرين، أو هو منصوب بنزع الخافض، وبعضهم يعتبره مفعولا صريحا، ولا تنس: أن جملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، والجملة الفعلية: ﴿وَشَهِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-920\"></span>﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما تقدم ذكره من إرسال الرسل للإنس، والجن. ﴿رَبُّكَ:﴾\nانظر سورة (الفاتحة) رقم [١] والآية رقم [٧/ ٢]. ﴿الْقُرى:﴾ انظر الآية رقم [١٢٣]. ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: بسبب ظلمهم، وخروجهم عن أوامر ربهم. وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٤]. ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ أي: لم ينبهوا برسل، ولم ينذروا بعقاب الله، وسخطه؛ إن هم أعرضوا.\nهذا؛ و(أهل) اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع أيضا، وجمعه: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر ذلك، واعتبره الجمل مبتدأ، خبره ما بعده، ويعتبره الفراء مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: فعل الله ذلك، والأول أرجح، وأولى. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، وجوز اعتبارها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. التقدير: أنه. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾\nمضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مُهْلِكَ:﴾\nخبر ﴿يَكُنْ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْقُرى:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة: ﴿لَمْ يَكُنْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ على اعتبارها مخففة من الثقيلة، و﴿أَنْ﴾ على الوجهين فيها تؤول بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالمبتدإ المقدر؛ لأنه مصدر على الوجه الأول في الإعراب، ومتعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ على قول الجمل، ومتعلقان بالفعل المحذوف على رأي الفراء. ﴿بِظُلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿مُهْلِكَ﴾. وقيل: متعلقان به نفسه، والجملة الاسمية: ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ في محل نصب حال من ﴿الْقُرى،﴾ والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"3","page":398},{"text":"<span id=\"aya-921\"></span>﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا:﴾ المعنى: ولكل عامل بطاعة الله، أو بمعصيته درجات. يعني: منازل يبلغها بعمله إن كان خيرا؛ فخير، وإن كان شرّا؛ فشر. وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع، والانحطاط، كتفاضل الدرج. وهذا إنما يكون في الثواب، والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أعظم ثوابا، ومنهم من هو أشد عقابا، وقيل غير ذلك انتهى خازن. وهذا الذي أرتضيه. ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ:﴾ قيل: هذا مختص بأهل الكفر، والمعاصي، ففيه وعيد، وتهديد لهم، والذي ذكرته بالجملة الأولى أصح؛ لأن علمه تعالى شامل لكل المعلومات، فيدخل فيه المؤمن، والكافر، والطائع، والعاصي، وإنه تعالى عالم بأعمالهم على التفصيل التام، فيجزي كل عامل على قدر عمله، وما يليق به من ثواب، أو عقاب. انتهى. خازن بتصرف. ويقرأ «يعملون» بالياء، والتاء.\nالإعراب: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ (لكل) متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دَرَجاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿دَرَجاتٌ﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء عملوه. وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: من عملهم، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿عَمّا:﴾ متعلقان ب ﴿بِغافِلٍ﴾. و(ما) تحتمل ما تحتمله سابقتها، وباقي الإعراب واضح إن شاء الله تعالى. والجملة الاسمية: ﴿وَما رَبُّكَ..﴾. إلخ تحتمل الاستئناف، والعطف على ما قبلها، ولا محل لها على هذين الوجهين، كما تحتمل أن تكون في محل نصب حال من واو الجماعة، في: ﴿عَمِلُوا﴾ وعليه فالرابط: الواو، والضمير المحذوف، وهو مفعول:\n ﴿يَعْمَلُونَ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-922\"></span>﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن خلقه، فلا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، فلكل عامل عمله، وجميع الخلق فقراء إليه. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ:﴾ صاحب الرحمة الواسعة لجميع خلقه، فمن رحمته تأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون، ويرجعون. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي:","vol":"3","page":399},{"text":"يهلككم، والخطاب لأهل مكة، ففيه وعيد، وتهديد لهم؛ لأن الآية مكية، كما قد عرفت، وقد بين الله مثله للمؤمنين في الآية رقم [٥/ ٥٤] وهي مدنية كما قد عرفت هناك. ويتجلى التهديد، والوعيد في الآية الأخيرة من سورة (محمد) ﵊: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾. ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ﴾ أي: ينشئ، ويخلق من بعد إهلاككم خلقا غيركم أمثل، وأطوع منكم. ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: كما أوجدكم من نسل قوم لم يكونوا على مثل صفتكم، بل كانوا طائعين، وهم أهل سفينة نوح، وذريتهم من بعدهم من القرون إلى زمنكم. هذا؛ وانظر شرح: (ربك) في الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة) والآية رقم [٧/ ٢]. ﴿الرَّحْمَةِ:﴾ انظر الآية [٧/ ١٥٥]. ﴿يَشَأْ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿ذُرِّيَّةِ:﴾\nهي نسل بني آدم، وهي تقع على الواحد، والجمع، قيل: هي مشتقة من الذرا، وهو بفتح الذال كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، ودفئه، وهو بضم الذال: أعلى الشيء. وقيل: هي مشتقة من الذرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ من آية أخرى. أبدلت همزة الذرء ياء، ثم شدّدت الياء، وتبعتها الراء في التشديد. ﴿قَوْمٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢٠] من سورة (المائدة).\nالإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ (ربك): مبتدأ. ﴿الْغَنِيُّ:﴾ خبر أول. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو:﴾ مضاف، و﴿الرَّحْمَةِ:﴾ مضاف إليه، وقيل: ﴿الْغَنِيُّ ذُو﴾ صفتان للمبتدإ، والخبر الجملة الشرطية الآتية، والأول أقوى. ﴿إِنْ:﴾\nحرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (ربك)، والمفعول محذوف كما قد عرفته، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿يُذْهِبْكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (ربك)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو في محل رفع خبر المبتدأ، كما رأيت، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (يستخلف): مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (ربك) أيضا. هذا؛ ويجوز في العربية رفع (يستخلف) ونصبه، وانظر ما ذكرته من قراءات في الآية رقم [٢٨٣] (البقرة) وما تبعها من أوجه الإعراب. أما في هذه الآية لم أعثر على قراءة بغير الجزم. ﴿مِنْ بَعْدِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يشاؤه. ﴿كَما:﴾ الكاف:\nحرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (ربك)، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: «بدلا من ذرية...» إلخ، و﴿ذُرِّيَّةِ:﴾ مضاف، و﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَوْمٍ﴾ مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر","vol":"3","page":400},{"text":"سالم... إلخ. هذا؛ و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، أي: يستخلف\nإلخ استخلافا كائنا مثل إنشائكم... إلخ.\n\n<span id=\"aya-923\"></span>﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ:﴾ به من مجيء القيامة، والبعث بعد الموت، والحشر للحساب، والجزاء، وانظر الوعد في الآية رقم [٧/ ٤٤] ﴿لَآتٍ﴾ أي: لكائن لا محالة، فهو متحقق الوقوع، هذا ﴿لَآتٍ﴾ أصله: لاتي بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت التاء مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: «آت» بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للتاء. وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من: «ال» والإضافة، سواء أكان ثلاثيّا، أم رباعيّا. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: فائتين عذاب الله، والعجز معروف. هذا؛ وانظر: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (التوبة)، ورقم [٥٣] من سورة (يونس) ويكثر تكراره في القرآن الكريم، للدلالة على أن الكافرين، والفاسقين لا يعجزون الله تعالى، ولا يهربون من عذابه، وانتقامه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير أن الذي، أو شيئا توعدونه. ﴿لَآتٍ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (آت): خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُعْجِزِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة.\n (معجزين): خبر (ما). مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-924\"></span>﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (١٣٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. والمخاطب بذلك النبي ﷺ.\n ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٠] أو رقم [٧/ ٥٨]. ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ:﴾ على غاية","vol":"3","page":401},{"text":"تمكنكم، واستطاعتكم. أو على ناحيتكم، وجهتكم، وحالتكم التي أنتم عليها. فالكل محتمل هنا. وقرئ بالجمع: «(مكاناتكم)». ﴿إِنِّي عامِلٌ:﴾ على ما كنت عليه من المصابرة، والثبات على الإسلام، والمعنى: اثبتوا على كفركم، وعداوتكم لي، فإنّي ثابت على الإسلام، وعلى مصابرتكم، فهو أمر تهديد، ووعيد، دليله ما بعده. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ من تكون له العاقبة المحمودة، لنا، أو لكم. وقيل: معناه: فسوف تعلمون عند نزول العذاب بكم، أيّنا كان على الحق في عمله، نحن، أم أنتم؟ ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أي: المحمودة، والمراد بها: الجنة، وما فيها من النعيم المقيم. وانظر شرح الدار في الآية رقم [٧٨] (الأعراف) وقد قرئ الفعل: «تكون» بالتاء، والياء. ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ:﴾ لا يسعدون بالخلود في الجنة؛ لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب.\nهذا؛ وقد وضع الله (الظالمين) موضع (الكافرين)؛ لأنه أعم وأكثر فائدة؛ إذ يعم الظالمين من المسلمين في كل زمان، ومكان، كما أنه يشمل جميع أنواع الظلم. وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٤] الآتية. هذا؛ وفي الآية الكريمة قولان: أحدهما: أنها محكمة. وهذا على رأي من يعتبر مضمونها التهديد، والوعيد. والثاني: أنها منسوخة بآية السيف. وهذا على قول من يرى:\nأن المراد بها ترك القتال. وانظر: ﴿لا يُفْلِحُ﴾ في الآية رقم [٢١].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥/ ٢٠] أو [٧/ ٥٨]. ﴿اِعْمَلُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿اِعْمَلُوا..﴾. إلخ مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ تعليل للأمر، وهي من مقول القول. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (سوف): حرف استقبال. ويقال: حرف تسويف. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، فيكون الفعل من العرفان، وانظر «العلم، والمعرفة» في الآية رقم [٦١] من سورة (الأنفال). ﴿تَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم تكون مؤخر، وهو مضاف، و﴿الدّارِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿تَكُونُ..﴾. إلخ صلة من لا محل لها من الإعراب. هذا؛ ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ استفهامية في محل رفع مبتدأ والجملة الفعلية بعدها في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار في محل نصب سدت مسد مفعول: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ على اعتباره متعديا لمفعول واحد، أو في محل نصب سدت مسد مفعوليه على اعتباره من أفعال اليقين، وعلى الاعتبارين فهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية تعليلية، مؤكدة لمضمون الجملة قبلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء","vol":"3","page":402},{"text":"اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفْلِحُ:﴾ مضارع. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية:\n ﴿لا يُفْلِحُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. هذا؛ وقد قيل: إن الجملة الاسمية مستأنفة، وكأنها جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: وما عاقبتهم؟ وعليه، فليست داخلة في المقول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-925\"></span>﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: مشركو العرب. ﴿لِلّهِ:﴾ انظر شرحه في الاستعاذة. ﴿ذَرَأَ:﴾\nخلق. ﴿مِنَ الْحَرْثِ:﴾ المراد به: جميع المزروعات التي كانوا يزرعونها، وهي قليلة كما هو معروف. ﴿وَالْأَنْعامِ:﴾ يطلق هذا اللفظ على الحيوانات المأكول لحمها، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز. ﴿نَصِيبًا:﴾ قسما. ﴿فَقالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥].\n ﴿بِزَعْمِهِمْ:﴾ انظر (زعم) في الآية رقم [٦٠] (النساء) فإنه جيد. ﴿لِشُرَكائِنا:﴾ المراد به:\nالأصنام التي كانوا يقدسونها، ويعظمونها. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس) تجد ما يسرك.. ﴿يَصِلُ:﴾ أصله يوصل؛ لأن ماضيه وصل، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة، وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ:﴾ بئس الحكم حكمهم. هذا؛ ويقرأ: «بزعمهم» بفتح الزاي، وضمها، وهما قراءتان سبعيتان، وفيه لغة ثالثة لبعض قيس.\nتنبيه: لما بين الله تعالى قبح طريقة الكفار، وما كانوا عليه من إنكار البعث بعد الموت، وغير ذلك؛ عقبه بذكر أنواع من جهالاتهم، وأحكامهم الفاسدة، تنبيها على ضعف عقولهم، وفساد ما كانوا عليه في الجاهلية.\nتنبيه: روي: أنهم كانوا يعينون شيئا من حرث، ونتاج لله، ويصرفونه للضيفان، والمساكين، وشيئا منها لالهتهم، وينفقونه على سدنتها، ويذبحون عندها، ثم إن رأوا ما عينوه لله أزكى بدلوه بما لالهتهم، وإن رأوا ما لالهتهم أزكى؛ تركوه لها حبّا لها، وفي قوله: ﴿مِمّا ذَرَأَ﴾ تنبيه على فرط جهالتهم، فإنهم أشركوا للخالق في خلقه جمادا لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له. انتهى بيضاوي.\nوفي الخازن: وكانوا يجبرون ما جعلوه لها مما جعلوه لله، ولا يجبرون ما جعلوه لله مما جعلوه لها، وكانوا إذا أصابهم قحط؛ استعانوا بما جعلوه لله يأكلون منه، ووفروا ما جعلوه لها،","vol":"3","page":403},{"text":"ولم يأكلوا منه، فإذا هلك ما جعلوه؛ لها أخذوا بدله مما جعلوه لله، ولا يفعلون كذلك فيما جعلوه لها. انتهى بحروفه.\nهذا؛ وقد روي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب؛ فاقرأ ما فوق الثلاثين والمئة من سورة (الأنعام) انتهى خازن. وفي محفوظي: فاقرأ ما فوق الخمس والثلاثين... إلخ، وهو الموافق للواقع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ (جعلوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني تقدم على الأول.\n ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَصِيبًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة المشهورة، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nمن الذي، أو من شيء ذرأه. ﴿مِنَ الْحَرْثِ:﴾ الجار، والمجرور بدل مما قبلهما.\n ﴿وَالْأَنْعامِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿نَصِيبًا:﴾ هو المفعول الأول. وجملة: ﴿وَجَعَلُوا..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (جعلوا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِزَعْمِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بالفعل:\n ﴿فَقالُوا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ معطوفة على سابقتها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (ما).\n ﴿لِشُرَكائِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الاسم إليها كما رأيت.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ، وساغ ذلك؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\n (لا): نافية. ﴿يَصِلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿ما﴾ والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها مفرعة عما قبلها ومستأنفة. وإعراب: ﴿وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ﴾ واضح إن شاء الله تعالى، والجملة اسمية معطوفة على سابقتها، لا محل لها مثلها. ﴿ساءَ:﴾ ماض جامد دال على إنشاء الذم، وفاعله مستتر فسره التمييز، وهو: ﴿ما﴾ فإنها بمعنى شيء مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَحْكُمُونَ﴾ في محل نصب صفة ﴿ما،﴾ والمخصوص بالذم محذوف، وتقدير الكلام: «ساء الشيء شيئا محكوما به من قبلهم، وهو","vol":"3","page":404},{"text":"المذموم». هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل ﴿ساءَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقديره الكلام. ﴿ساءَ﴾ الذي، أو: شيء يحكمون به، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساء حكمهم، وانظر الآية رقم [٣٢] والإعراب الأول هو المعروف، والمشهور، ويؤيده ذكر التمييز منصوبا صريحا في الآية رقم [٩٧] (النساء) وأيضا رقم [١١٥] منها و[٣٨] منها وهو كثير في القرآن الكريم. هذا؛ وجملة: ﴿ساءَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-926\"></span>﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ انظر التقدير في الإعراب، فإنه سيتضح لك الأمر. ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ..﴾. إلخ: وفي هذه الجملة قراءات كثيرة، والمتواتر منها ثنتان: الأولى قراءة العامة مبنيّا للفاعل... إلخ وهذه القراءة واضحة المعنى والتركيب وقرأ ابن عامر «(زيّن)» مبنيّا للمفعول، ورفع «(قتل)» على أنه نائب فاعل، ونصب «أولدهم» على أنه مفعول به للمصدر، وشركائهم بالجر على أن المصدر مضاف إليه. قال البيضاوي: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر كقول الشاعر: [مجزوء الكامل]\nفزججتها بمزجّة... زجّ القلوص أبي مزاده\nوقد دافع عن هذه القراءة سليمان الجمل دفاعا شديدا. ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ أي: من الجن، أو من السدنة. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس). ﴿لِيُرْدُوهُمْ:﴾ ليهلكوهم بالإغواء، والتزيين.\n ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ:﴾ وليخلطوا عليهم دينهم، وهو دين إسماعيل الصحيح الذي ورثه من أبيه إبراهيم، عليهما الصلاة والسّلام، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به. وقراءة الجمهور بكسر الباء من: لبست عليه الأمر، ألبسه بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المضارع؛ إذا أدخلت عليه الشبهة، وخلطته فيه. وقرأ النخعي: «(وليلبسوا)»: بفتح الباء، والصحيح: أن لبس بالكسر بمعنى لبس الثياب، وبالفتح بمعنى الخلط، والصحيح أنه استعار اللبس لشدة المخالطة الحاصلة بينهم وبين التخليط حتى كأنهم لبسوها كالثياب، وصارت محيطة بهم انتهى جمل نقلا عن السمين.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩]. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ..﴾. إلخ: أي ما فعل المشركون ما زين لهم، أو ما فعل شركاء التزيين، أو ما فعل الفريقان شيئا من ذلك. وانظر الآية رقم [١١٢] ففيها الكفاية. هذا؛ وانظر قتل الأولاد في الآية رقم [١٤٠] الآتية.","vol":"3","page":405},{"text":"الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: زين لكثير من المشركين... تزيينا كائنا مثل ذلك التزيين لهم في الشرك، وقسمة الأموال، وغير ذلك. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وانظر التفصيل في الآية رقم [٥٥]. ﴿زَيَّنَ:﴾ ماض. ﴿لِكَثِيرٍ:﴾ متعلقان به.\n ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ متعلقان بمحذوف صفة (كثير). ﴿قَتْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَوْلادِهِمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿شُرَكاؤُهُمْ:﴾ فاعل: ﴿زَيَّنَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى قراءة البناء للمجهول، ف (قتل) بالرفع نائب فاعله، و(أولادهم) بالنصب مفعول به للمصدر، و(شركائهم) بالجر بإضافة (قتل) إليه، وأقحم المنصوب بين المتضايفين، كما رأيت تفصيله في الشرح، وجملة: ﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، والاستئناف ممكن بالإعراض عما قبلها. ﴿لِيُرْدُوهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿زَيَّنَ،﴾ التقدير:\nلإردائهم و﴿وَلِيَلْبِسُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دِينَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [١٠٧] و[١١٢] مفردات وجملا، فإن الإعراب واحد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-927\"></span>﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: مشركو العرب. وانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥] هذه: الإشارة إلى ما جعل لالهتهم. ﴿أَنْعامٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٦]. ﴿وَحَرْثٌ:﴾ انظر الآية نفسها.\n ﴿حِجْرٌ:﴾ حرام، فعل بمعنى: مفعول، كالذّبح بمعنى: المذبوح، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ و«فعل» يستوي فيه الواحد، والكثير، والمذكر، والمؤنث. ﴿لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ:﴾\nلا يأكل منها إلا من نشاء: يريدون خدم الأوثان، والرجال دون النساء. ﴿بِزَعْمِهِمْ:﴾ انظر الآية قبل السابقة. ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يعني: البحائر، والسوائب، والحوامي. انظر الآية","vol":"3","page":406},{"text":"رقم [٥/ ١٠٣] لشرح ذلك، وتفصيله. ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ أي: وقت الذبح، وإنما يذكرون أسماء الأصنام عليها. وقيل: لا يحجون عليها، ولا يركبونها لفعل الخير؛ لأنه لما جرت العادة بذكر الله على فعل كل خير؛ ذم هؤلاء على ترك فعل الخير. وانظر شرح: ﴿اِسْمَ﴾ في البسملة. ﴿اِفْتِراءً:﴾ اختلاقا من غير دليل. (يجزيهم): انظر الآية رقم [١٢٠] بعد هذا انظر شرح: ﴿حِجْرٌ﴾ في الآية رقم [٢٣] (النساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَنْعامٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَحَرْثٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿حِجْرٌ:﴾ صفة ﴿أَنْعامٌ وَحَرْثٌ﴾ وقد رأيت في الشرح: أنه يستوي فيه المفرد، وغيره. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَطْعَمُها:﴾ مضارع، وها: مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نشاؤه. ﴿بِزَعْمِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية:\n ﴿لا يَطْعَمُها..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل ﴿أَنْعامٌ وَحَرْثٌ﴾ أو هي في محل نصب حال منهما بعد وصفهما بما تقدم. ﴿أَنْعامٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف التقدير: وهذه ﴿أَنْعامٌ﴾. وهذه الجملة معطوفة على ما قبلهما، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. هذا؛ ويجوز عطف أنعام على السابق، فيكون العطف عطف مفرد على مفرد. ﴿حُرِّمَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول.\nوالتاء للتأنيث. ﴿ظُهُورُها:﴾ نائب فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿أَنْعامٌ﴾. ﴿أَنْعامٌ:﴾ هو مثل سابقه على الوجهين المعتبرين فيه، والجملة الفعلية: ﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ في محل رفع صفة: ﴿أَنْعامٌ﴾. ﴿اِفْتِراءً:﴾ فيه أربعة أوجه:\nأحدها-وهو مذهب سيبويه-: أنه مفعول من أجله. الثاني: أنه مصدر، عامله من غير لفظه؛ لأن قوله المحكي عنهم افتراء، فهو نظير: «قعد القرفصاء» وهو قول الزجاج. الثالث: أنه مصدر، عامله من لفظه مقدر، أي: افترى ذلك افتراء. الرابع: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قالوا ذلك حال افترائهم، وهي تشبه الحال المؤكدة؛ لأن هذا القول المخصوص لا يكون قائله إلا مفتريا، وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ يجوز تعلقه ب: ﴿اِفْتِراءً﴾ على القول الأول والرابع، وعلى الثاني والثالث بقالوا، لا ب: ﴿اِفْتِراءً﴾ لأن المصدر المؤكد لا يعمل، ويجوز أن يتعلق بمحذوف صفة ل: ﴿اِفْتِراءً،﴾ وهذا جاز على كل قول من الأقوال السابقة. انتهى جمل بحروفه نقلا عن السمين. ﴿سَيَجْزِيهِمْ:﴾ السين، حرف استقبال، ويقال: حرف تنفيس. (يجزيهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعول به أول.","vol":"3","page":407},{"text":"﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وانظر إعراب: ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٢٤] فهو مثله بلا فارق، والجملة الفعلية: ﴿سَيَجْزِيهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-928\"></span>﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: مشركو العرب. ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ:﴾ قال ابن عباس، وقتادة، والشعبي﵃-: أرادوا أجنّة البحائر، والسوائب، فما ولد منها حيّا؛ فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد منها ميتا؛ أكله الرجاء، والنساء. وهو قوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ﴾.\nهذا؛ وقد أنّث ﴿خالِصَةٌ﴾ وهي خبر عن ﴿ما﴾ باعتبار معناها، وذكّر ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ وهو خبر عنها باعتبار لفظها، فعلى هذا تكون التاء في ﴿خالِصَةٌ﴾ للتأنيث. هذا؛ وقد قيل: إن التاء للنقل إلى الاسمية، أو للمبالغة، كما في: علامة، ونسابة، وراوية، والخاصة، والعامة. أو على المصدر على وزن فاعلة، كالعافية، والعاقبة. وذكر (محرّم) للحمل على اللفظ، وهذا نادر لا نظير له، وإنما عهد مراعاة المعنى، ثم اللفظ في (من) و(ما) انتهى جمل بحروفه.\nبعد هذا انظر: ﴿الْمَيِّتِ﴾ في الآية رقم [٩٥] و(يجزيهم) في الآية رقم [١٢٠] والمعنى هنا:\nسيحاسبهم على قولهم الكذب في التحليل، والتحريم بدون دليل، قال تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في صنعه، وأحكامه، وتشريعاته. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بخلقه، وبمصالحهم.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿فِي بُطُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها، و﴿بُطُونِ:﴾ مضاف، و﴿هذِهِ:﴾ مضاف إليه، فهو اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْأَنْعامِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. وقيل: هو صفة لاسم الإشارة. ﴿خالِصَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما فِي..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها.\n ﴿لِذُكُورِنا:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِصَةٌ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَمُحَرَّمٌ:﴾ معطوف على: ﴿خالِصَةٌ﴾. ﴿عَلى أَزْواجِنا:﴾ متعلقان ب (محرم)، و(نا): في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقرئ بنصب: «خالصة» على أنه حال، وصاحب الحال الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور: ﴿فِي بُطُونِ﴾ فيكون خبر المبتدأ متعلق: ﴿لِذُكُورِنا﴾ والقياس يقتضي نصب (محرم) لأنه معطوف على: ﴿خالِصَةٌ،﴾ ولم أجد من قرأه بالنصب، كما قرئ: «(خالصة)»","vol":"3","page":408},{"text":"بالإضافة إلى الضمير، وفي إعرابه وجهان: أحدهما: مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، فيتكون جملة اسمية في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿ما﴾ والثاني على أنه بدل من ﴿ما،﴾ فيبقى: ﴿لِذُكُورِنا﴾ خبرها. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب (لم)، واسمه يعود إلى ما يوجد في بطون الأنعام. ﴿مَيْتَةً:﴾ خبره، وقرئ «(ميتة)» بالرفع، وهو على اعتبارين: أولهما: اعتباره اسما ل: ﴿يَكُنْ﴾ والخبر محذوف، التقدير: وإن يكن هناك ميتة، وثانيهما اعتبار الفعل تامّا، وميتة فاعله، كما قرئ «(تكن)» بالتاء، ورفع ميتة، ونصبها، والإعراب يكون على الوجهين مثل قراءته بالياء بلا فارق. والجملة الفعلية على جميع وجوه الإعراب لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَهُمْ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (هم): مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿شُرَكاءُ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ﴿شُرَكاءُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. والجملة الشرطية معطوفة على جملة: (قالوا...) إلخ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة، وهي مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ:﴾\nخبران لها، والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-929\"></span>﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ:﴾ المراد بهم العرب الذين قتلوا بناتهم مخافة الفقر، والعار؛ الذي يتسبب عن السبي، ونحوه. وخسارتهم كانت في الدنيا باعتبار السعي في نقص عددهم، وإزالة ما أنعم الله به عليهم. وفي الآخرة باستحقاق العذاب الأليم. هذا؛ وقد قرئ: «قتلوا» بالتشديد، والتخفيف.\nهذا؛ وهل كان قتل الأولاد يقتصر على البنات، أم يتعدى إلى الذكور؟ المعروف: أن عامتهم كانوا يكرهون البنات، وإن الكثير منهم يئدون البنات؛ حتى نتج عن ذلك نقص في الإناث في بعض القبائل، ولذا اضطر الواحد منهم إلى الزواج من قبيلة أخرى. وأما قتل الذكور؛ فكان قليلا جدّا، وكان لا يقع إلا في حالات شدة المعيشة، والفقر، والضيق؛ لأنهم كانوا يتكثرون بالذكور، ويعتزون بهم، كما هو معروف، ومشهور. ﴿سَفَهًا:﴾ جهلا، والسفاهة هي الخفة، والجهالة المذمومة، وسبب هذه السفاهة هو قلة العلم، بل عدمه؛ لأن الجهل كان هو الغالب عليهم قبل بعثة رسول الله ﷺ، ولذا سموا: جاهلية. هذا؛ وسفه نفسه: استمهنها، وأذلها، واستخف بها،","vol":"3","page":409},{"text":"قال المبرد، وثعلب: سفه بالكسر متعد، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء في قول النبي ﷺ:\n «الكبر أن تسفه الحقّ، وتغمص الناس». أي: تحقرهم. وانظر الآية رقم [٧/ ٦٥] فإنه جيد. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ:﴾ بغير حجة، وبرهان. ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ:﴾ وهو ما ذكر من الزروع، والأنعام، كالبحيرة... إلخ. ﴿اِفْتِراءً عَلَى اللهِ:﴾ اختلافا عليه ﷾. ﴿قَدْ ضَلُّوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٤]. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ:﴾ إلى الحق، والصواب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ﴾ صفة الموصول، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿سَفَهًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف.\n ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(غير) مضاف، و﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿قَدْ خَسِرَ..﴾. إلخ: قال الجمل: جواب قسم محذوف. ولم أجده لغيره، ويظهر: أنها مستأنفة إن لم نوافقه بذلك. (حرموا): فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير:\nالذي، أو: شيئا رزقهم الله إياه، وعلى الثالث تؤول ما مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: حرموا رزق الله على أنفسهم، وجملة: ﴿وَحَرَّمُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿اِفْتِراءً عَلَى اللهِ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [١٣٨]. وجملة: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ بمنزلة التأكيد لجملة: ﴿قَدْ خَسِرَ..﴾. إلخ. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانُوا:﴾\nماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها، والألف للتفريق. ﴿مُهْتَدِينَ:﴾ خبرها منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿وَما كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-930\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ أي: والله الذي خلق، وابتدع. ﴿جَنّاتٍ:﴾ بساتين. وانظر:\n ﴿جَنَّ﴾ في الآية رقم [٧٦]. ﴿مَعْرُوشاتٍ:﴾ مرفوعات على ما يحملها. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ:﴾\nملقيات على وجه الأرض. وقيل: المعروشات: ما غرسه الناس، وغير المعروشات: ما نبت في البراري، والجبال. وانظر شرح: ﴿وَغَيْرَ﴾ في سورة (الفاتحة). ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ:﴾ إنما أفردا بالذكر مع أنهما داخلان في الجنات؛ لما فيهما من المنافع، والفضيلة على سائر ما ينبت في","vol":"3","page":410},{"text":"الجنات، والمراد بالزرع: جميع الحبوب؛ التي يقتات بها. ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أي: ثمره، وحبه في الهيئة، والطعم، كالحلو، والحامض، والجيد، والرديء، والصغير، والكبير، وغير ذلك.\n ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ:﴾ يتشابه ورقهما، وبعض أفرادهما في اللون، والطعم، ولا يتشابه بعضها. ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ:﴾ ثمر كل واحد من ذلك، والأمر للإباحة لا للوجوب.\n ﴿إِذا أَثْمَرَ:﴾ وإن لم ينضج، ولم يبع. وفيه رخصة للمالك في الأكل قبل حصاده، وتمام نضجه، أما بعد النضج فيحرم الأكل منه لتعلق حق الفقراء به، كما هو مبين في الفقه الإسلامي.\n ﴿وَآتُوا:﴾ أعطوا. ﴿حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ:﴾ يوم جذاذه، وقطعه، واختلفوا في هذا الحق المأمور بإخراجه، فقيل: المراد به: الزكاة المفروضة، والآية مدنية، وعلى هذا فالآية محكمة، أي غير منسوخة. وقيل: بل المراد به أنه حق سوى الزكاة، فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر، وترك ما سقط من الزرع، والثمر. وهذا؛ وقرئ: «حصاده» بفتح الحاء، وكسرها. ﴿وَلا تُسْرِفُوا:﴾ الإسراف تجاوز الحد فيما يفعله الإنسان، وإن كان في الإنفاق أشهر. وقيل: السرف تجاوز ما حد لك، وسرف المال: إنفاقه في غير منفعة.\nولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله؛ فهو سرف؛ وإن كان قليلا. وقال سعيد بن المسيب: معناه: لا تمنعوا الصدقة. فتأويل الآية على هذا القول: لا تجاوزوا الحد في البخل، والإمساك، حتى تمنعوا الواجب من الصدقة. وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف: مجاوزة الحد، إلا أن الأول في البذل، والإعطاء، والثاني في الإمساك، والبخل.\n ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: يبغضهم، وعليه فعدم محبة الله لهم كناية عن البغض، والسخط، والغضب، ومحبته للعبد رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَنْشَأَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الموصول، وهو العائد. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مَعْرُوشاتٍ:﴾ صفة ﴿جَنّاتٍ﴾ منصوب مثله. ﴿وَغَيْرَ:﴾ معطوف على:\n ﴿مَعْرُوشاتٍ،﴾ وغير مضاف، و﴿مَعْرُوشاتٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَنْشَأَ..﴾. إلخ لا محل لها صلة الموصولة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ:﴾\nمعطوفان على جنات، فهو من عطف الخاص على العام. ﴿مُخْتَلِفًا:﴾ حال مما قبله، وهذه الحال مقدرة؛ لأن النخل، والزرع وقت خروجه لا أكل منه، حتى يكون مختلفا، أو متفقا، وهو مثل قولهم: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أوضح. أي:\nمقدرا لكم الخلود فيها. ﴿أُكُلُهُ:﴾ فاعل ﴿مُخْتَلِفًا﴾ لأنه اسم فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والضمير عائد للزرع، والباقي مقيس عليه، أو النخل، والزرع داخل في حكمه لكونه معطوفا عليه، أو للجميع على تقدير: «أكل ذلك» أو «كلّ واحد منهما». ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ:﴾","vol":"3","page":411},{"text":"معطوفان على جنات. ﴿مُتَشابِهًا:﴾ حال من: (الزيتون والرمان) وفاعله محذوف، تقديره:\nورقهما. ﴿وَغَيْرَ:﴾ معطوف عليه فهو حال مثله، و(غير) مضاف، و﴿مُتَشابِهٍ:﴾ مضاف إليه، وفاعله أيضا محذوف، التقدير: طعمهما، أو نحو ذلك. ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿مِنْ ثَمَرِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَثْمَرَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿ثَمَرِهِ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، واعتبار ﴿إِذا﴾ شرطية ضعيف فيما يظهر، والجملة الفعلية: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: آتوا حقه الفقراء والمساكين... إلخ. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُسْرِفُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الْمُسْرِفِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-931\"></span>﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾\nالشرح: ﴿الْأَنْعامِ:﴾ انظر الآية رقم [١٣٦]. ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا:﴾ المراد ما يحمل الأثقال، مثل الجمال، وما يفرش للذبح، مثل الغنم، والماعز، أو ما يفرش المنسوج من شعره، وصوفه ووبره. وقيل: الكبار الصالحة للحمل، والصغار الدانية من الأرض، مثل الفرش المفروش عليها، سميت بذلك؛ لأنها كالفرش للأرض لدنوها منها. ﴿كُلُوا:﴾ هذا الأمر للإباحة. ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ:﴾ مما أحل لكم أكله. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ:﴾ طرائقه، وتعاليمه في التحليل، والتحريم من عند أنفسكم. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ:﴾ ظاهر العداوة، بعد هذا انظر شرح: ﴿الشَّيْطانِ﴾ في الاستعاذة، وشرح: ﴿عَدُوٌّ﴾ في الآية رقم [١١٢]. ﴿مُبِينٌ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٥/ ١٧]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. هذا؛ و﴿خُطُواتِ﴾ جمع خطوة، بضم الخاء، وسكون الطاء. وهي في الأصل ما بين القدمين، فاستعيرت هنا لوسوسة الشيطان، وزخرفته، وتجمع في القلة: خطوات بضم الخاء، وتثليث الطاء، أي: الضم باتباع ثانيه لأوله، والفتح، وإبقاء السكون على حاله كما في المفرد، وتجمع في الكثرة على: خطى، بضم الخاء.\nهذا؛ والخطوة بفتح الخاء: المرة الواحدة، وجمعها: خطوات بفتح الخاء، والطاء لا غير.","vol":"3","page":412},{"text":"بعد هذا أنقل لك ما قاله المرحوم مصطفى الغلاييني في جامع الدروس العربية: وإن جمعت اسما ثلاثيّا، مضموم الأول، أو مكسوره، ساكن الثاني، صحيحه، خاليا من الإدغام، مثل:\nخطوة، وجمل، وهند، وقطعة، وفقرة، جاز فيه ثلاثة أوجه: الأول: إتباع ثانيه لأوله، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات وفقرات. الثاني: فتح ثانيه، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثالث: إبقاء ثانيه على حاله من السكون، كخطوات وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات.\nأما الاسم فوق الثلاثي، كزينب، والاسم الصفة، كضخمة، والاسم الثلاثي المحرك الثاني كشجرة، والاسم الثلاثي الذي ثانيه حرف علة، كجوزة، والاسم الثلاثي الذي فيه إدغام، كمرّة، فكل ذلك لا تغيير فيه عند جمعه جمعا مؤنثا سالما. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، معطوف على ما قبله، التقدير: وأنشأ، أو: وخلق من الأنعام. ﴿حَمُولَةً:﴾ مفعول به للفعل المحذوف. ﴿وَفَرْشًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير، الذي، أو شيئا رزقكم الله إياه، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من رزق الله لكم. وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿خُطُواتِ:﴾ مضاف، و﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تعليل للنهي لا محل لها.\nهذا؛ والجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿عَدُوٌّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».\n\n<span id=\"aya-932\"></span>﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣)﴾\nالشرح: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ:﴾ ثمانية أصناف. هذا؛ والزوج: ما معه آخر من جنسه يزاوجه، ويحصل منهما النّسل، فيطلق لفظ الزوج على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه، لا ينفك عنه، ويحصل منهما النسل، وكذا يطلق على الاثنين، فهو مشترك، والمراد هنا الإطلاق الأول. انتهى جمل. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الذكر، والأنثى. والضأن: ذوات الصوف من الغنم، الواحد:","vol":"3","page":413},{"text":"ضائن، والأنثى: ضائنة، والجمع: ضوائن. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الذكر، والأنثى، والمعز: ذوات الشعر من الغنم. والمعز يقرأ بسكون العين، وفتحها، وهو جمع ما عز. وقيل:\nالضأن، والمعز اسما جمع، والأول أصح. ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ أي: من الغنم، والماعز.\n ﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ مثنى أنثى، والمراد بهما أيضا من الغنم، والماعز. ﴿آلذَّكَرَيْنِ:﴾ الهمزة حرف استفهام، وقد مدت مدّا لازما بقدر ست حركات، ولولا مدها لم يظهر الاستفهام، ويسمى هذا المد في أحكام التجويد بمد الفرق؛ لأنه يفرق بين الاستفهام، والخبر؛ لأنه لولا المد؛ لتوهم: أنه خبر لا استفهام. وانظر الآية رقم [٥١] من سورة (يونس) ففيها الشفاء الكافي لقلبك.\nهذا؛ وقد قرئ «(اثنان)» على الابتداء. ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ أو ما حملت إناث الجنسين ذكرا كان، أو أنثى. والمعنى: إنكار أن يحرم الله من جنس الغنم شيئا. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ:﴾ أخبروني بأمر معلوم من عند الله يدل على تحريم ما حرمتم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في دعوى التحريم، وانظر إعلال: ﴿قُلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٧] (المائدة) فإعلال:\n ﴿كُنْتُمْ﴾ مثله، وانظر (النبأ) في الآية رقم [١٤] (المائدة) أو رقم [١٠١] (الأعراف).\nالإعراب: ﴿ثَمانِيَةَ:﴾ ذكر فيه أبو البقاء خمسة أوجه: أحدها: هو معطوف على ﴿جَنّاتٍ﴾ أي: وأنشأ ثمانية أزواج. وحذف الفعل، وحرف العطف. وهو ضعيف. الثاني: أن تقديره:\nكلوا ثمانية أزواج. والثالث: هو منصوب ب: «كلوا» محذوف، تقديره: كلوا مما رزقكم ثمانية أزواج، ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ معترض بينهما. والرابع: هو بدل من: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ والخامس: هو حال، تقديره: مختلفة، أو متعددة، وصاحب الحال هو (ما) وتقديره الثاني: كلوا لحم ثمانية، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، و﴿ثَمانِيَةَ:﴾ مضاف، و﴿أَزْواجٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿مِنَ الضَّأْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿اِثْنَيْنِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿اِثْنَيْنِ:﴾ بدل من ﴿ثَمانِيَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بالمثنى. هذا؛ وعلى قراءة: «(اثنان)» فهو مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف\nإلخ، والجار والمجرور: ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله على الوجهين.\n ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿آلذَّكَرَيْنِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. (الذكرين): مفعول به مقدم منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿حَرَّمَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ معطوف على (الذكرين) منصوب مثله.. إلخ.\n (أم): حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على (الذكرين)، وتحتمل (ما) الموصوفة، أي: شيء. هذا؛ وترسم مع (أم) هكذا (أما) وذلك بسبب","vol":"3","page":414},{"text":"إدغام الميم الساكنة في الميم المتحركة. ﴿اِشْتَمَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَرْحامُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور\nإلخ، والجملة الفعلية: ﴿اِشْتَمَلَتْ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: (على) وانظر الآية التالية لما أهمل هنا. ﴿نَبِّئُونِي:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿بِعِلْمٍ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين في دعوى التحريم؛ فنبئوني بأمر معلوم من عند الله. والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها تمام الارتباط، فهي مستأنفة مثلها.\n\n<span id=\"aya-933\"></span>﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٤٤)﴾\nالشرح: ﴿الْإِبِلِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، فمفرده: جمل، أو ناقة، والبعير يشملهما كالإنسان للرجل، والمرأة، وقوله تعالى حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ دليل واضح على ذلك. هذا؛ ويجمع على: آبال، والإبل مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، مثل: خيل، وغنم، وإبل، فالتأنيث لها لازم، وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان، فإنما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل.\n ﴿الْبَقَرِ:﴾ اسم جنس، واحدة: بقرة، وهي تقع على الذكر، والأنثى، نحو: حمامة، والصفة تميز الذكر من الأنثى. تقول: بقرة ذكر، وبقرة أنثى. وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس، والذكر: الثور، نحو: ناقة، وجمل، وأتان، وحمار. وسمي هذا الجنس بذلك؛ لأنه يبقر الأرض، أي: يشقها بالحرث، ومنه: بقر بطنه. هذا؛ وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة، وكتب النبي ﷺ في كتاب الصدقة لأهل اليمن: «في ثلاثين باقورة بقرة». هذا؛ والباقر: جماعة البقر مع رعائها، والتبقر: التوسع في العلم، ومنه محمد (الباقر) لتبقره في العلم، أي: لتبحره فيه. ﴿أَرْحامُ:﴾ جمع رحم، والمراد به هنا: مستودع الجنين في أحشاء الحبلى من الإنسان،","vol":"3","page":415},{"text":"والحيوان. ومعنى هذا الكلام: إنكار: أن الله حرم شيئا من هذه الأجناس الأربعة، ذكرا كان، أو أنثى، وما تحمل إناثها، ردّا عليهم، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، وإناثها تارة أخرى، وأولادها كيف كانت تارة زاعمين: أنّ الله حرمها، فقيل لهم: من أين جاء التحريم؟ فإن كان من قبل الذكورة، فجميع الذكور حرام، وإن كان من قبل الأنوثة فجميع الإناث حرام، وإن كان من قبل اشتمال الرحم فالزوجان حرام، فمن أين جاء التخصيص ببعض المذكورات؟\n ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا:﴾ هذا توبيخ آخر، والمعنى: هل كنتم حضورا مع الله وقت وصاكم به؛ لأنكم لا تؤمنون بنبي، فلا طريق لكم إلا المشاهدة، والسماع، فاعتمدتم ذلك، لا بل أنتم كاذبون مفترون هذا التحريم، وهذا التحليل. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ:﴾ حيث نسب إليه تحريم ما لم يحرم، وهل يوجد أشقى، وأشد ظلما، وأبعد عن الحق ممن يكذب على الله، ويضيف إليه شيئا لا أصل له، يفعل ذلك؛ ليضل الناس عن طريق الحق، والصواب.\nقيل: المراد بذلك عمرو بن لحي الخزاعي؛ لأنه أول من بحر البحائر، وسيب السوائب، وغير دين إبراهيم﵊ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على طريقته، أو ابتدع شيئا لم يأمر به الله، ولا رسوله، ونسب ذلك إلى الله تعالى؛ لأن اللفظ عام، فلا وجه للتخصيص. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي: إن الله لا يرشد، ولا يوفق من كذب على الله، وأضاف إليه ما لم يشرعه لعباده. هذا؛ وانظر: ﴿الْقَوْمَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٠] وانظر (الظلم) في الآية رقم [٥/ ٥١] وانظر: غير في سورة (الفاتحة).\nالإعراب: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ هذا الكلام معطوف على مثله في الآية السابقة، وهو مثله قراءة، وإعرابا. ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة، وأضيف هنا: أن الجملة الفعلية:\n ﴿آلذَّكَرَيْنِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وأن الجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف، وهي بمعنى: بل، وتسمى منقطعة، بخلاف سابقتها، فإنها متصلة؛ لأنها معادلة للهمزة، فهي عاطفة. ﴿كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ كان، واسمها، وخبرها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿شُهَداءَ﴾ وهو أولى من تعليقه ب: (كان). ﴿وَصّاكُمُ اللهُ﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بينهما لا محل له. (من): اسم استفهام بمعنى النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره. ﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ﴾ لأنه صيغة تفضيل، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿اِفْتَرى:﴾ ماض مبني","vol":"3","page":416},{"text":"على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من). ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان به.\n ﴿كَذِبًا:﴾ مفعول به. ﴿لِيُضِلَّ:﴾ مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (من). ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿النّاسَ﴾ و(غير):\nمضاف، و﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه، التقدير: غير عالمين، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: للإضلال، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى..﴾. إلخ صلة (من) أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة بكاملها في الآية رقم [٥١] (المائدة) إفرادا، وجملا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-934\"></span>﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، ومثله ما بعده، وما قبله. ﴿لا أَجِدُ:﴾ انظر إعلال: ﴿يَصِلُ﴾ في الآية رقم [١٣٦] فهو مثله. ﴿فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أي: أنزل إلي من القرآن الكريم بواسطة جبريل الأمين، ﵇. ﴿مُحَرَّمًا:﴾ المحرم، والحرام هو في الأصل كل ممنوع، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحرمات: كل ممنوع منك مما بينك وبين غيرك.\nوقولهم: لفلان بي حرمة، أي: أنا ممتنع من مكروهه. وحرمة الرجل محظورة به عن غيره.\nوقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو الممنوع من المال والتلذذ به.\nوالإحرام بالحج، والعمرة هو المنع من أمور معروفة في الفقه الإسلامي.\n ﴿طاعِمٍ:﴾ آكل. ﴿يَطْعَمُهُ:﴾ يأكله، والمراد بطاعم الذكور والإناث. فهو رد لما افتروه.\nوالفعل من باب: فهم، وعلم، وهو في المصحف كما رأيت، وقرئ بتشديد الطاء وكسر العين، ونسبت هذه القراءة لعلي بن أبي طالب، كرم الله وجهه. ﴿يَكُونَ مَيْتَةً﴾ قرئ الفعل بالتاء، والياء كما قرئ برفع: «ميتة» ونصبها. والمراد بتحريم الميتة: تحريم لحمها، أو الانتفاع بشيء منها، وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية، والحديث الشريف ألحق بها ما أبين من حيوان حي، وخص منها السمك والجراد بقول النبي ﷺ: «أحلت لنا ميتتان، ودمان: السمك، والجراد، والكبد، والطحال». وانظر: ﴿الْمَيِّتِ﴾ أي: إعلاله، ومعناه في الآية رقم [٩٥].\n ﴿دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أي: سائلا، بخلاف غيره، كالكبد، والطحال. هذا؛ والمراد به هنا وفي آية (البقرة) دم الحيوان الذي يذبح، كان الجاهليون يجمدونه، ويقلونه بالزيت، ونحوه، ثم يأكلونه.\n ﴿لَحْمَ خِنزِيرٍ:﴾ والمراد به جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه معظم ما يؤكل من","vol":"3","page":417},{"text":"الحيوان. ﴿رِجْسٌ:﴾ نجس، وقد ثبت عند كثير من النصارى: أن في أكل لحمه ضررا.\n ﴿فِسْقًا:﴾ عصيانا، وخروجا عن طاعة الله تعالى. وانظر: ﴿الْفاسِقِينَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢٥].\n ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ:﴾ رفع الصوت للصنم عند ذبحه، ويدخل في ذلك كل ما لم يقصد به وجه الله تعالى، ولذا نهى الإمام علي﵁عن أكل الإبل التي ذبحها جد الفرزدق غالب عند مباراته غيره في الكرم. وقس على ذلك كل ما لم يقصد به وجه الله تعالى. هذا؛ والإهلال: رفع الصوت، وكانوا يرفعونه عند الذبح لالهتهم، والأصل فيه أن يرفع الصوت بالتكبير عند رؤية الهلال في مطلع الشهر الجديد. هذا؛ ويلحق بما ذكر من الأمور الأربعة بالسنّة النبوية كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير.\n ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ:﴾ ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر بسبب الجوع، أو خوف، أو إكراه، ونحو ذلك. ﴿باغٍ:﴾ خارج عن المسلمين. من: البغي والظلم. ﴿عادٍ:﴾ معتد عليهم بقطع الطريق. هذا قول المفسرين من أئمة الشافعية. وأما المفسرون من أئمة الحنفية فقد فسروا الأول بقاصد للشهوة، واللذة، وفسروا الثاني بمتجاوز مقدار الحاجة من سد الرمق، ودفع الخوف، والتخلص من الإكراه. هذا؛ وانظر إعلال مثلهما في الآية رقم [١٣٤]. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣]. ﴿غَفُورٌ:﴾ لعبده المؤمن إذا فعل الأكل في حال الضرورة المذكورة.\nوهو صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بعباده حيث رخص لهم الأمور المحظورة في حال الضرورة. وانظر البسملة للتوسع في شرحه، وانظر: ﴿أَوْحَيْنا﴾ في الآية [١٦٣] من سورة (النساء).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَجِدُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿فِي ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني تقدم على الأول، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿أُوحِيَ:﴾\nماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما). ﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية:\n ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع نائب الفاعل إليها. ﴿مُحَرَّمًا:﴾\nمفعول به أول. ﴿عَلى طاعِمٍ:﴾ متعلقان ب ﴿مُحَرَّمًا﴾ وجملة: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ مع الفاعل المستتر في محل جر صفة ﴿طاعِمٍ﴾ وجملة: ﴿لا أَجِدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ يَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مُحَرَّمًا﴾. ﴿مَيْتَةً:﴾ خبره. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.\n ﴿دَمًا:﴾ معطوف على ميتة. ﴿مَسْفُوحًا:﴾ صفته. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَحْمَ:﴾ معطوف على ما قبله، و﴿لَحْمَ:﴾ مضاف، و﴿خِنزِيرٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وقرأ ابن كثير: «(تكون)» بالتاء لتأنيث الخبر، وعلى القراءتين يقرأ «ميتة» بالنصب، والرفع، فعلى النصب يكون الفعل ناقصا، وعلى الرفع يكون الفعل تامّا بمعنى: يوجد، و«أن» المصدرية، والمضارع على نقصانه، أو تمامه في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنه): حرف مشبه","vol":"3","page":418},{"text":"بالفعل، والهاء اسمها. ﴿رِجْسٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها.\n ﴿فِسْقًا:﴾ معطوفة على ﴿مَيْتَةً﴾ في حال نصبه، أو هو معطوف على المصدر المؤول. ﴿أُهِلَّ:﴾\nماض مبني للمجهول. ﴿لِغَيْرِ:﴾ متعلقان به، و(غير) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية صفة: ﴿فِسْقًا﴾. ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اُضْطُرَّ:﴾\nماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من). ﴿غَيْرَ:﴾ حال من نائب الفاعل، وغير مضاف، و﴿باغٍ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿عادٍ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله.\n ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل (إنّ): والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يظهر لك: أنّ جواب الشرط محذوف، تقديره، فلا إثم عليه، ولا حرج، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٩]. هذا؛ ويجوز اعتبار (من) موصولة في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، وزيدت الفاء في خبر الموصول لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى ما تقدم؛ فالخبر محذوف، والجملة الاسمية هذه مفيدة للتعليل، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-935\"></span>﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ (١٤٦)﴾\nالشرح: ﴿هادُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿حَرَّمْنا:﴾ انظر: ﴿مُحَرَّمًا﴾ في الآية السابقة. ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ:﴾ قال ابن عباس﵄هو النعامة، والبعير، ونحو ذلك من الدواب، وكل ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم، والطير، مثل: البعير، والنعامة، والأوز، والبط. هذا؛ وفي (الظفر) خمس لغات، أعلاها بضم الظاء، والفاء، وهي قراءة العامة، وثانيها بضم فسكون، وبها قرأ الحسن، وثالثها بكسر الظاء، والفاء، ونسبت لأبي السمال، ورابعها بكسر الظاء، وسكون الفاء، ونسبت أيضا للحسن، وخامسها: أظفور، ولم يقرأ بها فيما علمت. وجمع الثلاثي: أظفار، وجمع أظفور أظافير، وهو القياس، وأظافر من غير مد، وليس بقياس. انتهى جمل نقلا عن السمين، بتصرف كبير مني. وهذا التحريم المذكور في هذه الآية خاص باليهود اللؤماء. ﴿الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ:﴾ انظر شرحهما في الآية رقم [١٤٤].","vol":"3","page":419},{"text":"﴿شُحُومَهُما:﴾ جمع: شحم، وهو شحم رقيق يغشى الكرش، والأمعاء. ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أي: يستثنى من الشحوم ما علق بظهور البقر، والغنم. ﴿الْحَوايا:﴾ الأمعاء، جمع:\nحاوية، أو حاوياء، والمراد: تحليل الشحم الذي يشتمل على الأمعاء. ﴿مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ:﴾\nالمراد به: ألية الغنم، فإنه أحل لهم. والمراد بالعظم المختلط: عظم العصعص. ﴿ذلِكَ:﴾\nالإشارة إلى التحريم المذكور. ﴿جَزَيْناهُمْ:﴾ عاقبناهم به، وانظر الآية [١٢٠]. ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ أي:\nبسبب ظلمهم، وخروجهم عن أوامر ربهم، فكانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي؛ عوقبوا بتحريم شيء مما أحل لهم، وهم ينكرون ذلك، ويدعون: أنها محرمة على الأمم قبلهم. وانظر الآية رقم [٤/ ١٦٠]. ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ أي: في الإخبار، والوعد، والوعيد. وفيه تعريض باليهود:\nأنهم كاذبون فيما يقولون. وانظر (نا) في الآية رقم [٥/ ٣٢] أو [٦] من سورة (الأعراف).\nبعد هذا فالبغي هو الظلم، والاعتداء على حق غيرك، وعواقبه ذميمة، ومال الباغي وخيم، وعقباه أليمة، ولو أن له جنودا بعدد الحصى، والرمل، والتراب، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nلا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل\nوعن النبي ﷺ أنه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ،﴾ و﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾.\nوقال أبو بكر الصديق ﵁-: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه، وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ: أنه قال: «أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشرّ عقابا البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس﵄أنه قال: لو بغى جبل على جبل؛ لدك الباغي.\nورحم الله من يقول: [البسيط]\nيا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير مقال المرء أعدله\nفلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله\nوكان المأمون العباسي يتمثل بهذين البيتين في أخيه الأمين، حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]\nوالبغي يصرع أهله... والظلم مرتعه وخيم\nهذا؛ وانظر أنواع الظلم في رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزمن).\nالإعراب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿حَرَّمْنا﴾ بعدهما، وجملة: ﴿هادُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿ذِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة،","vol":"3","page":420},{"text":"و﴿ذِي:﴾ مضاف، و﴿ظُفُرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ:﴾ معطوفان على: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ فهما في محل نصب مثله، وجوز تعليقهما بالفعل بعدهما، والأول أقوى معنى. ﴿وَالْغَنَمِ:﴾ معطوف على سابقه.\n ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شُحُومَهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء.\n ﴿حَمَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿ظُهُورُهُما:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: حملته... إلخ. ﴿الْحَوايا:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وتقديره الكلام: أو حملته الحوايا. وقال أبو البقاء: ﴿الْحَوايا﴾ في موضع نصب عطفا على ﴿ما﴾. وقيل: هو معطوف على: ﴿شُحُومَهُما،﴾ فتكون محرمة أيضا، ولا وجه للقولين، تأمل. ﴿ما:﴾ معطوفة على: ﴿ما﴾ السابقة على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل المستتر إليها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿جَزَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: جزيناهموه.\nهذا؛ وقد جوز اعتبار ﴿ذلِكَ﴾ مفعولا به ثانيا مقدما. والمعنى لا يأباه. ﴿بِبَغْيِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول الثاني المحذوف، التقدير: كائنا بسبب بغيهم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ سواء أكانت اسمية أم فعلية؛ فهي مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَصادِقُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (صادقون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ في محل نصب حال من (نا) الفاعل، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-936\"></span>﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أي: فيما جئت به من تحليل، وتحريم، وغير ذلك من أحكام التشريع. ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ أي: من سعة رحمته: أنه لم يعاجلكم بالانتقام، فلا تغتروا بذلك، فإنه إمهال، لا إهمال، وانظر الآية رقم [٧/ ١٥٥]. ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: فحين ينزل العذاب على المجرمين لا يستطيع أحد أن يرده، ويدفعه مهما أوتي من قوة.","vol":"3","page":421},{"text":"هذا؛ وقد قيل: المعنى: ذو رحمة على المطيعين، وذو بأس شديد على المجرمين. ولا بأس.\nهذا؛ وسياق الكلام يدل على أن واو الجماعة عائدة على: ﴿الَّذِينَ هادُوا﴾ في الآية السابقة، ولا بأس أن أقول: إن قوله: ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ..﴾. إلخ يشمل اليهود، ومشركي أهل مكة. (قل):\nانظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥]. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣] (الأعراف). ﴿بَأْسُهُ:﴾ انظر الآية رقم [٤٢]. ﴿الْقَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٠] أو رقم [٣٢] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿كَذَّبُوكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمخاطب بذلك الرسول ﷺ. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ذُو:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو:﴾ مضاف، و﴿رَحْمَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿واسِعَةٍ:﴾ صفة: ﴿رَحْمَةٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿رَبُّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. والجملة الشرطية: ﴿فَإِنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُرَدُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿بَأْسُهُ:﴾ نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَنِ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية: ﴿وَلا يُرَدُّ..﴾. إلخ معطوفة على خبر المبتدأ، أو هي معطوفة على الجملة الاسمية برمتها، وعلى كل فهي من جملة المقول.\n\n<span id=\"aya-937\"></span>﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾\nالشرح: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ هذا إخبار عن مستقبل، ووقع مخبره يدل على إعجازه، وقد وقع مقتضاه، كما حكى سبحانه عنهم في سورة (النحل) بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿شاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٨]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة.\n ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لو شاء الله خلاف ذلك مشيئة ارتضاء، كقوله: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لما فعلنا ما فعلنا نحن، ولا آباؤنا. أرادوا أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله، لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله إياها منهم.","vol":"3","page":422},{"text":"﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: مثل هذا التكذيب لك في أن الله تعالى منع من الشرك، ولم يحرم ما حرموه كذب الذين من قبلهم الرسل. انتهى بيضاوي.\n ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أي: استمروا على ما هم عليه من التكذيب حتى نزل بهم عقاب الله تعالى. وفي قوله تعالى: ﴿ذاقُوا بَأْسَنا﴾ استعارة تصريحية تبعية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ:﴾ من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم. ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا:﴾ فتظهروه لنا، وتبينوه كما بينا لكم خطأ قولكم، وفعلكم. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ:﴾ ما تتبعون في تحليلكم وتحريمكم إلا الظن من غير حجة، ولا برهان. ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ أي: تكذبون. وانظر الآية رقم [١١٦].\nتنبيه: ذكرت لك: أن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ..﴾. إلخ إخبار عن مستقبل، وقد حقق مقتضاه بما ذكرته لك من سورة (النحل). هذا؛ ولا مانع أن نقول: إن المعنى: أنهم يستمرون على هذا القول، وإن كانوا قد قالوه، وحكمة الاستقبال: أنهم كما قالوا ذلك في الماضي، منهم أيضا من يقوله في المستقبل، وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١٤٢] (البقرة) وما ذكرته في شرحها. بعد هذا انظر «القول» في الآية رقم [٧/ ٥] و﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩] والبأساء في الآية رقم [٤٢].\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿سَيَقُولُ:﴾ مضارع، والسين حرف استقبال. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٠٧] و[١١٢] ولو ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة تأكيد النفي. ﴿آباؤُنا:﴾ معطوف على (نا) وجاز ذلك لوجود الفصل ب: (لا)، وجملة: ﴿وَلا حَرَّمْنا﴾ معطوفة على جملة جواب (لولا) لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿كَذلِكَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا عامله ما بعده، التقدير:\n «كذب الذين من قبلهم تكذيبا كائنا مثل تكذيبهم لك يا محمد». ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مقدرة. ﴿ذاقُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿كَذَّبَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتوبيخ. ﴿عِنْدَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة.","vol":"3","page":423},{"text":"﴿مِنْ:﴾ حرف جر زائد. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَتُخْرِجُوهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد فاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿لَنا:﴾ متعلقان به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف على المصدر: ﴿عِلْمٍ﴾ التقدير: فهل يوجد عندكم علم فإخراج لنا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما».\n ﴿تَتَّبِعُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الظَّنَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿تَخْرُصُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-938\"></span>﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا الخطاب موجه للنبي ﷺ، وانظر «القول» في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿فَلِلّهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ:﴾ البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه، وهي من الحج بمعنى القصد، كأنها تقصد إثبات الحكم، وتطلبه. انتهى بيضاوي.\nوقال النسفي: الحجة البالغة عليكم بأوامره، ونواهيه، ولا حجة لكم على الله بمشيئته انتهى. وقال الربيع بن أنس: لا حجة لأحد عصى الله، أو أشرك به على الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده. انتهى خازن. ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ:﴾ بالتوفيق لها، والحمل عليها، ولكن شاء هداية قوم، وضلال آخرين، وفيه دليل على أن الله تعالى لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء لهداه ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ،﴾ وانظر الإرادة في الآية رقم [٥/ ٤١] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤/ ٨٨] فإنه جيد جدّا.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله: أنت. ﴿فَلِلّهِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحُجَّةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: إذا لم تكن لكم حجة؛ فلله الحجة، والجملة الشرطية على هذا الاعتبار في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَوْ:﴾ الفاء: حرف استئناف.\n (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ ماض. وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية مع المفعول المحذوف لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (هداكم):\nماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به.","vol":"3","page":424},{"text":"﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد لمعنى الكاف مع الميم منصوب... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لَهَداكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-939\"></span>﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ كسابقه، ولا حقه، وانظر «القول» في الآية رقم [/٥ ٧]. ﴿هَلُمَّ:﴾ اسم فعل بمعنى: احضروا، و﴿شُهَداءَكُمُ:﴾ مفعول به، فإن اسم الفعل يعمل عمل مسماه من تعدّ، ولزوم، واعلم: أن فيها لغتين: لغة الحجاز، ولغة بني تميم، فأما لغة الحجاز، وبها جاء التنزيل، فإنها فيها بصيغة واحدة، سواء أسندت لمفرد، أم مثنى، أم مجموع، مذكر، أم مؤنث، نحو: هلمّ يا زيد، هلمّ يا زيدان، هلمّ يا زيدون، هلمّ يا هندان، هلمّ يا هندات. وهي على هذه اللغة اسم فعل لعدم تغيرها، والتزمت العرب فيها فتح الميم على هذه اللغة، وهي حركة بناء، بنيت على الفتح تخفيفا. وأما لغة تميم-وقد نسبها الليث إلى بني سعد-فتلحقها الضمائر، كما تلحق سائر الأفعال، فيقال: هلمّا يا زيدان، هلمّوا يا زيدون، هلمّي يا هند، هلمّنّ يا هندات. وقال الفراء:\nيقال: هلمّين يا نسوة، وهي على هذه اللغة فعل صريح لا يتصرف. هذا قول الجمهور، وقد خالف بعضهم في فعليتها على هذه اللغة، وليس بشيء، والتزمت العرب فيها أيضا على لغة تميم فتح الميم إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكر، ولم يجيزوا فيها ما أجازوه في: ردّ، وشدّ من الضم والكسر. انتهى جمل نقلا عن السمين، ومثله في قطر الندى، ولكنه أخصر. هذا؛ وأصله عند البصريين: هالمّ من: لمّ إذا قصد، حذفت الألف لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل، وعند الكوفيين أصله: هل أم، فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام. وهو بعيد؛ لأن هل لا تدخل على الأمر، ويكون متعديا كما في الآية، ولازما كقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ انتهى بيضاوي.\nبعد هذا أقول: وهو جامد على الاعتبارين، لا يأتي منه مضارع، أو اسم مضارع، ولا ماض ولا اسمه. وانظر: ﴿هاتُوا﴾ في الآية رقم [٢/ ١١١] و﴿تَعالَوْا﴾ في الآية التالية. ﴿شُهَداءَكُمُ﴾ أي: من الإنس، أو من الجن، ولا يراد به هنا الأصنام، وهو جمع: شاهد، أو شهيد. وإنما أمروا بإحضارهم؛ لتلزمهم الحجة، ويظهر ضلالهم، وأنه لا متمسك لهم سوى تقليدهم. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا:﴾ بعد حضورهم. ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ:﴾ فلا تصدقهم فيه، وبين لهم فساده، فإن تسليمه موافقة لهم في الشهادة الباطلة. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: إن وقع منهم شهادة؛ فإنما هي باتباع الهوى، فلا تتبع أنت أهواءهم. وانظر ﴿الْهَوى﴾ في الآية رقم [٤/ ١٣٥] و﴿آيَةٍ﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ:﴾ لا يصدقون، ولا يعتقدون بوجود","vol":"3","page":425},{"text":"الآخرة، وانظر الآية رقم [٥/ ٣٣]. ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١] والمحال عليها، فإنه جيد، وانظر: «الحرام، والمحرم» في الآية رقم [١٤٥].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هَلُمَّ:﴾ انظر الشرح، وفاعله مستتر تقديره: «أنتم». ﴿شُهَداءَكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾\nاسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة لما قبله، أو هو بدل منه. ﴿يَشْهَدُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿حَرَّمَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.\n ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الفعلية: ﴿حَرَّمَ هذا﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: يشهدون بتحريم الله لهذا، والجملة الفعلية هذه صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿هَلُمَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (إنّ) حرف شرط جازم. ﴿شَهِدُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَشْهَدْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَلا تَشْهَدْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط\nإلخ، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلا تَتَّبِعْ:﴾ مثل سابقه. ﴿أَهْواءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَتَّبِعْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل جر مثله، والجملة الفعلية: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول لا محل لها.\n (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَعْدِلُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-940\"></span>﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هو مثل سابقه. ﴿تَعالَوْا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٠٤] ففيها الكفاية.\n ﴿أَتْلُ:﴾ أقرأ. ﴿حَرَّمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٥]. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ انظر سورة (الأعراف) رقم [٣]","vol":"3","page":426},{"text":"والشرك رقم [٣٣] منها أيضا. ﴿شَيْئًا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ يراد في هذا اللفظ: الأب، والأم، ففيه تغليب الأب على الأم، وأيضا في لفظ (الأبوين) تغليب، وفيه إشعار بتفضيل الأب على الأم، والذكر على الأنثى. والإحسان إلى الأبوين يكون بالقول، والفعل، والإنفاق عليهما عند عجزهما، واحتياجهما. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أي: من أجل فقر، ومن خشيته، كقوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾. هذا؛ وانظر قتل الأولاد في الآية رقم [١٤٠].\n ﴿الْفَواحِشَ:﴾ كبائر الذنوب، أو الزنى خاصة. ﴿ما ظَهَرَ مِنْها:﴾ بأن اطلع عليها الناس. ﴿وَما بَطَنَ:﴾ بأن لم يطلع عليه إلا الله تعالى. ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ..﴾. إلخ: هذا شبيه بذكر الخاص بعد العام اعتناء بشأنه؛ لأن الفواحش يندرج فيها قتل النفس، فجرد منها هذا استعظاما له، وتهويلا لشأنه. ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ:﴾ كالقود، وحدّ الردّة، ورجم المحصن.\nفعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثّيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». انتهى. متفق عليه. هذا؛ وانظر قتل المؤمن عمدا في الآية رقم [٤/ ٩٣]. ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: ما ذكر في هذه الآية. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون ما أباح، وما حرم.\nوالترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لشيء من عباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا! وانظر (العقل) في الآية رقم [٢/ ٧٥] أو الآية [٢٢] من سورة (الأنفال).\nتنبيه: يكثر السؤال في هذه الأيام عن منع الحمل، بل وعن إسقاط الجنين باستعمال بعض العقاقير. والجواب يكون بعونه تعالى كما يلي: منع الحمل إذا كان على اتفاق بين الزوجين، ولسبب من الأسباب، كضعف الزوجة، وعجزها عن القيام بخدمة الأولاد، فهو من المباحات التي لا حرج فيها، وأما إذا كان هربا من نفقات الأولاد، وتكاليف الحياة؛ فهو مكروه كراهة شديدة، وهو يدخل تحت قول الرسول ﷺ: «العزل هو الوأد الخفيّ» وإسقاط الجنين بعد التخلق مكروه كراهة شديدة، ما لم يكن هناك خطر على المرأة، كما يحدث في بعض الحالات، فهو من المباحات، وأما إسقاطه بعد نفخ الروح، فهو قتل نفس، ويدخل تحت الوعيد الشديد الذي ذكرته في الآية رقم [٤/ ٩٣] ما لم تكن هناك ضرورة شديدة تدعو لإسقاطه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَتْلُ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط مقدر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها بمفردها، وهي مع","vol":"3","page":427},{"text":"سابقتها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فهي على الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nحرمه ربكم عليكم، وعلى الاعتبار الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: أتل تحريم ربكم عليكم. و﴿حَرَّمَ﴾ ماض، و﴿رَبُّكُمْ﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب.\n (لا) نافية. ﴿تُشْرِكُوا:﴾ مضارع منصوب ب: (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله؛ والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، أو هو نائب مفعول مطلق، و(أن) المصدرية والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بدل من الضمير المحذوف الواقع مفعولا به. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف معطوف على ما قبله، ومنصوب أيضا؛ إذ التقدير: وأن تحسنوا بالوالدين. ﴿إِحْسانًا:﴾ مفعول مطلق عامله الفعل المحذوف، ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَقْتُلُوا:﴾ معطوف على: ﴿تُشْرِكُوا﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿أَوْلادَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة... ﴿مِنْ إِمْلاقٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.\n ﴿نَرْزُقُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾ تعليل للنفي لا محل لها.\n ﴿وَإِيّاهُمْ:﴾ ضمير نصب منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على الكاف الواقعة مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَقْرَبُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا... إلخ. ﴿الْفَواحِشَ:﴾ مفعول به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب بدلا من الفواحش، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، ومن بيان لما أبهم في ﴿ما﴾ وعلى الاعتبار الثالث تؤول ما مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب بدلا من: ﴿الْفَواحِشَ،﴾ التقدير: ولا تقربوا الفواحش ظاهرها، وباطنها. وإعراب: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ مثل إعراب سابقه، بسبب العطف أيضا.\n ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ل: ﴿النَّفْسَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: حرمها الله. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، أي إلا قتلا ملتبسا بالحق. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿وَصّاكُمْ:﴾ ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ أو: إلى ﴿رَبُّكُمْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل","vol":"3","page":428},{"text":"لها من الإعراب. هذا؛ وجوز أبو البقاء اعتبار: ﴿ذلِكُمْ﴾ مفعولا به لفعل محذوف، التقدير:\nأوجب عليكم، أو ألزمكم ذلكم... إلخ، وعليه فالجملة الفعلية: ﴿وَصّاكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من اسم الإشارة، ويلزم تقدير: «قد» قبلها، وهو تكلف لا داعي له، وإن الابتداء باسم الإشارة أكثر من وقوعه مفعولا به، ويعطي معنى أقوى، ولا سيما إذا اتصل به اللام المفيدة للبعد، والكاف المفيدة للخطاب. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمه، والميم علامة جمع الذكور. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للوصاية لا محل لها.\nتنبيه: الإعراب المتقدم هو الإعراب الظاهر، والمتبادر. وتتميما للفائدة، أنقل لك ما ذكره ابن هشام في مغنيه من أوجه، فقال طيب الله ثراه: فقيل: إن (لا) نافية. وقيل: ناهية. وقيل:\nزائدة، والجميع محتمل.\nوحاصل القول في الآية أن ﴿ما﴾ خبرية بمعنى الذي، منصوبة ب ﴿أَتْلُ،﴾ و﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ صلة، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقان ب: ﴿حَرَّمَ،﴾ هذا هو الظاهر، وأجاز الزجاج كون ﴿ما﴾ استفهامية منصوبة بحرم، والجملة محكية ب ﴿أَتْلُ؛﴾ لأنه بمعنى: أقول، ويجوز أن يعلق ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ب ﴿أَتْلُ،﴾ ومن رجح إعمال أول المتنازعين، وهم الكوفيون رجحه على تعلقه ب: ﴿حَرَّمَ،﴾ وفي (أن) وما بعدها أوجه:\nأحدها: أن يكون في موضع نصب بدلا من: ﴿ما﴾ وذلك على أنها موصولة، لا استفهامية؛ إذ لم يقترن البدل بهمزة الاستفهام.\nالثاني: أن يكون في موضع رفع خبرا ل: «هو» محذوفا، أجازهما بعض المعربين، وعليهما ف: (لا) زائدة، قاله ابن الشجري، والصواب: أنها نافية على الأول، وزائدة على الثاني.\nالثالث: أن يكون الأصل: أبين لكم ذلك؛ لئلا تشركوا، وذلك لأنهم إذا حرم عليهم رؤساؤهم ما أحله الله سبحانه، فأطاعوهم؛ أشركوا؛ لأنهم جعلوا غير الله بمنزلته.\nوالرابع: أن الأصل أوصيكم بأن لا تشركوا، بدليل: أن ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ معناه:\nوأوصيكم بالوالدين، وأن في آخر الآية ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ﴾. وعلى هذين الوجهين، حذفت الجملة، وحرف الجر.\nوالخامس: أن التقدير: أتل عليكم أن لا تشركوا، فحذف مدلولا عليه بما تقدم، وأجاز هذه الأوجه الثلاثة الزجاج.\nوالسادس: أن الكلام تم عند: ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثم ابتدئ: عليكم أن لا تشركوا، وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا، وأن لا تقتلوا، ولا تقربوا، ف: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ على هذا اسم فعل بمعنى: الزموا.\nو(أن) في الأوجه الستة مصدرية و(لا) في الأوجه الأربعة الأخيرة نافية.","vol":"3","page":429},{"text":"والسابع: أنّ (أن) مفسرة بمعنى: (أي)، و(لا) ناهية، والفعل مجزوم لا منصوب، وكأنه قيل: أقول لكم: لا تشركوا به شيئا، وأحسنوا بالوالدين إحسانا. وهذان الوجهان الأخيران أجازهما ابن الشجري. انتهى مغني بحروفه.\nأقول: ذكر الأوجه المتقدمة سليمان الجمل بتغيير بعض العبارات، والمؤدى واحد، وزاد:\nثامنا، وتاسعا.\nفالوجه الثامن: أنّ (أن) وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع على الابتداء، والخبر الجارّ قبله، والتقدير: عليكم عدم الإشراك، ويكون الوقف على قوله: ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ كما تقدم في وجه الإغراء، وهو مذهب أبي بكر ابن الأنباري.\nوالوجه التاسع: أن تكون في موضع رفع بالفاعلية بالجارّ قبلها، وهو ظاهر قول ابن الأنباري المتقدم، والتقدير: استقر عليكم عدم الإشراك انتهى.\n\n<span id=\"aya-941\"></span>﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بما فيه صلاحه، وتثميره، وتحصيل الربح له، فلا تأخذوا منه شيئا. وهذا إذا كان القيم على مال اليتيم غنيّا، غير محتاج إليه، فلو كان الوصي، أو القيم فقيرا؛ فله أن يأكل بالمعروف. انظر الآية رقم [٤/ ٦]. ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ:﴾ فقد اختلف في (الأشدّ) على أقوال كثيرة، والمراد ب: (الأشدّ) في هذه الآية، وأمثالها هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ الآية رقم [٦] من سورة (النساء).\n ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ:﴾ يعني بالعدل من غير زيادة، ولا نقصان. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها:﴾ طاقتها في ذلك، وذكره عقيب الأمر معناه: أن إيفاء الحق عسير، فكأنه قيل: عليكم بما في وسعكم، وطاقتكم، وما عداه غير مؤاخذين به. وانظر (نا) في الآية رقم [٣٢] (المائدة) وانظر الآية رقم [٧/ ٤١] و[٢/ ٢٨٥]. ﴿وَإِذا قُلْتُمْ﴾ أي: تكلمتم في حكم، أو غيره. ﴿فَاعْدِلُوا:﴾\nفي قولكم، وحكمكم. ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي: ولو كان المحكوم عليه صاحب قرابة. وما أجدرك أن تنظر نص الآية رقم [٤/ ١٣٥] ورقم [٥/ ٨] ففيهما الدواء الناجع. ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ أي: ما عهد إلى عباده، ووصاهم به، وأوجبه عليهم. أو ما أوجبه الإنسان على نفسه، كنذر، ونحوه، فيجب الوفاء به. انتهى. خازن. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ هو مثل الآية السابقة، وقد قرئ بتشديد الكاف، وتخفيفها.","vol":"3","page":430},{"text":"تنبيه: نهى الله عن قربان مال اليتيم. فضلا عن أكله، والقاعدة: أن الأحكام إذا كانت نواهي، يقال فيها: فلا تقربوها، على حد قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ وهكذا، وإن كانت أوامر يقال فيها: لا تعتدوها، أي لا تتجاوزوها بأن لا تفعلوا، وما هنا من قبيل الأول.\nوتخصيص اليتيم بالذكر مع أن حال البالغ وماله كذلك؛ لأن طمع الطامعين فيه أكثر لضعفه، ولعظم إثمه. بعد هذا انظر شرح (المال) في الآية رقم [٢/ ١٧٦] و[٨/ ٢٨] و﴿الْيَتِيمِ:﴾ في الآية رقم [٢/ ٨٣] والميزان إعلاله مثل إعلال: ميثاق في الآية رقم [٥/ ٨] ﴿قُلْتُمْ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٨] من سورة (المائدة).\nالإعراب: ﴿وَلا تَقْرَبُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَقْرَبُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْيَتِيمِ:﴾ مضاف إليه، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿بِالَّتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾\nحرف غاية وجر. ﴿يَبْلُغَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل يعود إلى:\n ﴿الْيَتِيمِ﴾. ﴿أَشُدَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية:\n ﴿وَلا تَقْرَبُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ وما بينهما معترض لا محل له. (أوفوا):\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿أَوْفُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿الْكَيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْمِيزانَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِالْقِسْطِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي: مقسطين، وجملة: ﴿وَأَوْفُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُكَلِّفُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا نُكَلِّفُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معترضة لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. ﴿فَاعْدِلُوا:﴾ الفاء: واقعة في جوابها. (اعدلوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب. (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على جملة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا..﴾. إلخ. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال، (لو): وصلية هنا. ﴿كانَ:﴾\nماض ناقص، واسمه مستتر مفهوم من المقام، التقدير: ولو كان المقول، أو المحكوم عليه.\n ﴿ذا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء","vol":"3","page":431},{"text":"الخمسة، و﴿ذا:﴾ مضاف، و﴿قُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَلَوْ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو فقط، واعتبار (لو) امتناعية يحوج إلى تقدير جواب لها، ولا داعي لذلك. (بعهد):\nمتعلقان بالفعل بعدهما، و(عهد) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْفُوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-942\"></span>﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما ذكر في السورة الكريمة، فإنها بأسرها في إثبات التوحيد، والنبوة، وبيان الشريعة. هذا قول البيضاوي.\nوقال الخازن، وغيره: الإشارة إلى ما ذكر في الآيتين السابقتين من الوصايا، ويدخل فيه أيضا جميع أحكام الشريعة، وكل ما بينه رسول الله ﷺ من تعاليم دين الإسلام. هذا؛ وقد قرئ بفتح همزة «(أنّ)» وكسرها، كما قرئ بالفتح، وسكون النون، وانظر: ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٦]. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ يعني: الطرق المختلفة، والأهواء المضلة، والبدع الخبيثة.\nوانظر: ﴿سُبُلَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٦] و[٧/ ١٤٢]. ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه، وطريقه الذي ارتضاه لعباده.\nروى البغوي بسنده عن ابن مسعود﵁قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطّا، ثم قال: «هذا سبيل الله». ثمّ خطّ خطوطا عن يمينه، وعن شماله، وقال: «هذه سبل، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه». وقرأ: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾.\nوقال النسفي: روي: أن رسول الله ﷺ خط خطّا مستويا، ثم قال: «هذا سبيل الرشد، وصراط الله، فاتبعوه». ثم خط على كل جانب ستة خطوط ممالة، ثم قال: «هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، فاجتنبوها». وتلا هذه الآية. ثم يصير كل واحد من الاثني عشر طريقا ستة طرق، فتكون اثنين وسبعين.\nأقول: وهذه كلها في النار، وتبقى الفرقة الثالثة والسبعون، وهذه هي الناجية التي تسير على سنة محمد، وسنة خلفائه الراشدين الهادين المهتدين من بعده. وانظر الحديث المروي عن النبي ﷺ في الآية رقم [١٥٩] الآتية تجد ما يسرك.","vol":"3","page":432},{"text":"﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ:﴾ ﴿تَتَّقُونَ:﴾ لتكونوا على رجاء إصابة التقوى، ذكر سبحانه أولا: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ ثم: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ ثم: ﴿تَتَّقُونَ﴾ لأنهم إذا عقلوا؛ تفكروا، ثم تذكروا، أي: اتعظوا فاتقوا المحارم. انتهى. نسفي بتصرف.\nقال سليمان الجمل: وحاصل ما ذكر في هاتين الآيتين-يعني السابقتين إلى: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ من المحرمات عشرة أشياء: خمسة بصيغ النهي، وخمسة بصيغ الأمر، وتؤول الأوامر بالنهي لأجل التناسب، ثم قال: وفي أبي السعود، وهذه الأحكام العشرة لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار.\nوعن ابن عباس﵄-: هذه آيات محكمات، لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. وعن كعب الأحبار، والذي نفس كعب بيده: إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. الآيات. انتهى بحروفه.\nالإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل على تشديد النون، ومخففة من الثقيلة على سكونها، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: (أنّ) أو في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿صِراطِي:﴾ خبر (أنّ)، أو خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ والجملة الاسمية: ﴿هذا صِراطِي﴾ في محل رفع خبر (أنّ). وعلى تخفيفها، وعلى فتح همزتها تؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بحرف الجر محذوف، التقدير، ولأن هذا... إلخ، والجار والمجرور هذان معطوفان على المصدر المؤول من قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ والمجرور بحرف جر محذوف، وعلى كسر همزة (إنّ)، فالجملة تكون اسمية، وهي مستأنفة لا محل لها، وعطفها على الجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ..﴾. إلخ ممكن. هذا؛ وقد ذكر أبو البقاء في المصدر المؤول على فتح همزة (أن) ثلاثة أوجه: أحدها تقدير: ولأن هذا؛ واللام متعلقة بقوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: ولأجل استقامته اتبعوه. والثاني: أنه معطوف على: ﴿ما حَرَّمَ..﴾.\nإلخ أي: وأتلو عليكم: أن هذا صراطي. والثالث: هو معطوف على الهاء في: ﴿وَصّاكُمْ بِهِ﴾.\nوهو فاسد. وأقول المرضي من أقواله الثلاثة الثاني، وهو مقارب لما ذكرته في الإعراب، ﴿مُسْتَقِيمًا:﴾ حال من: ﴿صِراطِي،﴾ وهي حال مؤكدة، والعامل فيها اسم الإشارة. ﴿فَاتَّبِعُوهُ:﴾\nالفاء: هي الفصيحة. (اتبعوه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فاتبعوا هذا الصراط المستقيم، وانظر الآية رقم [٣٩]. (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على","vol":"3","page":433},{"text":"ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿السُّبُلَ:﴾ مفعول به. ﴿فَتَفَرَّقَ:﴾ الفاء: هي للسببية. (تفرق):\nمضارع حذف منه إحدى التاءين منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والفاعل يعود إلى ﴿السُّبُلَ﴾. ﴿بِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم اتباع، فتفرق. ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥١].\n\n<span id=\"aya-943\"></span>﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٤٣]. ﴿آتَيْنا:﴾ أعطينا. ﴿مُوسَى:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٢٠]. ﴿الْكِتابَ:﴾ المراد به: التوراة التي أنزلها الله على موسى، ﵇. ﴿تَمامًا﴾ أي: إتماما للنعمة التي أنعمها الله على بني إسرائيل. ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: على من أحسن القيام بتعاليم هذا الكتاب. هذا؛ وقد قرئ: «(على الذين أحسنوا)»، كما قرئ: «(أحسن)» بالرفع وبدون واو. ﴿وَتَفْصِيلًا:﴾ بيانا مفصلا، وموضحا لكل ما يحتاج إليه في الدين. هذا؛ وانظر:\n ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَهُدىً:﴾ انظر الآية رقم [٩١]. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ لعل بني إسرائيل يؤمنون، ويصدقون بلقاء ربهم للجزاء والحساب. وانظر الترجي في الآية رقم [١٥١].\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف على ﴿وَصّاكُمْ﴾ وهي لترتيب الإخبار، وليست هنا للترتيب الحقيقي، وإلا أفاد الترتيب عكس الواقع. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٢]. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿تَمامًا:﴾ يجوز فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه مفعول لأجله، أي: لأجل تمام نعمتنا. الثاني: أنه حال من ﴿الْكِتابَ﴾. الثالث: أنه مفعول مطلق؛ لأنه بمعنى آتيناه إيتاء تمام لا نقصان. الرابع: أنه حال من الفاعل، أي: متممين. الخامس: أنه مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه، ويكون على حذف الزوائد، التقدير: أتممناه إتماما. ﴿عَلَى الَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿تَمامًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿أَحْسَنَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ ومفعوله محذوف، تقديره:\nالعمل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ وعلى قراءة: «(أحسنوا)» فهو فعل، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، وعلى قراءة: «(أحسن)» برفع النون فهو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الذي هو أحسن، وعليه فالجملة اسمية، وهي صلة الموصول لا محل لها. (تفصيلا): معطوف على: ﴿تَمامًا﴾. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿وَتَفْصِيلًا﴾ أو بمحذوف صفة له، و(كل): مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُدىً:﴾","vol":"3","page":434},{"text":"معطوف على: ﴿تَمامًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. (رحمة): معطوف على ما قبله. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿بِلِقاءِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و(لقاء) مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-944\"></span>﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ:﴾ انظر الآية رقم [٩٢] ففيها الكفاية. ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي:\nفاعملوا بما فيه من الأوامر، والنواهي، والأحكام. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ٣٥]. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ:﴾ انظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [١٥١].\nالإعراب: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٩٢].\n ﴿فَاتَّبِعُوهُ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٣] ومحلها مثلها أيضا. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-945\"></span>﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦)﴾\nالشرح: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: أنزل الله القرآن؛ لئلا تقولوا يا معشر قريش... إلخ، وانظر «القول» في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا﴾ أي: اليهود الذين أنزلت عليهم التوراة، والنصارى الذين أنزل عليهم الإنجيل. وهذا دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب. وانظر: ﴿الْكِتابُ﴾ أي: شرحه في الآية رقم [٧/ ٢]. هذا؛ و(طائفة) الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل: (فريق) المذكور في الآية رقم [٨١]. ﴿وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ:﴾ قراءة كتبهم. ﴿لَغافِلِينَ:﴾ لا علم لنا بشيء من ذلك. والخطاب لأهل مكة، والمراد إثبات الحجة عليهم، بإنزال القرآن على محمد ﷺ كي لا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة، والإنجيل قد أنزلا على اليهود، والنصارى، وهما بغير لغتنا، فلم نعرف ما فيهما. فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"3","page":435},{"text":"الإعراب: ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، و«لا» مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا تقولوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ في الآية السابقة. وقيل: متعلقان ب: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ مقدرا لئلا يلزم الفصل بين العامل، والمعمول بأجنبي إن علقا بالمذكور. وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية قولكم: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ، فهو مفعول لأجله، وانظر الشاهد [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول.\n ﴿الْكِتابُ:﴾ نائب فاعله. ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابُ﴾ فيه ضعف. ﴿مِنْ قَبْلِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَتَيْنِ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنْ:﴾\nالواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَغافِلِينَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين العاملة والمهملة. (غافلين): خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَإِنْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. وهذا الإعراب إنما هو على مذهب البصريين، وأما الكوفيون، فيقولون: إن (إن) نافية بمعنى «ما»، واللام بمعنى: «إلا»، والتقدير عندهم: «وما كنا عن دراستهم إلا غافلين». والأقوى عند جمهور النحاة، والمعتمد عندهم هو قول البصريين. وقال ابن مالك﵀في ألفيته: [الرجز]\nوخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل\n\n<span id=\"aya-946\"></span>﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ تَقُولُوا:﴾ الخطاب لمشركي العرب كالذي قبله. ﴿لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ﴾ أي:\nالتوراة، أو الإنجيل، أو كتاب مثلهما. ﴿لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ:﴾ أهدى من اليهود، والنصارى، وذلك لحدة أذهاننا، وثقافة أفهامنا، وغزارة حفظنا لأيام العرب، ولذلك تلقفنا فنونا من العلم، كالقصص، والأشعار، والخطب مع أننا أميون، لا نقرأ، ولا نكتب. ﴿جاءَكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥].\n ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ حجة واضحة تعرفونها، وبرهان ساطع ترونه بأعينكم، وتسمعونه بآذانكم. ﴿رَبِّكُمْ:﴾","vol":"3","page":436},{"text":"انظر الآية رقم [٧/ ٣]. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: لمن تأمل فيه، وعمل به، والمراد بذلك القرآن العظيم. ﴿كَذَّبَ:﴾ يقرأ بالتخفيف، والتشديد. ﴿بِآياتِ اللهِ:﴾ آيات القرآن التي أنزلت على قلب محمد ﷺ. وانظر الآية رقم [٤]. والمعنى: لا أحد أظلم ممن سمع آيات الله، ثم كذب بها بعد أن عرف صحتها، وتمكن من معرفتها. ﴿وَصَدَفَ عَنْها:﴾ أعرض عنها. وانظر الآية رقم [٤٦].\n ﴿سَنَجْزِي:﴾ انظر الآية رقم [١٢٠]. ﴿سُوءَ الْعَذابِ:﴾ أسوأ العذاب، وأشده. ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ:﴾\nبسبب إعراضهم عن آيات الله بعد إذ أنزلت عليهم. وانظر إعلال: ﴿وَهُدىً﴾ في الآية رقم [٩١].\nتنبيه: قال الخازن: إن جماعة من الكفار قالوا: لو أنزل علينا ما أنزله الله على اليهود، والنصارى؛ لكنا خيرا منهم وأهدى. وإنما قالوا ذلك لاعتمادهم على صحة عقولهم، وجودة فطنتهم، وذهنهم. انتهى.\nالإعراب: ﴿أَوْ تَقُولُوا:﴾ معطوف على مثله في الآية السابقة منصوب، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنّا:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْنَا:﴾ متعلقان به. ﴿الْكِتابُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر. انظر محله، وما قيل فيه في الآية رقم [٥٨]. ﴿لَكُنّا﴾ اللام: واقعة في جواب لو. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿أَهْدى:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَهْدى،﴾ والجملة الفعلية: ﴿لَكُنّا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل، أو هي الفصيحة، فعلى الأول يكون التقدير: لا تعتذروا بذلك؛ لأنه قد... إلخ، وعلى الثاني يكون التقدير: إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزول الكتاب عليكم؛ فقد حصل ما فرضتم، وجاءكم بينة. انتهى.. جمل نقلا عن أبي السعود، وقريب منه في روح البيان. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به. ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيِّنَةٌ﴾ وجملة:\n ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجه الأول في الفاء، وفي محل جزم جواب الشرط المقدر على الوجه الثاني فيها. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على بينة مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.\n ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم استفهام بمعنى النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره. ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ ومن تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة","vol":"3","page":437},{"text":"الفعلية: ﴿كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ﴾ صلة: (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾ معطوفة عليها. ﴿سَنَجْزِي:﴾ السين: حرف استقبال. (نجزي): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾\nمفعوله الأول. وجملة: ﴿يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿سُوءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة للموصوف، ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل: (نجزي) وما تحتمل الموصوفة، والموصوفة، والمصدرية، والجملة الفعلية بعدها صفتها، أو صلتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: بشيء، أو: بالذي كانوا يصدفون عنه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بصدوفهم، أو بصدفهم عن آيات الله. وانظر الآية رقم [١٢٤]. وجملة: ﴿سَنَجْزِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-947\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظرون. يعني: أهل مكة. وهم ما كانوا منتظرين لذلك، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر؛ شبهوا بالمنتظرين انتهى بيضاوي. وقال الخازن: وتقدير الآية: أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءتهم إحدى هذه الأمور الثلاث، فإذا جاءتهم إحداها؛ آمنوا، وذلك حين لا ينفعهم إيمانهم. انتهى. ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٤]. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾\nانظر الآية رقم [١١] (الأعراف). والمراد: ملائكة الموت، أو ملائكة العذاب. ﴿يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أي:\nأمره بالعذاب. وقال الخازن: يعني للحكم، وفصل القضاء بين الخلق يوم القيامة. وانظر الآية رقم [٢/ ٢١٠] لشرح هذا المجيء، والإتيان. أو ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أي: علامات الساعة.\nعن حذيفة بن أسد الغفاري، والبراء بن عازب﵄قالا: كنا نتذاكر الساعة؛ إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ، فقال: «ما تذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة، قال: إنّها لا تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات، الدخان، ودابة الأرض، وخسفا بالمشرق، وخسفا بالمغرب، وخسفا بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج، ومأجوج، ونزول عيسى ﵊، ونارا تخرج من عدن». ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ:﴾ المراد به طلوع الشمس من مغربها، وهو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وذلك: أن الكفار يسلمون في زمن عيسى، ﵊، ولو لم ينفع الكفار إيمانهم أيام عيسى؛ لما صار الدين واحدا، فإذا قبض عيسى، ومن معه من المسلمين، رجع أكثرهم إلى الكفر، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس؛ آمن من على وجه الأرض حين لا ينفع نفسا","vol":"3","page":438},{"text":"إيمانها لم تكن آمنت من قبل، وكذلك لا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع؛ لأن حكم الإيمان، والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن، أو عمل عند الغرغرة، وذلك لا يفيد شيئا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾. انتهى جمل نقلا عن الخازن بتصرف كبير مني.\n ﴿اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ:﴾ تهديد، ووعيد للمشركين، أي: انتظروا إتيان أحد الثلاثة المذكورة، فإنا منتظرون له، وحينئذ يكون لنا النصر، والغلبة، والعزة، والكرامة، ويكون لكم الذلة، والمهانة، وغضب الله تعالى، ثم دخول جهنم. وبئس المصير! ولا تنس: أن الخطاب موجه للنبي ﷺ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، و﴿أَنْ﴾ المصدرية، والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْتِيَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله. وهو على حذف مضاف كما رأيت في الشرح، فلما حذف المضاف حل المضاف إليه محله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَأْتِيَ:﴾ معطوف على ما قبله أيضا. ﴿بَعْضُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿آياتِ:﴾ مضاف إليه، و﴿آياتِ:﴾ مضاف، و﴿رَبُّكَ:﴾\nمضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿لا يَنْفَعُ﴾ بعده.\nهذا؛ وقد قرئ برفعه على اعتباره مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره. ﴿يَأْتِيَ:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿بَعْضُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿آياتِ:﴾ مضاف إليه، و﴿آياتِ:﴾ مضاف، و﴿رَبُّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُ:﴾ مضارع. ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به. ﴿إِيمانُها:﴾ فاعل، و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ مستأنفة على نصب: ﴿يَوْمَ﴾ وتعليقه به، وهي في محل رفع خبره على رفعه، واعتباره مبتدأ، وتكون الجملة الاسمية: ﴿يَوْمَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولا تنس: أن جملة: ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، على رفعه ونصبه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: «هي» يعود إلى نفسا. ﴿آمَنَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى:\n ﴿نَفْسًا﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكُنْ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿لَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ في محل نصب صفة: ﴿نَفْسًا،﴾ وجوز اعتبارها مستأنفة. ﴿كَسَبَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود","vol":"3","page":439},{"text":"إلى ﴿نَفْسًا﴾ أيضا. ﴿فِي إِيمانِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾ معطوفة على جملة: ﴿آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ فهي في محل نصب مثلها. ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اِنْتَظِرُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، وقد حذفت النون للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها.\n ﴿مُنْتَظِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تعليل للأمر لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-948\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ:﴾ بدّدوه، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض، أو افترقوا فيه.\nقال رسول الله ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلّها في الهاوية إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، كلّها في الهاوية إلا واحدة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية، إلا واحدة». انتهى بيضاوي. أقول: وفي رواية أخرى:\n «وهي: ما أنا عليه وأصحابي». اللهم اهدنا بهدي نبينا، وهدي خلفائه الراشدين، وصحابته أجمعين، وثبتنا بالقول الثابت في الدنيا، والآخرة يا أرحم الراحمين. هذا؛ وقرئ «(فارقوا)».\n ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ أي: أحزابا متفرقة في الضلالة.\nوقال أبو هريرة﵁في هذه الآية: هم أهل الضلالة من هذه الأمة، وروي ذلك مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا لست منهم في شيء وليسوا منك هم أهل البدع، وأهل الشّبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة». أسنده الطبري، وروي عنه ﵊: أنه قال: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، ولا يبقى منه عرق، ولا مفصل، إلا دخله». أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص. انتهى خازن. وانظر الآية [٦٥]. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي: أنت بريء منهم، وهم منك براء. وهو أحسن تفسير أرتضيه. وقيل: معناه: لست مأمورا بقتالهم. وقيل: معناه:\nلست في شيء كائن من تفريقهم. ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ﴾ أي: حسابهم، وجزاؤهم إلى الله، فهو الذي يتولى ذلك. ﴿لَسْتَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٦]. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿اللهِ:﴾\nانظر الاستعاذة. ﴿يُنَبِّئُهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٤]. هذا؛ وحكم الآية منسوخ بآية السيف.","vol":"3","page":440},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿فَرَّقُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿آمَنُوا﴾ في الآية رقم [٥/ ١]. ﴿دِينَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لَسْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿فِي شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (ليس)، وجملة: ﴿لَسْتَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما:﴾\nكافة ومكفوفة. ﴿أَمْرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ..﴾. إلخ تعليل للنفي، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُنَبِّئُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعول به أول، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٥٦] والآية رقم [١٢/ ٤] وغيرهما مما تقدم مفصلا، والجملة الفعلية:\n ﴿يُنَبِّئُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-949\"></span>﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾\nالشرح: ﴿جاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿بِالْحَسَنَةِ:﴾ فعل الخير على وجه العموم، وتقييدها وحصرها ب ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ لا وجه له. ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ أي: عشر حسنات أمثالها فضلا من الله، وكرما، وجودا منه. وقرئ: «(عشرة أمثالها)» بالتنوين، و«(أمثالها)» بالرفع على الوصف، وهذا أقل ما وعد به سبحانه من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبعمائة، وبغير حساب، ولذلك قيل: المراد بالعشر الكثرة دون العدد. انتهى بيضاوي. وانظر شرح: ﴿عَشْرُ﴾ في الآية رقم [٨٩] من سورة (المائدة).\nأقول: ويختلف العدد الموعود به بحسب الأشخاص الفاعلين، وبحسب الأحوال، والأزمنة، والأمكنة، كما هو معروف، ومشهور. وانظر الكلام على: ﴿مِثْلَ﴾ في الآية رقم [٩٣] ﴿بِالسَّيِّئَةِ:﴾ فعلة الشر، والسوء على وجه العموم، وتقييدها وحصرها بالشرك لا وجه له. هذا؛ وإعلال (السيئة) مثل إعلال: ﴿الْمَيِّتِ﴾ في الآية رقم [٩٥]. ﴿يُجْزى:﴾ انظر الآية رقم [١٢٠]. ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يظلم المحسن بإنقاص شيء من ثوابه، ولا يظلم المسيء بزيادة ما يستحقه من العقاب. وانظر «الظلم» و«البغي» في الآية رقم [١٤٦] وما أحراك أن تقرأ آية (النساء) رقم [٤٠].","vol":"3","page":441},{"text":"الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو».\n ﴿بِالْحَسَنَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال، أي: ملتبسا بالحسنة. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَشْرُ:﴾\nمبتدأ مؤخر، و﴿عَشْرُ:﴾ مضاف، و﴿أَمْثالِها:﴾ مضاف إليه، و(ها): في محل جر بالإضافة، وعلى القراءة الثانية، ف: «(أمثالها)» بالرفع صفة: ﴿عَشْرُ﴾. والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة؛ فهي مبتدأ، وجملة: ﴿جاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ في محل رفع خبرها، زيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ:﴾ إعرابه مثل سابقه. (لا): نافية. ﴿يُجْزى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى (من)، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿مِثْلَها:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، أو في محل رفع خبر المبتدأ على نحو ما رأيت في الجملة قبلها، والجملة الاسمية على الوجهين معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. (هم): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ في محل نصب حال من الفاعل المستتر العائد على (من) في الجملتين، والرابط: الواو، والضمير. ولا تنس أنّه روعي لفظ (من) في الجملتين السابقتين، وروعي معناها في هذه الجملة.\n\n<span id=\"aya-950\"></span>﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا موجه للنبي ﷺ، كسابقه، ولاحقه. ﴿هَدانِي:﴾ أرشدني، ودلني، ويأتي بمعنى التثبيت كما في سورة (الفاتحة). ﴿رَبِّي:﴾ انظر سورة (الفاتحة) رقم [١] أو [٧/ ٣].\n ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ المراد به دين الإسلام. وانظر الآية رقم [٥/ ١٦] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّنِي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿هَدانِي:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿رَبِّي:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.","vol":"3","page":442},{"text":"﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ،﴾ وجملة: ﴿هَدانِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-950\"></span>﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾\nالشرح: ﴿دِينًا:﴾ الدين اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى. والدين أيضا: الملة والشريعة.\nومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. والدين: الحساب، والجزاء، ومنه:\nيوم الدين، أي: يوم الجزاء، والحساب، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس﵄قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره. ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا؛ والدين بفتح الدال القرض المؤجل، وجمع الأول أديان، وجمع الثاني ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله. ﴿قِيَمًا:﴾ يقرأ بالتشديد، وبالتخفيف، أي: مستقيما لا عوج فيه، فعلى الأول أصله: قيوما، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. وعلى الثاني أصله: قوما، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤/ ٥] والآية [٥/ ٩٧] فإنه جيد. ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ:﴾ دين، وطريقة إبراهيم، وهي بكسر الميم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار. ﴿حَنِيفًا:﴾ انظر الآية رقم [٧٩]. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ تعريض بقومه بأنهم كافرون مشركون، لعبادتهم الحجارة، والأوثان، وهي لا تضر، ولا تنفع، كما هو تعريض باليهود والنصارى.\nالإعراب: ﴿دِينًا:﴾ بدل من محل ﴿إِلى صِراطٍ؛﴾ لأنه المفعول الثاني، و(هدى) يتعدى تارة بإلى كما هنا، وتارة بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وكما في سورة (الفاتحة)، وجوز اعتباره منصوبا بفعل مضمر، أي: عرفني دينا قيما، أو: الزموا دينا، كما جوز نصبه على المصدرية على المعنى، أي: هداني هداية دين قيم. ولا وجه له.\nوقال أبو البقاء: إنه مفعول ثان ل ﴿هَدانِي﴾. ولا وجه له؛ لأن المفعول الثاني هو المجرور بإلى، فاكتفى به، ولا يصح اعتباره من تعدد المفعول الثاني؛ لأن ﴿هَدانِي﴾ ليس من أفعال اليقين.\n ﴿قِيَمًا:﴾ صفة ﴿دِينًا﴾ مبالغة. ﴿مِلَّةَ﴾. بدل من ﴿دِينًا﴾ أو عطف بيان عليه، وجوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف، التقدير، أعني، و﴿مِلَّةَ﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿حَنِيفًا:﴾ حال من ﴿إِبْراهِيمَ﴾.\nوقال أبو البقاء: أو على إضمار: أعني. وليس بقوي. هذا؛ وجوز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف مثل جزئه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف أو واو الحال. (ما):\nنافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف في محل نصب خبر كان، والجملة الفعلية: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ في محل نصب","vol":"3","page":443},{"text":"حال ثانية من ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والرابط: الواو، والضمير. وقيل: معطوفة على ما قبلها. وقيل:\nمعترضة. وقيل: مستأنفة وأرجح الحالية.\n\n<span id=\"aya-951\"></span>﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢)﴾\nالشرح: ﴿صَلاتِي:﴾ انظر الآية رقم [٤/ ١٠٣]. ﴿وَنُسُكِي:﴾ عبادتي كلها. وقيل: المراد:\nقربان الذبائح في الحج، والعمرة. وقيل: المراد: مناسك الحج، والعمرة. ﴿وَمَحْيايَ وَمَماتِي:﴾\nوما أنا عليه في حياتي، وأموت عليه من الإيمان، والطاعة، أو طاعات الحياة، والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصية والتدبير، أو الحياة، والممات أنفسهما، بمعنى: مالك حياتي، وبيده مماتي انتهى. بيضاوي.\nوقال الخازن: وحاصل هذا الكلام أن الله أمر رسوله ﷺ أن يبين أن صلاته ونسكه وسائر عبادته، وحياته وموته، كلها واقعة بخلق الله وقضائه وقدره. ﴿لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الفاتحة).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿صَلاتِي:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿صَلاتِي﴾ منصوبة مثلها. هذا؛ ويقرأ بفتح ياء «(محياي)» وسكون ياء الثاني، وبالعكس قراءتان سبعيتان انتهى. جمل. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿رَبِّ:﴾ صفة ﴿لِلّهِ،﴾ أو بدل منه، وهو مضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ صَلاتِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-952\"></span>﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾\nالشرح: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ يعني: في العبادة، والخلق، والإيجاد، والإعدام، وسائر أفعاله، لا يشاركه فيها أحد من خلقه. ﴿وَبِذلِكَ أُمِرْتُ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: أمرت بهذا التوحيد، وبهذا الإخلاص. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ:﴾ قال قتادة: يعني: من هذه الأمة؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. وقيل: معناه: وأنا أول المستسلمين لقضائه، وقدره. هذا؛ وانظر شرح:\n ﴿أَوَّلُ﴾ في الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل (إنّ). ﴿شَرِيكَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وانظر: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ﴾","vol":"3","page":444},{"text":"في الآية رقم [١١٥]. والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. (بذلك): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أُمِرْتُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الاسمية قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، فعلى الحالية يكون الرابط اسم الإشارة. (أنا): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوَّلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْمُسْلِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فعلى الحالية يكون الرابط محذوفا، التقدير: أنا أول المسلمين له.\n\n<span id=\"aya-953\"></span>﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾\nالشرح: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين: أأطلب ربّا غير الله، وهو رب كل موجود في هذا الكون الواسع؟! وهو جواب لقولهم حين قالوا له ﷺ: ارجع إلى ديننا.\nهذا؛ وانظر شرح: ﴿رَبُّ﴾ في الآية رقم [٧/ ٣] و﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها:﴾ يعني إن إثم الجاني عليه لا على غيره. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ يعني: لا تؤاخذ نفس آثمة بإثم أخرى، ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر، وذلك: أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا، ولنحمل خطاياكم، إما بمعنى: ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم، وإما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا: فقوله:\n ﴿وَلا تَكْسِبُ..﴾. إلخ رد لقولهم المذكور بالمعنى الأول، وقوله: ﴿وَلا تَزِرُ..﴾. إلخ رد لقولهم المذكور بالمعنى الثاني. انتهى جمل. نقلا من أبي السعود. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿نَفْسٍ:﴾\nانظر الآية رقم [٧/ ٩]. ﴿تَزِرُ:﴾ إعلاله مثل إعلال: ﴿يَصِلُ﴾ في الآية رقم [١٣٦] وماضيه: وزر، والمصدر: وزر بكسر الواو، وفتحها، وهو بمعنى الإثم. هذا؛ والوزر بفتح الواو والزاي الملجأ والمستغاث، قال تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ..﴾. إلخ. ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ:﴾ يوم القيامة، فيجازي كلاّ ما يستحقه من الثواب، أو العقاب. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٤]. ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في الدنيا بشأن الأديان، والملل، والنحل، ويكون ذلك بتبيين الرشد من الغي، وتمييز المحق من المبطل. هذا؛ وانظر إعلال مثل: ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [٧] من سورة (المائدة).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿أَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (غير): حال، وهو في الأصل صفة ل ﴿رَبًّا،﴾ فلما قدم صار حالا، على القاعدة:\n «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و(غير) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَبْغِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿رَبًّا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَغَيْرَ..﴾. إلخ","vol":"3","page":445},{"text":"في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (هو): مبتدأ.\n ﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. (لا): نافية.\n ﴿تَكْسِبُ:﴾ مضارع. ﴿كُلِّ:﴾ فاعله، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر لا محل له. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكْسِبُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أُخْرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المقصورة، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَزِرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكْسِبُ..﴾. إلخ مستأنفة؛ فتكون هي وما عطف عليها لا محل لها من الإعراب. (ينبئكم): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ متعلقان به، و(ما) في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة:\n ﴿كُنْتُمْ فِيهِ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب: ﴿فِيهِ﴾.\nهذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فينبئكم بكونكم مختلفين فيه، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-954\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ:﴾ يخلف بعضكم بعضا، أو خلفاء الله في أرضه، تتصرفون فيها، أو خلفاء الله في الأرض في تنفيذ أحكامه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. هذا؛ و﴿خَلائِفَ﴾ جمع: خليفة، مثل: كرائم جمع: كريمة، وصحائف جمع: صحيفة. هذا؛ وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. وفي المصباح: والخليفة أصله:\nخليف بغير هاء؛ لأنه بمعنى الفاعل، دخلته الهاء للمبالغة، كعلامة، ونسابة، ويكون وصفا للرجل خاصة، ويقال: خليفة آخر بالتذكير. ومنهم من يقول: خليفة أخرى بالتأنيث. ويجمع باعتبار أصله على: خلفاء، مثل: شريف وشرفاء. وباعتبار اللفظ على خلائف. انتهى. جمل.","vol":"3","page":446},{"text":"وانظر رقم [١٤] (يونس). ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ:﴾ في الخلق، والرزق، والشرف، والعقل، والقوة، والفضل، فجعل منهم الحسن، والقبيح، والغني، والفقير، والشريف، والوضيع، والعالم، والجاهل، والقوي، والضعيف. وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات.\nليس لأجل العجز، أو الجهل، أو البخل، فإن الله سبحانه منزه عن صفات النقص، وإنما هو لأجل الاختبار، والامتحان، والابتلاء، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ ليظهر للناس الصابر، والشاكر، والمطيع، والعاصي... إلخ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ أي: لمن عصاه؛ لأن كل ما هو آت قريب، والمعنى سريع العقاب إذا جاء وقته، فلا يرد: كيف قال: ﴿سَرِيعُ الْعِقابِ،﴾ مع أنه حليم، والحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه؟ ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ:﴾\nلذنوب أوليائه، وأهل طاعته. ﴿رَحِيمٌ﴾ أي: بجميع خلقه.\nالإعراب: (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به أول، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ وهو العائد. ﴿خَلائِفَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿جَعَلَكُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. (رفع): ماض، وفاعله يعود إلى:\n ﴿اللهِ﴾. ﴿بَعْضَكُمْ﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿فَوْقَ:﴾ مضاف، و﴿بَعْضٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿دَرَجاتٍ:﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلى درجات، والناصب له عند البصريين النزع، وعند الكوفيين الفعل، والجملة الفعلية ﴿وَرَفَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِي ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب ﴿فِي﴾. ﴿آتاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني. التقدير:\nآتاكم إياه، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (رفع). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"3","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>سورة الأعراف</span>\nنزلت بمكة. روي ذلك عن ابن عباس، ﵄، وبه قال الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وجابر بن زيد وقتادة. وروي عن ابن عباس أيضا: أنها مكية، إلا خمس آيات، أولها:\n ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ﴾ وبه قال قتادة، وقال مقاتل: ثماني آيات في سورة (الأعراف) مدنية، أولها: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ.﴾. إلى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾. وهي مائتان وست آيات، وثلاثة آلاف، وثلاثمائة، وخمس وعشرون كلمة، وأربعة عشر ألف حرف، وعشرة أحرف.\nانتهى خازن وانظر شرح الاستعاذة، والبسملة، وإعرابهما في أول سورة (الفاتحة).\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-955\"></span><span id=\"aya-956\"></span>﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿المص:﴾ قال ابن عباس﵄-: معناه: أنا الله أفصل. وعنه: أنا الله أعلم، وأفصل، وعنه أيضا: أن ﴿المص﴾ قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله تعالى.\nوقال قتادة: ﴿المص﴾ اسم من أسماء القرآن. وقال الحسن: هو اسم للسورة. وقال السدي: هو بعض اسمه تعالى: المصور. وقال أبو العالية: الألف: مفتاح اسم الله، واللام: مفتاح اسمه اللطيف، والميم: مفتاح اسمه مجيد، والصاد: مفتاح اسمه صادق، وصبور. وقيل: هي حروف مقطعة استأثر الله تعالى بعلمها، وهي سره في كتابه العزيز. وقيل: هي حروف اسمه الأعظم.\nوقيل: هي حروف تحتوي معاني دل الله بها خلقه على مراده. وقد تقدم بسط الكلام على معاني الحروف المقطعة أوائل السور في أول سورة (البقرة) انتهى خازن بحروفه.\n ﴿كِتابٌ:﴾ هو في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه. وفي الاصطلاح اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا، والمراد به هنا القرآن الكريم؛ الذي أنزل على قلب محمد ﷺ. ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ. ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ:﴾ شك فيه، وسمي الشك حرجا؛ لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه. أو المراد: ضيق الصدر من تبليغه مخافة أن تكذّب فيه، أو","vol":"3","page":448},{"text":"تقصّر في القيام بحقه. وتوجيه النهي إليه للمبالغة. وانظر الآية رقم [٦/ ١٢٥]. ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾.\nلتخوف به المشركين. والإنذار: التخويف من وقوع العقاب. ﴿وَذِكْرى:﴾ عظة، وتذكير للمؤمنين بك، فهو مصدر بمعنى التذكير، أو التذكر. هذا؛ والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول ﷺ عنه، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشرّه من الله تعالى». وانظر الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿المص:﴾ لقد تكلمت في أول سورة (البقرة) بالتفصيل عن إعراب هذه الحروف المقطعة، وأقول هنا: يجوز اعتبار هذا اللفظ مبتدأ، و﴿كِتابٌ:﴾ خبره، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، أي: المدعو به ﴿المص﴾ كما يجوز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ ﴿المص﴾. ﴿كِتابٌ:﴾ خبر: ﴿المص﴾ على اعتباره مبتدأ، وخبر لمبتدإ محذوف، أي: هو كتاب على الوجهين الآخرين في: ﴿المص﴾. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿كِتابٌ﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿كِتابٌ﴾. ﴿فَلا﴾ الفاء:\nحرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام في مغنيه يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، فكأنه قيل: إذا أنزل إليك؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية. ﴿فِي صَدْرِكَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُنْ﴾ تقدم على اسمه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَرَجٌ:﴾\nاسمها مؤخر. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة حرج، والجملة: ﴿فَلا يَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أُنْزِلَ﴾ وجوز تعليقهما بالفعل الناقص. (ذكرى): يجوز اعتباره مفعولا مطلقا لفعل محذوف، التقدير: ولتذكر ذكرى، ويحتمل أن يكون مجرورا بالعطف على محل ﴿لِتُنْذِرَ﴾ ويحتمل الرفع من وجهين: العطف على ﴿كِتابٌ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب (ذكرى) لأنه مصدر.\n\n<span id=\"aya-957\"></span>﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، وهو يشمل القرآن الكريم، والسنّة النبوية، فإنها مما أنزل؛ لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي: لا تتخذوا الذين يدعونكم إلى الكفر، والشرك أولياء، فتتبعوهم. والمعنى: ولا تتولوا من دونه شياطين الإنس، والجن،","vol":"3","page":449},{"text":"فيأمروكم بعبادة الأصنام، واتباع البدع، والأهواء الفاسدة. والضمير يعود ل: ﴿ما أُنْزِلَ،﴾ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا تذكرون؛ حيث تتركون دين الله، وتتبعون غيره.\n ﴿رَبِّكُمْ:﴾ المراد به خالقكم، ورازقكم. هذا؛ والرب يطلق، ويراد به المالك، والسيد، ومنه قوله تعالى: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ كلتا الآيتين محكية عن قول يوسف، ﵇، كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة، أي: مالكها، كما يراد به المربي، والمصالح، ويقال: ربّ فلان الضيعة يربها: إذا أصلحها، والله ﷾ مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظما، ثم يكسو العظم لحما، يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا. ولا يطلق الرب على غيره تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والرب: المعبود بحق، وهو المراد منها تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف﵊لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]\nهنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا\nوهو اسم فاعل، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر.\n (دون): من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف، والسيادة. ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل]\nتريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق\nهذا، ومثله: «أدنى» وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا يدنو: إذا قرب، وله معنيان:\nأحدهما: أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني أن يكون بمعنى القريب منكم لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. وقيل:\nالألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من: دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدل الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ جمع: ولي، وهو الذي يتولى شئون غيره. هذا؛ والولي أيضا هو الذي يتحبب إلى الله بعبادته، وطاعته. هذا؛ ويأتي الولي بمعنى المعين، والمساعد، والنصير. والفرق بين الولي وبين ما ذكر: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيّا عن المنصور، والمعان، والمساعد، فبينهما عموم وخصوص من وجه. هذا؛ ويقرأ «تذكرون» بالتاء، والياء.","vol":"3","page":450},{"text":"الإعراب: ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف هي الألف الفارقة بين واو العلة، وواو الضمير. وانظر إعراب:\n ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الآتية. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ وجملة: ﴿اِتَّبِعُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعُوا:﴾\nمضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ لقد ذكر ابن هشام في مغني اللبيب في هذه الجملة، وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار فقال-رحمه الله تعالى-: ﴿ما:﴾ محتملة لثلاثة أوجه:\nأحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، و﴿قَلِيلًا﴾ في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل مثلها في (أكلت أكلا ما) وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل.\nالوجه الثاني: النفي، و﴿قَلِيلًا﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: تذكرا قليلا، أو زمنا قليلا.\nالثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: ﴿قَلِيلًا،﴾ و﴿قَلِيلًا﴾ حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى، أي: «تذكروا، فأخروا قليلا تذكرهم». أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب: ﴿قَلِيلًا﴾ على الوجه الأول. وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر: ﴿قَلِيلًا﴾ نعتا لمصدر محذوف، مثل اعتباره في الوجه الثاني. وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: فما يتذكرون قليلا، ولا كثيرا، وجملة: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ تعليلية لا محل لها من الإعراب. وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة).\n\n<span id=\"aya-958\"></span>﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿قَرْيَةٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٣] (الأنعام). ﴿أَهْلَكْناها:﴾ أهلكنا أهلها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿فَجاءَها:﴾ فجاء أهلها. وهذا الفعل يستعمل لازما إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ. فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ﴾","vol":"3","page":451},{"text":"﴿نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾. ومن الثاني الآية الكريمة. ومثلها كثير. ﴿بَأْسُنا:﴾ عذابنا، أو هو أشد العذاب. ﴿بَياتًا﴾ أي: في الليل كقوم لوط. ﴿أَوْ هُمْ قائِلُونَ:﴾ كقوم شعيب أتاهم العذاب وقت القيلولة، وهي استراحة وسط النهار. هذا؛ وتخصيص هاتين الحالتين بالعذاب؛ لأن نزول المكروه عند الغفلة أفظع، وحكايته للسامعين أزجر، وأروع عن الاغترار بأسباب الأمن، والراحة انتهى جمل نقلا من كرخي. وقال البيضاوي: وفي التعبيرين مبالغة في غفلتهم، وأمنهم من العذاب، ولذلك خص الوقتين، ولأنهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع.\nوقال الخازن: لما أمر الله رسوله ﷺ بالإنذار، والإبلاغ، وأمر أمته باتباع ما أنزله إليهم؛ حذرهم نقمته، وبأسه إن لم يتبعوا ما أمروا به، فذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة، والإعراض عن أمره من الوعيد. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى: «كثير» مبنية على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، يفسره ما بعده، ويقدر مؤخرا، التقدير: وكم من قرية أهلكنا أهلكناها؛ لأنها لها صدر الكلام، أو هي في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز (كم) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر الآية التالية.\nوالجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على الوجه الأول في (كم)، وفي محل رفع خبرها على الوجه الثاني فيها. ﴿فَجاءَها:﴾ الفاء: حرف عطف. (جاءها): ماض، و(ها): مفعول به.\n ﴿بَأْسُنا:﴾ فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ولا يصح معنى العطف إلا بتقدير: أردنا إهلاك أهلها فجاءها... إلخ. ﴿بَياتًا:﴾ هو مصدر في موضع الحال، والمعنى: مبيتين. وقيل: هو مفعول لأجله. وقيل: هو ظرف زمان، والأول أقوى لعطف الجملة الاسمية عليه. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قائِلُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر... إلخ. والجملة الاسمية معطوفة على بياتا، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-959\"></span>﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿دَعْواهُمْ:﴾ دعاؤهم، واستغاثتهم. أو: قولهم بمعنى: اعترافهم بجنايتهم.\n ﴿جاءَهُمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿بَأْسُنا:﴾ عذابنا، والمراد به نزوله بهم في الدنيا. وانظر الآية رقم [١٤٣] (الأنعام). ﴿قالُوا:﴾ القول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى.\nالثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ﴾. الثالث: الحركة، والإمالة، يقال: قالت النخلة، أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى:","vol":"3","page":452},{"text":"﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذه مقالة الأشاعرة.\nأي: ما يعتقدونه. وانظر الكلام في الآية رقم [١٤٤]. ﴿كُنّا:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [١١]. ﴿ظالِمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٦] الأنعام، وقولهم: ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ اعتراف منهم حين وقوع العذاب بكونهم ظالمين، وذلك حين لا ينفع الاعتراف، ومفاد هذا التحسر على شيء مضى، والطمع في الخلاص، وانظر (نا) في الآية رقم [٧] الآتية.\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿دَعْواهُمْ:﴾\nاسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿دَعْواهُمْ﴾. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿بَأْسُنا:﴾ فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾\nحرف مصدري، ونصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل، وأن المصدرية، والفعل ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. هذا؛ ويجوز أن يكون اسمها مؤخرا، و﴿دَعْواهُمْ﴾ خبرها مقدما. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت النون للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): ضمير متصل في محل رفع اسمه. ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا ظالِمِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:\n ﴿فَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-960\"></span>﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: نسأل الأمم الذين أرسلت إليهم الرسل: ماذا أجبتم، وعملتم فيما جاءتكم به الرسل؟ ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: ولنسألن الرسل الذين أرسلناهم إلى الأمم: هل بلغتم رسالاتنا، أم قصرتم؟ وفائدة هذا السؤال مع اعترافهم في الآية الأولى على أنفسهم بذلك التقريع، والتوبيخ للكفار، وفائدة سؤال الرسل مع كونهم قد بلغوا ما كلفوا به تكون عند إنكار الكفار تبليغ الرسالة من الرسل، فيكون ذلك مزيدا من التقريع، والتوبيخ لهم. انتهى خازن بتصرف كبير.","vol":"3","page":453},{"text":"وقال البيضاوي: والمنفي في قوله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤال الاستعلام، أو الأول في موقف الحساب، وهذا عند نزول العقاب. هذا؛ وانظر (نا) في الآية التالية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (نسألن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿أُرْسِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب الفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ ب: (إلى) والجملة الفعلية: (لنسألن...) إلخ جواب القسم المحذوف المقدر، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. بعد هذا ينبغي أن تعلم أن الفعلين:\n (نسأل، نرسل) ينصبان مفعولين، وقد حذف المفعول الثاني لكل منهما، انظر تقديره في الشرح؛ تجده جملة فعلية. ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ:﴾ إعراب هذه كسابقتها، وهي معطوفة عليها.\n\n<span id=\"aya-961\"></span>﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ:﴾ فلنخبرن الرسل، ومن أرسلوا إليهم بعلم، ويقين بما عملوا في الدنيا. ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ يعني: عنهم، وعن أفعالهم، وعن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما أجابوا. وفائدة سؤال الأمم والرسل-مع علمه ﷾ بجميع المعلومات-التقريع، والتوبيخ للكفار؛ لأنهم إذا أقروا على أنفسهم؛ كان أبلغ في المقصود، فأما سؤال الاسترشاد، والاستثبات؛ فهو منفي عن الله تعالى؛ لأنه عالم بجميع الأشياء قبل كونها، وفي حال كونها، وبعد كونها، فهو العالم بالكليات، والجزئيات، وعلمه بظاهر الأشياء كعلمه بباطنها. انتهى خازن بحروفه.\nتنبيه: قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح):\nوقوله تعالى: (كتبنا، جعلنا، إنا، نحن نقص، نسأل) لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكن له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنا ونحن، وكتبنا وفعلنا... إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق بأن يقول: إنا، ونحن... إلخ مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات، والأرض انتهى.\nأقول: و(نا): تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ وليس معه أحد، وهذا واقع، ومستعمل.","vol":"3","page":454},{"text":"الإعراب: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ:﴾ انظر الآية السابقة، ففيها الكفاية. ﴿بِعِلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. (ما): نافية. ﴿كُنّا غائِبِينَ:﴾ انظر إعراب: ﴿كُنّا ظالِمِينَ﴾ في الآية رقم [٥]. والجملة الفعلية تحتمل العطف على ما قبلها، وتحتمل الحالية من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-962\"></span>﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم سؤال الرسل، والأمم، وهو يوم القيامة. ﴿الْحَقُّ:﴾ العدل.\nوانظر الآية رقم [٣٣] الآتية. هذا؛ وتنوين (إذ) عوض عن جملة محذوفة، تضاف (إذ) إليها في الأصل، فإن الأصل: «يوم إذ يسألون». فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في (صه ومه) عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في «حينئذ» ونحوه. هذا؛ والمراد ب: (الوزن) القضاء، أو وزن الأعمال، وهو مقابلتها بالجزاء. والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان، له لسان، وكفتان، ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم انتهى بيضاوي. وانظر: «تنبيه» في الآية رقم [١٣٠] (الأنعام) فإنه جيد. والحكمة من وزن الأعمال مع علم الله بمقاديرها تتجلى فيما يلي: منها: إظهار العدل الإلهي، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة. ومنها:\nامتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير وشر وحسنة وسيئة، ومنها: إظهار علامة السعادة والشقاوة. انتهى خازن. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت حسناته على سيئاته، وموازين جمع ميزان، وأصله موازن، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ومثله: ميعاد وميثاق وميراث وميقات. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون، الناجون من عذاب النار؛ لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب، وأصله: المؤفلحون، انظر الآية رقم [١٢١] (الأنعام) ففيها الكفاية، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: (الوزن): مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿الْحَقُّ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه نعت للوزن، أي الوزن الحق كائن في ذلك اليوم. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه جواب سؤال مقدر، من قائل يقول: ما ذلك الوزن؟ فقيل: هو الحق لا الباطل. والثالث: أنه بدل من الضمير المستكن في الظرف. وهو غريب، ذكره مكي. هذا؛ وجوز اعتباره خبرا للمبتدإ، وفي: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ على هذا؛ وجهان:\nأحدهما: أنه منصوب على الظرف، ناصبه (الوزن) أي: يقع الوزن ذلك اليوم. والثاني أنه مفعول به على السعة. وهذا الثاني ضعيف جدّا لا حاجة إليه. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿فَمَنْ:﴾","vol":"3","page":455},{"text":"الفاء: حرف عطف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿ثَقُلَتْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.\n ﴿مَوازِينُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (أولئك) هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له؛ فيكون: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر (أولئك) وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب.\nوقيل: هو الجملتان. وهو المرجح لدى المعاصرين. بعد هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. وعلى كل فالجملة الاسمية مفرعة، ومعطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.\n\n<span id=\"aya-963\"></span>﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت سيئاته على حسناته. هذا؛ وقد ذكر الله في الآية السابقة السعداء الذين غلبت حسناتهم على سيئاتهم، وذكر في هذه الآية الأشقياء الذين غلبت سيئاتهم على حسناتهم، وبقي صنف ثالث، وهم: من تساوت حسناتهم، وسيئاتهم، وهم أصحاب الأعراف الذين ذكرهم الله في الآية رقم [٤٦] من هذه السورة. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي:\nضيعوها، وحرموها من جزيل ثواب الله تعالى، وكرامته. ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ أي: سبب ذلك الخسران: أنهم كانوا بحجج الله، وأدلة توحيده يجحدون، ولا يقرون بها.\nروي عن أبي بكر الصديق﵁أنه حين حضره الموت قال في وصيته لعمر بن الخطاب﵁-: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. انتهى خازن.\nهذا؛ و(الآيات) جمع: آية، وهي تطلق على معان كثيرة، منها: الدلالة، ومنه قوله تعالى:\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وتطلق على","vol":"3","page":456},{"text":"الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ يجحدون آيات الله، وينكرونها. وانظر الظلم بمعناه الأصلي في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام).\n ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ جمع: نفس، وهو جمع قلة، وجمع الكثرة: نفوس، والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص، أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا، أم أنثى.\nفعلى الأول قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الرطب، فتكون سارية في جميع البدن. وقال الجنيد-رحمه الله تعالى-الروح: شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء):\n ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾.\nوقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى روحا، ومن حيث شهوتها تسمى نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالاعتبار.\nهذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أن النفس خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية، فالنفس الأمارة هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير، إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق، لكن بقي فيها ميل للشهوات؛ سميت لوامة. وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات؛ سميت ملهمة. فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشهوانية حكم أصلا؛ سميت مطمئنة. فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها سميت راضية. فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم وتكميلهم سميت كاملة. فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت وقدمت، وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿خَسِرُوا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿خَسِرُوا،﴾ والجملة الفعلية هذه صلة الموصول لا محل لها وتقدير الكلام: «خسروا أنفسهم بسبب ظلمهم وجحودهم لآيات الله تعالى» تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"3","page":457},{"text":"<span id=\"aya-964\"></span>﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ قال الجلال: الخطاب لبني آدم. وقال الخازن: للناس، وقال الجمل: لأهل مكة، والكل محتمل هنا، ولكن الأخير أليق بالمقام. والتمكين: التمليك.\nقال البيضاوي: أي: مكناكم من سكناها، وزرعها، والتصرف فيها. ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ:﴾\nأسبابا تعيشون فيها، وقرئ شاذّا: «(معائش)» كصحائف، وهو ليس مثله؛ لأن المد في: «صحيفة» زائد، وفي: «معيشة» أصلي؛ لأن أصلها: معيشة، كمكرمة، أو: معيشه، كمنزلة، أو: معيشة، كمتربة، فالياء أصلية على كل حال. هذا؛ والمعيش، والمعيشة: مكسب الإنسان الذي يعيش به. وفي القاموس: العيش الحياة، والعيش أيضا: الطعام، وما يعاش به. انتهى جمل بتصرف كبير. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فهو تأكيد لقلة الشكر، الذي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ و«شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب هذا القسم. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَكَّنّاكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (جعلنا): فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، التي هي ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذا، والإعراب الأصلي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة. وقل مثله في إعراب: جعلت، وجعلن. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب ﴿مَعايِشَ،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وهذا أولى من التعليق بالفعل. ﴿مَعايِشَ:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول: ﴿لَكُمْ﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة قبلها لا محل لها مثلها. ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣] لإعراب هذه الجملة، ومحلها، ففيها الكفاية.\n<span id=\"aya-965\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه.\nنزّل خلقه، وتصويره منزلة خلق الكل، وتصويره. انتهى بيضاوي. وقال أبو السعود: وإنما نسب","vol":"3","page":458},{"text":"الخلق، والتصوير إلى المخاطبين مع أن المراد خلق آدم، وتصويره، إعطاء لمقام الامتنان حقه، وتأكيدا لوجوب الشكر عليهم بالرمز إلى أن لهم حظّا من خلقه، وتصويره؛ لأنهما، من الأمور السارية إلى ذريته جميعا. وقال القاري: نزل خلقه، وتصويره منزلة خلق الكل، وتصويرهم؛ لأنه أبو البشر. انتهى جمل. وقال بعضهم: المخاطب بنو آدم، والمراد بهم أبوهم، وهذا من باب الخطاب لشخص، والمراد به غيره، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ وإنما المنجي، والذي كان يسام سوء العذاب أسلافهم، وهذا مستفيض في لسانهم. انتهى جمل.\nوانظر (نا) في الآية رقم [٧].\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهملة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (رب) و(لا) العاملة عمل «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح.\nهذا؛ و«ثم» هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى:\n ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به الكاف، وقد يتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة. ﴿قُلْنا:﴾ أصله: قولنا، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف، واللام، فحذفت الألف، فصار (قلنا) بفتح القاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: ﴿قُلْنا﴾. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول، أصل الفعل: قول، فلما اتصل به ضمير رفع متحرك، نقل إلى باب: فعل، فصار: (قولت) ثم نقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: (قولت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما ساكنين، فصار: (قلت) وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: «كان» و«قام» وغيرهما.\n ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ الملائكة: أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ويقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار.\n ﴿لِآدَمَ:﴾ اسم علم أعجمي، مشتق من الأدمة، بمعنى: الأسوة، أو من أديم الأرض، أي: من وجهها، وترابها، أو من الأدمة بمعنى: الألفة، وأصله: أأدم بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في: «إيمان» فإن أصله: إئمان، وكما قلبت في «أومن» فإن أصله: أأمن.\n ﴿إِبْلِيسَ:﴾ اسم مأخوذ من: أبلس، يبلس إبلاسا، بمعنى: سكت غمّا، وأيس من رحمة الله وخاب، وخسر. وهو من الملائكة. كذا قال علي، وابن عباس، وابن مسعود، ﵃","vol":"3","page":459},{"text":"أجمعين، ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، وقوله تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: صار من الجن، كقوله تعالى: ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ أي: صار من المغرقين. وقيل:\nالاستثناء منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجن بالنص. وهو قول الحسن، وقتادة، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأنه أبى، وعصى، واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يستكبرون عن عبادته، ولأنه قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾ ولا نسل للملائكة. وعن الجاحظ: إن الجن، والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم؛ فهو ملك، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، ومن كان بين بين؛ فهو جني.\nهذا؛ والسجود في الأصل: تذلل مع تطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة. والمأمور به إما المعنى الشرعي، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم، تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، فمعنى: «اسجدوا له» أي: إليه، وأما المعنى اللغوي، وهو التواضع لآدم تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض، إنما كان بالانحناء، فلما جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسلام.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية السابقة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿صَوَّرْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو. ويقال: منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضمة لمناسبة واو الجماعة. وقل مثله في قولك: (احفظا واسجدا) والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك (احفظي، واسجدي) والمانع من ظهور السكون الكسر الذي جيء به لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة. ﴿لِآدَمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَسَجَدُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿إِلاّ:﴾\nأداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى، وهل هو متصل، أو منقطع فيه خلاف، كما رأيت في الشرح.\n ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو». ﴿مِنَ السّاجِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يَكُنْ..﴾.","vol":"3","page":460},{"text":"إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها جواب سؤال مقدر. انتهى. جمل، وقال أبو البقاء: هي في محل نصب حال من: ﴿إِبْلِيسَ﴾ وعليه: فالرابط الواو، ورجوع الضمير عليه.\n\n<span id=\"aya-966\"></span>﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ القائل هو الله تعالى. ﴿ما مَنَعَكَ..﴾. إلخ: أي: أي شيء منعك من السجود في الوقت الذي أمرتك به. ﴿قالَ﴾ أي: إبليس. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ:﴾ وهي جوهر نوراني. ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ أي: وهو جسم كثيف ظلماني، وقد أخطأ الخبيث، بل الطين أفضل لرزانته، ووقاره، ومنه الحلم، والحياء، والصبر، وذلك داع إلى التوبة، والاستغفار. وفي النار الطيش، والحدة، والترفع، وذلك داع إلى الاستكبار.\nوالتراب عدة الممالك، والنار عدة المهالك، والنار مظنّة الخيانة والإفناء، والتراب مئنة الأمانة، والإنماء، والطين يطفئ النار، ويتلفها، والنار لا تتلفه، وهذه فضائل غفل عنها إبليس، حتى زل بفاسد من المقاييس. انتهى نسفي.\nتنبيه: قال الله تعالى هنا: ﴿ما مَنَعَكَ﴾ وفي سورة (الحجر): ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ وفي سورة (ص): ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ واختلاف العبارات عند الحكاية يدل على أن اللعين قد أدرج في معصية واحدة ثلاث معاص: مخالفة الأمر، ومفارقة الجماعة، والاستكبار مع تحقير آدم، وقد وبخ على كلّ منها، لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر، وقد تركت حكاية التوبيخ رأسا في سورة (البقرة)، و(الإسراء)، و(الكهف)، و(طه). انتهى نقلا من أبي السعود.\n ﴿خَيْرٌ:﴾ أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء للخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في: حبّ وشرّ اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الخاء، والشين. وقد يستعمل خير وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى:\n ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nيا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\nوخير، وشر، وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنها بمعنى أفعل، كما رأيت. ﴿نارٍ:﴾ أصله نور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور،","vol":"3","page":461},{"text":"ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين، والفعل: نار، ينور، ويستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مَنَعَكَ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى:\n ﴿ما،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما مَنَعَكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلاّ﴾. (أن): حرف مصدري، ونصب، و(لا) صلة لتأكيد معنى النفي، بدليل حذفها في سورة (ص). ﴿تَسْجُدَ:﴾\nمضارع منصوب ب (أن)، والمتعلق محذوف، التقدير: لآدم، و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من السجود، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، أو المصدر مفعول ثان صريح. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿أَمَرْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: (به) لأن الغالب فيه أن يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف الجر، وانظر إعراب: (جعلنا) في الآية رقم [١٠] فهو مثله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿أَنَا:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان به؛ لأنه أفعل تفضيل، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿خَلَقْتَنِي:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والنون للوقاية. ﴿مِنْ نارٍ:﴾ متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ياء المتكلم، أي كائنا من نار، والجملة الفعلية: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ﴾ تعليل للخيرية، أو تفسير لها، وجملة: ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها كإعرابها.\n\n<span id=\"aya-967\"></span>﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ أي: من الجنة، أو من السماء. هذا؛ والهبوط: الإنزال، والانحدار من فوق إلى أسفل على سبيل القهر، والهوان، والاستخفاف. ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها:﴾\nفلا يصح، ولا يجوز أن تسكن في السماء، أو في الجنة، وأنت متكبر، مخالف لأمر الله؛ لأنها مكان الخاشع، والمطيع. وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأن الله طرده من الجنة، وأهبطه، منها لتكبره لا لمجرد عصيانه، علما بأن الأرض يسكنها المتكبرون، والمتجبرون من كفار، وفساق، وغيرهم. ﴿فَاخْرُجْ:﴾ تأكيد للأمر بالهبوط. ﴿إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ:﴾ الذليلين الحقيرين، لتكبرك. قال النبي المعظم ﷺ: «من تواضع رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله».\nتنبيه: قال الله تعالى هنا: ﴿فَاهْبِطْ﴾ بالإفراد، وقال في سورة (البقرة) رقم [٣٨]: ﴿اِهْبِطُوا﴾ بالجمع، وقال في سورة (طه) رقم [١٢٣]: ﴿اِهْبِطا﴾ بالتثنية، والمراد بالأول: إبليس وحده،","vol":"3","page":462},{"text":"كما هو ظاهر، والمراد بالثاني: آدم، وحواء، وإبليس. وقيل: والحية، والصحيح: أن المراد:\nآدم، وحواء، وذريتهما. والمراد بالثالث: آدم، وحواء، أو: آدم، وإبليس. وانظر شرح كل آية في محلها، وينبغي أن تعلم أن سبب طرد إبليس من الجنة، بل من رحمة الله إنما هو حسده لآدم، وتكبره عليه، نعوذ بالله منهما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿فَاهْبِطْ:﴾ الفاء: زائدة، أو هي الفصيحة، (اهبط): أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول على زيادة الفاء، ولا محل لها على اعتبار الفاء الفصيحة؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منك؛ فاهبط، وإذا ومدخولها في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿فَما﴾ الفاء: حرف تعليل. (ما): نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَكَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ﴿يَكُونُ﴾ مقدما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ في محل رفع اسمها مؤخرا. ﴿فَاخْرُجْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف، التقدير: منها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ومؤكدة لها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبرها، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للهبوط، والخروج، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-968\"></span><span id=\"aya-969\"></span>﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ أَنْظِرْنِي﴾ أي: قال إبليس: أمهلني، فلا تمتني، أو لا تعجل عقوبتي، ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ:﴾ المراد به يوم القيامة، وهو اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء بعد النفخة الثانية.\n ﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أي: قال الله تعالى لإبليس لمّا سأل الإمهال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أي: الممهلين المؤخرين، وقد قيد الله هذا الإمهال في سورة (الحجر) بقوله: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ وهو النفخة الأولى التي يموت بسببها من في السموات، والأرض إلا من شاء الله، فقد كره اللعين أن يذوق مرارة الموت، وطلب البقاء، والخلود إلى النفخة الثانية، وحينئذ لا موت؛ لأن الموت قد تم عند النفخة الأولى، فلم يعط سؤاله، وإنما أجيب طلبه، وهو الإمهال مع أنه إنما طلبه ليفسد أحوال العباد، لما في ذلك من ابتلاء العباد، ولما في مخالفته من عظيم الثواب. انتهى جمل بتصرف.\nأقول: وإنما أمهله ليكون سببا في وفاء وعد الله لجهنم: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ إذ لولاه لكان الناس جميعا مهتدين. هذا؛ وقد ذكر الله في سورة (الكهف): أن له ذرية، وذلك ليكون لكل إنسان من بني آدم قرين، وشيطان. انظر ما ذكرته في شرح الاستعاذة، وفي شرح الآية رقم [١١٢] (الأنعام) وانظر «القول» في الآية رقم [٥].","vol":"3","page":463},{"text":"الإعراب: ﴿أَنْظِرْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان به. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، والجملة الفعلية: ﴿أَنْظِرْنِي﴾ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٣]، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ إِنَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-970\"></span>﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي:﴾ قال الخازن: يعني: فبأي شيء أضللتني. وقال الزمخشري:\nفبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم، ثم قال: والمعنى فبسبب وقوعي في الغي لأجتهدن في غوايتهم؛ حتى يفسدوا بسببي، كما فسدت بسببهم. وقال سليمان الجمل: غرضه بهذا أخذ ثأره منهم؛ لأنه لما طرد، ومقت بسببهم على ما تقدم أحب أن ينتقم منهم أخذا بالثأر. ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ أي: لبني آدم ترصدا بهم، كما يقعد القطاع على الطرقات. ﴿صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ:﴾ دين الإسلام، أو الطريق الموصل إلى مرضاتك.\nعن سبرة بن أبي الفاكه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة، قعد له في طريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دين آبائك، وآباء آبائك؟! فعصاه، وأسلم، وقعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر، وتذر أرضك، وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطّول؟! فعصاه، فهاجر. وقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد، فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟! فعصاه، فجاهد. قال: فمن فعل ذلك؛ كان حقّا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق؛ كان حقّا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقّا على الله أن يدخله الجنة». أخرجه النسائي. انتهى خازن.\nأقول: وقس على ذلك جميع أبواب الخير، فإن الشيطان يصد الناس عنها. وانظر الآية رقم [٢٦٧] من سورة (البقرة). بعد هذا انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [١٦] من سورة (المائدة).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿فَبِما:﴾\nالفاء: صلة، أو هي الفصيحة على مثال ما رأيت في الآية رقم [١٣] الباء: حرف جر. (ما):\nمصدرية. ﴿أَغْوَيْتَنِي:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والنون للوقاية، وانظر إعراب: (جعلنا) في الآية رقم [١٠] و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، أو أحلف؛ لأن الباء على قسم مقدر،","vol":"3","page":464},{"text":"ومتعلقة بفعله المقدر. انتهى جمل. وقال البيضاوي، والنسفي: والباء تتعلق بفعل القسم المحذوف، تقديره: فبسبب إغوائك أقسم، أو تكون للقسم، أي: فأقسم بإغوائك. وقال أبو البقاء: الباء تتعلق ب ﴿لَأَقْعُدَنَّ،﴾ ولا وجه له؛ لأن اللام تمنعه، وعلى قول الخازن ف: (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والوقف يكون عليه، وما بعده كلام مستأنف، وعليه فالجملة فعلية، وهي في محل نصب مقول القول. انتهى بتصرف كبير. ﴿لَأَقْعُدَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أقعدن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنا». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿صِراطَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو منصوب على نزع الخافض، التقدير: على صراطك، كقولهم (ضرب زيد الظهر والبطن) والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ صفة، وجملة: ﴿لَأَقْعُدَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف المدلول عليه بالباء، وهي جواب قسم محذوف على قول الخازن، وعلى الاعتبارين فالقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-971\"></span>﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ..﴾. إلخ: قال البيضاوي: أي: من جميع الجهات الأربع مثل قصده إياهم بالتسويل، والإضلال من أي وجه يمكنه بإتيان العدو من الجهات الأربع، ولذلك لم يقل:\nمن فوقهم، ومن تحت أرجلهم. وقيل: لم يقل: من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل من فوق، ولم يقل:\nمن تحتهم لأن الإتيان منه يوحش الناس. وعن ابن عباس﵄-: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ:﴾\nمن قبل الآخرة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ من قبل الدنيا. ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ:﴾ من جهة حسناتهم، وسيئاتهم، ويحتمل أن يقال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ:﴾ من حيث يعلمون، ويقدرون على التحرز عنه، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ من حيث لا يعلمون، ولا يقدرون. ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ:﴾ من حيث يتيسر لهم أن يعملوا، ويتحرزوا، ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم، واحتياطهم. وإنما عدي الفعل إلى الأولين، بحرف الابتداء؛ لأنه منهما متوجه إليهم، وإلى الأخيرين بحرف المجاوزة، فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم. ونظيره قولهم: جلست عن يمينه. انتهى بحروفه.\n ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ:﴾ مطيعين مؤمنين وموحدين، وإنما قال اللعين هذا ظنا منه لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ وذلك لما رأى منهم: أن مبدأ الشر متعدد، ومبدأ الخير واحد. وقيل: سمعه من الملائكة. وقيل: رآه في اللوح المحفوظ. انتهى بيضاوي، وغيره. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٩] (النساء) تجد ما يسرك. هذا؛ و(أيمان) جمع: يمين، والمراد: اليد","vol":"3","page":465},{"text":"اليمنى، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾. هذا؛ واليمين أيضا: الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، كما في الآية رقم [٨٩] (المائدة) وانظره بكسر الهمزة في الآية رقم [٢]. ﴿شَمائِلِهِمْ:﴾ جمع: شمال، وهي عكس، ومقابل اليد اليمنى. هذا؛ والشمال يقابل الجنوب، والشمال ريح الشمال الآتية من جهته، وجمعه: شمالات. ﴿تَجِدُ:﴾ أصله: توجد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في المضارع الغائب (يجد) وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: وجدا، وماضيه: وجد.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَآتِيَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ في الآية السابقة، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَيْنِ:﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ:﴾ الكل معطوف على ما قبله. (لا): نافية. ﴿تَجِدُ﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء... إلخ. ﴿شاكِرِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. هذا؛ وقيل: هو حال على اعتبار الفعل متعديا لمفعول واحد فقط. والمعتمد الأول، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَجِدُ..﴾. إلخ تحتمل العطف على ما قبلها، والاستئناف، ولا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-972\"></span>﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿مِنْها:﴾ من الجنة. ﴿مَذْؤُمًا:﴾ مذموما، من: ذأمه، يذأمه ذأما: إذا عابه، ومقته، وحقره، فهو مذءوم. ﴿مَدْحُورًا:﴾ مطرودا من رحمة الله. ودحره: طرده، وأبعده، والفعلان: ذأم، ودحر من باب: قطع. هذا؛ وقرئ:\n «(مذموما)» من: ذامه، يذيمه ذيما، وهو بمعنى الأول. ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ:﴾ تكرر هذا الوعد لجهنم بملئها، ولا تملأ إلا بسبب الشيطان، وزخرفته. ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: منك، ومنهم. أي: الذين اتبعوك. فغلب المخاطب. قال الخازن: أقسم الله أن من تبع إبليس من بني آدم، وأطاعه منهم أن يملأ جهنم منه، وممن كفر من بني آدم. انتهى. والمراد: إبليس، وذريته، وأتباعه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿اُخْرُجْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَذْؤُمًا مَدْحُورًا:﴾ حالان من الفاعل المستتر. وقيل:\nالثاني حال من نائب فاعل الأول، فهي حال متداخلة، وجملة: ﴿اُخْرُجْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَمَنْ﴾ اللام: لام الابتداء. (من):\nاسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَبِعَكَ:﴾ ماض، والكاف في محل نصب","vol":"3","page":466},{"text":"مفعول به، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى (من)، وهو العائد. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَأَمْلَأَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (أملأن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: «أنا». ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد لمعنى (كم) فهو مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لَأَمْلَأَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، والقسم المحذوف، وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو (من). هذا؛ وجه للإعراب. هذا وجوز اعتبار اللام موطئة لقسم محذوف، واعتبار (من) اسم شرط جازما، والفعل بعدها شرطها، وهي مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿لَأَمْلَأَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة المشهورة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٨]. وهذا الوجه ضعيف؛ لأن اللام الموطئة لا تدخل إلا على (إن) الشرطية، كما ذكره ابن هشام في وجه ضعيف. هذا؛ وقد قرئ بكسر اللام، فتكون حرف جر، و(من) اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: «هذا الوعيد الشديد للذي تبعك...» إلخ، ويكون إعراب: ﴿لَأَمْلَأَنَّ..﴾. إلخ كما في الوجه الأول، والكلام على جميع وجوه الإعراب في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-973\"></span>﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (١٩)﴾\nالشرح: (آدم): انظر الآية رقم [١١]. ﴿اُسْكُنْ:﴾ من السكنى، وهي الهدوء، والاستقرار، والثبوت. ﴿وَزَوْجُكَ:﴾ الزوج يطلق على الرجل، وعلى المرأة، والقرينة تبين الذكر من الأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة. وزوج آدم اسمها: حواء، سميت بذلك؛ لأنها خلقت من حي، كما رأيت في الآية رقم [٤/ ١]. وقيل لها: امرأة؛ لأنها من المرء أخذت، روي: أن الملائكة قالت لآدم: أتحبها؟ قال: نعم، قالوا لحواء: أتحبينه؟ قالت: لا، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه لها. قالوا: فلو صدقت امرأة في حبها لزوجها؛ لصدقت حواء. انتهى من القرطبي.\n ﴿فَكُلا:﴾ هذا الأمر للإباحة، كما هو ظاهر. ﴿شِئْتُما:﴾ انظر الآية رقم [٥/ ١٩]. ﴿الظّالِمِينَ﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي، والمنكرات. وانظر الآية رقم [٦/ ١٤٦]. هذا؛ والمراد بالشجرة: شجرة الحنطة. وقيل: هي شجرة العنب؛ لأنها أصل كل فتنة. وقيل غير ذلك.\nولقد نهى الله عن قرب الشجرة؛ لأنه أبلغ في النهي عن الأكل منها، كما في الآية رقم [١٥٢] (الأنعام) ولأنه من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. بعد هذا فقد زاد الله في آية","vol":"3","page":467},{"text":"(البقرة) رقم [٣٥] قوله ﴿رَغَدًا﴾ ورغد العيش من باب: ظرف، وطرب، فهو راغد، وهو في رغد من العيش، أي: في رزق واسع، وأرغد القوم: أخصبوا. كما ذكر سبحانه في سورة (البقرة) ﴿وَكُلا﴾ بالواو، وقال هنا ﴿فَكُلا﴾ بالفاء.\nقال الإمام فخر الدين الرازي مبينا الفرق بينهما: إن الواو تفيد الجمع المطلق، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو، ولا منافاة بين النوع، والجنس، ففي سورة (البقرة) ذكر الجنس، وهنا ذكر النوع. انتهى خازن، ولا تنس: أن هذا الكلام قد خوطب به آدم بعد طرد إبليس من الجنة، وهو ما أفادته الآية السابقة.\nالإعراب: ﴿وَيا آدَمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (آدم):\nمنادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا)، والجملة الندائية، وما بعدها من جمل في محل نصب مقول القول، التقدير: وقلنا: يا آدم... إلخ، وقد ذكر هذا القول في آية (البقرة) رقم [٣٥]. ﴿اُسْكُنْ:﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر في: ﴿اُسْكُنْ﴾. ﴿وَزَوْجُكَ:﴾ معطوف على الضمير المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به، وهو منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون على رأسهم الأخفش، ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، وقل مثل ذلك في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام). ﴿فَكُلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كلا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، وانظر إعراب: (اسجدوا) في الآية رقم [١١]. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. ﴿شِئْتُما:﴾ فعل، وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبا:﴾ مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الشَّجَرَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، ولا تجوز الوصفية هنا؛ لأنه اسم جامد. ﴿فَتَكُونا:﴾ الفاء: هي السببية. (تكونا): مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين اسمه. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبره، و«أن» المضمرة والفعل: (تكونا) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: «لا يكن منكما قرب من الشجرة، فظلم لنفسيكما». هذا؛ وجوز أن تكون الفاء عاطفة، وأنّ الفعل: (تكونا) مجزوم بسبب العطف على النهي، ولكن الأول أقوى معنى، وأتم سبكا،","vol":"3","page":468},{"text":"ولا تنس: أن كل الجمل المتعاطفة في محل نصب مقول القول للفعل المقدر، والقول، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-974\"></span>﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ أي: وسوس لآدم وحواء. والوسوسة في الأصل: الصوت الخفي. والوسوسة: حديث النفس، وهي أيضا: حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان.\nوالوسواس: اسم للشيطان، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ﴾. واختلف أين كانت هذه الوسوسة، وفي أنه تمثل لهما، فقاولهما بذلك، أو ألقاه إليهما عن طريق الوسوسة، وأنه كيف توصل إليهما بعد ما قيل له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ؟﴾\nفقيل: إنه منع من الدخول على وجه التكرمة، كما كان يدخل مع الملائكة، ولم يمنع أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم، وحواء. وقيل: قام عند الباب، فناداهما. وقيل: تمثل بصورة دابة، فدخل، ولم تعرفه الخزنة. وقيل: دخل في فم الحية؛ حتى دخلت به. وقيل: أرسل بعض أتباعه، فوسوس لهما. والعلم عند الله سبحانه، وتعالى. انتهى بيضاوي.\nهذا؛ ونقل الخازن عن الإمام الرازي عن الحسن: أنه قال: كان يوسوس في الأرض إلى السماء إلى الجنة بالقوة القوية التي جعلها الله تعالى له. وقال أبو مسلم الأصبهاني: بل كان آدم، وإبليس في الجنة؛ لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض، والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية، فدخلت به إلى الجنة، فقصة مشهورة ركيكة. انتهى. هذا؛ وانظر شرح ﴿الشَّيْطانُ﴾ في الاستعاذة، وفي الآية رقم [١١٢] (الأنعام). ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما:﴾ ليظهر، ويكشف لهما. ﴿ما وُورِيَ:﴾ ما غطي، وستر. ﴿سَوْآتِهِما:﴾ تثنية: سوأة، والمراد بها: العورة، أي: الفرج، وكانا لا يريانهما من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وإنما فعل ذلك ليسوءهما بانكشاف عورتيهما. ولذلك عبر سبحانه عنهما بالسوأة، وفيه دليل على أن انكشاف العورة في الخلوة، وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. انتهى بيضاوي بتصرف. هذا؛ وإنما بدت سوآتهما لهما، لا لغيرهما على المعتمد.\nهذا؛ واختلف في اللباس الذي نزع عنهما، قال الخازن: فقال ابن عباس﵄-: كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة؛ نزع عنهما، وبقيت الأظفار، تذكرة، وزينة، ومنافع. وقال وهب بن منبه-رحمه الله تعالى-كان لباس آدم وحواء نورا، وقال مجاهد: كان لباسهما التقى، وفي رواية عنه: التقوى. وقيل: إن لباسهما من ثياب الجنة. وهذا القول أقرب؛ لأن إطلاق اللباس ينصرف إليه، ولأن النزع لا يكون إلا بعد اللبس. انتهى.","vol":"3","page":469},{"text":"أقول: وفي محفوظي: أن الظفر المذكور آنفا هو اللباس، وكان من لباس الجنة، وكان من أجمل ما يكون، فلما فعل آدم وحواء الخطيئة؛ تناثر عنهما هذا اللباس، وبقيت منه بقية على رءوس أصابع اليدين، والرجلين، وقد غيرت هيئة هذا اللباس إلى الأظفار الموجودة على رءوس أصابعنا.\nويذكر أن آدم ﵊ كان إذا نظر إلى أظفاره بكى؛ تذكرا منه لما كان فيه من النعيم في الجنة، وصار ذلك طبيعة عند كل إنسان إذا غلبه الضحك فلينظر إلى أظفاره، فيذهب ضحكه فجأة.\nوقال: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ أي: ما منعكما من أكل هذه الشجرة المذكورة في الآية السابقة. ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾. ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ:﴾ الذين لا يموتون، أو يخالدون في الجنة، واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء، عليهم الصلاة والسّلام. وجوابه: أنه كان من المعلوم: أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما، في أن يحصل لهما أيضا، ما للملائكة من الكمالات الفطرية، والاستغناء عن الأطعمة، والأشربة، وذلك لا يدل على فضلهم مطلقا. انتهى بيضاوي. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٧] (النساء) فإنه جيد. هذا؛ وقد قرئ: «(ملكين)» بكسر اللام، وهي قراءة يحيى بن كثير، والضحاك.\nالإعراب: ﴿فَوَسْوَسَ:﴾ (وسوس): ماض. ﴿لَهُمَا﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيُبْدِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام العاقبة، أو هي لام التعليل، وفاعله يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿لَهُمَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو هي نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿وُورِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى:\n ﴿ما،﴾ والجملة صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع نائب الفاعل إليها.\n ﴿عَنْهُما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والميم، والألف في الجميع حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنْ سَوْآتِهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل (يبدي) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (وسوس)، والجملة الفعلية: ﴿فَوَسْوَسَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿ما:﴾ نافية.\n ﴿نَهاكُما:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكُما:﴾\nفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْ هذِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الشَّجَرَةِ:﴾ بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَكُونا:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين اسمه. ﴿مَلَكَيْنِ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿تَكُونا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لأجله، وأصل الكلام: مخافة، أو كراهية كونكما ملكين.","vol":"3","page":470},{"text":"وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين على حذف حرف الجر، وتقدير الكلام عندهم:\n «لئلا تكونا...» إلخ وبعد السبك بمصدر، يكون التقدير: «لعدم كونكما» وعليه فالجار والمجرور متعلقان بالفعل: (نهى). ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ:﴾ هو مثل سابقه إعرابا، وتأويلا، وتقديرا. وجملة: ﴿ما نَهاكُما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (وسوس...) إلخ، وهي مفسرة لها في المعنى، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-975\"></span>﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَقاسَمَهُما:﴾ حلف لهما بالله على ذلك. وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة.\nوقيل: أقسما له بالقبول. وقيل: أقسما عليه بالله إنه لمن الناصحين، فأقسم لهما، فجعل ذلك مقاسمة. انتهى بيضاوي. وقال القرطبي: وجاء «فاعلت» من واحد. وهو يردّ على من قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين. وقال قتادة: حلف لهما بالله؛ حتى خدعهما-وقد يخدع المؤمن بالله-فقال: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني؛ أرشدكما. وقال بعض العلماء: من خادعنا بالله خدعنا له. ﴿النّاصِحِينَ:﴾ انظر (شكر) في الآية رقم [١٠] وانظر: ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ في الآية رقم [١٠٩] (الأنعام) فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿وَقاسَمَهُما:﴾ الواو: حرف عطف. (قاسمهما): ماض، والفاعل يعود إلى الشيطان، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكُما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿النّاصِحِينَ﴾ بعدهما، وهذا على أن ال للتعريف، وليست موصولة بمعنى «الذي». وقيل: هي بمعنى الذي، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف يبينه ﴿النّاصِحِينَ﴾ التقدير: إني لناصح لكما، وهذا يسمى التبيين، ومثله الآية رقم [١٣٠] (البقرة) وهو كثير في القرآن والشعر العربي، والميم والألف للتثنية. اللام: هي المزحلقة. ﴿لَمِنَ النّاصِحِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والجملة القسمية معطوفة على جملة: ﴿وَقالَ ما نَهاكُما..﴾. إلخ فهي داخلة في التفسير، ومن جملته.\n<span id=\"aya-976\"></span>﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿فَدَلاّهُما:﴾ أوقعهما في الهلاك، قاله ابن عباس﵄-. وقيل:\nجرأهما على المعصية. وقال البيضاوي: فنزلهما إلى الأكل من الشجرة. نبه به على أنه أهبطهما","vol":"3","page":471},{"text":"بذلك من درجة عالية، إلى رتبة سافلة، فإن التدلية، والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل.\n ﴿بِغُرُورٍ:﴾ بما غرهما به من القسم، فإنهما ظنا: أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا، وقد قال الرسول ﷺ: «المؤمن غرّ كريم، والفاجر خبّ لئيم». ﴿فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ:﴾ أكلا منها، وانظر شرح ﴿الشَّجَرَةَ﴾ في الآية رقم [١٩]. ﴿بَدَتْ:﴾ ظهرت، وانكشفت، وقل في إعلاله: أصله: «بدا»، فلما اتصل به تاء التأنيث، صار: بدات، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار ﴿بَدَتْ﴾. ﴿سَوْآتُهُما:﴾ انظر الآية رقم [٢٠] لشرحه، وفيه قراءات كثيرة، ولكن لا يتغير الإعراب، فلذا لم أتعرض لها، والمعنى: فلما وجدا طعمها آخذين في الأكل منها؛ أخذتهما العقوبة، وشؤم المعصية، فتهافت عنهما لباسهما، وظهرت لهما عوراتهما. انتهى بيضاوي. يقال: إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها، فلما أكلت؛ لم يصبها شيء؛ لأن المنهي عنه ما وجد كاملا (وهو للاثنين) وخفي هذا المعنى على آدم، فطمع ونسي هذا الحكم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. وقيل: نسي قوله: ﴿إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾. ﴿وَطَفِقا:﴾ أخذا، وشرعا، فهذا الفعل من أفعال الشروع. ﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي: يرقعان، ويلزقان ورقة فوق ورقة على القبل، والدبر.\nهذا؛ وخصف النعل خصفا: خرزها ورقعها، و(الورق) قيل: ورق التين. وقيل: ورق الموز.\n ﴿وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما..﴾. إلخ: قال البيضاوي: عتاب على مخالفة النهي، وتوبيخ على الاغترار بقول العدو. وفيه دليل على أن مطلق النهي للتحريم. انتهى. قال محمد بن قيس: ناداه ربه: يا آدم! لم أكلت منها؛ وقد نهيتك؟ قال: أطعمتني حواء. قال لحواء: لم أطعمته؟ قالت:\nأمرتني الحية. قال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس. قال الله: أما أنت يا حواء؛ فلأدمينك كل شهر كما أدميت الشجرة. وأما أنت يا حية؛ فأقطع رجليك، فتمشين على وجهك، وليشدخن رأسك كلّ من لقيك. وأما أنت يا إبليس؛ فملعون. بعد هذا انظر شرح: ﴿الشَّيْطانَ﴾ في الاستعاذة.\n ﴿عَدُوٌّ:﴾ هو ضد الصديق، وهو على وزن «فعول» بمعنى «فاعل» مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا. (قالوا): هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا،﴾ وقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع: أعداء؛ وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس: والعدا بالضم، والكسر: اسم الجمع.\n ﴿مُبِينٌ:﴾ هو اسم فاعل من: «أبان» الرباعي، أصله: «مبين»، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة.\nولا تنس: أن اسم الفاعل من: بان الثلاثي: «بائن». ﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢].","vol":"3","page":472},{"text":"تنبيه: يسأل: آدم معصوم، فكيف يخالف النهي؟ وأجيب بوجوه، منها: أنه اعتقد: أن النهي للتنزيه، لا للتحريم. ومنها: أنه نسي النهي. ومنها: أنه اعتقد نسخه بسبب مقاسمة إبليس له: أنه من الناصحين، فاعتقد أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا. انتهى جمل. أقول: وقد اختلف هل كان ذلك قبل النبوة، أو بعدها؟ والظاهر: أنه أعطي النبوة في الأرض.\nيروى: أن روح موسى التقت مع روح آدم ﵉، فقال موسى: يا آدم أكلت من الشجرة حتى سببت لذريتك العناء والشقاء! فقال آدم: يا موسى أنت رسول الله وكليمه، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بآلاف السنين؟ فحجّ آدم موسى. أي: غلبه بالحجة.\nالإعراب: ﴿فَدَلاّهُما:﴾ الفاء: حرف عطف. (دلاهما): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانَ﴾ والهاء مفعول به، والميم والألف في الجميع حرفان دالان على التثنية. ﴿بِغُرُورٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من المفعول به، أي: مغترين، والجملة الفعلية: ﴿فَدَلاّهُما..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وهي من تتمة التفسير للوسوسة. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿ذاقَا:﴾ ماض، والألف فاعله. ﴿الشَّجَرَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لمّا) وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿بَدَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. ﴿لَهُما:﴾ متعلقان به. ﴿سَوْآتُهُما:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بَدَتْ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، (طفقا): ماض ناقص، والألف اسمه. ﴿يَخْصِفانِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله. ﴿عَلَيْهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ وَرَقِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿وَرَقِ:﴾ مضاف، و﴿الْجَنَّةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَخْصِفانِ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (طفقا)، وجملة:\n ﴿وَطَفِقا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. (ناداهما): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿رَبُّهُما:﴾ فاعل، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿أَنْهَكُما:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا» والكاف مفعول به. ﴿عَنْ:﴾ حرف جر. ﴿تِلْكُمَا:﴾ التاء: اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب ﴿عَنْ،﴾ والجار والمجرور","vol":"3","page":473},{"text":"متعلقان بالفعل قبلهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الشَّجَرَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وجملة: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما..﴾. إلخ تفسير للنداء، لا محل لها من الإعراب، أو معمول لقول محذوف، أي: وقال؛ أو قائلا: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما..﴾. إلخ. انتهى جمل نقلا من أبي السعود، وجملة: ﴿وَناداهُما..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَقُلْ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿لَكُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ اسمها.\n ﴿لَكُما:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-977\"></span>﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿قالا﴾ أي: آدم وحواء. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿رَبَّنا﴾ أي: يا ربنا، وانظر الآية رقم [٣]. ﴿ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ أي: بارتكاب المعصية، وإخراجها من الجنة بسبب المخالفة لأمر الله تعالى، وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٦] (الأنعام). ﴿أَنْفُسَنا:﴾ انظر الآية رقم [٨]. ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا:﴾ ذنبنا، وتعف عنا. ﴿وَتَرْحَمْنا:﴾ وتتفضل علينا برحمتك، ورضاك.\n ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي: من الهالكين. قال قتادة: قال آدم: يا رب أرأيت إن تبت إليك، واستغفرتك، قال: إذا أدخلك الجنة، وأما إبليس؛ فلم يسأله التوبة، وسأله أن ينظره، فأعطى كل واحد منهما ما سأل. هذا؛ وقد ذكرت لك في الآية رقم [٣٧] (البقرة) أن الكلمات التي تلقاها آدم-أي: ألهمه ربه أن يقولها-هي ما في هذه الآية.\nتنبيه: قال الخازن: وقد استدل من يرى صدور الذنب من الأنبياء-عليهم الصلاة والسّلام- بهذه الآية. وأجيب عنها بأن درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام في الرفعة والعلو والمعرفة بالله ﷿، مما حملهم على الخوف منه، والإشفاق من المؤاخذة بما لم يؤاخذ به غيرهم، وأنهم ربما عوتبوا بأمور صدرت عنهم على سبيل التأويل، أو السهو، فهم بسبب ذلك خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم، وسيئات بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم، ومعاص كمعاصي غيرهم، فكان ما صدر منهم مع طهارتهم ونزاهتهم، وعمارة بواطنهم بالوحي السماوي، والذكر القدسي، وعمارة ظواهرهم بالعمل الصالح، والخشية لله ﷿ ذنوبا؛ وهي حسنات بالنسبة إلى غيرهم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.\nانتهى. بحروفه. وانظر الآية رقم [١٠٦] (النساء) والآية رقم [٤٣] (التوبة).\nالإعراب: ﴿قالا:﴾ ماض، وألف الاثنين فاعله. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ظَلَمْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب:","vol":"3","page":474},{"text":"﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿أَنْفُسَنا:﴾ مفعول به، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم، واللام الموطئة للقسم محذوفة. التقدير: ولئن، دل على ذلك الجملة المؤكدة بنون التوكيد الثقيلة. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم، ﴿تَغْفِرْ:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف، تقديره: «ذنبنا». ﴿لَنا:﴾ متعلقان ب ﴿تَغْفِرْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَتَرْحَمْنا:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، مجزوم مثله، والفاعل تقديره: «أنت»، و(نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لَنَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، واللام واقعة في جواب القسم المقدر، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (نكونن) والجملة الفعلية هذه لا محل لها؛ لأنها جواب للقسم المقدر، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم المقدر عليه، على القاعدة: (إذا اجتمع شرط، وقسم؛ فالجواب للسابق منهما). بعد هذا: كل الجمل الموجودة في هذه الآية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\nفائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الرب قد كثر حذف يا النداء منه في القرآن، وعلة ذلك: أن في حذف «يا» من نداء الرب تعالى، فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك، إذا قلت: يا زيد، فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت «يا» من نداء الرب؛ ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن «يا» تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف «يا» التعظيم والإجلال والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام في نداء الرب. لذلك المعنى. انتهى.\nفائدة: وقال أيضا في التركيب: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا:﴾ دخلت (إن) على ﴿لَمْ﴾ ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأن ﴿لَمْ﴾ تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و(إن) تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت ﴿لَمْ﴾ ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي؛ ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأن (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.\n\n<span id=\"aya-978\"></span>﴿قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اِهْبِطُوا:﴾ انزلوا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣]. ﴿مُسْتَقَرٌّ:﴾ استقرار، أو موضع استقرار، وقال السدي: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ يعني: القبور. ويضعفه ما بعده. ﴿وَمَتاعٌ:﴾ انتفاع، وتلذذ، وتمتع. واستمتع بكذا: انتفع به،","vol":"3","page":475},{"text":"والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء، وأمتعه الله، ومتعه بكذا بمعنى واحد. وانظر الآية رقم [٧٠] (يونس) ﴿إِلى حِينٍ﴾ إلى يوم القيامة، أو إلى الموت. وهو أولى.\nتنبيه: ذكر القرطبي، وغيره: أن آدم أهبط به سرنديب من الهند بجبل، يقال له: بوذ، وأهبطت حواء بجدة من الحجاز، وأهبط إبليس بالأبلة-بضم الهمزة، والموحدة، وتشديد اللام- جبل قرب البصرة. وقيل: بجدة، وأهبطت الحية بسجستان. وقيل: بأصبهان. هذا؛ وسجستان، أكثر بلاد الله حيات، ولولا العربدّ ما يأكلها، ويفني كثيرا منها؛ لأخليت سجستان من أجل الحيات، ذكره أبو الحسن المسعودي. هذا؛ والعربد: الذكر الكبير من الأفاعي. وهو بكسر العين وتشديد الدال، وبكسر الباء وفتحها.\nتنبيه: لقد اختلف في الجنة التي أسكن الله بها آدم، وحواء، ثم أخرجهما منها، فالجمهور على أنها جنة المأوى أخذا بظواهر الآيات، والأحاديث، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وحديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يجمع الله الناس، فيا قوم المؤمنون حين تزدلف الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنّة إلاّ خطيئة أبيكم». قال ابن كثير في البداية والنهاية: وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في الدلالة على أنها جنة المأوى. وليست تخلو من النظر.\nوقال فريق من العلماء: إن الجنة التي سكنها آدم، وحواء كانت من جنات الدنيا؛ لأنه كلّف فيها ألا يأكل من الشجرة، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس فيها، ووسوس إليه، ولغا آدم، وعصى ربه فيها، وهذا ينافي أنها جنة المأوى. وقد حكي هذا القول عن أبيّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، ﵃ أجمعين. انتهى من قصص الأنبياء للنجار بتصرف كبير.\nأقول: والذي نرتضيه: أنها جنة المأوى، وهي مخلوقة من قبل أن يخلق الله آدم، خلافا لمن زعم: أن الجنة غير موجودة الآن، وأن الله يخلقها يوم القيامة. دليل وجودها قوله تعالى:\n ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ كما أن النار موجودة الآن بدليل قوله تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾.\nوما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٣] من (آل عمران) فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، وينبغي أن تعلم: أن الكلام أتى للمتكلم (قلنا) في الآية رقم [٣٦] (البقرة) ﴿اِهْبِطُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ومتعلق الفعل محذوف، تقديره: منها، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾","vol":"3","page":476},{"text":"متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. (لكم): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان ب: ﴿مُسْتَقَرٌّ،﴾ وقد جوز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المستتر في: (لكم). ﴿مُسْتَقَرٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. وقيل: مستأنفة، والأول أقوى.\n ﴿وَمَتاعٌ:﴾ معطوف على مستقر عطف مفرد على مفرد. ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان ب (متاع)، أو بمحذوف صفة له، التقدير: «متاع ممتد إلى حين».\n\n<span id=\"aya-979\"></span>﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿تَحْيَوْنَ:﴾ تعيشون، والخطاب لآدم وذريته ولإبليس ولذريته، وأصل الفعل: «تحييون» تحركت الياء الثانية وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار: (تحياون) ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿وَفِيها تَمُوتُونَ﴾ أي: وتقبرون.\n ﴿وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ أي: يخرجكم ربكم من الأرض للحساب، والجزاء. وهذا الفعل يقرأ بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول. ومعنى هذه الآية قريب من معنى قوله تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَحْيَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وما بعدها معطوف عليها، والإعراب واضح، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة؛ لا محل لها من الإعراب.\n<span id=\"aya-980\"></span>﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا﴾ أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماوية، وأسباب نازلة، ينزل المطر من السماء، فينبت بسببه القطن، ونحوه. وقيل في توجيهه: جميع بركات الأرض تنسب إلى السماء، وإلى الإنزال، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾. ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ:﴾ يستر عوراتكم التي أراد الشيطان كشفها منكم، ويغنيكم عن سترها بورق الشجر، ونحوه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (المائدة). ﴿وَرِيشًا:﴾ الريش للطائر معروف. فهو لباسه، وزينته، كالثياب للإنسان، فاستعير لفظه للإنسان؛ لأنه لباسه، وزينته. هذا؛ ونقل عن ابن عباس﵄تفسيره بالمال، قال الخازن: وهو قول مجاهد، والضحاك والسدي؛ لأن المال ما يتزين به.","vol":"3","page":477},{"text":"ويقال: تريش الرجل: إذا تمول. هذا؛ وقد قيل: إن المراد به الأثاث الذي يفرش في البيوت، ويتزين به. ولا بأس به. وخذ قول جرير في مدح هشام بن عبد الملك: [الوافر]\nفريشي منكم، وهواي معكم... وإن كانت زيارتكم لماما\nأي: فلباسي الفاخر، أو مالي الكثير. ﴿وَلِباسُ التَّقْوى:﴾ قال الخازن: اختلف العلماء في معناه، فمنهم من حمله على نفس الملبوس، وحقيقته، ومنهم من حمله على المجاز. أما من حمله على نفس الملبوس؛ فاختلفوا أيضا في معناه، فقال ابن الأنباري: هو اللباس الأول، وإنما أعاده إخبارا: أن ستر العورة من التقوى. وقال زيد بن علي: هو آلات الحروب كالدرع، والمغفر.\nوقيل: هو الصوف، والخشن من الثياب؛ التي يلبسها أهل الزهد، والورع. وقيل: هو ستر العورة في الصلاة. وأيضا اختلف في معناه من حمله على المجاز، فقال قتادة، والسدي: هو الإيمان؛ لأن صاحبه يتقي به من النار، وقال ابن عباس﵄-: هو العمل الصالح، وقال الحسن: هو الحياء، وقال عثمان بن عفان ﵁: هو السمت الحسن. وقال عروة بن الزبير: هو خشية الله. وقال الكلبي: هو العفاف. فعلى هذه الأقوال: إن لباس التقوى خير لصاحبه، إذا أخذ به مما خلق الله من لباس التجمل، وزينة الدنيا، وأنشدوا في المعنى: [الطويل]\nإذا أنت لم تلبس ثيابا من التّقى... عريت وإن وارى القميص قميص\nانتهى. بتصرف كبير. بعد هذا: فالتقوى: هي حفظ النفس من العذاب الأخروي، بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من: الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة. وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). ﴿خَيْرٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ:﴾ يعني خلق اللباس الذي تسترون به عوراتكم، وتتقون به أذى الحر والبرد، وغير ذلك مما ذكر، كل ذلك دليل على قدرة الله، وداع إلى معرفته وعبادته.\n ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ:﴾ لعلهم يذكرون نعمة الله عليهم، فيشكرونها. والترجي في هذه الآية، وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لشيء من عباده. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا!.\nالإعراب: ﴿يا بَنِي:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(بني) مضاف، و﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِباسًا:﴾ مفعول به. ﴿يُوارِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿لِباسًا﴾. ﴿سَوْآتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن","vol":"3","page":478},{"text":"الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿وَرِيشًا:﴾ معطوف على: ﴿لِباسًا،﴾ وجملة: ﴿يُوارِي..﴾. إلخ في محل نصب صفة:\n ﴿لِباسًا،﴾ وجملة: ﴿قَدْ أَنْزَلْنا..﴾. إلخ في محل نصب حال من المنادى على حد قول القائل: [البسيط]\nيا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته\n ﴿وَلِباسُ:﴾ يقرأ بالنصب عطفا على لباسا، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ. و(لباس) مضاف، و﴿التَّقْوى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ نعتا ل (لباس) أي: المذكور، والمشار إليه، وأن يكون بدلا، أو عطف بيان، و﴿خَيْرٌ﴾ الخبر. وقيل: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: «وساتر عوراتكم لباس التقوى». أو على العكس، أي: «ولباس التقوى ساتر عوراتكم». انتهى عكبري. ﴿ذلِكَ:﴾\nمبتدأ... إلخ. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿آياتِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾\nمضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَذَّكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفيدة للتعليل تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-981\"></span>﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ أي: لا يصرفنكم الشيطان عن الدين، وعن أوامر الله تعالى. ﴿كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ أي: كما تسبب في إخراج أبويكم آدم، وحواء من الجنة بسبب وسوسته لهما. قال الخازن: والمعنى: أن من قدر على إخراج أبويكم من الجنة بوسوسته، وشدة عداوته؛ فبأن يقدر على فتنتكم بطريق الأولى.\nفحذر الله بني آدم، وأمرهم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان، وغروره، وتزيينه القبائح، وتحسينه الأفعال الرديئة في قلوب بني آدم.\nهذا؛ وفي: ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾ تغليب الأب على الأم. وانظر الآية رقم [١٥١] (الأنعام). ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما:﴾ أضاف سبحانه نزع اللباس إلى الشيطان؛ لأنه كان بسبب وسوسته، وانظر (اللباس) في الآية رقم [٢٠] و﴿يَنْزِعُ﴾ حكاية أمر قد وقع؛ لأن نزع اللباس عنهما كان قبل","vol":"3","page":479},{"text":"الإخراج. ﴿سَوْآتِهِما:﴾ انظر الآية رقم [٢٠]. ﴿وَقَبِيلُهُ:﴾ جنوده، وأعوانه، وذريته. هذا؛ و(القبيل) جمع: قبيلة، وهي الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضهم بعضا، وقال الليث: كل جيل من إنس، وجن قبيل. ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ،﴾ فهذا نص صريح على أن الشياطين يروننا، ولا نراهم. قال العلماء: إن الله خلق في عيون الجن إدراكا، يرون بذلك الإدراك الإنس، ولم يخلق في عيون الإنس هذا الإدراك، فلم يروا الجن. انتهى.\nولهذا كانت محاربة الشيطان، والتحرز من كيده أشد من محاربة عدو الحرب والمبارزة في الميدان، فعن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ قال «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم». وجعلت صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى، كما قال تعالى ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾. وقال مجاهد: قال إبليس: جعل لنا أربعة: نرى، ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ يتولون أمورهم، ويتلاعبون بهم كما يشاءون، وانظر الآية رقم [٣]. هذا؛ وأما المؤمنون؛ فهم في أمان من كيدهم، وحرز من شرهم. بعد هذا انظر شرح (الشيطان) في الاستعاذة. هذا؛ وقد قال البيضاوي: والآية مقصود القصة، وفذلكة الحكاية.\nفائدة: قال ذو النون-رحمه الله تعالى-: إن كان هو يراك من حيث لا تراه؛ فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه، وهو الله الكريم الستار، الرحيم الغفار. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nفائدة: «حيث» مبنية، وإنما بنيت؛ لأنها لا تدل على موضع بعينه، ولأن ما بعدها من تمامها كالصلة من الموصول، وبنيت على حركة؛ لأن قبل آخرها ساكنا، وكان الضم أولى بها بحركتها؛ لأنها غاية، فأعطيت غاية الحركات، وهي الضمة؛ لأن الضمة أقوى الحركات.\nوقيل: بنيت على الضم؛ لأن أصلها: «حوث» فدلت الضمة على الواو، وبجوز فتحها. وفي حيث ست لغات: بالياء مع الضم والفتح والكسر، والواو مع الضم، والفتح، والكسر، وهي:\nحيث، وحيث، وحيث، وحوث، وحوث، وحوث.\nالإعراب: ﴿يا بَنِي آدَمَ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿يَفْتِنَنَّكُمُ:﴾ مضارع على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم بلام الناهية، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. هذا؛ والنهي في اللفظ ل: ﴿الشَّيْطانُ﴾ ورأيت في الشرح المراد منه. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، ولا تصالح الحالية هنا؛ لأنها إنشائية: ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):\nمصدرية. ﴿أَخْرَجَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿أَبَوَيْكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير:\n «لا يفتننكم الشيطان فتنة كائنة، أو مثل فتنة أبويكم». وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في","vol":"3","page":480},{"text":"مثل هذا أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿يَنْزِعُ:﴾ مضارع، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿عَنْهُما:﴾ متعلقان به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿لِباسَهُما:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُرِيَهُما:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيضا، والهاء: مفعول به. ﴿سَوْآتِهِما:﴾ مفعول به منصوب كما في الآية السابقة، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَنْزِعُ﴾ والجملة الفعلية:\n ﴿يَنْزِعُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل أخرج المستتر، أو من أبويكم، والرابط على الاعتبارين هو الضمير فقط. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَراكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾ والكاف مفعول به، والفعل بصري فلذا اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: (إنّ...) إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر في الفعل. ﴿وَقَبِيلُهُ:﴾ معطوف على الضمير المستتر في الفعل، وسوغ ذلك توكيده بالضمير المنفصل، والهاء في محل جر بالإضافة.\nهذا؛ وقرئ بالنصب، وخرج على وجهين: أحدهما عطفه على اسم (إنّ)، وثانيهما على أنه مفعول معه. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. والجملة الفعلية: ﴿لا تَرَوْنَهُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): في محل نصب اسمها، وقد حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر الآية رقم [٩].\n ﴿الشَّياطِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿أَوْلِياءَ﴾ وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة:\n ﴿جَعَلْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليل آخر للنهي، فهي مؤكدة لسابقتها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-982\"></span>﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أي: فعل العرب فعلة متناهية في القبح، والشناعة، كعبادة الصنم، وكشف العورة في الطواف. ويدخل فيها جميع المعاصي، والكبائر. ﴿قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها:﴾ اعتذروا عن كفرهم، وسوء أعمالهم، واحتجوا بأمرين: تقليد الآباء،","vol":"3","page":481},{"text":"والكذب على الله تعالى، فأعرض الله عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ وبين سبحانه في الآية رقم [١٧٠] (البقرة) أن آباءهم كانوا لا يعقلون، ولا يهتدون إلى طريق السداد، والرشاد. والمعنى: إن هذه الأفعال التي كانوا يفعلونها هي نفسها قبيحة، تأباها العقول السليمة، فكيف يأمر الله بها ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ، أي: أتفترون على الله الكذب، وتنسبون إليه أمورا، لا مستند لكم في ذلك؟! أي: من غير علم تقولون ذلك على الله. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة، وانظر الآية رقم [٦٨] من سورة (يونس).\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَعَلُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فاحِشَةً:﴾ مفعول به.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر الآية رقم [٥]. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به أول، و(نا): في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿وَجَدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها يحتمل العطف على جملة الصلة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ويحتمل الاستئناف، فلا محل له على الوجهين. (الله): مبتدأ. ﴿أَمَرَنا:﴾\nماض، والفاعل يعود إلى (الله)، و(نا): مفعول به. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿قُلْ:﴾ أمر، والفاعل تقديره:\n «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْمُرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والمفعول محذوف، تقديره: «أحدا» ونحوه. ﴿بِالْفَحْشاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وهما المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَتَقُولُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. (تقولون): فعل، وفاعل. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مقول القول، وصح ذلك؛ لأنها كناية عن كلام كثير. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف: إذ التقدير: ما لا تعلمونه، والجملة الفعلية: ﴿أَتَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-983\"></span>﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ أمر موجه للنبي ﷺ كسابقه، ولاحقه. ﴿أَمَرَ:﴾ هذا الفعل يتعدى","vol":"3","page":482},{"text":"لمفعولين، الثاني منهما مجرور بحرف جر في الغالب، وجاء منصوبا في الشعر، وهو كثير.\n ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ العدل، وهو الوسط في كل أمر، المتجافي عن طرفي: الإفراط، والتفريط.\nوقال الخازن: فالأمر بالقسط في هذه الآية يشتمل على معرفة الله بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأنه واحد لا شريك له. ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ:﴾ توجهوا إلى عبادة الله مستقيمين غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود، أو مكانه، وهو الصلاة، أو في أي مسجد حضرتكم الصلاة، ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: اعبدوا الله مخلصين له الطاعة والعبادة والدعاء، لا تشركوا معه أحدا من خلقه. ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥].\n ﴿رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الدِّينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٦١] (الأنعام). هذا؛ وقد خص الله الوجوه بالذكر؛ لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة، وفيها أكثر الحواس النافعة، ولأنها مظهر آثار الخشوع، والخضوع، ولأنها مواضع السجود، ولا تنس: أن الوجه ما تتم به المواجهة، وسمي وجها لذلك.\nهذا؛ و﴿مَسْجِدٍ﴾ اسم مكان، وهو بكسر الجيم، والقياس فتحها؛ لأن اسم المكان، والزمان يكونان على وزن: مفعل بفتح العين؛ إن كانا مأخوذين من ماض ثلاثي يجيء مضارعه بفتح العين، أو ضمها، كمذهب ومنظر، وبكسرها إن كانت عين المضارع مكسورة كمجلس ومنزل، وكما خرج مسجد عن القياس، خرج كثير مثل: المشرق، والمغرب، والمنبت، والمسقط، والمرفق والمنخر والمجزر، والمظنة. مع أن مضارعها مضموم العين. وانظر الآية رقم [١١٥] من سورة (البقرة).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَمَرَ:﴾ ماض. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، تقديره: «عباده».\n ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني، وجملة: ﴿أَمَرَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١].\n ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿مَسْجِدٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وفي عطف الجملة: ﴿وَأَقِيمُوا..﴾. إلخ على ما قبلها أقوال، وتأويلات، وتوجيهات كثيرة، منها: أن التقدير: وقال: أقيموا... إلخ، فحذف «قال» لدلالة الكلام عليه. ومنها: أن العطف على معنى بالقسط؛ إذ المعنى: أقسطوا، وأقيموا... إلخ.\nومنها: أن العطف على محذوف، التقدير: فاقبلوا، وأقيموا... إلخ، وعلى هذا فالفاء هي الفصيحة، وهذا كله للتخلص من عطف الإنشاء على الخبر، (ادعوه): فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أقيموا) على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون","vol":"3","page":483},{"text":"عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ:﴾\nمفعوله، ولذا فيه ضمير مستتر هو فاعله.\n\n<span id=\"aya-983\"></span><span id=\"aya-984\"></span>﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي: كما أنشأكم ابتداء من العدم يعيدكم يوم القيامة بعد الفناء، فيجازيكم على أعمالكم. فأخلصوا له العبادة. وإنما شبه الإعادة بالابتداء تقريرا لإمكانها، والقدرة عليها. وقيل: كما بدأكم من التراب تعودون إليه. وقيل: كما بدأكم حفاة، عراة، غرلا تعودون. وقيل: كما بدأكم مؤمنا، وكافرا يعيدكم. انتهى. بيضاوي بتصرف.\nقال ابن عباس﵄-: إن الله ﷿ بدأ خلق بني آدم مؤمنا، وكافرا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ثم يعيدهم يوم القيامة، كما بدأ خلقهم مؤمنا، وكافرا. وحجة هذا القول قوله في سياق الآية: ﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ فإنه كالتفسير له، ويدل على صحة ذلك ما روي عن جابر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يبعث كلّ عبد على ما مات عليه». أخرجه مسلم، زاد البغوي في روايته:\n «المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره». انتهى خازن.\n ﴿فَرِيقًا هَدى:﴾ هداهم الله للإيمان به، ومعرفته، ووفقهم لطاعته، وعبادته. ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ يعني: وخذل فريقا؛ حتى وجبت عليهم الضلالة للسابقة التي سبقت لهم في الأزل بأنهم أشقياء.\nوفيه دليل على أن الهدى، والضلالة من الله ﷿. ولما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه، ضلّ». أخرجه الترمذي.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٨] (النساء) فإنه جيد. هذا؛ و(الفريق) الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع، لا واحد له من لفظه، كرهط، وقوم. ﴿الشَّياطِينَ:﴾\nانظر الاستعاذة، والآية رقم [١١٢] (الأنعام). ﴿أَوْلِياءَ:﴾ يتولون أمورهم، ويتلاعبون بهم. وانظر الآية رقم [٢]. ﴿دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿وَيَحْسَبُونَ:﴾ ماضيه حسب، فهو من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها، والمصدر: الحسبان (بكسر الحاء) وحسبت المال حسبا من باب: قتل، بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ المعنى: أنهم مع ضلالتهم يظنون، ويحسبون: أنهم على هداية، وحق. وفيه دليل على أن الكافر الذي يظن: أنه في دينه على الحق، والجاحد، والمعاند في الكفر سواء.","vol":"3","page":484},{"text":"الإعراب: ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿بَدَأَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، و(ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله ما بعده، التقدير: «تعودون عودا مثل بدئكم». وقيل: تقديره: «تخرجون خروجا مثل بدئكم». انتهى. مكي. والأول أليق بلفظ الآية الكريمة. انتهى. جمل. ﴿تَعُودُونَ:﴾ فعل، وفاعل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي تعليل لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا..﴾. إلخ، فتكون على حد قوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ الآية رقم [١٩٨] (البقرة). ﴿فَرِيقًا:﴾ مفعول به مقدم. ﴿هَدى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿فَرِيقًا:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير:\nوأضل، أو خذل فريقا، والجملة الفعلية السابقة في محل نصب حال من فاعل ﴿بَدَأَكُمْ،﴾ التقدير:\n «هاديا فريقا». والثانية معطوفة عليها، والتقدير: «وخاذلا فريقا». هذا؛ وجوز اعتبار ﴿فَرِيقًا﴾ حالا من واو الجماعة، التقدير: «تعودون فريقين: سعداء وأشقياء». يقوي هذا قراءة أبيّ: «(تعودون فريقين فريقا هدى...)» إلخ. انتهى قرطبي. أقول: وهذا يعني: أن فريقا بدل من: «فريقين» وتكون جملة:\n ﴿هَدى﴾ صفة: ﴿فَرِيقًا﴾ وجملة: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ صفة: ﴿فَرِيقًا﴾ الثاني على كل حال.\n ﴿إِنَّهُمُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿الشَّياطِينَ:﴾ مفعوله الأول ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعوله الثاني. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَوْلِياءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿دُونِ:﴾\nمضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّهُمُ..﴾. إلخ تعليل لخذلان من حقّ عليهم الضلالة. هذا؛ وقرئ بفتح الهمزة، وعليه ف: (إنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنهم... إلخ، والجار والمجرور بعد السبك متعلقان بالفعل: ﴿حَقَّ﴾. (يحسبون): فعل، وفاعل. ﴿إِنَّهُمُ:﴾ أن واسمها. ﴿مُهْتَدُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (يحسبون)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-985\"></span>﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ:﴾ البسوا ثيابكم، وتجملوا فيها إذا أردتم الصلاة في أي مسجد كان. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا:﴾ الأمر للإباحة إلا ما سد الرمق، وأقام البدن؛ فإنه واجب. ﴿وَلا تُسْرِفُوا:﴾ بتحريم الحلال، أو بالتعدي إلى الحرام، أو بإفراط الطعام، والشره فيه. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ:﴾ لا يرتضي فعلهم.","vol":"3","page":485},{"text":"تنبيه: نزلت الآية الكريمة في أمرين: الأول كانت المرأة في الجاهلية تطوف بالكعبة عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا؟ أي: شيئا تجعله على فرجها، وهي تقول: [الرجز]\nاليوم يبدو بعضه أو كلّه... وما بدا منه فلا أحلّه\nفأمر الله بني آدم عامة بلبس الثياب، والتجمل بها في كل مسجد دخلوه. وتقدم: أن ستر العورة واجب في غير الصلاة أيضا. والأمر الثاني: كان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم، فهمّ المسلمون بذلك، فأمرهم الله بالأكل الذي يقيم أودهم، ويحفظ صحتهم.\nتنبيه: الإسراف: مجاوزة الحد، وهو مذموم في كل شيء، والمراد هنا: النهي عنه في الأكل، والشرب. والإسراف فيهما يكون بأحد أمرين.\nالأول: المغالاة في ثمنهما. والثاني: المغالاة في تعاطيهما. فالأول أن يكلف العبد نفسه ما لا طاقة له به ماليّا؛ حيث لا يأكل إلا الطعام الفاخر؛ ووضعه المالي لا يتحمل هذا. ويدخل في ذلك المغالاة في اللباس الفاخر.\nوالأمر الثاني: يراد به التضلع في الطعام، والشراب. وهذا فوق: أنه إسراف في المال مضر بالصحة، والبدن، وقد أرشدنا الرسول المعظم ﷺ، إلى الاعتدال في الأكل، والشراب، وفي ذلك ما يغني عن كلام الأطباء، بل ولا يحوج إلى الوقوف عليهم، فقال ﵊: «ما ملأ آدميّ وعاء شرّا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة؛ فثلاث لطعامه، وثلاث لشرابه، وثلاث لنفسه». أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معديكرب.\nقال علماؤنا: لو سمع بقراط هذه القسمة؛ لعجب من هذه الحكمة. ويذكر: أنه كان للرشيد طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان! فقال له علي: قد جمع الطب كله في نصف آية من كتابنا، فقال له: ما هي؟ قال قوله ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ فقال النصراني:\nولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب، فقال علي: جمع رسول الله ﷺ الطب في ألفاظ يسيرة، قال: ما هي؟ قال: «المعدة بيت الأدواء، والحمية رأس كلّ دواء، وأعط كلّ جسد ما عوّدته».\nفقال النصراني: ما ترك كتابكم، ولا نبيكم لجالينوس طبّا! وقال عبد الله بن عباس﵄-: كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف، ومخيلة.\n ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ يعني: إن الله لا يحب من أسرف في المأكول، والمشروب، والملبوس. وفي هذه الآية وعيد شديد لمن أسرف في هذه الأشياء؛ لأن محبة الله تعالى عبارة","vol":"3","page":486},{"text":"عن رضاه عن العبد، وإيصال الثواب إليه، وإذا لم يحبه؛ علم أنه تعالى ليس راضيا عنه. انتهى خازن. وانظر الآية رقم [١٤١] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: ﴿يا بَنِي آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦]. ﴿خُذُوا:﴾ فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿زِينَتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿مَسْجِدٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿خُذُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها، والجملتان ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا):\nناهية جازمة. ﴿تُسْرِفُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الْمُسْرِفِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-986\"></span>﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للرسول ﷺ كسابقه، ولا حقه. والمعنى: قل لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة، والذين يحرمون على أنفسهم في أيام الحج اللحم والدسم.\nانتهى. خازن. ﴿زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ أي: من النبات، كالقطن، والكتان. ومن الحيوان، كالحرير، والصوف، ومن المعادن كالدروع انتهى. بيضاوي وغيره. ﴿وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ:﴾\nالمستلذات من المآكل، والمشارب. وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس، وأنواع التجملات الإباحة؛ لأن الاستفهام في ﴿مَنْ﴾ للإنكار. ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ ويشركهم فيها المشركون، والملحدون، والفاسقون فهي لهم أصالة، ولغيرهم تبعا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ﴾. ﴿خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: الطيبات من الرزق من اختصاص المؤمنين في الآخرة، ولا حظّ لغيرهم فيها، بل على العكس يعذبون في نار جهنم العذاب الأليم، ويعاقبون العقاب الشديد. ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ..﴾. إلخ: أي: نبين الحلال، ونوضحه، ونبين الحرام، ونوضحه بيانا شافيا كافيا لقوم علموا: أني أنا الله وحدي، لا شريك لي، فأحلوا حلالي، وحرموا","vol":"3","page":487},{"text":"حرامي. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿قُلْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اللهِ:﴾\nانظر الاستعاذة. ﴿لِعِبادِهِ:﴾ جمع: عبد، وهو يطلق على الإنسان حرّا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد أيضا، وعلى غيره. (الإيمان): انظر الآية رقم [١]. ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] (الأنعام) ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢] منها. ﴿الْآياتِ﴾ انظر الآية رقم [٩].\n ﴿لِقَوْمٍ:﴾ اسم جمع، لا واحد له من لفظه: مثل: نفر، ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]\nوما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ: (يا قوم) في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا.\nتنبيه: الآية صريحة في إباحة الطيبات من الطعام، والشراب، والفاخر من الثياب، وقد أكل السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم الطيبات، وتمتعوا بالفاخر من الثياب، وإذا كان بعض الناس يقتّرون على أنفسهم وأولادهم في المأكول والمشروب مع القدرة، ويلبسون الخشن والرث من المتاع باسم الزهد والورع والتقوى، فإنه ليس من الإسلام في قليل ولا كثير، بل إنه إنكار وجحود لنعم الله تعالى، والله يحب أن يرى أثر نعمه على عباده، كما أنه جميل يحب من عباده أن يتجملوا، ولا سيما في بعض الحالات، وكثير من المناسبات كالجمع والأعياد، وزيارة الإخوان والأصدقاء. والتظاهر بالزهد عن طريق الخشونة في العيش، ولبس الثياب الخشنة مع سوء العمل لا يجدي فتيلا، كما أن تناول المستلذات من الطعام والشراب، ولبس الثياب الناعمة مع حسن العمل، وامتثال أوامر الله لا يضر قليلا ولا كثيرا، ورحم الله الشافعي إذ يقول: [الكامل]\nحسّن ثيابك ما استطعت فإنّها... زين الرّجال بها تعزّ وتكرم\nودع التّخشّن في الثّياب تواضعا... فالله يعلم ما تسرّ وتكتم\nفجديد ثوبك لا يضرّك بعد ما... تخشى الإله وتتّقي ما يحرم\nورثيث ثوبك لا يزيدك رفعة... عند الإله وأنت عبد مجرم\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حَرَّمَ:﴾ ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿مَنْ﴾.\n ﴿زِينَةَ:﴾ مفعول به، و(هو) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿زِينَةَ اللهِ﴾. ﴿أَخْرَجَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾.","vol":"3","page":488},{"text":"﴿لِعِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: التي أخرجها الله لعباده. ﴿وَالطَّيِّباتِ:﴾\nمعطوف على: ﴿زِينَةَ اللهِ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنها جمع مؤنث سالم. ﴿مِنَ الرِّزْقِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (الطيبات) أو بمحذوف حال منه على اعتبار «ال» فيه للتعريف، أو بمحذوف صفة له، على اعتبار «ال» فيه للجنس، وجملة:\n ﴿حَرَّمَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ حَرَّمَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هِيَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿خالِصَةً:﴾ بالنصب حال من الضمير المستتر في متعلق:\n ﴿لِلَّذِينَ﴾ إذ التقدير: هي مستقرة وثابتة للذين آمنوا... خالصة لهم يوم القيامة. هذا؛ وقد قرأ بالرفع نافع وحده، ويخرج على وجهين: أولهما على أنه خبر ثان للمبتدإ، وثانيهما على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي خالصة لهم. والظرف: ﴿يَوْمَ﴾ متعلق ب: ﴿خالِصَةً﴾ على الوجهين، و﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. خذ هذا الإعراب، وتوكل على الكريم الوهاب، ثم بعد ذلك أنقل لك ما قاله أبو البقاء بحروفه؛ لتكون على بصيرة من أمرك.\nقال رحمه الله تعالى: ﴿هِيَ﴾ مبتدأ وفي الخبر ستة أوجه: أحدها: (خالصة) على قراءة من رفع، فعلى هذا تكون اللام متعلقة ب (خالصة) أي: هي خالصة لمن آمن في الدنيا، و﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ظرف ل ﴿خالِصَةً،﴾ ولم يمتنع تعلق الظرفين بها؛ لأن اللام للتبيين، والثاني ظرف محض، و﴿فِي﴾ متعلقة ب ﴿آمَنُوا﴾. والثاني: أن يكون الخبر ﴿لِلَّذِينَ﴾ و(خالصة) خبر ثان، و﴿فِي﴾ متعلقة ب ﴿آمَنُوا﴾. والثالث: أن يكون الخبر ﴿لِلَّذِينَ﴾. و﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ معمول الظرف الذي هو اللام، أي يستقر للذين آمنوا في الحياة الدنيا. و(خالصة): خبر ثان. والرابع:\nأن يكون الخبر ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،﴾ و﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق ب ﴿خالِصَةً،﴾ والخامس أن تكون اللام حالا من الظرف الذي بعدها على قول الأخفش، والسادس أن تكون ﴿خالِصَةً﴾ نصبا على الحال على قراءة من نصب، والعامل فيها: ﴿لِلَّذِينَ،﴾ أو ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ إذا جعلته خبرا، وحالا، والتقدير: «هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، في حال خلوصها لهم يوم القيامة». أي: إن الزينة يشاركون فيها في الدنيا، وتخلص لهم في الآخرة. انتهى.\nوقال مكي: وقد قال الأخفش: إن قوله: ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ متعلق بقوله: ﴿أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ ف: ﴿أَخْرَجَ﴾ هو العامل في الظرف. وقيل: قوله: ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ متعلق ب ﴿حَرَّمَ﴾ فهو العامل","vol":"3","page":489},{"text":"فيه. والمعنى على قول الأخفش: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده في الحياة الدنيا. وعلى قول غيره. قل: من حرم في الحياة الدنيا زينة الله؛ التي أخرج لعباده. انتهى. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، وتقدير الكلام: «نفصل الآيات تفصيلا كائنا مثل ذلك التفصيل». ﴿نُفَصِّلُ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم) والمفعول محذوف، التقدير: لقوم يعلمون ذلك، وهو من المعرفة لا العلم. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال). والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-987\"></span>﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هو مثل سابقه. ﴿حَرَّمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٥] (الأنعام) ﴿رَبِّيَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الْفَواحِشَ:﴾ كبائر الذنوب، أو الزنى خاصة. ﴿ما ظَهَرَ مِنْها:﴾ ما يطلع عليه الناس منها. ﴿وَما بَطَنَ:﴾ الذي لم يطلع عليه أحد إلا الله تعالى. ﴿وَالْإِثْمَ:﴾ المعاصي، والمنكرات على جميع أنواعها، واختلاف درجاتها، فيكون من عطف العام على الخاص.\nوقيل: الإثم صغائر الذنوب، فيكون من عطف الخاص على العام. هذا؛ وقد قيل: الإثم: اسم من أسماء الخمرة، وهو قول الحسن، وعطاء. قال الجوهري: وقد تسمى الخمر إثما، واستدل عليه بقول بعض الجاهليين: [الوافر]\nشربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول\nوقال ابن سيده صاحب المحكم: وعندي: أن تسمية الخمر بالإثم صحيح؛ لأن شربها إثم.\nوأنكر أبو بكر بن الأنباري تسمية الخمر بالإثم، قال: لأن العرب ما سمته إثما قط في جاهلية، ولا في إسلام، ولكن قد يكون الخمر داخلا تحت الإثم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. انتهى خازن. ﴿وَالْبَغْيَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٦] الأنعام ﴿الْحَقِّ:﴾ خلاف الباطل.\nقال الراغب: أصل (الحق) المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقه لدورانه على الاستقامة، و(الحق) يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى:\nهو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله تعالى كله حق، نحو الموت، والرزق، والحساب... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في","vol":"3","page":490},{"text":"نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق، وللفعل والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو قولك حق، وفعلك حق. ويقال: أحققت ذا، أي: أثبته حقّا، أو حكمت بكونه حقّا. انتهى بغدادي.\n ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ:﴾ الشرك: أن تجعل لله ندّا في العبادة، أو تصف إنسانا بصفة من صفات الله تعالى، أو تجعل لإنسان تأثيرا في فعل من أفعال الله تعالى. وهذا هو الشرك الظاهر، وهناك أنواع كثيرة من الشرك، منها: الرياء، وهو خفي لا يدركه إلا من منحه الله علما من عنده، وتوفيقا من هدايته. فعن محمود بن لبيد﵁أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله! قال:\n «الرّياء، يقول الله ﷿ إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!». رواه أحمد، والبيهقي. وعن شداد بن أوس﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي؛ فقد أشرك، ومن صلّى يرائي؛ فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي؛ فقد أشرك». رواه البيهقي. ﴿سُلْطانًا:﴾ حجة، وبرهانا. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأن تفتروا على الله الكذب، وتنسبوا إليه أمورا من غير علم عندكم بمعرفتها، بل هي تقوّل، وافتراء. وانظر شرح (سلطان) في الآية [٩٦] من سورة (هود).\nتنبيه: قال الخازن: المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتجردون من الثياب، ويطوفون بالبيت عراة، ويحرمون أكل الطيبات مما أحل الله لهم: إن الله لم يحرم ما تحرمونه أنتم، بل أحله الله لعباده، وطيبه لهم، وإنما حرم الفواحش، من الأفعال، والأقوال، ظاهرها، وباطنها. عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها، وما بطن، ولا أحد أحبّ إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه». متفق عليه. انتهى.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿حَرَّمَ:﴾\nماض. ﴿رَبِّيَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿الْفَواحِشَ:﴾ مفعول به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب بدلا من: ﴿الْفَواحِشَ،﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. وعلى الاعتبار الثالث تؤول ﴿ما﴾ مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب بدلا من:\n ﴿الْفَواحِشَ،﴾ التقدير: «حرم ربي الفواحش ظاهرها، وباطنها». والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما حَرَّمَ..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالْإِثْمَ﴾","vol":"3","page":491},{"text":"﴿وَالْبَغْيَ:﴾ معطوفان على ﴿الْفَواحِشَ﴾. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان ب: (البغي) لأنه مصدر. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، و(غير) مضاف، و﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه. (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿تُشْرِكُوا:﴾ مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على: ﴿الْفَواحِشَ﴾ أي: وحرم الإشراك، أو الشرك. ﴿بِاللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يُنَزِّلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يُنَزِّلْ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور بالباء في: ﴿بِهِ﴾. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا:﴾ هو مثل: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا﴾ وهو معطوف عليه بعد سبكه بمصدر. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما لا تَعْلَمُونَ:﴾\nانظر إعراب هذا في الآية رقم [٢٨] وقد حذف المفعول، كما في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-988\"></span>﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿أُمَّةٍ:﴾ جماعة، وتكون واحدا؛ إذا كان يقتدى به. قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ﴾. وقد يطلق لفظ الأمة على غير هذا المعنى، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ أي: على طريق، وملة، ودين، وكل جنس من الحيوان أمة. انظر الآية رقم [٦/ ٣٨]. والأمّة: الحين، والوقت، قال تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين. وقال جل ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: إلى مدة.\n ﴿أَجَلٌ:﴾ الأجل: الوقت المؤقت لانقضاء وقت المهلة، والمراد به هنا: أجل الموت. وقيل:\nأجل العذاب، والانتقام. وانظر الآية رقم [٦/ ٢] فإنك تجد ما يسرك. ﴿جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: إذا حل وقت عذابهم، وهلاكهم. وانظر: ﴿جاءَ﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ يعني: فلا يؤخرون، ولا يمهلون قدر ساعة، ولا أقل من ساعة. فالسين بالفعلين زائدة، كما تبين لك من الشرح. وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف.\nوهذا حين سألوا نزول العذاب، فأخبرهم الله تعالى: أن لهم وقتا، فإذا جاء ذلك الوقت، وهو وقت إهلاكهم؛ فلا يؤخرون عنه، ولا يقدمون. هذا؛ ويمكن أن يراد به أجل الموت لكل إنسان. هذا؛ وكثيرا ما يطلق اسم الساعة على القيامة، وإطلاقها على القيامة؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٧] الآتية.","vol":"3","page":492},{"text":"الإعراب: (لكل): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(كل) مضاف، و﴿أُمَّةٍ:﴾\nمضاف إليه. ﴿أَجَلٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع. (إذا): انظر الآية رقم [٢٨].\n ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَجَلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَأْخِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها.\n ﴿ساعَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ:﴾ إعرابه مثل سابقه، ومتعلقه محذوف لدلالة الأول عليه، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، و(إذا) ومدخولها كلام مفرع عن الجملة الاسمية لا محل له مثلها؛ لأنها مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-989\"></span>﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ «أتى» يستعمل لازما؛ إن كان بمعنى:\nحضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني ما في الآية الكريمة، ومثلها كثير. ﴿رُسُلٌ:﴾ جمع: رسول، وهو ذكر، حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، وإن لم يؤمر بالتبليغ فهو نبي. وانظر عدد الأنبياء، والمرسلين، وما ذكرته بشأنهم في الآية رقم [١٦٤] (النساء) و[٨٦] (الأنعام). هذا؛ و﴿رُسُلٌ﴾ بضم الراء، والسين، ويجوز تسكين سينه، قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: عسر، ويسر، وأسد، ورحم، وحلم... إلخ. ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي:﴾ يقرءون عليكم كتابي، وأدلة أحكامي، وشرائعي التي شرعت لعبادي. وانظر الآية رقم [٩]. ﴿اِتَّقى﴾ أي: الله، فامتثل أوامره، واجتنب نواهيه. وانظر الآية رقم [٢٥]. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: عمله. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: في الآخرة عند الفزع الأكبر، والهول الأعظم. ﴿يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما فاتهم في الدنيا، أو بما يسوءهم في الآخرة.\nتنبيه: قال الخازن: وإنما قال: ﴿رُسُلٌ﴾ بلفظ الجمع، وإن كان المراد به واحدا، وهو النبي ﷺ؛ لأنه خاتم الأنبياء، وهو مرسل إلى كافة الخلق، فذكره بلفظ الجميع على سبيل التعظيم، فعلى هذا يكون الخطاب في قوله: ﴿يا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ لأهل مكة، ومن يلحق بهم.\nوقيل: أراد جميع الرسل، وعلى هذا فالخطاب عام في كل بني آدم، وإنما قال: ﴿مِنْكُمْ،﴾ يعني من جنسكم، ومثلكم من بني آدم؛ لأن الرسول إذا كان من جنسهم؛ كان أقطع لعذرهم، وأثبت للحجة عليهم؛ لأنهم يعرفونه، ويعرفون أحواله، فإذا أتاهم بما لا يليق بقدرته، أو بقدرة أمثاله؛","vol":"3","page":493},{"text":"علم: أن ذلك الذي أتى به معجزة له، وحجة على من خالفه. هذا؛ وفي قوله: ﴿اِتَّقى﴾ مراعاة لفظ (من)، وفي قوله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ مراعاة معناها.\nالإعراب: ﴿يا بَنِي آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٧]. ﴿إِمّا:﴾ هذه (إن) الشرطية ضمت إليها (ما) زائدة لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى إن في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بنون التوكيد. ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿رُسُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلٌ﴾. ﴿يَقُصُّونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَقُصُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رُسُلٌ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿فَمَنِ﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّقى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). (أصالح): ماض معطوف على ما قبله، وهو في محل جزم مثله، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال: «ليس»؛ لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾\nمبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فخبر المبتدأ محذوف، تقديره: حاصل أو موجود، والجملة الاسمية: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في محل جزم جواب الشرط. وانظر خبر المبتدأ الذي هو (من) في الآية رقم [٨] هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في محل رفع خبر، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى كلّ فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط (إن) عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية ﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها كلام مبتدأ كالجملة الندائية قبلها. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ وجملة: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-990\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: جحدوا الآيات، وأنكروها، وكذبوا رسلنا.\n ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ أي: استكبروا عن الإيمان بها. ﴿أَصْحابُ:﴾ جمع: صاحب، ويكون بمعنى:","vol":"3","page":494},{"text":"المالك كما هنا، ويكون بمعنى: الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة وصحبان، ثم يجمع أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب.\n ﴿النّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. هذا؛ وقد جعل المكذبون، والمستكبرون أصحاب النار، بمعنى مالكيها، لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في: أصحاب الجنة. ﴿خالِدُونَ:﴾\nمقيمون لا يخرجون، ماكثون أبدا، لا يموتون، ولا يفنون. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وشرح (الآيات) في الآية رقم [٩].\nالإعراب: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَذَّبُوا﴾ و(استكبروا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الأولى صلة الموصول لا محل لها، والثانية معطوفة عليها. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ (الذين) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، فهي في محل جزم مثلها؛ لأنها قسيمة لها، أي مقابلة لها في المعنى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٢] الآتية.. ودخلت الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد، والمسامحة في الوعيد، وهذا يؤكد اعتبار (من) اسما موصولا.\n ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أَصْحابُ النّارِ،﴾ أو من ﴿النّارِ﴾ نفسها، والعامل في الحال اسم الإشارة، والرابط على الاعتبارين الضمير، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ﴾. والأول أقوى.\n\n<span id=\"aya-991\"></span>﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ: أي: لا أحد أظلم... إلخ، وذلك لجمعهم بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل: افتراؤهم على الله بما هو باطل غير ثابت، وتكذيبهم ما هو ثابت بالحجة.\nأو المعنى: لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين، فكيف بمن جمع بينهما؟! والأمر الأول:\nهو ما زعمه مشركو العرب من كون الملائكة بنات الله تعالى. والأمر الثاني: هو تكذيبهم بالقرآن الكريم، وبالمعجزات؛ التي أيد الله بها رسوله ﷺ. وانظر شرح (آية) في رقم [٩]. وقد راعى لفظ","vol":"3","page":495},{"text":"(من) في الجملتين الفعليتين، وراعى معناها في الجمل الآتية كلها. ﴿يَنالُهُمْ:﴾ يصيبهم. ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ:﴾ في هذا النصيب قولان: أحدهما: أن المراد به هو العذاب المعين لهم في الكتاب، والثاني أن المراد به ما كتب لهم من الأرزاق والآجال والسعادة والشقاوة... إلخ، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ. وانظر الآية رقم [٢]. ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ:﴾ المراد بالرسل: الملائكة؛ الذين يقبضون أرواح هؤلاء المفترين، والمكذبين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦/ ٦١] تجد ما يسرك. وانظر (جاء) في الآية رقم [٤] وانظر شرح: ﴿رُسُلُنا﴾ في الآية رقم [٣٥]. ﴿قالُوا﴾ أي: قال الملائكة لهؤلاء المكذبين. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ هذا سؤال توبيخ، وتقريع، وتبكيت، لا سؤال استعلام.\nوالمعنى: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله؟ ادعوهم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم. وانظر الإعلال مثل ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [١١] وانظر: ﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿ضَلُّوا عَنّا:﴾ غابوا عنا عند حاجتنا إليهم. وانظر الآية رقم [٦٠]. ﴿وَشَهِدُوا:﴾\nاعترفوا وأقروا بكفرهم بلفظ الشهادة التي هي لتحقيق الخبر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [/١٣٠ ٦]. ﴿أَنْفُسِهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٩]. وانظر شرح (الكفر) في الآية رقم [٥/ ٣٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مفيد للنفي، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِمَّنِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ معطوفة عليها، على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ. ﴿يَنالُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به. ﴿نَصِيبُهُمْ:﴾\nفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نَصِيبُهُمْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَنالُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿رُسُلُنا:﴾ فاعله، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ:﴾\nمضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: (جاء) أو من مفعوله؛ لأن فيها ضميرين، الواو تعود إلى الفاعل، والهاء تعود إلى المفعول، واعتبارها من الفاعل أقوى، وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٤]. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام معناه التوبيخ، مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف في محل رفع","vol":"3","page":496},{"text":"خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبره. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: «كنتم تدعونه... إلخ». والجملة الاسمية: ﴿أَيْنَ ما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب إذا لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد ﴿حَتّى﴾ لا محل له، بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن أبا الحسن الأخفش يعتبر ﴿إِذا﴾ في مثل هذه الآية مجرورة ب ﴿حَتّى،﴾ وهو رأي لا يوافقه عليه أحد من النحويين. هذا؛ وجملة: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة سؤال جواب مقدر. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كافِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ) و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب بنزع الخافض، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: «شهدوا على أنفسهم بكونهم كافرين». وينبغي أن تعلم: أن حذف الجار يطرد مع أن وأنّ، وجملة: ﴿وَشَهِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-992\"></span>﴿قالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ ادْخُلُوا..﴾. إلخ: أي يقول الله يوم القيامة، أو أحد من الملائكة للكافرين:\n ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ. هذا؛ وانظر «القول» في الآية [٥] والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوع هذا الكلام يوم القيامة. وانظر الآية رقم [٥/ ١١٦] تجد ما يسرك. ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم، والمراد بهم الجماعات، والأحزاب، وأهل الملل. وانظر شرح: ﴿أُمَّةٌ﴾ في الآية رقم [٣٣] وانظر شرح: ﴿أُمَمٍ﴾ في الآية رقم [٦/ ٣٨]. ﴿خَلَتْ:﴾ مضت. وانظر إعلال: ﴿بَدَتْ﴾ في الآية رقم [٢١] فهو مثله. ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ انظر شرح: ﴿الْجِنِّ﴾ في الآية رقم [٦/ ٧٦] وشرح: ﴿الْإِنْسِ﴾ في الآية رقم [٦/ ١١٢]. ﴿النّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ أي:\nالنار، أو في النار. ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ أي: في الدين، والتي قبلها في الدخول، أو في التلبس بذلك","vol":"3","page":497},{"text":"الدين، فيلعن المشركون المتأخرون السابقين منهم، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس.\n ﴿اِدّارَكُوا فِيها﴾ أي: تداركوا، وتلاحقوا في النار. هذا؛ وأصل: ﴿اِدّارَكُوا:﴾ تداركوا، فأدغمت التاء في الدال، بعد قبلها دالا، وتسكينها، ثم اجتلبت همزة الوصل ليمكن النطق بالساكن. ولهذه الكلمة نظائر، مثل: ادكر، واطلع... إلخ، ﴿أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ:﴾ قال ابن عباس -﵄-: يعني قال آخر كل أمة لأولها. وقال السدي: قالت أخراهم الذين كانوا في آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين، وقال مقاتل: يعني: قال آخرهم دخولا النار، وهم الأتباع لأولاهم دخولا، وهم القادة؛ لأن القادة يداخلون النار أولا. انتهى. خازن.\nو﴿أُخْراهُمْ﴾ و(أولاهم) يحتمل أن يكون: «فعلى» أنثى «أفعل» الذي للمفاضلة، والمعنى على هذا كما قال الزمخشري: أخراهم منزلة، وهم الأتباع، والسفلة، لأولاهم منزلة، وهم القادة، والسادة، والرؤساء، ويحتمل أن تكون: (أخرى) بمعنى: آخرة، تأنيث: «آخر» مقابل «أول» لا تأنيث «آخر» الذي للمفاضلة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ والفرق بين أخرى بمعنى آخرة، وبين أخرى تأنيث آخر بزنة أفعل للتفضيل: أن التي للتفضيل لا تدل على الانتهاء، كما لا يدل عليه مذكرها، ولذلك يعطف أمثالها عليها في نوع واحد، تقول: مررت بامرأة وأخرى وأخرى، كما تقول: برجل وآخر وآخر، وهذه تدل على الانتهاء، كما يدل عليه مذكرها، ولذلك لا يعطف أمثالها عليها، ولأن الأولى تفيد إفادة غير، وهذه لا تفيد إفادة غير، والظاهر في هذه الآية الكريمة أنهما ليستا للتفضيل، بل لما ذكرت لك. انتهى جمل نقلا عن السمين.\n ﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية رقم [٢] لشرحه، والآية رقم [٢٢] لحذف (يا) منه. ﴿أَضَلُّونا:﴾ سنوا لنا الضلال، فاقتدينا بهم. وانظر الآية رقم [٦٠]. ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا﴾ أي: أعطهم عذابا. هذا؛ وعذاب اسم مصدر، لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما.\nوقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، ونبات لأعطى، وأنبت. ﴿ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ أي: ضاعف لهم عذاب النار؛ لأنهم ضلوا، وأضلوا. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [٦٦] من سورة (الأحزاب) وما بعدها. ﴿قالَ﴾ أي: الله: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أي: لكل من القادة، والأتباع مضاعف العذاب، أما القادة؛ فبكفرهم وتضليلهم، وأما الأتباع، فبكفرهم، وتقليدهم.\nهذا؛ و﴿ضِعْفٌ﴾ بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه:\nأمثاله، هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال:\nهذا ضعف هذا، أي مثله؛ أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ لم يرد به مثلا، ولا مثلين، وأولى","vol":"3","page":498},{"text":"الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ فأقل الضعف محصور، وهو المثل، وأكثره غير محصور. هذا؛ ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من: ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم قوله تعالى: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. ﴿وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ:﴾\nيقرأ بالتاء على الخطاب، ويقرأ بالياء على الغيبة، فيكون في الكلام التفات، والمعنى: لا يعلم كل فريق ما أعد الله تعالى من العذاب للفريق الآخر. وانظر العلم، والمعرفة في الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو». ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿أُمَمٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿خَلَتْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿أُمَمٍ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثالثة ل ﴿أُمَمٍ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُمَمٍ﴾ بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اُدْخُلُوا﴾. ﴿كُلَّما:﴾ كل:\nظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، و(ما): مصدرية توقيتية. ﴿دَخَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أُمَّةٌ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: دخلت أمة النار، و(ما) والفعل: ﴿دَخَلَتْ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت دخولها النار. وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل). وانظر مبحث: «كلّما» في كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل: (ما): نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿لَعَنَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث والفاعل يعود إلى: ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿أُخْتَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّما﴾ متعلقة بجوابها، وهي ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هي في محل نصب حال من: ﴿النّارِ،﴾ والرابط المحذوف الذي قدرته. تأمل.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذَا:﴾ انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿اِدّارَكُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿اِدّارَكُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: ﴿إِذَا﴾ إليها على القول","vol":"3","page":499},{"text":"المشهور المرجوح. ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أُخْراهُمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِأُولاهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء فيه وفي سابقه ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وانظر الآية رقم [٢٣]. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَضَلُّونا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية في محل رفع المبتدأ، والجملة الاسمية والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذَا﴾ لا محل لها، و﴿إِذَا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له بعد ﴿حَتّى﴾ الابتدائية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] عن الأخفش.\n ﴿فَآتِهِمْ﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها، وأمثالها الفصيحة. (آتهم): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به أول. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿ضِعْفًا:﴾ صفته. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿عَذابًا،﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة:\n ﴿فَآتِهِمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فآتهم، وهذا الكلام داخل في مقول ﴿قالَتْ﴾. تأمل. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ تقديره هو. ﴿لِكُلٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ضِعْفٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾\nفعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول؛ لأنها معطوفة على ما قبلها. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-993\"></span>﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ:﴾ انظر الآية السابقة لشرح المفردات. وهو مشافهة ومخاطبة للأخرى. ﴿فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ والمعنى: قد ثبت: أنه لا فضل لكم علينا، وإنا وإياكم متساوون في الضلال، واستحقاق العقاب. وهذه المحاورة بين القادة، والأتباع، والرؤساء، والسفلة مما يقع يوم القيامة، أو بعد دخولهم النار، ذكرها الله في سور كثيرة. انظر الآية رقم [٢١] من سورة (إبراهيم)، والآية رقم [٤٧ و٤٨] من سورة (غافر)، والآية [٢٣] من سورة (ق) وما بعدها. ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ..﴾. إلخ.: هذا الكلام يحتمل أن يكون من قول القادة للأتباع،","vol":"3","page":500},{"text":"والأمة الأولى للأخرى التي بعدها. ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى، يعني: يقول الله للجميع: ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾. انتهى خازن وانظر شرح ﴿الْعَذابَ﴾ في الآية السابقة. وانظر إعلال مثل: ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [١١] وانظر الاستعارة في الآية [١٤] من سورة (الأنفال).\nالإعراب: ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة. ﴿فَما:﴾ الفاء:\nزائدة لتحسين اللفظ. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستقر في الجار والمجرور:\n ﴿لَكُمْ﴾. وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من ﴿فَضْلٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، ولا أؤيده، ﴿مِنْ:﴾ حرف صلة. ﴿فَضْلٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿فَما كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَتْ..﴾. إلخ معطوفة، ومرتبة على جواب الله ﴿لِأُخْراهُمْ،﴾ فلا محل لها إذا مثله. ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة كما في الآية السابقة. (ذوقوا):\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. ما: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية (فعلى الأولين) مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (ذوقوا). ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص، مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَكْسِبُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كنتم تكسبونه. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كسبكم. والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (ذوقوا)، والجملة: ﴿فَذُوقُوا..﴾.\nإلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والتقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فذوقوا... إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء زائدة؛ فلا شرط مقدر. وعلى الاعتبارين فالكلام في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر الاحتمالين المذكورين في الشرح. والقول المحذوف، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-994\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها:﴾ انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ أي: لأدعيتهم، وأعمالهم؛ لأن الله يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أو لأرواحهم إذا ماتوا، كما تفتح لأدعية المؤمنين، وأعمالهم، ولأرواحهم. هذا؛ والفعل:","vol":"3","page":501},{"text":"﴿تُفَتَّحُ﴾ يقرأ بالتخفيف، والتشديد، وبالتاء، والياء، وبالبناء للمجهول، والبناء للمعلوم. هذا؛ وانظر شرح: ﴿السَّماءِ﴾ وإعلاله في الآية رقم [٦/ ٩٩]. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ هي في الأصل: البستان من النخل، والشجر الكثير المتكاثف، الذي يجن، أي: يستر ما يكون متداخلا فيه. وسميت دار الثواب جنة كما هنا؛ لما فيها من النعيم الذي لا ينفد. وجمع الجنة على جنات يدل على جنان كثيرة. مرتبة بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان.\n ﴿يَلِجَ:﴾ يدخل. وانظر إعلال: ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٦] فهو مثله. ﴿الْجَمَلُ:﴾ قال البيضاوي: وقرئ: «(الجمّل)» كالقمّل، و«(الجمل)» كالنّفر، و«(الجمل)» كالقفل، و﴿الْجَمَلُ﴾ كالنّصب، و«(الجمل)» كالحبل. وهي الحبل الغليظ من القنب. وقيل: حبل السفينة، ولا يقال للبعير: جمل إلا إذا بزل. وقيل: لا يقال له ذلك إلا إذا بلغ أربع سنين، وهو السن الذي يقال له فيه: «حق»، وقبله يقال له: «حوار» ثم «فصيل» ثم «ابن مخاض» ثم «ابن لبون» وفي الخامسة:\n «جذع» وفي السادسة: «ثني» وفي السابعة: «رباع» وفي الثامنة: «سديس» وفي التاسعة: «بازل» وفي العاشرة: «مخلف» وليس بعد البزول، والإخلاف سن، بل يقال: بازل عام، أو عامين، ومخلف عام، أو عامين حتى يهرم، فيقال له: «عود». انتهى جمل. هذا؛ والجمل حيوان معروف يكون بسنام، أو بسنامين، وجمعه: جمال وأجمال، وجمل، وجمالة (بتثليث الجيم) وجمع الجمع: جمالات بتثليث الجيم، وجمائل. ولم يذكر لفظه في غير هذه السورة.\n ﴿سَمِّ الْخِياطِ:﴾ السم مثلث السين لغة، لكن السبعة على الفتح، وقرئ شاذّا بالكسر والضم. انتهى جمل. وفي المصباح: السم: ما قتل بالفتح في الأكثر، وجمعه: سموم، مثل:\nفلس وفلوس، وسمام أيضا، مثل: سهم، وسهام، والضم لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، والسم: ثقب الإبرة، وفيه اللغات الثلاث، وجمعه: سمام. انتهى. ﴿الْخِياطِ،﴾ ومثله:\nالمخيط: الآلة التي يخاط بها على وزن: فعال ومفعل، كإزار، ومئزر، ولحاف، وملحف، وقناع، ومقنع. انتهى. جمل نقلا عن السمين. والمراد ب: ﴿سَمِّ الْخِياطِ﴾ ثقب الإبرة.\nقال الخازن: وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات؛ لأنه أكبر من سائرها عند العرب، فجسم الجمل من أعظم الأجسام، وثقب الإبرة من أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق محالا، فكذلك دخول الكفار الجنة محال، وهذا كقولك:\nلا آتيك حتى يشيب الغراب، ويبيضّ القارّ، ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nإذا شاب الغراب أتيت أهلي... وصار القار كاللّبن الحليب\nانتهى خازن بتصرف. وإن كنت من أهل المعاني؛ فهاك قول الشاعر: [الطويل]\nولو أنّ ما بي من جوى وصبابة... على جمل لم يدخل النار كافر","vol":"3","page":502},{"text":"﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ الكافرين؛ لأنه تقدم من صفتهم: أنهم كذبوا بآيات الله، واستكبروا عنها.\nوهذه صفة الكفار، ولا تنس: أن كثيرا من المسلمين مجرمون، ولكن الجرائم تختلف من شخص إلى شخص. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٣٦]. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُفَتَّحُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.\n ﴿أَبْوابُ:﴾ نائب فاعله، ويقرأ بالنصب على أنه مفعول به، فيكون الفاعل مستترا، تقديره: «هي» يعود إلى الملائكة، وقيل: إلى الآيات، وعلى قراءة الياء يعود إلى (الله) و﴿أَبْوابُ:﴾ مضاف، و﴿السَّماءِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وجملة:\n ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها، وهي اسمية. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به. وانظر الآية رقم [١٩]. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَلِجَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾. ﴿الْجَمَلُ:﴾ فاعله. ﴿فِي سَمِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من: ﴿الْجَمَلُ،﴾ أي داخلا في سم، و﴿سَمِّ:﴾ مضاف، و﴿الْخِياطِ:﴾ مضاف إليه، و«أن» المضمرة والفعل: ﴿يَلِجَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا تُفَتَّحُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نجزي المجرمين جزاء كائنا مثل جزاء المكذبين المستكبرين. ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.\nهذا؛ والاستئناف ممكن؛ إذ الجملة بمنزلة التذييل لما قبلها، المقصود منها الوعيد كما رأيت.\n\n<span id=\"aya-995\"></span>﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿لَهُمْ:﴾ للمكذبين، والمستكبرين. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ هي النار التي يعذب فيها من ذكر.\nوانظر دركات النار في الآية رقم [٤/ ١٤٥]. ﴿غَواشٍ:﴾ أغطية من النار جمع: غاشية، وهو الغطاء كاللحاف، ونحوه، والمهاد: الفراش. ومعنى الآية: أن النار محيطة بهم من تحتهم، ومن فوقهم. هذا؛ ولا تنس: أنه قد يراد بالغاشية: القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾. هذا؛ وإعلال: ﴿غَواشٍ﴾ مثل إعلال: ﴿لَآتٍ﴾ في الآية رقم [٦/ ١٣٤] والفارق بينهما: أن تنوين ﴿غَواشٍ﴾ تنوين عوض عن الياء المحذوفة. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ يعني:","vol":"3","page":503},{"text":"وكذلك نكافئ، ونجازي المشركين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦/ ١٤٦]. وانظر (جزى) في الآية رقم [١٢٠] منها أيضا.\nتنبيه: قال البيضاوي: عبر عنهم (أي عن المشركين) بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى، إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة، وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة، والظلم مع التعذيب بالنار تنبيها على أنه أعظم الإجرام (أي: الجرائم).\nالإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ جَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستقر في الخبر المحذوف. ﴿مِهادٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في الآية السابقة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غَواشٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ:﴾ فإعراب هذه الجملة ومحلها مثل ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ في الآية السابقة بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-996\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿آمَنُوا:﴾ انظر (الإيمان) في الآية رقم [٢]. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت درجاتها، ومراتبها. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ أي: طاقتها، وقدرتها في ذلك، وذكره عقيب الإيمان والعمل الصالح؛ ليبين: أن المطلوب من الأعمال ما سهل فعله، وما فيه عسر، ومشقة فلسنا مكلفين بفعله، وغير مؤاخذين بتركه. ويدخل في هذا الباب جميع الرخص في الإسلام، كقصر الصلاة للمسافر، والفطر في رمضان للمريض والمسافر، وغير ذلك مما هو مشهور، ومعروف في الفقه الإسلامي. هذا؛ وقرئ: «(لا تكلف نفس إلا وسعها)». وانظر شرح: ﴿نَفْسًا﴾ في الآية رقم [٩]. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٣٦] ما عدا ﴿الْجَنَّةِ،﴾ انظر شرحها في الآية رقم [٤٠] هذا؛ والتكليف: ما فيه كلفة، وقد يكون فيه جهد، ومشقة. وانظر الآية رقم [٢/ ٢٨٦] و[٦/ ١٥٢]. وانظر (نا) في الآية رقم [٦].\nتنبيه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ هو معطوف على ما في الآيتين السابقتين، ومقابل له؛ إذ اقتضت حكمة الله تعالى، ورحمته أن لا يذكر التكذيب من الكافرين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين؛ ولا يذكر الكفر؛ إلا ويذكر الإيمان، ولا يذكر النار؛ إلا ويذكر","vol":"3","page":504},{"text":"الجنة، ولا يذكر الغضب، والسخط إلا ويذكر الرضا، والرحمة؛ ليكون المؤمن خائفا راجيا، وراهبا راغبا... إلخ.\nالإعراب: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] فهو مثله، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُكَلِّفُ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:\n «نحن»، ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، و(ها):\nضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى القراءة الثانية ف: (تكلّف) مضارع مبني للمجهول، و(نفس) نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وعلى القراءتين فالجملة الفعلية معترضة بين المبتدأ، والخبر، لا محل لها. وجوز أبو البقاء اعتبارها خبرا أول، وهو ضعيف. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ..﴾. إلخ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٣٦] والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في الآية [٤٠].\n\n<span id=\"aya-997\"></span>﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: وأخرجنا ما في صدور المؤمنين من حسد، وحقد، وعداوة كانت بينهم في الدنيا فجعلناهم إخوانا على سرر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم دون بعض. ومعنى نزع الغل: تصفية الطباع، وإسقاط الوساوس، ودفعها من أن ترد على القلب، حتى يكون القلب خاليا من كل غش. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nروي عن علي-كرم الله وجهه-: أنه قال: فينا والله أهل بدر نزلت: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾. وروي عنه أيضا: أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير منهم. هذا؛ و(الغل) بالمعنى المذكور بكسر الغين، وهو بضمها القيد من الحديد، وحرارة العطش أيضا. هذا؛ و«الغلول» من المغنم خاصة، لا من الخيانة، ولا من الحقد. انظر الآية رقم [٣/ ١٦١]. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ﴾ أي: من تحت قصورهم، ومساكنهم؛ التي يسكنونها. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ جمع: نهر، وهو معروف في الدنيا، ولكن شتان ما بين أنهار الجنة،","vol":"3","page":505},{"text":"وأنهار الدنيا! هذا؛ ويجمع النهر على: أنهر ونهر ونهور، وهاء «النهر» تسكن وتفتح. فبعد أن بين الله: أنه نزع ما في قلوبهم من حقد؛ أخبر بما أنعم به عليهم من اللذات، والمسرات.\n ﴿وَقالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ انظر الآية الأولى من سورة (الفاتحة).\nوالمعنى: إن المؤمنين إذا دخلوا الجنة؛ حمدوا الله الذي وفقهم للإيمان، وأرشدهم للعمل؛ الذي هذا ثوابه، وما كان لهم هذا لولا توفيق الله، وهدايته. وفي الآية دليل على أن المهتدي من هداه الله، ومن لم يهده الله؛ فليس بمهتد: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ أي: ثبت لنا أن ما وعد به الرسل من الثواب للمطيعين، والعقاب للعاصين أنه حق واقع. ﴿جاءَتْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿رُسُلُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥].\n ﴿رَبِّنا:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٣]. ﴿وَنُودُوا﴾ أي: نادى مناد، واختلف في هذا المنادي، فقيل: هو الله. وقيل: الملائكة. ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها..﴾. إلخ:\nأي: هذه الجنة التي استحققتم الدخول فيها بسبب عملكم الصالح في الدنيا.\nفعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ نادى مناد: إنّ لكم أن تحيوا، فلا تموتوا أبدا، وإنّ لكم أن تصحّوا، فلا تسقموا أبدا، وإنّ لكم أن تشبّوا، فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا، فلا تبأسوا أبدا». فذلك قوله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ..﴾. إلخ.\nوروى أبو هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأمّا الكافر؛ فإنه يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنّة». فذلك قوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقيل: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ عن الأعمال الصالحة؛ التي عملتموها؛ لأن الجنة جعلت لهم جزاء، وثوابا على الأعمال. ولا يعارض هذا القول ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله، وإنّما يدخلها برحمة الله».\nفإنّ دخول الجنة برحمة الله، وانقسام المنازل، والدرجات بالأعمال.\nالإعراب: (نزعنا): فعل، وفاعل. وانظر الآية رقم [١٠]. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي صُدُورِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ غِلٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ والجملة الفعلية:\n ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية:\n ﴿وَنَزَعْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾","vol":"3","page":506},{"text":"اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة، أو بدل من: ﴿اللهُ﴾. ﴿هَدانا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. و(نا): مفعول به.\n ﴿لِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا):\nضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿لِنَهْتَدِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن»، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، التقدير: وما كنا مريدين للاهتداء، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من (نا) الدالة على الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ في محل رفع مبتدأ، التقدير: لولا هداية الله، وخبر هذا المبتدأ محذوف، التقدير: موجودة، والجملة الاسمية هذه قائمة مقام شرط ﴿لَوْلا،﴾ وجوابها محذوف، دل عليه ما قبله. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿جاءَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿رُسُلُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿رَبِّنا:﴾ مضاف إليه، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُ رَبِّنا،﴾ والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، (نودوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. ﴿تِلْكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿أُورِثْتُمُوها:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والميم علامة جمع الذكور. وحركت بالضم للإشباع، فتولدت واو الإشباع. و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وقيل: ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الجنة، والعامل في الحال اسم الإشارة. والأول أقوى.\nوعلى اعتبار الحال يجب تقدير: «قد» قبل الجملة الفعلية، والجملة الاسمية: ﴿أَنْ تِلْكُمُ..﴾. إلخ مفسرة لقوله: (نودوا) لا محل لها. وانظر الآية التالية. والجملة الفعلية: ﴿وَنُودُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ المعطوفة بدورها على جملة (نزعنا...) إلخ لا محل لها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، والجملة الاسمية: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وأيضا القسم المقدر، وجوابه كله في محل نصب مقول القول. ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ انظر إعراب: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الآية رقم [٣٩] فالإعراب واحد بلا فارق بينهما.","vol":"3","page":507},{"text":"<span id=\"aya-998\"></span>﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَنادى أَصْحابُ..﴾. إلخ: أي: نادى أهل الجنة أهل النار. وهذا النداء، إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا..﴾. إلخ: يعني: ما وعدنا ربنا في الدنيا على ألسنة رسله من الثواب على الإيمان به، وبرسله، وطاعته. ﴿حَقًّا﴾ أي: ثابتا موجودا. ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ أي: ما وعدكم به ربكم من العقاب على ألسنة الرسل، وذلك بسبب الكفر. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿نَعَمْ:﴾ حرف جواب كأجل، وجير، وإي، وبلى. ونقيضها: لا. و«نعم» تكون لتصديق المخبر، أو إعلام المستخبر، أو وعد الطالب. ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ:﴾ قيل: المؤذن إسرافيل. وقيل: غيره من الملائكة. هذا؛ والأذان:\nالإعلام، والمعنى: نادى مناد أسمع الفريقين: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ نازلة ﴿عَلَى الظّالِمِينَ﴾ أنفسهم بالكفر. بعد هذا انظر شرح: ﴿أَصْحابُ﴾ في الآية رقم [٣٦] و﴿الْجَنَّةِ:﴾ في الآية رقم [٤٠].\n ﴿النّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿رَبُّنا:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿حَقًّا:﴾ انظر الآية رقم [٣٣].\n ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٦] من سور (المائدة).\n ﴿وَعَدَنا:﴾ فلا بد من شرح الوعد، والتوسع به هنا، فأقول-وبالله التوفيق-: إذا قلت:\nوعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به؛ كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعد به؛ كان ذلك شرّا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد: [الطويل]\nوإنّي وإن أوعدته أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعود به، أو الموعد به، فيجوز أن يستعمل «وعد» في الخير، وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. ومن الثاني قوله جل شأنه: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وأنشدوا: [الطويل]\nإذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما\nكما يستعمل (أوعد) فيهما أيضا، كقولك: «أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرّا». هذا؛ والمركز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا؛ كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا؛ كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدم. هذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقه تعالى كرما، وعند الماتريدية لا يجوز. وأما الوعد؛ فلا يجوز الخلف في حقه تعالى اتفاقا. دليل الأشاعرة قول","vol":"3","page":508},{"text":"النبي ﷺ: «من وعده الله على عمل ثوابا؛ فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا؛ فهو بالخيار، إن شاء؛ عذّبه، وإن شاء؛ عفا عنه».\n ﴿لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ:﴾ المراد بالظالمين الكفار؛ الذين استحقوا العذاب المقيم في جهنم.\nهذا؛ وقد كرر الله لعن الكفار في الآية الكريمة رقم [٢/ ١٦١] انظرها. وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره فقد استحق اللعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين. وأما الأحياء من الكفار؛ فقد قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله عند الوفاة لا يعلم، فلعله يموت على الإسلام، وقد شرط الله في الآية [٢/ ١٦١] إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار، أي جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ:\n «لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، فباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله، وأما العصاة من المسلمين، فلا يجوز لعن أحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق، فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات... إلخ، لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله السارق، يسرق البيضة والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ الواشمة، والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك، وكل هذا في الصحيح. هذا؛ ومعنى اللعن: الطرد، والإبعاد من رحمة الله تعالى.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَنادى:﴾ الواو: استئنافية. (نادى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المقصورة للتعذر. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْجَنَّةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَصْحابُ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ﴾ مفسرة، أو مخففة من الثقيلة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿وَعَدَنا:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعله، و(نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف التقدير: الذي أو شيئا وعدنا ربنا إياه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: وجدنا وعد ربنا. ﴿حَقًّا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ وَجَدْنا..﴾. إلخ مفسرة للفعل نادى لا محل لها، وعلى اعتبار ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة فاسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، وهي تؤول مع اسمها المحذوف وخبرها بمصدر في محل نصب بنزع الخافض، أو هو مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: نادى أصحاب... إلخ بوجداننا ما وعدنا... إلخ، واعتبار ﴿أَنْ﴾ مخففة يقال بقوله تعالى ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ..﴾. إلخ في الآية السابقة، والجملة الفعلية: ﴿وَنادى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف","vol":"3","page":509},{"text":"استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ فإعراب هذه الجملة مثل إعراب سابقتها، وهي مستأنفة لا محل لها مثلها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿نَعَمْ:﴾ حرف جواب مبني على السكون في محل نصب مقول القول، وذلك على سبيل الحكاية، وجملة: ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَذَّنَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أذن):\nماض. ﴿مُؤَذِّنٌ:﴾ فاعله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل، أو ب: ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ مفسرة، أو مخففة من الثقيلة. ﴿لَعْنَةُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾\nمضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَى الظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مفسرة لا محل لها، وعلى اعتبار: ﴿أَنْ﴾ مخففة فاسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة الاسمية في محل رفع خبرها، و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر... إلخ، انظر ما قبله، وجملة: ﴿فَأَذَّنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وقرئ: «(إنّ)» بكسر الهمزة، وتشديد النون، ونصب: (لعنة) وعليه: فالجملة الاسمية مقولة لقول محذوف.\n\n<span id=\"aya-999\"></span>﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿يَصُدُّونَ:﴾ يمنعون، ويصرفون. وهو بضم الصاد. هذا؛ ويأتي بمعنى: يعرضوان، ويميلون، كما في قوله تعالى في وصف المنافقين: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ويأتي بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد، كما في قوله تعالى ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. ومصدر الأولين: صدّ، وصدود، ومصدر الأخير صديد. ﴿سَبِيلِ اللهِ:﴾ دينه، وشريعته. هذا؛ و(السبيل) الطريق يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. ومن التأنيث قوله تعالى ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث سبول، وعلى التذكير: سبل، كما في الآية رقم [٥/ ١٦]. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا:﴾ يطلبون لها اعوجاجا، وميلا عن القصد، والاستقامة، وذلك بمنعهم الناس عن الدخول في الإسلام. وأنث الضمير على اعتبار (السبيل) مؤنثة.\nهذا؛ و(العوج) بكسر العين، وفتحها، وقد فرق العرب بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول: في دينه عوج (بالكسر) وفي الجدار عوج (بالفتح). ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ المراد بها: الحياة التي يحياها الإنسان مرة ثانية بعد الموت، وبعد البعث، والحساب، والجزاء، وتكون في الجنة لمن آمن وعمل صالحا، أو في النار لمن كفر، أو عمل سيئا. ﴿كافِرُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٦] الآتية. هذا؛ فالآية الكريمة تبين مدى كفر القرشيين، وتماديهم في الضلال، فإنهم لا يكتفون بكفرهم، وضلالهم، بل يحاولون منع الناس عن الدخول في دين الله. وانظر ذم علماء اليهود؛ لسلوكهم هذا الطريق في الآية رقم [٩٩] من سورة (آل عمران).","vol":"3","page":510},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: ﴿الظّالِمِينَ،﴾ أو بدل منه، أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين. أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، تقديره: خاسرون، أو خائبون، ونحوهما. أو في محل نصب بفعل محذوف.\nو﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n (يبغونها): فعل، وفاعل ومفعول به أول، وقد كان الضمير مجرورا بحرف الجر، فلما حذف الجار اتصل بالفعل وانتصب به، على حد قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾. ﴿عِوَجًا:﴾ مفعول به ثان على التوسع. هذا؛ وقد قيل: إن الضمير مفعول به صراحة، و﴿عِوَجًا﴾ حال من الضمير، بمعنى معوجة، ولا بأس به. والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. (هم):\nضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من الاستئناف. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1000\"></span>﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ:﴾ بين الجنة، والنار. وقيل: بين أهليهما حجاب، أي: ساتر، أو حاجز يحجز بينهما، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾. والأعراف أعالي السور المذكور، وهو جمع: عرف، وهو كل مرتفع، ومنه قيل: عرف الديك، لارتفاعه على ما سواه من الجسد، وهو بضم العين، والعرف: المعروف، قال تعالى لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾. هذا؛ والعرف (بفتح العين): الريح طيبة كانت، أو منتنة. ﴿رِجالٌ:﴾ جمع: رجل، وهو مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشهامة، وغيرهما. وقد اختلف في هؤلاء الرجال اختلافا كبيرا، وأرجّح: أنهم رجال استوت حسناتهم، وسيئاتهم، وهم من أهل التوحيد، فيوقفون على هذا السور، يتفضل الله عليهم بدخول الجنة.\nومساق الآيات الآتية يؤكد هذا. ﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ:﴾ أولئك الرجال يعرفون كلاّ من أهل الجنة، وأهل النار بالعلامات التي تكون على وجوههم، فعلامات أهل الجنة بياض الوجوه، وبهجة النعيم عليهم. وعلامات أهل النار سواد الوجوه، وزرقة العيون. ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ أي: ينادي أولئك الرجال أهل الجنة، ويقولون لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: حصل لكم السلامة من الآفات، وحصل لكم الأمن من غضب الله، وسخطه، وحصل لكم الأمن من دخول النار. ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ أي: أولئك الرجال لم يدخلوا الجنة، وهم لا يزالون على الأعراف، ولكنهم طامعون في دخولها، لم يقطعوا أملهم من كرم الله، وجوده. هذا؛ وإعلال: (نادوا) شبيه بإعلال: ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية رقم [٢٤]:","vol":"3","page":511},{"text":"﴿أَصْحابَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿الْجَنَّةِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٠]. هذا؛ والطمع: نزوع النفس إلى الشيء، والحرص على حصوله. وطمع، يطمع من باب: سلم، يسلم، والتعبير بالماضي بقوله:\n ﴿وَنادَوْا﴾ عن المستقبل؛ لتحقق وقوعه. وانظر الآية رقم [١١٠] (المائدة) فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿وَبَيْنَهُما:﴾ الواو: حرف استئناف. (بينهما): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿حِجابٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِجالٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿يَعْرِفُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿كُلاًّ:﴾ مفعول به. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْرِفُونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة:\n ﴿رِجالٌ﴾. (نادوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَصْحابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْجَنَّةِ:﴾\nمضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَنادَوْا..﴾. إلخ:\nمعطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع صفة مثلها، وساغ ذلك؛ لأن الفعل بمعنى المستقبل كما رأيت. ﴿أَنْ:﴾ مفسرة، أو مخففة من الثقيلة. ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، وساغ الابتداء به، وهو نكرة؛ لأنه بمعنى الدعاء. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مفسرة ل (نادوا) لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر أن المخففة... إلخ، على نحو ما رأيت في الآية [٤٤].\n ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَدْخُلُوها:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، و(ها): مفعوله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة. وقيل: من ﴿أَصْحابَ الْجَنَّةِ،﴾ والأول أقوى. (هم): ضمير منفصل مبتدأ، وجملة: ﴿يَطْمَعُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1001\"></span>﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ:﴾ صرفت أبصار الرجال المحبوسين على الأعراف. ﴿تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ﴾ أي: جهتهم، وحيالهم، فنظروا إليهم، وإلى سواد وجوههم، وما هم فيه من العذاب. ﴿قالُوا رَبَّنا..﴾. إلخ أي: قالوا مستغيثين ومستجيرين ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالشرك. هذا؛ و﴿تِلْقاءَ﴾ يستعمل ظرف مكان كما هنا، ويستعمل مصدرا كالتبيان، ولم يجيء من المصادر على التفعال بالكسر غير: التلقاء والتبيان والزلزال والوسواس، وإذا فتحت الأول صارت أسماء. هذا؛ و﴿تِلْقاءَ﴾ يقرأ بالمد، والقصر قراءتان سبعيتان. هذا؛ ولم أعثر على فعل ل ﴿تِلْقاءَ﴾","vol":"3","page":512},{"text":"على الاعتبارين: المصدرية والاسمية. هذا؛ وهمزته بالمد منقلبة عن ياء (تلقاي) لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين. ﴿أَصْحابِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٦].\n ﴿النّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿الْقَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٣١]. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام).\nتنبيه: قال الخازن في تفسير الآية رقم [٤٤]: فإن قلت: إذا كانت الجنة في السماء، والنار في الأرض؛ فكيف يمكن أن يبلغ هذا النداء؟ أو كيف يصح أن يقع؟ قلت: إن الله تعالى قادر على أن يقوي الأصوات، والأسماع، فيصير البعيد كالقريب. انتهى.\nقال سليمان الجمل: ويحتمل: أنه تعالى يقرب إحدى الدارين من الأخرى، إما بإنزال العليا، وإما برفع السفلى، فإن قلت: كيف يرى أهل الجنة أهل النار، وبالعكس مع أن بينهما حجابا؛ وهو سور الجنة؟ أجيب باحتمال: أن سور الجنة لا يمنع الرؤية لما وراءه لكونه شفافا كالزجاج، وباحتمال: أن فيه طاقات تحصل الرؤية منها. انتهى.\nأقول: إن ما قاله الخازن بعيد كل البعد، وما قاله الجمل أقرب إلى الصواب، فإن نص الآية السابقة: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ..﴾. إلخ يفيد: أنهما متجاورتان، والآيات رقم [٥٠] إلى [٦٠] من سورة الصافات تؤكد هذا كل التأكيد، فإن قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: نظر المؤمن إلى صديقه الكافر الذي كان ينفي البعث بعد الموت، والحساب... إلخ فرآه في وسط جهنم، فوبخه، وأنبه على ما كان يقوله له في الدنيا، ويبقى وجودهما في الآخرة في أي مكان متجاورتين من مكنونات علم الله تعالى، على أننا نعتقد بوجودهما في الدنيا في مكان لا نعرفه، والدليل على ذلك قوله تعالى في حق فرعون، وأشياعه. ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ وقال الرسول المعظم: «إذا جاء رمضان؛ فتّحت أبواب الجنة، وغلّقت أبواب النار، وصفّدت الشياطين». رواه الشيخان عن أبي هريرة، ﵁. خذ هذا التحقيق، فإنه دقيق، وادع الله لي بالتوفيق.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ (إذا): انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿صُرِفَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿أَبْصارُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿تِلْقاءَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف إليه، و﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف، و﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿صُرِفَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق.\nوانظر الآية رقم [٥]. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة.\nوانظر الآية رقم [٢٣]. ﴿لا:﴾ دعائية جازمة. ﴿تَجْعَلْنا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿مَعَ:﴾","vol":"3","page":513},{"text":"مضاف، و﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملتان: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1002\"></span>﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا:﴾ من أصحاب النار، كانوا عظماء في الدنيا، فينادونهم على السور بأسمائهم، ويقولون لهم وهم في النار: يا وليد بن المغيرة، يا أبا جهل بن هشام، يا فلان، يا فلان. انتهى خازن. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ وهي سواد الوجوه، وزرقة العيون. ﴿قالُوا ما أَغْنى..﴾.\nإلخ. يقولون لهم لم ينفعكم جمع المال، أو كثرتكم شيئا يذكر. ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: لم ينفعكم استكباركم عن الإيمان، وعن الحق الذي جاء به محمد ﷺ. هذا؛ وقد قرئ:\n «(تستكثرون)» بالثاء بدل الباء من الكثرة. هذا؛ والتعبير بالماضيين بدل المضارعين لتحقق وقوع ذلك يوم القيامة. وانظر الآية رقم [٥/ ١١٦]. ﴿أَصْحابُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿الْأَعْرافِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦]. ﴿رِجالًا:﴾ انظر الآية [٤٦]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿كُنْتُمْ:﴾\nانظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] فهو مثله.\nالإعراب: (نادى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿الْأَعْرافِ:﴾ مضاف إليه. ﴿رِجالًا:﴾ مفعول به. ﴿يَعْرِفُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿رِجالًا﴾. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق.\nوانظر الآية رقم [٥]. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَغْنى:﴾ ماض مبني على فتح... إلخ. ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَمْعُكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿ما أَغْنى..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول. هذا؛ وجوز اعتبارا ﴿ما﴾ استفهامية، فهي مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿أَغْنى..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ تفسير (نادى...) إلخ لا محل للتفسير، ولا للمفسر. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:\n ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، و﴿ما﴾ المصدرية وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على: ﴿جَمْعُكُمْ﴾. وانظر الشرح. هذا؛ واعتبار: ﴿ما﴾ هنا موصولة، أو موصوفة ضعيف بجانب اعتبارها مصدرية. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"3","page":514},{"text":"<span id=\"aya-1003\"></span>﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ضعفاء المسلمين، وذلك؛ لأن أهل النار يرون أهل الجنة، وأصحاب الأعراف ينظرون إلى الفريقين، فيشير أصحاب الأعراف لضعفاء المؤمنين الذين كانوا يعذبون في الدنيا من قبل المشركين، كصهيب، وبلال، وسلمان، وخباب، وأشباههم، ويقولون للمشركين: ﴿أَهؤُلاءِ..﴾. إلخ. ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ:﴾ هذا من مقول أصحاب الأعراف لأهل الجنة المستضعفين في الدنيا، فيكون التفاتا من خطاب قوم إلى خطاب آخرين.\nوقيل: الأمر لأصحاب الأعراف أنفسهم، والقائل هو الله، أو الملائكة، وذلك بعد أن حبسوا، وأبصروا الفريقين، وعرفوهم، وقالوا لهم ما قالوا. وقيل: لما عيروا أصحاب النار، وأنّبوهم؛ أقسم أصحاب النار: أن أصحاب الأعراف لا يداخلون الجنة، فقال الله، أو بعض الملائكة:\n ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ..﴾. إلخ. وهو ضعيف، تأمل. وقرئ في الشاذ: «(دخلوا الجنة») بصيغة الماضي.\n ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ. انظر الآية رقم [٣٥].\nالإعراب: ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (هؤلاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَقْسَمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنالُهُمُ:﴾\nمضارع مرفوع، والهاء مفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِرَحْمَةٍ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية جواب ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ لا محل لها، والقسم والجواب صلة الموصول، والعائد الضمير المنصوب، والجملة الاسمية: ﴿أَهؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول ل: ﴿قالُوا﴾ في الآية السابقة، وهذا على اعتباره من مقول أصحاب الأعراف، أو لقول محذوف على أن القائل هو الله، أو الملائكة لأصحاب الأعراف. وقد رأيت ضعفه. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩]. وعلى القراءة الشاذة فهو ماض مثل: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٣٥] والجملتان في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير فيهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول للمذكور في الآية السابقة، أو لقول محذوف، كما رأيت.\nهذا؛ وعلى اعتبار الجملة ماضوية؛ فهي في محل رفع خبر ثان للمبتدإ.","vol":"3","page":515},{"text":"<span id=\"aya-1004\"></span>﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة، طمع أهل النار في الفرج، فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة، فائذن لنا حتى نراهم، ونكلمهم، فيأذن لهم، فينظرون إلى قراباتهم في الجنة، وما هم فيه من النعيم، فيعرفونهم، وينظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل النار، فلم يعرفوهم لسواد وجوههم، فينادي أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، فينادي الرجل أباه، وأخاه، فيقول:\nقد احترقت، أفض علي من الماء! فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾. وهذا الجواب يفيد الحرمان.\nقال بعضهم: لما كانت شهواتهم في الدنيا في لذة الأكل، والشرب؛ عذبهم الله في الآخرة بشدة الجوع، والعطش، فسألوا ما كانوا يعتادونه في الدنيا، فأجيبوا بالتحريم، والمنع، والحرمان. ﴿أَصْحابُ﴾: انظر الآية رقم [٣٦]. ﴿النّارِ﴾: انظر الآية رقم [١٢]. ﴿الْجَنَّةِ﴾ انظر الآية رقم [٤٠]. ﴿أَفِيضُوا﴾: صبوا، والإفاضة: الصب، وهو هنا من الرباعي. وانظره من الثلاثي في الآية رقم [٨٣] من سورة (المائدة). ﴿الْماءِ﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٩٩]. ﴿اللهُ﴾:\nانظر الاستعاذة. ﴿قالُوا﴾: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿حَرَّمَهُما﴾: انظر: ﴿مُحَرَّمًا﴾ في الآية رقم [٦/ ١٤٥]. ﴿الْكافِرِينَ﴾: انظر الكفر في الآية رقم [٦٦] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾: انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤٣].\n ﴿أَنْ﴾: مفسرة، أو مخففة من الثقيلة. ﴿أَفِيضُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿عَلَيْنا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجملة:\n ﴿أَفِيضُوا..﴾. إلخ مفسرة للفعل: (نادى...) إلخ، أو هي في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه، و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف. وينبغي أن تعلم أنه قد مر معك مثل هذه في خمسة مواضع، وهي: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ،﴾ ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا،﴾ ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ..﴾. إلخ، ﴿أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وفي هذه المواضع كلها يجوز اعتبار ﴿أَنْ﴾ مفسرة، ومخففة من الثقيلة، ولكنني أقول: إن صح في الآيات السابقة الاعتباران، فإنه يبدو لي اعتبار المخففة في هذه الآية ضعيفا؛ لأن الجملة الواقعة خبرا لها طلبية إنشائية، وهذا لا يجيزه كثير من المحققين. والجملة الفعلية: (نادى...) إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٤٧] لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالإتباع. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور معطوفان على قوله: ﴿مِنَ الْماءِ﴾. وهذا","vol":"3","page":516},{"text":"لا يصح إلا بتضمين: ﴿أَفِيضُوا﴾ معنى: ألقوا إذا كان المراد من ذلك الطعام؛ لأن الطعام لا يفاض، وإنما الإفاضة للماء. هذا؛ وقد قيل: إن المراد: مما رزقكم الله من سائر الأشربة المباحة غير الماء، فيبقى الفعل: ﴿أَفِيضُوا﴾ على بابه من غير تضمين حينئذ. هذا؛ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء رزقكم الله إياه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من رزق الله إياكم ما تشتهون. ﴿قالُوا﴾: فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿أَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها.\n ﴿حَرَّمَهُما﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية مع المتعلق في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر.\n\n<span id=\"aya-1005\"></span>﴿الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾: كتحريم البحيرة، والسائبة... إلخ، والتصفيق حول الكعبة، والصفير أيضا، وغير ذلك مما لا أصل له. هذا؛ وانظر شرح (الدين) في الآية رقم [/١٦١ ٦] واللعب: ترك ما ينفع بما لا ينفع. واللهو: الميل عن الجد إلى الهزل. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي: شغلتهم بالطمع في طول العمر، وحسن العيش، والحياة، ونيل الشهوات. وانظر الآية رقم [٦/ ٢٩] لشرح الحياة الدنيا. ﴿نَسُوا﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿فَالْيَوْمَ﴾:\nانظر الآية رقم [٦/ ١٢٨]. هذا؛ ومعنى ﴿نَنْساهُمْ﴾ أي: من رحمتنا، أو هو بمعنى: نعاقبهم على سوء أعمالهم، ونجازيهم على فساد عقيدتهم. وذكره بما ترى للمشابهة بما كانوا يفعلون؛ لأن الله منزه عن النسيان، وهذا يسمى في فن البلاغة مشاكلة، وهو كثير في القرآن الكريم، كقوله جل ذكره: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾. ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ أي: نسوا يوم القيامة، والعمل له، والاستعداد للقائه بالإيمان والعمل الصالح والتوبة والإنابة. ﴿بِآياتِنا﴾: انظر شرحها في الآية رقم [٩]. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: جحد الشيء: أنكره، وجحد الإسلام كفر به. وهو من باب: فتح. هذا؛ والمراد ب: (اليوم) و﴿يَوْمِهِمْ هذا﴾ يوم القيامة؛ الذي يبعثون فيه للحساب والجزاء.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: يجوز فيه ما جاز بنظيره في الآية رقم [٤٥]. ﴿اِتَّخَذُوا﴾: فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿دِينَهُمْ﴾: مفعول به أول،","vol":"3","page":517},{"text":"و(الهاء) في محل جر بالإضافة. ﴿لَهْوًا﴾: مفعول به ثان. ﴿وَلَعِبًا﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿وَغَرَّتْهُمُ﴾: الواو: حرف عطف. (غرتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْحَياةُ﴾: فاعل. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿فَالْيَوْمَ﴾:\nالفاء: زائدة، أو حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ﴿نَنْساهُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿نَسُوا﴾: فعل، وفاعل، ﴿لِقاءَ﴾: مفعول به، و﴿لِقاءَ﴾: مضاف، و﴿يَوْمِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿يَوْمِهِمْ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ننساهم اليوم نسيانا كائنا مثل نسيانهم لقاء يومهم هذا، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى جمل نقلا عن السمين. والجملة الفعلية: ﴿نَنْساهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ على اعتباره مبتدأ في وجه من أوجه إعرابه، فتكون الفاء زائدة في الخبر لشبه الموصول بالشرط في العموم. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر عطفا على المصدر المؤول السابق؛ إذ التقدير: كنسيانهم، وكونهم جاحدين. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧] تأمل، وتدبر وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1006\"></span>﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ أي: الكفار من أهل مكة، وغيرهم. ﴿بِكِتابٍ﴾: المراد به: القرآن الكريم. وانظر الآية رقم [٢]. ﴿فَصَّلْناهُ﴾: بينا معانيه من العقائد، والأحكام، والمواعظ، والحلال، والحرام، والقصص، والوعد، والوعيد، والمحكم، والمتشابه، كما قال بعضهم.\nذاكرا ما اشتمل عليه القرآن الكريم: [الطويل]\nحلال حرام محكم متشابه... بشير نذير قصّة عظة مثل","vol":"3","page":518},{"text":"هذا؛ وقرئ «(فضلناه)» بالضاد من الفضل. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي: عالمين بوجه تفصيله؛ حتى جاء حكيما، وفيه دليل على أن الله عالم بعلم، أو مشتملا على علم. انتهى بيضاوي. ﴿هُدىً﴾:\nانظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٩١]. ﴿وَرَحْمَةً﴾: ذا رحمة. ﴿لِقَوْمٍ﴾: انظر الآية رقم [٣٢].\n ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [٢] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وانظر لطيفة في الآية [٢٠٣] الآتية، فإنها جيدة.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿جِئْناهُمْ﴾: فعل، وفاعل ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿بِكِتابٍ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَصَّلْناهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة (كتاب). ﴿عَلى عِلْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من (نا). ﴿هُدىً﴾: حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وهو بمعنى: هاديا، أو: ذا هدى، وجوز اعتباره مفعولا لأجله.\n (رحمة): معطوف على ما قبله. هذا؛ وقد قرئ بالرفع على أنه، وسابقه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو هدى، وهو رحمة، وتكون الجملة الاسمية على هذا في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وأجاز الكسائي، والفراء فيهما الخفض، يجعلانهما بدلا من: ﴿عِلْمٍ،﴾ وهذا لم يثبت قراءة، وإن جاز عربية، وجملة: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني، لدلالة الأول عليها، أو بالعكس، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صفة: (قوم).\n\n<span id=\"aya-1007\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: هل ينتظر كفار قريش، ومن على شاكلتهم الذين كذبوا بآيات الله.\n ﴿إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾: الضمير يعود إلى (كتاب) المذكور في الآية السابقة، وتأويله: تحقيق وقوع ما وعدوا به من العذاب، والخزي في الدنيا، والانتقام في نار جهنم في الآخرة، وهو ما وعدوا به في القرآن، وعلى لسان الرسول ﷺ. وتأويل الشيء: ما يؤول إليه، وهو بمعنى: تفسيره، وتوضيحه. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾: يوم يتحقق الذي وعدوا به، ويرونه بأعينهم، ويلمسونه بأيديهم.\nوهذا يكون في يوم القيامة. بالإضافة، لما لحقهم من الذل، والهوان في الدنيا. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾","vol":"3","page":519},{"text":"نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ أي: تركوا العمل بما في القرآن، وجعلوه نسيا منسيّا. ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ أي: ثبت لنا أن ما جاءت به الرسل، وما وعدوا به من الثواب للمطيعين، والعقاب للعاصين:\nأنه حق واقع. فهذا إقرار منهم، واعتراف بكفرهم، ولكن لا ينفعهم، ذلك الإقرار، والاعتراف، وإنما أقروا بهذه الأشياء؛ لأنهم شاهدوا نتائجها معاينة.\n ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾: بعد معاينة العذاب، ووقوعه فيهم، فهم يتمنون أحد الأمرين: الأول: وجود شفيع يشفع لهم عند ربهم؛ لينقذهم مما ألم بهم. والأمر الثاني: الرجوع، إلى الدنيا؛ ليؤمنوا، ويتوبوا من كفرهم، ويعملوا الأعمال الصالحات؛ التي ترضي الله تعالى. وكلا الأمرين محال. ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: أهلكوا أنفسهم بسبب كفرهم في الدنيا، وما طلبوه من أحد الأمرين لا يحصل لهم، بل لو فرض وقدر رجوعهم إلى الدنيا؛ لعادوا لما كانوا عليه من الكفر، والعصيان لسابق علم الله تعالى فيهم: أنهم أصحاب النار. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: غاب عنهم، وذهب ما كانوا يزعمونه في الدنيا من أن الأصنام التي يعبدونها تشفع لهم.\nبعد هذا انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] و«القول» في الآية رقم [٥] وإعلال: ﴿نَسُوا﴾ في الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿جاءَتْ﴾: انظر الآية رقم [٤]. ﴿رُسُلُ﴾: انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿رَبِّنا﴾: انظر الآية رقم [٢]. ﴿بِالْحَقِّ﴾: انظر الآية رقم [٣٣]. ﴿شُفَعاءَ﴾: جمع شفيع. هذا؛ والشفاعة التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى: الشفيع، والشفاعة تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس. والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك:\nولك مثل ذلك». فذلك النصيب الذي ذكره الله في الآية رقم [٤/ ٨٥]. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٩]. ﴿وَضَلَّ﴾: انظر الآية رقم [٦/ ٢٤] وانظر (غير) في سورة (الفاتحة).\nالإعراب: ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل، وفاعل. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿تَأْوِيلَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَقُولُ،﴾ وجملة: ﴿يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل، وفاعل. ﴿نَسُوهُ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿نَسُوهُ،﴾ وقد بني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿رُسُلُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و﴿رَبِّنا﴾: مضاف","vol":"3","page":520},{"text":"إليه، و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُ رَبِّنا﴾ وجملة:\n ﴿قَدْ جاءَتْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَهَلْ﴾: الفاء: حرف استئناف. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام معناه التمني هنا. ﴿لَنا،﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿شُفَعاءَ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجر اللفظي لم يظهر؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿فَيَشْفَعُوا﴾: مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على اسم صريح، وهو ﴿شُفَعاءَ،﴾ والمعنى:\nنتمنى شفعاء، فشفاعة منهم لنا. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿نُرَدُّ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قبلها داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل: فهل لنا من شفعاء، أو هل نرد، ورافعه وقوعه موقعا يصالح للاسم، أو الجملة معطوفة على تقدير: هل يشفع لنا شافع أو هل نرد. انتهى. نسفي. هذا؛ وقرئ الفعل:\n «(نردّ)» بالنصب عطفا على المنصوب قبله. ﴿فَنَعْمَلَ﴾: مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية في جواب الاستفهام، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على ما تقدم تقديره. هذا؛ ويقرأ الفعل بالرفع على تقدير: فنحن نعمل، وعليه فالجملة الفعلية خبر لهذا المقدر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿نُرَدُّ﴾ بحالة رفعه، وهي مستأنفة لا محل لها بحالة نصب: (نردّ). ﴿غَيْرَ﴾: مفعول به، و﴿غَيْرَ﴾:\nمضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص، مبني على السكون، و(نا): اسمها، وجملة: ﴿نَعْمَلُ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي كنا نعمله. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرُوا﴾: فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا..﴾. إلخ وهذه الجملة المقدرة مستأنفة لا محل لها. (ضل): ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل: (ضل). ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر كان، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nالذي أو شيء كانوا يفترونه. وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ضل عنهم افتراؤهم.","vol":"3","page":521},{"text":"<span id=\"aya-1008\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّكُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١]. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ أي: في ستة أوقات، أو في مقدار ستة أيام، فإن اليوم المتعارف عليه: من زمان طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن حينئذ. وفي خلق الأشياء مدرّجا مع القدرة على خلقها دفعة دليل للاختيار، واعتبار للنظار، وحث على التأني في الأمور وانظر شرح اليوم في الآية رقم [٦/ ١٢٨]. هذا؛ وقد ذكر في كثير من الآيات: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾. هذا؛ وما ذكر من أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة عصرا، وخلق يوم الأحد كذا، وخلق يوم الإثنين كذا، كل ذلك لم يثبت. ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ:﴾ استولى، ولا يجوز تفسيره باستقر، وثبت، فيكون الله من صفات الحوادث، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا لا يليق به تعالى.\n ﴿الْعَرْشِ:﴾ قال الراغب في كتابه: (مفردات القرآن): وعرش الله ﷿ مما لا يعلمه البشر، إلا بالاسم على الحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك؛ لكان حاملا له. تعالى الله عن ذلك. انتهى خازن.\nهذا؛ وقد قال سليمان الجمل: وأما المراد به هنا: فهو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام، المحيط بكلها. وانظر ما ذكرته في آية الكرسي رقم [٢/ ٢٥٥]. والمنقول عن جعفر الصادق والحسن، وأبي حنيفة، ومالك﵃-: إن الاستواء معلوم، والتكييف فيه مجهول، والإيمان به واجب، والجحود له كفر، والسؤال عنه بدعة. انتهى نسفي. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ:﴾ يغطي به. ولم يذكر عكسه للعلم به. أو لأن اللفظ يحتملهما، ولذلك قرئ بنصب «الليل» ورفع «(النّهار)»، وقال النسفي: يلحق الليل بالنهار، والنهار بالليل، وقرئ بتشديد الشين.\nوانظر شرح (الليل) و(النهار) في الآية رقم [٦/ ٩٦]. ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا:﴾ يعقبه سريعا كالطالب له، لا يفصل بينهما شيء.\n ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ:﴾ مذللات بقضائه، وتصريفه. وتقرأ هذه الأسماء بالنصب، والرفع. ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أي: هو الذي خلق الأشياء، وله الأمر، فإنه الموجد، والمتصرف، وفي الآية دليل على أنه لا خالق إلا الله، ﷿، وفيه ردّ على من يقول: إن للشمس، والقمر، والكواكب تأثيرات في هذا العالم. ﴿تَبارَكَ:﴾ تنزه الله عن كل ما لا يليق به.\nوقال الخازن: تمجد، وتعظم، وارتفع. وهذا الفعل لم يأت منه مضارع، ولا أمر. ﴿الْعالَمِينَ:﴾","vol":"3","page":522},{"text":"جمع: عالم (بفتح اللام) وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قول موسى-على نبينا وعليه أفضل صلاة وسلام-لما قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ قال: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر، والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمُ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ:﴾ خبرها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة، أو بدل من: ﴿اللهُ﴾. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد.\n ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم بالإلحاق. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي سِتَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿خَلَقَ،﴾ و﴿سِتَّةِ:﴾ مضاف، و﴿أَيّامٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَوى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿عَلَى الْعَرْشِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُغْشِي:﴾\nمضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به أول. ﴿النَّهارَ:﴾\nمفعول به ثان، والأول في المعنى فاعلا، والثاني مفعولا. والعكس صحيح، كما في قولك (أعطيت زيدا عمرا) والجملة الفعلية: ﴿يُغْشِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿خَلَقَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وعلى قراءة «(يغشى)» بفتح الياء، ورفع (الليل) على أنه فاعله، ونصب ﴿النَّهارَ﴾ على أنه مفعوله، فالجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿يَطْلُبُهُ:﴾\nمضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللَّيْلَ،﴾ والهاء ضمير في محل نصب مفعول به. ﴿حَثِيثًا:﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يطلبه طلبا حثيثا. أو هو حال بمعنى: حاثّا، وجملة:\n ﴿يَطْلُبُهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿اللَّيْلَ،﴾ وعند التأمل يظهر لك: أن الأحوال الكثيرة متداخل بعضها في بعض. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿السَّماواتِ؛﴾ إذ التقدير: «خلق الشمس...» إلخ. ﴿مُسَخَّراتٍ:﴾ حال من: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان ب ﴿مُسَخَّراتٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى قراءة الأسماء: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ..﴾.\nإلخ بالرفع، ف (الشمس) مبتدأ و(القمر والنجوم) معطوفان عليه، والخبر: ﴿مُسَخَّراتٍ،﴾ وتكون الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْخَلْقُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿وَالْأَمْرُ:﴾ معطوف عليه عطف مفرد على مفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.","vol":"3","page":523},{"text":"﴿تَبارَكَ:﴾ ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿رَبُّ:﴾ صفة، أو بدل منه، و﴿رَبُّ:﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ولا تنس: أن الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ إذ هي بمنزلة التذييل للكلام السابق المراد منها تمجيد الله، وتقديسه. ﷻ، وتعالى شأنه.\n\n<span id=\"aya-1009\"></span>﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ:﴾ قيل: معناه: اعبدوه. والأصح: أنه بمعنى السؤال، والدعاء، والطلب، وهو نوع من العبادة، بل هو مخ العبادة، كما ورد عن الرسول المعظم ﷺ، وذلك لأن الداعي لا يقدم على الدعاء. إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب، وهو عاجز عن تحصيله، وعرف: أن ربه تبارك، وتعالى يسمع الدعاء، ويعلم حاجته، وهو قادر على إيصالها إلى الداعي، فعند ذلك يعرف نفسه بالعجز، والنقص، ويعرف ربه بالقدرة، والكمال.\n ﴿رَبَّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿تَضَرُّعًا:﴾ تذللا، واستكانة، خشوعا، وخضوعا. ﴿وَخُفْيَةً﴾ أي: سرّا في أنفسكم، وهو أفضل من الجهر في الدعاء؛ لأنه دليل الإخلاص، اسمع قوله تعالى في مدح زكريا﵇-: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾.\nفعن أبي موسى الأشعري﵁قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله ﷺ: «أيّها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّا، ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا، وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». قال أبو موسى﵁-: وأنا خلفه أقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم» في نفسي.\nفقال: «يا عبد الله بن قيس، ألا أدلّك على كنز من كنوز الجنّة، قلت: بلى يا رسول الله! قال:\nلا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم». متفق عليه. هذا؛ وقد قرئ: «(خفية)» بضم الخاء، وكسرها. والمعنى يتغير كما هو واضح؛ إذ معنى الأول: السر، والخفاء، ومعنى الثاني: الخوف، والوجل. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ:﴾ المجاوزين ما أمروا به في الدعاء، وغيره. نبه به على أن الداعي لا ينبغي له أن يطلب ما لا يليق به، كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء. وقيل: هو الصياح في الدعاء، والإسهاب فيه. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١٨٦] من سورة (البقرة).\nفعن النبي ﷺ: «سيكون قوم يعتدون في الدّعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهمّ إنّي أسألك الجنّة، وما قرّب إليها من قول، وعمل، وأعوذ بك من النّار، وما قرّب إليها من قول وعمل».\nانتهى بيضاوي. وانظر الآية رقم [١٨٠]. هذا؛ وعدم محبة الله للمعتدين كناية عن البغض، والسخط، والغضب، ومحبته للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. وانظر الآية رقم [٢٩]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"3","page":524},{"text":"الإعراب: ﴿اُدْعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿تَضَرُّعًا:﴾ حال من واو الجماعة بمعنى: متضرعين. وقيل: هو مفعول لأجله. ﴿وَخُفْيَةً:﴾ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه، وجملة: ﴿اُدْعُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ إعراب هذه الجملة، ومحلها مثل: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ في الآية رقم [٣١].\n\n<span id=\"aya-1010\"></span>﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَاُدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالكفر، والمعاصي، والدعاء إلى غير طاعة الله تعالى، وإضرار الناس، كما فعل الأخنس. انظر الآية رقم [٢/ ٢٠٥]. ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ أي:\nببعث الأنبياء، وشرع الأحكام، وتبيين الحلال، والحرام. ﴿وَادْعُوهُ:﴾ اسألوه، واطلبوا حوائجكم، قلّت، أو كثرت، عظمت، أم صغرت من الله وحده، فهو يجيب دعوة الداعين.\n ﴿خَوْفًا:﴾ أصل الخوف: انزعاج في الباطن، يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل.\nوأما التخوف؛ فإنه يأتي بمعنى: التنقص، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾. يروى: أن الفاروق﵁قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى:\n ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؟﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص.\nقال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟، قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]\nتخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السفن\nفقال عمر﵁-: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى:\nالعلم، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا..﴾. إلخ. الآية رقم [٢/ ١٨٢]. وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ الآية رقم [٢/ ٢٢٩]. ﴿وَطَمَعًا:﴾ الطمع: توقع محبوب يحصل في المستقبل. وانظر الآية رقم [٤٦]. ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ:﴾ أصل الرحمة: رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وتستعمل تارة في الرقة المجردة عن الإحسان، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة، وإذا وصف بها الباري﷿فليس يراد بها إلا الإحسان المجرد دون الرقة، فرحمة الله-جل علاه-عبارة عن الإفضال، والإنعام على عباده، وإيصال الخير إليهم. وقيل: هي إرادة إيصال الخير والنعمة إلى عباده، فعلى القول الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال، وعلى القول الثاني تكون من صفات الذات. انتهى خازن.","vol":"3","page":525},{"text":"وكون الرحمة قريبة من المحسنين؛ لأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار عن الدنيا، وإقبال على الآخرة، وإذا كان كذلك؛ كان الموت أقرب إليه من الحياة، وليس بينه وبين رحمة الله-التي هي الثواب في الآخرة-إلا الموت، وهو قريب من الإنسان. انتهى خازن.\nوانظر الآية رقم [١٥٦]. والمحسنون: هم الذين أحسنوا المعاملة مع الله، ومع عباده.\nهذا؛ و﴿قَرِيبٌ﴾ مذكر، و﴿رَحْمَتَ﴾ مؤنث، وهو خبر عنها، وقد ذكر المفسرون أقوالا كثيرة في هذا التذكير، لا طائل تحتها، كما ذكر أبو البقاء، ومكي تأويلات، لا تكاد تكون مقبولة. واذكر أن الخبر ذكّر؛ لأن ﴿رَحْمَتَ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه. وقد أشار الجلال إلى ذلك. واكتساب التذكير من المضاف إليه، واكتساب التأنيث من المضاف إليه أيضا باب من أبواب النحو. انظر الشاهد [٩٠١] وما بعده من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُفْسِدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و﴿إِصْلاحِها:﴾ مضاف إليه، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (ادعوه): فعل أمر وفاعله، ومفعوله. وانظر مثله في الآية السابقة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿خَوْفًا:﴾ حال من واو الجماعة، بمعنى: خائفين. وقيل: مفعول لأجله. ﴿وَطَمَعًا:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَحْمَتَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بقريب، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1011\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ:﴾ يبعثها. ويقرأ: «(الريح)» بالإفراد. هذا؛ وذكر سبحانه في الآية رقم [٢/ ١٦٤]: أن من الآيات الدالة على قدرته تصريف الرياح، وتصريفها تقليبها شمالا وجنوبا، وقبولا ودبورا، فالشمال: هي التي تهب من جانب القطب الشمالي، والجنوب تقابلها، والقبول (بفتح القاف) وهي ريح الصّبا (بفتح الصاد) وهي التي تهب من مطلع الشمس، والدبور (بفتح الدال) تقابلها، وهي التي تأتي من جهة مغرب الشمس.","vol":"3","page":526},{"text":"قال الرسول ﷺ: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». هذا؛ والريح: الهواء المسخر بين السماء، والأرض، وأصله: الروح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل به كما فعل بأصل الريح، والأكثر في الريح التأنيث، وقد تذكر على معنى الهواء قال تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ،﴾ ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة والقوة، قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم، وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح وهبوبها. ويقال: هبت رياح بني فلان: إذا دالت الدولة لهم، ونفذ أمرهم.\n ﴿بُشْرًا:﴾ جمع: بشير، وهو بضم الباء، وسكون الشين، ويقرأ بضمتين. انظر ما ذكرته في ﴿رُسُلٌ﴾ في الآية رقم [٣٥]. هذا؛ ويقرأ: «(نشرا)» بضم النون، وضم الشين، وسكونها على أنه جمع: نشور بمعنى: ناشر، كطهور بمعنى: طاهر، ويجوز أن يكون جمع: نشور بمعنى:\nمنشور، ويقرأ: «(نشرا)» بفتح النون وسكون الشين، على أنه مصدر نشر بعد الطي، والقراءات كلها سبعية، كما يقرأ: «(بشرى)» على وزن: حبلى، أي: ذات بشارة، وكما يقرأ: «(بشرا)» بفتح الباء، وسكون الشين، وهو مصدر: بشرته إذا بشرته.\nوعن عبد الله بن عمر﵄-: (إن الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي:\nالقاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات والذاريات). ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ:﴾ يعني أمام المطر الذي هو رحمته، وإنما سماه رحمة؛ لأنه سبب لحياة الأرض. هذا؛ و﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ بمعنى: أمام، وقدام، مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، وخذ ما يأتي فعن أبي: هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «الريح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه.\n ﴿أَقَلَّتْ:﴾ حملت، ورفعت. ﴿سَحابًا ثِقالًا﴾ أي: بالماء لثقله، والسحاب: الغيم، جمع: سحابة مشتق من السحب؛ لأنه يجر بعضه بعضا. ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ:﴾ جلت قدرة الله، فالريح تسوق الغيوم بأمره إلى حيث شاء. انظر آية (النور) رقم [٤٣] ففيها تفصيل لذلك.\nهذا؛ وقد حصل في الكلام التفات من الغيبة إلى جمع المتكلم، انظر الآية رقم [٦/ ٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧] ومعنى ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ:﴾ لسقيه وإحيائه بالمطر. وقد ذكر سبحانه في كثير من الآيات: أن المطر يحيي الأرض الميتة؛ أي التي لا نبات فيها بالنبات. هذا؛ وقال الليث: البلد كل موضع من الأرض، عامر، أو غير عامر، خال، أو مسكون، والطائفة منها بلدة، والجمع:\nبلاد، زاد غيره: والمفازة تسمى بلدة؛ لكونها مسكن الوحش، والجن. قال الأعشى: [البسيط]\nوبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ بالليل في حافاتها زجل\nوقال جران العود: [الرجز]\nوبلدة ليس بها أنيس... إلا اليعافير وإلاّ العيس","vol":"3","page":527},{"text":"وانظر شرح: ﴿مَيِّتٍ﴾ في الآية رقم [٦/ ٩٥] وهو يقرأ هنا بالتشديد، والتخفيف. ﴿بِهِ:﴾\nالأول يحتمل فيه عود الضمير على: ﴿لِبَلَدٍ،﴾ أو على: ﴿سَحابًا﴾. ويحتمل في ﴿بِهِ﴾ الثاني ما ذكر، ويزيد عليه عود الضمير على: ﴿الْماءَ﴾. قال السمين: ولا ينبغي أن يعدل عنه. وانظر شرح: ﴿الْماءَ﴾ في الآية رقم [٦/ ٩٩]. ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى:﴾ والمعنى: أن إخراجنا التمر الرطب من الخشب اليابس هو مثل إخراجنا الناس من قبورهم يوم القيامة للحساب، والجزاء.\nقال الخازن: واختلفوا في وجه التشبيه، فقيل: إن الله تعالى، كما يخلق النبات بواسطة إنزال المطر، كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال المطر أيضا. قال أبو هريرة، وابن عباس -﵄-: «إنّ النّاس إذا ماتوا في النفخة الأولى؛ أمطر الله تعالى عليهم ماء من تحت العرش، يدعى ماء الحيوان أربعين يوما، فينبتون، كما ينبت الزّرع من الماء... إلخ». انتهى بتصرف. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ تتعظون، وتنتصحون، وقد حذف منه إحدى التاءين؛ لأن أصله:\nتتذكرون، وهذا الحذف كثير شائع في القرآن الكريم، وفي الكلام العربي. وانظر الترجي في الآية رقم [٢٥]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿يُرْسِلُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به. ﴿بُشْرًا:﴾ حال من ﴿الرِّياحَ﴾.\nوقيل: مفعول مطلق، وهذا على قراءته بالنون؛ لأن أرسل، وأنشر متقاربان في المعنى. ﴿بَيْنَ:﴾\nظرف مكان متعلق ب ﴿بُشْرًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿يَدَيْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى لفظا، وحذفت النون للإضافة، و﴿يَدَيْ:﴾ مضاف، و﴿رَحْمَتِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُرْسِلُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿أَقَلَّتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر يعود إلى: ﴿الرِّياحَ﴾. ﴿سَحابًا:﴾ مفعول به. ﴿ثِقالًا:﴾ صفة: ﴿سَحابًا،﴾ وجملة:\n ﴿أَقَلَّتْ..﴾. إلخ في محل جر بالإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿سُقْناهُ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] والجملة الفعلية جواب:\n ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وانظر رأي الأخفش في الآية رقم [٣٧]. ﴿لِبَلَدٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَيِّتٍ:﴾ صفة (بلد)، وجملة: ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ﴾ معطوف على جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله، وكذلك جملة: ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ﴾ معطوفة على جواب: ﴿إِذا﴾ والجار والمجرور: ﴿بِهِ﴾ في الجملتين متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿كُلِّ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال","vol":"3","page":528},{"text":"المحل بحركة حرف الجر الزائد، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿الثَّمَراتِ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وقد قال الجمل: ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، أو ابتدائية. ولا معنى لهما هنا، كما هو ظاهر. وقال الخازن يعني:\nوأخرجنا بذلك البلد بعد موته، وجد به من أصناف الثمار، والزروع. وهذا لا يفيد في الإعراب، والمرجح ما أعربته لك. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، وتقدير الكلام: نخرج الموتى من قبورهم إخراجا كائنا مثل إخراج الثمرات من الخشب اليابس. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿نُخْرِجُ:﴾\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة، ومحلها هو مثل: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ في الآية رقم [٢٥].\n\n<span id=\"aya-1012\"></span>﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ:﴾ الأرض الكريمة التربة السهلة السمحة. ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ:﴾ بأمره، وتيسيره حسنا جيدا مثمرا؛ لأنه مقابل لما بعده. هذا؛ وانظر: ﴿وَالْبَلَدُ﴾ في الآية السابقة، وإعلال: ﴿الطَّيِّبُ﴾ مثل إعلال: ﴿الْمَيِّتِ﴾ في الآية رقم [٩٥] (الأنعام). هذا؛ ويقرأ:\n «يخرج» بالبناء للمعلوم، والبناء للمجهول، فالأول من الثلاثي، والثاني من الرباعي، ورفع:\n ﴿نَباتُهُ﴾ على القراءتين، كما يقرأ بالبناء للمعلوم من الرباعي، ونصب: ﴿نَباتُهُ﴾ وانظر شرح:\n ﴿رَبِّهِ﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ أي: خبث ترابه، وأرضه، فهي سبخة لا تنبت. ﴿إِلاّ نَكِدًا﴾ أي: عسيرا، وبمشقة، وكلفة. والمراد: إلا نباتا قليلا نادرا غير نافع، كشوك، ونحوه مما لا نفع فيه وهو يقرأ بكسر الكاف، وفتحها، وسكونها. ﴿كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ:﴾ نكررها، ونرددها تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب، والترهيب، وتارة بالتنبيه، والتذكير بأحوال المتقدمين. ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ أي: الله تعالى على إنعامه عليهم بالهداية، والتوفيق، وحيث جنبهم طريق الكفر، والضلال. وإنما خص الشاكرين بالذكر؛ لأنهم هم الذين انتفعوا بسماع القرآن، فعملوا بتعاليمه. وانظر شرح: ﴿الْآياتِ﴾ في الآية رقم [٩] وانظر شرح:\n ﴿لِقَوْمٍ﴾ في الآية رقم [٣٢] وانظر: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٠] وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nتنبيه: قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن، والكافر، فشبه المؤمن بالأرض الحرة الطيبة، وشبه نزول القرآن على قلب المؤمن. بنزول المطر على الأرض الطيبة، فإذا نزل المطر عليها؛ أخرجت أنواع الأزهار، والثمار، كذلك المؤمن إذا سمع القرآن؛ آمن به، وانتفع به، وظهرت منه الطاعات، والعبادات، وأنواع الأخلاق الحميدة. وشبه الكافر بالأرض الرديئة","vol":"3","page":529},{"text":"الغليظة السبخة، التي لا ينتفع بها؛ وإن أصابها المطر، فكذلك الكافر إذا سمع القرآن؛ لا ينتفع به، ولا يصدقه، ولا يزيده إلا عتوّا، وكفرا، وإن عمل الكافر الحسنة في الدنيا؛ كانت بمشقة، وكلفة، ولا ينتفع بها في الآخرة.\nقال ابن عباس﵄-: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن، يقول: هو طيب، وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمره طيب، ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السبخة المالحة؛ التي خرجت منها البركة، فالكافر خبيث، وعمله خبيث.\nويدل على هذا التأويل ما روي عن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ مثل ما بعثني الله به من الهدى، والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيّبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها النّاس، فشربوا منها، وسقوا، وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى، إنّما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ﷿، ونفعه ما بعثني الله تعالى به، فعلم، وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله تعالى؛ الّذي أرسلت». أخرجاه في الصحيح. انتهى. خازن.\nولا يخفى: أن في الآية الكريمة استعارة تصريحية. هذا؛ وأقول: يمكن أن يراد بالنبات:\nالصلحاء، والعلماء، والمجاهدون الذين ينشئون في البلد الطيب، ومكة والمدينة أطيب البلاد، فقد خرج منهما الأبطال، والعلماء، والصلحاء، وهذا يلاحظ في بعض القرى، فهناك قرية طيبة يخرج منها ما ذكرت، وهناك قرية، أو بلدة لا يتخرج منها إلا الأشقياء، ويبقى الجهل ضاربا أطنابه فيها كل حياته، فلا ينشأ جيل إلا وهو أخبث مما قبله منهمك في لذات الدنيا، وجمع حطامها الفاني من حلال، أو من حرام لا يبالي. ولا تنس بلاد الكفر، وقراهم.\nالإعراب: ﴿وَالْبَلَدُ:﴾ (البلد): مبتدأ. ﴿الطَّيِّبُ:﴾ صفته. ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ:﴾ فعل، وفاعله، أو فعل، ونائبه، أو فعل، ومفعوله، والفاعل مستتر تقديره: «هو» وذلك على حسب القراءات التي رأيتها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَباتُهُ﴾ و(إذن) مضاف، و﴿رَبِّهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. (الذي): مبتدأ، وجملة: ﴿خَبُثَ﴾ صلته، والعائد رجوع الفاعل إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْرُجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى نباته. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿نَكِدًا:﴾ حال من الفاعل المستتر، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير:\nإلا خروجا نكدا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وتقدير الكلام:","vol":"3","page":530},{"text":"نصرف الآيات تصريفا كائنا مثل تبييننا الأحكام فيما تقدم. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي فذلكة الآية. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿نُصَرِّفُ﴾ وجملة: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر صفة (قوم).\n\n<span id=\"aya-1013\"></span>﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿أَرْسَلْنا:﴾ بعثنا. ﴿نُوحًا:﴾ اسمه: السكن. وقيل: عبد الغفار. وسمي ﴿نُوحًا﴾ لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، وكان نوح نجارا.\nواختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان.\nوقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: إخسأ يا قبيح، فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني، أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم ﵉، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة. وقيل: أكثر، لم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الأخيرة من سورة (نوح). ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اُعْبُدُوا اللهَ:﴾ وحدوه. هذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السجود لغير الله تعالى. وانظر سجود الملائكة لآدم في الآية رقم [١]. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. ﴿اللهَ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: إن لم تقبلوا ما أمركم به من عبادة الله، واتباع أمره، وطاعته. واليوم الذي خافه عليهم، هو إما يوم الطوفان، وإهلاكهم فيه، أو هو يوم القيامة. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وانظر (الخوف) في الآية رقم [٥٦] وانظر شرح (غير) في سورة (الفاتحة) وفي الآية رقم [٢] من سورة (التوبة).\nتنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اعلم أن الله﵎لما ذكر في الآيات المتقدمة دلائل آثار قدرته، وغرائب خلقه، وصنعته الدالة على توحيده، وربوبيته، وأقام الدلالة القاطعة على صحة البعث بعد الموت؛ أتبع ذلك بقصص الأنبياء، عليهم الصلاة والسّلام، وما جرى لهم مع أممهم، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ لأنه لم يكن إعراض قومه فقط عن قبول الحق، بل قد أعرض عنه سائر الأمم الخالية، والقرون الماضية، ومن كذب محمدا ﷺ من قومه كانت عاقبته مثل أولئك الذين خلوا من قبله من الأمم المكذبة. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥] من سورة (هود).","vol":"3","page":531},{"text":"الإعراب: ﴿لَقَدْ﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. وهذا الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب:\n ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. وقد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نُوحًا:﴾ مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نُوحًا،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى (نوح) ﴿يا قَوْمِ﴾ منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، ومنهم من يقول: يا قوم بضم الميم، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها. والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول: ﴿ما:﴾ نافية ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿غَيْرُهُ:﴾ يقرأ بالرفع صفة ﴿إِلهٍ﴾ على المحل، أو بدل منه، وبالجر صفته على اللفظ، وبالنصب على الاستثناء، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. وقيل: مستأنفة، ولا وجه له، وجملة:\n ﴿فَقالَ يا قَوْمِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة:\n ﴿يَوْمٍ،﴾ وصفه بالعظم، والمراد عظم ما فيه، وإن اعتبرته صفة: ﴿عَذابَ﴾ فيكون الجر على الجوار. انظر الآية رقم [٥/ ٦] والجملة الفعلية: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. هذا؛ ويقدر المفسرون: إن لم تؤمنوا، أو إن عبدتم غيره، ونحو ذلك، وهذا يعني: أن الجملة الاسمية تقع جوابا لهذا الشرط المقدر، وهو تكلف، وعلى كلّ فالكلام كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1014\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملئون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة. وهو اسم","vol":"3","page":532},{"text":"جمع لا واحد له من لفظه مثل: رهط، ونحوه. ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾\nفي خروج عن جادة الحق والصواب. وهو مصدر: ضل، يضل، وأكثر استعماله بمعنى: كفر، يكفر، وضل: غاب كما في الآية رقم [٣٧] وأضل غيره: أخرجه عن الهدى، والاستقامة، كما في الآية رقم [٣٧] وضل الشيء: ضاع، وهلك، وضل: أخطأ، ولولا هذا المعنى لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ،﴾ وضل: تحير، وتردد، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. ﴿مُبِينٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢٢].\nالإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿الْمَلَأُ،﴾ والهاء ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لِنُرِيَكَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (نراك): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنّا لَنَراكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1015\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ:﴾ شرح المفردات مثله في الآية السابقة، وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-بالغ في النفي، كما بالغوا في الإثبات. ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ..﴾.\nإلخ: قال البيضاوي: استدراك باعتبار ما يلزمه، وهو كونه على هدى، كأنه قال: ولكني على هدى في الغاية؛ لأني رسول من الله. انتهى. ﴿رَسُولٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤].\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (نوح). ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٥٨].\n ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿ضَلالَةٌ:﴾ اسمها المؤخر، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنِّي:﴾\nالواو حرف عطف. (لكني): حرف مشبه بالفعل، وحذفت نون الوقاية، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿رَسُولٌ:﴾ خبرها. ﴿مِنْ رَبِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَسُولٌ،﴾ أو بمحذوف صفته، و﴿رَبِّ:﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"3","page":533},{"text":"<span id=\"aya-1016\"></span>﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿أُبَلِّغُكُمْ:﴾ يقرأ بتشديد اللام، وتخفيفها. ﴿رِسالاتِ:﴾ جمعها لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كالعقائد، والمواعظ، والأحكام. أو لأن المراد بها ما أوحي إليه، وإلى الأنبياء قبله، كصحف شيث، وإدريس، وغير ذلك. ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ:﴾ انظر: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ قال البيضاوي: فيه تقرير لما أوعدهم به، فإن معناه أعلم من قدرته، وشدة بطشه. أو من جهته بالوحي أشياء لا علم لكم بها. هذا؛ والعلم المراد به هنا: المعرفة لا اليقين. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال).\nقال الخازن: والنصح: إرادة الخير لغيره، كما يريده لنفسه. وقيل: النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح للغير. وقيل: حقيقة النصح: تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه وانظر النصيحة في الآية رقم [٧٩]. والمعنى: أنه قال: أبلغكم جميع تكاليف الله، وشرائعه، وأرشدكم إلى الوجه الأصلح، والأصوب لكم، وأدعوكم إلى ما دعاني إليه، وأحب لكم ما أحب لنفسي.\nقال بعضهم: والفرق بين إبلاغ الرسالة، وبين النصيحة هو: أن تبليغ الرسالة أن يعرفهم جميع أوامر الله تعالى، ونواهيه، وجميع أنواع التكاليف التي أوجبها الله عليهم، وأما النصيحة فهو أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر، والنواهي والعبادات، ويحذرهم عقابه؛ إن عصوه. انتهى.\nالإعراب: ﴿أُبَلِّغُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول، والميم علامة جمع الذكور. ﴿رِسالاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿رِسالاتِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أُبَلِّغُكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل ﴿رَسُولٌ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والاستئناف ممكن بالإعراض عن الكلام السابق، وجملة: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ معطوفة عليها على جميع الاعتبارات فيها. (أعلم):\nمضارع، والفاعل تقديره أنا. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (أعلم). ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا تعلمونه، وقد حذف متعلق الفعل لدلالة متعلق الأول عليه، وجملة: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا.","vol":"3","page":534},{"text":"<span id=\"aya-1017\"></span>﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ:﴾ العجب بفتح العين، والجيم: انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه، ويشاهده.\nوقال الراغب: العجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا:\nظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. انتهى جمل نقلا عن السمين في غير هذا الموضع. هذا؛ والعجب بضم العين، وسكون الجيم: الكبر، وحقيقته: أن يرى نفسه فوق غيره علما، أو أدبا، أو عبادة، وزهدا، وغير ذلك، وقد عده الرسول ﷺ من الثلاث المهلكات: «شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه». ﴿جاءَكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿ذِكْرٌ:﴾ رسالة، أو موعظة، أو المراد به: الصحف التي أنزلت على نوح، فإنه كثيرا ما يطلق على القرآن الكريم. ﴿رَبِّكُمْ:﴾\nانظر الآية رقم [٣]. ﴿عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ:﴾ على لسان رجل كائن منكم، تعرفونه، وتعرفون نسبه، فإنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر، ويقولون: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. وانظر شرح: ﴿رَجُلٍ﴾ في الآية رقم [٤٦]. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ:﴾ ليخوفكم عذاب الله، ونقمته إن لم تؤمنوا، والإنذار التخويف من وقوع العقاب. ﴿وَلِتَتَّقُوا:﴾ انظر ﴿التَّقْوى﴾ في الآية رقم [٢٦]. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: بسبب التقوى.\nقال البيضاوي: وفائدة الترجي: التنبيه على أن التقوى غير موجب، والترحم من الله تفضل، وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه، ولا يأمن من عذاب الله تعالى. انتهى. وقال سليمان الجمل: وهذا الترتيب في غاية الحسن؛ لأن المقصود من الإرسال الإنذار، ومن الإنذار التقوى، ومن التقوى الفوز بالرحمة. انتهى. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٢٦].\nالإعراب: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف. (عجبتم):\nفعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] والجملة الفعلية هذه مع المتعلق معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أكذبتم، وعجبتم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿ذِكْرٌ:﴾ فاعل.\n ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿ذِكْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، و﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nعجبتم من مجيء ذكر لكم من ربكم. ﴿عَلى رَجُلٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جاءَكُمْ،﴾ وجوز أن يكونا","vol":"3","page":535},{"text":"متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور قبلهما. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلٍ﴾. وانظر الشرح. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿ذِكْرٌ،﴾ والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿جاءَكُمْ﴾. ﴿وَلِتَتَّقُوا:﴾\nإعرابه مثل إعراب سابقه، والمصدر المؤول والمجرور باللام معطوفان على ما قبلهما؛ إذ التقدير: للإنذار، وللتقوى. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي مفيدة للتعليل أيضا.\n\n<span id=\"aya-1018\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ كذبوا نوحا، ورفضوا دعوته؛ التي استمرت ألفا إلا خمسين عاما.\n ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: أنجيناه ومن معه من كيد أعدائهم، ومكرهم. وقيل: أي: من الغرق، والطوفان. والمراد بمن معه: المؤمنون، وكانوا أربعين رجلا، وأربعين امرأة. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿الْفُلْكِ:﴾ السفينة التي استقلها نوح﵊بمن معه. هذا؛ والفلك: واحد، وجمع، تذكّر، وتؤنث. قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فأفرد، وذكّر. وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع، وقال: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع. وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب؛ فتذكر، وإلى السفينة فتؤنث. انتهى. جمل.\nروي: أن نوحا صنع السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وسمكها ثلاثين، وجعل لها ثلاثة بطون، فجعل في أسفلها الدواب والوحش، وفي وسطها الإنس، وفي أعلاها الطير، وركبها في عاشر رجب ونزل منها في عاشر المحرم. انتهى. فصام ذلك اليوم، وصار سنة لمن بعده إلى يومنا هذا. ﴿عَمِينَ﴾ أي: عمي القلوب عن طريق الإيمان والحق، و﴿عَمِينَ﴾ صفة مشبهة لكن تصرف فيه بحذف لامه كقاض إذا جمع، فأصله: عميين، حذفت الأولى تخفيفا. وفي السمين. يقال: عم: إذا كان أعمى البصيرة، غير عارف بأموره. وأعمى، أي: في البصر، وهذا قول الليث. وقيل: عم، وأعمى بمعنى، كخضر، وأخضر. انتهى جمل.\nالإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ (كذبوه): فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر","vol":"3","page":536},{"text":"إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بما تعلق به الظرف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، كما يحتمل تعليقهما بالفعل: (أنجينا) والجملة الفعلية: ﴿فَأَنْجَيْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وكذلك جملة: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ﴾ معطوفة، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمًا:﴾ خبر (كان). ﴿عَمِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، وجملة: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للغرق، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1019\"></span>﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ﴾ أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم. هذا؛ و﴿عادٍ﴾ اسم للحي، ولذلك صرف، ومنهم من جعله اسما للقبيلة، ولذلك منعه، و﴿عادٍ﴾ في الأصل اسم الأب الكبير، وهو عاد بن عوص بن إرم، بن سام، بن نوح، ﵊، فسميت به القبيلة، أو الحي، وكذلك ما أشبهه من نحو «ثمود»، إن جعلته اسما لمذكر صرفته، وإن جعلته اسما لمؤنث منعته.\nوأما (هود) فقد اشتهر في ألسنة النحاة: أنه عربي، وفيه نظر؛ لأن الظاهر من كلام سيبويه لما عده مع نوح، ولوط: أنه أعجمي. وهود بن عبد الله، بن رباح، بن الخلود، بن عاد، بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح. وقال ابن إسحاق: هو هود بن شالخ، بن أرفخشل، بن سام بن نوح. وأخوته لعاد-أي: القبيلة-أخوة نسب، لا أخوة دين. هذا؛ وقد صرح سبحانه هنا، وفيما سيأتي في: صالح، وشعيب بتعيين المرسل إليهم دون ما سبق في نوح، وما سيأتي في لوط، وذلك؛ لأن المرسل إليهم إذا كان لهم اسم، قد اشتهروا به؛ ذكروا به، وإلا فلا. وقد امتازت عاد وثمود ومدين بأسماء مشهورة. هذا؛ وكان بين هود، وبين نوح ثمانمائة سنة، وعاش أربعمائة وأربعا وستين سنة. انتهى جمل نقلا من هنا، وهناك.\n ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٥٨].\n ﴿أَفَلا﴾ الهمزة للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الواو وثم، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ.\n ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ. ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾. و﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة أولهم الزمخشري،","vol":"3","page":537},{"text":"فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ و﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ و﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ:﴾ أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب لكم المثل؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات أو قتل... إلخ؟ ويضعف قولهم، ما فيه من التكلف، أنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى مغني اللبيب بتصرف. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ انظر التقوى في الآية رقم [٢٦].\nالإعراب: ﴿وَإِلى عادٍ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، أي: وأرسلنا... إلخ. ﴿أَخاهُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿هُودًا:﴾ بدل من: ﴿أَخاهُمْ،﴾ أو عطف بيان عليه، والجملة الفعلية:\nالمقدرة: «وأرسلنا...» إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٥٩] لا محل لها مثلها. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٥٩] وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ هنا مستأنفة، لا محل لها، بخلافها هناك، فإنها معطوفة بالفاء كما رأيت، وعلل ذلك الخازن بقوله: إن نوحا كان مواظبا على دعوة قومه غير متوان، وأما هود؛ فلم يكن كذلك، بل كان دون نوح في المبالغة في الدعاء، فجاء قوله بغير فاء. انتهى بتصرف. ﴿أَفَلا﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. (فلا): الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَتَّقُونَ:﴾\nمضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للعلم به، والجملة الفعلية: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في «الفاء»، تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1020\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿كَفَرُوا:﴾ الكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار. وكفر فلان النعمة يكفرها كفرا وكفورا وكفرانا: إذا جحدها وأنكرها. وكفر الشيء:\nغطاه وكفره. وسمّي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا:\n ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾. وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في معلقته: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\n ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فِي سَفاهَةٍ:﴾ في خفة، وسخافة عقل، وفي حمق، وجهالة، وضلالة عن الحق والصواب. هذا؛ وسفه نفسه سفها، وسفاهة استمهنها، وأذلها،","vol":"3","page":538},{"text":"واستخف بها. قال المبرد، وثعلب: سفه بالكسر متعد، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء عن النبي ﷺ: «الكبر أن تسفه الحق، وتغمص الناس». والأول من باب طرب، والثاني من باب ظرف. هذا؛ وجاء في المختار: (وقولهم: سفه نفسه، وغبن رأيه، وبطر عيشه، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، كان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلما حول الفعل إلى الرجل، انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه؛ لأنه صار في معنى سفّه نفسه بالتشديد، هذا قول البصريين والكسائي، ويجوز عندهم تقديم هذا المنصوب، كما يجوز: غلامه ضرب زيد).\nوقال الفراء: لما حول الفعل من النفس إلى صاحبها خرج ما بعده مفسرا ليدل على أن السفه فيه، وكان حكمه أن يكون سفه زيد نفسا؛ لأن المفسر لا يكون إلا نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونصب كنصب النكرة تشبيها بها. ولا يجوز عنده تقديمه؛ لأن المفسر لا يتقدم، ومثله قولهم: ضقت به ذرعا، وطبت به نفسا. والمعنى: ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به. انتهى.\nبحروفه. ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي: في ادعائك النبوة.\nقال الخازن: والفرق بين إجابة قوم نوح: ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وبين إجابة قوم هود:\n ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ:﴾ أن نوحا كما خوف قومه في الطوفان، وأخذ في صنع السفينة، قال به قومه: ﴿إِنّا لَنَراكَ..﴾. إلخ حيث تتعب في صنع سفينة في أرض ليس فيها من الماء شيء، وأما هود ﵇ فإنه لما زيف عبادة الأصنام، ونسب من عبدها إلى السفه وقلة العقل؛ قابلوه بمثله. انتهى بتصرف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل صفة ﴿الْمَلَأُ﴾ أو بدل منه، وجملة: ﴿كَفَرُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمَلَأُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة:\n ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ﴾ انظر إعراب مثلها ومحلها في الآية رقم [٦٠] وإعراب: ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ﴾ مثلها معطوفة عليها فهي في محل نصب مقول القول. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر.\n\n<span id=\"aya-1021\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧)﴾\nالشرح: شرح هذه الآية، وإعرابها مثل الآية رقم [٦١] واذكر ما كتبه الجمل عليها نقلا من أبي السعود، حيث قال: استدراك على ما قبله باعتبار ما يلزمه من كونه في الغاية القصوى من الرشد، فإن الرسالة من جهة رب العالمين موجبة لذلك، فكأنه قيل: ليس بي شيء مما تنسبونه إلي، ولكني في غاية الرشد، والصدق، ولم يصرح بنفي الكذب اكتفاء بما في حيز الاستدراك.\nو﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية.","vol":"3","page":539},{"text":"<span id=\"aya-1022\"></span>﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [٦٢] ففيها الكفاية. ﴿وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ:﴾ قال الجمل نقلا من الخازن بتصرف: أتى هود بالجملة الاسمية، ونوح بالجملة الفعلية، حيث قال:\n ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ وذلك؛ لأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة، وكان نوح ﵊ يكرر دعوته لهم ليلا، ونهارا، من غير تراخ، فناسب التعبير بالفعل، وأما هود ﵊، فلم يكن كذلك، بل كان يدعوهم وقتا دون وقت، فلهذا عبر بالاسمية. انتهى.\n ﴿أَمِينٌ﴾ أي: على أداء الرسالة، وتبليغ النصح. والأمين: الثقة على ما ائتمن عليه. والمدح للنفس بأعظم الصفات غير لائق بالعقلاء، وإنما فعل هود ذلك، وقال هذا القول؛ لأنه كان يجب عليه إعلام قومه بذلك، ومقصوده الرد عليهم في قولهم: ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فوصف نفسه بالأمانة، وأنه أمين في تبليغ ما أرسل به من عند الله. ففيه تقرير للرسالة، والنبوة، وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها. انتهى. خازن بحروفه.\nهذا؛ وانظر (النصح) في الآية رقم [٦٢] وانظر (النصيحة) في الآية رقم [٧٩] الآتية.\nأقول: قد مدح يوسف نفسه بقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ومدح نوح، وصالح، ولوط، وشعيب أنفسهم بذلك في سورة (الشعراء) والغرض من ذلك ما ذكرته آنفا. على نبينا، وعليهم ألف ألف ألف صلاة وتسليم.\nالإعراب: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي:﴾ انظر الإعراب، ومحل الجملة في الآية رقم [٦٢].\n (أنا): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ناصِحٌ﴾ بعدهما. ﴿ناصِحٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿أَمِينٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وهذا أولى من العطف على الجملة الفعلية، بخلافه في الآية رقم [٦٢] فالعطف أولى لاتفاق الجملتين في الفعلية.\n<span id=\"aya-1023\"></span>﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٦٣]. ﴿خُلَفاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١٦٥]. ﴿مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ:﴾ حيث ملككم ديارهم، ومساكنهم، وجعلكم خلفاءهم؛ لأنهم كانوا من نسل الذين بقوا مع نوح، وإن شداد بن","vol":"3","page":540},{"text":"عاد الذي كان معاصرا لهود ﵇ قد ملك المعمورة من رمل عالج إلى بحر عمان، وكان مركزهم بالأحقاف من بلاد حضر موت. هذا؛ وانظر شرح: ﴿قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٣٢] و﴿نُوحٍ﴾ في الآية رقم [٥٩].\n ﴿وَزادَكُمْ:﴾ هذا الفعل ضد: «نقص»، يكون لازما، كقولك: زاد المال، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: «زاد الله خالدا خيرا» بمعنى: جزاه الله خيرا. وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدّا، فدرهما، ومدّا تمييز، ومثله قل في: نقص، ومن المتعدي لمفعولين قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾. ﴿بَصْطَةً﴾ أي: طولا، وقوة.\nقال الكلبي والسدي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير ستين ذراعا. وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة، وكانت عينه بعد موته تفرخ فيها الضباع. هذا؛ و﴿بَصْطَةً﴾ يقرأ بالسين، والصاد، ﴿آلاءَ اللهِ:﴾ نعمه، و﴿آلاءَ﴾ جمع مفرده: إلي بكسر الهمزة، وسكون اللام، أو: ألي، بضم الهمزة، وسكون اللام، أو: إلى بكسر الهمزة وفتح اللام، أو: ألى بفتحهما. وانظر مفرد: ﴿آناءَ﴾ في الآية رقم [٣/ ١١٣] فهو قريب منه.\n ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٧] وانظر الترجي في الآية رقم [٢٦] فإنه جيد. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. وانظر شرح: ﴿خَلائِفَ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ انظر إعراب هذا الكلام ومحله من الإعراب في الآية رقم [٦٣]. (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان بمعنى «وقت» مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والكاف مفعول به أول.\n ﴿خُلَفاءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿خُلَفاءَ،﴾ و﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و﴿قَوْمِ:﴾ مضاف إليه، و﴿قَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿جَعَلَكُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. والجملة الفعلية: ﴿فَاذْكُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: لا تعجبوا وتدبروا واذكروا. وهذا الكلام كله مستأنف لا محل له. الواو:\nواو الحال. (زادكم): ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبِّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿فِي الْخَلْقِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿فَاذْكُرُوا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بَصْطَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: (زادكم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجملة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها.\n ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (اذكروا): فعل، وفاعل. ﴿آلاءَ:﴾\nمفعول به، و﴿آلاءَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها","vol":"3","page":541},{"text":"جواب شرط غير جازم مقدر ب «إذا»، وفي الكلام حذف؛ إذ التقدير: فاذكروا آلاء الله، واعملوا عملا يليق بذلك، وهو أن تؤمنوا به، وتتركوا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام؛ لكي تفوزوا بالفلاح في الآخرة. وانظر إعراب مثل: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ في الآية رقم [٦٢].\n\n<span id=\"aya-1024\"></span>﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ قال قوم هود له. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ:﴾ المراد بالمجيء هاهنا أحد أمرين: إما المجيء من مكان اعتزل فيه عن قومه يتحنث فيه كما كان يفعل نبينا ﷺ بغار حراء قبل المبعث. وإما من السماء على التهكّم والاستهزاء، أو القصد على المجاز، كقولهم: «ذهب يسبني» وانظر (جاء) في الآية رقم [٤] والعبادة في الآية رقم [٥٩]. ﴿وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا:﴾ فهذا استبعاد منهم اختصاص الله بالعبادة، وكيف يتركون ما ألفوا عليه آباءهم من الشرك انهماكا منهم في التقليد لما ألفوه. ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا:﴾\nمن العذاب المدلول عليه بقوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿تَعِدُنا:﴾ انظر إعلال: ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٧]. وانظر الوعد في الآية رقم [٤٣]. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ:﴾\nفيما تتوعدنا وتتهددنا. وانظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١٠].\nبعد هذا أقول: إن (نذر) مضارع يأتي منه أمر، ولم يأت منه ماض، فهو ناقص التصرف، ومثله: يدع، دع، ويعم، عم. وإلى الآن لم أتكلم على هذه الأفعال الثلاثة، والأولان بمعنى الترك، والثالث بمعنى التحية، والسّلام، وهنا أتكلم عن ذلك بعونه تعالى، فأقول: قد قيل: قد سمع سماعا نادرا الماضي من الأولين. فقالوا: ودع، ووذر، بوزن: وضع إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى: أنهم لم يتكلموا به البتة، بل تكلموا به دهرا طويلا، ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء، ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا إلا ما سمع منه سماعا نادرا.\nقال قطة العدوي: قال بعض المتقدمين: زعم النحاة: أن العرب أماتت ماضي (يدع) ومصدره، واسم مفعوله، واسم فاعله، مع أنه قد قرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام قوله تعالى ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ بتخفيف الدال بمعنى: ما تركك، وكذا قرأ مقاتل، وابن أبي عبلة، وقال الرسول ﷺ «شرّ النّاس من ودعه الناس اتقاء شرّه». وقال أيضا ﵊: «دعوا الحبشة ما ودعوكم». وقال الشاعر: [المنسرح]\nوكأنّ ما قدّموا لأنفسهم... أعظم نفعا من الّذي ودعوا","vol":"3","page":542},{"text":"وقال آخر: [الطويل]\nوثمّ ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراف المثقفة السّمر\nوقال غيره: [الرمل]\nليت شعري عن خليلي ما الذي... غاله في الحبّ حتى ودعه\nفها هو الماضي قد ورد عن أفصح العرب قراءة وحديثا، وكذا في شعر العرب، وورد المصدر أيضا في قول النبي ﷺ: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات. -وفي رواية الجماعات- أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين». أخرجه مسلم وغيره. وورد اسم الفاعل، واسم المفعول من: «ودع» في قول خفاف بن ندبة: [الطويل]\nإذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودع ووادع مصدّق\nفكيف يقال: إن العرب أماتته، فالصواب القول بقلة الاستعمال، لا بالإماتة. انتهى. بتصرف كبير وقال السيوطي في همع الهوامع: الغالب الاستغناء عن مادة (ودع) بمادة (ترك) ولذا قال: فعلى هذا يعدّ (ودع) في الجوامد، وما قيل في ودع ومضارعه يدع، وأمره دع، يقال في وذر. ومضارع يذر وأمره ذر، كما يقال في وعم ومضارعه يعم، وأمره عم. تأمل، وتدبر وربك أعلم وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿أَجِئْتَنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري، (جئتنا): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿لِنَعْبُدَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَحْدَهُ:﴾\nحال من: ﴿اللهَ،﴾ وصح ذلك؛ لأنه بمعنى: منفردا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: أجئتنا لعبادة الله وحده؟! وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَنَذَرَ:﴾ مضارع معطوف على: (نعبد) منصوب مثله، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾\nموصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص.\n ﴿يَعْبُدُ:﴾ مضارع. ﴿آباؤُنا:﴾ يتنازعه الفعلان السابقان، فكان يطلبه اسما له، ويعبد يطلبه فاعلا له، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لتقدمه، فلا بد من الإضمار في أحد الفعلين على القولين، وجملة: ﴿يَعْبُدُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر: ﴿كانَ،﴾ وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: «كان يعبده آباؤنا» هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير:\nونذر عبادة آبائنا. ﴿فَأْتِنا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] (ائتنا): فعل أمر مبني على","vol":"3","page":543},{"text":"حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، و(نا): مفعول به، ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما وما تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي أو بشيء تعدنا إياه، أو به، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فأنا بوعدك لنا بالهلاك، والجملة الفعلية: ﴿فَأْتِنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما تتوعدنا به صحيحا فأتنا به. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر كان، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن كنت من الصادقين فأتنا بما تعدنا، والجملة الشرطية مع التي قبلها كل أولئك في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1025\"></span>﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: هود﵇لقومه. ﴿قَدْ وَقَعَ:﴾ نزل، أو حق، ووجب.\n ﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿رِجْسٌ:﴾ عذاب. من: الارتجاس، وهو الاضطراب.\n ﴿وَغَضَبٌ:﴾ سخط وانتقام، أو إرادة الانتقام. ﴿أَتُجادِلُونَنِي:﴾ أتخاصمونني؟! فهو إنكار لما حصل منهم. ﴿فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها..﴾. إلخ: أي: في أشياء سميتموها آلهة، وليس فيها معنى الإلهية؛ لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للمخلوقات. و﴿أَسْماءٍ﴾ جمع: اسم، انظر البسملة لترى أصله، واشتقاقه. ﴿ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: عبدتم الأصنام، ووضعتم لها أسماء بدون سند، ولا برهان تعتمدون عليه، وما كان بهذه المثابة فهو باطل. ذكر: أنهم كان لهم ثلاثة أصنام: سموا أحدها: صمودا، والثاني صمدا، والثالث: هبل. وقيل: صمودا، وصداء، والهباء. ﴿فَانْتَظِرُوا:﴾ غضب الله، وعقابه. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي: إنّي أنتظر هلاككم، ونزول العذاب بكم، فهو تهديد، ووعيد لقومه؛ الذين حق عليهم غضب الله تعالى.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (هود). ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وَقَعَ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿رِجْسٌ﴾ كان صفة له، انظر مثله في الآية رقم [٦٩]. وجوز تعليقهما","vol":"3","page":544},{"text":"بالفعل قبلهما، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿رِجْسٌ:﴾ فاعل ﴿وَقَعَ﴾. ﴿وَغَضَبٌ:﴾\nمعطوف عليه، وجملة: ﴿قَدْ وَقَعَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَتُجادِلُونَنِي:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (تجادلونني): مضارع، وفاعله ومفعوله، ونون الوقاية مقحمة بينهما. ﴿فِي أَسْماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَمَّيْتُمُوها:﴾\nماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لتاء الفاعل. ﴿وَآباؤُكُمْ:﴾ معطوف على تاء الفاعل، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: ﴿سَمَّيْتُمُوها..﴾. إلخ في محل جر صفة:\n ﴿أَسْماءٍ،﴾ وجملة: ﴿أَتُجادِلُونَنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَزَّلَ اللهُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿سُلْطانٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما نَزَّلَ..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية ل ﴿أَسْماءٍ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿فَانْتَظِرُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (انتظروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.\nوانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب: «إذا»، أو هي في محل جزم شرط مقدر ب: «إن»، والتقدير على الأول، وإذا كان ما ذكر حاصلا منكم؛ فانتظروا. وعلى الثاني: إن كنتم مصرين على شرككم فانتظروا. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾.\nإلخ تعليل للأمر لا محل لها، والجملة الشرطية المقدرة مع التعليل في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1026\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أي: فأنجينا هودا من العذاب الذي أصاب قومه. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي:\nمن المؤمنين به. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا:﴾ انظر ﴿رَحْمَتَ اللهِ﴾ في الآية رقم [٥٦]. ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ..﴾. إلخ:\nاستأصلناهم، فلم نبق منهم كافرا؛ لأن الدابر هو الآخر، وإذا قطع الآخر، فقد قطع ما قبله، فحصل الاستئصال، والمراد ب: (آياتنا) المعجزات التي أعطيها هود، ﵊. وانظر الآية رقم [٨] وانظرنا في الآية رقم [٩]. ﴿وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ:﴾ نفى الله الإيمان عمن أهلكهم من قوم هود، ففيه تنبيه على أن الفرق بين من نجا وبين من هلك إنما هو الإيمان. وانظر الآية رقم [٢].","vol":"3","page":545},{"text":"تنبيه: روي: أن قوم هود كانوا يعبدون الأصنام، ومنازلهم بالأحقاف بين عمان وحضر موت من أرض اليمن، فبعث الله إليهم هودا، فكذبوه، وازدادوا عتوّا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين؛ حتى لحقهم الجهد، وكان الناس حينئذ مسلمهم، ومشركهم إذا نزل بهم بلاء؛ توجهوا إلى البيت الحرام، وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه قيل بن عنز، ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة، أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدهم معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه؛ وهو بظاهر مكة؛ أنزلهم، وأكرمهم، وكانوا أخواله، وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا، يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان (قينتان له) فلما رأى ذهولهم باللهو عما بعثوا له؛ أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فقال شعرا، وأمر الجرادتين أن تغنيا به، ومطلعه ما يلي: [الوافر]\nألا يا قيل ويحك قم فهينم... لعلّ الله يسقينا غماما\nفيسقي أرض عاد إنّ عادا... قد امسوا لا يبينون الكلاما\nفأزعجهم ذلك، فقال مرثد، والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله؛ سقيتم! فقالوا لمعاوية: احبسه عنا لا يقدمنّ معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك، ولقومك. فقال: اخترت السوداء، فإنها، أكثرهن ماء، فخرجت على عاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريح عقيم، فأهلكتهم، واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه، ومن معه من الريح، إلا ما تلين عليه الجلود، وتلذ به الأنفس، انظر ما ذكره الله في سورة (الذاريات) وسورة (الحاقة)، وغيرهما. انتهى. بيضاوي بتصرف.\nالإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقال سليمان الجمل: الفاء الفصيحة، وقدر قبلها: «فوقع، ما وقع فأنجيناه». ولا أرى له وجها صحيحا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، التقدير: آمنوا معه. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِرَحْمَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان ب (رحمة)، أو بمحذوف صفة له. (قطعنا): فعل، وفاعل. ﴿دابِرَ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة المنفية: ﴿وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَقَطَعْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"3","page":546},{"text":"<span id=\"aya-1027\"></span>﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا..﴾. إلى ﴿غَيْرُهُ:﴾ انظر شرح هذا الكلام، في الآية رقم [٦٥] وهو معطوف عليه، فيقدر المحذوف مثله. هذا؛ و﴿ثَمُودَ﴾ قبيلة أخرى من العرب، كعاد سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن غابر بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر، وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل. والأول هو المعتمد. وانظر صرفه، وعدمه في الآية رقم [٦٥] وقرئ بصرفه شاذّا. ﴿صالِحًا:﴾ هو ابن عبيد، بن آسف، بن ماسح، بن عبيد، بن حاذر، بن ثمود، وليس من أنبياء بني إسرائيل كهود، وكان بينهما مائة سنة، وعاش صالح مائتين وثمانين سنة كما في التحبير. انتهى جمل. وأخوته لقومه أخوة نسب لا أخوة دين كهود. ﴿جاءَتْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ معجزة واضحة ظاهرة الدلالة على نبوتي، وبرهان جلي على صدقي بأني رسول الله إليكم. ثم فسر هذه المعجزة بقوله سبحانه: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ وكون هذه الناقة معجزة لأنها خرجت من صخرة، وهم ينظرون إليها، وليست من ذكر وأنثى معهودين، وخلقت في ساعة واحدة، وكانت تشرب ماء العين التي هي ماؤهم ورواؤهم في يوم، وهم يشربونه في يوم، وفي يوم شربها كانوا يحلبونها، فيغنيهم لبنها عن الماء ذلك اليوم. وإضافة الناقة إلى ﴿اللهَ﴾ إضافة تشريف، وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وعبد الله. ﴿فَذَرُوها:﴾ اتركوها. وانظر الآية رقم [٧٠].\n ﴿أَرْضِ اللهِ:﴾ ملكه. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ:﴾ نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى، مبالغة في النهي، كما في قوله تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ هذا؛ والسوء الشر والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتحها المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السوء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ وتأنيثه السوأى: كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾. وانظر الآية رقم [٩/ ٩٨].\n ﴿عَذابٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٧]. ﴿أَلِيمٌ:﴾ مؤلم بكسر اللام، اسم فاعل بمعنى موجع.\nوقال سليمان الجمل: بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذب، فهو على حد (جدّ جدّه). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾. انظر الآية رقم [٦٥] و[٥٩] ففيهما الكفاية. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.","vol":"3","page":547},{"text":"﴿جاءَتْكُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَيِّنَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. هذا؛ والاستئناف ممكن بالإعراض عما قبلها.\n ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿ناقَةُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿آيَةً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة... إلخ». ﴿آيَةً:﴾ حال من: ﴿ناقَةُ اللهِ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، فهي حال متداخلة. هذا؛ وقيل، بدل من: ﴿هذِهِ﴾ وهذا يعني أنه قرئ بالرفع. هذا؛ وجوز اعتبار:\n ﴿لَكُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿هذِهِ ناقَةُ﴾ مفسرة لقوله ﴿بَيِّنَةٌ﴾ أو هي بدل منها، إبدال جملة من مفرد. وقيل: هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَذَرُوها:﴾\nالفاء هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] (ذروها): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وثابتا؛ فذروها، و«إذا» المقدرة، ومدخولها كلام مستأنف، أو هو معطوف على ما قبله. ﴿تَأْكُلْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف مقدر ب: «إن»، والفاعل مستتر تقديره: «هي»، ﴿فِي أَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿أَرْضِ:﴾\nمضاف، و﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿تَأْكُلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب الطلب، أو جواب شرط جازم، ولم تقترن بالفاء، أو ب: «إذا» الفجائية، التقدير: إن تذروها؛ تأكل... إلخ. (لا): ناهية جازمة ﴿تَمَسُّوها:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(ها): مفعوله. ﴿بِسُوءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ:﴾ الفاء:\nللسببية. (يأخذكم): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والكاف مفعول به. ﴿عَذابٌ:﴾\nفاعله. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم مس للناقة بسوء، فأخذ لكم.\n\n<span id=\"aya-1028\"></span>﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٦٩] وهذا يدل على امتداد ملك قوم عاد كما رأيت هناك. ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾","vol":"3","page":548},{"text":"أسكنكم، ومكنكم فيها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٧] من سورة (يونس). ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا:﴾ تبنون في سهولها، أو من سهولها بما تعملون منها، كاللبن، والاجر المتخذ من الطين السهل اللين. هذا؛ وسميت القصور قصورا لقصور الفقراء عن تحصيلها، وحبسهم عن نيلها. انتهى. جمل. ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا﴾ أي: وتشقون بيوتا في الجبال، والمراد:\nالكهوف، والغيران التي كانوا ينحتونها في الجبال، قيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف، والجبال في الشتاء، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفهين. هذا؛ وقرئ: «وتنحتون» بفتح التاء الثانية وكسرها، كما قرئ: «(تنحاتون)». ﴿آلاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٩]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة. ﴿وَلا تَعْثَوْا:﴾ ولا تفسدوا، والعثوّ: أشد الفساد. وانظر الآية رقم [٥٦].\nروي: أن عادا لما أهلكت؛ عمرت ثمود بلادها، أي: قسما منها؛ لأن قبيلة ثمود لم تصل إلى الأحقاف التي كانت مركزا لعاد، وخلفوها في عمارة الأرض التي ذكرتها في الآية السابقة، وعمروا أعمارا طوالا، فنحتوا البيوت من الجبال خشية الانهدام قبل الممات، وكانوا في سعة من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم صالحا، وكانوا قوما عربا، وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى الله، فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون، فأنذرهم، فسألوه أن يخرج من صخرة يعينها ناقة عشراء، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت تمخض النتوج بولدها، فخرجت منها ناقة كما شاءوا، فآمن به جندع، ورهط من قومه. انتهى. نسفي بتصرف، وزيادة.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٦٨] وجملة: ﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. (بوأكم): ماض، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿جَعَلَكُمْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿تَتَّخِذُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ سُهُولِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿قُصُورًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:\n «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿قُصُورًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿تَتَّخِذُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الكاف المفعول به، والرابط الضمير فقط. (تنحتون): فعل، وفاعل.\n ﴿الْجِبالَ:﴾ منصوب بنزع الخافض، أي من الجبال، و﴿بُيُوتًا:﴾ مفعول به. وقيل: إن الفعل يتضمن معنى ما قبله، وعليه فالجبال مفعوله الأول، وبيوتا مفعوله الثاني. وقيل: ﴿الْجِبالَ﴾ مفعول به، و﴿بُيُوتًا﴾ حال مقدرة، فإنه بمعنى المشتق، أي: مسكونة، والجملة الفعلية:\n ﴿وَتَنْحِتُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء:\nهي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله،","vol":"3","page":549},{"text":"والألف للتفريق. ﴿آلاءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة:\n (اذكروا...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: «إذا»، التقدير: «وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا؛ فاذكروا...» إلخ، وإذا ومدخولها على هذا التقدير معطوف على ما قبله، فهو داخل في الحالية. (لا): ناهية. ﴿تَعْثَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿مُفْسِدِينَ﴾ بعدهما.\n ﴿مُفْسِدِينَ:﴾ حال مؤكدة لمعنى الفعل منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلا تَعْثَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1029\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].\n ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ أي: تكبروا عن الإيمان به. ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿اُسْتُضْعِفُوا﴾ أي: استضعفهم الأقوياء، واستذلوهم. ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ:﴾ للمؤمنين بصالح، ومصدقيه بما جاء به من عند ربه. وانظر (الإيمان) في الآية رقم [٢]. ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا..﴾. إلخ: أي:\nأتعتقدون برسالة صالح. ﴿قالُوا:﴾ ذلك استهزاء. وانظر شرح: ﴿رَبِّكُمْ﴾ في الآية رقم [٣].\n ﴿قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ..﴾. إلخ: أي: نحن مصدقون، ومعترفون برسالته، وبما جاء من عند ربه.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات ومحلها في الآية رقم [٦٦]. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿قالَ﴾. ﴿اُسْتُضْعِفُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾ بدل كل من كل، إن كان كل المستضعفين مؤمنين، وبدل بعض من كل إن كان بعضهم مؤمنين، وبعضهم كافرين. ﴿آمَنَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (من) وهو العائد. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، ومن بيان لما أبهم في (من) والجملة الفعلية: ﴿آمَنَ مِنْهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿أَتَعْلَمُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (تعلمون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿صالِحًا:﴾ اسمها. ﴿مُرْسَلٌ:﴾ خبرها. ﴿مِنْ رَبِّهِ،﴾ متعلقان ب ﴿مُرْسَلٌ﴾ لأنه اسم مفعول، والهاء في محل جر بالإضافة، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل قبله، والجملة الفعلية: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ..﴾. إلخ في محل نصب","vol":"3","page":550},{"text":"مقول القول. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر الآية رقم [٥]. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿أُرْسِلَ بِهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط هو الضمير المجرور محلاّ بالباء، التقدير: بالذي، أو بشيء أرسل به، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بإرساله، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1030\"></span>﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن أمر الله، والإيمان به، وبرسوله (صالح).\n ﴿إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي: جاحدون منكرون. فوضعوا ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ موضع ﴿أُرْسِلَ بِهِ﴾ ردّا لما جعله المؤمنون معلوما مسلما. وانظر الإيمان في الآية رقم [٢] والكفر في الآية رقم [٦٦] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ الَّذِينَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اِسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان ب ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما. ﴿آمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-1031\"></span>﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ:﴾ نحروها، وقتلوها. أسند سبحانه العقر إلى جميعهم، وإن كان العاقر «قدار بن سالف»؛ لأنه كان برضاهم، وكان «قدار» أحمر، أزرق العينين، قصيرا. كما كان فرعون كذلك.","vol":"3","page":551},{"text":"قال النبي ﷺ: «يا علي أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك». هذا؛ والعقر في الأصل: قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقرا؛ لأن ناحر البعير يعقره، ثم ينحره، وباب (عقر) ضرب، ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ:﴾ تكبروا عن أمر ربهم، وهو ما أمروا به على لسان صالح من قوله: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾. هذا؛ والعتو: الغلو في الباطل، والتكبر عن الحق. هذا؛ وانظر إعلال مثل: (عتوا) في الآية رقم [٢٥]. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣].\n ﴿وَقالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿اِئْتِنا:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٣٤]. ﴿تَعِدُنا:﴾ انظر إعلال: ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٧] فهو مثله. ﴿كُنْتَ:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] فهو مثله. وقولهم: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا..﴾. إلخ تهكم؛ لأنهم كانوا مكذبين في كل ما هددهم وتوعدهم به من العذاب. وانظر مثل إعلال: ﴿اِئْتِنا﴾ في الآية رقم [٥٠] من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿فَعَقَرُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عقروا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق.\n ﴿النّاقَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (عتوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعل. ﴿عَنْ أَمْرِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿أَمْرِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَعَتَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (صالح): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا) ﴿اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٦٩] وكله مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1032\"></span>﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:﴾ قال الفراء، والزجاج: الرجفة: الزلزلة الشديدة العظيمة.\nوقال مجاهد والسدي: هي الصيحة. فيحتمل: أنهم أخذتهم الزلزلة من تحتهم، والصيحة من فوقهم؛ حتى هلكوا. انتهى خازن. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: أصبحوا في أرضهم، وبلدهم ميتين على وجوههم خامدين. هذا؛ والجثوم للناس، والطير بمنزلة البروك للبعير.\nهذا؛ و«الدار» مؤنثة، وقد تذكر، وهي منزل الإنسان، ومسكنه، أصلها: دور بفتحتين قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها. وجمعها: ديار، ودور، وادؤر، وأدور، وأدورة وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران. وأصل ديار: دوار، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن «فعال» لمفرد اعتلت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا: البلد، والقبيلة. ودار القرار: الآخرة، والداران: الدنيا والآخرة. ودار الحرب: بلاد العدو.\nهذا؛ وقد قال أبو حاتم: إنّ الديار العساكر، والخيام، لا البنيان، والعمران، وإن الدار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم،","vol":"3","page":552},{"text":"وخيامهم ميتين، وقال جل شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ما قيل لجمع الدار، فعلم من كلامه: أن الديار مخصوصة بالخيام. انتهى.\nقال صاحب خزانة الأدب: وهذه غفلة عن قول الشاعر-وهو مجنون ليلى-: (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر]\nأمرّ على الديار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا\nوما حبّ الديار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا\nوهذان البيتان هما الشاهد رقم (٩٠٣) من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nتنبيه: بالإضافة لما ذكرته عن النسفي في الآية رقم [٧٣] أذكر أيضا: أن الناقة ولدت ولدا مثلها، ومكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبّا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج، فيحلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون، ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه، فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشقّ ذلك عليهم، وزينت عقرها لهم عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها. فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغا ثلاثا، فقال لهم صالح: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه؛ إذ انفرجت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح﵊-: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب. فلما رأوا العلامات؛ طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله، إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع، تحنطوا، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء، فتقطعت قلوبهم فهلكوا. انتهى بيضاوي بحروفه.\nوفي الخازن-عن ابن عمر﵄قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر، قال:\n «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنّع رأسه، وأسرع السير حتّى جاوز الوادي». متفق عليه.\nوعنه أيضا: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوه، ويعلفوا الإبل بالعجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. رواه الشيخان.\nوكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف، خرج بهم صالح﵊- بعد هلاك قومه من فلسطين، إلى حضر موت، فلما دخلوها؛ مات صالح، فسمي: حضر موت، ثم بنوا فيها أربعة آلاف مدينة، وسموها: حاضوراء. وقال قوم من أهل العلم توفي صالح بمكة، وهو ابن عثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. انتهى خازن بتصرف.","vol":"3","page":553},{"text":"الإعراب: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. (أصبحوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. وانظر إعراب:\n ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿فِي دارِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿جاثِمِينَ:﴾ خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وقيل: (أصبحوا) تامّا، و﴿جاثِمِينَ﴾ حالا. والأول أقوى، وجملة: (أصبحوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1033\"></span>﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ:﴾ فأعرض عنهم صالح، ﵊. هذا؛ والإعراض، والتولي، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا. هذا؛ وقال البيضاوي: ظاهره: أن توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين، ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله ﷺ أهل قليب بدر، وقال: «إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا». أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم.\n ﴿وَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٣٢]. ﴿رَبِّي:﴾\nانظر الآية رقم [٢]. والمراد ب: ﴿رِسالَةَ رَبِّي:﴾ تعاليمه وتكاليفه، وأوامره ونواهيه التي جاء بها كل رسول من عند ربه. هذا؛ وقد قال نوح وهود ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ وقال صالح ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾ والأول أبلغ من الثاني، ولعل مرجع ذلك ومرده إلى طول مدة نوح وهود عليهما الصلاة والسّلام، وإلى قصر حياة صالح ومدته كما رأيت حياة الجميع فيما تقدم. ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ:﴾ انظر: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ:﴾ الامرين بالهدى لاستحلاء الهوى، والنصيحة: منيحة تدرأ الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة. انتهى. نسفي. وانظر (النصح) في الآية رقم [٦١].\nالإعراب: ﴿فَتَوَلّى:﴾ الفاء: حرف عطف. (تولى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (صالح). ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٩].\n ﴿لَقَدْ:﴾ اللام واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. ﴿أَبْلَغْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به أول. ﴿رِسالَةَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ..﴾. إلخ جواب القسم، المقدر، والقسم","vol":"3","page":554},{"text":"وجوابه، والجملة الندائية كل ذلك في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، والجملة الفعلية: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ معطوفة على جواب القسم، ومحلها في محل نصب مقول القول. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لا:﴾ نافية ﴿تُحِبُّونَ:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿النّاصِحِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1034\"></span>﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلُوطًا:﴾ هو ابن أخي إبراهيم ﵇ آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق، قال تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي..﴾. إلخ فأقام إبراهيم﵇في فلسطين، وأقام لوط﵇في الأردن، فأرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح. هذا؛ وقال الجمل: سذوم بالذال المعجمة، وهي بلد بحمص. نقلا من أبي السعود، وأين حمص من الأردن؟! قال: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣١]. ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ:﴾ سؤال توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح والشناعة، ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها:﴾ لم يفعل هذه الفاحشة أحد قبلكم. ﴿الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤].\n ﴿أَحَدٍ:﴾ أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة مثل قولهم: وجوه وأجوه، ووسادة وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد.\nوالثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون. وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل (أحد) إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم:\n «ما في الدار أحد» هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد، والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلُوطًا:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير، واذكر لوطا، ونحوه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من: (لوطا). ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: (لوطا). ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَتَأْتُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (تأتون): فعل، وفاعل. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾\nمفعول به. وجملة: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَبَقَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به. ﴿بِها:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة","vol":"3","page":555},{"text":"مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿ما سَبَقَكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿الْفاحِشَةَ﴾ نفسها، والرابط: الضمير على الاعتبارين.\nهذا؛ وقد قيل: إنها مستأنفة، لا محل لها، وجملة: «اذكر لوطا» أو «وأرسلنا لوطا» المقدرة معطوفة على ما قبلها، ومتضمنة عطف قصة لوط على قصة نوح وهود وصالح على نبينا وعليهم جميعا ألف ألف ألف تحية وسلام وصلاة.\n\n<span id=\"aya-1035\"></span>﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ..﴾. إلخ: هذا من قول لوط﵇لقومه مخاطبا لهم.\nوانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿الرِّجالَ:﴾ جمع: رجل، وهو مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشجاعة، والقوة، وغير ذلك. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿شَهْوَةً:﴾ قال البيضاوي: وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمة الصرفة، وتنبيه على أنه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد، وبقاء النوع، لا قضاء الوطر.\nقال عمرو بن دينار-رحمه الله تعالى-ما زنى ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط.\nهذا؛ وقد لعن الرسول ﷺ من عمل عمل قوم لوط، كما لعن من أتى امرأته في دبرها أيضا.\n ﴿النِّساءِ:﴾ أصله: النساي، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والياء المنقلبة ألفا، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ ونساء: اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وتجمع المرأة أيضا على: نسوة بضم النون وكسرها، ونسوان بكسر النون، ونسون ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان الذي رأيته في الآية رقم [٥/ ١٤] فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا وإما كذبا.\nهذا؛ والمرأة مشتقة من المرء، وهو الرجل؛ لأنها خلقت منه. ﴿قَوْمٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢].\n ﴿مُسْرِفُونَ:﴾ مجاوزون الحلال إلى الحرام وانظر الآية رقم [٦/ ١٤١] وإنما ذمهم الله بهذا العمل الخبيث؛ لأن الله خلق الإنسان وركب فيه الشهوة لبقاء النسل وعمران الدنيا، وجعل النساء محلاّ للشهوة، وموضع النسل، فإذا تركهن الرجل وعدل عنهن إلى غيرهم من الرجال، فكأنما قد جاوز الحد واعتدى؛ لأنه وضع الشيء في غير موضعه الذي خلق له؛ لأن أدبار الذكور ليست محلاّ للولادة، التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان.\nوكانت قصة قوم لوط على ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار والسير: أنه كانت قرى قوم لوط مخصبة ذات زروع، وثمار، لم يكن في الأرض مثلها، فقصدهم الناس، فآذوهم، وضيقوا عليهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ، وقال لهم: إذا فعلتم بهم كذا وكذا","vol":"3","page":556},{"text":"نجوتم منهم. فأبوا، فلما ألح عليهم الناس؛ قصدوهم، فأصابوا غلمانا حسانا صباحا، فأخبثوا، واستحكم ذلك فيهم. قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا الغرباء. وقيل: استحكم ذلك فيهم؛ حتى نكح بعضهم بعضا، وقال الكلبي: إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس، وذلك:\nأن بلادهم أخصبت، فقصدها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شاب أمرد، فدعا إلى نفسه، فكان أول من نكح في دبره، فأمر الله السماء أن تحصبهم، والأرض أن تخسف بهم.\nانتهى. خازن بتصرف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها.\nهذا؛ وقد قرئ: «(أإنكم)» بهمزة الاستفهام ﴿لَتَأْتُونَ﴾ اللام: هي المزحلقة. تأتون: فعل، وفاعل.\n ﴿الرِّجالَ:﴾ مفعول به. ﴿شَهْوَةً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال بمعنى مشتهين، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) وعلى تقدير الهمزة يكون في الكلام توبيخ آخر، وهذا أشنع مما سبق لتأكيده ب:\n (إنّ) واللام، واسمية الجملة. هذا؛ والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (الواو) أو من ﴿الرِّجالَ﴾. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي من الإنكار إلى الإخبار عن حالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها، وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم على جميع معايبهم، أو عن محذوف مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبره. ﴿مُسْرِفُونَ:﴾ صفة قوم مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية من مقول لوط، ﵊.\n\n<span id=\"aya-1036\"></span>﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما:﴾ قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: أتى هنا بقوله: ﴿وَما﴾ وفي النمل والعنكبوت بقوله: ﴿فَما﴾ والفاء هي الأصل في هذا الباب؛ لأن المراد: أنهم لم يتأخر جوابهم عن نصيحته، وأما الواو فالتعقيب أحد محاملها، فتعين هنا أنها للتعقيب لأمر خارجي، وهو القرينة في السورتين المذكورتين، لا أنها اقتضت ذلك بوضعها. انتهى نقلا عن السمين.\n ﴿قَوْمِهِ﴾ أي: المستكبرين منهم عن الإيمان، انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ أي: أخرجوا لوطا، ومن آمن معه. ﴿قَرْيَتِكُمْ:﴾ وهي سذوم بالذال بوزن رسول من قرى حمص الشام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٠] وانظر شرح القرية في الآية رقم [٨٨]. ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: من الفواحش، ومن أدبار الرجال، وهذا استهزاء منهم بلوط، وأتباعه. (الناس): اسم جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم، والرهط،","vol":"3","page":557},{"text":"واحده: إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى ﴿الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله:\nالأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، كما في هذه الآية، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص.\n ﴿جَوابَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، و﴿جَوابَ:﴾ مضاف، و﴿قَوْمِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٥] والفعل في محل نصب ب: ﴿أَنْ﴾ و﴿أَنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا؛ وقد قرئ برفع «جواب» على أنه اسمها، والمصدر المؤول خبرها، والأول أفصح؛ لأن فيه جعل الأعراف اسما. ﴿أَخْرِجُوهُمْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل والهاء في محل نصب اسمها. ﴿أُناسٌ:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل رفع صفة:\n ﴿أُناسٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للأمر، وهي في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1037\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: أنجى الله لوطا ومن آمن معه من أهله. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وأهل اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل معشر ورهط. و(الأهل): العشيرة وذو القربى، ويطلق على الزوجة وعلى الأتباع أيضا، والجمع أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، بسكون الهاء وفتحها، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ:﴾ فإنها كانت تسر الكفر، واسمها واهلة. ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي:\nمن الذين بقوا في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم:\n ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ هذا؛ و﴿الْغابِرِينَ﴾ اسم فاعل من: غبر الشيء بقي، وغبر أيضا مضى، فهو من الأضداد، وبابه دخل. انتهى. مختار. هذا؛ ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان وحاضرها.\nكما يقال: في غابر الأزمان وماضيها، وقال أبو ذؤيب الهذلي في رثاء أولاده: [الكامل]\nفغبرت بعد همو بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع","vol":"3","page":558},{"text":"الإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به؛ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَهُ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتَهُ﴾. ﴿مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَتْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ قال الجمل: مستأنفة، وقعت جوابا عن سؤال نشأ من استثنائها، كأنه قيل: فماذا كان حالها، فقيل: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾. انتهى بتصرف، وأرى جوازا اعتبارها حالا من: ﴿اِمْرَأَتَهُ،﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط: الضمير فقط. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1038\"></span>﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أي: وأنزلنا عليهم من السماء مطرا عجيبا، وهو مبيّن في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وهذه الحجارة قد عجنت بالكبريت والنار. هذا؛ ويقال: مطرت السماء، وأمطرت. وقال أبو عبيدة: يقال في العذاب: أمطرت، وفي الرحمة مطرت. وانظرنا في الآية رقم [٧]. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ..﴾. إلخ: أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة هؤلاء الذين كذبوا بالله ورسوله، وعملوا الفواحش كيف أهلكتهم؟!\nقال مجاهد: نزل جبريل، ﵊، فأدخل جناحيه تحت مدائن قوم لوط، فاقتلعها، ورفعها إلى السماء، ثم قلبها، فجعل أعلاها أسفلها، ثم أتبعوا بالحجارة. هذا؛ وإن كان الخطاب للنبي ﷺ، لكن المراد به غيره من أمته، ليعتبروا بما جرى على أولئك، فينزجروا بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة، والفواحش الخبيثة. انتهى. خازن بتصرف. ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾.\nهذا؛ ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو لأن: ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه.\nالإعراب: (أمطرنا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠].\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَطَرًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَمْطَرْنا..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (انظر): أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص.\n ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وهو مضاف، و﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة","vol":"3","page":559},{"text":"جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما وقع حاصلا؛ فانظر معتبرا بما حصل.\n\n<span id=\"aya-1039\"></span>﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: وأرسلنا إلى مدين... إلخ، و﴿مَدْيَنَ﴾ اسم رجل، وهو مدين بن إبراهيم الخليل ﵊، فعلى هذا يكون المعنى: وأرسلنا إلى ولد مدين، ومدين اسم للقبيلة، كما يقال: بنو تميم، وبنو عدي. وقيل: مدين اسم للماء الذي كانوا عليه. وقيل: هو اسم للمدينة. وعلى هذين القولين يكون المعنى: وأرسلنا إلى أهل مدين.\nوالصحيح هو الأول، لقوله: ﴿أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يعني: في النسب لا في الدين، وشعيب هو ابن ميكيل، بن يشجر، بن مدين، بن إبراهيم ﵇، وأم ميكيل هي بنت لوط ﵇، وكان يقال لشعيب﵇-: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وكانوا أهل كفر، وبخس في المكيال، والميزان. انتهى خازن بتصرف. وقد صرح سبحانه هنا بتعيين المرسل إليهم... إلخ انظر الآية رقم [٦٥]. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾. انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٥٩]. ﴿جاءَتْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿بَيِّنَةٌ:﴾ معجزة واضحة ظاهرة الدلالة على نبوتي، وبرهان جلي على صدقي بأني رسول الله إليكم.\nقال الخازن: لأنه لا بد لكل نبي من معجزة تدل على صدق ما جاء به من عند الله؛ غير أن تلك المعجزة التي كانت لشعيب لم تذكر في القرآن، وليست كل معجزات الأنبياء مذكورة في القرآن. وقيل: أراد بالبينة: مجيء شعيب بالرسالة إليهم. وقيل: أراد بالبينة: الموعظة فيما يلي، وهي قوله: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ﴾ انتهى. والمعنى: أتموا الكيل، والميزان، وأعطوا الناس حقوقهم، وكانوا يضيفون إلى كفرهم بخس المكيال، والميزان، فيطففون الكيل، ويرجحون الميزان إذا أخذوا، وينقصونهما إذا أعطوا، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. وانظر: ﴿وَالْمِيزانَ﴾ في الآية رقم [٨]. ﴿النّاسَ:﴾ انظر الآية رقم [٨١].","vol":"3","page":560},{"text":"﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ جمع: شيء، وهو في الأصل عبارة عن كل موجود، إما حسّا، كالأجسام، وإما حكما، كالأقوال، نحو: قلت شيئا. وانظر الآية رقم [٦/ ١٩]. هذا؛ وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى- وهو رأي سيبويه، والمازني، وجمهور البصريين: إن وزنه شيئاء وزان: حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزان: لفعاء، كما قلبوا:\nأدؤرا، فقالوا: آدر وشبهه، ويقال لهذا: قلب مكاني. وجمع الأشياء: أشايا.\nهذا؛ وقال البيضاوي: إنما قال: ﴿أَشْياءَهُمْ﴾ للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل، والحقير، والقليل، والكثير. وقيل: كانوا مكاسين، لا يدعون شيئا إلا مكسوه. ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالكفر والظلم. ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها:﴾ بعد ما أصالح أمرها، وأهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع، وأصلحوا فيها. ﴿ذلِكُمْ:﴾ الإشارة إلى ما أمرهم به ونهاهم عنه من الأعمال. ﴿خَيْرٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٢] ومعنى الخيرية: زيادة النعم من مال وولد. وما يتبع ذلك من حسن الذكر على مدى الدهر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] فهو مثله. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر (الإيمان) في الآية رقم [٢] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف معطوف على مثله في الآية رقم [٥٨] فهو عطف قصة على قصة. وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَخاهُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿شُعَيْبًا:﴾ بدل من: ﴿أَخاهُمْ،﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٥٩] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] لتركه الفاء هنا. ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٧٣]. ﴿فَأَوْفُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (أوفوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿الْكَيْلَ:﴾\nمفعول به. ﴿وَالْمِيزانَ:﴾ معطوف على ما قبله. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَبْخَسُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول. ﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَبْخَسُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٦] وهي هنا معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل","vol":"3","page":561},{"text":"رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية، وما قبلها مجموع ذلك كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1040\"></span>﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ:﴾ بكل طريق من طرق الدين. قال البيضاوي: وصراط الحق وإن كان واحدا؛ لكنه يتشعب إلى معارف، وحدود، وأحكام، وكان قوم شعيب إذا رأوا واحدا يسعى في شيء منها؛ منعوه، وتوعدوه، وهددوه إن هو آمن بشعيب. وقيل: كانوا يجلسون على المراصد، فيقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب، فلا يفتننك عن دينك، ويوعدون من آمن به.\nوقيل: كانوا يقطعون الطرق. انتهى. بتصرف. هذا؛ وانظر الوعد، والوعيد في الآية رقم [٤٤].\n ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ انظر الآية رقم [٤٥] ففيها الكفاية، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. وقيل: يعود إلى: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ،﴾ والأول أولى.\n ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ:﴾ قال الزجاج: يحتمل ذلك ثلاثة أوجه: كثر عددكم، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالقوة بعد الضعف. ووجه ذلك: أنهم إذا كانوا فقراء ضعفاء؛ فهم بمنزلة القليل، والمعنى: أنه كثركم بعد القلة، وأعزكم بعد الذلة، فاشكروا نعمة الله عليكم، وآمنوا به. انتهى خازن. ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من الأمم قبلكم كقوم نوح وهود وصالح ولوط. وانظروا نظر اعتبار، وتبصر، وأقرب الأمم إليكم قوم لوط زمانا ومكانا، فانظروا كيف أرسل الله عليهم حجارة من السماء لما عصوه وكذبوا رسله، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقْعُدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَبْخَسُوا..﴾. إلخ فهي مثلها في محل نصب مقول القول.","vol":"3","page":562},{"text":"﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(كل) مضاف، و﴿صِراطٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿تُوعِدُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وجملة: ﴿وَتَصُدُّونَ..﴾. إلخ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنَ بِهِ﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، التقدير: تصدون عن سبيل الله الذي، أو شخصا آمن به، وجملة: ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال أيضا، وتقدير الكلام: لا تقعدوا موعدين وصادين عن سبيل الله، وباغين عوجا.\nوانظر الآية رقم [٤٥] لتتمة الإعراب. (اذكروا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وعليه فالمفعول محذوف، التقدير: اذكروا نعمة الله عليكم في ذلك الوقت. وقيل:\nإذ مفعول به غير ظرف، التقدير: واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلا عددكم ﴿كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ كان واسمها وخبرها، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة ﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَقْعُدُوا..﴾. إلخ، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿فَكَثَّرَكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٨٤] وهي معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة مقول شعيب على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-1041\"></span>﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿طائِفَةٌ:﴾ الطائفة: الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل فريق، ورهط ومعشر، وجمعها: طوائف وانظر الآية رقم [٦٨] (التوبة). ومعنى الجملة الشرطية: وإن اختلفتم في رسالتي، فصرتم فرقتين: فرقة آمنت برسالتي، وفرقة كذبت بها، وجحدتها.\n ﴿فَاصْبِرُوا:﴾ فانتظروا، وتربصوا فيه وعيد، وتهديد. ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا﴾ أي: الفريقين بأن ينصر المحقين على المبطلين، ويظهرهم عليهم. وهذا؛ وعيد للكافرين بانتقام الله تعالى منهم.\nأو هو حث للمؤمنين على الصبر، واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم، وينتقم لهم منهم. أو خطاب للفريقين؛ ليصبر المؤمنون على أذى المشركين، والكافرون على ما يسوءهم من إيمان من آمن منهم؛ حتى يحكم الله بين الفريقين، فيميز الخبيث من الطيب. انتهى نسفي بتصرف.","vol":"3","page":563},{"text":"﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة، التي أعظمها أكل الحلال. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ أي: إنه حاكم عادل، منزه عن الجور والميل والحيف في حكمه، وإنما قال: ﴿خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكما على سبيل المجاز، والله تعالى هو الحاكم في الحقيقة. هذا؛ وانظر شرح: ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [١٢] وانظر شرح (بين) في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿طائِفَةٌ:﴾ اسمها، ولم يؤنث الفعل؛ لأن التأنيث مجازي.\n ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿طائِفَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٤]. ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أُرْسِلْتُ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. وانظر إعراب:\n ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والأول هو نائب الفاعل، وجملة: ﴿أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿آمَنُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَطائِفَةٌ:﴾ معطوف على سابقه، ومتعلقه محذوف لدلالة، ما قبله عليه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية في محل رفع صفة:\n ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿فَاصْبِرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اصبروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَحْكُمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و(نا): ضمير منفصل في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (اصبروا). ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو):\nضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿خَيْرُ:﴾\nمضاف، و﴿الْحاكِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"3","page":564},{"text":"<span id=\"aya-1042\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].\n ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿يا شُعَيْبُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٥]. ﴿قَرْيَتِنا:﴾ المراد بها مدينة مدين، وبينها وبين مصر ثمانية مراحل، وسميت باسم الذي بناها، وهو مدين بن إبراهيم، ﵊. هذا؛ والقرية في الأصل: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على الضيعة الصغيرة، وعلى المدينة الكبيرة، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة، كما رأيت في الآية رقم [٦/ ٩٢] أم القرى. هذا؛ وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها: قروي وقريي. ﴿مِلَّتِنا:﴾ ديننا، وطريقتنا، وهي بكسر الميم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار. ﴿أَوَلَوْ:﴾ انظر الآية رقم [٦٥]. ﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ أي: ألم نكن كارهين لملتكم وطريقتكم، فكيف نعود فيها مع كراهتنا وبغضنا لها؟! أو: كيف تعيدوننا إليها في حال كراهتنا لها؟!\nالمعنى للآية: قال الأشراف في الدنيا الذين تكبروا عن الإيمان لشعيب﵊-: أنت ومن معك من المؤمنين بك بين أمرين: إما الخروج من بلدتنا، والجلاء عنها، وإما الرجوع إلى طريقتنا وملتنا، فأجابهم بقوله: ألم نكن كارهين لملتكم... إلخ، وشعيب لم يكن في ملتهم قط؛ لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر في جميع أدوار حياتهم، لكن غلبوا الجماعة على الواحد، فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجري الجواب قوله: ﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾. هذا؛ وبعضهم يقول: إن المعنى: لتصيرن في ملتنا. وعليه لا تغليب، ولا إشكال، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nفإن تكن الأيّام أحسنّ مدة... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب\nأراد: فقد صارت لهن ذنوب، ولم يرد: أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان.\nالإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿الْمَلَأُ﴾. ﴿اِسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل، وفاعل والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في ﴿الَّذِينَ﴾ والهاء ضمير في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والكاف مفعول به، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: و(الله) ونحوه.","vol":"3","page":565},{"text":"والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول. ﴿يا شُعَيْبُ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بيا النداء، والجملة الندائية معترضة بين الفعل ومتعلقه، وهي من مقول الملأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الكاف الواقعة مفعولا به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلته.\n ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿آمَنُوا،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَرْيَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ،﴾ و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة ضمير في محل رفع فاعل. وشرح هذا كما يلي: «أصل الفعل: تعودون، فلما اتصل به نون التوكيد الثقيلة صار: تعودوننّ، فحذفت نون الرفع لتوالي ثلاث نونات، فصار تعودونّ، فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على الدال لتدل على الواو المحذوفة، فصار: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ واللام واقعة في جواب قسم محذوف، والقسم المحذوف وجوابه معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فِي مِلَّتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا على اعتبار الفعل بمعنى: لترجعن، وأما على اعتباره بمعنى: لتصيرن؛ فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالَ الْمَلَأُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (شعيب). ﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري داخلة على فعل محذوف، التقدير: أنعود فيها؟ الواو: حرف عطف و(لو) حرف شرط بمعنى: «إن». ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿كارِهِينَ:﴾ خبره منصوب.. إلخ، وجواب (لو) محذوف، دل عليه ما قدرته قبله، و(لو) وجوابها في محل نصب مقول القول.\nهذا؛ ونقل الجمل عن أبي مسعود: أن الجملة في محل نصب حال من ضمير الفعل المقدر، والتقدير: أنعود إلى ملتكم في حال كراهتنا لها، وهذا يعني: أن (لو) وصلية شرطية، بمعنى «إن» أو غيرها، والجملة الفعلية: ﴿قالَ أَوَلَوْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1043\"></span>﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا:﴾ قد اختلقنا، وابتدعنا باطلا على الله. وانظر الآية رقم [٨٩]. ﴿عُدْنا:﴾ رجعنا، أو صرنا. وانظر الآية السابقة، وما ذكرته فيها. ﴿مِلَّتِكُمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها:﴾ بعد أن أنقذنا، وخلصنا الله من طريقتكم المعوجة. وانظر","vol":"3","page":566},{"text":"رفع الإشكال عن شعيب في الآية السابقة. ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها﴾ أي: لا ينبغي، ولا يحق لنا أن نرجع في ملتكم، أو نصير فيها وهو كما في الآية السابقة. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ أي:\nإلا بمشيئة الله وإرادته، ونرجو أن لا يعيدنا إلى ملتكم المعوجة.\nهذا، وماضي: ﴿يَشاءَ:﴾ شاء، ولم يرد له، ولا ل «أراد يريد» أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل شاء: شيء على وزن فعل بكسر العين، بدليل قولك شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، ومفعول: «أراد» حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخريجي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو»، وليس كذلك. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿رَبُّنا:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: إن الله بكل شيء عليم، فلا يصيب عبدا شيء من ضر، أو نفع إلا بعلمه، وتقديره، ومشيئته، وأحاط علمه بكل شيء مما كان ومما يكون إلى يوم القيامة. وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥]. ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا:﴾\nاعتمدنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويبعدنا عن الفسوق، والعصيان، ويكفينا شر الأشرار. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ:﴾ ربنا احكم بيننا وبينهم، والفتاح: القاضي، والفتاحة: الحكومة.\nقال ابن عباس﵄-: ما كنت أدري ما معنى قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا..﴾. إلخ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك، يعني: أقاضيك. وهذا قول قتادة، والسدي، وابن جريج، وجمهور المفسرين: أن الفاتح هو القاضي، والحاكم، سمي بذلك؛ لأن يفتح إغلاق الإشكال بين الخصوم، ويفصلها.\nوقال الزجاج: وجائز أن يكون معناه: ربنا أظهر أمرنا؛ حتى ينفتح بيننا وبين قومنا، وينكشف، والمراد منه: أن نزّل عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب والمؤمنين معه محقين، وعلى هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف، والتمييز. انتهى خازن.\nوهذا الكلام إنما قاله شعيب-على نبينا وعليه أفضل صلاة، وأتم تسليم-حينما أيس من إيمان قومه. وما ذكره الله في هذه الآية من قول شعيب، إنما هو استسلام لمشيئة الله تعالى، ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة، وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل﵊-: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ وكان سيد الرسل ﷺ كثيرا ما يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». بعد هذا انظر شرح: ﴿بِالْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٣٣] وشرح:\n ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [١٢] وانظر: (بين) في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام).","vol":"3","page":567},{"text":"الإعراب: ﴿قَدِ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِفْتَرَيْنا:﴾ فعل فاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَذِبًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من مقول شعيب، وفيها معنى التعجب. قاله الزمخشري، كأنه قيل: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر. هذا؛ وجه، والوجه الثاني: أن الجملة جواب قسم محذوف، حذفت منه اللام، والتقدير: والله لقد افترينا... إلخ. ذكره الزمخشري أيضا، وجعله ابن عطية احتمالا. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿عُدْنا:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا): فاعله. ﴿فِي مِلَّتِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على تمامه، ومتعلقان بمحذوف خبره على نقصانه. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿عُدْنا،﴾ و﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿نَجّانَا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و(نا): مفعول به. ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة الفعلية: ﴿عُدْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ﴿إِنْ عُدْنا..﴾. إلخ؛ فقد افترينا... الخ، وهذا على اعتبار الجملة السابقة مستأنفة، وأما على اعتبارها جوابا لقسم محذوف؛ فيكون جواب الشرط قد حذف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة:\n «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما». ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر مقدم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَعُودَ﴾ في محل رفع اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخر. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على تمامه، وبمحذوف خبر على نقصانه، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والاستئناف ممكن، وهو داخل في مقول شعيب. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ في محل نصب على الاستثناء، وفيه وجهان: أحدهما: أنه متصل من الأوقات العامة، التقدير: وما يكون لنا أن نعود فيها في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله ذلك، أو هو مستثنى من الأحوال العامة، والتقدير: ما يكون لنا أن نعود فيها في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله تعالى. والوجه الثاني: أن الاستثناء منقطع. هذا؛ وبعضهم يعتبر المصدر منصوبا بنزع الخافض، والتقدير: إلا بمشيئة الله. ولا تنس أن مفعول ﴿يَشاءَ﴾ محذوف، التقدير: إلا أن يشاء الله إهلاكنا. ونحوه. ﴿رَبُّنا:﴾ بدل من لفظ الجلالة بدل كل من كل، أو هو عطف بيان عليه. ﴿وَسِعَ:﴾ ماض. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عِلْمًا:﴾ تمييز، وجوز اعتباره","vol":"3","page":568},{"text":"مفعولا مطلقا، عامله: ﴿وَسِعَ؛﴾ لأن معناه: علم، وجملة: ﴿وَسِعَ..﴾. إلخ كالتعليل للاستثناء؛ إذ المعنى: فلا يبعد أن يكون في علمه أن يهلكنا بسبب الأسباب لأنه قد أحاط بكل شيء علما.\n ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿تَوَكَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي داخلة في المقول. ﴿رَبُّنا:﴾ منادى حذف أداة النداء منه. وانظر الآية رقم [٢٣] تجد ما يسرك، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿اِفْتَحْ:﴾ فعل دعاء وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n (بين): معطوف على ما قبله، و(بين) مضاف، و﴿قَوْمِنا:﴾ مضاف إليه، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِفْتَحْ﴾. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الآية في الآية رقم [٨٧] وهي في محل نصب حال من فاعل: ﴿اِفْتَحْ﴾ المستتر، والرابط:\nالواو، والضمير، والآية كلها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1044\"></span>﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥] انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿كَفَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [٦٦]. ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿شُعَيْبًا:﴾ انظر الآية رقم [٨٥] والمعنى: إن الكفارة العظماء في الدنيا يحذرون الناس من اتباع شعيب، وإنهم إن اتبعوه، واستبدلوا الكفر بالإيمان خسروا، لاستبدال الضلالة بالهدى، أو لفوات ما يحصل لهم من فوائد مالية بالبخس، أو التطفيف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٨٨] والجملة الفعلية: (قال...) إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿لَئِنِ﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّبَعْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿شُعَيْبًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. إذن حرف جواب، وجزاء. ﴿لَخاسِرُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (خاسرون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالقسم، وجوابه، والشرط، ومدخوله، كل أولئك في محل نصب مقول القول.","vol":"3","page":569},{"text":"<span id=\"aya-1045\"></span>﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:﴾ الزلزلة الشديدة، وفي سورة (الحجر): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ ولعلها كانت من مبادئها. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٧٨].\nقال ابن عباس، وغيره: فتح الله عليهم بابا من جهنم، فأرسل عليهم حرّا شديدا من جهنم، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل، ولا ماء، فدخلوا في الأسراب؛ ليبردوا فيها، فوجدوها أشد حرّا من الظاهر، فخرجوا هربا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة، فأظلتهم، وهي الظلة المذكورة في سورة (الشعراء) فوجدوا لها بردا ونسيما، فنادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحت السحابة: رجالهم، ونساؤهم، وصبيانهم؛ ألهبها الله عليهم نارا، ورجفت بهم الأرض من تحتهم، فاحترقوا كاحتراق الجراد المقلي، وصاروا رمادا. انتهى.\nخازن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: انظر إعراب الآية بكاملها برقم [٧٨].\n<span id=\"aya-1046\"></span>﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا:﴾ أعرضوا عن الإيمان به، وجادلوه بالباطل. وانظر شرح (شعيب) في الآية رقم [٨٥]. ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. كأنهم لم يقيموا في ديارهم، ولم ينزلوها في يوم من الأيام، يقال: غنيت بالمكان. أي: أقمت به، والمغاني: المنازل التي بها أهلها، واحدها: مغنى، قال الشاعر: [الكامل]\nولقد غنوا فيها بأنعم عيشة... في ظلّ ملك ثابت الأوتاد\nوقال المتنبي في وصف شعب بوان: [الوافر]\nمغاني الشّعب طيبا في المغاني... بمنزلة الربيع من الزمان\nهذا؛ وانظر إعلال مثل: ﴿يَغْنَوْا﴾ في الآية رقم [٢٥]. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ أي: خسروا أنفسهم بهلاكهم دنيا، وأخرى، لا الذين صدقوا شعيبا، واتبعوه، كما زعموا، فإنهم هم الرابحون في الدارين. وللتنبيه على هذا؛ والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف بالجملتين، وأتى بهما اسميتين. انتهى. بيضاوي.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية صلة","vol":"3","page":570},{"text":"الموصول لا محل لها. ﴿شُعَيْبًا:﴾ مفعول به. ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: «كأنهم». ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿يَغْنَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَذَّبُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿هُمُ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لواو الجماعة، وحرك بالضم لالتقاء الساكنين، أو هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب، ولو قرئ ما بعده بالرفع؛ لكان مبتدأ، وما بعده خبره؛ إذ يجوز في مثل ذلك ثلاثة أوجه، ولكني لم أعثر على قراءة بالرفع فيبقى الوجهان اللذان ذكرتهما. ﴿الْخاسِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء إلى آخره، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ بدل مما قبلها، أو هي توكيد لها، والغرض من ذلك المبالغة كما ذكرته سابقا. خذ هذا الإعراب، وتوكل على الوهاب.\nهذا؛ وقال أبو البقاء ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ لك فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مبتدأ، وفي الخبر وجهان: أحدهما: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ وما بعده جملة أخرى، أو بدل من الضمير في:\n ﴿يَغْنَوْا،﴾ أو نصب بإضمار: «أعني». والثاني: أن الخبر: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا..﴾. إلخ و﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ على هذا حال من الضمير في: ﴿كَذَّبُوا،﴾ والوجه الثاني: أن يكون صفة لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والثالث: أن يكون بدلا منه، وعلى الوجهين يكون: ﴿كَأَنْ لَمْ..﴾. إلخ حالا، وهو تكلف، وتعسف، كما ترى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1047\"></span>﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ..﴾. إلخ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٧٩] بلا فارق بينهما. ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ أي: فكيف أحزن... إلخ.\nقال النسفي: اشتد حزنه على قومه، ثم أنكر على نفسه، فقال: كيف يشتد حزني على قوم، ليسوا بأهل للحزن عليهم، لكفرهم، واستحقاقهم ما نزل بهم؟! أو أراد: لقد أعذرت لكم في الإبلاغ، والتحذير مما نزل بكم، فلم تصدقوني، فكيف أحزن عليكم؟! انتهى. بتصرف.\n ﴿آسى:﴾ أحزن، والماضي: أسى، والمصدر أسا من باب: تعب، فهو أسيّ مثل: حزين،","vol":"3","page":571},{"text":"وآسى أصله مثل: آمنوا، وآدم، انظر الآية رقم [١١]. ﴿قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢].\n ﴿كافِرِينَ:﴾ انظر (الكفر) في الآية رقم [٦٥].\nالإعراب: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٧٩]. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (كيف): اسم استفهام وتعجب مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿آسى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كافِرِينَ:﴾ صفة قوم مجرور... إلخ، وجملة: ﴿فَكَيْفَ آسى..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. وانظر الآية رقم [٣٨].\n\n<span id=\"aya-1048\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿قَرْيَةٍ:﴾ انظر الآية رقم [٨٨]. ﴿نَبِيٍّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿أَهْلَها:﴾ انظر الآية رقم [٨٣]. ﴿بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ٤٢]. ﴿يَضَّرَّعُونَ:﴾ يخضعون، ويتوبون؛ إذ التضرع: التخشع، والتذلل، والانقياد، وترك التمرد والعصيان.\nقال الجمل: لم يدغم في «الأنعام»، أي في الآية رقم [٤٣] لمناسبة الماضي المذكور هناك بقوله: ﴿تَضَرَّعُوا﴾ في أن كلاّ منهما جاء على الفك، وهنا لم يذكر الماضي، بل أتى بالمضارع مدغما على الأصل. وانظر الترجي في هذه الآية، وأمثالها في الآية رقم [٢٦].\nقال الجمل: في الآية إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم إثر بيان أحوال الأمم المذكورة تفصيلا أي فيما تقدم من هذه السورة، والمقصود من ذلك: تحذير، وتخويف كفار قريش، وغيرهم من الكفار المعاندين لينزجروا عما عليه من الكفر، والتكذيب. انتهى. نقلا من أبي السعود، والخازن.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿فِي قَرْيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف صلة. ﴿نَبِيٍّ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَهْلَها:﴾\nمفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَأْساءِ:﴾ متعلقان بالفعل: (أخذ). ﴿وَالضَّرّاءِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٢٦].\nوجملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهي على تقدير «قد»","vol":"3","page":572},{"text":"قبلها، وتقدير الكلام: وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة نبيّا من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حال كوننا قد أخذنا... إلخ، وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1049\"></span>﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿السَّيِّئَةِ:﴾ البلاء، كقحط، ومرض وشدائد، وقال أهل اللغة: السيئة: كل ما يسوء الإنسان، وأصلها «سيوئة» قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. ﴿الْحَسَنَةَ:﴾ الخير والنعمة كخصب وعافية، وراحة بال، وقال أهل اللغة: هي كل ما يستحسنه الطبع والعقل.\nهذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿حَتّى عَفَوْا:﴾ حتى كثروا عددا، وعددا، وهو يتعدى ولا يتعدى. ويقال: عفا النبات، وعفا الشحم، والوبر: إذا كثر. وقال الحطيئة: [الطويل]\nبمستأسد الغربان عاف نباته... بأسؤق عافيات الشّحم كوم\nومنه: إعفاء اللحية؛ أي: تركها حتى تطول، وتنمو. وعفا المنزل، يعفو عفاء: إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، قال الشاعر: [البسيط]\nوبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد\nوعفو المال: ما يفضل عن الحاجة، قال تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي:\nالفاضل عن حاجتهم، وعفا، يعفو بمعنى: صفح، يصفح، وهو كثير في القرآن، والعافي:\nطالب المعروف والإحسان. قال عروة بن الورد: [الطويل]\nوإني امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد\nوجمع العافي: عفاة. قال الأعشى: [المتقارب]\nتطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن\nقالوا: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿مَسَّ:﴾ أصاب، ونزل. ﴿الضَّرّاءُ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ٤٢]. ﴿وَالسَّرّاءُ:﴾ كل ما يسر من نعمة، وصحة، وغير ذلك. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ الشعور: إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. والمعنى: وما يشعرون أن وبال كفرهم راجع على أنفسهم. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣] وانظر مثل إعلال: ﴿عَفَوْا﴾ في الآية [٢٥].\nومعنى الآية: يقول الله تعالى: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء، والشدة السلامة من الآفات، والعاهات، والسعة في الأرزاق، والأموال اختبارا، وامتحانا بالأمرين؛ حتى كثروا","vol":"3","page":573},{"text":"عددا، وعددا، ولكنهم كفروا النعمة، وقالوا: قد أصاب آباءنا ما أصابنا من الخير، والشر.\nوهذا كفران لنعمة الله، ونسيان لذكره، واعتقاد منهم بأن من عادة الدهر أن يعاقب في الناس بين السراء والضراء. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦٨] الآتية.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَدَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿مَكانَ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف، و﴿السَّيِّئَةِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿الْحَسَنَةَ:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿مَكانَ﴾ ظرفا، والتقدير: في مكان السيئة.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مقدرة. ﴿عَفَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة بعد:\n ﴿حَتّى،﴾ والفعل: ﴿عَفَوْا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿بَدَّلْنا،﴾ وجملة: ﴿بَدَّلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ داخلة في حكمها. (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. و﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَسَّ:﴾ ماض. ﴿آباءَنَا:﴾ مفعول به، و(نا): ضمير في محل جر بالإضافة.\n ﴿الضَّرّاءُ:﴾ فاعل. ﴿وَالسَّرّاءُ:﴾ معطوف عليه، وجملة: ﴿قَدْ مَسَّ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ الفعل وحده معطوف على: ﴿عَفَوْا،﴾ فهو داخل في حكمه.\n ﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والفعل وحده معطوف على عفا، فهو داخل في حكمه. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من نا، أو من الهاء بمعنى مباغتين، وهو مفعول لفعل محذوف، التقدير:\nتبغتهم بغتة، فتكون هذه الجملة في محل نصب حال، وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا ل (أخذ) على غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا. (هم): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1050\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿أَهْلَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٣]. ﴿الْقُرى:﴾ جمع قرية، والمدلول عليها بقوله:\n ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾. وقيل: المراد: مكة وما حولها. وانظر الآية رقم [٨٨].\n ﴿آمَنُوا:﴾ انظر «الإيمان» رقم [٢]. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ أي: الكفر والمعاصي ومن جملتها قولهم في الآية السابقة: ﴿مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ﴾ وانظر «التقوى» في الآية رقم [٢٦]. ﴿لَفَتَحْنا:﴾\nبالتخفيف، والتشديد قراءتان سبعيتان ﴿السَّماءِ وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١]. هذا؛ والسماء","vol":"3","page":574},{"text":"يذكر، ويؤنث. والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء:\nالمطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]\nإذا نزل السماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في: «رعيناه» بمعنى النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام. وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. ﴿كَذَّبُوا﴾ أي: الرسل. ﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ وهذا الأخذ عبارة عما في قوله: ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ فهو الأخذ حال السعة، والرخاء، لا حال الشدة، والبلاء، وذلك أعظم حسرة، وأشد ندامة.\nقال الخازن: بركات السماء المطر، وبركات الأرض النبات، والثمار، وجميع ما فيها من الخيرات، والأنعام، والأرزاق، والأمن، والسلامة من الآفات، وكل ذلك من فضل الله، وإحسانه على عباده. وأصل البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وسمي المطر بركة السماء؛ لثبوت البركة فيه، وكذا ثبوت البركة في نبات الأرض؛ لأنه نشأ عن بركات السماء، وهو المطر. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿أَهْلَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿الْقُرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، وهو شرط لو عند المبرد، التقدير: ولو ثبت إيمانهم، وعند سيبويه في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو إيمانهم ثابت أو حاصل، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر أو مقدر، والفعل المقدر وفاعله جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. والجملة الفعلية في محل رفع خبر:\n ﴿أَنَّ﴾. (اتقوا): إعرابه مثل إعراب: ﴿عَفَوْا﴾ في الآية السابقة. ﴿لَفَتَحْنا:﴾ فعل، وفاعل، واللام واقعة في جواب لو. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَرَكاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿بَرَكاتٍ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لَفَتَحْنا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كَذَّبُوا:﴾ مثل ﴿آمَنُوا،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على (لو) ومدخولها لا محل لها أيضا. ﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ انظر مثله في الآية السابقة ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الآية رقم [٣٩] مع التقدير ففيه الكفاية، وجملة:\n ﴿فَأَخَذْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.","vol":"3","page":575},{"text":"<span id=\"aya-1051\"></span>﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿أَهْلُ الْقُرى:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿يَأْتِيَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿بَأْسُنا:﴾\nعذابنا وانظر الآية رقم [٦/ ٤٢]. ﴿بَياتًا:﴾ ليلا، وهو في الأصل مصدر «بات»، وأما مصدر «بيّت» فهو «تبييت»، فالأول مثل سلام، والثاني مثل: تسليم. ﴿نائِمُونَ:﴾ النوم هو قسمان: نوم العين ونوم القلب، فنوم العين فترة طبيعية، تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها، وأما نوم القلب فهو تعطيل القوى المدركة، الثاني لم يقع منه ﷺ؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي». ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]\nلا تنكر الوحي من رؤياه، إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم\nهذا؛ وما يتقدم النوم يقال: له «سنة» بكسر السين، وهو المسمى بالنعاس. هذا؛ والمنام مصدر بمعنى النوم، أو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصالح لهذا كله.\nالإعراب: ﴿أَفَأَمِنَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف. (أمن أهل): فعل ماض، وفاعله، و﴿أَهْلُ:﴾ مضاف، و﴿الْقُرى:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمصدر المؤول من «أن» المصدرية، والمضارع المنصوب بها في محل نصب مفعول به، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿بَأْسُنا:﴾ فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بَياتًا:﴾ حال من: ﴿بَأْسُنا﴾ بمعنى: مستخفيا باغتا لهم ليلا، وجوز اعتباره ظرفا، ومفعولا مطلقا عامله محذوف. ﴿وَهُمْ نائِمُونَ:﴾ مبتدأ وخبر والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط:\nالواو، والضمير، والجملة الفعلية: ﴿أَفَأَمِنَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَأَخَذْناهُمْ..﴾. إلخ وما بينهما اعتراض، قال الزمخشري: المعنى: فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا، وأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهذا رجوع عن مذهبه الذي ذكرته في الآية رقم [٦٤] إلى مذهب الجماعة. انتهى جمل بتصرف كبير.\n<span id=\"aya-1052\"></span>﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿أَوَأَمِنَ:﴾ (أو) يقرأ بفتح الواو، وسكونها على أنها لأحد الشيئين. وانظر شرح باقي الكلام في الآية السابقة وانظر اللعب في الآية رقم [٦/ ٣٢]. هذا؛ و(الضحى): اشتداد الشمس، وامتداد النهار، يقال: ﴿ضُحًى﴾ وضحاء بالفتح والمد لقوة ارتفاعها. قبل الزوال.\nوالضحى مؤنث. هذا؛ والإعراب مثل الآية السابقة بلا فارق، والآية المعطوفة على ما قبلها، والعاطف الواو، أو (أو).","vol":"3","page":576},{"text":"<span id=\"aya-1053\"></span>﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿مَكْرَ اللهِ:﴾ عقابه، وجزاءه، وقد استعير هنا لاستدراج العبد، وأخذه من حيث لا يحتسب. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿الْقَوْمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢].\n ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ الذين خسروا أنفسهم بالكفر، وترك النظر والاعتبار. وانظر «الخسران» في الآية رقم [٥] من سورة (المائدة). فإنه جيد.\nقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: تكرير النكير لزيادة التوبيخ، والمراد ب ﴿مَكْرَ اللهِ﴾ إتيان بأسه في الوقتين المذكورين، ولذلك عطف الأول، والثالث بالفاء، فإن الإنكار فيهما متوجه إلى ترتب الأمن على الأخذ المذكور. وأما الثاني؛ فمن تتمة الأول، فلذلك عطف بالواو انتهى. نقلا من أبي السعود. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٦].\nالإعراب: ﴿أَفَأَمِنُوا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف. (أمنوا):\nفعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿مَكْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَأْمَنُ:﴾ مضارع. ﴿مَكْرَ اللهِ:﴾ مثل الأول. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿الْقَوْمُ:﴾ فاعل ﴿يَأْمَنُ﴾. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمُ﴾ مرفوع مثله... إلخ، وجملة: ﴿فَلا يَأْمَنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، بالفاء فأفادت: أن العذاب يعقب أمن مكر الله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-1054\"></span>﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ:﴾ أو لم يتبين. ويقرأ بالياء، وهي قراءة الجمهور، وقرأه مجاهد بالنون. ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها:﴾ المراد بهم: أهل مكة، وما حولها، الذين ورثوا الأرض من بعد موت أصحابها. وانظر (أهل) في الآية رقم [٨٣]. ﴿نَشاءُ:﴾ انظر (شاء) في الآية رقم [٨٩]. ﴿أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ:﴾ أهلكناهم بسبب ذنوبهم، كما أهلكنا من قبلهم من القرون الخالية. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ نختم؛ إذ الطبع: الختم، وهو التأثير في الطين ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى إليها. والطبع أيضا: السجية التي جبل عليها الإنسان. ﴿لا يَسْمَعُونَ:﴾ هذا الفعل من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار","vol":"3","page":577},{"text":"الفارسي. واختار ابن مالك ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول: كذا. والمعنى: فهم لا يسمعون سماع تدبر واعتبار، وانتفاع، وإن كان لهم آذان.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الواو: حرف استئناف. وانظر الآية رقم [٦٥] لإعراب (أفلا). (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَهْدِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، وفي فاعله ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه المصدر المؤول من ﴿أَنْ لَوْ..﴾. إلخ. الثاني: أن الفاعل هو ضمير (الله) تعالى، أي: أو لم يبين الله. ويؤيده قراءة من قرأ: «(نهد)» الثالث: أنه ضمير عائد على ما يفهم من سياق الكلام، أي: أو لم يهد ما جرى للأمم السابقة؟! وعلى هذين الوجهين ف ﴿أَنْ﴾ وما في حيزها في تأويل مصدر كما تقدم في محل المفعول، وهذا المصدر مفعول به أيضا على قراءة النون. انتهى باختصار من الجمل نقلا عن السمين. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ صلة الموصول. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان ب ﴿يَرِثُونَ،﴾ و﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و﴿أَهْلِها:﴾ مضاف إليه، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَشاءُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والمفعول محذوف، دل عليه جواب: ﴿لَوْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَصَبْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به.\n ﴿بِذُنُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَصَبْناهُمْ..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر. انظر الكلام فيه فيما تقدم. ﴿وَنَطْبَعُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والذين لا يجيزون عطف المضارع على الماضي يقدرون قبلها مبتدأ، التقدير: ونحن نطبع... إلخ، وهو على الاستئناف ويؤيده عطف الجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ عليها. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1055\"></span>﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ الْقُرى﴾ أي: التي مر ذكرها، وهي قرى قوم نوح، وصالح، وهود، ولوط، وشعيب. وانظر القرية في الآية رقم [٨٨]. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها:﴾ نخبرك عنها، وعن أخبار أهلها، وما كان من أمرهم، وأمر رسلهم؛ الذين أرسلوا إليهم. ففيه تسلية للنبي ﷺ، وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصابهم.","vol":"3","page":578},{"text":"هذا؛ والنبأ: الخبر وزنا، ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ، حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى «أعلم»، فلذلك يتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في هذه الآية. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات.\n ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ والمعنى: لم يؤمنوا، ولم يتركوا التكذيب من قبل مجيء المعجزات ومن بعد مجيئها أيضا، فقد استمروا على كفرهم، إلى أن أهلكهم الله تعالى.\nقال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب قول أبي بن كعب، والربيع بن أنس: إن من سبق في علم الله: أنه لا يؤمن به؛ فلا يؤمن أبدا، وقد كان سبق في علم الله لمن هلك من الأمم الذين قص خبرهم في هذه السورة: أنهم لا يؤمنون أبدا، فأخبر عنهم: أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم مكذبون به في سابق علمه قبل مجيء الرسل عند مجيئهم إليهم. ﴿يَطْبَعُ:﴾ انظر الآية السابقة.\n ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٦]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْقُرى:﴾ فيه أوجه: الأول: كونه خبرا، والجملة بعده في محل نصب حال منه، والرابط الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. الثاني: كونه بدلا من اسم الإشارة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. الثالث: كونه خبرا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان. والمعتمد الأول، ويؤيده مجيء الحال مفردا منصوبا في قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ وغير ذلك. ﴿نَقُصُّ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْبائِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وقد رأيت ما قيل في محل الجملة. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب هذا القسم. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾\nمتعلقان بالفعل: (جاء). وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلُهُمْ﴾ بمعنى مبينين لهم، والجملة الفعلية: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: عاطفة. (ما): نافية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿لِيُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من","vol":"3","page":579},{"text":"الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) والتقدير: وما كانوا مريدين للإيمان. ﴿بِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كذبوا به، والجملة الفعلية: ﴿فَما كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب القسم، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يطبع الله على قلوب الكافرين من أهل مكة طبعا كائنا مثل طبعه على قلوب الأمم السابقة. وهذا الكلام كله مستأنف لا محل له.\nوأرجو أن يكون الإعراب مفهوما؛ لأنه لا خفاء فيه.\n\n<span id=\"aya-1056\"></span>﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ:﴾ وما وجدنا لأكثر الناس، أو لأكثر الأمم المتقدمة من وفاء بالعهد، فإنهم نقضوا ما عهد الله إليهم في الإيمان، والتقوى بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، وبإجراء المعجزات، وإقامة الحجج الدامغات. أو نقضوا ما عهدوا إليه حين كانوا في ضر، ومخافة، مثل ما ذكر من قولهم: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾.\nهذا؛ وقد قيل: إن عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﵇ بأن يقروا بربوبيته، وهو ما ذكره في الآية رقم [١٧٢] من هذه السورة.\nوالعهد الثاني خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدين، وذلك في الآية رقم [٧] من سورة (الأحزاب) والعهد الثالث: خص به العلماء من كل أمة، وذلك في الآية رقم [١٨٧] من سورة (آل عمران). ﴿وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ:﴾ وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين خارجين عن طاعتنا، وأمرنا. وهذا تأويل كوفي كما ستقف عليه في الإعراب. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿لِأَكْثَرِهِمْ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: تعليقهما بالفعل قبلهما، وهو الظاهر، كقولك: ما وجدت له مالا، أي ما صادفت له مالا، ولا لقيته. الثاني:\nتعليقهما بمحذوف حال من ﴿عَهْدٍ؛﴾ لأنه في الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها نصب على الحال. وعلى هذين الوجهين ف (وجد) متعد لواحد، وهو ﴿عَهْدٍ﴾. الثالث: تعلقهما في محل نصب مفعولا ثانيا ل: (وجد) إذ هي بمعنى: علم، والمفعول الأول هو ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ وقد يترجح هذا بأن (وجد) الثانية علمية، فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام، ومناسبة له. ومن","vol":"3","page":580},{"text":"يرجح الأول يقول: إن الأولى لمعنى، والثانية لمعنى آخر. انتهى جمل نقلا عن السمين بتصرف. ﴿عَهْدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو ﴿مِنْ﴾. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة.\n ﴿وَجَدْنا:﴾ مثل سابقه. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَفاسِقِينَ﴾ اللام: هي الفارقة بين المخففة، والنافية. (فاسقين): مفعول به ثان منصوب، وهذا الإعراب إنما هو إعراب البصريين، وقد توافرت الشروط لإهمالها، وهو إيلاؤها فعلا ناسخا، ووجود اللام في خبرها. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nوخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل\nهذا؛ وأما الكوفيون؛ فيعتبرون: (إن) نافية بمعنى (ما) واللام بمعنى (إلا) والآية الكريمة مستأنفة معترضة بين المتعاطفين، وهو أولى من العطف على ما قبلها لاختلاف الفعلين بالماضي، والمضارع.\n\n<span id=\"aya-1057\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب. وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق «ربّ» و«لا» العاملة عمل «ليس»، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح. هذا؛ وثم هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.\n ﴿بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ من بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم في هذه السورة، أو من بعد الأمم الذين أهلكهم الله بمخالفة تلك الرسل. ﴿مُوسى:﴾ هو في الأصل: موشى بالشين مركبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو) والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب، وقالت: «موسى» بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر لما ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه)، و(القصص). ﴿فِرْعَوْنَ:﴾\nقال الجمل: قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: دهاء، ومكر. وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر كقيصر لمن ملك الروم، وكسرى لمن ملك الفرس، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وكان فرعون موسى﵇مصعب بن الريان،","vol":"3","page":581},{"text":"-وقيل: ابنه الوليد-من بقايا «عاد». وانظر الآية التالية. وفرعون يوسف﵇ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة. ﴿فَظَلَمُوا بِها:﴾ كفروا بتلك الآيات بدل الإيمان، فوضع (ظلموا) زيادة في التشنيع عليهم؛ إذ من حق العاقل أن يؤمن، ويقبل الموعظة والنصيحة عند ما يتبين له طريق الهدى. وانظر (الظلم) في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام). (الملأ): انظر الآية رقم [٦٠] وإنما خص الملأ بالذكر؛ لأنهم إذا آمنوا؛ آمن الأتباع. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ:﴾ انظر هذه الجملة في الآية رقم [٨٣] ففيها الكفاية لذوي الدراية. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿بَعَثْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مُوسى،﴾ التقدير: مبعوثا أو مرسلا، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بالفعل (بعثنا)، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَمَلائِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. (ظلموا):\nفعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها بالفاء العاطفة، و﴿ثُمَّ﴾ عطفت قصة موسى مع فرعون على ما قبلها من قصص في هذه السورة. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٨٤] تجده وافيا كافيا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأعز، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1058\"></span>﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية السابقة.\n ﴿يا فِرْعَوْنُ:﴾ انظر الآية السابقة، وأضيف هنا ما ذكره الخازن، وغيره: كان ملك فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو حمى ليلة، أو وجع؛ لما ادعي الربوبية. ﴿رَسُولٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤].\nالإعراب: ﴿وَقالَ مُوسى:﴾ فعل، وفاعل. (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (فرعون):\nمنادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿رَسُولٌ:﴾ خبرها. ﴿مِنْ رَبِّ:﴾ متعلقان ب (رسول)، أو بمحذوف صفته، و﴿رَبِّ:﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام كله في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿وَقالَ مُوسى..﴾. إلخ كلام مستأنف لتفصيل ما أجمل قبله من كيفية","vol":"3","page":582},{"text":"إظهار الآيات، وكيفية عاقبة المفسدين، ولم يكن هذا القول، وما بعده من جواب فرعون إثر ما ذكر ما هاهنا، بل بعد ما جرى بينهما من المحاورات المحكية بقوله تعالى ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾ وقوله: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ الآيات، فطوى ذكره هنا للإيجاز. انتهى أبو السعود.\n\n<span id=\"aya-1059\"></span>﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿حَقِيقٌ:﴾ واجب. وقيل: جدير. والمعنى لا يؤيده. ﴿عَلى أَنْ:﴾ قرأ الجمهور بتخفيف اللام، وقرأ نافع بتشديد الياء. ﴿أَقُولَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿الْحَقَّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٣]. ﴿جِئْتُكُمْ:﴾ انظر رقم [٤]. ﴿بِبَيِّنَةٍ:﴾\nمعجزة. ﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ ﴿بَنِي:﴾ أصله: بنين، حذفت النون للإضافة، وهو جمع ابن مأخوذ من البناء؛ لأن الابن مبنى أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى الصانع. ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ هو نبي الله يعقوب، ﵊، ومعناه في اللغة العبرية:\nصفوة الله، أو عبد الله، ف «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و«إيل» هو الله، وأولاد يعقوب كانوا اثني عشر رجلا، فأولاد كل واحد منهم صاروا قبيلة، ويطلق على هذه القبائل: الأسباط، كما هو مذكور في غير ما آية وانظر الآية رقم [١٦٠]. ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ فاتركهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة؛ التي هي وطن آبائهم، وكان قد استعبدهم، واستخدمهم في الأعمال الشاقة، وسامهم سوء العذاب، وانتقالهم من بلاد الشام إلى أرض مصر كان في عهد يوسف، ﵇، كما هو معروف في سورة (يوسف).\nالإعراب: ﴿حَقِيقٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: أنا حقيق. ﴿عَلى أَنْ:﴾ ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَقُولَ:﴾ مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به؛ لأنه يتضمن معنى الجملة، وجوز أن يكون منصوبا على المصدر، أي: القول الحق. انتهى جمل. و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿حَقِيقٌ﴾. هذا؛ وجه من: الإعراب، والوجه الثاني: ﴿حَقِيقٌ:﴾ مبتدأ، والجار والمجرور اللذان ذكرتهما في محل رفع خبره وعلى قراءة «(عليّ)» بتشديد الياء فالجار والمجرور متعلقان ب ﴿حَقِيقٌ،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ لا أَقُولَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والتقدير:\nواجب علي قول الحق. وقد أغرب أبو البقاء حيث اعتبر: ﴿حَقِيقٌ﴾ صفة ل: ﴿رَسُولٌ﴾ أو خبرا بعد خبر. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول كالجملة الاسمية قبلهما. ﴿بِبَيِّنَةٍ:﴾ متعلقان","vol":"3","page":583},{"text":"بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: (بينة) أو محذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَرْسِلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] (أرسل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي:﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، أو للتركيب الذي رأيته، وجملة: ﴿فَأَرْسِلْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.\nوالكلام كله من مقول موسى ﵇.\n\n<span id=\"aya-1060\"></span>﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿كُنْتَ:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿جِئْتَ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿بِآيَةٍ:﴾ معجزة تدل على صدقك. وانظر الآية رقم [٩]. ﴿فَأْتِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥] والمعنى: إن فرعون قال لموسى بعد تبليغ الرسالة: إن كنت جئت من عند من أرسلك ببينة تدل على صدقك؛ فائتني بها، وأحضرها؛ لتصح دعواك، ويثبت صدقك فيما قلت. انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى فرعون. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾\nماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿جِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة:\n ﴿كُنْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَأْتِ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (ائت): أمر بمني على حذف حرف العلة، وهو الياء، والكسرة قبلهما دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:\n ﴿فَأْتِ بِها﴾ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وإعراب: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ واضح إن شاء الله تعالى. وحذف جواب الشرط لدلالة جواب الأول عليه، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-1061\"></span>﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأَلْقى عَصاهُ:﴾ فطرح موسى عصاه على الأرض. ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ:﴾\n (الثعبان): ذكر الحيات العظيم الضخم. وفي آية أخرى: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ والجان: الحية الصغيرة.","vol":"3","page":584},{"text":"ووجه الجمع: أنها كانت في العظم كالثعبان العظيم، وفي خفة الحركة، كالحية الصغيرة، وهي الجان. ﴿مُبِينٌ:﴾ ظاهر واضح لمن يراه. وانظر إعلاله في الآية رقم [٢٢].\nقال ابن عباس﵄-: لما ألقى موسى عصاه؛ صارت حية عظيمة، صفراء، شقراء، فاتحة فمها، بين لحييها ثمانون ذراعا، وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، فوثب هاربا، وأحدث، أي: تغوط في ثيابه بحضرة قومه في ذلك اليوم مرات عديدة، واستمر معه هذا المرض، وهو الإسهال حتى غرق، وقد انهزم الناس خوفا مزدحمين، وقتل بعضهم بعضا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، ودخل فرعون قصره، وصاح: يا موسى! أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها، وأنا أؤمن بك، وأرسل معك بني إسرائيل! فأمسكها بيده، فعادت عصا كما كانت. انتهى. خازن، وغيره.\nهذا؛ والعصا كانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء؛ حتى وصلت إلى شعيب ﵇، فأعطاها لموسى حين لجأ إليه، وزوّجه إحدى ابنتيه، وأسند إليه رعاية الغنم.\nهذا؛ والعصا تطلق على أمور، يقال: ألقى عصاه، أي: أقام، وترك الأسفار، وهو مثل عربي. ويقال: انشقت العصا. أي: وقع الخلاف بين القوم، قال الشاعر: [الطويل]\nإذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك سيف مهند\nوهذا هو الشاهد [٩٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، انظر إعرابه هناك، فإنه جيد، ويقال في الخوارج: قد شقوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم، وائتلافهم، والعصيان: ضد الطاعة، وتجمع العصا على «عصي» بضم العين، وكسرها، وتشديد الياء، قال تعالى: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾. ومقتضى القياس أن يقال في جمعها: عصوّ؛ لأن ألفها منقلبة عن واو، ولذا يقال في تثنيتها: عصوان، فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها طرف، ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار (عصوي) فاجتمعت الواو، والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الصاد كسرة لتصح الياء، ثم تبعت حركة العين حركة الصاد. وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (طه).\nالإعراب: ﴿فَأَلْقى:﴾ (ألقى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى موسى. ﴿عَصاهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف دال على التعقيب، كما ترى. (إذا): للمفاجأة هنا، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال","vol":"3","page":585},{"text":"لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب. وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، يرجحه:\nخرجت فإذا إنّ زيدا بالباب. لأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور. وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري. وزعم الأخير: أن عاملها مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزمخشري. وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: «خرجت فإذا زيد جالس» أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر، فعاملها:\nمستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى ملخصا من مغني اللبيب.\nوعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فانقلبت في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان... إلخ، وتعليقها ب: ﴿مُبِينٌ،﴾ كما ذكرت في المثال المتقدم لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير، تأمل، وتدبر. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿ثُعْبانٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة إذا إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالإتباع، وعلى تعليقها ب: ﴿مُبِينٌ﴾ فتبقى الجملة اسمية معطوفة على الفعلية قبلها.\n\n<span id=\"aya-1062\"></span>﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: أخرجها من جيبه، أو من تحت إبطه. والمراد بها: اليمنى.\nهذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد، أي:\nنعمة ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر. أي:\nلا حيلة لي فيه، ولا تدبير. ﴿بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ:﴾ ولا تكون بيضاء للناظر إلا إذا كان بياضها عجيبا خارجا عن العادة، يجتمع الناس للنظر إليه، كما تجتمع النظار للعجائب.\nروي: أن موسى﵇كان أسمر شديد السمرة، فأدخل يده في جيبه، أو تحت إبطه، ثم نزعها؛ فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. وقال سبحانه في سورة (طه): ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فهو احتراز عن أن يكون البياض عن مرض، كبرص، ونحوه.\nوبياضها طارئ، لا جبلّي.\nالإعراب: هو كما في الآية السابقة بلا فارق. ﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿بَيْضاءُ﴾ لأنه صفة مشبهة.\n<span id=\"aya-1063\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿قَوْمِ:﴾\nانظر الآية رقم [٣٢]. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿لَساحِرٌ:﴾ هو الذي يستعمل السحر، وهو","vol":"3","page":586},{"text":"كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى. وقال الغزالي في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له في وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٢] (البقرة) عن نسبة السحر إلى سليمان، ﵇، والحكم في تعلمه، ومعنى (ساحر عليم) متفوق في علم السحر.\nتنبيه: أسند القول هنا إلى ﴿الْمَلَأُ،﴾ وفي سورة (الشعراء) إلى فرعون نفسه: ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ وأجاب الزمخشري عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدها أن يكون هذا الكلام صادرا منه، ومنهم، فحكي هنا عنهم، وفي الشعراء عنه. والثاني: أنه قاله ابتداء، وتلقنه عنه خاصته، فقالوه لأعقابهم. والثالث: أنهم قالوه عنه للناس. على طريق التبليغ، كما يفعل الملوك يرى الواحد منهم الرأي، فيبلغه للخاصة، ثم يبلغونه للعامة. وهذا الوجه قريب من الثاني في المعنى.\nالإعراب: ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿الْمَلَأُ،﴾ و﴿قَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾\nاسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿لَساحِرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ واللام المزحلقة. ﴿عَلِيمٌ:﴾ صفة ساحر، وجملة: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1064\"></span>﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ هذا من بقية الكلام الذي قبله، وفي (الشعراء) زيادة: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ بيان لسبب الإخراج، وينبغي ملاحظته هنا. وهذه الجملة من كلام الملأ، وقد خاطبوا فرعون وحده بذلك تعظيما له كما يخاطب الملوك بصفة الجمع، أو يكونون قالوه له، ولامرأته، أو يكون من كلام فرعون على إضمار قول؛ أي: فقال لهم فرعون. والأول أصح، وأقوى. ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ:﴾ بمعنى: ماذا تشيرون، من: المشاورة، والائتمار: التشاور في أمر من الأمور، وهو أولى من اعتباره من الأمر المعروف. هذا؛ ويقرأ الفعل بفتح النون، وكسرها.\nوانظر باقي الكلام في الإعراب؛ ففيه مزيد إيضاح.\nالإعراب: ﴿يُرِيدُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (موسى)، والمصدر المؤول من الناصب، والمضارع في محل نصب مفعول به، التقدير: يريد إخراجكم. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل","vol":"3","page":587},{"text":"قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، أما الأولى فهي في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والمتعلق محذوف، تقديره: بسحره، كما مرت الإشارة إليه، وجملة:\n ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل ﴿أَنْ،﴾ فهي من جملة مقول الملأ. ﴿فَماذا:﴾ الفاء:\nهي الفصيحة (ماذا): (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): موصول مبني على السكون في محل رفع خبر، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف. هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) اسم استفهام مركبا، وفي محله وجهان: الأول اعتباره مفعولا مقدما للفعل بعده، والثاني اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية خبره. ﴿تَأْمُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمفعول به والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: تأمروننا به، وأما على قراءة كسر النون، فهي نون الوقاية، وتكون قد حذفت نون الرفع، والمفعول به، والتقدير: تأمرونني به، والجملة الفعلية على الاعتبارين صلة (ذا) أو هي في محل رفع خبر، أو هي فعلية لا محل لها، وجملة: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ سواء أكانت اسمية، أم فعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا؛ فماذا تأمرون؟ وهذا الكلام من مقول الملأ. هذا؛ وقد قيل: إنه من مقول محذوف لفرعون، التقدير:\nقال فرعون للملإ: فماذا... إلخ، ويؤيده قراءة النون بالكسر، وعليه فالجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر.\n\n<span id=\"aya-1065\"></span>﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أَرْجِهْ:﴾ فيه ست قراءات، ثلاثة بإثبات الهمزة (أرجئه) بكسر الهاء من غير إشباع، وضمها كذلك، وبإشباع حتى يتولد منها واو.\nوثلاثة بحذف الهمزة: ﴿أَرْجِهْ﴾ بسكون الهاء، وكسرها من غير إشباع، وبه حتى يتولد منها ياء.\n ﴿وَأَرْسِلْ:﴾ وفي (الشعراء): ﴿وَابْعَثْ﴾ ﴿الْمَدائِنِ﴾ قيل: هي مدائن صعيد مصر، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، ومدائن: جمع مدينة على وزن فعيلة، فالياء زائدة في المفرد، فلذلك تقلب همزة في الجمع مثل: صحيفة، وصحائف، وغير ذلك، والمدينة من: مدن يمدن بالمكان: إذا أقام به، فالفعل من باب: نصر. ﴿حاشِرِينَ:﴾ جامعين.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَرْجِهْ:﴾ فعل أمر مبني على السكون على الهمزة المحذوفة كما رأيت؛ والهاء مفعول به، وتسكينها قراءة، كما رأيت، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. أخاه: معطوف على الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَرْسِلْ:﴾ أمر، وفاعله أنت، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب","vol":"3","page":588},{"text":"مقول القول مثلها. ﴿فِي الْمَدائِنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حاشِرِينَ:﴾ مفعول به، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل: رجالا حاشرين، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1066\"></span>﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿يَأْتُوكَ﴾ أي: الرجال المرسلون إلى المدائن. ﴿ساحِرٍ:﴾ وفي قراءة: «(سحّار)»، وهو في (الشعراء) متفق على قراءته، وهو صيغة مبالغة اسم الفاعل. ﴿عَلِيمٍ:﴾ متفوق في علم السحر. وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥].\nالإعراب: ﴿يَأْتُوكَ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر: (أرسل) وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(كل) مضاف، و﴿ساحِرٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿عَلِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والذي في الآية رقم [١٠٩] مثله.\n<span id=\"aya-1067\"></span>﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ:﴾ فأرسل في طلبهم الشرطة، والجنود، كما قال تعالى في سورة (الشعراء) ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وكانوا اثنين وسبعين. وقيل: كانوا آلافا.\nوانظر: ﴿وَجاءَ﴾ في الآية رقم [٤] والسحرة في الآية رقم [١٠٩] و﴿فِرْعَوْنَ﴾ في الآية رقم [١٠٣]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿إِنَّ لَنا..﴾. فيقرأ: «(أإن)» بهمزتين، بمد الهمزة الأولى، وقصرها، قراءات كثيرة فيها، ونكر (أجرا) للتعظيم، قال الزمخشري كقوله:\n «إن له لإبلا، وإن له لغنما». ﴿الْغالِبِينَ﴾ أي: لموسى ولسحره.\nالإعراب: ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة معطوفة على مقدر رأيته في الشرح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب مثله في الآية رقم [٤].\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، وهمزة الاستفهام قبلها في قراءة من قرأ بها. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم. ﴿لَأَجْرًا:﴾ اسمها مؤخر، واللام لام الابتداء، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. قال الإمام فخر الدين الرازي-رحمه الله تعالى-: ولقائل أن يقول: كان حق الكلام: (فقالوا) بالفاء. وجوابه: هو على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاءوا، فأجيب بقوله:","vol":"3","page":589},{"text":"﴿قالُوا..﴾. إلخ. انتهى خازن. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا) اسمها. ﴿نَحْنُ:﴾ تأكيد ل (نا)، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿الْغالِبِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والشرط، ومدخوله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1068\"></span>﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون. ﴿نَعَمْ﴾ أي: إن لكم أجرا. ف (نعم) حرف جواب سد مسد هذه الجملة. وانظر الآية رقم [٤٤]. ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ..﴾. إلخ: أي: ولكم المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر، فتكونون أول من يدخل، وآخر من يخرج من عندي.\nقال الكلبي: والآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا، وإلا؛ لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة. وتدل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا؛ لما احتاجوا إلى طلب الأجر، والمال من فرعون؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان؛ لقلبوا التراب ذهبا، ولنقلوا ملك فرعون لأنفسهم، ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم، ورؤساءهم، والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل، والأكاذيب. انتهى جمل.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿نَعَمْ:﴾ هذا الحرف يا قوم مقام جملة، كما رأيت مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المقربين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ﴿نَعَمْ﴾ السادة مسد الجملة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-1069\"></span>﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة. وانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ أي: حبالك، وعصاك، ومثله: ﴿نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: حبالنا، وعصينا، وفي قولهم لموسى﵇هذا القول مراعاة لحسن الأدب، ولذلك منّ الله عليهم بالإيمان. وانظر: ﴿وَإِمّا﴾ في الآية رقم [١٠٦] من سورة (التوبة).\nقال البيضاوي: خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، فنبهوا عليها بتغيير النظم إلى ما هو أبلغ، وتعريف الخبر، وتوسيط الفصل، وتأكيد","vol":"3","page":590},{"text":"ضمير هم المتصل بالمنفصل، فلذلك قال: ﴿أَلْقُوا﴾ إكراما، وتسامحا، أو ازدراء بهم، ووثوقا بعلو شأنه. انتهى.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿يا مُوسى:﴾ منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب بأداة النداء، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِمّا:﴾ أداة شرط، وتفصيل، وهي هنا مفيدة للتخيير، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُلْقِيَ﴾ قال الجمل: فيه ثلاثة أوجه: أحدها النصب بفعل مقدر، أي: افعل إما إلقاءك، وإما إلقاءنا. كذا قدره الشيخ، وفيه نظر؛ لأنه لا يفعل إلقاءهم، فينبغي أن يقدر فعل لائق بذلك، وهو: «اختر». الثاني الرفع على أنه خبر ابتداء مضمر، تقديره: أمرك إما القاؤك، وإما إلقاؤنا. الثالث أن يكون مبتدأ خبره محذوف، تقديره: إما لقاؤك مبدوء به، وإما إلقاؤنا مبدوء به. انتهى. أقول: والمعتمد القول الأخير. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب مصدري. و﴿نَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ﴾ واسمه مستتر تقدير: «نحن»: ﴿نَحْنُ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [١١٢].\n ﴿الْمُلْقِينَ:﴾ خبر ﴿نَكُونَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وقد حذف مفعوله كما رأيت في الشرح، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1070\"></span>﴿قالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ أَلْقُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ:﴾ صرفوا أعين الناس عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه، والتخييل. وهذا هو السحر، وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر، وبين معجزة الأنبياء-عليهم الصلاة والسّلام-التي هي فعل الله، وذلك لأن السحر قلب الأعين، وصرفها عن إدراك ذلك الشيء، والمعجزة: قلب نفس الشيء عن حقيقته، كقلب عصا موسى﵊حية تسعى. ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ:﴾ خوفوا الناس، وأفزعوهم بما فعلوا من السحر. ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ:﴾ وذلك: أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضا، وأوجس في نفسه خيفة موسى، وهذه الخيفة لم تحصل له لأجل السحر؛ لأنه كان على ثقة، ويقين: أنهم لن يغلبوه، وإنما كان خوفه أن يتفرق الناس خوفا مما رأوا قبل ظهور معجزته، وحجته. انتهى خازن بتصرف كبير. ﴿النّاسِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٢]. ﴿وَجاؤُ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿أَعْيُنَ:﴾ جميع: عين، وتجمع على: عيون، وأعيان أيضا، وأعيان غير مشهور، وقليل الاستعمال. هذا؛ و﴿أَعْيُنَ﴾ جمع قلة، وغيره جمع كثرة، والمراد بها هنا: العين الباصرة. هذا؛ وتطلق على الجاسوس، كما في قولهم: بث الأمير","vol":"3","page":591},{"text":"عيونه في المدينة، أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه، وعين الشيء: خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط]\nواستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو\nفالمراد بالعين ذاته، والمراد بجارية عينه التي تجري بالدمع، والمراد بقوله: «بها» نقد الذهب وهذا يسمى استخداما في فن البديع. كما تطلق على الماء الجاري النابع من الأرض، وتطلق على المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة: [الكامل]\nجادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم\nهذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿أَلْقُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف تفريع، وعطف. (لمّا): حرف وجود لوجود. وانظر الآية رقم [٢١]. ﴿أَلْقُوا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وجملة: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، و﴿فَلَمّا﴾ ومدخولها كلام معطوف على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل له مثلها. (استرهبوهم): فعل، وفاعل ومفعول به والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله، وجملة: ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1071\"></span>﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى﴾ أي: قلنا له على لسان جبريل، ﵇. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. هذا؛ والوحي الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل إلى قومه. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿أَلْقِ عَصاكَ:﴾ اطرح عصاك على الأرض. وانظر الآية رقم [١٠٧]. ﴿تَلْقَفُ:﴾\nتأخذ وتبتلع بسرعة بعد قلبها حية عظيمة. هذا؛ وقرئ «(تلقّف)» بتشديد القاف، والأصل تتلقف بتاءين، فحذفت إحداهما، وقرئ: «(اتّلقّف)» بتشديد التاء أيضا، وقراءة حفص بتخفيف القاف كما رأيت أولا من: لقف، كعلم يعلم، وركب، يركب، يقال: لقفت الشيء، ألقفه لقفا، وتلقّفته أتلقّفه تلقّفا إذا أخذته بسرعة فأكلته، أو ابتلعته. ﴿ما يَأْفِكُونَ:﴾ ما يقلبون بتمويههم.","vol":"3","page":592},{"text":"هذا؛ وأصل الإفك: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب: أفاك لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل. وانظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام).\nتنبيه: قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية، فيقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، فإذا هي تبتلع كل شيء أتوا به من السحر، فكانت تبتلع حبالهم، وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل، وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع، ففزعوا، ووقع الزحام بينهم، فمات من ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى، فعادت في يده عصا، كما كانت أول مرة، فلما رأى السحرة ذلك؛ عرفوا: أنه من أمر السماء، وليس بسحر، وعرفوا: أن ذلك ليس من قدرة البشر، فعند ذلك خروا سجدا، وقالوا: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾. انتهى خازن.\nتنبيه: إلقاء العصا، وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون، الأولى كانت سببا في جمع السحرة، والثانية بحضرتهم، فالأولى ذكرت في الآية رقم [١٠٦] والثانية هي المذكورة هنا، ووقع انقلابها مرة ثالثة، ولم يكن هناك أحد غير موسى، وقد ذكرت في سورة (طه)، وكانت في طريق عودته من مدين إلى مصر. تأمل.\nتنبيه: لقد جرت سنة الله أن يؤيد الرسول بمعجزة من جنس ما برع به قومه، فقوم موسى برعوا بالسحر، فأيده بانقلاب العصا حية، وقوم عيسى برعوا بالطب، فأيده الله بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وقوم محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين بالفصاحة والبلاغة، فأيده الله بالقرآن الكريم.\nالإعراب: ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ (أوحينا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠].\n ﴿إِلى مُوسى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. وقيل: مصدرية. ﴿أَلْقِ:﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره:\n «أنت». ﴿عَصاكَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَلْقِ عَصاكَ﴾ مفسرة لا محل لها، وعلى اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به. وأراه ضعيفا. وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على جواب لما لا محل لها ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، ولا بد من تقدير جملة قبلها؛ ليترتب ما بعد الفاء عليها، كما رأيت في الآيتين رقم [١٠٧ و١٠٨] التقدير: فألقاها، فإذا هي، ومن جوز أن تكون الفاء زائدة في نحو:\n «خرجت؛ فإذا الأسد حاضر» جوز زيادتها هنا، وعلى هذا تكون هذه الجملة قد أوحيت إلى موسى، كالتي قبلها، وأما على اعتبار الفاء عاطفة فالجملة غير موحى بها إليه. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿فَإِذا هِيَ﴾ انظر الآية رقم [١٠٧]. ﴿تَلْقَفُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (حية).\n ﴿ما:﴾ تحتمل الموصوفة والموصولة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صفتها، أو صلتها والرابط أو العائد محذوف، التقدير: تلقف شيئا، أو","vol":"3","page":593},{"text":"الذي كانوا يأفكونه. واعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: تلقف إفكهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿هِيَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1072\"></span>﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ:﴾ ظهر، وثبت الحق؛ الذي جاء به موسى. وانظر الآية رقم [٣٣].\n ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ من السحر، وذلك: أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحرا؛ لبقيت حبالنا، وعصينا! وانظر ما ذكرته في الآية السابقة.\nالإعراب: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها بالفاء العاطفة لا محل لها أيضا. ﴿وَبَطَلَ:﴾ ماض. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين فاعل، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nبطل الذي أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: بطل عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَبَطَلَ ما..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-1073\"></span>﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)﴾\nالشرح: ﴿فَغُلِبُوا﴾ أي: فرعون، وجنوده، والسحرة. ﴿وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ:﴾ رجعوا ذليلين، مقهورين، مبهوتين بما وقع لهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَغُلِبُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، الواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل قبله، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَانْقَلَبُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿صاغِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n<span id=\"aya-1074\"></span>﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠)﴾\nالشرح: إن السحرة لما عاينوا من عظيم قدرة الله تعالى ما ليس في قدرتهم مقابلته، وعلموا: أنه ليس بسحر خروا لله ساجدين، وذلك: أن الله ﷿ ألهمهم معرفته والإيمان به.","vol":"3","page":594},{"text":"الإعراب: ﴿وَأُلْقِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿السَّحَرَةُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿ساجِدِينَ:﴾ حال منصوب... إلخ.\n\n<span id=\"aya-1077\"></span>﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾\nالشرح: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ:﴾ بموسى، أو بالله، ويؤيد الأول قوله في سورة (طه): ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ وانظر شرح همزة آدم في الآية رقم [١١] فما هنا مثلها. هذا؛ وقرأ غير حفص «(أآمنتم)» بهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أن أسمح لكم بذلك، والهمزة مثل همزة (آدم). ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ..﴾. إلخ: إن صنيعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الصحراء لغرض في نفوسكم، وهو أن تخرجوا القبط من مصر، وتسكنوا بني إسرائيل، وذلك: أن فرعون رأى موسى يحدّث كبير السحرة، فقال له: تؤمن بي إن غلبتك؟! فقال: لاتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني؛ لأؤمنن بك! فظن فرعون: أنهما قد تواطئا","vol":"3","page":595},{"text":"عليه، وعلى القبط. وانظر شرح المدينة في الآية رقم [١١١] وانظر شرح: ﴿أَهْلَها﴾ في الآية رقم [٨٢]. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ فيه تهديد ووعيد، فسره بما يلي.\nالإعراب: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿آذَنَ:﴾ مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه، التقدير: قبل إذني لكم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنْ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَمَكْرٌ:﴾ خبر: ﴿أَنْ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿مَكَرْتُمُوهُ:﴾ فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة مكر. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِتُخْرِجُوا:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أَهْلَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء:\nحرف استئناف. (سوف): حرف استقبال، ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف للتعميم، التقدير: فسوف تعلمون ما أفعل بكم! والجملة الفعلية هذه مستأنفة، وهي من مقول فرعون كما ترى، تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1078\"></span>﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾\nالشرح: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ:﴾ قرأ حفص بضم وتشديد الطاء من الرباعي. وقرأ غيره بفتح الهمزة وتخفيف الطاء من الثلاثي وكذا: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ يريد: أنه يقطع من كل شق طرفا، فيقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، أو بالعكس. قيل: إن فرعون أول من سن هذا القطع، وهذا الصلب للمؤمنين، وذلك لشدة كفره، وعناده، ثم شرعه الله لقطاع الطريق، وللباغين تعظيما لجرمهم، وتنكيلا بهم، ولذلك سماه الله محاربة الله، ورسوله، ولكن على التعاقب لفرط رحمته، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٦] من سورة (المائدة)، وجيء هنا ب ﴿ثُمَّ،﴾ وفي سورة (طه) و(الشعراء) بالواو؛ لأن الواو صالحة للمهلة، فلا تنافي بين الآيات. انتهى. جمل نقلا عن السمين. بعد هذا انظر شرح (اليد) في الآية رقم [١٠٨] وشرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣].","vol":"3","page":596},{"text":"الإعراب: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، والنون حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا» والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وكأنه قال: بعزتي وعظمتي؛ لأقطعن، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول. ﴿أَيْدِيَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (الأيدي والأرجل) التقدير:\nمختلفة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ والجملة معطوفة عليها، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد لمدلول الكاف، والميم، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-1079\"></span>﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة الذين آمنوا مجيبين إلى فرعون. ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ:﴾\nراجعون إلى ربنا بالموت لا محالة، فلا نبالي بوعيدك، وتهديدك، فهو الذي يفصل بيننا، وبينك بالحق، وهو خير الحاكمين، فكأنهم استلذوا العذاب رغبة في الأجر، والثواب حين خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان. هذا؛ وانظر «القول» في الآية رقم [٥] وشرح: ﴿رَبِّنا﴾ في الآية رقم [٣].\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا):\nاسمها، وقد حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِلى رَبِّنا:﴾ متعلقان باسم الفاعل بعدهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُنْقَلِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ وفاعله ضمير مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-1080\"></span>﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا..﴾. إلخ: وما تكره منا. وقال عطاء: معناه: ما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه إلا الإيمان بربنا، والتصديق بآياته لما ظهرت لنا، ووضحت. ثم توجهوا إلى الله بهذا الدعاء: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أي: أفض، واصبب علينا صبرا كاملا تامّا. ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أي: أمتنا على دين الإسلام، وهو دين خليلك إبراهيم، ﵊.\nقال ابن عباس﵄كانوا في أول النهار سحرة، وآخر النهار شهداء. قال الكلبي: إن فرعون قطع أيديهم، وأرجلهم، وصلبهم. وقال غيره: لم يقدر عليهم لقوله تعالى:","vol":"3","page":597},{"text":"﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ ﴿بِآياتِ:﴾ انظر الآية رقم [٩]. ﴿رَبِّنا:﴾\nانظر الآية رقم [٣]. ﴿جاءَتْنا:﴾ انظر الآية رقم [٤] وانظر ما ذكرته في: ﴿تَنْقِمُونَ﴾ في الآية رقم [٥/ ٦٢] تجد ما يسرك. وانظر رقم [٩/ ٧٥].\nتنبيه: قال السحرة: ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فهذا يدل على أن دين الإسلام هو دين التوحيد من لدن آدم إلى يوم القيامة، وما قاله نوح، وإبراهيم، وما وصى به يعقوب أولاده، وما قاله سليمان، وبلقيس، وغيرهم أكبر دليل على ذلك، ومن قرأ القرآن بتدبر وإمعان يجد ذلك في محاله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣/ ٦٧] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ (ما): نافية. ﴿تَنْقِمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿رَبِّنا:﴾ مضاف إليه، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿آمَنّا،﴾ ﴿جاءَتْنا:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، و(نا): مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿بِآياتِ رَبِّنا،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها. وقيل: هي حرف وجود لوجود، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه وجوابها محذوف، التقدير: لما جاءتنا آمنا، والاعتبار الأول أقوى، و﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وقيل في محل نصب مفعول لأجله، والأول أقوى، وجملة: ﴿وَما تَنْقِمُ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿رَبِّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و(نا):\nفي محل جر بالإضافة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣]. ﴿أَفْرِغْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان به. ﴿صَبْرًا:﴾ مفعول به. (توفنا): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به.\n ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ حال من (نا) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، أي مقول السحرة، تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1081\"></span>﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].\n ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٢]. (تذر): انظر الآية رقم [٧٠]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية","vol":"3","page":598},{"text":"رقم [١٠٣]. ﴿وَقَوْمَهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ:﴾ نتركهن بدون قتل، أما الصبيان؛ فإنا نقتلهم، وهذه الطريقة الشنعاء ارتكبها في حق بني إسرائيل قبل ولادة موسى ﵊ كما هو معروف، ومشهور. هذا؛ و(نساء) أصله: نساي، قلبت الياء ألفا؛ لتطرفها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الساكنة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان، فقلبت الألف الثانية همزة. و(أبناء) أصله: أبناو، فإعلاله مثل إعلال: (نساء). هذا؛ و(نساء) اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وتجمع المرأة أيضا على: نسوة (بسكون النون، وضمها) ونسوان، ونسون، ونسنين. وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان مما يدل على أن المرأة مطبوعة عليه إما كذبا، أو إهمالا. وانظر النسيان في الآية رقم [٥/ ١٤].\n ﴿قاهِرُونَ:﴾ غالبون، وهم تحت سيطرتنا وقهرنا.\nالمعنى قال جماعة من عظماء قوم فرعون: أتترك موسى، وقومه بني إسرائيل يعيثون في الأرض فسادا بتغيير دينك، ونبذ معبوداتك؟!. فأجابهم بأنه سيقتل الذكور، ويترك الإناث، وهو صاحب القوة، والغلبة عليهم.\nقال ابن عباس﵄-: كانت لفرعون بقرة كان يعبدها، وكان إذا رأى بقرة حسنة أمرهم بعبادتها، ولذلك أخرج لهم السامري عجلا، وقال السدي: كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما، وكان يأمرهم بعبادتها، وقال لهم: (أنا ربكم ورب هذه الأصنام)، وذلك قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ انتهى. خازن، وقيل غير ذلك.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمَلَأُ،﴾ و﴿قَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَتَذَرُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تذر):\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿وَقَوْمَهُ:﴾\nمعطوف على موسى، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُفْسِدُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ،﴾ متعلقان بما قبلهما، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (تذر) وجملة: ﴿أَتَذَرُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿وَيَذَرَكَ:﴾ مضارع منصوب بسبب العطف على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ أو هو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد واو المعية في جواب الاستفهام، وقرئ بالرفع على الاستئناف، أو بالعطف على: ﴿أَتَذَرُ﴾ وقيل الجملة في محل نصب حال، وهو يحتاج إلى تقدير مبتدأ، أي: وهو يذرك، كما قرئ بالسكون، كأنه قيل:\nيفسدوا ويذرك، كقوله تعالى ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ والكاف مفعول به.\n ﴿وَآلِهَتَكَ:﴾ معطوف على الكاف، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل","vol":"3","page":599},{"text":"يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿سَنُقَتِّلُ:﴾ السين: حرف استقبال. (نقتل): مضارع، وهو يقرأ بالتشديد، والتخفيف، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَبْناءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿سَنُقَتِّلُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (نستحيي): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿نِساءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿قاهِرُونَ:﴾\nخبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعة الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «نحن»، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، في: (نقتّل) والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1082\"></span>﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣].\n ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿بِاللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿وَاصْبِرُوا:﴾ الصبر حبس النفس من الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مر المذاق لا يكاد يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]\nالصبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل\nوبالجملة: فنفع الصبر معلوم مشهور، والحض عليه في الكتاب، والسنة مقرر مسطور، ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى الصبور. وفسّر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه.\nفائدة-قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ وقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ وقال ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه. ﴿الْأَرْضَ:﴾ أرض مصر، ويشمل جميع الأرض.\n ﴿يُورِثُها:﴾ يقرأ بالتخفيف، والتشديد. ﴿يَشاءُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٩]. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ الخاتمة المحمودة، والنهاية الحسنة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ انظر (التقوى) في الآية رقم [٢٦]. هذا؛ وإن موسى ﵇قال لقومه هذا الكلام حين سمعوا قول فرعون، وتهديده، وتضجروا منه. فهو تسكين لهم، وتطييب لخاطرهم، ووعد لهم بالنصر على عدوهم، وأنهم سيرثون ديارهم،","vol":"3","page":600},{"text":"وأموالهم إن هم صبروا، واستعانوا بالله على كيد عدوهم ومكره. وانظر الآية رقم [٨٧] من سورة يونس ﵇.\nالإعراب: ﴿قالَ مُوسى:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿اِسْتَعِينُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب:\n ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة ﴿وَاصْبِرُوا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَرْضَ:﴾ اسمها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ ﴿يُورِثُها:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، و(ها): مفعول به أول. ﴿مَنْ:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، و﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُورِثُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور. ﴿لِلّهِ﴾ أي: إن الأرض مستقرة لله حال كونها مورثة من الله لمن يشاء من عباده، ويجوز أن يكون ﴿يُورِثُها﴾ خبرا ثانيا، وأن يكون خبرا وحده، و﴿لِلّهِ﴾ هو الحال، ويجوز أن تكون الجملة الفعلية مستأنفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ..﴾. إلخ هذا؛ وقد قرئ بنصب «(العاقبة)» عطفا على: ﴿الْأَرْضَ﴾ عطف مفرد على مفرد، وجملة: ﴿قالَ مُوسى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1083\"></span>﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿تَأْتِيَنا:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿جِئْتَنا:﴾\nانظر الآية رقم [٤]. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿عَدُوَّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٢]. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ يجعلكم خلفاء في أرض مصر بعد إهلاك عدوكم، ويملككم إياها. ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ:﴾ فيرى ما تعملون من كفر، وشكران، وطاعة، وعصيان، فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم، وسترى خبث أعمالهم، وما عملوا من فساد، وإفساد بعد هلاك الفراعنة. والمعنى: يرى وقوع ذلك منكم؛ لأنه سبحانه يعلم ما يقع منهم، ولكن لا يعاقبهم إلا بعد صدور ذلك منهم.\nالمعنى: إن بني إسرائيل لما سمعوا ما قاله فرعون من التهديد، والوعيد؛ قالوا: ﴿أُوذِينا..﴾.\nإلخ، وذلك: أنهم كانوا مستضعفين في يد فرعون، وقومه، فكان يقتل صبيانهم، ويترك إناثهم","vol":"3","page":601},{"text":"أحياء، ويستعملهم في الأعمال الشاقة إلى نصف النهار، فلما جاء موسى بالرسالة وجرى؛ ما جرى شدد فرعون في استعمالهم، وأعاد القتل في صبيانهم، قالوا: ﴿أُوذِينا..﴾. إلخ. وظاهر هذا الكلام يوهم: أنهم كرهوا مجيء موسى بالرسالة، وهو كفر، والجواب: أن موسى كان قد وعدهم بالنصر، وزوال ما هم فيه من الشدة، فظنوا: أن ذلك يكون على الفور، فلذا استبطئوا ما وعدهم به موسى، ﵇. انتهى. خازن بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، ﴿أُوذِينا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و(نا): نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَأْتِيَنا﴾ في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، التقدير: من قبل إتيانك لنا. ﴿وَمِنْ بَعْدِ:﴾ معطوفان على: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾. ﴿ما:﴾\nمصدرية. ﴿جِئْتَنا:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، و﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: ومن بعد مجيئك إيانا. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد دال على الرجاء.\n ﴿رَبُّكُمْ:﴾ اسم ﴿عَسى،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ في محل رفع خبر: ﴿عَسى،﴾ ويجب تأويله باسم الفاعل؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، فيصير التقدير: عسى ربكم مهلكا عدوكم، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة كالتي قبلهما؛ لأن كل واحدة منهما بمنزلة جواب لسؤال مقدر. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ:﴾ مضارع معطوف على: ﴿يُهْلِكَ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. في الأرض:\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿فَيَنْظُرَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيضا، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة: ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب مفعول به. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿فَيَنْظُرَ﴾ منصوبا ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية في جواب الترجي؛ فلست مفندا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1084\"></span>﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ: أي: انتقمنا منهم بالقحط، والجدب، وقلة الأمطار، والمياه، تقول العرب: مسّتهم السنة بمعنى: أخذهم الجدب في السنة، ومنه قوله ﷺ في الدعاء على قريش: «اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». و﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أي:\nوإتلاف الغلات، والثمار بالآفات.","vol":"3","page":602},{"text":"قال قتادة: أما السنون؛ فلأهل البوادي، وأما نقص الثمرات؛ فلأهل الأمصار. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ:﴾ يتعظون فيرجعوا عما هم فيه من الكفر، والمعاصي، وذلك لأن الشدة ترقق القلوب، وترغب فيما عند الله من الخير. وانظر هذا الترجي في الآية رقم [٢٥]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\n ﴿آلَ:﴾ أصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار (أأل) ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة، مثل (آدم) في الآية رقم [١١] وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة، كما في: أراق، فإن أصله: هراق. وهو كثير في الشعر العربي. وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي أصله: أول. كجمل من: آل، يؤول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على (أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى (أويل) وهو يشهد للثاني. ولا يستعمل ﴿آلَ﴾ إلا فيمن له خطر، وشأن بخلاف (أهل).\nيقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن: أهله، ولا ينتقض بآل فرعون، فإن له شرفا باعتبار الدنيا، واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ: [مجزوء الكامل]\nلا همّ إنّ المرء يم... نع رحله فامنع رحالك\nوانصر على آل الصّلي... ب، وعابديه اليوم آلك\n ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿بِالسِّنِينَ:﴾ جمع سنة، وأصلها: سنو، أو سنه، بدليل قولهم في جمعه بالألف والتاء: سنوات وسنهات. وقولهم في اشتقاق الفعل منه: سانهت، وسانيت، وأصل سانيت سانوت، فقلبوا الواو ياء حين تجاوزت متطرفة ثلاثة أحرف.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (لقد): اللام: واقعة في جواب هذا القسم.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿بِالسِّنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿وَنَقْصٍ:﴾ معطوف على (السنين). ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ متعلقات ب (نقص) لأنه مصدر ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٢٦] وما يشبهها في الآية رقم [٦٣].","vol":"3","page":603},{"text":"<span id=\"aya-1085\"></span>﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾\nالشرح: ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿الْحَسَنَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٩٥]. ﴿قالُوا:﴾\nانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿لَنا هذِهِ﴾ أي: نحن مستحقوها، وهي لأجلنا على العادة التي جرت في سعة الأرزاق، وصحة الأبدان فلذا لم يشكروه سبحانه على نعمه. ﴿سَيِّئَةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٩٥] وانظر إعلال: ﴿تُصِبْهُمْ﴾ في الآية رقم [٦/ ١٢٤]. ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى..﴾. إلخ:\nيتشاءموا بهم، ويقولوا: ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وما أصابنا بلاء إلا حين رأيناهم، وهذا إغراق منهم بالغباوة وقسوة القلب، فإن الشدائد ترقق القلوب، وتذلل العرائك، سيما بعد مشاهدة المعجزات، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عتوّا، وانهماكا في الغي. وإنما عرّف ﴿الْحَسَنَةُ﴾ وذكرها مع أداة التحقيق (إذا) لكثرة وقوعها، وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات، ونكر (السيئة) وأتى بها مع حرف الشك: (إن) لندورها، وعدم القصد لها إلا بالتبع. انتهى بيضاوي بتصرف.\nوأصل ﴿يَطَّيَّرُوا:﴾ يتطيروا فأدغمت التاء في الطاء لمقاربتها لها في المخرج، وقرئ شاذّا:\n (تطيروا). ﴿إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: سبب خيرهم وشرهم عنده، وهو حكمه، ومشيئته. أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت لهم ما يسوءهم.\nوقال ابن عباس﵄-: ﴿طائِرُهُمْ﴾ ما قضي لهم، وقدر عليهم من عند الله.\nوقرئ: «(طيرهم)» وانظر الآية رقم [٦/ ٣٨]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن ما يصيبهم من الله، أو من شؤم أعمالهم.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْحَسَنَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف مفرع عما قبله لا محل له. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿سَيِّئَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَطَّيَّرُوا:﴾\nمضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن","vol":"3","page":604},{"text":"بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إنّ) ومدخولها كلام معطوف على (إذا) ومدخولها لا محل له مثله. ﴿بِمُوسى:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول بمعنى الذين مبني على السكون في محل جر معطوف على (موسى). ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿طائِرُهُمْ:﴾ مبتدأ. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾\nظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّما..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾\nاسم (لكنّ) والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ) والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1086\"></span>﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿مَهْما:﴾ أصلها (ما) الشرطية، ضمت إليها (ما) الزائدة للتأكيد، ثم قلبت ألفها هاء، استثقالا للتركيب. وقيل: هي مركبة من (مه) الذي يصوت به الكافّ، و(ما) الجزائية، وقد رد ابن هشام هذا في المغني، فقال: وهي بسيطة لا مركبة من:\n (مه) و(ما) الشرطية، ولا من (ما) الشرطية و(ما) الزائدة، ثم أبدلت الهاء من الألف الأولى دفعا للتكرار، خلافا لزاعمي ذلك. هذا؛ والضميران في ﴿بِهِ﴾ و﴿بِها﴾ يعودان إلى ﴿مَهْما﴾ فالأول مراعاة للفظها، والثاني مراعاة لمعناها. ﴿تَأْتِنا:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿آيَةٍ:﴾ معجزة. وانظر الآية رقم [٩]. هذا؛ وإنما سمو (ها): ﴿آيَةٍ﴾ على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا:\n ﴿لِتَسْحَرَنا بِها﴾ أي: لتسحر بها أعيننا، وتصرفنا عما نحن عليه من دين. ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصادقين. وانظر الإيمان في الآية رقم [٢].\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿مَهْما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وقال أبو البقاء: في محل نصب بما بعده. ولا وجه له.\nوقيل: منصوب بفعل يفسره ما بعده، والمعتمد الأول. ﴿تَأْتِنا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ آيَةٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور في: ﴿بِهِ﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿مَهْما﴾.\n ﴿لِتَسْحَرَنا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»،","vol":"3","page":605},{"text":"و(نا): مفعول به. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿آيَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿فَما:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ:﴾ اسم (ما). ﴿لَكَ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿بِمُؤْمِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر زائد. (مؤمنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وجملة: ﴿فَما نَحْنُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَهْما﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة فعل الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان.\nوهو المرجح لدى المعاصرين.\n\n<span id=\"aya-1087\"></span>﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾\nالشرح: ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾ انظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿الطُّوفانَ:﴾ ما طاف بهم، وغشي أماكنهم، وحروثهم من مطر، أو سيل وقيل: هو الجدري. وقيل: الموتان. وقيل: الطاعون، ومدلول اللفظ بخلاف ذلك. ﴿وَالْجَرادَ:﴾ معروف، واحدته جرادة، تقع للذكر، والأنثى، ولا يفرق بينهما، إلا أن تقول: رأيت جرادة ذكرا، أو أنثى. ﴿وَالْقُمَّلَ:﴾ هي أفراخ الجراد قبل نبات أجنحتها، أو البراغيث، أو كبار القردان وقيل: غير ذلك وهو يقرأ بالتشديد والتخفيف مع فتح القاف وسكون الميم. وقيل: هو القمل المعروف في الثياب وغيرها، ﴿وَالضَّفادِعَ:﴾ جمع ضفدع بكسر الضاد والدال: دابة مائية معروفة، والواحدة ضفدعة، وناس يقولون بفتح الدال، وأنكره الخليل. ﴿وَالدَّمَ:﴾ قلبت مياههم دما. وقيل: هو الرعاف. ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ:﴾ معجزات مبينات ظاهرات، لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله، أو مفرقات بين كل آيتين شهر. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾\nعن الإيمان بموسى. ﴿قَوْمًا:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ كافرين معاندين.\nتنبيه: روي: أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم؛ حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركد الماء فوق أراضيهم، فمنعهم من الحرث، والتصرف فيها، ودام ذلك أسبوعا، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ما نحن فيه، ونحن نؤمن بك.\nفدعا، فكشف عنهم، ونبت لهم من الزرع، والكلأ ما لم يعهد مثله. فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا، فلم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد، فأكلت زروعهم، وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب، والسقوف، والثياب، ففزعوا إلى موسى ثانيا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق، والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها. فلم يؤمنوا، فسلط الله عليهم القمل، فأكل ما أبقاه الجراد، وكان يقع في أطعمتهم، ويدخل بين أثوابهم،","vol":"3","page":606},{"text":"وجلودهم، فيمصها، ولم يؤذ أحدا من بني إسرائيل، ففزعوا إلى موسى، فدعا، فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، فأرسل الله عليهم الضفادع، بحيث لا يكشف ثوب، ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم، وهي تغلي، وتدخل أفواههم عند التكلم، ولم يقرب بني إسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى، وتضرعوا إليه، فدعا الله، فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دماء؛ حتى كان القبطي يجتمع مع الإسرائيلي على إناء واحد، فيكون ما يليه دما، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي، فيصير دما في فيه. انتهى بيضاوي بتصرف.\nتنبيه: قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وغيرهما: لما آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوبا أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر، والتمادي في الشر، والفساد، فتابع الله عليهم الآيات، فأخذهم الله أولا بالسنين، ونقص الثمرات، وأراهم قبل ذلك من المعجزات اليد، والعصا، فلم يؤمنوا، فدعا عليهم موسى، وقال: يا رب! إن عبدك فرعون علا في الأرض، وبغى، وعتا، وإن قومه قد نقضوا العهد، فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية، وعبرة، فبعث الله تعالى عليهم الطوفان، والجراد... إلخ.\nأقول: وهذه الآيات التسع ذكرها الله إجمالا في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾.\nالإعراب: ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الطُّوفانَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه. ﴿آياتٍ:﴾ حال.\n ﴿مُفَصَّلاتٍ:﴾ صفة: ﴿آياتٍ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. (كانوا): ماض ناقص، مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمًا:﴾ خبر (كان). ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ صفة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1088\"></span>﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقَعَ عَلَيْهِمُ:﴾ نزل بهم، وأصابهم. ﴿الرِّجْزُ:﴾ العذاب الذي ذكره في الآية المتقدمة من الطوفان، وما بعده. وقال سعيد بن جبير﵁الرجز: الطاعون، وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس التي تقدمت، فنزل بهم الطاعون حتى مات منهم في يوم واحد سبعون ألفا، فأمسوا وهم لا يتدافنون، ﴿قالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥] لشرحه وإعرابه.\n ﴿يا مُوسَى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: بعهده عندك، وهو","vol":"3","page":607},{"text":"النبوة. أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك، كما أجابك في آياتك. وانظر (العهد) في الآية رقم [١٠٢]. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أي: نقسم بعهد الله عندك لئن كشفت عنا العذاب؛ لنصدقن بما أرسلت به. وهذا الوعد قطعوه على أنفسهم عند نزول كل نوع من أنواع العذاب المتقدمة، ولكنهم كانوا ينكثون عهدهم عند رفع العذاب.\n ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٥].\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج الفارسي، وابن جني، وجماعة تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿وَقَعَ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الرِّجْزُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما) وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها. ﴿وَلَمّا﴾ ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.\n (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب (يا)، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿اُدْعُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. ما: تحتمل الموصوفة، والموصولة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء عهده إليك، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، أي بعهده عندك، والجار، والمجرور على جميع الاعتبارات متعلقان بالفعل: ﴿اُدْعُ﴾ أو بمحذوف حال من الفاعل المستتر بمعنى: ادع الله متوسلا إليه. وقيل:\nمتعلقان بفعل محذوف، كما قيل: (الباء) حرف قسم وجر. ولا وجه له. وجملة: ﴿اُدْعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿لَئِنْ:﴾ حرف شرط جازم، واللام موطئة لقسم محذوف.\n ﴿كَشَفْتَ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿عَنَّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الرِّجْزُ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَشَفْتَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنُؤْمِنَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. انظر الآية رقم [٩٠] ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ:﴾ معطوف على ما قبله،","vol":"3","page":608},{"text":"وإعرابه مثله. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٥].\n\n<span id=\"aya-1089\"></span>﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ:﴾ رفعنا عنهم العذاب المذكور في الآية السابقة بسبب دعوة موسى، ﵇. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ:﴾ إلى زمن هم بالغوه، فمنتهون إليه، ثم يعذبون فيه، أو يهلكون، وهو وقت الغرق، أو الموت المحدد في وقته: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ:﴾ يخلفون الوعد، وينقضون العهد بعدم إيمانهم؛ الذي وعدوا به مرارا. وأصل النكث من: نكث الصوف، ونحوه؛ ليغزله ثانيا، فاستعير لنقض العهد بعد إحكامه، وإبرامه.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿كَشَفْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَنْهُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الرِّجْزَ:﴾ مفعول به. وانظر محل الجملة الفعلية في الآية السابقة. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿بالِغُوهُ:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل جر صفة: ﴿أَجَلٍ﴾. ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٠٧] و﴿إِذا﴾ واقعة في جواب (لمّا) و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة، لا محل له مثله.\n<span id=\"aya-1090\"></span>﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ أي: كافأناهم عقوبة لهم على سوء صنيعهم. وأصل الانتقام في اللغة: سلب النعمة بالعذاب. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ أي: في البحر الملح الذي لا يدرك قعره. وقيل: اليم: هو لجة البحر، ومعظم مائه. ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: كان هلاكهم بسبب أنهم كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا، وصدق نبينا. ﴿وَكانُوا عَنْها:﴾\nعن تلك الآيات. ﴿غافِلِينَ:﴾ فلم يتعظوا، ولم يتفكروا فيها. وانظر الآية رقم [٩٠] من سورة (يونس) ﵇.\nتنبيه: فإن قيل: إن الله تعالى علم من حال آل فرعون: أنهم لا يؤمنون بتلك الآيات، فما الفائدة من تواليها عليهم، وإظهار الكثير منها؟ فالجواب على مذهب أهل السنة: أن الله تعالى","vol":"3","page":609},{"text":"يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل. وأما على قول المعتزلة في رعاية المصلحة: فلعله تعالى علم من قوم فرعون: أن بعضهم كان يؤمن بتوالي تلك المعجزات، وظهورها، فلهذا السبب والاها عليهم. والله أعلم بمراده. انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿فَانْتَقَمْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ مفسرة للانتقام، والفاء تفسيريه، ولا يصح اعتبارها عاطفة. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر وسبب. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلها، التقدير: بسبب تكذيبهم. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمها، والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿غافِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة:\n ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وجوز اعتبارها مستأنفة، والأول أقوى، وأولى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1091\"></span>﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ..﴾. إلخ: بالاستعباد، وذبح الأبناء، والتسخير في الأعمال الشاقة، وهم بنو إسرائيل. ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا:﴾ المراد بها: أرض مصر، والشام ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة، والعمالقة. والمراد بمشارقها، ومغاربها: جميع نواحيها. وقيل: أراد جميع جهات الأرض. وهو اختيار الزجاج، قال: لأن داود، وسليمان-صلوات الله وسلامه عليهما-كانا من بني إسرائيل، وقد ملكا الأرض. انتهى خازن بتصرف.\n ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ أي: بكثرة الثمار، والزروع، والخصب والسعة. هذا قول المفسرين، وأرى: أن البركة حلت فيها من وجود الأنبياء، وتناسلهم، ودفنهم فيها. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ المراد بها قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وقرئ: «(كلمات ربك)» لتعدد المواعيد. هذا؛ و«كلمت» بفتح الكاف، وكسر اللام، ويقرأ بكسر الكاف وإسكان اللام، وفيها لغة أخرى: فتح الكلام، وإسكان اللام. هذا؛ وقد تطلق الكلمة على الكلام الكثير، مثل قولك: قال فلان كلمة، أي: ألقى","vol":"3","page":610},{"text":"خطبة، وقال الشاعر كلمته، أي: قصيدته، وكثيرا ما تطلق على الجملة المفيدة، كقوله تعالى:\n ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ وقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا﴾ ومعلوم أن النصارى لم يقولوا كلمة واحدة فقط في تأليه عيسى ﵊. وانظر الكلام في الآية رقم [١٤٤] والآية رقم [٦/ ١١٥]. ﴿رَبِّكَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿الْحُسْنى:﴾ تأنيث: الأحسن، كالسوأى تأنيث: الأسوأ. ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٥]. ﴿صَبَرُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨].\n ﴿وَدَمَّرْنا:﴾ أهلكنا وخربنا. ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ:﴾ في أرض مصر من القصور، والعمارات. وانظر: ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ في الآية رقم [١٠٣]. ﴿وَقَوْمُهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣١].\n ﴿كانُوا يَعْرِشُونَ:﴾ يسقفون من البنيان، أو يبنون بيوتا من البيوت، والقصور، أو ما كانوا يعرشون من الثمار، والأعناب. هذا؛ وعرش؛ يعرش من باب: ضرب، ونصر قراءتان.\nتنبيه: هذا آخر قصة فرعون، والقبط، وتكذيبهم بآيات الله، ثم أتبعه قصة بني إسرائيل، وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر من عبادة البقر، وغير ذلك؛ ليتسلى رسول الله ﷺ عما رآه من اليهود، والمنافقين في المدينة المنورة، وعما رآه في مكة من إيذاء قريش. انتهى نسفي. هذا؛ وانظر: ﴿يَصْنَعُونَ﴾ في الآية رقم [٦٣] من سورة (المائدة).\nالإعراب: ﴿وَأَوْرَثْنَا:﴾ (أورثنا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠].\n ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة ﴿الْقَوْمَ﴾. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يُسْتَضْعَفُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجمل الفعلية في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَشارِقَ:﴾ مفعول به ثان ل (أورثنا).\nوقيل: المفعول الثاني هو ﴿الَّتِي﴾ كما قيل: المفعول الثاني محذوف، تقديره: «الأرض» أو «الملك»، وعليهما يكون ﴿مَشارِقَ﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، أو هو منصوب بنزع الخافض. والمعتمد الأول، و﴿مَشارِقَ﴾ مضاف، و﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه. (مغاربها):\nمعطوف على ما قبله، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ صفة مشارق، وما عطف عليه.\nوقيل: صفة: ﴿الْأَرْضِ،﴾ وهو ضعيف. ﴿بارَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. و﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (تمت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَتُ:﴾ فاعل، و﴿كَلِمَتُ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْحُسْنى:﴾ صفة: ﴿كَلِمَتُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة، وجملة: ﴿وَتَمَّتْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أورثنا...) إلخ لا محل لها مثلها؛ لأنها معطوفة بدورها على ما قبلها. ﴿عَلى بَنِي:﴾ متعلقان بالفعل: (تمت)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي:﴾ مضاف،","vol":"3","page":611},{"text":"و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَبَرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، و(ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (تمت)، التقدير: بصبرهم، (دمرنا): فعل، وفاعل، ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿يَصْنَعُ:﴾ مضارع. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ تنازعه كل من كان والفعل: ﴿يَصْنَعُ،﴾ ولا بد من الإضمار في أحدهما مع إعمال الآخر فيه، والأولى اعتباره اسما ل: ﴿كانَ﴾ مؤخرا، وجملة:\n ﴿يَصْنَعُ﴾ في محل نصب خبرها مقدما، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: دمرنا الذي، أو شيئا كان يصنعه فرعون. هذا؛ وقد أجاز السمين في هذه الجملة أربعة أوجه: أحدها: ما ذكرته، الثاني أن اسم كان ضمير عائد على: ﴿ما﴾ الموصولة و﴿يَصْنَعُ﴾ مسند ل ﴿فِرْعَوْنُ،﴾ والجملة خبر عن ﴿كانَ،﴾ والعائد محذوف، التقدير: ودمرنا الذي كان هو يصنعه فرعون، الثالث: أن تكون: ﴿كانَ﴾ زائدة، و﴿ما﴾ مصدرية، والتقدير: ودمرنا ما يصنع فرعون. أي صنعه. قال الجمل: وينبغي أن يجيء هذا الوجه أيضا؛ وإن كانت ﴿ما﴾ موصولة اسمية على أن العائد محذوف، تقديره: ودمرنا الذي يصنعه فرعون، الرابع: أن ﴿ما﴾ مصدرية أيضا، و﴿كانَ﴾ ليست زائدة، بل ناقصة، واسمها ضمير الأمر، والشأن، والجملة من قوله: ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ خبر (كان) فهي مفسرة للضمير. انتهى جمل. وانظر الآية رقم [١١٨] التوبة ﴿وَقَوْمُهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَدَمَّرْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿ما:﴾ معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يعرشونه.\n\n<span id=\"aya-1092\"></span>﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ:﴾ عبرنا، وقطعنا بهم البحر. وجاوز بمعنى: جاز.\nهذا؛ ويقال: جاز الوادي، وجاوزه: إذا قطعه، وتركه وراء ظهره. روي: أن عبورهم البحر كان في يوم عاشوراء، فصامه موسى، ﵇، وأمر بصيامه شكرا على مهلك فرعون، ونجاتهم من شره. ﴿بِبَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٥]. ﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ..﴾. إلخ: مروا على قوم يعبدون الأصنام، قيل: كانت تلك الأصنام تماثيل من البقر، وذلك أول شأن العجل، والقوم كانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم. وقيل: كانوا من لخم.","vol":"3","page":612},{"text":"و﴿يَعْكُفُونَ:﴾ يعبدون. قرئ بضم الكاف وكسرها من بابي: ضرب، ونصر. وانظر: ﴿قَوْمٍ﴾ في الآية رقم [٣٢] و(أتوا) في الآية رقم [٣٤]. وقل في إعلاله: أصله: (أتيوا) استثقلت الضمة التي على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة على التاء، ويقال في إعلاله أيضا تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار (أتاوا) فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة على التاء لتدل على ذلك المحذوف.\n ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا مُوسَى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا:﴾ تمثالا نعبده ونعظمه. ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ:﴾ أصنام وتماثيل يعبدونها ويعظمونها.\nقال البغوي﵀-: لم يكن ذلك شكّا من بني إسرائيل بوحدانية الله تعالى، وإنما معناه: اجعل لنا شيئا نعظمه، ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى، وظنوا: أن ذلك لا يضر الديانة، وكان ذلك لشدة جهلهم. ﴿تَجْهَلُونَ:﴾ انظر الجهل، والجاهل في الآية رقم [٦/ ٣٥]. هذا؛ وقد وصفهم الله بالجهل المطلق، وأكده لبعد ما صدر عنهم بعد ما رأوا من الآيات الكبرى.\nعن أبي واقد الليثي﵁-: أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى غزوة حنين مرّ بشجرة للمشركين كانوا يعلّقون عليها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ والذي نفسي بيده؛ لتركبنّ سنن من قبلكم». أخرجه الترمذي. انتهى خازن.\nتنبيه: قال يهودي لعلي﵁-: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال:\nقلتم اجعل لنا إلها، ولم تجف أقدامكم. أي: من البحر. انتهى نسفي. وانظر الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال).\nالإعراب: ﴿وَجاوَزْنا:﴾ (جاوزنا): فعل، وفاعل. ﴿بِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ انظر الآية السابقة لإعرابهما، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَجاوَزْنا..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَأَتَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿عَلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَعْكُفُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿عَلى أَصْنامٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَصْنامٍ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسَى﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٣٤] وهي مستأنفة، لا محل لها. ﴿اِجْعَلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، على أنهما مفعوله الأول. ﴿إِلهًا:﴾ مفعوله الثاني. هذا؛ ويجوز أن يكون ﴿لَنا﴾ متعلقين بمحذوف حال من: ﴿إِلهًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وجملة:\n ﴿اِجْعَلْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. قال أبو البقاء في (ما) ثلاثة","vol":"3","page":613},{"text":"أوجه: أحدها: هي المصدرية، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ صلة لها، وحسن ذلك: أنّ الظرف مقدر بالفعل، والثاني: أن (ما) بمعنى «الذي» و﴿لَهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف صلة (ما)، التقدير: كالذي ثبت لهم. و﴿آلِهَةٌ﴾ بدل من الضمير المستكن في: ﴿لَهُمْ﴾ والتقدير: اجعل لنا إلها كائنا كالذي استقر لهم هو آلهة، والثالث: أن تكون (ما) كافة للكاف؛ إذ من حكم الكاف أن تدخل على المفرد، فلما أريد دخولها على الجملة كفت ب: (ما) انتهى بتصرف.\nأقول: فعلى الوجه الأول تؤول (ما) مع الجملة الاسمية بمصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور يتعلقان بمحذوف صفة ﴿إِلهًا﴾ وأيضا على الثاني يتعلق: «كالذي» بمحذوف صفة:\n ﴿إِلهًا﴾. وعلى الوجه الثالث تكون الجملة الاسمية: ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ في محل نصب صفة:\n ﴿إِلهًا﴾. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى). ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿قَوْمٍ:﴾ خبرها، وجملة: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ في محل رفع صفة: ﴿قَوْمٍ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1093\"></span>﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾\nالشرح: ﴿هؤُلاءِ:﴾ الإشارة لمن عكفوا على الأصنام. ﴿مُتَبَّرٌ:﴾ هالك، ومكسّر ومدمّر والتتبير: الإهلاك. ﴿ما هُمْ فِيهِ﴾ أي: الذي هم فيه من عبادة الأصنام لا قيمة فيه، وهو هالك لا بقاء له. ﴿وَبَطَلَ..﴾. إلخ: البطلان: عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته ونفعه، والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم بنفع، ولا يدفع عنهم ضرّا؛ لأنه عمل لغير الله تعالى، فكان باطلا، لا نفع فيه. انتهى خازن. هذا؛ وجمع باطل: أباطيل على غير قياس، كأنهم جمعوا: إبطيلا. وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بالضم، والسكون: الباطل والكذب، والبطالة التعطل، والتفرغ من العمل.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿مُتَبَّرٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خبر:\n ﴿إِنَّ،﴾ و﴿ما:﴾ فاعل، أو نائب فاعل له؛ لأنه قوي بوقوعه خبرا. ﴿وَبَطَلَ:﴾ معطوف على:\n ﴿مُتَبَّرٌ﴾. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، أو مبتدأ مؤخر على نحو ما رأيت، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيء كانوا يعملونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، أو مبتدأ مؤخر، التقدير: وباطل عملهم. ﴿كانُوا:﴾","vol":"3","page":614},{"text":"ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1094\"></span>﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ..﴾. إلخ: أي: قال موسى﵇لمن طلبوا إلها غير الله موبخا لهم، ومؤنبا: أطلب، وأبتدع لكم معبودا غير الله؟! ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ وهو فضلكم على عالمي زمانكم بكثير من النعم. ففيه تنبيه على سوء معاملتهم، حيث قابلوا النعم بالكفران، وقصدوا أن يشركوا بالله أخس شيء من مخلوقاته. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧].\n ﴿الْعالَمِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤] وانظر شرح (غير) في الآية رقم [٣] من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿أَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (غير): مفعول به مقدم، و(غير) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَبْغِيكُمْ:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به، وهو في الأصل مجرور بحرف جر، التقدير: أبغي لكم. فلما حذفت اللام؛ اتصل الضمير بالفعل، وانتصب به، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿إِلهًا:﴾ تمييز. وقيل: حال. هذا؛ وجوز اعتبار (غير) منصوبا على الحال من: ﴿إِلهًا،﴾ وهذا هو المفعول به، و(غير) كان صفة: ﴿إِلهًا،﴾ فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» وجملة: ﴿أَغَيْرَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ﴿فَضَّلَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الله، أو من ضمير المخاطبين، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير، وجوز اعتبارها مستأنفة، والأول أقوى.\n<span id=\"aya-1095\"></span>﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ:﴾ وقرئ: «(أنجاكم...)» إلخ وهذا الكلام مسوق من جهة موسى لبني إسرائيل الذين طلبوا منه إلها، وإسناد الإنجاء إليه على القراءة الأولى مجاز، وعلى الثانية ظاهر لا تجوز فيه، وما أحراك أن تنظر شرح هذه الآية كاملا في الآية رقم [٤٩] (البقرة) مع إبدال: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ ب: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ ويقرأ الفعلان بالتشديد، والتخفيف. ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ﴾","vol":"3","page":615},{"text":"﴿رَبِّكُمْ عَظِيمٌ:﴾ وفي الإنجاء، أو العذاب اختبار، وامتحان؛ إذ البلاء يطلق على النعمة، وعلى المحنة، فالله يختبر شكر عباده بالنعمة، وصبرهم بالمحنة، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾. وانظر الآية رقم [١٦٨] الآتية. وانظر شرح:\n ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ في الآية رقم [١٣٠] و﴿نِساءَكُمْ﴾ في الآية رقم [١٢٧]. ﴿بَلاءٌ:﴾ إعلاله مثل إعلال: ﴿السَّماءِ﴾ في الآية رقم [٩٧]. ﴿رَبِّكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣].\nالإعراب: انظر الإعراب بكامله في الآية رقم [٤٩] من سورة (البقرة).\n\n<span id=\"aya-1096\"></span>﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَواعَدْنا:﴾ وقرئ: «(وعدنا)»: انظر (الوعد) في الآية رقم [٤٤]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿ثَلاثِينَ لَيْلَةً:﴾ هي شهر ذي القعدة، وعبر عن الأيام بالليالي؛ لأنها غرر الشهور. ﴿وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ:﴾ وهي العشر الأول من ذي الحجة.\n ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً:﴾ بلغ الميقات، أي: الموعد أربعين يوما، وقد ذكر سبحانه هذا العدد جملة في الآية رقم [٥١] (البقرة) وفصله هنا.\nقال المفسرون: إن موسى﵇وعد بني إسرائيل إذا أهلك الله عدوهم فرعون أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فيه بيان ما يأتون، وما يذرون، فلما هلك فرعون؛ سأل ربه أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسرائيل، فأمره أن يصوم ثلاثين يوما، فصامها، فلما تمت ذهب إلى جبل الطور ليسأله ما طلب، وفي طريقه أنكر رائحة فمه التي حدثت من الصيام فاستاك بعود خرنوب، فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله أن يصوم عشر ذي الحجة، وقال له «أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك»، فكانت فتنة بني إسرائيل في تلك العشر التي زادها الله ﷿ لموسى ﵊.\nهذا؛ وإعلال: ﴿مِيقاتُ﴾ مثل إعلال: (ميزان) في الآية رقم [٩]. ﴿رَبِّهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣].\n ﴿لَيْلَةً:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ٩٦] ﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ:﴾ عند ذهابه إلى جبل الطور للمناجاة. ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي:﴾ كن خليفتي فيهم مرهم بالمعروف وانههم عن المنكر. وانظر (قوم) في الآية رقم [٣٢]. ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أي: ما يجب من إصلاح أمورهم، أو كن مصالحا. ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ:﴾ ولا تتبع من سلك سبيل الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه. ﴿سَبِيلَ:﴾ يذكر ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل. وانظر: ﴿رُسُلٌ﴾ في الآية رقم [٣٥] فهو مثله.","vol":"3","page":616},{"text":"الإعراب: ﴿وَواعَدْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (واعدنا): فعل، وفاعل. وانظر إعراب:\n ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿ثَلاثِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لَيْلَةً:﴾ تمييز، وجملة ﴿وَواعَدْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (أتممناها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِعَشْرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (تم): ماض.\n ﴿مِيقاتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿رَبِّهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿أَرْبَعِينَ:﴾ حال، أي: تم بالغا هذا العدد. وقيل: هو مفعول به. وقيل: هو منصوب على الظرف... إلخ. ﴿لَيْلَةً:﴾ تمييز. ﴿وَقالَ مُوسى:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿لِأَخِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هارُونَ:﴾ بدل أو عطف بيان من: (أخيه) مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿اُخْلُفْنِي:﴾ أمر، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فِي قَوْمِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَصْلِحْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعْ:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿سَبِيلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، والمفسدين مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَتَّبِعْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1097\"></span>﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾\nالشرح: ﴿جاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٤]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿لِمِيقاتِنا:﴾\nموعدنا، أي للوقت الذي وعدناه بالكلام فيه، وكان يوم الخميس، ويوم عرفة. ﴿رَبُّهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿تَرانِي:﴾ مضارع ماضيه: رأى،","vol":"3","page":617},{"text":"فالقياس: ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي: [الوافر]\nأري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات\nوربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ،﴾ و﴿أَرَأَيْتَ﴾ إلخ «(أرأيتكم)»، و«(أرأيت)» بدون همز، وقال الشاعر: [الخفيف]\nصاح هل ريت أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟\nوإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال (ترى): أصله: ترأي، قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف. ﴿اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ:﴾ ثبت مكانه. ﴿تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ:﴾ ظهرت له عظمة الله، وتصدى له اقتداره، وأمره. وقيل: أعطى له حياة، ورؤية حتى رآه. ﴿جَعَلَهُ دَكًّا:﴾ مدكوكا مفتتا، وقرئ: «(دكاء)» أي: أرضا مستوية، وقرئ: «(دكا)» بضم الدال. ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا:﴾ سقط على الأرض مغشيّا عليه لهول ما رأى. ﴿أَفاقَ:﴾ الإفاقة: رجوع الفهم، والعقل إلى الإنسان بعد جنون أو سكر أو إغماء، ومنه: إفاقة المريض من مرضه. ﴿سُبْحانَكَ:﴾\nانظر الآية رقم [٦/ ١٠٠]. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ:﴾ من الجرأة، والإقدام على السؤال بغير إذن.\n ﴿أَوَّلُ:﴾ فيه مسائل: الأولى: الصحيح: أن أصله: أوأل بوزن أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت بدليل قولهم في الجمع: أوائل. وقيل: أصله: ووّل بوزن فوعل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على: أواول، لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.\nهذا؛ ويجمع (أول) على: أواول كما يجمع جمع مذكر سالما: أولون، وأولين. وهو المستعمل، والشائع.\nالثانية: الصحيح: أن «أول» لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد تكتسب بعده شيئا، وقد لا تكتسب. وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا؛ فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره؛ وقع الطلاق على الأول ولم يقع على الثاني.\nالثالثة: ل «أول» استعمالان: أحدهما أن يكون صفة، أي: أفعل تفضيل بمعنى أسبق، فيعطى حكم أفعل التفضيل من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول (من) عليه، نحو هذا أول من هذين، ولقيته عام أول. الثاني أن يكون اسما، فيكون مصروفا، نحو: لقيته عاما أولا، ومنه: ماله أول، ولا آخر. قال أبو حيان: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: آخرة وأوّلة بالتنوين. انتهى. همع الهوامع.","vol":"3","page":618},{"text":"تنبيه: في الآية الكريمة التفات من التكلم في قوله: ﴿لِمِيقاتِنا﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وانظر الالتفات في الآية رقم [٦/ ٦] وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nتنبيه: قال أهل التفسير، والأخبار: لما جاء موسى لميقات ربه؛ تطهر، وطهر ثيابه، وصام، ثم أتى طور سيناء، فأنزل الله تعالى ظلة غشيت الجبل على أربع فراسخ من كل ناحية وطرد عنه الشيطان، وهوام الأرض، ونحى عنه الملكين، وكشط له السماء، فرأى الملائكة قياما في الهواء، ورأى العرش بارزا، وأدناه ربه حتى سمع صريف الأقلام على الألواح، وكلمه، وكان جبريل معه، فلم يسمع ذلك الكلام، فاستحلى موسى كلام ربه، فاشتاق إلى رؤيته، فقال:\n ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. وإنما سألها مع علمه بأنها لا تجوز في الدنيا؛ لما هاج به من الشوق، وفاض عليه من أنواع الجلال، واستغرق في بحر المحبة، فعند ذلك سأل الرؤية. انتهى. جمل.\nقال البيضاوي: وهو-أي سؤال موسى ربه الرؤية-دليل على أن رؤيته جائزة في الجملة؛ لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصا ما يقتضي الجهل بالله، ولذلك رده بقوله: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ دون لن أرى، أو لن تنظر إلي، تنبيها على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على استعداد في الرائي، ولم يوجد فيه بعد، وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ خطأ؛ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة؛ لوجب أن يجهلهم، ويزيح شبههم، كما فعل بهم حين ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا﴾ فقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وكما قال لأخيه: ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ؛ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته، إياه على ألا يراه أحد أبدا، وألا يراه غيره أصلا، فضلا عن أن يدل على استحالتها، ودعوى الضرورة فيه مكابرة، أو جهالة بحقيقة الرؤية. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦/ ١٠٣]. ومعنى ﴿أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بأنك لا ترى في الدنيا. وقيل: معناه: وأنا أول المؤمنين من بني إسرائيل. والأول أولى.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ (لما): انظر الآية رقم [١٣٤] وجملة: ﴿جاءَ مُوسى﴾ انظر مثيلتها في الآية المذكورة، وما قيل فيها. ﴿لِمِيقاتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ:﴾ فعل ومفعول به وفاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾.\n ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب... إلخ. وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٦٠]. ﴿أَرِنِي:﴾ فعل دعاء، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والنون للوقاية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وياء المتكلم مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: أرني نفسك. ﴿أَنْظُرْ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الطلب، وهو في الأصل مجزوم بشرط محذوف، وفاعله مستتر فيه تقديره «أنا». ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجمل: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾","vol":"3","page":619},{"text":"﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و﴿فَلَمّا﴾ ومدخولها كلام معطوف على جملة: (واعدنا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قالَ:﴾\nماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تُرِيَنِّي:﴾ مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، واكتفى الفعل به؛ لأنه بصري، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك لا محل له.\n ﴿أَنْظُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلَى الْجَبَلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة:\n ﴿وَلكِنِ انْظُرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَإِنِ:﴾\nالفاء: حرف تفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِسْتَقَرَّ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿الْجَبَلِ﴾. ﴿مَكانَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف تسويف، واستقبال.\n ﴿تُرِيَنِّي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره:\n «أنت»، والنون للوقاية، والياء مفعول به، وهو بصري مثل سابقه، وجملة: ﴿فَسَوْفَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. و(إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ لَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ انظر الآية رقم [١٣٤] لإعراب مثل ذلك. ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ فعل ماض ومفعولاه، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (خر): ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع... إلخ، ﴿صَعِقًا:﴾\nحال من موسى، وجملة: ﴿وَخَرَّ..﴾. إلخ معطوفة على جواب لما لا محل لها مثله ﴿فَلَمّا أَفاقَ قالَ..﴾. إلخ انظر إعراب مثل ذلك في الآية رقم [١٣٤] وهو كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف في محل نصب مقول القول. وهذا عند الخليل، وسيبويه. وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، والأول أقوى.\n ﴿تُبْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (أنا): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوَّلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: مستأنفة، والأول أقوى.","vol":"3","page":620},{"text":"<span id=\"aya-1098\"></span>﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٤٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣].\n ﴿اِصْطَفَيْتُكَ:﴾ اخترتك، والاصطفاء: الاستخلاص، من الصفوة، والاجتباء. ﴿عَلَى النّاسِ﴾ أي: الموجودين في زمانك، وهارون وإن كان رسولا مثله، كان مأمورا باتباعه، ولم يكن كليما، ولا صاحب شرع. ﴿بِرِسالاتِي:﴾ بوحيي، وجمعت الرسالة لتنوع أحكامها، وتعاليمها.\nوقرئ: «(برسالتي)» بالإفراد. بتكليمي إياك، فيكون مصدرا. ويحتمل أن يراد به التوراة، وما أوحاه الله إليه من قولهم، القرآن كلام الله. وقدم الرسالة على الكلام؛ لأنها أسبق، أو ليترقى إلى الأشراف. هذا؛ و(الكلام) يدل على أحد ثلاثة أمور:\nأولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، فتقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد تكليمك إياه.\nوثانيها: ما يدور في النفس من خواطر، وهواجس، وكل ما يعبر عنه باللفظ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك: كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي: [البسيط]\nلا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا\nإنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما... جعل اللسان على الفؤاد دليلا\nوثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال، انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللسانين). وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله) ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى قوله جلت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾ ثم انظر إلى قول الشاعر الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينيها القول، وذلك في قوله: [الطويل]\nأشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل]\nفعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب","vol":"3","page":621},{"text":"وانظر شرح (القول) في الآية رقم [٥]. و﴿كَلِمَتُ﴾ في الآية [١٣٧]. ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ:﴾ ما أعطيتك من الرسالة. ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ على إنعامي عليك، وفي القصة: أن موسى ﵊، كان بعد ما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات، وقالت له زوجته: أنا لم أرك منذ كلمك ربك، فكشف لها عن وجهه، فأخذها مثل شعاع، فوضعت يدها على وجهها، وخرت ساجدة، وقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: ذلك لك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها انتهى. خازن. وانظر الآية رقم [١٠] لشرح ﴿تَشْكُرُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿قالَ يا مُوسى:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٣٤]. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿اِصْطَفَيْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب:\n ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِرِسالاتِي:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الكاف، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبِكَلامِي:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿اِصْطَفَيْتُكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿فَخُذْ﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (خذ): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آتَيْتُكَ:﴾\nفعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خذ الذي أو شيئا آتيتك إياه، وجملة: ﴿فَخُذْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم: التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فخذ... إلخ، ومجموع الكلام في محل نصب مقول القول. (كن): أمر ناقص، واسمه مستتر تقديره: «أنت»، ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (كن)، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها باعتبار، وهي في محل نصب مقول القول باعتبار آخر. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1099\"></span>﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ:﴾ لموسى، ولقومه. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿فِي الْأَلْواحِ:﴾\nألواح التوراة، وقد اختلف في عددها، وفي مادتها، فقيل: كانت سبعة. وقيل: عشرة. وقيل:\nكانت اثنين، طول اللوح اثنا عشر ذراعا، وكانت من زمرد، أو زبرجد، أو ياقوت أحمر، أو من صخرة صماء لينها الله لموسى يطويها كيف يشاء. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ مما يحتاجون إليه من أمر","vol":"3","page":622},{"text":"الدين، والدنيا. وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥]. ﴿مَوْعِظَةً:﴾ هي كلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين. ﴿وَتَفْصِيلًا:﴾ تبيينا للأحكام وانظر الآية رقم [٥٢].\n ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ:﴾ خذ الألواح، أو ما فيها من التعاليم والتشريع بجد واجتهاد. هذا؛ وأصل (خذ) أؤخذ، لكن لم يستعمل على الأصل، وحذفت الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وهذا الحذف واقع في الأمر المأخوذ من (أمر وأكل) فيقال: مر وكل، وقد قالوا: اؤمر واؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه ﴿وَأْمُرْ﴾ في هذه الآية وفي الآية رقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٧] من سورة (لقمان).\n ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها:﴾ المراد بأحسن ما فيها، وذلك كالعفو والقود، والصبر على الإيذاء والانتصار من المؤذي، والمأمور به، والمباح، فأمروا أن يأخذوا بما هو أكثر ثوابا، وإن كان فيه مشقة على النفس. هذا؛ وقد قيل: إن (أحسن) بمعنى: (حسن). وانظر (قوم) في الآية رقم [٣٢]. ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ أي: دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها، أو دار عاد وثمود وأضرابهم؛ لتعتبروا فلا تفسقوا. هذا؛ وقد قرئ «(سأوريكم)» بمعنى: سأبين لكم من أوريت الزند، وقرئ «(سأورثكم)» ويؤيده نص الآية رقم [١٣٧] هذا؛ وانظر شرح: ﴿دارِهِمْ﴾ في الآية رقم [٧٨]. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ الكافرين المعاندين. هذا؛ وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أوامر الله تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات.\nالأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكب الكبيرة مستصوبا إياها، فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتصديق، الذي هو مسمى الإيمان. انتهى. بيضاوي.\nتنبيه: يفهم من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ﴾ أن الله تعالى خط التوراة في الألواح بيده، وجاء في حديث النبي ﷺ: «إنّ الله خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده». وروي أنه لم يحفظ التوراة عن ظهر قلب إلا أربعة نفر: موسى ويوشع بن نون، وعزير، وعيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسّلام، وذلك لعظم حجمها، وكثرة الأحكام فيها، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥٨] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٣١] من سورة (التوبة). هذا؛ وفي قوله ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ التفات إلى الخطاب بعد الغيبة، انظر الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: (كتبنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْأَلْواحِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما في محل نصب مفعول به، وإن اعتبرت ﴿مِنْ﴾ صلة يظهر لك ذلك جليّا، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.","vol":"3","page":623},{"text":"﴿مَوْعِظَةً:﴾ بدل من محل ﴿مِنْ كُلِّ﴾. ﴿وَتَفْصِيلًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان ب (تفصيلا) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿فَخُذْها:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (خذها): أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(ها):\nمفعول به، والجملة الفعلية مقولة لقول محذوف، التقدير: فقلنا له: خذها. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة (كتبنا...) إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالإتباع، وجملة: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿يَأْخُذُوا:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، وعلامة الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها باعتبارها جوابا للطلب، وهي داخلة في مقول القول. ﴿بِأَحْسَنِها:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿سَأُرِيكُمْ:﴾ السين: حرف تنفيس واستقبال.\n (أريكم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿دارَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْفاسِقِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمفعول الثالث محذوف التقدير: خاوية ونحوه، وجملة: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ..﴾. إلخ لا محل لها باعتبارها مستأنفة، وهي داخلة في مقول القول المقدر.\n\n<span id=\"aya-1100\"></span>﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦)﴾\nالشرح: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ:﴾ المراد ب: ﴿آياتِيَ﴾ ما كتب في ألواح التوراة، أو ما يعمها وغيرها، وهو الأرجح، فمعنى الصرف الطبع على قلوبهم بحيث لا يفهمونها. وقيل: المراد بها: المنصوبة في الأنفس والآفاق، ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄يريد الذين يتجبرون على عبادي، ويحاربون أوليائي سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها حتى لا يؤمنوا بي، عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم الحق. انتهى خازن. وانظر شرح:\n ﴿آياتِيَ﴾ في الآية رقم [٩] وشرح: ﴿الْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٣٣]. ﴿يَرَوْا:﴾ انظر الآية رقم [١٣٨] و[١٤٣] لإعلال مثله.\n ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها:﴾ لا يصدقوا، ولا يعترفوا بها. وانظر الإيمان في الآية رقم [٢]. ﴿سَبِيلَ:﴾ انظر الآية رقم [١٤١]. ﴿الرُّشْدِ:﴾ يقرأ بضم الراء وسكون الشين، وبفتحهما، كما يقرأ «(الرشاد)» والكل بمعنى طريق الحق والهدى والسداد والصواب، وعكسه الغي، ومعنى ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ لا يسلكون طريق الرشاد إلى الهداية، بل يسلكون طريق الضلال والفساد. ﴿ذلِكَ﴾","vol":"3","page":624},{"text":"﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ: أي ذلك الصرف. وقيل: ذلك الذي اختاروه لأنفسهم من ترك الرشد واتباع الغي بسبب تكذيبهم بآيات الله، وعدم تدبرهم لها والاتعاظ بها، والمعتمد الأول، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿سَأَصْرِفُ:﴾ مضارع والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والسين حرف تنفيس واستقبال.\n ﴿عَنْ آياتِيَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والإعراب مثل ﴿بِرِسالاتِي﴾ ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي حال كونهم ملتبسين بالدين غير الحق، و(غير): مضاف، و﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿آيَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة لا محل له مثلها، وإعراب ما بعدها مثلها، والكلام معطوف كله على جملة الصلة. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور: ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وجوز اعتبار:\n ﴿ذلِكَ﴾ في محل نصب، ثم اختلف في ذلك.\nفقال الزمخشري: التقدير: صرفهم الله ذلك الصرف. مفعولا مطلقا، أي: مصدرا، وقال ابن عطية، التقدير: فعلنا ذلك. فجعله مفعولا به، وعلى الوجهين فالباء في ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ متعلقة بذلك المحذوف. انتهى جمل نقلا عن السمين، وقد تصرفت فيه. ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا..﴾. إلخ انظر إعراب هذا الكلام بكامله في الآية رقم [١٣٦].\n\n<span id=\"aya-1101\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ أنكروها، ولم يصدقوا بها. وانظر المراد من (الآيات) في الآية السابقة. ﴿الْآخِرَةِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٥]. المعنى كذبوا بوجود الآخرة، وما فيها، وأصل (لقاء): (لقاي) فإعلاله مثل إعلال (سماء) في الآية رقم [٩٦]. وانظر إعلال: ﴿تِلْقاءَ﴾ في الآية رقم [٤٧]. ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:﴾ ذهب ثواب أعمالهم لعدم وجود الشرط، وهو الإيمان،","vol":"3","page":625},{"text":"كما أفادته آيات كثيرة في القرآن الكريم. ﴿هَلْ:﴾ استفهام بمعنى النفي، أي: ما يجزون إلا ما يستحقون من الثواب، أو العقاب، وهو المراد هنا. هذا؛ وانظر شرح: ﴿يُجْزَوْنَ﴾ في الآية رقم [١٢٠] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. (لقاء): معطوف على آياتنا مجرور مثله، و(لقاء): مضاف، و﴿الْآخِرَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير، ولقائهم الآخرة. ﴿حَبِطَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾\nفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، و«قد» مقدرة قبلها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى (ما).\n ﴿يُجْزَوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهي المفعول الأول.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وهي على الأولين مفعول به ثان، وعلى الثالث تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٣٩] قال الواحدي: ولا بد من تقدير محذوف، أي: إلا بما كانوا، أو جزاء ما كانوا، قال الجمل قلت: لأن نفس ما كانوا يعملونه لا يجزون بمقابله، وهو واضح. انتهى. نقلا عن السمين.\n\n<span id=\"aya-1102\"></span>﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ذهابه إلى المناجاة. وانظر: ﴿قَوْمُ﴾ في الآية رقم [٣٢] وشرح: ﴿مُوسى﴾ في الآية رقم [١٠٣]. ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ أي: التي استعاروها من قوم فرعون حين هموا بالخروج من مصر بأمر من موسى ﵇ فبقى عندهم بعد هلاك فرعون وقومه على سبيل الغنيمة، فلذلك نسبه الله إلى بني إسرائيل، فلما أبطأ موسى عليهم بسبب زيادة الأيام العشرة التي مر ذكرها، جمع السامري ذلك الحلي، وكان رجلا مطاعا فيهم، وكان صائغا، فصاغ لهم ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ من ذلك الحلي، وألقى في جوفه من تراب أثر فرس جبريل، فتحول عجلا جسدا. هذا؛ وقد نسب الفعل إلى الجميع مع كون المتخذ واحدا؛ لأنه كان برضاهم، فكأنهم أجمعوا عليه، وسيأتي تفصيل ذلك في سورة طه إن شاء الله تعالى. هذا؛ وأصل: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ (حلويهم) اجتمعت الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون، فقلبت ياء، وأدغمت في الياء، وكسرت اللام لأجل الياء. هذا؛ وقرئ بكسر الحاء، كما قرئ بفتحها وسكون اللام وتخفيف الياء. ﴿لَهُ خُوارٌ:﴾ هذا صوت البقر خاصة، وقد يستعار للبعير،","vol":"3","page":626},{"text":"والخوار: الضعف، قيل: إنه خار مرة واحدة، وقيل إنه كان يخور كثيرا، وكلما خار سجدوا له، وإذا سكت رفعوا رءوسهم، قيل: كان يسمع منه الخوار ولا يتحرك. وقيل: كان يخور ويمشي، وسيأتي بسط ذلك في سورة (طه) إن شاء الله تعالى. هذا؛ وقرئ «(جوار)» وهو الصوت الشديد.\n ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ..﴾. إلخ، هذا توبيخ للذين عبدوا العجل، والصحيح أن بعضهم عبدوه، وقد خرج الكلام على الأغلب، والمعنى: ألم ينظروا، أو ألم يعلموا حين اتخذوه إلها أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد، ومن كان كذلك كان جمادا، أو حيوانا ناقصا عاجزا لا يصالح للعبادة.\nوانظر (الكلام) في الآية رقم [١٤٣] و﴿سَبِيلًا﴾ في الآية رقم [١٤٢]. ﴿اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ أي: لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى، واشتغلوا بعبادة العجل الذي لا يضر ولا ينفع، ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن المنكر. هذا؛ وانظر الظلم في الآية رقم [٦/ ١٤٦] وانظر إعلال: ﴿يَرَوْا﴾ في الآية رقم [١٤٣].\nالإعراب: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ:﴾ فعل، وفاعل، و﴿قَوْمُ:﴾ مضاف، و﴿مُوسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وإن اعتبرت ﴿مِنْ﴾ صلة، فيكون ﴿بَعْدِهِ﴾ ظرفا متعلقا بالفعل قبله، والمعنى لا يأباه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، وإن اعتبرتهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿عِجْلًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، فلست مفندا؛ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِجْلًا:﴾ مفعول به. ﴿جَسَدًا:﴾ بدل مما قبله، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إلها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿خُوارٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة ﴿جَسَدًا﴾ وقيل: صفة: ﴿عِجْلًا،﴾ والأول أقوى عندي؛ لأن الثاني يقتضي أن يكون ﴿جَسَدًا﴾ صفة: ﴿عِجْلًا،﴾ واعتباره بدلا أرجح. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (لم): حرف جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم...) إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي الفعل قبله، وجملة: ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع خبر مثلها، وجملة (اتخذ...) إلخ قال الجمل: عطف قصة على قصة. ولا أرى وجها لذلك.\nفالأولى اعتبارها مستأنفة، وكذلك جملة ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، أو معترضة بين المؤكّد والمؤكّد، وهي جملة: ﴿اِتَّخَذُوهُ﴾ مع المفعول الثاني المحذوف، وهو (إلها) (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة (كانوا...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، و«قد» قبلها مقدرة؛ لتقرب الماضي من الحال. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"3","page":627},{"text":"<span id=\"aya-1103\"></span>﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ:﴾ كناية عن اشتداد ندمهم، فإن النادم المتحسر يعض يده غمّا فتصير يده مسقوطا فيها، وقرئ: «(سقط)» بالبناء للفاعل، بمعنى وقع العض فيها. وقيل:\nمعناه: سقط الندم في أنفسهم. وهذا التركيب لم تعرفه العرب، إلا بعد نزول القرآن، وخصت اليد بالذكر؛ لأن مباشرة معظم الذنوب بها، فالملامة ترجع عليها؛ لأنها الجارحة العظمى، فيسند إليها ما لم تباشره، كقوله تعالى ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ وانظر: ﴿يَدَهُ﴾ في الآية رقم [١٠٨]. ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ أي: وأيقنوا: أنهم على الضلالة في عبادتهم العجل. ﴿قالُوا:﴾ انظر الآية رقم [٥] لشرحه، وإعرابه. ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ أي: بالتوبة علينا، والعفو عنا. ﴿الْخاسِرِينَ﴾ أي: غير الرابحين، وأي خسران أعظم من خسارة الجنة، والحرمان من نعيمها الذي لا ينقطع؟!\nهذا؛ وقد قيل في تفسير (الخسران): أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله منازل الكفار التي في الجنة للمؤمنين، وجعل منازل المؤمنين التي في النار للكفار، فذلك هو الخسران: هذا؛ وقد قرئ الفعلان: «يرحمنا» و«(يغفر)» بتاء المضارعة. وقرئ: «ربنا» على النداء. وانظر الآية رقم [٣]. هذا؛ وإعلال (رأوا) مثل إعلال (أتوا) في الآية [١٣٨].\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ (لما): انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿سُقِطَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿فِي أَيْدِيهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالبناء للفاعل، يكون الفاعل مستترا تقديره: سقط الندم. قاله الزجاج، وقال الزمخشري: سقط العض، وقال ابن عطية:\nسقط الخسران، والخيبة، وقرأ ابن أبي عبلة: «(أسقط)» رباعيّا مبنيّا للمفعول، والجملة الفعلية:\n ﴿سُقِطَ..﴾. إلخ انظر محل مثلها في الآية رقم [١٣٣]. (رأوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي الفعل (رأوا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَئِنْ:﴾\nحرف شرط جازم: واللام موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَرْحَمْنا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ و(نا): مفعول به. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل","vol":"3","page":628},{"text":"لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَيَغْفِرْ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، وفاعله يعود إلى ربنا. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَنَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٩٩]. هذا؛ وعلى قراءة الفعلين بالتاء يكون الفاعل مستترا تقديره: «أنت»، ويكون ﴿رَبُّنا﴾ منادى حذف منه حرف النداء، والكلام على القراءتين، وعلى الإعرابين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب لما لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله في الآية السابقة لا محل له مثله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1104\"></span>﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى..﴾. إلخ: رجع من طور سيناء. ﴿غَضْبانَ:﴾ لما فعلوه من عبادة غير الله، وكان الله سبحانه قد أخبره بذلك قبل رجوعه، كما سيأتي في سورة (طه)، وتعرفه إن شاء الله تعالى. هذا؛ و(رجع) يستعمل لازما كما في الآية، ومتعديا، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ..﴾. إلخ. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٢]. ﴿قَوْمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿أَسِفًا:﴾ قال أبو الدرداء: الأسف: أشد الغضب، وقال ابن عباس، والسدي:\nالأسف: الحزن، والأسيف: الحزين. قال الواحدي: والقولان متقاربان؛ لأن الغضب من الحزن، والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ما تكره ممن هو فوقك حزنت. انتهى. خازن بتصرف. ﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس الفعل فعلتموه بعد ذهابي إلى مناجاة ربي! وهذا الخطاب يحتمل أن يكون لعبدة العجل من السامري، وأتباعه، أو لهارون، والمؤمنين الذين لم يعبدوا العجل، ويكون المراد: حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى. هذا؛ وانظر شرح (بئس) في الآية رقم [٤١] الأنفال ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أي: أسبقتم بعبادة العجل ما أعطاني ربكم من التوراة التي فيها الهدى، والنور، وظننتم موتي لتأخري عليكم، فغيرتم، وبدلتم.\n ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾ أي: على الأرض طرحها من شدة الغضب حمية للدين، فتكسرت، وكانت سبعة ألواح، فرفع منها ستة أسباع بسبب الكسر، وبقي سبع واحد، فرفع منها ما كان من أخبار","vol":"3","page":629},{"text":"الغيب، وبقي ما فيها من المواعظ والأحكام والحلال والحرام. وينبغي أن تعلم أن موسى ﵇ لم يلق الألواح على الأرض، ولم يغضب الغضب الشديد حين أخبره ربه مع تصديقه بذلك كما فعل، وغضب حين عاين ذلك، وشاهده. وهذا كما قيل: ليس الخبر كالمعاينة.\n ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ:﴾ بشعر هارون. ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ:﴾ توهما بأنه قصر في وعظهم، مع أنه بذل جهده في ذلك، كما تفيده سورة (طه) ولكنهم كانوا قوما مجرمين، فخاف منهم، لما هددوه وكان أكبر من موسى بثلاث سنين، وكان لطيفا لينا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل من موسى. ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ:﴾ ذكر الأم مع كونهما لأب، وأم؛ ليرققه، ويستعطفه عليه، وقرئ: «(يا بن أم)» كما قرئ «(أمي)» وانظر أوجه الإعراب: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ﴾ أي: الذين عبدوا العجل. ﴿اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي:﴾ إزاحة لتوهم التقصير في حقه، والمعنى: بذلت وسعي في وعظهم، ونصحهم، حتى قهروني، وقاربوا قتلي. وانظر شرح: ﴿يَكادُ﴾ في الآية رقم [٢٠] (البقرة) تجد ما يسرك، وأيضا رقم [١١٨] (التوبة). ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ:﴾ والمعنى: لا تفعل بي ما يسر أعدائي، وأصل الشماتة: الفرح بمصيبة من تعاديه، ويعاديك، يقال: شمت فلان بفلان: إذا سر بمكروه نزل به، وهي من خلق اللئام، وقد نهى النبي ﷺ عنها فقال: «لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك». وكان يتعوذ منها ويقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء». والفعل: (شمت، يشمت) من باب سلم، يسلم، وهو في الآية من الرباعي المتعدي بالهمزة، وقرئ بفتح التاء، والميم من الثلاثي، ورفع (الأعداء). وانظر شرح:\n ﴿عَدُوٌّ﴾ في الآية رقم [٢٢]. ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا تجعلني في عداد الذين عبدوا العجل. وانظر: (الظلم) في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: (لمّا): انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿رَجَعَ:﴾ ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع... إلخ.\n ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غَضْبانَ أَسِفًا:﴾ حالان من:\n ﴿مُوسى﴾ ومن لا يجيز تعدد الحال يعتبر: ﴿أَسِفًا﴾ حالا من الضمير المستتر في: ﴿غَضْبانَ﴾ لأنه صفة مشبهة، فتكون حالا متداخلة. وقيل: بدل منه، ولا وجه له، وجملة: ﴿رَجَعَ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى موسى. (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر. (ما): نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، المفسر لفاعل (بئس) المستتر، التقدير:\nبئس الشيء شيئا. هذا؛ وجوز اعتبار (ما) اسما موصولا مبنيّا على السكون في محل رفع فاعل بئس. ﴿خَلَفْتُمُونِي:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية صفة (ما) أو صلتها، والرابط، أو العائد محذوف، والمخصوص بالذم محذوف، وتقدير الكلام: بئس","vol":"3","page":630},{"text":"الخلافة خلافة خلفتمونيها خلافتكم هذه؛ حيث أشركتم. ﴿مِنْ بَعْدِي:﴾ متعلقان بما قبلهما.\nوانظر إعراب: ﴿بِرِسالاتِي﴾ وجملة: ﴿بِئْسَما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على (ما) قبله لا محل له مثله. ﴿أَعَجِلْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (عجلتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. (ألقى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾. ﴿الْأَلْواحَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. (أخذ): ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿مُوسى﴾. ﴿بِرَأْسِ:﴾ متعلقان به، ورأس مضاف، و﴿أَخِيهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره، الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَخَذَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب:\n (لمّا)، وجملة: ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ في محل نصب حال من فاعل (أخذ)، أو من (رأس أخيه)، وعلى الاعتبارين فالرابط الضمير فقط. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿أَخِيهِ،﴾ ﴿اِبْنَ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و﴿اِبْنَ:﴾ مضاف، و﴿أُمَّ:﴾ مضاف إليه، فعلى قراءته بالكسر يكون مجرورا، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وعلى قراءته بالفتح تكون الياء قد قلبت ألفا، ثم حذفت للتخفيف، والفتحة على الميم دليل عليها، والفتحة حركة إعراب كالكسرة قبل الميم عند الكوفيين، وهي عند البصريين فتحة بناء لتركبهما تركيب خمسة عشر، وكذا الكسرة عندهم كسرة بناء، وعلى قولهم: فليس (ابن) مضافا ل (أم)، بل هو مركب معها، وأرجح قول الكوفيين في مثل هذا التركيب. والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْقَوْمَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿اِسْتَضْعَفُونِي﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر. (كادوا): ماض ناقص من أفعال المقاربة مبني على الضم. والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَقْتُلُونَنِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كاد، وجملة:\n ﴿وَكادُوا..﴾. إلخ في محل رفع معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿فَلا﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] (لا): ناهية. ﴿تُشْمِتْ:﴾ مضارع مجزوم ب (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿بِيَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَعْداءَ:﴾ مفعول به، وعلى القراءة بفتح التاء والميم ف: ﴿الْأَعْداءَ﴾ فاعله، وجملة: ﴿فَلا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكرته صحيحا وواقعا؛ فلا... إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول. (لا): ناهية. ﴿تَجْعَلْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون","vol":"3","page":631},{"text":"للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة مقول القول. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿الْقَوْمَ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-1105\"></span>﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (١٥١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿اِغْفِرْ لِي:﴾ ما صنعت بأخي، وما فعلت من إلقاء الألواح وذلك لما تبين له عذر أخيه، وسكن غضبه.\n ﴿وَلِأَخِي﴾ أي: واغفر لأخي تقصيره في عدم منعهم من عبادة العجل، فقد ضمه إلى نفسه في الاستغفار ترضية له، ودفعا للشماتة عنه. ﴿فِي رَحْمَتِكَ﴾ أي: الواسعة. وانظر الآية رقم [١٥٥].\n ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ:﴾ ففيه ترغيب في الدعاء؛ لأن أرحم الراحمين تؤمل منه الرحمة، وفيه تقوية لطمع الداعي في نجاح طلبته.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، ويجوز فيه ما جاز في ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٦٠] من أوجه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (لأخي): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وإعرابهما مثل إعراب:\n ﴿بِرِسالاتِي﴾ في الآية رقم [١٤٤]. (أدخلنا): فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل (أنت) و(نا) مفعول به ﴿فِي رَحْمَتِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، والجمل كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَرْحَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الرّاحِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة... إلخ، والجملة الاسمية: (أنت...) إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن، والأول أقوى، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-1106\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ:﴾ إلها من دون الله. ﴿سَيَنالُهُمْ:﴾ سيصيبهم، وينزل عليهم، وهذا النيل قد وقع قبل نزول هذه الآية، ووجه الاستقبال فيه: أن هذا الكلام خبر، عما أخبر الله به موسى حين أخبره بافتتان قومه، واتخاذهم العجل، فيكون هذا الكلام من مقول الله","vol":"3","page":632},{"text":"تعالى. وقيل: هذا الكلام من تمام كلام موسى ﵇، أخبر الله﷿به عنه، ثم قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ وكان هذا القول من موسى قبل أن يتوب الله عليهم بقتلهم أنفسهم، فإنهم لما تابوا، وعفا الله عنهم بعد أن جرى القتل العظيم فيهم أخبرهم أن من مات منهم قتيلا فهو شهيد، ومن بقي حيّا؛ فهو مغفور له. انتهى. قرطبي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] (البقرة). ﴿رَبِّهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣].\n ﴿وَذِلَّةٌ:﴾ فعذبوا بالأمر بقتل أنفسهم، وضربت عليهم الذلة والمسكنة إلى يوم القيامة.\nوانظر الآية رقم [٦١] (البقرة) تجد ما يسرك. ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ٢٩].\n ﴿الْمُفْتَرِينَ﴾ أي: على الله، ولا فرية أعظم من فريتهم، وهي قولهم: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ولعله لم يفتر مثلها أحد قبلهم، ولا بعدهم.\nهذا؛ وقال أبو قلابة: الذلة والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة! وقال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة. وقال الإمام مالك﵃ أجمعين-: ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلك، ثم قرأ هذه الآية، وقال: والمبتدع مفتر في دين الله. وانظر:\n ﴿نَجْزِي﴾ في الآية رقم [١٢٠] من سورة (الأنعام).\nتنبيه: روي أن موسى﵇أمر بذبح العجل، فجرى منه دم، ثم حرقه، ثم ذراه في البحر، كما جاء في سورة (طه): ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد واو الجماعة.\n ﴿سَيَنالُهُمْ:﴾ مضارع، والسين حرف استقبال، والهاء مفعول به. ﴿غَضَبٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول إن كانت من كلام موسى، ومستأنفة إن كانت من مقول الباري، جل علاه. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿غَضَبٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. (ذلة): معطوفة على: ﴿غَضَبٌ﴾. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان ب (ذلة)، أو بمحذوف صفة له. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرورة، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر (كذلك) الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير:\nنجزي المفترين جزاء كائنا مثل ذلك الجزاء. ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُفْتَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة؛ إن كان ما قبلها من كلام موسى، وكذا إن كان من مقول الباري، جل علاه.","vol":"3","page":633},{"text":"<span id=\"aya-1107\"></span>﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾\nالشرح: ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ من الكفر، والمعاصي. وانظر: ﴿السَّيِّئَةِ﴾ في الآية رقم [٩٥].\n ﴿ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها:﴾ رجعوا إلى الله بالتوبة من بعد السيئات، و﴿وَآمَنُوا:﴾ واشتغلوا بالإيمان، وعملوا بمقتضاه. ﴿إِنَّ رَبَّكَ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ، أو لكل إنسان تائب. ﴿مِنْ بَعْدِها:﴾ من بعد التوبة. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ صيغة مبالغة أيضا. وانظر الآية [١٥٥].\n ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿وَآمَنُوا:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٢]. ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر الآية رقم [٣].\nتنبيه: أفادت الآية الكريمة: أن السيئات صغيرها، وكبيرها مشتركة في التوبة، وإن الله تعالى يغفرها جميعا بفضله، ورحمته، وهذا من أعظم البشائر للمذنبين التائبين. هذا؛ وانظر الآية رقم [١٧] النساء تجد ما يسرك.\nالإعراب: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلُوا:﴾ ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥].\n ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿عَمِلُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿تابُوا مِنْ بَعْدِها﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها، وكذا جملة: (آمنوا) مع المتعلق المحذوف معطوفة أيضا. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِها:﴾ متعلقان بما بعدهما على الاشتغال. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط محذوف، التقدير: لغفور لهم، رحيم بهم. هذا؛ وإن اعتبرت الخبر محذوفا، تقديره: توبتهم مقبولة، فتكون الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-1108\"></span>﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾\nالشرح: ﴿سَكَتَ:﴾ سكن، وقرئ به، كما قرئ: «(أسكت)» ونصب: «(الغضب)».\n ﴿مُوسَى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٢]. ﴿الْغَضَبُ:﴾ تغير مزاج الإنسان، واحمرار عينه، وانتفاخ أوداجه، وهو مذموم إلا إذا كان لله، وهذا شأن الأنبياء، فكانوا لا يغضبون إلا إذا انتهكت حرمات الله.","vol":"3","page":634},{"text":"قال البيضاوي: سكت غضب موسى بسبب اعتذار هارون، أو بتوبتهم. وفي هذا الكلام مبالغة، وبلاغة من حيث إنه جعل الغضب الحامل له على ما فعل، كالامر به، والمغري عليه حتى عبر عن سكونه بالسكوت. وقال عكرمة: هو من المقلوب، والأصل سكت موسى عن الغضب. ولا وجه له. ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ:﴾ ألواح التوراة التي ألقاها على الأرض. ﴿وَفِي نُسْخَتِها:﴾\nالنسخ: عبارة عن النقل والتحويل، فإذا نسخت كتابا من كتاب حرفا بحرف، فقد نقلت ما في الأصل إلى الفرع. هذا؛ والنسخ إزالة الصورة عن الشيء، وإثباتها في غيره. وانظر الآية رقم [١٠٦] (البقرة) فقيل: لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما، فردت عليه، وأعيدت تلك الألواح في لوحين ولم يفقد منها شيئا. ذكره ابن عباس﵄-.\nوقال عطاء: فيما بقي منها، وذلك: أنه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها، ولكن لم يذهب من الحدود، والأحكام شيء، وهذا ما ذكرته في الآية رقم [١٥٠]. ﴿هُدىً﴾ أي: من الضلالة. وانظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٩١]. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: من العذاب. وانظر الآية رقم [١٥٦]. ﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿يَرْهَبُونَ:﴾ يخافون؛ إذ الرهبة الخوف. وانظر لطيفة في الآية رقم [٢٠٣] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ (لمّا): انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿سَكَتَ:﴾ ماض. ﴿عَنْ مُوسَى:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْغَضَبُ:﴾ فاعله، وعلى قراءة: «(أسكت)» فالفاعل محذوف، تقديره: (الله)، أو أخوه، أو الذين تابوا. انتهى. بيضاوي، فيكون الغضب بالنصب مفعولا به، وجملة: ﴿سَكَتَ..﴾.\nإلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وجملة: ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَفِي نُسْخَتِها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿هُدىً:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة، المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الألواح، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (رحمة) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ اللام فيها أقوال: الأول قول الكوفيين: هي صلة، وربهم مفعول مقدم مجرور لفظا منصوب محلا. وقيل: هي لام التعليل، أي من أجل ربهم، وعلى هذا فمفعول الفعل محذوف، التقدير: يرهبون عقابه، وقال المبرد: اللام متعلقة بمصدر مقدر، أي: رهبتهم لربهم، ورد بأن فيه حذف المصدر وإبقاء معموله، ولا يجوز عند البصريين إلا في الشعر. وقيل: متعلقة بفعل محذوف، تقديره: والذين هم يخشعون لربهم، والمعتمد الأول. وقيل: لما تقدم المعمول، وهو المفعول ضعف الفعل عن العمل، فصار بمنزلة ما لا يتعدى. انتهى. قرطبي، وعكبري","vol":"3","page":635},{"text":"بتصرف. ﴿يَرْهَبُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿هُمْ لِرَبِّهِمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1109\"></span>﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)﴾\nالشرح: ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٢]. ﴿قَوْمَهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿رَجُلًا:﴾ انظر الآية رقم [٤٦]. ﴿لِمِيقاتِنا﴾ أي: للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه؛ ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل. وانظر إعلال (ميزان) في الآية رقم [٨] فهو مثله.\nروي: أن الله تعالى أمر موسى أن يأتيه بسبعين رجلا من بني إسرائيل، فاختار من كل سبط ستة، فزاد اثنان، فقال: ليتخلف منكم رجلان، فتشاحوا، فقال: لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، فأمرهم موسى أن يصوموا، ويتطهروا، ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربه، فلما دنوا من الجبل غشيه غمام، فدخل موسى بهم الغمام، وخروا سجدا، فسمعوا الله يكلم موسى يأمره، وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الرجفة، أي الصاعقة، أو رجفة الجبل، فوقعوا ميتين. وانظر الآية رقم [٥٥] (البقرة) فقام موسى يبكي، ويدعو الله، ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ..﴾. إلخ، وهذا الميقات غير الميقات المذكور في الآية رقم [١٤٣].\n ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ:﴾ تمنى هلاكهم، وهلاك نفسه. قبل أن يرى ما رأى، أو المعنى: تقدر على إهلاكنا في كل وقت، ولكنك رحيم بنا، فنرجوا دوام لطفك وإحسانك.\nوانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿شِئْتَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٩].\n ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا:﴾ حيث اجترءوا على طلب الرؤية، وقيل: المراد ب: ﴿بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ﴾ أي: الذين عبدوا العجل، والسبعون اختارهم موسى لميقات التوبة عنهم، فغشيتهم هيبة قلقوا منها، ورجفوا حتى كادت تبين مفاصلهم، وأشرفوا على الهلاك، فخاف عليهم موسى فبكى، ودعا فكشفها الله عنهم، والمعتمد الأول.\n ﴿السُّفَهاءُ:﴾ انظر سفاهة في الآية رقم [٦٦]. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ أي: ما هذا إلا اختبارك وامتحانك، وابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك؛ حتى طمعوا في الرؤية، أو أوجدت في العجل خوارا، فزاغوا به. انتهى بيضاوي.\nقال القرطبي: وأضاف الفتنة إلى الله ﷿، ولم يضفها إلى نفسه، كما قال إبراهيم:\n ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله تعالى، وقال يوشع:","vol":"3","page":636},{"text":"﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ﴾ وإنما استفاد ذلك موسى﵇من قوله تعالى له: ﴿فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾. ﴿تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ:﴾ تضل بالفتنة من تشاء إضلاله. ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ:﴾\nتثبت على الإيمان من تشاء له الهدى، والسعادة. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا:﴾ متولي أمورنا. وانظر رقم [٣].\n ﴿فَاغْفِرْ لَنا:﴾ ذنوبنا. ﴿خَيْرُ الْغافِرِينَ:﴾ تغفر السيئات، وتبدلها حسنات جودا، وكرما. وانظر شرح: ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [١٢]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿وَاخْتارَ مُوسى:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) في الآية السابقة لا محل لها مثله. ﴿قَوْمَهُ:﴾ منصوب بنزغ الخافض، التقدير: من قومه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والنصب بنزع الخافض كثير مستعمل في الكلام العربي، قال الفرزدق: [الطويل]\nومنّا الّذي اختير الرّجال سماحة... وجودا إذا هبّ الرّياح الزعازع\n ﴿سَبْعِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في المفرد. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿قَوْمَهُ﴾ مفعولا به، و﴿سَبْعِينَ﴾ بدلا منه. وليس بشيء يعتد به. ﴿رَجُلًا:﴾ تمييز. ﴿لِمِيقاتِنا:﴾ متعلقان بالفعل: (اختار) و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٣٣].\n ﴿أَخَذَتْهُمُ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء.\nوانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥٩] فهو مثله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] فإنه جيد.\nوالجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شِئْتَ:﴾\nفعل، وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَهْلَكْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب ﴿لَوْ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم في محل جر، لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. (إياي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، وهو الهاء، وجملة: ﴿أَهْلَكْتَهُمْ..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَتُهْلِكُنا:﴾ الهمزة حرف استفهام. (تهلكنا):\nمضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\nالباء: حرف جر. (ما): تحتمل الموصوفة والموصولة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية بعدها صلتها","vol":"3","page":637},{"text":"أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي أو بشيء فعله السفهاء، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أتهلكنا بفعل السفهاء. ﴿مِنّا:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من: ﴿السُّفَهاءُ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى (ما). ﴿هِيَ:﴾ مبتدأ.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِتْنَتُكَ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿تُضِلُّ:﴾ مضارع، والفاعل (أنت). ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي أو شخصا تشاؤه وجملة: ﴿تُضِلُّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من الكاف، والرابط الضمير فقط والعامل حرف النفي، أو هي مستأنفة، وهو أقوى؛ لأن حرف النفي ضعيف العمل في الحال، وجملة: ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ معطوفة عليها، ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا:﴾ مبتدأ وخبر، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨] وجملة: ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. وجملة: ﴿وَارْحَمْنا:﴾ معطوفة عليها، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْتَ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْغافِرِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1110\"></span>﴿وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً:﴾ قال موسى﵇واقسم لنا في هذه الدنيا حسنة، أي: عافية وحياة طيبة وتوفيقا للطاعات. وانظر الآية رقم [٩٥] وانظر: ﴿حَياتُنَا الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٦/ ٢٩]. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: حسنة، فقد حذفت لدلالة الأولى عليها، والمراد بها هنا الجنة ومغفرة الذنوب. وانظر شرح: ﴿الْآخِرَةِ﴾ في الآية رقم [٤٥]. ﴿هُدْنا إِلَيْكَ:﴾ تبنا إليك من ذنوبنا من: هاد، يهود: إذا رجع، وقرئ بكسر الهاء من: هاده، يهيده: إذا أماله، بمعنى أملنا أنفسنا إليك، وبالمعنى الأول سميت اليهود، وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم، فلما نسخت شريعتهم صار اسم ذم، وهو لازم لهم.\n ﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾ يعني: من خلقي، وليس لأحد عليّ اعتراض؛ لأن الكل ملكي، وعبيدي. وقد اختلف في هذا العذاب، فقيل: هو ما أصابهم من الرجفة. وقيل: هو ما أمروا به من قتل بعضهم بعضا. وقيل: المراد به عذاب جهنم في الآخرة.","vol":"3","page":638},{"text":"﴿قالَ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿عَذابِي:﴾ انظر الآية رقم [٣٨]. ﴿أُصِيبُ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٢٤]. ﴿أَشاءُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٩] هذا؛ وقرئ بالسين من «(الإساءة)».\n ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: عمت، وشملت كل موجود في الدنيا، ما من مسلم، ولا كافر، ولا مطيع، ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمة الله، ورحمته في الدنيا، وهي في الآخرة خاصة بالمؤمنين.\nفعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتّى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». رواه البخاري. هذا؛ وانظر الآية رقم [٥٦]. ﴿شَيْءٍ:﴾ انظر الآية رقم [٨٥].\nقال جماعة من المفسرين: لما نزلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تطاول إبليس إليها، وقال: أنا من ذلك الشيء، فنزعها الله منه، فقال: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ..﴾. إلخ فأيس إبليس منها، وقالت اليهود: نحن نتقي، ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا، فنزعها الله منهم، وأثبتها لهذه الأمة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ..﴾. إلخ الآية التالية.\n ﴿يَتَّقُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦]. ﴿الزَّكاةَ:﴾ انظر الآية رقم [٦] التوبة (آيتنا): انظر الآية رقم [٩]. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ انظر الإيمان في الآية رقم [٢]. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وفيها التفات من تكلم المفرد إلى تكلم الجمع. انظر الالتفات في الآية رقم [٦] (الأنعام) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَاكْتُبْ:﴾ (اكتب): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ متعلقان به. ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب (في) والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n (حسنة) كان صفة له، انظر القاعدة في الآية رقم [١٤٠]. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿وَاكْتُبْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَاغْفِرْ..﴾. إلخ فهي من مقول موسى.\n ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿هُدْنا:﴾ فعل، وفاعل، أو فعل ونائب فاعله، وذلك جائز على القراءتين، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية تعليل للدعاء، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَذابِي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله. ﴿أُصِيبُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر، تقديره:\n «أنا». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:","vol":"3","page":639},{"text":"أشاؤه. وجملة: ﴿أُصِيبُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿عَذابِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر. (رحمتي): مبتدأ مرفوع... إلخ، وجملة: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَرَحْمَتِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. (سأكتبها): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و(ها): مفعول به، والسين حرف استقبال، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَسِعَتْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾\nاسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على سابقه. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿هُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1111\"></span>﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾\nالشرح: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ولا شك: أن المراد بالموصوف بهذه الصفات سيد الرسل، وخاتمهم محمد ﷺ. هذا؛ و(النبي) أصله النبيء، وهو مأخوذ من النبأ؛ فهو بمعنى: المخبر عن ربه. والمراد باتباع محمد ﷺ في حق اليهود: أن يعتقدوا نبوته قبل أن يوجد، ويولد، وأن يؤمنوا به بعد أن ولد. وكذا القول في حق النصارى، والأول في حق الأولين منهم، والثاني في حق الذين عاصروه، وأدركوا رسالته.\n ﴿الْأُمِّيَّ:﴾ هو الذي لا يقرأ، ولا يكتب نسبة إلى الأم، كأنه باق على حالته التي ولد عليها. وهذا الوصف من خصوصياته ﷺ؛ إذ كثير من الأنبياء كان يقرأ ويكتب، وصفه به تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته، وهو وصف ذم إلا في حقه ﷺ فهو وصف تعظيم وتمجيد، ولذا قال تعالى ممتنّا عليه: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.\n ﴿التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٩] (المائدة). ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ عن عبادة الأصنام، وقطع","vol":"3","page":640},{"text":"الأرحام... إلخ. هذا؛ والمعروف: ما استحسنه الشرع، والعقل. والمنكر: ما استقبحه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة.\n ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ:﴾ هي لحوم الإبل وشحم الغنم والمعز والبقر، انظر الآية رقم [١٤٦] الأنعام والآية رقم [١٥٩] (النساء). ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ:﴾ لحم الخنزير والربا... إلخ، وكل ما يستخبثه الطبع، وتستقذره النفس. وانظر (محرّم) في الآية رقم [٦/ ١٤٥]. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ:﴾ ثقلهم. وقيل: هو العهد، وقد جمعت هذه الآية المعنيين، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال، فوضع عنهم بمحمد ﷺ ذلك العهد، وثقل تلك الأعمال، كغسل البول، وتحليل الغنائم، ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها، فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه، وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء، فأكلتها، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها. انتهى قرطبي. وانظر الآية رقم [٢٨٥] (البقرة) تجد ما يسرك. هذا؛ وقد قرئ: «(أصارهم)». ﴿وَالْأَغْلالَ:﴾ قال القرطبي: فالأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال.\nقال الخازن: وذلك مثل قتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة في البدن والثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل، وتحريم أخذ الدية، وترك العمل في السبت، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس، وتتبع العروق في اللحم، وغير ذلك من الشدائد التي كانت على بني إسرائيل، شبهت بالأغلال مجازا؛ لأن التحريم يمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع من الفعل. انتهى. ﴿آمَنُوا بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ. ﴿وَعَزَّرُوهُ:﴾ قووه، ونصروه. أو عظموه. أو منعوه من العدو حتى لا يقوى عليه أحد، وأصل العزر المنع، ومنه التعزيز لأنه يمنع من معاودة القبيح، كالحد، فهو المنع. وقرئ الفعل بالتشديد والتخفيف.\n ﴿النُّورَ:﴾ القرآن سمي نورا؛ لأن القلب يستنير به، فيخرج من ظلمات الشك، والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون بكل خير، والناجون من كل شر. وانظر الآية رقم [٣٨] من سورة (المائدة).\nتنبيه: عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص﵁فقلت:\nأخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزا للأميين، أنت عبدي، ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا.\nوزاد كعب الأحبار: أمته الحامدون، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل نجد، يأتزرون على أنصافهم، ويغضون أطرافهم، صفّهم في الصلاة، وصفّهم في القتال سواء،","vol":"3","page":641},{"text":"مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده مكة، ومهاجره طيبة، وملكه بالشام. هذا؛ ووصفه﵊في الإنجيل قريب من هذا، وآية سورة الصف تنص على أن عيسى ﵇ بشر به. وانظر وصفه في التوراة، والإنجيل في الآية الأخيرة من سورة (الفتح).\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من مثله في الآية السابقة مبني على الفتح في محل جر. وقيل:\nصفة له. ولا وجه له، أو هو مبني على الفتح في محل نصب بفعل محذوف، تقديره: أعني، أو هو في محل رفع من وجهين: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو مبتدأ خبره جملة:\n ﴿يَأْمُرُهُمْ..﴾. إلخ. وجملة: ﴿يَتَّبِعُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي:﴾ هذه صفات لموصوف محذوف، التقدير: محمدا الرسول... إلخ، أو اعتبر ﴿الرَّسُولَ﴾ مفعولا به، وما بعده بدل منه، وجملة: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿عِنْدَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل، أو ب: ﴿مَكْتُوبًا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿فِي التَّوْراةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، فهي حال متكررة، أو من الضمير المستتر في ﴿مَكْتُوبًا﴾ فتكون حالا متداخلة. ﴿وَالْإِنْجِيلِ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿يَأْمُرُهُمْ:﴾\nمضارع، والفاعل يعود إلى الرسول، والهاء مفعول به. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه رأيته، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب السابق، فهي حال مكررة، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَنْهاهُمْ:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر مثل سابقه. ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلهما على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وكذا الجمل: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ،﴾ ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ كلها معطوفة عليها. ﴿وَالْأَغْلالَ:﴾ معطوف على ما قبله، عطف مغاير، أو مرادف على حسب ما رأيت في الشرح. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة (الأغلال). ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هي». ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) وجملة: ﴿كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد رجوع اسم ﴿كانَتْ﴾ عليه. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿بِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجمل:\n ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ﴾ كلها معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب","vol":"3","page":642},{"text":"صفة ﴿النُّورَ﴾. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ما قبله. ﴿مَعَهُ:﴾\nظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد رجوع نائب الفاعل إليه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾\nخبر المبتدأ، وإن اعتبرت ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا ف: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: ﴿هُمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1112\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا الخطاب للرسول ﷺ. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا:﴾ في هذا الكلام دليل على عموم رسالة محمد ﷺ إلى كافة الخلق؛ لأن قوله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ خطاب عام يدخل فيه جميع الناس، ثم أمره تعالى بأن يقول: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ يقتضي: أنه مبعوث إلى جميع الناس.\nفعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بستة: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون». رواه مسلم. ﴿النّاسُ:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٨٢]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١]. ومن كان مالك السموات والأرض، فهو جدير بأن يعبد، ويتضرع إليه. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ فهذا تقرير لوحدانيته تعالى، واختصاصه بالتعظيم، والتبجيل. ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية السابقة. ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ:﴾ فهو وصف للنبي المذكور.\nوالمراد ب: (كلماته) القرآن العظيم، والتوراة. أو عيسى، ﵇، فيكون فيه تعريض لليهود، وتنبيه على أن من لم يؤمن به؛ لم يعتبر إيمانه صحيحا، وفي قوله تعالى:\n ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ مزيد اختصاص بوحدانية الله؛ لأنه لا يقدر على الإحياء، والإماتة غيره تعالى. وانظر شرح: ﴿كَلِمَتُ﴾ في الآية رقم [١٣٧]. ﴿وَاتَّبِعُوهُ:﴾ فيه تنبيه على أن من صدق محمدا ﷺ، ولم يتابعه بالتزام شرعه، والعمل بهديه؛ فهو لا يزال في حيز الضلالة.","vol":"3","page":643},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ:﴾ توفقون للخير بجميع أنواعه. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٦٣]. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nتنبيه: لم يقل: فآمنوا بالله وبي بعد قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه سابقا، لما في الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم: أن الذي وجب الإيمان به هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي؛ الذي يؤمن بالله، وكلماته كائنا من كان، أنا أو غيري، إظهارا للنصفة، وتفاديا من العصبية لنفسه. انتهى نسفي. وانظر الالتفات في الآية رقم [٦] (الأنعام) فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، فاعله مستتر تقديره: «أنت». (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو (أيها): منادى نكرة مقصودة، مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له. وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بدل من: (أي).\nوقيل: صفة لها، وبدل المنصوب محلاّ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبان لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع، مبنيّا للمجهول، نحو: يدعى وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع.\nوقيل: إن رفع التابع المذكور بناء لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى ب (ال)، لكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه، توصلوا إلى ندائه ب (أي)، أي مع قرنها بهاء التنبيه. ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له، والإعراب السائد الآن أن تقول، مرفوع تبعا للفظ. والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿رَسُولُ:﴾ خبر (إنّ)، و(هو) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مما قبلها، التقدير: مرسلا إليكم. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الكاف والميم، فهي حال مؤكدة، ومتداخلة. والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n ﴿الَّذِي:﴾ بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، أو هو منصوب بفعل محذوف، أو هو مبتدأ خبره ما بعده، فهو مبني على السكون في محل جر، أو في محل نصب، أو في محل رفع حسب ما رأيت. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ مُلْكُ..﴾.\nإلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم (لا) مبني","vol":"3","page":644},{"text":"على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له.\n ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كونه بدلا من اسم (لا) على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. وثانيها كونه بدلا من: ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها، وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف. وهو الأقوى. والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ بدل من جملة الصلة قبلها لا محل لها مثلها على الوجهين الأولين في ﴿الَّذِي﴾ وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه. ﴿يُحيِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية يقال فيها ما قيل في الجملة الاسمية قبلها، وجملة: ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَآمِنُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة.\nوانظر الآية رقم [٣٨]. (آمنوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي﴾ انظر محل هذه الأسماء، وإعرابها في الآية السابقة، وجملة: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، وجملة: ﴿فَآمِنُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا؛ فآمنوا، والجملة الشرطية هذه مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، والميم علامة جمع الذكور. ﴿تَهْتَدُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1113\"></span>﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾\nالشرح: ﴿قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿أُمَّةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٤]. ﴿يَهْدُونَ﴾ أي: يرشدون الناس إلى الحق. وانظر الآية رقم [٣٣] لشرح الحق. ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يحكمون بالحق، والعدل بين الناس. هذا؛ ويجيء هذا الفعل بمعنى الميل، وهو بهذا المعنى يكون أحد الأفعال التي يتغير معناها بتغير الجار، تقول: عدلت عنه، بمعنى: أعرضت عنه، وتقول: عدلت إليه، بمعنى: أقبلت عليه. وانظر الآية رقم [١٢٧] (النساء). هذا؛ وقد يجيء هذا الفعل محتملا لمعنى الميل، ومعنى التسوية، وذلك كما في قوله تعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ الآية رقم [١] (الأنعام) فإن اعتبرت الجار والمجرور:\n ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلقين ب ﴿يَعْدِلُونَ﴾ كان المعنى: إن الكفار يسوون الأصنام بربهم. وإن اعتبرتهما متعلقين بالفعل (كفروا) كان: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بمعنى يميلون، والمعنى: إن الكفار يميلون، وينحرفون عن إفراد الله بالوحدانية. وانظر الآية رقم [٩٨] من سورة (المائدة).","vol":"3","page":645},{"text":"تنبيه: لقد اختلف في هؤلاء القوم، فقيل: هم الذين أسلموا من اليهود، على عهد رسول الله ﷺ. مثل عبد الله بن سلام، وأصحابه، ﵃. وأطلق لفظ الأمة عليهم، وإن كانوا قليلين، كما أطلق على إبراهيم﵇منفردا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ وقيل: هم قوم بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى﵊- قبل التحريف والتبديل، ودعوا الناس إليه.\nقال البيضاوي: والمراد بها: الثابتون على الإيمان، القائمون على الحق من أهل زمانه، أتبع ذكرهم أضدادهم على ما هو عادة القرآن تنبيها على أن تعارض الخير، والشر، وتزاحم أهل الحق، والباطل أمر مستمر. انتهى. هذا؛ وقد ذكر القرطبي والخازن قصة من قبيل الخرافات، وقد فندها الخازن، وتركها القرطبي مسلمة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ قَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و﴿قَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿مُوسى:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أُمَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَهْدُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، تقديره: الناس، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أي: ملتبسين بالحق. (به): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية (يعدلون به) معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع صفة مثلها.\n\n<span id=\"aya-1114\"></span>﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ:﴾ وصيرناهم، وفرقناهم. ويقرأ الفعل بتشديد الطاء، وتخفيفها.\nوانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا:﴾ أنث العدد مع أن السبط مذكر؛ لأن بعده ﴿أُمَمًا﴾ فذهب التأنيث إلى الأمم. هذا؛ وقد قيل: أراد بالأسباط القبائل والفرق، فلذا أنث العدد. ولا تنس: أن ﴿أَسْباطًا﴾ جمع التكسير، وجمع التكسير يؤنث فعله، ويذكر، وكذا عدده. وانظر شرح: ﴿عَشْرَةَ﴾ في الآية رقم [٩٢] (المائدة). انظر شرح (الأسباط) في الآية رقم [١٤٠] (البقرة) والأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، ﵉، وقد جعلهم الله أسباطا ليكون أمر كل سبط معروفا من جهة رئيسهم، فيخفف الأمر على موسى، انظر الآية رقم [١٢] (المائدة). ﴿أُمَمًا:﴾ جمع أمة. وانظر الآية رقم [٣٤].","vol":"3","page":646},{"text":"﴿مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣]. ﴿إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ:﴾ وكان هذا في التيه المذكور في الآية رقم [٥/ ٢٩] وانظر هذا. الاستسقاء في الآية رقم [٢/ ٦٠] وشرح هذه الكلمات بكاملها، مع إبدال الفعل هناك: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ بما ذكر هنا، وهما بمعنى واحد، وكلاهما مطاوع للفعل المحذوف. وانظر شرح: ﴿قَوْمُهُ﴾ في الآية رقم [٣٢]. ﴿بِعَصاكَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٧].\n ﴿عَيْنًا:﴾ انظر الآية رقم [١١٦]. ﴿أُناسٍ﴾ انظر الآية رقم [٨٢] والمراد به كل سبط من الأسباط، أي: علموا بالعلم الذي خلقه الله في عقولهم. وانظر العلم، والمعرفة في الآية رقم [٦٢] (الأنفال). ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ..﴾. إلخ: ما أجدرك أن تنظر شرح ذلك مفصلا في الآية رقم [٥٧] (البقرة) وذلك بغية الاختصار. وانظر: ﴿وَأَوْحَيْنا﴾ في الآية رقم [١١٧].\nالإعراب: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ:﴾ (قطعناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والميم علامة جمع الذكور. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿اِثْنَتَيْ:﴾ مفعول به ثان. وقيل: حال والأول أقوى، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بالمثنى، ﴿عَشْرَةَ:﴾ مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، لوقوعه موقع نون المثنى، ولا يصح أن يقال: إنه مضاف إليه لتضمنه معنى العطف. ﴿أَسْباطًا:﴾ بدل مما قبله. وقيل: تمييز. ﴿أُمَمًا:﴾\nعلى الاعتبار الأول فيما قبله، فهو بدل بعد بدل، أو صفة لأسباطا، وعلى الاعتبار الثاني فهو بدل من ﴿أَسْباطًا،﴾ وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿إِذِ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بما قبله، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين. ﴿اِسْتَسْقاهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿قَوْمُهُ:﴾ فاعل، الهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. وقيل:\nحرف مصدري. ﴿اِضْرِبْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة للإيحاء، وعلى اعتبار الثاني في (أن) تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بضربك الحجر، أو ضربك الحجر، وهو تقدير لا معنى له على الوجهين. ﴿بِعَصاكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَجَرَ:﴾\nمفعول به. (انبجست): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اِثْنَتا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف... إلخ، و﴿عَشْرَةَ﴾ مثل سابقه. ﴿عَيْنًا:﴾ تمييز، وجملة:\n (انبجست...) إلخ معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: فضرب، فانبجست... إلخ، والجملتان معطوفتان على جملة: ﴿اِسْتَسْقاهُ..﴾. إلخ، فهي في محل جر مثلها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمَ كُلُّ:﴾ فعل، وفاعل، والفعل بمعنى: (عرف) هنا، و(كل) مضاف، و(أناس): مضاف إليه. ﴿مَشْرَبَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة،","vol":"3","page":647},{"text":"والميم علامة جمع الذكور، وجملة: ﴿قَدْ عَلِمَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من: ﴿قَوْمُهُ﴾ وهي تحتاج إلى تقدير رابط، أي: علم كل أناس منهم... إلخ. ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ..﴾. إلخ، انظر إعراب هذا الكلام إفرادا، وجملا في آية (البقرة) رقم [٥٧] مع ملاحظة الخطاب هناك، والغيبة هنا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1115\"></span>﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾\nالشرح: ﴿قِيلَ لَهُمُ:﴾ القائل لهم موسى قبل أن يموت في التيه، أي: قال لهم: إذا خرجتم من التيه، أو القائل لهم: هو يوشع بن نون بعد أن خرجوا من التيه، وفي سورة (البقرة) ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ وانظر إعلال: ﴿قِيلَ﴾ في الآية رقم [٥/ ١٠٤]. ﴿اُسْكُنُوا،﴾ وفي سورة (البقرة) ﴿اُدْخُلُوا﴾ ولا منافاة بينهما؛ لأن كل ساكن في موضع لا بد له من الدخول إليه. ﴿هذِهِ الْقَرْيَةَ:﴾ بيت المقدس، أو أريحاء. وانظر الآية رقم [٨٨]. ﴿حَيْثُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٧].\n ﴿شِئْتُمْ:﴾ انظر: ﴿يَشاءَ﴾ في الآية رقم [٨٩]. (قولوا): انظر «القول» في الآية رقم [٥].\n ﴿حِطَّةٌ﴾ أي: حط عنا خطايانا. ﴿سُجَّدًا:﴾ سجود انحناء، لا سجودا شرعيّا بوضع الجبهة على الأرض. ﴿نَغْفِرْ:﴾ يقرأ بالنون، وبالتاء مع البناء للمجهول. ﴿خَطِيئاتِكُمْ:﴾ ويقرأ:\n «(خطاياكم)» و«(خطيئتكم)» بالإفراد. ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: خيرا وثوابا. وانظر (زاد) في الآية رقم [٦٩]. والمحسنون هم الذين أحسنوا العمل مع الله ومع عباده. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nتنبيه: الآية الكريمة، والآية رقم [٥٨] من سورة (البقرة) بمعنى واحد تنصان على حادثة واحدة، مع اختلاف في بعض التراكيب، وإبدال حرف بحرف، وهذا لا يغير المعنى، وإن تغير الإعراب من بعض الوجوه، تأمل. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، أو هو مفعول به لذلك المحذوف، التقدير: واذكر وقت القول لهم. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. ﴿اُسْكُنُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به. ﴿الْقَرْيَةَ:﴾ بدل أو عطف بيان مما قبله. وقيل: صفة. وانظر إعراب: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ في الآية رقم [١٩] فإنه جيد. والجملة الفعلية: ﴿اُسْكُنُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وبعضهم يعتبرها في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ﴾. وهذا على رأي من يجيز","vol":"3","page":648},{"text":"وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه. وهذا لا غبار عليه. وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول.\nفالأقوال ثلاثة في مثل هذا التركيب، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها.\n (كلوا): هو مثل ﴿اُسْكُنُوا﴾. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل: (كلوا). ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَكُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وكذا ما بعدها معطوف أيضا. ﴿حِطَّةٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي أمرنا أو مسألتنا ﴿حِطَّةٌ،﴾ وقرئ بالنصب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، التقدير: حط عنا خطايانا حطة، أو هو مفعول لما قبله، والجملة الاسمية على الاعتبار الأول، أو الفعلية على الاعتبار الثاني في محل نصب مقول القول. ﴿الْبابَ:﴾ انظر إعراب: ﴿الْجَنَّةَ﴾ في الآية رقم [١٩] فهو مثله. ﴿سُجَّدًا:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿نَغْفِرْ:﴾ مضارع مجزوم؛ لأنه جواب للطلب، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿خَطِيئاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وعلى قراءة: «(تغفر)» بالتاء، فهو مبني للمجهول، وخطاياكم نائب فاعله، مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿نَغْفِرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب للطلب. (سنزيد): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والسين حرف استقبال.\n ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿سَنَزِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1116\"></span>﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾\nهذه الآية هي نفس الآية المذكورة في سورة (البقرة) برقم [٥٩] فهي مثلها في شرحها وإعرابها، مع إبدال ﴿فَأَنْزَلْنا﴾ ب ﴿فَأَرْسَلْنا،﴾ ولا منافاة بينهما؛ لأنهما لا يكونان إلا من أعلى إلى أسفل. وقيل: بينهما فرق، وهو أن الإنزال لا يشعر بالكثرة، والإرسال يشعر بذلك، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب قليلا، ثم أرسله عليهم كثيرا. انتهى خازن. هذا؛ ومع إبدال ﴿يَفْسُقُونَ﴾ ب ﴿يَظْلِمُونَ﴾ والجمع بين اللفظين: أنهم لما ظلموا أنفسهم بما غيروا، وبدلوا؛ فسقوا بذلك، وخرجوا عن طاعة الله تعالى. وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦/ ١٤٦] وانظر شرح (غير) في الآية رقم [٢] من سورة (التوبة).","vol":"3","page":649},{"text":"<span id=\"aya-1117\"></span>﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾\nالشرح: ﴿وَسْئَلْهُمْ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ والمسئولون هم اليهود الذين كانوا معاصرين له، والغاية من السؤال: التقريع، والتوبيخ بقديم كفرهم، وعصيانهم، والإعلام بما هو من علومهم التي لا تعلم إلا بتعليم، أو وحي؛ ليكون ذلك معجزة له ﷺ. ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: عن أهل القرية، أو عن خبر القرية فهو على حذف مضاف، على حد قوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ وانظر شرح: ﴿الْقَرْيَةِ﴾ في الآية رقم [٨٨]. ﴿الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ:﴾ قريبة منه، وهي أيلة، ويسميها اليهود إيلات، وهي مرفأ على البحر الأحمر. وقيل: هي مدين. وقيل: طبرية، والمعتمد الأول. ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ:﴾ يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت، وقرئ «(يعدّون)» بضم الياء، وتشديد الدال، أي: يعدون آلات الصيد يوم السبت، وقد نهوا أن يشتغلوا فيه بغير العبادة. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ:﴾ يوم تعظيمهم أمر السبت، مصدر سبتت اليهود: إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة. وقيل: هو اسم لليوم والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه، ويؤيد الأول: أنه قرئ: (يوم إسباتهم) وانظر شرح اليوم في الآية رقم [٦/ ١٢٨] و﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرة على وجه الماء. ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ:﴾ لا يداخلون في السبت، وقرئ الفعل بفتح ياء المضارعة، وضمها. ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ:﴾ نختبرهم مثل ذلك الاختبار الشديد. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ:﴾ بسبب فسقهم، أي: خروجهم عن طاعة الله تعالى.\nهذا؛ وإتيان الحيتان يوم السبت، وعدم إتيانها في غيره هو الابتلاء، والاختبار. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وانظر ﴿الْفاسِقِينَ﴾ في الآية رقم [١٤٥].\nالإعراب: ﴿وَسْئَلْهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (اسألهم): أمر، وفاعله مستتر، تقديره:\n «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقال الجمل: معطوفة على جملة (اذكر) المقدرة في الآية السابقة. ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿الْقَرْيَةِ﴾. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هي». ﴿حاضِرَةَ:﴾ خبر (كان)، وهو مضاف، و﴿الْبَحْرِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ صلة الموصول، والعائد رجوع اسم (كان) إليه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب ﴿كانَتْ،﴾ أو ب ﴿حاضِرَةَ﴾. وقيل: متعلق بالمضاف المحذوف. وقال مكي: متعلق بالفعل السابق، التقدير: سلهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت. وجوز اعتباره بدلا من","vol":"3","page":650},{"text":"المضاف المحذوف. ﴿إِذْ:﴾ ظرف مثل سابقه متعلق بالفعل قبله، أو هو بدل بعد بدل. أفاده البيضاوي. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿حِيتانُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿سَبْتِهِمْ:﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿شُرَّعًا:﴾ حال من ﴿حِيتانُهُمْ﴾ وجملة: ﴿تَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ وجملة: ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ كلتاهما في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿يَوْمَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا يَسْبِتُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ،﴾ إليها، وجملة: ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وتقدير الكلام: ويوم عدم سبتهم غير آتية إليهم.\nهذا؛ وقال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ﴾ ظرف متعلق بما بعده، وهذا يعني: أن التركيب (ولا تأتيهم يوم لا يسبتون) وهو معنى صحيح لا بأس به، ولكن الأول أقوى. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، وتقدير الكلام: نبلوهم بلاء آخر مثل ذلك البلاء بسبب فسقهم المستمر. وأجاز الزجاج احتمالا آخر على بعد: أن الكاف في محل نصب حال من فاعل ﴿لا تَأْتِيهِمْ،﴾ وعليه فالوقف على كذلك، وما بعده مستأنف، وعلى الإعراب الأول فالوقف على: ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾. ﴿نَبْلُوهُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية لا غير. ﴿كانُوا:﴾\nماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَفْسُقُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، انظر التقدير في الشرح، وجملة: ﴿نَبْلُوهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1118\"></span>﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾\nالشرح: قالت: انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿أُمَّةٌ:﴾ جماعة. وانظر الآية رقم [٣٤].\n ﴿لِمَ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف اللام، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾. ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار.\n ﴿تَعِظُونَ:﴾ تنصحون، وإعلاله مثل إعلال: ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٧] وانظر (الموعظة) في الآية رقم [١٤٥]. ﴿قَوْمًا:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾ أي: في","vol":"3","page":651},{"text":"الدنيا، وقد كان ذلك؛ حيث مسخوا قردة، وخنازير. ﴿مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾ أي: في الآخرة.\n ﴿مَعْذِرَةً:﴾ نعتذر بها إلى الله، ويقرأ بالنصب، والرفع. «ربكم:» انظر الآية رقم [٣].\n ﴿يَتَّقُونَ:﴾ انظر (التقوى) في الآية رقم [٢٦]. وانظر: ﴿عَذابًا﴾ في الآية رقم [٣٨].\nتنبيه: لقد اختلف المفسرون: هل كان أهل القرية فرقتين، أو ثلاثا؟ والمعتمد الثاني: فرقة اعتدت، وأصابت الخطيئة، وفرقة نهت المعتدية عن ذلك، وفرقة أمسكت عن الصيد، وسكتت عن الموعظة، وقالوا للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ..﴾. إلخ. أي: لاموهم على موعظة المعتدين. كما اختلفوا في الفرقة التي أمسكت عن الصيد، ولم تنه: هل نجت، أم هلكت؟\nروى عكرمة عن ابن عباس﵄قال: أسمع الله يقول ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ فلا أدري ما فعلت الفرقة الساكتة، وجعل يبكي، قال عكرمة: فقلت: جعلني الله فداك، ألا تراهم قد أنكروا، وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وإن لم يقل: أنجيتهم، لم يقل: أهلكتهم، قال: فأعجبه قولي، ورضي به، وأمر لي ببردين فكسانيهما، وقال: نجت الساكتة، وقال ابن زيد: نجت الناهية، وهلكت الفرقتان. انتهى. خازن بتصرف. والمعتمد الأول.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ معطوفة على: ﴿إِذْ﴾ الأولى في الآية السابقة. ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أُمَّةٌ:﴾ فاعله والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿لِمَ﴾ اللام: حرف جر، و(ما) اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام. وانظر حذف ألفها في الشرح، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما.\n ﴿تَعِظُونَ قَوْمًا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿مُهْلِكُهُمْ:﴾ خبر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿قَوْمًا﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مُعَذِّبُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وهذه الإضافة فيه وفي سابقه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق، عامله اسم الفاعل قبله. ﴿شَدِيدًا:﴾ صفته. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿مَعْذِرَةً:﴾ بالرفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: موعظتنا معذرة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وبالنصب من وجهين: أحدهما: أنه مفعول لأجله، أي وعظناهم من أجل المعذرة. الثاني: أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، أي: نعتذر معذرة، وعلى هذين الوجهين ينتج جملة فعلية، فهي في محل نصب مقول القول. وجوز وجه ثالث، وهو أن ينتصب انتصاب المفعول به؛ لأن المعذرة تتضمن كلاما، والمفرد المتضمن لكلام إذا وقع بعد القول؛ نصب نصب المفعول به، كقلت: خطبة، وسيبويه يختار الرفع، قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا، ولكنهم قيل لهم: لم تعظون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان","vol":"3","page":652},{"text":"ب ﴿مَعْذِرَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٥٨] والجملة الاسمية معطوفة على: ﴿مَعْذِرَةً﴾ فهي مفيدة للتعليل مثلها. تأمل، وتدبر وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1119\"></span>﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾\nالشرح: ﴿نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ:﴾ تناسوا، وتركوا ما وعظهم به صلحاؤهم. وانظر الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أي: عن عمل السوء، وهو صيد السمك. وانظر ما ذكرته في الآية السابقة. وانظر الآية رقم [٧٣]. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ:﴾ أهلكنا المعتدين بالصيد بعذاب شديد بسبب فسقهم، ومخالفة أوامر ربهم. وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦/ ١٤٤] وعذاب في الآية رقم [٣٨]. ﴿بَئِيسٍ:﴾ شديد من: بؤس بؤسا: إذا اشتد، وفيه أكثر من عشر قراءات. وانظر (نا) في الآية رقم [٧] وإعلال: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ مثل إعلال: ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية رقم [٢٥].\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿نَسُوا:﴾ فعل، وفاعل. والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ ماض مبني للمجهول. والواو نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: ﴿نَسُوا..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا.\n ﴿أَنْجَيْنَا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿يَنْهَوْنَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَنِ السُّوءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿أَنْجَيْنَا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ معطوفة على جواب (لمّا)، لا محل لها أيضا. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل: (أخذنا). ﴿بَئِيسٍ:﴾ صفة: (عذاب). ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [١٦٢] مع سبك المصدر وجره، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (أخذنا). و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n<span id=\"aya-1120\"></span>﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ:﴾ تكبروا عن الموعظة، والنصيحة. وانظر الآية رقم [٧٧].\nوانظر إعلال (أتوا): في الآية رقم [١٣٨]. ﴿قُلْنا لَهُمْ:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿كُونُوا﴾","vol":"3","page":653},{"text":"﴿قِرَدَةً خاسِئِينَ:﴾ صاغرين، وهذا الأمر أمر تكوين لا قول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك، فمسخهم، ويجوز أن تكون الآية تقريرا، وتفصيلا للأولى، وهو المعتمد.\nتنبيه: ذكر الله تعالى هذه الحادثة باختصار في سورة (البقرة) رقم [٦٥] و[٦٦] وبالإشارة إليها في سورة (النساء) رقم [٤٧] وبالتعرض لها في سورة (المائدة) رقم [٨١] وفصلها الحكيم العليم في الآيات الأربع المتقدمة تفصيلا، وكانت هذه الحادثة في زمن داود، ﵇.\nهذا؛ وقد قرئ: «(قردة)» بفتح القاف، وكسر الراء، و«(خاسين)» بدون همزة، وذلك في سورة (البقرة) ولم يتعرض أحد لهذه القراءة هنا.\nقال أهل التفسير: أمر الله اليهود بتعظيم يوم الجمعة، واتخاذه يوم عبادة، وراحة، فأبوا، واختاروا يوم السبت، فابتلوا به. والسبب في ذلك: أنهم كانوا يزعمون: أن الله ابتدأ الخلق في يوم الأحد، وفرغ منه في يوم الجمعة، فزعموا: أن الله استراح في يوم السبت. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، فشدد الله عليهم، فأمرهم بتعظيمه، ونهاهم عن كل عمل فيه، فلما أراد الله، أن يبتليهم كانت الحيتان تظهر لهم في يوم السبت، ينظرون إليها في البحر كالجمال، فإذا انقضى السبت ذهبت، فلم تر إلى السبت المقبل، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: إنكم نهيتم عن الأخذ، فاتخذوا حياضا على ساحل البحر، وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد فخذوها، ففعلوا ذلك زمانا، ثم إنهم تجرءوا على السبت، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد حل لنا، فاصطادوا وأكلوا وباعوا، فصار أهل القرية أحزابا ثلاثة، وكانوا نحوا من سبعين ألفا، انظر الآية رقم [١٦٣]. قال الناهون: لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بينهم بجدار، للناهين باب يداخلون ويخرجون منه، وللعاصين باب، ولعنهم داود ﵊، فأصبح الناهون ذات يوم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن لهم لشأنا، لعل الخمر قد غلبتهم، فعلوا على الجدار الذي بينهم، فإذا هم قد مسخوا قردة.\nوقال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، ففتحوا عليهم الباب، ودخلوا، فصار القردة يعرفون أنسابهم من الناس، ولم يعرف الناس أقرباءهم من القردة، فجعلت القردة تأتي أقرباءها من الناس، فتشم ثيابها وتبكي، فيقول لهم أقرباؤهم: ألم ننهكم؟ فتقول القردة برأسها نعم. وانظر (الناجين) في الآية رقم [١٦٥] والجمهور على أن الممسوخين ماتوا بعد ثلاثة أيام.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. لما: انظر الآية رقم [١٣٤]. ﴿عَتَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. وانظر ما ذكرته في جملة: ﴿نَسُوا..﴾. إلخ في الآية السابقة. ﴿عَنْ ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل","vol":"3","page":654},{"text":"جر. ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ مثل: ﴿ذُكِّرُوا بِهِ﴾ في الآية السابقة، إعرابا ومحلاّ وعائدا وجملة: ﴿قُلْنا لَهُمْ..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) هذه ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة لا محل له مثله. ﴿كُونُوا:﴾ أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قِرَدَةً:﴾ خبر: ﴿كُونُوا﴾. ﴿خاسِئِينَ:﴾ خبر ثان. وقيل: صفة: ﴿قِرَدَةً:﴾ وقيل:\nحال من واو الجماعة منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُونُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1121\"></span>﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾\nالشرح: ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ:﴾ أعلم، تفعل من الإيذان بمعناه كالتوعد والإيعاد، والخطاب للنبي ﷺ. هذا؛ وقيل: إن معنى الفعل السابق: آلى ربك، ولذا أجيب بما يجاب به القسم، كما ستعرفه، واختلف في الضمير في: ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ والمعتمد: أنه يعم اليهود الذين بقوا بعد داود وسليمان، ﵉، ثم فسدوا وفسقوا. ﴿يَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٨] (الأنعام).\n ﴿الْقِيامَةِ:﴾ انظر الآية رقم [١٢] منها. ﴿مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ:﴾ من يذيقهم أشد العذاب، والمراد بختنصر، حيث خرب ديارهم، وقتل رجالهم، وسبى نساءهم، وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس، ثم إلى ملوك الروم؛ حتى بعث محمد ﷺ، ففعل بهم ما فعله غيره، ثم ضرب عليهم الجزية، ولكن في هذه الأيام حين تفرق المسلمون، وصاروا شيعا وأحزابا ودويلات استطاع اليهود أن يقيموا دولة بمساعدة أوربا وأمريكا تتحدى جميع المسلمين في الدنيا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ أي: لمن أصر على الكفر، ففيه دليل على أن الله يجمع لهم مع ذلة الدنيا عذاب الآخرة. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي:\nلمن آمن منهم، ورجع عن الكفر، واليهودية، ودخل في دين الإسلام. ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ صيغتا مبالغة من الغفران والرحمة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٥].\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): مفعول به لفعل محذوف، أو هو ظرف منصوب بالفعل المحذوف، التقدير: واذكر يا محمد وقت إيذان ربك، أي: إعلامه، والجملة المقدرة معطوفة على جملة: (اسألهم...) إلخ في الآية رقم [١٦٣]. ﴿تَأَذَّنَ:﴾ ماض.\n ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها.\n ﴿لَيَبْعَثَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «هو» والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ المتضمن معنى القسم، واللام واقعة في جواب هذا القسم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل: (يبعثن) أيضا، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه.","vol":"3","page":655},{"text":"﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَسُومُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به أول، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿سُوءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَسَرِيعُ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة، و(سريع) مضاف، و﴿الْعِقابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: لسريع عقابه. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإعراب ما بعدها ظاهر، لا خفاء فيه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1122\"></span>﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ..﴾. إلخ: أي: فرقناهم في الأرض بحيث لا يخلو قطر منهم، وذلك لإضعافهم، وإذلالهم، حتى لا تكون لهم شوكة، ولا عزة، ولا كرامة، وقد صار لهم في هذا الزمن دولة، وسلطان. انظر ما ذكرته في الآية السابقة. وانظر: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾ في الآية رقم [١٦٠].\nوانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿أُمَمًا:﴾ جماعات جمع: أمة. وانظر الآية رقم [٣٤]. ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ﴾ أي: يوجد جماعة منهم متمسكون بشريعة موسى﵇حتى بعث عيسى ﵇. وقيل: المراد بهم الذين أدركوا بعثة محمد ﷺ، وآمنوا به. والصحيح الأول، يدل عليه الآية اللاحقة؛ لأن الخلف إنما كان بعد هؤلاء الذين وصفهم الله بالصلاح. ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ أي: منحطون عن الصالحين، وهم الذين كفروا، وفسقوا، وبدلوا، وحرفوا.\n ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ:﴾ اختبرناهم بالنعم والنقم، والخير والشر، كقوله تعالى:\n ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أي: اختبارا، وامتحانا، فالمؤمن يشكر في الخير والنعماء، ويصبر في الشر، والضراء. والكافر، والفاجر، والفاسق يزداد كفرا، وفجورا في الأولين، ويضجر ويزداد فسادا في الأخيرين. وانظر شرح (الحسنة) و(السيئة) في الآية رقم [٩٥]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ ينتبهون فيرجعون إلى الطاعة، ويتركون المعاصي. وانظر (رجع) في الآية رقم [١٥٠] وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٢٦].\nالإعراب: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا:﴾ إعراب هذه الجملة انظره في الآية رقم [١٦٠].\nوالجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها. ﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الصّالِحُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿أُمَمًا﴾. وقيل: بدل. والأول أوجه. ما تقدم هو الإعراب","vol":"3","page":656},{"text":"الظاهر، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور ﴿مِنْهُمُ﴾ مبتدأ، و﴿الصّالِحُونَ﴾ هو الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: بعضهم الصالحون، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ويؤيده عطف: (كثير) عليه في الآية رقم [٦٩] (المائدة) وعطف: (أكثرهم) عليه في الآية رقم [٣/ ١١٠].\nوخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ: ﴿مِنْهُمُ﴾ بما هو مبتدأ، أعني: لفظة: (بعضهم) وهذا مما يدل على أن مضمون ﴿مِنْهُمُ﴾ مبتدأ. ﴿مِنْهُمُ:﴾ قل فيه ما قلته في سابقه، والمبتدأ أو الخبر محذوف، تقديره: ناس. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: (ناس) المحذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: ما منا أحد إلا له مقام معلوم. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وقول أبي البقاء: ﴿دُونَ ذلِكَ﴾ ظرف، أو خبر على ما ذكرنا في الآية رقم [/٩٤ ٦] لا وجه له قطعا. و﴿دُونَ:﴾ مضاف، و(ذلك) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. (بلوناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِالْحَسَناتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (السيئات): معطوف على سابقه. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للابتلاء، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1123\"></span>﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾\nالشرح: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم، وقسمناهم إلى القسمين خلف، وهو القرن، أو الجيل الذي بعد ما قبله، والخلف بسكون اللام يستعمل في الشر كما في آية مريم رقم [٥٩] وبفتحها في الخير، وقال البيضاوي: ﴿خَلْفٌ﴾ مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد، والجمع. هذا؛ وخذ قول لبيد، ﵁: [الكامل]\nذهب الّذين يعاش في أكنافهم... وبقيت في خلف كجلد الأجرب\nوقال ﷺ: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله». وقد يتعاوضان، فيستعمل كل منهما موضع الآخر، قال حسان بن ثابت﵁مستعملا ساكن اللام في الخير: [الطويل]\nلنا القدم الأولى إليك وخلفنا... لأوّلنا في طاعة الله تابع","vol":"3","page":657},{"text":"وقال آخر مستعملا مفتوح اللام في الشر: [الرجز]\nإنا وجدنا خلفا بئس الخلف... أغلق عنّا بابه ثم حلف\nلا يدخل البواب إلاّ من عرف... عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف\nانتهى قرطبي بتصرف. وانظر مثل هذا التعاوض في الآية رقم [٥] (الأنعام). ولا تنس: أن (خلف) ظرف مكان بمعنى (وراء). ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ أي: التوراة، فقرءوها وعلموها، وخالفوا أحكامها، انظر شرح الكتاب في الآية رقم [٢]. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى:﴾ يأخذون حطام الدنيا الحقير الفاني، وهو ما كانوا يأخذونه من الرشا في الحكم، وغيره، والتنديد بهذا كثير في القرآن الكريم. هذا؛ و(العرض) متاع الدنيا بفتح الراء، وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير، سمي عرضا؛ لأنه متعرض للزوال. وانظر شرح: ﴿الْأَدْنى﴾ في الآية رقم [٣].\n ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ يقول المحرفون والمبدلون من علماء اليهود. وانظر (القول) في الآية رقم [٥].\n ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أي: لا يؤاخذنا الله بذلك، ويتجاوز عنا. وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (المائدة).\n ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجون المغفرة، مصرين على الذنوب، غير تائبين منها.\nوانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. وانظر: ﴿مِثْلَ﴾ في الآية رقم [٩٤] (الأنعام). ﴿مِيثاقُ الْكِتابِ:﴾\nالمعنى ألم يؤخذ على هؤلاء المرتشين في أحكام العهود، والمواثيق في الكتاب، وهو التوراة.\nوانظر مثل إعلال ميثاق في الآية رقم [٨]. ﴿أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ:﴾ ولكنهم تركوا الحق.\nوقالوا: الباطل، وحرفوا وبدلوا. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿الْحَقَّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٣].\n ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أي: قرءوا ما في التوراة من عهود، ومواثيق، ولكن أهملوا العمل بما درسوا وعلموا، فكانوا كالحمير التي تحمل الكتب، وما نفعها منها؟! انظر سورة (الجمعة). هذا؛ وقرئ «(وادّارسوا ما فيه)». هذا؛ وقال بعضهم: معنى درسوا محوا ما فيه بترك العمل به، والفهم له.\nوانظر الآية رقم [١٠١] البقرة والآية رقم [٣/ ١٨٧]. ﴿وَالدّارُ:﴾ انظر الآية رقم [٧٨]. ﴿الْآخِرَةُ:﴾\nانظر الآية رقم [٤٥]. ﴿أَفَلا:﴾ انظر الآية رقم [٦٥]. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون وتعلمون. وانظر شرح العقل في الآية رقم [٨/ ٢٢] فإنه جيد. هذا؛ ويقرأ الفعل بتاء المضارعة على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الالتفات في الآية رقم [٦/ ٦] فإنه جيد كما يقرأ بالياء. ﴿خَيْرٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ انظر التقوى في الآية رقم [٢٦] هذا؛ ومعنى ﴿وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ..﴾. إلخ أي الذي أعده الله في الآخرة لأوليائه، وأهل طاعته، العاملين بما أمرهم الله به في كتابه، ولم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يرتشوا في الأحكام خير لهم من الدنيا، وما فيها.\nتنبيه: قال القرطبي: وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا، فعن معاذ بن جبل﵁قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام، كما يبلى الثوب، فيتهافت، يقرءونه","vol":"3","page":658},{"text":"لا يجدون له شهوة، ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذّئاب، أعمالهم طمع، لا يخالطه خوف، إن قصّروا؛ قالوا: سنبلّغ، وإن أساءوا؛ قالوا: سيغفر لنا، إنّا لا نشرك بالله شيئا. انتهى. فهو موقوف على الصحابي. أسنده الدارمي.\nالإعراب: ﴿فَخَلَفَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (خلف): ماض. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿خَلْفٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.\n ﴿خَلْفٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على: (قطعناهم...) إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَرِثُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر إعراب: ﴿قالُوا:﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿خَلْفٌ﴾. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿يَأْخُذُونَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَرَضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿هذَا﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْأَدْنى:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.\nوقيل: صفته، وجملة: ﴿يَأْخُذُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالضمير فقط. (يقولون): فعل، وفاعل. ﴿سَيُغْفَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والسين مفيدة للتوكيد على زعمهم، ولا معنى للاستقبال هنا، ولا سيما إذا عرفت: أن الجملة مع القول في محل نصب حال. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. وقيل: نائب الفاعل يعود إلى مفهوم الجملة السابقة، أي سيغفر لنا الأخذ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿يَأْتِهِمْ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والهاء مفعول به. ﴿عَرَضَ:﴾ فاعله. ﴿مِثْلُهُ:﴾ صفة: ﴿عَرَضَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَأْتِهِمْ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم. ﴿يَأْخُذُوهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و(إن) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. وهذا يشكل؛ لأن (إن) الشرطية للاستقبال، إلا أن يقال:\nإن الاستقبال غير مراد هنا، والحال متداخلة. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير، وتوبيخ.\n (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يُؤْخَذْ:﴾ مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: (لم). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾\nمتعلقان به. ﴿مِيثاقُ:﴾ نائب فاعل، وهو مضاف، و﴿الْكِتابَ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفين كما ستعرفه. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية.\n ﴿يَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَقَّ:﴾ منصوب، وجاز ذلك؛ لأن قول الحق كثير، و(أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع بدل، أو عطف بيان من","vol":"3","page":659},{"text":"﴿مِيثاقُ﴾. أو هو في محل جر بحرف جر محذوف. التقدير: بأن لا، أو لئلا يقولوا... إلخ، وهناك وجه غريب، وبعيد نقله الجمل عن السمين، وهو أنّ (أن) مفسرة، و(لا) ناهية، والفعل مجزوم لا منصوب. (درسوا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَرِثُوا..﴾.\nإلخ. وقال الجلال، وتبعه الجمل: إنها معطوفة على جملة: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ..﴾. إلخ. والمعتمد الأول. ﴿ما:﴾ موصولة أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما﴾ أو بمحذوف صفته، التقدير: درسوا الذي كتب فيه، أو شيئا كائنا فيه. ﴿وَالدّارُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الدار): مبتدأ. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ صفته. ﴿خَيْرٌ:﴾\nخبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ وجملة:\n ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ في الآية رقم [٦٥].\n\n<span id=\"aya-1124\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾\nالشرح: ﴿يُمَسِّكُونَ:﴾ يقرأ بالتشديد، والتخفيف، ماضي الأول: مسّك، وماضي الثاني:\nأمسك، وفي المختار: أمسك بالشيء، وتمسك، واستمسك، وامتسك به كله بمعنى: اعتصم به، وكذا مسّك به تمسيكا. انتهى. ﴿بِالْكِتابِ:﴾ المراد به التوراة، فلم يحرفوه، ولم يبدلوه، فأداهم هذا التمسك إلى الإيمان بالكتاب الثاني، وهو القرآن. والمراد بالتمسك بالكتاب: العمل بما فيه من إحلال حلاله، وتحريم حرامه، وإقامة أحكامه. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ داوموا على إقامتها في مواقيتها، وإنما أفردها بالذكر، وإن كانت داخلة في التمسك بالكتاب تنبيها على عظم قدرها، وأنها من أعظم العبادات بعد الإيمان بالله، ورسوله. وانظر الآية رقم [٨/ ٣] الآتية.\n ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ:﴾ الذين أصلحوا أنفسهم، وعملهم، فثوابهم، وأجرهم يقدم إليهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في الذين أسلموا من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ﵃، فتمسكوا بالتوراة فأداهم ذلك إلى الإسلام.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. وقيل: في محل جر معطوف على ما قبله، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الواو، وجملة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وقد اختلفتا مضارعا، وماضيا. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وقد حذفت نونها للتخفيف، وجملة: ﴿لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط: إقامة الظاهر، وهو: ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ مقام","vol":"3","page":660},{"text":"الضمير؛ إذ مقتضى القياس: (إنا لا نضيع أجرهم) أو هناك ضمير محذوف، التقدير: أجر المصلحين منهم. هذا؛ وعلى اعتبار عطف (الذين) على سابقه، فالجملة الاسمية: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1125\"></span>﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾\nالشرح: ﴿نَتَقْنَا:﴾ قلعنا، ورفعنا، وأصل النتق: الجذب. هذا؛ والنتق قلع الشيء من موضعه والرمي به، ومنه نتق ما في الجراب إذا نفضه فرمى به، وامرأة ناتق ومنتاق إذا كانت كثيرة الولادة، قال الرسول ﷺ: «عليكم بزواج الأبكار، فإنّهنّ أنتق أرحاما، وأطيب أفواها، وأرضى باليسير». ﴿الْجَبَلَ:﴾ جبل الطور للتصريح به في الآية رقم [٦٣] (البقرة). ﴿ظُلَّةٌ:﴾\nسقيفة فوقهم. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ:﴾ علموا وأيقنوا: أنه ساقط عليهم، فالظن ليس على بابه هنا. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ بجد واجتهاد وصدق عزيمة، ولا بد من تقدير «قلنا» قبل: ﴿خُذُوا﴾ ليرتبط نظم الكلام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ:﴾ الله، وتتركون الكفر والمعاصي والعناد وقبائح الأعمال، ورذائل الأخلاق هذا؛ وانظر (التقوى) في الآية رقم [٢٦]. هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لشيء من عباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.\nتنبيه: قال أصحاب الأخبار: إن بني إسرائيل لما أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لما فيها من التكاليف الشاقة؛ أمر الله﷿جبريل﵇أن يرفع جبل الطور فوق رءوسهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوا ما فيها سقط الجبل عليكم، فلما رأوا الجبل فوقهم؛ خروا ساجدين، فسجد كل واحد منهم على خدّه، وحاجبه الأيسر، وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا من سقوطه عليه، لذلك لا تسجد اليهود إلا على شقهم الأيسر. انتهى بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢/ ٦٣] تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٦٧] وإعرابها مثلها. ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال من:\n ﴿الْجَبَلَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَأَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿ظُلَّةٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ في محل نصب حال من: ﴿الْجَبَلَ،﴾ والرابط الضمير فقط. وقول مكي: خبر لمبتدإ محذوف لا وجه له قطعا. (ظنوا): فعل، وفاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: (ظنوا)،","vol":"3","page":661},{"text":"وجملة: ﴿وَظَنُّوا..﴾. إلخ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: كونها معطوفة على جملة: ﴿نَتَقْنَا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وثانيها: كونها في محل نصب حال من: ﴿الْجَبَلَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، فتكون الحال قد تكررت، ولا بد من تقدير (قد) قبلها لتقربها من الحال، وثالث الأوجه:\nكون الجملة مستأنفة، وهو بعيد ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ انظر إعراب هذا الكلام مستوفى في الآية رقم [٦٣] (البقرة) فلا حاجة لإعرابه هنا.\n\n<span id=\"aya-1126\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢)﴾\nالشرح: ﴿رَبُّكَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿آدَمَ:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ:﴾ الذرية تقع على الواحد، وعلى الجمع. قيل: هو مشتق من الذّرا، وهو بفتح الذال: كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، ودفئه، وهو بضم الذال: أعلى الشيء. وقيل: هو مشتق من الذرء، وهو الخلق، أبدلت همزتها ياء، ثم شددت الياء، وتبعتها الراء في التشديد. هذا؛ ويقرأ: «(ذرياتهم)» بالجمع وانظر ﴿ذَرَأْنا﴾ في الآية رقم [١٧٩].\n ﴿أَنْفُسِهِمْ:﴾ انظر الآية رقم [٩]. ﴿أَلَسْتُ:﴾ انظر إعلاله في الآية رقم [٦/ ٦٦]. ﴿قالُوا:﴾ انظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿بَلى:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٨١] فإنه جيد. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ انظر الآية رقم [١٦٧]. ﴿كُنّا:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] فهو مثله.\n ﴿شَهِدْنا..﴾. إلخ: هذا من مقول الملائكة؛ أي: تقول الملائكة: شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية؛ لئلا تقولوا: ﴿إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ لم ينبهنا عليه أحد. هذا؛ وقد قرئ هذا الفعل، والفعل الآتي بالياء، ويكون الفاعل (الله) تبارك، وتعالى، ويكون المعنى، قال الله تعالى: فعلنا ذلك لئلا يقولوا... إلخ. هذا؛ وقد قيل: إن الكلام على الغيبة من مقولهم، والمعنى: قالوا: بلى شهد بعضنا على بعض، وعلى الاعتبارين الأولين فالوقف على: ﴿بَلى،﴾ وعلى الاعتبار الثالث فلا وقف عليها. وهذا إشارة إلى العهد والميثاق الذي أخذه الله على بني آدم. وقيل: هو إشارة إلى الإيمان والتوحيد. والأول أولى، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: في معنى الآية الكريمة، وتفسيرها مذهبان: مذهب السلف، ومذهب الخلف، فمحصل المذهب الأول: أن الله أخرج بعضهم من صلب بعض، من صلب آدم، نسلا بعد نسل، كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان (واد قرب عرفة) يوم عرفة، ونصب لهم دلائل على ربوبيته، وركب فيهم عقلا، وفهما. ومذهب الخلف محصله: أنه لا إخراج، ولا قول، ولا شهادة بالفعل، وإنما هذا كله على سبيل المجاز التمثيلي، فشبه حال النوع الإنساني بعد","vol":"3","page":662},{"text":"وجوده بالفعل بصفات التكليف من حيث نصب الأدلة الدالة على الربوبية لله المقتضية لأن ينطق، ويقر بمقتضاها بأخذ الميثاق عليه بالفعل، بالإقرار بما ذكر، فنصب الأدلة بالفعل إنما هو على طريقة الخلف.\nتنبيه: يروى: أن عمر﵁سئل عن هذه الآية، فقال: سئل عنها رسول الله ﷺ، فقال: «إنّ الله﵎خلق آدم، ثمّ مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريّة، فقال:\nخلقت هؤلاء للجنّة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرّيّة، فقال:\nخلقت هؤلاء للنّار، وبعمل أهل النّار يعملون». فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة؛ حتّى يموت على عمل من أعمال الجنة، فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنّار استعمله بعمل أهل النّار حتّى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله النار». أخرجه مالك في الموطأ، وأبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. انتهى قرطبي وخازن.\nفائدة: قال ابن العربي: فإن قيل: فكيف يجوز أن يعذب الخلق، وهم لم يذنبوا، أو يعاقبهم على ما أراده منهم، وكتبه عليهم، وساقهم إليه؟! قلنا: ومن أين يمتنع ذلك أعقلا، أم شرعا؟ فإن قيل: إن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك، قلنا: لأن فوقه آمرا يأمره، وناهيا ينهاه، وربنا تعالى لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق، ولا تحمل أفعال العباد على أفعال الإله، وبالحقيقة الأفعال كلها لله ﷻ، والخلق بأجمعهم له، صرفهم كيف شاء، وحكم بينهم بما أراد، وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلّة وشفقة الجنسيّة، وحب الثناء، والمدح، لما يتوقع في ذلك من الانتفاع، والباري تعالى مقدّس عن ذلك كله، فلا يجوز أن يعتبر به. انتهى قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٦٧] وإعرابها مثلها. ﴿أَخَذَ رَبُّكَ:﴾ فعل، وفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿مِنْ بَنِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي:﴾ مضاف، و﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ:﴾ بدل مما قبلهما بدل بعض، وقيل بدل اشتمال. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ:﴾\nمفعول به والهاء في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. (أشهدهم): ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّكَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَسْتُ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لست): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.","vol":"3","page":663},{"text":"﴿بِرَبِّكُمْ:﴾ خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال ربك: ﴿أَلَسْتُ..﴾. إلخ، وهذه الجملة مفسرة ل ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول على الحكاية.\n ﴿شَهِدْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، و(لا) مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا تقولوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿شَهِدْنا،﴾ وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية قولكم يوم القيامة، فهو مفعول لأجله، والجملة الفعلية: ﴿شَهِدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قالت الملائكة: شهدنا لئلا تقولوا... إلخ، وهذا على قراءة: «تقولوا» بالتاء، وأما على قراءته بالياء، فيكون الجار والمجرور: (لئلا يقولوا) متعلقين بالفعل: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ وتكون جملة: ﴿قالُوا بَلى﴾ مستأنفة، وجملة: ﴿شَهِدْنا﴾ من مقولها، ومتعلقها محذوف، التقدير: قالوا: بلى شهدنا على أنفسنا. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها.\n ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿عَنْ هذا:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿غافِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1127\"></span>﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ تَقُولُوا:﴾ هو مثل سابقه بالتاء، والياء. وانظر الإعراب. ﴿إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فعلوا الشرك، وابتدعوه، فاقتدينا بهم، وسرنا على طريقتهم. والمعنى: إنما أخذ عليهم العهد، والميثاق في قديم الأزل؛ لئلا يحتجوا بتقليد آبائهم. وعلى القول الثاني في شرح الآية السابقة يكون المعنى: إن الله نصب الدلائل على ربوبيته، وأظهرها للعقول قطعا للعذر بتقليد الآباء والأجداد؛ لأن ما نصب الله في هذا الكون من دلائل على توحيده والإيمان به موجود في كل زمان ومكان، فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على تقليد الآباء في الشرك. ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ:﴾ أفتعذبنا بما ابتدع آباؤنا من الباطل، وهو الشرك؟ وانظر (الباطل) في الآية رقم [١٣٩]. هذا؛ وفي الآية الكريمة قطع لعذر الكفار بالاحتجاج بتقليد الآباء، والأجداد.","vol":"3","page":664},{"text":"الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَقُولُوا:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والناصب المقدر بسبب العطف والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، و(لا) مقدرة، التقدير: أو لئلا تقولوا، أو هو على حذف مضاف. التقدير: كراهية قولكم. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَشْرَكَ آباؤُنا:﴾ فعل، وفاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم في محل جر لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و(نا) اسمه. ﴿ذُرِّيَّةً:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذُرِّيَّةً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَفَتُهْلِكُنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تهلكنا): مضارع، و(نا): مفعول به. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي أو بشيء فعله المبطلون، وعلى الاعتبار الثالث تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بفعل المبطلين. ﴿فَعَلَ:﴾ ماض. ﴿الْمُبْطِلُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَفَتُهْلِكُنا..﴾.\nإلخ مستأنفة، ثم هي داخلة في مقول القول. تأمل، وتدبر وربك أعلم وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1128\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ:﴾ نبين، ونوضح الآيات الدالة على عظمة الله تبيينا مثل تبيين الميثاق والعهد ليتدبرها العباد، فيرجعوا عن الشرك إلى التوحيد، وإلى الحق والإيمان، ويعرضوا عن الباطل والكفر. هذا؛ وانظر شرح: ﴿الْآياتِ﴾ في الآية رقم [٩] وشرح: ﴿رَجَعَ﴾ في الآية رقم [١٥٠] وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [١٧١] وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nالإعراب: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نفصل الآيات تفصيلا كائنا مثل تفصيل أخذ العهد والميثاق على بني آدم. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٥١].\n ﴿نُفَصِّلُ:﴾ مضارع. والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على الكلام السابق، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٦٨] وهي معطوفة على محذوف، انظر الشرح.","vol":"3","page":665},{"text":"<span id=\"aya-1129\"></span>﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاتْلُ:﴾ اقرأ يا محمد. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ على اليهود. وقيل: على قومك. والمعتمد الأول. ﴿نَبَأَ:﴾ خبر. وانظر الآية رقم [١٠١]. ﴿الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا:﴾ لقد اختلف بالمقصود في هذا اختلافا كبيرا.\nفقيل: اسمه بلعم بن باعوراء. وقيل: بلعام ابن باعر. وقيل: هو من قوم موسى. وقيل: هو من الكنعانيين، أوتي علم بعض كتب الله تعالى، فسأله بعض الكنعانيين أن يدعو على موسى وقومه فأبى. وهذا على القول بأن موسى﵇لم يمت في التيه، وأما على اعتباره مات في التيه، فيكون الدعاء على يوشع خليفة موسى الذي قاتل الجبارين بعد موسى، على نبينا، وعليهم جميعا أفضل صلاة، وأزكى تسليم. وقال: كيف أدعو على من معه الملائكة؟ فلم يزالوا به، وقدموا له أموالا كثيرة حتى رضي، وذهب معهم إلى الجبل المطل على موسى وقومه، وكان قد عزم على قتال الكنعانيين الجبارين، فأخذ بالدعاء على موسى وقومه، فلم يدع بشيء إلا صرف الله به لسانه على قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل، فقالوا له: يا بلعام! أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا، فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء غلب الله عليه، واندلع لسانه على صدره، فقال لمن ذهبوا به: ذهبت مني الدنيا والآخرة! والمراد ب: ﴿آياتِنا:﴾ العلم الذي علمه الله إياه. وقيل: هو الاسم الأعظم.\nوالمرجح: أنه من علماء بني إسرائيل. وانظر (نا) في الآية رقم [٧].\nوقال عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب القديمة، وعلم: أن الله يرسل رسولا في ذلك الوقت، وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله محمدا ﷺ حسده، وكفر به، وكان أمية صاحب شعر وحكمة ومواعظ حسنة، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «آمن شعره وكفر قلبه». وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب بن صيفي، الذي سأذكره في الآية رقم [١٠٧] من سورة (التوبة). والمعتمد الأول.\n ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ أي: من معرفة الله تعالى، أي: نزع منه العلم الذي كان يعلمه، بعد أن كفر بها، ونبذها وراء ظهره. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ:﴾ فلحقه، وأدركه، وصار قرينا له، حتى أهلكه وقال الجمل: أي فصار قدوة، ومتبوعا للشيطان على سبيل المبالغة. وانظر شرح: ﴿الشَّيْطانُ﴾ في الاستعاذة؛ فإنه جيد. ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ:﴾ من الضالين الكافرين بسبب مخالفة أوامر ربه، وطاعة هواه وشيطانه.","vol":"3","page":666},{"text":"الإعراب: (اتل): أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنت. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نَبَأَ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿آتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به أول. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَاتْلُ..﴾. إلخ معطوفة على المقدر في ﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾. (انسلخ): ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان به، وجملة: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة أيضا على جملة الصلة. (كان): ماض ناقص، واسمها يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿مِنَ الْغاوِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ معطوفة أيضا على جملة الصلة، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1130\"></span>﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾\nالشرح: ﴿شِئْنا:﴾ انظر شاء في الآية رقم [٨٩]. ﴿لَرَفَعْناهُ بِها:﴾ إلى منازل الأبرار من العلماء بسبب تلك الآيات، وذلك بالتوفيق للعمل بها. ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: سكن إلى الدنيا، ومال إليها، ورضي بها، وأصله من الخلود، وهو الدوام، والمقام، والأرض هنا عبارة عن الدنيا؛ لأن كل شيء فيها. ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ:﴾ في إيثار الدنيا ولذاتها على الآخرة، ونعيمها، فخسر دنياه وآخرته، ولا تنس أن مشيئة الله قد تعلقت بذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧٢] ففيها الجواب الكافي، والدواء الشافي.\nهذا؛ والهوى يقصر ويمد، والمراد بالأول: الحبّ، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، وهو ما في الآية الكريمة، ومنه قوله تعالى ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهوى بمعنى العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق\nوإليك هذين البيتين، فإنهما من النكت الحسان: [الكامل]\nجمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران","vol":"3","page":667},{"text":"فقصّرت بالممدود عن نيل المنى... ومدّدت بالمقصور في أكفاني\nوقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، ويريده. هذا؛ وجمعه: أهواء، وجمع الممدود: أهوية. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ:﴾ فصفته كصفة الكلب في أخس أحواله، وتشبيه بلعام بالكلب حاصل حينما دعا على موسى، ﵇، أو على يوشع، فخرج لسانه، فوقع على صدره، وجعل يلهث كالكلب. وانظر: ﴿مَثَلُ﴾ في الآية رقم [٦/ ٩٣]. ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أي: يلهث في جميع أحواله: زجرته، أم لم تزجره.\nقال القتيبي: كل شيء يلهث، فإنما يلهث من إعياء، أو عطش، إلا الكلب؛ فإنه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال المرض، وحال الصحة، وحال الري، وحال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته، فقال: إن وعظته ضل، وإن تركته ضل، فهو كالكلب، إن تركته لهث، وإن طردته لهث. وانظر الآية الآتية برقم [١٩٣]. وإنما يلهث الكلب دائما لضعف فؤاده.\n ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: إن المثل الذي ضرب الله لبلعام ينطبق على كل كافر مكذب لآيات الله، وجاحد لها، فوجه التمثيل بين المكذبين وبين الكلب اللاهث، أنهم إذا وعظوا لا يتعظون، وإذا تركوا فهم لا يهتدون، بل هم في ضلال في كل حال. وانظر شرح:\n ﴿الْقَوْمِ﴾ في الآية رقم [٣١] وشرح (الآيات) في الآية رقم [٩]. ﴿فَاقْصُصِ..﴾. إلخ: هذا خطاب للنبي ﷺ بأن يقص على اليهود وعلى قومه أخبار من كفر بآيات الله لعلهم يتعظون فينتفعون بما تقص عليهم. هذا؛ و﴿الْقَصَصَ﴾ مصدر قولهم: قص فلان الحديث يقصه قصّا وقصصا، وأصله:\nتتبع الأثر، يقال: خرج فلان يقص أثر فلان، أي يتتبعه ليعرف أين يذهب، ومنه قوله تعالى:\n ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره. وانظر الترجي في الآية رقم [١٧١].\nتنبيه: قال الخازن: وهذه الآية من أشد الآيات على العلماء الذين يريدون بعلمهم الدنيا، ويتبعون الهوى، وذلك لأن الله ﷿ خص هذا الرجل بآياته، وحكمته، وعلّمه الاسم الأعظم، وجعل دعاءه مستجابا، ثم إنه لما اتبع هواه، وركن إلى الدنيا؛ نزع منه ما كان أعطيه، وانسلخ من الدين، فخسر الدنيا والآخرة.\nعن كعب بن مالك الأنصاري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال، والسّرف لدينه». أخرجه الترمذي.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿شِئْنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: شئنا له الخير، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَرَفَعْناهُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، واللام واقعة في جواب (لو)، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور","vol":"3","page":668},{"text":"متعلقان بما قبلهما، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَخْلَدَ:﴾\nماض، وفاعله مستتر تقديره هو يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿إِلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ في محل رفع خبر (لكنّ) والجملة الاسمية معطوفة على (لو) ومدخولها، لا محل لها مثله. (اتبع): ماض، وفاعله مثل سابقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿هَواهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَمَثَلُهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (مثله): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَمَثَلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(مثل) مضاف، و﴿الْكَلْبِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿فَمَثَلُهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿تَتْرُكْهُ:﴾ مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله. ﴿يَلْهَثْ:﴾ معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وفاعله «أنت»، وجملتا الشرط في محل نصب حال من: ﴿الْكَلْبِ،﴾ التقدير: لاهثا ذليلا بكل حال.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَثَلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْقَوْمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: ﴿الْقَوْمِ،﴾ وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاقْصُصِ:﴾\nالفاء: هي الفصيحة. (اقصص): أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿الْقَصَصَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا تحققت: أنّ المثل المذكور مثل هؤلاء المكذبين فاقصصه عليهم حسبما أوحي إليك، والجملة الشرطية على هذا التقدير معطوفة على ما قبلها بالعاطف المذكور.\n ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٦٨] وهي مفيدة للتعليل.\n\n<span id=\"aya-1131\"></span>﴿ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾\nالشرح: ﴿ساءَ:﴾ ماض جامد فيه معنى الذم مثل: بئس. ﴿مَثَلًا:﴾ انظر الآية رقم [٩٣] (الأنعام). ﴿الْقَوْمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿بِآياتِنا:﴾ المراد بها: المعجزات؛ التي أتى بها محمد ﷺ، ومن أعظمها الحديث عن أخبار الأمم السابقة، ولا سيما أخبار بني إسرائيل. وانظر الآية رقم [٩] و(نا) في الآية رقم [٧]. ﴿وَأَنْفُسَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٩]. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ انظر البغي والظلم في الآية رقم [٦/ ١٤٦]. وظلمهم لأنفسهم بسبب إدخالها نار الجحيم لكفرهم، وعنادهم، ومخالفة أوامر الله تعالى. هذا؛ وقرأ عاصم الجحدري، والأعمش برفع (مثل القوم) وحذف التمييز، والمراد ذم الكفار المكذبين، وذم التمثيل بهم، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.","vol":"3","page":669},{"text":"الإعراب: ﴿ساءَ:﴾ ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فسره التمييز، وهو:\n ﴿مَثَلًا﴾ التقدير: بئس المثل مثلا. ﴿الْقَوْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، خبره الجملة الفعلية قبله، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم القوم، وعلى قراءة عاصم، والأعمش يكون (مثل) فاعلا، وهو مضاف، و(القوم) مضاف إليه، ويكون: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ هو المخصوص بالذم، وعلى قراءة الجمهور لا بد من تقدير مضاف قبل ﴿الْقَوْمُ﴾ ليكون التمييز والفاعل والمخصوص بالذم كلها متحدة المعنى، وعليه فتقدير الكلام يكون: (ساء مثلا مثل القوم) فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا كثير شائع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿الْقَوْمُ﴾ على قراءة الجمهور، وفي محل رفع خبر لمبتدإ محذوف على قراءة عاصم، والأعمش، ولا بد من تقدير مضاف محذوف أيضا، أي: هو مثل الذين... إلخ، وجملة:\n ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول، والعائد واو الجماعة. ﴿وَأَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: (كانوا يظلمون أنفسهم) معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، فيكون المذمومون قد جمعوا بين التكذيب، وظلم أنفسهم، أو هي مستأنفة فلا تكون داخلة في جملة الصلة، ويكون المعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وباله لا يتخطاها. انتهى بيضاوي بتصرف.\n\n<span id=\"aya-1132\"></span>﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)﴾\nالشرح: هذا تصريح بأن الهداية للإيمان، والكفر، والضلال من الله تعالى الواحد القهار، وأن هداية الله تختص ببعض دون بعض. وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [٣٠] والآية رقم [٣/ ٨٨] وانظر الآية رقم [١٣] من سورة السجدة، والآية رقم [١٧٢] ففيها الجواب الكافي والدواء الشافي، وقد راعى سبحانه لفظ: ﴿مَنْ﴾ في الأول، فأفرد الضمير: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ وراعى معناها في الثاني، فجمع اسم الإشارة، وما بعده. وانظر الخسران في الآية رقم [١٤٩].\n ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧].\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿يَهْدِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف على اعتبار ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، التقدير: يهده. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمُهْتَدِي:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهي ثابتة هنا عند جميع القراء بخلاف ما في الإسراء والكهف، والجملة الاسمية في","vol":"3","page":670},{"text":"محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر: ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٣١] والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا مبنيّا على السكون في محل رفع. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وباقي الإعراب مثل الجملة السابقة بلا فارق، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1133\"></span>﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)﴾\nالشرح: ﴿ذَرَأْنا:﴾ خلقنا. ﴿لِجَهَنَّمَ:﴾ انظر دركات النار في الآية رقم [١٤٥] (النساء).\n ﴿الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١١٥] ففيها الكفاية. ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها:﴾ لا يفقهون بها.\nهذا؛ والفقه في اللغة: الفهم، والعلم بالشيء، ثم صار علما على اسم العلم في الدين لشرفه على غيره من العلوم، يقال: فقه الرجل يفقه فهو فقيه: إذا فهم، والفعل من باب فهم الذي هو بمعناه. وفقه من باب ظرف، وكرم: صار فقيها، ومعنى الجملة: لا يتفكرون بها في آيات الله، ولا يعلمون بها الخير والهدى، لإعراضهم عن الحق. وتركهم قبوله. ﴿أَعْيُنٌ:﴾ جمع عين.\nوانظر الآية رقم [١١٦]. ﴿لا يُبْصِرُونَ بِها:﴾ لا يرون طريق الحق والهدى، ولا ينظرون بها في آيات الله وأدلة توحيده. ﴿لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أي: لا يسمعون المواعظ وآيات القرآن سماع قبول، وقد حذف مفعول هذا الفعل وسابقه للتعميم. وانظر الآية رقم [١٠٠].\n ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾ أي: إن الذين خلقهم الله لجهنم، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها؛ لأن الحواس المذكورة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وإنما فضل الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل والإدراك والفهم المؤدي إلى معرفة الحق من الباطل، والخير من الشر. وانظر شرح: ﴿كَالْأَنْعامِ:﴾ في الآية رقم [٦/ ١٣٦]. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: من الأنعام؛ لأنها تطلب منافعها، وتهرب من مضارها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة. وانظر فضل الحمار على الجاهل في الآية رقم [٦/ ٣٥] وهل الكافر والعاصي إلا من أجهل الجهال؟! ﴿أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ أي: عن ما ينفعهم وما يضرهم. هذا؛ وانظر الآية رقم [٢/ ١٨] والآية رقم [٨/ ٢٢] تجد ما يسرك.","vol":"3","page":671},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر إعرابه في الآية رقم [١٣٠]. ﴿ذَرَأْنا:﴾ فعل، وفاعل، وجملة:\n ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿لِجَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من:\n ﴿كَثِيرًا،﴾ ولا وجه له، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿كَثِيرًا:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، أي خلقا كثيرا. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ثانية للموصوف المحذوف. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لَهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية في محل نصب صفة للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه لوصفه بما تقدم، والوصف يخصص النكرة. هذا؛ وجوز تعليق ﴿لَهُمْ﴾ بمحذوف صفة أو حال على نحو ما رأيت، و﴿قُلُوبٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور، والمعتمد الأول، وإن فضل السمين الثاني لأنه من الوصف بالمفرد. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَفْقَهُونَ:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعله. ﴿بِها:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿قُلُوبٌ﴾. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ إعراب هاتين الجملتين كسابقتهما، ومفعول الفعلين محذوف للتعميم، انظر الشرح. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كَالْأَنْعامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الكاف اسما بمعنى مثل، فهي الخبر، و(الأنعام) في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾\nحرف عطف تبتدأ بعده الجمل. ﴿هُمْ أَضَلُّ:﴾ مبتدأ وخبر، ومتعلق ﴿أَضَلُّ﴾ محذوف، انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية السابقة، وهي مؤكدة لسابقتها لا محل لها مثلها\n\n<span id=\"aya-1134\"></span>﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى:﴾ المعنى: أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله، وأسماؤه جلت قدرته كلها حسنى؛ لأنها تدل على معان حسنة، فمنها ما يستحقه بحقائقه، كالقديم قبل كل شيء، والباقي بعد كل شيء، والقادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، والواحد الذي ليس كمثله شيء. ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها الحسنة كالغفور، والرحيم، والرءوف، والشكور، والحليم. ومنها ما يوجب التخلق به كالفضل، والعفو. ومنها ما يوجب مراقبة الأحوال، كالسميع، والبصير، والمقتدر. ومنها ما يوجب الإجلال، كالعظيم، والجبار، والمتكبر، وأسماء الله توقيفية، وهي تسعة وتسعون اسما.","vol":"3","page":672},{"text":"فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحبّ الوتر». وفي رواية: «من أحصاها». متفق عليه، قال البخاري: أحصاها: حفظها، وقد ذكر سبحانه (الأسماء الحسنى) في أربع آيات، أولها في هذه الآية، وثانيها في آخر سورة (الإسراء) وثالثتها في أول سورة (طه) ورابعتها في آخر سورة الحشر، وسأذكرها بالتفصيل في سورة الإسراء إن شاء الله تعالى. وأسماء جمع: اسم، انظر اشتقاقه في البسملة أول هذا الكتاب. هذا؛ والحسنى مؤنث الأحسن كالكبرى مؤنث الأكبر، والصغرى مؤنث: الأصغر. وقيل: بل هو مصدر وصف به كالرجعى، وأفرده كما أفرد وصف ما لا يعقل في قوله: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ وانظر الآية رقم [٩/ ٥٣]. ﴿فَادْعُوهُ بِها:﴾ ادعوا الله بأسمائه التي سمى بها نفسه، أو سماه بها رسوله.\nوقال القرطبي: أي: اطلبوا منه بأسمائه، فيطلب منه بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، ويا غفور اغفر لي! وهكذا.\nوللدعاء شرائط: منها: أن يعرف الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها، ويستحضر في قلبه عظمة المدعو ﷾، ويخلص النية في دعائه مع كثرة التعظيم، والتقديس لله، ويعزم المسألة مع رجاء الإجابة، ويعترف لله سبحانه بالربوبية، وعلى نفسه بالعبودية. فإذا فعل العبد ذلك، عظم موقع الدعاء، وكان له تأثير عظيم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥]. ﴿وَذَرُوا:﴾\nاتركوا. وانظر الآية رقم [٧٠]. ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ:﴾ الإلحاد في اللغة: الميل عن القصد، والعدول عن الاستقامة، ولتفسيره فيه أقوال:\nمنها ما كان الجاهليون يفعلونه من تسمية أصنامهم بالآلهة، واشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى، فسموا اللات مشتقّا من الإله، والعزى مشتقّا من العزيز، ومناة مشتقّا من المنان. وهذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد. ومنها تسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه، ولم يرد فيه نص من كتاب، ولا سنة، ومنها سوء الأدب في الدعاء، مثل أن يقول: يا خالق القردة. ومنها أن يدعو العبد الله باسم لا يعرف معناه. هذا؛ ويقرأ الفعل: «يلحدون» بضم الياء وكسر الحاء من: ألحد الرباعي، وبفتحهما من: لحد الثلاثي. ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ انظر شرح هذه الجملة في الآية رقم [٦/ ١٢٠] تجد ما يسرك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَسْماءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْحُسْنى:﴾ صفة:\n ﴿الْأَسْماءُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَادْعُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٧]. (ادعوه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله. وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الفعلية لا محل لها على جميع","vol":"3","page":673},{"text":"الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. (ذروا): فعل أمر وفاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿سَيُجْزَوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والسين حرف استقبال. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي أو شيئا كانوا يعملونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير سيجزون عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿سَيُجْزَوْنَ..﴾. إلخ: مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1135\"></span>﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: يريد أمة محمد ﷺ، وهم المهاجرون والأنصار، والتابعون لهم بإحسان. قال قتادة ﵁: بلغنا: أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية، قال: «هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها». يريد قوم موسى ﵇، وقرأ الآية رقم [١٥٩] وقال الخازن: وفي الآية دليل على أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق، ويعمل به ويهدي إليه. وعن معاوية قال وهو يخطب على المنبر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال من أمّتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، حتّى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». متفق عليه انتهى. وقال النسفي: قيل هم العلماء، والدعاة إلى الدين، وفيه دلالة على أن إجماع كل عصر حجة. وانظر شرح المفردات في الآية رقم [١٥٩] ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿وَمِمَّنْ:﴾ (ممّن): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ومن الذين، أو من ناس خلقناهم. ﴿أُمَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية، مستأنفة، لا محل لها. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [١٥٩] ففيه الكفاية لذوي الدراية.\n<span id=\"aya-1136\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ المراد به جميع المكذبين بآيات الله، وهم الكفار. وقيل:\nالمراد بهم أهل مكة. والأول أولى؛ لأن صيغة العموم تتناول الجميع إلا ما دل الدليل على خروجه منه. انتهى. خازن. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ:﴾ قال الأزهري: سنأخذهم قليلا","vol":"3","page":674},{"text":"قليلا من حيث لا يحتسبون، وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من أبواب النعم ما يغتبطون به، ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما يكونون.\nهذا؛ وأصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة، قال الضحاك: المعنى كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة، أي فيظنوا أن تواتر النعم لطف من الله تعالى بهم، فيزدادون بطرا وانهماكا في الضلال حتى يحق عليهم العذاب، وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [/٤٤ ٦] هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ويقرأ: الفعل «(سيستدرجهم)» بياء المضارعة، فيكون فيه التفات من التكلم إلى الغيبة. انظر التفات في الآية رقم [٦/ ٦]. ﴿حَيْثُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٧].\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجوز نصبه على الاشتغال بفعل محذوف، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ:﴾ السين: حرف استقبال، ويقال: حرف تسويف. (نستدرجهم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالياء، يكون الفاعل مستترا تقديره هو، فيحتمل عوده إلى (الله)، وأن يكون ضمير التكذيب المفهوم من الفعل: ﴿كَذَّبُوا،﴾ والجملة الفعلية على جميع الوجوه في محل رفع خبر المبتدأ، ولا محل لها على الاشتغال، وقد رأيت ضعفه. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و﴿حَيْثُ:﴾ مبني على الضم في محل جر، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، ومفعول الفعل محذوف، التقدير: لا يعلمون: أنه استدراج، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1137\"></span>﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ:﴾ أمهلهم. والإملاء: الإمهال. ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ:﴾ إن أخذي شديد قوي. وإنما سماه كيدا؛ لأن ظاهره إحسان، وباطنه خذلان. وقال ابن عباس﵄-: إن مكري شديد، وفي المختار: الكيد: المكر، وربنا جل علاه منزه عن المكر، والكيد، وإنما الكلام من باب المشاكلة، قيل: نزلت الآية والتي قبلها في المستهزءين من قريش. والمعتمد التعميم كما أسلفت. وانظر المشاكلة في الآية رقم [٣٠] (الأنفال).\nالإعراب: ﴿وَأُمْلِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية مستأنفة، وقيل في محل رفع خبر مبتدأ محذوف، التقدير:\nوأنا أملي، وعليه فالجملة اسمية، وهي مستأنفة أيضا. وجوز أبو البقاء عطفها على ما قبلها.\nوهو غير وجيه لاختلاف تقدير الضميرين. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿كَيْدِي:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل","vol":"3","page":675},{"text":"ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَتِينٌ:﴾ خبر:\n ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للإملاء، والإمهال، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1138\"></span>﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ:﴾ انظر الآية رقم [٦٣]. ﴿يَتَفَكَّرُوا:﴾ التفكر: التأمل، وإعمال الخاطر في عاقبة الأمر. ﴿بِصاحِبِهِمْ:﴾ المراد به سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ. وانظر: ﴿أَصْحابُ﴾ في الآية رقم [٣٦]. ﴿جِنَّةٍ:﴾ جنون. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ما الرسول ﷺ إلا منذر للناس من غضب الله وعقابه وموضح لهم ما ينفعهم، وما يضرهم. هذا؛ وانظر إعلال: ﴿مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [٥٩] (الأنعام). وانظر (جن) في الآية رقم [٧٦] منها تجد ما سيرك.\nتنبيه: قال قتادة: ذكر لنا: أن نبي الله محمد ﷺ قام على الصفا ليلا، فجعل يدعو قريشا فخذا فخذا «يا بني فلان، يا بني فلان، إني لكم نذير مبين»، وكان يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت إلى الصباح، فأنزل الله ﷿ الآية الكريمة، وإنما نسبوه إلى الجنون، وهو بريء منه؛ لأنه ﷺ خالفهم في الأقوال، والأفعال؛ لأنه كان معرضا عن الدنيا، ولذاتها، مقبلا على الآخرة ونعيمها، مشتغلا بالدعاء إلى الله تعالى، وإنذار بأسه ونقمته ليلا ونهارا من غير ملال، ولا ضجر. فعند ذلك نسبوه إلى الجنون، فبرأه الله من الجنون، وهو بريء منه. انتهى خازن، وجمل بتصرف.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقريع، وتوبيخ. الواو: حرف عطف. لم:\nحرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَتَفَكَّرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الواو. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿بِصاحِبِهِمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿جِنَّةٍ:﴾\nمبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به للفعل قبلها المعلق عن العمل لفظا بسبب ﴿ما﴾ النافية. هذا؛ ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ ثم ابتدأ كلاما آخر. إما استفهام إنكار، وإما نفيا. انتهى جمل. ولا أرى الاستفهام قويّا، وأعتمد الوجه الأول. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة: ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"3","page":676},{"text":"<span id=\"aya-1139\"></span>﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ:﴾ هو مثل الآية السابقة. ﴿يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ..﴾. إلخ: نظر تفكر، واعتبار، واستدلال. (الملكوت): الملك العظيم، فهو من أبنية المبالغة وانظر الآية رقم [٧٥] الأنعام.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ انظر الآية رقم [١] منها. ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ:﴾ مما يقع عليه الشيء من الأجناس، التي لا يمكن حصرها؛ ليدلهم على كمال قدرة صانعها، ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها، وليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥]. ﴿اللهُ:﴾\nانظر رقم [٨٧]. ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ:﴾ والمعنى: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم، فيسارعوا إلى طلب الحق، والتوجه إلى ما ينجيهم قبل معاينة الموت، ونزول العذاب. انتهى بيضاوي.\n ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ:﴾ تعجب من حال الكفار. والمعنى: فبأي كتاب بعد الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ يؤمنون إذا لم يؤمنوا به، ويصدقوا بتعاليمه، وليس بعد كتابه كتاب؛ لأنه خاتم الرسل، وكتابه خاتم الكتب، لانقطاع الوحي بعده إلى يوم القيامة. انتهى. خازن.\nقال القرطبي: استدل بهذه الآية، وأمثالها من قال بوجوب النظر في آيات الله، والاعتبار بمخلوقاته، قالوا: وقد ذم الله من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم، فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها..﴾. إلخ الآية رقم [١٧٩]. انتهى بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ في الآية السابقة. ﴿فِي مَلَكُوتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و﴿مَلَكُوتِ:﴾\nمضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على: ﴿مَلَكُوتِ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: وفي الذي خلقه الله. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من العائد المحذوف، و(من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه، وجوز أبو البقاء اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد، مبني على فتح مقدر على الألف، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في محل رفع فاعل:\n ﴿عَسى،﴾ وهو تام هنا، وإن كان من أفعال الرجاء. وجملة: ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ﴾ في محل رفع خبر: ﴿أَنْ،﴾ و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر معطوف على:\n ﴿مَلَكُوتِ،﴾ وعلى اعتبار: ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل: ﴿عَسى﴾ بمصدر في محل جر... إلخ. ﴿قَدِ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِقْتَرَبَ:﴾ ماض. ﴿أَجَلُهُمْ:﴾","vol":"3","page":677},{"text":"فاعل: ﴿اِقْتَرَبَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿يَكُونَ،﴾ وعلى هذا يكون اسم ﴿يَكُونَ﴾ ضمير شأن محذوفا، وهو قول الزمخشري والبيضاوي والنسفي، وجوز السمين اعتبار ﴿أَجَلُهُمْ﴾ اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخرا، وجملة: ﴿قَدِ اقْتَرَبَ﴾ في محل نصب خبر مقدما، وعليه ففاعل ﴿اِقْتَرَبَ﴾ ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى متأخر لفظا، وأرى أن ﴿يَكُونَ﴾ و﴿اِقْتَرَبَ﴾ قد تنازعا: ﴿أَجَلُهُمْ﴾ فالمسألة من باب التنازع تأمل جيدا يظهر لك ذلك جليّا بعونه تعالى. ﴿فَبِأَيِّ﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بأي): متعلقان بالفعل بعدهما، و(أي) مضاف، و﴿حَدِيثٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿بَعْدَهُ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة: ﴿حَدِيثٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، انظر التقدير في الشرح. هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ متعلق بقوله ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ قال السمين: يعني التعلق المعنوي، المرتبط بما قبله، لا الصناعي، وهو واضح.\nانتهى. جمل بتصرف كبير مني.\n\n<span id=\"aya-1140\"></span>﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ..﴾. إلخ: قال المفسرون: هذا تعليل لإعراضهم عن الإيمان. وعن التفكر في آيات الله، والنظر في ملكوت السموات، والأرض. والمعنى: من كتب الله له الضلالة في الأزل؛ فلا يهتدي إلى الإيمان، ولا إلى النظر في شيء مما ذرأ الله في هذا الكون. وانظر الآية رقم [١٧٨] وما أحلت عليها هناك. ﴿وَيَذَرُهُمْ:﴾ يتركهم، ويقرأ بالياء والنون، والرفع والجزم مع الياء لا غير، وعلى قراءة النون يكون فيه التفات من الغيبة إلى التكلم. انظر الالتفات في الآية رقم [٦/ ٦] وانظر الآية رقم [٦٩]. ﴿طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٦/ ١١٠] وانظر الآية [١٧١].\nالإعراب: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ انظر: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ في الآية رقم [١٧٨] فإعرابهما واحد بلا فارق. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل (إنّ).\n ﴿هادِيَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر (لا)، فأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه؛ فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿هادِيَ،﴾ كما يجوز تعليقهما به لأنه اسم فاعل، وعليهما فخبر (لا) محذوف، تقديره: موجود، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وانظر باقي الإعراب في الآية [١٧٨]. والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ أو الفعلية على الاعتبار الثاني تعليل كما رأيت في الشرح، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَيَذَرُهُمْ:﴾ بالجزم","vol":"3","page":678},{"text":"معطوف على محل جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ وعلى قراءة الرفع، فالفاعل تقديره:\n «نحن» على قراءة النون، وتقديره «هو» على قراءة الياء، والجملة الفعلية على الاعتبارين في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، فعلى الأول التقدير: ونحن نذرهم، وعلى الثاني التقدير: وهو يذرهم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، والهاء مفعول به. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٦/ ١١٠] فإنه جيد.\n\n<span id=\"aya-1141\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾\nالشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أي: أهل مكة، أو بعض اليهود، كما ستراه آخرا. وانظر ما ذكرته في: (سأل) في الآية رقم [٨/ ١] تجد ما يسرك. ﴿السّاعَةِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٤]. ﴿أَيّانَ مُرْساها:﴾ متى وقوعها؟ وقيل: متى إثباتها، واستقرارها؟ ورسو الشيء: ثباته، واستقراره، ومنه: رسا الجبل، وأرسى السفينة. وهذا على فتح الميم، والأول على ضم الميم. ﴿قُلْ:﴾\nانظر «القول» في الآية رقم [٥]. ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أي: علم وقوع الساعة، وهو يوم القيامة، عند الله، استأثر به، فلم يطلع عليه نبيّا مرسلا، ولا ملكا مقربا. ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ أي:\nلا يظهر الساعة في وقتها المحدد لها إلا الله تعالى. ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خفي علمها على أهل السموات والأرض، وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد.\nوقال ابن جريج، والسدي: عظم وصفها على أهل السموات والأرض، وذلك لعظم هولها. وانظر شرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٦/ ١]. ﴿لا تَأْتِيكُمْ:﴾ انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥]. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة على حين غفلة. ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها، كثير السؤال عنها من قولهم: أحفيت في المسألة: إذا بالغت في السؤال عنها؛ حتى علمتها. ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ:﴾ وليس في السؤال، ولا في الجواب تكرار: لأن السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والثاني عن أحوالها من ثقلها، وشدائدها، والفرق بين الجوابين لطيف، وهو أنه لما كان السؤال الأول واقعا عن وقت قيام الساعة عبر عن الجواب فيه بقوله تعالى: «علم وقت قيامها عند ربي»، ولما كان السؤال الثاني واقعا عن أحوالها، وشدائدها، وثقلها عبر عن الجواب فيه بقوله ﷾: ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ لأنه أعظم الأسماء. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن علمها عند الله، وأنه استأثر بعلم ذلك حتى لا يسألوا عنه. وانظر شرح: ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [٨٢].\n ﴿رَبِّي:﴾ انظر الآية رقم [٣].","vol":"3","page":679},{"text":"تنبيه: قال المحققون: سبب إخفاء علم الساعة، ووقت قيامها عن العباد؛ ليكونوا دائما على خوف، وحذر منها؛ لأنهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت؛ كانوا على وجل وخوف منها، فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة، والتوبة، وأزجر لهم عن المعصية، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لتقومنّ الساعة؛ وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومنّ السّاعة وقد رفع أكلته إلى فيه، لا يطعمها».\nمتفق عليه. هذا؛ وقد أخفى الله أمورا أخرى مثل ليلة القدر، وساعة الإجابة يوم الجمعة؛ ليجتهد العبد في كل ليالي شهر رمضان في العبادة، وليكون مجتهدا في الدعاء كل يوم الجمعة.\nتنبيه: قد ثبت: أن للساعة علامات، وهي صغرى، وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن. وأما العلامات الكبرى فعشرة، أذكر منها ظهور المهدي، ونزول عيسى ﵇ وخروج الدجال، وأما خروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك فهو من مبادئ وقوع الساعة، وقيامها كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿عَنِ السّاعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُرْساها:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية بدل من ﴿السّاعَةِ،﴾ فهي في محل جر، والتقدير: يسألونك عن زمان حلول الساعة. وجوز الجمل عن السمين: أن الظرف: ﴿أَيّانَ﴾ منصوب بفعل محذوف رافع ل ﴿مُرْساها﴾ بالفاعلية، وهو مذهب أبي العباس المبرد. انتهى. والمعتمد الأول، وجملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾\nأمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿عِلْمُها:﴾ مبتدأ، وها، في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُجَلِّيها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء... إلخ، و(ها): في محل نصب مفعول به. ﴿لِوَقْتِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل الفعل. ﴿لا يُجَلِّيها،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿ثَقُلَتْ:﴾ ماض، والفاعل","vol":"3","page":680},{"text":"يعود إلى: ﴿السّاعَةِ،﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ضمير:\n ﴿السّاعَةِ،﴾ والرابط عود الضمير إليها، والجملة على تقدير «قد» قبلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَأْتِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿السّاعَةِ﴾ أيضا، والكاف: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال أيضا، فتكون الحال قد تكررت، وهي جملة. ونقل الجمل عن أبي السعود:\nأنه يعتبر الجمل كلها مستأنفة، فإذا تكون في محل نصب مقول القول، وعلى اعتبارها أحوالا، فهي ضمنا في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَغْتَةً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، أو هو مصدر في محل الحال، أي باغتة لكم، ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ: فعل، وفاعل ومفعول به، والمتعلق محذوف اكتفاء بما قبله، والجملة الفعلية مؤكدة لسابقتها لفظا لا محل لها مثلها. ﴿كَأَنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿حَفِيٌّ:﴾ خبرها. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان ب ﴿حَفِيٌّ؛﴾ لأنه اسم فاعل، أو اسم مفعول، والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المفعول به، والرابط الضمير فقط. ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ تقدم إعراب هذه الجملة، وهي مستأنفة، لا محل لها. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف المقدر في الشرح في محل رفع خبر: (لكن)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1142\"></span>﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي..﴾. إلخ: أي: لا أملك لنفسي جلب نفع ولا دفع ضر، ففيه إظهار العبودية لله تعالى، والتبري من ادعاء العلم بالغيب. هذا؛ وقد قدم سبحانه: ﴿ضَرًّا﴾ على: ﴿نَفْعًا﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (يونس). ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أي: أن يطلعني عليه من علم الغيب كرما وفضلا، فيلهمني إياه، ويوفقني إليه. وانظر (النفس) في الآية رقم [٩]. ﴿شاءَ:﴾ انظر الآية رقم [٨٩]. ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ:﴾ المعنى واضح. وانظر إعلال مثل: ﴿كُنْتُ﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿الْغَيْبَ:﴾ كل ما يغيب عن الإنسان. وانظر الآية رقم [٥/ ١١٢]. ﴿مَسَّنِيَ:﴾ أصابني.\n ﴿السُّوءُ:﴾ الفقر والجوع والمرض، وغير ذلك. وانظر الآية رقم [٧٣]. ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ..﴾.\nإلخ: أي ما أنا إلا عبد مرسل للتخويف من الكفر، والمعاصي، وللتبشير بالجنة، والنعيم المقيم للمتقين المطيعين. وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالإنذار والتبشير، ولأنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ انظر الآية رقم [٣١]. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ انظر (الإيمان) في الآية [٢].","vol":"3","page":681},{"text":"تنبيه: قال ابن عباس﵄-: إن أهل مكة قالوا: يا محمد! ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو، فتشتري به، فتربح فيه عند الغلاء، وبالأرض التي يريد أن تجدب، فترحل عنها إلى ما قد أخصبت؟! فأنزل الله الآية الكريمة. انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَمْلِكُ:﴾\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لِنَفْسِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿نَفْعًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿نَفْعًا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿ضَرًّا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾\nأداة استثناء. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي؛ أو شيئا شاءه الله، وجملة: ﴿لا أَمْلِكُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص، مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ في محل نصب خبر كان، وجملة:\n ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم.\n ﴿لاسْتَكْثَرْتُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (استكثرت): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿مِنَ الْخَيْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(لو) ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿مَسَّنِيَ:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿السُّوءُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿أَنَا:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. (بشير): معطوف على ما قبله. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو ب ﴿وَبَشِيرٌ﴾ على التنازع، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة: (قوم). والجملة الاسمية:\n ﴿إِنْ أَنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1143\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٨٩)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [١] (النساء) ففيه الكفاية، مع إبدال (خلق) ب (جعل) وهما بمعنى واحد. وانظر الفرق بينهما في الآية رقم [٦/ ١] وانظر (الزوج) في الآية رقم [١٩]. ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْها:﴾ ليستأنس بها،","vol":"3","page":682},{"text":"ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه، أو جنسه. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها:﴾ جامعها، كنى به عن الجماع أحسن كناية. لأن الغشيان إتيان الرجل المرأة، وقد غشيها، وتغشاها: إذا علاها، وتجللها. والتعبير بما رأيت أدب من آداب القرآن الكريم وهو كثير، فقد رأيت التعبير بالمس في الآية رقم [٢/ ٢٣٦] وهو كناية عن الجماع، وكذلك ﴿لامَسْتُمُ﴾ في الآية رقم [٣/ ٤٣] وفي الآية رقم [٥/ ٧] كناية عن الجماع أيضا عند بعض الفقهاء والمفسرين وغير ذلك، وهذا الأدب تجده في أحاديث الرسول ﷺ، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومن ذلك قول عائشة ﵂: «ما رأيت منه» أي من النبي ﷺ «ولا رأى مني» تعني الفرج. ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ أي:\nلم تلق منه ما يلقى الحبالى من النساء من الكرب والأذى، أثناء الحمل، ولم تستثقله كما يستثقلنه، وهذه الخفة كانت في أول الحمل حين كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ:﴾\nفاستمرت به، أي: قامت وقعدت، وراحت ورجعت، وهي لا تشعر بثقل ذلك الحمل. وقرئ:\n «(فمرت)» بالتخفيف وقرئ «(فاستمرت)» و«(فمارت)» من المور، وهو المجيء والذهاب، أو من المرية، وهي الشك، أي فظنت الحمل وارتابت به في أول الأمر. ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ:﴾ صارت ذا ثقل بكبر الولد في بطنها، وقرب وقت ولادتها. وقرئ بالفعل بالبناء للمجهول، أي: أثقلها حملها.\n ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما﴾ أي: سأل الله آدم وحواء أن يرزقهما ولدا بشرا سويّا مثلهما. ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا..﴾.\nإلخ: أي وحقك إن أعطيتنا ما سألناك لنشكرنك على إنعامك وإفضالك. هذا؛ والشكر صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله.\nتنبيه: ﴿حَمْلًا:﴾ بفتح الحاء، وسكون الميم، قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن، أو على رأس شجرة، والحمل بالكسر ما كان على ظهر، أو رأس. قال الأزهري: وهذا هو الصواب، وهو قول الأصمعي، وقال القرطبي: وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر، وقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل المرأة حمل وحمل، يشبه مرة لاستبطانه بحمل المرأة، ومرة لبروزه، وظهوره بحمل الدابة. انتهى.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ نَفْسٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدَةٍ:﴾ صفة: ﴿نَفْسٍ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿لِيَسْكُنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿نَفْسٍ،﴾ وقد ذكر باعتبار المعنى؛ لأن المقصود آدم، وهو مذكر. ﴿إِلَيْها:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (جعل)، التقدير: جعل منها زوجها؛ لسكونه إليها.","vol":"3","page":683},{"text":"والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: وجوب لوجوب. وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَغَشّاها:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿نَفْسٍ،﴾ وذكر كسابقه، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على القول بحرفية (لمّا) لأنها حينئذ ابتدائية، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿حَمَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى حوّاء المعبر عنها ب ﴿زَوْجَها﴾. ﴿حَمْلًا:﴾ مفعول مطلق إن أريد به المصدر، ومفعول به إن أريد به الولد الذي في بطنها. ﴿خَفِيفًا:﴾ صفته، والجملة الفعلية: ﴿حَمَلَتْ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له وجملة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ﴾ هو مثل سابقه في إعرابه. ﴿دَعَوَا:﴾ ماض، وألف الاثنين فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبَّهُما:﴾ بدل من لفظ الجلالة بدل كل من كل، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، ومتعلق الدعاء محذوف لدلالة الجملة القسمية عليه، أي: دعوا الله في أن يرزقهما ولدا صالحا. وجملة: ﴿دَعَوَا..﴾. إلخ جواب (لمّا) ... إلخ، و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿لَئِنْ:﴾\nاللام: موطئة لقسم محذوف، (إن): حرف شرط جازم. ﴿آتَيْتَنا:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، و(نا): مفعول به أول. ﴿صالِحًا:﴾ صفة للمفعول الثاني المحذوف، أي ولدا صالحا، وجملة: ﴿آتَيْتَنا صالِحًا﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنَكُونَنَّ:﴾ مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، واسم الفعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (نكون)، والجملة الفعلية:\n ﴿لَنَكُونَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه.\nوانظر الآية رقم [٩٠] تجد ما يسرك. والقسم وجوابه فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفسر لجملة الدعاء، كأنه قيل: فما كان دعاؤهما؟ فقيل: كان كذا، وكذا. والثاني: أنه معمول لقول مضمر، تقديره: فقالا: لئن... إلخ. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n\n<span id=\"aya-1144\"></span>﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾\nالشرح: فلما رزق الله آدم وحواء ولدا بشرا سويّا؛ جعلا له شركاء فيما أعطاهما من الولد الصالح. هذا؛ ويقرأ: «(شركا)» بكسر الشين، وكلاهما بمعنى الشريك، والمراد به: إبليس اللعين","vol":"3","page":684},{"text":"أخزاه الله! وعبر بالأول، وهو الجمع عن المفرد على سبيل المبالغة، حيث سميا الولد عبد الحارث كما ستقف عليه، وما فعلاه ليس بإشراك في العبادة، بل هو إشراك في التسمية فقط، وهذا لا يقتضي الكفر. ﴿فَتَعالَى:﴾ تنزه سبحانه، وهو فعل ناقص التصرف يأتي منه المضارع، ولا يأتي منه الأمر. ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧].\nالإعراب: (لمّا): انظر الآية السابقة. ﴿آتاهُما:﴾ ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والهاء مفعول به أول، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿صالِحًا:﴾ صفة لمفعول ثان محذوف. وانظر مثل جملة: ﴿آتاهُما صالِحًا﴾ في الآية السابقة ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿دَعَوَا اللهَ﴾ إفرادا ومحلاّ، والجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ يحتمل تعليقهما بالفعل قبلهما، وبمحذوف حال من: ﴿شُرَكاءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿جَعَلا،﴾ أو بمحذوف صفة: ﴿شُرَكاءَ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nفي الذي، أو في شيء آتاهما إياه، و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.\n ﴿فَتَعالَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تعالى): ماض... إلخ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها وقيل: معطوفة على جملة: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ، وما بينهما اعتراض.\n ﴿عَمّا:﴾ عن: حرف جر. (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: تعالى الله عن شركهم، ولا تحتمل (ما) الموصولة، ولا الموصوفة هنا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1145\"></span>﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾\nالشرح: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ أي: أهل مكة، والمتعلق محذوف، التقدير: به في العبادة. ﴿ما:﴾\nواقعة على الأصنام المعبودة، وأفرد الضمير في الفعل بعدها نظرا للفظها، وجمع في الضمائر:\n ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ نظرا لمعناها، وهو الأصنام، والتعبير عن الأصنام بضمير العقلاء، بالنظر لما يلزم زعمهم فيها من الألوهية المستلزمة للعقل. انتهى جمل.\nتنبيه: في تفسير الآيات المتقدمة كلام كثير وروايات متعددة، أذكر منها ما يلي: قال بعض المفسرين: لما أهبط الله آدم، وحواء إلى الأرض؛ ألقيت الشهوة في نفس آدم، فأصاب حواء، فحملت من ساعتها، فلما ثقل الحمل، وكبر الولد في بطنها، أتاها إبليس، في صورة رجل، فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري؟ قال: إني أخاف أن يكون بهيمة، أو كلبا، أترين في الأرض إلا بهيمة، أو نحوها، قالت: إني أخاف بعض ذلك، قال: وما يدريك من أين","vol":"3","page":685},{"text":"يخرج؟ أمن دبرك، أو من فيك، أو يشق بطنك، فيقتلك؟ فخافت حواء من ذلك، وذكرته لآدم، فلم يزالا في غم من ذلك، ثم عاد إليها إبليس، فقال لها: إني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويّا مثلك، ويسهل عليك خروجه؛ فسميه عبد الحارث، واسم إبليس في الملائكة الحارث، فذكرت ذلك حواء لآدم ﵉، فقال: لعله صاحبنا الذي قد علمت، فعاودها إبليس، فلم يزل بهما حتى غرهما، فلما ولدت سمياه عبد الحارث. انتهى. خازن. وانظر قصة هابيل وقابيل. وما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (المائدة).\nوقال ابن عباس﵄-: كانت حواء تلد لآدم، فيسميه عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس، وقال لهما: إن سركما أن يعيش لكما ولد؛ فسمياه عبد الحارث، فولدت، فسمياه عبد الحارث، فعاش. انتهى. خازن.\nقال القرطبي: ونحو ذلك مذكور في ضعيف الحديث في الترمذي، وغيره، وفي الإسرائيليات كثير ليس له ثبات، فلا يعول عليه من له قلب، فإن آدم وحواء ﵉، وإن غرهما بالله الغرور، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين على أنه قد سطر، وكتب، قال: قال رسول الله ﷺ: «خدعهما مرّتين، خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض». انتهى.\nهذا؛ وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا حملت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سمّيه عبد الحارث فإنّه يعيش، فسمّته فعاش، وكان ذلك من وحي الشّيطان، وأمره». رواه الحاكم، وقال: صحيح، والترمذي، وقال: حسن غريب. وهذا الحديث موجود في تفسير الخازن، وذكره الجلال، وقال الجمل، وفي الكرخي: وقصد الشيخ المصنف بسياق الحديث التلويح بالرد على البيضاوي وغيره: أن هذا الكلام لا يليق بالأنبياء. انتهى.\nقال البيضاوي: ويحتمل أن يكون الخطاب في: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لال قصي من قريش، فإنهم خلقوا من نفس قصي، وكان لها زوج من جنسها قرشية عربية، فطلبا من الله الولد، فأعطاهما أربعة بنين، فسمياهم عبد مناف، وعبد شمس، وعبد قصي، وعبد الدار، ويكون الضمير في (يشركون) لهما، ولأعقابهما المقتدين بهما. انتهى. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَيُشْرِكُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (يشركون): فعل، وفاعل.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُ:﴾\nمضارع، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى الموصول. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿أَيُشْرِكُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (هم): ضمير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُخْلَقُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"3","page":686},{"text":"<span id=\"aya-1146\"></span>﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: إن الأصنام التي يعبدها، ويقدسها الكفار، لا تقدر على نصرهم إذا احتاجوا لذلك. ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ أي: ولا يقدرون على أن يدفعوا عن أنفسهم مكروها، فإن من أراد كسرها قدر عليه، وهي لا تقدر على دفعه، وقصة إبراهيم﵊شاهد صدق على ذلك.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نَصْرًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿نَصْرًا:﴾\nمفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿يَنْصُرُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-1147\"></span>﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ..﴾. إلخ: الخطاب للكفار، وضمير النصب للأصنام، والمعنى. وإن تدعوا آلهتكم إلى طلب هدى، ورشاد كما تطلبونه من الله؛ لا يتابعوكم على مرادكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله، ويجوز أن يكون الخطاب للرسول ﷺ والمؤمنين، والضمير المنصوب للكفار، أي: وإن تدعوا الكفار إلى الإيمان، لا يستجيبوا لكم. وإنما جمع المؤمنون مع الرسول لأن كل واحد منهم يدعو الكفار إلى الإيمان، ويرغبهم فيه، كما فعل أبو بكر الصديق﵁وغيره. هذا؛ وقد قرئ الفعل: «لا يتبعوكم» بتشديد التاء وتخفيفها.\n ﴿سَواءٌ:﴾ اسم بمعنى مستو، وهو ما في الآية، ويأتي بمعنى الوسط، كما في قوله تعالى ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي وسط الجحيم، ويأتي بمعنى العدل، قال تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ وسواء الشيء: غيره، قال الأعشى: [الطويل]\nتجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا\nويستعمل للجمع، فتقول: هم سواء، أي: متساوون، وقد يجمع، فيقال: هم أسواء، والأول أفصح. هذا؛ وسواء السبيل: ما استقام منه، وسواء الجبل: ذروته. ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ:﴾ هو مثل ما تقدم في الخطاب، وغيره. ﴿صامِتُونَ:﴾ ساكتون، والفعل: «صمت» من باب نصر، ويقال: صمت، يصمت من باب حسب يحسب. هذا؛ وقد وقع الالتفات في هذه الآية بالنسبة لسابقتها، وذلك من الغيبة إلى الخطاب. وانظر فائدته في الآية رقم [٦] (الأنعام).","vol":"3","page":687},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَدْعُوهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلَى الْهُدى:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يَتَّبِعُوكُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، وهو جواب الشرط مجزوم مثل سابقه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذ الفجائية و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، وهو أولى من العطف على ما قبله. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام وتسوية. (دعوتموهم): ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به. ﴿أَمْ:﴾\nحرف عطف. ﴿أَنْتُمْ صامِتُونَ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وهمزة التسوية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: دعاؤكم لهم وسكوتكم سواء عليكم في عدم الإفادة. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿سَواءٌ﴾ مبتدأ، والمصدر المؤول خبره، والمعنى لا يتغير. هذا؛ وإنما عدل عن مجيء الجملة الفعلية الواقعة بعد ﴿أَمْ﴾ إلى الاسمية للمبالغة في عدم إفادة الدعاء ببيان مساواته للسكوت الدائم المستمر، وفي السمين: وإنما أتى بالجملة الثانية اسمية؛ لأن الفعل يشعر بالحدوث، ولأنها رأس فاصلة. انتهى جمل بتصرف.\n\n<span id=\"aya-1148\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤)﴾\nالشرح: ﴿تَدْعُونَ:﴾ تعبدون، أو تسمّون. ﴿دُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿عِبادٌ:﴾ جمع: عبد، ويجمع أيضا على عبيد، والمراد مخلوقون، لا المراد:\nأرقاء مستعبدون. ﴿أَمْثالُكُمْ:﴾ جمع مثل بمعنى أشباهكم. وانظر الآية رقم [٩٣] الأنعام.\n ﴿فَادْعُوهُمْ:﴾ اسألوهم جلب نفع، أو دفع ضر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ انظر إعلال: ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] فهو مثله. هذا؛ وقرئ «(إن)» بسكون النون، و«(عبادا)» بالنصب، و«أمثالكم» بالرفع والنصب.\nالمعنى: إن الأصنام التي تعبدونها من دون الله مملوكة لله أمثالكم مسخرة مذللة مثل ما أنتم مسخرون مذللون. وقد وصفها الله بأنها عباد مع كونها جمادا؛ لأن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا: أنها عاقلة، فاهمة، فوردت هذه الألفاظ على وفق معتقدهم.\nوجواب آخر، وهو: أن هذا اللفظ إنما ورد في معرض الاستهزاء بالمشركين.\nوالمعنى: أن قصارى هذه الأصنام؛ التي تعبدونها أحياء عاقلة على معتقدكم، فهم عباد لله أمثالكم، ولا فضل لهم عليكم، فلم عبدتموهم، وجعلتموهم آلهة، وجعلتم أنفسكم عبيدا لهم؟!","vol":"3","page":688},{"text":"انتهى خازن بتصرف كبير. أقول: وأحد هذين الاعتبارين هو الذي سبب إجراء جمع المذكر السالم على الحجارة المعبودة من دون الله في هذه الآية، والآية التالية. وانظر إطلاق (من) على الأصنام في الآية رقم [١٠/ ٣٤]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿دُونِ:﴾\nمضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عِبادٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمْثالُكُمْ:﴾ صفة: ﴿عِبادٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى القراءة الثانية ف (إن): حرف نفي بمعنى (ما)، يعمل عملها وهي حجازية و﴿الَّذِينَ﴾ اسمها مبني على الفتح في محل رفع، و(عبادا): خبرها منصوب و﴿أَمْثالُكُمْ﴾ صفته على نصبه، وعلى رفعه فهو الخبر، و(عبادا): يكون حالا من الضمير المحذوف؛ الذي رأيت تقديره. وهذه القراءة شاذة.\nقال النحاس: وهذه القراءة لا ينبغي أن يقرأ بها؛ لأنها مخالفة للسواد، أي للجمهور، ولأن سيبويه يهملها، ولا يعملها، ولأن الكسائي زعم: أنّ ﴿إِنَّ﴾ لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى (ما) إلا أن يكون بعدها إيجاب، كقوله تعالى ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾.\n ﴿فَادْعُوهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣٨]. (ادعوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. اللام: لام الأمر، وسكنت لثقل الكسرة بعد (الفاء) كما تسكن بعد الواو وثم. (يستجيبوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٧٠].\n\n<span id=\"aya-1149\"></span>﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾\nالشرح: ﴿أَلَهُمْ﴾ أي: للأصنام التي يعبدونها. والاستفهام للتوبيخ، والتقريع، وقد رأيت في الآية السابقة السبب في إطلاق جمع المذكر السالم عليها. ﴿يَمْشُونَ:﴾ إعلاله مثل إعلال:\n ﴿نَسُوا﴾ في الآية رقم [٦/ ٤٤]. ﴿أَيْدٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٨] لشرحه، وإعلاله مثل إعلال:\n ﴿لَآتٍ﴾ في الآية رقم [٦/ ١٣٤]. ﴿يَبْطِشُونَ:﴾ الجمهور على قراءته بكسر الطاء من باب ضرب، وقرأ الحسن البصري وغيره بضم الطاء من باب: قتل، وهي لغة. والبطش: هو الأخذ بعنف.","vol":"3","page":689},{"text":"﴿أَعْيُنٌ:﴾ انظر الآية رقم [١١٦]. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠]. ﴿شُرَكاءَكُمْ:﴾ آلهتكم.\nوالمعنى: ادعوا أصنامكم واستعينوا بهم في عداوتي. ﴿ثُمَّ كِيدُونِ:﴾ فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكر، ولا تمهلوني، فإني لا أبالي بكم لاعتمادي على ولاية الله وحفظه وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٤] من سورة (يونس) عليه الصلاة، والسّلام. ﴿ثُمَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣].\nمعنى الآية الكريمة إن قدرة الإنسان المخلوق إنما تكون بجوارحه المذكورة، فإنها آلات يستعين بها في جميع أموره، والأصنام ليس لها من هذه الأعضاء شيء، فهو مفضل عليها بهذه الأعضاء. فظهر بهذا: أن الإنسان أفضل منها بكثير لعجزها، بل لا فضل لها البتة؛ لأنها حجارة، وجماد لا تضر، ولا تنفع، فكيف يليق بالإنسان العاقل الأفضل أن يشتغل بعبادة الأدون؛ الأرذل، الذي لا يضر، ولا ينفع؟.\nالإعراب: ﴿أَلَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَيْدٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿يَبْطِشُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَبْطِشُونَ بِها﴾ في محل رفع صفة: ﴿أَيْدٍ،﴾ وإعراب ما قبل هذه الجملة، وما بعدها مثلها بلا فارق، والجمل كلها مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اُدْعُوا:﴾ أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿شُرَكاءَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كِيدُونِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، والمفعول محذوف، وهو ياء المتكلم؛ إذ التقدير: فكيدوني. وقد قرئ بها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُنْظِرُونِ:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والمفعول محذوف، وهو ياء المتكلم، مثل سابقه، والجمل الفعلية المتعاطفة في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1150\"></span>﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ (١٩٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلِيِّيَ اللهُ:﴾ متولي أموري، وناصري. وانظر: ﴿أَوْلِياءَ﴾ في الآية رقم [٣].\n ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ:﴾ القرآن. والمعنى: كما أيدني بإنزال القرآن يتولى حفظي، وينصرني. وانظر شرح: ﴿الْكِتابَ﴾ في الآية رقم [٢]. ﴿يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ أي: بنصره، وحفظه، فلا تضرهم عداوة من عاداهم من المشركين، وغيرهم.","vol":"3","page":690},{"text":"قال ابن عباس﵄-: يريد بالصالحين الذين لا يعدلون بالله شيئا، ولا يعصونه بشيء أبدا. هذا؛ وقرئ: «ولى الله» بفتح الياء، وبالإضافة إلى (الله) والمراد به جبريل، قال القرطبي: والقراءة الأولى أبين لقوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَلِيِّيَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة لما قبله، وعلى القراءة الثانية: (ولي): اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف، و(الله): مضاف إليه، و﴿الَّذِي﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. (هو): مبتدأ، وجملة: ﴿يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبارها في محل نصب حال من لفظ الجلالة غير مستبعد، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1151\"></span>﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾\nانظر شرح هذه الآية في الآية رقم [١٩٢] و[١٩٣]. قال الخازن: والفائدة في تكريرها: أن الآية الأولى مذكورة على جهة التقريع، والتوبيخ، وهذه الآية مذكورة على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة، وهو الله الذي يتولى الصالحين بنصره، وحفظه، وبين هذه الأصنام، وهي ليست كذلك، فلا تكون معبودة.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الذين): مبتدأ، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير:\nوالذين تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الفعلية: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. وانظر إعرابها، وإعراب ما بعدها في الآية رقم [١٩٢]. ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبرهما البيضاوي تعليلا لما قبلهما، فتكون بدورها في محل نصب مقول القول.\n<span id=\"aya-1152\"></span>﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا:﴾ يقال في هذه الجملة ما قيل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ في الآية رقم [١٩٣] من الاعتبارين. ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ:﴾\nالخطاب في هذه الجملة للرسول ﷺ، والضمير المنصوب المراد به الكفار، أو الأصنام، فعلى","vol":"3","page":691},{"text":"الأول يكون المعنى: للكفار عيون، ولكن لا يبصرون بها طريق الهدى والرشاد، كما أن لهم آذانا، ولكن لا يسمعون كلمة الحق، والنصح، والسداد. وعلى الثاني يكون المعنى: للأصنام عيون، ولكن لا يبصرون بها. قيل: إن الكفار كانوا يصنعون لأصنامهم عيونا من جواهر ثمينة، وصورا بصورة من ينظر إلى من يواجهه. وإطلاق جمع المذكر السالم على الأصنام سببه ما ذكرته في الآية رقم [١٩٤]. وانظر إعلال (ترى) في الآية [١٤٣].\nالإعراب: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٩٣].\nالواو: حرف استئناف. (تراهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، وجملة: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ في محل نصب حال، واكتفى (ترى) بمفعول واحد؛ لأنه بصري، وجملة (تراهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾\nالواو: واو الحال. (هم): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1153\"></span>﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)﴾\nالشرح: ﴿خُذِ الْعَفْوَ:﴾ استعمل العفو، والصفح عن المسيئين إليك، والمعتدين عليك.\nوقال الخازن: العفو هنا: الفضل، وما جاء بلا كلفة، والمعنى: اقبل الميسور من أخلاق الناس، ولا تستقص عليهم، فيستعصوا عليك، فتتولد منه العداوة، والبغضاء. وقيل: معناه: خذ الفضل من أموال الناس، وذلك قبل أن تفرض الزكاة، فلما فرضت، نسخت ذلك.\nأقول: وهذا لا يناسب المقام. وانظر: ﴿عَفَوْا﴾ في الآية رقم [٩٥]. ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي:\nبالمعروف والجميل من الأفعال، والأخلاق، وقرئ بضمتين مثل: الحلم، قال القرطبي، وهما لغتان، العرف، والمعروف. والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس.\nانتهى. أقول: وضد ذلك المنكر. وانظر الآية رقم [١٥٦] و[٣/ ١٠٤] تجد ما يسرك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٥]. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ:﴾ فلا تجادلهم، ولا تعاملهم بأعمالهم، صيانة لك، ورفعة لقدرك عن مجاوبتهم. وهذا؛ وإن كان خطابا للنبي ﷺ فهو تعليم، وتأديب لجميع خلقه، هذا فإن كان المراد بالجاهلين: الكفار؛ فهو منسوخ بآية السيف بحقهم، وإن كان المراد جفاة العرب، وأجلافهم؛ فالحكم لم ينسخ بحق النبي العظيم. وانظر (الجاهل) في الآية رقم [٦/ ٣٥] تجد ما يسرك.\nتنبيه: روي: أنه لما نزلت الآية الكريمة قال الرسول المعظم ﷺ لجبريل﵇-:\n «ما هذا؟». قال: لا أدري حتى أسأل رب العزة، فسأل، ثم رجع، فقال: «إنّ ربّك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك». ذكره البغوي بغير سند، وقال جعفر","vol":"3","page":692},{"text":"الصادق: أمر الله ﷿ نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه، وقد نظم بعضهم ما قاله جبريل فيما يلي: [الرجز]\nمكارم الأخلاق في ثلاثة... من كملت فيه فذلك الفتى\nإعطاء من تحرمه ووصل من... تقطعه والعفو عمّن اعتدى\nوقال الرسول ﷺ: «إنّ هذه الأخلاق من الله، فمن أراد الله به خيرا منحه خلقا حسنا، ومن أراد به سوءا منحه خلقا سيّئا». رواه الطبراني عن أبي هريرة ﵁. وقال الشاعر الحكيم: [الكامل]\nكلّ الأمور تزول عنك وتنقضي... إلا الثّناء فإنه لك باقي\nولو أنّني خيّرت كلّ فضيلة... ما اخترت غير مكارم الأخلاق\nالإعراب: ﴿خُذِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْعَفْوَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها. ﴿بِالْعُرْفِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَعْرِضْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (أعرض): أمر، وفاعله: أنت. ﴿عَنِ الْجاهِلِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n\n<span id=\"aya-1154\"></span>﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾\nالشرح: ﴿يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ:﴾ ينخسنك منه نخس، أي: وسوسة من الشيطان تحملك على خلاف ما أمرت به، كغضب، وتفكير بشيء غير صالح. هذا؛ والنخس والنزغ والنسغ، والنغز، والهمز، والوسوسة ألفاظ مترادفة، وأصل النزغ: الفساد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف﵇-: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد، فقد شبه سبحانه وسوسة الشيطان وإغواءه للناس بنخس السائق دابته بشيء؛ لتسير..\nهذا؛ وانظر شرح: ﴿الشَّيْطانِ﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال). ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ أي:\nاطلب النجاة من ذلك بالله، فأمر سبحانه العبد أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه، والاستعاذة به، ولله المثل الأعلى، فلا يستعاذ من الكلاب إلا بصاحب الكلاب. ﴿سَمِيعٌ:﴾ يسمع استعاذتك.\n ﴿عَلِيمٌ:﴾ يعلم ما فيه صلاحك، فيحملك عليه، أو هو سميع بأقوال من آذاك، عليم بأفعاله، فيجازيه عليها، مغنيا لك عن الانتقام، ومتابعة الشيطان. هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تبعية، حيث شبه الإغراء على المعاصي بالنزغ، واستعير النزغ للإغراء، ثم اشتق منه ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾.\nقال القرطبي: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال، قال رسول الله ﷺ: «يأتي الشّيطان أحدكم، فيقول له: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له:\nمن خلق ربّك؟ فإذا بلغ ذلك؛ فليستعذ بالله، ولينته».","vol":"3","page":693},{"text":"تنبيه: قال ابن زيد: لما نزلت الآية السابقة؛ قال النبي ﷺ: «فكيف بالغضب يا ربّ».\nفأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nالإعراب: ﴿وَإِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إما): هي (إن) الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة.\nوانظر الآية رقم [٣٥]. ﴿يَنْزَغَنَّكَ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿نَزْغٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿نَزْغٌ:﴾ فاعل، وجملة:\n ﴿يَنْزَغَنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (استعذ): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تعليل للأمر، لا محل لها. هذا؛ وجواب (استعذ) محذوف، أي يدفعه عنك.\n\n<span id=\"aya-1155\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾\nالشرح: ﴿اِتَّقَوْا:﴾ انظر ﴿التَّقْوى﴾ في الآية رقم [٢٦]. ﴿مَسَّهُمْ:﴾ أصابهم. ﴿طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ لمة منه، وهو اسم فاعل من طاف كأنها طافت بهم، ودارت حولهم، فلم تقدر أن تؤثر فيهم. أو من: طاف به الخيال، يطيف طيفا، وقرئ: «(طيف)» على أنه مصدر، وهما لغتان بمعنى واحد. وقيل: بينهما فرق فالطائف ما يطوف حول الإنسان، والطيف الوسوسة. وقال الأزهري: الطيف في كلام العرب: الجنون، وقيل للغضب: طيف؛ لأن الغضبان يشبه المجنون. ﴿الشَّيْطانِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال)، و«ال» فيه للجنس، ولذا جمع الضمير العائد عليه في الآية التالية. ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أي: قدرة الله، وإنعامه عليهم، فتركوا المعصية، وكفوا غضبهم. ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ:﴾ مواقع الخطأ، ومكايد الشيطان بسبب التذكر، فيبتعدون عمّا ذكر. هذا؛ وقد كثر ذكر الطيف، والخيال في الشعر العربي، وهو ما يرى في النوم، أو يتخيل في اليقظة. قال زياد بن حمل: [البسيط]\nفقمت للطّيف مرتاعا فأرّقني... فقلت أهي سرت أم عادني حلم؟\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿اِتَّقَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّهُمْ:﴾ ماض شرط: ﴿إِذا،﴾ والهاء مفعول به. ﴿طائِفٌ:﴾ فاعله،","vol":"3","page":694},{"text":"والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾\nمتعلقان ب ﴿طائِفٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿تَذَكَّرُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، والمفعول محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [١٠٧] بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-1156\"></span>﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ أي: إخوان الشياطين الذين لم يتقوا الله يمدهم الشيطان، وإخوان الشياطين: هم الفجار من ضلال الإنس. ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ:﴾ يزيدونهم غيّا وضلالا بالتزيين والوسوسة. هذا؛ ويقرأ الفعل: «يمدونهم» بفتح الياء وضم الميم من الثلاثي، ويقرأ بضم الياء وكسر الميم من الرباعي، كما يقرأ «(يمادّونهم)»، كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغواء، وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال. ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ:﴾ ثم لا يمسكون عن إغوائهم، والفعل على هذا بضم الياء وكسر الصاد من الرباعي، ويقرأ الفعل بفتح الياء وضم الصاد من الثلاثي، ويكون المعنى: ثم لا يكفون عن اتباع الشياطين، ولا يتوبون، ولا يرجعون إلى الله تعالى، وهؤلاء بخلاف المؤمنين المذكورين في الآية السابقة الذين إذا مسهم طائف من الشيطان. وانظر: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣].\nالإعراب: ﴿وَإِخْوانُهُمْ:﴾ (إخوانهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَمُدُّونَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿فِي الغَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُقْصِرُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n<span id=\"aya-1157\"></span>﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بمعجزة ظاهرة مما اقترحوه عليك. وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] و«آية» في الآية رقم [٩]. ﴿قالُوا:﴾ أي: أهل مكة. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿اِجْتَبَيْتَها:﴾ اختلقتها، وابتدعتها من عندك، كما هو شأنك وعادتك. تقول العرب: اجتبيت الكلام: إذا اختلقته، وابتدعته.\nهذا؛ واجتباه اختاره: واصطفاه. قال الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي ﷺ الآيات تعنتا، فإذا تأخرت اتهموه، وقالوا: لولا اجتبيتها. ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ. ﴿إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أي: أنا لست بمختلق للآيات، ولا بمخترع لها، لا أتبع إلا ما ينزل به جبريل عليّ من عند ربي.","vol":"3","page":695},{"text":"﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: هذا القرآن بصائر للقلوب، بها يبصر الحق، ويدرك الصواب. هذا؛ وبصائر جمع بصيرة، وهي الدلالة الواضحة، فيهتدى بها، فأطلق على القرآن لفظ البصيرة تسمية للسبب باسم المسبب وانظر الآية رقم [١٠٤] من سورة (الأنعام). ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: رشد وبيان وهداية من الضلالة ونعمة شاملة لمن قرأ القرآن وانتفع به. وانظر إعلال (هدى) في الآية رقم [٩١] الأنعام. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ خصهم بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بالقرآن وبتعاليمه.\nتنبيه: قال الخازن: وهنا لطيفة، وهي الفرق بين هذه المراتب الثلاث، وذلك أن الناس متفاوتون في درجات العلوم، فمنهم من بلغ الغاية في علم التوحيد حتى صار كالمشاهد، وهم أصحاب «عين اليقين»، ومنهم من بلغ درجة الاستدلال، والنظر، وهم أصحاب «علم اليقين»، ومنهم المسلم المستسلم، وهم: عامة المؤمنين، وهم أصحاب: «حق اليقين»، فالقرآن في حق الأولين-وهم السابقون-بصائر، وفي حق القسم الثاني-وهم المستدلون-هدى، وفي حق القسم الثالث-وهم عامة المؤمنين-رحمة. انتهى. وانظر الآية رقم [٥٧] (يونس) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ (إذا): انظر الآية رقم [٢٠١]. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم.\n ﴿تَأْتِهِمْ:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق، ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿اِجْتَبَيْتَها:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾\nكافة ومكفوفة. ﴿أَتَّبِعُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّي:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿إِنَّما أَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَصائِرُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿بَصائِرُ،﴾ أو بمحذوف صفة له. (هدى): معطوف على: ﴿بَصائِرُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾\nمعطوفة على ﴿بَصائِرُ﴾ أيضا. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب (رحمة)، أو ب (هدى) على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني لدلالة صفة الأول، أو بالعكس. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾","vol":"3","page":696},{"text":"فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة (قوم)، والكلام: ﴿هذا بَصائِرُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1158\"></span>﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما ذكر ﷾ عظم شأن القرآن بقوله:\n ﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أتبعه بما يجب من تعظيم شأنه عند قراءته، فقال ﷾: ﴿وَإِذا قُرِئَ﴾ عليكم أيها المؤمنون ﴿الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ يعني: أصغوا إليه بأسماعكم لتفهموا معانيه، وتتدبروا مواعظه ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ يعني: عند قراءته، والإنصات السكوت للاستماع، يقال: نصت، وأنصت، وانتصت بمعنى واحد. واختلف العلماء في الحال التي أمر الله ﷿ بالاستماع لقارئ القرآن، والإنصات له إذا قرأ؛ لأن قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضاه أن يكون الاستماع، والسكوت واجبين، وللعلماء في ذلك أقوال:\nالقول الأول: -وهو قول الحسن، وأهل الظاهر-أن تجرى هذه الآيات على العموم، ففي أي وقت، وأي موضع قرئ القرآن يجب على كل أحد الاستماع له، والسكوت.\nالثاني: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة، روي عن أبي هريرة﵁-:\nأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم، فأمروا بالسكوت، والاستماع لقراءة القرآن. وقال عبد الله، كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة: سلام على فلان، وسلام على فلان، فجاء القرآن: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ..﴾. إلخ.\nالثالث: أنها نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام. روي عن أبي هريرة: قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله ﷺ. وعن ابن مسعود ﵁: أنه سمع ناسا يقرءون مع الإمام، فلما انصرف، قال: أما آن لكم أن تفقهوا ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ كما أمركم الله.\nالرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة يوم الجمعة. وهذا القول قد اختاره جماعة، وفيه بعد؛ لأن الآية مكية، والخطبة إنما وجبت يوم الجمعة بالمدينة، واتفقوا على أنه يجب الإنصات حال الخطبة بدليل السنة.\nواختلف العلماء في القراءة خلف الإمام: فذهب جماعة إلى إيجابها، سواء جهر الإمام بالقراءة، أو أسر، يروى ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ، ﵃ أجمعين. وهو قول الأوزاعي، وإليه ذهب الشافعي..\nوذهب قوم إلى أنه يقرأ فيما أسر الإمام فيه، ولا يقرأ فيما جهر الإمام فيه، يروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وبه قال مالك، والزهري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.","vol":"3","page":697},{"text":"وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ سواء أسر الإمام، أو جهر، يروى ذلك عن جابر، وإليه ذهب أصحاب الرأي. أي: السادة الأحناف.\nحجة من لا يرى القراءة خلف الإمام ظاهر هذه الآية، وحجة من قال: يقرأ في السرية دون الجهرية، قال: إن الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن، ودلت السنة على وجوب القراءة خلف الإمام، فحملنا مدلول الآية على صلاة السرية، وحملنا مدلول السنة على صلاة الجهرية، جمعا بين دلائل الكتاب، والسنة.\nوحجة من أوجب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية قال: الآية واردة في غير الفاتحة؛ لأن دلائل السنة قد دلت على وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يفرق بين السرية والجهرية، ويدل عليه ما روي عن عبادة بن الصامت؛ قال: صلّى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «أراكم تقرءون وراء إمامكم!». قال، قلنا يا رسول الله: أي والله! قال:\n «لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». أخرجه الترمذي بطوله، وأخرجاه في الصحيحين أقصر منه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج، يقولها ثلاثا». أي غير تمام. انتهى. بتصرف بسيط، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: (إذا): انظر الآية رقم [٢٠١]. ﴿قُرِئَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْقُرْآنُ:﴾\nنائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا): إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿فَاسْتَمِعُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (استمعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجوز اعتبار اللام زائدة، فيكون الضمير مجرورا لفظا، منصوبا محلاّ على أنه مفعول به. وجملة: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة، وما ذكرته من الترجي في الآية رقم [٦٣].\n\n<span id=\"aya-1159\"></span>﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّكَ:﴾ انظر الآية [٣]. ﴿نَفْسِكَ:﴾ انظر (النفس) في الآية رقم [٩]. ﴿تَضَرُّعًا:﴾\nانظر الآية رقم [٥٥]. ﴿وَدُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿بِالْغُدُوِّ:﴾ جمع غدوة بضم الغين، وهي ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس، وقيل: إلى الضحوة الكبرى، والغداة في الأصل: الضحوة، ولو حملها حامل على أول النهار؛ جاز له التذكير، والجمع: غدوات. ﴿وَالْآصالِ:﴾ جمع: أصيل، وهو الوقت بين العصر، والمغرب، ويجمع أيضا على أصائل، وأصل، وأصلان. وقيل: أصائل جمع","vol":"3","page":698},{"text":"أصل، أي فهو جمع الجمع. وليس بشيء. هذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس إلى الماء، فيشبه لون أشعته في الماء لون الذهب وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران)، والآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام)، ففيهما كبير فائدة. هذا؛ و(خيفة) أصلها: (خوفة) فوقعت الواو ساكنة إثر كسرة، فقلبت ياء، فهو واوي الأصل من الخوف.\nتنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-الخطاب للنبي ﷺ، ويدخل فيه غيره من أمته؛ لأنه عام لسائر المكلفين، ثم قال: والمعنى: اذكر ربك بالبكر، والعشيات. وإنما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأن الإنسان يا قوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت، فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم، وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله ﷿، وأما وقت الآصال، وهو آخر النهار، فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت، فيستحب له أن يستقبله بالذكر؛ لأنه حالة تشبه الموت، ولعله لا يا قوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله، ﷿. ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ أي: عما يقربك إلى الله تعالى من ذكر، وصلاة وغيرهما، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي نَفْسِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَضَرُّعًا:﴾ حال من الفاعل المستتر، بمعنى: متضرعا متذللا.\nوقيل: هو مفعول لأجله. وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف. ﴿وَخِيفَةً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَدُونَ:﴾ قدر البيضاوي ما يلي: ومتكلما كلاما فوق السر، ودون الجهر، وهذا يعني أن (دون) معطوف على محذوف هو (فوق) وهذا متعلق بمحذوف معطوف بدوره على ﴿تَضَرُّعًا﴾ و(خيفة)، وقول أبي البقاء: معطوف على «تضرع»، والتقدير: مقتصدين؛ لا وجه له، و(دون) مضاف، و﴿الْجَهْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْجَهْرِ،﴾ ويجوز تعليقهما بالجهر نفسه لأنه مصدر، وقول الجمل: «كأن هذا حال من: (دون)، أي حال كون الدون كائنا من القول» لا وجه له. ﴿بِالْغُدُوِّ:﴾ متعلقان بالفعل: (اذكر). (الآصال):\nمعطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب (لا)، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْغافِلِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ وجملة: ﴿وَلا تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اذكر...) إلخ لا محل لها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.\n\n<span id=\"aya-1160\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ:﴾ المراد بهم الملائكة بالإجماع، والمراد بالعندية: القرب من الله بالزلفى، والرضا، لا المكانية. وفي القرطبي: ومعنى العندية: أنهم في مكان لا ينفذ فيه","vol":"3","page":699},{"text":"إلا حكم الله. وقيل: هذا على جهة التشريف لهم، وأنهم بالمكان المكرم، فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة. ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ..﴾. إلخ: عدم الكبر يجر للطاعة، والطاعة إما قلبية، وإما بدنية، فأشار للأولى بقوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ لأن التسبيح: التنزيه، والتعظيم، وهو يكون باللسان. وإلى الثانية بقوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يخصونه بالخضوع، والتذلل، والسجود برهان ذلك، وهو يكون بالبدن.\nتنبيه: يسن سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية، وهي أول آية يسن السجود عند تلاوتها، والآيات التي يسن السجود لتلاوتها هي أربع عشرة، والدليل هو سجود النبي ﷺ. فعن عبد الله بن عمر﵄-: أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة. متفق عليه، وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السّجدة، فسجد؛ اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار!». رواه مسلم. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَنْ عِبادَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. (له): متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ معطوفة على خبر: ﴿إِنَّ،﴾ فهي في محل رفع، والفعل المضارع في الجمل الثلاث مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة فاعله.\nتمت سورة (الأعراف) بحمد الله، وتوفيقه، والله أسأل، وبنبيه أتوسل أن يعين على إتمامه، وأن ينفع به المسلمين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"3","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1163>سورة الأنفال</span>\nهي مدنية كلها، وهو الأصح كما في الخازن، وإن كانت الآيات السبع المذكورة في شأن المؤامرة التي عقدها زعماء قريش ليلة الهجرة في مكة، إذ لا يلزم من كون الواقعة في مكة أن تكون الآيات التي في شأنها كذلك، فالآيات المذكورة، نزلت بالمدينة تذكيرا للنبي ﷺ بما وقع في مكة.\nوهي خمس وسبعون آية، وألف وخمس وسبعون كلمة، وخمسة آلاف، وثمانون حرفا، وانظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (الفاتحة).\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-1161\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾\nالشرح: ﴿الْأَنْفالِ﴾: الغنائم، جمع نفل بفتح النون والفاء، هذا والنّفل: الزيادة، ومنه نافلة الصلاة والصوم والحج، والصدقة التي يفعلها الإنسان المسلم زيادة على المكتوبات، وجمع النافلة: نافلات، ونوافل، هذا والنافلة العطية بدون مقابل كأنها مغنم، ومن هذا قوله سبحانه ممتنّا على إبراهيم ﵇ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢].\n ﴿لِلّهِ﴾: علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال.\n ﴿وَالرَّسُولِ﴾: المراد به هنا: محمد ﷺ، هذا وتعريفه بالنسبة لجميع الرسل: هو ذكر، حر، من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، وإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبي، هذا والنبي مأخوذ من النبأ وهو: الخبر؛ لأنه يخبر عن ربه فيما أوحي إليه، وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأنه رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق.\nوانظر عدد الأنبياء والمرسلين، وما ذكرته بشأنهم في الآية رقم [١٦٣] (النساء). و[٨٦] (الأنعام) تجد ما يسرك. ﴿فَاتَّقُوا﴾: أمر من التقوى وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال","vol":"4","page":5},{"text":"أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة البقرة، هذا وأصل اتقوا: (اتّقيوا) فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة.\n ﴿ذاتَ﴾: مؤنث ذو، الذي هو بمعنى صاحب، وقد يثنى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي كذا، من غير رد لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنى ذو بذوا، أو ذوي على لفظه، ويجوز فيها (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهو الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ وقال ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ وانظر الآية رقم [١١٩] من آل عمران تجد ما يسرك. ومعنى ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الحال التي بينكم أصلحوها بالمودة وترك النزاع، والمواساة والمساعدة فيما رزقكم، وتسليم الأمر لله ورسوله، هذا و«البين» يطلق على الوصال، والفراق، والبعاد، كما رأيت في الآية رقم [٩٤] الأنعام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [١] الأعراف. هذا؛ و«السؤال» في هذه الآية سؤال استفتاء: لأن هذا أول تشريع الغنيمة، و«سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى بعن، كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين، نحو سألت زيدا مالا.\nتنبيه: سبب نزول الآية الكريمة وما بعدها اختلاف المسلمين في غنائم بدر: أنها كيف تقسم؟ ومن يقسم له: المهاجرون، أو الأنصار؟ وقيل: شرط رسول الله ﷺ لمن كان له عناء أن ينفله، فتسارع شبانهم إلى القتال حتى قتلوا سبعين رجلا من المشركين، وأسروا سبعين منهم، ثم طلبوا ما شرط لهم النبي ﷺ من العطية، وكان المال المكتسب من المشركين قليلا، فقال الشيوخ، والوجوه الذين كانوا عند الرايات مرابطين: إنا كنا ردءا لكم، وفئة تنحازون إليها، فنزلت الآية الكريمة، فبينت: أن الغنائم لله ورسوله يجعلانها حيث شاءا، والله قد وكل إلى نبيه أمر تقسيمها، فهو يمتثل أمر الله فيها، فقسمها بينهم على السواء، وانظر الآية رقم [٤٢] الآتية، فإنها ناسخة لحكم هذه الآية، وهذه الآية ناسخة لشرع من كان قبلنا؛ حيث كانت الغنائم محرمة عليهم، إذا هذه الآية ناسخة من وجه، ومنسوخة من وجه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وفاعل السؤال يعود إلى معلوم، وهو من حضر بدرا. ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني، وقيل: ﴿عَنِ﴾ صلة، والأنفال مجرور لفظا، منصوب محلا، وأيد بقراءة سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعلي بن الحسين وغيرهم، ﵃ أجمعين «(يسألونك الأنفال)» بدون عن، والصحيح أن هذه القراءة على إرادة حرف الجر. انتهى. جمل، نقلا عن السمين، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَنْفالِ﴾: مبتدأ.","vol":"4","page":6},{"text":"﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قُلِ﴾ إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالرَّسُولِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة. ﴿فَاتَّقُوا﴾: الفاء:\nهي حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها وأمثالها الفصيحة. (اتقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، وجملة: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَأَصْلِحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها.\n ﴿ذاتَ﴾: مفعول به منصوب، و﴿ذاتَ﴾ مضاف و﴿بَيْنِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٤] التوبة، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم مؤمنين فاتقوا الله... إلخ، أي: فإن الإيمان يقتضي أمورا ثلاثة، التقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله.\n\n<span id=\"aya-1162\"></span>﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: الكاملون في الإيمان. ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فزعت لذكر الله، استعظاما له، وتهيبا من جلاله، وقيل: هو الرجل يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فينزع عنها خوفا من عقابه. ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ أي: كلما جاءهم شيء من عند الله؛ آمنوا به، فيزدادون بذلك إيمانا وتصديقا، وذلك لاطمئنان النفس، ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلة أو بالعمل بموجبها، وهو قول من قال: الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو قول الأشاعرة، وهو الصحيح.\nوقال الماتريدية: الإيمان التصديق، وهو لا يزيد ولا ينقص، وتأولوا ما ورد في ذلك بأن الزيادة إنما هي في المؤمن به، وقال الأشاعرة: الإيمان أربعة أقسام: يزيد وينقص، وهو إيمان الأمة إنسا وجنا، ولا يزيد ولا ينقص، وهو إيمان الملائكة على المشهور، ويزيد ولا ينقص، وهو إيمان الأنبياء، وينقص ولا يزيد، وهو إيمان الفساق، وقد احتجوا على ذلك بحجج نقلية وعقلية، فمن النقلية الآية وغيرها، وما روي عن ابن عمر ﵄ أنه سأل النبي ﷺ:\nالإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتّى يدخل صاحبه النار». وقوله ﵊: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمّة لرجح به». قال اللقاني رحمه الله تعالى: [الرجز]\nورجّحت زيادة الإيمان... بما تزيد طاعة الإنسان","vol":"4","page":7},{"text":"ونقصه بنقصها، وقيل: لا... وقيل: لا خلف كذا قد نقلا\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٥] التوبة و[١٢٦] منها تجد ما يسرك، وكذلك الآية رقم [٦٧] المائدة. وجملة القول إن الإيمان هو التصديق، وإن النطق بالشهادتين شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، وإن الإيمان يزيد، وينقص كما هو التحقيق نتيجة لأعمال الفرد. وانظر شرح (زاد) في الآية رقم [٦٨] الأنعام، ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: يفوضون أمورهم، ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه. وانظر شرح ﴿رَبِّكُمْ﴾ في الآية رقم [٣] الأعراف. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: انظر الآية رقم [٦٢] الآتية.\nتنبيه: ذكر الله في هذه الآية: أن المؤمنين يخافون الله عند ذكره، وذكر في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾ والجمع بين الآيتين: أن الخوف يكون من ذكر عقابه، والاطمئنان يكون بذكره بصفات الجمال، فينشرح الصدق بنور المعرفة، ويطمئن القلب بقوة اليقين، وهذا مقام الخوف والرجاء، وقد جمعا في آية واحدة ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ والمعنى: تقشعر جلودهم من خوف عقاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند ذكر الله رجاء ثوابه.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقابه، لا كما يفعله جهال العوام، والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير، ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم: أن ذلك وجد وخشوع، لم تبلغ أن تساوي حال الرسول، ولا حال أصحابه في المعرفة بالله والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله، والبكاء خوفا من الله. انتهى. وانظر الآية رقم [٣٥].\nتنبيه: فإذا كانت الآية الكريمة قد أفادت: أن إيمان الصحابة كان يزداد بنزول الآيات، فآية البقرة رقم [١٠] قد أفادت بأن نفاق المنافقين كان يزداد نفاقا كلما نزلت الآيات القرآنية، وكذلك الآية رقم [١٢٥] وما بعدها من سورة التوبة.\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [٢٠٠] الأعراف. ﴿ذُكِرَ﴾:\nماض مبني للمجهول. ﴿اللهُ﴾: نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح، وجملة ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول، والجملة الاسمية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها، وإعراب ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ واضح إن شاء الله تعالى، و﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، فهو من جملة الصلة. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما، الهاء ضمير","vol":"4","page":8},{"text":"متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط الواو والضمير، أو هي مستأنفة، وجوز عطفها على جملة الصلة وعلى هذين الوجهين لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1163\"></span>﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ..﴾. إلخ أي: يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها وأركانها في أوقاتها، وينفقون أموالهم فيما أمرهم الله به في وجوه الخير، ويدخل فيه النفقة في الزكاة، والحج، والجهاد، وغير ذلك من الإنفاق في أنواع البر والطاعات. انتهى. خازن بتصرف، هذا؛ وانظر شرح الصلاة والزكاة في الآية رقم [٦] التوبة.\nهذا؛ وقد قال الزمخشري: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، مثل: نفق ونفد، ونفث، ونفخ ونفش... إلخ، هذا؛ وأصل يقيمون: (يؤقومون) حذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل: أأقوم، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار. (يقومون) ثم يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، وهي الكسرة إلى القاف، فصار (يقومون) ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل أجاب يجيب، وأكرم يكرم... إلخ، كما حذفت الهمزة الثانية من يؤمنون؛ لأن ماضيه آمن، وأصله أأمن، والمضارع يؤأمن أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]\nفإنّه أهل لأن يؤكرما\nولا تنس: أن هذه المزيدة تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم ومكرم، والقياس مؤكرم ومؤكرم، وقس على ذلك، تنبه لذلك واحفظه، وقل في ﴿يُنْفِقُونَ﴾ ما قلته فيه، فإنه من أنفق الرباعي أيضا.\nتنبيه: وصف الله المؤمنين في هذه الآيات بخمس صفات: ثلاث منها قلبية، وهي المذكورة في الآية السابقة، واثنتان في هذه الأولى، إحداهما: بدنية، وهي الصلاة. وثانيتهما:\nمالية، وهي إنفاق الأموال، وانظر ما وصف الله بها المتقين في مطلع سورة البقرة، وما وصف به المخبتين في سورة الحج رقم [٣٥] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.","vol":"4","page":9},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: بدل مما قبله، وقول الجمل: صفة ل ﴿الَّذِينَ﴾ قبله لا وجه له البتة، وجملة ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ صلته لا محل لها. ﴿وَمِمّا﴾: متعلقان بما بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: رزقناهم إياه، ولا تحتمل (ما) المصدرية، وجملة: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1164\"></span>﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: أي: الموصوفون بالصفات الخمس المذكورة. ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا؛﴾ لأنهم حققوا إيمانهم بمكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص، والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح؛ التي هي عبارة عن الصلاة، وإنفاق الأموال. انتهى. بيضاوي بتصرف، ومعنى ﴿حَقًّا﴾: يقينا لا شك فيه، قال الخازن: وفيه دليل على أنه لا يجوز أن يصف أحد نفسه بكونه مؤمنا حقا؛ لأن الله ﷾ إنما وصف بذلك أقواما مخصوصين على صفات مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الصفات فيه، وللفقهاء اختلاف في ذلك ونحوه.\nفقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-يجوز أن يقول المسلم: أنا مؤمن حقا، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.\nوقال الشافعي-رحمه الله تعالى-يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله ولكل وجهة هو موليها.\n ﴿دَرَجاتٌ﴾: كرامة وعلو منزلة.\nوقيل: درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم؛ لأن المؤمنين تتفاوت أحوالهم في الأخذ بتلك الأوصاف المذكورة، ودرجات الجنة على قدر الأعمال، فعن أبي هريرة ﵁، قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين مائة عام». أخرجه الترمذي. وله أيضا عن أبي سعيد الخدري﵁-: أن النبي ﷺ قال: «إنّ في الجنة مائة درجة، لو أنّ العالمين اجتمعوا في إحداهنّ لوسعتهم». ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي:\nلا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كد الاكتساب، وخوف الحساب، لا منة فيه، ولا عذاب. هذا؛ ومعنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ،﴾ هذه العندية عندية تشريف، لا عندية مكان وإحاطة، وقيل: المراد بها: المجاز عن قربهم بالتكرمة، وعلو الشأن. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع\nإلخ، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا مبنيا على السكون في محل رفع. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾:","vol":"4","page":10},{"text":"خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿حَقًّا﴾: مفعول مطلق بفعل محذوف، التقدير: أحقه حقا، أو هو صفة لمصدر محذوف، التقدير: هو المؤمنون إيمانا حقا، أو هو حال مؤكد لمضمون الجملة الاسمية، كقولك: هو عبد الله حقا، أي: حالة كونه محقا. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دَرَجاتٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة ﴿دَرَجاتٌ،﴾ و﴿عِنْدَ﴾: مضاف و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ﴾:\nمعطوفان على ﴿دَرَجاتٌ،﴾ ﴿كَرِيمٌ﴾: صفة (رزق)، والجملة الاسمية ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1165\"></span>﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾: هذا خطاب من الله تعالى لرسوله ﷺ، وهذا الخروج كان للتعريض لعير قريش، ثم تحول للقتال في وادي بدر، وذلك أن عير قريش رجعت من بلاد الشام، وفيها تجارة عظيمة، ومعها أربعون رجلا بزعامة أبي سفيان بن حرب، فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ بذلك، فندب المسلمين لتلقيها، ففرحوا لقلة الرجال، وكثرة المال، فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة، فوقف أبو جهل فوق الكعبة، ونادى: يا أهل مكة النجاء، النجاء، على كل صعب وذلول، عيركم وأموالكم، إن أصابها محمد، فلن تفلحوا بعدها أبدا.\nوكانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت في منامها قبل ثلاثة أيام: أن ملكا نزل من السماء، فأخذ صخرة من الجبل، فحلق بها فوق مكة ورماها، فلم يبق بيت من مكة إلا أصابه منها، فحدثت بذلك العباس، وبلغ ذلك أبا جهل اللعين، فقال: ما يرضى رجالهم حتى تنبأت نساؤهم، ثم خرج بأهل مكة، وسار بهم إلى بدر، وهو واد فيه ماء، كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوما في السنة.\nوكان الرسول ﷺ بوادي دفران، فنزل جبريل ﵇ بالوعد بإحدى الطائفتين، إما العير، وإما قريش، فاستشار فيه أصحابه، فقال بعضهم: هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهل له، إنا خرجنا للعير، فرد عليهم، وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير، ودع العدو، فغضب رسول الله ﷺ، فقام أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فأحسنا، ثم قال مقداد بن عمرو: امض لما أمرك الله، فإنا معك حيث ما أحببت ولا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك، فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك، فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فتبسم رسول الله ﷺ، ثم قال:\nأشيروا علي أيها الناس، وهو يريد الأنصار؛ لأنهم كانوا قد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برآء","vol":"4","page":11},{"text":"من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: أجل.\nقال: إنا قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، فسر ﵊ بذلك، ثم قال:\nسيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين: العير أو النفير، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، وانتهت غزوة بدر بقتل سبعين وأسر سبعين من رجال قريش، وعلى رأسهم رأس الكفر أبو جهل الخبيث لعنه الله تعالى. ﴿فَرِيقًا﴾: انظر الآية رقم [٣٠] من سورة الأعراف. ﴿لَكارِهُونَ﴾ أي: الخروج إلى القتال كما رأيت، وتفسير السورة آية آية يوضح لك غزوة بدر، وقد أغرب القرطبي كل الغرابة حين قال: أي لكارهون ترك مكة وترك أموالهم وديارهم؛ فإن مجرى الآيات لا يؤيده أبدا!\nالإعراب: ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. ﴿أَخْرَجَكَ﴾: ماض، والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكاف المفعول به، أي ملتبسا بالحق، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور، ذكر السمين في تعليقهما عشرين وجها، كلها غير معقولة المعنى سوى اعتبارهما متعلقين بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: قل: الأنفال ثابتة لله والرسول مع كراهيتهم ثبوتا مثل ثبوت إخراج ربك إياك من بيتك، وهم كارهون، وأرى وجها لم يذكره أحد، وهو أن الجار والمجرور متعلقان بخبر محذوف مع مبتدأ محذوف يؤخذ من معنى الكلام السابق، التقدير: شأنهم في اختلاف الغنائم كائن كإخراجك من بيتك بالحق في حال كراهيتهم لهذا الخروج، وقدر الجلال وابن هشام في مغنيه قريبا من هذا، ولكنه غير واضح مثله. تأمل. ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿فَرِيقًا﴾: اسم (إن). ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان ب ﴿فَرِيقًا﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿لَكارِهُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (كارهون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الاسمية (إن...) إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾.","vol":"4","page":12},{"text":"<span id=\"aya-1166\"></span>﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ..﴾. إلخ: أي يجادلك بعض المؤمنين في إيثارك الجهاد لإظهار الحق، وهم يؤثرون تلقى العير، وجدالهم كان بقولهم: لم تخبرنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، وإنما خرجنا لطلب العير، ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ أي: لهم أنك لا تصنع شيئا إلا بأمر ربك، وتبين لهم صدقك في الوعد. ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ..﴾. إلخ: أي يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت: وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم، لا لضعف إيمانهم. هذا؛ والموت انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب:\nقسوته فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿فِي الْحَقِّ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿بَعْدَ ما﴾:\n (بعد): ظرف زمان متعلق بما قبله أيضا. (ما): مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى الحق في الظاهر، وفي الحقيقة محذوف، انظر تقديره في الشرح، و(ما) المصدرية والفعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (بعد) إليه، التقدير: بعد تبيين صدقك في الوعد، وجملة ﴿يُجادِلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها حالا من كاف الخطاب، أو من الضمير المستتر في ﴿لَكارِهُونَ﴾ والرابط على الاعتبارين الضمير فقط. ﴿كَأَنَّما﴾: كافة ومكفوفة.\n ﴿يُساقُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿إِلَى الْمَوْتِ﴾: متعلقان به، وجملة ﴿كَأَنَّما..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿لَكارِهُونَ﴾ فهي حال متعددة، أو من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من نائب الفاعل، والرابط: الواو والضمير، وهي حال متداخلة.\n<span id=\"aya-1167\"></span>﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿يَعِدُكُمُ﴾: انظر إعلال ﴿تَجِدُ﴾ في الآية رقم [١٧] الأعراف. فهو مثله، وانظر الوعد في الآية رقم [٤٤] الأعراف. ﴿اللهَ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾: العير أو النفير، وانظر الآية رقم [٨٧] (الأعراف)، ﴿وَتَوَدُّونَ﴾: تحبون. ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ أي:\nالعير، فإنه لم يكن معها سوى أربعين فارسا، ولذلك تمنوا لقاءها، وكرهوا ملاقاة النفير لكثرتهم وكثرة عددهم، والشوكة: الحدة مستعارة من واحدة الشوك، والمراد غير صاحبة السلاح والقوة والبأس، ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ أي: يظهر الحق ويعلي شأنه، والمراد دين الإسلام الذي","vol":"4","page":13},{"text":"هو الحق لا ريب فيه، انظر ﴿ذاتَ﴾ في الآية رقم [١] وشرح ﴿وَيُرِيدُ﴾ في الآية رقم [٨٩] (الأعراف). وإعلال ﴿يُقِيمُونَ﴾ في الآية رقم [٣] فهو مثله. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أي: الموحى بها في هذه الحال، أو بأوامره للملائكة بالإمداد، وقال القرطبي، أي بوعده، فإنه وعد نبيه ذلك في سورة الدخان، فقال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: من أبي جهل وأصحابه، وقال ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ هذا؛ وقرئ: «بكلمته»، وانظر شرح ﴿كَلِمَتُ﴾ في الآية رقم [١٣٧] الأعراف، ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ أي: يهلكهم عن آخرهم، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف).\nالمعنى الإجمالي للآية: إن الله وعدكم على لسان نبيكم أن تفوزوا بكسب إحدى الفرقتين:\nالعير بقيادة أبي سفيان، أو النفير بقيادة أبي جهل، وأنتم ترغبون بكسب الأولى التي ليس فيها حرب ولا طعان، والله يريد إعزاز دينه، وإظهار الحق، وهذا لا يكون إلا بالطعن والنزال، ومحاربة النفير الذي يقوده رأس الكفر، وزعيم الضلالة أبو جهل اللعين.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إذ): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بالفعل المحذوف، فهو مبني على السكون في محل نصب على الاعتبارين.\n ﴿يَعِدُكُمُ اللهُ﴾: مضارع، ومفعوله الأول، وفاعله. ﴿إِحْدَى﴾: مفعوله الثاني، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المقصورة، و﴿إِحْدَى﴾ مضاف، و﴿الطّائِفَتَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:\n ﴿يَعِدُكُمُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿أَنَّها﴾: حرف مشبه بالفعل، و«ها»: اسمها. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبرها، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب بدل اشتمال من: ﴿إِحْدَى،﴾ وتقدير الكلام، وإذ يعدكم الله ملك إحدى الطائفتين. ﴿وَتَوَدُّونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿غَيْرَ﴾: اسمها، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿ذاتِ﴾ مضاف إليه، و﴿ذاتِ﴾ مضاف، و﴿الشَّوْكَةِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿تَكُونُ﴾: مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره هي يعود إلى ما قبله. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُ،﴾ وجملة: ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَتَوَدُّونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَعِدُكُمُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: «وأنتم تودون...» إلخ وهذه الجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَيُرِيدُ اللهُ﴾: مضارع وفاعله.\nو﴿أَنْ يُحِقَّ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل (يحق)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَيُرِيدُ..﴾. إلخ معطوفة على","vol":"4","page":14},{"text":"جملة: ﴿يَعِدُكُمُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿وَيَقْطَعَ﴾: معطوف على ﴿يُحِقَّ،﴾ فهو منصوب مثله، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿دابِرَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، و﴿وَيَقْطَعَ﴾ يؤول بمصدر مع الناصب المقدر، وتقدير الكلام، ويريد الله إحقاق الحق وقطع دابر الكافرين.\n\n<span id=\"aya-1168\"></span>﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ..﴾. إلخ: المعنى أراد الله وقدر أن يلتقي المؤمنون بالكافرين في بدر، وتقع الحرب بين الفريقين ليظهر الحق، وهو دينه، ويعليه على الشرك بمحقه وإذلاله، وكسر شوكته، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: كره المشركون ما تقدم ذكره. هذا؛ وانظر شرح ﴿الْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٣٢] الأعراف وانظر شرح ال ﴿باطِلٌ﴾ في الآية رقم [١٣٩] الأعراف، وتفسير ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ بالمشركين هو في الغالب، ولا تنس أن في المسلمين مجرمين يقترفون الكبائر والمنكرات، ويفعلون الشنيع من السيئات، ولا سيما في هذا العصر الذي طغت فيه المادة، وران على قلوب أكثر المسلمين حب المال والمنصب والجاه، وغير ذلك.\nتنبيه: لا يقال: إن ما في هذه الآية تكرار لما في قبلها؛ لأن المراد بالأول: تثبيت ما وعد الله به في هذه الواقعة من النصرة، والظفر بالأعداء، والمراد بالثاني: تقوية الدين وإظهار الشريعة؛ لأن ما وقع يوم بدر من نصر المؤمنين مع قلتهم، ومن قهر الكافرين مع كثرتهم، كان سببا لإعزاز الدين وقوته. انتهى. جمل بتصرف. أقول: لذا لما ترامت الأنباء بهذا النصر المظفر لم تكد قبائل العرب المنتشرة في الجزيرة العربية تصدق به، وكذلك دهش اليهود المقيمون في المدينة له.\nالإعراب: ﴿لِيُحِقَّ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿وَيُبْطِلَ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الْباطِلَ﴾: مفعول به، و﴿وَيُبْطِلَ﴾ يؤول بمصدر مع الناصب المقدر، معطوف على ما قبله، وتقدير الكلام: أراد الله ما حصل وقدره لإحقاق الحق، ولإبطال الباطل. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَرِهَ﴾: ماض. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾:\nفاعل مرفوع... إلخ، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، وجملة: ﴿وَلَوْ كَرِهَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من إحقاق الحق وإبطال الباطل، والرابط: الواو، والضمير الذي رأيت تقديره، وانظر الآية رقم [٨٢] من سورة (يونس) ﵇.","vol":"4","page":15},{"text":"<span id=\"aya-1169\"></span>﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: تطلبون الغوث منه تعالى، والغوث: النجاة والمعاونة، واستغاثة الرسول ﷺ والمؤمنين كانت لما علموا وأيقنوا أن لا محيص من القتال أخذوا يقولون:\nربنا انصرنا على أعدائك، أغثنا يا غياث المستغيثين! وعن عمر ﵁ أن النبي ﷺ نظر إلى المشركين، وهم ألف، وإلى أصحابه، وهم ثلاثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض». فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فقال أبو بكر: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. والسين والتاء للطلب، بخلافهما بقوله ﴿فَاسْتَجابَ﴾ فإنهما زائدتان؛ لأن استجاب بمعنى أجاب، قال كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه: [الطويل]\nوداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\n ﴿مُمِدُّكُمْ﴾: معينكم ومقويكم. ﴿بِأَلْفٍ﴾: وعدهم الله أولا بألف من الملائكة، ثم صاروا ثلاثة، ثم خمسة آلاف، كما في سورة (آل عمران) الآية رقم [١٢٤] وما بعدها. ﴿الْمَلائِكَةِ﴾:\nانظر الآية رقم [١١] الأعراف، ﴿مُرْدِفِينَ﴾: متبعين المؤمنين أو متبعين بعضهم بعضا، وقرئ بفتح الدال بصيغة المفعول، بمعنى: يتبعهم غيرهم، وقرئ بتشديد الدال مع فتحها وكسرها وتثليث الراء. هذا؛ وقال سبحانه في سورة (آل عمران) ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ وما أجدرك أن تنظر ذلك هناك مع ما ذكرته من الحكمة في قتال الملائكة، فإنه جيد بحمد الله تعالى وتوفيقه. ﴿رَبَّكُمْ﴾:\nانظر الآية [٣] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿إِذْ﴾: بدل من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ،﴾ أو هي على إضمار: «اذكر»، أو هي متعلقة بالفعل ليحق، ونحوه. ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿رَبَّكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فَاسْتَجابَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان به، وجملة: ﴿فَاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وساغ عطف الماضي على المضارع؛ لأن الأول حكاية حال ماضية، وإن كان مضارعا.\n ﴿أَنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مُمِدُّكُمْ﴾: خبر (أن)، والكاف: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني، أو هو في محل نصب بنزع الخافض، هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول","vol":"4","page":16},{"text":"لقول محذوف، أو هي في محل نصب ب (استجاب)؛ لأن الاستجابة من القول. تأمل.\n ﴿بِأَلْفٍ﴾: متعلقان ب ﴿مُمِدُّكُمْ؛﴾ لأنه اسم فاعل. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (ألف). ﴿مُرْدِفِينَ﴾: بفتح الدال حال من الكاف، أو هو صفة (ألف)، وبكسر الدال يحتمل الصفة ل (ألف)، أو هو حال من الملائكة، واعتباره صفة لها لا يحسن لأنه نكرة، وهي معرفة.\n\n<span id=\"aya-1170\"></span>﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾: الهاء تعود على الألف، وقيل: تعود على الإرداف المفهوم مما قبله، وقيل: تعود على الإمداد المفهوم مما قبله، وقيل: تعود على قبول الدعاء المفهوم مما قبله، وكذلك الهاء في ﴿بِهِ﴾ تحتمل الوجوه كلها. انتهى. مكي بتصرف. ﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿بُشْرى﴾: بشارة لكم بالنصر والعزة والكرامة. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾: لتهدأ وتسكن قلوبكم، فيزول ما بها من الخوف، فكان ما ذكر من مرجع الضمير بمنزلة السكينة لبني إسرائيل، بشارة بالنصر، وطمأنينة للقلوب. ﴿وَمَا النَّصْرُ..﴾. إلخ: أي لا من عند المقاتلة، ولا من عند الملائكة، ولكن الإمداد مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة، وكذلك كثرة العدد، فلا تيأسوا من النصر بفقد ما ذكر ﴿عَزِيزٌ﴾: قوي غالب على أمره. ﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأمور مواضعها، وقدم عزيز لتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته.\nتنبيه: هذه الآية ذكرت بجميع ألفاظها بسورة (آل عمران) برقم [١٢٦] مع تقديم وتأخير ببعض ألفاظها، وذكر الله بعدها هناك قوله ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ وهذه الآية بينت نتائج القتال في بدر.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿جَعَلَهُ﴾: ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بُشْرى﴾:\nمفعول لأجله مستثنى من عموم العلل، أو هو مفعول به ثان، والأول أقوى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، هذا؛ وحذف المتعلق، وذكر في آل عمران، وهو لكم. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿قُلُوبُكُمْ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على ﴿بُشْرى،﴾ فهما مفعول لأجله، وجر باللام لفقد شرط النصب من اتحاد الفاعل كما لا يخفى. انتهى. جمل. أو هما","vol":"4","page":17},{"text":"متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعل ذلكم بكم لاطمئنان قلوبكم، وهذا على اعتبار ﴿بُشْرى﴾ مفعولا به ثانيا، والأول أقوى كما رأيت. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية.\n ﴿النَّصْرُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مِنْ عِنْدِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية تعليل لحصر ﴿(النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ)﴾ لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1171\"></span>﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ يقرأ بتخفيف الشين من أغشاه. أي: أنزله بكم، وأوقعه عليكم، ويقرأ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بتشديد الشين، من غشّاه تغشية غطاه، ويقرأ «(يغشاكم النعاس)» مثل:\nيلقاكم من غشيه إذا أتاه وأصابه، فيه ثلاث قراءات سبعية، فعلى الأولين يكون ﴿النُّعاسَ﴾ مفعولا به، وعلى الأخيرة يكون فاعلا، هذا؛ والنّعاس والسّنة والوسن: أوائل النوم. ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾: أمنا منه تعالى أي: أمانا لكم من عدوكم أن يغلبكم.\nقال عبد الله بن مسعود ﵁: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان، والفائدة في كون النعاس أمنة في القتال: أن الخائف على نفسه لا يأخذه النوم، فصار حصول النوم وقت الخوف الشديد دليلا على الأمن، وإزالة الخوف، وانظر الآية رقم [١٥٤] من سورة (آل عمران)، تجد مثل ذلك، ولكن هناك حصل نعاس لم يعقبه نوم، بخلافه هنا، كما ستعرفه. ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: يطهركم بالماء من الجنابة التي حصلت لبعضكم بالاحتلام، انظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ في الآية رقم [٩٦] الأعراف. ﴿السَّماءِ﴾: انظر الآية رقم [٩٩] من سورة (الأنعام)، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾: وسوسة الشيطان، والرجز:\nالعذاب كما رأيت في الآية رقم [١٣٤] الأعراف، وجاز أن يسمى رجزا لأنه سبب للرجز، وهو العذاب، وقرئ «(رجس)» بالسين، وهو في الأصل الشيء القذر، فجعل ما يفضي إلى العذاب رجسا استقذارا له. ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: باليقين والصبر، والربط في اللغة: الشد، وكل من صبر على أمر، فقد ربط نفسه عليه، ففيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأن الربط هو الشد بالحبل. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ أي: بالماء الذي نزل.\nروي أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب رمل أعفر، تسوخ فيه الأقدام، وحوافر الدواب، وكان المشركون قد سبقوهم إلى ماء بدر، فنزلوا عليه، وأصبح المسلمون على غير ماء، وبعضهم محدث، وبعضهم جنب، وأصابهم العطش، فوسوس لهم الشيطان وقال:","vol":"4","page":18},{"text":"تزعمون أنكم على الحق، وفيكم نبي الله، وأنتم أولياء الله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون محدثين ومجنبين، فكيف ترجون أن تظهروا على عدوكم؟ فأنزل الله ﷾ مطرا سال منه الوادي، فشرب منه المؤمنون، واغتسلوا، وتوضئوا، وسقوا الركاب، وملئوا الأسقية، وأطفأ الغبار، ولبّد الأرض، حتى ثبتت عليها الأقدام، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت نفوسهم، وعظمت النعمة من الله عليهم بذلك، وكان دليلا على حصول النصر والظفر.\nانتهى. خازن بتصرف.\nالإعراب: ﴿إِذْ﴾: بدل ثان من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ أو هو متعلق ب ﴿النَّصْرُ،﴾ أو بإضمار (اذكر).\n ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الله. ﴿النُّعاسَ﴾: مفعول به ثان، هذا؛ وعلى قراءة «(يغشاكم النعاس)» يكون ﴿النُّعاسَ﴾ فاعلا، كما رأيت في الشرح. ﴿أَمَنَةً﴾: مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، والأول أرجح. ﴿أَمَنَةً﴾: متعلقان ب ﴿أَمَنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَيُنَزِّلُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة (نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا). ﴿السَّماءِ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿وَيُنَزِّلُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (ينزل). ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿وَيُذْهِبَ﴾: مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله.\n ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿رِجْزَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الشَّيْطانِ﴾ مضاف إليه، وإعراب الباقي مثل سابقه بلا فارق، وهو واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1172\"></span>﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: أوحى الله إلى الملائكة الذين أمد بهم النبي ﷺ، وأصحابه: أني معكم بالمعونة والنصر، وانظر (الوحي) في الآية رقم [١٦٣] من سورة (النساء). ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قووا قلوبهم، واختلف في كيفية هذه التقوية، والتثبيت، فقيل: كما أن للشيطان قوة إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر، فكذلك للملك قوة في إلقاء الإلهام في قلب ابن آدم بالخير، ويسمى الأول: وسوسة. والثاني: لمة، وإلهاما، وقيل: إن التثبيت هو حضورهم معهم القتال. ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: الخوف،","vol":"4","page":19},{"text":"وكان ذلك نعمة من الله على المؤمنين، وانظر (الإيمان) في الآية رقم [١]. ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾: هذا الأمر للملائكة، وفيه دليل على أنهم باشروا القتال، وهو المعتمد، فيكون متصلا بما قبله، وقيل: هذا أمر للمؤمنين فيكون منقطعا عما قبله، والمراد ب ﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾:\nالرءوس. ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ أي: كل مفصل من أجسامهم.\nوقال ابن عباس﵄يعني الأطراف، هذا؛ و«بنان» جمع: بنانة، وهي أطراف الأصابع، سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن الإنسان أن يبين ما يريد أن يعمله بيديه، وإنما خصت بالذكر من دون سائر الأطراف؛ لأن الإنسان يقاتل بها، ويمسك بها السلاح في الحرب، هذا؛ وقوله تعالى في سورة (القيامة) ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ يلفت النظر إلى أهمية خلق البنان حيث جعل خلقها دليلا على قدرته، وقد ظهرت في هذا العصر حكمة ذلك حيث ثبت أن بنانة شخص لا تشبه بنانة آخر، ولذا يعتمد على طبعة البنانة في الوثائق التي تدون بين المتعاملين بالنسيئة، هذا؛ والإلقاء في الأجرام: الطرح والرمي والقذف، فاستعير ﴿سَأُلْقِي﴾ هنا للمعاني.\nتنبيه: روي عن أبي داود المازني-وكان شهد بدرا-قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وعن سهل بن حنيف، قال: لقد رأيتنا يوم بدر، وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك، فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. انتهى خازن. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِذْ﴾: بدل ثالث من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ أو هو متعلق بالفعل (يثبت) أو ب (اذكر) محذوفا. ﴿يُوحِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلَى الْمَلائِكَةِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (أن)، والكاف في محل جر بالإضافة، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وقيل في محل جر بحرف جر بمحذوف، التقدير: بأني، هذا؛ وقد قرئ بكسر الهمزة، وفيها وجهان: أحدهما: أن ذلك على إضمار القول، وهو مذهب البصريين، والثاني على إجراء ﴿يُوحِي﴾ مجرى القول؛ لأنه بمعناه، وهو مذهب الكوفيين. ﴿فَثَبِّتُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١]. (ثبتوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿آمَنُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الأعراف) وجملة:\n ﴿فَثَبِّتُوا﴾ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿سَأُلْقِي﴾: السين: حرف وعد هنا","vol":"4","page":20},{"text":"وتحقيق. (ألقي): مضارع مثل ﴿يُوحِي،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿فِي قُلُوبِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و﴿قُلُوبِ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول.\n ﴿الرُّعْبَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿سَأُلْقِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاضْرِبُوا﴾: مثل ﴿فَثَبِّتُوا﴾ وتقدير الكلام، وإذا كان ذلك واقعا ﴿فَاضْرِبُوا﴾. ﴿فَوْقَ﴾: فيه أوجه: أحدها: أنه ظرف مكان متعلق بما قبله، والمفعول محذوف، التقدير: اضربوهم فوق الأعناق، وثانيها: أنه مفعول به على الاتساع، وهذا غير جيد؛ لأنه ظرف غير متصرف، وثالثها: أن ﴿فَوْقَ﴾ بمعنى على، أي: على الأعناق. ويكون المفعول محذوفا، تقديره: فاضربوهم على الأعناق، ورابعها: أن ﴿فَوْقَ﴾ زائدة، أي: اضربوا الأعناق. قاله الأخفش، وهو غير مسلم؛ لأن زيادة الأسماء لا تجوز، ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿كُلَّ بَنانٍ،﴾ كان صفة له، كما في الآية السابقة. ﴿كُلَّ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿بَنانٍ﴾ مضاف إليه وجملة: ﴿وَاضْرِبُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1173\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى الضرب المذكور في الآية السابقة والأمر به، وأيضا إلقاء الرعب في قلوبهم، يدخل تحت الإشارة. ﴿شَاقُّوا﴾: خالفوا الله ورسوله، والمشاقة: المخالفة؛ لأن كل واحد من المتعاديين يكون في شق خلاف شق الآخر، وانظر شرح الاسمين الكريمين في الآية رقم [١]. ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾: هذا وعيد وتهديد، وفحواه: أن ما وقع بهم في الدنيا من قتل وأسر شيء قليل بجانب ما أعد الله لهم في الآخرة من العقاب الشديد، والعذاب الأليم، هذا؛ و﴿يُشاقِقِ﴾ هنا بالفك، وفي سورة الحشر بالإدغام، ولم أر من تعرض للفرق بينهما، ولا أرى سوى: أنهما قراءتان والقراءة توقيفية، والقواعد النحوية تجيز في المضارع المضعف المجزوم بجازم الفك والإدغام، هذا؛ وللشقاق ثلاثة معان:\nأحدها الخلاف، كما في هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما..﴾. إلخ الآية رقم [٣٥] من سورة (النساء)، والثاني: العداوة مثل قوله تعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. إلخ الآية رقم [٨٨] من سورة (هود) ﵇، والثالث: الضلال مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ الآية رقم [٥٣] من سورة (الحج) وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ رقم [١٧٥] من سورة (البقرة).\nالإعراب: ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.","vol":"4","page":21},{"text":"﴿شَاقُّوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿شَاقُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أي: ذلك قد وقع بهم بسبب كونهم شاقوا.. إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشاقِقِ﴾: مضارع فعل الشرط، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على ما قبله. الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿شَدِيدُ﴾: خبرها، وهو مضاف، و﴿الْعِقابِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، إذ التقدير: شديد عقابه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، هذا؛ وقد اختلف في خبر المبتدأ الذي هو (من) فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، هذا؛ ولا بد من تقدير رابط في جملة الجواب، أي: شديد العقاب له، هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، أي: من يشاقق الله ورسوله يعاقبه الله، فتكون الجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1174\"></span>﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكُمْ﴾: الإشارة إلى ما تقدم ذكره في الآية السابقة، والخطاب للكفار، وفي الآية السابقة للنبي ﷺ، فيكون في الكلام التفات من المفرد إلى الجمع، وانظر الالتفات في الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام). ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أي: ذوقوا ما تقدم ذكره، ففي ذلك استعارة تصريحية تبعية، حيث شبه ما حل بهم بالطعام الذي يؤكل، ثم حذفه، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإذاقة، هذا؛ والذوق يكون محسوسا ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه، أي: اختبره، وانظر فلانا فذق ما عنده، قال الشماخ يصف فرسا: [الطويل]\nفذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز\nوأصله من الذوق بالفم. انتهى. قرطبي، وانظر الآية رقم [١٠٦] من (آل عمران).\n ﴿النّارِ﴾: أصلها النّور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي. وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين والفاسقين، وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك.","vol":"4","page":22},{"text":"الإعراب: ﴿ذلِكُمْ﴾: ذكر فيه السمين أربعة أوجه: أحدها أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي:\nالعقاب ذلكم، أو: الأمر ذلكم. الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف، أي: ذلكم العقاب، وعلى هذين يكون ما بعده كلاما مستأنفا، والثالث: أن ﴿ذلِكُمْ﴾ مبتدأ، والخبر ما بعده، وهذا على رأي الأخفش، الذي يرى زيادة الفاء في الخبر مطلقا، أعني: سواء تضمن المبتدأ معنى الشرط أم لا، وأما غيره فلا يجيز زيادتها إلا بشرط أن يكون المبتدأ مشبها لاسم الشرط، أي: كما في الآية رقم [١٥] من سورة (النساء). والآية رقم [٤١] من سورة (المائدة). الرابع: أن ﴿ذلِكُمْ﴾ منصوب بفعل مضمر، يفسره ما بعده، ويكون من باب الاشتغال. انتهى. جمل بتصرف كبير.\n ﴿فَذُوقُوهُ﴾: الفاء: حرف استئناف، أو هي زائدة انظر الإعراب المتقدم. (ذوقوه): أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ، أو هي مفسرة حسب ما رأيت فيما تقدم من الإعراب. ﴿وَأَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلْكافِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أن) تقدم على اسمها. ﴿عَذابَ﴾: اسمها المؤخر، و﴿عَذابَ﴾ مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، و﴿وَأَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ﴿ذلِكُمْ﴾ على جميع الوجوه المذكورة فيه، أو هو في محل نصب على أنه مفعول معه، هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة، وعليه فالجملة اسمية، وهي مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها حالا فيكون الرابط الواو فقط.\n\n<span id=\"aya-1175\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: هذا النداء يعم كل مؤمن في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، وانظر «الإيمان» في الآية رقم [٢] من سورة (الأعراف) ﴿إِذا لَقِيتُمُ..﴾. إلخ: أي:\nفي الحرب، ومعنى ﴿لَقِيتُمُ﴾: قابلتم، ومصدره «اللّقي» بضم اللام وكسر القاف، و«اللّقى» بضم اللام مقصورا، و«اللقاء» بكسرها ممدودا ومقصورا، ﴿زَحْفًا﴾ أي: زاحفين، هذا؛ والزحف الدنو قليلا قليلا، وأصله: الاندفاع على الإلية، ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا، يقال: زحف إلى العدو زحفا، أي: مشى بعضهم إلى بعض. ﴿الْأَدْبارَ﴾: جمع دبر، أي: فلا تعطوا ظهوركم إلى الكفار منهزمين، فإن المنهزم يولي ظهره ودبره.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و«ها»: حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح بدل من أي، وانظر الآية رقم [١٥٨] الأعراف ففيها الدواء الشافي. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقِيتُمُ﴾: فعل وفاعل، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، مبني على الفتح","vol":"4","page":23},{"text":"في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿زَحْفًا﴾: حال من الفاعل والمفعول بمعنى متزاحفين يدبون إليكم، وتدبون إليهم فلا تنهزموا، أو من الفاعل وحده.\n ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (لا): ناهية. ﴿تُوَلُّوهُمُ﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به أول.\n ﴿الْأَدْبارَ﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محل له مثل الجملة الندائية، إذ هي مستأنفة مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1176\"></span>﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ أي: ومن ينهزم ويعط ظهره للكفار يوم الحرب والقتال، إلا محتالا بأن يري عدوه من نفسه الانهزام، وقصده طلب الكرة على العدو، والعود إليه، وهذا من مكايد الحرب وخدعها. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ﴾: أو منضما إلى جماعة أخرى من المؤمنين ليستعين بهم، ويتقوى بكثرتهم. ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: رجع بغضب من الله واستحق عقابه. ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾: مستقره وملجؤه جهنم، وانظر الآية رقم [١٥١] من سورة (آل عمران) للفرق بين مأوى ومثوى. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس المرجع والمآل. هذا؛ وانظر شرح ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الأعراف). ﴿فِئَةٍ﴾: جماعة من الناس، وهي اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل قوم وفريق ومعشر... إلخ. ﴿وَبِئْسَ﴾: انظر الآية رقم [٤٠] الآتية.\nتنبيه: جاء في الحديث الشريف عدّ الفرار من القتال في السبع الموبقات، ولا يكون هذا إلا إذا كان العدو دون مثلي جيش المسلمين. أما إذا كان العدو أكثر من ضعفي عدد المسلمين، فإن الفرار يوم الزحف لا يكون كبيرة، وانظر آية المصابرة الآية رقم [٦٥] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُوَلِّهِمْ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من)، والهاء: مفعول به أول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿دُبُرَهُ﴾:\nمفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مُتَحَرِّفًا﴾: حال من","vol":"4","page":24},{"text":"الفاعل المستتر، وقيل: منصوب على الاستثناء من المولين، التقدير: إلا رجلا متحرفا.\n ﴿لِقِتالٍ﴾: متعلقان ب ﴿مُتَحَرِّفًا﴾. ﴿مُتَحَيِّزًا﴾: معطوف على ما قبله. ﴿إِلى فِئَةٍ﴾: متعلقان به. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿باءَ﴾: ماض والفاعل يعود إلى (من) أيضا تقديره: «هو». ﴿بِغَضَبٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب (غضب)، أو بمحذوف صفة له، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٣] والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَأْواهُ﴾:\nالواو: واو الحال. (مأواه): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل باء المستتر، والرابط الواو والضمير، وعطفها على جملة جواب الشرط لا يأباه المعنى:\n ﴿وَبِئْسَ﴾: الواو: حرف استئناف. (بئس): فعل ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿الْمَصِيرُ﴾:\nفاعله، والمخصوص الذم محذوف، التقدير: وبئس المصير جهنم، وهذا المخصوص فيه وجهان: كونه مبتدأ مؤخرا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مقدم، وكونه خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هي جهنم، والجملة: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1177\"></span>﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾: الخطاب للمؤمنين، أي: إنكم لم تقتلوا المشركين يوم بدر، ﴿وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي: بنصركم عليهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم. ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾:\nالخطاب للنبي ﷺ، أي: لم ترم رميا توصله إلى أعين الكافرين حين رميت التراب، وذريته في الهواء. ﴿وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ أي: الذي أوصل التراب إلى أعينهم إنما هو الله تعالى. هذا؛ وقرئ بتخفيف: «(لكن)» ورفع لفظ الجلالة في الجملتين. ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أي:\nولينعم الله على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة، والعزة والكرامة، هذا؛ وليبلي بمعنى ليختبر، وهذا الابتلاء والاختبار يكون بالخير والشر، انظر الآية رقم [١٦٨] من سورة (الأعراف) -ففيها الكفاية. ﴿سَمِيعٌ﴾: لأقوال المؤمنين ودعائهم واستغاثتهم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بنياتهم وخفايا صدورهم، وهما صيغتا مبالغة بمعنى كثير العلم وشديد السمع. ﴿اللهَ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿بَلاءً﴾: اسم مصدر لا مصدر، وأصله بلاي، وإعلاله مثل إعلال ﴿السَّماءِ﴾ في الآية رقم [٩٦] من سورة (الأعراف).\nتنبيه: روي أنه لما طلعت قريش، ورآها الرسول ﷺ، قال: «اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني». فأتاه جبريل ﵇،","vol":"4","page":25},{"text":"وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان، تناول كفّا من الحصباء، فرمى بها في وجوههم، وقال: «شاهت الوجوه!»، فلم يبق مشرك إلا وشغل بعينه، فانهزموا وتبعهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل: قتلت وأسرت، فنزلت الآية.\nتنبيه: وقيل: المعنى ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء، ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم، وقيل: إنه نزل في طعنة طعن بها الرسول ﷺ أبي بن خلف يوم أحد، ولم يخرج منه دم، فجعل يخور حتى مات، وقيل: إن هذا الرمي كان يوم وقعة حنين، وقيل: إن المراد بالرمي السهم الذي رمى به رسول الله ﷺ في حصن خيبر، فأصاب به ابن أبي الحقيق وهو نائم على فراشه، والمعتمد أن الرمي كان في غزوة بدر.\nالإعراب: ﴿فَلَمْ﴾: الفاء: مفاد كلام الزمخشري: أنها الفصيحة، إذ قدر: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم، وأراها حرف استئناف، وقيل: هي لربط الكلام بعضه ببعض، فإن أريد معنى، فلا بأس، وإن أريد إعرابا فلا وجه له. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَقْتُلُوهُمْ﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَلكِنَّ﴾: الواو:\nحرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها، أو هو مبتدأ على القراءة الثانية.\n ﴿قَتَلَهُمْ﴾: ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، أو خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما):\nنافية. ﴿رَمَيْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿رَمَيْتَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَما رَمَيْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وجملة: ﴿وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ إعرابها مثل سابقتها، وهي معطوفة عليها. ﴿وَلِيُبْلِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان باسم المصدر بعدهما، وتعليقهما بمحذوف حال منه جيد؛ وعليه فهو في الأصل صفة، فلما قدم عليه صار حالا، انظر الآية رقم [١١] وقيل: يعود الضمير على الظفر، وقيل: على الرمي، وعليهما فالجار والمجرور متعلقان بالفعل (ليبلي). ﴿حَسَنًا﴾: صفة ﴿بَلاءً،﴾ و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على مثلهما، وهما متعلقان جميعا بفعل محذوف، وتقدير الكلام: فعل الله ذلك؛ ليقهر الكافرين، وليختبر المؤمنين، وهذا الكلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها.","vol":"4","page":26},{"text":"﴿سَمِيعٌ﴾: خبر. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية هذه مستأنفة أيضا لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1178\"></span>﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكُمْ﴾: الخطاب للمؤمنين، والإشارة إلى البلاء الحسن، وهو النصر والظفر بالمشركين، أو إلى الرمي المذكور في الآية السابقة. ﴿وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ..﴾. إلخ: أي: واعلموا أن الله مضعف كيد الكافرين ومذلهم بالقتل والأسر، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، هذا؛ والكيد: المكر كما رأيت في الآية رقم [١٨٣] من سورة (الأعراف). ﴿اللهَ﴾: انظر الآية رقم [١] وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف). هذا؛ وقد قرئ:\n «(موهن)» بتشديد الهاء وتخفيفها، وتنوين النون وعدمه.\nالإعراب: ﴿ذلِكُمْ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ذلكم الإبلاء حق، وقيل: خبر لمبتدإ محذوف. التقدير: المقصود أو الأمر ذلكم، والأمر ذلكم، والأول أصح وأقوى. الواو: حرف عطف.. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾:\nاسمها. ﴿مُوهِنُ﴾: خبرها، وهو مضاف، و﴿كَيْدِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وعلى قراءة التنوين، ف (كيد) مفعول به منصوب. وعلى الوجهين ففاعل ﴿مُوهِنُ﴾ مستتر تقديره:\n «هو» يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ و﴿كَيْدِ﴾ مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد، و﴿وَأَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على ﴿ذلِكُمْ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه، هذا؛ ويجوز أن يكون المصدر في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واعلموا أن الله... إلخ، وقال الزمخشري: معطوف على (ليبلي)، وليس بشيء.\n<span id=\"aya-1179\"></span>﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾: الخطاب لأهل مكة على سبيل التهكم؛ لأنهم الذين وقع بهم الهلاك والذلة، وذلك: أنهم حين أرادوا الخروج إلى بدر تعلق أبو جهل وغيره بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وهذا الدعاء في الواقع عليهم، وإن قصدوا به الدعاء على الرسول ﷺ وحزبه، ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: إن تنتهوا عن الكفر ومعاداة الرسول فهو خير لكم لتضمنه سلامة الدارين، و﴿خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾: الجنة أو النار. ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ أي: لمحاربة محمد ومعاداته. ﴿نَعُدْ﴾ أي: لنصرته عليكم. ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ..﴾. إلخ:","vol":"4","page":27},{"text":"أي: لا تنفعكم كثرتكم مهما بلغت، وقوتكم مهما عظمت. ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالنصر والمعونة والتأييد، هذا؛ وقرئ بفتح همزة: (أنّ) وكسرها، هذا؛ وقال البيضاوي: وقيل: الآية خطاب للمؤمنين، والمعنى إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال، والرغبة عما يستأثره الرسول ﷺ فهو خير لكم، وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار والتوبيخ، أو تهييج العدو، ولن تغني عنكم حينئذ كثرتكم، إذا لم يكن الله معكم بالنصر والتأييد، فإنه مع الكاملين في إيمانهم، ويؤكد ذلك الآية التالية. انتهى. بتصرف.\nالإعراب: ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَسْتَفْتِحُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمُ﴾: ماض ومفعوله، والميم في الكل علامة جمع الذكور. ﴿الْفَتْحُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وإعراب: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ مثل إعراب ما قبلهما بلا فارق، وهو ظاهر، إن شاء الله تعالى. ﴿وَلَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لن): حرف نصب ونفي واستقبال. ﴿تُغْنِيَ﴾: مضارع منصوب ب (لن). ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما.\n ﴿فِئَتُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، وقيل: نائب مفعول مطلق، التقدير: إغناء شيئا. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَثُرَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى فئتكم، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فئتكم، والرابط الواو والضمير، هذا؛ وإن اعتبرت (لو) شرطية؛ يكن جوابها محذوفا لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها.\n ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (أن)، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، و﴿وَإِنْ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، قدره السمين بتقديرين: الأول: ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت، والثاني: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم، وقدر ثالثا على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: والأمر: أن الله مع المؤمنين، وهذا الوجه الأخير يقرب في المعنى من قراءة الكسر؛ لأنه استئناف. انتهى. بتصرف بسيط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1180\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: لا تتولوا عن الرسول ﷺ، فإن المراد من الآية الأمر بطاعته، والنهي عن الإعراض عنه، وذكر طاعة الله","vol":"4","page":28},{"text":"للتوطئة، والتنبيه على أن طاعته في طاعة الرسول، لقوله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ هذا؛ وقد حذفت تاء المضارعة من الفعل: ﴿تَوَلَّوْا﴾ إذ أصله: تتولوا، وهذا الحذف مستعمل وكثير في الآيات القرآنية، وفي الكلام العربي، هذا؛ وقد قيل: إن الضمير يعود للجهاد، أو للأمر الذي دل عليه الطاعة. ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾: القرآن والمواعظ سماع قبول وتصديق، وانظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (الأعراف) -تجد فيها بحثا جيدا في متعلق الفعل، هذا؛ وانظر الحديث في الآية رقم [١٢] من سورة (التوبة) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و«ها»: حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح بدل من أي، وانظر الآية رقم [١٥٨] الأعراف ففيها بحث جيد. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ انظر الآية رقم [١]، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَلا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَوَلَّوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَسْمَعُونَ﴾: فعل وفاعل والمفعول محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1181\"></span>﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا﴾ أي: بألسنتهم كالكفرة والمنافقين. ﴿سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي: سماع تدبر وتفكر وانتفاع، فهم بمنزلة من لم يسمع وأعرض عن الحق، ومفعول الفعل محذوف كما في الآية السابقة.\nقال القرطبي: نهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم، فدلت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله، فإذا قصر في الأوامر، فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحمها، فأي: سمع وطاعة عنده؟! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافق الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر. انتهى. بتصرف. وانظر القول في الآية رقم [٥] الأعراف.\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا﴾: مضارع ناقص مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو اسمه والألف للتفريق. ﴿كَالَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا،﴾ هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل، فتكون هي","vol":"4","page":29},{"text":"الخبر، وتكون مضافا، و(الذين) مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿سَمِعْنا﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وإعراب ﴿وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ في الآية السابقة، ومحلها كمحلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-1182\"></span>﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿شَرَّ﴾: انظر الآية رقم [١٢] الأعراف. ﴿الدَّوَابِّ﴾: جمع دابة، وهي تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان. ﴿الصُّمُّ﴾ أي: عن سماع الحق سماع تدبر وتفهم. ﴿الْبُكْمُ﴾ أي: عن النطق بالحق، والأول جمع: أصم، وهو فاقد السمع، والثاني جمع: أبكم، وهو المعقود لسانه عن الكلام. ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يفهمون ما يقال لهم، ومعنى ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: في حكمه وقضائه وتقديره، هذا؛ وقد جعل الله الكفار شر الدواب، وهو ما نوهت به الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، انظرها تجد ما يسرك.\nقال ابن عباس﵄-: هم نفر من بني عبد الدار بن قصي، كانوا يقولون:\nنحن صم بكم عمي عما جاء به محمد ﷺ فقتلوا جميعا يوم أحد، وكانوا أصحاب اللواء، ولم يسلم منهم إلا رجلان: مصعب بن عمير، وسويبط بن حرملة ﵄. انتهى. خازن.\nوقال البيضاوي: عدهم الله من البهائم، ثم جعلهم شرها، لإبطالهم ما ميزوا به، وفضلوا لأجله عن الحيوان، أي: وهو العقل. انتهى. بتصرف.\nهذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد: أنه مر رجل معتوه على مجلس النبي ﷺ، فقال الصحابة-رضي الله عليهم- «هذا رجل مجنون» فقال: «هذا مصاب إنما المجنون من أصر على معصية الله» هذا؛ والعقل: الدية سميت بذلك لأن الإبل المؤداة تعقل بباب ولي المقتول، والعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه ليمنعه من القيام والمشي، والعقال أيضا صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات: [البسيط]\nسعى عقالا، فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس أوبادا، ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿شَرَّ﴾: اسمها، وهو مضاف، و﴿الدَّوَابِّ﴾:\nمضاف إليه. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿شَرَّ﴾ لأنه أفعل تفضيل، و﴿عِنْدَ﴾: مضاف،","vol":"4","page":30},{"text":"و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿الصُّمُّ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْبُكْمُ﴾: خبر ثان. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر ثالث، وجملة: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ شَرَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1183\"></span>﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي: لو سبق علم الله أن فيهم خيرا، وهذا يكون بتقدير أزلي. ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: الحجج والبراهين إسماع تفهم، ولكن سبق علمه بشقاوتهم. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾: وقد علم أن لا خير فيهم. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾: لأعرضوا عن الإيمان، ولم ينتفعوا به، أو ارتدوا بعد التصديق والقبول، هذا؛ وقيل: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أحي لنا قصيّا، فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك، ونؤمن بك، ويكون المعنى: ولو أسمعهم كلام قصي، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿عَلِمَ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِيهِمْ﴾:\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿خَيْرًا﴾: مفعول به، وجملة: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، واللام واقعة في جواب (لو)، والجملة الفعلية جواب (لو) الثانية لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير، وهي حال مؤكدة مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\n<span id=\"aya-1184\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا..﴾. إلخ: هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة الإجابة، وتكون بالطاعة والانقياد، وانظر الآية رقم [١] لشرح الاسمين الكريمين. ﴿إِذا دَعاكُمْ﴾ أي: الرسول ﷺ، وإنما وحد الضمير الفاعل؛ لأن إجابة الرسول استجابة لله تعالى، وإنما يذكران معا للتوكيد، وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه. عن أبي سعيد بن المعلى، قال: «كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ، فلم أجبه، ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله:\n ﴿اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ»﴾. رواه البخاري.","vol":"4","page":31},{"text":"هذا؛ واختلف في إجابته ﷺ، فقيل: إن إجابته لا تقطع الصلاة؛ لأن الصلاة أيضا إجابة، وقيل: إن دعاءه كان لأمر لا يحتمل التأخير، وهذه الآية مختصة بالنبي ﷺ، فعلى هذا ليس لأحد أن يقطع صلاته لدعاء أحد آخر، وقيل: لو دعاه أحد لأمر مهم لا يحتمل التأخير، فله أن يقطع صلاته. ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾: قال السدي: هو الإيمان؛ لأن الكافر ميت، فيحيا بالإيمان، وقال قتادة: هو القرآن؛ لأنه حياة القلوب، وفيه النجاة والعصمة في الدارين، وقال محمد بن إسحاق: هو الجهاد لأن الله أعزه به بعد الذل، وقيل: هو الشهادة لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وقيل: هو العلوم الدينية، فإنها حياة القلوب، والجهل موتها، رحم الله القائل: [الرجز]\nلا تعجبنّ الجهول حلّته... فذاك ميّت، وثوبه كفن\n ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: قال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن، أو يكفر إلا بإذن الله، قال الخازن: وقد دلت البراهين العقلية على هذا القول؛ لأن أحوال القلوب اعتقادات ودواعي، وتلك الاعتقادات والدواعي لا بد أن تتقدمها الإرادة، وتلك الإرادة لا بد لها من فاعل مختار، وهو الله، فثبت بذلك أن المتصرف في القلب كيف شاء هو الله تعالى. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال: اللهم مصرّف القلوب ثبّت قلوبنا على طاعتك». متفق عليه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك». فقلنا: يا رسول الله قد آمنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف شاء». أخرجه الترمذي، وهذا الحديث من أحاديث الصفات، فيجب تأويلها لتنزيه الله عن الجارحة والجسم، وقيل: معنى ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ هو تمثيل لغاية قربه تعالى من العبد، كقوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب ما عسى يغفل عنها صاحبها، وقيل غير ذلك. وفي ﴿يَحُولُ﴾ استعارة تبعية، فمعنى ﴿يَحُولُ﴾ يقرب، أو تمثيلية، وقيل: مجاز مرسل. انتهى. جمل. هذا؛ و﴿الْمَرْءِ﴾ بفتح الميم وتضم في لغة، والمراد منه الإنسان، وقرئ: «(المر)» بفتح الميم وتشديد الراء، وتوجيهها أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الراء، ثم شدد الراء، وأجرى الوصل مجرى الوقف. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وانظر الآية رقم [١٧٥] من سورة (النساء).\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٢٠] والمحال عليها.\n ﴿اِسْتَجِيبُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب:\n ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿إِذا﴾: ظرف متعلق","vol":"4","page":32},{"text":"بالفعل ﴿اِسْتَجِيبُوا﴾. ﴿دَعاكُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الرسول، والكاف مفعول به. ﴿لِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وما: تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يُحْيِيكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الرسول، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: يحييكم به، وعلى اعتبار ما مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، أي: لإحيائكم، واعتبار ﴿إِذا﴾ شرطية ضعيف هنا. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿يَحُولُ﴾: مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (اعلموا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة ﴿اِسْتَجِيبُوا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و﴿الْمَرْءِ﴾: مضاف إليه.\n ﴿وَقَلْبِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على سابقه، فهو في محل نصب مثله.\n\n<span id=\"aya-1185\"></span>﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ..﴾. إلخ: أي: احذروا وخافوا فتنة، إن كثرت، ونزل العذاب بسببها لا يقتصر على الظالمين والفاسدين، بل يعم الصالح والمفسد، والتقي والشقي، قال ابن عباس﵄أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم العذاب، وهذا هو الذي تعضده الأحاديث الصحيحة، ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش:\nأنها سألت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». وفي سنن الترمذي «إنّ الناس إذا رأوا الظّالم، ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده». وانظر الآية رقم [١٠٤] آل عمران والآية رقم [٨١] المائدة وما بعدها، والآية رقم [١٦٢] الأعراف، وما بعدها.\nهذا؛ وقال البيضاوي: اتقوا ذنبا يعمكم أثره، كإقرار المنكر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد. وهذا على تفسير الفتنة بالذنب، وأما على تفسيرها بالبلاء الذي يتسبب عن المنكر، وهو العذاب الدنيوي، فيكون بالأمراض الخبيثة، والقحط، والغلاء، وتسلط الظلمة، وغير ذلك كافتراق الكلمة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ﴾","vol":"4","page":33},{"text":"اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي: أيقنوا أن الله شديد الانتقام ممن عصاه، وممن رضي بالمعصية، وسكت، ولم ينكرها بما يقدر، ويغيرها بيده أو بلسانه، فعن عدي بن عميرة الكندي، قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يعذب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله العامة والخاصّة». رواه البغوي، والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي المذكور: أن النبي ﷺ قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها». أخرجه أبو داود، والأحاديث في ذلك كثيرة.\nالإعراب: ﴿وَاتَّقُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِتْنَةً﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾:\nلا: نافية. ﴿تُصِيبَنَّ﴾: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم في جواب الأمر، وهو في الحقيقة مجزوم بشرط مقدر عند البصريين كما يلي: (إن تتقوا فتنة لا تصيبن) وعند الكوفيين كما يلي: (واتقوا فتنة إن أصابتكم لا تصيبن)، وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة، لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه، كقوله تعالى حكاية عن قول النملة لجماعتها: ﴿اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ﴾ هذا وجه لإعراب هذه الجملة، والوجه الثاني أن الجملة في محل نصب صفة ﴿فِتْنَةً،﴾ و﴿لا﴾ للنفي، وفيه شذوذ؛ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم، أو هي (لا) الناهية، ولا يصح إلا على تقدير القول كقول الشاعر: [الرجز]\nحتّى إذا جنّ الظلام واختلط... جاءوا بمذق، هل رأيت الذّئب قط؟\nالتقدير في الآية الكريمة: اتقوا فتنة مقولا فيها: ﴿لا تُصِيبَنَّ،﴾ وفي البيت: بمذق مقول فيه: هل رأيت... إلخ، فالقول المقدر وقع صفة ل ﴿فِتْنَةً،﴾ ولمذق كما ترى، والوجه الثالث: أن الجملة جواب لقسم مقدر، التقدير: والله لا تصيبن، ويؤيده قراءة من قرأ:\n «(لتصيبنّ)» بلا ألف، قال المهدوي: يجوز أن تكون اللام مقصورة من (لا) حذفت الألف كما حذفت من (ما) وهي أخت (لا) في نحو: أم والله لأفعلنّ، وشبهه، ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة، فيكون المعنى: أنها تصيب الظالم خاصة، أقول: وهذا المعنى غير مراد من الآية كما رأيت فيما سبق، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وقيل: صفة ل ﴿فِتْنَةً،﴾ فيقع المحذور السابق الذي من أجله قدر مقول محذوف لأن القسم إنشاء، وعلى جميع الوجوه المتقدمة فالفاعل مستتر تقديره هي يعود إلى ﴿فِتْنَةً﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿خَاصَّةً﴾: صفة","vol":"4","page":34},{"text":"لمفعول مطلق محذوف، التقدير: لا تصيبن... إصابة خاصة، وقيل: هي حال من الفاعل المستكن بالفعل: ﴿تُصِيبَنَّ﴾. (اعلموا): إعرابه مثل إعراب: (اتقوا). ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿شَدِيدُ﴾: خبرها، وهو مضاف، و﴿الْعِقابِ﴾: مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، إذ الأصل شديد عقابه، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-1186\"></span>﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرُوا..﴾. إلخ: هذا الخطاب للمهاجرين، وقيل: للعرب عامة، فإنهم كانوا أذلاء تحت سيطرة الروم والفرس. ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: في مكة يستضعفكم قريش.\n ﴿تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾: كفار قريش، أو من عداهم، فإنهم جميعا كانوا معادين للمسلمين مضادين لهم، هذا؛ والخطف: الأخذ بسرعة، وانظر شرح ﴿النّاسُ﴾ في الآية رقم [٨٢] الأعراف. ﴿فَآواكُمْ﴾ أي: إلى المدينة، وجعلها لكم مأوى تتحصنون به، هذا؛ وأوى إليه اطمأن وسكن إليه، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول لوط ﵇ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾: فقواكم وشد عزيمتكم على الكفار، وكان ذلك بإمداد الملائكة، أو بمعاونة الأنصار على الكفار. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾: المراد بها الغنائم التي أحلت للمؤمنين ولم تحل لمن قبلهم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله على نعمه عليكم، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [١٦٨] (الأعراف).\nهذا؛ وقال الخازن: لما أمر الله المؤمنين بطاعة الله وطاعة رسوله، وحذرهم من الفتنة ذكرهم نعمته عليهم، فقال تعالى، اذكروا يا معشر المهاجرين المؤمنين، إذ أنتم... إلخ، وهذه الآية نزلت بعد غزوة بدر تذكر المسلمين بما أنعم الله عليهم.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرُوا﴾: (اذكروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف). ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بما قبله. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَلِيلٌ﴾: خبر أول. ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾: خبر ثان مرفوع\nإلخ، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان ب ﴿مُسْتَضْعَفُونَ،﴾ وجملة: ﴿تَخافُونَ﴾ في محل رفع خبر ثالث، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب ﴿مُسْتَضْعَفُونَ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ قَلِيلٌ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة (اذكروا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.","vol":"4","page":35},{"text":"﴿فَآواكُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الله، وهو مفهوم من المقام، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل جر مثلها، وتقدير مبتدأ قبلها فيه تكلف، وما بعدها معطوف عليها، ولا تنس أن مفعول (رزق) الثاني محذوف، تقديره: حلالا. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.\n ﴿تَشْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لعل، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ تعليل للنعم المذكورة.\n\n<span id=\"aya-1187\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿آمَنُوا﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [٢] الأعراف. ﴿اللهَ وَالرَّسُولَ﴾: انظر الآية رقم [١]. وخيانة الله ورسوله تكون بتعطيل الفرائض والسنن، أو بأن يظهر الإنسان خلاف ما يضمر، وهذا نفاق، وتكون الخيانة بالغلول في الغنائم، هذا؛ وأصل الخون: الغدر والنقص، كما أن أصل الأمانة الوفاء والتمام، والخيانة بجميع أنواعها صفة ذميمة تستوجب الذم، كيف لا؟ والرسول ﷺ، قد استعاذ منها بقوله: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من الجوع فإنّه بئس الضّجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنّها بئست البطانة». أخرجه النسائي عن أبي هريرة ﵁، هذا؛ وانظر الأمانة في الآية رقم [٥٨] من سورة (النساء). ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أنكم تخونون، أو: أنتم علماء تميزون الحسن من القبيح، أو ما في الخيانة من القبح والعار.\nتنبيه: نزلت الآية في أبي لبابة، قال الجلال: اسمه مروان بن عبد المنذر، وقيل: اسمه رفاعة، وقيل: اسمه هارون، وقيل: عمرو، وهو أنصاري﵁وكانت الحادثة فيما يروى: أن النبي ﷺ حاصر بني قريظة بعد نقضهم العهد والميثاق، وانضمامهم إلى قريش في محاصرة المدينة المنورة في غزوة الخندق إحدى وعشرين ليلة، فسألوه الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير، وبني قينقاع، على أن يخرجوا إلى أذرعات وأريحاء بأرض الشام، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، فأبوا، وقالوا: أرسل لنا أبا لبابة، وكان مناصحا لهم لأن عياله وأمواله في أيديهم، فبعثه إليهم، فقالوا: يا أبا لبابة، ما ترى؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فقال: نعم، وأشار إلى حلقه: أنه الذبح، قال أبو لبابة. فما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، ثم انطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ، وشد نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب الله علي، فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، أما إذ فعل ما فعل، فإني لا أطلقه حتى يتوب الله عليه، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو","vol":"4","page":36},{"text":"الذي يحلني، فجاءه فحله بيده، ثم قال يا رسول الله! إن تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال الرسول ﷺ: «يجزيك الثلث أن تتصدق به». فنزلت الآية الكريمة والتي بعدها، وقد تضمنتا الحادثة، وفيها إشارة إلى قبول توبته والعفو عنه.\nوأما بنو قريظة فقد حكم فيهم سعد ﵁ أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، فقال رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة». أي:\nسبع سماوات، وذلك جزاء من ينقض العهد، ويحارب الله ورسوله. وسترى ذلك مفصلا في سورة (الأحزاب) إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٠]. ﴿لا تَخُونُوا﴾:\nمضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.\n ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿وَالرَّسُولَ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿وَتَخُونُوا﴾: مجزوم بسبب العطف على ما قبله، أو هو منصوب. ب «أن» مضمرة بعد واو المعية، والجزم أو النصب بحذف النون، وعلى النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، والتقدير: لا يكن منكم خيانة لله ورسوله، ولا خيانة لأماناتكم، ﴿أَمِنْتُكُمْ﴾:\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٢٠] ومفعول الفعل محذوف، كما رأيت في الشرح للتعميم.\n\n<span id=\"aya-1188\"></span>﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: أيقنوا. ﴿أَمْوالُكُمْ﴾: قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم، وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسان ﵁: [البسيط]\nالمال تذري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال\nوعن الفضل الضبي: المال عند العرب الصامت والناطق، فالصامت الذهب، والفضة، والجواهر، والناطق هو البعير والبقرة والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله فهو الصامت، وإذا قلت عن بدوي كثر ماله فالمراد الناطق، والنشب: المال الثابت كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول من المال المذكور آنفا، قال عمرو بن معد يكرب الزبيدي: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال، وذا نشب","vol":"4","page":37},{"text":"هذا؛ وقد قيل: إن الذي لا تجب فيه الزكاة لا يقال له: مال، وهو مردود بقول النبي ﷺ:\n «يقول ابن آدم مالي مالي، وإنّما له من ماله ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأمضى».\n ﴿فِتْنَةٌ﴾: ابتلاء واختبار وامتحان، أو سبب في الوقوع في الإثم. ﴿وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثواب كبير، وذلك لمن آثر رضا الله على المال والولد، وراعى حدوده، فلم يفتتن بشيء من ذلك، انظر الآية رقم [١٤] آل عمران وما بعدها ففيهما الدواء الشافي.\nتنبيه: في الآية الكريمة تحذير من حب المال والولد، وتفضيلهما على طاعة الله ورسوله، فيجب على العاقل أن يحذر من المضار المتولدة من حبهما؛ لأن ذلك يشغل القلب، ويصيره محجوبا عن خدمة المولى، وهذا من أعظم الفتن، وروى البغوي بسنده عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أتي بصبي، فقبله، وقال: «أما إنهم مبخلة مجبنة، وإنهم لمن ريحان الله».\nوأخرج الترمذي عن عمر بن عبد العزيز ﵁، قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم، قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، وهو محتضن أحد ابني بنته، وهو يقول: «إنكم لتبخّلون وتجبّنون، وتجهّلون، وإنكم لمن ريحان الله». قال الترمذي: لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا عن خولة، ومعنى لمن ريحان الله: لمن رزق الله، وآيات التغابن رقم [١٥/ ١٤] تؤكد هذه الفتنة وتزيد عليها العداوة.\nالإعراب: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: (اعلموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿أَمْوالُكُمْ﴾: مبتدأ. و﴿وَأَوْلادُكُمْ﴾: معطوف على المبتدأ، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿فِتْنَةٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل، وهذا المصدر مأخوذ من أن واسمها وخبرها، ولما كفت عن العمل بقي معناها كما هو ظاهر، ويؤيده المصدر المؤول بعدها. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن)، هذا؛ وإن اعتبرت الظرف متعلقا بمحذوف خبر (أن)، فيكون ﴿أَجْرٌ﴾ فاعلا بهذا الظرف، أي:\nبمتعلقه، والمصدر المؤول من (أن) واسمها وخبرها معطوف على ما قبله، فهو محل نصب مثله، وجملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا تَخُونُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1189\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فُرْقانًا﴾: قال البيضاوي: هداية تفرقون بها بين الحق والباطل، أو نصرا يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين، وإذلال الكافرين، أو مخرجا من الشبهات، أو","vol":"4","page":38},{"text":"نجاة عما تحذرون في الدارين. انتهى. وقال القرطبي: فإذا اتقى العبد ربه، فاتبع أوامره، واجتنب نواهيه، وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال، جعل الله له بين الحق والباطل فرقانا، ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا. انتهى. ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾: يمحوها. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: ذنوبكم؛ أي: بالتجاوز والعفو عنكم، قيل: السيئات: الصغائر، والذنوب: الكبائر، انظر الآية رقم [١٩٣] آل عمران، وقيل: المراد ما تقدم، وما تأخر؛ لأنها في أهل بدر، وقد غفرهما الله لهم، قال الرسول ﷺ: «وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال:\nاعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم».\n ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى إنما هو تفضل منه وإحسان، وأنه ليس مما يوجبه تقواهم كالسيد إذا وعد عبده إنعاما على عمل، قال الجلال:\nوالآية نزلت في توبة أبي لبابة، ولم يقل به أحد غيره، والأولى التعميم لأهل بدر، وهي تشمل كل من اتقى الله إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب لا يمنعه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٠]. ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا..﴾. إلخ في الآية رقم [١٩] والجملة الشرطية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَيُكَفِّرْ﴾: مضارع معطوف على جواب الشرط، مجزوم مثله، ويجوز فيه الرفع والنصب، كما رأيت في الآية رقم [٢٨٣] (البقرة)، وهو مقرر في القواعد النحوية كما يلي: (إذا عطف مضارع بالواو أو بالفاء على فعل الشرط، يجوز جزمه ونصبه، وإذا عطف على الجواب مضارع بالواو أو بالفاء يجوز جزمه ونصبه ورفعه) فالنصب على إضمار: أن، والرفع على الاستئناف، ولكن لم أر من تعرض للقراءة على هذين الوجهين، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾:\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ معطوف، وقل فيه مثل ما قلت بسابقه. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ.\n ﴿ذُو﴾: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الستة، و﴿ذُو﴾:\nمضاف، و﴿الْفَضْلِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل الفعل المستتر والرابط: الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه، هذا؛ وإن اعتبرت الجملة الاسمية مستأنفة فلست مفندا.","vol":"4","page":39},{"text":"<span id=\"aya-1190\"></span>﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: قال الخازن: لما ذكر الله المؤمنين نعمه عليهم؛ أي:\nفي الآية رقم [٢٦] ذكر نبيه ﷺ نعمه عليه فيما جرى له بمكة من قومه؛ لأن هذه السورة مدنية، وهذه الواقعة كانت بمكة قبل الهجرة، والمعنى: واذكر يا محمد إذ يمكر بك الذين كفروا.\nانتهى. ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: بالوثاق، أو بالحبس، أو الإثخان بالجرح، من قولهم: ضربه حتى أثبته لا حراك به، ولا براح، وقرئ الفعل بتشديد الباء، وقرئ: «(وليبيتوك)» من البيات، و«(ليقيدوك)».\n ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾: بسيوفهم. ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾: من مكة، وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار، ومتابعتهم للرسول ﷺ فزعوا، واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة رجل هرم، وقال: أنا شيخ من نجد، سمعت بالذي اجتمعتم له، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا، فأذنوا له بالدخول.\nفقال أبو البختري: أرى أن تحبسوه في بيت، وتسدوا منافذه، غير كوة، تلقون إليه طعامه وشرابه منها حتى يموت، فقال الشيخ: بئس الرأي هذا، يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويخلصه من أيديكم، فقال هشام بن عمرو: أرى أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم، فلا يضركم ما صنع، فقال إبليس: بئس الرأي؛ يفسد قوما غيركم، ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما جلدا، وتعطوه سيفا صارما، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل؛ عقلناه، أي: أدينا ديته، فقال إبليس الخبيث، هذا هو الرأي السديد، والقول الحميد! وتفرقوا على ذلك، فأخبر جبريل ﵇ الرسول ﷺ بذلك، وأمره بالهجرة، فبيت ابن عمه عليا ﵁ في فراشه، ودعا الله أن يعمي عليهم أمره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج من بين صفوفهم، ووضع التراب على رءوسهم، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ﴾ .. إلى قوله: ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ من سورة (يس).\nفلما أصبحوا؛ خرج عليهم علي كرم الله وجهه، فعلموا أن رسول الله ﷺ قد فات ونجا، وخرج مع أبي بكر﵁وتوجها إلى غار ثور. ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾: المكر: تدبير الأمر في خفية، وهو أيضا: احتيال وخداع. ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾: يردّ الله مكرهم، ويجازيهم عليه، هذا؛ والله منزه عن المكر بالمعنى المذكور، واستعمال العقاب والجزاء بلفظ المكر إنما هو من باب المشاكلة وقد مر معنا كثير من هذا، انظر الآية رقم [١٤٢] من سورة (النساء). وانظر ﴿خَيْرُ﴾ في الآية رقم [١٢] الأعراف ومعنى ﴿خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾: أقواهم؛ لأنه سينتقم منهم، وفيه تنبيه على أن","vol":"4","page":40},{"text":"كل مكر يبطله الله ويدحضه، وقيل: ليس المراد بالآية التفضيل؛ لأن فعل الله كله خير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: (إذ): مفعول به لفعل محذوف، أو هو ظرف لهذا المحذوف مبني على السكون في محل نصب، التقدير: اذكر وقت مكرهم بك، وهذه الجملة معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢٦]. ﴿يَمْكُرُ﴾: مضارع. ﴿بِكَ﴾: متعلقان به. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.\n ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يمكر)، واللام بمعنى من، إذ التقدير: من أجل إثباتك، أو تثبيتك، أو تقييدك، و﴿يَقْتُلُوكَ﴾ و﴿يُخْرِجُوكَ﴾ معطوفان على ما قبلهما، منصوبين مثله... إلخ، وجملة: ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ مستأنفة لا محل لها. وجملة: ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ مستأنفة لا محل لها أيضا، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الاسم الكريم؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه، وهو إظهار في محل الإضمار.\nتنبيه: مجيء اللام الجارة بمعنى من مستعمل لغة، كقولك: سمعت له صراخا؛ أي: منه، وقال جرير من قصيدة يهجو بها الأخطل: [الطويل]\nلنا الفضل في الدّنيا، وأنفك راغم... ونحن لكم يوم القيامة أفضل\nإذ المعنى: ونحن أفضل منكم يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-1191\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾: تقرأ عليهم آيات القرآن، والمراد جميع قريش. ﴿قالُوا﴾:\nالقائل: هو النضر بن الحارث من بني عبد الدار، قال البيضاوي: وإسناده إلى الجميع، إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنه كان قاضيهم، وصاحب مشورتهم، هذا؛ وانظر القول في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿سَمِعْنا﴾ أي: مثل هذا القرآن؛ وهو التوراة والإنجيل، وانظر ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ في الآية رقم [١٠٠] الأعراف. ﴿نَشاءُ﴾: انظر الآية رقم [٨٩] (الأعراف). ﴿لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ أي: مثل القرآن، وهذا صلف منهم ووقاحة لأنهم دعوا إلى أن يأتوا بسورة واحدة من مثل القرآن، فلم يأتوا، وهو دليل عجزهم؛ إذ لو استطاعوا ذلك فما منعهم أن يشاءوا، وقد","vol":"4","page":41},{"text":"تحداهم مرارا، وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا سورة مع أنفتهم أن يغلبوا خصوصا في باب الفصاحة والبلاغة، هذا؛ وانظر ﴿مِثْلَ﴾ في الآية رقم [٩٣] من سورة (الأنعام) ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: انظر الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنعام)، ففيها الكفاية، وانظر إعلال (قلنا) في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف).\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في النضر بن الحارث من بني عبد الدار، كان خرج إلى الحيرة في التجارة، فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكسرى وقيصر، فلما قص رسول الله ﷺ أخبار من مضى، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان يقول: يأتيكم محمد بأخبار عاد وثمود، وأنا آتيكم بأخبار القياصرة والأكاسرة، يقصد بذلك أذى النبي ﷺ، فلما حصلت غزوة بدر الكبرى، وقع أسيرا في أيدي المسلمين، فأمر الرسول ﷺ بقتله صبرا، فحزنت عليه أخته قتيلة، وأرسلت أبياتا للنبي ﷺ مطلعها: [الكامل]\nأمحمد، ولأنت نجل نجيبة... في قومها والفحل فحل معرق\nما كان ضرّك لو مننت، وربّما... منّ الفتى، وهو المغيظ المحنق\nفلما سمع النبي ﷺ قصيدتها، قال: «لو سمعتها تقول هذا قبل أن أقتله ما قتلته، ولعفوت عنه». ثم قال: «لا تقتل قريش أحدا بعد هذا صبرا». انظر الشاهد [٤٧٠] من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَإِذا﴾: (إذا): انظر الآية رقم [٢٠١] من سورة (الأعراف). ﴿تُتْلى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان به.\n ﴿آياتُنا﴾: نائب فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَمِعْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَوْ﴾:\nحرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَشاءُ﴾: مضارع وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لَقُلْنا﴾: اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. ﴿مِثْلَ﴾: تنازعه كل من الفعلين: ﴿سَمِعْنا﴾ و(قلنا).\nو﴿مِثْلَ﴾: مضاف، وهذا اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿لَقُلْنا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، هذا؛ والكلام بمجموعه ﴿قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ في محل نصب مقول القول ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنعام). وهو محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.","vol":"4","page":42},{"text":"<span id=\"aya-1192\"></span>﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾: القائل هو النضر المذكور في الآية السابقة حكاه مجاهد وابن جبير، وقيل: هو أبو جهل حكاه عنه أنس بن مالك ﵃ أجمعين، والمعتمد الأول. إذ روي أن النضر لما قال ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ..﴾. قال له النبي ﷺ: «ويلك إنه كلام الله».\nفقال ﴿اللهُمَّ إِنْ..﴾. إلخ. ﴿اللهُمَّ﴾: أصله يا الله، فحذفت يا النداء، وعوض عنها الميم المشددة في الآخر، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه، إلا في الضرورة الشعرية، وهذا الحذف والتعويض من خصائص الاسم الكريم، كدخول «يا» عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وتاء القسم. ﴿الْحَقَّ﴾: قراءة الجمهور النصب، وقرأ الأعمش، وزيد بن علي برفعه، وانظر شرحه في الآية رقم [٣٣] من سورة (الأعراف). ﴿فَأَمْطِرْ﴾: انظر الآية رقم [٨٤] الأعراف. ﴿حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ أي: كالحجارة التي أمطرت على قوم لوط، ﴿اِئْتِنا﴾: انظر الآية رقم [٣٥] (الأعراف) وانظر ﴿اِئْذَنْ﴾ في الآية رقم [٥٠] من سورة (التوبة) تجد ما يسرك، والمراد مثل ما عذبت به الأمم الماضية. وما قاله النضر تهكم واستهزاء وإيهام أنه على بصيرة وجزم ببطلانه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾.\nتنبيه: حكي: أن يهوديّا لقي عبد الله بن عباس﵄فقال اليهودي: ممن أنت؟ قال: من قريش، فقال: أنت من القوم الذين قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ..﴾. إلخ؟ فهلا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق، فاهدنا له! إن هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس﵄-: وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه، وأنجى موسى وقومه، حتى قالوا:\n ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فقال لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فأطرق اليهودي مفحما، وانظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأعراف).\nتنبيه: روي أن معاوية بن أبي سفيان قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك حيث قالوا لرسول الله ﷺ حين دعاهم إلى الإسلام: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ..﴾. إلخ ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق..\nفاهدنا إليه، وهذا من الأجوبة المسكتة.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: الواو: حرف عطف. (إذ): معطوفة على مثلها في الآية رقم [٣٠].\n ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿اللهُمَّ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم.","vol":"4","page":43},{"text":"﴿كانَ﴾: ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل لا محل له، والكوفي يقول: هو حرف عماد. ﴿الْحَقَّ﴾: خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، هذا؛ وعلى قراءة الرفع ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿حِجارَةً﴾. ﴿أَوِ﴾:\nحرف عطف. ﴿اِئْتِنا﴾: أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره «أنت»، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب الشرط. ﴿بِعَذابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلِيمٍ﴾: صفة عذاب، والكلام: ﴿اللهُمَّ إِنْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها.\n\n<span id=\"aya-1193\"></span>﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: هذا بيان من الله تعالى لما كان الموجب لإمهالهم، وتأخير نزول العذاب بهم، وسببه وجود النبي ﷺ فيهم، أي: إقامته في مكة المكرمة؛ لأن سنة الله في خلقه بأن لا يعذب قوما كافرين، ونبيهم بين أظهرهم، فإذا خرج وتركهم نزل العذاب بهم، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فإن المراد بالأول: عذاب الاستئصال، والمراد بالثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة، وهذا كان بعد هجرة النبي ﷺ، ومغادرته مكة المعظمة. ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: اختلف بهذا الاستغفار، فقيل: المراد به ما كانوا يقولونه في طوافهم (غفرانك غفرانك) وقيل: المراد به استغفار المؤمنين المستضعفين المقيمين في مكة.\nوقال ابن عباس﵄المراد: أن فيهم من سبق له من الله العناية أنه يؤمن، ويستغفر مثل أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد وغيرهم، وقال أهل المعاني: دلت الآية الكريمة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب، فعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله أنزل عليّ أمانين لأمّتي: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة». أخرجه الترمذي.","vol":"4","page":44},{"text":"تنبيه: نزلت الآية الكريمة كردّ لما طلبوه من نزول العذاب بهم، وبيان لتأخير العذاب وسببه، وقيل: هذا كلام مستأنف أخبر الله به عن نفسه تعالى وتقدس، وعن سنته في إهلاك الكافرين المعاندين لرسلهم.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والميم في الكل: حرف دال على جماعة الذكور، و«أن» المضمرة والفعل المضارع، في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: وما كان الله مريدا تعذيبهم، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو، والاستئناف أقوى. ﴿وَأَنْتَ﴾:\nضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1194\"></span>﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ أي: وما يمنعهم من العذاب، فلا ريب أنهم مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب، ولكن لكل أجل كتاب فعذبهم الله بعد خروج النبي ﷺ من بين أظهرهم بالقتل والأسر يوم بدر، وما تلاه من هزائم وقعت بهم، وهم يصدون عن المسجد الحرام: أي: وهم يمنعون المؤمنين من الطواف بالبيت، وذلك حين صدوا رسول الله ﷺ، وأصحابه عن البيت الحرام عام الحديبية، وكان قد قصده لأداء العمرة. ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ﴾ أي: ما كانوا مستحقين ولاية أمر المسجد الحرام مع شركهم، وهو ردّ لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصد من نشاء، وندخل من نشاء. ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: لا يستحق ولاية البيت الحرام، ورعاية شئونه إلا المتقون. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾: أن لا ولاية لهم عليه، كأنه سبحانه نبه بالأكثر على أن منهم من يعلم ذلك، ولكنه يعتند معاندة، هذا؛ وقيل: المراد بالأكثر الجميع، أو المراد: لا يعلمون حكمة الله في أحكامه وتصريفه الأمور على حسب مشيئته وتقديره، وذكر الأكثر؛ لأن البعض لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو التقصير في النظر.","vol":"4","page":45},{"text":"﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿يَصُدُّونَ﴾: انظر الآية رقم [٤٥] الأعراف. ﴿الْمَسْجِدِ﴾:\nانظر الآية رقم [٢٩] منها. ﴿أَوْلِياءَهُ﴾: انظر معناه الحقيقي في الآية رقم [٣] منها. ﴿الْمُتَّقُونَ﴾:\nانظر التقوى في الآية رقم [٢٦] منها أيضا. هذا؛ ومعنى المسجد الحرام: المحرم فيه اللغو والرفث والإيذاء، وكل فعل قبيح، وعمل فاحش، وإن كان في غيره حراما، فهو فيه أشد حرمة، وكذلك محرم على الكفار، فلا يجوز أن يدخله كافر أبدا، وانظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، انظر الشرح. ﴿أَلاّ﴾: (أن): حرف مصدري ونصب واستقبال. (لا): نافية.\n ﴿يُعَذِّبَهُمُ﴾: مضارع منصوب ب (أن)، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اللهُ﴾:\nفاعل، و(أن) المصدرية والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، انظر الشرح، هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) نافية، و﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمصدر المؤول في محل رفع مبتدأ مؤخر، ومثل إعراب هذه الآية إعراب قول الشاعر:\n [البسيط]\nوما علينا-إذا ما كنت جارتنا-... أن لا يجاورنا إلاّك ديّار\nوهو من شواهد «فتح القريب المجيب» و«فتح رب البرية» رقم [٧٣] وعلى الوجهين فالجملة الاسمية، وهي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿يَصُدُّونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: الناس. ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الْحَرامِ﴾: صفته، وجملة:\n ﴿يَصُدُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هم...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَما﴾: (ما): نافية. ﴿كانُوا﴾:\nماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَوْلِياءَهُ﴾: خبر كان، والهاء:\nفي محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَما كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَوْلِياؤُهُ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلاّ﴾: حرف حصر. ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ﴾: (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾:\nاسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلاّ﴾: نافية. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية خبر (لكن)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"4","page":46},{"text":"<span id=\"aya-1195\"></span>﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾: لم يؤنث الفعل؛ لأن الصلاة ليست مؤنثا حقيقيا، فيجوز تذكير الفعل وتأنيثه. ﴿مُكاءً﴾: صفيرا، يقال: مكا الطير، يمكو: إذا صفر، والمكاء: اسم طير أبيض يكون بالحجاز له صفر. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾: تصفيقا، وفي أصله واشتقاقه قولان: أحدهما: أنه من الصدى، وهو الصوت الذي يرجع من الجبل ونحوه، كالمجيب للمتكلم، ولا يرجع إلى شيء، الثاني: قال أبو عبيدة: أصله تصددة، فأبدلت الياء من الدال الثانية، وفي فعلهم هذا قولان: الأول: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون، ويصفقون فيها، والثاني: أنهم كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي ﷺ أن يصلي، يخلطون عليه، يريدون إيذاءه، وهذا مناسب لقولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ وسماها الله صلاة؛ لأنهم كانوا يعتقدون ذلك المكاء والتصدية صلاة، فخرج ذلك على حسب معتقدهم، وزعمهم. ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾: فيه استعارة. انظر الآية رقم [١٤]. ﴿تَكْفُرُونَ﴾: انظر الآية رقم [٦٦] (الأعراف). وهذا؛ وإعلال: ﴿كُنْتُمْ﴾ مثل إعلال ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف).\nقال القرطبي رحمه الله تعالى: ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون، وذلك كله منكر تنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت.\nوانظر ما نقلته عنه في الآية رقم [٢].\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف تعليل. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص.\n ﴿صَلاتُهُمْ﴾: اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بصلاتهم، أو بمحذوف حال من ﴿صَلاتُهُمْ،﴾ و﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و﴿الْبَيْتِ﴾: مضاف إليه.\n ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مُكاءً﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾: معطوف على ما قبله، وهذا؛ وقرئ بنصب ﴿صَلاتُهُمْ﴾ على أنه خبر مقدم، ورفع ﴿مُكاءً﴾ على أنه اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ كالتعليل لقوله ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ﴾. ﴿فَذُوقُوا﴾: الفاء:\nهي الفصيحة، انظر الآية رقم [١]. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية [١١] الأعراف. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كانت صلاتهم كذلك، فيقال لهم يوم القيامة:\nذوقوا. فتبين بهذا التقدير: أن الجملة مقولة لجواب الشرط المقدر. ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به.\n ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر. ما: مصدرية. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء","vol":"4","page":47},{"text":"اسمه، وجملة: ﴿تَكْفُرُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (ذوقوا)، التقدير: ذوقوا العذاب بسبب كفركم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ الشرح: ﴿يُنْفِقُونَ﴾: انظر الآية رقم [٣]. ﴿أَمْوالَهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾: ليمنعوا الناس من الدخول في دين الإسلام، وانظر ﴿يَصُدُّونَ﴾ في الآية رقم [٤٥] الأعراف. وانظر ﴿سَبِيلِ﴾ في الآية رقم [١٤٢] الأعراف. ﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١].\n ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ أي: فسيعلمون عاقبة إنفاقها من الخيبة، وعدم الظفر بالمقصود، فحصلت المغايرة بين الإنفاقين. انتهى. بتصرف. ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ أي: ما أنفقوا من أموالهم يكون عليهم حسرة وندامة يوم القيامة؛ لأن أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يؤملون في نهاية الأمر، وإن ظفروا في بعض الأحيان، وانظر ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣] (الأعراف).\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا من قريش، يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر، أو في أبي سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية، أو في أصحاب العير، فإنه لما أصيبت قريش ببدر، قيل لهم: أعينوا بهذا على حرب محمد لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا. انتهى بيضاوي.\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو ابتدائية. ﴿لِيَصُدُّوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف.\nتقديره: الناس، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: ينفقون أموالهم لصدّ الناس. ﴿عَنْ سَبِيلِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾: الفاء: حرف استئناف. السين: حرف استقبال. (ينفقونها): مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿تَكُونُ﴾: مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره:\n «هي»، يعود على الأموال. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من حسرة، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿حَسْرَةً﴾: خبر","vol":"4","page":48},{"text":"﴿تَكُونُ﴾. وجملة: ﴿تَكُونُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿يُغْلَبُونَ﴾:\nمضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ثبتوا على الكفر، وسلموا من القتل والأسر يوم بدر.\n ﴿جَهَنَّمَ﴾: واد من أودية النار. وانظر دركات النار في الآية رقم [١٤٥] من سورة (النساء).\n ﴿يُحْشَرُونَ﴾: يساقون ويجمعون فيها.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: مبتدأ، وانظر باقي الإعراب في الآية السابقة. ﴿إِلى جَهَنَّمَ﴾:\nمتعلقان بالفعل بعدهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿يُحْشَرُونَ﴾: إعرابه مثل إعراب: ﴿يُغْلَبُونَ﴾ في الآية السابقة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1197\"></span>﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: يفصل الخبيث من الطيب، وماضيه «ماز»، ومثله: ميّز وأماز بمعنى: فرز الشيء عن غيره، وبمعنى فضله على سواه، و﴿لِيَمِيزَ﴾ يقرأ بتشديد الياء وتخفيفها، وامتاز القوم: تميز بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: انفردوا عن المسلمين، وهذا يكون يوم القيامة، والمراد بالخبيث: الكفر والنفاق، أو الكافرون والمنافقون، والمراد بالطيب: الإيمان أو المؤمنون، كما يطلقان على العمل الصالح والسيئ وانظر الآية رقم [١٧٩] من سورة (آل عمران). ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾: فيجمعه، ويضم بعضه على بعض حتى يتراكم ويتراكب لكثرته، ثم يجعله، أي: يلقيه في جهنم، وهي واد من أودية النار. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة إلى المنفقين في سبيل الشيطان. ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: خسروا الدنيا والآخرة لأنهم اشتروا بأموالهم عقاب الآخرة، وانظر الآية رقم [١٤٩] الأعراف تجد ما يسرك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لِيَمِيزَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ﴾: فاعله.\n ﴿الْخَبِيثَ﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾: متعلقان بالفعل (يميز)، أو بمحذوف حال من","vol":"4","page":49},{"text":"﴿الْخَبِيثَ،﴾ و«أن» المضمرة والفعل (يميز) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَكُونُ،﴾ أو ب ﴿يُغْلَبُونَ،﴾ أو ب ﴿يُحْشَرُونَ﴾. ﴿وَيَجْعَلَ﴾:\nمعطوف على يميز، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الْخَبِيثَ﴾: مفعول به. ﴿بَعْضَهُ﴾: بدل من ﴿الْخَبِيثَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ﴾: متعلقان بالفعل يجعل على أنهما مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿بَعْضَهُ،﴾ أي: بعضه عاليا على بعض.\n ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾: معطوف على ﴿وَيَجْعَلَ﴾ والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿جَمِيعًا﴾:\nحال من الضمير المنصوب، فيه معنى التوكيد. ﴿فَيَجْعَلَهُ﴾: معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٧٨] من سورة (الأعراف) وهي هنا مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1198\"></span>﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: قل يا محمد لمشركي قريش أبي سفيان وأتباعه، وانظر (القول) في الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾: عن الكفر وعن قبائح أعمالهم من إيذاء الرسول ﷺ وسب الإسلام، وغير ذلك، ودخلوا في دين الله. ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ أي: من كفرهم، وما اقترفوه من آثام، ولقد أحسن أبو سعيد أحمد بن محمد الزبيري ﵀ في قوله: [الرجز]\nيستوجب العفو الفتى إذا اعترف... ثمّ انتهى عمّا أتاه واقترف\nلقوله سبحانه في المعترف... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف\nهذا؛ وقرئ بالخطاب «(إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف)». ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾: إلى ما كانوا عليه من الكفر ومعاداة الرسول ﷺ وقيل: إلى القتال. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: بإهلاك أعداء الدين، ونصر الأنبياء والمرسلين، ففي هذه الآية الكريمة تصريح بأن الكافر إذا أسلم تغفر له جميع ذنوبه السابقة، ولا يطالب بشيء من قضاء العبادات البدنية والمالية، ويكون ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه. ﴿مَضَتْ﴾: أصله (مضى) فلما اتصلت به تاء التأنيث، صار مضات، فحذف الألف لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. ﴿سُنَّتُ﴾: وهي الشريعة والطريقة، وانظر الآية رقم [١٣٧] من آل عمران. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: جمع أول وانظر الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأعراف)","vol":"4","page":50},{"text":"لشرحه، وهذه الجملة تجمع بين الوعيد والتهديد، وفي التمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر ما فيه من مزدجر لقوم يعقلون.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: بالله ورسوله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَنْتَهُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُغْفَرْ﴾: مضارع مبني للمجهول جواب الشرط. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل، وجملة: ﴿قَدْ سَلَفَ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة:\n ﴿يُغْفَرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ مثل سابقه، وجملة: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد.\n\n<span id=\"aya-1199\"></span>﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾: هذا الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه. ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾:\nشرك، وقيل: بلاء. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ أي: خالصا لله ليس للشيطان فيه نصيب، بل وتضمحل جميع الأديان أمامه، هذا؛ وانظر ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ في الآية رقم [١٦٢] (الأنعام) تجد ما يسرك. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن الكفر... إلخ، انظر الآية السابقة. ﴿فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فإن الله لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ونياتهم، فهو يثيبهم على ما يستحقون من خير وشر، وانظر الآية تشبه الآية السابقة وما فيها من وعد ووعيد. هذا؛ وهذه الآية تشبه الآية المذكورة في سورة (البقرة) برقم [١٩٢] مع اختلاف في بعض الألفاظ، هذا؛ وإعلال: (انتهوا) مثل إعلال: (أتوا) في الآية رقم [١٣٨] الأعراف هذا؛ ويقرأ: «(تعملون)» بالتاء، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر التفات في الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: ﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾: الواو: حرف استئناف. (قاتلوهم): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿لا﴾:\nنافية. ﴿تَكُونَ﴾: مضارع تام بمعنى توجد منصوب ب «أن» مضمرة بعد (حتى). ﴿فِتْنَةٌ﴾:","vol":"4","page":51},{"text":"فاعله، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (قاتلوهم)، ولا تنس أن ﴿حَتّى﴾ هنا بمعنى (إلى أن) ﴿وَيَكُونَ﴾:\nمعطوف على ما قبله، منصوب مثله، وهو ناقص. ﴿الدِّينُ﴾: اسمه. ﴿كُلُّهُ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّهُ لِلّهِ﴾ في محل نصب خبر ﴿وَيَكُونَ،﴾ وجملة: ﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾ مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل:\nمعطوفة على قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾ لكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم، وهو وظيفة النبي وحده جاء بالإفراد، ولما كان الغرض من الثاني تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا. انتهى. بتصرف. ﴿فَإِنِ﴾: حرف شرط جازم. ﴿اِنْتَهَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، وهو في محل جزم فعل الشرط، والألف للتفريق، والجملة لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ولا تنس: أن المتعلق محذوف. ﴿فَإِنِ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، وما تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها والعائد أو الرابط محذوف. التقدير: بالذي أو بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبعلمهم. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، أو معترض في آخر الكلام لا محل له الغرض منه ما رأيته في الشرح، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿كُلُّهُ﴾ توكيدا ل ﴿الدِّينُ﴾ فيكون ﴿لِلّهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبر: ﴿وَيَكُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1200\"></span>﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرض كفار قريش عن الإيمان بالله ورسوله، ولم ينتهوا عن معاداة الرسول ﷺ، وإيذائه وإيذاء المؤمنين. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ﴾ أي: اعتقدوا، وأيقنوا أن الله ناصركم عليهم، وحافظكم من كيدهم. هذا؛ وانظر الآية رقم [٣] الأعراف تجد ما يسرك، وانظر ﴿الْمَوْلى﴾ في الآية رقم [٥٢] من سورة (التوبة).\n ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماض لإنشاء المدح، وضدها: «بئس» فعل ماض لإنشاء الذم، قال في المختار: (نعم) منقول من نعم فلان بفتح النون وكسر العين: إذا أصاب النعمة، و(بئس) منقول من بئس فلان بفتح الباء وكسر الهمزة: إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح والذم، فشابها الحروف فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم وبئس بكسر فسكون، وهي أفصحهن، وهي لغة","vol":"4","page":52},{"text":"القرآن، ثم نعم وبئس بكسر أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في (نعم) أن يجيء بعده ما، كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ و(بئس) جاءت بعدها (ما) على اللغة الأولى الفصحى، كقوله تعالى:\n ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ واللغة الثالثة: نعم وبأس بفتح فسكون، والرابعة: نعم وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بد لهما من شيئين: فاعل ومخصوص بالمدح أو الذم، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي؛ بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ: «من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء وبرّها سرقة) وقول غيره: (نعم السير على بئس العير) وأوّله البصريون على حذف كلام مقدر، إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير. انتهى. والمعتمد في ذلك قول البصريين.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: انظر إعراب: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ في الآية السابقة. ﴿فَاعْلَمُوا﴾: الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (اعلموا): أمر وفاعله، والألف للتفريق، ﴿إِنْ﴾: حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿مَوْلاكُمْ﴾: خبر ﴿إِنْ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة، و﴿إِنْ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (اعلموا)، وجملة: ﴿فَاعْلَمُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط.. إلخ، و(إن) ومدخولها معطوف على مثله في الآية السابقة، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يظهر لك أن جواب الشرط محذوف، التقدير: فلا تخشوهم، والجملة بعدها مفيدة للتعليل، التقدير: لأن الله مولاكم... إلخ. انتهى. جمل، وفيه تكلف ظاهر. ﴿نِعْمَ الْمَوْلى﴾: فعل وفاعل، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: هو، وهذا فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ مؤخر خبره الجملة الفعلية قبله، والثاني: أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، أي: هو الله، والكلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1201\"></span>﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: من العلم والمعرفة. ﴿وَلِذِي الْقُرْبى﴾ أي: قرابة الرسول ﷺ.\n ﴿وَالْيَتامى﴾: جمع يتيم، وهو من الحيوان من فقد أمه فقط، ومن بني آدم من فقد أباه أو أمه، أو فقدهما معا، والمراد بهم هنا من فقدوا معيلهم، وهو الأب، وهناك يتيم العلم، والعقل، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان قد بلغ من العمر الستين والسبعين، ويملك من الأموال الملايين، ولله درّ القائل: [البسيط]","vol":"4","page":53},{"text":"ليس اليتيم الذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العقل والأدب\nومنه من أهمل أبوه وأمه تربيته مع كونهما موجودين، وخذ قول الآخر: [الكامل]\nليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة، وخلّفاه ذليلا\nإنّ اليتيم هو الذي تلقى له... أمّا تخلّت، أو أبا مشغولا\n ﴿وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: سأتكلم عن هذين في الآية رقم [٦١] من سورة (التوبة) إن شاء الله تعالى. ﴿كُنْتُمْ﴾: انظر إعلال ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف)، ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾: الذي أنزله الله وتكرم به على نبيه وعلى المؤمنين يوم بدر من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من نزول الملائكة والنصر المبين الذي رفع الله به شأن الإسلام والمسلمين، وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرق فيه بين الحق والباطل، و﴿الْجَمْعانِ﴾ جمع المسلمين وجمع المشركين، هذا، وانظر (نا) في الآية رقم [٧] (الأعراف) و﴿يَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٢٨] (الأنعام). هذا؛ وذكر الرسول بلفظ ﴿عَبْدِنا﴾ للتشريف والتعظيم، فإن الله أضافه لنفسه، ولم يجعل لغيره فيه حظا ونصيبا، وانظر الآية رقم [٢٣] (البقرة). ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مقتدر لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك نصره العدد القليل على الكثير يوم بدر، هذا؛ والغنيمة في اللغة ما يناله الإنسان بسعيه، والمغنم والغنيمة بمعنى، والمراد به في الآية الكريمة: ما أخذه المسلمون من الكفار على وجه الغلبة والقهر، هذا؛ والفيء: ما وصل ليد المسلمين من غير حرب، ولا إيجاف خيل، ولا ركاب، كالجزية، وما يصالح عليه الكفار المسلمين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩] الآتية.\nتنبيه: رأيت في أول السورة كيف اختلف المسلمون في غنائم بدر، وكيف وكل الله أمر تقسيمها لنبيه ﷺ، ثم نزلت هذه الآية لتبين حكم ما يغنمه المسلمون من الكفار، إلى يوم القيامة حيث تقسم خمسة أخماس، فأربعة تعطى للمحاربين الغانمين الذين شهدوا الوقعة، وحازوا الغنيمة، فيعطى للفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه ويعطى الراجل سهما واحدا، وقيل: غير ذلك، وأما الخمس الآخر فيقسم خمسة أخماس، وظاهر النص أنه يقسم ستة أسداس، ولكن الله لم يرد شيئا من المال؛ لأن الدنيا والآخرة كلها له تعالى، وإنما ذكر اسمه على سبيل التبرك، وهذا قول الحسن، وقتادة، وعطاء، وإبراهيم النخعي، فقد قالوا: سهم الله وسهم رسوله واحد، وقيل: سهم الله يصرف إلى جميع هؤلاء الأصناف المذكورين بالسوية، وحكمه باق، غير أن سهم الرسول ﷺ يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كما فعله أبو بكر وعمر ﵄، وقيل: إلى الإمام، وقيل: إلى الأصناف الأربعة، وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته، وصار الكل مصروفا إلى","vol":"4","page":54},{"text":"الثلاثة الباقية، وعن مالك-رحمه الله تعالى-: الأمر فيه مفوض إلى رأي الإمام يصرفه إلى ما يراه أهم، وذهب أبو العالية إلى ظاهر الآية، فقال: يقسم ستة أقسام، يصرف سهم الله إلى الكعبة؛ لما روي أنه ﷺ كان يأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة؛ ثم يقسم ما بقي على خمسة، وقيل: سهم الله لبيت المال، وقيل: غير ذلك، وذو القربى: بنو هاشم، وبنو المطلب، لما روي: أن النبي ﷺ قسم سهم ذوي القربى عليهما، فقال له عثمان بن عفان، وجبير بن مطعم:\nهؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم، وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة. فقال ﷺ: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية، ولا في إسلام». وشبك بين أصابعه. وقيل: بنو هاشم وحدهم، وقيل: جميع قريش، والغني والفقير سواء، وقيل: هو مخصوص بفقرائهم كسهم ابن السبيل، وقيل: الخمس كله لهم، والمراد باليتامى والمساكين وابن السبيل من كان منهم، والعطف للتخصيص. انتهى. بيضاوي.\nالإعراب: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: (اعلموا): أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّما﴾: (أن):\nحرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون، أو هي نكرة موصوفة في محل نصب اسم (أن). ﴿غَنِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: الذي: أو شيئا غنمتموه. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و(من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَأَنَّ﴾: الفاء: صلة. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أن) تقدم على اسمها، وهو خمسة، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فحكمه أن لله خمسه، هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إن)»، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل رفع خبر (أن) الأولى ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ والجملة هذه معطوفة على جملة:\n ﴿وَقاتِلُوهُمْ..﴾. إلخ أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: معطوفان على ﴿لِلّهِ﴾. ﴿وَلِذِي﴾:\nجار ومجرور معطوفان أيضا، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و«ذي»: مضاف، و﴿الْقُرْبى﴾: مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿وَالْيَتامى﴾: معطوف على ﴿لِلّهِ﴾ مجرور... إلخ. ﴿وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: معطوفان أيضا على ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾. ﴿فَأَنَّ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ في محل نصب خبر كان، والجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم... فاعلموا. ﴿وَما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوف على ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو","vol":"4","page":55},{"text":"الرابط محذوف، التقدير: أنزلناه. ﴿عَلى عَبْدِنا﴾: متعلقان بما قبلهما، ونا: في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿أَنْزَلْنا،﴾ و﴿يَوْمَ﴾: مضاف، و﴿الْفُرْقانِ﴾: مضاف إليه. ﴿يَوْمَ﴾: بدل من سابقه. ﴿اِلْتَقَى﴾: ماض. ﴿الْجَمْعانِ﴾: فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1202\"></span>﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾: هذا خطاب لرسول الله ﷺ، ولمن معه من المؤمنين، والتقدير: اذكروا إذ كنتم بالعدوة، وقد قرئ بتثليت العين، والمشهور الضم والكسر، وهي طرف الوادي. ﴿الدُّنْيا﴾: تأنيث الأدنى بمعنى الأقرب، من: دنا، يدنو. والمراد بالعدوة الدنيا: مما يلي المدينة. ﴿الْقُصْوى﴾: البعدى تأنيث الأقصى، من: قصا، يقصو، وقياس الاستعمال أن يكون القصيا بالياء؛ لأنه صفة كالدنيا والعليا، وفعلى إذا كانت صفة قلبت واوها ياء فرقا بين الاسم والصفة، فجاء على الأصل، وهو أكثر استعمالا من القصيا، والمراد من الآية بيان موقف المسلمين وموقف المشركين في وادي بدر الذي حصلت فيه الموقعة.\n ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: المراد ركب أبي سفيان، وهو قافلة التجارة التي كانت راجعة من بلاد الشام، فلما سمع أبو سفيان بمخرج النبي ﷺ وأصحابه؛ غير طريقه وسلك طريق الساحل.\nهذا؛ والركب: أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، والركبان الجماعة منهم، قال أبو البقاء: الركب: جمع راكب في المعنى، وليس بجمع في اللفظ. انتهى. ولا تقول العرب: ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، ولا يقال لمن كان على فرس أو غيرها. هذا؛ وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر، بحيث لو استغاث العدو به؛ لأغاثه.\n ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ﴾ أي: لو تواعدتم أنتم وهم للقتال، ثم علمتم حالكم في القلة، وحالهم في الكثرة لاختلفتم أنتم وهم في الميعاد، خوفا منهم لكثرتهم ويأسا من الظفر عليهم، ليتحققوا أن ما اتفق وحصل من النصر ليس إلا توفيقا من الله، خارقا للعادة، فيزدادوا إيمانا بالله، وشكرا له، هذا؛ والميعاد أصله: الموعاد، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما","vol":"4","page":56},{"text":"قبلها، وهو بمعنى الموعد يحتمل الزمان والمكان، وانظر الوعد في الآية رقم [٤٤] الأعراف.\n ﴿وَلكِنْ﴾ أي: ولكن الله جمع بينكم على غير ميعاد.\n ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾: حقيقا من نصر أوليائه وإعزاز دينه، وإهلاك أعدائه وقهرهم. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: ليموت من مات بعد إقامة الحجة عليه وبرهان عاينه وشاهده؛ لئلا يكون له حجة ومعذرة يوم القيامة. ﴿وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: ويعيش من عاش في هذه الدنيا عن علم ومعرفة بأحكام ربه، وتعاليم نبيه، هذا؛ ويمكن أن يراد بالأول: كفر من كفر، وبالثاني: إيمان من آمن عن وضوح بينة على استعارة الهلاك للكفر، والحياة للإسلام والإيمان، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك. ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه، هذا؛ وقرئ الفعل (حيّ) بالفك والإدغام.\nتنبيه: في الآية الكريمة تذكير للمؤمنين بما أنعم الله عليهم في غزوة بدر، وبيّن البيضاوي -رحمه الله تعالى-: أن الجملة الحالية: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ فائدتها: الدلالة على قوة العدو، واستظهارهم بالركب، وحرصهم على المقاتلة عنها، وتوطين نفوسهم على أن لا يخلو مراكزهم، ويبذلوا منتهى جهدهم، وضعف شأن المسلمين، والتباس أمرهم، واستبعاد غلبتهم عادة، ولذا ذكر الله مراكز الفريقين، فإن العدوة الدنيا كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلا بتعب ولم يكن فيها ماء بخلاف العدوة القصوى. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل من ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ،﴾ وجوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف تقديره: اذكر، وقيل: هو ظرف متعلق ب ﴿قَدِيرٌ﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة العدوة مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، وجملة: ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى﴾ مثل سابقتها في إعرابها، وهي معطوفة عليها. ﴿وَالرَّكْبُ﴾: مبتدأ. ﴿أَسْفَلَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، هذا؛ وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفعه على الخبرية، ولم أره قراءة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾.\n ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿أَسْفَلَ﴾. الواو: حرف استئناف، (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَواعَدْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ﴾ جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك لا محل له. ﴿لِيَقْضِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ﴾: فاعله.\n ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، وجملة: ﴿كانَ مَفْعُولًا﴾ في محل نصب صفة ﴿أَمْرًا،﴾ و«أن» المضمرة","vol":"4","page":57},{"text":"والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿لِيَهْلِكَ﴾: بدل من ﴿لِيَقْضِيَ﴾ وهو مثله في إعرابه، وجوز تعليقه ب ﴿مَفْعُولًا،﴾ وقيل: هو على إرادة حرف العطف، أي: وليهلك، فيكون متعلقا بما تعلق به سابقه. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه. ﴿وَيَحْيى﴾: معطوف على ﴿لِيَهْلِكَ﴾ فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مَنْ﴾: فاعله، وجملة: ﴿حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام وتذييل له، الغرض منها ما ذكرته في الشرح.\n\n<span id=\"aya-1203\"></span>﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ، أي: اذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ يريك المشركين في نومك قليلا، قال مجاهد: أراهم الله في منامه قليلا، فأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، وكان ذلك تثبيتا لهم، وتقوية لقلوبهم، وانظر «النوم» في الآية رقم [٩٧] الأعراف. ﴿وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا﴾ أي: في المنام وأخبرت أصحابك بذلك.\n ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾: لجبنتم وضعف رأيكم. ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في أمر القتال بين الثبات والفرار. ﴿وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾: أنعم بالسلامة من الجبن واختلاف الرأي. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾: يعلم ما يكون فيها، وما يغير أحوالها من جراءة وجبن وصبر وجزع، هذا؛ وانظر ﴿ذاتَ﴾ في الآية رقم [١].\nالإعراب: ﴿إِذْ﴾: متعلق ب (اذكر) محذوفا، أو هو بدل ثان من: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ،﴾ أو هو متعلق ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ فهو مبني على السكون في محل نصب. ﴿يُرِيكَهُمُ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به أول، والهاء مفعول به ثان. ﴿اللهُ﴾: فاعله.\n ﴿فِي مَنامِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قَلِيلًا﴾: مفعول به ثالث؛ لأن (يري) ينصب ثلاثة مفاعيل، ولا تنس أن الفعل (يري) هنا حلمي، وقد عومل معاملة الفعل العلمي بتعديته إلى ثلاثة مفاعيل. وجملة: ﴿يُرِيكَهُمُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَلَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ﴿أَراكَهُمْ كَثِيرًا﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب سابقتها مع ملاحظة أن فعلها ماض، ولا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، واللام واقعة في جواب (لو)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب (لو)، و(لو) ومدخولها كلام معطوف على الجملة قبله، فهو في محل جر مثلها،","vol":"4","page":58},{"text":"وهو أولى من الاستئناف. وجملة: ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿وَلكِنَّ﴾: (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها، وجملة: ﴿سَلَّمَ﴾ خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على جواب (لو)، لا محل لها مثله. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبرها. ﴿بِذاتِ﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ وذات مضاف، و﴿الصُّدُورِ﴾:\nمضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1204\"></span>﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ..﴾. إلخ: هذا خطاب للمؤمنين الذين شهدوا بدرا، وهو من تذكيرهم بنعمة الله عليهم حيث جعل المشركين في أعينهم قليلا قبل التحام القتال لتقوى قلوبهم، وتشتد عزيمتهم للحرب حتى قال ابن مسعود ﵁ لمن كان بجانبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة. ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾: حيث جعل المؤمنين في أعين المشركين قليلين، وذلك قبل التحام القتال ليجترءوا عليهم، ولا يستعدوا لهم، حتى قال أبو جهل الخبيث في ذلك اليوم: إنما هم أكلة جزور، خذوهم أخذا، واربطوهم بالحبال، فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم وكثروا، كما قال جل شأنه في الآية رقم [١٣] آل عمران ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وذلك لتفاجئهم الكثرة، فتبهتهم، وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة، فإن البصر، وإن كان قد يرى الكثير قليلا، والقليل كثيرا، لكن لا على هذا الوجه، ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصار عن إبصار بعض دون بعض من التساوي في الشرط. انتهى. بيضاوي.\n ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾: تكرر هذا؛ لأن المعنى في الأول: من اللقاء والمواجهة، وفي الثاني: من قتل المشركين، وإعزاز الدين، وهو إتمام النعمة على المسلمين.\n ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: مصيرها ومردها إلى الله تعالى، فيجازي كل عامل على قدر عمله، فالمحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا؛ وانظر شرح العين في الآية رقم [١١٦] (الأعراف). ﴿تُرْجَعُ﴾: انظر الآية رقم [١٥٠] (الأعراف). ﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١].\n ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ..﴾. إلخ: قال الشيخ أبو منصور رحمه الله تعالى: القضاء يحتمل الحكم، أي:\nليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة.\nانتهى. هذا؛ والمصدر قضاء بالمد؛ لأن لام الفعل ياء، إذ أصل ماضيه (قضي) بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومصدره (قضيا) بالتحريك، كطلب طلبا، فتحركت الياء فيه أيضا، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار قضاء ممدودا، وجمع","vol":"4","page":59},{"text":"القضاء أقضية، كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، ويكون أيضا بمعنى الأمر، قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾.\nوبمعنى العلم، تقول: قضيت بكذا، أي: أعلمتك به، وبمعنى الإتمام قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ وبمعنى الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ وبمعنى الإرادة، قال تعالى: ﴿وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وبمعنى الموت، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾.\nوبمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ، وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وبمعنى الخلق، قال تعالى:\n ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وبمعنى بلوغ المراد والأرب، قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ وبمعنى وفاء الدين، كقولك: قضيت ديني. انتهى قسطلاني بتصرف. وأضيف أنه يكون بمعنى «أوحينا» كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ..﴾. إلخ.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء، وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن، فقال:\nإنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك قد عصيت ربك، وبانت منك، فقال الرجل: قضى الله ذلك علي، فقال الحسن-وكان فصيحا-: ما قضى الله ذلك، أي: ما أمر الله به؛ وقرأ قوله تعالى:\n ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: (إذ): معطوف على مثله في الآية السابقة. ﴿يُرِيكُمُوهُمْ﴾: انظر إعراب مثله في الآية السابقة، والفاعل يعود إلى (الله)، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، وهي حرف لا محل له. ﴿إِذْ﴾: ظرف متعلق بما قبله، مبني على السكون في محل نصب. ﴿اِلْتَقَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] الأعراف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فِي أَعْيُنِكُمْ﴾: متعلقان بالفعل «يري» والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قَلِيلًا﴾: حال من هاء الغائبين؛ لأن الفعل «يري» بصري. ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾: مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿يُرِيكُمُوهُمْ﴾ فهي في محل جر مثلها. ﴿فِي أَعْيُنِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٤٣] والجار والمجرور الحاصلان من: ﴿لِيَقْضِيَ﴾ متعلقان بأحد الفعلين ﴿يُرِيكُمُوهُمْ،﴾ ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾.\n ﴿وَإِلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُ﴾: يقرأ بالبناء للفاعل وللمفعول. ﴿الْأُمُورُ﴾:\nفاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":60},{"text":"<span id=\"aya-1205\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿آمَنُوا﴾: انظر الآية رقم [٢]. ﴿لَقِيتُمْ﴾: لقي بمعنى: صادف، ومصدره: اللقي بضم اللام، وكسر القاف، واللقى بضم اللام مقصورا، واللقاء بكسرها ممدودا ومقصورا.\n ﴿فِئَةً﴾: جماعة، والمراد: الكفار. وترك وصفها؛ لأن المؤمنين ما كانوا يحاربون إلا الكفار.\nوانظر الآية رقم [١٦]. ﴿فَاثْبُتُوا﴾ أي: في ساحة الحرب، ولا تهربوا، وظاهر اللفظ يوجب الثبات في الميدان على كل حال، وذلك يوهم نسخ ما ذكر في الآية رقم [١٦] من التحرف والتحيز، والجواب أن آية التحرف والتحيز؛ لا تقدح في حصول هذا الثبات في المحاربة، بل ربما كان الثبات لا يحصل إلا بذلك التحرف، والتحيز. ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ أي: في مواطن الحرب، داعين له، مستظهرين بذكره، مترقبين لنصره. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل عليه بقلب فارغ البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [١٦٨] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر الإعراب في الآية رقم [٢٠]. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقِيتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿فِئَةً،﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿فَاثْبُتُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾.\n (اثبتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، الواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر المتعلق في الشرح، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محل له؛ لأنه كلام ابتدائي كالجملة الندائية قبله. ﴿وَاذْكُرُوا﴾: (اذكروا): فعل أمر وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿كَثِيرًا﴾: صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ذكرا كثيرا، ويجوز اعتباره نائب مفعول مطلق، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: إعراب هذه الجملة ومحلها مثل جملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [٢٦].\n<span id=\"aya-1206\"></span>﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاِصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما يأمرانكم به من الجهاد والثبات عند لقاء العدو، وقرن سبحانه طاعة نبيه بطاعته، وهذا يتكرر في القرآن الكريم، انظر الآية رقم [٦٨] من سورة","vol":"4","page":61},{"text":"(النساء). ﴿وَلا تَنازَعُوا﴾ أي: لا تختلفوا. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾: فتضعفوا وتجبنوا عند لقاء العدو.\n ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: تذهب قوتكم، فقد استعار الريح للقوة، من حيث إنها في تمشي أمرها، ونفاذه مشبهة بها في هبوبها ونفوذها، كما تقول: الريح لفلان؛ إذا كان غالبا في الأمر.\nقال الشاعر: [الوافر]\nإذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون\nولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السكون متى يكون\nهذا؛ والريح في الأصل: الهواء المسخر بين السماء والأرض، وأصله الروح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح ورياح، وأصل رياح رواح، فعل فيه كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث كما في الآية الكريمة، وقد تذكر على معنى الهواء، والرياح الأصول أربع:\nإحداها: الشمال، وتأتي من ناحية الشمال، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء، والثانية: الجنوب، وهي مقابلتها، أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس، وهي الريح اليمانية، والثالثة: الصبا بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى القبول أيضا، والرابعة الدبور، وتأتي من جهة الغرب، وما أتى منها من بين تلك الجهات يقال لها:\nالنكباء؛ ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق، قيل لها: أزيب بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الياء، وإن خرجت من بين الشمال والغرب، قيل لها: جربيا بكسر الجيم، وسكون الراء وكسر الباء، وإن خرجت من بين الشمال والشرق، قيل لها: صابية، وإن خرجت من بين الجنوب والغرب، قيل لها: هيف، بفتح الهاء وسكون الياء، وقد جمع الثمانية النواجي في قوله: [الطويل]\nصبا ودبور، والجنوب وشمال... بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ\nومن بينها النّكباء أزيب جربيا... وصابية والهيف خاتمة العدّ\nهذا؛ وأضيف أن ريح الصبا نصر الله بها نبيه ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، وأن ريح الدبور، أهلك الله بها قوم عاد، ونبيهم هود ﵊، كما رأيت في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأعراف) وما بعدها. قال الرسول ﷺ: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». ﴿وَاصْبِرُوا﴾ أي: على مقاساة الحرب وشدائدها. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: بالمعونة والنصر، والتأييد والظفر، وانظر (الصبر) في الآية رقم [١٢٧] من سورة (الأعراف)، هذا؛ ومعية الله على نوعين: عامة وخاصة، فالأولى: لكل الناس، وهي معية بالعلم والقدرة، والثانية: للمؤمنين المتقين والمحسنين، وهي بالحفظ والنصر، والمعونة والظفر... إلخ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ،﴾ وقال هنا: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾.","vol":"4","page":62},{"text":"عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم خطيبا، فقال: «أيّها الناس لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السّيوف» ثم قال «اللهمّ منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم».\nالإعراب: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: انظر إعراب (اثبتوا) في الآية السابقة، والآية رقم [١].\n ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَنازَعُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة مع ما قبلها على جملة (اثبتوا) في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾: مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، أو هو منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، ويقويه عطف (تذهب) عليه بالنصب، كما قرئ بجزمه، وعلامة الجزم أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى وجه النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم تنازع ففشل لكم، وذهاب ريحكم. ﴿رِيحُكُمْ﴾:\nفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَاصْبِرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و﴿مَعَ﴾: مضاف، و﴿الصّابِرِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1207\"></span>﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ..﴾. إلخ: هذا نهي للمؤمنين عن التشبه بالكافرين البطرين المرائين، أبي جهل الخبيث وأمثاله الذين خرجوا لحماية العير التي كانت مع أبي سفيان في عودته من بلاد الشام، فقد خرجوا فلما بلغوا الجحفة وافاهم رسول أبي سفيان، وقال لهم: ارجعوا، فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل الخبيث: لا والله حتى نقدم بدرا، ونشرب فيها الخمر، وتعزف علينا القينات، ونطعم من حضرنا من العرب، فوافوها، ولكنهم سقوا كأس المنايا، وناحت عليهم النوائح. هذا؛ وانظر شرح: ﴿دِيارِهِمْ﴾ في الآية رقم [٧٨] الأعراف، والبطر: الفخر، والكبر، والأشر، قال القرطبي: هو التقوية بنعم الله ﷿، وما ألبسه من العافية على المعاصي، وقيل: البطر: صرف النعمة في المفاخرة على الأقران، وتكاثر بها أهل الزمان، وإنفاقها في غير طاعة الرحمن، والرياء: إظهار الجميل ليراه الناس مع إبطان","vol":"4","page":63},{"text":"القبيح، وهو من النفاق، وقيل في الفرق بينهما: النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرياء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية، وانظر الآية رقم [٢٦٣] (البقرة). هذا؛ وأصل ﴿وَرِئاءَ﴾ ريايا، فالهمزة الأولى بدل من ياء هي عين الكلمة، والثانية بدل من ياء هي لام الكلمة؛ لأنها وقعت طرفا بعد ألف زائدة، والمفاعلة في رئاء على بابها؛ لأن المرائي يري الناس أعماله حتى يروه الثناء عليه والتعظيم له. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾: يمنعون الناس من الدخول في دين الإسلام، وانظر الآية رقم [٤٥] الأعراف فإنه جيد. ﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿مُحِيطٌ﴾ أي: عليم علما دقيقا فلا يفوته الكافرون، ولا يعجزونه، وأصله محوط؛ لأنه من حاط يحوط، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء فصار محوط، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا﴾: مضارع ناقص مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كَالَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر الفعل الناقص، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل فهي الخبر، وهي مضاف، و(الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بَطَرًا﴾: مفعول لأجله، أو هو حال على تأويل المصدر باسم الفاعل. ﴿وَرِئاءَ﴾: معطوف على ما قبله على الاعتبارين، وجملة: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على بطرا ورئاء، والمعنى، وصادين الناس عن الدخول في دين الله تعالى. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير بالذي، أو بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبعملهم، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ﴾. ﴿مُحِيطٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها، المراد منها التهديد والوعيد.\n\n<span id=\"aya-1208\"></span>﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: اذكر يا محمد، واذكروا يا مؤمنون وقت زين وحسن إبليس لمشركي قريش أعمالهم الخبيثة من كفر بالله ورسوله، وصد للناس عن الإسلام، ومحاربة للمسلمين. هذا؛ والمزين في الحقيقة هو الله تعالى، هذا مذهب أهل السنة، وإنما جعل","vol":"4","page":64},{"text":"الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته سلطه عليه، حتى يقبل وسوسته، هذا؛ والشيطان اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم، انظر الآية رقم [١١٢] من سورة (الأنعام) وما ذكرته في شرحها. وقد قال الرسول ﷺ لأبي ذر الغفاري﵁- «يا أبا! ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم».\nولا تنس أن لكل واحد من الإنس شيطانا قرينا له، بدليل قول النبي ﷺ لعائشة﵂- «أجاءك شيطانك؟» قالت: أولي شيطان؟ قال: «ما من أحد، إلاّ وله شيطان». قالت:\nوأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». أسلم:\nيروى بفتح الميم على أنه ماض، وفاعله يعود إلى الشيطان فيكون من الإسلام، ويروى بضم الميم على أنه مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، فيكون من السلامة، هذا؛ والشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد، وقيل: مأخوذ من شاط إذا احترق، فعلى الأول: هو مصروف لأن النون أصلية، وعلى الثاني: هو غير مصروف، لزيادة الألف والنون، وشطن من باب قعد، وشاط من باب ضرب. وقال: أي: الشيطان، ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ أي: لا يغلبكم اليوم أحد من الناس في هذه الحرب، انظر اليوم في الآية رقم [١٢٨] الأنعام. ﴿النّاسِ﴾: انظر الآية رقم [٨٢] (الأعراف). ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾: مجير لكم من أعدائكم، هذا؛ والجار هو المجاور لك في المسكن، أو في المتجر، أو في الحقل، ويطلق على الشريك في العقار، والخفير، والمستجير، والحليف، والناصر، وجمعه في القلة: جيرة، وفي الكثرة: جيران، وأجوار، وجوار. ﴿تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾: رأت كل فئة عدوتها، والمراد الجيشان: جيش الإيمان وجيش الكفر، وانظر شرح ﴿فِئَةٍ﴾ في الآية رقم [١٦]. ﴿نَكَصَ﴾: رجع، قال الشاعر: [البسيط]\nليس النّكوص على الأدبار مكرمة... إنّ المكارم إقدام على الأسل\nوقال الشاعر: [الطويل]\nوما ينفع المستأخرين نكوصهم... ولا ضرّ أهل السّابقات التّقدّم\n ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أي: فارا راجعا، وعقبيه مثنى عقب، وهو مؤخر قدم الإنسان، وفي ذلك استعارة لإبطال كيده ومكره وخداعهم له. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾: أعلن براءته منهم، وهم في أحرج الأوقات، وأحلك الساعات. وانظر شرح براءة في الآية رقم [١] من سورة (التوبة). ﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾: إني أنظر وأبصر ما لا تبصرون. ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ﴾: قيل: خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر إليه، والأصح أنه كذب في قوله، ولكنه علم: أنه لا قوة له","vol":"4","page":65},{"text":"ولا حيلة في نصر المشركين عند ما عاين الملائكة، هذا؛ وإعلال ﴿أَرى﴾ مثل إعلال (ترى) في الآية رقم [١٤٢] الأعراف وإعلال ﴿تَرَوْنَ﴾ مثل إعلال ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية [٢٥] (الأعراف).\nتنبيه: قيل: إن ما ذكر في الآية الكريمة إنما هو وسوسة وتخييل للمشركين بأنهم لا يغلبون، ولا يطاقون لكثرة عدوهم وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه هو الحق، حتى قالوا: اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين، وقال جمهور المفسرين: تصور إبليس لهم بصورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان تزيينه لما أجمعت قريش على المسير إلى بدر ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من حروب، فخافوا من مداهمة مكة، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة، وكان من أشراف بني كنانة، وقال: أنا جار لكم من أن يأتيكم من كنانة شيء تكرهونه، فخرجوا سراعا، وهو معهم، ويده بيد الحارث بن هشام أخي أبي جهل، فلما حمي وطيس المعركة، وعاين الملائكة تنزل مددا للمسلمين فر هاربا، فقال له الحارث: أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث، وانطلق، فانهزموا، فلما بلغوا مكة، قالوا: هزم الناس سراقة، فلما بلغه ذلك، قال: والله ما شعرت بمسيركم، حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا؛ علموا: أنه الشيطان الرجيم.\nعن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما رؤي الشيطان يوما، هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أغيظ، ولا أحقر منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرّحمة، وتجاوز الله عن الذّنوب العظام، إلاّ ما رأى يوم بدر، فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة». أخرجه مالك في موطئه.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إذ): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بالمحذوف، مبني على السكون في محل نصب. ﴿زَيَّنَ﴾: ماض. ﴿لَهُمُ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّيْطانُ﴾: فاعل. ﴿أَعْمالَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: ﴿زَيَّنَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿وَقالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿لا﴾: نافية للجنس.\n ﴿غالِبَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمُ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ وهذا على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر ﴿لا،﴾ وأما على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿غالِبَ،﴾ ولا يجوز تعليقهما ب ﴿غالِبَ﴾: إذ لو كان كذلك لوجب نصب ﴿غالِبَ،﴾ وتنوينه؛ لأنه حينئذ يكون شبيها بالمضاف. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر ثان على لغة الحجازيين، ومتعلق بمحذوف صفة ثانية ل ﴿غالِبَ﴾ على لغة بني تميم، الذين يوجبون حذف الخبر، ويقدرونه بموجود أو حاصل. ﴿مِنَ النّاسِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير في متعلق ﴿لَكُمُ﴾ هذا؛ واعتبر أبو البقاء ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرفا متعلقا في متعلق ﴿لَكُمُ،﴾ وجملة: ﴿لا غالِبَ..﴾. إلخ","vol":"4","page":66},{"text":"في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها. ﴿وَإِنِّي﴾: الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿جارٌ﴾: خبرها. ﴿لَكُمُ﴾: متعلقان ب ﴿جارٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند الفارسي، وابن السراج، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَراءَتِ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿الْفِئَتانِ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾ لا محل لها على القول بحرفية (لما)؛ لأنها حينئذ ابتدائية، وهي في محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿نَكَصَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ،﴾ والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء، نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة؛ والهاء: في محل جر بالإضافة ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ وهي في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لما) لا محل لها مثله. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَرى﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو بصري؛ فلذا اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾.\nإلخ تعليل لبراءته منهم. ﴿فَلَمّا﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها المنفية صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا ترونه، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ﴾ تعليل آخر لبراءته منهم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ تعليل آخر، إن كانت من قول إبليس، ومستأنفة إن كانت من قول الله تعالى، ويكون المراد منها الوعيد الشديد، والتهديد البليغ.\n\n<span id=\"aya-1209\"></span>﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿يَقُولُ﴾: انظر القول في الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: أرجو أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٨] النساء، ففيها الكفاية. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك،","vol":"4","page":67},{"text":"ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها بضعف الإيمان فيها، والمرض: حقيقة ما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، استعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة، هذا؛ وقد اختلف في هؤلاء، فقيل: هم المنافقون، والعطف للترادف، وقال الخازن: هم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام، ولم يقو الإيمان في قلوبهم، فلما خرج كفار قريش إلى بدر خرجوا معهم، فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين ارتابوا وارتدوا، وقالوا ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ أي: خدع المسلمين دينهم الجديد الذي اعتنقوه رجاء الثواب الموهوم، والأجر المزعوم، وانظر شرح: (الدين) في الآية رقم [١٦١] الأنعام. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي: يسلم أمره إليه، ويفوض شئونه لأمره، ويعتمد عليه في جميع أموره وأحواله. ﴿فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: قوي غالب لا يذل من استجار به واعتمد عليه.\n ﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن إدراكه، وانظر الآية رقم [١٠].\nالإعراب: ﴿إِذْ﴾: هو مثل الآية السابقة. ﴿يَقُولُ﴾: مضارع. ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة المقدرة (اذكر...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على المنافقون. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ﴾:\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف صلة الموصول، ويكون ﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا بذلك المحذوف، والتقدير: الذين استقر في قلوبهم مرض. ﴿غَرَّ﴾: ماض. ﴿هؤُلاءِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿دِينُهُمْ﴾: فاعل ﴿غَرَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿غَرَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٣] ومحله مثله أيضا.\n\n<span id=\"aya-1210\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ تَرى﴾: هذا الخطاب للنبي ﷺ، ومعناه: عاينت وشاهدت؛ لأن «لو» ترد المضارع إلى معنى الماضي، كما ترد (إن) الماضي إلى معنى الاستقبال. ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾: وقت قبض الملائكة أرواح الكفار والمشركين. ﴿الْمَلائِكَةُ﴾: انظر الآية رقم [١١] (الأعراف). ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾: اختلف في وقت هذا الضرب، فقيل: هو عند الموت تضرب الملائكة وجوه المشركين وأدبارهم بسياط من نار، وهذا عام في كل مشرك وكافر عند الموت، وهو ما تفيده الآية رقم [٢٧] من سورة (محمد ﷺ)، وقيل: كان هذا في","vol":"4","page":68},{"text":"غزوة بدر، قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد محمية بالنار، يضربون بها الكفار، فتلتهب النار في جراحاتهم، والمراد بالأدبار: الظهور والأعجاز. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: وتقول لهم الملائكة ذلك عند الضرب، وهو مختلف في وقته كسابقه، وهو وقت الضرب، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] بشأن ﴿وَذُوقُوا،﴾ و﴿عَذابَ﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٣٨] (الأعراف). ﴿الْحَرِيقِ﴾: بمعنى الحرق. هذا؛ وانظر ما يقال لهم، وهم في غمرات الموت في الآية رقم [٩٣] (الأنعام).\nالإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿تَرى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير: ترى حال الكفار. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿يَتَوَفَّى﴾: مضارع مرفوع مثل ﴿تَرى﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿الْمَلائِكَةُ﴾: فاعل ﴿يَتَوَفَّى،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة:\n ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ في محل نصب حال من الملائكة، أو من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ لأن فيها ضميرا يعود عليهما، هذا؛ ويقرأ: ﴿يَتَوَفَّى﴾ بالتاء والياء، وساغ ذلك؛ لأن الملائكة جمع تكسير؛ ولأنه فصل بين الفعل وفاعله، هذا؛ ويجوز أن يكون فاعل ﴿يَتَوَفَّى﴾ ضميرا تقديره:\n «هو» يعود إلى الله؛ وعليه ف: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار في محل نصب حال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ والرابط الضمير فقط، وجملة:\n ﴿تَرى..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لرأيت أمرا فظيعا، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَذُوقُوا﴾:\nأمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف). ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْحَرِيقِ..﴾.: مضاف إليه من إضافة الموصوف لصفته، إذ الأصل العذاب المحرق، وجملة: ﴿وَذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، إذ التقدير: ويقولون لهم: ﴿وَذُوقُوا..﴾. إلخ. وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿يَضْرِبُونَ..﴾. إلخ. على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-1211\"></span>﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى الضرب والعذاب المذكور في الآية السابقة. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي، ومحاربة الرسول ﷺ والمؤمنين، وعبر بالأيدي عن الأنفس لأن سائر الأعمال بهن، وانظر شرح ﴿يَدَهُ﴾ في الآية رقم [١٠٨] الأعراف.\n ﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾: انظر الآية رقم [١٨٢] من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك.","vol":"4","page":69},{"text":"تنبيه: الآية الكريمة مذكورة في الآية رقم [١٨٢] من آل عمران بألفاظها وحروفها مع اختلاف المراد من الآيتين، ولكن الإعراب لا يختلف أبدا؛ فلذا، أحيلك على إعرابها هناك، روما للاختصار، والله المعين والموفق.\n\n<span id=\"aya-1212\"></span>﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢)﴾\nتنبيه: هذه الآية مذكورة بسورة (آل عمران) برقم [١١] مع اختلاف بسيط في بعض كلماتها، وهو لا يؤثر في معناها ولا في إعرابها؛ فلذا أحيلك على شرحها وإعرابها هناك روما للاختصار، وانظر الآية رقم [٥٥] الآتية.\n<span id=\"aya-1213\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ﴾: الإشارة إلى ما حل بهم يوم بدر من قتل، وأسر في الدنيا، وما يحل بهم عند الموت من عذاب. ﴿بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً..﴾. إلخ: أي: بسبب أن الله لا ينزع نعمة من قوم حتى يفسدوا ويفعلوا المنكرات، والفواحش، هذا؛ والنعمة التي أنعمها الله على قريش هي الخصب، والسعة، والأمن، والعافية، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وقال السدي: نعمة الله عليهم محمد ﷺ، فكفروا به، فنقل إلى المدينة وحل بالمشركين العقاب. ﴿سَمِيعٌ﴾ أي: لأقوال خلقه، لا يخفى عليه شيء من كلامهم. ﴿عَلِيمٌ﴾:\nبما في صدورهم من خير وشر، فيجازي كل واحد على عمله، وانظر الآية رقم [١٧].\n ﴿اللهَ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿يَكُ﴾: أصله (يكون) فلما دخل الجازم عليه صار: لم يكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار (يكن) ثم حذفت النون الساكنة للتخفيف، ولكثرة الاستعمال، وهذا الحذف جائز وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من «كان»، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا يتصل به ضمير كما في الآية الكريمة وغيرها كثير، وهو وارد في الشعر وفي الكلام العربي، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل]\nفإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم\nوقول الآخر: [الطويل]\nإذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم","vol":"4","page":70},{"text":"وقرئ شاذا قوله تعالى: «(لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب)» ولم تحذف من قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]\nدع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها\nفإلاّ يكنها، أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها\nيريد نقيع التمر، وانظر شرح ﴿قَوْمٍ﴾ في [٣٢] من سورة (الأعراف) وشرح ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ في الآية [٩] منها.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ﴾: الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لَمْ﴾: حرف قلب ونفي وجزم. ﴿يَكُ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله.\n ﴿مُغَيِّرًا﴾: خبر ﴿يَكُ،﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿نِعْمَةً﴾: مفعوله؛ لأنه اسم فاعل يعمل عمل الفعل.\n ﴿أَنْعَمَها﴾: ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية صفة: ﴿نِعْمَةً﴾. ﴿عَلى قَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَمْ يَكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ؛ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يُغَيِّرُوا﴾:\nمضارع منصوب ب (أن) مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها، و(أن) المضمرة والفعل المضارع، في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿مُغَيِّرًا﴾ أيضا. ﴿وَأَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿سَمِيعٌ﴾: خبرها. ﴿عَلِيمٌ﴾:\nخبر ثان، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق، هذا؛ ويقرأ بكسر همزة «(إنّ)»، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1214\"></span>﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿كَدَأْبِ﴾: الدأب: العادة والشأن والحال، وهو أيضا مصدر دأب في العمل من باب قطع: إذا جد، واستمر فيه، وهو بمعانيه كلها تفتح الهمزة وتسكن. ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾: انظر","vol":"4","page":71},{"text":"الآية رقم [١٠٣] و[١٠٩] من سورة (الأعراف). ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم كقوم نوح، وقوم صالح، وقوم هود، وغيرهم. ﴿كَذَّبُوا﴾: فلم يصدقوا، وهو معنى: كفروا. ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾:\nالآيات: جمع آية، وهي في الأصل العلامة الظاهرة، وتقال للمصنوعات في هذا الكون المترامي الأطراف من حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته، كما تقال لكل طائفة من القرآن.\nانتهى. بيضاوي بتصرف، ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم التي من أعظمها الكفر، والإهلاك كان بالرجفة والزلزلة، أو بالخسف، أو بالحجارة، أو بالرياح العاتية، أو بالغرق، وإهلاك كفار قريش كان بالسيف. ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ أي: كل من الأمم التي أهلكت كانت ظالمة لنفسها بالكفر بالله، ولنبيها بالتكذيب، فلم يهلك الله قوما استئصالا بدون ذنب وكفر، وانظر الظلم والبغي في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام). وانظر (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿كَدَأْبِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nحالهم، وشأنهم كحال، وشأن آل فرعون، أو التقدير: غير كفار قريش نعمة الله تغييرا كائنا مثل تغيير آل فرعون وغيرهم نعمة الله، وهذا يعني أن: ﴿كَدَأْبِ﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف مع فعله. تأمل. و(دأب): مضاف، و﴿آلِ﴾: مضاف إليه، و﴿آلِ﴾: مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ﴿آلِ﴾.\n ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿بِآياتِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بِآياتِ﴾: مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من آل فرعون، وما عطف عليه، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير (قد) قبلها، والجملتان ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ معطوفتان عليها، فهما في محل نصب حال مثلها. ﴿وَكُلٌّ﴾: مبتدأ، والمضاف إليه محذوف، أي: كلهم. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿ظالِمِينَ﴾: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَكُلٌّ كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير الذي رأيت تقديره. هذا؛ والاستئناف ممكن.\nتنبيه: قال سليمان الجمل: كرر ﴿كَدَأْبِ..﴾. إلخ لأن الأول: إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحدا من خلقه على فعله، وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.\nوالثاني: إخبار عن عذاب مكن الله الناس من فعل مثله، وهو الإهلاك بالسيف والإغراق، وقيل: غير ذلك. انتهى.","vol":"4","page":72},{"text":"<span id=\"aya-1215\"></span>﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ﴾: انظر الآية رقم [٢٢]. ﴿كَفَرُوا﴾: انظر الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف)، والمراد أن الكفر رسخ في قلوبهم، وتغلغل بدمائهم وعظامهم. ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾: فلا يتوقع منهم إيمان.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة وما بعدها في بني قريظة من اليهود، وقد كان الرسول ﷺ قد عاهدهم بعد هجرته إلى المدينة المنورة، أن لا يحاربوا ولا يعاونوا عليه، فنقضوا العهد، وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال رسول الله ﷺ، وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم ثانية فنقضوا العهد أيضا، ومالئوا الكفار يوم الخندق، وهذا شيء معروف فصلته سورة (الأحزاب)، وذهب كعب بن الأشرف إلى مكة، فوافق المشركين على مخالفة رسول الله ﷺ، ومعاداة الإسلام والمسلمين، انظر ما ذكرته في شرح الآية رقم [٥١] من سورة (النساء).\nالإعراب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٢] ففيه الكفاية. الفاء: حرف تعليل. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع.\n<span id=\"aya-1216\"></span>﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾: عقدت معهم معاهدة عدم اعتداء، وعدم ممالأة مع الكفار من أهل مكة. ﴿ثُمَّ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] الأعراف. ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾: فيه استعارة، فقد استعار الحبل للعهد، وفكه لإبطال العهد بجامع الإفساد في كل. ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ أي:\nلا يخافون الله في نقض العهد؛ لأن عادة من يرجع إلى دين وعقل وحزم أن يتقي نقض العهد؛ حتى يسكن الناس إلى قوله، ويثقون بكلامه، فبين الله ﷿: أن من جمع بين الكفر ونقض العهد هم من شر الدواب. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: يجوز فيه أوجه: أحدها الرفع على أنه بدل بعض من الموصول قبله، أو على النعت له، أو عطف البيان والنصب على الذم بفعل محذوف، والرفع على أنه مبتدأ، والخبر الجملة الشرطية في الآية التالية، ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط. انتهى. جمل","vol":"4","page":73},{"text":"نقلا عن السمين بتصرف كبير مني، كما جوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين.\n ﴿عاهَدْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على تضمينه معنى (أخذت منهم) وقيل: (من) حرف صلة، فيكون الضمير مجرورا لفظا، منصوبا محلا على أنه مفعول به. وقال أبو البقاء: ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من العائد المحذوف، وقيل: (من) بمعنى «بعض» أي: عاهدت بعضهم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. وجملة: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿فِي كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ﴾:\nمضاف، و﴿مَرَّةٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وانظر إعراب مثلها في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-1217\"></span>﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾: فإما تصادفنهم وتظفرن بهم، ويأتي بمعنى: تجدنهم، وهو ما في الآية رقم [١٩٠] من سورة (البقرة) وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء، علما كان أو عملا، فهو يتضمن معنى الغلبة، ولذلك استعمل فيها، قال الشاعر: [الوافر]\nفإمّا تثقفوني فاقتلوني... فمن أثقف فليس إلى الخلود\n ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: فرق عن محاربتك ومناصبتك بقتلهم شر قتلة حتى لا يجرؤ عليك بعدهم أحد اعتبارا بهم واتعاظا بحالهم، وقال الزجاج: افعل بهم ما تفرق به جمعهم، وتطرد به من عداهم، هذا؛ وقرئ: «(فشرذ)» بالذال وهو بمعنى الأول، كما قرئ: ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ بكسر الميم، والمعنى واحد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: لعل المشردين يتعظون، أو لعل من خلفهم يعتبرون ويتعظون بهم، وبما حل بهم، والترجي في هذه الآية وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج لشيء من عباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nالإعراب: ﴿فَإِمّا﴾: (إما): هي (إن) الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى (إن) في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بنون التوكيد.\n ﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي الْحَرْبِ﴾: متعلقان بما قبلهما. الفاء: واقعة في جواب الشرط. (شرد): أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿خَلْفَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق","vol":"4","page":74},{"text":"بمحذوف صلة الموصول، أو بمحذوف صفة ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها نكرة موصوفة، والهاء: في محل جر بالإضافة ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ في الآية رقم [٢٦] وجملة: ﴿فَشَرِّدْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية: ﴿فَإِمّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ على وجه مر ذكره في الآية السابقة، أو هي مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1218\"></span>﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً﴾ أي: إذا ظهرت لك آثار الخيانة من قوم معاهدين وثبتت دلائلها عندك. ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي: فاطرح إليهم عهدهم على عدل وطريق قصد في العداوة، ولا تداهمهم الحرب فإنه يكون خيانة منك، وهذا يكون بإعلام العدو بنبذ العهد، أو بإعلان الحرب عليهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ أي: الذين يخونون بالعهود، ويخلفون الوعود.\nوجملة القول في الآية الكريمة: أنه إذا ظهرت للإمام آثار نقض العهد ممن هادنهم من المشركين بأمر ظاهر مستفيض استغنى الإمام عن نبذ العهد وإعلامهم بالحرب كما فعل الرسول ﷺ بأهل مكة، وإن ظهرت الخيانة بأمارات تلوح وتتضح للإمام من غير أمر مستفيض، فحينئذ يجب عليه أن ينبذ إليهم العهد، ويعلمهم بالحرب كما فعل الرسول ﷺ ببني النضير وقريظة. ﴿سَواءٍ﴾: يأتي بمعنى مستو، وبمعنى الاستواء، كما في الآية رقم [٦] (البقرة). ويأتي بمعنى الوسط، كما في الآية رقم [١٠٨] البقرة، ويأتي بمعنى المساواة، وقد أتى هنا بمعنى العدل، وهو بكل معانيه مصدر، أو اسم فاعل؛ فلذا صح الإخبار به عن متعدد في بعض الحالات، وهو لا يثنى ولا يجمع، وقالوا: هما وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا:\nسيان، وإن شئت قلت: سواءان، وفي الجمع هم أسواء، وهذا كله ضعيف ونادر، وأيضا على غير قياس: هم سواس وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون، هذا؛ ومعنى محبة الله لعبده:\nرضاته عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه، وعدم محبته له عكس ما ذكر، وانظر الآية رقم [٥٥] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ فإعراب هذا الكلام مثل إعراب الكلام في الآية السابقة. ﴿عَلى سَواءٍ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (انبذ) المستتر، أو من الضمير المجرور محلا ب (إلى)، والأول هو النابذ، والثاني هو المنبوذ، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل والمفعول بمعنى متساويين، ومفعول (انبذ) محذوف، التقدير: انبذ إليهم عهدهم. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُحِبُّ﴾: مضارع، وفاعله ضمير يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الْخائِنِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن","vol":"4","page":75},{"text":"الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، والجملة الشرطية ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-1219\"></span>﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ولا يظنن الذين، ماضيه بكسر السين، ومضارعه بكسرها وفتحها، أي: هو من بابين الرابع والسادس، والفعل يقرأ بتاء المضارعة وبالياء.\n ﴿سَبَقُوا﴾ أي: أفلتوا من القتل والأسر يوم بدر، فهم لا يفوتون الله، ولا يجدون طلبهم عاجزا عن إدراكهم. ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ أي: لا يعجزون الله، فهو ينتقم منهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، وفيه تسلية للنبي ﷺ فيمن فاته من المشركين يوم بدر، والذين كانوا يؤذونه شديد الأذى، ولم ينتقم منهم، فأعلمه ربه: أنهم لا يعجزونه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف استئناف. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿يَحْسَبَنَّ﴾: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، أي: النبي ﷺ. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، والمتعلق محذوف، وجملة: ﴿سَبَقُوا﴾ في محل نصب مفعول به ثان. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه، والهاء: اسمها. ﴿لا﴾: نافية، وجملة: ﴿يُعْجِزُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، هذا؛ ويقرأ بفتح همزة «(أن)» وهي تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لكونهم لا يعجزون الله، هذا؛ وقد قال أبو البقاء العكبري: ﴿لا﴾ زائدة على الوجهين:\nكسر الهمزة، وفتحها: وأرى: أن المعنى يختل على الوجهين باعتبارها زائدة. تأمل هذا؛ وعلى قراءة الفعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء، ف ﴿الَّذِينَ﴾ فاعله، والمفعول الأول محذوف، تقديره: أنفسهم، وجملة: ﴿سَبَقُوا﴾ المفعول الثاني، وقيل: إن التقدير: (أن سبقوا) ف (إن) مخففة من الثقيلة، وتؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: ﴿يَحْسَبَنَّ،﴾ وقيل: إن الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ،﴾ و﴿الَّذِينَ﴾: مفعوله الأول، وجملة:\n ﴿سَبَقُوا﴾ مفعوله الثاني، وعلى الأوجه الثلاثة فهمزة ﴿إِنَّهُمْ﴾ مكسورة، والجملة الاسمية مستأنفة، و﴿لا﴾ نافية، هذا؛ والوجه المرتضى عندي أن تعتبر جملة: ﴿سَبَقُوا﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، وهي على تقدير (قد) قبلها، والرابط: الضمير فقط و﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ بفتح الهمزة في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ و(لا) صلة.","vol":"4","page":76},{"text":"<span id=\"aya-1220\"></span>﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد طلب التقوى فيما سبق، وإن الله جلت قدرته لو شاء لهزمهم بالكلام، والتفل في وجوههم، وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله ﷺ في غزوة بدر، ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق، وقضائه النافذ، وكل ما تعده لصديقك من خير، أو لعدوك من شر، فهو داخل في عدتك. انتهى. قرطبي.\nولا يخفى أن عدة الحرب في هذا الزمن تختلف كل الاختلاف عن العدة في الزمن الماضي، فيجب على المسلمين أن يتخذوا العدة التي توائم وتناسب العصر الذي هم فيه، كما يجب عليهم أن يسايروا العصر بما يكون فيه من مخترعات وصناعات، وأنواع الأسلحة المستحدثة، ولكن المسلمين-ويا للأسف-أهملوا ذلك في هذا الزمن حتى صاروا أضحوكة بين الناس، بل وصاروا لقمة سائغة لأعدائهم، وذلك بسبب التفرق، والأنانية وحب الذات، وجلب المنفعة الشخصية حتى صدق على المسلمين في هذا العصر قول الرسول ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». قالوا: أمن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم كثيرون ولكنكم كغثاء السّيل ولينزعنّ الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن؟ قال: «حبّ الدنيا وكراهية الموت». أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث ثوبان ﵁، ﴿وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾: كان هذا في الزمن الماضي قوة تخوف أعداء الله، وكان مفخرة يفخر بها المسلم، قال الشاعر: [الكامل]\nأمر الإله بربطها لعدوّه... في الحرب إنّ الله خير موفّق\nوقال مكحول بن عبد الله ﵁: [الطويل]\nنلوم على ربط الجياد وحبسها... وأوصى بها الله النّبيّ محمّدا\nفعن عروة بن الجعد البارقي﵁أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة». متفق عليه، وعن أبي هريرة ﵁أن رسول الله ﷺ قال: «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإنّ شبعه، وريّه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة». يعني حسنات، رواه البخاري، وقال ﵊:\n «كلّ شيء يلهو به الرّجل باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنّه من الحقّ».","vol":"4","page":77},{"text":"هذا؛ و﴿رِباطِ الْخَيْلِ﴾ اقتناؤها، وربطها للغزو، وفي سبيل الله، هذا؛ ويقرأ: «(ربط)» بضم الراء والباء، وسكون الباء، أيضا على أنه جمع رباط، ورباط الخيل هو من جملة القوة، وإنما خصها الله بالذكر تنويها بفضلها وشرفها، كما خص جبريل وميكائيل بالذكر بعد ذكر الملائكة في الآية رقم [٩٨] (البقرة). هذا؛ والخيل اسم جمع لا واحد له من لفظه، فمفرده فرس وحصان، وانظر الآية رقم [١٤٤] الأنعام. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾: تخوفون، والضمير عائد على ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أو ل ﴿رِباطِ الْخَيْلِ﴾. ﴿عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾: اليهود وقريش وكفار العرب، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الأعراف) لشرح عدو. ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾: يعني الفرس والروم، وقيل: المراد كل من لا تعرف عداوته، ولا بأس به، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أي: لا تعرفونهم بأعيانهم، والله يعرفهم. هذا؛ والفرق بين العلم والمعرفة: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم فإن متعلقه المعاني والنسب. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: تتصدقوا به، وقيل: تنفقوه على أنفسكم، أو خيلكم في أوقات الحرب، ولا بأس به، انظر (نفق) في الآية رقم [٣] و﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥] (الأعراف) و(دون) في الآية رقم [٣] (الأعراف). ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: في طريق كل خير أمر الله به من جهاد وغيره، وانظر شرح ﴿سَبِيلِ﴾ في الآية رقم [١٤١] الأعراف. ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: تقبضون أجره في الآخرة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وكذلك الخلف في الدنيا والبركة في ما يبقى بأيديكم من هذا المال تحقيقا لوعد الله ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بنقص ثوابكم وأجركم، وانظر الظلم، والبغي في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: ﴿وَأَعِدُّوا﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف. (أعدوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف.\n ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مَا﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: الذي أو شيئا استطعتموه. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَا﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَا﴾ نفسها.\n ﴿وَمِنْ رِباطِ﴾: معطوفان على: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ و﴿رِباطِ﴾: مضاف، و﴿الْخَيْلِ﴾: مضاف إليه.\n ﴿تُرْهِبُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عَدُوَّ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾: معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تُرْهِبُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿مَا﴾ لأن في الجملة ضميرين يعود أحدهما إلى الواو، والثاني إلى: ﴿مَا﴾. ﴿وَآخَرِينَ﴾: معطوف على ﴿عَدُوَّ اللهِ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (آخرين)، والهاء في محل جر","vol":"4","page":78},{"text":"بالإضافة، وجملة: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ في محل نصب صفة ثانية ل (آخرين)، أو في محل نصب حال منه؛ بعد وصفه بما تقدم، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم اليقيني، وقيل: المفعول الثاني محذوف، التقدير: لا تعلمونهم فازعين أو محاربين، وهو تكلف لا داعي له. ﴿اللهِ﴾: مبتدأ. ﴿يَعْلَمُهُمْ﴾: فعل ومفعوله، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف.\n ﴿مَا﴾: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه، أو هو مبتدأ، فيكون المفعول محذوفا. ﴿تُنْفِقُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية على اعتبار (ما) مفعولا مقدما. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَا،﴾ أو ﴿مِنْ﴾ المفعول المحذوف، ومن بيان لما أبهم في (ما). ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿تُنْفِقُوا،﴾ و﴿سَبِيلِ﴾:\nمضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿يُوَفَّ﴾: مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل يعود إلى شيء، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، هذا؛ وخبر (ما)، على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٣] والجملة الاسمية، أو الفعلية الشرطية على اعتبار (ما) مفعولا مقدما مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تُظْلَمُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1221\"></span>﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾: مالوا، أي: المشركون، وغيرهم من يهود ونصارى، أو: الذين نبذ إليهم عهدهم. فهو من باب دخل، وفتح. ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي: المسالمة والمهادنة، قرئ بفتح السين وكسرها، كما في الآية رقم [٢٠٧] البقرة. وإن كان هناك بمعنى الإسلام. ﴿فَاجْنَحْ لَها﴾:\nيقرأ بفتح النون وضمها تبعا لمضارعه، هذا؛ وأنث الضمير العائد إلى السلم لحملها على نقيضها، وهو الحرب والعداوة، قال العباس بن مرداس السلمي الصحابي من أبيات يخاطب بها أبا خراشة خفاف بن ندبة﵄-: [البسيط]\nالسّلم تأخذ منها ما رضيت به... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع\n ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾: فوض أمورك إليه، واعتمد عليه في كل شئونك، واستسلم لحكمه وقضائه وقدره. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: انظر الآية رقم [٥٤] و[١٧] من هذه السورة.","vol":"4","page":79},{"text":"تنبيه: اختلف في حكم هذه الآية، هل هو منسوخ أم لا؟ فقال قتادة وعكرمة والحسن: حكمها منسوخ بآية السيف، وقالوا: نسخت سورة براءة كل موادعة حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وقيل: إن حكمها غير منسوخ لكن الآية تتضمن الأمر بالصلح، إذا كان فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين، فإن رأى الإمام أن يصالح أعداءه من الكفار، وفيه قوة، فلا يجوز أن يهادنهم أكثر من سنة، وإن كانت القوة للمشركين جاز أن يهادنهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله ﷺ.\nوالمعتمد: أنه يجوز المهادنة مع قوة المسلمين، وشدة شكيمتهم، فقد هادن الرسول ﷺ أهل خيبر، وهادن الضمري في غزوة الأبواء، وهادن أكيدر سيد بني كندة، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرحناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة، فقد صالح أصحاب رسول الله ﷺ في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم، على ما أخذوه منهم وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جَنَحُوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، الواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لِلسَّلْمِ،﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَاجْنَحْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اجنح): أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:\n «أنت». ﴿لَها﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَاجْنَحْ لَها﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وجملة:\n ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ معطوفة على جملة جواب الشرط، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ﴾: فيه ثلاثة أوجه: الأول اعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل. والثاني: اعتباره ضمير فصل لا محل له من الإعراب. وعلى هذين الوجهين فالسميع خبر إن. الثالث: اعتباره مبتدأ، و﴿السَّمِيعُ﴾ خبره، و﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1222\"></span><span id=\"aya-1223\"></span>﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ أي: الكفار. ﴿أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾: بأن يظهروا لك السلم والمهادنة، ويبطنوا الغدر والخيانة، فاجنح لما طلبوا ظاهرا، وما عليك من نياتهم الفاسدة، وما أحراك أن تنظر الخداع","vol":"4","page":80},{"text":"والمخادعة في الآية رقم [٩] البقرة والآية رقم [١٤٢] النساء، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ أي: كافيك بنصره ومعونته. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وخذ قول جرير في هجاء: [الكامل]\nإنّي وجدت من المكارم حسبكم... أن تلبسوا خزّ الثّياب وتشبعوا\n ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: شد أزرك، وقواك بنصره يوم بدر وفي سائر أيامك بالمؤمنين من الأنصار، قال النعمان بن بشير ﵁: نزلت في مدح الأنصار. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج بعد أن كانوا أعداء، وحرب بعاث دامت بينهم أربعين سنة، وكان تآلف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من معجزات النبي ﷺ؛ لأن أحدهم، كان يلطم اللطمة، فيقاتل عنها حتى يستقيدها، وأكبر دليل على ذلك حرب بعاث بين الأوس والخزرج، وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وحرب البسوس بين بني بكر وبني تغلب، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بينهم بالإيمان، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين، وآية المجادلة الأخيرة أكبر دليل على ذلك.\n ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ: هذا بيان من الله ﷿: أنه هو الذي ألف بين قلوب العرب، وأن القلوب بيده يصرفها كيف يشاء ويريد، ولو أن منفقا أنفق جميع الأموال الموجودة في الأرض بسبيل تأليف قلوب العرب؛ لما أمكنه ذلك، إلا أن يشاء الله ويريد ذلك بقدرته وحكمته البالغة. إنه عزيز حكيم، انظر الآية رقم [١٠] و[٥٠]. هذا؛ وبين ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السين، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم، هذا؛ والبين: الفراق والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود والأبيض، ومن استعماله بمعنى الفراق والبعاد، قول كعب بن زهير ﵁ في قصيدة البردة: [البسيط]\nوما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\nالإعراب: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾: هو مثل: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ في الآية السابقة، و﴿أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به لفعل الإرادة، وقد صرح به لأنه شيء مستغرب، انظر الآية رقم [٨٩] (الأعراف). ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿حَسْبَكَ﴾: اسم إن، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله.\n ﴿اللهَ﴾: خبر (إن)، وهو في المعنى فاعل بالمصدر، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط في الظاهر، وعند التأمل يتبين لك: أن جواب الشرط محذوف، تقديره: فصالحهم، ولا تخف من كيدهم؛ وعليه فجملة: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ تعليل لهذا المحذوف، وانظر الشرح. ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر. ﴿أَيَّدَكَ﴾: ماض والفاعل يعود إلى الذي تقديره: «هو»، وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿بِنَصْرِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله،","vol":"4","page":81},{"text":"ومفعوله محذوف، التقدير: بنصره إياك. ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوفان على ما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَلَّفَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و﴿قُلُوبِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَلَّفَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنْفَقْتَ﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب:\n ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الأعراف). ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وإن اعتبرتها موصوفة أيضا؛ فلست مفندا. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة (ما)، أو بمحذوف صفتها. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿ما﴾ مؤكدة. ﴿ما﴾: نافية.\n ﴿أَلَّفْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و﴿قُلُوبِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما أَلَّفْتَ..﴾. إلخ جواب لولا محل لها، ولو ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ﴾: اسمها. وجملة: ﴿أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ في محل رفع خبر ﴿لكِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ اللهَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب لو، لا محل لها مثله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تعليل لما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1224\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿النَّبِيُّ﴾: انظر الآية رقم [١] ﴿حَسْبُكَ﴾: كافيك، وانظر الآية السابقة. ﴿اللهُ﴾:\nانظر الآية رقم [١] ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: المعنى: حسبك الله، وحسبك المهاجرون والأنصار، وقيل: المعنى كافيك الله، وكافي من تبعك.\nتنبيه: قال الخازن: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس﵄-: أن هذه الآية نزلت في إسلام عمر بن الخطاب ﵁، قال سعيد بن جبير: أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلا، وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية، فعلى هذا القول تكون الآية مكية، كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله ﷺ، وقيل: إنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال؛ فعلى هذا القول أراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: إلى غزوة بدر، وقيل: أراد به الأنصار، وتكون الآية نزلت بالمدينة، وقيل: أراد جميع المهاجرين والأنصار. انتهى، هذا؛ وانظر الإيمان في الآية رقم [٢] الأعراف وزيادته في الآية [٢].\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿النَّبِيُّ﴾: بدل من أي، وانظر الآية رقم [١٥٧] من سورة","vol":"4","page":82},{"text":"(الأعراف) ففيها بحث جيد. ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾: مبتدأ وخبر، وانظر الآية السابقة، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَمَنِ﴾: الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون فيه ثلاثة أوجه:\nالأول: النصب فمن وجهين، إما أن يكون مفعولا معه، أو مفعولا به على تقدير فعل:\n (يحسب)، وهو الصحيح لأنه لا يعمل في المفعول معه، إلا ما كان من جنس ما يعمل في المفعول به، ويكون العطف من قبيل الجملة الفعلية على الاسمية.\nالثاني: الجر إما بالعطف على الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، من غير إعادة الجار، وهو جائز عند يونس، والأخفش، والكوفيين، وهو اختيار ابن مالك، أو على إضمار حسب أخرى، وهو الصواب عند ابن هشام، وأيضا هو مذهب أكثر البصريين القائلين بمنع العطف في الصورة المذكورة، وأجاز السيوطي أن تكون الواو واو القسم.\nالثالث: الرفع بالعطف على الاسم المرفوع بتقدير المضاف، أي: وحسب من اتبعك، ثم حذفت حسب، وخلفها المضاف إليه. وقيل: ﴿وَمَنِ﴾: معطوف على ﴿اللهُ،﴾ وهو لا يحسن معنى، كما لا يحسن قولهم: ما شاء الله وشئنا، وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير:\nوحسبك من اتبعك، وقيل: هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: ومن اتبعك من المؤمنين كذلك. هذا؛ ومثل الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]\nإذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد\nفإن قوله: (والضحاك) يروى بنصب الكاف وجرها ورفعها، وهذا هو الشاهد رقم [٩٦٧] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿اِتَّبَعَكَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى من، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و﴿مَنِ﴾ بيان لما أبهم في (من).\n\n<span id=\"aya-1225\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿النَّبِيُّ﴾: انظر الآية رقم [١] ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ﴾: حثهم وحضهم عليه، هذا؛ والحرض الهلاك والضعف والهزال بسبب هم وغم، قال تعالى حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾.\nوالحض، والتحريض: الحث على الشيء بكثرة تزيينه وتسهيله للإنسان، ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾","vol":"4","page":83},{"text":"صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ: قال القرطبي: لفظه خبر ضمنه وعد بشرط. انتهى؛ لأن معناه: إن يصبر منكم عشرون في القتال ويثبتوا في الميدان يغلبوا مائتين من أعدائهم بعون الله وتأييده، وإنما حسن هذا التكليف؛ لأن الله وعدهم بالنصر، ومن تكفل الله له بالنصر سهل عليه الثبات مع الأعداء، هذا؛ وقرئ «(حرص)» بالصاد من الحرص... ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾: لا يفهمون، فهم جهلة بالله واليوم الآخر، لا يثبتون في المعارك ثبات المؤمنين، رجاء الثواب، ورفيع الدرجات قتلوا أو قتلوا، لا يستحقون من الله إلا الخزي والخذلان والهوان، هذا؛ وانظر ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ في الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، فإنه جيد.\nفائدة: قال سليمان الجمل: وقعت مادة الكون هنا خمس مرات، آخرها قوله: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ وحاصل ما يتعلق بها من القراءات: أن الأول، والرابع بالياء التحتية لا غير، وأن الثاني، والثالث، والخامس بالياء والتاء.\nفائدة: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: عشرون، وثلاثون، وأربعون، كل واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد، فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين، وفتح أول ثلاثين، وما بعده، إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه: أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين كما كسر أول اثنان، والدليل على هذا قولهم: ستون وتسعون، كما قيل: ستة وتسعة. انتهى. احفظه فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿حَرِّضِ﴾: أمر، وفاعله أنت مستتر فيه.\n ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَلَى الْقِتالِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:\n ﴿حَرِّضِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ﴾: مضارع ناقص فعل الشرط. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُنْ﴾ تقدم على اسمه. ﴿عِشْرُونَ﴾: اسم ﴿يَكُنْ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿تَصْبِرُونَ﴾: صفة ﴿عِشْرُونَ﴾ مرفوع مثله، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿يَكُنْ﴾ تامّا، فالجار والمجرور ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِشْرُونَ﴾ كان صفة، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، وعلى الوجهين فالجملة فعلية، وهي لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَغْلِبُوا﴾: مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ﴿مِائَتَيْنِ﴾: مفعول به منصوب... إلخ، هذا؛ وأرى: أن الجملة الشرطية ﴿إِنْ﴾","vol":"4","page":84},{"text":"يَكُنْ... إلخ في محل نصب مقولة لقول محذوف، التقدير: وقل لهم: إن يكن... إلخ، وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿حَرِّضِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ إعراب هذا الكلام مثل سابقه، وهو معطوف عليه. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَلْفًا،﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، هذا؛ ولا تنس أنه قد وصف عشرون في الجملة الأولى ب ﴿تَصْبِرُونَ،﴾ ولم يصف ﴿مِائَةٌ﴾ في الجملة الثانية، وأثبت سبحانه في الثانية قيدا، وهو قوله ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وحذفه من الأولى، فحذف من كل منهما ما أثبته في الآخر، ويسمى مثل هذا في فن البلاغة احتباكا. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قَوْمٌ﴾:\nخبرها، وجملة: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ في محل رفع صفة ﴿قَوْمٌ،﴾ وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿يَغْلِبُوا﴾ في الموضعين، أفاده الجمل، وهذا يعني أنه على التنازع، وأرى أن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ذلك بأنهم... إلخ، وله مثل كثيرة في كتاب الله تعالى، انظر الآية رقم [٦١] المائدة و[٨٥] منها وغيرهما كثير؛ وعليه فالجملة الاسمية: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1226\"></span>﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٦٦)﴾\nالشرح: عن ابن عباس﵄قال: لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ كتب على المؤمنين ألا يفر واحد من عشرة، ولا عشرون من مائتين، أي: من مقابلتهم في ساحة الحرب، ثم نزلت ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ فكتب أن لا يفر مائة من مائتين، وفي رواية أخرى عنه، قال: لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ..﴾. إلخ شق ذلك على المسلمين، فنزلت: ﴿الْآنَ خَفَّفَ﴾ فظاهر هذا أن الآية الثانية ناسخة لما تقدم، ولما خفف الله عنهم من العدة نقص عنهم من الصبر بقدر ما خفف عنهم. انتهى. خازن بتصرف كبير، هذا؛ وعلم ليس على ظاهره، فعلم الله بضعفهم قديم أزلي.\nأقول: الآيتان يطلق عليهما آيات المصابرة، وأن الثانية ناسخة للأولى، وهذا النسخ من الأشد إلى الأخف، ويفهم من لفظ: (شق ذلك على المسلمين): أن الثانية متأخرة عن الأولى في النزول.\n ﴿الْآنَ﴾: هذه الكلمة ملازمة للظرفية غالبا، مبنية على الفتح دائما لتضمنها معنى الإشارة، وألفها منقلبة عن واو لقولهم في معناها: الأوان، وقيل: عن ياء لأنه من آن يئين: إذا قرب،","vol":"4","page":85},{"text":"وقيل: أصله: (أوان) قلبت الواو ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد، والسواد، وقيل: حذفت الألف، وغيرت الواو إلى الألف، كما قالوا: راح ورواح، استعملوه مرة على فعل، ومرة على فعال كزمن وزمان. ﴿ضَعْفًا﴾ أي: في البدن، لا في الدين، ويقرأ بفتح الضاد، وضمها. ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: انظر الآية رقم [٤٧].\nالإعراب: ﴿الْآنَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل بعده مبني على الفتح في محل نصب، وجملة:\n ﴿خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب، و﴿أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (علم)، والجملة الفعلية ﴿وَعَلِمَ أَنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ..﴾. إلخ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة، مع ما فيها من الاحتباك الذي ذكرته فيها، والكلام كله مفرع عما قبله ومستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿بِإِذْنِ﴾: متعلقان بأحد الفعلين ﴿يَغْلِبُوا﴾ على التنازع، ولا يتأتى هنا ما ذكرته بقوله ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ إلا على ضعف، و(إذن) مضاف، و﴿اللهُ﴾: مضاف إليه. ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾:\nانظر إعراب ما يشبهها في الآية رقم [٤٧] وهي مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة، فالمعنى لا يأباه، والرابط: الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه.\n\n<span id=\"aya-1227\"></span>﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ..﴾. إلخ: لا ينبغي ولا يحق لنبي أو ما صح، ولا استقام له، وقرئ: «(ما كان للنبي)» أن يأخذ الفداء من أسرى يقعون في يده حتى يكثر القتل في المشركين، وبذلك يذل الكفر ويقهر، ويعز الإسلام، وينتصر، وانظر الآية رقم [١١٤] سورة (التوبة)، هذا؛ وانظر شرح ﴿لِنَبِيٍّ﴾ في الآية رقم [١]. و﴿أَسْرى﴾ جمع أسير، ويجمع على أسارى بضم الهمزة وفتحها، والأول أقوى وقد قرئ بذلك، وانظر الآية رقم [٨٥] من سورة (البقرة)، والإثخان كثرة القتل، والمبالغة فيه من الثخانة، وهي: الغلظ والكثافة، وقيل: الإثخان: القوة، والشدة.\n ﴿تُرِيدُونَ﴾: خطاب للنبي ﷺ. ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾: حطامها الفاني، وإنما سمى سبحانه منافع الدنيا عرضا؛ لأنه لا ثبات لها ولا دوام، فكأنها تعرض، ثم تزول بخلاف منافع الآخرة، فإنها دائمة لا انقطاع لها، و﴿عَرَضَ﴾ بفتح العين والراء هنا، وهو بضم العين وسكون الراء ناحية الشيء من أي وجه جئته، وهو بفتح العين وسكون الراء: ضد الطول، وهو بكسر العين وسكون الراء:\nالنفس، يقال: أكرمت عنه عرضي، أي: صنت عنه نفسي، وهو أيضا: رائحة الجسد وغيره طيبة كانت أو خبيثة، يقال: فلان طيب العرض، أو منتن العرض، وانظر شرح: ﴿الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (الأنعام). ﴿يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ أي: ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام ورفعه","vol":"4","page":86},{"text":"شأن أهله. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾: قوي لا يقهر، يغلب أولياءه على أعدائه. ﴿حَكِيمٌ﴾: يصنع ما فيه حكمة، ويعلم ما يليق بكل حال، ويخصه بها، كما أمر بالإثخان، ومنع الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخير بينه وبين المن أو أخذ الفداء حين صارت الغلبة والشوكة للمؤمنين.\nروي أن النبي ﷺ أتي يوم بدر بسبعين أسيرا، فيهم العباس عمه، وعقيل ابن عمه، فاستشار فيهم أصحابه، فكان رأيهم مختلفا، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله! قومك، وأهلك فاستبقهم، لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك، وقال عمر ﵁:\nيا رسول الله اضرب أعناقهم؛ فإنهم أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء، مكني من فلان نسيب له، ومكن حمزة، وعليا من أخويهما، فلنضرب أعناقهم.\nوقال عبد الله بن رواحة ﵁: يا رسول الله! انظر واديا كثير الحطب، فأضرمه عليهم، فمال الرسول ﷺ إلى رأي: أبي بكر ﵁، وقال: «إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حيث قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومثل عيسى، حيث قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ومثل موسى حيث قال ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ»﴾. ثم قال: «أنتم عالة، فلا ينفلتنّ أحد إلا بفداء أو ضربة عنق». فأخذ الفداء، ولم يقتل سوى النضر بن الحارث الذي حدثتك عنه في الآية رقم [٣١] فنزلت الآية الكريمة والتي بعدها، فدخل عمر ﵁ المسجد فوجد الرسول ﷺ وأبا بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله! أخبرني، فإن أجد بكاء بكيت، وإلا تباكيت، فقال: «ابك على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة».\nلشجرة قريبة منه، وكانت قد نزلت الآية الكريمة والتي بعدها. وينبغي أن تعلم أن هذه الآية وافقت رأي: عمر ﵁، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٤] من سورة (المائدة).\nتنبيه: في الآية الكريمة التفات من الغيبة في قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ..﴾. إلخ إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ﴾ انظر الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام). هذا؛ وقد قرئ شاذا بجر ﴿الْآخِرَةَ﴾ وذلك على تقدير مضاف، إذ التقدير (والله يريد عرض الآخرة) فلما حذف المضاف بقي المضاف إليه على جره، ومثل الآية الكريمة قول عدي بن زيد العبادي: [المتقارب]\nأكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد باللّيل نارا؟\nالإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِنَبِيٍّ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ واسمه محذوف يفهم من المقام، التقدير: ما كان لنبي أخذ الفداء، انظر الشرح يظهر لك ذلك جليا. ﴿كانَ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿يَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب","vol":"4","page":87},{"text":"ب ﴿كانَ﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَسْرى﴾: اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿كانَ﴾ والمضارع الناقص في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من كون أسرى له والجار والمجرور متعلقان باسم ﴿كانَ﴾ الذي رأيت تقديره، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وانظر إعراب الآية رقم [١٦١] من آل عمران. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يُثْخِنَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل يعود إلى: (نبي). ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المضمرة ويثخن في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿كانَ،﴾ أو باسمها الذي رأيت تقديره، وجملة: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1228\"></span>﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾: لقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الجملة على أقوال كثيرة: الأول: لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أنه لا يعاقب المخطئ في اجتهاده، الثاني: لولا حكم من الله... في أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون. الثالث:\nلولا حكم من الله... في أنه لا يعذب أهل بدر. الرابع: لولا حكم من الله... في أن الفدية ستحل لهم. الخامس: لولا حكم من الله... في أن الله لا يعذب المسلمين ومحمد ﷺ فيهم.\nالسادس: لولا حكم من الله... في أنه سبحانه قضى محو الصغائر باجتناب الكبائر. هذا؛ وانظر شرح: ﴿كِتابٌ﴾ في الآية رقم [٢] الأعراف. ﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿لَمَسَّكُمْ﴾: لأصابكم، ونزل بكم. ﴿فِيما أَخَذْتُمْ﴾ أي: من الفداء. ﴿عَذابٌ﴾: انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (الأعراف).\nتنبيه: روي: أن النبي ﷺ قال: «لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ».\nوذلك لأنه أيضا أشار بالإثخان، وانظر ما ذكرته عن عبد الله بن رواحة في الآية السابقة ﵃ أجمعين.\nتنبيه: ما في الآيتين الكريمتين عتاب له ﷺ على ترك الأولى، إذ كان الأولى له تدارك كثرة القتل فيهم لا الفداء، وليس عتابا على ترك محرم تنزيها لمنصب النبوة عن ذلك. انتهى. جمل نقلا عن كرخي، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٦] النساء فإنه جيد جدا، وأيضا الآية رقم [٤٤] من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿لَوْلا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿كِتابٌ﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿كِتابٌ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿سَبَقَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿كِتابٌ،﴾","vol":"4","page":88},{"text":"والجملة الفعلية صفة: ﴿كِتابٌ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: موجود، وقيل: تقديره تدارككم. اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْلا﴾. مسكم: ماض، والكاف مفعوله. ﴿فِيما﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (في)، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، إذ التقدير: في الذي، أو في شيء أخذتموه. ﴿عَذابٌ﴾: فاعل (مسّكم). ﴿عَظِيمٌ..﴾.: صفته، والجملة الاسمية: ﴿كِتابٌ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، وجملة: ﴿لَمَسَّكُمْ..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْلا﴾ لا محل لها، و﴿لَوْلا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1229\"></span>﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿فَكُلُوا..﴾. إلخ، المعنى: فقد أحلت لكم الغنائم، وأخذ الفداء فكلوا... روي:\nأنه لما نزلت الآية السابقة كف أصحاب رسول الله ﷺ أيديهم عما أخذوا من الفداء، فنزلت هذه الآية التي تحل الغنائم لهذه الأمة، وكانت قبل ذلك حراما على جميع الأمم الماضية، فعن جابر بن عبد الله﵄-: أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي:\nنصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليتيمّم وليصلّ، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة». رواه البخاري وغيره.\nهذا؛ ومن معناها التبعيض، أي: كلوا بعض ما غنمتم؛ فإن الغنيمة ليست كلها للغانمين، انظر الآية التي قسمت الغنائم برقم [٤٢] تجد ما يسرك. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: خافوا الله أن تعودوا، وأن تفعلوا شيئا من قبل أنفسكم قبل أن تؤمروا به. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: قد غفر لكم ما أقدمتم عليه من الذنب، ورحمكم، ومعنى ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ أي: خاليا من العتاب والعقاب، هذا؛ وانظر: ﴿وَاتَّقُوا﴾ في الآية رقم [١].\nالإعراب: ﴿فَكُلُوا﴾: الفاء: حرف استئناف، أو هي الفاء الفصيحة على ما رأيت في الشرح، إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فكلوا. كلوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. والألف للتفريق. ﴿مِمّا غَنِمْتُمْ﴾: إعراب هذا مثل إعراب: ﴿فِيما أَخَذْتُمْ﴾ في الآية السابقة بلا فارق. ﴿حَلالًا﴾: حال من ما، أو من الضمير المحذوف العائد عليها، وقيل: هو صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: أكلا حلالا. ﴿طَيِّبًا﴾: صفة ﴿حَلالًا،﴾ وانظر الآية رقم [١٦٨] من سورة (البقرة). ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾: هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وقيل: معترضة بين التعليل وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمعلل، وهو الأمر ﴿فَكُلُوا..﴾. إلخ.","vol":"4","page":89},{"text":"<span id=\"aya-1230\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿النَّبِيُّ﴾: انظر الآية رقم [١]. ﴿لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ أي: من وقع أسيرا في قبضة أيديكم يوم بدر، هذا؛ وانظر شرح ﴿يَدَهُ﴾ في الآية رقم [١٠٨] الأعراف.\nو﴿الْأَسْرى﴾ في الآية رقم [٦٧]. ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾: إيمانا وإخلاصا. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾: يخلف عليكم أفضل وأعظم من الفداء الذي أخذه الرسول ﷺ منكم.\n ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: ما سلف منكم قبل الإيمان. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾: لمن آمن وتاب من كفره، ومعاصيه. ﴿رَحِيمٌ﴾: بأهل طاعته، وهما اسما مبالغة من غفر ورحم، هذا؛ وانظر ﴿خَيْرًا﴾ في الآية رقم [١٢] الأعراف فإنه جيد.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في العباس عم رسول الله ﷺ، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا أن يطعموا الناس الذين خرجوا من مكة إلى بدر، وكان قد خرج؛ ومعه عشرون أوقية من ذهب، ليطعم بها إذا جاءت نوبته، فكانت نوبته يوم الوقعة ببدر، فأراد أن يطعم ذلك اليوم، فاقتتلوا، لم يطعم شيئا، وبقيت العشرون أوقية معه، فلما أسر أخذت منه، فكلم رسول الله ﷺ أن يجعل العشرين أوقية من فدائه، فأبى، وقال: «أما شيء خرجت به لتستعين به على حربنا، فلا أتركه لك!». وكلفه فداء ابني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمد! تتركني أتكفف قريشا، ما بقيت، فقال له الرسول ﷺ: «فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة؟ وقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث، فهذا لك، ولعبد الله، ولعبيد الله، وللفضل، وقثم-يعني بنيه-». فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي؟ قال: «أخبرني به ربي». قال العباس﵁أشهد أنك لصادق، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله! لم يطلع عليه أحد إلا الله، وأمر ابني أخيه عقيلا ونوفلا فأسلما، ثم بعد ذلك قال العباس﵁: فأبدلني الله خيرا مما أخذ مني عشرين عبدا، كلهم تاجر يضرب بمال كثير، أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي ﷿. انتهى. خازن.\nهذا؛ والآية تشير إلى: أن العباس ﵁ كان مسلما، وهو المعتمد، وأن النبي ﷺ كان قد أمره بالبقاء في مكة، عينا له، فكان يخبره بما يتآمر به أهل مكة ضد الإسلام والمسلمين، فبقي في مكة حتى قبيل فتحها.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٦٤]. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلها. ﴿فِي أَيْدِيكُمْ﴾: جار","vol":"4","page":90},{"text":"ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْأَسْرى﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿فِي أَيْدِيكُمْ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إعرابه ظاهر إن شاء الله تعالى، وانظر الآية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ في الآية رقم [٦٢]. ﴿يُؤْتِكُمْ﴾:\nمضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿خَيْرًا﴾: مفعول به ثان.\n ﴿مِمّا﴾: متعلقان ب ﴿خَيْرًا،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بمن. ﴿أُخِذَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يُؤْتِكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَيَغْفِرْ﴾: مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، ويجوز في مثله النصب على إضمار (أن)، والرفع على الاستئناف، وإضمار مبتدأ، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٥] النساء. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1231\"></span>﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾: يعني الأسرى. ﴿خِيانَتَكَ﴾: نقض ما عاهدوك عليه. ﴿فَقَدْ خانُوا اللهَ﴾: بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ في الأزل. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل موقعة بدر. ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾: بالقتل والأسر، فإن أعادوا الخيانة؛ فسيمكنك منهم أيضا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:\nلا يخفى عليه شيء من أفعال عباده، ويضع الأمور مواضعها على مقتضى ما تقتضيه الحكمة، هذا؛ وأصل خيانتك: خوانتك؛ لأنه من: خان يخون، وهو أجوف واوي، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ووقوع الألف بعدها.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ انظر الآية رقم [٦٢] وما بعدها. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خانُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] الأعراف. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم.\n ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: مبني على الضم في محل جر لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، وجملة: ﴿فَقَدْ خانُوا..﴾. إلخ في محل جزم، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يتبين لك: أن جواب الشرط محذوف، التقدير: وإن يريدوا خيانتك فلا يضرونك شيئا، وقدره الجلال","vol":"4","page":91},{"text":"فليتوقعوا مثل ذلك؛ إن عادوا والأول أولى؛ وعليه، فالجملة الفعلية ﴿فَقَدْ خانُوا..﴾. إلخ تعليل للجواب المحذوف. ﴿فَأَمْكَنَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: انظر مثلها في الآية السابقة إعرابا ومحلا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1232\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: المراد بهم المؤمنون السابقون من أهل مكة الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم تركوا أوطانهم وأموالهم، وهاجروا إلى المدينة المنورة، ثم بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الله، ونصرة نبيه ﷺ، ولا أتكلم عن الهجرة والجهاد في سبيل الله بأكثر مما ذكرته في الآية رقم [٨٩] النساء و[٩٦] منها، ففيهما الكفاية. ﴿آمَنُوا﴾: انظر الآية رقم [٢] الأعراف ورقم [٣]. ﴿بِأَمْوالِهِمْ﴾: انظر الآية رقم [٢٨]. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: انظر الآية رقم [٩] الأعراف. ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾: دين الله الذي ارتضاه لنفسه ولأمة محمد ﷺ وانظر الآية رقم [٤٥] الأعراف، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾: المراد بهم الأنصار أهل المدينة الذين آووا النبي ﷺ والمهاجرين الذين أتوهم من أهل مكة، فأسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أموالهم وآثروهم على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، هذا؛ وإعلال: ﴿آوَوْا﴾ مثل إعلال (أتوا) في الآية رقم [١٣٨] (الأعراف). ﴿أُولئِكَ﴾: إشارة إلى المهاجرين والأنصار معا. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي: في العون والنصرة دون أقربائهم من الكفار.\nوقال ابن عباس﵄-: في الميراث. انتهى. وتأويله: أن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة، دون أقربائهم وذوي أرحامهم، وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة، وانقطعت الهجرة، فتوارثوا بالأرحام حيثما كانوا، فصار ذلك منسوخا بالآية الأخيرة، وهي رقم [٧٥] وهذا التوارث حصل بعد أن آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، حيث جعل مع كل أنصاري مهاجرا، فكان الأنصاري يعطف على المهاجري عطف الأب على ابنه والأخ على أخيه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا..﴾. إلخ:\nفقد قطع الله الميراث والتوارث بين المهاجرين، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا،﴾ انظر الآية رقم [٩٧] (النساء) وما بعدها تجد ما يسرك، هذا؛ والولاية هنا بمعنى: الميراث، ويجيء بمعنى النصرة","vol":"4","page":92},{"text":"والمعاونة، وهو بفتح الواو، وقرئ بكسرها، والفتح أحسن وأبين، وقد تطلق الولاية بفتح الواو وكسرها أيضا على الإمارة والرئاسة، هذا؛ وانظر شرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٨٥] (الأعراف).\n ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: إن طلب منكم أيها المهاجرون الذين لم يهاجروا معاونتهم بنفس أو بمال فأعينوهم على المشركين، ولا سيما إن كانوا مستضعفين لا يقدرون على الهجرة، كما رأيت في الآية رقم [٩٧] من سورة (النساء) وما بعدها. ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ أي: فيجب عليكم نصرهم إلا إذا استنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم عهود ومهادنة عدم اعتداء، فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تنتهي مدته. ﴿الدِّينِ﴾:\nانظر الآية رقم [١٦٢] الأنعام. ﴿مِيثاقٌ﴾: انظر إعلال ﴿الْمِيعادِ﴾ في الآية رقم [٤٢] فهو مثله.\n ﴿وَاللهُ﴾: انظر الآية رقم [١].\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿آمَنُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها، ﴿بِأَمْوالِهِمْ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿وَجاهَدُوا،﴾ و﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. و﴿الَّذِينَ﴾:\nمعطوف على ما قبله. ﴿آوَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، الواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، وجملة: ﴿وَنَصَرُوا﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له.\n ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءُ﴾: خبره، وهو مضاف، و﴿بَعْضٍ﴾:\nمضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿بَعْضُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو استئنافية لا محل لها. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، والجملة بعده صلته. ﴿وَلَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم.\n ﴿يُهاجِرُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ وَلايَتِهِمْ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وتعليقهما بمحذوف حال من المبتدأ المؤخر لا يجيزه كثير من النحاة. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ","vol":"4","page":93},{"text":"معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿ما﴾ النافية لأن فيها رائحة الفعل (انتفى). ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ انظر إعراب: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ في الآية رقم [٦٢] فهو مثله إفرادا، وجملا. ﴿فَعَلَيْكُمُ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (عليكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿النَّصْرُ﴾: مبتدأ مؤخر، ولو قيل: عليكم: اسم فعل أمر، و(النصر) بالنصب مفعول به، فهو مقبول معنى وإعرابا، ولكن لم أطلع على قراءة بنصبه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿عَلى قَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾: معطوف على ما قبله، والكاف والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِيثاقٌ﴾:\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٤٠].\n\n<span id=\"aya-1233\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي: في الميراث والمؤازرة والمعاونة، وهو بمفهومه يدل على منع التوارث والتآزر بينهم وبين المسلمين، والآية الكريمة نصت بأن الكفر ملة واحدة مهما اختلفت أنواعه وألوانه، وهو بجميع أصنافه حرب على المسلمين في كل عصر وزمان، والتاريخ شاهد صدق على ما أقول، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف).\n ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ﴾ أي: إن لم تفعلوا ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولي بعضكم بعضا حتى في التوارث، وقطع الصلة والمودة بينكم وبين الكفار. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾: تقع في الأرض فتنة عظيمة، وهي ظهور الكفر وتقويته، وضعف شوكة المسلمين، وذلك فساد للدين، وقرئ: «(كثير)» بالثاء. هذا؛ والضمير في ﴿تَفْعَلُوهُ﴾ عاد على معنى الكلام السابق دون لفظه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿بَعْضٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة لا محل","vol":"4","page":94},{"text":"لها مثلها. ﴿إِلاّ﴾: (إن): حرف شرط جازم. (لا): نافية. ﴿تَفْعَلُوهُ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿تَكُنْ﴾: مضارع تام جواب الشرط. ﴿فِتْنَةٌ﴾: فاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿تَكُنْ﴾. ﴿وَفَسادٌ﴾: معطوف على ﴿فِتْنَةٌ﴾. ﴿كَبِيرٌ﴾: صفته، وجملة: ﴿تَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1234\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. ﴿وَنَصَرُوا﴾: انظر شرحه مفصلا في الآية رقم [٧٢]. ﴿أُولئِكَ هُمُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٤] لشرح هذا الكلام.\nوأنقل لك ما ذكره البيضاوي بحروفه، قال رحمه الله تعالى: لما قسم الله المؤمنين ثلاثة أقسام؛ بين أن الكاملين في الإيمان، منهم الذين حققوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه من الهجرة والجهاد، وبذل المال، ونصرة الحق، ووعد لهم الموعد الكريم، فقال ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تبعة له، ولا منة فيه.\nتنبيه: لا تكرار في الكلام؛ لأن الله ذكر في الآية الأولى حكم ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضا، ثم ذكر في هذه الآية ما منّ به عليهم من المغفرة والرزق الكريم، وقيل: إعادة الشيء مرة بعد مرة أخرى تدل على مزيد الاهتمام به، فلما ذكرهم أولا، ثم أعاد ذكرهم دل ذلك على تعظيم شأنهم، وعلو درجاتهم، وهذا هو الشرف العظيم. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى ﴿وَنَصَرُوا﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٧٢].\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤] وهي اسمية في محل رفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لَهُمْ﴾:\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَرِزْقٌ﴾:\nمعطوف على ما قبله. ﴿كَرِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-1235\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾: لقد اختلف في قوله ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ فقيل: من بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان، وهي الهجرة الثانية، وقيل: من بعد نزول هذه الآية، وقيل: من بعد","vol":"4","page":95},{"text":"غزوة بدر، والأصح أن المراد به أهل الهجرة الثانية؛ لأنها بعد الهجرة الأولى؛ لأن الهجرة انقطعت بعد فتح مكة؛ لأنها صارت دار الإسلام بعد الفتح، ويدل عليه قول النبي ﷺ «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة» وقال الحسن: الهجرة غير منقطعة، ويجاب عن هذا بأن المراد منه الهجرة المخصوصة من مكة إلى المدينة، فأما من كان من المؤمنين في بلد يخاف على إظهار دينه من كثرة الكفار وغلبتهم، وجب عليه أن يهاجر إلى بلد لا يخاف فيه على إظهار دينه.\nانتهى. خازن.\n ﴿فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾ أي: صاروا من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار، وإن تأخر إيمانهم وهجرتهم وجهادهم، ولكن لا يخفى أن مرتبة السابقين أعلى وأشرف من مرتبة المتأخرين.\n ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى..﴾. إلخ: ذكرت لك في الآية رقم [٧٢] أن هذه الآية ناسخة للتوارث بالأخوة الإسلامية والهجرة، وقد استدل بها أيضا على توريث ذوي الأرحام، وهو مذهب أبي حنيفة، والمراد بكتاب الله: اللوح المحفوظ، وقيل: المراد: القرآن الكريم، وهو ما ذكر في سورة (النساء) من المواريث.\n ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: حيث فصل وبين جلت قدرته ما فيه حكمة ومنفعة لعباده، وهو أعلم بمراده وأسرار كتابه. هذا؛ وانظر شرح ﴿كِتابٌ﴾ في الآية رقم [٢] الأعراف. ﴿شَيْءٍ﴾:\nانظر الآية رقم [٨٥] منها. ﴿وَأُولُوا﴾: أصحاب، ولا واحد له من لفظه، وإنما واحده (ذي) المضاف إن كان مجرورا، و(ذا) المضاف إن كان منصوبا، و(ذو) المضاف إن كان مرفوعا.\n ﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١].\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وبني بعده على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا﴾ معطوفتان على جملة الصلة لا محل لها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. الفاء: زائدة في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\n (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له.\n ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَأُولُوا﴾: (أولو):\nمبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و(أولو) مضاف، و﴿الْأَرْحامِ﴾: مضاف إليه. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، والهاء: في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَوْلى﴾: خبر المبتدأ، مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِبَعْضٍ﴾: متعلقان ب ﴿أَوْلى﴾. ﴿فِي كِتابِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب ﴿أَوْلى،﴾ و﴿كِتابِ﴾:","vol":"4","page":96},{"text":"مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلى..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها من جمل اسمية لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ﴾: اسمها. ﴿بِكُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nتمت سورة (الأنفال) بحمد الله وتوفيقه.\nتفسيرا وإعرابا والحمد لله رب العالمين.","vol":"4","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1237>سورة التّوبة</span>\nوهي مدنية، قال ابن الجوزي: إلا آيتين في آخرها ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ فإنها نزلت بمكة، وهي آخر سور القرآن الكريم نزولا، وهي: مائة وتسع وعشرون آية، وأربعة آلاف، وثمان وسبعون كلمة، وعشرة آلاف وأربعمائة، وثمان وثمانون حرفا، ولهذه السورة أسماء عشرة: سورة (التوبة) وسورة براءة، وهذان الاسمان مشهوران والمقشقشة قاله ابن عمر، سميت بذلك؛ لأنها تقشقش من النفاق، أي: تبرئ منه، والمبعثرة؛ لأنها تبعثر عن أخبار المنافقين، وتبحث عنها وتثيرها، والفاضحة، قاله ابن عباس؛ لأنها فضحت المنافقين، وسورة العذاب، قاله حذيفة ﵁، والمخزية؛ لأن فيها خزي المنافقين، والمدمدمة سميت بذلك؛ لأن فيها هلاك المنافقين، والمشردة، سميت بذلك؛ لأنها شردت جموع المنافقين، وفرقتهم، والمثيرة، سميت بذلك؛ لأنها أثارت مخازي المنافقين، وكشفت أحوالهم، وهتكت أستارهم. انتهى خازن. وزيد المنكلة، والمنقرة، والحافرة، والبحوث، وغير ذلك.\nعن سعيد بن جبير ﵁، قال: قلت لابن عباس﵄-: سورة (التوبة) قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تقول، ومنهم، ومنهم... حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها، قال: قلت: سورة (الأنفال)، قال: نزلت في بدر، قال: قلت: سورة (الحشر)، قال: بل سورة بني النضير. أخرجاه في الصحيحين. انتهى. خازن.\nتنبيه: لقد اختلف بسبب ترك التسمية في أول هذه السورة الكريمة، وها أنا ذا أنقل لك ما كتبه الخازن في هذا الصدد: فعن محمد بن الحنفية﵄قال: قلت لأبي، يعني علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لم لم تكتبوا في براءة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؟﴾ قال:\nيا بني إن براءة نزلت بالسيف، وإن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان، وسئل سفيان بن عيينة عن هذا، فقال: لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين، وقال المبرد: لم تفتح هذه السورة الشريفة ب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؛﴾ لأن التسمية افتتاح للخير، وأول هذه السورة وعيد، ونقض عهود، فلذلك لم تفتح بالتسمية.\nوسئل أبي بن كعب﵁عن هذا، فقال: إنها نزلت في آخر القرآن، وكان رسول الله ﷺ يأمر في كل سورة بكتابة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ ولم يأمر في براءة بذلك، فضمت إلى الأنفال لشبهها بها، وقيل: إن الصحابة اختلفوا في أن سورة (الأنفال)،","vol":"4","page":98},{"text":"وسورة براءة هل هما سورة واحدة، أو سورتان، فقال بعضهم: سورة واحدة لأنهما نزلتا في القتال، ومجموعهما معا مائتان وثمانون آية، فكانت هي السورة السابعة من السبع الطوال، وقال بعضهم: هما سورتان، فلما حصل هذا الاختلاف بين الصحابة تركوا بينهما فرجة، تنبيها على قول من يقول: إنهما سورتان، ولم يكتبوا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ وتنبيها على قول من يقول: هما سورة واحدة. انتهى. خازن.\nوقيل: كان النبي ﷺ إذا نزلت عليه سورة، أو آية بين موضعها، وتوفي؛ ولم يبين موضعها، وكانت قصتها تشابه قصة الأنفال، وتناسبها؛ لأن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذها، فضمت إليها. انتهى. بيضاوي.\nأعوذ بالله من الشيطان الرجيم\n\n<span id=\"aya-1236\"></span>﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾\nالشرح: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾: أصل البراءة في اللغة: انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، فأنا بريء منه، أي: انقطعت بيننا العصمة، ولم يبق بيننا علقة، وقيل: معناه التباعد مما تكره مجاورته، وانظر شرح ﴿اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال).\n ﴿إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: إلى الذين عاهدهم رسول الله ﷺ؛ لأنه كان المتولي للعقود، وأصحابه جميعهم راضون بذلك، فكأنهم عاقدوا، وعاهدوا فنسب العقد إليهم، وكانت هذه البراءة بعد أن نكث المشركون، ما عاهدوا عليه النبي ﷺ، فإنهم نكثوا إلا أناسا منهم: بنو ضمرة وبنو كنانة، فأمرهم الله بنبذ العهد، إلى الناكثين، وإمهال من لم ينكث من المشركين أربعة أشهر، وهو نص الآية التالية.\nالإعراب: ﴿بَراءَةٌ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه براءة. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿بَراءَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: عاهدتموهم. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿بَراءَةٌ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ وسوغ الابتداء بالنكرة وصفها كما رأيت، هذا؛ وقرئ بنصب: (براءة) على تقدير: اسمعوا، أو التزموا براءة، ففيه معنى الإغراء.","vol":"4","page":99},{"text":"<span id=\"aya-1237\"></span>﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿فَسِيحُوا﴾: سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين بحرب، ولا سلب، ولا قتل، ولا أسر. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: هي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ لأن الآية نزلت في شوال، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر؛ لأن التبليغ كان يوم النحر، كما ستعرفه، وانظر شرح الأشهر في الآية رقم [٣٧]. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ أي: اعتقدوا وتيقنوا: أنكم لا تعجزون الله، ولا تفوتونه، واعتقدوا أن الله مذل الكافرين بالقتل والأسر في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وانظر شرح ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف)، هذا؛ و﴿غَيْرُ﴾ اسم شديد الإبهام، ولا يتعرف بالإضافة لمعرفة وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، أو تقدمت كلمة ليس عليها، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو الفتح خلاف، وإن أردت الزيادة فانظر مبحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nتنبيه: لقد اختلف العلماء في هذا التأجيل، وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ، فقال مجاهد: هذا التأجيل من الله للمشركين، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدته أكثر حطه إليها، ومن كان عهده بغير أجل معلوم محدود حدّه بها، ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله، يقتل حيث أدرك، ويؤسر إلا أن يتوب ويرجع إلى الإيمان، وكان ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر في السنة التاسعة للهجرة على المعتمد.\nوكان النبي ﷺ قد أراد الحج، فقيل له: إن المشركين يحضرون، ويطوفون بالبيت عراة، فقال: «لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك». فبعث أبا بكر﵁في تلك السنة أميرا على الحج، ثم بعد مسيره بأيام نزلت الآيات من أول سورة براءة، فبعث بها مع علي بن أبي طالب﵁على ناقته العضباء ليقرأ الآيات على الناس، وأمره أن يؤذن بمكة ومنى، وعرفة: أن قد برئت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يبلغ عني إلا رجل مني، فلما قرب علي ﵁ سمع أبو بكر ﵁ الرغاء، فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ، فلما لحقه، قال: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، فلما كان يوم التروية، خطب أبو بكر الناس، وعلمهم مناسكهم، ووقف علي يوم النحر عند جمرة العقبة، وقال: يا أيها الناس! إني رسول الله إليكم.\nقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم الآيات من أول سورة براءة ثلاثين أو أربعين، ثم قال: أمرت بأربع:","vol":"4","page":100},{"text":"أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد، فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهر، وهذا يخالف ما روي عن مجاهد.\nتنبيه: بعث النبيّ ﷺ عليا ﵁ ليبلغ ما ذكر، ليس عزلا لأبي بكر ﵁ عن إمارة الحج ذلك العام، ولا دليل فيه على فضل علي على أبي بكر﵄-، وإنما كان هذا البعث والتولي جاريا على عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد، أو نقضه إلا سيد القبيلة وعظيمها، أو رجل من أقاربه، وكان علي ﵁ أقرب الناس إلى النبي ﷺ، فبعثه الرسول لهذا السبب، ولئلا يقولوا: هذا على خلاف ما نعرفه عن عادتنا في عهد العهود ونقضها انتهى. بيضاوي وخازن بتصرف كبير. هذا؛ ولا تنس أن في الكلام التفاتا من الغيبة إلى الخطاب، وأيضا من خطاب إلى خطاب آخر، انظر الالتفات في الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام) فإنه جيد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿فَسِيحُوا﴾: الفاء: حرف استئناف. (سيحوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مقولة لقول محذوف، إذ التقدير: قل لهم:\nسيحوا... إلخ، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بما قبلهما.\n ﴿أَرْبَعَةَ﴾: ظرف زمان متعلق بما قبله، و﴿أَرْبَعَةَ﴾: مضاف، و﴿أَشْهُرٍ﴾: مضاف إليه.\n ﴿وَاعْلَمُوا﴾: إعرابه مثل سابقه. ﴿أَنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿غَيْرُ﴾: خبر (أن)، وهو مضاف، و﴿مُعْجِزِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿مُعْجِزِي﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل (اعلموا)، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا المصدر المؤول من ﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله، هذا؛ و﴿مُخْزِي﴾ خبر (أن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه... إلخ، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n\n<span id=\"aya-1238\"></span>﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَذانٌ﴾: إعلام، والأذان، من الإيذان، كالأمان من الإيمان، والعطاء من","vol":"4","page":101},{"text":"الإعطاء. ﴿اللهِ وَرَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [١] (الأنفال). ﴿النّاسِ﴾: انظر الآية رقم [٨٢] (الأعراف). ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: يوم عيد الأضحى؛ لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله أو المراد به يوم عرفة؛ لأن الوقوف فيها أهم أركان الحج وأفعاله، ووصف الحج بالأكبر؛ لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيده عيد أهل الكتاب، أو لأنه ظهر فيه عزّ المسلمين، وذلّ المشركين كما رأيت في الآية السابقة.\n ﴿بَرِيءٌ﴾: انظر شرح براءة في الآية رقم [١]. ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: الذين اتخذوا معه إلها آخر من حجر، أو شخص، أو حيوان، وغير ذلك.\n ﴿وَرَسُولِهِ﴾ أي: هو بريء أيضا من المشركين، وعهودهم. ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الكفر، والغدر، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: فالتوبة خير لكم، وانظر شرح ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف). ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: عن التوبة من الكفر، وأعرضتم عن الإيمان بالله ورسوله. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢]. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: أصل البشارة أن تكون بما يسر المخبر به، وقد تستعمل بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم والاستهزاء، وهو ما في الآية الكريمة، ومثلها كثير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (النحل)، إن أردت الزيادة، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف). وفي الكلام التفات كما ترى.\nالإعراب: ﴿وَأَذانٌ﴾: الواو: حرف عطف. (أذان): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذا أذان: أو قل: الآيات الآتي ذكرها (أذان). ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: (أذان)، أو هما متعلقان به؛ لأنه مصدر. و﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى النّاسِ﴾: متعلقان بما تعلق به ما قبلهما. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله، و﴿يَوْمَ﴾: مضاف، و﴿الْحَجِّ﴾: مضاف إليه. ﴿الْأَكْبَرِ﴾: صفة ﴿الْحَجِّ،﴾ هذا؛ وقيل: إن يوم متعلق بصفة: (أذان) المحذوفة، ولا يحسن أن يتعلق ب (أذان)؛ لأنه وصف، فخرج عن حكم الفعل، وقيل: متعلق ب ﴿مُخْزِي،﴾ وفيه بعد، هذا؛ ويجوز اعتبار (أذان) مبتدأ، و﴿إِلَى النّاسِ﴾ متعلقان بمحذوف خبره، و﴿يَوْمَ﴾ متعلق بالخبر المحذوف أيضا، وعلى الاعتبارين في (أذان) فالجملة الاسمية معطوفة على قوله ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ لا محل لها، الأولى بالابتداء، والثانية بالاتباع، هذا؛ والمصدر المؤول من ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف مقدر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: (أذان) على الوجه الأول فيه، ومتعلقان بمحذوف خبره على الوجه الثاني فيه، وينبغي أن تلاحظ: أن الصفة قد تعددت وهي شبه جملة على الوجه الأول، وأن الخبر قد تعدد، وهو شبه جملة على الوجه الثاني، هذا؛ وقرئ بكسر همزة: «(إنّ)»، فتكون الجملة تعليلا لما تقدم أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.","vol":"4","page":102},{"text":"﴿وَرَسُولِهِ﴾: (رسوله): بالرفع فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو معطوف على الضمير المستتر في: بريء، وما بينهما يجري مجرى التوكيد؛ فلذا ساغ العطف، والثاني: هو مبتدأ محذوف خبره، التقدير: ورسوله بريء أيضا، والثالث: هو معطوف على محل اسم (أنّ)، وهو عند المحققين غير جائز؛ لأن المفتوحة لها موضع غير الابتداء بخلاف المكسورة، وقرئ بالنصب من وجهين: أحدهما: العطف على اسم (أنّ)، وثانيهما: على أنه مفعول معه، والواو بمعنى مع، وقرئ شاذا بالجر على إرادة القسم، وحذف جوابه لفهم المعنى. وقيل: على الجوار، كما أنهم نعتوا أو أكدوا على الجوار، كما رأيت في الآية رقم [٧] من سورة (المائدة). ﴿فَإِنْ﴾:\nالفاء: حرف تفريع واستئناف. ﴿فَإِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تُبْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَهُوَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محل له من الإعراب، وما بعده معطوف عليه، وإعرابه مثله، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾: إعراب هذه الجملة مثل الآية رقم [٢]. ﴿وَبَشِّرِ﴾: أمر، وفاعله أنت. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلته. ﴿بِعَذابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلِيمٍ﴾:\nصفته، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، والعطف لا يؤيده المعنى.\n\n<span id=\"aya-1239\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ..﴾. إلخ: المراد بهؤلاء بنو ضمرة-حي من كنانة-فقد أمر الله رسوله والمؤمنين بإتمام عهدهم، إلى تمام مدته، وكان قد بقي من ذلك تسعة أشهر، والسبب فيه أن هؤلاء القوم لم ينقضوا العهد، ولم يعاونوا أحدا على الرسول ﷺ، وإذا كان ذلك واقعا منهم؛ فلا يعاملون معاملة الناكثين: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ،﴾ انظر هذا الحب في الآية رقم [٥٩] الأنفال، هذا؛ وقرئ «(ينقضوكم)» بالضاد، أي: لم ينقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، هذا؛ وانظر ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ في الآية رقم [٣]. «ينقضوكم»: انظر (زاد) في الآية رقم [٦٩] الأعراف. ﴿شَيْئًا﴾: انظر الآية رقم [٨٥] (الأعراف). ﴿أَحَدًا﴾: انظر الآية رقم [٨٠] (الأعراف). ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: انظر الآية رقم [١] من سورة (الأنفال). ﴿ثُمَّ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأعراف).","vol":"4","page":103},{"text":"الإعراب: ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من المشركين، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، إذ التقدير: عاهدتموهم\n ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لَمْ﴾:\nحرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَنْقُصُوكُمْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به ثان، وقيل: نائب مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ معطوفة عليها لا محل لها أيضا. ﴿فَأَتِمُّوا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. ﴿فَأَتِمُّوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عَهْدَهُمْ﴾: مفعول به. ﴿إِلى مُدَّتِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال مما قبلهما، التقدير: ممتدا إلى مدتهم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَتِمُّوا..﴾.\nإلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منهم فأتموا\nإلخ، هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، واعتبار: ﴿فَأَتِمُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل نصب على الاستثناء من الكلام المتقدم، والإعراب الأول أقوى وأولى.\n ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿يُحِبُّ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.\n ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل لما أمروا به من وفاء العهود، وإتمام المدة للذين لم ينقضوا العهود. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1240\"></span>﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾: إذا انتهت، وانقضت الأشهر الحرم، وقد اختلف في الأشهر الحرم، فقيل: هم خمسون يوما منها عشرون من شهر ذي الحجة والمحرم، والمعتمد:\nأنها أربعة أشهر، وهي المدة التي ضربها الله للمشركين فيما رأيت، وسميت حرما مع كون صفر وربيع ليسا من الحرم لتحريم قتل المشركين فيها، ومنحهم فرصة التأمل، والتفكر لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويدخلون في دين الله أفواجا، وهذا هو الذي حصل بعدئذ. هذا؛ والانسلاخ في الأصل: الكشط، والنزع، ومنه سلخت جلد الشاة، فانسلخ، فقد استعير الانسلاخ لمضي الأشهر وانقضائها، كما استعير في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ للإزالة،","vol":"4","page":104},{"text":"وكشف النهار من الليل وإيضاحه. ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾: المراد بالمشركين هنا عبدة الأوثان يستثنى منهم الأطفال، والشيوخ، والغرض من ذلك تطهير الجزيرة العربية من عبادة الأوثان، وأما الكفرة من يهود ونصارى فيقرون بالجزية، كما فعل الرسول ﷺ بأهل خيبر وغيرهم، و﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في محل أو حرم، ولو في جوف الكعبة. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي:\nخذوهم أسرى. ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾: احبسوهم، أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام. ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: كل طريق، والمرصد في الأصل: الموضع الذي يرقب فيه العدو، وهو هنا اسم مكان. ﴿فَإِنْ تابُوا﴾: عن الشرك، ورجعوا إلى الإيمان. ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾: فدعوهم، ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك، وفيه دليل على أن تارك الصلاة، ومانع الزكاة، لا يخلى سبيله. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: غفور لمن تاب ورجع عن الشرك إلى الإيمان؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. ﴿رَحِيمٌ﴾: بأهل طاعته وأوليائه. هذا؛ والأشهر جمع: شهر، ويجمع أيضا على شهور، وسمي الشهر شهرا لشهرته برؤية القمر في أوله. ﴿حَيْثُ﴾: انظر الآية رقم [٢٧] الأعراف. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾: انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٥] (الأعراف). ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾:\nأدوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وركوعها وسجودها وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى ولا يقال: أقام الصلاة، هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء والتضرع، وهي في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها أركان، وشروط، ومبطلات، ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها: التضرع والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها الاستغفار، ومن الله على عباده:\nالرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ والزكاة في اللغة: التطهير، والإصلاح، والنماء، وفي الاصطلاح: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن على وجه مخصوص، وتدفع لأشخاص مخصوصين مذكورين في الآية رقم [٦١] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢] الآتية.\n ﴿سَبِيلَهُمْ﴾: انظر [١٤٢] من سورة (الأعراف). ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: صيغتا مبالغة.\nتنبيه: قال الحسن بن الفضل: نسخت هذه الآية كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين، والصبر على أذى الأعداء.\nالإعراب: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ﴾:\nفعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور.\n ﴿الْحُرُمُ﴾: صفة ﴿الْأَشْهُرُ﴾. ﴿فَاقْتُلُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب (إذا). اقتلوا: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]","vol":"4","page":105},{"text":"(الأعراف). ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿وَجَدْتُمُوهُمْ﴾: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ فتولدت واو الإشباع، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿فَاقْتُلُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وإعرابه مثل إعراب: ﴿فَاقْتُلُوا..﴾. إلخ، والجملة معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله، وأيضا جملة: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ﴾ معطوفتان على جواب (إذا) لا محل لهما مثله. ﴿كُلَّ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: على كل، و﴿كُلَّ﴾: مضاف، و﴿مَرْصَدٍ﴾: مضاف إليه ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ في الآية رقم [٤] وجملة:\n ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ معطوفتان على جملة فعل الشرط لا محل لهما مثلها، وجملة:\n ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و﴿فَإِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل للأمر لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1241\"></span>﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ أي: وإن استأمنك يا محمد أحد المشركين الذين أمرت بقتالهم، وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، ليسمع كلام الله الذي أنزل عليك، وهو القرآن، فأجره حتى يسمع كلام الله، ويعرف ما له من الثواب إن آمن، وما عليه من العقاب إن أصر على الكفر، ثم أبلغه مأمنه؛ أي: إن لم يسلم أوصله إلى الموضع الذي يأمن فيه، وهو دار قومه، وإن قاتلك بعد ذلك وقدرت عليه؛ فاقتله. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾: ما الإيمان، وما حقيقة ما تدعوهم إليه، فلا بد من أمانهم، ريثما يسمعون ويتدبرون، قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة، أي: باق حكمها.\nهذا، وانظر شرح ﴿أَحَدٌ﴾ في الآية رقم [٨٠] من سورة (الأعراف). ﴿يَسْمَعَ﴾: انظر الآية رقم [١٠٠] منها. ﴿كَلامَ اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١٤٤] منها. ﴿قَوْمٌ﴾: انظر الآية رقم [٣٢] منها.\n ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: لا يعرفون، وانظر الآية رقم [٦١] (الأنفال).\nالإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَحَدٌ﴾: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَحَدٌ﴾.","vol":"4","page":106},{"text":"﴿اِسْتَجارَكَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: هو يعود إلى ﴿أَحَدٌ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها، وهذا عند البصريين، وأما الكوفيون فيجيزون أن يكون ﴿أَحَدٌ﴾ فاعلا مقدما بالفعل بعده. انظر الشاهد [٩٩٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك. ﴿فَأَجِرْهُ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أجره): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَسْمَعَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿كَلامَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل أجره. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿أَبْلِغْهُ﴾: فعل ومفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿مَأْمَنَهُ﴾:\nمفعول به ثان، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر.\n (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿قَوْمٌ﴾: خبرها، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع صفة ﴿قَوْمٌ،﴾ و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1242\"></span>﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾: استبعاد أن يكون للمشركين عهد وأمان من الله ورسوله، ولا ينكثون؛ لأن قلوبهم تغلي حقدا وحسدا، وهم مطبوعون على خلف الوعود، ونقض العهود، وهذا هو الذي حصل من المشركين فقد نقض كفار قريش العهد الذي أبرموه مع الرسول ﷺ في الحديبية، نقضوه بإعانة بني بكر حلفائهم على بني خزاعة حلفاء الرسول ﷺ. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾: وهم بنو ضمرة، فهم ثابتون على عهدهم، ووفائهم، ﴿فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: ما داموا محافظين على عهودهم، ومواثيقهم فأتموا إليهم المدة المبرمة بينكم وبينهم، وهو ما أفادته الآية رقم [٥]. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: يخافون الله، فيفون بالوعود، ويتممون العهود التي يبرمونها، وانظر الآية رقم [٥٩] الأنفال. ﴿عَهْدٌ﴾: انظر الآية رقم [١٠٢] من سورة (الأعراف).\nووصف الله الكعبة ب ﴿الْحَرامِ﴾ تنويها بشأنها، ورفعة لقدرها، وتعظيما لحرمتها.","vol":"4","page":107},{"text":"الإعراب: ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام، واستبعاد، مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿يَكُونُ﴾ تقدم عليها وعلى اسمها، أو خبر: ﴿يَكُونُ﴾ الجار والمجرور: ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أو الخبر متعلق الظرف: ﴿عِنْدَ﴾ وهو على الاعتبارين الأولين متعلق بمحذوف صفة: ﴿عَهْدٌ،﴾ أو هو متعلق به؛ لأنه مصدر، أو هو متعلق بالفعل ﴿يَكُونُ،﴾ و﴿كَيْفَ﴾ على الاعتبارين الآخرين في محل نصب حال من عهد، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿يَكُونُ﴾ تاما، فيكون ﴿عَهْدٌ﴾ فاعلا به، و﴿كَيْفَ﴾ حالا منه، والظرف والجار والمجرور متعلقان بالفعل، و﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء، أو هي حرف حصر. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه في محل نصب على الاستثناء من المشركين. الثاني: أنه في محل جر بدل من المشركين. والثالث: أنه في محل رفع مبتدأ؛ وعليه فالاستثناء منقطع، وهو بمعنى: لكن الذين، والجملة الفعلية بعد الموصول صلته، والعائد محذوف، التقدير: عاهدتموهم. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و﴿الْمَسْجِدِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَرامِ﴾: صفة ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿فَمَا﴾:\nالفاء: حرف تفريع، أو هي زائدة. (ما): ظرفية مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بفعل الأمر الآتي، التقدير: فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم. ﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير:\nوإذا حصل منهم ثبات على العهد ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ،﴾ و﴿اِسْتَقامُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(استقيموا) أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] الأعراف، والشرط المقدر ومدخوله معطوف على ما قبله، هذا؛ وجوز اعتبار (ما) اسم شرط جازما. وفي محلها وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب على الظرف الزماني، التقدير: أيّ زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم، والثاني: أنها في محل رفع بالابتداء، وفي الخبر الاختلاف الذي رأيته في الآية رقم [١٣] الأنفال، ويحتاج الكلام إلى تقدير رابط، أي: أيّ زمان استقاموا لكم فيه، هذا؛ والجملة الشرطية في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه رأيته فيه، وتكون الفاء زائدة؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥] وهي مفيدة للتعليل.\n\n<span id=\"aya-1243\"></span>﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿كَيْفَ﴾: فالفعل بعده محذوف؛ إذ الأصل: كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله ورسوله؟! ومثل هذه الآية قول كعب الغنوي في مرثية أخيه مع صاحبيه: [الطويل]","vol":"4","page":108},{"text":"لعمر أبي إنّ البعيد الّذي مضى... وإنّ الّذي يأتي غدا لقريب\nوخبّر تماني أنّما الموت بالقرى... فكيف، وهاتا هضبة وقليب؟\nإذ التقدير: فكيف مات أخي في هذا الموضع، وهو برية، فقد أعاد سبحانه التعجب من أن يكون لهم عهد مع خبث أعمالهم. ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾: معناه وإن يغلبوكم ويتمكنوا من قتلكم لا يراعوا فيكم إلاّ ولا ذمة، هذا؛ والإلّ: القرابة، أو الرحم، وقال قتادة: هو الحلف، وبمعنى القرابة، قال حسان ﵁: [الوافر]\nلعمرك إنّ إلّك من قريش... كإلّ السّقب من رأل النّعام\nالإلّ: القرابة، والسقب: حوار الناقة، والرأل: ولد النعام، يريد: أنه لا قرابة بينك وبينهم، كما أنه لا قرابة بين السقب وولد النعام. ﴿ذِمَّةً﴾: عهدا أو حقا، هذا؛ وقيل: الإلّ:\nالإله، ومنه قول أبي بكر ﵁ لما سمع كلام مسيلمة الكذاب: إن هذا الكلام لم يخرج من إلّ، أي: من الله، وعلى هذا القول يكون معنى الآية: لا يرقبون الله فيكم، ولا يحفظونه، ولا يراعونه، وفي القاموس: الإل بالكسر العهد، والحلف، وموضع، والجؤار، والقرابة والمعدن، والحقد، والعداوة، والربوبية، واسم الله تعالى، والرضا، والأمان، والجزع عند المصيبة. انتهى. فظهر لك: أنه يستعمل في الأضداد. ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أي: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وذلك بوعد الإيمان والطاعة، والوفاء بالعهد، وهم يبطنون الكفر والمعاداة بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليكم، هذا؛ و(تأبى) من الإباء، وهو الامتناع، أو أشده، وإباء الله: قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون، كما في الآية رقم [٣٣] الآتية، هذا؛ ويكون متعديا إذا كان بمعنى كره، ولازما إن كان بمعنى امتنع، وهذا الفعل يتضمن النفي والإيجاب؛ لأنه بمعنى لا يقبل إلا... إلخ، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾: مارقون خارجون عن طاعة الله متمردون، لا عقيدة تردعهم، ولا مروءة تزجرهم، وانظر الآية رقم [٤٥] (الأعراف). وكل كافر فاسق.\nالإعراب: ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الحال عامله وصاحبه محذوفان. انظر الشرح. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: واو الحال، (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿يَظْهَرُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْقُبُوا﴾: جواب الشرط مجزوم، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِيكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاًّ﴾: مفعول به.\n ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿ذِمَّةً﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا يَرْقُبُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا","vol":"4","page":109},{"text":"الفجائية، و(إن) ومدخولها في محل نصب حال من الضمير الموجود في الجملة المحذوفة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يُرْضُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَأْبى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1244\"></span>﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿اِشْتَرَوْا﴾: استبدلوا، والاشتراء: استبدال عين مرئية بعوض معلوم، فقد استعاره لإعراض الكفار عن الإيمان، ورضاهم بالكفر. ﴿بِآياتِ اللهِ﴾: المراد بها: القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ، وانظر الآية رقم [٩] (الأعراف). ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: عوضا يسيرا، وهو اتباع الأهواء والشهوات، وقيل: نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ بسبب أكلة أطعمهم إياها أبو سفيان، وطلب منهم ذلك فأجابوه، هذا؛ والدنيا كلها ثمن قليل بجانب الآخرة.\n ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: منعوا الناس من الدخول في دين الإسلام، وانظر ﴿يَصُدُّونَ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأعراف). ﴿ساءَ﴾: يجوز فيه أن يكون على بابه من التصرف والتعدي، ومفعوله محذوف، أي: ساءهم الذي كانوا يعملونه، أو عملهم، وأن يكون جاريا مجرى بئس، فيحول إلى فعل بالضم، ويمتنع تصرفه، ويصير للذم، ويكون المخصوص بالذم، محذوفا كما تقرر غير مرة. انتهى جمل نقلا عن السمين. وانظر مثل إعلال ﴿اِشْتَرَوْا﴾ في الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿اِشْتَرَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و﴿بِآياتِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿ثَمَنًا﴾: مفعول به. ﴿قَلِيلًا﴾: صفته، وجملة: ﴿اِشْتَرَوْا..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿ساءَ﴾: فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر فيه وجوبا فسره التمييز، وهو ﴿ما﴾ فإنها نكرة موصوفة بمعنى شيئا مبنية على السكون في محل نصب، والجملة بعدها صفتها، والرابط محذوف، التقدير: ساء الشيء شيئا كانوا يعملونه، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير:","vol":"4","page":110},{"text":"المذموم عملهم، وهذا الإعراب على اعتبار الفعل جامدا، وأما على اعتباره متصرفا، فمفعوله محذوف، التقدير: ساءهم، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ساءهم الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم عملهم. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿ساءَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1245\"></span>﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾\nالشرح: المعنى إن هؤلاء المشركين لا يراعون في مؤمن عهدا، ولا ذمة، ولا قرابة، فمن قدروا عليه قتلوه، وأولئك هم المتجاوزون حدود الله بنقض العهود، والكفر، وتحليل ما حرم الله ورسوله، وليس في الكلام تكرير لأن الأول يشمل المشركين والكافرين، والثاني يخص اليهود الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، حيث باعوا حجج الله وبيانه بطلب الرئاسة، وجمع حطام الدنيا الفاني.\nالإعراب: ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْقُبُونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾: متعلقان به. ﴿إِلاًّ﴾: مفعول به. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿ذِمَّةً﴾:\nمعطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، والاستئناف ممكن. الواو: واو الحال. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل لا محل له.\n ﴿الْمُعْتَدُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا، و﴿الْمُعْتَدُونَ﴾: خبره، فتكون الجملة الاسمية خبر (أولئك)، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية فهي في محل نصب حال مثلها، وإن اعتبرتها حالا ثانية من واو الجماعة في الآية السابقة؛ فلست مفندا، والاستئناف ممكن. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-1246\"></span>﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ أي: عن الكفر، وآمنوا بالله ورسوله. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾: انظر الآية رقم [٦]. ﴿الدِّينِ﴾: انظر الآية رقم [١٦٢] من سورة (الأنعام). ﴿وَنُفَصِّلُ﴾","vol":"4","page":111},{"text":"الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي: نبين حجج أدلتنا، ونوضح بيان آياتنا لمن يعلم ذلك، ويفهمه، والعلم هنا بمعنى المعرفة، انظر الآية رقم [٦١] الأنفال. هذا؛ وخصّ الله الذين يعلمون بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بالبيان والتوضيح، وانظر (نا) في الآية رقم [٧] (الأعراف).\nتنبيه: قال ابن عباس﵄-: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة، وقال ابن مسعود ﵁: أمرتم بالصلاة، والزكاة، فمن لم يزك؛ فلا صلاة له، وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق الله بينهما، وأبى أن يقبل الصلاة، إلا بالزكاة، وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه، يعني بذلك ما ذكره أبو بكر ﵁ في حق من منع الزكاة، وهو قوله:\n «والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما» يعني: الصلاة والزكاة. انتهى. خازن.\nومن القرطبي: وفي حديث أن النبي ﷺ، قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله ولا أطيع الرّسول، والله يقول ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ ومن فرق بين شكر الله وشكر والديه، والله ﷿ يقول ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾. انتهى. وانظر جزاء مانعي الزكاة في الآية رقم [٣٥] و[٣٦] الآتيتين، وانظر شرح الصلاة والزكاة في رقم [٥].\nالإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. إن: حرف شرط جازم. ﴿تابُوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿فَإِخْوانُكُمْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إخوانكم): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهم إخوانكم، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَنُفَصِّلُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:\n «نحن»، ﴿الْآياتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل مضارع وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿لِقَوْمٍ،﴾ وجملة: ﴿وَنُفَصِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1247\"></span>﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أي: إن نقض الكفار ما بايعوا عليه من الأيمان، والوفاء بالعهود، فالنكث: النقض، وهو في الأصل في كل ما فتل، ثم حل، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا﴾ لذا فقد استعير النقض للأيمان","vol":"4","page":112},{"text":"والعهود استعارة، وانظر الآية رقم [١٠٢] الأعراف. ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾: عابوا دينكم بصريح التكذيب، وتقبيح الأحكام، أو قدحوا في أصوله وقواعده، هذا؛ ومضارع طعن: يطعن، بضم عين المضارع في كل ما هو حسي كيطعن في الرمح ونحوه، وأما المعنوي كيطعن في النسب أو في الدين فهو بفتح العين، وأجاز الفراء فتح العين فيه في جميع تصرفاته ومعانيه لمكان حرف الحلق، أي: فهو من الباب الثالث لوجود حرف الحلق فيه، وهو العين. هذا؛ والطعن المعنوي استعارة من الحسي كما هو ظاهر، ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أي: فقاتلوهم، فوضع الاسم الظاهر مكان الضمير للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرئاسة، والتقدم في الكفر أحقاء بالقتل.\nوما نقله الخازن عن ابن عباس﵄من أن الآية نزلت في زعماء قريش يبعده أن نزولها في السنة التاسعة، وكانت شوكة قريش في تلك السنة قد قضي عليها، فلم يبق منهم إلا مسلم أو مسالم بعد فتح مكة، فعلى هذا يكون كل من نقض العهد، وتبعه غيره في ذلك يكون من أئمة الكفر. ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ أي: لا عهود لهم بمعنى: لا وفاء لهم بالعهود والمواثيق، وقرئ بكسر الهمزة بمعنى: لا دين لهم ولا تصديق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين، والمراد به: الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، واليمين أيضا اليد اليمنى، وتجمع أيضا على أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: عن كفرهم ومعاداتهم للإسلام وأهله، والمعنى: ليكن غرضكم، وغايتكم من قتالهم انتهاءهم عما هم عليه؛ لا مجرد إيذائهم، كما هو شأن المؤذين، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٥٨] الأنفال. هذا؛ وأئمة جمع: إمام، وهو من يقتدى به في فعل الخير، وقد يكون قدوة في الشر، فهنيئا للأول، وويل للثاني، والمراد به هنا: زعماء الكفار ورؤساؤهم، وأصله أأممة مثل: خباء وأخبية، فنقلت حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة، وأدغمت في الميم الأخرى، فمن حقق الهمزتين أخرجهما على الأصل، ومن قلب الثانية ياء فلكسرتها المنقولة إليها، ولا يجوز هنا أن تجعل بين بين، كما جعلت همزة أإذا؛ لأن الكسرة هنا منقولة، وهناك أصلية، ولو خففت الهمزة الثانية هنا على القياس، لكانت ألفا؛ لانفتاح ما قبلها، ولكن ترك ذلك لتتحرك حركة الميم في الأصل، وفيها ثلاث قراءات مشهورة.\nتنبيه: استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين؛ إذ هو كافر، والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله، واستقامة فروعه، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ عليه القتل. انتهى. قرطبي. أقول: سواء أكان من المسلمين أم من الكافرين يقتل، واختلفوا إذا سبه، ثم أسلم تقية من القتل، فقيل: يسقط بإسلامه قتله؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب، قال الله ﷿ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ وقيل: لا يسقط الإسلام قتله.","vol":"4","page":113},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَيْمانَهُمْ﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و﴿عَهْدِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَقاتِلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَئِمَّةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْكُفْرِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿فَقاتِلُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَيْمانَهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا﴾:\nنافية للجنس. ﴿أَيْمانَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح... إلخ، وانظر إعراب: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال) لبقية الإعراب، والجملة الاسمية: ﴿لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿أَيْمانَهُمْ..﴾. إلخ تعليل للأمر بالقتال. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٦] الأنفال، وهي تعليل أيضا للقتل.\n\n<span id=\"aya-1248\"></span>﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾: فيه توبيخ، وفيه حض على قتال المشركين الذين نقضوا العهود التي أبرموها مع الرسول ﷺ في الحديبية على أن لا يعاونوا عليهم، فعاونوا حلفاءهم بني بكر على حلفاء الرسول بني خزاعة. ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ﴾ أي: من مكة، وذلك كان يوم تآمروا في دار الندوة، كما رأيت في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال)، و﴿وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: وذلك كان يوم بدر؛ لأن النبي ﷺ خرج للعير، ولما أحرزوا عيرهم كان يمكنهم الانصراف والرجوع إلى مكة، فأبوا إلا الوصول إلى بدر، وشرب الخمر فيها، كما رأيت في الآية رقم [٤٨] الأنفال، ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي: أتخافونهم، فتتركوا قتالهم. ﴿فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ أي: أحق بالخوف منه، وفي آية (المائدة): ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ هذا؛ والخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، هذا؛ والماضي:\nخشي، والمصدر خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذاك، أي:\nأشد خوفا، هذا؛ وقد يأتي الفعل (خشي) بمعنى (علم) القلبية، قال الشاعر: [الكامل]\nولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد\nقالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ قال الأخفش:\nمعناه: كرهنا: بعد ما تقدم انظر: ﴿قَوْمًا﴾ في الآية رقم [٣٢] (الأعراف). و﴿نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾","vol":"4","page":114},{"text":"في الآية السابقة. ﴿أَوَّلَ﴾: انظر الآية رقم [١٤٢] (الأعراف)، وانظر إعلال: ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية رقم [٢٥] الأعراف. فإعلال ﴿تَخْشَوْهُ﴾ مثله. ﴿كُنْتُمْ﴾: انظر إعلال ﴿قُلْنا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف فهو مثله، ومعنى ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين بوعد الله ووعيده، وانظر الإيمان في الآية رقم [٢] من سورة (الأعراف). هذا؛ و﴿وَهَمُّوا﴾ قصدوا وأرادوا، والهم: العزم على الشيء وقصده.\nهذا؛ والهم أيضا: الحزن، ومثله الغم، ويفرق بينهما بأن الأول الحزن لأجل تحصيل شيء في المستقبل، والثاني لأجل فوات شيء، وفقدانه في الماضي، وبأن الأول: يطرد النوم، ويسبب الأرق، والثاني: يجلب النوم، ويسبب الهدوء والسكون، والهموم والأحزان، إذا تفاقمت على الإنسان؛ أسرع فيه الشيب، وهزل جسمه، روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «الهمّ نصف الهرم». وقال أبو الطيب المتنبي: [البسيط]\nوالهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصّبيّ، فيهرم\nتنبيه: هذا؛ وقيل: إن المراد بالذين نكثوا العهد اليهود، وهذا دأبهم، فقد نقضوا عهد الرسول ﷺ مرارا كما هو معلوم ومشهور، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ﴾ من المدينة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ الآية رقم [٧٦] من سورة (الإسراء)، ﴿وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالمعاداة، أو المقاتلة؛ لأن النبي ﷺ بدأهم بالدعوة، وإلزام الحجة بالكتاب، والتحدي به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة، فما يمنعكم أيها المسلمون أن تعارضوهم وتصادموهم؟ وانظر ما ذكرته في الآية السابقة، وإذا علمت: أن السورة نزلت في السنة التاسعة، بعد ما نقض اليهود العهد قبيلة قبيلة ثبت لك هذا. كما يمكن أن يراد بالآيتين قبائل العرب التي بقيت على كفرها بعد فتح مكة، وقيل: المراد الفرس والروم، وهذا ضعيف، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلا﴾: حرف تحضيض، متضمن معنى التوبيخ. ﴿تُقاتِلُونَ﴾: فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به، وجملة: ﴿نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾ في محل نصب صفة: ﴿قَوْمًا،﴾ وجملة: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، و(إخراج) مضاف، و﴿الرَّسُولِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَدَؤُكُمْ﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والكاف مفعول به، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف) ﴿أَوَّلَ﴾: ظرف زمان، وهو مضاف، و﴿مَرَّةٍ﴾: مضاف إليه، وجملة:\n ﴿بَدَؤُكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها. ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (تخشونهم): مضارع وفاعله","vol":"4","page":115},{"text":"ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاللهُ﴾: الفاء: حرف استئناف. (الله): مبتدأ.\n ﴿أَحَقُّ﴾: خبره. ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو:\nفاعله، والهاء: مفعوله، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ب (خشيتكم)، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَحَقُّ﴾ هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول في محل رفع بدل اشتمال من المبتدأ، كما جوز اعتباره مبتدأ ثانيا مؤخرا، و﴿أَحَقُّ﴾ خبره مقدما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. والجملة الاسمية: ﴿فَاللهُ أَحَقُّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف؛ لأنه سبقه ما هو جواب في المعنى. إذ التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فاخشوا الله وحده.\n\n<span id=\"aya-1249\"></span>﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾: أمر للمؤمنين بالقتال، بعد بيان موجبه، والتوبيخ على تركه، والوعيد عليه. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ أي: بالقتل والأسر. فهو وعد من العزيز الحكيم بأن ينصر المؤمنين، ويمكنهم من رقاب المشركين. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾: ويذلهم بما تقدم، وينزل بهم الذل والهوان، ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾: يعني بني خزاعة، وقيل: بطونا من اليمن وسبأ، قدموا مكة، فأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديدا، فشكوا إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: أبشروا فإن الفرج قريب. انتهى. بيضاوي.\nهذا؛ وقال الخازن: ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه، ثم مكنه الله منه، فإنه يفرح بذلك، ويعظم سروره، ويصير ذلك سببا لقوة اليقين، وثبات العزيمة. انتهى. أقول: ﴿وَيَشْفِ﴾ استعارة تصريحية؛ لأن الشفاء في الحقيقة إنما هو للأجسام، واستعماله لشفاء القلوب من غيظها استعارة. ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾: انظر الآية رقم [١٠٨] (الأعراف).\nالإعراب: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾: فعل أمر مبني على حذف النون؛ والواو فاعله، والهاء مفعوله، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] الأعراف. ﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تقاتلوهم يعذبهم، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وجملة: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.","vol":"4","page":116},{"text":"﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾: معطوف على جواب الطلب مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وأيضا جملة:\n ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ..﴾. إلخ معطوفتان عليها لا محل لهما مثلها، والإعراب ظاهر إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1250\"></span>﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب بني خزاعة بما نالوه من بني بكر بمساعدة قريش. ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ أي: يهدي الله من يشاء إلى الإسلام فيوفقه للتوبة من الشرك، كما فعل بأبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر، فأسلموا يوم فتح مكة. ﴿عَلِيمٌ﴾: بما كان وما سيكون، ويعلم من سبقت له العناية الأزلية بالسعادة الأبدية، فيوفقه لعملها. ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يفعل إلا ما فيه حكمة، أو على وفقها. ﴿يَشاءُ﴾: انظر الآية رقم [٨٩] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ هذه الجملة معطوفة على جملة جواب الطلب لا محل لها مثلها، وهي مثلها في الإعراب. ﴿وَيَتُوبُ﴾: الواو: حرف استئناف. ﴿وَيَتُوبُ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقرئ بنصب يتوب على إضمار (أن) بعد واو المعية؛ وعليه تؤول مع الفعل بمصدر معطوف بواو المعية على مصدر متصيد من الأفعال السابقة، ويكون تقدير الكلام: إن تقاتلوا المشركين؛ يكن لهم تعذيب بأيديكم، وخزي لهم، ونصر لكم عليهم، وشفاء لصدور قوم مؤمنين، وتوبة لمن يشاء الله له الخير والسعادة. ﴿عَلى مَنْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿مَنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: يشاؤه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها، والحالية ضعيفة هنا.\n<span id=\"aya-1251\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿حَسِبْتُمْ﴾ ظننتم: خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال، وقيل: هو للمنافقين، وانظر (حسب) في الآية رقم [٥٩] من سورة (الأنفال). ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ أي: من غير أن تبتلوا وتختبروا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب.","vol":"4","page":117},{"text":"﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: قال البيضاوي: نفى العلم، وأراد نفي المعلوم للمبالغة، فإنه كالبرهان عليه، من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه، وقال الخازن نقلا عن الفخر الرازي: أراد بالعلم المعلوم؛ لأن وجود الشيء يلزمه معلوم الوجود عند الله، لا جرم جعل علم الله بوجوده كفاية عن وجود. انتهى، ومثله الآية [١٦٦] و[١٦٧] من سورة (آل عمران).\n ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: معطوف على ما قبله، وهو داخل في حكمه، وما قيل فيه.\n ﴿وَلِيجَةً﴾: قال الفراء: هي البطانة من المشركين يتخذونهم، يفشون إليهم أسرارهم، وقال قتادة: وليجة، يعني: خيانة، وقال الضحاك: خديعة، وقال عطاء: أولياء، المعنى: لا تتخذوا المشركين أولياء من دون الله ورسوله والمؤمنين، وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه، فهو وليجة، والرجل يكون في القوم، وليس منهم فهو وليجة من: الولوج. انتهى. خازن، وما أحراك أن تنظر ﴿بِطانَةً﴾ في الآية رقم [١١٨] من آل عمران وسبب نزول تلك الآية فإنه جيد. ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم. هذا؛ وبطانة، ووليجة تكونان للمفرد وغيره من مذكر ومؤنث. ﴿دُونِ﴾: انظر الآية رقم [٣] من سورة (الأعراف). و﴿اللهُ﴾ و﴿رَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [١] من سورة (الأنفال).\nالإعراب: ﴿أَمْ﴾: حرف عطف، وهي بمعنى (بل) التي للإضراب. ﴿حَسِبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] الأعراف. والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ في محل نصب سد مسد مفعولي حسب، والواو: نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: أن تتركوا بدون تكليفكم بالقتال الذي كرهتموه. ﴿وَلَمّا﴾:\nالواو: واو الحال. (لما): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَعْلَمِ﴾: مضارع مجزوم ب (لما)، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، واكتفى ﴿يَعْلَمِ﴾ به لأنه بمعنى يعرف، وجملة: ﴿جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير المجرور محلا بمن، وجملة: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ فتكون من جملة الصلة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني إن كان متعديا لمفعولين، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿وَلِيجَةً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» إن كان الفعل متعديا لمفعول واحد، و﴿دُونِ﴾: مضاف، و﴿اللهُ﴾: مضاف إليه. ﴿وَلا﴾: زائدة لتأكيد النفي. ﴿رَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا﴾: زائدة لتأكيد النفي. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوف على ما قبله مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه","vol":"4","page":118},{"text":"جمع مذكر سالم... إلخ. ﴿وَلِيجَةً﴾: مفعول به. ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿خَبِيرٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، هذا؛ وتحتمل (ما) المصدرية، فتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1252\"></span>﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿ما كانَ﴾: ما صح ولا استقام. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: هم عبدة الأوثان. ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾: أن يبنوا المساجد، ويشيدوها، ويقوموا بمصالحها، أو بما يلزم لها من ترميم ونحوه، والمراد جميع المساجد في جميع بقاع الأرض، أو المراد المسجد الحرام، وجمع لأنه قبلة جميع المساجد، وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويؤيده قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ويعقوب: «(المسجد)» بالإفراد. ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾: وذلك بإظهار الشرك بعبادة الحجارة، وتكذيب الرسول ﷺ، والطواف بالكعبة عراة، وغير ذلك. ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾: ذهب ثوابها ضياعا، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾. ﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾: مقيمون لا يبرحون منها أبدا، وانظر الآية رقم [٥٥] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وانظر ﴿مَسْجِدٍ﴾ في الآية رقم [٢٩] (الأعراف)، ويقرأ ﴿يَعْمُرُوا﴾ من الثلاثي ومن الرباعي. ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾: انظر الآية رقم [٩] (الأعراف). ﴿بِالْكُفْرِ﴾: انظر الآية رقم [٦٦] (الأعراف). ﴿النّارِ﴾: انظر الآية رقم [١٢] منها أيضا.\nتنبيه: روي: أن جماعة من رؤساء كفار قريش أسروا يوم بدر، ومنهم العباس عم رسول الله ﷺ، فأقبل عليهم نفر من الصحابة يعيرونهم بالشرك، وجعل علي ﵁ يوبخ عمه العباس بسبب قتال رسول الله ﷺ وقطيعة الرحم، فقال العباس﵁ما لكم تذكرون مساوينا، وتكتمون محاسننا؟ فقيل له: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم أفضل منكم، نحن نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت الآية الكريمة وما بعدها، فقد أوجب الله على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله وحده، فمن كان كافرا بالله، فليس له أن يعمر مساجد الله.\nالإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَعْمُرُوا﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر.","vol":"4","page":119},{"text":"﴿مَساجِدَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿شاهِدِينَ﴾: حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلقان ب ﴿شاهِدِينَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِالْكُفْرِ﴾: متعلقان ب ﴿شاهِدِينَ﴾ أيضا. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حَبِطَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْمالُهُمْ،﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَفِي النّارِ﴾: متعلقان ب ﴿خالِدُونَ﴾ بعدهما.\n ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾: مبتدأ. ﴿خالِدُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1253\"></span>﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: بعد أن بين الله سبحانه في الآية السابقة: أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين في هذه الآية من هو المستحق لعمارة المساجد، وهم الجامعون للكمالات العلمية والعملية، ويدخل في عمارتها تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر فيها، ودراسة العلم، وصيانتها عما لم تبن له، كالبيع والشراء، وحديث الدنيا، وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان ثواب عمارها، وزوارها.\nفعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من بنى لله مسجدا صغيرا، كان أو كبيرا بنى الله له بيتا في الجنة». أخرجه الترمذي، وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم الرّجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، فإنّ الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..﴾. إلخ». أخرجه الترمذي. ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾: انظر الآية رقم [٥]. ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ أي: في أبواب الدين، فإن الخشية عن المحاذير جبلية، لا يكاد العاقل يتمالك عنها. انتهى. بيضاوي.\nوقال القرطبي: إن قيل: ما من مؤمن إلا وقد خشي غير الله، وما زال المؤمنون، والأنبياء يخشون الأعداء، قيل له: المعنى ولم يخش إلا الله مما يعبد، فإن المشركين كانوا يعبدون الأوثان، ويخشونها، ويرجونها، وانظر (خشي) في الآية رقم [١٤]. ﴿فَعَسى أُولئِكَ﴾: فعسى من الله لا تفيد الترجي، وإنما هي للوجوب، وانظر (الترجي) في الآية رقم [٥٨] من سورة (الأنفال). ﴿أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي: الموفقين لما يحبه الله ويرضاه، هذا؛ واليوم الآخر، هو آخر أيام الدنيا، فيه الحشر، والنشر والحساب، إلى دخول أهل الجنة الجنة، وإلى دخول أهل النار النار، هذا؛ ولم يذكر الإيمان بالرسول؛ لأن تلك الأعمال لا تقبل، إلا ممن آمن به وصدقه.","vol":"4","page":120},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿يَعْمُرُ﴾: مضارع. ﴿مَساجِدَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ معطوفتان على ما قبلهما على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلَمْ﴾: الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَخْشَ﴾:\nمضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿اللهِ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿وَلَمْ يَخْشَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿آمَنَ،﴾ وما عطف عليه، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَعَسى﴾:\nالفاء: حرف استئناف. (عسى): ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.\n ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم (عسى)، والكاف حرف خطاب.\n ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿يَكُونُوا﴾: مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونُوا،﴾ و﴿أَنْ يَكُونُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر: (عسى)، وجملة: ﴿فَعَسى أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1254\"></span>﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ﴾: في الكلام محذوف، التقدير: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج مثل من آمن بالله، وجاهد في سبيله؟! أو التقدير: أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل من آمن؟! وإنما وجب تقدير المحذوف؛ لأن المصادر لا تشبه بالجثث، أي: الأشخاص؛ لأن السقاية مصدر كالسعاية، والحماية، فجعل الاسم بموضع المصدر؛ إذ علم معناه، مثل: إنما السخاء حاتم، وإنما الشعر زهير، وقرئ «(سقاة)» و«(عمرة)» جمع ساق، وعامر، وأصل سقاة:\n (سقية) تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وانظر شرح ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ في الآية رقم [٨]. ﴿آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٢] الأنفال. ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله، وجاهدوا في سبيله بحال من سقى الحاج وعمّر المسجد الحرام، وهو مقيم على شركه وكفره؛ لأن الله لا يقبل عملا صالحا إلا مع الإيمان به. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفق الذين ظلموا بأنفسهم بالكفر والمعاصي، وظلموا غيرهم بالاعتداء على حقوقهم، وحرماتهم، وسبق في علم الله الأزلي: أنهم من أهل النار، ولو تركوا وشأنهم، لما اختاروا غير ذلك. ﴿الظّالِمِينَ﴾:","vol":"4","page":121},{"text":"انظر الآية رقم [١٤٦] (الأنعام). بعد هذا انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] بشأن نزول هذه الآيات.\nالإعراب: ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (جعلتم): فعل وفاعل. ﴿سِقايَةَ﴾:\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿الْحاجِّ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: سقايتكم الحاج. ﴿وَعِمارَةَ﴾: معطوف على ﴿سِقايَةَ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْمَسْجِدِ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله... إلخ وفاعله محذوف. ﴿الْحَرامِ﴾:\nصفة: ﴿الْمَسْجِدِ﴾ على اللفظ. ﴿كَمَنْ﴾: الكاف: اسم بمعنى مثل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به ثان ل (جعل)، والكاف: مضاف، و(من) مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ صفة (من)، أو صلتها، والعائد، أو الرابط: رجوع فاعل (آمن) عليها. وجملة: ﴿وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها حالا من المفعول الأول، والأول أقوى. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿لا﴾: نافية.\n ﴿يَهْدِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ﴾: صفة ﴿الْقَوْمَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقيل: هي تعليل لنفي المساواة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1255\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾: ما أحراك أن تنظر شرح هذه الكلمات بالتفصيل في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال). ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾: إن الموصوفين بالصفات المذكورة أرفع درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، وإنما لمن يذكر القسم المرجوح لبيان فضل القسم الراجح على من سواهم، والمراد بالدرجة:\nالمنزلة والرفعة عند الله، هذا؛ وقد قال القرطبي: وليس للكافرين درجة عند الله، حتى يقال:\nالمؤمن أعظم درجة، والمراد أنهم قدروا لأنفسهم الدرجة بالعمارة والسقي، فخاطبهم على ما قدروه في أنفسهم، وإن كان التقدير خطأ. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾: أي: بالثواب العظيم، ونيل الحسنى عند الله دون الكافرين.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة","vol":"4","page":122},{"text":"الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ معطوفتان على جملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ لا محل لهما مثلها. ﴿أَعْظَمُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿دَرَجَةً﴾: تمييز. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿أَعْظَمُ،﴾ أو هو متعلق بمحذوف صفة: ﴿دَرَجَةً،﴾ و﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١] والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1256\"></span>﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ أي: يبشر الذين آمنوا... إلخ، وانظر الآية رقم [٤]. ﴿رَبُّهُمْ﴾:\nانظر الآية رقم [٣] من سورة (الأعراف). ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ﴾: وهذا من أعظم البشارات؛ لأن الرحمة والرضوان من الله ﷿ على العبد نهاية مقصوده. ﴿وَجَنّاتٍ﴾: جمع جنة، وانظر الآية رقم [٤٠] (الأعراف). ﴿لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: دائم لا ينقطع، والنعيم: لين العيش، ورغده، ومقيم أصله: مؤقوم، انظر إعلاله في الآية رقم [٣] الأنفال والآية رقم [٦٩]، هذا؛ ويقرأ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ بالتشديد والتخفيف.\nقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-لما وصف الله المؤمنين بثلاث صفات. الإيمان والهجرة، والجهاد بالنفس والمال، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث، بدأ: بالرحمة في مقابلة الإيمان؛ لتوقفها عليه، وثنى: بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان، في مقابلة الجهاد بالنفس والمال، ثم ثلث: بالجنات في مقابلة الهجرة وترك الأوطان، إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها؛ بدلهم دارا عظيمة دائمة، وهي الجنات. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: مضارع، والهاء مفعوله. ﴿رَبُّهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بمحذوف صفة رحمة، أو هما متعلقان بها. ﴿وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ﴾: معطوفان على (رحمة). ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿فِيها﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان ب ﴿مُقِيمٌ﴾ بعدهما. ﴿نَعِيمٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مُقِيمٌ﴾: صفة ﴿نَعِيمٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ فِيها..﴾. إلخ في محل جر صفة (جنّات)، وجملة: ﴿يُبَشِّرُهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-1257\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿خالِدِينَ﴾: مقيمين لا يبرحون منها. ﴿فِيها﴾: في الجنات. ﴿أَبَدًا﴾: الأبد:\nهو الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر","vol":"4","page":123},{"text":"العمر، هذا؛ وقيد سبحانه الخلود بالأبد حتى لا يفهم منه المكث الطويل. ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لمن آمن به وبرسوله، وعمل بطاعته وجاهد في سبيله.\nالإعراب: ﴿خالِدِينَ﴾: حال من الضمير المجرور باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان متعلق به أيضا. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية:\n ﴿عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1258\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: ظاهر هذه الآية: أنها خطاب لجميع المؤمنين كافة، وهي باقية إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، وروت فرقة: أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة، ورفض بلاد الكفرة، فالمخاطبة على هذا إنما هي للمؤمنين الذين كانوا بمكة وغيرها من بلاد العرب. انتهى. قرطبي.\nأقول: خصوص السبب لا يمنع التعميم أبدا، وأحكام القرآن أغلبها نزل في سبب، وهي باقية إلى يوم القيامة بلا ريب وبلا شك. ولم يذكر الأبناء في هذه الآية؛ لأنهم تبع للآباء في الأغلب. ﴿أَوْلِياءَ﴾ أي: بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم، وتؤثرون المقام معهم على الهجرة، وانظر الآية [٣] (الأعراف). ﴿اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ﴾: أحبوا واختاروا الكفر على الإيمان، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف). و﴿الْإِيمانِ﴾ في الآية رقم [١] منها. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾: يعني: ومن يختار المقام معهم على الهجرة والجهاد، فقد ظلم نفسه بمخالفة أمر الله، واختيار الكفار على المؤمنين، وقال ابن عباس: هو مشرك مثلهم؛ لأن من رضي بالشرك فهو مشرك، هذا؛ والرضا بالمعصية معصية أيضا، ولا تنس مراعاة لفظ (من) في الفاعل، ومعناها في الإشارة.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في المهاجرين، فإنهم لما أمروا بالهجرة، قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا، وإخواننا، وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وبقينا ضائعين.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض","vol":"4","page":124},{"text":"عن المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من أي، وانظر الآية رقم [١٥٨] (الأعراف) ففيها بحث جيد، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَتَّخِذُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آباءَكُمْ﴾:\nمفعول به أول. ﴿وَإِخْوانَكُمْ﴾: معطوف على ما قبله، والكاف: في محل جر بالإضافة، والميم:\nعلامة جمع الذكور. ﴿أَوْلِياءَ﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿لا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنِ﴾: حرف شرط جازم. ﴿اِسْتَحَبُّوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْكُفْرَ﴾: مفعول به. ﴿عَلَى الْإِيمانِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْكُفْرَ،﴾ التقدير:\nمفضلا على الإيمان، وجملة: ﴿اِسْتَحَبُّوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. التقدير: إن استحبوا\nفلا تتخذوهم.. إلخ. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّهُمْ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والهاء مفعوله، ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿فَأُولئِكَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١] والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1259\"></span>﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اِقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا ما تقدم. ﴿إِنْ كانَ آباؤُكُمْ..﴾. إلخ:\n ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: أحب إليكم من الهجرة إلى الله ورسوله، أي:\nلأجلهما. ﴿وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ أي: من أجل إعلاء دينه، وإعزاز نبيه، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: فانتظروا وترقبوا، فهو تهديد ووعيد. ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾: بقضائه وقدره، أي: ما أعده للمتخلفين عن الهجرة، والمخالفين لأوامره وأوامر نبيه. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾: انظر الآية رقم [٢٠].","vol":"4","page":125},{"text":"تنبيه: بين الله جلت قدرته: أنه يجب تحمل جميع المضار في الدنيا ليبقى الدين سليما، وأخبر: أنه إن كانت رعاية المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله، فأنتم مهددون بما تستحقون من الانتقام. (آباء وأبناء): أصلها آباو، وأبناو تبعا لأصل مفردهما، فقل في إعلالهما: تحركت الواو وانفتح ما قبلهما فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، ﴿وَأَزْواجُكُمْ﴾: جمع زوج، وانظر الآية رقم [١٩] (الأعراف). ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾:\nوقرئ «عشيراتكم»، و«عشائركم»، أي: بالجمع، هذا؛ والعشيرة: أقرباء الإنسان الذين يعيشون معه، ويعاشرونه.\nومن الجدير بالذكر: أن العشيرة آخر طبقة من الطبقات السبع التي عليها العرب، وهي الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ، والفصيلة والعشيرة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب، واستحدث اسم الأسرة والعائلة لما يشمل الزوج والزوجة وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة، وأخيرا سمع قول العلي القدير: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. ﴿وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾: اكتسبتموها، واقترف الذنب: عمله، وانظر ﴿وَأَمْوالٌ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنفال). ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾: تخافون عدم نفادها وعدم بيعها، ومن الغريب ما نقله القرطبي عن ابن المبارك، أنه قال: هي البنات، والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدن لهن خاطبا، قال الشاعر: [المتقارب]\nكسدن من الفقر في قومهنّ... وقد زادهنّ مقامي كسودا\nأقول: لم يذكر الشاعر التجارة، وإنما ذكر الكساد وحده، وهو لا يتضمن معنى التجارة لا من قريب، ولا من بعيد. ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ أي: تعبتم في بنائها، وتجدون فيها راحتكم، وسروركم. ﴿أَحَبَّ﴾: أفعل تفضيل، أصله: أحبب، فنقلت فتحة الباء الأولى، إلى الحاء بعد سلب سكونها، ثم أدغمت الباء في الباء، وقد يقال فيه: حب، انظر الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك.\n ﴿اللهِ وَرَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [١] الأنفال والآية رقم [١٢] بعد هذا خذ قول الرسول ﷺ:\n «لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتّى يحبّ في الله، ويبغض في الله، حتى يحبّ في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه». انتهى. كشاف. ﴿الْفاسِقِينَ﴾ أي: الذين يخالفون أوامر الله ورسوله، وانظر الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف). ومعنى ﴿لا يَهْدِي﴾ لا يوفق إلى الإيمان، ولا إلى العمل الصالح، وهذا يرجع إلى علمه الأزلي بأنهم لو تركوا وشأنهم لما","vol":"4","page":126},{"text":"اختاروا غير الفسوق والعصيان، والكفر والضلال، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد). وانظر (خشي) في الآية رقم [١٤].\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كانَ﴾:\nماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ﴿آباؤُكُمْ﴾: اسم ﴿كانَ،﴾ وما بعده معطوف عليه، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم: علامة جمع الذكور. ﴿اِقْتَرَفْتُمُوها﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الآية رقم [٥] والجملة الفعلية في محل رفع صفة (أموال)، وجملة: ﴿تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ في محل رفع صفة: (تجارة)، وجملة: ﴿تَرْضَوْنَها﴾ في محل رفع صفة (مساكن). ﴿أَحَبَّ﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾: كلاهما متعلق ب ﴿أَحَبَّ﴾. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَجِهادٍ﴾:\nمعطوف على ما قبله. ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (جهاد)، أو هما متعلقان به لأنه مصدر، وجملة: ﴿فَتَرَبَّصُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَأْتِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿اللهِ﴾: فاعله. ﴿بِأَمْرِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (تربصوا)، وجملة: ﴿كانَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي..﴾. إلخ. انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٠] إفرادا وجملة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1260\"></span>﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾: هذا خطاب للصحابة الكرام، وتذكير لهم بنعم الله عليهم، وانظر مثله في الآية رقم [١٢٣] من سورة (آل عمران). ﴿مَواطِنَ﴾: جمع موطن، وهو اسم مكان، والمراد: غزوات الرسول ﷺ، وسراياه التي حصلت في تلك المواطن. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ أي: وموطن يوم حنين، أو يقدر: في أيام مواطن حنين، وذلك ليتناسب المتعاطفان، وحنين: اسم واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾: انظر العجب في الآية رقم [٦٣] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك. ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لم تنفعكم الكثرة في هذه الحرب نفعا ما. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ﴾","vol":"4","page":127},{"text":"الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي: برحبها: بسعتها، لا تجدون فيها مقرّا تطمئن إليه نفوسكم، من شدة الرعب، خذ قول الشاعر: [الطويل]\nكأنّ بلاد الله، وهي عريضة... على الخائف الطّلوب كفّة حابل\nهذا؛ و(الرحب) بالضم: السعة، وهو بفتح الراء الواسع، والفعل (رحب) من باب ظرف.\n ﴿وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أي: منهزمين أعطيتم ظهوركم لأعدائكم.\nتنبيه: الآية الكريمة، وما بعدها متعلقتان بغزوة حنين، وقد حصلت هذه الحرب مع قبيلة هوازن، وساعدهم بنو ثقيف بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، وتسليم مقاليدها للرسول ﷺ، فإن قبيلة هوازن لما سمعوا بذلك؛ حشدوا جموعهم مع حلفائهم، وظنوا أنهم يقضون على الرسول العظيم، وعلى أصحابه أجمعين لتكون السيطرة لهم على مكة، بعد قريش الذين استسلموا، وكان أميرهم وصاحب رأيهم دريد بن الصمة، فولوا مكانه شابا هو مالك بن عوف النصري، فساق مع الكفار أموالهم ومواشيهم، ونساءهم، وأولادهم، وزعم أن ذلك يحمي به نفوسهم، ويشد عزيمتهم.\nفلما سمع القائد العظيم ﷺ بقدومهم، ندب أصحابه لملاقاتهم قبل هجومهم على مكة، وكانت عدة المسلمين عشرة آلاف، وخرج من أهل مكة معه ألفان، ممن أسلموا، حديثا، وممن بقوا على شركهم بموجب معاهدة مع الرسول ﷺ، ولما خرج الجيش الخضم من مكة، قال رجل من الأنصار، يقال له: سلمة بن سلامة بن رقيش: لن نغلب اليوم من قلة، فساء رسول الله ﷺ كلامه، زلق بعض المفسرين فنسب الكلمة إلى رسول الله، وبعضهم نسبها إلى أبي بكر، وحاشاهما من ذلك.\nوكانت قبيلة هوازن قد كمنت في مضيق يقع بين جبلين، فلما اندفع المسلمون إلى المضيق، رشقهم الكفار بالنبل، فدهش المسلمون، وانجفلوا هاربين، لا يلوون على شيء، وثبت الرسول ﷺ، وهو راكب على بغلته، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، وثبت معه رجال قليلون يدافعون عنه، مثل أبي بكر وعمر وعلي والعباس، وأولاده، وابن أخيه أبو سفيان بن الحارث، الذي كان آخذا بزمام بغلة رسول الله ﷺ، وغيرهم.\nفقال الرسول ﷺ: «يا عباس! ناد أصحاب السمرة». وهي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية، فنادى العباس، وكان رجلا صيتا، ويروى من شدة صوته: أنه أغير يوما على مكة، فنادى: وا صباحاه! فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها، فنادى بأعلى صوته:\nأين أصحاب السمرة؟ قال: فو الله لكأنهم بقر عطفوا على أولادها، فقالوا: يا لبيك! يا لبيك! فاقتتلوا مع الكفار، ثم أخذ رسول الله ﷺ كفا من حصى، فرمى بهن وجوه الكفار، وقال:\n «شاهت الوجوه». ثم قال: «انهزموا ورب محمد». فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك، وانظر","vol":"4","page":128},{"text":"الآية رقم [١٧] من سورة (الأنفال). وقال سعيد بن جبير ﵁: حدثنا رجل من المشركين يوم حنين، قال: لما التقينا مع أصحاب رسول الله ﷺ، لم يقفوا لنا حلبة شاة، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء؛ تلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها-يعني الملائكة-هذا؛ وقد قتل أيمن بن أم أيمن، وكان من الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ حين انهزم المسلمون، وقد قال العباس ﵁ فيما بعد: [الطويل]\nنصرنا رسول الله في الحرب تسعة... وقد فرّ من قد فرّ عنه، وأقشعوا\nوعاشرنا لاقى الحمام بنفسه... بما مسّه في الله لا يتوجّع\nالإعراب: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: هي لام ابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:\nوالله لقد. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نَصَرَكُمُ اللهُ﴾: ماض ومفعوله، وفاعله، والجمل الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في اللام. ﴿فِي مَواطِنَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. ﴿كَثِيرَةٍ﴾: صفة ﴿مَواطِنَ﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: معطوف على الجار والمجرور قبله، التقدير:\nونصركم يوم حنين، وصرف ﴿حُنَيْنٍ﴾ لأنه اسم مذكر، وهي لغة القرآن، ومن العرب من لا يصرفه؛ لأنه يعتبره اسما للبقعة، خذ قول حسان ﵁ في مدح الأنصار. [الكامل]\nنصروا نبيّهم، وشدّوا أزره... بحنين يوم تواكل الأبطال\n ﴿إِذْ﴾: ظرف بدل من (يوم) مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَعْجَبَتْكُمْ﴾: ماض، والتاء: للتأنيث، والكاف: مفعول به. ﴿كَثْرَتُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فَلَمْ﴾: حرف جازم. ﴿تُغْنِ﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والفاعل يعود إلى ﴿كَثْرَتُكُمْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما.\n ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، أو هو نائب مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿بِما﴾: (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: برحبها، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (ضاقت). ﴿ثُمَّ﴾:\nحرف عطف. ﴿وَلَّيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] (الأعراف). ﴿مُدْبِرِينَ﴾: حال مؤكدة للفعل منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا.","vol":"4","page":129},{"text":"<span id=\"aya-1261\"></span>﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأعراف). ﴿سَكِينَتَهُ﴾: رحمته التي سكنوا بها، حتى اجترءوا على قتال المشركين، بعد أن ولوا مدبرين، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾: وهم الملائكة يقوون المؤمنين، ويثبتونهم في القتال، وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (الأنفال)، ويلقون الرعب في قلوب المشركين من حيث لا يرونهم، ومن غير قتال؛ لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر على الراجح. ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالقتل والسبي والأسر، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف). ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ أي: ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنكى، هذا؛ والجزاء المجازاة، والمكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ ومن الثاني ما في الآية الكريمة، فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ، هذا؛ والفعل: (جزى يجزي) ينصب مفعولين، هذا؛ وانظر سكينة بني إسرائيل في الآية رقم [٢٤٧] من سورة (البقرة).\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، عطفت جملة: ﴿أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ على الجمل قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿لَمْ تَرَوْها﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، وها: مفعوله، والفعل بصري اكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل نصب صفة جنودا، وجملة: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿وَذلِكَ﴾: الواو: حرف استئناف. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء.. إلخ، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية (ذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n<span id=\"aya-1262\"></span>﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ..﴾. إلخ: وذلك بالتوفيق للإسلام، كما فعل بمن بقي من هوازن، وانظر (شاء) في الآية رقم [٨٩] (الأعراف) ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾: لمن تاب وأناب.\n ﴿رَحِيمٌ﴾: بعباده لا يعاجلهم العقوبة.","vol":"4","page":130},{"text":"تنبيه: روي: أن ناسا من هوازن، جاءوا إلى رسول الله ﷺ، وأعلنوا إسلامهم، وقالوا:\nيا رسول الله! أنت خير الناس وأبرهم، وقد سبي أولادنا وأهلونا، وأخذت أموالنا-وكان قد سبي يومئذ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى-فقال ﷺ: «اختاروا إما سباياكم، وإما أموالكم». فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فقام رسول الله ﷺ، وقال:\n «إن هؤلاء جاءوا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده سبي، وطابت نفسه أن يرده، فشأنه، ومن لا؛ فليعطنا، وليكن قرضا علينا، حتى نصيب شيئا، فنعطيه مكانه». فقالوا: رضينا، وسلمنا، فقال: «إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم، فليرفعوا إلينا». فرفعوا: أنهم قد رضوا، وأتت النبي ﷺ أخته الشيماء من الرضاعة، وهي بنت حليمة السعدية﵂ التي أرضعته ﷺفأكرمها وأحسن وفادتها».\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، عطفت جملة: ﴿يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ﴾ على ما قبلها من جمل، و﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلى مَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل يتوب، و﴿مِنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، العائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو على شخص يشاؤه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1263\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خصّ الله المؤمنين بهذا النداء، ليتنبهوا للمشركين، ولما وصفهم الله به. ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾: فهذا يعم جميع الكفار من مشركين، ويهود ونصارى، وهذه النجاسة هي نجاسة الباطن، أي: العقيدة، أو لأنه يجب أن يجتنبوا كما يجتنب النجس، أو لأنهم لا يتطهرون، ولا يتجنبون النجاسات، فهم ملابسون لها غالبا، أو لأنهم يجنبون ولا يغتسلون.\nوعن ابن عباس﵄-: أن أعيانهم نجسة كالكلاب، وبه أخذ الشيعة، لذا فإذا شرب كافر، أو أكل في وعائهم، فيكسرونه، فلا يطهر بالغسل، وأما أهل السنة، فقد قالوا بالقول الأول، وحبس ثمامة في المسجد قبل أن يسلم يدحض قول الشيعة، ويؤيد أهل السنة، هذا؛ وقرئ: ﴿نَجَسٌ﴾ بفتح النون والجيم، كما قرئ بكسر النون وسكون الجيم، وهو يوصف به","vol":"4","page":131},{"text":"المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا:\nنهى سبحانه عن اقترابهم المسجد الحرام، وهو أبلغ في النهي من دخولهم فيه.\nهذا؛ ويلحق بالمسجد الحرام جميع أرض الحرم المحيطة بمكة من جميع جهاتها، وقال الإمام مالك: يمنعون من دخول جميع مساجد المسلمين، والمراد ب: ﴿عامِهِمْ﴾ العام التاسع للهجرة الذي حج فيه أبو بكر ﵁، وهو العام الذي وقع فيه الأذان، كما رأيت في الآية رقم [٣] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: العيلة: الفقر، وكان المسلمون يتعاملون مع المشركين بالتجارة، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر، وقالوا: من أين نعيش؟ فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله، وقد حقق ذلك، ففتح عليهم باب الجزية من أهل الذمة، كما أغناهم بالخصب، ولم يلبث العرب أن آمنوا جميعا، ودخلوا في دين الله أفواجا، والتعليق بالمشيئة، إنما هو للتبرك، وقال البيضاوي: قيده بالمشيئة ليقطع الآمال إليه تعالى، ولينبه على أنه المتفضل في ذلك، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: انظر الآية رقم [١٦] وانظر المسجد الحرام في الآية رقم [٨].\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤] ﴿إِنَّمَا﴾:\nكافة ومكفوفة. ﴿الْمُشْرِكُونَ﴾: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر... إلخ.\n ﴿نَجَسٌ﴾: خبر المبتدأ ﴿فَلا﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير:\nوإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فلا.. إلخ. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَقْرَبُوا﴾: مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿الْمَسْجِدَ﴾: مفعول به. ﴿الْحَرامَ﴾: صفة المسجد.\n ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و﴿عامِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء:\nفي محل جر بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿عامِهِمْ﴾ والهاء: حرف تنبيه. ﴿وَإِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿عَيْلَةً﴾: مفعول به، وجملة: ﴿خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف استقبال.\n ﴿يُغْنِيكُمُ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَسَوْفَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿شاءَ﴾: ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى الله، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.","vol":"4","page":132},{"text":"<span id=\"aya-1264\"></span>﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: هذا أمر للنبي ﷺ وأصحابه الغر الميامين بمقاتلة الكفار من أهل الكتاب، وعدم إيمانهم بالله هو أنهم يصفونه بصفات لا تليق به من اتخاذ الولد وغير ذلك، وعدم إيمانهم باليوم الآخر هو اعتقادهم بعثة الأرواح دون الأجسام، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها، ولا يشربون، ولا ينكحون. ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾: كالخمر، والخنزير، ونحوهما، وقيل: معناه: لا يحرمون ما حرّم الله في القرآن، ولا ما حرم رسوله في السنة، وقيل: معناه لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، بل حرفوهما، وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم. ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يعتقدون صحة الإسلام الذي هو دين الحق، الثابت الناسخ لجميع الأديان، ومبطلها. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾: بيان للذين لا يؤمنون، وهم اليهود والنصارى، الذين أعطوا التوراة، والإنجيل. ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ أي: حتى يدفعوا الجزية المقررة عليهم، وسميت جزية للاجتزاء بها في حقن دمائهم، وحفظ أموالهم، وحقوقهم، ومعنى ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن قهر، وغلبة، يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس: أعطى عن يد. ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾: ذليلون حقيرون، وقال الإمام الشافعي ﵁: الصغار هو جريان أحكام المسلمين عليهم، علما بأنها تسقط بالإسلام.\nتنبيه: مفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب، ويؤيده أن عمر ﵁ لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر، وأنه قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». وذلك لأن لهم شبهة كتاب فألحقوا بالكتابيين، وأما سائر الكفرة من الوثنيين؛ فلا تؤخذ منهم بل يقتلون، وعند الإمام مالك: تؤخذ من كل كافر إلا المرتد.\nبعد هذا انظر الشرح ﴿بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في الآية رقم [١٩] و﴿اللهُ وَرَسُولُهُ﴾: في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال) ﴿حَرَّمَ﴾: انظر الآية رقم [١٤٥] الأنعام، ﴿دِينَ الْحَقِّ﴾: انظر ما تقدم، وانظر ﴿دِينًا﴾ في الآية رقم [١٦١] الأنعام و﴿الْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٣٣] (الأعراف) ﴿أُوتُوا﴾: أصله (أوتيوا)، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فصار ﴿أُوتُوا﴾ ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.\n ﴿الْكِتابَ﴾: انظر الآية رقم [٢] من سورة (الأعراف). ﴿يَدٍ﴾: انظر الآية رقم [١٠٧] منها أيضا.\nتنبيه: قال مجاهد نزلت الآية الكريمة حين أمر النبي ﷺ بقتال الروم، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك، وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم، فكانت أول جزية أصابها","vol":"4","page":133},{"text":"أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين، وينبغي أن تعلم أن الكلام على مشركي العرب قد تم عند الآية السابقة، وهي الآيات التي بعث بها النبي ﷺ عليّا ابن عمه ليقرأها على الناس يوم الحج الأكبر كما قد رأيت سابقا.\nالإعراب: ﴿قاتِلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] (الأعراف). ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لا﴾:\nزائدة لتأكيد النفي. ﴿بِالْيَوْمِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و﴿لا﴾: زائدة لتأكيد النفي، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: حرمه الله ورسوله، وجملة: ﴿وَلا يَدِينُونَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿دِينَ﴾: مفعول مطلق، أو هو مفعول به على تفسير (يدينون): يعتقدون، و﴿دِينَ﴾: مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾: مضاف إليه من إضافة الموصوف لصفته.\n ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿أُوتُوا﴾: ماض مبني للمجهول، والواو فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول.\n ﴿الْكِتابَ﴾: مفعول به ثان. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يُعْطُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول الأول محذوف؛ إذ التقدير: حتى يعطوكم. ﴿الْجِزْيَةَ﴾: مفعول به ثان، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (قاتلوا). ﴿عَنْ يَدٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1265\"></span>﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾: وقد اختلف في سبب قولهم هذا، فأكتفي بما قاله الكلبي: إن بختنصر لما غزا بيت المقدس بعد سليمان ﵇، وظهر على بني إسرائيل، وقتل من قرأ التوراة، كان عزيز إذ ذاك صغيرا، فلم يقتله لصغره فلما رجع بنوا إسرائيل إلى بيت المقدس، وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله لهم عزيرا ليجدد لهم ما في التوراة،","vol":"4","page":134},{"text":"ويكون لهم آية بعد ما أماته الله مائة عام، قال: فأتى ملك بإناء فيه ماء فشرب منه، فمثلت له التوراة في صدره، فلما أتاهم، قال: أنا عزير، فكذبوه، وقالوا: إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة، فكتبها لهم من صدره، ثم إن رجلا منهم، قال: إن أبي حدثني، عن جدي: أن التوراة جعلت في خابية، ودفنت في كرم كذا، فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم عزير، فلم يجدوه غادر حرفا، فقالوا: إن الله لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا لأنه ابنه، فعند ذلك، قالت اليهود: عزير ابن الله، وانظر الآية رقم [٢٥٨] (البقرة).\nوأما قول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ فكان السبب فيه: أنهم كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى ﵇، إحدى وثمانين سنة يصلون إلى القبلة، ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له: بولص، قد قتل جماعة من أصحاب عيسى ﵇، ثم قال بولص لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا، والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلنا النار، ودخلوا الجنة، فإني سأحتال، وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا، ثم عمد إلى فرس كان يقاتل عليه، فعرقبه، وأظهر الندامة والتوبة، ووضع التراب على رأسه، ثم أتى إلى النصارى، فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عدوكم بولص، فقد نوديت من السماء: أنه ليس لك توبة حتى تتنصر، وقد تبت وأتيتكم، فأدخلوه الكنيسة ونصروه، وأدخلوه بيتا منها، لم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج، وقال: قد نوديت: أن الله قبل توبتك، فصدقوه، وأحبوه، وعلا شأنه فيهم، ثم إنه عمد إلى ثلاثة رجال: اسم الواحد: نسطور، والآخر: يعقوب، والثالث:\nملكان، فعلم نسطور: أن عيسى ومريم والإله ثلاثة، وعلم يعقوب: أن عيسى ليس بإنسان، ولكنه ابن الله، وعلم ملكان: أن عيسى هو الله ولم يزل، ولا يزال، فلما استمكن ذلك فيهم دعا كل واحد في الخلوة، وقال له: أنت خالصتي، وادع الناس لما علمتك، وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد، ثم قال لهم: إني رأيت عيسى في المنام، وقد رضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني سأذبح نفسي تقربا إلى عيسى، ثم ذهب إلى المذبح، وذبح نفسه، وتفرق أولئك الثلاثة، فذهب كل واحد إلى ناحية، وأظهر مقالته، ودعا الناس إليها، فتبعه على ذلك طوائف من الناس، فتفرقوا، واختلفوا، ووقع القتال بينهم، انتهى. خازن.\n ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ أي: يقولون ذلك بألسنتهم من غير علم يرجعون إليه، وانظر الآية [٣٣] الآتية. ﴿يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: يضاهي قولهم قول الذين.. إلخ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك لأن الجثث لا تقابل بالمصادر، كما رأيت في الآية [٢٠] ويقرأ الفعل بالهمز، وبدونه «(يضاهون)»، هذا؛ والمضاهاة: المشابهة، أو الموافقة، والمراد ب ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الأمم السابقة، وقيل من مشركي العرب، حيث قالوا:\nالملائكة بنات الله. ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾: لعنهم الله، وقيل: هو دعاء عليهم بالإهلاك الذي سببه","vol":"4","page":135},{"text":"القتل. ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدليل، وإقامة الحجة بأن الله واحد أحد. وانظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك، وانظر:\n ﴿الْيَهُودُ﴾ في الآية رقم [٢٠] المائدة، وانظر المسيح في الآية رقم [٤٥] آل عمران.\nو﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿وَقالَتِ﴾: (قالت): ماض، والتاء للتأنيث، وهي حرف لا محل له، وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿الْيَهُودُ﴾: فاعله. ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، و﴿اِبْنُ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية (قالت...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَقالَتِ النَّصارى..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قَوْلُهُمْ﴾: خبر المبتدأ، والهاء: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: متعلقان بالمصدر قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الهاء، والعامل فيه القول، وقيل: معنى الإشارة. ﴿يُضاهِؤُنَ﴾: فعل وفاعل، وانظر الشرح. ﴿قَوْلَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وبني قبل على الضم؛ لأنه مبهم، وقطع عن الإضافة لفظا، لا معنى، وجملة: ﴿يُضاهِؤُنَ..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾: المقصود منها الدعاء، وهي مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿أَنّى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف مبني على السكون في محل نصب حال من واو الجماعة، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿أَنّى﴾ بمعنى (أين) للمكان كما هو أصل معناها، فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بالفعل بعدها. ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو: نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\nتنبيه: رأيت أن (عزيرا) قد نون، وأن همزة ﴿اِبْنُ﴾ قد ثبتت، والسبب في ذلك أن التنوين والألف إنما تحذفان للتخفيف إذا وقعت كلمة ﴿اِبْنُ﴾ بين علمين، وكانت صفة للأول منهما، وهي هاهنا خبر عن الأول لا صفة له كما قد رأيت في الإعراب، هذا؛ ويقرأ بحذف تنوين ﴿عُزَيْرٌ﴾ ويبقى الإعراب كما هو، ويكون التنوين قد حذف لالتقاء الساكنين؛ إذ هو مشبه بحروف المد واللين، وتثبيت ألف ﴿اِبْنُ﴾ في الخط، وعليه جاء قول الأسود بن يعفر من بني نهشل، وهو الشاهد رقم (٥٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nلعمرك ما أدري، وإن كنت داريا... شعيث ابن سهم، أم شعيث ابن منقر","vol":"4","page":136},{"text":"حيث ثبتت ألف ﴿اِبْنُ﴾ في الجملتين الاسميتين، هذا؛ وأجاز أبو حاتم أن يكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ اسما أعجميا لا ينصرف، وهو بعيد مردود؛ لأنه لو كان أعجميا لانصرف؛ لأنه على ثلاثة أحرف، مثل لوط ونوح وهود ونحو ذلك، فصرفه في التصغير أولى، هذا؛ وقيل: إن ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ و﴿اِبْنُ﴾ صفة له، فيحذف التنوين على هذا استخفافا، ولالتقاء الساكنين، ولأن الصفة والموصوف كاسم واحد، وتحذف ألف ﴿اِبْنُ﴾ حينئذ من الخط، ويكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، التقدير: عزير ابن الله صاحبنا أو نبينا أو معبودنا، أو يكون خبرا لمبتدإ محذوف يقدر ما تقدم. انتهى. عكبري ومكي بتصرف كبير مني. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1266\"></span>﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿اِتَّخَذُوا﴾ أي: اليهود، والنصارى. ﴿أَحْبارَهُمْ﴾: جمع حبر بكسر الحاء وفتحها لغتان. قاله الفراء، وهو الذي يحسن القول، وينظمه، ويتقنه بحسن البيان عنه، وهو العالم الفاهم، ولذا سمي عبد الله بن عباس﵄حبر الأمة، أي: عالمها. ﴿وَرُهْبانَهُمْ﴾: جمع:\nراهب، مأخوذ من الرهبنة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس، ويجعل زمانه له، وعمله معه، وأنسه به، فاتخذ لنفسه صومعة يتعبد فيها، واعتزل الناس وانظر الآية رقم [٤٧] و[٨٥] من سورة (المائدة) إن أردت الزيادة ﴿أَرْبابًا﴾: جمع: «رب» بمعنى: معبود.\nوانظر الآية رقم [٣] من سورة (الأعراف). ﴿دُونِ﴾: انظر الآية رقم [٣] منها. ﴿وَالْمَسِيحَ﴾: هو لقب عيسى ﵇، وهو من الألقاب المشرفة، كالصديق، وأصله بالعبرية: مشيخا، ومعناه:\nالمبارك، وفيه وجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعنى فاعل، فحول منه مبالغة، فقيل: لأنه مسيح الأرض بالسياحة، وقيل: لأنه كان يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل: هو بمعنى مفعول؛ لأنه مسيح بالبركة، أو لأنه مسح القدم، أو لمسح وجهه بالملاحة، والثاني: أن وزنه مفعل من السياحة، وعلى هذا كله فهو منقول من الصفة. ﴿اِبْنَ مَرْيَمَ﴾: نسبه إلى أمه مع كون الرجال تنسب إلى آبائهم؛ لكونه لا أب له، ومريم ابنة عمران سمتها أمها صفة بذلك؛ لأن مريم في لغتهم العابدة، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها من كيد الشيطان؛ حتى يكون فعلها مطابقا لاسمها، وأن يصدق ظنها بها، ألا ترى في الآية رقم [٣٦] من آل عمران، كيف أتبعت طلبها بالاستعاذة لها ولولدها من الشيطان الرجيم، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [٤١] من آل عمران لبيان مكانتها عند الله. ﴿سُبْحانَهُ﴾: انظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (الأنعام).\nمعنى الآية الكريمة: إن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم، ورهبانهم آلهة من دون الله، وليست عبادتهم لهم حقيقة، وإنما أطاعوهم في الكفر، والضلال، ومعصية الله تعالى، وذلك: أنهم أحلوا","vol":"4","page":137},{"text":"لهم أشياء، وحرموا عليهم أشياء من قبل أنفسهم، فأطاعوهم فيها، واتخذوهم كأرباب في التحليل والتحريم، فقد روى الترمذي، وأحمد، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبيّ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عديّ! اطرح عنك هذا الوثن!». فطرحته، وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ حتى فرغ، فقلت: يا رسول الله! إنّا لسنا نعبدهم! فقال: «أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه».\nقلت: بلى! قال: «فتلك عبادتهم». قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: [المتقارب]\nوهل بدّل الدّين إلاّ الملوك... وأحبار سوء ورهبانها؟\nلذا فإن كل إنسان يتبع إنسانا في كل زمان ومكان في تحليل أو تحريم ما لم يأذن به الله كمن اتخذه ربا.\nالإعراب: ﴿اِتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿أَحْبارَهُمْ﴾: مفعول به أول. و﴿وَرُهْبانَهُمْ﴾: معطوف عليه، والهاء فيهما: في محل جر بالإضافة. ﴿أَرْبابًا﴾: مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان ب ﴿أَرْبابًا،﴾ أو بمحذوف صلة له، و﴿دُونِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْمَسِيحَ﴾: معطوف على ﴿أَحْبارَهُمْ،﴾ التقدير: واتخذوا المسيح، وقد حذف المفعول الثاني لدلالة الأول عليه. ﴿اِبْنَ﴾: صفة (المسيح)، وهو مضاف، و﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾:\nالواو واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُمِرُوا﴾: ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿لِيَعْبُدُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلهًا﴾: مفعول به، ﴿واحِدًا﴾:\nصفته. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف)، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل ﴿إِلهًا﴾. وقيل: مستأنفة مقررة للتوحيد، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُمِرُوا،﴾ واللام بمعنى الباء. تأمل. ﴿سُبْحانَهُ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله؛ فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محل لها، وهذا عند الخليل وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، والأول أقوى. ﴿عَمّا﴾: جار ومجرور متعلقان بالمصدر، أو بفعله المحذوف، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذين أو عن شيء يشركون به،","vol":"4","page":138},{"text":"وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: تنزه الله عن شركهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1267\"></span>﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ أي: دلائله، وحججه، وبراهينه على توحيده، جعل البراهين بمنزلة النور؛ لما فيها من البيان، وقيل: المعنى نور الإسلام، أي: أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم، وانظر (أراد) في الآية رقم [٨٨] (الأعراف). ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: جمع فوه على الأصل؛ لأن الأصل في فم (فوه) مثل حوض وأحواض. ﴿وَيَأْبَى اللهُ﴾: انظر (تأبى) في الآية رقم [٩].\n ﴿إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أي: أبى الله إلا إعلاء دينه، وإظهار كلمته، وإتمام الحق الذي بعث به نبيه ﷺ، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي: كرهوا الإسلام وإعلاء كلمته، لا بد وأن يحصل ما تقدم ذكره، وقد كان ذلك يوم اختار الله، وهيأ لهذا الدين من حمل لواءه، وبذلوا في سبيله ما بذلوا، والتاريخ شاهد صدق على ذلك، حتى سطع نوره، وعمّ ربوع الدنيا.\nالإعراب: ﴿يُرِيدُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو: فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُطْفِؤُا﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿نُورَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَأْبَى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اللهِ﴾: فاعله. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر لا محل له، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَيَأْبَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من إتمام نوره، والرابط:\nالواو، والمفعول المحذوف، هذا؛ وإن اعتبرت (لو) شرطية امتناعية، فشرطها المذكور، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ولو كره الكافرون ليتم نوره.\n<span id=\"aya-1268\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ أي: الله الذي بعث محمدا ﷺ بالنور والقرآن.\n ﴿وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: دين الإسلام ليعليه على جميع الأديان بالحجج","vol":"4","page":139},{"text":"الدامغات، والبراهين الساطعات. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: هو مثل الآية السابقة وفيهما تغليب الرجال على النساء؛ إذ ما من شك: أن في النساء كافرات ومشركات، وهذا شيء معلوم لا ينكره مسلم، فامرأة أبي لهب كانت أضل من كثير من الرجال، وامرأة نوح وامرأة لوط كانتا أخبث وأضل، وانظر العكس في الآية [٤٥]. هذا؛ وقد قال البيضاوي، الآية الكريمة كالبيان لما تقدم، ولذلك كرر: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ غير أنه وضع ﴿الْمُشْرِكُونَ﴾ موضع ﴿الْكافِرُونَ﴾ للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الشرك بالله، والضمير في ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ للدين الحق، أو للرسول ﵊، واللام في ﴿الدِّينِ﴾ للجنس، أي: على سائر الأديان فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم.\nتنبيه: قال أبو هريرة والضحاك: هذا، أي: ما ذكر في الآية الكريمة عند نزول عيسى ﵇، وقال السدي: ذاك عند خروج المهدي، ولا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام، وأيد ذلك القرطبي، والصواب ما ذكرته في الآية السابقة.\nالإعراب: ﴿هُوَ﴾: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، وجملة: ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْهُدى﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولَهُ،﴾ أي: مقرونا، أو ملتبسا بالهدى، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: معطوف على (الهدى)، والإضافة من إضافة الموصوف للصفة. ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء: مفعول به، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿عَلَى الدِّينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُلِّهِ﴾: توكيد ل ﴿الدِّينِ؛﴾ لأنه بمعنى جميع الأديان، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة، والجمل الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1269\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نادى الله المؤمنين خاصة، ولفت أنظارهم إلى ذلك؛ لأنهم هم الذين ينتبهون، فينتفعون بذلك. ﴿الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ﴾: انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾: يأخذونها بالرشى في الأحكام، سمي أخذ المال أكلا لأنه الغرض الأعظم منه، وانظر: ﴿أَمْوالَ﴾ في الآية رقم [٢٨] الأنفال. و﴿النّاسِ﴾: في الآية رقم [٨٢] (الأعراف).","vol":"4","page":140},{"text":"و﴿بِالْباطِلِ﴾: في الآية رقم [١٣٩] (الأعراف)، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾: لقد اختلف في المراد بهؤلاء، فقال معاوية: هم الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن به، وقال ابن عباس ﵄: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين؛ وذلك: أنه ﷾ لما ذكر قبح طريقة الأحبار والرهبان، في الحرص، على أخذ الأموال بالباطل؛ حذر المسلمين من ذلك، وذكر وعيد من جمع المال، ومنع حقوق الله فيه.\nوقال أبو ذر الغفاري ﵁: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين، وكان الاختلاف في تفسير هذه الآية بين معاوية وأبي ذر سببا في إبعاد أبي ذر عن المدينة، إلى الرّبذة. ﴿وَلا يُنْفِقُونَها﴾: لم يعد الضمير مثنى على الذهب والفضة، وفي ذلك أجوبة: الأول: قصد الأغلب والأعم، وهي الفضة، قاله ابن الأنباري، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ فأعاد الضمير للصلاة وللتجارة، فالصلاة أعم، والتجارة أهم-الثاني: أن الضمير للكنوز-الثالث: أن الضمير للأموال-الرابع:\nالاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر، إذا فهم المعنى، قال ابن أحمر: [الطويل]\nرماني بأمر كنت منه ووالدي... بريئا، ومن أجل الطويّ رماني\nلم يقل: بريئين، والطوي: البئر. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾: انظر مثل هذه البشارة في الآية رقم [٤] وقد فسر النبي ﷺ البشارة في هذا العذاب بقوله: «بشّر الكنّازين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم؛ حتى يخرج من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه؛ حتى يخرج من حلمة ثدييه، فيتزلزل». أخرجه مسلم عن أبي ذر ﵁. الرضف، والحجارة، والنغض بفتح النون وضمها: أعلى الكتف، قال العلماء: فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه؛ لتعذيب قلبه، وباطنه حين امتلأ بالفرح بكثرة المال والسرور في الدنيا، فعوقب بالهم والعذاب في الآخرة. انتهى. قرطبي. هذا؛ والنغض بسكون الغين وبفتح النون وضمها.\nروى أبو داود عن ابن عباس﵄قال: لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم». قال: فكبّر عمر ﵁، ثم قال له رسول الله ﷺ: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء، المرأة الصالحة، إذا نظر إليها؛ سرّته، وإذا أمرها؛ أطاعته، وإذا غاب عنها؛ حفظته». وروى الترمذي وغيره عن ثوبان ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: قد ذم الله سبحانه الذهب والفضة، فلو علمنا أي: المال خير حتى نكتسبه، فقال عمر ﵁: أنا أسأل لكم رسول الله ﷺ فسأله، فقال: «لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة تعين المرء على دينه». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٠] من سورة (آل عمران).","vol":"4","page":141},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤]. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيرًا﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنَ الْأَحْبارِ﴾: متعلقان ب ﴿كَثِيرًا﴾.\nو﴿وَالرُّهْبانِ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (يأكلون): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمْوالَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿النّاسِ﴾: مضاف إليه.\n ﴿بِالْباطِلِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَمْوالَ النّاسِ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ كَثِيرًا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على جملة: ﴿لَيَأْكُلُونَ..﴾.\nإلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها.\n ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾: الفاء: زائدة. (بشرهم): أمر، وفاعله مستتر أنت، والهاء: مفعول به.\n ﴿بِعَذابٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ﴾: صفة (عذاب)، هذا؛ وفي خبر المبتدأ وجهان:\nأحدهما أنه الجملة الفعلية: ﴿فَبَشِّرْهُمْ..﴾. إلخ وجاز دخول الفاء زائدة على الخبر؛ لأن المبتدأ أشبه الشرط في العموم؛ لكونه موصولا صلته فعل مستقبل، وهذا على قول من يجيز وقوع الخبر جملة إنشائية، والوجه الثاني: أن الخبر محذوف، التقدير: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ..﴾. إلخ عذابهم ما يتلى عليكم، ويكون الفعل المذكور، دالا على الخبر المحذوف، وهذا نظير ما قاله سيبويه في نحو قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا..﴾. إلخ وقوله جل شأنه: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا..﴾. إلخ. والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة على تفسير معاوية، ومعطوفة على جملة: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ على تفسير أبي ذر الغفاري﵃ أجمعين-.\n\n<span id=\"aya-1270\"></span>﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: يوم توقد النار ذات حمى شديدة عليها، وأصله تحمى بالنار، فجعل الإحماء للنار مبالغة، ثم حذفت النار، وأسند الفعل إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود، فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير، وانظر ما ذكرته في مرجع الضمير في الآية السابقة، وانظر شرح ﴿نارِ﴾ في الآية رقم [١٢] (الأعراف). ﴿فَتُكْوى بِها﴾: الكي:\nإلصاق الحار من الحديد والنار بالعضو حتى يحترق موضعه من الجلد. ﴿جِباهُهُمْ﴾: جمع جبهة،","vol":"4","page":142},{"text":"وهي مستوى ما بين الحاجب إلى الناصية. ﴿وَجُنُوبُهُمْ﴾: جمع جنب، والكي في الوجه، أشهر وأشنع، وفي الجنب والظهر آلم وأوجع، فلذلك خصّ الله الثلاثة بالذكر من بين سائر الأعضاء.\nهذا؛ وقد قال ابن عباس﵄-: لا يوضع دينار على دينار، ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده، حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدته.\nقال بعض العلماء: إنما خصت هذه الأعضاء بالكي؛ لأن الغني إذا أتاه السائل، فطلب منه شيئا، تبدو منه آثار الكراهية والمنع، فعند ذلك يقطب وجهه ويكلح، وتجتمع أسارير وجهه فيتجعد جبينه، ثم إن كرر السائل الطلب؛ نأى بجانبه عنه، وتركه جانبا، ثم إن كرر الطلب، ولاه ظهره وأعرض عنه، وهي النهاية في الرد، الدال على كراهية الإعطاء والبذل. انتهى. خازن بتصرف كبير. ﴿هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: يقال لهم: هذا ما ادخرتم، وجمعتم من الأموال لأنفسكم، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٨] (الأعراف). ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾: انظر مثل هذه الإذاقة في الآية رقم [١٤] الأنفال-وانظر إعلال مثل ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بقوله: ﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ وقيل: متعلق بمحذوف يدل عليه عذاب، أي: يعذبون، وقيل: تقدير المحذوف: اذكر يوم، هذا؛ وقال العكبري: وهو بدل من مثله محذوفا، فإن التقدير: فبشرهم بعذاب يوم أليم، فلما حذف المضاف؛ أقيم اليوم مقامه، وهو تعسف بارد، وتكلف لا داعي له. ﴿يُحْمى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْها﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فِي نارِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿نارِ﴾: مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وإعرابها مثلها. ﴿وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾: معطوفان على نائب الفاعل، والهاء في الكل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيء كنزتموه لأنفسكم، والكاف:\nفي محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية (يقال لهم هذا...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَذُوقُوا﴾:\nالفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٩]. (ذوقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة مبنية على السكون في محل نصب","vol":"4","page":143},{"text":"مفعول به، وهي في الأصل مضاف إليه، التقدير: ذوقوا جزاء ما... إلخ. فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء: اسمه، وجملة:\n ﴿تَكْنِزُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير: جزاء الذي، أو جزاء شيء كنتم تكنزونه، هذا؛ وجوز اعتبار:\n ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير: جزاء كونكم تكنزون، وجملة:\n (ذوقوا...) إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.\n\n<span id=\"aya-1271\"></span>﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾: المراد بهذه الأشهر شهور العام الكامل، والسنة التامة، وهذه الشهور، منها القمرية، ومنها الشمسية، وعلى الشهور القمرية يعتمد المسلمون في صيامهم، وحجهم، وأعيادهم، وسائر أمورهم، وأحكامهم، وأيام هذه الشهور ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما، بينما أيام الشهور الشمسية تزيد عن الشهور القمرية عشرة، أو أكثر، فبسبب ذلك تكون السنة الشمسية ثابتة، بينما نرى السنة القمرية تدور بسبب نقصانها، فيقع الصوم والحج تارة في الصيف، وتارة في الشتاء. ومعنى ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: في حكمه الأبدي وتقديره الأزلي، ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه جميع أحوال الخلق، وما يأتون وما يذرون، وقيل: المعنى في حكم الله الذي أوجبه وأمر عباده بالأخذ به. ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: إن هذا الحكم حكم به وقضاه يوم خلق السموات والأرض: أن السنة اثنا عشر شهرا. ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: من الشهور أربعة حرم، هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب، وإنما سميت حرما؛ لأن العرب في الجاهلية كانت تعظمها، وتحرم القتال فيها، حتى لو أن أحدهم لقي قاتل أبيه، وأخيه في هذه الأشهر؛ فلا يهيجه.\n ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القويم، دين إبراهيم، وإسماعيل ﵉، والعرب ورثوه منهما، وقيل: المعنى ذلك الحساب المستقيم والعدد الصحيح المستوي، فالدين هنا بمعنى الحساب، والأول أولى. ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بهتك حرمتها، وارتكاب المعاصي، والمنكرات فيها، وقيل: المراد جميع أشهر السنة، والمعتمد أن","vol":"4","page":144},{"text":"المراد الأشهر الحرم خاصة، فإن من عصى الله فيها يضاعف عقابه، كما أن العمل الصالح فيها يضاعف ثوابه، وهذا مبني على قاعدة، وهي أن الأعمال يضاعف ثوابها؛ إن كانت صالحة، ويضاعف عقابها، إن كانت سيئة، بالنسبة للزمان والمكان، والشخص الذي يعمل العمل، فالزمان المفضل على غيره يضاعف ثواب العمل فيه؛ إن كان صالحا، ويضاعف عقاب العمل فيه؛ إن كان سيئا، وقل مثل ذلك في المكان وفي الشخص، فصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والعمل السيئ بمائة ألف عمل سيئ.\nوخذ قوله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾. ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أي: قاتلوا محيطين بهم ومجتمعين على قتالهم، كما يقاتلونكم مجتمعين عليكم، والمعنى: تعاونوا، وتناصروا على قتالهم، ولا تتفرقوا؛ فتفشلوا، وتذهب ريحكم، وقيل: معنى كافة أي: في جميع الشهور الحرم وغيرها، وعليه فالآية ناسخة لتحريم القتال في الأشهر الحرم، والصحيح: أن الآية الناسخة لذلك هي آية البقرة رقم [٢١٦].\n ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: بالنصر والتأييد، والمعونة على أعدائهم، لا المعية الحسية، وانظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الأنفال).\nبعد هذا فالشهور جمع شهر، وتجمع أيضا على: أشهر، وسمي الشهر شهرا لشهرته برؤية الهلال في أوله. ﴿كِتابِ﴾: انظر شرحه في الآية رقم [٢] (الأعراف). ﴿يَوْمَ﴾: انظر الآية رقم [١٢٨] الأنعام. ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾: انظر الآية رقم [١] الأنعام. ﴿الدِّينُ﴾: انظر الآية رقم [١٦٢] منها. ﴿الْقَيِّمُ﴾: أصله القيوم، قلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء. ﴿فَلا تَظْلِمُوا﴾:\nانظر الظلم في الآية رقم [١٤٦] الأنعام. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: انظر الآية رقم [٩] (الأعراف).\n ﴿كَافَّةً﴾: هو مصدر مثل: عامة وخاصة، قال الزجاج: مثل هذا من المصادر عافاه الله عافية، وعاقبه عاقبة، ولا يثنى ولا يجمع. ﴿اللهِ﴾: انظر الآية رقم [١] الأنفال. ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: انظر الآية رقم [١] منها هذا؛ و﴿كَافَّةً﴾ وما ذكر من المصادر لا يأتي إلا منصوبا، ولقد عيب على الزمخشري حيث أتى به مجرورا في مقدمة الكشاف، فقال: ولكافة المسلمين، وانظر الآية [١٢٣] الآتية.\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿عِدَّةَ﴾: اسمها، وهو مضاف، و﴿الشُّهُورِ﴾:\nمضاف إليه. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿عِدَّةَ﴾ لأنه مصدر، و﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿اِثْنا﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه ملحق بالمثنى و﴿عَشَرَ﴾ مبني على الفتح لا محل له من الإعراب؛ لوقوعه موقع نون المثنى، ولا يصح أن يقال: إنه مضاف إليه؛ لتضمنه معنى العطف. ﴿شَهْرًا﴾: تمييز مؤكد؛ لأنه لم يذكر للبيان؛ لأن","vol":"4","page":145},{"text":"الذات معروفة مما تقدم. ﴿فِي كِتابِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿اِثْنا عَشَرَ،﴾ التقدير:\nمسجلة، أو مكتوبة في كتاب الله. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿كِتابِ﴾ على اعتباره مصدرا، أو هو متعلق بما تعلق به ﴿فِي كِتابِ﴾ على اعتباره اسما. ﴿خَلَقَ﴾: ماض، وفاعله ضمير يعود إلى الله. ﴿السَّماواتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿مِنْها﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَرْبَعَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر.\n ﴿حُرُمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿اِثْنا عَشَرَ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها.\n ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿الدِّينُ﴾: خبره. ﴿الْقَيِّمُ﴾: صفة ﴿الدِّينُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٩]. (لا): ناهية. ﴿تَظْلِمُوا﴾:\nمضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿فِيهِنَّ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلا تَظْلِمُوا..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، وتقدير الكلام:\nوإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا فلا... إلخ، وهذا الكلام مستأنف لا محل له. ﴿وَقاتِلُوا﴾:\nأمر وفاعله، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١] (الأعراف). ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كَافَّةً﴾: حال من واو الجماعة، أو من المفعول به، وجملة: ﴿وَقاتِلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿كَما﴾: الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية.\n ﴿يُقاتِلُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿كَافَّةً﴾: حال من واو الجماعة، أو من الكاف، و(ما) المصدرية والمضارع بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، والتقدير: قاتلوا المشركين قتالا كائنا مثل قتالهم لكم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: (اعلموا): أمر وفاعله. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ﴾: اسمها.\n ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و﴿مَعَ﴾: مضاف، و﴿الْمُتَّقِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ، و﴿إِنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (اعلموا)، والجملة الفعلية: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"4","page":146},{"text":"<span id=\"aya-1272\"></span>﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ أي: تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك: أنهم كانوا أصحاب حروب، وغارات، فإذا جاءهم شهر حرام؛ شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه، ويحرمون مكانه شهرا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من بين الشهور أربعة أشهر، فنظروا إلى عدد الشهور المحرمة، ولم ينظروا إلى أعيانها، هذا؛ ويقرأ «(النسيّ)» بقلب الهمزة ياء، وإدغامها في الياء، وقرئ: «(النّسي)» بحذفها، والنسى، والنساء ثلاثتها مصادر:\nنسأه: إذا أخره، ﴿زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾: لأنه تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه الله، فهو كفر آخر إلى إلى كفرهم، فقد أنكروا وجود البارئ تعالى، حيث قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ﴾ وأنكروا البعث، وأنكروا بعثة الرسول. ﴿يُضَلُّ بِهِ﴾ أي: بالنسيء، وقرئ: (يُضَلُّ) بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول، وقرئ: «(يَضِلُّ)» أيضا. ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا﴾: يحلون المحرم، أو غيره في عام، ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾: يعيدون إليه حرمته في عام آخر. ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أي: ليوافقوا عدة الأشهر الأربعة المحرمة في كتاب الله تعالى. ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾: يقرأ الفعل بالبناء للمعلوم وبالبناء للمجهول، والمعنى: زين لهم الشيطان، وحسن قبيح أعمالهم حتى رأوه حسنا، وقيل: الفاعل هو الله، والمعنى: خذلهم، وأضلهم حتى حسبوا القبيح حسنا. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾: انظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٠] و[٢٥] ففيهما الكفاية.\nتنبيه: لقد اختلف في أول من أحدث النسيء في العرب على أقوال كثيرة، والذي ذكره صاحب السيرة، وهو ابن إسحاق: أن أول من نسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما حرم الله، وحرم منها ما أحل الله رجل يقال له: القلمّس، فكانت العرب، إذا فرغت من حجها، اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبا، فحرم رجبا وذا القعدة وذا الحجة، ويحل المحرم عاما، ويجعل مكانه صفرا، ويحرمه عاما آخر ليواطئ عدة ما حرم الله، والقلمس من بني كنانة، وفي ذلك يقول شاعرهم: [الوافر]\nومنّا ناسئ الشهر القلمّس\nوقال الكميت: [الوافر]\nألسنا النّاسئين على معدّ... شهور الحلّ نجعلها حراما","vol":"4","page":147},{"text":"وقيل: أول من أحدث ذلك عمرو بن لحي الخزاعي، ثم كان بعده رجال، وآخر واحد منهم اسمه جنادة بن عوف، وهو الذي أدركه النبي ﷺ.\nتنبيه: لقد ذكر في النسيء غير ما تقدم، وهو أنهم كانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، ثم يؤخرون التحريم إلى ربيع الأول، ثم إلى ربيع الآخر، وهكذا شهرا بعد شهر، حتى يستدير التحريم على السنة كلها، وكانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم في صفر عامين، وكذا باقي شهور السنة، فوافقت حجة أبي بكر ﵁ في السنة التاسعة قبل حجة الوداع المرة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي ﷺ في العام المقبل حجة الوداع، فوافقت ذا الحجة، فذلك قوله ﷺ: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته».\nالحديث، أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحجة، وبطل النسيء. انتهى. قرطبي وخازن بتصرف كبير مني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿النَّسِيءُ﴾: مبتدأ. ﴿زِيادَةٌ﴾: خبره. ﴿فِي الْكُفْرِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف صفة: ﴿زِيادَةٌ،﴾ أو هما متعلقان به لأنه مصدر. ﴿يُضَلُّ﴾: فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، أو في محل رفع فاعل على قراءة «(يَضِل)» وهو مفعول به على قراءة «(يُضِل)» من الرباعي، فيكون الفاعل ضميرا عائدا إلى الله، أو الشيطان، كما جوز على هذه القراءة أن يكون الفاعل ﴿الَّذِينَ،﴾ والمفعول محذوفا، التقدير: يضل به الذين كفروا أتباعهم، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿يُضَلُّ بِهِ..﴾. إلخ تعليل لزيادة الكفر، أو هي في محل نصب حال من الكفر، والرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، والمعنى على الوجهين صحيح، وعلى الثاني أقوى. ﴿يُحِلُّونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة للضلال، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿عامًا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿لِيُواطِؤُا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه. ﴿عِدَّةَ﴾: مفعول به. ﴿إِنَّمَا﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عدة الذي، أو عدة شيء حرمه الله. ﴿فَيُحِلُّوا﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله... إلخ. ﴿ما حَرَّمَ اللهُ﴾ هو مثل سابقه، مع ملاحظة أن ﴿إِنَّمَا﴾ مفعول به. ﴿زُيِّنَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ﴾:","vol":"4","page":148},{"text":"متعلقان بما قبلهما. ﴿سُوءُ﴾: نائب فاعل، وعلى قراءة الفعل بالبناء للمعلوم، فهو مفعول به، والفاعل يعود إلى الله، وقيل: إلى الشيطان، و﴿سُوءُ﴾: مضاف، و﴿أَعْمالِهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٢٠].\n\n<span id=\"aya-1273\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خص الله المؤمنين بهذا النداء، دون المنافقين، مع كونهم جميعا حصل منهم هذا التثاقل؛ لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بذلك دون المنافقين، فلذا سارعوا، وبادروا إلى الخروج مع الرسول ﷺ، قيل: أصله قول، بضم القاف وكسر الواو، فنقلت حركة الواو، إلى القاف، بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف، وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء، لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار: «قيل»، وانظر «القول» في الآية رقم [٥] (الأعراف). ﴿اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: اخرجوا إلى الجهاد، يقال: استنفر الإمام الناس: إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد، ودعاهم إليه، ومنه قول النبي ﷺ: «وإذا استنفرتم فانفروا». والاسم:\nالنفير. ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾ أي: تثاقلتم، وتباطأتم عن الخروج إلى الحرب، ومعنى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي:\nلزمتم أرضكم ومساكنكم، وإنما استثقلوا ذلك الغزو والخروج إليه، لشدة الزمان، وضيق الوقت، وشدة الحر، وبعد المسافة، والحاجة إلى كثرة الاستعداد، من العدد، والزاد، وكان ذلك الوقت وقت إدراك ثمار المدينة، وطيب ظلالها، وكان العدو كثيرا، فاستثقل المسلمون تلك الغزوة، فعاتبهم الله بهذه الآية.\n ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: ركنتم إلى الدنيا ولذاتها، وأعرضتم عن نعيم الآخرة الدائم. ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ أي: فما الدنيا ولذاتها بجانب الآخرة ونعيمها إلا شيء تافه لا قيمة له، والسبب أن الدنيا فانية لا بقاء لها، وأن الآخرة باقية لا يطرأ عليها زوال وفناء، هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾ «تثاقلتم» على الأصل، فإن الأول فيه قلب التاء ثاء، ثم أدغمت الثاء في الثاء، كما يقرأ: «(أثاقلتم)» بقطع الهمزة على الاستفهام. بعد هذا انظر شرح ﴿مَتاعُ﴾ في الآية رقم [٢٤] (الأعراف) وانظر شرح ﴿بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٢٩] الأنعام، والمراد بالآخرة الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد البعث والحساب، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها.","vol":"4","page":149},{"text":"تنبيه: نزلت الآية الكريمة توبخ المسلمين لما تباطئوا عن الخروج مع الرسول ﷺ إلى الجهاد في غزوة تبوك، وكانت في السنة التاسعة في شهر رجب بعد فتح مكة، وبعد غزوة حنين، ومحاصرة الرسول ﷺ ومن معه لبني ثقيف في الطائف، وكان قد بلغ الرسول ﷺ استعداد الروم لغزو المدينة فندب المسلمين للخروج إليهم ومحاربتهم في بلادهم، ولم يكن النبي ﷺ يريد غزوة إلاّ ورّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك، فصرح للمسلمين بما يريد ليتأهبوا، فشق عليهم الخروج للأسباب التي ذكرتها، فلما نزلت الآية وما بعدها؛ هرع المسلمون للخروج وحث الرسول ﷺ المسلمين على التبرع وبذل المال في سبيل الله.\nوأول من تبرع أبو بكر ﵁، فجاء بجميع ماله، وجاء عمر بنصف ماله، وتبرع العباس، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وكرام الصحابة رضوان الله عليهم بمال كثير، وتخلف المنافقون عن الخروج، وعن بذل المال في سبيل الله، وأخذوا يعتذرون الأعذار الكاذبة، والسورة الكريمة من هذه الآية إلى آخرها تكشف لنا عن نفاق المنافقين، كما ستقف عليه عند شرح كل آية بعون الله وتوفيقه، ويفهم من هذا أن صدر السورة الكريمة من أولها إلى هنا متأخر في النزول عن هذه الآية إلى آخر السورة؛ لأن صدر السورة نزل في موسم الحج من السنة التاسعة للهجرة، وغزوة تبوك كانت في شهر رجب من السنة نفسها.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤]. ﴿ما﴾:\nاسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. ﴿اِنْفِرُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية:\n ﴿اِنْفِرُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وبعضهم يعتبرها في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على رأي: من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه». وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول، فالأقوال ثلاثة في مثل هذا التركيب، وجملة:\n ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾:\nفعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها هذا هو الإعراب الظاهر والمتبادر.\nهذا، وقال الجمل: الجملة الفعلية حال، وهذا يعني: أنها حال من كاف الخطاب، والعامل في الحال الاستفهام، وقال: إذا ظرف لهذه الحال مقدم عليها، والتقدير: أي: شيء ثبت لكم من الأعذار حال كونكم متثاقلين في وقت قول الرسول لكم: انفروا. ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: متعلقان بما","vol":"4","page":150},{"text":"قبلهما. الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (رضيتم): فعل وفاعل. ﴿بِالْحَياةِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة (الحياة) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من (الحياة الدنيا)، أي: بدلا من الآخرة، وجملة: ﴿أَرَضِيتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية.\n ﴿مَتاعُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿بِالْحَياةِ﴾: مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿بِالْحَياةِ﴾. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَتاعُ الْحَياةِ﴾ التقدير: فما متاع الحياة الدنيا محسوبا في الآخرة، وقال الحوفي: إنه متعلق بخبر المبتدأ، وهو قليل، وهو أولى؛ لأن مجيء الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النحاة، وعلى رأسهم سيبويه. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر، والجملة الاسمية: ﴿فَما مَتاعُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1274\"></span>﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ أي: إن لم تخرجوا أيها المؤمنون إلى ما ندبكم الرسول ﷺ إليه.\n ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ أي: في الآخرة؛ لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة، وقيل:\nإن المراد به: القحط والجوع في الدنيا، هذا؛ و(عذاب) اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأنه من عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل:\nعطاء، ونبات لأعطى، وأنبت. ﴿أَلِيمًا﴾: مؤلم، أي: موجع بكسر اللام، فهو اسم فاعل، وقال الجمل: بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذب، فهو على حد (جدّ جدّه). انتهى. بتصرف.\n ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي: خيرا منكم وأطوع، قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-:\nهم أبناء فارس، وقيل: هم أهل اليمن، ففيه وعيد، وتهديد للمؤمنين، وفيه تنبيه على أنه تعالى قد تكفل بنصره وإعزاز دينه، فإن هم نصروه؛ فلهم الفضل، والأجر، وإلا ينصره بغيرهم، وحصلت العتبى لهم. ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾: الضمير راجع إلى الله، والمعنى: لا تضروا الله شيئا بتخلفكم؛ لأنه غني عن العالمين، وقيل: الضمير يعود إلى الرسول ﷺ، والمعنى لا تضروه شيئا فإن الله ناصره على أعدائه، ولا يخذله، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فيقدر أن ينصر نبيه، ويعز دينه بأي سبب من الأسباب، بعد هذا انظر ﴿قَوْمًا﴾ في الآية رقم [٣٢] (الأعراف).\n ﴿شَيْئًا﴾: انظر الآية رقم [٨٥] منها (غير): انظر الآية رقم [٢].\nتنبيه: قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ وقال الجمهور: هذه الآية محكمة؛ لأنها خطاب لقوم استنفرهم رسول الله ﷺ، فلم","vol":"4","page":151},{"text":"ينفروا، كما نقل عن ابن عباس﵄-. وعلى هذا فليست منسوخة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِلاّ﴾: هي «إن» الشرطية مدغمة في «لا» نافية. ﴿تَنْفِرُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾:\nمضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ﴿عَذابًا﴾: مفعول مطلق.\n ﴿أَلِيمًا﴾: صفته. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾: معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، ويجوز في مثله الرفع والنصب، كما رأيت في الآية رقم [٢٨٣] من سورة (البقرة). وقد قرئ هناك بالرفع والنصب والجزم، ولكن هنا لم أطلع على غير قراءة الجزم، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به. ﴿غَيْرَكُمْ﴾: صفة قوما، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف.\n (لا): نافية. ﴿تَضُرُّوهُ﴾: مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله... إلخ، والواو:\nفاعله، والهاء: مفعول به. ﴿شَيْئًا﴾: نائب مفعول مطلق، وقيل: مفعول به ثان، و«إن» الشرطية ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1275\"></span>﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾: المعنى إذا لم تنصروا محمدا ﷺ على أعدائه، وذلك بالخروج معه إلى غزوة تبوك، فإن ليست على بابها من الشك، بل الكلام يفيد التحقيق، وصحة الوقوع، وتأكيده. ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾: أيده بنصره، وحفظه، ورعاه وقت أخرجه الذين كفروا من بلده مكة المكرمة، وأسند الإخراج إلى الذين كفروا؛ لأنهم سببه حيث تآمروا على قتله، أو حبسه فعند ذاك أذن الله له بالخروج. ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي: أحد اثنين، وهذا كثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وهكذا، فإذا اختلف اللفظ، فقلت: رابع ثلاثة، وخامس أربعة، فالمعنى صير الثلاثة أربعة بنفسه، والأربعة خمسة. ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ أي: الرسول ﷺ، وأبو بكر الصديق ﵁؛ الذي صحبه","vol":"4","page":152},{"text":"في طريق الهجرة، وقد كمنا في غار ثور ثلاثة أيام، هذا؛ ويجمع الغار على غيران، مثل تاج وتيجان، وقاع وقيعان، والغار أيضا: نبت طيب الريح، والغار أيضا: الجماعة، والغارة: الهجوم على الأعداء، وهي أيضا: النهب والسلب، والغاران: البطن والفرج، وألف الغار منقلبة عن واو؛ إذ الأصل (غور) وانظر: ﴿مَغاراتٍ﴾ في الآية رقم [٥٧] الآتية.\n ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾: إذ يقول محمد ﷺ لصاحبه الصديق: «لا تحزن». وكان هذا حين خاف أبو بكر ﵁ حيث رأى أقدام الكفار الباحثين عنهما على فم الغار، وقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم مكان قدميه؛ لرآنا، فقال له الرسول ﷺ: «يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!». ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ أي: الحفظ والرعاية، ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: على النبي ﷺ أو على أبي بكر الصديق ﵁ الذي خاف على حبيبه من المشركين، والمراد بالسكينة الرحمة التي سكن إليها، واطمأن قلبه بها، وذهب عنه ما كان يساوره من القلق، وانظر سكينة بني إسرائيل في الآية رقم [٢٤٧] من سورة (البقرة).\n ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾: يعني الملائكة، أنزلهم الله ليحرسوا نبيه في الغار، أو ليعينوه على أعدائه يوم بدر والأحزاب وحنين، هذا؛ وقد أنبت الله على فم الغار شجرة سدت فمه، وأمر حمامتين فباضتا كذلك، وأمر العنكبوت أن تنسج خيوطها كذلك، فلما رأى المشركون ذلك استبعدوا أن يكون أحد دخل الغار منذ أيام. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أي: جعل كلمة الشرك هي الحقيرة المنحطة، ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ أي: كلمة التوحيد والإيمان هي المرتفع قدرها العالي شأنها إلى يوم القيامة. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: انظر الآية رقم [١٠] من سورة (الأنفال).\nبعد هذا انظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف) ﴿يَقُولُ﴾: انظر القول في الآية رقم [٥] منها ﴿لِصاحِبِهِ﴾: انظر الآية رقم [٣٦] منها ﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١] الأنفال.\n ﴿كَلِمَةَ﴾: انظر الآية رقم [١٣٧] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾: انظر مثل هذه الجملة في الآية السابقة، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فالله يتكفل به، أو تقديره: فسينصره الله، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: حرف تعليل، وجملة: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ تعليلية لا محل لها. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل نصره، وجملة: ﴿أَخْرَجَهُ الَّذِينَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.\n ﴿ثانِيَ﴾: حال من الضمير المنصوب، وقرئ بإسكان الياء إجراء للمنقوص مجرى المقصور بتقدير الحركات الثلاث على الياء، و﴿ثانِيَ﴾: مضاف، و﴿اِثْنَيْنِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بالمثنى. ﴿إِذْ﴾: بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، أي: هي متعلقة","vol":"4","page":153},{"text":"ب ﴿ثانِيَ﴾: ﴿هُما﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْغارِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِذْ﴾: بدل ثان من الأولى، وجملة: ﴿يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿لا تَحْزَنْ﴾:\nمضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿مَعَنا﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ تعليل للنهي لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَرَوْها﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو: فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (جنود)، وجملة:\n (أيده...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَجَعَلَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿كَلِمَةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿كَفَرُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف) والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿السُّفْلى﴾: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة:\n ﴿وَجَعَلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَكَلِمَةُ﴾: الواو: حرف استئناف.\n (كلمة): مبتدأ، وقرئ بالنصب عطفا على مفعول (جعل) الأول، والرفع أبلغ لما فيه من الإشعار بأن كلمة الله عالية في نفسها، وإن فاق غيرها، فلا ثبات لتفوقه، و﴿وَكَلِمَةُ﴾: مضاف، و﴿اللهُ﴾: مضاف إليه. ﴿هِيَ﴾: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ثان.\n ﴿الْعُلْيا﴾: خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وإن اعتبرت ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل لا محل له، ف ﴿الْعُلْيا﴾ خبر ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ،﴾ وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1276\"></span>﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ أي: اخرجوا إلى الحرب مع رسول الله ﷺ على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها، وعلى الصفة التي يثقل عليكم الجهاد فيها، وهذان الوصفان يدخل تحتهما أقسام كثيرة؛ فلهذا اختلفت عبارات المفسرين فيهما، فقيل: شبابا وشيوخا، وقيل: نشاطا وغير نشاط، وقيل: ركبانا ومشاة، وقيل: فقراء وأغنياء، وقيل: عزلا من السلاح","vol":"4","page":154},{"text":"ومسلحين، وقيل: أصحاء ومرضى، وقيل: عزابا ومتزوجين. والصحيح أن هذا عام؛ لأن هذه الأحوال كلها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿خِفافًا وَثِقالًا﴾ والمعنى: على أي حال كنتم فيها.\n ﴿وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: أبذلوا أموالكم، وأرواحكم من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، وانظر ما ذكرته في حق الجهاد في الآية رقم [٩٦] من سورة (النساء) وانظر شرح الأموال في الآية رقم [٢٨] الأنفال و﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ في الآية رقم [٩] (الأعراف). و﴿سَبِيلِ﴾ في الآية رقم [١٤٢] منها ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: ما ذكر في النفر والجهاد في سبيل الله. ﴿خَيْرٌ﴾: انظر الآية رقم [١٢] (الأعراف). ﴿تَعْلَمُونَ﴾: أنه خير لكم فلا تثاقلوا عن الخروج إلى الجهاد، وإخبار الله لا يكون إلا صدقا، فبادروا إلى ما يدعوكم إليه نبيكم ﷺ.\nوينبغي أن تلاحظ: أن الله جلت قدرته قدم في هذه الآية وغيرها الجهاد بالمال على النفس؛ لأن المال شقيق الروح، وقد يبذل الإنسان حياته وروحه في سبيل المال، وقد يهدر كرامته وشرفه في سبيله، وكثير من الناس، يسبب لهم المال العذاب الأليم في نار الجحيم؛ وذلك حينما لم يراقبوا الله تعالى في جمعه وإنفاقه. وكثير من الناس يبيعون الشرف والكرامة بدريهمات، وهو مشاهد في كل زمان ومكان.\nالإعراب: ﴿اِنْفِرُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿خِفافًا وَثِقالًا﴾: حالان من واو الجماعة، وجملة:\n ﴿وَجاهِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والكاف: في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بالفعل: (جاهدوا)، و﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿ذلِكُمْ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، واللام: للبعد، والميم: علامة جمع الذكور. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ.\n ﴿بِأَمْوالِكُمْ﴾: متعلقان بخير، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: انظر الآية رقم [١٤] ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول به محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، التقدير: إن كنتم تعلمون فانفروا... إلخ.\n\n<span id=\"aya-1277\"></span>﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ أي: لو كان ما تدعوهم إليه غنيمة سهلة، قريبة التناول، لا تعب فيها، ولا عناء، والعرض: ما عرض لك من منافع الدنيا، ومتاعها، وفي الحديث","vol":"4","page":155},{"text":"الشريف: «الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البرّ والفاجر». وانظر الآية رقم [٦٧] من سورة (الأنفال)، ﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ أي: قريبا سهلا. ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾: لخرجوا معك. ﴿وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي: المسافة التي تقطع بمشقة؛ لأنه يشق على الإنسان سلوكها. وقرئ بكسر العين والشين. وكانوا يستعظمون غزو الروم؛ لذا تخلفوا لهذا السبب. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ أي: لو كان لنا قدرة في البدن، وقدرة على الراحلة، والزاد؛ لخرجنا معكم، ولما تخلفنا عنكم، وهذا من المعجزات؛ لأنه إخبار عما وقع قبل وقوعه. ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي:\nيوقعون أنفسهم في الهلاك بسبب الأيمان الكاذبة، وذلك دليل على أن الأيمان الكاذبة تهلك صاحبها؛ لأنها تؤدي به إلى النار. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي: في أيمانهم، وقولهم: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ؛﴾ لأنهم كانوا قادرين على الخروج.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك.\nالإعراب: ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمها محذوف انظر تقديره في الشرح. ﴿عَرَضًا﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿قَرِيبًا﴾: صفته، وجملة: ﴿كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾: اللام:\nواقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (اتبعوك): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾.\nلا محل لها. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك لا محل له. ﴿بَعُدَتْ﴾:\nماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشُّقَّةُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها مثله، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾: الواو: حرف استئناف. (سيحلفون): فعل وفاعل والسين حرف استقبال لا محل له. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَوْ﴾: مثل سابقه. ﴿اِسْتَطَعْنا﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، تقديره: الخروج، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] (الأعراف)، وقل في الجملة ما رأيته في مثلها. ﴿لَخَرَجْنا﴾: اللام: واقعة في جواب القسم. (خرجنا): فعل وفاعل.\n ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ جواب القسم لا محل له، وحذف جواب ﴿لَوْ﴾ على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\n ﴿يُهْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقيل: هي بدل من جملة: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ لأن الحلف الكاذب إهلاك للنفس،","vol":"4","page":156},{"text":"وجملة: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، وهو معلق عن العمل بسبب لام الابتداء الداخلة على خبر: (إن). ﴿إِنَّهُمْ﴾:\nحرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (كاذبون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو.. الخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ...،﴾ في محل نصب سدت مسد مفعولي ﴿يَعْلَمُ﴾ المعلق عن العمل لفظا؛ ولذا كسرت همزة (إن)، ولولا لام الابتداء لفتحت همزة (إن)، وتأولت مع اسمها وخبرها بمصدر في محل نصب سد مسد المفعولين، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى\nوجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1278\"></span>﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾: هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، وهو متضمن عتابا من الله تعالى له في إذنه لمن أذن له في التخلف عن الخروج معه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: انظروا إلى هذا اللطف بدأه بالعفو قبل أن يعيره بالذنب. ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: في التخلف. ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: في اعتذارهم. ﴿وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ أي: فيما يعتذرون به، قال ابن عباس﵄-: لم يكن رسول الله ﷺ يعرف المنافقين يومئذ حتى نزلت براءة. ﴿عَفَا﴾: انظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأعراف). ﴿لِمَ﴾: انظر الآية رقم [١٦٥] منها، هذا؛ ويقال: تبين الشيء وبان وأبان، واستبان كله بمعنى واحد، وهو لازم وقد يستعمل بعضها متعديا.\nقال قتادة، وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبي ﷺ لم يؤمر بهما: إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه، وأخذه الفدية من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون، وتقرءون.\nتنبيه: استدل بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء، وبيانه من وجهين:\nأحدهما أنه ﷾ قال ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ والعفو يستدعي سابقة الذنب، والوجه الثاني:\nأنه ﷾ قال: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ وهذا استفهام معناه الإنكار.\nوالجواب عن الأول: أنا لا نسلم: أن قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ يوجب صدور الذنب، بل نقول: إن ذلك يدل على المبالغة في التعظيم، والتوقير، فهم كما يقول الرجل لغيره","vol":"4","page":157},{"text":"إذا كان معظما له: عفا الله عنك ما صنعت في أمري؟ رضي الله عنك، ما جوابك عن كلامي؟ وعافاك الله، وغفر لك، كل هذه الألفاظ في ابتداء الكلام وافتتاحه، تدل على تعظيم المخاطب به، وهو وارد في الشعر العربي.\nوالجواب عن الثاني: أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الإنكار عليه، وبيانه إما أن يكون قد صدر عنه ذنب في هذه الواقعة أو لا، فإن كان قد صدر عنه الذنب بعد العفو لا يليق، وإن لم يكن قد صدر عنه ذنب؛ امتنع الإنكار عليه، فثبت بهذا أن الإنكار يمتنع في حقه ﷺ. انتهى. خازن بتصرف بسيط، وانظر الآية رقم [١٠٦] من سورة (النساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿عَفَا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ﴾: فاعله.\n ﴿عَنْكَ﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِمَ﴾ اللام: حرف جر، وما: اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، وحذفت ألفها بيانا للفرق بين الخبر، والاستخبار، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿أَذِنْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ﴾:\nمتعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَتَبَيَّنَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿لَكَ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة ﴿صَدَقُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: هلا تركتهم بلا إذن إلى أن يتبين، أي: إلى تبيين حالهم وشأنهم، ولا يجوز أن يتعلق ﴿حَتّى..﴾. إلخ ب ﴿أَذِنْتَ؛﴾ لأن ذلك يوجب أن يكون أذن لهم إلى هذه الغاية، أو لأجل التبيين، وهذا لا يعاتب عليه. ﴿وَتَعْلَمَ﴾: معطوف على ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ منصوب مثله، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿الْكاذِبِينَ﴾: مفعول به منصوب.. الخ، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: تعرف، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١] من سورة (الأنفال).\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1279\"></span>﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ..﴾. إلخ أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في الخروج إلى الجهاد، فإن المؤمنين الصادقين يبادرون إليه، ولا يوقفونه على الإذن فيه، فضلا عن الاستئذان في التخلف عنه، وإنما استأذنك المنافقون كراهة للجهاد، وجبنا عنه، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: الذين يسارعون إلى أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ فيجازيهم على ذلك أحسن الجزاء، بعد","vol":"4","page":158},{"text":"هذا انظر شرح: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في الآية رقم [٩] ﴿أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ انظر الآية رقم [٤٢] وفيه تغليب الرجال على النساء؛ إذ ما من شك أن في النساء متقيات مهتديات، هذا شيء معلوم لا ينكره مسلم، وانظر العكس في الآية رقم [٣٤].\nالإعراب: ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَسْتَأْذِنُكَ﴾: مضارع، والكاف: مفعول به. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في الجهاد... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ..﴾.\nإلخ وقيل: المصدر المؤول في محل جر بالإضافة، والمضاف محذوف، التقدير: كراهة الجهاد، وهذا المحذوف مفعول لأجله؛ وعليه يتغير المعنى عن التقدير الأول، والجملة الفعلية: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبره. ﴿بِالْمُتَّقِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1280\"></span>﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَاِرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: بينت هذه الآية الكريمة: أن الذين استأذنوا الرسول ﷺ في التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك: أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وأن في قلوبهم شكا ونفاقا، فهم متحيرون لا هم مع الكفار، ولا هم مع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ وتخصيص الإيمان بالله واليوم الآخر في الذكر في هذه الآية الكريمة والتي قبلها للإشعار بأن الباعث على الجهاد، والوازع عنه، الإيمان، وعدم الإيمان بهما.\nهذا؛ والريب: الشك، تقول: رابني هذا الأمر: أوقعني في شك، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». رواه الإمام ابن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب﵄وأرضاهما.\nالإعراب: ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يَسْتَأْذِنُكَ﴾: مضارع والكاف مفعول به. ﴿الَّذِينَ﴾:\nفاعل، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَارْتابَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: فاعل، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿فِي رَيْبِهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ،","vol":"4","page":159},{"text":"والجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1281\"></span>﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ﴾: إلى الجهاد والغزو معكم، ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾: لتهيئوا بإعداد آلات السفر، وآلات القتال، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف. ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أي: كره خروجهم معكم، إلى الغزو، وملاقاة العدو. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: منعهم، وحبسهم عن الخروج معكم، وضعف رغبتهم في ذلك، والتثبيط: التوقيف عن الأمر، بالتزهيد فيه. ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض، أو قاله الرسول ﷺ غضبا، أو قاله الشيطان لهم بالوسوسة. ﴿مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ أي: مع أولي الضرر، والعميان، والزمنى، والنسوان، والصبيان.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَرادُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿الْخُرُوجَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَعَدُّوا﴾: اللام: واقعة في جواب (لو). (أعدوا): فعل وفاعل والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب (لو). ﴿لَهُ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عُدَّةً﴾:\nمفعول به، وليس مصدرا، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجوز عطفه على الآية رقم [٤٣]. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كَرِهَ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على مفهوم جملة: ﴿أَرادُوا﴾ إذ المعنى: ما أرادوا الخروج؛ لأن الله كره ذلك منهم. ﴿اِنْبِعاثَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾: (ثبطهم): ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى الله، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ انظر الإعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٣٩] والجملة الفعلية: ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-1282\"></span>﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا﴾ أي: لو خرج هؤلاء المنافقون معكم إلى الغزو ما زادوكم إلا شرا وفسادا، وبث الفتن فيما بينكم، وتوهين معنوياتكم، وأصل الخبال:\nاضطراب، ومرض يؤثر في العقل كالجنون، وأما الذي في قول النبي ﷺ: «من قفا مؤمنا بما ليس","vol":"4","page":160},{"text":"فيه وقفه الله في ردغة الخبال حتّى يجيء بالمخرج منه». فالمراد بالخبال: صديد أهل النار، والردغة: الطينة، وقفا قذف. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أي: لأسرعوا فيكم، وساروا بينكم بالنميمة، والأحاديث الكاذبة، والإيضاع: سرعة السير، من: وضع البعير وضعا: إذا أسرع، ففي الكلام استعارة تبعية تنبه لها. ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: يطلبون لكم الشر والإفساد، وتوهين العزائم، وذلك بقولهم: لقد جمع لكم العدو كذا وكذا، ولا طاقة لكم بهم، وإنكم ستهزمون، أو تقتلون. ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: من يسمع قولهم، ويؤثر فيهم ما يقولون لضعف إيمانهم، وخور عزيمتهم، وهذا قد يكون عمن لهم أقارب من المنافقين. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: هذا وعيد وتهديد للمنافقين؛ الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين. بعد هذا انظر: (زاد) في الآية رقم [٦٩] (الأعراف).\nو﴿سَمّاعُونَ﴾: صيغة مبالغة، فالأصل: سامعون، وانظر الآية رقم [٤٤] من سورة (المائدة).\nالإعراب: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾: انظر الآية السابقة لإعراب مثله. ﴿ما﴾: نافية. ﴿زادُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿خَبالًا﴾: مفعول به ثان، وقيل: المفعول الثاني محذوف، تقديره: شيئا، أو قوة، ونحو ذلك؛ وعليه ف ﴿خَبالًا﴾ مستثنى ب ﴿إِلاّ﴾ فقيل: متصل، وقيل: منقطع، وجملة: ﴿ما زادُوكُمْ..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، واللام واقعة في جواب (لو) بسبب العطف. تأمل. ﴿خِلالَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف: في محل جر بالإضافة، والميم: حرف دال على جماعة الذكور.\n ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف: مفعول به أول، وهو في الأصل مجرور بحرف الجر بمحذوف، فلما حذف الجار، اتصل بالفعل، وانتصب به، على حد قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾. ﴿الْفِتْنَةَ﴾:\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، التقدير: حال كونهم باغين لكم ﴿الْفِتْنَةَ﴾. ﴿وَفِيكُمْ﴾: الواو: واو الحال. (فيكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سَمّاعُونَ﴾:\nمبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو.. الخ. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان به، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الكاف لوجود ضميرين فيها، وعلى الاعتبارين فهي حال متداخلة، وجوز اعتبارها مستأنفة أيضا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٤٥] إفراد وجملة، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1283\"></span>﴿لَقَدِ اِبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: لقد أرادوا لك الشر والفساد، وتشتيت أمرك، وتفريق أصحابك عنك من قبل هذه الغزوة، وذلك كان يوم أحد، فإن ابن أبيّ لعنه الله رجع","vol":"4","page":161},{"text":"بأصحابه من ثنيات الوداع بعد ما خرجوا مع رسول الله ﷺ لحرب قريش. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: دبروا لك المكايد، والحيل، ورددوا الآراء في إبطال أمرك، وتفريق أصحابك عنك، ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ﴾ أي: التأييد والنصر الإلهي، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾: علا دين الله وانتصر. ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾: لما منّ الله به عليك من النصر المظفر، والعزة والسيادة، ورفعة الشأن، وعلو القدر فدخلوا في الإسلام ظاهرا، هذا؛ وفي الآية وسابقتها كشف لأسرار المنافقين، وهتك لأسرارهم، وما فيهما وما يذكر في غيرهما هو الذي جعل سورة (التوبة) جديرة بأن تسمى بالأسماء التي رأيتها في أولها، هذا؛ والفتنة تطلق على الشر والفساد، وعلى الشرك، وعلى الاختبار والابتلاء والامتحان مما رأيته سابقا.\nالإعراب: ﴿لَقَدِ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، ويقال: اللام لام الابتداء. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِبْتَغَوُا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْفِتْنَةَ﴾: مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة:\n ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا..﴾. إلخ: لا محل لها على الوجهين المعتبرين في اللام، وجملة: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة تقديرا: ﴿جاءَ الْحَقُّ﴾: فعل وفاعل، و«أن» المضمرة والفعل ﴿جاءَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف؛ إذ التقدير: واستمروا على تقليب الأمور. أي: على خبثهم ومكرهم إلى مجيء أمر الله، وجملة: ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي داخلة في الغاية حكما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1284\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ أي: من المنافقين من يقول: ائذن لي في القعود عن الجهاد، والتخلف عن الخروج معك، ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ أي: ولا توقعني في الفتنة، أي:\nالعصيان والمخالفة، وفيه إشعار بأنه متخلف لا محالة، أذن له، أم لم يؤذن، أو بالفتنة بنساء الروم، لما روي أن الجد بن قيس أخي بني سلمى قال للرسول ﷺ، حين قال له: «يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء؟!». فقال: يا رسول الله لقد عرف قومي:\nأني رجل مغرم بحب النساء، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، ائذن لي","vol":"4","page":162},{"text":"في القعود، ولا تفتني بهن، وأعينك بمالي، ولم يكن به علة إلا النفاق، فأذن له. ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي: في الإثم، والمعصية وقعوا، وهي النفاق، والتخلف عن النبي ﷺ، وفي ﴿سَقَطُوا﴾ استعارة تبعية. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ أي: يوم القيامة تحيط بهم وتجمعهم فيها، وتحيط أيضا بالكافرات على مثال ما رأيت في الآية رقم [٣٤] و[٤٥]، وانظر إعلال ﴿مُحِيطٌ﴾ في الآية رقم [٤٧]، الأنفال، وانظر ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف)، فقد اعتبر الله المنافقين كافرين، وانظر الآية رقم [٦٣].\nهذا؛ و﴿اِئْذَنْ﴾ أمر من: أذن، يأذن، والأمر بهمزتين: همزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا ابتدأت الكلام، قلت: ايذن بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية، فتقول: ائذن، ومثل ذلك قل في إعلال: أتى، يأتي، ائت.\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ﴾: (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا هو الإعراب الظاهر، والأصح: أن مضمون (منهم) مبتدأ، و﴿مَنْ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ،﴾ فعطف (أكثرهم) على ﴿مِنْهُمْ﴾ يؤيد أن معناه بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث، لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظة (منهم) بما هو مبتدأ، أعني لفظة (بعضهم) وهذا مما يدل على أن مضمون (منهم) مبتدأ، هذا؛ وليوث جمع ليث، وهو الأسد، (لا ترام): لا تقصد بشر، (قمشت):\nجمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء.\n ﴿يَقُولُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ ﴿اِئْذَنْ﴾: أمر، وفاعله: (أنت). ﴿لِي﴾:\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿اِئْذَنْ لِي﴾: في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ: صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿يَقُولُ﴾:\nالواو: حرف عطف. (لا): ناهية، ﴿تَفْتِنِّي﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، ونون الفعل الأصلية مدغمة في نون الوقاية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿فِي الْفِتْنَةِ﴾: متعلقان بما بعدهما.","vol":"4","page":163},{"text":"﴿سَقَطُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها.\n ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿جَهَنَّمَ﴾: اسمها، ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾:\nاللام: هي المزحلقة. (محيطة): خبر (إن). ﴿بِالْكافِرِينَ﴾: متعلقان ب (محيطة)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط.\n\n<span id=\"aya-1285\"></span>﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ أي: إن يصبك يا محمد خير من نصر، وغنيمة؛ يحزن المنافقون، ويتمنون أن يكونوا معك في تلك الغزوة، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾: من هزيمة وشدة، كما حصل في غزوة أحد. ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا﴾ أي: احتطنا لأنفسنا، وأخذنا بالأمر الحزم؛ حيث لم نخرج للقتال. ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾: يعرضوا عن محدثهم، وهم مسرورون بذلك، أو يعرضوا عن الرسول ﷺ، ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ بما صنعوا من التخلف، وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١٢٠] من سورة (آل عمران)، والآية رقم [٧٢] النساء، فهما تشبهان هذه الآية، هذا؛ وقد قابل الله هنا الحسنة بالمصيبة، ولم يقابلها بالسيئة، كما في الآية رقم [١٢٠] آل عمران؛ لأن الخطاب هنا للنبي ﷺ، وهي في حقه مصيبة يثاب عليها، لا سيئة يعاتب عليها، كما في آل عمران، فإنها خطاب للمؤمنين، وانظر القول في الآية رقم [٥] (الأعراف).\nبعد هذا ف ﴿تُصِبْكَ،﴾ ماضيه: أصاب، وهو يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم يصيب، لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه يصيب: أتى بالصواب، وأصاب فلانا البلاء يصيبه: وقع عليه، وأصل يصيب: يؤصوب، أو يؤصيب، فقل في إعلاله: حذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أؤصيب الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار (يصوب، أو يصيب) ثم يقال: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء، أو الواو، وهي الكسرة إلى الصاد قبلها بعد سلب سكونها، فصار (يصيب، أو يصوب) ثم قلبت الواو في الثاني ياء لانكسار ما قبلها، ولما دخل الجازم صار (تصيب) فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار ﴿إِنْ تُصِبْكَ..﴾. إلخ وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل: أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم، ونحو ذلك كما حذفت الهمزة الثانية من يؤمنون؛ لأن ماضيه آمن، وأصله: أأمن، والمضارع: يؤأمن، أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]","vol":"4","page":164},{"text":"فإنه أهل لأن يؤكرما\nولا تنس أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، ومصيبة، ومصاب، وقس على ذلك.\nتنبه لهذا، واحفظه.\nالإعراب: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ،﴾ ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا﴾: إعراب هاتين الجملتين مثل إعراب قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ..﴾. إلخ في الآية رقم [٤٠]، ﴿قَدْ﴾:\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَخَذْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿أَمْرَنا﴾: مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ أَخَذْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾:\n (يتولوا): معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ويجوز في مثله النصب والرفع، انظر الآية رقم [٢٨٣] من سورة (البقرة)، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بما قبلهما، وانظر الآية رقم [٤٩]، والجملة الاسمية:\n ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: في محل نصب حال، من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1286\"></span>﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من مكروه: لن يصيبنا إلا ما قدره الله لنا، أو علينا، وسجله في اللوح المحفوظ؛ لأن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، من خير وشر، فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروها نزل به، أو يجلب لنفسه نفعا، أراده لم يقدر له. ﴿مَوْلانا﴾: المولى يطلق، ويراد: به الإله المعبود بحق، كما يطلق على السيد، والعبد، والحليف، وابن العم، والنصير، والصاحب، ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: فليعتمدوا عليه لا على غيره، فهو الذي يحفظهم، ويرد عنهم كيد أعدائهم، وانظر إعلال (يصيب) في الآية السابقة. ﴿اللهُ﴾: انظر الآية رقم [١] من سورة (الأنفال).\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿لَنْ﴾: حرف نفي، ونصب واستقبال، ﴿يُصِيبَنا﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ و(نا): مفعول به، ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.\n ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي، أو شيء كتبه الله لنا، من الخير، أو علينا من الشر. ﴿هُوَ﴾: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مَوْلانا﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية تعليل للكلام السابق لا محل لها. ﴿وَعَلَى﴾: الواو: فيما أرى","vol":"4","page":165},{"text":"زائدة. (على الله): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾: الفاء: حرف استئناف، أو هي الزائدة، والواو: عاطفة، اللام: لام الأمر. (يتوكل): مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو.. الخ، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقد قال أبو البقاء: دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى: إن فرحوا بتخلفهم، وشمتوا فيكم؛ فتوكلوا أنتم على الله، وإن اشتد الأمر؛ فتوكلوا، وعلى هذا فالواو ليست زائدة، وإنما هي عاطفة جملة شرطية على الكلام السابق، وتكون الفاء هي الفصيحة، ولا يخفى ما فيه من التكلف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1287\"></span>﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين هل تنتظرون بنا أيها المنافقين، والتربص: الانتظار والترقب. ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: إما النصر والغنيمة، وإما الشهادة والمغفرة، وهي الغاية القصوى التي يهدف إليها المؤمن ويرغب فيها، ويدل على ذلك ما جاء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ، قال: «تكفّل الله-وفي رواية تضمّن الله-لمن خرج في سبيله، لا يخرج إلاّ جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليّ ضامن، أن أدخله الجنّة، أو أرجعه إلى مسكنه الّذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر، أو غنيمة». أخرجاه في الصحيحين.\nهذا؛ والحسنيين تثنية: الحسنى، وهي مؤنث الأحسن، والجمع: الحسن، والحسنيات، ولا يجوز النطق به إلا معرفا. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أي: ننتظر ونترقب بكم إحدى السوءين:\nأولهما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ بأن يهلككم، كما أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية. ﴿أَوْ بِأَيْدِينا﴾: الثانية بأن يسلطنا عليكم ويأذن لنا بقتالكم، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: وعيد، وتهديد، أي: انتظروا مواعيد الشيطان. ﴿إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾: منتظرون مواعيد الله، بالنصر والظفر والعزة والسيادة، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، بعد هذا انظر إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١]، ﴿بِعَذابٍ﴾: انظر الآية رقم [٤٠]، ﴿بِأَيْدِينا﴾: جمع يد، وانظر الآية رقم [١٠٨] من سورة (الأعراف)، وانظر ﴿الْحُسْنى﴾: في الآية رقم [١٨٠] منها أيضا، و[١١٠] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام إنكاري توبيخي، ومعناه النفي. ﴿تَرَبَّصُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِنا﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ﴾:\nحرف حصر، ﴿إِحْدَى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر،","vol":"4","page":166},{"text":"و﴿إِحْدَى﴾: مضاف، و﴿الْحُسْنَيَيْنِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء لأنه مثنى.. الخ، وجملة: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ هَلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَنَحْنُ﴾: الواو: واو الحال. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿نَتَرَبَّصُ بِكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ﴾ في محل نصب مفعول به، التقدير: نتربص بكم إصابة الله لكم بعذاب، والجملة الاسمية (نحن.. الخ) في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾:\nمتعلقان ﴿بِعَذابٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿بِأَيْدِينا﴾: معطوفان على قوله ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ والجر مقدر على الياء، و(الهاء) و(نا): كلاهما في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٩]، (تربصوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا﴾ في الآية رقم [١١]، من سورة (الأعراف)، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بما بعده. والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿مُتَرَبِّصُونَ﴾: خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ، تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1288\"></span>﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين أنفقوا طائعين من قبل أنفسكم، أو مكرهين بالإنفاق، بإلزام الله ورسوله إياكم بالإنفاق، فلن يقبل منكم ما تنفقونه، ونفي التقبل يحتمل أمرين: أن لا يؤخذ منهم، وأن لا يثابوا عليه، لأن هذا الإنفاق كان لغير وجه الله تعالى، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾: هذا تعليل لعدم قبول نفقاتهم، وهذه الآية، وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين فهي تعم كل من أنفق ماله لغير وجه الله، بل أنفقه رياء وسمعة، انظر الآية رقم [٢٦٣]، من سورة (البقرة)، ففيها الدواء الشافي، علما بأن الآية الكريمة متعلقة بالجد بن قيس المذكور في الآية رقم [٥٠] وهي في معنى قوله تعالى: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ..﴾. إلخ.\nبعد هذا انظر (القول) في الآية رقم [٤] (الأعراف)، و(نفق) في الآية رقم [٣] الأنفال، وإعلال مثل: ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف)، و﴿قَوْمًا﴾ في الآية رقم [٣٢] منها، و﴿فاسِقِينَ﴾: في الآية رقم [١٤٥] منها، ومعناه هنا: (كافرين)، وهو ما تبينه الآية التالية، وفيه تغليب الرجال على النساء كما رأيت في الآية رقم [٣٤] و[٤٥].","vol":"4","page":167},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿أَنْفِقُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿طَوْعًا﴾: صفة مفعول مطلق محذوف، أو هو حال على تأويله ب «طائعين».\n ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿كَرْهًا﴾: معطوف على ما قبله. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب، ومعناه:\nالحال لا الاستقبال هنا. ﴿يُتَقَبَّلَ﴾: مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل محذوف؛ إذ التقدير:\nلن يتقبل منكم ما تنفقونه. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة. والرابط: الضمير فقط. والتقدير: غير متقبل منكم إنفاقكم. ﴿إِنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمها. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون، والتاء اسمه، والميم علامة جمع الذكور. ﴿قَوْمًا﴾: خبر كان. ﴿فاسِقِينَ﴾: صفة:\n ﴿قَوْمًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل لعدم القبول لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1289\"></span>﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ..﴾. إلخ: أي: إن المانع من قبول نفقاتهم، وعدم إثابتهم عليها، هو كفرهم بالله ورسوله، هذا؛ ويقرأ «(يقبل)» بالتاء والياء، وبالبناء للمجهول؛ لأن النفقات مؤنث مجازي، وأيضا فصل بينها وبين الفعل، كما قرئ: «(يقبل)» بالبناء للمعلوم، ونصب نفقاتهم، فيكون الفاعل عائدا إلى الله، ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى﴾ أي: لا يأتون المسجد لأداء الصلاة إلا وهم كسالى متثاقلين، وإن كانوا في جماعة صلوا، وإن انفردوا في بيوتهم، أو غيرها لم يصلوا؛ لأنهم لا يرجون عليها ثوابا، ولا يخشون في تركها عقابا، وانظر الآية رقم [١٤٢] من سورة (النساء)، ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾: وذلك لأنهم يعتقدون الإنفاق في سبيل الله مغرما، لا ثواب فيه، ومنعه مغنما، وانظر الصلاة والزكاة في الآية رقم [١٢].\nتنبيه: أفادت الآية الكريمة وسابقتها أن أفعال الكافر إذا كانت برا، كصلة القرابة ونحوها، لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة، بيد أنه يطعم بها في الدنيا، دليله ما رواه مسلم عن عائشة﵂-، قالت قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهليّة يصل الرّحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين». وروي عن أنس ﵁، قال، قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدّنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر؛ فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا؛ حتّى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها». وهذا نص، ثم قيل: هل","vol":"4","page":168},{"text":"بحكم هذا الوعد الصادق، لا بد أن يطعم الكافر، ويعطى بحسناته في الدنيا، أو ذلك مقيد بمشيئة الله المذكورة في قوله تعالى: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ وهذا هو الصحيح من القولين، والله أعلم.\nوتسمية ما يصدر من الكافر حسنة إنما هو بحسب ظن الكافر، وإلا فلا يصح منه قربة، لعدم شرطها المصحح لها، وهو الإيمان، أو سميت حسنة؛ لأنها تشبه صورة حسنة المؤمن ظاهرا، قولان أيضا. انتهى قرطبي. وما أحراك أن تنظر سورة (النور) رقم [٣٩] والفرقان رقم [٢٣] وسورة (إبراهيم) ﵇ [١٨].\nأقول: ومعنى إطعام الكافر في الدنيا، إدرار الرزق عليه، ومده بالصحة والعافية، وسروره في هذه الدنيا، وراحة باله وهناءة عيشه وغير ذلك من نعيم الدنيا، وملذاتها، وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (هود) ﵇ تجد ما يسرك ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: (ما): نافية. ﴿مَنَعَهُمْ﴾: ماض، والهاء: مفعول به، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ﴾: في محل نصب مفعول به ثان، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: وما منعهم من قبول نفقاتهم. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل (منع) التقدير: إلا كفرهم، وعلى قراءة «(يقبل)» بالبناء للمعلوم، واعتبار الفاعل عائدا إلى الله فالمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا لكفرهم بالله ورسوله. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَأْتُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿الصَّلاةَ﴾: مفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كَفَرُوا﴾ فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كُسالى﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1290\"></span>﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ أي: فلا تلتفت، ولا تنظر إلى ما نمدهم به من أموال، وبنين في هذه الدنيا، إنما هو استدراج لهم، والخطاب للنبي ﷺ، ويشمل كل مؤمن،","vol":"4","page":169},{"text":"﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها..﴾. إلخ أي: بسبب ما يكابدون لجمعها، وحفظها من المصاعب، وما يرون فيها من المشاق، والشدائد، والمتاعب، فإن كثرة الأولاد والمال؛ تسبب للإنسان كثرة الهموم والمتاعب، ويزداد الحزن والغم؛ بسبب المصائب الواقعة فيهما، وإنما خص الكافر والمنافق بذكر هذا التعذيب مع كونه يحصل للمؤمن شيء من ذلك؛ لأن الكافر، والمنافق لا يعتقدان أن الآخرة لهما، وأنها ليس فيها ثواب، بخلاف المؤمن، فهو يؤمن بالآخرة، والثواب فيها، كما يؤمن بالجزاء الذي وعده الله للصابرين على البلاء، والمصائب. و﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾: والمعنى: أنهم يموتون على الكفر، فيكون عذابهم في الآخرة أشد، وأقسى من عذاب الدنيا، والزهوق: الخروج بصعوبة، وفعله من باب فتح، وقد يأتي من باب فرح. بعد هذا انظر (العجب) في الآية رقم [٦٣] (الأعراف). وشرح الأموال في الآية رقم [٢٨] الأنفال، ﴿يُرِيدُ﴾: انظر إعلال مثله في الآية رقم [٥١] وشرحه في الآية رقم [٨٩] (الأعراف)، ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: انظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: ﴿فَلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية. ﴿تُعْجِبْكَ﴾: مضارع مجزوم بلا الناهية، والكاف: مفعول به. ﴿أَمْوالُهُمْ﴾: فاعله. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا):\nمعطوفة على ما قبلها، ومعناها النهي لا النفي. ﴿أَوْلادُهُمْ﴾: معطوف على ما قبله، فهو داخل في الفاعلية، والهاء: فيهما في محل جر بالإضافة والميم: علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية: ﴿فَلا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ اللهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: اللام: زائدة قائمة مقام «أن»، ويقال: «أن» مضمرة بعدها، (يعذبهم):\nمضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد اللام، والهاء: مفعول به. ﴿بِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان بالفعل (يعذب) وقيل: متعلقان بالفعل ﴿تُعْجِبْكَ﴾. ﴿الدُّنْيا﴾:\nصفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و«أن» المضمرة والفعل يعذب في تأويل مصدر في محل جر باللام لفظا، وهو في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿إِنَّما يُرِيدُ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿وَتَزْهَقَ﴾: معطوف على (يعذب) منصوب مثله. ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾: فاعله، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1291\"></span>﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: يقسم المنافقون بالله: إنهم من ملتكم، وإنهم مسلمون. ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾: نفي لإسلامهم، لكفر قلوبهم، وخبث نياتهم، ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾: يخافون منكم أن تظهروا على سرائرهم فتفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين، لذلك يتظاهرون بالإسلام تقية ووقاية من بطشكم بهم.","vol":"4","page":170},{"text":"الإعراب: ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾: الواو: حرف استئناف، وجملة: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ مع جوابها مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿لَمِنْكُمْ﴾: اللام: هي المزحلقة. (منكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: جواب القسم لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية أو تميمية. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، على إعمالها أو في محل رفع مبتدأ على إهمالها. ﴿لَمِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (ما)، أو في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾: في محل نصب حال من اسم (إنّ)، والرابط: الواو، والضمير، واعتبارها مستأنفة لا بأس به. ﴿وَلكِنَّهُمْ﴾: الواو: حرف عطف.\n (لكنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، ﴿قَوْمٌ﴾: خبرها، وجملة: ﴿يَفْرَقُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع صفة: ﴿قَوْمٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوف على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-1292\"></span>﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أي: لو يجد هؤلاء المنافقون حصنا يتحصنون به، ويلجئون إليه، ﴿أَوْ مَغاراتٍ﴾: جمع مغارة وهي مكان يكون في جوف الأرض يختفي فيه من يريد الاستتار عن الأنظار، وانظر الغار في الآية رقم [٤١]، ﴿مُدَّخَلًا﴾: نفقا ومدخلا تحت الأرض يختبئون فيه، الأصل فيه متدخل، وقيل: مدتخل، فأدغمت الدال في التاء، وقرئ: و«(مُدخَلا)»، و«(مُدْخلا)» و«(مدّخّلا)»، ففيه ستّ قراءات. ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ أي: لرجعوا إلى أحد المذكورات لو وجدوه، وتحرزوا به مع أن الثلاثة المذكورة شر الأمكنة، وأضيقها. ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: أي:\nيسرعون إلى ذلك لا يردهم شيء، كالفرس الجموح الذي لا يلوي على شيء، وقرئ:\n «(يجمزون)» من الجمز، وهو ضرب من السير أشد من العنق، وانظر إعلال «يجد» في الآية رقم [١٧] من سورة (الأعراف)، وإعلال (ولّوا) مثل إعلال (أتوا) في الآية رقم [١٣٨] منها.\nالإعراب: ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ﴿يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿مَغاراتٍ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ﴿مُدَّخَلًا﴾: معطوف على ما قبله. ﴿لَوَلَّوْا﴾: اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (ولوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب ﴿لَوْ،﴾ وجملة:\n ﴿يَجِدُونَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَهُمْ﴾: والواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني","vol":"4","page":171},{"text":"على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿يَجْمَحُونَ﴾: فعل وفاعل. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1293\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ أي: المنافقين من يعيبك في قسم الصدقات وتوزيعها، قال الجوهري: اللمز: العيب، وأصله: الإشارة بالعين، واللسان، ونحوهما، ورجل لمّاز ولمزة، أي: عياب، والهمز مثل اللمز، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ،﴾ و﴿يَلْمِزُكَ﴾ قرئ بكسر الميم وضمها، كما قرئ: «(يلامزك)»، ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها﴾ ما يريدون ويرغبون فيه.\n ﴿رَضُوا﴾ أي: بتلك القسمة، ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها﴾ أي: ما يريدونه. ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾:\nيغضبون، ويعيبون على النبي ﷺ في قسمتها، هذا؛ وأصل ﴿أُعْطُوا﴾: أعطيوا وأصل ﴿رَضُوا﴾:\nرضيوا. فقل في إعلالهما: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، ثم قلبت كسرة الطاء والضاد ضمة لمناسبة الواو.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في ذي الخويصرة التميمي، واسمه حرقوص بن زهير، وهو أصل الخوارج، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم مالا إذ جاءه ذو الخويصرة، فقال: يا رسول الله اعدل! فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟». فقال عمر بن الخطاب﵁دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق، فقال: «معاذ الله أن يتحدّث الناس: أنّي أقتل أصحابي، دعه فإنّ له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، إنّ هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرميّة». وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين، يقال له: أبو الجواظ: لم تقسم بالسوية، فنزلت هذه الآية.\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٥٠]، ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أُعْطُوا﴾: ماض مبني للمجهول، مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو: نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: قسما: ﴿مِنْها﴾: متعلقان بهذا المحذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿رَضُوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم جواب الشرط، والواو: فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب ﴿إِذا﴾ الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل","vol":"4","page":172},{"text":"له ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها﴾ مثل إعراب سابقه. ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٠٧] من سورة (الأعراف). وإذا الفجائية هنا قائمة مقام فاء الجزاء في الربط على حد قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوتخلف الفاء إذا المفاجأة... كإن تجد إذا لنا مكافأة\nفإن الأصل في الآية. (فهم يسخطون)، وإن الشرطية ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، بعد هذا انظر ما ذكرته في ﴿وَإِنْ لَمْ﴾ في الآية رقم [٢٣] من سورة (الأعراف) فإنه جيد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1294\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾: ولو أن المنافقين الذين عابوا عليك قسمتك الأموال رضوا بما قسم لهم الرسول ﷺ، وأعطاهم من الغنيمة، وذكر الله للتعظيم، والتنبيه على أن ما فعله الرسول ﵊، كان بأمره تعالى. ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ﴾:\nكافينا الله. ﴿سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ أي: سيعطينا الرسول ﷺ بأمره تعالى من غنيمة أخرى أكثر مما أعطانا في هذه الغزوة، ﴿إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ أي: طامعون في جوده، وكرمه في أن يوسع علينا عن الصدقة، وعن غيرها من أموال الناس.\n ﴿حَسْبُنَا﴾: حسب: اسم ملازم للإضافة ك «قبل» و«بعد» ونحوهما، وتقطع هذه الأسماء عن الإضافة لفظا دون معنى، فتبنى على الضم، نحو قوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ونحو قبضت عشرة فحسب، أي: فحسبي ذلك، وهي بمعنى اسم الفاعل (كاف)، وتقع صفة للنكرة في حال الإضافة وعدمها، كمررت برجل حسبك من رجل، ورأيت رجلا حسب، وحالا من معرفة، كهذا عبد الله حسبك من رجل، ورأيت رجلا حسب، ومبتدأ، فتستعمل استعمال الأسماء الجامدة، نحو ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ وقبضت عشرة فحسب، أي: فحسبي ذلك.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها. ﴿رَضُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق.\n ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: (آتاهم الله ورسوله إياه)، فهو المفعول الثاني كما ترى، وجملة: ﴿رَضُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير:","vol":"4","page":173},{"text":"ولو حصل رضاهم، أو ثبت، ونحوه، وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: ولو رضاهم ثابت أو حاصل، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لكان خيرا لهم. ﴿حَسْبُنَا﴾: مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿رَضُوا..﴾.\nإلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿سَيُؤْتِينَا﴾: السين: حرف استقبال. (يؤتينا): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و(نا): مفعول به أول. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على ﴿اللهُ،﴾ والمفعول الثاني محذوف، انظر الشرح، وجملة: ﴿سَيُؤْتِينَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿إِلَى اللهِ﴾: متعلقان بما بعدهما.\n ﴿راغِبُونَ..﴾. خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وقال الجمل: هاتان الجملتان ﴿سَيُؤْتِينَا..﴾. إلخ كالشرح لقوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ فلذلك لم يتعاطفا؛ لأنهما كالشيء الواحد، فشدة الاتصال منعت العطف. انتهى. عن كرخي، ويعود فحواه إلى مقول القول، كما ذكرته.\n\n<span id=\"aya-1295\"></span>﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾\nالشرح: أعلم أن المنافقين لما عابوا النبي ﷺ في قسم الصدقات؛ بين الله ﷿ في هذه الآية: أن المستحقين للصدقات هؤلاء الأصناف الثمانية، ومصرفها إليهم، ولا تعلق لرسول الله ﷺ بشيء منها، ولم يأخذ لنفسه منها شيئا، فعن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصّدقة، فقال له: «إنّ الله لم يرض بحكم نبيّ، ولا غيره في الصّدقات، حتى حكم فيها هو، فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك». أخرجه أبو داود. انتهى. خازن بتصرف.\nبعد هذا المراد بالصدقات: الزكوات الواجبة في جميع الأموال على اختلاف أنواعها، كما هو مبين في الفقه الإسلامي.\n ﴿لِلْفُقَراءِ﴾: جمع فقير، وأصله في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم أطلق على المعدم؛ الذي لا يجد حاجته من المال؛ لأنه يشبه الذي انبتّ ظهره، وعدم الحول والقوة، وهو أسوأ","vol":"4","page":174},{"text":"حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعية، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ..﴾. إلخ فسماهم مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتجرون فيها، وينقلون بضائع للناس من صقع إلى صقع، وكان النبي ﷺ يسأل المسكنة، ويتعوذ بالله من الفقر، فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اللهمّ أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة». رواه الترمذي، فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير، لما تعوذ من الفقر، وسأل المسكنة.\n ﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها﴾: هم السعاة الذين يتولون جباية الصدقات، وقبضها من أهلها، ووضعها في جهتها، فيعطون من مال الزكاة بقدر أجورهم، سواء أكانوا فقراء، أم أغنياء، ولا يجوز أن يكونوا من بني هاشم، ولا من بني المطلب.\n ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: هم قوم أسلموا، ونيتهم ضعيفة، لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، وقد أعطى الرسول ﷺ من غنائم هوازن: عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، والعباس بن مرداس السلمي، فقد أعطاهم ﷺ لتقوى رغبتهم في الإسلام، ومن المؤلفة قوم أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام، وهم أشراف في أقوامهم، مثل: عدي بن حاتم الطائي، والزبرقان بن بدر، فأعطاهم ﷺ، تألفا لقومهم، وترغيبا لأمثالهم في الإسلام.\n ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي: وفي فك الرقاب، ويكون بأمور: بمعاونة المكاتبين على تحرير أنفسهم من الرق، وهذا لا وجود له اليوم، وقيل: بشراء العبيد وإعتاقهم، ويكون بفك الأسرى من يد الكفار، وهذا لا ينعدم في كل زمان ومكان.\n ﴿وَالْغارِمِينَ﴾: جمع غارم، وهم قسمان: قسم ادّانوا لأنفسهم في غير معصية، فيعطون بقدر ديونهم إذا لم يجدوا وفاء، وقسم ادّانوا في المعروف، وإصلاح ذات البين، كأن تحمل أحدهم دية قتيل، أو قتلى لتسكين الفتنة، وقطع دابر الشر، فيعطون من مال الصدقات ما يقضي ديونهم، وإن كانوا أغنياء، أما من كان دينه في معصية فلا يعطى من الصدقات شيئا.\n ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: وفي النفقة في سبيل الله، والمراد به: الغزاة، فلهم سهم من مال الصدقات، فيعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ما يستعينون به على أمر الجهاد. وإن كانوا أغنياء، وأجاز بعض الفقهاء صرف سهم سبيل الله إلى جميع وجوه الخير، من تكفين الموتى، وبناء الجسور والحصون، وعمارة المساجد، وغير ذلك، والقول الأول هو المعتمد لإجماع الجمهور عليه.\n ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: المسافر من بلد يعطى من مال الصدقات ما يكفيه لمئونة سفره حتى يصل بلده، وهذا إذا لم يكن معه مال يوصله إلى مقصده، وإن كان له مال كثير في بلده، وانظر شرح (سبيل) في الآية رقم [١٤٢] (الأعراف).","vol":"4","page":175},{"text":"﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي: هذه الأحكام المذكورة في هذه الآية فريضة واجبة من الله، أو المعنى فرض الله هذه الأشياء فريضة، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بمصالح عباده. ﴿حَكِيمٌ﴾: فيما فرض لهم، لا يدخل في تدبيره وحكمه نقض ولا خلل.\nتنبيه: يجب أن تفهم أن لجر الأصناف الأربعة الأول باللام، وجر الأربعة الأخر ب (في) فرقا، وتفسيره بأن اللام تفيد الملك، فنصيب الأول يسلم إليهم، وهم أحرار فيه يفعلون فيه ما يشاءون، وأما نصيب القسم الثاني فيجب أن يوضع في الجهة التي استحق الصنف بها هذا السهم، فنصيب الرقاب يجب أن يصرف في فك رقابهم، وتحريرها من الرق، ونصيب الغارمين يجب أن يصرف في وفاء ديونهم، ونصيب الجهاد، والغزاة يجب أن يشترى به ما يحتاجون إليه من أهبة الحرب، ونصيب ابن السبيل يجب أن يصرف في أجرة سفره، وما يحتاجه من طعام وغيره في هذا السفر؛ وهذا يعني أنهم لا يسلمون نصيبهم إلا إذا صرفوه في الجهة التي استحقوا بها هذا المال، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿الصَّدَقاتُ﴾: مبتدأ. ﴿لِلْفُقَراءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ﴾: معطوفان على الفقراء، فهما مجروران مثله، وعلامة الجر فيهما الياء نيابة عن الكسرة.. الخ. ﴿عَلَيْها﴾: متعلقان بالعاملين؛ لأنه جمع عامل، فهو اسم فاعل. لذا ففيه ضمير مستتر هو فاعله، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: نائب فاعله، وقيل: هو فاعل، وهذا على اعتبار فعله لازما. ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾: معطوفان على ﴿لِلْفُقَراءِ﴾. ﴿وَالْغارِمِينَ﴾: معطوف على ما قبله مجرور مثله... إلخ. ﴿وَفِي سَبِيلِ﴾:\nمعطوفة على ﴿وَفِي الرِّقابِ،﴾ و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَابْنِ﴾: معطوف على ما قبله، و(ابن) مضاف، و﴿السَّبِيلِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَرِيضَةً﴾: مفعول مطلق عامله محذوف، انظر تقديره في الشرح، وعلى قراءته بالرفع فهو خبر لمبتدإ محذوف. انظر التقدير في الشرح.\n ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿فَرِيضَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1296\"></span>﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي: من المنافقين جماعة يؤذون النبي ﷺ، ويعيبونه، ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ذلك،","vol":"4","page":176},{"text":"فيقع بنا، وينتقم منا، فقال الجلاس بن سويد، وهو من المنافقين، بل نقول: ما شئنا، ثم نأتيه، وننكر ما قلنا، ونحلف، فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أذن، يسمع كل ما يقال له، ويقبله، وقيل: إن قائل ذلك يقال له نبتل بن الحارث، وكان مشوه الخلقة، وقد قال فيه النبي ﷺ: «من أحبّ أن ينظر إلى الشّيطان، فلينظر إلى نبتل بن الحارث». ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي: هو أذن خير، لا أذن شر، أي: يسمع الخير، لا يسمع الشر، فالمراد بالأذن صاحبها، فعبر بالجزء عن الكل، كما سمي الجاسوس عينا، وقرئ بضم الذال وسكونها، كما قرئ برفع «(أذنٌ)» وتنوينه وعدمه. ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾: يصدق بوجوده، ويعترف بربوبيته. ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: ويصدق المؤمنين، ويطمئن لعلمه بإيمانهم، وصلاح نياتهم وضمائرهم. ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أي:\nوهو رحمة للمؤمنين حيث يقبل الظاهر منهم، ولا يكشف سرائرهم. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ أي: بقول أو بفعل. ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في جهنم، وبئس المصير، هذا؛ و﴿أُذُنٌ﴾ يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. وانظر شرح ﴿النَّبِيَّ﴾ في الآية رقم [١] الأنفال، وانظر (القول) في الآية رقم [٥] (الأعراف). وانظر الإيمان في الآية رقم [٢١] منها، ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾: انظر الآية رقم [٤٠] وقرئ (رحمة) بالرفع والنصب والجر.\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمُ﴾: الواو: حرف استئناف. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر. وانظر الآية رقم [٥٠]، وجملة: ﴿يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾: صلة الموصول لا محل لها. (يقولون): مضارع مرفوع.. الخ. والواو:\nفاعله، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أُذُنٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، التقدير:\nهو أذن. وهو مضاف، و﴿خَيْرٍ﴾: مضاف إليه، هذا؛ وعلى قراءة التنوين، ورفع (خير) فهو صفة ﴿أُذُنٌ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان ب: ﴿خَيْرٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ في محل رفع صفة: ﴿أُذُنٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه، أو بعد إضافته، وقال الجمل: هي تفسير ل ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ،﴾ وجملة: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، واللام: زائدة في المفعول به، لتفرق بين (يؤمن) بمعنى: يصدق، و(يؤمن) بمعنى: يثبت الأمان، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: بالرفع عطفا على ﴿أُذُنٌ،﴾ وبالجر على ﴿خَيْرٍ،﴾ وبالنصب، على أنه مفعول لأجله، عامله دل عليه ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ أي: يأذن لكم رحمة. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان ب (رحمة)، أو بمحذوف صفتها، وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو:\nحرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ﴾:","vol":"4","page":177},{"text":"مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1297\"></span>﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾: الضمير مراد به النبي ﷺ، وجمع معه الصحابة تشريفا، وتكريما لهم. ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾: اختلفوا في معنى الضمير إلى ماذا يعود، فقيل: الضمير عائد على (الله) تعالى؛ لأن رضا الله في رضا رسوله ﷺ، والمعنى: والله ورسوله أحق أن يرضوه بالتوبة والإخلاص، وقيل: معناه: والله أحق أن يرضوه، وكذلك رسوله، ومذهب سيبويه أن التقدير: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، وقيل غير ذلك، ومذهب سيبويه أولى بالاعتبار معنى وإعرابا، وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (المائدة). ﴿إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: حقا وصدقا فليرضوا الله ورسوله.\nتنبيه: قال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين، فيهم الجلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، فيهم غلام من الأنصار، يدعى عامر بن قيس، فحقروه، ثم تكلموا، فقالوا: إن كان ما يقول محمد حقّا لنحن شرّ من الحمير، فغضب الغلام، وقال: والله إنما يقول حق، وأنتم شر من الحمير، ثم أتى النبي ﷺ، وأخبره بمقالهم، فدعاهم، وسألهم، فأنكروا. وحلفوا أن عامرا كاذب، وحلف عامر: أنهم كذبة، فصدقهم النبي ﷺ، فجعل عامر يدعو، ويقول: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله الآية الكريمة.\nوقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله ﷺ أتوه يعتذرون، ويحلفون، فأنزل الله هذه الآية.\nالإعراب: ﴿يَحْلِفُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، والكاف: مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: فعلوا ذلك لإرضائكم، وهذه الجملة جواب ﴿يَحْلِفُونَ﴾ لا محل لها، وقيل: اللام واقعة في جواب القسم، وكسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون، وهذا القول عزاه ابن هشام في مغنيه لأبي الحسن الأخفش، وقال: وافقه أبو علي الفارسي على ذلك، وقد أورد الآية الكريمة، والآية رقم [١١٣] من سورة (الأنعام)، تأييدا للشاهد [٣٧٩]، من كتابنا: «فتح القريب المجيب»،","vol":"4","page":178},{"text":"وجملة: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ..﴾. إلخ مع جوابها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَاللهُ﴾: الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ. ورسوله: مبتدأ ثان، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر عن الأول، وخبر الثاني يدل عليه لدلالة الأول عليه، أو هو خبر عن الثاني، وخبر الأول محذوف لدلالة خبر الثاني محذوف، وقيل: هو خبر عن الاسمين، ويكون إفراد الضمير في ﴿يُرْضُوهُ﴾ للإيذان بأن رضا النبي ﷺ مندرج تحت رضاه ﷾، وإرضاؤه ﵊ إرضاء له تعالى، ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ إعراب هذا؛ وتأويله وتعليقه مثل ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ في الآية رقم [١٤] بلا فارق، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَنْ﴾: حرف شرط جازم، ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو: اسمه، والألف للتفريق، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كانوا.. فليرضوهما، و﴿أَنْ﴾ ومدخولها كلام معترض في آخر الكلام، لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1298\"></span>﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ..﴾. إلخ. أي: ألم يعلم المنافقون أن الحال والشأن من يخالف ويعاند، ويخاصم الله ورسوله فإنه يستحق الخلود في نار جهنم، والخلود في جهنم أعظم خزي، وأكبر نكال، وهو الفضيحة الكبرى، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. هذا؛ وقرئ ﴿يَعْلَمُوا﴾ بالياء والتاء، و﴿يُحادِدِ﴾: فعل مضاعف يجوز فيه الفك والإدغام عربية، ولكن لم يذكر له قراءة بالإدغام، والخلود: طول المكث، وعدم الخروج، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة حرف استفهام وتقرير وتوبيخ هنا. (لم): حرف نفي وقلب وجزم، ﴿يَعْلَمُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: ضمير الحال والشأن اسمها.\n ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿يُحادِدِ﴾: مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر يعود إلى من تقديره: «هو». ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة، ﴿فَأَنَّ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط، (أن):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أنّ) تقدم على اسمها. ﴿نارَ﴾: اسمها","vol":"4","page":179},{"text":"مؤخر، وهو مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمية، ﴿خالِدًا﴾: حال من الضمير المجرور باللام، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِدًا،﴾ و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، فالخلود في جهنم ثابت لهم، أو في رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nفالواجب خلودهم في جهنم، هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إنّ)» فتكون الجملة الاسمية تامة، ولا تحتاج إلى تقدير محذوف، وعلى الوجهين: فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٢٤]، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿يَعْلَمُوا﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا الإعراب هو الذي أعتمده، وهناك أقوال وتأويلات، وتكلفات لا وجه لها أعرضت عنها، ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل لها. ﴿الْخِزْيُ﴾:\nخبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفته، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1299\"></span>﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اِسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ﴾: يخافون ويخشون. ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على المؤمنين.\n ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ﴾: تخبر المؤمنين بما في قلوب المنافقين، فتهتك أستارهم، وتكشف نواياتهم الخبيثة، ولذا سميت هذه السورة: الفاضحة، والمخزية، والمبعثرة، والمثيرة، كما رأيت في أولها، ويجوز أن تكون الضمائر كلها عائدة على المنافقين، فإن النازل فيهم كالنازل عليهم، من حيث إنه مقروء، ومحتج به عليهم، وقيل: إن الكلام خبر في معنى الأمر، أي: ليحذر المنافقون، وقال السدي: قال بعض المنافقين: والله وددت لو أني قدمت، فجلدت مائة، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فنزلت الآية الكريمة. ﴿قُلِ اسْتَهْزِؤُا﴾: أمر تهديد ووعيد، كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ،﴾ ﴿إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ﴾: مظهر للناس ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾: ما تخافون ظهوره وبروزه.\nبعد هذا ف ﴿الْمُنافِقُونَ﴾ جمع: منافق، وقد سمي المنافق منافقا، أخذا من نافقاء اليربوع، وهو حجره الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر. انتهى جمل.\nهذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب، ويخلف الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة، وما أكثرهم في هذا الزمن، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأما الأول فيقال له:\nنفاق العقيدة؛ لأنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشد منه، قال","vol":"4","page":180},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وقد حذر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به؛ لأنه قد يجر إلى نفاق العقيدة، فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». وغير ذلك كثير. ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [١٠١] (الأعراف).\n ﴿اِسْتَهْزِؤُا﴾: الاستهزاء بالشيء السخرية منه، والاستخفاف به، وهو مذموم، وصاحبه مطرود من رحمة الله تعالى، وانظر ما تفيده سورة (الحجرات)؛ إن كنت من أهل القرآن، وانظر عدد المنافقين والمنافقات في الآية رقم [٦٨] الآتية.\n ﴿سُورَةٌ﴾: هي الطائفة من القرآن، التي أقلها ثلاث آيات، منقولة من سور المدينة؛ لأنها محيطة بطائفة من القرآن، محتوية على أنواع من العلم، احتواه سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة؛ لأن السّور كالمراتب والمنازل، يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول والقصر، والفضل والشرف، وثواب القراءة، قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل]\nألم تر أنّ الله أعطاك سورة؟ ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب\nوالحكمة في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة، منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا، ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى كان أنشط له، وأبعث على القراءة منه لو استمر على القرآن بطوله؛ ومن ثم جزأ القرآن أسباعا وأجزاء وعشورا، وأخماسا، ومنها: أن الحافظ إذا حفظ سورة؛ اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، لها فاتحة وخاتمة فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه، ومنه حديث أنس ﵁ (كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا) أي: عظم، ولذا أنزل الله التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة، مترجمة السور، وبوب المصنفون في كل فن من كتبهم، أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. انتهى. نسفي في غير هذه السورة بتصرف كبير مني.\nالإعراب: ﴿يَحْذَرُ﴾: مضارع. ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ.\n ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب، ﴿تُنَزَّلَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿سُورَةٌ﴾: نائب فاعل، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُنَزَّلَ﴾ في محل نصب مفعول به. وقيل: في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من تنزيل سورة، والأول أقوى؛ لأن ﴿يَحْذَرُ﴾ متعد، ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى سورة، والهاء:\nمفعول به. ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة ما، أو بمحذوف صفتها، والتقدير: بالذي استقر في قلوبهم، أو بشيء كائن في قلوبهم، وجملة: ﴿تُنَبِّئُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿سُورَةٌ،﴾ وجملة: ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ..﴾.","vol":"4","page":181},{"text":"إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلِ﴾: أمر وفاعله: (أنت). ﴿اِسْتَهْزِؤُا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿مُخْرِجٌ﴾:\nخبره، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «هو». ﴿بِما﴾: موصولة، أو موصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿مُخْرِجٌ﴾. والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: مخرج الذي، أو شيئا تحذرونه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾.\nإلخ تعليل للأمر، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1300\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥)﴾\nالشرح: روي: أن ركب المنافقين مروا على رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل، يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه على قولهم هذا، فدعاهم، فقال: «قلتم كذا، وكذا» فقالوا: لا والله! ما كنا في شيء من أمرك، وأمر أصحابك، ولكن كنا في شيء، مما يخوض فيه الركب، ليقصر بعضنا على بعض السفر.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا، أو هزلا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر؛ لا خلاف فيه بين الأئمة، فإن التحقيق أخو العلم، والحق، والهزل أخو الباطل والجهل. انتهى. قرطبي. هذا؛ وأصل الخوض: الدخول في الماء، ثم استعمل في كل دخول فيه ضر وأذى للناس على طريق الاستعارة التبعية.\nوفي الآية توبيخ وتقريع للمنافقين، وإنكار عليهم، والمعنى: كيف تقدمون على إيقاع الاستهزاء بالله؟! يعني: بفرائض الله وحدوده، وأحكامه، والمراد بآيات الله كتابه، وبرسوله محمد ﷺ، وانظر الاستهزاء في الآية السابقة.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: حرف استئناف، اللام: موطئة لقسم محذوف، (إن): حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعول به، والمتعلق محذوف، التقدير: عن استهزائهم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، (يقولن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون: للتوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم","vol":"4","page":182},{"text":"عليه، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣]، ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة، ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه، وجملة: ﴿نَخُوضُ﴾ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿وَنَلْعَبُ﴾:\nمعطوفة على ما قبلها، والجملة ﴿إِنَّما كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والكلام و﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله أنت. ﴿أَبِاللهِ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. (بالله): متعلقان بالفعل ﴿تَسْتَهْزِؤُنَ﴾. ﴿وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ﴾: معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء: اسمها، وجملة: ﴿تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿أَبِاللهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1301\"></span>﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أي: عن الاستهزاء الذي حصل منكم، والاعتذار: التنصل من الذنب، والاعتذار يمحو الموجدة من قلب الإنسان. ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾: قد ظهر كفركم بسبب إيذاء الرسول ﷺ والطعن فيه، بعد أن أظهرتم الإيمان. ونطقتم بكلمة الإسلام. ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾: بسبب توبتهم وإخلاصهم، أو لتجنبهم الإيذاء والاستهزاء، ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾: مصرين على النفاق، والإيذاء والاستهزاء، وقرئ: (نعف) و(نعذب) بالنون، والياء، هذا؛ و﴿طائِفَةٍ﴾ الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل فريق ورهط وجماعة، وجمعها طوائف، هذا؛ وقد أطلق لفظ ﴿طائِفَةٍ﴾ هنا على الواحد، وعلى الاثنين؛ لأن مجموع الطائفتين كانوا ثلاثة.\nقال محمد بن إسحاق: الذي عفي عنه، أي: وهو الطائفة الأولى، رجل واحد، وهو مخاشن، وقيل: مخشي، وقيل: جحيش بن حميّر الأشجعي، يقال: هو الذي كان يضحك ولا يخوض، وكان يمشي مجانبا للآخرين، أي: الطائفة الثانية، وكان ينكر بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ، تقشعر منها الجلود، وتخفق منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه.\nالإعراب: ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تَعْتَذِرُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ تعليل للنهي لا محل لها، وهو أقوى من اعتبارها حالا، ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾: إعراب هذه الجملة واضح إن شاء الله، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٤٠]","vol":"4","page":183},{"text":"والفاعل على قراءة النون مستتر تقديره: «نحن»، وعلى قراءة الفعلين بالياء فالفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله، ويقرأ «(يعف)» بالبناء للمجهول، فيكون ﴿عَنْ طائِفَةٍ﴾ متعلقان بمحذوف نائب فاعل، ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة طائفة ﴿بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾:\nالباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿كانُوا مُجْرِمِينَ﴾:\nفي محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نُعَذِّبْ،﴾ وجملة: ﴿لا تَعْتَذِرُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1302\"></span>﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ﴾: انظر الآية رقم [٦٥]، ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: إنهم على أمر واحد، ودين واحد، مجتمعون على الشر، والأعمال الخبيثة، كما يقول الإنسان لغيره: أنا منك، وأنت مني. هذا؛ وكان المنافقون ثلاثمائة، والمنافقات مائة، وذكر المنافقات إشارة لكثرة النفاق فيهم، حتى عمّ نساءهم. انتهى. جمل. ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾: يأمرون بالكفر، والمعاصي، ومخالفة الرسول ﷺ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾: عن الإيمان بالله، وتصديق الرسول الكريم، وعن الطاعة والإحسان. ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: يمسكون عن إنفاق الأموال في الجهاد، وجميع وجوه الخير، وقبض اليد كناية عن الشح والبخل، وانظر الآية رقم [٧٢] لشرح المنكر والمعروف، وشرح (اليد) في الآية رقم [١٠٨] (الأعراف). ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: أغفلوا ذكر الله، وتركوا طاعته فتركهم من فضله ولطفه، وقال الخازن: معناه أنهم تركوا أمره حتى صاروا بمنزلة الناسين له، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه، ورحمته، فخرج على مزاوجة الكلام، فهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أقول: ومثل هذا يسمى في فن البلاغة مشاكله، انظر الآية رقم [١٤٢] النساء، ورقم [٣٠] (الأنفال). وانظر إعلال مثل ﴿نَسُوا﴾ في الآية رقم [٥٩]. هذا؛ والنسيان: مصدر نسيت الشيء، أنساه، وهو مشترك بين معنيين: أحدهما ترك الشيء عن ذهول وغفلة، والثاني: الترك عن تعمد وقصد، وعليه ما هنا، أي: قصد المنافقون ترك ذكر الله، ومن الأول قوله تعالى حكاية عن قول فتى موسى ﵊: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله، وانظر الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿الْمُنافِقُونَ﴾: مبتدأ مرفوع... إلخ، ﴿وَالْمُنافِقاتُ﴾: معطوف على ما قبله.\n ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ، والهاء: في محل جر بالإضافة ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر","vol":"4","page":184},{"text":"المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر الأول، والجملة الاسمية: ﴿الْمُنافِقُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقول بعضهم: إن ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل مما قبله، و﴿مِنْ بَعْضٍ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ ﴿الْمُنافِقُونَ﴾ لا وجه له. ﴿يَأْمُرُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو: فاعله، ﴿بِالْمُنْكَرِ﴾: متعلقان به، والجملة الفعلية: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾: مستأنفة لا محل أو هي في محل رفع خبر ثالث، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط الضمير فقط، وما بعدها معطوف عليها. على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿نَسُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾: في الآية رقم [٥] (الأعراف)، ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ ف «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾: معطوفة عليها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُنْفِقِينَ﴾: اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: ضمير رفع منفصل مبني على السكون مبتدأ. ﴿الْفاسِقُونَ﴾: خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ هذا؛ وإن اعتبرت ﴿بَعْضُهُمْ﴾ ضمير فصل لا محل له ف ﴿الْفاسِقُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ تعليلية لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1303\"></span>﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ: انظر ﴿وَعَدَ﴾ في الآية رقم [٤٤] من سورة (الأعراف)، ﴿الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾: انظر الآية رقم [٦٥] والآية السابقة. والخلود في نار جهنم: طول المكث وعدم الخروج. ﴿حَسْبُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٦٠]، ﴿وَلَعَنَهُمُ﴾: انظر الآية رقم [٤٣] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك، ﴿عَذابٌ﴾: انظر الآية رقم [٤٠]، و﴿مُقِيمٌ﴾: أصله (مؤقوم) لأنه من أقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو لمناسبة الكسرة، وأما حذف الهمزة، فانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥١] هذا؛ وقوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بمعنى ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ قالوا في الثاني: إنه نوع آخر من العذاب المقيم سوى الصلي بالنار، ثم يأتي إشكال آخر، وهو قوله: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾: وذلك يمنع ضم شيء آخر إلى عذاب النار، وأجيب عنه بأن معناه: هي حسبهم في الإيلام، ولا يمتنع حصول نوع آخر من العذاب من غير جنس","vol":"4","page":185},{"text":"النار كالزمهرير، ولسع العقارب، وأكل الضريع، والزقوم، وشرب الحميم، والصديد، وغير ذلك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: قدم الله ذكر المنافقين والمنافقات على الكفار، ومثله في الآية الأخيرة من سورة (الأحزاب) ليبين لنا: أن النفاق أخبث من الكفر، وعذاب المنافقين أشد من عذاب الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ الآية رقم [١٤٥] من سورة (النساء)، وشرحها جيد.\nالإعراب: ﴿وَعَدَ اللهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿الْمُنْفِقِينَ﴾: مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿وَالْمُنافِقاتِ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة... إلخ. ﴿وَالْكُفّارَ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿نارَ﴾: مفعول به ثان، و﴿نارَ﴾:\nمضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه... إلخ. ﴿خالِدِينَ﴾: حال ممن تقدم، والعامل محذوف؛ إذ التقدير: يصلونها خالدين، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. وفاعله مستتر فيه، ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِدِينَ،﴾ وجملة: ﴿وَعَدَ اللهُ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، وهي جملة: ﴿وَعَدَ اللهُ..﴾. إلخ، وجملة: ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1304\"></span>﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: حالكم وشأنكم أيها المنافقون كحال من سبقكم من الأمم في الأفعال السابقة، هي الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي، وعدم الإنفاق في وجوه الخير. ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ أي: في الأبدان، وذلك كقوم هود وقوم صالح، وغيرهما، وانظر شرح: ﴿أَمْوالًا﴾ في الآية رقم [٢٨] الأنفال، والآية رقم [٥٦]، ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾: تمتعوا، وتلذذوا بنصيبهم، وحظهم الذي منحوه في هذه الدنيا، وهو كثرة الأموال، والأولاد، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا..﴾. إلخ: أي: تمتعتم وتلذذتم بنصيبكم من الدنيا تمتعا كائنا مثل تمتع من سبقكم من الأمم بنصيبهم. ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ أي:\nوخضتم في الباطل، والكفر، والضلال، والعناد خوضا كائنا مثل خوض الذين كانوا قبلكم.\nوذكرت لك في الآية رقم [٦٥] أن ﴿نَخُوضُ﴾ استعارة تبعية بالفعل، هذا؛ وقد قيل: إن (الذي)","vol":"4","page":186},{"text":"حرف مصدري، ولذا قدر الجلال الكلام: (كخوضهم) وهو مذهب ضعيف لبعض النحاة لا يعتد به، والصواب: أنه موصول اسمي مراد به الجمع، حذفت نونه تخفيفا، والدليل على ذلك جمع الضمير العائد عليه، ومثله: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ في الآية رقم [١٧] البقرة، ومثله في الآيتين قول الأشهب ابن زميلة النهشلي، وهو الشاهد رقم (٣٤٦)، من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nوإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد\n ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [١٨] والآية رقم [٥٥] تجد ما يسرك، وينبغي أن تعلم: أن الإشارة للمنافقين، ولمن شبهوا بهم من الكفار. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾: انظر هذا الخسران في الآية رقم [١٤٨] من سورة (الأعراف) فإنه جيد.\nبعد هذا ينبغي أن تعلم أن قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ بعد التكلم في الغيبة في الآيتين السابقتين التفافا من الغيبة إلى الخطاب، وما أحراك أن تنظر الالتفات في الآية رقم [٦] من سورة (الأنعام)، وفي الآية التالية التفات من الخطاب إلى الغيبة.\nالإعراب: ﴿كَالَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: أنتم كالذين، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: وعدكم وعدا كائنا مثل وعد الذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول.\n ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، مبني على الضم، والواو: اسمه والألف للتفريق، ﴿أَشَدَّ﴾: خبر كان، ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿قُوَّةً﴾: تمييز. ﴿وَأَكْثَرَ﴾: معطوف على ﴿أَشَدَّ،﴾ ﴿أَمْوالًا﴾: تمييز، ﴿وَأَوْلادًا﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿فَاسْتَمْتَعُوا﴾:\nالفاء: حرف عطف. (استمتعوا): فعل وفاعل. ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والكاف، في محل جر بالإضافة، والميم: في الجميع حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿كَمَا﴾: الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾: ماض وفاعله. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل ﴿اِسْتَمْتَعَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: استمتعتم بخلاقكم استمتاعا كائنا مثل استمتاع الذين من قبلكم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في","vol":"4","page":187},{"text":"مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم.\nوانظر الآية رقم [٣٧]، ﴿وَخُضْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿كَالَّذِي﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: خضتم خوضا كائنا مثل خوض الذين خاضوا من قبلكم، وجملة: ﴿وَخُضْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ..﴾. في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي الدُّنْيا﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوفة على ما قبلها ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾: انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١] والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-1305\"></span>﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: ألم يأت هؤلاء المنافقين والكفار، هذا؛ وانظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] (الأعراف)، ﴿نَبَأُ﴾: انظر الآية رقم [١٠١] منها، ﴿قَوْمِ﴾:\nانظر الآية رقم [٣٢] منها، ﴿نُوحٍ﴾: انظر الآية رقم [٥٩] منها، ﴿وَعادٍ﴾: انظر الآية رقم [٦٥] منها، ﴿وَثَمُودَ﴾: انظر الآية رقم [٧٣] منها، ﴿إِبْراهِيمَ﴾: انظر الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنعام)، ﴿وَأَصْحابِ مَدْيَنَ﴾: هم قوم شعيب، وانظر الآية رقم [٨٥] (الأعراف)، وانظر ﴿وَأَصْحابِ﴾ في الآية رقم [٣٥] منها، ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾ أي: المنقلبات التي جعل الله عاليها سافلها، وهي مدائن قوم لوط، انظر الآية رقم [٨٠] (الأعراف)، وما بعدها، وقيل: المراد جميع قرى المكذبين المتمردين، وائتفاكهن: انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر، وقرئ في (النجم): ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ بالإفراد على إرادة الجنس، وإنما ذكر ﷾ هذه الطوائف الستة؛ لأن آثارهم باقية، وبلادهم بالشام والعراق واليمن، وكل ذلك قريب من أرض العرب، فكانوا يمرون عليهم، ويعرفون أخبارهم.\n ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الباهرات، والحجج الواضحات الدالة على صدقهم، فكذبوهم، وخالفوا أمرنا، كما فعلتم أيها المنافقون والكفار، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فتعجل لكم النقمة كما عجلت لهم. ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: بتعجيل العقوبة لهم، أو ما كان الله ليهلكهم بلا جرم، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: حيث عرضوها للعقاب بسبب الكفر، وارتكاب المعاصي والمنكرات. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٩] (الأعراف)، ﴿يَظْلِمُونَ﴾: انظر الظلم في الآية رقم [١٤٦] (الأنعام).","vol":"4","page":188},{"text":"الإعراب: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف جازم. ﴿يَأْتِهِمْ﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء: مفعول به. ﴿نَبَأُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿قَوْمِ﴾: بدل من الذين، و﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و﴿نُوحٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَعادٍ﴾: معطوف على ﴿نُوحٍ﴾.\n ﴿وَثَمُودَ﴾: معطوف عليه أيضا مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه اسم للقبيلة، و﴿قَوْمِ﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية، ومثله قل في ﴿مَدْيَنَ،﴾ ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾: معطوف على ما قبله، والأصل: أصحاب المؤتفكات.\n ﴿أَتَتْهُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعله، والهاء في الأول: في محل نصب مفعول به، وفي الثاني: في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلُهُمْ،﴾ وجملة: ﴿أَتَتْهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف عطف. (ما):\nنافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء: مفعول به، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: ما كان الله مريدا لظلمهم، وهذه الجملة معطوفة على كلام محذوف، التقدير: فكذبوهم فأهلكوا. ﴿فَما..﴾. إلخ: وهذا الكلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.\n ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف، (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو: اسمه، والألف للتفريق، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به مقدم، والهاء:\nفي محل جر بالإضافة، ﴿يَظْلِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿وَلكِنْ كانُوا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1306\"></span>﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ﴾: انظر الإيمان في الآية رقم [٢] (الأعراف) وزيادته في الآية رقم [٢] الأنفال، ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي: في الموالاة في الدين، وتوحيد الكلمة، والمعاونة على البر والتقوى، والمناصرة على الأعداء، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالإيمان بالله،","vol":"4","page":189},{"text":"ورسوله، واتباع أوامرهما، واجتناب نواهيهما، و﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما استحسنه الشرع والعقل والفطرة السليمة. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: عن الشرك، ومخالفة أوامر الله ورسوله، و﴿الْمُنْكَرِ﴾ ما استقبحه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: انظر الآية رقم [٦] وانظر إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١]، ﴿الزَّكاةَ﴾: انظر الآية [٦] و[١٢]. ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾:\nفيما يأمران به، وفيما ينهيان عنه. وانظر الآية رقم [١٢]، ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر، ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾: هذا وعد من الكريم، ومن أوفى بعهده من الله؟ أي: لا أحد. ﴿عَزِيزٌ﴾: قوي غالب على كل شيء، لا يمتنع عليه ما يريده. ﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأشياء في مواضعها، وقدم ﴿عَزِيزٌ﴾ لتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nتنبيه: لما وصف الله المنافقين في الآية السابقة، بالأعمال الخبيثة، والأحوال الفاسدة، ثم ذكر بعده ما أعد لهم من أنواع الوعيد في الدنيا والآخرة؛ عقبه بذكر أوصاف المؤمنين، وأعمالهم الحسنة، وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا والآخرة. هذا؛ ولما كان نفاق الاتباع وكفرهم إنما حصل بتقليد المتبوعين، وحصل بمقتضى الطبيعة، قال فيهم:\n ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ولما كانت الموافقة الحاصلة بين المؤمنين بتسديد الله وتوفيقه، وهدايته، لا بمقتضى الطبيعة، وهوى النفس، وصفهم الله جل شأنه بأن ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ انتهى. خازن بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٦٨] فهو مثله بلا فارق. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿سَيَرْحَمُهُمُ﴾: السين: حرف استقبال، ووعد. (يرحمهم الله): فعل مضارع، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: تعليلية، أو مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1307\"></span>﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿جَنّاتٍ﴾: جمع جنة، وهي البستان من النخل والشجر الكثير المتكاثف، الذي يجن، أي: يستر ما يكون متداخلا فيه، وسميت دار الثواب جنة؛ لما فيها من النعيم الذي لا ينفد، وجمع الجنة على جنات يدل على جنان كثيرة، مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان، وفي كثير من الآيات: لهم: فاللام: للملك، وهي تدل","vol":"4","page":190},{"text":"على أنهم استحقوا الجنات بسبب أعمالهم الصالحة. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وانظر ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ في الآية رقم [٩] من سورة (يونس) ﵇، ﴿الْأَنْهارُ﴾: جمع: نهر، وهو معروف في الدنيا، ولكن ما بين أنهار الجنة، وأنهار الدنيا فرق عظيم، هذا؛ ويجمع النهر على أنهر، ونهر، ونهور، وهاء النهر تفتح وتسكن، ﴿خالِدِينَ فِيها﴾:\nمقيمين في تلك الجنات لا يخرجون منها أبدا. ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾: تستطيبها النفس، أو يطيب فيها العيش، وفي الحديث الشريف عن النبي ﷺ: «إنّها قصور من اللّؤلؤ والزّبرجد، والياقوت الأحمر». ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾: إقامة، وخلود، ويقال: عدن بالمكان: إذا أقام به، ومنه:\nالمعدن، أي: الموجود في باطن الأرض، وقال النبي ﷺ: «عدن دار الله الّتي لم ترها عين قطّ ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة: النّبيّون والصّدّيقون والشّهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء ﵁. ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي: إن رضوان الله الذي ينزله عليهم أكبر من كل ما سلف ذكره من نعيم الجنة. ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما تقدم ذكره من نعيم الجنة والرضوان.\nتنبيه: أما وصف أهل الجنة فبينه سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق بقوله: «أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون، ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما يلهمون النفس، طعامهم جشاء، ورشحهم كرشح المسك» رواه مسلم عن جابر بن عبد الله﵄-.\nعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ، قال: «إنّ الله ﵎ يقول لأهل الجنّة: يا أهل الجنّة، فيقولون: لبّيك ربّنا وسعديك، والخير كلّه في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا يا ربّنا؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا». متفق عليه، وانظر ما ذكرته عن أبي زيد في الآية رقم [١١٩] وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nتنبيه: ذكر الله في الآيات المتقدمة المنافقين والمنافقات وصفاتهم، وما أعد لهم من العذاب المقيم في نار الجحيم، ثم ذكر في هاتين الآيتين المؤمنين والمؤمنات، وصفاتهم، وما أعد لهم من النعيم المقيم في دار الخلود، وذلك من باب المقابلة، وانظر الآية رقم [٤١ و٤٢] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾: انظر إعراب مثل هذه الكلمات، ومحل الجملة في الآية رقم [٦٩]، ﴿تَجْرِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.\n ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ﴾: فاعل","vol":"4","page":191},{"text":"﴿تَجْرِي﴾. والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ﴾: حال من المؤمنين والمؤمنات منصوب... إلخ. ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِدِينَ،﴾ وفاعله ضمير مستتر؛ لأنه اسم فاعل. ﴿وَمَساكِنَ﴾ معطوف على جنات. ﴿طَيِّبَةً﴾: صفته. ﴿فِي جَنّاتِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل (مساكن). أو بمحذوف حال منه بعد وصفها ب ﴿طَيِّبَةً،﴾ و﴿جَنّاتٍ﴾: مضاف، و﴿عَدْنٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَرِضْوانٌ﴾: الواو: حرف استئناف. (رضوان): مبتدأ. ﴿مِنَ اللهِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف صفته، وهذه الصفة هي التي سوغت الابتداء به. ﴿أَكْبَرُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. إعراب هذه الجملة مثل إعراب:\n ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ في الآية رقم [١٠] بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-1308\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: هذا النداء موجه للنبي ﷺ، وتدخل فيه أمته من بعده، هذا؛ و﴿النَّبِيُّ﴾ مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، انظر الآية رقم [١٠١] من سورة (الأعراف). وقيل: بل هو مأخوذ من النبوة، وهو الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق، وهو يقرأ بالهمز وبدونه، والنبي ذكر حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ولم يؤمر بتبليغه، وإن أمر بالتبليغ، فهو رسول، وانظر عددهم، وما ذكرته بشأنهم في الآية رقم [١٦٣] النساء، والآية رقم [٨٦] الأنعام. ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ﴾: بالسيف. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾: وجاهد المنافقين بإقامة الحجة عليهم، وزجرهم، وإقامة الحدود عليهم، واكفهرار الوجه لهم، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾:\nشدد عليهم ما ذكر؛ حتى ترهبهم، وتدخل الرعب في قلوبهم. ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مقرهم بعد الموت جهنم، وانظر الفرق بين (مأوى ومثوى) في الآية رقم [١٥١] من آل عمران، ﴿وَبِئْسَ﴾:\nانظر الآية رقم [٤١]، الأنفال. ﴿الْمَصِيرُ﴾: المرجع والمآل، هذا؛ وقد قال الزمخشري رحمه الله تعالى: وكل من وقف منه على فساد في العقيدة، فهذا الحكم ثابت فيه، يجاهد الحجة، وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: انظر الآية رقم [٢٤]، والآية رقم [١٥٧] من سورة (الأعراف)، فإنه جيد، ﴿جاهِدِ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْكُفّارَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾:\nمعطوف على ما قبله، منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿جاهِدِ..﴾. إلخ، لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. وجملة: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها.","vol":"4","page":192},{"text":"﴿وَمَأْواهُمْ﴾: الواو: واو الحال، (مأواهم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ والرابط: الواو، والضمير، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: فعل وفاعل، والمخصوص بالذم محذوف؛ إذ التقدير: المذمومة جهنم، والجملة الفعلية: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1309\"></span>﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)﴾\nالشرح: لقد وردت روايات كثيرة بسبب نزول الآية، وأكتفي بذكر ما يلي:\nأقام الرسول ﷺ في غزوة تبوك شهرين، ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين، فيسمع من معه منهم، منهم الجلاّس بن سويد، فقال الجلاس: والله لئن كان ما يقول محمد حقا لإخواننا الذين خلفناهم وهم ساداتنا وأشرافنا لنحن شر من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاري ﵁ للجلاس: أجل والله إن محمدا لصادق، وأنت شر من الحمير! فلما رجع الرسول ﷺ إلى المدينة، أتاه عامر، فأخبره بما قال الجلاس، فاستحضره الرسول الكريم، فقال الجلاس: كذب عليّ عامر يا رسول الله! فأمرهما النبي العظيم أن يحلفا عند المنبر، فحلفا، الجلاس على النفي، وعامر على الإثبات، ثم رفع عامر يده إلى السماء، فقال: اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق منا، فقال رسول الله ﷺ والمؤمنون: «آمين». فنزل جبريل ﵇ قبل أن يتفرقا بهذه الآية، حتى بلغ ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ،﴾ فقام الجلاّس، فقال:\nيا رسول الله أسمع الله قد عرض علي التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قاله، لقد قلته، وأنا أستغفر الله، وأتوب إليه، فقبل رسول الله ﷺ ذلك منه، فتاب، وحسنت توبته.\n ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾: إنما جمع الضمير مع كون الحالف واحدا؛ لأن جميع المنافقين كانوا يقولون مقالة الجلاس، ويحلفون بالله وهم كاذبون، ﴿ما قالُوا﴾ أي: ما ذكر عن الجلاس.\n ﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾: وهي كلمة الجلاس: (إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير)، وقد أطلقت الكلمة على هذه الكلمات كلها، انظر الآية رقم [١٣٧] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك. وانظر ﴿وَكَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٦٦] (الأعراف). ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾: أظهروا كلمة الكفر بعد إظهار الإسلام، وهي ما تفوهوا به من كلمات، مثل كلمة","vol":"4","page":193},{"text":"الجلاس وغيره. ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ أي: من قتل الرسول ﷺ وكانوا خمسة عشر رجلا تآمروا في طريق عودتهم من غزوة تبوك أن يدفعوه عن ظهر راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، فأخبر جبريل ﵇ النبي ﷺ بذلك، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأرسل عمارا وحذيفة وغيرهما فصدوهم، وأبعدوهم عنه ﷺ، وقيل غير ذلك. ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ما أنكروا على الرسول شيئا إلا بسبب تفضل الله عليهم بالغنى، وكانوا قبل مبعث النبي ﷺ وهجرته في ضنك من العيش، فعملوا بضد الواجب عليهم، حيث وضعوا النقمة موضع الشكر، والاعتراف بالنعمة، فهذا ليس مما ينقم، وإنما أراد: أن الناس لا ينقمون عليهم شيئا، فهو كقول النابغة الذبياني: [الطويل]\nولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب\nوهذا من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم، هذا؛ والفعل (نقم) يأتي من باب ضرب ومن باب فهم، وانظر الآية رقم [٦٢] المائدة. ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾: يرجعوا عن نفاقهم، وهذا الذي حمل الجلاس ﵁ على التوبة، هذا؛ وانظر التوبة وشروطها في الآية رقم [١٧] من سورة (النساء)، ﴿يَكُ﴾: انظر الآية رقم [٥٤]، الأنفال، ﴿خَيْرًا﴾: انظر الآية رقم [١٢] (الأعراف). ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أي: يعرضوا عن الإيمان والتوبة، ويصروا على النفاق والكفر.\n ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا﴾: بالخزي والفضيحة والإذلال. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: يعذبهم في الآخرة بالنار، وانظر ﴿عَذابًا﴾ في الآية رقم [٤٠]. ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾: الولي هو الذي يتولى شئون غيره، والنصير المعين والمساعد، والفرق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجه، وانظر (همّوا) في الآية رقم [١٣].\nالإعراب: ﴿يَحْلِفُونَ﴾: مضارع وفاعله. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: نافية.\n ﴿قالُوا﴾: فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب القسم ﴿يَحْلِفُونَ،﴾ والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم.\n ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف: للتفريق، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿كَلِمَةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْكُفْرِ﴾:\nمضاف إليه. وجملة: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله.\n ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: هموا بالذي، أو بشيء لم ينالوه.\n ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿نَقَمُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، واعتبارها مستأنفة","vol":"4","page":194},{"text":"ممكن. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿أَغْناهُمُ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، وهو في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ والهاء: مفعول به. ﴿بِاللهِ﴾: فاعله.\nو﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل (أغنى)، والضمير عائد على ﴿بِاللهِ،﴾ وهو في محل جر بالإضافة، (أن) المصدرية، والفعل:\n (أغنى) في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَقَمُوا﴾ التقدير: إلا بسبب إغناء الله لهم. وقال أبو البقاء: المصدر المؤول مفعول ﴿نَقَمُوا﴾ وقيل: هو مفعول من أجله والمفعول به محذوف. انتهى. وقول أبي البقاء هذا يجري في الآية رقم [١٢٦] (الأعراف)، وليس في هذه الآية. تأمل. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف تفريع، واستئناف، (إن) حرف شرط جازم، ﴿يَتُوبُوا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿يَكُ﴾: مضارع ناقص، جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود على التوب المفهوم من ﴿يَتُوبُوا،﴾ ﴿خَيْرًا﴾: خبره، ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان ب ﴿خَيْرًا؛﴾ لأنه أفعل تفضيل، وجملة: ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، ولا يصعب عليك بعد هذا إعراب: ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ﴾ وهو معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿عَذابًا﴾: مفعول مطلق، ﴿أَلِيمًا﴾: صفته، ﴿فِي الدُّنْيا﴾: متعلقان باسم المصدر، أو بالفعل (يعذب)، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيا﴾ مجرور مثله. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لَهُمْ﴾ وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من ﴿وَلِيٍّ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ، وهو غير مسلم؛ لأن كثيرين لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرٍ﴾: معطوف على لفظ ﴿وَلِيٍّ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1310\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: ومن المنافقين. ﴿عاهَدَ اللهَ﴾: أعطى عهدا وميثاقا لله ولرسوله، وانظر العهد في الآية رقم [١٠٢] (الأعراف). ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ﴾: لئن رزقنا وأعطانا مالا، ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾: لنخرجن الزكاة الواجبة ولنبذلن المال في جميع وجوه الخير والإحسان.","vol":"4","page":195},{"text":"﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾: ولنعملن في ذلك المال ما يعمله الصالحون بأموالهم من صلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران... إلخ.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة، وما بعدها في ثعلبة بن حاطب، أحد المنافقين في عهد النبي ﷺ، كان ثعلبة فقيرا، وكان يحضر الصلوات الخمس مع النبي ﷺ، ويحضر مواعظه وإرشاداته، لذا كان يطلق عليه حمامة المسجد.\nقال ذات يوم للنبي ﷺ: ادع الله أن يرزقني مالا، فقال له سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه». ثم عاد ثانيا: فقال النبي ﷺ: «أما ترضى أن تكون مثل نبيّ الله، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت». ثم أتاه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق، لئن رزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه! فدعا له النبي ﷺ، فاتخذ غنما، فنمت كما تنمي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويصلي سائر الصلوات في غنمه، ثم نمت وكثرت، فتباعد عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة. ثم كثرت، حتى تباعد عن المدينة، حتى صار لا يشهد جمعة، ولا جماعة، فقال الرسول ﷺ: «يا ويح ثعلبة!». ثلاثا، فلما أنزل الله آية الصدقة بعث النبي ﷺ رجلين يأخذان الزكاة من المسلمين، وقال لهما: «مرا بثعلبة، وبفلان، رجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما».\nفأتيا ثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرءاه كتاب رسول الله، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي، فانطلقا إلى السلمي، فأخذ خيار غنمه، وإبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأياها، قالا: ما هذه عليك، قال: خذاها، فإن نفسي بذلك طيبة، فمرا على الناس، وأخذا الصدقات.\nثم رجعا إلى ثعلبة، فسألاه زكاة ماله، فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية، اذهبا حتى أرى رأيي، فرجعا إلى المدينة، فلما رآهما رسول الله ﷺ، قال قبل أن يتكلما:\n «يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة!». فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، والسلمي، فدعا للسلمي بخير، فأنزل الله الآية، وما بعدها إلى قوله: ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ،﴾ وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة! لقد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة، وأخذ معه غنيمات حتى أتى سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق، فسأله أن يقبل منه ما أتى به.\nفقال: «إنّ الله منعني أن أقبل منك صدقتك». فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له رسول الله ﷺ: «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني». فرجع إلى غنمه خائبا، فلما قبض","vol":"4","page":196},{"text":"رسول الله ﷺ أتى أبا بكر ﵁، فقال: اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ، فأنا لا أقبلها! فلما قبض أبو بكر، وتولى عمر ﵁ الخلافة جاءه ثعلبة بصدقته، وطلب قبولها، فقال له: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ، ولا أبو بكر، فأنا لا أقبلها، فلما تولى عثمان ﵁ الخلافة جاءه بها، فلم يقبلها، وهلك في خلافته. انتهى. قرطبي وخازن بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾: انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٥٠] والجملة الاسمية الناتجة منه مستأنفة لا محل لها ﴿لَئِنْ﴾: اللام: موطئة لقسم محذوف، (إن): حرف شرط جازم. ﴿آتانا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، و(نا): مفعول به أول، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿آتانا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، (نصدقن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وانظر الآية رقم [٤٣]، والكلام بمجموعه جواب للقسم المفهوم من ﴿عاهَدَ﴾ وقال أبو البقاء: فيه وجهان: أحدهما: تقديره: عاهد، فقال: ﴿لَئِنْ آتانا،﴾ والثاني: أن يكون ﴿عاهَدَ﴾ بمعنى «قال»؛ إذ العهد قول، وهذا يعني: أن الكلام على الوجه الأول في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وعلى الثاني: أنه مفعول به ل ﴿عاهَدَ،﴾ وغير مسلم له الوجهان، وأما الجمل فقال: جملة: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ جواب القسم ﴿عاهَدَ،﴾ ولا يمتنع الجمع بين القسم، واللام الموطئة، وهو مردود أيضا، وإعراب: (لنكونن) مثل إعراب سابقه، ولكنه ناقص، فاسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾: متعلقان بمحذوف في محل نصب خبره، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1311\"></span>﴿فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: فلما أعطاهم، ورزقهم، وأغناهم من خزائنه التي لا تنفد، ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾: منعوا حق الله فيه، ولم يفوا بما عاهدوا الله ورسوله عليه: ﴿وَتَوَلَّوْا﴾:\nأعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله. ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: هم قوم شأنهم، وعادتهم الإعراض عن طاعة الله ورسوله.\nتنبيه: جمع الضمير مع كون المنزل بشأنه واحدا، وهو ثعلبة؛ لأن جميع المنافقين مثل ثعلبة، يخلفون الوعود، وينكثون العهود، ويكذبون، ويخونون، وقيل: نزلت الآيات في ثعلبة","vol":"4","page":197},{"text":"ومعتب بن قشير وغيرهما وكلهم عاهدوا الله على القيام بحقوق المال؛ إن هم كثر مالهم، واستغنوا.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف، (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني، وجملة: ﴿آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إعرابها مثل إعراب ما قبلها، ولا محل لها على اعتبار (لما) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ومتعلقة بالجواب، ﴿بَخِلُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب:\n ﴿قالُوا﴾: في الآية رقم [٥] (الأعراف)، ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، وجملة: ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية:\n ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال مؤكدة؛ لأن التولي والإعراض بمعنى واحد.\n\n<span id=\"aya-1312\"></span>﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقا، وسوء اعتقاد في قلوبهم، ويجوز أن يكون الفاعل عائدا على البخل المفهوم من ﴿بَخِلُوا﴾ ويكون المعنى: أورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم، وانظر (النفاق) في الآية رقم [٦٤]، ﴿إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾: يلقون الله بالموت، أو يلقون جزاء بخلهم، وانظر إعلال: ﴿تَحْيَوْنَ﴾ في الآية رقم [٢٥] (الأعراف)، وانظر شرح ﴿يَوْمِ﴾ في الآية رقم [١٢٨] (الأنعام)، ﴿بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ﴾ أي: بأن يقوموا بحقوق المال على الوجه الكامل، وانظر الوعد في الآية رقم [٤٤] (الأعراف)، ولكنهم لم يفوا بما وعدوا كما رأيت. ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي: بسبب كذبهم على الله ورسوله.\nالإعراب: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا﴾: ماض ومفعولاه، وانظر مرجع الفاعل في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، ﴿إِلى يَوْمِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾: مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر، ما:\nمصدرية. ﴿أَخْلَفُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ﴾: مفعول به أول. ﴿بِما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان،","vol":"4","page":198},{"text":"والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أخلفوا الذي، أو شيئا وعدوه به. وأجاز الجمل اعتبار ﴿بِما﴾ مصدرية، وقدر: بسبب إخلافهم الله الوعد، فيبقى (وعد): بلا مفعول ثان، و﴿بِما﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب إخلافهم الله... إلخ. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أعقب)، وساغ تعدد المتعلق، لاختلاف الجار، وإعراب: ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿بِما أَخْلَفُوا﴾ بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، أجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1313\"></span>﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ أي: ألم يعلم هؤلاء المنافقون: أن الله يعلم ما تنطوي عليه صدورهم من النفاق، ويعلم ما يتناجون به فيما بينهم، والمعنى: يعلم الله جميع أحوالهم لا يخفى عليه شيء منها، هذا؛ والنجوى هو الخفي من الكلام يكون بين القوم، وانظر (العلم) والمعرفة في الآية رقم [٦١] الأنفال، ﴿عَلاّمُ﴾: صيغة مبالغة، ﴿الْغُيُوبِ﴾: جمع غيب، وهو كل ما غاب عن أعين المخلوقات، وفي الآية توبيخ، وتقريع للمنافقين الذين يعدون، ولا يوفون، ويعهدون، وينقضون، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَعْلَمُوا﴾:\nمضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل، ﴿اللهَ﴾: اسمها، ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.\n ﴿سِرَّهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة. ﴿وَنَجْواهُمْ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ، في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي ﴿يَعْلَمُوا﴾ على اعتباره من المعرفة، أو من العلم، والمصدر المؤول من ﴿وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ﴾ معطوف على ما قبله، و﴿عَلاّمُ﴾: مضاف، و﴿الْغُيُوبِ﴾: مضاف إليه، من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-1314\"></span>﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿يَلْمِزُونَ﴾: يعيبون، وانظر الآية رقم [٥٩]، ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: أصله المتطوعين، أدغمت التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، والتطوع: التبرع بالشيء، وهو ما ليس بفرض،","vol":"4","page":199},{"text":"ومنه تطوع الصيام، والحج، والصلاة. ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أي: التبرع في المال. ﴿لا يَجِدُونَ﴾:\nانظر إعلاله في الآية رقم [١٧] (الأعراف). ﴿إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾: إلا قدرتهم وطاقتهم. وهو بضم الجيم، وهي لغة أهل الحجاز، وبالفتح لغيرهم. وقيل: بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، وانظر الآية رقم [١٠٩] (الأنعام). ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾: يسخروا: يهزأ المنافقون من المؤمنين المتصدقين.\n ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾: عاقبهم الله وجازاهم على سخريتهم، وذكر لفظ ﴿سَخِرَ﴾ مشاكلة لما صدر منهم، وانظر الآية رقم [٦٨]، ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾: انظر الآية رقم [٤٠].\nتنبيه: روي: أن النبي ﷺ حث على الصدقة في غزوة تبوك، أي: وقت الخروج لها، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي، فقال له: «بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت» فبارك الله له في ماله، حتى إنه خلف امرأتين يوم مات، فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم. وتصدق عاصم بن عدي العجلاني يومئذ بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر، وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر بالجرير الماء، حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لعيالي، وأتيتك بالآخر، فأمر الرسول ﷺ أن ينثره في الصدقات، ﵃ وأرضاهم أجمعين، فلمزهم المنافقون، فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء، وإن الله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل، ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطى من الصدقة، فأنزل الله ﵎ الآية الكريمة، هذا؛ وسخر بمعنى: هزئ، وانظر الآية رقم [٦٥].\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، خبره جملة:\n ﴿سَخِرَ..﴾. إلخ أو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، أو في محل جر بدل من الضمير المتصل ب ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ وقيل: في محل رفع خبر المبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، وهو أضعفها، وأقواها الأول. ﴿يَلْمِزُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: مفعول به منصوب... إلخ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب ﴿الْمُطَّوِّعِينَ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال منه، والأول أقوى. ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَلْمِزُونَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ،﴾ وجملة: ﴿لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ معطوفة على جملة:\n ﴿يَلْمِزُونَ﴾ لا محل لها مثلها، وجوز أبو البقاء اعتبارها خبرا للمبتدإ (الذين) على وجه مر ذكره، ولا وجه له، وإنما الخبر جملة: ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ وهي مستأنفة على الأوجه الأخر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.","vol":"4","page":200},{"text":"<span id=\"aya-1315\"></span>﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)﴾\nالشرح: روي: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي كان من المؤمنين المخلصين، فسأل رسول الله ﷺ في مرض أبيه أن يستغفر له، ففعل، فنزلت، فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «ولأزيدن على السبعين». فنزل قوله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ وذلك لأنه ﷺ فهم من السبعين العدد المخصوص؛ لأنه الأصل، فجوز أن يكون ذلك حدا، يخالف حكم ما وراءه، فبين الله له: أن المراد به التكثير، دون التحديد، وقد شاع استعمال السبعة، والسبعين، والسبعمائة، ونحوها في التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره، ولهذا كبر ﷺ، لما صلى على عمه الحمزة ﵁ سبعين تكبيرة، ولأن آحاد السبعين سبعة، وهو عدد شريف، فإن السموات سبع، والأرضون سبع، والأيام سبع، والأقاليم سبع، والبحار سبع، والنجوم السيارة سبع، فلهذا خص الله السبعين بالذكر للمبالغة في اليأس من طمع المغفرة لهم.\n ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: هذا أمر، ومعناه الخبر بدليل ما بعده، والمراد بهذا الكلام التساوي بين الاستغفار وعدمه في الإفادة، والمعنى: أطلب لهم المغفرة، أو لا تطلبها، فالسين والتاء للطلب، والفعل يتعدى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني بحرف جر، نحو استغفرت الله من ذنبي، وما في الآية من ذلك، وقد يحذف حرف الجر، فيصل إلى الثاني بنفسه، كقول الشاعر: [البسيط]\nأستغفر الله ذنبا لست محصية... ربّ العباد إليه الوجه والقبل\nوانظر الآية رقم [١٠٤] من سورة (يونس). ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ: إشارة إلى أن اليأس من المغفرة، وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا، ولا تقصير في واجبك يا محمد، بل لعدم صلاحيتهم لغفران الذنوب بسبب الكفر الصارف عنها، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾. انظر شرح مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٠] وانظر شرح ﴿الْفاسِقِينَ﴾ في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف)، والمراد بهم هنا: الكافرون، والتعبير عن الكافرين بالفاسقين والمجرمين، والظالمين، والمعتدين، والمسرفين، وغير ذلك كثير في القرآن الكريم، ويتهددهم بالعذاب الأليم ويتوعدهم بالعقاب الشديد، هذا؛ وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات فهل يتوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ والحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكره، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ وانظر الآية رقم [١٣] من سورة (يونس) ﵇.","vol":"4","page":201},{"text":"الإعراب: ﴿اِسْتَغْفِرْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، ﴿لَهُمْ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف.\n ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَسْتَغْفِرْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، ومفعوله محذوف. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها، والكلام خبر كما ذكرته في الشرح، وإن كان لفظه إنشاء. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَسْتَغْفِرْ﴾: مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف أيضا، ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان به. ﴿سَبْعِينَ﴾: نائب مفعول مطلق، أو هو ظرف زمان، منصوب على الاعتبارين، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مَرَّةً﴾: تمييز، وجملة: ﴿تَسْتَغْفِرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يَغْفِرَ﴾: مضارع منصوب ب (لن). ﴿اللهُ﴾: فاعله، ومفعوله محذوف. ﴿لَهُمْ﴾:\nمتعلقان به، وجملة: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. واللام: للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر، (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق: ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان به. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٠] والجملة الاسمية مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-1316\"></span>﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ أي: فرح المتخلفون من المنافقين عن غزوة تبوك والخروج مع رسول الله ﷺ، بقعودهم في المدينة، والمخلف: المتروك، أي: خلفهم الله وثبط هممهم، أو خلفهم رسول الله والمؤمنون لما علموا تثاقلهم. قولان، هذا؛ وقرئ: «(خلف رسول الله)»، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال). ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ أي: قال المنافقون بعضهم لبعض:\nلا تخرجوا مع رسول الله في غزوة تبوك لأن الوقت وقت حر، وقد رد الله عليهم بما قاله","vol":"4","page":202},{"text":"لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾: والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اختاروا الراحة والقعود على الجهاد والخروج معك: إن نار جهنم التي هي موعدهم في الآخرة بسبب تخلفهم أشد حرا من حر الدنيا. ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾: انظر ﴿يَفْقَهُونَ﴾ في الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، وانظر (الفرح) في الآية رقم [٥٨] من سورة (يونس)، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿فَرِحَ﴾: ماض. ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾: فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿خِلافَ﴾: ظرف مكان متعلق بالمصدر، وقيل: ظرف زمان، هذا؛ وجوز اعتباره مفعولا مطلقا، عامله محذوف، مدلول عليه ب (مقعدهم)، ومفعولا لأجله، أي: فرح المنافقون لأجل مخالفتهم رسول الله ﷺ، وأعتمد الاعتبار الأول، و﴿خِلافَ﴾: مضاف، و﴿رَسُولِ﴾: مضاف إليه، و﴿رَسُولِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَكَرِهُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُجاهِدُوا﴾ في محل نصب مفعول به، ﴿بِأَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم: حرف دال على جماعة الذكور. ﴿فِي سَبِيلِ﴾:\nمتعلقان بالفعل ﴿يُجاهِدُوا،﴾ و﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ..﴾.\nإلخ معطوفة على جملة: ﴿فَرِحَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع، وجملة: ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿نارُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية. ﴿أَشَدُّ﴾: خبر المبتدأ.\n ﴿حَرًّا﴾: تمييز، والجملة الاسمية: ﴿نارُ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْقَهُونَ﴾: مع مفعوله المحذوف في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، وتقدير الكلام: (لو كانوا يفقهون أن مآلهم إليها، أو أنها كيف هي؛ ما اختاروها لأنفسهم بإيثار الراحة على طاعة الله ورسوله بالخروج إلى غزوة تبوك)، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1317\"></span>﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ أي: فليضحك المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قليلا في الدنيا الفانية. ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ أي: في الآخرة مكان ضحكهم في الدنيا، وهذا؛ وإن ورد بصيغة الأمر، إلا أن معناه الإخبار، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ﴾","vol":"4","page":203},{"text":"فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: إن ذلك البكاء في الآخرة معاقبة لهم على ضحكهم، وأعمالهم الخبيثة في الدنيا، وانظر (جزاء) في الآية رقم [٢٦] هذا؛ وقد كان بعض المسلمين لا يضحك في الدنيا، من شدة الخوف، وإن كان عبدا صالحا.\nوهذا مأخوذ من قول النبي ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أنّي كنت شجرة تعضد». أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ﵁، وكان الصحابة يضحكون، إلا أن الإكثار منه مذموم منهي عنه، وهو من فعل السفهاء والبطالة، وإن كثرته تميت القلب، وأما البكاء من خوف الله وعقابه فمحمود، فقد روى البغوي، وابن ماجة عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيّها الناس ابكوا، فإن لم تستطيعوا أن تبكوا، فتباكوا، فإنّ أهل النار يبكون حتّى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدّماء، فتفرغ العيون، فلو أنّ سفنا أجريت فيها لجرت».\nتنبيه: البكاء بالقصر: إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد: إسالة الدمع مع رفعه، قال الخليل رحمه الله تعالى: من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصوت، قال كعب بن مالك الأنصاري ﵁: [الوافر]\nبكت عيني، وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء، ولا العويل\nالإعراب: ﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾: الفاء: حرف استئناف. (ليضحكوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ضحكا قليلا، أو هو صفة لزمان محذوف، التقدير: زمانا قليلا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾: مثلها، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿جَزاءً﴾: مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق، عامله محذوف، وقيل: عامله ما قبله على المعنى. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿جَزاءً،﴾ أو بمحذوف صفة له، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط. محذوف؛ إذ التقدير: جزاء بالذي، أو بشيء كانوا يكسبونه، وعلى المصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم الأعمال الخبيثة في الدنيا، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿جَزاءً،﴾ أو بمحذوف صفة له.\n\n<span id=\"aya-1318\"></span>﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾: فإن ردك الله يا محمد إلى المدينة من غزوة تبوك، وفيها جماعة من المنافقين وكانوا اثني عشر رجلا، فإن المقيمين في المدينة، لم يكونوا","vol":"4","page":204},{"text":"منافقين؛ فلذا قال سبحانه ﴿مِنْهُمْ﴾. ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ..﴾. إلخ، أي: طلب المنافقون الخروج معك إلى غزاة ثانية بعد غزوة تبوك. ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ أي: إلى غزوة أخرى، أو إلى أي:\nسفر كان، وهو كقوله تعالى في سورة (الفتح): ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾. ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في غزوة تبوك. ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ أي: مع المتخلفين عن الجهاد لعدم استعدادهم ولياقتهم للقتال من صبيان ونساء وشيوخ، وانظر الآية رقم [٨٨] وقرئ «(الخلفين)» وقيل: المعنى مع المخالفين أوامر الله ورسوله، وعلى الأول فيه تغليب الرجال على النساء مع أنهن الأكثر في المدينة حين خروج الرسول ﷺ إلى غزوة تبوك ورجوعه منها، وفي الآية دليل قاطع على وجوب مقاطعة أهل البدع، والضلال، والنفاق، وذوي الأعمال الفاسدة والمجرمين.\nهذا؛ و(رجع) يستعمل متعديا كما في الآية، ولازما كما في قولك: رجع زيد من عمله، ﴿طائِفَةٍ﴾: انظر الآية رقم [٦٧]، ﴿أَبَدًا﴾: انظر الآية رقم [٢٣]، ﴿عَدُوًّا﴾: انظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم، ﴿رَجَعَكَ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والكاف: في محل نصب مفعول به. ﴿اللهُ﴾:\nفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿إِلى طائِفَةٍ﴾: متعلقان بالفعل: (رجع). ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٍ﴾.\n ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٥] (الأعراف) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلْخُرُوجِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنْ﴾:\nحرف نفي ونصب واستقبال. ﴿تَخْرُجُوا﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَعِيَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾:\nمعطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، ﴿إِنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمها، ﴿رَضِيتُمْ﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، وانظر إعراب: ﴿وَجَعَلْنا﴾ في الآية رقم [١٠] (الأعراف)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن). ﴿أَوَّلَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿أَوَّلَ﴾: مضاف، و﴿مَرَّةٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل لنفي الخروج لا محل لها، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَاقْعُدُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة. (اقعدوا): فعل أمر مبني على حذف","vol":"4","page":205},{"text":"النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من واو الجماعة، و﴿مَعَ﴾: مضاف، و﴿الْخالِفِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿فَاقْعُدُوا..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا»، التقدير:\nوإذا كنتم رضيتم بالقعود فاقعدوا... إلخ، وهذا الشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف، أو هو معطوف على ما قبله لا محل له على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1319\"></span>﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا﴾: المراد بها صلاة الجنازة، وانظر الآية رقم [٦]، ﴿أَحَدٍ﴾: انظر الآية رقم [٨٠] (الأعراف)، ﴿أَبَدًا﴾: انظر الآية رقم [٢٣]، ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾:\nولا تقف على قبره للدفن، أو الزيارة، ﴿كَفَرُوا﴾: انظر الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف)، ﴿بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٤]، ورقم [١] من سورة (الأنفال)، ومما ينبغي التنبيه له أن الفسق أدنى حالا من الكفر، وهو داخل فيه، ولما كان المنافقون أخبث من المشركين والكافرين، وصفهم الله بالفسق بعد وصفهم بالكفر، زيادة في التشنيع عليهم.\nتنبيه: هناك روايات مختلفة في سبب نزول الآية الكريمة أذكر منها ما يلي: لما توفي رأس المنافقين ابن أبي جاء ابنه عبد الله ﵁، وكان من الصالحين المخلصين، فطلب من الرسول ﷺ، أن يصلي عليه وسأله قميصه ليكفنه فيه، فأجابه الرسول ﷺ إلى ما طلب، فأعطاه قميصه ليكفنه فيه، ولما قام الرسول الكريم ليصلي عليه، تعلق به الفاروق عمر ﵁، وقال: يا رسول الله! كيف تصلي عليه وقد قال في يوم كذا: كذا، وفي يوم كذا: كذا؟ فقال سيد الخلق، وحبيب الحق: «خيرني ربي، وقال: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ»﴾. فذهب فصلى عليه، ثم لم يلبث حتى نزلت الآية الكريمة موافقة رأي: عمر ﵁، وهذه إحدى الموافقات له ﵁، وانظر الآية رقم [٩٤]، من سورة (المائدة)، والأرقام المحال عليها هناك.\nتنبيه: السبب في صلاة الرسول الكريم على ابن أبيّ تطييب خاطر ابنه، فقد عرفت: أنه من كرام الصحابة المخلصين، والسبب في إعطائه القميص ليكفنه فيه لأن الضنة به مخلة بالكرم، أو لأنه أعطاه لابن أبي، مكافأة له لأنه كان قد أعطى العباس عم النبي ﷺ قميصه يوم بدر، يوم وقع أسيرا في يد المسلمين، وسلب ثوبه، فرآه النبي ﵊، فأشفق عليه، فطلب له قميصا، فما وجد له قميص يقادره إلا قميص ابن أبي لتقاربهما في طول القامة، فأراد سيد الخلق، وحبيب الحق مكافأته في الدنيا، ورفع المنة عنه.","vol":"4","page":206},{"text":"هذا؛ وقد قيل: إن ابن أبيّ طلب الرسول ﷺ، وهو مريض ليأتيه، فأتاه فلما دخل عليه قال له: أهلكك حب اليهود، فقال: يا نبي الله! إني لم أبعث إليك لتؤنبني، ولكن بعثت إليك لتستغفر لي، وسأله قميصه أن يكفن فيه، فأعطاه إياه، واستغفر له، فمات فكفنه في قميصه، ونفث في جلده، ودلاه في قبره، فأنزل الله الآية، وهذه رواية ضعيفة بلا شك؛ لأنها إن صحت تعتبر توبة من ابن أبي، والله يقبل التائبين.\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُصَلِّ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى أَحَدٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ﴾. ﴿ماتَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهي على التقدير قد قبلها، ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿تُصَلِّ،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾: معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء:\nاسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾: في محل رفع خبرها، وجملة: ﴿وَماتُوا﴾ معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ فاسِقُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1320\"></span>﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)﴾\nتقدمت هذه الآية بحروفها برقم [٥٦] مع اختلاف بسيط، فلا حاجة إلى شرحها وإعرابها، وتكريرها للتأكيد والأمر حقيق به، فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والنفوس مغتبطة بها، ولأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب، لا ينساه، ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهم، يفتقر إلى فضل عناية، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين، فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه، ويجوز أن تكون هذه الآية في فريق غير الأول. انتهى بيضاوي وكشاف بتصرف.\n<span id=\"aya-1321\"></span>﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ..﴾. إلخ: يحتمل أن يراد بالسورة بعضها؛ لأن إطلاق لفظ الجمع على البعض جائز ويحتمل أن يراد جميع السورة، فعلى هذا المراد بالسورة: سورة براءة؛","vol":"4","page":207},{"text":"لأنها مشتملة على الأمر بالإيمان، والأمر بالجهاد، وانظر شرح ﴿سُورَةٌ﴾ في الآية رقم [٦٥]، ﴿اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾: استأذنك ذو الغنى واليسار في القعود عن الجهاد، وعدم الخروج إليه، وخص ذوي اليسار بالذكر؛ لأن الذم لهم ألزم لكونهم قادرين على أهبة السفر والجهاد، ولأن العاجز عن ذلك لا يحتاج إلى الاستئذان، وانظر شرح: ﴿أُولُوا﴾ في الآية رقم [٧٥] الأنفال، ﴿ذَرْنا﴾: اتركنا، وانظر الآية رقم [٧٠] (الأعراف)، ﴿الْقاعِدِينَ﴾: من النساء والصبيان، وقيل: مع الشيوخ والمرضى، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين، وقيل: رؤساؤهم وكبراؤهم، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذا﴾: الواو: حرف استئناف، (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿أُنْزِلَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء: للتأنيث. ﴿سُورَةٌ﴾: نائب فاعله. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب، أو هي مفسرة؛ لأن: (أنزل) متضمن معنى القول دون حروفه، ﴿آمِنُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان به، و﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بالإيمان، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُنْزِلَتْ،﴾ وعلى اعتبارها مفسرة، فالجملة الفعلية لا محل لها عند الجمهور، والشلوبين يقول:\nبحسب ما تفسره، وجملة: ﴿أُنْزِلَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾: معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.\n ﴿اِسْتَأْذَنَكَ﴾: ماض، ومفعوله. ﴿أُولُوا﴾: فاعله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و﴿أُولُوا﴾: مضاف، و﴿الطَّوْلِ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُولُوا الطَّوْلِ،﴾ وجملة: ﴿اِسْتَأْذَنَكَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب: ﴿ذَرْنا﴾: أمر، ونا: مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَكُنْ﴾: مضارع ناقص مجزوم بجواب الأمر، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿نَكُنْ،﴾ و﴿مَعَ﴾: مضاف، و﴿الْقاعِدِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام ﴿ذَرْنا نَكُنْ﴾ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) عطف تفسيري لا محل لها مثله.\n\n<span id=\"aya-1322\"></span>﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿رَضُوا﴾ أي: رضي المنافقين، وانظر إعلال ﴿رَضُوا﴾ في الآية رقم [٥٩]، ﴿بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ أي: مع النساء والصبيان، وأصحاب الأعذار من الرجال، وقد يقال","vol":"4","page":208},{"text":"للرجل: خالفة وخالف أيضا إذا كان غير نجيب، يقال: فلان خالفة أهله: إذا كان دونهم، قال النحاس: وأصله من خلف اللّبن، يخلف: إذا حمض من طول مكثه. وخلف فم الصائم: إذا تغير فمه، ومنه: خلف سوء، وقد فسر قوله: ﴿مَعَ الْخالِفِينَ﴾ مع الفاسدين. ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾:\nختم عليها؛ إذا الطبع: الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى إليها، والطبع: السجية، والخلق الذي جبل عليه الإنسان. ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾: لا يعلمون ما في الجهاد، وموافقة الرسول ﷺ من السعادة السرمدية، وما في التخلف عن الجهاد ومخالفة الرسول الكريم من الشقاوة الأبدية، وانظر ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ في الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف).\nتنبيه: على تفسير ﴿الْخَوالِفِ﴾ بالرجال ذوي الأعذار فيه شذوذ؛ لأن (فواعل) لا يكون جمعا ل «فاعل» إلا إذا كان فيه واحد من ثلاثة أمور:\nأحدها: أن يكون اسما، نحو: كاهل وكواهل، وعاتق وعواتق.\nوثانيها: أن يكون صفة لمؤنث عاقل، نحو: حائض، وحوائض، وطائف، وطوائف، أو صفة لمؤنث غير عاقل، نحو: ناقة حاسر، وحواسر.\nوثالثها: أن يكون صفة لمذكر غير عاقل، نحو: فرس صاهل، وأفراس صواهل.\nهذا؛ وقد شذ جمع عشرة ألفاظ من أوصاف العاقلين، فجاءت مجموعة هذا الجمع من غير أن تستحقه قياسا، وهي: فارس وفوارس، وهالك وهوالك، وغائب وغوائب، وشاهد وشواهد، وحاسر وحواسر، وحاجب وحواجب، وخاطئ وخواطئ، وحاج وحواج، ورافد وروافد، وناكس ونواكس، لكنه حسنه في كل ذلك انتفاء الشركة بينه وبين المؤنث؛ لأنهم يقولون: امرأة فارسة... إلخ، فبعد بهذا عن الصفة، فهو كالاسم؛ إذ الفرق بين المؤنث والمذكر بالتاء، إنما يكون في الصفات، وما في الآية الكريمة يمكن أن يكون من ذلك الحسن؛ لأنه يقال: للمذكر خالف، والمؤنث: خالفة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿رَضُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق، ﴿بِأَنْ﴾: الباء: حرف جر، (أن):\nحرف ناصب. ﴿يَكُونُوا﴾: مضارع ناقص منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو:\nاسمه، والألف للتفريق. ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿يَكُونُوا،﴾ و﴿مَعَ﴾:\nمضاف، و﴿الْخَوالِفِ﴾: مضاف إليه، و(أن) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿رَضُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ﴿وَطُبِعَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَطُبِعَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع","vol":"4","page":209},{"text":"مبتدأ. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَفْقَهُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1323\"></span>﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ..﴾. إلخ أي: أن تخلف المنافقون عن الجهاد وجبنوا؛ فقد جاهد من هو خير منهم، محمد ﷺ والمؤمنون معه. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ﴾ أي: الرسول والمؤمنون الذين جاهدوا معه لهم خيرات الدنيا، والآخرة ومنافعهما: النصر، والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في الآخرة، وقيل: المراد بالخيرات: الحور العين لقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ وهي جمع: خيرة تخفيف خيّرة. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بالجنة الناجون من النار، من أفلح الرجل فاز ببغيته ومراده، هذا؛ والفلاح: اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب، وأصله: المؤفلحون، انظر الآية رقم [٥١] لإعلاله، وانظر تقديم المال على النفس في الآية رقم [٤٢] والآيات المحال عليها.\nالإعراب: ﴿لكِنِ﴾: حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿الرَّسُولُ﴾: مبتدأ. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل والألف للتفريق، ﴿مَعَهُ﴾:\nظرف مكان متعلق ب ﴿آمَنُوا،﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آمَنُوا مَعَهُ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿الْخَيْراتُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي مؤكدة لمضمونها، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١].\n<span id=\"aya-1324\"></span>﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿أَعَدَّ اللهُ﴾: هيأ لهم، وانظر شرح باقي الكلمات في الآية رقم [٧٣]، ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: إشارة إلى ما يناله المؤمنون المجاهدون في الآخرة من الأجر العظيم والثواب الكريم.\nالإعراب: ﴿أَعَدَّ اللهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾: انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٧٣] والجملة الفعلية: ﴿أَعَدَّ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام:","vol":"4","page":210},{"text":"للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره، ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1325\"></span>﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾: المراد بهؤلاء: بنو أسد، أو بنو غطفان استأذنوا الرسول ﷺ في التخلف عن الخروج معه لغزوة تبوك، معتذرين بالجهد وكثرة العيال، وقيل: هم قوم عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك؛ أغارت طيئ على أهالينا ومواشينا، والمعذرة إما من عذر في الأمر: إذا قصر فيه، موهما: أن له عذرا، ولا عذر له، أو من اعتذر: إذا مهد العذر، بإدغام التاء في الذال، ونقل حركتها إلى العين، وقرئ: المعذرون بوجوه كثيرة، هذا؛ والاعتذار في كلام العرب على قسمين، يقال: اعتذر إذا كذب في عذره، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ،﴾ فرد الله عليهم بقوله ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ فدل ذلك على فساد عذرهم، وكذبهم فيه، ويقال: اعتذر إذا أتى بعذر صحيح، ومنه قول لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁: [الطويل]\nإلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا، فقد اعتذر\n ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: تخلف جماعة عن الجهاد، ولم يعتذروا، وهم يدعون الإيمان بالله ورسوله، وهم كاذبون في هذا الادعاء، والفعل يقرأ بالتخفيف والتشديد. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ﴾ ... ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدنيا بالقتل والذل والخزي والعار، وفي الآخرة في النار، وبئس القرار.\n ﴿الْأَعْرابِ﴾: جمع أعرابي، وهو من يسكن البادية وهو ما في القاموس، وقيل: الأعراب اسم جنس، وأعرابي نسبة إلى الأعراب. انتهى. مختار الصحاح، هذا؛ والعرب أهل الأمصار، وهو أيضا اسم جنس، والنسبة إليهم عربي، فالأعرابي على الأول مفرد الأعراب، ونسبة إليهم، والعربي على الثاني مفرد العرب، ونسبة إلى العرب. ﴿كَذَبُوا﴾: من التكذيب مشددا مخففا، هذا؛ ويأتي مخففا بمعنى: وجب، وخدع، وأغرى، ويعد من الجوامد التي لا تتصرف، انظر الشاهد (٢٨) من كتابنا فتح رب البرية تجد ما يسرك. ﴿سَيُصِيبُ﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [٥١].\nالإعراب: ﴿وَجاءَ﴾: (جاء): ماض. ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾: فاعله مرفوع... إلخ. ﴿مِنَ الْأَعْرابِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾. ﴿لِيُؤْذَنَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب (أن) مضمرة بعد لام التعليل. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف نائب فاعل، و(أن) المضمرة والفعل","vol":"4","page":211},{"text":"المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَجاءَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ﴾: معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ﴾ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿عَذابٌ﴾: فاعل يصيب، و﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به تقدم على الفاعل. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة: ﴿عَذابٌ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1326\"></span>﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ ... ﴿حَرَجٌ﴾: فقد نفى الله الإثم والمؤاخذة عن هؤلاء إذا تخلفوا عن الخروج للجهاد بسبب أعذارهم، وهذا بعد أن ذكر الله المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد، واعتذروا بأعذار كاذبة، والمراد بالضعفاء: النساء، والصبيان، والشيوخ، ومن في جسمه نحف وهزال، وإن كان شابا. ﴿الْمَرْضى﴾: جمع مريض، ويدخل فيهم أهل العمى، والعرج، وكل موصوف بمرض يمنعه من الجهاد، والسفر للغزو. ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾:\nالمراد بهم: الفقراء العاجزون عن أهبة الغزو والسفر للجهاد.\n ﴿حَرَجٌ﴾: إثم ومؤاخذة. ﴿نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾: النصيحة لله: إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات الألوهية، وتنزيهه عن النقائص، والرغبة في محابه، والبعد من مساخطه، والنصيحة لرسوله، والتصديق بنبوته، والتزام طاعته، في أمره ونهيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، والتخلق بأخلاقه، وغير ذلك، هذا؛ ومن النصح لله ورسوله: أنهم إذا أقاموا في بلدهم؛ احترزوا عن إفشاء الأراجيف، وإثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى أهل المجاهدين الذين خرجوا إلى الغزو، وقاموا بمصالح بيوتهم. وانظر الآية رقم [٧٩] من سورة (الأعراف). ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾: ليس على من أحسن العمل، وأخلص النية وتخلف عن الجهاد بعذر إثم ومؤاخذة، بل يؤجر على حسن العمل، وإخلاص النية، ولو كان في بيته.\nفقد روى أبو داود عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلاّ وهم معكم فيه، قالوا:\nيا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حسبهم العذر»؛ أي: وهم يتمنون أن يكونوا معكم. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: صيغتا مبالغة من غفر، ورحم. تأمل.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ﴾: ماض ناقص. ﴿عَلَى الضُّعَفاءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿وَلا﴾: زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَى الْمَرْضى﴾: جار ومجرور معطوفان على ما","vol":"4","page":212},{"text":"قبلهما، ومثلها ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ،﴾ (لا): نافية، ﴿يَجِدُونَ﴾: مضارع وفاعله. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، وعائدها وعائد ﴿الَّذِينَ﴾ محذوف، التقدير: ولا على الذين لا يجدون الذي أو شيئا ينفقونه. ﴿حَرَجٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. ﴿إِذا﴾: ظرف زمان متعلق بمضمون الكلام السابق قبله، مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ما﴾: نافية حجازية، أو هي مهملة. ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿ما،﴾ تقدم اسمها على إعمالها، أو متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ على إهمالها. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سَبِيلٍ﴾:\nاسم ﴿ما﴾ مؤخر، أو هو مبتدأ مؤخر (على إهمالها) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وأيضا جملة: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1327\"></span>﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا..﴾. إلخ أي: ليس عليهم حرج؛ أي: إثم ومؤاخذة. ﴿أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. وهم البكاءون، وكانوا سبعة نفر من بني عمرو بن عوف أتوا رسول الله ﷺ.\nوقالوا: يا رسول الله إن الله قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة، والنعال المخصوفة نغز معك، ﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا. ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾: فحمل العباس منهم اثنين، وعثمان ثلاثة زيادة على الجيش الذي جهزه، وهو ألف، وحمل يامين بن عمرو النصري اثنين، وقيل: البكاءون ثلاثة من بني مقرن: معقل، وسويد، والنعمان، وقيل: هم الأشعريون أبو موسى وأصحابه، فلما تولوا يبكون دعاهم الرسول ﷺ، وأعطاهم ذودا من الإبل، وكان قد وافق مجيئهم غضبا من الرسول العظيم، فقال: «والله لا أحملكم، ولا أجد ما أحملكم عليه». فلما أعطاهم، قال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال: «إنّي إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلاّ أتيت الذي هو خير، وكفّرت عن يميني». أقول: وهذا هو المشهور، وحديث الأشعريين مذكور في البخاري.\nبعد هذا انظر (أتى) في الآية رقم [٣٥] (الأعراف) وإعلاله في الآية رقم [١٣٨] منها، ﴿قُلْتَ﴾: انظر إعلاله في الآية [١١] منها، ﴿أَجِدُ﴾: انظر إعلاله في الآية رقم [١٧] منها، ﴿تَوَلَّوْا﴾: انظر شرحه في الآية رقم [٧٩] منها، ﴿وَأَعْيُنُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [١١٦] منها،","vol":"4","page":213},{"text":"﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾: انظر الآية رقم [٨٦] المائدة، تجد ما يسرك وهو من الثلاثي هنا وفي المائدة، وانظره من الرباعي في الآية رقم [٥٠] من سورة (الأعراف)، ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾: انظر الآية رقم [٣] (الأنفال).\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف، (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: معطوفان على قوله ﴿عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ أو على ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ في الآية السابقة، و«حرج» أو «سبيل» محذوف، ويجب تقديره بعد إذا ومدخولها ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿ما﴾: زائدة، ﴿أَتَوْكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح، ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾: مضارع منصوب ب (أن) مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» والهاء: مفعول به، و(أن) المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿قُلْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لا﴾:\nنافية، ﴿أَجِدُ﴾: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور ب ﴿عَلَى﴾ وجملة: ﴿لا أَجِدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الكاف في ﴿أَتَوْكَ﴾ وبعضهم يعتبرها جواب ﴿إِذا،﴾ وعلى الحالية يجب تقدير قد قبلها، هذا؛ وقد قيل: هي معطوفة على جملة:\n ﴿أَتَوْكَ..﴾. إلخ بعاطف محذوف، التقدير: و﴿قُلْتَ،﴾ وهذا ضعيف. ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ على اعتبار جملة: ﴿قُلْتَ..﴾. إلخ حالا أو معطوفة، ومستأنفة على اعتبار جملة: ﴿قُلْتَ..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا،﴾ و﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول كلام لا محل له. ﴿وَأَعْيُنُهُمْ﴾: مبتدأ، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿تَفِيضُ﴾:\nمضارع والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى (أعينهم)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿حَزَنًا﴾: مفعول لأجله، وقيل: هو مفعول مطلق في موضع الحال، ولا وجه له. ﴿أَلاّ﴾: (أن): حرف مصدري ونصب.\n (لا): نافية. ﴿يَجِدُوا﴾: منصوب ب (أن) ... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿ما﴾:\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: أن لا يجدوا الذي، أو شيئا ينفقونه، و(أن) المصدرية والفعل ﴿يَجِدُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nمن عدم وجدان الذي... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَفِيضُ،﴾ ويجوز تعليقهما ب ﴿حَزَنًا؛﴾ لأنه مصدر، فيكون علة للعلة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"4","page":214},{"text":"<span id=\"aya-1328\"></span>﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ: إنما الإثم والمؤاخذة، واستحقاق العقوبة للذين يستأذنونك يا محمد في التخلف عن الخروج للجهاد، وهم أصحاء أقوياء أغنياء، والمراد بهم المنافقون. ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ..﴾. إلخ: انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٨٨] وانظر ﴿السَّبِيلُ﴾ في الآية رقم [١٤٢] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿السَّبِيلُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ أَغْنِياءُ﴾: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ..﴾. إلخ: ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها. ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٨٧].\nوقد تكرر لزيادة التوبيخ والتشنيع على المنافقين المتخاذلين، وجملة: ﴿رَضُوا..﴾. إلخ: تحتمل الاستئناف، والحال، فتكون (قد) قبلها مقدرة، وما بعدها معطوف عليها على الاعتبارين.\n<span id=\"aya-1329\"></span>﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾: انظر الاعتذار في الآية رقم [٩٤] والخطاب للرسول ﷺ وأصحابه، فإنهم كانوا يعتذرون إليهم أيضا، لا إليه فقط، وتخصيص الخطاب في قوله ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ حيث لم يقل: قولوا؛ لأن الجواب وظيفته ﷺ فقط، وأما الاعتذار، فكان له، وللمؤمنين. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود، والمعتذرون كانوا بضعة وثمانين من المنافقين، فلما رجع ﷺ من غزوة تبوك، جاءوا يعتذرون إليه بالباطل. ﴿إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من غزوة تبوك إلى المدينة. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن نصدقكم، أو لن نثق بكم. ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾: أعلمنا الله بالوحي إلى نبيه ﷺ بعض أخباركم. وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد، وانظر الآية رقم [١٠١]. من سورة (الأعراف). ﴿وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾: أتتوبون عن الكفر، أم تثبتون عليه؟ وكأنه استتابة وإمهال للتوبة. انتهى. بيضاوي، وانظر إعلال (ترى) في الآية رقم [١٤٣] (الأعراف). ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: الغيبة","vol":"4","page":215},{"text":"والحضور، ومقتضى القياس: ثم تردون إليه، فوضع الوصف موضع الضمير للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلنهم، لا يعزب عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما..﴾.\nإلخ: فيخبركم بكل شيء عملتموه في دنياكم، ويجازيكم به.\nالإعراب: ﴿يَعْتَذِرُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِذا﴾: ظرف زمان متعلق به أيضا مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَجَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ﴾:\nمتعلقان بما قبلهما. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿يَعْتَذِرُونَ..﴾.\nإلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية. وعلامة جزمه حذف النون.. الخ، والواو: فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾: تعليل للنهي لا محل لها. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نَبَّأَنَا﴾: ماض، و(نا): مفعول به أول، والثاني محذوف، التقدير: قد نبأنا الله أخبارا من أخباركم. وقيل: هذا الفعل تعدى لثلاثة مفاعيل، الأول والثاني ما ذكر، والثالث محذوف، التقدير: أخبارا من أخباركم مثبتة. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما وقد دلا على المفعول الثاني المحذوف. وجملة: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا..﴾. إلخ: تعليل آخر للنهي، وقيل: تعليل للتعليل. ﴿وَسَيَرَى﴾: الواو: حرف استئناف. السين: حرف استقبال، ومعناه التأكيد والوقوع والاستمرار، (يرى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. وهو بمعنى (يعلم)، وقد نصب مفعولين، الأول: ﴿عَمَلَكُمْ﴾. الثاني: محذوف، تقديره: واقعا، أو حاصلا. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف عليه. وجملة: ﴿وَسَيَرَى..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿تُرَدُّونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو: نائب فاعله. ﴿إِلى عالِمِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. و﴿عالِمِ﴾: مضاف. ﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالشَّهادَةِ﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿تُرَدُّونَ..﴾.\nإلخ: معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (الله).\nوالكاف: مفعوله الأول ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني، ﴿بِما﴾:\n (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، وتقدير الكلام؛ فينبئكم بالذي، أو بشيء كنتم تعلمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فينبئكم بعملكم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. هذا؛ و﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها، والميم: علامة جمع الذكور، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر كان.","vol":"4","page":216},{"text":"<span id=\"aya-1330\"></span>﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ..﴾. إلخ: أي: سيحلف المنافقون بالله لكم إذا رجعتم من سفركم هذا: أنهم لم يقدروا على الخروج معكم إلى غزوة تبوك بسبب الفقر، أو المرض ونحو ذلك لتصفحوا عنهم، ولا تعاتبوهم بسبب تخلفهم عنكم. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: فاتركوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، ولا تكلموهم، ولا تجالسوهم؛ لأنهم رجس، بواطنهم خبيثة وأعمالهم قبيحة. ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مآلهم ومقرهم، ومنزلهم ومكانهم.\nقال الجوهري: المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلا، أو نهارا، وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أويا وإواء، ومنه قوله تعالى: ﴿سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ﴾ وآويته أنا إيواء، وأويته إذا أنزلته بك بمعنى. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: الإعراض عنهم وإهانتهم في الدنيا، ومعاقبتهم في نار جهنم في الآخرة إن ذلك بسبب ما كانوا يعملونه من النفاق، والمكر والخداع، وسوء الأعمال، وانظر (جزاء) في الآية رقم [٣٦].\nالإعراب: ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾: السين: حرف استقبال. وهي تفيد تحقق الوقوع؛ لأنه من قول العليم الخبير. (يحلفون): فعل وفاعل. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان به أيضا.\n ﴿إِذَا﴾: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله أيضا، وجملة: ﴿اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾: في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها. ﴿لِتُعْرِضُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف التقدير: إنهم ما قدروا على الخروج، وهذا الكلام المقدر جواب القسم (يحلفون)، وقدر معطوفا على هذا الجواب: وفعلوا أو وقالوا ذلك للإعراض عنهم. وهذا لينسجم المعنى مع التعليق، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] منقولا عن ابن هشام. ﴿فَأَعْرِضُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٨]، (أعرضوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾: لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل. والهاء: اسمها. ﴿رِجْسٌ﴾: خبرها، والجملة الاسمية تعليل للإعراض عنهم. ﴿وَمَأْواهُمْ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٨٢] وجملة:\n ﴿سَيَحْلِفُونَ..﴾. إلخ بدل من جملة: ﴿يَعْتَذِرُونَ﴾ في الآية السابقة، أو هي مفسرة لها.","vol":"4","page":217},{"text":"<span id=\"aya-1331\"></span>﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾: يحلف لكم المنافقون إذا رجعتم من سفركم هذا:\nإنهم ما قدروا على الخروج معكم إلى غزوة تبوك بسبب الفقر ونحوه؛ لإرضائكم. فتدوموا على مودتهم، وحسن معاملتهم. ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ أي: بسبب أيمانهم، وتصدقوهم.. ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى..﴾. إلخ، والمعنى: إن رضاكم لا يستلزم رضا الله. ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا بسخط الله وبصدد عقابه، أو المعنى إن أمكنهم أن يلبسوا عليكم؛ لا يمكنهم أن يلبسوا على الله.\nفلا يهتك سترهم، ولا ينزل الهوان بهم، والمقصود من الآية: النهي عن الرضى عنهم، والاغترار بمعاذيرهم، بعد الأمر بالإعراض عنهم، وعدم الالتفات إليهم. انتهى. بيضاوي بتصرف.\nالإعراب: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ..﴾.: انظر الإعراب، وتقدير الجواب في الآية السابقة. والجملة الفعلية: ﴿يَحْلِفُونَ..﴾. إلخ بدل مما قبلها في الآية السابقة. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء:\nحرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لِتَرْضَوْا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنْ﴾:\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية.\n ﴿يَرْضى﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن). ﴿عَنِ الْقَوْمِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْفاسِقِينَ﴾: صفة القوم مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ. في محل جزم جواب الشرط، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يتبين لك أن الجواب محذوف، التقدير: فإن ترضوا عنهم، فإن رضاكم لا ينفعهم شيئا، وعليه فالجملة الاسمية مفيدة للتعليل، وإن ومدخولها كلام مستأنف مفرع عما قبله لا محل له.\n<span id=\"aya-1332\"></span>﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿الْأَعْرابُ﴾: انظر الآية رقم [٩٠]. ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا﴾: من أهل الحضر، لتوحشهم، وقساوتهم، وعدم مخالطتهم لأهل العلم، وقلة استماعهم لآيات القرآن، وأحاديث سيد الأنام ﷺ. ﴿وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ..﴾. إلخ: أي: هم أحق بعدم معرفة ما أنزل الله على","vol":"4","page":218},{"text":"نبيه ﷺ من شرائع وأحكام، وتبيين الحلال والحرام، والسبب في ذلك هو بعدهم عن مجالس أهل العلم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بحال كل واحد من أهل الحضر والبادية. ﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأمور مواضعها، فيعاقب المسيء من أهل الحضر والمدر، ويثيب المحسن منهما، وانظر النفاق في الآية رقم [٦٤].\nتنبيه: وجود الكفر والنفاق عند سكان البادية بسبب بعدهم عن الوعظ والإرشاد، ومجالس أهل العلم، لا ينفي أن يوجد في الحضر من هو أفسق وأفسد منهم، والسبب هو بعدهم عن العلم وأهله، فقد رأينا من بلغ من العمر الستين والسبعين، وهو لا يحسن الوضوء، ولا يعرف شيئا من مبطلات الصلاة وغير ذلك، ومتجره على باب مسجد من المساجد، وذلك بسبب انصرافه إلى الدنيا وجمع حطامها الفاني حتى جعلته حمارا يسعى في مصالحها، ويجهل معرفة ما هو من ضروريات دينه، كما رأينا كثيرا من الأعراب قد سكنوا المدن وتوالدوا فيها، فزادوا كفرا ونفاقا على من لا يزال مقيما في البادية، وأضيف: أن الوعظ والإرشاد في هذه الأيام موجود، بل ومنتشر في كل مكان في البادية وغيرها، وذلك بواسطة الإذاعات الإسلامية التي يوجد فيها، ومن تتبع ذلك من إذاعة إلى إذاعة لا يكون بعيدا عن الوعظ والإرشاد، بل هو موجود في بيته أينما حل، وأينما ارتحل، ويمكنني أن أقول، إن الأثير في هذه الأيام إنما هو في خدمة الإسلام، ونشر تعاليمه، ولم تستفد ديانة من الديانات من الأثير ما استفاده الإسلام، فكيف إذا وجهت الإذاعات توجيها قويما، ونشرت سيرة الرسول ﷺ، وسيرة صحابته، والتابعين لهم بإحسان؟\nالإعراب: ﴿الْأَعْرابُ﴾: مبتدأ. ﴿أَشَدُّ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿كُفْرًا﴾: تمييز. ﴿وَنِفاقًا﴾: معطوف على ما قبله. ﴿وَأَجْدَرُ﴾: معطوف على أشد ﴿أَلاّ﴾:\n (أن): حرف ناصب. (لا): نافية. ﴿يَعْلَمُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن»، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ. والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حُدُودَ﴾: مفعول به، واكتفى بمفعول واحد؛ لأن الفعل هنا من المعرفة، و﴿حُدُودَ﴾: مضاف، و﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، تقدير الكلام: حدود الذي أو الشيء أنزله الله على رسوله. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: مستأنفة لا محل لها. وانظر الشرح لتأويل المصدر وتعليقه.\n\n<span id=\"aya-1333\"></span>﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ﴾: يعد ويحسبه. ﴿ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾: ما يصرفه في سبيل الله، ويتصدق به غرامة وخسرانا؛ لأنه لا يحتسبه عند الله، ولا يرجو عليه ثوابا، وإنما ينفقه رياء وتقية من غضب المسلمين. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾: ينتظر ويترقب، والتربص والانتظار","vol":"4","page":219},{"text":"والترقب بمعنى و﴿الدَّوائِرَ﴾ جمع دائرة، والمراد: تقلب الزمان وصروفه التي تأتي مرة بالخير، ومرة بالشر، والمراد هنا الثاني، فهم يتمنون موت الرسول ﷺ، أو غلبة المشركين على المسلمين. ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: بل ينقلب عليهم الزمان. ويدور الشر والسوء، والبلاء والحزن بهم، ولا يرون في محمد ﷺ وأصحابه ودينه إلا ما يسوؤهم. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ أي:\nلأقوالهم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بما يخفون في ضمائرهم من النفاق والغش، وإرادة السوء للمؤمنين، و﴿سَمِيعٌ﴾ و﴿عَلِيمٌ﴾ صيغتا مبالغة، هذا؛ وقد نزلت الآية في أعراب أسد، وغطفان، وتميم.\nبعد هذا انظر شرح: ﴿الْأَعْرابِ﴾ في الآية رقم [٩٠] و﴿السَّوْءِ﴾ يقرأ بضم السين وفتحها، فالأول: بمعنى المكروه والشر، والهزيمة والبلاء والضرر، والثاني: بمعنى الفساد والرداءة، وانظر الآية رقم [٧٣] (الأعراف). وانظر ﴿يُنْفِقُ﴾ في الآية [٣] الأنفال.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٠]، ﴿يَتَّخِذُ﴾: مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول. والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف التقدير: الذي، أو شيئا ينفقه. ﴿مَغْرَمًا﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿يَتَّخِذُ..﴾.\nإلخ: صلة من، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾: معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دائِرَةُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّوْءِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة أيضا لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1334\"></span>﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ﴾: انظر الآية رقم [٩٠]. ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾: يصدق ويعتقد بوجود الله تعالى، وينزهه عما لا يليق به من صفات النقصان. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يعتقد بوجود اليوم الذي يحاسب الله فيه العباد. انظر الآية رقم [١٩]. ﴿وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: يعد ويحسب ما ينفقه في سبيل الله، ويتصدق به قربات يتقرب بها إلى رضوان الله وعفوه وإحسانه، وهذا عكس ما في الآية السابقة. ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ أي: دعواته للمتصدقين؛ لأنه ﵊ كان يدعو لهم ويستغفر لهم، وانظر الآية رقم [٦]، ﴿أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ﴾","vol":"4","page":220},{"text":"لَهُمْ: فهذه شهادة من العزيز الحكيم بصحة معتقدهم، وتصديق لرجائهم. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: فهذا وعد من الله تعالى. ولن يخلف وعده بأن يدخلهم جنته يوم القيامة، وعبر برحمته عن الجنة؛ لأنها هي الرحمة الحقيقية. وأية رحمة بعدها إذا لم يدخلها الإنسان؟! ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾: لأوليائه. ﴿رَحِيمٌ﴾: بأهل طاعته، فهما صيغتا مبالغة، هذا؛ ويقرأ: ﴿قُرْبَةٌ﴾ بضم القاف مع ضم الراء وسكونها، وتجمع على قربات بضم القاف، وتثليث الراء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٢] الأنعام. تجد ما يسرك ويثلج صدرك.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في نفر من بني مقرن من قبيلة مزينة قاله مجاهد، وقال الكلبي:\nهم أسلم، وغفار، وجهينة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أسلم سالمها الله، وغفار غفر لها، أما إني لم أقلها ولكنّ الله قالها». متفق عليه، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «قريش والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأسلم وأشجع، وغفار موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله». متفق عليه.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾: إعراب هذا الكلام مثل ما قبله في الآية السابقة. ﴿قُرُباتٍ﴾: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة:\n ﴿قُرُباتٍ،﴾ و﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و﴿بِاللهِ﴾: مضاف إليه. هذا؛ وقيل بتعليق الظرف بالفعل (يتخذ) كما قيل بتعليقه ب: ﴿قُرُباتٍ﴾ نفسه، ﴿وَصَلَواتِ﴾: معطوف على ﴿ما يُنْفِقُ﴾ فهو منصوب.\nوعلامة نصبه الكسرة... إلخ، التقدير: ويتخذ صلوات الرسول قربات. ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح. يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّها﴾: حرف مشبه بالفعل.\nو(ها): اسمها. ﴿قُرْبَةٌ﴾: خبرها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان ب ﴿قُرْبَةٌ﴾. أو بمحذوف صفة لها، والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّها..﴾. إلخ ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ﴾ السين: حرف استقبال مفيد للتأكيد وتحقيق الوقوع. ﴿(سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ)﴾: فعل ومفعول به، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1335\"></span>﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: الذين سبقوا إلى الإسلام، وتسابقوا في الخيرات وفي وجوه البر والإحسان. ﴿مِنَ الْمُهاجِرِينَ﴾ أي: الذين هاجروا من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة،","vol":"4","page":221},{"text":"فرارا بدينهم، وتركوا ديارهم وأموالهم. ﴿وَالْأَنْصارِ﴾ أي: الذين نصروا الرسول ﷺ، وبذلوا أرواحهم وأموالهم في طريقه، وفي سبيل إعزاز دينه ونشر شريعته، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ﴾ أي: بالعمل الصالح، وبذل المال والروح في سبيل الله، لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات؛ إذ لم يكونوا معصومين، ﴿﵃﴾: هذا؛ والأنصار اسم إسلامي، لم يعرف من قبل، قيل لأنس بن مالك ﵁، أرأيت قول الناس لكم: الأنصار، اسم سماكم الله به، أم كنتم تدعون به في الجاهلية؟ قال: بل اسم سمانا الله به في القرآن. ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: انظر الآية رقم [١١٩] المائدة.\n ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ﴾ ... ﴿الْعَظِيمُ﴾: انظر الآية رقم [٧٢] و[١١١].\nتنبيه: لقد اختلف في السابقين الأولين، فقيل: هم من صلى إلى القبلتين، وقيل: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وقيل: هم أهل بدر، وقيل: هم أهل غزوة أحد، واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة، فهو من الأولين من غير خلاف بينهم.\nأما الأفضلية فأفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، وهم: الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله التيمي، وسعيد بن عمرو بن زيد بن نفيل، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية، رضوان الله عليهم أجمعين.\nوقد اختلف في أولهم إسلاما، والمتفق عليهم، والمرضي عند الجميع أن أول من أسلم من الرجال: أبو بكر الصديق، ومن النساء: خديجة الكبرى، ومن الصبيان: علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد: بلال الحبشي رضوان الله عليهم أجمعين، هذا؛ والصحابي هو من اجتمع بالنبي ﷺ مسلما، ومن آمن به، ولم يجتمع به في حياته، فهو تابعي كالنجاشي ملك الحبشة ﵁، وأما التابعي فهو من اجتمع بالصحابة، ولو واحدا منهم، وأما من اجتمع بالنبي ﷺ في حياته، وهو غير مؤمن، ثم آمن بعد وفاته، فهو تابعي، لا صحابي ككعب الأحبار، وأمثاله.\nالإعراب: ﴿وَالسّابِقُونَ﴾: قال أبو البقاء: يجوز أن يكون معطوفا على قوله ﴿مَنْ يُؤْمِنُ﴾ تقديره: ومنهم السابقون، ويجوز أن يكون مبتدأ، وفي الخبر ثلاثة أوجه: أحدهما ﴿الْأَوَّلُونَ،﴾ والمعنى والسابقون إلى الهجرة وغيرها الأولون من أهل الملة، أو السابقون إلى الجنة الأولون إلى الهجرة، والثاني: الخبر ﴿مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ والمعنى فيه الإعلام بأن السابقين من هذه الأمة هم من المهاجرين والأنصار، والثالث: أن الخبر ﴿﵃﴾ والأنصار: بالجر عطفا على ﴿الْمُهاجِرِينَ﴾ ويقرأ بالرفع عطفا على السابقون. أو هو مبتدأ، والخبر جملة: ﴿﵃﴾: وذلك على الوجهين الأولين في خبر السابقون. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على","vol":"4","page":222},{"text":"الفتح في محل رفع معطوف على الأنصار. ﴿اِتَّبَعُوهُمْ﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِإِحْسانٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة.\n ﴿رَضِيَ اللهُ﴾: فعل وفاعله. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. والجملة الفعلية في محل رفع خبر (السابقون)، أو في محل رفع خبر (الأنصار). على نحو ما رأيت فيما سبق. وجملة:\n ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: معطوفة عليها على الاعتبارين فيها، وجملة: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾: معطوفة على ما قبله، وانظر الإعراب في الآية رقم [٦٣]. فهو مثله بلا فارق. ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1336\"></span>﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿حَوْلَكُمْ﴾: ظرف مكان، وهو لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا. يقال: قد قعد حوله وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله وحياله، أي: بإزائه وإزاءه. ﴿الْأَعْرابِ﴾: انظر الآية رقم [٩٠]. ﴿مُنافِقُونَ﴾: انظر الآية رقم [٦٤]. ﴿أَهْلِ﴾: انظر الآية رقم [٨٣] (الأعراف). ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾: تمرنوا على النفاق، وأصروا عليه، ولم يتوبوا منه، وأبوا غيره. ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾: لا تعرفهم، هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق. ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ أي: نعرفهم. وانظر العلم والمعرفة في الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال). وانظر (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الأعراف). ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: الأولى:\nالفضيحة وكشف الأسرار في الدنيا، والثانية بعذاب القبر، وقيل: الأولى أخذ الزكاة من أموالهم، وإجراء الحدود عليهم، والثانية عذاب القبر، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾: هو الخلود في جهنم وبئس المصير. ﴿ثُمَّ﴾: انظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأعراف). ﴿عَذابٍ﴾:\nانظر الآية رقم [٣٩] هذا؛ ومعنى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ أي: يوجد منافقون من أهل المدينة، أي:\nمن الأوس والخزرج.\nالإعراب: ﴿وَمِمَّنْ﴾: (ممن): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿حَوْلَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْأَعْرابِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف. ﴿مُنافِقُونَ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْ أَهْلِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم،","vol":"4","page":223},{"text":"و﴿أَهْلِ﴾: مضاف، و﴿الْمَدِينَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿مَرَدُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع صفة لمبتدإ مؤخر محذوف، التقدير:\nومن أهل المدينة قوم مردوا... إلخ. وقيل: الجملة الفعلية صفة ﴿مُنافِقُونَ،﴾ والمبتدأ المؤخر محذوف. التقدير: ومن أهل المدينة مثل ذلك، والأول أقوى، وأتم معنى. ﴿عَلَى النِّفاقِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ..﴾. إلخ. معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَعْلَمُهُمْ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية للمبتدإ المحذوف. أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. التقدير: غير معلومين لك. ﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَعْلَمُهُمْ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ، مستأنفة لا محل لها. ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾: السين: حرف استقبال مفيد للتوكيد وتحقق الوقوع. (نعذبهم):\nمضارع، وفاعله نحن، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾:\nنائب مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه مثنى. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يُرَدُّونَ﴾:\nمضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو: نائب فاعله. ﴿إِلى عَذابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة عذاب.\n\n<span id=\"aya-1337\"></span>﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: هؤلاء جماعة من أهل المدينة، تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ثم ندموا على ذلك، واختلفوا في عددهم، فقيل: كانوا عشرة، منهم أبو لبابة، وقيل: كانوا خمسة منهم أبو لبابة، وقالوا: أنكون من الضلال، ومع النساء، ورسول الله ﷺ وأصحابه في الجهاد واللأواء؟! فلما قرب الرسول من المدينة وهو راجع من سفره، قالوا: والله لنوثقن أنفسنا بالسواري. فلا نطلقها، حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنا ويعذرنا، فربطوا أنفسهم في سواري المسجد، فمر بهم ﵊ في المسجد، فرآهم، فقال: «من هؤلاء» فقالوا: هؤلاء الذين تخلفوا عنك، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم، حتى تكون أنت الذي تطلقهم، وترضى عنهم، فقال: «وأنا أقسم بالله، لا أطلقهم، ولا أعذرهم، حتى أومر بإطلاقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين».\nفأنزل الله ﷿ هذه الآية، فأرسل إليهم ﷺ، فأطلقهم، وعذرهم، فلما أطلقوا، قالوا:\nيا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، خذها، فتصدق بها عنا، وطهرنا، واستغفر لنا،","vol":"4","page":224},{"text":"فقال: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا»، فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ..﴾. إلخ الآية التالية، وانظر قصة أبي لبابة في الآية رقم [٢٧] من سورة (الأنفال).\n ﴿اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: أقروا بذنبهم، وفيه لطيفة، وهي أنهم لم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم، من المنافقين، وهل يكون مجرد الاعتراف بالذنب توبة؟ كلا، لا يكون؛ لأن التوبة النصوح المقبولة، يجب أن تتوافر فيها ثلاثة أمور، إن كانت من حق الله تعالى: الاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان، وإن كانت من حق العباد يجب رد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان، فإذا لم يرد المظالم لأهلها، لا تقبل توبته، وإن تاب ألف توبة.\n ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: العمل الصالح: هو الاعتراف بالذنب وتوبتهم منه، وقيل: هو الخروج مع رسول الله ﷺ في سائر الغزوات، والعمل السيئ: هو تخلفهم عنه في غزوة تبوك، وقيل: إن العمل الصالح يعم جميع أعمال البر والطاعة، والسيئ بضده، وعليه تكون الآية في حق جميع المسلمين، والحمل على العموم أولى؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، فقد روى الطبراني عن أبي عثمان، قال: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى:\n ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾. ولا تنس أن قوله: ﴿خَلَطُوا..﴾. إلخ إنما هو استعارة تبعية بالفعل لأن الخلط يكون في المحسوسات: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾: فعسى هنا للتأكيد لتحقيق الوقوع إن شاء الله تعالى، وهو ما يفيده قوله جل شأنه: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nالإعراب: ﴿وَآخَرُونَ﴾: معطوف على منافقون، أو على (قوم) المحذوف، وتقدير الكلام:\nوممن حولكم آخرون، أو ومن أهل المدينة آخرون، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما يأتي، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿اِعْتَرَفُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اِعْتَرَفُوا..﴾. إلخ في محل رفع صفة (آخرون)، وجملة: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ في محل رفع خبر (آخرون)، على اعتباره مبتدأ، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة على اعتباره معطوفا على ما قبله، والرابط: الضمير فقط، و(قد) قبلها مقدرة. ﴿وَآخَرَ﴾: معطوف على ﴿عَمَلًا﴾. ﴿سَيِّئًا﴾: صفته. ﴿عَسَى﴾: فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ﴾: اسمه، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ في محل نصب خبر ﴿عَسَى،﴾ ويجب تأويله باسم الفاعل؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، وجملة: ﴿عَسَى اللهُ..﴾. إلخ، مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ (آخرون):\nواعتبار جملة: ﴿خَلَطُوا..﴾. إلخ حالا، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل للرجاء.\nتأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"4","page":225},{"text":"<span id=\"aya-1338\"></span>﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿خُذْ﴾: أمر للنبي ﷺ بأن يأخذ من أموال المذكورين في الآية السابقة صدقة، فأخذ ثلث أموالهم، وهذه الصدقة صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم؛ لأن الصدقة الواجبة، أي: الزكاة، لا يؤخذ فيها ثلث المال، ويؤخذ منه أن كل من أتى ذنبا يسن له بصدقة كفارة لذنبه، ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أي: من الذنوب، ويحتمل أنه خطاب للرسول ﷺ، وأن الفاعل يعود إلى صدقة. ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾: تنمي بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: ادع لهم بالمغفرة، ولذا يسن في حق كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة، فيقول:\nآجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، كما يسن في حق كل من تصدّق عليه، أن يدعو للمتصدق بالبركة والمغفرة ونحو ذلك. ﴿إِنَّ صَلاتَكَ﴾: وقرئ «(صلواتك)». ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾: تسكن بها نفوسهم، وتطمئن بها قلوبهم. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾: لأقوالهم واعترافهم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بندامتهم ونياتهم. بعد هذا انظر شرح (المال) في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنفال)، وانظر شرح (الصلاة) ومعناها في الآية رقم [٥].\nالإعراب: ﴿خُذْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿صَدَقَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿صَدَقَةً﴾: مفعول به. ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾: مضارع والفاعل تقديره:\n «أنت»، والهاء: مفعول به. والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿خُذْ﴾ المستتر، وعلى اعتبار الفاعل عائدا على ﴿صَدَقَةً،﴾ فالجملة الفعلية صفة لها، وحذف الرابط لدلالة ما بعده عليه، وجملة: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿خُذْ﴾ المستتر، والرابط:\nالواو، والضمير، وهذا على اعتبار جملة: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ صفة: ﴿صَدَقَةً﴾ وأما على اعتبارها حالا من فاعل ﴿خُذْ﴾ المستتر، فهي معطوفة عليها، هذا؛ وقيل بعطفها عليها على الوجهين المعتبرين فيها، كما قيل باستئنافهما. (صلّ): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿خُذْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿صَلاتَكَ﴾: اسمها، والكاف: في محل جر بالإضافة.\n ﴿سَكَنٌ﴾: خبرها. ﴿أَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان ب ﴿سَكَنٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":226},{"text":"<span id=\"aya-1339\"></span>﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. إلخ أي: الذين تابوا وقبلت توبتهم، فيكون الاستفهام للتقرير والتبشير، أو الذين لم يتوبوا من المتخلفين عن غزوة تبوك، فيكون الاستفهام للتخصيص والترغيب في التوبة، وذلك أنه لما نزلت توبة التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين، هؤلاء كانوا بالأمس مثلنا، لا يكلمون، ولا يجالسون، فما بالهم اليوم، فأنزل الله الآية الكريمة ترغيبا لهم في التوبة، ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾: هو مثل (من عباده) لأن معنى (عن) و(من) متقاربان، هذا؛ و﴿عِبادِهِ﴾ جمع عبد، هو الإنسان من بني آدم، حرا كان أو رقيقا، ويقال: للمملوك، قن، وله جموع كثيرة، وأشهرها عبيد وعباد، والإضافة في الآية ونحوها إضافة تشريف، ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾: يتقبلها، ويثيب عليها، وإنما ذكر لفظ الأخذ، ترغيبا في بذل الصدقة، وإعطائها للفقراء، ولما كان سبحانه هو المثيب عليها أسند الأخذ إلى نفسه، وإن كان الفقير هو الآخذ لها، وفي ذلك أذكر أحاديث شريفة لتزداد إيمانا فوق إيمانك بهذا. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما تصدّق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيّب-ولا يقبل الله إلا الطيّب-إلاّ أخذها الرّحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كفّ الرحمن، حتّى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله». متفق عليه، وروى الترمذي، عن أبي هريرة أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله يقبل الصّدقة، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم مهره؛ حتى إنّ اللقمة لتصير مثل أحد». وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ و﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ وروي: «إنّ الصّدقة لتقع في كفّ الرّحمن، قبل أن تقع في كفّ السائل، فيربيها كما يربي أحدكم فلوّه، أو فصيله، والله يضاعف لمن يشاء».\nقال العلماء رحمهم الله تعالى في تأويل هذه الأحاديث: إن هذا كناية عن القبول والجزاء عليها، كما كنى سبحانه بنفسه الكريمة المقدسة، عن المريض تعطفا عليه بقوله في الحديث القدسي: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني... إلخ». الحديث، وخص اليمين والكف بالذكر؛ لأن كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه، أو يوضع له فيه، فخرج على ما يوفونه، والله ﷿ منزه عن الجارحة. ﴿التَّوّابُ﴾: كثير قبول التوبة من عباده، أو الرجاع على عباده بالرحمة، وتوبة العبد رجوعه عن المعصية إلى الطاعة، وقرع باب ربه بالتوبة والإنابة، ﴿الرَّحِيمُ﴾: انظر (البسملة) في أول سورة (يوسف) ﵇.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة مع سبك المصدر في الآية رقم [٧٨]. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ﴾","vol":"4","page":227},{"text":"عِبادِهِ: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل يعلم، وجملة:\n ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿التَّوّابُ﴾: خبره. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان. والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ وإن اعتبرت ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، فيكون ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾. خبرين ل (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله. وجملة: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1340\"></span>﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلِ﴾: خطاب لسيد الخلق وحبيب الحق ﷺ، ﴿اِعْمَلُوا﴾: خطاب لجميع الناس. ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾: فإنه لا يخفى عليه سبحانه، سواء أكان خيرا، أم شرا؟ ففيه ترغيب عظيم للمطيعين، ووعيد عظيم للعاصين المذنبين، ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: وسيرى الرسول والمؤمنون أعمالكم: أما رؤية الرسول ﷺ، فباطلاع الله إياه على سرهم وعلانيتهم، وأما رؤية المؤمنين فيما يرون من أعمالهم الظاهرة، فيتسبب عن هذا محبتهم للصالحين، وبغضهم للفاسدين المفسدين، وانظر إعلال (يرى) في الآية رقم [١٤٢] من سورة (الأعراف)، ﴿وَسَتُرَدُّونَ..﴾. إلخ، انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٩٤] ففيها الكفاية.\nقال الرسول ﷺ: «لو أنّ أحدكم يعمل في صخرة صمّاء لا باب لها، ولا كوة؛ لخرج ما غيّبه للنّاس كائنا ما كان». وكوة بفتح الكاف، وجمعها كواء، وبضم الكاف لغة، وجمعها كوى.\nالإعراب: ﴿وَقُلِ﴾: (قل): أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اِعْمَلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَسَيَرَى﴾: الفاء: حرف تعليل. السين: حرف استقبال مفيد للتأكيد وتحقق الوقوع. (يرى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اللهُ﴾:\nفاعله. ﴿عَمَلَكُمْ﴾: مفعول به، والكاف: في محل جر بالإضافة، وقد اكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه بصري، وجملة: ﴿فَسَيَرَى..﴾. إلخ تعليل للأمر، وهي داخلة في مقول القول، ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: معطوفان على لفظ الجلالة ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذا الكلام، إفرادا وجملا في الآية رقم [٩٤] وهو داخل في مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"4","page":228},{"text":"<span id=\"aya-1341\"></span>﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ﴾ أي: وآخرون من المتخلفين عن غزوة تبوك مؤخرون وموقوف أمرهم لحكم الله تعالى فيهم، و﴿مُرْجَوْنَ﴾ من: أرجيته، أي: أخرته، ويقرأ بالهمزة «مرجئون» من أرجأته، أي: أخرته أيضا، وهذا كقراءتهم في الأحزاب: «(ترجئ)» بالهمز، وبدونه، وهما لغتان، يقال: أرجأته، وأرجيته كأعطيته، ويحتمل أن يكونا أصليين بنفسهما، وأن تكون الياء بدلا من الهمزة؛ لأنه قد عهد تحقيقها إلى الياء كثيرا، كقرأت وقريت، وتوضأت وتوضيت. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وانظر ﴿أَرْجِهْ﴾ في الآية رقم [١١١] من سورة (الأعراف). ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: ﴿إِمّا﴾ هاهنا للشك، والله سبحانه عالم بمصير الأشياء، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون، أي: ليكن أمرهم عندكم على الرجاء؛ لأنه ليس للعباد أكثر من هذا. انتهى. قرطبي. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: مر معنا كثير من هذا، وقرئ:\n «(والله غفور رحيم)» هذا؛ والآية نزلت في الثلاثة الذين يجيء ذكرهم في الآية رقم [١١٨].\nقال بعض المفسرين: إن الله ﵎ قسم المتخلفين عن غزوة تبوك إلى ثلاثة أقسام:\nأولهم: المنافقون، وهم الذين مردوا على النفاق واستمروا عليه.\nوالقسم الثاني: التائبون، وهم الذين سارعوا إلى التوبة، بعد ما اعترفوا بذنوبهم، وهم أبو لبابة وأصحابه، فقبل الله توبتهم.\nوالقسم الثالث: موقوفون ومؤخرون إلى أن يحكم الله فيهم، وهم المراد بقوله تعالى:\n ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ﴾.\nوالفرق بين القسم الثاني والثالث، أن القسم الثاني: سارعوا إلى التوبة والندم، فقبل الله توبتهم، والقسم الثالث: توقفوا ولم يسارعوا إلى التوبة، فأخر الله أمرهم، وهذه الآية نزلت في الثلاثة الذين تخلفوا، وهم (كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع)، انتهى خازن بتصرف. ويلغز فيهم، فيقال: أول أسمائهم مكة، وآخر أسمائهم عكة.\n (إما) الثانية عاطفة عند أكثرهم، وزعم يونس والفارسي وابن كيسان: أنها غير عاطفة كالأولى، ووافقهم ابن مالك لملازمتها غالبا الواو العاطفة، ونقل ابن عصفور الإجماع على أن الثانية غير عاطفة كالأولى.\nول «إما» خمسة معان: أحدها: الشك، نحو: «جاءني إمّا زيد وإما عمرو»، إذا لم تعلم الجائي منهما.","vol":"4","page":229},{"text":"والثاني: الإبهام، وهو ما في الآية الكريمة.\nوالثالث: التخيير، نحو قوله تعالى: ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ والآية رقم [١١٥] من سورة (الأعراف).\nوالرابع: الإباحة، نحو: (تعلم إما فقها، وإما نحوا).\nوالخامس: التفصيل، نحو قوله تعالى: ﴿إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا،﴾ انتهى. مغني اللبيب باختصار.\nأقول: والتفصيل هو المعنى الذي لا يفارقها مع كل من المعاني المذكورة.\nالإعراب: ﴿وَآخَرُونَ﴾: (آخرون): معطوف على مثله في الآية رقم [١٠٢]. والتقدير: ومنهم آخرون، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي. ﴿مُرْجَوْنَ﴾: صفته، وعلامة الرفع فيهما الواو نيابة عن الضمة؛ لأنهما جمعا مذكر سالمان، ﴿لِأَمْرِ﴾: متعلقان ب ﴿مُرْجَوْنَ،﴾ و(أمر) مضاف، و﴿اللهِ﴾:\nمضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِمّا﴾: أداة شرط وتفصيل، وهي هنا مفيدة للإبهام.\n ﴿يُعَذِّبُهُمْ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (آخرون) على اعتباره مبتدأ، أو خبر ثان على اعتبار ﴿مُرْجَوْنَ﴾ خبرا أول، أو هي في محل نصب حال. على اعتبار (آخرون) معطوفا على سابقه. ﴿وَإِمّا﴾: الواو: حرف عطف. (إما):\nحرف عطف، أو هي معطوفة على ما قبلها على نحو ما رأيت، وجملة: ﴿يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. فعلى الأول: التقدير: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ،﴾ إما العذاب، وإما التوبة، وعلى الثاني: وممن حولكم ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ إما معذبين، وإما متوبا عليهم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة، فيها وعد للمحسنين، ووعيد للمسيئين.\nتنبيه: الإعراب المتقدم هو الظاهر، وهو منقول عن السمين، وأرى أن الفعل: ﴿يُعَذِّبُهُمْ﴾ مبتدأ خبره محذوف، ومثله ما بعده، التقدير: إما العذاب واقع بهم، وإما التوبة حاصلة لهم، والجملة الاسمية الأولى، يقال فيها ما تقدم ذكره، والثانية معطوفة عليها، والذي حملني على هذا؛ وقوع الاسم بعد ﴿إِمّا﴾ غالبا، إما صراحة كقول تأبط شرا: [الطويل]\nهما خطّتا إمّا إسار ومنّة... وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر\nأو تأويلا، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ وكما في الآية رقم [١١٥] من سورة (الأعراف)، وغيرهما كثير، وبقي أن تعلم: أن المضارع ﴿يُعَذِّبُهُمْ﴾ حل محل المصدر لأنه على تقدير أن قبله، على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا..﴾. إلخ والمثل العربي: (تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه)، خذ هذا وافهمه فإنه جيد، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.","vol":"4","page":230},{"text":"<span id=\"aya-1342\"></span>﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧)﴾\nالشرح: قال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف بنوا مسجد قباء، وبعثوا للنبي ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف، فقالوا: نبني مسجدا، ونبعث إلى النبي ﷺ، يأتينا، فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا، ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، فأتوا النبي ﷺ، وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله! قد بنينا مسجدا لذي الحاجة، والعلة، والليلة المطيرة، ونحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة، فقال ﷺ: «إني على سفر، وحال شغل، فلو قدمنا لأتيناكم وصلّينا لكم فيه». فلما رجع ﵊ من تبوك، أتوه، وقد فرغوا منه، وصلوا فيه الجمعة والسبت، والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه، ويأتيهم، فنزلت الآية الكريمة، وما بعدها، فدعا النبي ﷺ مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، وعامر بن السكن، ووحشيا قاتل حمزة، فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظّالم أهله، فاهدموه وأحرقوه». فخرجوا مسرعين، فأحرقوا المسجد وهدموه، واتخذ مكانه كناسة، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا من رؤساء المنافقين، قال عكرمة ﵀: سأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد؟ فقال: أعنت فيه بسارية، فقال: أبشر بها، سارية في عنقك من نار جهنم.\nبعد هذا انظر شرح (مسجدا) في الآية رقم [٢٩] من سورة (الأعراف). ﴿ضِرارًا﴾ أي:\nللمؤمنين، روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n «لا ضرر، ولا ضرار، من ضارّ ضرّ الله به، ومن شاقّ شاقّ الله عليه».\nقال بعض العلماء: الضرر الذي لك به منفعة، وعلى جارك فيه مضرة، والضرار الذي ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه المضرة، وقيل: هما بمعنى واحد، تكلم بهما جميعا على جهة التأكيد، هذا؛ وقد قال العلماء: وكل مسجد بني على ضرار، أو رياء، أو سمعة، فهو في حكم مسجد الضرار، لا تجوز الصلاة فيه.\n ﴿وَكُفْرًا﴾ أي: بالله ورسوله، أو بنوه تقوية للكفر، ومكيدة للإسلام والمسلمين، ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بين جماعة المؤمنين في مسجد واحد، وهذا دليل على أن الحكمة من صلاة الجماعة تأليف القلوب، وجمع الكلمة على الطاعة، وتوحيد الصفوف أمام المصاعب التي تنوب المسلمين، ولكن أكثر المسلمين لا يفقهون هذا. ﴿وَإِرْصادًا﴾: ترقبا، وانتظارا ﴿لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل بناء مسجد الضرار، والمراد به أبو عامر الراهب، سمي","vol":"4","page":231},{"text":"بذلك لأنه كان قد تنصر قبل الإسلام، وترهب، ولبس المسوح، فلما قدم الرسول ﷺ المدينة، قال له أبو عامر: ما هذا الدين الذي جئت به، فقال: «جئت بالحنيفيّة السمحة دين إبراهيم».\nقال أبو عامر: أنا عليها، فقال له النبي ﷺ: «إنك لست عليها». قال: بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها، فقال النبي ﷺ: «ما فعلت، ولكن جئت بها بيضاء نقيّة». فقال: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا، فقال النبي ﷺ: «آمين». وسماه أبا عامر الفاسق، فلما كان يوم أحد؛ قال للنبي ﷺ، لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل وكذلك إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج إلى الروم يستنصر بهم، وأرسل إلى المنافقين في المدينة، أن أعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر، فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة. فبنوا مسجد الضرار، إلى جانب مسجد قباء، ومات الخبيث بقنسرين كافرا، وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غسيل الملائكة ﵁، فنعم الولد، وبئس الأب!\n ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى﴾ أي: يحلف المنافقون بالله ما أردنا إلا الخصلة الحسنى، وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المصلين، وانظر الآية رقم [٥٢] والمحال عليها.\n ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي: في إيمانهم وقولهم: ما أردنا إلا الحسنى، ويعلم خبثهم، وما انطووا عليه من شر وفساد، وسوء أعمال.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ﴿وَآخَرُونَ﴾ في الآية السابقة، التقدير: ومنهم الذين... إلخ، فهو عطف جملة اسمية على مثلها، هذا؛ ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، التقدير: يعذبون ونحوه، هذا؛ ويقرأ بدون واو، فهو مبتدأ، ويكون خبره جملة: ﴿لا تَقُمْ﴾ وقال النحاس: يكون خبره ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ..﴾. إلخ، وقال أبو البقاء: الخبر ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ..﴾. إلخ، وفيه بعد شديد، هذا؛ وقال الزمخشري: منصوب على الاختصاص بفعل محذوف، أي: فيكون على الذم، وجملة:\n ﴿اِتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿ضِرارًا﴾: مفعول لأجله، وقيل: مفعول ثان للفعل قبله، وقيل: حال، وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، ومتعلقه محذوف، التقدير:\nضرارا لإخوانهم. ﴿وَكُفْرًا﴾: معطوف عليه على جميع الوجوه المعتبرة فيه، ومتعلقه محذوف التقدير: كفرا بالله وبرسوله. ﴿وَتَفْرِيقًا﴾: معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، أو بمحذوف صفة، و﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿وَإِرْصادًا﴾: معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيهن. ﴿لِمَنْ﴾: متعلقان بالمصدر قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة: ﴿حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها.","vol":"4","page":232},{"text":"﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل ﴿حارَبَ﴾. و﴿قَبْلُ﴾: مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، أي: من قبل بناء مسجد الضرار. ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾: الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء، مفيدة للتوكيد. (يحلفن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَرَدْنا﴾:\nفعل وفاعل. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿الْحُسْنى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ أَرَدْنا..﴾. إلخ: جواب (يحلفنّ) لا محل لها من الإعراب. والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٤٢]، وما ذكرته من التعليق، وكسر همزة (إنّ) فيها.\n\n<span id=\"aya-1343\"></span>﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿لا تَقُمْ﴾: الخطاب للنبي ﷺ. فيه: في مسجد الضرار المذكور في الآية السابقة، والمعنى: لا تصل فيه. ﴿أَبَدًا﴾: انظر الآية رقم [٢٢]، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى﴾:\nالمراد به مسجد قباء، أسسه النبي ﷺ وصلى فيه أيام مقامه بقباء من الاثنين إلى الجمعة؛ لأنه الأوفق لما ذكر في الآية السابقة، أو هو مسجد الرسول ﷺ في المدينة، لقول أبي سعيد الخدري ﵁: سألت رسول الله ﷺ عنه، فقال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة».\n ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي: من أيام وجوده وبنائه، هذا؛ وقيل: (من) هنا بمعنى (منذ) على حد قول زهير بن أبي سلمى: [الكامل]\nلمن الدّيار بقنّة الحجر... أقوين من حجج، ومن دهر\nأي: منذ حجج، ومنذ دهر، وقد دعا إلى هذا أن من أصول النحويين أن ﴿مِنْ﴾ لا يجر بها الأزمان، وإنما تجر الأزمان بمنذ، وانظر شرح ﴿أَوَّلِ﴾ في الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأعراف)، ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾: أولى وأجدر بأن تقوم فيه للصلاة، والضمير يعود إلى المسجد المذكور، ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ أي: من المعاصي والخصال المذمومة، طلبا لمرضاة الله تعالى، وقيل: من الجنابة، فلا ينامون عليها، والضمير يعود إلى مسجد قباء، ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: يرضى عنهم، ويدنيهم من جنابه تعالى، إدناء المحب حبيبه.\nقيل: لما نزلت الآية الكريمة مشى رسول الله ﷺ، ومعه المهاجرون، حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال ﵊: «أمؤمنون أنتم؟». فسكتوا، فأعادها، فقال عمر ﵁: إنهم مؤمنون، وأنا معهم، فقال ﵊: «أترضون بالقضاء؟». قالوا: نعم، قال: «أتصبرون على البلاء؟». قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في","vol":"4","page":233},{"text":"الرّخاء؟». قالوا: نعم، قال: «مؤمنون وربّ الكعبة». فجلس، ثم قال: «يا معشر الأنصار، إن الله ﷿ قد أثنى عليكم، فما الذي تصنعون عند الوضوء، وعند الغائط؟». فقالوا: يا رسول الله! نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا عليهم ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾.\nعن سهل بن حنيف ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من خرج حتّى يأتي هذا المسجد، مسجد قباء، فيصلّي، كان له كعدل عمرة». أخرجه النسائي، وعن أسد بن ظهير ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة». أخرجه الترمذي.\nالإعراب: ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تَقُمْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر، تقديره «أنت»، ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين): على وجه مر ذكره، أو هي مستأنفة لا محل لها ﴿لَمَسْجِدٌ﴾: اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، مسجد: مبتدأ.\n ﴿أُسِّسَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى مسجد، والجملة الفعلية في محل رفع صفة (مسجد)، ﴿عَلَى التَّقْوى﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْ أَوَّلِ﴾: متعلقان به أيضا، و﴿أَوَّلِ﴾:\nمضاف، و﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَحَقُّ،﴾ التقدير: أحق بالقيام فيه، والجملة الاسمية: ﴿لَمَسْجِدٌ..﴾. إلخ ابتدائية، أو هي جواب للقسم المحذوف، ولا محل لها على الاعتبارين، ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِجالٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿يُحِبُّونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَطَهَّرُوا..﴾. في محل نصب مفعول به، وجملة:\n ﴿يُحِبُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة: ﴿رِجالٌ﴾. والجملة الاسمية: ﴿فِيهِ رِجالٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها صفة ثانية ل: (مسجد)، واعتبارها حالا من الهاء في ﴿فِيهِ﴾ والأول أقوى. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ. ﴿يُحِبُّ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمُطَّهِّرِينَ﴾: مفعول به منصوب... إلخ، وجملة: ﴿يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1344\"></span>﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ﴾: في مثل هذا كلام كثير ذكرته عند ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأعراف)، ﴿أَسَّسَ بُنْيانَهُ﴾: يقرأ الفعل بالبناء للفاعل، وبالبناء للمجهول، ورفع بنيانه، وقرئ «(أسَسُ، وأساس، وأسّ، وآساسُ)» كلها بالرفع، وخفض ما بعده على الإضافة. ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ﴾: على طاعة الله، والخوف منه، ومن عقابه، ويقرأ ﴿تَقْوى﴾ بالتنوين وعدمه، وانظر","vol":"4","page":234},{"text":"الآية رقم [١] من سورة (الأنفال)، ﴿وَرِضْوانٍ﴾ أي: وابتغاء رضوانه تعالى. ﴿خَيْرٌ﴾: انظر الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف)، ﴿عَلى شَفا﴾: طرف وحرف، أصله شفو بدليل تثنيته: شفوان، فيقال في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ﴿جُرُفٍ﴾: بضم الجيم مع ضم الراء وتسكينها، انظر ما ذكرته في ﴿رُسُلٌ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأعراف)، وال ﴿جُرُفٍ﴾ ما ينجرف بالسيول من الأودية، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء. ﴿هارٍ﴾: ساقط متداع منهار، وفي أصله وإعلاله ثلاثة أقوال:\nأحدها وهو المشهور: أنه مقلوب بتقديم لامه على عينه، وذلك: أن أصله: هاور، أو هاير، فقدمت اللام، وهي الراء على العين، وهي الواو أو الياء، فصار كغاز ورام، فأعلّ إعلال الاسم المنقوص.\nالقول الثاني: أن عينه حذفت اعتباطا، أي: لغير موجب؛ وعليه فتجري وجوه الإعراب على لامه، فيقال: هذا هار، ورأيت هارا، ومررت بهار.\nالقول الثالث: أنه لا قلب فيه، ولا حذف، وأن أصله هور، أو هير بوزن كتف، فتحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله، فقلب ألفا، وعلى هذا فتجري وجوه الإعراب أيضا كالذي قبله، وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادعاء القلب والحذف، اللذين هما على خلاف الأصل. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف كبير مني.\n ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: فسقط الجرف بمعنى أوقع الجرف البنيان في نار جهنم، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾: انظر معنى هذه الجملة، وما يتعلق بها في الآية رقم [٢٤] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٠] تجد ما يسرك.\nتنبيه: هذه الآية ضرب مثل لهم، أي: من أسس بنيانه، أي: دينه وطاعته وتقواه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق، وبين أن بناء الكافر والمنافق كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. انتهى.\nتنبيه: في الآية الكريمة دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى، والقصد لوجهه الكريم، فهو الذي يبقى، ويسعد به صاحبه، ويصعد إلى الله، ويقبله، ويرفع صاحبه درجات في عليين. انتهى.\nتنبيه: لقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ هل هو حقيقة أو مجاز على قولين:\nالأول: أن ذلك حقيقة، وأن النبي ﷺ حين أرسل إلى مسجد الضرار، فهدم، رؤي الدخان يخرج منه، وقال بعضهم: كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل، فيخرجها سوداء","vol":"4","page":235},{"text":"محترقة، وذكر أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار، فيخرج منه دخان، وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: جهنم في الأرض، ثم تلا: ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ،﴾ وقال جابر بن عبد الله﵄-: أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ﷺ.\nأقول: وفي الآية دليل على وجود جهنم في الدنيا، انتهى.\nوالثاني أن ذلك مجاز، والمعنى: صار البناء في نار جهنم، فكأنه انهار إليه، وهوى فيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ والظاهر الأول؛ إذ لا إحالة في ذلك، والله أعلم.\nانتهى. قرطبي بتصرف كبير مني.\nأقول: وعلى القول الثاني، فالكلام جار على الاستعارة المكنية، شبهت التقوى والرضوان بما يعتمد عليه البناء تشبيها مضمرا في النفس، وأسس بنيانه تخييل، فهو مستعمل في معناه الحقيقي، أو هو استعارة تمثيلية لحال من أخلص لله وعمل الأعمال الصالحة بحال من بنى شيئا محكما مؤسسا يستوطنه، ويتحصن فيه، وقيل: غير ذلك.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: حرف استفهام تقريري. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف على محذوف، كما رأيت في الآية رقم [٦٥] (الأعراف). (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿أَسَّسَ بُنْيانَهُ﴾: ماض، وفاعله مستتر ومفعوله، أو هو ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. وإن اعتبرت (من) نكرة موصوفة فهي صفتها، وعلى القراءات الأخر. ف (أسّ...) إلخ. مبتدأ، وهو مضاف، و﴿بُنْيانَهُ﴾: مضاف إليه، والهاء: في محل جر بالإضافة، ﴿عَلى تَقْوى﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَسَّسَ،﴾ على اعتبارها فعلا، ومتعلقان بمحذوف خبره على القراءات الأخر، وعليه فالجملة الاسمية صلة (من) أو صفتها، وعلى جميع الاعتبارات فالعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة. ﴿تَقْوى﴾. أو هما متعلقان به. وهو أولى. ﴿وَرِضْوانٍ﴾: معطوف على ﴿تَقْوى،﴾ ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ (من) والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي معطوفة على محذوف، لا محل لها على الوجهين. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف.\n ﴿أَسَّسَ بُنْيانَهُ﴾: فهذه الجملة مثل سابقتها على جميع الاعتبارات التابعة للقراءات. ﴿عَلى شَفا﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَسَّسَ﴾. أو هما متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، على القراءات الأخر، والجملة الفعلية أو الاسمية صلة ﴿فَمَنْ﴾ أو صفتها، والرابط أو العائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو (من) محذوف. تقديره: خير. والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، و﴿شَفا﴾: مضاف، و﴿جُرُفٍ﴾: مضاف إليه. ﴿هارٍ﴾: صفة:\n ﴿جُرُفٍ﴾. وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿فَانْهارَ﴾: الفاء: حرف عطف. (انهار): ماض، وفاعله ضمير يعود إلى ﴿جُرُفٍ﴾. أو إلى «البنيان». أو إلى «الأساس» اعتبارات. ﴿بِهِ﴾: متعلقان","vol":"4","page":236},{"text":"بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والهاء تعود إلى (من) الباني، أو إلى «البنيان»، أو إلى «الأساس» اعتبارات أيضا. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها على الاعتبارين، ﴿فِي نارِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿نارِ﴾: مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [١٩].\n\n<span id=\"aya-1345\"></span>﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: والمعنى: أن ذلك المسجد الذي بناه المنافقون-وهو مسجد الضرار-صار سببا لحصول الشك والريبة في قلوب المنافقين؛ لأنهم فرحوا ببنائه يوم بنوه، فلما أمر رسول الله بهدمه شق ذلك عليهم، وازدادوا غما وحزنا، وبغضا له ﷺ، وقيل: إنهم كانوا يظنون أنهم محسنون في بنائه، كما حبب العجل إلى بني إسرائيل، فلما أمر ﵊ بهدمه وتحريقه بقوا شاكين، وقيل:\nمعنى ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ شكا ونفاقا، وقيل: معناه: حسرة وندامة، وقيل: معناه: حزازة وغيظا، ﴿إِلاّ﴾: وقرئ: «(إلى)» ﴿تَقَطَّعَ﴾: قرئ بالبناء للمعلوم والمجهول، مع تشديد الطاء وتخفيفها، كما قرئ: «(نقطع)»: بالتشديد والتخفيف أيضا، وقرئ: «(يقطع)» بالتشديد والتخفيف أيضا، و(تقطّع) بالبناء للمعلوم محذوف منه إحدى التاءين على حد قوله تعالى: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ وقد اختلف في تقطيع قلوبهم.\nفقال ابن عباس﵄-: أي: تنصدع قلوبهم فيموتوا، وقاله قتادة، والضحاك، ومجاهد أيضا، وقال سفيان: إلا أن يتوبوا، وقال عكرمة: إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم، والمعنى إن هذه الريبة باقية في قلوبهم إلى أن يموتوا، وتتقطع قلوبهم في قبورهم قطعا قطعا، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾: بأحوالهم وأعمالهم، وأعمال جميع عباده، ﴿حَكِيمٌ﴾: فيما حكم به عليهم.\nالإعراب: ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَزالُ﴾: مضارع ناقص. ﴿بُنْيانُهُمُ﴾: اسمه، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿بُنْيانُهُمُ﴾.\n ﴿بَنَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:\n (بنوه)، ﴿رِيبَةً﴾: خبر ﴿لا يَزالُ﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رِيبَةً﴾. ﴿إِلاّ﴾:\nحرف استثناء، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تَقَطَّعَ﴾ في محل نصب على الاستثناء من عموم الأزمنة، والتقدير: لا يزال بنيانهم الذي بنوه ريبة في وقت من الأوقات، إلا وقت تقطيع","vol":"4","page":237},{"text":"قلوبهم، أو من عموم الأحوال، أي: في كل حال إلا حال تقطيعها، وينبغي أن تعلم أن الفاعل تقديره: أنت، أو نحن، أو هو، وأن ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ نائب فاعل، أو هو مفعول به وذلك على حسب القراءات التي رأيتها، وجملة: ﴿لا يَزالُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقد رأيت فيما سبق اعتبارها خبرا في بعض الحالات، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1346\"></span>﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ: هذا تمثيل لإثابة الله إياهم الجنة على بدل أنفسهم وأموالهم في سبيله على طريقة الاستعارة التبعية، ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين، وأموالهم، وجعل الثمن، الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ﴿الْجَنَّةَ﴾: انظر الآية رقم [٧٣]، ﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: هذا بيان لتلك المبايعة، ولذلك الشراء. ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾: أعداء الله. ﴿وَيُقْتَلُونَ﴾: في سبيل الله، ولإعلاء كلمته، ويقرأ الفعلان عكسا، والمعنى لا يتغير. ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ أي: تفضلا منه تعالى وليس بواجب عليه، وإن أوهم اللفظ ذلك. ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ أي: لا أحد أوفى بوعده منه تعالى؛ لأن إخلاف الوعد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا، فكيف بأكرم الأكرمين، ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن منه وأبلغ. انتهى. نسفي. وانظر الوعد في الآية رقم [٤٤] من سورة (الأعراف)، والعهد في الآية رقم [١٠٢]، منها. ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ..﴾. إلخ: أي: افرحوا بذلك البيع، وأظهروا السرور به حتى يظهر على بشرة وجوهكم ذلك. ﴿وَذلِكَ﴾ أي: البيع. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:\nلأنه رابح، ولا فوز أعظم منه، وقد حقق لكم أعظم المطالب.\n ﴿وَالْإِنْجِيلِ﴾: هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسّلام، يذكر ويؤنث فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب، وهو مشتق من النجل، وهو الأصل، كأنه أصل الدين، يرجع إليه، ويؤتم به، والتوراة مشتقة من ورى الزند، وهو ما يخرج منه من الضياء من ناره، فكأنها ضياء، يستضاء بها في الدين، والقرآن مشتق من قريت الماء في الحوض، إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد مكي، هذا؛ وهو في اللغة","vol":"4","page":238},{"text":"مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء، قرآنا، أي: جمعته، وبمعنى القراءة يقال: قرأت الكتاب قراءة وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، وهو المراد هنا.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في البيعة الثانية، وهي بيعة العقبة الكبرى، والتي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين، وكان أصغرهم سنا عقبة بن عمرو، وذلك حين اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة﵁-: يا رسول الله! اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي ﷺ: «أشترط لربّي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأموالكم». قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال:\n «الجنّة». قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت الآية، ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة سيد الخلق، وحبيب الحق، ﷺ، إلى يوم القيامة، وما اشترطه الرسول ﷺ لنفسه إنما هو من باب التعليم، كيف لا؟ وهو يعلم أنه ممنوع من الكفار، وهو منصور، ودينه يعلو على جميع الأديان.\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿اِشْتَرى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به. ﴿وَأَمْوالَهُمْ﴾: معطوف على ما قبله. والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿بِأَنَّ﴾: الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَمْوالَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أن) مقدم. ﴿الْجَنَّةَ﴾: اسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: باستحقاقهم الجنة. والجار والمجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿اِشْتَرى،﴾ وجملة: ﴿اِشْتَرى..﴾. إلخ: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها، ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان به، و﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و﴿اللهَ﴾: مضاف إليه. ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾: إعرابهما مثل سابقهما، والواو؛ فاعل أحدهما، ونائب فاعل الآخر، وحذف مفعول المبني للمعلوم للعلم به مثل السابق، والجملتان معطوفتان على ما قبلهما لا محل لهما مثلها. ﴿وَعْدًا﴾: مفعول مطلق، لفعل محذوف. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان ب ﴿وَعْدًا﴾. أو بمحذوف صفة له. ﴿حَقًّا﴾: مفعول مطلق، عامله محذوف مثل سابقه. فهما مؤكدان لمعنى الكلام السابق، وتقدير الكلام: وعدهم الله ذلك وعدا، وحق ذلك ﴿حَقًّا،﴾ وقال أبو البقاء: ﴿حَقًّا﴾ صفة: ﴿وَعْدًا،﴾ والأول أقوى وآكد، والكلام كله مستأنف لا محل له، ﴿فِي التَّوْراةِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿اِشْتَرى﴾. وعلى هذا فتكون كل أمة قد أمرت بالجهاد،","vol":"4","page":239},{"text":"ووعدت عليه الجنة، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿وَعْدًا﴾ أي: مذكورا وكائنا في التوراة، وعليه يكون الوعد بالجنة لهذه الأمة مذكورا في جميع كتب الله المنزلة، انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني. ﴿وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾: معطوفان على ﴿التَّوْراةِ﴾. ﴿وَمَنْ﴾: الواو:\nحرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي، كما رأيت في الشرح، فهو مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْفى﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿أَوْفى﴾.\nالفاء: هي الفصيحة، انظر الآية رقم [٢٨]. (استبشروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.\n ﴿بِبَيْعِكُمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف: في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: (بيعكم)، وجملة:\n ﴿بايَعْتُمْ بِهِ﴾ صلة الموصول، والعائد: الضمير المجرور بالباء. ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:\nانظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٠] مع فارق بسيط، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1347\"></span>﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿التّائِبُونَ﴾: من ذنوبهم صغائر كانت أم كبائر، وانظر شروط التوبة في الآية رقم [١٠٢]. ﴿الْعابِدُونَ﴾: الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، هذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى. ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى، وقيل:\nالعبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود.\n ﴿الْحامِدُونَ﴾: لنعماء الله، أو لما نابهم من السراء والضراء، هذا؛ والحمد في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري، على وجه التبجيل والتعظيم، سواء أكان في مقابله نعمة أم لا؟ فالأول:\nكمن يحسن إليك، والثاني: كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، من حيث كونه منعما على الحامد، أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان، التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل]\nأفادتكم النّعماء مني ثلاثة... يدي ولساني، والضّمير المحجّبا\nومما هو جدير بالذكر أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. ﴿السّائِحُونَ﴾:\nالصائمون، أي: الذين يديمون الصيام في جميع الشهور والفصول.","vol":"4","page":240},{"text":"روى الطبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «سياحة أمّتي الصّيام».\nشبه الصيام بالسياحة من حيث إنه يعوق عن الشهوات، أو لأنه رياضة نفسانية، يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت، أو ﴿السّائِحُونَ﴾ للجهاد، أو لطلب العلم. ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ أي: يديمونها في صلاة الفرض والنوافل على اختلاف أنواعها ومراتبها. ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بفعل الخير من إيمان بالله وامتثال أوامره. ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: من كفر بالله، ومخالفة أوامره، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧١]، ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ أي:\nالقائمون بأداء جميع ما أمر الله به، المنتهون والمبتعدون عن كل ما نهى الله عنه، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: القائمين بما ذكر، أو الموصوفين بتلك الصفات العظيمة، ووضع الظاهر موضع الضمير للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم، فكأنه قال: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام، وتعبير الكلام. انتهى.\nبيضاوي.\nتنبيه: اختلف أهل التأويل في هذه الآية، هل هي متصلة بما قبلها، أو منفصلة عنها، فقال الفراء: استؤنف لفظ التائبون بالرفع لتمام الآية الأولى، وانقطاع الكلام، وقال الزجاج:\n ﴿التّائِبُونَ﴾ رفع بالابتداء وخبره مضمر، والمعنى: التائبون إلى الله العابدون... إلخ لهم الجنة أيضا، وإن لم يجاهدوا، غير معاندين، ولا قاصدين بترك الجهاد، وهذا؛ وجه حسن، فكأنه وعد بالجنة جميع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى،﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٥] من سورة (النساء)، ومن جعله تابعا للأول كان الوعد بالجنة خاصا بالمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات، فيكون رفع ﴿التّائِبُونَ﴾ على المدح، يعني المؤمنين المذكورين في قوله ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى..﴾. إلخ، انتهى. خازن.\nأقول: ويؤيد هذا قراءة «(التائبين، العابدين...)» إلخ بالياء نصبا على المدح بفعل محذوف، أو جرا صفة للمؤمنين.\nتنبيه: واختلف العلماء في الواو في قوله ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ،﴾ فقيل: دخلت في صفة الناهين، كما دخلت في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾. فذكر بعضها بالواو، والبعض بدونها، وهذا سائغ معتاد في الكلام، ولا يطلب لمثله حكمة ولا علة، وقيل: دخلت لمصاحبة الناهي عن المنكر الآمر بالمعروف، فلا يكاد يذكر واحدا منهما مفردا، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾ من سورة التحريم، ودخلت في ﴿وَالْحافِظُونَ﴾ لقربه من المعطوف، وقد قيل: إنها زائدة، وهذا ضعيف لا معنى له، وقيل: هي واو الثمانية؛ لأن السبعة عند العرب عدد كامل صحيح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٠] وكذلك قالوا في آية التحريم، وآية الزمر: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها،﴾ وفي آية الكهف: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ﴾","vol":"4","page":241},{"text":"وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، وقد ذكرها ابن خالويه في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله تعالى:\n ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ وأنكرها أبو علي. انتهى. قرطبي بتصرف بسيط.\nأقول: وممن أشبع الكلام في هذه الواو ابن هشام-طيب الله ثراه-في مغنيه، وسأنقل لك كلامه عند شرح وإعراب آية الكهف إن شاء السميع العليم، العلي القدير، رقم [٢٢].\nخاتمة: قال الجمل: حاصل ما ذكر أوصاف تسعة، الستة الأولى تتعلق بمعاملة الخالق، والسابع والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق، والتاسع يعم القبيلين، انتهى. وانظر (بشر) في الآية رقم [٣].\nالإعراب: ﴿التّائِبُونَ..﴾. إلخ: هذه الأسماء أخبار متعددة لمبتدإ محذوف، التقدير: هم التائبون، وهذا عند من يرى: أن الآية متعلقة بما قبلها، ومرتبطة بها تمام الارتباط، أو هي مبتدءات متعددة، والخبر محذوف، التقدير: ﴿التّائِبُونَ..﴾. إلخ، من أهل الجنة، وهذا عند من يرى أن هذه الآية منقطعة عما قبلها، وليست شرطا في المجاهد، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿الْآمِرُونَ﴾ خبرا لما ذكر، وهو ضعيف، كما نقل عن السمين اعتبار ﴿التّائِبُونَ..﴾. إلخ بدلا من الواو في ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾ وهو ضعيف أيضا، كما نقل عنه أيضا اعتبار ﴿التّائِبُونَ﴾ مبتدأ، والعابدون خبرا عنه، وما بعده أوصاف له، وهو ضعيف أيضا، هذا؛ ولا يجوز اعتبار ما بعد ﴿التّائِبُونَ﴾ أوصافا له؛ لأنه هو نفسه صفة، والصفة لا توصف، وانظر ما ذكرته في الشرح عن القراءة بالياء، ولا تنس أن في كل واحد من هذه الأسماء ضميرا مستترا، هو فاعله، ﴿وَالنّاهُونَ﴾: معطوف على ﴿التّائِبُونَ﴾ عطف مفرد على مفرد، أو هو عطف جملة على جملة، إن قدرت له مبتدأ، أو خبرا محذوفين. ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: متعلقان ب (الناهون). ﴿وَالْحافِظُونَ﴾: معطوف على ما قبله على جميع الاعتبارات. ﴿لِحُدُودِ﴾: متعلقان ب (الحافظون)، و(حدود) مضاف، و﴿اللهِ﴾:\nمضاف إليه، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1348\"></span>﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ أي: لا يصح، ولا ينبغي ولا يجوز، وقال أهل المعاني: ﴿ما كانَ﴾: في القرآن يأتي على وجهين: على النفي، نحو قوله تعالى: ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ والآخر على النهي كقوله تعالى:\n ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ وقوله: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ..﴾. إلخ. انتهى.\nقرطبي. ﴿لِلنَّبِيِّ﴾: انظر الآية رقم [٧٣]، ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: الذين ماتوا على الشرك،","vol":"4","page":242},{"text":"وانظر (استغفروا) في الآية رقم [٨٠]، ﴿وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾: أصحاب قرابات، آباء، أو أمهات... إلخ، وانظر شرح ﴿أُولِي﴾ في الآية رقم [٧٥]، من سورة (الأنفال)، ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾: ظهر لهم واتضح، وانظر الآية رقم [٤٣]، ﴿الْجَحِيمِ﴾: النار الشديدة.\nروى مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه﵄-، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله: «يا عمّ، قل: لا إله إلاّ الله كلمة أشهد لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن المغيرة: أترغب يا أبا طالب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل الرسول العظيم يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة حتى قال لهم أبو طالب آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال ﷺ: «أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه». فأنزل الله الآية الكريمة، وأنزل في شدة حرصه ﷺ على إسلام أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾.\nهذا؛ وقد استبعد بعضهم نزول هذه الآية في شأن أبي طالب، وذلك لأن وفاته كانت في مكة أول الإسلام، وهذه السورة آخر ما نزل من القرآن في المدينة المنورة، وأجيب بأنه لما نزلت الآية ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي..﴾. إلخ في مكة، وفي حياة أبي طالب، فقال ﵊ ما تقدم في الحديث، فيحتمل أنه ﷺ كان يستغفر له في بعض الأوقات إلى أن نزلت هذه الآية، فمنع من الاستغفار، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. انتهى. خازن بتصرف كبير.\nوهناك أحاديث كثيرة تبين أن أبا طالب خالد في النار، ولكن يخفف عنه العذاب بسبب ما صنع مع رسول الله ﷺ من ذبّ عنه، وحماية له، فخذ هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﵊، وذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه، تغلي منه أمّ دماغه»، وفي رواية «يغلي منه دماغه من حرارة نعليه». متفق عليه.\nتنبيه: وقيل: لما فتح الرسول ﷺ مكة المكرمة، خرج إلى الأبواء، فزار قبر أمه، ثم قام مستعبرا، فقال: «إنّي استأذنت ربّي، في زيارة قبر أمّي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي، وأنزل عليّ الآيتين». رواه أبو هريرة وغيره مع اختلاف في بعض الألفاظ.\nوقال قتادة: قال النبي ﷺ: «لأستغفرنّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله الآية، وروى الطبراني بسنده عنه، قال: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا نبي الله! إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال ﵊: «بلى والله لأستغفرنّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه».\nفأنزل الله ﷿ الآية.","vol":"4","page":243},{"text":"بعد ذلك أقول: إن المعتمد أن أبويه ﷺ، قد ماتا قبل البعثة، وهما من أهل الفترة، وهما داخلان تحت قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا،﴾ فهما ناجيان إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِلنَّبِيِّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾: في محل رفع اسم كان مؤخر. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال.\n (لو): وصلية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿أُولِي﴾: خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السّالم و﴿أُولِي﴾:\nمضاف، و﴿قُرْبى﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَلَوْ كانُوا..﴾. إلخ، في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى، وأقوى من اعتبار (لو) امتناعية، جوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَسْتَغْفِرُوا،﴾ ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليها. ﴿تَبَيَّنَ﴾: ماض، ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿تَبَيَّنَ،﴾ وجملة:\n ﴿تَبَيَّنَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، هذا؛ وإن اعتبرت الفاعل عائدا على ﴿ما﴾ فالمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف والمعنى عليه أقوى.\n\n<span id=\"aya-1349\"></span>﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾\nالشرح: روى النسائي عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه، وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لهما، وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم ﵇ لأبويه، فأتيت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له فنزلت ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ..﴾. إلخ والمعنى:\nلا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل ﵇ لأبيه، فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة وعدها إياه.\nقال ابن عباس﵄-: كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله، ويخلع الأنداد، فلما مات على كفر علم أنه عدو الله، فترك الدعاء له، وهذا يفيد: أن الواعد أبوه، والموعود إبراهيم ﵇، وقيل: الواعد إبراهيم، أي: وعد أباه بأن يستغفر له، فلما","vol":"4","page":244},{"text":"مات مشركا تبرأ منه، ودل على هذا الوعد قوله تعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾.\nانتهى. قرطبي.\nتنبيه: مما تقدم يؤخذ منه جواز الاستغفار للأحياء، وطلب التوفيق لهم، بالإيمان، كما يستدل به على أن حالة المرء يحكم عليها عند الموت، فإن مات على الإيمان حكم له به، وإن مات على الكفر حكم له به، وربك أعلم بباطن حاله. انتهى.\nبعد هذا فإبراهيم معناه في السريانية: أب رحيم، وفيه سبع لغات انظرها في التفاسير.\n ﴿مَوْعِدَةٍ﴾: مصدر ميمي من (وعد)، وكسرت عينه؛ لأنه مثال واوي، وتكسر عينه في المضارع.\n ﴿تَبَيَّنَ﴾: انظر الآية رقم [٤٣]، ﴿عَدُوٌّ﴾: انظر الآية رقم [٢٢] (الأعراف)، ﴿لَأَوّاهٌ﴾: خاشع متضرع، وقيل: كثير الدعاء، وقيل: تواب، وقيل: رحيم بعباد الله، وقيل: موقن، وقيل: كثير التأوه، وكان ﵊ يكثر أن يقول: أوه من النار، قبل أن ينفع أوه، وقيل: كثير الذكر لله، وقيل: معلم الخير للناس، وقيل: غير ذلك، ﴿حَلِيمٌ﴾: كثير الحلم، وهو الذي يصفح عن الذنوب، ويصبر على الأذى، وقيل: الذي لم يعاقب أحدا قط إلا في الله، ولم ينتصر لأحد إلا الله، وكان إبراهيم ﵊ كذلك، هذا؛ ومن أسماء الله تعالى (الحليم)، وفسر بحقه تعالى بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص.\n ﴿اِسْتِغْفارُ﴾: اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، فهو مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿لِأَبِيهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بالمصدر ﴿اِسْتِغْفارُ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء: في محل جر بالإضافة، ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.\n ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾. ﴿وَعَدَها﴾: ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم، أو إلى أبيه، انظر الشرح، والهاء: مفعول به أول، ﴿إِيّاهُ﴾: ضمير نصب منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَعَدَها إِيّاهُ﴾ في محل جر صفة:\n ﴿مَوْعِدَةٍ﴾. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ أو من (أبيه) فالمعنى لا يأباه، والرابط: الضمير على الاعتبارين. ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٧٧]، ﴿تَبَيَّنَ﴾: ماض. ﴿لَهُ﴾: متعلقان به. ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر أن. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾. أو بمحذوف صفة له، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لما)، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها، ﴿تَبَرَّأَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان به، والجملة الفعلية جواب","vol":"4","page":245},{"text":"(لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿كانَ﴾: حرف مشبه بالفعل.\n ﴿إِبْراهِيمَ﴾: اسمها. ﴿لَأَوّاهٌ﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿حَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿كانَ..﴾. إلخ تعليل أو مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1350\"></span>﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ أي: ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوب قوم بعد الهدى، ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ﴾ فلا يمتثلون أوامره، فعند ذلك يستحقون الضلالة. ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.\nتنبيه: لقد اختلف في سبب نزول الآية الكريمة على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنها نزلت في جماعة من المسلمين، كانوا قد ماتوا قبل النهي عن الاستغفار للمشركين، فلما منعوا من ذلك، وقع في قلوب المؤمنين خوف على من مات على ذلك.\nالثاني أنها نزلت فيمن شرب الخمر قبل علمه بالتحريم.\nالثالث: أنها نزلت فيمن صلى إلى بيت المقدس زمنا، ولم يعلم بتحويل القبلة إلى الكعبة، وذلك أن قوما قدموا إلى النبي ﷺ، وأسلموا قبل تحريم الخمر، وصرف القبلة إلى الكعبة، ورجعوا إلى قومهم، وهم على ذلك، ثم حرمت الخمر، وصرفت القبلة إلى الكعبة، ولا علم لهم بذلك، ثم قدموا بعد ذلك إلى المدينة، فوجدوا الخمر قد حرمت، والقبلة قد صرفت إلى الكعبة، فقالوا: يا رسول الله! قد كنت على دين، ونحن على غيره، ونحن على ضلال، فأنزل الله الآية الكريمة، والمعنى: ما كان الله ليبطل عمل قوم قد عملوا بالمنسوخ حتى يبين الناسخ.\nانتهى. خازن بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف، (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿لِيُضِلَّ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود. والفاعل يعود إلى الله، ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بإضافة ﴿بَعْدَ﴾ إليه. وقيل: هي بمعنى «أن» المصدرية. ﴿هَداهُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف. والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾.\nوالهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى الوجه الثاني فيها تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدَ﴾ إليه. التقدير: بعد هداية الله لهم، و«أن» المضمرة والفعل (يضل) في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود،","vol":"4","page":246},{"text":"والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: ما كان الله مريدا لإضلال قوم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿يُبَيِّنَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. والفاعل يعود إلى الله. ﴿لَهُمْ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة. فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: حتى يبين لهم الذي أو شيئا يتقونه، و«أن» المضمرة والفعل: ﴿يُبَيِّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يضل). ﴿كانَ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾:\nاسمها. ﴿بِكُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدها، و﴿بِكُلِّ﴾: مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه.\n ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ﴿كانَ﴾ والجملة الاسمية: ﴿كانَ اللهُ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1351\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: فهو يتصرف فيهما كيف يشاء. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾:\nالإحياء. يكون بالخلق والإيجاد الظاهرين، ويكون الإحياء بالإيمان على سبيل الاستعارة التبعية، وقل مثله في الإماتة، وانظر الآية رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام). تجد ما يسرك. ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾: انظر الآية رقم [٧٤].\nقال البيضاوي: لما منعهم عن الاستغفار للمشركين، وإن كانوا أولي قربى، وتضمن ذلك وجوب التبري منهم رأسا، بين لهم أن الله مالك كل موجود، ومتولي أمره، والغالب عليه، ولا يتأتى لهم ولاية، ولا نصرة إلا منه، ليتوجهوا بقلوبهم إليه، ويتبرءوا مما عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويتركون سواه. انتهى. بتصرف بسيط.\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها، ﴿اللهَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾: مضاف إليه. و﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ مُلْكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يُحْيِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ،﴾ أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور في ﴿اللهَ﴾. وجملة: ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة على الوجهين المعتبرين فيها ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٧٤] والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":247},{"text":"<span id=\"aya-1352\"></span>﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ تابَ﴾: لقد تجاوز وعفا وصفح. ﴿النَّبِيِّ﴾: انظر الآية رقم [٧٣]، ﴿وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾: انظر الآية رقم [١٠٠]، ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: المراد بها وقت غزوة تبوك، حيث كانوا في عسرة وضيق، حتى كان العشرة من الرجال يتعاقبون ظهر البعير الواحد، وكان الرجلان يقتسمان تمرة واحدة، واشتد بهم العطش في سفرهم حتى شربوا ما في فرث الحيوانات من الماء، ﴿مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾: ويقرأ: «(من بعد ما كادت تزيغ قلوب فريق منهم)»، واختلف في معنى «(تزيغ)»، فقيل: تتلف بالجهد، والمشقة والشدة، وقال ابن عباس﵄-: أي: تميل عن الحق في الممانعة والنصرة، وقيل: من بعد ما هم فريق منهم بالتخلف والعصيان، ثم لحقوا به: وقيل: همّوا بالقفول، فتاب الله عليهم، وأمرهم به، وثبتهم على الحق والإيمان. انتهى. قرطبي بتصرف. وانظر ما ذكرته بشأن غزوة تبوك في الآية رقم [٣٩] ففيه الكفاية. ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾: تكرير للتأكيد، وتنبيه على أنه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة. ﴿رَؤُفٌ﴾ أي: بالعباد؛ حيث فتح لهم باب التوبة. والاعتذار، وكلفهم بالعبادات والجهاد، فعرضهم لثواب الغزاة والشهداء، هذا؛ والرأفة أشد الرحمة، و﴿رَؤُفٌ﴾ صيغة مبالغة، فالله أرأف بعباده من الوالدة بولدها، ومن رأفته: أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المتقطع، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ومن رأفته أشياء كثيرة يعسر حصرها وعدها. وهي معلومة عند ذوي الألباب، ﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من الرحمة.\nتنبيه: لقد اختلف في هذه التوبة التي تابها الله على النبي والمهاجرين والأنصار على أقوال كثيرة، أعتمد منها ما قاله ابن عباس﵄-: أنها كانت على النبي ﷺ؛ لأجل إذنه للمنافقين في القعود عن الجهاد، ودليله الآية رقم [٤٣].\nتنبيه،، وفائدة: «كاد» و«يكاد»: فعل يدل على مقاربة وقوع الفعل بعدها، ولذا لم تدخل عليه «أن»؛ لأنه يخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليها حرف النفي؛ دل على أن الفعل بعدها وقع، كما في الآية رقم [٧١] من سورة (البقرة)، وإذا لم يدخل عليها حرف نفي لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع، والفعل منهما واوي العين، فيكاد وزنه: يكود ك «يعلم»، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم قال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقبلت ألفا، فصار: «يكاد»، بوزن يخاف، وكاد أصله كود بكسر الواو كخوف، ومصدره الكود كالخوف، وهذا في «كاد» الناقصة، وأما «كاد»","vol":"4","page":248},{"text":"التامة، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي ك «باع»، ومصدره الكيد كالبيع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ..﴾. ومن الثاني قوله تعالى:\n ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا،﴾ ومعنى الأول المقاربة، ومعنى الثاني المكر، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع ومنصوب، والثاني تام التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.\nفائدة: قد تأتي (كاد) بمعنى أراد، قاله محب الدين الخطيب شارح شواهد الكاشف، وجعل منه قول الأفواه الأودي: [البسيط]\nوالبيت لا يبتنى إلا بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\nفإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا\nأي: الذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [الكامل]\nكدنا وكدت وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى\nأي: أردنا وأردت، دليله (تلك خير إرادة).\nتنبيه: شاع على الألسن أن نفي «كاد» إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعري بقوله: [الطويل]\nأنحويّ هذا العصر، ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود\nإذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود\nفأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك، صاحب الألفية بقوله: [الطويل]\nنعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود\nوفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها فالعلم غير بعيد\nوقد اتفقت كلمة النحاة على أن (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن، ومتشابه، انظر الشاهد [١١٢٧]، من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والأشموني وغيرهما، وها أنا ذا أسوق لك ما ذكره السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه: (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك.\nقال رحمه الله تعالى. والتحقيق: أنها كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلا أن معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل، لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: «كاد زيد يقوم» معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قال تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة، إلا أنه لا يضيء. وقولك: «لم يكد زيد يقوم» معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب","vol":"4","page":249},{"text":"إساغته، فضلا عن أن يسيغه، وعلى هذا الزجاجي وغيره، وذهب قوم، منهم ابن جني، إلى أن نفيها يدل على وقوع الفعل ببطء، لآية ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١]. البقرة، فإنهم فعلوا بعد بطء، والجواب أنها محمولة على وقتين، أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا،﴾ انتهى.\nوقال ابن هشام في مغنية: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها، بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: هي لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال، وجملة: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾:\nابتدائية، أو هي جواب قسم محذوف، لا محل لها على الوجهين. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة للاسمين قبله، أو هو بدل منهما، ويجوز نصبه على القطع والمدح بفعل محذوف، وجملة: ﴿اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: صلة الموصول، لا محل لها، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل اتبعوه. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كادَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿يَزِيغُ﴾:\nمضارع. ﴿قُلُوبُ﴾: تنازعه الفعلان قبله. فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا له، ولا بد من الإضمار في أحدهما على اختلاف بين البصريين والكوفيين، وقيل: اسم (كاد) ضمير الشأن. وقيل: اسمها مضمر، التقدير: من بعد ما كاد القوم، وعلى جميع الوجوه فجملة ﴿يَزِيغُ﴾ أو (تزيغ) ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾ في محل نصب خبر كاد وانظر الآية رقم [١٣٧] (الأعراف).\nو﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ،﴾ وجملة: ﴿ما كادَ..﴾. إلخ، في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليها. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان ب ﴿فَرِيقٍ﴾. أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿تابَ عَلَيْهِمْ﴾: معطوفة على جملة: ﴿لَقَدْ تابَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها على الوجهين المعتبرين فيها، ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما على التنازع، ﴿رَؤُفٌ﴾: خبر إن. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر، والله أعلم.\n\n<span id=\"aya-1353\"></span>﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أي: وتاب الله على الثلاثة، وهم المذكورون في الآية رقم [١٠٦]، و﴿خُلِّفُوا﴾ أي: تخلفوا عن غزوة تبوك، وقيل: تخلفوا عن التوبة، أي: أخر","vol":"4","page":250},{"text":"أمرهم، وهم المرجون لأمر الله، وقيل: المعنى تركوا أو أخروا عن المنافقين، فلم يحكم فيهم بشيء. ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أي: بما اتسعت؛ لأنهم كانوا مهجورين، لا يعاملون، ولا يكلمون، وفي هذا دليل على هجران أهل المعاصي حتى يتوبوا. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: ضاقت صدورهم بالهم والوحشة، وبما لقوه من الصحابة من الجفوة.\n ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ﴾ أي: تيقنوا أن لا ملجأ يلجئون إليه في الصفح عنهم، وقبول التوبة منهم إلا إلى الله، ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا..﴾. إلخ فبدأ بالتوبة منه، أي: قبولها، ترغيبا لهم ولأهل المعاصي في الرجوع إليه، وانظر الآية رقم [١٠٤] لشرح ﴿التَّوّابُ،﴾ وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والفضل والإحسان، وأنه لا يجب عليه سبحانه شيء.\nقال أبو زيد رحمه الله تعالى: غلطت في أربعة أشياء، في الابتداء مع الله تعالى، ظننت أني أحبه، فإذا هو أحبني، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وظننت أني أرضى عنه، فإذا هو رضي عني، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وظننت أني أذكره، فإذا هو يذكرني، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾. وظننت أني أتوب، فإذا هو قد تاب علي، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا..﴾ ..\nبعد هذا فإني أذكر لك ما حدّث به كعب بن مالك ﵁ عن نفسه، وعن صاحبيه، وقد روى حديثه البخاري، ومسلم، وغيرهما.\nقال: -﵁وهذا الحديث رواه عنه ابنه عبد الله﵃ أجمعين-: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله ﷺ. والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: أني لم أكن قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة.\nوالله، ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز، واستقبل عدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة غزوهم، وأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، -يريد بذلك الديوان-قال كعب. فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله ﷿، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار، والظلال، فأنا إليها أصعر-أميل-ليجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي","vol":"4","page":251},{"text":"أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، ولم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، وأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت، ولم أقض شيئا.\nفلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدّر لي ذلك، وطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلا مغموضا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم في تبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟». فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه برداه والنظر في عطفيه.\nفقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ، فبينما هو على ذلك، فرأى رجلا مبيضا يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ:\n «كن أبا خيثمة». فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، الآية رقم [٧٩] قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثّي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد ظل قادما راح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبّح رسول الله ﷺ قادما».\nوكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله ﷿، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: (تعال) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: (ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟) قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله ﷿، والله ما كان لي من عذر، ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.\nفقال رسول الله ﷺ: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك!».، فقمت، وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني، فقالوا: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ، بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، قال: فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ، فأكذب نفسي، قال:\nثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، وقيل لهما ما قيل لك، قال، قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي.","vol":"4","page":252},{"text":"قال: فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرا فيهما أسوة، قال: فمضيت حتى ذكروهما لي، قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال:\nفاجتنبنا الناس، أو قال: تغيّروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي، فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم، وأجلدهم، فكنت أخرج، فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق، فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم، فأقول في نفسي، هل حرك شفتيه بردّ السّلام، أم لا؟\nثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي؛ نظر إليّ، فإذا التفت نحوه؛ أعرض عني، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة المسلمين، مشيت، حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه، فو الله ما ردّ علي السّلام!.\nفقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت، فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينما أن أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول:\nمن يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني، فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته، فإذا فيه، أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.\nقال: فقلت حين قرأتها، وهذه أيضا من البلاء، فتيمّمت بها التنور فسجرتها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، وإذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ.\nفقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك، قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء، وو الله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: والله لا استأذن فيها رسول الله ﷺ، وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها؟ وأنا رجل شاب.\nقال: فلبثت عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الصبح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحالة التي ذكر الله ﷿ منا، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى","vol":"4","page":253},{"text":"على سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! قال: فخررت ساجدا، وعلمت أن قد جاء فرج، قال: وأذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبيّ مبشرون، وركض رجل إليّ فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته.\nوالله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أيمم رسول الله ﷺ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة، ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلنا المسجد، فإذا رسول الله ﷺ حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال، وهو يبرق وجهه من السرور، قال: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك».\nقال: فقلت: أمن عندك يا رسول الله! أم من عند الله؟ قال: «بل من عند الله». وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك، قال:\nفلما جلست بين يديه؛ قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك». فقلت: فإني أمسك سهمي الذي لي بخيبر، قال: وقلت: يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فو الله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو الله أن يحفظني فيما بقي، قال:\nفأنزل الله ﷿: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ..﴾. إلخ الآيات.\nقال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله ﷿ قال للذين كذبوا حين نزل الوحي شرّ ما قال لأحد، فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٩٥ و٩٦]، قال كعب: كنا خلّفنا أيّها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. وليس الذي ذكره ما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه، إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن خلف له، واعتذر إليه، وقبل منه. انتهى. قرطبي، وخازن، والترغيب والترهيب للحافظ المنذري بحروفه.","vol":"4","page":254},{"text":"تنبيه: رويت لك الحديث بتمامه لما فيه من العبر والعظات التي تؤخذ منه، وما يتذكر إلا أولو الألباب، وليتضح معنى الآية الكريمة وتفسيرها تمام الإيضاح، فإن هناك من يفسرها على غير وجهها الصحيح، فيضل عن طريق الحق والصواب، ولعلك تدرك معي فضل الصدق في الحديث، وما يؤول إليه أمره من النجاة في الدنيا والآخرة، وانظر الكذب وما يؤول إليه أمره من الهلاك في الدنيا والآخرة في الآية رقم [١٠٥] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ﴾: معطوفان على قوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ..﴾. إلخ فإن التقدير: وتاب الله على الثلاثة. ﴿الَّذِينَ﴾: يجوز فيه ما جاز بسابقه. ﴿خُلِّفُوا﴾: ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [٨٦]. ﴿ضاقَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضُ﴾: فاعل، وجملة: ﴿ضاقَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر، و(ما) المصدرية والفعل ﴿رَحُبَتْ﴾:\nفي تأويل مصدر في محل جر بالباء التقدير: برحبها، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر مثلها. ﴿أَنْ﴾:\nحرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لا﴾:\nنافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿مَلْجَأَ﴾: اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿مِنَ اللهِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مَلْجَأَ،﴾ وعليه فخبر ﴿لا﴾ محذوف، التقدير: موجود، ونحوه، والأول: على لغة الحجازيين الذين يجيزون ذكر خبر ﴿لا،﴾ والثاني: على لغة بني تميم الذين يوجبون حذفه. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿إِلَيْهِ﴾: بدل من قوله ﴿مِنَ اللهِ﴾ وقيل: استثناء من مقدر، أي: لا ملجأ لأحد، ولا اعتماد على أحد إلا إليه تعالى انتهى. سمين. و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنوا)، وجملة: ﴿وَظَنُّوا..﴾. إلخ، معطوفة على جملة: ﴿ضاقَتْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف، تقديره: رحمهم الله تعالى، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد ﴿حَتّى﴾ لا محل له، بعد هذا ينبغي أن تعلم أن أبا الحسن الأخفش يعتبر ﴿إِذا﴾ في مثل هذه الآية مجرورة ب ﴿حَتّى،﴾ وهو رأي: لا يوافقه عليه أحد من النحويين، وجملة: ﴿تابَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ المحذوف، ﴿لِيَتُوبُوا﴾: مضارع منصوب ب (أن) مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٠٤] وهي مفيدة للتعليل، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين.","vol":"4","page":255},{"text":"<span id=\"aya-1354\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ (١١٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾: خافوه فيما لا يرضاه، وانظر (الإيمان) في الآية رقم [١] من سورة (الأعراف)، وزيادته في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وانظر ﴿اِتَّقُوا﴾ في الآية رقم [١] منها. ﴿مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أي: في إيمانهم وعهودهم، أو في دين الله، نية وقولا وعملا، وقرئ: «(من الصادقين)» أي: في توبتهم وإنابتهم، فيكون المراد به الثلاثة المذكورون في الآية السابقة، ومن نهج نهجهم وسار على طريقهم، وقيل: غيرهم على أقوال كثيرة.\nتنبيه: روي: أن أبا بكر ﵁ احتج بهذه الآية على الأنصار في يوم السقيفة، وذلك أن الأنصار قالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فقال ﵁، يا معشر الأنصار! إن الله ﷾ يقول في كتابه ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ.﴾. إلى قوله ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ الآية رقم [٨] من سورة (الحشر)، من هم، قالت الأنصار: أنتم هم، فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ الآية، فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن نكون معكم، نحن الأمراء، وأنتم الوزراء. انتهى. خازن.\nوقال القرطبي-رحمه الله تعالى: حق من فهم عن الله، وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفار، قال ﷺ: «عليكم بالصّدق، فإن الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا». والكذب على الضد من ذلك، قال ﷺ: «إيّاكم والكذب، فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا». رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٣] وجملة:\n ﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، ﴿وَكُونُوا﴾: أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿اُسْجُدُوا،﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف). ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كانوا)، و﴿مَعَ﴾:\nمضاف، و﴿الصّادِقِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَكُونُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.","vol":"4","page":256},{"text":"<span id=\"aya-1355\"></span>﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ..﴾. إلخ: أي: ما صح، أو: لا يصح، ولا ينبغي، وهذا خبر، ومعناه أمر، انظر الآية رقم [١١٣] -وانظر ﴿حَوْلَهُمْ﴾ في الآية رقم [١٠١]، ﴿الْأَعْرابِ﴾:\nانظر الآية رقم [٩٠]. ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: لا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه، ويكابدوا معه ما يكابده من الأهوال والمشقات والمصاعب، وانظر الفعل (يرغب) في الآية رقم [١٢٧] من سورة (النساء)، ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى ما دل عليه قوله: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ من النهي عن التخلف. ﴿لا يُصِيبُهُمْ﴾ أي: في سفرهم وغزواتهم، وانظر إعلاله في الآية رقم [٥١] ﴿ظَمَأٌ﴾: عطش. ﴿نَصَبٌ﴾: تعب. ﴿مَخْمَصَةٌ﴾: جوع شديد. ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: في طاعته، ومن أجل إعلاء كلمته. ﴿وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفّارَ﴾ أي: لا يضعون قدما على الأرض يكون ذلك القدم سببا لغيظ الكفار وغمهم وحزنهم. ﴿وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أي:\nأسرا أو قتلا، أو هزيمة، أو غنيمة منهم، أو نحو ذلك قليلا كان أو كثيرا، ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ أي: إلا كتب وسجل لهم بذلك ثواب عمل صالح قد ارتضاه لهم، وقبله منهم.\n ﴿إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: انظر الآية رقم [٩١].\nقال الخازن: وفي الآية دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه، وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، ومن قصد معصية الله كان قيامه وقعوده، ومشيه وحركته وسكونه كلها سيئات إلا أن يغفرها الله بفضله وكرمه. انتهى.\nقال البيضاوي: روي: أن أبا خيثمة ﵁ ذهب إلى بستانه، بعد ذهاب رسول الله ﷺ، وسفره إلى تبوك، وكانت له امرأة حسناء، فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب، والماء البارد، فنظر، فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الضج والريح، ما هذا بخير، فقام، فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومر كالريح، فمد رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه السراب، فقال:\nكن أبا خيثمة، فكان هو، ففرح به رسول الله ﷺ، واستغفر له. انتهى.\nالإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِأَهْلِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، و﴿لِأَهْلِ﴾: مضاف، و﴿الْمَدِينَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَمَنْ﴾: اسم","vol":"4","page":257},{"text":"موصول، أو نكرة موصولة بمعنى أناس مبنية على السكون في محل جر معطوفة على (أهل).\n ﴿حَوْلَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (من) أو صفتها، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿مِنَ الْأَعْرابِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف.. (لا): نافية، أو ناهية. ﴿يَرْغَبُوا﴾: منصوب. إذا اعتبرته معطوفا على ما قبله. ومجزوم إذا اعتبرت (لا) ناهية، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾: كلاهما متعلقان بالفعل: ﴿يَرْغَبُوا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿نَصَبٌ﴾ و﴿مَخْمَصَةٌ﴾:\nمعطوفان على ﴿ظَمَأٌ،﴾ و(لا) زائدة لتأكيد النفي. ﴿فِي سَبِيلِ﴾: متعلقان بأحد الأسماء الثلاثة، على التنازع، أو بمحذوف صفة له، و﴿سَبِيلِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَلا﴾:\nالواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿يَطَؤُنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مَوْطِئًا﴾: مفعول به إن كان اسم مكان، ومفعول مطلق إن كان مصدرا ميميا بمعنى وطأ، وجملة: ﴿يَغِيظُ الْكُفّارَ﴾: في محل نصب صفة له، وجملة: ﴿وَلا يَطَؤُنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها، وجملة: ﴿وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا، و﴿نَيْلًا﴾ مفعول مطلق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿كُتِبَ﴾: ماض مبني للمجهول.\n ﴿لَهُمْ بِهِ﴾: كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَمَلٌ﴾: نائب فاعل. ﴿صالِحٌ﴾: صفته، وجملة: ﴿كُتِبَ..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: انظر إعراب: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى..﴾. إلخ في الآية رقم [٩٦] فهي مثلها، والجملة الاسمية هنا تعليلية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1356\"></span>﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾: واو الجماعة عائدة على الذين نهوا عن التخلف من أهل المدينة والأعراب والذين رغبوا في الجهاد بما ذكر لهم من الأجر العظيم والثواب العميم، وانظر (نفق) في الآية رقم [٣]، من سورة (الأنفال)، ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾: ولو ثمرة. ﴿كَبِيرَةً﴾: كنفقة عثمان","vol":"4","page":258},{"text":"وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهما في غزوة تبوك. ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ أي: في مسيرهم مقبلين، أو مدبرين فيه، ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ أي: كتب الله لهم آثارهم وخطاهم، وثواب نفقاتهم. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: ليثيبهم، ويكافئهم مكافأة أعظم بكثير مما كانوا يفعلونه في هذه الدنيا، وهذه المكافأة تكون في الآخرة، وانظر جزى في الآية رقم [٢٧].\nهذا؛ والوادي: هو المنفرج بين جبلين يجري فيه السبيل، ويجمع على: أودية وأوديات، وأوادية وأوداء وأوداة قال جرير: [الوافر]\nعرفت ببرقة الأوداه رسما... محيلا طال عهدك من رسوم\nولم أعثر على وديان مع أنه كثير مستعمل، هذا؛ وقد قال أبو البقاء في جمع (واد) على (أودية): وجمع فاعل على أفعلة، شاذ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف، ووجهه أن فاعلا قد جاء بمعنى: فعيل، وكما جاء فعيل وأفعلة: كجريب وأجربة كذلك فاعل. انتهى.\nتنبيه: الآية الكريمة وسابقتها تحثان على الجهاد وتبينان أنه أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله، والنبي ﷺ قد بين ذلك في أحاديثه الشريفة أحسن بيان، فعن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والرّوحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها». وفي رواية: «وما فيها». متفق عليه.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرج إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والّذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشقّ عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل».\nمتفق عليه، واللفظ هنا لمسلم، وللبخاري بمعناه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٦] -النساء، وانظر رباط الخيل في الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال).\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿يُنْفِقُونَ﴾:\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، فهي في محل رفع مثلهن. ﴿نَفَقَةً﴾: مفعول به.\n ﴿صَغِيرَةً﴾: صفة: ﴿نَفَقَةً﴾. ﴿وَلا﴾: مثل سابقتها. ﴿كَبِيرَةً﴾: معطوف على ﴿صَغِيرَةً﴾.\nوجملة: ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا ﴿إِلاّ كُتِبَ﴾","vol":"4","page":259},{"text":"﴿لَهُمْ﴾: انظر مثل هذه الجملة ومحلها في الآية السابقة ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ما يفهم من الإنفاق وقطع الوادي، ويقدره المفسرون (إلا كتب لهم ذلك) أي: ثواب ما ذكر من الأمرين. تأمل. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿أَحْسَنَ﴾: مفعول به ثان، وهو مضاف، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾: في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: أحسن الذي، أو شيء كانوا يعملونه، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿كُتِبَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1357\"></span>﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي: ما صح ولا ينبغي أن يخرج جميع المؤمنين للجهاد في كل غزوة، أو سرية، وانظر انفروا و(النفير) في الآية رقم [٣٩]، ﴿كَافَّةً﴾ و(عامة) وجميعا الكل بمعنى واحد، وكافة وعامة لا تضافان، ولا تدخلهما ال، ولا تكونان إلا منصوبتين على الحال نصبا لازما. وانظر الآية رقم [٣٦]. ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾: فهلا خرج للجهاد من كل قبيلة، أو أهل قرية طائفة، والفرقة أقل من الفريق، وانظر ﴿طائِفَةٌ﴾ في الآية رقم [٦٧]، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾: ليتعلموا أحكام الدين وشرائعه، وانظر (فقه) في الآية رقم [١٧٩] (الأعراف). ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾: ليعلموا قومهم ما تعلموه من أحكام الدين وشرائعه إذا رجعوا إليهم من غزوهم وجهادهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾:\nلعلهم يخافون عقاب الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله لا يحصل منه ترج ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!.\nتنبيه: في هذه الآية عدة أمور:\n-الأول: إن هذه الآية نسخت الآية السابقة، والآية رقم [٣٩] وقال ابن عباس﵄-: هذه الآية مخصوصة بالسرايا، والتي قبلها بالنهي عن تخلف واحد فيما إذا خرج النبي ﷺ بنفسه للجهاد.\n-الثاني: لقد اختلف في الضمير في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا،﴾ و﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ فقال مجاهد وقتادة: هو للمقيمين مع النبي ﷺ؛ وعليه فهناك محذوف، كما تقف عليه في الإعراب، وقال الحسن: هما","vol":"4","page":260},{"text":"للفرقة النافرة للجهاد، ويكون المعنى: ليتبصروا، ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على الأعداء ونصرة الدين. ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ من الكفار. ﴿إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ من الجهاد فيخبرونهم بنصرة الله تعالى نبيه والمؤمنين، ويوشك أن ينزل بهم، ما نزل بأصحابهم الكفار، قال القرطبي: قول مجاهد وقتادة أبين. انتهى بتصرف.\n-الثالث: الآية الكريمة تحث على طلب العلم، والتفقه في الدين، وطلب العلم ينقسم على قسمين: فرض عين، وذلك كتعلم أحكام الصلاة والصيام، والحج والزكاة؛ إذ كل مكلف من ذكر، أو أنثى بأداء هذه العبادات يجب عليه وجوبا عينيا أن يعرف أحكام العبادة التي يقوم بأدائها، وإذا قصر في ذلك يكون آثما قطعا، وهذا ما أفاده قول الرسول ﷺ: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم». رواه أنس بن مالك ﵁، والثاني: فرض كفاية، وذلك كعلم المواريث، والنكاح، والأقضية والشاهدات، وإقامة الحدود، والفصل في الخصومات؛ إذ لا يجب أن يتعلمه جميع الناس، فتضيع أحوالهم، وتبطل معايشهم، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين من غير تعيين، ويرجع إليهم الباقون في حال ما يعرض لهم من قضايا دينهم ودنياهم.\n-الأمر الرابع: طلب العلم فضيلة عظيمة، ومرتبة شريفة لا يوازيها أي: عمل، والأحاديث الشريفة المرغبة في طلب العلم كثيرة مشهورة مسطورة، يعرفها من يريد الاطلاع عليها.\n-الأمر الخامس: نزلت الآية الكريمة لما نزل في المتخلفين ما نزل من التوبيخ والتقريع، كما رأيت فيما مضى، وتسابق المؤمنون إلى الغزو، وانقطعوا عن النفقة في أمور الدين، فأمروا أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد، ويبقى أعقابهم يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص.\n ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لِيَنْفِرُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾. ﴿كَافَّةً﴾: حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَوْلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض. ﴿نَفَرَ﴾: ماض. ﴿مِنْ كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿فِرْقَةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿طائِفَةٌ﴾. كان صفة لها، فلما قدم عليها صار حالا. ﴿طائِفَةٌ﴾: فاعل ﴿نَفَرَ﴾. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل... إلخ. و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل،","vol":"4","page":261},{"text":"والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وبقي باقي الفرقة للتفقه في الدين، وهذا على قول قتادة ومجاهد. وهما متعلقان بالفعل ﴿نَفَرَ﴾ على قول الحسن؛ والأول أحق بالاعتبار كما رأيت في الشرح. ﴿فِي الدِّينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾: معطوف على ما قبله، وهو مثله في الإعراب والتأويل. ﴿إِذا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، فهو مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾: في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.\n ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ مفيدة للتعليل لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1358\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا..﴾. إلخ: هذا النداء للمؤمنين، فقد أمروا بقتال الكفار الأقرب فالأقرب في الدار والنسب، كما أمر رسول الله ﷺ أولا بإنذار عشيرته الأقربين، فإن الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح، وقيل: هم يهود المدينة، كقريظة، والنضير، وخيبر، وإذا عرفت أنه قد قضي على قبائل اليهود في غزوة خيبر، وغزوة الخندق، وقد كانتا قبل نزول هذه السورة بعامين، أو أكثر عرفت: أنه لا اعتبار لهذا القول، وقيل: المراد بهؤلاء الروم؛ لأنهم كانوا في الشام، وهي أقرب إلى المدينة من العراق بلاد الفرس، وانظر الآية رقم [٢٩].\n ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أي: شدة، وقوة، وحمية، وصبرا في القتال، وقرئ بتثليث الغين وسكون اللام. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: بالنصر والتأييد، والمعونة على أعدائهم، لا المعية الحسية، فإنها مستحيلة قطعا، وخابت الوثنية.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا﴾: انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٢٣].\n ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يَلُونَكُمْ﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنَ الْكُفّارِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة.\n ﴿وَلْيَجِدُوا﴾: مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ. والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قاتِلُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، ﴿فِيكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿غِلْظَةً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، ﴿غِلْظَةً﴾: مفعول به، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣٦] وهي معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.","vol":"4","page":262},{"text":"<span id=\"aya-1359\"></span>﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: من سور القرآن، وانظر شرح ﴿سُورَةٌ﴾ في الآية رقم [٦٤]، ﴿فَمِنْهُمْ﴾: من المنافقين، ولم يتقدم لهم ذكر، وإنما فهم من المقام. ﴿مَنْ يَقُولُ﴾:\nيقول ذلك استهزاء وسخرية. ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا﴾ أي: يقول بعض المنافقين لبعض هذا الكلام، أو يقوله للمؤمنين. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا﴾: انظر زيادة الإيمان في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال). تجد ما يسرك. ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يفرحون بنزول السورة؛ لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم عند ربهم.\nالإعراب: الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٨٦]. ﴿ما﴾: زائدة للتوكيد.\n ﴿أُنْزِلَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿سُورَةٌ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٤٩]، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَيُّكُمْ﴾: اسم استفهام مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿زادَتْهُ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به أول. ﴿هذِهِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِيمانًا﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿زادَتْهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ ويقرأ بنصب ﴿أَيُّكُمْ﴾ على أنه منصوب بفعل محذوف، يقدر مؤخرا، فتكون الجملة: ﴿زادَتْهُ..﴾. إلخ مفسرة للمحذوفة، والكلام كله على القراءتين في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (أما): أداة شرط وتفصيل وتوكيد.\nأما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء فالذين آمنوا... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب (مهما) و(يك) من شيء، فصار أما الذين آمنوا فزادتهم.\nوأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها.\nوأما كونها أداة توكيد، فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾:\nمع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَزادَتْهُمْ﴾: الفاء: واقعة في جواب أما، وجملة: ﴿فَزادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، وهي في الوقت نفسه جواب (أما)، والجملة الاسمية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة عما قبلها ومستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾: الواو:","vol":"4","page":263},{"text":"واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾:\nفي محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1360\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥)﴾\nالشرح: ﴿مَرَضٌ﴾: كفر. وانظر مرض القلب في الآية [٤٩] من سورة (الأنفال).\n ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي: كفرا إلى كفرهم، وذلك أنهم كلما جحدوا نزول سورة، أو استهزءوا، ازدادوا كفرا مع كفرهم الأول، وسمي الكفر رجسا؛ لأنه أقبح الأشياء، وأصل الرجس في اللغة: الشيء المستقذر. ﴿وَماتُوا﴾ أي: المنافقون. ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ أي: جاحدون لما أنزل الله ﷿.\nتنبيه: الآية السابقة ذكرت: أن الإيمان يزيد بنزول الآيات والتصديق بها وهذه الآية ذكرت: أن الكفر والنفاق يزيد أيضا بجحود الآيات، وعدم التصديق بها، فهذا من باب المقابلة، وقد رأيت فيما سبق: أن الله جلت قدرته يقارن بين الإيمان والكفر، وبين الجنة والنار، وبين الحسنات والسيئات.\nقال الإمام علي ﵁، وكرم الله وجهه: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب، وكلما ازداد الإيمان عظما، ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمعة سوداء في القلب، وكلما ازداد النفاق ازداد السواد حتى يسود القلب كله، وايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\nوالهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْسًا﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية السابقة. ﴿إِلَى رِجْسِهِمْ﴾:\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿رِجْسًا﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَماتُوا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-1361\"></span>﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ﴾ أي: المنافقون، وقرئ: «(أو لا ترون)» خطابا للمؤمنين، وقرئ: «(أو لم يروا)» كما قرئ: «(أو لا ترى)» خطابا للرسول ﷺ. ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يبتلون. ﴿فِي كُلِّ عامٍ﴾","vol":"4","page":264},{"text":"مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أي: بالأمراض والشدائد، وقيل: بالغزو والجهاد مع رسول الله ﷺ، فيعاينون ما يظهر على يديه من الآيات، والمعجزات، وقيل: إنهم يفتضحون بإظهار نفاقهم في كل عام مرة أو مرتين، هذا؛ والعام والسنة والحول بمعنى واحد. ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ أي: من نفاقهم، بل هم مصرون عليه، ﴿وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: يتعظون ويعتبرون بما يرون ويشاهدون من صدق وعد الله بالنصر، والظفر للمسلمين على أعدائهم.\nالإعراب: ﴿أَوَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. الواو: حرف عطف، (لا): نافية.\n ﴿يَرَوْنَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ. والواو فاعله. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿يُفْتَنُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله. ﴿فِي كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿عامٍ﴾:\nمضاف إليه. ﴿مَرَّةً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. هذا؛ وبعضهم يعتبره نائب مفعول مطلق بمعنى فتنة أو فتنتين. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يُفْتَنُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يرون)، أو مفعوله إن كان بصريا، وجملة: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على كلام محذوف، كما رأيت في الآية رقم [٦٤] من سورة (الأعراف)، وجملة: ﴿لا يَتُوبُونَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يُفْتَنُونَ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلا﴾: نافية، أو هي زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿أَنَّهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة: ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1362\"></span>﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾: انظر الآية رقم [١٢٤]. ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾: تغامزوا بالعيون إنكارا لإنزال السورة التي فيها فضيحتهم، وكشف سرائرهم، أو سخرية، واستهزاء، أو غيظا لما فيها من عيوبهم. ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: هل يبصركم أحد إذا قمتم وخرجتم من عند محمد ﷺ، فإن لم يرهم أحد؛ ذهبوا، وإن رآهم أحد؛ قعدوا، وذكر ﷾ في سورة (النور): أنهم يتسللون لواذا. ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾: ثم خرجوا من مجالسهم التي يسمعون فيها ما يكرهون. ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾: عن الإيمان والهدى، وهذه الجملة تحتمل الإخبار والدعاء عليهم. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي: صرفهم الله عن الإيمان بسبب عدم فهمهم، وعدم تدبرهم لآيات الله، فلم ينتفعوا بها.","vol":"4","page":265},{"text":"تنبيه: أفادت الآية الكريمة: أن الله هو مصرف القلوب، وقالبها ومقلبها، وفيها رد على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم، وجوارحهم بحكمهم، يتصرفون بمشيئتهم، ويحكمون بإرادتهم واختيارهم. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١٢٤]. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام. ﴿يَراكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ﴾: حرف جر وصلة. ﴿أَحَدٍ﴾: فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾: في محل نصب مقول القول، التقدير: وقالوا هل... إلخ، وهذه الجملة معطوفة على جواب إذا لا محل لها مثله، وجملة: ﴿اِنْصَرَفُوا﴾ معطوفة أيضا على جواب إذا لا محل لها أيضا. ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿قَوْمٌ﴾: خبرها، وجملة: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾: في محل رفع صفة: ﴿قَوْمٌ،﴾ وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿صَرَفَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1363\"></span>﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾: هذا الخطاب للعرب الذين امتن الله عليهم برسالة محمد ﷺ، وقال الزجاج: خطاب لجميع العالم. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: من جنسكم عربي تعرفون حسبه ونسبه، أو من جنسكم بشر، والأول أولى بالاعتبار، هذا؛ وقرئ: «(من أنفَسكم)» بفتح الفاء، أي: من أشرفكم، وانظر شرح ﴿رَسُولٌ﴾ في الآية رقم [٧٤] وشرح «النّفس» في الآية [٩] من سورة (الأعراف). ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه عنتكم، ولقاؤكم المكروه، والعنت المشقة والعناء. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على إيمانكم، وصلاح أحوالكم في الدنيا والآخرة، والحرص: المحافظة الشديدة على الشيء، والخوف عليه أن يضيع أو يتلف. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾: انظر ﴿رَؤُفٌ﴾ في الآية رقم [١١٧] وقد قدم الأبلغ منهما مع كونهما صيغتي مبالغة؛ لأن الرأفة شدة الرحمة.\nقال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من أنبيائه اسمين من أسمائه، إلا للنبي ﷺ، فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ،﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.\nأقول: وينبغي الانتباه للاتصاف بالاسمين بين الخالق والمخلوق، فرأفته ورحمته ﷾ عامة لجميع الناس، لذا فقد أكدت الجملة الاسمية ب (إنّ) ولام التوكيد، بينما رحمته ﷺ، ورأفته خاصة بالمؤمنين، وهي خالية من أدوات التوكيد.","vol":"4","page":266},{"text":"وقال عبد العزيز بن يحيى: نظم الآية، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز، حريص بالمؤمنين رءوف رحيم، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ لا يهمه إلا شأنكم، وهو قائم بالشفاعة لكم، فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته، فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة. انتهى.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ﴾: ماض والكاف مفعول به. ﴿رَسُولٌ﴾:\nفاعل. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَسُولٌ﴾. والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿عَزِيزٌ﴾ صفة: ﴿رَسُولٌ﴾. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿عَنِتُّمْ﴾: فعل وفاعل، و﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ب ﴿عَزِيزٌ،﴾ هذا؛ وجوز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة فاعلا ب ﴿عَزِيزٌ،﴾ والجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: عزيز عليه الذي عنتموه، والأول أقوى. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان ب ﴿عَزِيزٌ،﴾ هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ خبرا مقدما، و﴿ما عَنِتُّمْ﴾ على الوجهين مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة:\n ﴿رَسُولٌ،﴾ وأجاز مكي اعتبار ﴿عَزِيزٌ﴾ مبتدأ، و﴿ما عَنِتُّمْ﴾ فاعلا ب ﴿عَزِيزٌ﴾ سد مسد خبره، والجملة صفة: ﴿رَسُولٌ،﴾ ولا وجه له البتة؛ لأن ﴿عَزِيزٌ﴾ لم يعتمد على نفي أو شبهة، ﴿حَرِيصٌ﴾: صفة ل ﴿رَسُولٌ،﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿حَرِيصٌ﴾.\n ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان ب ﴿رَؤُفٌ،﴾ وقيل: متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، ﴿رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾: صفتان ل ﴿رَسُولٌ،﴾ وفيهما وفي ﴿حَرِيصٌ﴾ ضمير مستتر هو الفاعل بهن.\n\n<span id=\"aya-1364\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أعرض الكفار والمنافقون عن تصديقك، والإيمان بك، يا محمد! ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾: كافي الله، فهو يكفيني شركم، وينصرني عليكم. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي:\nلا موجود سواه، ولا معبود غيره. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت، وإليه فوضت أموري، واستسلمت لحكمه وقضائه وقدره. ﴿الْعَرْشِ﴾: إنما خصه سبحانه بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات، فيدخل ما دونه في الذكر، أو خصه بالذكر تشريفا له، كما قال: بيت الله، وانظر ما ذكرته في آية الكرسي والآية [٥٤] من سورة (الأعراف). هذا؛ وقد قرئ بجر (العظيم) ورفعه.\nروي عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: هاتان الآيتان ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ..﴾.\nإلخ آخر القرآن نزولا، وفي رواية عنه، قال: أحدث القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ..﴾. إلخ.","vol":"4","page":267},{"text":"الإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿حَسْبِيَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة ﴿اللهُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة (قل...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد.\n ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿إِلهَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ﴾:\nفيه ثلاثة أوجه. أحدها: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، وثانيها: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها:\nكونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط، وتكون من جملة مقول القول. تأمل.\n ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهو أقوى من الحالية. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّ﴾: خبر المبتدأ، و﴿وَهُوَ﴾: مضاف، و﴿الْعَرْشِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ﴾:\nصفة: ﴿الْعَرْشِ﴾ على جره، وصفة: ﴿رَبُّ﴾ على رفعه، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ رَبُّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور بعلى، والرابط: الواو، والضمير، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nانتهت سورة (التوبة) بعون الله وتوفيقه، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.","vol":"4","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1367>سورة يونس</span>\nسورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nوهي مكية إلا ثلاث آيات، وهي قوله ﷾: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ..﴾. إلخ الآية رقم [٩٤، ٩٥، ٩٦].\nقاله ابن عباس﵄-، وقيل: غير ذلك، وهي مائة وتسع آيات، وألف وثمانمائة، واثنتان وثلاثون كلمة. وتسعة آلاف وتسعة وتسعون حرفا. انتهى. خازن. وانظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا وحبيبنا وعليه ألف صلاة وألف سلام.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-1365\"></span>﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١)﴾\nالشرح: ﴿الر﴾: قال ابن عباس والضحاك﵄معناه (أنا الله أرى)، وقال ابن عباس﵄في رواية أخرى عنه: ﴿الر،﴾ و﴿حم،﴾ و﴿ن﴾ حروف متقطعة، مجموعها (الرحمن)، وبه قال سعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله. وقال النحاس:\nورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول؛ لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب، وأنشد قول لقيم بن أوس أحد بني ربيعة بن مالك لامرأته، وهو الشاهد رقم (١٨١١) من شواهد همع الهوامع المخطوط لديّ، وأسأل الله التوفيق لطبعه: [الرجز]\nإن شئت أشرفنا كلانا فدعا... الله جهدا ربّه، فأسمعا\nبالخير خيرات، وإن شرّا فعا... ولا أريد الشرّ إلاّ أن تعا\nإذ المعنى: إن شئت صعدت أنا وأنت مكانا عاليا، ودعونا الله جهدنا، وسألنا أن يعامل كلا منا بما يستحق: المحسن يجزيه بإحسانه، والمسيء يجزيه بإساءته، ولا أريد الشر والدعاء به، إلا أن ترغبي فيه، وتأبى المعروف والخير.\nهذا وقال الحسن وعكرمة: ﴿الر﴾ قسم، وقال سعيد عن قتادة: ﴿الر﴾ اسم للسورة، وقال مجاهد: هي فواتح السور، وقال محمد بن زيد: هي تنبيه، وكذا حروف التهجي. انتهى قرطبي، وخازن بتصرف كبير مني، وانظر: ما ذكرته في أول سورة (البقرة) إن أردت الزيادة.","vol":"4","page":269},{"text":"﴿تِلْكَ﴾: الإشارة إلى ما تضمنته السورة الكريمة، أو القرآن، وإنما أدخلت اللام على اسم الإشارة، وهي للبعد، والسورة الكريمة، أو القرآن الكريم في متناول اليد؛ وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل والشرف، وعلو المكانة؛ فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد. ﴿آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾: المحكم بالحلال، والحرام، والحدود، والأحكام، فهو فعيل بمعنى: مفعول، وقيل: هو بمعنى الحاكم، فهو: فعيل بمعنى: فاعل؛ لأن القرآن حاكم يميز بين الحق والباطل، ويفصل بين الحلال والحرام، وقيل: هو بمعنى المحكوم فيه، أي: حكم الله فيه بالعدل والإحسان، وبالنهي عن الفحشاء والمنكر، وبالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه.\nالإعراب: ﴿الر﴾: في إعراب هذا اللفظ وجوه: الأول: أن محله الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه ﴿الر﴾. أو هو مبتدأ خبره ما بعده. الثاني: أن محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل، أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلن، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير: التزمت الله، أي: اليمين به، الثالث: أن محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم أو أحلف ب ﴿الر،﴾ وضعف هذا سليمان الجمل، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك، أي: حذف الجار، وإبقاء عمله من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها، ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء. ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَكِيمِ﴾: صفة: ﴿الْكِتابِ،﴾ وفاعله، أو نائب فاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، أو هي في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ أو اتل... إلخ، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ ﴿الر﴾ على وجه مر ذكره.\n\n<span id=\"aya-1366\"></span>﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾\nالشرح: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ أي: لا يحق لهم أن يعجبوا من إرسال رسول منهم للناس، والمراد بالناس: أهل مكة، وانظر الآية رقم [٨٢] (الأعراف)، وانظر العجب في الآية رقم [٦٣] منها. ﴿رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ أي: من بعض رجالهم، لكنه ليس من عظمائهم، والمراد به: سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، هذا؛ وقرئ شاذا برفع «(عجب)». ﴿أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾: خوفهم عقاب الله وانتقامه منهم، إن هم أصروا على الكفر، ومخالفة أوامر الله تعالى. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بشرهم برضا الله، ورضوانه، وجنة عرضها الأرض والسموات، هذا؛ وعمم سبحانه","vol":"4","page":270},{"text":"الإنذار لجميع الناس؛ لأنه قل أن يوجد فيهم من لا يستحق الإنذار والتخويف، وخصص البشارة بالمؤمنين؛ إذ لا يستحق الكافرون والفاجرون والفاسقون أن يبشروا بخير. ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾:\nاختلف في معنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ اختلافا كثيرا، فقيل: منزلة رفيعة، قال ذو الرمة: [الطويل]\nلنا قدم، لا ينكر النّاس أنّها... مع الحسب العاديّ طمّت على البحر\nوقال مقاتل: أعمالا صالحة قدّموها، قال الوضاح اليشكري: [المنسرح]\nصلّ لذي العرش، واتّخذ قدما... تنجيك يوم العثار والزّلل\nوقيل: إنه كناية عن السعي في العمل الصالح، فكنى عنه بالقدم، كما يكنى عن الإنعام باليد، وعن الثناء باللسان، قال حسان ﵁: [الطويل]\nلنا القدم العليا إليك وخلفنا... لأوّلنا في طاعة الله تابع\nوقال ابن الاعرابي: القدم: التقدم في الشرف، قال العجاج: [الرجز]\nزلّ بنو العوّام عن آل الحكم... وتركوا الملك لملك ذي قدم\nوقيل: هو ولد صالح قدموه، وقال الحسن وقتادة: هو محمد ﷺ، فإنه شفيع مطاع يتقدمهم، كما قال: «أنا فرطكم على الحوض». وقد سئل ﷺ، فقال: «هي شفاعتي توسّلون بي إلى ربّكم». ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: الإضافة إضافة تشريف وتكريم، ﴿لَساحِرٌ﴾: ويقرأ: «(سِحر)» فالأول وصف للرسول ﷺ، وإنما نسبوه إلى السحر لما أتاهم بالمعجزات الباهرات التي لا يقدر أحد من البشر أن يحصل مثلها، والثاني: وصف للقرآن الكريم، وإنما نسبوه إلى السحر لأن فيه الإخبار بالبعث والنشور، وكانوا ينكرون ذلك، وانظر شرح السحر في الآية رقم [١٠٩] (الأعراف).\nالإعراب: ﴿أَكانَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وإنكار. (كان): فعل ماض ناقص.\n ﴿لِلنّاسِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿عَجَبًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة «نعت النكرة إذا تقدم عليها، صار حالا»، وقيل: متعلقان ب (كان). وقيل: متعلقان ب ﴿عَجَبًا﴾ لأنه مصدر، وهو ضعيف. ﴿عَجَبًا﴾: خبر (كان) مقدم. ﴿كانَ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿أَوْحَيْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلى رَجُلٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلٍ﴾. و﴿كانَ﴾ والفعل ﴿أَوْحَيْنا﴾: في تأويل مصدر في محل رفع اسم (كان) مؤخر، هذا؛ وعلى قراءة رفع: «(عجب)» فهو اسم (كان)، والمصدر المؤول خبرها وفيه الإخبار عن النكرة بالمعرفة، وهو ضعيف، ﴿كانَ﴾: مفسرة. ﴿أَنْذِرِ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿النّاسَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة للإيحاء، هذا؛ وقيل: إن ﴿كانَ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والأول أقوى. ﴿وَبَشِّرِ﴾: أمر، وفاعله «أنت». ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. وجملة: ﴿آمَنُوا﴾","vol":"4","page":271},{"text":"مع المتعلق صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿كانَ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر أن تقدم على اسمها. ﴿قَدَمَ﴾: اسمها مؤخر، و﴿قَدَمَ﴾: مضاف، و﴿صِدْقٍ﴾: مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى الصفة ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ،﴾ و﴿عِنْدَ﴾:\nمضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، و﴿كانَ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (بشر).\nالتقدير: بشر... إلخ، بكونهم لهم قدم... إلخ. ﴿قالَ﴾: ماض. ﴿الْكافِرُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ ﴿كانَ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا﴾: الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿كانَ﴾. ﴿لَساحِرٌ﴾: اللام: هي المزحلقة. (ساحر):\nخبر ﴿كانَ﴾. ﴿مُبِينٌ..﴾.: صفته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1367\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾: خصهما بالذكر؛ لأنهما أعظم المخلوقات، فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها، وتقدم وجودها؛ ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وانظر ﴿خَلَقَ﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾: انظر الآية رقم [٥٤] (الأعراف)، ففيها الكفاية، وانظر ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١٠٣] منها. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يقضيه ويقدره وحده، لا يشركه في تدبير خلقه أحد، وقيل: معناه أنه ﷾، يدبر أحوال الخلق، وأحوال ملكوت السموات والأرض، فلا يحدث حدث في العالم العلوي، ولا في العالم السفلي إلا بإرادته وتدبيره وقضائه وحكمته.\n ﴿ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي: لا يشفع عنده شافع يوم القيامة، إلا من بعد أن يأذن الله له في الشفاعة، وانظر آية الكرسي، وانظر الشفاعة في الآية رقم [٥٣] (الأعراف). ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية لا يشركه أحد في شيء من ذلك. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: وحدوه، وانظر العبادة في الآية رقم [١١٢]، التوبة، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: تتفكرون أدنى تفكر، فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة، لا ما تعبدونه من الأوثان وغيرها،","vol":"4","page":272},{"text":"وأصل الفعل: تتذكرون فحذفت إحدى التاءين، وهذا الحذف كثير ومستعمل في القرآن الكريم وفي الكلام العربي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمُ﴾: اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الَّذِي﴾:\nاسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه، وجملة:\n ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿اِسْتَوى﴾ المستتر، والرابط: رجوع الفاعل إليه. أو هي في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ﴾.\nأو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿شَفِيعٍ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.\n ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿إِذْنِهِ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ما مِنْ شَفِيعٍ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ذلِكُمُ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اللهُ﴾: خبره.\n ﴿رَبَّكُمُ﴾: بدل مما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمُ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا فاعبدوه. (اعبدوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، وجملة (اعبدوه) لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء ﴿أَفَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع، الفاء: حرف عطف. (لا):\nنافية. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني في الفاء، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1368\"></span>﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِلَيْهِ﴾: إلى الله. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: رجوعكم إلى الله. وهذا يكون بالموت أولا، ثم بالبعث والحشر والنشور ثانيا. ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ أي: وعد على هذا الرجوع وعدا صادقا،","vol":"4","page":273},{"text":"لا خلف فيه. فاستعدوا للقائه، وقرئ شاذا برفع المصدرين. ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ أي: من النطفة المذرة. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: يوم القيامة بعد موته، وإهلاكه، وتناثر جميع أجزائه، وقرئ شاذا بفتح همزة «أنه»، وإعلال ﴿يُعِيدُهُ﴾ مثل إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١]، من سورة (التوبة). ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بعدله ﷾، أو بعدالتهم، وقيامهم على العدل في أمورهم، أو بإيمانهم؛ لأنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلم عظيم، وهو الأوجه لمقابلته بما بعده. انتهى. بيضاوي بتصرف. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي: ماء حار قد انتهى حره. ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وانظر الآية رقم [٣٩] من سورة (التوبة)، ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم.\nقال البيضاوي: فإن معناه: ليجزي الذين كفروا بشراب من حميم، وعذاب أليم بسبب كفرهم، لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب، والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة، والعقاب واقع بالعرض، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه؛ ولذلك لم يعينه، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم، وشؤم أفعالهم. انتهى.\nوقال القرطبي: وكان معظم قريش يعترفون بأن الله خالقهم، فاحتج عليهم بهذا، فقال: من قدر على الابتداء، قدر على الإعادة بعد الإفناء، أو بعد تفريق الأجزاء. انتهى.\nالإعراب: ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الكاف والميم، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَعْدَ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، مؤكد لنفسه؛ لأن قوله ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعد من الله، والجملة الفعلية الناجمة في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بقوله ﴿إِلَيْهِ﴾ وتكون (قد) قبلها مقدرة، أو هي مستأنفة لا محل لها، و﴿وَعْدَ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقًّا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، مؤكد لغيره، وهو ما دل عليه وعد الله، والجملة الفعلية الناتجة مثل سابقتها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية تعليل أو مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وعلى فتح همزة (أنه) تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير لكونه يبدأ الخلق، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر ﴿وَعْدَ﴾ هذا؛ وعلى قراءة المصدرين بالرفع فهما مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية يقال فيها ما قلته باعتبار الفعلية في الجملتين الناتجتين. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف.\nوجملة: ﴿يُعِيدُهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿لِيَجْزِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل","vol":"4","page":274},{"text":"مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُعِيدُهُ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به أول، والثاني محذوف، تقديره: جنات ونحوه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، وانظر الآية رقم [٩] لا محل لها مثلها.\n ﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلقان بالفعل يجزي، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾:\nالواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَرابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين). ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿شَرابٌ﴾. ﴿وَعَذابٌ﴾: معطوف على ﴿شَرابٌ﴾. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا﴾:\nماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَكْفُرُونَ﴾: في محل نصب خبر (كان)، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَرابٌ،﴾ و﴿وَعَذابٌ،﴾ أو بمحذوف حال منهما بعد وصفهما بما تقدم، والأول أقوى؛ لأنهما مرفوعان بالابتداء، هذا؛ وقيل: إن الذين معطوف على ما قبله، فهو منصوب مثله، وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-1369\"></span>﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ أي: مضيئة، أو ذات ضياء، وهو مصدر كقيام، أو هو جمع ضوء كسياط وسوط، وحياض وحوض، فالياء منقلبة عن واو لمناسبة الكسرة قبلها، هذا؛ والفعل (أضاء) يستعمل لازما ومتعديا، فمن الأول قوله تعالى: ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ،﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ وله مصدر آخر هو (الضوء) بضم الضاد وفتحها. ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ أي: ذا نور، وسمي نورا للمبالغة، وهو أعم من الضوء، وقيل: ما بالذات ضوء، وما بالعرض نور، وقد نبه ﷾ بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها، والقمر منيرا بعرض مقابلة الشمس، والاكتساب منها. وانظر الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم) ﵇. ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ أي: قدر له منازل. فلما حذف الجار اتصل الضمير بالفعل، والضمير يرجع إلى الشمس والقمر، والمعنى: قدر لهما منازل، أو قدر لسيرهما منازل، لا يجاوزانهما في السير، ولا يقصران عنها، وإنما وحد الضمير للإيجاز، أو اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر، فهو كقوله ﷾: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الآية رقم [٦٢]","vol":"4","page":275},{"text":"من سورة (التوبة)، وقيل: يعود الضمير إلى القمر وحده؛ لأن سير القمر في المنازل أسرع، وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين؛ لأن الشهور المعتبرة في الشرع مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشرع هي السنة القمرية لا الشمسية، ومنازل القمر ثمان وعشرون منزلة وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦] من سورة (الحجر) ففيها كبير فائدة. ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾:\nلتعرفوا حساب الشهور والأيام والسنين، وزيادتها، ونقصانها.\nوقال ابن عباس﵄-: لو جعل شمسين شمسا بالنهار، وشمسا بالليل، ليس فيهما ظلمة ولا ليل، لم يعلم عدد السنين، وحساب الشهور، هذا؛ والسنين: جمع سنة، وهي الحول والعام. وأصلها سنة، أو سنو، وتصغيرها سنية وسنيهة وسنينة، وتجمع جمع المذكر السالم، سنون وسنين، وجمع المؤنث السالم سنوات وسنهات.\n ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي: ما أراد الله ﷿ بخلق ذلك إلا الحكمة والصواب، إظهارا لصنعته وحكمته، ودلالة على قدرته وعلمه، ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ فهذا هو الحق. ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: تفصيل الآيات تبيينها، وتوضيحها ليستدل بها على قدرته تعالى لاختصاص الليل بظلامه، والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما، ولا إيجاب، هذا؛ ويقرأ: ﴿يُفَصِّلُ﴾ بياء المضارعة، والنون مع نصب الآيات، كما يقرأ بتاء المضارعة، ورفع الآيات، وخص القوم الذين يعلمون بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بالتأمل بتلك الآيات.\nهذا؛ و(جعل) يأتي بمعنى: خلق وأنشأ.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-الفرق بين (خلق) و(جعل) الذي له مفعول واحد، أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين؛ ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمات بالجعل ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس. انتهى.\nالإعراب: ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، وجملة: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾: معطوفان على مفعولي ﴿جَعَلَ،﴾ وقيل: يجوز اعتبار ﴿ضِياءً﴾ حالا، واعتبار ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى (خلق) نصب مفعولا واحدا، والتقدير: خلق الشمس ذات ضياء، فيكون تقدير: القمر ذا نور. ﴿وَقَدَّرَهُ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به على التوسع، و﴿مَنازِلَ﴾: ظرف مكان، أو هو منصوب بنزع الخافض، وقيل: التقدير: قدره ذا منازل، فيكون الفعل (قدر) قد نصب مفعولين، وعلى اعتبار الضمير منصوبا بنزع الخافض، فيكون ﴿مَنازِلَ﴾ مفعولا به، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لِتَعْلَمُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في","vol":"4","page":276},{"text":"تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (قدّره). ﴿عَدَدَ﴾:\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿السِّنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْحِسابَ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿ما﴾: نافية. ﴿خَلَقَ﴾: ماض. ﴿اللهُ﴾: فاعل. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿إِلاّ﴾:\nحرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا ملتبسا بالحق. والجملة: ﴿ما خَلَقَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يُفَصِّلُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ وعلى قراءة: «(نفصّل)» فالفاعل مستتر تقديره «نحن». ﴿الْآياتِ﴾: مفعول به منصوب. وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. وعلى قراءة «(تفصّل)» بتاء المضارعة، فهو مبني للمجهول، و(الآيات) نائب فاعله. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل (يفصّل). ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (قوم) وجملة: ﴿يُفَصِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا من لفظ الجلالة لا يأباه المعنى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1370\"></span>﴿إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾: اختلافهما بالذهاب والإياب، والزيادة والنقصان، وانظر شرح ﴿(السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ في الآية رقم [٣]. ﴿لَآياتٍ﴾: لدلالات، على قدرة الله تعالى، وانظر التقوى في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال)، وإنما خص سبحانه المتقين بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون، فيعتبرون ويتبصرون، و(قوم) هنا يشمل الرجال المتقين والنساء المتقيات بلا ريب ولا شك، هذا؛ وفي (ما) تغليب ما لا يعقل على من يعقل.\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي اخْتِلافِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، و﴿اِخْتِلافِ﴾: مضاف، و﴿اللَّيْلِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿وَالنَّهارِ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلِ﴾. ﴿وَما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿اِخْتِلافِ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: وفي الذي خلقه الله في السموات والأرض. ﴿لَآياتٍ﴾: (اللام): لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (آيات). ﴿يَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: (يتقون الله) والجملة الفعلية في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":277},{"text":"<span id=\"aya-1371\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاِطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾: لا يتوقعونه لإنكارهم للبعث، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها. هذا؛ وأصل الرجاء: الأمل في الشيء والطماعية فيه، وما في الآية بمعنى: لا يخالفون، أفاده القرطبي، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسال، أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل]\nإذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل\nوقيل: ﴿لا يَرْجُونَ﴾ هنا بمعنى يطمعون، ومنه قول سوّار بن المضرب السعدي، أحد بني سعد تميم، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [البسيط]\nأيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم، والفلاة ورائيا\nوقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف، إلا مع الجحد، أي: النفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا،﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد. ﴿وَرَضُوا﴾: انظر الآية رقم [٥٨] (التوبة). ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِها﴾: سكنوا إلى الدنيا، وركنوا إليها وقصروا همهم على لذائذها وزخارفها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾: لا يتفكرون بهذه الآيات ولا يتدبرونها؛ لانهماكهم في جمع الدنيا وحطامها، وانصرافهم إلى شهواتها، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْجُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِقاءَنا﴾: مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿لا يَرْجُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾: معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِها﴾: معطوفة على جملة الصلة لا محل لها أيضا. ﴿وَالَّذِينَ﴾:\nمعطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنْ آياتِنا﴾: متعلقان بما بعدهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿غافِلُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.","vol":"4","page":278},{"text":"<span id=\"aya-1372\"></span>﴿أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ﴾: الإشارة إلى المذكورين في الآية السابقة. ﴿مَأْواهُمُ﴾: مقرهم ومصيرهم وانظر الآية رقم [٩٥] (التوبة). ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: يعملون من الكفر والأعمال الخبيثة، هذا؛ والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة، أو دفع مضرة، هذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يكسبه من دنياه لآخرته، ولكن الكافرون والفاسقون يكسبون في دنياهم ما يوردهم جهنم في الآخرة، وبئس المصير.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَأْواهُمُ﴾: مبتدأ ثان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية: ﴿مَأْواهُمُ النّارُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ في الآية السابقة ﴿بِما،﴾ والباء: حرف جر. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، دل عليه الكلام، أي: جوزوا بالذي، أو بشيء كانوا يكسبونه، والعائد أو الرابط: محذوف، كما رأيت تقديره، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كسبهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل الذي رأيت تقديره، هذا؛ ولا يصح اعتبار (ما) موصولة ولا موصوفة في الآية رقم [٤] كما رأيت هناك.\n<span id=\"aya-1373\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ أي: يهديهم بسبب الإيمان إلى سلوك طريق يؤدي بهم إلى الجنة، أو يؤدي بهم لإدراك الحقائق، كما قال الرسول ﷺ: «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم». وقال مجاهد: يهديهم على الصراط إلى الجنة يجعل لهم نورا يمشون به، وقال قتادة: بلغنا أن المؤمن إذا خرج من قبره يصور له عمله في صورة حسنة، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، والكافر بالضد فلا يزال به عمله حتى يدخله النار.\nوقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى أن الله يزيدهم هداية بخصائص، ولطائف، وبصائر ينور بها قلوبهم، ويزيل بها الشكوك عنهم. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾:","vol":"4","page":279},{"text":"انظر الآية رقم [٧٢] التوبة ومعنى جريان الأنهار من تحتهم: أي: بين أيديهم ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم، وهذا أحسن في السرور والنزهة والفرجة، هذا؛ وينبغي أن نلاحظ أن السعادة السرمدية في الآخرة، لا يكون سببها الإيمان وحده، بل لا بد من العمل الصالح ودليل ذلك عطف العمل الصالح على الإيمان في كثير من الآيات القرآنية، وقد أطلت الكلام على هذا في رسالتي (الحج والحجاج في هذا الزمن).\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ﴾: صفة لمفعول به محذوف، كما رأيت في الشرح منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿يَهْدِيهِمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿رَبُّهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِإِيمانِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿تَجْرِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ﴾: فاعل، وجملة: ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ،﴾ أو في نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي جَنّاتِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر آخر ل ﴿إِنَّ،﴾ أو بمحذوف حال من الضمير المنصوب، أو من ﴿الْأَنْهارُ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل (يهدي)، أو ب ﴿تَجْرِي،﴾ و﴿جَنّاتِ﴾:\nمضاف، و﴿النَّعِيمِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1374\"></span>﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿دَعْواهُمْ فِيها﴾ أي: دعاؤهم في هذه الجنات التسبيح والتقديس للملك الجليل، وقيل: ﴿دَعْواهُمْ﴾ بمعنى سؤالهم، وذلك أنه إذا أراد المؤمنون أن يسألوا شيئا من نعيم الجنة أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح. وقيل: هو نداؤهم الخدم ليأتوهم بما شاءوا، ثم سبحوا الله وقدسوه، هذا؛ و﴿سُبْحانَكَ﴾ اسم مصدر. وقيل: مصدر مثل غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل (سبح) بتشديد الباء، والمصدر تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل:\nمعاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]\nقد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر؟","vol":"4","page":280},{"text":"وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى على نبينا وعليه الصلاة والسّلام. ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال ذو النون﵇-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ،﴾ وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به. ﴿اللهُمَّ﴾: انظر شرحه في الآية رقم [٣٢] (الأنفال). ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام، أو تحييهم الملائكة بالسلام، أو هي تحية الله لهم، هذا؛ والتحية مصدر حياه الله بتشديد الياء، وأصل معناه: الدعاء له بالحياة، ثم عم في كل كلام يلقيه بعض الناس على بعض بقصد الدعاء، كقولهم: أبيت اللعن، وانعموا صباحا، أو مساء، ونحو ذلك، ثم خصته الشريعة الإسلامية بكلام معين، وهو قول القائل: السّلام عليكم.\n ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ..﴾. إلخ: أي: وآخر دعواهم على جميع اعتباراته وتفسيراته هو أن يحمدوا الله على ما أنعم به عليهم من صنوف النعم، وقرئ برفع (الحمد) ونصبه.\nهذا؛ ويؤخذ من الآية الكريمة سنية بدء الطعام والشراب بتسبيح الله وتقديسه، وأفضل ذلك البسملة، وأن يختم طعامه وشرابه بالحمدلة.\nالإعراب: ﴿دَعْواهُمْ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِيها﴾: متعلقان بدعواهم. ﴿سُبْحانَكَ﴾:\nمفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، وعليه فالخبر هو نفس المبتدأ؛ لأن معنى دعائهم هو هذا اللفظ، مثل: (نطقي: حسبي الله)، وهذا عند الخليل وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، والمعتمد الأول.\n ﴿اللهُمَّ﴾: منادى مفرد علم، مبني على الضم في محل نصب بيا النداء المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر، والجملة الندائية في محل نصب مفعول به للمصدر. ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾:\nمبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله، انظر الشرح.\n ﴿فِيها﴾: متعلقان بتحية لأنه مصدر. ﴿سَلامٌ﴾: خبر لمبتدإ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. ﴿وَآخِرُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿دَعْواهُمْ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿أَنِ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿رَبِّ﴾: صفة، أو بدل من: (الله). و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿الْحَمْدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنِ،﴾ وعلى نصب: (الحمد)","vol":"4","page":281},{"text":"فهو اسمها، و﴿لِلّهِ﴾ خبرها، وعلى الاعتبارين فهي واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع خبر آخر... إلخ، هذا؛ وقيل: إن ﴿أَنِ﴾ مفسرة والجملة بعدها لا محل لها؛ لأنها تفسيرية، ولا وجه له؛ لأن المبتدأ يبقى بلا خبر، والجملة الاسمية: ﴿وَآخِرُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1375\"></span>﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ..﴾. إلخ: المعنى ولو يعجل الله للناس إجابة طلبهم ودعائهم في الشر بما لهم فيه مضرة ومكروه في نفس أو مال، كما يحبون أن يعجل لهم إجابة دعائهم بالخير؛ لأهلكوا وماتوا جميعا، ولكن الله لطيف بعباده، رحيم بخلقه. لا يعجل لهم إجابة دعائهم في الشر، وإن عجل لهم إجابة دعائهم في الخير، والمراد بأجلهم: أجل حياتهم في الدنيا. ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ..﴾. إلخ: أي: فنترك الكافرين الذين لا يخافون لقاءنا يترددون ويتحيرون في متاهات ضلالهم، وكفرهم وعنادهم، إمهالا، لا إهمالا، واستدراجا لهم.\nهذا؛ والعمه: التحير والتردد، وهو قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني، وفي المصباح، عمه عمها من باب تعب: إذا تردد، وتحير، وتعامه مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء: إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه وأعمه، وهذا الفعل لم أر له ماضيا ولا أمرا، فيظهر أنه فعل جامد لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له، لكنه لم يستعمل، ولم يتداول.\nبعد هذا فالتعجيل: تقديم الشيء عن وقته، والاستعجال طلب العجلة، وسأحدثك عن العجلة في الآية رقم [١] من سورة (النحل)، إن شاء الله تعالى. ﴿لَقُضِيَ﴾: انظر الآية رقم [٤٤] الأنفال، هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول، كما يقرأ «لقضينا»، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، انظر الآية رقم [٥٠].\nتنبيه: نزلت الآية في أهل مكة حين طلبوا نزول العذاب، وانظر الآية رقم [٣٢] الأنفال، وقال مجاهد: نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله، أو ولده إذا غضب... إلخ، فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير؛ لقضي إليهم أجلهم-انتهى. فالآية ذامة لخلق ذميم هو في بعض الناس، يدعون في الخير، فيريدون تعجيل الإجابة، ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق على الدعاء في الشر، فلو عجل لهم لهلكوا. انتهى. قرطبي. وانظر الآية رقم [٦] من سورة (الرعد)، أقول: وينبغي أن تذكر الآية قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ الإسراء [١١]، هذا؛ واختلف في هذا الدعاء، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّي","vol":"4","page":282},{"text":"سألت الله ﷿ أن لا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه»، قال بعضهم: وقد يستجاب ذلك الدعاء، واحتج له بأحاديث تركتها اختصارا، منها حديث الذي لعن ناقته، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهمّ إنّي اتخذت عندك عهدا، لن تخلفنيه، فإنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيّما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة، وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة، واجعل ذلك كفّارة له يوم القيامة». متفق عليه.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾: مضارع وفاعله، ومفعوله، ومتعلقه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ﴾: في الكلام حذف، فإنّ التقدير:\nولو يعجل.. تعجيلا مثل استعجالهم بالخير، فحذف (تعجيلا)، وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته، وأقام المضاف إليه مقامه، هذا مذهب الخليل وسيبويه، وقال الفراء والأخفش: الأصل كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب، أي: هو منصوب بنزع الخافض، والأول أولى، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿بِالْخَيْرِ﴾: متعلقان بالمصدر. ﴿لَقُضِيَ﴾:\nاللام: واقعة في جواب (لو). (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجَلُهُمْ﴾: نائب فاعله، وعلى القراءة الثانية، فهو مفعول به، والفاعل مستتر، تقديره:\n «هو» يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقُضِيَ..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وعلى قراءة «(لقضينا)» فهو فعل وفاعل، ويبقى ﴿أَجَلُهُمْ﴾ مفعول به. ﴿فَنَذَرُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ﴾:\nاسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾: صلة الموصول. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿فَنَذَرُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير، ولكن نمهلهم فنذر... إلخ، وهذا الكلام معطوف على (لو) ومدخولها لا محل لها مثله.\n\n<span id=\"aya-1376\"></span>﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿مَسَّ الْإِنْسانَ﴾: أصابه. ﴿الضُّرُّ﴾: الشدة والبؤس. هذا؛ والضر بضم الضاد:\nخاص بما في النفس كمرض وهزال، وبفتح الضاد: شائع في كل ضرر ومصيبة. ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ أي: مضجعا على جنبه. ﴿أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا﴾ أي: في جميع حالاته؛ لأن الإنسان","vol":"4","page":283},{"text":"لا يعدو هذه الحالات. ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾: أزلنا، ورفعنا عنه الشدة والبلاء. ﴿مَرَّ﴾:\nاستمر على كفره وعصيانه. ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أي: كأنه لم يطلب منا رفع ضر أصابه، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، والضيق والفقر. ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ﴾ أي: كما زين لهذا الدعاء عند البلاء، والإعراض عند الرخاء؛ ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي، وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله، ويجوز أن يكون من الشيطان.\nهذا؛ والمسرف: هو المجاوز الحد في كل شيء، وإنما سمي الكافر مسرفا؛ لأنه أسرف نفسه وضيعها في عبادة الأصنام، وأتلف ماله وضيعه في البحائر والسوائب، وما كانوا ينفقونه على الأصنام وخدامها. انتهى. خازن، هذا؛ ولا تنس أن في المسلمين مسرفين ومجرمين... إلخ.\nقال القرطبي: وهذه صفة كثير من المسلمين، إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه من المعاصي، أقول: وقوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ يؤيد ما في هذه السورة.\nهذا؛ والإنسان يطلق على الذكر والأنثى من بني آدم، ومثلها كلمة «شخص» قال تعالى:\n ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ،﴾ ومعلوم أن الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد الذكر، والأنثى، واللام في الإنسان إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من الإنسان في سورة العصر، هذا؛ وإنسان العين هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد هذا؛ وجمع الإنسان:\nالناس انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (يوسف) ﵇، هذا؛ وقائم، أصله قاوم؛ لأنه من قام يقوم، فقل في إعلاله: قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، وقل مثله في إعلاله (بائع) من باع يبيع، فالأول واوي، وهذا يائي.\nالإعراب: ﴿وَإِذا﴾: (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ﴾: ماض ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح.\n ﴿دَعانا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ،﴾ و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿لِجَنْبِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، واللام بمعنى: على، التقدير: مضجعا على جنبه. ﴿قاعِدًا أَوْ قائِمًا﴾: معطوفان على الحال المحذوفة، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلَمّا﴾: (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن","vol":"4","page":284},{"text":"السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني، وجملة: ﴿كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لمّا): وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ومتعلقة بالجواب. ﴿مَرَّ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها. ﴿كَأَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنه. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَدْعُنا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾. وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، و(نا): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿إِلى ضُرٍّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَسَّهُ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الضُّرُّ﴾. والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية صفة: ﴿الضُّرُّ﴾. وجملة: ﴿لَمْ يَدْعُنا..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر ﴿كَأَنْ﴾. والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ..﴾. إلخ. في محل نصب حال من فاعل ﴿مَرَّ﴾ المستتر. و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل بعده، وتقدير الكلام: زين للمسرفين ما كانوا يعملون تزيينا كائنا مثل ذلك التزيين الذي فعله الذي أصابه الضر حين يتوجه إلى الله بالدعاء، واللام: للبعد، والكاف: حرف خطاب. ﴿زُيِّنَ﴾: ماض مبني للمجهول.\n ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قائِمًا﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: زين للمسرفين الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار ﴿قائِمًا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع نائب فاعل، التقدير:\nزين للمسرفين عملهم. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر كان.\n\n<span id=\"aya-1377\"></span>﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا﴾: خطاب لأهل مكة، وبيان لهم بأن الله أهلك من قبلهم من الأمم السابقة بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك، والخروج عن طاعة الله تعالى. ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحات، والبراهين الساطعات. ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أي: وما استقام لهم أن يؤمنوا لعدم استعدادهم، وخذلان الله لهم، وعلمه الأزلي بأنهم يموتون على الكفر، وبأنهم لو خيروا؛ لما اختاروا غير الكفر. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: انظر الإعراب لتقدير الكلام.","vol":"4","page":285},{"text":"-هذا؛ و﴿الْقُرُونَ﴾ جمع قرن بفتح القاف وسكون الراء مائة سنة على الصحيح، وقيل:\nثمانون، وقيل: ثلاثون، ويقال: القرن في الناس أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة، وقال الرسول ﷺ: «خير القرون قرني... إلخ». ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nإذا ذهب القرن الذي أنت فيهمو... وخلّفت في قرن فأنت غريب\nوخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁: [الطويل]\nفإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل\n-والقرن بفتح القاف أيضا: الزيادة العظمية التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، ومنه إسكندر ذو القرنين، والقرن: الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر، والقرن من القوم:\nسيدهم، ومن السيف: حده ونصله، وجمعه في كل ما تقدم قرون، هذا؛ وهو بكسر القاف وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة والعلم ونحوهما، والجمع على هذا أقران، وانظر الظلم في الآية رقم [٢٣]. ﴿وَجاءَتْهُمْ﴾: هذا الفعل يستعمل متعديا؛ إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في هذه الآية، ويستعمل لازما؛ إن كان بمعنى حضر وأقبل، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾.\nأقول: وتفسير المجرمين بالمشركين والكافرين هو في الغالب، ولا تنس أن في المسلمين مجرمين، يقترفون الكبائر والمنكرات، ويفعلون الشنيع من السيئات، ولا سيما في هذا العصر الذي طغت فيه المادة، وران على قلوب أكثر المسلمين حب المال، والمنصب، والجاه، وغير ذلك، وانظر المزيد من ذلك في الآية رقم [٨٠] من سورة (التوبة)، أو [١٣]، من سورة (إبراهيم) ﵊.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿الْقُرُونَ﴾: مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْقُرُونَ﴾ والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا﴾: ظرف بمعنى حين، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿أَهْلَكْنَا﴾.\n ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾: مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَجاءَتْهُمْ﴾: ماض، والتاء: للتأنيث، والهاء: مفعول به.\n ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعله، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾: متعلقان بالفعل (جاء)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلُهُمْ،﴾ وجملة: ﴿وَجاءَتْهُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، و(قد) قبلها مقدرة، وجوز عطفها على جملة: ﴿ظَلَمُوا﴾","vol":"4","page":286},{"text":"فتكون في محل جر مثلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو: اسمه، والألف للتفريق. ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانُوا﴾. التقدير:\nوما كانوا مريدين للإيمان، وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها ﴿كَذلِكَ﴾: الكاف: حرف تشبيه وجر. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله الفعل بعده، التقدير: نجزي القوم.. جزاء كائنا مثل جزاء من سبقهم من الأمم. ﴿نَجْزِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْقَوْمَ﴾:\nمفعول به أول. ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: صفته منصوب... إلخ، والمفعول الثاني محذوف، تقديره:\nالعذاب، أو الهلاك ونحوه، وجملة: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1378\"></span>﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: الخطاب لأهل مكة، كما في الآية السابقة، والمعنى جعلناكم سكانا في الأرض من بعد القرون المهلكة. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي: خيرا أو شرا، فنجازيكم بحسب أعمالكم، والنظر هنا بمعنى العلم، يريد: لنختبر أعمالكم، وهو سبحانه يعلم ما يكون، قبل أن يكون ففيه استعارة تمثيلية. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الدّنيا حلوة خضرة وإنّ الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتّقوا الدّنيا، واحذروا فتنة النّساء» أخرجه مسلم.\nهذا؛ و﴿خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: بمعنى يخلف بعضكم بعضا، وهو جمع: خليفة، مثل كرائم وكريمة، وصحائف وصحيفة، هذا؛ وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة، وفي المصباح:\nوالخليفة أصله خليف بغير هاء؛ لأنه بمعنى الفاعل، دخلته الهاء للمبالغة كعلامة ونسابة، ويكون وصفا للرجل خاصة، ويقال: خليفة آخر بالتذكير، ومنهم من يقول: خليفة أخرى بالتأنيث، ويجمع باعتبار أصله على خلفاء، مثل شريف وشرفاء، وباعتبار اللفظ على خلائف.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿جَعَلْناكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول، ﴿خَلائِفَ﴾:\nمفعول به ثان. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿خَلائِفَ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل جعلنا لا غير، والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿لِنَنْظُرَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: في محل نصب مفعول به للفعل (ننظر) المعلق","vol":"4","page":287},{"text":"عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، و«أن» المضمرة والفعل: (ننظر) في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿جَعَلْناكُمْ،﴾ وجملة: ﴿جَعَلْناكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا..﴾. إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1379\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿تُتْلى﴾: تقرأ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: على كفار قريش. ﴿آياتُنا﴾: آيات القرآن.\n ﴿تَبَيَّنَتِ﴾: واضحات لا لبس فيها، ولا إشكال. ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾ أي: لا يخافون يوم البعث والحساب، ولا يرجون الثواب، وهم أهل مكة، وانظر: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾ في الآية رقم [٧]. ﴿اِئْتِ﴾: أمر من (أتى). وهو يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر وأقبل، ومتعديا إن كان: بمعنى وصل وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ..﴾. إلخ هذا؛ وإعلال ﴿اِئْتِ﴾ مثل إعلال ﴿اِئْذَنْ﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (التوبة)، ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ﴾: قال القرطبي: الفرق بين تبديله، والإتيان بغيره: أن تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه، وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه:\n-أحدها: أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيدا، والوعيد وعدا، والحلال حراما، والحرام حلالا، قاله ابن جرير الطبري.\n-الثاني: أنهم سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلتهم، وتسفيه أحلامهم، قاله ابن عيسى.\n-الثالث: أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور، قاله الزجاج.\n ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي﴾: ما ينبغي ولا يصح لي. ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي﴾: من قبل نفسي، أو من جهتي، وانظر شرح النفس في الآية رقم [٩] من سورة (الأعراف)، وشرح ﴿تِلْقاءِ﴾ في الآية رقم [٤٧] منها. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي: لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم من وعد وعيد، وتحريم وتحليل، وأمر ونهي. ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾: أي: إن خالفت في تبديله، وتغييره، أو في ترك العمل به.\nهذا؛ وانظر: «الخوف» و«التخوف» في الآية رقم [٥٥] من سورة (الأعراف)، أو الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد)، بعد هذا؛ ولا تنس أن في هذه الآية التفافا بالنسبة لما قبلها من الخطاب إلى الغيبة، وانظر الالتفاف في الآية رقم [٥٠] الآتية.","vol":"4","page":288},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذا﴾: (إذا): انظر الآية رقم [١٢]، ﴿تُتْلى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُنا﴾:\nنائب فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿تَبَيَّنَتِ..﴾.: حال من ﴿آياتُنا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿تُتْلى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿قالَ﴾: ماض، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾: صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿اِئْتِ﴾: أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره «أنت». ﴿بِقُرْآنٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿غَيْرِ﴾: صفة قرآن، و﴿غَيْرِ﴾: مضاف، و﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿اِئْتِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له.\n ﴿بَدِّلْهُ﴾: أمر، والهاء: مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَكُونُ﴾: مضارع ناقص. ﴿تُتْلى﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونُ﴾ مقدم، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ في محل رفع اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿ما يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ تِلْقاءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿تِلْقاءِ﴾: مضاف، و﴿نَفْسِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء: في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَتَّبِعُ﴾: مضارع وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ تقديره: «هو». ﴿إِلَيَّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يُوحى إِلَيَّ﴾: صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ﴾:\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي أَخافُ..﴾. إلخ تعليل للنفي، وهي داخلة في مقول القول. ﴿أَنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿عَصَيْتُ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿رَبِّي﴾:\nمفعول به منصوب... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن عصيت ربي؛ فإني أخاف، و﴿أَنْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين الفعل","vol":"4","page":289},{"text":"﴿أَخافُ﴾ ومفعوله، وهو ﴿عَذابَ﴾: لا محل له، و﴿عَذابَ﴾: مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه.\n ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ هذا؛ وإن اعتبرته صفة: ﴿عَذابَ،﴾ وهو مفاد كلام الخازن، فيكون مجرورا على الجوار، وحقه النصب، انظر الجر على الجوار في الآية رقم [٧] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك.\n\n<span id=\"aya-1380\"></span>﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾: خطاب للنبي ﷺ. ﴿ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾: ما قرأت القرآن عليكم، والخطاب لأهل مكة. ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾: ولا أعلمكم الله به على لساني، ويقرأ «(لأدراكم)» بلام التأكيد، أي: لو شاء الله ﴿ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ،﴾ ولأعلمكم به على لسان غيري، والمعنى أنه الحق الذي لا محيص عنه، لو لم أرسل به لأرسل به غيري، وقرئ شاذا: «(ولا أدرؤكم ولا أدرأتكم)» بالهمزة فيها على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء همزة، أو على أنه الدرء بمعنى الدفع، والمعنى: إن الأمر بمشيئة الله تعالى، لا بمشيئتي حتى أجعله على نحو ما تشتهونه. انتهى. بيضاوي.\nهذا، والفعل (درى) من أفعال اليقين، وقد ينصب مفعولين، والكثير المستعمل فيه أن يتعدى لواحد بالباء، نحو دريت بكذا، فإن دخلت عليه همزة التعدية، تعدى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء كما في هذه الآية، قال شيخ الإسلام: ومحل ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ فالكاف مفعول به أول، والجملة الاسمية بعدها سدت مسد المفعولين. انتهى. والذي في الهمع والمغني، قيل:\n-وهو الأوجه-: إن الجملة الاسمية سدت مسد المفعول الثاني المتعدي إليه بالحرف، فتكون في محل نصب بإسقاط الجار، كما في: «فكرت، أهذا صحيح أم لا؟» أي: فكرت بما ذكر.\nانتهى. جرجاوي. فإن كان درى بمعنى ختل، أي: خدع كانت متعدية إلى واحد بنفسها، مثل:\nدريت الصيد، أي: ختلته وخدعته، قال الأخطل التغلبي: [الطويل]\nفإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد، ولا يدري\nأي: يصيد، ولا يختل، ومثله قول الآخر: [الطويل]\nفإن كنت لا أدري الظّباء فإنّني... أدسّ لها تحت التّراب الدّواهيا\nأي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: (حك)، مثل درى رأسه بالمدرى؛ أي: حكه به؛ فهي كذلك متعدية لواحد فقط.","vol":"4","page":290},{"text":"﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: مقدارا من الزمان، وهو أربعون سنة من قبل نزول القرآن، تعرفونني بالصدق والأمانة، لا أقرأ، ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات، وبهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس العلوم، وأخبار الماضين، وفيه من الأحكام والآداب، ومكارم الأخلاق، والفصاحة والبلاغة، ما أعجز البلغاء والفصحاء، عن معارضته. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تتدبرون لعلكم تنتفعون بما فيه، وانظر العقل في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَلَوْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محل لها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا﴾:\nنافية، ﴿أَدْراكُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به أول، والإعراب على القراءات الأخرى ظاهر إن شاء الله تعالى. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها مثله. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (قد) حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿لَبِثْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عُمُرًا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عُمُرًا،﴾ والهاء: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ..﴾. إلخ مستأنفة أو هي تعليلية لا محل لها. ﴿أَفَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. الفاء: حرف عطف. (لا): نافية.\n ﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء.\n\n<span id=\"aya-1381\"></span>﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ: أي: لا أحد أظلم وأفسد ممن افترى على الله الكذب، وبدل كلامه، أو أضاف إليه شيئا مما لم ينزله، وكذلك لا أحد أظلم منكم إذا أنكرتم القرآن، وافتريتم على الله الكذب، وقلتم ليس هذا كلامه، أو المعنى: افترى على الله الكذب؛ أي: جعل له شريكا، أو زعم أن له ولدا. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أي: بالقرآن، ففيه بيان: أن الكاذب على الله، والمكذب بآياته في الكفر سواء، وما أكثر الناس المكذبين بآيات القرآن في هذا","vol":"4","page":291},{"text":"الزمن، وهم يزعمون: أنهم مسلمون ومؤمنون، والله يشهد إنهم لكاذبون، وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الأنعام)، فهذه الآية مثلها في جميع ألفاظها.\nالإعراب: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مفيد للنفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمَّنِ﴾:\nمتعلقان ب ﴿أَظْلَمُ﴾ و(من) تحتمل الموصوفة والموصولة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، وجملة: ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾: معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾: في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1382\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾: لأن الأصنام جمادات، لا تقدر على نفع، ولا على ضر، والمعبود ينبغي أن يكون مثيبا ومعاقبا حتى تعود عبادته بجلب نفع، أو بدفع ضر. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المشركون. ﴿هؤُلاءِ﴾ أي: الأصنام. ﴿شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ أي: تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا، وفي الآخرة إن يكن بعث، وحشر، ونشر، و﴿شُفَعاؤُنا﴾ واقع على ﴿ما،﴾ فقد راعى لفظها فيما بعدها، وراعى معناها بوقوع ﴿شُفَعاؤُنا﴾ عليها. ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ..﴾. إلخ: أي: أتخبرون الله بأن له شريكا، أو ولدا، وهو لا يعلم بذلك، ففيه توبيخ، وتقريع لهؤلاء الكفرة المفترين على الله. ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾:\nنزه الله نفسه عن الشركاء والأضداد، والأولاد، وغير ذلك.\n ﴿وَتَعالى﴾: تعاظم شأنه، وهذا الفعل يأتي منه ماض، ومضارع، ولا يأتي منه أمر، فهو ناقص التصرف. ﴿يُشْرِكُونَ﴾ أي: معه من الأصنام والأضداد وغير ذلك، هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء والتاء، وعلى الأول فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة.\nالإعراب: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾: الواو: حرف استئناف. (يعبدون): فعل وفاعل. ﴿مِنْ دُونِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿يَعْبُدُونَ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَضُرُّهُمْ﴾: مضارع، وفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والهاء: مفعول. والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو","vol":"4","page":292},{"text":"الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾: معطوفة على ما قبلها، وجملة:\n ﴿وَيَعْبُدُونَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿هؤُلاءِ﴾: الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء):\nاسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿شُفَعاؤُنا﴾: خبر المبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق باسم الفاعل، و﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَيَعْبُدُونَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَتُنَبِّئُونَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. (تنبئون): فعل وفاعل. ﴿اللهِ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿بِما﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به ثان، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء لا يعلمه. ﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وهو الضمير. ﴿وَلا﴾: (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾:\nمعطوفان على ما قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿أَتُنَبِّئُونَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ﴾: انظر الآية رقم [١٠]. ﴿وَتَعالى﴾:\nماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَمّا﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب «عن»، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط:\nمحذوف؛ إذ التقدير: تعالى عن الذي، أو عن شيء يشركونه معه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب «عن»، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: تعالى الله وتنزه عن شركهم، والكلام ﴿سُبْحانَهُ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1383\"></span>﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: مطبوعين على التوحيد بالفطرة، أو متفقين على الحق، وذلك في عهد آدم﵇إلى أن قتل قابيل أخاه هابيل، أو بعد الطوفان في زمن نوح ﵇، أو كانوا على الضلال، والكفر في فترة من الرسل. ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾: باتباع الهوى والأباطيل، والشرك بعبادة غير الله، وهذا على القول الأول بسابقه، أو اختلفوا ببعثة الرسل، فتبعتهم طائفة، وأصرت أخرى على الكفر، وهذا على القول الثاني بسابقة، فيكون مثل قوله تعالى:\n ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ..﴾. إلخ. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾","vol":"4","page":293},{"text":"أي: بتأخير الحكم بينهم، أو العذاب، الفاصل بينهم إلى يوم القيامة، فإنه يوم الفصل والجزاء، وقيل: الكلمة هي قوله تعالى في الحديث القدسي: «سبقت رحمتي غضبي». ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمجرمين، وإبقاء الموحدين.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿النّاسُ﴾:\nاسم كان. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أُمَّةً﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿واحِدَةً﴾: صفة (أمة)، وجملة:\n ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، وجملة: ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾: معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَوْلا﴾:\n (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿كَلِمَةٌ﴾: مبتدأ. ﴿سَبَقَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿كَلِمَةٌ،﴾ والجملة الفعلية صفة: ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\nوخبر المبتدأ محذوف. ﴿لَقُضِيَ﴾: اللام واقعة في جواب (لولا). (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِيما﴾:\nمتعلقان في محل رفع نائب فاعل: (قضي)، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (في)، هذا؛ وعلى قراءة «(قَضى)» بالبناء للمعلوم فالفاعل يعود إلى (الله). والجار والمجرور ﴿فِيما﴾: متعلقان بالفعل (قضى)، وهما في محل نصب مفعول به.\n ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: صلة (ما)، أو صفتها، وجملة: ﴿لَقُضِيَ..﴾. إلخ جواب (لولا) لا محل لها، و(لولا) ومدخولها كلام معطوف على الجملة الفعلية قبلها لا محل له مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1384\"></span>﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: أهل مكة. ﴿لَوْلا﴾: هلا. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾: على محمد ﷺ، ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: معجزة غير معجزة القرآن، وانشقاق القمر، وغيرهما مما شاهدوه، وإنما يريدون مما اقترحوه: كجعل الجبال ذهبا، وكون بيت له من زخرف، وإحياء من مات من آبائهم، وقال الضحاك: عصا كعصا موسى. ﴿فَقُلْ﴾: الخطاب للرسول ﷺ. ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ أي: إن الذي سألتموه إنما هو من الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾: ترقبوا نزول، أو ظهور ما اقترحتموه. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي: قضاء الله فيما بيننا وبينكم بإظهار المحق على المبطل، وهو كقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ وانظر الآية رقم [١٠٢] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَوْلا﴾:\nحرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آيَةٌ﴾:","vol":"4","page":294},{"text":"نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةٌ﴾. وجملة: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء:\nحرف استئناف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿الْغَيْبُ﴾:\nمبتدأ. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة. (انتظروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بما بعده، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، وجملة: ﴿فَانْتَظِرُوا..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر محذوف، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا؛ فانتظروا، وهذا الشرط المقدر وجوابه في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1385\"></span>﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ أي: وإذا أنزلنا على الناس-وهم أهل مكة-. ﴿رَحْمَةً﴾ سعة في الرزق ورخاء في العيش من بعد نزول الجدب والقحط، وضيق العيش، ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾ أي: تكذيب واستهزاء بآيات الله، وتدبير المكايد للرسول ﷺ، هذا؛ والمكر: تدبير المكايد في الخفاء، وهو أيضا احتيال وخداع. ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي:\nأشد عقابا، وأقدر على الجزاء والانتقام منكم، والله منزه عن المكر بالمعنى المتقدم، وإنما ذكر العقاب والانتقام بلفظ المكر للمشاكلة، وقد مر معنا كثير من هذا، انظر الآية رقم [٦٧] (التوبة) والآية رقم [٣٠] الأنفال، وغيرهما. ﴿إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ أي: إن الحفظة الكرام الكاتبين-رضوان الله تعالى عليهم-يسجلون كيدكم ومكركم، ويحفظون عليكم الأعمال القبيحة السيئة إلى يوم القيامة؛ حتى تفتضحوا بها، ويجازيكم على مكركم أشد الجزاء، وأعظمه، وانظر الحفظة والكاتبين في الآية رقم [٦١] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [١١] من سورة (الرعد).\nهذا؛ و﴿تَمْكُرُونَ﴾ بالتاء فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الالتفات في الآية رقم [٥٠] ويقرأ بالياء، وعليه فلا التفات، هذا؛ وفي قوله ﴿أَذَقْنَا﴾ استعارة تصريحية تبعية، فعبر عن لذة الخصب والرخاء بالإذاقة، كما عبر عن ألم العذاب والانتقام بها في كثير من الآيات.\nتنبيه: روي: أنه حبس المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى هلكوا من الجوع والقحط، ثم إن الله تعالى رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد، وعاش الناس بعد ذلك الضر، فلم يتعظوا بذلك، بل رجعوا إلى الفساد والكفر، وتدبير المكايد، والخداع.","vol":"4","page":295},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذا﴾: الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٢]. ﴿أَذَقْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿النّاسَ﴾: مفعول به. ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول به ثان. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان ب ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، و﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و﴿ضَرّاءَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، ﴿مَسَّتْهُمْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿ضَرّاءَ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿ضَرّاءَ﴾. ﴿إِذا﴾: للمفاجأة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٦]، من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَكْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿فِي آياتِنا﴾: متعلقان ب ﴿مَكْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة:\n ﴿أَذَقْنَا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجواب (إذا)، ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾. ﴿قُلِ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿أَسْرَعُ﴾:\nخبره، ﴿مَكْرًا﴾: تمييز، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رُسُلَنا﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿يَكْتُبُونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله ﴿ما تَمْكُرُونَ﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في الآية رقم [١٨] بلا فارق مع ملاحظة أن (ما) هناك مجرورة، وهنا منصوبة.\n\n<span id=\"aya-1386\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: الله هو الذي يسهل لكم السير في البر على ظهور الدواب، واليوم على الحديد والبخار كما هو مشاهد، وفي البحر على ظهور السفن والبواخر، هذا؛ و«البرّ» بفتح الباء: الأرض اليابسة غير البحر، وهو يضم الباء حب القمح، وبكسرها عمل الخير أيا كان، هذا؛ و(البحر): الماء الكثير، أو الملح، والجمع بحور وبحار وأبحر- انتهى. قاموس. هذا؛ وقرئ «(ينشركم)»: بالشين، أي: يبثكم ويفرقكم. فهو مثله. ﴿الْفُلْكِ﴾.\nانظر الآية رقم [٣٧] من سورة (هود) وما بعدها. ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ أي: سارت السفن بركابها في البحر بريح لينة الهبوب. ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ أي: سروا بالريح الطيبة التي تسيّر البواخر بهدوء ورفق ولطف. وانظر الآية رقم [٥٨] الآتية. ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أي: فاجأت السفن، أو الريح الطيبة رياح شديدة الهبوب. ﴿وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾: أحاط بهم موج البحر من جميع الجهات. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾: اعتقدوا: أن البلاء وأسباب الهلاك نزلت بهم من جميع الجهات. ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: سألوا الله وحده أن ينجيهم، وتركوا ما كانوا","vol":"4","page":296},{"text":"يعبدون، وفي هذا دليل على أن الخلق قد جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه، وإن كان كافرا؛ لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى رب الأرباب، ففي حالة الخوف والشدة والبلاء كل واحد يعود إلى الله بالالتجاء إليه، والاعتماد عليه حتى الملاحدة والدهريين في هذا العصر. ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا﴾ أي: من هذه الشدائد، وهذا البلاء، أي: يقولون ذلك.\n ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أي: العاملين بما يرضيك على نعمة النجاة من هذا البلاء، وانظر الشكر في الآية رقم [١١٢] التوبة. وفي قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم، وينكر عليهم، وانظر الالتفات في رقم [٥٠].\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، وجملة: ﴿يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش جارة ل ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قول الأخفش تحتمل أن تكون متعلقة بالفعل ﴿يُسَيِّرُكُمْ،﴾ وهو ظاهر قول الزمخشري، وأن تكون متعلقة بمحذوف دل عليه السياق، التقدير: دام ذلك إلى وقت سيركم في البر والبحر. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء:\nاسمه. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة: ﴿كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾: في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَجَرَيْنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿بِرِيحٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من نون النسوة، التقدير:\nملتبسة بريح طيبة. ﴿وَفَرِحُوا﴾: فعل وفاعل. والألف للتفريق. ﴿بِها﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَجَرَيْنَ..﴾. إلخ و﴿وَفَرِحُوا بِها﴾: معطوفتان على جملة: ﴿كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾: فهما في محل جر مثلها. وجواز أن تكون الثانية حالا من الضمير في ﴿بِهِمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وتكون (قد): قبلها مقدرة. ﴿جاءَتْها﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والهاء: مفعول به.\n ﴿بِرِيحٍ﴾: فاعل. ﴿عاصِفٌ﴾: صفة: ﴿بِرِيحٍ﴾. وجملة: ﴿جاءَتْها..﴾. إلخ: جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾: لا محل لها مثله.\n ﴿مِنْ كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَوْجُ،﴾ و﴿كُلِّ﴾:\nمضاف، و﴿مَكانٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَظَنُّوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿أُحِيطَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنوا) والجملة الفعلية معطوفة على جواب، ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله. ﴿دَعَوُا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية بدل من جملة: ﴿وَظَنُّوا..﴾. إلخ؛ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم. ﴿مُخْلِصِينَ﴾: حال من واو الجماعة","vol":"4","page":297},{"text":"منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ﴾: متعلقان ب ﴿مُخْلِصِينَ﴾.\n ﴿الدِّينَ﴾: مفعول به ل ﴿مُخْلِصِينَ،﴾ ﴿لَئِنْ﴾: اللام: موطئة للقسم. إن: حرف شرط جازم.\n ﴿أَنْجَيْتَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ هذِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿لَنَكُونَنَّ﴾: مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، واللام واقعة في جواب القسم، واسمه مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (نكونن)، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وانظر الآية رقم [٤٢] التوبة، والكلام ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا مثل: ﴿مُخْلِصِينَ﴾. التقدير: قائلين: لئن... إلخ.\n\n<span id=\"aya-1387\"></span>﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾: خلصهم، وأنقذهم من الغرق والخطر الذي أحاط بهم إجابة لدعائهم. ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: عادوا إلى الفساد، والكفر، والضلال، والمعاصي بسرعة فائقة مبطلين ومعتدين، وقوله ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: احتراز عن دخول المسلمين بلاد الكفار، والاستيلاء عليها، وإن أدى ذلك إلى تخريب دورهم، وحرق زروعهم، وقلع أشجارهم، كما فعل رسول الله ﷺ ببعض الكفار الذين نكثوا العهود، وأخلفوا الوعود. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: هذا النداء يعم جميع بني آدم. ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾: إن وبال البغي والظلم راجع عليكم، أو على أمثالكم من جنسكم. ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا..﴾. أي: البغي منفعة الحياة الدنيا، لا تبقى، ويبقى عقابه، وما الحياة الدنيا إلا أيام قليلة، والعاقل لا يغتر بها. ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ..﴾. إلخ: أي: أن مرجعكم إلينا، وهذا يكون بالموت أولا، ثم بالبعث والحشر والنشر ثانيا، فنخبركم بما عملتموه في هذه الدنيا من خير أو شر، فنجازيكم ما تستحقونه من جزاء.\nهذا؛ والبغي: هو الظلم والاعتداء على حق غيرك، وعواقبه ذميمة، ومآل الباغي وخيم، وعقابه أليمة، ولو أن له جنودا بعدد الحصى والرمل والتراب، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nلا يأمن الدّهر ذو بغي، ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل\nوعن النبي ﷺ أنه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ ولا تعن باغيا، ولا تنكث ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ،﴾ وقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ،﴾ وقال أبو بكر الصديق ﵁:","vol":"4","page":298},{"text":"(ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه)، وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ أنه قال: «أسرع الخير صلة الرّحم، وأعجل الشرّ البغي، واليمين الفاجرة»، وعن ابن عباس﵄أنه قال:\n (لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي) ورحم الله من يقول: [البسيط]\nيا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير فعال المرء أعدله\nفلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله\nوكان المأمون العباسي يتمثل بهذين البيتين في أخيه الأمين، حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]\nوالبغي يصرع أهله... والظّلم مرتعه وخيم\nهذا؛ وانظر أنواع الظلم في رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزمن) وأقبح أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بارتكاب المعاصي والسيئات، فيسبب لها الخلود في نار جهنم.\nهذا؛ وقد وصف سبحانه في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله من قال: [الكامل]\nيا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى، وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٢]، ﴿أَنْجاهُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا.\n ﴿إِذا﴾: للمفاجأة. ﴿أَنْجاهُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَبْغُونَ﴾:\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿بِغَيْرِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(غير) مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿يَبْغُونَ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ..﴾. إلخ: جواب (لما) لا محل لها ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾:\nانظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف)، أو الآية رقم [٨٨] من سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، فإنه جيد. و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿بَغْيُكُمْ﴾: مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَتاعَ﴾: بالرفع خبر المبتدأ وعليه فالجار والمجرور ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾:\nمتعلقان بالبغي؛ لأنه مصدر. وقيل: ﴿مَتاعَ﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ذلك متاع، أو هو متاع، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، هذا؛ وعلى قراءة: ﴿مَتاعَ﴾","vol":"4","page":299},{"text":"بالنصب، فقيل: هو مفعول به للمصدر (بغي)، فيكون بمعنى: طلبكم متاع، وقيل: هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يمنعكم بذلك متاع، وقيل: هو مفعول لأجله، وعليه فالجار والمجرور: ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وقيل: متعلقان بالبغي، والخبر محذوف، تقديره: مذموم، أو منهي عنه، أو مكروه، ونحوه، وحسن الحذف لطول الكلام، و﴿مَتاعَ﴾: مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾: مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ..﴾. إلخ: ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿إِلَيْنا﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾:\nمضارع. والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: انظر إعراب: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فهو مثله، وذلك في الآية رقم [٨].\n\n<span id=\"aya-1388\"></span>﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَاِزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَالْأَنْعامُ﴾: يطلق هذا اللفظ في الأصل على المأكول من الحيوانات؛ ولكنه يشمل هنا المأكول وغيره، والذي يأكله الناس هو: الحبوب، والخضار، والفواكه، والذي تأكل الأنعام هو: الحشيش، والتبن، وبعض الحبوب، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى الماء النازل من السماء، ومعنى اختلاط النبات به: اشتباكه بسببه حتى خالط بعضه بعضا. ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ أي: تزينت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة، كعروس أخذت من ألوان الثياب والزينة، وتزينت بها. ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: أصله تزينت، ثم أدغمت التاء في الزاي، فسكن الأول، فدخلت ألف الوصل لأجل سكون أول الفعل، وإنما سكن الأول عند الإدغام؛ لأن كل حرف أدغمته فيما بعده، فلا بد من إسكان الأول أبدا، فلما أدغمت التاء في الزاي سكنت التاء، فاحتيج عند الابتداء إلى ألف الوصل، وله نظائر كثيرة في القرآن الكريم. انتهى. مكي.\nهذا؛ وقرئ: «(أزينت)»، أي: جاءت بالزينة، و«(ازيايت)» و«(ازاينت)»، وقرئ: «(تزيّنت)» على الأصل، و«(ازّانت)»، و«(ازيأّنت)»، والإعراب لا يختلف على جميع القراءات. ﴿وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ﴾ أي: أيقنوا أنهم متمكنون من الدنيا، وقادرون على الانتفاع بلذائذها وشهواتها.\n ﴿أَتاها أَمْرُنا﴾: أتاها أمرنا وقضاؤنا بالإهلاك والفناء. ﴿حَصِيدًا﴾: شبيها بما حصد من أصله،","vol":"4","page":300},{"text":"ولم يؤنث ﴿حَصِيدًا؛﴾ لأنه فعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد وغيره.\n ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي: لم تكن عامرة، من غنى بالمكان: إذا قام فيه، وعمره، والمغاني في اللغة المنازل التي يسكنها الناس، وقال قتادة: كأن لم تنعم. وقرئ الفعل ﴿تَغْنَ﴾ بالتاء والياء، هذا؛ و﴿بِالْأَمْسِ﴾ يدل على زمن مضى قبل زمن التكلم لا على التعيين، فإن كان بدون (ال) فيكون مرادا به اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه، وفي هذا الاسم يلغز، فيقال: (ما الاسم الذي إذا عرّف نكّر، وإذا نكّر عرّف؟). ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي: الدلالات على قدرة الله تعالى، قد بيناها وفصلناها فصلا فصلا. ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في تلك الآيات، فينتفعون بذلك التفكير.\nتنبيه: في الآية الكريمة تشبيه التمثيل، الذي هو منتزع من متعدد، فقد شبه الله الدنيا وبهجتها، وإقبالها على العبد، وركونه إليها في النبات الذي ينزل عليه المطر، وهذا النبات يقوى ويشتد، ويزهو يوما بعد يوم؛ ولكنه لا يلبث أن يصفر، ثم ييبس، ثم يكون هشيما وحطاما، كما ذكر سبحانه في الآية رقم [٤٥] من سورة (الكهف)، والآية رقم [٢٠] من سورة الحديد، وكذلك الدنيا مآلها إلى الهلاك والدمار، والفناء، هذا؛ وكذلك حياة الإنسان شبيهة بالنبات والزرع الذي ينزل عليه المطر، ومع الاختصار في الكلام خذ هاتين البيتين، ففيهما عبرة لأولي الألباب: [البسيط]\nما أنت إلاّ كزرع عند خضرته... لكلّ شيء من الآفات مقصود\nفإن سلمت من الآفات أجمعها... فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود\nالإعراب: ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿مَثَلُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾: مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كَماءٍ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، هذا؛ والكوفي يعتبر الكاف اسما مبنيا على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وهي مضاف، و(ماء) مضاف إليه. ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ماء. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، وجملة: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر صفة مثلها. ﴿مِمّا﴾:\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿نَباتُ الْأَرْضِ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء يأكله الناس والأنعام. ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء.\n ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]، ﴿أَخَذَتِ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضِ﴾: فاعل. ﴿زُخْرُفَها﴾:\nمفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَخَذَتِ..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: (ازينت): ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْأَرْضِ﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.","vol":"4","page":301},{"text":"﴿وَظَنَّ﴾: ماض. ﴿أَهْلُها﴾: فاعل، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها. ﴿قادِرُونَ﴾: خبر (أن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿عَلَيْها﴾: متعلقان ب ﴿قادِرُونَ،﴾ و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظن).\nوجملة: ﴿وَظَنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿أَتاها﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و(ها): مفعول به. ﴿أَمْرُنا﴾: فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْلًا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿نَهارًا﴾: معطوف على ما قبله، وجملة:\n ﴿أَتاها..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، هذا؛ والأخفش يعتبر: ﴿إِذا﴾: مجرورة ب ﴿حَتّى﴾ وهو غير مسلم له. وجملة: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾:\nمعطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله. ﴿كَأَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَغْنَ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفاعل يعود إلى:\n ﴿الْأَرْضِ﴾. ﴿بِالْأَمْسِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿كَأَنْ﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو هي من تعدد المفعول الثاني. ﴿كَذلِكَ﴾: انظر إعراب هذا اللفظ، وتعليق مثله في الآية رقم [١٣] ﴿نُفَصِّلُ﴾:\nمضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:\n ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: في محل جر صفة (قوم)، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1389\"></span>﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿دارِ السَّلامِ﴾: دار السلامة من الأذى والكدر، أو دار التحية؛ لأن أهلها ينالون من الله التحية والسّلام، وكذلك من الملائكة، وقال الحسن: إن السّلام لا ينقطع عن أهل الجنة، وهو تحيتهم، كما قال تعالى في الآية رقم [١٠] ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾: يوفق ويثبت. ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: المراد به: طريق الخير والهداية والنور.\nقال الخازن: لما ذكر الله زهرة الحياة الدنيا، وأنها فانية زائلة لا محالة؛ دعا عباده إلى دار السّلام، والمعنى: أن من دخلها فقد سلم من المكاره، والآفات، كالموت، والمرض، والمصائب، والحزن، والغم، والتعب والنكد، وفيه دليل على أن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لأن العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم، ولا يصف إلا عظيما، وقد وصف الله ﷾ الجنة في آيات كثيرة من كتابه. انتهى بتصرف كبير.","vol":"4","page":302},{"text":"وقال يحيى بن معاذ-رحمه الله تعالى-: يا بن آدم دعاك الله إلى دار السّلام. فانظر من أين تجيبه؟ فإن أجبته من دنياك؛ دخلتها، وإن أجبته من قبرك؛ منعتها. وقال ابن عباس﵄-: الجنان سبع: دار الجلال، ودار السّلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، انتهى قرطبي. والمشهور: أن الجنان ثمان، انظر الآية رقم [٢٣]، من سورة (الرعد)، وانظر الآية رقم [٤٥]، من سورة (الحجر) لدركات النار.\nالإعراب: ﴿وَاللهُ﴾: (الله): مبتدأ. ﴿يَدْعُوا﴾: مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى الله والمفعول محذوف، تقديره: عباده. ﴿إِلى دارِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿دارِ﴾: مضاف، و﴿السَّلامِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿يَدْعُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَهْدِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى الله، ﴿مَنْ﴾: تحتمل الموصولة والموصولة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير: يهدي الذي، أو شخصا يشاؤه، أو يشاء هدايته، ﴿إِلى صِراطٍ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة صراط، وجملة: ﴿وَيَهْدِي..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1390\"></span>﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: العمل، حيث قاموا بما أمرهم الله به، وابتعدوا عما نهاهم عنه. ﴿الْحُسْنى﴾: المثوبة الحسنى وهي الجنة. ونعمت المثوبة هي لمن آمن وعمل صالحا، وانظر الآية رقم [٥٢] التوبة، إن أردت الزيادة في الشرح. ﴿وَزِيادَةٌ﴾: اختلف المفسرون في هذه الزيادة، واعتمد أنها النظر إلى وجهه الكريم، وذلك لما يلي.\nفعن صهيب الرومي﵁أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﵎: أتريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتتجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم ﵎». زاد في رواية: «ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» أخرجه مسلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٢] من سورة (التوبة) والآية رقم [٣٨]، من سورة (النور) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَلا يَرْهَقُ﴾: قيل: معناه: ولا يلحق، وقيل: لا يعلو، وقيل: لا يغشى، والمعنى متقارب.\n ﴿وُجُوهَهُمْ﴾: جمع وجه، وخص سبحانه الوجوه بالذكر؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء الظاهرة،","vol":"4","page":303},{"text":"وفيه أكثر الحواس؛ ولأنه موضع السجود، ومظهر آثار الخشوع والخضوع. ﴿قَتَرٌ﴾: غبرة فيها سواد. ﴿ذِلَّةٌ﴾: هوان ومذلة، والمعنى: لا يصيبهم ما يصيب أهل النار من حزن، وكآبة، وسوء حال. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر. ﴿الْجَنَّةِ﴾: انظر الآية رقم [٧٢]، من سورة (التوبة).\n ﴿خالِدُونَ﴾: مقيمون لا يخرجون منها أبدا.\nالإعراب: ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿أَحْسَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْحُسْنى﴾:\nمبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾: فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مستأنفة، والثاني: أنها في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لِلَّذِينَ﴾: وهذا لا يصح إلا بإضمار مبتدأ؛ لأن المضارع المنفي لا تسبقه واو الحال وإذا وقع مثل ذلك فهو على تقدير مبتدأ قبلها، فتكون الجملة اسمية، والثالث: أن الفعل في محل رفع عطفا على ﴿الْحُسْنى،﴾ فهو في محل رفع مثله، وهذا يعني تقدير (أن) المصدرية قبل الفعل: ﴿يَرْهَقُ؛﴾ ليصح جعله معه في محل رفع مبتدأ مخبرا عنه بالجار والمجرور، التقدير: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى،﴾ وأن لا يرهق، أي: وعدم رهقهم، فلما حذفت (أن) رفع الفعل المضارع؛ لأنه ليس من مواضع إضمار (أن) ناصبة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ والمثل «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه». ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا):\nزائدة لتأكيد النفي. ﴿ذِلَّةٌ﴾: معطوف على ﴿قَتَرٌ﴾. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ﴾: خبر المبتدأ، و﴿أَصْحابُ﴾:\nمضاف، و﴿الْجَنَّةِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وُجُوهَهُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وُجُوهَهُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ أو من ﴿الْجَنَّةِ﴾ نفسها، والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، واعتبارها مستأنفة ضعيف.\n\n<span id=\"aya-1391\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿كَسَبُوا﴾: انظر الآية رقم [٨]. ﴿السَّيِّئاتِ﴾: جمع سيئة. ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ أي: ما من أحد يحفظهم ويمنعهم من غضب الله وانتقامه. ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ أي: كأنما ألبست وجوههم سوادا من الليل المظلم؛ وذلك لفرط سوادها","vol":"4","page":304},{"text":"وظلمتها، هذا؛ وقد قرئ ﴿قِطَعًا﴾ بفتح الطاء وسكونها، فالأول: جمع قطعة، والثاني: اسم ما قطع فسقط، وقال ابن السكيت: القطع: طائفة من الليل، انظر الآية رقم [٨١] من السورة الآتية. هذا؛ وقوله تعالى: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾: مشاكلة، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال).\nتنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اعلم أنه لمّا شرح الله ﷾ أحوال المحسنين، وما أعدّ لهم من الكرامة؛ شرح في هذه الآية حال من أقدم على السيئات، والمراد بهم: الكفار والمقصود من التقييد بقوله: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ التنبيه على الفرق بين الحسنات والسيئات؛ لأن الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها تفضلا، وتكرما، وأما السيئات؛ فإنه يجازى عليها بمثلها عدلا منه ﷾. انتهى بتصرف كبير مني. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ: قال سليمان الجمل: عبارة السمين: فيه سبعة أوجه: أحدها:\nأن يكون ﴿وَالَّذِينَ﴾ عطفا على ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى،﴾ وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، فتعادل التقسيم، كقولك: في الدار زيد، والحجرة عمرو، وهذا يسميه النحويون عطفا على معمولي عاملين مختلفين وهذا يعني: أن الجار والمجرور ﴿لِلَّذِينَ..﴾.\nإلخ أي: في التقدير متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و﴿جَزاءُ﴾ مبتدأ مؤخر، وفي الظاهر ﴿جَزاءُ﴾ معطوف على ﴿الْحُسْنى﴾. تأمل.\nالوجه الثاني: أن (الذين) مبتدأ أول، و﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ مبتدأ ثان، وخبره: ﴿بِمِثْلِها،﴾ والباء:\nفيه زائدة؛ أي: وجزاء سيئة مثلها.\nالثالث: أن الباء: ليست زائدة، والتقدير مقدر بمثلها، أو مستقر بمثلها، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن الأول.\nالرابع: أن خبر ﴿سَيِّئَةٍ﴾ محذوف، فقدره الحوفي بقوله: لهم جزاء سيئة، قال: ودل على تقدير (لهم) قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى﴾ حتى تتشاكل هذه بهذه، وقدره أبو البقاء: (جزاء سيئة بمثلها واقع) وهو وخبره أيضا خبر عن الأول، وعلى هذين التقديرين، فالباء: متعلقة بنفس جزاء؛ لأن هذه المادة تتعدى بالباء، فإن قلت: أين الرابط بين هذه الجملة والموصول الذي هو المبتدأ؟ قلت: على تقدير الحوفي هو الضمير المجرور باللام المقدر خبرا، وعلى تقدير أبي البقاء: هو محذوف تقديره: جزاء سيئة بمثلها واقع، نحو: السمين منوان بدرهم، وهو حذف مطرد لما عرفته غير مرة.\nالخامس: أن يكون الخبر الجملة المنفية من قوله: ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ؛﴾ وعليه يكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بجملة اعتراض.\nالسادس: أن الخبر الجملة: ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ..﴾. إلخ؛ وعليه يكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بثلاث جمل اعتراض.","vol":"4","page":305},{"text":"السابع: أن الخبر هو: الجملة من قوله ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ؛ وعليه يكون قد فصل بأربع جمل معترضة. وينبغي أن لا يجوز الفصل بثلاث جمل، فضلا عن أربع، انتهى. بتصرف.\nهذا؛ وعلى اعتبار (الذين) معطوفا على ما قبله، فهو مبني على الفتح في محل جر، وعلى اعتبار مبتدأ فهو مبني على الفتح في محل رفع. ﴿كَسَبُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿السَّيِّئاتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿جَزاءُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿سَيِّئَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِمِثْلِها﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وقيل: الباء زائدة، و(مثلها) مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه خبر، وقيل: ﴿بِمِثْلِها﴾ متعلقان ب ﴿جَزاءُ،﴾ والخبر محذوف، تقديره واقع، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط محذوف، التقدير: لهم أو بهم حسب المعنى، وعليه فلا بد من تقدير مضاف قبل (الذين)، أي: وجزاء الذين كسبوا\nإلخ، هذا؛ وقيل: إن التقدير: فلهم جزاء سيئة بمثلها، وهذا يعني أن (لهم) متعلقان بمحذوف خبر ﴿جَزاءُ﴾ مقدما في التقدير، وتبقى الجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء بخبر المبتدأ في التقدير؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وجملة: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: قيل في محل نصب حال من واو الجماعة، ويضعفه اقتران الواو بها؛ لأن الجملة المضارعية المثبتة الواقعة حالا، لا تقترن بالواو، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿كَسَبُوا..﴾. إلخ: ويضعفه عطف المستقبل على الماضي، والأصح: أنها مستأنفة؛ على اعتبار ما قبلها خبرا عن الموصول، وعلى اعتبار (الذين...) إلخ: معطوفا على ما قبله، ومعترضة على اعتبار الموصول مبتدأ، خبره ما بعدها. ﴿ما لَهُمْ﴾: ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿عاصِمٍ﴾ بعدهما. ﴿عاصِمٍ﴾: مبتدأ مؤخر. ويجوز اعتباره فاعلا بالجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ لاعتماده على النفي، وهو في الحقيقة فاعل بفعل محذوف، التقدير: ما ثبت، أو ما يثبت لهم عاصم من الله، وعلى الاعتبارين فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو ﴿مِنَ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ: (الذين)، أو هي معترضة لا محل لها، انظر الإعراب المتقدم. ﴿كَأَنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿أُغْشِيَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿وُجُوهُهُمْ﴾: نائب فاعل، والهاء:\nفي محل جر بالإضافة. ﴿قِطَعًا﴾: مفعول به ثان. ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿قِطَعًا﴾. ﴿مُظْلِمًا﴾: صفة ثانية ل ﴿قِطَعًا،﴾ أو حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهذا على قراءة:\n «(قطْعا)»، بسكون الطاء، وهو حال من الليل على قراءة: (قطعا) بفتح الطاء، وجملة: ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ..﴾. إلخ: مثل جملة: ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾: على الاعتبارين فيها ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾: انظر الآية السابقة ففيها الإعراب مستوفى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"4","page":306},{"text":"<span id=\"aya-1392\"></span>﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: نجمعهم جميعا؛ أي: المحسنين والمسيئين المذكورين فيما تقدم لموقف الحساب يوم القيامة، هذا؛ والحشر الجمع من كل جانب وناحية إلى موضع واحد. ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: في الدنيا بعبادة الحجارة والأوثان، أو الشمس والقمر، وغير ذلك.\n ﴿مَكانَكُمْ﴾ أي: أثبتوا في مكانكم حتى تسألوا عما فعلتم في الدنيا، ففيه تهديد ووعيد للعابدين والمعبودين، ولا تنس أن المؤمنين يلزمون بالوقوف أيضا حتى يسألوا، ويحاسبوا، ولكن برفق ولطف. ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ أي: ما كنتم تعبدون من دون الله. وتشركونهم معه في التعظيم والتقديس. ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أي: فرقنا بينهم وبين هؤلاء المعبودين، وقطعنا ما بينهم من التواصل في الدنيا.\nهذا؛ وقال أبو البقاء: عين الكلمة واو، لأنه من: زال يزول، وإنما قلبت ياء؛ لأن وزن الكلمة (فيعل) أي: زيولنا، مثل: بيطر وبيقر، فلما اجتمعت الواو والياء، والياء ساكنة، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقيل: هو من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء، فيحتمل على هذا أن تكون فعلنا وفيعلنا. انتهى. هذا؛ وقرئ «زايلنا»، هذا؛ وقال الجلال: زيلنا:\nميزنا بينهم وبين المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ،﴾ وهذا يكون عند الوقوف للسؤال، حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة وبأهل النار إلى النار.\nقال سليمان الجمل: وهذا التفسير بعيد من سابقه ولا حقه؛ إذ هما في الكلام على المشركين ومعبوداتهم، فالأولى القول الآخر الذي جرى عليه غيره كالبيضاوي والخازن، والخطيب. انتهى.\n ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ أي: قالت الأصنام التي كانوا يعبدونها في الدنيا متبرءين منهم: ﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ وإنما كانت الشياطين تأمركم بعبادتنا. فكانت عبادتكم لهم، هذا؛ وإن الله ينطق الحجارة والأوثان يوم القيامة، فتكون هذه المحاورة بين المشركين ومعبوداتهم.\nهذا؛ وقيل: المراد بالشركاء: الملائكة الذين عبدهم المشركون، وقيل: المراد بهم: الشياطين، والجميع ينطقون، وانظر الآية رقم [٣٤] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ﴾: الواو: حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم، و(يوم) مضاف، والجملة الفعلية: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ في محل جر بالإضافة. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير المنصوب، فهي حال مؤكدة.\n ﴿نَقُولُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿مَكانَكُمْ﴾: اسم فعل أمر منقول عن","vol":"4","page":307},{"text":"الظرفية المكانية، وفاعله مستتر فيه وجوبا، هذا؛ وقيل: هو منصوب بفعل محذوف، التقدير:\nالزموا مكانكم، والأول أولى بالاعتبار، والكاف حرف على الأول لا محل له، وفي محل جر بالإضافة على الثاني. ﴿أَنْتُمْ﴾: هذا الضمير توكيد للضمير المستتر في اسم الفعل على الأول، وتوكيد لواو الجماعة في الفعل (الزموا) على الثاني. ﴿وَشُرَكاؤُكُمْ﴾: معطوف على الضمير المستتر، أو على واو الجماعة، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة: ﴿مَكانَكُمْ..﴾. إلخ على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿نَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. فهي في محل جر مثلها. ﴿فَزَيَّلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بَيْنَهُمْ﴾:\nظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ..﴾. إلخ:\nمعطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء: اسمه. ﴿إِيّانا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿ما كُنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1393\"></span>﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: معنى الآية الكريمة قد علم الله وكفى به شهيدا أنا ما علمنا أنكم كنتم تعبدوننا، وما كنا عن عبادتكم إيانا من دون الله إلا غافلين، لا نعلم وما نشعر بذلك، انتهى. خازن.\nهذا؛ والفعل (كفى) بمعنى اكتف، أو نكتفي، وهو جامد ملازم لهذه الصيغة، وتزاد الباء في فاعله كما في هذه الآية وهو لازم لا ينصب المفعول به، وغيرها كثير، وقد يأتي بمعنى:\n (حسب) وهو بهذه الصيغة، وهو يكون قاصرا لا يتعدى بنفسه إلى المفعول به، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول سحيم بن وثيل الرياحي عبد بني الحسحاس: [الطويل]\nعميرة ودّع، إن تجهّزت غازيا... كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا\nهذا؛ وقد يأتي الفعل متصرفا بمعنى: يجزي ويغني، فيتعدى لواحد، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول الشاعر: [الوافر]\nقليل منك يكفيني، ولكن... قليلك لا يقال له: قليل\nومثله ما إذا كان بمعنى: (وقى)، أو قام بكفايته في شأن من الشئون، وهذا يتعدى إلى مفعولين، كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾.\nالإعراب: ﴿فَكَفى﴾: الفاء: حرف عطف. (كفى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ﴾: الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعل كفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿شَهِيدًا﴾: تمييز. ﴿بَيْنَنا﴾","vol":"4","page":308},{"text":"وَبَيْنَكُمْ: ظرف مكان متعلق ب ﴿شَهِيدًا،﴾ و(نا) والكاف: كلاهما في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية ﴿فَكَفى..﴾. إلخ، معطوفة على جملة: ﴿ما كُنْتُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنْ﴾: حرف مخفف من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون. و(نا): اسمه. ﴿عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾: متعلقان ب (غافلين) بعدهما، والكاف: في محل جر بالإضافة. ﴿لَغافِلِينَ﴾: اللام: هي الفارقة بين «إنّ» المهملة والعاملة، وهي لازمة في حال الإهمال. (غافلين): خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ كُنّا..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول مثل سابقتها.\n\n<span id=\"aya-1394\"></span>﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿هُنالِكَ﴾ أي: في ذلك المقام، أو في ذلك الموقف، أو في ذلك الوقت. ﴿تَبْلُوا﴾:\nتختبر ما قدمت من عمل فتعاين نفعه وضره، وقرئ: «(تتلو)» أي: تقرأ كل نفس كتابها الذي كتب عليها، وقرئ «(نبلو)» أي: نختبر كل نفس، أي: نفعل بها فعل المختبر لحالها، المتعرف لسعادتها وشقاوتها بتعرف ما أسلفت من أعمالها، ويجوز أن يراد به: نصيب بالبلاء، أي: بالعذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾: هذا الرد يكون يوم القيامة، وهو بمعنى الرجوع، ورجوعهم إلى الله ليحاسبهم على صنيع أعمالهم، ومعنى ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾: متولي أمورهم على الحقيقة، لا الذي اتخذوه وليّا باطلا من الأصنام وغيرها، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: غاب وذهب عنهم ما كانوا يكذبون في الدنيا من أن الأصنام التي يعبدونها تشفع لهم.\nتنبيه: لا تناقض بين قوله تعالى هنا: ﴿مَوْلاهُمُ﴾ وبين قوله في سورة (محمد): ﴿وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ؛﴾ لأن ما هنا بمعنى المالك والقاهر، وهو مولاهم في الرزق، وإدرار النعم، وما هناك بمعنى: ليس بمولاهم في المعونة والنصرة، وغير ذلك، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هُنالِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل بعده، واللام للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿تَبْلُوا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل. ﴿كُلُّ﴾: فاعله على قراءته (تبلو) و(تتلو) وأما على قراءته بالنون، ف ﴿كُلُّ﴾ مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و﴿كُلُّ﴾:\nمضاف، و﴿نَفْسٍ﴾: مضاف إليه. ﴿ما﴾: اسم موصول أو نكره موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهذا على رفع ﴿كُلُّ،﴾ وفي محل نصب بدلا من ﴿كُلُّ﴾ على نصبها، وقيل: هي منصوبة على نزع الخافض، أي: بسبب ما أسلفت، انظر الشرح، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: الذي أو شيئا أسلفته. ﴿وَرُدُّوا﴾:","vol":"4","page":309},{"text":"ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تَبْلُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. ﴿إِلَى اللهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَوْلاهُمُ﴾: بدل من (الله)، وقيل: صفة مجرورة وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَقِّ﴾: بالجر بدل أو صفة ثانية، ويقرأ بالنصب، وهو مفعول مطلق مؤكد لما قبله، أو هو على تقدير فعل، أي: أعني الحق، ويجوز رفعه على القطع مما قبله، ويكون التقدير: مولاهم الحق، ولكن لم أر من قرأ به.\n ﴿وَضَلَّ﴾: ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بما قبلها. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ضل عنهم الذي، أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ضل عنهم افتراؤهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1395\"></span>﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المعاندين. ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ﴾ أي: من المطر النازل من السماء؛ إذ هو سبب للرزق. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي:\nالنبات والخارج من الأرض على جميع أنواعه وأشكاله، وانظر الآية رقم [٣] وسماء أصله:\n (سماو). فيقال في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت همزة، هذا؛ و(السماء) يذكر ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناك، قال معاوية بن مالك: [الوافر]\nإذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في (رعيناه) بمعنى النبات، وهذا يسمى عند علماء البديع استخداما. هذا؛ وقد يراد بالسماء السحاب الذي ينزل منه المطر. ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾: أم من يستطيع خلقهما وتسويتهما، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها، وسرعة انفعالها من أذى شيء، هذا؛ وقد وحد السمع دون الأبصار، لأمن اللبس؛ ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء سمعا وسماعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية أو جمع، وقيل: وحد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات البصر مختلفة. ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ﴾","vol":"4","page":310},{"text":"الْحَيِّ: انظر الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام)، ففيها الكفاية. ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: انظر الآية رقم [٣]، ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ أي: أنهم يعترفون أن فاعل هذه الأشياء هو الله تعالى.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام وتقرير وتوبيخ مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾: مضارع، والكاف في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماءِ﴾. ﴿أَمَّنْ﴾:\n (أم): حرف عطف بمعنى (بل)، والجملة الاسمية: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وأيضا الجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾:\nمعطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾:\nمعطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾: الفاء: حرف استئناف.\nالسين: حرف استقبال. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعل. ﴿اللهُ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:\n ﴿فَسَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٣]، (قل):\nأمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. الفاء: حرف عطف.\n (لا): نافية. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف للعلم به، والجملة الفعلية: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾:\nمعطوفة على جملة محذوفة على رأي: الزمخشري ومن يوافقه، ولا جملة محذوفة على مذهب سيبويه والجمهور، وعلى المذهبين فالكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ:\nلا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم محذوف، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا منهم فقل... إلخ، وهذا الشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1396\"></span>﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ أي: المتولي للأمور المذكورة في الآية السابقة، المستحق للعبادة هو ربكم الثابت ربوبيته؛ لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم، ودبر أموركم، لا ما أشركتم به. فماذا بعد الحق؟ أي: ما بعد عبادة الإله الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال، فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال. ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق، ولا يحيي ولا يميت. أو كيف تصرفون عن الإيمان بالله تعالى مع قيام البرهان، هذا؛ وانظر شرح الحق في الآية رقم [١٢٠] من سورة (هود) ﵇.","vol":"4","page":311},{"text":"الإعراب: ﴿فَذلِكُمُ﴾: الفاء: حرف استئناف. (ذلكم): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم: حرف دال على جماعة الذكور. ﴿اللهُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿رَبُّكُمُ﴾: بدل من ﴿اللهُ،﴾ أو صفة له، والكاف: في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.. ﴿الْحَقُّ﴾: بدل أو صفة مثل سابقه، والجملة الاسمية: ﴿فَذلِكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَماذا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣]، (ماذا): يجوز أن يكون اسما استفهاميا مركبا في محل رفع مبتدأ مبنيا على السكون في محل رفع. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و﴿الْحَقُّ﴾:\nمضاف إليه، هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) اسما استفهاميا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، وذا:\nاسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، و﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و﴿الْحَقُّ﴾: مضاف إليه. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿الضَّلالُ﴾:\nبدل من خبر المبتدأ، أو من الضمير المستتر فيه، والاستفهام بمعنى النفي. انتهى من قول السمين بتصرف كبير. هذا؛ وقال القرطبي: ذا صلة، وهذا يعني أنّ (ما): نافية، و﴿بَعْدَ﴾ ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿الْحَقُّ﴾: مضاف إليه. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر.\n ﴿الضَّلالُ﴾: مبتدأ مؤخر، والمعنى: (ما بعد الحق إلا الضلال)؛ وهذا هو الذي يؤيده المعنى والواقع، لا ما قاله السمين، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَنّى﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال تقدم على عامله. ﴿تُصْرَفُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1397\"></span>﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: معنى الآية الكريمة: كما ثبتت الربوبية لله، وثبت أنه ما بعد الحق إلا الضلال، وثبت انصرافهم عن الحق؛ ثبتت ووجبت كلمة الله ﷿ وحكمه الأزلي على الفاسقين بعدم إيمانهم، وذلك؛ لأنهم لو تركوا وشأنهم لما اختاروا إلا الكفر والفساد في الأرض. هذا؛ وتقرأ ﴿كَلِمَةُ﴾ بالإفراد والجمع.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: وجبت كلمة ربك على.. وجوبا ثابتا مثل ثبوت ربوبيته تعالى، وثبوت ما بعد الحق إلا الضلال، وانظر الآية رقم [١٣]، لتفصيل الإعراب. ﴿حَقَّتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿كَلِمَةُ﴾: فاعل، و﴿كَلِمَةُ﴾: مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿فَسَقُوا﴾ صلة الموصول، ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة:","vol":"4","page":312},{"text":"﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع بدل من: ﴿كَلِمَةُ،﴾ أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لعدم إيمانهم، أو المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي عدم إيمانهم، وقال الفراء: يجوز (إنهم) بالكسر على الاستئناف. انتهى قرطبي، ولم أر قراءة بالكسر.\n\n<span id=\"aya-1398\"></span>﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ أي، قل يا محمد لهؤلاء المشركين الضالين المضلين: هل يوجد شيء من الأصنام التي تعبدونها من يقدر على أن ينشئ الخلق على غير مثال سبق، ثم يعيده بعد موته، وفنائه، وتفتت أجزائه، وتقطع أوصاله كهيئته أول مرة؟ فإن لم يجيبوا، وبالطبع هم عاجزون، فأجبهم بقولك: ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: وإذا كان أحد لا يفعل ذلك، فكيف تصرفون عن الإيمان بالله، والامتثال لأوامره، واجتناب نواهيه؟! ﴿ثُمَّ﴾:\nانظر الآية رقم [١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nتنبيه: أطلق الله سبحانه ﴿مِنْ﴾ على الأصنام، وهي لا تعقل، ولا تضر ولا تنفع، محاكاة لقولهم، ومجاراة لزعمهم: أنها تعقل، وتدرك ما يقال لها، كما عوملت معاملة جمع المذكر السالم في الآية رقم [١٩٣] (الأعراف). هذا؛ وأطلق على الأصنام اسم الشركاء لأحد أمرين:\nأحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة والتعظيم والتقديس، وثانيها: أنهم يشركونها في الأموال والأنعام والزروع، انظر الآية رقم [١٣٨] الأنعام وما بعدها، وإعلال (يعيد) مثل إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١] (التوبة)، وانظر ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ في الآية رقم [٩٥] الأنعام ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام مفيد للتوبيخ والتقريع. ﴿مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَبْدَؤُا﴾:\nمضارع وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ ﴿الْخَلْقَ..﴾.: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هَلْ مِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإعراب:\n ﴿قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: واضح إن شاء الله تعالى، وجملة: ﴿قُلْ﴾: مع المقول مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿يُعِيدُهُ﴾: معطوفة على جملة: ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: فهي في محل رفع مثلها، وإعراب: ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾: مثل إعراب: ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ في الآية رقم [٣٢] إفرادا ومحلا.","vol":"4","page":313},{"text":"<span id=\"aya-1399\"></span>﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: بنصب الحجج، وإرسال الرسل، والتوفيق للنظر والتدبر، و(هدى) كما يعدى ب «إلى» لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهي غاية الهداية، وأنها لم تتوجه نحوه، على سبيل الاتفاق؛ ولذلك عدي بها ما أسنده إلى الله، فإن لم يجيبوا، وبالطبع هم عاجزون؛ فأجبهم بقولك. ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ..﴾. إلخ أي: إن الله هو الذي يهدي إلى الحق، فهو أحق بالاتباع، لا هذه الأصنام، التي لا تهتدي إلا أن تهدى، ومثله حال أشراف شركائهم، كالملائكة، والمسيح، وعزير، وكل من عبد من دون الله، هذا؛ والفعل ﴿يَهْدِي﴾: يقرأ بست قراءات. ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: هذا توبيخ وتقريع وإنكار، أي: ما بالكم ترضون بعبادة من لا ينفع ولا يضر؟ مع أن العقول السليمة لا ترضى بذلك، ولا تقره!.\nتنبيه: قال الخازن-رحمه الله تعالى-فإن قلت: الأصنام جماد لا تتصور هدايتها، ولا أن تهدي غيرها، فكيف قال: ﴿إِلاّ أَنْ يُهْدى؟﴾ قلت: ذكر العلماء عن هذا السؤال وجهين:\nالأول: أن معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال من مكان إلى مكان، فيكون المعنى: أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان آخر، إلا أن تحمل، وتنقل، فبين ﷾ بهذا عجز الأصنام.\nالثاني: أن ذكر الهداية في حق الأصنام على وجه المجاز، وذلك أن المشركين لما اتخذوا الأصنام آلهة، وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل؛ عبر عنها بما يعبر به عمن يسمع ويعقل ويعلم.\nالإعراب: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة ﴿أَفَمَنْ..﴾. إلخ، الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُتَّبَعَ﴾: في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير بالاتباع، وإن شئت اعتبرت المصدر في محل رفع على البدل من (من)، وهو بدل الاشتمال، وأجاز أبو البقاء اعتبار المصدر المؤول مبتدأ مؤخرا، و﴿أَحَقُّ﴾ خبرا مقدما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (من)، والجملة الاسمية: ﴿أَفَمَنْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿أَمَّنْ﴾: (أم): حرف عطف، وهي متصلة. (من): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَهِدِّي﴾: صلة الموصول لا محل لها، وخبر المبتدأ محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: أم الذي لا يهدي أحق أن يتبع، وهذا من تمام المعادل،","vol":"4","page":314},{"text":"والمعنى يقضي: أن الخبر المقدر بعد الاستثناء. تأمل. ﴿إِلاّ﴾: حرف استثناء. ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَهْدِي﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المقصورة للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من)، و﴿أَنْ﴾ المضارع في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء، وهو في الأصل مجرور بحرف جر؛ فلما حذف الجار انتصب المصدر على الاستثناء المتصل، والجملة الاسمية: ﴿أَمَّنْ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَما﴾: الفاء: هي الفصيحة. (ما): اسم استفهام وتوبيخ مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم محذوف؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر في شأن شركائكم حاصلا وواقعا فما لكم تحكمون هذا الحكم الفاسد بعبادتهم، وتقديسهم وتعظيمهم؟! والشرط المقدر ومدخوله معطوف على ما قبله لا محل له. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها بمنزلة التوكيد للجملة الاسمية المتضمنة للاستفهام التوبيخي.\n\n<span id=\"aya-1400\"></span>﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: فيما يعتقدون. ﴿إِلاّ ظَنًّا﴾: مستندا إلى خيالات فارغة، وأقيسة فاسدة، كقياس الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة، والمراد بالأكثر الجميع، أو من ينتمي منهم إلى تمييز ونظر، ولا يرضى بالتقليد الصرف، هذا؛ وأصل (الظن) استعماله في الطرف الراجح، وهنا قد استعمل في الطرف الموهوم فضلا عن المرجوح، والظن الذي يتبعه المشركون هو: أن الأصنام تشفع لهم. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: أي إن الظن لا يقوم مقام العلم والحقيقة، ولا ينفع صاحبه شيئا، وفيه دليل على أن تحصيل العلم في أصول الدين وقواعده واجب، والاكتفاء بالظن والتقليد غير جائز. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾: فيه تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين الذين قلدوا آباءهم بعبادة الأصنام، وأعرضوا عن الحق والبرهان.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَتَّبِعُ﴾: مضارع. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: فاعل والهاء: في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ظَنًّا﴾: مفعول به. والجملة الفعلية: ﴿وَما يَتَّبِعُ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الظَّنَّ﴾: اسمها. ﴿إِلاّ﴾:\nنافية. ﴿يُغْنِي﴾: مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الظَّنَّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: متعلقان بمحذوف حال من شيئا كان صفة له... إلخ. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول مطلق، أو هو مفعول به على تفسير ﴿يُغْنِي﴾ ب «يدفع»،","vol":"4","page":315},{"text":"والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الظَّنَّ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، وأيضا الاسمية ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ:\nمستأنفة لا محل لها أيضا، والجار والمجرور ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾. وتفصيل الإعراب مثل ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في الآية رقم [٨]، ومثل ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في الآية رقم [١٨].\n\n<span id=\"aya-1401\"></span>﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: إن هذا القرآن جاء به محمد ﷺ لم يكن اختلافا اختلقه محمد، وذلك أن كفار قريش زعموا: أن محمدا ﷺ أتى بهذا القرآن من عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق. ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: ولكن الله أنزل هذا القرآن مصدقا لما قبله من الكتب التي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والإنجيل، ومحمد ﷺ كان أميا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجتمع بأحد من العلماء المعاصرين له من يهود ونصارى. هذا؛ و﴿تَصْدِيقَ﴾ يقرأ بالرفع والنصب. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ أي: وتبيين ما في الكتب المتقدمة من العقائد، والشرائع، والحلال، والحرام، والفرائض والأحكام، وفيه إيحاء: أن هذا القرآن حوى جميع ما في الكتب التي سبقته، وزادها تفصيلا وإيضاحا. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك في هذا القرآن.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿هذَا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنُ﴾:\nبدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، ويقال: صفة، ولا أسلمه؛ لأنه غير مشتق. ﴿كانَ﴾:\nحرف مصدري ونصب. ﴿يُفْتَرى﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الْقُرْآنُ﴾. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿دُونِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، و﴿كانَ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ أي: افتراء، والمصدر يحول إلى اسم المفعول، التقدير:\nمفترى، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف.\n (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿تَصْدِيقَ﴾: بالنصب خبر ل «كان» محذوفة مع اسمها، التقدير: ولكن كان تصديق، أو هو مفعول لأجله، عامله محذوف، التقدير: ولكن أنزله الله تصديق. أو هو معطوف على خبر ﴿كانَ﴾ الأولى، وقيل: هو مفعول مطلق لفعل محذوف.\nالتقدير: ولكن يصدق تصديق، وهو بالرفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ولكن هو تصديق، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها، و﴿تَصْدِيقَ﴾: مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله،","vol":"4","page":316},{"text":"وفاعله محذوف. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾: مضاف، و﴿يَدَيْهِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأن لفظه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَفْصِيلَ﴾: معطوف على ﴿تَصْدِيقَ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه، و(تفصيل) مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿رَيْبَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: في محل نصب حال من الكتاب، أو هي مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان على رفع ﴿تَصْدِيقَ،﴾ وخبر ثان ل «كان» المحذوفة على نصب ﴿تَصْدِيقَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّ﴾: متعلقان بمحذوف حال ثانية. أو هما متعلقان ب ﴿تَصْدِيقَ﴾ أو ب (تفصيل) وتكون المسألة من باب التنازع، أو هما متعلقان بالفعل المقدر، و﴿رَبِّ﴾: مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n\n<span id=\"aya-1402\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أي: أيقول المشركون افترى محمد ﷺ القرآن واختلقه من تلقاء نفسه. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن كان الأمر كما تقولون وتدعون؛ فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن شبيهة به في الفصاحة، والبلاغة، وحسن النظم، فأنتم عرب فصحاء بلغاء. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: استعينوا على إتيان سورة مثل هذا القرآن بمن تريدون من غير الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في قولكم إن محمدا ﷺ اختلق القرآن، وافتراه.\nتنبيه: قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى: مراتب تحدي رسول الله ﷺ بالقرآن أربعة:\nأولها: أنه تحداهم بكل القرآن، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ..﴾. إلخ الآية رقم [٨٨] من سورة (الإسراء).\nثانيها: أنه تحداهم بعشر سور، قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ..﴾. إلخ الآية رقم [١٣] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة، كما في هذه الآية، والآية رقم [٢٣] من سورة (البقرة).\nرابعها: أنه تحداهم بحديث مثله، قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٤] من سورة الطور، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله في إثبات: أن القرآن معجز، ثم إن الله تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا بالقرآن، فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما..﴾. إلخ الآية التالية. انتهى بتصرف.","vol":"4","page":317},{"text":"تنبيه: ومعنى قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: فأتوا بسورة مع إنسان أمي مثل محمد ﷺ يساويه في الفصاحة والبلاغة مع كونه لم يقرأ ولم يكتب، ومعنى ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ هنا، أي: بسورة تساوي سور القرآن في الفصاحة والبلاغة، انتهى خازن بتصرف كبير. وبذلك يظهر لك وجه ذكر ﴿مَنِ﴾ هناك، وعدم ذكرها هنا. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ﴾: حرف عطف، وهي متضمنة معنى همزة الاستفهام؛ لأنها متصلة بما قبلها.\n ﴿يَقُولُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿اِفْتَراهُ﴾: ماض، والهاء مفعوله، وفاعله يعود إلى غير مذكور، لكنه مفهوم من المقام؛ إذ المراد به النبي محمد ﷺ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قُلْ﴾:\nأمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فَأْتُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر انظر الشرح. ﴿فَأْتُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِسُورَةٍ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِثْلِهِ﴾: صفة سورة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n (ائتوا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط المقدر انظر الشرح، والشرط المقدر ومدخوله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. (ادعوا): أمر، وفاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف. إذ التقدير: ادعوا لمساعدتكم. ﴿مَنِ﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: استطعتم دعوته. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل (ادعوا) أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الضمير المحذوف العائد على ﴿مَنِ،﴾ و﴿مَنِ﴾ بيان لما أبهم فيها. و﴿دُونِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، وجملة: (ادعوا...) إلخ معطوفة على جملة:\n (ائتوا...) إلخ فهي في محل جزم مثلها ثم هي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.\n ﴿صادِقِينَ﴾: خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير: إن كنتم صادقين في قولكم؛ فأتوا بسورة مثل هذا القرآن. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1403\"></span>﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي: كذب المشركون بما في القرآن من ذكر الجنة والنار، والحشر والصراط والميزان، والجنة والنار وغير ذلك، مما لم يعلموا منه شيئا؛ لأنهم","vol":"4","page":318},{"text":"كانوا ينكرون ذلك. ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: ولم يأتهم بيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله به في القرآن من الانتقام الشديد، والأخذ السريع؛ حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب، والمعنى: أن القرآن معجز من جهة اللفظ، ومعجز من جهة المعنى، وهم قد كذبوا به قبل أن يتأملوا لفظه، وقبل أن يتدبروا معناه، واستمرار النفي ب (لمّا) يفيد أنه قد ظهر لهم فيما بعد إعجازه لكثرة ما تحداهم به، ومع ذلك بقوا مصرين على الكفر تمردا وعنادا، وهذا كان قبل الهجرة، ولكن بعد الهجرة تفهموا معناه، وتدبروا آياته؛ لذا فقد آمن منهم خلق كثير، ولا سيما بعد معاهدة الحديبية التي فتحت الباب على مصراعيه للتفاهم بين المسلمين وبين المشركين.\n ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كما كذب هؤلاء بالقرآن كذبت الأمم الماضية أنبياءهم فيما وعدوهم، أو توعدوهم به. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ، أي: فانظر يا محمد كيف كان عاقبة من ظلم من الأمم السابقة، فعاقبة من كذبك تكون مثل عاقبة هؤلاء، ففيه تسلية للنبي ﷺ، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس، ليعتبر من يعتبر.\nالإعراب: ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وانتقال. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل والألف للتفريق. ﴿بِما﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة. ﴿وَلَمّا﴾: الواو: واو الحال. (لما): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَأْتِهِمْ﴾: مضارع مجزوم ب (لما)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة ب ﴿كَذَّبُوا﴾ والرابط: الواو، والضمير، وجوز عطفها على جملة الصلة، والحالية أقوى. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله الفعل الذي بعده، التقدير: كذب الذين من قبلهم تكذيبا كائنا مثل تكذيب كفار قريش للقرآن الكريم، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٣]، ﴿كَذَّبَ﴾: ماض.\n ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، وكذلك جملة: ﴿بَلْ كَذَّبُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَانْظُرْ﴾: الفاء: هي الفصيحة وانظر الآية رقم [٣]، (انظر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان، تقدم عليها وعلى اسمها. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، ﴿عاقِبَةُ﴾:\nاسمها، وهو مضاف، و﴿الظّالِمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة:\n ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبلهما، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة (انظر...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب «إذا»، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فانظر، وهذا الكلام كله مستأنف لا محل له.","vol":"4","page":319},{"text":"<span id=\"aya-1404\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أي: من أهل مكة من يصدق بالقرآن الكريم، ويعترف بأحقيته.\nومنهم من لا يصدق به، ولا يعترف بأحقيته، وهذا؛ وعد من العلي القدير، وبشارة منه لنبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بأن من قومه من يؤمن بالله، كيف لا؟ وقد أنجز الله من وعد؛ حيث آمن أكثر قريش وأكثر العرب، ثم حملوا لواء الإسلام، فنشروا تعاليمه في كل مكان، وقد مات منهم على الكفر من قدر الله له ذلك في الأزل، كأبي جهل، وأبي طالب، وأبي لهب، وأمثالهم وهؤلاء لو تركوا وشأنهم لما اختاروا غير الكفر؛ فلذا قدره لهم وقضاه عليهم. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾: المعادين المصرين على الكفر، الذين سجل الله لهم الشقاوة والتعاسة في قديم الأزل.\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ﴾: الواو: حرف استئناف، (منهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة:\n ﴿يُؤْمِنُ بِهِ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها هذا هو الإعراب الظاهر، ولا أعتمده، وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٤٩] التوبة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وإعراب ما بعدها مثلها، ولا فرق بينهما في الإيجاب والنفي. ﴿وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ﴾: خبره، وهو بمعنى عالم، وليس على بابه؛ لأنه لا أحد يشرك الله في علمه بحقيقة الفاسدين المفسدين. وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾:\nمتعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ المستتر، ويكون الرابط: الواو، والضمير المقدر ب (منهم)، أي: المفسدين منهم.\n<span id=\"aya-1405\"></span>﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أي: وإن كذبك قومك يا محمد، ولم يؤمنوا بما جئتهم به من الهدى والنور. ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ أي: قل لهم: لي عملي الذي أعمله فأجزى به، وهو الطاعة لا غير فأثاب عليها. ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾: وهو الشرك، والضلال، والفساد، فتعاقبون عليه، وتحاسبون به. ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ..﴾. إلخ، أي: فأنتم لا تسألون عن عملي وأنتم بريئون منه، وأنا بريء من عملكم، ولا أسأل عما تعملون، وما أشبه معنى هذه الآية بالآية رقم [٣٥] من سورة (هود).\nتنبيه: في هذه الآية الكريمة قطع لأواصر القرابة، وصرم للصداقة يوم القيامة بين المؤمنين والكافرين، وهذا قد نطق فيه القرآن ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.","vol":"4","page":320},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كَذَّبُوكَ﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف: مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَمَلِي﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ: في محل جزم جواب الشرط، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿بَرِيئُونَ﴾: خبر مرفوع، علامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَرِيئُونَ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: أعمله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها، بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من عملي، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ..﴾. إلخ توكيد لما أفادته لام الاختصاص من عدم تعدي أجر العمل إلى غير عامله، أي: لا تؤاخذون بعملي، لا أؤاخذ بعملكم، انتهى. نقلا من أبي السعود.\nأقول: وهذا حلّ معنى، لا حلّ إعراب، لذا فالجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وإعراب هذه مثلها، ومثل إعراب: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في الآية رقم [١٨]، وجملة: ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول، وإعرابها مثلها بلا فارق، والكلام كله في محل نصب مقول القول. تأمل.\n\n<span id=\"aya-1406\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: ومن المشركين الذين يستمعون إليك حين تقرأ القرآن، ولكنهم لا ينتفعون بهذا السماع؛ لأنهم لم يعملوا عقولهم وقلوبهم، وذلك لشدة بغضهم، وعدوانهم لك، وكراهيتهم للحق والنور، وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [٢٥] من سورة الأنعام، فإنك تجد ما يسرك. ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: استفهام نفي وإنكار، أي: أتقدر على إسماعهم؟. ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم، وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام: فهم المعنى المقصود منه؛ ولذلك لا توصف به البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستماع العقل السليم في تدبره، وعقولهم لما كانت مولعة بمعارضة الوهم، ومشايعة الإلف","vol":"4","page":321},{"text":"والتقليد، تعذر إفهامهم الحكم، والمعاني الدقيقة، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم، غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق. انتهى. جمل البيضاوي.\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ في الآية رقم [٤٠] والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: حرف استفهام.\nالفاء: حرف عطف. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تُسْمِعُ﴾:\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصُّمَّ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَفَأَنْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَعْقِلُونَ..﴾.: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَلَوْ كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة؛ وعليه تكون الجملة الاسمية معترضة لا محل لها، أو في محل نصب حال من الضم، والرابط على الاعتبارين الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1407\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ أي: ومن المشركين الذين ينظرون إليك، ويعاينون دلائل نبوتك. ولكن لا يصدقونك. ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ أي: أتقدر على هدايتهم إذا لم يفتح الله بصائرهم للإيمان، ويوفقهم للهدى. ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ أي: وإن انضم إلى عمى البصر عمى البصيرة، فإن المقصود من الإبصار والاستبصار الاعتبار والتدبر، والعمدة في ذلك البصيرة، فإن عميت فلا ينتفع ابن آدم بالمواعظ والنصائح، قال تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ،﴾ ولذا نرى كثيرا من فاقدي البصر ينتفعون بما يسمعون، ويوجد عندهم تدبر وتفكر بما يملى عليهم؛ لأن بصائرهم أي: قلوبهم واعية.\nوالمراد بالآيتين الكريمتين تسلية النبي ﷺ بسبب ما يلقى من قومه من عناء، أي: كما لا تقدر أن تسمع من سلب السمع، ولا تقدر أن تخلق للأعمى بصرا يهتدي به فكذلك لا تقدر أن توفق قومك للإيمان، وقد حكم الله عليهم أن لا يؤمنوا.\nتنبيه: راعى سبحانه معنى ﴿مَنْ﴾ بقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ولفظها بقوله ﴿يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ومثلها الآية رقم [٤٠] واعتبرهم صما لا يسمعون مع كونهم لهم آذان يسمعون بها؛ إذ المعنى:\nلا يسمعون سماع قبول وتعقل، واعتبرهم عميا لا يبصرون مع كونهم لهم عيون يبصرون؛ إذ المعنى لا يبصرون طريق الهدى والرشاد، وانظر الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، وإعراب الآية الكريمة مثل سابقتها بلا فارق.","vol":"4","page":322},{"text":"<span id=\"aya-1408\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: قال العلماء في شرح هذه الآية: لما حكم الله على أهل الشقوة بالشقاوة لقضائه وقدره السابق فيهم؛ أخبر في هذه الآية: أن تقدير الشقاوة عليهم ما كان ظلما منه، تعالت حكمته؛ لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء، والخلق كلهم عبيده، وكل من تصرف في ملكه لا يكون ظالما، وإنما قال: ﴿وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ؛﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب، وإن كان قد سبق قضاء الله وقدره فيهم. انتهى خازن. وفي الآية دليل على أن للعبد كسبا، وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٣].\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَظْلِمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿النّاسَ﴾: مفعول به. ﴿شَيْئًا﴾: نائب مفعول مطلق، وجوز اعتباره مفعولا ثانيا على تضمين ﴿لا يَظْلِمُ﴾: معنى لا ينتقص: وجملة: ﴿لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ: ابتدائية أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين، ﴿وَلكِنَّ﴾: (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿النّاسَ﴾: اسمها. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به مقدم. ﴿يَظْلِمُونَ﴾: مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، وعلى تخفيفها ف ﴿النّاسَ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-1409\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ﴾ «نحشرهم»: انظر الآية رقم [٢٨] والفعل يقرأ بالياء والنون، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود). ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾: يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، أو في القبور لهول ما يرون، والمراد بهم الكفار، وأما المؤمنون فلم يستقلوا لبثهم في الدنيا؛ لأنهم انتفعوا فيها بالعمل الصالح، وهم في مأمن من الهول والفزع. ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا، وهذا أول ما ينشرون، ثم ينقطع التعارف، وهذا التعارف توبيخ وافتضاح، يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني، وحملتني على الكفر، وليس تعارف مودة وعطف وشفقة، وأثبت القرطبي هذا التعارف بين الكافرين، واستدل بقوله تعالى:\n ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ وغير ذلك ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ﴾ أي: خسروا جنة عرضها السموات والأرض بسبب تكذيبهم بالبعث والحشر والنشور، ثم قيل: يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله ﷿ بعد أن دل على البعث والنشور، وقيل: خسروا في حال لقاء الله؛ لأن الخسران","vol":"4","page":323},{"text":"إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة، ولا تنفع توبة. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾: إلى ما ينفعهم، ويصلح حالهم، وينجيهم من الخسار الذي وقعوا فيه في ذلك اليوم المعلوم.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: انظر الآية رقم [٢٨]، ﴿كَأَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنهم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم، ﴿يَلْبَثُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ساعَةً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنَ النَّهارِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ساعة، وجملة: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا..﴾. إلخ: في محل رفع خبر ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ لَمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وقيل: في محل نصب صفة: (يوم)، وقيل: في محل نصب صفة مصدر محذوف، التقدير: حشرا كأن، والمعتمد الأول. ﴿يَتَعارَفُونَ﴾: مضارع، والواو فاعله. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال أخرى من الضمير المنصوب، أو من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وهذه الحال مقدرة، أي: حال كونهم مقدرين التعارف، لا أنهم متعارفون بالفعل، هذا؛ وجوز اعتبار الظرف. (يوم): متعلقان به، التقدير: يتعارفون بينهم يوم يحشرهم، فتكون الجملة الفعلية مستأنفة، والمعنى على الأول أقوى، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَسِرَ﴾: ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعله، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿قَدْ خَسِرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قائلين: قد خسر... إلخ، هذا المقدر حال من مفعول ﴿يَحْشُرُهُمْ،﴾ أو حال من فاعل: ﴿يَتَعارَفُونَ،﴾ وجملة: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾: معطوفة على جملة: ﴿قَدْ خَسِرَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي معطوفة على ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ، فلا محل لها مثلها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1410\"></span>﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾: نبصرك يا محمد في حياتك. ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾: القتل أو الأسر، وقد حقق الله ذلك يوم بدر حيث قتل من قتل، وأسر من أسر. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي: قبل أن ترى تحقيق ما نعدهم به من العذاب في الدنيا. ﴿فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: مصيرهم ومآلهم في الآخرة، فإنك ترى عذابهم. ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ أي: الله رقيب حاضر وعالم بكل ما يفعله هؤلاء المشركون من تكذيبك ومحاربتك، لا يعزب عن علمه شيء.\nالإعراب: ﴿وَإِمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (إما): أصلها: (إن ما) ف: «إن» حرف شرط جازم، و(ما): زائدة مدغمة فيها. ﴿نُرِيَنَّكَ﴾: مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد","vol":"4","page":324},{"text":"الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿بَعْضَ﴾: مفعول به ثان، و﴿بَعْضَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿نَعِدُهُمْ﴾: مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: نعدهموه، وجملة: ﴿نُرِيَنَّكَ..﴾.\nإلخ: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾:\nمعطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿فَإِلَيْنا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط، (إلينا):\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، هذا في الإعراب؛ وأما في المعنى فجواب: ﴿نُرِيَنَّكَ..﴾. إلخ محذوف. التقدير: فذاك ظاهر، والجملة الاسمية جواب شرط محذوف، التقدير: وإما نتوفينك قبل نزول العذاب بهم فلا يفوتهم، بل ننزله بهم في الآخرة، وهو ما استفيد من الجملة الاسمية: ﴿فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾: وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد) ففيها فضل بيان ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿شَهِيدٌ﴾:\nخبره، ﴿عَلى﴾: حرف جر. ﴿إِمّا﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿شَهِيدٌ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير: على الذي، أو على شيء يفعلونه، وعلى اعتبار ﴿إِمّا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿شَهِيدٌ﴾ التقدير: شهيد على فعلهم.\n\n<span id=\"aya-1411\"></span>﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ أي: لكل أمة من الأمم السابقة بعث إليها رسول يدعوهم إلى الله، وإلى طاعته، وإلى الإيمان به. ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ أي: فإذا جاءهم رسولهم، وبلغهم ما أرسل به إليهم؛ كذبه قوم وصدقه آخرون. ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾: حكم بينهم بالعدل، وفي وقت هذا القضاء والحكم بينهم قولان: أحدهما: أنه في الدنيا، فيهلك الله الكافرين، وينجي المؤمنون ورسلهم، ويكون ذلك عدلا منه تعالى لا ظلما.\nالقول الثاني: أن وقت القضاء يكون في الآخرة، فيدخل الله الرسل وأتباعهم الجنة، ويدخل الكافرين والمجرمين النار، ويكون ذلك عدلا منه تعالى لا ظلما. وهم ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾:\nبزيادة شيء من سيئاتهم، ولا نقص شيء من حسناتهم.\nالإعراب: ﴿وَلِكُلِّ﴾: الواو: حرف استئناف. (لكلّ): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(كل) مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿رَسُولٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة","vol":"4","page":325},{"text":"لا محل لها. الفاء: حرف تفريع، (إذا): انظر الآية رقم [١٢]، والجملة الفعلية: ﴿جاءَ رَسُولُهُمْ﴾: في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ومفعول ﴿جاءَ﴾ محذوف، التقدير: فإذا جاءهم رسولهم. ﴿قُضِيَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. و(إذا) ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محل له مثله. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُظْلَمُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ. والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ، في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1412\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: يقول كفار قريش. ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ أي: الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب، وقيل: قيام الساعة، وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب، والاستبعاد والاستهزاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: فيما تعدوننا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع؛ لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك، أو يكون المعنى إن كنتم صادقين أنت وأتباعك يا محمد.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: الواو: حرف استئناف، (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْوَعْدُ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: انظر الآية رقم [٣٨] لإعراب هذه الجملة.\n<span id=\"aya-1413\"></span>﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ لما استعجل كفار مكة العذاب، أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفار: إني لا أقدر على جلب نفع لنفسي، ولا دفع ضر عنها إلا بمشيئة الله. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ..﴾. إلخ، أي: لهلاك كل أمة وقت معلوم في علمه ﷾، إذا جاء وقت انقضاء أجلهم فلا يمكنهم أن يستأخروا ساعة باقين في الدنيا، ولا يتقدمون ساعة أيضا، وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الأعراف)، تجد ما يسرك.","vol":"4","page":326},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَمْلِكُ﴾: فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لِنَفْسِي﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والياء في محل جر بالإضافة، هذا؛ وجوز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من ﴿ضَرًّا،﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿ضَرًّا﴾: مفعول به. الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَفْعًا﴾: معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي أو شيئا شاءه الله، وجملة: ﴿لا أَمْلِكُ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لِكُلِّ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجَلٌ﴾: مبتدأ مؤخر، و(كل) مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]، ﴿جاءَ﴾: ماض. ﴿أَجَلُهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا،﴾ (لا): نافية. ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾: فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿ساعَةً﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1414\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للرسول ﷺ. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني، قال سليمان الجمل:\nاستعمال (أرأيت) في الإخبار مجاز، أي: أخبروني عن حالتكم العجيبة، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، والأبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، لاشتراكهما في الطلب. ﴿أَتاكُمْ﴾: انظر في الآية رقم [١٥] ﴿عَذابُهُ﴾: عذاب الله. ﴿بَياتًا﴾: ليلا، وهو في الأصل مصدر (بات)، وأما مصدر (بيت)، فهو تبييت، فالأول: مثل سلام، والثاني مثل تسليم.\n ﴿نَهارًا﴾ أي: في النهار، وقال سبحانه في الآية رقم [٩٨] (الأعراف). ﴿ضُحًى﴾ وهو وقت ارتفاع الشمس واشتداد حرارتها، والناس في هذا الوقت يكونون منشغلين بطلب المعاش. ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾: استفهام معناه التهويل والتعظيم، أي: ما أعظم ما يستعجلون به، كما يقال لمن يطلب أمرا، يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك؟! والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يعود إلى العذاب، أو إلى الله، هذا؛ وقد وضع المجرمون موضع الضمير للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء الوعيد، لا أن يستعجلوه، وقد حصل في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة.","vol":"4","page":327},{"text":"تنبيه: في الآية الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة، كما يكون من الغيبة إلى التكلم، ومنهما إلى الخطاب، ومن المفرد إلى الجمع، وبالعكس، وقد نبهت على ذلك فيما مضى، كما أنبه عليه في محاله إن شاء الله تعالى، وله فوائد كثيرة: منها نظرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فائدته العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حثّ السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام.\n (رأيتم): فعل وفاعل، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَتاكُمْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به، ﴿عَذابُهُ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَياتًا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿نَهارًا﴾: معطوف على ﴿بَياتًا،﴾ وجملة: ﴿أَتاكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: تندموا على الاستعجال أو تعرفوا خطأكم، ويجوز أن يكون الجواب الجملة الاستفهامية، وحذفت منه الفاء الرابطة للجواب. ﴿ماذا،﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وقد حذف العائد؛ إذ التقدير: ما الذي يستعجله... إلخ، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ماذا،﴾ كله اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده في محل رفع خبره، والرابط محذوف، كما رأيت تقديره، والهاء في: ﴿مِنْهُ﴾ عائدة على الوجهين على العذاب، هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مفعولا مقدما للفعل بعده، فهو وجه سائغ، ويكون الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ عائدا على الله. و﴿مِنْهُ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب الذي رأيت تقديره فيما سبق، أو هو متعلق بالفعل قبله على اعتبار ﴿ماذا﴾ مفعولا مقدما. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: فاعل ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\nتنبيه: بقي أن تعرف أن الفعل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يتعدى إلى مفعولين، وأن الثاني اكثر ما يكون جملة استفهام ينعقد منها مع ما قبلها مبتدأ وخبر، كقول العرب: أرأيت زيدا ما صنع؟ والمعنى:\nأخبرني عن زيد ما صنع، إذا تقرر هذا فالمفعول الأول هنا محذوف، ولا يصح أن تقع جملة الشرط موقعه، والمسألة من باب التنازع، تنازع (أرأيتم) و(أتاك). قوله ﴿عَذابُهُ﴾ وإعمال الثاني هو المختار على مذهب البصريين، وهو الذي ورد به السماع أكثر من إعمال الأول، فلما أعمل","vol":"4","page":328},{"text":"الثاني حذف من الأول، ولم يضمر؛ لأن إضماره يختص بالشعر، أو قليل في الكلام على اختلاف النحويين في ذلك. انتهى جمل بتصرف بسيط.\nأقول: إني أرى: أن الفعل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجواب الشرط محذوف لدلالة جملة الاستفهام عليه، وأن الجملة: ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ..﴾. إلخ على جميع وجوه الإعراب التي رأيتها فيها قد سدت مسد المفعولين، وما بينهما كلام معترض لا محل له أعطى الكلام تأكيدا وتسديدا، ولا حاجة إلى هذا التكلف والتعسف، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.\n\n<span id=\"aya-1415\"></span>﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾: المعنى: إن أتاكم عذاب الله ليلا أو نهارا آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، وهذا على أن الكلام مرتبط بما قبله، أو المعنى: أتأمنون أن ينزل بكم العذاب، ثم يقال لكم إذا حل: الآن آمنتم به، وهو أوجه من الأول. ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: تطلبون العذاب استهزاء، وتكذيبا.\nأما (الآن): فهي كلمة ملازمة للظرفية غالبا، مبنية على الفتح دائما، لتضمنها معنى الإشارة وألفها منقلبة عن واو، لقولهم في معناها الأوان، وقيل: عن ياء؛ لأنه من آن يئين: إذا قرب، وقيل: أصله أوان قلبت الواو ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد والسواد، وقيل: حذفت الألف، وغيرت الواو، إلى الألف، كما قالوا: راح ورواح، استعملوه مرة على فعل، ومرة على فعال، كزمن وزمان، وقد جاءت ﴿آلْآنَ﴾ بهمزتين:\nالأولى: همزة الاستفهام، والثانية: همزة (ال) المعرفة، وإذا اجتمعت هاتان الهمزتان وجب في الثانية أحد أمرين: تسهيلها من غير ألف بينها وبين الأولى، وإبدالها مدّا بقدر ثلاث ألفات على حد قول ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز]\nوايمن همز ال كذا ويبدل... مدّا في الاستفهام، أو يسهّل\nوقد وقع في القرآن الكريم من هذا القبيل ستة مواضع: اثنان في الأنعام، وهما ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مرتين، وثلاثة في هذه السورة لفظ ﴿آلْآنَ﴾ هنا وفيما سيأتي الآية رقم [٩١] ولفظ ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في الآية رقم [٥٨]، وواحد في النمل ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ الآية رقم [٥٩]، ولولا المد في هذه الكلمات لم يظهر الاستفهام، ويسمى هذا المد في أحكام التجويد مد الفرق؛ لأنه يفرق بين الاستفهام والخبر؛ لأنه لولا المد لتوهم أنه خبر لا استفهام.\nالإعراب: ﴿أَثُمَّ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقرير. (ثم): حرف عطف. ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]، ﴿ما﴾: زائدة مفيدة للتوكيد. ﴿وَقَعَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود","vol":"4","page":329},{"text":"إلى ﴿عَذابُهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح المشهور.\n ﴿آمَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، أو هو معطوف على ما قبله، وانظر الشرح. ﴿آلْآنَ﴾:\nظرف زمان متعلق بفعل محذوف مع متعلق آخر. التقدير: فلا يقبل منكم الإيمان، ويقال لكم:\n ﴿آلْآنَ،﴾ ولا تنس أن همزة الاستفهام مفيدة للتوبيخ والتقريع والتأنيب، وهذا الكلام كله يحتمل العطف على جواب ﴿إِذا،﴾ ويحتمل الاستئناف، ولا محل له على الاعتبارين، ﴿وَقَدْ﴾: الواو:\nواو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجملة (تستعجلون به): في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ضمير الخطاب الذي رأيت تقديره، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1416\"></span>﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ قِيلَ..﴾. إلخ أي: يقال للمشركين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر: ذوقوا العذاب الأليم في نار الجحيم خالدين فيه أبدا، ولا تجزون وتعاقبون إلا بسبب الذي كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر ومخالفة أوامر الله تعالى، والقائل لهم ذلك هم خزنة جهنم.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿قِيلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. ﴿ظَلَمُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿ذُوقُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْخُلْدِ﴾: مضاف إليه، وجملة:\n ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نائب فاعل، وهذا على رأي: من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول (يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه)؛ وعليه فالجار والمجرور ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل ﴿قِيلَ،﴾ و﴿قِيلَ﴾: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول، وعليه فجملة ﴿ذُوقُوا﴾: في محل نصب مقول القول، فالأقوال ثلاثة في مثل هذا التركيب، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (يقال) التي رأيت تقديرها في الآية السابقة. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام معناه النفي. ﴿تُجْزَوْنَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع\nإلخ، والواو نائب فاعله وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾:\nانظر إعراب مثل هذه الكلمة في الآية رقم [٨] والجار والمجرور ﴿بِما﴾ على جميع الوجوه المعتبرة في (ما) متعلقان بالفعل ﴿تُجْزَوْنَ،﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية:\n ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط، وساغ ذلك؛ لأن الاستفهام معناه النفي كما رأيت، أو هي في محل نصب مقول القول.","vol":"4","page":330},{"text":"<span id=\"aya-1417\"></span>﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾: يستخبرونك يا محمد عن قيام الساعة، وعن وقوع العذاب بهم.\n ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أي: أواقع ما تعدنا به حقا؟! ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ أي: قل أقسم بربي إن العذاب واقع بكم، وإن الساعة لا ريب فيها. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بفائتين من العذاب، أو ما أنتم بمعجزين الله تعالى بأن لا يقدر على تعذيبكم، قال البيضاوي: السائل هو حيي بن أخطب اليهودي لمّا قدم مكة.\nالإعراب: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾: الواو: حرف استئناف. يستنبئونك: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿أَحَقٌّ﴾: الهمزة استفهام معلق لما قبله عن العمل.\n (حق): مبتدأ. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل ب (حق) سد مسد خبره، ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ مؤخرا، و(حق): خبرا مقدما، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها المعلق عن العمل لفظا، والجملة الفعلية: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِي﴾: حرف جواب مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَرَبِّي﴾: الواو: حرف قسم وجر. (ربي): مقسم به مجرور بالواو، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير:\nأقسم بربي. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَحَقٌّ﴾: اللام: هي المزحلقة.\n (حق): خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: جواب القسم لا محل لها. والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: نافية حجازية تعمل عمل (ليس). ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم ما.\n ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر ما مجرور لفظا، منصوب محلا، وإن اعتبرت (ما) نافية مهملة، فيكون ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، والباء زائدة في خبره، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي تحتمل العطف على جواب القسم، والاستئناف ولا محل لها على الاعتبارين.\n<span id=\"aya-1418\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أي: بالشرك والخروج عن طاعة الله تعالى، أو بالتعدي على حقوق الغير. ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾: كل ما في الأرض من أموال وخزائن. ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أي:\nقدمته فداء من العذاب، ولكنه لا يقبل منها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ﴾","vol":"4","page":331},{"text":"﴿يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾: لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحسبوه من فظاعة الأمر وهوله، فلم يقدروا أن ينطقوا، وقيل: أسروا الندامة: أخلصوها؛ لأن إخفاءها إخلاصها، أو لأنه يقال: سر الشيء لخالصته من حيث إنها تخفى، ويضمن بها، وقيل: (أسروا) أظهروا، فالكلمة من الأضداد، ويدل عليه: أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر، وقيل: وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم؛ لأن الندامة لا يمكن إظهارها، وذكر المبرد فيه وجها ثالثا: أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة، واحدها:\nسرار، والندامة: الحسرة لوقوع شيء، أو فوت شيء، وأصلها: اللزوم، ومنه النديم؛ لأنه يلازم المجالس. انتهى قرطبي. وأسروا وما بعده حكاية ما يكون في الآخرة، وانظر التعبير بالماضي عن المستقبل في الآية رقم [١١٦] (المائدة)، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾: انظر الآية رقم [٤٧] لشرح هذه الكلمات.\nقال البيضاوي: ليس تكريرا، أي: إن هذا الكلام ليس تكرارا لما في الآية رقم [٤٧]؛ لأن الأول: قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم، والثاني: مجازاة المشركين على الشرك، أو الحكومة بين الظالمين والمظلومين، والضمير إنما يتناولهم لدلالة الظلم عليهم. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ﴾:\nحرف مشبه بالفعل. ﴿لِكُلِّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ مقدم، و(كل): مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾:\nمضاف إليه. ﴿ظَلَمَتْ﴾: ماض، والتاء: للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿نَفْسٍ،﴾ ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: ولو ثبت ظلم كل نفس، ونحوه، وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير:\nولو ظلم كل نفس ثابت، أو واقع، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لافْتَدَتْ﴾: اللام: واقعة في جواب (لو).\n (افتدت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٍ،﴾ تقديره: «هي»، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n (أسروا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿النَّدامَةَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ﴾: مستأنفة لا محل لها. ﴿لَمّا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَأَوُا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، وحركت بالضمة لالتقاء","vol":"4","page":332},{"text":"الساكنين، وإنما حركت بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت؛ لنجحت)، وقيل: ضمت؛ لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: غير ذلك، وانظر إعلاله في الآية رقم [٣٥] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿لَمّا﴾ مثل (لما) في الآية رقم [١٢] فيكون جوابها محذوفا لدلالة ما قبله عليه، والأول أقوى. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٤٧]، وجملة: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿رَأَوُا الْعَذابَ﴾ فتكون داخلة في حيز ﴿لَمّا،﴾ والضمائر كلها عائدة على ﴿لِكُلِّ نَفْسٍ،﴾ وقال بعضهم، إنها عائدة على الظالمين والمظلومين، وقال آخرون: إنها عائدة على الرؤساء والأتباع.\n\n<span id=\"aya-1419\"></span>﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ..﴾. إلخ: أي: إن كل شيء موجود في السموات والأرض لله، ملك له لا يشركه فيه غيره، وما يملكه العبد في هذه الدنيا ظاهرا إنما هو على وجه الوكالة، فهنيئا لمن أحسن الوكالة، وقام بحقوقها كاملة، وويل ثم ويل، ثم ويل لمن قصر في حقوق الوكالة، أو خان فيها، ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي: ما وعد به على لسان نبيه ﷺ، من ثواب المطيع المنيب، وعقاب العاصي المفسد حق لا ريب فيه. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس لا يعلمون ذلك لقصور عقولهم، واستيلاء الغفلة عليهم يفترون ما يفترون، ويفعلون ما يفعلون ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾.\nبعد هذا ﴿ما﴾ تستعمل لغير العاقل، و﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ منهم العاقل وغير العاقل، فغلب غير العاقل على العاقل هنا كما يغلب العاقل على غير العاقل في غير هذه الآية كما في الآية رقم [٦٦]، ونحوها ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: انظر الآية رقم [٣]. ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: لا يعرفون.\nالإعراب: ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.\n ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل، ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿ما﴾:\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوفة على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ..﴾.\nإلخ: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، وجملة: ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾: مؤكدة لما قبلها، وإعرابها لا خفاء فيه. ﴿وَلكِنَّ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل معناه الاستدراك.","vol":"4","page":333},{"text":"﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسم (لكن)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر لكن، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1420\"></span>﴿هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: الذي يملك السموات والأرض، وما بينهما قادر على الإحياء والإماتة في الدنيا، فهو يقدر عليها في الآخرة بلا ريب، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: في الآخرة بالبعث والنشور للحساب والجزاء، وانظر (رجع) في الآية رقم [٨٣] التوبة.\nالإعراب: ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُحيِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الله، والمفعول محذوف، التقدير: يحيي الأموات، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ يُحْيِ﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِلَيْهِ﴾: الواو: حرف عطف. (إليه): متعلقان بالفعل بعدهما.\n ﴿تُرْجَعُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل (يميت) المستتر، فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-1421\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: قيل: أراد بالناس قريشا، وقيل: هو جميع الناس، وهو الأصح والمعتمد. ﴿جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قال الخليل: الموعظة التذكير بالخير فيما يرق له القلب، وقيل: الموعظة ما يدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة، والقرآن داع إلى كل خير وصلاح بهذا الطريق. ﴿وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ﴾ أي: إن القرآن يشفي ما في القلوب من داء الجهل، وذلك؛ لأن داء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، وأمراض القلب هي الأخلاق الذميمة، والعقائد الفاسدة، والجهالات المهلكة، فالقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها؛ لأن فيه الوعظ والزجر، والتخويف، والترغيب، والترهيب، والتحذير والتذكير، فهو الدواء والشفاء لهذه الأمراض القلبية جميعها، وإنما خص الصدر بالذكر؛ لأنه موضع القلب وغلافه، وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان القلب فيه. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: رشد وبيان، وهداية من الضلالة، ونعمة شاملة لمن قرأ القرآن، وانتفع به، هذا؛ وقد خص سبحانه المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالقرآن وبتعاليمه، هذا؛ وقد أطلق سبحانه لفظ الموعظة والشفاء، والهدى والرحمة على القرآن، وانظر الآية رقم [٢٠٣] (الأعراف)، تجد ما يسرك.","vol":"4","page":334},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا﴾: يا: حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء. و(ها): حرف تنبيه لا محل له. وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿النّاسُ﴾: بدل من أي، أو عطف بيان عليه، وانظر الآية رقم [٨٨]، من سورة (يوسف) على نبينا وحبيبنا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ففيها بحث جيد. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْكُمْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿مَوْعِظَةٌ﴾:\nفاعل. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿مَوْعِظَةٌ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل (جاء) والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿النّاسُ،﴾ والعامل في الحال أداة النداء؛ لما فيها من معنى الفعل كما رأيت. ﴿وَشِفاءٌ﴾: معطوف على ﴿مَوْعِظَةٌ﴾. ﴿لِما﴾:\nمتعلقان ب (شفاء)؛ لأنه مصدر. ﴿فِي الصُّدُورِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾: معطوفان على ما قبلهما، وعلامة رفع (هدى) ضمة مقدرة على الألف المحذوفة، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان ب (هدى) أو ب (رحمة) على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني لدلالة صفة الأول، أو بالعكس.\n\n<span id=\"aya-1422\"></span>﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾: قال أبو سعيد الخدري، وابن عباس﵄-: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام. ﴿فَبِذلِكَ﴾: الإشارة إلى الفضل والرحمة، والعرب تأتي بذلك للواحد والاثنين والجمع، قال تعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي: بين المسنة والصغيرة، فاسم الإشارة قام مقام الاثنين. ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾: يقرأ بالياء والتاء. ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: فضل الله ورحمته أفضل بكثير من الذي يجمعون من حطام الدنيا الفاني، والمؤمن ينبغي أن يفرح بفضل الله ورحمته فرحا عظيما، فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من هداه الله للإسلام، وعلّمه القرآن، ثمّ شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه».\nثم تلا هذه الآية، فهنيئا لمن عمل بفضل الله ورحمته بالمعنيين المتقدمين.\nبعد هذا؛ فالفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب، ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية الدنيوية، وقد ذم الله الفرح في مواضع، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وقوله ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ولكنه مطلق، فإذا قيد الفرح لم يكن ذمّا لقوله تعالى في حق الشهداء ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال سبحانه هنا ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر. وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِفَضْلِ﴾: متعلقان بفعل محذوف يدل عليه ما بعده، التقدير: ليفرحوا بفضل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، و(فضل) مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه من إضافة","vol":"4","page":335},{"text":"المصدر لفاعله. ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿فَبِذلِكَ﴾: الفاء: هي زائدة. (بذلك):\nجار ومجرور بدل مما قبلهما. واللام للبعد. والكاف حرف خطاب لا محل له، وتعليقهما بالفعل بعدهما أقوى معنى، وعليه فالفاء الزائدة هي المقرونة بالفعل. تأمل. والفاء العاطفة هي المقرونة باسم الإشارة. ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾: الفاء: حرف عطف. (ليفرحوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة ومؤكدة لها، وهي في محل نصب مقول القول مثلها، وهناك أقوال وتأويلات في إعراب هذه الجملة ضربت عنها صفحا. ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء يجمعونه، واعتبار (ما) مصدرية ضعيف معنى، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ خَيْرٌ..﴾. إلخ تعليل للأمر، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1423\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾: هو مثل الآية السابقة. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: انظر الآية رقم [٥٠]، ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: جعل الرزق منزلا؛ لأنه مقدر في السماء محصل بأسباب منها، انتهى.\nبيضاوي. وقال القرطبي: أنزل بمعنى: خلق، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ،﴾ فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن الذي في الأرض من الرزق، إنما هو بما ينزل من السماء من مطر. انتهى. وانظر ﴿خَلَقَ﴾ و﴿جَعَلَ﴾ في الآية رقم [٥]، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا﴾: قال مجاهد: هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقال الضحاك: هو قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا﴾ انتهى. وانظر الآية رقم [١٣٦] من سورة (الأنعام) ﴿آللهُ﴾: انظر الآية رقم [٥١]، ﴿أَذِنَ لَكُمْ﴾ أي: في التحريم والتحليل، فتقولون ذلك بحكمه. ﴿أَمْ﴾:\nبمعنى بل. ﴿تَفْتَرُونَ﴾: تكذبون على الله في ادعائكم أن الله تعالى أمرنا بهذا. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام.\n (رأيتم): فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور. ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ والعائد محذوف، التقدير:\nأنزله الله. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال من","vol":"4","page":336},{"text":"الضمير المنصوب المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. ﴿فَجَعَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَرامًا﴾: مفعول به. ﴿وَحَلالًا﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿فَجَعَلْتُمْ..﴾. إلخ: معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿آللهُ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (الله): مبتدأ، وجملة: ﴿أَذِنَ لَكُمْ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾:\nفي محل نصب مفعول به ثان للفعل ﴿أَرَأَيْتُمْ،﴾ والعائد من هذه الجملة على المفعول الأول محذوف، تقديره: الله أذن لكم فيه؛ واعترض على هذا بأن قوله: ﴿قُلْ﴾ يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولا ثانيا، وأجيب عنه بأنه كرر توكيدا، وعلى هذا فليست الجملة الاسمية مقولة ل ﴿قُلْ﴾. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف بمعنى (بل). ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ..﴾. معطوفة على جملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مقدم، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿ما﴾ استفهامية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم أيضا، وهي حينئذ معلقة ل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ عن العمل، وإليه ذهب الحوفي والزمخشري، ويجوز أن تكون: ﴿ما﴾ استفهامية في محل رفع مبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ خبره، والعائد محذوف كما تقدم، وهذه الجملة الاستفهامية معلقة ل ﴿أَرَأَيْتُمْ،﴾ والظاهر من هذه الأوجه هو الوجه الأول؛ لأن فيه إبقاء (أرأيت) على بابها من تعديتها إلى مفعولين وأنها مؤثرة في أولهما، بخلاف جعل ﴿ما﴾ استفهامية، فإنها معلقة ل (أرأيت)، وسادة مسد المفعولين. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني.\n\n<span id=\"aya-1424\"></span>﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي:، أيّ: شيء يظنه المفترون على الله الكذب في يوم القيامة، أيظنون أن الله لا يؤاخذهم، ولا يجازيهم على أعمالهم القبيحة من شرك، وما يتبعه من أعمال خبيثة، فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع، والوعيد العظيم لمن يفتري على الله الكذب. ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾: حيث أنعم عليهم بالعقل وهداهم بالرسل، وإنزال الكتب لبيان الحلال والحرام، وتمييز النافع من الضار. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾: الله على ذلك الفضل والإحسان، كيف وقد قال سبحانه في آية آخرى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾.\nهذا؛ ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾: هذا","vol":"4","page":337},{"text":"الفعل يتعدى بنفسه وبحرف الجر، تقول: شكرت الله وشكرت له، كما تقول: نصحت زيدا، ونصحت له، وانظر الشكر في الآية رقم [١١٢]، التوبة، هذا؛ ومن أسماء الله تعالى الشكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة، نعما في الآخرة غير محدودة.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ظَنُّ﴾: خبر المبتدأ، و﴿ظَنُّ﴾: مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، ومفعولاه محذوفان، التقدير: أنه لا يعاقبهم، وانظر الشرح، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالمصدر ﴿ظَنُّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَما ظَنُّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ﴾: اسمها. ﴿لَذُو﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، واللام هي المزحلقة، و(ذو) مضاف، و﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى النّاسِ﴾: متعلقان ب ﴿فَضْلٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسم (لكن)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾: مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1425\"></span>﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، أي: لا تكون في عبادة أو غيرها؛ إلا والرب مطلع عليك. والشأن: الحال، والخطب، والأمر، وجمعه: شئون. ﴿وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾: وما تحدث من شأن من الشئون فيتلى من أجله القرآن، فيعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى، وقال الطبري: ﴿مِنْهُ﴾ أي: من كتاب الله تعالى. ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ولأمته معه، وقيل: المراد كفار قريش. ﴿إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ أي: شاهدين لأعمالكم، وذلك؛ لأن الله تعالى شاهد على كل شيء وعالم بكل شيء؛ لأنه لا محدث، ولا خالق، ولا موجود إلا الله تعالى، فكل ما يدخل في الوجود من أحوال العباد، وأعمالهم الظاهرة والباطنة داخل في عمله، وهو شاهد عليه. ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: تخوضون فيه وتندفعون:\nوالمعنى: إذ تشيعون في القرآن الكذب، هذا؛ والفعل هنا من: أفاض الرباعي، وانظره من:","vol":"4","page":338},{"text":"(فاض) الثلاثي في الآية رقم [٩٢] التوبة، ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾: ولا يبعد عنه، ولا يغيب عن علمه، ويقرأ الفعل بضم الزاي وكسرها.\n ﴿مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾: وزن ذرة، والمثقال: الوزن، والذرة: النملة الصغيرة الحمراء، وهي خفيفة الوزن جدا. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾: قدم سبحانه ذكر الأرض هنا على السماء بينما قدم ذكر السماء في سورة (سبأ) على الأرض؛ لأنه ذكر سبحانه هنا شهادته على أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ثم وصل ذلك بقوله ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ فلهذا حسن تقديم الأرض على السماء هنا. انتهى. خازن بتصرف. وانظر الآية رقم [٣] وإعلال (سماء) في الآية رقم [٣١].\n ﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ﴾ أي: من الذرة، وهذا؛ ويقرأ ﴿أَصْغَرَ﴾ و﴿أَكْبَرَ﴾ بالرفع والنصب. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾: المراد به اللوح المحفوظ.\nهذا؛ ونقل القرطبي والجمل عن الجرجاني قوله ﴿إِلاّ﴾ بمعنى واو النسق، أي: وهو في كتاب مبين، وسلمه القرطبي، وقال الجمل: وهذا الوجه فيه تعسف، وهو وجيه، هذا؛ و(مبين) اسم فاعل من (أبان) الرباعي أصله (مبين) بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من «بان» الثلاثي بائن، وأصله باين، وإعلاله مثل إعلال قائم في الآية رقم [١٢]، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود)، وفي الآية الكريمة التفات تنبه له.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَكُونُ﴾: مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي شَأْنٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَما تَتْلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْهُ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهذا على اعتبار الضمير عائدا إلى ﴿شَأْنٍ﴾ و(من) مفيدة للتعليل، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿قُرْآنٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وهذا على اعتبار الضمير عائدا على الله تعالى. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿قُرْآنٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهناك من يقول إن ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ جار ومجرور بدل من قوله ﴿مِنْهُ﴾ وجملة: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿عَمَلٍ﴾: مفعول به... إلخ، ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾:\nمتعلقان ب ﴿شُهُودًا؛﴾ لأنه جمع شاهد. ﴿شُهُودًا﴾: خبر كان. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب ﴿شُهُودًا﴾ أيضا، وجملة: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية، ﴿يَعْزُبُ﴾:","vol":"4","page":339},{"text":"مضارع، ﴿عَنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿مِثْقالِ﴾: فاعل ﴿يَعْزُبُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره... إلخ، و﴿مِثْقالِ﴾: مضاف، و﴿ذَرَّةٍ﴾: مضاف إليه، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذَرَّةٍ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مِثْقالِ ذَرَّةٍ،﴾ وساغ ذلك لتخصصه بالإضافة، ﴿وَلا﴾: (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي السَّماءِ﴾:\nمعطوفان على ما قبلهما. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف، (لا): صلة. ﴿أَصْغَرَ﴾: بالنصب معطوف على لفظ ﴿مِثْقالِ﴾ مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿مِنْ ذلِكَ﴾: متعلقان ب ﴿أَصْغَرَ﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، هذا؛ وعلى قراءة ﴿أَصْغَرَ،﴾ بالرفع معطوف على محل ﴿مِثْقالِ،﴾ ﴿وَلا أَكْبَرَ﴾: معطوف على ما قبله على القراءتين. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر لا محل له. هذا؛ وقال الزجاج: ويجوز الرفع على الابتداء، وخبره ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو غير مسلم له، ﴿فِي كِتابٍ﴾: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، واعتبرهما أبو البقاء متعلقين بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ألا وهو في كتاب (أقول: والأجود تقدير: ألا كل ذلك في كتاب). وعليهما فالجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وانظر قول الجرجاني في الشرح. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿كِتابٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-1426\"></span><span id=\"aya-1427\"></span>﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿أَوْلِياءَ اللهِ﴾: الذين يتولونه بالطاعة، ويتولاهم بالكرامة، وقال ابن عباس وابن جبير﵄-: هم الذين يذكر الله برؤيتهم، وقال علي بن أبي طالب ﵁:\nأولياء الله: قوم صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من العبر، خمص البطون من الجوع، يبس الشفاه من الذوى، وقال عمر بن الخطاب ﵁، في هذه الآية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ من عباد الله عبادا، ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى». قيل: يا رسول الله خبّرنا من هم، وما أعمالهم، فلعلّنا نحبّهم؟ قال: «هم قوم تحابّوا في الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فو الله إنّ وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس».\nثم قرأ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ..﴾. إلخ. وهناك أقوال كثيرة وكلها تدور حول طاعة الله وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: في الآخرة عند الفزع الأكبر، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: على ما فاتهم من الدنيا لما عوضهم إياه من خير لا ينفد، ونعيم سرمدي لا يزول،","vol":"4","page":340},{"text":"ولا يتغير. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾: هذا إشعار بأن ولاية الله للعبد، وولاية العبد لله لا تكون بالإيمان وحده، بل لا بد من اقترانه بالتقوى؛ التي هي: فعل المأمورات على اختلاف أنواعها، وترك المنهيات بجميع صنوفها، وألوانها.\nالإعراب: ﴿أَلا﴾: انظر الآية رقم [٥٥]، ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿أَوْلِياءَ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه يحتمل أن يكون من إضافة الوصف لفاعله، أو لمفعوله. ﴿أَلا﴾: نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال ليس؛ لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ﴾: مبتدأ.\n ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف تقديره: حاصل أو موجود والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو هي زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْزَنُونَ﴾: مضارع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّ..﴾. إلخ، ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها.\n ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، خبره: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾: أو هو في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار (أعني)، أو صفة لأولياء بعد الخبر، وقيل: يجوز أن يكون في موضع جر بدلا من الضمير في: ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ وهذا أضعف الأقوال. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل والألف للتفريق، والجملة مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1428\"></span>﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿لَهُمُ﴾: لأولياء الله. ﴿الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: لقد اختلف في هذه البشرى لأولياء الله. فعن عبادة بن الصامت ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى:\n ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،﴾ قال: «هي الرّؤيا الصّالحة يراها المؤمن، أو ترى له». أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لم يبق بعدي من النّبوّة، إلاّ المبشّرات، قالوا: وما المبشرات؟، قال: الرؤيا الصالحة». أخرجه البخاري. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اقترب الزّمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءا من النبوة». أخرجه البخاري. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] و[٤٣] من سورة (يوسف) ﵇.","vol":"4","page":341},{"text":"وقال الزهري وقتادة: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله عند الموت، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ وأيضا قوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ،﴾ وقيل: هي الثناء الحسن، ويدل على ذلك ما جاء عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله ﷺ: «أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن؟». أخرجه مسلم، وقال الحسن: هي ما بشر الله به المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ يعني: لا خلف لوعد الله الذي وعد به أولياءه على طاعته في كتابه، وعلى ألسنة رسله، ولا تغيير لذلك الوعد. ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز العظيم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْبُشْرى﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ «الذين» على وجه مر ذكره، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان ب ﴿الْبُشْرى؛﴾ لأنه مصدر، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْبُشْرى،﴾ وكثير لا يجيزون وقوع الحال من المبتدأ. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور... إلخ. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿تَبْدِيلَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِكَلِماتِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ وانظر إعراب: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في الآية رقم [٣٧]، ففيها الكفاية، و(كلمات) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا تَبْدِيلَ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل لا محل له.\n ﴿الْفَوْزُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثانيا ف ﴿الْفَوْزُ﴾ خبره، والجملة الاسمية خبر ذلك، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ معترضة في آخر الكلام كالتي قبلها لتحقيق المبشر به، وتعظيم شأنه، وليس من شرط الاعتراض أن يقع بعده كلام يتصل به. وإن اعتبرت الجملتين مستأنفتين؛ فلا محل لهما أيضا.\n\n<span id=\"aya-1429\"></span>﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي: لا يهمك، ولا يغمك، ولا يخوفك كفرهم، وتهديدهم ووعيدهم، والخطاب للنبي ﷺ، هذا؛ ويقرأ الفعل بفتح الياء من الثلاثي، وبضمها من الرباعي، والمعنى واحد، والأول من باب فرح وطرب، وهي لغة قريش، والرباعي لغة تميم، وهو متعدّ على اللغتين، مثل سلكه وأسلكه. انتهى. مختار بتصرف.","vol":"4","page":342},{"text":"﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ أي: إن القوة الكاملة، والغلبة الشاملة، والقدرة التامة لله وحده، فهو ناصرك يا محمد على أعدائك، ومعينك ومانعك من الاعتداء عليك، ولا منافاة بين ما هاهنا وبين قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ؛﴾ لأن عزة الرسول ﷺ وعزة المؤمنين بإعزاز الله إياهم، فثبت بذلك أن العزة لله جميعا، وهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، هذا؛ ويقرأ بكسر همزة ﴿إِنَّ﴾ وفتحها، ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾: لأقوال المشركين سماع انتقام. ﴿الْعَلِيمُ﴾:\nبجميع أفعالهم، فيجازيهم بها ما يستحقون من جزاء، ولا تنس أن في الكلام تعزية وتسلية للنبي ﷺ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية. ﴿يَحْزُنْكَ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والكاف مفعول به، ﴿قَوْلُهُمْ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الْعِزَّةَ﴾: اسمها.\n ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿الْعِزَّةَ،﴾ وهي حال مؤكدة، ويجوز اعتباره توكيدا ل ﴿الْعِزَّةَ،﴾ ولم يؤنث؛ لأن فعيلا يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لشبهه بالمصادر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنهي، أو هي مستأنفة لا محل لها، ولا يتوهم متوهم: أن الجملة من مقول المشركين، فيحصل في الكلام تناقض؛ ولذا فالوقف على قولهم واجب، ومثل هذه الآية آية سورة (يس)، هذا؛ وعلى قراءة فتح همزة «(أنّ)» تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بحرف تعليل محذوف؛ وعليه فلا يجب الوقف على ﴿قَوْلُهُمْ﴾.\nتأمل، وتدبر. وجملة: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ معترضة أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1430\"></span>﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من الملائكة والثقلين، وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف المخلوقات عبيدا لله، لا يصلح أحد منهم للألوهية والربوبية، فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون ندا لله ولا شريكا له، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥]. ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ﴾ أي: شركاء على الحقيقة، وإن كانوا يسمونها شركاء، بل يظنون: أنها تنفعهم وتشفع لهم، والحقيقة: أنها لا تنفع ولا تشفع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾: وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على حق، وأن أصنامهم ستشفع لهم وتنفعهم، أو هم يتبعون جهالتهم وآراءهم الفاسدة، فإن الظن قد يطلق على ما يقابل العلم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾: يكذبون على الله فيما ينسبونه إليه كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأصنام وصلة إليه، وتحليل الميتة، وتحريم البحائر، والسوائب، وغير ذلك، أو المعنى: أنهم يقدرون أنهم على","vol":"4","page":343},{"text":"شيء معتد به، هذا؛ وحقيقة الخرص ما يقال عن ظن وتخمين، ومنه: خرص التمر، والعنب على شجرهما، وهو معروف في مبحث الزكاة في الفقه الإسلامي.\nالإعراب: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٥٥]. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَتَّبِعُ﴾: مضارع.\n ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ،﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿شُرَكاءَ﴾: مفعول ﴿يَتَّبِعُ،﴾ ومفعول: ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوف تقديره: (يدعون من دون الله أصناما): هذا؛ وجوز اعتبار (ما) استفهامية مفعولا مقدما للفعل بعدها، هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) موصولة معطوفة على (من) كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهم، كما أجيز اعتبارها موصولة أيضا في محل رفع مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، والخبر محذوف أيضا، وتقدير الكلام: والذي يتبعه الذين يدعون من دون الله باطل لا أصل له. انتهى. جمل نقلا من هنا وهناك وقد تصرفت فيه. والجملة الفعلية أو الاسمية مستأنفة على ثلاثة أوجه ومعطوفة على اعتبار (ما) مبتدأ. تأمل جيدا. ﴿إِنَّ﴾: حرف نفي. ﴿يَتَّبِعُونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله، ﴿أَلا﴾: حرف حصر.\n ﴿الظَّنَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف عطف.\n (إن): حرف نفي. ﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَلا﴾: حرف حصر، وجملة: ﴿يَخْرُصُونَ﴾: في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومؤكدة لها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1431\"></span>﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: مع أزواجكم، وأولادكم، ليزول التعب، والكلال، والسكون: الهدوء بعد اضطراب واستقرار بعد حركة. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أي: مضيئا لتهتدوا به في قضاء حوائجكم، والمبصر: الذي يبصر، والنهار يبصر فيه، وإنما قال: ﴿مُبْصِرًا﴾ تجوزا، وتوسعا على عادة العرب في قولهم: ليل قائم، ونهار صائم، وقال قطرب: يقال: أظلم الليل، أي: صار ذا ظلمة، وأضاء النهار، وأبصر، أي: صار ذا ضياء، وبصر. انتهى. قرطبي بتصرف. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي: علامات ودلالات على قدرة الله تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: سماع تدبر، وتعقل، واعتبار، فيعلمون بذلك: أن الذي خلق هذه الأشياء كلها هو الإله المعبود، المنفرد بالوحدانية في الوجود.\nهذا؛ والليل واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على (ليال)، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل وأهال، والليل الشرعي من غروب","vol":"4","page":344},{"text":"الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر من غروبها إلى طلوعها، هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز]\nلولا الثريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل، وثريد بالنّهر\nوفي القليل: أنهر، والنهار من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس على ما تقدم في نهاية الليل، إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما ستعرفه في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]\nإذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، وجملة: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِتَسْكُنُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالنَّهارَ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلَ،﴾ ﴿مُبْصِرًا﴾: حال إن كان جعل بمعنى خلق وأبدع، ومفعول ثان إن كان بمعنى: صير، وحذف مقابله بعد الفعل ﴿جَعَلَ﴾ كما حذف مقابل ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ من بعده ليدل كل على المحذوف من مقابله، والتقدير: هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا لتسعوا فيه لمعاشكم، فحذف (مظلما) لدلالة: ﴿مُبْصِرًا﴾ عليه، وحذف (لتسعوا) لدلالة: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ عليه، وهذا يسمى احتباكا، وهو أفصح كلام. انتهى. جمل بتصرف. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر إن تقدم على اسمها. ﴿لَآياتٍ﴾: اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يَسْمَعُونَ﴾: مع المفعول المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1432\"></span>﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: كفار قريش، ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾: يعني به قولهم: الملائكة بنات الله وهذه الآية مكية، فلا تشمل قول النصارى: عيسى ابن الله، ولا قول اليهود: عزير ابن الله، انظر","vol":"4","page":345},{"text":"الآية رقم [٣٠] التوبة لحكاية قول الفريقين. ﴿سُبْحانَهُ﴾: انظر الآية رقم [١٠]، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾:\nغير محتاج للولد، والنصير، والمساعد، والولد مسبب عن الحاجة، فقد نزه الله نفسه عن الصاحبة، والأولاد، ثم أخبر بفناء المطلق، وأن له كل ما يوجد في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، وانظر الآية رقم [٥٥] و[٦٦]. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾: ما عندكم حجة وبرهان على ما تدعونه من اتخاذ الولد لله، وانظر الآية رقم [٩٦] من سورة (هود). ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: فيه توبيخ وتقريع على اختلافهم الكذب على الله، وعلى جهلهم الفادح، وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن العقائد لا بد لها من دليل قاطع، وأن التقليد فيها غير سائغ.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة لا محل لها. ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية تعليل للتنزيه لا محل لها. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٥]، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي بمعنى (ما).\n ﴿عِنْدَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿بِهذا﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿سُلْطانٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وحرف التنبيه مقحم بين الجار والمجرور، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿سُلْطانٍ﴾ فاعلا بالظرف لاعتماده على النفي، وعند التأمل يظهر لك: أنه فاعل بفعل محذوف، التقدير: ما ثبت عندكم سلطان بهذا. ﴿أَتَقُولُونَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وإنكار. (تقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مقول القول، وصح ذلك؛ لأنها كناية عن كلام كثير، أو لأن الفعل بمعنى (تفترون). ﴿لا﴾: نافية.\n ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾. أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف.\nإذ التقدير: الذي أو شيئا لا تعلمونه، والجملة الفعلية: ﴿أَتَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"4","page":346},{"text":"<span id=\"aya-1433\"></span>﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾: خطاب للنبي ﷺ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾: بإضافة الشريك إليه، وباتخاذ الولد له. ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾: لا يسعدون، وإن اغتروا بطول السلامة، والبقاء في النعمة، ثم لا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة، وانظر إعلال (يصيب) في الآية رقم [٥١] من سورة (التوبة)، فإعلال ﴿يُفْلِحُونَ﴾ مثله، وانظر المفلحون في الآية رقم [٨٨] منها.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾: في محل رفع خبر:\n ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-1434\"></span>﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿مَتاعٌ﴾: انتفاع وتلذذ، وتمتع واستمع بكذا انتفع به، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء، وأمتعه الله، ومتعه بكذا بمعنى واحد، ومتاع الغرور، أي: ما يغر ويخدع، ولا يغر إلا ضعفاء النفوس والإيمان، وخاب الفسقة الذين يقولون: إن متاع الغرور هو ما تحمله المرأة في أيام حيضها، فمن أين أتوا بهذا التفسير الذي لا يقره ذوق فضلا عن عدم وجوده في كتب اللغة؟! ﴿فِي الدُّنْيا﴾: انظر الآية رقم [٢٣]، ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾: رجوعهم، وهذا يكون يوم القيامة يوم البعث والنشور للحساب والجزاء، ﴿نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ﴾ أي: نعذبهم العذاب الشديد في جهنم، وانظر ﴿فَذُوقُوهُ﴾: في الآية رقم [١٤] الأنفال. ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي:\nيعذبون بسبب كفرهم، وجحودهم نعمة الله عليهم في الدنيا، وافترائهم الكذب على الله تعالى.\nالإعراب: ﴿مَتاعٌ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ذلك متاع، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: لهم متاع، والجملة الاسمية مستأنفة على الاعتبارين. ﴿فِي الدُّنْيا﴾: متعلقان ب ﴿مَتاعٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿إِلَيْنا﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿نُذِيقُهُمُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به ثان. ﴿الشَّدِيدَ﴾: صفته، وجملة: ﴿نُذِيقُهُمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ انظر","vol":"4","page":347},{"text":"إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤] والجار والمجرور بعد التأويل متعلقان بالفعل: (نذيق)، وانظر الشرح يتضح لك التقدير.\n\n<span id=\"aya-1435\"></span>﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي: اقرأ يا محمد على قومك خبر نوح مع قومه. ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾: حين قال نوح لقومه الذين بعث إليهم داعيا ومنذرا. ﴿إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ﴾ أي: إن كان عظم وشق عليكم طول مقامي بينكم، وذلك؛ لأنه ﵊. أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى، ويذكرهم بآيات الله، ويقدم لهم المواعظ، والنصح، والإرشاد، فلم يزدادوا إلا عتوا، ونفورا. ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾:\nاعتمدت وفوضت أمري إليه، فهو حسبي، وثقتي، وملجئي، وملاذي.\n ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾: ما أشبه هذا القول بقول هود ﵇: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾: يقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا، وقال تعالى حكاية عن قول فرعون وأشياعه: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا،﴾ ولا يقال: أجمع أعوانه وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه وأصدقاءه، وهذا مبني على قاعدة:\n (يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان)، هذا هو الأكثر والمستعمل، وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، قال تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ انظرها برقم [٦٠] من سورة (طه)؛ تجد ما يسرك حيث تجدها مؤولة؛ لذا فإن التقدير في الآية: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ،﴾ وادعوا شركاءكم مع العلم: أنه قد قرئ برفع «شركاؤكم» وانظر الإعراب. ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي: لا يكن ما أجمعتم عليه من كيدي أمرا مستورا، بل اجعلوه ظاهرا مكشوفا، أو المعنى: لا يكن حالكم عليكم غما إذا أهلكتموني، وتخلصتم من ثقل مقامي بينكم، وتذكيري لكم، هذا؛ والغمة أيضا:\nالكربة، والغم: الكرب، وانظر (الهم) في الآية رقم [١٣] (التوبة). ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾: امضوا بما في أنفسكم من مكروه، وما توعدوني به من قتل، وطرد، وافرغوا منه. ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ أي:\nلا تؤخروني ولا تمهلوني.\nوهذا الكلام من نوح ﵇ على طريق التعجيز لهم، فقد أخبر الله تعالى عنه: أنه كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله، وأنه كان واثقا بنصره إياه، غير خائف من كيدهم، علما منه بأنهم وآلهتهم ليس لهم نفع ولا ضر، وأن مكرهم لا يصل إليه. انتهى. خازن.","vol":"4","page":348},{"text":"الإعراب: ﴿وَاتْلُ﴾: (اتل): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَبَأَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿نُوحٍ﴾: مضاف إليه. ﴿إِذْ﴾: ظرف متعلق ب ﴿نَبَأَ،﴾ أو هي بدل من ﴿نَبَأَ﴾ فهي مبنية على السكون في محل نصب على الوجهين، وجملة: ﴿قالَ لِقَوْمِهِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى منصوب، انظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٢٨] من سورة (هود) ﵇، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كانَ﴾:\nماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿كَبُرَ﴾: ماض. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَقامِي﴾: تنازعه الفعلان قبله، فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، وإذا عمل فيه أحدهما؛ فيعمل الثاني في ضميره، وعلى الوجهين فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، وجملة: ﴿كَبُرَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿وَتَذْكِيرِي﴾: معطوف على ما قبله مرفوع مثله... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿بِآياتِ﴾: متعلقان بالمصدر (تذكيري)، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَعَلَى﴾: الفاء: حرف اعتراض، وقال أو البقاء، واقعة في جواب الشرط، ولا وجه له.\n ﴿فَعَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل. والجملة الفعلية معترضة بين فعل الشرط وجوابه. ﴿فَأَجْمِعُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أجمعوا): أمر مبني على حذف النون. والواو فاعله، والألف للتفريق والجملة الفعلية في محل جواب الشرط.\nوهي معطوفة على ما قبلها على قول أبي البقاء. وجزم السفاقسي بأن جواب الشرط محذوف، التقدير: فافعلوا ما شئتم؛ وعليه فالجملتان معترضتان. تأمل. ﴿أَمْرَكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾: فيه أوجه: أحدها: أنه معطوف على ما قبله. بتقدير حذف مضاف. أي: وأمر شركائكم. والثاني: أنه معطوف بدون تقدير مضاف. الثالث: أنه مفعول به بفعل محذوف، تقديره: وادعوا شركاءكم. الرابع: أنه مفعول معه؛ أي: مع شركائكم، هذا؛ وقرئ «(شركاؤكم)» بالرفع، وفيه تخريجان: أحدهما أنه معطوف على واو الجماعة وجاز ذلك للفصل بالمفعول به. والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: (وشركاؤكم فليجمعوا أمرهم)، وشذت فرقة فقرأت: «(وشركائكم)» بالجر، ووجهت على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مجرورا على حاله، فتقديره: وأمر شركائكم، والكوفي يعطفه على الضمير من غير إعادة الجار، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿يَكُنْ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، ﴿أَمْرَكُمْ﴾: اسم ﴿يَكُنْ،﴾ والكاف في محل","vol":"4","page":349},{"text":"جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿غُمَّةً﴾ بعدهما. ﴿غُمَّةً﴾:\nخبر ﴿يَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية ﴿لا يَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على ﴿إِنْ﴾ ومدخولها، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿اُقْضُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة أيضا فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا﴾: الواو:\nحرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُنْظِرُونِ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1436\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: فإن أعرضتم عما جئتكم به. ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: من عوض على تبليغ الرسالة ووعظي، وتذكيري بآيات الله. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾: لا أطلب منكم أجرا إنما أجري على الله. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: إني أمرت بدين الإسلام، وأنا ماض فيه، غير تارك له، سواء أقبلتموه، أم لم تقبلوه؟\nالإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، أي: فلا ضرر عليّ. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف تعليل. (ما): نافية. ﴿سَأَلْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿مِنْ﴾: حرف جر زائد. ﴿أَجْرٍ﴾: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ..﴾.\nإلخ تعليل للجواب المحذوف، و﴿فَإِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف وهو من مقول نوح ﵇. ﴿فَإِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ. والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف في محل خبر المبتدأ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأُمِرْتُ﴾: ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، وتاء الفاعل نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿فَإِنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب ﴿فَإِنْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَكُونَ،﴾ و﴿فَإِنْ﴾ والمضارع الناقص في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان لأمر؛ لأن هذا الفعل يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبحرف الجر، كما هو معروف، فإن قدرت المصدر مجرورا بحرف محذوف، فيكون الجار والمجرور","vol":"4","page":350},{"text":"متعلقين بالفعل (أمرت)، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿وَأُمِرْتُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها لا محل لها على الوجهين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1437\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: كذبوا نوحا، وأصروا على تكذيبه، بعد ما ألزمهم الحجة، وبيّن لهم:\nأن إعراضهم عنه، وعن دعوته، إنما هو لعنادهم، وتمردهم. ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ أي: من الغرق. ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: من المؤمنين، وكانوا ثمانين. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾: في السفينة التي صنعها، وانظر الآية رقم [٣٧] من سورة (هود)، وما بعدها، ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾: انظر الآية رقم [١٤]. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾: بالطوفان، كما ستقف عليه في الآية رقم [٤٠]، من سورة (هود)، وما بعدها. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فانظر يا محمد، أو يا أيها الإنسان كيف كان آخر ونتيجة من أنذرتهم الرسل، فلم يؤمنوا، ولم يقبلوا ذلك، فيه تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن كذب الرسول ﷺ، وتعزية وتسلية.\nتنبيه: ذكر الله تعالى في هذه السورة قصة نوح ﵊ موجزة، وانظرها في سورة (الأعراف)، وفي سورة (هود) بأوسع وأبسط من هذه السورة.\nالإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: (كذبوه): فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، ﴿فِي الْفُلْكِ﴾: متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، أو هما متعلقان بالفعل: (نجينا)، وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾: معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وكذلك ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ﴾: معطوفة أيضا، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾: صلة الموصول لا محل لها ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [٣٩] فهي مثلها بلا فارق.\n<span id=\"aya-1438\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾: أرسلنا. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد نوح. ﴿رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ﴾: لم يذكر الله من كان بعد نوح من الرسل، وذكر في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود): هودا، وصالحا، وإبراهيم، ولوطا، وشعيبا وغيرهم. ﴿فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾: فجاء الرسل أقوامهم بالدلالات","vol":"4","page":351},{"text":"الواضحات والمعجزات الباهرات؛ التي تدل على صدقهم. ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فما صح وما استقام لهؤلاء الأقوام أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر وخذلان الله لهم بسبب تعودهم على تكذيب الحق، وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل. انتهى. بيضاوي. وقال الخازن: إن أولئك الأقوام جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب. ولم يزجرهم ما جاءتهم به الرسل، ولم يرجعوا عما هم فيه من الكفر والتكذيب. انتهى. فالواو في ﴿كانُوا﴾ و(يؤمنوا) ضمير القوم، والواو في ﴿كَذَّبُوا﴾ عائدة على قوم نوح، والضمير في ﴿بِهِ﴾ عائدة على نوح. ﴿نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾: نختم على قلوب المجاوزين الحد في الكفر والتكذيب، فلا يؤمنوا؛ لانهماكهم في الضلال، واتباع المألوف، وفيه دليل على أن الأفعال واقعة بقدر الله تعالى وللعبد كسب فيها، وقد ذكرت ذلك مرارا فيما تقدم.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿بَعَثْنا﴾: فعل وفاعل ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿رُسُلًا﴾: مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلًا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَجاؤُهُمْ﴾: ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف عطف وتفريع. (ما): نافية. ﴿كانُوا﴾: ماض، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، التقدير: ما كانوا مريدين للإيمان. ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِهِ﴾ صلة الموصول، أو صفة النكرة الموصوفة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالباء، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما) و﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم في محل جر لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نطبع على قلوب المعتدين طبعا كائنا مثل الطبع الذي طبعناه على قلوب قوم نوح، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل لها، وانظر الآية رقم [١٣] ﴿نَطْبَعُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلى قُلُوبِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿قُلُوبِ﴾: مضاف، و﴿الْمُعْتَدِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":352},{"text":"<span id=\"aya-1439\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هؤلاء الرسل. ﴿مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ﴾:\nانظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأعراف)، ﴿بِآياتِنا﴾: بمعجزاتنا التسع، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٣] (الأعراف) وما بعدها. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: عن اتباعهما وقبول الحق الذي جاءا به.\n ﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: معتادين الإجرام، فلذلك تهاونوا برسالة ربهم، واجترءوا على ردها.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿بَعَثْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُوسى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿وَهارُونَ﴾: معطوف على ﴿مُوسى،﴾ ﴿إِلى فِرْعَوْنَ﴾: متعلقان بالفعل ﴿بَعَثْنا﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَمَلائِهِ﴾:\nمعطوف على ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِآياتِنا﴾: متعلقان بالفعل: ﴿بَعَثْنا،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَكانُوا﴾: ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمًا﴾: خبر (كان). ﴿مُجْرِمِينَ﴾: صفة: ﴿قَوْمًا﴾ منصوب، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-1440\"></span>﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا﴾: يريد فرعون وقومه، أي: فلما جاء فرعون وقومه الحق الذي جاء به موسى من عند الله، وعرفوه بتظاهرات المعجزات الباهرة المزيحة للشك والريبة. ﴿قالُوا إِنَّ هذا..﴾. إلخ: أي: قال فرعون وملؤه: إن هذا الذي جاء به موسى سحر مبين يعرفه كل أحد.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٢] وجملة: ﴿جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿مِنْ عِنْدِنا﴾: متعلقان بالفعل جاء، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ ونا: في محل جر بالإضافة. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَسِحْرٌ﴾: اللام: هي المزحلقة (سحر): خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ..﴾.: صفته،","vol":"4","page":353},{"text":"والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1441\"></span>﴿قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ﴾: إنه سحر، فحذف المحكي بالقول لدلالة ما قبله عليه، وقيل لدلالة ما بعده عليه. ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾: ﴿هذا﴾ استفهام إنكاري وتوبيخي، أي: إنه ليس بسحر، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ لأن السحر تمويه، وتخييل، وصاحب ذلك لا ينجح، ولا يفلح أبدا.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض. ﴿مُوسى﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَتَقُولُونَ﴾: الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. (تقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لِلْحَقِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَمّا﴾: ظرفية بمعنى حين مبنية على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (تقولون) أيضا. ﴿جاءَكُمْ﴾: ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (الحق) تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، ومقول: (تقولون) محذوف، انظر الشرح، وجملة: ﴿أَتَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَسِحْرٌ﴾: الهمزة: حرف استفهام توبيخي أيضا. (سحر): خبر مقدم.\n ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية من مقول موسى أيضا. ﴿وَلا﴾: الواو: واو الحال. (لا): نافية. ﴿يُفْلِحُ﴾: مضارع. ﴿السّاحِرُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط.\n<span id=\"aya-1442\"></span>﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: فرعون وملؤه لموسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وسلام. ﴿أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾: لتصرفنا وتلوينا، واللفت، والفتل بمعنى واحد، وفعلاهما من باب (ضرب). ﴿عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾: قال الخازن: من الدين، وقال غيره: من عبادة الأصنام وهو الأصح، وهذا يدل على أن قوم فرعون كانوا يعبدون الأوثان مع عبادة فرعون، فإنه كان يصنع لهم الأصنام، ويأمرهم بعبادتها، ويقول لهم: أنا ربكم الأعلى. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الملك في أرض مصر، وأطلق الكبرياء على الملك؛ لأنه أعظم ما يطلب في الدنيا، ولاتصاف الملوك","vol":"4","page":354},{"text":"بالكبر والتكبر على الناس باستعبادهم وإذلالهم، والخطاب في ﴿لَكُمَا﴾ لموسى وهارون. ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدقين فيما جئتما به، هذا؛ ويقرأ ﴿وَتَكُونَ﴾ بالياء والتاء.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَجِئْتَنا﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (جئتنا): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِتَلْفِتَنا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَمّا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب «عن»، وجملة: ﴿وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ صلة ما، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلا ب (على) التقدير: عن الذي، أو عن شيء وجدنا... إلخ. (تكون): مضارع ناقص معطوف على تلفتنا منصوب مثله. ﴿لَكُمَا﴾: متعلقان بمحذوف خبر (تكون) مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الْكِبْرِياءُ﴾: اسم (كان) مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بنفس ﴿الْكِبْرِياءُ،﴾ أو بمحذوف حال منه، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق: ﴿لَكُمَا،﴾ أو هما متعلقان بالفعل (تكون)، أو بمحذوف خبر ثان له. انتهى. أبو البقاء بتصرف مني. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل (ليس). ﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿لَكُمَا﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: الباء: حرف جر صلة.\n (مؤمنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجر اللفظي، والنصب المحلي قام مقامهما الياء نيابة عن الكسرة أو الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: ﴿وَما نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) فالمعنى لا يأباه، والرابط:\nالواو، والضمير، ثم هي تعود في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1443\"></span>﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ اِئْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي..﴾. إلخ: إنما قال فرعون هذا حين رأى معجزة العصا، واليد البيضاء، واعتقد أنهما سحر، فأراد أن يعارض معجزة موسى على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام بأنواع من التلبيس ليظهر أن ما أتى به موسى سحر.\nالإعراب: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾: فعل ماض وفاعله. ﴿اِئْتُونِي﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِكُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(كل) مضاف، و﴿ساحِرٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عَلِيمٍ﴾: صفة ساحر، وجملة:\n ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.","vol":"4","page":355},{"text":"<span id=\"aya-1444\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾: حضر سحرة فرعون الذين جاءوا لمناظرة موسى ﵇. ﴿أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أي: اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم، وقد طلب السحرة من فرعون أجرا إن هم غلبوا موسى ﵇، انظر الآية رقم [١١٣] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: (لمّا): انظر الآية رقم [١٢] ﴿جاءَ السَّحَرَةُ﴾: فعل وفاعل، وانظر محل مثلها في الآية رقم [٧٦] ﴿أَلْقُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فَلَمّا﴾:\nاسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة ﴿فَلَمّا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ألقوا الذي، أو شيئا أنتم ملقونه، وجملة: ﴿أَلْقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وقال الجمل: عطف على محذوف، أي: فأتوا بالسحرة، فلما جاء السحرة... إلخ، ولا داعي له.\n<span id=\"aya-1445\"></span>﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا﴾ أي: ما معهم من الحبال والعصي، وانظر الآية رقم [١١٦] (الأعراف) ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي: الذي جئتم به هو السحر الباطل، وهذا على سبيل التوبيخ لهم. ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾: سيمحقه، أو سيظهر بطلانه، ويفضح صاحبه. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: لا يثبته ولا يقويه، وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه، لا حقيقة له، هذا؛ وفي الآية تحذير من الفساد، وسلوك طرق الشر، ومن سلك طريق الشر؛ فالله يكله إلى شيطانه يتلاعب به كيف يشاء، فالله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ بخلاف من اهتدى وسلك طريق الخير، فإنه يجد توفيقا من الله إلى الخير، وعونا عليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٢]. ﴿أَلْقَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية انظر ما قيل في مثلها في الآية رقم [٧٦]. ﴿قالَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا):\nومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلَمّا﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ،","vol":"4","page":356},{"text":"﴿جِئْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾: صلة الموصول لا محل لها. ﴿السِّحْرُ﴾: خبر المبتدأ، هذا؛ ويقرأ بالاستفهام، فعلى هذا تكون: ﴿فَلَمّا﴾ استفهاما، وفي موضعها وجهان: أحدهما نصب بفعل محذوف موضعه بعد ﴿فَلَمّا﴾ تقديره: أي: شيء أتيتم به، وجئتم به يفسر المحذوف، فعلى هذا في قوله ﴿السِّحْرُ﴾ وجهان: أحدهما: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: أهو السحر. والثاني: أن يكون الخبر محذوفا، أي: السحر هو، والثاني موضعها رفع بالابتداء، و﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾: الخبر، و﴿السِّحْرُ﴾ فيه وجهان: أحدهما ما تقدم من الوجهين، والثاني: هو بدل من موضع ﴿فَلَمّا﴾ كما تقول: ما عندك؟ أدينار أم درهم؟ ويقرأ على لفظ الخبر، وفيه وجهان: أحدهما: استفهام أيضا في المعنى، وحذفت الهمزة للعلم بها، والثاني: هو خبر في المعنى، فعلى هذا تكون ﴿فَلَمّا﴾ بمعنى (الذي) و﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ صلتها و﴿السِّحْرُ﴾ خبرها، ويجوز أن تكون ﴿فَلَمّا﴾ استفهاما، والسحر خبر مبتدأ محذوف. انتهى. عكبري بحروفه.\nهذا؛ وأجاز الفراء نصب السحر ب ﴿جِئْتُمْ،﴾ وتكون ﴿فَلَمّا﴾ للشرط، و﴿جِئْتُمْ﴾ في موضع جزم ب ﴿فَلَمّا،﴾ والفاء محذوفة، التقدير: فإن الله سيبطله، وهذا القول لم يوافق الفراء عليه أحد من النحاة؛ لأن حذف الفاء من جواب الشرط لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، والقرآن لا يخرج على الضرورة، والجملة: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾: السين: حرف استقبال. (يبطله): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا، والإعراب واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1446\"></span>﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ﴾: يثبته، ويبينه، ويوضحه، ويقويه، ويعليه. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾: بأوامره وحججه وبراهينه، وقرئ: «بكلمته»، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: تحقيق ما ذكر، والمراد ب: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ فرعون وملؤه، وانظر الآية رقم [١٣].\nالإعراب: ﴿وَيُحِقُّ﴾: (يحق): مضارع. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على خبر (إنّ). ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَرِهَ﴾: ماض.\n ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والمفعول محذوف؛ إذ التقدير: ولو كره المجرمون ذلك، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من: ﴿الْحَقَّ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وانظر الآية رقم [٨] الأنفال، ﴿بِكَلِماتِهِ﴾: متعلقان بالفعل (يحق)، والهاء في محل جر بالإضافة.","vol":"4","page":357},{"text":"<span id=\"aya-1447\"></span>﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: لقد اختلف في مرجع الضمير، فقيل: إنه يرجع إلى موسى، وأراد بهم قوم موسى، هلك الآباء وبقي الأبناء الذين نجوا من قتل فرعون فآمنوا بموسى، وقال ابن عباس﵄-: الضمير يعود إلى فرعون، يعني من قوم فرعون، منهم مؤمن آل فرعون الذي ذكر بإسهاب في سورة (غافر)، وخازن فرعون، وامرأته آسية، وماشطة ابنته، وامرأة خازنه، وقيل: هم أقوام آباؤهم من القبط، وأمهاتهم من بني إسرائيل فسموا ذرية، كما يسمى أولاد الفرس الذين توالدوا في بلاد اليمن وبلاد العرب:\nالأبناء؛ لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم، قاله الفراء، وعلى هذا فالضمير في قومه يعود إلى موسى للقرابة من جهة الأمهات، وإلى فرعون، إذا كانوا من القبط.\nهذا؛ والذرية: نسل الإنسان وقد تكثر، وانظر الآية رقم [١٧٢] (الأعراف). ﴿عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ أي: مع خوف من فرعون؛ لأنه كان مسلطا عليهم عاتيا. ﴿وَمَلائِهِمْ﴾: واختلف في مرجع الضمير أيضا، فقيل: هو عائد على الذرية، ولم يؤنث؛ لأن الذرية قوم، فهو مذكر في المعنى، وقيل: هو عائد على القوم، وقيل: هو عائد على فرعون، وإنما جمع لوجهين:\nأحدهما: أن فرعون لما كان عظيما عندهم عاد عليه الضمير بلفظ الجمع، كما يقول العظيم:\nنحن نأمر، والثاني: أن فرعون صار اسما لأتباعه، كما أن ثمود وعادا اسمان للقبيلتين وقيل:\nالضمير يعود على محذوف، تقديره: من آل فرعون وملئهم، أي: ملأ الآل، وهذا عندنا غلط؛ لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير، انتهى. عكبري بتصرف.\n ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أي: يصرفهم عن دينهم بالتعذيب والانتقام، فوحد الفاعل؛ لأن قوم فرعون وملأه كانوا على مراده وتابعين له. ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لعات متجبر متكبر في أرض مصر. ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: المتجاوزين الحد؛ لأنه عبد فادعى الربوبية، وأكثر القتل والتعذيب في بني إسرائيل.\nقال الخازن: لما ذكر الله ﷿ ما أتى به موسى ﵇ من المعجزات العظيمة الباهرة؛ أخبر الله ﷾ أنه مع مشاهدة هذه المعجزات ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، وإنما ذكر الله ﷿ هذا تسلية لنبيه محمد ﷺ؛ لأنه كان كثير الاهتمام بإيمان قومه، وكان يغتم بسبب إعراضهم عن الإيمان به، واستمرارهم على الكفر والتكذيب.\nالإعراب: ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿آمَنَ﴾: ماض. ﴿لِمُوسى﴾:\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾: فاعل. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: متعلقان بمحذوف","vol":"4","page":358},{"text":"صفة: ﴿ذُرِّيَّةٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى خَوْفٍ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿آمَنَ﴾. ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: متعلقان ب ﴿خَوْفٍ،﴾ ﴿وَمَلائِهِمْ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ بدل اشتمال من ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ أو في محل نصب مفعول به للمصدر ﴿خَوْفٍ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿وَإِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِرْعَوْنَ﴾: اسم (إن). ﴿لَعالٍ﴾: اللام: هي المزحلقة، (عال): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان ب (عال)، وجملة:\n ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ، في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾ المستتر، والرابط: الواو، وإعادة ﴿فِرْعَوْنَ﴾ بلفظه ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ وهذه الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-1448\"></span>﴿وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ..﴾. إلخ: أي: ثقوا بالله، واعتمدوا عليه، وسلموا الأمر إليه، فإنه ناصر أولياءه ومهلك أعداءه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين، ومستسلمين لأمره، وقضائه وقدره، وفي الآية دليل على أن التوكل على الله، والتفويض لأمره من كمال الإيمان، وإن من كان يؤمن بالله؛ فلا يتوكل إلا على الله، لا على غيره.\nالإعراب: ﴿وَقالَ مُوسى﴾: فعل ماض وفاعله. والجملة الندائية: ﴿يا قَوْمِ﴾ في محل نصب مقول القول، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٢٨] من سورة (هود). ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط. والتاء اسمه، وجملة: ﴿آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾: في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ: لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعَلَيْهِ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (عليه): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آمَنَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾: الإعراب واضح إن شاء الله تعالى، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه.\nقال القرطبي: كرر الشرط تأكيدا، وقال البيضاوي: وليس هذا من تعلق الحكم بشرطين، فإن المعلق بالإيمان وجوب التوكل، فإنه المقتضي له، والمشروط بالإسلام حصوله، فإنه لا يوجد مع التخليط، ونظيره: إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت.","vol":"4","page":359},{"text":"قال سليمان الجمل: ومحصله: أن المعلق على الأول وجوب التوكل، وعلى الاستسلام وجود التوكل، وعلى هذا فجواب الثاني محذوف كما يقتضيه صنيع الكازروني، ونصه، فالمعنى إن كنتم آمنتم؛ وجب عليكم التوكل، وإن كنتم مسلمين؛ توكلتم عليه. انتهى.\n\n<span id=\"aya-1449\"></span>﴿فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿فَقالُوا﴾ أي: قال قوم موسى. ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ أي: أسلمنا أمورنا إلى الله، ورضينا بقضائه وقدره، وانتهينا إلى أمره، وإنما قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا مسلمين. ﴿رَبَّنا﴾: انظر الآية رقم [٤٥] من سورة (هود). ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا تنصر الفراعنة علينا فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم.\nوقال مجاهد: المعنى: لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول أعداؤنا: لو كانوا على حق لم نسلط عليهم فيفتنوا.\nوقال أبو مجلز وأبو الضحاك: يعني لا تظهرهم علينا، فيروا أنهم خير منا، فيزدادوا طغيانا وكفرا. انتهى. قرطبي. وانظر البغي في الآية [٢٣].\nالإعراب: ﴿فَقالُوا﴾: (قالوا): فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿تَوَكَّلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿رَبَّنا﴾: منادى حذف منه حرف النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿لا﴾: دعائية جازمة. ﴿تَجْعَلْنا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به أول. ﴿فِتْنَةً﴾: مفعول به ثان. ﴿لِلْقَوْمِ﴾:\nمتعلقان ب ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿الظّالِمِينَ﴾: صفة (القوم) مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿تَجْعَلْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا.\n<span id=\"aya-1450\"></span>﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ﴾ أي: خلصنا، وأنقذنا بفضلك وكرمك من أيدي قوم فرعون الكافرين؛ لأنهم كانوا يستعبدونهم، ويستخدمونهم بالأعمال الشاقة، قال البيضاوي: وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي، ينبغي أن يتوكل أولا لتجاب دعوته. وانظر (كفروا) في الآية رقم [١٩] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"4","page":360},{"text":"الإعراب: ﴿وَنَجِّنا﴾: (نجنا): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به. ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾: متعلقان بالفعل: (نجنا).\n ﴿الْكافِرِينَ﴾: صفة القوم مجرور... إلخ، وجملة: ﴿وَنَجِّنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1451\"></span>﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا﴾: اتخذا: يقال: بوأت زيدا مكانا، وبوأت لزيد مكانا، فالأول بمعنى: أنزلت زيدا مكانا، والثاني بمعنى: اتخذت لزيد مكانا، والمبوأ: المنزل الملزوم، ومنه: بوأه الله منزلا، أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁، وانظر: ﴿تُبَوِّئُ﴾ في الآية رقم [١٢١] (آل عمران) و﴿بَوَّأْنا﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحج)، و﴿تَبَوَّؤُا﴾ في الآية رقم [٩] من سورة (الحشر)، و[٩٣] الآتية، والآية رقم [٧٣] من سورة (الأعراف).\n ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: يسكنون فيها، أو يتعبدون فيها، قال كثير من المفسرين: كان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم ومعابدهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل الله موسى إلى فرعون، أمر بمعابدهم فخرجت، ومنعوا الصلاة فيها. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: مصلى تصلون فيها مختفين من كيد فرعون وملئه لتأمنوا على أنفسكم، فأمروا بالصبر واتخاذ المعابد في البيوت، والمداومة على الصلاة، والدعاء إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا..﴾. إلخ الآية رقم [١٢٨] -من سورة (الأعراف) -وقيل: المعنى:\nاجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا، وقيل: المعنى اجعلوا مساجدكم إلى القبلة، أي: إلى بيت المقدس، وقيل: الكعبة، والأول أولى بالاعتبار. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾: أدوها كاملة في تلك البيوت. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: الخطاب لمحمد ﷺ، والأظهر: أنه لموسى ﵇، أي: بشر بني إسرائيل بأن الله سيظهرهم على عدوهم، وقد حقق الله ما وعد به، وهو يشمل كل مؤمن إلى يوم القيامة.\nقال البيضاوي رحمه الله تعالى: وإنما ثنى الضمير أولا؛ لأن التبوؤ للقوم، واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رءوس القوم بتشاور، ثم جمع؛ لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم وحد؛ لأن البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشريعة. انتهى.","vol":"4","page":361},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَوْحَيْنا﴾: الواو: حرف عطف. (أوحينا): فعل وفاعل. ﴿إِلى مُوسى﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَخِيهِ﴾: معطوف على ﴿مُوسى﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ﴾: حرف تفسير.\n ﴿تَبَوَّءا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، وألف الاثنين فاعله. ﴿لِقَوْمِكُما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به أول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿بُيُوتًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» هذا؛ وأجيز اعتبار اللام الجارة زائدة، فيكون (قومكما) مجرورا لفظا، منصوبا حالا، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿بِمِصْرَ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿تَبَوَّءا،﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، هذا؛ وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من ﴿بُيُوتًا،﴾ كان صفة له... إلخ، أو بمحذوف حال من: (قومكما)، أو بمحذوف حال من ألف الاثنين، وفيه ضعف. انتهى. عكبري بتصرف بسيط. ﴿بُيُوتًا﴾: مفعول به، وجملة: ﴿تَبَوَّءا..﴾. إلخ تفسير ل: (أوحينا) لا محل لها، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ل (أوحينا)، التقدير: أوحينا إليهما التبوؤ، والأول أقوى وأعرف؛ لأن ﴿أَنْ﴾ مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قالوا...) إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿وَاجْعَلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿بُيُوتَكُمْ﴾: مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قِبْلَةً﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَاجْعَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة أيضا، وكذلك جملة: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة، وتحتمل الاستئناف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1452\"></span>﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا..﴾. إلخ: قال سليمان الجمل رحمه الله تعالى: لما أتى موسى بالمعجزات الباهرات، ورأى القوم يصرون على الكفر والعناد؛ أخذ في الدعاء عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولا سبب إقدام الغير على الجرائم، التي هي سبب في الدعاء عليه، ولما كان سبب كفرهم، وعنادهم هو حب الدنيا وزينتها؛ قدم هذه المقدمة، فقال: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ..﴾. إلخ. انتهى. منقولا من كرخي وغيره. هذا؛ والزينة عبارة عما يتزين به كاللباس، وأثاث البيوت الفاخرة، والأشياء الجميلة، والمال: ما زاد على هذه الأشياء. انتهى. خازن.","vol":"4","page":362},{"text":"وقال ابن عباس﵄-: كان من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها ذهب وفضة، وزبرجد، وياقوت. ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: يقرأ الفعل بضم الياء وفتحها، والمعنى أعطيتهم النعم المذكورة ليشكروها، ويتبعوا دينك، فكان عاقبة أمرهم: أنهم كفروها وضلوا عن سواء السبيل، وقيل: هو دعاء عليهم بالإضلال بما عرف من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غير ما حصل منهم، وقيل: المعنى: ربنا إنك جعلت هذه النعم سببا لضلالهم؛ لأنهم بطروا وطغوا في الأرض، واستكبروا عن الإيمان. ﴿اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾: الطمس: إزالة الشيء بالمحو، والمعنى: أزل صور أموالهم وهيئاتها، قال قتادة: بلغنا أن أموالهم، وحروثهم، وزروعهم، وجواهرهم صارت حجارة، وقيل غير ذلك. ﴿وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: اطبع عليها وقسها حتى لا تلين، ولا تنشرح للإيمان. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾: فلا يحصل منهم إيمان حتى يبصروا بأعينهم العذاب الموجع المؤلم، وهو الغرق، ولكن لم ينفعهم الإيمان شيئا حين شاهدوا العذاب، كما ستعرفه قريبا. هذا؛ وكان موسى يدعو، وأخوه هارون يؤمن على دعائه، عليهما الصلاة والسّلام.\nتنبيه: قد يشكل على القارئ كيف دعا موسى ﵇ على قومه بما رأيت، ووظيفة الرسل استدعاء قومهم إلى الإيمان، وترغيبهم فيه، والجواب: أن موسى ﵇ إنما دعا عليهم بإذن الله، وإعلام منه تعالى: أنه ليس فيهم من يؤمن، ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله، دليله قوله تعالى لنوح ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ وعند ذلك دعا على قومه فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَقالَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، ﴿رَبَّنا﴾: منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّكَ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها. ﴿آتَيْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِرْعَوْنَ﴾: مفعول به أول ﴿وَمَلَأَهُ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿زِينَةً﴾: مفعول به ثان.\n ﴿وَأَمْوالًا﴾: معطوف على ﴿زِينَةً﴾. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿آتَيْتَ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿زِينَةً وَأَمْوالًا﴾. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿آتَيْتَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ مُوسى..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها أيضا. ﴿رَبَّنا﴾: توكيد للسابق. ﴿لِيُضِلُّوا﴾: لقد اختلف في هذه اللام، وأصح ما قيل فيها: إنها لام العاقبة، والصيرورة، وهو قول الخليل وسيبويه، وقيل: هي لام التعليل، وقيل: هي لام أجل، أي: أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك، وعلى هذه الأقوال الثلاثة فالفعل منصوب، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان","vol":"4","page":363},{"text":"بالفعل: ﴿آتَيْتَ،﴾ وقيل: اللام لام الأمر، فهو دعاء عليهم بلفظ الأمر، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال، وليكونوا ضلالا، وإليه ذهب الحسن البصري، وبه قال ابن هشام في «مغني اللبيب»؛ وعليه فالفعل مجزوم لا منصوب، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿عَنْ سَبِيلِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبَّنا﴾: توكيد لما تقدم: ﴿اِطْمِسْ﴾: فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى أَمْوالِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية من مقول موسى أيضا، ﴿وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فلها حكمها محلا وإعرابا. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ فهذا يحتمل النصب والجزم، فالنصب من وجهين:\nأحدهما عطفه على ﴿لِيُضِلُّوا،﴾ والثاني: نصبه على جواب الدعاء في قوله: ﴿اِطْمِسْ﴾ و(لا) نافية على الوجهين، والفاء على الأول: حرف عطف، وعلى الثاني: للسببية، وأما الجزم على أن (لا) ناهية، ومعناها الدعاء، كقولك: لا تعذبني يا رب، وعلامة النصب والجزم حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى النصب يؤول الفعل مع «أن» المضمرة بمصدر معطوف على ما قبله. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَرَوُا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به. ﴿الْأَلِيمَ﴾: صفة العذاب، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُؤْمِنُوا،﴾ التقدير: فلا يؤمنوا إلى رؤية العذاب بأعينهم.\n\n<span id=\"aya-1453\"></span>﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ أي: قال الله تعالى لموسى وهارون: قد استجبت لكما فيما دعوتماني، وهو ما ذكر في الآية السابقة، والخطاب جاء بلفظ المثنى؛ لأن هارون كان يؤمن على دعاء موسى، وقيل: دعا معه بدليل قول موسى ﵇ ﴿رَبَّنا﴾ هذا؛ وقرئ: «(أجبت دعوتكما)» و«(دعواتكما)». ﴿فَاسْتَقِيما﴾: فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله، وتبيين الحجج والبراهين، ولا تستعجلا، فإن ما طلبتما كائن وواقع، ولكن في وقته. روي: أن فرعون مكث في قومه متجبرا متغطرسا بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلك هو وقومه. ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: طريق الجهلة في الاستعمال، أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله، فإنه تعالى منجز وعده لأوليائه، ومحقق وعيده لأعدائه، هذا؛ ويقرأ «(تتبعان)» بتشديد النون وتخفيفها.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى «الله». ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُجِيبَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء حرف لا محل له.\n ﴿دَعْوَتُكُما﴾: نائب فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وعلى قراءة: «(أجبت)» فهو فعل وفاعل، و«(دعوتَكما)» بالنصب مفعول به، وجملة: ﴿قَدْ﴾","vol":"4","page":364},{"text":"أُجِيبَتْ... إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَاسْتَقِيما﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣] (استقيما): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان قد استجيبت دعوتكما فاستقيما، وهذا الكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا﴾: ناهية.\n ﴿تَتَّبِعانِّ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، وألف الاثنين فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وهي في محل نصب مقول القول، وعلى القراءة الثانية ف (لا) نافية، والمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والجملة الفعلية محتملة لوجهين: أحدهما: الاستئناف. والثاني: أنها في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وأنتما لا تتبعان، والجملة الاسمية في هذه في محل نصب حال من ألف الاثنين، والرابط: الواو، والضمير. ﴿سَبِيلَ﴾: مفعول به، و﴿سَبِيلَ﴾:\nمضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1454\"></span>﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي: وقطعنا ببني إسرائيل، وعبرناهم إياه؛ حتى جاوزوه وعبروه. والمراد به البحر الأحمر. وقرئ: «جوزنا». ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾: لحقهم وأدركهم. ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾: باغين، ومعتدين، وقيل: طلبا للاستعلاء بغير حق. ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: ناله ووصله. ﴿قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾: فلم يقبل منه هذا الإيمان؛ لأنه عند معاينة العذاب، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ وقيل: إنه قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما نزل به من البلية الحاضرة، ولم يكن قصده بها الإقرار بوحدانية الله تعالى، والاعتراف له بالربوبية، لا جرم لم ينفعه ما قال في ذلك الوقت. ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادين لما يريده رب موسى.\nتنبيه: قال أهل التفسير: اجتمع يعقوب وبنوه إلى يوسف، وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى من مصر، وهم ستمائة ألف، وكان ذلك في مدة أربعمائة سنة، وذلك: أنه لما أجاب الله دعاء موسى وهارون أمرهما بالخروج ببني إسرائيل من مصر، ويسر لهم أسباب الخروج، وكان فرعون غافلا عنهم، فلما سمع بخروجهم خرج بجنوده في طلبهم، فلما أدركهم، قالوا لموسى: أين المخلص والمخرج، والبحر أمامنا، وفرعون وراءنا، وقد كنا نلقى","vol":"4","page":365},{"text":"من فرعون البلاء العظيم؟ فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وكشف الله عن وجه الأرض، وأيبس لهم البحر، فلحقهم فرعون، وكان على حصان أدهم، وخلفه عسكره، ويقال: إن فرعون هاب دخول البحر، ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل ﵇ على فرس أنثى، وقال له: تقدم، وهو لا يعرفه، ثم نزل في طريق من طرق البحر المفتوحة، فتبعها حصان فرعون، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر، وهمّ أولهم بالخروج، انطبق عليهم البحر، وألجم فرعون الغرق، فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فدس جبريل ﵇ في فمه طين البحر، وروى الترمذي عن ابن عباس﵄أن النبي ﷺ قال: «لمّا أغرق الله فرعون، قال، آمنت أنّه لا إله إلاّ الّذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر، فأدسّه في فيه مخافة أن تدركه الرّحمة». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وسترى في سورة (طه) والشعراء وغيرهما مزيدا من ذلك إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿وَجاوَزْنا﴾: (جاوزنا): فعل وفاعل، وانظر الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﴿بِبَنِي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به أول، و(بني) مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾: مضاف إليه. ﴿الْبَحْرَ﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجاوَزْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به. ﴿فِرْعَوْنُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَجُنُودُهُ﴾: معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿بَغْيًا﴾: مفعول لأجله. ﴿وَعَدْوًا﴾: معطوف على ما قبله، أو هما منصوبان على أنهما مصدران في موضع الحال، التقدير: باغين ومعتدين. ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] ﴿إِذا﴾: انظر الآية رقم [١٢]. ﴿أَدْرَكَهُ﴾: ماض ومفعوله. ﴿الْغَرَقُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ﴾.\n ﴿آمَنْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿إِلهَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره موجود. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر لا محل له. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. وثانيها: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّهُ،﴾ و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء المحذوفة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: آمنت بكونه لا إله... إلخ، هذا؛ وقرئ بكسر همزة: «(إنه)» وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقول المحذوف، ومقوله كلام مستأنف لا محل له، وقيل: إنه","vol":"4","page":366},{"text":"بدل من ﴿آمَنْتُ﴾ على وجه التفسير له. انتهى. بيضاوي بتصرف. وجملة: ﴿آمَنْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وقال الأخفش: ﴿إِذا﴾ متعلقة ب ﴿حَتّى،﴾ وهو غير مسلم له.\n ﴿آمَنْتُ﴾: ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَنُوا﴾:\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنُوا﴾: مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ..﴾.: مضاف إليه مجرور.. إلخ، وجملة:\n ﴿آمَنْتُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَأَنَا﴾: الواو: واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، الجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1455\"></span>﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿آلْآنَ﴾ أي: أتؤمن الآن وتتوب من الكفر؛ وقد أضعت التوبة في وقتها، وآثرت دنياك الفانية، على الآخرة الباقية! والمخاطب لفرعون بهذا الكلام هو جبريل. وقيل: ميكائيل ﵉، وقيل: إن القائل لذلك هو الله تعالى، عرّف فرعون قبح صنعه، وما كان عليه من الفساد في الأرض، والأول أشهر، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة عن جبريل. ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾: عصيت الله، وخالفت أوامره، قبل ذلك طوال حياتك. ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: في الأرض الضالين المضلين الناس عن توحيد الله تعالى، وانظر شرح ﴿آلْآنَ﴾ في الآية [٥١].\nالإعراب: ﴿آلْآنَ﴾: الهمزة حرف استفهام، وتوبيخ، وإنكار. (الآن): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿وَقَدْ﴾: الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَصَيْتَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، انظر الشرح. ﴿قَبْلُ﴾:\nظرف زمان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (تؤمن) المقدر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَكُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكُنْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n<span id=\"aya-1456\"></span>﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾: نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك طافيا على وجه الماء، أو نلقيك على نجوة من الأرض، ليراك بنو إسرائيل، هذا؛ ويقرأ الفعل بتشديد","vol":"4","page":367},{"text":"الجيم وتخفيفها، كما قرئ بالحاء: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ أي: نلقيك بناحية الساحل. ﴿بِبَدَنِكَ﴾: بجسدك الذي لا روح فيه، وقيل: معناه بدرعك، وكانت درعه من لؤلؤ منظوم، وقيل: كانت من الذهب، وكان يعرف بها، والبدن: الدرع القصيرة، قاله أبو عبيدة، وأنشد للأعشى: [المتقارب]\nوبيضاء كالنّهي موضونة... لها قونس فوق جيب البدن\nالبيضاء: الدرع، والنهي بالفتح والكسر: الغدير، وكل موضع يجتمع فيه الماء، والموضونة المنسوجة، والقونس: أعلى بيضة في الحديد، والبدن: الدرع القوية وجيبها تحتها، وقال كعب بن مالك ﵁: [الوافر]\nترى الأبدان فيها مسبغات... على الأبطال، واليلب الحصينا\nأراد بالأبدان: الدروع، واليلب: الترس، وقيل: جلود يخرز بعضها إلى بعض تلبس على الرءوس خاصة، وهو اسم جنس، الواحد: يلبة، ورد هذا التفسير الأخفش. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ أي: لمن بعدك علامة على قدرة الله القاهر الذي أذلك وأخزاك، وعبرة وعظة لبني إسرائيل؛ لأنهم خيل إليهم: أنه لا يهلك لعظمته عندهم وما حصل في قلوبهم من الرعب هيبة منه حتى كذبوا موسى ﵇ حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحا على طريقهم في الساحل، فعرفوه، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتا أبدا، وقيل: المعنى لمن يأتي بعدك من الجبابرة إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدوك عبرة ونكالا، فيعرفون: أن الإنسان مهما بلغ من عظم الشأن، وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظان الألوهية. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون بها، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ غيره به. هذا؛ والقائل هو الله تعالى، وهو يؤيده ما قيل في الآية السابقة. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده.\n ﴿نُنَجِّيكَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِبَدَنِكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: عاريا عن الروح ببدنك فقط، ونحو ذلك، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِتَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنْ﴾: متعلقان بالفعل الناقص، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان صفة له، فما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿خَلْفَكَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿آيَةً﴾: خبر تكون، و«أن» المضمرة والفعل تكون في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيرًا﴾: اسم (إنّ). ﴿مِنَ النّاسِ﴾: متعلقان ب ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿عَنْ آياتِنا﴾: متعلقان بما بعدهما. و(نا): في محل جر بالإضافة.","vol":"4","page":368},{"text":"﴿لَغافِلُونَ﴾: خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية (إن...) إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو فقط، وانظر الشاهد [٨٤٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهو قول امرئ القيس: [الطويل]\nوقد أغتدي والطّير في وكناتها... بمنجرد قيد الأوابد هيكل\n\n<span id=\"aya-1457\"></span>﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا﴾: أنزلنا، وانظر الآية رقم [٨٧] ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: منزلا صالحا، وهو الشام ومصر بعد هلاك فرعون وجنوده، وإنما وصف المكان بالصدق؛ لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا، أضافته إلى الصدق، تقول العرب: هذا رجل صدق وقدم صدق. ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾: من اللذائذ من فواكه وخضار وغير ذلك. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: فما اختلفوا في أمر دينهم، إلا من بعد ما قرءوا التوراة، وعلموا أحكامها، أو: ما اختلفوا في أمر محمد ﷺ إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته، وتظاهر معجزاته، وذلك: أنهم كانوا قبل مبعثه مقرين به، مجمعين على نبوته غير مختلفين فيه، لما يجدونه مكتوبا عندهم، فلما بعثه الله؛ اختلفوا فيه، فآمن به بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، وكفر به أكثرهم بغيا، وحسدا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ: أي: يحكم ويفصل بينهم، فيثيب الطائع، ويعاقب العاصي، فيدخل من آمن بمحمد ﷺ الجنة، ويدخل من كفر به، وجحد نبوته النار.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم بالله. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. قد:\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَوَّأْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿بَنِي﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾: مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿مُبَوَّأَ﴾: يحتمل أن يكون مصدرا ميميّا، وأن يكون اسم مكان؛ فعلى الأول هو مفعول مطلق، وعلى الثاني هو مفعول ثان للفعل: ﴿بَوَّأْنا،﴾ و﴿مُبَوَّأَ﴾:\nمضاف، و﴿صِدْقٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَرَزَقْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الثاني.\n ﴿فَمَا﴾: الفاء: حرف استئناف. ما: نافية. ﴿اِخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿حَتّى﴾:\nحرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة. ﴿جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: ماض، ومفعوله، وفاعله، و«أن» المضمرة","vol":"4","page":369},{"text":"والفعل جاء في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ﴾: اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَقْضِي﴾:\nمضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ﴾: مضاف، ﴿الْقِيامَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿فِيما﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَقْضِي﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب (في). ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان.\n\n<span id=\"aya-1458\"></span>﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ أي: من آيات القرآن المشتملة على القصص والأحكام والمواعظ وذلك على سبيل الفرض والتقدير؛ إذ محال أن يشك النبي ﷺ بنبوته، أو فيما أوحي إليه.\nوقال القرطبي: الخطاب للنبي ﷺ، والمراد غيره، أي: لست في شك، ولكن غيرك في شك، قال أبو عمر محمد بن عبد الله الزاهد: سمعت الإمامين ثعلبا والمبرد يقولان: معنى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ أي: قل: يا محمد للكافر. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ،﴾ وإني أعتمد الأول، وهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ هو على سبيل الفرض والتقدير أيضا، ومعاذ الله أن يشرك النبي المعظم ﷺ. ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي:\nفاسأل علماء اليهود والنصارى، الذين آمنوا بك وبرسالتك، فإن ما أنزل إليك محقق عندهم، ثابت في كتبهم، على نحو ما أنزل إليك، فقال النبي ﷺ: «لا أشكّ ولا أسأل». ﴿لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: إن ما نزل إليك إنما هو الحق الثابت الذي لا شك فيه. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين فيما أنزل إليك من ربك، فاثبت على ما أنت عليه.\nهذا؛ والشك في اللغة خلاف اليقين، والشك: اعتدال النقيضين عند الإنسان، لوجود أمارتين، أو لعدم الأمارة، والشك ضرب من الجهل.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي شَكٍّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر كان. ﴿مِمّا﴾: متعلقان ب ﴿شَكٍّ؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، و(ما): تحتمل","vol":"4","page":370},{"text":"الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء أنزلناه إليك. وجملة:\n ﴿كُنْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَسْئَلِ﴾:\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (اسأل): أمر، وفاعله: (أنت). ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، وجملة:\n ﴿يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في ﴿الَّذِينَ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:\n ﴿فَسْئَلِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَقَدْ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكَ الْحَقُّ﴾: ماض ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ﴾ والقسم المقدر وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلا﴾: الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَكُونَنَّ﴾: مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم ب (لا) الناهية، ونون التوكيد حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿مِنَ المُمْتَرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونَنَّ،﴾ وجملة: ﴿فَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا فلا تكونن\nإلخ، وهذا الشرط المقدر، ومدخوله كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1459\"></span>﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥)﴾\nالشرح: يقال في هذه الآية ما قيل في الآية السابقة من الفرض والتقدير، وما قاله القرطبي أيضا. وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: واعلم أن هذا كله على ما تقدم من أن ظاهره خطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره ممن عنده شك، وارتياب، فإن النبي ﷺ لم يشك، ولم يرتب، ولم يكذب بآيات الله، فثبت بهذا أن المراد به غيره، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. انتهى. وقال الزمخشري في الكشاف: ويجوز أن يكون هذا على طريق التهييج، والإلهاب، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [٨٦ و٨٧] من سورة (القصص).\nالإعراب: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ﴾: إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿فَتَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة بعد فاء السببية، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر تكون، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و«أن» المضمرة","vol":"4","page":371},{"text":"والفعل تكون في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير:\nلا يكن منك تكذيب بآيات الله فخسران في الدنيا والآخرة. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1462\"></span>﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها﴾ أي: هلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها على ممر العصور تابت عن الكفر، وأخلصت الإيمان قبل معاينة العذاب، ولم تؤخر","vol":"4","page":372},{"text":"توبتها كما أخر فرعون إيمانه وتوبته إلى أن حل به العذاب، فلم ينفعه إيمانه، وأداة التحضيض معناها النفي، أي: لم يقع ذلك في غابر الزمن. ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ أي: فهؤلاء نفعهم الإيمان عند مشاهدة العذاب، وهو ما أفاده قوله تعالى: ﴿لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا..﴾. إلخ، فهم مستثنون من حكم عام، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿الْخِزْيِ﴾: أي: المذل المخزي. ﴿وَمَتَّعْناهُمْ﴾: تركناهم يتمتعون في هذه الدنيا ويتلذذون فيها إلى انقضاء آجالهم التي قدرها لهم العزيز الحكيم.\nتنبيه: ذكر يونس ﵇ باسمه في القرآن الكريم أربع مرات في سورة (النساء) الآية [١٦٣] والأنعام الآية رقم [٨٦] وما نحن بصدد شرحها، وفي سورة (الصافات) الآية رقم [١٣٩] وما بعدها، وذكر بوصفه في سورة (الأنبياء) في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا..﴾. إلخ الآية رقم [٨٧] وذكر بوصفه أيضا في سورة (القلم)، في قوله تعالى لرسول الله ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ولم يعلم من نسبه في كتب التفسير والحديث إلا أنه (يونس بن متى) ويقول أهل الكتاب: إنه يونان بن أمتاي، والظاهر من أمره: أنه من بني إسرائيل، ويوجد ببلد اسمه: حلحول، وبقرب مدينة الخليل بفلسطين قبر يقال: إنه قبر يونس، وبمكان غير بعيد عنه قبر آخر، يقال: إنه قبر متى. انتهى. من قصص الأنبياء للمرحوم عبد الوهاب النجار، وسترى مزيدا لذلك في سورة (الأنبياء) والصافات إن شاء الله تعالى. هذا؛ ونون يونس فيها ثلاث لغات، وانظر ما ذكرته مزيدا على ذلك في الآية [٤] من سورة (يوسف).\nأما قصة يونس مع قومه، فأسردها لك على ما ذكره عبد الله بن مسعود، وسعيد بن جبير، ووهب وغيرهم﵃ أجمعين-، قالوا: إن قوم يونس﵇كانوا بقرية نينوى من أرض الموصل، وكانوا أهل كفر وشرك، فأرسل الله ﷾ إليهم يونس -﵇يدعوهم إلى الإيمان بالله، وترك عبادة الأصنام، فدعاهم، فأبوا عليه، قيل له:\nأخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا قط، فانظروا فإن بات فيكم الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا: أن العذاب مصبحكم، فلما كان جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب، فكان فوق رءوسهم، قال ابن عباس﵄-: إن العذاب كان قد أهبط على قوم يونس﵇حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلمّا دعوا؛ كشف الله عنهم ذلك، وقال مقاتل: قدر ميل.\nوقال سعيد بن جبير: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب القبر، وقال وهب: غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى غشي مدينتهم، واسودت أسطحتهم،","vol":"4","page":373},{"text":"فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا نبيهم يونس﵇فلم يجدوه، فقذف الله ﷾ في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم، ونسائهم، وصبيانهم، ودوابهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا التوحيد، والتوبة، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدواب، فحن البعض إلى البعض، فحن الأولاد إلى الأمهات، والأمهات إلى الأولاد، وعلت الأصوات وعجّوا إلى الله، وتضرّعوا إليه، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، وتابوا إلى الله، وأخلصوا النية، فرحمهم ربهم، فاستجاب دعاءهم، وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب، بعد ما أظلهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، وكان يوم الجمعة.\nقال ابن مسعود ﵁: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم؛ حتى إن كان الرجل ليأتي إلى الحجر، وقد وضع أساس بنيانه عليه، فيقلعه، فيرده إلى صاحبه.\nوروى الطبراني بسنده عن أبي الجلد جيلان، قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا له: إنه قد نزل بنا العذاب، فما ترى؟! قال: قولوا: يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت! فقالوها، فكشف الله عنهم العذاب، ومتّعوا إلى حين.\nوقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت، وجلّت، وأنت أعظم وأجل، فافعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله، قال: وخرج يونس﵇ينتظر العذاب، فلم ير شيئا، فقيل له: ارجع إلى قومك، قال: وكيف أرجع إلى قومي، فيجدوني كذابا، وكان من كذب ولا بينة له قتل، فانصرف عنهم مغاضبا، فالتقمه الحوت، وستأتي القصة في سورة (الأنبياء)، و(الصافات) إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿فَلَوْلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض معناه هنا التوبيخ والتنديم، والنفي. ﴿كانَتْ﴾: ماض تام، والتاء للتأنيث. ﴿قَرْيَةٌ﴾: فاعله. ﴿آمَنَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى قرية، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿قَرْيَةٌ﴾.\n ﴿فَنَفَعَها إِيمانُها﴾: ماض ومفعوله وفاعله، و(ها): في محل جر بالإضافة، الجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل صفة مثلها. ﴿إِلاّ﴾: أداء استثناء. ﴿قَوْمَ﴾: منصوب على الاستثناء المنقطع من قرية، وقيل: على الاستثناء المتصل على تقدير الكلام: فلولا كان أهل القرية آمنوا.. إلخ، وقال الزمخشري: وقرئ بالرفع على البدل. هكذا روى عن الجرمي، والكسائي، قال القرطبي: ومن أحسن ما قيل في الرفع، ما قاله أبو إسحاق الزجاج، قال:\nيكون المعنى غير قوم يونس، فلما جاء ب ﴿إِلاّ﴾ أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب (غير)، كما قال حضرمي بن عامر الأسدي: [الوافر]\nوكلّ أخ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان","vol":"4","page":374},{"text":"وعليه يكون الإعراب كما يلي: ﴿إِلاّ﴾: اسم بمعنى (غير) صفة ل ﴿قَرْيَةٌ﴾ ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، وهو مضاف، و﴿قَوْمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ﴿إِلاّ﴾ التي هي على صورة الحرف، وانظر الشاهد رقم [١١٣] و[١١٤] و[١١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، و﴿قَوْمَ﴾: مضاف، و﴿يُونُسَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿لَمّا﴾: انظر الآية رقم [١٢]. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار: ﴿لَمّا﴾ حرفا، وفي محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿كَشَفْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، و﴿عَذابَ﴾: مضاف، و﴿الْخِزْيِ﴾: مضاف إليه. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلقان ب (عذاب)؛ لأنه مصدر، أو اسم مصدر. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة الحياة، وقيل: مضاف إليه، وهو ضعيف وجملة: ﴿كَشَفْنا..﴾. إلخ جواب ﴿لَمّا﴾ لا محل لها، و﴿لَمّا﴾ ومدخولها في محل نصب حال من ﴿قَوْمَ يُونُسَ،﴾ والرابط: الضمير وهو أولى وأقوى من الاستئناف. ﴿وَمَتَّعْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب لما لا محل لها مثله. ﴿إِلى حِينٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n\n<span id=\"aya-1463\"></span>﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾\nالشرح: المعنى: يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ يا محمد. ﴿لَآمَنَ﴾ بك، وصدقك. ﴿مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ولكنه لم يشأ أن يصدقك، ويؤمن بك إلا من سبقت له السعادة في الأزل، وشاء الكفر ممن علم أنه يختار الكفر لو ترك وشأنه، وقد كان النبي ﷺ يحرص أن يؤمن به جميع الناس، ويتابعوه على الهدى. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ..﴾. إلخ:\nأي: ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم عليه، أو تحرص عليه، إنما إيمان المؤمن، وإضلال الكافر، بمشيئة الله، وقضائه وقدره.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ﴾:\nماض. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَآمَنَ﴾: اللام: واقعة في جواب (لو). (آمن): ماض. ﴿لَآمَنَ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿كُلُّهُمْ﴾: توكيد ل ﴿لَآمَنَ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿لَآمَنَ﴾ مفيدة للتوكيد، فهي توكيد بعد توكيد، وجملة: ﴿لَآمَنَ..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها،","vol":"4","page":375},{"text":"ولو ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف على محذوف، أو هي حرف استئناف. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تُكْرِهُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿النّاسَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ وأجاز السمين اعتبار الضمير فاعلا بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وعليه فالجملة الفعلية مفسرة لا محل لها، وعلى الوجهين فالجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة محذوفة. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة، وهي بمعنى لام التعليل. ﴿يَكُونُوا﴾: مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر يكونوا منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و«أن» المضمرة والفعل ﴿يَكُونُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تُكْرِهُ﴾.\n\n<span id=\"aya-1464\"></span>﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: وما كان ينبغي لنفس خلقها الله تعالى أن تؤمن، وتصدق إلا بقضاء الله لها بالإيمان، فإن هدايتها إلى الله، وهو الهادي المضل، ومعنى بإذن الله: بإرادته، وتوفيقه، وهدايته، ومشيئته. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾: السخط، والعذاب، والانتقام، وقرئ: «(نجعل)» بالنون. ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾: لا يفهمون أمر الله فيما أمر، ونهيه فيما نهى عنه، أو المعنى: لا يتدبرون ما صنع الله في هذا الكون من آيات تدل على قدرته تعالى، ولا يستعملون عقولهم بالنظر في البراهين، والحجج التي نزل بها القرآن الكريم، ودعاهم إلى النظر فيها، وقرئ: «(الرّجز)» بالزاي.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص.\n ﴿لِنَفْسٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُؤْمِنَ﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بِإِذْنِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تُؤْمِنَ﴾ المستتر، التقدير: أن تؤمن إلا مأذونا لها، هذا؛ وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وعليه يكون ﴿لِنَفْسٍ﴾ متعلقين ب ﴿كانَ،﴾ و(إذن) مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَجْعَلُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الرِّجْسَ﴾: مفعول به. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة:","vol":"4","page":376},{"text":"﴿وَيَجْعَلُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فيأذن لبعضهم في الإيمان، ويجعل\nوالمضارع في المعطوف والمعطوف عليه بمعنى الماضي، والكلام كله مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1465\"></span>﴿قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿قُلِ﴾: خطاب للنبي ﷺ. ﴿اُنْظُرُوا ماذا..﴾. إلخ: هذا أمر لكفار مكة؛ لينظروا نظر اعتبار وتدبر وتفكر في الذي خلقه الله في السموات والأرض من آيات تدل على قدرة الصانع الحكيم، من شمس وقمر، وجبال وأشجار، وأنهار وبحار، فكل ذلك آيات دالة على وحدانيته تعالى، كما قال الشاعر: [المتقارب]\nوفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد\n ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ..﴾. إلخ: أي: لا تنفع الآيات، ولا تجدي الرسل قوما سبق في علم الله الأزلي: أنهم لا يؤمنون بالله، حيث قدر الله عليهم الشقاء الأبدي في نار الجحيم، ولو تركهم وشأنهم؛ لما اختاروا غير الكفر المؤدي إلى النار، وبئس القرار.\nالإعراب: ﴿قُلِ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اُنْظُرُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ماذا﴾: ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿ماذا..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل ﴿اُنْظُرُوا﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، هذا؛ وقيل:\nإن ﴿ماذا﴾ كله اسم مركب، وهو موصول في محل نصب مفعول به، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صلته، والأول أقوى؛ لأن اسم الاستفهام له الصدارة، فلا يعمل فيه ما قبله بمفرده، وجملة: ﴿اُنْظُرُوا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\nالواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿تُغْنِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْآياتُ﴾: فاعله. ﴿وَالنُّذُرُ﴾: معطوف على ﴿الْآياتُ﴾. ﴿عَنْ قَوْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ المنفية في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَما تُغْنِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط، وانظر الآية رقم [٩٢] أو هي معترضة في آخر الكلام لا محل لها، هذا؛ وجوز اعتبار (ما) اسم استفهام مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، والأول أقوى. تأمل، وتدبر.","vol":"4","page":377},{"text":"<span id=\"aya-1466\"></span>﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ما ينتظر أهل مكة إلا مثل ما فعل الله بالأمم السابقة قبلهم من العذاب، والانتقام، والمراد بأيام الذين خلوا من قبلهم:\nوقائع الله في قوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم؛ إذ العرب تسمي العذاب: أياما، والنعم:\nأياما، كقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ ففيه تهديد، ووعيد لهم؛ إذا لم يؤمنوا. ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي..﴾. إلخ: أي: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين: ترقبوا هلاكي، أو ترقبوا نزول العذاب بكم.\n ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: إني أترقب هلاككم، ونزول العذاب بكم، ثم بين جلت قدرته وتعالت حكمته أنه إذا نزل بهم العذاب أنجى الله رسوله والمؤمنين معه من ذلك العذاب، وانظر الآية رقم [٢٠] وانظر شرح (اليوم) في الآية رقم [٣] من سورة (هود).\nالإعراب: ﴿فَهَلْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام معناه النفي.\n ﴿يَنْتَظِرُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مِثْلَ﴾: مفعول به، و﴿مِثْلَ﴾: مضاف، و﴿أَيّامِ﴾: مضاف إليه، و﴿أَيّامِ﴾: مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿خَلَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها إعرابا، ومرتبطة بما قبلها معنى. ﴿قُلْ﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات ومحلها في الآية رقم [٢٠] وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-1467\"></span>﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بعد إهلاك الأمم المكذبة لرسلها ننجي الرسل، وأتباعهم المؤمنين، وتلك من سنتنا إذا أنزلنا بقوم عذابا أنجينا الرسل والمؤمنين، والكلام على حكاية الحال الماضية. ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: كما أنجينا رسلنا السابقين وأتباعهم ننجيك يا محمد، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ﴾ وصدقوك من الهلاك والعذاب، هذا؛ وقرئ: «(ننجي)» الأول بالتشديد، وأما الثاني فيقرأ بالتشديد والتخفيف.","vol":"4","page":378},{"text":"تنبيه: قال بعض المتكلمين: المراد بقوله ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ الوجوب؛ لأن تخليص الرسول والمؤمنين من العذاب واجب، وأجيب عن هذا بأنه حق واجب من حيث الوعد والحكم؛ لا لأنه واجب بسبب الاستحقاق؛ لأنه قد ثبت: أن العبد لا يستحق على خالقه شيئا. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿نُنَجِّي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿رُسُلَنا﴾: مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول معطوف على ﴿رُسُلَنا﴾ فهو مبني على الفتح في محل نصب، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف لا محل لها صلة الموصول. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: ننجي المؤمنين إنجاء كائنا مثل ذلك الإنجاء؛ الذي نجينا الرسل، ومن آمن معهم، هذا؛ وقيل:\nالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر، أو الحال كذلك أفاده ابن عطية وأبو البقاء، والأول أولى وأقوى. ﴿حَقًّا﴾: فيه أوجه: أحدها: أن يكون منصوبا بفعل مقدر، أي: حق ذلك حقا. والثاني: أن يكون بدلا من المحذوف النائب عنه الكاف، تقديره: الحاصل ذلك حقا. والثالث أن يكون ﴿كَذلِكَ﴾ و﴿حَقًّا﴾ منصوبين ب ﴿نُنْجِ﴾ الذي بعدهما. والرابع: أن يكون ﴿كَذلِكَ﴾ منصوبا ب ﴿نُنَجِّي﴾ الأول، و﴿حَقًّا﴾ ب (ننج) الثاني، وقال الزمخشري: مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم، ونهلك المشركين، و﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ اعتراض، يعني: وحق ذلك علينا حقا. انتهى. جمل. ﴿عَلَيْنا﴾: متعلقان ب ﴿حَقًّا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وإعراب: ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا خفاء فيه، والجملة الفعلية مع متعلقاتها مستأنفة لا محل لها، والوقف على «آمنوا» جيد.\n\n<span id=\"aya-1468\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: المراد بالناس: أهل مكة، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم، فشكوا في أمرك، ولم يصدقوك. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ أي: الذي أدعوكم إليه، وهو التوحيد وعبادة الله، ونبذ عبادة الأصنام، فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه؛ لأنه دين إبراهيم ﵇، وأنتم من ذريته. ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: إن أصررتم على ما أنتم عليه من الكفر؛ فأنا بريء منكم، ومن معبوداتكم التي تعبدونها من دون الله.\n ﴿وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾: فهذا خلاصة ديني اعتقادا، وعملا، فأعرضوها على العقل السليم، وانظروا فيها بعين الإنصاف والحق؛ لتعلموا صحتها. وإنما ذكر (التوفي) للتهديد","vol":"4","page":379},{"text":"والوعيد، وهو يتضمن أيضا الخلق والإيجاد، والموت والإفناء، ثم الإحياء بعد الموت للحساب، وما يتبعه. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المصدقين، بما دل عليه العقل ونطق به الوحي، وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [٧٢].\n ﴿وَأُمِرْتُ﴾: هذا الفعل يتعدى لمفعولين، تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: (استغفر)، و(اختار)، و(كنى)، و(سمّى)، و(دعا)، و(صدق)، و(زوج)، و(كال)، و(وزن)، وانظر (استغفر) في الآية رقم [٨٠] من سورة (التوبة). وقد تحذف الهمزة من أوله في الأمر، انظر الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف). ﴿دِينِي﴾: الدين: اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، والدين أيضا: الملة والشريعة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ والدين الحساب والجزاء، ومنه: يوم الدين، أي: يوم الحساب والجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى، وعن ابن عباس﵄-، قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ألا له الخلق والأمر، هذا؛ والدين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين، هذا؛ والدينونة القضاء والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿النّاسُ﴾: بدل من (أي)، أو عطف بيان عليها، وقيل: صفة لها، وهو منصوب محلا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وانظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف) إن أردت الزيادة، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي شَكٍّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر كان. ﴿مِنْ دِينِي﴾: متعلقان ب ﴿شَكٍّ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿أَعْبُدُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول،","vol":"4","page":380},{"text":"و﴿تَعْبُدُونَ﴾: مضاف، و﴿اللهِ..﴾.: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَلا أَعْبُدُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف.\n (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿أَعْبُدُ اللهَ﴾: مضارع، وفاعله مستتر ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب الشرط، فهي في محل جزم مثله. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٧٢] فهي مثلها بلا فارق، إفرادا وجملا.\n\n<span id=\"aya-1469\"></span>﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ أي: وأمرت بالاستقامة في الدين، والاشتداد فيه بامتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: قل في تفسير هذه الجملة مثل ما في الآية رقم [٩٥/ ٩٤].\nالإعراب: ﴿وَأَنْ﴾: (أن): حرف مصدري، ويؤول مع فعل الأمر: ﴿أَقِمْ﴾ بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجار والمجرور معطوفان على المصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَكُونَ..﴾. إلخ في الآية السابقة، والمجرور محلا بحرف جر محذوف على أحد الاعتبارين فيهما، ولا يضر اختلاف الفعلين بالمضارعية، والأمرية؛ لاستيفاء الغرض بالفعلين المسبوقين مع (أن). ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِلدِّينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَنِيفًا﴾: حال من الدين، أو من الفاعل، أو من المفعول ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٩٥] وهذه الجملة معطوفة على جملة:\n ﴿أَقِمْ..﴾. إلخ فهي خاضعة لتأويلها مع (أن) بمصدر مثلها.\nهذا؛ وقد قدر الجلال الكلام «وقيل لي: أن أقم...» إلخ وهذا يعني: أنه في محل نصب مقول القول لقول محذوف، لا أنه معطوف على الكلام السابق، وفي السمين ما نصه:\nقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ يجوز أن يكون على إضمار فعل، أي: وأوحي إلي أن أقم، ثم لك في (أن) وجهان: أحدهما: أن تكون تفسيرية لتلك الجملة المقدرة، وفيه نظر؛ إذ المفسر لا يجوز حذفه، والثاني: أن تكون مصدرية، فتكون هي وما في حيزها في محل رفع بذلك الفعل المقدر. انتهى. جمل.","vol":"4","page":381},{"text":"<span id=\"aya-1470\"></span>﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظّالِمِينَ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾: ولا تعبد من دون الله شيئا. ﴿ما لا يَنْفَعُكَ﴾: إن عبدته ودعوته. ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ إن عصيته، وتركت عبادته. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ أي: ما نهيتك عنه، فعبدت غيري، أو طلبت النفع، ودفع الضر من غيري. ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: لنفسك؛ لأنك وضعت العبادة في غير موضعها، انظر: البغي في الآية رقم [٢٣] وقل في هذه الآية ما رأيته في الآية رقم [٩٥/ ٩٤] من الفرض، والتقدير.\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَدْعُ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿دُونِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُكَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَلا تَدْعُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَقِمْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. ﴿فَعَلْتَ﴾: إعرابه مثل كنتم في الآية السابقة إفرادا وجملة. ﴿فَإِنَّكَ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها: ﴿إِذًا﴾: حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n<span id=\"aya-1471\"></span>﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿يَمْسَسْكَ﴾: يصبك، وانظر (لمس) و(مس) في الآية رقم [٧] من سورة (الأنعام). ﴿بِضُرٍّ﴾: مرض وفقر ونحوهما. ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾: فلا يقدر على كشفه إلا الله تعالى. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾: صحة، وغنى، ونحوهما. ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: فلا مانع، ولا دافع لما يريده من الخير لك، ولغيرك. ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالخير، وبالضر أيضا، وأفرد الضمير اكتفاء برجوعه إلى الخير، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٣] من سورة (التوبة) ﴿يَشاءُ﴾: إصابته بالخير، أو بالشر. ﴿الْغَفُورُ﴾: لذنوب عباده وخطاياهم، فهو صيغة مبالغة. ﴿الرَّحِيمُ﴾: بأوليائه في الدنيا والآخرة، فتعرضوا لرحمته وفضله بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية، وانظر إعلال: ﴿يُصِيبُ﴾ في الآية رقم [٥١] من سورة (التوبة).","vol":"4","page":382},{"text":"تنبيه: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ولعله ذكر الإرادة مع الخير، والمس مع الضر مع تلازم الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير، لا استحقاق لهم عليه، ولم يستثن؛ لأن مراد الله لا يمكن رده. انتهى. وقوله: لم يستثن، أي: مع الإرادة كما استثنى مع المس؛ لأن إرادة الله قديمة، بخلاف مس الضر، فإنه صفة فعل.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَمْسَسْكَ﴾: فعل مضارع فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ﴾: فاعله. ﴿بِضُرٍّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿يَمْسَسْكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس، تعمل عمل إن.\n ﴿كاشِفَ﴾: اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿اللهُ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا). ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿هُوَ﴾: انظر مثله في الآية رقم [٩٠] والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.\nوإعراب: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿يُصِيبُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: يشاء إصابته.\n ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و(من) بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُصِيبُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة؛ فلست مفندا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تحتمل الحالية من فاعل: ﴿يُصِيبُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وتحتمل الاستئناف، والاعتراض في آخر الكلام لا محل لها على الوجهين الأخيرين.\n\n<span id=\"aya-1472\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [١٠٤]. ﴿قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ﴾: المراد به: النبي محمد ﷺ، أو الإسلام، أو القرآن. ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ أي: صدق محمد ﷺ، واهتدى بهديه، وسار على نهجه. ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: لخلاص نفسه من العذاب الأبدي. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾: أعرض عن الحق المذكور، واتبع الأصنام والأوثان. ﴿فَإِنَّما﴾","vol":"4","page":383},{"text":"يَضِلُّ عَلَيْها أي: فإن وبال ضلاله يرجع على نفسه بالوبال، والخزي، والنكال. ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ أحفظ أعمالكم، وليس أمركم موكولا إلي، وإنما أنا رسول بشير ونذير، وانظر مثلها في سورة (هود) رقم [٨٥].\nقال ابن عباس﵄-: هذه الآية منسوخة بآية السيف.\nالإعراب: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾: انظر الآية رقم [١٠٤]. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمُ الْحَقُّ﴾: ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الناس، والعامل: (يا) لما فيها من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَمَنِ﴾:\nالفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿اِهْتَدى﴾: ماض مبني على الفتح المقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿فَإِنَّما﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. إنما: كافة ومكفوفة. ﴿يَهْتَدِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: (إنما...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، وجملة: ﴿اِهْتَدى﴾ صلته، وجملة: (إنما...) إلخ خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنِ اهْتَدى..﴾. إلخ على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ إعرابها مثل إعراب ما قبلها وهي معطوفة عليها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس.\n ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم: (ما). ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿بِوَكِيلٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (وكيل): خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:\n ﴿وَما أَنَا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره، والأول أقوى.\n\n<span id=\"aya-1473\"></span>﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ أي: اتبع يا محمد ما يأتيك من تعاليم بواسطة جبريل ﵇. ﴿وَاصْبِرْ﴾ أي: على أذى قومك، وتحمل أذيتهم. ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ أي: بالنصر","vol":"4","page":384},{"text":"عليهم، وإظهار دينك. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾: لأنه جلت حكمته، وعلت كلمته لا يحكم إلا بالحق، ولا يمكن الخطأ في حكمه لاطلاعه على السرائر اطلاعه على الظواهر.\nتنبيه: قيل: الآية منسوخة بآية القتال، وقيل: ليست منسوخة، ومعنى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ أي: على الطاعة، وعن المعصية، وقال ابن عباس﵁-: لما نزلت الآية جمع النبي ﷺ الأنصار، ولم يجمع معهم غيرهم، فقال: «إنّكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض». وعن أنس بن مالك﵁بمثل ذلك، ثم قال أنس: فلم يصبروا، فأمرهم بالصبر، كما أمره الله تعالى، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن حسان﵄-: [الوافر]\nألا أبلغ معاوية بن حرب... أمير المؤمنين نثا كلامي\nبأنّا صابرون ومنظروكم... إلى يوم التّغابن والخصام\nالإعراب: ﴿وَاتَّبِعْ﴾: (اتبع): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره:\n «هو» يعود إلى ﴿ما﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها، وجملة (اتبع...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: (اصبر) مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بعدها: «أن» مضمرة، وهي بمعنى: إلى أن. ﴿يَحْكُمَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» المضمرة. ﴿اللهُ﴾: فاعله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (اصبر)، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير.\nانتهت سورة (يونس) بعون الله وتوفيقه.\nوالله أعلم بمراده وأسرار كتابه.","vol":"4","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1475>سورة هود</span>\nعلى نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام\nهي مكية في قول ابن عباس﵄-، وبه قال الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وابن زيد، وقتادة﵃ أجمعين-إلا آية رقم [١١٥] وهي قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ..﴾. إلخ وقيل غير ذلك.\nوهي مائة وثلاث وعشرون آية، وألف وستمائة كلمة، وتسعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفا. وعن ابن عباس قال: قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله قد شبت، قال: «شيّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون؟ وإذا الشّمس كوّرت». أخرجه الترمذي، وقال:\n «حديث حسن غريب» وفي رواية غيره: قال: قلت: يا رسول الله عجّل إليك الشّيب، قال:\n «شيّبتني هود، وأخواتها: الحاقّة، والواقعة وعمّ يتساءلون؟ وهل أتاك حديث الغاشية».\nقال بعض العلماء: سبب شيبه ﷺ من هذه السور المذكورة في الحديث؛ لما فيها من ذكر القيامة والبعث، والحساب، والجنة والنار، والله أعلم بمراد رسول الله ﷺ انتهى. خازن. وانظر شرح الاستعاذة والبسملة، وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nتنبيه: قال أبو جعفر النحاس: يقال: هذه هود بغير تنوين على أنه اسم للسورة؛ لأنك لو سميت امرأة بزيد لم تصرف، وهذا قول الخليل وسيبويه، وعيسى بن عمر يقول: هذه هود بالتنوين على أنه اسم للسورة، وكذا إن سمي امرأة بزيد؛ لأنه لما سكن وسطه خفف فصرف، فإن أردت الحذف، أي: حذف لفظ السورة صرفت على قول الجميع، فقلت: هذه هود، وأنت تريد سورة (هود)، قال سيبويه-رحمه الله تعالى-والدليل على هذا أنك تقول: هذه الرحمن، فلولا أنك تريد هذه سورة الرحمن، ما قلت: هذه، يعني تأنيث اسم الإشارة. انتهى. قرطبي بتصرف.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-1474\"></span>﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾\nالشرح: ﴿الر﴾: انظر شرح هذه اللفظ في أول سورة (يونس). ﴿كِتابٌ﴾: المراد به القرآن الكريم. ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾: نظمت نظما محكما لا يعتريه اختلال من جهة اللفظ والمعنى. أو","vol":"4","page":386},{"text":"منعت من الفساد، والنسخ لم ينسخها كتاب، كما نسخت هي الكتب، والشرائع القديمة، أو أحكمت بالحجج، والدلائل. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: بالفرائد من العقائد، والأحكام، والمواعظ والإخبار عن المغيبات، والقصص. ﴿مِنْ لَدُنْ﴾: من عند. ﴿حَكِيمٍ﴾ أي: محكم للأمور.\n ﴿خَبِيرٍ﴾: بكل كائن، وغير كائن.\nتنبيه: فقد عم سبحانه الآيات هنا بالإحكام، وخص بعضها في قوله ﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ الآية رقم [٧] من سورة (آل عمران)، والمراد هنا: الإحكام العام بحيث لا يتطرق إلى آياته التناقض والفساد، والمراد بالخاص: أن بعض آياته منسوخة بآيات منه أيضا لم ينسخها غيره، وذكر سبحانه في الآية رقم [٧] -من سورة (آل عمران) -أن منه آيات متشابهات، والمراد بها الحروف المقطعة في أوائل السور، ومنه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥)﴾ و﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ،﴾ وغير ذلك، وانظر ما ذكرته في الآية المذكورة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ و(كتاب) في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض ويجمعه ويرتبه، وفي الاصطلاح:\nاسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب وفصول، ومسائل غالبا، والآيات جمع: آية، وهي تطلق على معان كثيرة الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ،﴾ وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى.\n ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في «مغني اللبيب» وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (رب) و(لا) العاملة عمل ليس، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح، هذا؛ و(ثمّ) هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.\nمن لدن: بمعنى من عند، وفيها إحدى عشرة لغة. أفصحها إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها معناها: أول غاية زمان أو مكان، وقلما يفارقها (من) الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة تمحضت للزمان؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا (حيث)، ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لما لم يتمحض (لدن) في الأصل للزمان، وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنه لا يقال: لده ولا لدك.\nالإعراب: ﴿الر﴾: انظر إعراب هذا اللفظ في الآية رقم [١] -من سورة (يونس) - ﴿كِتابٌ﴾:\nخبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذا كتاب، أو هو خبر المبتدأ: ﴿الر﴾ على بعض الوجوه","vol":"4","page":387},{"text":"المعتبرة فيه هناك. ﴿أُحْكِمَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿آياتُهُ﴾: نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿كِتابٌ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿فُصِّلَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى آياته، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿مِنْ﴾: حرف جر. ﴿لَدُنْ﴾: اسم مبني على السكون في محل جر ب ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿كِتابٌ،﴾ أو بمحذوف خبر ثان للمبتدإ المحذوف، أو هما متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع. انتهى. جمل. نقلا عن السمين.\n-أقول: ويجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من كتاب بعد وصفه بما تقدم، أو بمحذوف حال من نائب فاعل أحد الفعلين السابقين، و﴿لَدُنْ﴾: مضاف، و﴿حَكِيمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿خَبِيرٍ﴾: بدل من ﴿حَكِيمٍ،﴾ ولا يجوز اعتباره صفة له؛ لأنه اسم من أسماء الله الحسنى.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1475\"></span>﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾\nالشرح: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ أي: أحكمت آيات القرآن، وفصلت؛ لتعبدوا الله، ولا تضلوا بعبادة غيره. ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: إنني لكم مرسل من الله. ﴿نَذِيرٌ﴾:\nأنذركم وأخوفكم عقاب الله إن ثبتم على الكفر، ولم ترجعوا عنه. ﴿وَبَشِيرٌ﴾: أبشركم بالثواب الجزيل والخير العميم؛ إن أطعتم الله، وامتثلتم أوامره، واهتديتم بهدي رسوله، وأخذتم بتعاليم كتابه. هذا؛ وانظر العبادة في الآية رقم [١١٣] -من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿أَلاّ﴾: (أن): حرف مصدري ونصب واستقبال. (لا): نافية. ﴿تَعْبُدُوا﴾: مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَلاّ﴾: حرف حصر. ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، و(أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، قال الكسائي والفراء: بأن (لا...) إلخ، أي: بعدم، وقال الزجاج: التقدير: لئلا.. إلخ، والجار والمجرور على الاعتبارين متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع، هذا؛ وجوز اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و(لا) ناهية جازمة للفعل بعدها، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، وتؤول مع اسمها المحذوف وخبرها المذكور بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف على نحو ما رأيت آنفا، هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول على الوجهين في (أن) أن يكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو أن لا تعبدوا.. إلخ، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: في الكتاب أن لا تعبدوا، كما جوز اعتباره بدلا من آياته، وأقول: جوز اعتبار (أن) مفسرة؛ لأن في","vol":"4","page":388},{"text":"تفصيل الآيات وإحكامها معنى القول، وعليه ف (لا) ناهية، والفعل مجزوم بها، والجملة الفعلية مفسرة للإحكام والتفصيل لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين: بحسب ما تفسره، وهو المعتبر عندي، والتفسير أظهر الأقوال عند السمين؛ لأنه لا يحوج إلى إضمار. انتهى. جمل بتصرف كبير مني. ﴿إِنَّنِي﴾: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكُمْ مِنْهُ﴾: كلاهما جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَذِيرٌ﴾ أو ب (بشير)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من أحدهما، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر (إن). ﴿وَبَشِيرٌ﴾: معطوف عليه، وقدم الإنذار لأن التخويف أهم؛ إذ يحصل به الانزجار، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح. والقول ومقوله كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1476\"></span>﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: لقد اختلف في بيان الفرق بين الاستغفار والتوبة، فقيل: معناه اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم ارجعوا إليه؛ لأن الاستغفار: هو طلب الغفر، وهو الستر، والتوبة: الرجوع عما كان فيه من شرك ومعصية إلى خلاف ذلك، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة، وقيل: معناه: استغفروا ربكم لسالف ذنوبكم، ثم توبوا إليه في المستقبل، وقيل: اطلبوا مغفرة الله بالإيمان. ﴿ثُمَّ﴾ توسلوا إليه بالتوبة، وأيضا التبرؤ من الغير إنما يكون بعد الإيمان بالله والرغبة فيما عنده، وقال الفرّاء: ثم هنا بمعنى الواو؛ لأن الاستغفار، والتوبة بمعنى واحد، فذكرهما للتأكيد، انتهى. خازن. وقد ذكرت لك شروط التوبة النصوح في الآية رقم [١٧] -من سورة (النساء) -. ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا﴾: قال القرطبي: هذه ثمرة الاستغفار، والتوبة؛ أي: يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب، كما فعل بمن أهلك قبلكم. انتهى. وانظر الآية رقم [٧٠] -من سورة (يونس)، لشرح المتاع، وانظر الآية رقم [٥٢] -الآتية. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى الموت ووقت انقضاء آجالكم، وانظر إعلال (هدى) في الآية رقم [٩١] -من سورة (الأنعام) -فهو مثله. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: ويعط كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره، وثوابه في الآخرة.\nقال أبو العالية: من كثرت طاعاته في الدنيا؛ زادته حسناته درجات في الآخرة؛ لأن الدرجات تكون على قدر الأعمال. انتهى. وعليه فالمراد بقوله: ﴿فَضْلَهُ﴾ عفوه، وغفرانه، وجنته. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: يحتمل أن يكونوا ماضيا بمعنى: أعرضوا، وأن يكون مضارعا حذف منه إحدى التاءين، بمعنى: تعرضوا، هذا؛ والإعراض، والتولي، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم،","vol":"4","page":389},{"text":"ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات، والطاعات اتساعا، ومجازا. ﴿فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ عذاب يوم القيامة، وهو يوم الأهوال والشدائد.\nبعد هذا انظر (استغفر) و(أمر) في الآية رقم [١٠٦] سورة (التوبة) وإعلال ﴿تَوَلَّوْا﴾ كما يلي، أصله: تولّيوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة على اللام، ويقال في إعلاله أيضا: تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: (تولّاوا) فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة على اللام لتدل على ذلك المحذوف، وقل مثل ذلك في إعلال كل فعل معتل الآخر بالألف أسند لواو الجماعة سواء أكان مضارعا أم ماضيا؟ مثل سعى، يسعى، ونحوه.\n ﴿رَبَّكُمْ﴾: المراد به هنا: خالقكم، ورازقكم، ومحييكم، ومميتكم.. إلخ، هذا؛ و(الرب) يطلق ويراد به: السيد والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ، وأيضا قوله: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا..﴾. إلخ وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة، أي:\nمالكها، ومتولي شئونها، كما يراد به: المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة يربّها: إذا أصلحها، والله ﷾ مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره ويجعل في الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين، ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة ونحو ذلك، والرب: المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف -﵊لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]\nهنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا\nوهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر.\n ﴿عَذابَ﴾: انظر الآية رقم [٣٩] من سورة (التوبة). ﴿يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾: المراد به هنا يوم القيامة، وما فيه من الأهوال، والحساب، والجزاء.. إلخ، هذا؛ واليوم في الدنيا هو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي، فهو من طلوع الفجر، إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل والنهار معا، كما رأيت في الآية رقم [٦٧] -من سورة (يونس) -وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت، والجمع: أيام، وأصله:","vol":"4","page":390},{"text":"أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع أياويم، وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه ونقمه، كما في الآية رقم [١٠٢] -من سورة (يونس) -ويقال: فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم، أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه.\nالإعراب: ﴿وَأَنِ﴾: (أن): معطوفة على مثلها في الآية السابقة على جميع الاعتبارات فيها.\n ﴿اِسْتَغْفِرُوا﴾: أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، وقل في (أن) والفعل ما رأيته في الآية السابقة. ﴿رَبَّكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿تُوبُوا﴾: أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال: منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضم لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في قولك: (توبا) والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك: (توبي) والمانع من ظهور السكون الكسر الذي جيء به لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وفي سابقتها. ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تستغفروا وتتوبوا... يمتعكم، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب. ﴿مَتاعًا﴾: مفعول مطلق. ﴿حَسَنًا﴾: صفته. ﴿إِلى أَجَلٍ﴾: متعلقان بالفعل، أو بالمصدر الميمي. ﴿مُسَمًّى﴾: صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَيُؤْتِ﴾: معطوف على يمتعكم مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ربكم تقديره: «هو». ﴿كُلَّ﴾: مفعول به أول، وهو مضاف، و﴿ذِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾: مضاف، و﴿فَضْلٍ﴾:\nمضاف إليه. ﴿فَضْلَهُ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَيُؤْتِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَأَنِ﴾: الواو: حرف استئناف (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل جزم فعل الشرط، وإن كان مضارعا فهو مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنِّي﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ﴾:","vol":"4","page":391},{"text":"متعلقان ب ﴿أَخافُ﴾. ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿كَبِيرٍ﴾:\nصفة: ﴿يَوْمٍ﴾ كذا قيل، والصواب: أنه صفة: ﴿عَذابَ،﴾ فهو منصوب، وجر على الجوار، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة التي جلبها حركة الجوار قبله، وانظر الجر على الجوار في الآية رقم [٧] -من سورة (المائدة) -وجملة:\n ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنِّي أَخافُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1477\"></span>﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة، فيثيب المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مقتدر لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فهو يعذب الكافرين أشد العذاب.\nهذا؛ و(شيء) في اللغة عبارة عن كل شيء موجود، إما حسّا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو: قلت شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: إن وزنه: شياء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزان: لفعاء، كما قلبوا أدؤر، فقالوا: آدر وشبهه، وجمع أشياء: أشايا.\nالإعراب: ﴿إِلَى اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والكاف: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَهُوَ﴾: الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-1478\"></span>﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾\nالشرح: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أي: يطوون صدورهم على عداوة الرسول ﷺ والمسلمين، ويقرأ: ﴿يَثْنُونَ﴾ بقراءات متعددة، وقال ابن عباس﵄-: يخفون ما في صدورهم من الشحناء، والعداوة، ويظهرون خلافه، والضمير في:","vol":"4","page":392},{"text":"﴿مِنْهُ﴾ يعود إلى الله، أو إلى الرسول ﷺ. ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ أي: يغطون رءوسهم بثيابهم، ظنّا منهم بأن الله لا يراهم. ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي: لا يخفى على الله شيء من أمرهم، سواء أسروه، أم جهروا به. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بأسرار ذات الصدور، أو بالقلوب وأحوالها، وانظر ﴿بِذاتِ﴾ في الآية رقم [١] -من سورة (الأنفال).\nتنبيه: قال ابن عباس﵄-: نزلت في الأخنس بن شريق، وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر، وكان يلقى رسول الله ﷺ بما يحب، وينطوي بقلبه على ما يكره. انتهى.\nوانظر ما ذكرته في الأخنس في الآية رقم [٢٠٤] من سورة (البقرة)، وقيل: نزلت في المنافقين، وهو بعيد؛ لأن السورة مكية كما رأيت، والمنافقون كانوا في المدينة، وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته، ويرخى ستره، ويحني ظهره، ويتغشى بثوبه، ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي. انتهى. خازن بتصرف.\nالإعراب: ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.\n ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَثْنُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿صُدُورَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَثْنُونَ﴾ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها. ﴿لِيَسْتَخْفُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بالفعل ﴿يَثْنُونَ﴾. ﴿أَلا﴾: مثل سابقتها. ﴿حِينَ﴾: ظرف زمان منصوب متعلق بفعل محذوف دل عليه ما قبله، التقدير: ألا يستخفون حين، أو هو متعلق بالفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ بعده، ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ثِيابَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿يَسْتَغْشُونَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع بمعنى يعرف. ﴿ما﴾:\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير:\nيعلم الذي أو شيئا يسرونه، وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم سرهم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. وإعراب: ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ مثل سابقه.\n ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل اسمها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبرها. ﴿بِذاتِ﴾:\nمتعلقان ب ﴿عَلِيمٌ؛﴾ لأنه مبالغة اسم الفاعل لذا فاعله مستتر فيه، و(ذات) مضاف، و﴿الصُّدُورِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها على الوجهين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"4","page":393},{"text":"<span id=\"aya-1479\"></span>﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾: الدابة: اسم لكل حيوان يدب على وجه الأرض، من إنسان، وحيوان، ووحش، وهوام، وغير ذلك؛ فلذا يطلق لفظ «دابة» على الذكر والأنثى مما ذكر، وفي العرف يطلق لفظ الدابة على ذوات الأربع من الحيوان، وانظر الآية [٥٦] الآتية.\n ﴿إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾: غذاؤها، ومعاشها؛ لتكفله إياها تفضلا ورحمة، فهو إلى مشيئته إن شاء رزق، وإن شاء لم يرزق. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها﴾: أماكنها في الحياة والممات، أو الأصلاب والأرحام، أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل، وقيل: مستقرها في الجنة، أو في النار، ومستودعها في القبر، يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار:\n ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ و﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا،﴾ ﴿كُلٌّ﴾: كل واحد من الدواب وأحوالها.\n ﴿كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أي: مذكور في اللوح المحفوظ.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وكأنه أريد بالآية بيان كونه عالما بالمعلومات كلها، وبما بعدها بيان كونه قادرا على الممكنات بأسرها، تقريرا للتوحيد، وبيانا لما سبق من الوعد والوعيد.\nبعد هذا ﴿مُبِينٍ﴾: اسم فاعل من أبان الرباعي، أصله مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من «بان» الثلاثي بائن أصله باين، وإعلاله مثل إعلال (قائم) في الآية رقم [١٢] -من سورة (يونس) -وهذا؛ و﴿وَيَعْلَمُ﴾ بمعنى يعرف، وانظر الآية رقم [٦١] - من سورة (الأنفال)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ﴾:\nمبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجر الزائد. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة دابة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِزْقُها﴾: مبتدأ مؤخر، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَيَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿مُسْتَقَرَّها﴾: مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، وقل مثله في الذي بعده. ﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَيَعْلَمُ..﴾. إلخ: معطوفة على جملة: ﴿عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾ فهي في محل رفع","vol":"4","page":394},{"text":"مثلها. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ والمضاف إليه محذوف، انظر الشرح. ﴿فِي كِتابٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة كتاب، والجملة الاسمية: ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1480\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾: انظر الآية رقم [٥٤] -من سورة (الأعراف) -ففيها الكفاية لذوي الدراية. ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ أي: قبل خلق السموات والأرض، ولم يكن حائل بينهما، لا أنه كان موضوعا على سطح الماء، قال كعب: خلق الله ياقوتة خضراء، فنظر إليها بالهيبة، فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى، ثم خلق الريح، فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء، وانظر شرح العرش في الآية رقم [٥٤] من سورة (الأعراف)، أو رقم [٢] من سورة (الرعد).\nقال بعض العلماء: وفي خلق جميع الأشياء، وجعلها على الماء ما يدل على كمال القدرة؛ لان البناء الضعيف إذا لم يكن له أساس على أرض صلبة لم يثبت، فكيف بهذا الخلق العظيم، وهو العرش والسموات والأرض على الماء، فهذا يدل على كمال قدرة الله تعالى، وعن عبد الله بن عمرو﵄-، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء». أخرجه مسلم.\n ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: ليعاملكم معاملة المختبر لأحوالكم كيف تعملون، فإن ما خلقه الله في السموات والأرض أسباب، ومواد لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل، وأمارات تستدلون بها، وتستنبطون منها معرفة الواحد الأحد، فيبعثكم ذلك على الإيمان به، وإخلاص العبادة له.\nهذا؛ وقرئ: «(أنكم)» بفتح الهمزة على تضمين ﴿قُلْتَ﴾ معنى: ذكرت، أو أن يكون (أنّ) بمعنى (علّ)، أي: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾: علكم مبعوثون، بمعنى توقعوا بعثكم، ولا تبتوا بإنكاره؛ لعدّوه من قبيل ما لا حقيقة له مبالغة في إنكاره. انتهى. بيضاوي.\n-أقول: ومجيء «أن» بمعنى: «علّ» وارد في الكلام العربي، كقول بعض العرب: ائت السوق أنّك تشتري لنا شيئا، حكاه الخليل رحمه الله تعالى، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٩] -من سورة (الأنعام).","vol":"4","page":395},{"text":"فعن عبد الله بن عمر﵄-: أن النبي ﷺ تلا: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا،﴾ قال:\n «أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله».\n ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ أي: ولئن قلت يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك: لتبعثن بعد الموت من قبوركم للحساب والجزاء؛ ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: يعنون القرآن الكريم، أي: ما هو إلا كالسحر في الخديعة والبطلان، وقرئ: «(إلا ساحر)» يعنون الرسول ﷺ.\nبعد هذا انظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١] -من سورة (يونس) - ﴿أَيّامٍ﴾:\nانظر الآية رقم [٣] ﴿الْماءِ﴾: أصله: موه، بفتح الميم والواو، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار (ماه) فلما اجتمعت الألف والهاء-وكلاهما خفي-قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع ماء: أمواه، ومياه، وتصغيره على مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار وديار، وقيمة وقيم، ومثله قولهم:\nسوط وسياط، وحوض وحياض، وثوب وثياب، وثور وثيرة، ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل في حده: جوهر سيال به قوام الأرواح. ﴿الْمَوْتِ﴾: هو انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ﴾: الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿خَلَقَ﴾:\nماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿السَّماواتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿فِي سِتَّةِ﴾:\nمتعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ،﴾ و﴿سِتَّةِ﴾: مضاف، و﴿أَيّامٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَكانَ﴾: ماض ناقص. ﴿عَرْشُهُ﴾: اسمه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْماءِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به أول، ﴿أَيُّكُمْ﴾: اسم استفهام معلق للفعل قبله عن العمل، مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنُ﴾: خبره. ﴿عَمَلًا﴾: تمييز، والجملة الاسمية:\n ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ في محل نصب مفعول به ثان، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ﴾. الواو: حرف استئناف (لئن) اللام:\nموطئة للقسم. (إن): حرف شرط جازم. ﴿قُلْتَ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل","vol":"4","page":396},{"text":"الشرط، والتاء فاعله. ﴿إِنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿مَبْعُوثُونَ﴾: خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، ونائب فاعله مستتر فيه تقديره: «أنتم». ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان ب ﴿مَبْعُوثُونَ،﴾ و﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و﴿الْمَوْتِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم المقدر المدلول عليه باللام الموطئة. (يقولن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿كانَ﴾ حرف نفي بمعنى (ما).\n ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿سِحْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ..﴾.: صفته، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر المدلول عليه باللام، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما) قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\n\n<span id=\"aya-1481\"></span>﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: إلى مدة محدودة، هذا؛ والأمة:\nالجماعة، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ﴾.\nوالأمة: الطريقة، والملة، والدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين. ﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ أي: أي شيء يمنع العذاب، ويحبسه عنا؟! وقالوا: هذا إما تكذيبا للعذاب لتأخره عنهم، أو استعجالا، واستهزاء. ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ أي: حين ينزل بهم العذاب لا يستطيع أحد أن يدفعه عنهم، وقد حق الله ذلك فيهم في غزوة بدر. ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أي: ونزل بهم وأحاط، وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا لوقوعه، ومبالغة في التهديد والوعيد. ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي: العذاب الذي كانوا يستعجلونه، فوضع ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ موضع يستعجلون؛ لأن استعجالهم كان استهزاء.","vol":"4","page":397},{"text":"هذا؛ وقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»: وقوله تعالى: ﴿أَخَّرْنا،﴾ ﴿فَاكْتُبْنا،﴾ ﴿إِنّا،﴾ ﴿نَحْنُ،﴾ ﴿نَقْصٍ..﴾. إلخ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده. فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، مع أنه ليس له شريك ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى. أقول: و(نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الكافرون والملحدون، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم به العبد، فيقول: أخذنا وأعطينا... إلخ وليس معه أحد.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له. ﴿ما﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَحْبِسُهُ﴾: مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (ما)، والجملة الفعلية في محل خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ جواب القسم، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة. ﴿أَلا﴾: انظر مثلها في الآية رقم [٥] ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿مَصْرُوفًا﴾ بعده، وفيه دليل على جواز تقديم خبر ﴿لَيْسَ﴾ عليها؛ لأن تقديم المعمول يؤذن بصحة تقديم العامل.\n ﴿يَأْتِيهِمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الْعَذابَ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لَيْسَ﴾:\nماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿الْعَذابَ﴾ أيضا. ﴿مَصْرُوفًا﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾.\n ﴿عَنْهُمُ﴾: متعلقان ب ﴿مَصْرُوفًا،﴾ ونائب فاعله مستتر فيه تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الْعَذابَ،﴾ هذا؛ وأجيز تعليق: ﴿يَوْمَ﴾ بفعل محذوف دل عليه الكلام، أي: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، وليس بالقوي، والكلام ﴿أَلا يَوْمَ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿وَحاقَ﴾: ماض. ﴿بِهِمْ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ﴾: مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل (حاق)، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم، وجملة: ﴿وَحاقَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.","vol":"4","page":398},{"text":"<span id=\"aya-1482\"></span>﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أي: رخاء وسعة في الرزق والعيش، وصحة وعافية. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ﴾: سلبنا ذلك كله، وأصابته المصائب، فاجتاحته، وذهبت بنعمته.\n ﴿إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ أي: يشتد حزنه ويقطع رجاءه، وأمله من رحمة الله، وذلك لقلة صبره، وعدم ثقته بالله.\nهذا؛ وانظر ﴿فَذُوقُوهُ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الأنفال). ﴿الْإِنْسانَ﴾: انظر الآية رقم [١٢] من سورة (يونس). ﴿لَيَؤُسٌ﴾: انظر الآية رقم [٨٧] من سورة (يوسف). ﴿كَفُورٌ﴾:\nجحود قنوط من رحمة الله، هذا؛ والكفر ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا. إذا جحدها وأنكرها، وكفر الشيء: غطاه، وستره، وسمي الكافر: كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع: كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁ في معلقته: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ﴾: انظر إعراب مثل هذا في الآية رقم [٧] ﴿مِنّا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿رَحْمَةً،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَحْمَةً﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٣] ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول به ثان. ﴿نَزَعْناها﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ جواب القسم لا محل لها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧] فهو مثله.\n<span id=\"aya-1483\"></span>﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ أي: أنعمنا على الإنسان، وبسطنا عليه في الرزق، وشفيناه من مرض وسقم. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أي: يقول الذي أصابه الخير، والسعة، والصحة، والعافية: ذهبت الشدائد، والمصائب، والعسر، والضيق، والسقم، والمرض عني، وإنما يقول الإنسان الكافر ذلك غرة بالله وجراءة عليه؛ لأنه لم يضف الأشياء والأحداث إلى الله، وإنما أضافها إلى العوائد، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾: إنه أشر بطر، والفرح: لذة تحصل في القلب بنيل","vol":"4","page":399},{"text":"المراد والمشتهى، والفخر: هو التطاول على الناس بتعداد المناقب والمآثر، وذلك منهي عنه وانظر: (الفرح) في الآية رقم [٥٨] من سورة (يونس) وانظر (نا) في الآية رقم [٨].\nهذا؛ والضراء ومثلها البأساء: الفقر الشديد، وعن الأزهري: البأساء في الأموال كالفقر، والضراء في الأنفس كالمرض ونحوه، والضراء لا تكون إلا ممدودة بخلاف البأساء، فإنها تقصر والنعماء تقصر، فيقال: النعمى بضم النون بوزن الرجعى-هذا؛ و(فرح) و(فخور) صيغتا مبالغة يستوي فيهما المذكر والمؤنث. ﴿مَسَّتْهُ﴾: أصابته.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ انظر إعراب مثل هذا في الآية رقم [٧] ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿نَعْماءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و﴿ضَرّاءَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿مَسَّتْهُ﴾: ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى: ﴿ضَرّاءَ،﴾ تقديره هي، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿ضَرّاءَ﴾. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾: انظر الآية رقم [٧] للإعراب ومحل الجملة. ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ﴾:\nفعل وفاعل، ولم يؤنث الفعل؛ لأن السيئات مؤنث مجازي، فيجوز التذكير، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَنِّي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَفَرِحٌ﴾: اللام: هي المزحلقة. (فرح): خبر أول. ﴿فَخُورٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1484\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: على الضراء، إيمانا بالله تعالى، واستسلاما لقضائه. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها، وذلك شكر الله على آلائه: سابقها ولاحقها. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: وهو الجنة التي عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وقد وصفها بأجر كبير، لما احتوت عليه من النعيم الأبدي ودفع التكاليف فيها، والأمن من عذاب الله تعالى، والنظر إلى وجهه الكريم، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء، قال الفراء: متصل؛ لأنه استثناء من الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل المؤمن والكافر، وقال الأخفش: هو استثناء منقطع؛ إذ المراد بالإنسان شخص معين، هذا؛ وجوز اعتباره مبنيا على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿صَبَرُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن","vol":"4","page":400},{"text":"تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال اختصارا: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة (عملوا) معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة على اعتبار ﴿الَّذِينَ﴾ منصوبا على الاستثناء، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهو منقطع بلا ريب. (أجر): معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿كَبِيرٌ﴾: صفته.\n\n<span id=\"aya-1485\"></span>﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، والمعنى: لعلك يا محمد تترك بعض ما يوحى إليك من ربك أن تبلغه إلى الناس. ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي:\nويضيق صدرك بما يوحى إليك، فلا تبلغهم إياه، وذلك أن كفار مكة قالوا: ائت بقرآن غير هذا ليس فيه سب آلهتنا، فهمّ النبي ﷺ أن يترك ذكر آلهتهم ظاهرا، فأنزل الله الآية الكريمة. وقيل:\nإنهم لما قالوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ همّ أن يدع سب آلهتهم، فنزلت الآية، ﴿أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: مال كثير من ذهب. يستغني به، وينفقه على أتباعه الفقراء، وعلى غيرهم يستجلب به القلوب كما يفعل الملوك، والعظماء. ﴿أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ أي: من الملائكة يصدقه، ويشهد له، وقائل هذه المقالة هو عبد الله بن أبي أمية المخزومي، وإنك تجد ذلك مفصلا في سورة (الإسراء) و(الفرقان).\nوالمعنى: أنهم قالوا لرسول الله ﷺ: إن كنت صادقا في قولك بأنك رسول الله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء، وأنت عزيز عنده مع أنك فقير؛ فهلا أنزل عليك ما تستغني به أنت وأصحابك، وهلا أنزل عليك ملكا من السماء يشهد لك بالرسالة والنبوة، فبين الله له: أنه نذير مقصور على الرسالة، وذلك بقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ مخوف تخوف بالعقاب، من عصى الله وخالف أوامره، وكذلك تبشر بالثواب من آمن بك، وامتثل أمر الله فيما أمر ونهى، وحذف (بشير) اكتفاء ب ﴿نَذِيرٌ،﴾ وكثيرا ما يذكر معه كما في الآية [٢] ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾:\nحافظ يحفظ أعمالهم وأقوالهم، فيجازيهم عليها يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر. بعد هذا إعلال (ضائق) مثل إعلال (قائم) في الآية رقم [١٢] من سورة (يونس) ﵇.","vol":"4","page":401},{"text":"الإعراب: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (لعلك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿تارِكٌ﴾: خبر (لعلّ)، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَعْضَ﴾:\nمفعول به ل ﴿تارِكٌ،﴾ و﴿بَعْضَ﴾: مضاف، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿يُوحى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد أو الرابط. ﴿إِلَيْكَ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. (ضائق): معطوف على ﴿تارِكٌ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلقان ب (ضائق). ﴿صَدْرُكَ﴾: فاعل ب (ضائق)، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿يَقُولُوا﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ..﴾. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿لَوْلا﴾: حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَنْزٌ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿جاءَ﴾: ماض. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَلَكٌ﴾: فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، و﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف عند الكوفيين، وهناك حرف نفي محذوف، وتقدير الكلام: لئلا يقولوا وهو عند البصريين على حذف مضاف؛ إذ التقدير: مخافة، وكراهية قولهم: لولا... إلخ، فعلى الأول الجار والمجرور متعلقان ب (ضائق)، وعلى الثاني «مخافة» مفعول لأجله عامله (ضائق)، ومثل الآية الكريمة قول عمرو بن كلثوم التغلبي من معلقته، وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nنزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا\nوالجملة الاسمية: (لعلك...) إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة.\n ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿نَذِيرٌ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤]، وهي معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1486\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)﴾\nالشرح: انظر شرح هذه الآية وإعرابها في الآية رقم [٣٨] من سورة (يونس)، فلا حاجة إلى المزيد على ما ذكرته هناك، وأذكر هنا ما قاله الخازن رحمه الله تعالى، فإن قلت: قد تحداهم بأن يأتوا بسورة مثله، فلم يقدروا على ذلك وعجزوا، فكيف قال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ ومن عجز عن سورة واحدة، فهو عن العشر أعجز؟! قلت: قال بعضهم: إن سورة","vol":"4","page":402},{"text":"(هود) نزلت قبل يونس، وإنه تحداهم أولا بعشر سور، فلما عجزوا تحداهم بسورة (يونس)، وأنكر المبرد هذا القول، وقال: إن سورة (يونس) نزلت أولا. قال: ومعنى قوله في سورة (يونس): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ يعني مثله في الإخبار عن الغيب، والأحكام، والوعيد، وقوله في سورة (هود): ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ يعني في مجرد الفصاحة والبلاغة من غير خبر عن غيب، ولا ذكر حكم، ولا وعد ولا وعيد. انتهى. بحروفه.\n\n<span id=\"aya-1487\"></span>﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾\nالشرح: قال الخازن رحمه الله تعالى: اعلم أنه لما اشتملت الآية المتقدمة على أمرين وخطابين: أحدهما: أمر، وخطاب للنبي ﷺ، وهو قوله ﷾: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ والثاني: أمر وخطاب للكفار، وهو قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ثم أتبعه بقوله ﵎: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا في المعارضة لعجزهم عنها، واحتمل أن يكون المراد: أنّ من يدعون من دون الله لم يستجيبوا للكفار في المعارضة، فلهذا اختلف المفسرون في معنى الآية على قولين:\n-أحدهما: أنه خطاب للنبي ﷺ والمؤمنين؛ وذلك أن النبي ﷺ والمؤمنين معه كانوا يتحدون الكفار بالمعارضة ليتبين عجزهم، فلما عجزوا عن المعارضة، قال الله ﷾ لنبيه والمؤمنين. ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ فيما دعوتموهم إليه من المعارضة وعجزوا عنه؛ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ أي: اثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، وازدادوا يقينا وثباتا؛ لأنهم كانوا عالمين بأنه منزل من عند الله، وقيل: الخطاب للنبي ﷺ وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيما له ﷺ.\n-القول الثاني أن الكلام خطاب مع الكفار، وذلك أنه ﷾ لما قال في الآية المتقدمة: ﴿وَادْعُوا..﴾. إلخ؛ قال في هذه الآية: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيها الكفار، ولم يعينوكم؛ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما..﴾. إلخ. انتهى. بتصرف.\n ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: فيه معنى الأمر، أي: أسلموا، وأخلصوا لله العبادة، وإن كان الخطاب للمؤمنين، فكان معنى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الترغيب، أي: اثبتوا، ودوموا على ما أنتم عليه من الإسلام. انتهى. هذا؛ وانظر ما ذكرته في التركيب: ﴿فَإِلَّمْ﴾ في الآية رقم [٢٣] من سورة (الأعراف) عن مكي؛ فإنه جيد جدا.\nالإعراب: ﴿فَإِلَّمْ﴾: الفاء: حرف عطف وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَسْتَجِيبُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة","vol":"4","page":403},{"text":"جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَاعْلَمُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعلموا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله والألف للتفريق، ﴿أَنَّما﴾: كافة ومكفوفة مفيدة للحصر، هذا؛ وأجيز اعتبار (أن) عاملة غير مكفوفة، و(ما): تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿أُنْزِلَ﴾ مع نائب فاعله المستتر صلتها، والعائد: رجوع نائب الفاعل إليها، وعلى الثاني تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب اسم (أنّ). ﴿بِعِلْمِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من نائب فاعل ﴿أُنْزِلَ﴾ على اعتبار ﴿أَنَّما﴾ كافة ومكفوفة، واعتبار نائب الفاعل عائدا إلى ﴿ما يُوحى إِلَيْكَ،﴾ ومتعلقان بمحذوف خبر أن على اعتبارها عاملة، و(علم) مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكلام ﴿أَنَّما..﴾. إلخ على جميع الاعتبارات في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (اعلموا)، والجملة الفعلية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والكلام ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا..﴾. إلخ معطوف ومفرع عما قبله لا محل له. (أن): مخففة من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٩٠] من سورة (يونس) وهي في محل رفع خبر (أن)، و(أن) المخففة، واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على ما قبله.\n ﴿فَهَلْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، والجملة الاسمية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1488\"></span>﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾\nالشرح: لقد اختلف العلماء في تفسير هذه الآية، فقيل: نزلت في الكفار. قاله الحسن، والضحاك، وروي عن أنس بن مالك، ﵁، بدليل الآية التالية، أي: من أتى منهم بصلة رحم، أو صدقة، أو بإغاثة ملهوف، وحسن جوار، أو نحو ذلك من أعمال البر، فيعجّل الله له ثواب عمله في الدنيا، يوسع عليه في المعيشة والرزق، ويقر عينه فيما خوله، ويدفع عنه المكاره، لكن لا حسنة له في الآخرة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (التوبة) تجد ما يسرك.\nوقيل: نزلت الآية الكريمة في المسلمين الذين يراءون بأعمالهم، فمن أراد بعمله ثواب الدنيا؛ عجل له الثواب، ولم ينقص منه شيء في الدنيا، وله في الآخرة العذاب؛ لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا لا ينطبق إلا على المنافقين المرائين، فعن الفاروق عمر ﵁، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته","vol":"4","page":404},{"text":"إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». متفق عليه، والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة مسطورة.\n-وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى، سواء أكان معه أصل إيمان، أم لم يكن، قاله مجاهد وميمون بن مهران، وقال ميمون: ليس أحد يعمل حسنة إلا وفّي ثوابها، فإن كان مسلما مخلصا وفّي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرا وفّي في الدّنيا، ثم هل لا بد من تنفيذ هذا الوعد، أو هو مقيد بمشيئة الله تعالى؟ فالآية هنا أطلقت، كما في الآية رقم [٢٠] من سورة (الشورى)، وآية الإسراء رقم [١٨] قيدته بالمشيئة.\nقال القرطبي﵀-: والصحيح أنه من باب الإطلاق والتقييد، ومثله قوله تعالى:\n ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال، وليس كذلك، لقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾. انتهى.\nوالله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\n ﴿نُوَفِّ﴾: يقرأ بالنون وبالياء مع الجزم، وبالتاء بالبناء للمجهول، ورفع ﴿أَعْمالَهُمْ،﴾ ويقرأ (نوفّي) بالتخفيف والرفع؛ لأن الشرط ماض، قال زهير بن أبي سلمى، وهو الشاهد (٧٨٧) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nوإن أتاه خليل يوم مسغبة... يقول لا غائب مالي، ولا حرم\n ﴿وَهُمْ فِيها﴾: في الدنيا. ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾: لا ينقصون من أجورهم شيئا، هذا؛ وقد راعى لفظ ﴿مَنْ﴾ في الأول، ومعناها في الآخر.\nالإعراب: ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يُرِيدُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿الْحَياةَ﴾: مفعول به. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة:\n ﴿الْحَياةَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وقيل: ﴿الْحَياةَ﴾: مضاف، و﴿الدُّنْيا﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ والأول أقوى. (زينتها): معطوف على ﴿الْحَياةَ،﴾ و(ها) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿نُوَفِّ﴾:\nمضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، وعلى قراءة «(توفّ)» فهو مبني للمجهول، وعلامة الجزم حذف الألف... إلخ، و﴿أَعْمالَهُمْ﴾ بالرفع نائب فاعله، وعلى قراءة: «(يوفّ)» فالفاعل يعود إلى الله، وعلى قراءة: «(نوفي)» فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، و﴿أَعْمالَهُمْ﴾ بالنصب مفعول به. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة","vol":"4","page":405},{"text":"الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال.\n (هم): ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُبْخَسُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1489\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ﴾: الإشارة إلى الذين وفوا جزاء أعمالهم في الدنيا المذكورين في الآية السابقة. ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ أي: ضاع ثواب أعمالهم، ولم يبق لهم ثواب في الآخرة، انظر ما ذكرته في الآية السابقة. ﴿وَبَطَلَ..﴾. إلخ:\nالبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته ونفعه، والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم بنفع، ولا يدفع عنهم ضرّا؛ لأنه عمل لغير الله تعالى، فكان باطلا لا نفع فيه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ و(بطل) من باب دخل، والبطل بفتحتين الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل والكذب، والبطالة: التعطل والتفرغ من العمل، هذا؛ ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ.\n ﴿لَيْسَ﴾: ماض ناقص. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف المقدم. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿النّارُ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة:\n ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (حبط): ماض. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل (حبط)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير، حبط الذي، أو شيء صنعوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحبط صنعهم. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالفعل:\n (حبط)، والضمير على هذا يعود على ﴿الْآخِرَةِ،﴾ ويجوز أن يتعلق ﴿فِيها﴾ ب ﴿صَنَعُوا،﴾ فالضمير على هذا يعود على الحياة الدنيا، وجملة: ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. (باطل): خبر مقدم. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة،","vol":"4","page":406},{"text":"والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف، التقدير: وباطل الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير:\nوباطل عملهم، وعليه فالجملة اسمية، وهي معطوفة على ﴿ما﴾ قبلها، لا محل لها مثلها، هذا، وأجيز اعتبار: (باطل) معطوفا على خبر المبتدأ عطف مفرد على مفرد، و﴿ما﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيها فاعل ب (باطل)، ويرجح هذا ما قرأ به زيد بن علي ﴿(وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)﴾ جعله فعلا ماضيا معطوفا على (حبط). انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nهذا؛ وقرئ: «(وباطلا ما كانوا يعملون)». ف (باطلا): مفعول به مقدم، و﴿ما﴾: زائدة، والتقدير: وكانوا يعملون باطلا، وهذه الجملة معطوفة على جملة (حبط...) إلخ لا محل لها مثلها، وأجيز اعتبار (باطلا) مفعولا مطلقا لفعل محذوف، التقدير: وبطل باطلا، والأصل بطل بطلانا.\nأقول: وأولى من ذلك اعتباره حالا معطوفا على جملة (حبط...) إلخ بعد تقدير (قد) قبلها، واعتبار الجملة حالا من ﴿الَّذِينَ،﴾ ومثل الآية الكريمة (ولا خارجا) في قول الفرزدق: [الطويل]\nألم ترني عاهدت ربّي، وإنني... لبين رتاج قائما ومقام\nعلى حلفة لا أشتم الدهر مسلما... ولا خارجا من فيّ زور كلام\nوهو الشاهد رقم [٧٥٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وعلى اعتبار الحالية، والمصدرية في (باطلا) تكون ﴿ما﴾ على جميع الوجوه المعتبرة: موصولة، أو موصوفة أو مصدرية فاعلا ب (باطلا). تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1490\"></span>﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: لما ذكر الله ﷾ في الآية المتقدمة الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا، وزينتها. ذكر في هذه الآية من كان يريد بعمله وجه الله تعالى والآخرة، فقال ﷾: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وليس لهم في الآخرة إلا النار، انتهى، خازن، والجواب: لا يستويان، وقد صرح بهذين المحذوفين في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾. ﴿وَيَتْلُوهُ﴾","vol":"4","page":407},{"text":"﴿شاهِدٌ مِنْهُ﴾: ويتبع ذلك البرهان من يشهد له بصدقه، وعاد الضمير على ﴿بَيِّنَةٍ﴾ مذكرا؛ لأنها بمعنى البرهان، ولقد اختلف في الشاهد، فقيل: إنه جبريل ﵇، أي: يتبع جبريل النبي ﷺ، ويؤيده، ويسدده، ويقويه، وقيل: إنه علي كرم الله وجهه، وقيل: إنه لسان الرسول ﷺ، وقيل: هو الإنجيل، وإن كان قبل القرآن، فهو يتلوه في التصديق. وقيل: غير ذلك، كما اختلف في الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ فقيل: من الله، وقيل: من الرسول، وقيل: أي: من القرآن، ومن قبله: ومن قبل القرآن، وقيل: من قبل الإنجيل. ﴿كِتابُ مُوسى﴾: المراد به:\nالتوراة، أي: أنها تشهد بصدق محمد ﷺ، لما فيها من ذكر صفاته الجسدية، وشمائله الخلقية.\n ﴿إِمامًا﴾: يرجعون إلى التوراة في أمور الدين، والأحكام، والشرائع. ﴿وَرَحْمَةً﴾: لمن عمل بمقتضاها، واهتدى بما فيها، وذلك سبب حصول الرحمة.\n ﴿أُولئِكَ﴾: الإشارة إلى (من كان على بينة من ربّه). ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: يصدقون بمحمد ﷺ، ويعترفون بنبوته، أو يصدقون بالقرآن، وقيل: الإشارة إلى الذين أسلموا من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأصحابه. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ، أو بالقرآن. ﴿مِنَ الْأَحْزابِ﴾ أي: من جميع الكفار وأصحاب الأديان المختلفة، فتدخل فيه اليهود، والنصارى، والمجوس، وعبدة الأوثان، وغيرهم. ﴿فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أي في الآخرة لا محالة.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن النبي ﷺ: «والّذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة، يهوديّ، ولا نصرانيّ، ثم يموت؛ ولم يؤمن بالّذي أرسلت به، إلاّ كان من أهل النّار».\n ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: فلا تكن في شك من الدين، أو من القرآن الذي أنزل إليك، أو من الموعد الذي وعده الله للكافرين من دخول النار. ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ما ذكر هو الحق الذي لا ريب فيه، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لا يصدقون لقلة نظرهم، واختلال فكرهم.\n ﴿تَكُ﴾: انظر الآية رقم [١٠٩] الآتية، والخطاب للرسول ﷺ في قوله: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ..﴾.\nإلخ مثله في الآية رقم [٩٤] من سورة (يونس) ﴿أَفَمَنْ﴾: انظر ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٢٤] الآتية.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف. (من): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من). ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ أي: مصاحبا لها. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع اسم: ﴿كانَ﴾ إليها، وخبر المبتدأ محذوف، انظر تقديره في","vol":"4","page":408},{"text":"الشرح. (يتلوه): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿شاهِدٌ﴾: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ.\n ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان ب ﴿شاهِدٌ﴾. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ قدم عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كِتابُ﴾: معطوف على: ﴿شاهِدٌ،﴾ و﴿كِتابُ﴾:\nمضاف، و﴿مُوسى﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿إِمامًا﴾: حال من: ﴿كِتابُ مُوسى﴾. (رحمة): معطوف على ما قبله، وقال البيضاوي: (من قبله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و﴿كِتابُ﴾: مبتدأ مؤخر، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة، ولكن اعتبار الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النحويين، هذا؛ وقرئ بنصب: (كتاب) على اعتباره معطوفا على الضمير المنصوب بقوله: (يتلوه). ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ﴾: فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من).\n ﴿رَبِّهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْأَحْزابِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في (من). ﴿فَالنّارُ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (النار): مبتدأ.\n ﴿مَوْعِدُهُ﴾: خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٥]. ﴿فَلا﴾ الفاء:\nحرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا لا محالة؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:\n «أنت». ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان ب ﴿مِرْيَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والجملة الفعلية: ﴿فَلا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر (إنّ). ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها.\n ﴿وَلكِنَّ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ﴾: اسم (لكن)، و﴿أَكْثَرَ﴾: مضاف، و﴿النّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَلا﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لكن)، والجملة الاسمية:\n (لكن...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.","vol":"4","page":409},{"text":"<span id=\"aya-1491\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم منهم لأنفسهم؛ لأنهم افتروا على الله كذبا، فأضافوا كلامه إلى غيره، وزعموا: أن له شريكا، وولدا، وقالوا للأصنام:\nهؤلاء شفعاؤنا عند الله، وفي الآية دليل على أن الكذب على الله من أعظم أنواع الظلم، وقد راعى لفظ (من) في الجملة الفعلية، وراعى معناها في الجملة الاسمية. ﴿أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ أي: المفترون على الله الكذب يعرضون على الله يوم القيامة ليحاسبهم على خبث أعمالهم. ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهادُ﴾ أي: من الملائكة، والنبيين والعلماء الذي بينوا تعاليم الأنبياء، أو الأشهاد من جوارحهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والأشهاد: جمع شاهد، كأصحاب جمع: صاحب، أو جمع شهيد كأشراف جمع شريف.\n ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ أي: في الدنيا، وهذه الفضيحة تكون لكل من كذب على الله.\nعن صفوان بن محرز المازني، قال: بينما ابن عمر﵄يطوف بالبيت؛ إذ عرض له رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن! أخبرني ما سمعت من رسول الله ﷺ في النجوى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدنو المؤمن من ربّه ﷿، حتّى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه: تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: أعرف ربّ أعرف-مرّتين-فيقول: سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأمّا الكفار، والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الخلائق: هؤلاء الّذين كذبوا على الله». انتهى. متفق عليه.\n ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ أي: سخطه، وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها، هذا؛ وانظر ما ذكرته في حكم اللعن في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة) أو الآية [٢٥] من سورة (الرعد)، وانظر (الظلم) في الآية رقم [٢٣] من سورة (يونس).\n (يقول): القول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على المعنى. الثاني: حديث النفس ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا..﴾. إلخ. الثالث: الحركة والإمالة، يقال:\nقالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذه مقالة الأشاعرة، أي: ما يعتقدونه، وانظر الكلام في الآية رقم [٥٤] من سورة (يوسف).\nالإعراب: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمَّنِ﴾: جار ومجرور","vol":"4","page":410},{"text":"متعلقان ب ﴿أَظْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿اِفْتَرى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من).\n ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَذِبًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿اِفْتَرى..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُعْرَضُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (يقول): مضارع.\n ﴿الْأَشْهادُ﴾: فاعله. ﴿هؤُلاءِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة:\n ﴿كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ صلة الموصول، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١] والجملة الاسمية: ﴿هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية (يقول...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه... إلخ، انظر الآية رقم [٥]. ﴿لَعْنَةُ﴾:\nمبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَى الظّالِمِينَ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَلا لَعْنَةُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: يقول الله ذلك يوم القيامة للكافرين، أو يقول ذلك ملك من الملائكة بأمره. والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1492\"></span>﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩)﴾\nالشرح: انظر شرح هذه الآية وإعرابها في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأعراف)، فلا حاجة إلى المزيد عما ذكرته هناك و﴿هُمْ﴾ الثانية ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وتكريره للتأكيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n<span id=\"aya-1493\"></span>﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ﴾: الإشارة إلى الظالمين المذكورين، والذين يصدون الناس عن الدخول في دين الإسلام. ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: قال ابن عباس﵄-: يعني سابقين، وقيل: هاربين، والمعنى أنهم لا يعجزون الله إذا أرادهم بالعذاب، والانتقام منهم، ولكنه يؤخرهم إلى اليوم الذي يعرضون فيه على ربهم؛ ليكون عذابهم فيه أشد، وأدوم. ﴿وَما﴾","vol":"4","page":411},{"text":"كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ أي: من أنصار يمنعونهم من عذاب الله تعالى؛ إذا أراده بهم.\n ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: يزداد عذابهم في الآخرة فوق عذاب الكفر بسبب صدهم عن سبيل الله، وإنكارهم البعث بعد الموت، وغير ذلك. ويقرأ الفعل: «(يضعّف)». ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أي: ما كانوا يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعا ينتفعون به مع كونهم لهم آذان. ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أي: لم يبصروا الحق مع كونهم لهم عيون، وذلك لشدة بغضهم النبي ﷺ، وشدة عداوتهم له، فلم يكن عندهم استعداد لأن يسمعوا سماع قبول، ولا أن يبصروا تبصر اهتداء وانتفاع، وآية (الأعراف) رقم [١٧٩] أكبر دليل على ذلك، وقيل: إن المراد الأصنام، فهي لا تسمع، ولا تبصر، فلذا فهي لا تنفع من يعبدها شيئا.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَكُونُوا﴾: مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿مُعْجِزِينَ﴾: خبر ﴿يَكُونُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، التقدير: معجزين الله. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾:\nمتعلقان ب ﴿مُعْجِزِينَ..﴾. وجملة: ﴿لَمْ يَكُونُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية.\n ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٣] ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة.\n ﴿أَوْلِياءَ﴾: اسم كان مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿يُضاعَفُ﴾: مضارع مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان به. ﴿الْعَذابُ﴾: نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿السَّمْعَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ وجملة: ﴿ما كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ إعرابها واضح، والجملة معطوفة على ما قبلها، هذا؛ وأجيز اعتبار: (ما) ظرفية مصدرية، تسبك مع ما بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية، متعلق بالفعل ﴿يُضاعَفُ،﴾ التقدير: يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والأبصار؛ أي: أبدا. كما أجيز اعتبارها موصولة مجرورة بحرف جر، التقدير: بما كانوا، فلما حذف حرف الجر؛ انتصب الموصول على المفعولية، واعتباره مجرورا بالمحذوف أقوى؛ لأن الفعل: ﴿يُضاعَفُ﴾ لا ينصب مفعولا صريحا. تأمل، وتدبر.","vol":"4","page":412},{"text":"<span id=\"aya-1494\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بسبب استبدال عبادة الله بعبادة الحجارة والأوثان، وما يتبع ذلك من صد الناس عن دين الإسلام، وفعل القبائح والمنكرات، وإنكار البعث بعد الموت، وما يتعلق به. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ضاع كذبهم، وبطل إفكهم، وذهب دعاؤهم: أن الأصنام تشفع لهم، وانظر «الخسران» في الآية التالية، وشرح (النّفس) في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ﴾ انظر الآية رقم [١٦] لتفصيل الإعراب، وجملة: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. (ضل): ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان به. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، وتقدير الكلام: ضل عنهم الذي، أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل التقدير: وضل عنهم افتراؤهم، وجملة: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-1495\"></span>﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾: انظر الإعراب يتضح لك معناها. ﴿الْآخِرَةِ﴾: انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (التوبة). ﴿هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: لا أحد أكثر خسرانا منهم، وأي: خسران أعظم من خسارة الجنة، والحرمان من نعيمها الذي لا ينقطع، هذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران إنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله منازل الكفار التي في الجنة للمؤمنين، وجعل منازل المؤمنين التي في النار للكفار، فذلك هو الخسران المبين، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى جعل لكلّ إنسان مسكنا في الجنّة ومسكنا في النّار، فأمّا المؤمنون فيأخذون منازلهم، ويرثون منازل الكفّار، ويجعل الكفّار في منازلهم في النّار». أخرجه ابن ماجة، وهذا تأويل قوله تعالى في سورة (المؤمنون):\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\nتنبيه: لفظ ﴿لا جَرَمَ﴾ ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع متلوّ ب «أنّ» واسمها، ولم يجئ بعدها فعل، أحدها ما في هذه السورة، وثلاثة بسورة (النحل) برقم [٢٣] و[٦٢] و[١٠٩] والخامس في سورة (غافر) برقم [٤٣].","vol":"4","page":413},{"text":"الإعراب: ﴿لا جَرَمَ..﴾. إلخ في إعراب هذا اللفظ أربعة أقوال:\n-أحدها: وهو مذهب الخليل وسيبويه: أنهما مركبتان من (لا) النافية، و(جرم) وبنيتا على تركيبهما تركيب خمسة عشر وصار معناهما معنى فعل، وهو (حقّ) فعلى هذا فالمصدر المؤول من (أنّ) واسمها وخبرها، في محل رفع فاعل، فقوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أي: حقّ وثبت كون النار لهم، أو استقرارها لهم، هذا ما نقله السمين عن الخليل وسيبويه، ونقل مكي عنهما: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى حق في موضع رفع بالابتداء، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل رفع خبر، فاختلف النقل عن الخليل وسيبويه، رحم الله الجميع برحمته الواسعة ورحمنا معهم.\n-الثاني: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمنزلة: (لا رجل) في كون (لا) نافية للجنس وجرم اسمها مبني معها على الفتح، وهي واسمها في محل رفع بالابتداء، وما بعدها خبر (لا) النافية، وصار معناها:\nلا محالة في أنهم في الآخرة، أي: في خسرانهم، وهذا الوجه عزاه مكي إلى الخليل أيضا.\n-الوجه الثالث: أن (لا) نافية لكلام متقدم، تكلم به الكفرة، فرد الله عليهم بقوله: (لا)، كما ترد (لا) هذه قبل القسم في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي: جرم أن لهم كذا، وجرم فعل ماض معناه كسب وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، و(أنّ) وما في حيزها في موضع المفعول به؛ لأن (جرم) يتعدى إذا كان بمعنى: (كسب)، وعلى هذا فالوقف على قوله (لا) ثم يبتدأ بجرم بخلاف ما تقدم. انتهى. جمل، وهذا القول عزاه مكي للزجاج.\n-الوجه الرابع: أن معنى ﴿لا جَرَمَ﴾: لا حدّ، ولا منع، ولا صدّ، ويكون «جرم» بمعنى القطع، تقول: جرمت كذا، أي: قطعته، فيكون: ﴿جَرَمَ﴾ اسم (لا) مبني معها على الفتح، كما تقدم، وخبرها: (أنّ) وما في حيزها على حذف حرف الجر، أي: لا منع من خسرانهم، فيعود فيه الخلاف المشهور. انتهى. جمل، وهذا القول عزاه مكي للكسائي.\n ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلقان ب ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ بعدهما.\n ﴿أَنَّهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية خبر (أنّ)، هذا، وإن اعتبرت ﴿أَنَّهُمْ﴾ ضمير فصل لا محل له ف ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ خبر (أنّ) مرفوع... إلخ، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر، انظر الإعراب المتقدم؛ لترى محل هذا المصدر.\n\n<span id=\"aya-1496\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها ودرجاتها. ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾: أنابوا، وأطاعوا، وخشعوا وخضعوا. والإخبات: الخشوع","vol":"4","page":414},{"text":"للمخافة الثابتة في القلب، من: (الخبت)، وهو الأرض المستوية الواسعة. قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٣٤]: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ.. الَّذِينَ..﴾. إلخ. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾:\n ﴿أَصْحابُ﴾: جمع صاحب، ويكون بمعنى: المالك كما هنا، ويكون بمعنى الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب هذا؛ وقد جعل المؤمنون المطيعون الخاشعون أصحاب الجنة بمعنى مالكيها لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب النار. ﴿خالِدُونَ﴾: مقيمون لا يخرجون، ماكثون أبدا، لا يموتون، ولا يفنون.\nتنبيه: لما ذكر الله ﷿ أحوال الكفار في الدنيا، وخسرانهم في الآخرة، أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا، وربحهم في الآخرة؛ إذ اقتضت سنة الله، وحكمته العالية، ورحمته الواسعة، ألا يذكر التكذيب من الكافرين، إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الكفر، إلا ويذكر الإيمان، ولا يذكر النار إلا ويذكر الجنة، ولا يذكر الغضب والسخط إلا ويذكر الرضا والرحمة، ليكون المؤمن خائفا راجيا، وراهبا راغبا... إلخ، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، وجملة: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها أيضا، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١]. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ﴾: خبر المبتدأ، و﴿أَصْحابُ﴾:\nمضاف، و﴿الْجَنَّةِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿رَبِّهِمْ﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ أو من ﴿الْجَنَّةِ﴾ نفسها، والعامل في الحال اسم الإشارة، والرابط: الضمير على الاعتبارين، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ،﴾ والأول أقوى، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1497\"></span>﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ..﴾. إلخ: قال الخازن رحمه الله تعالى: لما ذكر الله ﷾ أحوال الكفار، وما كانوا عليه من العمى عن طريق الهدى والحق، ومن الصمم عن سماعه،","vol":"4","page":415},{"text":"وذكر أحوال المؤمنين، وما كانوا عليه من البصيرة وسماع الحق، والانقياد للطاعة؛ ضرب لهم مثلا، فقال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ،﴾ يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين.\n ﴿كَالْأَعْمى﴾ وهو الذي لا يهتدي لرشده. ﴿وَالْأَصَمِّ،﴾ وهو الذي لا يسمع شيئا البتة، ﴿وَالْبَصِيرِ﴾ وهو الذي يبصر الأشياء على ماهيتها. ﴿وَالسَّمِيعِ﴾ وهو الذي يسمع الأصوات، ويجيب الداعي. انتهى. هذا؛ ولا تنس: أن وصف الكافر بصفتين، ثم وصف المؤمن بصفتين، إنما هو من باب اللف والطباق والمقابلة، وهذا من فن البديع.\n ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾: قال الفراء: لم يقل: هل يستوون؛ لأن الأعمى، والأصم في حيز كأنهما واحد، وهما من وصف الكافر، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد، وهما من وصف المؤمن. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون بضرب الأمثال والتأمل فيها، وقد حذفت إحدى التاءين من الفعل، فإن الأصل (تتذكرون) وهذا الحذف كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي.\nهذا؛ و«مثل» بفتح الميم والثاء هنا بمعنى صفة الفريقين، وهو بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله: مثيل بمعنى: شبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير وغيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى، حكاية عن قول فرعون وقومه:\n ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث، كما في الآية الكريمة، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في قوله تعالى: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ،﴾ والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى:\n ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم حيث قال: المعنى: ليس كذاته شيء، والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم به.\nهذا؛ وأما «المثل» في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وشبهه، انظره في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇، هذا؛ والمثل بفتح الميم والثاء أيضا: هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه، أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن ألفاظ الأمثال لا تتغير، تذكيرا وتأنيثا، إفرادا وتثنية وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، مثل: (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم يطلبه بعد فواته، هذا؛ ويجمع «مثل» بكل معانيه على أمثال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ..﴾. إلخ.\n ﴿أَفَلا﴾ فالهمزة للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الواو، وثم، تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾.\nإلخ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وقوله: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ وأخواتها تتأخر","vol":"4","page":416},{"text":"عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ،﴾ هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ، أتؤمنون في حياته، فإن مات أو قتل... إلخ، ويضعف قولهم ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع، انتهى. مغني اللبيب بتصرف.\nالإعراب: ﴿مَثَلُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْفَرِيقَيْنِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كَالْأَعْمى﴾:\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي الخبر، وتكون مضافة و(الأعمى) في محل جر بالإضافة، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾: هذه الأسماء معطوفة على (الأعمى)، والجملة الاسمية: ﴿مَثَلُ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام. ﴿يَسْتَوِيانِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿مَثَلًا﴾: تمييز، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ مستأنفة لا محل لها، وجواب الاستفهام محذوف، التقدير: لا يستويان. ﴿أَفَلا﴾:\nالهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: مضارع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1498\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿أَرْسَلْنا﴾: بعثنا. ﴿نُوحًا﴾: اسمه: السكن، وقيل: عبد الغفار. وسمي ﴿نُوحًا﴾ لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك، بن متوشلح، بن أخنوخ، وهو إدريس النبي ﵇، وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: إخسأ يا قبيح! فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم ﵉، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمره ألفا وخمسين سنة، وقيل: أكثر، لم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الآخرة من السورة المسماة باسمه.","vol":"4","page":417},{"text":"وأضيف: أن نوحا ﵇ كان من أولي العزم، وأنه لقي من العناء في دعوته قومه ما لم يلقه نبي أبدا، وإذا عرفت طول حياته، وأنه تعاقب عليه أجيال من قومه، وكل جيل يكون أفسد من سابقه؛ تبين لك ذلك واضحا؛ فلذا أمر الله نبينا محمدا في آخر قصته في هذه السورة بالتأسي به، والصبر على أذى قومه، كما صبر نوح ﵇.\n ﴿قَوْمِهِ﴾: انظر الآية رقم [٢٨] الآتية ﴿إِنِّي﴾: يقرأ بكسر الهمزة وفتحها. ﴿نَذِيرٌ﴾: منذر، أي: مخوف بالعقاب من خالف أمر الله وعبد غيره، وكذلك مبشر بالثواب من آمن به، وعبده حق عبادته، وحذف مبشر اكتفاء بنذير، وكثيرا ما يذكر معه كما في الآية رقم [٢].\nتنبيه: الحكمة من ذكر قصص الأنبياء ﵈ تسلية النبي ﷺ، وتنبيه له على ملازمة الصبر على أذى الكفار، كما صبر الرسل الكرام، إلى أن يكفيه الله أمرهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٩] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا﴾: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب «نا»، التي هي ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذا، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: أرسلت، وأرسلن. ﴿نُوحًا﴾: مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُوحًا،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿لَكُمْ﴾:\nمتعلقان ب ﴿نَذِيرٌ﴾ بعدهما. ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر (إن). ﴿مُبِينٌ﴾: صفة: ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال إني... إلخ وهذا على كسر الهمزة، وأما على فتحها، فتؤول (أن) مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني لكم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلْنا﴾.\n\n<span id=\"aya-1499\"></span>﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿اللهَ﴾: علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم: الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال.","vol":"4","page":418},{"text":"الإعراب: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢] ففيه الكفاية، وزيد هنا تجويز البديلة من: ﴿(إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ)﴾ على قراءة فتح الهمزة. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسم (إن). ﴿أَخافُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان ب ﴿أَخافُ﴾. ﴿عَذابَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿أَلِيمٍ﴾: صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ وقال الجمل: المتصف بكونه مؤلما هو العذاب، لا اليوم، فنسبة الإيلام، إلى اليوم مجاز عقلي. انتهى.\nوقال البيضاوي: مؤلم، وهو في الحقيقة صفة المعذب، لكن يوصف به العذاب، وزمانه على طريقة: جد جده، ونهاره صائم للمبالغة. وأرى أنه صفة: ﴿عَذابَ،﴾ وجر للمجاورة، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة التي جلبها حركة الجوار، وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1500\"></span>﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: قال السادة والعظماء الكافرون من قوم نوح له. ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا﴾: لا نراك يا نوح إلا آدميا مثلنا، لا فضل لك علينا، ولا مزية تستوجب طاعتنا لك، وانقيادنا لأوامرك، ونواهيك. ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾:\nولم يتبعك إلا سفلتنا وأخساؤنا وسقطنا، وخسيسو الصناعات وحقيرو المهن من حاكة وحجامين! وهذا جهل منهم؛ لأنهم عابوا نوحا ﵇ بما لا عيب فيه؛ لأن الأنبياء-صلوات الله وسلامه عليهم-إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، وهم يرسلون إلى الناس جميعا، فإن تبعهم الوضيع؛ لم يلحقهم من ذلك نقصان؛ لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم من الناس بدون تمييز بين عظيم وحقير، وشريف ووضيع.\n ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: ظاهر الرأي: وأول الأمر من غير تثبت، وتفكر في أمرك، ولو تفكروا؛ ما اتبعوك. ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: بمال أو جاه أو شرف يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة، وهذا أيضا جهل منهم؛ لأن الفضيلة المعتبرة عند الله بالإيمان والطاعة، لا بالجاه، والشرف، والرئاسة. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾: فيما تدعون من النبوة، والميزة علينا، والخطاب لنوح ومن آمن معه من قومه، أو هو لنوح وحده، وخوطب بلفظ الجمع على سبيل التعظيم.","vol":"4","page":419},{"text":"هذا؛ والملأ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملئون العيون مهابة بكبريائهم وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، والملأ: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل:\nرهط، ومعشر، ونحوهما. و(بشر) يطلق على الإنسان ذكرا أو أنثى، مفردا وجمعا، مثل كلمة:\nالفلك تطلق على المفرد والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر أو بالصوف، أو الريش.\n ﴿نَرى﴾: مضارع ماضيه: (رأى) فالقياس نرأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي: [الوافر]\nأري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات\nوربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾، و﴿أَرَأَيْتَ﴾ ... إلخ (أرأيتكم)، وأ رأيت بدون همز، وقال الشاعر: [الخفيف]\nصاح هل ريت، أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟\nوإذا أمرت منه على الأصل قلت: (ارء)، وعلى الحذف (ره) بهاء السكت، وقل في إعلال (نرى)، أصله: نرأي، قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف. بعد هذا ف (أراذل) جمع: أرذل، وأرذل جمع رذل، فهو جمع الجمع مثل كلب، وأكلب، وأكالب، وقيل: الأراذل جمع: الأرذل، كأساود جمع الأسود من الحيات، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ﴾: الفاء: حرف استئناف. (قال الملأ): ماض وفاعله. ﴿الَّذِينَ﴾:\nاسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿الْمَلَأُ،﴾ أو بدل منه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة العائدة على الموصول، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما﴾: نافية.\n ﴿نَراكَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بَشَرًا﴾: مفعول به ثان، إن كان ﴿نَراكَ﴾ قلبيا، أو حال إن كان بصريا، وهي حال موطئة؛ لأنه جامد، والمقصود الصفة، وهي ﴿مِثْلَنا،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما نَراكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿اِتَّبَعَكَ﴾: ماض، والكاف مفعول به. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل ﴿اِتَّبَعَكَ﴾. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿أَراذِلُنا﴾: خبره، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بادِيَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿اِتَّبَعَكَ﴾ على المعتمد، وجاز أن يعمل ما قبل ﴿إِلاّ﴾ فيما بعدها توسعا في","vol":"4","page":420},{"text":"الظروف، وهذا جواب عن إشكال، وهو أن ما بعد (إلا) لا يكون معمولا لما قبلها إلا أن يكون مستثنى منه، نحو ما قام إلا زيدا القوم، أو تابعا للمستثنى منه، نحو ما جاءني أحد إلا زيدا خير من عمرو. انتهى. جمل نقلا عن كرخي، وانظر الآية رقم [١٠٢] من سورة (الإسراء).\nوهو يقرأ بهمز وبدونه، و﴿بادِيَ﴾: مضاف، و﴿الرَّأْيِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿اِتَّبَعَكَ..﴾.\nإلخ في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من كاف الخطاب على نحو ما رأيت في الجملة السابقة، وعلى اعتبار الجملة حالا ف «قد» قبلها مقدرة. تأمل. وجملة: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿لَكُمْ عَلَيْنا﴾: كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿فَضْلٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ ويجوز في الفعل ﴿نَرى﴾ ما جاز في سابقيه من الاعتبارين، فعلى اعتباره قلبيا يكون ﴿عَلَيْنا﴾ متعلقين بالفعل على اعتبارهما مفعولا ثانيا تقدم على الأول الذي هو ﴿مِنْ فَضْلٍ﴾ وعلى اعتباره بصريا يجوز اعتبار ﴿عَلَيْنا﴾: متعلقين بمحذوف حال من ﴿فَضْلٍ﴾: كان صفة له... إلخ على نحو ما رأيت في الآية رقم [٣]، وجملة: ﴿وَما نَرى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿نَظُنُّكُمْ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿كاذِبِينَ﴾: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول الملأ أيضا.\n\n<span id=\"aya-1501\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ..﴾. إلخ: لقد احتج المشركون على نوح﵇في الآية السابقة بثلاث شبه: بقولهم: ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا...،﴾ وبقولهم: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ..﴾.\nإلخ، وبقولهم: ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا..﴾. إلخ، وقد أجابهم عن هذه الثلاثة إجمالا بما في هذه الآية، وتفصيلا بما في الآية رقم [٣١] الآتية. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: قال سليمان الجمل رحمه الله تعالى:\nاستعمال (أرأيت) في الإخبار مجاز، أي: أخبروني عن حالتكم العجيبة، ووجه المجاز: أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، والأبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه؛ استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر لاشتراكهما في الطلب... انتهى.\n ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾: على حجة وبرهان. ﴿مِنْ رَبِّي﴾: انظر الآية رقم [٣] ﴿وَآتانِي رَحْمَةً﴾:\nوأعطاني ومنحني رحمة من فضله، وهي النبوة والرسالة. ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: فخفيت عليكم، فلم","vol":"4","page":421},{"text":"تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغيرها، وقيل: هذا من باب القلب، والأصل: فعميتم أنتم عنها، وقرئ الفعل بالتخفيف، والبناء للمعلوم. ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾: أنجبركم على قبولها، الهاء عائدة على الرحمة، والمعنى: أنكرهكم أيها القوم على قبول الرحمة؟! وقد اجتمع ضميران منصوبان، ضمير خطاب وضمير غيبة، والأول أعرف، فيجوز في مثل ذلك الفصل، والوصل، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nوصل أو افصل هاء سلنيه وما... أشبهه في كنته الخلف انتمى\n ﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾: لا تختارونها، ولا تتأملون فيها، وليس لي أن أضطركم إلى ذلك، قال قتادة: والله لو استطاع نبي الله؛ لألزمها قومه، ولكنه لم يملك ذلك.\n (قوم): اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل رهط ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]\nوما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال والنساء جميعا.\n ﴿كُنْتُ﴾: أصله كونت، فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: كانت، فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف، فصار: «كنت» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار «كنت»، وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل فصار:\nكونت، ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار (كونت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما، فصار: (كنت) وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسندا إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قام وقال وغيرهما.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى نوح. ﴿يا قَوْمِ﴾ يا: حرف نداء ينوب مناب: أدعو، أو أنادي. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه، إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا قومي، ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: يا قومي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا قوما، ومنهم من يقول: يا قوم بضم الميم، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فتقول: يا قوم، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ وتقريع. رأيتم: فعل","vol":"4","page":422},{"text":"وفاعل، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مِنْ رَبِّي﴾: متعلقان ب ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها، اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿وَآتانِي رَحْمَةً﴾ معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾: متعلقان بالفعل: (أتى)، أو هما متعلقان ب ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والهاء في محل جر بالإضافة، وجواب الشرط محذوف، دل عليه الجملة الاستفهامية الآتية. (عميت): ماض مبني للمجهول على قراءته بتشديد الميم، وضم العين، ومبني للمعلوم على التخفيف وفتح العين، ونائب الفاعل، أو والفاعل يعود إلى الرحمة، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾: الهمزة: حرف استفهام. (نلزمكموها): مضارع، والكاف مفعول به أول، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، و(ها): مفعول به ثان، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل ﴿أَرَأَيْتُمْ،﴾ وما بينهما كلام معترض لا محل له، والمفعول الأول محذوف، وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (يونس) إن أردت الزيادة. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَها﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿يَكْرَهُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: (أنتم...) إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1502\"></span>﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: على تبليغ الرسالة، فهو مدلول قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾.\n ﴿مالًا﴾: جعلا، وانظر شرح المال في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنفال). ﴿إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾: لا أطلب منكم أجرا، وإنما أطلب ثوابي من الله تعالى، ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾:\nوذلك: أنهم طلبوا من نوح ﵇ أن يطرد الذين آمنوا، وهم الأرذلون في زعمهم، وهذا كما طلبت قريش من النبي ﷺ أن يطرد الفقراء من مجلسه، انظر الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام).\n ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة، فيخاصمون طاردهم عنده، أو إنهم يلاقونه يوم القيامة، فيفوزون بقربه، وجوده، وإحسانه، فكيف أطردهم؟! ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي: عظمة الله وقدرته ووحدانيته، وقيل: المعنى: إنكم تجهلون: أن هؤلاء الضعفاء خير منكم عند الله تعالى.","vol":"4","page":423},{"text":"هذا؛ والجهل: هو السفه، والطيش، والحمق. والجاهل: هو الذي يجهل ما يتعلق به من المكروه، والمضرة. وعن بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، ومن حق الحكيم العاقل أن لا يقدم على شيء؛ حتى يعلم كيفيته وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nفإن تزعميني كنت أجهل فيكمو... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل\nوإن لم يكن كذلك؛ يصدق عليه: أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر: [الكامل]\nفضل الحمار على الجهول بخلّة... معروفة عند الّذي يدريها\nإنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهّال ما يؤذيها\nهذا؛ «وآمن» أصله: أأمن بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في مصدره إيمان، فإن أصله إئمان، فقلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى، وهي الكسرة، وكما قلبت في مضارعه (أومن)، فإن أصله أؤمن، فقلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى، وهي الضمة.\nالإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مالًا﴾: مفعول به ثان. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَجرِيَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿مالًا﴾: حرف حصر. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للنفي. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما):\nنافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِطارِدِ﴾: الباء: حرف جر صلة. (طارد): خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مهملة، فتكون الباء زائدة في خبر المبتدأ ﴿أَنَا،﴾ و(طارد) مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَما أَنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي تعليل للنفي مثلها. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُلاقُوا﴾: خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿مُلاقُوا﴾: مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنِّي﴾: الواو: حرف عطف.\n (لكني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿أَراكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة","vol":"4","page":424},{"text":"مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿قَوْمًا﴾:\nمفعول به ثان، وجملة: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ في محل نصب صفة: ﴿قَوْمًا،﴾ وجملة: ﴿أَراكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية (لكني...) إلخ معطوفة على ما قبلها، ولعلك تدرك معي: أن الآية برمتها معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1503\"></span>﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ أي: من عقابه، ومن انتقامه. ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أي: استجابة لطلبكم، وهم مؤمنون بربهم معترفون بربوبيته. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ انظر الآية رقم [٢٤].\nالإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: انظر الآية رقم [٢٨] ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْصُرُنِي﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿طَرَدْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وانظر إعراب: ﴿أَرْسَلْنا﴾ في الآية رقم [٢٥]، والجملة الفعلية لا محل لها مثل جملة: ﴿كُنْتُ..﴾.\nإلخ في الآية رقم [٢٨] وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن طردتهم؛ فمن ينصرني ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤]، والآية برمتها معطوفة على ما قبلها، وهي من مقول نوح، عليه الصلاة، والسّلام.\n<span id=\"aya-1504\"></span>﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ أي: خزائن رزقه، وإنعامه، وإفضاله، وهذا رد لقولهم: ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ في الآية رقم [٢٧] ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: لا أدعي علم ما يغيب عني مما يسرون في نفوسهم؛ لأنه لا يعلم ذلك إلا الله تعالى. ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾:\nوهذا رد لقولهم: ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا﴾. ﴿وَلا أَقُولُ..﴾. إلخ: ولا أقول في شأن الذين احتقرتموهم لفقرهم وضعفهم: لا يؤتيكم الله أجرا وثوابا، بل إني أقول: إن ما أعده الله لهم في الآخرة خير مما آتاكموه في الدنيا. ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من الخير والشر، فيجازيهم عليه ما يستحقون. ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي: إن طردتهم مكذبا لظاهرهم، ومبطلا لإيمانهم؛ فأكون ظالما لهم، ومعاذ الله أن أفعله!.","vol":"4","page":425},{"text":"﴿تَزْدَرِي﴾: تحتقر، والازدراء: التحقير، وانظر شرح الظلم في الآية رقم [٢٣] من سورة (يونس) هذا؛ و﴿أَعْيُنُكُمْ﴾ جمع: عين، وتجمع على عيون، وأعيان أيضا، وأعيان غير مشهور، وقليل الاستعمال، و(أعين) جمع قلة، وغيره جمع كثرة، والمراد بها هنا: العين الباصرة، وتطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة، أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه، وعين الشيء: خياره، وتطلق على النقد من ذهب وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط]\nواستخدموا العين منّي، وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو\nفالمراد بالعين ذاته، والمراد بجارية عينه التي تجري بالدمع، والمراد بقوله: (بها) نقد الذهب، وهذا يسمى استخداما في فن البديع، كما تطلق على الماء الجاري النابع من الأرض، وتطلق على المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة: [الكامل]\nجادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم\nهذا؛ وأعيان القوم أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇، ففيها بحث طويل، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَقُولُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِنْدِي﴾: ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، متعلق بمحذوف خبر مقدم، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿خَزائِنُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية، وجملة: ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿لِلَّذِينَ﴾:\nمتعلقان بالفعل: ﴿أَقُولُ﴾. ﴿تَزْدَرِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿أَعْيُنُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: تزدريه أعينكم. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يُؤْتِيَهُمُ﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿اللهِ﴾: فاعله.\n ﴿خَيْرًا﴾: مفعول به ثان، وجملة: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿اللهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ؛﴾ لأنه أفعل تفضيل أو هو بمعنى: (عالم)، ولا يكون التفضيل مرادا. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول (ما) والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها.","vol":"4","page":426},{"text":"﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء. ﴿لَمِنَ﴾: اللام: هي المزحلقة. ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مستأنفة أيضا، هذا؛ وإن الآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، وعند التأمل يتبين لك أنها في محل نصب مقول القول؛ إذ هي من مقول نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة وأزكى سلام.\n\n<span id=\"aya-1505\"></span>﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال قوم نوح لنوح ﵇. ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: خاصمتنا.\n ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ أي: أكثرت خصومتنا وبالغت فيها، والجدل: المبالغة في الخصومة، مشتق من الجدل، وهو الفتل، ويقال للصقر: أجدل لشدته في الطير، وقرئ: «(جدلنا)» والجدل في الدين محمود؛ ولهذا جادل نوح والأنبياء أقوامهم حتى يظهر الحق، فمن قبله؛ نجح وأفلح، ومن رده؛ خاب وخسر، وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم، وصاحبه في الدارين ملوم، وقد يسمى الجدال: مماراة كما في الآية رقم [٢٢] من سورة (الكهف). ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾: به من العذاب. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي: في دعواك أنك رسول من الله إلينا، وفي وعيدك لنا بالعذاب أيضا، فإن جدالك لا يؤثر فينا.\nهذا؛ و(تعد)، أصله (توعد) فحذفت الواو؛ لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في مضارع الغائب (يعد) وتحذف من مضارع المتكلم والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: (وعدا)، وماضيه: (وعد)، وقد تحذف الواو من المصدر، ويعوض عنها تاء في الآخر، فيصير (عدة).\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١] (يا): حرف نداء ينوب منا أدعو. (نوح): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جادَلْتَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول كالجملة الندائية قبلها. (أكثرت): فعل وفاعل.\n ﴿جِدالَنا﴾: مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول.\n ﴿فَأْتِنا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٧] (آتنا): أمر مبني على حذف حرف العلة، من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ونا: في محل نصب مفعول به. ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿تَعِدُنا﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ","vol":"4","page":427},{"text":"التقدير: بالذي، أو بشيء تعدنا به، وأجيز اعتبار (ما) مصدرية فيكون التقدير: بوعدك إيانا، وجملة: (ائتنا...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك لا يفيدك شيئا، ﴿فَأْتِنا..﴾. إلخ، والشرط ومدخوله في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٨] وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنت... فائتنا بما تعدنا، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1506\"></span>﴿قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: نوح. ﴿إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ﴾ أي: بالعذاب، فإن أمره إلى الله، لا إليّ.\n ﴿إِنْ شاءَ﴾ أي: شاء إهلاككم؛ عذبكم عاجلا، أو آجلا. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بفائتين من العذاب، أو بهاربين منه، أو ما أنتم بمعجزين الله تعالى بأن لا يقدر على تعذيبكم.\nهذا؛ و﴿شاءَ﴾ مضارعه يشاء، فلم يرد له أمر، ولا ل «أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل (شاء): (شيء) على فعل بكسر العين، بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول: (أراد) حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخريمي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه، ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد (لو)، وليس كذلك، وانظر الإرادة في الآية رقم [١١٨] الآتية.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى (نوح). ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يَأْتِيكُمْ﴾:\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اللهُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿شاءَ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن شاء إهلاككم؛ فهو يأتيكم بالعذاب ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٣] من سورة (يونس) وهي هنا في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين الحال وصاحبه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"4","page":428},{"text":"<span id=\"aya-1507\"></span>﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ أي: ولا ينفعكم إنذاري، وتخويفي إياكم عقوبته، ونزول العذاب بكم؛ لأنكم لا تقبلون نصحا. ﴿إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي:\nأن يضلكم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-وهذا مما يدل على بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما؛ إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي العاصي، ولا يكفر الكافر، ولا يغوي الغاوي، وأنه يفعل ذلك، والله لا يريد ذلك، وأضاف نوح ﵇ إغواءهم إلى الله ﷾؛ إذ هو المضل الهادي، سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون، والظالمون علوا كبيرا. انتهى. بتصرف كبير. هذا؛ وقد تقدم في الآية رقم [٨٨] من سورة (النساء) وغيرها أن ذلك مبني على علم الله الأزلي: أنهم لو تركوا وشأنهم؛ لما اختاروا غير الكفر، ولذا قدره الله عليهم، وأراده لهم، وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد)، وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (الفرقان)؛ تجد ما يسرك.. ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: خالقكم، والمتصرف فيكم وفق إرادته ومشيئته.\n ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: فيجازيكم على أعمالكم يوم القيامة، ففيه تهديد، ووعيد، وانظر (رجع) في الآية رقم [٨٣] من سورة (التوبة)، و﴿أَنْصَحَ﴾ مثل (أشكر) في الآية رقم [٦٠] من سورة (يونس).\nتنبيه: في الآية الكريمة شرطان، وجواب واحد، وفي ذلك قولان: أحدهما: أن جواب الأول سبقه ما هو جواب في المعنى، فإن التقدير: إن أردت أن أنصح لكم؛ فلا ينفعكم نصحي، والثاني: أن الشرط الثاني وجوابه جواب للأول، وخذ ما قاله أبو البقاء رحمه الله تعالى: حكم الشرط إذا دخل على الشرط أن يكون الشرط الثاني، والجواب جوابا للشرط الأول، كقولك: إن أتيتني، إن كلمتني أكرمتك، فقولك: إن كلمتني أكرمتك جواب: إن أتيتني، وإذا كان كذلك صار الشرط الأول في الذكر مؤخرا في المعنى، حتى لو أتاه، ثم كلمه؛ لم يجب الإكرام، ولكن إن كلمه، ثم أتاه؛ وجب إكرامه، وعلة ذلك: أن الجواب صار معوقا بالشرط الثاني، وقد جاء في القرآن منه قوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها..﴾. إلخ الآية رقم [٥٠] من سورة (الأحزاب). انتهى. هذا؛ ومثل الآية الكريمة قول الشاعر، وهو الشاهد [١٠٤١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nإن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم\nوأضيف ما قاله سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-وإن زاد على شرطين (أي: حكمه حكم الشرطين) وعلى هذا يترتب الحكم، مثاله: أن يقول لعبده: إن كلمت زيدا، إن دخلت الدار، إن أكلت الخبز، فأنت حرّ، فجواب الشرط الثالث أنت حر، والثالث وجوابه جواب للثاني،","vol":"4","page":429},{"text":"والثاني وجوابه جواب للأول، فإن كلم، ثم دخل، ثم أكل؛ لم يعتق، لكن إن أكل، ثم دخل، ثم كلم عتق؛ لما ذكر. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَنْفَعُكُمْ﴾: مضارع، والكاف مفعول به. ﴿نُصْحِي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْتُ﴾: فعل وفاعل، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أَنْصَحَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَرَدْتُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كانَ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ﴾: اسمها. ﴿يُرِيدُ﴾:\nمضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها مثل سابقتها، وانظر ما ذكرته في التنبيه عن الجواب، وفحواه أن جملة: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ سبقت الشرطين، وهي تدل على جواب أحدهما، بخلاف البيت الذي ذكرته، فإن تجدوا مذكور بعد الشرطين، وكذلك الأمثلة التي ذكرتها قد ذكر جواب بعد الشرطين، فإن اعتبرت الجملة الفعلية دلت على جواب الأول؛ فجواب الثاني محذوف اكتفاء بما دل عليه جواب الأول، وهو توجيه القول الأول، وإن اعتبرت الجملة الفعلية دالة على جواب الثاني؛ فجواب الأول محذوف اكتفاء بما دل عليه جواب الثاني، وهو توجيه القول الثاني. تأمل، وتدبر. ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: مبتدأ وخبر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي تعليلية لا محل لها على الاعتبارين. (إليه): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها عطف جملة فعلية على جملة اسمية، هذا؛ والآية الكريمة كلها في محل نصب مقول القول؛ إذ هي من مقول نوح ﵇. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1508\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي: كفار مكة؛ فعلى هذا تكون هذه الآية معترضة في أثناء قصة نوح ﵇؛ لأجل تنشيط السامع لسماع بقية القصة. انتهى. جلال وجمل معلقا عليه. وقال مقاتل: أي: يقول كفار قريش: اختلق محمد ﷺ القرآن من قبل نفسه، وما أخبر به عن نوح وقومه. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. وقال ابن عباس﵄-: هو من محاورة نوح لقومه، وهو أظهر؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، فالخطاب منهم","vol":"4","page":430},{"text":"ولهم. ﴿قُلْ﴾: الخطاب للنبي، أو لنوح عليهما، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة وأزكى سلام. ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ أي: اختلقته وافتعلته؛ يعني: الوحي والرسالة. ﴿فَعَلَيَّ إِجْرامِي﴾ أي: عقاب إجرامي وإثمه، وإن كنت محقّا فيما أقوله، فعليكم عقاب تكذيبي، والإجرام:\nمصدر أجرم، وهو اقتراف السيئة، يقال: أجرم وجرم بمعنى أنه اكتسب الذنب، وافتعله، قال الهيردان أجد لصوص بني سعد: [الوافر]\nطريد عشيرة، ورهين جرم... بما جرمت يدي، وجنى لساني\nومن قرأ: «(أجرامي)» بفتح الهمزة ذهب إلى أنه جمع جرم. ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أي:\nبريء من كفركم وتكذيبكم، ومعنى الآية: فأنتم لا تسألون عن عملي، وأنتم بريئون منه، وأنا بريء من عملكم، ولا أسأل عما تعملون، وما أشبه معنى هذه الآية بالآية رقم [٤١] من سورة (يونس)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ﴾: حرف عطف بمعنى (بل). ﴿يَقُولُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿اِفْتَراهُ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى النبي ﷺ، أو إلى نوح ﵇، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي معترضة كما رأيت، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِ﴾: حرف شرط جازم. ﴿اِفْتَرَيْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعَلَيَّ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليّ): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِجْرامِي﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله على اعتباره مصدرا، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أنا):\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَرِيءٌ﴾: خبره. ﴿مِمّا﴾: متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، وما: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: من الذي أو من شيء تجرمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من إجرامكم، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها.","vol":"4","page":431},{"text":"<span id=\"aya-1509\"></span>﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ﴾: وهذا بعد أن عذبوه بأنواع العذاب، واضطهدوه، يروى: أن رجلا من قومه حمل ابنه على كتفه، فلما رأى الصبي نوحا ﵇، قال لأبيه: أعطني حجرا، فأعطاه حجرا، ورمى به نوحا، فأدماه، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ..﴾. إلخ وكان كلما تمادوا في المعصية، واشتد عليه منهم البلاء؛ صبر على إيذائهم، وكان ينتظر الجيل من قومه بعد الجيل، فلا يأتي قرن إلا كان أنحس من الذي قبله، ولقد كان القرن الآخر منهم يأتي، فيقول: قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا، فلا يقبلون منه شيئا، فشكا نوح ﵇ إلى الله، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا..﴾. إلخ الآيات من سورة نوح هذا؛ والوحي: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، والوحي الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ أجمعين وسلم تسليما كثيرا. ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: فلا تغتمّ بسوء صنيعهم، فإنهم هالكون. والبؤس: الحزن، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوكم من خليل، أو حميم رزئته... فلم أبتئس، والرّزء فيه جليل\nيقال: ابتأس الرجل: إذا بلغه شيء يكرهه، والابتئاس حزن في استكانة.\nالإعراب: ﴿وَأُوحِيَ﴾: الواو: حرف عطف. (أوحي): ماض مبني للمجهول. ﴿إِلى نُوحٍ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَنْ﴾: حرف ناصب.\n ﴿يُؤْمِنَ﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾. ﴿مِنْ قَوْمِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿يُؤْمِنَ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل:\n ﴿يُؤْمِنَ،﴾ وجملة: ﴿قَدْ آمَنَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد رجوع الفاعل إليه، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل (أوحي)، هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إنه)» وفيه وجهان: أحدهما: وهو قول البصريين: أنه على إضمار القول، والثاني وهو قول الكوفيين أنه على إجراء الإيحاء مجرى القول. انتهى. سمين. وعليه فنائب الفاعل هو متعلق ﴿إِلى نُوحٍ﴾ كما قرئ «(أَوْحَى)» بالبناء للمعلوم، فيكون الفاعل عائدا، إلى الله، والمصدر المؤول من ﴿أَنَّهُ..﴾. إلخ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأنه، وعلى قراءة «(إنه)» بالكسر يجري فيه الوجهان المذكوران عن البصريين، والكوفيين، وجملة (أوحي...) إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٧] (لا): ناهية. ﴿تَبْتَئِسْ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، هذا؛ وإعراب: ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مثل","vol":"4","page":432},{"text":"إعراب: ﴿بِما تَعِدُنا﴾ في الآية رقم [٣٢] وقد مر معنا كثير مثلها، وجملة: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا علمت: أنه لن يؤمن من قومك\nفلا تبتئس... إلخ، و(إذا) المقدرة ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1510\"></span>﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا﴾: والخطاب لنوح ﵇، أي: اعمل السفينة التي ستنجو فيها أنت، ومن آمن معك، وإنك بحفظنا، ورعايتنا، وحراستنا، وبمرأى منا وحيث نراك، فعبر عن الرؤية بالأعين؛ لأن الرؤية تكون بها، كما عبر عن القدرة باليد في قوله تعالى:\n ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ لأنها آلة القدرة، وهذا؛ ونحوه من الألفاظ التي يجب تأويلها بما يتناسب معها، فإنها من المتشابهات التي توهم خلاف ما ينبغي بحقه تعالى من حدوث وغيره، وجمع «الأعين» للتعظيم لا للتكثير، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾:\nولا تراجعني فيهم، ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي: محكوم عليهم بالغرق في قديم الأزل، فلا سبيل إلى دفعه عنهم.\nهذا؛ و﴿الْفُلْكَ﴾ بضم الفاء وسكون اللام: هي السفينة التي استقلها نوح ﵇ بمن آمن معه، وهي أول سفينة وجدت في الدنيا، ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر، هذا؛ والفلك يطلق على المفرد والجمع، وعلى المؤنث والمذكر، قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فأفرد وذكر، وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع، وقال جل شأنه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب، فتذكّر وإلى السفينة فتؤنث، وقد ألغز الشاعر فيها فقال: [الطويل]\nمكسّحة تجري، ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو\nفإن عطشت عاشت، وعاش جنينها... وإن شربت ماتت، وفارقها الحمل\nهذا؛ و(الفلك) بفتحتين: مدار النجوم، ويجمع على «فلك» بضم الفاء وسكون اللام وضمها أيضا وعلى «أفلاك»، والفلك من كل شيء مستداره ومعظمه، والفلكي منسوب إلى علم الفلك، وانظر شرح (العين) في الآية رقم [٣١] و﴿ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالكفر، ومخالفة الواحد القهار، وانظر الظلم في الآية رقم [٢٣] من سورة (يونس).\nالإعراب: ﴿وَاصْنَعِ﴾: (اصنع): أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿الْفُلْكَ﴾: مفعول به.\n ﴿بِأَعْيُنِنا﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْفُلْكَ﴾ أي: مصنوعا بأعيننا، أو من الفاعل المستتر، التقدير: محفوظا برعايتنا... إلخ، و(نا): في محل جر بالإضافة. (وحينا): معطوف على ما","vol":"4","page":433},{"text":"قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية (اصنع...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (لا): ناهية. ﴿تُخاطِبْنِي﴾:\nمضارع مجزوم ب (لا) الناهية والفاعل تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول. ﴿إِنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُغْرَقُونَ﴾: خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، ونائب فاعله مستتر تقديره: «أنتم»، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها. هذا؛ وأكدت الجملة الاسمية بإن؛ لأن الكلام يشير إلى أن سائلا يسأل عن سبب النهي المتقدم، فجيء بإن المؤكدة، وهذا النوع من أنواع الخبر يسمى طلبيا، وهو من مباحث علم المعاني.\n\n<span id=\"aya-1511\"></span>﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾: حكاية حال ماضية، فالمضارع بمعنى الماضي، أي: وصنع نوح﵇سفينته كما أمره ربه. قال أهل السير، والأخبار: لما أمر الله نوحا بصنع السفينة، فقال: كيف أصنعها، ولست نجارا، فأوحى إليه أن اصنعها، فإنك بأعيننا، فأخذ القدوم، وجعل ينجر، ولا يخطئ، فصنعها مثل جؤجؤ الطير، ولا ريب أن جبريل ﵇ هو المهندس لهذا الصنع، فجعل يقطع الأخشاب من البرية، ولهى عن قومه، ويضرب الحديد، ويهيئ القار، وكل ما يحتاج إليه في عمل السفينة، فصار قومه يمرون به، وهو في عمله، فيسخرون منه، ويقولون: يا نوح! قد صرت نجارا بعد النبوة؟! وأعقم الله أرحام النساء، قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يولد لهن ولد.\nوقد اختلفوا في المدة التي تم بها صنع السفينة، فعن ابن عباس﵄-، قال:\nاتخذ نوح السفينة في سنتين. وقال كعب: بناها في ثلاثين سنة، وقيل: غير ذلك، والله أعلم.\nكما اختلفوا في طولها وعرضها، فعن ابن عباس﵄-: كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وسمكها ثلاثين ذراعا، وكانت من خشب الساج، وقيل: غير ذلك، وجعل لها ثلاثة بطون، فجعل في البطن الأسفل الوحوش، والسباع، والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب، والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى، وجعل معه ما يحتاج إليه من الزاد وغيره. انتهى. خازن وقرطبي.\nروي عن عمرو بن الحارث قال: عمل نوح السفينة ببقاع دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان، وقيل: جاءت الحية، والعقرب لدخول السفينة، فقال نوح ﵇: لا أحملكما؛","vol":"4","page":434},{"text":"لأنكما سبب البلاء والضرر، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين يخاف مضرتهما: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ لم تضراه. ذكره القشيري وغيره، وذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له مرفوعا من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يمسي: صلّى الله على نوح، وعلى نوح السّلام؛ لم تلدغه عقرب تلك الليلة» انتهى.\nقرطبي. وذكر الخازن حكايات، هي من نوع الخرافات.\n ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: استهزءوا به لعمله السفينة، إما لأنهم كانوا لا يعرفونها، ولا كيفية استعمالها، والانتفاع بها، فتعجبوا من ذلك وسخروا منه، وإما لأنه كان يصنعها في برية في أبعد موضع من الماء، وكلما سألوه: يا نوح ما تصنع؟ قال: أبني بيتا يمشي على الماء، أو هو قولهم السابق: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة؟!.\n ﴿قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ..﴾. إلخ: المعنى: إن تستجهلونا في صنعنا، فإنا نستجهلكم لتعرضكم لما يوجب سخط الله وعذابه، وقوله ﴿نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ سمى هذا الفعل سخرية على سبيل الازدواج في مشاكلة الكلام، وقد مر معنا مثل ذلك كثير، انظر الآية رقم [٦٧] التوبة و[٣٠] الأنفال وغيرهما، وانظر الكلام على الاستهزاء في الآية رقم [٦٤] من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿وَيَصْنَعُ﴾: الواو: حرف استئناف. (يصنع): مضارع، والفاعل يعود إلى نوح ﵇. ﴿الْفُلْكَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَكُلَّما﴾: الواو:\nواو الحال. (كلما): ظرفية متعلقة بجوابها، وكذلك كل موضع كان لها جواب، وهذا يعني:\nأنها متضمنة معنى الشرط، وهذا هو المشهور؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وتفصيل الإعراب: (كل): ظرف زمان. (ما): مصدرية توقيتية.\n ﴿مَرَّ﴾: ماض. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان به. ﴿مَلَأٌ﴾: فاعله. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿مَلَأٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و(ما) والفعل ﴿مَرَّ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت مرور الملأ عليه، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كل)، انظر مبحث (كلما) في كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿سَخِرُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾ جواب (كلما) لا محل لها، وقيل: الجواب جملة: ﴿قالَ إِنْ..﴾. إلخ وجملة: ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾ صفة:\n ﴿مَلَأٌ...،﴾ أو هي بدل من جملة: ﴿مَرَّ..﴾. إلخ وهو بعيد جدا؛ إذ ليس سخر نوعا من المرور، ولا هو هو، فكيف يبدل منه، وعليه فالمعتمد الأول، ومثله ما قيل في الآية رقم [٣٧] من سورة (آل عمران)، و(كلما) ومدخولها في محل نصب حال من فاعل (يصنع) المستتر والرابط: الواو، والضمير المجرور بحرف الجر. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَسْخَرُوا﴾: مضارع فعل الشرط","vol":"4","page":435},{"text":"مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنّا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَسْخَرُوا مِنّا﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنّا﴾: الفاء واقعة في جواب الشرط. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و«نا»: اسمه، وحذفت نونها، وبقيت ألفها، وجملة: ﴿نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها على المعتمد. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. و(ما):\nمصدرية. ﴿تَسْخَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير: كما تسخرون منا، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: فإنا نسخر منكم سخرية كائنة مثل سخريتكم بنا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1512\"></span>﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تهديد ووعيد، والفعل يحتمل أن يكون من «العلم»، وأن يكون من المعرفة. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾: يذله، ويهينه، والمراد به: عذاب الدنيا. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾: المراد به عذاب الآخرة؛ الذي لا ينقطع، وهو عذاب النار.\nالإعراب: ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿تَعْلَمُونَ﴾:\nمضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول إن كان الفعل من العلم، والثاني محذوف، واعتباره من المعرفة هنا أولى.\nتأمل. و﴿مَنْ﴾ تحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ، التقدير: أينا يأتيه العذاب؟ وجملة: ﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية مبتدأ؛ وعليه يكون الفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ معلقا عن العمل، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعوله، أو مفعوليه حسب ما رأيت، وجملة: ﴿يُخْزِيهِ﴾ في محل رفع صفة عذاب، وجملة:\n ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. تأمل.\n<span id=\"aya-1513\"></span>﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ أي: بإهلاكهم وعذابهم. ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾: نبع الماء فيه وارتفع كالقدر تفور، والتنور: تنور الخبز، ابتدع منه الينبوع على خرق العادة، وكان في الكوفة في موضع","vol":"4","page":436},{"text":"مسجدها، أو في الهند، وهو قول ضعيف، أو بعين وردة بأرض الجزيرة، وقيل: التنور: وجه الأرض جميعها، وقيل: أعاليها، وقيل: غير ذلك، والمعتمد الأول هذا؛ وما يقال: إنه عين التنور الموجودة قرب حمص؛ لم يقل به أحد من المفسرين، وكان فوران الماء منه إيذانا لنوح ﵇، ودليلا على هلاك قومه، قال أمية بن أبي الصلت: [الخفيف]\nفار تنورهم، وجاش بماء... صار فوق الجبال حتّى علاها\nقال القرطبي: والتنور أعجمي عربته العرب؛ لأن أصله: تنر، وليس في كلام العرب نون قبل راء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] و[٢٣] من سورة (يوسف) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها﴾ أي: في السفينة. ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ أي: من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها احمل اثنين. ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: ذكر وأنثى، وذلك لبقاء أصل النسل بعد الطوفان، هذا؛ والزوج يطلق على الزوجة وحدها، وعلى الزوج وحده، وهو المراد هنا؛ أي: احمل من كل فردين متزاوجين اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر.\nقال ابن عباس﵄-: أول ما حمل نوح الدّرّة، وآخر ما حمل الحمار. قال البغوي: وروى بعضهم أن الحية والعقرب أتيا نوحا ﵇، وقالا: احملنا معك، فقال:\nإنكما سبب البلاء فلا أحملكما. فقالا: احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين خاف مضرتهما: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ لم يضراه، وهناك أقوال وروايات كثيرة ضربت عنها صفحا. هذا؛ ويذكر أن الله حشر لنوح السباع والطير وغيرهما. فجعل يضرب بيديه في كل نوع، فتقع يده اليمنى على الذكر، ويده اليسرى على الأنثى، فيحملهما في السفينة.\n ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾: المراد بأهلك: زوجته المؤمنة وأولاده المؤمنون، وهم:\nسام، وحام، ويافث، وزوجاتهم. ومن سبق عليه القول في قديم الأزل بالهلاك وعدم الإيمان:\nابنه كنعان وأمه واعلة فإنها كانت كافرة كامرأة لوط. ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: احمل المؤمنين من غير أهلك. ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾: قيل: كان المؤمنون معه تسعة وسبعين وزوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وقال الحسن رحمه الله تعالى: لم يحمل نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق، والذباب، والدود، فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين، هذا؛ وإنما جيء ب (علي) لأن السابق ضار، كما جيء باللام حيث كان نافعا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ الآية رقم [١٠١] من سورة (الأنبياء).\nوالمراد بالقول هنا ما عبر عنه في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.","vol":"4","page":437},{"text":"الإعراب: ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش جارة ل ﴿إِذا،﴾ وقد ردّه ابن هشام في المغني، وعلى قول الأخفش تحتمل أن تكون متعلقة بالفعل: (يصنع)، وهو ظاهر قول الزمخشري، وأن تكون متعلقة بمحذوف دل عليه السياق، التقدير: دام ذلك إلى مجيء أمرنا، أو وقت مجيئه بالعذاب والإهلاك. ﴿إِذا﴾: ظرف مجرور ب ﴿حَتّى﴾ على قول الأخفش، وظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ معطوفة عليها. ﴿قُلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿اِحْمِلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيها﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ كُلٍّ﴾: هنا قراءتان: يقرأ ﴿كُلٍّ﴾ بإضافة وبدون تنوين، وفيه وجهان: أحدهما: أن ﴿اِثْنَيْنِ﴾ مفعول به، وعليه فالجار والمجرور ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿اِثْنَيْنِ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والثاني أن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿كُلٍّ﴾ مفعول به مجرور لفظا منصوب محلاّ، وعليه ف ﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد، وهذا على قول الأخفش، والقراءة الثانية بتنوين ﴿كُلٍّ،﴾ ولا إضافة، وعليه فمفعول ﴿اِحْمِلْ،﴾ هو زوجين، و﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد له، والجار والمجرور: ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ يحتمل تعليقهما ب ﴿اِحْمِلْ،﴾ ويحتمل بمحذوف حال من ﴿زَوْجَيْنِ،﴾ كان صفة له... إلخ، التقدير: احمل زوجين اثنين حالة كونهما من كل صنف من أصناف الحيوانات، ولا تنس أن القراءتين ترجعان إلى معنى واحد، معه آخر لا يستغنى عنه، وجملة: ﴿اِحْمِلْ فِيها..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْنَا..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها هذا؛ وقال الكوفيون: جواب ﴿إِذا﴾ جملة: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ والواو زائدة، وله نظائر كثيرة في كتاب الله تعالى وعليه فجملة: ﴿قُلْنَا..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، والأول أقوى هنا؛ وإن كان الثاني يرجح في الآية رقم [١٠٣] من سورة (الصافات)، والآية رقم [٧٣] من سورة (الزمر)، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له على اعتبار ﴿حَتّى﴾ ابتدائية. (أهلك): معطوف على مفعول ﴿اِحْمِلْ﴾ على القراءتين، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء. وجملة: ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ صلة: ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور ب (على). (من): مثل سابقتها، فهي في محل نصب معطوفة على مفعول ﴿اِحْمِلْ؛﴾ إذ التقدير: واحمل الذي أو شخصا، وجملة: ﴿آمَنَ﴾ صلة (من)، أو صفتها والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية.\n ﴿آمَنَ﴾: فعل ماض. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿قَلِيلٌ﴾: فاعل، وجملة: ﴿وَما آمَنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا لا يجوز؛ لأنه لا يوجد صاحب حال.","vol":"4","page":438},{"text":"<span id=\"aya-1514\"></span>﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ﴾ أي: الله، أو نوح ﵇. ﴿اِرْكَبُوا فِيها﴾ أي: ادخلوها، وجعل ذلك ركوبا؛ لأنها في الماء كالمركوب في الأرض، والركوب: العلو على ظهر الشيء، ويقال:\n (ركبه الدين) على طريق الاستعارة التصريحية. ﴿مَجْراها وَمُرْساها﴾: يقرءان بفتح الميم على أنهما اسما زمان، أو مكان، أو هما مصدران، ويقرءان بالفتح الخالص وبالإمالة كما يقرءان بضم الميم والكسر الخالص على أنهما اسما فاعل. ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾ أي: لمن أذنب، و﴿رَحِيمٌ﴾ بعباده التائبين، فهما صيغتا مبالغة.\nبعد هذا فاسم: قد اختلف العلماء في اشتقاقه؛ انظر البسملة في أول سورة (يوسف)، عليه وعلى نبينا، ألف صلاة، وألف سلام.\nولعلك تدرك معي أيها القارئ الكريم: أن نوحا ﵇ لم ينطق بالرحمن الرحيم لتفهم: أن البسملة بكاملها إنما هي من خصائص أمة محمد ﷺ، وهناك أحاديث شريفة كثيرة تحث على ابتداء كل عمل بالبسملة الشريفة، وتبين فضلها وشرفها وما لقائلها من ثواب عظيم وأجر كبير، وقد ذكرت بعضها في شرح البسملة المذكور.\nتنبيه: قال عكرمة: ركب نوح ﵇ في الفلك لعشر خلون من رجب، واستوت على الجودي لعشر خلون من المحرم، فذلك ستة أشهر، وقال قتادة وزاد: وهو يوم عاشوراء، فقال لمن كان معه: «من كان صائما فليتم صومه، ومن لم يكن صائما فليصمه»، وذكر الطبري في هذا حديثا عن النبي ﷺ: «أن نوحا ركب في السفينة أول يوم في رجب، وصام الشهر أجمع، وجرت بهم السفينة، إلى يوم عاشوراء، ففيه أرست على الجودي، فصامه نوح ومن معه». انتهى. قرطبي. وأضيف أن السفينة مرت بالبيت الحرام، وقد رفعه الله من الغرق، وبقي موضعه، فطافت السفينة به سبعا، وأودع الحجر الأسود جبل أبي قبيس وبقي فيه حتى بنى إبراهيم وإسماعيل ﵉ الكعبة، فأخذ إبراهيم الحجر من أبي قبيس، ووضعه مكانه.\nالإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف استئناف. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى الله، أو إلى نوح. ﴿اِرْكَبُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: (في) زائدة، والضمير (ها) مفعول به، والتقدير: اركبوها، فهو على حد قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾. ﴿بِسْمِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: اركبوا مسمين الله، أو قائلين: باسم الله. ﴿مَجْراها﴾: على اعتباره ظرف زمان أو مكان هو متعلق بالحال المحذوفة، أي: وقت إجرائها، أو مكان إجرائها على حد (أتيتك مقدم الحاج) أو (آتيك خفوق النجم)، وعلى اعتباره مصدرا فهو فاعل بمتعلق","vol":"4","page":439},{"text":"الجار والمجرور، هذا؛ وجه للإعراب، والوجه الثاني الجار والمجرور ﴿بِسْمِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و﴿مَجْراها﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال مقدرة من واو الجماعة، أو من الضمير في: ﴿فِيها﴾ وهي حال مقدرة أيضا، وعلى هذين الاعتبارين فالفتحة، أو الضمة مقدرة على الألف، والوجه الثالث: اعتبار ﴿مَجْراها﴾ صفة لله، وهذا على القراءة بضم الميم والكسر الخالص، كما جوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو مجراها، وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير المقدر مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿اِرْكَبُوا فِيها..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:\n (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لَغَفُورٌ﴾: اللام: هي المزحلقة. (غفور): خبر إن. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها على اعتبار القائل نوحا، ومستأنفة على اعتبار القائل (الله) جل اسمه، وتعالى شأنه.\n\n<span id=\"aya-1515\"></span>﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: فتقدير الكلام فركب نوح ﵇ ومن معه في السفينة ذاكرين اسم الله، وهي تسير بهم، وهم في داخلها. ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ﴾ أي: في موج من الطوفان، وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه، كل موجة منه كجبل في تراكمها وارتفاعها، ف ﴿مَوْجٍ﴾ جمع: موجة، مثل تمر وتمرة، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض، وكانت السفينة تجري في جوفه ليس بثابت، والمشهور: أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعا، وإن صح فلعل ذاك قبل التطبيق. انتهى. بيضاوي. ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾: كنعان. وقيل:\nاسمه (يام) والمشهور الأول، هذا؛ ويقرأ ﴿اِبْنَهُ﴾ بضم الهاء وفتحها بألف وبدونه، وأوّل على أنه كان ابن زوجته، والمعتمد: أنه ابنه من صلبه، كما يقرأ بسكون الهاء، وبألف الندبة، وإلحاق هاء السكت قراءات كثيرة، ﴿وَكانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ أي: عزل نفسه عن أبيه مع أمه، أو عزل نفسه عن دين أبيه، و﴿مَعْزِلٍ﴾ بكسر الزاي، وفتحها.\n ﴿يا بُنَيَّ﴾: تصغير ابن، وأصله الأصيل: (بنو)، فلما صغر صار (بنيو)، فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم ألحقت به ياء المتكلم، فاجتمع ثلاث ياءات، فحذفت الثانية منهن؛ التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتي بها لغرض خاص، ولم تحذف الثالثة التي هي ياء المتكلم؛ لأنها","vol":"4","page":440},{"text":"كلمة برأسها، هذا؛ ويقرأ (بنيّ) بفتح الياء وكسرها. ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ أي: فتهلك معهم، وانظر الكفور في الآية رقم [٩].\nالإعراب: ﴿وَهِيَ﴾: (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَجْرِي﴾:\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هي».\n ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿فِي مَوْجٍ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَالْجِبالِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَوْجٍ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: «مثل» فهي الصفة، وتكون مضافة و(الجبال) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَجْرِي..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هي...) إلخ مستأنفة لا محل لها إن أردت الإعراض عن الكلام السابق، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ إن أردت اتصال الكلام بسابقه، والرابط: الواو، والضمير. (نادى): ماض. ﴿نُوحٌ﴾: فاعله.\n ﴿اِبْنَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (نادى...) إلخ معطوفة على الجملة السابقة قبلها على الاعتبارين فيها، والرابط على الحالية الرابط في الجملة السابقة؛ لأن الجملتين المتعاطفتين الجملة الواحدة. (كان): ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿اِبْنَهُ﴾. ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر: (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿اِبْنَهُ﴾ فتكون حالا متداخلة من وجه واحد، والرابط: الواو، والضمير. (يا):\nحرف نداء ينوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اِرْكَبْ﴾: أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَعَنا﴾:\nظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة، الجملتان ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ تفسير لقوله: (نادى) وهي عند البصريين في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وقال الكوفيون: في محل نصب مفعول به للفعل: (نادى). الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَكُنْ﴾:\nمضارع ناقص مجزوم ب (لا) الناهية، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿تَكُنْ﴾ و﴿مَعَ﴾: مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿وَلا تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة التفسير.\n\n<span id=\"aya-1516\"></span>﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: كنعان. ﴿سَآوِي﴾: سألتجئ، تقول: أوى إليه: إذا التجأ واطمأن إليه، وانظر الآية [٦٩] من سورة (يوسف)، وأصله سأأوي بهمزتين، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى. ﴿إِلى جَبَلٍ﴾ أي: مرتفع، قيل: هو طور سيناء وليس بشيء، ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ﴾","vol":"4","page":441},{"text":"الْماءِ أي: يحفظني أن أغرق بالماء. ﴿قالَ﴾ أي: نوح. ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي:\nلا حافظ ولا مانع من عذاب الله في هذا اليوم. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ أي: لكن من ﵀ فهو يعصمه ويحفظه، ولا يحفظ إلا المؤمنين. ﴿وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ أي: بين نوح وابنه، أو بين ابنه والجبل، ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ أي: الهالكين في الماء.\nتنبيه: قال العلماء بالسير: أرسل الله المطر أربعين يوما وليلة، وخرج من الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ يعني صار الماء نصفين، نصفا من السماء، ونصفا من الأرض، وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعا، وقيل: خمسة عشر ذراعا حتى أغرق كل شيء، وهذا يعني: أنه عم جميع الأرض، وأضيف؛ أنه ذكر في الأثر: أن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في عام أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان، فإنه نزل منه ما لا يحفظه الملك، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.\nقال عبد الوهاب النجار: ويقول بعض علماء الجيولوجيا: إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الأحياء التي لا تعيش إلا في الماء، وهذا يشير إلى أن الطوفان عم جميع الأرض، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ ويميل فريق إلى أن الطوفان لم يكن عاما بل طغيان الماء لما كان على الجهة التي كان يسكنها نوح وقومه. انتهى.\nبتصرف، ومال إلى ترجيح الثاني، وأرجّح الأول، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: قد يرد سؤال: كيف اقتضت الحكمة الإلهية إغراق من لم يبلغوا الحلم من الأطفال، ولم يدخلوا تحت التكليف بذنوب غيرهم، وكذلك إغراق البهائم والهوام والطير وغير ذلك من الحيوان، وإهلاك أطفال الأمم الكافرة مع آبائهم غير قوم نوح؟ والجواب الشافي عن هذا كله:\nأن الله ﷾ متصرف بخلقه، وهو المالك المطلق يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. انتهى. خازن بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿سَآوِي﴾: السين: حرف استقبال. (آوي): مضارع مرفوع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿إِلى جَبَلٍ﴾: متعلقان به.\n ﴿يَعْصِمُنِي﴾: مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿جَبَلٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة له. ﴿مِنَ الْماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:\n ﴿سَآوِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿قالَ﴾: ماض وفاعله يعود إلى نوح. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿عاصِمَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالمصدر بعده. ﴿مِنْ أَمْرِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ و﴿أَمْرِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر","vol":"4","page":442},{"text":"لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿لا عاصِمَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنها وسابقتها بمنزلة جواب سؤال مقدر. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء منقطع، وهي بمعنى: (لكن). ﴿مِنَ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿رَحِمَ﴾: فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية صلة:\n ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي أو شخصا رحمه الله تعالى، وقيل: ﴿مِنَ﴾ في موضع رفع بدل من موضع: ﴿عاصِمَ﴾ وذلك على تقديرين: أحدهما: أن يكون ﴿عاصِمَ﴾ على بابه فيكون التقدير: لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الله، وقيل: إلا الراحم، والراحم هو الله جل ذكره، والتقدير الثاني على أن يكون ﴿عاصِمَ﴾ بمعنى معصوم، فيكون التقدير:\nلا معصوم من أمر الله اليوم إلا المرحوم، فيكون عاصم مثل ماء دافق، أي: مدفوق. انتهى.\nمكي. وشبيه به العكبري، وهناك وجه آخر: وهو اعتبار ﴿مِنَ﴾ مبتدأ، خبره محذوف، التقدير:\nفهو المعصوم، أو المرحوم، وعليه فالجملة الاسمية: (من ﵀ فهو المعصوم) في محل نصب على الاستثناء من عموم الأحوال. ﴿وَحالَ﴾: الواو: حرف استئناف. (حال): ماض.\n ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الْمَوْجُ﴾: فاعل، وجملة (حال...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة:\n ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1517\"></span>﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: بعد ما تناهى الطوفان، وأغرق الله قوم نوح. ﴿يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ أي: اشربيه في جوفك. ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ أي: أمسكي الماء.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-نوديا بما ينادى به أولو العلم، وأمرا بما يؤمرون تمثيلا لكمال قدرته، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما بالأمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه، المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته، وخشية من أليم عقابه. انتهى.\n ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ أي: نقص، يقال: غاض الشيء وغضته أنا، كما يقال: نقص بنفسه، ونقصه غيره، وانظر الآية [٨] من سورة (الرعد)، ويقرأ الفعل بالكسر الخالص والإشمام، وبالضم أيضا. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: أحكم، وفرغ منه، وذلك بإنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين. ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ أي: استقرت السفينة على الجودي: وهو جبل في نواحي ديار بكر من بلاد الجزيرة، وهو يتصل بجبال أرمينية، وهو ما في القاموس.","vol":"4","page":443},{"text":"﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: هلاكا لهم، يقال: بعد بكسر العين بعدا بضم فسكون، وبعدا بفتحتين: إذ بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء. انتهى.\nبيضاوي.\nوقال القرطبي: والبعد: الهلاك، والبعد: التباعد من الخير، يقال: بعد يبعد بعدا: إذا تأخر وتباعد، وبعد يبعد بعدا: إذا هلك، قالت خرنق أخت طرفة بن العبد البكري لأمه: [السريع]\nلا يبعدن قومي الذين همو... سمّ العداة وآفة الجزر\nوقال النابغة: [الطويل]\nفلا تبعدن إنّ المنيّة منهل... وكلّ امرئ يوما به الحال زائل\nوخذ قول فاطمة بنت الأخرم الخزاعية تبكي إخوتها: [المديد]\nإخوتي لا تبعدوا أبدا... وبلى والله قد بعدوا\nكلّ ما حيّ وإن أمروا... واردو الحوض الذي وردوا\nتنبيه: قال بعضهم: هذه الآية أبلغ آية في القرآن، وقد احتوت من أنواع البديع على أحد وعشرين نوعا، فيها تسع عشرة كلمة، وخوطبت الأرض أولا بالبلع؛ لأن الماء نبع منها أولا قبل أن تمطر السماء. انتهى. جمل. وقال البيضاوي: هذه الآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإيجاز الخالي من الإخلال، وإيراد الأخبار على البناء للمفعول للدلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه مستغنى عن ذكره؛ إذ لا يذهب الوهم إلى غيره، للعلم بأن مثل هذه الأفعال، لا يقدر عليها سوى الواحد القهار. انتهى.\nأقول: يروى: أن عبد الله بن المقفع رام معارضة القرآن، وكتب في ذلك وريقات فمر بسوق البصرة بقارئ يقرأ القرآن، وسمع منه هذه الآية، فقال: أشهد أن هذا لا يعارض، ولا يقدر على مثله البشر، وعاد إلى بيته، وأتلف ما كتبه.\nفائدة: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجودي بنوح، وطور سيناء بموسى، وحراء بمحمد صلّى الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا.\nبعد هذا انظر إعلال (ماء) في الآية رقم [٧]، وإعلال (سماء) في الآية رقم [٣١] يونس، وشرح ﴿وَقُضِيَ﴾ في الآية [٤٤] الأنفال، وشرح القوم في الآية [٢٨] و(البغي) في الآية [٢٣] يونس، وإعلال ﴿وَقِيلَ﴾ في الآية [٣٨] سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿وَقِيلَ﴾: (قيل): ماض مبني للمجهول. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو.\n (أرض): منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿اِبْلَعِي﴾: أمر مبني","vol":"4","page":444},{"text":"على حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، وانظر إعراب: ﴿تُوبُوا﴾ في الآية [٣] والجملتان الندائية والطلبية في محل رفع نائب فاعل، وهذا جاز على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: (يحذف الفاعل ويقام المفعول مقامه) وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: قيل القول: وعليه فالجملتان في محل نصب مقول القول، وجملة:\n (قيل...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ماءَكِ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾: ماض مبني للمجهول ونائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قيل...) إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها. (استوت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى السفينة المفهومة من المقام، وهو مثل قوله تعالى:\n ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾. ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ..﴾. إلخ فإن الفاعل يعود إلى الروح، ولم يتقدم لها ذكر، وهذا؛ وارد في الشعر العربي والكلام العربي. ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (استوت...) إلخ معطوفة على جملة: (قيل...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بُعْدًا﴾: مفعول مطلق بفعل محذوف، والجملة نائب فاعل (قيل)، أو في محل نصب مقول القول. ﴿لِلْقَوْمِ﴾: متعلقان بالمصدر. ﴿الظّالِمِينَ﴾: صفة (القوم) مجرور\nإلخ، وجملة: (قيل...) إلخ معطوفة على مثيلتها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1518\"></span>﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أي: دعاه، وسأله. ﴿فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي: وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي، فما حاله وما حصل له؟! هذا؛ وقد قيل: إن نوحا ﵇ سأل ربه نجاة ابنه؛ لأنه لم يعلم كفره، ولو علم منه الكفر؛ لما سأل الله له النجاة؛ إذ محال أن يسأل الله تعالى هلاك الكفار، ثم يطلب منه إنجاء بعضهم، وقيل: كان ابنه يسر الكفر، ويظهر الإيمان، فأخبره الله في الآية التالية بما هو منفرد به من علم الغيب. ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ أي:\nوإن كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه الخلف. ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾: لأنك أعلمهم، وأعدلهم، حيث حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالهلاك.\nتنبيه: قال مكي: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له والتنزيه، وذلك أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد، فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب؛","vol":"4","page":445},{"text":"ليزول معنى الأمر وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم والإجلال والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام في نداء الرب لذلك المعنى.\nالإعراب: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿فَقالَ﴾: الفاء: زائدة، أو هي حرف تفسير هنا. (قال):\nماض، والفاعل يعود إلى ﴿نُوحٌ﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى حذف منه أداة النداء منصوب... إلخ، انظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٨] فهو مثله، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول.\n ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اِبْنِي﴾: اسمها منصوب. ﴿مِنْ أَهْلِي﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والفتحة في الأول، والكسرة في الثاني مقدرتان على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورهما اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ رَبِّ..﴾. إلخ مفسرة لقوله تعالى:\n ﴿وَنادى نُوحٌ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿وَعْدَكَ﴾: اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ في محل نصب حال من ﴿رَبِّ﴾ والرابط: الواو، والضمير، ومجيء الحال من المنادى مستعمل لغة، قال الشاعر: [البسيط]\nيا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته\n (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْكَمُ﴾: خبره، وهو مضاف، و﴿الْحاكِمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-1519\"></span>﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾: وذلك لقطع الولاية بين المؤمن والكافر، وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من النسب. ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾:\nفهذا تعليل لنفي كونه من أهله، وأصله: إنه ذو عمل فاسد، فجعل ذاته ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة ترتع وقد ذهب عنها ولدها: [البسيط]\nترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت... فإنّما هي إقبال وإدبار\nأي: ذات إقبال وإدبار، هذا؛ ويجوز أن يكون الضمير للسؤال، أي: إن سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح، هذا؛ وقرأ الكسائي ويعقوب: ﴿(إِنَّهُ عَمَلٌ)﴾ أي: ابنك عمل عملا غير","vol":"4","page":446},{"text":"صالح. ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: فلا تسأل الذي لم تعلم: أهو صواب أم ليس بصواب؟ وإنما سأل نوح ﵇ ذلك؛ لشدة شفقته على ولده، وهو لا يعلم أن ذلك محظور لإصراره على الكفر، فنهاه الله عن مثل هذه المسألة، هذا؛ وقد قرئ: ﴿تَسْئَلْنِ﴾ بفتح اللام وتشديد النون مفتوحة ومكسورة بياء المتكلم وبدونها، وقراءة حفص بسكون اللام وكسر النون، وبدون ياء المتكلم. ﴿إِنِّي أَعِظُكَ﴾ أي: أنهاك عن هذا السؤال. ﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ أي: أرفع مقامك عن مقام الجاهلين، وأجعلك في مقام العلماء والعارفين، وانظر شرح الجهل في الآية رقم [٢٩].\nتنبيه: قد استدل بعضهم بهذه الآية على أن كنعان لم يكن ابن نوح من صلبه، وإنما هو ربيبه ابن امرأته، وبعضهم يقول: إنه ابن زنى؛ لأنه لم يقل: إنه مني؛ وقد رأيت كثرة القراءات في قوله ﴿اِبْنَهُ﴾ في الآية رقم [٤٢] وهذان القولان لا يعول عليهما، والصحيح إنه ابنه من صلبه، وقد سبق القول في حقه أنه من الكافرين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿غَيْرُ﴾ اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة أو غيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، أو تقدمت كلمة ليس عليها، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم أو الفتح خلاف.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (نوح): مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَيْسَ﴾: ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى كنعان. ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُ﴾:\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَمَلٌ﴾: خبر مرفوع. ﴿غَيْرُ﴾: صفة: ﴿عَمَلٌ،﴾ و﴿غَيْرُ﴾:\nمضاف، و﴿صالِحٍ﴾: مضاف إليه، وعلى القراءة الثانية ف (عمل) ماض، وفاعله يعود إلى كنعان و(غير) مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي تعليل للنفي، وهي بدورها من مقول نوح. ﴿فَلا﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر ما ذكرته في الآية [١٧]. (لا): ناهية. ﴿تَسْئَلْنِ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به أول، وعلى القراءة بتشديد النون فهو مبني على الفتح في محل جزم ب (لا) الناهية، وعلى كسر النون وتشديدها، وهي نون التوكيد حرف لا محل له؛ فالياء مفعول به، حذفت، أو ذكرت ورسمت، وعلى جميع القراءات فالفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لَيْسَ﴾: ماض ناقص. ﴿أَهْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالخبر","vol":"4","page":447},{"text":"المحذوف، أو هما متعلقان ب ﴿عِلْمٌ﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. ﴿عِلْمٌ﴾: اسم: ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: هو الضمير المجرور محلاّ بالباء، والجملة الفعلية: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير:\n (وإذا كان ذلك واقعا فلا...) إلخ وهذا الكلام في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنِّي﴾:\nحرف مشبه بالفعل، والياء اسمها، وجملة: ﴿أَعِظُكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية من مقول نوح. ﴿أَنْ﴾: حرف ناصب. ﴿تَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبره، و﴿أَنْ تَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف على مذهب الكوفيين، التقدير: لئلا تكون، أو هو في محل جر بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: كراهة كونك من الجاهلين، ومثل الآية الكريمة قول عمرو بن كلثوم التغلبي من معلقته المشهورة. [الوافر]\nنزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا\n\n<span id=\"aya-1520\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: نوح. ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾: أستجير، وأتحصن بك. ﴿أَنْ أَسْئَلَكَ﴾ أي: بعد ذلك شيئا لا علم لي بصحته. ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي﴾ أي: جهلي وإقدامي على سؤال ما ليس لي به علم. ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾: برحمتك؛ التي وسعت كل شيء. ﴿أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي: الذين خسروا دنياهم وآخرتهم، وانظر ما ذكرته في الآية [٢٢].\nتنبيه: لقد استدل بهذه الآية من لا يرى عصمة الأنبياء من الذنوب. وملخص الجواب: أن نوحا ﵇، كان قد وعده ربه بأن ينجيه وأهله، فأخذ بظاهر اللفظ، ولم يعلم ما غاب عنه، ولم يشك في وعد الله ﷾، فأقدم على سؤال ربه أن ينجي ابنه لهذا السبب ولأنه من أهله، فعاتبه ربه على سؤاله ما ليس له به علم، وبيّن له السبب الذي من أجله أهلك ابنه مع الهالكين، فخاف نوح﵇من عاقبة هذا السؤال، فلجأ إلى الله، وسأله المغفرة والرحمة؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وانظر ما ذكرته في الآية [٤٣] التوبة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى نوح. ﴿رَبِّ﴾: منادى حذف منه أداة النداء، وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٨] فهو مثله. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَعُوذُ﴾: فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ﴾: حرف ناصب. ﴿أَسْئَلَكَ﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾","vol":"4","page":448},{"text":"والفاعل تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية السابقة، والمصدر المؤول من: (أن أسأل) في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أعوذ بك من سؤالي إياك الذي، أو شيئا... إلخ، والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِلاّ﴾: الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إلا): هي (إن) الشرطية مدغمة في (لا) النافية. ﴿تَغْفِرْ﴾: مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي﴾: متعلقان بما قبلهما، والمفعول محذوف لوضوحه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n (ترحمني): مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، والفاعل تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿أَكُنْ﴾: مضارع ناقص جواب الشرط، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَكُنْ،﴾ والشرط ومدخوله في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿أَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية.\n\n<span id=\"aya-1521\"></span>﴿قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ أي: قالت الملائكة، أو قال الله تعالى له: انزل من السفينة، أو من الجبل إلى الأرض بسلامة، وأمن منا. ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾: البركة: ثبوت الخير وزيادته، وقيل: المراد بالبركة هنا: أن الله جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة، فكل العالم من ذرية أولاده الثلاثة. ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أي: وبركات عليك؛ وعلى قرون، وأجيال تجيء من بعدك من ذرية أولادك، وهم المؤمنون، قيل: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة، وإنما سموا أمما؛ لأنهم أمم متحزبة، وجماعات متفرقة. أو لأن جميع الأمم قد تشعبت منهم.\nأو التقدير: وعلى أمم ناشئة ممن معك. ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أي: وأمم كافرة يحدثون بعدك سنمتعهم في الأموال والبنين في هذه الدنيا إلى انتهاء آجالهم. ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي:\nثم يصيبهم عذاب مؤلم في الآخرة جزاء كفرهم، وعنادهم.\nالإعراب: ﴿قِيلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿يا نُوحُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب «يا» النائبة مناب أدعو. ﴿اِهْبِطْ﴾: أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِسَلامٍ﴾:\nمتعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: اهبط مصحوبا بسلام. ﴿مِنّا﴾: متعلقان ب (سلام) لأنه اسم مصدر، أو بمحذوف صفة له. (بركات): معطوف على (سلام).","vol":"4","page":449},{"text":"﴿عَلَيْكَ..﴾.: متعلقان ب (بركات)، أو بمحذوف صفة له، ويقرأ: «(بركة)» بالإفراد، والكلام ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: قيل القول، وعليه فالكلام المذكور في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَعَلى أُمَمٍ﴾: معطوفان على ما قبلهما، وانظر الشرح. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أُمَمٍ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿مَعَكَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، أو هو متعلق بمحذوف صفة (من) إن كانت نكرة، والكاف في محل جر بالإضافة. (أمم): قال أبو البقاء: معطوف على فاعل ﴿اِهْبِطْ﴾ المستتر، تقديره: اهبط أنت وأمم، وكان الفصل بينهما مغنيا عن التوكيد، ولا أعتمده؛ لأن الكلام مستأنف وعليه ف (أمم) مبتدأ، وجملة: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في محل رفع خبره. قاله الجمل. وقال الزمخشري: الجملة صفة: (أمم)، والخبر محذوف، وبه قال النسفي، والتقدير: وممن معك أمم ممتعون، وإنما حذف؛ لأن ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ يدل عليه، والجملة الاسمية مستأنفة؛ إن كان القائل الملائكة، وداخلة في مقول القول؛ إن كان القائل هو الله تعالى. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يَمَسُّهُمْ﴾:\nمضارع، والهاء مفعول به. ﴿مِنّا﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿عَذابٌ﴾: فاعل. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، وجملة: ﴿يَمَسُّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.\n\n<span id=\"aya-1522\"></span>﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾: الإشارة إلى قصة نوح التي مر ذكرها وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة وهي للبعد، والقصة في متناول اليد، وذلك للإيذان بشأنها، والاهتمام بها، وأنها جديرة بأن يستفيد منها كل إنسان؛ ليتعود على تحمل الأذى، والصبر على ما ينوب من متاعب هذه الدنيا، ومصاعبها، فهي من أخبار الغيب. ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، والمعنى نخبرك بها، أو نلقي إليك خبرها. ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا﴾: لم يكن عندك علم بقصة نوح﵇قبل نزول القرآن عليك، وأيضا قومك قريش لم يكونوا يعلمونها تفصيلا، وإن كانوا يسمعون بها إجمالا؛ لأنها كانت معروفة ومشهورة عند جميع الأجيال والقرون. ﴿فَاصْبِرْ﴾: يا محمد على أذى قومك، كما صبر نوح على أذى قومه. ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ﴾: المحمودة بالنصر والظفر على الأعداء والفوز بالسعادة الأبدية، إنما هي ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الشرك والمعاصي.\nبعد هذا انظر: (الوحي) في الآية [٣٦]، وإعلال ﴿كُنْتَ﴾: في الآية [٢٨]، وشرح (قوم) في الآية [٢٨] وانظر (التقوى) في الآية رقم [١] الأنفال، و﴿الْغَيْبِ﴾ كل ما غاب عنا، ولم نشاهده","vol":"4","page":450},{"text":"ولم نسمع به، و﴿أَنْباءِ﴾ جمع: نبأ، وهو الخبر، وانظر الآية رقم [١٢٠] الآتية، وانظر (الصبر) في الآية رقم [١١٥] الآتية، وانظر (نا) في الآية [٨].\nتنبيه: الآية الكريمة تذكر النبي ﷺ بما أنعم الله عليه من نعم، ومثلها كثير في القرآن الكريم، وفيه منّ على الرسول العظيم، وهذا المنّ من الله على نبيه مقبول؛ لأن الله يمن بما يملك حقيقة، فهو المتفضل والمنعم. بخلاف منّ العبد على العبد بما يسديه إليه من معروف، فهو مذموم، ومحبط للأعمال، وقد بينت ذلك آية البقرة [٢٦٢].\nالإعراب: ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿أَنْباءِ﴾:\nمضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه. ﴿نُوحِيها﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و(ها): مفعول به. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُها﴾: مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، و(ها): مفعول به، واكتفى به؛ لأنه من المعرفة لا من العلم واليقين، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. ﴿وَلا﴾:\nالواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿قَوْمُكَ﴾: معطوف على الضمير المستتر في الفعل. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿تَعْلَمُها،﴾ و﴿قَبْلِ﴾: مضاف، و﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿تَعْلَمُها..﴾. إلخ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثالث للمبتدإ، هذا؛ وأجيز اعتبار جملة: ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾ في محل نصب حال من أنباء الغيب والعامل في الحال اسم الإشارة، كما أجيز اعتبار جملة: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، فتكون حالا متداخلة، والرابط في الجملتين: الضمير فقط، كما أجيز تعليق: ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾ بالفعل بعدهما، أو بمحذوف حال من الضمير المنصوب، فتكون جملة: ﴿نُوحِيها..﴾. إلخ هي الخبر وهذه الآية مثل الآية رقم [٤٤] من آل عمران، ومثلهما الآية رقم [١٠٠] الآتية، كما أجيز اعتبار جملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة والأول هو المعتمد من كل هذه الاعتبارات.\nالفاء: هي الفصيحة. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف، والجمل الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا؛ فتأسّ، واصبر، هذا؛ وإن اعتبرت جملة: (اصبر) مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الْعاقِبَةَ﴾: اسمها. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾.\nإلخ تعليل للأمر لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"4","page":451},{"text":"<span id=\"aya-1523\"></span>﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا﴾: انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأعراف). ﴿قالَ﴾ أي: هود ﵇. ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾: وحدوه ولا تشركوا به شيئا.\n ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾: ليس لكم إله يستحق العبادة، غير الله؛ لأنه سبحانه هو المنعم، والمتفضل بالإيجاد والإعدام، وكل شيء في هذا الكون تحت تصرفه، وقهره، وجبروته. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ﴾: تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان آلهة تعبدونها من دونه ﷾.\nالإعراب: ﴿وَإِلى عادٍ﴾: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وأرسلنا، والواو عطفت قصة هود بكاملها على قصة نوح، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿أَخاهُمْ﴾: مفعول به للفعل المقدر منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هُودًا﴾: بدل مطابق من: ﴿أَخاهُمْ﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿قالَ﴾:\nماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو». ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى، وانظر تفصيله في الآية [٢٨]، ﴿اُعْبُدُوا﴾: أمر، والواو فاعله، وانظر ﴿تُوبُوا﴾ في الآية رقم [٣]، ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول مع الجملة الندائية قبلها. ﴿ما﴾: نافية.\n ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿غَيْرُهُ﴾: يقرأ بالرفع على أنه صفة إله أو بدل منه على المحل، ويقرأ بالجر تبعا للفظ، ويقرأ بالنصب على الاستثناء، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكُمْ..﴾.\nإلخ تعليل للأمر، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مُفْتَرُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية من مقول هود. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-1524\"></span>﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾: لا أطلب منكم ثوابا، ولا مكافأة على تبليغ رسالة ربي، والدعاء إليه والإيمان به، فيثقل عليكم. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: ما أجري وثوابي إلا على الذي خلقني. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾: استفهام توبيخي، أي: أفلا تستعملون عقولكم، وتميزون بها المحق من المبطل، والحسن من القبيح؟! أو أفلا تتدبرون ما جرى على قوم نوح لما كذبوه، وأنتم من نسلهم وسلالتهم؟! وانظر العقل في الآية [٢] من سورة (يوسف)؛ فإنه جيد.","vol":"4","page":452},{"text":"قال البيضاوي: خاطب كل رسول قومه به، إزاحة للتهمة، وتمحيصا للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع.\nالإعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى انظر تفصيله في الآية [٢٨] ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَجْرًا﴾:\nمفعول به ثان. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿عَلَى الَّذِي﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.\n ﴿فَطَرَنِي﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَفَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقريع وتوبيخ. الفاء:\nحرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على القول الثاني، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء. انظر الآية رقم [٢٤] ولعلك تدرك معي بعد ذلك أن الآية برمتها في محل نصب مقول القول، أي: إنها من مقول هود على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-1525\"></span>﴿وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: انظر الآية رقم [٣] ففيها الكفاية. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا﴾: كثيرة الأمطار. ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ أي: شدة مع شدتكم، ويضاعف قوتكم، وإنما رغبهم بكثرة الأمطار وزيادة القوة؛ لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات، وقيل: حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم هود ﵇ إن هم آمنوا وتابوا أن يرسل الله عليهم المطر، ويعيد أرحام النساء إلى ما كانت عليه، فيزدادون قوة بالأموال والأولاد. ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ أي: لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر، هذا؛ والإعراض والتولي والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا.\nو(مدرار) مفعال يستوي فيه المذكر والمؤنث، هذا؛ و(زاد) ضد نقص، يكون لازما كقولك: زاد المال، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا؛ بمعنى جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدّا، فدرهما ومدّا تمييز، ومثله قل في «نقص»، ومن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.\nفائدة: جاء رجل إلى الحسن البصري، وشكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بساتينه، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر","vol":"4","page":453},{"text":"عدم الولد، فقال: استغفر الله، ثم تلا عليهم جميعا قوله تعالى حكاية عن قول نوح ﵇ لقومه: ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا﴾.\nالإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: منادى انظر تفصيله في الآية رقم [٢٨]. ﴿اِسْتَغْفِرُوا﴾: أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿تُوبُوا﴾ في الآية رقم [٣] ﴿رَبَّكُمْ﴾: مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ثُمَّ﴾:\nحرف عطف. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يُرْسِلِ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط مقدر، التقدير: إن تستغفروا؛ يرسل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. ﴿السَّماءَ﴾: مفعول به. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يُرْسِلِ﴾. ﴿مِدْرارًا﴾:\nحال من ﴿السَّماءَ﴾. (يزدكم): معطوف على ﴿يُرْسِلِ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿قُوَّةً﴾: مفعول به ثان. ﴿إِلى قُوَّتِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿قُوَّةً،﴾ و﴿إِلى﴾ بمعنى (مع) هنا، كما في آية الوضوء، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا﴾: الواو:\nحرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَتَوَلَّوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُجْرِمِينَ﴾: حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ولعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها من مقول هود ﵇، أي: فهي في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1526\"></span>﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا هُودُ﴾ أي: قالوا ذلك استهزاء وتكبرا وعنادا. ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾:\nبمعجزة أو بحجة، وبرهان على صحة دعواك، وصدق قولك، قال الجمل: وكانت معجزته ما يأتي في قوله: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ حيث عصمه الله منهم مع قدرتهم على ما هددوه به، وقيل: هي الريح الصرصر المذكورة في سورة الحاقة. انتهى.\nأقول: الريح ليست بمعجزة؛ لأنها أهلكتهم، وقد ذكرت في سورة (الأعراف): أن القرآن الكريم لم يذكر لهود معجزة كما ذكر لصالح، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ. ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: لا نترك عبادة الأوثان من أجل قولك، ودعوتك، وهذا تيئيس منهم لهود ﵇. ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين ما تقول، وتدعيه، وهذا تأكيد لإقامتهم على الكفر، وإقناط لهود من الإجابة.","vol":"4","page":454},{"text":"الإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق، ﴿يا هُودُ﴾: منادى مفرد علم، مبني على الضم في محل نصب ب «يا» النائبة مناب أدعو. ﴿ما﴾: نافية. ﴿جِئْتَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿بِبَيِّنَةٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من تاء الفاعل، أي: ملتبسا ببينة. ﴿وَما﴾:\nالواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية. ﴿نَحْنُ﴾: اسمها. ﴿بِتارِكِي﴾: الباء: حرف جر صلة. (تاركي): خبر (ما) مجرور لفظا منصوب محلاّ، وفاعله مستتر فيه، وحذفت نونه للإضافة، و(تاركي) مضاف، و﴿آلِهَتِنا﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾: متعلقان ب (تاركي)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب (تاركي)، التقدير: صادرين عن قولك، ورجحه الجمل، ورجح ابن عطية الأول، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَما نَحْنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإعراب ما بعدها مثلها، وهي معطوفة عليها مع ملاحظة: أن الجار والمجرور ﴿قَوْلِكَ﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1527\"></span><span id=\"aya-1528\"></span>﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاِشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ نَقُولُ﴾: ما نقول في شأنك. ﴿إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾: إلا أصابك بعض آلهتنا التي نعبدها بجنون لسبك إياها، وصدك عنها، ومن ذلك تهذي، وتتكلم بالخرافات، هذا؛ و(اعتراه) و(عراه) بمعنى واحد، قال أبو صخر الهذلي: [الطويل]\nوإنّي لتعروني لذكراك هزّة... كما انتفض العصفور بلّله القطر\n ﴿قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا..﴾. إلخ: أجاب به عن مقالتهم الحمقاء بأن أشهد الله على براءته من آلهتهم، وفراغه من إضرارهم، تأكيدا لذلك، وتثبيتا له، وأمرهم بأن يشهدوا عليه، استهانة لهم، وتحقيرا لشأنهم، وأن يجتمعوا على الكيد في إهلاكه من غير إمهال وإنظار له، حتى إذا اجتهدوا فيه، ورأوا أنهم قد عجزوا عن آخرهم-وهم الأقوياء الأشداء-أن يضروه؛ لم يبق لهم شبهة أن آلهتهم التي هي جماد لا تضر ولا تنفع، لا تتمكن من إضراره انتقاما منه، وهذا من جملة معجزاته، فإن مواجهة الواحد الجمع الجم الغفير من الجبابرة الفتاك العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام، ليس إلا لثقته بالله، وتثبطهم عن إضراره ليس إلا بعصمته إياه. انتهى. بيضاوي.","vol":"4","page":455},{"text":"(السوء): ما يسوء الإنسان من مرض وفقر ونحوهما، هذا؛ والسوء؛ ما يعم أعمال الشر والفساد. ﴿لا تُنْظِرُونِ﴾: لا تمهلوني، ولا تؤخروا كيدكم لي، وما أشبه هذا القول بقول نوح ﵇ في الآية [٧١] يونس ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ..﴾. إلخ.\nتنبيه: قال الزمخشري في كشافه: فإن قلت: هلا قيل: إني أشهد الله، وأشهدكم، قلت:\nلأن إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشد معاقده، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: اشهد على أني لا أحبك؛ تهكما به، واستهانة بحاله. انتهى. بحروفه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿نَقُولُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿اِعْتَراكَ﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿بَعْضُ﴾:\nفاعله، و﴿بَعْضُ﴾: مضاف، و﴿آلِهَتِنا﴾: مضاف إليه، و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿بِسُوءٍ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿اِعْتَراكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وقول أبي البقاء:\nالجملة مفسرة لمصدر محذوف، تقديره: إن نقول إلا قولا هو اعتراك، لا وجه له البتة، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ نَقُولُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهي عند التأمل من مقول قوم هود. ﴿قالَ﴾:\nماض، والفاعل يعود إلى (هود). ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أُشْهِدُ﴾:\nمضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿اللهَ﴾: منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها؛ إذ هي بمنزلة جواب لسؤال مقدر. (اشهدوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿بَرِيءٌ﴾:\nخبر إن. ﴿مِمّا﴾: متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: بريء من الذي، أو من شيء تشركونه مع الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿بَرِيءٌ،﴾ التقدير: بريء من شرككم أحدا مع الله، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، والهاء في محل جر بالإضافة، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿أُشْهِدُ﴾ الثاني؛ لأنه من الرباعي، أو مفعول (اشهدوا)، وهو من الثلاثي يكتفي بمفعول واحد، فأنت","vol":"4","page":456},{"text":"ترى: أن الفعلين تنازعاه، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، وعلى المذهبين يقدر لأحدهما مثل المذكور، ولا تنس: أن المصدر المؤول من: ﴿أَنِّي بَرِيءٌ..﴾. إلخ في الأصل مجرور بحرف جر، فلما حذف الجار انتصب كما رأيت. ﴿فَكِيدُونِي﴾:\nالفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٧]، (كيدوني): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا مني؛ فكيدوني، وهو أولى من العطف على جملة: (اشهدوا). ﴿جَمِيعًا﴾: حال مؤكدة لواو الجماعة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لا﴾: ناهية.\n ﴿تُنْظِرُونِ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، و(إذا) المقدرة ومدخولها في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1529\"></span>﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ: هذا تقرير لما ذكره في الآية السابقة، والمعنى:\nإنكم، وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني؛ لأني متوكل على الله، واثق بحفظه ورعايته، وهو مالكي ومالككم لا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدّره. ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أي: إلا وهو مالك لها، وقادر عليها، يصرفها على حسب ما يريد ويشاء، والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك، والناصية: مقدم الرأس، وإنما خص الناصية بالذكر؛ لأن العرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم، فإذا وصفوا إنسانا بالذلة مع غيره؛ يقولون: ناصية فلان بيد فلان، وكانوا إذا أسروا أسيرا، وأرادوا إطلاقه؛ جزوا ناصيته ليمنوا عليه، ويعتدّوا بذلك فخرا عليه، فخاطبهم الله بما يعرفون من كلامهم. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إنه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم به، ولا يعجزه ظالم، ولا يعمل إلا بالإحسان والإنصاف، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.\nالإعراب: ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى اللهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي﴾: بدل من لفظ الجلالة، أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة.\n (ربكم): معطوف عليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿تَوَكَّلْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل لما قبلها لا محل لها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ﴾: مبتدأ مرفوع،","vol":"4","page":457},{"text":"وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿هُوَ﴾: ضمير مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آخِذٌ﴾: خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِناصِيَتِها﴾: متعلقان ب ﴿آخِذٌ،﴾ و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ مثلها تعليل، أو مستأنفة.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1530\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: فإن تتولوا بمعنى تعرضوا عن الإيمان بما أرسلت به إليكم، فقد حذفت من الفعل إحدى التاءين، وهذا الحذف كثير في القرآن الكريم والكلام العربي. ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: فقد أديت ما كلفت به من التبليغ وإلزام الحجة، فلم أقصر بشيء من ذلك، وإنما التقصير حاصل منكم في قبول ذلك. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي:\nيهلككم ويخلق من هو أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه، ففيه تهديد ووعيد لهم. ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أي: بإعراضكم، وإنما تضرون أنفسكم بذلك، وقيل: المعنى لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم؛ لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: رقيب، فلا يخفي عليه شيء من أعمالكم، فيجازيكم بها، الإحسان بالإحسان، والإساءة بالإساءة.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، التقدير: فإن تتولوا عن الإيمان بالله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول، ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿أُرْسِلْتُ﴾: ماض، ونائب فاعله. ﴿بِهِ﴾:\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أُرْسِلْتُ..﴾. إلخ صلة ﴿ما..﴾.\nأو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يظهر لك أن الجواب محذوف، وأن الجملة الفعلية تعليل لهذا المحذوف، وتقدير الكلام: فإن تتولوا عن الإيمان بالله فلا أبالي، ولا علي مؤاخذة في شأنكم لأني قد... إلخ. و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n (يستخلف): مضارع مرفوع. ﴿رَبِّي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء","vol":"4","page":458},{"text":"المتكلم، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به. ﴿غَيْرَكُمْ﴾: صفة: ﴿قَوْمًا،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وهذه الإضافة لم تفده تعريفا ولا تخصيصا، ولذا وصفت به النكرة، وجملة: (يستخلف...) إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ ويقرأ الفعل بالجزم على اعتباره معطوفا على محل جواب الشرط. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَضُرُّونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، هذا؛ ويقرأ الفعل بحذف النون، أي: بجزمه بسبب العطف على جواب الشرط. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به ثان، وقيل: هو نائب مفعول مطلق.\n ﴿فَإِنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان ب ﴿حَفِيظٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه.\n ﴿حَفِيظٌ﴾: خبر ﴿فَإِنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، وعند التأمل يتبين لك أن الآية بكاملها، وأيضا الآية السابقة في محل نصب مقول القول؛ إذ كل ذلك من قول هود، عليه الصلاة، والسّلام.\n\n<span id=\"aya-1531\"></span>﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أي: بإهلاكهم وعذابهم. ﴿نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾: وكانوا أربعة آلاف، وذكر الرحمة يشير إلى أن أحدا لا ينجو إلا برحمته وفضله-سبحانه! - وإن كانت له أعمال صالحة، وسواء في الدنيا أو في الآخرة، وفي الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: «لن ينجي أحدا منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله برحمته».\n ﴿وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾: قال البيضاوي: هذا تكرير لبيان ما نجاهم منه، وهو السموم، كانت تدخل أنوف الكفرة، وتخرج من أدبارهم، فتقطع أمعاءهم، أو المراد به تنجيهم من عذاب الآخرة أيضا، والتعريض بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم، فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ. انتهى. قال الخازن: وهو الصحيح ليحصل الفرق بين العذابين، هذا؛ وقد أهلك الله قوم هود بالرياح العاتية، كما ذكر في سورة الذاريات، والقمر، والحاقة، وغير ذلك، وانظر تفصيل ذلك في الآية [٧١] (الأعراف) وانظر (نا) في الآية [٨].\nالإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن","vol":"4","page":459},{"text":"هشام الأول، والمشهور الثاني، وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية: (لما) وهي في محل جر بإضافة: (لمّا) إليها على القول بظرفيتها، واعتبارها متعلقة بالجواب، وجملة: ﴿نَجَّيْنا هُودًا﴾ جواب لما لا محل لها، (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على ﴿هُودًا﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾: متعلقان بالفعل: ﴿نَجَّيْنا﴾. ﴿مِنّا﴾: متعلقان ب (رحمة) أو بمحذوف صفة لها. (نجيناهم): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب: (لما)، لا محل لها مثله. ﴿مِنْ عَذابٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿غَلِيظٍ﴾: صفة: ﴿عَذابٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-1532\"></span>﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾: لما قص الله سبحانه قصة قوم عاد، خاطب محمدا ﷺ وأمته، فقال: ﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ رده إلى القبيلة، وفيه إشارة إلى قبورهم، وآثارهم، فكأنه قال: سيروا في الأرض، فانظروا إليها، واعتبروا، وقد صرح سبحانه بذلك في كثير من الآيات، وانظر (الإشارة) في الآية [٤٩] ومعنى: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾: كذبوها، وكفروا بها. ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾: خالفوا وعاندوا رسول الله هودا ﵇، وإنما جمعه للتعظيم، أو لأن من كذب برسول فقد كذب كل الرسل. ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: اتبعوا أمر كبرائهم الطاغين المعاندين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا انظر شرح ﴿عادٌ﴾ في الآية [٦٥] (الأعراف)، وصرف هنا لإرادة الأب، ولو أريد به القبيلة لمنع من الصرف، وجحد الشيء: أنكره، وكذبه، وكفر به. ﴿رُسُلَهُ﴾: يجوز ضم السين وإسكانها، هذا؛ والعنيد. الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له. قال أبو عبيد: العنيد والعنود، والعاند، والمعاند: المعارض بالخلاف، وعند يعند من الباب الأول، والثاني، وعند يعند من الباب الرابع، وعند يعند من الباب الخامس، والمصدر: عندا، وعنودا، وعندا.\nالإعراب: ﴿وَتِلْكَ﴾: (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عادٌ﴾: خبره. ﴿جَحَدُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿بِآياتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:\n ﴿جَحَدُوا..﴾. إلخ في محل رفع صفة: ﴿عادٌ،﴾ وإن اعتبرته معرفة؛ فالجملة في محل نصب حال منه، والرابط: واو الجماعة، وهي عائدة على أفراد القبيلة، ومثلها الهاء، والجملة على تقدير:","vol":"4","page":460},{"text":"«قد» قبلها، والعامل في الحال اسم الإشارة، (عصوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. ﴿رُسُلَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ..﴾.\nإلخ معطوفة أيضا، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1533\"></span>﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين:\nالدنيا والآخرة، تكبهم في العذاب، واللعن: الطرد من رحمة الله تعالى، وانظر التوسع فيه في الآية [٤٣] (الأعراف). ﴿أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: جحدوا ربهم، والفعل (كفر) يتعدى بنفسه وبحرف الجر، كما تقول: شكرته، وشكرت له، ونصحته، ونصحت له، والواو والهاء عائدتان على عاد كما في الآية السابقة. ﴿أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ أي: لا زالوا مطرودين، ومبعدين من رحمة الله، وإنما كرر ﴿أَلا﴾ وأعاد ذكرهم تفظيعا لأمرهم، وحثّا على الاعتبار بحالهم، هذا؛ وأعاد الإبعاد-وهو مفهوم معنى اللعنة-بعبارتين مختلفتين ليدل على التأكيد وكونهم مستحقين له، وقيد عاد ب ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ احترازا من عاد الثانية وهي عاد إرم ذات العماد، وهم العماليق، قوم شداد بن عاد الذين سيأتي ذكرهم في سورة الفجر إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿وَأُتْبِعُوا﴾: الواو: حرف عطف. (أتبعوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجمل في الآية السابقة. ﴿فِي هذِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الدُّنْيا﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿لَعْنَةً﴾: مفعول به ثان. (يوم): ظرف زمان معطوف على الجار والمجرور: ﴿فِي هذِهِ﴾ فهو متعلق بالفعل: (أتبعوا) بسبب العطف، و(يوم) مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿أَلا﴾:\nحرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿عادًا﴾: اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلا﴾: مثل سابقتها. ﴿بُعْدًا﴾:\nمفعول مطلق لفعل محذوف، جملته مؤكدة لما قبلها. ﴿لِعادٍ﴾: متعلقان بالمصدر قبلهما.\n ﴿قَوْمِ﴾: بدل مما قبله، أو عطف بيان عليه، و﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و﴿هُودٍ﴾: مضاف إليه.","vol":"4","page":461},{"text":"<span id=\"aya-1534\"></span>﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٧٣] من سورة (الأعراف) ففيها الكفاية. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ انظر هذا الكلام في الآية رقم [٥٠] فهو مثله بلا فارق. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأ خلقكم من الأرض، وذلك أن آدم ﵇ خلق من الأرض، وهذا خلق غير مباشر للمخاطبين، ويكون مباشرا لهم إذا رجعنا إلى تحليل النطفة التي يتكون منها الإنسان، فإنها من الدم، ومصدر الدم في الإنسان الطعام والشراب على اختلاف أنواعهما وألوانهما، فإنهما من الأرض بلا ريب. ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ أي: جعلكم عمارها، وسكانها، وقال الضحاك: أطال أعماركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف، وكذلك كان قوم عاد، وقال مجاهد: أعمركم من العمري، أي: جعلها لكم ما عشتم. انتهى. خازن. أقول: والمعتمد الأول بدليل قوله لهم في سورة (الأعراف): ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا﴾.\n ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: الكلام الشافي على هاتين الجملتين انظره في الآية رقم [٣] ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أي: قريب الإجابة لمن دعاه وسأله، وقد توسعت في ذلك في سورة (البقرة) الآية [١٨٦] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٥٠] فهو مثله بلا فارق، علما بأن: ﴿ثَمُودَ﴾ يقرأ بالصرف وعدمه.\n ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها وهي من مقول (صالح)، وجملة:\n ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: الفاء: هي الفصيحة. (استغفروه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فاستغفروه، والكلام في الحقيقة من مقول صالح ﵇، وجملة: ﴿تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسم إن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم","vol":"4","page":462},{"text":"الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾: خبران ل ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية لا محل لها باعتبارها تعليلا للأمر، أو مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول باعتبارها من مقول صالح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-1535\"></span>﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا﴾ أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل ادعائك النبوة؛ وذلك لما نرى فيك من مخايل الرشد، والسداد، وأن تكون لنا مستشارا في الأمور، وأن تؤيدنا في الدين، فلما سمعنا هذا القول منك؛ انقطع رجاؤنا فيك. ﴿مَرْجُوًّا﴾ أصله: (مرجووا)، فأدغمت الواو في الواو، وشددت. ﴿أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أي: من الأوثان والأصنام. ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾: من التوحيد، وعبادة إله واحد، ونبذ عبادة الأصنام. ﴿مُرِيبٍ﴾: موقع في الريبة، هذا؛ وفي سورة (إبراهيم) ﵇ ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ بحذف نون (نا) للتخفيف، وبالخطاب لجماعة الرسل، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى، وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود، والشك في اللغة: خلاف اليقين، وهو اعتدال النقيضين عند الإنسان لوجود أمارتين، أو لعدم الأمارة، والشك ضرب من الجهل، والريب: الشك أيضا، تقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في شك، وحقيقة الريبة قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». رواه النسائي والترمذي عن الحسن بن علي -﵄-.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يا صالِحُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) القائمة مقام (أدعو). ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِينا﴾:\nمتعلقان ب ﴿مَرْجُوًّا﴾ الذي هو خبر (كان). ﴿قَبْلَ﴾: ظرف زمان متعلق ب ﴿مَرْجُوًّا﴾ أيضا؛ لأنه صيغة مفعول، كما رأيت، وقبل مضاف، و﴿هذا﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَتَنْهانا﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري.\n (تنهانا): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، و(نا): مفعول به، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَعْبُدَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف،","vol":"4","page":463},{"text":"التقدير: عن عبادة... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (تنهى). ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصولة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أن نعبد الذي، أو شيئا يعبده آباؤنا.\n ﴿وَإِنَّنا﴾: الواو: واو الحال. (إننا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿لَفِي﴾: اللام: هي المزحلقة. (في شكّ): متعلقان بمحذوف خبر (إن). ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَكٍّ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَدْعُونا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به. ﴿إِلَيْهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط:\nالضمير المجرور ب (إلى). ﴿مُرِيبٍ﴾: صفة ثانية ل ﴿شَكٍّ،﴾ والجملة الاسمية: (إننا...) إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَعْبُدَ﴾ المستتر، والرابط: الواو والضمير، ولعلك تدرك معي:\nأن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1536\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾: انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٢٨] ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ أي: فمن يمنعني من عذاب الله تعالى إن خالفت أوامره، أو قصرت في تبليغ ما كلفني به من الرسالة؟! ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: إن خالفت أوامره، واتبعت قولكم، فما أزداد بذلك إلا خسارة في ديني، ودنياي، وآخرتي، وإبعادا من الخير، وقيل: المعنى فما تزيدونني بما تقولون لي غير أني أنسبكم إلى الخسران، وقال ابن عباس﵄-: معناه غير بصارة في خسارتكم، وهو كما ترى غير ملائم للنص، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾: انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٨]. ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْصُرُنِي﴾: مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿عَصَيْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط دل عليه جواب الشرط السابق. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَزِيدُونَنِي﴾: مضارع مرفوع،","vol":"4","page":464},{"text":"وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول.\n ﴿غَيْرَ﴾: مفعول به ثان، ومعناه الاستثناء، وقيل: صفة لمفعول ثان محذوف، التقدير: شيئا غير و﴿تَخْسِيرٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَما تَزِيدُونَنِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\nتنبيه: بقي أن تعرف: أن الفعل ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يتعدى إلى مفعولين، وأن الثاني أكثر ما يكون جملة استفهامية ينعقد منها مع ما قبلها مبتدأ، وخبر، كقول العرب: أرأيت زيدا ما صنع؟ والمعنى: أخبرني عن زيد ما صنع، إذا تقرر هذا فالمفعول الأول هنا محذوف، ولا يصح أن تقع جملة الشرط موقعه، والجملة الاستفهامية: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ هي المفعول الثاني، ولكن اقترانها بالفاء الرابطة لجواب الشرط عينها جوابا للشرط، وعليه فالمفعول الثاني محذوف وجواب الشرط يدل عليه، ويقدر مؤخرا عن الشرط وجوابه ليكون الشرط وجوابه كلاما معترضا بين المفعولين المقدرين كما يلي: قال: يا قوم أخبروني من ينصرني من الله إن عصيته، وانظر الآية رقم [٤٠] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٥٠] من سورة (يونس)، إن أردت الزيادة.\n\n<span id=\"aya-1537\"></span>﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾: قيل لها: ﴿ناقَةُ اللهِ؛﴾ لأنه تعالى أخرجها من صخرة صماء منفردة في ناحية الحجر، يقال لها: الكاثية، فلما خرجت على حسب ما طلبوا ثم ولدت فصيلا يشبهها، قال لهم صالح ﵇ ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾. ﴿لَكُمْ آيَةً﴾: معجزة تدل على صدقي فيما أدعيه من النبوة. ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾: تأكل نباتها، وتشرب ماءها، وليس عليكم مئونتها. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾: هذا نهي عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر، وإزاحة للعذر، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ﴾: عاجل، لا يتراخى عن مسكم لها بالسوء، وفي (الأعراف): ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾.\nهذا؛ وعذاب اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأنه من عذّب يعذّب بتشديد الذال فيها، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل عطاء ونبات لأعطى، وأنبت، هذا؛ وانظر شرح (ذر) في الآية [٦٩] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾ منادى، انظر تفصيله في الآية رقم [٢٨]. ﴿هذِهِ﴾: الهاء: حرف تنبيه لا محل له. ذه: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿ناقَةُ﴾: خبر المبتدأ، و﴿ناقَةُ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، وهذه الإضافة للتشريف. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿آيَةً﴾: حال من ﴿ناقَةُ اللهِ،﴾ والعامل فيها التنبيه أو الإشارة.","vol":"4","page":465},{"text":"﴿فَذَرُوها﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر ما ذكرته في الآية [١٧] (ذروها): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فذروها. ﴿تَأْكُلْ﴾: مضارع مجزوم جوابا للطلب وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، والفاعل مستتر تقديره: «هي»، وقال أبو إسحاق الزجاج: ويجوز رفع (تأكل) على الحال أو الاستئناف، ولم أجد من قرأ به. ﴿فِي أَرْضِ﴾:\nمتعلقان بما قبلهما، و﴿أَرْضِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَلا تَمَسُّوها﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (ذروها) لا محل لها مثلها. ﴿بِسُوءٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والكاف مفعول به. ﴿عَذابٌ﴾:\nفاعله. ﴿قَرِيبٌ﴾: صفة، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم مس للناقة بسوء؛ فأخذ لكم، بعد هذا لعلك تدرك معي أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول صالح ﵇، وينبغي أن تعلم: أن الآية مذكورة بحروفها في (الأعراف) برقم [٧٣].\n\n<span id=\"aya-1538\"></span>﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿فَعَقَرُوها﴾: عقرها رجل منهم اسمه قدار، ضربها في رجليها، فأوقعها، فذبحوها، واقتسموا لحمها، و(قدار) هذا من أشقى الأشقياء الأولين، وأشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. قال النبي ﷺ: «يا عليّ! أشقى الأوّلين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك». هذا؛ وأضيف عقر الناقة إلى كل القوم؛ لأنه كان برضاهم. ﴿فَقالَ﴾ أي: صالح ﵇. ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ﴾: عيشوا في دياركم. ﴿ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾: هي يوم الخميس، والجمعة، والسبت، وأتاهم العذاب يوم الأحد، والعقر كان يوم الأربعاء. ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أي: غير مكذوب فيه، فاتسع في الظرف بحذف حرف الجر، وإجرائه مجرى المفعول به، قال الشاعر: [الطويل]\nويوما شهدناه سليما وعامرا... قليلا سوى الطّعن النّهال نوافله\nأي: شهدنا فيه، فحذف حرف الجر، وانتصب الضمير، واتصل بالفعل، أو هو مصدر كالمجلود والمعقول، فيكون التقدير: وعد غير كذب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ ولقد ذكرت لك في الآية رقم [٧٣] من سورة (الأعراف): أن الجمل نقل عن كتاب «التحبير» أن صالحا ﵊ قد عاش مائتين وثمانين سنة، وذكرت في الآية رقم [٧٨] منها أن الخازن نقلا عن أهل العلم: أنه قد عاش ثمانية وخمسين عاما، وأقام في قومه عشرين","vol":"4","page":466},{"text":"عاما، ولدى مراجعة قصص الأنبياء للثعلبي وجدت: أن ما قاله الخازن موافق لما قاله الثعلبي، والله أعلم بحقيقة ذلك، ولم يذكر النجار شيئا من ذلك.\nروي أن صالحا﵇قال لهم: يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام، فتصبحون في اليوم الأول، ووجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، فكان كما قال، وأتاهم العذاب في اليوم الرابع.\nالإعراب: ﴿فَعَقَرُوها﴾: ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n (قال): ماض، وفاعله يعود إلى صالح ﵇. ﴿تَمَتَّعُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي دارِكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿ثَلاثَةَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿ثَلاثَةَ﴾: مضاف، و﴿أَيّامٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿تَمَتَّعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَعْدٌ﴾: خبر المبتدأ.\n ﴿غَيْرُ﴾: صفة له، و﴿غَيْرُ﴾: مضاف، و﴿مَكْذُوبٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية:\n ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1539\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾: انظر مثل هذا في الآية رقم [٥٨] ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أي: ونجيناهم من خزي يومئذ، هذا؛ والخزي الذل، والفضيحة، والمراد به ما لحق قوم صالح﵇من العذاب الدنيوي، وانظر الآية [٧٨] الآتية، هذا؛ ويقرأ ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ بكسر الميم على الإعراب، ويقرأ بفتح الميم على البناء لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه، ومثل الآية الكريمة قول النابغة الذبياني: [الطويل]\nعلى حين عاتبت المشيب على الصّبا... فقلت: ألمّا أصح، والشّيب وازع؟\nهذا؛ وتنوين (إذ) عوض عن جملة محذوفة تضاف (إذ) إليها في الأصل، فإن الأصل: (يوم إذ نزل بهم العذاب الأليم والعقاب الشديد)، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت (إذ) لالتقاء الساكنين، كما كسرت (صه) و(مه) عند تنوينهما، وقل مثل ذلك في حينئذ وساعتئذ ونحوهما. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: خطاب للنبي ﷺ، ويعم كل عاقل إلى يوم القيامة.","vol":"4","page":467},{"text":"﴿الْقَوِيُّ﴾: القادر على إنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين والمعاندين في كل وقت وحين.\n ﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب القاهر فوق عباده، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾: انظر الإعراب في الآية رقم [٥٨] فهو مثله بلا فارق. ﴿وَمِنْ خِزْيِ﴾: متعلقان بفعل محذوف انظر الشرح بدليل:\n ﴿وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في الآية [٥٨] وقيل: الواو زائدة، وليس بشيء، و﴿خِزْيِ﴾: مضاف، و(يوم) مضاف إليه مجرور، أو مبني على الفتح في محل جر، و(يوم) مضاف، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وانظر الشرح. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ﴾: اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ﴾: فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون توكيدا لاسم: ﴿إِنَّ﴾ على المحل، والثاني: أن يكون ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وعلى هذين الوجهين ف ﴿الْقَوِيُّ﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والثالث: أن يكون مبتدأ و﴿الْقَوِيُّ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للكلام السابق لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ثان، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1540\"></span>﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أي: في اليوم الرابع من عقر الناقة كما رأيت، صاح بهم جبريل صيحة، فأهلكتهم، فتقطعت قلوبهم وماتوا، ولم يصب صالحا، والمؤمنين معه أيّ أذى، وقال جل ذكره في الآية [٧٨] (الأعراف): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ،﴾ وهي الزلزلة، وقد ذكرت بيانه هناك. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾: خامدين ميتين، وقال في (الأعراف) ﴿فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ انظر الشرح هناك، و﴿جاثِمِينَ﴾ مستعار من قولهم: جثم الطير إذا قعد، ولطأ بالأرض.\nقال القرطبي: وفي التفسير لمّا أيقنوا بالعذاب، قال بعضهم لبعض: ما مقامكم أن يأتيكم العذاب بغتة؟! قالوا: فما نصنع؟ فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعددهم، وكانوا فيما يقال: اثني عشر ألف قبيلة، في كل قبيلة اثنا عشر ألف مقاتل، فوقفوا على الطرق والفجاج، زعموا: أنهم يلاقون العذاب، فأوحى الله إلى الملك الموكل بالشمس أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رءوسهم، فاشتوت أيديهم، وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش، ومات كل ما كان معهم من البهائم، وجعل الماء يفور من تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء، لا يسقط على شيء، إلا أهلكه من شدة حره، فما زالوا كذلك، وأوحى الله إلى ملك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيبا لهم، إلى أن غربت الشمس، فصيح بهم، فأهلكوا. انتهى. بحروفه.","vol":"4","page":468},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَخَذَ﴾: ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، أي: ظلموا أنفسهم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الصَّيْحَةُ﴾: فاعل، ولم يؤنث الفعل للفصل بين الفعل والفاعل، أو لأن الصيحة مؤنث مجازي، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n (أصبحوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾: متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جاثِمِينَ﴾: خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:\n (أصبحوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1541\"></span>﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أي: هلكوا عن بكرة أبيهم، كأنهم لم يقيموا في تلك البلاد، ولم يسكنوها، من غني بالمكان: إذا قام فيه وعمره، و(المغاني) في اللغة المنازل التي يسكنها الإنسان، قال أبو الطيب المتنبي في شعب بوان: [الوافر]\nمغاني الشّعب طيبا في المغاني... بمنزلة الرّبيع من الزمان\n ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾: انظر مثل هذا الكلام في الآية رقم [٦٠] فهو مثله بلا فارق، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين، وقال الخازن: وهذه القصص قد تقدمت مستوفاة في تفسير سورة (الأعراف)، فلذا لم يطل الكلام فيها.\nالإعراب: ﴿كَأَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنهم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَغْنَوْا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فالمعنى لا يأباه، والرابط: الضمير فقط، وباقي الإعراب انظره في الآية رقم [٦٠] والكلام مبتدأ، أو مستأنف لا محل له. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-1542\"></span>﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾\nالشرح: قال القرطبي: هذه قصة لوط ﵇، وهو ابن عم إبراهيم ﵇ لحّا، أي: لازق النسب منه، (والمعروف والمشهور: أنه ابن أخيه هاران، نص على ذلك عبد الوهاب","vol":"4","page":469},{"text":"النجار وغيره) وكانت قرى لوط بنواحي الشام، قال النجار: اسمها سادوم، وعامورة، وكانتا في مكان البحر الميت المعروف اليوم ببحر لوط، ويقال: إنه ظهرت بشاطئه بعض آثارها، وكان إبراهيم ﵇ ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم، ونزلوا عنده، وكان يحسن قرى من ينزل عنده، وقد مروا به ليبشروه بالولد، أو بإهلاك قوم لوط، فظنهم أضيافا، وهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل ﵈، قاله ابن عباس، وهو المعتمد على صورة الغلمان الحسان الوجوه، ذوو جمال بارع، ووضاءة فائقة.\nبعد هذا ف ﴿رُسُلُنا﴾ المراد بهم: الملائكة كما رأيت، ويجوز تسكين السين، وضمها.\n ﴿بِالْبُشْرى﴾: بالبشارة، وقد رأيتها. ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: فما أبطأ، وما تأخر، و﴿حَنِيذٍ﴾ مشوي، والمحنوذ هو المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض، وهو من فعل أهل البادية، وكان سمينا يسيل منه الودك، وفي آية أخرى: ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾.\nقال قتادة: كان عامة مال إبراهيم ﵇ البقر، أي: فلهذا ذبح عجلا لأضيافه، وقيل: مكث إبراهيم ﵇ خمس عشرة ليلة لم يأته ضيف، فاغتم لذلك، وكان يحب الضيف، ولا يأكل إلا معه، فلما جاءت الملائكة فرح بمقدمهم، وعجّل قراهم، فجاءهم بعجل سمين مشوي.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، وقد نصب المفعول به هنا، ويجيء لازما، وهو كثير. ﴿رُسُلُنا﴾: فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ﴾: مفعول به وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿بِالْبُشْرى﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلقهما العكبري بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُنا،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿سَلامًا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: سلمنا، أو نسلم سلاما، وهو اسم مصدر لا مصدر كما ترى، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿سَلامًا﴾ مفعولا به ل ﴿قالُوا؛﴾ لأنه يتضمن معنى (كلاما كثيرا)، أو على معنى (ذكروا سلاما) وجملة: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في محل نصب حال من ﴿رُسُلُنا،﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى إبراهيم ﵇. ﴿سَلامٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أمري، أو جوابي سلام، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: سلام عليكم، وساغ الابتداء بالنكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، هذا؛ وقرأ حمزة والكسائي: «(سلم)» بكسر السين، وهو بمعنى الأول مثل الحل والحلال، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ سَلامٌ﴾ مستأنفة؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال","vol":"4","page":470},{"text":"مقدر. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿لَبِثَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم ﵇. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ونصب. ﴿جاءَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم، ﴿بِعِجْلٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعول به له. ﴿حَنِيذٍ﴾: صفة: (عجل)، وهو بمعنى المفعول، أي: محنوذ، و﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿جاءَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في مجيء، أو بمجيء، أو عن مجيء، وجوز اعتباره مفعولا على المعنى؛ أي: لم يترك الإتيان بعجل، هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول فاعلا بالفعل: ﴿لَبِثَ،﴾ التقدير: فما تأخر مجيئه بعجل حنيذ، هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول مرفوعا على الخبرية من وجهين آخرين:\nأحدهما: اعتبار (ما) موصولة اسمية مبتدأ، والمصدر المؤول خبره، التقدير: والذي لبثه إبراهيم قدر مجيئه، والثاني اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر مبتدأ، والمصدر المؤول خبره، التقدير: لبثه مقدر مجيئه، وإني أعتمد الأول من كل هذه الوجوه، والجملة: ﴿فَما لَبِثَ..﴾.\nإلخ سواء أكانت فعلية، وهو المعتمد، أو اسمية: مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1543\"></span>﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي: لا تصل إلى العجل المشوي، ولا يأخذون من لحمه. ﴿نَكِرَهُمْ﴾: أنكر ذلك منهم، وخاف أن يريدوا به مكروها، هذا؛ و(نكر) و(أنكر) و(استنكر) بمعنى واحد، قال الأعشى: [البسيط]\nوأنكرتني، وما كان الذي نكرت... من الحوادث إلاّ الشّيب والصّلعا\nفجمع بين لغتين، ويقال: (نكرت) لما تراه بعينك، و(أنكرت) لما تراه بقلبك. ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أضمر، وقيل: أحس من الملائكة خوفا، وفزعا، قال الشاعر: [البسيط]\nجاء البريد بقرطاس يخبّ به... فأوجس القلب من قرطاسه جزعا\n ﴿قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: قالت الملائكة لإبراهيم: لا تخف، إنا ملائكة، لا نأكل، ولا نشرب، وإنا مرسلون لإهلاك قوم لوط.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية [٥٨] ﴿رَأى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى إبراهيم ﵇. ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَصِلُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿أَيْدِيَهُمْ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿رَأى..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية: (لمّا)، وفي محل جر بإضافة","vol":"4","page":471},{"text":"(لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿نَكِرَهُمْ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، وجملة ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ معطوفة على:\n (لمّا) لا محل لها مثله، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿لا تَخَفْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها.\n ﴿أُرْسِلْنا﴾: ماض، ونائب فاعله. ﴿إِلى قَوْمِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و﴿لُوطٍ﴾:\nمضاف إليه، وجملة: ﴿أُرْسِلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للنهي، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1544\"></span>﴿وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ﴾: وامرأته (سارة) واقفة وراء الستر تسمع محاورتهم، أو هي قائمة بخدمتهم وهي بنت عمه، أبوها اسمه هاران بن ناحور، بن شاروع، بن أرغو، بن فالغ. انتهى.\nقرطبي، والمشهور: أن هاران أخوه، وهو أبو لوط كما رأيت في الآية رقم [٦٩] وانظر إعلال (قائم) في الآية [١٢] يونس.\n ﴿فَضَحِكَتْ﴾: قال الخازن: أصل الضحك انبساط الوجه من سرور يحصل للنفس؛ ولظهور الأسنان عنده سميت مقدمات الأسنان الضواحك، ويستعمل في السرور المجرد، وفي التعجب المجرد أيضا، وللعلماء في تفسير هذا الضحك قولان:\nأحدهما: أنه الضحك المعروف، وعليه أكثر المفسرين، ثم اختلفوا في سبب هذا الضحك، فقال السدي: لمّا قرب إبراهيم ﵇ الطعام إلى أضيافه، فلم يأكلوا؛ خاف إبراهيم منهم، فقال: ألا تأكلون؟ فقالوا: إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن، قال: فإن له ثمنا، قالوا:\nوما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل، وقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا، فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه ضحكت سارة، وقالت: عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا.\nوقال قتادة: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال مقاتل، والكلبي:\nضحكت من خوف إبراهيم ﵇ من ثلاثة، وهو فيما بين خدمه، وحشمه، وخواصه، وقيل: ضحكت من زوال الخوف عنها، وعن إبراهيم ﵇، وذلك: أنها خافت لخوفه، فحين قالوا: لا تخف ضحكت سرورا، وقيل: ضحكت سرورا بالبشارة.\nوقال ابن عباس ووهب: ضحكت تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها، فعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير، تقديره: فبشرناها بإسحاق فضحكت، يعني: تعجبا","vol":"4","page":472},{"text":"من ذلك، وقيل: إنها قالت لإبراهيم ﵇: اضمم إليك ابن أخيك لوطا، فإن العذاب نازل بقومه، فلما جاءت الرسل، وبشرت بعذابهم سرت سارة بذلك وضحكت لموافقة ما ظنت.\nالقول الثاني في معنى قوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قال عكرمة ومجاهد: أي: حاضت في الوقت، وأنكر بعض أهل اللغة ذلك، قال الراغب: وقول من قال: حاضت ليس ذلك تفسيرا لقوله:\n ﴿فَضَحِكَتْ﴾ كما تصوره بعض المفسرين، فقال: ضحكت بمعنى: حاضت، وإنما ذكر ذلك تنصيصا لحالها، فإن جعل ذلك أمارة لها بما بشرت به، فحيضها في الوقت لتعلم أنّ حملها ليس بمنكر؛ لأن المرأة ما دامت تحيض، فإنها تحمل، وقال الفراء: ضحكت بمعنى: حاضت لم نسمعه من ثقة، وقال الزجاج: ليس بشيء ضحكت بمعنى حاضت، وقال ابن الأنباري: قد أنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت، وقد عرفه غيرهم: [المديد]\nتضحك الضبع لقتلى هذيل... وترى الذئب بها يستهلّ\nقال: أراد أنها تحيض فرحا، وقال الأخطل فيه بمعنى الحيض: [الخفيف]\nتضحك الضبع من دماء سليم... إذ رأتها على الحراب تمور\nوقال في المحكم: ضحكت المرأة حاضت، وبه فسر بعضهم قوله ﷾:\n ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها..﴾. إلخ وضحكت الأرنب ضحكا يعني: حاضت حيضا، قال: [المتقارب]\nوضحك الأرانب فوق الصّفا... كمثل دم الجوف يوم اللّقا\nوقال البيضاوي: وقيل: (فضحكت) فحاضت، قال: [الطويل]\nوعهدي بسلمى ضاحكا في لبابة... ولم تعد حقّا ثديها أن تحلّما\nومنه ضحكت السّمرة إذا سال صمغها، وأنشد على ذلك اللغويون: [الطويل]\nوإنّي لآتي العرس عند ظهورها... وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا\nانتهى. خازن وبيضاوي وقرطبي بتصرف، ثم قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: أي:\nالقولين أصح، قلت: إن الله ﷿ حكى عنها: أنها ضحكت، وكلا القولين محتمل في معنى الضحك، فالله أعلم أي ذلك كان، وانظر تفسير ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: ومن بعد إسحاق يعقوب، وهو ولد الوالد، فبشرت سارة بأنها تعيش حتى ترى ولد ولدها، وكانت قد أيست من الولد لكبر سنها، فلما بشرت بالولد؛ صحكت وجهها، أي: ضربت وجهها، وقد صرحت بذلك آية الذاريات، وهو من صنيع النساء وعادتهن، وإنما فعلت ذلك تعجبا، وإنما خصت بالبشارة؛ لأن النساء أعظم سرورا بالولد من الرجال؛ ولأنه لم يكن لها ولد، وكان لإبراهيم ولد، وهو: إسماعيل.","vol":"4","page":473},{"text":"هذا؛ ويقرأ: ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالرفع والنصب، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] هذا؛ و﴿وَراءِ﴾ يأتي بمعنى ما خلف الأول، وبمعنى ما خلف الظهر، وقد يأتي بمعنى أمام، وقدام، قال تعالى:\n ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أي: أمامهم، وقال جل شأنه: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، فمن مجيئه بمعنى (بعد) كما في الآية قول النابغة: [الطويل]\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للمرء مذهب\nأي: وليس بعد الله ﷻ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده، ومن مجيئه بمعنى أمام وقدام قول لبيد﵁-: [الطويل]\nأليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع\nوأيضا قول سوّار بن المضرب السعدي، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل]\nأيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم، والفلاة ورائيا؟\nفائدة: عاش إبراهيم من العمر مائة وخمسا وسبعين سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة وستمائة وأربعون سنة، وابنه إسحاق عاش مائة وثمانين سنة، ويعقوب عاش مائة وخمسا وأربعين سنة وعاش يوسف مائة وعشرين سنة، وعاش إسماعيل مائة وسبعا وثلاثين سنة، وتزوج إبراهيم ﵇ غير سارة وهاجر امرأة اسمها قطورة، فولدت له: زمران، ويقشان، ومدان، ومديان، ويشباق، وشوما، فيكون جملة أولاده من صلبه ثمانية، وانظر الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿قائِمَةٌ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجوز اعتبارها حالا من واو الجماعة في: ﴿قالُوا﴾ أي: قالوا ذلك في حال قيام امرأته، وعليه فالرابط: الواو فقط، وقال العكبري من (نا)، والأول أولى.\n (ضحكت): ماض، والفاعل يعود إلى امرأته، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية على الوجهين المعتبرين فيها. (بشرناها): فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِإِسْحاقَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَمِنْ وَراءِ﴾: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ووهبنا من وراء... إلخ، و(وراء) مضاف، و﴿بِإِسْحاقَ﴾: مضاف إليه\nإلخ. ﴿يَعْقُوبَ﴾: مفعول به للفعل المحذوف، هذا؛ وجوز اعتباره معطوفا على محل:\n ﴿بِإِسْحاقَ﴾ فهو منصوب أيضا، كما جوز اعتباره معطوفا على لفظ: ﴿بِإِسْحاقَ،﴾ فيكون مجرورا،","vol":"4","page":474},{"text":"وفي هذين الاعتبارين فصل بين يعقوب وبين الواو العاطفة بالظرف، وهذا لا يجيزه كثيرون، هذا؛ وعلى قراءة: «(يعقوبُ)» بالرفع فهو مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور: ﴿وَمِنْ وَراءِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1545\"></span>﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿يا وَيْلَتى﴾: قال الزجاج: أصلها: يا ويلتي، فأبدل من الياء ألف؛ لأنها أخف من الياء، والكسرة. هذا؛ وقد قرئ بالياء على الأصل، قال القرطبي: ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، وعجبت من ولادتها، وكون بعلها شيخا لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر. انتهى. وانظر شرح (الويل) في الآية رقم [٢] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nقال البيضاوي: أصله في الشر، فأطلق في كل أمر فظيع، أقول: وهي كلمة تحسر وتلهف، تستعمل عند الداهية العظيمة، وما قول قابيل في المائدة رقم [٣١] منك ببعيد. ﴿أَأَلِدُ﴾: أصله أولد، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة في مضارع الغائب (يلد) وتحذف من مضارع المتكلم والمخاطب قياسا عليه. ﴿عَجُوزٌ﴾ أي: طاعنة في السن، ويقال:\nشهلة، وشهبرة، وشهربة، وشمطاء، وشيخة لكل امرأة طاعنة في السن، قال صاحب مختار الصحاح: ولا تقل عجوزة، والعامة تقوله، والجمع عجائز وعجز، وفي حديث النبي ﷺ: «إنّ الجنة لا يدخلها العجز». ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾: وهذا زوجي رجل كبير، قيل: كان عمر إبراهيم ﵇ مائة وعشرين سنة وعمرها تسعا وتسعين سنة، والبعل: الزوج، وفي الخازن:\nوالبعل: هو المستعلي على غيره، ولما كان الزوج مستعليا على المرأة، قائمة بأمرها سمي بعلا. انتهى. ويقال للمرأة أيضا: بعل وبعلة، كما يقال لها: زوج وزوجة.\nهذا؛ والشيخ: هو الذي استبانت فيه السن، وظهر عليه الشيب، وفي اللغة: هو من تجاوز الأربعين من عمره، وهو السن الذي يكمل فيه العقل، ويغلب فيها صلاح الرجل على فساده، ومن لم يكمل بعد الأربعين، ولم يرجع إلى صوابه فهو من الخاسرين.\nقال الرسول ﷺ: «من بلغ من العمر أربعين سنة، ولم يغلب خيره على شرّه، فليتجهّز إلى النار». وأصبح الأمل في صلاحه بعيدا، قال الشاعر: [الطويل]\nوإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده... وإنّ الفتى بعد السّفاهة يحلم\nويجمع على شيوخ، وشيوخ، وأشياخ، ومشيخة، وشيخان، وشيخة، وجمع الجمع:\nمشايخ، وأشاييخ، ويطلق الشيخ على الأستاذ، والعالم، وكبير القوم، ورئيس الصناعة، وعلى من كان كبيرا في أعين الناس، علما أو فضيلة أو مقاما ونحو ذلك، وشيخ النار كناية عن إبليس","vol":"4","page":475},{"text":"اللعين. ﴿لَشَيْءٌ﴾: انظر الآية رقم [٤] ﴿عَجِيبٌ﴾: يعني: ولادة الولد من أبوين هرمين شيء غريب، وعجيب من حيث العادة لا من حيث القدرة الإلهية، فهو مثل قول زكريا ﵇:\n ﴿أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾.\nالإعراب: ﴿قالَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى سارة ﵍. (يا):\nحرف نداء ينوب مناب أدعو. (ويلتى): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وقد قلبت ألفا في إحدى القراءتين كما رأيت، والياء في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية [٢٨] وأصل النداء أن يكون لمن يعقل، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا، مثل: يا أسفى ونحوه، والمعنى هنا: أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك، وانظر الشرح. ﴿أَأَلِدُ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتعجب. (ألد): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، تقديره: ولدا، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا عَجُوزٌ﴾: في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَعْلِي﴾: خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْخًا﴾: حال من ﴿بَعْلِي،﴾ والعامل الهاء، أو الإشارة لما فيهما من معنى: أنبه، وأشير، وقرئ «(شيخ)» بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو شيخ، أو هو خبر ثان للمبتدإ، أو هو خبر المبتدأ و﴿بَعْلِي﴾ بدل من اسم الإشارة، وأجاز أبو البقاء: اعتبار ﴿بَعْلِي﴾ مبتدأ و﴿شَيْخًا﴾ خبره، والجملة الاسمية خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هذا...) إلخ في محل نصب حال من فاعل (ألد) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، فتكون الحال قد تعددت، وهي جملة اسمية، والكلام ﴿يا وَيْلَتى..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَشَيْءٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿عَجِيبٌ﴾: صفة (شيء)، والجملة الاسمية من مقول (سارة) أيضا.\n\n<span id=\"aya-1546\"></span>﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾: قالت الملائكة لسارة منكرين عليها تعجبها؛ لأن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولا حقيق بأن يستغربه عاقل، فضلا عمن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات. ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ﴾: البركة: النمو، والزيادة، ومن تلك البركات: أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم، وسارة ﵉. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على أفعاله","vol":"4","page":476},{"text":"كلها، ومستحق لأن يحمد في السراء، والضراء، والشدة، والرخاء. ﴿مَجِيدٌ﴾: ومعناه: المنيع الذي لا يرام، وقال الخطابي: المجيد الواسع الكرم.\nفائدة: تفيد الآية الكريمة أن زوجة الرجل من أهل بيته، وأن أزواج الأنبياء من أهل البيت، ولذا صح استثناؤها في الآية رقم [٨١] الآتية من أهل بيت لوط ﵇.\nهذا؛ و«العجب» بفتح العين والجيم انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب: العجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه، هذا؛ و«العجب» بضم العين، وسكون الجيم: رؤية النفس، وحقيقته: أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما أو ورعا، أو أدبا وغير ذلك، ويعتقد أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم وبئس المصير.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَتَعْجَبِينَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وإنكار. (تعجبين): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله. ﴿مِنْ أَمْرِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿أَمْرِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾:\nمضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿رَحْمَتُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. (بركاته): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿أَهْلَ﴾: منادى حذفت منه أداة النداء، أو هو منصوب على المدح بفعل محذوف، وقول المفسرين: منصوب على الاختصاص ضعيف؛ لأن النصب على الاختصاص يكون بعد ضمير المتكلم، ويقل بعد المخاطب، وأقل منه بعد ضمير الغيبة، و﴿أَهْلَ﴾: مضاف، و﴿الْبَيْتِ﴾: مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: خبران ل (إنّ)، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1547\"></span><span id=\"aya-1548\"></span>﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أي: الخوف، والفزع؛ الذي حصل له عند امتناع الملائكة من الأكل وهو بفتح الراء المشددة وسكون الواو، و(يوم الروع): يوم الحرب من باب إطلاق المسبب، وإرادة السبب؛ لأنه قلما يخلو عن فزع، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nوتبلي الألى يستلئمون على الألى... تراهنّ يوم الرّوع كالحدإ القبل","vol":"4","page":477},{"text":"وقال خلف بن حازم: [الطويل]\nإلى النّفر البيض الألاء كأنّهم... صفائح يوم الرّوع أخلصها الصّقل\nوغير ذلك كثير، هذا؛ والروع بضم الراء: القلب، أو العقل، فعن ابن مسعود ﵁:\nأن رسول الله ﷺ قال: «ليس من عمل يقرب من الجنّة، إلاّ وقد أمرتكم به، ولا عمل يقرّب من النّار، إلاّ وقد نهيتكم عنه، فلا يستبطئنّ أحد منكم رزقه، فإنّ جبريل ألقى في روعي أنّ أحدا منكم لن يخرج من الدّنيا حتّى يستكمل رزقه، فاتقوا الله أيّها الناس، وأجملوا في الطّلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه، فلا يطلبه بمعصية الله، فإنّ الله لا ينال فضله بمعصيته». رواه الحاكم. ﴿وَجاءَتْهُ الْبُشْرى﴾ أي: البشارة بالولد من سارة، وقال قتادة: بشروه بإهلاك قوم لوط. ﴿يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي: يجادل رسلنا، وأضاف سبحانه المجادلة، إلى نفسه؛ لأنهم نزلوا بأمره.\nوهذه المجادلة رواها حميد بن هلال، عن جندب، عن حذيفة﵃ أجمعين-، وذلك أنهم لما قالوا: ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ،﴾ قال لهم إبراهيم ﵇: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، قال:\nفثلاثون؟ قالوا: لا، قال: فعشرون؟ قالوا: لا، قال: فإن كان فيها عشرة أو خمسة-شك حميد؟ -قالوا: لا، قال: فقال إبراهيم: قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم، فقال إبراهيم عند ذلك: ﴿إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾. ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ﴾: ما أجدرك أن تنظر شرح هذا في التوبة الآية [١١٥] ﴿مُنِيبٌ﴾: راجع، يقال: أناب إذا رجع، وإبراهيم صلّى الله على نبينا، وعليه وسلم كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أموره كلها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: انظر الآية [٥٨] ﴿ذَهَبَ﴾: ماض. ﴿عَنْ إِبْراهِيمَ﴾: متعلقان به، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿الرَّوْعُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. (جاءته): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبُشْرى﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿يُجادِلُنا﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى إبراهيم، و(نا): مفعول به.\n ﴿فِي قَوْمِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و﴿لُوطٍ﴾: مضاف إليه، وجملة:\n ﴿يُجادِلُنا..﴾. إلخ في محل نصب خبر ل (أخذ) محذوفا، وهو من أفعال الشروع، أو هو في محل نصب حال عامله محذوف، التقدير: (أقبل يجادلنا...) إلخ وعلى هذين التقديرين فالجملة الفعلية جواب: (لمّا) لا محل لها، هذا؛ وقيل: إن الجواب هو جملة: ﴿يُجادِلُنا..﴾. إلخ على تأويل المضارع بالماضي و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه","vol":"4","page":478},{"text":"بالفعل. ﴿إِبْراهِيمَ﴾: اسمها. ﴿لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ﴾: أخبار ل ﴿إِنَّ﴾ متعددة، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1549\"></span>﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الجدال في شأن قوم لوط، وهو من قول الملائكة. ﴿إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: أمر الله وقدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم، وهو أعلم بحالهم ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾: غير مدفوع، ولا مصروف عنهم بجدال، ولا بدعاء، ولا غير ذلك، قال عبد الرحمن بن سمرة: كانوا أربعمائة ألف، وقال ابن جريج: كانوا أربعة آلاف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا إِبْراهِيمُ﴾: منادى مفرد علم، مبني على الضم في محل نصب ب (يا) النائبة مناب أدعو. ﴿أَعْرِضْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنْ هذا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. (إنهم): مثل سابقتها. ﴿آتِيهِمْ﴾: خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله.\n ﴿عَذابٌ﴾: فاعل باسم الفاعل، وقيل: ﴿عَذابٌ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿آتِيهِمْ﴾ خبر مقدم، وجوز ذلك لأن ﴿عَذابٌ﴾ موصوف بما بعده، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن) والمعتمد الأول.\n ﴿غَيْرُ﴾: صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ و﴿غَيْرُ﴾: مضاف، و﴿مَرْدُودٍ﴾: مضاف إليه، ونائب فاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ التقدير: قالت الملائكة: يا إبراهيم أعرض... إلخ.\n<span id=\"aya-1550\"></span>﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾: المراد بهم الملائكة الذين كانوا عند إبراهيم، ﵇، وبشروه وامرأته بالبشارة التي رأيتها. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: ساءه مجيئهم؛ لأنهم كانوا في صورة غلمان مرد، حسان الوجوه، فظن أنهم أناس، فخاف أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم؛ لأن قوم لوط كانوا مولعين بالفاحشة، وهي إتيان الذكور في أدبارهم، هذا؛ والفعل ﴿سِيءَ﴾ من ساء، يسوء؛ يكون لازما، ويكون متعديا، كما في قولك: ساءني فلان، وكما هنا، وهذا غير (ساء) المستعمل في الذم.","vol":"4","page":479},{"text":"﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: ضاق صدره بمجيئهم، وقيل: ضاق وسعه وطاقته، وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه، والاحتيال فيه. قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الخفيف]\nمن رسولي إلى الثّريّا بأنّي... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب؟\nوأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك، وضعف ومد عنقه، فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع، هذا؛ ويقال:\nضاق ذراع فلان عن هذا الأمر؛ لأن الذراع موضع قوة الإنسان وشهرته، قال هدبة بن خشرم، يخاطب به معاوية بن أبي سفيان، ويعترف فيها بأنه قتل ابن عمه زيادة: [الطويل]\nإن العقل في أموالنا لا نضق بها... ذراعا، وإن صبرا، فنصبر للصّبر\nوقال: هذا يوم عصيب: أي: صعب، وشديد في الشر، قال الشاعر: [الطويل]\nوإنّك إلاّ ترض بكر بن وائل... يكن لك يوم بالعراق عصيب\nتنبيه: روي: أن الله تعالى قال للملائكة: لا تهلكوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات، فأتوه نصف النهار وهو يعمل في أرض له، فاستضافوه، وانطلق بهم يمشي إلى منزله، وقال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية، قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله، إنها لشر قرية في الأرض عملا، قال ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته، فأخبرت بهم قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالا مردا ما رأيت أحسن منهم، ولا أجمل!.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى (حين) عند ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿رُسُلُنا﴾: فاعله، و(نا):\nفي محل جر بالإضافة. ﴿لُوطًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لما) وهي في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿سِيءَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى لوط. ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل ﴿سِيءَ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَضاقَ بِهِمْ﴾ معطوفة على جواب (لما) لا محل لها مثله. ﴿ذَرْعًا﴾: تمييز محول عن الفاعل، مثل:\n (طاب محمد نفسا). ﴿هذا يَوْمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿عَصِيبٌ﴾: صفة: ﴿يَوْمٌ،﴾ وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على جواب (لما) أيضا.","vol":"4","page":480},{"text":"<span id=\"aya-1551\"></span>﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: لما أخبرت امرأة لوط قومها بأضياف لوط جاء قومه يركضون ويسرعون، وقيل: يسوق بعضهم بعضا؛ لأن الفعل بمعنى: (يساقون)، فقيل: هذا الفعل ملازم للبناء للمفعول، مثل أولع، يولع، والصواب: أنه يأتي بصيغة المبني للفاعل، وبه قرأ جماعة ويكون من الباب الثالث، مثل فتح يفتح، ولكن الأول أكثر، وأشهر، قال مهلهل: [الوافر]\nفجاءوا يهرعون، وهم أسارى... نقودهم على رغم الأنوف\n ﴿وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أي: من قبل مجيء الرسل، وقيل: أي: من قبل مجيء لوط إليهم كانوا يعملون الأعمال الخبيثة، والفاحشة القبيحة، وهي إتيان الرجال في أدبارهم.\n ﴿قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: قال لوط ﵇ لقومه... إلخ: فدى أضيافه ببناته كرما وحمية، والمعنى هؤلاء بناتي فتزوجوهن، وكانوا يطلبونهن منه فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم لهن، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ.\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير﵄-: أراد بنات نساء قومه، وأضافهن إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، وهو كالوالد لهم حيث الشفقة والتربية، وهذا القول أولى؛ لأن إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش، والفجار مستبعد، لا يليق بأهل المروءة؛ فكيف بالأنبياء! وأيضا فبناته لا تكفي الجمع العظيم، أما بنات أمته ففيهن كفاية للكل.\nهذا؛ وأطهر ليس على بابه من التفضيل، وإنما هو كلام خرج مخرج المقابلة كقوله تعالى:\n ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها، وكقوله ﷺ حين قال كفار قريش يوم أحد: اعل هبل، فقال: «الله أعلى وأجلّ»؛ إذ لا مماثلة بين الله تعالى والصنم.\n ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾: خافوه وراقبوه واتركوا ما أنتم عليه من الكفر، وفعل الفواحش، والقبائح؛ التي لم يفعلها غيركم. ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أي: لا تهينوني ولا تذلوني، ومنه قول حسان -﵁-: [الطويل]\nفأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك... ولقّاك قبل الموت إحدى الصواعق\nمددت يمينا للنّبيّ تعمدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق\nويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، والخجل، قال ذو الرمة: [البسيط]\nخزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب","vol":"4","page":481},{"text":"و(الضيف) يقع للاثنين والجمع بلفظ الواحد، كما في الآية الكريمة؛ لأنه في الأصل مصدر، قال الشاعر: [الرجز]\nلا تعدمي الدّهر شفار الجازر... للضّيف، والضّيف أحقّ زائر\nوقد يثنى، فيقال: ضيفان، وقد يجمع على أضياف وضيوف وضيفان، وضياف، والأول أكثر استعمالا، كقولك: رجال صوم، وفطر، وزور، وأصل الضيف: الميل، يقال: ضفت إلى كذا: إذا ملت إليه، والضيف من مال إليك نزولا بك. ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أي: يهتدي إلى الحق، ويرعوي عن القبيح، أو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وقيل: رشيد، أي: ذو رشد، أو بمعنى راشد، أو مرشد، أي: صالح أو مصلح. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَجاءَهُ﴾: (جاءه): ماض، والهاء مفعول به. ﴿قَوْمُهُ﴾: فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لما)، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿يُهْرَعُونَ﴾:\nمضارع ونائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿قَوْمُهُ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَمِنْ﴾: الواو: واو الحال. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَعْمَلُونَ﴾ بعدهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: مضارع مرفوع وفاعله. ﴿السَّيِّئاتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير، وهي حال متداخلة و(قد) قبلها مقدرة، ﴿قالَ﴾: ماض وفاعله يعود إلى لوط.\n ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى انظر تفصيله في الآية رقم [٢٨] ﴿هؤُلاءِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَناتِي﴾: خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿هُنَّ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، و﴿أَطْهَرُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿بَناتِي﴾ عطف بيان أو بدلا من اسم الإشارة، و﴿هُنَّ﴾ ضمير فصل، لا محل له، و﴿أَطْهَرُ﴾ خبر المبتدأ، والأول أقوى. هذا؛ وقرئ «(أطهر)» بالنصب على الحال، فيكون ﴿بَناتِي﴾ مبتدأ ثانيا، خبره ﴿هُنَّ،﴾ والجملة الاسمية خبر المبتدأ: ﴿هؤُلاءِ﴾.\nوجوز أبو البقاء اعتبار ﴿هُنَّ﴾ ضمير فصل، ولا وجه له؛ لأن الفصل لا يقع بين الحال وصاحبها، وجوز وجها آخر، وهو أن يكون ﴿هُنَّ﴾ مبتدأ، و﴿لَكُمْ﴾ خبره، و﴿أَطْهَرُ﴾ حالا، والعامل فيه ما في ﴿هُنَّ﴾ من معنى التوكيد بتكرير، وهو تعسف، والصواب الإعراب الأول، والجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان ب ﴿أَطْهَرُ..﴾. على جميع وجوه الإعراب التي قد رأيتها، والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة","vol":"4","page":482},{"text":"لا محل لها. ﴿فَاتَّقُوا﴾: الفاء: هي الفصيحة. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾: أمر، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكرته واقعا فاتقوا الله، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا):\nناهية. ﴿تُخْزُونِ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فلا محل لها، ولها محل باعتبارين. تأملهما. ﴿فِي ضَيْفِي﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وإنكار وتوبيخ. (ليس): ماض ناقص. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: (ليس) مقدم. ﴿رَجُلٌ﴾: اسمها مؤخر. ﴿رَشِيدٌ﴾:\nصفة: ﴿رَجُلٌ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ لا محل لها باعتبارها مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-1552\"></span>﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا﴾ أي: قال قوم لوط له: لقد عرفت ليس لنا ببناتك حاجة، ولا لنا فيهن شهوة؛ لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان، ولا نريد ذلك. فسقط حقنا في نكاحهن. ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾: فهم يعنون أضيافه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَقَدْ﴾:\nاللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَنا﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي بَناتِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف مثل ﴿لَنا﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿حَقٍّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وكثير من النحاة لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿حَقٍّ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وجوز اعتباره فاعلا بالجار والمجرور: ﴿لَنا﴾ لاعتماده على نفي، أقول:\nوهذا يحوج إلى تقدير فعل ليكون فاعلا بالفعل، أي: ما ثبت، أو ما يثبت لنا حق في بناتك، والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية فهي في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (علم)، والجملة الفعلية جواب قسم مقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنَّكَ﴾: الواو: واو الحال. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَتَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، واللام هي المزحلقة.","vol":"4","page":483},{"text":"﴿ما﴾: موصولة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد: محذوف، التقدير: لتعلم الذي نريده، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: لتعلم إرادتنا، وأضيف: أنه سوغ اعتبار ﴿ما﴾ استفهامية مفعولا به مقدما، معلقة للفعل (تعلم) عن العمل، والجملة الفعلية في محل نصب مفعوله، وجملة: ﴿لَتَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية (إنك...) إلخ في محل نصب حال من ضمير المخاطب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1553\"></span>﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾: قاله لوط لما رأى استمرار قومه في غيهم، ولم يقدر على دفعهم؛ قال ذلك على جهة التحسر، والتلهف متمنيا أن يكون له أنصار، وأعوان يدفعون عنه شر هؤلاء الفجرة الكفرة. ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أو ألجأ وأنضوي إلى عشيرة تمنعني منكم، فقد شبه العشيرة القوية التي تذود عن حمى أفرادها بالركن الشديد، وهو ناحية الجبل.\nهذا؛ ويقرأ بنصب ﴿آوِي﴾ ورفعه، وانظر الآية رقم [٤٣].\nتنبيه: يروى: أن الملائكة وجدت على لوط ﵇ حين قال هذه الكلمات، وقالوا:\nإن ركنك لشديد، وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يرحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد». ولما قال لوط هذه المقالة لم يبعث الله بعده نبيا إلا وقواه بالركن الشديد، أي: جعل له عشيرة تحميه.\nوإنما قال لوط ﵇ هذه المقالة؛ لأنه لم يكن من قومه نسبا، بل كان غريبا فيهم؛ لأنه كان أولا بالعراق مع إبراهيم ﵉، فلما هاجرا إلى الشام أرسله إلى أهل سدوم وعامورة، وأما قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ..﴾. إلخ إنما أراد بذلك أخوة البلد والإقامة لا في الدين ولا في النسب؛ لأنه أقام بينهم مدة مديدة وسنين عديدة، وتزوج منهم، وأنجب أولادا من نسائهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر يعود إلى لوط. ﴿لَوْ﴾: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف رفع خبر ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿بِكُمْ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لِي﴾ وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿قُوَّةً،﴾ كان صفة له... إلخ.\n ﴿قُوَّةً﴾: اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿آوِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية معطوفة على خبر: ﴿أَنَّ﴾ في المعنى، التقدير: أو أني آوي!، هذا؛ ويجوز أن يكون معطوفا على ﴿قُوَّةً﴾ نفسها؛ لأنه","vol":"4","page":484},{"text":"منصوب في الأصل بإضمار (أن)، فلما حذفت (أن) رفع الفعل على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ .. ويؤيد ذلك ويقويه قراءة الفعل بالنصب ب «أن» مضمرة بعد ﴿أَوْ،﴾ ويكون التقدير: لو أن لي بكم قوة، أو إيواء. ﴿إِلى رُكْنٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَدِيدٍ﴾:\nصفة: ﴿رُكْنٍ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: لو ثبت وجود قوة لي ونحوه، وقال سيبويه رحمه الله تعالى: هو في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: لو وجود قوة لي حاصل أو ثابت، ونحوهما، وقول المبرد رحمه الله تعالى هو المرجح؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لدفعتكم، أو لبطشت بكم، وأرى جواز اعتبار: ﴿لَوْ﴾ للتمني، وهي لا تحتاج إلى جواب على هذا الاعتبار، ويكون التقدير: أتمنى وجود قوة تمنعني منكم، أو إيواء إلى ركن شديد يحفظني من طغيانكم، وفسادكم، وهو تقدير لا غبار عليه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1554\"></span>﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس، وأهل التفسير: أغلق لوط بابه في وجه قومه، والملائكة معه في الدار، وجعل يناظر قومه، ويناشدهم من وراء الباب، فلم يكفّوا بل هموا بكسر الباب، وهو يمسكه، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الجهد، قالوا له:\n ﴿يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ تنحّ عن الباب، فتنحى وانفتح الباب، فضربهم جبريل ﵇ بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا، فأعموا أبصارنا، وجعلوا يقولون: يا لوط! كما أنت حتى تصبح، وسترى ما تلقى منا غدا يتوعدونه. قال تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾. ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾: بمكروه بسبب إيذائهم إيانا. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: فاخرج من هذه القرية بأهلك في آخر الليل، وقيل: بعد مضي طائفة من الليل، أي:\nبعد هدأة منه، وقيل غير ذلك، انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (يونس). ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: لا يتخلف عن الخروج منكم أحد، وقيل: لا ينظر وراءه منكم أحد. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾","vol":"4","page":485},{"text":"أي: فإنها تلتفت فتهلك مع من يهلك من قومها، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ﴾ فقد قيل: إن لوطا خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم أن يلتفت. فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت، وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر، فقتلها، فلما قالت الملائكة: ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ فقال لوط: متى يكون هذا العذاب؟ قالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قال: إنه بعيد، أريد أسرع من ذلك، فقالوا له: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.\nيروى: أن لوطا ﵇ خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر، وأن الملائكة قالت له: إن الله وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم: أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه، وأمارته: أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ابنتاه، فلا يهولنك ما ترى، فخرج لوط ﵇، وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم.\nبعد هذا انظر القول في الآية [١٨] ﴿رُسُلُ﴾: جمع رسول يجوز ضم سينه وتسكينها، قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه ومنهم من يثقله، وذلك مثل رسل وعسر ويسر وأسد ورحم... إلخ. وانظر شرح (الرسول) في الآية [١] من سورة (الأنفال). ﴿رَبِّكَ﴾: انظر الآية رقم [٣]، ﴿فَأَسْرِ﴾: فعل أمر يقرأ بوصل الهمزة وقطعها، وسرى وأسرى بمعنى واحد وهو قول أبي عبيد والثانية لغة أهل الحجاز، وهما بمعنى سار الليل عامته، وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث. وأما سار فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى مشى، والسرى والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى يسري سرى ومسرى وسرية وسراية، هذا؛ والسرى يذكر ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث كأنهم جعلوه جمع سرية.\n ﴿بِأَهْلِكَ﴾: الأهل اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل:\nالعشيرة وذوو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل الآية الكريمة والآية رقم [٤٠] والجمع أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.\n ﴿أَحَدٌ﴾: أصله: وحد لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل (أحد) إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: ما في","vol":"4","page":486},{"text":"الدار أحد؛ هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه الواحد، والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى:\n ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.\n ﴿اِمْرَأَتَكَ﴾: المرأة جمعها من غير لفظها نساء، ونسوة، ونسون، وهي مشتقة من المرء، وهو الرجل. ﴿مُصِيبُها﴾: انظر إعلال (يصيب) في الآية [٥١] من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿يا لُوطُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) النائبة مناب (أدعو). ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، والألف دليل عليها. ﴿رُسُلُ﴾: خبر (إن)، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يَصِلُوا﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَأَسْرِ﴾: الفاء: هي الفصيحة وانظر الآية [١٧] (أسر): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِأَهْلِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، أي: مصاحبا لهم، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿بِقِطْعٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والباء بمعنى (في). ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة قطع، وجملة: (أسر...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا فأسر\nإلخ. الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿يَلْتَفِتْ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية. ﴿مِنْكُمْ﴾:\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿إِلاَّ﴾: أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَكَ﴾: مستثنى من الأهل، أي:\nفلا تسر بها، وبالرفع بدل من ﴿أَحَدٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير الشأن اسمها. ﴿مُصِيبُها﴾: خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.\n ﴿أَصابَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة صلة الموصول، والجملة الاسمية في حل رفع خبر (إن)، وإنما أعربتها على هذا الوجه؛ لأن ضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة، وهو المعتمد، وعلى القول الضعيف يجوز اعتبار ﴿مُصِيبُها﴾ خبرا ل (إنّ)، و﴿ما﴾ تكون فاعلا باسم الفاعل، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ مستأنفة لا محل لها، والهاء في محل جر بالإضافة وإن اعتبرته مصدرا ميميا، فالإضافة تكون من إضافة المصدر الميمي لمفعوله. ﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة:\nحرف استفهام وتقرير. (ليس): ماض ناقص. ﴿الصُّبْحُ﴾: اسمها. الباء: حرف جر صلة.","vol":"4","page":487},{"text":"﴿بِقَرِيبٍ﴾: خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولعلك تدرك معي أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الملائكة للوط ﵇، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1555\"></span><span id=\"aya-1556\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أي: بإهلاكهم وعذابهم. ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾: وذلك أن جبريل﵇أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي خمس، وأكبرها سدوم، وهي المؤتفكات المذكورة في الآية [٧١] التوبة، فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها، حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم، وصياح ديكتهم، لم تنكفئ لهم جرة، ولم ينكسر لهم إناء، ولم ينتبه لهم نائم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها. ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً﴾ أي: على من كان خارجا عنها من مسافريها قيل: إن الحجارة اتبعت شذاذ قوم لوط، حتى إن واحدا منهم دخل الحرم، فبقي الحجر معلقا في السماء أربعين يوما حتى خرج ذلك الرجل من الحرم، فسقط عليه الحجر، فأهلكه، وقيل: بعد ما قلبها أمطر عليهم، والمعتمد الأول.\n ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: قالت طائفة، منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن إسحاق: إن «سجيلا» لفظة غير عربية، عربت، أصلها «سنج» و«جيل»، ويقال: «سنك» و«كيل»، وهما بالفارسية حجر وطين، عربتهما العرب، فجعلتهما اسما واحدا؛ لأن العرب إذا تكلمت بشيء من الفارسي، صار لغة للعرب، ولا يضاف إلى الفارسية، مثل سندس، واستبرق، ونحو ذلك، فكل هذه الألفاظ فارسية، تكلمت بها العرب، واستعملتها، فصارت عربية، وقيل في شرح: ﴿سِجِّيلٍ﴾ غير ذلك أقوال كثيرة، وانظر الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة وسلام، هذا؛ وأمطرت السماء ومطرت بمعنى واحد، وقيل: أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة.\n ﴿مَنْضُودٍ﴾: قال ابن عباس﵄-: متتابع يتبع بعضها بعضا، وقال الربيع:\nنضد بعضه على بعض حتى صار جسدا واحدا، وقال عكرمة: مصفوف، وقال بعضهم:\nمرصوص والمعنى متقارب. ﴿مُسَوَّمَةً﴾: معلمة، من السيما، وهي العلامة، وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: هي من عند الله، وليست من حجارة الأرض.\n ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: قال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار منها ظالما بعده، روي عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في آخر أمّتي قوم يكتفي رجالهم","vol":"4","page":488},{"text":"بالرجال، ونساؤهم بالنّساء، فإذا كان ذلك، فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجّيل»، ثم تلا ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. وفي رواية عنه ﵊:\n «لا تذهب الليالي والأيّام حتى تستحلّ هذه الأمّة أدبار الرجال، كما استحلوا أدبار النّساء، فتصيب طوائف هذه الأمّة حجارة من ربّك». وقيل: المعنى ما هذه القرى ببعيد من الظالمين يعني مشركي مكة، فإنها قريبة من بلاد الحجاز، وفي طريقهم إلى بلاد الشام في ذهابهم وإيابهم منها، ولم يؤنث بعيد؛ لأنه على إرادة الحجر أو المكان، أو على إرادة العقاب، ولا يبعد أن يسوى في أمثاله بين المذكر والمؤنث؛ لأنها على زنة المصادر كالصهيل، والشهيق.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾: انظر الآية رقم [٧٧] لإعراب هذه الكلمات. ﴿جَعَلْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْها﴾: مفعول به أول. ﴿سافِلَها﴾: مفعول به ثان، و(ها): في محل جر بالإضافة وهي عائدة على القرى، ولم يتقدم لها ذكر، ولكنها مفهومة من المقام، انظر ما ذكرته في الآية [٤٤] والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا حل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً﴾ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حِجارَةً﴾. ﴿مَنْضُودٍ﴾: صفة: ﴿سِجِّيلٍ﴾. ﴿مُسَوَّمَةً﴾:\nصفة: ﴿حِجارَةً،﴾ أو هي حال منها بعد وصفها بما تقدم، وهي اسم مفعول فنائب فاعله يعود إلى ﴿حِجارَةً﴾. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿مُسَوَّمَةً،﴾ و﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾:\nمضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية. ﴿هِيَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾:\nمتعلقان ب (بعيد) بعدهما. ﴿بِبَعِيدٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (بعيد): خبر (ما) منصوب. مثل (قريب) في الآية السابقة، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره، والجملة الاسمية: ﴿وَما هِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرت الجملة في محل نصب حال من الضمير العائد على القرى فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1557\"></span>﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا، فهو مثل الآية رقم [٥٠] و[٦٠] ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾: انظر مثل هذا الكلام في الآية رقم [٥٠]، ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾: أمرهم بالتوحيد أولا، فإنه ملاك الأمر، ثم نهاهم عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض، فقد كانوا مع كفرهم أهل بخس","vol":"4","page":489},{"text":"وتطفيف، كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام؛ أخذوا بكيل زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون، وظلموا، وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا له بغاية ما يقدرون، فأمروا بالإيمان إقلاعا عن الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف. ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي: في سعة من الرزق وكثرة النعم، فلا تزيلوا هذه النعم عنكم بكفركم، وظلمكم غيركم. ﴿وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: يحيط بكم، فيهلككم جميعا وهو عذاب الاستئصال في الدنيا، أو هو عذاب الآخرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا ف ﴿مَدْيَنَ﴾ هو اسم ابن إبراهيم الخليل، ﵇، ثم صار اسما للقبيلة من أولاده، وهو المراد هنا، وانظر الآية [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵇، وقيل: هو في الأصل اسم مدينة بناها مدين المذكور، فعلى هذا يكون التقدير: وأرسلنا إلى أهل مدين، فحذف المضاف لدلالة الكلام، وكان شعيب ﵇ يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وهو ابن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم، فهو أخوهم في النسب، والإقامة معهم في البلد. وقد أثبت عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: أن زمن شعيب كان قبل زمن موسى ﵇، وإذا عرفت أن موسى تزوج بنت شعيب، كما ستعرفه في سورة (القصص) -إن شاء الله تعالى-ظهر لك: أنهما كانا في عصر واحد، وإن كان شعيب أسنّ من موسى بكثير عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. ﴿وَلا تَنْقُصُوا﴾: انظر ما ذكرته في هذا الفعل في الآية رقم [٥٢]، ﴿وَالْمِيزانَ﴾: أصله: الموزان، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، و﴿مُحِيطٍ﴾ أصله: (محوط) لأنه من حاط يحوط، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء، فصار (محوط) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.\nالإعراب: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ إعراب هذا الكلام مثل الآية رقم [٥٠] بلا فارق. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية.\n ﴿تَنْقُصُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وهو ينصب مفعولين، الأول محذوف، التقدير:\nولا تنقصوا الناس. ﴿الْمِكْيالَ﴾: مفعول به ثان، وهو في الأصل مجرور بحرف جر، التقدير: ولا تنقصوا من المكيال، وقدّر النسفي المكيل بالمكيال، ولا بأس به، ويجوز أن يكون المكيال المفعول الأول، والثاني محذوف، وفي ذلك مبالغة، والتقدير: ولا تنقصوا المكيال والميزان حقهما الذي وجب لهما، وهو أبلغ في الأمر بوفائهما. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وجملة: ﴿وَلا تَنْقُصُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اُعْبُدُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.","vol":"4","page":490},{"text":"﴿أَراكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿بِخَيْرٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها، والجملة بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿مُحِيطٍ﴾: قال البيضاوي وغيره: هو صفة:\n ﴿يَوْمٍ،﴾ ووصف اليوم بالإحاطة، وهي صفة: ﴿عَذابَ﴾ لاشتماله عليه، وأرى: أنه صفة:\n ﴿عَذابَ،﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة التي جلبها حركة الجوار قبله، وهو لفظ ﴿يَوْمٍ﴾ والجملتان الاسميتان بعد اعتبارهما تعليلا للنهي، فهما في محل نصب مقول القول، لا محل لهما باعتبار، ولهما محل باعتبار آخر، ومثله كثير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1558\"></span>﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾: قال البيضاوي رحمه الله تعالى: صرح بالأمر بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة، وتنبيها على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء، ولو بزيادة لا يتأتى دونها. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل، والتسوية من غير زيادة ولا نقصان. ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ أي: ولا تنقصوا الناس أموالهم، ولا تأكلوها بالباطل والعدوان. ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: ولا تفسدوا في الأرض من: عثى، يعثى، أو من: عثا، يعثو، من بابي تعب، ونصر، ومصدر الأول: عثي، ومصدر الثاني: عثو، هذا؛ والعثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع المعاملات، وكذلك يشمل جميع أنواع الفساد.\nتنبيه: فقد وقع التكرار في الآية وسابقتها من ثلاثة أوجه؛ لأن الأمر بإيفاء الكيل والميزان هو مفهوم النهي عن نقصهما، وهو أيضا مفهوم النهي عن بخس الناس أشياءهم، فما الفائدة من هذا التكرار، والجواب: أن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح، وهو ما أفادته الجمل الثلاث؛ احتيج في المنع منه، إلى المبالغة في التأكيد، والتكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالتأكيد، فلهذا كرر ذلك ليقوي الزجر، والمنع من ذلك الفعل.\nالإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [٢٨]. ﴿أَوْفُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْمِكْيالَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْمِيزانَ﴾: معطوف على ما قبله.\n ﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَوْفُوا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ،﴾ التقدير: تامّين بالقسط. ﴿وَلا تَبْخَسُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية.. إلخ، والواو فاعله،","vol":"4","page":491},{"text":"والألف للتفريق. ﴿النّاسَ﴾: مفعول به أول. ﴿أَشْياءَهُمْ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾: مثل سابقه. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مُفْسِدِينَ﴾: حال مؤكدة لمعنى الفعل منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، هذا؛ والجمل في الآية معطوفة على بعضها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لأنها من مقول شعيب على نبينا، وعليه ألف صلاة وسلام.\n\n<span id=\"aya-1559\"></span>﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: قال ابن عباس﵄-: يعني ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، خير لكم، مما تأخذونه من التطفيف، وقال مجاهد: طاعة الله خير لكم، وقيل: بقية الله: ما أبقاه لكم من الثواب في الآخرة خير لكم مما يحصل لكم في الدنيا من المال الحرام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن ما ذكر من الخيرية مشروط بوجود الإيمان، وهذا الشرط منصوص عليه في شريعة محمد ﷺ لقبول العمل الصالح، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا،﴾ وغيرها كثير. ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾:\nأحفظكم وأمنعكم من القبائح، أو أحفظ عليكم أعمالكم، فأجازيكم عليها، وإنما أنا ناصح مبلّغ، وقد أعذرت حين أنذرت. أو لست بحافظ عليكم نعم الله لو لم تتركوا سوء صنيعكم، وانظر مثلها في سورة (يونس) رقم [١٠٨]، هذا؛ وقرئ «(تقاة الله)» بمعنى: تقوى الله والخوف منه؛ التي تكف، وتردع عن المعاصي، وانظر شرح ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇.\nالإعراب: ﴿بَقِيَّتُ﴾: مبتدأ، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾:\nمتعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم.\n ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.\n ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر (كان) منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية قيد للخيرية كما رأيت لا محل لها أيضا.\n ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿بِحَفِيظٍ﴾: الباء:\nحرف جر صلة. (حفيظ): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من اعتبارها مستأنفة.","vol":"4","page":492},{"text":"<span id=\"aya-1560\"></span>﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قوم شعيب له. ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أي: من الأصنام أجابوا بذلك بعد أن أمرهم بالتوحيد، وإيفاء الكيل والميزان للناس، قالوا ذلك تهكّما واستهزاء بصلاته، فقد روي أنه ﵊ كان كثير الصلاة، مواظبا على العبادة فرضها، ونفلها، ويقول: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلما أمرهم، ونهاهم؛ عيروه بكثرة الصلاة.\nقال الحسن ﵀: لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. أقول: وتختلف الكيفية والكمية من رسول إلى رسول، هذا؛ وقد قرئ بجمع الصلاة.\n ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا﴾ فالمصدر المؤول معطوف على ﴿ما،﴾ والتقدير:\nأصلاتك تأمرك أن نترك فعلنا في أموالنا، والمعنى: أتريد أن تسلبنا حريتنا في أموالنا؟! هذا؛ ويقرأ الفعلان بتاء المضارعة، والإعراب يوضح هذا.\n ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: قال ابن عباس﵄-: أرادوا: السفيه الغاوي؛ لأن العرب قد تصف الشيء بضده، فيقولون للديغ: سليم، وللفلاة المهلكة: مفازة، وقيل: هو على حقيقته، وإنما قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية، وقيل: معناه: لأنت الحليم الرشيد في زعمك، وقيل: هو على بابه من الصحة، ومعناه: إنك يا شعيب فينا حليم رشيد، فلا يحسن بك شق عصا قومك، ومخالفتهم في دينهم.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿يا شُعَيْبُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) النائبة مناب (أدعو). ﴿أَصَلاتُكَ﴾: الهمزة: حرف استفهام وإنكار وتوبيخ. (صلاتك): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَأْمُرُكَ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (صلاتك)، والكاف مفعول به أول، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان ل (تأمر)، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بترك، والجار والمجرور متعلقان به على أنهما مفعوله الثاني. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: أن نترك الذي، أو شيئا يعبده آباؤنا، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: أن نترك عبادة آبائنا، هذا؛ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَفْعَلَ﴾ معطوف ب ﴿أَوْ﴾ على ﴿ما،﴾ هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالتاء، فالمصدر المؤول من (أن تفعل) معطوف على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾. ﴿فِي أَمْوالِنا﴾: متعلقان بالفعل","vol":"4","page":493},{"text":"قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى قراءة الفعل بالنون، يكون التقدير: نفعل في أموالنا الذي، أو شيئا نشاؤه، أو نفعل مشيئتنا، وعلى قراءة الفعل بالتاء، يكون التقدير: تفعل في أموالنا الذي، أو شيئا تشاؤه، أو تفعل مشيئتك، وجملة: ﴿تَأْمُرُكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِنَّكَ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَأَنْتَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْحَلِيمُ﴾: خبر أول. ﴿الرَّشِيدُ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر إن، هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير فصلا لا محل له من الإعراب، و﴿الْحَلِيمُ﴾ و﴿الرَّشِيدُ﴾ يكونان خبرين ل (إنّ)، ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ، بعد هذا لعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1561\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾: ما أحراك أن تنظر شرح هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [٢٨] ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: رزقا حلالا، قيل: كان شعيب على نبينا، وعليه أزكى تحية وأفضل سلام كثير المال الحلال والنعمة، وقيل: (الرزق الحسن):\nما آتاه الله من العلم، والهداية، والنبوة، والمعرفة، ولا بأس به؛ لأن قوله ﴿عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ يشير إلى العلم، والنبوة..، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف؛ إذ التقدير: أرأيتم إن كنت على علم، ومعرفة من ربي، ورزقني المال الحلال الكثير، فهل يسعني مع هذه النعم العظيمة أن أخون في وحيه، أو أن أخالف أمره، أو أتبع الضلال، أو أبخس الناس أشياءهم، وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم، وذلك لأنهم قالوا له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ،﴾ والمعنى: فكيف يليق بالحليم الرشيد أن يخالف أوامر ربه، وله عليه هذه النعم العظيمة؟! انتهى. خازن بتصرف.\n ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: ما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه؛ لأستبدّ به دونكم، فلو كان صوابا لآثرته، ولم أعرض عنه، فضلا عن أن أنهى عنه، يقال: خالفت زيدا إلى كذا: إذا قصدته وهو مولّ عنه، وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ما أريد إلا إصلاحكم بأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر ما دمت أستطيع الإصلاح، فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه؛ لما نهيتكم عنه. ﴿وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ﴾: وما توفيقي","vol":"4","page":494},{"text":"لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته؛ لأن التوفيق تسهيل سبيل الخير، والطاعة على العبد، ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت على الله في جميع أموري. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: ارجع إليه تعالى فيما ينزل من النوائب، أو أرجع إليه تعالى في معادي بعد الموت.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر يعود إلى شعيب. ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه، إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي) ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: (يا قومي) ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: «يا قوما»، ومنهم من يقول: ﴿(يا قَوْمِ)﴾ بضم الميم، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فتقول، ﴿(يا قَوْمِ)﴾. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (رأيتم): فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مِنْ رَبِّي﴾: متعلقان ب ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (رزقني): ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رِزْقًا﴾: مفعول به ثان. ﴿حَسَنًا﴾:\nصفته، وجملة: (رزقني...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجواب الشرط محذوف انظر تقديره في الشرح. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية.\n ﴿أُرِيدُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أُخالِفَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به، والكاف مفعول به. ﴿إِلى﴾: حرف جر. ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب ﴿إِلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْهاكُمْ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (عن). ﴿إِنْ﴾: حرف نفي بمعنى (ما). ﴿أُرِيدُ﴾: مضارع، والفاعل (أنا). ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿الْإِصْلاحَ﴾: مفعول به. ﴿ما﴾: مصدرية ظرفية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل ﴿أُرِيدُ،﴾ التقدير: مدة استطاعتي. وقال البيضاوي: وقيل: ﴿ما﴾ خبرية بدل من ﴿الْإِصْلاحَ،﴾ وهو يعني: أنها اسم موصول، أو مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، والتقدير على الأول، ما أريد، إلا الإصلاح الذي استطعته، وعلى الثاني: ما أريد، إلا الإصلاح استطاعتي. ﴿وَما﴾: الواو: حرف","vol":"4","page":495},{"text":"استئناف. (ما): نافية. ﴿تَوْفِيقِي﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، وتقديمهما أفاد التخصيص. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها، وينبغي أن تعلم أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\nتنبيه: بقي أن تعلم أن الفعل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يتعدى إلى مفعولين، وأن الثاني أكثر ما يكون جملة استفهامية ينعقد منها مع ما قبلها مبتدأ وخبر، كقول العرب: أرأيت زيدا ما صنع؟ والمعنى أخبرني عن زيد ما صنع؟ إذا تقرر هذا؛ فالمفعول الأول هنا محذوف، ولا يصح أن تقع جملة الشرط موقعه، والجملة الفعلية الاستفهامية المحذوفة التي رأيت تقديرها في الشرح، والمعتبرة جوابا للشرط هي دليل على المفعول الثاني المحذوف أيضا، ويقدر مؤخرا عن الشرط؛ ليكون الشرط وجوابه كلاما معترضا بين المفعولين المقدرين كما يلي: قال: يا قوم أخبروني هل يسعني مع هذه النعم العظيمة... إلخ، إن كنت على بينة من ربي... فهل يسعني... إلخ، وقدره الجلال ووافقه الجمل كما يلي: أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1562\"></span>﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب لكم كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج، وقال الحسن وقتادة: لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان، فيصيبكم ما أصاب الكفار، ويقرأ الفعل بضم الياء، وهو يؤيد التفسير الأول. ﴿ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾: يعني الغرق. ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ أي: الريح التي أهلكتهم. ﴿أَوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾: يعني ما أصابهم من الصيحة حتى هلكوا جميعا. ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾: وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاكهم، وقيل: معناه: وما ديار قوم لوط منكم ببعيد، وذلك أنهم كانوا جيران قوم لوط، وبلادهم قريبة من بلادهم. انتهى. خازن. أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر، والمساوئ.\nأقول: انظر ما أصاب هذه الأقوام من أنواع العذاب في هذه السورة، وفي سورة (الأعراف) أيضا مع التعريف بكل رسول، وانظر شرح ﴿قَوْمِ﴾ في الآية [٢٨]، وإعلال (يصيب) في الآية [٥١] التوبة، شرح مثل في الآية [٢٤]، ويقرأ بفتح اللام على البناء، وانظر ما ذكرته في ﴿بِبَعِيدٍ﴾ في الآية رقم [٨٢]. وللشقاق ثلاثة معان: أحدها: العداوة كما في هذه الآية، والثاني: الضلال،","vol":"4","page":496},{"text":"كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ والثالث: الخلاف، كما في قوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما..﴾. إلخ؛ لأن كل واحد من المتشاقين يكون في شق غير شق صاحبه، أي: في ناحية، وجهة.\nالإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: انظر الآية السابقة. ﴿لا﴾: ناهية. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم ب ﴿لا﴾ الناهية، والكاف مفعول به أول. ﴿شِقاقِي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به ثان أو هو في محل نصب بنزع الخافض.\n ﴿مِثْلُ﴾: فاعل (يصيب) مرفوع، أو هو مبني على الفتح في محل رفع فاعل، و﴿مِثْلُ﴾: مضاف، و﴿ما﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة.\n ﴿أَصابَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿ما﴾. ﴿قَوْمِ﴾: مفعول به، و﴿قَوْمِ﴾: مضاف، و﴿نُوحٍ﴾:\nمضاف إليه، وجملة: ﴿أَصابَ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿قَوْمَ هُودٍ﴾: معطوف على ما قبله، وكذا ﴿قَوْمَ صالِحٍ﴾ معطوف أيضا. ﴿وَما﴾:\nالواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية. ﴿قَوْمِ﴾: اسمها، وهو مضاف، و﴿لُوطٍ﴾: مضاف إليه. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿بِبَعِيدٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (بعيد): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية مهملة ف ﴿قَوْمِ﴾ مبتدأ، والباء زيدت في خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، بعد هذا فالآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-1563\"></span>﴿وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أي: من عبادة الأصنام. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي: من البخس، والنقصان في الكيل والميزان، وانظر الآية رقم [٣] تجد ما يسرك. ﴿رَحِيمٌ﴾: عظيم الرحمة لعباده إذا استغفروا، وتابوا. ﴿وَدُودٌ﴾: فاعل بهم من اللطف، والإحسان ما يفعل البليغ من المودة بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. انتهى. بيضاوي.\nوقال ابن عباس﵄-: الودود المحب لعباده المؤمنين؛ أي: فهو من قولهم:\nوددت الرجل أوده: إذا أحببته، الود: المودة والمحبة، وهو بتثليث الواو.\nالإعراب: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: انظر الآية [٣] ففيها الكفاية. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسمها منصوب. وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم","vol":"4","page":497},{"text":"إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾: خبر بعد خبر، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها، والآية معطوفة بكاملها على ما قبلها، فهي من مقول شعيب على نبينا، وعليه الصلاة، والسّلام.\n\n<span id=\"aya-1564\"></span>﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾: يعني ما نفهم كثيرا من قولك كوجوب التوحيد، وحرمة التطفيف والتبخيس في الكيل والميزان، وذلك لقصور عقولهم، وعدم تفكرهم، وقيل: ما قالوا ذلك استهانة بكلامه واحتقارا له، وقيل: ما نفهم لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والحساب... إلخ. ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾: قال ابن عباس، وقتادة﵄-: كان أعمى، قال الزجاج: ويقال: إنّ حمير كانوا يسمون المكفوف: ضعيفا.\nوقال أبو الحسن، وأبو روق، ومقاتل: يعني ذليلا، قال أبو روق: إن الله ﷾ لم يبعث نبيّا أعمى، ولا نبيّا به زمانة، وقال السدي: وحيدا، ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا. أقول: ويؤيده قولهم: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ أي: بالحجارة حتى تموت، وقيل:\nلشتمناك، والأول أقوى، وكان رهطه من أهل ملتهم؛ أي: على دينهم. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾:\nيعني: بكريم، وقيل: بغالب ولا قاهر ولا ممتنع منا، وهذا يفيد: أنه لم يكن له عندهم حرمة ولا مهابة في صدورهم، وأنهم لم يقتلوه، ولم يسمعوه الكلام الغليظ الفاحش؛ لأجل احترامهم أهله وعشيرته، لا لقوتهم، بل لموافقتهم لهم في الدين، بعد هذا فالفقه: الفهم، وفقه يفقه من باب علم، يعلم: صار فقيها، والفقه العلم بالشيء، ثم صار علما على العلم في الدين لشرفه على غيره من العلوم يقال: فقه الرجل، يفقه، فهو فقيه: إذا فهم، والفعل من باب فهم الذي هو بمعناه، وفقه من باب ظرف، وكرم: صار فقيها. والرهط: اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل معشر ونفر، والرهط: العشيرة، وهو يطلق على العدد من الثلاثة إلى العشرة، وجمعه: أراهط، وأرهط، ولا يطلق الرهط إلا على الرجال.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿يا شُعَيْبُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) النائبة مناب «أدعو». ﴿ما﴾: نافية. ﴿نَفْقَهُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿كَثِيرًا﴾: مفعول به. ﴿مِمّا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب «من»، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء تقوله، وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بمصدر في محل جر ب «من»، التقدير: من","vol":"4","page":498},{"text":"قولك. ﴿وَإِنّا﴾: الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها. ﴿لَنَراكَ﴾:\nاللام: هي المزحلقة. (نراك): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿فِينا﴾: متعلقان بما بعدهما، وهو أقوى من تعليقهما بالفعل قبلهما. ﴿ضَعِيفًا﴾: حال من الكاف، وجملة: ﴿لَنَراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية (إنا...) إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَفْقَهُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَوْلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿رَهْطُكَ﴾: مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والخبر محذوف، تقديره: موجود، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿لَرَجَمْناكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، واللام واقعة في جواب (لولا)، والجملة الفعلية جواب (لولا) لا محل لها. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية [٨٨] ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ..﴾. إلخ والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1565\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾: يعني أكرم عندكم، وأهيب في صدوركم من الله حتى تركتم قتلي، أو شتمي ومنقصتي لمكان عشيرتي عندكم، فالأولى أن تجلوني وتكرموني لأجل الله، لا لرهطي؛ لأنه تعالى أعز، وأعظم. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: جعلتم أمر الله وراء ظهوركم كالشيء المنبوذ المنسي الذي لا يؤبه له. ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بأحوالكم جميعا لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها يوم القيامة.\nهذا؛ و(الظهري) بكسر الظاء منسوب إلى الظهر بفتحها، وهو من تغييرات النسب، كما قالوا في أمس: إمسي بكسر الهمزة، وفي الدهر دهري بضم الدال، وقيل: الضمير المنصوب يعود على العصيان: أي: اتخذتم العصيان عونا على عداوتي، فالظّهري على هذا بمعنى:\nالمعين المقوي. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى شعيب ﵇. ﴿يا قَوْمِ﴾: انظر الآية رقم [٨٧]. ﴿أَرَهْطِي﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (رهطي): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَعَزُّ﴾:\nخبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾: كلاهما متعلقان ب ﴿أَعَزُّ﴾. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾: الواو: حرف عطف. (اتخذتموه): ماض مبني على السكون، والتاء","vol":"4","page":499},{"text":"فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول. ﴿وَراءَكُمْ﴾: ظرف متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بما بعده، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ظِهْرِيًّا﴾: مفعول به ثان، هذا؛ وجوز اعتبار الظرف المفعول الثاني، و﴿ظِهْرِيًّا﴾ حال من الضمير المنصوب، كما جوز اعتبار الفعل متعديا لمفعول واحد، و﴿ظِهْرِيًّا﴾ حالا، والظرف متعلق به أو بالفعل. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل، ﴿رَبِّي﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي أو بشيء تعملونه وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبعملكم. ﴿مُحِيطٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ،﴾ بعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ الآية الكريمة كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ..﴾.\nالشرح: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: على غاية تمكنكم، واستطاعتكم، يقال: مكن مكانة: إذا تمكن أبلغ التمكن، أو المعنى: على ناحيتكم وجهتكم وحالتكم التي أنتم عليها، من قولهم: مكان ومكانة كمقام ومقامة، ويقرأ «مكاناتكم» بالجمع في كل القرآن، وهو أمر تهديد ووعيد، أي: اثبتوا على كفركم وعداوتكم، فهو كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ أي: ثابت على ما كنت عليه من المصابرة، والتوحيد والإيمان. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: فهو تهديد ووعيد بصيغة المضارع الذي هو للمستقبل بعد التهديد والوعيد بصيغة الأمر.\nتنبيه: ذكرت الآية الكريمة بحروفها في سورة (الأنعام) برقم [١٣٥] وقد اقترنت هناك ﴿سَوْفَ﴾ بالفاء، ولم تقرن ولم تسبق بها هنا، والسبب في ذلك: أن الفاء هناك للتصريح بأن الإصرار والتمكن فيما هم عليه سبب لذلك، وحذفها هاهنا لأنه جواب سائل، قال: فماذا يكون بعد ذلك فهو أبلغ في التهويل. انتهى. بيضاوي.\nوقال النسفي: وإدخال الفاء في ﴿سَوْفَ﴾ وصل ظاهر بحرف وضع للوصل، ونزعها وصل تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ،﴾ والإتيان بالوجهين للتفنن في البلاغة، وأبلغهما الاستئناف. انتهى. وهذا الاستئناف يسمى في علم البيان بالاستئناف البياني.\nالإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ﴾: انظر إعراب هذه الجملة في الآية [٨٧]. ﴿اِعْمَلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو","vol":"4","page":500},{"text":"الجماعة، التقدير: اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة، والقدرة، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ تعليل للأمر لا محل لها. ﴿سَوْفَ﴾: حرف تسويف واستقبال. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: مضارع وفاعله، ومفعوله في الآية التالية، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، ولعلك تدرك معي أن الآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿... مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ الشرح: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾: يذله ويهينه والمراد به عذاب الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وانظر ﴿تُخْزُونِ﴾ في الآية [٧٨]. ﴿وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾ أي: سوف تعلمون من الكاذب مني أو منكم. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ أي: انتظروا العاقبة، وما يؤول إليه أمري، وأمركم. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ أي: منتظر. أو المعنى: انتظروا العذاب والسخطة، فإني منتظر النصر والرحمة، والرقيب: بمعنى المراقب.\nالإعراب: ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل:\n ﴿تَعْلَمُونَ،﴾ وتحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ، التقدير: أينا يأتيه العذاب، وجملة: ﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية مبتدأ، وعليه يكون الفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ معلقا عن العمل، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعوله، وانظر الآية رقم [٣٩]. ﴿يُخْزِيهِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى ﴿عَذابٌ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة:\n ﴿عَذابٌ﴾. (من): اسم موصول معطوف على سابقه، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ كاذِبٌ﴾ صلته، وعلى اعتبار (من) اسم استفهام مبتدأ فالضمير يكون فصلا لا محل له، و﴿كاذِبٌ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. (ارتقبوا): فعل أمر وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِعْمَلُوا﴾. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق ب ﴿رَقِيبٌ﴾ بعده، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿رَقِيبٌ﴾: خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها، وهي بدورها من مقول شعيب ﵇. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1567\"></span>﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾: انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٥٨] فهو مثله بلا فارق، مع لفت النظر إلى ما يلي:","vol":"4","page":501},{"text":"قال البيضاوي رحمه الله تعالى: إنما ذكره بالواو كما في قصة عاد؛ إذ لم يسبقه ذكر وعد، يجري مجرى السبب له، بخلاف قصتي صالح، ولوط، فإنه بعد ذكر الوعد، وذلك في قوله:\n ﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فلذلك جاء بفاء السببية. ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ..﴾. إلخ: هذا الكلام مثل الآية رقم [٦٧] مع ملاحظة تأنيث الفعل هنا على لفظ ﴿الصَّيْحَةُ،﴾ وتذكيره هناك على تأويل: ﴿الصَّيْحَةُ﴾ بالصياح، أو قل: يجوز تأنيث الفعل، وتذكيره لسببين: الأول الفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول الثاني، كون ﴿الصَّيْحَةُ..﴾. مؤنثا مجازيا، وما كان من هذا يجوز تأنيث الفعل وتذكيره معه.\nقال ابن عباس﵄-: ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكم الله بالصيحة؛ غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم، هذا؛ وقد ذكر الله في الآية رقم [٧٣] من سورة (الحجر) أنه أخذ قوم لوط بالصيحة أيضا، انظر الكلام هناك.\nالإعراب: أرجو أن تنظر إعراب (لما) ومدخولها في الآية رقم [٥٨] وإعراب ما يشبه هذا الكلام أيضا في الآية رقم [٧] وفي الآية [٨٢]، أما إعراب: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا..﴾. إلخ فانظره في الآية رقم [٦٧] ففيه الكفاية، وذلك بغية الاختصار.\n\n<span id=\"aya-1568\"></span>﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾: انظر الآية رقم [٦٨]، وانظر ﴿بُعْدًا﴾ في الآية رقم [٤٤].\nالإعراب: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾: انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية [٦٨]. ﴿أَلا﴾:\nحرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿بُعْدًا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف. ﴿لِمَدْيَنَ﴾: متعلقان ب ﴿بُعْدًا،﴾ أو بمحذوف صلة له، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿كَما﴾: متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿بُعْدًا﴾. و(ما): تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول الجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد: محذوف، التقدير: بعدا كائنا كالذي بعدته ثمود، وعلى الثاني تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالكاف، التقدير: بعدا كائنا كإبعاد ثمود عن رحمة الله تعالى.\nتنبيه: وبعد أن أهلك الله أهل مدين بالصيحة المعبر عنها في آية أخرى بالرجفة، وهي الزلزلة، ونجّى شعيبا والذين آمنوا معه أرسله إلى أصحاب الأيكة، وهي غيضة تنبت ناعم الشجر، كانت بقرب مدين، تسكنها طائفة من عباد الله، قيل: كانوا بادية مدين، وكان شعيب ﵇ أجنبيا منهم، وكانوا على مثل طريقة أهل مدين، من كفر وبخس للكيل، والميزان، فلما نهاهم عما هم فيه، قالوا: ﴿إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ﴾","vol":"4","page":502},{"text":"﴿الْكاذِبِينَ﴾ ظنا منهم أن الله تعالى، لا يرسل إلى البشر هداة منهم، جهلا منهم بأن الله أعلم حيث يجعل رسالته.\nوكان من شدة حماقتهم أن يطلبوا من شعيب أن يسقط عليهم كسفا من السماء-أي: قطعة منها-إن كان من الصادقين، ولشدة جهلهم لم يطلبوا الهداية إلى الحق، ولم يتعظوا بما حصل لأهل مدين من الهلاك، فأخذهم عذاب يوم الظلة، بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام حتى غلت مياههم، ثم ساق إليهم غمامة فاجتمعوا للاستظلال بها من وهج الشمس، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. انتهى. قصص الأنبياء للنجار بتصرف.\nأقول: قد أشار الله إلى هؤلاء القوم في سورة (الحجر) بآيتين فقط، وفصّلها في سورة (الشعراء) تفصيلا وافيا من آية رقم [١٧٦] إلى آية رقم [١٩١].\n\n<span id=\"aya-1569\"></span><span id=\"aya-1570\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾: هذه قصة سابعة ذكرت في هذه السورة الكريمة بعد ذكر قصة نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وقد ذكرت هذه القصص في سورة (الأعراف) على هذا الترتيب، من غير تعرض لقصة إبراهيم ﵇ هناك، وقصة موسى مع فرعون ذكرت هنا بإيجاز هو شبيه بالإشارة إليها، بينما ذكرت في سورة (الأعراف) بالتفصيل الوافي الكافي، والمراد بالآيات المعجزات التي ذكرها ربنا جل علاه في سورة (الأعراف) منها ثمانية في (الأعراف)، والتاسعة في سورة (يونس)، وهي الطمس على الأموال والشدة على القلوب، الآية رقم [٨٨]. ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: هو المعجزات الباهرة منها، أو هي العصا خاصة، والإفراد بالذكر لإظهار شرفها؛ لكونها أكبرها، وأعظمها، أو المراد بالآيات ما عداها، أو هما عبارة عن شيء، أي: أرسلناه بالبرهان الجامع بين كونه آياتنا، وبين كونه سلطانا له على نبوته، واضحا في نفسه، أو موضحا إياها. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: اتبعوا طريقة فرعون المعوجة، وأعرضوا عن طريقة موسى الرشيدة الداعية إلى الخير والهدى، والإحسان، والإيمان. ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: بسديد يؤدي إلى صواب، أو بمرشد إلى خير، بل هو غي محض وضلال خالص؛ لأنه منهمك في الكفر والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى فساده.\nبعد هذا ﴿مُوسى﴾: أصله: موشى بالشين مركب من اسمين: الماء والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو)، والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر، لما رمته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) والقصص هذا؛ و﴿مُوسى﴾ هو ابن عمران، بن قاهت، بن لاوي، بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.","vol":"4","page":503},{"text":"﴿وَسُلْطانٍ﴾: حجة، قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه، كالسلطان يقهر غيره، وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في الأرض. انتهى. خازن. هذا؛ وجمع السلطان بمعنى الحاكم والمالك: سلاطين؛ ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجة.\n ﴿فِرْعَوْنَ﴾: قال الجمل: قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: دهاء ومكر، وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر، وكسرى لملكي الروم والفرس، وكان فرعون موسى ﵇ مصعب بن الريان، وقيل: ابنه الوليد من بقايا عاد، وفرعون يوسف ﵇، ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة. ﴿وَمَلائِهِ﴾: انظر الآية رقم [٢٧] وانظر إعلال ﴿مُبِينٍ﴾ ومعناه في الآية رقم [٦]، وانظر (نا) في الآية [٨].\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا﴾: فعل وفاعل، وانظر إعراب مثله في الآية [٢٥] ﴿مُوسى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِآياتِنا﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿مُوسى﴾ أي: حال كونه ملتبسا بآياتنا، و(نا) في محل جر بالإضافة.\n (سلطان): معطوف على ما قبله. ﴿مُبِينٍ﴾: صفته. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (ملئه): معطوف على فرعون، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n (اتبعوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَمْرَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾:\nمضاف إليه مجرور... إلخ من إضافة المصدر لفاعله. والجملة الفعلية معطوفة على مقدر، أي:\nفكفر بها فرعون وأمرهم بالكفر ﴿فَاتَّبَعُوا..﴾. إلخ والكلام كله معطوف على جواب القسم لا محل له مثله ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ في الآية [٨٨]، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والرابط: الواو، وإعادة اللفظ بعينه، للتحقير، والتقبيح، والاستئناف ممكن.\n\n<span id=\"aya-1571\"></span>﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾: يتقدم قومه إلى النار؛ إذ هو رئيسهم، كما كان يتقدمهم في الدنيا إلى الضلال، يقال: قدمهم، يقدمهم، قدما، وقدوما، إذا تقدمهم. ﴿فَأَوْرَدَهُمُ﴾","vol":"4","page":504},{"text":"النّارَ: أدخلهم فيها، ذكره بلفظ الماضي لتحقيق وقوعه، وقيل: بل هو ماض على حقيقته، وهذا قد وقع وانفصل، وذلك: أنه أوردهم في الدنيا النار، قال تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ،﴾ ونزل النار منزلة الماء، فسمى إتيانها موردا على سبيل الاستعارة التصريحية، وقيل: استعارة مكنية تهكمية للضد، وهو الماء، وإثبات الورد لها تخييل، ومثل الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]\nتعزّ فلا إلفين بالعيش متّعا... ولكن لورّاد المنون تتابع\n ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ أي: المورد الذي وردوه، فإن المورد يراد لتبريد الأكباد وتسكين العطش، والنار بالضد، هذا؛ والمورد: المنهل من الماء، والمورود الماء الذي يورد والموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول، والأول بمعنى المصدر، فاستعير للنار كما في الذي قبله، ومن يرد على الماء يقال له: وارد، وجمعه واردون ووراد، قال الشاعر: [البسيط]\nردوا فو الله لازدناكمو أبدا... ما دام في مائنا ورد لورّاد\n ﴿الْقِيامَةِ﴾: أصلها: القوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، سميت القيامة بذلك لقيام الناس في ذلك اليوم من قبورهم، وانظر شرح ﴿وَبِئْسَ﴾ في الآية رقم [٤١] من سورة (الأنفال)؛ فإنه جيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَقْدُمُ﴾: مضارع، وفاعله يعود إلى فرعون. ﴿قَوْمَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ﴾: مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾:\nمضاف إليه، وجملة: ﴿يَقْدُمُ..﴾. إلخ تعليل للنفي المذكور في الآية السابقة. (أوردهم): ماض ومفعوله، وفاعله يعود إلى فرعون، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿النّارَ﴾: تنازعه كل من الفعلين السابقين، فأعمل الثاني على مذهب البصريين، ولو أعمل الأول على مذهب الكوفيين، لكان الكلام كما يلي: (يقدم قومه إلى النار... فأوردهم إياها) فأعمل الثاني، وحذف من الأول اكتفاء به، وصح عطف الجملة الثانية؛ لأنها بمعنى المستقبل كما رأيت.\n (بئس): ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْوِرْدُ﴾: فاعل: (بئس). ﴿الْمَوْرُودُ﴾: صفته، وحذف المخصوص بالذم؛ إذ تقدير الكلام: بئس الورد المورود المذمومة النار.\n\n<span id=\"aya-1572\"></span>﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ﴾ أي: الدنيا. ﴿لَعْنَةً﴾: بعدا وطردا من رحمة الله، وانظر الآية رقم [٤٤] من سورة (الأعراف). ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: ولعنة في يوم القيامة، فحذف لدلالة الأول عليه. ﴿الرِّفْدُ﴾: بكسر الراء العطاء والجود، وهو بفتح الراء: القدح الضخم الذي يقدم فيه الشراب، قال الأعشى: [الخفيف]","vol":"4","page":505},{"text":"ربّ رفد هرقته ذلك اليو... م وأسرى من معشر أقتال\nوالمراد ب ﴿الرِّفْدُ﴾ في الآية الكريمة العون و﴿الْمَرْفُودُ﴾ المعان، والمراد بالأول: اللعنة الأولى، وبالثاني: اللعنة الثانية، وهذا استعارة كما في الآية السابقة، وهو تهكم به واستهزاء، وإلا فاللعنة إذلال لهم، وإنزال بهم إلى الحضيض الأسفل من النار، وأردفت الأولى بالثانية ليكونا هاديين لهم إلى طريق الجحيم، بل إلى سواء الجحيم.\nالإعراب: ﴿وَأُتْبِعُوا﴾: الواو: حرف استئناف. (أتبعوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿فِي هذِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَعْنَةً﴾: مفعول به ثان. (يوم): ظرف زمان معطوف على محل: ﴿فِي هذِهِ﴾ فهو متعلق ضمنا بالفعل: (أتبعوا)، و(يوم) مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾: مضاف إليه، وجملة:\n ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ومثلها جملة: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ وإعرابها مثل إعراب ما قبلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-1573\"></span>﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ﴾: الإشارة إلى ما تقدم ذكره من أخبار الأمم المذكورة في هذه السورة.\n ﴿مِنْ أَنْباءِ الْقُرى﴾: من أخبار القرى التي أهلكها الله تعالى، هذا؛ والقرى: جمع قرية، وهي في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، قال: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾:\nنخبرك به؛ لتخبر قومك أخبار الأمم السابقة، لعلهم يعتبرون به، فيهتدون إلى الإيمان، هذا؛ والقصص: تتبع الأثر، يقال: قص فلان أثر فلان، أي: تتبعه؛ ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول أم موسى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره، وإنما سميت الحكاية قصة؛ لأن الذي يقص الحديث، يذكر تلك القصة شيئا فشيئا. ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾: قال قتادة: القائم ما كان خاويا على عروشه، والحصيد ما لا أثر له، وقال ابن عباس﵄-: القائم العامر، والحصيد الخراب، أي: محصود كالزرع، قال الشاعر في المعنى، والإعراب مثل الآية الكريمة: [الكامل]\nوالنّاس في قسم المنيّة بينهم... كالزّرع منه قائم وحصيد\nوفي: ﴿قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ استعارة تبعية؛ لأن المستعار اسم مشتق، اسم فاعل واسم مفعول.\nوجمع حصيد: حصدى، وحصاد، مثل مرضى، ومراض، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر ما ذكرته في الآية [٤٩].","vol":"4","page":506},{"text":"الإعراب: ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ و﴿أَنْباءِ﴾:\nمضاف، و﴿الْقُرى﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿نَقُصُّهُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب حال من ﴿أَنْباءِ الْقُرى،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، وهناك أقوال أخر ذكرتها في الآية رقم [٤٩] والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْها﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿قائِمٌ﴾: مبتدأ مؤخر، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (حصيد): معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد، أو هو مبتدأ خبره محذوف لدلالة ما قبله عليه، فيكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها، ونائب فاعل (حصيد) مستتر فيه، هذا هو الإعراب الظاهر، ولا أعتمده، وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [١٠٥] الآتية.\n\n<span id=\"aya-1574\"></span>﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أي: بالهلاك والتدمير، والضمير المنصوب يعود إلى أهل القرى.\n ﴿وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بأن عرضوها للهلاك بارتكاب ما يوجبه من الكفر، والمعاصي. ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾: فما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ..﴾. إلخ:\nأي: أصنامهم التي كانوا يقدسونها، ويعظمونها من دون الله. ﴿لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: جاء أمره ﷾ بإهلاكهم للملائكة الذين تولوا ذلك. ﴿وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أي: ما زادتهم أصنامهم غير الهلاك، والخسار، فالتباب، والتتبيب: مصدران، والفعل: (تب)، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أي: خسرت يداه وهلكت، قال لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁: [الكامل]\nفلقد بليت، وكلّ صاحب جدّة... لبلى يعود، وذاكم التّتبيب\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿ظَلَمْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية في محل نصب حال من أهل القرى، والرابط:\nالواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿وَلكِنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿ظَلَمُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿فَما﴾: الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَغْنَتْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف","vol":"4","page":507},{"text":"المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿آلِهَتُهُمُ﴾: فاعل: ﴿أَغْنَتْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة:\n ﴿آلِهَتُهُمُ﴾. ﴿يَدْعُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿دُونِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿يَدْعُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ل «كان» المحذوفة مع اسمها، و(كان) واسمها وخبرها صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: التي كانوا يدعونها من دون الله. وتقدير (كان) يتطلبها المعنى، وإن كان حذفها يقع بعد (إن) و(لو) الشرطيتين غالبا، ﴿مِنْ﴾: حرف صلة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿أَغْنَتْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿لَمّا﴾: ظرف زمان بمعنى (حين) مبنية على السكون في محل نصب متعلقة بالفعل: ﴿أَغْنَتْ،﴾ وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿وَما﴾: الواو:\nواو الحال. (ما): نافية. ﴿زادُوهُمْ﴾: ماض وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿غَيْرَ﴾: مفعول به ثان، و﴿غَيْرَ﴾: مضاف، و﴿تَتْبِيبٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:\n ﴿آلِهَتُهُمُ،﴾ أو من الضمير العائد على الكفار، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين، هذا؛ والاستئناف ممكن.\n\n<span id=\"aya-1575\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ أي: ومثل الأخذ المذكور فيما تقدم إهلاك أهل القرى فيما يستقبل من الحياة، وهذا على قراءة ﴿إِذا﴾ التي هي للمستقبل، هذا؛ وقرئ: ﴿(أَخْذُ رَبِّكَ)﴾ بالفعل الماضي، و(إذ) التي للماضي أيضا، فيكون المعنى: وكذلك أخذ ربك من أخذهم من الأمم المهلكة وقت أخذهم. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي: وأهل القرى ملتبسون بالكفر، والمعاصي، ومعاندة الواحد القهار. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ أي: إن انتقام الله من الظالمين مؤلم موجع غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والوعيد، والتحذير والنذير.\nفعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ليملي للظّالم حتّى إذا أخذه لم يفلته». ثم قرأ الآية الكريمة.\nقال الخازن: فالآية الكريمة والحديث الشريف دليل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة، ورد الحقوق إلى أهلها، إن كان الظلم للغير؛ لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم، والعذاب الشديد، ولا يظن أن هذه الآية حكمها مختص بظالمي الأمم الماضية، بل هو عام في كل ظالم، ويعضده الحديث، والله أعلم. انتهى. وما أحراك أن تنظر","vol":"4","page":508},{"text":"ما ذكرته في الآية رقم [١٨٠] من سورة (الأعراف)، والآية رقم [٢٣] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَخْذُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، وهذا على اعتبار: ﴿أَخْذُ﴾ مصدرا، وأما على اعتباره فعلا، فالجار والمجرور (كذلك) متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أخذ ربّك القرى أخذا كائنا مثل الأخذ المذكور، ويكون ﴿رَبِّكَ﴾ مرفوعا على أنه فاعله، والجملة الاسمية أو الفعلية على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل، أو لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر، أو بالفعل على القراءتين، ﴿أَخْذُ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿الْقُرى﴾: تنازعه كلّ من (أخذ) و(أخذ)، فأعمل الثاني على مذهب البصريين، وحذف الضمير من الأول؛ لأنه فضلة على حد قول ابن مالك﵀في ألفيته: [الرجز]\nولا تجئ مع أوّل قد أهملا... بمضمر لغير رفع أوهلا\nولا تنس: أن ﴿الْقُرى﴾ في الأصل مضاف إليه، فلما حذف المضاف حل محله، وجملة:\n ﴿أَخَذَ الْقُرى﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا،﴾ أو إذ إليها، والجملة الاسمية: ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ في محل نصب حال من: ﴿الْقُرى،﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.\n ﴿أَخْذَهُ﴾: اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: أخذه الظالمين. ﴿أَلِيمٌ﴾: خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿شَدِيدٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1576\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما نزل بالأمم الهالكة، أو فيما قصة الله علينا من قصصهم.\n ﴿لَآيَةً﴾: لعبرة وعظة. ﴿لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ﴾ أي: يتعظ بالآية من كان يخشى الله، ويخاف عذابه في الآخرة؛ لأن ما نزل بالكافرين الأولين من أنواع العذاب إنما هو كالأنموذج مما أعد لهم في الآخرة، فيعتبر به العاقل، فيكون سببا في زيادة خوفه، وخشيته من الله، ولا يلتفت لمن أنكر الآخرة، وأحال فناء الأمم السابقة لأسباب فلكية، اتفقت في تلك الأيام، لا لذنوب المهلكين بها. ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة. ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أي: إن يوم القيامة تجمع فيه الخلائق من الأولين والآخرين للحساب، والوقوف بين يدي رب العالمين. ﴿وَذلِكَ يَوْمٌ﴾","vol":"4","page":509},{"text":"مَشْهُودٌ أي: يشهده أهل السموات والأرض، والأصل: مشهود فيه أهل السموات والأرض، فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به، قال في الحماسة: [البسيط]\nومشهد قد كفيت الغائبين به... في محفل من نواصي النّاس مشهود\nإذ المراد: مشهود فيه، لا مشهود في نفسه؛ لأن سائر الأيام مشهودة كلها لجميع الناس، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود، وطعام محضور، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿لَآيَةً﴾: اللام: لام الابتداء. (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آية)، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة: ﴿خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿يَوْمٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مَجْمُوعٌ﴾: صفة: ﴿يَوْمٌ﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلقان ب ﴿مَجْمُوعٌ﴾. ﴿النّاسُ﴾:\nنائب فاعله، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها، ونائب الفاعل محذوف، أي: فيه؛ إذ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف بنائب فاعل.\n\n<span id=\"aya-1577\"></span><span id=\"aya-1578\"></span>﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي: ما نؤخر ذلك اليوم، وهو اليوم المشهود إلا إلى وقت معلوم محدود، لا يعلمه إلا الله تعالى. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أي: ذلك اليوم، أو الله، بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ..﴾. إلخ. ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أي:\nلا تتكلم بما ينفع من جواب أو شفاعة. ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: إلا بإذن الله، وهو كقوله تعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا،﴾ هذا؛ وقد حذفت إحدى التاءين من الفعل:\n ﴿تَكَلَّمُ﴾ وهذا الحذف كثير في القرآن، والكلام العربي. ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾: وجبت له النار بمقتضى الوعيد المترتب على الكفر والمعاصي. ﴿وَسَعِيدٌ﴾: وجبت له الجنة بمقتضى الوعد المترتب على الإيمان، والعمل الصالح.\nبعد هذا فقد قرأ أبو عمرو والكسائي ونافع الفعل ﴿يَأْتِ﴾ بإثبات الياء وصلا، وحذفها وقفا، وقرأ ابن كثير بإثباتها وصلا ووقفا، وباقي السبعة قرءوا بحذفها وصلا ووقفا، وقد وردت المصاحف بإثباتها، وحذفها، ففي مصحف أبي إثباتها، وفي مصحف عثمان حذفها، وإثباتها هو","vol":"4","page":510},{"text":"الوجه؛ لأنها لام الكلمة، وإنما حذفوها في القوافي والفواصل؛ لأنها محل الوقوف. انتهى.\nجمل. هذا؛ ومثلها: (نبغ) في الآية [٦٤] من سورة (الكهف).\nتنبيه: فإن قيل: كيف يمنع التكلم في ذلك اليوم العظيم الهول مع قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ وقوله إخبارا عن حجاج الكفار: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فالجواب أن يوم القيامة طويل وفيه أحوال مختلفة، ففي بعض الأحوال لا يقدرون على الكلام، لشدة الأهوال، وفي بعض يؤذن لهم في الكلام، فيتكلمون، وفي بعضها تخف عنهم تلك الأهوال، فيحاجون ويجادلون وينكرون.\n-عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكّس رأسه، وجعل ينكت بمخصرته، ثمّ قال: «ما منكم من أحد إلاّ وقد كتب مقعده من الجنّة، ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتّكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة؛ فسيصير لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشّقاوة فسيصير لعمل أهل الشقاوة». ثمّ قرأ: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال، أو هي حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نُؤَخِّرُهُ﴾:\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿لِأَجَلٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَعْدُودٍ﴾: صفة: (أجل): متعلقان بالفعل قبلهما، ونائب فاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة لا محل لها، وذلك بالإعراض عما قبلها. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان وفي ناصبه أوجه: أحدها: أنه الفعل بعده، والتقدير: لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم. الثاني: أنه منصوب ب «اذكر» مقدرا، والثالث: أن ينتصب بالانتهاء المحذوف في قوله ﴿إِلاّ لِأَجَلٍ،﴾ أي: ينتهي الأجل يوم يأتي. والرابع: أنه منصوب ب «لا تكلم» مقدرا، ولا حاجة إليه... انتهى. جمل نقلا عن السمين، وأقواها أولها، وأضعفها آخرها. ﴿يَأْتِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة حسبما رأيت، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿يَوْمَ،﴾ أو إلى الله، أو إلى الجزاء.\nوالجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَكَلَّمُ﴾: مضارع.\n ﴿نَفْسٌ﴾: فاعله. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بِإِذْنِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، وإن اعتبرتهما متعلقين بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف؛ فلست مفندا، والتقدير: لا تتكلم نفس تكليما كائنا إلا بإذنه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا تَكَلَّمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط محذوف؛ إذ التقدير:","vol":"4","page":511},{"text":"لا تكلم فيه... إلخ، أو هي في محل نصب صفة: ﴿يَوْمَ،﴾ والرابط محذوف؛ أيضا أو هي مفسرة لا محل لها، وذلك بحسب اختلاف الناصب ل ﴿يَوْمَ،﴾ ﴿فَمِنْهُمْ﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. (منهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَقِيٌّ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (سعيد): مبتدأ، حذف خبره لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، هذا هو الإعراب الظاهر، والأصح: أن مضمون (منهم) مبتدأ، و﴿شَقِيٌّ﴾ هو الخبر؛ لأن من الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس شقي، وبعضهم سعيد، ولا استبعاد في وقوع الجار والمجرور مبتدأ بتأويل معناه، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف (أكثرهم) على ﴿مِنْهُمُ﴾ يؤيد أن معناه: بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ: (منهم) بما هو مبتدأ، أعني لفظة: (بعضهم) وهذا مما يدل على أن مضمون (منهم) مبتدأ، هذا؛ وليوث: جمع ليث، وهو الأسد. لا ترام: لا تقصد بشر. قمشت:\nجمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقماش الرديء من كل شيء، ومثل الآية الكريمة معنى وإعرابا قول لبيد ﵁: [الطويل]\nفمنهم سعيد آخذ بنصيبه... ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع\n\n<span id=\"aya-1579\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿شَقُوا﴾ أي: وجبت لهم النار بمقتضى الوعيد المترتب على الكفر، والمعاصي، هذا؛ وأصل: ﴿شَقُوا﴾: (شَقِيُوا) فقل في إعلاله: استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، فصار: (شقوا) ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو، وقل مثله في إعلال: (نسوا، رضوا...) إلخ، هذا؛ وقد قرئ:\n «(شُقُوا)». ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾: الزفير: إخراج النفس، والشهيق رده، واستعمالهما في أول النهيق وآخره، فالمراد بهما الدلالة على شدة كربهم، وغمهم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، وانحصرت فيه روحه، أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير. انتهى. بيضاوي. وقال الخازن: أصل الزفير: ترديد النفس في الصدر حتى تنتفخ منه الضلوع، والشهيق رد النفس إلى الصدر، أو الزفير: مده، وإخراجه من الصدر، وفي كتب اللغة: الزفير إدخال النفس، والشهيق إخراجه، قال الشماخ: [الطويل]\nبعيد مدى التّطريب أوّل صوته... زفير، ويتلوه شهيق محشرج","vol":"4","page":512},{"text":"تنبيه: في الآيات الثلاث ثلاثة أنواع من البديع: الجمع في قوله: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ،﴾ والتفريق في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ،﴾ والتقسيم في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا..﴾. إلخ. انتهى. جمل نقلا عن شيخه.\nالإعراب: ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: حرف تفريع واستئناف. (أما): أداة شرط وتوكيد وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يكن من شيء؛ فالذين شقوا ففي النار، فأنيبت (أما) مناب (مهما) و«يكن من شيء»، فصار ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا،﴾ وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب وتفيد أنه واقع لا محالة، لكونها علقته على أمر متيقن، وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿شَقُوا﴾: ماض وفاعله، أو ونائب فاعله على حسب القراءتين، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَفِي﴾: الفاء: واقعة في جواب أما. (في النار): متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف.\n ﴿زَفِيرٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وفي السمين: في هذه الجملة احتمالان: أحدهما: أنها مستأنفة، كأنّ سائلا سأل حين أخبر أنهم في النار: ماذا يكون لهم؟ فقيل: لهم كذا، والثاني: أنها منصوبة على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما أنه الضمير في الجار والمجرور، وهو قوله ﴿فَفِي النّارِ،﴾ والثاني أنها حال من: ﴿النّارِ﴾. (شهيق):\nمعطوف على ﴿زَفِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ شَقُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1580\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾: لابثين مقيمين في النار أبدا. ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾: قال الضحاك: يعني ما دامت سماوات الجنة والنار، وأرضهما، ولا بد لأهل الجنة، وأهل النار من سماء تظلهم، وأرض تقلهم، فكل ما علاك، فأظلك فهو سماء، وكل ما استقر عليه قدمك فهو أرض، وقال أهل المعاني: هذه عبارة عن التأبيد، وذلك على عادة العرب، فإنهم يقولون:\nألا آتيك ما دامت السموات والأرض، وما اختلف الليل والنهار، أو ما جن ليل، أو سال سيل، أو ما ناح حمام، يريدون بذلك التأبيد.\n ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾: اختلف العلماء في معنى هذين الاستثناءين، فقال ابن عباس، والضحاك﵄-: الاستثناء الأول المذكور في أهل الشقاء، يرجع إلى قوم من","vol":"4","page":513},{"text":"المؤمنين، يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم منها، فيكون استثناء من غير الجنس؛ لأن الذين أخرجوا من النار سعداء في الحقيقة استثناهم الله من الأشقياء، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن جابر بن عبد الله﵄-، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷾ يخرج قوما من النّار بالشّفاعة فيدخلهم الجنّة». أخرجه البخاري ومسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليصيبنّ أقواما سفع من النّار بذنوب أصابوها عقوبة لهم، ثمّ يدخلهم الله الجنّة بفضله ورحمته، فيقال لهم: الجهنّميّون».\nوأما الاستثناء الثاني المذكور في أهل السعادة، فيرجع إلى مدة لبث هؤلاء في النار قبل دخولهم الجنة، فعلى هذا القول يكون معنى الآية: فأما الذين شقوا ففي النار لهم زفير وشهيق، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك أن يخرجهم منها، فيدخلهم الجنة.\nفحاصل هذا القول: أن الاستثناءين يرجع كل منهما إلى قوم مخصوصين، هم في الحقيقة سعداء أصابوا ذنوبا استوجبوا عقوبة يسيرة في النار، ثم يخرجون منها، فيدخلون الجنة؛ لأن إجماع الأمة على أن من يدخل الجنة لا يخرج منها أبدا.\nوقيل: إن الاستثناءين يرجعان إلى الفريقين: السعداء والأشقياء، وهو مدة تعميرهم في الدنيا، واحتباسهم في البرزخ، وهو ما بين الموت والبعث، ومدة وقوفهم للحساب، ثم يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيكون المعنى خالدين في الجنة والنار إلا هذا المقدار، وقيل غير ذلك، والصحيح الأول. انتهى. خازن.\n ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أي: من إخراج من أراد من النار، وإدخالهم الجنة، فهذا على الإجمال في حال الفريقين، فأما على التفصيل، فقوله تعالى: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ في جانب الأشقياء يرجع إلى الزفير والشهيق، وتقريره أنه يفيد حصول الزفير والشهيق مع خلود؛ لأنه إذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل فيه هذا المجموع، والاستثناء في جانب السعداء يكون بمعنى الزيادة، يعني: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ من الزيادة لهم من النعيم بعد الخلود، وقيل غير ذلك، ويدل على خلود أهل الجنة في الجنة: أن الأمة مجتمعة على أن من دخل الجنة لا يخرج منها، بل هو خالد فيها. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿خالِدِينَ﴾: حال من الضمير في: ﴿لَهُمْ﴾ أو في: ﴿فِيها﴾ والعامل في الحال متعلق: ﴿لَهُمْ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِيها﴾: متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿ما﴾: ظرفية مصدرية.\n ﴿دامَتِ﴾: ماض تام، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿السَّماواتُ﴾: فاعل (دام). (الأرض):\nمعطوف على ما قبله، و﴿ما﴾ والفعل (دام) في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق ب ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا، التقدير: مدة دوام السموات والأرض. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء.","vol":"4","page":514},{"text":"﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهل هو متصل، أو منقطع خلاف، انظر الشرح، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:\nإلا الذي شاءه ربك، هذا؛ وقيل: إن ﴿إِلاّ﴾ حرف عطف بمعنى الواو، وهو غريب، كما قيل:\nإنها بمعنى (غير) على حد قول عمرو بن معدي كرب: [الوافر]\nوكلّ أخ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان\n ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾ واسمها وخبرها. ﴿لِما﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿فَعّالٌ،﴾ ف (ما):\nاسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام اللام في مغنيه زائدة، وسماها لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا منصوبة محلاّ مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ،﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ،﴾ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ،﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى،﴾ ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ،﴾ وأورد قول حاتم الطائي، وقيل: قول قيس بن عاصم المنقري، ﵁: [الطويل]\nإذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nوالجملة الفعلية بعد (ما) صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: فعال للذي يريده، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1581\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ أي: وجبت لهم الجنة بمقتضى الوعد المترتب على الإيمان والطاعة، وانظر شرح باقي الكلام في الآية السابقة، هذا؛ وقد قرئ ﴿سُعِدُوا﴾ بالمعلوم والمجهول. ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غير مقطوع، من جذه، يجذه؛ أي: قطعه، وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع، ولأجله فرق بين الثواب والعقاب في التأبيد.\nتنبيه: قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى: قال قوم: إن عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلوا بآية: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ وبأن معصية الظالم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم، والجواب أن قوله: ﴿أَحْقابًا﴾ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به، وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم، إلا على دائم، فلم يكن عذابه، إلا جزاء وفاقا. انتهى. جمل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"4","page":515},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا..﴾. إلخ: انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآيتين السابقتين.\n ﴿عَطاءً﴾: اسم مصدر، فهو مفعول مطلق مؤكد لمعنى الجملة قبله؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾ يقتضي إعطاء وإنعاما، فكأنه قيل: يعطيهم عطاء. ﴿غَيْرَ﴾: صفة: ﴿عَطاءً،﴾ و﴿غَيْرَ﴾: مضاف، و﴿مَجْذُوذٍ﴾: مضاف إليه، ونائب فاعله مستتر فيه.\n\n<span id=\"aya-1582\"></span>﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ أي: في شك بعد ما أنزل عليك من ربك الحق، والخطاب للرسول ﷺ، وقال القرطبي: وأحسن من هذا، أي: قل يا محمد لكل من شك. ﴿مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ﴾ أي: من عبادة هؤلاء المشركين الأصنام، فإنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم ممن قصصت عليك سوء عاقبتهم، أو: فلا تكن في شك من حال الأصنام، فإنها لا تضر ولا تنفع. ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: إنه ليس لهم في عبادة هذه الأصنام مستند؛ إلا أنهم رأوا آباءهم يعبدونها، فعبدوها مثلهم. ﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ..﴾. إلخ في هذا النصيب ثلاثة أقوال: أحدها: نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية. الثاني: نصيبهم من العذاب، قاله ابن زيد-الثالث ما وعدوا به من خير أو شر، قاله ابن عباس﵄-.\nبعد هذا فأصل: ﴿تَكُ﴾ تكون، فلما دخل الجازم عليه، صار لا تكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار (لا تكن) ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال، وهذا الحذف جائز وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من كان، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا يتصل به ضمير متحرك، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل]\nفإن لم تك المرأة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم\nوقول الآخر: [الطويل]\nإذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم\nهذا؛ وقد قرئ شاذا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾. إلخ ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]\nدع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها\nفإلاّ يكنها أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها","vol":"4","page":516},{"text":"الإعراب: ﴿فَلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية. ﴿تَكُ﴾: مضارع ناقص مجزوم ب (لا) الناهية، والجزم ظاهر على النون المحذوفة كما رأيت، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (تكن)، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وعلى تقدير القرطبي، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿مِمّا﴾: متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿مِرْيَةٍ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿يَعْبُدُ﴾: مضارع. ﴿هؤُلاءِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير:\nفي مرية كائنة من الذي يعبده هؤلاء، وعلى اعتبار: (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بمن، التقدير: ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ كائنة من عبادة هؤلاء الأصنام. ﴿مِمّا﴾: نافية.\n ﴿يَعْبُدُونَ﴾: مضارع وفاعله. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿كَما﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، و﴿مِمّا﴾: تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول الجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: إلا عبادة كائنة مثل الذي يعبده آباؤهم، وعلى الثاني تؤول ﴿مِمّا﴾ مع الفعل بمصدر في محل جر بالكاف، التقدير: إلا عبادة كائنة مثل عبادة آبائهم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿آباؤُهُمْ﴾. التقدير: كائنين من قبل، و﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم في محل جر ب ﴿مِنْ﴾ لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿ما يَعْبُدُونَ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل له. ﴿وَإِنّا﴾: الواو: حرف استئناف. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمُوَفُّوهُمْ﴾: اللام: هي المزحلقة. (موفوهم): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول، وفاعله مستتر. ﴿نَصِيبَهُمْ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غَيْرَ﴾: حال من: ﴿نَصِيبَهُمْ،﴾ والعامل اسم الفاعل، و﴿غَيْرَ﴾: مضاف، و﴿مَنْقُوصٍ﴾: مضاف إليه، وهو اسم مفعول، فنائب فاعله مستتر يعود إلى: ﴿نَصِيبَهُمْ،﴾ والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ مستأنفة لا محل لها، والحالية ضعيفة فيها.\n\n<span id=\"aya-1583\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾: فآمن به قوم، وعملوا بتعاليمه، وكفر به قوم، حيث حرفوا فيه وبدلوا وغيروا، ولم يعملوا بتعاليمه، كما اختلف قومك يا محمد في هذا القرآن بين مصدق ومكذب. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: وهي كلمة الإنظار","vol":"4","page":517},{"text":"والإمهال بتأخير تعذيب المجرمين إلى يوم القيامة، فإنه يوم الفصل والجزاء. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي:\nبإنزال ما يستحقه المجرم والمكذب من العذاب؛ ليتميز به عن المحق، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: وإن قومك لفي شك من القرآن موقع في الريبة.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾: انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٩٧].\n (اختلف): ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بنائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَلَوْلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود.\n ﴿كَلِمَةٌ﴾: مبتدأ. ﴿سَبَقَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿سَبَقَتْ..﴾. إلخ في محل رفع صفة: ﴿كَلِمَةٌ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف، التقدير: موجودة. ﴿لَقُضِيَ﴾: اللام: واقعة في جواب (لولا). (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ جواب (لولا)، لا محل لها، و(لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَفِي شَكٍّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: (إن)، واللام هي المزحلقة.\n ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان ب ﴿شَكٍّ﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفته. ﴿مُرِيبٍ﴾: صفة شك، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. تأمل.\n\n<span id=\"aya-1584\"></span>﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾\nالشرح والإعراب: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-وفي السمين ما نصه: هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديما وحديثا، وعسرت على أكثرهم قراءة وتخريجا، وقد سهل الله ذلك، فذكرت أقاويلهم، وما هو الراجح منها، فأقول: قرأ بعضهم «(إن)» و«(لما)» مخففتين، وبعضهم خفف «(إن)» وثقل ﴿لَمّا﴾ وبعضهم شددهما، وبعضهم شدد (إنّ) وخفف (لما) فهذه أربع قراءات في هذين الحرفين، وكلها متواترة.\nفأما القراءة الأولى، ففيها إعمال (إن) المخففة، وهي لغة ثابتة عن العرب، وأما (لما) في هذه القراءة، فاللام فيها لام الابتداء الداخلة على خبر (إن)، و(ما) يجوز أن تكون موصولة بمعنى (الذين) واقعة على من يعقل كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ،﴾ واللام في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ جواب قسم مضمر، والجملة من القسم وجوابه صلة الموصول، والتقدير: وإن كلاّ للذين والله ليوفينهم، ويجوز أن تكون (ما) نكرة موصوفة، والجملة القسمية وجوابها صفة: (ما) والتقدير:\nوإن كلاّ لخلق، أو لفريق والله ليوفينهم، والموصول وصلته، أو الموصوفة وصفتها خبر ل (إن).","vol":"4","page":518},{"text":"وقال بعضهم: اللام الأولى هي الموطئة للقسم، ولما اجتمع اللامان، واتفقا في اللفظ، فصل بينهما ب (ما)، وظاهر هذه العبارة أن (ما) زائدة جيء بها للفصل إصلاحا للفظ، وقال أبو شامة: واللام في (لما) هي الفارقة بين المخففة والنافية، وفيه نظر؛ لأن الفارقة إنما يؤتي بها عند التباسها بالنافية، والالتباس إنما يكون عند إهمالها، نحو (إن زيد لقائم). وهي في الآية الكريمة عاملة، فلا تلتبس بالنافية، فلا يقال: إنها فارقة، فتلخص أن في اللام أربعة أوجه:\nأحدها: أنها لام الابتداء الداخلة على خبر إن. الثاني: أنها موطئة للقسم. الثالث: أنها جواب القسم كررت تأكيدا، الرابع: أنها الفارقة بين المخففة والنافية، وأن في (ما) ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنها موصولة، والثاني: أنها نكرة موصوفة، والثالث: أنها مزيدة للفصل بين اللامين.\nوأما القراءة الثانية، وهي تخفيف (إن) وتشديد ﴿لَمّا﴾ فالكلام في (إن) كما تقدم، وأما ﴿لَمّا﴾ ففيها أوجه:\nأحدها: أن الأصل (لمن ما) بكسر الميم على أنها (من) الجارة، دخلت على (ما) الموصولة، أو الموصوفة، أي: لمن الذين والله ليوفينهم، أو لمن خلق والله ليوفينهم، فلما اجتمعت النون ساكنة قبل ميم (ما) وجب إدغامها فيها، فقلبت ميما، وأدغمت، فصار في اللفظ ثلاثة أمثال، فخففت الكلمة بحذف إحداهما، فصار اللفظ كما ترى ﴿لَمّا﴾.\nالثاني: ما ذهب إليه المهدوي ومكي، وهو أن يكون الأصل (لمن ما) بفتح ميم (من) على أنها موصولة، أو موصوفة و(ما) بعدها مزيدة، قال: فقلبت النون ميما، وأدغمت في الميم التي بعدها، فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى منهن، وهي المبدلة من النون، فقيل: ﴿لَمّا﴾.\nالثالث: أن (إن) نافية بمنزلة (ما)، و(لمّا) بمعنى (إلا) فهي كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ،﴾ و﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا،﴾ أي: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، واعترض على هذا الوجه بأن (إن) النافية لا ينصب الاسم بعدها، وهذا الاسم منصوب بعدها، وأجاب بعضهم عن ذلك بأن ﴿كُلاًّ﴾ منصوب بإضمار فعل، فقدره بعضهم: (وإن أرى كلا لما) أي: وما أرى كلاّ إلا، وبعضهم: (وإن أعلم كلاّ لمّا) ونحوه.\nوأما القراءة الثالثة: وهي تشديدهما، ف (إنّ) على حالها، فلذلك نصب ما بعدها على أنه اسمها، وأما ﴿لَمّا﴾ في التشديد ففيها الأوجه الثلاثة المتقدمة، وهذا؛ وقد قال ابن هشام في المغني: ﴿لَمّا﴾ جازمة، ومجزومها محذوف لدلالة ما بعده عليه، التقدير: لمّا يوفّوا، وهو قول المرادي في الجنى الداني، وقول ابن الحاجب، لكنه قدر: (لمّا يهملوا)، (أو لمّا يتركوا).\nوأما القراءة الرابعة، وهي تشديد (إنّ) وتخفيف (لما) فواضحة جدا ف (إنّ) هي المشددة عملت عملها، والكلام في اللام و(ما) مثل ما تقدم من الوجوه الأربعة في اللام، والثالثة في","vol":"4","page":519},{"text":"(ما). وقد عرفت أن القراءات الأربع سبعية، وقرئ شاذّا «(وإن كل)» بتخفيف (إن) ورفع (كلّ) ولمّا بالتشديد، وهي قراءة الحسن البصري، وعليها ف ﴿لَمّا﴾ بمعنى «إلا»، وقرئ أيضا شاذا قراءات أخر فلتراجع في السمين وغيره. انتهى. ملخصا منه، أقول: وقرئ ﴿(وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا)﴾ أي:\nجميعا، كقوله تعالى: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾.\n (يوفينهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والهاء مفعول به أول. ﴿رَبُّكَ﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَعْمالَهُمْ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، والجملة القسمية لقد رأيت الأقوال المختلفة في محلها، وانظر باقي الإعراب في الآية التالية.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1585\"></span>﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾: لما بين الله أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في شرح الوعد، والوعيد، أمر رسوله ﷺ بالاستقامة مثل ما أمر بها، بلا إفراط ولا تفريط، وهي تشمل العقائد والأعمال والأخلاق، فإنها في العقائد اجتناب التشبيه والتعطيل، وفي الأعمال الاحتراز عن الزيادة والنقصان، والتغيير والتبديل، وفي الأخلاق التباعد عن طرفي الإفراط والتفريط، وهذا في غاية العسر، ولذلك قال ﷺ: «شيّبتني سورة هود». انتهى. بيضاوي وجمل بتصرف.\n ﴿وَمَنْ تابَ مَعَكَ﴾ أي: ومن تاب من الشرك والكفر، واتبع طريقتك السوية ونهجك المستقيم. ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾: ولا تخرجوا عما حد لكم، فتجاوزوا بل وتعتدوا على حقوق الله وحقوق العباد، ومنه قوله: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فيه تهديد، ووعيد للذين يتكبرون في الأرض، ويطغون على الناس.\nعن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا، لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: «قل آمنت بالله ثمّ استقم». رواه مسلم، وقال عمر بن الخطاب﵁الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ منه روغان الثعلب. وعن عثمان بن حاضر الأزدي، قال: دخلت على ابن عباس﵄-، فقلت: أوصني، فقال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع، ولا تبتدع. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾: الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان جزاء كل من الفريقين المؤمن، والصالح واقعا لا محالة؛ فأعرض عنهم، واستقم... إلخ. (استقم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه","vol":"4","page":520},{"text":"وجر. (ما): مصدرية. ﴿أُمِرْتَ﴾: ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، والتقدير: استقم استقامة كائنة مثل أمر الله لك بها، أو التقدير: مثل التي أمرت بها، فتكون (ما) موصولة اسمية، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب، أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. (من): فيها أوجه: أحدها: عطفه على الضمير المستتر في الفعل، وجاز ذلك للفصل بما قبله، الثاني اعتباره فاعلا لفعل محذوف، التقدير:\nوليستقم من تاب... إلخ، فيكون العطف من عطف جملة فعلية على جملة فعلية، الثالث:\nاعتباره مفعولا معه، فتكون الواو للمعية. ﴿تابَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى (من)، وهو العائد.\n ﴿مَعَكَ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تابَ مَعَكَ﴾ صلة (من) لا محل لها، وجملة: (استقم...) إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَطْغَوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إنه بصير بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، وتقدير الكلام: إنه بصير بعملكم. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1586\"></span>﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾: الركون: الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء، والرضا به، قال قتادة: لا تودوهم، ولا تطيعوهم. ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالكفر، والشرك، ويشمل العصاة، والفاسقين من الذين يدّعون الإسلام. وهذا هو الصحيح في معنى الآية الكريمة، فإنها تدل على وجوب هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم؛ لأن الصحبة لا تكون إلا عن مودة ومحبة، قال طرفة بن العبد: [الطويل]\nعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي","vol":"4","page":521},{"text":"فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في الآية رقم [٢٨] من سورة (آل عمران)، وانظر الآية رقم [٥١] من سورة (المائدة). ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أي: تحرقكم بسبب مخالطتهم ومصاحبتهم، وممالأتهم على إعراضهم، وموافقتهم في أمورهم. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ أي: من أنصار يمنعون العذاب عنكم. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصركم الله؛ إذ سبق في حكمه أن يعذبكم، ولا يبقي عليكم، ففيه وعيد شديد لمن ركن إلى الظلمة، أو أحبهم، أو رضي بأعمالهم، فكيف حال الظلمة في أنفسهم؟! نعوذ بالله من الظلم!.\nهذا؛ وقد قرئ «(تركنوا)» بكسر التاء على لغة تميم، كما قرئ بضمها للبناء للمفعول، وبفتحها للبناء للفاعل، وفيه لغات: إحداها من باب: (تعب)، وثانيها: من باب (قعد)، قال الأزهري: وليست بالفصيحة، وثالثها: من باب: فتح، وليست بالأصل، بل من باب تداخل اللغتين؛ لأن باب (فتح يفتح) شرطه أن يكون حلقي العين أو اللام. انتهى. جمل.\nوفي السمين وقال الراغب: والصحيح أنه يقال: ركن يركن بالفتح فيهما، وركن يركن بالكسر في الماضي والفتح في المضارع وبالفتح في الماضي والضم في المضارع. انتهى. جمل.\n ﴿أَوْلِياءَ﴾: جمع ولي، وهو الذي يتولى شئون غيره، والنصير المعين والمساعد، والفرق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجه.\nالإعراب: ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَرْكَنُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، أو هو مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾. مع المفعول والمتعلق المحذوفين صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والكاف مفعول به. ﴿النّارُ﴾: فاعله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم ركون إلى الظالمين فمس من النار. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر بالخبر المحذوف، و﴿دُونِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿أَوْلِياءَ﴾: مبتدأ مؤخر، مجرور لفظا مرفوع محلاّ، والجر اللفظي لم يظهر على آخره؛ لأنه ممنوع من الصرف، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تُنْصَرُونَ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.","vol":"4","page":522},{"text":"<span id=\"aya-1587\"></span>﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾: هذا أمر للنبي ﷺ، ولكل مؤمن إلى قيام الساعة، والمعنى: أدّ الصلاة كاملة في أوقاتها، وحافظ على طهارتها وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى، ولا يقال: أقام الصلاة، هذا؛ والصلاة في اللغة:\nالدعاء، والتضرع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط وأركان، ومبطلات ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها التضرع والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، ومن الله على عباده:\nالرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\n ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أي: أول النهار وآخره، وقد اتفق على أن المراد بالطرف الأول صلاة الفجر، وقد اختلف في آخره، فقيل: صلاة المغرب، وقيل: صلاة الظهر، والعصر، وقيل:\nصلاة العصر، وهذا الذي أعتمده، وتؤيده أحاديث شريفة كثيرة. ﴿طَرَفَيِ﴾: تثنية (طرف) بفتح الطاء والراء، وهو في الأصل: حرف الشيء، ومنتهاه، وجمعه أطراف، وانظره بفتح الطاء وسكون الراء في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: أقم الصلاة في زلف من الليل، وهي ساعاته، والمراد بها:\nصلاة المغرب، والعشاء، وعليه أكثر المفسرين، هذا؛ ويقرأ (زلفا) بضم الزاي وتثليث اللام، وقرئ: «(زلفى)» مثل قربى، والأول جمع (زلفة) مثل قربة، واقرأ الآية رقم [١٣٠] من سورة (طه) والآية رقم [١٧] و[١٨] من سورة (الروم)، إن كنت من أهل القرآن، وانظر شرح النهار والليل في الآية رقم [٦٧] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ﴾: جمع حسنة: وهي فعل كل طاعة وخير، والمراد بها: الصلاة خاصة.\n ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾: تمحوهن، جمع سيئة، وهي فعل الشر مطلقا، والمراد بها صغائر الذنوب.\n ﴿ذلِكَ﴾: إشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ إلى هنا. ﴿ذِكْرى﴾: عظة. ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾: الله خصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالموعظة، والعاملون بها.\nتنبيه: عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النّبيّ ﷺ، فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ..﴾. إلخ فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذه الآية؟ قال:\n «لمن عمل بها من أمّتي». وفي رواية، فقال رجل من القوم يا نبيّ الله! هذه له خاصة، قال: «بل للناس كافة». متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الصّلوات","vol":"4","page":523},{"text":"الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر».\nرواه مسلم، وقال ﵊ لمعاذ بن جبل ﵁، حين بعثه إلى اليمن: «اتّق الله حيثما كنت، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». وقال ﷺ في حديث آخر:\n «وإذا عملت سيّئة؛ فاعمل بجنبها حسنة تمحها، السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية».\nهذا؛ وقد قال العلماء: الصغائر من الذنوب تكفرها الأعمال الصالحات، مثل الصلاة والصدقة والصوم، والذكر والاستغفار، ونحو ذلك من أعمال البر، وأما الكبائر من الذنوب، فلا يكفرها إلا التوبة النصوح، ولها ثلاثة شرائط: الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب بالكلية، والثاني: الندم على فعله. الثالث: العزم التام أن لا يعود إليه في المستقبل، ورد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان، فإذا حصلت هذه الشرائط صحت التوبة، وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى. انتهى. خازن بتصرف مني.\nالإعراب: ﴿وَأَقِمِ﴾: (أقم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصَّلاةَ﴾: مفعول به.\n ﴿طَرَفَيِ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و﴿طَرَفَيِ﴾: مضاف، و﴿النَّهارِ﴾: مضاف إليه. (زلفا): معطوف على ما قبله، فهو ظرف زمان مثله. ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: متعلقان ب (زلفا)، أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (استقم...) إلخ. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الْحَسَناتِ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿يُذْهِبْنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿السَّيِّئاتِ..﴾.: مفعول به منصوب.. إلخ، وجملة:\n ﴿يُذْهِبْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿ذِكْرى﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾: متعلقان ب ﴿ذِكْرى﴾ لأنه مصدر، أو متعلقان بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1588\"></span>﴿وَاِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاصْبِرْ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، أي: واصبر يا محمد! على أذى قومك، وما تلقاه منهم، وقيل: معناه: واصبر على الصلاة، والطاعات، وعن المعاصي، وهو كقوله تعالى:\n ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها،﴾ ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الذين أحسنوا العمل من صلاة وغيرها، وكذلك أحسنوا إلى غيرهم بالعفو عنهم، والتجاوز عن سيئاتهم.","vol":"4","page":524},{"text":"هذا؛ والصبر: حبس النفس من الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مر المذاق، يكاد لا يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال قائل: [البسيط]\nالصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل\nوبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب، والسنّة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، ولا تنس: أن من أسماء الله الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، ثم اعلم: أن الصبر قد ذكر في القرآن العظيم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية البقرة، ومن أرفعها قوله تعالى في حق أيوب ﵇: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا﴾ حيث قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾.\nفائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا،﴾ وقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال:\n ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا،﴾ قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد) ففيها كبير فائدة.\nالإعراب: ﴿وَاصْبِرْ﴾: (اصبر): أمر، وفاعله أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها.\n ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُضِيعُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿أَجْرَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿لا يُضِيعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية: (إن...) إلخ تعليل للأمر لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1589\"></span>﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَوْلا كانَ﴾: فهلا كان. ﴿مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من الأمم التي قبلكم يا أمة محمد، فأهلكناهم، انظر شرح القرون في الآية رقم [١٣] من سورة (يونس). ﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ﴾ أي:\nأصحاب عقل، ورأي، وتمييز، وطاعة، وخير، يقال: فلان ذو بقية إذا كان فيه خير، وقيل:\nمعناه أولو بقية من خير، يقال: فلان على بقية من الخير، إذا كان على خصلة محمودة، وتقرأ ﴿بَقِيَّةٍ﴾ بقراءات كثيرة، ولا يتغير المعنى ولا الإعراب. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ﴾: وذلك لما منحهم الله من العقول النيرة، وأراهم من الآيات الباهرة، وهذا توبيخ وتقريع للكفار؛ إذ","vol":"4","page":525},{"text":"المعنى لم يكن فيهم من فيه خير ينهى عن الفساد في الأرض، فلذلك أهلكناهم. ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾: يعني من آمن من الأمم الماضية، وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا، وعصوا الله. وقرئ (اتبع) بالبناء المعلوم، وبالبناء للمجهول.. ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي: ما تنعموا فيه، والترف: النعيم، والمعنى: أنهم اتبعوا ما تعودوا به من النعم، وإيثار اللذات على الآخرة ونعيمها. ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين معاندين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (يونس)، وانظر الظلم في الآية رقم [٢٣] منها أيضا، وانظر (نا) في الآية رقم [٨]. هذا؛ و﴿أُولُوا﴾: أصحاب، ولا واحد له من لفظه، وإنما واحده (ذي) المضاف، إن كان مجرورا، و(ذا) المضاف إن كان منصوبا، و(ذو) المضاف إن كان مرفوعا.\nالإعراب: ﴿فَلَوْلا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض، مفيد للتقريع، والتوبيخ والنفي. ﴿كانَ﴾: ماض تام. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: متعلقان به. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة القرون، أفاده الجلال، والجمل، وهذا على اعتبار (ال) للجنس، والأولى اعتبارها للتعريف، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من القرون، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أُولُوا﴾: فاعل ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامه رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و﴿أُولُوا﴾: مضاف، و﴿بَقِيَّةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿يَنْهَوْنَ﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَنِ الْفَسادِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفساد نفسه؛ لأنه مصدر، وجوز تعليقهما بمحذوف حال منه، وجملة: ﴿يَنْهَوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ﴾ أو في محل رفع صفة له. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا﴾:\nمستثنى ب ﴿إِلاّ﴾ من القرون، وهل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فيه خلاف ناشئ من اعتبار التحضيض على حقيقته، أو هو بمعنى النفي. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿قَلِيلًا،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿أَنْجَيْنا﴾:\nفعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذين، أو من ناس أنجيناهم. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و(من) بيان لما أبهم في «من». ﴿وَاتَّبَعَ﴾: ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُتْرِفُوا﴾: ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أُتْرِفُوا فِيهِ..﴾. صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (في). وجملة: ﴿ظَلَمُوا..﴾.","vol":"4","page":526},{"text":"إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَلَوْلا كانَ..﴾.\nإلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. وقال البيضاوي: واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام، وإذ المعنى: فلم ينهوا عن الفساد، واتبع الذين... إلخ. ﴿وَكانُوا﴾:\nماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُجْرِمِينَ﴾: خبر كان منصوب... إلخ، وجملة:\n ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1590\"></span>﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى﴾ أي: أهل القرى. ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك وكفر.\n ﴿وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أي: فيما بينهم في تعاطي الحقوق، أي: لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب بالكفر وبخس المكيال والميزان، وقوم لوط بالكفر واللواط، ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب. انتهى. قرطبي.\n-ولهذا قال بعض الفقهاء: إن حقوق الله مبنية على المسامحة والمساهلة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة والتضييق والتشديد، وقيل: المعنى: لا يهلكهم بظلم منه، وهذا هو المتبادر إلى الأفهام، وقيل: المعنى: ما كان ربك ليهلك أحدا وهو يظلمه، وإن كان على نهاية الصلاح؛ لأنه تصرف في ملكه، ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾.\nهذا؛ ويؤخذ من التفسير الأول: أن الملك والعزة والسيادة تدوم مع الكفر، ولا تدوم مع المعاصي، ولا سيما مع الذين يعتقدون بوحدانية الله تعالى، فإن الله يسلبهم ذلك بشؤم أعمالهم، وما أكثر الأحاديث الشريفة في هذا الصدد، وما نزل بالمسلمين في هذا الأيام من البلاء إنما هو بشؤم أعمالهم.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية: ﴿كانَ﴾: ماض ناقص.\n ﴿رَبُّكَ﴾: اسم كان، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُهْلِكَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير: وما كان ربك مريدا إهلاك. ﴿الْقُرى﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِظُلْمٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من الفاعل. ﴿وَأَهْلُها﴾: الواو: واو الحال. (أهلها): مبتدأ. و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿مُصْلِحُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من القرى، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"4","page":527},{"text":"<span id=\"aya-1591\"></span>﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾: يعني كلهم على دين واحد، وشريعة واحدة. ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أي: على أديان متعددة ما بين يهودي، ونصراني، ومجوسي، ومشرك، ومسلم، فكل أهل دين من هذه الأديان قد اختلفوا في دينهم أيضا اختلافا كثيرا لا ينضبط، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة». أخرجه أبو داود، وزاد في رواية أخرى:\n «وإنّه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق، ولا مفصل، إلاّ دخله».\nقال بعض العلماء: المراد بهذه الفرق: أهل البدع، والأهواء الذين تفرقوا، واختلفوا، وظهروا بعده كالخوارج، والقدرية، والمعتزلة، والرافضة، وغيرهم، من أهل البدع والأهواء، والمراد بالواحدة هي فرقة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله، وقيل:\nمختلفين في الرزق، فهذا غني، وهذا فقير. ولا وجه له هنا.\nوفي الآية دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه، وإذا علمت أن الإرادة نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته، فقيل: إرادته لأفعاله أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته، وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ﴾:\nماض. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلَ﴾: اللام: واقعة في جواب (لو). (جعل): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿النّاسَ﴾: مفعول به أول. ﴿أُمَّةً﴾: مفعول به ثان. ﴿واحِدَةً﴾: صفة: ﴿أُمَّةً،﴾ وجملة:\n ﴿لَجَعَلَ..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، و﴿وَلَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلا﴾:\nالواو: واو الحال. (لا): نافية. ﴿يَزالُونَ﴾: مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه. ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾: خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن","vol":"4","page":528},{"text":"الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلا يَزالُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿النّاسَ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1592\"></span>﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: يعني لكن من ﵀ فمنّ عليه بالهداية والتوفيق إلى الحق، وهداه إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، فهم لا يختلفون في ذلك. ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: ولقد اختلف في المشار إليه اختلافا كبيرا، وحاصل الأقوال وملخصها: أن الله خلق أهل الباطل، وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين، فحكم على بعضهم بالاختلاف، ومصيرهم إلى النار، وحكم على بعضهم بالرحمة-وهم أهل الاتفاق-ومصيرهم إلى الجنة، ويدل على صحة هذا القول سياق الآية. انتهى. خازن.\n ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أي: ثبت ذلك كما أخبر وقدّر في أزله، وتمام الكلمة: امتناعها عن قبول التغيير والتبديل. ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ: وهذا صريح بأن الله ﷾ خلق أقواما للجنة، وللرحمة، فهداهم، ووفقهم لأعمال أهل الجنة، وخلق أقواما للنار، فخذلهم ومنعهم من الهداية، وآية السجدة رقم [١٣] تصريح بهذا أتم تصريح.\n-فعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ قال: «احتجّت الجنّة والنار، فقالت النّار: فيّ الجبّارون والمتكبّرون، وقالت الجنّة: فيّ ضعفاء المسلمين، ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنّك الجنّة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنّك النّار عذابي أعذّب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها». رواه مسلم.\nتنبيه: كلمة فيها ثلاث لغات: الأولى كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم كنبق، والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم كسدر، والثانية:\nكلم كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو كبد وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة، وهي اتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ وشهد، وهي في الأصل: قول مفرد، مثل محمد، وقام وقعد... إلخ، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ وقال النبي ﷺ: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل]\nألا كلّ شيء ما خلا الله باطل... وكلّ نعيم-لا محالة زائل","vol":"4","page":529},{"text":"المراد «بكلمة» الشطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان كلمة، والمراد بها كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم والحديث. هذا؛ و﴿الْجِنَّةِ﴾: الجن بكسر الجيم فيهما، والتاء في الأول للمبالغة، وكلاهما جمع جني، والجن: خلق كثير لا يعلمهم إلا الله تعالى، سموا جنّا لاستتارهم عن أعين الناظرين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ المراد:\nإبليس، وجنوده، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿إِلاّ﴾: استثناء منقطع بمعنى: (لكن). ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: لكن الذين، أو ناسا رحمهم ربك. ﴿وَلِذلِكَ﴾: الواو:\nحرف عطف. (لذلك): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَلَقَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّكَ،﴾ والميم حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها؛ إن اعتبرت الضمير عائدا على الفريقين المختلفين، وعلى الأول فالضمير يكون عائدا على المرحومين فقط. ﴿وَتَمَّتْ﴾: الواو: حرف استئناف. (تمت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَةُ﴾:\nفاعل، وهو مضاف، و﴿رَبُّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية (تمت...) إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (أملأن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿جَهَنَّمَ﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. (الناس): معطوف على ﴿الْجِنَّةِ﴾.\n ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد ل ﴿الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ فهو مجرور مثلهما وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة:\n ﴿لَأَمْلَأَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه كلام مفسر ل ﴿كَلِمَةُ﴾.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1593\"></span>﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي: وكل الذين يحتاج إليه من أنباء الرسل نقصه عليك، وانظر شرح (نقصه) في الآية رقم [١٠٠]. ﴿مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ﴾ أي: من أخبار الرسل الذين سبقوك، وكيف صبروا على أذى قومهم وتحملوا ذلك منهم. ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أي: ما نقوي به قلبك لتصبر على أذى قومك، وتتأسى بالرسل الذين خلوا من قبلك. ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ﴾ أي: في هذه السورة، وخص هذه السورة بالذكر؛ لأن فيها أخبار الأنبياء، وما لقوامع أقوامهم من","vol":"4","page":530},{"text":"صنوف الأذى، وقال قتادة والحسن: المعنى في هذه الدنيا، يريد النبوة، وهو أقوى، وهو منقول عن ابن عباس، وأبي موسى الأشعري وغيرهما، هذا؛ وسور القرآن كلها حقّ وصدق، وإنما خص هذه السورة بالذكر تعظيما لها وتشريفا. ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: الموعظة: ما يتعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذبة، وهذا أيضا تشريف لهذه السورة؛ لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى، ولم يقل فيها كما قال في هذه على التخصيص، وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتعظون؛ إذا سمعوا قصص الأنبياء.\nبعد هذا انظر شرح ﴿الرُّسُلِ﴾ في الآية رقم [٨١] و(نا) في الآية رقم [٨]. والنبأ: الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأخبار، وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالمتواتر وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ، هذا؛ وفعله يتعدى في الأصل لثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل من (نبأ) غير مضمن معنى أعلم، فلذلك يعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، وهو كثير في كتاب الله تعالى.\n ﴿الْحَقُّ﴾: ضد الباطل، قال الراغب: أصل الحق المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، و﴿الْحَقُّ﴾ يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حق، نحو الموت والحساب... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حقّ. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا، أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى. بغدادي.\nالإعراب: ﴿وَكُلاًّ﴾: الواو: حرف استئناف. (كلا): مفعول به مقدم، والتنوين عوض عن المضاف إليه، انظر الشرح. ﴿نَقُصُّ﴾: مضارع، والفاعل مستتر فيه، وجوبا تقديره: «نحن».\n ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (كلا)، و﴿أَنْباءِ﴾:\nمضاف، و﴿الرُّسُلِ﴾: مضاف إليه. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب بدلا من (كلاّ)، أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، ويجوز أن تكون مفعول ﴿نَقُصُّ،﴾ ويكون (كلاّ) حالا من ﴿ما﴾ أو من الهاء على مذهب من أجاز تقديم حال المجرور عليه، أو من ﴿أَنْباءِ﴾ على هذا المذهب أيضا. انتهى. عكبري. والمعتمد الأول.\n ﴿نُثَبِّتُ﴾: مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فُؤادَكَ﴾:\nمفعول به والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نُثَبِّتُ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل","vol":"4","page":531},{"text":"لها. ﴿وَجاءَكَ﴾: الواو: واو الحال. (جاءك): ماض ومفعوله. ﴿فِي هذِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَقُّ﴾: فاعل. ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾: معطوف على ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿وَذِكْرى﴾: معطوف عليه أيضا، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان ب (ذكرى) لأنه مصدر، وجملة: (جاءك...) إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، و(قد) مقدرة قبلها، هذا؛ واعتبارها مستأنفة ممكن.\n\n<span id=\"aya-1596\"></span>﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يعلم سبحانه ما غاب عن العباد فيهما، والمعنى:\nأن علمه سبحانه نافذ في جميع الأشياء خفيها، وجليها، حاضرها ومعدومها، لا يخفى عليه شيء","vol":"4","page":532},{"text":"في الأرض، ولا في السماء، وقال ابن عباس﵄-: غيب السموات والأرض خزائنهما. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ أي: يوم القيامة؛ إذ ليس لمخلوق أمر إلا بإذنه، هذا؛ ويقرأ ﴿يُرْجَعُ﴾ بالبناء للمعلوم، فيكون لازما، ويقرأ بالبناء للمجهول، فيكون متعديا. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: انظر العبادة في الآية رقم [٦٢]. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾: اعتمد عليه في جميع شئونك، وفوض أمرك إليه.\n ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾: فيه وعيد وتهديد، والمعنى: أن الله بالمرصاد لهؤلاء الكافرين، وحافظ لأعمالهم، حتى يجازيهم بها في الآخرة، هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء، والتاء.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ﴾: الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَيْبُ﴾:\nمبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾: مضاف إليه. (الأرض): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (إليه): متعلقان بالفعل بعدهما.\n ﴿يُرْجَعُ﴾: مضارع. ﴿الْأَمْرُ﴾: فاعل، أو نائب فاعل، انظر الشرح. ﴿كُلُّهُ﴾: توكيد لما قبله، على اعتباره متعددا، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: الفاء: حرف عطف على رأي: من يرى جواز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فاعبده. (اعبده): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل (ليس).\n ﴿رَبُّكَ﴾: اسم (ما) مرفوع، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) مهملة، فيكون ﴿رَبُّكَ﴾ مبتدأ، والباء زائدة في خبره. ﴿عَمّا﴾: جار ومجرور متعلقان ب (غافل)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام (وما ربك بغافل عن الذي، أو عن شيء يعملونه)، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (عن)، التقدير: عن عملهم، والجار والمجرور متعلقان ب (غافل)، والجملة الاسمية: ﴿وَما رَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"4","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1592>سورة يوسف</span>\n [على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام]\nوهي مكية بالإجماع، وقال ابن عباس وقتادة: إلا أربع منها، وهي مائة وإحدى عشرة آية، وألف وستمائة كلمة، وسبعة آلاف ومائة وستة وستون حرفا. انتهى. قال ابن الجوزي-رحمه الله تعالى-: وفي سبب نزولها قولان:\n-أحدهما: روي عن سعد بن أبي وقاص﵁قال: (لما أنزل القرآن على رسوله ﷺ تلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فنزل قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ..﴾. إلخ فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾).\n-القول الثاني: رواه الضحاك عن ابن عباس﵄قال: سألت اليهود النبي ﷺ، فقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب وولده، وشأن يوسف، ولم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ فأنزل الله سورة (يوسف) ﵇، وينبغي أن تعلم: أن سؤال اليهود هذا لم يكن مباشرة؛ إذ روي أن علماءهم قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدا عن أمر يعقوب... إلخ.\nقال العلماء: وذكر الله أقاصيص الأنبياء، وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، وقد ذكر قصة يوسف، ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر، ولا على معارضة غير المتكرر، وهذا هو الإعجاز لمن تأمل.\n (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) الشرح: (أعوذ): أتحصن، وأعتصم، وأستجير، وألتجئ، وأصله: أعوذ على وزن أنصر، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى العين بعد سلب سكونها، فصار: أعوذ، ومثل ذلك قل في إعلال كل مضارع أجوف، واويّا كان أو يائيّا، مثل: يقولون، ويصون، ويبيع، ويكيل، ونحو ذلك.\n (الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة، التي أعظمها أكل الحلال.","vol":"4","page":534},{"text":"(الشيطان): اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس والجن والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم، قال تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (الأنعام)، وما أجدرك أن تنظر شرحها هناك، وقال رسول الله ﷺ، لأبي ذر الغفاري﵁-: «يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟! قال: «نعم».\nولا تنس أن لكل واحد من الإنس شيطانا، بدليل قوله ﷺ لعائشة﵂-: «أجاءك شيطانك؟». قالت: أولي شيطان؟ قال: «ما من أحد، إلاّ وله شيطان». قالت: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». فاعل أسلم يحتمل عوده إلى الرسول ﷺ، فيكون من السلامة، أي: أسلم من شره ويكون مضارعا مرفوعا، ويحتمل عوده إلى الشيطان نفسه، فيكون من الإسلام، ويكون ماضيا، هذا؛ والشيطان مأخوذ: من شطن؛ إذ بعد، وقيل: مأخوذ من شاط: إذا احترق، فعلى الأول هو مصروف؛ لأن النون أصلية، وعلى الثاني هو غير مصروف، لزيادة الألف والنون، وشطن من باب قعد، وشاط من باب ضرب.\n (الرجيم): فعيل بمعنى مفعول، فإنه مرجوم باللعن، والطرد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى، وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل، أي: يرجم غيره بالوسوسة والإغواء، بعد هذا لا يخفى عليك المعنى لهذه الجملة، وقد يعبر عن الجملة بكاملها بكلمة الاستعاذة على طريقة النحت، والنحت في الكلام تركيب كلمة من كلمتين، أو أكثر، نحو البسملة، والحوقلة من: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، والاسترجاع من: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ والفذلكة من:\n (فذلك كذا وكذا) وهلمّ جرّا.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: ومن لطائف الاستعاذة أن قوله: (أعوذ بالله...) إلخ إقرار من العبد بالعجز والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الباري ﷿، وأنه الغني القادر على دفع جميع المضرات والآفات، واعتراف من العبد أيضا بأن الشيطان عدو مبين، ففي الاستعاذة لجوء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغوي الفاجر، وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى، والله أعلم.\nالإعراب: (أعوذ): مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره «أنا». (بالله): متعلقان بالفعل قبلهما، وإن علقتهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ فلست مفندا، ويكون التقدير: أعوذ مستجيرا بالله. (من الشيطان): متعلقان بالفعل: (أعوذ). (الرجيم): صفة (الشيطان) مجرور مثله، هذا؛ ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف، ونصبه على أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أذم: وهذان الوجهان على القطع عن الإتباع، وجملة: (أعوذ...) إلخ ابتدائية لا محل لها.","vol":"4","page":535},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ الشرح: (اسم): اختلفوا في اشتقاقه، فقال البصريون: أصله سمو من السّمو، وهو العلو، والارتفاع، فاسم الشيء ما علاه حتى ظهر به، وعلا عليه، فكأنه علا على معناه، وصار علما له، فحذفت لامه، وعوض عنها همزة الوصل في أوله، وقال الكوفيون: أصله وسم من السمة، وهي العلامة فكأنه علامة لمسماه، حذفت فاؤه، وعوض عنها همزة الوصل، وحجة البصريين:\nأنه لو كان اشتقاقه من السمة، لكان تصغيره وسيم، وجمعه أوسام؛ لأن التصغير والتكسير، يردان الأشياء إلى أصولها، وقد أجمعوا على أن تصغيره: سميّ، وجمعه: أسماء وأسام، وقد حذفت الألف من ﴿بِسْمِ اللهِ..﴾. إلخ للخفة، ولكثرة الاستعمال، وأثبتت في قوله تعالى:\n ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ لقلة الاستعمال. هذا؛ و(اسم) أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا مبتدءين، زادوا همزة الوصل في أولها تفاديا للابتداء بالساكن، علما بأن هذه الهمزة تسقط في وصل الكلام، وإن كتبت، انظر مبحثها في كتاب قواعد اللغة العربية بشرحنا. ﴿اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾: اسمان، وقيل: صفتان مأخوذتان من الرحمة، وهما في حقه ﷾ بمعنى: المحسن، أو مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى المحسن بجلائل النعم، والثاني بمعنى المحسن بدقائق النعيم، وإنما جمع بينهما في البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه تعالى النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم العظيمة، وقد يوصف بالرحيم المخلوقون، وأما الرحمن فلا يوصف به إلا الله تعالى، ومن وصف به مسيلمة الكذاب، فقد تعنت حيث قال فيه: [البسيط]\nوأنت غيث الورى لا زلت رحمانا\nبعد هذا ينبغي أن تعلم: أن البسملة آية من سورة (الفاتحة)، وآية من كل سورة ما عدا براءة عند الشافعي، ولا تعد آية في كل ذلك عند أبي حنيفة ومالك، وإنما هي للفصل بين كل سورتين، وأحمد بن حنبل يعدها آية من أول الفاتحة، وليست آية في غيرها﵃ أجمعين-، ومبحث ذلك مبسوط في كتب الفقه، وأخيرا ينبغي أن تعلم أن الرسول ﷺ ندبنا إلى افتتاح كل أمورنا بالبسملة تيمنا وتبركا، فقد روى الخطيب في كتاب الجامع عنه ﷺ قال: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر». وفي رواية «فهو أقطع». والمعنى قليل البركة، أو معدومها.\nالإعراب: ﴿بِسْمِ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقرأ، أو أتلو، إذا أراد الشخص القراءة، وقس على ذلك جميع الأعمال التي يقوم بها المسلم، ويسمى الله عليها، فمثلا الآكل، والشارب، والقائم، والقاعد، تقدير المحذوف عنده: آكل، أو أشرب... إلخ، وتقدير المحذوف فعلا هو مذهب الكوفيين، وهم يقدرونه مؤخرا ليفيد معنى الاختصاص، وأما","vol":"4","page":536},{"text":"البصريون؛ فيقدرون المحذوف اسما، والتقدير عندهم: ابتدائي ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ابتدائي كائن ﴿بِسْمِ اللهِ،﴾ وقال المرحوم سليمان الجمل: والأحسن أن يقدر متعلق الجار والمجرور هنا: قولوا؛ لأن المقام مقام تعليم، وهذا الكلام صادر عن حضرة الرب تعالى. انتهى. و(اسم) مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿الرَّحْمنِ﴾ بدل من لفظ الجلالة. ﴿الرَّحِيمِ﴾: بدل ثان من لفظ الجلالة، وهذا على اعتبارهما اسمين من أسماء الله تعالى الحسنى، وهو المعتمد، وقيل:\nهما صفتان للفظ الجلالة، هذا؛ ويجوز في العربية رفعهما على أنهما خبران لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرحمن الرحيم، كما يجوز نصبهما على أنهما مفعول لفعل محذوف، التقدير:\nأمدح، ونحوه. وهذان الوجهان على القطع، أعني به: قطع النعت عن المنعوت، وجملة البسملة على الوجهين ابتدائية لا محل لها.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-1597\"></span>﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١)﴾\nالشرح: ﴿الر﴾: انظر شرح هذا اللفظ في أول سورة (يونس) ﵇. ﴿تِلْكَ﴾:\nالإشارة إلى ما تضمنته السورة الكريمة من قصة يوسف، وإخوته، وما فيها من عبر، ومواعظ، وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة، وهي للبعد، والسورة الكريمة، والقرآن الكريم كله في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل، والشرف، وعلو المكانة، فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد. ﴿آياتُ الْكِتابِ﴾: انظر شرحهما في الآية رقم [١] من سورة (هود). ﴿الْمُبِينِ﴾ أي: البين حلاله، وحرامه، وحدوده، وأحكامه، وقال الزجاج: مبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، هذا؛ وقال سبحانه في أول سورة (يونس) ﴿الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ انظر شرحه هناك، وانظر إعلال (مبين) في الآية رقم [٦] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿الر﴾: انظر إعرابه في الآية [١] من سورة (يونس). ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ﴾:\nخبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْمُبِينِ﴾: صفة الكتاب، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، أو هي في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل... إلخ.\n<span id=\"aya-1598\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ أي: هذا الكتاب. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: بلغتكم لكي تعلموا معانيه، وتفهموا فيه، ويؤخذ منه أنه يجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه؛ لأن سورة (يوسف) بعض","vol":"4","page":537},{"text":"القرآن؛ ولأنه اسم جنس يقع على الكل والبعض، واختلف: هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء بغير العربية، فأنكر أبو عبيدة على من يقول ذلك أشد النكير، وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة أن فيه من غير العربي، مثل (سجّيل، والمشكاة، واليمّ، وإستبرق) ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح المختار؛ لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيدة بلسان العرب، وكلا القولين صواب، إن شاء الله تعالى، وجه الجمع بينهما: أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم بسهولة صارت عربية فصيحة، وإن كانت غير عربية في الأصل. انتهى. خازن بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٢] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: يا أهل مكة. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: تفهمون معانيه لأنه نزل بلغتكم.\nهذا؛ والعقل نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة، لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد أن رجلا معتوها مر على مجلس النبي ﷺ، فقال الصحابة-رضوان الله عليهم-: (هذا رجل مجنون) فقال: «هذا مصاب، إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله». هذا؛ والعقل: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي المقتول، والعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه ليمنعه من القيام والمشي، والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات: [البسيط]\nسعى عقالا، فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس أوبادا، ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nهذا؛ و(القرآن) مشتق من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد، هذا؛ وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا، أي: جمعته، وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، وهو المراد هنا، هذا والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله لا يحصل منه ترجّ ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.\nالإعراب: ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿قُرْآنًا﴾: حال من الضمير المنصوب، وهو حال موطئة لما بعده، وجوز اعتباره بدلا من الضمير، كما جوز اعتباره مفعولا","vol":"4","page":538},{"text":"به، واعتبار الضمير المنصوب ضمير المصدر، والمعتمد الأول. ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة: ﴿قُرْآنًا،﴾ وجوز أبو البقاء اعتباره حالا من الضمير المستتر في ﴿قُرْآنًا،﴾ على اعتباره مؤولا بمشتق، والمعتمد الأول. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، ﴿تَعْقِلُونَ﴾: مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للإنزال لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1599\"></span>﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾: انظر: ﴿نَقُصُّهُ﴾ في الآية رقم [١٠٠] من سورة (هود). ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: وإنما كانت سورة (يوسف) أحسن القصص؛ لما فيها من الحكم والنكت، وسير الملوك والمماليك، والعظماء والعلماء، ومكر النساء، والصبر على الأذى، والتجاوز عنه أحسن التجاوز، وغير ذلك من الفوائد الشريفة، قال خالد بن معدان: سورة (يوسف) وسورة (مريم) يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة، وقال عطاء: لا يسمع سورة (يوسف) محزون إلا استراح إليها. انتهى. خازن.\n ﴿بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي: بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن، وتنزيله عليك، هذا؛ والوحي الإشارة، والكتابة والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، والوحي:\nالكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ أي: عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، ولم يكن لك علم بها، وبما فيها من عجائب، وغرائب.\nالإعراب: ﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَقُصُّ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَحْسَنَ﴾: مفعول مطلق، أو نائب عنه، و﴿أَحْسَنَ﴾: مضاف، و﴿الْقَصَصِ﴾: مضاف إليه. ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر. (ما):\nمصدرية. ﴿أَوْحَيْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) المصدرية والفعل:\n ﴿أَوْحَيْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿نَقُصُّ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ .. ﴿هذَا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به تنازعه: ﴿نَقُصُّ﴾ و﴿أَوْحَيْنا،﴾ فأعمل فيه الثاني على مذهب البصريين، وأضمر في الأول، ثم حذف لكونه فضلة. ﴿الْقُرْآنَ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ مفعولا به ل ﴿نَقُصُّ﴾. وذلك على اعتبار: ﴿الْقَصَصِ﴾ مصدرا بمعنى المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، فلا تكون المسألة من باب التنازع، هذا؛ وقال أبو البقاء:\nويجوز في العربية جر ﴿الْقُرْآنَ﴾ على البدل من (ما)، ورفعه على إضمار: (هو). انتهى. ولكني لم","vol":"4","page":539},{"text":"أجد من قرأ بجره أو رفعه، وجملة: ﴿نَقُصُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، مهمل لا عمل له. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَمِنَ﴾: اللام: هي الفارقة بين (إن) العاملة والمهملة. ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿وَإِنْ كُنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1600\"></span>﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾: يعقوب بن إسحاق، بن إبراهيم، فعن عبد الله بن عمر -﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم». رواه البخاري، هذا؛ و﴿يُوسُفُ﴾ يقرأ بتثليث سينه، مثل تثليث نون: (يونس) كما قرئ: «(يؤسف)» بهمزة وتثليث سينه، ففيه ست لغات، ومثله (يونس) أفاده أبو البقاء.\n ﴿يا أَبَتِ﴾: من المعروف أن في الاسم المضاف لياء المتكلم، إذا كان صحيح الآخر، ومنادى ستّ لغات: أحدها: حذف الياء، والاستغناء عنها بالكسرة، مثل: يا عبد، وهذا هو الأكثر، الثاني إثبات الياء ساكنة، نحو: يا عبدي، وهو دون الأول في الكثرة، الثالث: قلب الياء ألفا، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو: يا عبد، الرابع: قلبها ألفا، وبقاؤها، وقلب الكسرة فتحة، نحو: يا عبدا، الخامس: إثبات الياء محركة بالفتحة، نحو: يا عبدي، السادس: ضم الاسم بعد حذفها كالمفرد، اكتفاء بنية الإضافة، وإنما يكون ذلك فيما يكثر نداؤه مضافا للياء كالرب، والأبوين، والقوم، قرئ قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾. إلخ بضم الباء، وحكي: يا ربّ اغفر لي، وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (هود)، هذا؛ ويضاف إلى ذلك إذا كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم أبا، أو أما أربع لغات: إحداها: إبدال الياء تاء مكسورة، وبها قرأ السبعة ما عدا ابن عامر في قوله تعالى: ﴿(يا أَبَتِ...)﴾ إلخ من سورة (يوسف) ومريم، الثانية: إبدالها تاء مفتوحة، وبها قرأ ابن عامر ما تقدم، الثالثة: «يا أبتا» بالتاء والألف، وبها قرئ ما تقدم شاذا وعليه قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nتقول بنتي: قد أنى أناكا... يا أبتا علّك أو عساكا\nالرابعة: يا أبتي، وعليه قول الشاعر: [الطويل]\nأيا أبتي لا زلت فينا، فإنّما... لنا أمل في العيش ما دمت عائشا","vol":"4","page":540},{"text":"قال ابن هشام في قطر الندى: وهاتان اللغتان قبيحتان، والأخيرة أقبح من التي قبلها، وينبغي أن لا تجوز إلا في ضرورة الشعر، وقال الخضري في حاشيته على ابن عقيل: ضرورة، لكن الأولى أهون لذهاب صورة الياء المعوض عنها، بل قيل: لا ضرورة فيه؛ لأن هذه الألف لم تنقلب عن الياء، بل هي التي تلحق المنادى البعيد والمندوب، والمستغاث، فتكون لغة عاشرة. والله أعلم.\n-أقول: وإنما كانت هاتان اللغتان قبيحتين؛ لأنه جمع بين العوض، وهو التاء، والمعوض عنه، وهو الياء المنقلبة ألفا، أو غير المنقلبة، وقد أجاز بعضهم ضم التاء لشبهها بتاء التأنيث، فأما الوقف على هذا الاسم فبالتاء عند قوم لأنها ليست للتأنيث، فيبقى لفظها دليلا على المحذوف، وبالهاء عند آخرين شبهوها بهاء التأنيث.\n ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾: من الرؤيا المنامية، لا من الرؤية البصرية، بدليل الآية التالية. ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: فالمراد بالكواكب: إخوته، وبالشمس: أمه، أو خالته، وبالقمر: أبوه، وكانت هذه الرؤيا ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، وكانت سن يوسف ﵇ اثنتي عشرة سنة، وهو الأصح، والمراد بالسجود: تواضعهم له، ودخولهم تحت أمره، وقيل: أراد به حقيقة السجود؛ لأن التحية كانت في ذلك الزمن بالسجود.\nفعن جابر بن عبد الله﵄أن يهوديا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف، فسكت، فنزل جبريل ﵇، فأخبره بذلك، فقال:\n «إذا أخبرتك فهل تسلم؟». قال: نعم، قال: «جريان، والطارق، والذيال، وقابس، وعمودان والفيلق، والمصبح، والضروح، والفرع، ووثاب، وذو الكتفين، نزلن من السماء وسجدن له».\nفقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها!. ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾: فهذا الكلام يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنها جملة كررت للتوكيد لما طال الفصل بالمفاعيل، والثاني: أن الكلام مستأنف، فهو بمنزلة جواب لسؤال مقدر، وإنما جمع الضمير جمع المذكر السالم مع أن المذكورات جمادات، فالجواب عند الخليل وسيبويه: أنه لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة، والسجود، وهما من أفعال من يعقل عاملها معاملة من يعقل، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩٣] وما بعدها من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿إِذْ﴾: بدل من: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ،﴾ إن جعل مفعولا به بدل الاشتمال، أو هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وعلقه الجمل بقوله: ﴿قالَ يا بُنَيَّ..﴾. إلخ، ورجحه على غيره، وجوز تعليقه بالغافلين، وبالفعل ﴿نَقُصُّ،﴾ وأرجح اعتباره معمولا لفعل محذوف كما رأيت؛ لأن له نظائر كثيرة في كتاب الله تعالى، وهل هو ظرف، أو مفعول به للفعل المحذوف؟ قولان. وجملة: ﴿قالَ يُوسُفُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿لِأَبِيهِ﴾: متعلقان بالفعل","vol":"4","page":541},{"text":"قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أبت): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، والمعوض عنها التاء كما رأيت في الشرح. ﴿إِنِّي﴾:\nحرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿رَأَيْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾: جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿كَوْكَبًا﴾: تمييز. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾:\nمعطوفان على ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾. ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مؤكدة لما قبلها، فيكون: ﴿ساجِدِينَ﴾ مفعولا به ثانيا للفعل الأول، أو هي مستأنفة لا محل لها، فيكون:\n ﴿ساجِدِينَ﴾ مفعولا به ثانيا لهذا الفعل، ويكون مفعول الأول محذوفا. ﴿لِي﴾: متعلقان ب ﴿ساجِدِينَ﴾ بعدهما، والكلام ﴿يا أَبَتِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة:\n ﴿رَأَيْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن).\n\n<span id=\"aya-1601\"></span>﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: يعقوب أبو يوسف. ﴿يا بُنَيَّ﴾: تصغير (ابن) صغره للشفقة، أو لصغر سنه كما رأيت فيما سبق، وانظر إعلاله في الآية رقم [٤٢] من سورة (هود) ﵇. ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ أي: لا تخبرهم برؤياك، فإنهم يعرفون تأويلها، وانظر شرح ﴿نَقُصُّهُ﴾ في الآية رقم [١٠٠] من سورة (هود). ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي: فيحتالوا لإهلاكك حيلة، فهم يعقوب ﵇ من رؤيا يوسف أن الله يصطفيه برسالته، ويفوقه على إخوته، فخاف على حسدهم، وبغيهم، لذا فقد أمره بكتمان رؤياه عنهم؛ لأن رؤيا الأنبياء حق. ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: بين العداوة، كما فعل بآدم، وحواء ﵉، فلذا لا يألو جهدا في إثارة الحقد، والحسد، والبغضاء في قلوبهم؛ حتى يحملهم على الكيد.\nقال ابن عباس﵄بين رؤيا يوسف هذه، وبين تحققها بمصر، واجتماعه بأبويه، وإخوته أربعون سنة، وقال النووي: قال المازني: مذهب أهل السنّة في حقيقة الرؤيا: أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا كانت تلك الاعتقادات تسر خلقها الله بغير حضرة الشيطان، وإذا كانت تغم خلقها بحضرته، فهذا معنى قول النبي ﷺ: «الرّؤيا من الله والحلم من الشّيطان» وليس معناه أن الشيطان يفعل شيئا.\nوروى البخاري عن أبي سلمة قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّؤيا الصّالحة","vol":"4","page":542},{"text":"من الله». وفي رواية: «الرؤيا الحسنة فإذا رأى أحدكم ما يحبّ، فلا يحدّث بها إلاّ من يحبّ، وإذا رأى ما يكره، فليتعوّذ بالله من شرّها، وليتفل ثلاث مرات عن يساره، ولا يحدّث بها أحدا، فإنها لا تضرّه». وفي بعض الروايات: «وليتحول عن جنبه للآخر». وفي بعضها: «وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم من شرها». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (يونس) ﵇، وما أذكره في الآية رقم [٤٣] الآتية وما بعدها.\nبعد هذا انظر ﴿كادَ﴾ في الآية رقم [١١٧] من سورة (التوبة)، والفرق بينها وبين الفعل هنا، وإعلال ﴿مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [٦] من سورة (هود)، وانظر شرح الإنسان في الآية رقم [١٢] من سورة (يونس). ﴿عَدُوٌّ﴾: هو ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل صبور وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المفرد والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوّة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا،﴾ وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع أعداء وأعاد، وعدات، وعدى، وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر: اسم الجمع.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو». (يا): أداة نداء تنوب مناب:\n «أدعو». (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة.\n ﴿تَقْصُصْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿رُؤْياكَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿عَلى إِخْوَتِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَيَكِيدُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء السببية وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، واللام هي لام التقوية، أي: أنها زائدة، والكاف مفعول به، وانظر ما ذكرته في ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ في الآية رقم [١٠٧] من سورة (هود). ﴿كَيْدًا﴾: مفعول مطلق. ولأبي البقاء اعتبارات أخرى، فهي غير معتمدة. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لِلْإِنْسانِ﴾: متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ثانية ل ﴿عَدُوٌّ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك قص لرؤياك على إخوتك، فكيد لك منهم، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ يا بُنَيَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":543},{"text":"<span id=\"aya-1602\"></span>﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: يختارك ويصطفيك، والاجتباء: اختيار معالي الأمور للمجتبى، وأصله من: جبيت الشيء، أي: حصلته، ومنه: جبيت الماء في الحوض، قاله النحاس، هذا؛ وأقول: يطلق الناس في هذه الأيام على الموظف الذي يحصل الضرائب من المكلفين اسم الجابي، أي: للمال، وفي الخازن: واجتباء الله للعبد تخصيصه إياه بفيض إلهي، تحصل منه أنواع المكرمات بلا سعي من العبد، وذلك مختص بالأنبياء، وببعض من يقاربهم من الصديقين، والشهداء والصالحين. انتهى.\n ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي: من تعبير الرؤيا في المنام، فالمراد بالأحاديث: ما يراه الناس في النوم، وهي معجزة له، فإنه لم يلحقه فيها خطأ، وكان أعلم الناس بتأويلها، وكان نبينا ﷺ نحو ذلك، وكان الصديق ﵁ من أعبر الناس لها بعده ﷺ، وحصل لابن سيرين فيها التقدم العظيم، ونحوه، أو قريب منه كان سعيد بن المسيب فيما ذكروا، وقيل:\nالمعنى: يعلمك أحاديث الأمم ودلائل التوحيد وتأويل غوامض كتب الله، وسنن الأنبياء وكلمات التوحيد، والمعتمد الأول. هذا؛ و(أحاديث) جمع تكسير، فيقال لواحد ملفوظ به:\nوهو حديث، وقد شذ جمعه على: (أحاديث) كما شذ أباطيل، وأفاظيع، وأعاريض، في جمع باطل، وفظيع، وعريض.\n ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بالنبوة بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، وإن منصب النبوة أعلى من جميع المناصب. ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي: بنيه، وذلك بالنبوة أيضا، فإنهم منحوا النبوة كما ستعرفه فيما يأتي. ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أتم النعمة عليهما بالرسالة والنبوة، وأتمها على إبراهيم بالخلة، والإنجاء من النار، قيل: أتمها على إسحاق بإنقاذه من الذبح، وفدائه بذبح عظيم، والمعتمد: أن الذبيح إسماعيل ﵇، كما ستعرفه في سورة (الصافات) إن شاء الله تعالى. ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بمن يستحق الاجتباء. ﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل الأمور على ما ينبغي. هذا؛ وانظر أعمار الأسرة الكريمة في الآية [٧١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nبعد هذا انظر شرح ﴿رَبُّكَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، و﴿آلِ﴾ أصله أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار أأل، ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة، مثل آمن أومن إيمانا، أصله أأمن، أؤمن، أئمن، إئمانا، وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة، كما في: (أراق)، فإن أصله: (هراق)، وهذا مذهب سيبويه، وقال الكسائي: أصل آل (أول) ك","vol":"4","page":544},{"text":"«حمل» من آل، يؤول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على: أهيل، وهو يشهد للأول، وعلى أويل، وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل (آل) إلا فيمن له خطر، وشأن، بخلاف أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن أهله، ولا ينتقض ب «آل فرعون» فإن له شرفا باعتبار الدنيا، واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في الحديث الشريف: «اللهمّ صلّ على محمد وآله». وقال عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ: [مجزوء الكامل]\nلا همّ إنّ المرء يم... نع رحله، فامنع رحالك\nوانصر على آل الصّلي... ب، وعابديه اليوم آلك\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾: الواو: حرف عطف (كذلك) الكاف: حرف تشبيه وجر. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، عامله ما بعده، التقدير: يجتبيك ربك اجتباء كائنا مثل اجتبائه لك الرؤيا الدالة على شرف، وعز، وكمال نفس. ﴿يَجْتَبِيكَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (يعلمك): مضارع ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿تَأْوِيلِ﴾: مضاف، و﴿الْأَحادِيثِ﴾: مضاف إليه. (يتم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «هو». ﴿نِعْمَتَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿وَعَلى آلِ﴾: معطوفان على ﴿عَلَيْكَ،﴾ و﴿آلِ﴾: مضاف، و﴿يَعْقُوبَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: (يتم...) إلخ معطوفة على ما قبلها. الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية.\n ﴿أَتَمَّها﴾: ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿عَلى أَبَوَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَبَوَيْكَ،﴾ التقدير: كائنين، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، ﴿إِبْراهِيمَ﴾: بدل من ﴿أَبَوَيْكَ،﴾ أو عطف بيان، فهو مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، هذا؛ ويجوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف، تقديره: أعني ونحوه. (إسحاق): معطوف على ﴿إِبْراهِيمَ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيه من إعراب وغيره، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف،","vol":"4","page":545},{"text":"التقدير: ويتم نعمته إتماما كائنا مثل إتمامها على أبويك... إلخ، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبُّكَ﴾:\nاسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: خبران ل ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ولعلك تدرك معي: أن الآية الكريمة بكاملها إنما هي من مقول يعقوب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-1603\"></span>﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ أي: في خبره، وخبر إخوته. ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ أي:\nعبرة للمعتبرين، وانظر السائلين في مقدمة هذه السورة، وإنما كانت السورة بكاملها عبرة، وعظة لما فيها من الحكم، ومنها رؤيا يوسف، وما حقق الله فيها، ومنها حسد إخوته له، وما آل إليه أمرهم من الحسد، ومنها صبر يوسف على بلواه مثل إلقائه في الجب، وبيعه عبدا، وسجنه بعد ذلك، وما آل إليه أمره من الملك، ومنها ما تشتمل عليه من حزن يعقوب، وصبره على فقد ولده، وما آل إليه أمره من بلوغ المراد، وغير ذلك من الآيات التي إذا فكر فيها الإنسان؛ اعتبر، واتعظ، هذا؛ ويقرأ: «(آية)» بالإفراد أيضا.\nتنبيه: كان أولاد يعقوب اثني عشر رجلا: روبيل، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وزبالون ويشجر، وأمهم ليا بنت ليّان، وهي ابنة خال يعقوب، وولد له من جاريتين، اسم إحداهما زلفة، والأخرى بلهة أربعة أولاد: وأسماؤهم: دان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ثم توفيت ليا، فتزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف، وبنيامين، فهؤلاء بنو يعقوب، وهم الأسباط، وعنهم تفرعت قبائل بني إسرائيل، وقد بينت لك في آيات كثيرة: أن إسرائيل هو يعقوب نفسه.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: هي لام الابتداء، أو واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:\nوالله لقد إلخ. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿فِي يُوسُفَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. (إخوته): معطوف على: ﴿يُوسُفَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آياتٌ﴾: اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿لِلسّائِلِينَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض... إلخ، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، وجملة: ﴿لَقَدْ كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو هي جواب قسم محذوف، كما رأيت، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.","vol":"4","page":546},{"text":"<span id=\"aya-1604\"></span>﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا﴾ أي: قال أولاد يعقوب: إن أبانا يحب يوسف وأخاه بنيامين شقيقه أكثر منا، وقد قالوا هذه المقالة حسدا منهم ليوسف، وأخيه حينما رأوا ميلا من أبيهم إليهما وكثرة شفقته عليهما وكان قد بلغهم خبر الرؤيا التي رآها يوسف في منامه ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة، وكانوا عشرة كما رأيت، والعصبة ما بين العشرة إلى الأربعين، ومثلها العصابة، ولا واحد لها من لفظها كالنفر، والرهط، والمعشر... إلخ. ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي خطأ بين بإيثاره يوسف وأخاه؛ لأنهما صغيران لا ينفعانه بشيء، وإنما نحن نقوم بالعمل له، ونقدم له كل ما يحتاجه من معاشه وخدمته، وتقديم جميع مطالبه.\nتنبيه: لم يريدوا ضلال الدين؛ إذ لو أرادوه؛ لكانوا كفارا، بل أرادوا الخطأ في تدبير أمورهم حيث آثر حب صغيرين على عشرة أقوياء أشداء ومثله قولهم في الآية [٩٥]، هذا؛ وأخبر ب ﴿أَحَبُّ﴾ عن المثنى؛ لأنه أفعل تفضيل، فلم يثنه؛ لأنه يجب إفراده، وتذكيره، وتنكيره عند مقارنته بالمفضل عليه مجرورا ب «من»، وهو هنا كذلك، وهو مصوغ هنا من (حبّ) المبني للمفعول وهو شاذ قياسا، فصيح استعمالا لوروده في أفصح الفصيح، وإذا بنيت أفعل التفضيل من مادة الحب، والبغض، تعدى إلى الفاعل المعنوي ب «إلى»، وإلى المفعول المعنوي باللام، أو ب «في»، فإذا قلت: زيد أحب إلي من بكر، كان معناه: أنك تحب زيدا أكثر من بكر، فالمتكلم هو الفاعل، وكذلك إذا قلت: هو أبغض إلي منه؛ كان معناه أنت المبغض، وإذا قلت:\nزيد أحب لي من عمرو، أو أحب فيّ منه، كان معناه أن زيدا يحبني أكثر من عمرو، وعلى هذا جاءت الآية الكريمة، فإن الأب هو فاعل المحبة، ولا تنس أن أصله: (أحبب) فنقلت فتحة الباء الأولى إلى الحاء، فسكنت، ثم أدغمت الباء في الباء.\nالإعراب: ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق.\n ﴿لَيُوسُفُ﴾: اللام: هي لام الابتداء، وقيل: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله.\n (يوسف): مبتدأ. (أخوه): معطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَبُّ﴾: خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿إِلى أَبِينا﴾: متعلقان ب ﴿أَحَبُّ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مِنّا﴾: متعلقان ب ﴿أَحَبُّ..﴾. أيضا، والجملة الاسمية جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾.","vol":"4","page":547},{"text":"إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿أَبانا﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾: اللام: هي المزحلقة. ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٍ﴾:\nصفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1605\"></span>﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أي: قال أحدهم: اقتلوا يوسف ليكون أحسم لمادة الأمر. ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أي: ألقوه في أرض بعيدة عن أبيه، فتفترسه السباع، أو يموت في تلك الأرض البعيدة، وكان هذا منهم لما قوي الحسد في قلوبهم، وبلغ نهايته، والذي اقترح هذا هو شمعون، وقيل: روبيل. ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾: وهذه هي الغاية التي ينشدونها من قتله، أو من إبعاده، والمعنى أنه قد شغله حب يوسف عنكم، فإذا فعلتم به أحد الأمرين؛ أقبل أبوكم بوجهه عليكم. ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد قتل يوسف أو إبعاده عن أبيه. ﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾: تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم، وقال مقاتل: معناه: يصلح لكم أمركم فيما بينكم، وبين أبيكم أيضا.\nبعذر تعتذرون به إليه.\nالإعراب: ﴿اُقْتُلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿يُوسُفَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: قال قائل منهم: ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾. ﴿أَوِ﴾: حرف عطف. ﴿اِطْرَحُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿أَرْضًا﴾: في نصبه ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون منصوبا بنزع الخافض، أي: في أرض. الثاني: النصب على الظرفية.\nالثالث: هو مفعول ثان، وذلك على أن يضمن الفعل معنى: أنزلوه. ﴿يَخْلُ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَجْهُ﴾: فاعل، وهو مضاف، و﴿أَبِيكُمْ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَخْلُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية. (تكونوا): مضارع ناقص معطوف على ﴿يَخْلُ﴾ مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. وجوز الزمخشري فيه أيضا اعتباره منصوبا ب «أن» مضمرة بعد واو المعية، ولا أراه قويا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: متعلقان ب ﴿صالِحِينَ﴾","vol":"4","page":548},{"text":"بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمًا﴾: خبر (تكونوا). ﴿صالِحِينَ﴾: صفته منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-1606\"></span>﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾: هو يهوذا، وكان أحسنهم رأيا فيه، وقيل: هو روبيل. ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾: لأن القتل كبيرة من الكبائر. ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: في أسفل الجب، وظلمته، والغيابة: كل موضع ستر شيئا، وغيّبه عن النظر. ويقال: غاب يغيب غيبا وغيابة وغيابا، وقيل للقبر: غيابة؛ لأنه يستر الميت عن أعين الناس، قال الشاعر المنخل اليشكري: [الطويل]\nفإن أنا يوما غيّبتني غيابتي... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل\nهذا؛ ويقرأ: «(غيابات)» بالجمع بتخفيف الياء وتشديدها، كما قرئ: «(غيبة)» هذا؛ والجب:\nالركية التي لم تطو، أي: لم تعمر جدرانها، فإذا طويت فهي بئر كما في الآية رقم [٤٥] من سورة (الحج)، قال الأعشى: [الطويل]\nلئن كنت في جبّ ثمانين قامة... ورقّيت أسباب السماء بسلّم\nليستدرجنك القول حتّى تهرّه... وتعلم أني لست عنك بمفحم\nواختلفوا في مكان ذلك الجب، فقال قتادة: هو بئر بيت المقدس، وقال وهب: هو في أرض الأردن، وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾:\nيأخذه بعض الذين يسيرون في الأرض قريبا من هذا الجب، وذلك لأن هذا الجب كان معروفا يرد عليه كثير من المسافرين. هذا؛ ويقرأ الفعل فوق السبعة بالتاء: «(تلتقطه)» وتأويله عند النحاة:\nأن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وله شواهد كثيرة في كتب النحو، خذ بيت الأعشى، وهو بعد البيتين السابقين: [الطويل]\nوتشرق بالقول الّذي قد أذعته... كما شرقت صدر القناة من الدّم\nوهو الشاهد رقم [٩٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أي: ما تريدون من التفريق بينه وبين والده، أو المعنى: إن كنتم عاملين بمشورتي.\nالإعراب: ﴿قالَ قائِلٌ﴾: ماض وفاعله. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلقان ب ﴿قائِلٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿لا تَقْتُلُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يُوسُفَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (ألقوه):","vol":"4","page":549},{"text":"أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿فِي غَيابَتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿غَيابَتِ﴾:\nمضاف، و﴿الْجُبِّ﴾: مضاف إليه. ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، والهاء مفعول به. ﴿بَعْضُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و﴿السَّيّارَةِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿يَلْتَقِطْهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثل جملة: ﴿يَخْلُ..﴾. إلخ في الآية السابقة، ثم هي في محل نصب مقول القول.\n ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والميم علامة جمع الذكور. ﴿فاعِلِينَ﴾: خبر كان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ قائِلٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1607\"></span>﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا أَبانا﴾: قال الجمل: هذا مبني على مقدمات محذوفة، وذلك: أنهم قالوا أولا ليوسف: اخرج معنا إلى الصحراء إلى مواشينا، فنستبق، ونصيد، وقالوا له: سل أباك أن يرسلك معنا، فسأله: فتوقف يعقوب، فقالوا له: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ انتهى. أي: لم تخافنا عليه؟ ﴿وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ أي: ونحن نريد له الخير، ونشفق عليه! أرادوا به استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم له، وذلك حين بلغهم خبر رؤياه المنامية. ﴿تَأْمَنّا﴾: أصله: (تأمننا) أدغمت النون الأولى في الثانية، والجمهور على الإشارة إلى ضمة النون الأولى، وهو ما يسمى بالإشمام، فمنهم من يختلس الضمة بحيث يدركها السمع، ومنهم من يدل عليها بضم الشفة فلا يدركها السمع، ومنهم من يدغمها من غير إشمام، وفي الشاذ من يظهر النون الأولى، وهو القياس، هذا؛ وقرئ: «(لا تامِنا)» بكسر التاء، وهي لغة تميم، يقولون: أنت تضرب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء تنوب مناب: (أدعو). (أبانا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول.\n ﴿ما لَكَ﴾: ﴿ما﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿لا﴾: نافية.\n ﴿تَأْمَنّا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون العارض الذي جيء به من أجل الإدغام، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»،","vol":"4","page":550},{"text":"و(نا): مفعول به. ﴿عَلى يُوسُفَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط الضمير فقط، والعامل في الحال الاستفهام. ﴿وَإِنّا﴾: الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿لَناصِحُونَ﴾ اللام: هي المزحلقة. (ناصحون): خبر (إن...) إلخ، والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، وهذه الحال متداخلة في الأولى، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1608\"></span>﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا﴾ أي: إلى الصحراء، هذا؛ و﴿غَدًا﴾ أصله: غدوا عند سيبويه، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى بالحذف اعتباطا، وقد نطق به على الأصل قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁-: [الطويل]\nوما النّاس إلاّ كالدّيار، وأهلها... بها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع\nوالغدو، والغدوة: البكرة، وهو ما بين صلاة الفجر، وطلوع الشمس. والغد أيضا: اليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه. ﴿يَرْتَعْ﴾: من الرتع، وهو الرعي، والأكل. يقال: رتع الإنسان والبعير: إذا أكلا كيف شاءا، وقرئ: «(يرتعي)» بإثبات الياء. ﴿وَيَلْعَبْ﴾ أي: ينشط بالركض والمسابقة، ورمي السهام، هذا؛ ويقرأ الفعلان بالنون أيضا قراءتان سبعيتان، هذا؛ والرتع في الأصل: أكل البهائم في الخصب زمن الربيع، ويستعار للإنسان، إذا أريد به الأكل الكثير.\n ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ من أن يناله مكروه؛ حتى نرده إليك.\nالإعراب: ﴿أَرْسِلْهُ﴾: أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿مَعَنا﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿غَدًا﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿أَرْسِلْهُ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها. ﴿يَرْتَعْ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾ على قراءته بالياء، وتقديره: «نحن» على قراءته بالنون، وعلى قراءته بالياء، أي: (يرتعي) فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب حال من الهاء، أو من (نا) على حسب القراءة، والرابط الضمير فقط على الاعتبارين، وعلى قراءة الجزم فالجملة لا محل لها ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ وهي في محل نصب حال أيضا، وعلامة الرفع في الاسمين الواو نيابة عن الضمة؛ لأنهما جمعا مذكر سالمان، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول. تأمل.","vol":"4","page":551},{"text":"<span id=\"aya-1609\"></span>﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾: لشدة مفارقته عليّ، وقلة صبري عنه. ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾: قال ذلك؛ لأن الذئاب كانت كثيرة في أرضهم، وقيل: رأى في منامه أن ذئبا قد شد على يوسف، فكان يحذره. ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ أي: لاشتغالكم بالرتع، واللعب، أو لقلة اهتمامكم بحفظه، هذا؛ ويقرأ: ﴿الذِّئْبُ﴾ بهمز وبدونه وهو يقع على الذكر، والأنثى، وربما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمعه على القراءتين: ذئاب، وذياب، وهو حيوان يفترس الغنم.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى يعقوب. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾: مضارع مرفوع، واللام هي المزحلقة، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَذْهَبُوا﴾ في محل رفع فاعل، التقدير: ليحزنني ذهابكم، وهذه الجملة في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n (أخاف): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا» ﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ ومفعوله وفاعله، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في محل نصب مفعول به، وجملة: (أخاف...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لَيَحْزُنُنِي..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿وَأَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿غافِلُونَ﴾: خبر مرفوع إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-1610\"></span>﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: قالوا: والله إن اعتدى عليه الذئب وأكله، ونحن إخوته عشرة أشداء أقوياء؛ ﴿إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ أي: لعجزة ضعفاء، فكيف نقدر على دفع الذئب عن أغنامنا ومواشينا، إذا لم نقدر على حفظ أخينا! وقيل: إنهم خافوا أن يدعو عليهم يعقوب بالخسار والهلاك، وانظر شرح ﴿عُصْبَةٌ﴾ في الآية رقم [٨].\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَئِنْ﴾: اللام: موطئة لقسم محذوف.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَكَلَهُ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿الذِّئْبُ﴾: فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة","vol":"4","page":552},{"text":"شرط غير ظرفي، والجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ في محل نصب حال من الفاعل أو من المفعول به، والرابط: الواو فقط، وهي خالية من الضمير الذي يربطها بصاحبها، وهي لا تنحل إلى مفرد، ولا تبين هيئة فاعل، ولا مفعول، ولا هي حال مؤكدة، وأوّل الزمخشري مثلها في سورة (لقمان) بظرف، التقدير: قالوا: لئن أكله الذئب في الوقت الذي نحن فيه عصبة، وقال صدر الأفاضل تلميذ الزمخشري: إنما الجملة مفعول معه، وأثبت مجيء المفعول معه جملة، وانظر الشاهد رقم (٨٤٥) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿لَخاسِرُونَ﴾: خبر (إن)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنّا..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما) قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nبعد هذا فالكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1611\"></span>﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ أي: أخذوا يوسف معهم إلى البرية بعد أن سمح لهم أبوه بأخذه. ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: عزموا على إلقائه في قعر الجب، وأسفله.\n ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ﴾ أي: نزل جبريل الأمين بأمرنا إليه، فطمأنه، وسكن روعه، وكان مراهقا، فأوحي إليه في صغره، كما أوحي إلى يحيى، وعيسى، ﵉. يروى أنهم جردوه من ثيابه، فأتاه جبريل وأخرج القميص الذي كان قد أتى به إلى إبراهيم حين ألقي في النار، وجرد من ثيابه فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق دفعه إلى يعقوب، فجعله في تميمة، وعلقها بيوسف، فأخرجه جبريل ﵇، وألبسه إياه، وهذا القميص كان من نسج الجنة، فلا يقع على مبتلى، ولا سقيم إلا عوفي في الوقت حالا، وهذا القميص هو الذي أرسله إلى أبيه، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى في الآية رقم [٩٣] الآتية. هذا؛ وقيل: إن الوحي كان وحي إلهام، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ والأول أظهر. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا﴾:\nلتخبرنهم بفعلهم هذا. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾: أنك يوسف، لعلو شأنك، وبعده عن أوهامهم، وطول العهد المغير للحلى، والهيئات، وذلك إشارة إلى ما قاله لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين، بشره جبريل بما يؤول إليه أمره، إيناسا له، وتطييبا لقلبه، وقيل: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ متصل ب ﴿وَأَوْحَيْنا،﴾ أي: آنسناه بالوحي، وهم لا يعلمون ذلك.","vol":"4","page":553},{"text":"بعد هذا، يقال: جمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا، هذا؛ وقد قال تعالى حكاية عن قول فرعون وأشياعه: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا،﴾ ولا يقال: أجمع أعوانه وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه وشركاءه، وهذا مبني على قاعدة، يقال: (أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان) هذا هو الأكثر والمستعمل، وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر على التعارض، قال تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾. ﴿غَيابَتِ الْجُبِّ﴾:\nانظر الآية رقم [١٠]. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾: انظر النبأ في الآية رقم [١٢٠] من سورة (هود)، وانظر (الوحي) في الآية رقم [٣٦] من سورة (هود) أيضا.\nتنبيه: روي أن إخوة يوسف قالوا له: أما تشتاق أن تخرج معنا إلى مواشينا، فنصيد، ونستبق؟! قال: بلى، قالوا له: نسأل أباك أن يرسلك معنا. قال: افعلوا، فدخلوا عليه بجماعتهم، فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى مواشينا، فقال يعقوب: ما تقول يا بني؟! قال: نعم يا أبت إني أرى من إخوتي اللين، واللطف، فأحب أن تأذن لي، وكان يعقوب يكره مفارقته، ويحب مرضاته، فأذن له، وأرسله معهم، فلما خرجوا به من عند يعقوب؛ جعلوا يحملونه على رقابهم، ويعقوب ينظر إليهم، فلما بعدوا عنه، وصاروا إلى الصحراء ألقوه على الأرض، وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة، وأغلظوا له القول، وجعلوا يضربونه، فجعل كلما جاء إلى واحد منهم، واستغاث به ضربه، فلما فطن لما عزموا عليه؛ جعل ينادي:\nيا أبتاه! لو رأيت يوسف، وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك، وأبكاك! يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك، وضيعوا وصيتك! وجعل يبكي بكاء شديدا، فأخذه روبيل، وجلد به الأرض، ثم جثم على صدره، وأراد قتله، فقال له: يا أخي مهلا لا تقتلني، فقال: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام، قل لرؤياك تخلصك من أيدينا، ولوى عنقه، فاستغاث بيهوذا، وقال له:\nاتق الله فيّ، وحل بيني وبين من يريد قتلي، فأدركته رحمة الأخوة، ورق له، وقال: يا إخوتي! ما على هذا عاهدتموني، فلما أرادوا إلقاءه في الجب، تعلق بثيابهم، فنزعوها من يديه، فتعلق بحائط الجب، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال يا إخوتاه! ردوا علي قميصي أتوارى به، وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم، ويحتالوا به على أبيهم، فقالوا له: ادع الشمس والقمر، والأحد عشر كوكبا تؤنسك، ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في الجب ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة، فقام عليها، وهو يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام كل يوم، وقال الحسن: لما ألقي يوسف في الجب عذب ماؤه فكان يكفيه الطعام والشراب، ودخل عليه جبريل ﵇، وألبسه القميص كما رأيت سابقا، فأنس به، فلما أمسى نهض جبريل ليذهب، فقال له: إنك إذا تركتني؛ استوحشت، فقال له: إذا رهبت شيئا فقل:","vol":"4","page":554},{"text":"يا صريخ المستصرخين! ويا غوث المستغيثين! ويا مفرّج كرب المكروبين قد ترى مكاني، وتعلم حالي، ولا يخفى عليك شيء من أمري! فلما قالها؛ حفّته الملائكة، واستأنس في الجبّ. وقال محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في الجبّ؛ قال: يا شاهدا غير غائب! ويا قريبا غير بعيد! ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي فرجا ممّا أنا فيه، وكان عمره اثنتي عشرة سنة على أصح الأقوال، ومكث في الجب ثلاثة أيام. انتهى. كشاف وخازن بتصرف.\nوفي القرطبي: فلما قام على الصخرة، قال: يا إخوتاه! إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا اجتمعتم كلكم، فآنس بعضكم بعضا؛ فاذكروا وحشتي، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي، وإذا شربتم؛ فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي، وإذا رأيتم شابّا؛ فاذكروا شبابي، فقال له جبريل ﵇: يا يوسف كفّ عن هذا، واشتغل بالدعاء، فإن الدعاء عند الله بمكان، ثم علمه فقال:\nقل: اللهمّ يا مؤنس كلّ غريب، ويا صاحب كلّ وحيد، ويا ملجأ كلّ خائف، ويا كاشف كلّ كربة، ويا عالم كلّ نجوى، ويا منتهى كلّ شكوى، ويا حاضر كلّ ملإ، يا حيّ يا قيّوم أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي حتّى لا يكون لي همّ وشغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، إنّك على كلّ شيء قدير، فقالت الملائكة: إلهنا نسمع صوتا ودعاء؛ الصوت صوت صبي، والدعاء دعاء نبي. انتهى.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: (حين) عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿ذَهَبُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿صَبَرُوا﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (هود). ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لما) وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾: مضارع منصوب ب «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، و(أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والتقدير: أجمعوا على جعله، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. وجوز فيها الحالية، وتكون: (قد) مقدرة قبلها. ﴿فِي غَيابَتِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و﴿غَيابَتِ﴾:\nمضاف، و﴿الْجُبِّ﴾: مضاف إليه، وجواب (لمّا) محذوف. تقديره: فعلوا به ما فعلوا، وقال الكوفيون: الجواب جملة (أوحينا...) إلخ والواو زائدة، كما قيل به في الآية رقم [٤٠] من سورة (هود)، وهو هنا أرجح من هناك. تأمل. (أوحينا): فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان","vol":"4","page":555},{"text":"بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب (لمّا) على القول بزيادة الواو، وهي مستأنفة على قول البصريين، أو هي معطوفة على جواب لما المحذوف. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (تنبئنهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿بِأَمْرِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة أمرهم، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الفعلية:\n ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مفسر ل (أوحينا)؛ لأنه بالمعنى هو الموحى ليوسف. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَشْعُرُونَ﴾: مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، تقديره: بذلك وقت الإنباء، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الغائب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1612\"></span>﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَجاؤُ..﴾. إلخ: وإنما رجعوا وقت العشاء ليكونوا في الظلمة أجرأ على الاعتذار بالكذب، فلما بلغوا منزل يعقوب؛ جعلوا يبكون ويصرخون، فسمع أصواتهم، ففزع من ذلك، وقال: ما لكم يا بني؟! وأين يوسف؟! هذا؛ ويقرأ: «(عشيّا)» وهو تصغير عشيّ، وعشى بالضم والقصر جمع: أعشى. (جاءوا): هذا الفعل يكون متعديا إن كان بمعنى: وصل وبلغ، كما في هذه الآية، ويستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر وأقبل، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ هذا؛ والبكا بالقصر: إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد إسالة الدمع مع رفعه، قال الخليل رحمه الله تعالى: من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مده ذهب به إلى معنى الصوت. قال كعب بن مالك الأنصاري ﵁: [الوافر]\nبكت عيني وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء ولا العويل\nتنبيه: قال العلماء: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا، فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر، وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى، كما قال حكيم: [الوافر]\nإذا اشتبكت دموع في خدود... تبيّن من بكى ممّن تباكى\nوروي أن امرأة حاكمت زوجها إلى شريح القاضي، وبكت، فقال له الشعبي: يا أبا أمية! أما تراها تبكي؟! فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون، وهم ظلمة، ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.","vol":"4","page":556},{"text":"الإعراب: ﴿وَجاؤُ﴾: الواو: حرف استئناف. (جاءوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَباهُمْ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف إلخ، والهاء مفعول به. ﴿عِشاءً﴾:\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿يَبْكُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، وجملة: (جاءوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1613\"></span>﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نشتد، ونعدو، والمعنى: نستبق على الأقدام ليتبين أينا أسرع ركضا، وأخف حركة. ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾: عند ثيابنا. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي: في حال استباقنا، وغفلتنا عنه. ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾: بمصدق لقولنا. ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أي: في قولنا، وذلك لسوء ظنك بنا، وشدة محبتك ليوسف.\nقال السدي، وابن حبان: لما قالوا: أكله الذئب، خر يعقوب مغشيا عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب، ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه، فلم يحس بنفس، ولم يتحرك له عرق، فقال لهم يهوذا: ويل لنا من ديان يوم الدين، ضيعنا أخانا، وقتلنا أبانا، فلم يفق يعقوب إلا ببرد السحر، فأفاق ورأسه في حجر روبيل، فقال: يا روبيل! ألم آتمنك على ولدي؟ فقال: يا أبت كف عني بكاءك أخبرك، فكف بكاءه، فقال: ﴿يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿قالُوا يا أَبانا﴾: انظر الإعراب في الآية رقم [١١]. ﴿أَبانا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿ذَهَبْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿نَسْتَبِقُ﴾:\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا) والرابط الضمير فقط. (تركنا): فعل وفاعل، وانظر إعراب: ﴿أَرْسَلْنا﴾ في الآية رقم [٢٥] من سورة (هود) ﵇. ﴿يُوسُفَ﴾: مفعول به. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ﴾:\nمضاف، و﴿مَتاعِنا﴾: مضاف إليه، و(نا) في محل جر بالإضافة، وجملة: (تركنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾: ماض، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا ذَهَبْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال.\n (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾: الباء: حرف جر صلة. (مؤمن): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا؛ وإن اعتبرت","vol":"4","page":557},{"text":"(ما) مهملة فالضمير مبتدأ، وتكون الباء زائدة في خبره. ﴿لَنا﴾: متعلقان ب (مؤمن)، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الذِّئْبُ،﴾ والرابط: الواو فقط على حد الآية رقم [١٤]. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿تَرَكْنا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و(نا) اسمها. ﴿صادِقِينَ﴾: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿وَلَوْ كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الواو، والضمير، فهي حال متداخلة، هذا؛ واعتبر الجلال (لو) امتناعية شرطية، وقدر لها جوابا بقوله: «ولو كنا صادقين عندك لاتهمتنا في هذه القصة»، وردّ ذلك الجمل وفنده، فيكون المعتمد الأول.\n\n<span id=\"aya-1614\"></span>﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: بدم مكذوب فيه، كان دم سخلة، أو جدي، أو دم ظبية لطخوا القميص فيه، ولم يشقوه، فقال يعقوب ﵇ حين رأى القميص هكذا:\nكيف أكله الذئب، ولم يشق قميصه؟! فاتهمهم بذلك، وقيل: إنهم أتوه بذئب، وقالوا: هذا أكله، فقال: أيها الذئب أنت أكلت ولدي، وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله، وقال: والله ما أكلت ولدك، ولا رأيته قط، ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فأطلقه يعقوب، هذا؛ وقرئ: «(كذبا)» بالنصب على الحال من الواو، أي: جاءوا كاذبين، وقرئ: «(كدب)» بالدال، أي: بدم كدر، أو طري؛ إذ يقال للدم الطري: الكدب.\nهذا؛ وأصل دم دمي، وقيل: دمو، حذفت لامه للتخفيف، فيثنى على لفظه: دمان بدون رد لامه، ويثنى: دميان أو دموان برد لامه، أما في الجمع فلا بد من ردّ لامه، فيقال: دماي، أو دماو، فيقال في إعلاله: تحركت الياء، أو الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة فأبدلت الثانية همزة، فصار دماء، وانظر إعلال (أخ) في الآية رقم [٥٩].\nروي: أنه لما سمع بخبر يوسف؛ صاح، وسأل عن قميصه، فأخذه وألقاه على وجهه، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني، ولم يمزق عليه قميصه، ولذلك قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: سهلت لكم أنفسكم، وزينت، أو هونت في أعينكم أمرا عظيما، وأيقن: أن الذئب لم يأكله، فأعرض عنهم كالمغضب باكيا حزينا، وقال: يا معشر ولدي دلوني على ابني، فإن كان حيا رددته إلي، وإن كان ميتا كفنته ودفنته. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فحالي، وشأني، أو: أمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل، وفي الحديث: «الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق». وانظر ما ذكرته في الآية","vol":"4","page":558},{"text":"رقم [١١٥] من سورة (هود)، هذا؛ وقرئ: «(صبرا جميلا)» على تقدير: فلأصبرنّ صبرا جميلا.\n ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أي: أفوض أمري إلى الله، وأستعين به على احتمال ما تدّعونه من هلاك يوسف، وانظر ما ذكرته في الآية [٨٤] الآتية، ففيها كبير فائدة.\nتنبيه: حكى الماوردي أن في القميص ثلاث آيات: حين جاءوا عليه بدم كذب، وحين قدّ قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه يعقوب، فارتد بصيرا، أقول: وهذا لا يعني: أنه قميص واحد، وإنما هو مختلف في الحالات الثلاث.\nالإعراب: ﴿وَجاؤُ﴾: الواو: حرف استئناف. (جاءوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ولا تنس أن ﴿عَلى﴾ بمعنى فوق، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من دم، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وهذا إن جوز تقديم الحال على صاحبها المجرور، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِدَمٍ﴾: متعلقان بالفعل: (جاءوا).\n ﴿كَذِبٍ﴾: صفة (دم)، وانظر الشرح، وجملة: (جاءوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ﴾:\nماض، وفاعله مستتر يعود إلى يعقوب. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب. ﴿سَوَّلَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، وجملة: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ معطوفة على كلام مقدر، أي: ليس الأمر كما تدعون، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَصَبْرٌ﴾: الفاء: حرف استئناف. (صبر): خبر لمبتدإ محذوف، أو هو مبتدأ خبره محذوف انظر الشرح، وقراءة النصب فيه أيضا، والكلام مستأنف على القراءتين لا محل له. (الله): مبتدأ. ﴿الْمُسْتَعانُ﴾: خبره. ﴿عَلى﴾: حرف جر. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿الْمُسْتَعانُ،﴾ وتقدير الكلام: المستعان على الذي، أو شيء تصفونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ التقدير: المستعان على وصفكم، أي: على ادعائكم، والجملة الاسمية (الله...) إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1615\"></span>﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾: رفقة يسيرون من مدين إلى مصر، فنزلوا قريبا من الجب، وكان ذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف فيه، وكان ماؤه ملحا، فعذب حين ألقي فيه يوسف. ﴿فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ أي: الذي يستقي لهم الماء، واسمه مالك بن ذعر الخزاعي وهو من العرب، وعبر","vol":"4","page":559},{"text":"بجمع المذكر على المعنى، ولو عبر على اللفظ لقال: فأرسلت واردها، مثل وجاءت، وجمع وارد: وراد جمع تكسير، وواردون جمع تصحيح، وانظر الآية رقم [٩٨] من سورة (هود) تجد ما يسرك.\n ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾: فأنزل دلوه في الجب ليملأه ماء، فتعلق به يوسف ﵇، هذا؛ وجمع دلو في القلة أدل، فإذا كثرت؛ قلت: دليّ، ودليّ، فقلبت الواو ياء؛ لأن الجمع بابه التغيير، وجمعه المشهور: دلاء، هذا؛ والدلو ما يدلى لإخراج الماء، فإذا امتلأ ماء، قيل: ذنوب وسجل، وهذا له نظائر في اللغة، فالخوان ما يوضع عليه الطعام، فإذا وضع عليه، قيل: مائدة، ولا يقال: كأس إلا وفيها شراب، وإلا فهي قدح، ولا يقال: جراب إلا وهو مدبوغ، وإلا فهو إهاب، ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى، وإلا فهو أنبوب.\n ﴿يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾: نادى البشرى بشارة لنفسه، أو لقومه، كأنه قال: تعالي، فهذا أوانك فاحضري، وقيل: هو اسم لصاحب له، ناداه ليعينه على إخراجه، وضعفه النحاس؛ لأنه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلا يسيرا، وإنما يأتي بالكناية، وهو كثير، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ وهو عقبة بن أبي معيط، وبعده: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا،﴾ هذا؛ وقرئ:\n «(يا بشراي)» و«(يا بشراي)»، «(يا بشريّ)». ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ أي: أخفاه الوارد، وأصحابه عن سائر الرفقة، وقيل: أخفوا أمره، وقالوا لهم: دفعه لنا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، وقيل: الضمير يعود لإخوة يوسف، وذلك لأن يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم، فأتاه يومئذ، فلم يجده في الجب، فأخبر إخوته، فأتوا الرفقة، وقالوا: هذا غلام لنا أبق منا، فاشتروه، فسكت يوسف ﵇ مخافة أن يقتلوه. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾: عليم بما يعمل مالك؛ الذي وجده، وأصحابه الذين أخفوا أمره، أو عليم بصنيع إخوة يوسف بأبيهم، وأخيهم، وما أرادوا من إهلاكه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: لما أخرجوا يوسف من الجب؛ دهشوا لجماله، وكان أحسن ما يكون من الغلمان، وذكر البغوي بسند متصل: أن النبي ﷺ قال: «أعطي يوسف شطر الحسن». ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أعطيت سدس الحسن، وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار قال:\nكان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساعدين، والعضدين، والساقين، خميص البطن، صغير السرة، وكان إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع النور من ثناياه، لا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان شبه آدم ﵇ يوم خلقه الله، ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية.\nالإعراب: ﴿وَجاءَتْ﴾: الواو: حرف استئناف. (جاءت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿سَيّارَةٌ﴾:\nفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (أرسلوا): ماض والواو فاعله، والألف للتفريق.","vol":"4","page":560},{"text":"﴿وارِدَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (أرسلوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها أيضا.\n ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿وارِدَهُمْ﴾. (يا): حرف نداء ينوب مناب: (أدعو).\n (بشرى): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم المقدر على الألف في محل نصب، وعلى القراءات الأخرى، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، هذا؛ وأصل النداء أن يكون لمن يعقل، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا، والمعنى: أيها البشرى احضري، فهذا أوانك، وله نظائر كثيرة في كتاب الله، مثل:\nيا حسرتى، يا ويلتى، ونحوهما، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، ومثلها الجملة الاسمية: ﴿هذا غُلامٌ﴾ وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أسروه): ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِضاعَةً﴾:\nحال، وهو في الحقيقة معمول لحال محذوفة؛ إذ التقدير: جاعليه بضاعة. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عليم بالذي، أو بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ التقدير: عليم بعملهم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1616\"></span>﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي: باعوه، فقد يطلق لفظ الشراء على البيع، يقال: شريت الشيء، بمعنى بعته، وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع؛ لأن واو الجماعة تعود إلى شيء واحد، وذلك أن إخوته زهدوا فيه، فباعوه، وقيل: إن الضمير يعود على مالك بن ذعر وأصحابه، وعليه يكون لفظ الشراء على بابه. ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: نقص بمعنى منقوص؛ لأن غرض إخوته لم يكن في ثمنه، وإنما كان قصدهم إبعاده عن وجه أبيه؛ ليخلو لهم، كما رأيت فيما تقدم، وقيل:\nمعنى: بخس حرام، أو ظلم؛ لأن ثمن الحر حرام. ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: قليلة، فعن ابن عباس وابن مسعود﵃-: باعوه بعشرين درهما، أخذ كل واحد من إخوته درهمين.\n ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ أي: من الراغبين عن يوسف، فإن كانت واو الجماعة عائدة على الإخوة فالأمر ظاهر، وإن كان للرفقة، وكانوا بائعين له، فزهدهم فيه؛ لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء، متهاون به، خائف من انتزاعه منه، مستعجل في بيعه، وإن كانوا مبتاعين؛ فلأنهم اعتقدوا: أنه عبد آبق.","vol":"4","page":561},{"text":"قال محمد بن إسحاق: اشتمل فعل أولاد يعقوب على جرائم كثيرة، من قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك العهد، والكذب مع أبيهم، ونسبته إلى الضلال، ومحض الحسد، هو من أمهات الكبائر، وقد عفا الله عن ذلك حتى لا ييئس أحد من رحمة الله تعالى، وقال بعض أهل العلم: عزموا على قتله، وعصمهم الله رحمة بهم، ولو فعلوا ذلك؛ لهلكوا جميعا، وكل ذلك قبل أن نبأهم الله. انتهى. خازن وغيره بتصرف.\nأقول: لم تثبت نبوتهم بحديث صحيح، وإن كانوا أنبياء؛ فليسوا رسلا قطعا.\nالإعراب: ﴿وَشَرَوْهُ﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف. (شروه): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة، مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والهاء مفعول به، والجمل الفعلية معطوفة، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿بِثَمَنٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَخْسٍ﴾: صفة: ثمن. ﴿دَراهِمَ﴾: بدل من (ثمن) مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. ﴿مَعْدُودَةٍ﴾: صفة:\n ﴿دَراهِمَ﴾. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان ب ﴿الزّاهِدِينَ،﴾ إن كانت (ال) للتعريف، ومتعلقان بمحذوف يبينه: ﴿الزّاهِدِينَ،﴾ إن كانت موصولة بمعنى (الذي) لأن متعلق الصلة لا يتقدم عليها. ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: (كانوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، ومثل هذه الجملة في إعرابها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ الآية رقم [١٣٠] من سورة (البقرة)، وقوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ الآية رقم [١١٦] من سورة (المائدة)، وذلك على اعتبار (ال) للتعريف، أو موصولة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1617\"></span>﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ﴾: وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، واسمه قطفير، أو إطفير، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد العمليقي، وقد آمن بيوسف، ومات في حياته، وقيل: كان فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ﴾ والمشهور: أنه من أولاد فرعون يوسف، والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء، روي: أن العزيز اشتراه، وهو ابن سبع عشرة سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان؛ وكان ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله الحكمة، والعلم، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي، وهو ابن مائة وعشرين سنة، واختلف في الثمن الذي اشتراه","vol":"4","page":562},{"text":"به من مالك بن ذعر، فقيل: بعشرين دينارا، وزاده حلة، ونعلين، وقيل: تزايدوا في ثمنه، فبلغ أضعاف وزنه مسكا، وعنبرا، وحريرا، وورقا وذهبا، ولآلئ، وجواهر لا يعلم قيمتها إلا الله، فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن. ﴿لاِمْرَأَتِهِ﴾: اسمها راعيل، أو زليخا، وهو المشهور.\n ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾: اجعلي مقامه عندنا كريما حسنا، فأكرميه في المطعم، والمشرب والملبس، والمثوى في الأصل: المنزل الذي يكون فيه الإقامة، والفرق بينه وبين المأوى، فهو مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى، فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقتا.\n ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ أي: إن أردنا بيعه بعناه بربح، أو يكفينا بعض أمورنا، ويقضي حوائجنا؛ إذا قوي وبلغ. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: نتبناه، وكان عقيما لا ولد له.\n ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كما مننا على يوسف بإنقاذه من القتل، وإخراجه من الجب مكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها، وصاحب الأمر والنهي فيها. وانظر الآية رقم [٥٦] الآتية. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي: تعبير الرؤيا وتفسيرها المنبهة على أمور تقع في المستقبل ليستعد لها، ويشتغل بتدبيرها قبل أن تحل كما فعل برؤيا الملك الآتية، وقيل: المراد إقامة العدل إذا حكم، وتدبير أمور الناس، وفهم معاني كتاب الله وأحكامه، وانظر ما ذكرته في الأحاديث في الآية رقم [٦]. ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾ قيل: الضمير يرجع إليه تعالى، ويكون المعنى: الله غالب على أمره يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا راد لقضائه، ولا يغلبه شيء، وقيل:\nالضمير راجع إلى يوسف، ومعناه أنه تعالى مستول على أمر يوسف بالتدبير والإحاطة، لا يكله إلى أحد سواه، حتى يبلغ منتهى ما قدره له، من علو الشأن، ورفيع المنزلة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يطلعون على الغيب. أو المراد: لا يعلمون حكمة الله في أحكامه، وتصريفه الأمور على حسب مشيئته وتقديره، وذكر الأكثر؛ لأن البعض لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو التقصير في النظر، وقيل: المراد بالأكثر: الجميع؛ لأن أحدا لا يعلم الغيب.\nهذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود)، وانظر القول في الآية رقم [١٨] من سورة (هود)، وفي الآية الكريمة التفات من التكلم إلى الغيبة، انظر الالتفات في الآية رقم [٥٠] من سورة (يونس).\nفائدة: قال عبد الله بن مسعود﵁أحسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال: ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى: ﴿اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وأبو بكر حين استخلف عمر﵄هذا؛ وأقول: إن فراسة خديجة ﵂ بالنبي ﷺ أعظم فراسة.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الَّذِي﴾ ماض وفاعله. ﴿اِشْتَراهُ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد والجملة الفعلية صلة الموصول","vol":"4","page":563},{"text":"لا محل لها. ﴿مِنْ مِصْرَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع ممكن الصرف للعلمية والعجمة، ﴿لاِمْرَأَتِهِ﴾: متعلقان بالفعل: (قال)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَكْرِمِي﴾: أمر مبني على حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله. ﴿مَثْواهُ..﴾.: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَكْرِمِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿عَسى﴾: ماض دال على الترجي، وهو تام هنا. ﴿أَنْ﴾: حرف ناصب. ﴿يَنْفَعَنا﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى يوسف، و(نا): مفعول به، و﴿أَنْ﴾ المصدرية والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: ﴿عَسى،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفيدة للترجي. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿نَتَّخِذَهُ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿وَلَدًا﴾: مفعول به ثان. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله بعده، التقدير: مكنا ليوسف تمكينا كائنا مثل إنقاذنا له من القتل، وإخراجنا له من الجب. ﴿مَكَّنّا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُوسُفَ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما والمفعول به محذوف، التقدير: الأمور، هذا؛ وأجيز اعتبار اللام زائدة، فيكون يوسف مفعولا به مجرورا لفظا، منصوبا محلاّ. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان به أيضا، والجملة الفعلية: (كذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها. (لنعلمه): مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والهاء مفعول به. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و﴿تَأْوِيلِ﴾: مضاف، و﴿الْأَحادِيثِ﴾: مضاف إليه، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على مقدر محذوف، التقدير: ليتصرف فيها بالعدل، ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ..﴾. إلخ: وقيل: الواو زائدة، وعليه يتعلق الجار والمجرور بالفعل ﴿مَكَّنّا﴾ مباشرة.\n ﴿وَاللهُ غالِبٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿عَلى أَمْرِهِ﴾: متعلقان ب ﴿غالِبٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وفي ﴿غالِبٌ﴾ ضمير مستتر فيه هو فاعله. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ﴾: الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ﴾: اسمها، وهو مضاف، و﴿النّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: مضارع وفاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1618\"></span>﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا بَلَغَ﴾ أي: يوسف ﵇. ﴿أَشُدَّهُ﴾: منتهى شبابه، وشدته، وقوته، وهو ثلاث وثلاثون سنة على المعتمد، هذا؛ وأشده عند سيبويه جمع، واحده شدّة، وقال الكسائي: واحده: شدّ، وزعم أبو عبيد: أنه لا واحد له من لفظه عند العرب. ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾","vol":"4","page":564},{"text":"وَعِلْمًا أي: نبوة وفقها في الدين، وقيل: إصابة في القول، وعلما بتأويل الرؤيا، وقيل: الفرق بين الحكيم، والعالم: أن العالم هو الذي يعلم الأشياء بحقائقها، والحكيم هو الذي يعمل بما يوجبه العلم. ﴿وَكَذلِكَ﴾ أي: وكما أنعمنا على يوسف بهذه النعم كلها. ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: فيه إشارة إلى أن الله تعالى إنما منحه ما منحه من النعم جزاء إحسانه، هذا؛ والمحسن: هو الذي يحسن معاملته مع الله تعالى بأداء ما أمر، والابتعاد عن ما نهى عنه، ويحسن إلى عباده، فيعطف على ضعيفهم، ويواسي فقيرهم، ويرشد جاهلهم إلخ.\nتنبيه: قال الطبري: هذا؛ وإن كان مخرجه ظاهرا على كل محسن، فالمراد به محمد ﷺ، يقول الله تعالى: كما فعلت بيوسف بعد أن قاسى ما قاسى، ثم أعطيته ما أعطيته، كذلك أنجيك من شركي قومك، الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكن لك في الأرض. انتهى. قرطبي.\nتنبيه: لعلك تدرك معي: أن الله تعالى قال في حق موسى ﵇ في سورة (القصص): ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى﴾ ولم يقل هنا ﴿وَاسْتَوى﴾ والسبب في ذلك: أن الله أرسل موسى على رأس الأربعين، وهو سن الاستواء، والنضج عقلا، وجسما، وتفكيرا... إلخ، أما الأشد وهو سن الثلاث والثلاثين، فإنه لا يزال في ازدياد إلى سن الأربعين، وليس بعده نضج ولا كمال ولا تمام، وقد يثبت عليه إلى سن الخمسين، ثم يأخذ بالنقصان في كل شيء، عقلا، وجسما، وتفكيرا، وحواسه تأخذ بالضعف، وكل ذلك مشاهد، وجلي.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٥]. ﴿بَلَغَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى (يوسف). ﴿أَشُدَّهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿آتَيْناهُ﴾: ماض وفاعله ومفعوله الأول. ﴿حُكْمًا﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (علما): معطوف على ما قبله. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نجزي المحسنين جزاء كائنا مثل الجزاء الذي جزيناه يوسف. ﴿نَجْزِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: مفعول به أول منصوب... إلخ، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: خيرا ونحوه؛ لأن الفعل ينصب مفعولين، وجملة: (كذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1619\"></span>﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: إن امرأة العزيز طلبت من يوسف الذي هو خادمها وفي بيتها الفعل القبيح، ودعته إلى نفسها؛ ليواقعها.","vol":"4","page":565},{"text":"﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾: قيل: كانت سبعة، وتشديد اللام للتكثير، أو للمبالغة، وفعلت ذلك لشدة خوفها، ولأن مثل هذا لا يكون إلا في ستر، وخفية. ﴿وَقالَتْ﴾ أي: زليخا. ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: هلم، وأقبل، وتعال، وهو اسم فعل جامد لا يتصرف، قال النحاس: فيها سبع قراءات، فمن أجلّ ما فيها، وأصحّه إسنادا ما رواه الأعمش عن أبي وائل، قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقرأ: ﴿(هَيْتَ لَكَ)﴾ أي: بفتح التاء، قال: فقلت: إن قوما يقرءونها «(هيتِ لك)» فقال: إنما أقرأ كما علمت، وقرئ «(هَيْتُ)» قال طرفة بن العبد: [الخفيف]\nليس قومي بالأبعدين إذا ما... قال داع من العشيرة هيت\nفهذه ثلاث قراءات الهاء فيهن مفتوحة، وقرئ: «(هِيتُ لك)» و«(هِيتَ لك)» بكسر الهاء فيهما، وضم التاء أو فتحها، وقرئ: «(هِيتُ لك)» و«(هئت لك)» بكسر الهاء فيهما وسكون الهمزة. وضم التاء وفتحها، وقرئ أيضا: «(هَيْتِ لك)» كجير و«(هيّأت)» وأجودها أولها كما رأيت، قال شاعر يدعو علي بن أبي طالب ﵁ إلى العراق: [مجزوء الكامل]\nأبلغ أمير المؤمني... ن أخا العراق إذا أتيت\nإنّ العراق وأهله... سلم إليك فهيت هيت\nبعد هذا قال مجاهد وغيره: هي لغة عربية، وقال غيره: هي لغة عبرانية، أو قبطية، فمن قال: إنها بغير لغة العرب، يقول: إن العرب وافقت أصحاب هذه اللغة، فتكلمت بها على وفق لغات غيرهم، كما وافقت لغة العرب الروم في القسطاس ولغة العرب الفرس في التنور، ولغة العرب الترك في الغساق، ولغة العرب الحبشة في ناشئة الليل، وبالجملة فإن العرب إذا تكلمت بكلمة صارت لغة لها، وانظر ما ذكرته في الآية [٢].\n ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ﴾: أعوذ بالله، وأعتصم به، وألجأ إليه فيما دعوتني إليه، ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ أي:\nسيدي ومولاي العزيز قطفير. ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾: أكرمني، فلا أخونه بأهله، وقيل: إن الضمير في ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعود إلى الله، والمعنى: إن الله تولاني بلطفه، حيث آواني إليكم، ومن بلاء الجب نجاني. ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾: يعني إن فعلت هذا الفعل؛ فأنا ظالم، ولا يسعد الظالمون.\nتنبيه: في الآية الكريمة معنى بلاغي عظيم، فإنّ استعمال الموصول في قوله: ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها﴾ يعطي معنى أرفع من التصريح باسمها زليخا؛ لأن وجوده في بيتها، وتحت إمرتها، وإغلاق الأبواب بإحكام يجعله في أمان تام، واطمئنان كامل من أن يطلع عليه أحد لو فعل معها الفاحشة، واستجاب لرغبتها، ومع ذلك فقد أعرض عنها، والله هو الذي تولاه بلطفه، وحماه من مواقعة الفاحشة.\nالإعراب: ﴿وَراوَدَتْهُ﴾: الواو: حرف استئناف. (راودته): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على","vol":"4","page":566},{"text":"الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي بَيْتِها﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والجملة الفعلية (راودته...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل: الجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ..﴾. إلخ إلى هنا اعتراض. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾ معطوفة على ما قبلها، ولعلك تدرك معي: أن تغليق الأبواب كان قبل المراودة. (قالت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي هُوَ..﴾. إلخ. ﴿هَيْتَ﴾: اسم فعل أمر، مبني على الفتح، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، وقيل: هو اسم فعل ماض، والمعتمد الأول. ﴿لَكَ﴾: متعلقان ب ﴿هَيْتَ،﴾ واللام للتبيين كالتي في (سقيا لك) أي: تبيين المفعول المخاطب، فكأنها قالت: الكلام معك، والخطاب لك، هذا؛ وعلى قراءة «(هئت)» فهو فعل وفاعل، و﴿لَكَ﴾ متعلقان به، والكلام على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالت...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿قالَ﴾:\nماض، والفاعل يعود إلى (يوسف). ﴿مَعاذَ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، و﴿مَعاذَ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الناتجة من المصدر الميمي وفعله المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿رَبِّي﴾: خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة لياء المتكلم، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبِّي﴾. ﴿مَثْوايَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل (إنّ) أو في محل نصب حال من ﴿رَبِّي﴾ فتكون «قد» قبلها مقدرة، والرابط الضمير فقط. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿رَبِّي﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، فتكون الجملة الاسمية: ﴿رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، وجوز اعتبار ﴿رَبِّي﴾ بدلا من الهاء، فتكون الجملة الفعلية خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها.\n ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُفْلِحُ﴾: مضارع. ﴿الظّالِمُونَ﴾: فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1620\"></span>﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: الهم: هو المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، فمعنى:\n ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أرادته وقصدته، فكان همها به عزمها على المعصية والزنى، وهمّ يوسف، ولم يواقع ما هم به، فبين الهمتين فرق، ومن الثاني قول عمرو بن ضابئ البرجمي: [الطويل]","vol":"4","page":567},{"text":"هممت، ولم أفعل وكدت وليتني... تركت على عثمان تبكي حلائله\nهذا؛ ولقد كثرت أقوال المفسرين في هذه القصة، وها أنا ذا ألخصها لك، وأطلب من الله التوفيق إلى الصواب، وسلوك طريق النجاح والسداد، فأقول: همت به همّ عزم وقصد لما تبغي من الفاحشة، وهم بها همّ الطباع مع الامتناع، قاله الحسن، ولا صنع للعبد فيما يخطر في القلب من ذلك، ولا مؤاخذة عليه، ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده المخلصين، وقيل: هم بها: شارف أن يهم بها، وقل: هم بها: هم بزجرها، ووعظها، وقيل:\nهم بضربها، ودفعها عن نفسه، وقيل: هم بها همها: امتناعه، وجواب ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ محذوف، تقديره: لخالطها، أو لكان ما كان، والبرهان الحجة.\nهذا؛ وما روي عن ابن عباس﵄من أنه قال: حل يوسف الهميان، وجلس منها مجلس الخائن، فهو مكذوب عليه، وحاشاه أن يقول ذلك، وما قاله مجاهد وغيره: حل سراويله، وجعل يعالج ثيابه، وقعد منها مقعد الرجل من زوجته، فهو باطل، ويدل على بطلانه قوله تعالى: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولو كان ذلك منه أيضا لما برأ نفسه من ذلك، وقوله تعالى:\n ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ﴾ ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفا عنه، وقوله:\n ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ولو كان كذلك لخانه بالغيب، وقول النسوة: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ بل وتصريح زليخا ببراءته في قولها: ﴿قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ وشهادة زوجها بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ وشهادة المولود ببراءته، قال تعالى:\n ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها..﴾. إلخ، ولأنه لو وجد منه شيء من ذلك، لذكرت توبته واستغفاره، كما كان لآدم ونوح، وذي النون، وداود على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وأزكى سلام، وقد سماه الله مخلصا، فعلم بالقطع: أنه ثبت في ذلك المقام، وجاهد نفسه مجاهدة أهل العزم، ناظرا في دلائل التحريم، حتى استحق من الله الثناء الجميل.\nوأما قوله: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ..﴾. إلخ فهذا منه على سبيل التواضع والاعتراف لمخالف النفس لما زكي به، قبل وبرئ، وما روي: أن جبريل ﵇، وقيل:\nمثل له يعقوب، فضرب على صدره، فخرجت شهوته من أنامله لا أصل له.\nوأما البرهان الذي رآه يوسف، فقد فسره المحققون بوجوه: الأول: قال جعفر الصادق:\nالبرهان هو النبوة التي جعلها الله في قلبه، فحالت بينه وبين ما يسخط الله تعالى. الثاني:\nالبرهان حجة الله ﷿ على العبد في تحريم الزنى، والعلم بما على الزاني من العقاب.\nالثالث: أن الله طهر نفوس الأنبياء-عليهم الصلاة والسّلام-من الأخلاق الذميمة، والأفعال الرذيلة، وجبلهم على الأخلاق الشريفة الطاهرة المقدسة، فتلك الأخلاق الطاهرة الشريفة،","vol":"4","page":568},{"text":"تحجزهم عن فعل ما لا يليق فعله، وبالجملة: فالبرهان آية من آيات الله، أراها يوسف ﵇؛ حتى قوي إيمانه، واشتد يقينه، فامتنع عن المعصية، ولا يلتفت لما يقال من أقوال.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿هَمَّتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا.\n ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. و﴿وَهَمَّ بِها﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿لَوْلا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿رَأى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (يوسف). ﴿بُرْهانَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾:\nمضاف إليه، و﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿رَأى﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف، وتقدير الكلام: لولا رؤيته برهان ربه موجودة في ذلك الوقت لواقع المعصية، وهذا الكلام مستأنف لا محل له. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر، أو الحال كذلك، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، عامله ما بعده، التقدير: لنصرف عنه السوء والفحشاء صرفا كائنا مثل رؤيته برهان ربه. ﴿لِنَصْرِفَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان به. ﴿السُّوءَ﴾: مفعول به. (الفحشاء): معطوف عليه، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، يدل عليه الكلام، التقدير: أريناه البرهان لصرف السوء والفحشاء عنه. ﴿إِنَّهُ﴾:\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنْ عِبادِنَا﴾: متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾: صفة: ﴿عِبادِنَا﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء... إلخ، وهو يقرأ بفتح اللام وكسرها، والأول بمعنى المختارين المصطفين، والثاني من إخلاص العبادة لله تعالى، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل لصرف السوء عنه.\n\n<span id=\"aya-1621\"></span>﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي: تسابق يوسف، وزليخا إلى الباب الخارجي، ففي الكلام حذف واختصار؛ إذ التقدير: ولما رأى برهان ربه هرب منها، فتبعته؛ لترده، فأدركته قبل أن يخرج من الباب، فتعلقت بقميصه من خلفه، وجذبته إليها؛ حتى لا يخرج، فذلك قوله ﷿: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: فشقته من خلف، فغلبها يوسف، فخرج، وخرجت خلفه،","vol":"4","page":569},{"text":"هذا؛ والقدّ: الشق طولا، والقطّ: الشق عرضا.. ﴿وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ﴾: وجد يوسف وزليخا قطفير العزيز زوجها واقفا، وقيل: جالسا عند الباب، هذا؛ والقبط يسمون الزوج سيدا.\n ﴿قالَتْ ما جَزاءُ..﴾. إلخ: بادرت في الكلام إيهاما بأنها فرت من يوسف تبرئة لساحتها عند زوجها، ولتغير قلبه على يوسف، ولتغريه به انتقاما منه حيث لم يستجب لرغبتها فيما طلبت منه، ولكنها لا تزال تكنّ له الحب الشديد؛ ولذا لم تطلب له عقوبة القتل، وإنما عينت عقوبته بنفسها، السجن، أو التعذيب بضرب السياط، وإنما بدأت بذكر السجن دون التعذيب؛ لأن المحب لا يشتهي إيلام المحبوب، وهي كذلك، وقد أرادت أن يسجن يوما أو يومين تريد بذلك إخضاعه لإرادتها، وهيمنتها عليه، خذ هذا؛ وافهمه، فإنه جيد إن شاء الله تعالى.\nبعد هذا انظر شرح (أهلك) في الآية رقم [٨١] من سورة (هود)، وشرح (القول) في الآية [١٨] منها أيضا، و(سيد) أصله: سيود من ساد، يسود، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال ميت وهين ونحوهما. ﴿عَذابٌ﴾: اسم مصدر؛ لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب، فهو من عذّب يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، ونبات لأعطى، وأنبت. ﴿أَلِيمٌ﴾: مؤلم، أي: موجع بكسر اللام، فهو اسم فاعل، وقال الجمل: بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة، إنما يسند إلى الشخص المعذب، فهو على حد (جدّ جدّه) انتهى. بتصرف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاسْتَبَقَا﴾: الواو: حرف عطف. (استبقا): ماض، وألف الاثنين فاعله.\n ﴿الْبابَ﴾: منصوب بنزع الخافض، وقيل: يضمن الفعل معنى: ابتدر الباب فهو مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ..﴾. إلخ فيكون: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ معترضا بين المتعاطفين، جيء به تقريرا لنزاهة يوسف ﵇. (قدت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا. ﴿قَمِيصَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (قدت...) إلخ معطوفة على ما قبلها. (ألفيا): ماض، والألف فاعله. ﴿سَيِّدَها﴾: مفعول به أول، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿لَدَى﴾: ظرف مكان بمعنى:\n (عند) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، وهو متعلق بالفعل قبله، و﴿لَدَى﴾:\nمضاف، و﴿الْبابَ﴾: مضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: واقفا، أو جالسا، وجملة: (ألفيا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿قالَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا. ﴿ما﴾: نافية. ﴿جَزاءُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿مِنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَرادَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ﴾. ﴿بِأَهْلِكَ﴾: متعلقان ب ﴿أَرادَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سُوءًا،﴾","vol":"4","page":570},{"text":"كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿سُوءًا﴾: مفعول به، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَنْ﴾:\nحرف مصدري ونصب. ﴿يُسْجَنَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ونائب فاعله يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف.\n ﴿عَذابٌ﴾: معطوف على المصدر المؤول. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفته، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ اسم استفهام مبتدأ، و﴿جَزاءُ﴾ خبره، ويكون المصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾. في محل رفع بدلا من ﴿جَزاءُ،﴾ ولا يجوز اعتباره استثناء منصوبا لعطف عذاب عليه. تأمل، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1622\"></span>﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾: قال يوسف: هي طالبتني بفعل الفحشاء. فأبيت، وفررت منها، وإنما قال ذلك حين لطخت عرضه، ودفعا لما عرضته له من السجن، أو العذاب، ولو لم تكذب عليه؛ لما قاله. ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾: اختلفوا في ذلك الشاهد، فقال سعيد بن جبير والضحاك: كان صبيا، فأنطقه الله ﷿، وهو رواية عن ابن عباس﵄عن النبي ﷺ قال: «تكلّم أربعة، وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم». ذكره البغوي بغير سند، قيل: كان الصبي ابن عم المرأة، أو ابن خالها، وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبيا، ولكنه كان رجلا حكيما ذا رأي: وعقل، وكان الوزير يستشيره في أموره، وهو من أقرباء المرأة، وكان مع زوجها حينما خرجا يتراكضان خلف بعضهما، وإنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها، ليكون ألزم عليها.\n ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ..﴾. إلخ: لأنه يدل على أنها قدت قميصه من قدامه بالدفع عن نفسها، أو أنه أسرع خلفها، فتعثر بذيله، فانقد جيب قميصه.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ. ﴿راوَدَتْنِي﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل مستتر يعود إلى زليخا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ هِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿عَنْ نَفْسِي﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ﴾: ماض وفاعله. ﴿مِنْ أَهْلِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والأولى تعليقهما ب","vol":"4","page":571},{"text":"﴿شاهِدٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿قَمِيصُهُ﴾: اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قُدَّ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى قميصه. ﴿مِنْ قُبُلٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَصَدَقَتْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (صدقت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، وهي على تقدير «قد» قبلها؛ إذ التقدير: فقد صدقت. ﴿وَهُوَ﴾: الواو:\nواو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (صدقت) المستتر، والرابط: الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ والجملة الشرطية: ﴿إِنْ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به؛ لأن (شهد) بمعنى قال، أو هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقال: ﴿إِنْ كانَ..﴾. إلخ وقد صرح الجلال بتقدير هذا القول. تأمل.\n\n<span id=\"aya-1623\"></span>﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: أقول: بالإضافة لما أدلى به الشاهد من شهادة معتمدا في شهادته على القياس والاعتبار، والعمل بالعرف والعادة من قدّ القميص مقبلا في حال الإرادة، والإغارة، ومن قدّه مدبرا في حال الإكراه، والملاحقة، والمطاردة، فهناك علامات كثيرة تدل على صدق يوسف ﵇، وتنفي عنه الريبة، والتهمة: منها أن يوسف ﵇ كان في الظاهر مملوك هذه المرأة، والمملوك لا يجرؤ على مراودة سيدته، وطلب الفاحشة منها. ومنها: أن زوجها ومن كان معه قد شاهدوا يوسف يعدو هاربا منها، والطالب لا يهرب، ومنها: أنهم رأوا المرأة قد تزينت بأكمل الزينة، فكان إلحاق التهمة بها أولى، ومنها: أنهم عرفوا يوسف ﵇ في المدة الطويلة بينهم، فلم يروا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذه الحالة، فمجموع هذه العلامات دلالة على صدقه مع قرينة الحال التي استدل به الشاهد على نزاهته وبراءته مما قذفته به، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وقد قرئ «(قبل ودبر)» بضم كل حروفهما، قال الزجاج: بجعلهما غايتين كقبل وبعد، كأنه قال: من قبله ومن دبره، فلما حذف المضاف إليه، وهو مراد صار المضاف غاية نفسه، بعد أن كان المضاف إليه غاية له، وقرئ: «(من قبْل ومن دبْر)» بسكون عينهما وجر لامهما، وعن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: «(من قبلَ، ومن دبرَ)» بفتح لامهما وضم عينهما، كأنه جعلهما علمين","vol":"4","page":572},{"text":"للجهتين، فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأن كلاهما معرفة ومزال عن بابه، وينبغي أن تعلم أن القراءة الأولى سبعية، وهي قراءة الجمهور، وأما القراءات الثلاث الأخيرة فمن الشواذ.\nالإعراب: بعد هذا فإعراب هذه الآية ظاهر إن شاء الله تعالى؛ لأنه مثل إعراب الآية السابقة بلا فارق، هذا؛ وقد قال الزمخشري في كشافه: فإن قلت: كيف جاز الجمع بين (إن) التي هي للاستقبال، وبين (كان) التي هي للماضي، قلت: لأن المعنى: أنه يعلم إن كان قميصه قدّ، ونحوه قولك: إن أحسنت إلي فقد أحسنت إليك من قبل لمن يمتنّ عليك بإحسانه، تريد: إن تمتنّ علي أمتنّ عليك. انتهى. وإن ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1624\"></span>﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: لما رأى قطفير القميص مشقوقا من خلفه، وعلم كذب زوجته، وصدق يوسف وبراءته، مما قذفته به؛ ﴿قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي: إن قولك: ﴿ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ،﴾ أو إن هذا الأمر، وهو طمعها في يوسف. ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾: الخطاب لها ولأمثالها، أو لسائر النساء، وإنما كان كيدهن عظيما؛ لأنه ألصق، وأعلق بالقلب، وأشد تأثيرا في النفس، ولأنهن يواجهن الرجال به، والشيطان يوسوس مسارقة.\nوقال بعض العلماء: أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا،﴾ وقال للنساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وقال مقاتل: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا،﴾ وقال: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ولا تنس قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ»﴾.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٥] ﴿رَأى﴾: ماض، وفاعله يعود إلى قطفير العزيز. ﴿قَمِيصَهُ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿رَأى قَمِيصَهُ﴾ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قُدَّ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى: ﴿قَمِيصَهُ﴾. ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾:\nمتعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ في محل نصب مفعول به ثان، إن كان (رأى) علميا، وفي محل نصب حال، إن كان بصريا، وتكون: «قد» قبلها مقدرة. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى قطفير أيضا. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر (إن)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول،","vol":"4","page":573},{"text":"وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ مؤكدة لسابقتها، وهي من مقول قطفير أيضا.\n\n<span id=\"aya-1625\"></span>﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ أي: يا يوسف أعرض عن هذا الأمر، فلا تذكره لأحد؛ حتى لا يشيع، وينتشر بين الناس، أو المعنى: لا تكترث به، فقد بان عذرك، وبراءتك. ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أي: توبي واعتذري إلى إلهك ممّا رميت به يوسف، وهو بريء، وقيل: إن هذا من قول الشاهد، يقول للمرأة: اعتذري لزوجك ليصفح عنك. ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ أي: من المذنبين حيث خنت زوجك، ورميت يوسف بالتهمة، وهو بريء، وفي قوله ﴿الْخاطِئِينَ﴾ تغليب للذكور على النساء، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، مثل:\n ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ هذا؛ وقد قال الجمل نقلا عن كرخي: كان العزيز قليل الغيرة، بل قال في البحر إن تربة مصر تقتضي هذا، ولهذا لا ينشأ فيها الأسد، ولو دخل فيها لا يبقى. انتهى.\nوقال القرطبي: إن الله سلبه الغيرة، وكان فيه لطف بيوسف، حتى كفي بادرته، وعفا عنها. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يُوسُفُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء المحذوفة. ﴿أَعْرِضْ﴾: فعل أمر وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول. تأمل. (استغفري): أمر مبني على حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: استغفري إلهك؛ لأن هذا الفعل قد ينصب مفعولين صريحين، وقد يتعدى للثاني بحرف الجر، كما هنا، وانظر الآية رقم [١٠٤] من سورة (يونس). ﴿لِذَنْبِكِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّكِ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿كُنْتِ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْخاطِئِينَ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتِ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكِ..﴾. إلخ تعليل للأمر وهي بدورها من مقول قطفير العزيز.\n<span id=\"aya-1626\"></span>﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾: ما حدث ليوسف ﵇ مع زليخا لم يبق سرّا بل تحدثت به النساء بينهن، وكن خمسا: امرأة حاجب العزيز،","vol":"4","page":574},{"text":"وامرأة صاحب دوابّه، وامرأة خبّازة، وامرأة ساقيه، وامرأة صاحب سجنه، وقلن: امرأة العزيز زليخا تطلب مواقعة عبدها الكنعاني، وهو يمتنع عنها. ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي: إن حبه قد شق شغاف قلبها-وهو حجابه-حتى وصل إلى فؤادها، وقيل: إن حبه قد أحاط بقلبها كإحاطة الشغاف بالقلب، حتى أصبحت لا تعرف شيئا سواه. ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في خطأ بين ظاهر حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف، والستر، والمحافظة على الشرف، وانظر إعلال (نرى) في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود).\n-بعد هذا فالمرأة مأخوذة من المرء، وهو الرجل، فلذا سميت بذلك، والأم الأولى حواء سميت بذلك؛ لأنها مأخوذة من حي وهو آدم ﵉، وتجمع المرأة من غير لفظها، ففي القلة جمعها نسوة، بكسر النون وضمها، وفي الكثرة جمعها: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان، فهي مطبوعة عليه، إما كذبا، وإما إهمالا، ويقال لكل واحد من هذه الجموع: اسم جمع لا واحد له من لفظه. ﴿فَتاها﴾: انظر شرحه في الآية رقم [٦٢] الآتية، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٥٣] الآتية، هذا؛ والشغف مصدر: شغفه الحب إذا خرق شغاف قلبه؛ حتى وصل للفؤاد، والشغاف: حجاب القلب المحيط به، وقيل: بل هو جلدة رقيقة، يقال لها: لسان القلب إذا دخله الحب لم يخرج منه، قال النابغة الذبياني: [الطويل]\nوقد حال همّ دون ذلك داخل... دخول الشّغاف تبتغيه الأصابع\nهذا ويقرأ: «(شعفها)» بالعين من: شعف البعير: إذا هنأه، فأحرقه بالقطران، قال امرؤ القيس: [الطويل]\nأتقتلني، وقد شعفت فؤادها... كما شعف المهنوءة الرجل الطّالي؟\nالمعنى: أتقتلني المحبوبة، والحال أني قد شعفت فؤادها، أي: علوته كما يعلو الرجل الطالي الإبل المهنوءة؛ إذا هنأها بالقطران.\nالإعراب: ﴿وَقالَ﴾: ماض. ﴿نِسْوَةٌ﴾: فاعله، ولم يؤنث الفعل؛ لأن الفاعل اسم جمع كما رأيت، وما كان من هذا القبيل يجوز تأنيث فاعله، وتذكيره. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نِسْوَةٌ﴾. ﴿اِمْرَأَتُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْعَزِيزِ﴾: مضاف إليه. ﴿تُراوِدُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إليها. ﴿فَتاها﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل ﴿تُراوِدُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تُراوِدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿اِمْرَأَتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:","vol":"4","page":575},{"text":"(قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿شَغَفَها﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فَتاها،﴾ و(ها): مفعول به. ﴿حُبًّا﴾: تمييز محول عن الفاعل، فإن الأصل: قد شغفها حبه، وجملة: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ يجوز أن تكون في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وأن تكون في محل نصب حال من الفاعل، أو من المفعول، وأن تكون مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت النون، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنَراها﴾: اللام: هي المزحلقة. (نراها): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والهاء: مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فِي ضَلالٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة: ﴿ضَلالٍ...،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1627\"></span>﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾: فلما سمعت زليخا بغيبة النسوة إياها، وذمها، وقيل: إنها أطلعتهن على سرها فأفشينه، فسمى الله ذلك مكرا. ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾: قيل: صنعت وليمة عظيمة، ودعت إليها أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهن الخمس اللاتي تكلمن فيها، وقد أرادت أن تقيم عذرها عندهن في محبة يوسف ﵇. ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي: ووضعت لهن نمارق ووسائد يتكئن عليها، وقال ابن عباس﵄وغيره: يعني طعاما، وإنما سمي الطعام متكأ؛ لأن كل من دعوته ليطعم عندك، فقد أعددت له وسائد يجلس، ويتكئ عليها، فسمى الطعام متكأ على الاستعارة؛ ولذلك جاء النهي عنه في قول النبي ﷺ: «لا آكل متكئا».\nوقال بعضهم: إنه الأترجّ وعسل يؤكل به، قال جميل بن معمر العذري: [الخفيف]\nفظللنا بنعمة واتّكأنا... وشربنا الحلال من قلله\nقيل: إنها طلبت النسوة، فأتين على كره منهن، وقد قال فيهن أمية بن أبي الصلت: [مخلع البسيط]\nحتى إذا جئنها قسرا م... هّدت لهنّ أنضادا وكبابا\nهذا؛ وقد قرئ: ﴿مُتَّكَأً﴾ بقراءات مختلفة. ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: أعطت كل واحدة من النسوة سكينا؛ لتقطع بها الطعام، كما هو عادة المترفين، والسكين تؤنث، وتذكر، والثاني رجحه الأصمعي. ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: وكان يخاف من مخالفتها، فخرج عليهن فجأة، وهن يحاولن قطع الطعام، وكانت قد زينته بأكمل زينة، وعطرته. ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: لما رأى","vol":"4","page":576},{"text":"النسوة يوسف عظمنه، وهبنه لحسنه الفائق، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال الرسول ﷺ:\n «رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر». قيل: كان يرى تلألؤ وجهه على الجدران، وانظر وصفه في الآية رقم [١٩]. وعن ابن عباس: أكبرنه: أمنين، وأمذين من الدهش، قال الشاعر: [الطويل]\nإذا ما رأين الفحل من فوق قارة... صهلن، وأكبرن المنيّ المدفّقا\nالقارة: الجبل الصغير المنقطع عن الجبال، وقيل: معناه: حضن، قال الشاعر: [البسيط]\nتأتي النساء على أطهارهنّ، ولا... تأتي النساء إذا أكبرن إكبارا\nوكأن أبا الطيب المتنبي أخذ من هذا التفسير قوله: [الطويل]\nخف الله واستر ذا الجمال ببرقع... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق\nهذا؛ وقد تفزع المرأة، أو تدهش، فتسقط ولدها أو تحيض، وانظر تفسير: (ضحكت) بحاضت في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: جرحنها بالسكاكين من فرط الدهشة، ولم يجدن ألما لذلك، وقال وهب:\nمات منهن جماعة. ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾: بإثبات ألف بعد الشين وحذفها، وهما قراءتان سبعيتان، ويقرأ «(حاشا الله)» بغير لام بمعنى: براءة الله، و«(حاشا لله)» بالتنوين على تنزيله منزلة المصدر، وقال مكي: معنى (حاشا لله) بعد يوسف عن الذي رمي به لله، أي: لخوفه لله، ومراقبته له، ولم أجد هذا لغيره.\nتنبيه: في ﴿حاشَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون فعلا متعديا متصرفا، تقول: حاشيته، بمعنى: استثنيته، قال النابغة الذبياني: [البسيط]\nولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه... ولا أحاشي من الأقوام من أحد\nالثاني أن تكون تنزيهية، ومنه الآية الكريمة على التفسير الثاني، والصحيح: أنها اسم مرادف للبراءة من كذا. الثالث أن تكون للاستثناء، فذهب سيبويه، وأكثر البصريين إلى أنها حرف دائما بمنزلة إلا، لكنها تجر المستثنى، وذهب الجرمي، والمازني، والمبرد، والزجاج، والأخفش، وأبو زيد، والفراء، وأبو عمرو الشيباني إلى أنها تستعمل كثيرا حرفا جارّا، وقليلا فعلا متعديا جامدا لتضمنه معنى (إلا)، والكوفيون يعتبرونها فعلا دائما. انتهى. من مغني اللبيب باختصار، ولذلك شواهد انظر شرحها وإعرابها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».\n ﴿ما هذا بَشَرًا﴾: نفين عنه البشرية لفرط حسنه وجماله، والمقصود من هذا إثبات الحسن المفرط ليوسف؛ لأنه تقرر في النفوس: أنه لا شيء أحسن من الملك، فلذلك وصفنه بكونه ملكا، فقلن: ﴿إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ هذا؛ ويقرأ: «(ما هذا بشر)» بالرفع، وهي لغة بني تميم، وقراءة","vol":"4","page":577},{"text":"النصب لغة أهل الحجاز، وهو أقوى، كما قرئ: «(ما هذا بشرى)» بكسر الباء والشين، أي: ما هو بعبد مشترى لئيم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر شرح: ﴿بَشَرًا﴾ في الآية [٢٧] من سورة (هود).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٥]. ﴿سَمِعَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا. والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، والنون في كل الآية حرف دال على جماعة الإناث، وجملة:\n ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ جواب: (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (آتت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى زليخا. ﴿كُلَّ﴾: مفعول به أول، و﴿كُلَّ﴾: مضاف، و﴿واحِدَةٍ﴾: مضاف إليه.\n ﴿مِنْهُنَّ﴾: متعلقان ب ﴿واحِدَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿سِكِّينًا﴾: مفعول به ثان، وجملة:\n (آتت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿اُخْرُجْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية [١٥]. ﴿رَأَيْنَهُ﴾: ماض مبني على السكون، والنون فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية يقال فيها مثل جملة: ﴿سَمِعَتْ..﴾. إلخ. ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وهذا على التفسير ب (عظمنه) واعتبار الضمير عائدا على يوسف، وأما على التفسيرين الأخيرين فالهاء للسكت، وهي حرف لا محل له، وعلى الوجهين فالجملة جواب:\n (لما) لا محل لها، وجملة: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. (قلن): فعل وفاعل. ﴿حاشَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف، أو هو مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة أو هو مفعول مطلق، لفعل محذوف، وذلك على تفسيره ب «تنزيه» أو ب «تنزيها»، انظر الشرح. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان ب ﴿حاشَ﴾ على الاعتبارين فيه، أعني الفعلية والمصدرية، وأما على اعتباره مبتدأ، فالجار والمجرور متعلقان بخبره، أو هما متعلقان به فيكون الخبر محذوفا، تقديره موجود، وجملة: ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ سواء أكانت فعلية، أم اسمية، فهي في محل نصب مقول القول، وجملة: (قلن...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n ﴿فَلَمّا﴾: نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿فَلَمّا،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَشَرًا﴾: خبر: ﴿فَلَمّا،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي بمعنى: ﴿فَلَمّا﴾. ﴿هذا﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.\n ﴿مَلَكٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿كَرِيمٌ﴾: صفته، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا.","vol":"4","page":578},{"text":"<span id=\"aya-1628\"></span>﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي: قالت زليخا للنسوة اللاتي دهشن بيوسف عند رؤيتهن له: ﴿فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ،﴾ وإنما قالت ذلك إقامة لعذرها فيما حصل منها، وتكلمن فيها، وإنما قالت: ﴿فَذلِكُنَّ..﴾. إلخ بعد ما قام من المجلس، وذهب، أو قالت ذلك بحضرته، وأدخلت على اسم الإشارة لام البعد، وكاف الخطاب، رفعا لمكانته، ومنزلته، لا لبعده عن المجلس، فكأنه لعلو شأنه بعيد عنها؛ حتى صار يشار إليه بذلك.\n ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾: فامتنع عن إجابتي لما طلبت منه من الوقاع، وإنما صرحت بذلك؛ لأنها أيقنت أن لا ملامة عليها منهن، وأنهن قد أصابهن ما أصابها عند رؤيته.\n ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾: فهذا تصريح منها بأنها لا تزال ترغب في مواقعته، وإن لم يطاوعها فيما تريد لتعاقبنه بالسجن، ولتجعلنه من الأذلاء المهانين، فكان منهن أن قلن له جميعا:\nيا يوسف أطع سيدتك فيما تدعوك إليه، فاختار يوسف السجن على المعصية حين توعدته المرأة بذلك، قال الزمخشري: وهذا بيان لما كان من يوسف﵇لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه على أنه بريء مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهمّ والبرهان. رحم الله الزمخشري.\nفائدة: قال مكي في مثل: ﴿وَلَئِنْ لَمْ﴾ دخلت (إن) على (لم) ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأن (لم) ترد لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و(إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت (لم) ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي، ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأن (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.\nالإعراب: ﴿قالَتْ﴾: ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى زليخا. ﴿فَذلِكُنَّ﴾: الفاء:\nزائدة لتحسين اللفظ. (ذلكن): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ واعتبره الجلال، ووافقه الجمل على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: هو الذي، وعليه فالجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ، والأول أولى بالاعتبار؛ لخلوه من التقدير، والتكلف. ﴿لُمْتُنَّنِي﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والنون المشددة علامة جمع الإناث، والنون المخففة للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿فَذلِكُنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:","vol":"4","page":579},{"text":"﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر الآية رقم [٢٤] لإعرابه. ﴿راوَدْتُهُ﴾: فعل وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول. (استعصم):\nماض، والفاعل يعود إلى يوسف، ومتعلقه محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَفْعَلْ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (يوسف). ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آمُرُهُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به، وهو في الأصل مجرور بحرف جر، فحذف الجار، واتصل الضمير بالفعل، فانتصب به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: وإن لم يفعل أمري، وهو ضعيف معنى كما ترى، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم. (يسجنن): مضارع مبني للمجهول، مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، ونائب الفاعل مستتر يعود إلى يوسف، والجملة الفعلية جواب القسم، وحذف جواب الشرط على القاعدة المذكورة في الآية رقم [١٤]، والكلام كله في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَلَيَكُونًا﴾: الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب القسم بسبب العطف. (يكونا):\nمضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة التي هي حرف لا محل له، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى يوسف أيضا. ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (يكونا)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (ليكونا...) إلخ معطوفة على جواب القسم.\n\n<span id=\"aya-1629\"></span>﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾: توجه بهذا الدعاء إلى الله بعد أن هددته زليخا بالسجن، وكل النسوة قلن له: أطع سيدتك فيما تريده منك، والمعنى: يا رب دخول السجن آثر عندي من موافقتها، وتلبية رغبتها، نظرا إلى العاقبة الحميدة عندك، وإسناد الدعوة إلى جميع النسوة؛ لأنهن حذرنه من مخالفتها، وزيّن له مطاوعتها، وقيل: دعونه إلى أنفسهن، كل واحدة خلت به على انفراد لتنصحه في مطاوعة زليخا، وهي تريد أن يقضي","vol":"4","page":580},{"text":"وطرها، وقيل: إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا، وكان الأولى به أن يسأل الله العاقبة، ولذا رد رسول الله ﷺ على من كان يسأل البلاء والصبر، فعن أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سلوا الله العفو والعافية، فإنّ أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية». وانظر شرح ﴿رَبِّ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، وانظر شرح (أحب) في الآية [١٨]. هذا؛ وقرئ «(رُب)» بضم الباء على النداء، كما قرئ بالضم وجر السجن على الإضافة، وهذا في الشواذ، والمعنى: صاحب السجن أي: لقاؤه أحبّ إليّ. ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾: إن لم تصرف عني ما يردن مني من تحبيب ذلك إليّ، وتحسينه عندي، وذلك بالتثبيت على العصمة والحفظ من كيدهن. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أمل إليهن، وما يبغين مني، وذلك بطبعي، ومقتضى شهوتي، والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنه: (الصبا) بكسر الصاد؛ لأن النفوس البشرية تستطيبها، وتميل إليها. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ أي: من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإن العاقل لا يفعل القبائح، أو أكن من الذين لا يعملون بما يعلمون، فإنهم والجهال سواء، وانظر شرح ﴿تَجْهَلُونَ﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (هود) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف ﵇. ﴿رَبِّ﴾: منادى حذفت منه أداة النداء، وانظر ما يجوز فيه من أوجه الإعراب في الآية رقم [٤]. ﴿السِّجْنُ﴾: مبتدأ. ﴿أَحَبُّ﴾:\nخبره. ﴿إِلَيَّ﴾: متعلقان ب ﴿أَحَبُّ﴾. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَحَبُّ﴾ أيضا، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿يَدْعُونَنِي﴾: مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة التي هي فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.\n ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَدْعُونَنِي،﴾ والجملة الفعلية هذه صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ ب ﴿إِلَيْهِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿السِّجْنُ..﴾. إلخ مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ رَبِّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِلاّ﴾:\nالواو: حرف عطف أو هي زائدة لتحسين اللفظ. (إن لا) إن: حرف شرط جازم. (لا): نافية.\n ﴿تَصْرِفْ﴾: مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنِّي﴾: متعلقان بما قبلهما.\n ﴿كَيْدَهُنَّ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون علامة جمع الإناث، وجملة:\n ﴿تَصْرِفْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَصْبُ﴾:\nمضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿إِلَيْهِنَّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَكُنْ﴾: الواو: حرف عطف. (أكن): مضارع ناقص معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (أكن)، وجملة: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"4","page":581},{"text":"<span id=\"aya-1630\"></span>﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾: فأجاب الله دعاءه الذي تضمنه قوله: ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ..﴾. إلخ ولطف به، وعصمه من الوقوع في الزنى، ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾: حيث ثبته ربه بالعصمة؛ حتى وطن نفسه على مشقة السجن، وأثرها على اللذة المتضمنة للعصيان، وانظر المراد من:\n ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ في الآية السابقة، ولماذا جمع الضمير. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾: لدعاء الملتجئين إليه.\n ﴿الْعَلِيمُ﴾: بأحوالهم وما يصلحهم.\nفي الآية الكريمة دليل على أنه لا يقدر أحد عن الانصراف عن المعصية إلا بعصمة الله ولطفه به، اللهم تولّني بعنايتك ورعايتك، واحفظني، وعقبي، وجميع المؤمنين، والمؤمنات من الوقوع في الفواحش، والمنكرات، فإنك خير مسئول يا أرحم الراحمين، هذا؛ والسين والتاء زائدتان بالفعل استجاب؛ لأنه بمعنى أجاب، قال كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل]\nوداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nالإعراب: ﴿فَاسْتَجابَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (استجاب): ماض. ﴿لَهُ﴾: متعلقان به.\n ﴿رَبُّهُ﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (صرف): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّهُ،﴾ ﴿عَنْهُ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَيْدَهُنَّ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون علامة جمع الإناث، وجملة: (صرف...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ﴾:\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (إن) على المحل، وعلى هذين الوجهين ف ﴿السَّمِيعُ﴾ خبر أول ل (إنّ)، والعليم خبر ثان، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، فيكون ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبرين له، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ هُوَ..﴾. إلخ تعليلية لا محل لها.\n<span id=\"aya-1631\"></span>﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ أي: للعزيز، وقطفير، وأصحابه في الرأي، وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا من أمر يوسف على الإعراض، وكتم الحال، وقد ألحت زليخا على زوجها، وقالت له:\nإن العبد العبراني قد فضحني؛ يقول للناس: إني قد راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي، فأخرج، فأعتذر إلى الناس، وإما أن تحبسه، فرأى حبسه: ﴿مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ﴾ أي: الدالة على صدق يوسف ﵇ وبراءته، من قد القميص من دبر، وكلام الطفل، وقطع النساء أيديهن، وذهاب","vol":"4","page":582},{"text":"عقولهن عند رؤيته. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ أي: إلى مدة يرون رأيهم فيها، وقال عطاء: إلى أن تنقطع مقالة الناس. انتهى. وهذا هو المعتمد. هذا؛ وقرئ: «(عتى حين)» بقلب الحاء عينا، وهي لغة هذيل، وثقيف في ﴿حَتّى،﴾ والحين: الوقت قليلا، كان، أو كثيرا، والمدة من الزمن قصيرة كانت أو طويلة، وجمعه: أحيان. وجمع الجمع: أحايين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥] من سورة (إبراهيم) ﵇، وهو بكسر الحاء، وأما بفتحها؛ فهو الهلاك والموت.\nهذا؛ وأصل رأوا: (رأى) فلما اتصل به واو الجماعة صار (رءاوا) فالتقى ساكنان:\nالألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، ثم حركت الواو بالضمة لالتقائها ساكنة مع ما بعدها، ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها، وقيل: حركت بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية، وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت؛ لنجحت) وقيل:\nضمت لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: غير ذلك، وأصل ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: (بسجن)، فاتصل به واو الجماعة فصار (يسجنون)، فاتصل به نون التوكيد الثقيلة، فصار (ليسجنوننّه) فحذفت النون التي هي علامة الرفع لتوالي النونات، فصار (ليسجنونّه) فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على النون قبلها دليلا عليها، فصار ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ،﴾ هذا؛ وقرئ «(لتسجننه)» بالتاء، ولا يتغير الإعلال والإعراب، وقرئ: «(عتى)» بلغة هذيل.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿بَدا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿لَهُمْ﴾:\nمتعلقان به. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿رَأَوُا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿الْآياتِ﴾:\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ، و(ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: من بعد رؤيتهم الآيات. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: اللام: واقعة في جواب قسم محذوف (يسجننه): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿حَتّى حِينٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وحتى بمعنى إلى، وجملة: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ..﴾. إلخ جواب قسم محذوف لا محل لها. بعد هذا في فاعل ﴿بَدا﴾ ثلاثة أوجه، أحدها: هو محذوف دل عليه الكلام بعده، التقدير: ثم بدا لهم سجنه، وعليه فالقسم وجوابه معمول لقول مضمر، وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: قائلين: والله ليسجننه، والثاني: أن الفاعل مضمر، وهو مصدر ﴿بَدا،﴾ أي: بدا لهم بداء، فأضمر، وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأي: لم يكونوا يعرفونه، وحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه، هذا؛ وأجاز هشام وثعلب -وهما كوفيان-اعتبار الجملة القسمية فاعلا للفعل: ﴿بَدا،﴾ انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» والكلام عليه.","vol":"4","page":583},{"text":"وقال ابن هشام في المغني: ويجوز أن يكون ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جوابا ل ﴿بَدا؛﴾ لأن أفعال القلوب، لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم، قال: [الكامل]\nولقد علمت لتأتينّ منيّتي... إنّ المنايا لا تطيش سهامها\nوهذا هو الشاهد رقم [٧٥٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\n\n<span id=\"aya-1632\"></span>﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ أي: غلامان كانا للوليد ملك مصر، أحدهما: خبازه، والآخر: صاحب شرابه، وكان قد غضب عليهما الملك فحبسهما، والسبب في ذلك: أن جماعة من أشراف مصر أرادوا قتله، فضمنوا لهذين الغلامين مالا على أن يسمّا الملك في طعامه وشرابه، فأجابا إلى ذلك، ثم إن الساقي ندم، فرجع عن ذلك، وقبل الخباز الرشوة، وسم الطعام، فلما حضر الطعام والشراب بين يدي الملك، قال الساقي: لا تأكل أيها الملك؛ فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب؛ فإن الشراب مسموم، فقال للساقي: اشرب فشربه، فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك، فأبى، فأطعم منه دابة فهلكت، فأمر الملك بحبسهما، فحبسا مع يوسف، وكان يوسف ﵇ لما دخل السجن جعل ينشر علمه، ويقول: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الغلامين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا الغلام العبراني، فتراءيا له رؤيا، فسألاه من غير أن يكونا قد رأيا شيئا، وقيل: بل كانا قد رأيا رؤيا حقيقية، فرآهما يوسف مهمومين، فسألهما عن شأنهما، فذكرا أنهما غلامان للملك، وقد حبسهما، وقد رأيا رؤيا قد غمتهما، فقال: قصا علي ما رأيتما، فقصّا عليه ما رأياه. قال أحدهما-وهو صاحب شراب الملك- ﴿إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾: إني رأيت في المنام أعصر عنبا، وهو حكاية حال ماضية، وسمي العنب خمرا باسم ما يؤول إليه.\nوقال الآخر: أي: الخباز. ﴿إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ أي: رأيت في المنام أني حامل فوق رأسي خبزا، والطير تنهش منه. ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾: خبرنا بتفسير ما رأينا، وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا، ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من العالمين بتعبير الرؤيا. ويكون الإحسان بمعنى العلم، وقال الضحاك: إحسانه كان إذا مرض إنسان في السجن؛ عاده، وقام عليه، وإذا ضاق على أحد؛ وسع عليه، وإذا احتاج أحد جمع له شيئا، وكان مع هذا يجتهد في العبادة؛ يصوم النهار، ويقوم الليل كله للصلاة، فأحبه أهل السجن لذلك.","vol":"4","page":584},{"text":"بعد هذا انظر شرح (أحد) في الآية رقم [١٨] من سورة (هود)، وشرح القول في الآية [١٨] منها، وشرح ﴿أَنْباءِ﴾ في الآية [١٢٠] منها أيضا، وانظر الفتى في الآية رقم [٦٢] الآتية، هذا؛ و﴿الطَّيْرُ﴾ اسم جمع مثل: خيل، وغنم، وقيل: بل هو جمع: طائر، مثل صحب وصاحب، ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل: فرخ، وفروخ، وأفراخ، وقال قطرب، وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾ وطائر الإنسان عمله الذي قلده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ والطير أيضا: الاسم من التطير، ومنه قولهم: لا طير إلاّ طير الله، كما يقال: لا أمر إلا أمر الله. انتهى. مختار.\nالإعراب: ﴿وَدَخَلَ﴾: الواو: حرف عطف. (دخل): ماض. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿السِّجْنَ﴾: مفعول به. ﴿فَتَيانِ﴾: فاعل (دخل) مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (دخل...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قالَ﴾: ماض.\n ﴿أَحَدُهُما﴾: فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.\n ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿أَرانِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول.\n ﴿أَعْصِرُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿خَمْرًا﴾: مفعول به، وجملة: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿أَرانِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب ما قبلها. ﴿فَوْقَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وأجيز تعليقه بمحذوف حال من: ﴿خُبْزًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و﴿فَوْقَ﴾: مضاف، و﴿رَأْسِي﴾:\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿خُبْزًا﴾: مفعول به. ﴿تَأْكُلُ﴾: مضارع.\n ﴿الطَّيْرُ﴾: فاعله. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ في محل نصب صفة: ﴿خُبْزًا،﴾ وجملة: ﴿وَقالَ الْآخَرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿نَبِّئْنا﴾:\nأمر، وفاعله (أنت)، و(نا): مفعوله الأول. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَبِّئْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿نَراكَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره «نحن» والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿نَراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، وهي بدورها في محل نصب مقول القول.","vol":"4","page":585},{"text":"تنبيه: لقد عوملت (رأى) الحلمية هنا معاملة «رأى» العلمية في التعدي إلى مفعولين، كما تعدت بهمزة التعدية إلى الثالث، كما تعدى إلى الثالث، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة (الأنفال)، كما عوملت الحلمية معاملة العلمية في اتحاد فاعلها ومفعولها، وهما ضميران متصلان وللمتكلم، وهذا لا يجوز في غير باب علم، وحسب وفقد، تنبه لذلك واحفظه؛ فإنه جيد.\n\n<span id=\"aya-1633\"></span>﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ أي: لا يأتيكما طعام من منازلكما تأكلانه في ليل أو في نهار إلا أخبرتكما بقدره، ولونه، والوقت الذي يصل إليكما فيه، وهذا مثل معجزة عيسى ﵇ حيث قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (آل عمران). ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما﴾: قبل أن يصل إليكما ذلك الطعام. ﴿ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي:\nإن ما أخبركما به إنما هو من تعليم الله إلي، وفضله عليّ بالإلهام والوحي، وليس من قبيل السحر، والكهانة، والتنجيم. ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾: المراد ب ﴿قَوْمٍ﴾ العزيز وأهل بيته الذين عاشرهم وعاش معهم هذه المدة الطويلة، وقد كانوا على الكفر، وكان يوسف بينهم مقيما على التوحيد، والإيمان الصحيح. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي: وهم لا يعتقدون بالآخرة، وما فيها من الحساب، والجزاء، والجنة، والنار.\n (أتى): وهو يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني الآية الكريمة، ومثلها كثير، والمراد بالآخرة: الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد البعث، والحساب، ودخول الجنة، والخلود فيها، ودخول النار، والخلود فيها، انظر ﴿كَفُورٌ﴾ في الآية [٩] من سورة (هود)، هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا وكفورا، وكفرانا، إذا جحدها وسترها وأخفاها، وكفر الشيء: غطاه وستره، وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في معلقته: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\n ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ﴾: طريقتهم، وديانتهم، وهي بكسر الميم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف تقديره: «هو». ﴿لا﴾: نافية.\n ﴿يَأْتِيكُما﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به،","vol":"4","page":586},{"text":"والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿طَعامٌ﴾: فاعل. ﴿تُرْزَقانِهِ﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، وألف الاثنين نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿طَعامٌ،﴾ وجملة: ﴿لا يَأْتِيكُما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.\n ﴿نَبَّأْتُكُما﴾: فعل وفاعل ومفعوله الأول، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿قَبْلَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل (نبأ)، و﴿قَبْلَ﴾: مضاف، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَأْتِيَكُما﴾ في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَبَّأْتُكُما..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿ذلِكُما﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم والألف... إلخ. ﴿مِمّا﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿عَلَّمَنِي﴾:\nماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿رَبِّي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: من الذي، أو من شيء علمني إياه ربي، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: ذلكما من تعليم ربي إياي، والجملة الاسمية مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿تَرَكْتُ﴾:\nفعل وفاعل. ﴿مِلَّةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿قَوْمٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ في محل جر صفة: ﴿قَوْمٍ،﴾ وجملة: ﴿تَرَكْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلقان ب ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما. ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل مؤكد لسابقه. ﴿كافِرُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم.. إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾.\nإلخ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، ومؤكدة لها، فهي في محل جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-1634\"></span>﴿وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي..﴾. إلخ: واتبعت طريقة آبائي الأنبياء الأصفياء، وانظر أعمارهم في الآية رقم [٧١] من سورة (هود). وانظر الحديث الشريف في الآية رقم [٤]. ﴿ما﴾","vol":"4","page":587},{"text":"﴿كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: ما صح وما جاز لنا معاشر الأنبياء أن نتخذ مع الله إلها، أو نجعل له ندّا في العبادة، بعد أن اختارنا لنبوته، واصطفانا لرسالته، وإنما ذكر ذلك لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه، والوثوق به، فأظهر أنه من أهل بيت النبوة، وأن آباءه كلهم أنبياء، لهم الدرجة العليا في الدنيا عند الخلق، والمنزلة الرفيعة في السماء في الآخرة، ولذلك جوز للخامل المغمور أن يصف نفسه حتى يعرف، فيقتبس منه، وينتفع الناس به.\n ﴿ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ﴾ أي: ذلك التوحيد وعدم الإشراك، والنبوة، والعلم الذي رزقنا من فضل الله، وكرمه علينا، وعلى الناس؛ حيث اختارنا لإرشادهم، وتبيين طرق الخير والهداية لهم. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾: المبعوث إليهم الرسل. ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾: هذا الفضل، فيعرضون عنه، ولا ينتبهون له، هذا؛ وانظر شرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (هود). هذا؛ والفعل: (شكر) يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته وشكرت له، كما تقول: نصحته ونصحت له، والشكر: صرف العبد جميع ما أنعم الله فيما خلق لأجله، هذا؛ ومن أسماء الله «الشكور»، ومعناه هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة.\n ﴿النّاسِ﴾: اسم جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط إلخ، واحده: إنسان من غير لفظه، انظر الآية [١٢] من سورة (يونس) ﵇، وهو يطلق على الإنس والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.\nالإعراب: ﴿وَاتَّبَعْتُ﴾: الواو: حرف عطف. (اتبعت): فعل وفاعل. ﴿مِلَّةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿آبائِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ﴾: بدل مما قبله، بدل بعض من كل مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.\n ﴿وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: معطوفان على ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ وعلامة الجر فيهما مثله، وجملة: (اتبعت...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿تَرَكْتُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾:\nماض ناقص. ﴿لَنا﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ﴾ في محل رفع خبر ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف","vol":"4","page":588},{"text":"الجر الزائد، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿مِنْ فَضْلِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿فَضْلِ﴾: مضاف، و﴿بِاللهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿عَلَيْنا﴾: متعلقان ب ﴿فَضْلِ،﴾ وهما مفعوله في المعنى. ﴿وَعَلَى النّاسِ﴾: معطوفان على ما قبلهما، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وهي مع ما قبلها من مقول يوسف ﵇ ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢١] وهي معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-1635\"></span>﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي: يا ساكني السجن، وذكر الصحبة لطول مقامهما فيه، كقوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. أو أضافهما إلى السجن على الاتساع في الظرف، كقوله: (يا سارق الليلة أهل الدار). ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ أي: آلهة شتى من ذهب، وفضة، وخشب، وحديد إلخ، وصغير، وكبير، ومتوسط، وهي مع ذلك لا تضر، ولا تنفع، وإنما جمعت الأرباب جمع مذكر سالما مع أنها من الجمادات؛ لأنهم يعاملونها معاملة من يعقل من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير في القرآن الكريم، وانظر الآية رقم [٤]. ﴿خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي: أهذه الأصنام التي تعبدونها أحق في العبادة، والتقديس والتعظيم، أم الله المتصف بصفات الكمال والقهر والغلبة لكل موجود في الدنيا، هذا؛ والأصنام المعبودة في الباطل لا خيرية فيها، وإنما خاطبهم بذلك مجاراة لهم على زعمهم: أن فيها خيرا، وأن عبادتها تنفعهم، وتدفع السوء عنهم، وإن كانت في الحقيقة لا خير فيها قطعا.\nبعد هذا (صاحبي): تثنية صاحب، وهو هنا بمعنى: الساكن كما رأيت، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار، أي: مالكها، ويكون بمعنى الصديق، ويجمع على: أصحاب وصحب وصحابة، وصحاب وصحبة وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب. ﴿خَيْرٌ﴾: أفعل تفضيل، أصله أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في: حبّ، وشرّ، اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء والشين، وقد يستعمل خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]","vol":"4","page":589},{"text":"يا قاسم الخيرات، وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\n ﴿الْواحِدُ﴾: قال الخطابي: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل: هو المنقطع عن القرين والشريك، والنظير، وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة؛ لأن ذلك يكثر بانضمام بعضها إلى بعض، والواحد ليس كذلك، فهو الله الواحد الذي لا مثل له، ولا يشبهه شيء من خلقه. ﴿الْقَهّارُ﴾: قال الخطابي: هو الذي قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة، وقهر العباد كلهم بالموت، وقال غيره: هو الذي قهر كل شيء، وذلله، فاستسلم، وانقاد له، ولا تنس: أن القهار صيغة مبالغة، وانظر شرح: ﴿الْقاهِرُ﴾ في الآية رقم [١٨] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿يا صاحِبَيِ﴾: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (صاحبي): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و(صاحبي): مضاف، و﴿السِّجْنِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَأَرْبابٌ﴾:\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أرباب): مبتدأ. ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾: صفته مرفوع... إلخ.\n ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿أَمِ﴾: حرف عطف، وهي معادلة هنا لهمزة الاستفهام. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾: صفتان للفظ الجلالة، أو هما بدلان منه، والآية الكريمة بكاملها من مقول يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-1636\"></span>﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: من دون الله، وقد خاطبهم بلفظ الجمع، وابتدأ الخطاب بالتثنية؛ لأنه أراد جميع من في السجن، من المشركين، أو أراد أهل مصر كلهم، وانظر العبادة في الآية رقم [٦٢] من سورة (هود). ﴿أَسْماءً﴾: جمع اسم، انظر إعلاله في بسملة هذه السورة.\n ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أي: آلهة وأربابا، وهي لا تستحق أن تسمى بذلك؛ لأنها جمادات لا تضر، ولا تنفع، وانظر الآية السابقة. ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ أي: إن آباءكم سبقوكم إلى تسميتها آلهة فتبعتموهم في ذلك. ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: ما أنزل الله بهذه التسمية حجة، ولا برهانا، وانظر الآية رقم [٩٦] من سورة (هود) لشرح ﴿سُلْطانٍ﴾. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ أي:\nالحكم، والقضاء، والأمر، والنهي، كل ذلك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد وانظر الآية رقم [٦٧] الآتية. ﴿أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾: لأنه هو المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام التي سميتموها آلهة. ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الحق، وأنتم لا تميزون المعوج من القويم.","vol":"4","page":590},{"text":"قال البيضاوي: وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة، بين لهم أولا رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة، ثم برهن على أن ما يسمّونها آلهة ويعبدونها، لا تستحق الإلهية، فإن استحقاق العبادة، إما بالذات، وإما بالغير، وكلا القسمين منتف عنها، ثم نص على ما هو الحق القويم، والدين المستقيم، الذي لا يقتضي العقل غيره، ولا يرتضي العلم دونه. انتهى. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: ذلك فيخبطون في جهالتهم. هذا؛ و﴿الْقَيِّمُ﴾ أصل (القيوم) فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. و﴿الدِّينُ﴾ اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، و﴿الدِّينُ﴾ أيضا الملة والشريعة، ومنه قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. و﴿الدِّينُ﴾ الحساب والجزاء ومنه يوم الدين، أي: يوم الحساب والجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى، وعن ابن عباس﵄قال: يوم الدّين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ،﴾ هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين، هذا؛ والدينونة: القضاء والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.\n ﴿دُونِهِ﴾: من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف والسيادة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، هذا؛ ويأتي (دون) بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل]\nتريك القذى من دونها، وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق\nهذا؛ ومثله: (أدنى) وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا، يدنو، إذا قرب، وله معنيان:\nأحدهما أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله، والثاني أن يكون بمعنى القريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ،﴾ وقيل:\nالألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا، وقيل: أصله: أدون، من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري.\nالإعراب: ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾:\nمتعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿أَسْماءً﴾: مفعول به. ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، فتحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و(ها): مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: آلهة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَسْماءً﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل مؤكد","vol":"4","page":591},{"text":"لتاء الفاعل. (آباؤكم): معطوف على تاء الفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ما﴾:\nنافية. ﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾: ماض وفاعله. ﴿بِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سُلْطانٍ﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ثانية ل ﴿أَسْماءً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿سُلْطانٍ﴾: حرف نفي. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾:\nحرف حصر. ﴿اللهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿أَمَرَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى الله.\n ﴿إِلاّ﴾: (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تَعْبُدُوا﴾: مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿إِيّاهُ﴾:\nضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به، و(أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَمَرَ...،﴾ وتقدير الكلام: أمر بعدم عبادة معبود غير الله، والجملة الفعلية: ﴿أَمَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿ذلِكَ الدِّينُ﴾: مبتدأ وخبر.\n ﴿الْقَيِّمُ﴾: صفة: ﴿الدِّينُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢١] ولعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها من مقول يوسف ﵇. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1637\"></span>﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: لما فرغ يوسف ﵊ من الدعاء إلى الله وعبادته رجع إلى تعبير رؤيا الغلامين، فناداهما هذا النداء؛ لينتبها لما يقول. ﴿أَمّا أَحَدُكُما﴾:\nوهو الساقي؛ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: فإنه يرجع إلى عمله عند الملك، وهو القيام بصنع شرابه، وتقديمه له. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾: وهو الخباز، وصاحب طعام الملك؛ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾: قال ابن مسعود ﵁: فلما سمعا قول يوسف ﵇، قالا: ما رأينا شيئا، إنما كنا نلعب، فقال يوسف: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أي: وجب حكم الله عليكما بالذي سألتما عنه؛ رأيتما شيئا، أم لم تريا.\nتنبيه: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه، ففسرها العابر له، أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف؛ لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا، فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقا لنبوته، فإن","vol":"4","page":592},{"text":"قيل: فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إني رأيت كأني أعشبت، ثم أجدبت، ثم أعشبت، ثم أجدبت، فقال له عمر ﵁-: أنت رجل تؤمن، ثم تكفر، ثم تؤمن، ثم تكفر، ثم تموت كافرا، فقال الرجل:\nما رأيت شيئا، فقال له: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف؛ قلنا: ليست لأحد بعد عمر؛ لأن عمر كان محدّثا، وإذا تكلم به؛ وقع على ما ورد في أخباره، وهي كثيرة. انتهى.\nهذا؛ والتحلم حرام قطعا، وهو يستوجب غضب الله تعالى؛ لأنه كذب على الله، فقد روى الترمذي عن ابن عباس﵄-، عن النبي ﷺ قال: «من تحلّم كاذبا كلّف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، ولن يعقد بينهما». ورواه البخاري كما يلي: «من تحلّم بحلم لم يره كلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل». هذا؛ وانظر شرح ﴿قُضِيَ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك. هذا؛ و(يسقي) ماضيه: سقى، تقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمز تارة، وبدونها أخرى، وشاهد المهموز: قوله تعالى:\n ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا﴾ وشاهد غير المهموز قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا،﴾ يحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا،﴾ وقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد في قول لبيد ﵁ اللغتان جميعا: [الوافر]\nسقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال\nولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، وفرق الأعلم بينهما، فقال: تقول: سقيته ماء إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيته إذا حصلت له سقيا.\nالإعراب: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿أَمّا﴾: أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يكن من شيء فإن أحدكما فيسقي... إلخ، فأنيبت ﴿أَمّا﴾ مناب (مهما) و(يكن من شيء)، فصار: ﴿أَمّا أَحَدُكُما،﴾ وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد أنه واقع لا محالة، لكونها علقته على أمر متيقن، وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. ﴿أَحَدُكُما﴾: مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فَيَسْقِي﴾: الفاء: واقعة في جواب ﴿أَمّا﴾. (يسقي): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿أَحَدُكُما﴾. ﴿رَبَّهُ﴾: مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خَمْرًا﴾: مفعول به ثان، والجملة الفعلية (يسقي...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾: مبتدأ. ﴿فَيُصْلَبُ﴾: الفاء: واقعة في جواب (أما).\n (يصلب): مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الْآخَرُ،﴾ والجملة الفعلية في محل","vol":"4","page":593},{"text":"رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿قُضِيَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿الْأَمْرُ﴾:\nنائب فاعل. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿الْأَمْرُ﴾. ﴿فِيهِ﴾:\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿تَسْتَفْتِيانِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والألف فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: تستفتيانني فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿قُضِيَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والآية بكاملها من مقول يوسف على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف تسليم.\n\n<span id=\"aya-1638\"></span>﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ﴾ أي: يوسف. ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ أي: علم وتيقن، فالظن هنا بمعنى اليقين، ﴿أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا﴾ أي: ناج من القتل، وهو الساقي. ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: عند سيدك، وهو الملك الأكبر، والرب بمعنى السيد معروف في اللغة، قال الأعشى: [الكامل]\nربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا\nومعنى ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: قل له: إن في السجن غلاما محبوسا مظلوما طال حبسه. ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: في الضمير قولان: أحدهما أن يعود إلى الساقي، والمعنى أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك، والقول الثاني أن الضمير يعود إلى يوسف ﵇، والمعنى: إن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه حتى طلب الإعانة من مخلوق مثله على دفع الضرر، وتلك غفلة عرضت له، فإن الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة، لكن لما كان مقام يوسف أعلى المقامات، ورتبته أشرف المراتب، وهي منصب النبوة والرسالة، صار مؤاخذا بذلك؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وانظر شرح ﴿رَبَّكُمْ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (هود)، وشرح ﴿الشَّيْطانُ﴾ في الاستعاذة أول هذه السورة.\n ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾: لقد اختلفوا في البضع، والأصح أنه ما بين الثلاث إلى التسع، والمراد فيه في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبلها في السجن خمس سنين، فجملة ذلك اثنتا عشرة سنة، قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: لما قال يوسف للساقي: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ،﴾ قال الله له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا، لأطيلن حبسك! فبكى، وقال:\nيا رب أنسى قلبي ذكرك كثرة البلوى، فقلت: كلمة. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة﵁ -، قال: قال رسول الله ﷺ: «رحم الله يوسف لولا الكلمة الّتي قالها ما لبث في السّجن ما لبث».\nوقيل: إن جبريل ﵇ دخل السجن، فلما رآه يوسف عرفه، فقال له: يا أخا المنذرين، ما","vol":"4","page":594},{"text":"لي أراك بين الخاطئين، فقال له جبريل: يا طاهر! يا بن الطاهرين، يقرأ عليك السّلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحييت مني أن استغثت بالآدميين، فوعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضع سنين! قال يوسف: وهو في ذلك عني راض، قال: نعم، قال: إذن لا أبالي.\nهذا؛ و(أنساه) من النسيان، وهو مصدر نسيت الشيء، أنساه، وهو مشترك بين معنيين:\nأحدهما: ترك الشيء عن ذهول وغفلة، والثاني عن تعمد وقصد، وما هنا من الأول. وأصل ﴿ناجٍ﴾: ناجي بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الجيم مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: ناج بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للجيم، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من ال، والإضافة، سواء كان ثلاثيا أم رباعيا.\nالإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف استئناف. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى يوسف.\n ﴿لِلَّذِي﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿ظَنَّ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف أيضا. ﴿أَنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿ناجٍ﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْهُمَا﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ناجٍ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (الذي)، ولا يكونان متعلقين ب ﴿ناجٍ؛﴾ لأن المعنى ليس عليه، بل يختل المعنى، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ظن، وجملة: ﴿ظَنَّ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿اُذْكُرْنِي﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ﴾: مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَنْساهُ﴾:\nالفاء: حرف عطف. (أنساه): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به.\n ﴿الشَّيْطانُ﴾: فاعل. ﴿ذِكْرَ﴾: مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: (أنساه...) إلخ معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. (لبث): ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿فِي السِّجْنِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿بِضْعَ﴾: ظرف زمان متعلق بما قبله، و﴿بِضْعَ﴾:\nمضاف، و﴿سِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (لبث...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.","vol":"4","page":595},{"text":"<span id=\"aya-1639\"></span>﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-قالوا: فلما انقضت سبع سنين، وهذه السبع سوى الخمس سنين التي كانت قبل ذلك، ودنا فرج يوسف ﵇، وأراد الله ﷿ إخراجه من السجن رأى ملك مصر الأكبر، رؤيا عجيبة هالته، وذلك أن رأى في منامه سبع بقرات سمان قد خرجن من البحر، ثم خرج عقيبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال، فابتلع العجاف السمان، ودخلن في بطونهن، ولم ير منهن شيء، ولم يتبين على العجاف منها شيء، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبع سنبلات أخر يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى علون عليهن، ولم يبق من خضرتها شيء، فجمع السحرة والكهنة والمعبرين، وقص عليهم رؤياه التي رآها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى..﴾. إلخ. ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ﴾ أي: يا أيها الأشراف والكبراء والعظماء فسروا لي رؤياي واشرحوها لي. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ أي: إن كنتم تحسنون علم تعبير الرؤيا وتأويلها.\nهذا؛ وجمع (الرؤيا) رؤى، وسمي هذا العلم تعبيرا؛ لأن المفسر للرؤيا عابر من ظاهرها إلى باطنها ليستخرج معناها، وفي القرطبي: العبارة: مشتقة من عبور النهر، بمعنى عبرت النهر، وبلغت شاطئه، فعابر الرؤيا يعبر بما يؤول إليه أمرها، هذا؛ وانظر شرح ﴿الْمَلَأُ﴾ في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود)، وشرح ﴿أَرى﴾ في الآية نفسها، وإعلال (كنت) في الآية رقم [٢٨] منها. ﴿وَأُخَرَ﴾: جمع: أخرى التي هي تأنيث آخر. ﴿بَقَراتٍ﴾: جمع بقرة، وهي تقع على الذكر والأنثى نحو حمامة، ولا صفة تميز الذكر من الأنثى، تقول: بقرة ذكر وبقرة أنثى، وقيل:\nبقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس، والذكر الثور، نحو: ناقة وجمل، وأتان وحمار، وسمي هذا الجنس بذلك؛ لأنه يبقر الأرض، أي: يشقها بالحرث، ومنه بقر بطنه، هذا؛ وأهل اليمن يسمون البقرة: باقورة، وكتب النبي ﷺ في كتاب الصدقة لأهل اليمن: «في ثلاثين باقورة بقرة». انتهى. مختار الصحاح. والباقر: جماعة البقر مع رعاتها، والتبقر: التوسع في العلم، ومنه محمد الباقر لتبقره في العلم، أي: لتبحره وتعمقه فيه.\nتنبيه: لقد ذكرت لك في الآية رقم [٦٤] من سورة (يونس): أن البشرى في الحياة الدنيا فسرت بالرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو ترى له، وذكرت هناك حديثين عن النبي ﷺ انظرهما، وأضيف هنا ما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءا من النبوة؛ فكيف يكون الكافر والكاذب، والمخلط أهلا لها، وقد وقعت من بعض الكفار، وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحة صادقة، كمنام رؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن،","vol":"4","page":596},{"text":"ورؤيا بختنصر التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبي ﷺ ومنام عاتكة عمة النبي ﷺ في أمره، وهي كافرة؟! والجواب: أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأحيان، لا تكون من الوحي، ولا من النبوة؛ إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، ومن المعلوم: أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق، فيصدق، لكن ذلك على الندور، والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء، قال المهلب: وإنما ترجم البخاري:\n (باب رؤيا أهل السجن) لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها؛ إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءا من النبوة. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ﴾: ماض وفاعله. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿أَرى﴾: مضارع مرفوع إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿سَبْعَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿بَقَراتٍ﴾: مضاف إليه، ﴿سِمانٍ﴾: صفة: ﴿بَقَراتٍ،﴾ ويجوز في غير القرآن نصبه على اعتباره نعتا ل ﴿سَبْعَ،﴾ وكذا ﴿خُضْرٍ،﴾ على حد قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ولكنه لم يقرأ به. ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾: مضارع، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿سَبْعَ﴾:\nفاعل. ﴿عِجافٌ﴾: صفة: ﴿سَبْعَ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل ﴿بَقَراتٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، وإن اعتبرت الجملة في محل نصب مفعول به ثان ل ﴿أَرى،﴾ فلست مفندا؛ لأنها حلمية، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٦]. وجملة: ﴿أَرى..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. (سبع):\nمعطوف على مثله، وهو مضاف، و﴿سُنْبُلاتٍ﴾: مضاف إليه. ﴿خُضْرٍ﴾: صفة: ﴿سُنْبُلاتٍ﴾.\n ﴿وَأُخَرَ﴾: معطوف على (سبع). ﴿يابِساتٍ﴾: صفة (أخر) منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أيها):\n (أي): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿الْمَلَأُ﴾: بدل من (أي)، أو عطف بيان عليه، وانظر الآية رقم [٨٨] الآتية. ﴿أَفْتُونِي﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿فِي رُءْيايَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿سِمانٍ﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿لِلرُّءْيا﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، واللام هي لام التقوية، أي: زائدة، وعليه ف (الرؤيا): مفعول به مقدم، فهو مجرور لفظا منصوب محلاّ،","vol":"4","page":597},{"text":"انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٧] من سورة (هود) ﵇. ﴿تَعْبُرُونَ﴾: مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿لِلرُّءْيا﴾ متعلقين بمحذوف خبر (كان)، وعليه فجملة: ﴿تَعْبُرُونَ﴾ في محل نصب خبر ثان ل (كان) أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف؛ إذ التقدير:\n «إن كنتم... فأفتوني» والشرط ومدخوله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1640\"></span>﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي: تخاليط أحلام، جمع ضغث، وهو في الأصل ما جمع من أخلاط النبات، وحزم ثم استعير لما تجمعه القوة المتخيلة من أحاديث النفس، ووساوس الشيطان، وتراها في المنام، هذا؛ و(الضغث) يكون جنسا واحدا من النبات، أو أجناسا مختلطة، وهو أصغر من الحزمة، وأكبر من القبضة، فمن مجيئه من جنس واحد قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾: هذا اعتراف من السحرة والكهنة بعجزهم عن تعبير رؤيا الملك؛ التي رآها في منامه، وقد جعل الله تعبير هذه الرؤيا سببا لخلاص يوسف ﵇ من السجن، وهو ما تراه فيما يأتي، هذا؛ و﴿الْأَحْلامِ﴾ جمع حلم، بضم الحاء مع ضم اللام وسكونها: ما يراه النائم في منامه، وهو بكسر الحاء وسكون اللام: الأناة والروية في الأمور، والتؤدة، والعقل، ومقابله السفه، والطيش الذي حدثتك عنه كثيرا، و(الحليم) من أسماء الله الحسنى، ومعناه في حقه تعالى: الذي لا يستفزه عصيان العاصي، ولا يستثيره جحود الجاحدين.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَضْغاثُ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي أضغاث، وهو مضاف، و﴿أَحْلامٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسمها. ﴿بِتَأْوِيلِ﴾: متعلقان ب (عالمين) بعدهما، و(تأويل) مضاف، و﴿الْأَحْلامِ﴾:\nمضاف إليه. ﴿بِعالِمِينَ﴾: الباء: حرف جر زائد. (عالمين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، وإن كانت (ما) تميمية، ف ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ والباء زائدة في الخبر، وعلى الوجهين فالجملة:\n ﴿وَما نَحْنُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وهو أقوى.","vol":"4","page":598},{"text":"<span id=\"aya-1641\"></span>﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما﴾ أي: من القتل والسجن، وهو ساقي الملك. ﴿وَادَّكَرَ﴾ أي:\nتذكر يوسف، وقوله: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وأصل الفعل: اذتكر، فوقعت تاء الافتعال بعد الذال، فأبدلت ذالا، فاجتمع متقاربان في المخرج، فأبدل الأول من جنس الثاني وأدغم، وقرأ الحسن «(واذكر)» بالذال، ووجودها بأنه إبدال للتاء من جنس الأولى وأدغم. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعد مدة من الزمن، وهي سبع سنين كما رأيت، وانظر الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﵇.\n ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ﴾: أنا أخبركم. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتعبير هذه الرؤيا. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: إلى من عنده علم بتأويله، أو إلى السجن، خاطب الملك بلفظ الجمع على سبيل التعظيم، أو خاطبه وأهل مجلسه من السحرة والكهان.. إلخ، هذا؛ وقرئ: «(بعد إمة)» بكسر الهمزة، أي: بعد نعمة، أي: بعد أن أنعم الله عليه بالنجاة، وقرئ «(بعد أمه)» بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وكسر الهاء، أي: بعد نسيان، يقال: أمه، يأمه أمها: إذا نسي، قال الشاعر: [الوافر]\nأمهت، وكنت لا أنسى حديثا... كذاك الدّهر يؤدي بالعقول\nالإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿نَجا﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه.\n ﴿مِنْهُما﴾: متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿نَجا﴾ المستتر، ولا يصح تعليقهما بالفعل؛ لأن المعنى يختل بذلك. (ادكر): ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان متعلق بما قبله، و﴿بَعْدَ﴾: مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾: مضاف إليه، وجملة: (ادكر...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿نَجا﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وتكون (قد) قبلها مقدرة. ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَنَا..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأرى جواز اعتبارها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (أرسلون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان الأمر كما أقول ﴿فَأَرْسِلُونِ،﴾ وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"4","page":599},{"text":"<span id=\"aya-1642\"></span>﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: فهنا كلام محذوف؛ إذ التقدير: فأرسلوه، فأتى يوسف في السجن، وقال: يا يوسف! وإنما وصفه بالصدق وبصيغة المبالغة؛ لأنه لم يجرب عليه كذبا قط، ولأنه صدق في تعبير رؤياه التي رآها في السجن. ﴿أَفْتِنا فِي سَبْعِ..﴾. إلخ، وهي رؤيا رآها الملك. ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ﴾ أي: أرجع بتأويل هذه الرؤيا إلى الملك، ومن معه، فهم ينتظرون الجواب مني. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: تأويل هذه الرؤيا منك، فترتفع منزلتك، ويعلو شأنك، وإنما لم يبث الكلام فيهما؛ لأنه لم يكن جازما بالرجوع فيما ذهب إليه.\nالإعراب: ﴿يُوسُفُ﴾: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا) المحذوفة النائبة مناب أدعو. ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: انظر إعراب: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ في الآية [٤٣]. ﴿أَفْتِنا﴾: أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، و(نا): مفعول به. ﴿فِي سَبْعِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبْعِ﴾: مضاف، و﴿بَقَراتٍ﴾:\nمضاف إليه. ﴿سِمانٍ﴾: صفة: ﴿بَقَراتٍ،﴾ وجملة: ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ في محل جر صفة ثانية ل ﴿بَقَراتٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، و﴿وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾:\nمعطوف على ما قبله. (أخر): معطوف على (سبع) مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة والعدل. ﴿يابِساتٍ﴾: صفة: (أخر). ﴿لَعَلِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَرْجِعُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلَى النّاسِ﴾:\nمتعلقان بالفعل ﴿أَرْجِعُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلِّي..﴾.\nإلخ تعليل للأمر لا محل لها، وجملة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تعليل آخر، وفيها معنى التأكيد لما قبلها، هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول للقول المقدر، انظر الشرح والتفسير.\n<span id=\"aya-1643\"></span>﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ..﴾. إلخ: لما قصّ الساقي على يوسف ﵇ رؤيا الملك المتقدم ذكرها، قال له: السبع من البقرات السمان والسنبلات الخضر، إنما هي سبع سنين مخصبات، وأما البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع سنين مجدبات، وكأن الساقي سأل يوسف ﵇ عن كيفية تدبير الأمور حين تبدأ السنوات الخصبة، فقال: ﴿تَزْرَعُونَ،﴾ أي:\nازرعوا، فالمضارع خبر بمعنى الأمر، هذا إن لم نقل: إن الآيات الثلاث متضمنة لتعبير الرؤيا،","vol":"4","page":600},{"text":"وبيان كيفية تدبير الأمور، فيكون الكلام خبرا على ظاهره. ﴿دَأَبًا﴾: يقرأ بفتح الهمزة وسكونها، وفسر بمتوالية متتابعة، وفسر بعادتكم في الزراعة، وفسر بازرعوا بجهد واجتهاد، هذا؛ والدأب:\nالعادة والشأن، والحال، وهو أيضا مصدر: دأب في العمل من باب قطع: إذا جد، واستمر فيه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ أي: مستمرين في سيرهما. ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾: إنما أمرهم بترك ما حصدوه من الحنطة في سنبله لئلا يفسد، ويقع فيه السوس، وذلك أبقى له على طول الزمان؛ وليكون القصب علفا للدواب. ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: ادرسوا قليلا من الحنطة للأكل بقدر الحاجة، واتركوا الأكثر في سنبله لوقت الحاجة أيضا، وهو وقت السنين المجدبة.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف ﵇. ﴿تَزْرَعُونَ﴾: مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف يدل عليه المقام. ﴿سَبْعَ﴾: ظرف زمان، متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿سِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. ﴿دَأَبًا﴾:\nمفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: تدأبون دأبا، وهذه الجملة في محل نصب حال، وقيل:\nعامله دل عليه ﴿تَزْرَعُونَ،﴾ أي: فيكون عامله من غير لفظه، مثل (قعد القرفصاء) والأول أقوى، هذا؛ وجوز اعتبار ﴿دَأَبًا﴾ حالا، أي: فهو مصدر في موضع الحال، وجملة: ﴿تَزْرَعُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَما﴾: الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم.\n ﴿حَصَدْتُمْ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿فَذَرُوهُ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ذروه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا﴾: مستثنى ب ﴿إِلاّ﴾. ﴿مِمّا﴾: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿قَلِيلًا،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء تأكلونه، وجملة: ﴿فَذَرُوهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، هذا؛ ويجوز اعتبار: (ما) الأولى موصولة وتكون الجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: فالذي حصدتموه، وتكون جملة: (ذروه... إلخ) في محل رفع خبره؛ وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ويحصل إشكال بوقوع الجملة الطلبية خبرا، انظر الآية رقم [١٥] من سورة (النساء) ففيها بحث كاف شاف، والكلام مستأنف، وهو بدوره في محل نصب مقول القول.","vol":"4","page":601},{"text":"<span id=\"aya-1644\"></span>﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: بعد السنين المخصبة. ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾: سبع سنوات مجدبة ممحلة شديدة على الناس. ﴿يَأْكُلْنَ﴾: يأكل أهلهن. ﴿ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: ما ادخرتم لأجلهن، فأسند الفعل للسنوات على سبيل المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به، ونحوه قول القائل: [الطويل]\nنهارك يا مغرور سهو وغفلة... وليلك نوم، والرّدى لك لازم\nوالنهار لا يسهو، والليل لا ينام، وإنما يسهى في النهار وينام في الليل. ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾: تحرزون لبذور الزراعة، والإحصان: الإحراز، وهو إبقاء الشيء في الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع، وانظر شرح (ثم) في الآية رقم [١] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يَأْتِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿سَبْعٌ﴾:\nفاعل: ﴿يَأْتِي﴾. ﴿شِدادٌ﴾: صفة، وقد ذكّر لفظ: ﴿سَبْعٌ؛﴾ لأن المعدود مؤنث، والعدد المحصور بين ثلاثة وتسعة يكون بعكس معدودة في التذكير والتأنيث. ﴿يَأْكُلْنَ﴾: مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يأكلن الذي، أو شيئا قدمتموه. ﴿لَهُنَّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة:\n ﴿يَأْكُلْنَ..﴾. إلخ صفة ثانية ل ﴿سَبْعٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾: إعراب هذه الكلمات مثل إعراب: ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في الآية السابقة، والآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول يوسف ﵇.\n<span id=\"aya-1645\"></span>﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد السنوات المجدبة. ﴿عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ أي:\nيمطرون من (الغيث) الذي هو المطر، وقيل: هو من الغوث، من قولهم: استغثت بفلان، فأغاثني.\n ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي: يعصرون العنب خمرا، والزيتون زيتا، والسمسم دهنا، المراد به كثرة الخير والنعم على الناس، وكثرة الخصب في الزروع والثمار، هذا؛ وما في هذه الآية خبر من يوسف-على نبينا، وعليه أزكى صلاة وأتم تسليم-عن شيء لم يكن في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله. قال قتادة: زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها، إظهارا لفضله، وإعلاء لشأنه، ولعله اقتبسه من سنة الله في خلقه على أنه يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"4","page":602},{"text":"الإعراب: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ﴾: هو مثل الآية السابقة في إعرابها. ﴿فِيهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿يُغاثُ﴾: مضارع مبني للمجهول. ﴿النّاسُ﴾: نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿عامٌ﴾. (فيه): متعلقان بما بعدهما. ﴿يَعْصِرُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون.. إلخ، والواو فاعله، والفعل يقرأ بتاء المضارعة أيضا، كما يقرأ بالبناء للمجهول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والآية الكريمة بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول يوسف ﵇.\n\n<span id=\"aya-1646\"></span>﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾: وذلك أن الساقي رجع إلى الملك، وأخبره بما عبر به يوسف رؤياه، فعرف: أن الذي قاله كائن لا محالة، فأراد أن يراه، فطلب حضوره إليه، فرجع الساقي إلى يوسف، وقال له: أجب الملك، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ ولكنه أبى أن يخرج معه حتى تظهر براءته للملك ولأعوانه مما رمي به، ولا يراه بعين النقص، وليعلم الملك: أنه سجن ظلما. ﴿قالَ﴾ أي: يوسف. ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى سيدك، وهو الملك. ﴿فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ اذكر النساء جملة ليدخل امرأة العزيز فيهن مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح، وذلك حسن عشرة وأدب، وفي الكلام محذوف، أي: فاسأله أن يتعرف حال النسوة، قال ابن عباس﵄-: فأرسل الملك إلى النسوة، وإلى امرأة العزيز، وكان العزيز قد مات. ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أي:\nإن الله تعالى عالم بصنيعهن، وما احتلن في هذه الواقعة من الحيل العظيمة حين قلن لي: أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهن، والاستشهاد بعلم الله عليه، وعلى أنه بريء مما قذف به، والوعيد لهن على كيدهن.\nوفي النسفي-: وقال نبينا ﷺ: «لقد عجبت من يوسف، وكرمه، وصبره، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف، والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول، فقال: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ،﴾ ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة، وبادرت الباب، ولما ابتغيت العذر، إن كان لحليما ذا أناة، ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به، وتسببت فيه من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن». انتهى.\nهذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق ويراد بها: القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على: النعمة، والمعروف، ويقال: لفلان يد عندي،","vol":"4","page":603},{"text":"أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه ولا تدبير، وانظر شرح ﴿اِئْتُونِي﴾ في الآية رقم [٥٤] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ﴾: ماض وفاعله. ﴿اِئْتُونِي﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلَمّا﴾: الفاء:\nحرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٤] الآية. ﴿جاءَهُ﴾: ماض ومفعوله. ﴿الرَّسُولُ﴾:\nفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿اِرْجِعْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلى رَبِّكَ﴾: متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَسْئَلْهُ﴾:\nالفاء: حرف عطف. (اسأله): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿فَلَمّا﴾:\nاسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بالُ﴾: خبره، وهو مضاف، و﴿النِّسْوَةِ﴾:\nمضاف إليه. ﴿اللاّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿النِّسْوَةِ﴾.\n ﴿قَطَّعْنَ﴾: ماض والنون فاعله. ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿قَطَّعْنَ..﴾. إلخ صلة الموصول، والجملة الاسمية: ﴿ما بالُ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان، واعتبرها القرطبي في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، وقدر: فاسأله أن يتعرف ما بال النسوة، وهو تكلف لا داعي له، وجملة: (اسأله...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل.\n ﴿رَبِّي﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِكَيْدِهِنَّ﴾: متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة لا محل لها على الوجهين، وهي في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1647\"></span>﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ..﴾. إلخ: هذا بعد أن عاد الرسول من عند يوسف بالكلام الذي بلغه إياه، فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، وخاطبهن بهذا الكلام، هذا؛ والخطب:","vol":"4","page":604},{"text":"الحال والشأن، وجمعه: خطوب، والمراودة: المحاولة وإرادة الشيء، والمراد بها ما عرفته في الآية رقم [٢٣]. ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾: انظر الآية رقم [٣١] ففيها الكفاية. ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾:\nمن ذنب، أو من خيانة في شيء من الأشياء. ﴿قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾: انظر شرح ذلك في الآية رقم [٣١] أيضا. ﴿آلْآنَ﴾: انظر الآية رقم [٥١] من سورة (يونس) ﵇. ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾:\nتبين وظهر، أو ثبت واستقر، وانظر شرح: ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [١٢٠] من سورة (هود). ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾: أنا طلبت منه ما طلبت من فعل السوء. ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي: في قوله:\n ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وهذا القول، وإن لم يكن سأل عنه؛ هو إظهار لتوبتها، وتحقيق لصدق يوسف ورفع مكانته؛ لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة عليه، فجمع الله ليوسف ﵇ لإظهار صدقه الشهادة والإقرار، حتى لا يخامر نفسا ظن، ولا يخالطها شك.\nهذا؛ وقد قيل: إن السبب في إقرارها أن النسوة أقبلهن عليها، فعزرنها، وقيل: خافت أن يشهدن عليها، فأقرت، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى الملك. ﴿ما﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَطْبُكُنَّ﴾: خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر خطب؛ لأنه في معنى الفعل؛ إذ المعنى ما فعلتن وما أردتن به في ذلك الوقت؟. ﴿راوَدْتُنَّ﴾: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعله، والنون علامة جمع الإناث، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿يُوسُفَ﴾: مفعول به. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣١]. ﴿ما﴾: نافية. ﴿عَلِمْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿سُوءٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، واكتفى (علم) بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: عرف، وجملة: ﴿ما عَلِمْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَتِ﴾: ماض والتاء للتأنيث. ﴿اِمْرَأَةُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و﴿الْعَزِيزِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْآنَ﴾: ظرف زمان مبني على الفتح في محل نصب متعلق بما بعده. ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾:\nفعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿راوَدْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿أَنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنَّهُ﴾: الواو: واو الحال.","vol":"4","page":605},{"text":"(إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾: اللام: هي المزحلقة. ﴿لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (إن)، والجملة الاسمية: (إنه...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1648\"></span>﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ..﴾. إلخ: لقد اختلف في بيان قائل هذا الكلام وما بعده على قولين:\nأحدهما: أنه من قول زليخا، ووجه هذا القول: أن هذا كلام متصل بما قبله، وهو إقرارها، واعترافها بما حصل منها، ويكون المعنى اعترافي بذلك ليعلم يوسف: أني لم أخنه في حال غيبته، وهو في السجن، وإن كنت قد قلت فيه ما قلت في حضرته، والقول الثاني: وعليه أكثر المفسرين: أنه من قول يوسف ﵇، ووجه هذا القول: أنه لا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر وإذا دلت قرينة عليه.\nفعلى هذا يكون معنى الآية: أنه لما بلغ يوسف اعتراف المرأة بمراودتها له، قال يوسف ذلك، أي: الذي فعلت من رد رسول الملك ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته في حال غيبته، فيكون كلام يوسف قد اتصل بكلام المرأة السابق من غير تمييز بين الكلامين لمعرفة السامعين لذلك مع غموض فيه، ونظير هذا قوله تعالى حكاية عن قول فرعون لملئه: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ،﴾ من قول الملأ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ من قول بلقيس، ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من قول الله ﷿ تصديقا لها.\nوعلى هذا فقد اختلف المفسرون أيضا: هل كان يوسف ﵇ في السجن، حين قال هذا الكلام، أو قاله حين حضر عند الملك؟ روايتان عن عبد الله بن عباس﵄-.\n ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾: لا يوفق، ولا يسدد خطا الخائنين، فإن كان من كلامها، فهي تعني فضيحتها، وإن كان من كلام يوسف فهو يعرض بزليخا في خيانتها زوجها، ويؤكد أمانته وعفته عما دعته إليه، ولعله أراد: لو كنت خائنا لما خلصني من هذه الورطة، وحيث أنقذني منها، ظهر أني بريء مما نسبوني إليه.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِيَعْلَمَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى العزيز، أو إلى يوسف حسب ما رأيت. ﴿أَنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لِيَعْلَمَ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿أَخُنْهُ﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لِيَعْلَمَ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به. ﴿بِالْغَيْبِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو من المفعول، وجملة: ﴿لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ في محل رفع","vol":"4","page":606},{"text":"خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي يعلم، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والتقدير: طلبت إظهار براءتي ليعلم... إلخ.\nوالجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَنَّ اللهَ﴾: (أن) واسمها. ﴿لا﴾:\nنافية. ﴿يَهْدِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن). ﴿كَيْدَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْخائِنِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على المصدر المؤول السابق. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1649\"></span>﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي..﴾. إلخ: إن كان هذا الكلام من قول المرأة، فيكون معناه: وما أبرئ نفسي من مراودتي يوسف وكذبي عليه، وإن كان من قول يوسف ﵇؛ فيكون هذا الكلام هضما لنفسه، وتواضعا لله ﷿، فإن رؤية النفس في مقام العصمة والتزكية ذنب عظيم، فأراد إزالة العجب عن نفسه، وإبعاد التزكية عن ذاته، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. ﴿إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾: إلا من عصم ربي وحفظه من فعل السوء والهم به، ف ﴿ما﴾ هنا بمعنى (من)، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ انظر شرحها في الآية رقم [٣] من سورة (النساء)، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ﴾: يغفر ذنوب المذنبين إذا استغفروا وتابوا وأنابوا، فهو صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ﴾: بعباده إذا استغفروا وانظر شرح البسملة، هذا؛ وتأكيد الجملة الاسمية ب ﴿إِنَّ﴾ لأن المقام يقتضي ذلك، فكأن سائلا سأل عن سبب النفي فجيء ب ﴿إِنَّ﴾ المؤكدة، وهذا من مباحث علم المعاني، كما لا يخفى.\nبعد هذا؛ والسوء لفظ جامع لكل ما يهم به الإنسان من الأمور القبيحة، الدنيوية والأخروية، والسيئة: الفعلة القبيحة، وجمع السوء: أسواء، وهو بضم السين من: ساءه، وهو بفتحها المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ هذا؛ وأما ﴿النَّفْسَ﴾ فإنها تجمع في القلة أنفس، وفي الكثرة نفوس، و﴿النَّفْسَ﴾ تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص، أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا أم أنثى؟ فعلى الأول، قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الرطب، فتكون سارية في جميع البدن.\nقال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ﴾","vol":"4","page":607},{"text":"﴿الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا،﴾ وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى:\nروحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار.\nهذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم أن النفس على خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة والمطمئنة، والراضية، والمرضية، ويزاد الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة ومحكومة للشهوات، وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق، لكن بقي فيها ميل للشهوات سميت: لوامة، وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات سميت: ملهمة، فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشهوانية حكم أصلا؛ سميت: مطمئنة، فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سميت: راضية، فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم وتكميلهم؛ سميت: كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات كما ذكرت، وقدمت، وأخيرا خذ ما ذكره القرطبي رحمه الله تعالى: وفي الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه، وكسوتموه، أفضى بكم إلى شرّ غاية؟ وإن أهنتموه وأعريتموه، وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية؟! قالوا: يا رسول الله، هذا شرّ صاحب، قال: فو الّذي نفسي بيده، إنها لنفوسكم الّتي بين جنوبكم».\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُبَرِّئُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿نَفْسِي﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿أَخُنْهُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ﴾:\nحرف مشبه بالفعل. ﴿النَّفْسَ﴾: اسمها. ﴿لَأَمّارَةٌ﴾: خبرها، واللام هي المزحلقة. ﴿بِالسُّوءِ﴾ متعلقان ب (أمارة). ﴿إِلاّ﴾ أداة استثناء. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿رَحِمَ رَبِّي﴾: ماض وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا الذي، أو شخصا رحمه ربي، هذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار (ما) مصدرية، وقدر: إن النفس لأمارة بالسوء إلا وقت رحمة ربي، والأول أقوى، والجملة الاسمية: ﴿نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ..﴾. إلخ تعليل للنفي لا محل لها، وهي تحتمل أن تكون جوابا لسؤال مقدر، كأن قائلا قال: لم لا تبرئ نفسك؟ قال: لأن النفس..\nإلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر.","vol":"4","page":608},{"text":"<span id=\"aya-1650\"></span>﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ..﴾. إلخ: وذلك أنه لما تبين للملك عذر يوسف، وعرف أمانته وعلمه؛ طلب حضوره إليه، وأراد أن يكون من خاصته، والاستخلاص طلب خلوص الشيء من جميع شوائب الاشتراك، وإنما أراد ذلك وطلبه؛ لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة العزيزة، ولا يشاركهم فيها أحد من الناس، وإذا أراد الله أمرا؛ هيأ له أسبابه، فألهم الملك ذلك ليكون يوسف من خاصته، ومن المقربين عنده. ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أي: فلما أتوا وكلمه وشاهد منه الرشد والذكاء. قال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: ذو مكانة عالية، ومنزلة رفيعة مؤتمن على كل شيء، فهي كلمة جامعة لكل الفضائل والمناقب في أمر الدين والدنيا.\n-روي أن يوسف ﵇ لما قام ليخرج من السجن دعا لأهله، فقال: اللهم عطّف عليهم قلوب الأخيار، ولا تعمّ عليهم الأخبار، فلما خرج كتب على باب السجن: هذا بيت البلواء، وقبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء، ثم اغتسل، وتنظف، ولبس ثيابا جددا، فلما دخل على الملك، قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه بالعربية، فقال الملك: ما هذا اللسان؟ فقال: لسان عمي إسماعيل، ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، وكان الملك يعرف سبعين لسانا، فكلمه بها، فأجابه بجميعها، فتعجب منه، فقال: أحب أن أسمع رؤياي منك، فحكاها له، ونعت له البقرات والسنابل، وأماكنها على ما رآها، فأجلسه على السرير، وفوض إليه أمره، وقيل: توفي قطفير العزيز في تلك الليالي فنصبه مكانه، وزوّجه زليخا، فوجدها عذراء، وولد له منها ولدان: إفرائيم، وميشا، وبنت واحدة هي: رحمة امرأة أيوب، وإفرائيم ولد له نون، وولد لنون يوشع فتى موسى على نبينا، وعليهم أفضل صلاة، وأزكى تسليم.\n-هذا؛ و﴿اِئْتُونِي﴾ أمر من أتى يأتي، والأمر بهمزتين: همزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان في النطق، فإذا ابتدأت الكلام قلت:\nايتوني بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية، فتقول: ائتوني.\n ﴿لَدَيْنا﴾: ظرف مكان بمعنى عند، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف (لدى) إلى مضمر كما هنا، قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر والمضمر، ثم اعلم أن (عند) أمكن من «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب. وعند","vol":"4","page":609},{"text":"فلان علم به، ويمتنع ذلك في (لدي) ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه، والثاني أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة.\nهذا؛ و«الكلام» بالنسبة إلى البشر يدل على أحد ثلاثة أمور:\nأولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد: تكليمك إياه.\nوثانيها: ما يدور في النفس من هواجس وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ، لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية، تأمل في قول الأخطل التغلبي: [الكامل]\nلا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا\nإنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللسان على الفؤاد دليلا\nوثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللسانين) وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله) ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾ ثم انظر إلى قول الشاعر وهو عمر بن أبي ربيعة الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل]\nأشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون، ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل]\nفعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\nبعد هذا انظر القول في الآية رقم [١٨] من سورة (هود) ﵇، وانظر شرح ﴿كَلَّمَهُ﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾: انظر الآية رقم [٥٠] ﴿أَسْتَخْلِصْهُ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو مجزوم عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تأتوني... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به، والجملة مع ما قبلها في محل نصب مقول القول.\n ﴿لِنَفْسِي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٥٩] الآتية. ﴿كَلَّمَهُ﴾: ماض، والهاء","vol":"4","page":610},{"text":"مفعوله، والفاعل يعود إلى يوسف أو إلى الملك والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْمَلِكُ﴾. ﴿إِنَّكَ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿لَدَيْنا﴾: ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لاتصاله ب (نا) التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهو متعلق بما بعده أيضا، ﴿مَكِينٌ﴾: خبر إن. ﴿أَمِينٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب لما، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1651\"></span>﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾\nالشرح: فلما جاء يوسف عند الملك، وقال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا..﴾. إلخ بعد أن شرح له يوسف رؤياه، قال له الملك: فماذا ترى أن نفعل؟ قال: اجمع الطعام، وازرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، وادخر الطعام في سنبله وقصبه؛ فإنه أبقى له، فيكون ذلك القصب والسنبل علفا للدواب، وتأمر الناس أن يرفعوا الخمس من زرعهم أيضا، فيكفيك الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، وتأتيك سائر الخلق للميرة من سائر النواحي، ويجتمع عندك من الكنوز والأموال ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا، ومن يجمعه، ويبيعه لي ويكفيني العمل فيه؟ فعند ذلك قال يوسف ﵇: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي:\nولني أمرها، وحفظها، و﴿الْأَرْضِ﴾ أرض مصر، قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خزانة الأرض، أما سمعت إلى قوله: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي: للخزائن ممن لا يستحقها. ﴿عَلِيمٌ﴾: بوجوه التصرف فيها، فقال له الملك: ومن أحق بذلك منك؟! وولاه ذلك، وعن مجاهد: أن الملك أسلم على يده.\nفعن ابن عباس﵄-، قال: قال رسول الله ﷺ: «يرحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخّر ذلك سنة». بقي أن تعرف كيف طلب يوسف ﵇ الإمارة، مع النهي عنها؟! والجواب: إنما يكره طلبها إذا لم يتعين على الإنسان ذلك، فإذا تعين طلبها وجب ذلك عليه، ولا كراهية فيه، فأما يوسف ﵊ فكان عليه طلب الإمارة؛ لأنه مرسل من الله تعالى، والرسول أعلم بمصالح الخلق من غيره، وإذا كان مكلفا برعاية المصالح، ولا يمكنه ذلك إلا بطلب الإمارة؛ وجب عليه طلبها، وفيه دليل على جواز طلب التولية لكل إنسان إذا عرف من نفسه القدرة على إقامة الحق، وعدم المداهنة للكافر، والفاجر، بل يؤجر على هذه التولية ما دامت نيته حسنة مع الإخلاص في العمل لله رب العالمين.","vol":"4","page":611},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف ﵇. ﴿اِجْعَلْنِي﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَلى خَزائِنِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿خَزائِنِ﴾: مضاف، و﴿الْأَرْضِ﴾: مضاف إليه. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿حَفِيظٌ﴾: خبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1652\"></span>﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كما أنعمنا على يوسف في تقريبه إلى قلب الملك، وتحبيبه إليه، وإنجائه من السجن؛ مكناه في أرض مصر، فجعلناه على خزائنها، وصاحب الأمر والنهي فيها، ومعنى التمكين: التمليك، وهو أن لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره. ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾: ينزل من بلادها وقصورها حيث يهوى ويريد، وهو تفسير للتمكين المتقدم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ الآية رقم [٩٣] من سورة (يونس). ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ﴾ أي: نختص بنعمتنا من نبوة وغيرها من نعم الدنيا من نشاء اختصاصه بها من عبادنا. ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قال ابن عباس ووهب: يعني:\nالصابرين، لصبر يوسف في الجب، وفي الرق، وفي السجن، وفي صبره عن محارم الله تعالى عما دعته المرأة إليه. انتهى. قرطبي. وأضيف أن الإحسان يشمل كل عمل خيري، دنيوي وأخروي، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، والإحسان إلى كل مخلوق.\nوانظر شرح (رحمتي) في الآية رقم [١٥٦] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ﴿حَيْثُ﴾:\nمبنية، وإنما بنيت؛ لأنها لا تدل على موضع بعينه، ولأن ما بعدها من تمامها، كالصلة من الموصول، وبنيت على حركة؛ لأن ما قبل آخرها ساكن، وكان الضم أولى بها بحركتها؛ لأنها غاية، فأعطيت غاية الحركات، وهي الضمة؛ لأن الضمة أقوى الحركات، وقيل: بنيت على الضم؛ لأن أصلها (حوث) فدلت الضمة على الواو، ويجوز فتحها، وفي (حيث) ست لغات، بالياء مع الضم والفتح والكسر، وبالواو مع الضم والفتح والكسر، وهي حيث، وحيث، وحيث وحوث، وحوث، وحوث، وانظر شرح وإعلال: (يصيب) في الآية رقم [٥١] من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾: الواو: حرف استئناف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده. التقدير: مكنا ليوسف تمكينا كائنا مثل إنقاذنا له من السجن وتقريبه إلى قلب الملك. ﴿مَكَّنّا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُوسُفَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما","vol":"4","page":612},{"text":"والمفعول به محذوف، التقدير: الأمور، هذا؛ وأجيز اعتبار اللام زائدة، فيكون يوسف مفعولا به مجرورا لفظا منصوبا محلاّ. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان به أيضا، والجملة الفعلية: (كذلك...) إلخ مستأنفة لا محل لها، ﴿يَتَبَوَّأُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى يوسف. ﴿مِنْها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وأجيز اعتباره مفعولا به، فهو مبني على الضم في محل نصب، ﴿يَشاءُ﴾: مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى يوسف، وعلى قراءته بالنون ففاعله مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (حيث) إليها، وجملة: ﴿يَتَبَوَّأُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من يوسف، والرابط الضمير فقط. ﴿نُصِيبُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِرَحْمَتِنا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نصيب برحمتنا الذي، أو شخصا نشاؤه، وجملة: ﴿نُصِيبُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿نُضِيعُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَجْرَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور..\nإلخ، وجملة: ﴿وَلا نُضِيعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1653\"></span>﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ..﴾. إلخ: أي: ما يعطيه الله ليوسف في الآخرة خير وأكثر مما أعطاه في الدنيا؛ لأن أجر الآخرة دائم وأجر الدنيا ينقطع، وظاهر الآية العموم في كل متق ومؤمن، وهو أولى، قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا، وما له في الآخرة من خلاق، وتلا الآية، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n-روي: أن الملك توج يوسف، وختمه بخاتمه، ورداه بسيفه، ووضع له سريرا من ذهب، مكللا بالدر واليواقيت، فقال: أما السرير، فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي، ولا لباس آبائي، فجلس على السرير، ودانت له الأمور، وفوض الملك إليه أمره، وأقام العدل بمصر، وأحبه الصغير والكبير، فلما اطمأن يوسف في ملكه؛ دبر في جمع الطعام أحسن التدبير، فبنى الحصون، والبيوت الكثيرة.\nفلما دخلت السنون الخصبة أمر بزراعة جميع الأراضي، وصار يدخر الأقوات، كما بين للملك فيما سبق، وذلك إعداد للسنوات المجدبة حتى خلت المخصبة، ودخلت السنون المجدبة بهول وشدة لم ير الناس مثلهما، ونهى عن زراعة الأراضي في تلك السنوات، وأسلم على يديه","vol":"4","page":613},{"text":"الملك وكثير من الناس، وباع أهل مصر في سني القحط الطعام في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق معهم شيء منها، وفي الثانية بالحلي والجواهر، وفي الثالثة بالدواب والمواشي كلها، وفي الرابعة بالعبيد والإماء حتى استولى عليها كلها، وفي الخامسة بالدور والعقارات، وفي السادسة بأولادهم وذراريهم، وفي السابعة برقابهم حتى استرقهم جميعا، وهذا هو معنى التمكين الذي ذكره الله في الآية السابقة، ثم أعتق أهل مصر، ورد عليهم أموالهم، وأملاكهم، وكان لا يبيع لأحد من الممتارين أكثر من حمل بعير، وأصاب أرض كنعان ما أصاب مصر من القحط والجدب. وذاع أمر يوسف ﵇ في الآفاق للينه، وعطفه، ورحمته، ورأفته، وعدله، وسيرته.\n-فقال يعقوب ﵇ لبنيه: بلغني: أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام، فتجهزوا له واقصدوه لتشتروا منه ما تحتاجون إليه من الطعام، وأمسك عنده بنيامين أخا يوسف لأمه وأبيه، وأرسل عشرة مع كل واحد منهم بعير، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَلَأَجْرُ﴾: الواو: واو الحال. اللام: لام الابتداء. (أجر): مبتدأ، وهو مضاف، والآخرة مضاف إليه، ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بخير. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: (بالله) والجملة الفعلية صلة الموصول. (كانوا):\nماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر (كان) وجملة: (كانوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، والجملة الاسمية: (لأجر...) إلخ في محل نصب حال من أجر المحسنين، والرابط: الواو فقط، هذا؛ وقد قال الجمل: اللام واقعة في جواب قسم، وهو يعني أن الواو حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، والجملة الاسمية: (لأجر...) إلخ جواب هذا القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، والاعتبار الأول أولى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1654\"></span>﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾: فيه حذف كلام كثير، انظر ما ذكرته في الآية السابقة، وهذا من اختصار القرآن المعجز. ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: وهو على سرير الملك، وفي هيبته وجلاله، وحوله الخدم، والحشم. ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾: أنهم إخوته واحدا واحدا، ولم ير بينهم أخاه بنيامين.\n ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: لم يعرفوه؛ لأنهم باعوه صبيّا، ولم يقع في خلدهم أنه بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من العزة والمكانة ورفعة الشأن مع طول المدة، وهم أربعون سنة، بل واعتقدوا هلاكه وموته؛ ولذا لم يخطر على بالهم في وقت من الأوقات: أنه حي على وجه الأرض، أما","vol":"4","page":614},{"text":"هم فلا يزالون على ما كانوا عليه في الملبس والهيئة والزي مع تكلمهم باللغة العبرانية التي هي لغتهم الأصلية، فلما كلموه بها قال: لعلكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادي، قالوا: معاذ الله! قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر، فذهب أصغرنا، فهلك في البرية، وكان أحبنا إليه، وبقي شقيقه، فاحتبسه ليتسلى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم، ثم قال لهم: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ قالوا: أيها الملك إننا ببلاد غربة، لا يعرفنا أحد، قال: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا راض بذلك منكم، وإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي، ولا تقربوا بلادي! وانظر أسماءهم في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿وَجاءَ﴾: الواو: حرف استئناف. جاء: ماض. ﴿إِخْوَةُ﴾: فاعله، وهو مضاف، و﴿يُوسُفَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة: (جاء...) إلخ مستأنفة لا محل لها. (دخلوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. عليه: متعلقان بما قبلهما.\nعرفهم: ماض، ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿يُوسُفَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿مُنْكِرُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو\nإلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1655\"></span>﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾: يقال: جهزت القوم تجهيزا، إذا تكلفت لهم جهاز سفرهم، وهو ما يحتاجون إليه في سفرهم، و(الجهاز) بفتح الجيم، وقرئ بكسرها، والأولى أفصح. قال ابن عباس﵄-: حمل لكل واحد منهم بعيرا من الطعام، وأكرمهم في النزول، وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم، هذا؛ وجهاز العروس ما يحتاج إليه عند الإهداء للزوج. قال: ﴿اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ أي: لأعلم صدقكم فيما تدعون من كونكم أولاد نبي، وأن أخا لكم آخر قد احتبسه أبوكم عنده ليتسلى به عن الفقيد، وقيل: طلب منهم رهينة عنده حتى يأتوه بأخيه، فاقترعوا فيما بينهم، فأصابت القرعة (شمعون) فبقي عنده. أقول:\nولا داعي لذلك ما دام منعهم الميرة من عنده، ولما ذهبوا إلى أبيهم ذكروا له منع الميرة، ولم يذكروا رهينة عند يوسف، ومنع الميرة في تلك الآونة الراهنة أشق شيء عليهم من غيره\n ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾: أتمه. ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾: المضيفين. وكان قد أحسن ضيافتهم","vol":"4","page":615},{"text":"ووفادتهم عليه، كما رأيت فيما سبق، وقول الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام يضعف قول من يقول: إنه اتهمهم، ونسبهم إلى أنهم جواسيس.. إلخ. أقول: لعله قال ذلك ليدفع عن نفسه الشبهة، وليهيمن عليهم، ويجعلهم حذرين منه، مع شدة إكرامه لهم، هذا؛ و(أخ) أصله:\nأخو، فحذفت الواو بعد نقل حركتها إلى الخاء للتخفيف بدليل رجوعها في التثنية حيث تقول:\nأخوان، أخوين، وانظر: إعلال (دم) في الآية رقم [١٨].\nالإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف عطف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: (حين) عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جَهَّزَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعوله، والفاعل يعود إلى يوسف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿بِجَهازِهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف أيضا. ﴿اِئْتُونِي﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِأَخٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة: (أخ). ﴿مِنْ أَبِيكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (أخ)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (أخ) بعد وصفه بما تقدم، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على جملة: ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ..﴾.\nإلخ لا محل له مثلها. ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿تَرَوْنَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿أَنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أُوفِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْكَيْلَ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿أُوفِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنِّي،﴾ وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي:\n ﴿تَرَوْنَ﴾ والجملة الفعلية هذه في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَنَا﴾: الواو: واو الحال.\n (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ﴾: خبره: وهو مضاف، والمنزلين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء.. إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا خَيْرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿أُوفِي﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1656\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾\nالشرح: معنى الآية الكريمة، فإن لم تحضروا أخاكم من أبيكم؛ لأتحقق من صحة قولكم، فلست أعطيكم طعاما مرة ثانية، ولا تدخلوا بلادي، بل ولا ترجعوا إليها ثانية، وهذا هو نهاية","vol":"4","page":616},{"text":"التخويف لأنهم كانوا محتاجين للطعام، وانظر شرح الآيتين السابقتين، وانظر شرح ﴿فَإِنْ لَمْ﴾ في الآية رقم [٣٢].\nالإعراب: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَأْتُونِي﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما.\n ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل إن. ﴿كَيْلَ﴾: اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (لا)، ﴿عِنْدِي﴾: ظرف مكان متعلق بما تعلق به. ﴿لَكُمْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلا كَيْلَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد.\n ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَقْرَبُونِ﴾: مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وهي مكسورة، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، هذا؛ وأجيز اعتبار (لا) نافية، فيكون الفعل مرفوعا، وقد حذفت نون الوقاية، وياء المتكلم أيضا، وعلى الوجهين فالجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل جزم مثلها، وإن ومدخولها كلام مستأنف، وهو في محل نصب مقول القول؛ لأنه من كلام يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-1657\"></span>﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾: سنطلبه منه، ونجتهد، ونحتال في ذلك؛ حتى نأتي به إليك. ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾: ما أمرتنا به لا نتوانى في ذلك، فإن قيل: كيف استجاز يوسف ﵇ أن يفعل ذلك، وهو مما يزيد حزن أبيه بطلب أخيه؟! فأجيب بأجوبة كثيرة، أظهرها: أن يكون الله ﷿ أمره بذلك ابتلاء ليعقوب؛ ليعظم أجره، وثوابه، ويلحقه بدرجة أبيه، وجده.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. السين: حرف استقبال. (نراود): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَنْهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَباهُ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَإِنّا﴾: الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وقد حذفت ألفها، وبقيت نونها، وذلك للتخفيف. ﴿لَفاعِلُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة، (فاعلون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد،","vol":"4","page":617},{"text":"والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل نصب حال من فاعل (نراود)، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿سَنُراوِدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1658\"></span>﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ أي: قال يوسف ﵇ لغلمانه، ورجاله الكيالين. ﴿اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ﴾: أراد بالبضاعة ثمن الطعام الذي دفعوه، وكانت دارهم ودنانير، وحكى الضحاك عن ابن عباس﵄-: أنها كانت النعال والجلود. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها﴾:\nيعرفون بالبضاعة التي دفعوها ثمنا للطعام. ﴿إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ﴾: إذا رجعوا إلى أهلهم.\n ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلينا، أو إلى بلادنا.\nواختلف في السبب الذي دعا يوسف ﵇ لأن يرد على إخوته ثمن الطعام على أقوال كثيرة؛ أرجحها: أنه خاف أن لا يكون عند أبيه شيء آخر من المال؛ لأن الزمان كان زمان قحط وشدة، وقيل: إنه رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم لشدة حاجتهم، وقيل: أراد أن يريهم بره، وكرمه، وإحسانه إليهم؛ ليكون ذلك أدعى إلى الرجوع إليه.\nهذا؛ و﴿رِحالِهِمْ﴾ جمع: رحل، وهو يطلق على منزل الرجل، وعلى محلة القوم التي يقطنونها، والرحل للناقة؛ كالسرج للفرس، والبردعة للحمار، وهو يطلق على أثاث الرجل وأمتعته، والمراد به في الآية الكريمة: الوعاء الذي يوضع فيه الطعام ويحمل على ظهر الجمل بدليل ما يأتي في الآية رقم [٧٥] وما بعدها، هذا؛ وقرئ: ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ و«(لفتيته)» وكلاهما جمع:\nفتى، لكن الأول جمع كثرة، والثاني جمع قلة، وهو أشبه من الأول هنا؛ لأن الذين تولوا هذا العمل قليلون، هذا؛ والفتى: الشاب، ويطلق على السيد، والشريف، والكريم؛ كما يطلق على المستخدم من عبد وغيره، كما في الآية الكريمة، وكما في فتى موسى ﵇، و(الفتاء) بالمد: الشباب، والفتوة، الشجاعة، والسيادة، والشرف هذا؛ وقيل: الفتوة: بذل الندى، وكف الأذى، وترك الشكوى، واجتناب المحارم، واستعمال المكارم، ويجمع الفتى أيضا على: فتوّ، كما في قول جذيمة الأبرش: [الخفيف]\nفي فتوّ أنا رابئهم... من كلال غزوة ماتوا\nوهو شاذ؛ لأن أصل (فتى) فتيّ، فهو يائي، وليس واويا. تأمل.\nالإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف عطف. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى يوسف على نبينا، وعليه أفضل صلاة وأزكى تحية وتسليم. ﴿لِفِتْيانِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر","vol":"4","page":618},{"text":"بالإضافة، ﴿اِجْعَلُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِضاعَتَهُمْ﴾: مفعول به أول. ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَعْرِفُونَها﴾: مضارع وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لعل، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها.\n ﴿إِذَا﴾: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿اِنْقَلَبُوا﴾: فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى أَهْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير:\nراجعين إلى أهلهم، وجملة: ﴿اِنْقَلَبُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، واعتبارها شرطية ضعيف، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ تعليل آخر لجعل البضاعة في رحالهم.\n\n<span id=\"aya-1659\"></span>﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾: منعنا ملك مصر الميرة من عنده إن لم نأخذ له «بنيامين» ... وأخبروه بما كان من أمرهم، وإكرامه لهم، وما دار بينهم من أحاديث حتى طلب بنيامين ليتأكد من صحة أحاديثهم. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا﴾: بنيامين. ﴿نَكْتَلْ﴾: نرفع المانع من الميرة، هذا؛ ويقرأ: «(يكتل)» بالياء، أي: يكتل (بنيامين) حمل بعير آخر يضاف لأحمالنا. ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أي: من أن يناله مكروه وحتى نرده إليك سالما غانما.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف، (لما): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿رَجَعُوا﴾: ماض والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى أَبِيهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ﴾ مثل جملة: ﴿جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ قالوا: ماض وفاعله. يا: أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أبانا):\nمنادى منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مُنِعَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿مِنَّا﴾: متعلقان ب ﴿مُنِعَ﴾. ﴿الْكَيْلُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَأَرْسِلْ﴾: الفاء:\nحرف عطف على رأي: من يرى جواز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (أرسل): أمر والتماس، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعَنا﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة.","vol":"4","page":619},{"text":"﴿أَخانا﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿نَكْتَلْ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، أو هو حسب ما رأيت، والجملة الفعلية لا محل لها، وجملة: (أرسل...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: (وإذا كان ما ذكر حاصلا فأرسل...) إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ إعرابها مثل إعراب: ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-1660\"></span>﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: يعقوب ﵇. ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ..﴾. إلخ: أي: كيف آمنكم على بنيامين، وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم، وقد تعهدتم بحفظه ورعايته، أي: فلم يطمئن لحفظهم، ورعايتهم ل (بنيامين). ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ أي: فإذا كان لا بد من إرساله معكم، فإني أكل حفظه إلى الله تعالى، ففيه التفويض إلى الله تعالى، والاعتماد عليه في جميع الأمور. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾: وهذا يدل على أنه وافق على إرساله معهم، وإنما أرسله معهم؛ لأنه لم ير بينهم وبين بنيامين من الحقد والحسد ما كان بينهم وبين «يوسف»، أو أنه شاهد منهم الخير والصلاح لما كبروا، أو أن شدة القحط وضيق الحال أحوجه إلى ذلك.\nقال كعب الأحبار: لما قال يعقوب ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأردن عليك ابنيك كليهما بعد ما توكلت علي! هذا؛ وقرئ: «فالله خير حفظا»، وقرئ: «خير حافظ»، وقرئ: «(خير الحافظين)».\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»؛ يعود إلى أبيهم يعقوب. ﴿هَلْ﴾:\nحرف استفهام معناه النفي. ﴿آمَنُكُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعوله. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَمِنْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿عَلى أَخِيهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بما قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَخِيهِ،﴾ وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: لا آمنكم عليه إلا ائتمانا كائنا مثل ائتماني لكم على أخيه، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر","vol":"4","page":620},{"text":"المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿فَاللهُ﴾: الفاء: هي الفصيحة، انظر الشرح. (الله): مبتدأ. ﴿خَيْرٌ﴾: خبره، ﴿حافِظًا﴾: تمييز، وقيل: حال من لفظ الجلالة، ولا تجوز الحالية على قراءة «(حفظا)»، وعلى قراءة الجر ف ﴿خَيْرٌ﴾: مضاف، و﴿حافِظًا﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، انظر تقديره في الشرح، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المستتر ب ﴿حافِظًا﴾ فلست مفندا.\n\n<span id=\"aya-1661\"></span>﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أي: أوعيتهم ورحالهم. ﴿وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ﴾: وجدوا ثمن الطعام الذي دفعوه ليوسف ﵇ قد دس في رحالهم. ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: قرئ بكسر الراء وضمها. ﴿قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي﴾: ماذا نطلب وماذا نريد؟! أي: أي شيء نريد من ملك مصر فوق هذا الإحسان وهذا الإكرام، فقد أحسن مثوانا، وباعنا، ورد علينا ثمن الطعام الذي أعطيناه له؟! أو المعنى: ﴿ما نَبْغِي﴾ من البغي وتجاوز الحد، أي: لا نكذب ولا نتجاوز الحد في وصف الملك. ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا﴾: هذه أثمان الطعام الذي أتينا به من ملك مصر قد رد إلينا بكامله، فهل بعد هذا الإحسان إحسان؟! ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ أي: نجلب الطعام لأهلنا، إن أرسلت معنا بنيامين إلى الملك ليتحقق من صحة قولنا، وقرئ بضم النون، بمعنى: نعين أهلنا على الميرة. ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا﴾ أي: من المكاره والمخاوف في ذهابنا، وإيابنا حتى نرده إليك سالما غانما. ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي: حمل جمل لأخينا إن ذهب معنا؛ لأن الملك لا يعطي الرجل أكثر من حمل جمل واحد. ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: إن ما أتينا به من الطعام لا يكفينا لأنه قليل، أو المعنى إن حمل جمل ل «بنيامين» شيء قليل، وهين على الملك لا يضايقه، فهو يعطينا إياه بسهولة ويسر، هذا؛ والبعير يشمل الجمل والناقة كالإنسان للرجل والمرأة، وإنما يسمى بعيرا إذا بزل نابه، أي: ظهر، ويجمع على أبعرة، وبعران، وجمع الجمع: أباعر وأباعير.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿فَتَحُوا﴾: ماض مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال اختصارا:","vol":"4","page":621},{"text":"فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ﴿مَتاعَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿وَجَدُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها. ﴿رُدَّتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل مستتر تقديره هي. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ في محل نصب مفعول به ثان. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، ﴿يا أَبانا﴾: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو: (أبانا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(نا): في محل جر بالإضافة، ﴿لَمّا﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، إن كان الفعل متعديا، وفي محل رفع مبتدأ، إن كان لازما، هذا؛ وأجيز اعتبارها نافية. ﴿نَبْغِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» وقرئ بتاء المضارعة خطابا ليعقوب ﵇، فيكون الفاعل مستترا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار ﴿لَمّا﴾ مبتدأ، والفعل لازما، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿هذِهِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بِضاعَتُنا﴾: خبر المبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿رُدَّتْ إِلَيْنا﴾ في محل نصب حال من ﴿بِضاعَتُنا﴾ والرابط عود نائب الفاعل إليه، وهي على تقدير (قد) قبلها، والعامل في الحال اسم الإشارة، وهي على نحو: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا..﴾. والجملة الاسمية: ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وإن قيل: هي مستأنفة موضحة لقوله: ﴿ما نَبْغِي﴾ فلا بأس به. ﴿وَنَمِيرُ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿أَهْلَنا﴾: مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: (نمير...) إلخ معطوفة على جملة محذوفة، وتقدير الكلام: إن بضاعتنا ردت إلينا، فنستعين بها ونمير أهلنا، والجملتان ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ معطوفتان عليها. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كَيْلَ﴾: خبره. ﴿يَسِيرٌ﴾:\nصفة كيل، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1662\"></span>﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: يعقوب. ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ﴾ أي: «بنيامين». ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ أي: حتى تؤتون عهدا مؤكدا بذكر الله، أو بإشهاد الله. ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾: لترجعن ببنيامين من مصر؛ إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك، أو إلا أن تهلكوا جميعا. ﴿فَلَمّا آتَوْهُ﴾","vol":"4","page":622},{"text":"﴿مَوْثِقَهُمْ﴾: فلما أعطوه عهدهم المؤكد بإشهاد الله. ﴿قالَ﴾ أي: يعقوب: ﴿اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي: على ما طلبت من العهد، وعلى ما أعطيتموه الله رقيب وشاهد، وقيل: حافظ، هذا؛ ولا تنس: أن إعلال: ﴿لَتَأْتُنَّنِي﴾ مثل إعلال ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ في الآية رقم [٣٥].\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب واستقبال.\n ﴿أُرْسِلَهُ﴾: مضارع منصوب ب ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به.\n ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿تُؤْتُونِ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد حتى، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بكسرة النون مفعول به أول، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَوْثِقًا﴾: مفعول به ثان. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بموثقا، أو بمحذوف صفة له.\n ﴿لَتَأْتُنَّنِي﴾: اللام: واقعة في جواب القسم المفهوم مما قبلها. (تأتنني): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون المشددة للتوكيد، والمخففة للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم؛ إذ التقدير والمعنى: حتى تحلفوا بالله لتأتنني. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.\n ﴿أَنْ يُحاطَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿بِكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما نائب فاعل، و﴿أَنْ﴾ المصدرية والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء المفرغ من عموم الأحوال، التقدير: لتأتنّني به على كل حال من الأحوال إلا حال الإحاطة بكم، أو من أعم العلل على تضمين الكلام معنى النفي، أي: لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم.\n ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿آتَوْهُ﴾: ماض وفاعله ومفعوله الأول. ﴿مَوْثِقَهُمْ﴾: مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿آتَوْهُ..﴾. إلخ لها محل، أو لا محل لها انظر الآية السابقة. ﴿قالَ﴾:\nماض وفاعله مستتر يعود إلى يعقوب. ﴿اللهِ﴾: مبتدأ. ﴿عَلى﴾: حرف جر. ﴿فَلَمّا﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والجار والمجرور متعلقان بوكيل بعدهما، الذي هو خبر المبتدأ، وتقدير الكلام: الله وكيل على الذي، أو على شيء نقوله، وعلى اعتبار ﴿فَلَمّا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب ﴿وَكِيلٌ،﴾ وتقدير الكلام الله وكيل على قولنا، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.","vol":"4","page":623},{"text":"<span id=\"aya-1663\"></span>﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾: يوصي يعقوب ﵇ بنيه أن يدخلوا مدينة يوسف، أي: عاصمته من أبواب متفرقة، وكان للمدينة أربعة أبواب، وإنما أوصاهم بذلك؛ لأنهم كانوا ذوي جمال وأبهة، مشتهرين بالقربة والكرامة عند الملك مع كونهم أبناء رجل واحد، فخاف عليهم، إذا دخلوا في كوكبة واحدة أن يصابوا بالعين، ولعله لم يوصهم بذلك في المرة الأولى؛ لأنهم كانوا مجهولين حينئذ، أو كان الداعي لذلك خوفه على بنيامين.\n ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: مما قضى عليكم، بما أشرت به إليكم، فإن الحذر لا يمنع القدر مجتمعين كنتم أو متفرقين. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾: يصيبكم بما أراد لا محالة إن قضى عليكم بشيء وقدره، ولا ينفعكم ما أوصيتكم به. وانظر الآية رقم [٤٠]. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت في أموري كلها على الله لا على غيره. ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: عليه فليعتمد المعتمدون، وليفوضوا أمورهم وشئونهم إليه.\nهذا؛ والتوكل: تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وقالوا:\nالمتوكل من إن دهمه أمر، لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة.\nبعد هذا انظر شرح ﴿واحِدٍ﴾ في الآية رقم [٣٩]، وأصل ﴿يا بَنِيَّ﴾ يا بنين لي، فحذف حرف الجر، واتصلت ياء المتكلم بالاسم، فحذفت النون للإضافة، ثم أدغمت ياء المتكلم بالياء التي هي لجمع المذكر السالم، وانظر الإعراب.\nتنبيه: ذكرت لك أن يعقوب ﵇ خاف على أولاده من العين، وقد ثبت أن للعين تأثيرا، وقد أقر نبينا وحبيبنا ﷺ ذلك في أحاديثه الشريفة، فمن ذلك قوله: «إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر» ومنه تعوذه ﷺ «أعوذ بكلمات الله التّامّة، من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة». وهذا الحديث رواه البخاري وأصحاب السنن. انتهى. جمل. عن ابن عباس﵄-، وعنه أيضا عن رسول الله ﷺ قال: «العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين». رواه مسلم، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى، كما قال جل شأنه: ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾.\nهذا؛ ويروى أن عامر بن ربيعة أصاب أبا سهل بن حنيف بالعين، فقال رسول الله ﷺ:\n «علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برّكت، إنّ العين حقّ. توضّأ له». ومعنى بركت: هلا قلت:\nتبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، ومفهومه: أن التبريك يدفع أذى العين، ومن ذلك","vol":"4","page":624},{"text":"قولك: ما شاء الله كان، والصلاة والسّلام على الرسول يمنع ذلك أيضا، وفي قول الرسول ﷺ للعاين: (توضأ) أمر له بالوضوء الكامل للصلاة في إناء، ثم يغتسل المصاب بماء الوضوء، فإنه شفاء له بإذن الله، وهذا إذا عرف العائن، وإذا لم يعرف؛ فالقرآن شفاؤه، أي: للمصاب، فتلاوة الفاتحة والمعوذتين عليه شفاء له بإذن الله تعالى، هذا؛ ولا يفوتني أن أذكر أنه لا يشترط أن يكون العائن فقيرا، أو فاسقا، أو كافرا، فقد يكون من أغنى الأغنياء، وقد يكون من أتقى الأتقياء، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾.\nالإعراب: ﴿وَقالَ﴾: الواو: حرف عطف، (قال): ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب أبيهم.\n (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة.\n ﴿لا تَدْخُلُوا﴾: مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ بابٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدٍ﴾: صفة باب. ﴿وَادْخُلُوا﴾:\nالواو: حرف عطف. (ادخلوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال: منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضم لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في قولك (ادخلا) والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك: (ادخلي): والمانع من ظهور السكون الكسر الذي جيء به لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة.\n ﴿مِنْ أَبْوابٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾: صفة أبواب. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال.\n (ما): نافية: ﴿أُغْنِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَنْكُمْ مِنَ اللهِ﴾: كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما وأجيز تعليق ﴿مِنَ اللهِ﴾ بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة. ﴿مِنْ﴾:\nحرف جر صلة، ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿وَما أُغْنِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ياء المتكلم، والرابط على الاعتبارين الواو، والضمير.\n ﴿إِنِ﴾: حرف نفي. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَعَلَيْهِ﴾: الواو: حرف عطف. (عليه): متعلقان بما بعدهما. الفاء: زائدة، (ليتوكل): مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، ﴿الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":625},{"text":"<span id=\"aya-1664\"></span>﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا﴾ أي: المدينة. ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي: من أبواب متفرقة. ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ: أي: لم ينفعهم رأي يعقوب بالدخول من أبواب متفرقة، أو لم ينفعهم الدخول نفسه. ﴿إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾: وهي شفقته عليهم، وتحرزه من أن ينالهم سوء، أو يعانوا بلاء وشدة. ﴿قَضاها﴾: أظهرها، ووصى بها أولاده، قيل: هي خوفه عليهم من العين، وقيل: خوفه من حسد أهل مصر. ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ أي: صاحب علم وعمل بما يعلم. ﴿لِما عَلَّمْناهُ﴾ أي: لتعليمنا إياه ذلك العلم، وذلك بالوحي ونصب الحجج والبراهين، ولذا لم يغتر بتدبيره وإرشاده، فقال: ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون ما يعلم يعقوب من أمر دينه، وقال البيضاوي: لا يعلمون سر القدر، وأنه لا يغني عنه الحذر.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿دَخَلُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وحيث مبني على الضم في محل جر. ﴿أَمَرَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به. ﴿أَبُوهُمْ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿دَخَلُوا..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿لَمّا﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى رأي يعقوب المفهوم من المقام. أو إلى الدخول نفسه المفهوم من (دخلوا). ﴿يُغْنِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ، وفاعله، يعود إلى ما عاد إليه اسم كان.\n ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: انظر إعرابهما في الآية السابقة، ويزاد جواز اعتبار: ﴿شَيْءٍ﴾ فاعلا ل ﴿يُغْنِي﴾ وهو ضعيف، وجملة: ﴿يُغْنِي..﴾. إلخ في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها قال سليمان الجمل: وفيه حجة لمن يدعي كون (لمّا) حرفا، لا ظرفا؛ إذ لو كانت ظرفا لعمل فيها جوابها؛ إذ لا يصلح للعمل سواه، لكن ما بعد ما النافية لا يعمل فيها قبلها، وأجاز أبو البقاء اعتبار جملة: ﴿آوى..﴾. إلخ في الآية التالية جوابا ل (لمّا) هذه، وللثانية الآتية، كقولك: لمّا جئتك، ولمّا كلمتك؛ أجبتني، ثم قال:\nوحسن ذلك: أن دخولهم على يوسف يعقب دخولهم من الأبواب، كما أجاز اعتبار الجواب محذوفا، تقديره: امتثلوا، أو قضوا حاجة أبيهم ونحوه، وعلى الاعتبارين فجملة: ﴿ما﴾","vol":"4","page":626},{"text":"كانَ... إلخ في محل نصب حال من الضمائر العائدة على أولاد يعقوب، والرابط: الواو، والضمير، والتقدير: حالة كونه غير مغن عنهم، دخولهم متفرقين، ولا يخفى: أن الإعراب الأول أولى بالاعتبار. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء منقطع، بمعنى لكن. ﴿حاجَةً﴾: منصوب. على الاستثناء، وقال أبو البقاء: مفعول لأجله. ﴿فِي نَفْسِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة حاجة، و﴿نَفْسِ﴾ مضاف، ويعقوب مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿قَضاها﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، و(ها): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿يَعْقُوبَ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال منه، والرابط: رجوع الفاعل إليه، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿وَإِنَّهُ﴾: الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿لَذُو﴾: اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذو): مضاف، و﴿عِلْمٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية (إنه...) إلخ في محل نصب حال من ﴿يَعْقُوبَ،﴾ فهي حال متعددة، أو من فاعل ﴿قَضاها،﴾ فتكون حالا متداخلة، وعلى الاعتبارين فالرابط: الواو، والضمير. ﴿لَمّا﴾: اللام: حرف جر. (ما):\nمصدرية. ﴿عَلَّمْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعوله الأول، والثاني محذوف، التقدير: علمناه إياه، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿عِلْمٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، التقدير: لتعليمنا إياه، هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة، فيكون التقدير: وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه إياه، وهو معنى صحيح. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢١] وهي معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط محذوف، وهو مفعول الفعل؛ إذ التقدير: لا يعلمون ذلك العلم.\n\n<span id=\"aya-1665\"></span>﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ أي: في محل حكمه، ﴿آوى إِلَيْهِ أَخاهُ﴾: ضم إليه أخاه (بنيامين)، تقول: أوى إليه: إذا التجأ، واطمأن إليه، وأصل ﴿آوى﴾: (أأوى) بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، مثل: آمن وآدم ونحوهما، فلا تبتئس: فلا تغتم بسوء عملهم، والبؤس: الضيق والشدة والفقر... إلخ، والبؤس الحزن الشديد، قال الشاعر: [الطويل]\nوكم من خليل، أو حميم رزئته... فلم أبتئس والرّزء فيه جليل\nيقال: ابتأس الرجل: إذا بلغه شيء يكرهه، والابتئاس حزن في استكانة.\nتنبيه: قال المفسرون: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: أيها الملك هذا أخونا الذي طلبت منا إحضاره! فقال لهم: أحسنتم ثم أنزلهم عنده، وصنع لهم طعاما، وأجلس كل اثنين","vol":"4","page":627},{"text":"على مائدة، فبقي بنيامين وحيدا، فبكى، وقال: لو كان أخي يوسف حيّا لأجلسني معه، فقال لهم يوسف: أنا أجلسه معي، فأجلسه معه على مائدته، فلما أتى الليل؛ أمر لهم بمثل ذلك من الفراش، وقال: كل اثنين ينامان في بيت واحد، وقال: هذا ينام عندي، فلما خلا به، قال له:\nإني أنا أخوك يوسف، وقام إليه وعانقه، وقال له: لا تبتئس... إلخ، قال بنيامين: أنا لا أفارقك، فقال يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه وحزنه، ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع، وأنسبك إلى ما لا يحمد، قال: لا أبالي افعل ما بدا لك، فإني لا أفارقك، قال يوسف: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة لأحتال في ردك بعد إطلاقك، قال: افعل ما شئت! والآيات التالية توضح ذلك، وتشرحه.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف عطف. لما: انظر الآية رقم [٥٩]، وقل في جملة:\n ﴿دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ ما رأيته في الآية السابقة. ﴿آوى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَخاهُ﴾:\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آوى..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾ أيضا.\n ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها، والجملة الاسمية: ﴿أَنَا أَخُوكَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، قال أبو البقاء: وهكذا كل ما اقتضى جوابا، وذكر جوابه، ثم جاءت بعده (قال) فهي مستأنفة. ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٣٧] من سورة (آل عمران):\n ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا..﴾. إلخ.\n ﴿فَلا﴾: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، وانظر الآية رقم [٦٣]، ﴿تَبْتَئِسْ﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فلا تبتئس بسبب الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية، تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فلا تبتئس بسبب عملهم الذي عملوه معنا.\n ﴿كانُوا﴾: ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبرها. وجملة: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، والتقدير على اعتبار الفاء فصيحة: وإذا عرفت أني أخوك؛ فلا تبتئس\nإلخ.","vol":"4","page":628},{"text":"<span id=\"aya-1666\"></span>﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾: انظر الشرح في الآية رقم [٥٩] مع ملاحظة اقتران الكلام هنا بالفاء، واقترانه هناك بالواو، والسبب في ذلك أن الواو لمطلق الجمع، والتجهيز هناك كان متصلا بمجيئهم ومعرفتهم وإكرامهم، والفاء للتعقيب، والتجهيز هنا قد تمادى عن دخولهم على يوسف بسبب إكرامهم وضيافتهم مدة طويلة، خذ هذا، وافهمه فإنه جيد لم يذكره أحد من المفسرين.\nهذا؛ وقال الجمل: عبر هنا بالفاء إشارة إلى طلب سرعة سيرهم، وذهابهم لبلادهم؛ لأن الغرض منه قد حصل، وقد عرفت حالهم، بخلاف المرة الأولى كان المطلوب طول مدة إقامتهم ليتعرف الملك حالهم. انتهى. قارن بين قولي، وقوله، وانظر أي: القولين أصح.\n ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ هذا السقاية والصواع الآتي شيء واحد: إناء له رأسان في وسطه مقبض، كان الملك يشرب منه من الرأس الواحد، ويكال الطعام بالرأس الآخر، قاله النقاش عن ابن عباس﵄وكل شيء يشرب به فهو صواع، واختلف في جنسه، فقيل: هو من ذهب، وقيل: هو من فضة، وقيل: هو من زبرجد. انتهى. قرطبي بتصرف. ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾:\nانظر شرح الرحل في الآية رقم [٦٢] ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: نادى مناد بصوت رفيع، بعد انفصالهم عن مجلس يوسف. فأمهلهم يوسف حتى انطلقوا، وخرجوا من العمارة، ثم أرسل خلفهم من استوقفهم وحبسهم، بل قيل: إنهم وصلوا إلى بلبيس، وردّوا من عندها. والأذان في اللغة:\nالإعلام.\n ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أيتها القافلة، هذا؛ والعير كل ما امتير عليه من الإبل، والبغال، والحمير، والأول أشهر، والمراد أصحاب العير، فهو على حد قول الرسول ﷺ: «يا خيل الله اركبي».\n ﴿إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ أي: فقفوا، والسرقة أخذ مال الغير في خفاء.\nتنبيه: إن قيل: كيف رضي بنيامين بالقعود طوعا، وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟ والجواب: أن الحزن كان قد غلب على قلب يعقوب، بحيث لا يؤثر عليه فقد بنيامين كل التأثير، أولا تراه لما فقده؛ قال: ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ ولم يعرج على ذكر بنيامين، ولعل يوسف إنما وافقه على القعود بوحي.\nوإن قيل: كيف نسب يوسف السرقة إلى إخوته، وهم براء، والجواب: أن القوم كانوا قد سرقوه من أبيه فألقوه في الجب، ثم باعوه، فاستحقوا هذا الاسم بذلك الفعل، فصدق إطلاق ذلك عليهم، فهو من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. وقيل: المراد: أيتها","vol":"4","page":629},{"text":"العير حالكم حال السراق، وقيل: إن معنى الكلام الاستفهام، المعنى: أيتها العير أإنكم لسارقون؟ والغرض ألا يعزى الكذب إلى يوسف ﵇، وقيل: غير ذلك.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾: انظر الآية رقم [٥٩]. ﴿جَعَلَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف، والمراد جنوده. ﴿السِّقايَةَ﴾: مفعول به. ﴿فِي رَحْلِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ﴾ وهما في محل نصب مفعول به ثان، و﴿رَحْلِ﴾: مضاف، و﴿أَخِيهِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، هذا؛ وقال البيضاوي: وقرئ: «(وجعل)» على حذف جواب (لمّا)، التقدير: أمهلهم حتى انطلقوا، ولم أره لغيره، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: فعل وفاعل. أيتها: منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة نداء محذوفة، و(ها): حرف تنبيه لا محل لها، أقحم للتوكيد، وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿الْعِيرُ﴾: بدل من أية، أو عطف بيان عليه، وانظر الآية رقم [٨٨] الآتية ﴿إِنَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَسارِقُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة.\n (سارقون) خبر (إن) مرفوع وعلامة رفعه الواو... إلخ هذا؛ والجملتان: الندائية والاسمية في محل نصب مفعول به للفعل ﴿أَذَّنَ﴾ لأنه بمعنى نادى؛ وهو أولى من تقدير فعل محذوف، وجملة: ﴿أَذَّنَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها على الاعتبارين فيه.\n\n<span id=\"aya-1667\"></span>﴿قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: إخوة يوسف. ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾: قال أصحاب الأخبار: لما وصل رسل الملك إليهم قالوا لهم موبخين: ألم نكرمكم، ونوف إليكم الكيل، ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا بلى! وما ذاك، قالوا: فقدنا سقاية الملك. هذا؛ والفقد: غيبة الشيء عن الحس، بحيث لا يعرف مكانه.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿وَأَقْبَلُوا﴾: الواو: واو الحال. (أقبلوا) فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير (قد) قبلها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و(ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره.\n ﴿تَفْقِدُونَ﴾: مضارع وفاعله، وهو يقرأ بفتح التاء، وضمها أيضا من: أفقدته: إذا وجدته فقيدا، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ما الذي تفقدونه، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مركبا مبنيا على السكون في محل نصب مفعول به تقدم على عامله، والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":630},{"text":"<span id=\"aya-1668\"></span>﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: المؤذن، ومن معه. ﴿نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ﴾: الصواع: هو السقاية المذكورة في الآية رقم [٧٠]، وهو يقرأ: «(صياع)» و(صواع)، و«(صَوَع)» و«(صُوَع)»، و«(صُوَغ)» بالغين و«(صواغ)» أيضا من الصياغة، والصاع والصواع لغتان معناهما واحد وكلها شاذة ما عدا الأولى، وهو آلة الكيل، وتقدم أنه هو السقاية. ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: من الطعام جعلا له، وانظر شرح: ﴿بَعِيرٍ﴾ في الآية رقم [٦٥]، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: كفيل، وهذا قول المؤذن وحده، فهو الذي كفل وضمن، هذا؛ والزعيم، والكفيل، والحميل، والضمين، والقبيل بمعنى واحد، والزعيم: الرئيس، وزعيم القوم من يدير شئونهم.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿نَفْقِدُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿صُواعَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْمَلِكِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلِمَنْ﴾: الواو: حرف عطف. (لمن): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿جاءَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى من، وهو العائد، أو الرابط. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿جاءَ بِهِ﴾ صلة (من)؛ أو صفتها. ﴿حِمْلُ﴾: مبتدأ مؤخر، و﴿حِمْلُ﴾: مضاف، و﴿بَعِيرٍ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿وَأَنَا﴾: الواو: حرف استئناف. (أنا): مبتدأ. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿زَعِيمٌ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول؛ لأن قائل الجملة أحد القائلين بقوله تعالى: ﴿قالُوا..﴾. إلخ ومع اعتبارها مستأنفة، فلا محل لها، فتكون لها محل باعتبار، ولا محل لها باعتبار آخر.\n<span id=\"aya-1669\"></span>﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: إخوة يوسف، وانظر القول في الآية رقم [١٨] من سورة (هود) ﵇. ﴿تَاللهِ﴾: قسم فيه معنى التعجب، والتاء بدل من الباء، وهي مختصة باسم الله تعالى، وربما قالوا: تربي، وترب الكعبة وتا الرحمن. والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر. ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا..﴾. إلخ. قال المفسرون: قد حلفوا على أمرين: أحدهما: أنهم ما جاءوا لأمر الفساد في الأرض، والثاني: أنهم ما جاءوا سارقين، وإنما قالوا: هذه المقالة؛ لأنه كان ظهر من أحوالهم ما يدل على صدقهم، وهو أنهم كانوا مواظبين على أنواع الخير، والطاعة؛ حتى بلغ من أمرهم أنهم سدوا أفواه دوابهم؛ لئلا تؤذي زرع الناس، ومن كانت هذه","vol":"4","page":631},{"text":"صفته فالفساد في حقه ممتنع، وكونهم غير سارقين لأنهم قد كانوا ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، ولم يستحلوا أخذها، ومن كانت هذه صفته فليس بسارق. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿تَاللهِ﴾: متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم. ﴿لَقَدْ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿ما﴾: نافية معلقة للفعل قبلها عن العمل. ﴿جِئْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِنُفْسِدَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ما جِئْنا..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي علمتم المعلق عن العمل لفظا بسبب (ما) النافية، وجملة: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنّا﴾:\nماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿سارِقِينَ﴾: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها.\n\n<span id=\"aya-1670\"></span>﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: المنادي ومن معه. ﴿فَما جَزاؤُهُ..﴾. إلخ: أي: فما جزاء السارق في شريعتكم، وإنما سألوا هذا السؤال ليأخذ يوسف أخاه بشريعة آبائه وأجداده، كما ستعرفه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في قولكم: ما جئنا لنفسد... إلخ، هذا؛ والجزاء والمجازاة: المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ ومن الثاني ما في الآية الكريمة، وكقوله تعالى، وهو كثير: ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل: (إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر) هذا؛ والفعل (جزى يجزي) ينصب مفعولين.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿فَما﴾: الفاء: زائدة، أو هي الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، دل عليه ما بعدها. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جَزاؤُهُ﴾: خبر المبتدأ ويجوز اعتباره مبتدأ مؤخرا، و(ما) خبرا مقدما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم.\n ﴿كُنْتُمْ﴾: ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.\n ﴿كاذِبِينَ..﴾.: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها","vol":"4","page":632},{"text":"ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي:\nإن كنتم كاذبين؛ فما جزاء السارق؟ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1671\"></span>﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال إخوة يوسف: ﴿جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ أي: جزاء السارق في شريعتنا أن يستعبد، ويسترق سنة عقوبة له على جرمه وسرقته، وكان في حكم ملك مصر، وقانونه أن يعزر السارق بالضرب، ويغرم ضعفي قيمة المسروق. ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أي: ما ذكر جزاؤه، وفي هذه الجملة معنى التوكيد. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أي: كذلك نفعل في السارقين إذا سرقوا، هذا؛ وقيل: هذه الجملة من بقية كلام إخوة يوسف، وقيل: هي من كلام أصحابه، ويكون المعنى: نفعل به ما قلتم وحكمتم على أنفسكم؛ إن وجد في رحل أحدكم.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿جَزاؤُهُ﴾: مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿وُجِدَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى الصاع. ﴿فِي رَحْلِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، هذا وجه للإعراب، والوجه الثاني اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازما مبتدأ، والفعل ﴿وُجِدَ﴾ شرطه، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط والجواب في محل رفع خبر ﴿مَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿مَنْ وُجِدَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿جَزاؤُهُ،﴾ الوجه الثالث: اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبتدأ، والجملة الفعلية:\n ﴿وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في الخبر لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ وُجِدَ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿جَزاؤُهُ﴾ هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿جَزاؤُهُ﴾ مبتدأ خبره محذوف، التقدير: جزاء السارق عندنا كجزائه عندكم، كما أجيز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير:\nالمسئول عنه جزاؤه، وهذان وجهان ضعيفان لا يعتد فيهما. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿جَزاؤُهُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ أو في محل جزم جواب الشرط، أو هي مؤكدة لمعنى ما قبلها، وذلك على حسب أوجه الإعراب المتقدمة. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نجزي الظالمين جزاء كائنا مثل جزاء سارق الصاع، واللام للبعد، والكاف حرف","vol":"4","page":633},{"text":"خطاب لا محل له. ﴿نَجْزِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل، مستتر تقديره: «نحن». ﴿الظّالِمِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة... إلخ، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1672\"></span>﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ أي: بدأ المؤذن يفتش رحالهم، وأمتعتهم، وقيل: بدأ يوسف؛ لأنهم ردوا إلى المدينة، وإنما بدأ برحالهم لنفي التهمة، ودفع الشبهة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه. ثم استخرجها من وعاء أخيه: أي: أخرج السقاية، أو الصواع عند من يؤنثه، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا، ولا ينظر وعاء إلا استغفر تأثما مما قذفهم به، حتى لم يبق إلا رحل بنيامين. قال: ما أظن أن هذا أخذ شيئا، قال إخوته: والله لا نتركك حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه، هذا؛ ويقرأ ﴿وِعاءِ﴾ بكسر الواو وضمها، وقلب الواو همزة، ومثله: وشاح ووسادة، فلما رأى إخوة (بنيامين) الصواع يخرج من رحله نكسوا رءوسهم، وظنوا الظنون كلها، وأقبلوا عليه، وقالوا: ويلك يا بنيامين، ما رأينا كاليوم قط، ولدت أمك راحيل أخوين لصين، فقال لهم: والله ما سرقته، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي.\n ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أي: ومثل ذلك الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا به ليوسف، ولفظ الكيد مستعار للحيلة والخديعة، وهذا في حق الله ﷿ محال، فيجب تأويل هذه اللفظة بما يليق بجلال الله ﷾، فنقول: الكيد هنا جزاء الكيد، يعني: كما فعلوا بيوسف في الابتداء فعلنا بهم، فالكيد من الخلق: الحيلة، ومن الله: التدبير بالحق، والمعنى كما ألهمنا إخوة يوسف بأن حكموا أن جزاء السارق أن يسترق؛ كذلك ألهمنا يوسف حتى دس الصواع في رحل أخيه ليضمه إليه على ما حكم به إخوته. انتهى. خازن. وإن اعتبرته من باب المشاكلة؛ فقد اتضح الأمر وزال الخفاء.\nوقال القرطبي: معناه: صنعنا، وهو منقول عن ابن عباس﵄-، وعن القتبي:\nمعناه دبرنا، وقال ابن الأنباري: معناه أردنا، قال الشاعر: [الكامل]\nكادت، وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من عهد الصّبابة ما مضى","vol":"4","page":634},{"text":"وإن أردت الزيادة فانظر الآية رقم [١١٨] من سورة (التوبة). ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: في حكم الملك وقانونه؛ لأن حكمه أن يضرب السارق، ويغرم ضعفي قيمة المسروق، كما رأيت في الآية السابقة، وانظر شرح الدين في الآية رقم [٤٠]. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أي: ما حصل ما ذكر إلا كائنا بمشيئة الله ووحيه وإذنه وإلهامه ليوسف ﵇.\n ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ أي: بالعلم، والإيمان، والحكمة، والتقوى، والصلاح. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾: قال ابن عباس﵄فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى، فالله فوق كل عالم؛ لأنه هو الغني بعلمه عن التعليم، قال ابن الأنباري: يجب أن يتهم العالم نفسه، ويستشعر التواضع لمواهب الله تعالى، ولا يطمع نفسه في الغلبة؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم فوقه.\nالإعراب: ﴿فَبَدَأَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (بدأ): ماض، وفاعله يعود إلى يوسف، أو إلى المؤذن. ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَبْلَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله وأجيز تعليقه بمحذوف حال، و﴿قَبْلَ﴾: مضاف، و﴿وِعاءِ﴾: مضاف إليه، و﴿وِعاءِ﴾: مضاف، و﴿أَخِيهِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية (بدأ...) إلخ مستأنفة لا محل لها، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اِسْتَخْرَجَها﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف، أو إلى المؤذن، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿مِنْ وِعاءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿وِعاءِ﴾: مضاف، و﴿أَخِيهِ﴾: مضاف إليه... إلخ.\n ﴿كَذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: كدنا ليوسف كيدا مماثلا لما قاله إخوته من أخذ السارق واسترقاقه عاما؛ ليتحقق له ما أراد من ضم أخيه إليه، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿كِدْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُوسُفَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمه يعود إلى (يوسف) ﵇.\n ﴿لِيَأْخُذَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى (يوسف). ﴿أَخاهُ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي دِينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و﴿دِينِ﴾: مضاف، و﴿الْمَلِكِ﴾: مضاف إليه، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، التقدير: ما كان مريدا لأخذ أخيه، والجملة الفعلية: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿نَرْفَعُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿دَرَجاتٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه","vol":"4","page":635},{"text":"جمع مؤنث سالم، ودرجات مضاف. و﴿مِنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نرفع درجات الذي أو شخص نشاؤه، هذا؛ وعلى قراءة التنوين. ف ﴿مِنْ﴾ هو المفعول به، ويكون ﴿دَرَجاتٍ﴾ منصوبا بنزع الخافض، التقدير: نرفع في درجات من نشاء رفعه، وجملة: ﴿نَرْفَعُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة مذكورة بحروفها في الآية رقم [٨٣] من سورة (الأنعام). ﴿وَفَوْقَ﴾: الواو: حرف استئناف. (فوق): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، و(فوق): مضاف، و﴿كُلِّ﴾: مضاف إليه، و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿ذِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾: مضاف، و﴿عِلْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا لها.\n\n<span id=\"aya-1673\"></span>﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: إخوة يوسف. ﴿إِنْ يَسْرِقْ﴾ أي: (بنيامين). فقد سرق أخ له من قبل:\nيعنون يوسف ﵇، واختلف في السرقة التي نسبت إليه على أقوال كثيرة: قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: كان لأبي أمه صنم، فسرقه يوسف، وألقاه في الجيف، وقيل: سرق عناقا، أو دجاجة، وأعطاها لسائل، وقيل: أخذ من كنيسة تمثالا من ذهب، وقيل غير ذلك، والصحيح ما ذكره محمد بن إسحاق: أنه كان عند عمته بعد موت أمه راحيل، فحضنته وأحبته حبّا شديدا، فلما كبر أحبه أبوه، وطلبه من عمته، فقالت: لا أعطيكه، فألح عليها، فقالت: دعه عندي أياما أنظر إليه، لعل ذلك يسليني عنه، ففعل ذلك، فعمدت إلى منطقة كانت لأبيها إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر وكانت أكبر أولاد إسحاق، فكانت عندها؛ فشدت المنطقة على وسط يوسف تحت ثيابه، وهو صغير لا يشعر، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، ففتشوا أهل البيت، فوجدوها مع يوسف، فقالت: إنه ليسلم لي عاما، وذلك على الشريعة التي ذكرتها لك من أن السارق يسترق ويحبس عاما، فوافق يعقوب على إبقائه عندها حتى ماتت، فلذا عيره إخوته بالسرقة، قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة، ولكنها تشبه السرقة، فعيروه بها عند الغضب. ﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾. في مرجع الضمير ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعود للكلمة التي بعده، وهي ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ والثاني: أنه يعود للكلمة التي قالوها في حقه، وعليه يكون المعنى: أسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه، والثالث: أن الضمير يعود إلى الحجة، فيكون المعنى: فأسر يوسف ﵇ الاحتجاج عليهم في ادعائهم عليه السرقة، ولم يظهرها لهم. ﴿قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أي: أنتم شر منزلة عند الله ممن رميتموه بالسرقة في","vol":"4","page":636},{"text":"صنيعكم ب (يوسف)؛ لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقة. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أي: بحقيقة ما تقولون وتدعون. وقد قيل: إن إخوة يوسف لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَسْرِقْ﴾:\nفعل الشرط، والفاعل يعود إلى بنيامين، والمفعول محذوف للعلم به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَرَقَ أَخٌ﴾: ماض وفاعله، والمفعول محذوف للعلم به عندهم. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف صفة أخ. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَخٌ﴾: بعد وصفه بما تقدم و﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿فَقَدْ..﴾. إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا إِنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَسَرَّها﴾: الفاء: حرف استئناف. (أسرها):\nماض ومفعوله. ﴿يُوسُفُ﴾: فاعله. ﴿فِي نَفْسِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (أسرها...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم.\n ﴿يُبْدِها﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل يعود إلى يوسف، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف، والجملة الاسمية:\n ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿مَكانًا﴾: تمييز، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر بخلاف ﴿أَعْلَمُ﴾ في الآية رقم [٨٦] فإنه مضارع. ﴿بِما﴾:\nمتعلقان ب ﴿أَعْلَمُ،﴾ على تأويله ب «علم»، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الله عالم بالذي، أو بشيء تصفونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بوصفكم ما تقولون، والجملة الاسمية:\n (الله...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر بشر، والرابط: الواو، والضمير. أو هي معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-1674\"></span>﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾: يخاطبون يوسف ﵇. وكان قد أسند إليه وزارة قطفير بعد موته، وكانوا يخاطبون الوزير بالعزيز كما قد رأيت. ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أي: في","vol":"4","page":637},{"text":"السن أو الجاه أو القدر؛ لأنه نبي من الأنبياء، ذكروا له حاله استعطافا عليه. ﴿فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ﴾: استعبد بدله بمقتضى قانون السرقة في شريعة يعقوب كما تقدم. ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: إلينا فأتمم إحسانك ومعروفك، فهم يريدون أن يصل (بنيامين) إلى أبيه ليعرف حقيقة الأمر.\nبعد هذا انظر القول في الآية رقم [١٨] من سورة (هود)، وانظر شرح ﴿شَيْخًا﴾ في الآية رقم [٧٢] منها، وشرح (أحد) في الآية رقم [٨١] منها أيضا، هذا؛ وأب أصله أبو، فحذفت الواو بعد نقل حركتها إلى الباء قبلها للتخفيف بدليل رجوعها في التثنية، تقول: أبوان، أبوين، ومثله قل في إعلال ﴿أَخٌ﴾ المذكور في الآية السابقة.\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾: انظر الإعراب في الآية رقم [٨٨] الآتية. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر إن مقدم. ﴿أَبًا﴾:\nاسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ﴿شَيْخًا﴾: صفة أولى. ﴿كَبِيرًا﴾: صفة ثانية. ﴿فَخُذْ﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٣] (خذ): أمر والتماس، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَحَدَنا﴾: مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مَكانَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَخُذْ أَحَدَنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وصحيحا فخذ... إلخ. ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣٦]، هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1675\"></span>﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذًا لَظالِمُونَ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ﴾: أعوذ بالله، وأعتصم به، وألجأ إليه في أن نأخذ إلا... إلخ.\nفإن أخذ غيره ظلم على فتواكم وشريعتكم، لم يقل: من سرق؛ تحرزا عن الكذب؛ لأنه يعلم أن أخاه لم يسرق. ﴿إِنّا إِذًا لَظالِمُونَ﴾ أي: إن أخذنا بريئا بذنب غيره.\nتنبيه: قال الخازن: فإن قلت: كيف استجاز يوسف ﵇ أن يعمل مثل هذه الأعمال بأبيه، ولم يخبره بمكانه، وحبس أخاه أيضا عنده مع علمه بشدة وجد أبيه عليه، ففيه من العقوق، وقطيعة الرحم، وقلة الشفقة؟! وكيف يجوز ليوسف على نبينا، وعليه أفضل صلاة وأزكى سلام مع علو منصبه من النبوة والرسالة أن يزور على إخوته، ويروج عليهم مثل هذا مع ما فيه من الإيذاء لهم؛ فكيف يليق به هذا كله؟!.\nقلت: قد ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة كثيرة أحسنها، وأصحها: أنه إنما فعل ذلك بأمر الله تعالى له، لا عن أمره، وإنما أمره الله بذلك بلاء ليعقوب ﵇، فيضاعف له","vol":"4","page":638},{"text":"الأجر على البلاء، ويلحقه بدرجة آبائه الماضين، ولله تعالى في صنعه أسرار لا يعلمها أحد من خلقه، فهو المتصرف بخلقه بما يشاء، وهو الذي أخفى خبر يوسف عن يعقوب طول هذه المدة مع قرب المسافة، لما يريد أن يدبره فيهم، والله أعلم بأحوال عباده. انتهى. بحروفه.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿مَعاذَ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، و﴿مَعاذَ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الناتجة من المصدر الميمي وفعله المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَأْخُذَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر الميمي. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿وَجَدْنا﴾: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب (نا)، و(نا): ضمير متصل في محل رفع فاعل، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات، فيما هو كالكلمة الواحدة، وهكذا قل في إعراب كل فعل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك. مثل وجدت وجدن، ويقال اختصارا:\nفعل وفاعل. ﴿مَتاعَنا﴾: مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿وَجَدْنا﴾ أو هو متعلق بمحذوف مفعول ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَجَدْنا..﴾. إلخ صلة من، أو صفتها. ﴿إِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها.\n ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له، وهو بمعنى حينئذ، وعلى هذا فهو ظرف زمان متعلق بما بعده، والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف (إذ) إليها، وعليه فتقدير الكلام كما يلي:\nإنا لظالمون حين نأخذ غيره به؛ وهو جيد معنى، افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد، والله ولي التوفيق. ﴿لَظالِمُونَ﴾: خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1676\"></span>﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ أي: يئسوا من أخيهم (بنيامين)، وقيل: أيسوا من يوسف أن يرده عليهم، وزيادة السين والتاء للمبالغة، مثل عجب، واستعجب، وسخر واستسخر، هذا؛ وقرئ: «(استايسوا)» بدون همز. ﴿خَلَصُوا﴾: انفردوا، واعتزلوا وحدهم. ﴿نَجِيًّا﴾ أي:","vol":"4","page":639},{"text":"خلا بعضهم إلى بعض يتناجون، وهو بمعنى: متناجين، وإنما وحده لأنه مصدر، أو بزنته، وجمعه أنجية، كما في قول سحيم بن وثيل اليربوعي: [الرجز]\nإنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه\nهناك أوصيني، ولا توصي بيه\nقال كبيرهم: أي: في السن، وهو: «روبيل»، أو في الرأي، وهو «شمعون»، وقال ابن عباس﵄هو: (يهوذا)، وكان أعقلهم. ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾: عهدا وثيقا، وهو ما ذكر في الآية رقم [٦٦] ﴿وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾:\nوالمعنى ألم تعلموا تفريطكم في يوسف من قبل ذلك حتى ضيعتموه. ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾:\nيعني: الأرض التي أنا فيها، وهي أرض مصر. ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ أي: في الخروج من أرض مصر، فيدعوني إليه. ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾: أو يقضي الله بالرجوع منها، أو بخلاص أخي، أو بالمقاتلة معهم بالسيف لإنقاذه. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ أي: لأنه لا يقضي إلا بالحق والعدل.\nروي: أنهم كلموا يوسف في إطلاقه، فقال (روبيل): أيها العزيز! والله لتتركن أخي، أو لأصيحن صيحة تضع الحوامل منها حملها، ووقفت شعور جسده حتى خرجت من ثيابه. فقال يوسف ﵇ لابن له: قم إلى جنبه فمسه، وكان بنو يعقوب على نبينا، وعليه أفضل الصلاة وأزكى التحية والسّلام، إذا غضب أحدهم فمسه واحد منهم سكن غضبه، فقال:\n «روبيل»: من هذا؟ إن في هذا البلد لبذرا من بذر يعقوب. انتهى بيضاوي، هذا؛ ونسب القرطبي ما ذكر إلى يهوذا، مع التطويل الممل.\nالإعراب: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٥٩] ﴿اِسْتَيْأَسُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿مِنْهُ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿خَلَصُوا﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿نَجِيًّا﴾: حال من واو الجماعة، وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿قالَ﴾: ماض. ﴿كَبِيرُهُمْ﴾: فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَعْلَمُوا﴾:\nمضارع مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿أَباكُمْ﴾: اسم (أنّ) منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا﴾ في محل رفع خبر (أنّ). ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان ب ﴿مَوْثِقًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، و(أن) واسمها وخبرها","vol":"4","page":640},{"text":"في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿تَعْلَمُوا﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وانظر قول أبي البقاء في الآية رقم [٦٩]. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ الواو: واو الحال. ﴿(مِنْ قَبْلُ)﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿فَلَمَّا﴾: زائدة. ﴿فَرَّطْتُمْ﴾: فعل وفاعل.\n ﴿فِي يُوسُفَ﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير (قد) قبلها، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿فَلَمَّا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: عطفه على المصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها، التقدير: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم الميثاق، وتفريطكم في يوسف، والثاني:\nعطفه على اسم ﴿أَنَّ،﴾ والثالث: هو في محل رفع مبتدأ مؤخر، و﴿(مِنْ قَبْلُ)﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وهذا فيه ضعف؛ لأن (قبل) إذا وقعت خبرا، أو صلة لا تقطع عن الإضافة، لئلا تبقى ناقصة. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء: حرف استئناف. وقيل: حرف عطف على محذوف، التقدير: سأبقى في مصر ولن أبرحها، وهو تكلف لا حاجة له. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿أَبْرَحَ﴾:\nمضارع منصوب ب (لن)، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يَأْذَنَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد حتى. ﴿لِي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أَبِي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل ﴿يَأْذَنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي بدورها من مقول كبيرهم. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿يَحْكُمَ﴾: معطوف على ﴿أَبْرَحَ﴾ منصوب مثله، وأجيز اعتباره منصوبا ب «أن» مضمرة بعد ﴿أَوْ﴾. ﴿اللهِ﴾: فاعله.\n ﴿لِي﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهُوَ﴾: الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ﴾: خبره، وهو مضاف، و﴿الْحاكِمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1677\"></span>﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ﴾: يعقوب. ﴿فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ﴾: بنيامين. ﴿سَرَقَ﴾:\nإنما قالوا هذه المقالة؛ لأنهم شاهدوا الصواع قد أخرج من رحله، فغلب على ظنهم: أنه سرق، فلذلك نسبوه إلى السرقة. وقرئ «(سُرق)» بضم السين وتشديد الراء المكسورة، أي: نسب إلى","vol":"4","page":641},{"text":"السرقة. ﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا﴾ أي: لم نقل ذلك إلا بعد أن رأينا إخراج الصواع من متاعه. ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أي: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، ويصير أمرنا إلى هذا، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به إلى مصر، وقال ابن عباس﵄-: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه مراقبين، وحافظين.\nالإعراب: ﴿اِرْجِعُوا﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى أَبِيكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَقُولُوا﴾: الفاء: حرف عطف. (قولوا): أمر وفاعله. (يا):\nحرف نداء... إلخ. (أبانا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف... إلخ، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اِبْنَكَ﴾: اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿سَرَقَ﴾: ماض، أو مبني للمجهول، وفاعله أو ونائب فاعله، ضمير يعود إلى ﴿اِبْنَكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: (قولوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، وكلتاهما من مقول كبيرهم.\n ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿شَهِدْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر.\n ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل ﴿شَهِدْنا،﴾ و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا بالذي، أو بشيء علمناه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: إلا بعلمنا، والجملة الفعلية: ﴿وَما شَهِدْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما):\nنافية. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿لِلْغَيْبِ﴾: متعلقان بما بعدها. ﴿حافِظِينَ﴾: خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1678\"></span>﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ أي: واسأل أهل القرية، فقد حذف المضاف للإيجاز، وهذا النوع من المجاز مشهور في كلام العرب، والمراد بالقرية: المدينة التي يقطنها يوسف ﵇، وقال ابن عباس: هي قرية من قرى مصر جرى فيها حديث السرقة والتفتيش. ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أي: واسأل القافلة التي كنا فيها، وكان قد صحبهم في ذهابهم وإيابهم قوم من كنعان من جيران يعقوب. ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ أي: فيما قلناه سواء أنسبتنا إلى التهمة أو لم تنسبنا؟ ففي هذه معنى التأكيد، وانظر شرح العير في الآية رقم [٧٠]. هذا؛","vol":"4","page":642},{"text":"والقرية في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من قريت الماء في المكان جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها: قروي، وقريي.\nالإعراب: ﴿وَسْئَلِ﴾: الواو: حرف عطف. (اسأل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الْقَرْيَةَ﴾: مفعول به، وانظر الشرح لحذف المضاف. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿الْقَرْيَةَ﴾. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و(نا):\nاسمها. ﴿فِيها﴾: متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا فِيها﴾ صلة التي. (العير):\nمعطوف على القرية. ﴿الَّتِي﴾: صفة العير، وجملة: ﴿أَقْبَلْنا فِيها﴾ صلة ﴿الَّتِي﴾. ﴿وَإِنّا﴾: الواو:\nواو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿لَصادِقُونَ﴾: اللام: هي المزحلقة.\n (صادقون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ ومتعلقه محذوف، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، وفيها معنى التأكيد للكلام قبلها، والآية الكريمة بكاملها من قول كبيرهم. تأمل.\n\n<span id=\"aya-1679\"></span>﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ: أي: فرجعوا إلى أبيهم، وقصوا عليه قصة بنيامين، وما قاله كبيرهم أيضا، فأجابهم أبوهم بهذا الجواب، وهو نفس الجواب الذي أجابهم به حينما فعلوا بيوسف ما فعلوا، وجاءوا أباهم عشاء يبكون، انظر الآية رقم [١٨] ففيها الكفاية، والمعنى هنا: سهلت لكم أنفسكم أمرا أردتموه فقررتموه، وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته؟! مع فارق جدير بالذكر، وهو أن يعقوب على نبينا، وعليه أزكى صلاة وأتم تسليم هناك استعان بالله على ما قالوا وذكروا؛ لأنه استشف كذبهم كما رأيت، وهنا رجا الله من فضله أن يرد إليه يوسف وبنيامين، والثالث الذي بقي هناك، وإنما رجا الله ذلك؛ لأنه لما طال حزنه، واشتد بلاؤه، ومحنته علم أن الله سيجعل له فرجا عن قريب، أو أن يعقوب علم بما يجري عليه وعلى بنيه من رؤيا يوسف التي قصها عليه في أول السورة، فلما اشتد البلاء عليه رجا تحقيق تلك الرؤيا، فقال: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ..﴾. إلخ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾: بحزني ووجدي عليهم.\n ﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبيره وتقديره.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب. ﴿سَوَّلَتْ﴾:\nماض، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾: فاعل، والكاف في محل جر","vol":"4","page":643},{"text":"بالإضافة. ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، وجملة: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ..﴾. إلخ معطوفة على كلام مقدر، أي: ليس الأمر كما تدعون، بل سولت... إلخ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: خبر لمبتدإ محذوف وصفته، أي: فحالي وشأني، أو أمري صبر جميل، أو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فصبر جميل أجمل. هذا؛ ويقرأ: «(صبرا جميلا)» على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: فلأصبرنّ صبرا جميلا، والكلام مستأنف على القراءتين. ﴿عَسَى﴾: ماض جامد دال على الرجاء، مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿اللهُ﴾: اسم عسى، و﴿أَنْ يَأْتِيَنِي﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر عسى، ويجب تأويله باسم الفاعل، فيصير التقدير: عسى الله آتيا بهم؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة. ﴿بِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَمِيعًا﴾: حال مؤكدة من الضمير المجرور محلاّ بالباء، وجملة: ﴿عَسَى..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿هُوَ﴾: فيه ثلاثة أوجه: أحدها ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له. الثاني:\n ﴿هُوَ﴾ توكيد لاسم (إن) على المحل، وعليهما ف ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر أول والحكيم خبر ثان ل (إنّ) والثالث: اعتبار الضمير مبتدأ، و﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ خبران له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن)، بعد هذا فالآية بكاملها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1680\"></span>﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾: أعرض يعقوب عن أولاده التسعة كراهة لما سمعه منهم عن بنيامين، فحينئذ تناهى حزنه، واشتد بلاؤه، والإعراض والتولي والإدبار عن الشيء يكون بالجسم كما في هذه الآية، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا، وهو كثير في القرآن الكريم. ﴿وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾: الأسف شدة الحزن على ما فات، وإنما تأسف على يوسف دون أخويه، والحادث رزؤهما؛ لأن رزأه كان قاعدة المصيبات، وقال الخازن: وإنما جدد حزنه على يوسف عند وجود هذه الواقعة؛ لأن الحزن القديم إذا صادفه حزن آخر؛ كان ذلك أوجع للقلب، وأعظم لهيجان الحزن الأول، كما قال متمم بن نويرة لما رأى قبرا جديدا جدد حزنه على أخيه مالك: [الطويل]\nيقول: أتبكي كلّ قبر رأيته... لقبر ثوى بين اللّوى والدّكادك؟\nفقلت له: إنّ الأسى يبعث الأسى... فدعني، فهذا كلّه قبر مالك\nومعنى ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾: يا رب ارحم أسفي على يوسف، بدليل قوله الآتي: ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ هذا؛ وقد قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم يكن عند يعقوب ما","vol":"4","page":644},{"text":"في كتابنا من الاسترجاع، ولو كان عنده لما قال: ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ وقال البيضاوي: وفي الحديث: «لم تعط أمّة من الأمم ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد ﷺ». ألا ترى إلى يعقوب ﵇ حين أصابه ما أصابه، لم يسترجع، وقال: ﴿يا أَسَفى.﴾. إلخ.\n ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾: لم يبصر بهما ست سنين، وإنه عمي، قاله مقاتل، وقيل:\nقد تبيض العين، ويبقى شيء من الرؤية، والله أعلم بحال يعقوب ﵇، وإنما ابيضت عيناه من البكاء، ولكن سبب البكاء الحزن؛ فلهذا قال تعالى: ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾. انتهى. قرطبي.\nوقال البيضاوي: وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع، ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم، وقال: «القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرّبّ، وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». انتهى. والمذموم إنما هو الصياح والنياحة، ولطم الخدود والصدور، وقص الشعور، وشق الثياب ونحو ذلك. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه، ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه، فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه قال الله تعالى:\n ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي: مملوء كربا أو هو فعيل بمعنى فاعل، قال تعالى: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قال قتادة: الكظيم: هو الذي يردد حزنه في جوفه، ولم يقل إلا خيرا، وقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقيا ثمانون سنة لم تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه، وقيل: كانت مدة الفراق أربعين سنة.\nالإعراب: ﴿وَتَوَلّى﴾: الواو: حرف عطف. (تولى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى يعقوب. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مؤكدة من الفاعل المستتر، التقدير: وتولى معرضا عنهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿قالَ بَلْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى يعقوب. ﴿يا أَسَفى﴾:\nمنادى، التقدير: يا أسفا تعال فهذا أوانك، وانظر إعراب: ﴿يا وَيْلَتى﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود)، وانظر إعراب: ﴿يا أَبَتِ﴾ في الآية رقم [٤] وانظر تقدير الكلام في الشرح فإنه يفيد أن أسفا مفعول به لفعل محذوف وأن المنادى محذوف والجملة: ﴿يا أَسَفى﴾ في محل نصب مقول القول.\n ﴿عَلى يُوسُفَ﴾: متعلقان بالأسف؛ لأنه مصدر، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَابْيَضَّتْ﴾: (ابيضت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَيْناهُ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ابيضت ابيضاضا كائنا من الحزن، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.","vol":"4","page":645},{"text":"<span id=\"aya-1681\"></span>﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال إخوة يوسف لأبيهم. ﴿تَاللهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٣] ﴿تَفْتَؤُا﴾ أي: لا تفتأ، فهذا الفعل من أفعال الاستمرار، بمعنى لا تزال، وقد حذفت منه (لا) في جواب القسم؛ لأنه لا يلتبس بالإثبات؛ لأن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات كان على النفي، ومثل الآية في الشعر العربي قول امرئ القيس: [الطويل]\nفقلت: يمين الله أبرح قاعدا... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي\nوحذف (لا) هذه يطرد مع الفعل المضارع، إذا كان جوابا للقسم، قال أحدهم: [الطويل]\nويحذف النّافي مع شروط ثلاثة... إذا كان (لا) مع المضارع في قسم\n ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أي: تالفا، وأصل الحرض: الفساد في الجسم أو العقل من حزن، أو عشق، أو هرم، قال العرجي: [البسيط]\nإني امرؤ لجّ بي حبّ فأحرضني... حتّى بليت، وحتّى شفني السّقم\nهذا؛ والحرض مصدر لا يجمع ولا يثنى، ولا يذكر ولا يؤنث، ويقرأ في الآية بفتح الحاء مع فتح الراء وكسرها وبضمتين مثل جنب. ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ أي: الميتين، وغرضهم منع أبيهم من البكاء والحزن شفقة عليه.\nالإعراب: ﴿قالُوا تَاللهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٣]. ﴿تَفْتَؤُا﴾: مضارع ناقص، واسمه مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، وجملة: ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة:\n ﴿تَفْتَؤُا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بمعنى إلى.\n ﴿تَكُونَ﴾: مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ واسمه مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿حَرَضًا﴾: خبره، و«أن» المضمرة وتكون في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿تَكُونَ﴾: معطوف على ما قبله، منصوب مثله، واسمه تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْهالِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر تكون.\n<span id=\"aya-1682\"></span>﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي﴾: أصل البث: إثارة الشيء وتفريقه، وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والشر، قال ابن قتيبة: البث: أشد الحزن، وذلك لأن الإنسان إذا ستر الحزن وكتمه،","vol":"4","page":646},{"text":"كان هما، فإذا ذكره لغيره، كان بثا، وعلى هذا يكون المعنى: إنما أشكو حزني العظيم وحزني القليل إلى الله لا إليكم، هذا؛ وقد قيل: سميت المصيبة بثّا مجازا، قال ذو الرمة: [الطويل]\nوقفت على ربع لميّة ناقتي... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه\nوأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه... تكلّمني أحجاره وملاعبه\n ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من رحمته وإحسانه أنه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، وفيه إشارة إلى أنه كان يعلم حياة يوسف، ويتوقع رجوعه، وقيل: المعنى: وأعلم أن رؤيا يوسف حق وصدق، وأنا سنجده جميعا، وقيل: قال يعقوب لملك الموت: هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا، فأكد هذا رجاءه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٣].\nروى الحاكم من حديث أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كان ليعقوب أخ مؤاخ، فقال له ذات يوم: يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك؟ وما الذي قوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السّلام، ويقول لك: أما تستحيي أن تشكو إلى غيري...؟!، فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال جبريل: الله أعلم بما تشكو يا يعقوب». انتهى. خازن. وخذ قول القائل: [الكامل]\nوإذا بليت بعسرة فاصبر لها... صبر الكرام فإنّ ذلك أحزم\nلا تشكون إلى العباد فإنّما... تشكو الرّحيم إلى الذي لا يرحم\nهذا؛ وفي الترغيب والترهيب للحافظ المنذري زيادة على ما تقدم في الحديث: (ثم قال يعقوب: أي: رب أما ترحم الشيخ الكبير؟ أذهبت بصري، وقوست ظهري، فاردد عليّ ريحانتيّ أشمهما شمة قبل الموت، ثم اصنع بي ما أردت، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن الله يقرئك السّلام، ويقول لك: أبشر وليفرح قلبك، فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما، فاصنع طعاما للمساكين، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين وتدري: لم أذهبت بصرك وقوست ظهرك، وصنع إخوة يوسف بيوسف ما صنعوا؟ إنكم ذبحتم شاة، فأتاكم مسكين يتيم، وهو صائم فلم تطعموه منها شيئا، قال: فكان يعقوب ﵇ بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى:\nألا من أراد الغداء من المساكين فليتغدّ مع يعقوب، وإن كان صائما أمر مناديا فنادى: ألا من كان صائما من المساكين فليفطر مع يعقوب ﵇.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿أَشْكُوا﴾:\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا».\n ﴿بَثِّي﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها","vol":"4","page":647},{"text":"اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿وَحُزْنِي﴾: الواو:\nحرف عطف. (حزني): معطوف على ما قبله. ﴿إِلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعله المستتر، التقدير: ملتجئا إلى الله. (أعلم): مضارع بخلافه في الآية رقم [٧٧] وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّما..﴾.:\nموصولة، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وأعلم الذي، أو شيئا لا تعلمونه، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1683\"></span>﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: قال القرطبي: هذا يدل على أنه تيقن حياة يوسف، إما بالرؤيا، وإما بإنطاق الله تعالى الذئب كما في أول القصة، وإما بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض روحه، وهو أظهر. انتهى. والتحسس: طلب الخبر بالحاسة، وهو قريب من التجسس بالجيم، وقيل: إن التحسس بالحاء يكون في الخير، والجيم يكون في الشر، ومنه الجاسوس، وهو الذي يطلب الكشف عن عورات الناس.\n ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾: ولا تقنطوا من فرج الله وتنفيسه، وقرئ: «(رُوح)» أي: من رحمته التي يحيي بها العباد، وقيل القراءتان بمعنى واحد. ﴿إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ أي: بالله وصفاته، فإن المؤمن العارف بالله لا يقنط من رحمته تعالى في حال من الأحوال، فيصبر عند البلاء، فينال به خيرا، ويحمد عند الرخاء، فينال به خيرا، والكافر بضد ذلك.\nالإعراب: ﴿يا بَنِيَّ﴾: انظر الآية رقم [٦٧] ﴿اِذْهَبُوا﴾: أمر مبني على حذف النون والواو فاعله، وانظر إعراب ادخلوا في الآية رقم [٦٧]. ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾: الفاء: حرف عطف.\n (تحسسوا): أمر وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ يُوسُفَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. (أخيه).\nمعطوف على يوسف مجرور مثله، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا تَيْأَسُوا﴾: الواو: حرف عطف. ﴿تَيْأَسُوا﴾: مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ رَوْحِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿رَوْحِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه؛ أي: إن الحال والشأن. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَيْأَسُ﴾: مضارع. ﴿مِنْ رَوْحِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿رَوْحِ﴾: مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه. ﴿إِلاَّ﴾: حرف حصر.","vol":"4","page":648},{"text":"﴿الْقَوْمُ﴾: فاعل. ﴿الْكافِرُونَ﴾: صفة القوم مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿لا يَيْأَسُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، والآية بكاملها من قول يعقوب على نبينا، وعليه أفضل صلاة، وأزكى سلام.\n\n<span id=\"aya-1684\"></span>﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: على يوسف، وفي الكلام اختصار وحذف؛ إذ أصل الكلام:\nفخرجوا من عند أبيهم قاصدين مصر، فلما دخلوا عليه. ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ أي: القادر الممتنع، وهو لقب الوزير كما رأيت سابقا، وقيل: هو لقب ملك مصر، وليس بشيء، انظر الآية رقم [٣٠] ﴿مَسَّنا﴾: أصابنا. ﴿وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الجوع والحاجة، والشدة، وأرادوا بأهلهم من خلفهم ومن وراءهم من العيال، وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر، بل واجب على الإنسان أن يشكو ما به من الفقر وغيره إذا خاف على نفسه الضرر إلى من يرجو منه النفع، كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه، ولا يكون ذلك قدحا في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط، والصبر والتجلد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل، وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى، وهو ما قاله يعقوب في الآية [٨٦]. هذا؛ وقيل: الضّر (بضم الضاد) خاص بما في النفس كمرض وهزال، والضّر (بفتح الضاد) شائع في كل ضرر ومصيبة، وفي القاموس المحيط: الضّرّ والضّرّ والضّرر: ضد النفع والشدة والضيق وسوء الحال، النقصان يدخل في الشيء، والجمع: أضرار.\n ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾: رديئة، أو قليلة، ترد وتدفع رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ قيل: كانت البضاعة دراهم زيوفا، وقيل: صوفا وسمنا، وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء، وقيل: الأقط، وقيل: غير ذلك.\n ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي: أعطنا ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد الوافي، وإن كانت بضاعتنا رديئة وغير حسنة. ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أي: تكرم علينا برد أخينا إلى أبينا، والمسامحة وقبول بضاعتنا الرديئة. ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾: أحسن الجزاء في الآخرة، قال الضحاك:\nلم يقولوا: إن الله يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن.\nروي أن يعقوب ﵇ كتب كتابا إلى يوسف ﵇ حين حبس عنده بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله!، ابن إبراهيم خليل الله إلى ملك مصر، أما بعد، فإنا أهل بيت وكّل بنا البلاء، أما جدي، فشدت يداه ورجلاه، وألقي في النار، فجعلها الله عليه بردا","vol":"4","page":649},{"text":"وسلاما، وأما أبي فشدت يداه ورجلاه، ووضعت السكين على قفاه، ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن، وكان أحب أولادي إلي، فذهب به إخوته إلى البرية، ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم، وقالوا: قد أكله الذئب، فذهبت عيناي، ثم كان لي ابن آخر، وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى به، وإنك حبسته، وزعمت: أنه سرق، وإنا أهل بيت لا نسرق، ولا نلد سارقا، فإن رددته إلي، وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك، فلما قرأه يوسف ﵇؛ اشتد بكاؤه، وعيل صبره، وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ..﴾. إلخ الآية التالية.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٥٩] وجملة: ﴿دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿يا أَيُّهَا﴾: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد وهو عوض عن المضاف إليه. ﴿الْعَزِيزُ﴾: بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل أن الاسم الواقع بعد أي: واسم الإشارة، إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني: (أي) منصوب محلاّ، فكذا التابع، أعني ﴿الْعَزِيزُ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منعا من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع لا إعراب ولا بناء، وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو يدعى، وهو مع ما فيه من التكليف يؤدي إلى قطع المتبوع، وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى بال، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه توصلوا إلى ندائه بأي، أي: مع قرنها بحرف التنبيه، ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له، والإعراب السائد الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ. ﴿مَسَّنا﴾: ماض؛ و(نا): مفعول به. (أهلنا): معطوف على (نا)، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الضُّرُّ﴾: فاعل مسنا. (جئنا): فعل وفاعل. ﴿بِبِضاعَةٍ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُزْجاةٍ﴾: صفة بضاعة. ﴿فَأَوْفِ﴾: الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٣] (أوف): أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الياء، وفاعله مستتر فيه تقديره:\n «أنت». ﴿أَهْلَنَا﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَيْلَ﴾: مفعول به، وجملة: (أوف...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكرنا واقعا؛ فأوف... إلخ، وجملة:\n ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها.","vol":"4","page":650},{"text":"﴿يَجْزِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء... إلخ، والفاعل مستتر تقديره:\n «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، والكلام ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1685\"></span>﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: هل تذكرون ما فعلتم بيوسف من إرادة قتله، وإهانته ثم بيعه كما تباع العبيد، وما فعلتم من إهانة بنيامين وإذلاله، وتنغيص عيشه بعده؟ وهذا بعد أن قرأ كتاب أبيه الذي ذكرته لك في الآية السابقة، وكلامه هذا تصديق لوعد الله تعالى إليه ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ الآية رقم [١٥] ﴿إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أي:\nقبح فعلكم، أو عاقبته، أو فعلتم ما فعلتم في وقت الصبا والطيش، فيكون هذا كالعذر لهم، وحثّا لهم على التوبة، وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتذللهم، لا معاتبة وتوبيخا، والأول أولى، وانظر ﴿تَجْهَلُونَ﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى يوسف. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام وتذكير وتوبيخ. ﴿عَلِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nهل علمتم الذي أو شيئا فعلتموه، واعتبارها مصدرية ضعيف. ﴿بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: انظر إعرابهما في الآية رقم [٨٧]. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل فعلتم، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والكلام ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-1686\"></span>﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾: هذه القراءة على الاستفهام، قال ابن عباس -﵄-: لما قال لهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؛ تبسم، فرأوا ثناياه كاللؤلؤ تشبه ثنايا يوسف، فشبهوه بيوسف، فقالوا استفهاما: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ،﴾ وقرئ:\n «(إنك لأنت يوسف)» على الخبر، وقال فيه ابن عباس، أيضا في رواية عنه: إنهم لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان له في قرنه علامة تشبه الشامة، وكان ليعقوب، ولإسحاق، ولسارة مثلها فعرفوه بها، وقالوا: أنت يوسف؛ قال: أنا يوسف: أي: المظلوم، والمراد قتله، ولم","vol":"4","page":651},{"text":"يقل: أنا هو تعظيما وتفخيما لما صنعوا به من القبائح والمساوئ. ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي:\nبالسلامة وكل عز في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾: الله، ويبتعد عن الفواحش. ﴿وَيَصْبِرْ﴾:\nعلى البلاء والطاعات، وعن المعاصي والسيئات، والهاء ضمير الشأن. ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: وضع سبحانه المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين، والصابرين، وقيل: من يتق مولاه، ويصبر على بلواه فإن الله لا يضيع أجره في دنياه وأخراه.\nتنبيه: قرأ ابن كثير «(يتقي)» بإثبات الياء، وفيها توجيهان: الأول اعتبار ﴿مَنَّ﴾ اسما موصولا، وحينئذ يرفع (يصبر) ومن قرأ بتسكينه مع إثبات الياء يكون قد سكن للتخفيف، والتوجيه الثاني اعتبار ﴿مَنَّ﴾ شرطية، وثبوت الياء لغة، فقيل: هذه الياء للإشباع، وياء العلة محذوفة، وقيل: هذه الياء أصلية، بناء على قول من يجزم المعتل بالحركة المقدرة، ويقر حرف العلة على حاله، ومثل الآية الكريمة قول قيس بن زهير العبسي: [الوافر]\nألم يأتيك، والأنباء تنمي... بما لاقت لبون بني زياد؟\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَإِنَّكَ﴾: الهمزة: حرف استفهام.\n (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَأَنْتَ﴾: اللام: هي المزحلقة. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُوسُفُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) وجوز اعتبار الضمير فصلا، ولا وجه له، والجملة الاسمية: (إنك...) إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿يُوسُفُ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَخِي﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ قال أبو البقاء: مستأنفة، وقيل: هي حال من ﴿يُوسُفُ﴾ و﴿أَخِي،﴾ وفيه بعد لعدم العامل في الحال، و﴿أَنَا﴾ لا يعمل في الحال، ولا يصح أن يعمل فيه (هذا)؛ لأنه إشارة لواحد، و﴿عَلَيْنا﴾ راجع إليهما جميعا. انتهى، والجملة الاسمية: ﴿وَهذا أَخِي﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿مَنَّ﴾: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَّقِ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل يعود إلى ﴿مَنَّ﴾. (يصبر): معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿مَنَّ﴾ أيضا. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ) حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾: اسم (إنّ) والجملة الفعلية: ﴿لا يُضِيعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾.","vol":"4","page":652},{"text":"إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنَّ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، هذا؛ وعلى اعتبار ﴿مَنَّ﴾ موصولة فهي مبتدأ؛ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في خبر المبتدأ؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وانظر ما ذكرته في الشرح، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وقال الفارسي: من موصولة، فلهذا أثبتت الياء في (يتقي) وإنها ضمنت معنى الشرط ولذلك دخلت الفاء في الخبر، وجزم يصبر على توهم معنى ﴿مَنَّ﴾. انتهى.\n\n<span id=\"aya-1687\"></span>﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي: فضّلك الله علينا، واختارك بالعلم والحلم، والحكم والعقل والملك، وحسن الصورة، وكمال السيرة، والإيثار التفضيل ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يفضلون غيرهم على أنفسهم. ﴿وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أي: والحال أننا كنا مذنبين بما فعلنا معك، ولذا أعزك الله بالملك، وأذلنا بالتمكن بين يديك، هذا؛ و(خاطئين) اسم فاعل من خطئ الثلاثي، ومخطئين من أخطأ الرباعي، والفرق بينهما أن يقال: خطئ خطأ إذا تعمد، وأخطأ إذا كان غير معتمد.\nالإعراب: ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾: انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٧٣]. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة مهمل لا عمل له. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿لَخاطِئِينَ﴾: اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات وهي لازمة. (خاطئين): خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَإِنْ كُنّا..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من (نا) المجرورة محلاّ ب «على»، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-1688\"></span>﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: لا تعيير ولا توبيخ، ولا لوم عليكم اليوم، وقال البيضاوي: لا تأنيب عليكم، تفعيل من الثرب، وهو الشحم الذي يغشى الكرش للإزالة كالتجليد، فاستعير للتقريع، الذي يمزق العرض، ويذهب ماء الوجه. ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ..﴾. إلخ:\nهذه جملة دعائية، بعد أن صفح عنهم دعا لهم بالمغفرة. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾: فإنه يغفر الذنوب الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب بمنه وكرمه، هذا؛ ومن كرم يوسف على نبينا،","vol":"4","page":653},{"text":"وعليه أفضل صلاة، وأزكى سلام: أنهم لما عرفوه أرسلوا إليه، وقالوا: إنك تدعونا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك، فقال: إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بكم، وعظمت في عيونهم حيث علموا أنكم إخوتي، وأني من حفدة إبراهيم ﵇.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل إن.\n ﴿تَثْرِيبَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ تقديره: موجود. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان، وفي متعلقه قولان: أحدهما أنه يرجع إلى ما قبله، أي: إنه متعلق بما تعلق به ﴿عَلَيْكُمُ،﴾ وعليه فالوقف على آخره، والثاني أنه متعلق بما بعده، وعليه فالوقف ﴿عَلَيْكُمُ﴾ ورجح القرطبي الأول؛ لأن الابتداء ب ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ جزم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بين. انتهى. بتصرف. والجملة الفعلية: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ مستأنفة على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير، هذا؛ والكلام ﴿لا تَثْرِيبَ..﴾.\nإلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1689\"></span>﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا..﴾. إلخ: هذا بعد أن عرفهم يوسف نفسه، وسألهم عن حال أبيه، فقالوا: ذهب بصره من كثرة بكائه عليك، فأعطاهم قميصه، وقال لهم: ﴿اِذْهَبُوا..﴾.\nإلخ، وانظر شأن القميص في الآية رقم [١٥] وإنما أرسل القميص إلى أبيه بأمر من جبريل ﵇.\nقال الحسن: لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره، وكان الذي حمل القميص يهوذا، قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب، فأحزنته، وأنا أحمله الآن لأسره، وليعود إليه بصره فحمله، حكاه السدي. انتهى. قرطبي. حمله، وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا. ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: بنسائكم وذراريكم ومواليكم؛ لتتخذوا مصر دارا وقرارا، قال مسروق: فكانوا ثلاثة وتسعين ما بين رجل وامرأة.\nالإعراب: ﴿اِذْهَبُوا﴾: أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِقَمِيصِي﴾: متعلقان بما قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من واو الجماعة. التقدير: اذهبوا ومعكم قميصي:\nوعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر","vol":"4","page":654},{"text":"بالإضافة. ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة (قميصي)، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿فَأَلْقُوهُ﴾: (ألقوه): أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى وَجْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما، و﴿وَجْهِ﴾: مضاف، و﴿أَبِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿يَأْتِ﴾: مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تلقوه... يأت، وعلامة جره حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿أَبِي﴾. ﴿بَصِيرًا﴾: حال من الفاعل المستتر.\n ﴿وَأْتُونِي﴾: الواو: حرف عطف. (ائتوني): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به ﴿بِأَهْلِكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد لما قبله مجرور، وعلامة الجر الياء... إلخ بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول، سواء الجمل معطوفة ومعطوفا عليها.\n\n<span id=\"aya-1690\"></span>﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: خرجت من عريش مصر، يقال: فصل من البلد فصولا، إذا انفصل منه، وجاوز حيطانه، وهذا الفعل يكون لازما ومتعديا، وانظر شرح العير في الآية رقم [٧٠] ﴿قالَ أَبُوهُمْ﴾ أي: لمن حضره من أحفاده ونسائه. ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أي:\nلأشم رائحته، قيل: إن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير، وكانت المسافة ثلاث ليال، وقيل: مسيرة ثماني ليال، وقال الحسن: مسيرة عشر ليال.\n ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي: تنسبوني إلى الفند، وهو نقصان العقل بسبب الهرم، وهو ما يسمى بالخرف، وقيل: تسفهوني، وقيل: تجهلوني، وقيل: تغلطوني، قال رجل يخاطب ابنه: [الطويل]\nوسمّيتني باسم المفنّد رأيه... وفي رأيك التّفنيد لو كنت تعقل\nوخذ قول دعبل الخزاعي: [البسيط]\nما أكثر النّاس، لا بل ما أقلّهم... الله يعلم أنّي لم أقل فندا\nإنّي لأغمض عيني ثمّ أفتحها... على كثير، ولكن لا أرى أحدا\nوفي القاموس: الفند بالتحريك: الخرف، وإنكار العقل لهرم، أو مرض، والخطأ في الرأي، والقول، والكذب، ولا تقل: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن ذات رأي: أبدا، انتهى.\nيريد: أنها لم تكن في شبابها ذات رأي، فتفند في كبرها، أقول: قد كان منهن ذات رأي: آسية ومريم، وخديجة الكبرى.","vol":"4","page":655},{"text":"تنبيه: قال أهل المعاني: إن الله تعالى أوصل ريح يوسف إلى يعقوب ﵉ عند انقضاء مدة المحنة من المكان البعيد، ومنع وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة، وذلك يدل على أن كل سهل في مدة المحنة صعب، وكل صعب زمن الإقبال سهل.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا﴾: الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى (حين) عند ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني، والجملة الفعلية: ﴿فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وهي ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿قالَ﴾: ماض. ﴿أَبُوهُمْ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. اللام: هي المزحلقة. (أجد):\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿رِيحَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، ويوسف مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة:\n (أجد...) إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَوْلا﴾: حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب.\n ﴿تُفَنِّدُونِ﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: لولا تفنيدكم لي أو إياي موجود، وجواب لولا محذوف أيضا، تقديره: لصدقتموني، ولولا ومدخولها في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1691\"></span>﴿قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الحاضرون عند يعقوب من أحفاده ونسائه وقرابته، وقيل: إن الذي قال له ذلك من بقي معه من ولده، ولم يرجع إلى يوسف. ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: لفي ذهابك عن الصواب قديما في إفراط محبتك ليوسف، أو في خطئك القديم من حب يوسف، وكان عندهم أنه قد مات، وتفسير الضلال بما ذكر هو الحق، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿قالُوا تَاللهِ﴾: انظر الآية رقم [٧٣] ففيها الشرح والإعراب. ﴿إِنَّكَ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَفِي ضَلالِكَ﴾: اللام: هي المزحلقة. ﴿(لَفِي ضَلالِكَ)﴾: متعلقان بمحذوف","vol":"4","page":656},{"text":"خبر (إن)، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْقَدِيمِ﴾: صفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1692\"></span>﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ أي: المبشر بخبر يوسف، وهو يهودا كما رأيت في الآية رقم [٩٣] ﴿أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ أي: ألقى قميص يوسف على وجه يعقوب، وكان قد سبق العير.\n ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي: فرجع بصيرا بعد أن كان قد عمي، وعادت إليه قوته بعد الضعف، وسروره بعد الحزن. قال: ألم أقل... إلخ: ذكرهم بقوله لهم في الآية رقم [٨٦]. روي أن يعقوب قال للبشير: كيف تركت يوسف؟ قال: تركته ملك مصر، قال: وما أصنع بالملك؟! على أي:\nدين تركته؟ قال: على دين الإسلام، أي: دين التوحيد، قال: الآن تمت النعمة، ويقال: إن يعقوب ﵇ علم البشير كلمات مكافأة له على بشارته، كان قد ورثها عن أبيه إسحاق، وهو عن أبيه إبراهيم على نبينا، وعليهم جميعا أفضل صلاة، وأزكى سلام، وهي: «يا لطيفا فوق كلّ لطيف! الطف بي في أموري كلّها كما أحبّ، ورضّني في دنياي وآخرتي» هذا؛ وزيدت ﴿أَنْ﴾ بعد لما في هذه الآية للتوكيد، أكدت وجود الفعلين، مرتبا أحدهما على الآخر، كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمن، كأنه قيل: لما أحسّ بمجيء البشير؛ فاجأه بإلقاء القميص على وجهه، من غير ريث خيفة عليه من الخيبة وقطع الأمل من مجيء يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كما زيدت ﴿أَنْ﴾ بعد (لما) في الآية رقم [١٩] من سورة (القصص)، وفي الآية رقم [٣٣] من سورة (العنكبوت)، علما بأنها لم تزد في الآية رقم [٧٧] من سورة (هود).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٩٤] ﴿أَنْ﴾: زائدة، وجملة: ﴿جاءَ الْبَشِيرُ﴾ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وهي ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا وهو الراجح لوجود الفاصل بينها وبين الجملة المضافة إليها، وعلى إبقاء (لمّا) على ظرفيتها، فهذه الآية ترجح تعليق لما بفعل شرطها لوجود الفاصل المذكور.\n ﴿أَلْقاهُ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى البشير، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها. ﴿عَلى وَجْهِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَارْتَدَّ﴾: الفاء: حرف عطف. (ارتد): ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب.\n ﴿بَصِيرًا﴾: حال من الفاعل المستتر، وهذا على اعتبار (ارتد) بمعنى رجع، وأما إذا كان بمعنى صار، فهو ناقص، والمستتر اسمه، و﴿بَصِيرًا﴾ خبره، وجملة: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ معطوفة على جواب","vol":"4","page":657},{"text":"لما، لا محل لها مثله، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتقرير وتوبيخ. (لم): حرف نفي وقلب وجزم.\n ﴿أَقُلْ﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنِّي﴾: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها، وجملة ﴿أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، وانظر إعرابها في الآية رقم [٨٦] والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، وانظر ما ذكرته عن أبي البقاء في الآية رقم [٦٩].\n\n<span id=\"aya-1693\"></span>﴿قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا أَبانَا..﴾. إلخ: في الكلام حذف، التقدير: فلما رجعوا من مصر، ودخلوا على يعقوب؛ قالوا... إلخ. والمعنى اسأل الله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا التي اجترحناها بسبب ما فعلنا بك وبيوسف لأننا كنا مخطئين في عملنا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩١]، هذا فقد اعترفوا بذنبهم، ومن حق المعترف له بالذنب أن يصفح عن المسيء ويسأل الله له المغفرة.\nقال القرطبي: وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلما في نفسه، أو ماله، أو غير ذلك ظالما له، فإنه يجب عليه أن يتحلل له، ويخبره بالمظلمة وقدرها، وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه، أو شئ فليحلّله منه اليوم قبل ألاّ يكون دينار، ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه، فحمل عليه».\nالإعراب: ﴿قالُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (أبانا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿اِسْتَغْفِرْ﴾: أمر والتماس، والفاعل تقديره: «أنت».\n ﴿لَنا﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَنا﴾: مفعول به، و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿أَبانَا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها.\n ﴿خاطِئِينَ﴾: خبر كان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا خاطِئِينَ..﴾. في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿أَبانَا..﴾. إلخ تعليل للأمر، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-1694\"></span>﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾: أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريا لوقت الإجابة، أو إلى أن يستحل لهم من يوسف، أو يعلم أنه عفا عنهم،","vol":"4","page":658},{"text":"فإن عفو المظلوم شرط المغفرة، ويؤيده ما روي: أنه استقبل القبلة قائما يدعو، ويوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين حتى نزل جبريل ﵇، فقال: إن الله تعالى قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة، وهو إن صح فدليل على نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل استنبائهم. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾: لذنوب عباده. ﴿الرَّحِيمُ﴾:\nبجميع خلقه.\nقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منه إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ..﴾. وقول يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿قالَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى يعقوب. ﴿سَوْفَ﴾: حرف تسويف واستقبال.\n ﴿أَسْتَغْفِرُ﴾: مضارع والفاعل مستتر فيه تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي﴾:\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٨٣]، والكلام ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1695\"></span>﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾: قيل: إن يوسف ﵇ بعث مع البشير مائتي راحلة وجهازا وأموالا، وسأل أباه أن يأتيه بأهله وولده جميعا، واستقبله يوسف، والملك، وأهل مصر، وكان أولاد يعقوب الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلا وامرأة، وقال مسروق: كانوا ثلاثة وتسعين، وكانوا حين خرجوا مع موسى وهارون ﵉ ستمائة ألف، وخمسمائة، وبضعة وسبعين رجلا سوى الذرية والهرمى التي بلغت ألف ألف ومائتي ألف بعد أن أقاموا أربعمائة سنة.\nوقال المرحوم عبد الوهاب النجار: وكان بين ورودهم إلى مصر، وخروجهم منها على يد موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام خمس عشرة سنة، ومائتا سنة على ما حققه رحمة الله الهندي. انتهى. وأعتمد الأول.\nوفي قوله تعالى: ﴿أَبَوَيْهِ﴾ تغليب الأب على الأم، وكذا في (والديه) تغليب أيضا، والمراد بأبويه هنا: أبوه وخالته (ليّا) لأن أمه (راحيل) توفيت في نفاس (بنيامين)، فنزلت الخالة منزلة الأم تكريما وتعظيما، كما أن العم ينزل منزلة الأب لذلك، هذا؛ والمراد بالدخول الأول: دخول","vol":"4","page":659},{"text":"أرض مصر حين استقبلهم، والمراد بالدخول الثاني دخول قصره الذي يسكنه، وقيل بالعكس، فيكون في الكلام تقديم وتأخير، ويكون الاستثناء بالمشيئة مقارنا لدخولهم أرض مصر، وهو الذي يقتضيه المقام، و﴿آمِنِينَ﴾ أي: من المكاره، والمظالم، وقيل: إن الناس كانوا يخافون من ملوك مصر، فلا يدخلها أحد إلا بجوارهم، فقال لهم يوسف: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ..﴾. إلخ.\nتنبيه: خرج يوسف لاستقبال أبيه بعسكره وحشمه وأبهته، وكان يعقوب يمشي، وهو يتوكأ على يد ابنه يهوذا، فلمّا نظر إلى الخيل والناس؛ قال: يا يهودا هذا فرعون مصر، قال: لا بل هذا ابنك يوسف، فلما دنا كل واحد من صاحبه أراد يوسف أن يبدأ يعقوب بالسلام، فقال له جبريل: خل يعقوب يبدأ بالسلام، فقال يعقوب: السّلام عليك يا مذهب الأحزان! وقيل: إنهما نزلا، وتعانقا، وفعلا كما يفعل الوالد بولده، والولد بوالده، وبكيا، وقيل: إن يوسف قال لأبيه: يا أبت بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى، ولكن خشيت أن يسلب دينك، فيحال بيني وبينك.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٩٤] وجملة: ﴿دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وهي ابتدائية لا محل لها على اعتبارها حرفا. ﴿آوى﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما.\n ﴿أَبَوَيْهِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آوى..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى (يوسف).\n ﴿اُدْخُلُوا﴾: أمر، وفاعله، والألف للتفريق، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٦٧] ﴿مِصْرَ﴾: ظرف مكان متعلق بما قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام).\n ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿شاءَ﴾: ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.\n ﴿اللهُ﴾: فاعله، وهذا الشرط لا جواب له، فيما أرى؛ لأن المعنى بمشيئة الله، وقد اختلف في هذه المشيئة، فقيل: هي من متعلق قول يعقوب ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ،﴾ وقيل: هي من متعلق الدخول، وقيل: هي من متعلق ﴿آمِنِينَ﴾ وعليه وعلى الأول في الكلام تقديم وتأخير، واعتراض بين متلازمين. ﴿آمِنِينَ﴾: حال من واو الجماعة منصوب؛ وعلامة نصبه الياء... إلخ وجملة المشيئة معترضة بين الحال وصاحبها، فهي للتبرك، وليست للتعليق، وجملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"4","page":660},{"text":"<span id=\"aya-1696\"></span>﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: على السرير الذي كان يوسف يجلس عليه، والرفع النقل إلى العلو. ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: سقط يعقوب وزوجته (ليّا) وبنوه سجدا ليوسف ﵇، وكانت تحية الناس يومئذ السجود وهو الانحناء والتواضع، ولم يرد به حقيقة السجود من وضع من وضع الجبهة على الأرض على سبيل العبادة، وقد استجاز يوسف أن يسجد له أبوه، وهو أكبر منه، وأعلى منصبا في النبوة والشيخوخة بأمر الله تعالى لتحقيق رؤياه التي رأيتها في أول السورة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (الحجر)، وقيل: المعنى خروا لأجله سجدا، لله شكرا، وقيل: الضمير في ﴿لَهُ﴾ لله تعالى، والمعتمد الأول.\nوقال: ﴿يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: التي رأيتها في الصغر في نومي. ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أي: حققها في اليقظة، اختلفوا في المدة التي كانت بين رؤياه وتأويلها على أقوال كثيرة، أشهرها أنها كانت ثمانين سنة، وعن الحسن أن عمر يوسف يوم ألقي في الجب كان سبع عشرة سنة، وأقام في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، وأقام مع أبيه وإخوته وأقاربه ثلاثا وعشرين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.\nوأقام يعقوب بمصر أربعا وعشرين سنة في أحسن حال، ومات بمصر، وأوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق بالشام ففعل، ثم انصرف إلى مصر، قال سعيد بن جبير: نقل يعقوب على نبينا، وعليه أفضل صلاة، وأزكى سلام في تابوت من ساج إلى بيت المقدس، ووافق ذلك يوم مات عيصو أخوه، فدفنا في قبر واحد؛ وكانا قد ولدا في بطن واحد.\n ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أي: أنعم علي، وأحسن بي وإليّ بمعنى واحد. ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾:\nلم يقل من الجب استعمالا للكرم والمروءة، لئلا يذكر إخوته صنيعهم به بعد عفوه عنهم بقوله:\n ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن كانت أعظم من إخراجه من الجب، وسبب ذلك أن خروجه من الجب كان سببا لحصوله في العبودية والرق، وخروجه من السجن كان سببا لوصوله إلى الملك والسيادة والعزة. ﴿وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: من البادية، والبدو في الأصل: البسيط من الأرض، يبدو الشخص فيه من بعد، أي: يظهر، والبدو خلاف","vol":"4","page":661},{"text":"الحضر، والبادية خلاف الحاضرة، وكان يعقوب وأولاده أصحاب ماشية فسكنوا البادية، أي:\nوهم في الأصل من أهل الحاضرة؛ لأن الله لم يبعث نبيا من أهل البادية، وقيل: إنهم خرجوا إلى بدا، وهو موضع، وإياه عنى جميل بثينة بقوله: [الطويل]\nوأنت التي حبّبت شغبا إلى بدا... إليّ وأوطاني بلاد سواهما\nفشغب وبدا موضعان، وليعقوب بهذا الموضع مسجد حتى جبل بدا. انتهى. قرطبي.\n ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد ما بيني وبين إخوتي، أحال ذنبهم على الشيطان تكرما، وهذا على سبيل المجاز، لا على الحقيقة؛ لأن الفاعل المطلق المختار هو الله تعالى، وليس للشيطان مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش، لإفساد ذات البين، وذلك بإقدار الله إياه على ذلك. هذا؛ والنزغ، والنخس، والنسغ، والنفر، والهمز، والوسوسة ألفاظ مترادفة، قال تعالى: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الآية رقم [١٩٩] من سورة (الأعراف)، فقد شبه الله سبحانه وسوسة الشيطان، وإغواءه للناس بنخس السائق دابته بشيء؛ لتسير. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾: لطيف التدبير له؛ إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته، ويتسهل دونها، وقال الخطابي: اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون، كقوله تعالى: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾: بوجود المصالح والتدبير. ﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يفعل كل شيء في وقته على وجه يقتضي الحكمة.\nروي: أن يوسف طاف بأبيه ﵉ في خزائنه، فلما أدخله خزانة القراطيس، قال:\nيا بني ما أعقك! عندك هذه القراطيس، وما كتبت إلي على ثماني مراحل، قال: أمرني جبريل ﵇، قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني، فسأله، فقال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فقال: فهلا خفتني.\nالإعراب: ﴿وَرَفَعَ﴾: الواو: حرف عطف. (رفع): ماض، وفاعله يعود إلى (يوسف).\n ﴿أَبَوَيْهِ﴾: مفعول به منصوب... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها. (خروا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿سُجَّدًا﴾: حال من واو الجماعة، وجملة: (خروا...) إلخ معطوفة على ما قبلها. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى يوسف. ﴿يا أَبَتِ﴾: انظر الشرح والإعراب في الآية رقم [٤] ﴿هذا﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿تَأْوِيلُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿رُءْيايَ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر وياء","vol":"4","page":662},{"text":"المتكلم في محل جر بالإضافة: من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُءْيايَ،﴾ والعامل اسم الإشارة، أو هما متعلقان ب ﴿رُءْيايَ،﴾ وقول الجمل: متعلقان بمحذوف صفة ل ﴿رُءْيايَ،﴾ أي: رؤياي الكائنة من قبل، أي: من قبل الحوادث التي وقعت، لا وجه له؛ لأن رؤياي معرفة. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جَعَلَها﴾:\nماض ومفعوله. ﴿رَبِّي﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم\nإلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَقًّا﴾:\nصفة مفعول مطلق محذوف، أي: جعلا حقّا، أو هو مفعول به ثان على اعتبار (جعل) من أفعال التصيير، ويجوز أن يكون حالا، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا من غير لفظ الفعل، بل من معناه؛ لأن جعلها بمعنى حققها، وحقّا في معنى تحقيق. انتهى. عكبري، وجملة: ﴿قَدْ جَعَلَها..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿رُءْيايَ﴾ والرابط الضمير فقط. ﴿وَقَدْ﴾: الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق... إلخ. ﴿أَحْسَنَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبِّي﴾. ﴿رَبِّي﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، واعتبره الجمل حرف تعليل. ﴿أَخْرَجَنِي﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ربي، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، أو هي للتعليل لا محل لها. ﴿مِنَ السِّجْنِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ربي، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة. (جاء): ماض والفاعل يعود إلى ربي. ﴿بِكُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾: متعلقان بما قبلهما أيضا.\n ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: كل ذلك من بعد، وهذه الجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الكلام السابق. وجملة: (جاء...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخْرَجَنِي﴾ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري ونصب. ﴿نَزَغَ﴾:\nماض في محل نصب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿الشَّيْطانُ﴾: فاعله. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، ﴿وَبَيْنَ﴾: معطوف على ما قبله، و(بين) مضاف. و﴿إِخْوَتِي﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، و﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل ﴿نَزَغَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه، التقدير: من بعد نزغ الشيطان... إلخ. ﴿أَنْ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي﴾: اسمها منصوب... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَطِيفٌ﴾: خبر (إن). ﴿لِما﴾: متعلقان ب ﴿لَطِيفٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط","vol":"4","page":663},{"text":"محذوف، التقدير: لطيف للذي، أو لشيء يشاؤه. ﴿يا أَبَتِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1697\"></span>﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ أي: بعض الملك، وهو ملك مصر فقط. ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي: فهم الكتب، أو علم تعبير الرؤيا، كما رأيت فيما سلف، و﴿مِنَ﴾ أيضا للتبعيض لأنه لم يؤت كل التأويل. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، وأصل الفطر: الشق، يقال: فطر ناب البعير: إذا شق وظهر، وفطر الله الخلق أوجده وأبدعه. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: معيني ومتولي أموري وناصري. ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾:\nموحدا، وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام الحادثة التي جاء بها محمد ﷺ، وانظر الكلام الشافي على ذلك في الآية رقم [٦٧] من سورة (آل عمران). ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾: من آبائي وأجدادي، أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة. فإذا قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين؟ وقد تمنى ذلك سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ذلك بقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ!﴾ أجيب: بأن الصالح الكامل، هو الذي لا يعصي الله، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب في سورة (النمل).\nبعد هذا قال قتادة: لم يتمنّ الموت أحد، نبيّ ولا غيره إلا يوسف ﵇ حين تكاملت عليه النعم، وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربه ﷿، وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام، أي: إذا جاء أجلي توفني مسلما، وهذا قول الجمهور، وقال سهل بن عبد الله التستري: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفر من أقدار الله عليه، أو مشتاق محب للقاء الله ﷿. وثبت في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل به، فإن كان لا بدّ متمنّيا، فليقل: اللهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي». رواه مسلم.\nتنبيه: ذكرت لك فيما مضى عمره، وأولاده، وأضيف: أنه لما مات تشاح الناس فيه، فطلب كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى هموا أن يقتتلوا، ثم اتفقوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر، وأن يدفنوه في النيل بحيث يجري الماء عليه، ويتفرق عنه، وتصل بركته، إلى الناس أجمعين، فبقي إلى أن أخرجه موسى ﵊، وحمله معه حتى دفنه بقرب آبائه بالشام في الأرض المقدسة، وكان قد أوصى بذلك قبل وفاته، فسبحان من لا انقضاء لملكه!.","vol":"4","page":664},{"text":"الإعراب: ﴿رَبِّ﴾: منادى حذف منه حرف النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وانظر الآية رقم [٣٣]. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْتَنِي﴾: ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، ﴿وَعَلَّمْتَنِي﴾:\nفعل وفاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة للمفعول الثاني، التقدير: شيئا عظيما من الملك، وشيئا عظيما من الأحاديث، وقيل: ﴿مِنَ﴾ زائدة، وليس بشيء، و﴿تَأْوِيلِ﴾:\nمضاف، و﴿الْأَحادِيثِ﴾: مضاف إليه، وجملة: (علمتني...) إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿فاطِرَ﴾: يجوز فيه أن يكون صفة ل ﴿رَبِّ﴾ وأن يكون بدلا، وأن يكون عطف بيان، وأن يكون منصوبا بفعل محذوف، تقديره: أعني، وأن يكون منادى بأداة نداء محذوفة، التقدير: يا فاطر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n (الأرض): معطوفة على ما قبله. ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿وَلِيِّي﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الدُّنْيا﴾: متعلقان به، وقيل: متعلقان بمحذوف حال منه، ولا وجه له. (الآخرة): معطوف على ما قبله. ﴿تَوَفَّنِي﴾:\nفعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به. ﴿مُسْلِمًا﴾: مفعول به ثان، أو هو حال من ياء المتكلم. ﴿وَأَلْحِقْنِي﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية أيضا، والياء مفعول به. ﴿بِالصّالِحِينَ﴾: متعلقان بما قبلهما، بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الآية الكريمة بكاملها من مقول يوسف، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-1698\"></span>﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ﴾: الإشارة إلى ما ذكر في السورة الكريمة من خبر يوسف مع إخوته، وما آل إليه أمره. ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾: من أخبار الغيب. ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾: أخبرناك به يا محمد بواسطة الوحي. ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي: عند أولاد يعقوب. ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾: حين قرروا وعزموا على إلقاء يوسف في الجب. ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ أي: يحتالون في هلاكه، أو يمكرون بأبيهم حين جاءوه عشاء يبكون، وجاءوا بالقميص ملطخا بالدم، أي: ما شاهدت تلك الأحوال، ولكن الله أطلعك عليها، وانظر (أجمع) في الآية رقم [١٥].","vol":"4","page":665},{"text":"قال الخازن: وفي الآية دليل قاطع على صحة نبوة محمد ﷺ؛ لأنه كان رجلا أميا، لم يقرأ الكتب، ولم يلق العلماء، ولم يسافر إلى بلد آخر غير بلده الذي نشأ فيه، وأنه نشأ بين أمة أمية مثله، ثم إنه ﷺ أتى بهذه القصة الطويلة على أحسن ترتيب، وأبين معان، وأفصح عبارة، فعلم بذلك أن الذي أتى به، هو وحي إلهي، ونور قدسي سماوي، فهو معجزة له قائمة إلى آخر الدهر، وما أجدرك أن تنظر الآية رقم [٤٩] ورقم [١٠٠] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿أَنْباءِ﴾:\nمضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه. ﴿نُوحِيهِ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، إن عاد الضمير على الإشارة، أو في محل نصب حال من الغيب، إن عاد الضمير إليه والعامل في الحال اسم الإشارة، هذا؛ وقد قال الجمل: ﴿نُوحِيهِ﴾ مستأنفة، وقال أبو البقاء: ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، وقولهما هذا مثله في الآية رقم [٤٤] من سورة (آل عمران)، ولا أؤيده. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿كُنْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿لَدَيْهِمْ﴾: ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لاتصاله بالهاء التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهو متعلق بمحذوف خبر كان. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالخبر المحذوف، وجملة: ﴿أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَما كُنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب في ﴿إِلَيْكَ﴾ والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يَمْكُرُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة. تأمل.\n\n<span id=\"aya-1699\"></span>﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾\nالشرح: الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ، وذلك: أن اليهود وقريشا سألوه عن قصة يوسف مع إخوته، فلما أخبرهم بها على الوجه الأكمل، لم يسلموا، فحزن رسول الله ﷺ لذلك، فقيل له: إنهم لا يؤمنون، وإن كنت شديد الحرص على إيمانهم، ففيه تسلية له، هذا؛ والحرص على","vol":"4","page":666},{"text":"المال البخل به، والطمع في جمعه من حلال، أو حرام، هذا؛ والفعل من باب ضرب، ويأتي بقلة من باب (نصر) و(فرح).\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل (ليس).\n ﴿أَكْثَرُ﴾: اسمها، وهو مضاف، و﴿النّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: واو الاعتراض.\n (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿حَرَصْتَ﴾: فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير:\nعلى إيمانهم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف لدلالة المقام عليه، التقدير: ولو حرصت على إيمانهم لم يؤمنوا. و(لو) ومدخولها كلام معترض بين اسم (ما) وخبرها لا محل لها. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: الباء: حرف جر صلة. (مؤمنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلاّ، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَكْثَرُ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1700\"></span>﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: ما تطلب ثوابا ومكافأة على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله، والاهتداء بالقرآن. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن والوحي الذي نزل عليك. ﴿إِلاّ ذِكْرٌ﴾ أي: عظة وتذكرة للناس أجمعين. هذا؛ و﴿لِلْعالَمِينَ﴾: جمع عالم بفتح اللام، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قول موسى-على نبينا، وعليه أفضل صلاة، وأزكى سلام-لما قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿تَسْئَلُهُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بما قبلهما أو هما متعلقان بمحذوف حال من أجر، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿أَجْرٍ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من الضمير المستتر في مؤمنين، وعلى الوجهين فالرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي، ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿ذِكْرٌ﴾:\nخبر المبتدأ. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾: متعلقان ب ﴿ذِكْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":667},{"text":"<span id=\"aya-1701\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: أصلها: (أي) الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى كم التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم، مثل كم وكذا، وفيها خمس لغات، كلها قرئ بها: إحداها: كأيّن، وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلا ابن كثير، والثانية: كائن بوزن كاعن، وبها قرأ ابن كثير وجماعة، وهي أكثر استعمالا من كأيّن، وإن كانت تلك الأصل، الثالثة: كئين بوزن كريم، الرابعة: كيئن بياء ساكنة وهمزة مكسورة، الخامسة: كأن بوزن كعن، هذا؛ والجلال المحلي اعتبر (كأين) بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة، لا يقوم عليها دليل، والشيخ رحمه الله تعالى سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم، مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه.\nومعنى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ..﴾. إلخ: أي: كأي عدد شئت من الآيات والعلامات الدالة على وجود الصانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته وحكمته غير هذه الآية التي جئت بها، ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: كائنة فيهما من الأجرام الفلكية، وما فيها من النجوم، وتغير أحوالها، ومن الجبال والبحار، وسائر ما في الأرض من العجائب الفائقة للحصر. ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها..﴾. إلخ أي:\nيشاهدونها، ولا يفكرون فيها، ولا يعتبرون بها، هذا؛ وقرئ برفع «(الأرضُ)» على الابتداء، وجملة: ﴿يَمُرُّونَ..﴾. إلخ خبره، كما قرئ بنصبه، فيكون التقدير: ويطئون الأرض، وعلى هاتين القراءتين يكون الوقف على السموات.\nالإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (كأين): اسم كناية بمعنى كثير، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿آيَةٍ﴾: تمييز ل (كأين) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.\n ﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة آية. (الأرض): بالجر معطوف على ما قبله، وجملة:\n ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ في محل رفع خبر المبتدأ (كأين). (هم): مبتدأ. ﴿عَنْها﴾: متعلقان بما بعدهما.\n ﴿مُعْرِضُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية (هم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الاسمية (كأين...) إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقيل: إن الجار والمجرور ﴿فِي السَّماواتِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ وجملة:\n ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ صفة: ﴿آيَةٍ﴾ ولا وجه له البتة؛ لأن الفائدة لا تتم بالجار والمجرور ولا يفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي.","vol":"4","page":668},{"text":"<span id=\"aya-1702\"></span>﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في مشركي قريش، كانوا إذا سئلوا من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، ومع ذلك فقد كانوا يعبدون الأوثان والحجارة، وهي تنطبق على النصارى واليهود الذين يعترفون بوجود الله، ومع ذلك فقد نسبوا إليه التبني، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا! وأيضا كفرهم بمحمد ﷺ، وقيل: نزلت الآية في المنافقين الذين يؤمنون بألسنتهم، وقلوبهم مفعمة بالكفر، وقيل: معناها أن الناس يدعون الله ينجيهم من الهلكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان، لولا الطبيب... إلخ لهلكنا، وقد يقع في هذا القول كثير من المسلمين، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يُؤْمِنُ﴾: مضارع. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾:\nفاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِاللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر، ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وجملة: ﴿وَما يُؤْمِنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ فهي في محل نصب حال مثلها.\n<span id=\"aya-1703\"></span>﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ﴾ أي: أفأمن كفار قريش أن تنزل بهم عقوبة تغشاهم وتشملهم؟ قيل: هي الصواعق والقوارع، ومثل الآية في التهديد والوعيد قوله تعالى:\n ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أي: يأتيهم يوم القيامة فجأة بدون إنذار، ومن غير سابق علامة. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: بإتيانها غير مستعدين لها، هذا؛ والشعور إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته.\nالإعراب: ﴿أَفَأَمِنُوا﴾: الهمزة: حرف استفهام وإنكار وتوبيخ. الفاء: حرف استئناف.\n (أمنوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْ﴾: حرف ناصب. ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾: مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿غاشِيَةٌ﴾: فاعل. ﴿مِنْ عَذابِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿غاشِيَةٌ،﴾ و﴿عَذابِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لفاعله، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، والهاء مفعول به. ﴿السّاعَةُ﴾: فاعل. ﴿بَغْتَةً﴾: حال، بمعنى مباغتة، وقيل:","vol":"4","page":669},{"text":"مفعول مطلق لفعل محذوف، وتعود الجملة في محل نصب حال. وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل (يأتي) من غير لفظه، على حد قولهم: أتيته ركضا، فتكون ﴿بَغْتَةً﴾ نائب مفعول مطلق، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾: في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1704\"></span>﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين هذه طريقي، وسنتي، ومنهاجي. ﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾: إلى توحيده، وعبادته، وتقديسه، وتعظيمه. ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾: على علم، ويقين، وحق، وحجة واضحة غير عمياء، والبصيرة هي المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل. ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: من آمن بي، وصدق بما جئت به أيضا يدعو إلى ما ذكر.\nقال ابن عباس﵄-: إن محمدا ﷺ، وأصحابه كانوا على أحسن طريقة، وأفضل هداية، وهم معدن العلم، وكنز الإيمان، وجند الرحمن، وقال ابن مسعود ﵁: من كان مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ونقل دينه، فشبهوا بأخلاقهم وطريقتهم، فهؤلاء كانوا على الصراط المستقيم. ﴿وَسُبْحانَ اللهِ﴾ أي: تنزيها لله عما لا يليق بجلاله من جميع العيوب والنقائص، والشركاء، والأضداد، والأنداد. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: الذين أشركوا مع الله غيره في العبادة وغيرها.\nبعد هذا انظر شرح ﴿سُبْحانَكَ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (يونس) والسبيل: الطريق، يذكر ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ومن التأنيث ما في الآية الكريمة، والجمع على التأنيث (سبول) وعلى التذكير سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في رسل وعسر، ويسر، قال عيسى بن عمر:\nكل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل رحم وأسد... إلخ، هذا؛ وابن السبيل المسافر، وسبيل الله الجهاد، وطلب العلم، والحج، وكل ما أمر الله به من أفعال الخير، ويقال: ليس لك علي سبيل، أي: حجة تعتل بها، وليس علي في كذا سبيل، أي: حرج ومؤاخذة.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هذِهِ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿سَبِيلِي﴾: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة","vol":"4","page":670},{"text":"المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَدْعُوا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلَى اللهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، وقيل: الجملة الفعلية مفسرة لسبيلي تفسيرا، وهو ضعيف، وأضعف منه القول بالاستئناف، هذا؛ وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف كجزء منه على حد قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل توكيد لفاعل ﴿أَدْعُوا﴾ المستتر. ﴿وَمَنِ﴾: الواو: حرف عطف.\n (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ﴿أَدْعُوا﴾ المستتر، وجملة:\n ﴿اِتَّبَعَنِي﴾ صلة الموصول لا محل لها، هذا وجه للإعراب، وعليه فالجار والمجرور ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿أَدْعُوا﴾ المستتر، والوجه الثاني اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، والضمير مبتدأ مؤخر، والموصول معطوف عليه، وتقدير الكلام: أنا ومن اتبعني كائنان على بصيرة، وعليه فالوقف على ﴿إِلَى اللهِ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، وأجيز اعتبار ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ متعلقين بمحذوف حال من فاعل ﴿أَدْعُوا﴾ المستتر أيضا، واعتبار الضمير ﴿أَنَا﴾ فاعلا بالحال، وهناك أقوال ضعيفة ضربت عنها صفحا. (سبحان):\nمفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: وأسبح سبحان، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية الحاصلة معطوفة على جملة:\n ﴿أَدْعُوا..﴾. إلخ على بعض الوجوه، ومعترضة على اعتبار ما بعدها حالا، ومستأنفة مع ما بعدها على اعتبار آخر. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف، أو هي واو الحال. (ما): نافية حجازية، أو هي مهملة. ﴿أَنَا﴾: اسم ما، أو هو مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (ما)، أو بمحذوف خبر المبتدأ، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿أَدْعُوا،﴾ أو من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1705\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا﴾: هذا رد القائلين: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي:\nأرسلنا رسلا رجالا، ليس فيهم ملك، ولا امرأة، ولا جني. ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: كما أوحينا","vol":"4","page":671},{"text":"إليك بواسطة جبريل ﵇، ويقرأ «(يوحى إليهم)» ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾: يريد الأمصار والقرى. ولم يبعث الله نبيا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو؛ ولأن أهل الحضر أعقل وأحلم، وأفضل وأعلم، وكذلك حياة البدو المتنقلة لا تسمح للرسول بالدعوة على وجه الأكمل. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ..﴾. إلخ: أي: أفلم يمش قريش في الأرض ليروا مصارع الأمم المكذبة، وما حل بهم من الهلاك والدمار، فيعتبروا بهم، وفيه ردع وزجر للكافرين المكذبين بأن الله سيهلكهم كما أهلك من قبلهم. ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: ولدار حال الآخرة أو لحياة الآخرة، والمراد بهذه الدار: الجنة وما فيها. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تفهمون؟! أو لا تستعملون عقولكم لتعرفوا أن الحياة في الجنة خير من الحياة في الدنيا، هذا؛ ويقرأ الفعل بالتاء على الخطاب، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، ويقرأ بالياء على الغيبة فلا التفات حينئذ.\nهذا؛ وعاقبة كل شيء آخره ونتيجته ومصيره ومآله، ولم يؤنث الفعل ﴿كانَ؛﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه.\nهذا؛ وأصل ﴿اِتَّقَوْا﴾ اتقى، فلما اتصلت به واو الجماعة صار (اتقاوا) فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة على القاف دليلا عليها، هذا؛ والتقوى حفظ النفس من العذاب الأخروي، بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة).\nالإعراب: ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما وأجيز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿رِجالًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر، ﴿رِجالًا﴾: مفعول به. ﴿نُوحِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلقان به، وعلى قراءة الفعل بالياء، فهو مبني للمجهول، والجار والمجرور نائب فاعله، والجملة الفعلية على الاعتبارين في محل نصب صفة ﴿رِجالًا﴾. ﴿مِنْ أَهْلِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿رِجالًا﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم، و﴿أَهْلِ﴾: مضاف، و﴿الْقُرى﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَسِيرُوا﴾: مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها على","vol":"4","page":672},{"text":"القول الثاني في الفاء، ومعطوفة على ما قبلها على القول الأول في الفاء. ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، ومنصوب على اعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا.\n ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ﴾: اسمها، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿كانَ﴾ تامة، فاعلها ﴿عاقِبَةُ،﴾ فتكون ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبله المعلق عن العمل. ﴿وَلَدارُ﴾: الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء.\n (دار): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْآخِرَةِ﴾: مضاف إليه، وانظر الشرح، هذا؛ وقرئ: «(وللدار الآخرة)» على الصفة. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿اِتَّقَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، التقدير: اتقوا الله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والجملة: ﴿وَلَدارُ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأنه لا يوجد عامل ولا صاحب للحال. ﴿أَفَلا﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. الفاء: حرف عطف. (لا):\nنافية. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وقل في الجملة ما قلته في ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1706\"></span>﴿حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي: يئسوا من إيمان قومهم، وانظر مثله في الآية رقم [٨٠]، وظنوا أنهم قد كذبوا، يقرأ الفعل ﴿كُذِبُوا﴾ بالتخفيف، ووجه هذه القراءة على ما قاله الواحدي: أن معناه: ظن الأمم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم، وإهلاك أعدائهم، وهذا معنى قول ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، ومجاهد﵃ أجمعين-، وقال أهل المعاني: ﴿كُذِبُوا﴾ من قولهم: كذبتك الحديث، أي: لم أصدقك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾.\nقال أبو علي الفارسي: والضمير في قوله ﴿وَظَنُّوا﴾ على هذه القراءة للمرسل إليهم، والتقدير: وظن المرسل إليهم: أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله، وإهلاك أعدائهم، وهذا معنى قول ابن عباس: أنهم لم يؤمنوا بهم حتى نزل بهم العذاب، وإنما ظنوا","vol":"4","page":673},{"text":"ذلك؛ لما شاهدوا من إمهال الله إياهم، ولا يمتنع حمل الضمير في ﴿وَظَنُّوا﴾ على المرسل إليهم، وإن لم يتقدم لهم ذكر؛ لأن ذكر الرسل يدل على ذكر المرسل إليهم، وإن شئت قلت: إن ذكرهم جرى في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: مكذبي الرسل.\nهذا؛ ويقرأ: «(وكذبوا)» بتشديد الذال، ووجهه ظاهر، وهو أن معناه: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم، و﴿وَظَنُّوا﴾ يعني: وأيقن الرسل أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعده إيمانهم، فالظن بمعنى اليقين، وهذا معنى قول قتادة، وقال بعضهم: معناه: حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم، وظنوا: أن من قد آمن بهم من قومهم قد فارقوهم، وارتدوا عن دينهم لشدة البلاء والمحنة، واستبطئوا النصر؛ أتاهم النصر، وعلى هذا القول الظن بمعنى الحسبان، والتكذيب مظنون من جهة من آمن بهم. انتهى. خازن باختصار.\nهذا؛ وقال القرطبي: وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم، وهذا الباب عظيم، وخطره جسيم ينبغي الوقوف عليه لئلا يزل الإنسان فيكون في سواء الجحيم. انتهى.\nبعد هذا فعن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة﵃ أجمعين-عن قوله تعالى:\n ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أو (كذبوا) قالت: بل كذبهم قومهم، فقلت:\nوالله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، وما هو بالظن، فقالت: يا عروة أجل، لقد استيقنوا بذلك، فقلت: لعلها قد كذّبوا، فقالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها! قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم، وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنوا أن أتباعهم كذبوهم، جاءهم نصر عند ذلك. انتهى. خازن.\nوقال ابن عباس﵄-: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفة، وتلا قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ أي: إنه جعل هذه الآية شبيهة بآية البقرة رقم [٢١٣].\nوهذا إن صح عنه، فيكون قد أراد بالظن ما يهجس في القلب من الوسوسة، هذا؛ وقرئ:\n (كذبوا) بالتخفيف والبناء للمعلوم، فيكون المعنى: وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا عند قومهم لما تراخى النصر عنهم، ولم يروا له أثرا.\n ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ﴾: المراد به النبي وأتباعه، وإنما لم يعينهم للدلالة على أنهم هم الذين يستأهلون النجاة لا يشاركهم فيها غيرهم، وقرئ: «(فننجي)» وقرئ: «(فنجا)» وانظر الإعراب، ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: لا يدفع العذاب عن الكافرين إذا نزل بهم.\nالإعراب: ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿اِسْتَيْأَسَ﴾","vol":"4","page":674},{"text":"الرُّسُلُ في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح، وهناك متعلق محذوف، تقديره: من النصر على أعدائهم. ﴿أَنَّهُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُذِبُوا﴾: ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، أو هو فعل وفاعل على البناء للمعلوم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ظنوا، والجملة الفعلية (ظنوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿جاءَهُمْ﴾: ماض، والهاء مفعول به:\n ﴿نَصْرُنا﴾ فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾: جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها، و﴿إِذَا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، هذا الإعراب هو المتعارف عليه، ولكن الأخفش يعتبر (حتى) في مثل ذلك جارة ل ﴿إِذَا،﴾ ووافقه الزمخشري والبيضاوي؛ ولذا قدر البيضاوي ما يلي: أي: لا يغررهم تمادي أيامهم، فإن من قبلهم أمهلوا حتى أيس الرسل من النصر عليهم في الدنيا، أو من إيمانهم.\nوفي السمين ليس في الكلام شيء يكون ﴿حَتّى﴾ غاية له، فمن ثم اختلف الناس في تقدير شيء يصح جعله مغيّا ب ﴿حَتّى﴾ فقدره الزمخشري: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فتراخى نصرهم حتى، وقدره القرطبي: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا، ثم لم نعاقب أمتهم بالعذاب حتى إذا\nإلخ، وقدره ابن الجوزي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا، فدعوا قومهم، فكذبوهم، وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا... إلخ. انتهى. جمل. ﴿فَنُجِّيَ﴾: الفاء: حرف عطف.\n (نجي): ماض مبني للمجهول، و﴿مَنْ﴾: نائب فاعله، وعلى قراءة «(ننجي)» فهو مضارع مرفوع\nإلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و﴿مَنْ﴾ مفعول به، وعلى قراءة: «(نجا)» فهو ماض مبني للمعلوم، و﴿مَنْ﴾ فاعله، و﴿مَنْ﴾ هي الموصولة، أو هي الموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي أو شخص أو شخصا نشاء نجاته، وجملة: (نجي...) إلخ معطوفة على جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها مثله. ﴿وَلا﴾: الواو: واو الحال.\n ﴿يُرَدُّ﴾: مضارع مبني للمجهول. ﴿بَأْسُنا﴾: نائب فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عَنِ الْقَوْمِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: صفة القوم مجرور... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَلا يُرَدُّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من نا، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1707\"></span>﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي: في خبر الأنبياء والرسل وأممهم، أو في خبر يوسف وإخوته، وانظر شرح ﴿نَقُصُّهُ﴾ في الآية رقم [١٠٠] من سورة (هود) ﵇. ﴿عِبْرَةٌ﴾:","vol":"4","page":675},{"text":"تذكرة وعظة. ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي: يتعظ بها أصحاب العقول الصحيحة، والقلوب الواعية، هذا؛ والاعتبار والعبرة: الحالة التي يتوصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد، والمراد منه التأمل والتفكر، وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الرعد).\n ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ أي: ما كان هذا القرآن حديثا يختلق؛ لأن الذي جاء به من عند الله -وهو محمد ﷺلا يصح منه أن يختلقه أو يبتدعه من تلقاء نفسه؛ لأنه لم يقرأ الكتب السابقة، ولم يخالط العلماء، ثم إنه جاء بهذا القرآن المعجز، فدل ذلك على صدقه، وأنه ليس بمفتر، وانظر ﴿الْأَحادِيثِ﴾ في الآية رقم [٦] ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: ولكن كان تصديق الذي بين يديه من الكتب الإلهية المنزلة على موسى وعيسى وداود وغيرهم على نبينا، وعليهم أفضل صلاة، وأزكى سلام، وفي ذلك إشارة إلى أن قصة يوسف وردت في القرآن على الوجه الموافق لما في التوراة وغيرها.\n ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: مما يحتاجه الناس في دنياهم من العقائد، والأحكام، والمواعظ، والحلال والحرام، والقصص، والوعد والوعيد، والمحكم والمتشابه كما قال بعضهم ذكرا ما اشتمل عليه القرآن الكريم: [الطويل]\nحلال، حرام، محكم، متشابه... بشير، نذير، قصّة، عظة، مثل\n ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ أي: رشد وبيان، وهداية من الضلال، ونعمة شاملة سابغة لمن قرأ القرآن وانتفع به. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: خصهم الله بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالقرآن وتعاليمه.\nهذا؛ وهدى أصله (هديا) بضم الهاء وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (هدى) وإنما أتوا بياء أخرى، لتدل على الياء المحذوفة الأصلية، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: (هدا) فلا يوجد ما يدل عليها.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: هي لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره:\nوالله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِبْرَةٌ﴾: اسم كان مؤخر، ولم يؤنث الفعل للفاصل، أو لأن ﴿عِبْرَةٌ﴾ مؤنث غير حقيقي. ﴿لِأُولِي﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة عبرة، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة اللازمة، و(أولي): مضاف. و﴿الْأَلْبابِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين باللام.\n ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص، واسمه ضمير القرآن المفهوم من المقام. ﴿حَدِيثًا﴾:\nخبر كان. ﴿يُفْتَرى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف","vol":"4","page":676},{"text":"للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن، أو إلى ﴿حَدِيثًا،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر ثان ل ﴿كانَ،﴾ على اعتبار نائب الفاعل عائدا إلى القرآن، أو في محل نصب صفة حديثا على اعتبار نائب الفاعل عائدا إليه، والجملة الفعلية: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿تَصْدِيقَ﴾:\nخبر لكان محذوفة، التقدير: ولكن كان... إلخ، و﴿تَصْدِيقَ﴾: مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وانظر الآية رقم [٣٧] من سورة (يونس) ﵇ ففيها كبير فائدة. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول. و﴿بَيْنَ﴾:\nمضاف، و﴿يَدَيْهِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى لفظا في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَفْصِيلَ﴾: معطوف على تصديق، وهو مضاف، و﴿كُلِّ﴾: مضاف إليه، و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَهُدىً﴾: معطوف على ما قبله، منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثانية دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَرَحْمَةً﴾: معطوف أيضا على ما قبله. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان برحمة، أو بمحذوف صفة لها، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام تفسيرا وإعرابا بعون الله وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين.","vol":"4","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1704>سورة الرّعد</span>\nوهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية في قول الكلبي ومقاتل، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية إلا آيتين منها نزلتا بمكة، وهما قوله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ..﴾. إلخ. انتهى. قرطبي. أي: رقم [٣٣] و[٣٤] وهي خمس وأربعون آية، وثمانمائة وخمس وخمسون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وستة أحرف. انتهى. خازن. ومن فضائل هذه السورة: أن قراءتها عند المحتضر، تسهل خروج روحه.\nتنبيه: انظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (يوسف) ﵇، وانظر شرح ﴿المر﴾ وإعرابها في أول سورة (يونس) ﵇، وأضيف هنا أن ابن عباس، قال:\nمعناه: أنا الله أعلم وأرى، وقال عطاء: معناه: أنا الله الملك الرحمن.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-1708\"></span>﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ﴾: الإشارة إلى آيات السورة الكريمة، وما فيها من المواعظ والنصائح، وما تضمنته من إرشادات كثيرة من التحلي بمكارم الأخلاق، والخصال الحميدة، والشيم الكريمة، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿آياتُ الْكِتابِ﴾: انظر شرحهما في الآية رقم [١] من سورة (هود) ﵇. ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾: المراد به القرآن الكريم الذي أنزل على قلب سيد المرسلين. أي:\nوهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق، الذي لا شك فيه، ولا تناقض. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: المراد بهم أهل مكة، وقد نزلت الآية الكريمة في الرد عليهم حين قالوا: إن محمدا يقول القرآن من تلقاء نفسه.\nالإعراب: ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ﴾: خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه.\n (الذي): أجيز عطفه على ﴿آياتُ،﴾ فهو في محل رفع، وأجيز اعتباره مبتدأ خبره ﴿الْحَقُّ،﴾ فهو","vol":"4","page":678},{"text":"في محل رفع أيضا، وأجيز عطفه على ﴿الْكِتابِ،﴾ فهو في محل جر، وأجاز الفراء اعتباره صفة ﴿الْكِتابِ،﴾ وتكون الواو صلة. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد، والجملة صلته. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر (الذي) على اعتباره مبتدأ، وخبر مبتدأ محذوف على الأوجه الأخرى في الموصول، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار في محل نصب حال من (الذي)، أو من نائب الفاعل الراجع إليه، بعد هذا فالجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿المر﴾ على اعتباره فيه، ومستأنفة لا محل لها على اعتبار آخر، كما أجيز اعتبار ﴿تِلْكَ﴾ خبره، واعتبار ﴿آياتُ﴾ بدلا من تلك. ﴿وَلكِنَّ﴾:\nالواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ﴾: اسمها، وهو مضاف، و﴿النّاسِ﴾:\nمضاف إليه. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: لا يؤمنون بالله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لكن، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين، وقيل: في محل نصب حال ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-1709\"></span>﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾: في هذه الرؤية قولان: أحدهما: أن الرؤية ترجع إلى السماء، والمعنى: وأنتم ترون السماء مرفوعة بغير عمد من تحتها، يعني ليس تحتها دعامة تدعمها، ولا من فوقها علاّقة تمسكها. قال إياس بن معاوية: السماء مقبية على الأرض مثل القبة، وهذا قول الحسن، وقتادة، وجمهور المفسرين، وإحدى الروايتين عن ابن عباس -﵄-، والقول الثاني: أن الرؤية ترجع إلى العمد، والمعنى: أن لها عمدا، ولكن لا ترونها أنتم، والأول أصح، وهذا على أن السموات مكونة من أجرام، وأما ما يقوله العلم من أن السموات السبع طبقات هوائية، تختلف كل طبقة عما فوقها، وعما تحتها؛ فنكل علمه إلى الله تعالى.\n ﴿اِسْتَوى﴾: استولى، ولا يجوز تفسيره باستقر وثبت، فيكون الله من صفات الحوادث، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا، لا يليق به تعالى، والقول الفصل قول علي بن أبي طالب ﵁، (الاستواء غير مجهول، والتكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه تعالى كان، فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان) هذا؛ وهناك من يقول: استوى استواء يليق به وهو قول السلف.","vol":"4","page":679},{"text":"﴿الْعَرْشِ،﴾ قال الراغب في كتابه (مفردات القرآن) وعرش الله ﷿ مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، لا بالحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له، تعالى الله عن ذلك! هذا؛ وقد قال سليمان الجمل: وأما المراد به هنا فهو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام المحيط بكلها. وانظر ما ذكرته في آية الكرسي رقم [٢٥٤] من سورة (البقرة)، والمنقول عن جعفر الصادق، والحسن، وأبي حنيفة، ومالك﵃ أجمعين-: أن الاستواء معلوم، والتكييف فيه مجهول، والإيمان به واجب، والجحود له كفر، والسؤال عنه بدعة. انتهى. نسفي.\n ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: ذللهما لمنافع خلقه، ومصالح عباده، وكل مخلوق مذلل للخالق، وذللهما أيضا لما أراد منهما كالحركة المستمرة على حد من السرعة، ينفع في حدوث الكائنات وبقائها. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى وقت معلوم، وهو وقت فناء الدنيا وزوالها، وقال ابن عباس﵄-: أراد بالأجل المسمى درجاتهما، ومنازلهما، يعني: أنهما يجريان في منازلهما، ودرجاتهما إلى غاية ينتهيان إليها، ولا يجاوزانها، وتحقيقه أن الله تعالى جعل لكل واحد من الشمس والقمر سيرا خاصا إلى جهة خاصة، بمقدار خاص من السرعة والبطء في الحركة.\n ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يقضيه ويقدره وحده، لا يشركه في تدبير خلقه أحد، وقيل: معناه: أنه ﷾ يدبر أحوال الخلق، وأحوال ملكوت السموات والأرض، فلا يحدث حدث في العالم العلوي، ولا في العالم السفلي إلا بإرادته وتدبيره وقضائه وحكمته.\n ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي: يبين الآيات الدالة على وحدانيته، وكمال قدرته. ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي: لكي توقنوا وتصدقوا بلقاء الله يوم القيامة، وتتحققوا كمال قدرته تعالى، فإنه من قدر على خلق هذه الأشياء، وتدبيرها قادر على الإعادة بعد الموت، والحساب والجزاء.\nهذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترجّ ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ﴿عَمَدٍ﴾: جمع عمود، أو عماد، وهي الدعائم التي تكون تحت سقف البيت. وجمعه في القلة: أعمدة، وفي الكثرة عمد بفتحتين وعمد بضمتين، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. وفي القاموس: العمود ما يقوم عليه البيت، وغيره، وجمعه أعمدة وعمد وعمد، وعمود القوم: سيدهم، والعماد الأبنية الرفيعة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾. هذا؛ وإعلال (مسمّى) مثل إعلال (هدى) في الآية رقم [١١١] من سورة (يوسف) ﵇، و(لقاء): أصله لقاي، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة.","vol":"4","page":680},{"text":"هذا؛ وأصل يوقنون (يؤيقنون) لأنه من (أيقن) الرباعي، فحذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل (أأيقنون) الذي حذفت همزته للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار (ييقنون) ثم قلبت الياء الثانية واوا لسكونها، وانضمام ما قبلها، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي، مزيدة الهمزة في أوله، مثل: أجاب يجيب، وأكرم بكرم... إلخ، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]\nفإنّه أهل لأن يؤكرما\nولا تنس: أن هذه الهمزة المزيدة تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم ومكرم، والقياس: مؤكرم ومؤكرم، وقس على ذلك. هذا؛ وغير اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، أو تقدمت عليها كلمة (ليس)، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم أو على الفتح خلاف.\nالإعراب: ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿رَفَعَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلة الموصول لا محل لها. ﴿السَّماواتِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿بِغَيْرِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماواتِ﴾ أي: رفع السموات خالية من عمد. ﴿تَرَوْنَها﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، و(ها) مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿السَّماواتِ﴾ أو هي مستأنفة، وهذا على اعتبار الضمير عائدا على (السموات)، وهي في محل جر صفة ﴿عَمَدٍ﴾ على اعتبار الضمير عائدا عليه، ويؤيده أنه قرئ «(ترونه)» ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اِسْتَوى﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾:\nمتعلقان بما قبلهما. (سخر): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. ﴿الشَّمْسَ﴾: مفعول به. (القمر): معطوف على ما قبله. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ وله متعلق بمحذوف، التقدير: كل منهما، وهذا المحذوف هو الذي جوز الابتداء بالنكرة.\n ﴿يَجْرِي..﴾.: مضارع مرفوع... إلخ، وفاعله مستتر يعود إلى ﴿كُلٌّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِأَجَلٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسَمًّى﴾: صفة (أجل) مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وجملة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿اِسْتَوى﴾ أو من فاعل (سخر)، والرابط: الضمير فقط، وجوز أبو البقاء فيها الاستئناف، وجملة: ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ يجوز فيها ما جاز بسابقتها، ويجوز فيها وجه آخر، وهو اعتبارها حالا","vol":"4","page":681},{"text":"من فاعل ﴿يُدَبِّرُ﴾ المستتر، فتكون حالا متداخلة، وأجيز اعتبار الجملتين أخبارا متعددة للمبتدإ، ويبعده الاستئناف في الجملة الاسمية قبلهما، هذا؛ ويقرأ الفعلان: ﴿يُدَبِّرُ﴾ و﴿يُفَصِّلُ﴾ بالنون، فحينئذ لا يجوز، إلا الاستئناف ويكون في الكلام التفات. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها ﴿بِلِقاءِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، و(لقاء) مضاف، و﴿رَبِّكُمْ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تُوقِنُونَ﴾: مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للتسخير والتدبير والتفصيل.\n\n<span id=\"aya-1710\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾: بعد أن بين سبحانه دلائل قدرته في السموات، وما فيها، أردف ذلك ببيان دلائل قدرته في الأرض، وما فيها، ومعنى ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ بسطها على وجه الماء، وعند أصحاب الهيئة الأرض كروية الشكل، ويمكن أن يقال: إن الكرة إذا كانت كبيرة عظيمة، فكل قطعة منها تشاهد ممدودة كالسطح الكبير العظيم، فحصل الجمع بين: القول بكرويتها، والقول ببسطها، ومع ذلك فالله تعالى أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها وبسطها، وكل ذلك يدل على التسطيح، والله تعالى أصدق قيلا، وأبين دليلا من أصحاب الهيئة. انتهى. خازن.\n ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ أي: جبالا ثوابت، واحدها راسية؛ لأن الأرض ترسو بها؛ أي: تثبت وتستقر، فعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا خلق الله الأرض جعلت تميد، وتكفّأ؛ فأرساها بالجبال، فاستقرّت، فعجبت الملائكة من شدّة الجبال، فقالت:\nيا ربّنا هل خلقت خلقا أشدّ من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الحديد؟ قال: النار، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من النّار؟ قال الماء، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الماء؟ قال: الرّيح، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الرّيح، قال: ابن آدم إذا تصدّق بصدقة بيمينه، فأخفاها من شماله». رواه الترمذي، وقال: حديث غريب.\nقال ابن عباس﵄-: هي الجبال الشامخات من أوتاد الأرض، وهي سبعة عشر جبلا منها: قاف، وأبو قبيس، والجودي، ولبنان، وطور سينين، وطور سيناء. أخرجه ابن جرير. في المبهمات للسيوطي.\n ﴿وَأَنْهارًا﴾ أي: جارية لمنافع العباد، كما هو مشاهد في هذه الدنيا، وأنهار جمع: نهر، ويجمع أيضا على أنهر ونهر ونهور، وهاء النهر تفتح وتسكن. ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ﴾","vol":"4","page":682},{"text":"﴿اِثْنَيْنِ﴾ أي: صنفين، قال أبو عبيدة: الزوج واحد، ويكون اثنين، وقال الفراء: يعني بالزوجين هاهنا: الذكر والأنثى، وقيل: معنى زوجين نوعان، كالحلو والحامض، والرطب واليابس، والأبيض والأسود، والصغير والكبير. هذا؛ والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه، ويحصل منهما النسل، فيطلق لفظ الزوج على المفرد إذا كان معه آخر من جنسه لا ينفك عنه، ويحصل منهما النسل، كما في إطلاقه على الرجل المتزوج والمرأة المتزوجة، وكذا يطلق على الاثنين، فهو مشترك بين المعنيين، والمراد هنا الإطلاق الأول، كما في الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام).\nوالزوج يطلق على الرجل والمرأة، والقرينة تبين الذكر من الأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في علم المواريث، فإنها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث، هذا؛ والزوج القرين قال تعالى في الآية رقم [٢٢] من سورة (الصافات): ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾ والزوج ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء، وقال تعالى في الآية رقم [٤٠] من سورة (هود) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع من أنواع المخلوقات ذكرا وأنثى، وقال تعالى في آية الأنعام: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ والمعنى ثمانية أفراد.\n ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أي: يغطي الليل النهار ويستره بظلمته، فيصير الجو مظلما بعد أن كان مضيئا، وهذا مشاهد كل يوم ولم يذكر عكسه للعلم به، أو لأن اللفظ يحتملهما، أي: الظلمة والإضاءة، ولذلك قرئ بنصب الليل، ورفع النهار، وقال النسفي: يلحق الليل بالنهار، والنهار بالليل، وقرئ بتشديد الشين، وزيد بعد ذلك في الآية رقم [٥٣] من سورة (الأعراف) هذه الجملة:\n ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أي: يعقب كل منهما الآخر كالطالب له، لا يفصل بينهما شيء، وانظر شرح الليل والنهار في الآية رقم [٦٧] من سورة (يونس) ﵇، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ..﴾. إلخ: أي:\nلدلالات واضحة على قدرة الله تعالى، وذلك ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيها، فإن تكونها وتخصصها بوجه دون وجه دليل قاطع، وبرهان ساطع على وجود صانع حكيم دبّر أمرها، وهيّأ أسبابها.\nهذا؛ والفكر: تصرف القلب في طلب الأشياء، وقال صاحب المفردات: الفكر: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب، ولهذا روي عن رسول الله ﷺ:\n «تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله، فإنّه لا تحيط به الفكرة». إذ الله منزه أن يوصف بصورة. انتهى. خازن بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، وجملة: ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. (أنهارا): معطوف على ما قبله،","vol":"4","page":683},{"text":"﴿وَمِنْ كُلِّ﴾: متعلقان بما بعدهما، و(كل): مضاف، و﴿الثَّمَراتِ﴾: مضاف إليه. ﴿جَعَلَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿فِيها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿زَوْجَيْنِ﴾: مفعول به. ﴿اِثْنَيْنِ﴾: صفة له، وكلاهما منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (جعل...) إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، هذا؛ وأجيز تعليق ﴿وَمِنْ كُلِّ﴾ بمحذوف حال من ﴿اِثْنَيْنِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، كما أجيز تعليقهما ب ﴿جَعَلَ﴾ الأولى بسبب عطفهما على ما قبلهما، فيكون التقدير، وجعل فيها من كل ﴿الثَّمَراتِ﴾ وعليه فالوقف على ﴿الثَّمَراتِ﴾. وتكون جملة: ﴿جَعَلَ فِيها..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿يُغْشِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الله.\n ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول به أول. ﴿النَّهارَ﴾: مفعول به ثان، والأول فاعل على المعنى، والثاني مفعول، والعكس صحيح، كما في قولك: (أعطيت زيدا عمرا) وجملة: ﴿يُغْشِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿جَعَلَ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط.\n ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي﴾: حرف جر. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب ﴿فِي،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿لَآياتٍ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، واللام لام الابتداء.\n ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة (آيات) وجملة: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1711\"></span>﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ أي: متقاربات بعضها من بعض، وهي مختلفة في الطبائع، فهذه طيبة تنبت، وهذه سبخة لا تنبت، وهذه رخوة، وهذه صلبة، وهذه حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء... إلخ. ﴿وَجَنّاتٌ﴾ أي: وبينهما جنات، أي: بساتين، والجنة: كل بستان ذي شجر من نخيل وأعناب، وغير ذلك، سمي جنة؛ لأنه يستر بأشجاره الأرض. ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ﴾: جمع صنو، وهي النخلات يجتمعن من أصل واحد، ومنه قول النبي ﷺ في عمه العباس: «عمّ الرّجل صنو أبيه». يعني أنهما من أصل واحد. ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾:\nهي النخلة المنفردة بأصلها، فالصنوان: المجتمع، وغير الصنوان: المتفرق، ومفرده: صنو،","vol":"4","page":684},{"text":"وتثنيته: صنوان، فلا فرق بين لفظ التثنية والجمع إلا بالإعراب، فتضم النون في الجمع، وتكسر بالتثنية، قال الشاعر: [المنسرح]\nالعلم والحلم خلّتا كرم... للمرء زين إذا هما اجتمعا\nصنوان لا يستتمّ حسنهما... إلاّ بجمع هذا، وذاك معا\nوقال آخر: [الوافر]\nأتتركني وأنت أخي وصنوي؟ ... فيا للنّاس للأمر العجيب\nهذا؛ و﴿صِنْوانٌ﴾ بضم الصاد وكسرها، ومثله ﴿قِنْوانٌ﴾ المذكورة في الآية رقم [٩٩] من سورة (الأنعام) وهما اسما جمع لا جمعا تكسير. ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ يقرأ الفعل بالتاء وبالياء، والمعنى: جميع الأشجار والزروع، والنباتات تشرب من ماء واحد. ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ أي: في الطعم ما بين الحلو والحامض، وكذلك في الشكل، والحجم، والرائحة، وما أجدرك أن تلاحظ هذا المعنى في بني آدم، أصلهم واحد، وهو آدم، وهم مختلفون في الخير، والشر، والإيمان، والكفر، والنفع، والضر، كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد، ومنه قول الشاعر: [الرجز]\nالنّاس كالنّبت، وهم ألوان... منها شجر الصّندل والبان\nوشجر طول الدّهر قطران\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يفهمون ويستعملون عقولهم، ويتدبرون، ويتفكرون في الآيات الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته، وانظر الآية السابقة، هذا؛ و(نخيل) اسم جمع لا واحد له من لفظه، كقوم ورهط، وأما نخل فهو اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهو نخلة، كتمر وتمرة، وفي مختار الصحاح: النخل والنخيل بمعنى واحد، والواحدة نخلة، وما ألطف قول الشاعر في التورية: [الوافر]\nرأيت بها قضيبا فوق دعص... عليه النّخل أينع والكروم\nفقد ورّى عن المرأة بالقضيب، وعن الحلي بالنخل، وعن قلائدها بالكروم، والدعص (بكسر الدال) قطعة من الرمل مستديرة.\nالإعراب: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾: الواو: حرف استئناف. ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿قِطَعٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مُتَجاوِراتٌ﴾: صفة قطع، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَجَنّاتٌ﴾: معطوف على قطع، أو على تقدير وبينهما جنات، فيكون مبتدأ خبره محذوف، وهو","vol":"4","page":685},{"text":"متعلق الظرف، هذا؛ ويقرأ ﴿(وَجَنّاتٌ)﴾ بكسر التاء، على تقدير: وجعل فيها جنات، فيكون مفعولا به لهذا المقدر، كما قرئ: «(وفي الأرض قطعا متجاورات)» على تقدير نفس الفعل، وجوز اعتباره مجرورا بالحمل على (كلّ)؛ التقدير: ومن كل الثمرات، ومن جنات، وهو ضعيف والمعنى لا يؤيده، ﴿مِنْ أَعْنابٍ﴾: متعلقان بمحذوف صفة جنات. ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ معطوفان بالرفع على جنات على تقدير: وفي الأرض زرع ونخيل، وقرئا بالجر عطفا على الأعناب، وأجيز عطفهما على كل، وهو ضعيف كما رأيت، ولم يقرأ بالنصب. ﴿صِنْوانٌ﴾: صفة نخيل. ﴿وَغَيْرُ﴾: معطوف عليه، و(غير): مضاف، و﴿صِنْوانٌ﴾: مضاف إليه. ﴿يُسْقى﴾: مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ما ذكر، أو (هو) يعود إلى جنات، وما عطف عليها. ﴿بِماءٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدٍ﴾: صفة ماء، والجملة الفعلية صفة (زرع) و(نخيل). أو صفة جنات وما عطف عليها، والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط.\n ﴿وَنُفَضِّلُ﴾: مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، وهو يعود إلى الله، ﴿بَعْضَها﴾: مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، ﴿عَلى بَعْضٍ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿فِي الْأُكُلِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من بعضها، وجملة: ﴿وَنُفَضِّلُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي صفة مثلها، والرابط: الضمير المجرور محلاّ بالإضافة. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها في الآية السابقة، ومحلها مثلها أيضا.\n ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ..﴾.\nالشرح: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ أي: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين، فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، والحشر، والنشر، والحساب بعد الموت، والله تعالى لا يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب؛ لأنه يغير النفس بما تخفى أسبابه كما رأيت في الآية رقم [٧٣] من سورة (هود) ﵇، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيّه والمؤمنون. ﴿أَإِذا كُنّا تُرابًا﴾: أي: أنبعث إذا كنا ترابا بعد الموت ﴿أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أي:\nأنعاد بعد الموت خلقا جديدا، كما كنا قبله؟ وهذا جهل منهم كبير؛ لأنهم يعترفون بأن الخالق لهم هو الله، وينكرون البعث بعد الموت، وليست الإعادة بأصعب من الإيجاد بعد العدم، هذا؛ ويقرأ الكلام بقراءات كثيرة، فجملتها تسع، وكلها سبعية.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَعْجَبْ﴾: مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر فيه تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعَجَبٌ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عجب): مبتدأ.\n ﴿قَوْلُهُمْ﴾: خبره، ويجوز العكس، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿أَإِذا﴾","vol":"4","page":686},{"text":": الهمزة: حرف استفهام. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿كُنّا﴾: ماض ناقص، مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿تُرابًا﴾: خبرها، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور، وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: أإذا كنا ترابا نبعث، ولا يجوز أن يعمل فيها ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ؛﴾ لأن ما بعد (إن) لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم أن (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية؛ إذ التقدير: أنبعث إذا كنا... إلخ، وهذا قول غير سيبويه، أما هو فيعتبرها شرطية، وهو الوجه الأول من الإعراب. و(إذا) ومدخولها بدل من ﴿قَوْلُهُمْ﴾ أو هو تفسير له، أو هو في محل نصب مقول القول. ﴿أَإِنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾: اللام هي المزحلقة. (فى خلق): متعلقان بمحذوف خبر (إن). ﴿جَدِيدٍ﴾: صفة خلق، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة في الإنكار، وبدون الاستفهام حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار بالأولى إنكار فيها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿فَعَجَبٌ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿... أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: لأنهم كفروا بقدرته على البعث بعد الموت، وذلك في قولهم السابق، ومن أنكر اليوم الآخر، وما فيه من الحساب والجزاء، فهو كافر بالله تعالى. ﴿وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة يطوقون بالأغلال، وقيل: معناه مقيدون بالضلالة لا يجرى خلاصهم منها، وقيل: المراد بالأغلال: ذلهم وانقيادهم يوم القيامة، والأغلال جمع غل، وهو طوق من حديد تشدّ به اليد إلى العنق. ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ﴾: انظر شرح (صاحب) في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇، هذا؛ وقد جعل الكفار أصحاب النار بمعنى مالكيها، لملازمتهم لها وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب الجنة. ﴿خالِدُونَ﴾: مقيمون لا يخرجون، ماكثون أبدا لا يموتون، ولا يفنون.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، (أولئك): مبتدأ أول. ﴿الْأَغْلالُ﴾: مبتدأ ثان. ﴿فِي أَعْناقِهِمْ﴾: جار","vol":"4","page":687},{"text":"ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿الْأَغْلالُ﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية:\n (أولئك...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\nوالجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قَوْلُهُمْ﴾:\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ﴾:\nخبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ أو من النار نفسها، والعامل في الحال اسم الإشارة، والرابط الضمير على الاعتبارين، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل (أولئك)، والأول أقوى.\n\n<span id=\"aya-1713\"></span>﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي: يطلب منك يا محمد كفار قريش والمكذبون لك إنزال الهلاك بهم، وذلك حين هددهم الرسول ﷺ بنزول العذاب بهم، وطلبوا ذلك استهزاء منهم، خذ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ،﴾ هذه الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: المراد بها هنا:\nالإيمان. وقيل: المراد بها العافية من البلاء، وقد قضى سبحانه وحكم بتأخير العذاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة، وانظر الآية رقم [١١] من سورة (يونس) ﵇ وشرحها. ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ أي: وقد مضت العقوبات والهلاك بالمكذبين قبلهم، فما لهم لم يعتبروا بها، ولم يجوزوا نزول مثلها بهم؟! هذا؛ والمثلات جمع: مثلة، وهي نقمة تنزل بالإنسان، فيكون مثالا وعبرة لمن يعتبر، وقال ابن الأنباري: المثلة كسحرة: العقوبة، التي تبقي في المعاقب شيئا بتغيير بعض خلقه من قولهم: مثّل فلان بفلان، إذا شان خلقه، بقطع أنفه، أو سحل عينه، أو جدع أذنه، أو بقر بطنه، هذا؛ ويقرأ بفتح الميم وضمها، وسكون الثاء وفتحها وضمها.\n ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أي: صاحب عفو، وتجاوز عن المشركين؛ إذا آمنوا وعن المذنبين؛ إذا تابوا، وأنابوا. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾: لمن أصر على الكفر، أو أصر على اجتراح السيئات، وفعل المنكرات من المسلمين.\nهذا؛ وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ..﴾. إلخ قال رسول الله ﷺ: «لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه؛ لما هنأ أحدا عيش، ولولا عقابه، ووعيده، وعذابه، لاتّكل كلّ أحد». وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (النحل).","vol":"4","page":688},{"text":"الإعراب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: الواو: حرف استئناف. (يستعجلونك): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَبْلَ﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من السيئة، و(قبل) مضاف، و﴿الْحَسَنَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَقَدْ﴾: الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَثُلاتُ﴾: فاعل خلت، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز اعتبارها مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: واو الحال.\n (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ﴾: اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَذُو﴾: خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، واللام هي المزحلقة، و(ذو) مضاف، و﴿مَغْفِرَةٍ﴾: مضاف إليه. ﴿لِلنّاسِ﴾: متعلقان بمغفرة، أو بمحذوف صفة له. ﴿عَلى ظُلْمِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الناس، والعامل فيها ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ لأنه مصدر، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط:\nالواو، والضمير، ويجوز اعتبارها مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، و(شديد) مضاف، و﴿الْعِقابِ﴾:\nمضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل: شديد عقابه.\n\n<span id=\"aya-1714\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿لَوْلا﴾: هلا. ﴿لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: مثل عصا موسى، وناقة صالح، ونحو ذلك، وذلك لعدم اعتدادهم بما رأوا من معجزات النبي ﷺ. ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي: مرسل للإنذار كغيرك من الرسل، وليس لك من إنزال الآيات شيء. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أي: نبي مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم، كعصا موسى بالنسبة للسحر الذي برع به قومه، وإبراء الأكمه والأبرص بالنسبة للطب الذي برع به قوم عيسى، وقيل: المراد بالهادي الله تعالى، فهو يهدي من يشاء هدايته بما ينزل من آيات.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُ﴾: الواو: حرف استئناف. (يقول): مضارع. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعله مبني على الفتح في محل رفع. وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: (يقول...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَوْلا﴾: حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ﴾:","vol":"4","page":689},{"text":"متعلقان بما قبلهما. ﴿آيَةٌ﴾: نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿آيَةٌ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿أُنْزِلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (لكل): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(كل): مضاف، و﴿قَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿هادٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وأجيز اعتبارها مستأنفة، كما قيل (لكل) متعلقان ب ﴿هادٍ،﴾ وهو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو هاد لكل قوم.\n\n<span id=\"aya-1715\"></span>﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ قال الخازن: لما سألوا رسول الله ﷺ الآيات؛ أخبرهم الله عن عظيم قدرته، وكمال علمه، وأنه عالم بما تحمل كل أنثى، يعني: من ذكر أو أنثى، سويّ الخلق، أو ناقص الخلق، واحدا، أو اثنين أو أكثر. انتهى. وأضيف: ما تحمل كل أنثى من صبيح وقبيح، من أبيض وأسود... إلخ. ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ أي: وما تنقصه وما تزداد في الجثة والمدة والعدد، هذا؛ وقد قالوا: غيض الأرحام: الحيض على الحمل، فإذا حاضت الحامل كان نقصانا في الولد؛ لأن دم الحيض هو غذاء الولد في الرحم، فإذا خرج الدم نقص الغذاء فينقص الولد، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتم خلقه، هذا؛ والأرحام جمع: رحم، وهو مستودع الجنين في بطن الأنثى الحبلى من الإنسان والحيوان، والرحم أيضا:\nالقرابة، وجمعهما الأرحام، وانظر ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ في الآية رقم [٤٤] من سورة (هود) ﵇. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أي: بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه، قال تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فإن الله تعالى قد خص كل حادث بحال ووقت معينين بمشيئته الأزلية، وإرادته السرمدية، وهيأ له أسبابا مسوقة إليه تقتضي ذلك، وما أحوجك أن تنظر الآية رقم [٥٩] من سورة (الأنعام)، وما ذكرته فيها، وخذ ما يلي: فعن عبد الله بن عمرو﵄-، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». أخرجه مسلم، هذا؛ ولا تنس ما في الآية الكريمة من الطباق والمقابلة بين ﴿تَغِيضُ﴾ و﴿تَزْدادُ﴾ وهو من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول","vol":"4","page":690},{"text":"به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: الله يعلم الذي، أو شيئا تحمله. ﴿كُلُّ﴾: فاعله، و﴿كُلُّ﴾: مضاف، و﴿أُنْثى﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، هذا؛ وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: الله يعلم حمل كل أنثى، وأضيف أنه أجيز اعتبار ﴿ما﴾ استفهامية مبنية السكون في محل نصب مفعول به مقدم ل ﴿تَحْمِلُ﴾ وهي معلقة للفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ عن العمل، فتكون الجملة الفعلية في محل نصب مفعول به، وأراه ضعيفا، وأعتمد الاعتبارات الأولى في ﴿ما﴾. وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وقل في الجملتين: ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ كل ما قلته في الجملة السابقة من الاعتبارات، ولعلك تدرك معي أن الأفعال تكون لازمة على اعتبار (ما) مصدرية، ومتعدية على الاعتبارات الأخرى. ﴿وَكُلُّ﴾: الواو:\nواو الحال. (كل): مبتدأ، وهو مضاف ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة شيء، أو صفة كل، أو هو متعلق بمحذوف خبر أول للمبتدإ وأجيز تعليقه ب (مقدار) بعده. بمقدار: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو بمحذوف خبر ثان له. تأمل.\nوالجملة الاسمية (كل...) إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ المستتر، والرابط:\nالواو، والضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها. تأمل.\n\n<span id=\"aya-1716\"></span>﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩)﴾\nالشرح: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: يعلم سبحانه ما غاب عن أبصار عباده، وما يشاهدونه بحواسهم، فلا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم، فنبه سبحانه على انفراده بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه فيه أحد من خلقه. ﴿الْكَبِيرُ﴾: العظيم الذي يصغر كل كبير بالإضافة إلى عظمته وكبريائه، فيمتنع أن يكون كبيرا بحسب الجثة والمقدار.\n ﴿الْمُتَعالِ﴾: المستعلي على عباده بالقهر والقدرة، وأيضا المنزه عما يصفه الكافرون من صفات النقصان كنسبة الولد إليه وغير ذلك.\nالإعراب: ﴿عالِمُ﴾: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو عالم، و﴿عالِمُ﴾: مضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالشَّهادَةِ﴾:\nمعطوف على ما قبله. ﴿الْكَبِيرُ﴾: خبر ثان للمبتدإ المحذوف. ﴿الْمُتَعالِ﴾: خبر ثالث مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، وبعضهم يثبتها، والجملة الاسمية:\n ﴿عالِمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":691},{"text":"<span id=\"aya-1717\"></span>﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ أي: مستو منكم من أخفى القول وكتمه، ومن أظهره، وأعلنه. ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أي: مستتر بظلمته، ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ أي: ذاهب في النهار في سربه، أي: طريقه، ومعنى الآية: سواء ما أضمرت القلوب، أو نطقت به الألسن، وسواء من أقدم على القبائح مستترا في ظلمات الليل، أو أتى بها ظاهرا في النهار، فإن علمه تعالى محيط بالجميع، هذا؛ و﴿وَسارِبٌ﴾ اسم فاعل من سرب في الأرض سروبا من بابي: قعد، وذهب، والسرب بكسر السين: الطريق، والنفس أيضا، قال الرسول ﷺ: «من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه فقد ملك الدّنيا بحذافيرها». والسرب بكسر السين أيضا: القطيع من القطا، والظباء، والوحش، والنخل، والخيل، والحمر، والنساء. هذا؛ ولا تنس ما في الآية من الطباق والمقابلة بين أسرّ وجهر، وبين مستخف وسارب، وهذا من المحسنات البديعية.\nهذا؛ و﴿سَواءٌ﴾: مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد في كثير من الآيات، وقيل: هو بمعنى مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هما وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيان، وإن شئت قلت: سواءان، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان ومتساوون، هذا؛ والسواء أيضا: العدل والوسط، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾.\nالإعراب: ﴿سَواءٌ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿سَواءٌ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿سَواءٌ﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به تعليق ﴿مِنْكُمْ﴾ بمحذوف صفة له، ويكون ﴿مَنْ﴾ خبره، وجملة: ﴿أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ صلة من، والعائد رجوع الفاعل عليه، و(من) الثانية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها، وجملة: ﴿جَهَرَ بِهِ﴾ صلته أيضا، والعائد رجوع الفاعل أيضا. (من):\nاسم موصول معطوف على ما قبله، ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿مُسْتَخْفٍ﴾: خبر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية صلة الموصول، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ في المواضع الثلاثة نكرة موصوفة، فتكون الجملة صفتها، والرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿بِاللَّيْلِ﴾: متعلقان بمستخف: ﴿وَسارِبٌ﴾:\nمعطوف على ﴿مُسْتَخْفٍ،﴾ فهو على تقدير: ومن هو سارب. ﴿بِالنَّهارِ﴾: متعلقان بسارب، وفيه وفي ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ ضمير مستتر هو فاعلهما.","vol":"4","page":692},{"text":"<span id=\"aya-1718\"></span>﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)﴾\nالشرح: ﴿لَهُ﴾: الضمير يعود إلى ﴿مِنْ﴾ في الآية السابقة بمعانيه الأربعة. ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ أي: ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار، وقال:\nمعقبات والملائكة ذكران؛ لأنه جمع: معقبة، يقال: ملك معقب، وملائكة معقبة، ثم ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ جمع الجمع، هذا؛ ويقرأ: «(له معاقيب)» وهو جمع: معقب، والمراد بالمعقبات:\nالملائكة الحفظة الموكلون بحفظ ابن آدم ذكر، أو أنثى، وقيل: بل المراد: الملكان الموكلان بكتابة الأعمال، صالحها وسيئها، حسنها وقبيحها، فكاتب الحسنات على اليمين، وهو أمين على كاتب السيئات الذي على الشمال. فإذا عمل العبد حسنة؛ كتبها له بعشر أمثالها، وإذا عمل سيئة، قال صاحب الشمال لصاحب اليمين: أكتبها عليه فيقول: أنظره، لعله يتوب، لعله يستغفر. فيستأذنه ثلاث مرات، فإن هو تاب منها، وإلا؛ قال: اكتبها عليه سيئة واحدة.\nفعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثمّ يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم، وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم، وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يصلّون». وهذا يشمل جميع الملائكة الذين يكتبون، أو يحفظون.\nهذا، وقيل: إن الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى الله، وقال الخازن: الضمائر تعود إلى الرسول ﷺ، وأورد قصة عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: من أمامه. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: من وراء ظهره. ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي: بأمر الله وإذنه ما لم يجئ القدر، فإذا جاء تخلّوا عنه لينفذ أمر الله وقضاؤه، وهذا يؤيد: أن المراد بالمعقبات الحفظة، لا الكتبة، قال كعب بن الأحبار: لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم، وعوراتكم؛ لتخطفتكم الجن، وقيل: معنى يحفظونه: يحفظون عليه الحسنات والسيئات، ولا أعتمده.\n ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ أي: ما هم فيه من النعمة والعافية التي أنعم بها عليهم.\n ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة، فيعصون ربهم، ويجحدون نعمه، فعند ذلك تحل بهم نقمته. وكل المفسرين قالوا هذا، وأرى أن العكس صحيح، أي: إذا نزل بقوم شر وبلاء، وسلبهم النعمة والرخاء، وذلك بسبب المعاصي والمنكرات، فلا يرفع الله عنهم ذلك، ويعيد إليهم نعمتهم المسلوبة، ورخاءهم الضائع حتى","vol":"4","page":693},{"text":"يتركوا ما هم فيه من الشر والفساد، وما حاضر المسلمين اليوم منك ببعيد، فإذا أرادوا أن يعود إليهم مجدهم الضائع، وكرامتهم المهدورة، فعليهم أن يرجعوا إلى ربهم، وسنة نبيهم، وهدي كتابهم، وخذ هذا الحديث الشريف، فإنه أكبر دليل على ما أقول: عن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه عنكم حتّى ترجعوا إلى دينكم».\nرواه أبو داود وغيره.\n ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا﴾: هلاكا، أو عذابا، أو ذلة، أو بلاء من أمراض، وأسقام. ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ أي: فلا مرد ولا دافع لما أراد الله ﷿. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ أي: يلي أمرهم، فيدفع عنهم السوء، وفيه دليل قاطع على أن خلاف مراد الله تعالى محال.\nالإعراب: ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُعَقِّباتٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ بَيْنِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ أو هما متعلقان به، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو متعلق ﴿لَهُ﴾ والكلام على هذه الأوجه يتم عند قوله: ﴿خَلْفِهِ﴾ ويجوز أن يتعلقا بالفعل بعدهما، و﴿بَيْنِ﴾: مضاف، و﴿يَدَيْهِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى لفظا، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: معطوفان على ما قبلهما. ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة على الأوجه الأولى في متعلق الجار والمجرور ﴿مِنْ بَيْنِ﴾ وهي في محل رفع صفة ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ على اعتبارهما متعلقين بالفعل بعدهما. ﴿مِنْ أَمْرِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و(أمر) مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ﴾: اسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُغَيِّرُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ ﴿ما﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بِقَوْمٍ﴾: متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها، وجملة: ﴿لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر. ﴿يُغَيِّرُوا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق ﴿ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ مثل ﴿ما بِقَوْمٍ﴾ و«أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِذا﴾: الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥]، والجملة الفعلية: ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا﴾ في محل جر بإضافة إذا إليها... إلخ. ﴿فَلا﴾: الفاء: واقعة في جواب إذا. (لا): نافية للجنس تعمل عمل إن. ﴿مَرَدَّ﴾: اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية: ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾. جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية.","vol":"4","page":694},{"text":"﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: متعلقان بالخبر المحذوف هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، فيكون الخبر قد تعدد، وهو شبه جملة، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مِنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿والٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهذا الاسم دخله الإعلال كما في ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (يوسف) ﵇، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من قوم، والرابط: الواو، والضمير هذا؛ ومجيء الحال من النكرة على حد قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾. هذا؛ ويجوز اعتبارها معطوفة على جواب (إذا)، واعتبارها مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، والاستئناف أقوى من كل الوجوه.\n\n<span id=\"aya-1719\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾: البرق: مصدر برق يبرق: إذا لمع، والرعد:\nمصدر رعد يرعد، وهما معروفان ومشاهدان للناس جميعا، وتفسيرهما في الشرع غير تفسيرهما وشرحهما في العلم الحديث. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: هذا الخوف والطمع من رؤية البرق يكون من وجوه؛ الأول: عند لمعان البرق يخاف من الصواعق، ويطمع في نزول المطر.\nالثاني: أنه يخاف من البرق من يتضرر بالمطر كالمسافر ومن على بيدره التمر والزبيب والقمح ونحو ذلك، ويطمع فيه من له في نزول المطر نفع كالزراع ونحوهم. الثالث: أن المطر يخاف منه إذا كان في غير مكانه وزمانه، ويطمع فيه إذا كان في مكانه وزمانه المناسبين لسقوطه، وخذ قول أبي الطيب في ممدوحه: [الطويل]\nفتى كالسّحاب الجون يخشى ويرتجى... يرجّى الحيا منه، وتخشى الصّواعق\nهذا؛ وقيل: خوفا أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر، وطمعا أن يكون ممطرا، قاله ابن بحر، وأنشد قول الشاعر: [الرمل]\nلا يكن برقك برقا خلّبا... إنّ خير البرق ما الغيث معه\nوالبرق الخلّب: الذي لا غيث فيه كأنه خادع. ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز: إنما أنت كبرق خلّب، والخلّب أيضا: السحاب الذي لا مطر فيه.\nهذا؛ وأصل الخوف انزعاج في الباطن، يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل، وأما التّخوّف فإنه يأتي بمعنى التنقص، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ يروى: أن الفاروق ﵁، قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ﴾","vol":"4","page":695},{"text":"يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا، التخوّف التنقّص، قال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]\nتخوّف الرحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن\nفقال عمر﵁-: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال:\nشعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى العلم، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا..﴾. إلخ الآية رقم [١٨١] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٢٨] من سورة (البقرة).\nهذا؛ والطمع: نزوع النفس إلى الشيء المحبوب والحرص على حصوله في المستقبل.\n ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ أي: ويخلق الله الغيوم ويظهرها، والسحاب غربال الماء، قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هذا؛ وقيل: السحاب الغيم فيه ماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل:\nسحاب جهام، وهو الخالي من الماء، وأصل السحب: الجر، وسمي السحاب سحابا، إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لانجراره في سيره، هذا؛ ووصفه الله بالثقال لثقله بالماء الذي يحمله إلى حيث شاء الله الخلاق العظيم، وما أحراك أن تنظر الحديث الذي ذكرته في الآية رقم [٣]. هذا؛ والسحاب اسم جنس، واحده سحابة، فذلك وصف بالجمع، وهو الثقال جمع ثقيلة، وتجمع السحابة على سحاب وسحائب وسحب.\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر. ﴿يُرِيكُمُ﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل والفاعل مستتر يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو بصري تعدى إلى الثاني بهمزة التعدية، وانظر إعلال ﴿تُوقِنُونَ﴾ في الآية رقم [٢] فهو مثله إذ أصله: «يؤريكم» والكاف مفعوله الأول، والبرق: مفعوله الثاني، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد: رجوع الفاعل إليه، ﴿خَوْفًا﴾: مفعول لأجله، وقيل: حال من كاف المخاطبين بمعنى: ذوي خوف، وذوي طمع. ﴿وَيُنْشِئُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿السَّحابَ﴾: مفعول به. ﴿الثِّقالَ﴾:\nصفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وأجيز اعتبار خوفا مفعولا مطلقا، وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-1720\"></span>﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: بحمد الله تعالى، ويسبح كذلك سامعوه من بني آدم المؤمنين، وهل الرعد اسم ملك أو صوت ملك؟ خلاف، وهو خلاف ما يقوله العلم الحديث،","vol":"4","page":696},{"text":"هذا؛ والتسبيح والتقديس عبارة عن تنزيه الله ﷿ عن جميع النقائض. ﴿وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أي: تسبح الملائكة بحمد الله تعالى من خوفه، أو من خوف الرعد هذا؛ و(خيفة) أصلها (خوفة) وقعت الواو ساكنة إثر كسرة، فقلبت ياء، فهو واوي من الخوف. ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾: جمع صاعقة، وهي العذاب النازل من البرق، فيحترق من تصيبه، وقيل: هي الصوت الشديد النازل من الجو، ثم يكون فيه نار، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد. ﴿فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ أي: فيصيب الله بالصواعق من يشاء إصابته، أو هلاكه. ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾: حيث يكذبون رسول الله ﷺ فيما يصف ربه تعالى به من كمال العلم والقدرة، والتفرد بالألوهية، وإعادة الناس يوم القيامة للحساب والجزاء، هذا؛ والجدال: التشدد في الخصومة، من الجدل وهو الفتل. ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾: شديد الأخذ، أو شديد القوة، أو شديد الانتقام إلى غير ذلك، وهو بكسر الميم، ويقرأ بفتحها على أنه بمعنى الحول، والمحاولة بمعنى المغالبة، والمكايدة، وفي القاموس المحيط: والمحال ككتاب: الكيد، وروم الأمر بالحيل، والتدبير، والقدرة، والجدال، والعذاب، والعقاب، والعداوة، والمعاداة كالمماحلة، والقوة، والشدة، والهلاك، والإهلاك.\nتنبيه: قال ابن عباس﵄-: من سمع صوت الرعد، فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة: فعليّ ديته.\nوكان عبد الله بن الزبير﵄إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، وكان يقول: إن الوعيد لأهل الأرض شديد.\nتنبيه: روي: أن عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة العامري الصحابي، وفدا على رسول الله ﷺ قاصدين لقتله، وكان عامر قد تواطأ مع أربد، وقال له: إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه، واضربه بالسيف، فجعل يخاصم النبي ﷺ، ويجادله بعد أن ذهب به بعيدا عن أصحابه، فاخترط أربد من سيفه شبرا، ثم حبسه الله، فلم يقدر على سله، ويبست يده على سيفه، فتنبه له الرسول ﷺ، وقال: «اللهم اكفنيهما بما شئت». فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، وولى عامر هاربا، وقال: يا محمد! دعوت ربك على أربد حتى قتله، والله لأملأنها عليك خيلا جردا، وفتيانا مردا، فقال ﵊: «يمنعك الله من ذلك، وأبناء قيلة». يعني الأوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة من بني سلول، وخرجت على ركبته غدة عظيمة فجأة، فقال: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية! فركب فرسه، وجعل يجول ويصول، ويقول: يا ملك الموت ادن! حتى سقط على الأرض ميتا. فذهب إلى جهنم، وبئس القرار، وقد نزلت الآية الكريمة فيهما.\nالإعراب: ﴿وَيُسَبِّحُ﴾: (يسبح): مضارع. ﴿الرَّعْدُ﴾: فاعله. ﴿بِحَمْدِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الرعد، التقدير: ملتبسا بحمده، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾: معطوف","vol":"4","page":697},{"text":"على الرعد. ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من (الملائكة) أيضا، أو بمحذوف مفعول لأجله، أي: هائبين من خيفته، وجملة: ﴿وَيُسَبِّحُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يُرِيكُمُ..﴾.\nإلخ فهي في محل رفع مثلها، والاستئناف ممكن بلا ضعف، وجملة: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ معطوفة عليها. (يصيب): مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِها﴾: متعلقان به. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: فيصيب الذي، أو شخصا يشاء إصابته، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من ﴿مِنْ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وعليه فيجب اعتبارها بمعنى الجمع ليتوافق صاحب الحال والرابط، واعتبارها مستأنفة لا بأس به، بل هو قوي، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير فهي حال متداخلة من وجه، و﴿شَدِيدُ﴾: مضاف، و﴿الْمِحالِ﴾: مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: شديد محاله.\n\n<span id=\"aya-1721\"></span>﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ أي: لله دعوة الصدق، قال علي-كرم الله وجهه-دعوة الحق:\nالتوحيد، وقال ابن عباس﵄-: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وقال البيضاوي:\nالدعاء الحق، فإنه الذي يحق أن يعبد، أو يدعى إلى عبادته دون غيره، أو له الدعوة المجابة، فإن من دعاه أجابه، ويؤيده ما بعده. انتهى. وهو جيد. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: والأصنام التي يدعونها آلهة من دون الله ويعبدونها. ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ أي: لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضرر إن دعوهم.\n ﴿إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ﴾ أي: إلا استجابة كائنة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه يطلب إليه أن يبلغ فاه ويصل إليه ليشرب منه، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه، فضلا عن إجابته، وكذلك الأصنام التي يعبدونها جمادات لا تحس بدعائهم، ولا تقدر على إجابتهم.\nقال القرطبي: ضرب الله ﷿ الماء مثلا ليأسهم من الإجابة لدعائهم؛ لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد، قال: [الطويل]\nفأصبحت فيما كان بيني وبينها... من الودّ مثل القابض الماء باليد","vol":"4","page":698},{"text":"وقال آخر: [الطويل]\nوإنّي وإيّاكم وشوقا إليكم... كقابض ماء لم تطعه أنامله\nوقال آخر: [الطويل]\nومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض... على الماء خانته فروج الأصابع\nقال علي ﵁: هو (أي: عابد الصنم، أو الطالب منه حوائجه) كالعطشان على شفة البئر، فلا يبلغ قعر الماء ولا الماء يرتفع إليه، هذا؛ وقرئ في الشواذ «(تدعون)» بالتاء، وبتنوين (باسط). ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي: ليست عبادة الكافرين الأصنام، أو طلبهم منها حوائجهم إلا في ضياع وباطل.\nتنبيه: في الآية الكريمة تشبيه تمثيلي حيث شبه الله تعالى دعوة الكفار آلهتهم ليستجيبوا لهم، وعدم استجابتها؛ بمن يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وهو بعيد عنه مع رجائه أن يستجيب الماء له، وهو جماد لا يشعر ولا يحس، وقيل: شبهوا في قلة نفع دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه، فبسطهما ناشرا أصابعه فلم تلق كفاه منه شيئا، ولم يبلغ طلبته.\nالإعراب: ﴿لَهُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دَعْوَةُ﴾: مبتدأ مؤخر، و﴿دَعْوَةُ﴾: مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ﴾: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: والمشركون الذين يدعون الأصنام، فحذف المفعول لدلالة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ عليه، أو التقدير: والأصنام الذين يدعوهم المشركون، ويكون جمعها مثل جمع ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇.\n ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَسْتَجِيبُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾: كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿كَباسِطِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا استجابة كائنة كاستجابة باسط، و(باسط): مضاف، و﴿كَفَّيْهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، هذا؛ وعلى قراءة تنوين باسط فيكون ﴿كَفَّيْهِ﴾ مفعولا صريحا منصوبا، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة... ﴿إِلَى الْماءِ﴾:\nمتعلقان ب (باسط). ﴿لِيَبْلُغَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الماء. ﴿فاهُ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء","vol":"4","page":699},{"text":"الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان ب (باسط). ﴿وَما﴾: الواو: واو الحال، (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما).\n ﴿بِبالِغِهِ﴾: الباء: حرف جر صلة. بالغه: خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) مهملة، فتكون الباء زائدة في خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَما هُوَ بِبالِغِهِ﴾ في محل نصب حال من فاعل (يبلغ) المستتر، أو من مفعوله، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية مهملة. ﴿دَعاهُ﴾: مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول محذوف، انظر الشرح لتقديره. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر، ﴿فِي ضَلالٍ﴾:\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1722\"></span>﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ: قال الخازن: في معنى السجود قولان:\nأحدهما: أن المراد منه السجود على الحقيقة، وهو وضع الجبهة على الأرض، ثم على هذا القول ففي معنى الآية وجهان:\nأحدهما: أن اللفظ، وإن كان عاما، إلا أن المراد منه الخصوص، فقوله ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ﴾ يعني الملائكة، ومن في الأرض يعني المؤمنين، ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ يعني من المؤمنين من يسجد لله طوعا، وهم المؤمنون المخلصون لله العبادة، و(كرها): يعني: المنافقين الداخلين في المؤمنين، وليسوا منهم، فإن سجودهم لله على كره منهم؛ لأنهم لا يرجون على سجودهم ثوابا، ولا يخافون عقابا، بل سجودهم وعبادتهم خوف من المؤمنين.\nالوجه الثاني: هو حمل اللفظ على العموم، وعلى هذا ففي اللفظ إشكال وهو أن جميع الملائكة والمؤمنين من الإنس والجن يسجدون لله طوعا، ومنهم من يسجد له كرها كما تقدم، وأما الكفار من الإنس والجن فلا يسجدون لله البتة، فهذا؛ وجه الإشكال، والجواب عنه: أن المعنى أنه يجب على كل من في السموات ومن في الأرض أن يسجد لله، فعبر بالوجوب عن الوقوع والحصول، وجواب آخر: وهو أن يكون المراد من هذا السجود هو الاعتراف بالعظمة والعبودية، وكل من في السموات، ومن في الأرض من إنس وجن، فإنهم يقرون لله بالعبودية، والتعظيم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾.","vol":"4","page":700},{"text":"والقول الثاني في معنى هذا السجود: هو الانقياد والخضوع، وترك الامتناع، فكل من في السموات، ومن في الأرض ساجد لله بهذا المعنى، وهذا الاعتبار؛ لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل، فهم خاضعون له، ومنقادون لأوامره، انتهى. بحروفه.\nأقول: وهذا الوجه هو المرضي عندي، ولعله المرضي عند الكثير، ويؤيده قوله ﷿ في سورة (الإسراء): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وهو باتفاق تسبيح دلالة، لا تسبيح عبادة.\n ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾: قال المفسرون: إن ظل كل شيء يسجد لله، سواء ظل المؤمن وظل الكافر، وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله، وظله يسجد لله. قال ابن الأنباري: ولا يبعد أن يخلق الله للظلال عقولا وأفهاما، تسجد بها وتخشع، كما جعل للجبال أفهاما حتى سبحت لله مع داود، قال القشيري: في هذا نظر؛ لأن الجبل عين، فيمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة، وأما الظلال فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير الحياة لها، وقيل:\nالمراد بسجود الظلال: ميلانها من جانب إلى جانب آخر، وطولها وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ونزولها، وذلك تصريف الله إياها على ما يشاء، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (النحل)، قاله ابن عباس وغيره، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال تعظم وتكثر في هذين الوقتين، وقيل: لأنهما طرفان فيدخل وسطه فيما بينهما.\nبعد هذا (الغدو): جمع غدوة بضم الغين فيهما، وهي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وقيل: إلى الضحوة الكبرى، وتجمع أيضا على غدى، والغداة في الأصل الضحوة، ولو حملها حامل على أول النهار لجاز له التذكير، والجمع غدوات، والآصال: جمع أصيل، وهو الوقت بين العصر والمغرب، ويجمع أيضا على أصائل، وأصل، وأصلان، هذا؛ وقيل: الآصال جمع أصل، والأصل جمع أصيل، ثم أصائل جمع الجمع، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nلعمري لأنت البيت أكرم أهله... وأقعد في أفيائه بالأصائل\nهذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس إلى الماء، مثل الحبال، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب، وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران)، والآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام)، ففيهما كبير فائدة.\nهذا؛ والآية التي الكلام فيها يسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءته، واستماعه لها، فهي من الآيات الأربع عشرة التي يسن السجود لتلاوتها واستماعها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٥] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، وانظر الكلام على (من) في الآية [٤٨] من سورة (النحل)، وانظر الكلام على السجود في الآية رقم [٥٠] منها أيضا.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ﴾: الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بما بعدهما، وتقديمهما أفاد الاختصاص. ﴿يَسْجُدُ﴾: مضارع، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل.","vol":"4","page":701},{"text":"﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد في السموات.\n ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿طَوْعًا﴾: حال بمعنى طائعا، وقيل: مفعول لأجله. وقيل:\nمفعول مطلق، ولا وجه له. ﴿وَكَرْهًا﴾: معطوف على ما قبله. ﴿وَظِلالُهُمْ﴾: معطوف على ﴿مَنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وقد راعى معنى ﴿مَنْ﴾ وهو الجمع، وفي تأويل طوعا ب (طائعا) يكون راعى لفظها. تأمل. ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْآصالِ﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ..﴾.\nالشرح: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ، كلاحقه، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله: من مالك السموات والأرض؟ ومن مدبرهما وخالقهما؟ قل: الله: أي: أجب عنهم بذلك؛ إذ لا جواب لهم سواه، ولأنه البين الذي لا يمكن الجدال فيه، وإنما جاء السؤال والجواب من جهة واحدة لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق السموات والأرض، وخالق كل شيء، كما ذكر عنهم ذلك في آيات كثيرة. ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ..﴾. إلخ؟: هذا توبيخ وتقريع للمشركين الذين يعبدون الحجارة والأوثان، التي لا تستطيع أن تنفع نفسها بشيء، وإذا أرادها إنسان بضر لا تستطيع دفعه، وهذا مع اعترافهم بأن الله هو الخالق والمدبر لما في السموات والأرض، وإذا كانت تلك الأصنام لا تملك ذلك لنفسها، فكيف تملكه لمن يعبدها؟!.\n ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾: هذا مثل ضربه الله للكافر الذي لا يبصر الحق، والمؤمن الذي يعرف الحق ويتبعه، والآية رقم [٢١] الآتية توضح هذا؛ وتبينه، وقيل: الأعمى مثل لما عبدوه من دون الله، والبصير مثل الله تعالى، والأولى أولى، وعلى الاعتبارين في الكلام استعارة، ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ﴾ أي: الشر والإيمان، والمعنى: كما أن الأعمى والبصير لا يكونان سواء، كذلك الكافر والمؤمن لا يستويان، وكما أن الظلمات والنور لا يكونان سواء كذلك الكفر والإيمان لا يستويان.\nهذا؛ والظلمات جمع ظلمة، وقد جمعت في القرآن الكريم في آيات كثيرة باعتبار تعدد معانيها؛ إذ المراد ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة الجهل، وظلمة يوم القيامة، أو المراد ظلمة شديدة كأنها ظلمات متراكمة، ووحد النور؛ لأنه نوع واحد لا يختلف، وقدم الظلمات؛ لأنها مخلوقة قبل النور، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵄-، عن النبي ﷺ أنه قال:\n «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة، ثمّ ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النّور اهتدى، ومن أخطأه","vol":"4","page":702},{"text":"ضلّ». ذكره البغوي، هذا؛ والظلمات بمعانيها المتقدمة مستعارة من ظلمة الليل الحقيقية، والجامع بينهما عدم الاهتداء في كل منهما، كما أن النور بمعناه المتقدم مستعار من نور النهار، أو من نور المصباح المضيء، والجامع بينهما الاهتداء في كل منهما، ولا تنس الطباق في الآية الكريمة بين الأعمى والبصير، وبين الظلمات والنور، وهذا من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّ﴾: خبره، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية:\n ﴿رَبُّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿اللهُ..﴾.: مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: الله رب... إلخ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ وتقريع. الفاء: حرف عطف، أو هي صلة. ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾: (اتخذتم): فعل ماض، والتاء فاعله. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، وهو أولياء، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على مقدر بعد الهمزة، أي: أعلمتم أن ربهما هو الله الذي ينقاد لأوامره من فيهما كافة فاتخذتم... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وعلى اعتبار الفاء صلة، فيكون الكلام جملة واحدة، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَمْلِكُونَ﴾:\nمضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما أو هما متعلقان بما بعدهما على اعتبارهما مصدرين، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَفْعًا﴾: مفعول به. ﴿وَلا﴾:\nالواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿ضَرًّا﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿أَوْلِياءَ﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام ونفي. ﴿يَسْتَوِي﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْأَعْمى﴾: فاعل مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (البصير): معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿... أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ الشرح: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾: هذه الجملة معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، فهي داخلة تحت حكم الاستفهام الإنكاري و﴿شُرَكاءَ﴾ أي: في العبادة. ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ أي: أخلقوا","vol":"4","page":703},{"text":"سماوات، وأرضين، وشمسا، وقمرا، وجبالا، وبحارا، وإنسا، وجنّا؟. ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي:\nلم يميزوا بين خلق الله، وبين ما خلقت آلهتهم وأصنامهم التي يعبدونها. ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: المعنى إذا تفكر هؤلاء المشركون بعقولهم وجدوا الله تعالى هو المنفرد بخلق سائر الأشياء، وما يعبده هؤلاء جمادات مخلوقة، بل هي من جملة ما خلق الله تعالى. ﴿وَهُوَ الْواحِدُ﴾ أي: المنفرد بخلق الأشياء كلها. ﴿الْقَهّارُ﴾: لعباده، حتى يدخلهم تحت قضائه، وقدره، وإرادته، وانظر الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇، هذا؛ وفي الآية الكريمة رد على القدرية والمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، كما أنها ترد على من لا يعترف بالصانع الحكيم أيضا.\nالإعراب: ﴿أَمْ﴾: حرف عطف. ﴿جَعَلُوا﴾: ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهُ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، هذا؛ ويجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿شُرَكاءَ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿خَلَقُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿كَخَلْقِهِ﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: خلقوا خلقا مشبها خلقه، والجملة الفعلية: ﴿خَلَقُوا..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿شُرَكاءَ،﴾ وجملة: ﴿جَعَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَتَشابَهَ﴾: الفاء: حرف عطف. (تشابه): ماض. ﴿الْخَلْقُ﴾: فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة: (تشابه...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها؛ لأنها مفرعة عنها. ﴿اللهُ خالِقُ﴾: مبتدأ وخبر، و﴿خالِقُ﴾: مضاف، و﴿كُلِّ﴾: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و(كلّ): مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. والحالية ضعيفة.\n\n<span id=\"aya-1724\"></span>﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي: من السحاب، أو من السماء نفسها، فإن المبادئ منها، قال الخازن: لما شبه الله الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير، وشبه الكفر بالظلمات، والإيمان بالنور ضرب لذلك مثلا، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يعني: المطر. ﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أي: فجرت أودية، والأودية لا تجري؛ فهو مثل: جرى النهر والمراد جرى الماء في النهر،","vol":"4","page":704},{"text":"فحذف لدلالة الكلام عليه، ومعنى بقدرها: بملئها، الكبير بقدره، والصغير بقدره، وفيه احتراس من أن السيل غير ضار للممطور، بل هو نافع له.\nوقال ابن عباس﵄أنزل من السماء ماء، يعني: قرآنا، وهذا مثل ضربه الله تعالى، ويريد بالأودية القلوب، شبه نزول القرآن الجامع للهدى والنور والبيان بنزول المطر؛ لأن المطر إذا نزل عم نفعه، وكذلك نزول القرآن، وشبه القلوب بالأودية؛ لأن الأودية يستقر فيها الماء، وكذلك القلوب يستقر فيها القرآن، والعرفان ببركة نزول القرآن فيها، وهذا خاص للمؤمنين؛ لأنهم الذين انتفعوا بالقرآن وخذ ما يلي:\nعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيّبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنّما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فتعلّم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». متفق عليه.\nقال العلماء: الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس؛ لأنهم منها خلقوا، فالنوع الأول من أنواع الأرض: الطيبة التي تنتفع بالمطر، فتنبت به العشب، فينتفع الناس به والدواب بالشرب والرعي وغير ذلك، وكذلك النوع الأول من الناس من يبلغه الهدى وغير ذلك من العلم، فيحيا به قلبه، ويحفظه، ويعمل به، ويعلمه غيره، فينتفع به وينفع غيره. النوع الثاني من الأرض: أرض لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة لغيرها، وهي إمساك الماء لغيرها؛ لينتفع به الناس والدواب، وكذلك النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليس لهم أفهام ثاقبة، فيبقى ما عندهم من العلم حتى يجيء المحتاج إليه المتعطش لما عندهم من العلم، فيأخذه منهم، فينتفع به هو وغيره. النوع الثالث من الأرض: أرض سبخة، لا تنبت مرعى، ولا تمسك ماء، كذلك النوع الثالث من الناس، ليس لهم قلوب حافظة ولا أفهام ثاقبة، فإذا بلغهم شيء من العلم، لا ينتفعون به في أنفسهم، ولا ينفعون غيرهم، والله أعلم. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ أي: حمل السيل المذكور الحاصل من سيلان الأودية فوق سطحه زبدا، وهو ما يعلو الماء من الرغوة. ﴿رابِيًا﴾: منتفخا مرتفعا، قال الخازن: وهنا تم المثل.\n ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ﴾: هذا مثل آخر، والمعنى ينشأ زبد آخر مثل زبد الماء فوق ما يغلى في النار. ﴿اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾: والمراد بذلك ما يغلى في النار من الأتربة المخلوطة ببعض المعادن كالذهب والفضة ونحوهما، لاستخراجه من التراب بواسطة النار، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود إلى ما يطلب للزينة والحلية من المعادن الثمينة، وإن لم يكن مذكورا؛ لأن الحلية لا تطلبه","vol":"4","page":705},{"text":"إلا منها. ﴿أَوْ مَتاعٍ﴾ أي: طلب متاع آخر غير المعادن الثمينة مما ينتفع به الناس كالحديد والنحاس والرصاص ونحوه مما يذاب، وتتخذ منه الأواني وغيرها كآلات الحرب، هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء على الغيبة، وبالتاء على الخطاب، والمتاع: كل ما يتمتع به، ويقال لكل ما ينتفع به في البيت كالطبق والقدر ونحو ذلك من الأواني: متاع.\n ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي: هذا الزبد مثل الزبد الذي يعلو فوق سطح السيل. ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ﴾ أي: يمثل الله الحق والباطل بما ذكر، فالحق هو الجوهر الصافي الثابت، والباطل هو الزبد الطافي فوقه الذي لا ينتفع به. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ أي: ضائعا باطلا، حيث يتفرق ويضيع على حافتي الوادي المفعم بالسيل. ولا تنس: أن الزبد هذا يراد به زبد السيل وزبد الماء المغلى. ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾: يعني الماء الصافي.\nوالجوهر الجيد من هذه الأجسام التي تذاب. ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يثبت، ويبقى، ولا يذهب، هذا؛ ومكث يمكث بمعنى: أقام يقيم. قال الكميت يذم ولاة السوء: [الطويل]\nفتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟\nوالمكث بضم الميم وتكسر، وهذا على أنه اسم، وأما المصدر، فإن كان فعله من باب نصر، فهو بضم الميم أيضا، وإن كان من باب كرم، فهو بفتح الميم.\n ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾: قال أهل التفسير والمعاني: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل، فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والحالات، فإن الله يمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة الحسنة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو على الماء، فيذهب الزبد، ويبقى الماء الصافي الذي ينتفع به، وكذلك الصافي من الجواهر والمعادن يبقى، ويذهب ما يعلو فوقه من الكدر، وانظر ما ذكرته من تفسير وتمثيل آنفا، واقرأ الحديث جيدا وتفهمه وتدبره، والله يتولاني ويتولاك بعنايته ورعايته.\nالإعراب: ﴿أَنْزَلَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى الله. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الماء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿السَّماءِ﴾: مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (سالت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَوْدِيَةٌ﴾:\nفاعل. ﴿بِقَدَرِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة أودية، و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: (سالت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾:\nماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿رابِيًا﴾: صفة زبدا. (مما): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجملة: ﴿يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ صلة (ما) الموصولة، والعائد الضمير المجرور محلا ب ﴿عَلَيْهِ﴾. ﴿فِي النّارِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ ب (على) ومنع القرطبي الاعتبار الأول. ﴿اِبْتِغاءَ﴾: مفعول لأجله،","vol":"4","page":706},{"text":"وجوز اعتباره حالا، بمعنى مبتغين، و﴿اِبْتِغاءَ﴾: مضاف، و﴿حِلْيَةٍ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، ﴿مَتاعٍ﴾: معطوف على ما قبله. ﴿زَبَدٌ﴾: مبتدأ مؤخر.\n ﴿مِثْلُهُ﴾: صفة ﴿زَبَدٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الفعلية السابقة؛ لأنها قسيمة؛ لأنها تضمنت مثلا آخر مثلها. تأمل. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يضرب الله الحق والباطل ضربا، أي: مثلا مماثلا لما ذكر، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهي فعل مضارع وفاعله ومفعوله كما ترى. ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: حرف استئناف. (أما):\nأداة شرط وتوكيد وتفصيل، وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿الزَّبَدُ﴾:\nمبتدأ. ﴿فَيَذْهَبُ﴾: الفاء: واقعة في جواب (أما). (يذهب): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الزَّبَدُ﴾.\n ﴿جُفاءً﴾: حال من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَمّا﴾: الواو: حرف عطف. (أما): مثل سابقتها. ﴿مِمّا﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَنْفَعُ النّاسَ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما يَنْفَعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿كَذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يضرب الله الأمثال ضربا كائنا كما ذكر، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها، وهي مضارع وفاعله ومفعوله كما هو ظاهر.\n\n<span id=\"aya-1725\"></span>﴿لِلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أي: أجابوا، فالسين والتاء زائدتان، قال كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار: [الطويل]\nوداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nوالمعنى: أجابوا ربهم لما دعاهم إليه من التوحيد، والإيمان به وبرسوله. ﴿الْحُسْنى﴾: يعني الجنة، وقيل: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة الخالية عن شوائب المضرة والانقطاع، والأول أولى، وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) ﵇.\n ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أي: لم يستجيبوا لربهم بما استجاب له المؤمنون من التوحيد والإيمان، وهم الكفار الذين استمروا على كفرهم.","vol":"4","page":707},{"text":"﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ: أي: لو ملكوا كل ذلك؛ لقدموه فداء لأنفسهم من عذاب يوم القيامة، ولكن لا يقبل منهم كما أفادته آية المائدة رقم [٣٩] وآية آل عمران رقم [٩١] مع كونهم لا يملكون فتيلا يوم القيامة، ولكن كل ذلك على سبيل الفرض والتقدير. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ أي: للكافرين سوء الحساب، وهو أن يحاسب أحدهم على الفتيل، والنقير، والقطمير، كما أفاده قول الرسول ﷺ: «من نوقش الحساب عذّب». رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂. وهو بتمامه كما يلي: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من نوقش الحساب عذّب». فقلت: يا رسول الله أليس يقول الله: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ فقال: «إنّما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلاّ هلك». رواه البخاري ومسلم وأبو داود الطيالسي والترمذي. ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مقرهم، ومآلهم إلى جهنم، وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (يوسف) ﵇، ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ أي: المستقر، أو الفراش الذي مهدوه لأنفسهم.\nالإعراب: ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿اِسْتَجابُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِرَبِّهِمُ﴾: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْحُسْنى﴾:\nمبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَضْرِبُ﴾ السابق، و﴿الْحُسْنى﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى، والأول أقوى. تأمل.\n ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: حرف عطف، أو استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَسْتَجِيبُوا﴾: فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ﴾:\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَوْ﴾:\nحرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها.\n ﴿ما﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾:\nمتعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد في الأرض. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿ما﴾ ومؤكدة لها؛ لأنها بمعنى الجمع. ﴿وَمِثْلَهُ﴾: معطوف على ﴿ما﴾ منصوب مثلها، وقيل:\nمنصوب. على المعية، ولا وجه له. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (مثله)، والهاء في محل جر بالإضافة، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر، وفيه قولان:\nأحدهما، وهو قول سيبويه: أنه في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف، التقدير: لو كان ما في الأرض جميعا ثابت لهم، والثاني قول المبرد: أنه في محل رفع على الفاعلية، رافعه محذوف،","vol":"4","page":708},{"text":"التقدير: لو ثبت كون ما في الأرض جميعا لهم، وقول المبرد هو المرجح في مثل هذا؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر وفاعله جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لافْتَدَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، واللام واقعة في جواب ﴿لَوْ،﴾ و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في رفع خبر أول للمبتدإ الذي هو الذين، وهو خلاف كلام الزمخشري الذي يعتبر الموصول معطوفا على سابقه، ويعتبر لو ومدخولها كلاما مستأنفا لا محل له وهو ضعيف جدا. ﴿أُولئِكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل لها. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُوءُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾: مضاف إليه، من إضافة الصفة للموصوف، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ وإن اعتبرت ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ ﴿أُولئِكَ﴾ فيكون ﴿سُوءُ﴾ فاعلا بذلك المتعلق، وهو وجه صحيح لا غبار عليه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، وهي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَمَأْواهُمْ﴾: الواو:\nحرف عطف. (مأواهم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَبِئْسَ﴾: الواو: حرف استئناف. (بئس): ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْمِهادُ﴾: فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذمومة هي، والجملة: (بئس...) إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1726\"></span>﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ أي: فيؤمن به، ويعمل بما فيه. ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ أي: أعمى البصيرة لا أعمى البصر، وهو الكافر، فلا يؤمن بالقرآن، ولا يعمل بما فيه، قال ابن عباس﵄-: نزلت الآية في حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، وأبي جهل بن هشام، هذا؛ وخصوص السبب لا يمنع التعميم، أي: إن الآية تعم المهتدي وغير المهتدي، إلى يوم القيامة، والمعنى لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه، ومن لا يبصر الحق ولا يتبعه، وإنما شبه الله تعالى الكافر والجاهل بالأعمى؛ لأن الأعمى لا يهتدي لرشد، وربما وقع في مهلكة، وكذلك الكافر والجاهل لا يهتديان للرشد، وهما واقعان في المهالك. ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ﴾: يتعظ. ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي: أصحاب العقول السليمة، وما آية (الأعراف) رقم [١٧٨] منك ببعيد.","vol":"4","page":709},{"text":"هذا؛ وفي ﴿أَفَمَنْ﴾ المذهبان اللذان رأيتهما في ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (هود) ﵇ من أن الفاء مؤخرة من تقديم، أو هي عاطفة على محذوف، وهو مدخول الهمزة، والمراد بالذي ﴿أُنْزِلَ﴾ القرآن الكريم، والمخاطب بذلك النبي ﷺ، وقوله ﴿أَعْمى﴾ استعارة، انظر الآية رقم [١٧]. ﴿الْأَلْبابِ﴾: جمع لب: وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك لأحد وجهين، إما لبنائه من لب بالمكان: أقام به، وإما من اللباب، وهو الخالص من كل شيء، هذا؛ واللبيب العاقل الفاهم، والجمع: الباء، والأنثى لبيبة، وجمعها لبيبات، ولبائب، واللب: خالص كل شيء، وأما ﴿أُولُوا﴾ فهو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده: (ذو) المضاف إن كان مرفوعا، و(ذا) مضاف إن كان منصوبا، و(ذي) المضاف إن كان مجرورا، بعد هذا ينبغي أن تعلم أن الله ﷿ قد وصف أولي الألباب بثماني صفات في الآيات الثلاث التالية وهو ما تجده مفصلا فيما يلي، وأبواب الجنة ثمانية، فمن اتصف بالصفات كلها دخل من أي: أبواب الجنة شاء.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكار واستبعاد. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هي نكرة موصوفة وهي للعاقل. ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى من. ﴿أَنَّما﴾: (أن): حرف مشبه بالفعل.\n (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب اسم (أن)، وهي لغير العاقل. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما). ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان به. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وجملة: ﴿أُنْزِلَ..﴾. إلخ: صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي يعلم، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿كَمَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما فهي الخبر، وتكون مضافة، و(من) مضاف إليه. و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة.\n ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْمى﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَعْمى﴾: صلة (من) أو صفتها. والعائد أو الرابط: الضمير المنفصل، والجملة الاسمية: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أيستوي المؤمن والكافر، أفمن يعلم... إلخ، وهذا الكلام كله مستأنف أيضا. ﴿أَنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يَتَذَكَّرُ﴾: مضارع. ﴿أُولُوا﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و﴿أُولُوا﴾: مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾:\nمضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"4","page":710},{"text":"<span id=\"aya-1727\"></span>﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾: العهد: اسم للجنس، أي: بجميع عهود الله، وهي أوامره، ونواهيه؛ التي وصى بها عباده، ويدخل في هذه الألفاظ جميع الفروض، وتجنب جميع المعاصي، هذا؛ وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود؛ الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﵇ في قديم الأزل بأن يقروا بربوبيته، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٧١] من سورة (الأعراف)، والعهد الثاني خص به النبيين المرسلين بأن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدين، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٧] من سورة (الأحزاب)، والعهد الثالث خص به العلماء من كل أمة، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ الآية رقم [١٨٧] من سورة آل عمران. ﴿وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾: النقض: فك التركيب، وأصله فك طاقات الحبل، واستعماله في إبطال العهد استعارة تصريحية مطلقة، وهي التي يذكر فيها ملائم المشبه. قال قتادة: تقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق، ونهى عنه في بضع وعشرين آية. انتهى. قرطبي. ﴿الْمِيثاقَ﴾: أصله الموثاق، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، وترد الواو لأصلها في الجمع؛ لأن جمع التكسير يرد الأشياء إلى أصولها، فجمعه: مواثيق، وقل مثل ذلك في ميعاد، وميقات، وميزان، وميراث، ونحو ذلك.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: فيه وجوه: الأول: إتباعه لأولي الألباب على البدلية، أو على النعت، الثاني: هو منصوب على المدح بفعل محذوف. الثالث: هو مرفوع على اعتباره مبتدأ خبره الجملة الاسمية الآتية ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين... إلخ، وهو مبني على الفتح في محل جر على الأول، أو في محل نصب على الثاني، أو في محل رفع على الثالث. ﴿يُوفُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِعَهْدِ﴾:\nمتعلقان به، و(عهد) مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد: واو الجماعة، وجملة: ﴿وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-1728\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: قال ابن عباس﵄-: يريد الإيمان بجميع الكتب والرسل، يعني: يصل بينهم بالإيمان، ولا يفرق بين أحد منهم. انتهى.\nأقول: ويندرج فيه موالاة المؤمنين، ومراعاة جميع حقوق العباد، والأكثرون على أن المراد به صلة الرحم، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «قال الله ﷿: أنا الله، وأنا الرحمن خلقت الرّحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن","vol":"4","page":711},{"text":"وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، أو قال: بتتّه». رواه أبو داود والترمذي. وعن عائشة -﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». متفق عليه.\nهذا؛ والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة، والرحم: كل ذكر أو أنثى يمت إليك بالقرابة من جهة الأم أو الأب، وأولى بل وأحق بالبر والصلة الأبوان. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: مع وفائهم بعهد الله وميثاقه، والقيام بحقوق الرحم يخافون ربهم، والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، هذا؛ والماضي خشي، والمصدر خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك، أي: أشد خوفا منه، هذا؛ وقد يأتي الفعل (خشي) بمعنى علم القلبية؛ قال الشاعر: [الكامل]\nولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد\nقالوا: معناه علمت، وقوله تعالى: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ قال الأخفش: معناه كرهنا، وانظر رقم [٨١] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على ما قبله على جميع وجوهه. ﴿يَصِلُونَ﴾: مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله. ﴿ما﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَمَرَ اللهُ﴾: ماض وفاعله. ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿أَمَرَ،﴾ وهما في محل نصب مفعول به؛ إذ الأصل: ما أمرهم الله به، فحذف المفعول به، وقام الجار والمجرور مقامه.\nوجملة: ﴿أَمَرَ اللهُ بِهِ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء، ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾: مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ونائب الفاعل يعود إلى ما، وأن ويوصل في تأويل مصدر، في محل جر بدل من الضمير، بدل ظاهر من مضمر، وقيل: في محل نصب بدلا من ﴿ما﴾ والأول أولى لقربه، وجوز أن يكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الوصل، وقيل: مفعول لأجله على حذف المضاف، التقدير: كراهية وصله، أو التقدير:\nلئلا يوصل، ولا وجه لهما البتة، وجملة: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1729\"></span>﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾: هذه الصفة الخامسة من صفات أولي الألباب، وانظر الصبر في الآية رقم [١١٥] من سورة (هود) ﵇، وقوله ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته","vol":"4","page":712},{"text":"تعالى، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا في ذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره، وأشد قوته على تحمل النوازل! أو يصبر لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم لا ينيل صاحبه ما يذكر فيما يأتي، وقد يعرضه لشديد غضب الله ونقمته، لذا فإن قوله ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ احتراس من أن يفهم منه أن كل صبر محمود.\n ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾: هذه هي الصفة السادسة من صفات أولي الألباب، انظر شرحها في الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇؛ تجد ما يسرك. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أي: بعض الذي رزقناهم إياه، ف (من) الجارة معناها التبعيض وهو أولى ليدخل فيه إخراج المال في جميع وجوه البر والخير. ﴿سِرًّا﴾: خفية. ﴿وَعَلانِيَةً﴾: جهرا، ومثله: العلن والإعلان، وما أكثر ما يتردد هذان اللفظان في القرآن الكريم انظر الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم)، والمعنى: ينفقون المال في جميع الحالات من سر، وإعلان، ومما ينبغي التنبه له: أن الإسرار في صدقة التطوع أفضل من الجهر بها، والأحاديث المرغبة في ذلك كثيرة مشهورة، وأما الزكاة الواجبة فالجهر بها أفضل لأمرين؛ أولهما: ليقتدي الناس بفاعلها، وثانيهما: لئلا يتهم بمنعها، ولا سيما إذا كان ظاهر الغنى، وما في الآية الكريمة يحتمل أن يكون المراد به الزكاة المفروضة، وأن يكون صدقة التطوع، وأن يكون المراد كليهما وهو أولى ليدخل فيه إخراج المال في جميع وجوه البر، والخير.\n ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: قال ابن عباس﵄-: يدفعون بالعمل الصالح العمل السيئ، فيكون المراد كما في الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، وقال الحسن رحمه الله تعالى: «إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا» فيكون المراد كما في الآية رقم [١٩٨] من سورة (الأعراف)، انظر شرحها هناك تجد ما يسرك ويثلج صدرك، ومن هذا القبيل، ومن هذه المشكاة قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (فصلت).\n ﴿أُولئِكَ﴾: الإشارة لأولي الألباب الموصوفين بالصفات المذكورة. ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي:\nالعقبى المحمودة، والدار الآخرة أعم منها؛ لأنها تشمل الجنة والنار، والدليل على هذا النعت المحذوف قوله في المقابل: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ والعقبى: الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر، هذا؛ ولا ريب أنه يوجد بعد الموت داران، هما: الجنة والنار، خذ قول القائل: [البسيط]\nالموت باب، وكلّ الناس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟\nأجيب من طرف الغيب: [البسيط]","vol":"4","page":713},{"text":"الدّار جنة عدن، إن عملت بما... يرضي الإله، وإن خالفت فالنّار\nهما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على سابقيه. ﴿صَبَرُوا﴾: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اِبْتِغاءَ﴾: مفعول لأجله، وقيل: هو حال بمعنى مبتغين، والأول أقوى، ﴿اِبْتِغاءَ﴾:\nمضاف، و﴿وَجْهِ﴾: مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿وَجْهِ﴾:\nمضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾: مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿صَبَرُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿مِمّا﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و(ما):\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب «من»، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذين، أو من شيء رزقناهم إياه، واعتبار (ما) مصدرية ضعيف هنا. ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ حالان بمعنى: مسرين ومعلنين، قال أبو البقاء: هما مصدران في موضع الحال أي: ذوي سر وعلانية، أو هما مفعولا مطلق، أي: إنفاق سر وعلانية، أو على الظرفية؛ أي: وقتي سر وعلانية، وجملة: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، هذا؛ وإعراب: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ مثل إعراب: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٢٠] بلا فارق، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين) الأول على اعتباره مبتدأ، ومستأنفة على الاعتبارات الأخرى فيه، وعلى الاعتبار الأول فالجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾ .. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1730\"></span>﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿جَنّاتُ﴾: جمع جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن، أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها وكثافتها، وانظر أسماء الجنات في الآية رقم [٢٥] من سورة (يونس) ﵇، و﴿عَدْنٍ﴾: إقامة وخلود، يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به، ومنه المعدن، أي: الموجود في باطن الأرض، وقال النبي ﷺ: «عدن دار الله، الّتي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلاّ ثلاثة: النّبيّون والصّدّيقون، والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء ﵁، وانظر الآية رقم [٧٣] من سورة (التوبة) إن أردت أن تعرف المزيد من رضوان الله على المطيعين من أولي الألباب.","vol":"4","page":714},{"text":"﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾: قيل: المعنى يدخل جنات عدن من اتصف بالصفات المذكورة، ويدخلها معهم من كان صالحا من هؤلاء، أي: لا يدخلونها بالأنساب والقرابات، وقيل: المعنى؛ يدخلها أولو الألباب مع من صلح من آبائهم... إلخ، وإن لم يعمل مثل أعمالهم يلحقه الله بهم كرامة لهم، وأرى هذا ضعيفا جدّا؛ لأن أولي الألباب هم الجديرون بالكرامة الإلهية، وقال الزجاج: إن الإنسان لا ينتفع بغير أعماله الصالحة، وقال ابن عباس﵄-: يعني ومن صدق من آبائهم بما صدقوا به، فهو يعني بهذا الصلاح الإيمان بالله ورسوله.\nقال الواحدي: والصحيح ما قاله ابن عباس: لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله، حيث بشره بدخول الجنة مع هؤلاء، فدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع العامل الآتي بالأعمال الصالحة، ولو كان دخولهم الجنة بأعمالهم الصالحة، لم يكن ذلك كرامة للمطيع، ولا فائدة في الوعد به؛ إذ كل من كان صالحا يدخل الجنة في عمله. انتهى. خازن بتصرف.\nأقول: ينبغي أن لا يعزب عن بال كل عاقل أن الله شرط الصلاح لدخول الآباء والأزواج والذرية مع أولي الألباب المتصفين بالصفات التي رأيتها، كيف لا؟ وإبراهيم ﵊ لم ينفع أباه مع عدم صلاحه، ونوح ﵇ لم ينفع امرأته ولا ابنه مع عدم صلاحهما، وكذاك لوط عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.\nوالمعنى العام: أن النعمة تتم على المطيعين في الجنة بأن جعلهم الله مجتمعين مع قراباتهم فيها، وإن دخلها كل إنسان بعمل نفسه، بل برحمة الله تعالى، هذا؛ و(آباء) يدخل تحته الأمهات بدون ريب، فهو من باب التغليب، أو بإلحاقهن بالآباء إلحاقا، ولعلهن لا يرضين بالإلحاق، بل يرضين بالتغليب. ﴿وَأَزْواجِهِمْ﴾: جمع زوج، وهو يطلق على الرجل والمرأة على الانفراد، وانظر شرح ﴿زَوْجَيْنِ﴾ في الآية رقم [٣] ﴿وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾: جمع ذرية، وهي النسل من بني آدم، وهي تقع على الجمع وعلى الواحد أيضا كما في قوله تعالى: ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ قيل: هي مشتقة من الذّرا، بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، وتحت حمايته، وهو بضم الذال: أعلى الشيء، وقيل: هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقال تعالى:\n ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أبدلت همزة الذرء ياء، ثم شددت الياء وتبعتها الراء في التشديد.\n ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ أي: من أبواب الجنة الثمانية، أو من أبواب المنازل التي يسكنونها في الجنة، يدخلون عليهم بالتحف والهدايا تكرمة لهم، هذا؛ والملائكة أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة","vol":"4","page":715},{"text":"كفر، وهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كل فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب وعتيد، ومنكر ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار.\nالإعراب: ﴿جَنّاتُ﴾: بدل من ﴿عُقْبَى الدّارِ،﴾ أو تفسير لها، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي جنات، أو هو مبتدأ، و﴿جَنّاتُ﴾: مضاف، و﴿عَدْنٍ﴾: مضاف إليه. ﴿يَدْخُلُونَها﴾:\nمضارع مرفوع، والواو فاعله، و(ها): مفعوله على التوسع بإجراء اللازم مجرى المتعدي، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ على الوجوه الثلاثة الأولى فيها، وهي في محل رفع خبره على الوجه الأخير، والرابط على جميع الاعتبارات الضمير المنصوب. هذا؛ وقرئ في سورة (فاطر) رقم [٣٣] بنصب ﴿جَنّاتُ﴾ على الاشتغال على إضمار فعل يفسره المذكور. (من): اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع، معطوفة على أولئك، أو على واو الجماعة، وساغ ذلك لوجود الفاصل بالضمير المنصوب، ويجوز أن تكون في محل نصب مفعول معه، وجوز اعتبارها فاعلا لفعل محذوف، التقدير: ويدخلها من\nإلخ. ﴿صَلَحَ﴾: ماض، وفاعله يعود إلى من، وهو العائد أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها، وينبغي أن تعلم أنه راعى لفظ (من) في رجوع الفاعل إليها، وراعى معناها في الضمائر الآتية المجرورة بالإضافة. ﴿مِنْ آبائِهِمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿صَلَحَ﴾ المستتر، و(من) بيان لما أبهم في (من). ﴿وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾: معطوفان على ما قبلهما، والهاء في الجميع في محل جر بالإضافة والميم حرف دال على جماعة الذكور. (الملائكة): مبتدأ، وجملة: ﴿يَدْخُلُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿عَلَيْهِمْ﴾. ﴿مِنْ كُلِّ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿بابٍ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية (الملائكة...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة لا محل لها، اعتبارات كلها جائزة فيما أرى.\n\n<span id=\"aya-1731\"></span>﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾: هذا من قول الملائكة كما ستعرفه، ومعناه الدعاء لهم بالسلامة من الآفات والمحن، وقيل: هو دعاء لهم بدوام السلامة، و﴿سَلامٌ﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تسليم؛ لأن الفعل سلّم يسلّم بتشديد اللام فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عذاب، وعطاء، ونبات، لعذب، وأعطى، وأنبت.\n ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أي: هذا الثواب، وهذا النعيم حاصل بصبركم، وفي القرطبي: عن عبد الله بن سلام، وعلي بن الحسين﵃أنهما قالا: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: ليقم","vol":"4","page":716},{"text":"أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون:\nإلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب، قالوا: نعم، فيقولون: من أنتم؟ فيقولون:\nنحن أهل الصبر، قالوا: ما كان صبركم، قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معاصي الله، وصبرناها على البلاء والمحن في الدنيا، قال علي بن الحسين، فتقول لهم الملائكة: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين، وقال ابن سلام: فتقول لهم الملائكة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾. هذا؛ وقيل: ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أي: على الجهاد في سبيل الله.\nفعن عبد الله بن عمرو﵄-، قال: قال رسول الله ﷺ: «هل تدرون من يدخل الجنة من خلق الله؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «المجاهدون، الذين تسدّ بهم الثّغور، وتتّقى بهم المكاره، فيموت أحدهم، وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء، فتأتيهم الملائكة، فيدخلون عليهم من كلّ باب، فيقولون: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار». وينبغي أن تؤول قوله ﵊: «هل تدرون من يدخل الجنة». أي: في الأول، وبدون حساب، وإلا فجميع المؤمنين يدخلون الجنة بعد الحساب، وانظر قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (يونس) ﵇، وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (مريم) ﵍، هذا؛ والحديث المذكور في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، بأوسع من هذا؛ وبإبدال (المجاهدون) ب (الفقراء المهاجرون). تأمل.\n ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾: انظر الآية رقم [٢٤] لشرح عقبى الدار، وأما نعم فهي فعل ماض لإنشاء المدح، وضدها (بئس) ماض لإنشاء الذم: فنعم منقول من نعم فلان بفتح النون وكسر العين، إذا أصاب النعمة، و(بئس) منقول من: بئس فلان بفتح الباء وكسر الهمزة، إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم وبئس بكسر وسكون وهي أفصحهن، وهي لغة القرآن، ثم نعم وبئس، بكسر أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في نعم أنه يجيء بعدها (ما) كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وبئس جاءت بعدها (ما) على اللغة الأولى الفصحى، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ واللغة الثالثة: نعم وبئس بفتح فسكون، والرابعة نعم وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما.\nولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح أو الذم، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي، بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة)، وقول غيره: (نعم السّير على بئس العير).","vol":"4","page":717},{"text":"وأوله البصريون على حذف كلام مقدر؛ إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السير على عير مقول فيه: بئس العير. والمعتمد في ذلك قول البصريين، هذا؛ ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا بال، كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أو مضافا لمقترن بها، كما في الآية الكريمة، أو ضميرا مميزا بنكرة، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أو كلمة (ما) نحو قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾.\nهذا بالإضافة إلى تفسير الدار بما رأيت، أقول: الدار هي منزل الإنسان ومسكنه في الدنيا، وهي مؤنثة، وقد تذكر، أصلها دور بفتحتين، قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وجمعها ديار ودور، وأدؤر وأدور، وأدورة، وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران، وأصل ديار دوار، قلبت الواو ياء لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال، لمفرد اعتلت عينه بالقلب، هذا؛ والدار أيضا البلد، والقبيلة، ودار القرار في الآخرة، والداران: الدنيا والآخرة، ودار الحرب بلاد العدو.\nهذا؛ وقد قال أبو حاتم: إن الديار العساكر والخيام، لا البنيان والعمران، وإن الدار البنيان والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم وخيامهم ميتين، وقال جل شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ذلك لجمع الدار، فعلم من كلامه، أن الديار مخصوصة بالخيام. انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى: (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر]\nأمرّ على الدّيار، ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا\nوما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا\nالإعراب: ﴿سَلامٌ﴾: مبتدأ، سوغ الابتداء به وهو نكرة الدعاء، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، واقع حالا من الملائكة، أي: قائلين: سلام عليكم. ﴿بِما﴾: الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَبَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وما والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الكرامة بسبب صبركم، ولا يجوز تعليقهما ب ﴿سَلامٌ﴾ للفصل بالخبر، وهو أجنبي، والجملة هذه من جملة مقول الملائكة. ﴿فَنِعْمَ﴾: الفاء: حرف عطف.\n (نعم): ماض جامد لإنشاء المدح. ﴿عُقْبَى﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿عُقْبَى﴾: مضاف، و﴿الدّارِ﴾: مضاف إليه، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: الممدوحة هي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فتكون من مقول الملائكة أيضا، هذا؛ وقيل: الفاء الفصيحة، ولا وجه له كما ترى.","vol":"4","page":718},{"text":"<span id=\"aya-1732\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾: لما ذكر الله أحوال السعداء، وما أعد لهم من الكرامات والخيرات، ذكر بعده أحوال الأشقياء، وما أعد لهم من العقوبات، ومعنى ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ من بعد ما أوثقوه على أنفسهم بالاعتراف بربوبيته، والقبول لعهده الذي أخذه عليهم في عالم الذر، أو بالذي أودعه فيهم من العقول، وغيرها مما ميزوا به عن عالم الحيوانات والجمادات، ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ أي: من الإيمان بالرسول ﷺ، وصلة الأرحام، وموالاة المؤمنين، وعدم التفرقة بين الرسل والكتب في التصديق. ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: بالكفر والمعاصي والظلم وإثارة الفتن. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر. ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: الطرد من رحمة الله. ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي: سوء المنقلب والمرجع والمآب، وهو جهنم وبئس القرار.\nتنبيه: لقد كرر الله لعن الكفار في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة)، كما لعن الظالمين والكاذبين، والناقضين للعهد والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره فقد استحق اللعن من الله والناس أجمعين، وأما الأحياء من الكفار فقد قال العلماء:\nلا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله عند الوفاة لا يعلم، فلعله يموت على الإسلام، وقد شرط الله في آية البقرة إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار، أي: جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله. وهو الصحيح، كيف لا؟ وقد لعن حسان بن ثابت ﵁ أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، خذ قوله: [الكامل]\nلعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر\nوقد لعن الفاروق﵁أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور السلمي وغيرهم الذين قدموا المدينة، بعد موقعة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشق ذلك على سيد الخلق وحبيب الحق، فقال الفاروق: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم، فقال: «إني أعطيتهم الأمان». فقال الفاروق: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، كيف لا؟ وآية اللعان في سورة (النور) تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين.","vol":"4","page":719},{"text":"وأما العصاة من المسلمين، فلا يجوز لعن أحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق، فيجوز، كما في قولك: لعن الله الفاسقين والفاسقات، والفاسدين والفاسدات... إلخ لما روي أن النبي ﷺ قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ:\n «الواشمة والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكل هذا في الصحيح.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْقُضُونَ﴾:\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿عَهْدَ﴾:\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: عهدهم الله، أي: معاهدتهم الله، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة، وليس بشيء، وقيل: متعلقان بمحذوف حال ولا وجه له، و﴿بَعْدِ﴾: مضاف، و﴿مِيثاقِهِ﴾:\nمضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله على اعتباره عائدا على العهد، وفاعله مستتر فيه، أو من إضافة المصدر لفاعله على اعتباره عائدا إلى اسم الله تعالى، وجملة: ﴿يَنْقُضُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٣]، وجملة: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ معطوفة عليها أيضا لا محل لها ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ في الآية رقم [٢٠] بلا فارق بينهما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾ .. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ لا محل لها، وهذا على اعتبار (الذين) الأول مبتدأ كما رأيت هناك، ومستأنفة على اعتباره تابعا لأولي الألباب. ﴿وَلَهُمْ﴾: الواو: حرف عطف. ﴿لَهُمُ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُوءُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الدّارِ﴾: مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف، والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-1733\"></span>﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾: لما بيّن الله عاقبة المؤمنين المتصفين بالصفات النبيلة الثمانية، وعاقبة المشركين، الناقضين للعهد والميثاق، القاطعين ما أمر الله به أن يوصل، المفسدين في الأرض؛ بيّن في هذه الآية أنه تعالى يوسع في الرزق على من يشاء، ويضيق على من يشاء في هذه الدنيا؛ لأنها دار امتحان واختبار، فبسط الرزق على الكافر لا يدل على كرامته، بل قد يكون استدراجا له، والتقتير على بعض المؤمنين لا يدل على إهانتهم، بل ربما","vol":"4","page":720},{"text":"يكون امتحانا لصبرهم وتكفيرا لذنوبهم، أو رفع درجاتهم، ومعنى (يقدر) يضيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق.\n ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: فرح أهل مكة لما وسع الله عليهم في الرزق، فبطروا، وأشروا، وانظر الفرح في الآية رقم [٥٨] من سورة (يونس) ﵇، وانظر شرح الحياة الدنيا في الآية رقم [٢٣] منها أيضا، ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: في جنبها، وبالنسبة إليها. ﴿إِلاّ مَتاعٌ﴾ أي:\nمن الأمتعة التي يتمتع فيها، مثل القصعة، والقدر، ونحوهما، وقال البيضاوي: إلا متعة لا تدوم كعجالة الراكب، وزاد الراعي. انتهى. أي: ثم تذهب وتفنى، كذلك الحياة الدنيا ذاهبة لا بقاء لها.\nهذا؛ ويقرأ الفعل ﴿يَبْسُطُ﴾ في الآية رقم [٢٤٤] من سورة (البقرة) بالسين والصاد.\nالإعراب: ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَبْسُطُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الرِّزْقَ﴾: مفعول به. ﴿لِمَنْ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) موصولة، أو موصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nللذي، أو لشخص يشاؤه، وجملة: (يقدر) مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، والجملة الفعلية:\n ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَفَرِحُوا﴾: الواو: حرف استئناف. (فرحوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: ﴿فَتَحُوا﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (يوسف). ﴿بِالْحَياةِ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة (الحياة) مجرورة... إلخ، وجملة: (فرحوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وقول القرطبي: معطوفة على ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ،﴾ وفي الآية تقديم وتأخير، لا وجه له البتة.\n ﴿وَمَا﴾: الواو: واو الحال. (ما): نافية مهملة. ﴿بِالْحَياةِ﴾: مبتدأ. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة الحياة مرفوع... إلخ. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من ﴿بِالْحَياةِ الدُّنْيا،﴾ وهو على رأي من يجيز مجيء الحال من المبتدأ، والذي دعا إلى ذلك عدم صحة تعليقهما في الحياة، ولا في الدنيا؛ لأنهما لا يكونان في الآخرة. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿مَتاعٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الحياة الدنيا، والرابط: الواو وإعادة صاحب الحال بلفظه، وكان حقه الإضمار، وإنما أعيد بلفظه زيادة في تحقير الحياة الدنيا، وصرفا للأنظار عنها.\n\n<span id=\"aya-1734\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من أهل مكة، والقائل هو عبد الله بن أبي أمية المخزومي وأصحابه. ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: هلا أنزل على محمد ﷺ آية ومعجزة كالعصا، واليد، والناقة، ونحو ذلك. ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: إضلاله، فلا ينفعه نزول الآيات، وكثرة","vol":"4","page":721},{"text":"المعجزات، إن لم يهده الله ﷿، وذلك لأن الآيات الباهرة التي ظهرت على يد الرسول ﷺ بلغت في الكثرة، وقوة الدلالة إلى حالة يستحيل فيها أن تصير مشتبهة على العاقل، فطلب آيات أخرى بعد ذلك لا يفيد شيئا.\n ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الحق، أو إلى الإسلام، أو إلى الله. ﴿مَنْ أَنابَ﴾: رجع إليه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ ومصدر الفعل ﴿يُضِلُّ﴾ الإضلال، وهو: خلق فعل الضلال في العبد، والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد، هذا هو الحقيقة عند أهل السنّة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، فكيف يعذبه الله؟ والجواب: أن معنى خلق الضلال... إلخ: تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه، لم يختر سوى الكفر والضلال، ولذا قدره الله عليه، هذا بالإضافة إلى اختياره الضلال، بعد أن بين الله لكل واحد الخير والشر، والحسن والقبيح، كما قال الله ﷿:\n ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُ﴾: الواو: حرف استئناف. (يقول): مضارع. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَوْلا﴾: حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان به.\n ﴿آيَةٌ﴾: نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ..﴾.: متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿يُضِلُّ﴾: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يضل الذي، أو شخصا يشاء الله إضلاله، وجملة: ﴿يُضِلُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1735\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾: أنسا به، واعتمادا عليه، ورجاء منه تعالى، أو بذكر رحمته، بعد القلق من خشيته، أو بذكر دلائله، الدالة على وجوده ووحدانيته، أو بكلامه، يعني: القرآن الذي هو أقوى المعجزات. انتهى. بيضاوي. وقيل: تطمئن بوعده، أو تطمئن بذكر","vol":"4","page":722},{"text":"فضله، وإنعامه، كما توجل بذكر عدله وانتقامه وقضائه، وقال ابن عباس﵄هذا في الحلف، وذلك أن المسلم إذا حلف بالله على شيء؛ سكنت قلوب المؤمنين إليه. ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: تسكن قلوب المؤمنين، ويستقر اليقين فيها، بسبب ذكر الله تعالى.\nهذا؛ وقد ذكر الله في سورة (الأنفال) في الآية رقم [٢] أن قلوب المؤمنين توجل من ذكر الله تعالى، وذكر هنا أن قلوبهم تطمئن وتسكن لذكره تعالى!؟ والجواب: أن الوجل إنما يكون عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة، إنما تكون عند الوعد والثواب، وهذا مقام الخوف والرجاء، وقد جمعا في آية الزمر: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ والمعنى: تقشعر جلودهم من ذكر عقاب الله ووعيده، ثم تلين وتطمئن جلودهم وقلوبهم عند ذكر الله ورجاء ثوابه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿مَنْ أَنابَ﴾ أو عطف بيان عليه، أو هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: أمدح ونحوه، وأجيز اعتباره مبتدأ خبره الموصول في الآية التالية، كما أجيز اعتباره خبر مبتدأ محذوف، وهذان الوجهان ضعيفان جدا، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها، واعتبارها حالا لا يجوز إلا على تقدير مبتدأ قبلها، أي: وهم تطمئن قلوبهم، والضعف يظهر على الاعتبارين، وأرى، بل وأعتمد وأرجح أن الواو صلة، وعليه فالجملة تحتمل وجهين في محل رفع خبر الذين على اعتباره مبتدأ، وفي محل نصب حال على اعتباره بدلا مما قبله، أو على اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، وزيادة الواو قيل بها في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وخذ قول ابن الذئبة ربيعة بن عبد ياليل: [الطويل]\nفما بال من أسعى لأجبر عظمه... حفاظا، وينوي من سفاهته كسري؟\nإذا الأصل (ينوي) وفي الآيات الكريمة جملة: (ناديناه) جواب لما كما هو ظاهر. هذا؛ ومثلها الآية رقم [٢٥] من سورة (الحج)، والجملة: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة على اعتبار الموصول مبتدأ، ﴿أَلا﴾: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.\n ﴿بِذِكْرِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما، وجوز أبو البقاء اعتبارهما مفعولا به للفعل بعدهما، كما جوز تعليقهما بمحذوف حال من القلوب، وكلاهما ضعيفان. ﴿تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1736\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان،","vol":"4","page":723},{"text":"والعمل بالأركان، أي: الجوارح، وانظر زيادته ونقصه في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال).\n ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات على اختلافها وتفاوت درجاتها ومراتبها. ﴿طُوبى﴾:\nاختلف العلماء في تفسير هذه الكلمة، فقال ابن عباس﵄فرح لهم وقرة عين، وقال عكرمة: نعمى لهم، وقال الزجاج: طوبى من الطيب، وقيل: تأويلها الحال المستطابة لهم، وهو كل ما استطابه هؤلاء في الجنة، من بقاء بلا فناء، وعز بلا ذل، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وقيل: غير ذلك، وقيل: هي شجرة في الجنة، ويؤيده ما رواه سهل بن سعد﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها».\nمتفق عليه، وفي رواية عن أبي سعيد الخدري تشبه رواية سهل، وزاد البخاري في رواية عن أبي هريرة: «واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ»﴾. و﴿طُوبى﴾ مصدر كبشرى ورجعى وزلفى، والأصل «طيبى» فقلبت الياء واوا لسكونها وضم ما قبلها، كما قالوا: موسر وموقن، والأصل ميسر وميقن.\nقال الأزهري: طوبى لك، وطوباك لحن، لا تقوله العرب، وهو قول أكثر النحويين، وقال الأخفش: من العرب من يضيفها، فيقول: طوباك، وقال الشهاب الخفاجي ما حاصله:\nإن اللام مقدرة في طوباك، والمقدر في حكم الملفوظ، فلا يعد خطأ، وفي مغني اللبيب لابن المعتز قوله: [البسيط]\nيا نفس صبرا، لعلّ الخير عقباك... خانتك بعد لذيذ العيش عيناك\nمرّت بنا سحرا طير، فقلت لها... طوباك يا ليتني إيّاك طوباك\n ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: مرجع، يقرأ بضم النون وفتحها بسبب عطفه على ما قبله، والإضافة ل: ﴿مَآبٍ﴾ قراءتان سبعيتان، ويقرأ شاذا بفتح النون، ورفع (مآب) و(حسن) على هذا فعل ماض، نقلت ضمة سينه إلى الحاء، وهذا جائز في فعل إذا كان للمدح أو الذم. انتهى. عكبري.\nتنبيه: عطف العمل الصالح على الإيمان يسمى في فن البديع احتراسا، وهو يفيد: أن الإيمان وحدة قد لا يكفي بدون عمل صالح، ومن قرأ القرآن بتدبر وتفهم يجد العمل الصالح معطوفا على الإيمان في كثير من الآيات، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٢] من سورة (الحجر) باختصار، وما ذكرته في رسالة الحج والحجاج بإسهاب وإطناب، وإلى الله المرجع والمآب.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿طُوبى﴾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ وساغ الابتداء بها لما فيها من معنى الدعاء، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وأجيز","vol":"4","page":724},{"text":"اعتبار ﴿الَّذِينَ﴾ بدلا من قوله: ﴿مَنْ أَنابَ﴾ وعليه يكون ﴿طُوبى﴾ منصوبا بفعل محذوف، تقديره: جعل طوبى لهم، كما قيل: ﴿طُوبى﴾ خبر لمبتدإ محذوف، وعليهما فاللام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان مثل سقيا لك، ورعيا لك، أو هو منصوب على الحال، وعليه يكون ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين ب:\n ﴿طُوبى﴾ و﴿حُسْنُ مَآبٍ﴾ انظر أوجه القراءات في الشرح، والإعراب يتغير تبعا لها.\n\n<span id=\"aya-1737\"></span>﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ﴾ أي: إرسالك يا محمد إلى قومك كائن مثل إرسال الرسل السابقين إلى أممهم. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أي: مضت أمم كثيرة قبل الأمة التي أرسلت إليها. ﴿لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي: لتقرأ على أهل مكة القرآن الذي أنزل إليك بواسطة جبريل. ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ أي: لا يؤمنون بالبليغ الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شيء.\n ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي: متولي أموري، وخالقي، ورازقي. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾: لا إله موجود في هذا الكون إلا الله. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: اعتمدت ووثقت به. ﴿وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ أي: مرجعي ومصيري إلى الله تعالى.\nقال مقاتل وابن جريج: نزلت الآية الكريمة في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال النبي ﷺ لعلي﵁- «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة-يعنون: مسيلمة الكذاب-اكتب باسمك اللهم، وهكذا كان الجاهليون يكتبون، فقال النبي ﷺ لعلي-كرم الله وجهه-: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله». فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله، ثم قاتلناك، وصددناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، فقال أصحاب الرسول ﷺ: دعنا نقاتلهم، فقال: «لا، ولكن اكتب ما يريدون». فنزلت.\nوقال ابن عباس﵄-: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ﷺ:\n «اسجدوا للرحمن». قالوا: وما الرحمن؟ وقيل: سمع أبو جهل رسول الله ﷺ يدعو في الحجر، ويقول: «يا الله يا رحمان». فقال: كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، فنزلت هذه الآية، ونزل: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا..﴾ .. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أرسلناك في أمة إرسالا كائنا مثل إرسال الرسل من قبلك لأممهم، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الحال والشأن كما أرسلناك... إلخ، واللام","vol":"4","page":725},{"text":"للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَرْسَلْناكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿فِي أُمَّةٍ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿مِنْ قَبْلِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أُمَمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و(ها): في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على ﴿أُمَّةٍ﴾ باعتبار لفظها، وقد عادت عليها الضمائر فيما يأتي جمعا باعتبار معناها. ﴿أُمَمٌ﴾: فاعل خلت، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿أُمَّةٍ﴾. ﴿لِتَتْلُوَا﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أرسلنا). ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِي﴾:\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَوْحَيْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: أوحيناه. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَهُمْ﴾: الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هم...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب ﴿عَلَيْهِمُ﴾ والرابط: الواو والضمير، وقيل: مستأنفة، وهو ضعيف، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿رَبِّي﴾: خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن): ﴿إِلهَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، وثانيها كونه بدلا من (لا) وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء وثالثها: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ هو، أو هي في محل رفع خبر ربي على اعتباره مبتدأ ثانيا، وتكون الجملة الاسمية: ﴿رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿هُوَ﴾. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل بعدهما.\n ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (إليه): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَتابِ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"4","page":726},{"text":"<span id=\"aya-1738\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ﴾ أي: زعزعت الجبال عن مقارها لعظمة هذا القرآن وهيبته، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾: تصدعت من خشية الله عند قراءته، أو شققت فجعلت عيونا أو أنهارا. ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ أي: فتقرأه، أو فتسمع وتجيب عند قراءته، وجواب (لو) محذوف، اختلف في تقديره، فقال قوم: التقدير: ولو أن قرآنا فعل به كذا وكذا، لكان هذا القرآن، وإنما حذف اكتفاء بمعرفة السامع مراده، فهو كقول الشاعر: [الطويل]\nفأقسم لو شيء أتانا رسوله... سواك؛ ولكن لم نجد لك مدفعا\nأراد: لو شيء أتانا رسوله سواك لرددناه، وقال آخرون: جواب (لو) دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير: ولو أن قرآنا سيرت... لكفروا به ولم يؤمنوا لما سبق في علمنا فيهم، وقد أظهر ما أضمر هنا في الآية رقم [١١١] من سورة (الأنعام)، وهي: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ ... ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾. ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي: هو المالك لجميع الأمور، الفاعل لما يشاء منها، فليس ما تطلبونه مما يكون بالقرآن، إنما يكون بأمر الله.\n ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: قال الكلبي: هو بمعنى: أفلم يعلم، وهي لغة النخع، وقيل: هي لغة هوازن، ويؤيده ما روي أن عليا وابن عباس، وجماعة من الصحابة والتابعين-رضوان الله عليهم أجمعين-قرءوا «(أفلم يتبين)» وهو تفسيره وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأنه مسبب عن العلم بأن الميئوس منه لا يكون، وقال الليث وأبو عبيدة: هو بمعنى: ألم يعلم، واستدلوا لهذا اللغة بقول سحيم بن وثيل اليربوعي، وقال القرطبي: هو لمالك بن عوف النصري: [الطويل]\nأقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني: ... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم؟\nزهدم اسم فرس سحيم، وقال رباح بن عدي: [الطويل]\nألم ييئس الأقوام أنّي أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا؟\n ﴿أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾ أي: ولكنه لم يشأ لما سبق في علمه الأزلي، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] وفي الآية رد على القدرية وغيرهم. ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما﴾","vol":"4","page":727},{"text":"﴿صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ أي: داهية تفزعهم وتقلقهم بسبب كفرهم، مرة بالجدب، ومرة بالسلب، ومرة بالقتل والأسر، كما حصل في غزوة بدر. ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ﴾ أي: تنزل القارعة والبلية قريبا من مكة دار المشركين، والمراد بذلك السرايا والبعوث التي كان الرسول ﷺ يبعثها إلى قبائل العرب حول مكة، فتقتل من المشركين، وتنهب من أموالهم ومواشيهم، وقيل: إن المراد أن النبي ﷺ قد حل بجيشه قريبا من دارهم عام الحديبية. ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ أي: الموت، أو فتح مكة، أو يوم القيامة لأن الله يجمعهم فيه، فيجازيهم بأعمالهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾:\nفيه تسلية للنبي ﷺ، وتشجيع قلبه، وإزالة الحزن عنه، وتثبيته في الملمات.\nهذا؛ والوعد يستعمل في الخير وفي الشر، فإذا قلت: وعدت فلانا؛ من غير أن تتعرض لذكر الموعود به، كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به، كان ذلك شرّا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد من معلقته: [الطويل]\nوإنّي، وإن أوعدته، أو وعدته... لمخلف إيعادي، ومنجز موعدي\nوهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعد به، أو الموعد به، فيجوز أن يستعمل (وعد) في الخير وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا،﴾ ومن الثاني قوله جل شأنه: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وأنشدوا: [الطويل]\nإذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما\nكما يستعمل (أوعد) فيهما أيضا، كقوله: (أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرا)، هذا؛ والمركز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرّا، كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا، كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدم.\nهذا؛ والثابت عند الأشاعرة أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقه تعالى كرما، وعند الماتريدية:\nلا يجوز، وأما الوعد فلا يجوز الخلف في حقه تعالى اتفاقا، دليل الأشاعرة قول النبي ﷺ:\n «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا، فهو بالخيار، إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه».\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في نفر من قريش، منهم أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية كانوا خلف الكعبة، وأرسلوا خلف النبي ﷺ فأتاهم، فقال له عبد الله بن أبي أمية: إن سرك أن نتبعك، فسيّر جبال مكة بالقرآن فادفعها عنا حتى تنفتح عنا، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس الأشجار ونتخذ البساتين، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسير معه، أو سخرها لنا لنركبها إلى الشام لميرتنا، وحوائجنا ونرجع","vol":"4","page":728},{"text":"في يومنا، كما سخرت لسليمان، فلست كما زعمت بأهون على ربك من سليمان، أو أحي لنا جدك قصيا، أو من شئت من موتانا، لنسأله عن أمرك، أحق هو أو باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست كما زعمت بأهون على الله من عيسى، فأنزل الله الآية.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ﴾:\nحرف مشبه بالفعل. ﴿قُرْآنًا﴾: اسمها. ﴿سُيِّرَتْ﴾: ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث.\n ﴿بِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْجِبالُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ وجملة: ﴿قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، وكذا جملة: ﴿كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ معطوفة أيضا، فهي في محل رفع مثلها، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف هو شرط لو عند المبرد، التقدير: ولو ثبت تسيير الجبال، ونحوه، وقال سيبويه هو في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: ولو تسيير الجبال ثابت أو واقع، وقول المبرد هو المرجح هنا؛ لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، انظر تقديره في الشرح، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَمْرُ﴾:\nمبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الأمر مؤكدة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَلَمْ﴾:\nالهمزة: حرف استفهام وتقرير. (فلم): الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَيْأَسِ﴾: مضارع مجزوم ب (لم). ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه، ولو ومدخولها في محل رفع خبر (أن) والإعراب واضح لا خفاء فيه، و(أن) واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل ﴿يَيْأَسِ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة محذوفة حسب ما تراه في الكلام على ﴿أَفَلَمْ،﴾ وعلى الوجهين فالكلام مستأنف لا محل لها. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَزالُ﴾: مضارع ناقص.\n ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿تُصِيبُهُمْ﴾: مضارع، والهاء مفعول به. ﴿بِما﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء صنعوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبصنعهم. ﴿قارِعَةٌ﴾: فاعل تصيبهم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿(لا يَزالُ)﴾ وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿تَحُلُّ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى (قارعة) أو تقديره: «أنت» انظر","vol":"4","page":729},{"text":"الشرح. ﴿قَرِيبًا﴾: صفة ظرف مكان محذوف، التقدير: مكانا قريبا متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنْ دارِهِمْ﴾: متعلقان ب ﴿قَرِيبًا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَحُلُّ..﴾. إلخ معطوفة أيضا على جملة: ﴿تُصِيبُهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مثلها. ﴿حَتّى﴾: حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَأْتِيَ﴾: مضارع منصوب ب «أن» المضمرة. ﴿وَعْدُ﴾: فاعل، وهو مضاف، و﴿اللهُ﴾:\nمضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَحُلُّ﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ﴾:\nاسمها. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُخْلِفُ﴾: مضارع والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمِيعادَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنَّ..﴾. إلخ تعليلية أو مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1739\"></span>﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: فيه تعزية وتسلية لسيد الرسل ﷺ عما كان من تكذيب المشركين له، واستهزائهم به، فقد جعل الله له أسوة في ذلك الأنبياء الذين كانوا قبله، وتلك سنة متبعة في الأولين والآخرين، حيث لم يقم داع يدعو إلى الله، وإلى الإصلاح والخير، إلا وقوبل بالاستهزاء والسخرية. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الإملاء أن يترك مدة طويلة من الزمان في دعة وأمن، واطمئنان، وقد يكون على سبيل الاستدراج، كما قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: يعني بالعذاب بعد الإمهال، فعذبتهم في الدنيا بالجدب والقتل والأسر، وفي الآخرة بالنار. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أي: فكيف رأيت ما صنعت بالأمم السابقة من الإهلاك بعد الإمهال، فكذلك أصنع بقومك يا محمد؛ ليكونوا عبرة لمن يعتبر.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدِ﴾: الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اُسْتُهْزِئَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿بِرُسُلٍ﴾:\nفي محل رفع نائب فاعل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة رسل، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. (أمليت): فعل وفاعل. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان بما قبلهما، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (أمليت...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿أَخَذْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء: حرف استئناف.","vol":"4","page":730},{"text":"(كيف): اسم استفهام وتعجب مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿عِقابِ﴾: اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وجملة: (كيف...) إلخ مستأنفة لا محل لها، وهي مفيدة للتعجب. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة بقوله: ﴿وَلَقَدِ﴾ وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو وأقسم والله، وبعضهم يقول:\nاللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على إن الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به وبقاء حرف القسم، فالجواب: أن المقسم به قد حذف حذفا مطردا في أوائل السور مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: وربّ الضّحى، وربّ السماء.\n\n<span id=\"aya-1740\"></span>﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ أي: حافظها، ورازقها، ورقيب عليها: ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ أي: بما عملت من خير أو شر، فيثيبها إن أحسنت، ويعاقبها إن أساءت، والجواب محذوف؛ إذ التقدير: كمن ليس بقائم، بل هو عاجز عن أي شيء، والمراد بذلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضر. ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ أي: أصناما أشركوها مع الله في العبادة، والله سبحانه هو المستحق للعبادة وحده. ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: يا محمد قل لهؤلاء الجهلة الذين عبدوا الحجارة: صفوهم وتعرفوا حقيقتهم، ثم انظروا هل هذه الحجارة جديرة بالعبادة والتقديس والتعظيم، والمعنى على التهديد، فقد سموا بعض الأصنام اللاّت، والعزّى، ومناة وهبل... إلخ.\n ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أفتخبرون الله بشركاء يستحقون العبادة لا يعلمهم، أو بصفات لهم يستحقونها لا يعلمها، وهو العالم بكل شيء، ولو كان لعلمه. ﴿أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: أم تسمون الأصنام آلهة بظاهر من القول، من غير حقيقة، واعتبار معنى، كتسمية كل زنجي كافورا، وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز. انتهى.","vol":"4","page":731},{"text":"بيضاوي، وقيل: معناه: بل بظن من القول لا يعلمون حقيقته، وقيل: معناه: بباطل من القول، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nأعيّرتنا ألبانها ولحومها... وذلك عار، يا ابن ريطة ظاهر\nأي: باطل، وقيل: كذب من القول. ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾: قال ابن عباس -﵄زين لهم الشيطان الكفر، وإنما فسر المكر بالكفر؛ لأن مكرهم برسول الله ﷺ كفر منهم، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى؛ لأنه هو الفاعل المختار على الإطلاق، لا يقدر أحد أن يتصرف في الوجود إلا بإذنه، فتزيين الشيطان إلقاء الوسوسة فقط، ولا يقدر على إضلال أحد، أو هدايته إلا الله تعالى، ويدل عليه آخر الآية. ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: صرفوا عن سبيل الدين والرشد والهداية، ومنعوا من ذلك، والصاد المانع لهم هو الله تعالى، وقرئ «(صَدوا)» بالبناء للمعلوم، ويكون المعنى: صدوا غيرهم عن الإيمان بالله تعالى. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ أي: من يضله الله ويبعده عن الإيمان فلن تجد له وليا مرشدا وهاديا إلى الله تعالى، وانظر ما ذكرته في الآية [٢٩] بعد هذا انظر شرح النفس في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇، وانظر إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] منها، فإعلال هاد مثله.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: حرف استفهام، الفاء: حرف عطف، أو هي حرف استئناف.\n (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هُوَ قائِمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَلى كُلِّ﴾: متعلقان بقائم؛ لأنه اسم فاعل، لذا فيه ضمير مستتر هو فاعله، و﴿كُلِّ﴾: مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾: مضاف إليه. ﴿بِما﴾: متعلقان ب ﴿قائِمٌ﴾ أيضا وقيل: متعلقان بمحذوف حال ولا وجه له، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء كسبته، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبها، وخبر المبتدأ محذوف: التقدير:\nكمن ليس بقائم، وقد صرح به في الآية رقم [٢١] والجملة الاسمية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة على مثال ما رأيت في الآية [٢١] والكلام كله مستأنف لا محل له. (جعلوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، أو هما متعلقان بشركاء بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وجملة: (جعلوا...) إلخ فيها أوجه: عطفها على جملة:\n ﴿كَسَبَتْ﴾ واعتبارها مستأنفة، واعتبارها حالا من المضمر المستتر بقائم، والرابط: الواو ولفظ الجلالة المصرح به، فأقيم الظاهر مقام المضمر تقريرا للإلهية، وتصريحا بها، وقيل: معطوفة على جملة: ﴿اُسْتُهْزِئَ..﴾. إلخ فيكون ما بينهما اعتراضا، وهو أضعف الأوجه. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله","vol":"4","page":732},{"text":"مستتر تقديره: «أنت». ﴿سَمُّوهُمْ﴾: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَمْ﴾:\nحرف عطف. ﴿تُنَبِّئُونَهُ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿بِما﴾: متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل مثل سابقتها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء لا يعلمه، وعلى اعتبار المصدرية، التقدير: بعدم علمه. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وجملة: ﴿تُنَبِّئُونَهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿سَمُّوهُمْ﴾ وهو عند التحقيق عطف استفهام على متقدم في المعنى؛ لأن قوله ﴿سَمُّوهُمْ﴾ معناه ألهم أسماء الخالقين، أم تنبئونه\nإلخ، وقيل: المعنى قل لهم: أتنبئون الله بباطن لا يعلمه... إلخ، وقيل: إن الجملة الفعلية معطوفة على ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ﴾. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. ﴿بِظاهِرٍ﴾: معطوفان على ﴿بِما لا..﴾. إلخ من القول: متعلقان بظاهر. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿زُيِّنَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلقان به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.\n ﴿مَكْرُهُمْ﴾: نائب فاعل والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وقرأ ابن عباس ومجاهد ﴿زُيِّنَ﴾ بالبناء للفاعل، ونصب (مكرهم)، فيكون الفاعل عائدا إلى الله، وجملة:\n ﴿زُيِّنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (صدوا): مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وقرئ بالبناء للفاعل، فيكون فعلا وفاعلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَمَنْ﴾:\nالواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو مفعول به مقدم، ﴿يُضْلِلِ﴾: مضارع فعل الشرط مجزوم. ﴿اللهُ﴾: فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: يضلله الله. ﴿فَما﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿لِلّهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَمَنْ﴾: حرف جر صلة. ﴿هادٍ﴾: مبتدأ مؤخر، مجرور لفظا، مرفوع محلاّ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، وعلى اعتبارها مفعولا مقدما فتكون الجملة فعلية، وعلى الوجهين فالكلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1741\"></span>﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: للمشركين الصادين عذاب في الحياة الدنيا بالقتل، والسبي، والأسر، وغير ذلك من الأسقام والمصائب. ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾: أشد وأصعب لدوامه... ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾: من حافظ ومانع يمنعهم من عذابه، وانظر شرح (عذاب","vol":"4","page":733},{"text":"وسلام) في الآية رقم [٢٦]، هذا؛ وإعلال ﴿واقٍ﴾ مثل إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (يوسف) ﵇.\nالإعراب: ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿فِي الْحَياةِ﴾:\nمتعلقان ب ﴿عَذابٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة الحياة مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ عَذابٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَلَعَذابُ﴾: الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْآخِرَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿أَشَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف نفسه، أو هما متعلقان ب ﴿واقٍ﴾ لأنه اسم فاعل. ﴿واقٍ﴾: مبتدأ مؤخر مجرور لفظا، مرفوع محلاّ، و﴿مِنَ﴾ حرف جر صلة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1742\"></span>﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفة الجنة التي هي مثل في الغرابة، ووقوع المثل بمعنى الصفة موجود في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ وأنكر أبو علي الفارسي وقوع المثل بمعنى الصفة، وقال: إنما معناه الشبه، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه ومتصرفاته، كقولك: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شبهك، وقال الفراء: المثل مقحم للتوكيد. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وفي بعض الآيات ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ أي: بين أيديهم ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم، وهذا أحسن في السرور والنزهة والفرجة، وانظر: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ في الآية رقم [٢٣] وانظر شرح الأنهار في الآية رقم [٣].\n ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾: لا ينقطع ثمرها، كما جاء في أحاديث النبي ﷺ، إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى. ﴿وَظِلُّها﴾ أي: دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس؛ لأنه لا يوجد في الجنة شمس ولا قمر، ولا ظلمة. ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: الجنة الموصوفة مآل المتقين، ومقرهم، ومصيرهم. ﴿وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾: مآل الكافرين، والمجرمين النار وبئس القرار، وانظر شرح ﴿عُقْبَى الدّارِ﴾ في الآية رقم [٢٤]. وفي ذكر (عقبى الفريقين): إطماع للمتقين.\nوتيئيس للكافرين من رحمة الله تعالى، وقد ذكرت المقابلة بين الإيمان والكفر، وبين المؤمنين والكافرين، وبين الطاعة والمعصية في الآية رقم [٢٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"4","page":734},{"text":"الإعراب: ﴿مَثَلُ﴾: مبتدأ، اختلف في خبره، فقال سيبويه: محذوف، التقدير: فيما يتلى عليكم مثل الجنة. وقال الخليل: خبره جملة: ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ أي: صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، كقولك: قولي يقوم زيد، وانظر الشرح، وقال الفراء: المثل مقحم للتأكيد، والمعنى: الجنة التي وعد... إلخ، والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل، وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، و﴿مَثَلُ﴾: مضاف، و﴿الْجَنَّةِ﴾: مضاف إليه. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة الجنة.\n ﴿وُعِدَ﴾: ماض مبني للمجهول. ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول؛ إذ التقدير: التي وعدها المتقون. ﴿تَجْرِي﴾: مضارع مرفوع... إلخ.\n ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ﴾: فاعل، وجملة:\n ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الجنة، وهذان الاعتباران إنما هما على رأي: سيبويه، وهي في محل رفع خبر المبتدأ على رأي: الخليل والفراء مع اختلاف تقديرهما. تأمل. ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾: مبتدأ وخبر، و(ها): في محل جر بالإضافة، ويجوز في الجملة الاسمية ما جاز في الجملة الفعلية قبلها من الاعتبارات. (ظلها): مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة خبر الأول عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿عُقْبَى﴾: خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿عُقْبَى﴾: مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿اِتَّقَوْا﴾: ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (عقبى): مبتدأ مرفوع... إلخ، وهو مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾: مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿النّارُ﴾: خبر المبتدأ، أو ﴿النّارُ﴾: مبتدأ مؤخر، و(عقبى) خبر مقدم لمناسبة الأول، ولعله أقوى، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1743\"></span>﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ..﴾. إلخ: المراد بهم الذين أسلموا من اليهود، كعبد الله بن سلام، وأصحابه، ومن آمن من النصارى، وهم ثمانون رجلا: أربعون من نجران، وثمانية من اليمن، واثنان وثلاثون من الحبشة، أو عامتهم فإنهم يفرحون بما يوافق كتبهم،","vol":"4","page":735},{"text":"والمعتمد الأول، وقيل: هم أصحاب محمد ﷺ يفرحون بنور القرآن، قاله قتادة، ومجاهد، وابن زيد، والمعتمد الأول، ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: كفرة اليهود والنصارى الذين تحزبوا على عداوة رسول الله ﷺ ككعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد والعاقب وأشياعهما من نصارى نجران ومن لف لفهم من مشركي العرب، وهؤلاء كانوا ينكرون بعض ما في القرآن؛ أي: الذي لا يوافق هواهم، وقيل: إن كفار قريش كانوا ينكرون لفظ (الرحمن) من أسماء الله تعالى، ولا ينكرون لفظ الجلالة (الله) وانظر ما ذكرته لك في الآية رقم [٣٢] هذا؛ والأحزاب جمع حزب، وهو في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، أي: أهمه.\n ﴿قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾: هذا جواب للمنكرين بعض القرآن، والمعنى:\nقل: يا محمد لهؤلاء: إني أمرت فيما أنزل إلي بأن أعبد الله، وأوحده، وهو العمدة في الدين، ولا سبيل لكم إلى إنكاره، وأما ما تنكرونه من القرآن مما يخالف هواكم، ويخالف شريعتكم، فليس هذا ببدع ولا بغريب؛ لأنه لا بد أن تخالف بعض الشرائع بعضها حسب مقتضيات الأحوال، وتطور الأزمان. ﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا﴾ أي: أدعو الناس إلى الإيمان بالله وتوحيده.\n ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي: إلى الله مرجعي في أموري كلها، وأيضا إلى الله مرجعي يوم القيامة، فهو الذي يحكم بيني وبينكم بالحق، وهو خير الحاكمين.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: حرف استئناف، (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ﴾: فعل وفاعل ومفعوله الأول. ﴿الْكِتابَ﴾: مفعوله الثاني، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿يَفْرَحُونَ﴾: مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِما﴾:\nمتعلقان بما قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها، التقدير: يفرحون بالذي، أو بشيء أنزل إليك، والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الذين...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة: ﴿يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ صلة ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، هذا هو الإعراب الظاهر، ولا أعتمده وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٤٩] من سورة (التوبة) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿أُمِرْتُ﴾: ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللهَ..﴾. في محل نصب مفعول به ثان لأمر؛ لأن هذا الفعل يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبحرف الجر، كما هو","vol":"4","page":736},{"text":"معروف، فإن قدرت المصدر مجرورا بحرف جر محذوف، فيكون الجار والمجرور متعلقين بالفعل (أمرت) وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. لا:\nنافية. ﴿أُشْرِكَ﴾: معطوف على ما قبله، منصوب مثله، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِهِ﴾:\nمتعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقرئ الفعل ﴿أُشْرِكَ﴾ بالرفع، فتكون الجملة الفعلية مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلقان بما بعدهما. ﴿أَدْعُوا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿أَدْعُوا﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط.\n (إليه): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَآبِ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، وهذه تقوي الحالية.\n\n<span id=\"aya-1744\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾: الضمير للقرآن. ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾: وتقدير الكلام: كما أنزلنا الكتب على الرسل السابقين بلغاتهم ولسانهم أنزلنا عليك يا محمد القرآن عربيا بلسانك ولسان قومك، وإنما سمي القرآن حكما لأن فيه جميع التكاليف والأحكام وتبيين الحلال والحرام، والنقض والإبرام، وتوضيح النافع من الضار، وتمييز الحسن من القبيح، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة، وانظر الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) ﵇ تجد ما يسرك.\n ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما﴾ أي: فيما يدعونك إليه من تقرير دينهم، والصلاة إلى قبلتهم بعد أن حولت عنها من بعد ما عرفت أنك على الحق وقبلتك الكعبة هي المفضلة على جميع الاتجاهات، وقيل: الداعي له هم المشركون، فقد دعوه إلى أشياء كثيرة فيها مجاملة، ومداهنة، وقد نهاه الله عن متابعة أهوائهم، وما في الآية إنما هو على سبيل الفرض والتقدير؛ لأن من المحال أن يتبع الرسول ﷺ أهواء الزائغين من اليهود والنصارى والمشركين. ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ أي: ليس لك نصير ولا حافظ يمنعك من عذاب الله وعقابه، إن اتبعت أهواء الضالين المضلين، ففيه قطع لأطماعهم، وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم، وانظر شرح الهوى في الآية رقم [٣٧] من سورة (إبراهيم) ﵇.","vol":"4","page":737},{"text":"الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ﴾: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أنزلناه حكما عربيا إنزالا كائنا مثل إنزال الكتب بلغة الرسل والأمم التي أنزلت عليهم قبلك يا محمد، وانظر إعراب (كذلك) مفصلا في الآية رقم [٣٢] ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿حُكْمًا﴾: حال من الضمير المنصوب. ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿وَلَئِنِ﴾: الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، أي: دالة عليه. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّبَعْتَ﴾: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿أَهْواءَهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿بَعْدَ ما﴾: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و(بعد) مضاف، و(ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿جاءَكَ﴾: ماض، والفاعل يعود إلى ما، والكاف مفعول به.\n ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾: متعلقان بمحذوف حال من فاعل (جاء) المستتر العائد إلى (ما)، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿حُكْمًا﴾ وجملة: ﴿جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿اِتَّبَعْتَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿حُكْمًا﴾: نافية. ﴿كَذلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ اللهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف نفسه، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مِنَ﴾: حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأجيز اعتبار (ما) حجازية، وهو ضعيف هنا بسبب عطف ما بعده عليه، ﴿وَلا﴾: الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿واقٍ﴾: معطوف على ما قبله مجرور تبعا للفظه، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب للقسم المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة التي رأيت شرحها في الآية رقم [١٤] من سورة (يوسف) ﵇، والكلام ﴿وَلَئِنِ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1745\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾: روي: أن اليهود، وقيل: المشركين عابوا على النبي ﷺ الزواج، وعيروه بذلك، وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا؛ لكان مشتغلا بالنبوة، والزهد وترك الدنيا، فأنزل الله هذه الآية التي تبين: أن من سنّة المرسلين الزواج، وكان لهم ذرية، فقد كان لسليمان ﵇ ثلاثمائة امرأة حرة، وسبعمائة سرية، وكان لأبيه داود ﵇ مائة امرأة، فلم يقدح ذلك في نبوتهما. ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا﴾","vol":"4","page":738},{"text":"وَذُرِّيَّةً أي: جعلناهم بشرا يتمتعون بما أحل الله لهم من شهوات الدنيا، وإنما خصوا بنزول الوحي عليهم.\n ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾: هذا جواب لعبد الله بن أبي أمية وغيره من المشركين الذين سألوا رسول الله ﷺ الآيات، واقترحوا عليه أن يريهم المعجزات، كما رأيت في الآية رقم [٣١]. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ أي: لكل حدث يحدث وقت معين لا يتخطاه، وقيل:\nفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير: لكل كتاب أجل، أي: لكل أمر كتبه الله تعالى أجل مؤجل، ووقت معلوم محتم، لا يتأخر عنه، ولا يتقدم.\nهذا؛ والرسول ذكر حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، وإن لم يؤمر به فهو نبي، هذا؛ والنبي مأخوذ من النبأ، وهو الخبر؛ لأنه يخبر عن ربه فيما أوحي إليه، وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق، وانظر عدد الأنبياء والمرسلين، وما ذكرته بشأنهم في الآية رقم [١٦٣] من سورة (النساء)، والآية رقم [٨٦] من سورة (الأنعام)، هذا؛ والنبي يجمع جمع مذكر سالما، وجمع تكسير، وأما الرسول فلا يجمع إلا جمع تكسير: (رسل) بضم الراء والسين، ويجوز تسكينها، قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل عسر، ويسر، ورحم، وحلم، وأسد.\n ﴿اللهِ﴾: علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأوقات عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال.\nتنبيه: هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحض عليه، وتنهى عن التبتل، وهو ترك الزواج، وهذه سنة المرسلين، كما نصت عليه هذه الآية، والأحاديث الشريفة واردة بمعناها، قال الرسول ﷺ: «تزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم». وعن معقل بن يسار﵁قال:\nجاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله: إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال، إلا أنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فنهاه، ثمّ أتاه الثانية، فقال له مثل ذلك، ثمّ أتاه الثالثة فقال له:\n «تزوّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم». رواه أبو داود، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٠] من سورة (المائدة) بشأن الذين أرادوا التبتل، والانقطاع للآخرة.\nوقد روي عن عمر بن الخطاب﵁-: أنه كان يقول: إني لأتزوج المرأة، وما لي فيها من حاجة، وأطؤها وما أشتهيها، قيل له: وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين؟! قال: حبي أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي ﷺ النبيين يوم القيامة، وإني سمعته يقول:\n «عليكم بالأبكار، فإنّهنّ أعذب أفواها، وأحسن أخلاقا، وأنتق أرحاما، وأرضى باليسير، وإنّي","vol":"4","page":739},{"text":"مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». انتهى. قرطبي. وفسر (أرضى باليسير) بأحد شيئين: الجماع، أو النفقة، أو بهما معا.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا﴾ انظر إعراب: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ في الآية رقم [٣٢] ففيه الكفاية.\n ﴿رُسُلًا﴾: مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلقان بمحذوف صفة ﴿رُسُلًا﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، والأول أقوى، والكاف في محل جر بالإضافة. (جعلنا): ماض مبني على السكون، و(نا): فاعله. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بما قبلهما وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿أَزْواجًا﴾: مفعول به. ﴿وَذُرِّيَّةً﴾: معطوف على ما قبله، وجملة: (جعلنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف، (ما): نافية. ﴿كانَ﴾: ماض ناقص. ﴿لِرَسُولٍ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿بِآيَةٍ﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿بِإِذْنِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَأْتِيَ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والأول أقوى؛ لأنه يفيد الحصر، و(إذن): مضاف، و﴿اللهِ﴾: مضاف إليه، وجملة: ﴿(ما كانَ...)﴾ إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لِكُلِّ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(كل): مضاف، و﴿أَجَلٍ﴾: مضاف إليه، ﴿كِتابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للنفي لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1746\"></span>﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾: قال النحاس: وحدثنا بكر بن سهل، قال: حدثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس﵄- يقول: يبدل الله من القرآن ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ يقول: جملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ، وقيل: المعنى يمحو سيئات التائب، ويثبت الحسنات مكانها، وقيل: يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء، ويترك غيره مثبتا، أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه، وقيل: يمحو قرنا، ويثبت آخر، وقيل: يمحو الفاسدات، ويثبت الكائنات، وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا أشياء: الخلق، والخلق، والأجل، والرزق، والسعادة والشقاوة، وقال ابن عمر﵄-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يمحو الله ما يشاء ويثبت إلاّ السعادة والشقاوة والموت».\nبعد هذا أذكر: أنه يوجد قضاء معلق، وقضاء مبرم، فالمحو يكون في القضاء المعلق، والمبرم لا يكون فيه محو، والقضاء المعلق هو الذي يطلع الله عليه الملائكة، ويقول لهم: إن فعل فلان كذا، أو كذا من أعمال البر، والخير، فرزقه كذا، وإذا لم يفعل؛ فرزقه كذا، وفلان عمره أربعون سنة مثلا، فإن وصل رحمه وعمل كذا وكذا من أعمال البر والخير؛ فزيدوه إلى","vol":"4","page":740},{"text":"خمسين، أو إلى ستين مثلا، وإن لم يصل رحمه؛ فعمره أربعون فقط، ثم إن سبق في علم الله الأزلي بأن رزقه كذا يوفقه لعمل الخير لينال الزيادة في الرزق والعمر، وإن لم يسبق في علم الله الأزلي بأن له كذا فلا يوفقه لعمل الخير، وهذا أحد تفسيرين لقول الرسول ﷺ: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه». رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة ﵁.\nوفي القرطبي: وقيل لابن عباس﵄لما روى الحديث الصحيح عن رسول الله أنه قال: «من أحبّ أن يمدّ الله في عمره وأجله، ويبسط له في رزقه فليتّق الله؛ وليصل رحمه». كيف يزاد في العمر والأجل؟ فقال: قال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ فالأجل الأول أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، والأجل الثاني، من حين وفاته إلى يوم يلقاه في البرزخ لا يعلمه إلا الله، فإذا اتقى العبد، ووصل رحمه؛ زاده الله في أجل عمره الأول من أجل البرزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه؛ نقصه الله من أجل عمره في الدنيا ما شاء، فيزيده في أجل البرزخ، فإذا تحتم الأجل في علمه السابق، امتنع الزيادة والنقصان، لقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فتوافق الخبر والآية، وهذه زيادة في نفس العمر، وذات الأجل على ظاهر اللفظ في اختيار حبر الأمة، والله أعلم انتهى بحروفه. هذا؛ ولا يفوتني أن أقول: إن الزيادة في الرزق والعمر، إنما تكون بالبركة، وهذا ملموس في واقعنا، وتفسيره بأن الله يوفق واصل رحمه للعمل الصالح، وطاعة الله وامتثال أوامره، فيسجل في صحيفته حسنات في ثلاثين سنة أكثر مما يسجله غيره في ثمانين سنة أو أكثر. هذا؛ والأم: أصل الشيء، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أمّا، ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة المكرمة، ومنه: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أي: إنه ساقط على أم رأسه في الهاوية، أي: إنهم يهوون في النار على رءوسهم.\nالإعراب: ﴿يَمْحُوا﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل. ﴿اللهُ﴾:\nفاعله. ﴿ما﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يمحو الله الذي، أو شيئا يشاء محوه، (يثبت): مضارع معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والمفعول محذوف، التقدير: يثبته، وقرئ بتشديد الباء، والجملة الفعلية: ﴿يَمْحُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أُمُّ﴾: مبتدأ مؤخر، و﴿أُمُّ﴾: مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾:\nمضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل (يثبت) فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.","vol":"4","page":741},{"text":"<span id=\"aya-1747\"></span>﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ﴾: الخطاب للرسول ﷺ. ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: من العذاب في الدنيا، وقد مر كثير من التهديد والوعيد للكفار. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي: نميتك قبل أن نريك ما نعدهم به من العذاب. ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ أي: ليس عليك إلا تبليغ الرسالة، وليس عليك شيء من حسابهم، و﴿الْبَلاغُ﴾ اسم أقيم مقام التبليغ مثل ﴿سَلامٌ﴾ في الآية رقم [٢٤] ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ أي: حسابهم علينا، فنحن نجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر، وانظر (نا) في الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إما): هي إن الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة.\n ﴿نُرِيَنَّكَ﴾: مضارع فعل الشرط مبني على الفتح في محل جزم، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿بَعْضَ﴾: مفعول به ثان، والفاعل بصري وقد تعدى إلى المفعول الثاني بهمزة التعدية؛ لأنه من الرباعي، و﴿بَعْضَ﴾: مضاف، و﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿نَعِدُهُمْ﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: نعدهم إياه، والجملة الفعلية: ﴿نُرِيَنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فذاك شافيك من أعدائك.\n ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه وفي محل جملته، ويقدر له جواب ب: فلا تقصير منك، ولا لوم عليك. وانظر الآية رقم [٤٦] من سورة (يونس) ﵇، ﴿فَإِنَّما﴾: الفاء: حرف تعليل. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وتقديمهما أفاد القصر والحصر. ﴿الْبَلاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل لجواب الشرط الثاني المحذوف. (علينا): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحِسابُ﴾:\nمؤخر مبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-1748\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾: المعنى: أولم ير كفار مكة أنا نأتي الأرض، فنفتحها لمحمد ﷺ أرضا بعد أرض حوالي أراضيهم، أفلا يعتبرون فيتعظون، ومعنى نقصان الأرض: فتح بلاد الشرك، فإن ما زاد في دار الإسلام فقد نقص في دار الشرك، وهذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة من المفسرين، وقيل: نقصان الأرض: موت علمائها،","vol":"4","page":742},{"text":"وصلحائها، وقيل: موت الأشراف من أحبار اليهود والنصارى، وقيل: هو خراب الأرض حتى يكون العمران في ناحية منها، وعن عطاء: هو ذهاب فقهائها، وخيار أهلها، وقيل: المراد بالنقصان: نقصان بركاتها وثمارها. ٧٤٤\nوأعتمد الأول من هذه الأقوال؛ لأن الكلام مع كفار قريش، وهم المقصودون بهذا الكلام، ففيه تهديد ووعيد لهم، لعلهم يعتبرون، فيتعظون بما يرون من استيلاء المسلمين على أرض الشرك، من خيبر، وفدك، ومساكن بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، وهذا على أن الآية مدنية، وأطراف: جمع طرف بفتح الطاء والراء، وانظر الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) ﵇ تجد ما يسرك.\n ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي: لا راد لحكمه، ولا ناقض لقضائه، والمعقب: هو الذي يعقب غيره بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقب؛ لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب، ومحصله: أنه سبحانه حكم للإسلام بالإقبال، وحكم على الكفر بالإدبار، وهو سريع الحساب، فيحاسبهم بعد زمن قليل في الآخرة، بعد ما عذبهم بالقتل، وأخرجهم من ديارهم في الدنيا، فلا تستبطئ عقابهم، فإنه آت لا محالة، وكل آت قريب، انتهى جمل. وفي القرطبي:\nسريع الانتقام من الكافرين، سريع الثواب للمؤمنين، وقيل: لا يحتاج في حسابه إلى روية قلب، ولا عقد بنان. انتهى. و﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة، وصف سبحانه نفسه بسرعة الحساب مع ما ذكر ليدل بذلك على كمال قدرته؛ لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ولا يحتاج إلى آلة، ولا أمارة، ولا مساعد، فلا جرم كان قادرا أن يحاسب جميع الخلائق في أقل من لمحة.\nتنبيه: في الآية الكريمة التفات من التكلم إلى الغيبة، كما يكون من الغيبة إلى التكلم، وإلى الخطاب، ومن المفرد إلى الجمع، وبالعكس، وقد نبهت على ذلك فيما مضى، كما أنبه عليه في محاله الآتية، إن شاء الله تعالى، وله فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حثّ السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة. انتهى.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف على محذوف مقدر، أو هي حرف استئناف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَرَوْا﴾: مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنّا﴾: حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَأْتِي﴾: مضارع","vol":"4","page":743},{"text":"مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَرْضَ﴾:\nمفعول به. ﴿نَنْقُصُها﴾: مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و(ها): مفعول به. ﴿مِنْ أَطْرافِها﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿نَنْقُصُها..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَأْتِي،﴾ أو من الأرض، والرابط على الاعتبارين الضمير، وجملة: ﴿نَأْتِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ألم ينظروا في ذلك، ولم يروا... إلخ، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ﴾: الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَحْكُمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الله...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿مُعَقِّبَ﴾: اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِحُكْمِهِ﴾: متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية:\n ﴿لا مُعَقِّبَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل يحكم المستتر، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿وَهُوَ﴾: الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿سَرِيعُ﴾: خبره، وهو مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾:\nمضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل: سريع حسابه، والجملة الاسمية:\n (هو...) إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَحْكُمُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة لا محل لها، وعلى الأول فهو من تعدد الحال، وهو جملة.\n\n<span id=\"aya-1749\"></span>﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل مشركي قريش من الأمم الماضية الذين مكروا بأنبيائهم، والمكر: الاحتيال والتدبير في إيصال المكروه والضر للإنسان من حيث لا يشعر، كما مكر نمرود بإبراهيم، وفرعون بموسى، واليهود بعيسى، ومكر كفار قريش هو ما بيتوه في ليلة الهجرة، من قتل النبي ﷺ، أو حبسه، أو نفيه من مكة. ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ أي:\nعنده تعالى جزاء مكرهم، فهو يعاقبهم عليه.\nوقال الواحدي: يعني جميع مكر الماكرين له، ومنه، أي: هو من خلقه وإرادته، فالخير والشر بيده، وإليه النفع والضر، هذا؛ والله منزه عن المكر بالمعنى الأول، واستعمال العقاب والجزاء بلفظ المكر، إنما هو من باب المشاكلة، وقد مر معنا كثير من هذا، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال).\n ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: جميع أعمال العباد وتأثيراتها معلومة لله تعالى، وهو خالقها.","vol":"4","page":744},{"text":"فيجازي عليها. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ﴾: يقرأ بالجمع على أن المراد بهم جماعة المستهزءين بالنبي ﷺ، وهم خمسة نفر من كفار مكة، ويقرأ بالإفراد على أن المراد به أبو جهل الخبيث. ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي: العاقبة المحمودة، فلا ريب أن المحمودة للمؤمنين، والمذمومة في الدنيا والآخرة للمشركين حين يدخلون جهنم، وبئس المصير.\nهذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nلعلم عرفان، وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات، دون النسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني والنسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.\nالإعراب: ﴿وَقَدْ﴾: الواو: حرف استئناف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿مَكَرَ﴾: ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾:\nمتعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا من واو الجماعة فيه بعد. ﴿فَلِلّهِ﴾: الفاء: هي الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَكْرُ﴾: مبتدأ مؤخر.\n ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿الْمَكْرُ﴾ إذ المراد أنواع المكر، وفي مجيء الحال من المبتدأ خلاف، والجملة الاسمية (لله...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب «إذا» التقدير: وإذا كان قد حصل ذلك منهم فلله... إلخ، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿ما﴾: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تكسبه كل نفس، وعلى الثالث تؤول ﴿ما﴾ مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم كسب كل نفس، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: رجوع الفاعل إليها، والاستئناف ممكن، وفيها معنى التفسير لمكر الله تعالى. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ﴾: الواو: حرف استئناف. السين: حرف استقبال. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ﴾: مضارع وفاعله. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(من) اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿عُقْبَى﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر،","vol":"4","page":745},{"text":"و﴿عُقْبَى﴾: مضاف، و﴿الدّارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿لِمَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل (يعلم) والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها على اعتبارها مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-1750\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المراد بهم مشركو العرب، وقيل: المراد بهم رؤساء اليهود. ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أي: من عند الله، بل أنت متقول، وإنما قالوا للنبي ﷺ ذلك حين لم يأتهم بما اقترحوا عليه من المعجزات والآيات. ﴿قُلْ﴾: أي: قل لهم يا محمد. ﴿كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: المراد بشهادة الله على نبوة محمد ﷺ ما أظهر على يديه من المعجزات الباهرات، والآيات القاهرة الدالة على صدقه، وأعظمها القرآن الكريم؛ الذي أسكت فصحاءهم، وأخرس بلغاءهم، وتحداهم بأن يأتوا بمثله، ولكنهم عجزوا عن ذلك، بل هم أعجز وأعجز.\n ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ أي: ومن عنده علم الكتاب يشهد على نبوتك وصدقها، وهذا احتجاج على مشركي العرب؛ لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب أي: من آمن منهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري، والنجاشي وأصحابه، قاله قتادة وسعيد بن جبير، ورد هذا بأن السورة مكية، وهؤلاء إنما أسلموا بالمدينة. أقول: وهذا يصح على القول إن السورة مدنية، وهو لا غبار عليه، وانظر ما ذكرته في أول السورة.\nوقيل: المراد به جبريل ﵇، وهو ضعيف؛ لأن جبريل لا تمكن شهادته ورؤيته، وقيل: المراد به المؤمنون من هذه الأمة، وهو ضعيف؛ لأن الكفار لا يقبلون شهادة المؤمنين، هذا؛ وقرئ: ﴿(وَمَنْ عِنْدَهُ)﴾ بكسر الميم والدال فيكون المعنى: ومن عند الله علم الكتاب، أي:\nالقرآن، كما قرئ: ﴿(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ)﴾ بكسر الميم، وضم العين في (علم) على أنه ماض بالبناء للمجهول، وهو بمعنى سابقه.\n ﴿لَسْتَ﴾: حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء والسين؛ إذ أصله ليس بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصل بضمير رفع متحرك، سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار لست.\n ﴿كَفى﴾: هذا الفعل بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى وأغنى، فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا","vol":"4","page":746},{"text":"لمفعولين كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾.\n (بين): ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السين، تقول: جلس بين القوم، كما تقول:\nجلس وسط القوم، هذا؛ والبين: الفراق والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود والأبيض، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير ﵁: [البسيط]\nوما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُ﴾: يقول: مضارع. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾: مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿لَسْتَ﴾: ماض ناقص مبني على السكون، والتاء، اسمه.\n ﴿مُرْسَلًا﴾: خبر ليس، والجملة: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية (يقول...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَفى﴾:\nماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿بِاللهِ﴾: الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.\n ﴿شَهِيدًا﴾: تمييز، ويقال: حال. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف مكان متعلق بشهيد منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾:\nمعطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على لفظ الجلالة، ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿عِنْدَهُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، هذا؛ وعلى القراءة بكسر الميم والعين فيكون جارا ومجرورا متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و(علم) مبتدأ مؤخر، وعلى القراءة الثالثة فعلم مبني للمجهول، والكتاب نائب فاعله، ويكون من عنده متعلقين بالفعل بعدهما، وعليه فالجملة فعلية، وهي صلة الموصول، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على الهادي محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الرعد) بحمد الله وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين.","vol":"4","page":747},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1746>سورة ابراهيم</span>\nعلى نبينا وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة وأزكى سلام\nوهي مكية سوى آيتين، وهما قوله ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا..﴾.\nإلخ وهي اثنتان وخمسون آية، وثمانمائة، وإحدى وستون كلمة، وثلاثة آلاف، وأربعمائة، وأربعة وثلاثون حرفا.\nتنبيه: انظر شرح الاستعاذة والبسملة، وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة، وأزكى سلام، وانظر شرح: ﴿الر﴾ وإعرابها في أول سورة (يونس) ﵇.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-1751\"></span>﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾\nالشرح: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا الكتاب أنزلناه إليك يا محمد، والمراد به: القرآن الكريم، وانظر شرح: ﴿كِتابٌ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: لتنقذ الناس بهذا القرآن من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الهدى والحق، وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (الرعد). ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ:﴾ بتوفيقه، وتسهيله، فهو مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب، وأضيف الفعل إلى النبي ﷺ؛ لأنه الداعي، والمنذر الهادي. ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: إلى دين الإسلام. هذا والصراط في الأصل: الطريق، استعير لدين الإسلام في كثير من الآيات، وهو يذكر، ويؤنث، والأول أكثر، و﴿الْعَزِيزِ:﴾ القوي الغالب الذي لا يغلب، و﴿الْحَمِيدِ﴾ المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال.\nالإعراب: ﴿كِتابٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، أو هذا كتاب، أو هذا القرآن كتاب، وهناك وجه آخر: وهو اعتبار ﴿الر﴾ مبتدأ وكتاب خبره، ونظيره الآية رقم [١] من سورة (الأعراف). ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة كتاب.\n ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لِتُخْرِجَ:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام","vol":"5","page":5},{"text":"التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا). ﴿مِنَ الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل: (تخرج).\n ﴿إِلَى النُّورِ:﴾ متعلقان به أيضا، ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعله، أو من مفعوله وتقدير الأول: مأذونا لك، وتقدير الثاني: مأذونا لهم، و(إذن): مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلى صِراطِ:﴾ الجار والمجرور بدل من ﴿إِلَى النُّورِ﴾ وأجاز الزمخشري الاستئناف، كأنه قيل: إلى أي نور، فقيل: ﴿إِلى صِراطِ..﴾. إلخ، و﴿صِراطِ:﴾ مضاف، و﴿الْعَزِيزِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَمِيدِ:﴾ بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾ أو عطف بيان عليه، وقيل: نعت له، ولا أسلمه؛ لأنهما اسمان من أسماء الله الحسنى، والاسم لا يوصف بالاسم.\n\n<span id=\"aya-1752\"></span>﴿اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾\nالشرح: ﴿اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٠] من سورة (الرعد). ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا، واختراعا. هذا؛ وإطلاق ﴿ما﴾ على ما ذكر فيه تغليب، لأن فيه كثيرا من العقلاء. هذا؛ وفي الكلام تهديد، ووعيد لمن ترك عبادة من يستحق العبادة، وعبدوا من لا يملك شيئا في السموات والأرض، بل هو مملوك لله؛ لأنه من جملة ما خلق في هذا الكون.\nهذا ﴿(وَيْلٌ):﴾ كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة العذاب والهلاك.\nوقال ابن عباس﵄الويل: شدة العذاب، وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا، قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذي. هذا؛ والويل: مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأن فاءه وعينه معتلتان، ومثله ويح، وويس، وويب، وهو لا يثنى، ولا يجمع، وقيل: يجمع على ويلات بدليل قول امرئ القيس: [الطويل]\nويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت: لك الويلات إنّك مرجلي\nوإذا أضيفت هذه الأسماء؛ فالأحسن النصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف؛ فالأحسن فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وساغ ذلك لتضمنها معنى خاصا. هذا؛ و﴿(وَيْلٌ):﴾ نقيض الوأل، وهو النجاة.\nأقول: وقد ينادى الويل إذا أضيف لياء المتكلم، أو نا، وسبقته أداة النداء، وانظر:\n ﴿يا وَيْلَتى﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) ﵇، وانظر: ﴿يا وَيْلَتَنا﴾ في الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف)، ولا تنس: أنه قد أنث الويل في الآيتين المذكورتين.","vol":"5","page":6},{"text":"الإعراب: ﴿اللهِ:﴾ يقرأ بالجر على أنه بدل من العزيز الحميد، أو عطف بيان، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ، خبره ما بعده، وأجاز أبو البقاء اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الله، واعتباره مبتدأ، وخبره محذوف دل عليه ما قبله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة على قراءة الجر، وفي محل رفع خبره على قراءة الرفع. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو بمحذوف صفتها. ﴿(ما)﴾ في الأرض، عطف على ما قبلهما، والإعراب والاعتبار مثل ذلك، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ ما فِي..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهِ..﴾. إلخ على قراءة الرفع مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَوَيْلٌ:﴾\nالواو: حرف استئناف. ﴿(وَيْلٌ):﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به، وهو نكرة الدعاء؛ لأنه من المسوغات سواء أكان دعاء له، أو عليه... إلخ. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ويل بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلقا ب: ﴿(وَيْلٌ)﴾ لأجل الفصل. انتهى. عكبري، وقال أبو السعود: متعلقان به على معنى يولون، ويضجون منه، والأول أولى. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية: ﴿(وَيْلٌ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1753\"></span>﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ يختارون الفانية على الباقية، ويفضلون العاجلة على الآجلة. ﴿وَيَصُدُّونَ:﴾ يمنعون، ويصرفون، وهو بضم الصاد. هذا؛ ويأتي بمعنى: يعرضون، ويميلون، كما في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ويأتي بضم الصاد وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ومصدر الأولين: صد، وصدود، ومصدر الأخير: صديد، والصدد: القرب، يقال: داري صدد داره، أي قبالتها وقربها، والصدد: القصد، تقول: رجعنا إلى ما نحن بصدده، أي بقصده، وهو أيضا الميل بفتح الياء والناحية، قال البيضاوي: وقرئ بضم الياء من أصده، وهو منقول من صد صدودا: إذا تنكب، وليس فصيحا؛ لأن في صده مندوحة عن تكلف التعدية بالهمزة. ﴿سَبِيلِ اللهِ:﴾ دينه وشريعته، وانظر شرح: ﴿سَبِيلِي﴾ في الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) ﵇.\n ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا:﴾ يطلبون لها اعوجاجا، وميلا عن القصد والاستقامة، وذلك بمنعهم الناس عن الدخول في الإسلام، وأنث الضمير على اعتبار السبيل مؤنثة. هذا والعوج بكسر العين وفتحها، وقد فرق العرب بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول:","vol":"5","page":7},{"text":"في دينه عوج بالكسر، وفي الجدار عوج بالفتح. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر. ﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: ضلوا عن سبيل الله الحق، وحادوا عنه بمراحل عديدة. هذا؛ وفي إسناد البعد إلى الضلال مجاز عقلي؛ لأن البعيد في الحقيقة إنما هو الضال؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جد جده.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من الكافرين، أو هو صفة لهم، أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، أو هو مبتدأ، خبره ما بعده، فهو مبني على الفتح في محل جر، أو في محل نصب، أو في محل رفع، وجملة: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي:\nحالة كونها مفضلة على الآخرة، وجملة: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿(يَبْغُونَها):﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، وها: مفعول به، وقد كان هذا الضمير مجرورا بحرف الجر، فلما حذف الجار اتصل بالفعل، وانتصب به على حد قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.\n ﴿عِوَجًا:﴾ مفعول به ثان على التوسع. هذا؛ وقد قيل: إن الضمير مفعول به صراحة، و﴿عِوَجًا﴾ حال من الضمير بمعنى: معوجة، ولا بأس به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة على الوجهين الأولين في الموصول، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1754\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ:﴾ إلا بلغة قومه الذين هو منهم، وبعث فيهم. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أي: ما أمروا به، فيفهموه عنه بيسر، وسهولة، وسرعة، ثم ينقلوه، ويترجموه لغيرهم، فإنهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم وأحق بأن ينذرهم. ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ:﴾ انظر الكلام على هاتين الجملتين في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد).\n ﴿الْعَزِيزُ:﴾ هو القوي الغالب الذي لا يغلب. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ هو الذي يضع الأمور مواضعها، وقدم العزيز، لتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته.\nهذا وقد قرئ: «(بلسن)» بصيغة الجمع بضم اللام، وضم السين، وتسكينها أيضا، وهو على هذا مؤنث كذراع، وأذرع، ويذكر فيجمع على ألسنة كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير:\nلسين، وعلى التأنيث لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء كما في قول الشاعر: [الوافر]","vol":"5","page":8},{"text":"لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت، وما حسبتك أن تحينا\nفيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر كقول الآخر: [المتقارب]\nأتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر\nوقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط]\nإنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر\nقال الجوهري: يروى: «من علو» بضم الواو، وفتحها وكسرها، أي أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة، وقد أطلقه الله على القرآن بكامله مع التذكير في سورة (النحل)، الآية رقم [١٠٣] حيث قال جل ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلت قدرته: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) على نبينا وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nتنبيه: قال القرطبي: ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه، أي في نفي بعثة الرسول ﷺ إلى الناس كافة؛ لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي ﷺ ترجمة يفهمها لزمته الحجة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وقال ﷺ: «والّذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة، يهوديّ ولا نصرانيّ، ثمّ لم يؤمن بالّذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار». أخرجه مسلم، وقال: «أرسل كلّ نبيّ إلى أمّته بلسانها، وأرسلني الله إلى كلّ أحمر، وأسود من خلقه». انتهى.\nوقال الخازن: بعث رسول الله ﷺ من العرب، وبلسانهم، والناس تبع للعرب، فكان مبعوثا إلى جميع الخلق؛ لأنهم تبع للعرب، ثم إنه يبعث إلى الأطراف، فيترجمون لهم بألسنتهم، ويدعونهم إلى الله تعالى بلغاتهم، وقيل: إن الرسول إذا أرسل بلسان قومه، وكانت دعوته خاصة، وكان كتابه بلسان قومه، كان أقرب لفهمهم عنه، وقيام الحجة عليهم في ذلك، فإذا فهموه، ونقل عنهم؛ انتشر عنهم علمه، وقامت التراجم ببيانه، وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير أهله، وإذا كان الكتاب واحدا بلغة واحدة، مع اختلاف الأمم، وتباين اللغات، كان ذلك أبلغ في اجتهاد المجتهدين، في تعليم معانيه، وتفهيم فوائده، وغوامضه، وأسرار علومه، وجميع حدوده وأحكامه. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(ما):﴾ نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِلِسانِ:﴾ متعلقان","vol":"5","page":9},{"text":"بمحذوف حال من رسول، التقدير: إلا متكلما بلسان، وساغ ذلك منه مع كونه نكرة لتقدم النفي عليه، و(لسان) مضاف، و﴿قَوْمِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُبَيِّنَ:﴾\nمضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولٍ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، التقدير:\nللتبيين، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَيُضِلُّ﴾ الفاء: حرف استئناف. (يضل الله): مضارع وفاعله. ﴿مِنْ:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يضل الذي، أو شخصا يشاء إضلاله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿وَهُوَ﴾ الواو: واو الحال. ﴿(هُوَ):﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَشاءُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1755\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا:﴾ المراد بالآيات: المعجزات التي جاء بها موسى ﵇، مثل: العصا، واليد، وفلق البحر، وغير ذلك من المعجزات العظيمة الباهرة، وقد رأيت ذلك مفصلا في سورة (الأعراف)، وغيرها مما تقدم. ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: أخرج قومك بالدعوة إلى الإيمان من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (الرعد). ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ أي: بوقائع الله في الأمم السابقة، وأيام العرب حروبها ووقائعها، وقيل: ذكرهم ببلائه ونعمائه، وانظر شرح يوم في الآية رقم [٣] من سورة (هود) ﵇ تجد ما يسرك. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: من التذكير بما ذكر. ﴿لَآياتٍ:﴾ لعظات، وعبرة. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ:﴾ فهما صيغتا مبالغة بمعنى: كثير الصبر، وكثير الشكر، وإنهما خصهما الله بالاعتبار بالآيات، وإن كان فيها عبرة لجميع الناس؛ لأنهما هما اللذان ينتفعان بها دون غيرهما، فهو كقوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ؛﴾ لأن الانتفاع بالآيات لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابرا شاكرا، أما من لم يكن كذلك؛ فلا ينتفع بها البتة. بعد هذا انظر الصبر في الآية رقم [١١٥] من سورة (هود) ﵇، والآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد)، وانظر الشكر في الآية رقم [٧] الآتية، وانظر تذكير موسى لقومه في الآية رقم [٦١] من سورة (الكهف).","vol":"5","page":10},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من موسى، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير؛ لأن معنى الإرسال القول، أو هي مصدرية. ﴿أَخْرِجْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿قَوْمَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل أخرج. ﴿إِلَى النُّورِ:﴾ متعلقان به أيضا، وجملة: ﴿أَخْرِجْ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار ﴿أَنْ﴾ تفسيرية، وتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: «بأن أخرج» على اعتبارها مصدرية، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿(ذَكِّرْهُمْ):﴾ أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَنْ أَخْرِجْ..﴾. إلخ ﴿بِأَيّامِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(أيام): مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾ حرف جر.\n ﴿ذلِكَ:﴾ (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بفي، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب اسم ﴿أَنْ﴾ مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿لَآياتٍ:﴾\nاللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿أَنْ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة آيات، و(كلّ): مضاف، و﴿صَبّارٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿شَكُورٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر قبلها لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1756\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ أي: واذكر وقت قال موسى لقومه مذكرا لهم بنعم الله عليهم.\n ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ فسر النعمة هنا بالإنجاء من كيد فرعون، واستعباده لهم، وفسرها في الآية رقم [٢٢] من سورة (المائدة) بجعل الأنبياء فيهم كثيرين، وبجعلهم ملوكا، وبإيتائهم ما لم يؤت أحدا من العالمين، وهذا كله كان بعد أن أنجاهم الله من هيمنة فرعون عليهم واستعباده لهم، فالفرق واضح بين النعمتين، وما في هذه الآية يضارع الآية رقم [٤٩] من سورة (البقرة) و[١٤١] من","vol":"5","page":11},{"text":"سورة (الأعراف). ﴿إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ:﴾ يذيقونكم. وقيل: معناه: يديمون تعذيبكم. ﴿سُوءَ الْعَذابِ:﴾ أشده وأفظعه، وإن كان كله سيئا؛ لأنه أقبح بالإضافة إلى سائره.\nو﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ أي: الذكور. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ:﴾ يتركون بناتكم أحياء.\nوسبب ذلك: أنّ فرعون رأى في منامه رؤيا أفزعته، فعبرها له الكهنة بأن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون ذهاب ملك فرعون على يده. ﴿بَلاءٌ:﴾ اختبار وامتحان، ويكون في الخير والشر، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ فيمتحن الله تعالى بالخير؛ ليشكروا، وبالشر؛ ليصبروا، وقال ابن كيسان: أبلاه وبلاه في الخير والشر، وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر بلوته، وفي الاختبار: ابتليته، وبلوته. قاله النحاس. واسم الإشارة: ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى الإنجاء، وهو خير محبوب، ويجوز أن يكون إشارة إلى الذبح، وهو شر مكروه.\nهذا؛ وموسى في الأصل (موشى) بالشين مركبا من اسمين: الماء والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: «مو»، والشجر يقال له: «شا» فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر لمّا ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و(القصص)، وموسى هو ابن عمران بن قاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ قال الجمل: قال المسعودي:\nولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال:\nالفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي دهاء، ومكر، وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر وكسرى، لملكي الفرس والروم، وكان فرعون موسى ﵇ مصعب بن ريان، وقيل: هو ابن مصعب، واسمه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف ﵇: هو الريان بن الوليد، وقد رأيت: أنه قد أسلم على يد يوسف، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة.\nهذا والسوء كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي، أو أخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ وقيل: إن السوأى تأنيث الأسوأ، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، والسوء أيضا: العمل السيئ، وأطلق عليه ذلك؛ لأنه يسوء صاحبه، ويغمه عند مجازاته به في الدنيا وفي الآخرة. و﴿بَلاءٌ:﴾\nأصله: (بلاو) فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، وأصل أبناء: (أبناو) وأصل نساء: (نساي) فإعلالهما مثل إعلال: ﴿(بَلاءٌ)﴾ بلا فارق.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(إِذْ):﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وجملة: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ في محل جر بإضافة ﴿(إِذْ)﴾ إليها. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ أمر مبني على حذف","vol":"5","page":12},{"text":"النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿نِعْمَةَ اللهِ،﴾ أو بمحذوف حال منه، وجملة: ﴿اُذْكُرُوا..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق ب: ﴿نِعْمَةَ اللهِ،﴾ أو هو بدل منها بدل اشتمال، وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿نِعْمَةَ اللهِ﴾.\n ﴿أَنْجاكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والكاف مفعول به. ﴿مِنْ آلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿آلِ:﴾ مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.\n ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله الأول، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ضمير المخاطبين، أو من آل فرعون، والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط. ﴿سُوءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ إذ الأصل: العذاب السوء، وجملة:\n ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها، ومثلها جملة:\n ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾. ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(فِي):﴾ حرف جر. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب ﴿(فِي)،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم في الجميع حرف دال على جمع المذكر. ﴿بَلاءٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَلاءٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة بلاء، والجملة الاسمية:\n ﴿وَفِي ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول موسى ﵇، وقيل: معطوفة على الجمل الفعلية قبلها، وقيل: محتملة للحالية.\nتنبيه: قال ﷾ في سورة (البقرة): ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بغير واو، وقال هنا: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بزيادة الواو، والسبب في ذلك: أن قوله ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ في سورة (البقرة) تفسير لقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، ودخول الواو هنا لبيان: أن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح، وبالتذبيح أيضا، فهو نوع من أنواع العذاب، فالواو للتنويع.\nتنبيه: تذبيح الصبيان وقلتهم بلاء ظاهر، وترك البنات أحياء بلاء من حيث أن الفراعنة كانوا يستخدمونهن كالإماء، بالإضافة لما يتبع ذلك من انتهاك أعراضهن، وامتهان شرفهن، فهو أكبر بلاء عند ذوي المروءات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n\n<span id=\"aya-1757\"></span>﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ:﴾ تأذن، وأذن بمعنى: أعلم، وأخبر. مثل، أوعد وتوعد، والثاني أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف والمبالغة. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي: لئن","vol":"5","page":13},{"text":"شكرتم إنعامي؛ لأزيدنكم من فضلي، وقال ابن عباس﵄أي: لئن شكرتم نعمتي؛ لأزيدنكم من طاعتي. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ:﴾ المراد بالكفر هنا جحود النعم؛ لأنه مذكور في مقابلة الشكر. ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ أي: عقابي الشديد لمن جحد نعمتي، وسمى سبحانه جحود النعمة كفرا؛ لأن معنى الكفر اللغوي: الستر، والتغطية كما رأيت في الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف) ﵇، فمن جحد النعمة كان بمنزلة من سترها، وغطاها. وجملة القول:\nإن شكر العبد لله على نعمه يعود على نفسه بالثواب العظيم، والنفع العميم، وعدم الشكر لا يضر الله شيئا، خذ قوله تعالى في سورة (النمل) حكاية عن قول سليمان ﵇:\n ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ وقوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\nفائدة: وعد الله ﷿ بالمزيد من النعم إن شكره العبد عليها، ولم يستثن، بينما استثنى في خمسة أشياء بعد الوعد فيها، فاستثنى الإغناء، فقال: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ﴾ وفي الإجابة، فقال: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ وفي الرزق، فقال: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وفي المغفرة، فقال: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ وفي التوبة، فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ ومعنى الاستثناء التعليق بالمشيئة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. ﴿(إِذْ):﴾ هي مثل ما قبلها في الآية السابقة. ﴿تَأَذَّنَ:﴾ ماض. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعل والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿(إِذْ)﴾ إليها.\n ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿شَكَرْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والمفعول محذوف، التقدير: شكرتموني، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أزيدنكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والنون حرف لا محل له، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: لأزيدنكم نعمة فوق نعمتكم، والجملة الفعلية هذه جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالقسم وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقال: لئن... إلخ، أو في محل نصب مفعول به ل: ﴿تَأَذَّنَ؛﴾ لأنه يجري مجرى قال. انتهى. بيضاوي. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ إعرابه مثل سابقه، وجواب القسم محذوف، التقدير: لأعذبنكم، دل عليه ما بعده،","vol":"5","page":14},{"text":"وإنما حذف هنا، وصرح به في جانب الوعد؛ لأن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد، ويعرّض بالوعيد. انتهى. بيضاوي. والكلام معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿عَذابِي:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم المصدر لفاعله. ﴿لَشَدِيدٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل لما قبلها. هذا؛ والكلام: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ..﴾. إلخ من كلام موسى ﵇ فهو في محل نصب مقول القول، وقيل: هو من قول الله تعالى، فيكون مستأنفا.\n\n<span id=\"aya-1758\"></span>﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ مُوسى﴾ أي: لقومه. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: من الإنس والجن وغيرهما، ﴿فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ:﴾ عن شكركم لنعمه، وغني عن إيمانكم وطاعتكم. ﴿حَمِيدٌ:﴾\nمستحق للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم، حيث حرمتموها مزيد الإنعام من فضله، وعرضتموها للعذاب الشديد.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(قالَ مُوسى):﴾ ماض وفاعله. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَكْفُرُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: بالله، والجملة الفعلية لا محل لها على نحو ما سبق.\n ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل في محل رفع توكيد لواو الجماعة. ﴿(مَنْ):﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على واو الجماعة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول.\n ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من واو الجماعة وما عطف عليها، فهي حال مؤكدة. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، والجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، التقدير: فلن تضروا الله شيئا؛ فتكون الجملة الاسمية تعليلا لهذا المحذوف، وهو كلام سديد، و(إن) الشرطية ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿(قالَ مُوسى...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية رقم [٦] فهي في محل جر مثلها.\n<span id=\"aya-1759\"></span>﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ:﴾ قال بعض المفسرين:\nيحتمل أن يكون هذا من كلام موسى لقومه حكاه الله عنه، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى","vol":"5","page":15},{"text":"ابتداء لنبينا ﷺ، والمخاطب بذلك كفار قريش، وانظر الكلام على الأقوام الثلاثة مفصلا في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) ﵇، والمقصود منه التذكير بأمر القرون الماضية، والأمم الخالية، وحصول العبرة، والعظة بأحوال من تقدم، وهلاكهم بسبب سوء أعمالهم.\n ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: الأقوام الثلاثة. ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ:﴾ لا يحصي عددهم، ولا يعرف نسبهم إلا الله تعالى، كما قال جل ذكره: ﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا﴾.\nوالنسابون في جميع العصور، وإن نسبوا إلى آدم؛ فلا يدّعون إحصاء جميع الأمم، وإنما ينسبون البعض، ويمسكون عن نسب البعض، وقد روي عن النبي ﷺ لما سمع النسابين ينسبون إلى معد بن عدنان، ثم زادوا، فقال: «كذب النسابون: إن الله يقول: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ»﴾.\nوقد روي عن عروة بن الزبير﵄-: أنه قال: ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل، وقال ابن عباس﵄بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون.\n ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ:﴾ بالدلالات الواضحات، والمعجزات الباهرات.\n ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ:﴾ عضوها غيظا مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسّلام، فيكون كقوله تعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ،﴾ أو وضعوا أيديهم على أفواههم تعجبا مما جاءت به الرسل، أو استهزاء عليه، كمن غلبه الضحك، أو هو إسكات للرسل، أي أشاروا بأيديهم إلى أفواههم: أن اسكتوا تكذيبا لهم، أو هو أمر لهم بإطباق الأفواه، وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم، وما نطقت به من قولهم: ﴿إِنّا كَفَرْنا﴾ إشارة على أن لا جواب لهم سواه، أو المعنى ردوا الأيدي في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التكلم، وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلا، وقيل: الأيدي بمعنى: الأيادي، أي أيادي الأنبياء، التي هي مواعظهم، وما، أوحي إليهم من الحكم والشرائع في أفواههم؛ لأنهم إذا كذبوا، ولم يقبلوا، فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه. هذا؛ وجمع ﴿أَفْواهِهِمْ﴾ على الأصل؛ لأن الأصل في فم: فوه، مثل حوض، وأحواض، وثوب، وأثواب.\nوانظر شرح اليد في الآية رقم [٥٠] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي: كفرنا بما تدعون، وتزعمون: أن الله أرسلكم به؛ لأنهم لم يعترفوا بأن الله أرسلهم ولو اعترفوا لكانوا مؤمنين. ﴿وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ﴾ أي: من التوحيد، وعبادة إله واحد، ونبذ عبادة الأصنام. ﴿مُرِيبٍ:﴾ موقع في الريبة.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. ﴿(لَمْ):﴾ حرف نفي وقلب وجزم.\n ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿(لَمْ)،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿نَبَؤُا:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمِ:﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ،﴾ بدل بعض من كل، و﴿قَوْمِ﴾ مضاف،","vol":"5","page":16},{"text":"و﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿(عادٍ):﴾ معطوف على ما قبله. ﴿(ثَمُودَ):﴾ معطوف أيضا مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وقيل: والتأنيث بدل العجمة. ﴿(الَّذِينَ):﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، لا: نافية. ﴿يَعْلَمُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة معترضة بين المفسر، وهو ﴿نَبَؤُا الَّذِينَ﴾ وتفسيره، وهو قوله: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ هذا وجه للإعراب، وقيل: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف على قوم نوح... الخ، أو على ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ وقوله: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ اعتراض كما ذكر، وهذان الوجهان ضعيفان؛ لأن قوله تعالى: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ لا يفسر نبأ الذين، وإنما الوجه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وعليه فالاعتراض واقع بين الحال وصاحبها. هذا، وأجاز أبو البقاء اعتبار ﴿(الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)﴾ بدلا من سابقه، وأجاز في الجملتين الفعليتين بعده الحالية، والاستئناف، كما أجاز اعتبار ﴿(الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ خبره، أو حال من الاستقرار، وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ﴾ الخبر، ويعني خبرا ثانيا على اعتبار الأولى خبرا، أو خبرا واحدا على اعتبار الأولى حالا. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾\nماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقد رأيت الأقوال في محل الجملة الفعلية. (ردّوا):\nماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿فِي أَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة: (ردّوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كَفَرْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، وتقدير القرطبي المصدرية لا وجه له البتة، وجملة: ﴿كَفَرْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا إِنّا..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، والكلام ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ يحتمل أن يكون من كلام موسى فهو في محل نصب مقول القول، ومستأنف على احتماله مبتدأ من كلام الله تعالى. (إنا): مثل سابقتها.\n ﴿لَفِي﴾ اللام: هي المزحلقة. (في شكّ) متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِمّا:﴾ متعلقان ب: ﴿شَكٍّ؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَدْعُونَنا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، و(نا):\nمفعوله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُرِيبٍ:﴾ صفة ثانية ل: ﴿شَكٍّ،﴾ وجملة: ﴿تَدْعُونَنا﴾","vol":"5","page":17},{"text":"إِلَيْهِ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (إلى)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا لَفِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1760\"></span>﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ أي: هل تشكون في الله؟ وهو لا يحتمل الشك لكثرة الأدلة. ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما ومخترعهما، ومنشئهما، وموجدهما بعد العدم لينبه على قدرته فلا تجوز العبادة إلا له. ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أي: إلى عبادته وطاعته، والإيمان بالرسل، والكتب، والملائكة، واليوم الآخر وغير ذلك. ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي:\nيدعوكم لما ذكر ليغفر لكم ذنوبكم، إن آمنتم وصدقتم. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى حين انقضاء آجالكم، فلا يعاجلكم بالعقوبة.\n ﴿قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أي: لستم إلا مثلنا في الهيئة والصورة، تأكلون مما نأكل، وتشربون مما نشرب، ولستم ملائكة، فلا فضل لكم علينا، فلم تخصون بالنبوة دوننا؟ ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من جنس أفضل. ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا:﴾ تمنعونا. ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أي: من الحجارة، والأوثان. ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجة واضحة على صحة دعواكم، وهذا جدال ومحال منهم، فإن الرسل ما دعوهم إلى الإيمان إلا وقد أيدهم الله بالمعجزات، ولكنهم لم يعتبروا ما جاءوا به من البينات الواضحة، والحجج الدامغة، واقترحوا عليهم آيات أخرى تعنتا، ولجاجا.\nالإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، وحذف متعلقه اكتفاء بذكره في الآية التالية. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفِي﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. ﴿(فِي اللهِ):﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَكٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿شَكٌّ﴾ فاعلا بالجار والمجرور لاعتمادهما على الاستفهام، وفي الحقيقة هو نائب فاعل بفعل محذوف، التقدير: أيوجد في الله شك، أو هو فاعل، التقدير: أيثبت في الله شك، وعليه فالجملة فعلية، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿فاطِرِ:﴾ بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿يَدْعُوكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة","vol":"5","page":18},{"text":"على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أيضا و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل (يغفر) أيضا، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض أي: يغفر بعض ذنوبكم، وعليه يقتصر الغفران على حقوق الله تعالى وحدها، وقيل: (من) زائدة، وهذا على مذهب الأخفش الذي يجيز زيادة من في الإيجاب وعليه فالغفران يشمل جميع الذنوب؛ لأن الإيمان يجبّ ما قبله، ويكون ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾ مفعولا به منصوبا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ:﴾\nمعطوف على (يغفر) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة أجل مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿قالُوا:﴾\nماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿مِثْلُنا:﴾ صفة بشر، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ أَنْتُمْ...﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿تُرِيدُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري ونصب.\n ﴿تَصُدُّونا:﴾ مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون... الخ، والواو فاعله، و(نا):\nمفعول به، و﴿إِنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تُرِيدُونَ..﴾.\nإلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ،﴾ وحمل على معناه؛ لأنه بمنزلة القوم والرهط. كقوله:\n ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا،﴾ أو هي في محل نصب حال من بشر بعد وصفه بما تقدم، وجوز فيها أن تكون مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب «عن»، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء كان يعبده آباؤنا، ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير الشأن محذوف. ﴿يَعْبُدُ:﴾ مضارع. ﴿آباؤُنا:﴾\nفاعله. و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وليس الكلام من باب التنازع؛ لأنه كان يجب أن تثبت واو الجماعة على إعمال أحد الفعلين في الاسم الظاهر، والإضمار في الآخر. ﴿فَأْتُونا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر.\n (ائتونا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل","vol":"5","page":19},{"text":"لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما تدعونه حقا؛ فأتونا. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-1761\"></span>﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: نحن كما قلتم بشر، لا ننكر ذلك، ولا نترفع عنه. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي: بالهداية للإيمان، والتوفيق للطاعة، ويصطفي للنبوة من يشاء من عباده لهذا المنصب العظيم الشريف، ويختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: ليس لنا مع ما خصنا الله به من النبوة، وشرفنا به من الرسالة أن نأتيكم بحجة، وبرهان، ومعجزة تدل على صدق دعوانا إلا بإذن الله، ومشيئته، وإرادته. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: فليعتمدوا عليه لا على غيره، فهو الذي يحفظهم، ويرد عنهم كيد أعدائهم، وفحواه: أننا نتوكل على الله في معاندتكم، ومعاداتكم. عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا، وهو ما يفيده الآية التالية.\nالإعراب: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ:﴾ انظر الإعراب في الآية السابقة. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي.\n ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾\nخبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة بشر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو:\nحرف عطف. ﴿(لكِنَّ):﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَمُنُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿يَمُنُّ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿يَشاءُ﴾ صفة ﴿يَمُنُّ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، و﴿يَمُنُّ﴾ بيان لما أبهم في ﴿يَمُنُّ،﴾ والجملة الفعلية:\n ﴿يَمُنُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (لكنّ) والجملة الاسمية: ﴿(لكِنَّ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية.\n ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَأْتِيَكُمْ﴾ في محل رفع اسمها مؤخرا. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير:","vol":"5","page":20},{"text":"إلا مأذونا لنا. هذا؛ وأجاز أبو البقاء ومكي اعتبار المصدر المؤول في محل رفع اسم ﴿كانَ،﴾ و﴿بِإِذْنِ﴾ متعلقين بمحذوف خبرها، وعليه يكون ﴿لَنا﴾ متعلقين ب: ﴿كانَ،﴾ و﴿بِإِذْنِ﴾ مضاف، و﴿اللهَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿(ما كانَ لَنا...)﴾ إلخ مستأنفة، وهي من مقول الرسل كما هو واضح. الواو: فيما أرى زائدة. ﴿وَعَلَى اللهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل بعدهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الزائدة، والواو عاطفة.\n (ليتوكل): مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في مثلها:\nدخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى هنا: إن اعتدى أحد علينا؛ فنحن نتوكل على الله، وعلى هذا فالواو ليست زائدة، وإنما هي عاطفة جملة شرطية على الكلام السابق، وتكون الفاء هي الفصيحة، ولا يخفى ما فيه من التكلف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1762\"></span>﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ﴾ أي: أيّ عذر لنا في ترك التوكل على الله، وعدم الاعتماد عليه. ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ أي: وقد دلنا على الطرق التي نعرفه بها، ونعلم أن كل شيء بمشيئته وإرادته، وبيّن لنا الطرق التي توصل إلى رحمته، وتنجي من سخطه ونقمته.\n ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ أي: والله لنصبرن على أذاكم قولا كان، أو فعلا. وعلى الله، ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: عليه فليعتمد المعتمدون: وليفوضوا شئونهم وأمورهم إليه، وليستسلموا لحكمه وقضائه وقدره، فهو الذي يكفيهم، ويدفع عنهم شر أعدائهم؛ إن توكلوا واعتمدوا عليه.\nهذا؛ وفي الآية التفات بالنسبة لما قبلها، وذلك من الغيبة إلى التكلم، وانظر الالتفات في الآية رقم [٤١] من سورة (الرعد)، وانظر التوكل في الآية رقم [٦٧] من سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nتنبيه: قال الخازن: فإن قلت: كيف كرر الأمر بالتوكل، وهل من فرق بين التوكلين؟ قلت:\nنعم التوكل الأول فيه إشارة إلى استحداث التوكل، والتوكل الثاني، فيه إشارة إلى السعي في التثبيت على ما استحدثوا من توكلهم، وإبقائه وإدامته، فحصل الفرق بين التوكلين.\nالإعراب: ﴿وَما﴾ الواو: حرف استئناف، (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبره. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿نَتَوَكَّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» والفاعل مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المصدرية والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في عدم التوكل، أو في ترك التوكل، والجار والمجرور متعلقان","vol":"5","page":21},{"text":"بمحذوف حال من (نا) والعامل الاستفهام لما فيه من معنى الفعل. ﴿وَقَدْ﴾ الواو: واو الحال.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿هَدانا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ و(نا): مفعول به أول. ﴿سُبُلَنا:﴾ مفعول به ثان، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿(قَدْ هَدانا...)﴾ إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة، والجملة الاسمية: ﴿(ما لَنا...)﴾ إلخ مستأنفة، وهي من مقول الرسل. ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالله، اللام:\nواقعة في جواب القسم، (نصبرن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه من مقول الرسل أيضا. وانظر سورة (الرعد) [٣٢] ﴿عَلَى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾\nمصدرية، ﴿آذَيْتُمُونا:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و(نا): مفعول به، وما والفاعل في تأويل مصدر في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، انظر الشرح. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: على الذي آذيتمونا به، وانظر إعراب مثل: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-1763\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ..﴾. إلخ: حلف كفار الأمم السابقة على أحد أمرين مهدّدين لرسلهم: إما إخراجهم من بلدهم وأرضهم، أو عودهم إلى دينهم وطريقتهم، وهو يوهم بظاهره: أن الرسل كانوا على دين أقوامهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها، وهذا محال في حق الرسل عليهم الصلاة والسّلام؛ لأنهم من أول نشأتهم نشئوا على التوحيد، وهو بمعنى: الصيرورة هنا؛ إذ المعنى: لتصيرن في ملتنا، وهذا التعبير مستعمل في كلام العرب، وفيه تأويل آخر، وهو أن الرسل قبل الرسالة لم يظهروا خلاف أممهم، فلما أرسلوا إليهم أظهروا مخالفتهم، ودعوهم إلى الله، فقالوا لهم: لتعودن في ملتنا ظنا منهم: أنهم كانوا على ملتهم، ثم خالفوهم، وقد تقدم مثل هذا في الآية رقم [٨٧] من سورة (الأعراف). ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ:﴾\nفأخبرهم ربهم بعد هذه المخاطبات، والمحاورات. ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ أي: الكافرين.\nهذا وأصل ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ لتعودننّ فحذفت نون الرفع لتوالي النونات، فصار: لتعودون فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على الدال دليلا عليها.","vol":"5","page":22},{"text":"تنبيه: كثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم وكيف نكّل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب، والتعبير عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين... إلخ ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرائم من ظلم، واعتداء، وفسوق، وإسراف، وغير ذلك من الأعمال التي يبغضها الله ورسوله.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِرُسُلِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿(قالَ)﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نخرجنكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿(قالَ الَّذِينَ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ أَرْضِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، أو اسمه، والنون حرف لا محل لها، والجملة الفعلية المعطوفة على ما قبلها. ﴿فِي مِلَّتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف خبره. و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَوْحى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أوحى): ماض. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وإعراب ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ مثل إعراب ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ،﴾ والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أو في محل نصب مفعول به ل: (أوحى) إجراء له مجرى ﴿(قالَ)،﴾ وجملة: (أوحى...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1764\"></span>﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ:﴾ الخطاب للرسل، والمراد بالأرض: أرض الكفرة، وديارهم، وقد حقق الله ذلك للرسل؛ حيث أهلك أقوامهم، وأورثهم أرضهم، كما قال تعالى:","vol":"5","page":23},{"text":"﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾ هذا وقرئ: «(ليهلكن)» «(وليسكننكم)» بالياء اعتبارا لأوحى. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الموحى به، وهو إهلاك الظالمين، وإسكان المؤمنين مع المرسلين. ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ أي: موقفي، وهو الموقف الذي يقيم فيه العباد للحساب يوم القيامة. أو المعنى: خاف قيامي عليه، ومراقبتي له، وحفظي لأعماله. والمقام:\nمصدر كالقيام، يقال: قام قياما، ومقاما، والمقام أيضا: مكان الإقامة، وبالضم فعل الإقامة.\nوأصله: (مقوم) بفتح الميم، أو ضمها، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل؛ وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. ﴿وَخافَ وَعِيدِ﴾ أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار، بعد هذا انظر «الخوف» في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد)، وانظر «الوعد والوعيد» في الآية رقم [٣١] منها.\nالإعراب: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ:﴾ انظر إعراب ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ﴾ في الآية السابقة، والكاف مفعول به أول. ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشّام)، ويجب أن نلاحظ هنا أن الفعل متعد بالهمزة إلى الثاني، فعومل معاملة المفعول الواحد؛ إذا كان الفعل ثلاثيا، أي غير متعد بالهمزة. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ على ما فيها من اعتبارات. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، وجملة: ﴿خافَ مَقامِي﴾ صلة من، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿(خافَ...)﴾ إلخ معطوفة عليها.\n ﴿وَعِيدِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومثله قل في:\n ﴿مَقامِي﴾ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1765\"></span>﴿وَاِسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي: واستنصروا، أي: أذن للرسل في الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم، قاله ابن عباس﵄في رواية عنه، وبه قال مجاهد، وقتادة.","vol":"5","page":24},{"text":"وفي رواية أخرى عن ابن أبي عباس، وبه قال ابن زيد وغيره: استفتحت الأمم بالدعاء، كما قالت قريش: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال)، وقيل: إن الرسل والأمم استفتحوا، فالرسول كان يقول: «إنهم كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحا» كما في الآية رقم [٨٩] من سورة (الأعراف)، والأمم كانت تقول: إن كان هؤلاء صادقين؛ فعذبنا، نظيره قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾.\n ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: خسر، وهلك، والخيبة: قطع الأمل من الشيء المرغوب فيه، والمطلوب تحصيله. ﴿جَبّارٍ:﴾ المتكبر الذي لا يرى لأحد حقا عليه، بل يرى نفسه فوق كل الناس. ﴿عَنِيدٍ:﴾ المعاند للحق، المجانب له، والعنيد والعنود والعاند: المعاند للحق، والمخالف له، وفعله يأتي من الباب الأول والثاني، والرابع، والخامس، والمصدر عندا، وعنودا، وعندا وهو مأخوذ من العند، وهو الناحية، أي أخذ في ناحيته معرضا، قال الشاعر: [الرجز]\nإذا نزلت فاجعلوني وسطا... إنّي كبير لا أطيق العندا\nوالعنيد والجبار لفظان مترادفان بمعنى: واحد، وإن اللفظ مختلف.\nتنبيه: ذكرت في كتابي فتح القريب المجيب الشاهد [٧٤] أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك، كان خليفة، وكان خليعا فاسقا، متهتكا مولعا بالرذائل والمفاسد، جبارا عنيدا، لاهيا عن تدبير أمور الرعية، وأحوال الخلافة، وقد فتح المصحف مستفتحا، فوافق ذلك قوله تعالى:\n ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ..﴾. إلخ فمزقه بيديه، وأنشد: [الوافر]\nأتوعد كلّ جبّار عنيد... فها أنا ذاك جبّار عنيد\nإذا ما جئت ربّك يوم حشر... فقل يا ربّ مزّقني الوليد\nفلم يلبث أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم على سور بلده، ومزقه الله شرّ ممزّق ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾.\nالإعراب: (استفتحوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، وقرئ بصيغة الأمر، عطفا على جملة: ﴿لَنُهْلِكَنَّ..﴾. إلخ فيكون موجها إلى الرسل خاصة، وإذنا لهم بالدعاء على أقوامهم.\n (خاب): ماض. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، و﴿كُلُّ﴾ مضاف، و﴿جَبّارٍ﴾ مضاف إليه، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: كل شخص جبار، ﴿عَنِيدٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هو بدل من جبار على الترادف، وجملة: ﴿(خابَ...)﴾ إلخ معطوفة على جملة محذوفة، أي فنصر الرسل وسعدوا، وربحوا، وخاب... إلخ.","vol":"5","page":25},{"text":"<span id=\"aya-1766\"></span>﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ أي: من أمام الجبار العنيد، وانظر الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇ تجد ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿جَهَنَّمُ﴾ أي: فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها في الآخرة، وقيل: المعنى من وراء حياة الجبار العنيد جهنم. ﴿وَيُسْقى﴾ أي: الجبار العنيد. ﴿مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ أي: مثل الصديد، كما يقال للرجل الشجاع: أسد؛ أي:\nمثل الأسد، وهو تمثيل وتشبيه، وقيل: هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم، وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة، والزواني، وانظر الآية التالية.\nالإعراب: ﴿مِنْ وَرائِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثالثة للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ فاعل بالجار والمجرور لاعتمادهما على الموصوف، وفي الحقيقة نائب فاعل لفعل مقدر؛ أي: يوجد من ورائه جهنم. هذا؛ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و﴿جَهَنَّمُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة للموصوف المحذوف، أو حال منه على نحو ما تقدم. ﴿وَيُسْقى:﴾ الواو: حرف عطف.\n (يسقى): مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل يعود إلى الشخص الجبار، وهو المفعول الأول. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿صَدِيدٍ:﴾ عطف بيان، أو بدل من ﴿ماءٍ،﴾ وقيل: هو نعت ل: ﴿ماءٍ،﴾ كما تقول: هذا خاتم حديد، والبصريون لا يجيزون عطف البيان في النكرات، وأجازه الكوفيون، وتبعهم الفارسي، وهو بصري. وجملة: ﴿(يُسْقى...)﴾ إلخ معطوفة على الصفة قبلها، فهو عطف جملة فعلية على مثلها على الإعراب الأول في: ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ وعطف جملة فعلية على اسمية على الإعراب الثاني، وقيل: الجملة معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: يلقى فيها، ويسقى، فيكون المحل للمقدرة، وجملة: ﴿(يُسْقى...)﴾ إلخ تابعة لها.\n<span id=\"aya-1767\"></span>﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتحسى الجبار العنيد الماء الصديد، ويشربه لا بمرة واحدة، بل يبتلعه جرعة بعد جرعة لمرارته، وكراهته، وحرارته، ونتنه، فعن أبي أمامة﵁عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: «يقرّب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه، قطّع أمعاءه حتى تخرج من دبره».","vol":"5","page":26},{"text":"يقول الله: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ» خرجه الترمذي، وقال: حديث غريب. انتهى. قرطبي.\n ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ:﴾ ولا يقارب أن يبتلعه، فكيف تكون الإساغة، فهو كقوله تعالى:\n ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقرب من رؤيتها، فكيف يراها؟! وساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا إذا كان سلسا سهلا، وقيل: ﴿يَكادُ﴾ صلة؛ أي: يسيغه بعد إبطاء. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ أي: يأتيه أسباب الموت من كل جهة، عن يمينه وشماله، ومن فوقه، وتحته، ومن قدامه، وخلفه. وقيل: إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكل به نوع من العذاب، لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة: إما حية تنهشه، أو عقرب تلدغه، أو نار تسفعه، أو قيد برجليه، أو غل في عنقه، أو سلسلة يقرن بها، أو تابوت يكون فيه، أو زقوم، أو حميم، أو غير ذلك من أنواع العذاب.\n ﴿وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ أي: لا يموت، فيستريح، وقال ابن جريح: تعلق روحه في حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، فتنفعه الحياة، ونظيره قوله تعالى:\n ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ وقال الشاعر: [الطويل]\nألا من لنفس لا تموت فينقضي... شقاها، ولا تحيا حياة لها طعم\n ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: شديد متواصل الآلام من غير فتور.\nبعد هذا؛ فالموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح، أما الميت والميتة بفتح الميم وسكون الياء فيهما، فهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات، وأما المشدد فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى:\n ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ،﴾ وجمعه موتى، قال الإمام علي-كرم الله وجهه-: [البسيط]\nففز بعلم، ولا تجهل به أبدا... فالنّاس موتى، وأهل العلم أحياء\nهذا وقد قال بعض الأدباء في الفرق بين المشدد والمخفف: [الطويل]\nأيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل\nفمن كان ذا روح، فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل\nهذا هو الأصل الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان كما في قول ابن الرعلاء الغساني: [الخفيف]\nليس من مات فاستراح بميت... إنّما الميت ميّت الأحياء\nإنما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء","vol":"5","page":27},{"text":"أقول: ومن هذا ما في الآية رقم [٢٧] من سورة (آل عمران)، وما في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام) حيث استعمل المشدد فيهما لفاقد الحياة والروح، كما هو واضح فيهما. هذا؛ ولا تنس: أن أصل ميت المشدد (ميوت)؛ لأنه من: مات يموت، فقل في إعلاله: اجتمعت الياء والواو: وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال سيّد، وهيّن، وصيّب، ونحو ذلك، وانظر شرح (كاد) في الآية رقم [١١٧] من سورة (التوبة) أو الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء)، والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿يَتَجَرَّعُهُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى «الجبار العنيد» والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿ماءٍ،﴾ أو هي في محل نصب حال من نائب فاعل ﴿(يُسْقى)،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَكادُ:﴾ مضارع ناقص، واسمه يعود إلى الجبار، وجملة: ﴿يُسِيغُهُ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. (يأتيه): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَوْتُ،﴾ و﴿كُلِّ:﴾\nمضاف، و﴿مَكانٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿(يَأْتِيهِ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾\nالواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسمها. ﴿بِمَيِّتٍ﴾ الباء: حرف جر صلة. (ميت): خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) مهملة؛ فالباء تكون زائدة في خبر المبتدأ، وعلى الاعتبارين فالجملة اسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، ﴿وَمِنْ وَرائِهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿غَلِيظٌ:﴾\nصفة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1768\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: صفة الذين كفروا بربهم التي هي مثل في الغرابة، ووقوع المثل بمعنى: الصفة موجود في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ وأنكر أبو علي الفارسي وقوع المثل بمعنى: الصفة، وقال: معناه الشبه، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه، ومتصرفاته، كقولك: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شبهك،","vol":"5","page":28},{"text":"وقال الفراء: المثل مقحم للتوكيد. ﴿كَرَمادٍ:﴾ هو ما يسقط من الحطب والفحم بعد إحراقه بالنار. ﴿اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: فنسفته، وطيرته، ولم تبق منه شيئا. ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ:﴾ وصف اليوم بالعصوف، والعصوف من صفة الريح؛ لأن الريح تكون فيه، كقولك: يوم بارد، ويوم حار، وليلة ماطرة؛ لأن الحر والبرد والمطر توجد فيهما وهذا يسمى بالمجاز العقلي، وقيل:\nمعناه في يوم عاصف الريح؛ لأنه قد تقدم ذكرها.\n ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ:﴾ المعنى: أنهم لا يجدون ثوابا في الآخرة للأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا، وأملوا نفعا من ورائها. ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: ذلك هو الخسران الكبير؛ أي: لأن أعمالهم ضلت، وهلكت، فلا يرجى عودها، وإنما جعله الله كبيرا بعيدا لعدم استدراكه بالموت وضياعه، وانظر الآية رقم [٣] هذا ومثل هذه الآية في بيان ضياع أعمال الكافر قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٩] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا..﴾. إلخ وقوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٣]:\n ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾.\nتنبيه: في الآية الكريمة التشبيه التمثيلي بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ وهو ما انتزع من متعدد، فالمشبه مركب من الذين كفروا، وأعمالهم الصالحة التي يقومون بها في حياتهم، والمشبه به مركب من الرماد، واشتداد الريح، واليوم العاصف، وجه الشبه أن الريح العاصف تطير الرماد، وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى له أثر، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لا تنفعهم فتيلا.\nتنبيه: في الآية الكريمة مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي لم ينتفعوا بها، ووجه المشابهة بين هذا المثل، وبين هذه الأعمال هو أن الريح العاصف تطير الرماد، وتفرق أجزاءه حيث لا يبقى منه شيء، وكذلك أعمال الكفار تبطل وتذهب بسبب كفرهم حتى لا يبقى منها شيء. وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٥٥] وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (هود) ﵇ تجد فيهما الدواء الشافي لقلبك، والغذاء الكافي لروحك.\nالإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، اختلف في خبره، فقال سيبويه: محذوف، التقدير: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وقال الخليل: خبره جملة: ﴿أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ﴾ أي: صفة الذين كفروا بربهم أعمالهم... إلخ كقولك: قولي: يقوم زيد. وانظر الشرح. وقال الفراء: المثل مقحم للتأكيد، والمعنى: الذين كفروا بربهم أعمالهم... إلخ. والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل، وانظر الآية رقم [٣٥] من سورة (الرعد)، و﴿مَثَلُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾\nمبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كَرَمادٍ:﴾ متعلقان بمحذوف","vol":"5","page":29},{"text":"خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما فهي الخبر، وتكون مضافة و(رماد) مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ﴾ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، وهذان الاعتباران إنما هما على رأي: سيبويه، وهي في محل رفع خبر المبتدأ على رأي: الخليل والفراء، مع اختلاف تقديرهما، وقيل: ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ بدل اشتمال من ﴿مَثَلُ،﴾ و﴿كَرَمادٍ﴾ الخبر.\n ﴿اِشْتَدَّتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به. ﴿الرِّيحُ:﴾ فاعله. ﴿فِي يَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عاصِفٍ:﴾ صفة يوم، وانظر الشرح، وقرئ بإضافة يوم إلى عاصف بدون تنوين، وجملة: ﴿اِشْتَدَّتْ..﴾. إلخ في محل جر صفة رماد. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَقْدِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من شيء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي كسبوه، أو من شيء كسبوه، وعلى اعتبار (ما): مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بمن، التقدير: من كسبهم، واعتبارها موصوفة ضعيف معنى. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الضَّلالُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿الضَّلالُ﴾ خبر ذلك، ﴿الْبَعِيدُ:﴾ صفة الضلال، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1769\"></span><span id=\"aya-1770\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته، وقيل: لكل واحد على التلوين. انتهى. بيضاوي. والرؤية هنا قلبية؛ لأن المعنى: ألم تنظر بعين البصيرة إلى خلق السموات والأرض. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ بالحكمة البالغة، والوجه الذي يحق أن يخلق عليه، وقرئ:\n «(خالق)». ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ:﴾ يعدمكم، ويهلككم أيها الناس. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ:﴾ أفضل وأطوع منكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ والمعنى: إن الذي قدر على خلق السموات والأرض قادر على إفناء قوم وإماتتهم، وإيجاد خلق سواهم؛ لأن القادر لا يصعب عليه شيء. ﴿وَما ذلِكَ﴾ أي: الاستبدال المذكور. ﴿عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي:","vol":"5","page":30},{"text":"بمتعذر، أو متعسر، فإن الله قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن كان هذا شأنه كان جديرا بأن يؤمن به ويعبد، رجاء لثوابه، وخوفا من عقابه، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ و٨٩].\nالإعراب: ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَرَ:﴾\nمضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾\nاسمها. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الله. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل خلق، أو هما متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: خلقا ملتبسا بالحق، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿تَرَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُذْهِبْكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿أَنَّ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (يأت): مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِخَلْقٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به.\n ﴿جَدِيدٍ:﴾ صفة خلق، هذا؛ ويجوز في العربية نصب (يأت) ورفعه، وهذا على القاعدة: «إذا عطف مضارع بالواو، أو بالفاء على جواب الشرط يجوز رفعه ونصبه وجزمه». قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز]\nوالفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا، أو الواو بتثليث قمن\nولم أجد من قرأ بنصب الفعل، أو جزمه، وقد قرئ بالرفع والنصب والجزم في الآية رقم [٢٨٤] من سورة (البقرة). ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِعَزِيزٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة.\n (عزيز): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) مهملة فالباء زائدة في خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقيل: معطوفة على ما قبلها، أو في محل نصب حال، ولا وجه له البتة.","vol":"5","page":31},{"text":"<span id=\"aya-1771\"></span>﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعًا﴾ أي: برز الكفار من قبورهم يوم القيامة للحساب والجزاء، والبروز: الظهور، ومعنى ﴿لِلّهِ﴾ أي: لأجل أمر الله إياهم بالبروز، وهذا يكون بعد النفخة الثانية، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾. فقال الضعفاء: أي: الأتباع.\n ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن الإيمان في الدنيا، وهم القادة، والرؤساء. ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: تابعين لكم في تكذيب الرسل، وتبع يجوز أن يكون مصدرا، على حذف مضاف؛ أي:\nذوي تبع، ويجوز أن يكون جمع تابع، مثل راصد، ورصد، وباقر، وبقر، وخادم، وخدم.\n ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا:﴾ دافعون عنا، يقال: أغنى عنه: إذا دفع عنه الأذى. وأغناه: إذا، أوصل إليه النفع. ﴿مِنْ عَذابِ اللهِ﴾ أي: الذي سيحل بنا بسبب كفرنا، وضلالنا.\nقالوا: أي: القادة والسادة مجيبين للضعفاء. ﴿لَوْ هَدانَا اللهُ﴾ أي: للإيمان واتباع الرسل.\n ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ أي: ولكن ضللنا سواء السبيل، فأضللناكم، وقيل: المعنى: لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ أي: مستو علينا الصبر والجزع، والجزع أبلغ من الحزن؛ لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده، ويقطعه، والجزع عدم الصبر، أما الحزن فقد يكون معه الصبر؛ لذا كان الحزن مباحا، والجزع محرما مذموما. ﴿ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي:\nمن مهرب وملجأ، ولا منجى مما نحن فيه. هذا؛ ويجوز أن يكون مصدرا كالمغيب، والمشيب، وأن يكون اسم مكان كالمبيت والمصيف. هذا؛ وانظر شرح: ﴿سَواءٌ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الرعد).\nتنبيه: قال محمد بن كعب القرظي﵁-: بلغني: أن أهل النار يستغيثون بالخزنة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ﴾ فردت عليهم الخزنة: ﴿قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى﴾ فردت الخزنة: ﴿فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي: في ضياع، فلما يئسوا مما عند الخزنة ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ سألوا الموت، فلا يجيبهم ثمانين سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ فلما يئسوا مما عنده، قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنصبر كما صبر أهل الطاعة لعل ذلك ينفعنا، فصبروا، وطال صبرهم، فلم ينفعهم، وجزعوا، فلم ينفعهم، فعند ذلك قالوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا..﴾.\nإلخ. انتهى. خازن.","vol":"5","page":32},{"text":"تنبيه: الأفعال: (برزوا)، (قال)، (قالوا). في هذه الآية، والأفعال: (قال)، (قضي) في الآية التالية، والفعل: (أدخل) في الآية التالية لها أيضا كلها بلفظ الماضي، وهي تنص على شيء يقع في المستقبل، بلا ريب، والتعبير بالأفعال الماضية بدل الأفعال المستقبلة، إنما هو لتحقق وقوع ما يذكر، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، مثل قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ والمراد بأمر الله الحشر، والنشر... إلخ، وهذا الاستعمال، إنما هو فن من فنون البلاغة، ألا فليتنبه العالمون.\nالإعراب: ﴿وَبَرَزُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (برزوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من واو الجماعة، فيها معنى التأكيد. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال الضعفاء): ماض وفاعله. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿(قالَ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما على اعتباره مصدرا، أو اسم فاعل، وقيل: متعلقان بمحذوف حال منه، كان نعتا له\nإلخ ﴿تَبَعًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُغْنُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَنّا:﴾ متعلقان ب: ﴿مُغْنُونَ﴾. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان به أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف حال مما بعدهما على مثال ما سبق، و﴿عَذابِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به لاسم الفاعل ﴿مُغْنُونَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأجاز أبو البقاء أن يكون شيء واقعا موقع المصدر؛ أي: غناء، فيكون ﴿مِنْ عَذابِ﴾ متعلقين ب: ﴿مُغْنُونَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول الضعفاء. تأمل.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿هَدانَا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و(نا): مفعول به أول، والثاني محذوف، تقديره: للإيمان. ﴿اللهِ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿هَدانَا اللهُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَهَدَيْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعول به أول، والثاني محذوف، التقدير: لهديناكم إليه، واللام واقعة في جواب ﴿لَوْ،﴾ والجملة الفعلية جواب","vol":"5","page":33},{"text":"﴿لَوْ﴾ لا محل لها. و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. وجملة: (قالوا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان ب: ﴿سَواءٌ﴾. ﴿أَجَزِعْنا:﴾\nالهمزة: حرف استفهام، وتسوية. (جزعنا): فعل وفاعل، وهمزة التسوية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿صَبَرْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية هذه مؤولة بمصدر، ومعطوف على سابقه، وتقدير الكلام: جزعنا، وصبرنا سواء. هذا؛ وجوز اعتبار سواء مبتدأ، والمصدر المؤول خبرا عنه، والأول أقوى لأن سواء نكرة، كما ترى، ولا مسوغ لوقوعه مبتدأ، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿مَحِيصٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ حجازية تعمل عمل «ليس» والإعراب لا يتغير كثيرا، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-1772\"></span>﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ:﴾ يعني لما فرغ منه، وانتهى الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيجتمع أهل النار على إبليس اللعين، ويأخذون في لومه، وتقريعه، وتوبيخه، فيقوم فيهم خطيبا، ويقول لهم: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ يعني:\nالبعث، والجنة، والنار، وثواب المطيع، وعقاب العاصي، فصدقكم وعده. ﴿وَوَعَدْتُكُمْ:﴾ أن لا بعث، ولا جنة، ولا نار، ولا ثواب، ولا عقاب، ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ أي: فقد جعل تبين خلف وعده كالإخلاف منه. ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ:﴾ تسلط، وقهر، فألجئكم إلى الكفر، والمعاصي. أو المعنى: لم آتكم بحجة على ما وعدتكم به، وزينته لكم في الدنيا، وانظر التوسع في شرح: ﴿سُلْطانٍ﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (النحل).\n ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ أي: إلا دعائي إياكم إلى الكفر، والمعاصي بتسويلي، وتزييني، وهو ليس من باب القهر والجبر. ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أي: أسرعتم إلى إجابتي. ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ أي: على وسوستي؛ لأنكم عرفتم عداوتي لكم، ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ حيث سارعتم إلى طاعتي، وخالفتم، أوامر ربكم، وكان الواجب أن لا تلفتوا إلي، ولا تسمعوا قولي، فلما رجحتم قولي، ووسوستي على","vol":"5","page":34},{"text":"الدلائل الظاهرة، كان اللوم بكم أولى بإجابتي ومتابعتي من غير حجة ولا برهان. ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي: بمغيثكم من العذاب، ومنقذكم منه. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ:﴾ بمغيثي ومنقذي، والصارخ، والمستصرخ: هو الذي يطلب النصرة والمعاونة، والمصرخ: هو المغيث، قال سلامة بن جندل: [البسيط]\nكنّا إذا ما أتانا صارخ فزع... كان الصّراخ له قرع الظّنابيب\nالظنابيب جمع ظنبوب، وهو حرف الساق اليابس من قدم، وقال أمية بن أبي الصلت: [الطويل]\nولا تجزعوا إنّي لكم غير مصرخ... وليس لكم عندي غناء ولا نصر\n ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كفرت بجعلكم إياي شريكا لله في عبادته، وتبرأت من ذلك، والمعنى: تنصل إبليس ممن تبعوه في الدنيا. ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾\nيحتمل أن يكون من تتمة كلام الشيطان، أو ابتداء كلام من الله تعالى، وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين، وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم، ويتدبروا عواقبهم.\nروى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر﵁عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة:\n «فيقول عيسى: هل أدلكم على النبيّ الأميّ؟ فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم فيثور من مجلسي أطيب ريح شمّها أحد حتّى آتي ربّي، فيشفّعني، ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظهر قدمي، ثمّ يقول الكفار: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس الذي أضلّنا، فيأتونه، فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فإنك أنت أضللتنا، فيقوم، فيثور من مجلسه أنتن ريح شمّها أحد، ثمّ تعظم جهنّم، ويقول عند ذلك: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ..﴾. إلخ». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨] من سورة (مريم) ﵍، فإنه جيد.\nتنبيه: ﴿بِمُصْرِخِيَّ:﴾ أصله بمصرخين لي، فحذفت اللام الجارة، ثم حذفت النون للإضافة على قاعدة جمع المذكر السالم، ثم أدغمت ياء الجمع بياء المتكلم؛ لأن الأولى ساكنة، والثانية متحركة، ثم حركت الياء الثانية بالفتحة طلبا للخفة، وتخلصا من توالي ثلاث كسرات، وقرئ بكسر الياء على أصل التخلص من التقاء الساكنين، أو إتباعا لكسرة الخاء. وجاء في حديث بدء الوحي «أو مخرجيّ هم؟». ولكن هنا أصله: أو مخرجون لي هم. فقلبت الواو ياء، ثم حصل الإدغام بعد حذف اللام الجارة، وحذف النون. تأمل. ولمكي كلام طويل في ذلك لا طائل تحته.\nتنبيه: لعلك تدرك معي أن بين الآية الكريمة والحديث الشريف تعارضا، بل إن هذا التعارض موجود في الحديث ذاته، فقول الشيطان المذكور إنما هو بعد إدخال أهل الجنة الجنة، وإدخال أهل النار النار، والفراغ من الحكم بين العباد، والحديث الشريف نص في الشفاعة العظمى بدليل قول عيسى ﵊: هل أدلكم على النبي، وإني إزاء هذا التعارض","vol":"5","page":35},{"text":"أقف مكتوف الأيدي، لا أحير جوابا، فمن كان عنده جواب فليتفضل بإرساله إلينا مشكورا، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ:﴾ ماض وفاعله. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (قال). ﴿قُضِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْأَمْرُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿وَعَدَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَعْدَ:﴾ مفعول مطلق، وهو مضاف، و﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف للصفة، وانظر تقدير الجملة المحذوفة في الشرح، وهي: (فصدقكم). وقول القرطبي: هو إضافة الشيء إلى نفسه، كقولهم: مسجد الجامع لا وجه له، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿(قالَ...)﴾ إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿(وَعَدْتُكُمْ):﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على خبر (إن)، وكذلك جملة: (أخلفتكم) معطوفة عليها أيضا. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لِي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بسلطان، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف، ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ:﴾ اسم كان مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد-: ﴿إِلاّ:﴾\nأداة استثناء منقطع. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ حرف مصدري ونصب يؤول مع الفعل بعده بمصدر في محل نصب على الاستثناء، التقدير: إلا دعائي إياكم. ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (استجبتم): فعل وفاعل. ﴿لِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء:\nهي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَلُومُونِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا منكم فلا... إلخ. (لوموا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا:﴾ نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مصرخكم):\nخبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق، وهي معطوفة عليها.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿كَفَرْتُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل","vol":"5","page":36},{"text":"قبلهما. ﴿أَشْرَكْتُمُونِ:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما)، على اعتبارها موصولة، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:\nكفرت بالذي أشركتمونيه، وهو الله تعالى بطاعتكم إياي، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، التقدير: كفرت بإشراككم إياي. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل (أشركتم) على اعتبار (ما) مصدرية، ومتعلقان بالفعل ﴿كَفَرْتُ﴾ على اعتبار (ما) موصولة، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿كَفَرْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مع الكلام قبلها في محل نصب مقول القول. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسمها منصوب وعلامة نصبه... إلخ. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿الشَّيْطانُ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر ﴿الشَّيْطانُ،﴾ فيكون ﴿عَذابٌ﴾ فاعلا، بمتعلقهما. هذا؛ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول على اعتبارها من مقول الشيطان، ومستأنفة على اعتبارها من مقول الله تعالى. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1773\"></span>﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: لما شرح الله حال الكفار الأشقياء بما تقدم من الآيات الكثيرة شرح أحوال السعداء، وما أعد لهم في الآخرة من الثواب العظيم، والأجر الجزيل؛ إذ اقتضت حكمة الله ورحمته أن لا يذكر التكذيب من الكافرين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان، إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا.\n ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ:﴾ بأمره، وفضله، وإنعامه، وهذا يدل على أنهم لا يدخلون الجنة بعملهم إلا بعد إذنه تعالى وتكرمه عليهم، وقد تقدم معنا كثير من ذلك، وانظر الاحتراس في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿وَأُدْخِلَ:﴾ الواو: حرف استئناف، (أدخل): ماض مبني للمجهول، وقرئ «(وأدخل)» بضم اللام على أنه مضارع مرفوع فيكون فاعله مستترا تقديره: «أنا». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، أو في محل نصب مفعول به، وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿جَنّاتٍ:﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض","vol":"5","page":37},{"text":"النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام. بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام». ويجب أن تلاحظ هنا أن الفعل متعد بالهمزة إلى الثاني، فعومل معاملة المفعول الواحد إذا كان الفعل ثلاثيا؛ أي: غير متعد بالهمزة، وعلامة نصب ﴿جَنّاتٍ﴾ الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾.\n ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الموصول منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ ﴿بِإِذْنِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال ثانية من واو الجماعة؛ أي: مأذونا لهم، و(إذن): مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾\nمضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وأجيز تعليق ﴿بِإِذْنِ﴾ بالفعل (أدخل)، كما أجيز تعليقهما ب ﴿خالِدِينَ،﴾ وجملة: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَحِيَّتُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله حسب ما تراه في الشرح.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالمصدر (تحية). ﴿سَلامٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها حالا من ﴿الَّذِينَ،﴾ وهي حال مقدرة، أو حال من المضمر في ﴿خالِدِينَ،﴾ فلا تكون حالا مقدرة، وأجيز أن تكون في موضع نصب صفة جنات. انتهى.\nمكي. وينبغي أن تعلم أن الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة نحو قوله تعالى: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا،﴾ وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ،﴾ وحال محكية: وهي الماضية، نحو جاء زيد أمس راكبا.\nهذا وقد قال أيضا: ونصب ﴿جَنّاتٍ﴾ على حذف الجر، وهو نادر لا يقاس عليه، تقول:\nدخلت الدار، وأدخلت زيدا الدار، تريد: في الدار، والدليل على أن دخلت لا يتعدى أن نقيضه لا يتعدى، وهو خرجت، وكل فعل لا يتعدى نقيضه لا يتعدى هو. انتهى، مكي، ولكن ما ذكرته أولا هو المشهور عن سيبويه وغيره، فليتأمل. هذا وقد أجاز أبو البقاء عطف جملة:\n ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ..﴾. إلخ بالبناء للمجهول على جملة: (برزوا)، أو على جملة: ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ..﴾. إلخ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1774\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته، وقيل: لكل واحد على التلوين.\nوالرؤية هنا قلبية؛ لأن المعنى: ألم تنظر أيها الإنسان بعين البصيرة إلى ضرب هذا المثل؟!","vol":"5","page":38},{"text":"ومعنى ضرب مثلا: وضعه، ووصفه، وبينه. هذا؛ والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة ليتبين أحدهما من الآخر، ويصوره، وقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر.\nهذا؛ ومثل بفتح الميم والثاء يأتي بمعنى: الصفة، كما رأيت في الآية رقم [١٨] وأيضا الآية رقم [٣٥] من سورة (الرعد). هذا؛ وهو بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله مثيل بمعنى: شبه وشبيه، فهو اسم متوغل في الإبهام، لا يتعرف بإضافته إلى الضمير، ولا إلى غيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وتستعمل على ثلاثة، أوجه: الأول بمعنى: التشبيه كما رأيت، كقوله تعالى: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ،﴾ والثاني بمعنى:\nنفس الشيء وذاته كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم؛ حيث قال: المعنى ليس كذاته شيء، والثالث زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم به.\nهذا والمثل بفتح الميم والثاء هو: القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه؛ أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن ألفاظ الأمثال لا تغير، تذكيرا وتأنيثا، إفرادا وتثنية وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم يطلبه بعد فواته. هذا؛ ويجمع مثل بكل معانيه على أمثال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾.\n ﴿كَلِمَةً:﴾ فيها ثلاث لغات؛ الأولى: كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم كنبق، والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة: كلمة على وزن تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى كلم كسدر، والثانية كلم كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو كبد وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ وشهد، وهي-أي: الكلمة-في الأصل: قول مفرد، مثل: محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله:\n ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] وقال النبي ﷺ: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل]\nألا كلّ شيء-ما خلا الله-باطل... وكلّ نعيم-لا محالة-زائل\nالمراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان كلمة، والمراد بها كلام كثير، وهو شائع ومستعمل عربية في القديم والحديث، وانظر شرح الكلام في الآية رقم [٥٤] من سورة","vol":"5","page":39},{"text":"(يوسف) ﵇، بعد هذا فالمراد بالكلمة كلمة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهي كلمة الإيمان، والمراد بالشجرة شجرة النخل، وبه قال ابن عباس، وابن مسعود، وأنس، ومجاهد وعكرمة، والضحاك﵃ أجمعين-.\nعن عبد الله بن عمر﵄قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فقال: «أخبروني عن شجرة شبه الرجل؟». أو قال: «كالرجل المسلم لا يتحاتّ ورقها، تؤتي أكلها كلّ حين؟». قال ابن عمر: فوقع في نفسي: أنها النخلة، ورأيت أبا بكر، وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلّم، فلما لم يقولوا شيئا، قال رسول الله ﷺ: «هي النخلة». قال: فلمّا قمنا قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد وقع في نفسي أنها النخلة! فقال: ما منعك أن تتكلم؟! قلت: فلم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلّم، أو أقول شيئا. فقال عمر: لأن تكون قلتها أحبّ إليّ من كذا وكذا-. متفق عليه. انتهى. خازن.\nوعن أنس﵁عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ مثل الإيمان كمثل شجرة ثابتة، الإيمان عروقها، والصّلاة أصلها، والزّكاة فروعها، والصّيام أغصانها، والتّأذّي في الله نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكفّ عن محارم الله ثمرتها». انتهى. قرطبي. وعنه ﷺ: «مثل المؤمن كالنخلة، إن صاحبته نفعك، وإن جالسته نفعك، وإن شاورته نفعك، كالنخلة كلّ شيء منها ينتفع به، وقال: كلوا من عمّتكم». يعني النخلة. ويروى عنه ﷺ أنه قال: «أكرموا عمّاتكم النخل فإنّهنّ المطعمات في المحل».\n ﴿أَصْلُها ثابِتٌ﴾ أي: جذورها متشعبة في الأرض وثابتة وقوية، وكذلك الإيمان في قلب المؤمن ثابت وراسخ. ﴿وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ أي: فروعها باسقة ومرتفعة إلى أعلى، وكذلك الإيمان، كما ستعرفه في الآية التالية.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر الآية رقم [١٩] ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من ﴿مَثَلًا﴾ تقدم عليه، وعلى العامل. التقدير: ألم تر ضرب الله مثلا حال كونه مسئولا عن حاله من غرابته وإحكامه وغير ذلك. والاستفهام معلق للفعل قبله عن العمل لفظا.\n ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا:﴾ ماض وفاعله ومفعوله. ﴿كَلِمَةً:﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾. ﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة ﴿كَلِمَةً:﴾ ﴿كَشَجَرَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿كَلِمَةً،﴾ وهذا على اعتبار ﴿ضَرَبَ﴾ متعديا لمفعول واحد، وقد رأيت شرحه ومعناه، فإن كان بمعنى: صير، فهو متعد لاثنين:\n ﴿كَلِمَةً﴾ المفعول الأول و﴿مَثَلًا﴾ المفعول الثاني تقدم على الأول، بمعنى: جعلها مثلا، وعلى هذا ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي كشجرة طيبة، كما قاله ابن عطية، وأجازه الزمخشري، ولكنه بدأ بالأول. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. والجملة: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل قبلها، وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":40},{"text":"﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة شجرة. ﴿أَصْلُها:﴾ مبتدأ، وها: في محل جر بالإضافة. ﴿ثابِتٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: (شجرة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، (فرعها): مبتدأ، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-1775\"></span>﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿تُؤْتِي..﴾. إلخ: تعطي النخلة ثمرها كل وقت بأمر ربها. هذا؛ والحين في اللغة:\nالوقت، يطلق على القليل والكثير، واختلفوا في مقداره هنا، فقال مجاهد وعكرمة: الحين هنا سنة كاملة؛ لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة واحدة. وقال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن: ستة أشهر، يعني من وقت طلعها إلى حين انصرامها. وروي ذلك عن ابن عباس أيضا. وقال علي بن أبي طالب: ثمانية أشهر، يعني أن مدة حملها باطنا وظاهرا ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر، من حين ظهور حملها إلى إدراكها. وقال سعيد بن المسيب: شهران، يعني من وقت أن يؤكل منها إلى صرامها. وقال الربيع بن أنس: ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ يعني غدوة وعشية؛ لأن ثمر النخل يؤكل أبدا، ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، فيؤكل منها الجمار والطلع، والبلح والبسر، والمنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب، فأكلها دائم في كل وقت. وهذا القول هو الجدير بالاعتبار، انتهى. خازن، وكذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها.\nقال الجلال: كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن، وعمله يصعد إلى السماء، ويناله بركته وثوابه كل وقت. انتهى. والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة؛ لأن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء:\nتصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. وفحوى الآيتين: أن فيهما التشبيه التمثيلي، وهو المنتزع من متعدد، وهو ما رأيت شرحه. ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ:﴾ لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير، وتصوير للمعاني، وتقريب لها من الحس.\n ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ لعلهم يتعظون، فيعتبرون. هذا وفي قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ مجاز عقلي؛ لأن النخلة لا تؤتي الأكل، وإنما يأتي به الله تعالى.\nالإعراب: ﴿تُؤْتِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى الشجرة. ﴿أُكُلَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة.\n ﴿كُلَّ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿تُؤْتِي،﴾ و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿حِينٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِإِذْنِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(إذن) مضاف، و﴿رَبِّها﴾","vol":"5","page":41},{"text":"مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، و(ها): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿تُؤْتِي..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية ل: (شجرة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، والاستئناف ممكن. تأمل. ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ:﴾\nمضارع وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل لضرب الأمثال، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد). تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1776\"></span>﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ:﴾ المراد به كلمة الشرك. ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ:﴾ المراد بها شجرة الحنظل، قاله أنس بن مالك، ومجاهد، وفي رواية عن ابن عباس﵄-: أنها الثوم.\n ﴿اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ:﴾ اقتلعت من أصلها. ﴿ما لَها مِنْ قَرارٍ:﴾ يعني ما لهذه الشجرة من ثبات في الأرض؛ لأنها ليس لها أصل ثابت في الأرض، ولا فرع صاعد في السماء، كذلك الكافر لا خير فيه، ولا يصعد له قول طيب، ولا عمل صالح، ولا لاعتقاده أصل ثابت، فهذا وجه تمثيل الكافر بهذه الشجرة الخبيثة، وهذا هو التشبيه التمثيلي الذي رأيت مثله في الآية السابقة.\nفعن أنس بن مالك﵁قال: أتي رسول الله ﷺ بقناع عليه رطب، فقال:\n ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ قال: هي النّخلة. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ قال: هي الحنظلة». أخرجه الترمذي مرفوعا، وموقوفا، وقال: الموقوف أصح.\nالإعراب: ﴿وَمَثَلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (مثل): مبتدأ، ومثل مضاف، و﴿كَلِمَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَبِيثَةٍ:﴾ صفة كلمة. ﴿كَشَجَرَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿خَبِيثَةٍ:﴾ صفة (شجرة). ﴿اُجْتُثَّتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى شجرة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (شجرة)، أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿مِنْ فَوْقِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿فَوْقِ﴾ مضاف، و﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرارٍ:﴾\nمبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ حجازية، والإعراب واضح عليه، والجملة الاسمية على الاعتبارين تصلح لأن تكون صفة ثانية ل: (شجرة)، وأن تكون حالا من نائب الفاعل، والجملة الاسمية: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":42},{"text":"<span id=\"aya-1777\"></span>﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ أي: الذي ثبت بالحجة عندهم، وتمكن من قلوبهم. ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ فلا يزلون إذا افتتنوا في دينهم كزكريا، ويحيى، وجرجيس، وشمعون، والذين فتنهم أصحاب الأخدود، وكالسحرة الذين صلبهم فرعون، ويلحق بهم من أوذوا، أو فتنوا من المسلمين، وعذبوا في الله كعمار بن ياسر، وأبيه، وبلال، وصهيب وغيرهم. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: في القبر حين يسألهم الملكان عن ربهم، ودينهم، ونبيهم، فيجيبون بالصواب. ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ أي: الكفار، فلا يهتدون للجواب بالصواب، بل يقولون: لا ندري. ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ:﴾ يعني من التوفيق، والخذلان، والهداية، والإضلال، والتثبيت، وعدمه، لا اعتراض عليه في جميع أفعاله، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد)، وانظر ما ذكرته من التعبير عن الكافرين بالظالمين ونحوه في الآية رقم [١٣].\nتنبيه: كثير من المفسرين يقولون: إن المراد بقوله تعالى: ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ سؤال القبر، والمراد بقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يوم القيامة عند البعث والحساب، وأرى أن التفسير الأول أولى الأمور؛ الأول: أن معنى الحياة لا يكون لمن دفن تحت الأرض وفارق الدنيا. الثاني: أن كل من خرجت روحه من جسده قد انتقل من دار إلى دار، ومن حال إلى حال، والدار الثانية غير الأولى، والحال الثانية غير الأولى، وهو واضح بداهة. الثالث: قد ورد أن كل من مات فقد قامت قيامته، وانقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو غير ذلك. الرابع: لم يثبت أن ابن آدم يسأل بعد البعث والحشر من ربك ومن نبيك... إلخ، والذي ثبت أنه يسأل في القبر بعد الدفن، والأحاديث الشريفة كثيرة في هذا المعنى، وهي كلها مشفوعة بالآية الكريمة التي الكلام فيها أكتفي بما يلي:\nعن أنس بن مالك﵁أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ العبد إذا وضع في قبره، وتولّى عنه أصحابه، وإنّه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا عنه، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان له:\nما كنت تقول في هذا الرّجل محمّد؟ فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنّه عبد الله ورسوله، فيقال له:\nانظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبيّ ﷺ: فيراهما جميعا، وأمّا الكافر، أو المنافق، فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلاّ الثّقلين».\nرواه البخاري، واللفظ له، ومسلم.","vol":"5","page":43},{"text":"قال القرطبي: وقيل: إن سبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي ﷺ لما وصف مساءلة منكر ونكير، وما يكون من جواب الميت قال عمر﵁-: يا رسول الله! أيكون معي عقلي؟ قال: «نعم». قال: كفيت إذا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nالإعراب: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ:﴾ مضارع وفاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿بِالْقَوْلِ:﴾ متعلقان بالفعل يثبت. ﴿الثّابِتِ:﴾ صفة القول. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُثَبِّتُ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وبعضهم يعتبره مضافا إليه، والأول أولى. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿يُثَبِّتُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَيُضِلُّ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة أيضا. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي، أو شيئا يشاؤه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يفعل مشيئته. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1778\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [١٩] و[٢٤] ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا﴾ أي:\nجعلوا بدل نعمة الله عليهم الكفر بأن وضعوه مكانها، فإنهم لما كفروها؛ سلبت منهم، فصاروا تاركين لها، محصلين الكفر مكانها، كأهل مكة، خلقهم الله تعالى، وأسكنهم حرمه، وجعلهم قوام بيته، ووسع عليهم أبواب رزقه، وشرفهم بمحمد ﷺ، فكفروا ذلك، فقحطوا سبع سنين، وأسروا، وقتلوا يوم بدر، وصيروا أذلاء، فصاروا مسلوبي النعمة، موصوفين بالكفر. وقال علي، وعمر﵄-: نزلت في الأفجرين من قريش: بني مخزوم، وبني أمية، فأما بنو أمية؛ فمتعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم؛ فأهلكوا يوم بدر. وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه حين لطم الفزاري، فجعل عمر له القصاص بمثلها، فلم يرض، وأنف، فارتد متنصرا، ولحق بالروم في جماعة من قومه، ولما حضرته الوفاة ندم، فقال: [الطويل]\nتنصّرت الأشراف من عار لطمة... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر\nتكنّفني منها لجاج ونخوة... وبعت لها العين الصّحيحة بالعور\nفيا ليتني أرعى المخاض ببلدة... ولم أنكر القول الذي قاله عمر","vol":"5","page":44},{"text":"أقول: يبعد أن تكون الآية نزلت في هؤلاء؛ لأن ما فعله جبلة وأصحابه كان في خلافة الفاروق﵁وإن كان حكمها ومعناها ينطبقان عليهم، وعلى من حذا حذوهم إلى يوم القيامة. ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ:﴾ أنزلوهم. ﴿دارَ الْبَوارِ:﴾ دار الهلاك، وهي جهنم. والبوار:\nالهلاك، وفي المصباح: بار الشيء يبور بورا بالضم: هلك، وبار الشيء بوارا: كسد على الاستعارة؛ لأنه إذا ترك؛ صار غير منتفع به، فأشبه الهالك من هذا الوجه، وأرض بور: لم تزرع، وبور جمع: بائر، قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ورجل بائر: فاسد، لا خير فيه، وفي الأساس: فلان له نوره، وعليك بوره. أي: هلاكه، ونزلت بوار على الكفار؛ أي: هلاك.\nومن المجازات: بارت البياعات: كسدت، وسوق بائرة، وبارت الأيم: إذا لم يرغب فيها، وكان الرسول ﷺ يتعوذ من بوار الأيم، وبارت الأرض: إذا لم تزرع، وأرض بوار، وأرضون بور.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر الآية رقم [١٩] ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وهذا يفيد أن الرؤية بصرية لا قلبية، ﴿بَدَّلُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به أول، و﴿نِعْمَتَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿كُفْرًا:﴾ مفعول به ثان وقيل العكس؛ أي: ﴿كُفْرًا﴾ هو المفعول الأول، و﴿نِعْمَتَ﴾ هو المفعول الثاني، والمعنى لا يؤيده، وجملة: ﴿بَدَّلُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿(أَحَلُّوا...)﴾ إلخ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح و﴿دارَ﴾ مضاف، و﴿الْبَوارِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-1779\"></span>﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿جَهَنَّمَ:﴾ واد من أودية النار، أو المراد بها النار جميعها. ﴿يَصْلَوْنَها:﴾\nيحترقون فيها، ويقاسون حرها، وشدائدها، وفي المصباح صلي بالنّار، وصليها صليا من باب تعب: وجد حرها. ﴿وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ أي: المستقر، والمقر، وانظر شرح: ﴿وَبِئْسَ﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿جَهَنَّمَ:﴾ بدل، أو عطف بيان، أو تفسير ل: ﴿دارَ الْبَوارِ،﴾ أو هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: يصلون جهنم، فعلى الأول لا يجوز الوقف على ﴿دارَ الْبَوارِ،﴾ وعلى الثاني يجوز الوقف، بل ويحسن. هذا؛ ولو رفع ﴿جَهَنَّمَ﴾ رافع بإضمار على معنى: هي جهنم، أو باعتباره مبتدأ، والجملة بعده خبره لجاز، ولكني لم أجد من قرأ به.\n ﴿يَصْلَوْنَها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿جَهَنَّمَ،﴾ أو من ﴿قَوْمَهُمْ﴾","vol":"5","page":45},{"text":"وهي مفسرة لا محل لها على اعتبار جهنم منصوبا بفعل محذوف. (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿الْقَرارُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذمومة هي، وجملة:\n ﴿وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: حالية، ولا وجه له البتة؛ لأنها إنشائية.\n\n<span id=\"aya-1780\"></span>﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا﴾ أي: اخترع، وابتدع الكفار، والمشركون أمثالا، وأشباها من الحجارة ونحوها يعبدونها من دون الله، وليس لله ندّ، ولا شبيه، ولا مثيل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا! وأنداد جمع: ند، وهو المقاوم، والمضاهي، سواء أكان مثلا، أو ضدا، أو خلافا.\nوقيل: هو الضد. وقيل: هو الكفء، والمثل. ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: ليضلوا الناس عن طريق الهدى ودين الحق، وسبيل الله: هو دينه، وشرعه الذي أوحاه إلى محمد ﷺ، وانظر شرح: ﴿سَبِيلِي﴾ في الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) ﵇. هذا؛ وقرئ الفعل بفتح الياء، فيكون المعنى ليضلوا هم، فتكون اللام لام العاقبة؛ أي: لتكون عاقبتهم إلى الضلال.\n ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، ويعم كل عاقل من شأنه أن يخاطب الكفار، والمجرمين بما يلي: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أي: بدنياكم قليلا، أو بعبادتكم الأوثان، أو اتباع الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع فيها، وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به. ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ أي: مردكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا فالنار: أصلها النّور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين والفاسقين من أبناء المسلمين، والفعل نار ينور، يستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. هذا وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر).\nالإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(جَعَلُوا:)﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَنْدادًا﴾. ﴿أَنْدادًا:﴾ مفعول به.\n ﴿لِيُضِلُّوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، أو العاقبة وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة وجملة: ﴿(جَعَلُوا...)﴾ إلخ معطوفة على جملة: ﴿(أَحَلُّوا...)﴾ إلخ، أو هي مستأنفة،","vol":"5","page":46},{"text":"لا محل لها على الاعتبارين. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره «أنت». ﴿تَمَتَّعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة. الفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿مَصِيرَكُمْ:﴾\nاسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1781\"></span>﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ أمر موجه لسيد الأنام ﷺ، ويعم كل عاقل من شأنه أن يعظ وينصح الناس. ﴿لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ خصهم بالذكر، وشرفهم بالإضافة تنويها بشأنهم، وتنبيها على أنهم المقيمون لحقوق العبودية. ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ أي: ولا خلة، وهي المودة والصداقة.\n ﴿لِعِبادِيَ:﴾ يقرأ بفتح ياء المتكلم وسكونها، قراءتان سبعيتان، ويجريان في خمس مواضع من القرآن الكريم. هذا؛ وقوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ وقوله تعالى في سورة (سبأ): ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر): ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ والمراد ب: ﴿يَوْمٌ﴾ يوم القيامة.\nهذا والخلال: المخالة والمصادقة، والخلة: الصداقة، وما ذكرته يعني: أن الخلال مفرد، وفي القرطبي: أنه جمع خلة مثل قلة وقلال، والخليل: الصديق الذي صفت مودته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك، كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضبي: [الوافر]\nأخوك أخوك من يدنو وترجو... مودّته، وإن دعي استجابا\nإذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا\nوهو معدوم في هذا الزمن الذي فسد أهله، وصاروا خلّا، ودودا، كما قال القائل: [الوافر]\nسألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا النّاس من خلّ ودود\nفقلت أليس فيهم ذو وفاء؟ ... فقالوا كان ذلك في الجدود","vol":"5","page":47},{"text":"احفظ البيتين، ولا تنس: ما فيهما من الجناس التام، لذا فإنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال القائل: [الكامل]\nقد قيل: إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي\nوقال الآخر: [الوافر]\nسألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا: ما إلى هذا سبيل\nتمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل\nومما هو جدير بالذكر: أن كل صداقة لا تكون على أساس من التقوى تنقلب عداوة في الدنيا والآخرة، خذ قوله تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس في الآية رقم [٢٢] من هذه السورة وفي سورة (ق).\nقال الخازن: فإن قلت: كيف نفى الخلة في هذه الآية، وفي الآية رقم [٢٥٤] من سورة (البقرة)، وأثبتها في الآية رقم [٦٧] من سورة (الزخرف)، وهي ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ..﴾. إلخ قلت:\nالآية الدالة على نفي الخلة (أي: نفي نفعها) محمولة على نفي الخلة الحاصلة بسبب ميل الطبيعة ورعونة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثبوتها (أي: ثبوت نفعها) محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة الله، ألا تراه أثبتها للمتقين فقط، ونفاها عن غيرهم. وقيل: إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة، ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خليله، وفي بعضها يتعاطف الأخلاء، بعضهم على بعض إذا كانت المخالة لله وفي محبته. انتهى.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره «أنت». ﴿لِعِبادِيَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة عبادي، أو بدل منه، أو عطف بيان عليه، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يُقِيمُوا:﴾ قال أبو البقاء: فيه ثلاثة، أوجه: أحدها: هو جواب قل، وتقدير الكلام: إن تقل لهم يقيموا، قاله الأخفش، ورده قوم، قالوا: لأن قول الرسول لهم، لا يوجب أن يقيموا، وهذا عندي لا يبطل قوله؛ لأنه لم يرد بالعباد الكفار، بل المؤمنين، وإذا قال الرسول لهم: أقيموا الصلاة أقاموها، ويدل على ذلك قوله: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والقول الثاني حكي عن المبرد، وهو أن التقدير: قل لهم: أقيموا يقيموا، فيقيموا المصرح به جواب أقيموا المحذوف، حكاه جماعة، ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد لوجهين:\nأحدهما: أن جواب الشرط يخالف الشرط، إما في الفعل، أو في الفاعل، أو فيهما، فأما إذا كان مثله في الفعل والفاعل فهو خطأ، كقولك: قم تقم، والتقدير على ما ذكر في هذا الوجه","vol":"5","page":48},{"text":"إن يقيموا يقيموا، والوجه الثاني: أن الأمر المقدر للمواجهة، و﴿يُقِيمُوا﴾ على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدا، والقول الثالث: أنه مجزوم بلام محذوفة، تقديره: ليقيموا، فهو أمر مستأنف، وجاز حذف اللام لدلالة قل على الأمر، وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها مكي باختصار، وذكرها ابن هشام في مغنيه بإطناب. انظر الشواهد من [٤٠٨] إلى [٤١٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا ويشبه هذه الآية في تركيبها وإعرابها الآية رقم [٣٠] من سورة (النور)، والفعل ﴿يُقِيمُوا﴾ مجزوم على الوجوه المذكورة، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي في محل نصب مقول القول على حسب الوجوه المعتبرة فيها.\n ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به. (ينفقوا): معطوف على ما قبله مجزوم مثله، وعلامة جزمهما حذف النون؛ لأنهما من الأفعال الخمسة، والواو فاعلهما، والألف للتفريق ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ انظر الإعراب مفصلا في الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد). ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل ينفقوا، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿لا:﴾ نافية حجازية تعمل عمل ليس، أو هي مهملة لا عمل لها، وهو الأقوى؛ لأنها تكررت. ﴿بَيْعٌ:﴾ اسم ﴿لا،﴾ أو هو مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ أو بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿يَوْمٌ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿خِلالٌ:﴾\nمعطوف على بيع. هذا؛ وقد قرئ في الآية رقم [٢٥٣] من سورة (البقرة) برفع ﴿بَيْعٌ،﴾ وبنائه على الفتح، انظر الآية وأوجه الإعراب فيها، ولم أعثر هنا على قراءة بغير الرفع.\n\n<span id=\"aya-1782\"></span>﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق.\n ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أي: من السحاب، سمي السحاب سماء لارتفاعه، مشتق من السمو، وهو الارتفاع. وقيل: إن المطر ينزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض.\n ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بذلك الماء. ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ الثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجرة، وقد يقع على الزرع أيضا بدليل قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ:﴾ ذلك السفن الجارية في أعماق البحار لمنافع الناس، حيث تسير من بلد إلى آخر، فهي من تمام نعمة الله على عباده. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ أي: ذللها لكم لتنتفعوا منها في الشرب منها، وسقي الزروع، والثمرات، ولما","vol":"5","page":49},{"text":"كان ماء البحر المالح لا ينتفع به في سقي الزروع والثمار ولا في الشراب؛ ذكر الله نعمته على عباده في تسخير الأنهار العذبة لأجل هذه الحاجة.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره.\n ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. (أنزل): ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: (أنزل...) إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَأَخْرَجَ..﴾. إلخ معطوفة عليها أيضا. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ متعلقان بالفعل (أخرج)، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿رِزْقًا،﴾ كما علق ﴿مِنَ السَّماءِ،﴾ والأول: أقوى. ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول لأجله على اعتبار ﴿مِنَ﴾ للتبعيض وتعليقها بالفعل، ومفعول به على اعتبار ﴿مِنَ﴾ للبيان وتعليقها بمحذوف حال كما رأيت، وأجيز اعتبار ﴿رِزْقًا﴾ مفعولا مطلقا لأن (أخرج) بمعنى: رزق. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿رِزْقًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، واللام في الموضعين للملك، وجملة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿لِتَجْرِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الْفُلْكَ﴾ و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (سخر). ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾\nمتعلقان به أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1783\"></span>﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ:﴾ يجريان في فلكهما؛ أي: محلهما ومقرهما، وهو السماء الرابعة للشمس، وسماء الدنيا للقمر. هذا؛ والدأب: العادة المستمرة على حالة واحدة، ودأب في السير: داوم عليه، والمعنى: أن الله تعالى سخر الشمس والقمر يجريان دائما فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران إلى آخر الدهر. وقيل: يدأبان في سيرهما وتأثيرهما في إزاحة الظلمة، وإصلاح النبات والحيوان؛ لأن الشمس سلطان النهار، وبها تعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل، وبه يعرف انقضاء الشهور، وكل ذلك بتسخير الله ﷿، وإنعامه على عباده. انتهى. خازن بتصرف. وانظر الآية رقم [٥] من سورة (يونس) ﵇.","vol":"5","page":50},{"text":"﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ:﴾ لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء النهار. ﴿وَالنَّهارَ﴾ أي: لتبتغوا فيه من فضله معاشكم بالسعي له، قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. هذا؛ وإن الليل والنهار يتعاقبان في الضياء والظلمة، والزيادة والنقصان، وذلك من إنعام الله على عباده، وفيه عبرة لأولي الألباب، كما قال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ وانظر شرحهما في الآية رقم [٦٧] من سورة (يونس) ﵇، وانظر دأبا في الآية رقم [٤٧] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَسَخَّرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سخر): ماض، والفاعل يعود إلى الموصول.\n ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الشَّمْسَ:﴾ مفعول به. (القمر): معطوف على ما قبله. ﴿دائِبَيْنِ:﴾\nحال من ﴿الشَّمْسَ﴾ و﴿وَالْقَمَرَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وغلب القمر؛ لأنه مذكر، والجملة الفعلية: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ:﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والجملة الثانية معطوفة عليها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1784\"></span>﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ:﴾ لما ذكر الله النعم العظام التي أنعم الله بها على عباده، وسخرها لهم وذكر ذلك في الآيتين السابقتين، بيّن في هذه: أنه سبحانه لم يقتصر على تلك النعم بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر، و﴿مِنْ﴾ الجارة معناها التبعيض، وأجيز في: ﴿ما﴾ الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وأيضا النفي، وعليه فالمعنى يكون: وآتاكم من كل ما سألتموه، ومن كل ما لم تسألوه، فحذف الثاني، فلم نسأله سبحانه شمسا ولا قمرا، ولا كثيرا من نعمه التي ابتدأنا بها. وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة؛ أي:\nأتاكم كل ما سألتموه. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ أي: نعم الله لا تحصوها؛ ولا تطيقوا عدها لكثرتها، كالسمع، والبصر، وتقويم الصور، إلى غير ذلك من المال، والولد، والعافية، وأضر هذه النعم لوجود كل مخلوق وحياته الماء، والهواء، وهما أرخص كل الأشياء.\nوأجل هذه النعم نعمة الإيمان لمن هداه الله، ووفقه له، وعمل بمقتضاه، وينبغي أن تعلم: أنّ الإنسان مهما عمل من الصالحات، وعبد الله تعالى لا يوفي حق أصغر هذه النعم، فعن أنس بن مالك﵁عن النبي ﷺ قال: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح؛ وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النّعم من الله عليه، فيقول الله ﷿ لأصغر نعمة، أحسبه قال: -في ديوان النّعم: خذي ثمنك من عمله الصّالح فتستوعب عمله الصالح، ثمّ تنحّى، وتقول: وعزّتك ما استوفيت! وتبقى الذنوب والنّعم، وقد ذهب العمل الصّالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا، قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيّئاتك-أحسبه قال: -","vol":"5","page":51},{"text":"ووهبت لك نعمي». رواه البزار. هذا وحديث الذي عبد الله خمسمائة سنة برأس جبل، وقال الله له: «أدخل الجنة برحمتي، فقال: بل بعملي مشهور مسطور في كتاب الترغيب والترهيب.\n ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ أي: جنس الإنسان، وهو يفيد الاستغراق.\nقال ابن عباس﵄أراد أبا جهل، والتعميم أولى. ﴿لَظَلُومٌ:﴾ شديد الظلم لغيره، بل ولنفسه حيث يعرضها لغضب الله وسخطه، والحرمان من رحمة الله وجوده وغفرانه.\n ﴿كَفّارٌ:﴾ شديد الكفران لنعم الله؛ أي: يجحدها، ولا يقوم بشكرها الواجب عليه. وقيل:\nظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع.\nالإعراب: ﴿وَآتاكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتاكم): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الذي، والكاف مفعول به أول. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان به على أنهما مفعوله الثاني، وقد رأيت: أن معنى ﴿مِنْ﴾ التبعيض. وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة وعليه ف ﴿كُلِّ﴾ هي المفعول الثاني: مجرورة لفظا منصوبة محلا. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة معنى. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بإضافة ﴿كُلِّ﴾ إليها. ﴿سَأَلْتُمُوهُ:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ وتسهيله فتولدت واو الإشباع؛ التي هي حرف لا محل لها، والهاء مفعول به أول، والثاني: محذوف، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ نافية، تكون الجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿كُلِّ﴾ إليها، التقدير: وآتاكم من كل شيء غير سائليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، ولا تنس:\nأنه قد قرئ بتنوين ﴿كُلِّ،﴾ فتكون ﴿ما﴾ هي المفعول الثاني. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿تَعُدُّوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿نِعْمَتَ؛﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُحْصُوها:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله، و(ها):\nمفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾\nاسمها. ﴿لَظَلُومٌ﴾ اللام: هي المزحلقة. (ظلوم): خبر أول. ﴿كَفّارٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1785\"></span>﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ أي: مكة المكرمة كما ستعرفه، وقد أجاب الله دعاءه، وحقق رجاءه، فجعله حرما آمنا، لا يسفك فيه دم إنسان، ولا يظلم فيه أحد،","vol":"5","page":52},{"text":"ولا يصاد صيده، ولا يختلى خلاه، وجعل أهله في أمان، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ أي: أبعدني، وبنيّ من عبادة الأصنام. هذا؛ وقرئ: «(وأجنبني)» بقطع الهمزة، والمعنى واحد، وهما على لغة نجد، وأما أهل الحجاز، فيقولون: جنبني شره. هذا؛ والأصنام: جمع صنم، وهو التمثال الذي يتخذ من خشب، أو حجارة، أو حديد، أو ذهب، أو فضة على صورة إنسان، أو غيره، وهو الوثن، وانظر النصب في الآية رقم [٤] من سورة (المائدة)، والأنصاب في الآية رقم [٩٣] منها أيضا.\nقال البيضاوي: وفيه دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده، وجميع ذريته، وهو الصحيح، كيف لا وقد عبد الكثير من ذريته الأصنام مثل قريش، وعبد اليهود العجل، وضلوا ضلالا بعيدا. هذا؛ وقد قال القرطبي:\nوأراد بقوله: ﴿وَبَنِيَّ﴾ بنيه من صلبه، وكانوا ثمانية، فما عبد أحد منهم صنما، ولم يذكر أسماءهم هو، ولا غيره من المفسرين، ورأيت في قصص الأنبياء للنجار ما يلي:\nعاد إبراهيم فأخذ زوجته اسمها قطورة، فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق، وشوحا. انتهى. نقلا من سفر التكوين. ولعلك تدرك معي: أن مديان هو مدين الذي يكثر ذكره في القرآن الكريم، وانظر الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇.\nهذا وإبراهيم معناه في العبرانية: أب رحيم، وهو ابن تارح، أو تارخ، بن ناحور، بن سروج، بن رعو، بن فالج، بن عابر بن شالح، بن أرفكشاذ، بن سام، بن نوح ﵊، وانظر ما ذكرته في: ﴿آزَرَ﴾ في الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك.\nوقصة إبراهيم ﵊ تتخلص في أنه كان فتى من أهل فدان آرام بالعراق، وكان قومه أهل، أوثان، وكان أبوه نجارا، ينحت الأصنام، ويبيعها ممن يعبدها، وأن إبراهيم كان قد أنار الله بصيرته، وهداه إلى الرشد، فعلم أن الأصنام لا تسمع، ولا تبصر، ولا تسمع نداء، ولا تجيب دعاء، ولا تضر، ولا تنفع، ولذا عمد إلى تحطيمها في غيبة من يعبدها ليبين لهم عجزها، ولكنهم لم يرجعوا إلى رشدهم، بل أرادوا حرقه بالنار، فنجاه الله من كيدهم، وجعلهم الأخسرين، وكان الملك النمرود قد ادعى الألوهية، فحاجه إبراهيم ﵇ وأفحمه، كما رأيت في الآية رقم [٢٥٧] من سورة (البقرة)، ولما أيس من إسلام أبيه وقومه تركهم، وذهب إلى أور الكلدانيين من أرض الجزيرة قرب نهر الفرات، ثم إلى حران، ثم رحل بعد ذلك إلى فلسطين، ومعه زوجه سارة، وابن أخيه لوط، ومع لوط زوجه، كما قال تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nثم رحل إلى مصر بسبب جدب وقع في فلسطين، ثم عاد إلى فلسطين، وكان ملك مصر قد أهدى إبراهيم أموالا وماشية وجواري وعبيدا، منها هاجر التي تزوجها، وأنجبت منه إسماعيل،","vol":"5","page":53},{"text":"على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، وقد توفي في فلسطين، ودفن في بلدة الخليل، وقبره موجود فيها، وله مشهد عظيم.\nتنبيه: حكى القرآن الكريم عن إبراهيم الخليل ﵇ في الآية رقم [١٢٦] من سورة (البقرة): أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا﴾ وحكى عنه قوله هنا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ والفرق بينهما أنه سأل في الأول: أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، وسأل في الثاني: أن يخرج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا. انتهى. خازن بتصرف.\nهذا والرب يطلق، ويراد به السيد والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ، وأيضا قوله: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا..﴾. إلخ كما يقال:\nربّ الدار، وربّ الأسرة؛ أي: مالكها، ومتولي شئونها، كما يراد به المربي والمصلح، يقال:\nرب فلان الضيعة يربها إذا أصلحها، والله ﷾ مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو ضعيف صغير، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين، ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك، والرب المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]\nهنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا\nوهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر.\nتنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له والتنزيه، وذلك أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد فمعناه تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم والإجلال والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام في نداء الرب لذلك المعنى.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف متعلق بفعل محذوف، تقديره:\nاذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، فهو مبني على السكون في محل نصب، وهو الأقوى، وجملة: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه حرف النداء","vol":"5","page":54},{"text":"منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء الساكنة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول:\nيا ربّي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا ربّا، ومنهم من يقول: يا ربّ بضم الباء، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الباء دليلا عليها، فيقول: يا ربّ.\n ﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه. ﴿هَذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْبَلَدَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿آمِنًا:﴾ مفعول به ثان، (اجنبني): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. (بنيّ): معطوف على ياء المتكلم، فهو منصوب أيضا، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم المدغمة ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وأجيز اعتباره مفعولا معه، وليس بشيء، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَعْبُدَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: عن عبادة، أو هو منصوب بنزع الخافض، أو هو مفعول به ثان على التوسع. ﴿الْأَصْنامَ:﴾ مفعول به، والجمل في الآية كلها في محل نصب مقول القول، والكلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1786\"></span>﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ:﴾ وهذا مجاز؛ لأن الأصنام جمادات، وحجارة، لا تعقل شيئا حتى تضل من عبدها، إلا أنه لما حصل الإضلال بسبب عبادتها؛ أضيف إليها، كما تقول: فتنتهم الدنيا بزينتها، وغرتهم بزخرفها، وإنما فتنوا، واغتروا بسببها؛ لأن المضل والهادي في الحقيقة إنما هو الله تعالى، وينسب الإضلال للعبد كسبا، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد).\n ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي: فمن تبعني على ديني واعتقادي، فإنه من المتدينين بديني المتمسكين بحبلي، كما قال الشاعر: [الوافر]\nإذا حاولت في أسد فجورا... فإنّي لست منك، ولست منّي\n ﴿وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ قال السدي: ومن عصاني ثم تاب، فإنك غفور رحيم، وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك؛ فإنك غفور رحيم؛ إن شئت أن تغفر له؛ غفرت إذا","vol":"5","page":55},{"text":"كان مسلما، قال البيضاوي: وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك، إلا أن الوعد فرق بينه وبين غيره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر ما قاله الرسول ﷺ في حق أبي بكر﵁في سورة (الأنفال) الآية [٦٧].\nالإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنَّهُنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿أَضْلَلْنَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿كَثِيرًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿كَثِيرًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿أَضْلَلْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن).\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿تَبِعَنِي:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من). ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿مِنِّي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إن)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل:\nجملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها، والإعراب ظاهر إن شاء الله تعالى، والآية بكاملها من مقول إبراهيم ﵊. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1787\"></span>﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: بعض ذريتي، وهو إسماعيل ﵇.\n ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ:﴾ يعني وادي مكة؛ فإنها حجرية لا تنبت. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ:﴾ الذي حرمت التعرض له بأذى، والتهاون بشأنه، أو لم يزل ممنعا تهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان فلم يستو عليه، ولذلك سمي: عتيقا. ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي: أسكنتهم بذلك الوادي ليعبدوك بإقامة الصلاة وغيرها من العبادة، وأفرد الصلاة بالذكر تنويها بشأنها، وتعظيما لقدرها، ومكانتها، ولذا طلب من الله تعالى أن يوفقهم لإقامتها.\n ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أي: فاجعل أفئدة من أفئدة الناس، ولو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند، واليهود والنصارى، ولكن قال: من الناس، فهم المسلمون، قاله ابن عباس، ومجاهد. ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: تحن، وتشتاق إليهم، ولزيارة البيت، ففيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم الله حج البيت، ودعاء لسكان مكة من ذرية إبراهيم بأنهم","vol":"5","page":56},{"text":"ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت، فقد جمع إبراهيم ﵇ في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه، وعمّت بركاته. ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ فاستجاب الله دعاءه وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار، وبما يجلب لهم من الأمصار، كما قال تعالى: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ حيث توجد فيه الفواكه الربيعية، والصيفية، والخريفية في يوم واحد، وهو مشاهد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي: لعلهم يشكرون هذه النعم التي أنعمت بها عليهم. وقيل: معناه:\nلعلهم يوحدونك، ويعظمونك، وفيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات، وإقامة الطاعات. هذا؛ والفعل «شكر» يتعدى بنفسه وبحرف الجر تقول:\nشكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له: وقد قرئ: (أفئدة) و«(آفدة)» و«(أفئيدة)».\nبعد هذا جاء في البخاري عن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفّي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر؛ وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس، ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ..﴾. إلخ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء؛ عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى-أو قال: يتلبّط-فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا؟ ففعلت ذلك سبع مرات».\nقال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فلذلك سعى الناس بينهما». «فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمّعت، فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه-أو قال: بجناحه-حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّضه، وتقول بيدها: هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف».\nقال النبي ﷺ: «يرحم الله أمّ إسماعيل، لو تركت زمزم-أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينا معينا». قال: فشربت، وأرضعت ولدها، فقال لها الله: لا تخافوا الضيعة، فإن","vol":"5","page":57},{"text":"هاهنا بيت الله ببنيه هذا الغلام، وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك؛ حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا، فقالوا:\nإن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي، وما فيه ماء، فأرسلوا جريّا، أو جريّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا، فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم، قال النبي ﷺ، فألف ذلك أمّ إسماعيل، وهي تحب الأنس، فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم، وأعجبهم حيث شب، فلما أدرك الحلم؛ زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل.\nفجاء إبراهيم﵇بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يغيّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇ كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك؛ فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال:\nفهل، أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السّلام، ويقول: غيّر عتبة بابك، قال:\nذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك؛ الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم، والماء!.\nقال النبي ﷺ: «ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكّة، إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير، قال:\nفأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السّلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل ﵇ يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني، قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة","vol":"5","page":58},{"text":"على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. انتهى.\nالتجريد الصريح. موقوفا في أوله، ومرفوعا أربع مرات في وسطه وآخره، وقد رفعته في أوله أيضا كما رفعه المرحوم عبد الوهاب النجار.\nتنبيه: وإني أرجئ الكلام على إقدام إبراهيم على ذبح إسماعيل-على نبينا، وعليهما، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-إلى سورة (الصافات) الآية رقم [١٠١] وما بعدها. هذا؛ وأضيف أن سبب إلقاء هاجر ورضيعها إسماعيل في مكة على نحو ما عرفت إنما هو غيرة سارة منها ومن ولدها؛ لأنها كانت جارية لها، فوهبتها لإبراهيم، فتزوجها، ولم يكن لسارة ولد قط، فأمر الله إبراهيم ﵇ أن يأخذهما إلى ذلك المكان القفر وأن يتركهما، فركب البراق هو وهاجر والطفل، فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، وترك ابنه وأمه، وركب منصرفا من يومه، فكان ذلك كله بوحي من الله تعالى، وكان مطيته البراق كلما أراد أن يزور إسماعيل ﵉، وما تقدم يفيد: أن إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان يحسن اللغة العربية ويجيدها، وإلا فكيف كان يمكن أن يتفاهم مع زوجتي ابنه، الأخرى تلو الأولى، ولم يكن بينهما ترجمان يترجم لهما ما يتفاهمان به.\nوأيضا فكيف يمكن أن يتفاهم مع إسماعيل وأمه هاجر حينما ذهب إليهما، وقص رؤياه على إسماعيل، التي رأى أنه يذبحه، بل فكيف يمكن أن يتعاون مع إسماعيل، وإقامته عنده المدة الطويلة حينما بنيا الكعبة المعظمة، وهذا كله قد وقع، لا ريب فيه، ولا شك.\nتنبيه: لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده بأرض مضيعة اتكالا على العزيز الرحيم، واقتداء بفعل الخليل إبراهيم، كما تقوله غلاة الصوفية في حقيقة التوكل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله، كما رأيت. هذا؛ وإن أحد الفسقة تزوج امرأة ثانية، وهجر الأولى مع أولادها في دار مستقلة، فلما نوقش في ذلك، قال: أنا أسكنها في دار مع أولادها، وأعطيتها أرضا تعمل فيها، وتعيش منها، وإبراهيم الخليل ألقى هاجر، وابنه في أرض قاحلة، لا أنيس فيها، ولا ماء، ولا نبات، فهو يقول ذلك متفكها، ومضحكا الناس، فويل لهم كيف يفترون على الله الكذب؟! وويل لهم مما يصنعون؟!\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه.\n ﴿أَسْكَنْتُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وقد رأيت أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وبعضهم يعتبرها صلة ويخرج على قول الأخفش بزيادتها في","vol":"5","page":59},{"text":"الإيجاب. وقيل: إن المفعول محذوف، التقدير: إني أسكنت ذرية من ذريتي، وضعفه ظاهر، فيكون ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ مفعولا به، مجرورا لفظا منصوبا محلا، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، ﴿بِوادٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين.\n ﴿غَيْرِ:﴾ صفة (واد). وقيل: بدل منه، و﴿غَيْرِ﴾ مضاف، و﴿ذِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وجمعه: «أولي» من غير لفظه كما قد رأيت في الآية رقم [١٩] من سورة (الرعد)، و﴿ذِي:﴾ مضاف، و﴿زَرْعٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل السابق، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿بَيْتِكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُحَرَّمِ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَسْكَنْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ).\nهذا؛ وقال أبو البقاء في ﴿عِنْدَ﴾ يجوز أن يكون صفة ل: (واد)، وأن يكون بدلا منه. ﴿رَبَّنا:﴾\nتوكيد لسابقه. ﴿لِيُقِيمُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: اللام للأمر، فيكون مجزوما، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَسْكَنْتُ﴾ وعلى الجزم تكون الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاجْعَلْ:﴾ الفاء:\nهي الفصيحة. (اجعل): فعل دعاء، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿أَفْئِدَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة، التقدير: أفئدة كائنة من أفئدة الناس، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿تَهْوِي:﴾ يقرأ بفتح الواو، وكسرها، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، أو على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿أَفْئِدَةً﴾ كما قرئ بالبناء للمجهول. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: (اجعل...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، بإيحائك وأمرك؛ فاجعل... إلخ، وجملة: (ارزقهم...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ مفيدة للتعليل، وينبغي أن تدرك معي: أن الآية الكريمة بكاملها من مقول إبراهيم ﵇.\n\n<span id=\"aya-1788\"></span>﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ أي: تعلم سرنا كما تعلم علننا؛ أي: جهرنا.\nوالمعنى: إنك تعلم أحوالنا، وما يصلحنا، وما يفسدنا، وأنت أرحم بنا منا، فلا حاجة بنا إلى الدعاء والطلب، إنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، وتخشعا لعظمتك، وتذللا لعزتك، وافتقارا إلى ما عندك. وقيل: معناه: تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة إسماعيل وأمه، حيث أسكنتهما بواد","vol":"5","page":60},{"text":"غير ذي زرع، وما نعلن من البكاء، وتكرير النداء للمبالغة في التضرع، والالتجاء إلى الله تعالى.\n ﴿وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ..﴾. إلخ: قيل: هذا من قول إبراهيم ﵇. وقيل: إنما هو من قول الله تعالى لمّا قال إبراهيم ما تقدم، قال الله تعالى: ﴿وَما يَخْفى..﴾. إلخ وعليه الأكثرون، فهو تصديق لما قاله إبراهيم أولا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى انظر مثله في الآية السابقة، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره «أنت». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تعلم الذي، أو شيئا نخفيه في قلوبنا، وما نعلن:\nمثل ما قبله في الإعراب، وجملة: ﴿تَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال على اعتبار الكلام من مقول إبراهيم، وواو الاستئناف على اعتباره من مقول الله تعالى.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَخْفى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة، ﴿شَيْءٍ:﴾ فاعل يخفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة شيء. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. والآية الكريمة بكاملها من مقول إبراهيم، على الاعتبار الأول: في الشرح، واعتبار الجملة ﴿(ما يَخْفى...)﴾ إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿تَعْلَمُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم، ففيه، وضع الظاهر موضع المضمر، وعلى الاعتبار الثاني: في الشرح تكون الجملة ﴿(ما يَخْفى...)﴾ إلخ مستأنفة. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1789\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾. إلخ: هذا الكلام قاله إبراهيم في وقت آخر، لا عقيب ما تقدم من الدعاء؛ لأن الظاهر أنه ﵇ دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها، وهي ترضعه، ووضعها عند البيت، وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت، قال ابن عباس﵄-: ولد إسماعيل لإبراهيم، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق، وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة، وقد قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة، وإظهارا لما فيها من المعجزة.\n ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أي: لمجيب الدعاء، من قولك: سمع الملك كلامي: إذا اعتدّ به، و(سميع) من صيغ المبالغة. هذا؛ وولد لإسماعيل اثنا عشر ولدا، ولإسحاق اثنان.\nهذا و(الحمد) في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا، فالأول: كمن يحسن إليك، والثاني: كمن يجيد صلاته، وهو","vol":"5","page":61},{"text":"في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد، أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان، التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل]\nأفادتكم النّعماء منّي ثلاثة... يدي ولساني والضّمير المحجّبا\nومما هو جدير بالذكر: أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح: فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه، فيما خلق لأجله، وانظر الآية رقم [٧] تجد ما يسرك.\nهذا وقد حثنا الرسول ﷺ على حمد الله باللسان، ورغبنا فيه، وذكر لنا أحاديث ترغبنا فيه، وصيغا مفضلة على غيرها لما فيها من المعاني القوية، وخذ نبذة من ذلك، فعن عبد الله بن عمر -﵄أن رسول الله ﷺ حدّثهم: «أنّ عبدا من عباد الله قال: يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السّماء، فقالا: يا ربّنا، إنّ عبدك قد قال مقالة، لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله-وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربّ إنّه قد قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتّى يلقاني، فأجزيه بها». رواه أحمد وابن ماجة.\nوعن أبي أيوب﵁قال: قال رجل عند رسول الله ﷺ: الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه. فقال رسول الله ﷺ: «من صاحب الكلمة؟». فسكت الرجل، ورأى أنّه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه، فقال رسول الله ﷺ: «من هو؟ فإنّه لم يقل إلاّ صوابا». فقال الرّجل: أنا قلتها يا رسول الله! أرجو بها الخير. فقال: «والّذي نفسي بيده! لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك، أيّهم يرفعها إلى الله تعالى». رواه الطبراني، والبيهقي.\nالإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، وجملة: ﴿وَهَبَ لِي﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه. ﴿عَلَى الْكِبَرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ياء المتكلم، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال مما بعدهما. ﴿إِسْماعِيلَ:﴾ مفعول به.\nو(إسحاق): معطوف عليه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي:﴾ اسم إن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَسَمِيعُ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، و(سميع): مضاف، و﴿الدُّعاءِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وقيل: من إضافته لفاعله على إسناد السماع إلى دعاء الله تعالى على المجاز. هذا؛ والآية الكريمة كلها من مقول إبراهيم ﵇.","vol":"5","page":62},{"text":"<span id=\"aya-1790\"></span>﴿رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أي: ممن يقيم الصلاة بأركانها، ويحافظ عليها في أوقاتها، وانظر الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة، وإنما أدخل لفظة (من) التي هي للتبعيض؛ لأنه علم بإعلام الله له أنه قد يوجد من ذريته جمع من الكفار لا يقيمون الصلاة، وهذا واقع وملموس ومشاهد، وانظر شرح (ذرية) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). ﴿رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ:﴾ وقد تقبل الله دعاء إبراهيم بفضله وكرمه. وقيل: المعنى: وتقبل عبادتي، وطاعتي. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع، والالتجاء إلى الله تعالى. هذا؛ و﴿مُقِيمَ﴾ أصله: (مؤقوم) حذفت منه الهمزة على نحو ما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد)، فصار (مقوم) ثم نقلت كسرة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار (مقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: «مقيم».\nالإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥] لشرحه وإعرابه، ﴿اِجْعَلْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿مُقِيمَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الصَّلاةِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي:﴾ معطوفان على ياء المتكلم، وانظر الشرح، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿رَبَّنا:﴾ تقدم مثله. (تقبل دعاء): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿دُعاءِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وتقدم مثله في الآية رقم [٣٢] من سورة (الرعد)، والآية بكاملها من مقول إبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n<span id=\"aya-1791\"></span>﴿رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ:﴾ قيل: استغفر إبراهيم لوالديه قبل أن يثبت عنده أنهما عدوّان لله، وهذا أفادته آية التوبة رقم [١١٥]. هذا وقال القشيري: ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة؛ لأن الله ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون أمه، قال القرطبي: وعلى هذا قراءة سعيد بن جبير: «(ربّ اغفر لي ولوالدي)» يعني: أباه. وقيل: استغفر لهما طمعا في إيمانهما. وقيل:\nاستغفر لهما بشرط أن يسلما. وقيل: أراد آدم وحواء، وقد روي: أن العبد إذا قال: اللهم اغفر لي ولوالدي، وكان أبواه قد ماتا كافرين انصرفت المغفرة إلى آدم، وحواء؛ لأنهما والدا الخلق أجمع. هذا؛ وقرئ: «(ولأبويّ)» وفي (والديّ وأبويّ) تغليب الأب على الأم، وفيه إشعار بتفضيل الذكر على الأنثى.","vol":"5","page":63},{"text":"وقيل: أراد ولديه إسماعيل، وإسحاق، وقد قرئ «(ولولدي)» وهذه القراءة وقراءة الإفراد، وقراءة: «(ولدي)» جمع ولد كلها قراءات شاذة. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: اغفر للمؤمنين كلهم، والله لا يرد دعاء خليله، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ أي:\nيثبت، فهو مستعار من القيام على الرّجل، كقولهم: قامت الحرب على ساقها. وقيل: المراد:\nيقوم الناس للحساب، فاكتفى بذكر الحساب؛ لكونه مفهوما للسامع.\nتنبيه: قال الخازن: فإن قلت: طلب المغفرة من الله إنما يكون لسابق ذنب قد سلف حتى يطلب المغفرة له. قلت: المقصود منه الالتجاء إلى الله ﷾، وقطع الطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه، والاعتراف بالعبودية لله تعالى، والاتكال على رحمته. انتهى.\nأقول: وفيه أمران آخران: أولهما: إظهار التذلل، والافتقار له تعالى، والتواضع، وثانيهما تعليم الناس وحثهم على طلب المغفرة من الله مهما بلغوا من الصلاح والتقوى، ولا تنس: أن نوحا ﵇ قد دعا بمثل هذا الدعاء، انظر الآية الأخيرة من السورة المسماة باسمه، وعلّم ربنا حبيبه وصفيه محمدا ﷺ أن يدعوه بأدعية شبيهة لما دعا إبراهيم ونوح، عليهم جميعا ألف تحية، وألف صلاة، انظر خواتيم سورة (البقرة)، والنصف الثاني: من سورة (الفاتحة)، وغير ذلك كثير، وقال ﷺ: «توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إليه في اليوم والليلة سبعين مرة».\nولعل الرسول ﷺ حينما كان يحض أصحابه على الاستغفار، ويخبرهم: أنه يستغفر في اليوم سبعين مرة، لم يقصد نفع نفسه، أو التخلص من ذنوب نسبت إليه، فهو المعصوم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ولكنه قصد أن يعلم أتباعه كيف يفيئون بعد غفلة، ويستقيمون بعد زلة، ويرجعون بعد هفوة، ولا عجب فهو بالمؤمنين رءوف رحيم.\nالإعراب: ﴿رَبَّنَا:﴾ تقدم مثله. ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل: «أنت». ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. (لوالدي): معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. (للمؤمنين) معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر... إلخ. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل السابق، أو هو متعلق بمحذوف حال التقدير: حال كون الغفران في ذلك اليوم العصيب، والأول: أقوى، وجملة: ﴿يَقُومُ الْحِسابُ﴾ في محل جر بإضافة يوم إليها، والآية الكريمة من مقول إبراهيم ﵊.\n\n<span id=\"aya-1792\"></span>﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا..﴾. إلخ: هذا خطاب للرسول ﷺ، والمراد تثبيته على ما هو عليه، وأنه تعالى مطلع على أحوالهم وأفعالهم، لا تخفى عليه خافية، وفيه وعيد لهم بأنه","vol":"5","page":64},{"text":"معاقبهم على قليله، وكثيره لا محالة، أو لكل من توهم غفلته جهلا بصفاته، واغترارا بإمهاله.\nوقيل: إنه تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم. ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: يؤخر عقاب الظالمين والانتقام منهم. ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ أي: لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم، قاله الفراء:\nيقال: شخص الرجل بصره، وشخص البصر نفسه؛ أي: سما، وطمح من هول ما يرى. قال ابن عباس: تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة، فلا يرمضون.\nقال الخازن: الغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور. وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ، والتيقظ، وهذا في حق الله محال، فلا بد من تأويل الآية، فالمقصود منها: أنه ﷾ ينتقم من الظالم للمظلوم، ففيه وعيد، وتهديد للظالم، وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه، بل ينتقم منه، ولا يتركه مغفلا. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا)، ونون التوكيد حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿غافِلًا:﴾ مفعول به ثان، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان ب: ﴿غافِلًا،﴾ و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء يعمله الظالمون، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: من عمل الظالمين. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُؤَخِّرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله، وقرئ بالنون، فيكون الفاعل تقديره: «نحن» والهاء مفعول به. ﴿لِيَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ في محل جر صفة يوم، والرابط: الضمير المجرور محلا بفي، والجملتان ﴿(لا تَحْسَبَنَّ...)﴾ و﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ..﴾. إلخ مستأنفتان لا محل لهما من الإعراب، وفي الثانية معنى التعليل للنهي.\n\n<span id=\"aya-1793\"></span>﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿مُهْطِعِينَ:﴾ مسرعين، ومنه قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ وقال الشاعر: [الوافر]\nبدجلة دارهم ولقد أراهم... بدجلة مهطعين إلى السّماع\nفعلى هذا المعنى: أن الغالب من حال من بقي بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا باهتا، فبيّن الله ﷾ في هذه الآية، وفي آية (القمر): أن أحوال أهل الموقف يوم القيامة بخلاف الحال المعتادة، فأخبر ﷾: أنهم مع شخوص الأبصار يكونون","vol":"5","page":65},{"text":"مهطعين نحو الداعي. وقيل: المهطع: الخاضع الذليل الساكت. انتهى خازن. والمراد ب: (الداعي) الذي ذكرته إسرافيل ﵇ قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ فيقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.\nوقال مجاهد، والضحاك: أي: مديمي النظر، قال أبو عبيد: وقد يكون الوجهان جميعا، يعني: الإسراع مع إدامة النظر. ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ أي: رافعي رءوسهم ينظرون في ذلّ، وإقناع الرأس: رفعه، قاله ابن عباس، ومجاهد﵄وهذا بخلاف المعتاد لأن من يتوقع البلاء فإنه يطرق ببصره إلى الأرض.\nوقال المهدوي: ويقال: أقنع: إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ رأسه ذلة وخضوعا، والآية محتملة الوجهين. انتهى قرطبي. وعليه فهو من الأضداد.\nقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد، وهو قوله تعالى:\n ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف، فهي شاخصة لا ترتد إليهم، قد شغلهم ما بهم. انتهى. خازن.\nأقول: وهنا يجدر بالذكر قول الرسول ﷺ الذي رواه الشيخان عن عائشة﵂-:\n «يحشر الناس حفاة عراة غرلا». قالت عائشة: فقلت: الرجال والنّساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذلك-وفي رواية-: من أن ينظر بعضهم إلى بعض».\n ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي: قلوبهم خاوية خربة متخوفة ليس فيها خير، ولا عقل، ولا فهم لفرط الحيرة والدهشة، ومنه يقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء؛ أي: لا رأي فيه، ولا قوة، ومنه قول حسان -﵁-: [الوافر]\nألا أبلغ أبا سفيان عنّي... فأنت مجوّف نخب هواء\nوقال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ أي: من كل شيء إلا من همّ موسى، هذا، والهوى يقصر ويمد، والمراد بالأول: الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ وقوله جل ذكره: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهواء بمعنى: العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوهان على أسماء أن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق\nوإليك هذين البيتين، فإنهما من النكت الحسان: [الكامل]\nجمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران\nفقصرت بالممدود عن نيل المنى... ومددت بالمقصور في أكفاني","vol":"5","page":66},{"text":"وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، وجمعه أهواء، وجمع الممدود: أهوية.\nهذا وقد رأيت تفسير ﴿طَرْفُهُمْ﴾ بالأبصار؛ أي: العيون، وقد يراد بالطّرف الجفن خاصة، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nأشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nويقال: ما طبق طرفه-أي: جفنه-على الآخر. هذا؛ والطّرف بالمعنى السابق لا يثنى، ولا يجمع، كما ستجده إن شاء الله في سورة (الصافات)، وص، والشورى، وسورة (الرحمن)، وهو هنا بفتح الطاء، وسكون الراء، وهو بفتحهما: حرف الشيء، ومنتهاه، وجمعه: أطراف، كما رأيت في الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇، وهو بكسر الطاء، وسكون الراء:\nالكريم من الخيل، وقد يراد به أيضا: الكريم الطرفين؛ أي: الأب والأم، ويجمع على أطراف أيضا. هذا؛ وانظر الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿مُهْطِعِينَ:﴾ حال من المضاف إليه المحذوف؛ إذ التقدير: تشخص فيه أبصارهم. وقيل: التقدير: أصحاب الأبصار والأول: أولى. ﴿مُقْنِعِي:﴾ حال ثانية منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و﴿رُؤُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْتَدُّ:﴾ مضارع. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿طَرْفُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُقْنِعِي﴾ فهي حال متداخلة، وجوز اعتبارها بدلا منه، كما جوز اعتبارها مستأنفة، والجملة الاسمية: ﴿(أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ)﴾ مستأنفة، وأجيز اعتبارها حالا من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والعامل ﴿يَرْتَدُّ﴾ والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وأفرد هواء مع أنه خبر عن جمع؛ لأنه بمعنى: فارغة كما رأيت، فأفرد كما يجوز إفراد فارغة؛ لأن تاء التأنيث تدل على تأنيث الجمع الذي في أفئدتهم، ومثله؛ أحوال صعبة، وأحوال فاسدة، ونحو ذلك.\n\n<span id=\"aya-1794\"></span>﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ﴾ أي: خوف يا محمد أهل مكة يوم القيامة، وما فيه من أهوال وشدائد، ومتاعب ومصاعب، أو يوم الموت، فإنه أول أيام عذابهم، وأول منازل","vol":"5","page":67},{"text":"الآخرة. ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالشرك، أو بالمعاصي والسيئات، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أي: يقولون عند مشاهدة العذاب أخر عنا العذاب، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى حدّ من الزمان قريب، أو أخر آجالنا إلى زمن قريب بمقدار ما نؤمن بك، ونجيب دعوتك، ونتبع رسلك، فهو كقوله تعالى في سورة (المنافقون):\n ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى في سورة (فاطر): ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٩] من سورة (المؤمنون)؛ لترى ما يسرك ويثلج صدرك.\n ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ..﴾. إلخ: أي: حلفتم أنكم باقون مخلدون في الدنيا لا تخرجون منها بالموت. قال البيضاوي: ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا، ودل عليه حالهم، حيث بنوا شديدا، وأملوا بعيدا. وقيل: أقسموا: أنهم لا ينتقلون إلى دار أخرى، وأنهم إذا ماتوا لا يزالون عن تلك الحالة إلى حالة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ الآية [٣٨] من سورة (النحل)، انظر شرحها هناك.\nالإعراب: ﴿وَأَنْذِرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنذر): أمر، وفاعله تقديره: «أنت».\n ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول. ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ:﴾ مضارع مرفوع، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها، وجملة: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (أنذر...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿(لا تَحْسَبَنَّ...)﴾ إلخ لا محل لها مثلها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَخِّرْنا:﴾ فعل دعاء، والفاعل تقديره «أنت»، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَرِيبٍ:﴾ صفة أجل. ﴿نُجِبْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، والفاعل مستتر تقديره «نحن»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء، ﴿دَعْوَتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿(نَتَّبِعِ الرُّسُلَ)﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الواو:\nحرف عطف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿أَقْسَمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿تَكُونُوا﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿زَوالٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على","vol":"5","page":68},{"text":"آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ حجازية، والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله: أقسمتم، ولو جاء بلفظ المقسمين، لقيل: ما لنا من زوال، والكلام كله ﴿أَوَلَمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: فيقال لهم من قبل الله، أو من قبل الملائكة، والقول ومقوله كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1795\"></span>﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ بالكفر والمعاصي كعاد، وثمود، فهلا اعتبرتهم فيما حل بهم من المقت والوبال. ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ أي: وقد عرفتم، كيف كانت عقوبتهم. ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ أي: بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر، واستحقاق العذاب، والأمثال التي ضربها الله في القرآن للناس ليتدبروها، ويعتبروا بها، فيجب على كل من شاهد أحوال الماضين من الأمم الخالية، وعلم ما جرى لهم أن يعتبر بهم، ويعمل في خلاص نفسه من العقاب والهلاك، فاعتبروا يا أولي الألباب، يا أولي الأبصار.\nهذا و(سكن) فالأصل فيه أن يعدى ب: «في» كقرّ، وغني، وأقام، وقد يستعمل بمعنى:\nالتبوّؤ، فيجري مجراه، كقولك: سكنت الدار، ومثله: دخل ونزل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] وانظر شرح: ﴿مَثَلًا﴾ في الآية رقم [٢٤] وانظر شرح: ﴿النَّفْسَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇، وتبيّن الشيء وبان وأبان، واستبان كله بمعنى: واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا، كما في قولك: استبنت الأمر، وتبينته، وأبنته بمعنى: عرفت حقيقته. تأمل، وتدبر.\nالإعراب: (سكنتم): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَقْسَمْتُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مثلها. ﴿فِي مَساكِنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿مَساكِنِ:﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. (تبين): ماض، وفاعله محذوف، التقدير: تبين حالهم، وخبرهم، وهلاكهم. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده. وقيل: في محل نصب مفعول مطلق عامله ما بعده. وقيل:\nفي محل نصب حال، والأول: أقوى.\n ﴿فَعَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مفسرة للفاعل المحذوف. هذا؛ وأجاز بعض الكوفيين اعتبار الجملة الفعلية فاعلا للفعل (تبيّن)، وانظر ما","vol":"5","page":69},{"text":"ذكرته في الآية رقم [٣٥] من سورة (يوسف) ﵇، وجملة: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَقْسَمْتُمْ..﴾. إلخ، وأيضا جملة: ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ معطوفة عليها.\n\n<span id=\"aya-1796\"></span>﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ:﴾ لقد اختلف في الضمير إلى من يعود، فقيل: يعود إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم. وقيل: إن المراد بالضمير كفار قريش الذين مكروا برسول الله ﷺ في ليلة الهجرة. انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال). ﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي: إن مكرهم مسجل عند الله، ومعلوم لديه، فهو يجازيهم عليه يوم القيامة، بالإضافة لما جازاهم به في الدنيا. ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ..﴾. إلخ: أي: ما كان مكرهم مكرا يكون له أثر وخطر عند الله تعالى، فالجبال مثل لأمر النبي ﷺ. وقيل: إن المعنى: وما كان مكرهم في تقديرهم لتزول منه الجبال عن أمكنتها، وتؤثر في إبطال الإسلام. وهذا على اعتبار (إن) نافية، واللام لام الجحود. وقرئ «(لَتزولُ منه الجبال)» بفتح اللام الأولى، وضم الثانية؛ أي: على الإثبات، فيكون المعنى: كان مكرهم مكرا عظيما تزول منه الجبال عن مكانها، ولكن الله حفظ محمدا ﷺ ودينه من مكرهم، والجبال لا تزول، ولكن العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون، ولقد ذكر الخازن، والقرطبي قصة هي أقرب إلى الخيال من الحقيقة. هذا وقرئ: «(وإن كاد مكرهم)»، والمكر: تدبير الأمر في خفية، وهو أيضا احتيال، وخداع.\nهذا وفي الآية استعارة تمثيلية: فقد شبه الله مكرهم في شدته، وتفاقمه-لا سيما حينما انتهى أمرهم في ليلة الهجرة إلى المؤامرة الدنيئة المعروفة-بمحاولة إزالة الجبال من أماكنها، وشبه شريعته الغراء، وما أنزله على نبيه ﷺ من تعاليم سامية، وحجج بينة بالجبال في رسوخها، وتمكنها من نفوس المؤمنين بها المتعلقين بأهدابها، وهي من أرقى الاستعارات، وتزداد روعتها بأن صدور المكر المعد لإزالة الجبال صادر عن قوم لا حول لهم، ولا قوة، حيث شبه قلوبهم في خفتها، وعدم تعلقها بالهواء. هذا؛ وقد ذكر الثعلبي في قصص الأنبياء: أن الآية تقص علينا خبرا من أخبار النمرود وصرحه الذي بناه، وهو شيء تفرد به، ولم يذكره غيره.\nالإعراب: ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَكَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿مَكْرَهُمْ:﴾ مفعول مطلق، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿ظَلَمُوا﴾ والرابط: الواو، والضمير، أو هي في محل نصب حال من الساكنين، المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ..﴾.","vol":"5","page":70},{"text":"إلخ ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، انظر الآية رقم [٤١] من سورة (الرعد).\nهذا؛ والجملة الفعلية مستأنفة على أن المراد بالضمير كفار قريش: ﴿وَعِنْدَ:﴾ الواو: واو الحال. (عند): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، و(عند) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَكْرَهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة على الاعتبار الأول: في الجملة الأولى، دون الاعتبار الثاني. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف: (إن): نافية بمعنى: «ما». ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿مَكْرَهُمْ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة... إلخ، والميم علامة جمع الذكور، ﴿لِتَزُولَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام الجحود. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْجِبالُ:﴾ فاعل، و«أن» المضمرة والفعل (تزول) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ التقدير: وإن كان مكرهم مسددا لإزالة الجبال. هذا؛ وعلى القراءة الثانية ف (إن) مخففة من الثقيلة مهملة، واللام المفتوحة هي الفارقة بين النفي والإثبات، و(تزول) مرفوع، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَإِنْ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1797\"></span>﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو اِنتِقامٍ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي: فلا تظنن يا محمد: أنّ الله مخلف ما وعد به رسله من النصر، وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين، فإنه ناصر رسله، وأولياءه، ومهلك أعداءه، فهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا..﴾. إلخ وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وأصله: «مخلف رسله، وعده» فقدم المفعول الثاني إيذانا بأنه لا يخلف الوعد أصلا.\nلقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ وإذا لم يخلف وعده أحدا، فكيف يخلف رسله؟! وإضافة:\n ﴿مُخْلِفَ﴾ إلى «الوعد» اتساع، وقد ساغ ذلك؛ لأن كل واحد منهما مفعول، وهو قريب من قولهم: يا سارق اللّيلة أهل الدّار. والأصل: يا سارق أهل الدار الليلة.\n ﴿عَزِيزٌ:﴾ قوي، لا يغلبه شيء، لا يماكر، قادر، لا يدافع. ﴿ذُو انتِقامٍ:﴾ صاحب انتقام، والانتقام: المبالغة في العقوبة، والأخذ الشديد بالثأر.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي عطف تفريعي على: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ﴾.\n (لا): ناهية. ﴿تَحْسَبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مُخْلِفَ:﴾ مفعول به ثان، وانظر الشرح، و﴿مُخْلِفَ﴾ مضاف، و﴿وَعْدِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الثاني: الذي قدم على الأول، وهو ﴿رُسُلَهُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة","vol":"5","page":71},{"text":"الفعلية: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿عَزِيزٌ:﴾ خبر أول. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿اِنتِقامٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1798\"></span>﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ:﴾ اختلف في هذا التبديل على قولين:\nأحدهما: أنه تبدل صفة الأرض، والسماء، لا ذاتهما، فأما تبديل الأرض؛ فبتغيير صفتها، وهيئتها مع بقاء ذاتها، وهو أن تدكدك جبالها، وتسوى وهادها، وأوديتها، وتذهب أشجارها، وجميع ما عليها من عمارة وغيرها، لا يبقى على وجهها شيء إلا ذهب، وتمد مدّ الأديم. وأما تبديل السماء؛ فهو أن تنتثر كواكبها، وتطمس شمسها وقمرها، وكونها تارة كالدهان، وتارة كالمهل. ويدل له ما روي عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر النّاس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقيّ، ليس بها علم لأحد». رواه الشيخان.\nوالقول الثاني: هو تبديل ذوات الأرض والسماء. ثم اختلف في هذا التبديل، فقال ابن مسعود﵁-: تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاء نقية، لم يسفك بها دم، ولم يعمل عليها خطيئة. وقال علي كرم الله وجهه: تبدل الأرض أرضا من فضة، والسماء من ذهب. وقال أبي بن كعب﵁-: تصير الأرض نيرانا، والسماء جنانا. وقال أبو هريرة وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. ويدل لهذا ما روي عن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبّار بيده، كما يتكفّأ أحدكم خبزته في السّفر، نزلا لأهل الجنة». أخرجاه في الصحيحين. انتهى. خازن بتصرف كبير.\nوخذ هذا الحديث عن عائشة﵂قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط».\nأخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجة.\n ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ:﴾ انظر الآية رقم [٢١] ﴿الْواحِدِ الْقَهّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٦] من سورة (الرعد)، والمحال عليها في سورة (يوسف) ﵇، وانظر شرح السموات والأرض في الآية رقم [٣] من سورة (يونس) ﵇، وانظر شرح: ﴿غَيْرَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد)، وانظر التعبير بالماضي في الآية [٢١].\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ،﴾ أو هو متعلق بالمصدر انتقام، أو هو معمول لمقدر باذكر ﴿تُبَدَّلُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول.","vol":"5","page":72},{"text":"﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿الْأَرْضُ﴾ مضاف إليه. (السموات): معطوف على الأرض، وجملة: ﴿تُبَدَّلُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. (برزوا): ماض والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر مثلها وأجاز أبو البقاء الاستئناف، والحالية على تقدير «قد» قبلها، وكلاهما ضعيف. ﴿الْواحِدِ:﴾ صفة لفظ الجلالة، ﴿الْقَهّارِ:﴾ صفة ثانية، أو هما بدلان من لفظ الجلالة على اعتبارهما من الأسماء الحسنى، وهو المعتمد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1799\"></span>﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَتَرَى:﴾ انظر إعلال ﴿نَرى﴾ في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود) ﵇.\n ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ الكافرين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٦٦] من سورة (هود). ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ،﴾ أو قرنوا مع الشياطين، لقوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: قرناءهم من الشياطين، أو قرنوا مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة، والملكات الباطلة، لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..﴾. إلخ، أو المعنى: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، ومعنى ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ مشدودين في الأصفاد، وهي الأغلال والقيود، واحدها: صفد، وصفد، ويقال: صفدته صفدا؛ أي: قيدته، والاسم الصّفد، فإذا أردت التكثير قلت: صفّدته تصفيدا، وأصفدته إصفادا: أعطيته. وقيل: صفدته، وأصفدته جاريان في القيد والإعطاء جميعا، فالصّفد: العطاء؛ لأنه يقيّد ويعبد، قال أبو الطيب: [الطويل]\nوقيّدت نفسي في ذراك محبّة... ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا\nالإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف عطف. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ.\n ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، تضاف إذ إليها في الأصل، فإن الأصل يوم إذ ينزل بهم العذاب الأليم، والعقاب الشديد، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت (إذ) لالتقاء الساكنين كما كسرت في (صه) و(مه) عند تنوينهما. ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ حال من المجرمين منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي الْأَصْفادِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾.\nوقيل: بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. وقيل: بمحذوف صفة له، وكلاهما ضعيفان، وجملة: ﴿(تَرَى...)﴾ إلخ معطوفة على جملة: ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ..﴾. إلخ، فهي في محل جر مثلها.","vol":"5","page":73},{"text":"<span id=\"aya-1800\"></span>﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿سَرابِيلُهُمْ:﴾ قمصانهم، جمع سربال، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ انظر الآية رقم [٨١] من سورة (النحل)، والفعل:\nتسربلت، وسربلت غيري، قال كعب بن زهير: [البسيط]\nشمّ العرانين أبطال لبوسهم... من نسج داود في الهيجا سرابيل\n ﴿مِنْ قَطِرانٍ:﴾ هو سائل دهني يتخذ من بعض الأشجار كالصنوبر والأرز، فيطبخ، وتدهن به الإبل الجربى، فيحرق الجرب لشدته وحدته، وهو أسود منتن، تشتعل النار فيه بسرعة، يطلى به جلود أهل النار، حتى يكون طلاؤه لهم كالقمص؛ ليجتمع عليهم لذع القطران، ووحشة لونه، ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم، على أن التفاوت بين قطران الدنيا، وقطران الآخرة كالتفاوت بين ناريهما.\nفعن أبي مالك الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «النّائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب». رواه مسلم وغيره. هذا؛ وفي ﴿قَطِرانٍ﴾ قراءات: فتح القاف، وكسر الطاء، وهذه القراءة سبعية، وثانية: بفتح القاف، وسكون الطاء، وثالثة: بكسر القاف، وسكون الطاء، ورابعة: «(قطر آن)» على كلمتين منونتين، فالقطر:\nالنحاس المذاب، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول الاسكندر: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ و«آن»: شديد الحرارة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أي: تعلوها وتجللها وتغطيها، وخصت الوجوه بالذكر مع أن النار تحيط بهم من جميع الجهات؛ لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق، ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله، كما تطلع النار على أفئدتهم؛ لأنها فارغة من المعرفة، مملوءة بالجهالات، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ،﴾ والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿سَرابِيلُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَطِرانٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُقَرَّنِينَ،﴾ أو من المجرمين، وجوز استئنافها. (تغشى): مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿وُجُوهَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها.\n<span id=\"aya-1801\"></span>﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ..﴾. إلخ أي: يفعل الله بالمجرمين ذلك العذاب المذكور ليجزي كل","vol":"5","page":74},{"text":"نفس مجرمة الذي كسبته في دنياها، أو كل نفس من مجرمة، أو مطيعة؛ لأنه إذا بيّن أن المجرمين يعاقبون لإجرامهم، علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم. ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ:﴾\nانظر الآية رقم [٤١] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و«أن» المضمرة والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل المحذوف على الاعتبار الأول: في التفسير، أو متعلقان بالفعل (برزوا) على الاعتبار الثاني: في التفسير ويكون ما بينهما اعتراضا. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به أول، و﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و﴿نَفْسٍ:﴾\nمضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا كسبته. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: كسبها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾\nاسمها. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الْحِسابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل: سريع حسابه. والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي تعليل لما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1802\"></span>﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أي: هذا القرآن فيه تبليغ للناس وموعظة. وقد ذكر سبحانه لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب: أولها: الإنذار؛ أي: التخويف بالقرآن، ومواعظه، وزواجره، وثانيها: الاستدلال بآيات القرآن على وحدانية الله تعالى، وثالثها: الاتعاظ بما في هذا القرآن من المواعظ، والنصائح، وما يتعظ إلا أصحاب العقول السليمة، والأفهام الصحيحة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. بعد هذا ف: ﴿بَلاغٌ﴾ اسم مصدر، لا مصدر، انظر (سلام) و«عذاب» في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَلاغٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَلاغٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلِيُنْذَرُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (لينذروا): مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وقرئ بالبناء للمعلوم، فتكون الواو فاعله، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على","vol":"5","page":75},{"text":"محذوف، التقدير: لينصحوا، والجار والمجرور الحاصلان من هذا متعلقان بمحذوف، التقدير:\nأنزل هذا القرآن للنصح والإنذار وللاستدلال... إلخ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n (ليعلموا): إعرابه مثل إعراب سابقه، وبعد التأويل والعطف، انظره آنفا.\n ﴿أَنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في تأويل مصدر سدت مسد مفعول (يعلموا). ﴿وَلِيَذَّكَّرَ:﴾ مثل سابقه تأويلا وعطفا.\n ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و﴿أُولُوا:﴾ مضاف، و﴿الْأَلْبابِ:﴾ مضاف إليه. تأمل، وتدبر. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (إبراهيم) -﵊تفسيرا، وإعرابا.\nبعون الله وتوفيقه.\n**","vol":"5","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1798>سورة الحجر</span>\nوهي مكية بالإجماع، وآياتها تسع وتسعون، وكلماتها ستمائة وأربع وخمسون، وحروفها ألفان وسبعمائة وستون. انتهى. خازن.\nتنبيه: انظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وأزكى سلام، وانظر شرح: ﴿الر﴾ وإعرابها في أول سورة (يونس) ﵇.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-1803\"></span>﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ:﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة الكريمة من الآيات، والمراد بالكتاب والقرآن المبين: الكتاب الذي أنزل على محمد ﷺ، وتنكير القرآن للتفخيم، والتعظيم؛ أي:\nالجامع للكمال، والغرابة في البيان، وإنما ذكر القرآن بوصفين، وإن كان الموصوف واحدا لما فيه من زيادة التفخيم والتعظيم، و﴿مُبِينٍ:﴾ مبين للحلال والحرام، والنافع والضار... إلخ.\nهذا؛ وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة، وهي للبعد، والسورة الكريمة، بل القرآن الكريم كله في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل والشرف، وعلو المكانة، فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (النمل) ففيها فضل بيان.\nهذا و«كتاب» في اللغة الضم والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالبا، و﴿آياتُ﴾ جمع آية، وهي تطلق على معان كثيرة الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى، وانظر شرح «القرآن» في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) ﵇.","vol":"5","page":77},{"text":"و﴿مُبِينٍ:﴾ اسم فاعل من «أبان» الرباعي، أصله: مبين، بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من بان الثلاثي بائن، أصله باين، وإعلاله مثل إعلال (قائم) في الآية رقم [١٢] من سورة (يونس) ﵇.\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَقُرْآنٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها، أو هي في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل، ونحو ذلك.\n\n<span id=\"aya-1804\"></span>﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿رُبَما يَوَدُّ:﴾ قرئ بتشديد الدال وتخفيفها، و(ربّ) للتقليل، ورجح ابن هشام أنها هنا للتكثير؛ لأن الآية مسوقة للتخويف، وقد زيدت (ما) معها لتهيئها للدخول على الجملة الفعلية، ويغلب أن يكون الفعل بعدها ماضيا لفظا ومعنى، لكن لما كان المرتقب في إخبار الله تعالى كالماضي في تحققه أجري مجراه في هذه الآية.\nوقال ابن هشام في مغنيه: وفي «رب» ست عشرة لغة، ضم الراء وفتحها، وكلاهما مع التشديد والتخفيف، والأوجه الأربعة مع تاء التأنيث ساكنة، أو محركة، ومع التجرد منها، فهذه اثنتا عشرة، والضم والفتح مع إسكان الباء، وضم الحرفين مع التشديد، ومع التخفيف. انتهى.\nأقول: لم تذكر «رب» في غير هذه الآية من القرآن الكريم، ويكثر ذكرها في الشعر العربي، والكلام العربي، وهي حرف جر شبيه بالزائد لا يتعلق بشيء، فمحل مجرورها في نحو «ربّ رجل صالح عندي» رفع على الابتدائية، وفي نحو «رب رجل صالح لقيت» على المفعولية، وفي نحو «ربّ رجل صالح لقيته» رفع، أو نصب، كما في قولك: «هذا لقيته» وكثيرا ما تحذف في الشعر، وتحل الواو محلها، وتسمى حينئذ واو رب، ولا يجمع بينها وبين الواو، ويجب تصديرها في أول الكلام، وتنكير مجرورها، ونعته إن كان ظاهرا، وإفراده، وتذكيره، وتمييزه بما يطابق المعنى؛ إن كان ضميرا، وانظر بحثها وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب.\n ﴿يَوَدُّ:﴾ يتمنى، ويحب، والماضي: ود، والود: الحب، وهو بتثليث الواو، والودود:\nالكثير الحب. ﴿لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ:﴾ لقد اختلف في تمني إسلامهم متى يكون، فقيل: حين معاينة نصر المسلمين عليهم. وقيل: عند نزول الموت بهم. وقيل: عند القيامة. وقيل: عند إخراج المسلمين المجرمين من نار الجحيم، وهو المشهور، فعن أبي موسى الأشعري﵁-","vol":"5","page":78},{"text":"عن النبي ﷺ قال: «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فيغفرها الله لهم بفضل رحمته، فيأمر الله بكلّ من كان من أهل القبلة في النار، فيخرجون منها، فحينئذ يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين». ذكره البغوي بغير سند. انتهى. خازن. وفي القرطبي قريب من معناه، وهو من رواية جابر بن عبد الله، -﵄-.\nالإعراب: ﴿رُبَما:﴾ كافة ومكفوفة، وقال الأخفش: (رب) حرف جر شبيه بالزائد لا يتعلق بشيء، و(ما): نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر لفظا ب: (رب)، وهي في محل رفع مبتدأ. ﴿يَوَدُّ:﴾ مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والجملة مستأنفة على اعتبار (رب) مكفوفة، وفي محل جرّ صفة (ما)، على اعتبارها موصوفة، والرابط محذوف، التقدير:\nيوده الذين كفروا، وعليه فخبر المبتدأ (ما) محذوف تقديره موجود، وعليه فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و﴿لَوْ﴾ المصدرية وما بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به؛ أي: يود الذين كفروا كونهم مسلمين على اعتبار (ما) كافة لرب، وعلى اعتبارها نكرة موصوفة فالمصدر المؤول بدل منها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿لَوْ﴾ امتناعية، فيكون جوابها محذوفا، تقديره: لسروا بذلك، أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول يود محذوف على هذا التقدير؛ أي: ربما يود الذين كفروا النجاة، وعليه ف: ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، والأول: أقوى بلا ريب.\n\n<span id=\"aya-1805\"></span>﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿ذَرْهُمْ:﴾ اتركهم. ﴿يَأْكُلُوا﴾ أي: كما تأكل الأنعام. ﴿وَيَتَمَتَّعُوا:﴾ بدنياهم، وما فيها من نعيم، ولذات، وشهوات. ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ:﴾ يشغلهم عن الإيمان بالله، وعن طاعته وعبادته الأمل في هذه الدنيا. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إذا وردوا القيامة، وذاقوا، وبال ما صنعوا، ففيه تهديد، ووعيد لمن أخذ حظه من الدنيا ولذاتها، ولم يأخذ بحظه من طاعة الله ﷿، قال بعض أهل العلم: ﴿ذَرْهُمْ﴾ تهديد، و﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد فكيف يهنأ العيش بين تهديدين، وهذه الآية منسوخة بآية القتال، فإن المخاطب بذلك النبي ﷺ والمعنيّ بالتهديدين كفار قريش.\n ﴿ذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، والمستعمل من هذه المادة المضارع والأمر بكثرة في القرآن الكريم، وفي الكلام العربي، ومثله: «دع» ومضارعه: يدع، فكلا المادتين ناقص التصرف، وهما بمعنى:","vol":"5","page":79},{"text":"الترك، وقد سمع الماضي منهما سماعا نادرا فقالوا: وذر، وودع بوزن وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى:\nأنهم لم يتكلموا به البتة، بل تكلموا به دهرا طويلا، ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا إلا ما سمع منه سماعا نادرا.\nقال قطة العدوي: قال بعض المتقدمين: زعم النحاة: أن العرب أماتت ماضي «ودع» ومصدره، واسم مفعوله، واسم فاعله، مع أنه قد قرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ بتخفيف الدال، بمعنى: ما تركك، وكذا قرأ مقاتل، وابن أبي عبلة، وقال الرسول ﷺ: «شرّ الناس من ودعه الناس اتقاء شرّه». وقال ﵊: «دعوا الحبشة ما ودعوكم». ورواه الجمل: «ذروا الحبشة ما وذرتكم». وقال أبو العتاهية الصوفي: [المنسرح]\nأثروا فلم يدخلوا قبورهم... شيئا من الثروة الّتي جمعوا\nوكان ما قدّموا لأنفسهم... أعظم نفعا من الّذي ودعوا\nوقال آخر: [الطويل]\nوثمّ ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراف المثقّفة السّمر\nوقال أنس بن رؤيم: [الرمل]\nليت شعري عن خليلي ما الّذي... غاله في الحبّ حتّى ودعه\nفها هو الماضي قد ورد عن أفصح العرب قراءة وحديثا، وكذا في شعر العرب، وورد المصدر أيضا في قول النبي ﷺ: «لينتهينّ قوم عن ودعهم الجمعات، وفي رواية: (الجماعات) أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين». أخرجه مسلم وغيره، وورد اسم المفعول، واسم الفاعل من «ودع» في قول خفاف بن ندبة: [الطويل]\nإذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى، وهو مودوع وواعد مصدق\nفكيف يقال: إن العرب أماتته؟! فالصواب القول بقلة الاستعمال، لا بالإماتة. انتهى.\nبتصرف كبير. هذا؛ وما قيل في «ودع» ومضارع «يدع»، وأمره «دع» يقال في: وذر، ومضارعه:\n «يذر»، وأمره: «ذر»، كما يقال في «وعم» ومضارعه «يعم»، وأمره «عم»، وانظر الشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا فتح القريب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿الْأَمَلُ:﴾ من أمّل يؤمّل، تأميلا: إذا رجى الأمر، وأكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله بخلاف الطمع، فإنه لا يكون إلا فيما يرجى حصوله، وقد يكون «الأمل» بمعنى: الطمع، وأما الرجاء؛ فهو بين الأمل والطمع، والآمال في الدنيا رحمة من الله تعالى، حتى عمر بها الدنيا،","vol":"5","page":80},{"text":"وتم صلاحها، قال النبي ﷺ: «الأمل رحمة من الله تعالى لأمّتي، ولولا ذلك ما غرس غارس شجرة، ولا أرضعت أمّ ولدا» قال الشاعر: [البسيط]\nوللنّفوس، وإن كانت على وجل... من المنيّة آمال تقوّيها\nفالمرء يبسطها والدهر يقبضها... والنفس تنشرها والموت يطويها\nوقال القرطبي: وطول الأمل داء عضال ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتد علاجه، ولم يفارقه داء، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطباء، ويئس من برئه الحكماء والعلماء، وحقيقة الأمل الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحب لها، والإعراض عن الآخرة، وقال الحسن: ما أطال عبد الأمل، إلا أساء العمل، وصدق﵁-، فالأمل يكسل عن العمل، ويورث التراخي، والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض، ويميل إلى الهوى، وهذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان، ولا يطلب صاحبه ببرهان. انتهى.\nالإعراب: ﴿ذَرْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿يَأْكُلُوا:﴾\nمضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وَيَتَمَتَّعُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿وَيُلْهِهِمُ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم أيضا، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، والهاء مفعول به. ﴿الْأَمَلُ:﴾ فاعله، والجمل كلها لا محل لها، فالأولى، مستأنفة، والثانية لوقوعها جوابا للطلب، وما بعدها بسبب العطف عليها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف.\n (سوف): حرف استقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقيل: الفاء الفصيحة، وعليه فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا منهم فسوف يعلمون، وفيه ركاكة لا تخفى، لذا فالمعتمد ما ذكرته أولا في الفاء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1806\"></span>﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية، والمراد: هلاك الاستئصال، كما فعل الله بقرى قوم لوط ونحوها. ﴿إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: أجل مضروب، ووقت معين، لا يتقدم العذاب، ولا يتأخر عنه. هذا؛ والقرية في الأصل: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، وكثيرا ما أطلق عليها اسم القرية، كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها: قروي وقريي.","vol":"5","page":81},{"text":"الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَلَها:﴾ الواو: واو الحال. (لها): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كِتابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ في محل نصب حال من ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وهي نكرة، وكان الواجب أن تكون صفة لها، على القاعدة: «الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال». والمعارض في ذلك الواو، فإنها لا تعترض بين الصفة والموصوف، خلافا للزمخشري، وأبي البقاء، وإنما توسطت الواو في رأي: الزمخشري؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والذي أجازه الزمخشري هنا، وأجازه أبو البقاء في آية البقرة رقم [٢١٤] هو رأي:\nابن خيران، وسائر النحويين يخالفونه، وانظر (الشعراء) الآية رقم [٢٠٨].\nأقول: والشاهد على هذه المسألة في «مغني اللبيب» قول قيس بن ذريح، وهو الشاهد رقم [٧٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد «مغني اللبيب» انظره وما بعده تجد ما يسرك ويثلج صدرك. [الطويل]\nمضى زمن والناس يستشفعون بي... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع\n\n<span id=\"aya-1807\"></span>﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾\nالشرح: المعنى: إن الأجل المضروب لهم، وهو وقت الموت، أو نزول العذاب لا يتقدم، ولا يتأخر، ونظير هذه الآية في الأعراف رقم [٣٤] مع الفارق بينهما دخول الهاء في ﴿أَجَلَها﴾ هنا لإرادة الأمة، والواو في ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ لإرادة الرجال، وانظر أمة في الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﵇. هذا؛ وقد روعي لفظ أمة بقوله: ﴿أَجَلَها﴾ فأفرد، وأنث، وروعي معناها بقوله: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فجمع وذكر.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تَسْبِقُ:﴾ مضارع. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أُمَّةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿أَجَلَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿ما تَسْبِقُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَسْتَأْخِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع..\nإلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-1808\"></span>﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾\nالشرح أي: قال كفار قريش للرسول ﷺ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: القرآن، وذلك على سبيل التهكم، والاستهزاء بدليل قولهم: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ونظيره قول فرعون: ﴿إِنَّ﴾","vol":"5","page":82},{"text":"رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. وإنما نسبوه إلى الجنون؛ لأنه ﷺ كان يظهر عند نزول الوحي عليه ما يشبه الغشي، فظنوا أن ذلك جنون. وقيل: إن الرجل إذا سمع كلاما مستغربا من غيره، فربما نسبه إلى الجنون الذي هو زوال العقل، أو فساده. هذا؛ وقرئ ﴿(نُزِّل)،﴾ بالبناء للمجهول مع التشديد، وبالمعلوم مع التخفيف.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من لفظ (أيها) وانظر إعراب ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ في الآية رقم [٨٨] من سورة (يوسف) ﵇؛ إن أردت الزيادة. ﴿نُزِّلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الذِّكْرُ:﴾ نائب فاعل ﴿نُزِّلَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المجرور ب: (على) ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَمَجْنُونٌ:﴾ خبر (إن)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1809\"></span>﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ﴾ أي: هلا تنزل علينا الملائكة ليصدقوك فيما تقول، ويعضدوك في دعوتك، فهو كقولهم في سورة (الفرقان) رقم [٧]: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا،﴾ أو تنزل علينا الملائكة للانتقام، والعقاب على تكذيبنا لك، كما أنزلت على الأمم الذين كذبوا رسلهم. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي: في قولك: إنك نبي مرسل، وإن هذا القرآن من عند الله تعالى فائتنا بالملائكة، وانظر شرح (الملائكة) في الآية رقم [٢٥] من سورة (الرعد).\nتنبيه: ﴿لَوْ ما:﴾ هنا حرف تحضيض، لا يليها إلا الفعل ظاهرا، أو مضمرا، والامتناعية لا يليها إلا الأسماء لفظا، أو تقديرا عند البصريين، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nلولا ولو ما يلزمان الابتدا... إذا امتناعا بوجود عقدا\nواختلف في: ﴿لَوْ ما﴾ هل هي بسيطة أم مركبة، فقال الزمخشري: «لو» ركبت مع «لا» تارة، وتارة مع «ما» لمعنيين، وزعم المالقي: أن «لو ما» لا تأتي إلا للتحضيض، ويرده قول الشاعر: [الكامل]\nلو ما الإصاخة للوشاة لكان لي... من بعد سخطك في رضاك رجاء\nوقال ابن مقبل: [البسيط]","vol":"5","page":83},{"text":"لو ما الحياء ولو ما الدّين عبتكما... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري\nالإعراب: ﴿لَوْ ما:﴾ حرف تحضيض. ﴿تَأْتِينا:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» و(نا): مفعول به. ﴿بِالْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب «لو ما» محذوف لدلالة ما قبله عليه، انظر تقديره في الشرح، والكلام في الآية كله من مقول الكافرين.\n\n<span id=\"aya-1810\"></span>﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي: ما ننزل الملائكة إلا بالحكمة، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا تشاهدونها، وتشهد لكم بصدق النبي ﷺ؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار، ولا حكمة أيضا في معاجلتكم بالعقوبة، فإن منكم، ومن ذراريكم من سبقت له كلمتنا بالإيمان. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\n ﴿وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ أي: لو أنزلت عليهم الملائكة بالعذاب؛ لم يمهلوا، ولم يؤخروا ساعة. هذا؛ وقرئ الفعل: (ننزّل) بنون المضارعة الدالة على العظمة ونصب الملائكة، وقرئ:\n «(تنزّل)» بضم التاء، وفتح النون والزاي المشددة مبنيا للمفعول، ورفع (الملائكة)، وقرئ: «(ما تنزّل)» بفتح التاء والنون والزاي المشددة، ورفع الملائكة، كما قرئ: «(تنزل)» بفتح التاء وسكون النون وكسر الزاي، ورفع (الملائكة)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ:﴾ انظر اختلاف القراءات في الشرح. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا تنزيلا ملتبسا بالحق. وهو قول الزمخشري، وأجاز السمين تعليقهما بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الفاعل، أو المفعول؛ أي: ملتبسين بالحق. (ما): نافية: كانوا ماض ناقص مبني على الضم والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب وجزاء لا عمل له، ومعناه: حينئذ. أفاده القرطبي، وهو يفيد: أنه ظرف زمان متعلق بما بعده، والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، وعليه فتقدير الكلام كما يلي: وما كانوا منظرين حين تنزل الملائكة بعذابهم، وهو جيد المعنى. افهم هذا، واحفظه فإنه جيد. ﴿مُنْظَرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء\nإلخ، وجملة: ﴿وَما كانُوا..﴾. إلخ جواب لشرط مقدر بلو، انظر الشرح، ولو المقدرة ومدخولها كلام معطوف على الجملة الفعلية قبله لا محل له مثلها؛ لأنها مستأنفة.","vol":"5","page":84},{"text":"<span id=\"aya-1811\"></span>﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ أي: القرآن أنزلناه عليك يا محمد، وهو جواب لقولهم:\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ فأخبر الله: أنه هو الذي أنزله على قلب محمد ﷺ. ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أي: حافظون للذكر من الزيادة فيه، والنقص منه، والتغيير، والتبديل، والتحريف، فالقرآن العظيم محفوظ بحمد الله تعالى من هذه الأشياء كلها، لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه، أو ينقص منه حرفا واحدا، وهذا مختص بالقرآن العظيم، بخلاف سائر الكتب المنزلة، فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتزييف، والزيادة والنقصان، ولما تولى الله ﷿ حفظ هذا الكتاب بقي مصونا إلى الأبد، محروسا من الزيادة والنقصان. انتهى خازن. وإنما سماه الله ذكرا؛ لأن فيه مواعظ، وتنبيها للغافلين.\nأقول: دخل سائر الكتب المنزلة التغيير، والتبديل، والتحريف بسبب إسناد حفظها للأحبار، والرهبان، كما قال تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المائدة) ولو وكل الله تعالى حفظ هذا الكتاب لعلماء المسلمين، لغيروا فيه، وبدلوا، فقد وجد ويوجد في كل عصر، ومكان علماء فاسقون، ضالون يزيفون الحقائق، ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا، ولا يستبعد منهم أن يدعموا ضلالهم بآيات من القرآن الكريم كذبا، وزورا، وبهتانا، وفجورا، ولكن احتجاجهم ببعض الآيات باطل، لا يخفى على من عنده معرفة ببعض أحكام هذا الدين، وفهم لكتاب الله العزيز. هذا؛ وقد قيل: إن الضمير في: ﴿لَهُ﴾ يعود إلى النبي ﷺ؛ أي: وإنا لمحمّد لحافظون ممّن أراده بسوء، فهو كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ والقول الأول: أصح وأشهر، وهو قول الأكثرين؛ لأنه أشبه بظاهر التنزيل وردّ الكناية إلى أقرب مذكور أولى، وهو الذكر.\nتنبيه: روى القرطبي في تفسيره ما يلي: قال يحيى بن أكثم: كان للمأمون مجلس نظر (أي:\nمناظرة ومناقشة في جميع فنون العلم)، فدخل في جملة الناس رجل يهودي، حسن الثوب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم، فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما تقوض المجلس، دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم، قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع (أي: من الإكرام) ووعده، فقال: ديني ودين آبائي، وانصرف، قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما، قال: فتكلم على الفقه، فأحسن الكلام، فلما تقوّض المجلس دعاه المأمون، وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى! قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها، ونقصت، وأدخلتها «الكنيسة»، فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت","vol":"5","page":85},{"text":"فيها ونقصت، وأدخلتها «البيعة» فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ، وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها دار الورّاقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان، رموا بها، فلم يشتروها، فعلمت: أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي! قال يحيى بن أكثم:\nفحججت تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له الخبر، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله ﷿. قال: قلت: في أي موضع؟ قال في قول الله ﵎ في التوراة والإنجيل: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ﴾ فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال ﷿: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ فحفظه الله ﷿ علينا، فلم يضع. انتهى. بحروفه. هذا والبيعة لليهود، والكنيسة للنصارى، فلك الحمد يا رب العالمين على حفظك كتابنا!\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، وقد حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ، أو هو تأكيد لاسم (إنّ) على المحل، ولا يجوز أن يكون فصلا؛ لأن ما بعدها ليس معرفة، ولا ما قاربها، بل هو مما يقوم مقام النكرة: إذ هو جملة، والجمل تكون نعتا للنكرات، فحكمها حكم النكرات وجوز الجرجاني اعتباره فصلا. ﴿نَزَّلْنَا الذِّكْرَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، أو الجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) على الاعتبارين الأخيرين في الضمير، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنّا نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿لَحافِظُونَ:﴾\nخبر (إنّ) مرفوع... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، واعتبارها حالا من: (نا) الفاعل، أو من المفعول: ﴿الذِّكْرَ﴾ جيد، والرابط على الاعتبارين:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1812\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ قال الخازن: لما تجرأ كفار مكة على رسول الله ﷺ، وخاطبوه بالسفاهة، وهو قولهم: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أخبره الله ﷿: أن عادة الكفار في قديم الزمان مع أنبيائهم كذلك؛ أي: فلك يا محمد أسوة في الصبر على أذى قومك بجميع الأنبياء، ففيه تسلية للنبي ﷺ. هذا؛ و﴿شِيَعِ﴾ جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة وأشياع، وأصله من التشيع، ومعنى الشيعة: الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان، وفي «القاموس المحيط»: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا بن أبي طالب، وأهل بيته، حتى صار اسما لهم خاصة،","vol":"5","page":86},{"text":"والجمع أشياع، وشيع كعنب. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ جمع: أول، انظر شرحه في الآية رقم [٢٤] من سورة (النحل)؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم... إلخ، أو: وأقسم والله، اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: موطئة، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا واحفظه فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب-يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم.\nفالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: ورب الضحى، ورب السماء.. إلخ. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل وفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي شِيَعِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة للمفعول المحذوف، التقدير: ولقد أرسلنا من قبلك رسلا كائنين من شيع، و﴿شِيَعِ:﴾ مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والإضافة من إضافة الموصوف إلى صفته، وجملة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم الذي رأيت تقديره لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1813\"></span>﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١)﴾\nالشرح: في هذه الآية تسلية للنبي ﷺ، والمعنى: كما فعل بك كفار قريش من الاستهزاء، والوصف بالجنون، وغير ذلك فعل كفار الأمم السابقة برسلهم، وانظر شرح الرسول في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد). ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ ماضيه أتى، وهو يستعمل لازما، إن كان بمعنى:\nحضر، وأقبل: ومتعديا. إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول: قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني: الآية الكريمة، ومثلها كثير.\nهذا و«الاستهزاء بالشيء»: السخرية منه، والاستخفاف به، وهو مذموم، وصاحبه مطرود من رحمة الله تعالى، وانظر ما تفيده سورة (الحجرات)، إن كنت من أهل القرآن، بالإضافة إلى الأحاديث النبوية الشريفة التي تشدّد النكير على المستهزءين بالناس.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ فاعل","vol":"5","page":87},{"text":"مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ وهذه الجملة في محل نصب حال من الضمير المنصوب والرابط: الضمير فقط، أو هي في محل جر صفة ﴿رَسُولٍ﴾ على اللفظ، أو على المحل، وجملة: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها حالا من ﴿الْأَوَّلِينَ،﴾ ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1814\"></span>﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ..﴾. إلخ: السّلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط، والرمح في المطعون. هذا؛ وسلك، وأسلك بمعنى واحد، ومعنى الآية: كما أدخلنا الكفر والتكذيب، والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك نسلكه، وندخله في قلوب المجرمين من أهل مكة، وفيه ردّ على القدرية والمعتزلة، وهي أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق، ولم يعاند، وانظر الآية رقم [١٣] من سورة (إبراهيم) ﵇ للتعبير عن الكافرين بالمجرمين ونحوه، وانظر المضل، والهادي في الآية رقم [٣٤] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نسلكه في قلوب المجرمين سلكا كائنا مثل سلكه في قلوب الأمم السابقة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَسْلُكُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿قُلُوبِ:﴾ مضاف، و﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾\nمضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-1815\"></span>﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ. وقيل: بالقرآن. ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ:﴾ فيه وعيد، وتهديد لكفار مكة، يخوفهم الله أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم الماضية المكذبة للرسل من العقاب، والهلاك.\nهذا؛ وقد قيل: إن الضمير في ﴿نَسْلُكُهُ﴾ وفي هذه الآية يعودان إلى ﴿الذِّكْرَ﴾ وهو شيء واحد، والمعنى: مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذّبا غير مؤمن به. وهذا الاحتجاج ضعيف؛ إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه، ولا يتعين أن تكون","vol":"5","page":88},{"text":"الجملة حالا من الضمير؛ لجواز أن تكون حالا من المجرمين، ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول، بل يقويه. انتهى بيضاوي.\nهذا؛ والسنة: هي الطريقة، والشريعة، وهي تكون حسنة إن كانت في الخير، وتكون سيئة إن كانت في الشر، قال النبي ﷺ: «من سنّ خيرا فاستنّ به كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». وانظر الآية رقم [٢٥] من سورة (النّحل). وجمع سنة: سنن، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ..﴾. إلخ أي: وقائع سنها الله في الأمم التي كذبت رسلها.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾. وقيل: حال من الضمير المنصوب، انظر الشرح، والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، التي هي حرف لا محل له.\n ﴿سُنَّةُ:﴾ فاعله، و﴿سُنَّةُ﴾ مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿وَقَدْ خَلَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا ضعيف.\n\n<span id=\"aya-1816\"></span>﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾\nالشرح: معنى الآية: لو فتحنا على هؤلاء المكذبين؛ الذين طلبوا نزول الملائكة عليهم بابا من السماء، فظلوا يصعدون إليها، ويرون عجائبها طول نهارهم مستوضحين لما يرون في ملكوت السموات، وما فيها؛ لما آمنوا لعنادهم، وكفرهم، ولقالوا: إنا سحرنا. وقيل: المراد عروج الملائكة، فيكون المعنى: لو كشف عن أبصار هؤلاء الكفار، فرأوا بابا من السماء مفتوحا، والملائكة تصعد فيه؛ لما آمنوا. هذا؛ و(ظلوا) أصله: ظللوا، فأسكنت اللام الأولى بعد إسقاط حركتها، وأدغمت في الثانية، وذلك كراهة أن يجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة، وهذا يطرد في كل مضعّف، فإذا اتصل بضمير متحرك؛ وجب الفك، مثل قولك:\nظللت، وظللنا.. إلخ، وتقول: ظللت أفعل ذلك وظللت أفعله، وظلت أفعله، وظلت أفعله: إذا كنت تفعله نهارا، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ بقراءات ثلاث، وقد يراد به عدم التوقيت في النهار، ويستفاد منه الاستمرار كما في قوله تعالى: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿فَتَحْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿بابًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بابًا،﴾ وجملة: ﴿فَتَحْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها","vol":"5","page":89},{"text":"جملة شرط غير ظرفي. (ظلوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَعْرُجُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (ظلوا) وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1817\"></span>﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا:﴾ قال ابن عباس﵄-: سدّت أبصارنا مأخوذ من: سكر النهر إذا حبس، ومنع من الجري. وقيل: هو من: سكر الشراب، والمعنى:\nإن أبصارهم حارت، ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع للسكران من تغيير العقل، وفساد النظر. وقيل: سكرت: غشيت، وسكنت عن النظر، وأصله من السكور، يقال: سكرت عينه:\nإذا تحيرت، وسكنت عن النظر. ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ أي: سحرنا محمد، وعمل فينا سحره.\nوقرئ: (سكرت) بالتخفيف، والتشديد، وقرئ: «(سَكرت)».\nوحاصل معنى الآية: أن الكفار لما طلبوا من رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم الملائكة، فيروهم عيانا، ويشهدوا بصدقه؛ أخبر الله ﷾: أنه لو حصل لهم هذا، وشاهدوه عيانا؛ لما آمنوا، وقالوا: سحرنا لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿لَقالُوا﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (قالوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿سُكِّرَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿أَبْصَرْنا:﴾ نائب فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة، ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مَسْحُورُونَ:﴾ صفة قوم مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَقالُوا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n<span id=\"aya-1818\"></span>﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا:﴾ اثني عشر مختلفة الهيئات والخواص على ما دل عليه الرصد، والتجربة مع بساطة السماء، وأسماؤها: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، والعرب تعدّ المعرفة لمواقع النجوم، وأبوابها من أجلّ العلوم، ويستدلون بها على الطرقات، والأوقات، والخصب والجدب، وقالوا: الفلك اثنا عشر برجا، كل برج ميلان ونصف، وأصل البروج:\nالظهور، ومنه: تبرج المرأة بإظهار زينتها، وهذه البروج تنزلها الشمس في مسيرها، وهذه البروج","vol":"5","page":90},{"text":"مقسومة على ثمانية وعشرين منزلا، لكل برج منزلان وثلث منزل، وقد تقدم في الآية رقم [٥] من سورة (يونس) ﵇ ذكر منازل القمر، وهذه البروج مقسومة على ثلاثمائة وستين درجة، لكل برج منها ثلاثون درجة، تقطعها الشمس في كل سنة مرة، وبها تتم دورة الفلك، ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوما وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (الفرقان). ﴿وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ أي:\nالمعتبرين المستدلين بها على قدرة خالقها وصانعها، وهو الله الذي أوجد كل شيء وخلقه وصوره، كما قال تعالى في سورة (الملك): ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ..﴾. إلخ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا:﴾ انظر إعراب مثل هذا في الآية رقم [١٠] ففيه الكفاية. ﴿وَزَيَّنّاها:﴾ فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿جَعَلْنا﴾ إذا كان بمعنى: خلقنا فالجار والمجرور ﴿فِي السَّماءِ﴾ متعلقان به، وإذا كان بمعنى: صيرنا؛ فيكون ﴿بُرُوجًا﴾ مفعوله الأول، والجار والمجرور في محل نصب مفعوله الثاني.\n\n<span id=\"aya-1819\"></span>﴿وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَحَفِظْناها﴾ أي: السماء. ﴿شَيْطانٍ رَجِيمٍ:﴾ انظر شرح الاستعاذة في أول سورة (يوسف) ﵇، ففيها الكفاية. قال ابن عباس﵄-: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها إلى الكهنة، فيلقونها إليهم، فلما ولد عيسى ﵇؛ منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات أجمع، فما منهم من أحد يريد أن يسترق السّمع، إلا رمي بشهاب، فلما منعوا من تلك المقاعد؛ ذكروا ذلك لإبليس، فقال: لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم ينظرون، فوجدوا رسول الله ﷺ يتلو القرآن، فقالوا: هذا والله حدث. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿وَحَفِظْناها:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(حَفِظْناها:)﴾ ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، التي هي ضمير متصل في محل رفع فاعل، و(ها): مفعول به، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: حفظت، وحفظن.\n ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْطانٍ﴾ مضاف إليه. ﴿رَجِيمٍ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿وَحَفِظْناها..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"5","page":91},{"text":"<span id=\"aya-1820\"></span>﴿إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أي: من الشياطين، واستراق السمع: اختلاسه سرا، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطّان السموات فيما بينهم من المناسبة في الجواهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب، وحركاتها. انتهى بيضاوي. ﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ فتبعه، ولحقه. ﴿شِهابٌ مُبِينٌ:﴾ ظاهر للمبصرين، والشهاب: شعلة نار ساطعة، سمي الكوكب شهابا لأجل ما فيه من البريق.\nقال ابن عباس﵄في قوله: ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ يريد الخطفة اليسيرة، وذلك: أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء يسترقون السمع من الملائكة، فيرمون بالكواكب، فلا تخطئ أبدا، فمنهم من تقتله، ومنهم من تحرق وجهه، أو جنبه، أو يده، أو حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله، فيصير غولا، يضل الناس في البوادي.\nعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء؛ ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنّه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم؛ قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا: للّذي قال الحقّ، وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض-ووصف سفيان بكفّه، فحرفها، وبدّد بين أصابعه-فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته؛ حتّى يلقيها على لسان السّاحر، أو الكاهن، فربّما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال له: أليس قد قال لنا يوم كذا، وكذا؟ فيصدّق بتلك الكلمة التي سمعت من السّماء». أخرجه البخاري.\nتنبيه: لقد اختلف هل كانت الشياطين ترمى بالشهب قبل مبعث رسول الله ﷺ على قولين:\nأحدهما: أنه لم يكن ذلك موجودا قبل مبعثه ﵊، والثاني: أنه كان موجودا، ولكن لما بعث شدد وغلظ عليهم، وزيد في حفظ السماء وحراستها، صونا لأخبار الغيوب.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من ﴿كُلِّ شَيْطانٍ،﴾ فهو منقطع. وقيل: متصل، وأجاز أبو البقاء اعتبار ﴿مَنِ:﴾ في محل جر بدل من ﴿كُلِّ،﴾ وبه قال البيضاوي، كما أجاز أبو البقاء وجها ثالثا، وهو اعتباره مبتدأ، والمعتمد الأول: من الثلاثة. ﴿اِسْتَرَقَ:﴾ ماض وفاعله يعود إلى (من) ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أتبعه):\nماض، والهاء مفعول به. ﴿شِهابٌ:﴾ فاعله. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"5","page":92},{"text":"<span id=\"aya-1821\"></span>﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ:﴾ انظر الآية رقم [٣] من سورة (الرعد) ففيها الكفاية. ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها﴾ أي: في الأرض، أو في الجبال. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أي: ما يوزن من الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، والقزدير؛ حتى الزرنيخ والكحل، فيكون (أنبتنا) بمعنى: خلقنا. وقيل: أنبتنا في الأرض الثمار مما يكال ويوزن. وقيل: معنى موزون متناسب في الحسن، والهيئة، والشكل، تقول العرب: فلان موزون الحركات: إذا كانت حركاته متناسبة حسنة، وكلام موزون: إذا كان متناسبا حسنا بعيدا من الخطأ والسخف أوله وزن في أبواب النعمة والمنفعة، ومعنى: (ألقينا) جعلنا، ووضعنا، وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): منصوب على الاشتغال بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهو أحسن من الرفع؛ لأنه معطوف على ﴿بُرُوجًا،﴾ وقد عمل فيه الفعل قبله، فيكون العطف عطف جملة فعلية على ما قبلها. ﴿مَدَدْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة للجملة المحذوفة، لا محل لها، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، وما بعدها معطوف عليها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿مِنْ﴾ تبعيضية، ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة، فيكون ﴿كُلِّ﴾ مفعولا به مجرورا لفظا منصوبا محلا. وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف التقدير: نباتا من كل شيء، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَوْزُونٍ﴾ صفة شيء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-1822\"></span>﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ:﴾ تعيشون بها من المطاعم والملابس، وقرئ شاذا:\n «(معائش)» بالهمز كصحائف، وهو ليس مثله؛ لأن المد في صحيفة زائد، وفي معيشة أصلي؛ لأن أصلها معيشة كمكرمة، أو معيشة كمنزلة، أو معيشة كمتربة، فالياء أصلية على كل حال. هذا؛ والمعيش والمعيشة: مكسب الإنسان الذي يعيش به، وفي القاموس: العيش: الحياة، والعيش:\nالطعام، وما يعاش به. ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ أي: من العيال، والخدم، والحيوانات، وسائر ما يظنون أنهم يرزقونهم ظنا كاذبا، فإن الله يرزق الجميع، كما قال ﷾: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها..﴾. إلخ الآية رقم [٦] من سورة (هود) ﵇، والمعنى:\nأنتم تنتفعون بهذه الأشياء، وخلقت لمنافعكم، ولستم برازقين لها، وإنما الرازق للجميع هو الله، وهذا في غاية الامتنان.","vol":"5","page":93},{"text":"الإعراب: (جعلنا): فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿مَعايِشَ﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» وهذا أولى من التعليق بالفعل. ﴿مَعايِشَ:﴾\nمفعول به ثان، والمفعول الأول: ﴿لَكُمْ،﴾ أو هو على العكس، والجملة الفعلية: ﴿(جَعَلْنا...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون وفيه خمسة، أوجه: أحدها، وهو قول الزجاج: أنه منصوب بفعل مقدر، تقديره: وأغنينا من لستم له برازقين كالعبيد، والدواب، والوحوش.\nالثاني: أنه منصوب عطفا على ﴿مَعايِشَ؛﴾ أي: وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين من الدواب المنتفع بها. الثالث: أنه منصوب عطفا على محل ﴿لَكُمْ﴾. الرابع: أنه مجرور عطفا على الكاف المجرورة باللام، وجاز ذلك من غير إعادة الجار على رأي: الكوفيين وبعض البصريين. الخامس: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف؛ أي: ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿لَسْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والميم علامة جميع الذكور. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِرازِقِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (رازقين): خبر (ليس) مجرور لفظا منصوب محلا، وجملة: ﴿لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وفاعل (رازقين) مستتر فيه.\n\n<span id=\"aya-1823\"></span>﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ أي: وإن من شيء من أرزاق الخلق ومنافعهم إلا عندنا خزائنه؛ يعني: المطر المنزل من السماء؛ لأن به نبات كل شيء، ومعنى: ﴿عِنْدَنا﴾ أنه في حكمه جلت قدرته، وتصرفه، وأمره، وتدبيره. ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي: بقدر الكفاية. وقيل: إن لكل أرض حدا، ومقدارا من المطر، يقال: لا تنزل قطرة مطر من السماء، إلا ومعها ملك يسوقها إلى حيث شاء الله تعالى. وقيل: إن المطر ينزل من السماء كل عام بمقدار واحد، لا يزيد، ولا ينقص، ولكن الله تعالى يمطر أقواما، ويحرم آخرين. هذا؛ والخزائن جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء للحفظ، يقال: خزن الشيء إذا أحرزه، ووضعه في مكان أمين. هذا؛ والإنزال بمعنى: الإنشاء والإيجاد، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ وقوله:\n ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن) حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر","vol":"5","page":94},{"text":"المبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿خَزائِنُهُ:﴾ فاعل بالظرف لاعتماده على النفي، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز اعتبار الظرف متعلقا بمحذوف خبر مقدم و﴿خَزائِنُهُ﴾ مبتدأ مؤخر، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. وقيل: عاطفة، والأول: أقوى لتخالف الجملتين بالاسمية والفعلية. (ما): نافية. ﴿نُنَزِّلُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به؛ ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِقَدَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ﴿مَعْلُومٍ:﴾ صفة (قدر)، والجملة الفعلية: ﴿وَما نُنَزِّلُهُ..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وساغ مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنه كجزئه لملابسته له، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n\n<span id=\"aya-1824\"></span>﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ أي: حوامل؛ لأنها تحمل الماء، والتراب، والسحاب، والخير، والنفع، وهي جمع: لاقح، وقال الأزهري: وجعل الريح لاقحا؛ لأنها تحمل السحاب؛ أي: تنقله، وتصرفه، ثم تمريه، فتستدره؛ أي: تنزله، قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الأعراف)، فقد شبه سبحانه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم، أو الرياح ملقحات للسحاب والشجر والنبات وعليه فهي جمع ملقح؛ لأنه من ألقح يلقح، فهو ملقح، فجمعه ملاقح، فحذفت الميم تخفيفا لظهور المعنى، ومثله الطوائح، والأصل المطاوح، وقال الفراء: اللواقح جمع: لاقح على النسب كلابن وتامر؛ أي: ذات لقاح، وفي الكلام استعارة لا تخفى. ﴿فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أي: جعلنا الماء النازل من السحاب لسقياكم، ولسقي مواشيكم وأرضكم. ﴿وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أي: لستم بخازنين للمطر، وإنما هو مخزون عند الله، فهو الذي ينزله إذا شاء، ويمسكه إذا شاء، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ الآية [١٨] من سورة (المؤمنون). هذا و«السماء» يذكر، ويؤنث، و«السماء» كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، و«السماء» المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك: [الوافر]\nإذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا","vol":"5","page":95},{"text":"أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في: «رعيناه» بمعنى: النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة.\nالإعراب: (أرسلنا): فعل وفاعل. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به. ﴿لَواقِحَ:﴾ مفعول به ثان. وقيل:\nهو حال مقدرة من ﴿الرِّياحَ،﴾ وجملة: ﴿وَأَرْسَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنا فِي السَّماءِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (ماء)، كان صفة له... إلخ. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية:\n ﴿فَأَنْزَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَأَسْقَيْناكُمُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعولاه، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم تحسينا للفظ، فتولدت واو الإشباع، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿لَهُ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿بِخازِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (خازنين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1825\"></span>﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي:﴾ ما نريد إحياءه بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة لها.\n ﴿وَنُمِيتُ:﴾ بإزالة الحياة من تلك الأجسام، وهو يعم الحيوان، والنبات. ﴿وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ أي:\nالأرض ومن عليها، ولا يبقى شيء سوانا، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ فملك كل شيء لله تعالى، ولكن ملك عباده وكالة، فإذا ماتوا؛ عاد الملك لمالكه الحقيقي، وتكرير الضمير للدلالة على الحصر.\nهذا وقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح): وقوله تعالى: ﴿أَخَّرْنا،﴾ ﴿جَعَلْنَا،﴾ ﴿إِنّا،﴾ ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا شركاء، ولا نظراء، والله خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة، وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن\nإلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى.","vol":"5","page":96},{"text":"أقول: و(نا): هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الكافرون، والملحدون فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم به العبد، فيقول: أخذنا وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع.\nالإعراب: ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف استئناف، ﴿(إِنّا):﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنَحْنُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (نحن): مبتدأ.\n ﴿نُحْيِ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وأجيز في الضمير المنفصل أن يكون تأكيدا لاسم (إنّ) على المحل، ولا يجوز أن يكون فصلا؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَنُمِيتُ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ في محل نصب حال من فاعل (نميت) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-1826\"></span>﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: معنى الآية الكريمة: علمنا من استقدم، ولادة وموتا، ومن استأخر، أو من خرج من أصلاب الرجال، ومن لم يخرج بعد، أو من تقدم إلى الجهاد والإسلام، والطاعة، ومن تأخر. والمراد: لا يخفى علينا شيء من أحوالكم، وهو بيان على كمال علمه، بعد الاحتجاج على كمال قدرته، فإن ما يدل على قدرته دليل على علمه. وقيل: رغّب رسول الله ﷺ في الصف الأول: في الصلاة، فازدحموا عليه، فنزلت. وقيل: المستقدمين في صفوف الصلاة، والمستأخرين فيها بسبب النساء، وكل هذا معلوم لله تعالى، فإنه عالم بكل موجود ومعدوم، وعالم بمن خلق، وما هو خالقه إلى يوم القيامة، ورجح القرطبي السبب الأخير؛ لما رواه النسائي، والترمذي عن ابن عباس﵁قال: «كانت امرأة تصلّي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدّم حتى يكون في الصّفّ الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصّف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فنزلت الآية الكريمة». هذا والفعل ﴿عَلِمْنَا﴾ في الجملتين من المعرفة، لا العلم، انظر شرح ذلك في الآية [٤٤] من سورة (الرعد).","vol":"5","page":97},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا..﴾. إلخ: انظر مثل هذا في الآية رقم [١٠] جملا وإفرادا. ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، وحذف مثلهما من ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1827\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ:﴾ يخرجهم من قبورهم، ويجمعهم للحساب لا محالة، وتوسيط الضمير للدلالة على أنه القادر المتولي لحشرهم لا غير، وتصدير الجملة ب: (إنّ) لتحقيق الوعد، والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته، وعلمه بتفاصيل الأشياء، يدل على صحة الحكم، كما صرح به بقوله: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ أي: باهر الحكمة متقن في أعماله، لا يفعل إلا ما فيه حكمة، أو على وفقها. ﴿عَلِيمٌ﴾ قد وسع علمه كل شيء، ويعلم ما كان وما سيكون، ويعلم من سبقت له العناية الأزلية بالسعادة الأبدية، فيوفقه لعملها.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف، (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾\nضمير منفصل مؤكد لاسم (إنّ) على المحل. ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ؛ فتكون الجملة الفعلية خبره، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية:\n ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ خبران ل: (إنّ)، والجملة الاسمية مؤكدة لسابقتها لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-1828\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ يعني آدم ﵇ في قول جميع المفسرين، سمي إنسانا؛ لظهوره وإدراك البصر إياه. وقيل: من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسي. ﴿مِنْ صَلْصالٍ:﴾\nيعني من الطين اليابس الذي إذا نقرته سمعت له صلصلة، يعني صوتا وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار، وقد ضعّفت فيه الصاد واللام، وقال ابن عباس﵄هو الطين الحر الطيب، الذي إذا نضب عنه الماء تشقق، فإذا حرّك تقعقع. وقال مجاهد: هو الطين المنتن، واختاره الكسائي. ﴿مِنْ حَمَإٍ:﴾ يعني من طين أسود. ﴿مَسْنُونٍ:﴾ متغير، وقال أبو عبيدة: هو المصبوب. قال ابن عباس: هو التراب المبتل المنتن، جعل صلصالا كالفخار.\nوالجمع بين هذه الأقاويل على ما ذكره بعضهم: أن الله ﷾، لما أراد خلق آدم ﵇؛ قبض قبضة من تراب الأرض، فبلها بالماء حتى اسودت، وأنتن ريحها، وتغيرت،","vol":"5","page":98},{"text":"وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ ثم إن ذلك التراب بله بالماء وخمره حتى اسود وأنتن ريحه، وتغير، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ثم ذلك الطين الأسود المتغير صورة صورة إنسان أجوف، فلما جفّ ويبس كانت تدخل فيه الريح، فتسمع له صلصلة، يعني: صوتا، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾.\nتنبيه: وأما صفة خلق آدم ﵇، فإني أنقلها لك من الخازن بحروفه، وذلك من سورة (البقرة)، فقال وهب بن منبه-رحمه الله تعالى-: لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم؛ أوحى إلى الأرض أني خالق منك خليفة، منهم من يطيعني، ومنهم من يعصيني، فبكت الأرض، فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، فبعث الله إليها جبريل ﵇ ليأتيه بقبضة منها، من أحمرها، وأسودها، وطيبها، وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها، قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك إليّ أن لا تأخذ مني شيئا يكون للنار فيه نصيب، فرجع جبريل إلى مكانه، وقال: يا رب استعاذت بك مني، فكرهت أن أقدم عليها، فقال الله لميكائيل﵇انطلق فائتني بقبضة منها، فلما أتاها ليقبض منها، قالت له: مثل ما قالت لجبريل، فرجع إلى ربه، فقال ما قالت له، فقال لعزرائيل ﵇: انطلق فائتني بقبضة من الأرض، فلما أتاها ليقبض منها، قالت له مثل ما قالت لجبريل ولميكائيل، فقال: وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا، فقبض منها قبضة من جميع بقاعها، من عذبها، ومالحها، وحلوها، ومرها، وطيبها، وخبثها، وصعد بها إلى السماء.\nفسأله ربه ﷿وهو أعلم بما صنع-فأخبره بما قالت الأرض، وبما رد عليها، فقال الله ﷿: وعزتي وجلالي لأخلقن مما جئت به خلقا، ولأسلطنك على قبض أرواحهم، لقلة رحمتك، ثم جعل الله تلك القبضة، نصفها في الجنة، ونصفها في النار، ثم تركها ما شاء الله، ثم أخرجها، فعجنها طينا لازبا مدة، ثم حمأ مسنونا مدة، ثم صلصالا، ثم جعلها جسدا، وألقاه على باب الجنة، فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته؛ لأنهم لم يكونوا رأوا مثله، وكان إبليس يمر عليه، ويقول لأمر ما خلق هذا، ونظر إليه، فإذا هو أجوف، فقل: هذا خلق لا يتمالك، وقال يوما للملائكة: إن فضّل هذا عليكم ما تصنعون؟ فقالوا: نطيع ربنا، ولا نعصيه.\nفقال إبليس في نفسه: لئن فضّل علي لأعصينه، ولئن فضّلت عليه لأهلكنّه، فلما أراد الله تعالى أن ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل في جسد آدم، فنظرت، فرأت مدخلا ضيقا، فقالت:\nيا رب كيف أدخل هذا الجسد؟ قال الله ﷿: ادخليه كرها، وستخرجين منه كرها، فدخلت في يافوخه، فوصلت إلى عينيه، فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا، فسارت إلى أن وصلت منخريه، فعطس، فلما بلغت لسانه، قال: الحمد لله رب العالمين، وهي أول كلمة قالها،","vol":"5","page":99},{"text":"فناداه الله تعالى: رحمك ربك يا أبا محمد، ولهذا خلقتك! ولما بلغت الروح الركبتين، همّ ليقوم، فلما يقدر، قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾.\nفلما بلغت إلى الساقين والقدمين، استوى قائما بشرا سويّا، لحما، ودما، وعظاما، وعروقا، وعصبا، وأحشاء، وكسي لباسا من ظفر، يزداد جسده جمالا، وحسنا كل يوم، وجعل في جسده تسعة أبواب، سبعة في رأسه، وهي الأذنان يسمع بهما، والعينان يبصر بهما، والمنخران يشم بهما، والفم فيه اللسان يتكلم به، والأسنان يطحن بهما ما يأكله، ويجد لذة المطعومات بها، وبابين في أسفل جسده، وهما القبل والدبر يخرج منهما ثفل طعامه، وشرابه، وجعل عقله في دماغه، وفكره، وصرامته في قلبه، وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه، وحزنه في وجهه، فسبحان من جعله يسمع بعظم، ويبصر بشحم، وينطق بلحم، ويعرف بدم، وركب فيه الشهوة، وحجزه بالحياء!\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الله آدم ﵇، وطوله ستون ذراعا، ثمّ قال: اذهب فسلّم على أولئك-نفر من الملائكة-فاستمع ما يحيّونك به، فإنها تحيّتك، وتحيّة ذرّيتك، فقال: السّلام عليكم، فقالوا: السّلام عليك ورحمة الله، فزادوه رحمة الله، فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتّى الآن». متفق عليه.\nوعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا صوّر الله آدم، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به ينظر ما هو؟ فلمّا رآه أجوف؛ عرف: أنه لا يتمالك».\nرواه مسلم.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسّهل، والحزن، والخبيث، والطيّب». أخرجه الترمذي، وأبو داود. انتهى. خازن.\nهذا وقد قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى في كتابه: (قصص الأنبياء): هل آدم هذا هو أول البشر، ولم يكن أحد قبله من جنسه؟\nوالجواب: أن العقل لا يجعل من المحال أن يكون الله خلق آدم غير آدم هذا، ولكن الله تعالى لم يذكر سوى آدم الذي نعرفه أبا البشر، فالقول بوجود غيره مجازفة بلا برهان، وقد وجد من البشر في الأزمان الغابرة والحاضرة من يدّعون: أن عمران بلادهم أقدم من خلق آدم كأهل الهند، وقد كانوا في الزمان السابق يدّعون: أن آدم كان عبدا من عبيدهم هرب إلى الغرب، وجاء بأولاده، وإلى هذا يشير المعري بقوله: [الوافر]\nتقول الهند آدم كان قنّا... لنا فسعى إليه مخبّبوه","vol":"5","page":100},{"text":"وإلى القول بوجود أو آدم سوى آدم يشير بقوله: [الخفيف]\nجائز أن يكون آدم هذا... قبله آدم على إثر آدم\nوقوله: [الطويل]\nوما آدم في مذهب العقل واحد... ولكنّه عند القياس أوادم\nوهناك فريق من الناس يرجّح: أنه ليس أول نوعه، ويستأنسون لذلك بقول الملائكة:\n ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (البقرة)، ويقول: إن الملائكة لم يقولوا: ذلك إلا لرؤيتهم من تقدموا قبل آدم من الخلق الذين على صورته قد فعلوا ذلك، وأن آدم ﵇، إنما كان خليفة عن بشر كانوا من جنسه، وبادوا، وكل هذه الأقوال لا تستند إلى نصّ قطعي الثبوت والدّلالة. انتهى بحروفه.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ انظر إعراب مثله في الآية رقم [١٠] ففيها الكفاية. ﴿مِنْ صَلْصالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ حَمَإٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿صَلْصالٍ،﴾ أو بدل منه بإعادة الجار، قاله أبو البقاء. ﴿مَسْنُونٍ:﴾ صفة ﴿حَمَإٍ،﴾ والكلام مستأنف كله لا محل له من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-1829\"></span>﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل خلق آدم، قال ابن عباس﵄-:\nالجان أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، وقال قتادة: هو إبليس. وقيل: الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، وفي الجن مسلمون، وكافرون، يأكلون، ويشربون، ويحيون، ويموتون، ويتوالدون كبني آدم، وأما الشياطين؛ فليس فيهم مسلمون، ولا يموتون إلا إذا مات إبليس أبوهم. والأصح أن الشياطين نوع من الجن لاشتراكهم في الاستتار، سموا جنا لتواريهم، واستتارهم عن الأعين، من قولهم: جن الليل: إذا ستر بظلمته كل شيء، والشيطان: هو العاتي المتمرد الكافر، والجن منهم المؤمن، ومنهم الكافر وانظر الآية رقم [٣١] ﴿مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ أي:\nمن نار الحرّ الشديد النافذ في المسامّ.\nالإعراب: ﴿وَالْجَانَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (الجان): مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿خَلَقْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، واعتبار ﴿مِنْ نارِ﴾ متعلقين بمحذوف حال من الضمير المنصوب أولى، والمعنى عليه أقوى. وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، ﴿مِنْ نارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، و﴿نارِ:﴾ مضاف، و﴿السَّمُومِ:﴾ مضاف إليه، والجملة المفسّرة والمفسّرة معطوفتان على الجملة الواقعة جوابا للقسم، لا محل لهما مثلها.","vol":"5","page":101},{"text":"<span id=\"aya-1830\"></span>﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي..﴾. إلخ: فما أحراك أن تنظر ذلك مفصلا في الآية رقم [٣٠] وما بعدها من سورة (البقرة)، وانظر الباقي في الآية رقم [٢٦]، وانظر شرح الملائكة في الآية رقم [٢٥] من سورة (الرعد)، وشرح: ﴿رَبُّكَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (هود) ﵇، وشرح: ﴿بَشَرًا﴾ في الآية رقم [٢٧] منها.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر، وهو الأقوى، وجملة: ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿خالِقٌ:﴾ خبرها، وفاعله مستتر فيه. ﴿بَشَرًا:﴾\nمفعول به ل: ﴿خالِقٌ،﴾ ﴿مِنْ صَلْصالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَشَرًا﴾. ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ:﴾\nانظر مثله في الآية رقم [٢٦] والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n<span id=\"aya-1831\"></span>﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: سويت خلقه، وصورته. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي:﴾ النفخ عبارة عن إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، ومنه نفخ الروح في النشأة الأولى، وأضاف سبحانه روح آدم إلى نفسه على سبيل التشريف، والتكريم لها، كقوله: أرضي، وسمائي، وناقة الله، وشهر الله، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ أي: خروا، واسقطوا على الأرض ساجدين لآدم، وهو سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة، وانظر المزيد من ذلك في آية (البقرة) رقم [٣٤] والآية رقم [١١] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿سَوَّيْتُهُ:﴾ ماض وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿مِنْ رُوحِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿رُوحِي﴾ مفعول به وتعليق الجار والمجرور بمحذوف صفة لمفعول محذوف أولى، التقدير: نفخت فيه روحا من روحي، والجر الحقيقي، أو اللفظي مقدر على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهوره اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿فَقَعُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (قعوا): أمر مبني على حذف النون،","vol":"5","page":102},{"text":"والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بما بعدهما. ﴿ساجِدِينَ:﴾\nحال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿فَقَعُوا لَهُ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، وهو من مقول الله تعالى.\nتنبيه: هذه الآية دليل قاطع على تعليق. (إذا) بفعل شرطها، ولا يجوز تعليقها بجوابها، لاقترانه بالفاء؛ لأنه لا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها، وهذا ما اعتمده ابن هشام في «المغني»، ومن أدلته الشعرية قول عبد قيس بن خفاف البرجمي: [الكامل]\nاستغن ما أغناك ربّك بالغنى... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل\nوعلى هذا لا يجوز اعتبارها مضافة للجملة بعدها، ولعلك تدرك بعد هذا قولي: «على المشهور المرجوح».\n\n<span id=\"aya-1832\"></span>﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ أي: الذين أمروا بالسجود، لآدم ﵇.\n ﴿أَجْمَعُونَ:﴾ قال سيبويه: هذا توكيد بعد توكيد، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال سجد الملائكة لاحتمل أن يكون سجد بعضهم، فلما قال: كلهم لزم إزالة ذلك الاحتمال، فظهر بهذا أنهم سجدوا بأسرهم، ثم عند هذا بقي احتمال آخر، وهو أنهم سجدوا في أوقات متفرقة، أو في دفعة واحدة، فلما قال: أجمعون ظهر: أن الكل سجدوا دفعة واحدة. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿فَسَجَدَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: فخلقه وسواه، ونفخ فيه من روحه، وقال للملائكة: اسجدوا له، فسجد... إلخ.\nوالكلام كله مستأنف لا محل له. (سجد): ماض. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعل. ﴿كُلُّهُمْ:﴾\nتوكيد، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿أَجْمَعُونَ:﴾ توكيد ثان للملائكة مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، والجملة الفعلية: (سجد...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-1833\"></span>﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿إِبْلِيسَ:﴾ اسم مأخوذ من: أبلس، يبلس، إبلاسا، بمعنى: سكت غمّا، وأيس من رحمة الله تعالى، وخاب، وخسر، وهو من الملائكة، كذا قال علي، وابن عباس، وابن مسعود﵃ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، ولهذا قال تعالى له: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وقوله: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ معناه: صار من الجن،","vol":"5","page":103},{"text":"كقوله تعالى: ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. وقيل: بل الاستثناء منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجن بالنص، وهو قول الحسن، وقتادة، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من النور، ولأنه أبى، وعصى، واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يستكبرون عن عبادته، ولأنه قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي،﴾ ولا نسل للملائكة، وعن الجاحظ: إنّ الجن والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم فهو ملك، ومن خبث منهم فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جن، وانظر الآية رقم [٢٧]. هذا؛ والجن أجسام نارية لطيفة قادرة على التشكل في الغالب بأشكال مخيفة قبيحة من حية، ونحوها. ﴿أَبى:﴾ ماض من الإباء، وهو الامتناع، أو أشده، وإباء الله قضاؤه أن لا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون، قال تعالى في صيغة المضارع: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾. هذا؛ ويكون متعديا إذا كان بمعنى: كره، ولازما إذا كان بمعنى: امتنع، وهذا الفعل يتضمن النفي والإيجاب؛ لأنه بمعنى: لا يقبل إلا... إلخ.\nهذا والسجود في الأصل: تذلل مع تطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة على قصد العبادة، والمأمور به إما المعنى الشرعي، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، فمعنى اسجدوا له، اسجدوا إليه، وإما المعنى اللغوي، وهو التواضع لآدم، تحية وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض، إنما كان بالانحناء، فلما جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسلام، انظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (يوسف) ﵇.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى من الملائكة، وانظر الشرح. ﴿أَبى:﴾\nماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب بأن، واسمه يعود إلى إبليس. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر يكون، وهو مضاف، و﴿السّاجِدِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، أو هو منصوب بنزع الخافض، وجملة: ﴿أَبى..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿إِبْلِيسَ﴾ على اعتبار الاستثناء متصلا، وتكون «قد» مقدرة قبل الجملة، والرابط: الضمير فقط، ومستأنفة إن كان الاستثناء منقطعا لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1834\"></span>﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: قال الله تعالى: يا إبليس ما المانع لك في أن تكون مع الساجدين من الملائكة.","vol":"5","page":104},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى «الله». (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو».\n (إبليس): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. (أن) حرف مصدري ونصب واستقبال. (لا): نافية. ﴿تَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: (أن)، واسمه تقديره: «أنت». ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿تَكُونَ،﴾ و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿السّاجِدِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، و﴿أَلاّ تَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بما تضمنه الاستفهام من معنى الفعل، أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من كاف الخطاب، التقدير: مالك غير كائن مع الساجدين، والعامل في الحال الاستفهام، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1835\"></span>﴿قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾\nالشرح: أراد إبليس-أخزاه الله-أنه أفضل من آدم ﵇؛ لأن آدم طيني الأصل، وأنه ناري الأصل، والنار أفضل من الطين؛ لأن النار جسم شفاف، والطين جسم كثيف، فيكون إبليس في قياسه أفضل من آدم، ولم يدر الخبيث: أن الفاضل من فضّله الله، وانظر سورة (الأعراف) الآية رقم [١٢] ففيها فضل بيان، وانظر شرح بقية الآية في الآية رقم [٢٦] وقد عبر بشار بن برد الأعمى عن هذه الأفضلية حيث قال: [الكامل]\nإبليس أفضل من أبيكم آدم... فتبيّنوا يا معشر الأشرار\nالنّار عنصره وآدم طينة... والطين لا يسمو سموّ النار\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (إبليس). ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿أَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ واسمه مستتر فيه، تقديره: «أنا». ﴿لِأَسْجُدَ:﴾\nمضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنا»، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَكُنْ،﴾ التقدير: لم أكن مريدا للسجود. ﴿لِبَشَرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿خَلَقْتَهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة (بشر). ﴿مِنْ صَلْصالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ حَمَإٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿صَلْصالٍ،﴾ أو بدل منه بإعادة الجار، قاله أبو البقاء. ﴿مَسْنُونٍ:﴾ صفة: ﴿حَمَإٍ،﴾ وجملة: ﴿لَمْ أَكُنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":105},{"text":"<span id=\"aya-1836\"></span>﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)﴾\nالشرح: قال الله لإبليس: اخرج من الجنة، أو من السموات، أو من زمر الملائكة. ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ:﴾ مطرود من رحمتي، ومرجوم باللعن، والطرد عن الخير، وهذا على أنه بمعنى:\nمفعول. وقيل: هو فعيل بمعنى: فاعل؛ أي: يرجم غيره بالوسوسة والإغواء، وما أجدرك أن تنظر القول في الآية رقم [١٨] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى «الله». ﴿فَاخْرُجْ:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ، أو هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وحيثما حصل منك العصيان، والتكبر؛ فاخرج، وهذا أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْها:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها بمفردها، إن كانت جوابا للشرط، ثمّ الشرط المقدر، ومدخوله في محل نصب مقول القول. وأيضا الجملة بمفردها في محل نصب مقول القول على اعتبار الفاء زائدة.\n ﴿فَإِنَّكَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنك): حرف مشبه بالفعل، ﴿رَجِيمٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-1837\"></span>﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾. قيل: إن أهل السموات يلعنون إبليس، كما يلعنه أهل الأرض، فهو ملعون في السموات والأرض. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (ص): ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾. ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ:﴾ يوم الحساب والجزاء، وانظر الآية رقم [٤٠] من سورة (يوسف) ﵇. وإنما حدّ سبحانه لعن إبليس إلى يوم الدين؛ لأنه أبعد غاية يضربها للناس؛ ثم لا ينتهي لعنه له، بل يزاد فوق اللعن العذاب الشديد الدائم الذي لا انقطاع له، فيصير اللعن لا قيمة له، وكأنه زائل بجانب ذلك، وانظر اللعن في الآية رقم [٢٥] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) مقدم، والتقديم يفيد الحصر، والاختصاص. ﴿اللَّعْنَةَ:﴾ اسمها مؤخر.\n ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان ب: ﴿اللَّعْنَةَ؛﴾ لأنها مصدر، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿الدِّينِ:﴾ مضاف إليه... إلخ. هذا؛ وأجيز تعلق الجار والمجرور بمحذوف حال من ﴿اللَّعْنَةَ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-1838\"></span><span id=\"aya-1839\"></span><span id=\"aya-1840\"></span>﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ..﴾. إلخ: أي: قال إبليس-أخزاه الله-: رب أمهلني فلا تمتني. ﴿إِلى﴾","vol":"5","page":106},{"text":"يَوْمِ يُبْعَثُونَ: المراد به: يوم القيامة، وهو اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء بعد النفخة الثانية، فقال الله لإبليس لما سأل الإمهال: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ؛﴾ أي:\nالممهلين المؤخرين، وقد قيد الله هذا الإمهال هنا بقوله: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ وهو النفخة الأولى التي يموت بسببها كلّ من في السموات والأرض إلا من شاء الله، ولم يقيده بسورة (الأعراف) للتفنن، فقد كره اللعين أن يذوق مرارة الموت، وطلب البقاء والخلود إلى النفخة الثانية، وحينئذ لا موت؛ لأن الموت يتم عند النفخة الأولى، فلم يعط سؤاله، وإنما أجيب طلبه، وهو الإمهال، مع أنه إنما طلبه ليفسد أحوال العباد، لما في ذلك من ابتلاء العباد، ولما في مخالفته من عظيم الثواب.\nأقول: وإنما أمهله ربه ليكون سببا في وفاء وعده تعالى لجهنم: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ؛﴾ إذ لولاه لكان الناس جميعا مهتدين. هذا؛ وقد ذكر الله في سورة (الكهف) أن له ذرية، وذلك ليكون لكل إنسان من بني آدم قرين، وشيطان، وإنما سمي يوم القيامة بيوم الوقت المعلوم؛ لأن ذلك اليوم لا يعلمه أحد إلا الله تعالى، فهو معلوم عنده.\nوقيل: لأن جميع الخلائق يموتون فيه، فهو معلوم بهذا الاعتبار.\nهذا؛ وقد قال البيضاوي: ويجوز أن يراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات، فعبر عنه أولا بيوم الجزاء؛ لما عرفت، وثانيا بيوم البعث؛ إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف، واليأس عن التضليل، وثالثا بالمعلوم؛ لوقوعه في الكلامين، ولا يلزم من ذلك أن لا يموت، فلعله يموت، أول اليوم، ويبعث مع الخلائق في تضاعيفه، وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على علو منصب إبليس؛ لأن خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال. انتهى.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى إبليس. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، وانظر الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵇. ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾ الفاء: انظر مثلها في الآية رقم [٢٤] وتقدير الكلام على اعتبارها الفصيحة: إن قضيت علي بهذا الجزاء فأنظرني.\n (انظرني): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية يقال فيها ما قلته بجملة: ﴿فَاخْرُجْ مِنْها﴾. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع إلخ... والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، والكلام ﴿رَبِّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى «الله». ﴿فَإِنَّكَ﴾ الفاء: انظر مثلها فيما سبق. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إن)، ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُنْظَرِينَ،﴾ و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْوَقْتِ﴾","vol":"5","page":107},{"text":"مضاف إليه. ﴿الْمَعْلُومِ:﴾ صفة الوقت، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1841\"></span><span id=\"aya-1842\"></span>﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي﴾ أي: فبأي: شيء أضللتني. وقيل: المعنى فبسبب إغوائك إياي لأزينن... إلخ. وقيل: المعنى فبسبب وقوعي في الغي؛ لأجتهدن في غوايتهم حتى يفسدوا بسببي، كما فسدت بسببهم، وقال سليمان الجمل في سورة (الأعراف): غرضه بهذا أخذ ثأره منهم؛ لأنه لما طرد، ومقت بسببهم على ما تقدّم؛ أحب أن ينتقم منهم أخذا بالثأر. هذا؛ وضمير الجمع لذرية آدم، وإن لم يجر لهم ذكر، للعلم به.\n ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ مراده: تزيين المعاصي، والشهوات، وحب الدنيا، والانهماك في العمل لها. ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: لأضلنهم بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وذلك: أن إبليس لما علم بأنه سيموت على الكفر غير مغفور له؛ حرص على إضلال الخلق بالكفر، وإغوائهم. ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: المؤمنين الذين أخلصوا لك التوحيد والطاعة والعبادة، وهذا على قراءة كسر اللام، وعلى القراءة بفتح اللام يكون المعنى إلا من أخلصته، واصطفيته لتوحيدك، وعبادتك، وإنما استثنى إبليس المخلصين؛ لأنه علم أن وسوسته وكيده، لا يعملان فيهم، ولا يقبلان منه.\nوحقيقة الإخلاص: فعل الشيء خالصا لله عن شائبة الغير، فكل من أتى بعمل من أعمال الطاعات فلا يخلو إما أن يكون مراده بتلك الطاعة وجه الله فقط، أو غير وجه الله، أو مجموع الأمرين، أما ما كان لله تعالى فهو الخالص المقبول، وأما ما كان لغير الله، فهو الباطل المردود، وأما من كان مراده مجموع الأمرين، فإن ترجح جانب الله تعالى كان من المخلصين الناجين، وإن ترجح الجانب الآخر كان من الهالكين؛ لأن المثل يقابله المثل، فيبقى القدر الزائد، وإلى أي الجانبين رجح؛ أخذ به. انتهى خازن.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (إبليس). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵇. ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿أَغْوَيْتَنِي:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والنون للوقاية، وانظر إعراب:\n (حفظنا) في الآية رقم [١٧] و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، أو أحلف؛ لأن الباء دالة على قسم","vol":"5","page":108},{"text":"مقدر، ومتعلقة بفعله المقدر. انتهى. جمل. وقال البيضاوي، والنسفي: والباء تتعلق بفعل القسم المحذوف، تقديره: فبسبب إغوائك أقسم، أو تكون للقسم؛ أي: فأقسم بإغوائك. وقال أبو البقاء: الباء تتعلق بالفعل: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ،﴾ ولا وجه له؛ لأن اللام تمنعه. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ والوقف يكون عليه، وما بعده كلام مستأنف، وعليه فالجملة فعلية، وهي في محل نصب مقول القول. انتهى. منقولا من إعراب الآية رقم [١٦] من سورة (الأعراف).\nوأضيف هنا: أنّ الجمل قال: والفقهاء قالوا: الإقسام بصفات الذات صحيح، واختلفوا في القسم بصفات الأفعال، ومنهم من فرق بينهما، ولأن جعل الإغواء مقسما به غير متعارف. انتهى. نقلا عن كرخي. هذا؛ والمراد بصفات الذات مثل حلف إبليس في سورة (ص): ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ،﴾ والمراد بصفات الأفعال حلفه هنا وفي سورة (الأعراف)، وهو ما رأيته. ﴿لَأُزَيِّنَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم، (أزينن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والنون حرف لا محل له، والمفعول محذوف، انظر الشرح. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ جواب القسم المحذوف المدلول عليه بالباء، وهي جواب قسم محذوف على اعتبار (ما) استفهامية، وعلى الاعتبارين فالكلام كله في محل نصب مقول القول.\n ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا باللام. ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب، فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عِبادَكَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾ من الضمير المنصوب المؤكد بما رأيت، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْهُمُ:﴾ متعلقان بما بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِبادَكَ﴾. ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة ﴿عِبادَكَ،﴾ أو بدل منه منصوب... إلخ.\n\n<span id=\"aya-1843\"></span><span id=\"aya-1844\"></span>﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢)﴾\nالشرح: قال عمر بن الخطاب﵁-: معناه: هذا صراط مستقيم يستقيم بصاحبه حتى يهجم به على الجنة. وقال مجاهد والكسائي: هذا على الوعيد والتهديد، كقولك لمن تهدده: طريقك عليّ، ومصيرك إليّ. وقيل: معناه حق عليّ أن أراعيه. هذا؛ ويقرأ: «(عليٌّ)» بتنوينه، ومعناه: رفيع مستقيم.","vol":"5","page":109},{"text":"﴿إِنَّ عِبادِي..﴾. إلخ: أي: إن عبادي المؤمنين المخلصين لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة، من غير أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء خاصة الله الذين هداهم واجتباهم من عباده. ﴿إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ أي: من اتبع إبليس من الضالين فإن له عليهم تسلطا بسبب كونهم منقادين له فيما يأمرهم به. هذا؛ وصراط هو في الأصل: الطريق، والمراد به هنا: السنّة التي أجراها الله في عباده. ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ لا اعوجاج فيه، ولا انحراف، وانظر إعلال ﴿مُقِيمَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵇ فهو مثله، وانظر مثل ﴿عِبادِي﴾ في الآية رقم [٣١] منها، وانظر شرح: ﴿سُلْطانٌ﴾ في الآية رقم [٩٦] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿صِراطٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿عَلَيَّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة؛ أي: حق علي. ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ صفة ثانية. هذا وعلى القراءة الثانية ف: ﴿(عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ)﴾ صفتان لصراط، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عِبادِي:﴾ اسم إن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص.\n ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سُلْطانٌ،﴾ ﴿سُلْطانٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ عِبادِي..﴾. إلخ مفسرة لقوله تعالى: ﴿صِراطٌ..﴾. إلخ ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من ﴿عِبادِي،﴾ وهل هو متصل، أو منقطع خلاف. ﴿اِتَّبَعَكَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى من، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الْغاوِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ ويجوز تعليق: ﴿مِنَ الْغاوِينَ﴾ بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و﴿مَنِ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿مَنِ﴾ وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1845\"></span><span id=\"aya-1846\"></span>﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: لموعد الغاوين المتبعين إبليس. ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ:﴾ لجهنم سبع طبقات، بعضهم فوق بعض ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة، قال ابن جريج: النار سبع دركات، وهي منازل أهلها، والجنة درجات، فالدرك ما كان إلى أسفل، والدرج ما كان إلى أعلى، فالعليا من طبقات النار لعصاة المسلمين، وهي جهنم، تكون بعد خروجهم منها خرابا، لا نار فيها. والثانية: لظى للنصارى. والثالثة: الحطمة لليهود. والرابعة:\nالسعير للصابئين. والخامسة: سقر للمجوس. والسادسة: الجحيم لأهل الشرك. والسابعة:","vol":"5","page":110},{"text":"الهاوية، وهي الدرك الأسفل للمنافقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وإنما كان عقابهم كذلك؛ لأنهم أخبث الكفرة؛ لأنهم ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام، وخداعا للمؤمنين، وبالمقابل انظر الجنان في الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) ﵇، والآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). ﴿لِكُلِّ بابٍ﴾ أي: من أبواب جهنم. ﴿مِنْهُمْ جُزْءٌ:﴾ حظ ونصيب من الغاوين وأتباع الشيطان معلوم.\nتنبيه: روي: أن سلمان الفارسي﵁لما سمع هذه الآية فرّ ثلاثة أيام من الخوف لا يعقل، فجيء به إلى رسول الله ﷺ، فسأله، فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية، فو الذي بعثك بالحق لقد قطعت قلبي، فأنزل الله تعالى الآية التالية. وقال بلال﵁كان رسول الله ﷺ يصلي في مسجد المدينة وحده، فمرت به امرأة أعرابية، فصلت خلفه، ولم يعلم بها، فقرأ ﷺ هذه الآية، فخرت الأعرابية مغشيا عليها، وسمع النبي ﵊ وجبتها، فانصرف، ودعا بماء فصب على وجهها حتى أفاقت وجلست، فقال: «يا هذه مالك؟» فقالت:\nأهذا شيء من كتاب الله المنزل، أو تقوله من تلقاء نفسك؟ فقال: «يا أعرابية! بل هو من كتاب الله تعالى المنزل»، فقالت: كل عضو من أعضائي يعذب على كل باب منها، قال: «يا أعرابية، بل لكل باب منهم جزء مقسوم، يعذب أهل كل منها على قدر أعمالهم». فقالت: والله إني امرأة مسكينة، ما لي مال، وما لي إلا سبعة أعبد، أشهدك يا رسول الله! أنّ كل عبد منهم عن كل باب من أبواب جهنم حر لوجه الله تعالى. فأتاه جبريل، فقال: يا رسول الله! بشر الأعرابية: أن الله قد حرم عليها أبواب جهنم كلها، وفتح لها أبواب الجنة كلها. انتهى. قرطبي بتصرف.\nتنبيه: لقد ذكرت قصة آدم ﵇ في سورة (البقرة)، وفي سورة (الأعراف)، و(الإسراء) و(الكهف) وسورة (طه) باسمه وصفته، وذكرت في سورة (الحجر)، وسورة (ص) بصفته فقط، وكلها بمعنى: واحد، ولكن بعبارات مختلفة اللفظ فقط، وذلك مما يدل على إعجاز القرآن، فإن أكتب الكتاب، وأبلغ البلغاء إذا كتب قصة مرة، يستحيل عليه أن يكتبها مرة أخرى بألفاظ غير الأولى، مع المحافظة على المتانة في الأسلوب، والبلاغة في التعبير كما في القرآن الكريم.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ اسم (إنّ).\n ﴿لَمَوْعِدُهُمْ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (موعدهم): خبر (إنّ)، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المجرور محلا بالإضافة مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. وقيل:\nهو حال من الضمير المذكور، والأول: أولى، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿لَها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سَبْعَةُ:﴾\nمبتدأ مؤخر، و﴿سَبْعَةُ:﴾ مضاف، و﴿أَبْوابٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿لَها..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿جَهَنَّمَ،﴾ والرابط: الضمير فقط والعامل (إنّ) لما فيها من معنى التأكيد،","vol":"5","page":111},{"text":"أو هي في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ)، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وضعف أبو البقاء الأول، ولا وجه له. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(كل) مضاف، و﴿بابٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من جزء، كان صفة له، فلما قدم عليه، صار حالا، وهذا لا يجيزه سيبويه، أعني به مجيء الحال من المبتدأ، فالأولى اعتباره حالا من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، أعني: الخبر المحذوف. ﴿جُزْءٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَقْسُومٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿لِكُلِّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1849\"></span>﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَنَزَعْنا..﴾. إلخ: أي: وأخرجنا ما في صدور المتقين الموحدين من حسد، وحقد، وعداوة كانت بينهم في الدنيا، فجعلناهم ﴿إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ:﴾ لا يحسد بعضهم","vol":"5","page":112},{"text":"بعضا على شيء خص الله به بعضهم دون بعض، ولا يحقد بعضهم على بعض، ومعنى نزع الغل: تصفية الطباع، وإسقاط الوساوس، ودفعها على أن ترد على القلب، حتى يكون القلب خاليا من كل غش.\nروي عن عليّ كرم الله وجهه: أنه قال: فينا والله أهل بدر نزلت: ﴿وَنَزَعْنا..﴾. إلخ. وروي عنه أيضا أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير منهم. وانظر ما ذكرته في آية (الأعراف) رقم [٤٣] وآية (الأنبياء) رقم [١٠١] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و(الغل) بالمعنى المذكور بكسر الغين، وهو بضمها: القيد من الحديد، وحرارة العطش أيضا. هذا؛ والغلول من المغنم خاصة، وهو أخذ الشيء خفية، وهو ما ذكر في الآية رقم [١٦١] من سورة (آل عمران): هذا و﴿إِخْوانًا﴾ في المحبة والمودة والمخالطة، وليس المراد أخوة النسب، و(السرر) جمع: سرير، مثل: جديد، وجدد.\nقال ابن عباس﵄-: على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد، والدرّ، والياقوت، و﴿مُتَقابِلِينَ﴾ أي: يقابل بعضهم بعضا، لا ينظر بعضهم في قفا بعض، وفي بعض الأخبار: أن المؤمن في الجنة إذا أراد أن يلقى أخاه المؤمن سار سرير كل واحد منهما إلى صاحبه، فيلتقيان، ويتحدثان. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَنَزَعْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (نزعنا): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي صُدُورِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ غِلٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ما﴾ وجملة: ﴿(نَزَعْنا...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِخْوانًا:﴾ حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، فهي حال متداخلة، وجاز؛ لأن المضاف جزؤه، وانظر الآية رقم [٢١] وقيل: حال من واو الجماعة، أو من الضمير المستتر في آمنين. ﴿عَلى سُرُرٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما، فيكون ﴿مُتَقابِلِينَ:﴾ صفة ل: ﴿إِخْوانًا،﴾ وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف صفة إخوانا فيكون متقابلين حالا من الضمير المستقر في الجار والمجرور، كما أجيز تعليقهما بنفس ﴿إِخْوانًا؛﴾ لأنه بمعنى:\nمتصافين، فيكون ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ حالا من الضمير في ﴿إِخْوانًا﴾. انتهى. عكبري بتصرف.\n\n<span id=\"aya-1850\"></span>﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ:﴾ ولا يصيبهم في الجنة تعب، وإعياء، ﴿وَما هُمْ مِنْها..﴾.\nإلخ: أي: ليس المتقون مخرجين من الجنة، وهذا نص من الله في كتابه على خلود أهل الجنة في الجنة، والمراد منه خلود بلا زوال، وبقاء بلا فناء، وكمال بلا نقصان، وفوز بلا حرمان.","vol":"5","page":113},{"text":"الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمَسُّهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَصَبٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ فهي حال متداخلة، أو هي حال متكررة، كما أجيز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿يَمَسُّهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِمُخْرَجِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مخرجين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية؛ فالمعنى لا يتغير، والإعراب يبقى بحاله على أنّ الضمير مبتدأ، وزيدت الباء في الخبر.\n\n<span id=\"aya-1851\"></span><span id=\"aya-1852\"></span>﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾\nالشرح: قال القرطبي: هذه الآية وزان قوله ﵊: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنّته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته أحد». أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة﵁-، وروي أن النبي ﷺ خرج على أصحابه، وهم يضحكون، فقال: «أتضحكون؛ وبين أيديكم النار؟». فنزل جبريل ﵊ بهذه الآية، وقال: يقول لك ربّك: يا محمد! ممّ تقنّط عبادي؟ ذكره البغوي بغير سند. انتهى. خازن.\nو﴿عِبادِي:﴾ جمع عبد، وهو الإنسان من بني آدم حرا كان، أو رقيقا، ويقال للمملوك، عبد قن، وله جموع كثيرة، وأشهرها عبيد، وعباد، والإضافة في الآية ونحوها إضافة تشريف، وتكريم.\nالإعراب: ﴿نَبِّئْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿عِبادِي:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿أَنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل لا محل له، أو هو تأكيد لاسم (إنّ) على المحل، وعليهما ف ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ خبران ل: (أنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ و﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ خبران له، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿نَبِّئْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.. والمصدر المؤول من: ﴿وَأَنَّ عَذابِي..﴾. إلخ معطوف على المصدر المؤول السابق، والإعراب واضح لا خفاء فيه، أما الضمير ﴿هُوَ﴾ فيجوز اعتباره فصلا، ومبتدأ، ولا يجوز اعتباره تأكيدا؛ لأن الظاهر لا يؤكد بالضمير. و﴿الْأَلِيمُ﴾ صفة ﴿الْعَذابُ﴾.","vol":"5","page":114},{"text":"<span id=\"aya-1853\"></span><span id=\"aya-1854\"></span>﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَنَبِّئْهُمْ..﴾. إلخ: أي: أخبر عبادي وحدثهم عن ضيف إبراهيم ﵇.\nوالمراد بضيف إبراهيم: الملائكة الذين بشروه بإسحاق ﵇، وبهلاك قوم لوط. انظر شرح ذلك مفصلا في سورة (هود) الآية رقم [٦٩] وما بعدها، وانظر عمر إبراهيم، ﵇، وعمر أولاده، وأحفاده في الآية رقم [٧١] منها أيضا.\n ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ:﴾ على إبراهيم، ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أي: نسلم سلاما، ﴿قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: فزعون خائفون، وإنما خاف منهم بعد أن قرب إليهم العجل المشوي، ورآهم لا يأكلون، وقد رأيته مفصلا في سورة (هود).\nتنبيه: قال الجمل نقلا عن الخطيب، ولما بالغ تعالى في تقرير النبوة، ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد، ثم ذكر تعالى عقبه أحوال القيامة، ووصف الأشقياء، والسعداء؛ أتبع ذلك بقصص الأنبياء ﵈؛ ليكون سماعها مرغبا في العبادة، الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذرا عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء، وافتتح من ذلك بقصة إبراهيم ﵇. انتهى.\nالإعراب: ﴿(نَبِّئْهُمْ)﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول، ﴿عَنْ ضَيْفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و﴿ضَيْفِ﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والجملة الفعلية: ﴿وَنَبِّئْهُمْ..﴾. معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾\nظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (نبئهم).\nهذا وقد قال الجمل نقلا عن كرخي: ﴿إِذْ﴾ إما معمول لفعل مقدر؛ أي: اذكر، وإما ظرف على بابه، والعامل فيه محذوف، تقديره: خبر ضيف، أو نفس ضيف، وتوجيه ذلك: أنه لما كان في الأصل مصدرا؛ اعتبر ذلك فيه، ويدل على اعتبار مصدريته بعد الوصف به عدم مطابقته لما قبله، تثنية، وجمعا، وتأنيثا في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصف، والوصف يعمل، أو أنه على حذف مضاف؛ أي: أصحاب ضيف إبراهيم؛ أي: ضيافته، فالمصدر باق على حاله، فلذلك عمل. انتهى. وأبو البقاء قال بمعنى: هذا الكلام.\n ﴿دَخَلُوا:﴾ ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.","vol":"5","page":115},{"text":"﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿سَلامًا:﴾\nمفعول مطلق لفعل محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. هذا وجوز اعتبار ﴿سَلامًا﴾ مفعولا به ل: (قالوا)؛ لأنه يتضمن كلاما كثيرا، أو على معنى: (ذكروا سلاما) ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، ونا: اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿وَجِلُونَ:﴾ خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1855\"></span><span id=\"aya-1856\"></span>﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة. ﴿لا تَوْجَلْ:﴾ لا تخف، والوجل الخوف، وقرئ:\n ﴿(لا تَوْجَلْ)﴾ بالبناء للمجهول، وقرئ: «(لا تاجل)»، و: «(لا تواجل)». ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ:﴾ هنا البشارة لإبراهيم. وفي (هود) كانت ل: «سارة»، انظر الآية رقم [٧١] منها. ﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ:﴾ هو إسحاق كما صرح بذلك في سورة (هود)، وعليم بالأحكام والشرائع، وينبغي أن تعلم: أن الله قال في بشارته بإسماعيل ﵇ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ الصافات الآية رقم [١٠١] منها ممّا يدل على أن الذبيح هو إسماعيل، وليس إسحاق كما يدعيه اليهود والنصارى. ﴿قالَ﴾ أي: إبراهيم.\n ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ:﴾ استفهام تعجب من أن يولد له ولد مع مسه الكبر ومس امرأته وقد ذكر في سورة (هود) ذلك مفصلا. ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ:﴾ فبأي: شيء تبشروني، فإن البشارة تكون عادة ممّا يتوقّع حصوله، ويرجى الوصول إليه. هذا؛ وقد قرئ الفعل: ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ بفتح النون، وبكسرها مع التشديد أيضا والتخفيف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا و«غلام» يطلق على الصبي دون البلوغ، وجمعه: غلمان، وغلمة، وأغلمة، كما يطلق على العبد، والأجير اسم الغلام؛ وإن كانا كبيرين. هذا؛ وقد يقال للأنثى: غلامة، خذ قول الشاعر: [الطويل]\nفلم أر عاما عوض أكثر هالكا... ووجه غلام يشترى وغلامه\n (بم): كلمة مؤلفة من حرف واسم، فالحرف الباء الجارة، والاسم «ما» الاستفهامية، وقد حذفت ألفها كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ للفرق بين الموصولة والاستفهامية، ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار.","vol":"5","page":116},{"text":"الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَوْجَلْ:﴾\nمضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنّا:﴾ انظر مثلها في الآية السابقة. ﴿نُبَشِّرُكَ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للنهي لا محل لها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِغُلامٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلِيمٍ:﴾ صفة غلام. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾.\n ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجب. (بشرتموني): ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَلى:﴾\nحرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿مَسَّنِيَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿الْكِبَرُ:﴾ فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَبِمَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بم): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وانظر الشرح.\n ﴿تُبَشِّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وهذا على القراءة بفتح النون، وأما على كسرها، فتكون نون الرفع قد حذفت مع التخفيف، وأدغمت مع نون الوقاية مع التشديد، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط جازم مقدر ب: «إذا» إذ التقدير: وإذا كان الأمر كما ذكرت فبم... إلخ، والكلام في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-1857\"></span>﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الذي قضاه الله تعالى بأن يخرج منك ولدا ذكرا، تكثر ذريته، وهو «إسحاق» عليه الصلاة، والسّلام. ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ﴾ أي: الآيسين من ذلك، فإنه تعالى قادر على كل شيء، فكيف يعجز عن إيجاد ولد من أبوين شيخين، وكان استعجاب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه باعتبار العادة دون القدرة؛ ولذلك قال ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي،﴾ وانظر شرح (الحق) في الآية [١٢٠] من سورة (هود).\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَشَّرْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَلا﴾ الفاء: هي الفصيحة، وهي حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لا)،","vol":"5","page":117},{"text":"واسمه مستتر تقديره: أنت. ﴿مِنَ الْقانِطِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك صحيحا وواقعا فلا تكن\nإلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1858\"></span>﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ (٥٦)﴾\nالشرح: المعنى لا يقنط من رحمة الله تعالى إلا المكذبون الذاهبون عن طريق الحق والصواب، فلا يعرفون سعة رحمة الله، وكمال علمه، وقدرته، كما قال تعالى: ﴿لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ هذا ويقرأ ﴿يَقْنَطُ﴾ بكسر النون وفتحها قراءتان سبعيتان، وفي المختار: القنوط اليأس، وبابه جلس ودخل وطرب وسلم، فهو قنط، وقنوط، وقانط، وقرئ شاذّا بضم النون.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: زائدة.\n (من): اسم استفهام معناه النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَقْنَطُ:﴾ مضارع، ﴿مِنْ رَحْمَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿رَحْمَةِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿الضّالُّونَ:﴾ فاعل ﴿يَقْنَطُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة... إلخ، هذا هو الظاهر، وعند التأمل يتبين لك أن فاعل ﴿يَقْنَطُ﴾ يعود إلى (من) الاستفهامية، والضالون بدل من الفاعل المستتر بدل بعض من كل، على حد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ الآية رقم [١٣٥] من سورة (آل عمران).\nوجملة: ﴿يَقْنَطُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-1859\"></span>﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾ أي: فما أمركم وشأنكم، وما الذي جئتم به؟ والخطب الأمر الخطير، قال البيضاوي: ولعله علم أن كمال المقصود ليس البشارة؛ لأنهم كانوا عددا، والبشارة لا تحتاج إلى العدد؛ ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا، ومريم ﵉، أو؛ لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل، ولو كانت البشارة تمام المقصود لابتدءوه بها. انتهى. ﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: أيها الملائكة المرسلون إليّ.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). ﴿فَما﴾ الفاء: حرف صلة، وانظر مثلها في الآية رقم [٣٤]. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.","vol":"5","page":118},{"text":"﴿خَطْبُكُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، ﴿أَيُّهَا:﴾ منادى نكرة مقصودة حذف منه أداة النداء مبني على الضم في محل نصب ب: «يا» المحذوفة، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْمُرْسَلُونَ:﴾ بدل من (أيّ)، أو عطف بيان عليه، أو صفة، فهو مرفوع تبعا للفظه، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٨] من سورة (يوسف) ﵇، إن أردت الزيادة، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1860\"></span><span id=\"aya-1861\"></span><span id=\"aya-1862\"></span>﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة. ﴿إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أي: كافرين لإهلاكهم.\n ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ:﴾ هم من الناجين بدليل ما بعده. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي:\nالباقين مع الكفرة لتهلك معهم، والتذكير لتغليب الذكور. هذا؛ وفي المختار: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، فهو من الأضداد، وبابه: دخل. انتهى. والغابر: اسم الفاعل منه يحتمل:\nالماضي والباقي أيضا، ولهذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان وحاضرها، كما يقال: في غابر الأزمان وماضيها، قال أبو ذؤيب الهذلي من قصيدة يرثي بها أولاده: [الكامل]\nفغبرت بعد هم بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع\nقال الخازن: وإنما أسند الملائكة القدر إلى أنفسهم، وإن كان ذلك لله ﷿، لاختصاصهم بالله، وقربهم منه، كما تقول خاصة الملك: نحن أمرنا، ونحن فعلنا، وإن كان قد فعلوه بأمر الملك، ثم قال: والاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فاستثناء امرأة لوط من الناجين يلحقها بالهالكين. انتهى. وهذا ملخص ما ذكره القرطبي، والزمخشري، وأبو البقاء، وغيرهم.\nفائدة: حكي: أن الكسائي سأل أبا يوسف يوما، فقال له: ما تقول في رجل قال: له عليّ مائة درهم إلا عشرة إلا اثنين؟. فقال: يلزمه ثمان وثمانون، فقال له الكسائي: يلزمه اثنان وتسعون. واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ،﴾ فحجّه بذلك﵃، وأرضاهم أجمعين-.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا):\nاسمها. ﴿أُرْسِلْنا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و(نا): نائب فاعله. ﴿إِلى قَوْمٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ صفة قوم مجرور.. إلخ، وجملة: ﴿أُرْسِلْنا..﴾. إلخ في محل","vol":"5","page":119},{"text":"رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿آلَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاَّ﴾ فإن كان من القوم، فهو استثناء منقطع، وإن كان من الضمير المستتر في ﴿مُجْرِمِينَ﴾ فهو متصل، و﴿آلَ:﴾ مضاف، و﴿لُوطٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنّا:﴾ مثل سابقتها. ﴿لَمُنَجُّوهُمْ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (منجوهم):\nخبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد للضمير فهو مجرور تبعا للفظه... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة إذا اتصل الاستثناء، ومتصلة ب: ﴿آلَ لُوطٍ﴾ جارية مجرى خبر «لكنّ» إذا انقطع،. انتهى. بيضاوي، وجمل. ولا مفهوم له، ويبقى محل الجملة مجهولا، وأرى أنها في محل نصب حال من آل لوط، والرابط: الضمير فقط. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَهُ:﴾ مستثنى بإلا من ﴿آلَ لُوطٍ،﴾ أو من الضمير بقوله: ﴿لَمُنَجُّوهُمْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَدَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل، ويقرأ بتشديد الدال وتخفيفها، والفعل معلق عن العمل باللام بعده؛ لأنه بمعنى: العلم؛ ولذا كسرت همزة (إنّ). ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من الغابرين): متعلقان بمحذوف خبر (إن...) إلخ في محل نصب حال من امرأته، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير قد قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1863\"></span><span id=\"aya-1864\"></span><span id=\"aya-1865\"></span><span id=\"aya-1866\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنّا لَصادِقُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: المعنى الإجمالي لهذه الآيات: لما بشر الملائكة إبراهيم﵇بالولد، وأخبروه بما هم عازمون عليه من إهلاك قوم لوط المجرمين؛ تركوه، وذهبوا إلى لوط، ﵇، فلما دخلوا عليه؛ قال لهم: إني لا أعرفكم؛ لأنهم دخلوا عليه في زي شبان مرد حسان الوجوه، فخاف عليهم من قومه المجرمين الذين كانوا يفعلون الفواحش، فقالوا له: أتيناك بما يشك فيه قومك من العذاب المهين الذي لا شك واقع فيهم، وإنا لصادقون فيما نخبرك به من إهلاكهم، ووقوع العذاب بهم، وتفصيل ذلك تجده في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) وسورة (الشعراء) و(النمل).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَ:﴾ ماض، وهو متعدّ هنا، وقد يأتي لازما. ﴿آلَ:﴾","vol":"5","page":120},{"text":"مفعول به، وهو مضاف، و﴿لُوطٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُرْسَلُونَ:﴾ فاعل ﴿جاءَ﴾ مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لما) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿لُوطٍ﴾. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبرها. ﴿مُنْكَرُونَ:﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿جِئْناكَ:﴾ ماض وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة:\n (يمترون فيه) في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ وهذه الجملة صلة الموصول، لا محل لها، وإن اعتبرت (ما) موصوفة فالجملة صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (في)، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (أتيناك): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (نا) الفاعل. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، ﴿لَصادِقُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1867\"></span>﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاِتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَاُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: من قوله: ﴿فَأَسْرِ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَدٌ:﴾ أرجو أن تنظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٨١] من سورة (هود) ﵇ مع ملاحظة زيادة الجملة: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ﴾ هنا، ومعناها: اتبع آثار أهلك، وسر خلفهم، وامنعهم من الالتفات إلى الوراء. ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: إلى حيث أمركم الله بالمضي إليه. وهو الشام، أو مصر. وقيل: إلى حيث يأمركم جبريل، وذلك: أن جبريل ﵇ أمرهم أن يسيروا إلى قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط، وانظر شرح: ﴿حَيْثُ﴾ في الآية رقم [٥٦] من سورة (يوسف).\nالإعراب: من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَدٌ:﴾ انظر إعراب الآية رقم [٨١] من سورة (هود) ﵇ ففيها الكفاية. (امضوا): أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة،","vol":"5","page":121},{"text":"والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو، ويقال: منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضم لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في قولك: «ادخلا» والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك: «ادخلي» والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة التي هي فاعله. ﴿حَيْثُ﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: مفعول به، ولا وجه له؛ لأن «مضى» لازم، مبني على الضم في محل نصب. ﴿تُؤْمَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَامْضُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَأَسْرِ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، والكلام كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول الملائكة.\n\n<span id=\"aya-1868\"></span>﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ..﴾. إلخ: أي: وأوحينا إلى لوط ذلك الأمر الذي حكمنا به على قومه، وأبرمناه فلا رجوع عنه، وهذا الأمر أنّ هؤلاء القوم يستأصلون عن آخرهم وقت الصبح، وإنما أبهم الأمر الذي قضاه عليهم أولا، وفسره ثانيا تفخيما له، وتعظيما لشأنه.\nهذا؛ وقد ذكرت لك في سورة (هود) ﵇ في الآية رقم [٨١] أنّ الملائكة لمّا وعدوا لوطا بإهلاك قومه في الصباح قال: أريد أسرع من ذلك، فقالوا له: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.\nهذا؛ و«الدابر»: آخر كل شيء. وأخيرا انظر: (قضى) في الآية رقم [٤٤] من سورة (الأنفال)، أو في سورة (الإسراء) رقم [٤].\nالإعراب: ﴿وَقَضَيْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(قَضَيْنا:)﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧]. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به؛ لأن الفعل بمعنى: «أوحينا»، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْأَمْرَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿دابِرَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿مَقْطُوعٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ﴾. ﴿مُصْبِحِينَ:﴾\nحال من الضمير المستتر في ﴿مَقْطُوعٌ،﴾ وجمعه للحمل على المعنى، فإن دابر هؤلاء في معنى مدبري هؤلاء، أو هو حال من اسم الإشارة، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب بدل من الأمر، أو عطف بيان عليه، وقد فسر الأمر كما ترى. وقيل: في محل","vol":"5","page":122},{"text":"رفع خبر لمبتدإ محذوف، والأول: أقوى معنى، وجملة: ﴿وَقَضَيْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها على اعتبارها من مقول الله تعالى، وهو الراجح.\n\n<span id=\"aya-1869\"></span><span id=\"aya-1870\"></span><span id=\"aya-1871\"></span>﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاِتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩)﴾\nالشرح: لما علم قوم لوط بوجود الرسل عنده؛ أقبلوا؛ وهم فرحون طمعا منهم في ركوب الفاحشة التي اعتادوها، وامرأة لوط هي التي أخبرت القوم بالرسل، فقال لوط﵇-:\nإن هؤلاء حلّوا ضيوفا عندي، وواجب علي أن أكرمهم، وأن أدافع عنهم ما استطعت، ومن أسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه، وخذلان الضيف فضيحة يفشو أمرها بين الناس، ثم قال لهم:\nاتقوا الله، وخافوه، ولا تخزوني بالإساءة إلى أضيافي! وما أجدرك أن تنظر المزيد من ذلك في الآية رقم [٧٨] من سورة (هود) ﵇، وينبغي أن تعلم: أنّ الفعل: «جاء» يكون لازما، إن كان بمعنى: حضر وأقبل، ويكون متعديا إن كان بمعنى: وصل وبلغ، ومثله: «أتى» والآيات التي بين يديك توضح ذلك، وربك أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَجاءَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جاء): ماض. ﴿أَهْلُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْمَدِينَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿أَهْلُ الْمَدِينَةِ،﴾ وجملة: ﴿وَجاءَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿(قَضَيْنا...)﴾ إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (لوط). ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ضَيْفِي:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَفْضَحُونِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وحذفت ياء المتكلم للتخفيف، وكسرة النون دليل عليها، والجملة: ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك هو الواقع فلا تفضحون بانتهاك حرمة ضيفي، والشرط المقدر ومدخوله في محل نصب مقول القول. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون... إلخ والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول، وإعراب ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ مثل إعراب ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ بلا فارق، وهي معطوفة على ما قبلها. تأمل، وتدبر.","vol":"5","page":123},{"text":"<span id=\"aya-1872\"></span><span id=\"aya-1873\"></span><span id=\"aya-1874\"></span>﴿قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: قال قوم لوط له: أو لم ننهك أن تضيف أحدا من الناس. أو المعنى: ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من العالمين إذا قصدناه بالفاحشة. وكان لوط ﵇ يعظهم، ويمنعهم من ذلك بقدر وسعه، بل ويبذل جهده في ذلك، ولمّا أصروا على ما يريدون؛ قال لهم لوط: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي..﴾. إلخ: وما أجدرك أن تنظر ذلك في سورة (هود) ﵇ الآية رقم [٧٨] ففيها الدواء الشافي، والغذاء الكافي لمن كان له قلب، أو ألقى السمع؛ وهو شهيد.\n ﴿لَعَمْرُكَ:﴾ هذا قسم بحياة المخاطب، والمخاطب بذلك النبي ﷺ. وقيل: بل المخاطب لوط ﵇، قالت له الملائكة ذلك.\nهذا؛ وقال الجمل: وفي الكرخي، وفي «الدر المنثور» للشيخ المصنف: أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة﵁-، عن رسول الله، قال: (ما حلف الله بحياة أحد إلاّ بحياة محمد، قال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي: ضلالهم وغوايتهم، وقيل: في غفلتهم. ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتحيرون ويترددون، فكيف يسمعون نصحك، ويقبلون موعظتك؟! والضمير يعود إلى قريش، أو إلى قوم لوط حسب ما رأيت من خلاف في المخاطب. هذا؛ و«العمه»: التحير والتردد، وهو قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني.\nوفي المصباح «عمه، عمها» من باب: «تعب»: إذا تردد متحيرا، و«تعامه» مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه، وأعمه، وهذا الفعل لم أر له ماضيا، ولا أمرا، فيظهر: أنه فعل جامد، لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر له في كتب اللغة ماض؛ لكنه لم يستعمل، ولم يتداول.\nتنبيه: «لعمرك»: كلمة تستعمل في القسم من: عمر الرجل بكسر الميم يعمر عمرا بفتح العين، وضمها؛ إذا عاش زمنا طويلا، ومعناه: أحلف بحياتك، فمفتوح العين إذا دخلت عليه اللام، رفع على الابتداء، والخبر محذوف وجوبا، وإن لم تدخل عليه اللام نصب نصب المصادر، والرفع قليل، فيقال: عمر الله ما فعلت كذا، وعمرك الله ما فعلت كذا، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الخفيف]\nأيّها المنكح الثّريّا سهيلا... عمرك الله كيف يلتقيان؟\nوقد يقرن به حرف القسم، كما في قول عمر أيضا: [الوافر]","vol":"5","page":124},{"text":"بعمرك هل رأيت لها سميّا... فشاقك أم لقيت لها خدينا؟\nومعنى: «لعمر الله وعمر الله»: أحلف ببقاء الله ودوامه، ومعنى: «عمرك الله»: أحلف بتعميرك الله؛ أي: بإقرارك له بالبقاء، ويأتي بمعنى: سألت الله أن يطيل عمرك، من غير إرادة القسم، وكلمة «عمر» في غير رواية الرفع منصوبة، كما ترى، أو مجرورة بحرف القسم، والاسم الكريم بعدها يجوز أن تقرأه بالرفع، والنصب، فأما نصب «عمر» فذهب الأخفش، والمبرد، وأبو سعيد السيرافي إلى أنه منصوب على حذف حرف القسم، وأصل الكلام: بعمرك الله، وأصله الأصيل: بتعميرك الله؛ أي: بإقرارك له بالبقاء، والدوام، فتكون الكاف في موضع رفع على أنها فاعل بالمصدر، والاسم الكريم منصوب على التعظيم.\nوذهب أبو علي الفارسي إلى انتصاب «عمرك» على أنه مفعول مطلق، وأصل الكلام عمرك الله تعميرا، فأضيف المصدر إلى المفعول، وارتفع الاسم الكريم بعده على أنه فاعل، والظاهر من كلام سيبويه على ما قاله أبو حيان انتصاب: «عمر» على أنه مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: أسأل تعميرك الله، وعليه يكون تعمير مفعولا به، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، ولفظ الجلالة منصوب ب: «أسأل» أيضا، كأنه قال: أسأل الله أن يطيل عمرك. انتهى.\nبعد هذا ينبغي أن تعلم أن القسم ب: «لعمرك، ولعمري، ولعمر الله» يستعمل في أشعار العرب، وفصيح كلامها بكثرة، فمن المخاطب قول طرفة بن العبد: [الطويل]\nلعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى... لكالطّول المرخى وثنياه باليد\nومن استعماله في المتكلم قول النابغة الذبياني: [الطويل]\nلعمري وما عمري عليّ بهيّن... لقد نطقت بطلا عليّ الأقارع\nومن استعماله للغائب قول القحيف بن سليم العقيلي: [الوافر]\nإذا رضيت عليّ بنو قشير... لعمر الله أعجبني رضاها\nوختاما ينبغي أن تعلم: أن هذا اللفظ، وهذا الاستعمال لم يرد في غير هذه السورة من سور القرآن الكريم.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار. الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَنْهَكَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والكاف مفعول به. ﴿عَنِ الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿لُوطٍ﴾. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع","vol":"5","page":125},{"text":"مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَناتِي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nوقال الجمل نقلا عن السمين: يجوز فيه، أوجه؛ أحدها: أن يكون هؤلاء مفعولا بفعل مقدر؛ أي: تزوجوا هؤلاء، و﴿بَناتِي﴾ بيان، أو بدل، الثاني: أن يكون ﴿هؤُلاءِ بَناتِي﴾ مبتدأ، وخبرا، ولا بدّ من شيء محذوف تتم به الفائدة؛ أي: فتزوجوهن، الثالث: أن يكون هؤلاء مبتدأ، وبناتي بدل، أو بيان، والخبر محذوف؛ أي: هنّ أطهر لكم كما جاء في نظيرها. انتهى.\nويعني: في الآية رقم [٧٨] من سورة (هود) ﵇، وقريب منه قول أبي البقاء.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم، ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فاعِلِينَ:﴾ خبر كان منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي: إن كنتم فاعلين فانكحوهن. والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿لَعَمْرُكَ:﴾ اللام: لام الابتداء.\n (عمرك): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، أو من إضافة المصدر لفاعله حسب ما رأيت في الشرح، وخبر المبتدأ محذوف وجوبا تقديره:\nقسمي. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة، ﴿(لَفِي سَكْرَتِهِمْ):﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن). هذا؛ واعتبر أبو البقاء الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر (إن)، وجملة: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالا من الضمير المستقر في الجار والمجرور، أو من الضمير المجرور بالإضافة. تأمل.\nوالجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول قول محذوف، والقائل الملائكة، أو من مقول الله تعالى حسب ما رأيت في الشرح.\n\n<span id=\"aya-1875\"></span><span id=\"aya-1876\"></span><span id=\"aya-1877\"></span><span id=\"aya-1878\"></span>﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ:﴾ يعني صيحة هائلة مهلكة. وقيل: هي صيحة جبريل ﵇، ولكن الهلاك لم يكن بها، وإنما هي للدهشة، وإيقاع الرعب في قلوبهم، والهلاك بالصيحة كان في قوم هود، وصالح ﵉، وهلاك قوم لوط كان بما أفادته الآية التالية، وانظر ما ذكرته عن ابن عباس﵄في الآية رقم [٩٤] من سورة (هود) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"5","page":126},{"text":"﴿مُشْرِقِينَ:﴾ وقت شروق الشمس؛ أي: طلوعها. وقيل: وقت شروق الفجر، فيكون أول العذاب عند الصبح، وامتد إلى شروق الشمس، فكان تمام الهلاك عند ذلك، و«أشرقت» الشمس و«شرقت» مثل: أضاءت، وضاءت، فهما لغتان بمعنى واحد، وانظر شرح الآية التالية بكاملها في الآية رقم [٨٢] من سورة (هود) ﵇. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي: فيما وقع لقوم لوط من العذاب علامات، أو عبر، وعظات. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ:﴾ للمتفكرين المتفرسين. وقيل:\nللناظرين. قال طريف بن تميم العنبري: [الكامل]\nأو كلّما وردت عكاظ قبيلة... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم\nوقال قتادة: للمعتبرين. وقال أبو عبيدة: للمتبصرين، كقول زهير: [الطويل]\nوفيهنّ ملهى للصّديق ومنظر... أنيق لعين النّاظر المتوسّم\nويعضد القول الأول: ما روي عن أبي سعيد الخدري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله». ثمّ قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ،﴾ أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وهذا؛ وقد ذكر القرطبي من فراسة بعض الصحابة، والتابعين الشيء الكثير. ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي: وإن قرى قوم لوط على طريق قومك يا محمد في ذهابهم إلى الشام، وإيابهم منها، فهم يشاهدون ذلك، ويرون أثر العقاب الذي نزل بها، وانظر شرح (سبيل) في الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) ﵇.\nالإعراب: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أخذتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الصَّيْحَةُ:﴾ فاعل. ﴿مُشْرِقِينَ:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (جعلنا): فعل، وفاعل وهو بمعنى: صيرنا. ﴿عالِيَها:﴾ مفعول به أول.\n ﴿سافِلَها:﴾ مفعول به ثان، و(ها): في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على القرى، ولم يتقدم لها ذكر، ولكنها مفهومة من المقام، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٢] من سورة (هود) ﵇، وجملة: ﴿فَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حِجارَةً﴾.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم إن مؤخر منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة (آيات)، أو هما متعلقان بها؛ لأنها بمعنى: علامات، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِنَّها:﴾ الواو: واو الحال.","vol":"5","page":127},{"text":"(إنها): حرف مشبه بالفعل. و(ها): اسمها. ﴿لَبِسَبِيلٍ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (بسبيل):\nمتعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُقِيمٍ:﴾ صفة (سبيل). والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّها..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وعليه فالجملة: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ معترضة بين الحال وصاحبها، وهذا أقوى من عطف الجملة الاسمية على الجملة المستأنفة قبلها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1879\"></span><span id=\"aya-1880\"></span><span id=\"aya-1881\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: الذي ذكر من عذاب قوم لوط. ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعبرة ودلالة للمصدقين المقرّين بما أنزل على محمد ﷺ. وصدقوا جميع الأنبياء والرسل، وعرفوا:\nأن ذلك إنما كان لانتقام الله من الجهال لأجل مخالفتهم أوامر الله تعالى، وأما الذين لا يؤمنون فيحملونه على حوادث العالم، وحصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية، وجمع «الآيات» أولا، باعتبار تعدد ما قصّ الله من حديث لوط، وضيف إبراهيم، وتعرض قوم لوط لهم، وما كان من هلاكهم، وقلب المدائن على من فيها، وإمطار الحجارة على من غاب عنها، ووحدها ثانيا باعتبار وحدة قرية قوم لوط المشار إليها بقوله: ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ فلا يرد كيف جمع «الآية» أولا، ووحدها ثانيا، والقصّة واحدة. انتهى. جمل، نقلا عن كرخي.\n ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ:﴾ انظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٣] وما بعدها من سورة (هود) ﵇، ففيه الغذاء الكافي، والدواء الشافي، لمن كان له قلب، أو ألقى السمع، وهو شهيد.\n ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ أي: أهلكناهم انتقاما منهم لسوء أعمالهم، والانتقام: المبالغة في العقوبة، والأخذ الشديد بالثأر. ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن مدينة قوم لوط، ومدينة أصحاب الأيكة بطريق واضح مستبين لمن مرّ بهما. وقيل: إن الضمير يعود إلى مدين والأيكة اللتين أرسل إليهما شعيب ﵇؛ لأنه بعث إليهما كما رأيت في الآيات المشار إليها من سورة (هود). هذا؛ وسمي الطريق إماما؛ لأنه يؤتم ويتبع، والمسافر يأتم به حتى يصل إلى مقصده، ففي ذلك استعارة تصريحية؛ لأن الطريق سبيل الوصول والمسافر فيه يتبعه حتى النهاية فاستعمل المشبه به بدلا من المشبه، وانظر قصة أصحاب الأيكة مفصلة في سورة (الشعراء)، فإنك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إعراب هذه الآية مثل إعراب الآية رقم [٧٥] والجملة الاسمية فيها معنى التأكيد لتلك الجملة. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف لعطف قصة على قصة. (إن): حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، مهمل لا عمل له.\n ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿أَصْحابُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْأَيْكَةِ:﴾ مضاف إليه.","vol":"5","page":128},{"text":"﴿لَظالِمِينَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات. (ظالمين): خبر كان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَإِنْ كانَ..﴾. إلخ معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَانْتَقَمْنا:﴾\nالفاء: حرف استئناف. (انتقمنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجمع الضمير باعتبار الأفراد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على محذوف، التقدير:\nأي: أمعنوا في الضلال، والفساد، فانتقمنا... إلخ. ﴿وَإِنَّهُما:﴾ الواو: واو الحال. (إنهما):\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿لَبِإِمامٍ:﴾ اللام:\nهي المزحلقة. (بإمام): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة، والجملة الاسمية:\n ﴿وَإِنَّهُما..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور ب: (من)، والرابط: الواو، والضمير، وقد ثني الضمير باعتبار القومين، أو البلدتين، والآية مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-1882\"></span><span id=\"aya-1883\"></span><span id=\"aya-1884\"></span><span id=\"aya-1885\"></span><span id=\"aya-1886\"></span>﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ:﴾ المراد بأصحاب الحجر: قبيلة ثمود الذين كذبوا نبيهم صالحا ﵇، وإنما ذكره بلفظ الجمع للتعظيم، أو لأن من كذب واحدا من الرسل؛ فكأنما كذب الجميع، و﴿الْحِجْرِ﴾ اسم واد كانت تسكنه قبيلة ثمود، وهو معروف بين المدينة والشام، عند وادي القرى، وآثاره موجودة باقية، يمر عليها ركب الشام إلى الحجاز، وركب الحجاز إلى الشام. ﴿وَآتَيْناهُمْ آياتِنا﴾ أي: أريناهم المعجزات الباهرة، وهي الناقة وولدها، وخروجها من الصخرة، وعظم جثتها، وقرب ولادها، وغزارة لبنها. ﴿فَكانُوا عَنْها:﴾\nعن الآيات المذكورة. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ تاركين لها غير مكترثين فيها. ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ..﴾. إلخ: أي:\nيحفرون بيوتهم في سفوح الجبال، خوفا من الأعداء، أو من الخراب، أو خوفا من العذاب، وذلك لشدة جهلهم وغفلتهم: أن الجبال تحميهم منه، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أي: صيحة جبريل التي فيها العذاب، والهلاك وقت الصبح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٤] من سورة (هود) ﵇. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ:﴾ فما نفعهم، ولا دفع عنهم العذاب ما كانوا يبنون من البيوت الوثيقة، وما كانوا يجمعون من الأموال، وما يستكثرون من العدد، والعدد.\nهذا؛ وإن قصة صالح﵇مع قومه قد مرت معنا في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) ﵇ بأوسع منها في هذه السورة، وانظر شرح (آيات) في الآية رقم [١]. هذا؛ والحجر يطلق على أشياء كثيرة: «حجر الإنسان» بفتح الحاء وكسرها، وهو ما بين يديه من ثوبه،","vol":"5","page":129},{"text":"ويقال: نشأ فلان في حجر فلان؛ أي: تحت رعايته وحفظه، وهو بفتح الحاء: المنع من التصرفات المالية لصغر، أو سفه، أو فلس، وغير ذلك، و«الحجر» بكسر الحاء يطلق على الفرس الأنثى، وعلى العقل، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ويطلق على حجر إسماعيل، وعلى حجر ثمود، وعلى الكذب، وعلى الحرام، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وقد نظمها بعضهم بقوله: [البسيط]\nركبت حجرا، وطفت البيت خلف الحجر... وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر\nلله حجر منعني من دخول الحجر... ما قلت حجرا، ولو أعطيت ملء الحجر\nتنبيه: عن أبي هريرة﵁قال: لمّا مرّ رسول الله ﷺ بالحجر، قال:\n «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلاّ أن تكونوا باكين، ثمّ قنّع رأسه، وأسرع السّير حتّى جاوز الوادي». متفق عليه، وعن ابن عمر﵄-: أن رسول الله ﷺ، لما نزل بالحجر في غزوة تبوك، أمرهم ألاّ يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: عجنّا، واستقينا، فأمرهم أن يهريقوا الماء، وأن يطرحوا ذلك العجين» رواه البخاري.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق بقرب الماضي من الحال.\n ﴿كَذَّبَ:﴾ ماض. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْحِجْرِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب.. إلخ، وجملة: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ..﴾. إلخ جواب القسم الذي رأيت تقديره لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (آتيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و(نا): في محل جر بالإضافة. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿(كانُوا...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿يَنْحِتُونَ:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿مِنَ الْجِبالِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿بُيُوتًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة المشهورة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بُيُوتًا:﴾ مفعول به. ﴿آمِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب وعلامة نصبه الياء.. إلخ، وجملة: ﴿يَنْحِتُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب الآية رقم [٧٣] بلا فارق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية وجوز اعتبارها استفهامية، وليس بشيء يعتد به. ﴿أَغْنى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.","vol":"5","page":130},{"text":"﴿فَما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل ﴿أَغْنى،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿فَما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فما أغنى عنهم الذي، أو شيء كانوا يكسبونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: فما أغنى عنهم كسبهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-1887\"></span><span id=\"aya-1888\"></span>﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما﴾ أي: من أفلاك، وكواكب، وما على الأرض من دواب، وجبال، وأنهار، وغير ذلك. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي: لإظهار الحق، والمجازاة، وهو أن يثاب المؤمن المصدق، ويعاقب الجاحد الكافر المكذب. ﴿وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي:\nالقيامة لا بد واقعة ليجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أي:\nأعرض عنهم يا محمد، واعف عنهم عفوا حسنا، واحتمل ما تلقى من أذى قومك. وهذا الصفح، والإعراض منسوخ بآية القتال. وقيل: فيه بعد؛ لأن الله ﷾ أمر نبيه ﷺ أن يظهر الخلق الحسن، وأن يعاملهم بالعفو، والصفح الخالي من الجزع، والخوف. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ:﴾ الذي خلقك، وخلقهم، وبيده أمرك، وأمرهم، و﴿الْخَلاّقُ﴾ صيغة مبالغة للتكثير، وقرئ: «(الخالق)». ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بحالك، وحالهم، فكل إليه أمرك، وأمرهم؛ ليحكم بينكم يوم القيامة.\nهذا وقد أعاد الضمير إلى ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ مثنّى، والمرجوع إليه مجموع السموات والأرض، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، ومنه قول الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط]\nسعى عقالا، فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس أوبادا، ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nفقد ثنى جمالا، الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللبد المال الكثير، وأوبادا هلكى جمع وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الزكوات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حق؛ حتى لم يبق لنا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا، أو كيف يبقى لأحد مال لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان؛ أي: قطيعان من الجمال فيختل أمر الغزوات.","vol":"5","page":131},{"text":"هذا والساعة: القيامة سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت ساعة؛ لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، وانظر علامات الساعة في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الأعراف)، ولا تنس: أن ساعة كل إنسان وقيامته وقت مقدّمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ: «من مات؛ فقد قامت قيامته».\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، (ما): نافية. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماواتِ..﴾. إلخ أي: إلا ملتبسا بالحق والحكمة، والجملة الفعلية: ﴿وَما خَلَقْنَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةَ:﴾ اسمها. ﴿لَآتِيَةٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿لَآتِيَةٌ:﴾ اللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاصْفَحِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٨]. (اصفح): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصَّفْحَ:﴾ مفعول مطلق.\n ﴿الْجَمِيلَ:﴾ صفته، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فاصفح... إلخ، والكلام لا محل له، سواء عطفته، أو استأنفته. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل. ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ،﴾ ويجوز اعتبار ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ خبران له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾.\nهذا؛ ولا يجوز اعتبار الضمير تأكيدا؛ لأن الاسم الظاهر لا يؤكد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1889\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾\nالشرح: لقد اختلف في السبع المثاني على أقوال كثيرة:\nأحدها: أنها هي الفاتحة، قاله عمر، وعلي، وأبو هريرة، والرّبيع بن أنس، وأبو العالية والحسن، وغيرهم﵃ أجمعين-. وحجّتهم ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الحمد لله أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسّبع المثاني». أخرجه أبو داود، والترمذي. وسميت الفاتحة سبعا؛ لأنها سبع آيات بإجماع أهل العلم، وسميت بالمثاني؛ لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة. وقيل: لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، فنصفها","vol":"5","page":132},{"text":"الأول: ثناء على الله، ونصفها الثاني: دعاء. ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة -﵁عن النبي ﷺ، قال، يقول الله ﵎: «قسمت الصلاة بيني، وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل» وقيل: غير ذلك.\nالقول الثاني: أنها السبع الطوال؛ أي: السور من البقرة... إلى التوبة، وهذا قول ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير﵃ أجمعين-. ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ثوبان﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ﷾ أعطاني السّبع الطوال مكان التّوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزّبور المثاني، وفضّلني ربّي بالمفصّل». أخرجه البغوي بإسناد الثعلبي. وقال ابن عباس: سميت السبع الطوال مثاني؛ لأن العبر، والأحكام، والحدود، والأمثال تثبت فيها. ورد هذا القول بأنّ السور الطوال كلها مدنية، وسورة (الحجر) مكية.\nالقول الثالث: أن السبع المثاني هي القرآن كله. قاله طاوس والضحاك، ورواية عن ابن عباس، وحجة هذا القول قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ وسمي القرآن كله مثاني؛ لأن الأخبار، والقصص، والأمثال ثنيت فيه.\nالقول الرابع: أن المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر، والنهي، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعديد النعم، وأنباء الأمم الماضية، قاله زياد بن أبي مريم، والصحيح الأول: من هذه الأقوال، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وإنما سمي القرآن:\nعظيما؛ لأنه كلام الله، ووحيه، أنزله على خير خلقه محمد ﷺ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) ﵇.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٠]. ﴿آتَيْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول.\n ﴿سَبْعًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنَ الْمَثانِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿سَبْعًا﴾. ﴿وَالْقُرْآنَ:﴾ معطوف على ما قبله من عطف الكل على البعض، أو هو من عطف المرادف. وقيل: الواو صلة، و(القرآن) بدل من ﴿سَبْعًا،﴾ انظر الشرح والتفسير. ﴿الْعَظِيمَ:﴾ صفة القرآن، والجملة الفعلية:\n ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ..﴾. إلخ جواب القسم المقدّر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1890\"></span>﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ:﴾ المعنى: يا محمد! لا تنظر إلى ما أعطيناه الكفار من متع الحياة الدنيا، ولذائذها، وشهواتها، فإن ذلك لا بقاء له، ولا دوام.","vol":"5","page":133},{"text":"هذا؛ وأضاف سبحانه إلى ما ذكر في الآية رقم [١٣١] من سورة (طه) قوله: ﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. والمعنى: أن الذي يعطاه أصناف الكفار من حطام الدنيا، إنما هو كالزهرة تتفتح في أول النهار، ثم تذبل في آخره، فقد نهي النبي ﷺ عن الرّغبة في الدنيا، ومزاحمة أهلها عليها؛ ولذا كان لا ينظر إلى شيء من متعها، ولا يلتفت إليه، ولا يستحسنه.\n ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ولا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا. وقيل: المعنى: لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا، فلك في الآخرة أفضل منه. ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ألن جانبك لمن آمن بك، وتواضع لهم. وفي هذه الجملة استعارة مكنية، وهي ما حذف فيها المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، فقد استعير الطائر للذل، ثم حذفه، ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح، وإثبات الجناح للذل يسمونه: استعارة تخييلية، وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا، وقد قال ابن الجوزي: سبب نزول هذه الآية وسابقتها أنّ سبع قوافل وافت من بصرى، وأذرعات ليهود قريظة، والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البزّ، والطيب، والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها، وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله الآيتين الكريمتين، فيكون الخطاب للنبي ﷺ، والمراد: أمته، وضعّف هذا القول؛ لأن السورة مكية بكاملها، وروي عن أبي بكر﵁-: أنه قال: من أوتي القرآن، فرأى: أن أحدا، أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي؛ فقد صغّر عظيما، وعظّم صغيرا.\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». رواه مسلم. قال عوف بن عبد الله بن عتبة: كنت أصحب الأغنياء، فما كان أحد أكثر همّا مني، كنت أرى دابة خيرا من دابتي، وثوبا خيرا من ثوبي، فلمّا سمعت هذا الحديث، صحبت الفقراء، فاسترحت. انتهى.\nخازن.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَمُدَّنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون حرف لا محل له.\n ﴿عَيْنَيْكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿مَتَّعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، ﴿أَزْواجًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿أَزْواجًا﴾ هذا وهناك وجه ثان، وهو اعتبار ﴿أَزْواجًا﴾ حالا من الضمير","vol":"5","page":134},{"text":"في: ﴿بِهِ﴾ فيكون فيه مراعاة لفظ ﴿ما﴾ مرة، ومعناها أخرى، فلذلك جمع، وعليه ف: ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لا تَمُدَّنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَحْزَنْ:﴾ مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وما بعدها معطوفة عليها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1891\"></span><span id=\"aya-1892\"></span><span id=\"aya-1893\"></span>﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾\nالشرح أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة المجرمين: إني نذير لكم من عذاب شديد، يقع بكم عاجلا، أو آجلا، كما أنزله الله بالمقتسمين الذين اختلفوا في شأن القرآن الكريم. وقالوا ما قالوا فيه من افتراءات، وأكاذيب، ولقد اختلف في ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ على أقوال سبعة:\nالأول: قال مقاتل، والفراء: هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا طرق مكة، ومداخلها، يقولون لمن أراد الدخول فيها: لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة، فإنه مجنون، وربما قالوا: ساحر، وربما قالوا: شاعر، وربما قالوا: كاهن، وسموا بالمقتسمين؛ لأنهم اقتسموا هذه الطرق، فأماتهم الله شرّ ميتة، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكما على باب المسجد، فإذا سألوه عن النبي ﷺ، قال: صدق أولئك.\nالثاني: قال قتادة: هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب الله، فجعلوا بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير.\nالثالث: قال ابن عباس﵄هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه.\nوكذلك قال عكرمة: هم أهل الكتاب، وسموا بالمقتسمين؛ لأنهم كانوا مستهزءين، فيقول بعضهم: هذه السورة لي، وهذه السورة لك، وهو القول الرابع.\nالخامس: قال قتادة: قسموا كتابهم، ففرقوه وبددوه وحرفوه.\nالسادس: قال زيد بن أسلم: المراد: قوم صالح، تقاسموا على قتله؛ أي: تحالفوا، فسموا مقتسمين كما قال تعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾.\nالسابع: قال الأخفش: هم قوم اقتسموا أيمانهم، وتحالفوا عليها. وقيل: إنهم العاص بن وائل، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، ومنبه بن الحجاج. ذكره الماوردي. انتهى. قرطبي بتصرف.\nهذا ومعنى ﴿عِضِينَ﴾ أجزاء مفرقة، وتفسيره ما رأيته في القول الثاني، وما بعده، ومثله في المعنى: ﴿عِزِينَ﴾ أي: فرقا شتّى، وهو جمع: عضة، من قولهم: عضيت الشيء: إذا فرقته،","vol":"5","page":135},{"text":"وجعلته أجزاء، وعزين: جمع عزة، أصلهما: عضوة، وعزوة، فحذفت الواو منهما. وقيل:\nأصل «عضة»: عضهة، فنقصت الهاء منه لأن العضه والعضين في لغة قريش: السّحر، وهم يقولون للساحر: عاضه، وللساحرة، عاضهة، وفي الحديث: لعن رسول الله ﷺ العاضهة، والمستعضهة، وفسر بالسّاحرة، والمستسحرة. وقيل: أصل «عضة»: عضو، من قولهم: عضيته تعضية: إذا فرقته، قال رؤبة: وليس دين الله بالمعضّى. يعني: بالمفرق، وعلى ما تقدم حذفت الواو، وعوض منها الهاء، فقيل: عضه، ونظير عضة في النقصان شفة، والأصل شفهة، كما قالوا: سنة، والأصل سنهة، فنقصوا الهاء الأصلية، وأثبتوا هاء العلامة، وهي للتأنيث كما قيل:\nأصل: سنة وشفة سنو وشفو، فالتاء عوض عن واو محذوفة. هذا؛ والعضه: الكذب، والبهتان، وكان الفراء يذهب إلى أنه مأخوذ من العضاه، وهي شجر الوادي، ويخرج كالشوك. قلت: قال الشاعر: [الطويل]\nإذا مات منهم سيّد سرق ابنه... ومن عضة ما ينبتنّ شكيرها\nوهذا هو الشاهد رقم [٦٤١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nالإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل لا محل له، أو هو تأكيد لاسم (إنّ) على المحل؛ لأن محله في الأصل مبتدأ، وعليهما ف: ﴿النَّذِيرُ﴾ خبر (إنّ)، و﴿الْمُبِينُ:﴾ صفته. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ، و﴿النَّذِيرُ﴾ خبره، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر.\n (ما): مصدرية. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر... إلخ. هذا؛ و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: آتيناك سبعا من المثاني، إيتاء كائنا مثل إنزالنا على المقتسمين؛ لأن ﴿آتَيْناكَ﴾ بمعنى: أنزلنا عليك.\nوقيل: التقدير: متعناهم تمتيعا كما... إلخ، والمعنى: نعمنا بعضهم كما عذبنا بعضهم. وقيل:\nالتقدير: إنذارا مثل ما أنزلنا، فيكون وصفا لمصدر. وقيل: هو وصف لمفعول، التقدير: أنذركم عذابا مثل العذاب المنزل على المقتسمين. انتهى. أبو البقاء بتصرف. ﴿الَّذِينَ:﴾ فيه وجوه:\nالأول: الإتباع لما قبله على البدلية، أو على النعت. الثاني: منصوب على الذم بفعل محذوف.\nالثالث: هو مرفوع على اعتباره مبتدأ خبره محذوف، التقدير: معذبون، أو يعذبون، ونحو ذلك، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين... إلخ، وهو مبني على الفتح في محل جر على الأول، أو في محل نصب على الثاني، أو في محل رفع على الثالث. ﴿جَعَلُوا:﴾ ماض وفاعله وهو بمعنى: صيروا فلذا نصب مفعولين، والألف للتفريق. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به أول. ﴿عِضِينَ:﴾","vol":"5","page":136},{"text":"مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿جَعَلُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1894\"></span><span id=\"aya-1895\"></span><span id=\"aya-1896\"></span>﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ:﴾ أقسم الله بنفسه: أنه يسأل هؤلاء المقتسمين الذين مرّ ذكرهم. ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الكفر، والمعاصي، والمنكرات. هذا؛ وقيل: يسألون عن قول لا إله الا الله، دليله ما رواه أنس بن مالك﵁-، عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ..﴾. إلخ قال: عن قول: لا إله إلا الله. قال أبو عبد الله: معناه: عندنا:\nعن صدق لا إله إلا الله، ووفائها، والتصديق بها، والعمل بمقتضاها، كما قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: ليس الإيمان بالتّحلّي، ولا الدّين بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «من قال لا إله إلاّ الله مخلصا دخل الجنّة». قيل:\nيا رسول الله! وما إخلاصها؟ قال: «أن تحجزه عن محارم الله». رواه زيد بن أرقم﵁-. وانظر ما ذكرته من الاحتراس في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد).\nقال القرطبي: والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع، ومحاسبتهم، كافرهم، ومؤمنهم.\nوفي سؤال الكافر ومحاسبته خلاف بين العلماء، والذي يظهر سؤاله؛ لقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ،﴾ فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ وقال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ؟﴾. قلنا: القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فيه. وقال ابن عباس﵄لا يسألهم سؤال استخبار، واستعلام، ولكن يسألهم سؤال تقريع، وتوبيخ، فيقول لهم:\nلم عصيتم القرآن؟ وما حجتكم فيه؟. انتهى. بتصرف كبير. قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.\n ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ..﴾. إلخ: أي: اجهر بالدعوة إلى الله، وإلى عبادته، وكان النبي ﷺ يدعو إلى الله مستخفيا في دار الأرقم بن أبي الأرقم؛ حتى نزلت الآية الكريمة، فصعد على الصفا، ونادى: يا معشر قريش! فهرعوا إليه، فقال لهم: «لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟». قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا، فقال لهم: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اكفف عنهم، ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار","vol":"5","page":137},{"text":"دينك، وتبليغ رسالتك، ولا تكترث باستهزائهم، ولا تخف أحدا غيري، فإني أنا كافيك، وحافظك ممّن عاداك، وهو ما تفيده الآية التالية.\nويروى: أن النبي ﷺ قال لهم حين اجتمعوا إليه: «إنّ الرّائد لا يكذب أهله، وإنّي لو كذبت الناس جميعا؛ ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا؛ ما غررتكم، والله الّذي لا إله إلاّ هو إنّي لرسول الله، إليكم خاصّة، وإلى الناس كافّة! والله لتموتنّ كما تنامون ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا، وبالسّوء سوءا! وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا». والرائد: هو الذي يرسله أهله ليبحث لهم عن مرعى، وماء لمواشيهم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١٤] من سورة (الشعراء) إن أردت الزيادة.\nهذا وفي قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ استعارة مكنية، فالمستعار منه: الزجاجة، والمستعار: الصدع، وهو الشق، والمستعار له هو إرشاد المكلفين من بني آدم، وهو من استعارة المحسوس للمعقول، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصديع في القلوب، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض، والانبساط، ويلوح عليها من علامات الإنكار، والاستبشار كما يظهر ذلك على ظاهر الزجاجة المصدوعة.\nويروى: أن بعض الأعراب لما سمع هذه الآية؛ سجد، فقيل له: لم سجدت؟ فقال:\nسجدت لبلاغة هذا الكلام.\nالإعراب: ﴿فَوَ رَبِّكَ:﴾ الفاء حرف استئناف. الواو: حرف قسم وجر. (ربك): مقسم به مجرور، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَنَسْئَلَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نسألنهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما):\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nعن الذي، أو عن شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: عن عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان). ﴿فَاصْدَعْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٨] (اصدع): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقل فيهما ما قلته في: ﴿عَمّا﴾. ﴿تُؤْمَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل","vol":"5","page":138},{"text":"مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تؤمر به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فاصدع بالأمر، وهذه الجملة لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَأَعْرِضْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنِ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1897\"></span><span id=\"aya-1898\"></span>﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ:﴾ بقمعهم، وإهلاكهم. قيل: كانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، فقد كانوا يبالغون في إيذاء النبي ﷺ، والاستهزاء به، فقال جبريل -﵇لرسول الله ﷺ: أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد، فمرّ بنبال، فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف تعظما لأخذه، فأصاب عرقا في عقبه، فقطعه، فمات، وأومأ إلى أخمص العاص، فدخلت فيه شوكة، فانتفخت رجله، حتى صارت كالرّحى، ومات، وأشار إلى أنف عدي بن قيس، فامتخط قيحا، فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح برأسه الشجرة، ويضرب وجهه بالشّوك حتى مات، وإلى عيني الأسود بن المطلب، فعمي. انتهى بيضاوي بتصرف، وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] وانظر (كفى) في الآية رقم [٤٣] من سورة (الرعد). ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ:﴾ وهو ما اخترعوه، وابتدعوه من حجر وخشب وغيرهما. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إذا نزل بهم العذاب، ففيه وعيد وتهديد. هذا؛ والاستهزاء حرام قطعا كما بينته مرارا.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كَفَيْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، والكاف مفعوله الأول، ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ:﴾ مفعوله الثاني:\nمنصوب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [٩١] ﴿يَجْعَلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف خبر ثان، و﴿مَعَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة، وجملة:\n ﴿يَجْعَلُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف):\nحرف استقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف للاختصار، أو للتعميم، وجملة: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع","vol":"5","page":139},{"text":"خبر ﴿الَّذِينَ﴾ على أحد الوجوه المعتبرة فيه، واقترنت الجملة بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\n\n<span id=\"aya-1899\"></span>﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧)﴾\nالشرح: المعنى: نعلم: أنك يحصل لك ضيق في صدرك بسبب ما يقولون من تكذيب، واستهزاء، وقول فاحش، والطبيعة البشرية تأبى ذلك، فيحصل عند سماع ذلك ضيق، فعند ذلك أمره بالتسبيح، والعبادة فيما يلي.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٠] ﴿نَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿أَنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿يَضِيقُ:﴾ مضارع. ﴿صَدْرُكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر: ﴿عَمّا﴾ في الآية رقم [٩٣] فهما مثلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء يقولونه، وعلى اعتبار (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بقولهم، وجملة: ﴿يَضِيقُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿نَعْلَمُ﴾ وجملة: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n<span id=\"aya-1900\"></span>﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: فصل بأمر ربك. وقال البيضاوي: فافزع إلى الله تعالى فيما نابك بالتسبيح، والتحميد؛ يكفك، ويكشف الغمّ عنك. انتهى. ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ أي: من المصلين، ولا خفاء: أن غاية القرب في الصلاة حال السجود، كما قال النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد، فأخلصوا الدّعاء». وكان عليه ألف صلاة، وأزكى سلام إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة. وقال بعض العلماء: إذا نزل بالعبد مكروه، ففزع إلى الصلاة، فكأنه يقول: يا رب إنما يجب عليّ عبادتك، سواء أعطيتني ما أحب، أو كفيتني ما أكره، فأنا عبدك، وبين يديك، فافعل بي ما تشاء! هذا؛ ويظن بعض الناس: أن هنا آية سجدة، يسن السجود عند تلاوتها، وليس كذلك.\nالإعراب: ﴿فَسَبِّحْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٨] (سبح): أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ أي: ملتبسا بحمد، و(حمد): مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿فَسَبِّحْ..﴾. إلخ لا محل","vol":"5","page":140},{"text":"لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. (كن): فعل أمر ناقص، واسمه مستتر فيه تقديره: «أنت»، ﴿مِنَ السّاجِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (كن)، وجملة: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1901\"></span>﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ:﴾ دم على عبادته في جميع الأوقات، وجميع الأحوال، وانظر شرح «العبادة» في الآية رقم [٦٢] من سورة (هود) ﵇، وشرح: ﴿رَبَّكُمْ﴾ في الآية رقم [٣] منها. ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه كلّ حيّ مخلوق، وكان عمر بن عبد العزيز﵁يقول: ما رأيت يقينا أشبه بالشّكّ من يقين النّاس بالموت: ثمّ لا يستعدّون له. هذا وروى البغوي بسنده عن جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني: أنه سمعه يقول: إن النبي ﷺ قال: «ما أوحى الله إليّ أن أجمع المال، وأكون من التّاجرين، ولكن، أوحى إليّ أن سبّح بحمد ربّك، وكن من السّاجدين، واعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: (اعبد): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر. ﴿يَأْتِيَكَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والكاف مفعول به.\n ﴿الْيَقِينُ:﴾ فاعله: و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على الهادي، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الحجر) بعونه تعالى تفسيرا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين\n**","vol":"5","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1865>سورة النّحل</span>\nوتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده، وهي مكية غير قوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ؛ فإنها نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بالحمزة، وقتلى أحد﵃ أجمعين-وغير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا..﴾.\nإلخ الآية رقم [١١٠]، وغير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا..﴾. إلخ. وقيل:\nهذه مكية نزلت بشأن هجرة الحبشة. وقيل: غير ذلك، وآياتها مائة وثمان وعشرون، وكلماتها ألفان وثمانمائة وأربعون، وحروفها سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف.\nتنبيه: انظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وأزكى سلام. روي عن إبراهيم بن حيان أنه حينما احتضر قيل له: أوص، فقال: إنما الوصية من المال، ولا مال لي، ولكني، أوصيكم بخواتم سورة (النحل).\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-1902\"></span>﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١)﴾\nالشرح: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ أي: عقابه لمن أقام على الشك، وتكذيب رسوله ﷺ. ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي: فلا تستعجلوا عقابه، وكان الكفار يستعجلون العقاب استهزاء وسخرية، حتى قال النضر بن الحارث: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). وقيل المراد بأمر الله: يوم القيامة. قال ابن عباس﵄-: لما نزل قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال الكفار: إن الرجل يزعم: أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، فأمسكوا، وانتظروا، فلم يروا شيئا، فقالوا: ما نرى شيئا، فنزل قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ فأشفقوا، وانتظروا قرب الساعة، فلم يروا شيئا، فقالوا: ما نرى شيئا، فنزل: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ فوثب رسول الله ﷺ، والمسلمون، وخافوا، فنزل ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطمأنوا، فقال النبي ﷺ: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين». وأشار بإصبعيه: السبابة والتي تليها. أخرجاه في الصحيحين من حديث سهل بن سعد. ﴿وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزه الله تعالى، وتعاظم بالأوصاف الحميدة،","vol":"5","page":142},{"text":"والأفعال المجيدة عما يصفه المشركون به، أو تنزه، وتبرأ من أن يكون له شريك، فيدفع ما أراد بالمشركين من عذاب، وعقاب. هذا؛ و(تعالى) يأتي منه مضارع، ولا يأتي منه أمر، فهو ناقص التصرف.\nبعد هذا ف: «أتى» يستعمل لازما؛ إذا كان بمعنى: حضر، وأقبل، وقرب، كما في هذه الآية، ويستعمل متعديا إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وعبر سبحانه بالماضي عن المستقبل لتحقّق وقوعه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من سورة (إبراهيم) ﵊، وفي الآية الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] ويقرأ: «تشركون» بالتاء، فلا يكون في الآية التفات.\nتنبيه: لقد نهى الله النبي ﷺ وأصحابه عن استعجال الشيء قبل أوانه، أو هو نهي للكفار، عن استعجال طلب العقاب، والعذاب، بينما حث الله تعالى على المسارعة إلى فعل الطاعات، فقال: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٣٣] من سورة (آل عمران) وقال ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ، الآية رقم [٢١] من سورة (الحديد) كما وصف أنبياءه بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض ما روي: «العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن»؛ لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة منه، كما أن هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداة الصلاة المكتوبة إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ؛ إذا أتى الكفؤ لها، ودفن الميت، وإكرام الضيف؛ إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن علي بن أبي طالب -﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ له: «يا عليّ ثلاث لا تؤخّرها: الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». أخرجه الترمذي. وجاء في الشعر العربي الحث على العجلة، قال بشار بن برد الأعمى: [البسيط]\nمن راقب النّاس لم يظفر بحاجته... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج\nواختصره سلم الخاسر، فقال: [مخلع البسيط]\nمن راقب النّاس مات همّا... وفاز باللّذّة الجسور\nونسب للأعشى، ولغيره ما يلي: [البسيط]\nوربّما فات قوما جلّ أمرهم... من التّأنّي، وكان الحزم لو عجلوا\nوقال آخر: [البسيط]\nوربّما ضرّ بعض النّاس بطؤهم... وكان خيرا لهم لو أنّهم عجلوا\nهذا و﴿سُبْحانَهُ﴾ اسم مصدر. وقيل: مصدر مثل «غفران»، وليس بشيء؛ لأن الفعل «سبح» بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله،","vol":"5","page":143},{"text":"مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح، بمعنى: التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]\nقد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ذو النون ﵇: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به، وجملة القول فيه: اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب من رفع، وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين: الألف، والنون. ومعناه: التنزيه والبراءة لله ﷿ من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، ولا يصلح لغيره، وقد روى طلحة الخير بن عبيد الله أحد العشرة﵁-: أنه قال للنبي ﷺ: ما معنى سبحان الله؟ فقال:\n «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله مكان قولك: تنزيها لله.\nالإعراب: ﴿أَتى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَمْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها.\n ﴿فَلا﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، قال ابن هشام: هي للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (لا): ناهية جازمة.\n ﴿تَسْتَعْجِلُوهُ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، أو هي جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك لا بد واقعا؛ فلا تستعجلوه.\n ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَتَعالى:﴾\nماض، وفاعله يعود إلى الله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿عَمّا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو ب: «سبحان»، أو بفعله المحذوف على التنازع، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: «عن»، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط، محذوف؛ إذ التقدير:\nعن الذي، أو عن شيء يشركونه مع الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: «عن»، التقدير: تعالى الله عن شركهم. تأمل، وتدبر.","vol":"5","page":144},{"text":"<span id=\"aya-1903\"></span>﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾\nالشرح: ﴿يُنَزِّلُ:﴾ بضم الياء وتشديد الزاي، وقرئ بتخفيفها، وقرئ بتاء المضارعة مفتوحة، وتخفيف الزاي ورفع الملائكة، وقرئ «(تنزل)» والأصل تتنزل، فحذفت إحدى التاءين، وقرئ «(تنزّل)» بالبناء للمجهول، وقرئ «(ننزل)» ﴿بِالرُّوحِ﴾ أي: بالوحي والنبوة، أو بالقرآن، فإنه يحيي القلوب الميتة بالجهل، أو إنه يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، ونظير الأول: قوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي: الوحي، والنبوة؛ أي: يخص من يشاء بالنبوة، وعلى الاعتبارين في الكلام استعارة تصريحية بجامع: أنّ الروح بها إحياء البدن، والوحي والنبوة والقرآن به إحياء القلوب من الجهالات. وقيل: أي بالرحمة. وقال أبو عبيدة:\nالروح هنا: جبريل ﵇، والباء بمعنى: «مع»؛ أي: مع الروح. ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: بأمره، ف: ﴿مِنْ﴾ بمعنى: الباء، وهو كثير في كتاب الله تعالى، كما تأتي الباء بمعنى: «من»، ويسمى مثل هذا ب: «التقارض»، والتعاوض. ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي: على من يختاره الله للنبوة والرسالة. ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ أي: أعلموا من: نذرته بكذا إذا أعلمته. ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ أي: فخافون، وفي الآية التفات ظاهر واضح، وانظر الآية رقم [٤٣] من سورة (الرعد).\nبعد هذا انظر شرح: ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). و﴿يَشاءُ﴾ ماضيه شاء، فلم يرد له أمر، ولا ل: «أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل «شاء» شيء على فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول «أراد» حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخريمي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو»، وليس كذلك. (اتقون): أمر من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال، أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة).\nالإعراب: ﴿يُنَزِّلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾\nمفعول به، وانظر، أوجه القراءات في الشرح. ﴿بِالرُّوحِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الملائكة. ﴿مِنْ أَمْرِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (الروح)، والهاء","vol":"5","page":145},{"text":"في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلى مَنْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُنَزِّلُ،﴾ و﴿مِنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ وجملة: ﴿يَشاءُ﴾ صلة ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو على شخص يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿أَنْ:﴾ مفسرة، وأجيز اعتبارها مصدرية، كما أجيز اعتبارها مخففة من الثقيلة. ﴿أَنْذِرُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، لا محل له.\n ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، وثانيها: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها مع ما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَنْذِرُوا..﴾. إلخ مفسرة ل: (الروح) على اعتبار ﴿أَنْ﴾ مفسرة، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول ما بعدها بمصدر في محل جر بدلا من (الروح)، أو في محل نصب بنزع الخافض، وعلى اعتبارها مخففة من الثقيلة، فاسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، وتؤول مع اسمها وخبرها بمصدر محله مثل التقدير الأول. ﴿فَاتَّقُونِ:﴾ الفاء: الفصيحة. (اتقون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. والنون للوقاية. وياء المتكلم المحذوفة مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا فاتقون، وانظر الآية السابقة، وجملة: ﴿يُنَزِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها على جميع أوجه القراءات، ما عدا القراءة (ينزل) فإنه يجوز اعتبارها حالا أيضا من لفظ الجلالة، والرابط: رجوع الفاعل إليها كما رأيت. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1904\"></span>﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿خَلَقَ:﴾ أنشأ وأوجد، والفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير: والجعل فيه معنى التضمين؛ ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل، فقال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق؛ لأن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إيجاد السموات والأرض بالخلق، وخصهما جلت قدرته بالذكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون","vol":"5","page":146},{"text":"الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض. وأيضا؛ لأنها بمنزلة الذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر. ﴿تَعالى:﴾ تنزه، وتعاظم، ومضارعه:\nيتعالى، وليس له أمر، فهو ناقص التصرف، وأما «تعالوا» فهو بمعنى: أقبلوا.\nالإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ،﴾ وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١] ففيها الكفاية.\n\n<span id=\"aya-1905\"></span>﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ:﴾ أوجده، وأنشأه. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ هي ماء الرجل، والمرأة الحاصل منهما عند الجماع، وجمعها: نطف، ونطاف، مثل: برمة، وبرم وبرام، والنطفة: أيضا الماء الصافي، قل، أو كثر. ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ:﴾ مخاصم بالباطل، ومجادل بالزور، والبهتان.\n ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بين الخصومة، حيث ينكر البعث، والحساب، والجزاء يوم القيامة. هذا؛ وقد قيل: إن الآية نزلت في أبيّ بن خلف، وكان ينكر البعث، فجاء إلى النبي ﷺ بعظم رميم، فقال له: تزعم أن الله يحيي هذا العظم بعد ما رمّ؟! فنزلت فيه هذه الآية، ونزل فيه أيضا الآية رقم [٧٧] و[٧٨] من سورة (يس)، والصحيح أن الآية هنا عامة في كل ما يقع من الخصومة في الدنيا، ويوم القيامة، وآيتي (يس) هي الخاصة بذلك الكافر المعاند. هذا؛ وانظر شرح:\n ﴿مُبِينٌ﴾ وإعلاله في الآية رقم [١] من سورة (الحجر).\nأما ﴿الْإِنْسانَ﴾ فإنه يطلق على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة: «شخص» قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم أن الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة، الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في ﴿الْإِنْسانَ﴾ إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من الإنسان في سورة العصر. هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد.\nالإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به.\n ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾ غير مستبعد، وجملة: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني، والفارسي، وجماعة: هي زائدة للتأكيد؛ لأن إذا الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت","vol":"5","page":147},{"text":"في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جنّي. وقال مبرمان، وابن جني: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع ثم موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. همع الهوامع؛ أي: فهي للسببية المحضة، وبه قال ابن هشام في المغني.\n (إذا): كلمة دالة على المفاجأة، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها: الحال، لا الاستقبال، نحو: «خرجت فإذا الأسد بالباب» وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجّحه: «خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب» لأن «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور. وظرف زمان عند الزجاج والزمخشري، وزعم الأخير أنّ عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: «خرجت؛ فإذا زيد جالس»، أو المقدر في نحو: «فإذا الأسد» أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر فعاملها: مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في القرآن إلا مصرحا به. انتهى مغني بتصرف. ﴿هُوَ خَصِيمٌ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿خَصِيمٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها، وهي معطوفة على ما قبلها، على اعتبار (إذا) حرفا، وانظر آية (الأعراف) رقم [١٠٧].\nتنبيه: قال أبو البقاء: إن قيل: الفاء تدل على التعقيب، وكونه خصيما؛ لا يكون عقيب خلقه من نطفة. فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه أشار إلى ما يؤول حاله إليه، فأجري المنتظر مجرى الواقع، وهو من باب التعبير بآخر الأمر عن أوله، كقوله تعالى حكاية عن قول الساقي:\n ﴿أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ الآية رقم [٣٦] من سورة (يوسف) ﵇، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ أي: سبب الرزق، وهو المطر، والثاني: إنه إشارة إلى سرعة نسيانهم مبدأ خلقهم،. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n\n<span id=\"aya-1906\"></span>﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله ﷾: أنه خلق السموات والأرض، ثم أتبعه بخلق الإنسان: ذكر بعده ما ينتفع به في سائر ضروراته، ولمّا كان أعظم ضرورات الإنسان إلى الأكل، واللباس؛ اللذين يقوم بهما بدن الإنسان؛ بدأ بذكر الحيوان المنتفع به في ذلك، وهو الأنعام، فقال: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها﴾ وهي الإبل، والبقر، والغنم. انتهى.\nثم قال: ولمّا كانت منافع هذه الأنعام منها ضرورية، ومنها غير ضرورية، بدأ الله بذكر المنافع الضرورية، فقال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ وهو ما يستدفئ به من اللباس، والأكسية، ونحوها المتخذة من الأصواف، والأوبار، والأشعار الحاصلة من النّعم. وفي المختار: الدفء: نتاج","vol":"5","page":148},{"text":"الإبل، وألبانها، وما ينتفع به منها، قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ وفي الحديث «لنا من دفئهم ما سلّموا بالميثاق». وهو أيضا: السخونة، اسم من دفئ الرجل من باب سلم، وطرب، وهو أيضا ما يدفئ، ورجل دفئ (بالقصر) ودفئان (بالمد) وامرأة دفأى ويوم دفيء بالمد، وبابه ظرف، وليلة دفيئة أيضا، وكذا الثوب والبيت، فظهر: أنّ للدفء ثلاثة معان ١ - ما يتحصل من الإبل من نتاج، ولبن، ومنافع ٢ - السخونة، وهي ضد البرودة ٣ - ما يتدفأ به من الثياب.\n ﴿وَمَنافِعُ﴾ أي: ما ينتفع به من نسلها، ودرها، وركوبها، والحمل عليها. ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي: من لحومها، وشحومها، وألبانها.\nتنبيه: واحد (الأنعام): نعم، وهو يطلق على الإبل خاصة، فيكون الجمع من باب تغليب الإبل على البقر، والغنم. والأنعام تؤنث كما في هذه الآية، والتي بعدها، وتذكر كما في الآية رقم [٦٦] الآتية، انظر شرحها هناك.\nالإعراب: ﴿وَالْأَنْعامَ:﴾ معطوف على ﴿الْإِنْسانَ،﴾ أو هو منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره ما بعده. ﴿خَلَقَها:﴾ ماض: والفاعل يعود إلى (الله). و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (الأنعام) على الوجه الأول فيها، ولا محل لها؛ لأنها مفسرة على الوجه الثاني: في (الأنعام) وتكون الجملة المقدرة معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، فتكون الجملة الاسمية:\n ﴿فِيها دِفْءٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وأجيز تعليق ﴿لَكُمْ﴾ بمحذوف خبر مقدم، و﴿دِفْءٌ﴾ مبتدأ مؤخر، فيكون ﴿فِيها﴾ متعلقين بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف المقدر، وتعليقهما بمحذوف حال من ﴿دِفْءٌ﴾ غير مسلّم عند من لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ.\n (منافع): معطوف على ما قبله. ﴿وَمِنْها:﴾ الواو: حرف عطف. (منها): متعلقان بما بعدهما.\n ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-1907\"></span>﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَكُمْ:﴾ الخطاب للعرب خاصة، وإن كان يشمل جميع بني آدم؛ لأن العرب، ولا سيما في الجاهلية كانوا يعتمدون في معاشهم على الحيوانات، ولذا كانوا ينتجعون فيها مساقط الغيث، ويجوبون فيها الصحارى؛ طلبا للماء، والمرعى. ﴿فِيها جَمالٌ:﴾ زينة. ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي: تردونها من مراعيها إلى مراحها في العشي. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ:﴾ تخرجونها في الصباح، إلى المراعي، فإن أفنية البيوت تتزين بها في الوقتين، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها، وتقديم الإراحة؛ لأن الجمال فيها أظهر؛ لأنها تقبل ملأى البطون، حافلة الضروع، ثم","vol":"5","page":149},{"text":"تأوي إلى الحظائر، فيزداد فرح أهلها بها، بخلاف تسريحها إلى المرعى، فإنها تخرج جائعة البطون، ضامرة الضروع، ثم تأخذ في التفرق، والانتشار إلى الرعي في البرية، فيظهر من هذا:\nأن الجمال في الإراحة أكثر منه في التسريح، فاستحقت التقديم. هذا؛ وقرئ: «(حينا)» بالتنوين، وانظر شرح «الحين» في الآية رقم [٢٥] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nتنبيه: الجمال يكون في الصورة، وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنة، ويكون في الأفعال، فأما جمال الخلقة، فهو أمر يدركه البصر، ويلقيه إلى القلب متلائما، فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك، ولا نسبته لأحد من البشر، وأما جمال الأخلاق، فكونها على الصفات المحمودة من العلم، والحكمة، والعدل، والعفة، وكظم الغيظ، وإرادة الخير لكل أحد، وأما جمال الأفعال؛ فهو وجودها ملائمة لمصالح الخلق، وقاضية لجلب المنافع فيهم، وصرف الشر عنهم، وجمال الأنعام، والدواب من جمال الخلقة، وهو مرئي بالأبصار، موافق للبصائر، ومن جمالها: كثرتها، وقول الناس إذا رأوها: هذه نعم فلان. انتهى. قرطبي. نقلا عن السدي.\nالإعراب: ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب: ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ والجملة الاسمية الحاصلة معطوفة على هذه أيضا. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة ﴿جَمالٌ﴾. ﴿تُرِيحُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها، وعلى قراءة ﴿حِينَ﴾ بالتنوين فالجملة الفعلية صفة له، وما بعدها معطوف عليها، وإعرابه واضح، لا خفاء فيه، ومفعول الفعلين محذوف للاختصار.\n\n<span id=\"aya-1908\"></span>﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ:﴾ (الأثقال) جمع: ثقل، وهو متاع المسافر، وما يحتاج إليه من آلات السفر. والأثقال: الأوزار، والسيئات؛ لأنها تثقل الإنسان، وتورث له المشقة، والعذاب الأليم في نار الجحيم، قال تعالى في حق الكافرين الداعين المؤمنين إلى الكفر:\n ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾. ﴿إِلى بَلَدٍ﴾ أي: غير بلدكم، وحمله على العموم أولى؛ وإن قال ابن عباس﵄-: يريد من مكة إلى اليمن، وإلى الشام.\n ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ:﴾ واصلين إلى ذلك البلد الذي تقصدونه. ﴿إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ أي:\nبالمشقة، والجهد، والعناء، والتعب. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ﴾ أي: بكم؛ حيث فتح لكم باب التوبة، والاعتذار، وكلفكم بالعبادات، والجهاد، فعرضكم لثواب الغزاة، والشهداء، وسخّر لكم الحيوانات؛ لتستعملوها في قضاء حوائجكم، ونقل أثقالكم من بلد إلى بلد. هذا؛ والرأفة:","vol":"5","page":150},{"text":"أشد الرّحمة، و(رءوف) صيغة مبالغة، فالله أرأف بعباده من الوالدة بولدها، ومن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته: أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ومن رأفته أشياء كثيرة يعسر حصرها، وعدّها، وهي معلومة عند ذوي الألباب. ﴿رَحِيمٌ:﴾ صيغة مبالغة، وانظر شرح البسملة في أول سورة (يوسف) ﵇، وانظر شرح: ﴿الْأَنْفُسِ﴾ في الآية رقم [٥٣] منها أيضا.\nهذا ويقرأ ﴿بِشِقِّ﴾ بكسر الشين وفتحها، وهما لغتان، مثل رق، ورق، وجص، وجص، ورطل ورطل، وقد رأيت شرحه، ويأتي بمعنى: النصف، يقال: أخذت شق الشاة وشقة الشاة، والشق أيضا: الناحية من الجبل، وهو أيضا الأخ الشقيق، يقال: هو أخي، وشق نفسي، وشق:\nاسم كاهن من كهان العرب، والشق أيضا: الجانب. هذا؛ وقال الليث: «البلد» كل موضع من الأرض، عامر، أو غير عامر، خال، أو مسكون، والطائفة منه: بلد، والجمع: بلاد، زاد غيره: والمفازة تسمى: بلدة؛ لكونها مسكن الوحش، والجن، قال الأعشى: [البسيط]\nوبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ بالليل في حافاتها زجل\nوقال جران العود: [الرجز]\nوبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس\nتنبيه: لقد امتن الله على عباده بالأنعام عموما، وخص الإبل هنا بالذكر في حمل الأثقال على سائر الأنعام، فإن الغنم للسرح، والذبح، والبقر للحرث، والإبل للحمل، ولا سيما في الصحارى، والقفار. هذا؛ وكان الجمل يسمى سفينة الصحراء، ولكن في هذه الأيام لم يبق للإبل وزن في حمل الأثقال، وإنما صار ذلك للحديد، والنار، وكذلك الحرث لم يعد من عمل البقر، فقد قام الحديد، والنار مقامه في ذلك أيضا.\nالإعراب: ﴿وَتَحْمِلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (تحمل): مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «هي» يعود إلى الإبل المفهومة من (الأنعام). ﴿أَثْقالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى بَلَدٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾\nمضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿بالِغِيهِ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ﴾ في محل جر صفة ﴿بَلَدٍ،﴾ وجملة: ﴿وَتَحْمِلُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿بِشِقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في بالغيه؛ أي: شاقا على","vol":"5","page":151},{"text":"الأنفس. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1909\"></span>﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالْخَيْلَ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويجمع على: خيول، والخيل مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها؛ إذا كانت لغير الآدميين. مثل: خيل، وغنم، وإبل، فالتأنيث لها لازم، وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان، فإنما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل، وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها؛ أي: فإنها تمشي مشية المختال؛ أي: المتكبر.\n ﴿وَالْبِغالَ:﴾ جمع: بغل، ومؤنثه: بغلة، وهو حيوان معروف، مركب من الفرس والحمار، ولذلك كان له صلابة الحمار، وعظم الخيل، وهو لا نسل له، أبوه الحمار، وأمّه الفرس، وإن كان بالعكس فهو «النّغل» بالنون، وهو دون البغل في الجثة والعظم.\nروى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن عليّ بن أبي طالب﵁أن البغال كانت تتناسل، فدعا عليها إبراهيم ﵊؛ لأنها كانت تسرع في نقل الحطب لنار المنجنيق، فقطع الله نسلها، والبغل شرس الطباع؛ لأنه وجد به الأعراق المتضادة، والأخلاق المتباينة، والعناصر المتباعدة، وكل عضو منه متوسط بين الفرس، والحمار. ﴿وَالْحَمِيرَ:﴾\nجمع: حمار، وهو معروف، يكون وحشيا، ويكون أهليا، وأنثاه أتان، ويقال: حمارة أيضا، ويجمع على: حمير: وحمر، وحمور، وحمرات، وكلّها للكثرة، ويجمع جمع قلة على أحمرة، قال الراعي النميري، أو القتّال الكلابي: [البسيط]\nهنّ الحرائر لا ربّات أحمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور\nوحمير ورد في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ وحمر ورد في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ والحمار الأهلي يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرّة واحدة، وبحدة السمع، وللناس في مدحه وذمه أقوال متباينة بحسب الأغراض، وقد أطال الدميري الكلام فيه.\n ﴿لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ أي: خلق الخيل، والبغال، والحمير للركوب، والزينة مع المنافع الأخرى المستفادة منها، كحمل الأثقال، والتناسل. ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ ذكر المفسرون من ذلك أنواع الحشرات، والهوام الموجودة في أسافل الأرض، والبر، والبحر، ممّا لم يره البشر،","vol":"5","page":152},{"text":"ولم يسمعوا به. وقيل: ممّا أعده الله في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها، ممّا لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولا خطر على قلب بشر.\nأقول: وخلق الله ممّا كانوا لا يعلمون السيارات، والطائرات، وغير ذلك مما نراه في هذه الأيام، وهو معدّ للركوب، وللزينة، بل لقد قضى ذلك على الاستفادة من جميع تلك الحيوانات في الحرث، والحمل، والركوب، كما هو مشاهد لكل إنسان، وخلق الله ذلك بتعليمه الإنسان صنع السيارات... إلخ، والجمال، والزينة المستفادان من الحيوانات؛ وإن كانا من متع الدنيا؛ فقد أذن الله لعباده فيهما، فقد قال النبي ﷺ: «الإبل عزّ لأهلها، والغنم بركة، والخيل في نواصيها الخير». خرجه البرقاني، وابن ماجة في السنن.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى: احتج بهذه الآية من يرى تحريم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس﵄وتلا هذه الآية. وقال: هذه للركوب، وإليه ذهب الحكم، ومالك، وأبو حنيفة، ﵏! واستدلوا أيضا بأن منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، فلمّا لم يذكره الله تعالى؛ علمنا تحريم أكله، فلو كان أكل لحوم الخيل جائزا؛ لكان هذا المعنى أولى بالذكر؛ لأن الله ﷾ خصّ الأنعام بالأكل حيث قال: ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ وخصّ هذه بالركوب، فقال: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ فعلمنا: أنها مخلوقة للركوب، لا للأكل.\nوذهب جماعة من أهل العلم إلى إباحة أكل لحوم الخيل، وهو قول الحسن، وشريح، وعطاء، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الإمام الشافعي-وأحمد، وإسحاق﵃ أجمعين-: واحتجوا على إباحة لحوم الخيل بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق﵄أنها قالت: نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا، فأكلناه. وفي رواية قالت: ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا، ونحن بالمدينة، فأكلناه. أخرجه البخاري، ومسلم.\nوعن جابر بن عبد الله﵄أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في الخيل. متفق عليه، وفي رواية قال: أكلنا زمن خيبر لحوم الخيل، وحمر الوحش، ونهى النبي ﷺ عن الحمار الأهلي. هذه رواية البخاري، ومسلم، وفي رواية أبي داود قال:\n (ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال، والحمير، وكنا قد أصابتنا مخمصة، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال، والحمير، ولم ينهنا عن الخيل. وأجاب من أباح لحوم الخيل عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة، لا يدل على أن منفعتها مختصة بذلك، وإنما خصّ هاتان المنفعتان بالذكر؛ لأنهما معظم المقصود. قالوا: ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل، مع قوله في (الأنعام): ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ﴾ ولم يلزم من هذا التحريم حمل الأثقال على الخيل.\nوقال البغوي: ليس المراد من الآية بيان التحليل، والتحريم، بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته، وحكمته، والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم","vol":"5","page":153},{"text":"الخيل أن السنة مبينة للكتاب، ولما كان نص الآية يقتضي: أن الخيل، والبغال، والحمير مخلوقة للركوب، والزينة، وكان الأكل مسكوتا عنه؛ دار الأمر فيه على الإباحة، والتحريم، فوردت السنة بإباحة لحوم الخيل، وتحريم لحوم البغال، والحمير، فأخذنا بها جمعا بين النّصين. والله أعلم. انتهى بحروفه.\nالإعراب: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على (الأنعام) أي: وخلق الخيل... إلخ، ﴿لِتَرْكَبُوها:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (خلق) في الآية رقم [٥] وقيل: في موضع نصب مفعول لأجله، ولا وجه له؛ لأنه لم يسمع مثله. (زينة):\nمفعول به لفعل محذوف؛ أي: وجعلها زينة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: ولتتزينوا بها زينة، ويجوز أن يكون مفعولا لأجله؛ أي: للزينة، ويقرأ بغير واو، وفيه الوجوه المذكورة، وفيه: وجهان آخران: أحدهما: أن يكون مصدرا في موضع الحال من الضمير في (تركبوا)، والثاني: أن يكون حالا من الهاء؛ أي: لتركبوها تزينا بها. انتهى. عكبري بتصرف. (يخلق):\nمضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ويخلق الذي، أو شيئا لا تعلمونه، وجملة: ﴿وَيَخْلُقُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-1910\"></span>﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ:﴾ القصد: استقامة الطريق، يقال: طريق قصد، وقاصد:\nإذا أدّاك إلى مطلوبك، وفي الكلام حذف؛ إذ الأصل: وعلى الله بيان قصد السبيل، وهو بيان طريق الهدى من الضلالة؛ أي: بواسطة الرسل، والبراهين، وانظر شرح ﴿السَّبِيلِ﴾ في الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ أي: ومن السبل سبيل معوج، وخارج عن الاستقامة، فالمستقيم من السبل هو دين الإسلام، والجائر منها دين اليهودية، والنصرانية، وسائر ملل الكفر، قال تعالى في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام): ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ انظر شرحها هناك، وخذ قول امرئ القيس: [الكامل]\nومن الطّريقة جائر وهدى... قصد السّبيل ومنه ذو دخل","vol":"5","page":154},{"text":"هذا وقرئ: «(ومنكم جائر)» على الخطاب. ﴿وَلَوْ شاءَ﴾ أي: هدايتكم إلى الطريق المستقيم.\n ﴿لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: ولكنه لم يشأ هدايتكم، وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَعَلَى:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(عَلَى اللهِ):﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿قَصْدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ -و﴿جائِرٌ﴾ صفة لموصوف محذوف؛ أي:\nومنها سبيل-جائر معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَهَداكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (هداكم): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد للضمير المنصوب منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة: ﴿لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1911\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي: الله هو الذي ينزل من السحاب، أو من جانب السماء ماء، وهو من أعظم النعم على العباد، وانظر إعلال ﴿السَّماءِ﴾ وشرحه في الآية رقم [٢٢] من سورة (الحجر). ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ﴾ أي: تشربونه، وهذا الماء لا يشرب منه مباشرة في الأكثر بل بعد تخزينه في الأرض، ثم يتفجر منه العيون والآبار، لقوله تعالى:\n ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ أي: ينبت بسببه الشجر، والمراد به هنا الكلأ الذي ترعاه الماشية. وقيل: المراد به ما ترعاه الماشية من أوراق الشجر؛ لأن الإبل ترعى كل الشجر. وقيل: كل ما ينبت من الأرض يقال له: شجر، قال الشاعر: [الرجز]\nنعلفها اللّحم إذا عزّ الشّجر... والخيل في إطعامها اللّحم ضرر\n ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ:﴾ ترعون مواشيكم، يقال: أسمت الماشية: إذا خليتها ترعى، وسامت؛ إذا رعت حيث شاءت، فالفعل ﴿تُسِيمُونَ﴾ من الرباعي، و«سائمة» اسم مفعول، قال السيوطي: لم يأت اسم المفعول من أفعل على فاعل، إلا في حرف واحد، وهو قول العرب: أسمت الماشية من المرعي، فهي سائمة، ولم يقولوا: مسامة.","vol":"5","page":155},{"text":"هذا والسّوم الرّعي بلا ثمن، وهو شرط لوجوب الزكاة في الإبل، والبقر، والغنم، كما هو معروف في الفقه الإسلامي.\nبعد هذا، فأصل «ماء»: موه بفتح الميم والواو، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار: «ماه» فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي؛ قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع ماء: أمواه، ومياه، وتصغيره: مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها، في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار، وديار، وقيمة، وقيم، ومثله قولهم: سوط، وسياط، وحوض، وحياض، وثوب، وثياب، وثور وثيرة، ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع، به حياة كل نام. وقيل في حده: جوهر سيّال به قوام الأرواح. بعد هذا خذ قول أبي ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nشربن بماء البحر، ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج\nفهو يصف السحاب على اعتقاد العرب في الجاهلية، ومثلهم العصريون في هذا الزمن، من أن السحاب؛ أي: الغيوم تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة، فتمتد منها خراطيم كخراطيم الفيلة، فتشرب بها من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء الله العلي القدير، وأما عند أهل السنّة، فيقولون: إن أصله من الجنّة، يأتي به المولى المتعالي من السحاب من خروق فيها كخروق الغربال.\nوأقول: إن ما ينزل من السماء من مطر، بعضه من ماء البحار المالحة الأرضية، وبعضه من خزائن القدرة، على أن الأول: لا ينبت، وإنما الإنبات والخصب في الثاني، وعلامة الأول:\nأنه ينزل غزيرا، كأنما ينصب من أفواه قرب، وأما ما يقوله الدّهريون الملحدون: إن الطبيعة تمطر، فهو كفر صراح؛ أي: خالص.\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها، صار حالا» ﴿السَّماءِ:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف صفة ﴿السَّماءِ،﴾ وقول ثالث، متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف على اعتبار ﴿لَكُمْ﴾ متعلقين به، وأجيز تعليقهما ب: ﴿شَرابٌ﴾ بعدهما، وقول ثالث: متعلقان بمحذوف خبر مقدم على الوجهين الأولين في: ﴿لَكُمْ﴾. ﴿شَرابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، وأما الجملة الاسمية: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ﴾ فهي في محل نصب صفة ﴿السَّماءِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ:﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين","vol":"5","page":156},{"text":"المعتبرين فيها. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿تُسِيمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف؛ أي: أنعامكم، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿شَجَرٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-1912\"></span>﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله في الآيات السابقة المنافع في الحيوان تفصيلا، وإجمالا؛ ذكر في هذه الآية المنافع في النباتات تفصيلا، وإجمالا، فبدأ بذكر الزرع، وهو الحب الذي يقتات به كالحنطة، والشعير، وما أشبههما؛ لأن به قوام بدن الإنسان، وثنى بذكر الزيتون؛ لما فيه من الأدم، والدهن، والبركة، وثلّث بذكر النخيل؛ لأن ثمرتها غذاء، وفاكهة، وختم بذكر الأعناب؛ لأنها شبه النخلة في المنفعة من التفكه، والتغذية، ثم ذكر سائر الثمار لينبه بذلك على عظيم قدرته، وجزيل نعمته على عباده. انتهى. خازن. وقد ذكر الله مثل ذلك في الآية رقم [١٤١] من سورة (الأنعام)، وبيّن تفضيل بعضها على بعض في الأكل مع كونها تشرب بماء واحد في الآية رقم [٤] من سورة (الرعد)، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته بشأن النخلة في الآية رقم [٢٤ - ٢٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ:﴾ ختم الله هذه الآية بالتفكر؛ لأن النظر في ذلك، يعني: إنبات النبات بالماء يحتاج إلى مزيد تأمل، واستعمال فكر، ألا ترى: أنّ الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض، ومرّ عليها مقدار من الزمن مع رطوبة الأرض، فإنها تنتفخ، وينشق أعلاها، فيصعد منها شجرة إلى الهواء، وأسفلها تغوص منه عروق في الأرض، ثم ينمو الأعلى ويقوى، وتخرج منه الأوراق، والأزهار، والأكمام، والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطباع والطعوم والألوان والروائح، والأشكال والمنافع، ومن تفكر في ذلك؛ علم: أن من هذه أفعاله، وآثاره، لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال، فضلا عن أن يشاركه أخس الأشياء في أخص صفاته التي هي الألوهية، واستحقاق العبادة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وختم الآية الثانية بالعقل؛ لأن العلويات أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. وختم الثالثة بالتذكر؛ ليرى الناس: أن اختلاف المخلوقات في الطبائع، والهيئات، والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم. انتهى. جمل من هنا وهناك. ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ،﴾ وآية (البقرة) رقم [١٦٤] فيها لفت النظر إلى جميع ما صنع الله في الأرض، والسماء، وانظر شرح التفكر في الآية رقم [٣] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿يُنْبِتُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ وقرئ «(ننبت)» فيكون الفاعل مستترا تقديره: «نحن»، ويكون في الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد). ﴿لَكُمْ بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الزَّرْعَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه.","vol":"5","page":157},{"text":"﴿وَمِنْ كُلِّ:﴾ معطوفان على محل ﴿الزَّرْعَ،﴾ و(من) للتبعيض؛ أي: وبعض الثمرات؛ لأن كلها لا تكون إلا في الجنة، وجملة: ﴿يُنْبِتُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾ حرف جر، ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: «في»، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، واللام لام الابتداء. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آية). ﴿يَتَفَكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة قوم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1913\"></span>﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم) ﵇، ﴿مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ:﴾ مذللات لمصالح العباد ومنافعهم بأمر الله وقضائه وحكمته الأبدية. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ: انظر ما ذكرته في الآية السابقة، وانظر: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) ﵇.\nالإعراب: ﴿وَسَخَّرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سخر): ماض وفاعله يعود إلى (الله).\n ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه حيث قرئ بنصب كل الأسماء، و﴿مُسَخَّراتٌ:﴾ حال مؤكدة منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. هذا؛ ويقرأ برفع «(الشمس)» وما بعده على الابتداء و﴿مُسَخَّراتٌ:﴾ خبر عن الثلاثة، كما قرئ بنصب ﴿(الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)﴾ بعطفهما على ما قبلهما، ورفع ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ على المبتدأ والخبر، وعلى قراءة الرفع فالجملة الاسمية بنوعيها في محل نصب حال من فاعل: (سخر) المستتر، والرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وقرئ برفع ﴿مُسَخَّراتٌ﴾ وحده على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي مسخرات، وجملة: ﴿وَسَخَّرَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿يُنْبِتُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ انظر الآية السابقة، ففيها الكفاية.\n<span id=\"aya-1914\"></span>﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: وسخر لكم ما خلق الله في الأرض من دواب، وأشجار، وأنهار، وبحار، وجبال... إلخ، ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ﴾ أي: في الخلقة، والهيئة،","vol":"5","page":158},{"text":"والكيفية، واختلاف ألوان المخلوقات مع كثرتها؛ حتى لا يشبه بعضها بعضا من كل الوجوه. فيه دليل قاطع على كمال قدرة الله، ولذلك ختم الله الآية بطلب التذكر، والاعتبار، لعلهم يعتبرون.\nبعد هذا انظر شرح: ﴿لَآيَةً﴾ في سورة (الحجر) رقم [١] أما (قوم) فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى:\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]\nوما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن، أم نساء؟\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إنّ كل لفظ (قوم) في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون معطوفة على الليل... إلخ، فهي في محل نصب أيضا. ﴿ذَرَأَ﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). وقال أبو البقاء: (ما) منصوبة بفعل محذوف، تقديره: وخلق، أو وأنبت. ﴿لَكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُخْتَلِفًا:﴾ حال من (ما). ﴿أَلْوانُهُ:﴾ فاعل فيه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ذَرَأَ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وخلق الذي، أو شيئا ذرأه... إلخ، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١١] ففيها الإعراب واضح، إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1915\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله ﷾ الدلائل، الدالة على قدرته، ووحدانيته من خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان من نطفة، وخلق سائر الحيوان، والنبات، وتسخير الشمس، والقمر، والنجوم، وغير ذلك، وذكر إنعامه في ذلك على عباده؛ ذكر بعد ذلك إنعامه على عباده بتسخير البحر لهم، ومعنى تسخيره لهم: تذليله بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به، إما بالركوب على ظهره، أو بالغوص فيه، أو الصيد منه، وبدأ بذكر الأكل؛ لأنه أعظم المقصود؛ لأن به قوام البدن، وفي ذكر الطّري مزيد فائدة دالة على كمال قدرة الله تعالى، وذلك أن السمك لو كان كله مالحا لما كان فيه فائدة للإنسان، ووصفه بالطري؛ لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع من يصيده إلى أكله.","vol":"5","page":159},{"text":"وثنى بالصيد من البحر، وإخراج الحلية منه، كاللؤلؤ، والمرجان، ونحوهما، وأسند لبس الحلية للرجال، وهي من زينة النساء؛ لأنهن من جملة الرجال، ولأنهن يتزين بها من أجلهم، وثلث بنعمة جريان السفن في البحار لما في ذلك من الفوائد العظيمة، والأرباح الجسيمة التي يجنيها ابن آدم من ذلك، وبيّن ذلك بقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: تطلبوا الأرباح بالتجارة، ثم عقب ذلك بطلب الشكر على إسداء هذه النعم لبني آدم.\nهذا و(الحلية) بكسر الحاء، والجمع «حلى» بالقصر، وتضم الحاء وتكسر، وحلية السيف:\nزينته، قال ابن فارس: ولا تجمع، وتحلت المرأة لبست الحلي، أو اتخذته، وحليتها بالتشديد ألبستها الحلي، أو اتخذته لها لتلبسه.\nبعد هذا انظر إعلال ﴿نَرى﴾ في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود) ﵇، وشرح:\n ﴿الْفُلْكَ﴾ في الآية رقم [٣٧] منها، ﴿مَواخِرَ فِيهِ:﴾ جواري في البحر، تشقه بحيزومها، من:\nالمخر، وهو شق الماء، يقال: مخرت السفينة، تمخر، وتمخر مخرا، ومخورا: إذا جرت تشق الماء مع صوت، ومخر الأرض: شقها للزراعة، ومخرها بالماء: إذا حبس الماء فيها حتى تصير أريضة؛ أي: خليقة بجودة نبات الزرع. انتهى. قرطبي. وانظر «الشكر» في الآية رقم [٧] و[٣٧] من سورة (إبراهيم) ﵇، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف، (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿سَخَّرَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الذي، وهو العائد، ومتعلقه محذوف، تقديره: لكم. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿سَخَّرَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٠] لا محل لها مثلها. ﴿لِتَأْكُلُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿سَخَّرَ﴾. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَحْمًا:﴾ مفعول به.\n ﴿طَرِيًّا:﴾ صفته. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا:﴾ معطوف على (تأكلوا) منصوب مثله. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حِلْيَةً:﴾ مفعول به. ﴿تَلْبَسُونَها:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿حِلْيَةً﴾. ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: واو الاعتراض، (ترى):\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الْفُلْكَ:﴾ مفعول به. ﴿مَواخِرَ:﴾ حال من ﴿الْفُلْكَ؛﴾ لأن الفعل بصري. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمواخر، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. ﴿وَلِتَبْتَغُوا:﴾ معطوف على ﴿لِتَأْكُلُوا،﴾ وإعرابه مثله، وعليه جملة: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾","vol":"5","page":160},{"text":"متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: (تأكلوا، وتستخرجوا) فهي من جملة التعليل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1916\"></span>﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأَلْقى:﴾ وخلق، وجعل. ﴿رَواسِيَ:﴾ جبالا ثابتة. ﴿تَمِيدَ:﴾ تتحرك، وتضطرب، والميدان: الاضطراب يمينا وشمالا، ومادت الأغصان: تمايلت، وماد الرجل:\nتبختر، وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَسُبُلًا:﴾ طرقا، وانظر الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) ﵇، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى حيث تقصدون، فلا تضلون، ولا تتحيرون، أو لعلكم تهتدون إلى معرفة الله ﷾، فتعرفون:\nأنه القادر المقتدر، والمنعم المتفضل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا وقال ابن عباس﵄في تفسير ﴿رَواسِيَ:﴾ هي الجبال الشامخات من أوتاد الأرض، وهي سبعة عشر جبلا، منها: قاف، وأبو قبيس، والجودي، ولبنان، وطور سينين، وطور سينا. أخرجه ابن جرير، كما في «المبهمات» للسيوطي. انتهى. جمل من سورة (لقمان).\nالإعراب: ﴿وَأَلْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (ألقى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿سَخَّرَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف؛ أي: جبالا رواسي، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في محل جر بإضافته لمصدر محذوف يقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهية ميدها بكم، وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين، مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تميد بكم. ﴿وَأَنْهارًا وَسُبُلًا﴾ معطوفان على ﴿رَواسِيَ،﴾ وإعراب: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ في الآية السابقة، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-1917\"></span>﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَعَلاماتٍ﴾ أي: وجعل في الأرض علامات يهتدي بها المسافرون من جبل، وسهل، وريح. ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى مقاصدهم في الليل بالنجوم، والاهتداء بالنجوم في الليل يكون بالجدي، والفرقدين، وبنات نعش، والثريا، وسهيل لكثير من الناس، وهناك نجوم لا يهتدي بها إلا من كان عندهم علم بمطالعها، ومسارها. قيل: المعني بذلك كفار","vol":"5","page":161},{"text":"قريش، والخطاب في الآية السابقة لجميع المخاطبين من بني آدم، والانتقال من الخطاب إلى الغيبة يسمى التفاتا، انظر الآية رقم [٤٣] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك. هذا؛ ويقرأ: «(بالنّجم)» بضم النون المشددة مع ضم الجيم وتسكينها للتخفيف، والله أعلم بمراده. وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَعَلاماتٍ:﴾ معطوف على ﴿رَواسِيَ﴾ وقال أبو البقاء: مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ووضع فيها علامات، منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، الواو: حرف استئناف. (بالنجم): متعلقان بالفعل بعدهما، والتقديم للقافية، لا للاختصاص. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة:\n ﴿يَهْتَدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-1918\"></span>﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾\nالشرح: في هذا الاستفهام إنكار شديد بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وتناهي حكمته، والتفرد بخلق ما عدد من مبدعاته في الآيات السابقة؛ لأن يساويه، ويستحق مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك، بل على إيجاد شيء ما، وكان حق الكلام: «أفمن لا يخلق كمن يخلق» لكنه عكس التشبيه تنبيها على أنهم بالإشراك بالله ﷾ جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيها بها.\nوالمراد ب: ﴿(كَمَنْ لا يَخْلُقُ):﴾ كلّ ما عبد من دون الله تعالى، مغلبا فيه أولو العلم على غير العاقلين، أو المراد بذلك الأصنام، وإجراؤها مجرى العقلاء؛ لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم ويعقل، أو عومل معاملة العقلاء للمشاكلة بينها، وبين من يخلق، أو للمبالغة في الإنكار، فكأنه قيل: إن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أهل العلم، فكيف بمن لا عنده علم البتة، ولا يعقل قطعا. وانظر الآية رقم [٤٩] الآتية.\n ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يعني: هذا القدر من الإنكار ظاهر غير خاف على أحد، فلا يحتاج فيه إلى دقيق الفكر، والنظر، بل مجرد التذكر فيه كفاية لمن يعلم، ويعقل، ويعتبر، ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ هذا وقد حذف من الفعل إحدى التاءين، فإنّ الأصل: «تتذكرون» وهذا الحذف كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي، ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو عكس ما في الآية السابقة. تأمل.\nبعد هذا فالهمزة في الكلمتين ﴿أَفَمَنْ﴾ ﴿أَفَلا﴾ للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الواو، وثم تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وقوله:\n ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء","vol":"5","page":162},{"text":"الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا، فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل... إلخ؟، ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: حرف عطف. (من):\nاسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَخْلُقُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة (من)، لا محل لها. ﴿كَمَنْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُ:﴾ مثل سابقه، والجملة صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة على قول الزمخشري، ومن قال بقوله، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها، ومعطوفة على ما قبلها على قول سيبويه وموافقيه. ﴿أَفَلا﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: مثل سابقتها. (لا):\nنافية. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وقل في الجملة الفعلية مثل الجملة الاسمية، والكلام على الاعتبارين في الفاء مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1919\"></span>﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا..﴾. إلخ: انظر شرح هذه النعم في الآية رقم [٣٤] من سورة (إبراهيم) ﵊. ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ:﴾ حيث يتجاوز عن تقصيركم في القيام بشكر هذه النعم، كما يجب عليكم، و(غفور) صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ﴾ أي: بكم حيث منحكم هذه النعم، ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير في الطاعة، وبسبب اجتراحكم المعاصي، ولم يعاجلكم بالتوبة على جحودها، وكفرانها.\nفائدة: «النّعمة» بكسر النون: واحدة النّعم، و«النّعمة» بفتح النون: التّنعّم، والترفه، ولذا قيل: كم ذي نعمة لا نعمة له؛ أي: كم ذي مال لا تنعم له.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا..﴾. إلخ: انظر الإعراب وافيا كافيا في الآية رقم [٣٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾\nاسمها. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ خبرها، واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة أيضا، لا محل لها.","vol":"5","page":163},{"text":"<span id=\"aya-1920\"></span>﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿تُسِرُّونَ:﴾ تخفون. ﴿تُعْلِنُونَ:﴾ تجهرون، والعلن، والإعلان، والعلانية:\nالجهر، انظر الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) ﵊، قال الشاعر: [البسيط]\nلا تظلموا مسورا فإنّه لكمو... من الّذين وفوا بالسّرّ والعلن\nوالمعنى: إن الله عليم بجميع أعمال العباد؛ ما يعملونه في السر، والخفاء، وما يفعلونه في الجهر، والعلانية. ففيه وعيد، وتهديد، فقد وصف الله نفسه بالعلم، فهو جدير باستحقاق العبادة، والتضرع، واللجوء إليه، بخلاف المعبودات الباطلة من حجر، ونحوه، فإنها لا تعلم شيئا، بل، ولا تبصر، ولا تعقل فكيف تستحق العبادة؟ هذا؛ والفعل يعلم من المعرفة لا من العلم اليقيني، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تسرونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم سركم. وإعراب: ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ لا يخفى عليك، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-1921\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: المعنى: إن الآلهة التي يعبدونها من دون الله تعالى عاجزة لا تقدر أن تخلق شيئا في هذا الكون صغيرا كان، أو كبيرا، عظيما كان، أو حقيرا، بل إنها هي مخلوقة، وما كان بهذه المثابة، فكيف يكون إلها، وكيف يستحق العبادة. هذا؛ وعلى قراءة الأفعال بالياء يكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وعلى قراءة: «(تدعون)» فلا التفات، وإنما جمعت المعبودات الباطلة جمع مذكر سالما مع أنها من الجمادات؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَدْعُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان","vol":"5","page":164},{"text":"بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: والذين يدعونهم. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾\nمضارع، وفاعله. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1922\"></span>﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ أي: الأصنام، لا أرواح فيها، ولا تسمع، ولا تبصر؛ أي:\nهي جمادات، فكيف تعبدونها، وأنتم أفضل منها بالحياة. ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ:﴾\nولا يعلمون وقت بعثهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، مقدرا للثواب والعقاب، وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف، وانظر جمع ما لا يعقل في الآية السابقة، وقد قيل استدلالا بهذه الآية: إن الله يبعث الأصنام يوم القيامة، ولها أرواح فتتبرأ من عبادتهم، وهي في الدنيا جماد، لا تعلم متى تبعث.\nقال ابن عباس﵄-: تبعث الأصنام، وتركب فيها الأرواح، ومعها شياطينها، فيتبرءون من عبدتها، ثم يؤمر بالشياطين والمشركين إلى النار. وقيل: المعنى: ما يدري الكفار الذين عبدوا الأصنام متى يبعثون.\nبعد هذا ف: ﴿أَمُوتُ﴾ جمع: ميت، وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (إبراهيم) ﵇، وانظر شرح: ﴿غَيْرُ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد)، و﴿يَشْعُرُونَ﴾ من الشعور، وهو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته.\nالإعراب: ﴿أَمُوتُ:﴾ خبر ثان للمبتدإ على التفسير الأول، وخبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nهم أموات على التفسير الثاني. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ﴿أَمُوتُ،﴾ و﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و﴿أَحْياءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله.\n ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده، وهو معلق للفعل قبله عن العمل، والجملة الفعلية: ﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ:﴾ في محل نصب مفعول به للفعل قبله، وجملة: ﴿وَما يَشْعُرُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ﴿أَمُوتُ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿أَمُوتُ،﴾ وهو الأقوى.","vol":"5","page":165},{"text":"<span id=\"aya-1923\"></span>﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ:﴾ لما بيّن الله استحالة الإشراك به سبحانه بيّن أن الذي يستحق العبادة هو إله واحد، وهذه الأصنام متعددة، فكيف تستحق العبادة؟!.\n ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ أي: لا تقبل الوعظ، ولا ينجع فيها النصح.\n ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: متكبرون عن اتباع الحق؛ لأن الحق إذا تبين كان تركه تكبرا، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، كما في الآية رقم [١٧] وأعني بالغيبة في الآية السابقة، ثم في هذه الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة.\nوللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.\nالإعراب: ﴿إِلهُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿واحِدٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾\nمضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُنْكِرَةٌ:﴾ خبره؛ والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين)، والجملة الاسمية هذه مستأنفة ومفرعة عما قبلها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-1924\"></span>﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ:﴾ انظر الإعراب يتضح لك معناها. ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١٩] ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ أي: يبغضهم، ويمقتهم، ويصرفهم عن التفكر في آياته، والتدبر في صنعه، كما ذكر الله ذلك في آية (الأعراف) رقم [١٤٦] وهو صفة تستوجب الذم، وتستلزم اللوم، وتسلب الفضائل، وتكسب الرذائل، وحسب المتكبر من هذه صفاته البغض والمقت عند الله، وعند الناس.\nفعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده﵃قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الرّجال، يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يساقون إلى سجن","vol":"5","page":166},{"text":"في جهنّم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال».\nأخرجه النسائي، والترمذي. وعن عبد الله بن مسعود﵁-، عن النبي ﷺ، قال:\n «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر... إلخ». رواه مسلم، والترمذي بطوله.\nوأفحش أنواع الكبر وأقبحها الكبر على الله، كتكبر فرعون، وادعائه الربوبية، واستنكافه أن يكون عبدا لله. ويليه في القبح، والشناعة التكبر على الرسل، وعدم الانقياد لهم، ومخالفة ما جاءوا به كبرا وعنادا، وجهلا، كالذي حصل من كفار قريش مع رسول الله ﷺ. ويلي هذين النوعين في السوء والمقت التكبر على عباد الله، وازدراؤهم، والترفع عليهم، والأنفة من مساواتهم.\nالإعراب: ﴿لا جَرَمَ﴾ في إعراب هذا اللفظ أربعة أقوال:\nأحدها: وهو مذهب سيبويه والخليل: أنها مركبة من (لا) النافية، و(جرم) وبنيتا على تركيبهما تركيب خمسة عشر، وصار معناهما معنى فعل، وهو (حقّ) فعلى هذا فالمصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في محل رفع فاعل، فقوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أي: حقّ وثبت كون النار لهم، أو استقرارها لهم. هذا ما نقله السمين عن سيبويه، والخليل، ونقل مكي عنهما: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى: «حقّ» في موضع رفع بالابتداء، والمصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في محل رفع خبر، فاختلف النقل عن سيبويه والخليل، رحم الله الجميع برحمته الواسعة، ورحمنا معهم.\nالثاني: أنّ ﴿لا جَرَمَ﴾ بمنزلة «لا رجل» في كون ﴿لا﴾ نافية للجنس، و﴿جَرَمَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح، وهي واسمها في محل رفع بالابتداء، وما بعدهما خبر ﴿لا﴾ النافية، وصار معناها: لا محالة في أنهم في علم الله سرهم وعلانيتهم، وهذا الوجه عزاه مكي إلى الخليل أيضا، ونقله ابن هشام في المغني عن الفراء أيضا.\nالوجه الثالث: أن ﴿لا﴾ نافية لكلام متقدم، رد الله به استكبارهم، بمعنى: لا ينفعهم استكبارهم، ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي ﴿جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ، و﴿جَرَمَ﴾ على هذا فعل ماض معناه: حقّ، وثبت، وفاعله مستتر، يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، و﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها في موضع المفعول به؛ لأن جرم يتعدى إذا أوّل بكسب كما قيل، وهو لازم إذا كان بمعنى: حق، وثبت و﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها في موضع الفاعل، والمعنى عليه أقوى، وعلى هذا الوجه فالوقف على ﴿لا﴾ ثم يبتدأ ب: ﴿جَرَمَ﴾ بخلاف ما تقدم. انتهى.\nجمل، وهذا القول عزاه مكي للزجاج، ونقله ابن هشام في المغني عن قطرب.\nالوجه الرابع: أن معنى ﴿لا جَرَمَ﴾ لا حدّ، ولا منع، ولا صدّ، ويكون ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى:\nالقطع، تقول: جرمت كذا؛ أي: قطعته، فيكون ﴿جَرَمَ﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني معها على الفتح، كما","vol":"5","page":167},{"text":"تقدم، وخبرها ﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها على حذف حرف الجر؛ أي: لا منع من علم الله، فيعود فيه الخلاف المشهور. انتهى. جمل. وهذا القول عزاه مكي للكسائي. وقال ابن هشام في المغني: وقال قوم: ﴿لا﴾ زائدة، و﴿جَرَمَ﴾ وما بعدها فعل، وفاعل، كما قال قطرب، وردّه الفراء بأن ﴿لا﴾ لا تزاد في أول الكلام. انتهى.\n ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [١٩] وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر. انظر الإعراب المتقدم لترى محل هذا المصدر. ﴿إِنَّهُ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله).\n ﴿الْمُسْتَكْبِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1925\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم كفار مكة؛ الذين اقتسموا طرق مكة، ومداخلها، كما رأيت في الآية رقم [٩٠] من سورة (الحجر)، أو هم المستهزءون، كما رأيت في الآية رقم [٩٥] من سورة (الحجر) أيضا. ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أي:\nعلى محمد ﷺ. ﴿قالُوا أَساطِيرُ..﴾. إلخ: أي: المنزل عليه أحاديث الأولين، وأخبارهم، وأكاذيبهم، وقصصهم، والأساطير: جمع أسطورة، وإسطارة بكسر الهمزة، فالأول: مثل أحدوثة، وأضحوكة وأعجوبة، وجمعها: أحاديث، وأضاحيك، وأعاجيب. وقيل: واحدها:\nسطر-بفتح الطاء-وأسطار: جمع، و﴿أَساطِيرُ﴾ جمع الجمع. هذا؛ وسطر الكتابة جمعه في القلة: أسطر، وفي الكثرة: سطور، مثل فلس، وأفلس، وفلوس. هذا؛ وقد قيل في معنى ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:﴾ إنها الترهات، وهي عند العرب غامضة، ومسالك وعرة مشكلة، يقول قائلهم: أخذنا في الترهات، بمعنى: عدلنا عن الطريق الواضح، إلى الطريق المشكل، الذي لا يعرف، فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف، ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة، التي لا أصل لها. هذا وقد قيل: إن القائل: المنزل أساطير... إلخ. هو النضر بن الحارث من بني عبد الدار، انظر الآية رقم [٣١] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر الآية رقم [٣٠] الآتية، ففيها بحث، ومقارنة بين الجوابين.\n ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ جمع: أول، وفيه مسائل: الأولى: الصحيح أن أصله: «أوأل» بوزن أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت في الأولى، بدليل قولهم في الجمع: أوائل. وقيل: أصله","vol":"5","page":168},{"text":"«ووّل» بوزن فوعل، قلبت الواو الأولى: همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.\nالثانية: الصحيح: أن أول لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه ابتداء الشيء ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد لا تكتسب بعده شيئا، وقد تكتسب. وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره، وقع الطلاق على الأول: دون الثاني.\nالثالثة: لأول استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة؛ أي: أفعل تفضيل بمعنى: الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل، من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو هذا، أوّل من هذين، ولقيته عاما أول. والثاني: أن يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أوّلا، ومنه قولهم: ما له أول، ولا آخر. قال أبو حيان: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أوّلة، وآخرة بالتنوين. انتهى. جمع الجوامع.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول. وقيل: الجار والمجرور ﴿لَهُمْ:﴾ في محل رفع نائب فاعل. وقيل: جملة: ﴿ماذا أَنْزَلَ..﴾. إلخ: في محل رفع نائب فاعل، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه، انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والكلام عليه. ﴿ماذا:﴾ فيه اعتبارات. (ما):\nاسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي أنزله ربكم؟ هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) اسم استفهام مركبا، وفي إعرابه وجهان: اعتباره مفعولا مقدما للفعل بعده، واعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، والرابط محذوف وهو مفعول الفعل المحذوف، وسواء أكانت الجملة اسمية أم فعلية على حسب الاعتبارات التي رأيتها، فهي في محل نصب مقول القول على الوجهين الأولين المعتبرين في نائب الفاعل، وهي في محل رفع نائب فاعل قيل على الاعتبار الأخير فيه، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾.\nإلخ في محل جر بإضافة إذا إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله.","vol":"5","page":169},{"text":"﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: المنزل أساطير، وهذا على اعتبار ﴿ماذا﴾ مبتدأ بالإفراد، أو بالتركيب، وأما على اعتباره مفعولا مقدما، فيكون ﴿أَساطِيرُ﴾ مفعولا به لفعل محذوف موافقة، بين السؤال والجواب، كما في آية أخرى: ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا﴾ أي:\nأنزل خيرا، وقد قال أبو البقاء: ويقرأ: «(أساطير)» بالنصب، ولم أجده لغيره، وعلى الاعتبارين فالجملة في محل نصب مقول القول، و﴿أَساطِيرُ:﴾ مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب إذا لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1926\"></span>﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿لِيَحْمِلُوا..﴾. إلخ: أي: قالوا ما ذكر في الآية السابقة إضلالا للناس فحملوا، أوزارهم، وذنوبهم كاملة، وإنما قال سبحانه ﴿كامِلَةً؛﴾ لأن البلاء الذي أصابهم في الدنيا وأعمال البر التي عملوها، لا تكفر عنهم شيئا من آثامهم وسيئاتهم بخلاف المؤمنين، فإن البلاء يطهرهم من الأوزار، والسيئات، وكذلك فعلهم الخير يمحوها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وقال الرسول ﷺ: «وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها». ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ أي: ويحملون من ذنوب وسيئات الذين كانوا سببا في إضلالهم، وهو كقوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ رقم [١٣]. ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ:﴾\nبئس ما يحملونه، ففيه تهديد، ووعيد.\nفعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». أخرجه مسلم، انظر الآية رقم [١٣] من سورة (الحجر). ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أي: بئس الوزر الذي يحملونه من دنياهم لآخرتهم.\nهذا؛ و: «يزر» ماضيه وزر، والمصدر وزر بكسر الواو، وفتحها، وهو بمعنى: الإثم، والجمع، أوزار. هذا؛ والوزر بفتح الواو، والزاي الملجأ والمستغاث، قال تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾.\nهذا-وقد قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ الآية رقم [٣١] وحمل الذنوب بالمعنيين «الأوزار، والأثقال». قيل به: إن الكافر إذا خرج من قبره يوم القيامة يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحا، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا! فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك حتى أخزيك على رءوس الخلائق! فيركبه،","vol":"5","page":170},{"text":"ويتخطّى به الناس، حتى يقف بين يدي الله تعالى، وأقول: إن الفاسق، والفاجر المسلم ليس من ذلك ببعيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nو﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وكثر التعبير عنه بألفاظ كثيرة، مثل: القارعة، والحاقة، والطامة، والصاخة، ونحو ذلك، وأصل القيامة:\nالقوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. هذا؛ وقوله سبحانه: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: على جهل منهم، وهذا يفيد: أن جهلهم لا يكون عذرا لهم، وهو يعني: أنه يجب على كل عاقل أن يبحث على الحقيقة؛ حتى يصل إليها؛ حتى لا يكون من الهالكين، وانظر شرح:\n ﴿بِغَيْرِ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿لِيَحْمِلُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: هي اللام العاقبة. وقيل: هي لام الأمر، والكلام للتهديد والوعيد، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى الجزم فالجملة مستأنفة، وعلى النصب ف: «أن» المضمرة، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿قالُوا﴾. ﴿أَوْزارَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿كامِلَةً:﴾ حال من: ﴿أَوْزارَهُمْ﴾ مؤكدة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ:﴾\nمضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَمِنْ أَوْزارِ:﴾ معطوفان على محل ﴿أَوْزارَهُمْ،﴾ و﴿وَمِنْ﴾ للتبعيض. وقيل: من زائدة، فيكون ﴿أَوْزارِ﴾ مجرورا لفظا، منصوبا محلا، و﴿أَوْزارِ:﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿يُضِلُّونَهُمْ:﴾ مضارع، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِغَيْرِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و(غير) مضاف، و﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَلا:﴾\nحرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَزِرُونَ:﴾ في محل نصب صفة ما، والتقدير: «ساء» الشيء شيئا مزرى، ورابط الصفة محذوف، التقدير: يزرونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا، التقدير: هو حملهم. هذا؛ وأجاز أبو البقاء في غير هذا الموضع اعتبار الفعل (ساء) متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجاز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: ألا ساءهم الذي، أو شيء يزرونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير:\nساءهم وزرهم، والجملة الفعلية: ﴿أَلا ساءَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"5","page":171},{"text":"<span id=\"aya-1927\"></span>﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل كفار قريش، والمراد: نمرود بن كنعان الجبار، وكان أكبر ملوك الأرض في زمن إبراهيم على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وكان من مكره: أنه بنى صرحا عظيما ببابل في العراق؛ ليصعد إلى السماء، ويقاتل أهلها في زعمه. قال ابن عباس﵄-: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع، فهبت ريح شديدة، فقصفته، وألقت رأسه في البحر، وخر عليهم الباقي، فأهلكهم، وهم تحته. ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ أي: أراد الله وقصد تخريب بنيانهم من قواعده، وأساسه. ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: سقط عليهم السقف، فأهلكهم وأبادهم.\n ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: الهلاك. ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ:﴾ لا يحتسبون، ولا يتوقعون، وذلك:\nأنهم لما اعتمدوا على قوة بنيانهم وشدته، كان ذلك البنيان سبب هلاكهم. هذا ويقرأ:\n ﴿السَّقْفُ﴾ بضم السين المشددة مع ضم القاف وسكونها للتخفيف.\nهذا وقيل: ما في الآية الكريمة تمثيل لإفساد ما أبرمه الكفار من هدم بناء دين الله، حيث شبه حالهم بحال قوم بنوا بنيانا، ودعموه، فانهدم ذلك البناء، وسقط السقف عليهم، ونحوه:\nمن حفر لأخيه جبا؛ وقع فيه منكبا. وهذا ما اختاره القاضي كالكشاف، فيكون عاما في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر، والمكر بالمحقين. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nأقول: نص الآية يؤيد التفسير الأول، ويستعار للثاني استعارة على طريقة التشبيه، والتمثيل، والمشهور: أنّ النمرود مات بسبب بعوضة دخلت في أنفه؛ حتى وصلت إلى دماغه.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَكَرَ:﴾ ماض.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذين كانوا، أو خلقوا من قبلهم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ مَكَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والحالية ضعيفة. ﴿فَأَتَى اللهُ:﴾ ماض وفاعله. ﴿بُنْيانَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقَواعِدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَأَتَى اللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة:\n ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّقْفُ،﴾ وجملة: ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ﴾ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر، وجملة:\n ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها.","vol":"5","page":172},{"text":"<span id=\"aya-1928\"></span>﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أي: يذلهم، ويهينهم بالعذاب، والمراد بهم: الذين مكروا، وحل بهم ما رأيت من العذاب في الدنيا. وفيه إشعار بأن العذاب يحصل للمجرمين في الدنيا، والآخرة. ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أي: يقول الله يوم القيامة-على سبيل التقريع، والتأنيب-: أين شركائي في الألوهية على زعمكم؟! ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أي: كنتم تعادون، وتخالفون المؤمنين، وتخاصمونهم في شأنهم، فأحضروهم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من العذاب، والهوان. هذا؛ ويقرأ: «(تشاقون)» بكسر النون، فتكون للوقاية، وقد حذفت النون علامة الرفع وحذفت أيضا ياء المتكلم، وقد دلت كسرة النون عليها، وانظر الآية رقم [٨٨] من سورة (هود) ﵇.\n ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ:﴾ قال ابن عباس﵄أي: الملائكة. وقيل:\nالأنبياء. وقيل: المؤمنون الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان، وعبادة الله تعالى فيخالفونهم، ويتكبرون عليهم. ﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾ أي: الذل، والهوان. ﴿وَالسُّوءَ﴾ أي: العذاب. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي: الذين كفروا بالله وآياته، وإنما يقول المؤمنون هذا يوم القيامة لأن الكفار كانوا يستهزءون بهم في الدنيا، وينكرون عليهم أحوالهم، فإذا كان يوم القيامة ظهر أهل الحق، وأكرموا بأنواع الكرامات، وأهين أهل الباطل، وعذبوا بأنواع العذاب، فعند ذلك يقول المؤمنون هذا القول شماتة بالكافرين. والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يُخْزِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿شُرَكائِيَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة، أو بدل من ﴿شُرَكائِيَ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُشَاقُّونَ:﴾\nمضارع مرفوع، والواو فاعله، وانظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان).\n ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قالَ﴾","vol":"5","page":173},{"text":"﴿الَّذِينَ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿أُوتُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْخِزْيَ:﴾ اسمها. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿الْخِزْيَ؛﴾ لأنه مصدر. ﴿وَالسُّوءَ:﴾ معطوف على ﴿الْخِزْيَ﴾. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1929\"></span>﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي: تقبض الملائكة أرواحهم، وهو ملك الموت، وأعوانه.\n ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، والمعاصي، فعرّضوها بذلك للعذاب الأبدي في جهنم. ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: إنهم استسلموا، وانقادوا لأمر الله الذي نزل بهم. ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: من كفر ومعصية. وهذا بحسب اعتقادهم، وزعمهم. ﴿بَلى﴾ أي: فتقول لهم الملائكة:\nبلى كنتم تعملون السوء. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بالذي كنتم تعملونه، ويفهم من هذه الآية: أنه لا يخرج من الدنيا كافر، ومنافق؛ حتى ينقاد، ويستسلم، ويخضع، ويذل، وحينئذ فلا تنفعهم توبة، ولا إيمان، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ وانظر الآية [٨٧].\nهذا ويقرأ الفعل: ﴿تَتَوَفّاهُمُ﴾ بالتاء، والياء. انظر الآية رقم [٣٢] الآتية، وانظر شرح:\n ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد)، وشرح: ﴿النَّفْسَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇، والظلم في الآية رقم [٢٣] من سورة (يونس) ﵇. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب ك: «نعم»، و«جير» و«أجل» و«إي» إلا أن بلى جواب لنفي متقدم؛ أي: إبطال، ونقض، وإبطال له، سواء دخله الاستفهام أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قال القائل: ما قام زيد؟، فتقول: بلى؛ أي: قد قام، وقوله: أليس زيد قائما؟، فتقول: بلى أي: هو قائم، قال تعالى:\n ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس﵄لو قالوا: نعم؛ لكفروا.\nتنبيه: قال الله تعالى في آية: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾. وقال هنا: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ والجمع بين هذه الآيات:\nأن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة، فيأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم، تولى ملك الموت قبضها بنفسه. انتهى خازن في غير هذه الآية. ولنا كلام طويل في الآية رقم [١١] من سورة (السجدة) كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.","vol":"5","page":174},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ فيه وجوه: أحدها: الاتباع لما قبله على البدلية، أو على النعت، ثانيها: النصب على الذم بفعل محذوف، ثالثها: الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، التقدير:\nيقولون: ما كنا... إلخ، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين... إلخ، وهو مبني على الفتح في محل جر على الأول، أو في محل نصب على الثاني، أو في محل رفع على الثالث. ﴿تَتَوَفّاهُمُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المنصوب. ﴿ظالِمِي:﴾ حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَأَلْقَوُا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ألقوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿السَّلَمَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿نَعْمَلُ:﴾ مضارع:\nوفاعله مستتر، تقديره: «نحن». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُوءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة:\n ﴿نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقولون: ما كنا... إلخ، وهذه الجملة في محل رفع خبر ﴿الَّذِينَ﴾ على اعتباره مبتدأ، وفي محل نصب حال من واو الجماعة على الاعتبارات الأخرى في الموصول. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول قول محذوف؛ إذ هو من مقول الملائكة، أو من مقول الله ﷿. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾\nخبرها. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين: مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عليم بالذي، أو بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: عليم بعملكم. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول للقول المحذوف.\n\n<span id=\"aya-1930\"></span>﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فَادْخُلُوا..﴾. إلخ: أي: فيقال للكافرين المعاندين عند الموت: ادخلوا جهنم، كل صنف بابه المعد له. انظر الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر) تجد ما يسرك. ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾\nمقيمين لا تبرحون منها أبدا، وانظر شرح: (بئس) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد)، وانظر «الكبر» في الآية رقم [٢٣] والمراد: تكبروا عن الإيمان، وعن عبادة الله تعالى، وقد بيّن الله ذلك","vol":"5","page":175},{"text":"في سورة (الصافات) بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هذا و«المثوى» في الأصل المنزل الذي تكون فيه الإقامة، والفرق بينه، وبين المأوى، فهو مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو موقتا.\nالإعراب: ﴿فَادْخُلُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ادخلوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿أَبْوابَ:﴾\nمفعول به، وانظر الآية رقم [١٤] و[٢٣] من سورة (إبراهيم) ﵊، و﴿أَبْوابَ﴾ مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ وجملة: (ادخلوا...) إلخ في محل نصب مقول القول المحذوف. انظر الشرح، وجملة: (فيقال... ادخلوا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَبِئْسَ:﴾\nالفاء: حرف تفريع واستئناف. اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف.\n ﴿فَلَبِئْسَ﴾ (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿مَثْوَى:﴾ فاعل بئس، وهو مضاف، و﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور. إلخ، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هي جهنم، وجملة: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى..﴾. إلخ جواب قسم محذوف، التقدير: أقسم بالله لبئس... إلخ، والقسم وجوابه كلام مفرّع عمّا قبله، ومستأنف لا محل له، وعلى اعتبارها ابتدائية لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-1931\"></span>﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا..﴾. إلخ: وذلك: أنّ أحياء العرب البعيدين عن مكة كانوا يبعثون إلى مكة أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ﷺ؛ فإذا جاء الوافد سأل الذين كانوا يقعدون على طرق مكة من الكفار، فيقولون: هو ساحر، كاهن، شاعر، مجنون، كذاب. وانظر الآية رقم [٢٤] وإذا لم تلقه خير لك، فيقول الوافد: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة، فألقاه، فيدخل مكة، فيرى أصحاب رسول الله ﷺ، فيسألهم عنه، فيخبرونه بصدقه، وأمانته، وأنه نبيّ مبعوث من الله ﷿. ومعنى: ﴿اِتَّقَوْا:﴾ ابتعدوا عن الشرك، والكذب، وقول الزور. وانظر إعلاله وشرحه في الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) ﵇.\nهذا ورفع ﴿أَساطِيرُ﴾ في قول المشركين، ونصب ﴿خَيْرًا﴾ في قول المؤمنين، ليحصل الفرق بين الجوابين، وذلك: أنهم لما سألوا الكفار عن المنزل على النبي ﷺ عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين، وليس هو من الإنزال في شيء؛ لأنهم لم يعتقدوا كونه","vol":"5","page":176},{"text":"منزلا، ولما سألوا المؤمنين عن المنزل عليه ﷺ؛ لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بيّنا مكشوفا، موافقا للإنزال. انتهى. خازن بتصرف.\n ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أي: للذين أتوا بالأعمال الصالحة الحسنة ثوابها حسنة مضاعفة، من الواحد إلى العشرة، إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة، من رزق، وفتح، ونصر، وعزّ، وكرامة، وغير ذلك ممّا أنعم الله به على عباده في الدنيا، وما أعدّه الله لهم في الآخرة خير ممّا يحصل لهم في الدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾. ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ:﴾ وهي الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، والخير العميم. بعد هذا انظر شرح: ﴿وَلَدارُ﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد)، وشرح: ﴿وَلَنِعْمَ﴾ فيها أيضا، والمراد بالآخرة: الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة والخلود فيها، أو دخول النار والخلود فيها، وانظر شرح: ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٤] هذا وقد قرأ زيد بن علي برفع «(خير)» والكلام مستأنف، وعطفه على الآية المذكورة فالمعنى لا يأباه. تأمل. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَحْسَنُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل لها، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من حسنة، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.. إلخ. ﴿الدُّنْيا:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها وأجيز اعتبارها بدلا من ﴿خَيْرًا،﴾ أو تفسيرا له، وذلك:\nأنّ الخير هو الوحي الذي أنزل الله تعالى فيه: من أحسن في الدنيا بالطاعة؛ فله حسنة في الدنيا، وحسنة في الآخرة. ﴿وَلَدارُ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم.\n (دار): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْآخِرَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، ﴿وَلَنِعْمَ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور، متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. نعم: ماض جامد لإنشاء المدح. (دار): فاعل نعم، وهو مضاف، و﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور.. إلخ، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، والكلام مثل سابقه، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: هي الجنة. هذا وإن","vol":"5","page":177},{"text":"اعتبرت اللام في الجملتين لام الابتداء؛ فالمعنى لا يأباه، وتكون الأولى مستأنفة، لا محل لها، والثانية معطوفة عليها.\n\n<span id=\"aya-1932\"></span>﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها:﴾ انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد)، وشرح الأنهار في الآية رقم [٣] منها، وشرح: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ في الآية رقم [٣٥] منها أيضا. ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ﴾ أي: للمتقين في جنات عدن ما يشتهون من مستلذات، وهذا لا يكون إلا في الجنة؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ﴾ لا يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريد في الدنيا. ﴿كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: مثل هذا الجزاء العظيم يجزيه الله المتقين، الذين خافوا الله في الدنيا، ووقفوا عند حدوده.\nبعد هذا: انظر شاء في الآية رقم [٢] هذا والجزاء، والمجازاة: المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول: قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ ومن الثاني: قوله تعالى لإبليس وأتباعه: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا﴾ فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل. هذا؛ والفعل «جزي يجزي» ينصب مفعولين. ﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به، لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها الحلال.\nالإعراب: ﴿جَنّاتُ:﴾ فيه وجوه: الأول: خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هي جنات. الثاني:\nمبتدأ خبره الجملة بعده، أو الخبر محذوف، التقدير: لهم جنات. هذا؛ وأجيز اعتباره المخصوص بالمدح، فحينئذ تجري فيه الاعتبارات الثلاث من كونه مبتدأ خبره الجملة الفعلية المتقدمة، أو مبتدأ خبره محذوف، أو خبر لمبتدإ محذوف. والثاني: أضعفها، والثالث:\nأقواها، ويكون الكلام متصلا بما قبله، وعلى الاعتبارات: الأول: يكون الكلام مستأنفا منقطعا عما قبله، و﴿جَنّاتُ﴾ مضاف، و﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يَدْخُلُونَها:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله و(ها): مفعوله على التوسع في الكلام بإجراء اللازم مجرى المتعدي، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ما عدا وجها واحدا تكون الجملة الفعلية خبرها، انظره فيما تقدم. هذا وقرئ في سورة (فاطر) رقم [٣٣] بنصب جنات على الاشتغال على إضمار فعل يفسره المذكور. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر","vol":"5","page":178},{"text":"بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أو في محل رفع خبر ثان لها، أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، فتكون حالا متداخلة في وجه، وغير متداخلة في وجه آخر. تأمل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾\nمتعلقان بالفعل بعدهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nالذي، أو شيء يشاءونه فيها، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بسابقتها من اعتبارات.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يجزي الله المتقين جزاء مثل ذلك الجزاء، وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، كما قيل: الكاف في محل نصب على الحال من ضمير المصدر، وهذا يعني اعتبارها اسما، والإعراب الأول: أعرف، وأشهر. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾\nمفعول به منصوب.. إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1933\"></span>﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي: تقبض الملائكة أرواحهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] تجد ما يسرك. هذا؛ ويقرأ الفعل هنا، وهناك بالتاء، والياء، واختار الثاني: أبو عبيد لما روي عن ابن مسعود﵁-: أنه قال: إن قريشا زعموا: أن الملائكة إناث.\nفذكّروهم أنتم. ﴿طَيِّبِينَ:﴾ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر، والمعاصي؛ لأنه في مقابلة:\n ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. انتهى. كشاف. وقال الخازن: وقيل: إن قوله: ﴿طَيِّبِينَ﴾ كلمة جامعة لكل معنى حسن، فيدخل فيه: أنهم أتوا بكل ما أمروا به من فعل الخيرات، والطاعات، واجتنبوا كل ما نهوا عنه من المكروهات والمحرّمات، مع الأخلاق الحسنة، والخصال الحميدة، والمباعدة من الأخلاق المذمومة، والخصال المكروهة القبيحة. انتهى. والأول: أولى، وأجمع مع الاختصار. ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ:﴾ قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك، فقال: السّلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السّلام، وبشّره بالجنة، وانظر الآية رقم [٥٠ و٥١] من سورة (الأنفال)، وما فيها من الأهوال مع المحال عليها برقم [٩٣] من سورة (الأنعام).\n ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ:﴾ تقول لهم هذا الملائكة الكرام، وهذا يحتمل أن يكون عند الموت، بشارة بالجنة، ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة بعد الحساب، والجزاء.","vol":"5","page":179},{"text":"تنبيه: نصّ الآية يفيد: أن دخول الجنة بسبب الأعمال الصالحة، والرسول ﷺ يقول: «لن يدخل أحدا عمله الجنة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا... إلخ». أخرجه البخاري عن أبي هريرة﵁-، وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) الآية رقم [٤٣]: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ ومثلها في الزخرف رقم [٧٢].\nوالجمع بين هذه الآيات والحديث الشريف بأن محمل آية الأعراف وآية الزخرف على أن منازل الجنة إنما تنال بالأعمال؛ لأن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن محمل الحديث على أصل دخول الجنة، فإن قيل: آية النحل التي الكلام فيها صريحة في أن دخول الجنة؛ أيضا بالأعمال، وأجيب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث الشريف، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد أصل الدخول، أو المراد: ادخلوها، بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم، وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخولها حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، لا إله إلا هو له الملك، وله الحمد. انتهى. حاشية الشنواني على مختصر ابن أبي جمرة. وانظر ما ذكرته في آية الأعراف فإنه جيد أيضا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٨] ففيها الكفاية؛ إذ الإعراب لا يتغير. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، وساغ ذلك؛ لأنه بمعنى: الدعاء. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْجَنَّةَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام، بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في:\n «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام». ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٢٨] فهو مثله بلا فارق، وجملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الملائكة، أو في محل رفع خبر ﴿الَّذِينَ﴾ على اعتباره مبتدأ، ويكون الرابط محذوفا، التقدير: يقولون لهم... إلخ.\n\n<span id=\"aya-1934\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّكَ﴾ أي: ما ينتظر أهل مكة إلا أن... إلخ، وهم ما كانوا منتظرين الملائكة التي تنزل لقبض أرواحهم، وما كانوا منتظرين العذاب والهلاك","vol":"5","page":180},{"text":"الذي يأمر به الله تعالى، ولكن لما كان ذلك يلحقهم لحوق المنتظر؛ شبهوا بالمنتظرين، وقرئ الفعل: ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾ بالتاء والياء، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة، ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: فعلت الأمم السابقة مثل فعل قريش: من كفر، ومعاندة للرسل، ومخالفة أوامر الواحد القهار، فأهلكهم الله. ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ أي: بالهلاك، والدمار. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ:﴾ حيث ارتكبوا الجرائم التي سببت هلاكهم، ودمارهم.\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، و«أن» المصدرية والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿يَأْتِيَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿أَمْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة بمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: شأنهم كشأن الذين من قبلهم.\nوالأول: أعرف، وأشهر. ﴿فَعَلَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، وتقدير الكلام: فعل الذين كانوا من قبلهم فعلا مشابها فعل كفار قريش، والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿ظَلَمَهُمُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الاسم الموصول، والرابط: الواو، والضمير. الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له.\n ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومتعلقه ومتعلق سابقه محذوف، انظر الشرح، وجملة:\n «يظلمون أنفسهم» في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿وَلكِنْ كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-1935\"></span>﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)﴾\nالشرح: المعنى فأصاب الأمم السابقة عقاب ما فعلوا من كفر، ومعاص، ونزل بهم جزاء استهزائهم ما نزل من أنواع العقاب، والانتقام، والعذاب المهين ما قص الله في قرآنه. هذا؛","vol":"5","page":181},{"text":"و(حاق) لا يستعمل إلا في الشر، فلا يقال: حاقت به النعمة، بل حاقت به النقمة. قال تعالى:\n ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وفي هذه الآية تهديد، وتحذير للمشركين من أهل مكة أن يفعلوا بنبيهم كما فعل من كان من قبلهم بأنبيائهم، فينزل بهم مثل ما نزل بهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَصابَهُمْ﴾ الفاء: حرف عطف. (أصابهم): ماض، والهاء مفعول به.\n ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعله، وسيئات مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nسيئات الذي، أو شيء عملوه. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية؛ تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: سيئات عملهم، والجملة: ﴿فَأَصابَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. وقال الجمل نقلا عن السمين: معطوفة على جملة: ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراض. (حاق): ماض.\n ﴿فَأَصابَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة، مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: «يستهزءون به» في محل نصب خبر كان، وجملة:\n ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: حاق بهم استهزاؤهم، والجملة الفعلية على جميع الاعتبارات معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-1936\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾\nالشرح: قال الزمخشري في كشافه في تفسير الآية: هذا من جملة ما عدّد الله من أصناف كفرهم، وعنادهم من شركهم بالله، وإنكار وحدانيته، بعد قيام الحجج، وإنكار البعث، واستعجال العذاب استهزاء منهم به، وتكذيبهم الرسول، وشقاقهم، واستكبارهم عن قبول الحق، يعني: أنهم أشركوا بالله، وحرّموا ما أحلّ الله من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وغير ذلك، ثم نسبوا فعلهم إلى الله. وقالوا: لو شاء الله؛ لم نفعل، وهذا مذهب المجبرة بعينه. انتهى. بتصرف.\nهذا وقول المشركين المذكور احتجاج بأن ما يفعلونه ليس باطلا، ولا مستقبحا، ولو كان كذلك؛ لما شاء الله صدوره عنهم، ولشاء خلافه ملجئا إليه، لا اعتذار؛ لأنهم لم يعتقدوا قبح","vol":"5","page":182},{"text":"أعمالهم، وقولهم المذكور إنكار للنبوة أيضا، فمعناه: لو شاء الله منهم الإيمان؛ لحصل؛ جاءهم رسول، أم لم يجئ، ولو شاء منهم الكفر؛ لحصل جاءهم رسول، أم لم يجئ، وإذا كان كذلك؛ فالكل من الله، فلا فائدة في بعثة الرسل إلى الأمم.\n ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: فعلت الأمم السابقة مثل فعل قريش، من كفر، وإنكار للرسل، ومخالفة لأوامر الله الواحد القهار. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ..﴾. إلخ أي: ما على الرسل إلا التبليغ، وليس إليهم هداية أحد، أو إضلاله، ولكن سنة الله في خلقه أن يبعث فيهم رسلا، قطعا للعذر، ومنعا للاحتجاج. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن الله تعالى قال في سورة (الأنعام) الآية رقم [١٤٨] ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا..﴾. إلخ حيث أخبر عما يقولونه في المستقبل قبل وقوعه، انظر شرح الآية هناك؛ تجد ما يسرك.\nهذا و﴿شَيْءٍ﴾ في اللغة عبارة عن كل شيء موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: إن وزنه: شيئاء، وزان: حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.\n ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجملة: ﴿شاءَ اللهُ﴾ مع المفعول المحذوف لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَبَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من (نا).\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿ما عَبَدْنا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مؤكد ل: (نا). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿آباؤُنا:﴾ معطوف على (نا)، و(نا) في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف.\n (لا): نافية. ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مثل ما قبلهما بلا فارق، وجملة:\n ﴿وَلا حَرَّمْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٣٣] ﴿فَهَلْ﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، معناه النفي. ﴿عَلَى الرُّسُلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مستأنفة استئنافا بيانيا لا محلّ لها.","vol":"5","page":183},{"text":"<span id=\"aya-1937\"></span>﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ أي: كما بعثنا فيكم محمدا ﷺ رسولا. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ أي: تأمرهم الرسل بعبادة الله، واجتناب عبادة الأصنام، والأوثان. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ:﴾ وفقه للإيمان. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي: ومن الأمم من وجبت عليه الضلالة بالقضاء السابق في الأزل حتى مات على الكفر والضلال، وفي هذه الآية أبين دليل على أن الهادي والمضل هو الله تعالى؛ لأنه المتصرف في عباده، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لا اعتراض لأحد عليه بما حكم به في سابق علمه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ:﴾ يا معشر قريش. ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: فسيروا في الأرض معتبرين متفكرين؛ لتعرفوا مآل من كذب الرسل، وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك، ولتعرفوا: أن الهلاك نازل بكم إن أصررتم على الكفر، والتكذيب كما نزل بهم.\nبعد هذا ف: «أمّة» بمعنى: جماعة، تكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ﴾ وانظر الآية رقم [١٢٠] الآتية و«الأمة» الطريقة، والملة، والدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ و«الأمة»:\nالحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت وحين.\n ﴿اُعْبُدُوا:﴾ العبادة هي غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وعن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: «أنا والإنس والجنّ في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري».\n ﴿الطّاغُوتَ:﴾ هو الأصنام، أو الشيطان، أو الكاهن، أو كل من دعا إلى الضلال، وصدّ عن عبادة الله تعالى، مثل: كعب بن الأشرف اليهودي المنوّه به في الآية رقم [٦٠] من سورة (النساء) وهو يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وقد يجمع على: طواغيت، واشتقاقه من: طغى، يطغى، أو من: طغا، يطغو، وقد طلب الله في غير ما آية الكفر بالطاغوت، وهو: عدم الرضا به.","vol":"5","page":184},{"text":"بعد هذا فإني ألفت النظر إلى أنه تعالى قال هنا: ﴿فَانْظُرُوا﴾ بعد الأمر بالسير في الأرض وقال سبحانه في الآية رقم [١١] من سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ والفرق بينهما: أن النظر هنا جعل مسببا عن السير. فكأنه قيل: سيروا؛ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. ومعنى السير هناك: إباحة السير في الأرض للتجارة، وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب (ثم)، التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب والمباح. انتهى. من النسفي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف. ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف: واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو وأقسم والله.\nاللام: واقعة في جواب القسم المحذوف وبعضهم يقول: موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر)، افهم هذا واحفظه فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور مثل قوله تعالى:\n ﴿وَالضُّحى﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: ورب الضحى ورب السماء... إلخ. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَعَثْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من رسولا، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. وقيل: مصدرية. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، وجملة: ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ تفسيرية لا محل لها؛ لأن ﴿بَعَثْنا﴾ فيه معنى القول دون حروفه، وعلى اعتبار ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بعبادة الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿بَعَثْنا،﴾ وإعراب ﴿وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ واضح، والكلام على حذف مضاف؛ إذ التقدير: اجتنبوا عبادة الطاغوت. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ الفاء:\nحرف استئناف. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿هَدَى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: هداه الله، هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه","vol":"5","page":185},{"text":"الجملة، وأرى أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و﴿مَنْ﴾ هي الخبر لأنّ ﴿مَنْ﴾ الجارة دالة على التبعيض؛ أي: فبعضهم الذي هداه الله، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف (أكثرهم) على ﴿فَمِنْهُمْ﴾ ومقابلته به يؤيد أن معناه بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث لا ترام، وبعضهم... ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظة: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة: «بعضهم» وهذا ممّا يدل على أنّ مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ و«ليوث» جمع: ليث، وهو الأسد. لا ترام: لا تقصد بسوء. قمشت: جمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء، ولا يخفى عليك إعراب ما بعدها.\n ﴿فَسِيرُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير:\nإن أردتم الاهتداء، والاستدلال على الطريقة المثلى؛ فسيروا... إلخ. (سيروا): أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَانْظُرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظروا): أمر، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ تقدم عليها وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾\nماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبله، والمعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿فَانْظُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿كانَ﴾ تامة، فاعلها ﴿عاقِبَةُ،﴾ فتكون ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل فيها ﴿كانَ،﴾ ولم تؤنث ﴿كانَ؛﴾ لأن عاقبة مؤنث مجازي.\n\n<span id=\"aya-1938\"></span>﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ:﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ، والمعنى: إن تحرص يا محمد على هداية هؤلاء، وإيمانهم، فالهداية بيد الله لا بيدك، فإن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء إضلاله. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي: مانعين يمنعونهم من العذاب. هذا؛ ويقرأ: ﴿لا يَهْدِي﴾ بالبناء للفاعل، ومعناه واضح، ويقرأ بالبناء للمفعول على معنى: من أضله الله لم يهده هاد، على حدّ قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ،﴾ وقرئ: ﴿يُضِلُّ﴾ بضم الياء من الرباعي،","vol":"5","page":186},{"text":"وبفتحها من الثلاثي. هذا؛ والحرص مذموم إذا كان على الدنيا، فإنه بمعنى: الطمع الشديد والبخل الشديد، وأما الحرص على الإيمان، والطاعات؛ فهو مقام عظيم عند الله تعالى، والحرص: المحافظة الشديدة على الشيء، والخوف عليه أن يضيع، أو يتلف.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَحْرِصْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى هُداهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿تَحْرِصْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: لا تقدر على ذلك، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَإِنَّ﴾ الفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿اللهَ﴾.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿يُضِلُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يضله، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليلية لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف.\n ﴿وَما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾\nمبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه واو مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) حجازية فالإعراب لا خفاء فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1939\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ:﴾ حلفوا به، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة، كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد) وأما «قسم» الثلاثي، فإنه بمعنى: جزأ، وفرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر وصل.\n ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ:﴾ غاية اجتهادهم فيها، وذلك: أنهم كانوا يقسمون بآلهتهم، وآبائهم، فإذا كان الأمر عظيما؛ أقسموا بالله، و(الجهد) بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾.\nهذا و﴿أَيْمانِهِمْ﴾ جمع يمين، والأصل فيه الحلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، وإن كان المشركون يحلفون بآلهتهم، والجاهلون من المسلمين يحلفون في هذه الأيام","vol":"5","page":187},{"text":"بغير ذلك، واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على أيمان-بفتح الهمزة-كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، أما الإيمان-بكسر الهمزة-فهو:\nالتصديق بالله، ورسله، وكتبه، وبوجود الملائكة، واليوم الآخر، وما فيه، والقضاء، والقدر خيره، وشره من الله تعالى. هذا؛ والإيمان الصحيح: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان، وانظر زيادة الإيمان ونقصه في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال).\n ﴿لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ:﴾ وهذا الإنكار للبعث تكرر ذكره في القرآن عن المشركين.\n ﴿بَلى:﴾ هذا ردّ على المشركين المنكرين للبعث، والحساب، والجزاء؛ أي: بلى ليبعثنهم، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ أي: وعد الله بالبعث وعدا صادقا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٣] من سورة (الرعد). ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أنهم يبعثون إما لعدم علمهم بأنه من واجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصر نظرهم على المألوف، فيتوهّمون امتناعه.\nتنبيه: ذكر في سبب نزول الآية: أن رجلا من المسلمين، كان له على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان مما تكلم به المسلم: والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: إنك لتزعم: أنك تبعث بعد الموت، وأقسم بالله: أنه لا يبعث الله من يموت، فنزلت الآية الكريمة، قاله أبو العالية.\nالإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقسموا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله (أقسموا)، وهو من معناه، وجوز اعتباره حالا من واو الجماعة بمعنى: جاهدين، و﴿جَهْدَ:﴾ مضاف، و﴿أَيْمانِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ..﴾. إلخ معطوفة على قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَبْعَثُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿مَنْ:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يَمُوتُ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿لا يَبْعَثُ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب. ﴿وَعْدًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان ب ﴿وَعْدًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿حَقًّا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، وهما مصدران مؤكدان للجملة المقدرة بعد ﴿بَلى،﴾ كما رأيت في الشرح. هذا؛ وقرئ برفعهما على اعتبار (وعد) خبرا لمبتدإ محذوف، و(حقّ) صفة له. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف.\nوقيل: واو الحال، ولا وجه له. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسم (لكنّ)، وهو مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لكنّ)، والكلام ﴿بَلى..﴾. إلخ في محل نصب مقول لقول محذوف؛ إذ التقدير: فقال الله تعالى: بلى... إلخ. تأمل، وتدبر.","vol":"5","page":188},{"text":"<span id=\"aya-1940\"></span>﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿لِيُبَيِّنَ..﴾. إلخ: أي: يبعث الله الناس يوم القيامة؛ ليبين لهم الذي يختلفون فيه من أمر البعث، والحساب، والجزاء، ويظهر لهم الحق؛ الذي لا خلف فيه حينئذ. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالله ورسوله، وأقسموا أن لا بعث بعد الموت. ﴿أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ:﴾ فيما يدعونه، ويفترونه، وفيه إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث، المقضي له من حيث الحكمة، وهي التمييز بين الحق، والباطل، والمحق والمبطل بالثواب والعقاب. هذا؛ والفعل ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد)، وانظر شرح الكفر في الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف) ﵇.\nالإعراب: ﴿لِيُبَيِّنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر يعود إلى (الله)، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل المقدر بعد ﴿بَلى﴾. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ صلة الموصول، والعائد الضمير المجرور ب: (في). (ليعلم): مثل ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ في إعرابه، وتقديره، وتأويله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة له. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. والألف للتفريق. ﴿كاذِبِينَ:﴾ خبر كان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا كاذِبِينَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعول (يعلم)؛ لأنه من المعرفة، كما رأيت.\n<span id=\"aya-1941\"></span>﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾\nالشرح: أعلم الله في هذه الآية الخلق سهولة البعث عليه؛ إذ المعنى: إذا أردنا أن نبعث من يموت؛ فلا تعب علينا، ولا نصب في إحيائهم، وبعثهم، ولا في غير ذلك ممّا نحدثه. وفي الآية دليل قاطع على أن الله تعالى مريد لجميع الحوادث، كلها: خيرها، وشرها، نفعها، وضرها، والدليل على ذلك: أن من يرى في سلطانه ما يكرهه، ولا يريده فلأحد شيئين: إما لكونه جاهلا لا يدري، وإما لكونه مغلوبا لا يطيق، ولا يجوز ذلك في وصفه سبحانه، وقد قام الدليل على أنه سبحانه خالق لأفعال العباد، ويستحيل أن يكون فاعلا لشيء؛ وهو غير مريد له؛ لأن أكثر أفعالنا يحصل على خلاف مقصودنا، وإرادتنا، فلو لم يكن الحق سبحانه مريدا لها لكانت تلك الأفعال تحصل من غير قصد، وهذا قول الطبيعيين، وقد أجمع الموحدون على خلافه، وفساده. انتهى. قرطبي بتصرف.","vol":"5","page":189},{"text":"وفي الآية الكريمة تمثيل لسرعة الإيجاد عند تعلق الإرادة الإلهية، وليس هناك أمر حقيقة، ولا كاف، ولا نون، وإلا لو كان هناك أمر لاعترض بأن يقال: إن كان الخطاب للشيء حال عدمه، فلا يعقل؛ لأن خطاب المعدوم لا يعقل، وإن كان بعد وجوده ففيه تحصيل الحاصل، وإنما المراد من التمثيل تصوير سرعة الحدوث، والإيجاد بما لا يتجاوز أمده النطق بلفظه: «كن» وما أسهلها!.\nبعد هذا خذ ما يلي، عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «يقول الله ﵎: يشتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذّبني وما ينبغي له أن يكذّبني، أما شتمه إيّاي، فيقول: إنّ لي ولدا، وأمّا تكذيبه إيّاي، فقوله: ليس يعيدني كما بدأني». وفي رواية:\n «كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأمّا شتمه إياي، فقوله: اتّخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». رواه البخاري.\nهذا والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول: مع الفعل، والثاني: قبله، وكلا المعنيين غير متصوّر اتصاف الباري تعالى به؛ ولذا اختلف في معنى إرادته، فقيل: إرادته لأفعاله أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح. وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿قَوْلُنا:﴾ مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بالقول. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿قَوْلُنا﴾ أيضا. ﴿أَرَدْناهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، وهو نفس المبتدأ، وساغ ذلك لاختلاف متعلقهما على حد قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ وقال أبو النجم: [الرجز]\nأنا أبو النّجم وشعري شعري... لله درّي ما يجنّ صدري\n ﴿كُنْ:﴾ أمر تام؛ لأنه بمعنى: احدث، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): مضارع تام مرفوع، وفاعله يعود إلى شيء، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة تفصح عنه الفاء، وينسحب عليه الكلام؛ أي: فنقول ذلك، فيكون، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ،﴾ وإما جواب لشرط محذوف؛ أي: فإذا قلنا ذلك؛ فهو يكون. انتهى. جمل. وهذا يفيد: أن الفاء الفصيحة. وقال غيره: الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو يكون،","vol":"5","page":190},{"text":"والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ الفعل «(يكون)» بالنصب عطفا على ﴿نَقُولَ،﴾ وليست الفاء للسببية؛ لأن لفظ ﴿كُنْ﴾ أمر، ومعناه الخبر عن قدرة الله تعالى؛ إذ ليس ثمّ مأمور بأن يفعل شيئا. أفاده مكي بن أبي طالب القيسي.\n\n<span id=\"aya-1942\"></span>﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا:﴾ هم رسول الله ﷺ، وأصحابه المهاجرون، ظلمهم كفار قريش، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وأكثرهم هاجر إلى المدينة هجرة واحدة. أو المراد: المستضعفون، المحبوسون، المعذبون في مكة بعد هجرة الرسول ﷺ، وهم: بلال، وعمار، وصهيب، وخباب، وعابس، وأبو جندل بن سهيل﵃ أجمعين-ومعنى ﴿فِي اللهِ﴾ لله، ولوجهه ف: ﴿فِي﴾ بمعنى: اللام، وهو مستعمل لغة.\n ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً:﴾ المراد بالحسنة: نزولهم المدينة، أو هي: العزة، والكرامة، والنصر على الأعداء، أو هي: ما أغدقه الله عليهم من خيرات الدنيا. روي: أن عمر بن الخطاب﵁كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء، يقول له: (خذ هذا بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله تعالى في الدنيا، وما ادّخر لك في الآخرة أفضل). ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم، وأفضل، وأشرف مما أعطاهم في الدنيا. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كان الكفار يعلمون أن أجر الآخرة أكبر مما هم فيه من نعيم الدنيا؛ لرغبوا فيه، وآمنوا بالله ورسوله.\nوقيل: الضمير راجع إلى المهاجرين، ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون ما أعد الله لهم في الآخرة؛ لزادوا في الجد، والاجتهاد، والصبر على ما أصابهم من أذى المشركين.\nبعد هذا؛ فالهجرة: ترك الأوطان، والأهل، والقرابة في الله، كما حصل للمسلمين الأولين، كما رأيت. هذا؛ وقد أطلق الله اسم الهجرة على الجهاد في سبيل الله تعالى في الآية رقم [٨٩] من سورة (النساء)، وهناك هجرة أخرى، وهي «هجرة» جميع المعاصي والابتعاد عنها، قال الرسول ﷺ: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». هذا و«المبوّأ» المنزل الملزوم، ومنه بوّأه الله منزلا؛ أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، وانظر الآية رقم [٨٧] من سورة (يونس) ﵇.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وأجاز أبو البقاء أن يكون في موضع نصب بفعل محذوف يفسره المذكور، وهو ضعيف؛ لأن الاشتغال لا وجه له هنا، وجملة: ﴿هاجَرُوا فِي اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا: وتعليقهما بمحذوف حال من واو الجماعة لا بأس","vol":"5","page":191},{"text":"به. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿ظُلِمُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، وما والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد ظلمهم.\n ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نبوئنهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من حسنة، كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا» ﴿حَسَنَةً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:﴾ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nهذا؛ ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ قاله ابن مالك، ومنعه ثعلب، ومثل الآية الكريمة الآية رقم [٧] من سورة (العنكبوت)، ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الشاهد [٧٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل]\nجشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين... وإذا أتاك فلات حين مناص\nانظر هذا الشاهد وما ذكرته تبعا له، وما نقلته عن ابن هشام أيضا. ﴿وَلَأَجْرُ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. اللام: لام الابتداء: وقيل: الواو، واو الحال. (أجر): مبتدأ: وهو مضاف، و(الآخرة) مضاف إليه. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وعلى اعتبار الواو، واو الحال فهي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وهذا لا يصح إلا إذا كانت واو الجماعة عائدة عليه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف. انظر الاعتبارين في الشرح، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها تذييل للكلام السابق، فهو كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1943\"></span>﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا:﴾ على الشدائد كأذى الكفرة، ومفارقة الأهل، والوطن، وعلى الجهاد، وبذل الأنفس، والأموال في سبيل الله، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد). ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ:﴾ يفوضون أمورهم إليه وحده.\nقال بعضهم: ذكر الله الصبر والتوكل في هذه الآية، وهما مبدأ السلوك إلى الله تعالى ومنتهاه، أما الصبر، فهو: قهر النفس، وحبسها على أعمال البر، وسائر الطاعات، واحتمال الأذى من الخلق، والصبر عن الشهوات المباحات، والمحرّمات، والصبر على المصائب، وأما","vol":"5","page":192},{"text":"التوكل؛ فهو: الانقطاع عن الخلق بالكلية، والتوجه إلى الحق تعالى بالكلية. فالأول: مبدأ السلوك إلى الله تعالى، والثاني: هو آخر الطريق، ومنتهاه، والتوكل: تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره. وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر، لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من سابقه. وقيل: هو بدل من الضمير المنصوب. وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف. وقيل: منصوب بفعل محذوف، وجملة: ﴿صَبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: «يتوكلون على ربهم» معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والظاهر والله أعلم: أن المعنى على المضي، والتعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة؛ حتى كأن السامع يشاهدها.\n\n<span id=\"aya-1944\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا:﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ هذا رد لقول قريش حيث أنكروا نبوة محمد ﷺ. وقالوا: الله أعظم وأجل من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث ملكا إلينا، وانظر الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) ﵇، ففيها كبير فائدة، والمعنى هنا، وهناك أن سنة الله ﷿ جارية من أول مبدأ الخلق أنه لم يبعث إلا رسولا من البشر، فهذه عادة مستمرة، وسنة جارية قديمة. ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أي: أهل الكتاب، وهم علماء اليهود، والنصارى، وإنما أمرهم الله بسؤال أهل الكتاب؛ لأن كفار مكة كانوا أميين، ويعتقدون: أنّ أهل الكتاب أهل علم، وقد أرسل الله إليهم رسلا منهم، مثل: موسى، وعيسى، وغيرهما من الرسل، وكانوا بشرا مثلهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.\nوفي الآية الكريمة دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة، ولا ملكا، ولا جنّيّا للدعوة العامة، وفي آية (يوسف) زيادة ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وينبغي أن تعلم: أن الآية الكريمة إنما أمرت كفار قريش الأميين أن يسألوا أهل العلم من اليهود، والنصارى عما هم جاهلون به، فالأحرى بالجاهلين من المسلمين أن يسألوا علماء المسلمين عن أمور دينهم، وعمّا هم جاهلون به من أمر الدنيا والآخرة، فخصوص السبب لا يمنع التعميم في كل زمان ومكان، ولولا ذلك لما كنا مكلفين بالجهاد وغير ذلك مما هو من واجبات الدين.","vol":"5","page":193},{"text":"بعد هذا فالفعل: ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ بمعنى: لا تعرفون، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد).\nهذا؛ وأصل ﴿كُنْتُمْ:﴾ «كوتنم»، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون فحذفت الألف، فصار: «كنتم» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار ﴿كُنْتُمْ،﴾ وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول:\nأصل الفعل: كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار: (كونت) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار (كونت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما، فصار «كنت» وهكذا قل في إعلال كل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل قال، وقام، ونحوها، وانظر (نا) في الآية [٢٣] من سورة (الحجر).\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: بمحذوف حال، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿رِجالًا:﴾ مفعول به. ﴿نُوحِي:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». هذا؛ ويقرأ:\n «(يوحى)» فهو مبني للمجهول مرفوع أيضا، وعلامة الرفع في الأول: مقدرة على الياء، وفي الثاني:\nمقدرة على الألف. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿نُوحِي،﴾ ومتعلقان بنائب فاعل على قراءة «(يوحى)» والجملة الفعلية على الاعتبارين صفة رجالا، وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، والأول: أقوى. ﴿فَسْئَلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١] (اسألوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَهْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، والذكر مضاف إليه، وجملة: ﴿فَسْئَلُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: (وإذا كنتم جاهلين فاسألوا...) إلخ وهذا الكلام مستأنف، أو معطوف على ما قبله لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿إِلاّ:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، والجملة الشرطية تذييل للكلام السابق، ومؤكدة له لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1945\"></span>﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ أي: بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، والمراد بها:\nالمعجزات التي أيد الله بها رسله، و(الزبر): الكتب، جمع: زبور، وهو الكتاب المقصور على","vol":"5","page":194},{"text":"الحكم، والمواعظ، من: زبرت الشيء: إذا حبسته. وقيل: (الزبور): المواعظ، والزواجر، من: وعظته إذا زجرته، وانظر أوجه الإعراب يتضح لك المعنى. ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ:﴾\nالخطاب للنبي ﷺ، والمراد ب: ﴿الذِّكْرَ﴾ القرآن، وإنما سماه الله ذكرا؛ لأن فيه مواعظ، وتنبيها للغافلين، وانظر الآية رقم [٩] من سورة (الحجر) ففيها ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: ما أجمل إليك من أحكام القرآن، وبيان الكتاب يطلب من السنة، والمبيّن لذلك المجمل هو الرسول ﷺ؛ أي: ما فيه من الأحكام، والوعد بقوله، وفعله.\nوكذلك مبين لما أجمله الله في كتابه من أحكام الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وخاب الذين يقولون: لا نأخذ إلا بما في القرآن، وكيف يفهمون القرآن، ويعملون بتعاليمه، ويقومون بالتكاليف الإلهية إذا لم يأخذوا بالأحاديث النبوية، وخاب الذين يأخذون برواية بعض الصحابة، ويرفضون رواية الكثيرين منهم، فمثلهم كمثل من يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعضه. وانظر:\n ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (إبراهيم) ﵇، وانظر الآية [٨٩] الآتية. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيما أنزل إليهم فيعملون به، وانظر مثل هذا الترجي في الآية [٢] من سورة (الرعد) وانظر «التفكر» في الآية رقم [٣] منها أيضا، وانظر شرح: ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ أو بمحذوف صفة ﴿رِجالًا﴾ أي: رجالا ملتبسين بالبينات، أو بالفعل ﴿نُوحِي،﴾ أو ب: ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، كقولك: إن كنت عملت لك فأعطني حقي، أو بفعل محذوف يقع جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: بم أرسلوا؟ قيل: أرسلوا بالبينات. انتهى. جمل بتصرف كبير. وعلى الاعتبارات الثلاثة الأول: فالجملة: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها والتعليق بفعل محذوف هو قول ابن هشام في المغني، وأضيف: أنه أجيز أيضا تعليقهما بمحذوف حال من الضمير في:\n ﴿إِلَيْهِمْ﴾. ﴿وَالزُّبُرِ:﴾ معطوف على ما قبله. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّكْرَ:﴾ مفعول به. ﴿لِتُبَيِّنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت» و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: أنزلنا. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها، وجملة:\n ﴿وَأَنْزَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَلَعَلَّهُمْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لعلهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبر لعل، والجملة الاسمية معطوفة على ﴿لِتُبَيِّنَ،﴾ فهي مفيدة للتعليل أيضا.","vol":"5","page":195},{"text":"<span id=\"aya-1946\"></span>﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: المكرات السيئات، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا برسول الله ﷺ، وراموا صدّ أصحابه عن الإيمان بالإضافة لما فعلوا بهم من إيذاء، وسخرية. هذا؛ والمكر: تدبير الأمر في خفية، وهو أيضا: احتيال، وخداع.\n ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ:﴾ كما خسف بقارون. وخسف المكان: ذهب في الأرض، وبابه:\nجلس، وخسف الله به الأرض من باب: ضرب؛ أي: غاب فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ وخسوف القمر: ذهاب ضوئه. هذا؛ والخسف: النقصان، والخسف: الذلة، والمهانة، والحقارة، قال الشاعر: [البسيط]\nولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن: عير الحيّ والوتد\nهذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد\n ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: من جهة لا تخطر ببالهم، ولم يحتسبوها، كما فعل الله بقوم لوط وغيرهم، وقد أهلك القرشيون في غزوة بدر، ولم تكن في حسابهم، وانظر: ﴿يَشْعُرُونَ﴾ في الآية رقم [٢١]، ولا تنس: أن الكلام في: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ مثله في: ﴿أَفَمَنْ،﴾ ﴿أَفَلا﴾ في الآية [١٧].\nالإعراب: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أمن): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:\n ﴿مَكَرُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ صفة لمفعول مطلق؛ أي: مكروا المكرات السيئات، أو هو مفعول به على تضمين مكروا عملوا، أو فعلوا، وعلى هذين الوجهين، فالمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ﴾ في محل نصب مفعول ب: (أمن)، أو هو منصوب ب: (أمن)؛ أي: أمنوا العقوبات السيئات، وعلى الأول: فالمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ﴾ بدل من السيئات. ﴿بِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿يَأْتِيَهُمُ:﴾ معطوف على ﴿يَخْسِفَ﴾ منصوب مثله، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، وجملة: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ألم يتفكروا فأمن الذين مكروا السيئات.","vol":"5","page":196},{"text":"<span id=\"aya-1947\"></span>﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي: يهلكهم في أسفارهم، أو في ليلهم، أو نهارهم، وفي جميع أحوالهم. ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ:﴾ الله، ولا يفوتونه، ولا يهربون من عقابه وانتقامه.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْخُذَهُمْ:﴾ معطوف على ﴿يَخْسِفَ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿يَأْخُذَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، وإن اعتبرت (ما) مهملة؛ فيكون ﴿يَأْخُذَهُمْ﴾ مبتدأ، والباء زائدة في خبره، والجملة الاسمية مفرّعة عما قبلها، واعتبار الفاء فصيحة، والجملة الاسمية جوابا لشرط مقدر جيد لا بأس به، ويكون التقدير: وإذا كان ذلك ممكنا، وليس متعذرا فما هم بمعجزين الله. تأمل، وتدبر.\n<span id=\"aya-1948\"></span>﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ أي: على مخافة بأن يهلك قوما غيرهم، فيتخوفوا، فيأتيهم العذاب، وهم متخوفون. وقال الضحاك: المعنى: يأخذ طائفة، ويدع طائفة، فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال ابن عباس، ومجاهد﵄-: أي: على تنقص من أموالهم، ومواشيهم، وزروعهم، بل: وأنفسهم؛ حتى أهلكهم كلهم، هذا؛ وتخوّنه الدّهر، وتخوّفه بالفاء والنون بمعنى، يقال: تخوّنني فلان حقي إذا تنقصه، قال لبيد: [الوافر]\nعذافرة تقمّص بالرّدافى... تخوّنها نزولي وارتحالي\nأي: تنقص لحمها، وشحمها كثرة الأسفار، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد). وقال الليث بن سعد: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ:﴾ على عجل. وقيل غير ذلك. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾\nانظر الآية رقم [٧]، ولا تنس: أن في الكلام التفاتا من الغيبة إلى الخطاب. انظر الآية رقم [٢٢] ومعنى رأفته ﷾ هنا: عدم المعاجلة بالعقاب، بل يمهل، ولكنه لا يهمل.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْخُذَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَلى تَخَوُّفٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، أو من الفاعل المستتر. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ خبر","vol":"5","page":197},{"text":"(إنّ)، واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1949\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ:﴾ المراد: أهل مكة، ويقرأ الفعل بالتاء على الخطاب لجميع الناس، والفعل بصري، والمعنى: أو لم ينظروا بعين البصيرة إلى صنع الله، فيعتبروا، وتظهر لهم قدرة الله، فيخافوا منه، ويعبدوه، والمراد ب: ﴿شَيْءٍ:﴾ ماله جسم قائم، له ظل، من شجرة، أو جبل، ونحو ذلك. ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ أي: يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار على حال، فيتقلص، ثم يعود في آخر النهار إلى حالة أخرى، فدورانه وميلانه من موضع إلى موضع سجوده، ومنه قيل للظل بالعشي: فيء؛ لأنه يفيء من المغرب إلى المشرق؛ أي: يرجع، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلق الظل، سواء أكان قبل الزوال، أو بعده، وهو ما توحيه الآية.\nوقيل: ما كان قبل الزوال فهو ظل فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيء. وقيل: بل يختصّ الظلّ بما قبل الزوال، والفيء بعده، فالفيء لا يكون إلا في العشي، وهو ما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون في الغداة، وهو ما لم تنله الشمس، وفي «القاموس»: الظل: الفيء، والجمع:\nظلال، وأظلال، وظلول، وظلّ الليل: سواده. ﴿وَهُمْ داخِرُونَ:﴾ خاضعون، صاغرون؛ إذ الدخور: الصغار، والذل. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (الرعد) هذا وقد قرئ: «(تتفيأ)» بالتاء، و(الشمائل) جمع: شمال على غير قياس؛ إذ القياس: أشمل، كذراع، وأذرع.\nتنبيه: في إفراد ﴿الْيَمِينِ﴾ وجمع الشمال أجوبة: أحدها أن الابتداء يقع من اليمين، وهو شيء واحد، فلذلك وحد اليمين، ثم ينتقص شيئا فشيئا، وحالا بعد حال، فهو بمعنى: الجمع، فصدق على كل حال لفظة «الشمال» فتعدد بعدد الحالات. الثاني: قال الزمخشري: واليمين بمعنى: الأيمان، يعني: أنه مفرد قائم مقام الجمع، وحينئذ فهما في المعنى جمعان، كقوله تعالى: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي: الأدبار. الثالث: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها؛ لأن قوله تعالى: ﴿ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ لفظه واحد، ومعناه الجمع، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nتنبيه: والجمع في قوله: ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنّ من جملة ما خلق الله فيه من يعقل، فيكون في الكلام تغليب؛ أي: تغليب العقلاء على غيرهم، وهذا على اعتبار ﴿تَدَّخِرُونَ﴾","vol":"5","page":198},{"text":"عائدا إلى ﴿ما خَلَقَ اللهُ﴾. والثاني: لما وصف الله الظلال بالطاعة، والانقياد لأمره، وذلك صفة من يعقل؛ عبّر عنها بلفظ من يعقل، وجاز جمعها بالواو، والنون، وهو جمع العقلاء، وهذا على اعتباره عائدا إلى ﴿ظِلالُهُ﴾ تأمل.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف حسب ما رأيت في الآية رقم [١٧] (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلى الذي، أو شيء خلقه الله.\n ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. ﴿يَتَفَيَّؤُا:﴾ مضارع. ﴿ظِلالُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿عَنِ الْيَمِينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ظِلالُهُ﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿عَنِ﴾ اسما بمعنى: جانب، فيكون ظرف مكان متعلقا بالفعل قبله، ويكون مضافا و﴿الْيَمِينِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالشَّمائِلِ:﴾ معطوف على ﴿الْيَمِينِ﴾.\n ﴿سُجَّدًا:﴾ حال من ﴿ظِلالُهُ﴾. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بسجدا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿سُجَّدًا،﴾ فهي حال متداخلة، أو هي معطوفة على ﴿سُجَّدًا،﴾ فتكون حالا ثانية.\n\n<span id=\"aya-1950\"></span>﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ﴾ ... ﴿مِنْ دابَّةٍ:﴾ قال العلماء: السجود على نوعين: سجود طاعة، وعبادة، كسجود المسلم لله ﷿. وسجود انقياد، وخضوع، كسجود الظلال، والجمادات، وسائر الحيوانات، ولفظ «الدابة» اسم لكل حيوان يدب على وجه الأرض، من إنسان، وحيوان، ووحش، وهوام، وغير ذلك؛ فلذا يطلق لفظ دابة على الذكر، والأنثى ممّا ذكر. وفي العرف يطلق لفظ الدابة على ذوات الأربع من الحيوان. وانظر الآية رقم [٥٦] من سورة (هود) ﵇. ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ خصوا بالذكر كما خص جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة للتشريف، والتعظيم. ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ عن عبادة ربهم، وهذا ردّ على كفار قريش حيث زعموا: أن الملائكة بنات الله. وانظر شرح الملائكة في الآية رقم [٢٥] من سورة (الرعد). وانظر «الكبر» في الآية رقم [٢٣] وانظر شرح ﴿السَّماواتِ﴾ و﴿الْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٣].","vol":"5","page":199},{"text":"تنبيه: الأصل أن تكون «من» للعاقل، و«ما» لغير العاقل، وقد يعكس هذا فتستعمل «من» لغير العاقل كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٥] من سورة (النور)، وتستعمل «ما» للعاقل كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية رقم [٣] من سورة (النساء) وهذا من باب التقارض، وذلك قليل، وأكثر ما تكون (ما) للعاقل إذا اقترن العاقل بغير العاقل كما في الآية الكريمة في حكم واحد، وقوله سبحانه:\n ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ فإن كل ما في السموات والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو: السجود والتسبيح، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ويكون في الكلام تغليب، كما تستعمل في المبهم أمره كقولك، وقد رأيت سبحا من بعد: (انظر إلى ما أرى) و«من» و«ما» تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى والجمع، والمذكر، والمؤنث، وانظر الآية [٦٧] من سورة (الإسراء).\nتنبيه: ملخص ما تقدم: أنّ «من» تستعمل لغير العاقل في ثلاث مسائل:\n١ - أن ينزل غير العاقل منزلة العاقل، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فدعاء الأصنام؛ التي لا تستجيب الدعاء نزلها منزلة العاقل؛ إذ لا ينادى إلا العقلاء.\n٢ - أن يندمج غير العاقل مع العاقل في حكم واحد كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ الآية رقم [١٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٨] من سورة (الحج).\n٣ - أن يقترن غير العاقل بالعاقل في عموم مفصل، كما في آية النور المذكورة آنفا؛ إذ الدابة تعم أصناف من يدب على وجه الأرض، وقد فصلها على ثلاثة أنواع.\nوتستعمل «ما» للعاقل في ثلاث مسائل أيضا:\n١ - إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، وهو كثير كالآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (طه): ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾.\n٢ - إذا نزل العاقل منزلة غير العاقل، كقوله تعالى في سورة (النساء): ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير.\n٣ - تستعمل «ما» في المبهم أمره كقولك، وقد رأيت شبحا من بعيد «انظر إلى ما أرى».\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بالفعل بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿يَسْجُدُ:﴾ مضارع. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ مثل ما قبله. ﴿مِنْ دابَّةٍ:﴾","vol":"5","page":200},{"text":"متعلقان بمحذوف حال من (ما) و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: (ما). ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على ما، عطف خاص على عام. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (الملائكة)، والرابط:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1951\"></span>﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: الملائكة يخافون الله تعالى. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: يخافون أن ينزل عليه عذابا من فوقهم، أو يخافونه، وهو فوقهم بالقهر، والاستعلاء، فهم تحت التسخير، والتذليل بما علاهم من الاقتدار، والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه، ولا ينفك عنه، وهذا يعني أن لا فوقية معلومة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ،﴾ ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ:﴾\nوفي سورة (التحريم): ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فهم مطبوعون على الطاعة، والامتثال لأوامر الله تعالى، ولا عصيان أبدا، وفي الآية الكريمة دليل على أن الملائكة مكلفون، مدارون بين الخوف، والرجاء.\nعن أبي ذر الغفاري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السّماء، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ وملك واضع جبهته ساجدا لله... إلخ». أخرجه الترمذي، وقال: عن أبي ذر موقوفا. وفي القاموس: أطّ الرّحل، ونحوه، يئطّ أطيطا: صوّت، والإبل أنّت تعبا، أو حنينا، والأطّاط: الصّيّاح.\nتنبيه: يسن السجود عند تلاوة الآيات الثلاث من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلى قوله:\n ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ للقارئ، والمستمع، فهي من الآيات الأربع عشرة التي يسن السجود لتلاوتها، واستماعها، في الصلاة، وخارجها، والدليل على ذلك سجود النبي ﷺ، فعن عبد الله بن عمر﵄- «أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه حتّى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة». متفق عليه، وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسجود، فأبيت، فلي النّار». رواه مسلم. والله أعلم، وأجل، وأكرم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿يَخافُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَبَّهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء فيهما في","vol":"5","page":201},{"text":"محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَخافُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية من (الملائكة) والرابط:\nالضمير فقط، أو هي حال من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة، أو هي بدل من جملة: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لأن من خاف الله لا يستكبر عن عبادته. (يفعلون): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُؤْمَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا يؤمرون به، وجملة: ﴿وَيَفْعَلُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، على جميع الاعتبارات فيها.\n\n<span id=\"aya-1952\"></span>﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ:﴾ قال الخازن رحمه الله تعالى: لما أخبر الله ﷿ في الآية المتقدمة: أن كل ما في السموات والأرض خاضعون له، منقادون لأمره، عابدون له، وأنهم في ملكه، وتحت قدرته، وقبضته؛ نهى في هذه الآية عن الشرك، وعن اتخاذ إلهين اثنين. ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي: لأن الإلهين لا يكونان إلا متساويين في الوجود، والقدم، وصفات الكمال، والقدرة، والإرادة، فصارت الاثنينية منافية للإلهية، وقد تقرر هذا في غير ما آية، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ وانظر شرح: ﴿الْواحِدُ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇.\n ﴿فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: فخافوني، والرّهب: خوف من حزن، واضطراب، وإنما نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور، وهو من طريق الالتفات؛ لأنه أبلغ في الترهيب من قوله: فإياه فارهبوا، فهو من بديع الكلام، وبليغه. وفي تقديم الضمير حصر، فالمعنى: لا يرهب الخلق إلا منه، ولا يرجون إلا كرمه، وفضله، وإحسانه. ولا تنس: أن في الآية التالية التفاتا آخر إلى الغيبة.\nوانظر الالتفات في الآية رقم [٢٢].\nالإعراب: ﴿وَقالَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِلهَيْنِ:﴾ مفعول به. ﴿اِثْنَيْنِ:﴾ توكيد لما قبله. وقيل: هو صفة لما قبله. منصوب مثله، وعلامة النصب الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنهما مثنى، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد، وعلى هذا فالفعل متعدّ لواحد فقط، ويكون بمعنى: لا تعبدوا... إلخ، ويجوز أن يكون متعديا لاثنين كأصله، والثاني: محذوفا؛ أي: لا تتخذوا إلهين اثنين معبودا. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿اِثْنَيْنِ:﴾ مفعولا أولا، و﴿إِلهَيْنِ﴾ هو المفعول الثاني، والجمهور على التوكيد. تأمل.","vol":"5","page":202},{"text":"﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿فَإِيّايَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [١] (إياي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم لفعل محذوف، التقدير: فإياي ارهبوا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك هو الواقع والصحيح فإياي ارهبوا. ﴿فَارْهَبُونِ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ارهبون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على المقدرة قبلها، لا محل لها مثلها. وقيل: مفسرة لها، وليس بشيء؛ لأن الفاء تمنع التفسير.\nهذا؛ وإن اعتبرت الضمير (إياي) مفعولا مقدما للفعل المذكور بعده، واعتبرت الفاء زائدة، فهو وجه صحيح لا غبار عليه، ولا حذف، ولا تقدير، والله أعلم، وإليه المرجع والمصير.\n\n<span id=\"aya-1953\"></span>﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ولله ملك السموات والأرض وما فيهما خلقا وعبيدا وملكا. ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أي: له العبادة، والطاعة، وإخلاص العمل دائما ثابتا، والواصب الدائم، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان، ويطاع إلا انقطع ذلك لسبب في حال الحياة، أو بالموت إلا الحق ﷾، فإن طاعته واجبة أبدا؛ لأنه المنعم على عباده المالك لهم، فكانت طاعته واجبة ثابتة أبدا. هذا؛ وقيل: الوصب: التعب، والإعياء؛ أي: تجب طاعة الله؛ وإن تعب فيها العبد. ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ:﴾ هذا الاستفهام بمعنى: التعجب والإنكار؛ إذ المعنى كيف تتقون غيره، وتخافون سواه، وهو المالك لما ذكر، والمتصرف فيه؟! وانظر شرح ﴿الدِّينُ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (يوسف) ﵇، وشرح (غير) في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد).\nالإعراب: (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ ما فِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية:\n ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿واصِبًا:﴾ حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، أعني: الخبر المحذوف. وقيل: حال من المبتدأ، وهو ﴿الدِّينُ﴾ وهذا لا يسوغ إلى على اعتباره فاعلا بالظرف على مذهب الأخفش، ومن يوافقه على عدم اشتراط الاعتماد على النفي، أو شبهه لعمله، وأما اعتباره مبتدأ؛ فلا يصح مجيء الحال منه؛ لأن الحال تبين هيئة فاعل، أو مفعول. وانظر الشاهد [١٣٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، إعراب شواهد مغني اللبيب. ﴿أَفَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف","vol":"5","page":203},{"text":"على محذوف، التقدير: أبعد ما تقرر من توحيد الله، وبعد ما عرفتم: أن كل ما سواه محتاج إليه؛ فتتقون غيره. (غير): مفعول به مقدم، وغير مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿تَتَّقُونَ:﴾\nمضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة محذوفة حسب ما رأيت في الآية رقم [١٧].\n\n<span id=\"aya-1954\"></span>﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ أي: أيّ شيء وصل إليكم من نعم: صحة جسم، وسعة رزق، وولد، وإيمان، وراحة بال؛ فهو من الله وحده، فيجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم. ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ:﴾ الفقر، أو المرض، أو البلاء بأنواعه. ﴿فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ:﴾\nتتضرعون، وتضجون بالدعاء. و«الجؤار»: رفع الصوت بالدعاء، والاستغاثة، و«الجؤار» صوت البقر، مثل الخوار، قال الأعشى يصف بقرة وحشية: [الطويل]\nفطافت ثلاثا بين يوم وليلة... وكان النكير أن تطيف وتجأرا\nهذا؛ و﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق «ربّ» و«لا» العاملة عمل «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح.\nهذا؛ و«ثمّ» هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى:\n ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ نِعْمَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، و(من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَمِنَ:﴾ الفاء:\nحرف صلة لتحسين اللفظ، ودخلت الفاء في خبر المبتدأ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\n (من الله): متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) شرطية مبتدأ، وفعل شرطها محذوف، التقدير: وأيّ: شيء بكم، أو اتصل بكم، والجار والمجرور بكم متعلقان بالفعل المقدر. وقال ابن هشام في «مغني اللبيب»: التقدير: وما يكن بكم من نعمة؛ فمن الله، وهذا يعني: أن الفعل «يكن» تاما بمعنى: وما يوجد بكم. ﴿مِنْ نِعْمَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل الفعل المقدر والمستتر، والفاء: واقعة في جواب الشرط، وعليه فالجار والمجرور: (من الله) متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو من الله، أو فهي من الله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (ما) مختلف فيه: هل هو جملة","vol":"5","page":204},{"text":"الشرط، أو جملة الجواب، أو هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّكُمُ الضُّرُّ:﴾ ماض، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها على المشهور المرجوح. الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. إليه: متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَجْئَرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها، وإذا ومدخولها كلام معطوف على الجملة الاسمية لا محل له مثلها.\n\n<span id=\"aya-1955\"></span>﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ أي: ما تقدّم من المرض، ونحوه. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: طائفة منكم يضيفون كشف الضر إلى العوائد، والأسباب، ولا يضيفونه إلى الله تعالى، فهذا من جملة شركهم، وجحودهم فضل الله عليهم، وهذا بعد دعائهم، وتضرعهم إلى الله، ﷿. وهذا المعنى مكرر في القرآن، وقد تقدم في (الأنعام) الآية رقم [٦٣] وفي سورة (يونس) الآية رقم [١٢] وغير ذلك كثير. هذا؛ و(الفريق) الطائفة من الناس، و(الفريق): أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ك: «رهط ومعشر» ... إلخ.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية السابقة. (كشف): ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الضُّرَّ:﴾ مفعول به. ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿إِذا:﴾ فجائية. وانظر الآية رقم [٤].\n ﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما.\n ﴿يُشْرِكُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَرِيقٌ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وهذا على اعتبار (إذا) الفجائية ظرفا، والجملة الاسمية جواب إذا الشرطية وإذا الفجائية واقعة في جواب ﴿إِذا﴾ الشرطية كما إذا وقعت الفاء في جوابها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على مثله في الآية السابقة لا محل له مثله، وفي الآية دليل على أن «إذا» الشرطية لا تكون معمولة لجوابها؛ لأن ما بعد «إذا» الفجائية لا يعمل فيما قبلها. هذا؛ واعتبر أبو البقاء؛ ﴿إِذا﴾ الثانية شرطية، وهو سهو منه. تأمل.\n<span id=\"aya-1956\"></span>﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ أي: أشركوا بالله؛ ليجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر، والبلاء. ﴿فَتَمَتَّعُوا:﴾ لفظه أمر، ومعناه: التهديد، والوعيد، والمعنى:","vol":"5","page":205},{"text":"فاسرحوا في هذه الدنيا، وامرحوا إلى انتهاء آجالكم. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ تهديد بعد تهديد، والمراد تغليظ الوعيد، وقرئ الفعل بالياء. هذا؛ وانظر الكفر في الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف) ﵇. وانظر «التمتع» في الآية رقم [٣٠] من سورة (إبراهيم) ﵇، ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.\nالإعراب: ﴿لِيَكْفُرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: لام العاقبة، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُشْرِكُونَ﴾ على اعتبار اللام للتعليل، ومتعلقان بفعل محذوف على اعتبار اللام للعاقبة، التقدير: آل أمرهم للكفر. وقيل: اللام لام الأمر، فالفعل مجزوم، لا منصوب، فتكون الجملة مستأنفة، لا محل لها، ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء آتيناهموه. ﴿فَتَمَتَّعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (تمتعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فقل لهم يا محمد: تمتعوا. وهذه الجملة لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير، وإذا كان هذا حالهم، وعملهم؛ فقل لهم: تمتعوا. هذا؛ ويقرأ الفعل «(فتمتّعوا)» بالبناء للمجهول والماضي، عطفا على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ وهذا على اعتبار اللام للأمر.\n ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله والمفعول محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\nتنبيه: هذه الآية متفقة في المعنى والإعراب بل وبالحروف أيضا مع الآية رقم [٦٦] من سورة (العنكبوت) ومع الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم)، وقد أطلت الكلام على الآيتين المذكورتين، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1957\"></span>﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ:﴾ هذا نوع آخر من جهالة كفار قريش، ومن على شاكلتهم من العرب، وهو أنهم كانوا يجعلون للأصنام التي لا تضر، ولا تنفع قسما كبيرا من زروعهم، وثمارهم، ومواشيهم يتقربون به إليها، والواو في: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ عائدة على المشركين. وقيل: عائدة للأوثان، وجمع بواو الجماعة، إجراء له مجرى من يعقل. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠] وانظر الإعراب يتضح لك المعنى، وهذا الجعل للأصنام بيّنه ربنا أحسن بيان في سورة (الأنعام) الآية رقم [١٣٦] وما بعدها.","vol":"5","page":206},{"text":"﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ:﴾ أقسم الله بنفسه على نفسه: أنه يسألهم يوم القيامة عما كانوا يكذبون في الدنيا من قولهم: إن هذه الحجارة آلهة، وإن لها نصيبا من أموالهم، وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٢٢]، وانظر سؤال الكافرين في الآية رقم [٩٢ و٩٣] من سورة (الحجر).\nالإعراب: ﴿وَيَجْعَلُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يجعلون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة والمصدرية. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد واو الجماعة، التقدير:\nويجعلون لآلهتهم التي لا علم لها؛ لأنها جماد، أو التقدير: التي لا يعلمونها، فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم، وتشفع لهم، فيكون العائد محذوفا، وتكون الواو عائدة على المشركين، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، ويكون التقدير: يجعلون لعدم علمهم. ﴿نَصِيبًا:﴾ مفعول (يجعلون). ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿نَصِيبًا،﴾ و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء رزقناهم إياه، ويجوز اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: نصيبا كائنا من رزقنا لهم، وجملة: ﴿وَيَجْعَلُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، قال الجمل: لعله عطف على ما سبق بحسب المعنى؛ أي: يفعلون ما يفعلون من الجؤار إلى الله تعالى عند مسّ الضرّ، ومن الإشراك به عند كشفه، ويجعلون... إلخ. ﴿تَاللهِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. ﴿لَتُسْئَلُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (تسألن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ وإعراب:\n ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الآية رقم [٢٨] بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-1958\"></span>﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ:﴾ المراد: قبيلة خزاعة وكنانة، فإنّهم قالوا: الملائكة بنات الله، وإنما أطلقوا لفظ البنات على الملائكة لاستتارهم عن العيون كالنساء التي تحتجب عن أعين الناظرين، أو لدخول التاء المربوطة التي هي علامة التأنيث على لفظ الملائكة. ﴿سُبْحانَهُ:﴾\nنزه الله نفسه عن الولد، والبنات. وانظر الآية رقم [١] فالبحث فيها جيد. ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ أي: ويجعلون لأنفسهم البنين الذكور ويأنفون من البنات، فيخصون أنفسهم بالأفضل، قال","vol":"5","page":207},{"text":"تعالى في سورة (الصافات) موبخا، ومؤنبا لهم: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٩] وما بعدها. وانظر الإسراء رقم [٤٠].\nالإعراب: (يجعلون): مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الْبَناتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وعليه فالجملة القسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف معترضة لا محل لها.\n ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ولهم الذي، أو شيء يشتهونه، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير، أو هي معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، وعليهما فالجملة التنزيهية معترضة لا محل لها.\nهذا ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ معطوفة على ﴿الْبَناتِ،﴾ فيكون الجار والمجرور (لهم) متعلقين بالفعل بعدهما، وهما في محل نصب مفعول به على أن (يجعلون) بمعنى: يختارون، وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف، مع أنه مقرر في القواعد النحوية: أن اتحاد الفاعل والمفعول لا يجوز في غير باب «ظنّ» وأخواتها، وما ألحق بها من فقد، وعدم، سواء تعدّى الفعل إلى ضميره بنفسه، أو بحرف الجر، فلا يجوز: أن زيد ضربه؛ أي: ضرب نفسه، ولا زيد مرّ به؛ أي: مرّ بنفسه، ويجوز زيد ظنه قائما، وزيد فقده، وعدمه؛ أي: ظن نفسه قائما، وفقد نفسه، وعدمها. انتهى. جمل وبيضاوي بتصرف كبير مني، وأجاز ابن هشام في المغني عطف (لهم) على ﴿لِلّهِ،﴾ وقدّر الكلام:\nولأنفسهم ما يشتهون.\n\n<span id=\"aya-1959\"></span>﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى:﴾ البشارة: عبارة عن الخبر السار الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولمّا كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن والغم يظهر أثره على الوجه، وهو الكمودة التي تعلو الوجه عند حصول الغم والحزن، فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، فصح قوله تعالى: ﴿وَإِذا﴾","vol":"5","page":208},{"text":"﴿بُشِّرَ..﴾. إلخ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: صار وجهه، ودام النهار كله مسودا من الكآبة، والحياء من الناس، والمقت الذي حصل له من تلك البشارة. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ:﴾\nمملوء غيظا، وحزنا. وانظر زيادة على ذلك في الآية رقم [٨٤] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه أعظم صلاة، وأزكى سلام. وانظر شرح: ﴿أَحَدُهُمْ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (هود) ﵇. وانظر شرح (ظلوا) في الآية رقم [١٤] من سورة (الحجر).\nالإعراب: (إذا): انظر الآية رقم [٥٣] ﴿بُشِّرَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿أَحَدُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْأُنْثى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿ظَلَّ:﴾ ماض ناقص. ﴿وَجْهُهُ:﴾ اسم ﴿ظَلَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿مُسْوَدًّا:﴾ خبر ظل، وجملة: ﴿ظَلَّ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وقال الجمل: الجملة حال من الواو في يجعلون، وينقصه أن إذا للاستقبال، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-1960\"></span>﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ:﴾ يستخفي منهم، وذلك: أن العرب كانوا في الجاهلية إذا قربت ولادة زوجة أحدهم؛ توارى من القوم إلى أن يعلم ما ولد له، فإن كان ولدا؛ ابتهج، وسرّ بذلك، وظهر، وإن كانت أنثى؛ حزن، ولم يظهر أياما؛ حتّى يفكر ما يصنع بها.\n ﴿مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ:﴾ يختفي من قبح الذي بشر به، وهو ولادة الأنثى. ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ:﴾ على هوان وذلة، وذكّر الضمير؛ لأنه عائد إلى ما بشر به في قوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ ومعنى إمساكه: إبقاؤه حيا. ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ:﴾ يخفي الذي بشر به في التراب، والدّسّ: إخفاء الشيء في الشيء. ﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس ما يصنعون ويقضون حيث جعلوا لله ما يكرهون، ويجعلون لأنفسهم ما يحبون، قال تعالى في سورة (النجم) موبخا لهم:\n ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أي: جائرة، وكاذبة.\nتنبيه: قال أهل التفسير: إنّ مضر، وخزاعة، وتميما كانوا يدفنون البنات أحياء، والسبب في ذلك: إما خوف الفقر، وكثرة العيال، ولزوم النفقة، أو الحميّة. فيخافون عليهن من الأسر، ونحوه، أو طمع غير الأكفاء فيهنّ حتى نتج عن ذلك نقص في الإناث في بعض القبائل. ولذا","vol":"5","page":209},{"text":"اضطر الواحد منهم إلى الزواج من قبيلة أخرى بمهر كبير جدا؛ فكان الرجل منهم في الجاهلية؛ إذا ولدت له بنت، وأراد أن يستحييها؛ تركها حتى إذا كبرت ألبسها جبّة من صوف، أو شعر، وجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها؛ تركها حتى إذا صارت سداسيّة، قال لأمّها زيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، ويكون قد حفر لها حفرة في الصحراء، فإذا بلغ بها تلك الحفرة، قال لها: انظري إلى هذه البئر، فإذا نظرت إليها دفعها من خلفها في تلك البئر، ثم يهيل عليها التراب، وكان صعصعة بن ناجية عم الفرزدق الشاعر؛ إذا أحس بشيء من ذلك؛ وجه إلى والد البنت إبلا يستحييها بذلك، فقال الفرزدق يفتخر بذلك: [المتقارب]\nوعمّي الّذي منع الوائدات... وأحيا الوئيد فلم يوأد\nوجملة القول: أن العرب جميعا كانوا في الجاهلية يكرهون البنات، ويتبرمون من الأخوات، ويحزنون عند ولادة الأنثى، ويعاملونها معاملة لا ترضي المولى، وخطب إلى عقيل بن علّفة ابنته الجرباء، فقال: [الرجز]\nإني وإن سيق إليّ المهر... ألف وعبدان وخور عشر\nأحبّ أصهاري إليّ القبر\nالخور: جمع: خوارة، وهي الناقة الغزيرة اللّبن. وقال عبد الله بن طاهر: [الطويل]\nلكلّ أبي بنت يراعي شئونها... ثلاثة أصهار إذا حمد الصّهر\nفبعل يداريها، وخدر يكنّها... وقبر يواريها وخيرهم القبر\nفلما جاء الإسلام؛ دفع عن البنت هذا الاستهتار، وحماها من الاضطهاد، ورفع لها الشأن، والعماد، ومنحها من الحقوق والواجبات ما لم تحلم به أنثى في ديانة من الديانات، فحرّم وأدها، وملكها ميراثها، وأعطاها حق الإعراب عن رأيها، وجعلها مسئولة أمام الله عن عملها، تثاب على عمل الخير، وتعاقب على عمل الشر، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الآية رقم [٩٧] الآتية.\nبل ذهب الإسلام في رعاية البنت مذهبا فريدا، وسلك في كفالة الأخت مسلكا عظيما؛ حيث جعل لمن أنفق عليهنّ، وقام بتربيتهن، وصبر على رعايتهن حتى يمتن، أو يتزوجن ثواب المجاهدين الصادقين وأجر الصائمين القائمين، فعن أبي سعيد الخدري﵁-، قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهنّ، واتّقى الله فيهنّ فله الجنة». رواه الترمذي. وعن ابن عباس﵄قال:","vol":"5","page":210},{"text":"قال رسول الله ﷺ: «من كانت له أنثى، فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده الذكور عليها أدخله الله الجنّة». رواه أبو داود.\nوعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «من كنّ له ثلاث بنات، فصبر على لأوائهنّ، وضرّائهنّ، وسرّائهنّ؛ أدخله الله الجنة برحمته إيّاهنّ». فقال رجل: واثنتان يا رسول الله؟! قال: «واثنتان». قال رجل: يا رسول الله! وواحدة؟ قال: «وواحدة». رواه الحاكم، وهذا قليل من كثير، أوصى به النبي الكريم عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.\nخاتمة: لا تزال آثار الجاهلية فاشية في كثير من بيوت المسلمين، فهناك رجال مسلمون يكرهون ذرية البنات، هؤلاء الذين يكرهون ولادة البنت، كما غفلوا كل الغفلة عن الرضا بقضاء الله وقدره، وعن الحكمة الإلهية التي تتجلى في قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا﴾ بلغ بأعداء الأنثى ولو كانت من بناتهم أنهم يؤثرون أخاها بما يملكون، ويحرمونها ممّا يتركون عن طريق تسجيل أملاكهم إلى الذكور خاصة.\nما أتعسه، وما أشد عذابه! كيف لم يجد من الأعمال التي يختم بها حياته إلا أن يظلم ابنته؟! وما ذنبها في أنها خلقت أنثى؟ وما أحقها برحمته وعطفه إن كان ممّن لهم ضمير يؤنب، أو دين يرشد! وما هي إلا خطوة واحدة إلى الدار الآخرة حتى يرى سوء ما عمل من هذا التفريق بين الأولاد، وحتى يرى من صنوف البلاء، وحتى يقول: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾. وخذ ما يلي إن كنت ممّن يعقلون.\nعن النعمان بن بشير﵄-: أن أمه عمرة بنت رواحة سألت زوجها بعض الموهبة من ماله لابنها النعمان، فلما أجابها قالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ على ما وهبت لابني، فأتى رسول الله ﷺ، وقال: يا رسول الله! إن ابنة رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها. فقال رسول الله ﷺ: «أكلّ ولدك نحلت مثله؟ قال: لا، قال: إذا لا أشهد على جور! اتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم».\nفلم يكن بشير، ولا زوجته يتوقعان: أن الرسول سينكر عملهما، وظنّ بشير: أنه مالك يتصرف في ماله كيف شاء، ولكن النبي ﷺ بيّن: أنه لا يجوز له أن يحابي بعض ولده بشيء من ماله؛ لأن ذلك يزرع الضغينة في قلوبهم، ويورث العداوة في أعقابهم. وقد شاهدنا ذلك في واقعنا، وحاضرنا نحن معشر المسلمين.\nالإعراب: ﴿يَتَوارى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُمْ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿كَظِيمٌ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، وساغ ذلك لاختلاف معنى الحرفين، فإن الأول: للابتداء، والثاني: للعلة. و﴿سُوءِ﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ اسم","vol":"5","page":211},{"text":"موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿بُشِّرَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُمْ﴾ أيضا. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل بشر، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ لا محل لها. ﴿أَيُمْسِكُهُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (يمسكه): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُمْ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَلى هُونٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير، ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَدُسُّهُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه، والهاء مفعول به.\n ﴿فِي التُّرابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملتان ﴿أَيُمْسِكُهُ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به لمحذوف واقع حالا من فاعل يتوارى، وتقدير الكلام: يتوارى ناظرا، أو متفكرا: أيمسكه على هون... إلخ. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وإعراب ﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مثل إعراب:\n ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ في الآية رقم [٢٥] بلا فارق بينهما، والجملة مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1961\"></span>﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ:﴾ صفة السوء، وهي الحاجة إلى الولد الذكر، وكراهتهم الإناث، ووأدهن؛ خشية الفقر والجوع. ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي: الصفة العليا المقدسة، وهي الوجوب الذاتي، والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، وأنّ له جميع صفات الجلال، والكمال من العلم، والقدرة، والبقاء السرمدي، وغير ذلك من الصفات التي وصف الله بها نفسه. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ القوي الغالب، الممتنع في كبريائه، وجلاله، وعظمته. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في جميع أفعاله، وتصرفاته.\nهذا والسوء بضم السين بمعنى: المكروه والشر والبلاء والضرر، وهي بفتح السين بمعنى:\nالفساد والرداءة. وانظر الآية رقم [٦] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nتنبيه: لقد أضاف الله ﷿ المثل هنا إلى نفسه، وقد قال في الآية رقم [٧٤] الآتية:\n ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ..﴾. إلخ والجواب: أن المنهي عنه ضرب الأمثال التي توجب الأشباه، والنقائص، والمثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له، ولا نظير، جلّ، وتعالى عمّا يقول الظالمون، والجاحدون علوا كبيرا. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿مَثَلُ:﴾ مضاف، و﴿السَّوْءِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَثَلُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة المثل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.","vol":"5","page":212},{"text":"<span id=\"aya-1962\"></span>﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بكفرهم، ومعاصيهم، وافترائهم عليه المفتريات، فيعاجلهم بالعقوبة، والهلاك. ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: على الأرض، فالضمير يعود إلى غير مذكور، لكن دل عليه لفظ «الدابة» فإن «الدابة» لا تدب إلا على الأرض، والمعنى المراد من ﴿دَابَّةٍ﴾ كافرة. وقيل: المعنى: أنه لو أهلك الآباء بكفرهم؛ لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء، فلم يبق على وجه الأرض أحد. هذا؛ وقد قال الله في آخر سورة (فاطر): ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ،﴾ وانظر الآية رقم [٥٨] من سورة (الكهف). ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: يمهلهم كرما، وفضلا، وحلما. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ هو وقت انتهاء آجالهم، وانقضاء أعمارهم.\n ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ:﴾ يعني: إذا حل وقت عذابهم، وهلاكهم. ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ:﴾ يعني: فلا يمهلون، ولا يؤخّرون قدر ساعة، ولا أقل من ساعة، فالسين زائدة بالفعلين كما هو واضح، وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف، وهذا يرد عليهم حين سألوا نزول العذاب، فأخبرهم الله تعالى: أن لهم وقتا، فإذا جاء ذلك الوقت، وهو وقت إهلاكهم؛ فلا يؤخرون عنه، ولا يقدمون. هذا؛ ويمكن أن يراد به أجل الموت لكل إنسان. هذا؛ وكثيرا ما يطلق اسم الساعة على القيامة، وإطلاقها على القيامة؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة، لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك. ولا تنس: أن ساعة كل إنسان، وقيامته، وقت مقدّمات الموت، وما فيه من أهوال؛ ولذا قال النبي ﷺ: «من مات؛ فقد قامت قيامته». وينبغي أن تعلم أن قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ..﴾. إلخ قد ذكر بحروفه في الأعراف رقم [٣٤]، وذكر بحروفه في سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام برقم [٤٩]، ولم يقترن جواب (إذا) بالفاء في الأعراف وفي هذه السورة؛ لتقدم الفاء عليها، واقترن جوابها بالفاء في سورة (يونس) لعدم تقدم الفاء عليها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: في الآية الكريمة بيان: أن الله لو عاجل المذنبين بالعقاب؛ لأهلكهم، وأهلك الناس جميعا معهم، قال عبد الله بن مسعود﵁وقرأ هذه الآية: لو آخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين؛ لأصاب العذاب جميع الخلائق حتى الجعلان في جحرها، ولأمسك الأمطار من السماء، والنبات من الأرض، فمات الدواب، ولكن الله يأخذ بالعفو، والفضل، كما قال:\n ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (الشورى)، فإن قيل: كيف يعم بالهلاك مع","vol":"5","page":213},{"text":"أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟! قيل: يجعل هلاك الظالم انتقاما، وجزاء، وهلاك المؤمن معوّضا بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابا؛ أصاب العذاب من كان فيهم، ثمّ بعثوا على نيّاتهم». انتهى. قرطبي. ولا تنس: ما قالت زينب﵂يا رسول الله! أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦] من سورة (الرعد)، والآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿يُؤاخِذُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعوله. ﴿بِظُلْمِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يُؤاخِذُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تَرَكَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الله، ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿دَابَّةٍ..﴾. إلخ.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿ما تَرَكَ..﴾. إلخ جواب لو، لا محل لها، ولو ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن):\nحرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿يُؤَخِّرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وإعلاله مثل إعلال (هدى) في الآية رقم [١١١] من سورة (يوسف) ﵇، وجملة: ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب لو، لا محل لها مثله. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥٣]. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿أَجَلُهُمْ:﴾ فاعل والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَأْخِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ساعَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، ومتعلقه محذوف لدلالة الأول عليه، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، و(إذا) ومدخولها كلام مفرع عمّا قبله لا محل له؛ لأنه مستأنف.\n\n<span id=\"aya-1963\"></span>﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ أي: يجعل مشركو العرب لله ما يكرهون لأنفسهم من البنات، وأراذل الأموال، ويجعلون لأنفسهم ما يحبون من البنين، وكرائم الأموال. ﴿وَتَصِفُ﴾","vol":"5","page":214},{"text":"أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى أي: ويدعون كذبا، وافتراء: أن لهم الجزاء الحسن، والعاقبة المحمودة عند الله تعالى، كقول بعضهم: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ وهذا على فرض وجود البعث في زعمه. هذا؛ وقرئ «(الكذب)» بضم الكاف والذال والباء جمع: كذوب، مثل: رسول ورسل، وصبور وصبر، وشكور وشكر، وانظر رقم [١١٦] ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ:﴾ رد لما يدعونه، وإثبات لضده، وعكسه. ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ:﴾ مقدّمون إلى النار، والفارط: هو الذي يتقدم إلى الماء، ومنه قول النبي ﷺ: «وأنا فرطكم على الحوض». وقال القطامي: [البسيط]\nفاستعجلونا وكانوا من صحابتنا... كما تعجّل فرّاط لورّاد\nوالفرّاط: المتقدمون في طلب الماء، والورّاد المتأخرون. هذا؛ ويقرأ: «(مفرطون)» بكسر الراء وتخفيفها، ومعناه مسرفون في الذنوب والمعاصي، كما قرئ بتشديد الراء مفتوحة من فرطته في طلب الماء، وبتشديدها مكسورة؛ أي: مضيعون أمر الله، فيكون للمبالغة، وانظر الآية رقم [٤٥] من سورة (طه) ففيها مزيد فائدة. وانظر شرح «اللسان» في الآية رقم [٤] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nالإعراب: ﴿وَيَجْعَلُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يجعلون): مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا يكرهونه، والجملة الفعلية: ﴿وَيَجْعَلُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وعطفها على ما قبلها غير مستبعد. (تصف): مضارع. ﴿أَلْسِنَتُهُمُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها وخبرها في محل نصب بدل من ﴿الْكَذِبَ﴾ بدل كل من كل، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nبأن... إلخ والمعتمد الأول. هذا؛ وعلى القراءة الثانية ف: ﴿الْكَذِبَ﴾ صفة لما قبله، ويكون المصدر المؤول في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَتَصِفُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ انظر الآية رقم [٢٣] ففيها الكفاية. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُفْرَطُونَ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول قبله على جميع الاعتبارات فيه.\n\n<span id=\"aya-1964\"></span>﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: المعنى: كما أرسلناك إلى هذه الأمة؛ لقد أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك، فكان شأنهم مع رسلهم التكذيب. ففيه تعزية، وتسلية للنبي ﷺ. ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ﴾","vol":"5","page":215},{"text":"الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي: الخبيثة من الكفر والتكذيب، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله.\nوالمزين في الحقيقة هو الله تعالى، هذا مذهب أهل السنّة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل، أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته؛ سلطه عليه حتى يقبل وسوسته. ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ:﴾ ناصرهم في الدنيا، وعبر باليوم عن زمانها، أو فهو وليهم حين كان يزين لهم، أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية، أو آتية. هذا؛ والولي: القرين، والصاحب، وهو أيضا الذي يتولى شئون غيره. والنصير المعين، والمساعد، والفرق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ الآية رقم [٤] من سورة (النمل): فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسنده إلى الشيطان في قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله ﷿ مجاز، وله طريقان في علم البيان: أحدهما أنه من المجاز الذي يسمى استعارة. والثاني: أن يكون من المجاز الحكمي، فالطريق الأول:\nأنه لما متعهم بطول العمر، وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم، وإيثارهم الراحة والترفّه، ونفارهم عمّا يلزمهم فيه من التكاليف الصعبة، والمشاق المتعبة؛ فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإليه أشارت الملائكة-صلوات الله وسلامه عليهم-في قولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾.\nوالطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان، وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها، زينها لهم فعمهوا عنها وضلّوا. ويعزى إلى الحسن. انتهى. كشاف. وهذا مبني على مذهبه في الاعتزال، وأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية.\nالإعراب: ﴿تَاللهِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ ماض، وفاعله، ﴿إِلى أُمَمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة أمم، والكاف في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، تقديره: رسلا، والجملة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَزَيَّنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (زين):\nماض. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَزَيَّنَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثلها.\n ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.","vol":"5","page":216},{"text":"﴿وَلِيُّهُمُ:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (ولي)، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محل لها مثلها. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية معطوفة أيضا، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1965\"></span>﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي: القرآن. ﴿إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في أمر الدين، والأحكام، فتبين الهدى من الضلال، والحق من الباطل، والحلال من الحرام، وأحوال المعاد، وأحكام الأفعال. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ أي: رشد وبيان، وهداية من الضلالة، ونعمة شاملة لمن قرأ القرآن، وانتفع به. وانظر إعلال: (هدى) في الآية رقم [١١١] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ خصهم بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالقرآن، والعاملون بتعاليمه، والمهتدون بهديه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٤]، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ ماض، و(نا) فاعله، ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِتُبَيِّنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويقال: متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ أي:\nما أنزلنا عليك الكتاب في حال من الأحوال إلا في حال التبيين. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً:﴾ مفعولان لأجله، وهما في المعنى معطوفان على محل ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ أي: للتبيين، وللهدى، وللرحمة. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم).\n<span id=\"aya-1966\"></span>﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر الآية رقم [١٠] ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ﴾ أي: بالنبات والزروع بسبب هطول المطر عليها. ﴿بَعْدَ مَوْتِها:﴾ بعد يبسها وجدبها. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً:﴾ دلالة واضحة على قدرة الله، ودلالة أيضا على بعث الناس من قبورهم بعد فنائهم. ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾","vol":"5","page":217},{"text":"أي: سماع إنصاف، وتدبر، وتفكر؛ لأن سماع القلوب هو النافع لاسماع الآذان، فمن سمع آيات القرآن بقلبه، وتدبرها، وتفكر فيها؛ انتفع، ومن لم يسمع بقلبه؛ لم ينتفع بالآيات ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.\nهذا و«يسمعون» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات، تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات تعدى إلى اثنين، والثاني منهما: جملة فعلية، مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا، وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا. وانظر شرح: ﴿لِقَوْمٍ﴾ في الآية رقم [٣١].\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله)، وهو العائد. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n (أحيا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف حال من ﴿الْأَرْضَ﴾ و﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و﴿مَوْتِها:﴾ مضاف إليه، و(ها) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَحْيا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِقَوْمٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة (آية)، وجملة: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1967\"></span>﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ أي: في خلق الأنعام، والتفكر فيها لدلالة على قدرة الله تعالى. وانظر شرح ﴿الْأَنْعامِ﴾ في الآية رقم [٥]. ﴿نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ:﴾ الضمير يعود إلى (الأنعام) وإنما ذكّره، ووحّده هنا مراعاة للفظه، وأنثه في الآية رقم [٥] وفي سورة (المؤمنون) الآية رقم [٢١] للمعنى، فإن الأنعام اسم جمع؛ ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على «أفعال» كأخلاق، وكقولهم: ثوب أكياش. ومن قال: إنه جمع «نعم» جعل الضمير للبعض، فإن اللبن لبعضها، دون جميعها، أو لواحده، أو له على المعنى، فإن المراد به الجنس. هذا؛ ويقرأ","vol":"5","page":218},{"text":"الفعل بضم النون وفتحها، فالأول: من الرباعي، والثاني: من الثلاثي، وقرئ شاذّا بالتاء، والياء. وانظر شرح: (يسقي) في الآية رقم [٤١] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. وانظر شرح دم في الآية رقم [١٨] منها.\n ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا:﴾ فإنه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهي الأشياء المأكولة، المنهضمة بعض الانهضام في الكرش، فعن ابن عباس﵄-: إن البهيمة إذا اعتلفت، وانطبخ العلف في كرشها؛ كان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما، والكبد مسلط على هذه الأصناف، فتقسم الدم، وتميزه، وتجريه في العروق، وتجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو في الكرش: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾.\nولعله إن صح؛ فالمراد: أن أوسطه يكوّن مادة اللبن، وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن؛ لأنهما لا يتكونان في الكرش، بل الكبد يجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش، ويبقى ثفله، وهو الفرث، ثم يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا، فيحدث أخلاط أربعة: معها مائية، فتميز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من المرتين، وتدفعها إلى الكلية، والمرارة، والطحال، ثم يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها، فيجري إلى كلّ حقّه على ما يليق به بتقدير العليم الحكيم، ثم إن كان الحيوان أنثى؛ زاد أخلاطها على قدر غذائها، لاستيلاء البرودة، والرطوبة على مزاجها، فيندفع الزائد أولا إلى الرحم لأجل الجنين، فإذا انفصل؛ انصب ذلك الزائد، أو بعضه إلى الضروع، فيبيض بمجاورة لحومها الغددية البيض، فيصير لبنا.\nومن تدبّر صنع الله تعالى، في إحداث الأخلاط، والألبان، وإعداد مقارّها ومجاريها، والأسباب المولدة لها، والقوى المتصرفة فيها كلّ وقت على ما يليق به؛ اضطر إلى الإقرار بكمال حكمته، وتناهي رحمته. انتهى. بيضاوي.\n ﴿خالِصًا﴾ أي: من حمرة الدم، وقذارة الفرث، وقد جمعهما وعاء واحد، أو هو مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه. وقيل: معناه خالصا بياضه. ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ:﴾ سهل المرور في حلوق شاربيه، ولذيذا هينا، لا يغص به من شربه. وقيل: إنه لم يشرق أحد باللبن.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْأَنْعامِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (عبرة): اسم (إنّ) مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿نُسْقِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي بُطُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من","vol":"5","page":219},{"text":"﴿لَبَنًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و﴿بَيْنِ:﴾ مضاف، و﴿فَرْثٍ:﴾ مضاف إليه. (دم): معطوف على ما قبله. ﴿لَبَنًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿خالِصًا:﴾ صفة له. ﴿سائِغًا:﴾ صفة ثانية. ﴿لِلشّارِبِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿سائِغًا﴾ مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿نُسْقِيكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب المجرورة محلا باللام، أو من ﴿الْأَنْعامِ﴾ والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين، أو هي مستأنفة، لا محل لها. وقيل: مفسرة ل: (عبرة).\n\n<span id=\"aya-1968\"></span>﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ﴾ أي: ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل، والأعناب. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: تتخذون من ثمرات النخيل والأعناب خمرا يسكر، ورزقا حسنا: أي: كالتمر، والزبيب، والخل، والدبس. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يستعملون عقولهم، ويتأملون فيما خلق الله في هذا الكون الفسيح الأرجاء. وانظر شرح: ﴿لِقَوْمٍ﴾ في الآية رقم [١٣].\nتنبيه: لقد كثر الكلام في هذه الآية، واضطربت كلمة العلماء فيها اضطرابا كثيرا، وأرجح أنّ الآية نزلت في معرض الامتنان، وهي منسوخة بما نزل بعدها من آيات بشأن الخمر، والسبب في ذلك أنها مكية بلا خلاف، وما نزل بعدها بشأن الخمر كله مدني، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١٩] من سورة (البقرة)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ:﴾ في تعليق الجار والمجرور أربعة أوجه: أحدها: أنهما متعلقان بمحذوف، تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل، والأعناب؛ أي: من عصيرها، وحذف لدلالة ما قبله عليه، الثاني: كونهما متعلقين بالفعل بعدهما، ومنه تكرير للظرف، وتوكيد له، وقد اختلف في مرجع الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ على أقوال كثيرة. الثالث: أنهما معطوفان على قوله:\n ﴿فِي الْأَنْعامِ﴾ الرابع: أنهما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ومن ثمرات النخيل، والأعناب ثمر. انتهى. جمل باختصار كبير. هذا؛ وعلقهما أبو البقاء بفعل محذوف، تقديره: وخلق لكم، أو وجعل، و﴿ثَمَراتِ:﴾ مضاف، و﴿النَّخِيلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَعْنابِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿تَتَّخِذُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿سَكَرًا﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. ﴿سَكَرًا:﴾ مفعول به.\n ﴿وَرِزْقًا:﴾ معطوف على سكرا. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿تَتَّخِذُونَ..﴾. إلخ مستأنفة على","vol":"5","page":220},{"text":"اعتبار الجار والمجرور متعلقين بفعل محذوف، أو على تعليقهما بالفعل نفسه، وصفة للمبتدإ المقدر على وجه رأيته، وصفة لمفعول محذوف على قول أبي البقاء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٦٥].\n\n<span id=\"aya-1969\"></span>﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾\nالشرح: لمّا ذكر الله جلت قدرته عجائب صنعته الدالة على وحدانيته، من: إخراجه اللبن، من بين فرث ودم، وإخراج السكر، والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب؛ ذكر في هذه الآية، ولاحقتها إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس من دابة ضعيفة، هي النحلة. والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ، وهو يعم كل فرد من الناس، ممن له عقل يستدل به على كمال قدرة الله، ووحدانيته. وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه مثل: موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا؛ حيث تبني بيوتها على شكل هندسيّ يعجز عنه العقل البشري، ولها تنظيم في حياتها يدهش الألباب، ومن اقتنى النحل، ولاحظ تصرفاته؛ أدرك: أن ذلك من تدبير العليم الحكيم، ولما امتاز هذا الحيوان الضعيف بهذه الخواص العجيبة، الدالة على مزيد الذكاء والفطنة، دلّ ذلك على الإلهام الإلهي، فكان ذلك شبيها بالوحي، فلذا قال جل ذكره: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ..﴾. إلخ. انتهى. خازن بتصرف كبير.\nقال الزجاج: يجوز أن يقال: سمي هذا الحيوان نحلا؛ لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، بمعنى: أعطاهم إياه. وقال غيره: النحل يذكر، ويؤنث، وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز، وكذا أنثها الله تعالى، وكذا يؤنث كل جمع جنس ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، مثل تمر وتمرة، ونعم ونعمة ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ..﴾. إلخ: وذلك أن النحل منه وحشي، وهو الذي يسكن الجبال والشجر، ويأوي إلى الكهوف، ومنه أهلي، وهو الذي يأوي إلى البيوت، ويربيه الناس عندهم، وقد جرت العادة أن الناس يبنون للنحل الأماكن التي تأوي إليها، ولا سيما في هذا العصر حيث يربى النحل تربية فنية، وذلك للمنافع التي تستفاد منه، بعد هذا يقرأ ﴿النَّحْلِ﴾ بسكون الحاء، وفتحها، ويقرأ ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بكسر الراء وضمها.\nولا تنس: أنه قد ورد النهي عن قتل النحل، فعن ابن عباس﵄قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: «الهدهد، والصّرد، والنّملة، والنّحلة». أخرجه أبو داود، وهذا إذا لم يكن واحد منهن مؤذيا، وإلا فقتل المؤذي حلال، كما سأذكره في سورة (النّمل) إن شاء الله تعالى.","vol":"5","page":221},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَوْحى:﴾ الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (أوحى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَى النَّحْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اِتَّخِذِي:﴾ أمر مبني على حذف النون، والياء فاعله. وانظر إعراب: (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿مِنَ الْجِبالِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من بيوتا كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٦٦] ﴿بُيُوتًا:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿اِتَّخِذِي..﴾. إلخ مفسرة لا محل لها. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن، والجار والمجرور متعلقان بالفعل، أوحى، وهذه الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وحذف مثل ﴿بُيُوتًا،﴾ اكتفاء به. (مما): معطوفان أيضا على ما قبلهما. و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء يعرشونه.\n\n<span id=\"aya-1970\"></span>﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ:﴾ من كل ثمرة تشتهيها، والمراد: زهور الأشجار على اختلاف أنواعها. ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ أي: الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها، وتدخلي فيها لأجل طلب الأشجار والنباتات التي تأكلين منها. ﴿ذُلُلًا:﴾ جمع ذلول، وهو المنقاد الخاضع لما يراد منه، والمراد: السبل، بمعنى: أنها مسهلة لك، لا يتوعر عليك مكان تسلكينه، أو المراد: هي مذللة؛ أي: مسخرة مطيعة لمن يملكها، لا تستعصي عليه.\n ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ:﴾ المراد به: العسل ما بين أبيض، وأحمر، وأصفر، وغير ذلك على حسب ما تأكل من النباتات، والأزهار، والورود وهو يختلف حسب فصول السنة. وقيل: يختلف باختلاف سنها، ثم يستحيل في بطونها عسلا بقدرة الله تعالى، ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب. ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ:﴾ إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره كما في سائر الأمراض؛ إذ قلما يكون دواء معجون، إلا والعسل داخل فيه، قال ابن مسعود﵁-: العسل شفاء من كلّ داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. وفي رواية عنه: عليكم بالشفاءين: القرآن، والعسل. وروى نافع أن ابن عمر﵄-، ما كانت تخرج به قرحة، ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل، ويقرأ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾.","vol":"5","page":222},{"text":"فعن أبي سعيد الخدري﵁قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ: فقال: إنّ أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله ﷺ: «اسقه عسلا». فسقاه، ثمّ جاءه، فقال: إني سقيته عسلا، فلم يزده إلاّ استطلاقا، فقال له ثلاث مرات، ثمّ جاء الرابعة، فقال: «اسقه عسلا». فقال: لقد سقيته، فلم يزده إلاّ استطلاقا! فقال ﵊: «صدق الله، وكذب بطن أخيك».\nفسقاه فبرأ. متفق عليه.\nهذا؛ وقال مجاهد: المراد: القرآن؛ لأنه شفاء من أمراض الشرك، والجهالة، والضلالة، وهو هدى للناس، ورحمة. والقول الأول أصح لأن الضمير يجب أن يعود إلى أقرب مذكور، وهو ﴿شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ﴾ هذا؛ ومن بدع الروافض أن المراد بالنحل عليّ وبنوه﵃ أجمعين-، وعن بعضهم أن رجلا قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم، فقال بعض من حضر: جعل الله طعامك مما يخرج من بطونهم، فضحك المهدي، وحدّث به المنصور، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم. انتهى. نسفي.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيعتبرون، فإنّ من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة، والأفعال العجيبة حق التدبر؛ علم قطعا: أنه لا بد من قادر حكيم يلهمها ذلك، ويحملها عليه، وهي تأكل الحامض، والمر، والحلو، والمالح، والحشائش الضارة، فيجعله الله عسلا حلوا، وشفاء، وفي هذا أكبر دليل على كمال قدرة الله تعالى. وأخيرا انظر ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كُلِي:﴾ أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به؛ لأن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿الثَّمَراتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَاسْلُكِي:﴾\nالفاء: حرف عطف. (اسلكي): مثل سابقه في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿سُبُلَ:﴾ مفعول به، و﴿سُبُلَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكِ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذُلُلًا:﴾ حال من ياء المخاطبة، أو من سبل، انظر الشرح. ﴿يَخْرُجُ:﴾ مضارع. ﴿مِنْ بُطُونِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة، ﴿شَرابٌ:﴾ فاعل ﴿يَخْرُجُ﴾. ﴿مُخْتَلِفٌ:﴾ صفة له. ﴿أَلْوانُهُ:﴾ فاعل ب: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ والهاء في محل جرّ بالإضافة. وجملة: ﴿يَخْرُجُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شِفاءٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شِفاءٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثانية ل:\n ﴿شَرابٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. هذا؛ وإعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ في الآية رقم [٦٥]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"5","page":223},{"text":"<span id=\"aya-1971\"></span>﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾ أي: أوجدكم من العدم، وأخرجكم إلى الوجود، ولم تكونوا شيئا.\n ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ أي: يميتكم بقبض أرواحكم بآجال مختلفة، صبيانا، أو شبانا، أو كهولا، كما هو مشاهد لكل إنسان. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: أخسّه، وأردئه، وهو سن الهرم، والشيخوخة الذي يشابه الطفولية في نقصان العقل، وضعف الحواس. ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا:﴾\nفيصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في النسيان، وسوء الفهم، وضعف الحواس، والعجز.\nفعن أنس بن مالك﵁قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والهرم، والبخل. وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات». متفق عليه، وفي حديث سعد بن أبي وقاص﵁عن النبي ﷺ: «وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر». الحديث أخرجه البخاري.\nهذا-وقد قال ابن عباس﵄ليس هذا في المسلمين؛ لأن المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله، وعقلا، ومعرفة. وقال عكرمة﵁-: من قرأ القرآن؛ لم يردّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئا. وقال ابن عباس في قوله تعالى:\n ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ يريد الكافر، ثم استثنى المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ سورة (التين). هذا؛ وانظر نص الآية رقم [٥] من سورة (الحج).\nأقول: فمن المشاهد أن هناك أناسا ردّوا إلى أرذل العمر، وقد حفظ الله عليهم عقولهم وقواهم وحواسهم وتصرفاتهم، وهم في الأغلب من أهل التقى والإيمان الذين حاسبوا أنفسهم على ما يعملون، وراقبوا ربهم في كل ما يصنعون، فلم تشغلهم الفانية عن الباقية، بل امتثلوا، أوامر الله في كل ما أمر، وفي كل ما زجر عنه، وتتبعوا خطوات الرسول ﷺ، فاهتدوا بهديه، وساروا على نهجه، واقتدوا بأعماله، وتخلقوا بأخلاقه: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾.\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتَوَفّاكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ:﴾ انظر إعراب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ﴾ في الآية رقم [٣٦] ففيه الكفاية لذوي الدراية. ﴿يُرَدُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود","vol":"5","page":224},{"text":"إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿إِلى أَرْذَلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿أَرْذَلِ:﴾ مضاف، و﴿الْعُمُرِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿لِكَيْ لا:﴾ اللام: حرف تعليل وجر. (كي): حرف ناصب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: (كي)، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ:﴾\nمضاف، و﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، واكتفى ﴿يَعْلَمَ﴾ بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: يعرف وقيل: تنازعه الفعل، والمصدر، ولا أرى له وجها قويا، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد)، و(كي) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُرَدُّ،﴾ التقدير: يرد إلى أرذل العمر لعدم علمه بعد علم شيئا، وجملة: ﴿يُرَدُّ..﴾.\nإلخ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. وعند التأمل يظهر لك: أن العطف على جملة محذوفة، مفرعة عما قبلها؛ إذ التقدير: فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسمه وعقله، ومنكم من... ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ:﴾ خبران لها. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-1972\"></span>﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ أي: جعل بعضكم أغنياء، وبعضكم فقراء، وهذا التفضيل ليس مقصورا على المال والرزق، بل يكون أيضا من الخلق، والخلق، والعقل، والصحة، والسقم، والحسن، والقبح، والعلم، والجهل، وغير ذلك، فهم متفاوتون في ذلك كله، وهذا مما اقتضته الحكمة الإلهية، والقدرة، فعن ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم... إلخ» الحديث. ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ أي: من العبيد حتى يستووا فيه، هم وعبيدهم، والمعنى: هم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقهم سواء، وقد جعلوا مخلوقات الله من حجارة وأخشاب شركاء لله في ملكه وسلطانه، والمراد ما عبدوه من دون الله. ﴿فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أي: هم متساوون في أن الله يرزق الجميع من بحر كرمه وجوده وإحسانه، وأنّ المالك لا يرزق المملوك، بل الرازق للمالك والمملوك هو الله تعالى.\n ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: ينكرون فضل الله وإحسانه، فيه إنكار على المشركين حيث جحدوا نعمته وعبدوا غيره، أو هم يجحدون البراهين الساطعة، والحجج الدامغة بعد ما أنعم الله عليهم ببيانها، وإيضاحها على يد رسول الله ﷺ.\nالإعراب: (الله): مبتدأ. ﴿فَضَّلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل ﴿فَضَّلَ﴾ والجملة","vol":"5","page":225},{"text":"الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في الآية السابقة، لا محل لها مثلها. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿فُضِّلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: على غيرهم، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِرَادِّي:﴾ الباء: حرف جر صلة. (رادّي): خبر ما مجرور لفظا، منصوب محلا، وعلامة الجر اللفظي، أو النصب المحلي الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بِرَادِّي:﴾ مضاف، و﴿رِزْقِهِمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، والهاء في محل جر بالإضافة وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى ما:﴾\nمتعلقان ب: (رادّي)، و﴿فَمَا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر. ﴿مَلَكَتْ:﴾\nماض، والتاء للتأنيث، ﴿أَيْمانُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿فَمَا،﴾ والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ملكته أيمانهم، والجملة الاسمية: ﴿فَمَا الَّذِينَ..﴾. إلخ مفرعة ومستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على المنفي؛ أي: لم يردوه عليهم ردا بحيث يشركونهم فيه. وقال أبو البقاء: الجملة من المبتدأ والخبر هنا واقعة موقع الفعل والفاعل، والتقدير: فما الذين فضّلوا برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا فيه. وهذا الفعل منصوب على جواب النفي، ويجوز أن يكون مرفوعا عطفا على موضع ﴿بِرَادِّي؛﴾ أي: فما الذين فضلوا يردون فما يستوون. ﴿أَفَبِنِعْمَةِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف؛ أي: أيشركون به، فيجحدون نعمته؟ (بنعمة): متعلقان بما بعدهما، وهذا لا يصح إلا على تضمين الفعل معنى يكفرون؛ لأن ﴿يَجْحَدُونَ﴾ متعد بنفسه، و(نعمة): مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1973\"></span>﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ أي: خلق حواء من آدم. وقيل: المعنى: خلق لكم أزواجا من جنسكم، ونوعكم، وعلى خلقتكم، وهو أولى؛ لأنه أعم، ومشاهد لكل إنسان، وتخصيصه بآدم، وحواء، ليس فيه دليل، وقد أحسن الجلال حيث قال: فخلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطف الرجال، والنساء. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ:﴾ أولادا ذكورا، وإناثا. ﴿وَحَفَدَةً:﴾ جمع: حافد، وأما حفيد فجمعه: حفداء، وهم أولاد الأولاد.","vol":"5","page":226},{"text":"وقيل: هم الأصهار. وقيل: هم الأعوان والأنصار. وقيل: هم الخدم، والحشم. وقيل: هم الربائب أولاد الزوجات، والمعتمد الأول، وهو ما قاله الأزهري، وهو مروي عن ابن عباس -﵄-، وهو ظاهر نصّ القرآن الكريم، حيث جعل الحفدة، والبنين من النساء.\nوقال ابن العربي: الأظهر عندي في قوله تعالى: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ أن البنين أولاد الرجل لصلبه، والحفدة أولاد ولده، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا. هذا؛ والحافد: المسرع في الخدمة، المسارع إلى الطاعة ومنه قولك في الدّعاء: «وإليك نسعى ونحفد» أي: نسرع إلى طاعتك.\nتنبيه: الحفدة الذين يكون الاعتزاز بهم هم أبناء الأبناء، بخلاف أبناء البنات؛ لأن أبناء الأبناء هم عصبة الجد، بخلاف أبناء البنات فإنّهم أرحام، وينسب للفرزدق قوله: [الطويل]\nبنونا بنو أبنائنا وبناتنا... بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد\n ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي: النعم التي أنعم الله عليكم بها من أنواع الثمار، والحبوب، والأنعام، والأشربة المستطابة الحلال من ذلك كله. ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالأصنام يؤمّلون أن تنفعهم، أو الباطل هو ما يحرمونه من الحلال، كالبحيرة، والسائبة ونحو ذلك، وما يحلونه من الحرام، وهو أكل الميتة، ونحو ذلك مما يزينه الشيطان لهم. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ:﴾\nيجحدون نعم الله عليهم، ويضيفونها إلى الأصنام؛ التي لا تضر، ولا تنفع.\nهذا؛ و«باطل» بمعنى: فاسد، وهو ضد الحق، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل-بفتحتين: الشجاع. والبطل -بضم فسكون-: الباطل والكذب، والبطالة التعطل والتفرغ عن العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع حديث، وعريض، وفظيع.\nهذا؛ وأزواج جمع: زوج، وهو يطلق على الذكر، والأنثى، والقرينة تبين الذكر من الأنثى، وقد يقال للمرأة زوجة، والكلام في: ﴿أَفَبِالْباطِلِ﴾ مثله في: ﴿أَفَمَنْ﴾ و﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [١٧]، ولا تنس: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. وانظر الآية رقم [٢٢].\nالإعراب: (الله): مبتدأ. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من أزواجا على مثال ما رأيت في الآية رقم [٦٦] ﴿أَزْواجًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة:\n ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها كإعرابها. ﴿وَحَفَدَةً:﴾\nمعطوف على ما قبله. (رزقكم): ماض، والكاف مفعول به أول، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والمفعول الثاني: محذوف، التقدير: رزقكم من الطيبات ما تشتهون، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿أَفَبِالْباطِلِ:﴾ الهمزة:","vol":"5","page":227},{"text":"حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير:\nأي: أيكفرون بالله الذي هذا شأنه، فيؤمنون. (بالباطل): متعلقان بما بعدهما، والكلام مستأنف على الاعتبارين. (بنعمة): متعلقان بما بعدهما، و(نعمة): مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يَكْفُرُونَ﴾ مع المتعلق في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فلا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\nتنبيه: ذكر سبحانه هنا ﴿هُمْ﴾ وفي سورة (العنكبوت) الآية رقم [٦٧] بدونها؛ لأن ما هنا اتصل بقوله: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ وهو بالخطاب، ثم انتقل إلى الغيبة، فقال:\n ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ فلو ترك ﴿هُمْ﴾ لالتبست الغيبة بالخطاب بأن تبدل الياء تاء. انتهى.\nجمل نقلا عن كرخي.\nهذا، ولاحظ معي: أن الآيات الثلاث صدّرت بذكر لفظ الجلالة للتعظيم، والتشريف، وإن كان حق العربية أن تصدر الثانية والثالثة بالضمير «هو»، وفي ذلك وجه بلاغي يدرك بأدنى تأمل، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n\n<span id=\"aya-1974\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: أي: الكفار والمشركون يعبدون الأصنام وغيرها من الجمادات، وهي لا تقدر على إنزال المطر الذي في السموات خزائنه، ولا تقدر على إخراج النبات الذي في الأرض معدنه، لا قليلا، ولا كثيرا، ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: ولا يقدرون على أي: شيء من نفع، أو ضر. وانظر جمع ما لا يعقل في الآية رقم [٢٠]، وشرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٣]، وشرح ﴿شَيْئًا﴾ في الآية رقم [٣٥]، وشرح «العبادة» في الآية رقم [٣٦]، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣١].\nالإعراب: ﴿وَيَعْبُدُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعبدون): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال، و﴿يَعْبُدُونَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماواتِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿رِزْقًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به ل: ﴿رِزْقًا؛﴾ لأنه اسم مصدر يعمل عمله، أو هو بدل منه، أو هو نائب مفعول مطلق، على","vol":"5","page":228},{"text":"معنى: لا يملك لهم ملكا؛ أي: شيئا، والأول: هو قول الكوفيين، والثاني: هو قول البصريين، وقد وافق الكوفيين من البصريين أبو علي الفارسي، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، وقد راعى في الجملة الأولى لفظ ﴿ما﴾ فوحّد الضمير، وراعى في الثانية معناها، وجوّز رجوع الضمير إلى الكفار، وجملة: ﴿(يَعْبُدُونَ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1975\"></span>﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ أي: لا تشبهوا الله بخلقه، فإنه لا مثل له، ولا شبيه، ولا شريك له من خلقه؛ لأن الخلق كلهم عبيده، وفي ملكه، فكيف يشبّه الخالق بالمخلوق، أو الرازق بالمرزوق، أو القادر بالعاجز. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٠] تجد ما يسرك. ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له، ويعلم فساد ما تقولون عليه من الأقيسة. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: خطأ ما تضربون من الأمثال، ولو علمتموه؛ لما اجترأتم عليه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ و﴿تَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nلعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر. وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات دون النسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا؛ فالمعنى: أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى؛ لم يتجاوز مفعولا واحدا؛ لأن العلم، والمعرفة يتناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما؛ لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية. ﴿تَضْرِبُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَمْثالَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والمفعول محذوف كما رأيت، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. وقيل: في محل نصب حال.","vol":"5","page":229},{"text":"<span id=\"aya-1976\"></span>﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما نهاهم الله ﷾ عن ضرب الأمثال، لقلة علمهم؛ ضرب هو ﷾ لنفسه مثلا، فقال تعالى: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان، كمثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حرّ كريم مالك قادر، قد رزقه الله مالا، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف يشاء، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم، والإجلال، فلمّا لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة، والصورة البشرية، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله ﷿ الخالق القادر على الرزق والإفضال، وبين الأصنام؛ التي لا تملك، ولا تقدر على شيء البتة. انتهى.\nوقال عطاء: العبد المملوك هو أبو جهل، ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو أبو بكر الصديق﵁-، والمعتمد القول الأول، وهو الذي يقتضيه نص الآيات. هذا؛ ومعنى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا:﴾ بيّن شبها. وقال سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ،﴾ ولم يقل: هل يستويان؛ لأن (من) اسم مبهم يصلح للواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ويكون المعنى هل يستوي الأحرار، والعبيد، وكذلك لا يستوي المطيعون، والعاصون.\n ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ حمد الله نفسه؛ لأنه المستحق لجميع المحامد؛ لأنه المنعم المتفضل على عباده، دون ما يعبدون؛ إذ لا نعمة للأصنام عليهم، ولا معروف فتحمد عليه، وإنما الحمد الكامل لله. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: المشركون. ﴿لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن الحمد لله وحده. وقيل: أراد أكثر الناس لا يعلمون، وذلك: أن أكثرهم المشركون، وقد صرح سبحانه في غير ما آية: أن أكثر الناس لا يعلمون. وانظر الآية رقم [١٠١] الآتية.\nالإعراب: ﴿ضَرَبَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿مَثَلًا:﴾ مفعول به. ﴿عَبْدًا:﴾ بدل منه.\n ﴿مَمْلُوكًا:﴾ صفة ﴿عَبْدًا﴾. ﴿مَثَلًا:﴾ نافية. ﴿يَقْدِرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿عَبْدًا﴾.\n ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿عَبْدًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على ﴿عَبْدًا﴾.\n ﴿رَزَقْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿رَزَقْناهُ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، وجملة:\n ﴿ضَرَبَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف تفريع، وسبب. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْفِقُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من) أيضا.","vol":"5","page":230},{"text":"﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به؛ لأن (من) دالة على التبعيض.\n ﴿سِرًّا:﴾ مفعول مطلق؛ إذ التقدير: إنفاق سر، أو هو حال بمعنى: مسرا. ﴿وَجَهْرًا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يُنْفِقُ مِنْهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ..﴾. إلخ مستأنفة ومفرعة عما قبلها، لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه التوبيخ، والإنكار. ﴿يَسْتَوُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة أيضا.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وإضراب. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1977\"></span>﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ:﴾ وهذا مثل آخر ضربه الله لنفسه ولما يعبدون من الأوثان. ﴿أَحَدُهُما أَبْكَمُ:﴾ أخرس لا يفهم، ولا يفهم غيره. ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ:﴾ من الصنائع والتدابير لعجزه التام، ونقصانه الكامل. ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ أي: ثقيل على من يلي أمره، ويعوله. ﴿أَيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ أي: حيثما يرسله، ويصرفه في طلب حاجة، أو كفاية مهمّ. ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أي: لا يأت بنجح؛ لأنه أخرس عاجز، لا يحسن الكلام، ولا يفهم. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ أي: الموصوف بالصفات المذمومة، من البكم، وعدم القدرة، والضعف. ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي: من هو سليم الحواس، كريم الطباع، نفاع، ذو كفايات، ذو رشد، يأمر الناس بالعدل والخير. ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على سيرة صالحة، ودين قويم، فيجب أن يكون الآمر بالعدل عالما قادرا، مستقيما في نفسه؛ حتى يتمكن من الأمر بالعدل. والجواب:\nلا يستويان!.\nوهذا مثل ثان ضربه الله لنفسه، ولما يفيض على عباده من إنعامه، ويشملهم به من آثار رحمته، وألطافه، وللأصنام التي هي أموات جمادات لا تضر، ولا تنفع، ولا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، وهي كلّ على عابديها؛ لأنها تحتاج إلى كلفة الحمل، والنقل، والخدمة. وقيل:\nكلا المثلين للمؤمن، والكافر. وقيل غير ذلك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وجمع أبكم: بكم، مثل أعمى، وعمي، وأصم، وصمّ، قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾. المولى: يطلق، ويراد به المعبود بحق، كما يطلق على السيد، والعبد،","vol":"5","page":231},{"text":"والحليف، وابن العم، والنصير، والصاحب الصدوق. وانظر شرح: ﴿أَحَدٌ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (هود) ﵇. وانظر شرح: ﴿أَتى﴾ في الآية رقم [١] وشرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٥] وإعلال مستقيم مثل إعلال ﴿مُقِيمَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵊، والصراط هو الطريق الذي يسلكه الإنسان يكون ماديا، ويكون معنويا. هذا؛ وحذف مقابل ﴿أَحَدُهُما أَبْكَمُ﴾ للدلالة عليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ﴾ إذ التقدير: والآخر ناطق خفيف على مولاه، أينما يوجهه؛ يأت بخير.\nالإعراب: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعول به ﴿رَجُلَيْنِ:﴾ بدل من مثلا، منصوب مثله وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَحَدُهُما:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَبْكَمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿رَجُلَيْنِ﴾. ﴿مَثَلًا:﴾ نافية. ﴿يَقْدِرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُما﴾. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان وقيل: صفة ﴿أَبْكَمُ﴾. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(هُوَ كَلٌّ):﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿عَلى مَوْلاهُ:﴾ متعلقان ب ﴿كَلٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية ﴿(هُوَ...)﴾ إلخ معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، فهي في محل رفع مثلها. وقيل:\nفي محل نصب حال. ﴿أَيْنَما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بفعل شرطه. وقيل: متعلق بالجواب. ﴿يُوَجِّهْهُ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى مولاه، والهاء مفعول به. هذا؛ ويقرأ: «(يوجّه)» بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَبْكَمُ﴾ أيضا، والجملة الفعلية ابتدائية على تعليق الظرف به، وفي محل جر بإضافة ﴿أَيْنَما﴾ إليها على اعتباره متعلقا بالجواب. ﴿مَثَلًا:﴾ نافية. ﴿يَأْتِ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿أَبْكَمُ﴾ أيضا. ﴿بِخَيْرٍ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية:\n ﴿أَيْنَما..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ (هو). ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿يَسْتَوِي﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُما﴾. ﴿هُوَ:﴾\nضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع معطوف على الضمير المستتر، وجملة: ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ:﴾ صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة، وجملة: ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ..﴾. إلخ في محل","vol":"5","page":232},{"text":"نصب حال من فاعل ﴿يَأْمُرُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: معطوف على جملة الصلة، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿هَلْ يَسْتَوِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1978\"></span>﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يعلم سبحانه ما غاب عن العباد فيهما.\nوالمعنى: أن علمه سبحانه نافذ في جميع الأشياء. خفيّها وجليّها، حاضرها، ومعدومها، لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء. وقال ابن عباس﵄- ﴿غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خزائنهما. وانظر الآية رقم [٣]. ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ﴾ أي: وما أمر قيام القيامة في سرعته، وسهولته. ﴿إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ أي: كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها. ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي: أسرع من لمح البصر؛ لأن لمح البصر يحتاج إلى زمان، وحركة، قال الزجاج: لم يرد أن القيامة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها؛ أي: يقول للشيء: كن فيكون. انتهى.\nأقول: قول الزجاج هو الحق؛ لأن للساعة علامات صغرى، وقد ظهرت، وعلامات كبرى ستظهر متوالية، وقد ذكرت ذلك كله في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الأعراف)، و(أو) ليست للشك هنا، وإنما هي للتمثيل بأيهما أراد الممثل، مثل قولك: جالس محمدا، أو محمودا؛ أي: فأنت مخير بذلك. وقيل: هي بمنزلة: «بل». وانظر شرح الساعة في الآية رقم [٨٥] من سورة (الحجر).\n ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: قادر مقتدر، فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة واحدة، كما قدر على إحيائهم متدرجا، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿غَيْبُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو:\nحرف عطف. (ما): نافية، ﴿أَمْرُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿السّاعَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿كَلَمْحِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: «مثل» فهي الخبر، وتكون مضاف و(لمح): مضاف إليه، و(لمح): مضاف، و﴿الْبَصَرِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَمْرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَقْرَبُ:﴾ معطوفة أيضا، والمفضل عليه محذوف، انظر الشرح. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها أيضا.","vol":"5","page":233},{"text":"<span id=\"aya-1979\"></span>﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي: جهالا، لا تعرفون شيئا من أمور دينكم، ودنياكم، وتدبير معايشكم. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي:\nأعطاكم الله هذه الحواس لتستفيدوا بها، فجعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب والسنة، وهي الدلائل السمعية؛ لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم، وجعل لكم الأبصار؛ لتبصروا بها عجائب مصنوعاته، وغرائب مخلوقاته، فتستدلوا به على وحدانيته، وجعل لكم الأفئدة؛ لتعقلوا بها، وتفهموا معاني الأشياء، التي جعلها دلائل وحدانيته. انتهى. خازن.\nتنبيه: وحّد السمع دون القلوب، والأبصار؛ لأمن اللبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال:\nسمعت الشيء، سماعا وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع. وقيل: وحّد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات القلب والبصر مختلفة، والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب.\nهذا؛ ونص الآية وظاهرها يدلّ على أنّ الحواس الثلاث خلقت بعد الإخراج من البطون، وقد قال العلماء الأفذاذ: إنّ تقديم الإخراج، وتأخير ذكر الحواس لا يدلّ على أنّ خلقها كان بعد الإخراج؛ لأن الواو لمطلق الجمع، ولا توجب الترتيب؛ ولأن العرب تقدم، وتؤخر في كلامها، وخذ قول الأحوص: [الوافر]\nألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام\nفقد عطف المقدم على متبوعه، قال ابن هشام في مغنيه: وهو مما اختصت به الواو. وانظر الشاهد [٦٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: كي تعرفوا ما أنعم الله به عليكم طورا بعد طور، فتشكروه على تلك النعم، انظر الشكر في الآية رقم [٧] و[٣٩] من سورة (إبراهيم) عليه الصلاة، والسّلام.\nهذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!.\nهذا؛ و﴿أُمَّهاتِكُمْ:﴾ جمع أم، والقياس أن يكون جمعها: (أمات) قال الزمخشري:\nوالهاء مزيدة في: أمات، كما زيدت في أراق، فقيل: أهراق، وشذت زيادتها في الواحدة في قول قصي الجد الرابع للنبي ﷺ: [الرجز]\nأمّهتي خندف والياس أبي... عند تناديهم بهال وهب","vol":"5","page":234},{"text":"وقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء زائدة فيه، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة يستدل على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي، إلا أن الفرق بين أمّهة وأم: أن أمّهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدا، نحو قول السفاح بن بكير: [السريع]\nقوّال معروف وفعّاله... عقّار مثنى أمّهات الرّباع\nوأم يقع في الغالب على ما لا يعقل، وقد يقع على العاقل، نحو قول جرير: [الوافر]\nلقد ولد الأخيطل أمّ سوء... على باب استها صلب وشام\nومما يدل أيضا على زيادة الهاء في «أمهة» قولهم: أم بينة الأمومة-بغير هاء-ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدلّ على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم:\nتأمّهت أمّا، فتأمّهت: تفعّلت بمنزلة: تنبهت مع أن زيادة الهاء قليلة جدا، فمهما أمكن جعلها أصلية، كان ذلك أولى فيها، والصحيح: أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به، لكثرة اضطرابه، وخلله. انتهى. بعد هذا؛ والأم تعم من ولدتك، أو ولدت من ولدك، وإن علت: ويقرأ (أمها) بضم الهمزة وفتح الميم، وهي قراءة العامة، ويقرأ بكسر الهمزة وفتح الميم، وبكسرهما معا.\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿أَخْرَجَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ بُطُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بُطُونِ:﴾ مضاف، و﴿أُمَّهاتِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾\nمضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط. (جعل): ماض، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ:﴾ معطوفان على ﴿السَّمْعَ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخْرَجَكُمْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وهذا على اعتبار الواو لا تقتضي ترتيبا. وقيل: الجملة مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ في محل رفع خبر (لعلّ). والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل لتلك النعم لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1980\"></span>﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَرَوْا:﴾ ألم ينظر الكفار ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ نظر تبصر واعتبار. ﴿مُسَخَّراتٍ:﴾","vol":"5","page":235},{"text":"مذللات لأمر الله تعالى. وقيل: مذللات لمنافعكم. ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ:﴾ الجو: الفضاء الواسع بين السماء والأرض. وهو الهواء، وأضافه إلى السماء لارتفاعه عن الأرض. ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ:﴾ يعني: في حال قبض أجنحتها، وبسطها، واصطفافها في الهواء. وفي هذا حث على الاستدلال بها على أنّ لها مسخرا سخّرها، ومذلّلا ذلّلها، وممسكا أمسكها في حال طيرانها ووقوفها في الهواء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ: خص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالآيات دون غيرهم.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مُسَخَّراتٍ:﴾ حال من ﴿الطَّيْرِ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فِي جَوِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُسَخَّراتٍ؛﴾ لأنه اسم مفعول، و﴿جَوِّ:﴾\nمضاف، و﴿السَّماءِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُمْسِكُهُنَّ:﴾ مضارع، والهاء في محل نصب مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ فاعل، وجملة: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ..﴾. إلخ: في محل نصب حال ثانية من الطير، أو من الضمير المستتر في مسخرات، فتكون حالا متداخلة، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: مستأنفة، لا محل لها.\nهذا؛ وإعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ مثل إعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ في الآية رقم [٦٥] تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1981\"></span>﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ:﴾ التي هي من الحجر، والمدر. ﴿سَكَنًا:﴾ مسكنا تسكنونه، وتهدأ جوارحكم فيه من الحركة، وقد تتحرك فيه، وتسكن في غيره، وعدّ سبحانه هذا في جملة النعم، فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك؛ لكان ذلك كما خلق وأراد، ولو خلقه ساكنا كالأرض؛ لكان كما خلق، وأراد، والسكن: مصدر يوصف به الواحد والجمع.\n ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا:﴾ يعني: الخيام، والقباب، والأخبية، والفساطيط، المتخذة من الأدم، والأنطاع. ﴿تَسْتَخِفُّونَها:﴾ يخف عليكم حملها. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ أي: في يوم سيركم، ورحيلكم في أسفاركم. ﴿وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ﴾ أي: وتخف عليكم في إقامتكم، وحضركم.\nوقد بينت الآية الكريمة: أن المساكن على قسمين: أحدهما ما لا يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر، وهي البيوت المتخذة من الحجارة، والخشب، ونحوهما، والقسم الثاني: ما يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر، وهي الخيام، والفساطيط المتّخذة من جلود الأنعام.","vol":"5","page":236},{"text":"﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها﴾ أي: الأنعام، فالصوف للغنم، والوبر للإبل، والشعر للماعز. ﴿أَثاثًا﴾ أي: تتخذون ممّا ذكر أثاثا، والأثاث متاع البيت الكبير، وأصله من: أثّ إذا كثر، وتكاثف وقيل: الأثاث: ما يلبس، ويفترش في البيوت. وهو المعتمد، قال الشاعر: [الوافر]\nأهاجتك الظعائن يوم بانوا... بذي الزّيّ الجميل من الأثاث\n ﴿وَمَتاعًا:﴾ انتفاعا، وتلذذا، وتمتع، واستمتع بكذا: انتفع به، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء. وأمتعه الله، ومتّعه بكذا بمعنى واحد، ومتاع الغرور: أي: ما يغرّ، ويخدع، ولا يغرّ إلا ضعفاء النفوس والإيمان. وخاب الفسقة الذين يقولون: إنّ متاع الغرور هو ما تحمله المرأة في أيام حيضها من خرق، فمن أين أتوا بهذا التفسير الذي لا يقرّه ذوق فضلا عن عدم وجوده في كتب اللّغة. وقال الخليل: الأثاث، والمتاع واحد، وجمع بينهما لاختلاف اللفظ، فإن قلت: لا بد من فرق بينهما؛ حتى يصح العطف؛ لأنه يقتضي المغايرة، فالجواب: أن الأثاث ما كثر من آلات البيت وحوائجه، فيدخل فيه جميع أصناف المال، والمتاع ما ينتفع به في البيت خاصة، فظهر الفرق بين اللفظين.\n ﴿إِلى حِينٍ﴾ أي: إلى حين يبلى ذلك الأثاث. وقيل: إلى حين الموت. وانظر شرح «الحين» في الآية رقم [٢٥] من سورة (إبراهيم) ﵇. هذا؛ ويقرأ ﴿(ظَعْنِكُمْ)﴾ بسكون العين، وفتحها كالشّعر والشّعر. هذا؛ والظعينة: المرأة؛ لأن زوجها يظعن بها؛ أي: يرتحل، ويقال: الظعينة في الأصل: الهودج فيه امرأة، أم لا، ثم سميت به المرأة ما دامت فيه، ثم سميت به، وإن كانت في بيتها، والظعينة فعيلة بمعنى: مفعولة، وجمعها: ظعن-بضم فسكون-وظعن-بضمتين- وظعائن، وجمع الجمع: أظعان، وظعنات بضمتين، قال زهير بن أبي سلمى: [الطويل]\nتبصّر خليلي، هل ترى من ظعائن... تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني: تقدّم على الأول.\n ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سَكَنًا،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَكَنًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وأحد الجارين مفعوله الثاني، والآخر حال كما في الجملة السابقة. ﴿تَسْتَخِفُّونَها:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿بُيُوتًا﴾. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿ظَعْنِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر","vol":"5","page":237},{"text":"بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿وَمِنْ أَصْوافِها:﴾ معطوفان على ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ﴾. ﴿وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَثاثًا:﴾ معطوف على ﴿بُيُوتًا﴾. (متاعا):\nمعطوف على ما قبله. ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان ب: (متاعا)، أو بمحذوف صفة له.\n\n<span id=\"aya-1982\"></span>﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ﴾ أي: من الشجر، والجبال، والأبنية. ﴿ظِلالًا:﴾\nتستظلون به من حر الشمس، ويقيكم البرد أيضا. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا:﴾ جمع كن، وهو ما يستكن فيه الإنسان من شدة الحر والبرد، والمراد: ما يوجد في الجبال من الكهوف، والبيوت المنحوتة فيها، كالغيران، ونحوها انظر (أكنة) في الآية [٤٦] من سورة (الإسراء). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: ثيابا من الصوف، والكتان، والقطن، وغيرها تحفظكم من الحر؛ أي: والبرد، فاكتفى بذكر الحر عنه. ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ:﴾\nالمراد: الدروع، وسائر ما يلبس للوقاية من ضربات السيوف والرماح، والبأس شدة الحرب هنا.\nوقد استعاره لبيد﵁للإسلام؛ الذي وفقه الله إليه بقوله: [البسيط]\nالحمد لله إذ لم يأتني أجلي... حتّى اكتسيت من الإسلام سربالا\n ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يتم نعمه عليكم كإتمام النعم الكثيرة التي تقدم ذكرها.\n ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أي: تؤمنون، وتستسلمون، وتنقادون إلى معرفة الله، وعبادته، وطاعته شكرا على نعمه، وقرئ شاذا بفتح التاء، ومعناه: تسلمون من الجراح بلبس الدروع، أو تسلمون من العذاب. وقرئ: «(تتمّ)» ورفع: (نعمته). وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٧٨]، وانظر: ﴿جَعَلَ﴾ و﴿خَلَقَ﴾ في الآية رقم [٣]، وانظر (سرابيل) في الآية رقم [٥٠] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ظِلالًا،﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٦٦] و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، وجملة: ﴿خَلَقَ:﴾\nصلة (ما)، أو صفتها، والفاعل يعود إلى (الله)، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء خلقه. ﴿ظِلالًا:﴾ مفعول به، وإعراب: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا﴾","vol":"5","page":238},{"text":"مثلها بلا فارق. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف مفعول به ثان تقدم على المفعول الأول، وقل مثل ذلك في كل ما تقدم. ﴿سَرابِيلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿تَقِيكُمُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿سَرابِيلَ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿الْحَرَّ:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿سَرابِيلَ،﴾ ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ:﴾\nلا خفاء في إعرابه، وهو معطوف على ما قبله. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يتم نعمته عليكم إتماما كائنا مثل إتمام النعم المذكورة فيما تقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُتِمُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿نِعْمَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تُسْلِمُونَ:﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل لإتمام النعمة، والكلام ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-1983\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢)﴾\nالشرح: المعنى: فإن أعرضوا عن النظر في تلك النعم الكثيرة، ولم يستدلوا بها على قدرة الله تعالى، ولم يؤمنوا به سبحانه؛ فلا يهمك ذلك، وليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فهي لله وحده. وانظر مثل ذلك في الآية رقم [٣٥]. هذا؛ والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء، يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا، ومجازا. هذا؛ وتولى الشيء: باشره بنفسه، ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات في مصعب بن الزبير﵄-: [الطويل]\nتولّى قتال المارقين بنفسه... وقد أسلماه مبعد وحميم\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وعلى هذا في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة. وقيل: ﴿تَوَلَّوْا:﴾ مضارع أصله: تتولوا فحذفت إحدى التاءين، وعليه فلا التفات في الكلام. تأمل. وعليه فعلامة الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. والأول: أقوى معنى، تأمل، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فلا لومك عليك، ونحوه، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان","vol":"5","page":239},{"text":"بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة البلاغ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليلية. تأمل.\n\n<span id=\"aya-1984\"></span>﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها:﴾ لقد اختلف في هذه النعمة، فقيل: هي محمد ﷺ وإنكار هذه النعمة عدم تصديقه والإيمان به. وقيل: هي ما عدّد الله في هذه السورة من نعم، وإنكارها. قولهم: ورثناها عن آبائنا، أو قولهم: هي بشفاعة آلهتنا. وقيل: غير ذلك.\n ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ أي: الجاحدون نعم الله تعالى عنادا، وبطرا، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو؛ لأنه يقام مقام الكل، كما في قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾. هذا؛ وانظر: ﴿الْكافِرُونَ﴾ في الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف) ﵇. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٣٥].\nالإعراب: ﴿يَعْرِفُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، وهذا على اعتبار ﴿تَوَلَّوْا﴾ ماضيا، والرابط: الضمير فقط، وهي مستأنفة على اعتباره مضارعا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُنْكِرُونَها:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ:﴾ الواو: واو الحال.\n (أكثرهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-1985\"></span>﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي: واذكر يوم نبعث من كل أمة شهيدا يشهد عليهم بالإيمان، أو بالكفر، فهو مثل قوله تعالى من سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ انظرها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والمراد: رسول كل أمة يشهد يوم القيامة على أمته بالإيمان، أو بالكفر، وهو أعدل شاهد عليها. ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في الاعتذار، والكلام كما في قوله تعالى في سورة (المرسلات). ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٢] من سورة (الحجر). وقيل: لا يؤذن لهم بالرجوع إلى دار الدنيا ليتوبوا، ويؤمنوا. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يكلفون أن يرضوا ربهم؛ لأن","vol":"5","page":240},{"text":"الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يرجعون إلى الدنيا، فيتوبون. هذا؛ والاستعتاب طلب العتاب، والمعتبة هي الغلظة والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب العتاب من خصمه دلّ ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني: [الطويل]\nفإن كنت مظلوما، فعبدا ظلمته... وإن كنت ذا عتبى، فمثلك يعتب\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٧] من سورة (الروم)، ففيها فضل بيان.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: اذكر يوم، أو هو مفعول به، وهو الأقوى. ﴿نَبْعَثُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَهِيدًا..﴾.\nإلخ، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿نَبْعَثُ..﴾.\nإلخ في محل جر بإضافة يوم إليها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْذَنُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بنائب فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لا يُؤْذَنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُسْتَعْتَبُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا.\n\n<span id=\"aya-1986\"></span>﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، والمعاصي. ﴿الْعَذابَ﴾ أي:\nعذاب النار. ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: العذاب. ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون، ولا يمهلون.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَأَى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿ظَلَمُوا:﴾ ماض، وفاعله والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿رَأَى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة إذا إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (لا): نافية.\n ﴿يُخَفَّفُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى العذاب، ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ جواب (إذا) لا محل لها، ونقل الجمل عن السمين وجوب","vol":"5","page":241},{"text":"تقدير مبتدأ محذوف؛ أي: فهو لا يخفف لأجل أن تكون الجملة اسمية، ويصح اقترانها بالفاء؛ لأن المضارعية لا يصح قرنها بها. انتهى. والسبب في ذلك؛ لأنها تصلح لأن تكون جوابا، وإذا كان الشرط جازما، يظهر الجزم على آخر المضارع. تأمل. وجملة: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ..﴾.\nإلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له. ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ بلا فارق، والجملة الاسمية معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله.\n\n<span id=\"aya-1987\"></span>﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا رَأَى..﴾. إلخ: أي: إذا رأى الكافرون المشركون أصنامهم التي عبدوها في الدنيا من دون الله تعالى، وذلك أن الله يبعث تلك الأصنام والمعبودين، فيتبعهم المشركون حتى يوردوهم النار، فعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى يوم القيامة: «من كان يعبد شيئا فليتّبعه، فيتّبع من كان يعبد القمر القمر، ويتّبع من كان يعبد الطواغيت الطّواغيت».\nخرجه مسلم. وفي رواية أخرى للترمذي من حديث الرسول ﷺ: «فيمثّل لصاحب الصّليب صليبه، ولصاحب التّصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتّبعون ما كانوا يعبدون». هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل، إنما هو لتحقق وقوعه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من سورة (إبراهيم) صلّى الله على نبينا، وعليه وسلم. ﴿قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ..﴾. إلخ: أي: يقول المشركون: هؤلاء آلهتنا الذين كنا نعبدهم ونقدسهم من دونك يا الله. ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ..﴾. إلخ أي: رد المعبودون على عابديهم، وأجابوهم بأنكم كاذبون في تسميتنا آلهة، وما دعوناكم إلى عبادتنا، وهو كقوله تعالى في سورة (مريم): ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ الآية رقم [٨٣]، وانظر رد الشيطان على أتباعه في الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة، وأزكى سلام.\nتنبيه: الأصنام التي عبدوها جمادات لا تنطق، فلا يبعد أن يبعثها الله تعالى، ويعيدها في الآخرة، ويخلق فيها الحياة، والنطق، والعقل، ويراها الكفار الذين عبدوها. وهي في غاية الذلة، والمهانة، والحقارة. فيزدادون بذلك غما، وحسرة، وندامة، والله على كل شيء قدير.\nهذا؛ وأطلق الله على الأصنام اسم الشركاء لأمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس، وثانيهما: أنهم يشركونها معهم في الأموال، والأنعام، والزروع، انظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها.\nالإعراب: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ انظر الآية السابقة. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة من","vol":"5","page":242},{"text":"إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿شُرَكاؤُنَا:﴾ خبر المبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾.\nإلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة شركاؤنا. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون. و(نا): اسمه. ﴿نَدْعُوا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والجملة الفعلية في محل نصب خبر كنا، وجملة:\n ﴿كُنّا..﴾. إلخ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذين كنا ندعوهم. ﴿مِنْ دُونِكَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَأَلْقَوْا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ألقوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾\nخبر إن مرفوع... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في محل نصب مقول القول للمصدر، وجملة: ﴿فَأَلْقَوْا..﴾. إلخ مستأنفة؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، فكأنّ سائلا سأل: ما كان جواب الشركاء؟ قيل: ﴿فَأَلْقَوْا..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-1988\"></span>﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أي: استسلم المشركون لأمر الله، وانقادوا لحكمه بعد الاستكبار في الدنيا. وقيل: استسلم العابد، والمعبود لحكم الله تعالى. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: غاب عنهم ما كانوا يفترون، ويكذبون من أن الأصنام تنصرهم، وتشفع لهم، وذلك بعد أن كذبوهم، وتبرءوا منهم. وانظر استسلام الكافرين عند الموت في الآية رقم [٢٨] والتعبير بالماضي عن المستقبل هو كما في الآية السابقة.\nهذا؛ و﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان، وتنوين (إذ) فيه عوض عن جملة محذوفة، تضاف (إذ) إليها في الأصل، فإن الأصل: «يوم إذا يرى المشركون شركاءهم، ويحصل ما بينهم من المخاطبة»، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت (إذ) لالتقاء الساكنين، كما كسرت في:\nصه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما، و(ضلّ) معناه هنا:\nغاب، كما رأيت، وأكثر استعماله في القرآن الكريم بمعنى: كفر وخرج عن جادة الحق والصواب، وهو ضد «اهتدى» و«استقام»، وضل الشيء: ضاع، وهلك، وضل: أخطأ، ولولا هذا المعنى لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم","vol":"5","page":243},{"text":"في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وضلّ: تحيّر، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لمحمد ﷺ:\n ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾.\nهذا؛ وأصل (ألقوا) قبل دخول واو الجماعة (ألقي) فقل في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار (ألقاوا) فالتقى ساكنان: ألف العلة وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على القاف دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: (ألقيوا) فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة... إلخ، كما يقال أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار (ألقيوا) فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: ياء العلة، وواو الجماعة، فحذفت ياء العلة... إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا... إلخ، تنبه لذلك، واحفظه.\nهذا؛ وإذا ولي الواو ساكن مثل ﴿رَأَوُا الْعَذابَ،﴾ ونحوه تحرك الواو بالضمة، ولم تحرك بالكسرة لأن الكسرة لا تناسبها. وقيل: حركت بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت لنجحت) وقيل: ضمت؛ لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة. وقيل: غير ذلك.\nالإعراب: ﴿وَأَلْقَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (ألقوا): انظر إعرابه في الآية السابقة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله أيضا، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. وانظر ما ذكرته في الشرح. ﴿السَّلَمَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَلْقَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (ضل): ماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأول، والثاني: مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ضل عنهم الذي، أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير:\nضلّ عنهم افتراؤهم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ و﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر كان.\n\n<span id=\"aya-1989\"></span>﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: أضافوا إلى كفرهم منعهم الناس عن الدخول في الإسلام، والإيمان بالله، ورسوله، انظر شرح (المقتسمين) في الآية رقم [٩٠] من","vol":"5","page":244},{"text":"سورة (الحجر). ﴿زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ..﴾. إلخ: وهذه الزيادة بسبب صدهم الناس عن الإسلام بالإضافة لما يستحقونه من العذاب على كفرهم الأصلي، وقد اختلفوا في هذه الزيادة ما هي؟.\nفقال عبد الله بن مسعود﵁-: عقارب لها أنياب كأمثال النخل الطوال. وقال سعيد بن جبير﵁حيات كالبخت، وعقارب أمثال البغال، تلسع إحداهن اللسعة، فيجد صاحبها ألمها أربعين خريفا. وقال ابن عباس، ومقاتل﵄-: خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل، يعذبون فيها ثلاثة على مقدار الليل، واثنان على مقدار النهار.\nوقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير، فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار مستغيثين بها. وقيل: يضاعف لهم العذاب، ضعفا بسبب كفرهم، وضعفا بسبب صدّهم الناس عن سبيل الله. انتهى. خازن. وإفسادهم: هو صدّهم النّاس عن الإسلام.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿زِدْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة ﴿عَذابًا،﴾ و﴿فَوْقَ:﴾ مضاف، و﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه، وجملة:\n ﴿زِدْناهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿الَّذِينَ﴾ بدلا من واو الجماعة، كما أجيز اعتباره منصوبا بفعل محذوف، التقدير: أذم. واعتباره خبرا لمبتدإ محذوف وجوبا، التقدير: هم الذين. وعلى الوجوه الثلاثة فجملة: ﴿زِدْناهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والوجه الأول: هو المعتمد، والواضح.\n ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانُوا﴾ و(ما) وما بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء. والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿زِدْناهُمْ،﴾ التقدير: زدناهم... بسبب إفسادهم. هذا؛ واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة ضعيف معنى. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1990\"></span>﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٨٤] وفي هذا تكرير لزيادة التهديد، وشدة التحذير من ذلك اليوم على وجه، يزيد على ما أفهمته الآية السابقة، وهو أنّ الشهادة تقع على الأمم لا لهم، وتكون بحضرتهم. ﴿وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ﴾ أي: جئنا بك يا محمد شهيدا على قومك الذين كذبوك، وعادوك، وأخرجوك من بلدك مكة. والتعبير بالماضي عن المستقبل","vol":"5","page":245},{"text":"لتحقق وقوعه، وقد ذكرته كثيرا. ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ..﴾. إلخ: أي: ونزلنا عليك القرآن مبينا، وموضحا لكل شيء تحتاجه من أمور الدين والدنيا، وهو مثل الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء). ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: رشدا وبيانا، وهداية من الضلالة، ونعمة شاملة لمن قرأ القرآن، وانتفع به. وخص المسلمين بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالقرآن وتعاليمه. وانظر الآية رقم [١١١] من سورة (يوسف) ﵇؛ تجد ما يسرك.\nهذا؛ والتبيان مصدر، ولم يجئ من المصادر على هذه الزنة إلا لفظان: هذا؛ والتلقاء، وهو في الأسماء كثير، نحو التمثال، والتمساح.\nهذا؛ وقد قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَنَزَّلْنا﴾ وقال في كثير من الآيات: ﴿أَنْزَلْنا﴾ وهو يفيد أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر، والخطابة، وهذا ممّا يريبهم، كما حكى ﷾ ذلك عنهم:\n ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله:\n ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾.\nتنبيه: اعتبار القرآن تبيانا لكل شيء، إما في نفسه كما هو مشاهد وموجود في كثير من الآيات، وإما بإحالته على السّنّة؛ أي: على الأحاديث الشريفة لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٤] و[٦٤]، أو بإحالته على الإجماع، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾.\nإلخ، أو على القياس، كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ والاعتبار: النظر، والاستدلال، اللذان يحصل بهما القياس، فهذه أربعة طرق، لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة في القرآن، فكان تبيانا لكل شيء، فاندفع ما قيل: كيف قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ونحن نجد كثيرا من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصّا، كعدد ركعات الصلوات، ومدة المسح والحيض، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة، وغير ذلك، ومن ثمّ اختلف الأئمة في كثير من الأحكام. انتهى. جمل نقلا من كرخي، بتصرف كبير مني.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: اذكر يوم، أو هو مفعول به. ﴿نَبْعَثُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدًا:﴾ مفعول به.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدًا﴾. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَهِيدًا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَبْعَثُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. (جئنا): فعل، وفاعل. ﴿بِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿شَهِيدًا:﴾ حال من الكاف. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بعلى، والهاء","vol":"5","page":246},{"text":"حرف تنبيه لا محل له، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿شَهِيدًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة:\n ﴿وَجِئْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، والكلام: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ..﴾. إلخ كله مستأنف. ﴿وَنَزَّلْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (نزلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿اِجْتَبَيْنا:﴾ حال من الكتاب، أو هو مفعول لأجله، وهو أقوى.\n ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿اِجْتَبَيْنا؛﴾ لأنه مصدر، و(كل): مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿اِجْتَبَيْنا،﴾ فهي مثله حالا. ﴿لِلْمُسْلِمِينَ:﴾ متعلقان بأحد الأسماء الثلاثة، أو بمحذوف صفة لواحد منها، وذلك على التنازع، وجملة: ﴿وَنَزَّلْنا..﴾.\nإلخ: مستأنفة. واعتبارها معطوفة على ما قبلها يخل بالمعنى؛ لأن التنزيل حصل في الدنيا، وأما البعث وما بعده لا يحصلان إلا في الآخرة. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-1991\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالتسوية في الحقوق فيما بينكم، وترك الظلم، وإيصال كل ذي حق إلى حقّه. انتهى. نسفي. وهذا أحسن ما قيل في تفسيره من أقوال كثيرة.\nهذا؛ وفسره البيضاوي بالتوسط وبالاعتدال في الأمور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر، والقدر، وعملا كالتعبد بأداء العبادات الواجبات المتوسط بين البطالة، والترهب، وخلقا كالجود المتوسط بين البخل، والتبذير.\n ﴿وَالْإِحْسانِ﴾ أي: إلى من أساء إليكم عملا بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ وقيل في تفسير العدل والإحسان: فالأول: المفروض من العبادات، والثاني:\nالمندوب منها؛ لأن الفرض لا بد أن يقع فيه نقص، أو تفريط، فيجبره الندب، ويعضده قول النبي ﷺ: «إنّ أوّل ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصلاة، وأوّل ما يحاسب به الصّلاة، ويقول الله: انظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامّة؛ كتبت تامّة، وإن كانت ناقصة؛ يقول: انظروا هل لعبدي من تطوّع؟ فإن وجد له تطوّع؛ تمّت الفريضة من التطوع، ثم قال: انظروا هل زكاته تامة؟ فإن كانت تامة؛ كتبت تامة، وإن كانت ناقصة؛ قال: انظروا هل له صدقة؟ فإن كانت له صدقة؛ تمّت له زكاته». رواه أبو يعلى عن أنس﵁-.\nهذا؛ وفسر الإحسان بالإخلاص، وهو مأخوذ من قول النبي ﷺ لجبريل ﵇:\n «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». والإحسان يفسر بحبّ الخير للناس كما يحبّه المرء لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، فإن كان أحدهم مؤمنا؛ يحبّ أن يزداد أخوه إيمانا، وطاعة لربه، وإن كان أحدهم كافرا؛ يحبّ أن يكون أخاه في الإسلام مؤمنا مثله.","vol":"5","page":247},{"text":"﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى:﴾ إعطاء ذوي القرابات شيئا من المال، إن كان المرء في سعة، وهم محتاجون، فإن لم يكن أحدهما، أو كلاهما؛ فدعاء حسن، وتودد، وزيارة، ومثله قوله تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ الآية رقم [٢٦]، وينبغي أن تعلم أن ﴿ذِي﴾ بمعنى:\nصاحب، ويجمع جمع تكسير (ذوين وذوون) وتحذف نونهما للإضافة، ويجمع على غير لفظه (أولون وأولين) وهو كثير مثل أولو الألباب، ونحوه.\n ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ﴾ أي: الزنى، ويدخل تحته ما قبح من الأقوال والأفعال، والأخلاق المذمومة جميعها، و﴿وَالْمُنْكَرِ:﴾ هو ما استقبحه الشرع والعقل، والفطرة السليمة، وهو يعم جميع الرذائل والمعاصي والدناءات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها، وتباين درجاتها، والمعروف بعكسه، وقد شرحتهما في غير ما آية.\n ﴿وَالْبَغْيِ:﴾ هو الظلم والاعتداء على حق غيرك، وعواقبه ذميمة. ومآل الباغي وخيم، وعقباه أليمة، ولو أن له جنودا بعدد الحصى والرمل والتراب، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nلا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل\nوعن النبي ﷺ أنه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال أبو بكر الصديق﵁-:\n (ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه)، وتلا الآيات الثلاث. وعن النبي ﷺ أنه قال: «أسرع الخير صلة الرّحم، وأعجل الشّرّ البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس﵄أنه قال:\n «لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي» ورحم الله من يقول: [البسيط]\nيا صاحب البغي، إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير مقال المرء أعدله\nفلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله\nوكان المأمون العباسي يتمثل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]\nوالبغي يصرع أهله... والظّلم من مرتعه وخيم\nهذا؛ وانظر أنواع الظلم في رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزّمن) وأقبح أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بارتكاب المعاصي، والسيئات، فيسبب لها الخلود في جهنم.\n ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: إنما أمركم بما أمركم به، ونهاكم عما نهاكم عنه في هذه الآية؛ لكي تتعظوا، وتتذكروا. فتعملوا بما فيه رضا الله تعالى، قال ابن مسعود﵁-: إن أجمع آية في القرآن لخير وشرّ هذه الآية، وكانت هذه الآية سببا لإسلام عثمان بن","vol":"5","page":248},{"text":"مظعون﵁-، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية؛ لصدق عليه أنه تبيان لكلّ شيء، وهدى ورحمة للعالمين.\nقال عكرمة: قرأ النبي ﷺ على الوليد بن المغيرة: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ..﴾. إلخ فقال: يا ابن أخي أعد عليّ، فأعادها عليه، فقال: والله إنّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وأعلاه لمورق-أو لمثمر-وما هو بقول بشر! وذكر الغزنوي أنّ عثمان بن مظعون هو القارئ. انتهى. قرطبي. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٧٨].\nتنبيه: يروى: أن الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز﵁قد أمر بتلاوة هذه الآية بدلا من القذف الذي كان يعقب خطبة الجمعة بالإمام علي بن أبي طالب﵁-، وكرم الله وجهه. وفي الآية الكريمة من البلاغة ما فيها، مثل الإيجاز الموفي بالمعنى، والتقسيم، والطباق اللفظي، والمقابلة، وحسن النسق، وتآلف الألفاظ، والمعاني، والمساواة بينهما، وكل ذلك يظهر بأدنى تأمل، ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَأْمُرُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِالْعَدْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ:﴾ معطوفان على العدل، و(إيتاء) مضاف، و﴿ذِي﴾ مضاف إليه، مجرور وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف و﴿ذِي:﴾ مضاف، و﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿يَعِظُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ينهى المستتر، والرابط: الضمير، ويجوز اعتبار الجملة مستأنفة، لا محل لها. وانظر إعراب مثل ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ومحلها في الآية رقم [٨١].\n\n<span id=\"aya-1992\"></span>﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ:﴾ قال القرطبي: لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان، ويلتزمه الإنسان من بيع، أو صلة، أو مواثقة في أمر موافق للديانة، وهذه الآية مضمون قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ..﴾. إلخ؛ لأن المعنى فيها: افعلوا كذا واتركوا كذا، فعطف على ذلك التقدير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] من سورة (الرّعد). تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِذا عاهَدْتُمْ﴾","vol":"5","page":249},{"text":"أي: الله، أو الرسول ﷺ، أو أي مخلوق من الناس. فحذف المفعول للتعميم. ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ﴾ أي: العهود والمواثيق التي تعطونها الناس، وتقطعونها على أنفسكم. وقيل: المراد بالأيمان:\nجمع اليمين، وهو الحلف بالله والقسم به، وهو يشمل النذور التي ينذرها المسلم لله تعالى. ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها:﴾ تشديدها، وتغليظها. هذا؛ ويقال: تأكيدها بإبدال الواو همزة، وهما لغتان في الاستعمال سواء مثل: «ورّخت الكتاب، وأرّخته».\n ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا:﴾ شاهدا. ويقال: حافظا. ويقال: ضامنا. وفي الكلام استعارة، أو مجاز مرسل. ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ:﴾ من نقض العهد والوفاء به. هذا؛ وانظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣١]، وشرح (الأيمان) في الآية رقم [٣٨]، والفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، انظر الآية رقم [٧٤].\nالإعراب: ﴿وَأَوْفُوا:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. انظر الشرح. (أوفوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب: (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿بِعَهْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و(عهد): مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿عاهَدْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر)، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا:﴾ إليها، وجملة: ﴿وَأَوْفُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على كلام مقدر انظر الشرح. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَنْقُضُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ. والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْأَيْمانَ:﴾ مفعول به.\n ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و﴿تَوْكِيدِها:﴾ مضاف إليه، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿وَلا تَنْقُضُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جَعَلْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿كَفِيلًا﴾ بعدهما. ﴿كَفِيلًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من لفظ الجلالة، وجملة: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو والضمير. ﴿الْأَيْمانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تفعلونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم فعلكم. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿الْأَيْمانَ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي، أو هي مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":250},{"text":"<span id=\"aya-1993\"></span>﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ أي: ناقضي العهد، أو في نقضه. ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أي: من بعد إبرامه، وإحكامه، قال الكلبي، ومقاتل-رحمهما الله تعالى-: هذه امرأة من قريش، يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم، وكانت خرقاء حمقاء، بها وسوسة، وكانت قد اتخذت مغزلا قدر ذراع، وصنارة مثل الإصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف، أو الشعر، أو الوبر، وتأمر جواريها بالغزل، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن، فكان هذا من دأبها. والمعنى: أن هذه المرأة لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك من نقض العهد، لا تركه، ولا حين عاهد وفى به. انتهى. خازن.\n ﴿أَنْكاثًا:﴾ جمع نكث، والنّكث والنقض بمعنى، المفعول بكسر النون، والمصدر:\nالنّكث بفتح النون، ومعنى ﴿أَنْكاثًا﴾ جعل الغزل طاقات. ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ أي:\nتتخذون العهود، والمواثيق التي تبرمونها مع غيركم خداعا، وخيانة، وغشّا، ولفّا، ودورانا، ومكرا. هذا؛ والدخل، والدّخن، والدّغل بمعنى: واحد تقريبا.\n ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ:﴾ والمعنى: لا تنقضوا ما أبرمتم من العهود، من أجل أن تكون قبيلة أقوى شكيمة من القبيلة التي عاهدتموها، قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: وذلك: أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوما أكثر من ذلك، وأعز؛ نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا الأكثر. ﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ أي: يختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهد، وهو أعلم بكم.\nوقيل: الخطاب للمسلمين، والمعنى: إنما يختبركم بكون قريش أقوى منكم لينظر أتتمسكون بما عاهدتم الله ورسوله، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم، وتنفرون من قلة المؤمنين، وفقرهم.\n ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ..﴾. إلخ: أي: في الدنيا من مصدّق بالبعث، والحساب، ومكذّب بذلك، فحينئذ يثبت المصدق الطائع، ويعاقب المكذب المسيء المخالف.\nبعد هذا انظر شرح: ﴿أُمَّةٌ﴾ في الآية رقم [٣٦] وشرح (يبين) في الآية رقم [٤٤] وشرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٢٥] وإعلال كنتم في الآية [٤٣].\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف","vol":"5","page":251},{"text":"للتفريق. ﴿كَالَّتِي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى:\nمثل فهي الخبر، وتكون مضافة، و(التي) اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿نَقَضَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى (التي). ﴿غَزْلَها:﴾ مفعول به، و(ها):\nفي محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿غَزْلَها،﴾ و﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و﴿قُوَّةٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿أَنْكاثًا:﴾ حال من ﴿غَزْلَها،﴾ أو هو مفعول به ثان على تضمين ﴿نَقَضَتْ﴾ معنى: صيرت، وجوز الزجاج فيه وجها ثالثا، وهو النصب على المصدرية؛ لأن معنى ﴿نَقَضَتْ﴾ نكثت، فهو مطابق لعامله في المعنى. وقيل: منصوب بفعل محذوف، التقدير: فجعلته أنكاثا، وجملة: ﴿نَقَضَتْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا تَكُونُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أوفوا...) إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿تَتَّخِذُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَيْمانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿دَخَلًا:﴾ مفعول به ثان. وقال مكي: مفعول لأجله، وليس بالقوي. تأمل.\n ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿دَخَلًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَتَّخِذُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المستتر في متعلق ﴿كَالَّتِي﴾ واعتبارها خبرا ثانيا للفعل الناقص أجود. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَكُونَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿أُمَّةٌ:﴾ فاعل ﴿تَكُونَ﴾ على تمامه، واسمه على نقصانه. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَرْبى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿مِنْ أُمَّةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿أَرْبى؛﴾ لأنه صيغة تفضيل. والجملة الاسمية: ﴿هِيَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿أُمَّةٌ،﴾ أو هي في محل نصب خبر تكون على نقصانه. هذا؛ والكوفيون يجوزون اعتبار ﴿هِيَ﴾ فصلا، فيكون (أربى) صفة ﴿أُمَّةٌ،﴾ أو خبر ﴿تَكُونَ،﴾ والبصريون لا يجوزونه؛ لأن ما قبله نكرة، ولو كان معرفة؛ لجاز بالاتفاق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَكُونَ..﴾. إلخ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لكون أمة... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَتَّخِذُونَ﴾. وهو عند البصريين على تقدير:\nمضاف، واقع مفعولا لأجله، التقدير: مخافة أن تكون... إلخ، وعند الكوفيين، التقدير:\nلئلا تكون... إلخ. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَبْلُوكُمُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يبينن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا، وأجيز تعليقه بمحذوف حال، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّما:﴾ مفعول به، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، كما في الآية السابقة واللاحقة، وباقي","vol":"5","page":252},{"text":"الإعراب واضح إن شاء الله تعالى، وقد مرّ معنا كثير مثله، وجملة: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ..﴾. إلخ جواب قسم محذوف، والقسم المحذوف، وجوابه كلام معطوف على الجملة قبله، لا محل له مثلها.\n\n<span id=\"aya-1994\"></span>﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: على ملة واحدة، ودين واحد، وهو الإسلام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٨] من سورة (هود) ﵇، فإنه جيد جدا.\n ﴿وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ إضلاله، وذلك بخذلانه إيّاه عدلا منه. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته بتوفيقه إياه فضلا منه، وتكرما. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرّعد)، ففيها القول الفصل. ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: في الدنيا سؤال تبكيت، وتأنيب، ومجازاة.\nفيجازي المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، أو يغفر له. وانظر سؤال الكافرين في الآية رقم [٩٢] من سورة (الحجر).\nبعد هذا انظر شرح: ﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [٢] وأما (لتسألنّ) فأصله: (تسألون) فلمّا اتصلت به نون التوكيد؛ صار (لتسألوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار (لتسألونّ) ثم حذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على اللام لتدل على الواو المحذوفة، فصار (لتسألنّ).\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلَكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (جعلكم أمة):\nماض ومفعولاه، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل لها. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة ﴿أُمَّةً﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿يُضِلُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يضل الذي، أو شخصا يشاء الله إضلاله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو)، لا محل لها أيضا، وجملة:\n ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة لا محل لها أيضا. ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (تسألن): مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة نائب فاعله، والنون حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل","vol":"5","page":253},{"text":"الموصولة والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير عن الذي، أو عن شيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: عن عملكم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:\n ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-1995\"></span>﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية السابقة، وهذا تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدا، ومبالغة في قبح المنهي، قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، نهاهم عن نقض عهده؛ لأن الوعيد الذي بعده، وهو: قوله ﷾: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ لا يليق بنقض عهد غيره.\n ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها:﴾ مثل يذكر لكل من وقع في بلاء، ومحنة بعد عافية، ونعمة، أو سقط في ورطة بعد سلامة. تقول العرب لكل واقع في بلاء بعد عافية: زلت قدمه. قال الشاعر: [الطويل]\nسيمنع منك السّبق إن كنت سابقا... وتقتل إن زلّت بك القدمان\nوقال زهير بن أبي سلمى: [الطويل]\nتداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها... وذبيان قد زلّت بأقدامها النّعل\nولا ريب: أنه استعارة للمستقيم الحال يقع في شرّ عظيم، ويسقط فيه، والمراد: أقدام كثيرة، وإنما وحّد ونكر للدلالة على: أنّ زلل قدم واحدة عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟!\n ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: تذوقوا العذاب في الدنيا بسبب كفركم، ومنعكم الناس من الدخول في دين الإسلام. ﴿وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: في الآخرة. هذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه؛ أي: اختبره. وانظر فلانا، فذق ما عنده، قال الشماخ يصف فرسا: [الطويل]\nفذاق، فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز\nوقد يعبّر بالذوق عمّا يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما؛ لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nفذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم","vol":"5","page":254},{"text":"وتقول: ذقت ما عند فلان؛ أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها لتنظر ما شدّتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]\nفذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب\nوتذوقته: أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق: أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر]\nوعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق\nوأصله من: الذوق بالفم، و(ذوقوا) في كثير من الآيات أمر للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلة وفي (العذاب) استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية... إلخ والواو فاعله. ﴿أَيْمانَكُمْ:﴾ مفعول به أول. ﴿دَخَلًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿دَخَلًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، والتكرير للتوكيد.\n ﴿فَتَزِلَّ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية. ﴿قَدَمٌ:﴾ فاعل. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و﴿ثُبُوتِها:﴾ مضاف إليه، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم اتخاذ... فزلّ قدم... إلخ.\n (تذوقوا): مضارع معطوف على (تزل) منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله.\n ﴿السُّوءَ:﴾ مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَدَدْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، و(ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بصدكم الناس، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1996\"></span>﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ..﴾. إلخ: أي: ولا تنقضوا عهودكم، وتطلبوا بنقضها عوضا من الدنيا قليلا، ولكن، أوفوا بها. هذا؛ وإنما كان عرض الدنيا قليلا؛ وإن كثر؛ لأنه ممّا","vol":"5","page":255},{"text":"يزول، فهو على التحقيق قليل: وقد فسرت ذلك الآية التالية؛ حيث بينت الفرق بين حال الدنيا، وحال الآخرة بأنّ هذه تنفد، وتزول، وما عند الله من مواهب فضله، ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفى بالعهد، وثبت على العقد. ولقد أحسن من قال: [الكامل]\nالمال ينفد حلّه وحرامه... يوما، وتبقى في غد آثامه\nليس التقيّ بمتّق لإلهه... حتّى يطيب شرابه وطعامه\nوقال آخر: [الوافر]\nهب الدنيا تساق إليك عفوا... أليس مصير ذاك إلى انتقال؟\nوما دنياك إلاّ مثل فيء... أظلّك، ثمّ آذن بالزّوال\n ﴿إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ..﴾. إلخ: أي: أنّ الذي عند الله من الثواب لكم على الوفاء بالعهد خير وأفضل من حطام الدنيا العاجل. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ الفرق بين عرض الدنيا، وحطامها الزائل، وثواب الآخرة الباقي الدائم. هذا؛ وانظر (عهد الله) في الآية رقم [٢٠] من سورة (الرعد). وانظر شرح: ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام.\nقيل: نزلت الآية وما بعدها في امرئ القيس بن عابس الكندي، وخصمه عبدان بن أسوع، اختصما في أرض، فأراد امرؤ القيس أن يحلف، فلما سمع هذه الآية؛ نكل، وأقرّ له بحقه.\nوهذا يعني: أن الآيتين مدنيتان. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى».\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَشْتَرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِعَهْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(عهد) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثَمَنًا:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفته، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّما:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ما):\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما)، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة الاسمية: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، وجملة:\n ﴿إِنَّما..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٤٣] وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن كنتم تعلمون ذلك؛ فلا تشتروا... إلخ، أو فلا تنقضوا.. إلخ.","vol":"5","page":256},{"text":"<span id=\"aya-1997\"></span>﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أي: من متاع الدنيا ولذاتها يفنى ويذهب. ﴿وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ أي: من ثواب الآخرة، ونعيم الجنة. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: على السرّاء والضرّاء، وعلى الوفاء بالعهد، وعلى الطاعات على اختلاف أنواعها، وعن المعاصي على تفاوت مراتبها ودرجاتها، وعلى أذى الكفار. وانظر «الصبر» في الآية رقم [١١٥] من سورة (هود) ﵇.\nوانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر)، ويقرأ الفعل بالياء. ﴿بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الطاعات، من واجبات، ومندوبات. هذا؛ وقد قال الزمخشري: إنّ كلّ ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج، والذهاب مثل: نفق، ونفخ، ونفذ، ونفد... إلخ.\nهذا؛ وإعلال ﴿باقٍ﴾ مثل إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (يوسف) ﵇.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَنْفَدُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للخبرية، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها. ﴿باقٍ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نجزين): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، أو هو. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿صَبَرُوا﴾ صلة الموصول. ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِأَحْسَنِ:﴾ متعلقان بالفعل نجزين. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٩٣] ففيها الكفاية، وجملة: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.\n<span id=\"aya-1998\"></span>﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا..﴾. إلخ: يخبرنا الله جلت حكمته بهذه الآية: أنه يثيب العاملين أعمالا صالحة بحياة طيبة في الدنيا، فإنه إن كان موسرا؛ فالأمر واضح، وإن كان معسرا فيطيب عيشه بالقناعة، والرضا بالقسمة، وتوقع الأجر العظيم في الآخرة، بخلاف الكافر، والمنافق،","vol":"5","page":257},{"text":"فإنه إن كان معسرا؛ فظاهر، وإن كان موسرا؛ لم يدعه الحرص، وخوف الفوات أن يهنأ بعيشه، فيعلم من هذا أنّ عيش المؤمن في الدنيا، وإن كان فقيرا أطيب من عيش الكافر، وإن كان غنيا؛ لأن المؤمن لما علم: أنّ رزقه من عند الله، وذلك بتقديره، وتدبيره، وعرف: أنّ الله محسن كريم متفضل، لا يفعل إلا الصواب، فكان راضيا عن الله، راضيا بما قدّره الله له، فاستراحت نفسه من الكدّ والحرص، فطاب عيشه بذلك، وأما الكافر، أو الجاهل بهذه الأصول-وإن كان مسلما-لحريص على طلب الرزق، فيكون أبدا في حزن، وتعب، وعناء، وحرص، وكد، ولا ينال من الرزق إلا ما قدّر له، فظهر بهذا: أن عيش المؤمن القنوع أطيب من عيش غيره.\nهذا؛ وقال السدي: الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر؛ لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا، وتعبها. وقال قتادة، ومجاهد: المراد بالحياة الطيبة: الجنة. وروي عن الحسن: أنه قال: لا تطيب لأحد الحياة إلا في الجنة؛ لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وملك بلا هلك، وسعادة بلا شقاوة، فثبت بهذا: أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة، ولقوله في سياق الآية: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ..﴾. إلخ لأن ذلك الجزاء إنما يكون في الجنة. انتهى.\nخازن. وينبغي أن تعلم: أنه قد روعي لفظ (من) بإعادة الضمير مفردا بقوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ وروعي معناها بإعادة الضمير جمعا بقولهم: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ..﴾. إلخ. وانظر رقم [٩٤] من سورة (الأنبياء).\nتنبيه: ذكر الله في الآية الكريمة قبول الأعمال الصالحة من العاملين ذكورا، وإناثا، ووعدهم عليها الحياة الطيبة، والجزاء الحسن في الآخرة، وهو ممّا يستدل به على أنّ الذّكر، والأنثى من بني آدم في المسئولية، والتكليف سواء، وفي الإثابة، والعقاب على سواء أيضا، كيف لا وقد قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٩٥]: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ ووصف النساء، والرجال بعشر صفات في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأحزاب). وأما ما نشاهده في كثير من الآيات من تخصيص الذّكور بالذّكر، مثل (المؤمنين) و(المتقين) و(الفاسقين) و(الظالمين) ... إلخ؛ فإنما هو من باب التغليب، أو إنّ الإناث ملحقة بالذكور إلحاقا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: لقد شرط الله الإيمان لقبول الأعمال الصالحة؛ لأن العمل الصالح بدون إيمان بالله وبمحمد ﷺ لا يغني فتيلا، وذكر الإيمان مع العمل الصالح يسمّى في علم البديع: احتراسا، فلولا شرط الإيمان؛ لفهم: أنّ كل عمل صالح مقبول، وأنّ كل عامل خيرا يدخل الجنة. وانظر أعمال الكافرين وجزاءهم في الآية رقم [١٥] من سورة (هود) ﵇. وانظر احتراسا آخر في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد). وانظر الإيمان في الآية [٣٨].\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو».","vol":"5","page":258},{"text":"﴿صالِحًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ ذَكَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿عَمِلَ﴾ المستتر، و﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أُنْثى:﴾ معطوف على ﴿ذَكَرٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في محل نصب حال ثانية من فاعل ﴿عَمِلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نحيينه): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم المقدر، وجوابه في محل جزم جواب الشرط. ﴿حَياةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة؛ فجملة: ﴿عَمِلَ صالِحًا..﴾. إلخ صلتها، وخبرها الجملة القسمية التي رأيت تقديرها، واقترنت الفاء بالخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وجملة: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-1999\"></span>﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويدخل فيه غيره من أمته؛ لأنه لمّا كان غير محتاج إلى الاستعاذة، وقد أمر بها فغيره أولى بذلك، ولمّا كان الشيطان ساعيا في إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، وكانت الاستعاذة بالله مانعة من ذلك، لهذا السبب أمر الله رسوله ﷺ والمؤمنين بالاستعاذة عند القراءة؛ حتى تكون مصونة من وساوس الشيطان.\nهذا؛ وظاهر اللفظ يدلّ على أنّ الاستعاذة بعد القراءة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة، والتابعين. ومذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة، وفقهاء الأمصار:\nأنّ الاستعاذة مقدمة على القراءة. قالوا: ومعنى الآية: إذا أردت أن تقرأ القرآن؛ فاستعذ بالله.\nمثله قوله جل وعز: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ..﴾. إلخ، ومثله من الكلام إذا أردت أن تأكل؛ فقل: بسم الله، وإذا أردت أن تسافر؛ فتأهب، والجمهور على أنّ الأمر للاستحباب. وفيه دليل على أنّ المصلي يستعيذ في كلّ ركعة، ومذهب عطاء: أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن في الصّلاة وغيرها.\nفعن عبد الله بن مسعود﵁-، قال: قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالسّميع العليم من الشّيطان الرجيم؛ فقال: «قل أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم؛ هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللّوح المحفوظ».","vol":"5","page":259},{"text":"الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية [٨٥] ﴿قَرَأْتَ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (استعذ): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿الرَّجِيمِ:﴾ صفة ﴿الشَّيْطانِ﴾ وجملة:\n ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2000\"></span>﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان. ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ:﴾ تسلط وولاية. ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: على أولياء الله تعالى المؤمنين به، والمتوكلين عليه، فإنهم لا يطيعون، أوامره، ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة، ولذلك أمروا بالاستعاذة، فذكر السلطنة بعد الأمر بالاستعاذة لا يوهم أن له قدرة وولاية على الذين آمنوا، ولذا قال سفيان:\nليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر، وبالجملة كما قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوّة على طاعة إلا بتوفيق الله تعالى.\nبعد هذا انظر التوكل في الآية رقم [٤٢] وانظر ما قال إبليس اللعين، وما رد عليه رب العالمين في الآية [٣٩ - ٤٣] من سورة (الحجر). هذا؛ و﴿سُلْطانٌ﴾ من معانيه: الحجة، والبرهان. قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه، كالسلطان يقهر غيره. وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه.\nهذا؛ وجمعه بمعنى الحاكم والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى: الحجة والبرهان.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر ليس تقدم على اسمها. ﴿سُلْطانٌ:﴾ اسمها مؤخر. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿سُلْطانٌ،﴾ أو بمحذوف صلة له، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.\nوجملة: ﴿لَيْسَ لَهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها. ﴿وَعَلى:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(عَلى رَبِّهِمْ):﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَتَوَكَّلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-2001\"></span>﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ:﴾ تسلطه، وولايته. ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ:﴾ يحبونه، ويطيعون، أوامره. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أي: بالله يشركون معه غيره في العبادة. وقيل: يعود الضمير","vol":"5","page":260},{"text":"إلى الشيطان، والمعنى والذين هم بسبب الشيطان مشركون، وذلك بوسوسته، وإغوائه، وإضلاله، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿سُلْطانُهُ:﴾ مبتدأ. والهاء: في محل جر بالإضافة.\n ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿يَتَوَلَّوْنَهُ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (الذين): معطوف على سابقه، فهو مبني على الفتح في محل جر مثله. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُشْرِكُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ صلة الموصول، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2002\"></span>﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ:﴾ وهذا التبديل يكون بالنسخ حيث يجعل الله الآية الناسخة مكان الآية المنسوخة لفظا، أو حكما. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ أي: الله أعلم بما ينزل من الناسخ، وبما هو أصلح لخلقه، فلعل ما يكون مصلحة في وقت، يصير مفسدة في وقت بعده فينسخه، وما لا يكون فيه مصلحة حينئذ، يكون مصلحة الآن، فيثبته مكانه، وهذا نوع توبيخ، وتقريع للكفار على قولهم للنبي ﷺ، كما حكى الله عنه: ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي:\nمختلق ومتقوّل على الله. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ حكمة الله في أحكامه من ناسخ ومنسوخ، ولا يميزون الخطأ من الصواب. هذا؛ وذكر الأكثر: إما لأنّ بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصير في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو؛ لأنه يقام مقام الكل.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة حين قال المشركون من أهل مكة: إن محمدا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غدا، ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه، وإن أردت بيان النسخ وشرحه انظر الآية رقم [١٠٦] من سورة (البقرة). هذا؛ وانظر شرح: ﴿آيَةً﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الحجر)، وإعلال ﴿مُفْتَرٍ﴾ مثل إعلال ﴿ناجٍ﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (يوسف) ﵇، ولا تنس: أنّ ﴿أَعْلَمُ﴾ ليس على بابه، وإنما هو بمعنى: عالم؛ لأنه تعالى لا يشركه أحد في علم، ولا في قدرة.","vol":"5","page":261},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر مثلها في الآية رقم [٨٥]. ﴿بَدَّلْنا:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به أول. ﴿مَكانَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿آيَةً﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أعلم بالذي، أو بشيء ينزله. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ..﴾. إلخ معترضة بين شرط (إذا) وجوابها، وأجيز اعتبارها في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو فقط، والأول: أقوى. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة.\n ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُفْتَرٍ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، وعطفها على ما قبلها يخل بالمعنى؛ لأنها ليست من مقول المشركين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2003\"></span>﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿نَزَّلَهُ﴾ أي: القرآن ناسخه ومنسوخه. ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أي: جبريل ﵊، والمعنى: الروح المقدسة، أضيف إلى القدس، وهو الطهر، كما يقال: حاتم الجود، وطلحة الخير. هذا؛ ويقرأ ﴿الْقُدُسِ﴾ بضم الدال وسكونها. وانظر (الرسل) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد).\n ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليثبت بالقرآن قلوب المؤمنين، فيزدادوا إيمانا، ويقينا، واطمئنانا ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ انظر الآية رقم [٨٩] ففيها الكفاية. وانظر (نزلنا) في الآية [٨٩] أيضا. وانظر شرح (الحق) في الآية رقم [١٢٠] من سورة (هود) ﵇.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿نَزَّلَهُ:﴾ ماض، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿رُوحُ:﴾ فاعله. و﴿رُوحُ:﴾ مضاف، و﴿الْقُدُسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ أي: ملتبسا بالحق، وجملة: ﴿نَزَّلَهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِيُثَبِّتَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى","vol":"5","page":262},{"text":"﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَزَّلَهُ﴾. (هدى): معطوف على محل: ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ أي: فهو مفعول لأجله منصوب، أو هو معطوف على لفظ المصدر المنسبك من «أن» والمضارع، فهو مجرور، وأجاز أبو البقاء اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف أي: وهو هدى، فهو مرفوع، وعليه: فالجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، والفتحة، أو الكسرة، أو الضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَبُشْرى:﴾\nمعطوف على سابقه على جميع الاعتبارات فيه. ﴿لِلْمُسْلِمِينَ:﴾ متعلقان بأحد الاسمين السابقين، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وذلك على التنازع. وانظر مثله في الآية رقم [٨٩].\n\n<span id=\"aya-2004\"></span>﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ:﴾ وذلك: أن كفار مكة قالوا: إنما يتعلم محمد هذه القصص، وهذه الأخبار من إنسان آخر، وهو آدمي مثله، وليس هو من عند الله، كما يزعم، فردّ الله عليهم بهذه الآية، واختلفوا في ذلك البشر: من هو؟ فقيل: هو جبر الرومي غلام عامر بن الحضرمي. وقيل: كان عبدان لعبيد الله بن مسلمة، يقال لأحدهما: يسار، ويقال للآخر: جبر، كانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة، والإنجيل، وكان رسول الله ﷺ يمر عليهما، ويسمع ما يقرءانه. وقيل: هو عائش كان مملوكا لحويطب بن عبد العزى، كان نصرانيا، وقد أسلم، وحسن إسلامه. وقيل: هو عدّاس غلام عتبة بن ربيعة.\nوالحاصل: أن المشركين اتهموا رسول الله ﷺ بأنه يتعلم ما يسمعهم إياه من غيره، ثم هو يضيفها لنفسه، ويزعم أنه وحي من الله ﷿، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ أي: لغة الشخص الذي يميلون ويشيرون إليه أعجمية. هذا؛ والإلحاد: الميل، يقال: لحد، وألحد؛ أي: مال عن القصد، وقرئ: «(يلحدون)» بفتح الياء والحاء، والأعجمي:\nهو الذي لا يفصح في كلامه، والعرب تسمي كلّ من لا يعرف لغتهم، ولا يتكلم بكلامهم أعجميا. وقال الفراء: الأعجم الذي في لسانه عجمة، وإن كان عربيا. انتهى. ومنه سمي زياد الأعجم؛ لأنه كان في لسانه عجمة مع كونه من العرب، والأعجمي، والعجمي: الذي أصله من العجم، فهو منسوب إليهم. هذا؛ والأعرابي: هو الذي يسكن البادية، والعربي: هو الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب، وهو منسوب إلى العرب، وجمع الأول: الأعراب كما في الآية رقم [٩٠] من سورة (التوبة) وما بعدها، وجمع الثاني: العرب.","vol":"5","page":263},{"text":"﴿وَهذا﴾ أي: القرآن الكريم المنزل على محمد ﷺ. ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بين الفصاحة، والبلاغة: فكيف يأتي به أعجمي لا يحسن العربية، ولا يتكلّم بها، وأنتم يا معشر قريش، فرسان البلاغة والفصاحة، وقد عجزتم عن إتيان سورة من مثله مع كونه قد تحدّاكم مرارا. ولا يعزب عن بالك أن الله جلّت قدرته قد أطلق كلمة لسان على القرآن بكامله، كما أطلقه العرب على كلمة السوء، وعلى القصيدة من الشعر، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤] من سورة (إبراهيم) ﵇، ففيها فضل بيان. وانظر إعلال ﴿مُبِينٌ﴾ ومعناه في الآية رقم [١] من سورة (الحجر).\nهذا؛ و﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: الفلك، تطلق على المفرد، والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنّها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ و(بشر) يطلق على المفرد كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٦] من سورة (مريم)، ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (المؤمنون)، ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ الآية رقم [٢٥] من سورة (مريم) أيضا.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (الحجر) ففيها فضل بيان. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِنَّما:﴾\nكافة ومكفوفة. ﴿يُعَلِّمُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به، ﴿بَشَرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) اسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿نَعْلَمُ،﴾ وجملة: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ..﴾.\nإلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿لِسانُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿يُلْحِدُونَ:﴾\nمضارع، وفاعله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿أَعْجَمِيٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿لِسانُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَهذا:﴾ الواو: حرف عطف. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿لِسانُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿عَرَبِيٌّ مُبِينٌ:﴾ صفتان له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"5","page":264},{"text":"<span id=\"aya-2005\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: لا يصدقون بآيات القرآن المنزلة من عند الله على الرسول ﷺ. ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللهُ:﴾ لا يوفقهم للإيمان، أو لا يدلهم على طريق النجاة، والفلاح المؤدي إلى الجنة. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة، هددهم على كفرهم بالقرآن، بعد ما أماط شبهتهم، وردّ طعنهم فيه في الآية السابقة، ثم قلب الأمر عليهم بالآية اللاحقة.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَهْدِيهِمُ:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء: مفعول به.\n ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، واعتبارها حالا من الضمير المنصوب غير مستبعد.\n<span id=\"aya-2006\"></span>﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ أي: يختلق الكذب، ويصطنعه، بل ويمتهنه. ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ:﴾ هو مثل الآية السابقة. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أي: الكاذبون على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب، المولعون به؛ لأن تكذيب آيات القرآن، والطعن فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب، أو هم الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه خلق، ولا دين، ولا مروءة، وقد أخبر الله تعالى عن حالهم بقوله: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ..﴾. إلخ ثم وصفهم بقوله: ﴿هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ ليدل على أنّ الكذب نعت لازم لهم، كقول الرجل لغيره: كذبت، وأنت كاذب؛ أي: كذبت في هذا القول، ومن عادتك الكذب\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-وفي الآية دليل على أنّ الكذب من أفحش الذنوب الكبار؛ لأن الكاذب المفتري هو الذي لا يؤمن بآيات الله. روى البغوي، بإسناد الثعلبي عن عبد الله بن جراد، قال: قلت: يا رسول الله! المؤمن يزني؟ قال: «قد يكون ذلك». قلت: المؤمن يسرق؟ قال: «قد يكون ذلك». قلت: المؤمن يكذب؟ قال: «لا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ..﴾. إلخ». انتهى.\nأقول، وجاء في كتاب الترغيب، والترهيب ما يلي: عن صفوان بن سليم﵁- قال: قيل: يا رسول الله! أيكون المؤمن جبانا؟ قال: «نعم». قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال","vol":"5","page":265},{"text":"«نعم». قيل له: أيكون المؤمن كذّابا؟ قال: «لا». رواه مالك هكذا مرسلا. هذا؛ والأحاديث المنفّرة من الكذب، والمرغبة في الصدق كثيرة مشهورة، أكتفي منها بما يلي: عن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بالصّدق، فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرّى الصّدق؛ حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإيّاكم والكذب، فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرّى الكذب؛ حتّى يكتب عند الله كذّابا». رواه البخاري، ومسلم. كيف لا؟ والرسول ﷺ جعل الكذب صفة من صفات النفاق. هذا؛ وانظر الصدق، وماله في حديث كعب بن مالك﵁في الآية [١١٩] من سورة (التوبة)، ولا تنس: أنه قد ورد الترغيب في الصدق، والترهيب من الكذب في الشعر العربي أكتفي بقول الشاعر هنا: [البسيط]\nلا يكذب المرء إلاّ من مهانته... أو فعله السّوء أو من قلّة الأدب\nلبعض جيفة كلب خير رائحة... من كذبة المرء في جدّ وفي لعب\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة، وهي مفيدة للحصر. ﴿يَفْتَرِي:﴾ مضارع مرفوع\nإلخ. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. الواو:\nحرف عطف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل لا محل له. ﴿الْكاذِبُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا، و﴿الْكاذِبُونَ﴾ خبره؛ فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (أولئك) والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2007\"></span>﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ﴾ أي: من كفر من بعد إيمانه، ورجع عن الإسلام، فعليه غضب الله، قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن خطل، وقيس بن الوليد بن المغيرة، كفروا بعد إيمانهم. انتهى. قرطبي.\nوهؤلاء هم الذين شرحت صدورهم بالكفر، فاستحقوا غضب الله في الدنيا، وفي الآخرة؛ حيث اعتقدوه، وطابت نفوسهم به.","vol":"5","page":266},{"text":"﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ أي: على الافتراء، أو كلمة الكفر. ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ أي: لم تتغير عقيدته، وقلبه ثابت على الإيمان، والمراد: به عمار بن ياسر﵄فقد روي: أن قريشا أكرهوا عمارا، وأبويه ياسرا، وسمية على الارتداد عن الإسلام، فربطوا سمية بين بعيرين، ثم جاء أبو جهل الخبيث، فجعل يسبها، ويرفث، ثم طعن فرجها بحربة خرجت من فمها، فقتلها﵂-، وأرضاها، وقتلوا ياسرا﵁-، وهما أول قتيلين شهيدين في الإسلام، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله! إن عمارا كفر، فقال: «كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من فرقه، إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه».\nوأتى عمار﵁يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه. وقال: «مالك؟». قال:\nيا رسول الله نلت منك، وقلت: كذا، وكذا! فقال: «كيف وجدت قلبك». قال: مطمئنا بالإيمان، قال: «لا حرج عليك، وإن عادوا لك؛ فعد لهم بما قلت».\nوفيه دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه، وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين، كما فعله أبو عمار﵃-. وقد روي: أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين مسلمين، فقال لأحدهما ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فماذا تقول فيّ؟ قال: أنت أيضا، فخلاه. وقال للآخر، ما تقول: في محمد؟ قال رسول الله ﷺ، قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: أما الأول؛ فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني؛ فقد صدع بالحق، فهنيئا له. انتهى. بيضاوي بتصرف.\nقال العلماء: أول من أظهر الإسلام مع رسول الله ﷺ سبعة: أبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وأبوه ياسر، وأمه سمية﵃ أجمعين-فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله من أذى المشركين بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر﵁-؛ فمنعه قومه، وعشيرته، وأخذ الآخرون، وألبسوا أدراع الحديد، وأجلسوا في حر الشمس بمكة، فأما بلال﵁-، فكانوا يعذبونه، وهو يقول: أحد أحد؛ حتى اشتراه أبو بكر، وأعتقه، وقتل ياسر، وسمية كما تقدم. وقال خباب: لقد، أوقدوا لي نارا، ما أطفأها إلا ودك ظهري. وأجمعوا على أنّ من أكره على الكفر، لا يجوز له أن يتلفظ بكلمته تصريحا، بل يأتي بالمعاريض، وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب على الإيمان، غير معتقد ما يقوله من كلمة الكفر، ولو صبر؛ حتى قتل؛ كان أفضل؛ لأن ياسرا، وسمية قتلا، ولم يتلفظا بكلمة الكفر، ولأن بلالا صبر على العذاب، ولم يلم على ذلك.\nقال العلماء: من الأفعال ما يتصور الإكراه عليها، كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير والميتة، ونحوها، فمن أكره بالسيف، أو القتل على أن يشرب الخمر، أو يأكل الميتة، أو لحم الخنزير، أو نحوها؛ جاز ذلك له، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ،﴾ وقد بيّن الله حكم الضرورة في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٣] من سورة (المائدة)، والآية","vol":"5","page":267},{"text":"رقم [١٧٣] من سورة (البقرة) أحسن بيان، ومن الأفعال، ما لا يتصور الإكراه عليه كالزنا؛ لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد، وذلك يمنع انتشار الآلة، فلا يتصور الإكراه فيه.\nواختلف العلماء في طلاق المكره، فقال الشافعي، وأكثر العلماء، لا يقع طلاق المكره.\nوقال أبو حنيفة، يقع. وهذا الاختلاف ناشئ من تأويل الحديث: «لا طلاق في إغلاق» فالشافعي ومن معه فسروا الإغلاق بالإكراه، وأبو حنيفة فسره بالغضب الشديد الذي يغيب فيه وعي الرجل، وصوابه، وعقله رحم الله الجميع رحمة واسعة، ورحمنا معهم بفضله، وكرمه، ومنّه.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدلا من: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وما بينهما اعتراض، أو من (أولئك) أو من الضمير المستتر في ﴿الْكاذِبُونَ،﴾ أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، أو هو مبتدأ، خبره محذوف، دل عليه قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وعليه يجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ موصولا، وشرطا، فعلى الثاني: تكون الفاء واقعة في جواب الشرط، وعلى الأول: تكون الفاء زائدة لتحسين اللفظ، وجاز ذلك؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿كَفَرَ:﴾ ماض، وهو في محل جزم فعل الشرط على الاعتبار الثاني: في (من) والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿كَفَرَ:﴾ المستتر و﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و﴿إِيمانِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية المحذوفة التي رأيت تقديرها خبر ﴿مَنْ،﴾ أو في محل جزم جوابها على الاعتبار الثاني فيها، وخبرها جملتا الشرط والجواب على ما هو الراجح عند المعاصرين، وعليه تكون الجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المتصل على المعتمد. ﴿أُكْرِهَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية صلتها لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُطْمَئِنٌّ﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبتدأ، وجملة:\n ﴿شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد رجوع الفاعل إليه. ﴿فَعَلَيْهِمْ:﴾\nالفاء: زائدة لتحسين اللفظ.. إلخ. (عليهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَضَبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة غضب، أو هما متعلقان به؛ لأنه مصدر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مَنْ﴾ شرطية، ولكن متى جعلت شرطية؛ فلا بد من إضمار مبتدأ قبلها؛ لأنه لا يليها الجمل الشرطية ولذا قيل: (لكن): مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن.\nقاله الشيخ، وإنما لم تقع الشرطية بعد (لكن)؛ لأن الاستدراك لا يقع في الشروط، وكذا قيل:\nوهو ممنوع. انتهى. جمل نقلا عن السمين. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية","vol":"5","page":268},{"text":"السابقة، وهو ممّا يضعف البدلية في ﴿مَنْ﴾ ويرجح اعتبارها مبتدأ. ولا يعزب عن بالك: أنه قد روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ في رجوع الفاعل إليها، وروعي معناها في: (عليهم) و(لهم) وهو الجمع.\nتأمّل.\n\n<span id=\"aya-2008\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى غضب الله الذي استحقوه. وقيل: الإشارة إلى الكفر بعد الإيمان. ﴿بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ اختاروا العاجلة الفانية على الآجلة الباقية وفضلوها عليها. ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي: لا يرشدهم إلى الإيمان، ولا يوفقهم للعمل به، وهذا يرجع إلى علمه الأزلي بأنهم لو تركوا، وشأنهم لما اختاروا غير الكفر. هذا؛ وقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها بنو آدم بالدنيا لدناءتها وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله من قال: [الكامل]\nيا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nوانظر شرح الآخرة في الآية رقم [٣٠]، وشرح: ﴿الْقَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٣]، و﴿الْكافِرِينَ﴾ جمع: كافر، والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها، كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها، وكفر الشيء: غطاه، وستره، وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في معلقته: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمُ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم علامة جمع الذكور. ﴿اِسْتَحَبُّوا:﴾ ماض، والواو فاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ). ﴿الْحَياةَ﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة لها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَى الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (أن): حرف مشبه بالفعل.","vol":"5","page":269},{"text":"﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة القوم منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر معطوف على سابقه.\n\n<span id=\"aya-2009\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين اختاروا الفانية على الباقية. ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ فلا يفهمون المواعظ. ﴿وَسَمْعِهِمْ:﴾ فلا يسمعون كلام الله سماع تعقل، وتدبر.\n ﴿وَأَبْصارِهِمْ:﴾ فلا يبصرون آيات الله في السموات، وفي الأرض. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ:﴾\nالكاملون في الغفلة عما يراد بهم؛ إذ أغفلتهم الدنيا عن تدبر العواقب. وانظر توحيد السمع وجمع غيره في الآية رقم [٧٨] هذا؛ ومعنى ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ ختم عليها؛ إذ الطبع في الأصل: الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، والطبع: السّجيّة والخلق الذي جبل عليه الإنسان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، وجملة:\n ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وإعراب: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ في الآية رقم [١٠٥].\n<span id=\"aya-2010\"></span>﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿لا جَرَمَ..﴾. إلخ: ردّ لما يدعونه، وإثبات لعكسه، وضدّه. ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: أن الإنسان إنما يعمل في الدنيا ليربح في الآخرة، فإذا دخل النار بان خسرانه، وظهر غبنه؛ لأنّه ضيع رأس ماله، وهو الإيمان، ومن ضيع رأس ماله فهو خاسر، وأيّ خسران أعظم من خسارة الجنة، والحرمان من نعيمها، الذي لا ينقطع؟! هذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران: إنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة، جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران المبين، فعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى جعل لكلّ إنسان مسكنا في الجنّة، ومسكنا في النّار، فأمّا المؤمنون؛ فيأخذون منازلهم، ويرثون منازل","vol":"5","page":270},{"text":"الكفّار، ويجعل الكفار في منازلهم في النّار». أخرجه ابن ماجة، وهذا تأويل قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٣] ففيها الكفاية. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْخاسِرُونَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2011\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا..﴾. إلخ: قال القرطبي: هذا كلّه في عمّار بن ياسر﵁-. انتهى. والمراد: بالفتنة ما رأيته في الآية رقم [١٠٦] حيث عذبه المشركون؛ حتى نطق بكلمة الكفر. وقال قتادة: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنهم المشركون، وقد تقدّم ذكرهم في هذه السورة؛ أي: في الآية رقم [٤١]. وقال الخازن:\nنزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا أبي جهل من الرضاعة. وقيل: كان أخاه لأمّه، وفي أبي جندل بن سهيل، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعبد الله بن أسد الثقفي، فتنهم المشركون، وعذّبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا؛ ليسلموا من شرهم، ثم إنّهم هاجروا بعد ذلك، وجاهدوا.\nهذا؛ وقرأ ابن عامر: «(فتنوا)» بالبناء للمعلوم، فيكون المعنى: من بعد ما عذبوا المؤمنين، كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتى ارتدّ عن الإسلام، ثمّ أسلما، وهاجرا إلى المدينة. بعد هذا انظر الهجرة في الآية رقم [٤١].\nوقال البيضاوي: و﴿ثُمَّ﴾ لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك؛ أي: حال المؤمنين المهاجرين، وحال المطبوع على قلوبهم، وسمعهم، وأبصارهم من الكافرين، والمجرمين، والفاسقين من المسلمين.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وخبر ﴿إِنَّ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قوله: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ و﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ الثانية واسمها تأكيد للأولى، واسمها، فكأنه قيل: ثم إن ربك، إن ربك لغفور رحيم، وحينئذ يجوز في الجار والمجرور ﴿لِلَّذِينَ﴾ وجهان: أن يتعلقا بالخبرين على التنازع، أو بمحذوف على سبيل البيان، كأنه قيل: الغفران، والرحمة للذين هاجروا. الثاني: أنّ الخبر هو نفس الجار بعدها، كما تقول: إن زيدا لك؛ أي: هو لك لا عليك، بمعنى: هو ناصرهم، لا خاذلهم. قال معناه","vol":"5","page":271},{"text":"الزمخشري. والثاني: أنّ خبر الأولى مستغنى عنه بخبر الثانية، يعني: أنه محذوف لفظا لدلالة ما بعده عليه. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nأقول: وهذا يسمى: الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وإن اعتبرت: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى وما بينهما اعتراض، وحذف خبر الثانية لفظا، فيكون من حذف الثاني لدلالة الأول عليه. تأمّل. وانظر مبحث الحذف في كتابنا: «فتح القريب المجيب» الشاهد رقم [١٠٤٩] وما بعده. ﴿هاجَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\nوانظر إعراب: ﴿دَخَلُوا﴾ في الآية رقم [٥٢] من سورة (الحجر)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿فُتِنُوا:﴾ ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعله، وما والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد فتنتهم، وجملة: ﴿جاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ معطوفتان على جملة الصلة لا محل لهما مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا..﴾. إلخ معطوفة على الكلام السابق، لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ الثانية مؤكدة للأولى. ﴿مِنْ بَعْدِها:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع أيضا، و(ها): في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على: «الفتنة». وقيل: عائدة على الهجرة، والجهاد، والصبر. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (غفور): خبر (إنّ) الأولى، أو الثانية حسب ما رأيت سابقا. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان.\nهذا؛ ومثلها في جميع وجوه الإعراب الآية رقم [١١٩] الآتية.\n\n<span id=\"aya-2012\"></span>﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ أي: اذكر يوم تأتي كل نفس تخاصم وتحاج عن نفسها. أي: فهي تشتغل بالمجادلة، لا تتفرغ إلى غيرها، والمراد بالنفس الأولى:\nالروح، وبالثانية: الذات؛ أي: البدن، وبالثالثة: الروح، والبدن. وقيل: معنى هذه المجادلة:\nالاعتذار بما لا يقبل، كقولهم: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ،﴾ ونحو ذلك من الاعتذارات. ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أي: جزاء ما عملت في الدنيا من خير، أو شر. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ:﴾\nلا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا، بل يوفون ذلك كاملا من غير زيادة، أو نقصان، وواو الجماعة عائدة على معنى النفس الثالثة؛ فلذا جمع مذكرا، وانظر شرح النفس في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇. وانظر شرح: ﴿أَتى﴾ في الآية رقم [١].\nتنبيه: روي: أن عمر بن الخطاب﵁قال لكعب الأحبار: يا كعب! خوّفنا هيّجنا حدّثنا نبّهنا! فقال له كعب: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل","vol":"5","page":272},{"text":"عمل سبعين نبيا، لأتت عليك تارات لا يهمّك إلا نفسك، وإنّ لجهنم زفرة، لا يبقى ملك مقرّب، ولا نبيّ منتخب، إلا وقع جاثيا على ركبتيه؛ حتى إنّ إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة، فيقول: يا رب! أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك اليوم إلا نفسي. قال: يا كعب! أين تجد ذلك في كتاب الله؟ قال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ..﴾. إلخ.\nوقال ابن عباس﵄في هذه الآية: ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: رب لم تكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها، ولا عقل أعقل به، حتى جئت، فدخلت في هذا الجسد، فضعّف عليه أنواع العذاب ونجّني! فيقول الجسد: رب أنت خلقتني بيدك، فكنت كالخشبة، ليس لي يد أبطش بها، ولا قدم أسعى به، ولا بصر أبصر به، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع النور، فيه نطق لساني، وبه أبصرت عيني، وبه مشت رجلي، وبه سمعت أذني، فضعّف عليه أنواع العذاب ونجّني منه! قال: فيضرب الله لهما مثلا أعمى، ومقعدا دخلا بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمرة، والمقعد لا ينالها، فنادى المقعد الأعمى: ايتني فاحملني آكل وأطعمك. فدنا منه، فحمله، فأصابوا من الثمرة، فعلى من يكون العذاب؟ قال:\nعليكما جميعا العذاب. ذكره الثعلبي. انتهى. قرطبي، وخازن. وفي النفس من هذه القصة شيء؛ لذا أقول: والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. وقيل: مفعول به لهذا المحذوف. هذا؛ وقيل: متعلق ب: ﴿رَحِيمٌ﴾. ﴿تَأْتِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿كُلُّ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿تَأْتِي..﴾.\nإلخ: في محل جر بإضافة يوم إليها. ﴿تُجادِلُ:﴾ مضارع والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٍ﴾. ﴿عَنْ نَفْسِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كل نفس، والرابط: الضمير فقط. (توفى): مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ.\n ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله وهو المفعول الأول، و﴿كُلُّ:﴾ مضاف، و﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا عملته، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: عملها، وجملة: ﴿وَتُوَفّى..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿تُجادِلُ..﴾.\nإلخ، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ في محل نصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.","vol":"5","page":273},{"text":"<span id=\"aya-2013\"></span>﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ أي: جعل الله القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا، وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته، فيجوز أن يراد قرية مقدرة؛ أي: على سبيل الفرض والتقدير، هذه صفتها، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلا لمكة، إنذارا من مثل عاقبتها، وكان الرسول ﷺ قد دعا على مشركي مكة.\nوقال: «اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف». فابتلوا بالقحط؛ حتى أكلوا الجيف، والحشرات.\n ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ أي: ذات أمن، لا يخاف أهلها من مداهمة عدوّ عليهم. ﴿مُطْمَئِنَّةً:﴾\nقارة بأهلها لا ينتقلون عنها كما كان العرب ينتقلون من مكان إلى مكان طلبا للماء والكلأ.\n ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ أي: يحمل إليها الرزق من جميع النواحي، من البر والبحر، كقوله تعالى: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وذلك بدعوة إبراهيم ﵊، وهو قوله:\n ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ ﴿فَكَفَرَتْ﴾ أي: القرية، والمراد: أهلها جحدوا نعم الله عليهم.\n ﴿بِأَنْعُمِ اللهِ:﴾ جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو هو جمع نعم كبؤس، وأبؤس، والمراد: جميع النعم؛ التي أنعم الله بها على أهل مكة، وانظر الآية رقم [١٢١] الآتية لتعرف أنه جمع قلة. وقيل: هذا الكفران هو: تكذيب الرسول ﷺ.\n ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ﴾ أي: أذاق أهلها. ﴿لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ:﴾ فقد استعار الإذاقة لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم، واشتمل عليهم من الجوع، والخوف، وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير: [الكامل]\nغمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا... غلقت لضحكته رقاب المال\nفإنه استعار الرداء للمعروف؛ لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء، لما يلقى عليه، وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف، والنوال، لا وصف الرداء، نظرا إلى المستعار له، وقد ينظر إلى المستعار، كقول الشاعر: [الوافر]\nينازعني ردائي عبد عمرو... رويدك يا أخا عمرو بن بكر\nلي الشّطر الذي ملكت يميني... ودونك فاعتجر منه بشطر","vol":"5","page":274},{"text":"استعار الرداء لسيفه، ثم قال: فاعتجر نظرا إلى المستعار. انتهى بيضاوي. ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ:﴾ هو أبلغ من «يعملون» من حيث: إنّ الصنع عمل الإنسان بعد تدرّب فيه، وتروّ، وتحري إجادة، ولذلك ذم به خواص اليهود في الآية رقم [٦٣] من سورة (المائدة)، بينما ذم عوامهم ب: (يعملون) في الآية السابقة لها.\nتنبيه: قال مقاتل-رحمه الله تعالى-وأكثر المفسرين أن هذه الآية نزلت بالمدينة، وهو صحيح؛ لأن الله تعالى وصف القرية بستّ صفات كانت موجودة في أهل مكة، فضربها الله مثلا لأهل المدينة، يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم، فيصيبهم مثل ما أصابهم من الجوع، والخوف، ويشهد لصحته أن الخوف المذكور في هذه الآية في قوله: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ كان من البعوث والسرايا، التي كانت للنبي ﷺ يبعثها في قول جميع المفسرين؛ لأنه ﵇ لم يؤمر بالقتال لما هاجر إلى المدينة، فكان يبعث البعوث، والسرايا إلى حول مكة، يخوفهم بذلك وهو بالمدينة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿قَرْيَةً:﴾ بدل من ﴿مَثَلًا:﴾\n ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى القرية، ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً:﴾ خبران ل:\n ﴿كانَتْ،﴾ وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿قَرْيَةً﴾. ﴿يَأْتِيها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، و(ها): مفعول به. ﴿رِزْقُها:﴾ فاعل، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ثالث ل: ﴿كانَتْ،﴾ أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾. ﴿رَغَدًا:﴾ حال من رزقها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿مَكانٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَضَرَبَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (كفرت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى قرية، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب صفة مثلها. ﴿بِأَنْعُمِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و(أنعم): مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. (أذاقها): ماض، وها: مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِباسَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْجُوعِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَالْخَوْفِ:﴾ معطوف على الجوع، ويقرأ بنصبه عطفا على ﴿لِباسَ،﴾ ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. وانظر تفصيل مثله في الآية رقم [٩٣ و٨٧] وجملة: ﴿فَأَذاقَهَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا.\n\n<span id=\"aya-2014\"></span>﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ:﴾ هو محمد ﷺ، يعرفون نسبه، ويعرفونه قبل النبوة بالصدق، والأمانة، والشيم الكريمة، والخلال الحميدة. ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ رفضوا دعوته. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: الجوع، والخوف. وقيل: القتل يوم بدر. ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾","vol":"5","page":275},{"text":"أنفسهم بالكفر الذي هو أعظم الذنوب. بعد هذا انظر شرح: ﴿رَسُولٌ﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد)، وشرح العذاب في الآية رقم [٢٥] منها أيضا.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٣] ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿رَسُولٌ:﴾ فاعله.\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَسُولٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿(لَقَدْ...)﴾ إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ معطوفة على جملة جواب القسم لا محل لها. وأيضا جملة: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ معطوفة أيضا، والجملة الاسمية:\n ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2015\"></span>﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ:﴾ في المخاطبين بهذا قولان: أحدهما: أنهم المسلمون، وهو قول جمهور المفسرين، والثاني: أنهم هم المشركون من أهل مكة، قال الكلبي: لما اشتد الجوع بأهل مكة؛ كلم رؤساؤهم رسول الله ﷺ، فقالوا: إنك إنما عاديت الرجال، فما بال النساء، والصبيان؟ فأذن رسول الله ﷺ للناس أن يحملوا الطعام إليهم، حكاه الواحدي وغيره. والقول الأول: هو الصحيح. انتهى. خازن. ﴿حَلالًا طَيِّبًا:﴾ من الغنائم وغيرها، قال ابن عباس﵄يا معشر المسلمين كلوا ممّا رزقكم يريد الغنائم.\n ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ أي: التي أنعم بها عليكم، انظر الآية رقم [٧] ورقم [٣٤] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر العبادة في الآية [٣٦].\nالإعراب: ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: هي الفصيحة. (كلوا): أمر مبني على حذف النون، وهو للإباحة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وهما مفعوله، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة هنا، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء رزقكم الله إياه. ﴿حَلالًا:﴾\nحال من المفعول الثاني: المقدر، وكلام الجمل يشعر باعتبار (ما) مصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر و﴿حَلالًا:﴾ حال من ذلك المصدر؛ إذا قدر الكلام كما يلي: كلوا من رزق الله حال كونه حلالا طيبا، وذروا ما تفترون من تحريم البحائر، ونحوها، ويكون قد أهمل المفعول الثاني ل: (رزق)، فإنه ينصب مفعولين، وقد قررته كثيرا فيما مضى. ﴿طَيِّبًا:﴾ حال ثانية على الاعتبارين، وجملة: ﴿فَكُلُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقد حصل في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظره في الآية رقم [٢٢] (اشكروا): أمر، وهو للوجوب. ﴿نِعْمَتَ:﴾","vol":"5","page":276},{"text":"مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ انظر إعراب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ في الآية رقم [٤٣] فهو مثله، ولا تنس: أنّ ﴿إِيّاهُ﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن كنتم إياه تعبدون؛ فاشكروا نعمته جلّت قدرته، وتعالت حكمته.\n\n<span id=\"aya-2016\"></span>﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾\nالشرح: هذه الآية مذكورة بحروفها كاملة في الآية رقم [١٧٣] من سورة (البقرة)، وهي هناك مشروحة شرحا وافيا، ومعربة إعرابا كاملا، انظرها، وقد حذوت حذو القرطبي، والخازن رحمهما الله تعالى، فإنهما لم يذكرا فيها شيئا هنا، وأحالا على الآية المذكورة، كما: أنّ آية الأنعام رقم [١٤٥] تضمنت أكثر أحكامها، انظرها أيضا، والله ولي التوفيق.\n<span id=\"aya-2017\"></span>﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ:﴾ هذا نهي للكفار الذين كانوا يحرمون، ويحلّلون من غير استناد إلى كتاب، أو سنّة؛ أي: لا تقولوا الكذب على الله تعالى لأجل كلام تنطق به ألسنتكم من غير دليل، ولا حجة تعتمدونها. ﴿هذا حَلالٌ:﴾ إشارة إلى ما كانوا يحلونه من ميتة بطون الأنعام. ﴿وَهذا حَرامٌ:﴾ إشارة إلى ما كانوا يحرمونه من البحيرة، والسائبة، ونحو ذلك. ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ أي: لا تقولوا: إن الله أمرنا بكذا، ونهانا عن كذا، فتكذبوا على الله، وتفتروا عليه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا ينجون من العذاب.\nوقيل: لا يفوزون بخير لأن الفلاح هو الفوز بالخير والنجاح. هذا؛ ويقرأ (الكذب) الأول:\nبضم الكاف، والذال، والباء، ويقرأ بفتح الكاف وكسر الذال مع فتح الباء وكسرها. وانظر الآية رقم [٦٢].\nهذا؛ والحلال: ضد الحرام، وهو ما أبيح تناوله، وأكله إن كان يؤكل، ولم يضر بالبدن ضررا بينا، أما الحرام، والمحرم: فهو في الأصل كلّ ممنوع، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحرمات كل ممنوع منك، ممّا بينك وبين غيرك، قولهم: لفلان بي حرمة؛ أي: أنا ممتنع من مكروهه، وحرمة الرجل محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم هو: الممنوع من المال، والتلذذ به، والإحرام بالحج، والعمرة هو: المنع من أمور","vol":"5","page":277},{"text":"معروفة في الفقه الإسلامي، والشهر الحرام، والمسجد الحرام المحرم فيهما أشياء معروفة، قد تكون مباحة في غيرهما.\nتنبيه: إذا أردت أن تعرف ما كان الجاهليون يفعلونه من تحريم، وتحليل حسب ما تزينه لهم نفوسهم، وما كان يأمرهم به شياطينهم، فانظر سورة (الأنعام) الآية رقم [١٣٦] وما بعدها.\nوانظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (المائدة)، والله يتولاني، وإياك بعنايته، ورعايته.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿لِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأول، والثاني: مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشيء تصفه ألسنتكم، وعليه فالكذب مفعول ل: ﴿تَقُولُوا،﴾ وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، وعليه يكون ﴿الْكَذِبَ﴾ مفعولا. ل: ﴿تَصِفُ،﴾ ويكون التقدير: ولا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام لوصفكم الكذب. هذا؛ وعلى قراءته بضم الكاف، والذال، والباء فهو صفة: الألسنة، وعلى قراءته بالجر، فهو بدل من (ما) على جميع الاعتبارات فيها، وعلى قراءته بفتح الباء فيه وجهان:\nأحدهما: ما تقدم، والثاني: اعتباره منصوبا بفعل محذوف، تقديره: أعني. والجملة الاسمية:\n ﴿هذا حَلالٌ﴾ في محل نصب مقول القول على اعتبار: ﴿الْكَذِبَ﴾ منصوبا ب: ﴿تَصِفُ﴾ وعلى قراءته بالرفع والجر، هي بدل من الكذب على اعتباره منصوبا ب: ﴿تَقُولُوا؛﴾ لأن قولهم ﴿هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ﴾ نفس الكذب. ﴿لِتَفْتَرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور: ﴿لِما تَصِفُ..﴾. إلخ ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (كلوا...) إلخ لا محل لها مثلها، فيكون ما بينهما كلاما معترضا لا محل له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2018\"></span>﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: ما يفترون لأجله، أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع، وقد اعتبره الله قليلا لقصر مدته، أو في جنب ما أعدّ الله للمؤمنين، قال النبي ﷺ: «ما الدّنيا في الآخرة إلا مثل","vol":"5","page":278},{"text":"ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟». وانظر: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ في الآية رقم [٩٥] ﴿وَمَتاعًا﴾ في الآية رقم [٨٠]. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ في الآخرة بسبب افترائهم على الله الكذب.\nالإعراب: ﴿مَتاعٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، انظر الشرح، أو هو مبتدأ خبره محذوف التقدير:\nلهم متاع. ﴿قَلِيلٌ:﴾ صفة ﴿مَتاعٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2019\"></span>﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود، سموا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من هاد بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أو سموا بذلك نسبة إلى يهودا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ما ذكره الله في الآية رقم [١٤٦] من سورة (الأنعام). ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ:﴾ بتحريم ما حرمنا عليهم. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: إنما حرمنا عليهم ما حرمنا بسبب كفرهم، وبغيهم، وظلمهم أنفسهم، كما بيّن الله ذلك في الآية رقم [١٦٠] وما بعدها من سورة (النساء)، بعد هذا انظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر). هذا؛ ومعنى ﴿قَصَصْنا:﴾ ذكرنا فيما مضى، وأخبرناك به، ومنه قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾. والقصص: تتبع الأثر، يقال: خرج فلان يقصّ أثر فلان؛ أي: يتبعه ليعرف أين ذهب؟ ومنه قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي:\nاتبعي أثره، والقصص: مصدر قولهم: قص فلان الحديث قصّا، وقصصا.\nالإعراب: ﴿وَعَلَى:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(عَلَى الَّذِينَ):﴾ متعلقان بالفعل ﴿حَرَّمْنا،﴾ وجملة: ﴿هادُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي قصصناه. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وانظر إعراب:\n ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ..﴾. إلخ في الآية رقم [٣٣] والجملة الأولى في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الثانية:\n ﴿وَلكِنْ..﴾. إلخ معطوفة عليها على الاعتبارين فيها.","vol":"5","page":279},{"text":"<span id=\"aya-2020\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾\nقال الخازن رحمه الله تعالى: المقصود من هذه الآية بيان فضل الله، وكرمه، وسعة مغفرته، ورحمته؛ لأن السوء لفظ جامع لكل فعل قبيح، فيدخل تحته الكفر، وسائر المعاصي، وكل ما لا ينبغي، وكلّ من عمل السوء إنما يفعله بجهالة؛ لأن العاقل لا يرضى بفعل القبيح، فمن صدر عنه فعل قبيح من كفر، أو معصية، فإنما يصدر عنه بسبب جهله، إما لجهله بقدر ما يترتب عليه من العقاب، أو لجهله بقدر من يعصيه، فثبت بهذا: أن فعل السوء، إنما يفعل بجهالة، ثمّ إنّ الله تعالى وعد من عمل سوءا بجهالة ثم تاب، وأصلح العمل في المستقبل أن يتوب عليه، ويرحمه. انتهى بحروفه.\nهذا؛ وللتوبة المقبولة شروط يجب توافرها، فإن كانت من حقّ الله تعالى؛ فشروطها ثلاثة:\nالاستغفار باللسان، والندم بالجنان، والإقلاع بالأركان، وإن كانت من حق العباد يجب رد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان، فإن لم يرد الحقوق لأصحابها لا تقبل توبته وإن تاب ألف توبة! وانظر الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) إن أردت الزيادة. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي: العمل. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها:﴾ من بعد التوبة النصوح؛ التي تتوافر فيها الشروط المذكورة. ﴿لَغَفُورٌ﴾ أي:\nيغفر عمل السوء لمن تاب، وأناب إليه. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بعباده جميعا، فهما صيغتا مبالغة.\nبعد هذا؛ وعمل السوء هو الذي يسوء صاحبه، ويغمّه عند مجازاته به في الدنيا، والآخرة.\nوانظر الآية رقم [٦] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ دل عليه خبر ﴿إِنَّ﴾ الآتي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] فهذه مثلها في جميع وجوه الإعراب، وجملة: ﴿عَمِلُوا السُّوءَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِجَهالَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله تعالى، وبعقابه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فيكون ما بينهما اعتراضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف ﴿تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الجملتان معطوفتان على جملة الصلة لا محل لهما مثلها، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ الثانية مؤكدة للأولى. ﴿مِنْ بَعْدِها:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع أيضا.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"5","page":280},{"text":"<span id=\"aya-2021\"></span>﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ:﴾ انظر شرح ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ونسبه... إلخ في الآية رقم [٣٥] من السورة المسماة باسمه. ﴿أُمَّةً:﴾ انظر الآية رقم [٣٦] وإنما أطلق على ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇ لفظ ﴿أُمَّةً؛﴾ لأنه اجتمع فيه من صفات الكمال، وصفات الخير، والأخلاق الحميدة ما اجتمع في أمة كاملة، ومنه قول أبي نواس: [السريع]\nليس على الله بمستنكر... أن يجمع العالم في واحد\nثم للمفسرين في هذه اللفظة أقوال: أحدها: قول ابن مسعود﵁-: الأمة:\nمعلم الخير. الثاني: قال مجاهد: إنه كان مؤمنا وحده، والناس كلهم كفار، ومنه قول النبي ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعثه الله أمة وحده». وإنما قال فيه هذه المقالة؛ لأنه كان قد فارق الجاهلية، وما كانوا عليه من عبادة الأصنام. الثالث: قال قتادة: ليس من أهل دين، إلا وهم يتولونه، ويرضونه. وقيل غير ذلك. ﴿قانِتًا لِلّهِ:﴾ مطيعا خاضعا لله، قائما بأوامره، منتهيا عن نواهيه. ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق، قال الشاعر: [الوافر]\nولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين\nهذا؛ والحنف: الميل في القدمين. «وما كان من المشركين:» تعريض باليهود، والنصارى، ومشركي العرب، فإنهم ينتسبون إلى إبراهيم، ويدعون اتباعه، والاقتداء به، وهم مشركون. وهو سبب ربط الآية بما قبلها.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿أُمَّةً:﴾ خبر كان. ﴿قانِتًا:﴾ خبر ثان. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿قانِتًا﴾ لأنه اسم فاعل، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَنِيفًا:﴾ خبر ثالث، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُ﴾ وجملة: ﴿وَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من اسم كان المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معترضة كما ستقف عليه في الآية التالية.\n<span id=\"aya-2022\"></span>﴿شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾\nالشرح: ﴿شاكِرًا:﴾ انظر شرح (الشكر) في الآية رقم [٧] و[٣٧] من سورة (إبراهيم) ﵇. ﴿لِأَنْعُمِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١١٢]. وقال البيضاوي: ذكر بلفظ القلة للتنبيه على أنه","vol":"5","page":281},{"text":"كان لا يخل بشكر النعم القليلة، فكيف بالكثيرة. ﴿اِجْتَباهُ:﴾ اختاره لنبوته، واصطفاه لخلته.\n ﴿وَهَداهُ:﴾ وفقه، وثبته، وسدّد خطاه. ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ هو دين التوحيد، دين الإسلام؛ لأنه لا اعوجاج فيه. وانظر إعلال: ﴿مُقِيمَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵇، فإعلال ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ مثله.\nالإعراب: ﴿شاكِرًا:﴾ خبر رابع ل: ﴿كانَ،﴾ أو هو حال من اسم ﴿يَكُ﴾ المستتر، فتكون حالا متداخلة، أو متعددة، وعلى اعتباره خبرا ل: ﴿كانَ﴾ فتكون جملة: ﴿وَلَمْ يَكُ..﴾.\nإلخ معترضة في وجه كما رأيت. ﴿لِأَنْعُمِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شاكِرًا؛﴾ لأنه اسم فاعل، وفاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اِجْتَباهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية أجاز فيها أبو البقاء اعتبارها حالا؛ أي: من الضمير المجرور بالإضافة، وتكون: «قد» مقدرة قبلها، واعتبارها خبرا ثانيا ل: ﴿إِنَّ،﴾ واعتبارها مستأنفة. هذا؛ وأجيز اعتبارها خبرا خامسا ل: ﴿كانَ﴾ وجملة:\n ﴿وَهَداهُ:﴾ معطوفة عليها. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل (هداه)، وقول الجمل: يجوز تعلقه بأحد الفعلين على التنازع لا أراه قويا.\n\n<span id=\"aya-2023\"></span>﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ أعطيناه، ومنحناه. ﴿فِي الدُّنْيا حَسَنَةً:﴾ هي النبوة، والخلّة. وقيل:\nهي لسان الصدق، والثناء عليه، وهو الذي طلبه في دعائه في الآية رقم [٨٤] من سورة (الشعراء) ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ وهو القبول العام عند جميع الأمم، فإن الله حببه إلى جميع خلقه، فكل أهل الأديان يتولونه: المسلمون، واليهود، والنصارى، ومشركو العرب، وغيرهم.\nوقيل: هو قول المصلي في التشهد: (اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم... إلخ). وقيل: إنه آتاه أولادا أبرارا على الكبر. وانظر شرح ﴿الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [١٠٧].\n ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: في أعلى مقامات الصالحين في الجنة. وقيل: معناه: وإنه في الآخرة لمع الصالحين يعني: الأنبياء في الجنة، فتكون: (من) بمعنى: مع. وانظر شرح ﴿الْآخِرَةِ﴾ في الآية [٣٠] هذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة في الآية السابقة إلى التكلم في هذه.\nانظر الالتفات في الآية رقم [٢٢] وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠١] من سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام بشأن الصالحين.\nالإعراب: ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتيناه): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَسَنَةً،﴾ كان صفة له،","vol":"5","page":282},{"text":"فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة التي رأيتها في الآية [٦٦] ﴿حَسَنَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وهو أولى بسبب الالتفات.\n ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الصّالِحِينَ﴾ بعدهما. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من الصالحين): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2024\"></span>﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، و﴿ثُمَّ﴾ إما لتعظيمه، والتنبيه على أنّ أجلّ ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول ﷺ ملّته، أو لتراخي أيامه. ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: في التوحيد، والدعوة إليه بالرفق، وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى، والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه. انتهى. بيضاوي. وقيل: أمر الله النبي ﵊ باتباع إبراهيم ﵇ في جميع ملته إلا ما أمر بتركه، والصحيح الاتباع في عقائد الشرع دون الفروع لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ بالله، بل كان من الموحدين المخلصين من صغره إلى كبره.\nتنبيه: في هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول، ولا نقص في حق الفاضل في ذلك؛ لأن النبي ﷺ، أفضل الأنبياء جميعا ﵈، وقد أمر بالاقتداء بهم، قال الله له:\n ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ،﴾ وقال هنا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ كيف لا؟ والرسول أفضل من جبريل بكثير، وهو بمنزلة المعلم له! ولا تنس: أخيرا: أن الله تعالى لمّا وصف إبراهيم﵊بتلك الصفات العالية، والخصال المجيدة، والشيم الحميدة، أمر حبيبنا، وشفيعنا باتباعه، والاقتداء به، فيا نعم المقتدي، والمقتدى به! وانظر تعليم الخضر لموسى في الآية [٦٧] من سورة (الكهف) وما بعدها.\nبعد هذا انظر شرح الوحي في الآية رقم [٦٨] و(الملة): الطريقة، والديانة، وهي بكسر الميم، وبفتح الميم: الرّماد الحار. وانظر شرح الباقي في الآية رقم [١٢٠] وشرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥٣] والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اِتَّبِعْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَنِيفًا:﴾ حال من إبراهيم، وقال مكي: حال من فاعل اتبع","vol":"5","page":283},{"text":"المستتر، ولا يحسن أن يكون حالا من ﴿إِبْراهِيمَ؛﴾ لأنه مضاف إليه، ولا وجه له؛ لأن شرط مجيء الحال من المضاف إليه أن يكون المضاف كالجزء من المضاف إليه من حيث صحة الاستغناء بالثاني عن الأول، وهذا الشرط متوفر؛ إذ يصح أن يقال: أن اتبع إبراهيم حنيفا، وخذ قول ابن مالك رحمه تعالى في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\nوالجملة الفعلية مفسرة لا محل لها. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤوّل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن... إلخ، والأول: أقوى وهو المعتمد، وجملة:\n ﴿أَوْحَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما):\nنافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من إبراهيم أيضا، والرابط: الواو، ورجوع الضمير إليه. هذا؛ والاستئناف ممكن. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2025\"></span>﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: فرض تعظيم يوم السبت على الذين اختلفوا فيه، وهم اليهود، روى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس﵃ أجمعين-قال: قال أمرهم موسى ﵇ بتعظيم يوم الجمعة، فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما، فاعبدوه في يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه شيئا من صنعتكم، وستة أيام لصنعتكم، فأبوا عليه. وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق، وهو يوم السبت، ففرض ذلك اليوم عليهم، وشدد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى ﵇ أيضا بيوم الجمعة، فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، يعنون اليهود فاتخذوا الأحد، فاعطى الله ﷿ الجمعة لهذه الأمة، فقبلوها، فبورك لهم فيها. انتهى خازن.\nعن أبي هريرة﵁عن رسول الله ﷺ قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة؛ بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، فاختلفوا فيه، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى». متفق عليه.\nهذا؛ وقال قتادة: الذي اختلف فيه اليهود، استحله بعضهم، وحرمه بعضهم، فعلى هذا القول يكون معنى قوله: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ أي: وبال السبت، ولعنته على الذين اختلفوا","vol":"5","page":284},{"text":"فيه، وهم اليهود، فأحلّه بعضهم، فاصطادوا فيه، فلعنوا، ومسخوا قردة، وخنازير في زمن داود ﵇، وقد تقدمت القصة في تفسير سورة (الأعراف) الآية رقم [١٦٣] وما بعدها، والقول الأول: أقرب إلى الصحة. انتهى. خازن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ..﴾. إلخ: أي: الذين اختلفوا في أمر السبت، فيحكم الله بينهم يوم القيامة، فيجازي المحقين بالثواب، والمبطلين بالعقاب.\nقال القرطبي: ووجه الاتصال بما قبله: أن النبي ﷺ أمر باتباع الحق، وحذّر الله الأمة من الاختلاف، فيشدد عليهم، كما شدد على اليهود. انتهى. وقال البيضاوي: وذكرهم هاهنا لتهديد المشركين، كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله. انتهى.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿جُعِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿السَّبْتُ:﴾ نائب فاعله. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿إِنَّما جُعِلَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾\nالواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَيَحْكُمُ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (يحكم): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيما:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور ب (في)، ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة: «يختلفون فيه» في محل نصب خبر (كان).\n\n<span id=\"aya-2026\"></span>﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾\nالشرح: ﴿اُدْعُ:﴾ هذا أمر للنبي ﷺ، وهو يشمل كلّ داع إلى خير، وطاعة، وعبادة لله، وكل ناه عن منكر. ﴿سَبِيلِ رَبِّكَ:﴾ دينه الذي اصطفاه للناس جميعا، وهو دين الإسلام الذي بعث فيه حبيبه، ونبيّه عليه أفضل صلاة، وأتم تسليم. ﴿بِالْحِكْمَةِ:﴾ وهي المقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق، المزيل للشبهة. وقال أبو بكر بن دريد: الحكمة: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح. ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ:﴾ هي الترغيب والترهيب بالخطابات المقنعة، والعبر النافعة. والأولى لدعوة خواصّ الأمة، الطالبين للحقائق.\nوالثانية لدعوة عوامّهم. ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة","vol":"5","page":285},{"text":"من الرفق، واللين، من غير فظاظة، ولا تعنيف، وإيثار ذلك على غيره، فإنه أنفع في تسكين حنق المعاندين، وتهدئة شغبهم، وضجيجهم.\n ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ أي: عالم. ﴿بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ حاد عن الصراط المستقيم، وأعرض عن الدين القويم. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ الذين هدوا إلى الصراط المستقيم. ومحصّله:\nأن عليك يا محمد البلاغ، ودعوة الناس إلى دين الله وتوحيده، وأما حصول الهداية، والضلال، والمجازاة عليهما؛ فليس ذلك إليك، بل الله أعلم بالفريقين، وهو المجازي للناس أجمعين.\nقال القرطبي: هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله، وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة، وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يعظ المسلمون إلى يوم القيامة، فهي محكمة في حقّ العصاة من الموحّدين، ومنسوخة بالقتال في حقّ الكافرين. انتهى.\nالإعراب: ﴿اُدْعُ:﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» والمفعول محذوف، التقدير: الناس... ﴿إِلى سَبِيلِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه... ﴿بِالْحِكْمَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من فاعل ﴿اُدْعُ﴾ المستتر؛ أي: ملتبسا بها. ﴿وَالْمَوْعِظَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْحَسَنَةِ:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية: ﴿اُدْعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَجادِلْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِالَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ في محل رفع خبر إن. ﴿بِمَنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ صلة من، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2027\"></span>﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ (١٢٦)﴾\nالشرح: لقد ذكرت لك في مقدمة السورة: أن الآية وما بعدها إنما نزلت في المدينة بعد الهجرة، فقد روى الدّارقطنيّ عن ابن عباس﵄-، قال: لما انصرف المشركون عن قتلى أحد؛ انصرف رسول الله ﷺ، فرأى منظرا ساءه، رأى حمزة﵁قد شقّ بطنه، واصطلم أنفه، وجدعت أذناه، فقال: «لولا أن يحزن النساء، أو تكون سنة بعدي لتركته","vol":"5","page":286},{"text":"حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير! لأمثلن مكانه بسبعين رجلا منهم». فأنزل الله الآية، فقال رسول الله ﷺ: «بل نصبر». وأمسك عما أراد، وكفّر عن يمينه. انتهى. قرطبي بتصرف.\nوأما معنى الآية وتفسيرها: فقد سمى الفعل الأول: ﴿عاقَبْتُمْ﴾ باسم الثاني للمشاكلة في الكلام. فهو عكس قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ حيث سمى الثاني، وهو بمعنى:\nجازاهم بلفظ الأول للمشاكلة، والمزاوجة في الكلام، والمعنى: إن فعل بكم أحد سوءا من قتل، أو مثله، أو ظلم بأخذ مال، ونحوه وتمكنتم منه، فقابلوه بمثله، ولا تزيدوا عليه، فهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أمر الله برعاية العدل، والإنصاف في هذه الآية في باب استيفاء الحقوق، فإن استيفاء الزيادة ظلم، والظلم لا يجوز في عدل الله، وشرعه، ورحمته، وما يذكر إلا أولو الألباب.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿عاقَبْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة الذكور، والمفعول محذوف، التقدير: عاقبتم المؤذي، أو المضر، ونحوه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعاقِبُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (عاقبوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿بِمِثْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عُوقِبْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿فَعاقِبُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن صبرتم): مثل سابقه. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف (هو خير): مبتدأ، وخبر. ﴿لِلصّابِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، وحذف جواب الشرط، لدلالة جواب القسم عليه، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام: ﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-2028\"></span>﴿وَاِصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ:﴾ هذا أمر من الله لرسوله ﷺ، وإعلام له: أنّ صبره لا يكون إلا بتوفيق الله ومعونته. ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الكافرين؛ الذين ناصبوك العداء،","vol":"5","page":287},{"text":"وفعلوا ما فعلوا بأصحابك في حرب أحد. وقيل: المعنى: لا تحزن على قتلى أحد، وما فعل بهم، فإنهم أفضوا إلى رحمة الله، ورضوانه. ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا تغتمّ يا محمد، ولا يضيقنّ صدرك بسبب مكرهم، فإن الله مذلهم، وخاذلهم، وناصرك عليهم.\nهذا؛ وقرئ: (ضيق) بفتح الضاد وكسرها، وهما لغتان كالقول والقيل، ويجوز أن يكون بالفتح مخففا من المشدد، مثل تخفيف: هين، ولين، ونحوهما. وقال الفراء: الضّيق: ما ضاق عنه صدرك، والضّيق: ما يكون في الذي يتسع، ويضيق، مثل الدار، والثوب. هذا؛ والمكر تدبير الأمر في الخفاء. وانظر شرح: ﴿تَكُ﴾ وإعلاله في الآية رقم [١٠٩] من سورة (هود) ﵇، وانظر الآية رقم [٧٠] من سورة (النّمل) حيث تجد الآية بحروفها كاملة.\nالإعراب: ﴿وَاصْبِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اصبر): أمر، وفاعله: أنت، ومتعلقه محذوف للتعميم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿صَبْرُكَ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): ناهية جازمة. ﴿تَحْزَنْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي ضَيْقٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُ﴾. ﴿مِمّا:﴾ (من): حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: من مكرهم، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿ضَيْقٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. هذا؛ واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة فيه ضعف لا يخفى، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2029\"></span>﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ﴾ أي: بالنصر والمعونة، والتأييد والتوفيق لصالح الأعمال، هذا؛ ومعيّة الله على نوعين: عامة، وخاصة، فالأولى لكل الناس، وهي معية بالعلم، والقدرة، والثانية للمؤمنين المتقين، والمحسنين، وهو ما تقدم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾.\n ﴿اِتَّقَوْا﴾ أي: خافوا الله، فعملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه. وانظر مثله في الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: الذين أحسنوا العمل من صلاة،","vol":"5","page":288},{"text":"وغيرها، وكذلك أحسنوا إلى غيرهم بالعفو عنهم، والتجاوز عن سيئاتهم، والنصح معهم في بيعهم، وشرائهم، وأخذهم، وعطائهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و﴿مَعَ:﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُحْسِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر والنهي في الآية السابقة. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nانتهت سورة (النحل) -بعونه تعالى-تفسيرا وإعرابا، والله الموفق، والمعين، وبه نستعين.\nوالحمد لله رب العالمين.\n**","vol":"5","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1994>سورة الإسراء</span>\nوهي مكية إلا ثلاث آيات، قوله ﷿: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٧٣] وما بعدها، وقوله ﷿: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ..﴾. إلخ الآية رقم [٨٠] وقال مقاتل:\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٠٧] وقال ابن مسعود﵁- في (بني إسرائيل) و(الكهف) و(مريم): إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي. يريد: من قديم كسبه. وهي مائة وعشر آيات. وقيل: وإحدى عشرة آية، وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف، وأربعمائة وستون حرفا. انتهى. خازن.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-2030\"></span>﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾\nالشرح: ﴿سُبْحانَ الَّذِي..﴾. إلخ: نزه الله نفسه عن كل النقائص، والمعايب التي يمكن أن يتصف بها بنو آدم، كما نزه نفسه عن العجز، والضعف، وغيرهما من الصفات التي يتصف بها الآدميون في كل وقت وحين. وانظر الآية رقم [١] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿أَسْرى:﴾ فيه لغتان: سرى، وأسرى، وقرئ قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بهمزة الوصل من الأول، وبقطعها من الثاني، وقد جمع حسان بن ثابت﵁بين اللغتين في بيت واحد: [الكامل]\nحيّ النّضيرة ربّة الخدر... أسرت إليّ ولم تكن تسري\nو«سرى» و«أسرى» بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيد، والثانية: لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم هنا، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث، وأما «سار» فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى: مشى.\nهذا؛ والسرى، والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى، يسري، سرى، ومسرى، وسرية، وسراية، وأسرى إسراء. هذا؛ والسّرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث، كأنهم جعلوه جمع: سرية.","vol":"5","page":290},{"text":"﴿بِعَبْدِهِ:﴾ المراد به: سيد الخلق، وحبيب الحق محمد ﷺ بإجماع الأمة، والإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وتفخيم وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه؛ لسماه به في تلك الحالة العلية، وفي معناه أنشدوا: [السريع]\nيا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السامع والرّائي\nلا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنّه أشرف أسمائي\nعلما بأنه ﷺ لم يذكر باسمه الصريح في القرآن إلا قليلا، ذكر باسم محمد في سورة (آل عمران) وسورة (الأحزاب)، وسورة (محمد)، وسورة (الفتح) وذكر باسم أحمد في سورة (الصف)، وذكر باسم طه في سورة (طه)، وذكر باسم ياسين في سورة (يس). هذا؛ والعبد:\nالإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك؛ قال القشيري: لمّا رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية؛ ألزمه اسم العبودية تواضعا للأمة.\n ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي: المسجد الذي حول الكعبة المشرفة، ومعنى الحرام:\nالمحرم فيه اللغو، والرفث، والإيذاء، وكل فعل قبيح، وعمل فاحش، وإن كان في غيره حراما، فهو أشد فيه حرمة، وكذلك محرم على الكفار، فلا يجوز أن يدخله كافر أبدا. وانظر الآية رقم [١٠٠] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك. وانظر: ﴿الْحَرامِ﴾ في الآية رقم [١١٦] من سورة (النحل). ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى:﴾ بيت المقدس في فلسطين، سمي «أقصى» لبعده عن المسجد الحرام، أو؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وأول من بناه آدم ﵇، بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة، فهو أول مسجد بني في الأرض بعد الكعبة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٦] من سورة (آل عمران)، ففيها كبير فائدة.\n ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ أي: بكثرة الأنهار، والأشجار، والثمار، أو سماه مباركا؛ لأنه مقرّ الأنبياء، ومهبط الملائكة، والوحي، وقبلة الأنبياء قبل نبينا ﷺ، وفيه يكون الحشر يوم القيامة.\nهذا؛ و«حول» ظرف مكان لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله، وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله، وحياله؛ أي: بإزائه، وإزاءه.\n ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا﴾ أي: من عجائب قدرتنا؛ أي: فقد رأى ﷺ في تلك الليلة الأنبياء، وصلى بهم، ووقف على مقاماتهم، وغير ذلك من المشاهدات. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ أي: الله سميع لأقوال محمد ﷺ ودعائه. ﴿الْبَصِيرُ:﴾ بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك. وقيل:\nالمعنى: السميع لما قالت له قريش حين أخبرهم بمسراه إلى بيت المقدس، وما شاهده من العجائب. وقيل: إنه هو السميع لأقوال خلقه، البصير بأعمالهم، فيجازي كل عامل بعمله، وحمله على العموم أولى. هذا؛ وقال أبو البقاء: وقيل: الضمير للنبي ﷺ؛ أي: إنه السميع لكلامنا، البصير لذاتنا. وهو قول انفرد به.","vol":"5","page":291},{"text":"تنبيه: في الآية الكريمة التفات من الغيبة في قوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي..﴾. إلخ إلى التكلم في قوله: إلى ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ..﴾. إلخ ثم التفات ثان إلى الغيبة في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وقرئ: «(ليريه)» بياء المضارعة، فيكون في الآية أربعة التفاتات، الأول: من الغيبة إلى التكلم. والثاني: من التكلم إلى الغيبة. والثالث: من الغيبة في «ليريه» إلى التكلم في: ﴿آياتِنا﴾ والرابع: من التكلم إلى الغيبة في إعادة الضمير إلى الله تعالى، وهو الصحيح.\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد:\nمسجدي هذا؛ والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». رواه مالك في موطئه، وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد. وعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة بمسجدي هذا بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة». رواه الطبراني.\nتنبيه: لقد أطال المفسرون الكلام في حديث الإسراء والمعراج، وها أنا ذا أقتصر على الحديث الذي رواه البخاري برقم [٣٢٠٧] عن مالك بن صعصعة﵁قال: قال النبي ﷺ: «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان-وذكر: يعني رجلا بين الرجلين-فأوتيت بطست من ذهب، ملئ حكمة، وإيمانا، فشق من النحر إلى مراقّ البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة، وإيمانا، وأوتيت بدابة أبيض دون البغل، وفوق الحمار (البراق) فانطلقت مع جبريل ﵇؛ حتى أتينا السماء الدنيا، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قيل: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على آدم ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من ابن، ونبي. فأتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد ﷺ قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على يحيى، وعيسى، فسلمت عليهما، فقالا: مرحبا بك من أخ، ونبي.\nفأتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على يوسف، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من أخ، ونبي. فأتينا السماء الرابعة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إدريس ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من أخ ونبي.\nفأتينا السماء الخامسة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قيل: محمد ﷺ، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على هارون ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من أخ، ونبي. فأتينا السماء السادسة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل:","vol":"5","page":292},{"text":"مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على موسى، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من أخ، ونبي.\nفلما جاوزت؛ بكى، قيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعث من بعدي، يدخل الجنة من أمته أفضل ما يدخل من أمتي. فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ، قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إبراهيم ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بك من ابن، ونبي.\nفرفع إليّ البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك؛ إذا خرجوا؛ لم يعودوا آخر ما عليهم. ورفعت إليّ سدرة المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كآذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان؛ ففي الجنّة، وأما الظاهران فالفرات، والنيل.\nثم فرضت علي خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت:\nفرضت علي خمسون صلاة، قال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق، فارجع إلى ربك فاسأله (التخفيف) فرجعت فسألته، فجعلها أربعين، ثم مثله فجعلها ثلاثين، ثم مثله فجعل عشرين، ثم مثله فجعل عشرا، فأتيت موسى، فقال: مثله فجعلها خمسا، فأتيت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمسا، فقال: مثله، قلت: سلمت، فنودي: إني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرا». انتهى. وفي رواية، قال الله تعالى: «يا محمد! هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة»؛ أي: في الأجر، والثواب.\nهذا؛ ولم يذكر في هذه الرواية مجيئه إلى بيت المقدس، وفي رواية ثانية: فركبته-أي:\nالبراق-حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء، وصليت فيه ركعتين إماما بالأنبياء، والملائكة، وأرواح المؤمنين.\nوهنا يرد سؤال: كيف صلى النبي ﷺ بالأنبياء في بيت المقدس؟ ثم وجدهم على مراتبهم في السموات، وسلموا عليه، ورحّبوا به، وكيف تصح الصلاة من الأنبياء بعد الموت، وهم في الدار الآخرة.\nوالجواب: أما صلاته ﷺ بالأنبياء في بيت المقدس؛ فيحتمل أن الله تعالى جمعهم له ليصلي بهم، وليعرفوا فضله، وتقدمه عليهم، ثم إن الله ﷾ أراه إياهم في السموات على مراتبهم، ليعرف هو مراتبهم، وفضلهم. وأما صلاة الأنبياء، وهم في الدار الآخرة، فهم في حكم الشهداء، بل هم أفضل منهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ﴾ فالأنبياء أحياء بعد الموت. وأما حكم صلاتهم، فيحتمل: أنها الذكر والدعاء، وذلك من أعمال الآخرة فإن الله تعالى قال: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾. انتهى. خازن بتصرف كبير.","vol":"5","page":293},{"text":"أقول: وكل ذلك بالأرواح لا بالأشباح، فإن أرواح الأنبياء غير أرواحنا، ولمكانة الرسول ﷺ عند ربه كشف عنه الحجب حتى التقت روحه الشريفة بأرواح الأنبياء عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام في الأرض، وفي السموات.\nتنبيه: لقد قيل: إن إسراء الرسول ﷺ كان مناما، وبالروح لا بالجسد، وهذا تردّه النصوص الصحيحة الصريحة: أنه كان يقظة، وبالجسد، والروح معا، ولو كان مناما لما كانت فيه آية، ولا معجزة، ولما قالت له أم هانئ بنت عمه﵂لا تحدث الناس، فيكذبوك، ولا فضل أبو بكر﵁بالتصديق، ولما أمكن قريشا التشنيع، والتكذيب، وقد كذبوه فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا؛ لم يستنكر، وقد سأله بعض القرشيين عن أمور رآها في مسراه، فأخبرهم بها على وجهها الصحيح، وإذا كان هناك من يشك في قدرة الله تعالى بسبب ذهاب الرسول ﷺ إلى بيت المقدس، وعروجه إلى السماء، وعودته إلى بيته في ليلة واحدة، فلينظر إلى ما اخترع من طائرات نفاثة، وأقمار صناعية تجوب الفضاء ليلا نهارا، وتقطع المسافات البعيدة في مدّة قصيرة من الزمن.\nوجملة القول: إن الإسراء قد ثبت بهذه الآية الكريمة، فمن أنكره كان كافرا بالإجماع، وأما المعراج فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة، وآيات النجم تشير إليه، فمن أنكره كان فاسقا، بقي أن تعلم الوقت الذي حصلت فيه حادثة الإسراء، فالمعتمد: أنها حصلت قبل الهجرة بعام واحد، بعد وفاة خديجة﵂التي كانت تواسيه بنفسها، وتنفس عنه كروبه، وهمومه.\nالإعراب: ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح. وقال أبو عبيدة:\nانتصب على النداء، كأنه قال: يا سبحان الله، يا سبحان الذي. ولم يقله غيره.. وهو مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة من إضافة اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة اسم المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿أَسْرى﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِعَبْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَيْلًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ أي: حال كونه مبتدئا مسراه من المسجد. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ:﴾ متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال أيضا؛ أي: منتهيا إلى المسجد. ﴿الْأَقْصَى:﴾ صفة ﴿الْمَسْجِدِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ثانية. ﴿بارَكْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِنُرِيَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل","vol":"5","page":294},{"text":"مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وذلك لنريه. ﴿مِنْ آياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، والثاني: أن يكون ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وعلى هذين الوجهين فالسميع خبر (إنّ)، والثالث: أن يكون مبتدأ، و﴿السَّمِيعُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿الْبَصِيرُ:﴾ خبر ثان ل: (إنّ)، أو للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ هُوَ..﴾.\nإلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2031\"></span>﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾\nالشرح: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: أعطينا موسى التوراة. ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً..﴾. إلخ: أي:\nجعلنا الكتاب. وقيل: جعلنا موسى هاديا لبني إسرائيل من الضلال. ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ ويقرأ:\n «(ألا يتخذوا)». وانظر الإعراب يتضح لك المعنى. ﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أي: ربا غيري، تكلون إليه أموركم، والوكيل: من يوكل إليه الأمر، ويعتمد عليه في المهمات وانظر الآية [٥٤]. هذا؛ وقدّر القرطبي الكلام كما يلي: كرمنا محمدا ﷺ بالإسراء، والمعراج، وأكرمنا موسى بالتوراة.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ و«بني» أصله: بنين، حذفت النون للإضافة، وهو جمع ابن مأخوذ من البناء؛ لأن الابن مبنى أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى الصانع، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو نبي الله يعقوب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ومعناه بالعبريّة صفوة الله، أو عبد الله، ف: «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و«إيل» هو الله، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد ولد في حياة جده إبراهيم، وهو النافلة التي امتن الله بها على إبراهيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ ولقد وجدت في كثير من المراجع الموجودة عندي: أن يعقوب كان توأما مع أخ له اسمه عيصو في بطن واحد، فعند خروجهما من بطن أمهما تزاحما، وأراد كل منهما أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيصو ليعقوب: إن لم تدعني أخرج قبلك، وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه على أمّه؛ فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبّارين، وسمي يعقوب لذلك، والله أعلم بحقيقة ذلك.\nالإعراب: ﴿وَآتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعوله الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿سُبْحانَ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً:﴾ ماض، وفاعله ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها،","vol":"5","page":295},{"text":"وعلامة نصب ﴿هُدىً﴾ فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِبَنِي:﴾ متعلقان ب: ﴿هُدىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وأجيز تعليقهما بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(بني): مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، أو للعلمية، والتركيب المزجي.\n ﴿أَلاّ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتبار (أن) بمعنى: «أي» مفسرة لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي. والثاني: اعتبار (لا) زائدة، والتقدير: مخافة أن تتخذوا. والثالث: اعتبار «أن» زائدة.\nوضعفه الجمل؛ لأن هذا ليس من مواضع زيادتها، وعلى هذا فالفعل ﴿تَتَّخِذُوا﴾ مجزوم بلا الناهية على الوجه الأول والثالث، ومنصوب على الوجه الثاني، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية على الوجه الأول: مفسرة لا محل لها، وفي محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا لهم: لا تتخذوا. هذا؛ وعلى وجه النصب، وهو الثاني: فتؤوّل (أن) مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة لمصدر محذوف يقع مفعولا لأجله، التقدير: مخافة اتخاذكم. هذا؛ ويقرأ: ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ على (أن) ناصبة، و(لا): نافية، والفعل منصوب ب: (أن)، و(أن) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف؛ إذ التقدير: لئلا يتخذوا، والجار والمجرور بعد السبك يتعلقان بالفعل (جعلنا). ﴿مِنْ دُونِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَكِيلًا:﴾ مفعول به ثان، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف مفعول أول.\nهذا؛ وأجيز تعليقهما ب: ﴿وَكِيلًا،﴾ أو بمحذوف حال منه.\n\n<span id=\"aya-2032\"></span>﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾\nالشرح: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ:﴾ المعنى: يا ذرية من حملنا مع نوح كونوا كما كان نوح ﵇ في العبودية، والانقياد، وفي كثرة الشكر لله تعالى، يفعل الطاعات، ويجتنب المعاصى والسيئات. هذا؛ ويقرأ ذرية بتثليث الذال، مع تشديد الراء والياء. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ أي: إن نوحا ﵇ كان كثير الشكر لله. وقيل في شكره:\nإنه كان يسمي الله ويحمده في كل حالاته: من طعام، وشراب، ولباس، وكل حركاته، وسكناته.\nوانظر شرح (الشكر) في الآية رقم [٧ و٣٧] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر قصة نوح مع قومه في سورة (هود) ﵇ وفي سورة (الأعراف). وفي الآية إيماء إلى أن جميع المخلوقات بعد نوح من ذرية الذين نجوا معه في السفينة، وهو ممّا يؤيد: أن الطوفان عمّ الأرض كلها.","vol":"5","page":296},{"text":"الإعراب: ﴿ذُرِّيَّةَ:﴾ فيه أوجه: أحدها هو منادى حذف منه أداة النداء؛ إذ الأصل: يا ذرية.\nوالثاني: هو مفعول ثان للفعل ﴿تَتَّخِذُوا﴾. وقيل: العكس أيضا. والثالث: هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أعني، واعتبره الزمخشري منصوبا على الاختصاص، وليس هذا موضع الاختصاص، كما أجيز اعتباره بدلا من ﴿وَكِيلًا،﴾ فإعراب ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ مرتبط بما قبله، ويختلف باختلاف القراءة في: ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾. تأمل، وتدبر. هذا؛ وقرئ شاذا برفعه على أنه بدل من واو الجماعة، أو خبر لمبتدإ محذوف، ويجوز جره في العربية على البدل من (بني إسرائيل)، ولم يقرأ به أحد، و﴿ذُرِّيَّةَ:﴾ مضاف، و﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وهو يحتمل الإفراد والجمع، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي حملناه، أو الذين حملناهم، وهو أقوى. تأمل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿مَعَ:﴾ مضاف، و﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى نوح ﵇. ﴿عَبْدًا﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿شَكُورًا﴾ صفة عبدا، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر الذي رأيت تقديره في الشرح.\n\n<span id=\"aya-2033\"></span>﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقَضَيْنا إِلى..﴾. إلخ: أي: أعلمناهم، وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتاب:\nأنهم سيفسدون. انتهى. خازن. وقال البيضاوي: أوحينا إليهم وحيا مقضيا مبتوتا. وقال قتادة: أي: حكمنا، فتكون ﴿إِلى﴾ بمعنى: على، والمراد: بالكتاب: التوراة، وقرئ: «(في الكتب)» وعلى تفسير (قضينا) بحكمنا يكون المراد ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ اللوح المحفوظ. ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ:﴾ المراد في الأرض: أرض بيت المقدس، وما حوله، وإفسادهم في المرة الأولى هي مخالفة أحكام التوراة، وقتل زكريا ﵇، وحبس أرمياء حين أنذرهم سخط الله. قيل: وقتل شعياء النبي. وإفسادهم في المرة الثانية: قتل يحيى بن زكريا، وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسّلام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥] من سورة (مريم) ﵍. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا:﴾ أراد بالعلو: التكبر عن طاعة الله تعالى، والاعتداء على حرمات الناس، وحقوقهم، وما يتعلق به من بغي، وطغيان.\nبعد هذا خذ شرح «قضى» بمعانيه المختلفة: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى- القضاء يحتمل الحكم؛ أي: ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة. انتهى. هذا؛ والمصدر: قضاء بالمد؛ لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه «قضي» بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها. ومصدره: «قضيا»","vol":"5","page":297},{"text":"بالتحريك، كطلب طلبا، فتحركت الياء فيه أيضا، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار قضاء-ممدودا-.\nوجمع القضاء أقضية كعطاء وأعطية، وهو في الأصل إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، ويكون أيضا بمعنى: الأمر، قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ..﴾. إلخ وبمعنى:\nالعلم، تقول: قضيت بكذا؛ أي: أعلمتك به، وبمعنى: الإتمام، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ وبمعنى: الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ وبمعنى: الإرادة، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وبمعنى: الموت، كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ وبمعنى: الكتابة قال تعالى:\n ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ. وبمعنى: الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وبمعنى: الخلق، قال تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وبمعنى: بلوغ المراد، والأرب، قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ وبمعنى:\nوفيت الدين، كقولك: قضيت ديني. انتهى. قسطلاني شرح البخاري بتصرف، وأضيف: أنه يكون بمعنى: أوصينا كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ الآية رقم [٦٦] من سورة (الحجر). وانظر ما ذكرته هناك في شرح (قضينا). وقد أتى:\nقضى، وليقضوا بمعنى: ليزيلوا في الآية رقم [٢٩] من سورة (الحج).\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن، فقال:\nإنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك قد عصيت ربك، وبانت منك، فقال الرجل: قضى الله ذلك عليّ، فقال الحسن: وكان فصيحا، ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر الله به، وقرأ قوله تعالى:\n ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾.\n ﴿وَلَتَعْلُنَّ:﴾ أصل الفعل: (تعلو) معتل بالواو، فلما أسند إلى واو الجماعة صار: (تعلوون) فاتصلت به نون التوكيد الثقيلة لوقوعه جوابا لقسم مقدر، فصار: (لتعلووننّ) فاستثقلت الضمة على الواو، فحذفت، فالتقى ساكنان، واو العلة، وواو الجماعة، فحذفت واو العلة، فصار (لتعلوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال. فصار: (لتعلونّ) فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على اللام لتدل عليها، فصار (لتعلنّ) فأنت ترى أنه قد حذف منه حرفان: واو العلة، ونون الرفع، وضمير هو واو الجماعة، أما الفعل: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ فقد حذف منه حرف واحد، وهو نون الرفع، وواو الجماعة فقط؛ لأنّه صحيح الآخر، وإذا أسند الفعل المعتل الآخر بالياء لواو الجماعة، يحذف منه أيضا حرفان وضمير، أما إذا أسند الفعل المعتل","vol":"5","page":298},{"text":"الآخر بالألف لواو الجماعة، فلا تحذف منه واو الجماعة، بل تبقى محركة بحركة مجانسة لها، مثل: «لتسعونّ، ولتخشونّ»، ونحوهما.\nالإعراب: ﴿وَقَضَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿إِلى بَنِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه. وانظر الآية السابقة.\n ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من (نا)، وهو ضعيف، ولو قيل: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف؛ لكان أقوى وأولى، وجملة: ﴿وَقَضَيْنا..﴾.\nإلخ معطوفة على جملة: (آتينا...) إلخ لا محل لها مثلها. اللام: واقعة في جواب قسم مقدر، التقدير: والله، أو هي واقعة في جواب (قضينا)؛ لأنه ضمن معنى القسم، ومنه قولهم: قضى الله لأفعلن. ﴿لَتُفْسِدُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له، والمفعول محذوف، التقدير: لتفسدن الأديان، ونحوها. هذا؛ ويقرأ بالبناء للمجهول، فتكون الواو نائب فاعله، وهي المفعول، ويقرأ بفتح التاء وضم السين، فيكون لازما بمعنى: تفسد أموركم، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، والقسم، وجوابه كلام في محل نصب مفعول به ل (قضينا)، وإن كان جوابا ل: (قضينا) فلا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَرَّتَيْنِ:﴾ نائب مفعول مطلق، وبعضهم يعتبره ظرفا متعلقا بالفعل قبله، فهو منصوب على الاعتبارين، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلَتَعْلُنَّ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿عُلُوًّا:﴾ مفعول مطلق مبين لنوع الفعل. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-2034\"></span>﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ أي: وقت أولى المرتين من فسادهم. ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ:﴾ هم أهل بابل في العراق، وكان ملكهم بختنصر. قاله ابن عباس﵄-. وقال قتادة: أرسل الله عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقيل: اسم الملك سنحاريب من أهل نينوى. والمعتمد الأول. ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ:﴾ طافوا بين الديار يطلبونهم، ويقتلونهم ذاهبين، وجائين. هذا؛ وقرئ: «(فحاسوا)» بالحاء المهملة، قال أبو زيد:\nالحوس، والجوس، والعوس، والهوس: الطواف بالليل. ﴿وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ أي: قضاء نافذا لا خلف فيه، فقد قتلوا كبار بني إسرائيل، وسبوا صغارهم، ونساءهم، وحرقوا التوراة، وخرّبوا بيت المقدس، وكان عدد ما سبوه سبعين ألفا، ومائة ألف. انظر الآية رقم [١٤] من سورة (مريم) ﵍.","vol":"5","page":299},{"text":"ومعنى ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ:﴾ أصحاب قوة وبطش شديد في الحرب. هذا؛ و﴿أُولِي﴾ بمعنى:\nأصحاب. وانظر الآية رقم [١٩] من سورة (الرعد) أيضا، و«جاء» يكون لازما؛ إذا كان بمعنى:\nحضر وأقبل كما في الآية الكريمة، ويكون متعديا؛ إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ:﴾ ماض.\n ﴿وَعْدُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿أُولاهُما:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جر بالإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿بَعَثْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عِبادًا:﴾ مفعول به. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عِبادًا،﴾ والإضافة لله ليست للتشريف هنا، كما في الآية رقم [١] وإنما هي بمعنى: مقهورين، وتحت سيطرتنا. ﴿أُولِي:﴾ صفة ثانية، أو هو حال من ﴿عِبادًا﴾ بعد وصفه بما تقدم منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولِي﴾ مضاف، و﴿بَأْسٍ:﴾\nمضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة ﴿بَأْسٍ،﴾ وجملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَجاسُوا:﴾ ماض، والواو فاعله والألف للتفريق، ﴿خِلالَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿خِلالَ:﴾ مضاف، و﴿الدِّيارِ:﴾ مضاف إليه، وجملة:\n ﴿فَجاسُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها أيضا. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى مصدر الجوس، أو إلى ﴿وَعْدُ أُولاهُما﴾. ﴿وَعْدًا:﴾ خبر كان. ﴿مَفْعُولًا:﴾\nصفة ﴿وَعْدًا،﴾ وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2035\"></span>﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الدولة والغلبة على من قتلكم، وسباكم، ونهب أموالكم، وذلك لمّا تبتم إلى الله، وأطعتموه، وتم ذلك بقتل داود جالوت، أو بقتل غيره على الخلاف فيمن قتلهم. ﴿وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ:﴾ قويناكم بالأموال، والأولاد؛ حتى عاد أمركم كما كان. ﴿وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا:﴾ أكثر عددا، وأوفر جندا.\nهذا؛ و﴿الْكَرَّةَ:﴾ في الأصل مصدر، يقال: كر، يكر، كرا، وكرة. والكر، والكرة:\nالرجوع والرجعة. والمراد: به هنا: المرة من ذلك، والأموال: جمع: مال، قال ابن الأثير:\nالمال في الأصل يطلق على ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويملك","vol":"5","page":300},{"text":"من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم. وقال الجوهري:\nذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسّان﵁-: [البسيط]\nالمال تذري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال\nوعن الفضل الضبي: المال عند العرب الصامت والناطق، فالصامت: الذهب، والفضة، والجواهر. والناطق: هو البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصامت، وإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فالمراد: الناطق. والنشب: المال الثابت، كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول من المال المذكور آنفا، قال عمرو بن معديكرب الزبيدي﵁-: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nهذا؛ والنفير: فعيل بمعنى: فاعل من نفر، ينفر: إذا خرج مع قومه للحرب، ونحوه، وهم اسم جمع مثل: نفر، ورهط. وقيل: هو جمع: نفر مثل: عبد، وعبيد. هذا؛ والنفير أيضا مصدر، يقال: نفرت الدابة، تنفر نفورا، ونفارا، ونفيرا من كذا، بمعنى: تباعدت. وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (النحل). هذا؛ ولا تنس: أن الأفعال الثلاثة بمعنى: المضارع، وضعت موضع المستقبل لتحققه عبر عنها بالماضي، وهو مستعمل في القرآن الكريم بكثرة.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿رَدَدْنا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الْكَرَّةَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بالكرة، أو بمحذوف حال منها، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا) وهو جملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿نَفِيرًا:﴾ تمييز.\n\n<span id=\"aya-2036\"></span>﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾ أي: العمل، وعملتم بطاعة الله تعالى. ﴿أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي:\nلها ثوابها، وجزاء إحسانها. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ أي: العمل، وعملتم بمعاصي الله تعالى. ﴿فَلَها﴾ أي: فعليها وبال إساءتها، فاللام الجارة بمعنى: «على» وهو مستعمل في الكلام العربي، نثره، وشعره، ثم هذا الكلام يحتمل أن يكون لبني إسرائيل في ذلك الوقت، ويكون على إرادة القول، ويحتمل أن يكون خطابا لليهود في زمن النبي ﷺ، وأن يكون خطابا لمشركي قريش. تأمل.\n ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: وعد عقوبة المرة الثانية من إفسادهم. ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ أي:\nبعثنا عليكم عدوّا آخر، فيجعل وجوهكم حزينة، باديا عليها أثر المساءة، وقرئ: «(ليسوء)»،","vol":"5","page":301},{"text":"فالفاعل يعود إلى العدو، أو ل: (الله)، وقرئ: «(ليسوءنّ)» باللام المفتوحة، ونون التوكيد مثقلة ومخففة. ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ أي: بيت المقدس. ﴿كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في المرة الأولى. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ أي: وليهلكوا ما غلبوا عليه من ديار بني إسرائيل إهلاكا.\nعن حذيفة﵁قال: قلت: يا رسول الله! لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما، جسيم الخطر، عظيم القدر، فقال رسول الله ﷺ: «هو من أجل البيوت، ابتناه الله لسليمان بن داود﵉من ذهب، وفضة، ودرّ، وياقوت، وزمرد، وذلك أن سليمان بن داود لما بناه؛ سخر الله له الجن، فأتوه بالذهب، والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر، والياقوت والزمرّد، وسخر الله له الجن، حتى بنوه من هذه الأصناف».\nقال حذيفة﵁فقلت: يا رسول الله ﷺ، وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس؟ فقال: «إن بني إسرائيل لمّا عصوا الله، وقتلوا الأنبياء؛ سلط الله عليهم بختنصر، وهو من المجوس، وكان ملكه سبعمائة سنة، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما..﴾. إلخ، فدخلوا بيت المقدس، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء، والأطفال، وأخذوا الأموال، وجميع ما كان في بيت المقدس، من هذه الأصناف، فاحتملوها على سبعين ألفا، ومائة ألف عجلة حتى، أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل، ويستملكونهم بالخزي، والعقاب والنكال مائة عام.\nثم إن الله ﷿ رحمهم، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل، وأن يستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل، فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستنقذ ذلك الحلي الذي كان في بيت المقدس، وردّه الله إليه، كما كان أول مرة. وقال لهم: يا بني إسرائيل! إن عدتم إلى المعاصي، عدنا عليكم بالسبي، والقتل، وهو قوله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس، عادوا إلى المعاصي، فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر، وهو قوله: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ..﴾. إلخ فغزاهم في البر، والبحر، فسباهم، وقتلهم، وأخذ أموالهم ونساءهم، وأخذ جميع حلي بيت المقدس، واحتمله على سبعين ألفا، ومائة ألف عجلة حتى، أودعه في كنيسة الذهب، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدي، فيرده إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة، وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين والآخرين». انتهى. قرطبي بحروفه. والله أعلم بالحقيقة.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَحْسَنْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، والمفعول محذوف، انظر الشرح.\nوالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَحْسَنْتُمْ:﴾\nماض مبني على السكون في محل جزم جواب الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل","vol":"5","page":302},{"text":"لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿لِأَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أو هو مستأنف، انظر الشرح. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ:﴾ مثل سابقه. الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لها): متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فلها إساءتها، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥] وجملة: ﴿جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿لِيَسُوؤُا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، وهو جواب (إذا)، انظر تقديره في الشرح، وجملة: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وُجُوهَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ إعرابه مثل سابقه، ومعطوف عليه.\nالكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿دَخَلُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿أَوَّلَ:﴾\nظرف زمان متعلق بما قبله، و﴿أَوَّلَ:﴾ مضاف، و﴿مَرَّةٍ﴾ مضاف إليه، و(ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: ليدخلوا المسجد دخولا كائنا مثل دخولهم أول مرة، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر، المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه-رحمه الله تعالى-إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها.\n ﴿وَلِيُتَبِّرُوا:﴾ إعرابه مثل سابقه، ومعطوف عليه بعد التأويل. ﴿كَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:\nليتبروا الذي علوه، وما كناية عن البلاد والعباد من بني إسرائيل، انظر الشرح وأجيز اعتبار (ما) مصدرية، ظرفية، تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية، يتعلق بالفعل (يتبروا) ويكون مفعوله محذوفا، وهو ضعيف. تأمل. ﴿تَتْبِيرًا:﴾ مفعول مطلق. تأمل، وتدبر.\nوربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2037\"></span>﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾\nالشرح: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ:﴾ وهذا ممّا أخبروا به في كتابهم، و﴿عَسى﴾ وعد من الله أن يكشف عنهم البلاء، وهي من الله واجبة. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ:﴾ إلى الكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿عُدْنا﴾","vol":"5","page":303},{"text":"أي: مرة ثالثة إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب محمد ﷺ، وقصد قتله، فعاد الله تعالى بتسليطه عليهم، فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين منهم، هذا لهم في الدنيا.\n ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ محبسا، لا يقدرون على الخروج منها، أبد الآبدين. وقيل: بساطا كما يبسط الحصير في الأرض. وقيل: محبسا، وسجنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا؛ والمراد ب: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا: خالقكم، ورازقكم، ومحييكم، ومميتكم. هذا؛ والرب يطلق ويراد به: السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا..﴾. إلخ. وقال الأعشى: [الكامل]\nربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا\nكما يقال: رب الدار، ورب الأسرة؛ أي: مالكها، ومتولي شئونها. كما يراد به: المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة يربّها: إذا أصلحها، والله ﷾ مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه وينشيه حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والرب:\nالمعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]\nهنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التمر مخمس مخمسا\nوهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر. وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر). هذا؛ و﴿حَصِيرًا﴾ إن كان اسم مكان؛ فهو جامد لا يلزم تذكيره، ولا تأنيثه، وإن كان بمعنى: حاصرا؛ أي: محيطا بهم، وفعيل بمعنى: فاعل يلزم مطابقته، فكان يقال: حصيرة، ولم يؤنث. إما؛ لأنه على النسب ك: «لابن» و«تامر»، أو لحمله على فعيل بمعنى: مفعول، أو لأن تأنيث جهنم غير حقيقي، أو لتأويلها بمذكر كالسجن والحبس. انتهى. جمل. وينبغي أن تعلم أنه لم يرد لفظ ﴿حَصِيرًا﴾ في غير هذا الموضع من القرآن الكريم.\nالإعراب: ﴿عَسى:﴾ فعل ترج ناقص مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ اسم ﴿عَسى،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ في محل نصب خبر ﴿عَسى،﴾ وهو يصرف إلى اسم الفاعل أيضا، فيكون التقدير: عسى ربكم راحما لكم، والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ هو مثل: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ﴾","vol":"5","page":304},{"text":"و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به.\n ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿حَصِيرًا﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال من حصيرا كان صفة له... إلخ، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿عُدْنا﴾ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2038\"></span>﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾\nالشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله الإسراء؛ ذكر ما قضى في بني إسرائيل، وعليهم، وكان ذلك دلالة على نبوة محمد ﷺ، ثم بين: أن القرآن الذي أنزله عليه يهدي الناس إلى الطريقة التي هي أعدل الطرق وأصوبها، أو يهدي إلى الحال التي هي أقوم الحالات، وأحسنها. انتهى. بتصرف كبير. ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ: المراد بالأجر الكبير الجنة، وما فيها من نعيم لا ينفد وسعادة دائمة. هذا؛ ولا تنس: ما في الآية الكريمة من الاحتراس. انظره في الآية رقم [٩٧] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى القرآن، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾.\n ﴿لِلَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(التي): صفة لموصوف محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة للمؤمنين، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، ولا تنس: أنّ ﴿الصّالِحاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل: الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرًا:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة ﴿أَجْرًا﴾ و﴿إِنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nبأن لهم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو المصدر منصوب بنزع الخافض.\n<span id=\"aya-2039\"></span>﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠)﴾\nالشرح: المراد بهذه الآية: الكافرون الذين لا يعترفون بالحياة الآخرة بعد الموت، فهؤلاء لهم عذاب أليم في النار، والمراد: ب: (الآخرة) الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب،","vol":"5","page":305},{"text":"والجزاء، ودخول الجنة والخلود فيها، أو دخول النار والخلود فيها، ومعنى ﴿أَعْتَدْنا:﴾ هيأنا لهم.\nهذا؛ و(عذاب) اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: «تعذيب»؛ لأن الفعل عذّب يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: سلام، وعطاء، ونبات ل: «سلّم»، و«أعطى» و«أنبت»، و﴿أَلِيمًا:﴾ بمعنى: مؤلم، وموجع. هذا؛ والتذكير في الآيتين لا يمنع دخول النساء في الوعد، والوعيد: فالكلام من باب التغليب، أو هنّ ملحقات بالرجال في الجانبين.\nالإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (أنّ)، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما.\n ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفته، وجملة: ﴿أَعْتَدْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق. فيكون داخلا في حيز البشارة، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أن المؤمنين بشروا ببشارتين: أجر كبير لهم على أعمالهم الصالحات، وتعذيب أعدائهم المكذبين باليوم الآخر، وما يتعلق به، والثاني: أن الكافرين بشّروا بعذاب أليم، وذلك على سبيل التهكم، والاستهزاء على حدّ قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٤] وعلى هذا فالعطف عطف مفرد على مفرد. هذا؛ وبعضهم يقدر فعلا قبل المصدر؛ أي: ويخبر أن الذين لا يؤمنون... إلخ، وعليه فالعطف عطف جملة فعلية على مثلها.\n\n<span id=\"aya-2040\"></span>﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له: اللهم أهلكه، ونحوه. ﴿دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي:\nكدعائه ربه أن يهب له العافية من جميع أنواع البلاء، فلو استجاب الله له دعاءه على نفسه بالشر؛ لهلك، لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (يونس) ﵇. وانظر الآية رقم [٧] من سورة (الرّعد).\nوقيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث؛ الذي حدثتك عنه في الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). وقيل: دفع ﵊ أسيرا إلى زوجه سودة لتحرسه، فبات يئنّ، فرحمته لأنينه. فأرخت من كتافه، فلمّا نامت هرب، فأخبرت النبي ﷺ فقال: «قطع الله يديك». ثم ندم، فقال ﷺ: «إنّي سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحقّ من أهلي رحمة؛ لأنّي بشر أغضب، كما يغضب البشر».\n ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ أي: طبعه العجلة، يسارع إلى كل ما يخطر بباله، لا ينظر إلى عاقبته.\nوقيل: أشار به إلى آدم ﵇ حين نهض قبل أن تركّب فيه الروح على الكمال، قال ابن","vol":"5","page":306},{"text":"عباس﵄-: لمّا انتهت النفخة-أي: الروح-إلى سرته؛ نظر إلى جسده، فذهب لينهض، فلم يقدر. وقال ابن مسعود﵁-: لما دخلت الروح في عينيه؛ نظر إلى ثمار الجنة، فلمّا دخلت جوفه؛ اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تدخل الروح رجليه عجلان، إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية رقم [٣٧] من سورة (الأنبياء).\nوقيل: المعنى: إنّ الإنسان يؤثر العاجل؛ وإن قلّ على الآجل وإن جلّ. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١] من سورة (النحل) ففيها بحث جيد.\nهذا؛ و«الإنسان» يطلق على الذكر، وعلى الأنثى من بني آدم، ومثلها كلمة: «شخص»: قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أنّ الله لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أنّ المراد الذكر، والأنثى، واللام في ﴿الْإِنْسانُ﴾ إنّما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق؛ ولذا صح الاستثناء من الإنسان في سورة العصر. هذا؛ وإنسان العين هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد. وانظر جمع «الإنسان» في الآية [٦٠].\nالإعراب: ﴿وَيَدْعُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يدعو): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل وهي محذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله. ﴿بِالشَّرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الإنسان. ﴿دُعاءَهُ:﴾ مفعول مطلق، وأصل الكلام: يدعو.. دعاء مثل دعائه، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف بعد حذفه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿بِالْخَيْرِ:﴾ متعلقان بالمصدر، والجملة الفعلية:\n ﴿وَيَدْعُ﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الإنسان الأول، والرابط: الواو، وإعادة صاحب الحال بلفظه، وهي على تقدير «قد» قبلها.\n\n<span id=\"aya-2041\"></span>﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ أي: علامتين على وحدانيتنا، ووجودنا، وكمال علمنا، وقدرتنا، والآية فيهما إقبال كل واحد منهما من حيث لا يعلم، وإدباره من حيث لا يعلم، ونقصان أحدهما بزيادة الآخر، وبالعكس أيضا آية، وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل، قال تعالى في سورة (النور) الآية رقم [٤٤]: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾.\n ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي: جعلنا الليل ممحو الضوء، مطموسا، مظلما لا يستبان فيه شيء.\nهذا؛ والمحو: الإزالة ومنه الآية رقم [٣٩] من سورة (الرعد). ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ أي:\nجعلنا شمسه مضيئة للأبصار فيكون المعنى: مبصرا فيها بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر، بل يبصر","vol":"5","page":307},{"text":"فيه، فهو من إسناد الحدث إلى زمانه، فهو مجاز عقلي، مثل: ليله قائم، ونهاره صائم. وقيل:\nالمراد بآية الليل وآية النهار: القمر، والشمس. وتقدير الكلام: جعلنا نيّري الليل والنهار آيتين، أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين. ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: لتتوصلوا بضوء النهار إلى استبانة أعمالكم، والتصرف في معايشكم. هذا؛ ولم يذكر السكون في الليل اكتفاء بما ذكر في النهار، وقد قال تعالى في الآية رقم [٦٧] من سورة (يونس) ﵇: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾. ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ أي: باختلاف الليل والنهار تعلمون ما تحتاجون إليه منه، ولولا ذلك؛ لما عرف أحد حساب الأوقات، ولتعطلت الأمور، ولو ترك الله الشمس، والقمر كما خلقهما؛ لم يعرف الليل من النهار، ولم يدر الصائم متى يفطر، ولم يعرف وقت الحج، ولا وقت الديون المؤجلة، وغير ذلك من المعاملات.\n ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ أي: وكل شيء تفتقرون إليه من أمر دينكم، ودنياكم قد بيناه بيانا شافيا واضحا غير ملتبس، وهو مثل الآية رقم [٨٩] من سورة (النحل). وانظر الآية [٤١] الآتية.\nوانظر الآية رقم [٥] من سورة (يونس) ﵇ ففيها فضل زيادة. بعد هذا فالليل: واحد بمعنى: الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال. والليل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر: من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار:\nضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين، كسحاب، وسحب. وأنشد ابن كيسان: [الرجز]\nلولا الثريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر\nوفي القليل: أنهر، والنهار: من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر-على ما تقدم في نهاية الليل-إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما ستعرفه في الآية التالية. هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]\nإذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\nالإعراب: ﴿وَجَعَلْنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف عليه. ﴿آيَتَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. وكذلك جملة:\n ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف","vol":"5","page":308},{"text":"للتفريق. ﴿فَضْلًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿فَضْلًا﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (جعلنا) الثاني. ﴿وَلِتَعْلَمُوا:﴾ مثل سابقه في إعرابه وتأويله، والجار والمجرور معطوفان على ما قبلهما. وقال الجمل: متعلقان بكلا الفعلين؛ أي: لتعلموا بتعاقبهما، واختلافهما. ﴿عَدَدَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿السِّنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْحِسابَ:﴾ معطوف على ما قبله، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم. ﴿وَكُلَّ:﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره المذكور بعده.\nوقيل: هو معطوف على (الحساب) وهو بعيد، و﴿وَكُلَّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، ﴿فَصَّلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على الاعتبار الأول:\nفي (كلّ)، وفي محل نصب صفة له على الاعتبار الثاني: فيه. ﴿تَفْصِيلًا:﴾ مفعول مطلق.\n\n<span id=\"aya-2042\"></span>﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: ﴿طائِرَهُ﴾ عمله، وما قدر عليه من خير، أو شر، وهو ملازمه أينما كان. وقال مجاهد: عمله، ورزقه، وما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة فيها مكتوب شقي، أو سعيد. انتهى. وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء؛ لأنه موضع القلائد، والأطواق، والغل ممّا يزين، أو يشين، وذكر الطائر لما هو سبب الخير، والشر من قدر الله وعمل العبد على طريق الاستعارة؛ لأنهم كانوا يتيمّنون، ويتشاءمون بسنوح الطائر من جهة اليمين، أو من جهة الشمال على عادة الجاهلية.\n ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا:﴾ هو كتاب طائره الذي كان في عنقه، وسجل فيه كل شيء عمله في الدنيا، من خير، أو شر. هذا؛ ويقرأ: «(ويخرج)» و«(يخرج)» و«(يخرج)» والمعتمد قراءته بالنون لموافقته ﴿أَلْزَمْناهُ﴾. ﴿يَلْقاهُ مَنْشُورًا﴾ أي: يجده مفتوحا أمامه، ويكشف عنه الغطاء. هذا؛ ويقرأ بالبناء للمجهول، مع تخفيف القاف، وتشديدها، وهذا ﴿الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾. انظر الكهف رقم [٤٩].\nقال الحسن-رحمه الله تعالى-: بسطت لك يا بن آدم صحيفة، ووكّل بك ملكان، فهما عن يمينك، وشمالك، فأما الذي عن يمينك؛ فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك؛ فيحفظ عليك سيئاتك، حتى إذا مت؛ طويت عليك صحيفتك، وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة. انتهى جمل، كيف لا وربنا يقول: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ؟!﴾.","vol":"5","page":309},{"text":"الإعراب: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ هو مثل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ ﴿فِي عُنُقِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿طائِرَهُ﴾. ﴿وَنُخْرِجُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿كِتابًا:﴾ مفعول به، وهو حال على بناء الفعل للمجهول، ورجوع نائب الفاعل إلى ﴿طائِرَهُ﴾. ﴿يَلْقاهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿(كُلَّ إِنسانٍ)،﴾ والهاء مفعول به. ﴿مَنْشُورًا:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿كِتابًا﴾ ويحتمل أن يكون (منشورا) صفة ثانية لكتاب، وجملة: ﴿وَنُخْرِجُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وهي مستأنفة على بعض القراءات. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2043\"></span>﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ﴾ أي: يقال له ذلك، فيقرؤه كل واحد سواء أكان أميا، أو غير أمي، عربيا كان أم أعجميا، فيقرؤه بلسان فصيح، وعقل سليم. ﴿كَفى بِنَفْسِكَ..﴾. إلخ: أي: محاسبا.\nقال الحسن رحمه الله تعالى: عدل في حقك والله من جعلك حسيب نفسك. قيل: يقول العبد:\nإنك لست بظلام للعبيد. فاجعلني أحاسب نفسي. فيقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ..﴾. إلخ.\nوقال بعض الصلحاء: هذا كتاب، لسانك قلمه، وريقك مداده، وأعضاؤك قرطاسه، أنت كنت المملي على حفظتك، ما زيد فيه، ولا نقص منه، ومتى أنكرت منه شيئا؛ يكون الشاهد منك عليك. هذا؛ ولم يؤنث ﴿حَسِيبًا؛﴾ لأنه بمنزلة الشاهد، والقاضي والأمين، وهذه الأمور يتولاها الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلا حسيبا. ويجوز أن تؤوّل النفس بمعنى: الشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس. وقيل: حسيب بمعنى: محاسب، كخليط، وجليس بمعنى: مخالط، ومجالس، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف).\nهذا؛ والمراد: ب: ﴿الْيَوْمَ﴾ في الآية يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من أيام الدنيا، كما في الآية رقم [٤٧] من سورة (الحج)، وأما اليوم في الدنيا فهو: الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي، فهو من طلوع الفجر، إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، كما رأيت في الآية رقم [١٢] يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم؛ أي: لهذا الوقت، والجمع: أيام، وأصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع: أياويم، وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه، كما في الآية رقم [١٠٢] من سورة (يونس) ﵇ والآية رقم [٥] من سورة (إبراهيم) ﵇. ويقال:\nفلان ابن الأيام؛ أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه.","vol":"5","page":310},{"text":"الإعراب: ﴿اِقْرَأْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كِتابَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿كَفى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِنَفْسِكَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (نفسك): فاعل كفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿حَسِيبًا:﴾\nتمييز. وقيل: حال من (نفسك)، والأول: أعرف في مثل ذلك، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿اِقْرَأْ﴾ المستتر؛ أي: اقرأ كتابك حال كونك مكتفيا بحساب نفسك.\nأو هي مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2044\"></span>﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾\nالشرح: ﴿مَنِ اهْتَدى﴾ .. ﴿عَلَيْها﴾ أي: إن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، وعقاب الذنب مختص بفاعله أيضا، ولا يتعدى منه إلى غيره. انتهى. خازن، وملخصه: أن كل واحد إنما يحاسب عن نفسه لا عن غيره. وانظر الآية رقم [١٠٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح (ضل) في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل). ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى:﴾ يعني: لا تؤاخذ نفس بإثم أخرى، ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر، وذلك أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين: ﴿اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ بمعنى: لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الذنوب، والسيئات، وأما قوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [١٣]: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ فهذا في حق الضالين المضلين، فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكل ذلك يعدّ من أوزارهم، ليس فيها شيء من أوزار غيرهم، انظر تفسيرها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وأصل تزر: (توزر) لأن ماضيه: «وزر»، فحذفت الواو لوقوعها ساكنة بين عدوتيها، وهما: الياء والكسرة في مضارع الغائب (يزر) وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، ولا أمر له فيما يظهر، ومصدره: وزر بفتح الواو، وكسرها، وهو بمعنى: الإثم، والثقل أيضا. والوزر بفتح الواو، والزاي: الملجأ، والمستغاث. قال تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾ ومن المعنيين يؤخذ اسم وزير السلطان، فإنه يحمل ثقل دولته، ويلجأ إليه السلطان في المهمات، فيستشيره بذلك. ومعنى الآية: يتبرأ كل واحد من أوزار غيره، حتى إن الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة، فتقول: يا بني! ألم يكن حجري لك وطاء؟ ألم يكن ثديي لك سقاء؟ ألم يكن بطني لك","vol":"5","page":311},{"text":"وعاء؟ فيقول: بلى يا أمه! فتقول: يا بني! إن ذنوبي أثقلتني فاحمل عني منها ذنبا واحدا، فيقول: إليك عني يا أمّه! فإني بذنبي عنك اليوم مشغول.\nخذ قوله تعالى في سورة (المعارج): ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ وقوله جل ذكره في سورة (عبس):\n ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.\nتنبيه: عن عمر بن الخطاب﵁قال: قال النبي ﷺ: «الميّت يعذّب في قبره بما نيح عليه». رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجة، والنسائي إلا أنه قال «بالنّياحة عليه» فلا تعارض بين الآية والحديث، فإن الحديث محمول على ما إذا كان النوح من وصية الميت، وسنته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طرفة بن العبد: [الطويل]\nإذا متّ فانعيني بما أنا أهله... وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد\nوذهب جماعة من أهل العلم-منهم داود الظاهري-إلى الأخذ بظاهر الحديث، وأنه إنما يعذب بنوح النساء؛ لأنه أهمل النهي عنه قبل موته، فيعذب بتفريطه بذلك.\n ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أي: لم نترك الخلق سدى، بل أرسلنا الرسل، وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح، ويحسن، ويبيح، ويحظر، ونص الآية يعطي احتمال عدم مؤاخذة الذين لم تصلهم رسالة، وهم أهل الفترات؛ الذين لم يرسل إليهم رسل، ومنهم من كانوا قبل النبي. ومجمل القول فيهم: أنهم ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: من أدرك التوحيد، وعرف الله ببصيرته، فمنعه هذا التبصر عن عبادة غير الله تعالى، ومنهم من لم يدخل في شريعة كقس بن ساعدة الأيادي، وزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبّع، وورقة بن نوفل اللّذين تنصرا.\nالقسم الثاني: من غير، وبدل، وأشرك، ولم يوحد، وشرع لنفسه، وحلل، وحرم، وهم الأكثر من العرب، كعمرو بن لحي الخزاعي؛ الذي أدخل الأصنام إلى الكعبة، وأجبر الناس على عبادتها، وتقديسها.\nالقسم الثالث: وهم من لم يشرك، ولم يوحد، ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع دينا، بل بقي مدة عمره على حين غفلة، وهم أهل الفترة حقيقة، ومنهم عبد المطلب، ووالدا النبي ﷺ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٤] من سورة (طه).\nالإعراب: ﴿مَنِ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِهْتَدى:﴾\nماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود","vol":"5","page":312},{"text":"إلى (من) تقديره: «هو». ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة.\n ﴿يَهْتَدِي:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَإِنَّما..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة، فالجملة بعدها صلتها، وهي مبتدأ، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي..﴾. إلخ خبرها، وزيدت الفاء في خبره لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين؛ فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. والجملة:\n ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ مثلها في إعرابها، وهي معطوفة عليها، والجار والمجرور ﴿عَلَيْها﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال. (لا): نافية. ﴿تَزِرُ:﴾ مضارع. ﴿وازِرَةٌ:﴾ فاعله. ﴿وِزْرَ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿أُخْرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَضِلُّ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي مؤكدة لمعنى ما قبلها، والاستئناف ممكن. تأمل. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما):\nنافية. ﴿كُنّا:﴾ ماض مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿مُعَذِّبِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، تقديره: أحدا.. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿نَبْعَثَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُعَذِّبِينَ،﴾ وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-2045\"></span>﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦)﴾\nالشرح: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها: في معنى ﴿أَمَرْنا﴾ قولان: فقال أكثر المفسرين: معناه: أمرهم بالطاعة، والأعمال الصالحة، وفعل الخير، فخالفوا ذلك الأمر، وفسقوا. والقول الثاني: أمرنا بمعنى: كثّرنا فسّاقها، يقال: أمر القوم إذا كثروا. وقال عبد الله بن مسعود﵁-: كنا نقول في الجاهلية للحيّ إذا كثروا: أمر أمر بني فلان. قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁-: [المنسرح]\nكلّ بني حرّة مصيرهم... قلّ وإن أكثروا في العدد\nإن يغبطوا يهبطوا، وإن أمروا... يوما يصيروا للهلك والنّكد","vol":"5","page":313},{"text":"وقرئ: «(أمّرنا)» بتشديد الميم؛ أي: سلطنا شرارها على ضعفائها، ففسقوا فيها وعصوا.\nوقال أبو عثمان النهدي: جعلناهم أمراء مسلطين. وقرئ: «(أمِرنا)» وهو يحتمل التكثير والتأمير، وفي حديث هرقل من قول أبي سفيان: «لقد أمر أمر ابن أبي كبشة»، وهو يحتمل العلو، والتأمير، ويحتمل الكثرة. هذا؛ والمترف: هو الذي أبطرته النعمة ورغد العيش. ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ أي: خرجوا فيها عن طاعة الله إلى المعاصي، وتخصيص المترفين بالذكر؛ لأنهم أسرع إلى الحماقة، وأقدر على الفجور، ولأن غيرهم يتبعهم. انتهى. بيضاوي.\n ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليها العقاب الموعود للفاسقين، والمجرمين. ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ أي: أهلكناها إهلاك استئصال بإهلاك أهلها، وتخريب ديارهم، وإن كان فيها بعض الصالحين، فإن العذاب يعمّهم جميعا. انظر الآية رقم [٦١] من سورة (النحل) ففيها بحث جيد، وعن أمّ المؤمنين زينب بنت جحش: أن النبي ﷺ دخل عليها فزعا، يقول: «لا إله إلاّ الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج، ومأجوج مثل هذه». وحلّق بإصبعيه الإبهام، والتي تليها. قالت زينب: قلت يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». متفق عليه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أوامر الله تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إيّاها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إيّاها؛ فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك، فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق؛ الذي هو مسمى الإيمان.\nهذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ﴾. الثالث: الحركة والإمالة، يقال:\nقالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾.\nالخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذا قول الأشاعرة؛ أي: ما يعتقدونه.\nوانظر الكلام في الآية رقم [١٠٩] من سورة (المؤمنون).\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف ﴿(إِذا أَرَدْنا):﴾ انظر الآية رقم [٥] والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿أَمَرْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿مُتْرَفِيها:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ جواب (إذا) لا محل لها. وقيل: الجملة صفة ﴿قَرْيَةً،﴾ والجواب","vol":"5","page":314},{"text":"محذوف، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ معطوفة أيضا. وأيضا جملة:\n ﴿فَدَمَّرْناها﴾ معطوفة أيضا. ﴿تَدْمِيرًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد للفعل.\n\n<span id=\"aya-2046\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَكَمْ:﴾ خبرية كناية عن عدد مبهم، وهي هنا بمعنى: كثير، والمعنى: أهلكنا كثيرا من القرون من بعد نوح، كعاد، وثمود، وغيرهم ممن لا يعلمه إلا الله تعالى، وإنما قال:\n ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ؛﴾ لأنه أول رسول كذبه قومه، ولذا لم يقل: من بعد آدم. وانظر ما جرى لنوح ﵇ مع قومه مع سورة (الأعراف) وسورة (هود) ﵇. ﴿وَكَفى:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٦٥] الآتية وقدم ﴿خَبِيرًا﴾ لتقدم متعلقه. وقال النسفي: خبيرا بذنوب عباده، وإن أخفوها في الصدور، بصيرا بها، وإن أرخوا عليها الستور. انتهى. وهما اسما مبالغة كما ترى. هذا؛ والآية فيها تهديد، وتخويف لكفار مكة.\nهذا؛ و(ذنوب) جمع: ذنب، وهو يطلق على مخالفة الله فيما أمر، أو فيما نهى عنه، وهو على درجات: منها الصغائر، ومنها الكبائر، وتفصيلها معروف في محالّها. هذا؛ و(ذنوب) بضم الذال، وهو بفتحها بمعنى: النصيب. قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٥٩] ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ و«ذنوب» بفتحها الدلو العظيمة في الأصل. قال الراجز: [الرجز]\nإنّا إذا شاربنا شريب... له ذنوب ولنا ذنوب\nفإن أبى كان له القليب\nهذا؛ و﴿الْقُرُونِ﴾ جمع: قرن بفتح القاف، وسكون الراء وهو مائة سنة على الصحيح. وقيل:\nثمانون. وقيل: ثلاثون، ويقال: القرن في الناس أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة، ونحوها وقال الرسول ﷺ: «خير القرون قرني...» إلخ ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nإذا ذهب القرن الذي أنت فيهمو... وخلّفت في قرن، فأنت غريب\nوخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي﵁-: [الطويل]\nفإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل\nوالقرن: بفتح القاف أيضا: الزيادة العظيمة؛ التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، ومنه:\nاسكندر ذو القرنين. والقرن: الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر. والقرن: من القوم سيدهم، ومن السيف حده، ونصله. وجمعه في كل ما تقدم: قرون. هذا؛ وهو بكسر القاف، وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة، والعلم، ونحوهما، والجمع على هذا: أقران.","vol":"5","page":315},{"text":"الإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وهي خبرية بمعنى: كثير. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿مِنَ﴾ بيان ل: (كم) وتمييز له، والتمييز في المعنى هو المجرور ب: ﴿مِنَ،﴾ وبما أنه معرفة والتمييز لا يكون معرفة جر بالحرف. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْقُرُونِ،﴾ و﴿بَعْدِ:﴾\nمضاف، و﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾ مثل: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ﴾ في الآية رقم [١٤] ﴿بِذُنُوبِ:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع، و(ذنوب) مضاف، و﴿عِبادِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا:﴾ كلاهما تمييز لنسبة (كفى)، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2047\"></span>﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ﴾ أي: الدار العاجلة، والمراد: بها: الدنيا. ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها:﴾ أعطيناه طلبه وما يريده في هذه الدنيا من مال، وبنين، ومنصب، وجاه، ولكن هذا الإعطاء متوقف على مشيئتنا، وإرادتنا، فلا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾ أي: يحترق فيها. وفي المصباح: صلي بالنار، وصليها، صليا من باب: تعب: وجد حرها، والصّلاء وزان: كتاب: حر النار، وصليت اللحم، أصليه من باب: رمى: إذا شويته. ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا:﴾ مطرودا من رحمة الله تعالى، وهذه صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المداحين، يلبسون الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يقبل ذلك العمل منهم في الآخرة، ولا يعطون في الدنيا إلا ما قسم لهم، وقد ذكرت لك في الآية رقم [١٥] من سورة (هود) ﵇: أن هذه الآية تقيد تلك الآيات المطلقة. وانظر شرح: «شاء، وأراد» في الآية رقم [٢] من سورة (النحل). وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر).\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾.\n ﴿يُرِيدُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿الْعاجِلَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿عَجَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْعاجِلَةَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فِيها:﴾ متعلقان فيه أيضا. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا نشاؤه. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من ﴿الْعاجِلَةَ﴾ بدل بعض من كل، و(من) تحتمل الموصولة،","vol":"5","page":316},{"text":"والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشخص نريده، وجملة: ﴿عَجَّلْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا. ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٥] ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ موصولة كما في الآية المذكورة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْعاجِلَةَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿عَجَّلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿يَصْلاها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾. ﴿مَذْمُومًا:﴾ حال من الفاعل المستتر، فهي حال متداخلة.\n ﴿مَدْحُورًا:﴾ حال ثانية، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2048\"></span>﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ﴾ أي: الدار الآخرة، وما فيها من النعيم المقيم. ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ أي: عمل لها عملها من الطاعات فيأتي بما أمر به، وينتهي عما نهي عنه. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ:﴾ لأن الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن، وهو احتراس، انظر الآية رقم [٩٧] من سورة (النحل). ﴿فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ أي: مقبولا عند الله تعالى، وعن بعض السلف الصالح: من لم يكن معه ثلاث؛ لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب.\nوقيل: مشكورا مضاعفا؛ أي: تضاعف لهم الحسنات إلى عشر وإلى سبعين، وإلى سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. هذا؛ وقد راعى لفظ (من) فيما تقدم، وراعى معناها في جمع اسم الإشارة.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ:﴾ انظر الآية السابقة، وجملة: ﴿وَسَعى لَها﴾ معطوفة عليها.\n ﴿سَعْيَها:﴾ مفعول مطلق. وقيل: مفعول به، وهو ضعيف، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في محل نصب حال من فاعل (سعى) المستتر، والرابط:\nالواو، والضمير، أو هي معترضة لا محل لها، وهو أجود؛ لأن الغرض منها الاحتراس، كما رأيت في الشرح. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة فجملة:","vol":"5","page":317},{"text":"﴿أَرادَ..﴾. إلخ صلتها، والجملة الاسمية (أولئك..) إلخ في محل رفع خبرها، وزيدت الفاء في الخبر لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\n\n<span id=\"aya-2049\"></span>﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿كُلاًّ﴾ أي: كل واحد من الفريقين المذكورين. ﴿نُمِدُّ هؤُلاءِ:﴾ من يريد العاجلة.\n ﴿وَهَؤُلاءِ:﴾ من يريد الآخرة. ﴿مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أي: نرزقهما جميعا، ثم يختلف الحال بهما في المآل. ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي: ممنوعا عن عباده. والمراد: بالعطاء: العطاء في الدنيا؛ إذ لا حظ للكافر في الآخرة، كما قال في الآية رقم [١٦] هود ﵇: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ﴾ هذا؛ و﴿عَطاءِ﴾ اسم مصدر، انظر الآية رقم [١٠].\nالإعراب: ﴿كُلاًّ:﴾ مفعول به مقدم. ﴿نُمِدُّ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب بدلا من ﴿كُلاًّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿وَهَؤُلاءِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ عَطاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿عَطاءِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لفاعله، والكاف في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عَطاءِ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه.. إلخ. ﴿مَحْظُورًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿رَبِّكَ،﴾ فلست مفندا، والرابط:\nالواو، وإعادة لفظ ﴿رَبِّكَ﴾.\n<span id=\"aya-2050\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿اُنْظُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ولكل عاقل يتأتى منه النظر، والتبصر. ﴿كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ:﴾ بعض الناس، ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ أي: في المال، والولد، والصحة، والجاه، وغير ذلك من أمور الدنيا. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا:﴾ إن التفاضل، والتفاوت في الآخرة أعظم منه في الدنيا؛ لأن التفاوت فيها بالجنة، ودرجاتها، أو بالنار، ودركاتها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nروي: أن قوما من أشراف قريش فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر﵁-، فخرج الإذن لبلال، وصهيب، ونحوهما، فشق على أبي سفيان، ذلك، فقال سهيل بن عمرو: إنما، أوتينا من قبلنا، إنهم دعوا، ودعينا، يعني: إلى الإسلام، فأسرعوا، وأبطأنا، وهذا باب عمر، فكيف التفاوت في الآخرة؟ ولئن حسدتموهم على باب عمر؛ لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر. انتهى. نسفي.","vol":"5","page":318},{"text":"الإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من (نا) تقدم على صاحبه وعامله، وهو معلق للفعل قبله عن العمل.\n ﴿فَضَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿كَيْفَ فَضَّلْنا..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَلْآخِرَةُ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (الآخرة):\nمبتدأ. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿أَكْبَرُ:﴾ مضاف، و﴿دَرَجاتٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ ويجوز اعتباره تمييزا، ويؤيده نصب ما بعده، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أَكْبَرُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿تَفْضِيلًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية:\n ﴿وَلَلْآخِرَةُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وعطفها يخل بالمعنى. وقيل: هي في محل نصب حال.\n\n<span id=\"aya-2051\"></span>﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ﴾ .. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ، والمراد: به أمته، أو كل أحد، وهو أولى. ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ أي: فتصير مذموما من قبل الملائكة، والمؤمنين مخذولا من الله تعالى، ومفهومه: أن المؤمن الموحد يكون ممدوحا منصورا. دليله قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ حيث ذكر الخذلان في مقابلة النصر.\nقال الجمل: وحاصل ما ذكر في هذه الآيات من أنواع التكاليف خمسة وعشرون نوعا، بعضها أصلي، وبعضها فرعي، وقد ابتدئت بالأصلي في قوله: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ..﴾. إلخ وختمت به أيضا في قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٩]. انتهى نقلا عن شيخه، ثم قال: وفي زاده: لما بين الله: أنّ سعادة الآخرة منوطة بإرادتها، بأن يسعى سعيها، وبأن يكون مؤمنا؛ شرع في تفصيل هذه الأمور المجملة، فبدأ بشرح حقيقة الإيمان، وبيان ما هو العمدة فيه، وهو التوحيد، فقال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ..﴾. إلخ، ثم ذكر عقبيه سائر الأعمال؛ التي يكون من عمل بها ساعيا في الآخرة. انتهى.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، ومع مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة له. الفاء: للسببية. (تقعد): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا:﴾ حالان من فاعل تقعد المستتر، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير:\nلا يكن منك جعل مع الله إلها آخر فقعود... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لا تَجْعَلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وعلى تفسير (تقعد) ب: «تصير» يكون فعلا ناقصا يرفع، وينصب.","vol":"5","page":319},{"text":"<span id=\"aya-2052\"></span>﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقَضى رَبُّكَ:﴾ أمر وألزم وأوجب. وانظر الآية رقم [٤] وقرئ: «(وصّى)» و«(أوصى أن لا تعبدوا إلا إياه)». ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا:﴾ أمر الله سبحانه بعبادته، وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما:﴾ أو كلاهما: خص حالة الكبر؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر ممّا ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلاّ عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه، فذلك خصّ هذه الحالة بالذكر.\n ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ أي: لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم، وعن أبي رجاء العطارديّ قال: الأفّ: الكلام والقذع الرديء الخفي. وقال مجاهد: معناه: إذا رأيت منهما في حال الشيخوخة الغائط والبول الذي رأياه منك في الصغر، فلا تقذرهما، وتقول: أف. وقال بعضهم: معنى: ﴿أُفٍّ:﴾ الاحتقار، والاستقلال، أخذ من الأفف، وهو القليل، وروي من حديث عليّ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لو علم الله من العقوق شيئا أردأ من (أفّ) لذكره، فليعمل البارّ ما شاء أن يعمل؛ فلن يدخل النّار، وليعمل العاقّ ما شاء أن يعمل؛ فلن يدخل الجنّة».\n ﴿وَلا تَنْهَرْهُما:﴾ النهر: الزجر، والغلظة. ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي: لينا لطيفا، مثل:\nيا أبتاه، ويا أماه من غير أن يسمّيهما، ويكنيهما. هذا؛ والمراد: بالوالدين: الأب، والأم، ففيه تغليب الأب على الأم. وأيضا في لفظ (الأبوين) تغليب، وفيه إشعار بتفضيل الأب على الأم، والذكر على الأنثى. هذا؛ ويقرأ: «(يبلغانّ)» بتشديد النون المكسورة، وقرئ: (أف) بقراءات كثيرة.\nقال أبو البقاء العكبري-رحمه الله تعالى-فمن كسر؛ بناه على الأصل، ومن فتح؛ طلب التخفيف، مثل: رب، ومن ضم؛ أتبع، ومن نون؛ أراد التنكير، ومن لم ينون؛ أراد التعريف، ومن خفف الفاء؛ حذف أحد المثلين. وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [٣٢] من سورة (الكهف)، وشرح ﴿كِلْتَا﴾ في الآية التالية لها منها أيضا، وكذا شرح كلا.\nالإعراب: ﴿وَقَضى:﴾ الواو: حرف استئناف. (قضى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَلاّ:﴾ (أن) حرف تفسير. (لا): ناهية. ﴿تَعْبُدُوا:﴾ مجزوم ب: (لا) الناهية، هذا؛ أو هي حرف مصدري ونصب، و(لا) نافية والفعل منصوب ب: (أن)،","vol":"5","page":320},{"text":"وأجيز اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة، والفعل مجزوم ب: (لا)، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. فعلى اعتبار (أن) مفسرة فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها تفسير ل: (قضى)، وعلى اعتبارها مخففة فالجملة في محل رفع خبرها، واسمها ضمير الشأن محذوف، وتؤوّل مع اسمها وخبرها بمصدر، كما تؤوّل على اعتبارها حرفا ناصبا بمصدر، والمصدر على التأويليين في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: قضى ربك بعدم عبادة غيره. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف التقدير: وأن تحسنوا بالوالدين، وهما في محل مفعول به، وعلامة الجر بالياء؛ لأنه مثنى.. إلخ، ﴿إِحْسانًا:﴾\nمفعول مطلق، والمصدر المؤول من «أن تحسنوا» معطوف على سابقه.\n ﴿إِمّا:﴾ أصلها: (إن ما) إن الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة. ﴿يَبْلُغَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، وعلى قراءة «(يبلغانّ)» فهو مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والنون حرف لا محل له.\n ﴿عِنْدَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِبَرَ:﴾\nمفعول به. ﴿أَحَدُهُما:﴾ فاعل على القراءة الأولى، وبدل من ألف الاثنين على القراءة الثانية.\nوقيل: فاعل بفعل محذوف، وبعضهم يعتبر الألف حرفا دالا على التثنية، و﴿أَحَدُهُما﴾ هو الفاعل، والمعتمد الأول: من الأوجه الثلاثة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كِلاهُما:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بالمثنى، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وقل فيما يأتي مثل ذلك، وجملة: ﴿يَبْلُغَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَقُلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُما:﴾ متعلقان به. ﴿أُفٍّ:﴾ اسم فعل مضارع مبني على الكسر. وانظر، أوجه القراءات. وقيل: هو اسم بمعنى: تبّا، أو قبحا، والمعتمد الأول، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»؛ لأنه بمعنى: أتضجر، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَلا تَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ معطوفة على جواب الشرط، ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُما:﴾ متعلقان به. ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَرِيمًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب الشرط أيضا.","vol":"5","page":321},{"text":"<span id=\"aya-2053\"></span>﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ:﴾ تذلل للوالدين، وتواضع معهما تواضع الرعية للأمير، والعبيد للسادة. وضرب خفض الجناح، ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه للطيران، ففيه استعارة مكنية، فقد استعار الطائر للذل، ثم حذفه ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح، وإثبات الجناح للذل يسمونه استعارة تخييلية، ومثله قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل]\nوإذا المنيّة أنشبت أظفارها... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع\nحيث أثبت الأظفار للمنية، وهي لا ترى، ولا تشاهد على طريقة الاستعارة التخييلية.\nوأيضا قول لبيد﵁-: [الكامل]\nوغداة ريح قد كشفت وقرّة... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها\nفقد جعل للشمال يدا، وللقرة-أي: البرد-زماما على مثال ما رأيت. هذا؛ ويقرأ الذل بضم الذال وكسرها. هذا؛ والخطاب للنبي ﷺ، والمراد: المؤمنون من أمته؛ إذ لم يكن له ﵇ في ذلك الوقت أبوان. هذا؛ ولم يذكر الذل في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده، وتنزيها له ﷺ من الذل، انظر الآية [٨٨] من سورة (الحجر).\n ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ:﴾ من فرط رحمتك، وشدة شفقتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، وهو الولد نفسه. ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما﴾ أي: واسأل الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك، وشفقتك الفانيتين. ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا:﴾ خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقا لهما، وحنانا عليهما.\nتنبيه: لقد بين الله في هاتين الآيتين مكانة الأبوين في الإسلام، وقد، أوصى ببرهما، ورحمتهما، والإشفاق عليهما، فنهى الولد عن أمرين، وأمره بثلاثة تجاه والديه، نهاه عن التضجر منهما، ونهرهما، وأمره بالتواضع لهما، والتذلل بين أيديهما، وأن يقول لهما قولا لينا لطيفا، وأن يدعو لهما بالرحمة، والمغفرة لذنوبهما، وأن يعفو الله عنهما، ويدخلهما فسيح جنته، وقد وردت أحاديث شريفة تأمر ببرّ الوالدين، ومثلها تنهى عن عقوقهما، أكتفي منها بما يلي:\nعن عبد الله بن عباس﵄قال: قال النبي ﷺ: «من أمسى، وأصبح مرضيا لوالديه؛ أمسى، وأصبح؛ وله بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن واحدا فواحدا، ومن أمسى وأصبح، مسخطا لوالديه؛ أمسى وأصبح، وله بابان مفتوحان إلى النار، وإن واحدا فواحدا».\nفقال رجل: يا رسول الله! وإن ظلماه. قال: «وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه».","vol":"5","page":322},{"text":"وعن جابر بن عبد الله﵄قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! إن أبي أخذ مالي. فقال: «ائتني بأبيك». فنزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ، فقال: إنّ الله ﷿ يقرئك السّلام، ويقول لك: إذا جاء الشيخ، فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه. فلما جاء فإذا هو شيخ يتوكأ على عصاه. قال له سيد الخلق وحبيب الحق: «ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟». فقال: يا رسول الله! إنه كان ضعيفا؛ وأنا قوي، وكان فقيرا؛ وأنا غني، وكنت لا أمنعه شيئا من مالي. واليوم أنا ضعيف، وهو قوي، وأنا فقير، وهو غني، ويبخل علي بماله، فقال رسول الله ﷺ: «إيه دعنا من هذا، أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك؟». فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما زال الله ﷿ يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. قال: «قل وأنا أسمع». قال قلت: [الكامل]\nغذوتك مولودا ومنتك يافعا... تعلّ بما أجني عليك وتنهل\nإذا ليلة نابتك بالسّقم لم أبت... لسقمك إلاّ ساهرا أتململ\nكأنّي أنا المطروق دونك بالّذي... طرقت به دوني، وعيني تهمل\nتخاف الرّدى نفسي عليك وإنّها... لتعلم أنّ الموت وقت مؤجّل\nفلما بلغت السنّ والغاية التي... إليها مدى ما كنت منك أؤمّل\nجعلت جزائي غلظة وفظاظة... كأنك أنت المنعم المتفضّل\nفليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتي... فعلت كما الجار المجاور يفعل\nفأوليتني حقّ الجوار، ولم تكن... عليّ بمال دون مالك تبخل\nوسمّيتني باسم المفنّد رأيه... وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقل\nفبكى النبي ﷺ. وقال: «ما من حجر، ولا مدر يسمع بهذا إلا بكى». ثم أخذ بتلابيب الابن. وقال: «أنت، ومالك لأبيك».\nبعد هذا أما الإحسان إلى الوالدين؛ فيعرفه كل واحد من الناس بفطرته، وهو أن يقوم المرء بخدمتهما، وأن لا يرفع صوته عليهما، وأن لا يغلظ في الكلام لهما، وأن يسعى في تحصيل مطالبهما، والإنفاق عليهما بقدر سعته. نعم إن البر بالوالدين أمر عظيم حث عليه الشرع الشريف واستحسنه الذوق، والطبع، ولكنهما كما تعلم ليسا في الدرجة سواء، فإن الأم قد كابدت في سبيلك، وتعبت أكثر من تعب الوالد وجهاده أضعافا مضاعفة. لذا كانت جديرة ببر أعظم، وعطف أكبر، لذا جاء التنبيه عليها بقوله تعالى بعد أن أجمل الوصية بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ﴾ سورة (لقمان) رقم [١٤] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ سورة (الأحقاف): رقم [١٥].","vol":"5","page":323},{"text":"الإعراب: ﴿وَاخْفِضْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُما:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿جَناحَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، والذل مضاف إليه. ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\nوأجيز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿جَناحَ الذُّلِّ،﴾ وجملة: ﴿وَاخْفِضْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَلا تَقُلْ..﴾. إلخ (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ منادى. وانظر تفصيله في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵇. ﴿اِرْحَمْهُما:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿كَما:﴾\nالكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿رَبَّيانِي:﴾ ماض، والألف فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿صَغِيرًا:﴾ حال من ياء المتكلم، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير:\nارحمهما رحمة كائنة مثل تربيتهما لي في حال صغري، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة معينة، وهذا ليس منها. تأمل. هذا؛ وقيل: الكاف للتعليل، مثل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ فيكون التقدير: ارحمهما لأجل تربيتهما لي.\n\n<span id=\"aya-2054\"></span>﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ﴾ أي: من بر الوالدين، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير وعدم عقوقهما. ﴿إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ أي: أبرارا صادقين في برهما وطاعتهما. وقيل:\nقاصدين الصلاح والبر بعد تقصير في حقهما، أو فرط منكم في حال الغضب، أو عند حرج الصدر، وما لا يخلو منه البشر ممّا يؤدي إلى أذاهما، ثم أنبتم، واستغفرتم. ﴿فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ﴾ أي: للرجاعين، والتوابين. ﴿غَفُورًا:﴾ يغفر لهم ما فرط منهم في حق أبويهم من تقصير، أو إيذاء، فقد وعد الله بالغفران بشرط الصلاح.\nقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-الأواب: هو العبد يتوب، ثم يذنب، ثم يتوب، ثم يذنب. وقال ابن عباس﵄-: الأواب: هو الذي إذا ذكر خطاياه؛ استغفر منها. وقال عون العقيلي: الأوابون: هم الذين يصلون صلاة الضحى، يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم﵁قال: خرج رسول الله ﷺ على أهل قباء، وهم يصلون الضحى، فقال: «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال». أخرجه مسلم. يريد: ارتفاع الشمس وقت الضحى. وقيل: الأواب: الذي يصلي بين المغرب، والعشاء. هذا؛ وقد ذكر الحافظ المنذري أحاديث كثيرة ترغب في الصلاة بين هذين الوقتين.","vol":"5","page":324},{"text":"الإعراب: ﴿رَبُّكُمْ﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، وهو بمعنى: عالم، فاعله مستتر فيه. ﴿بِما:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿فِي نُفُوسِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، وهو ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿صالِحِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ﴾. ﴿لِلْأَوّابِينَ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿غَفُورًا:﴾ خبر كان، وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2055\"></span>﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ:﴾ بعد أن أمر الله تعالى ببر الوالدين أمر بإيتاء القرابات حقوقهم من صلة الرحم، والمودة، والزيارة، وحسن المعاشرة، والمعاونة في الضراء، والمؤالفة في السراء، والمعاضدة، ونحو ذلك. هذا؛ وأبو حنيفة-رحمه الله تعالى-يلزم الموسر نفقة أقاربه المعسرين؛ لأنه يورث ذوي الأرحام بعضهم بعضا. وأما الشافعي-رحمه الله تعالى-فلا يلزم النفقة إلا إلى الفروع والأصول، ولا يرى توريث ذوي الأرحام. هذا؛ وقيل: إن الخطاب للنبي ﷺ أمره ربه أن يؤتي أقاربه حقوقهم من بيت المال، ويكون خطابا للولاة، أو من قام مقامهم. وانظر الآية رقم [٩٠] من سورة (النحل). ﴿وَالْمِسْكِينَ:﴾ هو الذي لا يقوم دخله بكفايته، وهو أحسن حالا من الفقير عند الشافعي، والعكس عند أبي حنيفة، وخذ تعريفه فيما يلي:\nعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الذي تردّه اللّقمة واللقمتان، والتمرة والتّمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس». رواه البخاري ومسلم.\n (ابن السبيل) أي: ابن الطريق المنقطع في سفره، ونفد ماله بأية طريقة كانت، فقد أمر الله الموسرين أن يعطوه ما يوصله بلده، ولو كان من أغنى الأغنياء في وطنه. ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ أي:\nلا تسرف في إنفاق المال بغير حق.\nقال الشافعي﵁التبذير: إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير.\nوقيل: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق؛ لم يكن مبذرا، ولو أنفق درهما، أو مدا في باطل؛","vol":"5","page":325},{"text":"كان مبذرا. والحق أن الآية رقم [٢٩] الآتية، والآية رقم [٦٧] من سورة (الفرقان) هما الدستور، والميزان للإنفاق.\nهذا؛ وخص الله هذه الثلاثة بالذكر هنا من بين الأصناف الثمانية المذكورة في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)؛ لأنه جلت قدرته أراد هاهنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال، سواء أكان زكويا، أو لم يكن؟ وسواء أكان قبل الحول أم لم يكن؟ لأن المقصود هنا الشفقة العامة، وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم، وإن لم يكن للإنسان مال زائد، وإن لم يكن مالكا للنصاب، والفقير داخل في المسكين؛ لأن من أوصى للمساكين بشيء يصرف إلى الفقراء أيضا، وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم. وقدم القريب؛ لأن دفع حاجته واجب، سواء أكان في مخمصة، أو لم يكن، فلذلك قدم على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع، فقدم على من حاجته مختصة بموضع دون موضع، وهو ابن السبيل. انتهى. جمل نقلا عن كرخي من سورة (الروم).\nوينبغي أن تعلم أن ﴿ذَا﴾ بمعنى: صاحب، ويجمع جمع تكسير: (ذوين، وذوون) وتحذف نونهما للإضافة، ويجمع على غير لفظه (أولون، وأولين) وهو كثير مثل: أولو الألباب.\nالإعراب: ﴿وَآتِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (آت): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ذَا:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذَا:﴾ مضاف، و﴿الْقُرْبى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَقَّهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، أو فاعله. ﴿وَالْمِسْكِينَ:﴾ معطوف على المفعول الأول، و﴿وَابْنَ:﴾ معطوف عليه أيضا، و(ابن): مضاف، و﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه وقد حذف المفعول الثاني: من كليهما، فإن التقدير: وآت المسكين حقه، وآت ابن السبيل حقه. وهذا مذكور في الآية رقم [٣٨] من سورة (الروم)، وجملة: ﴿وَآتِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وعطفها على جملة: ﴿فَلا تَقُلْ..﴾. إلخ لا بأس به، فتكون الآية: ﴿رَبُّكُمْ..﴾. إلخ كلاما معترضا بين المتعاطفين، وجملة: ﴿وَلا تُبَذِّرْ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿تَبْذِيرًا﴾ مفعول مطلق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2056\"></span>﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي: أمثالهم في الشر، والفساد؛ إذ التضييع، والإتلاف للأموال بغير حق شر، أو هم أصدقاء الشياطين، وأتباعهم؛ لأنهم يطيعونهم في","vol":"5","page":326},{"text":"التبذير، والصرف في المعاصي، فقد كانوا ينحرون الإبل، ويقامرون بلحومها، ويبذلون أموالهم في حب السمعة، والشهرة، ويتباهون، ويتفاخرون في السخاء، والكرم، كما حصل لجد الفرزدق، ولمن باراه في ذلك. هذا؛ و(الإخوان) هنا جمع: أخ من غير النسب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ أي: جاحدا فضل الله تعالى، مبالغا في الكفر، فلا ينبغي أن يطاع؛ لأنه يدعو إلى مثل عمله.\nتنبيه: الإسراف، والتبذير يجريان في إنفاق المال في غير حق، وفي كل شيء خرج عن حد الطاعة، والقدرة، والحاجة من طعام، وشراب، ولباس وغير ذلك، فعن النبي ﷺ: أنه قال لسعد بن أبي وقاص﵁وهو يتوضأ: ما هذا السرف؟ فقال: أوفي الوضوء سرف؟ قال: نعم؛ وإن كنت على نهر جار.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُبَذِّرِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كانُوا:﴾\nماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِخْوانَ:﴾ خبر (كان) وهو مضاف، و﴿الشَّياطِينِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كان): ماض ناقص. ﴿الشَّيْطانُ:﴾\nاسم (كان). ﴿لِرَبِّهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَفُورًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وهو الأقوى فيما يظهر. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2057\"></span>﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾\nالشرح: في الآية الكريمة خطاب للنبي ﷺ، وفيها تأديب عجيب، وقول لطيف بديع؛ إذ المعنى: لا تعرض عن السائلين من ذوي القربى، والمساكين، وأبناء السبيل إعراض مستهين بهم عن ظهر الغنى، والقدرة، فتحرمهم، وإنما يجوز أن تعرض عنهم عند عجز يعرض، وفقر يعوق، وأنت من ذلك ترجو من الله-سبحانه، وتعالى-فتح أبواب الخير؛ لتتوصل به إلى مواساتهم، وإعطائهم، فإن لم تجد فقل لهم قولا لينا جميلا، وعدهم وعدا تطيب به نفوسهم، وادع لهم دعاء تنشرح به صدورهم، مثل: أغناكم الله ورزقنا الله وإياكم، وآية البقرة رقم [٢٦٣] فيها هذا الأدب، والقول اللطيف البديع إذا ألح السائل بالسؤال، وهي: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً﴾ ولقد أحسن من قال: [البسيط]\nإلاّ يكن ورق يوما أجود بها... للسّائلين فإنّي ليّن العود\nلا يعدم السائلون الخير من خلقي... إمّا نوالي وإمّا حسن مردودي","vol":"5","page":327},{"text":"قال الخازن رحمه الله تعالى: نزلت في مهجع، وبلال، وصهيب، وسالم، وخباب، كانوا يسألون رسول الله ﷺ في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد، فيعرض عنهم حياء منهم، ويمسك عن القول، ومعنى: ﴿اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها:﴾ توقع مال، وانتظار رزق من الله يأتيك به. وانظر شرح «القول» في الآية [١٦].\nالإعراب: ﴿وَإِمّا:﴾ هي (إن) الشرطية مدغمة في (لا) الزائدة. ﴿تُعْرِضَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والنون حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنْهُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و﴿رَحْمَةٍ:﴾\nمضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَحْمَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وأجيز تعليقهما بالفعل بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تَرْجُوها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وها: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الضمير فقط، وأجيز اعتبارها صفة ل: ﴿رَحْمَةٍ﴾ والجملة الفعلية: ﴿تُعْرِضَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله: أنت. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان به.\n ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿مَيْسُورًا:﴾ صفة، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2058\"></span>﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾\nالشرح: في الآية الكريمة مجاز عبر به سبحانه عن البخيل الذي لا يقدر من قلبه على إخراج شيء من ماله، فضرب له مثل الغل الذي يمنع من التصرف باليد، كما ضرب بسط اليد مثلا لذهاب المال، فإن قبض اليد بحبس ما فيها، وبسطها يذهب ما فيها، وهذا خطاب للنبي ﷺ، وفيه تعليم لأمته إلى يوم القيامة.\nفعن جابر بن عبد الله﵄قال: (أتى صبيّ إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إنّ أمي تستكسيك درعا، ولم يكن له إلاّ قميصه، فقال للصّبيّ: «من ساعة إلى ساعة يظهر كذا، فعد إلينا وقتا آخر». فعاد إلى أمّه، فقالت له: قل له: إنّ أمي تستكسيك الدّرع الذي عليك، فدخل رسول الله ﷺ داره، ونزع قميصه، وأعطاه، وقعد عريانا، فأذّن بلال بالصلاة، وانتظره، فلم يخرج، فشغل قلوب أصحابه، فدخل عليه بعضهم، فرآه عريانا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية). انتهى. خازن.\nوفي صحيح البخاري، ومسلم عن أبي هريرة﵁-. قال: ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديّهما","vol":"5","page":328},{"text":"وتراقيهما، فجعل المتصدق كلّما تصدّق بصدقة؛ انبسطت عنه حتى تغشى أنامله، وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همّ بصدقة قلصت، وأخذت كلّ حلقة بمكانها. قال أبو هريرة﵁-: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعيه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسّعها، ولا تتوسّع؛ أي: لعجبت. انتهى. قرطبي.\n ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي: فتعطي كل ما عندك. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ أي: فقيرا ملوما عند الله وعند الناس بالإسراف، وسوء التدبير. ﴿مَحْسُورًا﴾ أي: منقطعا لا شيء عندك تنفقه. من: حسره السفر: إذا بلغ منه. وقيل: المعنى نادما على ما فرط منك متحسرا.\nقال القرطبي: وفيه بعد؛ لأن اسم الفاعل من الحسرة: حسر، وحسران، ولا يقال: محسور.\nوالله أعلم بمراده. هذا؛ وانظر الآية رقم [٦٧] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب:\n (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿مَغْلُولَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿إِلى عُنُقِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَغْلُولَةً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تَجْعَلْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَقُلْ لَهُمْ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَبْسُطْها:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل: أنت، و(ها): مفعول به، ﴿كُلَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، و﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و﴿الْبَسْطِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَتَقْعُدَ:﴾ الفاء: الفاء السببية. (تقعد):\nمضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَلُومًا:﴾ حال من الفاعل المستتر، وإن اعتبرت الفعل ناقصا بمعنى: تصير، فالمستتر اسمه و﴿مَلُومًا﴾ خبره. ﴿مَحْسُورًا:﴾ حال ثانية، أو خبر ثان، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك بسط ليدك فقعود ملوما محسورا. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2059\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ:﴾ يوسع الرزق لمن يشاء الله التوسيع عليه، ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ يضيق الرزق، ويقلله على من يشاء من عباده. ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: ذو خبرة بعباده، ومن الذي يصلحه التوسيع في الرزق، ومن يفسده ذلك، ومن الذي يصلحه الضيق، والإقتار في الرزق، ومن الذي يهلكه ذلك. ﴿بَصِيرًا:﴾ هو ذو بصر، ومعرفة بتدبير عباده، وسياستهم، فمن العباد من لا يصلح له إلا الغنى، ولو أفقره؛ لفسد، ومنهم من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغناه، لفسد.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تمثيلية لمنع الشحيح وإعطاء المبذر، فقد شبه حال البخيل في امتناعه من الإنفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه، فهو لا يقدر على التصرف في شيء، وشبه","vol":"5","page":329},{"text":"حال المبذر بحال من يبسط يده كل البسط، فلا يبقى على شيء في كفه، ولا يدخر شيئا بنفعه في حال الحاجة، ليخلص إلى نتيجة مجدية، وهي: الاقتصاد في الإنفاق بين الإسراف والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد وقبضها من حيث المعنى؛ لأن جعل اليد مغلولة هو قبضها، وغلها أبلغ في القبض، وخذ قول أبي تمام في مدح المعتصم العباسي: [الطويل]\nتعوّد بسط الكفّ حتى لو انّه... ثناها لقبض لم تطعه أنامله\nهذا؛ و﴿كانَ﴾ في القرآن الكريم تأتي على أوجه: بمعنى: الأزل، والأبد، وبمعنى: المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى: الحال، وبمعنى: الاستقبال، وبمعنى: «صار» وبمعنى: «ينبغي» وبمعنى: «حضر» أو «وجد» وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي هنا بمعنى:\nالاستمرار، فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة. وإلى أبد الآبدين في الدنيا، والآخرة. هذا؛ وقد قال بعض المفسرين: في الآية تسلية للنبي ﷺ.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم إن، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَبْسُطُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذا التقدير: للذي، أو لشخص يشاؤه، وجملة: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، والنهي السابقين، وجملة: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. وانظر مثل إعراب: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٣] والجار والمجرور: ﴿بِعِبادِهِ﴾ متعلقان بأحد الاسمين بعدهما على التنازع.\n\n<span id=\"aya-2060\"></span>﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ:﴾ خوف الفقر، والفاقة، وأملق الرجل؛ أي: لم يبق له إلا الملقات، وهي الحجارة العظام الملس. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ:﴾ هذا؛ وقال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ﴾ والفرق بينهما: أن ما هنا نهي للموسرين عن قتل الأولاد خشية وقوع الفقر بهم، وأن ما هناك نهي للمعسرين الفقراء عن قتل الأولاد من أجل فقر نازل بهم. ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا:﴾ إثما كبيرا يستوجب الخلود في جهنم. هذا؛ ويقرأ:\n ﴿خِطْأً﴾ بقراءات كثيرة.\nتنبيه: قتل الأولاد كان عملا فاشيا عند العرب قبل الإسلام، ولكن يرد هنا سؤال، هل كان قتل الأولاد يقتصر على قتل البنات، أم يتعدى إلى الذكور؟ المشهور: أن عامتهم كانوا يكرهون","vol":"5","page":330},{"text":"البنات. انظر ما ذكرته في الآيات الثلاث، رقم [٥٧] وما بعدها من سورة (النحل) تجد ما يسرك، وأما قتل الذكور، فكان قليلا جدا، لا يقع إلا في حالات شدة المعيشة، والفقر المدقع؛ لأنهم كانوا يتكثّرون بالذكور، ويعتزّون بهم، كما هو معروف، ومشهور.\nتنبيه: يكثر السؤال في هذه الأيام عن منع الحمل، بل وعن إسقاط الجنين باستعمال بعض العقاقير، والجواب يكون بعونه تعالى كما يلي: منع الحمل إذا كان على اتفاق بين الزوجين، ولسبب من الأسباب، كضعف الزوجة، وعجزها عن القيام بخدمة الأولاد، فهو من المباحات التي لا حرج فيها، وأما إذا كان هربا من نفقات الأولاد، وتكاليف الحياة، فهو مكروه كراهة شديدة، وهو يدخل تحت قول الرسول ﷺ: «العزل الوأد الخفيّ». وإسقاط الجنين بعد التخلق مكروه كراهة شديدة، ما لم يكن هناك خطر على الزوجة، كما يحدث في بعض الحالات، فهو من المباحات، وأما إسقاطه بعد نفخ الروح فيه، فهو قتل نفس، ويدخل تحت الوعيد الشديد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ الآية رقم [٩٣] من سورة (النساء).\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقْتُلُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَوْلادَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿خَشْيَةَ:﴾ مفعول لأجله، و﴿خَشْيَةَ:﴾ مضاف، و﴿إِمْلاقٍ:﴾\nمضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: خشيتكم الإملاق. وجملة:\n ﴿وَلا تَقْتُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَرْزُقُهُمْ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن» والهاء في محل نصب مفعول به.\n ﴿وَإِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، وجملة: ﴿نَرْزُقُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ تعليل للنهي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿قَتْلَهُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: إن قتلكم إياهم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى قتلهم. ﴿خِطْأً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة ﴿خِطْأً﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية تعليل آخر للنهي، وفيها معنى التأكيد لما قبلها.\n\n<span id=\"aya-2061\"></span>﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى:﴾ نهي عن قربان جريمة الزنى، فضلا عن اقترافها، والقاعدة:\nأن الأحكام إذا كانت نواهي، يقال فيها: ﴿فَلا تَقْرَبُوها،﴾ كما في هذه الآية، وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ وهكذا. وإن كانت، أوامر، يقال فيها: ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ أي: لا تتجاوزوها بأن","vol":"5","page":331},{"text":"لا تفعلوا، وما هنا من قبيل الأول، والآية الأخرى من قبيل الثاني، فكلّ جاء على ما يليق به وهو أبلغ من: لا تأتوه؛ لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنى، كاللمس، والقبلة، والنظرة، والغمزة بالمنطوق، وعن الزنى بمفهوم الأولى. ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ أي: فعلة قبيحة زائدة على حد القبح. ﴿وَساءَ سَبِيلًا﴾ أي: بئس الطريق طريقة الزنى، وهو من الكبائر باتفاق جميع علماء المسلمين، لم تبحه شريعة من الشرائع، ولا ديانة من الديانات، وهو يشتمل على أنواع من المفاسد، منها: المعصية، وإيجاب الحد على نفسه، ومنها اختلاط الأنساب، فلا يعرف الرجل ولد من هو، وقد يلقى ولد الزنى في الطرقات، فلا يقوم أحد بتربيته، وذلك يوجب ضياع الأولاد، وانقطاع النسل، وهذا يسبب خراب العالم.\nهذا؛ والزنى يكتب بالياء؛ لأنه مصدر زنى يزني، ويكتب بالألف على أنه اسم مقصور من الزناء بالمد، ويقول: هو زان بين الزنا، والزناء بالمد والقصر. قال الفرزدق: [الطويل]\nأبا حاضر من يزن يعلم زناؤه... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا\nوقال الفراء: المقصور من زنى، والممدود من زانى، يقال: زاناها مزاناة، وزناء.\nهذا؛ وقد وردت أحاديث كثيرة تشدد النكير على الزناة، والزواني، وتبشرهم بالعذاب الأليم والعقاب الشديد، فعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن... إلخ». الحديث. رواه البخاري، ومسلم، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء؛ فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان، فإن تاب ردّ عليه». رواه البيهقي وعن أبي قتادة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قعد على فراش مغيّبة قيّض الله له ثعبانا يوم القيامة». رواه الطبراني.\nوعن المقداد بن الأسود﵁قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ما تقولون في الزّنى؟» قالوا: حرام حرّمه الله، ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال: «لأن يزني الرّجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره... إلخ». الحديث رواه أحمد، والطبراني، وهذا النكير يشمل الذكر، والأنثى على السواء، كما أنّ الترغيب في العفة والجزاء الحسن يشملهما، وخذ قول الشافعي﵁-: [الكامل]\nعفّوا تعفّ نساؤكم في المحرم... وتجنّبوا ما لا يليق بمسلم\nإنّ الزّنى دين فإن أقرضته... كان الوفا من أهل بيتك فاعلم\nيا هاتكا حرم الرجال وقاطعا... سبل المودّة عشت غير مكرّم\nلو كنت حرّا من سلالة طاهر... ما كنت هتّاكا لحرمة مسلم\nمن يزن يزن به، ولو بجداره... إن كنت يا هذا لبيبا فافهم","vol":"5","page":332},{"text":"الإعراب: ﴿وَلا تَقْرَبُوا:﴾ انظر: ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾. ﴿الزِّنى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿وَساءَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ساء): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فسره التمييز، وهو ﴿سَبِيلًا،﴾ والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: ذلك الفعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف معطوف على خبر ﴿كانَ﴾ التقدير: ومقولا فيه: ﴿وَساءَ سَبِيلًا﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2062\"></span>﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ:﴾ نهي عن قتل النفس بغير حق، وقتلها بحق يكون بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل شخص عمدا معصوم بالإيمان، فعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثّيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة». رواه الستة ما عدا ابن ماجة.\n ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ أي: بغير سبب يوجب القتل. ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ:﴾ للذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث لماله، فهو يرث دمه أيضا. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ فيقتضي ذلك إثبات القود لسائر الورثة. ﴿سُلْطانًا﴾ أي: تسليطا، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية. وانظر الآية رقم [٩٩] من سورة (النحل).\n ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ:﴾ فيه ثلاثة أقوال: لا يقتل غير قاتله، لا يقتل بدل وليه اثنين، لا يمثل بالقاتل إذا تمكن الولي من قتله، وقد كان العرب في الجاهلية يفعلون الأمور الثلاثة، ولا تزال آثار الجاهلية فاشية في هذا الزمن، وعلى الأكثر عند أعراب البادية. ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا:﴾ الضمير إما للمقتول، فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتل قاتله، وفي الآخرة بالثواب العظيم، وإما لوليه، فإن الله نصره حيث، أوجب القصاص له، وأمر الولاة بمعونته بالوصول إلى حقه.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: وكم من ولي مخذول لا يصل إلى حقه، قلنا:\nالمعونة تكون بظهور الحجة تارة، واستيفائها أخرى، وبمجموعهما ثالثة، فأيها كان؛ فهو نصر","vol":"5","page":333},{"text":"من الله تعالى. انتهى. هذا؛ ويقرأ: «(فلا تسرف)» بالخطاب إلى الولي، وقرئ: «(فلا تسرفوا)» بالخطاب لأولياء المقتول، أو للحكام، وعلى هاتين القراءتين يكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٢٢] من سورة (النحل).\nهذا؛ وقد وردت أحاديث شريفة كثيرة تحذر من قتل النفس بغير حق، وتتوعد بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم من اقتراف جريمة القتل، وذلك إلى جانب الآيات القرآنية الكثيرة المعروفة، فعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة﵄عن رسول الله ﷺ قال: «لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن؛ لأكبّهم الله في النار». رواه الترمذي. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة؛ لقي الله مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله». رواه ابن ماجة، والأصبهاني. وعن أبي سعيد -﵁عن النبي ﷺ قال: «يخرج عنق من النار يتكلّم، يقول: وكّلت اليوم بثلاثة:\nبكلّ جبّار عنيد، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير حقّ، فينطوي عليهم، فيقذفهم في حمراء جهنّم». رواه أحمد.\nولم يبح الإسلام دماء غير المسلمين، بل حفظها، ونهى عن الاعتداء عليها بغير حق، بل وشدد النبي ﷺ النكير على من ينتهك حرمتها، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنّة، وإنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما». رواه البخاري. وعن أبي بكرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل معاهدا في غير كنهه حرّم الله عليه الجنة». رواه أبو داود، والنسائي، ومعنى:\nفي غير كنهه: في غير وقته الذي يجوز قتله فيه حين لا عهد له. وما ذكرته قليل من كثير.\nالإعراب: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ:﴾ انظر الآية [٣١] ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿النَّفْسَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: التي حرمها الله. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿(لا تَقْتُلُوا)﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: إلا ملتبسين بالحق، وجملة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قُتِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ونائب الفاعل يعود إلى (من). ﴿مَظْلُومًا:﴾ حال من نائب الفاعل. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِوَلِيِّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول به أول، والثاني: قوله: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ ولو قيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال؛ لكان أجود، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]. هذا؛ وإن","vol":"5","page":334},{"text":"اعتبرت (من) اسما موصولا فالجملة بعدها صلتها، وهي مبتدأ، والخبر جملة: ﴿فَقَدْ جَعَلْنا..﴾.\nإلخ وزيدت الفاء في الخبر لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿فَلا:﴾\nالفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿يُسْرِفْ:﴾ مضارع مجزوم بها، والفاعل يعود إلى الولي.\n ﴿فِي الْقَتْلِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير:\nوإذا كان ذلك حاصلا للولي؛ فلا يسرف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا﴾ لا محل لها؛ لأنها تعليل للنهي، والكلام ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا..﴾. إلخ معترض بين المتعاطفين.\n\n<span id=\"aya-2063\"></span>﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ أي: فضلا عن أن تتصرفوا فيه بالأكل والاستيلاء عليه. وانظر الآية [٣٢]. ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ:﴾ إلا بالطريقة التي هي أحسن، وهي صلاحه وتثميره، وتحصيل الربح له، وهذا إذا كان القيم على مال اليتيم غنيا غير محتاج إليه، فلو كان الوصي، أو القيم فقيرا، فله أن يأكل بالمعروف. قال تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\n ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ:﴾ فقد اختلف في الأشد على أقوال كثيرة، والمراد: بالأشد في هذه الآية وأمثالها هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ هذا؛ وتخصيص اليتيم بالذكر بالنهي عن أكل ماله، مع أن حال البالغ وماله كذلك؛ لأن طمع الطامعين فيه أكثر لضعفه، ولعظم إثمه، ولأن البالغ يستطيع الدفاع عن ماله ما أمكنه؛ لذا فقد عد الرسول ﷺ أكل مال اليتيم من السبع الموبقات. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة -﵁عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. وعن أبي برزة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجّج أفواههم نارا». فقيل من هم يا رسول الله؟! قال: «ألم تر أنّ الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا»﴾. رواه أبو يعلى، وهذه الآية هي رقم [١٠] من سورة (النساء)، انظرها، ففيها بحث جيد يسرّك.\n ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أي: بما عاهدكم الله به من تكاليفه، وأوامره، ونواهيه، أو ما عاهدتموه عليه، وقطعتموه على أنفسكم من نذر، ونحوه، أو عاهدتم أحدا من الناس. وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك. ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ أي: مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه، ويفي به، أو مسئولا عنه، يسأل الناقض للعهد، ويعاقب عليه، أو يسأل","vol":"5","page":335},{"text":"العهد نفسه لم نكثت؟ تقريعا وتوبيخا للناكث على حدّ قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ وذلك على طريق الاستعارة بالكناية بأن يشبه العهد بمن نكث عهده، ونسبة السؤال إليه تخييل. انتهى. جمل.\nوأما ﴿الْيَتِيمِ﴾ فهو من فقد أباه، أو أمه، أو فقدهما معا، وقد يغلب أن يكون المراد: من فقد معيله من بني آدم، والأم من الحيوانات والطيور، وهناك يتيم العقل، والأدب، والتربية، والخلق، والدين. وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان قد بلغ من العمر الخمسين، والستين، ويملك من الأموال الملايين، ورحم الله من قال: [البسيط]\nليس اليتيم الذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العلم والأدب\nوخذ قول الآخر: [الكامل]\nليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة وخلّفاه ذليلا\nإنّ اليتيم هو الذي تلقى له... أمّا تخلّت، أو أبا مشغولا\nهذا؛ وقد وردت أحاديث شريفة كثيرة توصي باليتيم، وتحث على الإحسان إليه، سأعرض لها في مناسبة أخرى تأتي بعد إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ:﴾ انظر: ﴿وَلا تَقْتُلُوا..﴾. إلخ في الآية [٣١] ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالَّتِي:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ أي: لا تقربوه في حال من الأحوال، إلا بحال إصلاحه، وتثميره، ويجوز تعليقهما بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَبْلُغَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفاعل يعود إلى ﴿الْيَتِيمِ﴾. ﴿أَشُدَّهُ:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَوْفُوا:﴾\nأمر مبني على حذف النون.. إلخ والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْعَهْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ تعليل للأمر، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى وقد تقدم مثلها، ومتعلق: ﴿مَسْؤُلًا﴾ محذوف، التقدير: مسئولا عنه، وتقديره مقدما أولى؛ ليجري فيه إعراب الآية الآتية برقم [٣٦].\n\n<span id=\"aya-2064\"></span>﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ:﴾ إذا كلتم؛ أي: أتموا الكيل للناس إذا كلتم لهم، وأعطوهم حقوقهم كاملة. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ أي: بالميزان السوي صغيرا كان، أو كبيرا. قيل:","vol":"5","page":336},{"text":"هو رومي. وقيل: سريانيّ عرّب، والأصح: أنه عربي مأخوذ من القسط، وهو العدل. قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾. ﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي:\nأجمل وأسلم عاقبة، ومآلا، فهو من: آل، يؤول بمعنى: رجع، يرجع. وانظر شرح: ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇، وإعلال ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ مثل إعلال (مقيم) في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nتنبيه: اعلم: أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل، والميزان وقت الإعطاء، وزيادتهما وقت الأخذ شيء قليل، والوعيد المذكور في سورة (المطففين) وغيرها شديد عظيم، فوجب الاحتراز عنه، وإنما عظم الوعيد فيه؛ لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات، والبيع، والشراء، فالشارع الحكيم بالغ في المنع في التطفيف، والنقصان سعيا وحرصا على صحة المعاملات، ولا تنس: أن الله أهلك قوم شعيب بسبب هذه الجريمة مقرونة بالشرك، وعبادة غير الله تعالى. هذا؛ وأضيف: أن الله جلت قدرته قد قال في سورة (الأنعام) بعد الأمر بإيفاء الكيل والميزان: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ وذلك لأن إيفاء الحق عسير، فكأنه تعالى يقول:\nعليكم بما في وسعكم، وطاقتكم، وما عداه غير مؤاخذين به، وخذ ما يلي:\nقال الحسن-رحمه الله تعالى-: ذكر لنا: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقدر رجل على حرام، ثم يدعه، ليس لديه إلاّ مخافة الله تعالى؛ إلاّ أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك». انتهى. قرطبي.\nفعن عبد الله بن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والوزن: «إنّكم قد ولّيتم أمرا، فيه هلكت الأمم السالفة قبلكم». رواه الترمذي، وفي حديث آخر مشهور: «ولم ينقصوا المكيال، والميزان، إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المئونة، وجور السلطان عليهم».\nالإعراب: ﴿وَأَوْفُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون.. إلخ. وانظر إعراب: (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر)، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْكَيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وهو أولى من اعتبارها شرطية محذوفة الجواب. ﴿كِلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَأَوْفُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. وأيضا جملة:\n ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ معطوفة عليها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَأَحْسَنُ:﴾\nمعطوف عليه. ﴿تَأْوِيلًا:﴾ تمييز لأحدهما على التنازع، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.","vol":"5","page":337},{"text":"<span id=\"aya-2065\"></span>﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: لا تتبع ما لا تعلم، ولا يعنيك. قال قتادة- رحمه الله تعالى-: لا تقل: رأيت؛ وأنت لم تر، وسمعت؛ وأنت لم تسمع، وعلمت؛ وأنت لم تعلم. وأصل (القفو): البهت، والقذف بالباطل، ومنه قول النبي ﷺ: «نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمّنا، ولا ننتفي من أبينا». أي: لا نسبّ أمنا. وقال الكميت: [الوافر]\nفلا أرمي البريء بغير ذنب... ولا أقفو الحواصن إن قفينا\nوبالجملة فهذه الآية تنهى عن قول الزور، والقذف، وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة، والرديئة.\nفعن شكل بن حميد﵁قال: أتيت النبي ﷺ، فقلت: يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به. قال: فأخذ بيدي، ثم قال: قل: «أعوذ بك من شرّ سمعي، وشرّ بصري، وشرّ فؤادي، وشرّ لساني، وشرّ قلبي، وشرّ منيّي». قال: فحفظتها. أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي. وقال: حديث حسن غريب. ولا تنس: أن النهي موجه إلى النبي ﷺ، والمراد: به أمته بلا شك.\n ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ أي: كل هذه الأعضاء تسأل يوم القيامة، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه، واعتقده، والسمع عما سمع، والبصر عما رأى. وقيل: يسأل الإنسان عما حواه سمعه، وبصره، وفؤاده، والأول: أبلغ في الحجة، وأشد في التقريع، والخزي، والذل. قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هذا؛ وقد جمع ﷾ هذه الأعضاء بأولئك، وهو يغلب في العقلاء، فأجريت مجراهم؛ لأنها مسئولة عن أحوالها، شاهدة على صاحبها، وحكى الزجاج: أن العرب تعبر عما يعقل، وعما لا يعقل ب: «أولئك»، وأنشد هو والطبري قول جرير: [الكامل]\nذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى... والعيش بعد أولئك الأيام\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَقْفُ:﴾ مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ليس مقدم. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من علم. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو","vol":"5","page":338},{"text":"صفتها، والعائد، أو الرابط: هو الضمير المجرور محلا بالباء، وجملة: ﴿وَلا تَقْفُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السَّمْعَ:﴾ اسمها. ﴿وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ:﴾\nمعطوفان على السمع. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى كل واحد من البشر، أو إلى كل واحد من الجوارح المذكورة، أو إلى المكلف، انظر الشرح. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. وقيل: متعلقان بنائب فاعله، وهو مردود؛ لأن الفاعل، ونائبه لا يتقدمان، لذا فنائب الفاعل ضمير مستتر تقديره:\n «هو» يعود إلى ما عاد إليه المضمر في ﴿كانَ﴾ وهو المفعول الأول، وهذا كله فحوى كلام ابن هشام في مغنيه. ﴿مَسْؤُلًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والرابط: اسم الإشارة العائد إلى السمع، والبصر، والفؤاد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2066\"></span>﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: ذا مرح، وهو الخيلاء، والكبر، والبطر، وقرئ ﴿مَرَحًا:﴾ بفتح الراء وكسرها، والأول: أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ركضا، أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا. ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا﴾ أي: لا تقدر أن تطاول الجبال، وتساويها بكبرك.\nوالمعنى أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا، كمن يريد خرق الأرض، ومطاولة الجبال، لا يحصل على شيء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: في الآية خطاب للنبي ﷺ، والمراد: به أمته على مثال ما تقدم، وفيها نهي عن الكبر، والتكبر، والخيلاء، وقد نهى الله عنه في كثير من الآيات القرآنية، وبين: أنه يكون سببا في صرف العبد المتكبر عن قبول الحق، واتباع الهدى. قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. والرسول ﷺ شدد النكير على المتكبرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، فعن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعظّم في نفسه، أو اختال في مشيته لقي الله ﵎، وهو عليه غضبان». رواه الطبراني في الكبير. وعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي في حلّة، تعجبه نفسه، مرجّل رأسه، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».\nرواه الشيخان. وعن أبي سعيد الخدري﵁عن رسول الله ﷺ قال: «من تواضع لله درجة؛ يرفعه الله درجة حتى يجعله في أعلى علّيّين، ومن تكبّر على الله درجة؛ يضعه الله درجة حتى","vol":"5","page":339},{"text":"يجعله في أسفل سافلين، ولو أنّ أحدكم يعمل في صخرة صمّاء، ليس عليها باب، ولا كوّة؛ لخرج ما غيّبه للنّاس كائنا ما كان». رواه ابن ماجة وابن حبان. وعن ابن عباس﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله جل وعلا: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار». رواه ابن ماجة، وخذ قول الشاعر: [الطويل]\nتواضع تكن كالنجم لاح لناظر... على صفحات الماء وهو رفيع\nولا تك كالدّخان يعلو بنفسه... إلى طبقات الجوّ، وهو وضيع\nوخذ قول الآخر: [الطويل]\nولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا... فكم تحتها قوم هم منك أرفع\nوإن كنت في عزّ وحرز ومنعة... فكم مات من قوم هم منك أمنع\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَمْشِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنت». ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَرَحًا:﴾ نائب مفعول مطلق، أو هو حال من الفاعل المستتر على حذف المضاف، التقدير: ذا مرح. وقال أبو البقاء: مفعول لأجله، وليس بالقوي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَخْرِقَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل تقديره:\n «أنت». ﴿الْأَرْضِ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿طُولًا:﴾ تمييز محول عن الفاعل، التقدير: ولن يبلغ طولك الجبال، أو هو محول عن المفعول مثل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ فيكون التقدير: ولن تبلغ طول الجبال، وهو أولى، وأجاز أبو البقاء اعتباره حالا من الفاعل، أو المفعول، ومفعولا مطلقا من معنى ﴿تَبْلُغَ﴾ والأول: أولى. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2067\"></span>﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿كُلُّ ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة فيما تقدم، واسم الإشارة: ﴿ذلِكَ﴾ يصلح للواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿كانَ سَيِّئُهُ:﴾ المراد منه:\nالمنهي عنه فيما تقدم، وأما المأمور به، فلا يكون سيئا. هذا؛ وقرئ «(سيئة)» والقراءتان سبعيتان.\n ﴿مَكْرُوهًا:﴾ مبغوضا محرما معاقبا عليه، والمراد: به المنهيات، وعلى قراءة: «(سيئة)» يكون قد راعى فيه معنى ﴿كُلُّ﴾ وفي: ﴿مَكْرُوهًا﴾ يكون راعى لفظها. وهو التذكير.","vol":"5","page":340},{"text":"الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ. وهو مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿سَيِّئُهُ:﴾\nاسم كان، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَكْرُوهًا،﴾ و﴿عِنْدَ:﴾\nمضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَكْرُوهًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وعلى قراءة: «(سيئة)» بالنصب فهو خبر كان، واسمها ضمير مستتر يعود إلى ﴿كُلُّ ذلِكَ،﴾ ويكون ﴿مَكْرُوهًا﴾ بدلا من (سيئة) أو صفة لها محمولة على المعنى، فإنها بمعنى: سيئا؛ ويجوز أن ينتصب على الحال من اسم ﴿كانَ﴾ المستتر، أو من الضمير المستتر في الظرف، على أنه متعلق بمحذوف صفة (سيئة).\n\n<span id=\"aya-2068\"></span>﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ مِمّا..﴾. إلخ: الإشارة إلى هذه الآداب، والقصص، والأحكام التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة؛ التي نزل بها جبريل الأمين﵇على قلب سيد المرسلين ﷺ، والأحكام المذكورة شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان، والملل، لا تقبل النسخ والإبطال، فكانت محكمة وحكمة بهذا الاعتبار، وكرر سبحانه: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ..﴾. إلخ للتنبيه على أنّ التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإنّ من لا إيمان له بالله لا يقبل منه عمله، ومن قصد بفعله، أو تركه غير الله ضاع سعيه، وخاب أمله. و﴿مَلُومًا:﴾ تلوم نفسك على اتخاذك إلها غير الله، وهذا في الآخرة.\nوانظر الآية رقم [٢٩]. ﴿مَدْحُورًا:﴾ مطرودا، ومبعدا من رحمة الله. وانظر الآية رقم [١٨].\nهذا؛ وقد قال الخازن: والفرق بين المذموم والملوم، أما كونه مذموما: فمعناه: أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح، ومنكر، فهذا معنى كونه مذموما، يقال له: لم فعلت هذا الفعل القبيح؟ وما الذي حملك عليه؟ وهذا هو اللوم. والفرق بين المخذول، والمدحور: أن المخذول هو الضعيف الذي لا ناصر له، والمدحور هو المبعد المطرود عن كل خير. انتهى.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(من) للتبعيض، فهي تفيد: أن الموحى إلى النبي ﷺ في هذه السورة قليل من كثير، وهو الواقع، والحق. ﴿أَوْحى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان به. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: من","vol":"5","page":341},{"text":"الذي، أوحاه... إلخ، واعتبار (ما) موصوفة ضعيف هنا. ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، وأجيز اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، ومتعلقين بالفعل، أوحى، وبدلا من ﴿مِمّا﴾ والأول: هو الذي أعتمده، والجملة الاسمية:\n ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معترضة بين المتعاطفات، وهو أولى. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل تقديره: «أنت».\n ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و(مع) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به.\n ﴿آخَرَ:﴾ صفة إلها. وقيل: ﴿مَعَ﴾ متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني: ل: (تجعل) و﴿إِلهًا﴾ هو المفعول الأول: وهو ضعيف. ﴿فَتُلْقى:﴾ الفاء: للسببية في جواب النهي. (تلقى): مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ حالان من نائب الفاعل المستتر، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك جعل لله شريكا في العبادة فإلقاء لك في جهنم، وجملة: ﴿وَلا تَجْعَلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-2069\"></span>﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ..﴾. إلخ: توبيخ، وتقريع لمشركي العرب؛ إذ المعنى:\nأفخصكم الله بأفضل الأولاد، وهم البنون، فجعل لكم الصفوة، ولنفسه ما ليس بصفوة؟! لأنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، مع علمهم بأن الله منزه عن النقص، وموصوف بالكمال الذي لا نهاية له، وهو دليل واضح على شدة جهلهم؛ ولذا قال جل شأنه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي: تفترون على الله الكذب، وهو جرم كبير، وذنب عظيم. وانظر الآية رقم [٥٧] من سورة (النحل) وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أصفاكم): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، والميم علامة جمع الذكور. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْبَنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:\n ﴿أَفَأَصْفاكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: أفضلكم، فأصفاكم. أو هي مستأنفة، انظر سورة (النحل) [١٧] ﴿وَاتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ،﴾ وهو ينصب","vol":"5","page":342},{"text":"مفعولين، الأول: ﴿إِناثًا،﴾ والثاني: محذوف، تقديره: أولادا. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿إِناثًا،﴾ كان صفة، فلما قدم عليه صار حالا. وقال الجمل نقلا عن السمين: هما المفعول الثاني: قدم على الأول، والأول: أقوى، وجملة: ﴿وَاتَّخَذَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من ﴿رَبُّكُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.\nويجب تقدير «قد» قبلها. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. اللام: هي المزحلقة.\n (تقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2070\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُورًا (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ أي: كررنا، والمفعول محذوف؛ أي: كررنا أمثاله ومواعظه، وقصصه، وأخباره، وأوامره تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين. أو المعنى: بينا في هذا القرآن ما يحتاجه الناس في دنياهم من العقائد، والأحكام، والمواعظ، والحلال والحرام، والقصص، والوعد، والوعيد، والمحكم، والمتشابه، والحدود، والأمثال، وغير ذلك، كما قال بعضهم ذاكرا ما اشتمل عليه القرآن الكريم. [الطويل]\nحلال حرام محكم متشابه... بشير نذير قصّة عظة مثل\nهذا؛ وفي (الأنعام) وغيرها ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾. ﴿لِيَذَّكَّرُوا:﴾ ليتعظوا، وقرئ بالتخفيف هنا وفي سورة (الفرقان) بمعنى: الذكر. ﴿وَما يَزِيدُهُمْ﴾ أي: التصريف، والتذكير. ﴿إِلاّ نُفُورًا:﴾\nإلا تباعدا عن الحق، وغفلة عن النظر، والاعتبار، وذلك؛ لأنهم اعتقدوا في القرآن: أنه حيلة، أو سحر، أو كهانة، أو شعر.\nهذا؛ وزاد، يزيد ضدّ: نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما والبر مدّا، فدرهما، ومدّا: تمييز، ومثله قل في نقص، فمن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم.\nهذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف. ويعتبران الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به،","vol":"5","page":343},{"text":"ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر)، افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد.\nفإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم. فالجواب:\nأنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ فإن التقدير: ورب الشمس، ورب السماء. الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى:\n ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم). وأظهر في قوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿صَرَّفْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر)، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية: ﴿صَرَّفْنا..﴾. إلخ جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعتبره صفة له. ﴿لِيَذَّكَّرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَما:﴾\nالواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَزِيدُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى التصريف، أو إلى التذكير المفهومين من الفعلين السابقين، والهاء مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نُفُورًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2071\"></span>﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ:﴾ لو كان مع الله جلت قدرته آلهة كما تزعمون، وتفترون. ﴿إِذًا لابْتَغَوْا..﴾. إلخ: أي:\nلطلب الآلهة طريقا يسلكونها إلى الله ليقهروه، ويزيلوا ملكه، كما يفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض، أو ليتقربوا، ويتوددوا إليه، أو ليتعرفوا عليه، والتعارف بين الملوك سنّة متبعة.","vol":"5","page":344},{"text":"بعد هذا انظر شرح العرش في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد) و(ذي) بمعنى: صاحب، وجمعه من غير لفظه على الأكثر، وهو (أولو، وأولي) ويجمع على: (ذوين، وذوون) وهو قليل. هذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة التي لجماعة المذكرين العاقلين مع أنها جمادات؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل، من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل؛ جمع من يعقل؛ إذا نزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي.\nأما (السبيل) فهو الطريق يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في رسل، وعسر، ويسر. قال: عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد... إلخ هذا؛ وإعلال (ابتغوا) مثل إعلال (ألقوا) في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آلِهَةٌ:﴾ اسمها مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة فالمعنى لا يأباه، ويكون الظرف متعلقا بها، وآلهة فاعلها، والجملة الفعلية على الاعتبارين لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):\nمصدرية. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بما تعلق به الظرف. قاله الحوفي، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: كونا مشابها لما تقولون، وهذا ليس مذهب سيبويه... إلخ.\nوانظر الآية رقم [٢٤] ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء. ﴿لابْتَغَوْا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو).\n (ابتغوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى ذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من سبيلا، كان صفة له.. إلخ، وعلامة الجر الياء؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذي) مضاف، و﴿الْعَرْشِ:﴾ مضاف إليه. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿إِذًا لابْتَغَوْا﴾ إلخ جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2072\"></span>﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾\nالشرح: نزه الله نفسه في هذه الآية تنزيها يليق به، وقدس ذاته العلية، عما لا يليق به، ومجد عظمته تمجيدا يليق بكبريائه. وانظر شرح: ﴿﷾﴾ في الآية رقم [١] من سورة (النحل).","vol":"5","page":345},{"text":"الإعراب: ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَتَعالى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو ب: (سبحان) أو بفعله المحذوف على التنازع، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء يقولونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير:\nتعالى الله عن قولهم. ﴿عُلُوًّا:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفته. هذا؛ و﴿عُلُوًّا﴾ وضع موضع تعاليا؛ لأنه مصدر الفعل: (تعالى) ويجوز أن يقع مصدر موقع آخر من معناه.\nتنبيه: يقرأ الفعل ﴿يَقُولُونَ﴾ في هذه الآية وسابقتها بالياء والتاء، وبالياء في الأولى، والتاء في الثانية فالقراءات ثلاث كلها سبعية، وعلى الأخيرة يكون في الكلام التفات، انظره في الآية [٢٢] من سورة (النحل).\n\n<span id=\"aya-2073\"></span>﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ:﴾ لله ﷿. ﴿السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ أي: الملائكة، والإنس والجن. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: ما من شيء في الدنيا إلا يسبح الله ويقدسه، واختلف في هذا العموم، فقالت فرقة: المراد به تسبيح دلالة، وكل محدث يشهد على نفسه بأن الله ﷿ خالق قادر. وقالت فرقة أخرى: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر، ولا يفقهه، وهذا هو المعتمد، ويستدل به بقول الله تعالى في سورة (ص):\n ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ (١٧) إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ وقوله جل ذكره في سورة (البقرة) [٧٤]: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ وقوله تعالى شأنه في سورة (مريم):\n ﴿وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾.\nفعن أنس بن مالك﵁قال: ما من صباح، ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا: يا جارة هل مرّ بك اليوم عبد فصلّى لله، أو ذكر الله عليك؟ فمن قائلة: لا، ومن قائلة: نعم، فإذا قالت: نعم رأت لها بذلك فضلا عليها. وقال رسول الله ﷺ: «لا يسمع صوت المؤذّن جنّ، ولا إنس، ولا شجر، ولا حجر، ولا مدر، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة».\nرواه ابن ماجة، ومالك من حديث أبي سعيد الخدري﵁-. وخبر حنين الجذع أيضا","vol":"5","page":346},{"text":"مشهور في هذا الباب، خرجه البخاري في مواضع من كتابه، وإذا ثبت ذلك في جماد واحد؛ جاز في جميع الجمادات، ولا استحالة في شيء من ذلك، فكل شيء يسبّح للعموم، ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة حال كما يقول البعض، فأي: تخصيص لتسبيح الجبال مع داود ﵇؟ وإنما ذلك تسبيح المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح كما تقدم. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ:﴾ لا تفهمون. والفقه: الفهم، والعلم بالشيء، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية مستمد من أدلتها التفصيلية، وهو المراد بقول النبي ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين». والفقه: الحذق، والفطنة، وفقه: يفقه من باب: علم: كان فقيها، وفقه، يفقه من باب: ظرف صار فقيها. هذا؛ وخص سبحانه ﴿تَفْقَهُونَ﴾ بالذكر دون «تعلمون» لما في الفقه من معنى الزيادة على العلم؛ لأنه التصرف في المعلوم بعد علمه، واستنباط الأحكام منه.\n ﴿حَلِيمًا:﴾ حيث لم يعجّل بعقاب العاصين، والمجرمين، والفاسدين المفسدين. و(الحليم) من أسماء الله الحسنى، ومعناه: هو الذي لا يستفزه عصيان العاصين، ولا يستثيره جحود الجاحدين. والحلم (بكسر الحاء، وسكون اللام) وهو: الأناة، والروية في الأمور، والتؤدة، والعقل. ومقابله: السفه، والطيش، والجهل الذي أحدثك عنه في الآية رقم [٦٣] من سورة (الأنبياء). والحلم من خير ما يتصف به مؤمن. قال الشاعر الحكيم: [الطويل]\nفيا ربّ هب لي منك حلما فإنني... أرى الحلم، لا يندم عليه حليم\nكيف لا وقد وصف الله به خليله إبراهيم وكثيرا من أنبيائه عليهم جميعا ألف تحية، وسلام.\n ﴿غَفُورًا﴾ أي: يغفر ذنوب المذنبين، إن هم تابوا، وأنابوا إليه، وهو صيغة مبالغة.\nهذا؛ وقد حثنا الرسول ﷺ على كثرة التسبيح لله تعالى، وذكر لنا أحاديث ترغبنا به، وصيغا مفضلة على غيرها لما فيها من المعاني القوية الكثيرة، وخذ نبذة من ذلك: فعن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم». رواه الستة ما عدا أبا داود. وعن سمرة بن جندب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أحبّ الكلام إلى الله أربع:\nسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرّك بأيّهنّ بدأت». رواه مسلم، وابن ماجة، والنسائي.\nوعن جويرية أمّ المؤمنين﵂أن النبي ﷺ خرج من عندها، ثمّ رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟!». قالت: نعم، قال النبيّ ﷺ: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرّات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنّ:","vol":"5","page":347},{"text":"سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته». رواه الستة ما عدا البخاري. وفي كتاب «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري الكثير، والكثير من ذلك.\nالإعراب: ﴿تُسَبِّحُ:﴾ مضارع. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿السَّماواتُ:﴾ فاعل. ﴿السَّبْعُ:﴾\nصفة له. ﴿وَالْأَرْضُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿فِيهِنَّ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿تُسَبِّحُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (إن): حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يُسَبِّحُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى شيء، والجملة الفعلية في محل رفع خبره.\n ﴿بِحَمْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: يسبح ملتبسا بحمده، والهاء في محل جر بالإضافة. والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرتها مستأنفة فلست مفندا. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. وقيل: واو الحال، ولا وجه له. (لكن):\nحرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿تَفْقَهُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿تَسْبِيحَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-2074\"></span>﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ ... ﴿حِجابًا:﴾ يحجبهم عن فهم ما تقرأه عليهم. ﴿مَسْتُورًا:﴾ ذا ستر كقوله تعالى: ﴿كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وقولهم: «سيل مفعم»، أو مستورا بحجاب آخر، لا يفهمون، ولا يفهمون: أنهم لا يفهمون، وهذا هو الجهل المركب المطبق. هذا؛ وقيل: معناه مستورا عن أعين الناس فلا يرونك؛ لما روي عن أسماء بنت أبي بكر﵄قالت: لما نزلت سورة: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول: [مجزوء الرجز]\nمذمّما عصينا... وأمره أبينا ودينه قلينا\nوالنبي ﷺ قاعد في المسجد، ومعه أبو بكر﵄فلما رآها أبو بكر. قال:\nيا رسول الله! لقد أقبلت، وأنا أخاف أن تسمعك ما يؤذيك، فإنها امرأة بذيّة، فقال النبي ﷺ:\n «إنها لن تراني!». وقرأ قرآنا فاعتصم به، فوقفت على أبي بكر، ولم تره، فقالت: يا أبا بكر! إن","vol":"5","page":348},{"text":"صاحبك هجاني. فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك! ولا ينطق بالشعر، ولا يقوله. فقالت:\nإنك لمصدق، وولّت، وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها، وقد جئت بهذا الحجر لأرضخ به رأسه، فقال الصدّيق﵁-: يا رسول الله! أما رأتك؟! قال: «لا، ما زال ملك بيني وبينها، يسترني حتى ذهبت».\nهذا؛ واعتصامه ﷺ بالقرآن الكريم ثابت، ومشهور، ففي ليلة الهجرة أمر ابن عمه عليا -﵁أن ينام في فراشه، وخرج ﵊ من بين صفوف المحاصرين بيته، وهو يقرأ الآيات من صدر سورة (يس)، فأعمى الله أبصارهم عنه، وأخذ حفنة من تراب في يده ونثرها على رءوسهم، فلم يبق منهم رجل، إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، وتركهم في طغيانهم يعمهون.\nأما (بين) فهو ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم. هذا؛ و(البين): الفراق والبعاد، وهو أيضا: الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود والأبيض، ومن استعماله بمعنى: الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) الآية رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه، ومن استعماله بمعنى:\nالفراق والبعاد قول كعب بن زهير﵁في قصيدة البردة في مدح النبي ﷺ: [البسيط]\nوما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥]. ﴿قَرَأْتَ﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها.. إلخ. ﴿جَعَلْنا:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿بَيْنَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. وقيل: متعلق بمحذوف مفعول ثان، ولا وجه له، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿حِجابًا:﴾ مفعول به. ﴿مَسْتُورًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿جَعَلْنا..﴾.\nإلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2075\"></span>﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً:﴾ أغطية، جمع: كنان، وهو: الوعاء المحيط بالشيء، وهو غير «الكن» بكسر الكاف، فإنه يجمع على: أكنان، انظر الآية رقم [٨١] من سورة (النحل).\nوانظر الفقه ومعانيه في الآية رقم [٤٤]. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا:﴾ الوقر: الصمم في الأذن، وهو بفتح","vol":"5","page":349},{"text":"الواو. والوقر بكسر الواو: حمل البغل، والحمار. والوقار: الحلم، والرزانة، والتعقل، وهو أيضا: العظمة، والهيبة، والمهابة. وفي هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب، فيشرح بعضها للهدى، والإيمان، فتقبله، ويجعل بعضها في أكنة، فلا تفقه كلاما، ولا تؤمن به، ولا تقبله. ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أي: قلت: لا إله إلا الله، وأنت تتلو القرآن. ﴿وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ أي: أعرضوا هربا من استماع التوحيد، وهو مثل قولهم في سورة (ص):\n ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ هذا؛ و﴿نُفُورًا﴾ جمع: نافر، فهو مثل: شهود، وشاهد، وقعود، وقاعد. وانظر إعلال مثل: ﴿وَلَّوْا﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف مفعول ثان، ولا وجه له، ولو قيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَكِنَّةً﴾ لسلّم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَكِنَّةً:﴾ مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، و«لا» مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا يفقهوه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (جعلنا) وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية فهمهم، فالمحذوف مفعول لأجله. وانظر الشاهد [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وجملة:\n ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) في الآية السابقة لا محل لها مثلها. ﴿وَفِي آذانِهِمْ:﴾\nمعطوفان على: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿وَقْرًا:﴾ معطوف على ﴿أَكِنَّةً﴾ وإن قدرت: ﴿وَجَعَلْنا﴾ قبلهما؛ وضح لك ذلك. ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ﴾ انظر مثله في الآية السابقة. ﴿وَحْدَهُ:﴾ حال من ﴿رَبَّكَ،﴾ وإن كان معرفة لفظا، فهو في قوة النكرة؛ لأنه بمعنى: منفردا. ﴿وَلَّوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى أَدْبارِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿نُفُورًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا عامله: ﴿وَلَّوْا﴾ لتقاربهما في المعنى، وجملة: ﴿وَلَّوْا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة، لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-2076\"></span>﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أي: بسببه، ولأجله. أو المعنى: نحن أعلم بالحال، أو الطريقة التي يستمعون القرآن بها، فهم يستمعون القرآن هازئين لا جادين، والواجب أن يستمعوه جادين لينتفعوا به، ويهتدوا بهديه. ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ أي: نحن أعلم","vol":"5","page":350},{"text":"بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك، وحين هم نجوى يتناجون؛ أي: يتحادثون سرا في شأنك، يقول بعضهم: هو مجنون. وبعضهم يقول: هو كاهن. وبعضهم يقول: هو ساحر.\nوبعضهم يقول: هو شاعر. وانظر الكلام على الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنعام) تجد أنّ المغزى واحد. وانظر شرح ﴿النَّجْوى﴾ في الآية رقم [٦٢] من سورة (طه).\n ﴿إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ:﴾ أبو جهل والوليد بن المغيرة وأمثالهما، ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي: مطبوبا قد خبله السحر، فاختلط عليه أمره. وقال مجاهد: معناه: مخدوعا، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أين تخدعون؟ وقال أبو عبيدة: معناه: أن له سحرا؛ أي: رئة، فهو لا يستغني عن الطعام، والشراب. قال امرؤ القيس: [الوافر]\nأرانا موضعين لأمر غيب... ونسحر بالطعام وبالشراب\nأي: نغذّى، ونعلّل، وموضعين: مسرعين. وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سحره. وفي الحديث عن عائشة﵂-: أنها قالت: «من هذه التي تساميني من أزواج النّبيّ ﷺ، وقد توفي رسول الله بين سحري ونحري» تريد: أنه ﷺ توفي وهو مستند إلى صدرها، وما يحاذي سحرها، وهو الرئة. وانظر (السّحر) في الآية رقم [٥٧] من سورة (طه).\nالإعراب: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿يَسْتَمِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول به محذوف، انظر الشرح. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (ما)، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، وهو أقوى معنى، وجملة: ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بأعلم، وجملة: ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَإِذْ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَجْوى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقه، أو هو متعلق باذكر محذوفا، والجملة الفعلية: ﴿يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ في محل جر بإضافة إذ إليها، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿تَتَّبِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلًا:﴾ مفعول به. ﴿مَسْحُورًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2077\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ:﴾ مثّلوك تارة بالساحر وتارة بالشاعر، وتارة بالمجنون، وأخرى بالكاهن. ﴿فَضَلُّوا﴾ أي: في أمثلتهم، وحاروا. أو ضلوا عن طريق الحق. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾","vol":"5","page":351},{"text":"سَبِيلًا أي: حيلة في صدّ الناس عنك. أو لا يجدون طريقا إلى الهدى، والرشاد. والخطاب في ذلك للنبي ﷺ وحده. هذا؛ وتعاد الآية بحروفها كاملة في الآية رقم [٩] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» وهو معلق عن العمل بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده.\n ﴿ضَرَبُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿الْأَمْثالَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ل: ﴿اُنْظُرْ،﴾ المعلق عن العمل لفظا، التقدير: انظر كيفية ضرب الأمثال لك، وجملة: ﴿اُنْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿فَضَلُّوا..﴾. مع المعلق بها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، وكذلك جملة: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مثلها، والفاء في الجملتين حرف عطف، وسبب.\n\n<span id=\"aya-2078\"></span>﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا أَإِذا..﴾. إلخ: أي: قالوا، وهم يتناجون لما سمعوا القرآن، وسمعوا ذكر البعث، والنشر، والحساب، والجزاء. والمراد: بالاستفهام: الجحود، والإنكار من أن يعادوا مرة ثانية بعد الموت. وقال ابن عباس: الرفات: الغبار. وقال مجاهد: هو التراب. والرفات:\nالأجزاء المتفتتة من كل شيء تكسر، كالفتات، والحطام، والرضاض، فلذا يقال فيه: هو اسم مفرد لأجزاء ذلك الشيء المفتت. هذا؛ ويقرأ ﴿أَإِذا﴾ ﴿أَإِنّا﴾ بقراءات كثيرة، فجملتها تسعة، وكلها سبعية. وقولهم هذا تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر]\nألا من بلّغ الرحمن عنّي... بأنّي تارك شهر الصّيام\nأيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟\nأتترك أن تردّ الموت عني... وتحييني إذا بليت عظامي\nفهو يقصد بابن كبشة النبي ﷺ، وأبو كبشة كنية زوج حليمة مرضعته ﷺ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ. ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق، ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري: (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه،","vol":"5","page":352},{"text":"منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وهذا عند سيبويه.\n ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿عِظامًا:﴾ خبرها. ﴿وَرُفاتًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها على القول المشهور المرجوح، وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: (أإذا كنا... نبعث)، ولا يجوز أن يعمل فيها مبعوثون لأن ما بعد إنّ لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم أن (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية، فإن تقدير الكلام: (أنبعث إذا... إلخ) وهذا قول غير سيبويه. والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنّا): حرف مشبه بالفعل، و(نا):\nاسمها. ﴿لَمَبْعُوثُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مبعوثون): خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿خَلْقًا:﴾\nمفعول مطلق، عامله من لفظ (مبعوثون) وهو بمعنى: بعثا، فيكون التقدير: نبعث بعثا، أو هو حال على تقديره: مخلوقين. ﴿جَدِيدًا:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا﴾ إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة في الإنكار، وبدون الاستفهام فيها حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار بالأولى إنكار فيها أيضا، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿ضَرَبُوا لَكَ..﴾. إلخ فهي مثلها في محل نصب، والاستئناف ممكن.\n\n<span id=\"aya-2079\"></span><span id=\"aya-2080\"></span>﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ أي: قل لهم يا محمد: كونوا على جهة التعجيز حجارة، أو حديدا في الشدة، والقوة. وقال علي بن عيسى: معناه: أنكم لو كنتم حجارة، أو حديدا؛ لم تفوتوا الله ﷿ إذا أرادكم، إلا أنه خرج مخرج الأمر؛ لأنه أبلغ في الإلزام.\n ﴿أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ﴾ أي: يعظم. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾ قال مجاهد: يعني السموات والأرض والجبال؛ لأنها أعظم المخلوقات. وقيل: يعني به الموت؛ لأنه لا شيء في نفس ابن آدم أكبر من الموت، ومعناه: لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم، ولأبعثنكم. ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا﴾ أي: من يبعثنا بعد الموت. ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ:﴾ خلقكم. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: فمن قدر على الإنشاء؛ قدر على الإعادة.\n ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ أي: يحركونها إذا قلت لهم ذلك مستهزءين بما تقول، يقال:\nنغض رأسه، ينغض، وينغض نغضا، ونغوضا؛ أي: تحرك، وأنغض رأسه؛ أي: حركه كالمتعجب من الشيء.","vol":"5","page":353},{"text":"هذا؛ ونقل الأزهري: أن ثلاثة أحرف جاءت بلغة قريش، وهي قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ أي: يحركونها. وقوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٧]: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: نكل بهم من وراءهم. وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٥]: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أي: مقتدرا.\n ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ أي: البعث، والقيامة، والحساب، والجزاء... إلخ. ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي: هو قريب؛ لأن «عسى» في حق الله تعالى واجبة التحقيق، نظيره قوله تعالى:\n ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ وقوله جل ذكره: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا،﴾ وكل ما هو آت قريب. وانظر القول في الآية رقم [١٦].\nالإعراب: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿كُونُوا:﴾ أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿حِجارَةً:﴾ خبره. ﴿حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا:﴾ معطوفان على حجارة، والجملة الفعلية: ﴿كُونُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿خَلْقًا﴾. ﴿يَكْبُرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَكْبُرُ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَسَيَقُولُونَ:﴾ الفاء:\nحرف استئناف. السين: حرف استقبال. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُعِيدُنا:﴾ مضارع، و(نا):\nمفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ يُعِيدُنا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَسَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الذي فطركم يعيدكم.\nالثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: معيدكم الذي فطركم. الثالث: أنه فاعل بفعل محذوف، التقدير: يعيدكم الذي فطركم. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n ﴿فَطَرَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿أَوَّلَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿أَوَّلَ:﴾ مضاف، و﴿مَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية:\n ﴿فَطَرَكُمْ﴾ إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿الَّذِي..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة في إعرابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَسَيُنْغِضُونَ:﴾ مثل: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رُؤُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَتى:﴾\nاسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم.","vol":"5","page":354},{"text":"﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿عَسى:﴾ فعل ماض وترج مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ في محل رفع فاعل عسى على تمامه، وفي محل نصب خبره على نقصانه، فيكون اسمه مستترا تقديره: «هو»، والتمام أقوى، وأتمّ معنى، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَرِيبًا:﴾ خبر ﴿يَكُونَ﴾. وقيل: هو ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر، واسمه يعود إلى البعث المفهوم ممّا تقدم. تأمل، وتدبر.\nوربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2081\"></span>﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: يوم يناديكم للخروج من القبور، ونحوها على لسان إسرافيل ﵇، فيقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾. ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: فتخرجون من القبور بأمره. وقيل: تخرجون مقرّين بأنه خالقكم، وباعثكم، ويحمدونه، ولكن لا ينفعهم الحمد. وقيل: هذا الخطاب للمؤمنين فإنهم يبعثون حامدين ربهم، فيقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. أو المعنى: منقادين لأمره انقياد الطائعين الحامدين على البعث. ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي: تظنون: أن إقامتكم في القبور. -وقيل: في الدنيا-قليلة جدا، وذلك لأن الإنسان لو مكث في الدنيا، أو في القبر ألوفا من السنين عد ذلك قليلا بالنسبة لمدة القيامة، والخلود في الآخرة. قال قتادة: المعنى: أن الدنيا تحاقرت في أعينهم، وقلّت حين رأوا القيامة، وما فيها. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو بدل من ﴿قَرِيبًا﴾ على اعتباره ظرفا. ﴿يَدْعُوكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، والجملة الفعلية: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿بِحَمْدِهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: حال كونكم حامدين لله على كمال قدرته، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَظُنُّونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب النفي بعده. ﴿إِنْ:﴾ نافية بمعنى: «ما». ﴿لَبِثْتُمْ:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف؛ أي: إلا لبثا قليلا،","vol":"5","page":355},{"text":"أو صفة ظرف محذوف؛ أي: إلا زمانا قليلا، وجملة: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل (تظنون) المعلق عن العمل لفظا، وجملة: ﴿وَتَظُنُّونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. هذا؛ وجوز أبو البقاء اعتبارها حالا من واو الجماعة، وقدر الكلام: «وأنتم تظنون...» إلخ؛ لأن المضارع المثبت لا يقترن بالواو إذا وقع حالا.\n\n<span id=\"aya-2082\"></span>﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ:﴾ وذلك: أن المشركين كانوا يؤذون المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله هذه الآية، يأمر بها المسلمين أن يقولوا للكافرين التي هي أحسن؛ أي: لا يكافئوهم على سفههم، بل يقولون لهم: يهديكم الله، وكان هذا قبل الإذن بالقتال والجهاد. وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب﵁وذلك: أنه شتمه بعض الكفار، فأمره الله بالعفو. وقيل: أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين فيما بينهم خاصة بحسن الأدب، وإلانة القول، وخفض الجناح، واطّراح نزغات الشيطان. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف.\n ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بالفساد، وإلقاء العداوة، والإغواء. هذا؛ والنزغ، والنخس، والنسغ، والنفر، والهمز، والوسوسة ألفاظ مترادفة، وأصل النزغ: الفساد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد. فقد شبه ﷾ وسوسة الشيطان، وإغواءه للناس بنخس السائق دابته بشيء؛ لتسير. هذا؛ وانظر شرح ﴿الشَّيْطانَ﴾ في الاستعاذة أول سورة (يوسف) ﵇، ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ أي: عدوا ظاهر العداوة.\nبعد هذا انظر شرح (عبده) في الآية رقم [١] و(القول) في الآية رقم [١٦] وشرح (الإنسان) في الآية رقم [١١] وانظر إعلال (مبين) ومعناه في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). أما (عدو) فهو ضد الصديق؛ وهو على فعول بمعنى: فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا.\nقالوا: هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد، جمع أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر اسم الجمع. وانظر شرح (بين) في الآية [٤٥] هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تبعية حيث شبه الإغراء على الفساد بالنزغ، واستعير النزغ للإغراء، ثم اشتق منه: ﴿يَنْزَغُ﴾. والله أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"5","page":356},{"text":"الإعراب: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا﴾ إعراب هذا التركيب مثل إعراب: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) ﵇ بلا فارق بينهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ اسمها. ﴿يَنْزَغُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانَ،﴾ ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، وجملة: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ..﴾. إلخ توكيد لسابقتها لا محل لها مثلها. وقال الجمل: علة لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ والجار والمجرور ﴿لِلْإِنْسانِ﴾ متعلقان ب: ﴿عَدُوًّا﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.\n\n<span id=\"aya-2083\"></span>﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾\nالشرح: ما في الآية الكريمة خطاب للمشركين، والمعنى: إن يشأ يوفقكم للإسلام، فيرحمكم، أو يميتكم على الشرك؛ فيعذبكم. قاله ابن جريج. وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: إن يشأ يرحمكم بأن يحفظكم من كفار مكة، أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم. قاله الكلبي. والأول: أقوى. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي: ما وكلناك في منعهم من الكفر، ولا جعلنا إليك إيمانهم. وقيل: ما جعلناك كفيلا لهم، تؤخذ بهم. وانظر الآية رقم [٢] وإنما أرسلناك مبشرا، ونذيرا، فدارهم، ومر أصحابك بالتحمّل منهم.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة انتقال من خطاب الجماعة إلى خطاب المفرد، وهو النبي ﷺ ويسمى هذا التفاتا.\nالإعراب: ﴿رَبُّكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. وهو بمعنى: عالم، وليس على بابه من التفضيل، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾\nحرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ،﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿يَرْحَمْكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ربكم، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، و﴿إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ معطوف عليه، وهو مثله في الإعراب. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول","vol":"5","page":357},{"text":"به. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿وَكِيلًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2084\"></span>﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: إن علمه ﷾ غير مقصور عليكم، بل علمه يتعلق بجميع الموجودات، والمعدومات، ومتعلق بجميع ذات الأرضين والسموات، ويعلم حال كل أحد، ويعلم ما يليق به من المصالح، والمفاسد. وقيل: معناه: أنه عالم بأحوالهم، واختلاف صورهم، وأخلاقهم، ومللهم، وأديانهم. ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ أي: فقد اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، وقال لعيسى: كن فكان، وآتى سليمان ملكا عظيما، لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورا، وقد ذكر الله هذا التفضيل في قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية رقم [٢٥٣] من سورة (البقرة)، وتفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون بتفاوت الفضائل النفسانية التي وهبها الله لكل واحد، ولهذا اشتهر منهم أولو العزم، الذين تحملوا المتاعب والمصاعب، فما وهنوا، وما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله، وكان محمد ﷺ خاتمة الأنبياء الذين اتصفوا بكامل الصفات، وقد ذكرت لك ذلك مرارا.\nهذا؛ و(الزبور) كتاب أنزله الله على داود ﵇، وهو مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم، ولا حلال، ولا حرام، ولا فرائض، ولا حدود، ولا أحكام، بل فيها تسبيح، وتقديس، وتحميد، وثناء على الله ﷿، ومواعظ، وحكم. وتعريفه مرّة، وتنكيره أخرى، إما؛ لأنه في الأصل فعول بمعنى: المفعول كالحلوب، أو مصدر بمعناه كالقبول، وإما لأن المراد إيتاء داود زبورا من الزبر، فيه ذكر النبي ﷺ.\nبقي أن تعرف لم خص داود في هذه الآية بالذكر دون غيره من الأنبياء؟ وذلك من وجوه:\nأحدها: أن الله تعالى ذكر: أنه فضل بعض النبيين على بعض، ثم قال: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ وذلك أن الله أعطى داود مع النبوة الملك، فلم يذكره بالملك، وذكر ما أتاه من الكتاب، تنبيها على أنّ الفضل المذكور في هذه الآية المراد به العلم، لا الملك والمال، «اللهم لك الحمد على ما أنعمت». والوجه الثاني: أن الله ﷾ كتب له في الزبور: أن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم؛ فلهذا خصه بالذكر. الثالث: زعمت اليهود أن لا نبي بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، فكذبهم الله بقوله: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾. انتهى. خازن بتصرف.\nهذا؛ وكان داود على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف تحية، وألف صلاة يخرج إلى البرية، فيقوم، ويقرأ الزبور، وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه، ويقوم الناس","vol":"5","page":358},{"text":"خلف العلماء، وتقوم الجن خلف الناس، والشياطين خلف الجن، وتجيء الدواب التي في الجبال، فيقمن بين يديه، وترفرف الطيور على رءوس الناس، وهم يستمعون لقراءة داود، ويتعجبون منها لجمالها، فلما قارف الذنب؛ زال عنه ذلك. وقيل له: كان ذلك أنس الطاعة، وهذا ذل المعصية. انتهى. خازن في سورة (النساء). هذا؛ وأضيف: أن داود ﵇ كان حسن الصوت، وفي الآخرة يقرأ القرآن في الجنة، يجتمع عليه أهل الجنة، فيستمعون لقراءته، فلا يكون شيء ألذ عندهم من الاستماع إليه. وانظر ما أذكره في سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربك): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِمَنْ:﴾\nمتعلقان به. وقيل: متعلقان بفعل محذوف، تقديره: يعلم. قاله الفارسي، ولا وجه له. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، وعطفها على ما قبلها، لا بأس به، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٤١] تفصيلا، وجملة، و﴿بَعْضَ:﴾\nمضاف، و﴿النَّبِيِّينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الياء.. إلخ ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿فَضَّلْنا،﴾ والجملة القسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله.\n\n<span id=\"aya-2085\"></span>﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ:﴾ وذلك لما ابتليت قريش بالقحط الشديد؛ حتى أكلوا الجيف، والحشرات، فاستغاثوا بالنبي ﷺ ليدعو الله لهم، فأنزل الله هذه الآية الكريمة، والمراد: من زعمتم أنهم آلهة من ملائكة، وعزير، وعيسى، وأصنام، وشمس، وقمر... إلخ.\n ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ:﴾ كالمرض، والجوع، والفقر، والقحط، ونحو ذلك؛ أي:\nلا يقدرون على دفع شيء من ذلك. ﴿وَلا تَحْوِيلًا﴾ أي: لا يقدرون على تحويل شيء ممّا نزل بكم إلى غيركم، ولا تحويل الحال من العسر إلى اليسر... إلخ.\n «زعم»: قال الشيخ مصطفى الغلاييني-رحمه الله تعالى-: الغالب في: «زعم» أن تستعمل للظن الفاسد، وهو حكاية قول، يكون مظنة الكذب، فيقال فيما يشك فيه، أو فيما يعتقد كذبه، ولذلك يقولون: «زعموا» مطية الكذب؛ أي: إن هذه الكلمة مركب للكذب، ومن عادة العرب أن من قال كلاما، وكان عندهم كاذبا. قالوا: زعم فلان؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم في كل موضع ذمّ القائلون به، وقد يراد الزعم بمعنى: القول مجردا عن معنى الظن الراجح، أو الفاسد، أو المشكوك فيه، فإن كانت زعم بمعنى: تأمّر، وترأس، أو بمعنى: كفل به تعدت إلى","vol":"5","page":359},{"text":"واحد بحرف الجر، تقول: زعم على القوم فهو زعيم؛ أي: تأمر عليهم، وترأسهم، وزعم بفلان، وبالمال؛ أي: كفله، وضمنه، وتقول: زعم اللبن؛ أي: أخذ يطيب، فهو لازم. انتهى.\nوقال الأشموني: وإن كانت بمعنى: سمن، أو هزل؛ فهي لازمة.\nبعد هذا أقول: إن زعم من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ، وخبر إن كان من أفعال الرجحان، والأكثر أن يسد مسدهما: أن، واسمها، وخبرها مخففة من الثقيلة، أو غيرها، نحو قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾. إلخ، وانظر شواهد ذلك في كتابنا: «فتح رب البرية». والقليل أن تنصب مفعولين صريحين، وهو ناقص التصرف، يأتي منه ماض، ومضارع، ولا يأتي منه أمر.\nالإعراب: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمخاطب بذلك النبي ﷺ.\n ﴿اُدْعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿زَعَمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول مصدر سد مسد المفعولين محذوف مؤول من: «أنهم آلهة». ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: «آلهة» المقدر، وقول الجمل: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: قل: ادعوا الذين من دون الله زعمتم أنهم شركاء، لا أراه قويّا، ومعناه غير واضح. تأمل. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له قطعا، وجملة: ﴿زَعَمْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير في المقدر المحذوف، وجملة: ﴿اُدْعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (لا): نافية.\n ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ مضارع مرفوع. إلخ، والواو فاعله. ﴿كَشْفَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الضُّرِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان بالمصدر، وهو أقوى من تعليقهما بالفعل. الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿تَحْوِيلًا:﴾ معطوف على ﴿كَشْفَ،﴾ ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: ولا تحويله عنكم، أو إلى غيركم، وجملة: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب لشرط مقدر؛ إذ التقدير: وإن تدعوهم؛ فلا يملكون... إلخ، والشرط المقدر ومدخوله في محل نصب مقول القول أيضا.\nوقيل: جملة: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-2086\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ:﴾ الإشارة إلى الذين عبدوهم من دون الله، والمعنى: أولئك الذين يعبدونهم، ويتخذونهم آلهة من دون الله. ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: يطلبون إلى الله القرب، والتقرب بالإيمان والعمل الصالح. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي: يتنافسون في القربة. أو المعنى:","vol":"5","page":360},{"text":"ينظرون أيهم أقرب إلى الله، فيتوسلون به إليه. هذا؛ وأعطى الجلال هذا المعنى: أي: يبتغيها الذي هو أقرب إليه، فكيف بغيره؟ قال الجمل معلقا: أي: أقرب إلى مناجاته، وهم الملائكة، وبغير الأقرب كعيسى، وعزير، ومريم.. إلخ. انتهى.\n ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ أي: يؤملون، ويرغبون في رحمة الله، و﴿وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ..﴾. إلخ. أي: مخوفا لا أمان لأحد منه، فينبغي أن لا يأمنه أحد، لذا كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدي الخوف من عذاب الله، وما يروى عن كرام الصحابة، أبي بكر، وعمر، وعلي، وغيرهم-رضوان الله عليهم-من أقوال وعبارات تدل على أنهم كانوا شديدي الحذر من عذاب الله. قال سهل بن عبد الله: الرجاء، والخوف زمانان على الإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر، كيف لا، وعذاب الله يحذره الرسل، والملائكة، وكل أحد؟\nكيف لا؛ وقد قال الله في حق الرسل، وذرياتهم: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ هذا؛ وقد قال ابن عباس﵄-:\nالمراد بالمشار إليهم: عيسى، وأمه، وعزير، والملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم. وقال عبد الله بن مسعود﵁-: نزلت هذه الآية في نفر من العرب، كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم أولئك الجن، ولم يعلم الناس بذلك، فتمسكوا بعبادتهم، فعيرهم الله بهذه الآية. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف.\nهذا؛ والمراد: بواو الجماعة في قوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ العابدون، وفيما بعده: المعبودون، أما الضمير في قوله: ﴿رَبِّهِمُ﴾ فإنه يعود إلى العابدين، أو إلى المعبودين، أو إليهم جميعا. بعد هذا انظر شرح: ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح: (عذاب) في الآية رقم [١٠]، وشرح (الخوف) في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد). هذا؛ و(يرجون): يطمعون، واصل الرجاء: الأمل في الشيء، والطماعية فيه، وقد يأتي بمعنى: الخوف. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال؛ أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل]\nإذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل\nوما في الآية الكريمة بمعنى: يطمعون كما قدمت، ومنه قول سوّار بن المضرّب السعدي.\nأحد بني سعد تميم، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل]\nأيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم، والفلاة ورائيا\nوقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى: الخوف إلا مع الجحد؛ أي: النفي، كقوله تعالى:\n ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد.","vol":"5","page":361},{"text":"الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: يدعونهم. ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ مضارع مرفوع. إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلى رَبِّهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْوَسِيلَةَ:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿يَبْتَغُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار الموصول خبرا للمبتدإ، فتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب المحذوف الذي رأيت تقديره، والرابط:\nالضمير فقط. ﴿أَيُّهُمْ:﴾ اسم موصول مبني على الضم في محل رفع بدل من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَقْرَبُ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو أقرب، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المحذوف، وهذا الحذف مع إضافة (أي) للضمير هما اللذان، أوجبا بناء «أيّ». قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nأيّ كما وأعربت ما لم تضف... وصدر وصلها ضمير انحذف\nهذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار: ﴿أَيُّهُمْ﴾ اسم استفهام مبتدأ و(أقرب) خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ل: ﴿يَدْعُونَ﴾ والأول: أقوى معنى وأتم سبكا. وانظر ما أذكره في الآية رقم [٦٨] من سورة (مريم)، وعلى قول أبي البقاء فالجملة الاسمية في محل نصب لفعل محذوف معلق عن العمل بسبب الاستفهام، أو للفعل يدعون، وهو غير مسلم له على الاعتبارين.\nوجملة: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَبْتَغُونَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. وأيضا جملة: ﴿وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ معطوفة عليها، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿عَذابَ رَبِّكَ﴾. ﴿مَحْذُورًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لخوف العذاب.\n\n<span id=\"aya-2087\"></span>﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها:﴾ إما بالموت، أو بالاستئصال، والعذاب. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب. وقال ابن مسعود -﵁-: إذا ظهر الزنى والربا في قرية؛ آذن الله في هلاكها. ﴿أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا﴾","vol":"5","page":362},{"text":"شَدِيدًا: بالقتل، وأنواع العذاب. إذا كفروا، وعصوا، كالذي حصل لقوم ثمود، وعاد، وأمثالهم. ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أي: مكتوبا مثبتا، والمراد: بالكتاب: اللوح المحفوظ.\nفعن عبادة بن الصامت﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، وما هو كائن إلى يوم القيامة إلى الأبد». أخرجه الترمذي.\nهذا؛ ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء. وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من: قام، يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف نفي بمعنى: (ما). ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿مُهْلِكُوها:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُهْلِكُوها﴾ و﴿قَبْلَ:﴾\nمضاف، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف إليه، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مُعَذِّبُوها:﴾ معطوف على ﴿مُهْلِكُوها﴾ وهو مثله في إعرابه. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق عامله ما قبله. ﴿شَدِيدًا:﴾ صفة له. ﴿كانَ﴾ ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿مَسْطُورًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2088\"></span>﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفًا (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ..﴾. إلخ: أي: التي سألها كفار قريش، وطلبوها من الرسول ﷺ. ﴿إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ أي: الأمم السابقة طلبوا المعجزات من أنبيائهم فأعطوها، فلم يؤمنوا بها، فأهلكهم الله، وكذلك كفار قريش لو أعطوا ما سألوا، وإذا لم يؤمنوا؛ أهلكهم الله، كما أهلك من كان قبلهم. ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أي: معجزة واضحة، تدل على صدق نبي الله صالح، ﵇. أو المعنى: يبصرها كفار قريش، ويرونها؛ لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم، وهم يبصرونها في ذهابهم، وإيابهم إلى بلاد الشام للتجارة، وغيرها.","vol":"5","page":363},{"text":"﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أي: جحدوا: أنها من عند الله، أو ظلموا أنفسهم بتكذيبها، فعاجلهم الله بالعقوبة، وما أحراك أن تنظر قصة قوم ثمود في سورة (الأعراف)، وفي سورة (هود) ﵇. ﴿وَما نُرْسِلُ..﴾. إلخ: أي: ما نرسل بالآيات المقترحة إلا تخويفا، وتهديدا من نزول العذاب، فإن لم يخافوا؛ وقع عليهم. وقيل: معناه: وما نرسل بالدلالات، والعبر إلا إنذارا بنزول العذاب في الدنيا، أو بعذاب الآخرة، ولا تنس: أن الله لا يمنعه مانع ممّا يريد، وإنما المعنى المبالغة في أنه لا يفعل، فكأنه قد منع منه. وانظر ما يلي:\nقال ابن عباس﵄-: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وفضة، وأن ينحّي عنهم الجبال؛ ليزرعوا، وأن يفجّر لهم في أرضهم العيون، والأنهار... إلخ فأوحى الله إلى رسوله ﷺ: إن شئت أن أستأني بهم؛ فعلت، وإن شئت أن، أوتيهم ما سألوا؛ فعلت، فإن لم يؤمنوا؛ أهلكتهم، كما أهلكت من كان قبلهم. فقال النبي ﷺ:\n «لا بل تستأني بهم»، فأنزل الله ﷿ الآية الكريمة. انتهى. خازن.\nهذا؛ ولم يعطهم ﷾ ما سألوا، ولم يستأصلهم كما استأصل الأمم السابقة؛ لعلمه الأزلي: أن فيهم من يؤمن، أو يخرج من أصلاب الكافرين منهم من يؤمن، وهو فحوى قول النبي ﷺ: «إني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله» ولعلمه الأزلي، وقضائه الأبدي: أن هذا الدين سينتشر في شرق الدنيا، وغربها، وأن حملة لوائه يكونون ممن يؤمن منهم، وقد تحقق هذا في أقل من ثلاثين سنة بعد وفاة الرسول ﷺ. وقال ﵊: «إذا أراد الله بأمّة شرا؛ أهلكها قبل نبيّها، وإذا أراد بأمة خيرا أهلك نبيّها قبلها». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مَنَعَنا:﴾ ماض، و(نا): مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نُرْسِلَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل جر بحرف جر محذوف على الخلاف بين سيبويه، والخليل وقد تقدم معنا كثير من ذلك. ﴿بِالْآياتِ:﴾ الباء:\nحرف جر صلة. (الآيات): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وأجيز اعتبار الباء أصلية، على أنّ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، التقدير: وما منعنا أن نرسل النبي حالة كونه مؤيدا بالآيات. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبَ﴾ في محل رفع فاعل للفعل: (منع) التقدير: وما منعنا من إرسال الرسول مؤيدا بالمعجزات إلا تكذيب الأولين بها. وانظر مثل ذلك في الآية رقم [٩٤] الآتية. ﴿بِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَوَّلُونَ:﴾\nفاعل كذب مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَما مَنَعَنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَآتَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (آتينا): فعل، وفاعل. ﴿ثَمُودَ:﴾ مفعول به أول.\n ﴿النّاقَةَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مُبْصِرَةً:﴾ حال من الناقة، وجملة: ﴿وَآتَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما","vol":"5","page":364},{"text":"قبلها، وإن اعتبرتها حالا من (نا) فلست مفندا، ويلزم تقدير «قد» قبلها، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ معطوفة عليها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية.\n ﴿نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ مثل سابقه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿تَخْوِيفًا:﴾ مفعول لأجله، وأجيز اعتباره حالا، إما من الفاعل؛ أي: مخوفين، أو من المفعول؛ أي: مخوفا بها، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها حالا من نا فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير، وتكون حالا متداخلة من وجه واحد، وهو اعتبار الأولى حالا.\n\n<span id=\"aya-2089\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك. ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ أي: قدرته محيطة بهم، فهم في قبضته، وقدرته، لا يقدرون على الخروج من مشيئته، وإذا كان الأمر كذلك، فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره، وهو حافظك، ومانعك منهم، فلا تهبهم، وامض لما أمرك من التبليغ للرسالة، فهو ينصرك، ويقويك على ذلك. انتهى. خازن.\nوقال ابن عباس﵄-: الناس هنا: أهل مكة، وإحاطته بهم: إهلاكه إياهم؛ أي: إن الله سيهلكهم. وذكره بلفظ الماضي لتحقق وقوعه، وعنى بهذا الإهلاك الموعود ما جرى يوم بدر، ويوم الفتح.\n ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ:﴾ قال الخازن: الأكثرون من المفسرين على أنّ المراد منها ما رأى: النبي ﷺ ليلة المعراج من العجائب والآيات. قال ابن عباس﵄هي رؤيا عين، أريها رسول الله ﷺ ليلة المعراج، وهي ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي ﷺ: أنه أسري به، انظر ما ذكرته في أول السورة ففيه الكفاية، وعليه فالمراد بالرؤيا بالألف: الرؤية بالتاء، وهي البصرية، ولو كانت منامية لما ارتدّ أحد؛ لأن أحدا لا يستنكر، بل، ولا يستغرب ما يذكر له من رؤيا المنام. هذا؛ وكتابة البصرية بالألف قليل، والكثير في كتابة الحلمية بالألف.\nوقيل: المراد بهذه الرؤيا ما رأى رسول الله ﷺ عام الحديبية: أنه دخل مكة هو، وأصحابه فعجل المسير إلى مكة قبل الأجل، فصدّه المشركون، ورجع إلى المدينة، فكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر: أنه يدخلها فتنة لبعضهم، ثم دخل مكة في العام المقبل، وأنزل الله ﷿:\n ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ..﴾. إلخ.\nوقيل: إن النبي ﷺ رأى في منامه: أن ولد الحكم بن أميّة يتداولون منبره، كما يتداول الصبيان الكرة، فساءه ذلك، وهذا ضعيف جدا.","vol":"5","page":365},{"text":"﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ يعني: شجرة الزقوم؛ التي وصفها الله تعالى في سورة (الصافات) من الآية رقم [٦٢] وما بعدها، والعرب تقول لكل طعام كريه: طعام ملعون، والفتنة فيها: أن أبا جهل قال: ابن أبي كبشة-يعني: النبي ﷺتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم: أنه تنبت فيها شجرة، وتعلمون: أن النار تحرق الشجر، وما نعرف الزقوم إلا التمر، والزبد، ثم قال:\nيا جارية! تعالي فزقمينا. فأتت بتمر، وزبد، فقال: يا قوم! تزقموا، فإن هذا ما يخوفكم به محمد، فأنزل الله حين عجبوا أن يكون في النار شجر: ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ..﴾. إلخ فقد استغربوا من ذلك، ونسبوا لله العجز عن خلق شجرة في النار، وهو قادر على أكثر منه. ويقويه: أن النعامة تبتلع الجمر، والحديد المحمّى بالنار، ولا يحرقها، وإن طير السمندل يتّخذ من وبره مناديل، فإذا اتسخت؛ ألقيت في النار، فيزول وسخها، وتبقى بحالها. والمراد: بلعن الشجرة: لعن آكليها؛ لأنه لم يجر في القرآن لعن هذه الشجرة، ولكن الله لعن الكفار، وهم آكلوها.\n ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ أي: بالزقوم وغيرها. ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ أي: التخويف. ﴿إِلاّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ أي:\nتمردا، وعتوا عظيما. هذا؛ والطغيان: مجاوزة الحد، يقال: طغا، يطغى، ويطغو طغيانا، وطغوانا جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغ، وكل مسرف في الظلم، والمعاصي طاغ، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وطغى السيل: جاء بماء كثير. قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.\nهذا؛ و(الناس) اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده:\n «إنسان» من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس. قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ الآية رقم [٧١] الآتية. وقيل: إن أصله النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها. وانظر شرح ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وابن هشام في مغنيه يعتبره مفعولا به للفعل المحذوف المقدر بما رأيت. ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَحاطَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿بِالنّاسِ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب","vol":"5","page":366},{"text":"مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: واذكر إذ... إلخ المقدرة مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الرُّؤْيَا:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ل: ﴿الرُّؤْيَا﴾. ﴿أَرَيْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:\nالتي أريناكها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول به ثان ل ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فِتْنَةً،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَما جَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، والعطف أقوى من الاستئناف. ﴿وَالشَّجَرَةَ:﴾ معطوف على ﴿الرُّؤْيَا﴾.\n ﴿الْمَلْعُونَةَ:﴾ صفة. ﴿فِي الْقُرْآنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمَلْعُونَةَ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هي». هذا؛ ويقرأ شاذا برفع «(الشجرة)» على اعتبارها مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: كذلك، وتكون الجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، ومتعلقه محذوف؛ إذ التقدير: نخوفهم بالشجرة وغيرها، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَزِيدُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به أول، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى مصدر الفعل السابق؛ أي: التخويف. إلا: حرف حصر. ﴿طُغْيانًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿فَما يَزِيدُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2090\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾\nالشرح: ما أحراك أن تنظر خلق آدم ﵇، وما جرى له مع إبليس-لعنه الله تعالى- في سورة (الحجر) الآية رقم [٢٦] وما بعدها. هذا؛ وقد قال القرطبي: تقدّم ذكر كون الشيطان عدو الإنسان، فانجرّ الكلام إلى ذكر آدم، والمعنى: اذكر بتمادي هؤلاء المشركين، وعتوهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه، وأبى السجود. وقال ما قال. انتهى. هذا؛ وآدم: اسم علم أعجمي مشتق من الأدمة بمعنى: الأسوة، أو من أديم الأرض؛ أي: من وجهها، وترابها، أو من الأدمة بمعنى: الألفة، وأصله أأدم بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في إيمان، فإنّ أصله إئمان، وكما قلبت في أومن، فإن أصله: أأأمن بثلاث همزات، فاستثقلوا اجتماع ثلاث همزات، فحذفوا الثانية طلبا للتخفيف فبقي: أأمن بهمزتين، الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، فقلبت الساكنة واوا لسكونها، وانضمام ما قبلها، فصار أومن، ومثل آدم في إعلاله: آمن، وما جرى مجراه.","vol":"5","page":367},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِآدَمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَإِذْ قُلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. ﴿فَسَجَدُوا:﴾\nالفاء: حرف عطف. (سجدوا): ماض، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ ورأيت الخلاف فيه، هل هو متصل، أو منقطع؟ وجملة: ﴿فَسَجَدُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى إبليس.\n ﴿أَأَسْجُدُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أسجد): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».\nلمن: متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة: ﴿خَلَقْتَ﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشخص خلقته. ﴿طِينًا:﴾ منصوب بنزع الخافض؛ إذ التقدير: من طين.\nوقيل: هو حال من (من)، أو من العائد المحذوف، وجاز وقوعه حالا وهو جامد؛ لدلالته على الأصالة، كأنه قال: متأصلا من طين. وقال الزجاج وتبعه ابن عطية: منصوب على التمييز، ولا يظهر ذلك؛ إذ لم يتقدم إبهام ذات، ولا نسبة. وجملة: ﴿أَأَسْجُدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2091\"></span>﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ﴾ أي: أخبرني. قال الجمل: استعمال «أرأيت» في الإخبار مجاز؛ أي:\nأخبرني عن هذه الحالة العجيبة. ووجه المجاز: أنه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، والأبصار به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه؛ استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، لاشتراكهما في الطلب. انتهى. بتصرف من سورة (الأنعام).\n ﴿هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: فضلته عليّ بأمري بالسجود له. والتقدير: لم فضلته وقد خلقتني من نار، وخلقته من طين؟ ولم يجبه الله عن هذا السؤال إهمالا له، وتحقيرا؛ حيث اعترض على مولاه ب: (لم)؟ انظر الإعراب. ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي: أمهلتني، وهو جواب قسم محذوف، وفي سورة (الأعراف) و(الحجر) وسورة (ص) طلب الإنظار، والإمهال طلبا، فأعطي ما طلب فتنة، وابتلاء. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ:﴾ لأستولين عليهم، أو لأقودنهم حيث شئت. وقيل: معناه: لأستأصلنهم بالإغواء والإضلال. ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ منهم، لا أقدر عليهم؛ لاعتصامهم بحبلك المتين، واتباعهم لسنن الأنبياء والمرسلين، وهم المذكورون في الآية [٦٥]","vol":"5","page":368},{"text":"الآتية. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١١٨ - ١١٩] من سورة (النساء)، فإنك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ والفعل المضارع مأخوذ من: احتنك الجراد الزرع: إذا أكله كله، أو من قولهم:\nحنكت الفرس، أحنكه، وأحنكه حنكا: إذا جعلت في فيه الرسن. والأول: قريب من هذا لأن الجراد يأتي على الزرع بالحنك. وانظر شرح: (ذرية) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ،﴾ تقديره: «هو». ﴿أَرَأَيْتَكَ:﴾ الهمزة:\nحرف استفهام. (رأيتك): ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والهاء حرف تنبيه لا محل له. الذي: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة اسم الإشارة، أو بدل منه، والجملة الفعلية بعده صلة له، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: كرمته علي، والمفعول الثاني:\nمحذوف، التقدير: لم كرمته علي؟ هذا؛ وقيل: الكاف هي المفعول الأول، واسم الإشارة مبتدأ، وقبله استفهام مقدر: «أي: أهذا...» إلخ؟ والموصول مع صلته خبره، والجملة الاسمية هي المفعول الثاني، والمعتمد الأول. والجملة الفعلية: ﴿أَرَأَيْتَكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَئِنْ﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف، التقدير:\nوحقك، أو أقسم بك. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَخَّرْتَنِ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، وقرئ بإثباتها مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلى يَوْمِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أحتنكن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل تقديره: «أنا»، والنون حرف دال على التوكيد لا محل له. ﴿ذُرِّيَّتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ ومتعلقه محذوف، تقديره:\nمنهم، وجملة: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه؛ على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم؛ فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له، وهو من مقول إبليس. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2092\"></span>﴿قالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ اذهب: هذا أمر إهانة؛ أي: امض لشأنك، فقد أمهلناك، وأنظرناك.\n ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ: أي: من أطاعك من ذرية آدم، فمآلك، ومآلهم جهنم","vol":"5","page":369},{"text":"تحترقون بها جميعا. فغلب المخاطبين على الغائب. أو الخطاب للتابعين، فيكون من باب الالتفات. ومعنى: ﴿مَوْفُورًا:﴾ وافرا كاملا. هذا؛ وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر). هذا؛ وقد أمر الله الشيطان في الآية وما بعدها بأوامر خمسة، القصد منها التهديد، والاستدراج؛ لا التكليف؛ لأنها كلها معاص، والله لا يأمر بها.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿اِذْهَبْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف مفيد للتعليل، أو هي حرف استئناف، (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَبِعَكَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، والكاف مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ اسمها. ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ خبر (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول مطلق، عامله المصدر قبله. وقيل:\nعامله محذوف، تقديره: تجازون جزاء. وقيل: هو حال موطئة. وقيل: هو تمييز. ﴿مَوْفُورًا:﴾ صفة ﴿جَزاءً،﴾ وهو بمعنى: وافرا، كما رأيت، والجملة: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط.\nهذا؛ وإن اعتبرت جواب الشرط محذوفا، تقديره: فلا خير فيهم؛ فتكون الجملة الاسمية تعليلا للنفي المقدر، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فالكلام على ذلك مستوفى في الآية المذكورة، والجملة الاسمية:\n ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ تعليل للأمر، أو هي مستأنفة، وهي من مقول الله تعالى على الاعتبارين. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2093\"></span>﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَاسْتَفْزِزْ:﴾ استزل، أو استخف، واستفزه الخوف؛ أي: استخفه، وهو كغيره أمر تعجيز. ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ:﴾ أن تستفزه، وأن تضله. ﴿بِصَوْتِكَ:﴾ صوته كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى. قاله ابن عباس﵄-. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: الغناء، والمزامير، واللهو صوته. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ أي: اجمع عليهم مكايدك، وحبائلك، واحثثهم على الإغواء. وقيل: معناه: استعن عليهم بركبان جندك، ومشاتهم. يقال: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، فكل من قاتل، أو مشى في معصية الله فهو من جنود إبليس. هذا؛ والإجلاب: السوق بجلبة من السائق، والجلب، والجلبة: الأصوات. هذا؛ ويقرأ: (رجلك) بكسر الجيم وسكونها، فهو جمع: راجل، مثل صحب، وصاحب.","vol":"5","page":370},{"text":"﴿وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ أي: بحملهم على كسب الأموال، وجمعها من الحرام، وإنفاقها في غير طاعة الله تعالى، وبالحث على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم، أو الإشراك فيه بتسميته عبد العزى، ونحوه، أو بالتضليل عن طريق الهدى، أو إهمال الولد بدون تربية؛ حتى يتعود الأفعال القبيحة، والصفات الذميمة. هذا؛ ومشاركة الشيطان للإنسان في ماله، وولده تكون بترك التسمية عند الأكل، والشرب، واللباس، والجماع، وسائر التصرفات، وقد نبه النبي ﷺ على ذلك، وخذ ما يلي:\nفعن جابر بن عبد الله﵄أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه قال الشّيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء. وإذا دخل، فلم يذكر الله عند دخوله قال الشّيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان: أدركتم المبيت، والعشاء». رواه الخمسة إلا البخاري.\nوعن سلمان الفارسي﵁عن النبي ﷺ. قال: «من سرّه ألاّ يجد الشيطان عنده طعاما، ولا مقيلا، ولا مبيتا، فليسلّم إذا دخل بيته، وليسمّ على طعامه». رواه الطبراني. وعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أنّ أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهمّ جنّبني الشّيطان، وجنّب الشّيطان ما رزقتني، فإن كان بينهما ولد؛ لم يضرّه الشيطان، ولم يسلّط عليه». ويروى هذا الحديث بروايات مختلفة من طرق متعددة، والمرأة فيما ذكر كالرجل من أنها مطالبة بالتسمية في كل شيء. وقيل: إن الشيطان يعتمد على ذكر الرجل وقت الجماع، فإذا لم يقل: بسم الله أصاب معه امرأته، وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل، وهو معنى قول مجاهد: إن الذي يجامع، ولا يسمي يلتفّ الشيطان على إحليله، فيجامع معه. وروي من حديث عائشة -﵂-. قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّ فيكم مغرّبين». قلت: يا رسول الله! وما المغرّبون؟ قال: «الّذين شارك فيهم الجنّ». انظر رقم [٥١] من سورة (الكهف)، وفي الخبر: أن إبليس-لعنه الله تعالى-قال: يا رب بعثت أنبياء، وأنزلت كتبا، فما قراءتي؟ قال: الشعر. قال:\nفما كتابي؟ قال: الوشم. قال: ومن رسلي؟ قال: الكهنة. قال: أي: شيء مطعمي؟ قال: ما لم يذكر عليه اسمي. قال: فما شرابي؟ قال: كل مسكر. قال: وأين مسكني؟ قال: الحمامات.\nقال: وأين مجلسي. قال: في الأسواق. قال: وما حبائلي؟ قال: النساء. قال: وما أذاني؟ قال: المزمار. وانظر الآية رقم [٩٧ - ٩٨] من سورة (المؤمنون) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: المواعيد الباطلة كشفاعة الأصنام، وقل لهم: لا جنة، ولا نار، ولا بعث بعد الموت، ولا حساب، ولا جزاء. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا:﴾ الغرور تزيين الخطأ بما يوهم الصواب، وتزيين الباطل بما يظن أنه حق، ومثله الآية رقم [١٢٠] من سورة (النساء).\nتنبيه: في الآية الكريمة ما يدل على تحريم المزامير، والغناء، واللهو. وما كان من صوت الشيطان، أو فعله، وما يستحسنه؛ فواجب التنزه عنه. وروى نافع: أن ابن عمر﵄-","vol":"5","page":371},{"text":"سمع صوت زمارة، فوضع إصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع! أتسمع؟ فأقول: نعم، فمضى؛ حتى قلت له: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق. وقال:\nرأيت رسول الله ﷺ سمع صوت زمارة راع، فصنع مثل هذا. قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم!. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَاسْتَفْزِزْ:﴾ أمر، وفاعله، مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿اِسْتَطَعْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المتصل في المفعول المقدر. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير العائد على (من)، و(من) بيان لما أبهم في (من) هذا؛ وقال أبو البقاء: (من) استفهام في موضع نصب ب: ﴿اِسْتَطَعْتَ،﴾ ولا يؤيده المعنى. تأمل. ﴿بِصَوْتِكَ:﴾ متعلقان بالفعل (استفزز) وجملة: ﴿وَاسْتَفْزِزْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿وَأَجْلِبْ..﴾. إلخ معطوفة أيضا، والجار والمجرور ﴿عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَجِلِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَشارِكْهُمْ﴾ إلخ معطوفة أيضا. ﴿وَعِدْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، والجملة معطوفة أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَعِدُهُمُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به أول. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿غُرُورًا:﴾ مفعول به ثان على التوسع، أو هو نعت مصدر محذوف، التقدير: إلا وعدا غرورا، أو هو مفعول لأجله؛ أي: ما يعدهم المواعيد الكاذبة إلا لأجل الغرور. وجملة: ﴿وَما يَعِدُهُمُ..﴾. إلخ معترضة لبيان مواعيده الباطلة بين الجمل التي خاطب الله بها الشيطان، أو هي في محل نصب حال، والأول: أقوى.\n\n<span id=\"aya-2094\"></span>﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ عِبادِي..﴾. إلخ: أي: إن عبادي المؤمنين المخلصين لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة من غير أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء خاصة الله الذين هداهم، واجتباهم من عباده. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي: حافظا لعباده المؤمنين من وساوس الشياطين، فهو سبحانه يحفظهم من كيدهم، ويعصمهم من إغوائهم، وإضلالهم. وفي الآية دليل على أنّ المعصوم من عصمه الله، وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعته إلا بقوته.\nفائدة: ذكر اليافعي عن الشاذلي: أن ممّا يعين على دفع وسوسة الشيطان: أنك عند وسوسته لك تضع يدك اليمنى على جانب صدرك الأيسر بحذاء القلب: وتقول: سبحان الملك","vol":"5","page":372},{"text":"القدوس الخلاق الفعال سبع مرات، ثم تقرأ قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾.\nبعد هذا فالإضافة في قوله: ﴿عِبادِي﴾ إضافة تشريف، وتكريم، خصهم الله بالذكر، وشرفهم بالإضافة تنويها بشأنهم، وتنبيها على أنهم المقيمون لحقوق العبودية. وانظر شرح (عبده) في الآية رقم [١]، وانظر شرح ﴿سُلْطانٌ﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (النحل)، وشرح (ربك) في الآية رقم [٨] وشرح: ﴿وَكِيلًا﴾ في الآية رقم [٢]. هذا؛ ﴿وَكَفى﴾ فهو هنا بمعنى: اكتف، فالباء زائدة عند الجمهور في الفاعل، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى:\n ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ،﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى، فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عِبادِي:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾\nمتعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، وبعضهم يعتبرهما متعلقين بمحذوف حال من ﴿سُلْطانٌ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿سُلْطانٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ عِبادِي..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية. لا محل لها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (كفى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. الباء: حرف جر صلة. (ربك): فاعل كفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَكِيلًا:﴾ تمييز. وقيل: حال من (ربك)، والأول: أعرف في مثل ذلك، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من كاف الخطاب؛ فلست مفندا.\n\n<span id=\"aya-2095\"></span>﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: يسوق، ويجري، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا،﴾ وقال رويشد بن كثير الطائي: [البسيط]\nيا أيها الرّاكب المزجي مطيّته... سائل بني أسد ما هذه الصّوت؟\nومنه: ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أي: يزجيها كل واحد؛ بمعنى: يدفعها، لرداءتها.","vol":"5","page":373},{"text":"وإزجاء الفلك: سوقها بالريح اللينة. وقد كان هذا في الزمن الغابر، أما اليوم فسوقها بالبخار والنار. هذا؛ والفلك بضم الفاء وسكون اللام يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فأفرد، وذكر. وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد، والجمع. وقال جل شأنه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب، فتذكر، وإلى السفينة فتؤنث، وقد ألغز الشاعر فيها، فقال: [الطويل]\nمكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو\nفإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل\nولا تنس: أن أول من اخترع الفلك-وهي السفينة-نوح ﵊، ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ والفلك: بفتحتين مدار النجوم، ويجمع على: فلك بضم الفاء وسكون اللام وضمها أيضا وعلى: أفلاك أيضا، والفلك من كل شيء: مستداره ومعظمه، والفلكي منسوب إلى علم الفلك. و﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: تطلبوا الرزق، والأرباح بالتجارة التي تنقل من بلاد إلى بلاد بواسطة السفن التي تمخر عباب البحار. ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا:﴾ حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه، وسهل عليكم ما تعسر من أسبابه. وانظر شرح ﴿الرَّحِيمِ﴾ في البسملة أول سورة (يوسف) ﵇، وشرح ﴿كانَ﴾ في الآية [٣٠].\nالإعراب: ﴿رَبُّكُمُ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والميم علامة جمع الذكور. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يُزْجِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلته لا محل لها. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْفُلْكَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾\nمتعلقان بالفعل ﴿يُزْجِي﴾ أيضا. ﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُزْجِي﴾. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة و﴿فَضْلِهِ:﴾ مفعول به، والأول: أقوى. ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا:﴾ تقدم إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٣] وغيرها، والجملة الاسمية تعليل آخر لقوله: ﴿يُزْجِي،﴾ والجملة الاسمية: ﴿رَبُّكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":374},{"text":"<span id=\"aya-2096\"></span>﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ:﴾ الضر في الأصل: كل ما ينوب الإنسان في هذه الدنيا من فقر، ومرض، وفقد نفس، وخوف... إلخ، والمراد: به هنا: خوف الغرق في البحر، والإمساك عن الجري، واضطراب البحر، وتموجه. ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ:﴾ ذهب عن بالكم، وخواطركم كل من تدعون في حوادثكم من الأصنام وغيرها. ﴿إِلاّ إِيّاهُ﴾ أي: إلا الله وحده، فإنكم لا تذكرون سواه في الشدائد، والملمات؛ لأنه القادر على نجاتكم، وإعانتكم، وغيره لا يقدر.\n ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ أي: أجاب دعاءكم، وأنقذكم من هول البحر، وشدته. ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ أي: عن الإيمان، والإخلاص، والطاعة، وكفرتم النعمة. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا:﴾ المراد به هنا: الكافر.\nوقيل: المعنى: وطبع الإنسان جحودا للنعم إلا من عصمه الله، ووفقه للشكر، فالمراد جنس الإنسان.\nهذا؛ ولقد تكرر معنى الآية في كثير من السور، فينبغي التنبه له. وانظر شرح ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١]، وانظر: ﴿ضَلَّ﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل)، وشرح ﴿الْكافِرِينَ﴾ في الآية رقم [١٠٧] منها. وانظر شرح (البحر) في الآية رقم [٧٠] الآتية، ولقد استعمل (من) وهي للعاقل لغير العاقل، وهي الأصنام؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة العاقل: من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، وتقديسها، وتعظيمها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٩] من سورة (النحل) تجد ما يسرك ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّكُمُ:﴾ ماض، والكاف مفعول به. ﴿الضُّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضر. وقيل من البحر. ﴿ضَلَّ:﴾ ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ضل الذي تدعونه من دون الله، والجملة الفعلية: جواب (إذا) لا محل لها. إلا: أداة استثناء. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب على الاستثناء المتصل، أو المنقطع، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام","vol":"5","page":375},{"text":"الأول. والمشهور الثاني. ﴿نَجّاكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِلَى الْبَرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقدر الجلال الكلام:\n «فلما نجاكم من الغرق، وأوصلكم إلى البر» وعليه فالجار والمجرور: ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ متعلقان بالفعل المحذوف، وهو ما صرح به الجمل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿أَعْرَضْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب لمّا، لا محل لها، ولمّا ومدخولها معطوف على (إذا) ومدخولها، أو هو كلام مستأنف، لا محل له على الوجهين، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2097\"></span>﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ:﴾ المعنى: لا تأمنوا عقاب الله، وانتقامه، فإن من يقدر على إهلاككم بالغرق يقدر أن يهلككم في البر بأحد أمرين: إما خسف ناحية من الأرض بكم، وإما إرسال ريح شديدة ترميكم بالحصباء، وهي صغار الحصى، أو إرسال حجارة من السماء عليكم، كما أرسلت على قوم لوط ﵇. هذا؛ والخسف: انهيار الأرض بالشيء. وخسف المكان: ذهب في الأرض، وبابه جلس، وخسف الله به الأرض من باب ضرب؛ أي: غاب به فيها، وخسوف القمر: ذهاب ضوئه. هذا؛ والخسف: النقصان، والخسف: الذلة، والمهانة والحقارة. قال الشاعر: [البسيط]\nولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن عير الحيّ والوتد\nهذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد\nوجانب البر: ناحية من الأرض. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ أي: حافظا ونصيرا يمنعكم من عقاب الله وانتقامه.\nالإعراب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري تعجبي فيه معنى التهديد. الفاء:\nحرف عطف، أو استئناف. (أمنتم): فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿يَخْسِفَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله). بكم: متعلقان بالفعل قبلهما.\nوقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿جانِبَ الْبَرِّ،﴾ والتقدير: مصحوبا بكم، والأول: أقوى معنى. ﴿جانِبَ:﴾ مفعول به. وقيل: ظرف مكان، والأول: أقوى، و﴿جانِبَ:﴾ مضاف، و﴿الْبَرِّ:﴾ مضاف إليه، و﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿يَخْسِفَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أنجوتم من الغرق، فأمنتم","vol":"5","page":376},{"text":"إلخ، والكلام كله مستأنف. ﴿يُرْسِلَ:﴾ معطوف على يخسف منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حاصِبًا:﴾ مفعول به. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\nلا: نافية. ﴿تَجِدُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، وعلامة نصبه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، انظر المعنى في الشرح.\n ﴿وَكِيلًا:﴾ مفعول به.\n\n<span id=\"aya-2098\"></span>﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى:﴾ الخطاب للمشركين الذين يلجئون إلى الله في الشدائد عند اضطراب البحر، وهيجانه، ثم يعرضون عنه تعالى إذا نجاهم منه، ومن كل شدة، وبلاء، والمعنى: هل أمنتم أن ترجعوا إلى البحر مرة ثانية بسبب ضرورة تلجئكم إليه؟ ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ أي: رياحا شديدة تقصف؛ أي: تكسر كل شيء من شجر، وغيره. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ:﴾ فيهلككم في البحر بسبب كفركم، وجحودكم نعم الله تعالى. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ..﴾. إلخ: أي: إنا نفعل بكم ما نفعل من الهلاك، وغيره، ثم لا تجدون أحدا يطالبنا بما فعلنا بكم انتصارا لكم، ولا يستطيع أحد أن ينكر علينا ما نفعله بكم.\nهذا؛ والأفعال الخمسة: (يخسف، يرسل، يعيد، فيرسل، فيغرقكم) تقرأ بالياء كما رأيت، ولا التفات حينئذ، وتقرأ أيضا بالنون، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، والقراءتان سبعيتان، انظر الالتفات في الآية [٢٢] من سورة (النحل).\nتنبيه: الريح في الأصل: الهواء المسخر بين السماء والأرض، وهو جسم متحرك لطيف.\nممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للمس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وأصله الرّوح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل فيه كما فعل بأصل «ريح» والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ وقد تذكّر على معنى الهواء.\nوالرياح الأصول أربع: إحداها الشّمال، وتأتي من ناحية الشام، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف باردة في الشتاء، والثانية: الجنوب، وهي مقابلتها؛ أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس، وهي الريح اليمانية، والثالثة:\nالصبا بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى القبول أيضا، والرابعة: الدبور، وتأتي من مغرب الشمس، وما أتى منها من بين تلك الجهات، يقال لها: النكباء، ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق. قيل لها: أزيب، بفتح الهمزة وسكون الزاي، وفتح الياء. وإن خرجت من بين","vol":"5","page":377},{"text":"الشمال، والغرب؛ قيل لها: جربيا، بكسر الجيم، وسكون الراء وكسر الباء، وإن خرجت من بين الشمال، والشرق؛ قيل لها: صابية. وإن خرجت من بين الجنوب والغرب. قيل لها: هيف، بفتح الهاء وسكون الياء، وقد جمع الثمانية النواجي بقوله: [الطويل]\nصبا ودبور والجنوب وشمأل... بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ\nومن بينها النكباء أزيب جربيا... وصابية، والهيف خاتمة العدّ\nهذا؛ وأضيف: أن ريح الصّبا نصر الله بها نبيه محمدا ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، كما ستقف عليه في سورة (الأحزاب) إن شاء الله تعالى، وأنّ ريح الدبور أهلك بها قوم عاد. ونبيّهم هود ﵇، كما رأيت في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) ﵇. قال الرسول ﷺ: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور».\nهذا، ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة والقوة. قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم، وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح، وهبوبها، يقال: هبت رياح بني فلان: إذا دالت لهم الدولة، ونفذ أمرهم، وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر، قال الشاعر: [الوافر]\nإذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون\nولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السكون متى يكون؟\nفعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وعن عبد الله بن عمرو﵄قال: «إن الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي القاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم، وأربع منها رحمة، وهي الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات».\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَمِنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب.\n ﴿يُعِيدَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، و(أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿تارَةً:﴾ نائب مفعول مطلق، وبعضهم يعتبره ظرفا متعلقا بالفعل قبله. ﴿أُخْرى:﴾ صفة: ﴿تارَةً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَيُرْسِلَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قاصِفًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الرِّيحِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿قاصِفًا﴾. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب أيضا، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كَفَرْتُمْ:﴾ فعل،","vol":"5","page":378},{"text":"وفاعل، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، واعتبار (ما) موصولة ضعيف معنى. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَجِدُوا:﴾\nمعطوف على ما قبله أيضا منصوب، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الأول. ﴿عَلَيْنا بِهِ:﴾ كلاهما متعلق ب ﴿تَبِيعًا﴾ بعدهما، وأجيز تعليق (به) بمحذوف حال من تبيعا. ﴿تَبِيعًا:﴾ مفعول به ثان.\n\n<span id=\"aya-2099\"></span>﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هو أنهم يأكلون بالأيدي، وغيرهم يأكل بفيه من الأرض. وقيل: بالعقل. وقيل: بالنطق، والتمييز، والخط، والفهم. وقيل: باعتدال القامة، وحسن الصورة. وقيل: بتسليطهم على جميع ما في الأرض، وتسخيره لهم. وقيل: غير ذلك. ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ أي: على الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، وهذا في الزمن الماضي، وأما في هذا الزمن فالحمل بواسطة الطائرات، والسيارات.\n ﴿وَالْبَحْرِ﴾ أي: وحملناهم في البحر على السفن، وهذا من مؤكدات التكريم؛ لأن الله ﷾ سخر لهم هذه الأشياء؛ لينتفعوا بها، ويستعينوا بها على مصالحهم.\n ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي: لذيذ المطاعم، والمشارب، وجعل رزق غيرهم ممّا لا يخفى.\n ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا:﴾ وينبغي أن تعلم: أن الله تعالى قال في أول الآية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ وقال في آخرها: ﴿وَفَضَّلْناهُمْ﴾ ولا بد من الفرق بين التكريم، والتفضيل، وإلا؛ لزم التكرار، والأقرب أن يقال: إن الله تعالى كرم الإنسان على سائر الحيوان بأمور خلقية ذاتية طبيعية، مثل: العقل، والنطق، والخط، وحسن الصورة، ثم إنه ﷾ عرفه بواسطة العقل والفهم اكتساب العقائد الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، فالأول: هو التكريم، والثاني: هو التفضيل.\nهذا؛ ويفيد قوله: ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ..﴾. إلخ أن الله فضل بني آدم على كثير ممن خلق، لا على الكل، فقال قوم: فضلوا على جميع الخلق لا على الملائكة، وهذا مذهب المعتزلة.\nوقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة، مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وأشباههم، والقول الفصل في هذه المسألة أن خواص البشر، وهم الرسل أفضل من خواص الملائكة، وهم جبريل وميكائيل وبقية العشرة المقربين، وخواص الملائكة أفضل من عوام البشر، وعوام البشر أفضل من عوام الملائكة.\nهذا؛ والبر بفتح الباء: الأرض اليابسة غير البحر، وهو بضم الباء: حب القمح وبكسرها: عمل الخير مطلقا. و(البحر): الماء الكثير، أو الملح، والجمع: بحور، وبحار، وأبحر. هذا؛ وقد ثبت","vol":"5","page":379},{"text":"جغرافيا أن مساحة البحر تعدل ثلاثة أضعاف مساحة البر، وروي: أن أنواع المخلوقات وأجناسها الموجودة في أعماق البحر أكثر ممّا يوجد على سطح الأرض. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا:﴾ انظر إعراب مثله في الآية رقم [٤١]. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي:﴾ مضاف، و﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَحَمَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿فِي الْبَرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ﴿وَالْبَحْرِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة:\n ﴿وَحَمَلْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الفعلية الواقعة جوابا للقسم، وكذلك الجملتان: ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ﴾ معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان بكثير، أو بمحذوف صفة له، و(من): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بمن، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء خلقناه. ﴿تَفْضِيلًا:﴾ مفعول مطلق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2100\"></span>﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ أي: بنبيهم الذي اتبعوه في الدنيا، والإمام: من يؤتم به؛ أي: يقتدى به، فيقال: هاتوا متبعي إبراهيم، ﵇. هاتوا متبعي موسى، ﵇. هاتوا متبعي الشيطان. هاتوا متبعي الأصنام، فيقوم أهل الحق، فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ويقوم أهل الباطل، فيأخذون كتبهم بشمالهم. وقيل: يدعون بكتابهم الذي أنزل عليهم. وقيل: بكتاب أعمالهم. وعن ابن عباس﵄بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا، إما إلى هدى، وإما إلى ضلال. فيكون المراد بالإمام: من ائتمّوا به في دنياهم، وفوضوا إليه أمورهم وأحكام معايشهم، وقلدوه في شئون دنياهم، وآخرتهم.\nوقال محمد بن كعب: ﴿بِإِمامِهِمْ﴾ أي: بأمهاتهم، وإمام جمع آمّ، أو جمع أم، كخف وخفاف. والحكمة في ذلك: إجلال عيسى، ﵇، وإظهار شرف الحسن، والحسين -﵄وأن لا يفتضح أولاد الزنى، وهذا أضعف ما ذكرته من الأقوال؛ لما روي عن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جمع الله الأوّلين، والآخرين يوم القيامة، يرفع لكلّ غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان». أخرجه البخاري، ومسلم، فقوله: «هذه غدرة فلان بن فلان». دليل على أنّ الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم، وأسماء","vol":"5","page":380},{"text":"آبائهم. انتهى. وعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم؛ فحسّنوا أسماءكم». رواه أبو داود، وابن حبان.\n ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ:﴾ قال القرطبي: هذا يقوي قول من قال: (بإمامهم): بكتابهم، ويقويه أيضا قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا﴾ فأولئك: الإشارة إلى كل أناس. ﴿يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي:\nلا ينقصون من أجورهم أدنى شيء، وذكر أصحاب اليمين يدل على أنّ من أوتي كتابه بشماله إذا اطلع على ما فيه غشيهم من الخجل والحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة، ولذا لم يذكرهم، مع أن الآية التالية تشعر بذلك، وتشير إليه. هذا؛ والفتيل: هو الخيط الذي في شق نوى التمرة، يضرب به المثل في الحقارة. وقيل: هو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ، كما يضرب المثل بالقطمير، وهو القشرة التي تحيط بالنواة. والنقير: هو النقرة في ظهر النواة، تنبت منها النخلة، والثلاثة مذكورة في القرآن الكريم. هذا؛ وانظر شرح: ﴿يَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٤] وشرح:\n ﴿أُناسٍ﴾ في الآية [٦٠] وشرح: (كتاب) في الآية رقم [١] من سورة (الحجر).\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر، أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ وذكر أبو البقاء، أوجها أخر، فيها بعد، وغرابة. ﴿نَدْعُوا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». كل: مفعول به. هذا؛ ويقرأ: «(يدعى كل)» بالبناء للمجهول ورفع (كلّ) على أنه نائب فاعله، و﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و﴿أُناسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِإِمامِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كُلَّ أُناسٍ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَدْعُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة يوم إليها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. من:\nاسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أُوتِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من)، وهو المفعول الأول. ﴿كِتابَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِيَمِينِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وقد راعى لفظ (من) هنا، وراعى معناها فيما يلي. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ:﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.\nهذا؛ وإن اعتبرت: (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ خبرها، وزيدت الفاء في خبرها لتحسين اللفظ، ولأن الموصول","vol":"5","page":381},{"text":"يشبه الشرط في العموم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول به في الأصل. ﴿فَتِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ظلما فتيلا، كما تقول: لا أظلم قليلا، ولا كثيرا. وقيل: ضمن الفعل معنى لا يتعدى لاثنين، فانتصب ﴿فَتِيلًا﴾ على أنه مفعول ثان، التقدير: ولا ينقصون فتيلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-2101\"></span>﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى:﴾ المراد عمى القلب، والبصيرة، لا عمى البصر، والمعنى: من كان في هذه الدنيا أعمى عن هذه النعم التي قد عددها الله في هذه الآيات المتقدمة، ولا يتفكر فيها. ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ أي: لا يرى طريق النجاة، ولا يهتدي إليه، فهو كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية [٩٧] الآتية. ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: أخطأ طريقا عن الهدى، والنجاة، وهذا لا ينفي: أنه يقرأ كتاب أعماله الذي يعطاه، بل يقرؤه كما رأيت في الآية رقم [١٤] ولكن لا يقرؤه قراءة سرور، وإنما يقرؤه، ويغتمّ بقراءته، ويقول: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ وانظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الحج) ففيها كبير فائدة.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. في هذه: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿أَعْمى:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. الفاء: واقعة في جواب الشرط، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ في محل جزم جواب الشرط. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْمى﴾ بعدهما. وانظر بقية الإعراب في الآية السابقة، فهي مثلها في كل ما ذكر. هذا؛ والضمير الواقع في الجواب هو الرابط بالمبتدإ على اعتبار:\n (من) موصولة، أو شرطية. ﴿وَأَضَلُّ:﴾ معطوف على ﴿أَعْمى﴾ مرفوع مثله. ﴿سَبِيلًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-2102\"></span>﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي..﴾. إلخ: قيل في سبب نزولها: أن النبي ﷺ أراد أن يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريش، وقالوا: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا، وتمسها، فحدث نفسه:\nما عليّ أن أفعل ذلك، والله يعلم: أني كاره بعد أن يدعوني أستلم الحجر. وقيل: طلبوا منه أن يذكر آلهتهم بخير، ويثني عليها حتى يسلموا، ويتبعوه، فحدث نفسه، فأنزل الله هذه الآية.","vol":"5","page":382},{"text":"وقال ابن عباس﵄-: قدم وفد ثقيف على النبي ﷺ، فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. قال: «وما هن؟». قالوا: لا ننحني في الصلاة، ولانكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها، فقال النبي ﷺ: «لا خير في دين لا ركوع فيه، ولا سجود، وأما أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم، فذاك لكم، وأما الطاغية يعني: اللات، والعزى؛ فإني غير ممتعكم بها». قالوا: يا رسول الله! إنا نحب أن تسمع العرب: أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا، فإن خشيت أن تقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا؛ فقل: الله أمرني بذلك، فسكت النبي ﷺ، فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك، فأنزل الله الآية. انتهى خازن.\nأقول: وهذا يناقض ما ذكرته في مقدمة السورة: أن الآية وما بعدها ممّا نزل في المدينة.\nومعنى الآية: هموا، وأرادوا أن يصرفوك عن الذي أنزلناه إليك من القرآن، والهدى، والنور؛ لتفتري، وتختلق علينا ما لم نقله لك، ولو فعلت ما طلبوا منك؛ لاتخذوك صديقا لهم، ووالوك، وصافوك.\nبعد هذا؛ أما كاد يكاد فهو فعل يدل على مقاربة الفعل بعده؛ ولذا لم تدخل عليه «أن»؛ لأنه يخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليها حرف النفي؛ دل على: أنّ الفعل بعدها وقع، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإذا لم يدخل عليها حرف النفي؛ لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع. والفعل منهما واوي العين، ف «كاد» أصله: كود بكسر الواو كخوف، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، و«يكاد» وزنه يكود، كيعلم، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم يقال:\nتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا فصار: يكاد بوزن يخاف، ومصدره الكود، كالخوف، وهذا في كاد الناقصة، وأما كاد التامة، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي، كباع، ومصدره الكيد كالبيع؛ ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول: قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ ومعنى الأول:\nالمقاربة، ومعنى الثاني: المكر، والأول: ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني: تام التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.\nفائدة: قد تأتي «كاد» بمعنى: أراد. قاله محب الدين الخطيب، شارح شواهد «الكشاف»، وجعل منه قول الأفوه الأودي: [البسيط]\nوالبيت لا يبتنى إلاّ بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\nفإن تجمّع أوتاد وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا\nأي: الذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [الكامل]\nكدنا وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى","vol":"5","page":383},{"text":"أي: أردنا، وأردت، دليله: «تلك خير إرادة».\nتنبيه: شاع على الألسن أن نفي (كاد) إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعري بقوله: [الطويل]\nأنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود\nإذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود\nفأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل]\nنعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود\nوفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها، فالعلم غير بعيد\nوقد اتفقت كلمة النحاة على أنّ (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن ومتشابه، انظر الشاهد [١١٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والأشموني، وغيرهما، وها أنا ذا أسوق لك ما ذكره السيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه: (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك.\nقال-رحمه الله تعالى-والتحقيق أنها كسائر الأفعال نفيها نفي، وإثباتها إثبات إلا أنّ معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل؛ لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: (كاد زيد يقوم) معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة إلا أنه لم يضيء، وقولك: (لم يكد زيد يقوم) معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه. وعلى هذا الزجاجي، وغيره، وذهب قوم منهم ابن جنيّ إلى أن نفيها يدل على وقوع الفعل ببطء، لآية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإنهم فعلوا بعد بطء، والجواب:\nأنها محمولة على وقتين؛ أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾.\nوقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى. وقوله مشابه لقول السيوطي المتقدم.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، مهمل لا عمل له. ﴿كادُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\nاللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات. (يفتنونك): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله،","vol":"5","page":384},{"text":"والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كاد)، وجملة: ﴿وَإِنْ كادُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَنِ الَّذِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أوحيناه. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِتَفْتَرِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (يفتنونك). ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿غَيْرَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِذًا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): حرف جواب وجزاء.\n ﴿لاتَّخَذُوكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿خَلِيلًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ..﴾. إلخ، فهي في محل نصب مثلها. هذا؛ وقدر الجلال: لو فعلت ذلك لاتخذوك... إلخ. قال الجمل معلقا: إذا حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية كما فعل الشارح، وعبارة السمين: (إذا) حرف جواب وجزاء، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها، وقوله: ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جواب قسم محذوف، تقديره: والله لاتخذوك.\nهذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: والأكثر أن تكون جوابا ل: «إن»، أو «لو» مقدرتين، أو ظاهرتين، فالأول: كقول كثير عزة: [الطويل]\nلئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذا لا أقيلها\nهذا هو الشاهد رقم [١٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقول قريط بن أنيف: [البسيط]\nلو كنت من مازن لم تستبح إبلي... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا\nإذا لقام بنصري معشر خشن... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا\nهذا هو الشاهد رقم [٢٠] من الكتاب المذكور. هذا؛ وقال الفراء: حيث جاءت بعدها اللام، فقبلها لو مقدرة، إن لم تكن ظاهرة، وهذا هو القول الفصل. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2103\"></span>﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ﴾ أي: ولولا تثبيتنا إياك على الحق بحفظنا، ورعايتنا لك. ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ..﴾. إلخ: أي: لقاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم، والمعنى: أنك كنت على صدد الركون إليهم لقوة خداعهم، وشدة احتيالهم، لكم أدركتك عنايتنا، فمنعت أن تقرب من الركون لما يريدون، فضلا عن أن تركن إليهم، وهو صريح في أنه ﷺ ما همّ بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، ودليل على أنّ العصمة بتوفيق الله، وحفظه، وقد كان النبي ﷺ يقول بعد ذلك: «اللهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين». وانظر مبحث (كاد) في الآية السابقة. هذا؛ وفي ركن، يركن ثلاث لغات: من باب تعب، ومن باب قعد، ومن باب فتح.","vol":"5","page":385},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿ثَبَّتْناكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله و﴿أَنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا، التقدير: ولولا تثبيتنا موجود، والجملة الاسمية ابتدائية، وحالة محل شرط (لولا)، لا محل لها. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كِدْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ في محل نصب خبر (كاد)، والجملة الفعلية جواب (لولا)، لا محل لها. ﴿شَيْئًا:﴾ نائب مفعول مطلق. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة له، و(لولا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2104\"></span>﴿إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥)﴾\nالشرح: المعنى. لو ركنت إليهم؛ لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدنيا، ومثلي عذاب الممات في الآخرة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما. وهذا في غاية الوعيد، وإنما ضوعف العذاب على فرض ميل الرسول ﷺ لما يريده المشركون؛ لأنه كلّما كان مقام العبد أعلى؛ كان عذابه عند المخالفة أعظم، انظر الآية رقم [٣٧] من سورة (التوبة). ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا:﴾\nيدفع عنك العذاب.\nبعد هذا انظر استعارة الذوق في الآية رقم [٩٤] من سورة (النّحل)، وإعلال: ﴿تَجِدُ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] هذا؛ و«ضعف» بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله. هذا الأصل في «الضعف» ثم استعمل في المثل وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا هو أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ لم يرد به مثلا، ولا مثلين، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ فأقل الضعف محصور، وهو المثل، وأكثره غير محصور. هذا؛ ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله فصاعدا. وقال بعضهم:\nضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم قوله تعالى: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾.\nالإعراب: ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له، وهو قائم مقام «لو».\n ﴿لَأَذَقْناكَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو) المقدرة. (أذقناك): فعل، وفاعل، ومفعول به أول.\n ﴿ضِعْفَ:﴾ مفعول به ثان، وهو على حذف المضاف، انظر الشرح، و﴿ضِعْفَ:﴾ مضاف، و﴿الْحَياةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة: ﴿لَأَذَقْناكَ..﴾. إلخ جواب «لو»، انظر التقدير في الشرح.\n ﴿ضِعْفَ:﴾ معطوف على ما قبله، و(ضعف): مضاف، و﴿الْمَماتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ:﴾","vol":"5","page":386},{"text":"حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَجِدُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الأول. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿نَصِيرًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿لا تَجِدُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2105\"></span>﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلًا (٧٦)﴾\nالشرح: قيل: إن هذه الآية مدنية حسبما رأيت في أول السورة. قال ابن عباس﵄-: حسدت اليهود مقام النبي ﷺ في المدينة، فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام فإن كنت نبيا فالحق بها، فإن خرجت إليها؛ صدقناك، وآمنا بك، فوقع ذلك في قلبه؛ لما يحب من إسلامهم، فرحل من المدينة على مرحلة فأنزل الله هذه الآية، فرجع. وقيل: إن الآية مكية. قال مجاهد، وقتادة: نزلت في همّ أهل مكة بإخراجه، ولو أخرجوه لما أمهلوا، ولكن الله أمره بالهجرة، فخرج. وهذا أصح؛ لأن السورة مكية، ولأن ما قبلها خبر عن أهل مكة، ولم يجر لليهود ذكر. انتهى. قرطبي.\nبعد هذا انظر شرح (كاد) في الآية رقم [٧٣] ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ:﴾ ليخرجونك. وقيل: ليزعجونك بمعاداتهم. والاستفزاز: الاستخفاف، انظر الآية رقم [٦٤]. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ أرض المدينة، أو أرض مكة. ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ:﴾ لا يقيمون. ﴿خِلافَكَ:﴾ بعدك، وقرئ: «(خلفك)» وهما بمعنى:\nواحد. قال الشاعر: [الكامل]\nعفت الدّيار خلافهم فكأنّما... بسط الشواطب بينهنّ حصيرا\nيقال: شطبت المرأة الجريد إذا شقته؛ لتعمل منه الحصر، فهو يصف ديار الأحباب بعدهم غير مكنوسة كأنها بسط فيها سعف النخل... ﴿إِلاّ قَلِيلًا:﴾ فيه، وجهان: أحدهما: أن المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له من مكة إلى قتلهم يوم بدر قليلة، وهذا قول من ذكر: أنهم قريش.\nالثاني: أنها المدة ما بين ذلك وقتل بني قريظة، وجلاء بني النضير. وهذا قول من ذكر: أنهم اليهود. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، والمعنى: ولو خرجت لا يبقون بعد خروجك إلا قليلا.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ انظر الآية رقم [٧٣] ففيها الكفاية.\n ﴿لِيُخْرِجُوكَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون\nإلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِذًا:﴾\nالواو: حرف عطف. إذن: حرف جواب وجزاء، وهي مقدرة ب «لو» كما رأيت في الآية رقم [٧٣] ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَلْبَثُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿خِلافَكَ:﴾ ظرف مكان","vol":"5","page":387},{"text":"متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة لمصدر محذوف، أو لزمان محذوف، التقدير: إلا لبثا قليلا، أو إلا زمانا قليلا، والجملة الفعلية: ﴿لا يَلْبَثُونَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب ل: «لو» المقدرة، و«لو» المقدرة، ومدخولها معطوف على جملة: ﴿كادُوا..﴾. إلخ هذا؛ ويقرأ شاذا بنصب: «(لا يلبثوا)» على اعتبار (إذا) عاملة كما في آية النساء رقم [٥٣]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وتبقى الجملة على اعتبار الفعل منصوبا معطوفة على جملة: ﴿كادُوا..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-2106\"></span>﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿سُنَّةَ مَنْ..﴾. إلخ: المعنى: أنّ كل قوم أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم، فسنة الله أن يهلكهم، وألا يعذبهم ما دام نبيهم بينهم، فالسنة لله، وإضافتها للرسل لأنها من أجلهم، ويدل عليه: ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ أي: تغييرا، أو تبديلا. وانظر شرح السنة في الآية رقم [١٣] من سورة (الحجر). وانظر شرح الرسل في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد)، ومثل هذه الآية في معناها ومغزاها قوله تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (الأحزاب)، وهاكها:\n ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾.\nالإعراب: ﴿سُنَّةَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: سن الله ذلك سنة. وقال الفراء:\nمنصوب بنزع الخافض، وأصل الكلام: يعذبون كسنة من قد أرسلنا، فلما سقط الخافض عمل الفعل فيه. وقيل: هو مفعول به بفعل محذوف، تقديره: اتبع سنة، و﴿سُنَّةَ:﴾ مضاف، و﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: سنة الذين قد أرسلناهم. ﴿قَبْلَكَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ رُسُلِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَنْ﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿تَجِدُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿لِسُنَّتِنا:﴾\nمتعلقان بما بعدهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿تَحْوِيلًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا تَجِدُ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة المقدرة، واعتبارها حالا من (نا)، أو من الكاف أقوى معنى، والرابط على الاعتبارين هو: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-2107\"></span>﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي: لزوالها، ويدل عليه قول النبي ﷺ: «أتاني جبريل ﵇ لدلوك الشمس حين زالت، فصلى بي الظهر». وقيل: لغروبها، وأصل التركيب","vol":"5","page":388},{"text":"للانتقال، ومنه الدلك، فإن الدالك لا تستقر يده، وكذا كل ما تركب من الدال واللام: دلج، ودلف، ودلع، ودله. وقيل: الدلوك من الدلك؛ لأن الناظر إلى الشمس يدلك عينيه ليدفع شعاعها، واللام للتأقيت، مثلها: لثلاث خلون. انتهى. بيضاوي، وهذا يعني: أن اللام بمعنى:\n «عند» أو «بعد».\nالقائل: إن الدلوك هو الزوال ابن عباس، وابن عمر﵄والقائل: إنه الغروب ابن مسعود﵁-، وهو قول النخعي، ومقاتل، والضحاك، والسدي. ﴿إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أي: ظهور ظلمته. وقال ابن عباس: بدو الليل، وهذا يتناول المغرب، والعشاء.\n ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: صلاة الفجر سمى الله الصلاة قرآنا؛ لأنها لا تجوز إلا بقرآن، كما سميت: ركوعا، وسجودا؛ لأنها لا تصح بدونهما. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] الآتية.\n ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ أي: يشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار، فعن أبي هريرة -﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفضل صلاة الجمع (الجماعة) صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا، وتجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر».\nثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ فيا خيبة المهملين لصلاة الفجر، والعشاء في الجماعة، كيف لا؟ وهما أثقل صلاة على المنافقين. وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك إن كنت من أهل الإيمان، وتجد ما يسوؤك إن كنت من أهل النفاق. وانظر شرح: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ في الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇، وشرح القرآن في الآية رقم [١] من سورة (الحجر).\nالإعراب: ﴿أَقِمِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِدُلُوكِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(دلوك): مضاف، و﴿الشَّمْسِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿إِلى غَسَقِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَقِمِ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الصَّلاةَ؛﴾ أي: ممتدة إلى غسق، وهو مضاف، و﴿اللَّيْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿قُرْآنَ:﴾ فيه ثلاثة، أوجه:\nأحدها: عطفه على ﴿الصَّلاةَ﴾ والثاني: نصبه على الإغراء بفعل محذوف؛ أي: الزم قرآن، والثالث: نصبه بفعل محذوف؛ أي: أقم قرآن، وهو مضاف، و﴿الْفَجْرِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ تعليل للأمر، والإعراب واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-2108\"></span>﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ:﴾ الضمير يعود إلى (القرآن)، أو إلى ﴿اللَّيْلِ﴾ والتهجد: من الهجود، وهو من الأضداد، يقال: هجد: نام، وهجد: سهر على الضد. قال الشاعر: [الوافر]\nألا زارت وأهل منى هجود... وليت خيالها بمنى يعود","vol":"5","page":389},{"text":"أي: نيام، وهجد، وتهجد بمعنى: واحد، وهجدته: أي: أنمته، وهجدته: أي: أيقظته، والتهجد: التيقظ بعد رقدة، فصار اسما للصلاة، لأنه ينتبه لها، فالتهجد: القيام إلى الصلاة من النوم. انتهى. قرطبي. وهو ما في كتب اللغة. ﴿نافِلَةً لَكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمعنى:\nفريضة زائدة على الصلوات الخمس. وقيل: معناه: كرامة. وقيل: عطية لك. هذا؛ والنافلة:\nالعطية بدون مقابل، كأنها مغنم، ومن هذا قوله ﷾ ممتنا على إبراهيم﵊-: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ والنفل: الزيادة، ومنه: نفل الصلاة، والصوم، والحج، والصدقة: الذي يفعله المسلم زيادة على المكتوبات، وجمع النافلة: نافلات، ونوافل، والأنفال: الغنائم التي يكسبها المسلمون من أعدائهم بالحرب، كما في سورة (الأنفال).\n ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ..﴾. إلخ: اتفق المفسرون على أنّ كلمة «عسى» من الله تدخل فيما هو قطعي الوقوع؛ لأن لفظ عسى يفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا في شيء، ثم حرمه، كان عارا عليه، والله أكرم من أن يطمع أحدا، ثم لا يعطيه ما أطمعه فيه. هذا؛ وقد أجمع المفسرون على أنّ المراد بالمقام المحمود الشفاعة، لأنه أطمعه فيه الأولون، والآخرون، لما روى أبو هريرة -﵁أن النبي ﷺ قال: «هو المقام الّذي أشفع فيه لأمّتي». رواه الترمذي. وعنه أيضا قال رسول الله ﷺ: «إنّ لكلّ نبيّ دعوة مستجابة، وإنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمّتي، فهي نائلة منكم، إن شاء الله، من مات لا يشرك بالله شيئا». متفق عليه. هذا؛ وحديث الشفاعة مشهور مسطور في أمهات كتب الحديث.\nتنبيه: قد رأيت أن التهجد قد صار اسما للصلاة بعد النوم، وأما الصلاة في الليل قبل النوم فلا تسمى تهجدا، وإنما تسمى: قيام الليل، وعليه فمن نام بعد المغرب؛ فصلاته كلها تسمى تهجدا سواء أكانت فرضا، أو نفلا. هذا؛ وقد كانت صلاة الليل فريضة على النبي ﷺ، وعلى جميع الأمة في ابتداء الإسلام، ثم نسخ الوجوب على الأمة بالصلوات الخمس، وبقي على الاستحباب والتطوع، وبقي الوجوب ثابتا في حقه ﷺ، لما روي عن عائشة﵂-:\nأن النبي ﷺ. قال: «ثلاث هنّ عليّ فريضة وهي سنّة لكم: الوتر، والسّواك، وقيام اللّيل».\nوقيل: إن الوجوب صار منسوخا في حقه؛ كما في حق الأمة، فصار قيام الليل نافلة؛ لأن الله ﷾ قال: نافلة لك، ولم يقل: عليك.\nهذا؛ وقد ورد أحاديث كثيرة شهيرة ترغب في قيام الليل، أذكر منها ما يلي: عن أبي مالك الأشعري﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السّلام، وصلّى في اللّيل، والناس نيام». رواه ابن حبان.\nوعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كلّ عقدة: عليك ليل طويل، فارقد، فإن استيقظ،","vol":"5","page":390},{"text":"فذكر الله؛ انحلّت عقدة، فإن توضّأ؛ انحلّت عقدة، فإن صلّى؛ انحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيب النّفس، وإلاّ أصبح خبيث النفس كسلان». متفق عليه.\nوعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله يبغض كلّ جعظريّ جوّاظ، صخّاب في الأسواق، جيفة باللّيل، حمار بالنّهار، عالم بأمر الدّنيا، جاهل بأمر الآخرة». رواه ابن حبان في صحيحه. هذا؛ والجعظريّ: الشديد الغليظ، والجوّاظ: الأكول، والصّخّاب: الصّيّاح.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والله الموفق، والمعين، وبه استعين.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنَ اللَّيْلِ):﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، أو هما متعلقان بفعل محذوف، تقديره: قم، فعلى الأول: الفاء زائدة، وعلى الثاني: عاطفة جملة: (تهجد) على المقدرة، والكلام معطوف على جملة: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ لا محل لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نافِلَةً:﴾ فيه أوجه: أحدها: هو مفعول به للفعل قبله وهذا على تضمين (تهجد) معنى فعل متعد. والثاني: هو مفعول مطلق، والمعنى: فتنفل نافلة، والنافلة مصدر كالعاقبة، والعافية، والثالث: هو حال، والمعنى: فصلّ حال كون الصلاة نافلة. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿نافِلَةً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿عَسى:﴾ البت في إعرابه يتوقف على إعراب: ﴿مَقامًا﴾ فإن فيه أربعة أوجه:\nأحدها هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والثاني: هو مفعول مطلق، عامله ما قبله؛ لأنه في معنى يقيمك، فهو مثل: «قعد جلوسا». الثالث: هو حال؛ أي: يبعثك ذا مقام محمود. الرابع: هو مفعول مطلق مؤكد لعامله المحذوف؛ أي: فتقوم مقاما؛ أي: هو مصدر ميمي، و﴿عَسى﴾ على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعين فيها أن تكون تامة، ويكون فاعلها المصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ،﴾ ولا يجوز أن تكون ناقصة على أن يكون المصدر المؤول خبرا مقدما، و﴿رَبُّكَ﴾ اسما مؤخرا، للفصل بأجنبي بين صلة الموصول، ومعمولها، فإن ﴿مَقامًا﴾ على الأوجه الثلاثة الأول: منصوب ب:\n ﴿يَبْعَثَكَ﴾ وهو صلة ل: ﴿أَنْ،﴾ فإذا جعلت ﴿رَبُّكَ﴾ اسمها كان أجنبيا من الصلة، فلا يفصل به، وإذا جعلته فاعلا لم يكن أجنبيا، فلا يبالى بالفصل به، وأما على الوجه الرابع، فيجوز أن تكون ﴿عَسى﴾ التامة، والناقصة بالتقديم والتأخير لعدم المحظور المذكور؛ لأن ﴿مَقامًا﴾ معمول لغير الصلة، وهذا من محاسن صناعة النحو. انتهى. بتصرف من الجمل نقلا عن السمين؛ علما بأن ابن هشام لم يجوز إلا التمام. ﴿مَحْمُودًا:﴾ صفة مقاما، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ تعليل لطلب التهجد.\n\n<span id=\"aya-2109\"></span>﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: معناه: أدخلني مدخل صدق المدينة، وأخرجني مخرج صدق من مكة. نزلت حين أمر رسول الله ﷺ بالهجرة،","vol":"5","page":391},{"text":"ومن المعلوم: أن إدخاله المدينة بعد إخراجه من مكة، وإنما قدمه عليه اهتماما بشأنه، ولأنه هو المقصود له. هذا؛ وقيل: المعنى: أدخلني في القبر مدخل صدق، وأخرجني منه يوم القيامة مخرج صدق، واستحسنه قائله ليتصل بالكلام السابق، كأنه لما وعده ذلك أمره أن يدعو لينجز له ما وعده. وقيل: معناه: أخرجني من مكة آمنا من المشركين، وأدخلني مكة ظاهرا عليها بالفتح المبين. وقيل: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق، وأخرجني من الدنيا، -وقد قمت بما وجب علي من حق النبوة-مخرج صدق. وقيل: معناه: ادخلني في طاعتك مدخل صدق، وأخرجني من المناهي مخرج صدق. وقيل: غير ذلك، والمعتمد الأول. هذا؛ و﴿مُدْخَلَ﴾ بضم الميم من الرباعي، وبفتحها من الثلاثي، فعلى الأول: هو مصدر على صورة اسم المفعول، وكثيرا ما يرد المصدر كذلك، نحو قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ ويحتمل أن يكون اسم مكان، وعلى الثاني: هو اسم مكان، ويحتمل أن يكون مصدرا أيضا.\n ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أي: حجة بينة. وقيل: ملكا قويا تنصرني به على من عاداني، أو عزّا ظاهرا، أقيم به دينك، فوعده الله تعالى: لينزعن ملك فارس، والروم، وغيرهما، ويجعله له، وأجاب دعاءه. وقال له: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.\nبعد هذا انظر شرح (ربكم) في الآية رقم [٨] وشرح (سلطان) في الآية رقم [٩٩] من سورة (النحل)، أما (لدن) فهي بمعنى: عند، وفيها إحدى عشرة لغة، أفصحها: إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها، معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلما تفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة تمحضت للزمان؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث» ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لمّا لم يتمحض «لدن» في الأصل للزمان، وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنه لا يقال: لده، ولا لدك.\nالإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵇، ﴿أَدْخِلْنِي:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، ويا المتكلم مفعول به. ﴿مُدْخَلَ:﴾ هو مفعول مطلق، أو هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله انظر الشرح، وهو مضاف، و﴿صِدْقٍ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف لصفته، وجملة: ﴿وَأَخْرِجْنِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَاجْعَلْ:﴾ أمر، وفاعله:\nأنت. ﴿لِي:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعول به ثان له. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سُلْطانًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار","vol":"5","page":392},{"text":"حالا... إلخ، و(لدن) مبني على السكون في محل جر، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به أول. ﴿نَصِيرًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَاجْعَلْ لِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-2110\"></span>﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلْ:﴾ هذا الخطاب للنبي ﷺ. ﴿جاءَ الْحَقُّ﴾ أي: الإسلام، والقرآن. ﴿وَزَهَقَ الْباطِلُ:﴾ ذهب، وهلك الباطل بجميع أنواعه وصنوفه، من: زهقت روحه: إذا خرجت بصعوبة، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ والفعل من باب: فتح، وقد يأتي من باب:\nفرح. ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ أي: مضمحلا غير ثابت، وذلك: أن الباطل؛ وإن كان له دولة، وصولة في وقت من الأوقات؛ فهو سريع الذهاب والزوال.\nفعن عبد الله بن مسعود﵁قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ..﴾. إلخ، ﴿جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾. متفق عليه، يقال: إنها كانت مثبتة بالرصاص، وأنه كلما طعن منها صنما في وجهه خر لقفاه، أو في قفاه خر لوجهه، ويقرأ الآية، ثم أمر بها، فكسرت.\nوكان قد بقي منها صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من قوارير صفر، فقال النبي ﷺ لعليّ -﵁-: «يا علي! ارم به». فصعد، فرمى به، فكسره، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده.\nتنبيه: في الآية الكريمة فن من فنون البلاغة يسمى فن التذييل، وهو أن يذيل الناظم، والناثر كلامه بعد تمامه، وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام، وتزيده توكيدا وتجري منه مجرى المثل لزيادة التحقيق، فالجملة الأخيرة هي التذييل الذي خرج مخرج المثل السائر، ومن شواهده في النظم قول الحطيئة: [الطويل]\nتزور امرأ يعطي على الحمد ماله... ومن يعط أثمان المحامد يحمد\nفالشطر الثاني: من البيت مثل من الأمثال السائرة، وهذا التذييل نوع من أنواع الإطناب التي تذكر في مبحث المعاني، انظر كتاب القواعد بشرحنا وتحقيقنا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nبعد هذا بالإضافة لما رأيت من تفسير الباطل انظر الآية رقم [٧٢] من سورة (النحل). وانظر القول في الآية رقم [١٦] وشرح ﴿جاءَ﴾ في الآية رقم [٥] أما ﴿الْحَقُّ﴾ فهو ضد الباطل. قال الراغب: أصل «الحق» المطابقة، والموافقة كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، و«الحق» يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى:","vol":"5","page":393},{"text":"هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة؛ ولذلك يقال: فعل الله كله حق، نحو الموت والحساب... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق، وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدّر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق. ورأيك حق، ويقال: أحققت ذا؛ أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى. بغدادي. وانظر: ﴿كانَ﴾ في الآية رقم [٣٠].\nالإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله: أنت. وجملة: ﴿جاءَ الْحَقُّ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ معطوفة عليها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْباطِلَ..﴾. إلخ تعليلية، وهي في محل نصب مقول القول، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2111\"></span>﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ﴾ أي: بيان من الضلالة، والجهالة، يتبين به المختلف فيه، ويتضح المشكل، وهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها. وقيل: هو شفاء للأمراض الباطنة، والظاهرة، فالأولى: الاعتقادات الباطلة، والثانية: الأخلاق المذمومة، وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض، يدل عليه ما روي من قول النبي ﷺ لأبي سعيد الخدري في فاتحة الكتاب التي قرأها على اللديغ: «وما يدريك أنّها رقية؟». وعن أبي أمامة﵁-، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ينفع بإذن الله تعالى من البرص، والجنون، والجذام، والبطن، والسّل، والحمّى، والنّفس أن تكتب بزعفران، أو بمشق (المغرة) أعوذ بكلمات الله التامّة، وأسمائه كلّها عامّة، من شرّ السّامّة والغامّة، ومن شرّ العين اللاّمّة، ومن شرّ حاسد إذا حسد، ومن أبي فروة وما ولد». وهي كنية إبليس.\n ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ فيه بالإضافة لما ذكر: تفريج الكروب، وتطهير العيوب، وتكفير الذنوب مع ما تفضل الله به من الثواب في تلاوته، كما روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفا من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف».\n ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا:﴾ لأن الظالم لا ينتفع به، فكان خسارة له، والمؤمن ينتفع به فكان رحمة له. قال قتادة-رحمه الله تعالى: لم يجالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة، أو نقصان، قضاه الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة (فصلت).","vol":"5","page":394},{"text":"الإعراب: ﴿وَنُنَزِّلُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ننزل): مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿مِنَ الْقُرْآنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: حال، ولا وجه له. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ شِفاءٌ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على ﴿شِفاءٌ،﴾ وقرئ بالنصب عطفا على الموصول. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب: (رحمة) أو بمحذوف صفة لها، أو هما متعلقان ب:\n ﴿شِفاءٌ﴾ على التنازع، وجملة: ﴿وَنُنَزِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَزِيدُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْقُرْآنِ﴾. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿خَسارًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَلا يَزِيدُ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، واعتبارها حالا من القرآن ممكن، وعليه فالرابط:\nالواو، ورجوع الفاعل إليه.\n\n<span id=\"aya-2112\"></span>﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ أي: بالصحة، والمال، والولد ونحو ذلك من منصب\nإلخ. ﴿أَعْرَضَ﴾ أي: عن ذكرنا، ودعائنا، وطاعتنا. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: تباعد منا. وقيل: تكبر، وتعظم. وانظر الآية رقم [٩] من سورة (الحج) .. ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي: المرض، والفقر، والضر، ونحو ذلك. ﴿كانَ يَؤُسًا﴾ أي: قانطا من رحمتنا، والمراد: ب: ﴿الْإِنْسانِ﴾ الكافر، والفاجر، والملحد الذي لا يزيده القرآن إلا خسارا.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٦٧] وجملة: ﴿أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿أَعْرَضَ﴾ مع المتعلق المحذوف جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وجملة:\n ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثلها. ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿الْإِنْسانِ﴾. ﴿يَؤُسًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.\n<span id=\"aya-2113\"></span>﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ أي: كل واحد من الناس. ﴿يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ:﴾ على طريقته، ومذهبه الذي جبل عليه، أو هو يعمل على حسب جوهر نفسه، فإن كانت نفسه طيبة طاهرة؛","vol":"5","page":395},{"text":"صدرت عنه أفعال جميلة، وأخلاق كريمة عالية، وإن كانت نفسه خبيثة؛ صدرت عنه أفعال خبيثة فاسدة رديئة. هذا؛ وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة، والعادة، والدين، وفسر الشكل بالمثل، والنظير، كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾.\n ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ..﴾. إلخ: أي: أوضح طريقا، وأحسن مذهبا، واتباعا للحق. وانظر شرح (ربكم) في الآية رقم [٨] وشرح ﴿سَبِيلًا﴾ في الآية رقم [٤٢] و﴿أَعْلَمُ﴾ ليس على بابه، بل هو بمعنى: عالم.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ. ﴿يَعْمَلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى كل واحد. ﴿عَلى شاكِلَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَرَبُّكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (ربكم): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِمَنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿أَهْدى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله، وفاعل ﴿أَعْلَمُ﴾ ضمير مستتر وجوبا تقديره: «هو». ﴿سَبِيلًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير، والجملة الاسمية: ﴿فَرَبُّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2114\"></span>﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ أرجئ الكلام على السائلين إلى الآية رقم [٢٣] من سورة (الكهف).\n ﴿عَنِ الرُّوحِ:﴾ لقد اختلف في الروح هنا، فقيل: المراد: جبريل ﵇. وقيل: ملك عظيم الخلق، والشّكل. وقيل: جند من جنود الله، والمعتمد: أن المراد: الروح التي يكون بها حياة الجسد، فقد سألوا النبي ﷺ عن كيفية الروح، ومسلكها في بدن الإنسان، وكيفية امتزاجها بالجسم، واتصال الحياة بها، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله ﷿. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇ عن الروح، والنفس، والعقل، ولا تنس: أن الروح يطلق على القرآن الكريم؛ لأن به حياة القلوب. قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ الآية [٥٢] من سورة (الشورى). وهذا يفيد أيضا: أن الروح تذكر، وتؤنث.\n ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من علم ربي الذي استأثر به، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه؛ ليعرف الإنسان عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها في جسده. ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ﴾","vol":"5","page":396},{"text":"قَلِيلًا أي: مهما تعلمتم؛ فعلمكم بجانب علم الله تعالى قليل، بل هو طفيف لا قيمة له، والمراد: بذلك العالم كله. روي: أن النبي ﷺ لما قال لليهود ذلك. قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب؟ فقال: «بل نحن، وأنتم». فقالوا: ما أعجب شأنك! ساعة تقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ الآية [٢٦٨] من سورة (البقرة) وساعة تقول: هذا فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ الآية رقم [٢٧] من سورة (لقمان). وما قالوه دليل على سوء فهمهم؛ لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم العبد من الخير، والحق ما تسعه الطاقة البشرية، بل ما ينتظم به معاشه، ومعاده، وهو بالإضافة إلى معلومات الله التي لا نهاية لها قليل، ينال به خير الدارين، وهو بالإضافة إليه كثير. انتهى. بيضاوي بتصرف. وأخيرا أقول: إن السؤال في هذه الآية سؤال تعنت، وامتحان، بخلافه في أول سورة (الأنفال)، فإنه سؤال استفهام، واستفتاء.\nالإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يسألونك): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿عَنِ الرُّوحِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني؛ لأن الفعل: «سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى للثاني ب: «عن» كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين صريحين، نحو: سألت زيدا مالا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير:\nسألوك كثيرا، ويسألونك عن الروح، والكلام كله مستأنف، لا محل له. ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله:\nأنت. ﴿الرُّوحِ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ أَمْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿أَمْرِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:\n ﴿الرُّوحِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أُوتِيتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. إلا:\nحرف حصر. ﴿قَلِيلًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وقرئ «(وما، أوتوا)» فلا يكون التفات في الكلام. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2115\"></span>﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦)﴾\nالشرح: معنى الآية: إن شئنا ذهبنا بالقرآن الذي أوحيناه إليك، ومحوناه من الصدور والمصاحف، فلم نترك له أثرا، وبقيت كما كنت ما تدري ما الكتاب، ثم لا تجد بعد ذهابنا به من يتوكل علينا باسترداده عليك مسطورا محفوظا.","vol":"5","page":397},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ في الآية رقم [٦٢] بلا فارق. ﴿لَنَذْهَبَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نذهبن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن».\n ﴿بِالَّذِي﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:\nبالذي أوحيناه إليك، وجملة: ﴿لَنَذْهَبَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم. وانظر بقية الكلام في الآية رقم [٦٢]. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ..﴾. إلخ إعراب هذا الكلام مثل إعراب: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا..﴾. إلخ في الآية رقم [٦٩] بلا فارق بينهما، والجملة الفعلية هنا معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله، مع ملاحظة أن الفعل هنا مرفوع، وهناك منصوب.\n\n<span id=\"aya-2116\"></span>﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ:﴾ المعنى: إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك بعد أخذه منك.\nأو المعنى: لكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به. وهذا امتنان من الله ببقاء القرآن مسطورا، أو محفوظا في الصدور. ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا:﴾ إذ جعلك سيد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود، وختم بك النبيين، وأنزل عليك يا محمد هذا الكتاب المبين.\nتنبيه: المراد بذهاب القرآن: محو ما في المصاحف، وإذهاب ما في الصدور. قال عبد الله بن مسعود﵁-: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وأن هذا القرآن كأنه قد نزع منكم، تصبحون وما معكم منه شيء. فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن، وقد ثبتناه في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا، نعلمه أبناءنا، ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: يسرى به في ليلة، فيذهب بما في المصاحف، وما في القلوب، فتصبح الناس كالبهائم، ثم قرأ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ..﴾. إلخ. وعن عبد الله بن عمر -﵄-: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوي كدويّ النّحل، فيقول الله: ما بالك؟ فيقول: يا رب منك خرجت، وإليك أعود، أتلى، فلا يعمل بي.\nوقد جاء معنى ما تقدم مرفوعا من حديث عبد الله بن عمرو، وحذيفة﵄-.\nقال حذيفة: قال رسول الله ﷺ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، فيسرى على كتاب الله تعالى في ليلة، فلا يبقى منه في الأرض آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير، والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: «لا إله إلا الله» وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة». قال له صلة بن زفر العبسي: ما تغني عنهم «لا إله إلا الله» وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها ثلاثا، كلّ ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم","vol":"5","page":398},{"text":"أقبل عليه، فقال: «يا صلة تنجيهم من النار ثلاثا». خرجه ابن ماجة في السنن. انتهى قرطبي.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿رَحْمَةً:﴾ مستثنى، وهل الاستثناء متصل، أو منقطع؟ انظر الشرح. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه... ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿فَضْلَهُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كانَ:﴾\nماض ناقص، واسمه مستتر فيه. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿كَبِيرًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد قال أبو البقاء: ﴿إِلاّ رَحْمَةً﴾ هو مفعول له، والتقدير: حفظناه عليك للرحمة. ويجوز أن يكون مصدرا، تقديره: لكن رحمناك رحمة. انتهى. والمعنى لا يأبى الاعتبارين. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2117\"></span>﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة حين قال المشركون ما ذكره الله عنهم: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ فكذبهم الله ﷿، فالقرآن معجز في النظم، والتأليف، والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة، لا يشبه كلام الخلق؛ لأنه كلام الخالق، وهو غير مخلوق، ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله. انتهى. خازن.\nأقول: وفي الآية دليل قاطع على عجز الإنس، والجن عن الإتيان بمثل هذا القرآن، كيف لا؟ ولو قدروا لأتوا بمثله مع تطاول الأعوام، والسنين، وكيف يأتون بمثله، وقد تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، ولو بالاستعانة بأصنامهم، وآلهتهم التي يدعونها من دون الله، بعد هذا انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨] من سورة (يونس) ﵇ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والله الموفق.\nهذا؛ و﴿الْإِنْسُ﴾ البشر، الواحد: إنسي بكسر الهمزة فيهما، وجمع الإنسي: أناس كما في الآية رقم [٧١] وأناسيّ. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (الفرقان) ويقال أيضا: أناسية، مثل:\nصيارفة، وصياقلة. هذا؛ وسمي بنو آدم إنسا لظهورهم، وأنهم يؤنسون؛ أي: يبصرون، كما سمي الجن جنا؛ لاجتنانهم؛ أي: لاختفائهم عن أعين البشر، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، كما رأيت في الآية رقم [١٠٣] من سورة (النحل). وانظر شرح (الإنسان) في الآية رقم [١١].","vol":"5","page":399},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَئِنِ:﴾ اللام: موطئة للقسم، (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿اِجْتَمَعَتِ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْإِنْسُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَالْجِنُّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَأْتُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: متعاونين، متظاهرين، وهو ضعيف معنى. تأمل. ﴿بِمِثْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(مثل) مضاف، و﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة. والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْتُونَ:﴾ مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله. ﴿بِمِثْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لا يَأْتُونَ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه انظر الآية رقم [٦٢] والكلام: ﴿لَئِنِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿ظَهِيرًا:﴾ خبر كان، والجملة: ﴿وَلَوْ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وإن اعتبرت (لو) شرطية امتناعية، فجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ شرطها، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، التقدير: ولو كان... إلخ لا يأتون بمثله.\n\n<span id=\"aya-2118\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ:﴾ هو مثل الآية رقم [٤١] بلا فارق بينهما. ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا:﴾ إلا جحودا ودفعا للحق. قيل: المراد أهل مكة، والأولى أن يكون المراد كل من كفر بالقرآن. وانظر شرح «الناس» في الآية رقم [٦٠]، و(أبى) من الإباء، وهو الامتناع، أو أشده، وإباء الله قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون. قال تعالى:\n ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ هذا؛ ويكون الفعل متعديا إذا كان بمعنى: كره، ولازما إن كان بمعنى: امتنع، وهذا الفعل يتضمن النفي والإيجاب؛ لأنه بمعنى: لا يقبل إلا... إلخ.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ انظر الآية رقم [٤١] ففيها الكفاية. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة لمحذوف يقع مفعولا به، التقدير: صرفنا... مثلا من جنس كل مثل.\nهذا؛ وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة و﴿كُلِّ﴾ مفعول به، وهو جائز على مذهب الكوفيين والأخفش؛ الذين","vol":"5","page":400},{"text":"يجيزون زيادة «من» في الإثبات، والكلام: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿فَأَبى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَكْثَرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كُفُورًا:﴾ مفعول به، والجملة: ﴿فَأَبى..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2119\"></span>﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾\nالشرح: لمّا تبين إعجاز القرآن، فلم يقدر كفار قريش على معارضته بعد أن تحدّاهم الله بأن يأتوا بمثله، بل بعشر سور، بل بسورة واحدة من مثله، وانضم إليه معجزات أخر، كانشقاق القمر، ونحوه، وغلبوا، وقهروا أخذوا يتغالون باقتراح الآيات، والمعجزات، فطلبوا من الرسول ﷺ ما ذكر الله في هذه الآيات ما تراه ظاهرا لا يحتاج إلى شرح وبيان، وذلك أنهم قالوا: يا محمد! إنك تعلم أنه ليس أحد أضيق بلادا، ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك، فيسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها الأنهار والينابيع كما في بلاد الشام، والعراق، وغيرهما، وطلبهم هذا تعنت.\n ﴿لَنْ نُؤْمِنَ:﴾ لن نقر، ونعترف بنبوتك، ورسالتك. وانظر الإيمان في الآية رقم [٣٨] من سورة (النحل). ﴿حَتّى تَفْجُرَ:﴾ يقرأ الفعل بالتشديد، والتخفيف قراءتان سبعيتان. هذا؛ وفجر الماء: فتح له منفذا، أو طريقا، فجرى. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ المراد: أرض مكة، وما جاورها. ﴿يَنْبُوعًا:﴾ عين لا ينضب ماؤها؛ أي: لا يغور، ولا يقل، والجمع: الينابيع. وانظر القول في الآية رقم [١٦].\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿تَفْجُرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿يَنْبُوعًا﴾ بعدهما، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿يَنْبُوعًا:﴾ مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل ﴿تَفْجُرَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n<span id=\"aya-2120\"></span>﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١)﴾\nالشرح: هذا الاقتراح الثاني الذي اقترحوه على النبي ﷺ، هو أن يكون له بستان فيه من أنواع الأشجار شجر النخيل، والعنب، وعيون الماء، والأنهار جارية وسط هذا البستان، وهي","vol":"5","page":401},{"text":"غزيرة المياه. وانظر شرح النخل، والنخيل في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم)، وهما بمعنى:\nواحد. المفرد: نخلة، ونخيلة، وعنب: اسم جنس جمعي، مثل: تمر، ويفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهي عنبة، وتمرة، وجمع عنب: أعناب، و﴿خِلالَها:﴾ وسطها. هذا؛ و(تفجّر) هنا بالتشديد لا غير.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَكُونَ:﴾ معطوف على (تفجر)، فهو منصوب مثله، وهو ناقص. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره تقدم على اسمه. ﴿جَنَّةٌ:﴾ اسمه مؤخر. ﴿مِنْ نَخِيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جَنَّةٌ﴾. ﴿وَعِنَبٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَتُفَجِّرَ:﴾\nمضارع معطوف على ما قبله بالفاء، فهو منصوب أيضا، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الْأَنْهارَ:﴾ مفعول به. ﴿خِلالَها:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال من ﴿الْأَنْهارَ،﴾ وهو ضعيف معنى. وها: في محل جر بالإضافة. ﴿تَفْجِيرًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد للفعل قبله.\n\n<span id=\"aya-2121\"></span>﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾\nالشرح: في هذه الآية اقتراحان ممّا اقترحوه على النبي ﷺ، أولهما: إسقاط السماء عليهم قطعة قطعة، والثاني: إتيان الملائكة، ونزولهم يشهدون بأنّ محمدا نبي، ورسول.\nهذا؛ وانظر إعلال ﴿السَّماءَ﴾ في الآية رقم [٢٢] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (النّحل)، وشرح (زعم) في الآية رقم [٥٦] و﴿كِسَفًا﴾ يقرأ بفتح السين، وسكونها. قال الأخفش: من قرأ بالسكون جعله واحدا، ومن قرأه بالفتح جعله جمعا. وقال المهدوي: ومن أسكن السين جاز أن يكون جمع: كسفة، وجاز أن يكون مصدرا، من: كسفت الشيء: إذا غطيته، فكأنهم قالوا: أسقطها طبقا علينا. انتهى. قرطبي، وسترى مزيدا لهذا في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الشعراء) إن شاء الله. وانظر شرح (الملائكة) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). ﴿قَبِيلًا:﴾ معاينة، كفيلا، شهيدا، أقوال. وقال مجاهد: هو جمع: قبيلة؛ أي: بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة؛ أي: جماعة جماعة، و﴿كَما زَعَمْتَ﴾ المراد به: ما هددهم به في الآية رقم [٩] من سورة (سبأ) ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تُسْقِطَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو منصوب أيضا، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر.\n (ما): مصدرية. ﴿زَعَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، وهو متعد لمفعول واحد، وهو محذوف لفهمه من المقام. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تُسْقِطَ﴾. ﴿كِسَفًا:﴾ حال من ﴿السَّماءَ،﴾ و(ما) والفعل","vol":"5","page":402},{"text":"بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: تسقط السماء إسقاطا كائنا مثل زعمك الذي تدعيه. وانظر مذهب سيبويه في ذلك في الآية رقم [٢٤] ﴿تَأْتِيَ:﴾ معطوف أيضا على ما قبله، منصوب أيضا، والفاعل أنت. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْمَلائِكَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قَبِيلًا:﴾\nحال من (الله) على الأقوال الثلاثة فيه، وحال من الملائكة على قول مجاهد الأخير.\n\n<span id=\"aya-2122\"></span>﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾\nالشرح: في هذه الآية اقتراحان آخران ممّا اقترحوه على النبي ﷺ. أولهما: أن يكون له بيت من ذهب، والثاني: عروجه، وصعوده في السماء. وازداد عتوهم، فطلبوا شيئا آخر في ذلك الرقي، والصعود، وهو إنزال كتاب لكل واحد يقرؤه، كما قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ وقد علم الله نبيه ﷺ أن يرد عليهم بما ذكر في قوله: ﴿قُلْ سُبْحانَ..﴾. إلخ.\nومعناه إنما أنا بشر لا أقدر على شيء ممّا سألتموني، وليس لي أن أتخيّر على ربي، ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه، ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بما يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أومن حتى أوتي بآية خلاف ما طلب غيري، وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس، وإنما التدبير إلى الله تعالى. انتهى. قرطبي بحروفه.\nبعد هذا ف: ﴿زُخْرُفٍ﴾ هو الذهب، وهو أصل الزينة، والرقي: الصعود؛ وأصله: رقوي، فقلبت الواو ياء وادغمت الياء في الياء. وانظر شرح (كتابا) في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). وانظر شرح «سبحان» في الآية رقم [١] من سورة (النحل)، وشرح (بشرا) في الآية رقم [١٠٣] منها أيضا. وشرح الرسول في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ انظر الآية رقم [٩١]، (أو): حرف عطف. ﴿تَرْقى:﴾\nمعطوف على ما قبله منصوب أيضا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. لن:\nحرف ناصب. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِرُقِيِّكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿تُنَزِّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»","vol":"5","page":403},{"text":"مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْنا﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كِتابًا:﴾\nمفعول به. ﴿نَقْرَؤُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿كِتابًا،﴾ وأجيز اعتبارها حالا مقدرة من (نا)، و«أن» المضمرة، والفعل ﴿تُنَزِّلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، و﴿سُبْحانَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والإضافة من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى: النفي. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرًا:﴾ خبر كان. ﴿رَسُولًا:﴾ صفة له. ويجوز أن يكون ﴿رَسُولًا﴾ هو الخبر، وبشرا حال مقدمة عليه، والكلام: ﴿سُبْحانَ رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2123\"></span>﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾\nالشرح: المعنى: وما منع الكافرين من الإيمان بالله ورسوله وقت مجيء الهدى إليهم إلا شبهة تلجلجت في صدورهم، وهي إنكارهم أن يرسل الله رسولا من البشر، فكانوا يستغربون إرسال الرسل من البشر، ويطلبون ملائكة من السماء، وهو ما أفادته الآية التالية، والمراد:\nبالهدى: الإسلام، أو القرآن، أو محمد ﷺ.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مَنَعَ:﴾ ماض. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل جر بحرف جر بحرف جر محذوف على الخلاف بين سيبويه، والخليل. ﴿إِذْ:﴾\nظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿يُؤْمِنُوا،﴾ وعلقه الجمل بالفعل ﴿مَنَعَ﴾. ﴿جاءَهُمُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْهُدى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿جاءَهُمُ الْهُدى﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل نصب ب: «أن»، والواو فاعله، والألف للتفريق، وأن والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ل: - ﴿مَنَعَ﴾ التقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى لهم إلا قولهم... إلخ. وانظر مثل ذلك في الآية رقم [٥٩]. ﴿أَبَعَثَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.\nإنكاري. ﴿(بَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا):﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿رَسُولًا:﴾ هو مثل الآية السابقة،","vol":"5","page":404},{"text":"وجملة: ﴿أَبَعَثَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة: ﴿وَما مَنَعَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: هي من مقول الرسول ﷺ.\n\n<span id=\"aya-2124\"></span>﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾\nالشرح: في هذه الآية رد لشبهة الكافرين الذين يستنكرون أن يكون الرسول بشرا، فأعلمهم الله تعالى: أن الملك إنما يرسل إلى الملائكة؛ إذ لو أرسل ملكا إلى البشر؛ لما استطاعوا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على ذلك، وخلق فيهم ما يقدرون به، ليكون ذلك آية لهم ومعجزة، وقد تقدم نظير ذلك في سورة (الأنعام) رقم [٨ و٩] وسيأتي مثله في سورة (الفرقان) إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم. ﴿مَلائِكَةٌ:﴾\nاسمها مؤخر. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿كانَ﴾ تامة فيكون الملائكة فاعله، و﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَمْشُونَ﴾. ﴿يَمْشُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مُطْمَئِنِّينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\nوجملة: ﴿يَمْشُونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ملائكة، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنَزَّلْنا:﴾ اللام واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (نزلنا):\nفعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَلَكًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مَلَكًا:﴾ مفعول به. ﴿رَسُولًا:﴾ انظر الآيتين السابقتين فهو مثلهما، وجملة: ﴿لَنَزَّلْنا..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، ولو ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ لَوْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2125\"></span>﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾\nالشرح: يروى: أن كفار قريش قالوا حين سمعوا قوله: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا رَسُولًا:﴾ فمن يشهد لك أنك رسول الله، فنزلت هذه الآية. والمعنى: أكتفي بالله شهيدا بأني عبده، ورسوله؛ حيث أجرى المعجزة على وفق دعواي، وعلى أني بلغت ما أرسلت به إليكم، وأنكم عاندتم، وكذبتم، وأعتقد بأن الله عليم خبير بصير بأحوال عباده المنذرين والمنذرين، وأنّه تعالى يجازيهم على أعمالهم. وفيه تسلية للنبي ﷺ، ووعيد للكفار.","vol":"5","page":405},{"text":"بعد هذا انظر (القول) في الآية رقم [١٦] و(كفى) في الآية رقم [٦٥] و(بين) في الآية رقم [٤٥] و﴿كانَ﴾ في الآية رقم [٣٠] وعباده في الآية رقم [١] وانظر: ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ في الآية رقم [١٧].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَفى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿شَهِيدًا:﴾\nتمييز، ويقال: حال أيضا. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿شَهِيدًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى (الله).\n ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا:﴾ خبران ل: ﴿كانَ﴾ وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ تعليلية، وهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-2126\"></span>﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ ... ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ فيه تسلية للنبي ﷺ، وهو: أنّ الذين حكم الله لهم بالإيمان، والهداية؛ وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن يرجعوا عن ذلك. وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد). ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ:﴾\nفعن أنس بن مالك﵁-: أن رجلا قال: يا رسول الله! قال الله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ﴾ أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ: «أليس الذي أمشاه على الرّجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». قال قتادة؟! حين بلغه: بلى وعزة ربنا. رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم. قيل: يا رسول، وكيف يمشون على وجوههم. قال: إنّ الّذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما وإنّهم يتّقون بوجوههم كلّ حدب وشوك». أخرجه الترمذي. وانظر الآية رقم [١٠٢] من سورة (طه).","vol":"5","page":406},{"text":"﴿عُمْيًا:﴾ لا يبصرون. ﴿وَبُكْمًا:﴾ لا ينطقون. ﴿وَصُمًّا:﴾ لا يسمعون، وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ..﴾. إلخ وقوله جل شأنه: ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ وقوله تبارك اسمه: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ فقد قيل فيه أوجه: أحدها: قال ابن عباس﵄-: معناه ﴿عُمْيًا:﴾ لا يبصرون ما يسرهم.\n ﴿وَبُكْمًا:﴾ لا ينطقون بحجة. ﴿وَصُمًّا:﴾ لا يسمعون ما يسرهم. الثاني: قيل: معناه: يحشرون على ما وصفهم الله تعالى، ثم تعاد إليهم هذه الأشياء. الوجه الثالث: قيل: هذا معناه حين يقال لهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فيصيرون عند ذلك ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا،﴾ لا يبصرون، ولا ينطقون، ولا يسمعون. ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ مستقرهم، ومقامهم. ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ أي:\nسكن لهيبها وهدأت من غير أن يوجد فيها نقصان في إيلام الكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾. ﴿زِدْناهُمْ سَعِيرًا:﴾ نارا تتلهب. وقيل: وقودا لتحرقهم، وتبدل جلودهم، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا ف: ﴿الْمُهْتَدِ﴾ يقرأ بحذف الياء وإثباتها. هذا؛ وقد راعى لفظ (من) في الجملة الأولى، فأفرد الضمير، وراعى معناها في الجملة الثانية في قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ فجمع الضمير. وانظر شرح (دون) في الآية رقم [١٥] من سورة (الكهف)، وشرح: ﴿وَلِيًّا﴾ في الآية رقم [١٧] منها، وإعلال ﴿تَجِدَ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] وانظر شرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٥٨] ﴿وَبُكْمًا:﴾ جمع: أبكم، انظر الآية رقم [٧٦] من سورة (النحل). ﴿وَصُمًّا:﴾\nجمع أصم، وهو الذي لا يسمع. وانظر: «مأوى» و﴿مَثْوَى﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (النحل). وانظر «زاد يزيد» في الآية رقم [٤١]. هذا؛ وأصل ﴿خَبَتْ﴾ «خبوت» بوزن: قعد؛ لأن الفعل واوي اللام، تقول: خبا يخبو، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وتاء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. هذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم، انظر الآية [٢٢] من سورة (النحل).\nالإعراب: (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو مفعول به مقدم؛ لأن فعل الشرط متعد، ولم يستوف مفعوله. ﴿يَهْدِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، ومفعوله محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\nهو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمُهْتَدِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة حسبما رأيت، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ","vol":"5","page":407},{"text":"الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في الآية [١٥] والجملة الاسمية: ﴿(مَنْ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول، أو هي مستأنفة، لا محل لها على اعتبارها من كلام الله تعالى، وعلى الأول: فهي من مقول الرسول ﷺ، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها فلا خفاء فيه. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلِياءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والمفعول الثاني: ل: ﴿تَجِدَ﴾ محذوف، تقديره: يهدونه.\n ﴿وَنَحْشُرُهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نحشرهم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، التقدير: ماشين على وجوههم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عُمْيًا:﴾ حال أخرى، إما بدل من الأولى وإما حال من الضمير المستقر في الجار والمجرور قبله، وما بعده معطوف عليه. ﴿مَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي حال من الضمير المنصوب، أو المجرور ﴿كُلَّما﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿خَبَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة؛ والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿جَهَنَّمُ﴾ و(ما) والفعل ﴿خَبَتْ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت خبت جهنم. وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كل). وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا. ﴿زِدْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿سَعِيرًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، أو هو في محل نصب حال من ﴿جَهَنَّمُ،﴾ والعامل فيه المأوى.\n\n<span id=\"aya-2127\"></span>﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾\nالشرح: الإشارة في هذه الآية إلى ما ذكر من أنواع العذاب في الآية السابقة من كونهم يحشرون على وجوههم عميا، وبكما، وصما، وكون النار كلما هدأت زيد في وقودها ليشتد تحريق جلودهم بحرّها كل ذلك بسبب كفرهم، وتكذيبهم بآيات القرآن التي نزلت على محمد ﷺ، وإنكارهم الحشر، والنشر، والحساب بعد الموت. وانظر الآية رقم [٤٩] ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة","vol":"5","page":408},{"text":"المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر قبلهما. هذا وجه للإعراب، ويجوز اعتبار ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثانيا، والجار والمجرور خبره، والجملة الاسمية خبر المبتدأ: ﴿ذلِكَ﴾. ويجوز اعتبار ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بدلا من اسم الإشارة؛ أو عطف بيان عليه، والجار والمجرور خبره ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ انظر الإعراب وافيا كافيا في الآية رقم [٤٩] وجملة:\n ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2128\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُورًا (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا:﴾ أولم يعلموا. ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ..﴾. إلخ: ففيه رد لاستبعادهم البعث، والحشر بعد الموت، والمعنى: أن الذي خلق السموات والأرض كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم بعد الموت، وهو قادر على إهلاكهم، وخلق عبيد مطيعين له، يوحدونه، ويقرّون بكمال حكمته، وعظيم قدرته، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾ أي: وقتا لإهلاكهم، لا يستقدمون عنه، ولا يستأخرون. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه، ولا ارتياب، بل هو محقق الوقوع. ﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون. ﴿إِلاّ كُفُورًا:﴾ إلا جحودا، وإنكارا للبعث، والحساب، والجزاء.\nبعد هذا ﴿أَوَلَمْ﴾ مثل ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (النحل). وانظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣] منها. وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر التعبير عن الكافرين ب: ﴿الظّالِمِينَ،﴾ ونحوه في الآية رقم [١٣] منها أيضا. وانظر شرح «الكفر» في الآية رقم [١٠٧] من سورة (النحل)، وشرح: (أبى) في الآية رقم [٨٩]. هذا، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه، تقول: رابني هذا الأمر: أوقعني في ريبة؛ أي: في شك، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها. قال الرسول ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذي، والنسائي عن الحسن بن علي﵄سبط رسول الله ﷺ وريحانته.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف حسب ما رأيت في الآية رقم [١٧] من سورة (النحل). (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾\nمضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله،","vol":"5","page":409},{"text":"والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ما قبله، وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قادِرٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ وفاعله مستتر فيه، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿قادِرٌ﴾.\n ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِثْلَهُمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف مفعول به ثان، والأول: ما بعده. ﴿أَجَلًا:﴾\nمفعول به. ﴿أَجَلًا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم لا مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿أَجَلًا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في محل نصب صفة أجلا، وجملة: ﴿وَجَعَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾.\nإلخ على الوجهين المعتبرين فيها، والكلام ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿فَأَبَى:﴾\nالفاء: حرف استئناف. (أبى): ماض. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كُفُورًا:﴾ مفعول به، وجملة: (أبى...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2129\"></span>﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾\nالشرح: هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ..﴾. إلخ أي: لو ملكتم خزائن رزق الله، ونعمه؛ لبخلتم بالمال خشية إنفاقه؛ أي: نفاده، وذهابه. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا﴾ أي: بخيلا؛ لأن بناء أمره على الحاجة، والبخل بما يحتاج إليه، وترقب العوض فيما يبذله، كالذكر الجميل، والثناء الحسن عليه، إن كان من أهل الدنيا، أو لطلب الثواب والأجر من الله تعالى؛ إن كان من أهل الإيمان، والطاعة.\nولقد اختلف في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في المشركين خاصة. قاله الحسن، والثاني: أنها عامة، وهو قول الجمهور، وذكره الماوردي. انتهى. قرطبي. هذا؛ والإنفاق المراد به هنا: الفقر الناجم عن الإنفاق، فهو مثل قوله تعالى في غير ما آية: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ وانظر بعد ذلك شرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١] وانظر خشي في الآية رقم [٢١] من سورة (الرعد)، فإنه جيد.","vol":"5","page":410},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنْتُمْ:﴾ فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، أو هو اسم ل: «كان» محذوفة، وأصل الكلام: لو كنتم تملكون، وقد كثر حذف «كان» بعد «لو»، ورد هذا القول بأن المعهود بعد «لو» حذف «كان» ومرفوعها، فقيل: الأصل لو كنتم أنتم تملكون، فحذفا. وفيه نظر للجمع بين الحذف، والتوكيد. هذا؛ وقيل: إن ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيد للفاعل المستتر في الفعل المحذوف، الذي يفسره ما بعده، وغلط من أعرب أنتم فاعلا؛ لأن ضمير المخاطب، لا يجوز إظهاره. انتهى.\nوالمغلط غالط، فكيف يفعل هذا المغلط، وما يقول في قول العباس بن مرداس السلمي الصحابي، وقل أن يخلو منه كتاب نحو؟ [البسيط]\nأبا خراشة أمّا أنت ذا نفر... فإن قومي لم تأكلهم الضّبع\nأليس الضمير المنفصل خبرا لكان محذوفة وعلى الاعتبارين كان الضمير متصلا، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، وبرز، وإنما وجب تقدير فعل؛ لأنّ «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر ك: «إن» و«إذا» الشرطيتين. ﴿تَمْلِكُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون\nإلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مفسرة على الاعتبار الأول، وفي محل نصب خبر «كان» على الاعتبار الثاني، وعلى التقديرين فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿خَزائِنَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف إليه، و﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب وجزاء. ﴿لَأَمْسَكْتُمْ:﴾\nاللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (أمسكتم): فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره الأموال، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها. ﴿خَشْيَةَ:﴾ مفعول لأجله. وقيل: حال، وهو مضاف، و﴿الْإِنْفاقِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا﴾ مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا من ﴿الْإِنْفاقِ﴾ ضعيف معنى وهو يحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، والرابط: الضمير فقط على اعتبار ﴿الْإِنْفاقِ﴾ صاحب الحال.\n\n<span id=\"aya-2130\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ لقد اختلف في هذه الآيات، فقيل: هي بمعنى: آيات الكتاب، كما روى الترمذي، والنسائي عن صفوان بن عسال المرادي: أن يهوديين","vol":"5","page":411},{"text":"قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله، فقال: لا تقل له: نبي، فإنه إن سمعك؛ صارت له أربعة أعين، فأتيا النبي ﷺ، فسألاه عن تلك الآيات، فقال ﷺ: «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس التي حرّم الله إلا بالحقّ، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفرّوا من الزّحف، وعليكم يا معشر اليهود خاصّة ألاّ تعدوا في السّبت» فقبّلا يديه، ورجليه. وقالا: نشهد أنك نبيّ. قال: فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: «إن داود دعا الله ألا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود». قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقيل: الآيات بمعنى: المعجزات، والدلالات، وأعتمد هذا، وخذ ما يلي:\nقال ابن عباس، والضحاك﵄هي: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وانفجار الماء من الحجر، وانفلاق البحر، ونتق الطور على بني إسرائيل.\nوقيل: الطوفان، والسنون، ونقص من الثمرات مكان الثلاث الأخيرة، ولا تنس: الطمس على أموالهم، وقد تقدم شرح ذلك مفصلا في سورة (البقرة) و(الأعراف)، و(يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ:﴾ هذا سؤال تبكيت، وتقريع لليهود؛ ليعرفوا صحة ما يقوله محمد ﷺ. وقيل: المعنى: فاسأل يا محمد المؤمنين من بني إسرائيل، وهم: عبد الله بن سلام، وأصحابه عن الآيات ليزدادوا يقينا، وطمأنينة قلب؛ لأن الأدلة إذا تظاهرت؛ كان ذلك أقوى، وأثبت، كقول إبراهيم ﵇ ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. انتهى. كشاف.\n ﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ أي: ساحرا بغرائب أفعالك. قاله الفراء، وأبو عبيدة، فوضع المفعول موضع الفاعل: وقيل: مخدوعا. وقيل: مغلوبا. قاله مقاتل. وقيل:\nغير هذا، بعد هذا انظر قصة موسى مع فرعون بالتفصيل في سورة (الأعراف) وسورة (طه)، وسورة (القصص)، و(الشعراء) وغيرها.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا﴾ انظر الآية رقم [٤١] ﴿مُوسى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿تِسْعَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿تِسْعَ﴾ مضاف، و﴿آياتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَبَيَّنَتِ:﴾ صفة ﴿آياتٍ﴾ فهو مجرور، أو صفة ﴿تِسْعَ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَسْئَلْ:﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فاسأل. ﴿فَسْئَلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي:﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه","vol":"5","page":412},{"text":"مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والمفعول الثاني: محذوف، تقديره: عنه؛ أي: عن موسى. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿آتَيْنا،﴾ وعليه فجملة: ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ معترضة بين الفعل ﴿آتَيْنا﴾ وما تعلق به. هذا؛ وقيل: إن التقدير: فقلنا له: اسأل... إلخ، وعليه ف: ﴿إِذْ﴾ متعلق بالفعل المقدر، وجملة: ﴿فَسْئَلْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: «فقلنا...» إلخ المقدرة معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\nهذا؛ وقد قرئ ﴿فَسْئَلْ﴾ بلفظ الماضي، فيكون الظرف متعلقا به، والفاعل يعود إلى موسى ﵇، ويكون التقدير: فسأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل، ويطلق سبيلهم، ويرسلهم معه، وقيل غير ذلك، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿(لَقَدْ...)﴾ إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): ماض. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾\nفاعله. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَأَظُنُّكَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (أظنك): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿يا مُوسى:﴾ يا:\nحرف نداء ينوب مناب: أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب: (يا)، والجملة الندائية معترضة بين مفعولي (أظن)، وجملة:\n ﴿لَأَظُنُّكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. وقال الجمل: معطوفة على مقدر؛ أي: إذ جاءهم فبلغهم الرسالة. فقال له فرعون. هذا؛ وجملة: ﴿جاءَهُمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-2131\"></span>﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ﴾ أي: الآيات التسع، و﴿أَنْزَلَ﴾ بمعنى: أوجد. ﴿إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ أي: دلالات يستدل بها على قدرة الله، ووحدانيته، وتدل على صدقي، ولكنك يا فرعون تعاند. هذا؛ و﴿بَصائِرَ:﴾ عبر، وبينات، جمع: بصيرة. قال قس بن ساعدة الإيادي: [مجزوء الكامل]\nفي الذّاهبين الأوّلي... ن من القرون لنا بصائر\nوله فراسة ذات بصيرة، وذات بصائر، وهي الصادقة، ورأيت عليك ذات البصائر. قال الكميت: [مجزوء الكامل]\nورأوا عليك ومنك في ال... مهد النهى ذات البصائر","vol":"5","page":413},{"text":"وقرأ الكسائي ﴿عَلِمْتَ﴾ بضم التاء، وهي قراءة علي بن أبي طالب﵁-، وروي: أنه قال: والله ما علم عدو الله، ولكن موسى هذا الذي علم، فبلغت ابن عباس﵄فأيد الفتح، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا،﴾ ونسب فرعون إلى العناد.\n ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا:﴾ الظن هنا: بمعنى: اليقين بخلافه في الآية السابقة، فإنه بمعنى: الشك، بل بمعنى: الظن الخاطئ الكاذب الفاسد، والظن في الأصل: الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض. وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ونهى عنه النبي ﷺ بقوله: «إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث». وهذا إذا كان ظن سوء، وأما الظن الحسن فلا بأس به، بل هو ممدوح، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في سورة (الحجرات).\nوالثبور: الهلاك والخسران. وقال البيضاوي: مصروفا عن الخير، مطبوعا على الشر.\nوقيل: ملعونا. وقيل: ناقص العقل. والمعتمد الأول.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتَ:﴾\nفعل، وفاعل، وهو معلق عن العمل لفظا. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء: حرف تنبيه، لا محلّ له ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿رَبُّ:﴾ فاعل: ﴿أَنْزَلَ﴾ و﴿رَبُّ:﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بَصائِرَ:﴾ حال، وفي عاملها قولان: أحدهما أنه ﴿أَنْزَلَ﴾ هذا الملفوظ به، وصاحب الحال ﴿هؤُلاءِ﴾ وإليه ذهب الحوفي وابن عطية، وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل «إلا» فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعا له. والثاني: وهو مذهب الجمهور: أنّ ما بعد «إلا» لا يكون معمولا لما قبلها، فيقدر له عامل، تقديره: أنزلها بصائر، وقد تقدم نظيره في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود) ﵇. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وجملة: ﴿ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي ﴿عَلِمْتَ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب النفي، وجملة: ﴿عَلِمْتَ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ في محل نصب حال من تاء الفاعل على القراءتين، والرابط: الواو، والضمير، وإعرابها مثل إعراب ما قبلها في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-2132\"></span>﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أراد فرعون أن يخرج بني إسرائيل من أرض مصر، أو من الأرض مطلقا بالقتل والاستئصال. وانظر الآية رقم [٧٦] والاستفزاز:","vol":"5","page":414},{"text":"الاستخفاف. انظر الآية رقم [٦٤] ﴿فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ أي: عكسنا عليه مكره، فأخرجناه وجنوده من قصورهم، وديارهم، وأغرقناهم في البحر، ونجينا موسى، ومن معه. وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر).\nالإعراب: ﴿فَأَرادَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: عاطفة. (أراد): ماض، وفاعله يعود إلى (فرعون). ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَسْتَفِزَّهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (فرعون) أيضا. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَرادَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَأَغْرَقْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب وأجيز اعتباره مفعولا معه. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعًا:﴾\nحال من الضمير المنصوب، وما عطف عليه، فهي حال معناها التوكيد.\n\n<span id=\"aya-2133\"></span>﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد فرعون وإغراقه مع قومه. ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ أي:\nالأرض التي أراد فرعون أن يخرجكم منها، والمراد: أرض الشام، ومصر؛ التي، أورثها الله بني إسرائيل بعد هلاك فرعون وقومه. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ:﴾ المراد به: يوم القيامة الذي لا خلف فيه، ولا شك فيه. وقيل: المراد به نزول عيسى، ﵇. ﴿جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ أي:\nأحييناكم، وأخرجناكم من القبور، وجمعناكم في المحشر مختلطين إياكم، وإياهم، ثم نحكم بينكم، ونميز سعداءكم من أشقيائكم، واللفيف: الجماعات من قبائل شتى. يقال: جاء القوم بلفهم، ولفيفهم؛ أي: وأخلاطهم. قال الأصمعي: اللفيف: جمع، وليس له واحد، وهو مثل الجميع، والمعنى: أنهم يخرجون من القبور كالجراد المنتشر مختلطين لا يتعارفون، ثم يميز الله بين صالحهم، وطالحهم... إلخ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَقُلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَقُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (بني إسرائيل) والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لِبَنِي:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا، وعلامة الجر الياء... إلخ، و(بني): مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾\nمضاف إليه... إلخ. ﴿اُسْكُنُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْأَرْضَ:﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو","vol":"5","page":415},{"text":"منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في:\n «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت البيت» وجملة: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٦٧]. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿وَعْدُ:﴾\nفاعله، وهو مضاف، و﴿الْآخِرَةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿جاءَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿جِئْنا:﴾ ماض و(نا): فاعله. ﴿بِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَفِيفًا:﴾ حال من الكاف، وجملة: ﴿جِئْنا..﴾. إلخ جواب (إذا)، و(إذا) ومدخولها معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-2134\"></span>﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي: ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة، وما نزل إلا ملتبسا بالحق، والحكمة لاشتماله على الهداية إلى كلّ خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق، محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من تخليط الشياطين. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا:﴾ للمطيعين بالثواب. ﴿وَنَذِيرًا:﴾ للعاصين من العقاب فلا عليك يا محمد إلا التبشير، والإنذار. وانظر شرح (الحق) في الآية رقم [٨١] وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قصر إضافي، وهو هنا قصر موصوف على صفة، وهو كثير في كتاب الله تعالى. قال الراوي:\nاشتكى محمد بن السمّاك، فأخذنا ماءه، وذهبنا به إلى طبيب نصراني، فاستقبلنا رجل حسن الوجه، طيب الرائحة، نقي الثوب، فقال لنا: إلى أين؟ فقلنا له: إلى فلان الطبيب نريه ماء ابن السمّاك، فقال: سبحان الله، تستعينون على ولي الله بعدوّ الله؟! اضربوه على الأرض، وارجعوا إلى ابن السمّاك، وقولوا له: ضع يدك على موضع الوجع، وقل: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ثم غاب عنا، فلم نره، فرجعنا إلى ابن السماك، فأخبرناه بذلك، فوضع يده على موضع الوجع، وقال ما قال الرجل، فعوفي في الوقت. وقال: كان ذلك الخضر ﵇. انتهى. نسفي.\nالإعراب: ﴿وَبِالْحَقِّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (بالحق): متعلقان بمحذوف حال صاحبه الضمير المنصوب، وعامله ما بعده. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَبِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿نَزَلَ﴾ المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية.\n ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مُبَشِّرًا:﴾ مفعول به ثان. وقال الجمل: حال من الكاف.\n ﴿وَنَذِيرًا:﴾ معطوف على ما قبله. هذا؛ وقد قال الجمل: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ..﴾. إلخ متعلق في المعنى بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ..﴾. إلخ. وفي الخطيب: إنه معطوف على ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا..﴾. إلخ. انتهى.\nوأرجح الاستئناف، والله أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"5","page":416},{"text":"<span id=\"aya-2135\"></span>﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ أي: بينا حلاله، وحرامه، أو فرقنا بين الحق والباطل، وهو بتخفيف الراء، وقرأ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وجماعة بتشديد الراء، وفيه وجهان:\nأحدهما: أن التضعيف للتكثير؛ أي: فرقنا آياته بين أمر ونهي، وحكم، وأحكام، ومواعظ، وأمثال، وقصص، وأخبار ماضية، ومستقبلة، انظر الآية رقم [١١١] من سورة (يوسف) تجد ما يسرك و[٤١] من هذه السورة. والثاني: أنه دال على التفريق، والتنجيم، ومعلوم: أن القرآن نزل مفرقا منجما في ثلاث وعشرين سنة على حسب مقتضيات الأحوال. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٤] من سورة (البقرة)، ويؤيد التفسير الثاني: قوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ:﴾ على مهل، وتؤدة، فإنه أيسر للحفظ، وأعون في الفهم. وقيل: ﴿عَلى مُكْثٍ:﴾ على ترسل في التلاوة.\nقاله مجاهد، وابن عباس، وابن جريج، فيعطي القارئ القراءة حقها من ترتيلها، وتحسينها، وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن من غير تلحين، ولا تطريب مؤد إلى تغيير لفظ القرآن بزيادة، أو نقصان. هذا؛ والمكث في الأصل مصدر: مكث، يمكث، بمعنى: أقام يقيم. قال الكميت يذم ولاة السوء: [الطويل]\nفتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟\nو(المكث) بضم الميم، وتكسر. وهذا على: أنه اسم، وأما المصدر، فإن كان فعله من باب: نصر، فهو بضم الميم أيضا، وإن كان من باب: كرم فهو بفتح الميم.\n ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ أي: نجما بعد نجم، انظر الآية رقم [٨٩] من سورة (النحل) لترى الفرق بين نزلنا، وأنزلنا. وانظر (نا) في الآية رقم [٢١] من سورة (الحجر). وانظر شرح القرآن في الآية رقم [١] منها.\nالإعراب: ﴿وَقُرْآنًا:﴾ الواو: حرف عطف. (قرآنا) مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وآتيناك قرآنا. ﴿فَرَقْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة مفسرة على الوجه الأول، لا محل لها، وفي محل نصب صفة (قرآنا) على الوجه الثاني فيه. ﴿لِتَقْرَأَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿عَلى مُكْثٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وجملة: ﴿وَقُرْآنًا..﴾. إلخ على الاعتبارين معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَنَزَّلْناهُ﴾ معطوفة عليها.\n ﴿تَنْزِيلًا:﴾ مفعول مطلق.","vol":"5","page":417},{"text":"<span id=\"aya-2136\"></span>﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا:﴾ هذا على وجه التهديد والوعيد، لا على وجه التخيير. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: إن لم تؤمنوا بالقرآن، أو بمحمد ﷺ، فقد آمن به من هو خير منكم، وهم العلماء الذين قرءوا الكتب السابقة، وعرفوا حقيقة الوحي، وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين المحق والمبطل، ورأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب. وقيل: هم قوم من ولد إسماعيل، تمسكوا بدينهم، إلى أن بعث الله تعالى محمدا ﷺ، منهم: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل. ولا وجه له البتة. ﴿إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي: القرآن. وقيل: كانوا إذا تلوا كتابهم، وما أنزل عليه من القرآن خشعوا، وسجدوا، وسبحوا. والأول: أولى بالاعتبار. ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا:﴾ يسقطون على وجوههم تعظيما لأمر الله، وشكرا لإنجازه وعده في تلك الكتب ببعثة محمد ﷺ على فترة من الرسل، وإنزاله القرآن عليه. هذا؛ والمراد: ب: (الأذقان) الوجوه، وخصت بالذكر؛ لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب من الأرض عند السجود، والأذقان جمع: ذقن وهو مجتمع اللحيين.\nالإعراب: ﴿قُلْ﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿آمِنُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب: (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر).\n ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون\nإلخ، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿أُوتُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعِلْمَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أُوتُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. إذا: انظر الآية رقم [٦٧] ﴿يُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب فاعله مستتر يعود إلى (القرآن). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿يَخِرُّونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿لِلْأَذْقانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿سُجَّدًا:﴾ حال من واو الجماعة، وهو بمعنى: ساجدين، وجملة: ﴿يَخِرُّونَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها","vol":"5","page":418},{"text":"في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ تعليل للأمر والنهي، وهي في محل نصب مقول القول. وقيل: هي تعليل ل: ﴿قُلْ﴾ نفسه، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2137\"></span>﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: الذين، أوتوا العلم. ﴿سُبْحانَ رَبِّنا:﴾ تنزيها له تعالى عن خلف الوعد، أو تعظيما لربنا لإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة من بعثة محمد ﷺ. ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ..﴾.\nإلخ: إن الحال والشأن وعد ربنا متحقق الوقوع، لا محالة. بعد هذا انظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] وشرح: ﴿سُبْحانَ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (النحل)، وشرح (الوعد) في الآية رقم [٣٣] من سورة (الرعد). وانظر كان في الآية رقم [٣٠].\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق فعله محذوف، وهو مضاف، و﴿رَبِّنا:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سُبْحانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿وَعْدُ:﴾\nاسمها، وهو مضاف، و﴿رَبِّنا:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمَفْعُولًا:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (مفعولا): خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿سُبْحانَ،﴾ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَخِرُّونَ..﴾. إلخ. هذا؛ والمعتمد: أنّ (إن) مهملة، واللام هي الفارقة بين النفي، والإثبات.\n<span id=\"aya-2138\"></span>﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ:﴾ انظر الآية [١٠٧] وكرره لاختلاف الحال، أو السبب، فإن الأول: للشكر عند إنجاز الوعد، والثاني: لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ أي: القرآن. ﴿خُشُوعًا:﴾ خضوعا لله، واستجابة لأمره ونهيه، والخشوع:\nسكون الجوارح، وخضوع القلب، واطمئنانه، وهم: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ وانظر الآية رقم [٢] من سورة (المؤمنون) لتنظر الخشوع في الصلاة. وانظر «زاد، يزيد» في الآية رقم [٤١].","vol":"5","page":419},{"text":"هذا؛ وفي الآية دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى، أو على معصيته في دين الله، وأن ذلك لا يقطعها، ولا يضرها، ذكر ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه. قال: «أتيت النبيّ ﷺ، وهو يصلّي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء». انتهى. قرطبي. هذا؛ والبكا بالقصر: إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد إسالة الدمع مع رفعه. قال الخليل رحمه الله تعالى: من قصر «البكاء» ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصوت. قال كعب بن مالك الأنصاري -﵁-: [الوافر]\nبكت عيني، وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء، ولا العويل\nوانظر الآية رقم [١٦] من سورة (يوسف) ﵇. هذا؛ ويسن السجود في آخر هذه الآية بعد تلاوتها وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٠] من سورة (النحل)، وفي الآية رقم [٥٧] من سورة (مريم).\nالإعراب: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ:﴾ انظر الآية قبل السابقة، وهذه معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿يَبْكُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، وجاءت الحال هنا فعلا لدلالته على التجدد، والحدوث، وجاءت في الآية قبل السابقة اسما لدلالته على الاستمرار، والثبوت. الواو: حرف عطف. ﴿وَيَزِيدُهُمْ:﴾ مضارع، والهاء مفعوله الأول، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن، أو البكاء، أو السجود، أو المتلو لدلالة قوله تعالى: ﴿إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾. ﴿خُشُوعًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2139\"></span>﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄سجد رسول الله ﷺ ذات ليلة، فجعل يقول في سجوده: «يا الله يا رحمان». فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية. انتهى. خازن. وأبو جهل يعني بالرحمن مسيلمة الكذاب الذي كان يسمى رحمان اليمامة، والمخاطب بهذا الأمر النبي ﷺ. هذا؛ و﴿تَدْعُوا﴾ هنا يحتمل أن يكون من الدعاء، وهو النداء، فيتعدى لواحد، وأن يكون بمعنى: التسمية، وعليه الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، فيتعدى لاثنين، كما في قول الشاعر: [الطويل]\nدعتني أخاها أمّ عمرو، ولم أكن... أخاها، ولم أرضع لها بلبان","vol":"5","page":420},{"text":"دعتني أخاها بعد ما كان بيننا... من الفعل ما لا يفعل الأخوان\nوقد حذف المفعول الأول، لقوله: ﴿اُدْعُوا﴾ ونصب الثاني: بعد حذف الجار؛ إذ التقدير:\n ﴿قُلِ:﴾ ادعوا معبودكم بالله، أو ادعوه بالرحمن، بمعنى: سمّوه. ﴿فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ أي:\nفلله الأسماء الحسنى، وإذا حسنت أسماؤه كلها؛ فهذان الاسمان منها، ومعنى كونها أحسن الأسماء أنها مشتملة على معاني التقديس، والتعظيم، والتمجيد، وعلى صفات الجلال، والكمال، والحسنى مؤنث الأحسن الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث أحسن المقابل ل: امرأة حسناء. والحسنى بالضم ضد السوأى، وقد وصف الجمع الذي لا يعقل بما توصف به الواحدة، كقوله: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ وهو فصيح، ولو جاء على المطابقة للجمع لكان التركيب «الحسن» على وزن الأخر، كقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ لأن جمع ما لا يعقل يخبر عنه، ويوصف بوصف المؤنثات وإن كان المفرد مذكرا. انتهى. جمل من هنا، وهناك.\n ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها:﴾ عن ابن عباس﵄قال: نزلت والرسول ﷺ مختف بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به. انتهى. متفق عليه. وقالت عائشة﵂-:\nنزلت في الدعاء، وهو قول النخعي، ومجاهد، ومكحول. وقال ابن سيرين: كان الأعراب يجهرون بالتشهد، فنزلت. وعنه أيضا: أن أبا بكر كان يسر بقراءته في صلاة الليل، وكان عمر يجهر بها﵄وأرضاهما، فسألهما رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال أبو بكر -﵁إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي إليه. وفي رواية عنه: لقد أسمعت من ناجيت. وقال عمر﵁-: أنا أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية قال الرسول ﷺ لأبي بكر: ارفع قليلا. وقال لعمر: اخفض قليلا. ذكره الطبري، وغيره، وهذا يعني: أن الآية مدنية، والمعتمد أنها مكية، فيكون ما ذكر من أمر الرسول ﷺ لعمر بالتوسط بين الجهر والإسرار استدلالا بهذه الآية لا سببا لنزولها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. والجهر:\nرفع الصوت، والمخافتة: خفضه. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: اطلب، أو اقصد طريقا وسطا بين الجهر، والإسرار. وانظر شرح (بين) في الآية رقم [٤٥] وشرح ﴿سَبِيلًا﴾ في الآية رقم [٤٢].\nتنبيه: عبر ﷾ بالصلاة هنا عن القراءة، كما عبر بالقراءة عن الصلاة في الآية رقم [٧٨] لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة، وركوع، وسجود، فهي من جملة أجزائها، فعبر بالجزء عن الجملة، وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز، وهو كثير. انتهى. قرطبي.\nأما بعد؛ فعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إن لله ﷿ تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، إنه وتر، يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة، وهي: هو الله الذي لا إله","vol":"5","page":421},{"text":"إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الولي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور».\nرواه الطبراني في جامعه.\nوقول الرسول ﷺ: «من أحصاها». قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: معناه: من حفظها. هكذا فسره البخاري، والأكثرون، ويؤيده: أن في رواية الصحيح «من حفظها دخل الجنّة» وقيل: معناه: من عرف معانيها، وآمن بها. وقيل: معناه: من أحصاها بحسن الرعاية لها، والتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها. انتهى، نقلا عن النووي. هذا؛ والمقيت: المقتدر، فيرجع لمعنى القادر قال تعالى في الآية رقم [٨٥] من سورة (النساء): ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. وقيل: معناه: من شاهد النجوى، فأجاب، وعلم البلوى، فكشف، واستجاب. وقيل:\nهو المتكفل بأرزاق العباد. فيرجع إلى القدرة.\nالإعراب: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اُدْعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر الشرح لتقدير: مفعوله، أو مفعوليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿اُدْعُوا الرَّحْمنَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَيًّا:﴾ اسم شرط جازم مفعول به مقدم، والتنوين عوض من المضاف إليه؛ إذ الأصل: أي: هذين الاسمين تدعوا.\nو﴿ما:﴾ زائدة. وقيل: شرطية مؤكدة ل: ﴿أَيًّا﴾. ﴿تَدْعُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَسْماءُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْحُسْنى:﴾ صفة له مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: ناهية. ﴿تَجْهَرْ:﴾","vol":"5","page":422},{"text":"مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلِ..﴾.\nإلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِصَلاتِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَابْتَغِ:﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿سَبِيلًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة التي ذكرتها مرارا. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَابْتَغِ..﴾. إلخ معطوفة على الجمل السابقة لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2140\"></span>﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾\nالشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذه الآية رادة على اليهود، والنصارى، والعرب في قولهم أفذاذا: عزير، وعيسى، والملائكة ذرية الله سبحانه. تعالى الله عن أقوالهم! ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ أي: لا شريك له في ملكه، ولا في عبادته. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي:\nلم يذل، فيحتاج إلى ولي، ولا ناصر لعزته، وكبريائه. وقال مجاهد: المعنى: لم يحالف أحدا، ولا ابتغى نصر أحد. ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظمه تعظيما كاملا، وقدّسه تقديسا تامّا عن أن يكون له ولد، أو شريك، أو ولي، وإذا كان منزها عما ذكر، كان مستوجبا لجميع أنواع المحامد. انتهى.\nروى الإمام أحمد في مسنده، عن معاذ الجهني﵁عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: «آية العز: الحمد لله الذي...» إلخ وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده﵃قال: كان النبي ﷺ إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾.\nإلخ. وقال عبد الحميد بن واصل: سمعت عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ: وقل:\nالحمد لله... إلخ كتب الله له من الأجر مثل الأرض والجبال؛ لأن الله تعالى يقول فيمن زعم أنّ له ولدا: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا» وجاء في الخبر: أن النبي ﷺ أمر رجلا شكا إليه الدين بأن يقرأ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ..﴾. إلى آخر السورة، ثم يقول: توكلت على الحي الذي لا يموت ثلاث مرات. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَقُلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ثابت لله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ل: ﴿لِلّهِ،﴾ أو بدل منه، أو عطف","vol":"5","page":423},{"text":"بيان عليه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتَّخِذْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿وَلَدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لِلّهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شَرِيكٌ:﴾ اسمه مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت الفعل تاما ف: ﴿شَرِيكٌ﴾ فاعله، وله متعلقان ب ﴿شَرِيكٌ،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ، والجملة الفعلية:\n ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْمُلْكِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَرِيكٌ﴾ وجملة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وإعرابها مثل إعراب ما قبلها بلا فارق. ﴿وَكَبِّرْهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (كبّره): أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت»، والهاء: مفعول به. ﴿تَكْبِيرًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿وَقُلِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر.\nانتهت سورة (الإسراء) بعونه تعالى تفسيرا وإعرابا.\n**","vol":"5","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2105>سورة الكهف</span>\n<span id=\"aya-2141\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾\nالشرح: قال الخازن﵀-: أثنى الله ﷾ على نفسه بإنعامه على خلقه، وعلم عباده كيف يثنون عليه، ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم، وهي الإسلام، وما أنزل على عبده محمد ﷺ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم، وفوزهم. وخص رسول الله ﷺ بالذكر؛ لأن إنزال القرآن، كان نعمة عليه على الخصوص، وعلى سائر الناس على العموم. انتهى. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أي: لم يجعل فيه شيئا من العوج باختلاف في اللفظ، أو اختلال في المعنى، والعوج بكسر العين، وفتحها، وقد فرق العرب بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول: في دينه عوج بالكسر، وفي الجدار عوج بالفتح. وقيل: العوج في المعاني كالعوج في الأعيان. وانظر الآية رقم [١٠٧] من سورة (طه) تجد ما يسرك.","vol":"5","page":425},{"text":"﴿لِلّهِ:﴾ (الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسمّ به أحد سواه. قال تعالى:\n ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تعلم أحدا تسمى (الله) غير الله، وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٥] من سورة (مريم) ﵍.\nالإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ثابت لله، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جرّ صفة لله، أو بدل منه. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿عَلى عَبْدِهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾.\nإلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِوَجًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ في محل نصب حال من ﴿الْكِتابَ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وأجيز عطفها على جملة الصلة. وقيل: هي معترضة بين الحال ﴿قَيِّمًا،﴾ وصاحبها، وهو ﴿الْكِتابَ﴾ وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-2142\"></span>﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾\nالشرح: ﴿قَيِّمًا:﴾ مستقيما معتدلا، لا إفراط فيه، ولا تفريط، أو قيما بمصالح العباد، فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال، أو قيما على الكتب السابقة يشهد بصحتها. انتهى.\nبيضاوي. وقرأه العامة بالتشديد، فأصله: قيوما، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، وقرأه أبان بن تغلب: «(قيما)» بكسر القاف وفتح الياء مخففة، فأصله قوما، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦٢] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٥] من سورة (النساء)، والآية رقم [٩٧] من سورة (المائدة) وذكر الاستقامة بعد نفي العوج للتأكيد، وربّ مشهود له بالاستقامة لا يخلو عن أدنى عوج عند السبر، والصفح. هذا؛ وفي «القاموس» وغيره: القيّم على الأمر متوليه، كقيّم الوقف، والقيّم على اليتيم... إلخ، وقيّم المرأة:\nزوجها، وأمر قيّم مستقيم، والديانة القيّمة المستقيمة. قال تعالى: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.\n ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ أي: لينذر الذين كفروا عذابا شديدا عاجلا في الدنيا، وعذابا أليما في الآخرة. ﴿مِنْ لَدُنْهُ:﴾ من عند الله تعالى. وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [٨٠] من سورة","vol":"5","page":426},{"text":"(الإسراء). ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. ﴿أَجْرًا حَسَنًا:﴾ هو الجنة وما فيها من النعيم الدائم الذي لا ينقطع. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿قَيِّمًا:﴾ حال من ﴿الْكِتابَ،﴾ أو من الضمير في ﴿لِلّهِ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: جعله قيما. وقدره ابن هشام بقوله: (أنزله قيما) على أنّ ﴿قَيِّمًا﴾ حال من مفعول الفعل المحذوف، وعلى الأول: فهو من تعدد الحال مختلفا بالأفراد، والجملة، أو من تداخلها. تأمل، وتدبر. وقال أبو حيان: ﴿قَيِّمًا﴾ بدل من جملة: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا؛﴾ لأنها في معنى المفرد؛ أي: جعله مستقيما. ﴿لِيُنْذِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الْكِتابَ،﴾ والمفعول الأول: محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿بَأْسًا:﴾\nمفعول به ثان. ﴿شَدِيدًا:﴾ صفة له. ﴿مِنْ لَدُنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل (ينذر) المستتر؛ أي: صادرا من لدنه. وأجيز تعليقهما بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿بَأْسًا﴾ وتعليقهما بمحذوف حال من الضمير في ﴿شَدِيدًا﴾. و(لدن) مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل (ينذر) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿وَيُبَشِّرَ:﴾ معطوف على ينذر منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿الْكِتابَ﴾. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة ﴿الْمُؤْمِنِينَ،﴾ أو بدل منه. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرًا:﴾ اسمها مؤخر. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة له، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكونهم مأجورين... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يبشر). تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2143\"></span><span id=\"aya-2144\"></span>﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا (٤)﴾\nالشرح: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا:﴾ مقيمين في ذلك الأجر، وهو دار الخلود لا يموتون، ولا يخرجون منها أبدا. هذا؛ وماكث اسم فاعل من مكث، يمكث بمعنى أقام يقيم، والمصدر:\nالمكث. قال الكميت يذم ولاة السوء: [الطويل]\nفتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟\nوالمكث: بضم الميم، وتكسر، وهذا على أنّه اسم، وأما المصدر، فإن كان فعله من باب:\nنصر؛ فهو بضم الميم أيضا، وإن كان من باب كرم؛ فهو بفتح الميم.","vol":"5","page":427},{"text":"﴿وَيُنْذِرَ:﴾ يخوف بالتهديد، والوعيد. ﴿الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا:﴾ وهم اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: عيسى ابن الله، ومشركو العرب الذين قالوا:\nالملائكة بنات الله. هذا؛ و(الأبد): الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا؛ فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. هذا؛ وقيد سبحانه المكث بالأبد حتى لا يفهم منه المكث الطويل الذي ينقطع، ولا يدوم.\nالإعراب: ﴿ماكِثِينَ:﴾ حال من الضمير في: ﴿لَهُمْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء.. إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿ماكِثِينَ﴾. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا.\n ﴿وَيُنْذِرَ:﴾ معطوف على لينذر، منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الكتاب) أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾\nاسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني: محذوف، تقديره: عذابا شديدا، بخلاف الأول، فإنه حذف منه المفعول الأول: كما رأيت، فقد حذف من كل منهما ما ذكر في الآخر، ومثل هذا يسمى في الكلام احتباكا. ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2145\"></span>﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: ليس للكافرين الذين يزعمون أن الله اتخذ ولدا، ليس لهم علم بالولد، أو باتخاذه، أو بالقول الذي يفترونه، والمعنى: أنهم يقولونه عن جهل مفرط، وتوهم كاذب، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به. أو المعنى:\nلا يعرفون الله حق المعرفة، ولو عرفوه لما جوزوا نسبة اتخاذ الولد إليه. ﴿وَلا لِآبائِهِمْ﴾ أي:\nوليس لآبائهم علم بما تقوّلوه، وافتروه من قبلهم.\n ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ أي: عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التشبيه، والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه، ويخلفه إلى غير ذلك من الزيغ والضلال. هذا؛ وجمع ﴿أَفْواهِهِمْ﴾ على الأصل؛ لأن الأصل في: فم: فوه مثل: حوض، وأحواض. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا﴾ أي: قولهم: اتخذ الله ولدا كذب صراح؛ لكونه في غاية الفساد، والبطلان، فكان يجري على لسانهم على سبيل التوهم، والتقليد بدون تعقل، وتفكر، وتدبر. هذا؛ والمراد: ب: ﴿كَلِمَةً﴾ الكلام الكثير. وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nوانظر شرح (الكذب) في الآية رقم [١٠٥] من سورة (النحل).","vol":"5","page":428},{"text":"الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وأجيز تعليقهما ب: ﴿عِلْمٍ﴾. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها: اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿لِآبائِهِمْ:﴾ معطوفان على ﴿لَهُمْ﴾. ﴿كَبُرَتْ:﴾ ماض محول إلى باب: فعل لإنشاء الذم، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى قولهم: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ انظر الشرح. ﴿كَلِمَةً:﴾ تمييز، ويقرأ بالرفع على أنها فاعل. ﴿تَخْرُجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿كَلِمَةً﴾. ﴿مِنْ أَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَخْرُجُ..﴾. إلخ صفة كلمة على القراءتين فيها، وجملة: ﴿كَبُرَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿كَذِبًا:﴾ مفعول به، وجاز ذلك؛ لأنه بمعنى: كلام كثير، أو هو صفة مصدر محذوف؛ أي: قولا كذبا، وجملة: ﴿إِنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2146\"></span>﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَعَلَّكَ:﴾ يا محمد. ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ:﴾ مهلك نفسك، وقاتلها. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾\nمن بعدهم، شبهه وإياهم حيث تولوا عنه، وأعرضوا عن دعوته، ولم يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به، وما تداخله من الحزن الشديد على توليهم برجل فارقته أحبته، فهو يتساقط حسرات عليهم، ويهلك نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم. ففي الكلام استعارة تمثيلية، والمراد:\nب: ﴿الْحَدِيثِ﴾ القرآن، كما هو في كثير من الآيات، و(الأسف) المبالغة في الحزن، ولقد أسف يعقوب على فراق ولديه، كما رأيت في الآية رقم [٨٤] من سورة (يوسف) على حبيبنا، وشفيعنا وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح نفسك في الآية [٥٣] منها أيضا. وانظر شرح الإيمان في الآية رقم [٣٨] من سورة (النحل)، وبخع نفسه: قتلها غما. وقال ذو الرّمة: [الطويل]\nألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه... بشيء نحته عن يديه المقادر\nالإعراب: ﴿فَلَعَلَّكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لعلك): حرف مشبه بالفعل، والترجي هنا ليس على بابه، بل المقصود من هذا الترجي النهي؛ أي: لا تبخع نفسك؛ أي: لا تهلكها غما على عدم إيمانهم. وقيل: هو للإشفاق على بابها. هذا؛ والفرق بين الترجي، والإشفاق: أن الأول: في المحبوب، والثاني: في المكروه، وما في الآية من هذا القبيل. وقيل: لعل هنا للاستفهام، وهو رأي: الكوفيين، ومثل الآية الآية رقم [٣] من سورة (الشعراء). والكاف","vol":"5","page":429},{"text":"اسمها. ﴿باخِعٌ:﴾ خبر (لعلّ)، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَفْسَكَ:﴾ مفعول به ل: ﴿باخِعٌ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، ولا يعمل اسم الفاعل إلا إذا كان حكاية حال ماضية، كما في الآية رقم [١٨] الآتية، أو كان بمعنى: الحال، أو الاستقبال، ولا يعمل إذا كان بمعنى: الماضي المحض. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿باخِعٌ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِهذَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء حرف تنبيه، لا محل له مقحم بين اسم الإشارة والجار. ﴿الْحَدِيثِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، ويقال: صفة له.\n ﴿أَسَفًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو مصدر في موضع الحال من الضمير في ﴿باخِعٌ،﴾ والعامل فيه على الاعتبارين باخع مع تباعد ما بينهما، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير:\nإن لم يؤمنوا... فلا تبخع نفسك عليهم. هذا؛ وقرئ بفتح همزة (أن) على اعتبارها مصدرية، تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لعدم إيمانهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿باخِعٌ﴾ أيضا، والجملة الاسمية: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2147\"></span>﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها﴾ أي: ممّا يصلح أن يكون زينة لها، ولأهلها من زخارف الدنيا، وما يستحسن منها، فالمراد: النبات، والأشجار، والأنهار، وفي هذه الأيام:\nالبناء، وما يتعلق به من تقدم الحضارة، من: كهرباء، وتقدم المواصلات في الأرض، والهواء... إلخ. وقيل: أراد به الرجال خاصة، فهم زينة الأرض. وقيل: أراد به العلماء والصلحاء. وقيل: المراد: جميع ما في الأرض. وهو المعتمد، فإن قيل: أية زينة في الحيات، والعقارب، وجميع الهوام المؤذية، والشياطين من الإنس والجن، فالجواب زينتها تدل على وحدانية الله، وكمال قدرته. انتهى. خازن بتصرف.\n ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: لنعاملهم معاملة المختبر لأحوالهم كيف يعملون، فإن ما خلقه الله في الأرض زينة لها، ولهم، وأسباب، ومواد لوجود بني آدم ومعاشهم، وما تحتاج إليه أعمالهم، ودلائل، وأمارات يستدلون بها، ويستنبطون منها معرفة الواحد الأحد، فيبعثهم ذلك على الإيمان به، وإخلاص العبادة له. فعن عبد الله بن عمر﵄-: أن النبي ﷺ تلا: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ من سورة (هود)، ثم قال: «أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله». هذا؛ والابتلاء الاختبار يكون في الخير، والشر. قال تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ رقم [١٦٧] من سورة (الأعراف).","vol":"5","page":430},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت النون، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿عَلَى الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿زِينَةً:﴾ أجيز اعتباره مفعولا لأجله، وحالا على اعتبار ﴿جَعَلْنا﴾ بمعنى: خلقنا، ومفعولا ثانيا إن كان بمعنى: صيرنا. ﴿لَها:﴾ متعلقان بزينة، أو بمحذوف صفة لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة. وقيل: تعليل للنهي المقصود من الترجي، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿لِنَبْلُوَهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿أَيُّهُمْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره. ﴿عَمَلًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿(أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)﴾ في محل نصب مفعول به ثان، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلْنا﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَيُّهُمْ﴾ اسما موصولا بمعنى: (الذي) و﴿أَحْسَنُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية هذه صلة له، ويكون هذا الموصول في محل نصب بدلا من مفعول ﴿لِنَبْلُوَهُمْ،﴾ تقديره: لنبلو الذي هو أحسن، وعليه فالضمة للبناء، والمعتمد الأول، ويؤيده الآية رقم [٧] من سورة (هود) ﵇.\n\n<span id=\"aya-2148\"></span>﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾\nالشرح: (الصعيد): التراب، والصعيد: وجه الأرض مطلقا، وبالأول: فسر الشافعي رحمه تعالى قوله جل ذكره: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وبالثاني: فسره أبو حنيفة رحمه الله تعالى.\nوجمعه: صعد. والصعيد: الطريق، وقد جاء في الحديث: «إياكم والقعود على الصّعدات».\nوعن أبي الدرداء﵁عن النبي ﷺ. قال: «لو تعلمون ما أعلم؛ لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله، لا تدرون تنجون، أو لا تنجون؟!».\nرواه الحاكم وانظر الآية رقم [٤٠]. هذا؛ و(الجرز) الأرض التي لا تنبت شيئا، وجمعها:\nأجراز، ويقال: سنة جرز، وسنون أجراز؛ أي: لا مطر فيها، وتكون فيها جدوبة، ويبس، وشدة. قال ذو الرمة يصف إبلا: [الطويل]\nطوى النّحز والأجراز ما في بطونها... فما بقيت إلاّ الضّلوع الجراشع\nوالجروز المرأة الأكول. قال الراجز: [الرجز]\nإنّ العجوز خبّة جروزا... تأكل كلّ ليلة قفيزا\nهذا؛ ويستشهد بهذا البيت على نصب «إنّ» لاسمها، وخبرها. ورجل جروز: إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله. قال الراجز: [الرجز]\nخبّ جروز وإذا جاع بكى... ويأكل التّمر ولا يلقي النّوى","vol":"5","page":431},{"text":"هذا؛ والجرز، والجرز بمعنى: واحد. هذا؛ والجرز هنا فسرناه بما رأيت، والجرز أيضا الأرض التي جرز نباتها؛ أي: قطع وأزيل، ودليله قوله تعالى في الآية رقم [٢٧] من سورة (السجدة): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ بدليل قوله تعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ وبالجملة فإن معنى الجرز: هي التي لا تنبت، أو التي أكل نباتها، وهو ما في القاموس المحيط. ومعنى الآية الكريمة: إنا لنعيد ما على الأرض من الزينة ترابا مستويا من الأرض، ونجعله كصعيد أملس لا نبات فيه. وجرزه الزمان: اجتاحه. قال تبع: [الكامل]\nلا تسقني بيديك إن لم ألقها... جرزا كأنّ أشاءها مجروز\nالإعراب: ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. إنا: حرف مشبه بالفعل. وانظر الآية السابقة.\n ﴿لَجاعِلُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (جاعلون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وفاعله مستتر فيه تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول ل: ﴿لَجاعِلُونَ؛﴾ لأنه اسم فاعل يعمل عمل فعله. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿صَعِيدًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿جُرُزًا:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2149\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ أي: بل أحسبت؛ أي: أظننت يا محمد أنّ قصة أصحاب الكهف والرقيم، وهذه الهمزة المقدرة للاستفهام الإنكاري مع ملاحظة معنى النهي؛ أي: لا تظن أنها عجب مستغرب دون غيرها من الآيات الدالة على قدرة الله تعالى كخلق السموات، والأرض، أو لا تظن: أنّها أعجب الآيات، بل من الآيات ما هو أعجب، وأعظم منها كخلق السموات والأرض. انتهى. جمل.\nهذا؛ و(حسب) من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها.\nوالمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا-من باب: قتل-بمعنى: أحصيته عددا.\nوانظر شرح: (صاحب) أو (أصحاب) في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) ﵇، وشرح آيات في الآية رقم [١] من سورة (الحجر).\nو﴿الْكَهْفِ﴾ الغار الواسع في الجبل، فإن لم يتسع؛ فهو غار، والجمع: كهوف، ومن المجاز قولهم: فلان كهف قومه؛ أي: ملجؤهم، وملاذهم، و(الرقيم) هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف، وقصتهم، ثم وضع على باب الكهف، وكان اللوح من رصاص. وقيل: من حجارة، وعن ابن عباس﵄-: إنّ الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف.","vol":"5","page":432},{"text":"وقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف. وقيل: اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف. وقيل: هو كلبهم. قال أمية بن أبي الصلت: [الطويل]\nوليس بها إلاّ الرقيم مجاورا... وصيدهم، والقوم في الكهف همّد\nهذا؛ وانفرد البيضاوي بقوله: وقيل: هم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهليهم، وذكر حديث الثلاثة الذين، آواهم المبيت إلى غار، وقد ذكره الحافظ المنذري رحمه الله تعالى في كتاب الترغيب، والترهيب في باب الإخلاص، وفي باب بر الوالدين، وغيرهما.\nأما (العجب) بفتح العين، والجيم، فهو انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب: العجب حالة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة: «أعجبني كذا»: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. هذا؛ والعجب بضم العين وسكون الجيم رؤية النفس، وحقيقته: أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما، أو ورعا، أو أدبا، أو غير ذلك، ويعتقد: أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم وبئس المصير، وهذا لا يكون إلا من ضعيف الإيمان، وناقص العقل، وميت الضمير، والوجدان الإنساني، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nملأى السنابل تنحني بتواضع... والفارغات رءوسهنّ شوامخ\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿حَسِبْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿أَصْحابَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْكَهْفِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالرَّقِيمِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ آياتِنا:﴾\nمتعلقان ب: ﴿عَجَبًا﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» وجوز تعليقهما بمحذوف خبر (كان) و﴿عَجَبًا﴾ خبر ثان، أو حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسدّ مفعولي (حسب)، وجملة: ﴿أَمْ حَسِبْتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2150\"></span>﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: نزلوه، وسكنوه، والتجئوا إليه. يقال: أوى إلى منزله من باب: ضرب إذا نزله بنفسه، وسكنه، و﴿الْفِتْيَةُ:﴾ الشباب، وكانوا سبعة. وانظر الآية","vol":"5","page":433},{"text":"رقم [٦٢] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ:﴾ أعطنا من عندك. ﴿رَحْمَةً﴾ أي: رحمة من خزائن رحمتك، وجلائل فضلك، وإحسانك، وهب لنا الهداية والنصر على الأعداء. ﴿وَهَيِّئْ لَنا﴾ أي: أصلح لنا، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء. وانظر: ﴿لَدُنْكَ:﴾\nفي الآية رقم [٨٠] من سورة (الإسراء).\nتنبيه: ملخص قصة أصحاب الكهف: أنهم كانوا شبانا من أشراف الروم مردا، وكانوا سبعة على المعتمد، أرادهم الملك دقيانوس على الشرك، وعبادة الأوثان، كما أجبر أهل المدينة على ذلك، ومن لم يستجب له قتله، فخرج هؤلاء الفتية من مدينتهم خائفين على إيمانهم، واسم مدينتهم: أفسوس عند أهل الروم، واسمها عند العرب: طرسوس، وثبت: أنها في بلاد تركيا اليوم، فلما أمرهم الملك بالشرك ذهب كل واحد منهم إلى بيت أبيه، فأخذ منه زادا، ونفقة، وخرجوا فارين هاربين، حتى أووا إلى كهف في جبل قريب من المدينة، فاختفوا فيه، وصاروا يعبدون الله تعالى، ويأكلون، ويشربون، ويبعثون واحدا منهم خفية ليشتري لهم الطعام من المدينة كلما نفذ زادهم، وهم خائفون من اطلاع أهل المدينة عليهم، فيقتلهم دقيانوس لعدم دخولهم في دينه الفاسد، فجلسوا يوما بعد الغروب يتحدثون، فألقى الله عليهم النوم. وحادثة أصحاب الكهف كانت بعد أن مرج أمر أهل الإنجيل من النصارى، وكثرت فيهم الذنوب والمعاصي، وطغت الملوك؛ حتى عبدوا الأصنام، وذبحوا للطواغيت، وبقيت فيهم بقية على دين المسيح الصحيح متمسكون بعبادة الله وتوحيده، ومن أشدهم تمسكا بعبادة الله هؤلاء الفتية.\nوفي الآيات التالية تقف على تفصيل هذه الحادثة وشرحها إن شاء الله تعالى. وانظر ما أذكره تبعا للآية رقم [٢١] الآتية.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت أوى... إلخ، وابن هشام يعتبره مفعولا به للفعل المقدر، وأجاز أبو البقاء تعليقه ب: ﴿عَجَبًا،﴾ ولا أجيزه، ﴿أَوَى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الْفِتْيَةُ:﴾ فاعله. ﴿إِلَى الْكَهْفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْفِتْيَةُ﴾. التقدير: ملتجئين إلى الكهف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وانظر إعراب (رب) في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) ﵊. ﴿آتِنا:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به أول. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من","vol":"5","page":434},{"text":"﴿رَحْمَةً﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية السابقة. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به ثان، والكلام: ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَوَى..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿وَهَيِّئْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَمْرِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما على مثال ما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿رَشَدًا:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿وَهَيِّئْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-2151\"></span>﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ أي: ضربنا عليها حجابا يمنع السماع، بمعنى: أنمناهم إنامة، لا تنبههم فيها الأصوات، فحذف المفعول الذي هو: الحجاب. ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ أي:\nأنمناهم سنين كثيرة. قال الزجاج: أي: تعد عددا لكثرتها؛ لأن القليل يعلم مقداره من غير عدد، فإذا كثر عد، فأما قولك: دراهم معدودة فهي على القلة؛ لأنهم كانوا يعدون القليل، ويزنون الكثير، وسيأتي بيان هذه السنين في الآية رقم [٢٥]. هذا؛ وفي قوله: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ استعارة تبعية، حيث شبهت الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان، ثم ذكر المشبه به، وأريد المشبه، ثم اشتق منه الفعل: (ضربنا).\nالإعراب: ﴿فَضَرَبْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب «حفظنا» في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر)، والمفعول محذوف كما رأيت في الشرح. ﴿عَلَى آذانِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿فِي الْكَهْفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال؛ أي: حالة كونهم في الكهف. ﴿سِنِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (ضربنا) أيضا منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَدَدًا:﴾ صفة ﴿سِنِينَ﴾ وهي بمعنى: معدودة، أو ذوات عدد، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: تعد عددا، وتعود الجملة صفة ل: ﴿سِنِينَ،﴾ وجملة:\n ﴿فَضَرَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَوَى..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها.\n<span id=\"aya-2152\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أي: أيقظناهم من نومهم. ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: علم مشاهدة، وذلك أن الله ﷿ لم يزل عالما، وإنما أراد ما تعلق به العلم، من ظهور الأمر لهم؛ ليزدادوا إيمانا واعتبارا. انتهى. خازن، وهذا ليس مرادا، بل المراد ليعلم الناس ما ذكر بالمشاهدة. ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ أي: المختلفين في شأن أصحاب الكهف. واختلف فيهما أيضا، فقيل: المراد","vol":"5","page":435},{"text":"بالحزبين: نفس أصحاب الكهف؛ لأنهم لما استيقظوا اختلفوا في مدة لبثهم، كما ستعرفه في الآية رقم [١٩]. وهذا قاله مجاهد. وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم. وقال عطاء عن ابن عباس﵄-: المراد بالحزبين:\nالملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك، وأصحاب الكهف. وعبارة الخازن: وذلك: أن أهل المدينة اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف.\n ﴿أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا﴾ أي: أضبط، وأحفظ لما مكثوا في كهفهم نياما، واختلف في ﴿أَحْصى﴾ فاعتبره الزجاج والتبريزي أفعل تفضيل، واعتبره الزمخشري، وابن عطية فعلا ماضيا.\nقال الزمخشري: فإن قلت: فما تقول فيمن جعله أفعل تفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك: أن بناءه من غير الثلاثي ليس بقياسي. وقال أبو البقاء: وجاء ﴿أَحْصى﴾ على حذف الزيادة، كما جاء: (هو أعطى للمال) و(أولى بالخير). وقال البيضاوي مثله. وقال ابن هشام في المغني: ومن الوهم قول بعضهم في: ﴿أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا:﴾ إنه أفعل تفضيل، فإن الأمد ليس محصيا، بل محصى، وشرط التمييز المنصوب بعد أفعل كونه فاعلا في المعنى، كزيد أكثر مالا، بخلاف مال زيد أكثر مال. هذا؛ و(الأمد) الغاية ومنتهى الشيء، وجمعه: آماد، يقال: طال عليهم الأمد؛ أي: الأجل.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعَثْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَوَى الْفِتْيَةُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿لِنَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: العاقبة، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيُّ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْحِزْبَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَحْصى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، أو هو ماض كما رأيت، فيكون فاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ،﴾ وعلى اعتباره أفعل التفضيل فاعله أيضا مستتر فيه. ﴿لِما:﴾ اللام: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور، متعلقان ب ﴿أَحْصى،﴾ وجملة: ﴿أَحْصى..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَمَدًا،﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩] هذا؛ وقيل: اللام زائدة، و(ما) موصولة في محل نصب مفعول به لأحصى على اعتباره ماضيا، ومفعول به لفعل محذوف على اعتباره أفعل تفضيل، وهو المعتمد، وجملة: ﴿لَبِثُوا:﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: أحصى الذي لبثوه، وهو ضعيف معنى كما ترى. ﴿أَمَدًا:﴾ مفعول ل: ﴿أَحْصى﴾ على اعتبار اللام أصلية، وتمييز على اعتبار اللام","vol":"5","page":436},{"text":"زائدة، والجملة الاسمية: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ..﴾. في محل نصب مفعول به ل: (نعلم) المعلق عن العمل لفظا، وقد سدت مسد المفعولين، إن كان «علم» من أفعال القلوب.\n\n<span id=\"aya-2153\"></span>﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣)﴾\nالشرح: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: نقرأ عليك يا محمد خبر أصحاب الكهف بالصدق. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ أي: شبان. ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: الذي خلقهم وأنعم عليهم بنعم كثيرة. ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً:﴾ إيمانا، وبصيرة ويقينا. وقال السدي: زادهم هدى بكلب الراعي حين طردوه، ورجموه مخافة أن ينبح عليهم، وينبه بهم، فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي، فأنطقه الله، فقال: لم تطردونني؟ لم ترجمونني؟ لم تضربونني؟ فو الله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة، فزادهم الله بذلك هدى. انتهى. قرطبي. والله أعلم بحقيقة ذلك. واختلف في لونه، وفي اسمه اختلافا كبيرا، فذكر ابن عباس﵄أن اسمه: قطمير. انتهى.\nبعد هذا ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نخبرك لتخبر قومك، واليهود الذين سألوك عن خبر أصحاب الكهف لعلهم يعتبرون، فيهتدون للإيمان. هذا؛ والقصص: تتبع الأثر، يقال: قص فلان أثر فلان؛ أي:\nتتبعه؛ ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول أم موسى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي:\nاتبعي أثره، وإنما سميت الحكاية: قصة؛ لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا.\nوالنبأ: الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأخبار. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق: أن يتعرى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. هذا؛ وفعله يتعدى في الأصل لثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل من (نبأ) غير مضمن معنى أعلم، فلذلك يعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، وهو كثير في كتاب الله تعالى مثل قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾.\nهذا؛ و﴿هُدىً﴾ أصله: «هديا» بضم الهاء وفتح الدال، وتحريك الياء منونة فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف، والتنوين؛ الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (هدى) وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة الأصلية، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها. وقالوا: «هدا» فلا يوجد ما يدل عليها.\nبعد هذا انظر «نا» في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] منها، وشرح «زاد، يزيد» في الآية [٤١] منها أيضا. هذا؛ وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة كما ترى، انظر الآية [٢٢] من سورة (النحل).","vol":"5","page":437},{"text":"الإعراب: ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نَقُصُّ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نَبَأَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿نَقُصُّ﴾ أو من مفعوله، وجملة:\n ﴿نَقُصُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾\nحرف مشبه، والهاء اسمها. ﴿فِتْيَةٌ:﴾ خبر (إنّ)، وجملة: ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ في محل رفع صفة فتية، وجملة: ﴿وَزِدْناهُمْ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع صفة مثلها. ﴿هُدىً:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها وقيل: تمييز، ولا وجه له البتة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر، اقتضاه ما قبلها، فكأنه قيل: ما نبؤهم؟. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2154\"></span>﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: وقويناها بالصبر على هجر الوطن، والأهل، والمال، والجراءة على إظهار الحق، والرد على دقيانوس الكافر الجبار؛ حيث مثلوا بين يديه، وتوعدهم بالقتل، إن لم يعبدوا الأصنام؛ التي اخترعها وابتدعها. وفيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأن الربط هو الشّدّ بالحبل.\nوقال ابن عطية: تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله تعالى: ﴿إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال القرطبي: قلت: وهذا تعلق غير صحيح، هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروه لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم، خائفين من قومهم، وهذه سنة الله في الرسل، والأنبياء، والفضلاء، والأولياء، أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام، والرقص بالأكمام، وخاصة في هذا الزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد، والنسوان؟! هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء! وقال الإمام أبو بكر الطّرسوسيّ، وسئل عن مذهب الصوفية، فقال: وأما الرقص، والتواجد، فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، قاموا يرقصون حوله، ويتواجدون، فهو دين الكفار، وعباد العجل. انتهى. قرطبي. وهذا تحامل على الصوفية كبير.\nفقالوا: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ..﴾. إلخ: فيه إخلاص العبادة لله تعالى، وتبرؤ من عبادة الأصنام التي دعا إليها دقيانوس. هذا؛ والشطط: الجور، أو الكذب، أو البعد عن جادة الحق. قال أعشى بني قيس بن ثعلبة: [البسيط]\nأتنتهون ولن ينهى ذوي شطط... كالطّعن يذهب فيه الزيت والفتل","vol":"5","page":438},{"text":"هذا؛ ودونه: من الدنو، وهو القرب، ومنه: تدوين الكتب؛ لأنه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى: قدام. قال الشاعر: [الطويل]\nتريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق\nهذا؛ ومثله: أدنى، وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان:\nأحدهما أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني: أن يكون بمعنى:\nالقريب منكم لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أمر الله تعالى؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء حكاية عن قول موسى﵇لهم: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من دنؤ، يدنؤ، فهو دنئ، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله:\nأدون من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري.\nالإعراب: ﴿وَرَبَطْنا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿رَبَطْنا):﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿قامُوا﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿فَقالُوا:﴾ ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والألف للتفريق. وانظر إعراب ﴿دَخَلُوا﴾ في الآية رقم [٥٢] من سورة (الحجر)، والجملة الفعلية مع مقولها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وجملة: ﴿وَرَبَطْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَوَى الْفِتْيَةُ..﴾.\nإلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿رَبُّنا:﴾ مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبُّ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿رَبُّ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه مثل سابقه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿رَبُّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿نَدْعُوَا:﴾ مضارع منصوب ب:\n ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، ومفعوله الأول: محذوف، إن كان بمعنى:\nنسمي، ولا حذف إن كان بمعنى: نعبد. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من إلها كان صفة له... على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿إِلهًا:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿لَنْ نَدْعُوَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل... إلخ. ﴿شَطَطًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قلنا قولا شططا. وقال سيبويه: نصبه على الحال من ضمير مصدر ﴿قُلْنا﴾. وقيل: إنه مفعول ب: ﴿قُلْنا،﴾ لتضمنه معنى الجملة. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وهناك شرط","vol":"5","page":439},{"text":"محذوف، قدره الجلال-رحمه الله تعالى-بقوله: «لقد قلنا إذا شططا إن دعونا إلها غير الله فرضا» والكلام كله في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2155\"></span>﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا (١٥)﴾\nالشرح: ﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً:﴾ هذا الكلام قالوه بحضرة دقيانوس أشاروا إلى أهل مدينتهم، والمقصود هو بالذات؛ لأنه هو الذي أجبر الناس على عبادة الأصنام، ففيه تعريض له. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ:﴾ على الأصنام، والمراد: على عبادتها، وجمعت الأصنام جمع المذكر العاقل على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤٢] من سورة (الإسراء).\n ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ:﴾ بحجة قوية ظاهرة على دعواهم. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم، وأكفر، وأشقى. ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي: من الذي يختلق الكذب على الله، وذلك بعبادة غيره، ونسبة الشريك إليه.\nالإعراب: ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿قَوْمُنَا:﴾ مبتدأ ثان، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿هؤُلاءِ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿قَوْمُنَا﴾ خبرا مفردا عن ﴿هؤُلاءِ،﴾ وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿قَوْمُنَا،﴾ والعامل اسم الإشارة، وهي على تقدير قد قبلها، كما يجوز اعتبار قومنا بدلا من ﴿هؤُلاءِ﴾ أو عطف بيان عليه، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ هي خبر ﴿هؤُلاءِ،﴾ أوجه كلها قوية، وقد مر معنا كثير من ذلك. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول به ثان قدم على الأول، إن اعتبرت الفعل متعديا لاثنين، وهو بمعنى: صيروا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿آلِهَةً﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يَأْتُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو غير ظاهر. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَيِّنٍ:﴾ صفة (سلطان) والجملة: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا كالجملة الاسمية قبلها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء:\nحرف استئناف. (من): اسم استفهام معناه النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِمَّنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و(من) اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿اِفْتَرى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. ﴿عَلَى﴾","vol":"5","page":440},{"text":"﴿اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿كَذِبًا،﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿كَذِبًا:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2156\"></span>﴿وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ..﴾. إلخ: فالمعنى: وقال بعضهم لبعض: اذكروا حين اعتزلتم هؤلاء الكافرين واعتزلتم عبادتهم إلا عبادة الله، فأنتم متمسكون بها. والمراد: بالاعتزال:\nاعتزال العقيدة، أو اعتزال الأجسام، وكلاهما قد وقع فعلا. ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ:﴾ التجئوا إلى الكهف، واختبئوا فيه. ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ..﴾. إلخ: يبسط لكم ربكم رحمة من خزائن رحمته في الدنيا، والآخرة. وقال البيضاوي: يبسط الرزق لكم، ويوسع عليكم،. انتهى وليس هذا مرادا هنا فيما أرى. ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا:﴾ يسهل لكم أموركم، وما تحتاجون إليه من أمر الدنيا، والآخرة، و(المرفق) ما يرتفق؛ أي: ما ينتفع به، وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل الله، وقوة في رجائهم، لتوكلهم عليه، وصحة يقينهم، وسلامة عقيدتهم. هذا؛ وقرئ: ﴿مِرْفَقًا﴾ بكسر الميم وفتح الفاء، وبالعكس، فقيل: هما بمعنى: واحد، وهو ما يرتفق به، وليس بمصدر.\nوقيل: بكسر الميم لليد الجارحة، وبفتحها للأمر، وهو معنوي، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، حكاه الأزهري عن ثعلب. وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به، فأما الجارحة فبكسر الميم فقط. انتهى. جمل. وهو في اليد الموصل بين الساعد والعضد، وجمعه مرافق.\nقال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾.\nالإعراب: ﴿وَإِذِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكروا، وقت... إلخ، وهذه الجملة في محل نصب مقول القول. انظر الشرح لتقدير هذا القول. ﴿اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون. والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. هذا؛ واعتبر ابن هشام (إذ) في شذور الذهب حرف تعليل، وقدر الكلام كما يلي: ولأجل اعتزالكم إياهم.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): أجيز فيها اعتبارها موصولة، ونكرة موصوفة، ومصدرية، ونافية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الضمير المنصوب، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: والذي، أو: وشيئا يعبدونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب معطوف على","vol":"5","page":441},{"text":"الضمير المنصوب، ويكون التقدير: وإذ اعتزلتموهم، وعبادتهم. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على الاستثناء، وهو على حذف مضاف؛ إذ التقدير: إلا عبادة الله، وعلى التقديرين فالاستثناء متصل على تقدير كونهم مشركين كأهل مكة، ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان، وعلى اعتبار (ما) نافية فإنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد، وتكون الجملة معترضة بين إذ وجوابها. ﴿فَأْوُوا:﴾ الفاء: قال الفراء: واقعة في جواب (إذ)، كما تقول: إذ فعلت فافعل كذا. وقيل: دليل على جوابه، التقدير: إذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف. انتهى. وهذا يفيد أن (إذ) شرطية، مع أنها بدون (ما) لا تقع شرطية، بل تكون ظرفية، أو تعليلية، وقد نقل السيوطي في «همع الهوامع» أنه قول ضعيف لبعض النحاة، أو يقال: هو تسمّح؛ لأنه بمعناه. انتهى. جمل.\n ﴿فَأْوُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا فعلتم ما فعلتم من الاعتزال فأووا، وبعضهم يعتبرها حرف عطف، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، (اؤووا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الْكَهْفِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها حسب ما رأيت الكلام في الفاء المقترنة بها. ﴿يَنْشُرْ:﴾\nمضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط مقدر. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به.\n ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَنْشُرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء. ﴿وَيُهَيِّئْ:﴾ معطوف على ﴿يَنْشُرْ﴾ مجزوم، والفاعل يعود إلى ربكم. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَمْرِكُمْ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مِرْفَقًا،﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩] ﴿مِرْفَقًا:﴾ مفعول به.\n\n<span id=\"aya-2157\"></span>﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَّزوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ..﴾. إلخ: قيل هنا ثلاث جمل محذوفة، تقديرها فأووا إلى الكهف، وناموا، وأجاب الله دعاءهم حيث قالوا: ﴿رَبَّنا آتِنا..﴾. إلخ. والخطاب للنبي ﷺ، أو لكل أحد، وليس المراد: أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه أنك لو رأيتهم لرأيت الشمس. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ:﴾ تتنحى وتميل، وقرئ: «(تزور)»، و«(تزّاور)»، و«(تزّوارّ)» وكلها بمعنى: الميل، والإعراب لا يتغير. ﴿ذاتَ الْيَمِينِ:﴾ جهة اليمين. ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ:﴾ تتركهم، وتدعهم.","vol":"5","page":442},{"text":"والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم الشمس البتة كرامة لهم، وهو قول ابن عباس﵄يعني: أن الشمس إذا طلعت؛ مالت عن كهفهم ذات اليمين؛ أي: يمين الكهف وإذا غربت؛ تمر بهم جهة الشمال؛ أي: شمال الكهف، فلا تصيبهم في ابتداء النهار، ولا في آخره، وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية، لا تبلغهم لتؤذيهم بحرها، وتغير ألوانهم، وتبلي ثيابهم، وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من آيات الله دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك. انتهى قرطبي بتصرف.\n ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ:﴾ وهم في متسع من الكهف؛ أي: في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء، ولا يؤذيهم كرب الغار، ولا حر الشمس، فيقع شعاعها على جانبيه، فيحلل عفونته، ويعدل هواءه.\n ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ أي: ما فعل الله بأصحاب الكهف كل ذلك من عجائب قدرته، ودلائل عظمته. ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أي: من هداه الله للإيمان، فهو الذي أصاب الفلاح والنجاح، والمراد: به إما الثناء على أصحاب أهل الكهف، أو التنبيه على أنّ أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفقه الله تعالى للتأمل فيها، والاستبصار بها. وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء). ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ أي: ومن سبق له في حكم الله الأزلي، وتقديره الأبدي بالضلال، والجهل، فلا يوجد له نصير، أو حبيب يرشده إلى الإيمان، ولا يجدي معه وعظ، ولا نصح، ولا إرشاد مهما قدمت له من البراهين، ومهما ضربت له من الأمثلة والحجج. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد).\nتنبيه: ذكر الخازن: أن الملك الظالم الذي فروا منه بنى على باب الكهف سدا. وقال:\nلكي يموتوا جوعا وعطشا، وأن هذا السد استمر عليهم مدة لبثهم نياما، وأن الملك الصالح اجتمع بهم حين تيقظوا، وبنى على باب الغار مسجدا بعد موتهم، وصريح هاتين الآيتين يرد هذا؛ ويبطله؛ إذ لو كان باب الغار قد سد، كما ذكر لم يستقم قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ..﴾.\nإلخ فليتأمل ويحرر. انتهى. جمل. هذا؛ و﴿تَزاوَرُ﴾ أصله: تتزاور، فحذفت إحدى التاءين، وهو كثير ومستعمل في الآيات القرآنية.\nبعد هذا انظر شرح: ﴿الشَّمْسَ﴾ في الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم) ﵇، أما ﴿ذاتَ﴾ فقد أتت في هذه الآية والتي بعدها بمعنى: الجهة. وانظر معناها بغير ذلك في الآية رقم [١] من سورة (الأنفال)، أو الآية رقم [٢] من سورة (الحج) إن شاء الله تعالى. وانظر شرح (الله) في الآية رقم [١] وإعلال (تجد) مثل إعلال (تزر) في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء).\nوانظر شرح «وليا» في الآية رقم [٦٣] من سورة (النحل).\nأمّا (ترى) فماضيه: رأى، والقياس ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته كما في قول سراقة بن مرداس البارقي: [الوافر]\nأري عينيّ ما لا ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات","vol":"5","page":443},{"text":"وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و﴿إِذا رَأَيْتَ﴾ إلخ «(أريتكم)» و«(أريت)» بدون همز. وقال الشاعر: [الخفيف]\nصاح هل ريت، أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟\nوإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله ترأي قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.\nالإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الشَّمْسَ:﴾ مفعول به.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، أو بالفعل بعده.\n ﴿طَلَعَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى الشمس، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿تَزاوَرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الشمس، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الشمس. هذا؛ وقيل: إذا شرطية وعليه ف: ﴿طَلَعَتْ﴾ شرطها، و(تزاور) جوابها، و(إذا) ومدخولها في محل نصب حال من الشمس، وهو ضعيف جدا؛ لأن ﴿إِذا﴾ للمستقبل. تأمل. ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿ذاتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿ذاتَ:﴾ مضاف، و﴿الْيَمِينِ:﴾ مضاف إليه ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿فِي فَجْوَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَجْوَةٍ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿آياتِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، و﴿مِنْ آياتِ اللهِ﴾ حالا، والأول: أقوى، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء) ففيها الكفاية؛ لأنها مثلها شرحا، وقراءة وإعرابا، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2158\"></span>﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ولكل واحد. وانظر (حسب) في الآية رقم [٩].\n ﴿أَيْقاظًا:﴾ جمع: يقظ، ويقظان؛ أي: منتبهين؛ لأن عيونهم مفتحة. ﴿وَهُمْ رُقُودٌ:﴾ نيام","vol":"5","page":444},{"text":"جمع: راقد، مثل: راكع، وركوع، وساجد، وسجود، وقاعد، وقعود، وفي هذه الجملة طباق، ومقابلة بين أيقاظ و﴿رُقُودٌ،﴾ وتشبيه مأخوذ من معنى (تحسب) فقد شبه الله أهل الكهف في حال نومهم بالأيقاظ، فقد جاءت أداة التشبيه هنا فعلا من أفعال الشك على حد قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ الآية رقم [١٩] من سورة (الإنسان). وقوله تعالى:\n ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة (النمل). ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ..﴾. إلخ: أي: على جنوبهم؛ لئلا تأكل الأرض ما يليها من أجسامهم، وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب، ولكن جعل لكل شيء سببا في أغلب الأحوال. وقيل: إنهم كانوا يقلبون في كل سنة مرة.\nوقيل: يقلبون مرّتين في العام. وقيل: غير ذلك، وظاهر كلام المفسرين: أن التقليب من فعل الله، ويجوز أن يكون من فعل ملك بأمر الله، وكلّه من فعل الله، أو أمره.\n ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ أي: نائم، وماد ذراعيه بفناء الكهف، أو ببابه، أو بعتبته قال أمية بن أبي الصلت: [الطويل]\nوليس بها إلاّ الرّقيم مجاورا... وصيدهم، والقوم في الكهف همّد\nوكانوا إذا انقلبوا انقلب معهم، وهو مثلهم في صفة النوم، فلما ناموا نام معهم، ولما استيقظوا استيقظ معهم، ولما ماتوا مات معهم، وهو من الحيوانات التي تدخل الجنة، مثل كبش إسماعيل، وناقة صالح-عليهما الصلاة والسّلام-، وكذا كبش هابيل، وحمار عزير﵉-. هذا؛ وقالت فرقة: لم يكن كلبا حقيقة، وإنما كان أحدهم، وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان ويقال له:\nكلب الجبار. وهو ضعيف، ولا يعتدّ به.\n ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا﴾ أي: لو نظرت إليهم؛ لهربت منهم. ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي: خوفا يملأ صدرك لما ألبسهم الله من الهيبة، أو لوحشة مكانهم، وكان الله آواهم إلى هذا المكان الموحش في الظاهر؛ لينفر الناس منهم. وقيل: الفرار، والرعب لطول شعورهم، وأظفارهم، وهذا بعيد؛ لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض: (لبثنا يوما، أو بعض يوم) وهذا يدل على أنّ أشعارهم كانت بحالها إلا أن يقال: إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم. قال ابن عطية: والصحيح من أمرهم: أن الله ﷿ حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها؛ لتكون لهم، ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب، ولم تغير لهم صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم. هذا؛ وقرئ «(لملئت)» بتخفيف اللام مع ضم العين وسكونها في (رعبا) وتشديد اللام مع تسكين العين فقط، فالقراءات ثلاث سبعية.\nتنبيه: روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس﵃-. قال: غزونا مع معاوية نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء","vol":"5","page":445},{"text":"نظرنا إليهم. فقال ابن عباس: قد منع الله من هو خير منك، وأراد سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، فقال له: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ فلم يسمع، وبعث ناسا، فلما دخلوا بعث الله عليهم ريحا، فأخرجتهم، وفي رواية فأحرقتهم، فظن معاوية أن هذا المعنى، وهو امتناع الاطلاع عليهم مختص بذلك الزمان الذي قبل بعثهم، وأما ابن عباس﵄فعلم:\nأن ذلك عام في جميع الأوقات. انتهى جمل.\nتنبيه: قال ابن عطية: وحدثني أبي﵁قال: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر، يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل، وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله.\nقلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته، ومخالطته الصلحاء والأولياء، حتى أخبر الله بذلك في كتابه جل وعلا، فما ظنك بالمؤمنين الموحّدين، المخالطين، المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال، والمحبين للنبي ﷺ، وآله خير آل.\nروي في الصحيح عن أنس بن مالك﵁قال: بينما أنا ورسول الله ﷺ خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدة باب المسجد، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: «ما أعددت لها؟». قال: فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله! ما أعددت لها كثير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولكني أحب الله، ورسوله. قال: «فأنت مع من أحببت». قال أنس -﵁-، فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ: «فأنت مع من أحببت». ثم قال: أنا أحب الله، ورسوله، وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم؛ وإن لم أعمل بأعمالهم.\nقلت: وهذا الذي قاله أنس، وتمسك به يشمل من المسلمين كل ذي نفس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك، وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن، وإن كنا غير مستأهلين، كلب أحب قوما، فذكره الله معهم، فكيف بنا، وعندنا عقد الإيمان، وكلمة الإسلام، وحب النبي ﷺ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية. انتهى. قرطبي بحروفه. أقول: وخذ قول الإمام أحمد بن حنبل -﵁مخاطبا الشافعي﵁-: [الوافر]\nأحبّ الصّالحين ولست منهم... لعلّي أن أنال بهم شفاعة\nوأكره من بضاعته المعاصي... وإن كنّا سواء في البضاعه\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من اتّخذ كلبا إلاّ كلب ماشية، أو صيد، أو زرع، انتقص من أجره كلّ يوم قيراط». رواه البخاري، فدل هذا على جواز اقتناء الكلب لما ذكر، من غير أن ينقص من أجر من اقتناه لذلك شيء، أما النقص في أجر من يقتنيه لغير منفعة،","vol":"5","page":446},{"text":"إما لترويع الكلب المسلمين، أو تشويشه عليهم بنباحه، أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته العينية، وذكرت في الآية رقم [٥] من سورة (المائدة) شروط اقتناء كلب الصيد، وحل صيده. هذا؛ ومن خاف الكلب فليقرأ: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ فإنه يأمن شره.\nالإعراب: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (تحسبهم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿أَيْقاظًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ..﴾. إلخ، وما بينهما اعتراض، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ:﴾ مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿ذاتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿ذاتَ:﴾ مضاف، و﴿الْيَمِينِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَذاتَ الشِّمالِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ونحن نقلبهم، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها. هذا؛ ويقرأ: «(وتقلّبهم)» بضم اللام وفتح الباء على أنه مصدر مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وترى تقلبهم، وعليه فالجملة فعلية وهي معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. ﴿وَكَلْبُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿باسِطٌ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذِراعَيْهِ:﴾ مفعول به لباسط منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى... إلخ وحذفت النون للإضافة والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْوَصِيدِ:﴾ متعلقان بباسط، أو بمحذوف حال من ذراعيه؛ أي: ممدودة بالوصيد، وعمل باسط مع كونه للماضي؛ لأنه حال محكية كما في الآية رقم [٦] فهو بمعنى: يبسط ذراعيه بدليل: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ ولم يقل: قلبناهم، وبهذا يندفع قول الكسائي، وابن هشام: إن اسم الفاعل الذي بمعنى: الماضي يعمل، ومعنى الحكاية: أنه يقدر الهيئة الواقعة في الزمن الماضي واقعة في حال التكلم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها.\nلو: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿اِطَّلَعْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لَوَلَّيْتَ:﴾ اللام واقعة في جواب (لو). (وليت): فعل، وفاعل، والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فِرارًا:﴾ نائب مفعول مطلق؛ لأن «ولى» بمعنى: «فر». وقيل: هو مصدر في موضع الحال، وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، وهو ضعيف، وأضعف منه اعتباره تمييزا، و﴿لَوِ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. (ملئت):\nماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رُعْبًا:﴾ تمييز. وقيل: مفعول به ثان، والأول: أقوى.","vol":"5","page":447},{"text":"<span id=\"aya-2159\"></span>﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ أي: أيقظناهم من نومهم الطويل، والمعنى: كما أنمناهم في الكهف، وحفظنا أجسامهم، بل وثيابهم من البلى على طول الزمان؛ بعثناهم من النومة التي تشبه الموت على ما كانوا عليه من هيئتهم في ثيابهم وأحوالهم. ﴿لِيَتَساءَلُوا:﴾ ليسأل بعضهم بعضا، فاللام للصيرورة والعاقبة، وليست للتعليل، فبعثهم لم يكن لأجل تساؤلهم. ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ:﴾\nهو رئيسهم وكبيرهم: مكسلمينا. ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: كم كان نومكم، وذلك: أنهم شعروا بطول نومهم.\n ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ:﴾ وذلك؛ لأنهم دخلوا الكهف أول النهار، وأيقظهم الله في آخره. ﴿قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ:﴾ قيل: إن رئيسهم لما سمع الاختلاف بينهم في مدة اللبث هو الذي قال: ربكم أعلم... إلخ. ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ:﴾ يعني: تمليخا، وهو الذي كان يأتيهم بالطعام كلما نفد زادهم قبل نومهم. ﴿بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ:﴾ الورق: الفضة مضروبة كانت، أو غير مضروبة، واسم المدينة: طرسوس كما تقدم. هذا؛ وقال أحد الكتاب المفلسين من المال يخاطب الله تعالى: [البسيط]\nأعطيتني ورقا لم تعطني ورقا... قل لي بلا ورق ما تنفع الحكم؟\nفخذ من العلم شطرا واعطني ورقا... ولا تكلني إلى من جوده عدم\nفأجيب هذا القائل من هاتف يهتف به، ويقول: [البسيط]\nلو كنت ذا حكم لم تعترض حكما... عدلا خبيرا له في خلقه قسم\nهلاّ نظرت بعين الفكر معتبرا... في معدم ما له مال، ولا حكم\nوأنا من جانبي أتمثل بقول القائل: [الوافر]\nرضينا قسمة الجبّار فينا... لنا علم وللجهّال مال\n ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا﴾ أي: أحل طعاما. وقيل: أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن، ولا تكون ذبيحة من يذبح لغير الله، وكان فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم. وقيل: أطيب طعاما، وأجوده.\nوقيل: أكثر طعاما، وأرخصه. ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ أي: قوت، وطعام تأكلونه. ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ:﴾","vol":"5","page":448},{"text":"وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة؛ حتى لا يغبن، أو في أمر التخفي؛ حتى لا يعرف.\n ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا:﴾ ولا يخبرن، ولا يعلمن بكم أحدا.\nتنبيه: قال النسفي وغيره: وفي حملهم الورق عند فرارهم دليل على أنّ حمل النفقة، وما يصلح للسفر هو رأي: المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات، وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. وعن بعض العلماء: أنه كان شديد الحنين إلى بيت الله، ويقول: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن. انتهى. والهميان: كيس تجعل فيه الدراهم، ويشد على الوسط، وجمعه: همايين، وهو أعجمي معرب.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف (كذلك) الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا):\nاسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: بعثناهم بعثا كائنا مثل هدايتنا لهم، وإيوائهم إلى الكهف، وإنامتهم فيه تلك المدة المتطاولة. ﴿بَعَثْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والكلام مستأنف كله. ﴿لِيَتَساءَلُوا:﴾\nمضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام الصيرورة، أو العاقبة، وبعضهم يعتبرها لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلى اعتبار اللام للتعليل يكون المعنى: بعثناهم ليسأل بعضهم بعضا، فيتعرفوا حالهم، وما صنع الله بهم، فيزدادوا يقينا على كمال قدرة الله تعالى، ويستبصروا أمر البعث، ويشكروا ما أنعم به عليهم. انتهى بيضاوي. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له.\n ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿قائِلٌ:﴾ فاعله، وفيه ضمير مستتر هو فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بقائل، أو بمحذوف صفة له. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بما بعده، والمميز محذوف لدلالة الجواب عليه، التقدير: كم يوما. ﴿لَبِثْتُمْ:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَبِثْنا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿يَوْمًا:﴾\nظرف زمان متعلق بما قبله، ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعْضَ:﴾ ظرف زمان معطوف على ما قبله، و﴿بَعْضَ:﴾ مضاف، و﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَبِثْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله... إلخ.\n ﴿رَبُّكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر وجوبا تقديره: «هو». وهو على غير بابه.","vol":"5","page":449},{"text":"﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، التقدير: ربكم أعلم بلبثكم. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، واعتبار (ما) موصولة ضعيف، لا يؤيده المعنى، إلا على تقدير: ربكم أعلم بالزمن الذي لبثتموه، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَابْعَثُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ابعثوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب «امضوا» في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿أَحَدَكُمْ:﴾\nمفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِوَرِقِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدَكُمْ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر صفة (ورقكم)، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان بالفعل (ابعثوا)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا لم تعلموا كم كان لبثكم؛ فابعثوا... إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة معطوفة على جملة محذوفة مقرونة بالفاء الفصيحة؛ فالتقدير كما يلي: وإذا كان الحال كما ذكرنا. فدعوا التساؤل، وخذوا فيما هو أهم، وأجدى لنا في موقفنا، وابعثوا. فهو معنى جيد، وهذا الكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَلْيَنْظُرْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لينظر): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدَكُمْ،﴾ وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَيُّها:﴾ اسم استفهام مبتدأ، و(ها): في محل جر بالإضافة، وأصل الكلام: أي: أهلها، فحذف كما في قوله تعالى:\n ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ﴿أَزْكى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر فيه. ﴿طَعامًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿أَيُّها..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبله المعلق عن العمل فهو طالب لهذه الجملة من حيث المعنى على معنى الحرف؛ لأن نظر يتعدى بواسطة حرف الجر، تقول: نظرت فيه، ونظرت إليه. هذا؛ وأجيز في: ﴿أَيُّها﴾ أن تكون موصوله بمعنى: الذي، و﴿أَزْكى﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الذي هو أزكى، وهذه الجملة صلة الموصول، وعليه فالضمة للبناء، والمعتمد الأول. وانظر مثله في الآية رقم [٧] وجملة: ﴿فَلْيَنْظُرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَابْعَثُوا..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿فَلْيَأْتِكُمْ:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدَكُمْ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِرِزْقٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة رزق، وجملة: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها. (لا): ناهية. ﴿يُشْعِرَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد التي هي حرف لا محل له، والفاعل، مستتر تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدًا،﴾ كان صفة له، على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به.","vol":"5","page":450},{"text":"<span id=\"aya-2160\"></span>﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: أهل المدينة الكفار. ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي: يطلعوا عليكم، أو يظفروا بكم. ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي: بالحجارة. وقيل: يسبوكم، ويشتموكم، والأول: أقوى؛ لأن من عادتهم القتل بالحجارة لمن فارق ديانتهم، ومعبوداتهم الباطلة. ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي: يردوكم إلى عبادتهم كرها، وقسرا. ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا:﴾ إن دخلتم في ملتهم الفاسدة، وعبادتهم الباطلة. وانظر شرح ﴿أَبَدًا﴾ في الآية رقم [٣]. هذا؛ وإعلال: ﴿يُعِيدُوكُمْ﴾ و﴿تُفْلِحُوا﴾ مثل إعلال: ﴿تُوقِنُونَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد) بلا فارق بينهما. هذا؛ و﴿مِلَّتِهِمْ﴾ بكسر الميم: طريقتهم، وديانتهم، وهي بفتح الميم: الرماد الحار.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿يَظْهَرُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَرْجُمُوكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم مثل سابقه، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (إنّ).\n ﴿يُعِيدُوكُمْ:﴾ معطوف على جواب الشرط، وهو مثله في إعرابه. ﴿فِي مِلَّتِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تُفْلِحُوا:﴾ مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله.. إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n<span id=\"aya-2161\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أنمناهم المدة الطويلة، وأيقظناهم؛ أطلعنا عليهم. هذا؛ و(أعثر) تعدية: «عثر»، وأصل العثار في القدم، وأعثره: أطلعه على السر وغيره.","vol":"5","page":451},{"text":"وانظر الآية رقم [١٠٧] من سورة (المائدة). ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: الناس الذين بعث أصحاب الكهف على عهدهم. ﴿أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي: بالبعث، والحساب، والجزاء، والمجازاة على العمل خيرا كان، أو شرا. ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿لا رَيْبَ فِيها:﴾ لا شك، ولا ارتياب في وقوعها وحصولها. ﴿إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أي: يتخاصمون، ويتجادلون في أمر دينهم، ويختلفون في حقيقة البعث، والحشر، والنشور، فقد أنكره بعضهم، وبعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد، وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح، فقد أطلعهم الله على أصحاب الكهف؛ ليرتفع الخلاف، وليتبين: أنّ الأجساد، تبعث حية حساسة فيها أرواحها، كما كانت قبل الموت، وليوقن الناس: أن من توفى نفوس أهل الكهف، وأمسكها تلك المدة المتطاولة، حافظا على أبدانها عن التحلل، والتفتت، ثم أرسلها قادر على أنّ يتوفى نفوس جميع الناس ممسكا إياها إلى أن يحشر أبدانها، فيردها عليها.\nهذا؛ وقيل: إن المتنازعين هم أصحاب الكهف أنفسهم؛ أي: اختلفوا في مدة لبثهم.\nوليس بشيء. ﴿فَقالُوا﴾ أي: المتنازعون في شأنهم حين توفاهم الله، وقبض أرواحهم، والمراد:\nبهم: الملك الصالح، والمسلمون معه. ﴿اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا﴾ أي: على باب كهفهم لئلا يتطرق إليهم الناس تكريما لهم، ومحافظة على تربتهم، كما حفظت تربة رسول الله ﷺ بالحظيرة.\n ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ:﴾ هذه الجملة من كلام المتنازعين بشأنهم في زمانهم، أو المتنازعين فيهم على عهد الرسول ﷺ، كأنهم تذاكروا أمرهم، وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك. قالوا: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ،﴾ أو هو من كلام الله ﷿ ردّا لقول الخائضين في حديثهم. و﴿أَعْلَمُ:﴾ بمعنى: عالم، وليس على بابه من التفضيل؛ لأن الله تعالى لا يشاركه في علمه أحد.\n ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ:﴾ من المسلمين، وملكهم، وكانوا أولى بهم، وبالبناء عليهم:\n ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أي: على باب الكهف، يصلي فيه المسلمون، ويتبركون بمكانهم، ويعتبرون بهم. بينما قالت الطائفة الكافرة: تبني بيعة، أو مضيفا يأوي إليه الناس الغرباء. وقد غلب المسلمون، وبنوا ما أرادوا. وروي: أن الملك الصالح أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب، فأتاه آت منهم في المنام، فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب، فلا تفعل، فإنا قد خلقنا من التراب، وإليه نعود، فدعنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ولا تنس: أنّ في قوله تعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ استعارة مكنية.\nتنبيه: بعد أن، أوى الفتية إلى الكهف، وناموا نومتهم المتطاولة مات دقيانوس الكافر الذي ذكرت لك شأنه في الآية رقم [١٠] ومضت قرون على موته، وملك تلك المدينة رجل صالح، اسمه: بيدروس، فاختلف الناس في عهده في أمر الحشر، وبعث الأجساد من القبور، فشك في","vol":"5","page":452},{"text":"ذلك بعض الناس، واستبعدوه. وقالوا: إنما تحشر الأرواح، والجسد تأكله الأرض. وقال بعضهم: تبعث الروح، والجسد جميعا. بينما يوجد في تلك البلدة من لا يؤمن ببعث، ولا بحساب، ولا بجنة، ولا بنار، فكبر ذلك على بيدروس، وبقي حيران لا يدري كيف يتبين أمره لهم، حتى لبس المسوح، وقعد على الرماد، وتضرع إلى الله تعالى في حجة، وبيان، فأيقظ الله أهل الكهف، كما رأيت، وبعثوا تمليخا ليشتري لهم طعاما، وزادا بورقهم التي كانت معهم، وهي من ضرب دقيانوس الجبار، وقد استنكر الناس شخصه، ودراهمه لبعد العهد، فحمل إلى الملك الصالح بيدروس، وبعد نقاش طويل، وأخذ وردّ عرف شأنه، وعرفه الناس أيضا، فقال الملك: فقد كنت أدعو الله تعالى أن يرينيهم، وسأل الفتى، فأخبره، فسرّ الملك بذلك. وقال لقومه: لعل الله قد بعث لكم آية، فلنسر إلى الكهف معه، فركب مع أهل المدينة إليهم، فلما قربوا من الكهف قال تمليخا: أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، وأعلمهم بالأمر، وأن الأمة أمة مسلمة، فروي: أنهم سروا بذلك، وخرجوا إلى الملك، وعظموه، وعظمهم، ثم رجعوا إلى كهفهم. وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم تمليخا ميتة الحق، ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين. انتهى. قرطبي بتصرف.\nبعد هذا انظر شرح (الوعد) في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد)، وشرح ﴿السّاعَةَ﴾ في الآية رقم [٨٥] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿لا رَيْبَ﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [٨١] منها. هذا؛ ومسجد اسم مكان، وهو بكسر الجيم، والقياس فتحها لأن اسم المكان والزمان يكونان على وزن مفعل بفتح العين إن كانا مأخوذين من ماض ثلاثي يجيء مضارعه بفتح العين، أو ضمها، كمذهب، ومنظر، وبكسرها إن كانت عين المضارع مكسورة كمجلس ومنزل ومثلهما المصدر الميمي، وقد جاءت التلاوة بكسر العين كما ترى هنا وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وكما خرج «مسجد» عن القياس خرج كثير مثل: المشرق، والمغرب، والمنبت، والمقسط، والمرفق، والمنخر، والمجزر، والمظنة مع أن مضارعها مضموم العين. والتحقيق: أنها أسماء نوعية، غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح.\nالإعراب: (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير:\nأعثرنا الناس عليهم عثرا، أو عثارا كائنا مثل إنامتهم تلك المدة، وإيقاظهم منها. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٩] ومفعول ﴿أَعْثَرْنا﴾ محذوف كما رأيت. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكلام معطوف على ما قبله لا محل له. ﴿لِيَعْلَمُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.","vol":"5","page":453},{"text":"من إضافة المصدر لفاعله، ومفعولاه محذوفان. ﴿حَقٌّ:﴾ خبرها، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل قبله. ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٩٩] من سورة (الإسراء)، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والمصدر المؤول معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿أَعْثَرْنا﴾ وهو بمعنى: حين، أو وقت. ﴿يَتَنازَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. ﴿أَمْرَهُمْ:﴾ مفعول به، أو هو منصوب على نزع الخافض؛ أي: في أمرهم، والناصب له عند البصريين الفعل، وعند الكوفيين النزع. والهاء فيهما في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿اِبْنُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿بَنَيْنا:﴾ مفعول به؛ وقيل: مفعول مطلق، والأول: أقوى؛ لأنه بمعنى: عمارة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، إن كانت من قول المتنازعين، ومعترضة إن كانت من مقول الله تعالى.\n ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:\n ﴿غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لَنَتَّخِذَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نتخذن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَسْجِدًا﴾ على مثال ما رأيت فيما مضى. ﴿مَسْجِدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم المحذوف وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الَّذِينَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2162\"></span>﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ:﴾ المراد بواو الجماعة: أهل الكتاب، والمسلمون، وذلك: أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص. وقيل:","vol":"5","page":454},{"text":"المراد به: النصارى، فإن جماعة من أهل نجران حضروا عند النبي ﷺ، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية، كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقالت النسطورية: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة ثامنهم كلبهم. ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ:﴾ رميا بالخبر الخفي الذي لا مطلع لهم عليه. ففيه استعارة، أو ظنا بالغيب، والرجم: القول بالظن، يقال لكل ما يخرص ويخمن: رجم فيه، ومرجوم، ومرجم. قال زهير بن أبي سلمى المزني: [الطويل]\nوما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم... وما هو عنها بالحديث المرجّم\nومثله قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٥٣]: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾.\n ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ:﴾ أمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه ﷿، ثم أخبر: أن عالم ذلك من البشر قليل، فقال: ﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ فقال ابن عباس﵄-: أنا من ذلك القليل، كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم، ثم ذكر السبعة بأسمائهم، وهم:\nمكسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وبينونس، وسارينونس، وذو نوانس، وكشفيططنونس، وهو الراعي، واسم كلبهم قطمير. وقيل في تسميتهم غير ذلك.\n ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا﴾ أي: لا تجادل في أصحاب الكهف إلا بظاهر ما قصصنا عليك، فقف عنده، ولا تزد عليه. وقيل: معنى المراء الظاهر أن تقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا. وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يبين عددهم لأحد. ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: لا تسأل أحدا من أهل الكتاب عن قصة أهل الكهف، ولا عن عدتهم. وفي هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم. انتهى خازن، وقرطبي بتصرف.\nهذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-والواو في قوله: ﴿وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ طريق النحويين: أنها واو العطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم لتفصل أمرهم، وتدل على أنّ هذا غاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام. وقالت فرقة منهم ابن خالويه: هي واو الثمانية. وحكى الثعلبي عن أبي بكر بن عياش: أن قريشا كانت تقول في عددها: ستة، سبعة، وثمانية، فتدخل الواو في الثمانية. وحكى نحوه القفال، فقال: إن قوما قالوا: العدد ينتهي عند العرب إلى سبعة، فإذا احتيج إلى الزيادة عليها، استأنف خبر آخر بإدخال الواو، كقوله تعالى: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ..﴾. ثم قال: ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (التوبة). وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٠] من سورة (التوبة) أيضا.\nوقال القرطبي: يدل عليه أنه تعالى لما ذكر أبواب جهنم: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (الزمر) بلا واو، ولما ذكر الجنة. قال: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ بالواو، الآية رقم [٧٣] من سورة (الزمر). وقال: ﴿خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ..﴾. ثم قال: ﴿وَأَبْكارًا﴾ الآية رقم [٥]","vol":"5","page":455},{"text":"من سورة (التحريم)، فالسبعة نهاية العدد عندهم كالعشرة الآن عندنا، انظر الآية رقم [٨٠] من سورة (التوبة).\nقال القشيري أبو نصر: ومثل هذا الكلام تحكم، ومن أين السبعة نهاية عندهم؟! ثم هو منقوض بقوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ ولم يذكر الاسم الثامن بالواو. وقال قوم ممن صار إلى أن عددهم سبعة: إنما ذكر الواو في قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ﴾ لينبه على أنّ هذا العدد هو الحق، وأنه مباين للأعداد الأخر؛ التي قال فيها أهل الكتاب، ولهذا قال في الجملتين المتقدمتين: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ ولم يذكره في الجملة الثالثة، ولم يقدح فيها بشيء، فكأنه قال لنبيه ﷺ: هم سبعة، وثامنهم كلبهم. انتهى قرطبي.\nهذا؛ وقد قال ابن هشام في مغنيه: واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا: أن العرب إذا عدوا. قالوا:\nستة، سبعة، وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام، وأن ما بعدها عدد مستأنف، واستدلوا على ذلك بآيات، وذكر ما ذكرته لك سابقا، وفنّد قولهم. وقال: لا يرضاه نحويّ؛ لأنه لا يتعلق به حكم إعرابيّ، ولا سرّ معنوي، وعاب على أبي البقاء على إمامته في النحو القول في آية التوبة بقول الضعفاء. انتهى.\nالإعراب: ﴿سَيَقُولُونَ:﴾ السين: حرف استقبال، وهو مفيد تقوية الكلام، وتحقيقه.\n (يقولون): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله.\n ﴿ثَلاثَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم ثلاثة. ﴿رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ:﴾ مبتدأ، وخبر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿ثَلاثَةٌ﴾. وقيل: هي في محل نصب حال، ولا وجه له. وجملة: «هم ثلاثة...» إلخ المقدرة في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿سَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها، وإعرابها مثلها. ﴿رَجْمًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: يرجمون رجما. وقيل: عاما (يقولون)؛ لأن القول والرجم واحد. وقيل: هو مصدر في موضع الحال؛ أي: راجمين.\n ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَجْمًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ..﴾. إلخ: الواو أي:\nالواقعة قبل (ثامنهم). قيل: هي حرف عطف. وقيل: هي واو الحال، وعلى هذا يقدر المبتدأ اسم إشارة؛ أي: هؤلاء سبعة ليكون في الكلام ما يعمل في الحال، ويردّ ذلك: أنّ حذف عامل الحال إذا كان معنويا ممتنع. وانظر قول من قال: إنها واو الثمانية، والمعتمد أنها زائدة مؤكدة للصوق الصفة بالموصوف، والجملة الاسمية: ﴿وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تابعة للقول بالواو. ﴿قُلْ:﴾","vol":"5","page":456},{"text":"أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِعِدَّتِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَجْمًا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُهُمْ:﴾ مضارع والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، والجملة الاسمية: ﴿رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة.\n (لا): ناهية. ﴿تُمارِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِراءً:﴾ مفعول مطلق. ﴿ظاهِرًا:﴾ صفته، وجملة: ﴿فَلا تُمارِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وصحيحا فلا... إلخ، وجملة: ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n ﴿ثامِنُهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا\nإلخ. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به، والكلام ﴿فَلا تُمارِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2163\"></span>﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: إن قريشا اجتمعوا. وقالوا: إن محمدا نشأ فينا بالأمانة، والصدق، وما اتهمناه بكذب قط، وقد ادعى ما ادعى، فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة، واسألوهم عنه، فإنهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة إليهم، فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجاب عن كلها، أو لم يجب عن شيء منها، فليس بنبي، وإن أجاب عن اثنتين، ولم يجب عن واحدة فهو نبي. فاسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول: ما كان شأنهم؟ فإنه كان لهم شأن عجيب! وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها ما خبره؟ وعن الروح.\nقال: فسألوا النبي ﷺ، فقال: أخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحي. قال مجاهد: اثني عشر يوما. وقيل: خمسة عشر يوما. وقيل: أربعين يوما، وأهل مكة يقولون: قد وعدنا محمد غدا، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن رسول الله ﷺ من مكث الوحي، وشقّ عليه ما يقوله أهل مكة، ثم نزل جبريل ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ..﴾.\nإلخ الآية، ونزل في الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ..﴾. إلخ الآية رقم [٩] وما بعدها من هذه السورة، ونزل في الروح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ..﴾. إلخ الآية رقم [٨٥] من سورة (الإسراء). انتهى. خازن في سورة (الإسراء)، ونزل في الرجل الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها الآية رقم [٨٣] وما بعدها.","vol":"5","page":457},{"text":"هذا؛ وأضيف: أنه كان أشد الناس سخرية واستهزاء به ﷺ أم قبيح امرأة عمه أبي لهب، فكانت تقول له: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد قلاك، وهجرك. فنزل جبريل بما ذكرت، وبسورة الضحى، فلما رأى النبي ﷺ جبريل ﵇؛ قال له: «يا أخي ما حبسك عني؟ لقد اشتقت إليك!» فقال جبريل: إني كنت أشد شوقا إليك، ولكني عبد مأمور، ونزل قوله تعالى:\n ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٦٣] من سورة (مريم) ﵍. انتهى خازن من تفسير سورة (الضحى) بتصرف مني.\nبعد هذا انظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (النحل)، وأما ﴿غَدًا﴾ فهو اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في قوله: [الطويل]\nوما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها... بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَقُولَنَّ:﴾\nمضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له في محل جزم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. إني: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿فاعِلٌ:﴾ خبر (إنّ)، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به لاسم الفاعل قبله، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿غَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿فاعِلٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي فاعِلٌ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2164\"></span>﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ:﴾ فالمعنى: إذا عزمت على فعل شيء؛ فقل: إن شاء الله، ولا تقله بغير ذكر المشيئة. وقال ابن عطية: في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره: إلا أن تقول إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول: إن شاء الله. وما قاله هو قول الكسائي، والفراء، والأخفش. وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله. فإذا قال الإنسان: أنا أفعل هذا إن شاء الله؛ فمعناه بمشيئة الله.\n ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ أي: نسيت الاستثناء، فقل: إن شاء الله. وقال البيضاوي: ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه. أو","vol":"5","page":458},{"text":"اذكر ربك، وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به؛ ليبعثك على التدارك، واذكره إذا اعتراك النسيان لتذكر المنسي. انتهى.\n ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ..﴾. إلخ: أي: قل: أرجو أن يثبتني، أو يدلني على طريق هو أقرب، وأرشد، وأظهر دلالة من خبر أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين! وقد هداه الله لأعظم من ذلك كقصص الأنبياء المتباعد عنه أيامهم من لدن آدم إلى عهده، والأخبار بالمغيبات، والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة، وهو كثير لا يعدّ، ولا يحصى.\nتنبيه: قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ يطلق عليه اسم الاستثناء. وانظر ما ذكرته آنفا، فينبغي لكل مسلم أن يقوله عند العزم على عمل من الأعمال، وهو عند الشافعي للتبرك، وعند أبي حنيفة تعليق. ويطلق الاستثناء أيضا على ما يستثنيه المسلم في تصرفاته كلها من طلاق، وعتاق، وإقرار بالديون، والحقوق، كقوله: لفلان عليّ ألف إلا مائة، ونحو ذلك. فجوزه ابن عباس﵄منقطعا، ولو بعد سنة. وجمهور الفقهاء على خلافه، ولو أخذنا بقوله لم يتقرر إقرار، ولا طلاق، ولا عتاق. هذا؛ وفسر الاستثناء المنسي بأمور كثيرة، والمعتمد ما ذكرته لك.\nهذا؛ والنسيان: مصدر نسيت الشيء أنساه، وهو مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء عن ذهول، وغفلة، والثاني: عن تعمد، وقصد، وما هنا من الأول، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: إلا قائلا إن شاء الله. على قول الكسائي، والفراء، والأخفش، وهو حل معنى كما ترى، وهو في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا ملتبسا بمشيئة الله، وهو قول البصريين، وهو أصح معنى، وأقوى سبكا. ﴿وَاذْكُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله مبني على السكون في محل نصب. ﴿نَسِيتَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: إذا نسيت ذكره، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة. ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة:\n ﴿وَاذْكُرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلا تَقُولَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿وَقُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَهْدِيَنِ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم، وهي المفعول به محذوفة، ﴿رَبِّي:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله... إلخ. و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿عَسى﴾. وقيل: اسم ﴿عَسى﴾ ضمير، تقديره: «هو»، وهو غير صحيح قطعا، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ","vol":"5","page":459},{"text":"معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿لِأَقْرَبَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن: «أفعل». ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجار والمجرور متعلقان ب: (أقرب). ﴿رَشَدًا:﴾ تمييز. وقيل: مفعول مطلق على تفسيره ب: «هداية»، وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-2165\"></span>﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَبِثُوا..﴾. إلخ: أي: أقاموا في كهفهم. قال الخازن: قيل: هذا خبر عن قول أهل الكتاب، ولو كان خبرا من الله عن قدر لبثهم، لم يكن لقوله: ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ..﴾. إلخ وجه، وقد رد قولهم به. والأصح: أنه إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف، ويكون المعنى:\nإن نازعوك في مدة لبثهم في الكهف فقل أنت: الله أعلم منكم، وقد أخبر بمدة لبثهم. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن المدة من حين دخلوا الكهف إلى يومنا هذا، وهو اجتماعهم بالنبي ﷺ ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم بذلك. وقال ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى.\nهذا؛ و﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ المراد: السنوات الشمسية، وهي بالقمرية تزيد تسع سنين، والمسلمون يعتمدون عليها في عبادتهم، ومعاملاتهم، وعدد نسائهم، وفي جميع أحوالهم، وتصرفاتهم.\nهذا، ويقرأ بتنوين «مائة»، وبغير تنوين بالإضافة لسنين، وهو ضعيف في الاستعمال؛ لأن «مائة» تضاف إلى المفرد. قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nومائة والألف للفرد أضف... ومائة بالجمع نزرا قد ردف\nوهو محمول على الأصل، والأصل إضافة العدد إلى الجمع، ويقوي ذلك أن علامة الجمع هنا جبر لما دخل السنة من الحذف، فإنها تتمة الواحد. انتهى عكبري. والذي حذف من السنة هو لامها كما هو معروف في الإعلال وهل أصلها سنة، أو سنو؟ خلاف، وجمعها على الأول: سنهات وعلى الثاني: سنوات. وكلاهما جمع مؤنث سالم، والنسبة إليها سنوي، أو سنهي، وتجمع بالواو، والنون، أو بالياء والنون على أنها ملحقة بجمع المذكر السالم، كما في الآية الكريمة، وكثير غيرها، وكسرت السين في سنين؛ لتدل على أنه جمع على غير الأصل؛ لأن كل ما جمع جمع السلامة، لا يتغير فيه بناء الواحد، فلما تغير بناء الواحد في هذا الجمع بكسر أوله، وقد كان مفتوحا في الواحد، علم: أنه جمع على غير أصله؛ لذا فإنه يلحق بجمع المذكر السالم إلحاقا.\nالإعراب: ﴿وَلَبِثُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لبثوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي كَهْفِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثَلاثَ:﴾","vol":"5","page":460},{"text":"ظرف زمان متعلق بالفعل (لبثوا) و﴿ثَلاثَ:﴾ مضاف، و﴿مِائَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿سِنِينَ:﴾ بدل من ﴿ثَلاثَ﴾ أو عطف بيان عليه، وأجاز قوم اعتباره تابعا ل: «مائة» بما ذكرته، وضعفه ابن هشام؛ لأنه إذا أقيم مقام «مائة» فسد المعنى. هذا؛ وعلى قراءته بالإضافة فهو تمييز مجرور لفظا، منصوب محلا، وعلامة النصب، أو الجر على جميع الاعتبارات الياء نيابة عن الفتحة أو عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿وَازْدَادُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿تِسْعًا:﴾ مفعول به، واكتفى به مع أنّ «زاد» ينصب مفعولين، كما رأيت في الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء)؛ لأنه لما نقل إلى باب «افتعل» نقص واحدا، واعتباره تمييزا أجازه قوم.\n\n<span id=\"aya-2166\"></span>﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا:﴾ تقدم: أن هذه الجملة، ردّ لما كان اليهود يزعمونه من لبث أهل الكهف، و﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى: عالم، وليس على بابه. ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي:\nإنه ﷾ لا يخفى عليه شيء من أحوال أهل السموات والأرض، فإنه العليم الخبير البصير بذلك وحده، فكيف يخفى عليه حال أصحاب الكهف؟! والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه. قال الشاعر المسلم: [الطويل]\nوبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد\n ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ معناه: ما أبصر الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع! لا يغيب عن بصره وسمعه شيء، يدرك البواطن، كما يدرك الظواهر، والقريب والبعيد، والمحجوب، وغيره، لا تخفى عليه خافية، وهو السميع البصير. ﴿ما لَهُمْ:﴾ ما لأهل السموات والأرض.\n ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله. ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ:﴾ لا يشرك الله علم غيبه. وقيل في قضائه ﴿أَحَدًا﴾ من خلقه. هذا؛ وقرئ: «(لا تشرك...)» إلخ بتاء المضارعة، والنهي للنبي ﷺ، والمراد: به كل واحد. هذا؛ و(الولي) بمعنى: النصير، والمعين، والمتولي شئون غيره.\nالإعراب: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿لَبِثُوا:﴾\nماض، وفاعله، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وفاعله مستتر؛ إذ التقدير: أعلم بلبثهم. وقيل: (ما) اسم موصول مجرور، التقدير: أعلم بالزمن الذي لبثوه، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَيْبُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و(غيب): مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه.","vol":"5","page":461},{"text":"﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَبْصِرْ:﴾ ماض جامد أتى على صيغة الأمر، بمعنى: ما أبصره، والهاء عائدة على الله، وهي الفاعل، والباء الجارة مزيدة فيه إصلاحا للفظ. وقيل: إن الفاعل ضمير المصدر. وقيل:\nهو ضمير المخاطب؛ أي: أوقع الأبصار أيها المخاطب. وقيل: هو أمر حقيقة لا تعجب، وإن الهاء تعود على الهدى المفهوم من الكلام ويعزى هذا القول للزجاج. والمعتمد الأول: من كل هذه الوجوه. ﴿وَأَسْمِعْ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله فيما رأيت، وقد حذف المتعجب منه، وهو الفاعل لزوما لدليل، وهو عطفه على ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ المذكور معه مثل ذلك المحذوف، ومثله قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآية رقم [٣٨] من سورة (مريم)، ومثل الآيتين -ولا ثالثة لهما-قول الشاعر: [الرجز]\nأعزز بنا وأكف إن دعينا... يوما إلى نصرة من يلينا\nوأيضا قول الآخر: [الطويل]\nومستبدل من بعد غضبى صريمة... فأحر به من طول فقر وأحريا\nفإن التقدير في الأول: وأكف بنا، وفي الثاني: وأحريا به. والكلام: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ كله في محل نصب مقول القول، وإن اعتبرته مستأنفا فلست مفندا. ﴿بِما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف نفسه، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَلِيٍّ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ، والمحققون لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿يُشْرِكُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿فِي حُكْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا يُشْرِكُ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. هذا؛ وعلى قراءة النهي فالجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلِ اللهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2167\"></span>﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، والمعنى: اقرأ يا محمد ما أنزل الله إليك من القرآن، وآياته، ولا تلتفت لقول المشركين، والكافرين: ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ وأعرض أيضا عما يتقولونه في أصحاب الكهف. ﴿لا مُبَدِّلَ﴾","vol":"5","page":462},{"text":"لِكَلِماتِهِ: لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق وأعدل أو لا أحد يقدر أن يحرفها، كما فعل بالتوراة، والإنجيل من التحريف، والتغيير، والتبديل والتزييف. ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله. ﴿مُلْتَحَدًا:﴾ ملجأ تلجأ إليه، وملاذا تلوذ به.\nالإعراب: ﴿وَاتْلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتل): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت».\n ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُوحِيَ:﴾\nماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ كِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في: (ما) و﴿كِتابِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَاتْلُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿مُبَدِّلَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿لِكَلِماتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ في محل نصب حال من (ربك)، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لن): حرف نفي ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُلْتَحَدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَلَنْ تَجِدَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2168\"></span>﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ:﴾ احبسها، وثبتها. وانظر (الصبر) في الآية رقم [٢٤ - من سورة (الرعد). وشرح ﴿النَّفْسَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇. ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ:﴾ يعبدون ربهم، ويتضرعون إليه. ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي: طرفي النهار. وقيل: المراد:\nصلاة العصر، والفجر. والأولى حملها على جميع أوقاتهم، بل وعلى كل الحالات. هذا؛ والعشي، ومثله: عشية، ويراد بهما الوقت من صلاة المغرب إلى العتمة، وهو قول الجوهري.\nوقال: قلت: وقال الأزهري: العشي: ما بين زوال الشمس، وغروبها. انتهى. وهذا هو المعتمد.\nوالغداة: الضحوة الكبرى، وقد قوبل العشي بالإبكار في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران) ومثلها الآية رقم [١١] من سورة (مريم) ﵍، كما قوبل البكرة بالأصيل في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان) وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"5","page":463},{"text":"﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ:﴾ يريدون طاعته، ورضاه، وذلك بإخلاص العبادة له. وانظر (الإرادة) في الآية رقم [٤٠] من سورة (النحل). ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ:﴾ لا تنصرف عيناك عنهم، وهو بمعنى: لا تصرف عينيك عنهم، فالفعل مسند إلى العينين، وهو في الحقيقة موجه إلى النبي ﷺ.\nويزيدك وضوحا قول الزجاج: إن المعنى: لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات، والزينة، وهو على فرض التقدير، مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ،﴾ والشرك محال في حقه ﷺ. وانظر شرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [١٠٧] من سورة (النحل).\nتنبيه: قال ابن هشام في مغنيه: إن الفعل ﴿وَلا تَعْدُ﴾ متعد، وقد جاء لازما هنا؛ لأنه بمعنى: (لا تنب عيناك عنهم) وأورد قول ذي الرمة وهو الشاهد رقم [٩٢٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nوإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها... إلى الضّيف يجرح في عراقيبها نصلي\nفإنه قال: ضمّن «يجرح» معنى: «يفسد» ولذا جاء لازما. وقال الزمخشري: ألا ترى كيف رجع معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ إلى قولك: ولا تقتحم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ أي: لا تضموها إليها آكلين، وكل ما ذكر إنما هو من باب التضمين؛ الذي هو إشراب لفظ معنى لفظ آخر، فيعطونه حكمه، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين. وانظر الشاهد رقم [١١٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهو للفرزدق: [الرجز]\nكيف تراني قالبا مجنّي... قد قتل الله زيادا عنّي\n ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أي: جعلنا قلبه غافلا لا يقبل الهدى، ولا ينتفع بآيات القرآن، و(الذّكر) يطلق على التوحيد، والإيمان، وعلى القرآن، ومحال أن يطيع الرسول ﷺ المطبوع على قلوبهم، فهو مثل سابقه، وفيه دليل على أنّ الله خالق للعبد وعمله، خلافا للمعتزلة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد). ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ أي: ما تزينه له نفسه من الشرك، وطلب الشهوات الدنيئة، ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا:﴾ ضياعا، ضيع أمره، وعطل حياته. وقيل: ندما. وقيل: سرفا وباطلا. هذا؛ والفرط بفتحتين ما يتقدم غيره إلى الشيء، فعليه يكون المعنى متقدما على الباطل، وجريئا على ارتكابه، وإقحام نفسه فيه. هذا؛ وانظر شرح:\n ﴿هَواهُ﴾ في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nتنبيه: جاء في القرطبي، والخازن، وغيرهما: أن الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، وغيرهما، أتوا النبي ﷺ، وعنده جماعة من الفقراء، منهم سلمان الفارسي﵁وعليه شملة من صوف قد عرق فيها، وبيده خوص يشقه، وينسجه، فقال عيينة للنبي ﷺ: أما يؤذيك ريح هؤلاء، ونحن سادات مضر، وأشرافها إن أسلمنا أسلم","vol":"5","page":464},{"text":"الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، فنحّهم حتى نتبعك، أو اجعل لنا مجلسا، فأنزل الله الآية، وما قبلها، وما بعدها، فقال النبي ﷺ بعد ذلك: «الحمد لله الّذي جعل في أمّتي من أمرت أن أصبّر نفسي معهم».\nأقول: وهذا يعني: أن الآيات مدنية، ولم يقل بذلك غير الجلال رحمه الله تعالى، بينما أجمع المفسرون على: أنّ سورة (الكهف) بكاملها مكية. وإذا رجعنا إلى الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام) وفهمنا فحوى الآيتين هنا وهناك عرفنا: أن ذلك كان في مكة قبل الهجرة، وأن الذين طلبوا ذلك من النبي ﷺ هم زعماء قريش، والذي أغفل الله قلبه عن اتباع الحق هو أمية بن خلف، ومن على شاكلته من زعماء قريش. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ولا تنس: ما ذكر الله عن قوم نوح في هذا الصدد في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود) على نبينا وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة وأتم تسليم.\nالإعراب: ﴿وَاصْبِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿نَفْسَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿مَعَ:﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْغَداةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَالْعَشِيِّ:﴾ معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿وَاصْبِرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآيتين السابقتين لا محل لها مثلهما، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: ناهية جازمة. ﴿تَعْدُ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها. ﴿عَيْناكَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَلا تَعْدُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿تُرِيدُ:﴾ مضارع والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿زِينَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿تُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه. قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n ﴿وَلا تُطِعْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل: أنت. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ أو","vol":"5","page":465},{"text":"صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة. ﴿عَنْ ذِكْرِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ معطوفة على جملة: ﴿أَغْفَلْنا..﴾. على الوجهين المعتبرين فيها. وأيضا جملة: ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ معطوفة عليها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2169\"></span>﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ﴾ ... ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا:\nمن ربكم الحق، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، وليس إلي من ذلك شيء، فالله يهدي إلى الحق من يشاء، وإن كان ضعيفا، ويحرمه من يشاء، وإن كان غنيا قويا، ولست بطارد المؤمنين لهواكم، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا، وليس هذا بترخيص، وتخيير بين الإيمان، والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد؛ أي: إن كفرتم فلكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة. انتهى قرطبي، وخازن بتصرف.\n ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ أي: هيّأنا وحضّرنا للكافرين نارا يحترقون فيها، انظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [١٣] من سورة (إبراهيم) ﵊. وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر). ﴿أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها:﴾ السرادق: السور.\nوقال ابن عباس﵄-: هو حائط من نار، فعن النبي ﷺ قال: «سرادق النار أربعة جدر كثف، كلّ جدار أربعون سنة». أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري﵁- وقيل: هو عنق يخرج من النار فيحيط بالظالمين كالحظيرة، والمعتمد: أنه سور، أو حائط.\nهذا؛ والسرادق في الأصل واحد السرادقات؛ التي تمد فوق صحن الدار، وكل بيت من قطن، ونحوه فهو سرادق. قال رؤبة. وقيل: هو للكذاب الحرمازي: [الرجز]\nيا حكم بن المنذر بن الجارود... سرادق المجد عليك ممدود\nيقال: بيت مسردق: إذا كان فيه ما ذكرت. وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة: [الطويل]\nهو المدخل النعمان بيتا سماؤه... صدور الفيول بعد بيت مسردق\nوقال الراغب: السرادق: فارسي معرب، وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا. ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا:﴾ من شدة الحر، وحرارة العطش. ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ:﴾","vol":"5","page":466},{"text":"قال ابن عباس﵄هو ماء غليظ مثل درديّ الزيت؛ أي: عكره الذي يبقى في الأسفل، فعن أبي سعيد الخدري﵁-، عن النبي ﷺ قال فيه: «كعكر الزّيت، فإذا قرّب إليه سقطت فروة وجهه منه». أخرجه الترمذي. وقيل: المهل: الدم، والقيح. وقال أبو عبيدة: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد، ورصاص، ونحاس، وقزدير فتموج بالغليان، فذلك المهل. وانظر شرح الآية رقم [١٦] و[١٧] من سورة (إبراهيم) ﵊ ففيها الكفاية. ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ أي: المذموم المهل الذي يغاثون به، وقل: بئس الطعام الذي يأكلونه قياسا على الشراب، والخلاصة: أن المهل اسم جامع لكل مستقذر تتقزز منه النفس، وتتألم، وتنفر. ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: ساءت النار منزلا. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: مجتمعا كأنه ذهب إلى معنى المرافقة. وقيل غير ذلك، وأصله من المتكأ، يقال منه:\nارتفقت؛ أي: اتكأت على المرفق. قال الشاعر: [الرجز]\nقالت له وارتفقت ألا فتى... يسوق بالقوم غزالات الضّحى\nويقال: ارتفق الرجل: إذا نام على مرفقه، لا يأتيه نوم. قال أبو ذؤيب الهذلي: [البسيط]\nنام الخليّ وبتّ الليل مرتفقا... كأنّ عينيّ فيها الصّاب مذبوح\nوأخيرا: قال الله تعالى: ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ لمقابلة قوله الآتي: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار، إلا بالويل والثبور، وعظائم الأمور، لطفك يا غفور، وعفوك يا عفوّ! كما أن قوله تعالى: ﴿يُغاثُوا﴾ تهكم بهم؛ حيث سمى أقسى أنواع العذاب إغاثة، والإغاثة في الحقيقة هي الإنقاذ من العذاب تهكما بهم وتشفيا منهم.\nبعد هذا انظر شرح (نعم) و(بئس) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد)، وشرح ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿رَبِّكُمْ﴾ في الآية [٨] منها، وشرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية [٨١] منها. وشرح (شاء) في الآية [٢] من سورة (النحل)، وشرح (الكفر) في الآية رقم [١٠٧] منها، وشرح (ماء) في الآية رقم [١٠] منها أيضا.\nالإعراب: ﴿وَقُلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو الحق. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ﴾. هذا؛ وقيل: ﴿الْحَقُّ:﴾ مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاءَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)،","vol":"5","page":467},{"text":"والمفعول محذوف، التقدير: شاء الإيمان والهداية. ﴿فَلْيُؤْمِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (ليؤمن): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل:\nجملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: ﴿شاءَ﴾ صلته، وجملة: ﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾ خبره، ودخلت الفاء في خبره لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ولكن الأول: هنا أقوى وأرجح. تأمل، والجملة الاسمية مستأنفة مفرعة عما قبلها، ولكنها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نارًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿نارًا:﴾ مفعول به. هذا؛ وقد نصب هذا الفعل مفعولين في الآية رقم [١٠٢] من هذه السورة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿أَحاطَ:﴾ ماض.\n ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سُرادِقُها:﴾ فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿أَحاطَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿نارًا﴾. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَسْتَغِيثُوا:﴾ فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿يُغاثُوا:﴾ مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم؛ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿بِماءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَالْمُهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (ماء).\n ﴿يَشْوِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (ماء).\n ﴿الْوُجُوهَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (ماء)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، ولكنه في محل نصب مقول القول. ﴿بِئْسَ:﴾ ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿الشَّرابُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف التقدير: المذموم المهل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَساءَتْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (ساءت): ماض جامد دال على إنشاء الذم، والفاعل يعود إلى (النار).\n ﴿مُرْتَفَقًا:﴾ تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، هذا هو الإعراب الظاهر، وفي الحقيقة: أن الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» دل عليه التمييز بعده، وهو مرتفقا.\nهذا؛ وأنث الفعل ساءت مع كون الفاعل مميز بمذكر، وهو: (مرتفق) لأن المرتفق هنا عبارة عن","vol":"5","page":468},{"text":"النار، ولفظها مؤنث، فلذا جاز تأنيث فعله، ولا تنس: أنّ المخصوص بالذم محذوف، التقدير:\nساءت مرتفقا هي هي، فهي الثاني: هو المخصوص. هذا؛ وأجيز في مثل هذه الآية اعتبار:\n (ساءت) بمعنى: أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة للمفعول، وهو هنا محذوف أي: إن النار أحزنت أصحابها وداخليها، ويكون مرتفقا تمييزا، أو حالا، وهو تكلف لا داعي له.\n\n<span id=\"aya-2170\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾\nالشرح: لما ذكر الله ما أعد للكافرين من الهوان؛ ذكر أيضا ما للمؤمنين من الكرامة، والثواب، وتلك سنة الله في كتابه العظيم حيث اقتضت حكمته تعالى ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا، راهبا، راجيا خائفا، والمراد: ب: ﴿(عَمِلُوا الصّالِحاتِ):﴾ الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت درجاتها ومراتبها، ولا تنس: أن عطف العمل الصالح على الإيمان يسمى في فن البديع احتراسا، وهو يفيد: أن الإيمان وحده بدون العمل الصالح قد لا يكفي، كما أن العمل الصالح بدون إيمان لا يجدي، ولا يقبل. ومن قرأ القرآن بتدبّر، وتفهّم؛ يجد العمل الصالح معطوفا على الإيمان في كثير من الآيات. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٣] من سورة (الحجر)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nفعن البراء بن عازب﵁-: أن أعرابيا قام إلى رسول الله ﷺ في حجة الوداع؛ وهو واقف بعرفات على ناقته العضباء، فقال: إني رجل مسلم، فأخبرني عن هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ فقال رسول الله ﷺ: «ما أنت منهم ببعيد، ولا هم ببعيد منك، هم هؤلاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، فأعلم قومك: أنّ هذه الآية نزلت فيهم». ذكره الماوردي. انتهى قرطبي. أقول وهي تشمل كل مؤمن، ومؤمنة قد عملا الصالحات إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وقد عرفت: أنه صفة لموصوف محذوف. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، وجملة: ﴿لا نُضِيعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿أَجْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿مَنْ﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى من، وهو العائد، أو","vol":"5","page":469},{"text":"الرابط. ﴿عَمَلًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى، والرابط محذوف؛ إذ التقدير: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، أو مستغنى عن الرابط بعموم ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا،﴾ كما هو مستغنى عنه في قولك: (نعم الرجل زيد) ووقع موقعه الظاهر، وهو (من) لأنّه بمعنى: الموصول الذي هو اسم ﴿إِنَّ﴾ هذا؛ وقيل: خبر ﴿إِنَّ﴾ الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ وما بينهما معترض. وقيل:\nيجوز أن تكون الجملتان، أعني ﴿إِنّا لا نُضِيعُ..﴾. إلخ و﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ خبرين لإن الأولى عند من يرى جواز تعدد الخبر، وإن لم يكونا في معنى واحد. وقيل: الخبر محذوف تقديره: إن الذين... يجازيهم الله بأعمالهم، ودلّ على ذلك قوله: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ..﴾. إلخ، أوجه، أقواها أولها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2171\"></span>﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين آمنوا، وعملوا الصالحات من الرّجال وهو يشمل النساء كما ذكرته مرارا. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد) ففيها الكفاية.\n ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ أي: من بين أيديهم ينظرون إليها، من أعالي أسرتهم وقصورهم، وهذا أحسن في السرور، والنزهة، والفرجة. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ:﴾ قال سعيد بن جبير﵁-: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورق، وواحد من لؤلؤ. انتهى. وهذا منصوص عليه في القرآن، فقال هنا: ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ وقال في (الحج):\n ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ رقم [٢٣]، ومثلها في سورة (فاطر) رقم [٣٣]، وقال في سورة (الإنسان): ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ،﴾ وفي الحديث الصحيح: «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء».\n ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا:﴾ خص الخضرة بالذكر؛ لأنها أحسن الألوان، وأكثرها طراوة، ولأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بينهما، وذلك يجمع الشعاع. ﴿مِنْ سُنْدُسٍ:﴾ هو الرقيق من الديباج، واحده: سندسة، والاستبرق: ما غلظ منه، وهو موشى بالذهب، واحده:\nاستبرقة، وهل هو عربي الأصل مشتق من البريق، أو هو معرب أصله: إستبره؟ خلاف بين اللغويين، وفي سورة (الرحمن) ﴿بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ والمراد: الفرش كما ستعرفه بعونه تعالى. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ أي: يجلسون على السرر كما هو حال المتنعمين المترفين في الدنيا. هذا؛ و﴿الْأَرائِكِ﴾ جمع: أريكة، وهي في الجنة من ذهب مكللة بالدرّ والياقوت، وأصل ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ موتكئين، واتكأ،","vol":"5","page":470},{"text":"أصله: اوتكأ، والتكأة أصلها: وكأة، فقلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء. ﴿نِعْمَ الثَّوابُ:﴾ هو في مقابلة: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ،﴾ و﴿(حَسُنَتْ مُرْتَفَقًا):﴾ هو في مقابلة: (ساءت مرتفقا).\nهذا؛ وأساور جمع سوار، وهو زينة المرأة في الدنيا، ويحلى به الرجال في الجنة أيضا تكريما لهم. وقيل: جمع سوار: أسورة، وأساور: جمع الجمع، وثياب: جمع: ثوب، أصله ثواب قلبت الواو ياء، لمناسبة الكسرة، ومثله: حوض، وحياض، وسوط، وسياط.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، و﴿جَنّاتُ:﴾ مضاف، و﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع\nإلخ، ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط على الاعتبارين؛ الضمير. وقيل: هي حال من ﴿جَنّاتُ﴾ أو صفة لها، ولا وجه له قطعا؛ لأنه لا يوجد فيها رابط يعود إلى ﴿جَنّاتُ﴾. ﴿يُحَلَّوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان به. ﴿مِنْ أَساوِرَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به ثان؛ أي: شيئا من أساور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب وهو مذهب الكوفيين. فيكون أساور مفعولا ثانيا مجرورا لفظا منصوبا محلا. ﴿مِنْ ذَهَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَساوِرَ،﴾ وجملة: ﴿يُحَلَّوْنَ..﴾.\nإلخ تصلح للحالية، والخبرية مثل سابقتها، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ أو هي مستأنفة على حسب ما رأيت في الآية السابقة، وجملة: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها، وإعرابها، ومحلها مثلها. ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه، وعاملها محذوف؛ أي: ويجلسون متكئين. ﴿فِيها عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ كلاهما متعلقان ب: ﴿مُتَّكِئِينَ،﴾ ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا:﴾ انظر إعراب مثل هاتين الجملتين في الآية رقم [٢٩].\n\n<span id=\"aya-2172\"></span>﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢)﴾\nالشرح: هذه الآية وما بعدها تقصّ علينا قصة رجلين كثرت أقوال المفسرين فيها بطرق متعددة، وروايات مختلفة، وها أنا ذا أذكرها لك باختصار، فالرجلان أخوان من بني إسرائيل:\nأحدهما كافر، اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار،","vol":"5","page":471},{"text":"فاقتسماها بالسوية، فاشترى الكافر أرضا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق به، ثم بنى أخوه دارا بألف، فقال: اللهم إني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق به، ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور العين، ثم اشترى أخوه خدما، ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدق به، ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه، فمر به في حشمه، فتعرض له، فرده، ووبّخه على التصدق بماله. والآيات التالية تبين لنا ما حل به وبما له من الهلاك والبوار. هذا؛ وأكثر المفسرين على أنّ هذين الأخوين هما اللذان قص الله علينا خبرهما بعد الموت في سورة (الصافات)، وذلك في قوله جل شأنه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ..﴾. إلخ الآية رقم [٥٠] وما بعدها، فبين الله حالهما في الدنيا في هذه السورة، وبين حالهما في الآخرة في سورة (الصافات).\nهذا؛ وقيل: إن الأخوين كانا في مكة من بني مخزوم: أحدهما مؤمن، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد زوج أم سلمة﵄قبل النبي ﷺ، والآخر كافر، وهو الأسود بن عبد الأسد. وقيل: هو مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان، وصهيب، وأصحابهما، والمعتمد الأول، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا انظر: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵊، و﴿أَعْنابٍ:﴾ جمع عنب، وعنب: اسم جنس جمعي مثل: تمر، ويفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهي عنبة، وتمرة، ونخل أيضا مثل عنب، ومفرده: نخلة، ونخيلة، وجمعه:\nنخيل، وفي المختار: النخيل، والنخل بمعنى، فهو يفيد أنهما جمعان لنخلة، وهو ما رأيته في الإسراء [٩١] تأمل، ومعنى جنتين بستانين، والزرع: ما يزرع من الحبوب على جميع أنواعها، والخضار على اختلاف أجناسها، وأشكالها. هذا؛ ووجود الأشجار العالية على جوانب البستان، ووجود الحبوب والخضار في وسطه، ممّا يزيده جمالا وروعة، مع توفر ما يحتاج إليه الإنسان من قوت، وما يشتهيه من تفكه بالفواكه، وتلذذ في الخضار.\n ﴿وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ:﴾ جعلنا النخل محيطا بهما من كل جانب، يقال: حفّه القوم: إذا طافوا به، وحففته بهم: إذا جعلتهم حافين حوله. وقال الرسول ﷺ: «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار بالشّهوات». وفي آخر سورة (الزمر) قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾.\nأما (أحد) فأصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، وإنّما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق","vol":"5","page":472},{"text":"بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: ما في الدار أحد هو اسم لمن يعقل. ويستوي فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال تعالى:\n ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَاضْرِبْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (اضرب): أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت»، والمخاطب بذلك النبي ﷺ. ﴿لَهُمْ﴾ أي: لأهل مكة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَثَلًا:﴾ مفعول به. ﴿رَجُلَيْنِ:﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَاضْرِبْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والاستئناف أقوى فلا محل لها على الوجهين. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿لِأَحَدِهِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، والاستئناف أقوى فلا محل لها على الوجهين. وقيل: متعلقان بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول، وهو ضعيف معنى، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿جَنَّتَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب مثل: رجلين. ﴿مِنْ أَعْنابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جَنَّتَيْنِ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ في محل نصب صفة رجلين. ﴿وَحَفَفْناهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب صفة مثلها. ﴿بِنَخْلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل مفعول به ثان.\n ﴿وَجَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿زَرْعًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا.\n\n<span id=\"aya-2173\"></span>﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ:﴾ أعطت. ﴿أُكُلَها:﴾ هو كل ما يؤكل من ثمر النخل، والأعناب، وجميع أنواع الحبوب، ومنه قوله تعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (الرعد)، وقرئ: «(كل الجنتين آتى أكله)» ويقرأ: (أكلها) بضم الهمزة وضم الكاف وسكونها قراءتان سبعيتان. ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا:﴾ ولم تنقص من أكلها شيئا يعرف في البساتين، فإن الثمار تتم في عام، وتنقص في عام غالبا، وأما ثمر هاتين الجنتين فهو تام في جميع الأعوام. وقيل: المعنى لم تمتنع منه شيئا، ومن نوادر الأعراب. قيل لأعرابي: أتأكل العنب؟ قال: ما ظلمني أن آكله؛ أي: ما منعني أن آكله. وقيل منه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.\nتنبيه: كلا، وكلتا مفردان لفظا مثنيان معنى، مضافان أبدا، لفظا، ومعنى إلى كلمة واحدة معرفة دالة على اثنين، إما بالحقيقة والتنصيص، كما في هذه الآية، وإما بالحقيقة والاشتراك، نحو:\n (كلانا)، فإن «نا» مشتركة بين الاثنين والجماعة، أو بالمجاز كقول عبد الله بن الزّبعرى: [الرمل]","vol":"5","page":473},{"text":"إنّ للخير وللشّرّ مدى... وكلا ذلك وجه وقبل\nويجوز مراعاة لفظ كلا وكلتا في الإفراد، كما في هذه الآية، ومراعاة معناهما كما في الآية التالية، وقد جمع الفرزدق بينهما في قوله: [البسيط]\nكلاهما حين جدّ السّير بينهما... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي\nففي قوله «أقلعا» راعى معنى «كلا»، وفي قوله: «رابي» راعى لفظها، وهو الإفراد. هذا؛ وإن أضيفا إلى الاسم الظاهر أعربا بحركات مقدرة على الألف كالاسم المقصور، وإن أضيفا إلى الضمير أعربا إعراب المثنى بالإلحاق، علما بأن لفظ ﴿كِلْتَا﴾ لم يرد في غير هذه الآية، ولفظ «كلا» لم يرد في غير آية الإسراء رقم [٢٣] أما في الشعر فلفظ «كلا» كثير، ومنه البيتان المذكوران، وأما لفظ «كلتا» فخذه في قول حسان﵁-: [الكامل]\nإن التي ناولتني فرددتها... قتلت قتلت، فهاتها لم تقتل\nكلتاهما حلب العصير فعاطني... بزجاجة أرخاهما للمفصل\nالإعراب: ﴿كِلْتَا:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و﴿كِلْتَا:﴾ مضاف، و﴿الْجَنَّتَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. ﴿آتَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى لفظ ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿كِلْتَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. لم: حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَظْلِمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى لفظ ﴿كِلْتَا﴾ أيضا. ﴿مِنْهُ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْئًا﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩] ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به وأجيز اعتباره نائب مفعول مطلق، والأول: أولى، وجملة:\n ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل ﴿آتَتْ﴾ المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ الشرح: ﴿وَفَجَّرْنا:﴾ أجرينا، وشققنا، وهو يقرأ بالتشديد والتخفيف، انظر الآية رقم [٩٠ و٩١] من سورة (الإسراء). ﴿خِلالَهُما:﴾ وسطهما. ﴿نَهَرًا:﴾ ليدوم شرب الجنتين، فإن الماء سبب لإنعاش النبات على جميع أنواعه، ويزيد الأرض جمالا وبهاء. هذا؛ و(نهر) بفتح الهاء لغة في النّهر، ونهر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ هو في معنى الجمع؛ أي: أنهار. هذا؛ و«نهر» يجمع على أنهار، وأنهر، ونهر، ونهور. هذا؛ وانظر «نا» في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر).","vol":"5","page":474},{"text":"الإعراب: ﴿وَفَجَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب «حفظنا» في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿خِلالَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿نَهَرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَفَجَّرْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، وعلى اعتبار الحالية، فيجب تقدير «قد» قبل هذه لتقربها من الحال.\n\n<span id=\"aya-2174\"></span>﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَكانَ لَهُ﴾ أي: للأخ الكافر. ﴿ثَمَرٌ:﴾ جمع: ثمرة، وهو بفتح الثاء والميم. قال في المختار: الثمرة: واحدة الثمر، والثمرات، وجمع الثّمر ثمار، مثل: جبل، وجبال، وجمع الثمار: ثمر، مثل: كتاب، وكتب، وجمع الثّمر: أثمار، كعنق، وأعناق. هذا؛ وعلى قراءة:\n «(ثمر)» بالضم فسر بالأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف من الذهب، والفضة وغيرهما، فيكون من: ثمر ماله: إذا جمعه، وكثره. هذا؛ و(ثمر) بضم الثاء مع ضم الميم وسكونها، و﴿ثَمَرٌ﴾ بفتحتين، فالقراءات الثلاث سبعية. انتهى جمل. ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ أي: لأخيه المؤمن الذي أنفق ماله في سبيل الله. هذا؛ والصاحب يكون بمعنى: الصديق، والزوج، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار؛ أي: مالكها، ويجمع على أصحاب، وصحب، وصحابة، وصحاب، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع: أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب.\n ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ أي: يراجعه في الكلام، ويجادله، والمحاورة: المراجعة في الكلام بين اثنين وانظرها في سورة (المجادلة). ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا:﴾ انظر شرح «المال» في الآية رقم [٦] من سورة (الإسراء). ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي: أقوى عشيرة، أو ولدا. وقيل: خدما، وحشما. هذا؛ و«نفر» اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: قوم، ومعشر، ورهط، ويحدد بما دون العشرة.\nقيل: إنه أخذ بيد أخيه المؤمن، وجعل يطوف به في الجنتين، ويريه ما فيهما، ويفاخره بما ملك من مال، وثمار، وأنهار... إلخ. تأمل، وتدبر.\nالإعراب: ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ثَمَرٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى الكافر. ﴿لِصاحِبِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهُوَ:﴾\nالواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُحاوِرُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى الكافر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل قال المستتر، والرابط: الواو، والضمير، ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿أَكْثَرُ:﴾ خبره. ﴿مِنْكَ:﴾ متعلقان بأكثر.","vol":"5","page":475},{"text":"﴿مالًا:﴾ تمييز. ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿أَنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2175\"></span>﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أي: دخل الكافر جنته آخذا بيد أخيه المؤمن، يطوف به فيها، ويريه إياها. ﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: بكفره، وفيه دليل على أنّ العاصي لا يضر إلا نفسه، والمؤذي للناس يعود أذاه على نفسه؛ لأنه يسبب لها العقاب الشديد، والعذاب الأليم في نار الجحيم. ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾ أي: تهلك، وتفنى. ﴿هذِهِ أَبَدًا:﴾ وذلك أنه راقه حسنها، وغرته زهرتها، فتوهم: أنها لا تفنى أبدا، فأنكر الحشر، والنشر، وهو ما في الآية التالية، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين تنطق ألسنة أحوالهم بذلك في هذا الزمن.\nهذا؛ وقد قال البيضاوي: وإفراد الجنة؛ لأن المراد ما هو جنته، وهي ما متع بها في الدنيا، تنبيها على أنه لا جنّة له غيرها، ولا حظّ له في الجنة التي وعد المتقون. أو لاتصال كل واحدة من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون في واحدة واحدة. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَدَخَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الأخ الكافر. ﴿جَنَّتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. وانظر إعراب: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الإسراء).\nوجملة: ﴿وَهُوَ ظالِمٌ﴾ في محل نصب حال من فاعل (دخل) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ متعلقان بظالم. هذا؛ وأجيز اعتبار اللام زائدة، ونفسه مفعول به لظالم، فيكون مجرورا لفظا، منصوبا محلا، وفاعل ظالم مستتر فيه، وجملة: ﴿وَدَخَلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله تقديره: «هو». ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَظُنُّ:﴾\nمضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَنْ تَبِيدَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن». ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَبِيدَ﴾ في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿أَظُنُّ﴾ وجملة:\n ﴿أَظُنُّ﴾ إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2176\"></span>﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً:﴾ فهو ينفي القيامة، ولا يعتقد بوجودها. ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا:﴾ إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض، كما يزعم صاحبه؛ ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا؛ ادعاء لكرامته على رغم مكانته عنده،","vol":"5","page":476},{"text":"والمنقلب: المرجع، والمآب، وهو اسم مكان، أو مصدر ميمي. هذا؛ ويقرأ: «(خيرا منهما)» بالتثنية بالرجوع إلى ﴿الْجَنَّتَيْنِ﴾.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَظُنُّ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره:\n «أنا». ﴿السّاعَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿قائِمَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف.\nاللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿رُدِدْتُ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلى رَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَأَجِدَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أجدن):\nمضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرًا﴾. ﴿مُنْقَلَبًا:﴾ تمييز، وجملة:\n ﴿لَأَجِدَنَّ﴾ جواب لأقسم، لا محل لها، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٦٢] من سورة (الإسراء)، فالكلام فيها كاف واف. هذا؛ والكلام ﴿وَما أَظُنُّ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، وهو في محل نصب مقول القول مثله.\n\n<span id=\"aya-2177\"></span>﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لَهُ﴾ أي: للكافر المنكر للبعث. ﴿صاحِبُهُ﴾ أي: المؤمن. وانظر المحاورة في الآية رقم [٣٥]. ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ﴾ أي: الذي ابتدأ خلقك من تراب، وهذا الخلق غير مباشر إذا كان المراد: خلق أباك آدم، وهو مباشر إذا كان المراد خلقك؛ لأن خلق الإنسان مبدؤه من النطفة التي تقذف في رحم المرأة، وهذه النطفة من الدم، والدم منشؤه من الطعام والشراب، وكلاهما مستخرج من الأرض. وانظر ما أذكره في الآية رقم [١٢] من سورة (المؤمنون) والآية رقم [٥] من سورة (الحج). ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أي: عدلك بشرا سويا، وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال، فقد جعل كفره بالبعث كفرا بالله تعالى؛ لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿صاحِبُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ في محل نصب حال من صاحبه، والرابط:\nالواو، والضمير. ﴿أَكَفَرْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (كفرت): فعل، وفاعل.\n ﴿بِالَّذِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿سَوّاكَ:﴾ ماض مبني على فتح","vol":"5","page":477},{"text":"مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿(بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ)﴾ والكاف مفعول به أول.\n ﴿رَجُلًا:﴾ مفعول به ثان وجوزت فيه الحالية، وجملة: ﴿سَوّاكَ رَجُلًا﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿أَكَفَرْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2178\"></span>﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي:﴾ هذا استدراك لقوله: أكفرت لأخيه، فالمعنى أنت كافر لكني مؤمن موحد. ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا:﴾ فيه تعريض بأخيه بأنه مشرك بالله تعالى يعبد غيره بدليل إنكاره البعث، والحساب، والجزاء. هذا؛ وأصل: ﴿لكِنَّا:﴾ لكن أنا؛ فحذفت الهمزة، ثم أدغمت النونان في بعضهما.\nالإعراب: ﴿لكِنَّا:﴾ (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. (أنا): مبتدأ أول. ﴿هُوَ:﴾\nمبتدأ ثان. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ ثالث. ﴿رَبِّي:﴾ خبر الثالث: مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ رَبِّي﴾ في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ اللهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: (لكن أنا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، والرابط في هذه الأخبار، هو ياء المتكلم. هذا؛ وأجيز اعتبار لفظ الجلالة بدلا من الضمير، أو بيانا له، والأول: أقوى.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿أُشْرِكُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿بِرَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ فهي في محل رفع مثلها، والذي لا يجيز عطف الفعلية على الاسمية يعتبر الجملة حالا من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-2179\"></span>﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْلا:﴾ وهلا. ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ:﴾ المعنى: هلا قلت عند دخولك جنتك، والنظر إلى ما رزقك الله منها: ما شاء الله، اعترافا منك بأنها وكل ما فيها من خير، إنما هو بمشيئة الله تعالى وفضله. وإن أمرها بيده، وإنه إن شاء تركها عامرة، وإن شاء تركها خرابا يبابا. ﴿لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي: وهلا قلت: لا قوة إلا بالله، إقرارا منك بأن ما قويت به على عمارتها، وتدبير أمرها، إنما هو بمعونة الله، وتدبيره، وتأييده، ولا أقدر على حفظ مالي، ودفع","vol":"5","page":478},{"text":"شيء عنه إلا بالله تعالى. ﴿إِنْ تَرَنِ..﴾. إلخ: هذا من المؤمن رد لقول الكافر: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. والمعنى: لأجل هذا تكبرت عليّ وتعظّمت. هذا؛ وقوله جل ذكره: (ولدا) انتصار لمن فسر ﴿نَفَرًا﴾ بالأولاد. هذا؛ ويقرأ: (ترن) هنا، و﴿يَهْدِيَنِ﴾ في الآية رقم [٢٤]، و﴿يُؤْتِيَنِ﴾ في الآية التالية و﴿تُعَلِّمَنِ﴾ في الآية رقم [٦٦] الآتية بإثبات ياء المتكلم وحذفها.\nتنبيه: ينبغي لكل من دخل بيته أن يقول: ﴿ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ فقد روي: أن النبي ﷺ قال لأبي هريرة﵁-: «ألا أدلّك على كلمة من كنوز الجنة، أو قال: كنز من كنوز الجنّة؟!». قلت: بلى يا رسول الله! قال: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ إذا قالها العبد، قال الله ﷿: أسلم عبدي، واستسلم». أخرجه مسلم. وقالت عائشة﵂-:\n «إذا خرج الرجل من منزله، فقال باسم الله. قال الملك: هديت، وإذا قال: ما شاء الله. قال الملك: كفيت. وإذا قال: لا قوّة إلا بالله. قال الملك: وقيت». خرجه الترمذيّ. انتهى قرطبي بتصرف. هذا؛ وهذه الكلمات وقاية من العين فينبغي لكل مسلم، ومسلمة أن يكثرا منها، ولا سيما عند إرادة السفر، وعند الرجوع منه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لولا): حرف تحضيض. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿قُلْتَ﴾. ﴿دَخَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿جَنَّتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. وانظر: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الإسراء) والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿قُلْتَ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر الذي شاءه الله، أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذي شاءه الله كائن. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) شرطية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطها، والجواب محذوف، التقدير: أيّ شيء شاء الله كان، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿قُوَّةَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: لا قوة موجودة. إلا: حرف حصر. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان ب: «موجودة» المقدّرة، وعلقهما أبو البقاء بمحذوف خبر لا، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. وهو فحوى ما تقدم. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَرَنِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، والمفعول الأول، وهو ياء المتكلم محذوف. ﴿أَنَا:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وأجيز اعتباره تأكيدا لياء المتكلم المقدرة على المحل، والأول: أقوى. ﴿أَقَلَّ:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ ويقرأ برفعه على أنه خبر للضمير، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به، وهذا على إجراء البصرية مجرى العلمية. ﴿مِنْكَ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿أَقَلَّ﴾. ﴿مالًا:﴾ تمييز. ﴿وَوَلَدًا:﴾ معطوف عليه، وجملة: ﴿تَرَنِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط ما يلي:","vol":"5","page":479},{"text":"<span id=\"aya-2180\"></span>﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿فَعَسى رَبِّي:﴾ هذا رجاء من المؤمن. ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ..﴾. إلخ: أن يعطيني في الدنيا، أو في الآخرة لإيماني بقدرته، وثقتي بعظمته، ووحدانيته أفضل من جنتك التي تفاخر بها.\n ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ أي: على جنتك. ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أي: مرامي من السماء، واحدها:\nحسبانة، وهي قطعة من نار. والحسبانة: السحابة، والحسبانة: الوسادة، وهي أيضا الصاعقة، والحسبان العذاب، والحسبان الجراد، وهو أيضا الحساب. قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾. ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا:﴾ أرضا بيضاء، لا ينبت فيها نبات، ولا تثبت عليها قدم لملامستها، فتكون أخبث أرض بعد أن كانت أنفع أرض. وانظر ﴿صَعِيدًا﴾ في الآية رقم [٨].\nالإعراب: ﴿فَعَسى:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عسى): ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبِّي:﴾ اسم عسى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُؤْتِيَنِ:﴾ منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به أول. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ جَنَّتِكَ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿خَيْرًا﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (عسى)، ويلزم تأويله باسم الفاعل، وجملة: ﴿فَعَسى..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿وَيُرْسِلَ:﴾\nمعطوف على ﴿يُؤْتِيَنِ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ أيضا. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الأول. ﴿حُسْبانًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حُسْبانًا﴾. ﴿فَتُصْبِحَ:﴾ الفاء: للسببية. (تصبح): مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، واسمه يعود إلى ﴿جَنَّتِكَ﴾. ﴿صَعِيدًا:﴾ خبره. ﴿زَلَقًا:﴾ صفة مؤكدة لما قبلها، و«أن» المضمرة والفعل (تصبح) في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق.\n<span id=\"aya-2181\"></span>﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها:﴾ ماء الجنة الجاري فيها. ﴿غَوْرًا:﴾ غائرا ذاهبا، فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كانت، أوجد أرض للماء، والغور: مصدر وضع موضع اسم الفاعل، كما يقال: رجل صوم، وفطر، وعدل، ورضا، وفضل، وزور، ونساء نوم، ويستوي فيه المذكر، والمؤنث، والتثنية والجمع. وقيل: الأصل: أو يصبح ماؤها ذا غور، فحذف المضاف على","vol":"5","page":480},{"text":"حد: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أي: لا تستطيع ردّ الماء الغائر، وإلى هنا انتهت مناظرة المؤمن لأخيه الكافر. وانظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُصْبِحَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿ماؤُها:﴾\nاسم ﴿يُصْبِحَ،﴾ و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿غَوْرًا:﴾ خبرها. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَسْتَطِيعَ:﴾ منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿لَهُ:﴾ متعلقان ب: ﴿طَلَبًا؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة، انظر الآية رقم [٩]. ﴿طَلَبًا:﴾ مفعول به، ولعلك تدرك معي: أن الكلام من قوله: ﴿لكِنَّا..﴾. إلخ إلى هنا كله من مقول المؤمن. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2182\"></span>﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ:﴾ أهلك أمواله حسبما توقعه صاحبه، وأنذره منه، وهو مأخوذ من أحاط به العدو، فإنه إذا أحاط به غلبه، وإذا غلبه أهلكه، ونظيره أتى عليه: إذا أهلكه، من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعليا عليهم، ففي الكلام استعارة تبعية بالفعل. وانظر شرح ﴿ثَمَرٌ﴾ وما فيه من قراءات في الآية رقم [٣٤]. ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أي: فصار الكافر يضرب إحدى يديه على الأخرى ندما، وتحسرا؛ لأن هذا يصدر من النادم. ﴿عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ أي: في عمارتها وزراعتها. ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أي: ساقطة سقوفها. وقيل: إن أشجار العنب المعرشة سقطت عروشها على الأرض، ومثله في الآية رقم [٢٥٩] من سورة (البقرة). ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ..﴾. إلخ: فقد تذكر موعظة أخيه المؤمن، وعلم: أنه أتي من جهة شركه وطغيانه، فتمنى أن لو لم يكن مشركا، وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأُحِيطَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أحيط): ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود إلى مصدر الفعل، وأقوى منه تعليق ﴿بِثَمَرِهِ﴾ بنائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة. وقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فهلكت جنته بالصواعق وغور الماء، وأحيط بثمره بالهلاك أيضا. ﴿فَأَصْبَحَ:﴾ ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو». ﴿يُقَلِّبُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَفَّيْهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُقَلِّبُ﴾ أو بمحذوف حال من فاعله المستتر، وجملة: ﴿أَنْفَقَ فِيها﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: على الذي أنفقه فيها، وجملة: ﴿فَأَصْبَحَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور","vol":"5","page":481},{"text":"بفي، والرابط: الواو، والضمير. ﴿عَلى عُرُوشِها:﴾ متعلقان ب: ﴿خاوِيَةٌ﴾ لأنها اسم فاعل، وفاعلها مستتر، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقُولُ:﴾ مضارع، فاعله مستتر فيه. (يا): حرف تنبيه، واعتبارها أداة نداء، والمنادى محذوف ضعيف أفاده ابن هشام في مغنيه. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها، وجملة: ﴿لَمْ أُشْرِكْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (ليت)، وجملة: ﴿يا لَيْتَنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿يُقَلِّبُ..﴾. إلخ، وأجيز اعتبارها حالا من فاعل ﴿يُقَلِّبُ،﴾ وهذا يحوج إلى تقدير مبتدأ قبلها. تأمل، وتدبر؛ لأن المضارع الواقع جملته حالا لا يقرن بالواو.\n\n<span id=\"aya-2183\"></span>﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ:﴾ جماعة من عشيرة، ونحوها. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء، والتاء قراءتان سبعيتان. ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ يمنعونه من عذاب الله، وضل عنه من افتخر بهم من الخدم والولد. هذا؛ وجمع الضمير مع كونه عائدا على ﴿فِئَةٌ﴾ لأنها اسم جمع مثل: قوم، ورهط... إلخ. ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ أي: ممتنعا من العذاب، فهو لا يقدر على الانتصار لنفسه.\nوانظر شرح الجلالة في الآية رقم [١] وشرح: ﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [١٤].\nالإعراب: ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾\nمضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِئَةٌ:﴾ اسم يكن مؤخر، وجملة: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ في محل رفع صفة ﴿فِئَةٌ﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار هذه الجملة خبرا ل: ﴿تَكُنْ﴾ وعليه فالجار والمجرور: ﴿لَهُ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿فِئَةٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.. إلخ، والوجه الأول: هو رأي: سيبويه، والثاني: هو رأي:\nأبي العباس المبرد، محتجا بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾\nمضاف إليه، وجملة: ﴿وَلَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَأُحِيطَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى الكافر. ﴿مُنْتَصِرًا:﴾ خبر كان، وجملة: ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، واعتبارها حالا من الضمير المنصوب غير مستبعد، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-2184\"></span>﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ﴾ أي: في ذلك المقام، وتلك الحال النصرة لله وحده، لا يملكها غيره، ولا يستطيعها سواه، هو تقرير لقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وقيل: ﴿هُنالِكَ:﴾\nإشارة للآخرة. هذا؛ ويقرأ ﴿الْوَلايَةُ﴾ بكسر الواو، وفتحها، وهما بمعنى: واحد، كالرّضاعة","vol":"5","page":482},{"text":"والرّضاعة. وقيل: ﴿الْوَلايَةُ﴾ بالفتح من الموالاة، كقوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبالكسر:\nالسلطان، والقدرة، والإمارة. هذا؛ ويقرأ: ﴿الْحَقِّ﴾ بالرفع، والجر. ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أي: في الدنيا، والآخرة لمن آمن به، وليس أحد ثمّ يرجى خيره، ولكنه أراد في ظنّ الجهال؛ أي: هو خير من يرجى. ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي: هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به، ويقرأ: ﴿عُقْبًا:﴾ بضم القاف، وسكونها. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل عسر ويسر، ورحم، وحلم، ورسل... إلخ.\nبعد هذا انظر ﴿الْحَقِّ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء)، أما ﴿خَيْرٌ﴾ فهو أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في حبّ وشرّ اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء، والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى: ﴿(سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ)﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة: [الرجز]\nيا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\nوخير وشر وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنهنّ بمعنى: أفعل، كما رأيت. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية، أو الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْوَلايَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هو متعلق ب: ﴿مُنْتَصِرًا،﴾ وعليه فالوقف على: ﴿هُنالِكَ﴾. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالولاية على الوجه الأول في الإعراب. ومتعلقان بمحذوف خبر ﴿الْوَلايَةُ﴾ على الوجه الثاني في إعراب ﴿هُنالِكَ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْحَقِّ:﴾ بالجر صفة الجلالة، وبالرفع صفة الولاية، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وأجاز أبو البقاء اعتباره خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الحق، واعتباره مبتدأ خبره الجملة الاسمية بعده. ﴿هُوَ خَيْرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثَوابًا:﴾ تمييز. ﴿هُوَ خَيْرٌ:﴾ معطوف على سابقه. ﴿عُقْبًا:﴾ تمييز.\n\n<span id=\"aya-2185\"></span>﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ..﴾. إلخ: أي: اذكر، وقرر لأهل مكة حال الدنيا في زهرتها، ونضارتها، وسرعة زوالها، وفنائها. وينبغي أن تعلم: أن هذا الكلام فيه التفات من الغيبة، وهي","vol":"5","page":483},{"text":"قصة الرجلين اللذين رأيت الكلام فيهما إلى الحضور والخطاب للنبي ﷺ، ولأهل مكة المعاندين الحق، كما هو واضح للعيان. ﴿كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أي: بالماء. ﴿نَباتُ الْأَرْضِ:﴾ فالتف بسببه، وخالط النبات بعضه بعضا من كثرته، وتكاثفه، وحقه أن يكون الكلام، فاختلط بنبات الأرض، لكن لما كان كل من المختلطين موصوفا بصفة صاحبه، عكس للمبالغة في كثرته. وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (يونس) ﵇، فإنها مثل هذه الآية في التشبيه التمثيلي، وفي كل شيء.\n ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا:﴾ متكسرا من اليبس متفتتا بسبب انقطاع الماء عنه. ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ:﴾ تفرقه، وتذهب به، وقرئ: «(تذريه)» بضم التاء من أذرى الرباعي، وبفتحها من ذرى الثلاثي. هذا؛ وفي الآية تشبيه التمثيل، انظر سورة (يونس). ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإنشاء، والإفناء، والإحياء، والإماتة، وغير ذلك. ﴿مُقْتَدِرًا:﴾ قادرا لا يعجزه شيء في هذا الكون.\nتنبيه: قالت الحكماء: إنما شبه الله تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على حال واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى، ويذهب، كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أن يدخله أحد إلا ويبتل، كذلك الدنيا لا يسلم من دخلها من فتنتها، وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا، وإذا جاوز المقدار كان ضارّا مهلكا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع، وفضولها يضر، وفي حديث النبي ﷺ قال له رجل: يا رسول الله! إني أريد أن أكون من الفائزين. قال: «ذر الدّنيا، وخذ منها كالماء الرّاكد، فإنّ القليل منها يكفي، والكثير منها يطغي». وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه». انتهى. قرطبي بحروفه.\nهذا؛ وأقول: إن كل إنسان وحياته كالنبات الذي ينبت من الأرض بسبب المطر: طفولته، ومراهقته، وشبابه، وكهولته، وشيخوخته، وهرمه. كل ذلك شبيه بأطوار النبات على الأرض، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nما أنت إلاّ كزرع عند خضرته... لكلّ شيء من الآفات مقصود\nفإن سلمت من الآفات أجمعها... فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود\nالإعراب: ﴿وَاضْرِبْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (اضرب): أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿مَثَلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. ﴿كَماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل (اضرب) على أنهما مفعوله الثاني، إن كان بمعنى: صير، وأوضع منه أن تعتبر الكاف اسما بمعنى: مثل مبنيا على الفتح في محل نصب مفعوله الثاني، والكاف مضاف، و(ماء) مضاف إليه. هذا؛ وإن كان الفعل بمعنى: اذكر، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو كماء،","vol":"5","page":484},{"text":"وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب بدلا من ﴿مَثَلَ الْحَياةِ﴾. وجملة: ﴿وَاضْرِبْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة (ماء). ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ﴿فَاخْتَلَطَ:﴾ ماض. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به. ﴿نَباتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه، والجملة: ﴿فَاخْتَلَطَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَأَصْبَحَ:﴾ ماض ناقص، وهو بمعنى: صار، واسمه يعود إلى ﴿نَباتُ الْأَرْضِ﴾. ﴿هَشِيمًا:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا.\nهذا؛ ووجود رابط في الأولى رابط لكل ما يعطف عليها. ﴿تَذْرُوهُ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والهاء مفعول به. ﴿الرِّياحُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ثان لأصبح، وهو أقوى من اعتبارها صفة هشيما. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بما بعدهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُقْتَدِرًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2186\"></span>﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ..﴾. إلخ: يتزين بهما الإنسان في دنياه، ثم تفنى هذه الزينة، وإنما كانا زينة الحياة الدنيا؛ لأن في المال جمالا، ونفعا، وفي البنين قوة، ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا، وإنما أفرد ﴿زِينَةُ﴾ مع كونها عائدة على اثنين؛ لأنها مصدر، فصح الإخبار بها عن الاثنين، وهي بمعنى: المفعول، أو هي من قبيل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الآية رقم [٦٢] من سورة (التوبة).\n ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ:﴾ لقد اختلف في تفسيرها، فقال ابن عباس، وابن جبير، وأبو ميسرة، وعمرو بن شرحبيل: هي الصلوات الخمس. والصحيح: أنها كل عمل صالح من قول، أو فعل يبقى للآخرة. وقال علي﵁-: «الحرث حرثان، فحرث الدنيا: المال والبنون، وحرث الآخرة: الباقيات الصالحات، وقد جمعهن الله تعالى لأقوام». وقال الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم) خرجه مالك في موطئه عن عمارة بن صيّاد عن سعيد بن المسيب.\nوعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فإنّهنّ الباقيات الصّالحات، وهنّ يحططن الخطايا كما تحطّ الشجرة ورقها، وهي من كنوز الجنّة». رواه الطبراني.","vol":"5","page":485},{"text":"وقال عبيد بن عمير: هن البنات، يدل عليه، أوائل الآية. قال تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ثم قال: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ يعني البنات الصالحات، هن عند الله لآبائهن خير ثوابا، وخير أملا في الآخرة لمن أحسن إليهن. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٩] من سورة (النحل)، وخذ ما يلي: روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «لقد رأيت رجلا من أمّتي أمر به إلى النار، فتعلق به بناته، وجعلن يصرخن، ويقلن: ربّ إنه كان يحسن إلينا في الدّنيا، فرحمه الله بهنّ». هذا؛ وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه في التحقيق ممّا يظنه الجهال: أنه خير في ظنهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية رقم [٧٦] من سورة (مريم) ﵍.\nهذا، وفي قوله تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ..﴾. إلخ فن الجمع، وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد، فقد جعل الله المال والبنين زينة الحياة الدنيا، ومنه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٠]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ..﴾. إلخ ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nآراؤه وعطاياه ونعمته... وعفوه رحمة للنّاس كلّهم\nوانظر المحسنات البديعية في كتاب قواعد اللغة العربية الذي شرحته، وحققته.\nالإعراب: ﴿الْمالُ:﴾ مبتدأ. ﴿وَالْبَنُونَ:﴾ معطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿زِينَةُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مجرور مثله، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية: ﴿الْمالُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَالْباقِياتُ:﴾ مبتدأ. ﴿الصّالِحاتُ:﴾ صفة لها. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، أو هي مستأنفة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿ثَوابًا:﴾ تمييز. ﴿وَخَيْرٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَمَلًا:﴾ تمييز.\n\n<span id=\"aya-2187\"></span>﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ أي: نزيلها من أماكنها من على وجه الأرض، ونسيرها كما نسير السحاب. قال تعالى في سورة (النمل): ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ و﴿وَتَرَى:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، أو لكل واحد. ﴿بارِزَةً:﴾ ظاهرة، ليس عليها ما يسترها من جبل، أو شجر، أو بنيان. وقيل: المعنى برز ما فيها من الكنوز، والأموات، كما قال تعالى:\n ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ وقال: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ وهذا قول عطاء رحمه الله تعالى.\n ﴿وَحَشَرْناهُمْ:﴾ أخرجناهم من قبورهم، وسقناهم إلى المحشر جميعا برهم، وفاجرهم، إنسهم،","vol":"5","page":486},{"text":"وجنهم. ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا:﴾ فلم نترك أحدا منهم، والمغادرة: الترك، ومنه الغدر؛ لأنه ترك الوفاء. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿نُسَيِّرُ﴾ بالتاء، والبناء للمجهول، والبناء للمعلوم، ورفع الجبال معهما. هذا؛ والتعبير بالفعل الماضي في هذه الآية وما بعدها، وهو ينص على شيء يقع في المستقبل بلا ريب، إنما هو لتحقق وقوع ما يذكر، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة. هذا؛ و﴿الْجِبالَ﴾ مفرده جبل ويجمع على: أجبل، وأجبال أيضا.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على الظرف ﴿عِنْدَ﴾ التقدير:\nوخير يوم، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكر يوم.. إلخ وتكون هذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿وَاضْرِبْ..﴾. إلخ وما بينهما اعتراض. ﴿نُسَيِّرُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْجِبالَ:﴾ مفعول به، وعلى القراءتين الأخريين هو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها. ﴿وَتَرَى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بارِزَةً:﴾ حال من الأرض؛ لأن الفعل بصري، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿وَحَشَرْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا، أو هي في محل نصب حال من الأرض على تقدير قد قبلها، والرابط: الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\nلم: حرف جازم. ﴿نُغادِرْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». منهم:\nمتعلقان بمحذوف حال من أحدا، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩] ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. والعطف هو الأقوى.\n\n<span id=\"aya-2188\"></span>﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا:﴾ قال مقاتل: يعرض الخلق صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة، كل أمة، وزمرة صفا، لا أنهم صف واحد. وقيل: جميعا. وقيل: قياما، وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل﵁-:\nأن النبي ﷺ قال: «إنّ الله ﵎ ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي أنا الله، لا إله إلاّ أنا أرحم الرّاحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، يا عبادي لا خوف عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجّتكم ويسّروا جوابا، فإنكم مسئولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب». انتهى. قرطبي.","vol":"5","page":487},{"text":"﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: حفاة، عراة، لا مال معكم، ولا ولد. وقيل: فرادى كما في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام)، انظرها فالبحث فيها جيد. هذا؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة﵂قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر النّاس يوم القيامة حفاة عراة غرلا». قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة! الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذلك». زاد النسائي في رواية له: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ومعنى غرلا: غير مختونين، والمراد: وجود القلفة التي تزال عند الختان، وهو تحقيق لما في هذه الآية. ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ..﴾. إلخ: بل ادعيتم باطلا، وافتراء أننا لن نجعل لكم وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الرسل من البعث، والحشر، والنشور، أو نجعل لكم مكان وعد للمحاسبة. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف تحية، وألف صلاة.\nالإعراب: ﴿وَعُرِضُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (عرضوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿صَفًّا:﴾ حال بمعنى: مصطفين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم مقدر. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُمُونا:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، ونا مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف واقع حالا، التقدير: مقولا لهم:\nلقد... إلخ.\n ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿مَرَّةٍ﴾ مضاف إليه، وما المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: جئتمونا مجيئا كائنا مثل خلقنا إياكم أول مرة. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر، المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة معينة، وليس هذا منها.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب تستأنف بعده الجمل. ﴿زَعَمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَلَّنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. التقدير: أننا. (لن): حرف ناصب. ﴿نَجْعَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن) والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بموعدا بعدهما الذي هو مفعول به،","vol":"5","page":488},{"text":"وجملة: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي زعم، وجملة: ﴿زَعَمْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2189\"></span>﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي: نشرت كتب الأعمال؛ التي عملها بنو آدم في الدنيا. وانظر التعبير بالماضي عن المستقبل في الآية [٤٨] فقد روى القرطبي-رحمه الله تعالى-: أن عمر -﵁قال لكعب: ويحك يا كعب! حدثنا من حديث الآخرة. قال: نعم يا أمير المؤمنين! «إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ، فلم يبق أحد من الخلائق، إلاّ وهو ينظر إلى عمله. قال: ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد، فتنثر حول العرش، وذلك قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ..﴾. إلخ. قال كعب: ثم يدعى المؤمن، فيعطى كتابه بيمينه، فينظر فيه، فإذا حسناته باديات للناس، وهو يقرأ سيئاته؛ لكيلا يقول: كانت لي حسنات، فلم تذكر، فأحب الله أن يريه عمله كلّه حتى إذا استنقص ما في الكتاب؛ وجد في آخر ذلك كلّه أنّه مغفور لك، وأنك من أهل الجنة، فعند ذلك يقبل إلى أصحابه، ثم يقول: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ ثم يدعى بالكافر، فيعطى كتابه بشماله، ثم يلفّ، فيجعل من وراء ظهره، ويلوى عنقه، فذلك قوله: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ فينظر في كتابه، فإذا سيئاته باديات للناس، وينظر في حسناته لكيلا يقول: أفأثاب على السيئات؟!. وكان الفضيل بن عياض-رحمه الله تعالى-إذا قرأ هذه الآية، يقول: يا ويلتاه! ضجّوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر.\n ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا:﴾ مكتوبا في الصحف، أو وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي: بنقص شيء من ثوابه، ولا بزيادة شيء من عقابه. وانظر الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء). هذا؛ والصغيرة: النظرة المحرمة، وكذلك: اللمسة، والقبلة، ونحو ذلك، وأما الكبيرة فهي ما تستحق حدا في الدنيا، وعقابا في الآخرة، ولا تنس: أنّ الإصرار على الصغيرة، والإكثار منها كبيرة. وخذ ما يلي: عن سهل بن سعد﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال:\n «إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّما مثل محقّرات الذّنوب كمثل قوم، نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتّى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإنّ محقّرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه». رواه أحمد، وفي كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري كثير من هذا، ولا تنس: أن في المسلمين كثيرا من المجرمين والظالمين والفاسقين... إلخ، وقد بينته فيما مضى كثيرا، والله أسأل، وبنبيه أتوسل أن يهدينا جميعا سواء السبيل، فإنه خير مسئول.","vol":"5","page":489},{"text":"الإعراب: ﴿وَوُضِعَ:﴾ الواو: حرف عطف. (وضع): ماض مبني للمجهول. ﴿الْكِتابُ:﴾\nنائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (ترى): مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب. ﴿مُشْفِقِينَ:﴾ حال من المجرمين؛ لأن الفعل بصري، منصوب، وعلامة النصب فيهما الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿مِمّا:﴾ متعلقان ب: ﴿مُشْفِقِينَ؛﴾ لأنه اسم فاعل، لذا فاعله مستتر فيه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل. ﴿يا وَيْلَتَنا:﴾ يا: قال الجلال: حرف تنبيه. (ويلتنا): قال الجلال: مصدر، لا فعل له من لفظه، وهو يعني: أنه مفعول مطلق، والتحقيق: أنه منادى، ونداء الويلة على تشبيهها بشخص يطلب إقباله، كأنه قيل: يا هلاكنا أقبل، فهذا، أوانك، ففيه استعارة مكنية، وتخييلية، وفيه تقريع لهم، وإشارة إلى أنه لا صاحب لهم غير الهلاك، وطلبوا هلاكهم، لئلا يروا ما هم فيه. انتهى جمل نقلا عن الشهاب. أقول: انظر شرح «الويل» في الآية رقم [٢] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر إعراب ﴿يا وَيْلَتى﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) ﵇، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿ما لِهذَا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (لهذا): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(ها) التنبيه مقحمة بينهما، وهو حرف لا محل له.\n ﴿الْكِتابُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية، والندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا، جملة: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ في محل نصب حال من ﴿الْكِتابُ،﴾ والرابط: الضمير فقط والعامل اسم الإشارة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَحْصاها:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الكتاب، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿صَغِيرَةً﴾ و﴿كَبِيرَةً،﴾ أو هي في محل نصب مفعول به ثان؛ لأن يغادر بمعنى: يترك.\n ﴿وَوَجَدُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِمّا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وجدوا الذي، أو شيئا عملوه، وعلى اعتبار ﴿مِمّا﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير:\nوجدوا عملهم. ﴿حاضِرًا:﴾ حال من الضمير المنصوب المقدر، أو من المصدر عملهم، أو هو مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَوَجَدُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، ويجب تقدير قد قبلها، وجملة: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ معطوفة أيضا، واعتبارها مستأنفة وجه صحيح، لا غبار عليه.","vol":"5","page":490},{"text":"<span id=\"aya-2190\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ:﴾ انظر خلق آدم، وما المراد من السجود لآدم في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحجر) وما بعدها. وانظر شرح (آدم) في الآية رقم [٦١] من سورة (الإسراء). ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ:﴾ انظر شرح (إبليس) في الآية رقم [٣١] من سورة (الحجر).\n ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ:﴾ قال ابن عباس﵄-: كان من حيّ من الملائكة، يقال لهم:\nالجن خلقوا من نار السموم. وقال الحسن-رحمه الله تعالى-: كان من الجن، ولم يكن من الملائكة، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، وكونه من الملائكة، لا ينافي كونه من الجن، بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ وذلك: أن قريشا قالت: الملائكة بنات الله، فهذا يدل على أنّ الملك يسمى جنا، ويعضده اللغة؛ لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر، فعلى هذا تدخل الملائكة فيه، فكل الملائكة جن لاستتارهم، وليس كل جن ملائكة، ووجه كونه من الملائكة أن الله تعالى استثناه من الملائكة، والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل، ويصح دخوله، وذلك يوجب كونه من الملائكة، ووجه من قال: إنه كان من الجن، ولم يكن من الملائكة قوله تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ والجن جنس مخالف للملائكة. وقوله:\n ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ فأثبت له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم، وأجيب عن الاستثناء: أنه استثناء منقطع، وهو مشهور في كلام العرب. قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاّ سَلامًا﴾ قيل: إنه كان من الملائكة، فلما خالف الأمر؛ مسخ، وطرد، ولعن. انتهى. خازن.\n ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ:﴾ خرج عن طاعة ربه. ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ..﴾. إلخ: فيه توبيخ، وتقريع لمن اتبع خطوات الشيطان الرجيم. ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أي: بئس عبادة الشيطان بدلا من عبادة الله تعالى، أو بئس إبليس بدلا من الله. هذا؛ وقيل: ﴿عَنْ﴾ هنا بمعنى:\nبعد، انظر رقم [٦٣] من سورة (النور) تجد ما يسرك.\nبعد هذا لقد اختلف: هل لإبليس ذرية من صلبه. فقال الشعبي: سألني رجل، فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: ذاك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ﴾ فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم. وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه، فباض خمس بيضات، فهذا أصل ذريته. وقيل: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا، وفي اليسرى فرجا، فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا، وشيطانة، فهو يخرج، وهو يطير، وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة. وقال قوم: ليس له أولاد، ولا ذرية، وذريته: أعوانه من الشياطين.","vol":"5","page":491},{"text":"قال القشيري أبو نصر: والجملة: أن الله تعالى أخبر: أن لإبليس أتباعا، وذرية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم، وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم، وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح عن سلمان الفارسي -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكن أوّل من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فبها باض الشيطان، وفرّخ». وهذا يدل على أنّ للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم. انتهى. باختصار السند، أقول: وإذا علمت: أنّ لكل واحد من بني آدم قرينا من الشياطين، كما ذكرته لك مرارا؛ علمت: أنه لا بد من التوالد، وأنهم يموتون كما يموت بنو آدم إلا إبليس اللعين الذي طلب من الله النّظرة، والإمهال كما رأيت مرارا.\nوذكر الطبري وغيره: أن مجاهدا قال: ذرية إبليس: الشياطين، وكان يعدّهم: زلنبور صاحب الأسواق، يضع رايته في كل سوق بين السماء والأرض، يجعل تلك الراية على حانوت أول من يفتح، وآخر من يغلق، ويزين اللغو، والحلف الكاذب، ومدح السلع. وبتر، وهو صاحب المصائب، يزين ضرب الوجوه، وشق الجيوب، والدعاء بالويل، والثبور. والأعور صاحب الزنى ينفخ في إحليل الرجل، وعجيزة المرأة. ومطوس صاحب الأخبار الكاذبة، يلقيها في أفواه الناس، فلا يجدون لها أصلا. وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته، ولم يسم، ولم يذكر الله دخل معه، وشاركه في مبيته، وطعامه، وشرابه، انظر مشاركة الشيطان لابن آدم في الآية رقم [٦٤] من سورة (الإسراء). والولهان، وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها. ومرة، وهو صاحب المزامير، وبه يكنى.\nقال ابن عطية: هذا؛ وما جانسه ممّا لم يأت به سند صحيح، ولم يمرّ بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب مسلم من أن للصلاة شيطانا يسمى خنزب، وذكر الترمذي: أن للوضوء شيطانا يسمى: الولهان. انتهى. قرطبي.\nفعن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثمّ يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة، أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثمّ يجيء أحدهم، فيقول: ما تركته حتّى فرّقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت». رواه مسلم.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، فهو مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿لِآدَمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: «اذكر...» إلخ المقدرة","vol":"5","page":492},{"text":"معطوفة على جملة: (اضرب لهم...) إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وجملة:\n ﴿فَسَجَدُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ وهل هو متصل، أو منقطع؟ انظر الشرح. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه، يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ في محل نصب حال من ﴿إِبْلِيسَ،﴾ و«قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز اعتبارها تعليلا مستأنفا. ﴿فَفَسَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿عَنْ أَمْرِ:﴾ متعلقان به، و﴿أَمْرِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿فَفَسَقَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (سجدوا...) إلخ، فهي في محل جر مثلها. وقيل: معطوفة على جملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ فهي في جملة التعليل، وهو أولى.\n ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الفاء: حرف استئناف. (تتخذونه):\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به أول.\n ﴿وَذُرِّيَّتَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب منصوب مثله وأجيز اعتباره مفعولا معه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِي:﴾ متعلقان بما قبلهما إما بالفعل، أو بمحذوف صفة ﴿أَوْلِياءَ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بعدوّ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ. وانظر شرحه في الآية رقم [٥٣] من سورة (الإسراء)، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من المفعول به، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿بِئْسَ:﴾ ماض جامد دال على إنشاء الذم، وفاعله مستتر فسره التمييز بعده. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَدَلًا،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ. ﴿بَدَلًا:﴾ تمييز، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هو إبليس، وجملة:\n ﴿بِئْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2191\"></span>﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾\nالشرح: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ الضمير المنصوب يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾ وذريته، المعنى: لم أحضرهم على خلق السموات والأرض، ولم أشاورهم بذلك، فكيف تتخذونهم","vol":"5","page":493},{"text":"أولياء من دوني؟!. وقيل: يعود الضمير إلى الملائكة. وقيل: يعود إلى الكفار أنفسهم، فكيف ينسبون إلى الله ما لا يليق بجلاله، وعظمته؟!، وقرئ: «(ما أشهدناهم)» على التعظيم. ﴿وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ولا أشهدتهم خلق أنفسهم، ولا استشرتهم في خلقها. قال القرطبي: فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين، وأهل الطبائع، والمتحكمين من الأطباء، وسواهم من كل من ينخرط في هذه الأشياء. انتهى.\n ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أي: معينا، وناصرا، ومساعدا، والمراد: بالمضلين الشياطين، وأولياؤهم، وأتباعهم، وأصل العضد: العضو الذي هو من المرفق إلى الكتف. ففي الكلام استعارة، وفيه قراءات ثمانية. هذا؛ وقرئ بفتح التاء خطابا للنبي ﷺ. هذا؛ والعضد تذكر، وتؤنث. وقال اللحياني: العضد مؤنثة لا غير، وهي العضو ما بين المرفق، والكتف، وتكون بمعنى: الناصر والمعين، كما في الآية الكريمة على سبيل الاستعارة. قال أبو الشعر الهلالي، من قصيدة له مستجادة: [البسيط]\nكلا أخي وخليلي واجدي عضدا... في النّائبات وإلمام الملمّات\nوتكون بمعنى: القوة، كما في قوله تعالى: ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنقويك بأخيك. وقال طرفة بن العبد: [السريع]\nأبني لبينى لستم بيد... إلا يدا ليست لها عضد\nوالعضد: قوام اليد، وبشدتها تشتد، ويقال في دعاء الخير: شدّ الله عضدك! وفي ضده:\nفتّ الله في عضدك! وقال تعالى لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص): ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٥].\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَشْهَدْتُهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿خَلْقَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿خَلْقَ:﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿خَلْقَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية.\n ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مُتَّخِذَ:﴾ خبر (كان)، وهو مضاف، و﴿الْمُضِلِّينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَضُدًا:﴾\nمفعول به ثان ل: ﴿مُتَّخِذَ﴾ وجملة: ﴿وَما كُنْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"5","page":494},{"text":"<span id=\"aya-2192\"></span>﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي: اذكروا يوم يقول الله تعالى. هذا؛ وقرئ الفعل بالنون، والياء قراءتان سبعيتان، فبالنون لمناسبة: ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ وبالياء لمناسبة: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾. ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ:﴾ ادعيتم أنهم آلهة فليمنعوكم من العذاب، وهذا القول لعبدة الأوثان يوم القيامة.\n ﴿فَدَعَوْهُمْ:﴾ فنادوا، واستغاثوا بهم. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أي: لم يجيبوهم، ولم يستطيعوا نصرهم.\n ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ أي: بين الأصنام وعبدتها مهلكا. قال أنس بن مالك﵁-:\nهو واد في جهنم من قيح ودم. وقال ابن عباس﵄-: هو واد في النار. وقيل:\nنهر تسيل منه نار وعلى حافتيه حيات مثل البغال الدّهم. وقيل: كل حاجر بين شيئين فهو موبق.\nوقيل: البين: تواصلهم في الدنيا، كان هلاكا لهم في الآخرة، انظر شرح: (بين) في الآية رقم [٤٥] من سورة (الإسراء)، وشرح (اليوم) في الآية رقم [١٤] منها، وشرح (القول) في الآية رقم [١٦] منها، وشرح «زعم» في الآية رقم [٥٦] منها أيضا، ومعنى ﴿شُرَكائِيَ:﴾ الذين أشركتموهم معي في العبادة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ و«موبق» اسم مكان، وياتي مصدرا ميميا أيضا، وجاء على وزن مفعل بكسر العين لأن مضارعه مكسور عينه، فهو من باب ضرب، وواوي الفاء أيضا. وانظر ما ذكرته في شرح (مسجد) في الآية رقم [٢١] و(مصرف) في الآية الآتية مثل (موبق)؛ لأن ماضيه: صرف، ومضارعه: يصرف بكسر الراء.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، انظر، الشرح.\n ﴿يَقُولُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿نادُوا:﴾ أمر وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿شُرَكائِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع\nإلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا ممّا قبله، أو هو صفة له. ﴿زَعَمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعولاه، أو ما يسد مسدهما محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول، وجملة: ﴿نادُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة يوم إليها، وجملة: «اذكروا...» إلخ المقدرة مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَدَعَوْهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْتَجِيبُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف","vol":"5","page":495},{"text":"مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو مفعول به على تفسيره ب: «وصلهم» والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مَوْبِقًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-2193\"></span>﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ:﴾ أبصر الكافرون النار، وما فيها. ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ أيقنوا: أنهم واقعون في جهنم، وفي الخبر: إن الكافر ليرى جهنم، ويظن: أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة، والمواقعة: ملابسة الشيء بشدة. ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا:﴾ مهربا، أو ملجأ يلتجئون إليه. هذا؛ وانظر ما ذكرته عن ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ في الآية رقم [٤٩] وانظر الظن في الآية رقم [١٠٢] من سورة (الإسراء) وهو هنا معناه اليقين؛ لأن رؤية النار يوم القيامة لا شك فيها.\nبعد هذا فالنار أصلها: النّور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، وجمعها: أنور، ونيرة، ونيران، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين، والمجرمين، والظالمين... إلخ، من أبناء المسلمين. وانظر دركاتها في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر)، والفعل: نار، ينور. يستعمل لازما ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.\nالإعراب: ﴿وَرَأَى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع\nإلخ. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَظَنُّوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ظنوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُواقِعُوها:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّوا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. لم: حرف جازم. ﴿يَجِدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه اسم زمان، أو مكان، أو هو مصدر ميمي. ﴿مَصْرِفًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على خبر (أنّ)، واعتبارها حالا من فاعل ﴿مُواقِعُوها﴾ المستتر لا بأس به.\n<span id=\"aya-2194\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء) ففيها الكفاية. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ أي: جدالا في الباطل. قال ابن عباس-رضي الله","vol":"5","page":496},{"text":"عنهما-: أراد النضر بن الحارث، وجداله في القرآن. وقيل: أراد به أبيّ بن خلف. وقيل: أراد جميع الكفار، وهو الأولى.\nفعن علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-: أن رسول الله ﷺ طرقه، وفاطمة﵂ليلا، فقال: «ألا تصلّيان». فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت له ذلك، ثمّ سمعته، وهو مدبر يضرب فخذه، ويقول: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. والجدل: شدة الخصومة. وهي مذمومة إلا عند الضرورة، فعن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل».\nثم قرأ قوله تعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا﴾. رواه الترمذي وابن ماجة.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٤١] و[٨٩] من سورة (الإسراء) ففيهما الكفاية. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ اسم (كان).\n ﴿أَكْثَرَ:﴾ خبر (كان)، و﴿أَكْثَرَ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿جَدَلًا:﴾ تمييز، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الناس؛ فلست مفندا، ويكون الرابط الواو فقط، و«قد» قبلها مقدرة.\n\n<span id=\"aya-2195\"></span>﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ..﴾. إلخ: المعنى وما منع الكافرين من الإيمان بالله ورسوله وقت مجيء الهدى إليهم، وما صدهم عن استغفار ربهم، وطلب العفو منه عنهم إلا انتظارهم أن يحل بهم ما حل بالأمم السابقة، وهو عذاب الاستئصال، والهلاك، أو إلا أن يحل بهم حكم الله بالانتقام منهم. وقيل: المعنى: ما منعهم من الإيمان إلا طلبهم أن تأتيهم سنّة الأولين. فحذف.\nوهذا تجلى في قولهم: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا﴾ أي: عيانا، ومشاهدة. وقيل: فجأة. وهو يقرأ بضمتين، فقيل: جمع: قبيل بمعنى: أنواع. ويقرأ بفتحتين، وهو لغة فيه. وقيل: هو بمعنى:\nمتفرقا يتلو بعضه بعضا، وقرئ: (قبلا) بكسر وفتح، وهو بالمعنى الأول: الذي رأيته، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا انظر شرح: (الناس) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿جاءَ﴾ في الآية رقم [٥] منها، وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] منها، وشرح: ﴿سُنَّةُ﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿أَتى﴾ في الآية رقم [١] من سورة (النحل)، وشرح (أوّل) في الآية رقم [٢٤] منها.","vol":"5","page":497},{"text":"الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مَنَعَ:﴾ ماض. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو، فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل جر بحرف جر محذوف، على الخلاف بين سيبويه، والخليل.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل يؤمنوا، وعلقه الجمل بالفعل ﴿مَنَعَ﴾. ﴿جاءَهُمُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْهُدى:﴾ فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا:﴾ معطوف على ﴿يُؤْمِنُوا﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والمصدر المؤول، من: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ في محل رفع فاعل ﴿مَنَعَ﴾ وهنا يجب تقدير مضاف قبل المصدر المؤول؛ أي: انتظار إتيان العذاب. وانظر الشرح، ﴿سُنَّةُ:﴾ فاعل تأتي، وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ:﴾\nمعطوف على ما قبله منصوب مثله، والهاء مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعل. ﴿قُبُلًا:﴾ حال من العذاب، أو من الضمير المنصوب. هذا؛ ويشبه هذه الآية في معناها وإعرابها الآيتان رقم [٥٩ و٩٤] من سورة (الإسراء)، وجملة: ﴿وَما مَنَعَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2196\"></span>﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ:﴾ للمؤمنين الطائعين بالرحمة، والجنة.\n ﴿وَمُنْذِرِينَ:﴾ للكافرين، والعاصين، والمجرمين بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، في نار الجحيم. ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ:﴾ باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، والسؤال عن قصة أصحاب الكهف، ونحوه تعنتا، ومنه قولهم للرسل: ﴿ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ و﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً،﴾ ونحو ذلك. ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ:﴾ ليزيلوا بجدالهم الحق عن مقره، ويبطلوه، وأصل الدحض: الزلق، يقال: دحضت رجله؛ أي: زلقت، ودحضت حجته دحوضا: بطلت؛ لذا في الكلام استعارة بالفعل. ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي﴾ أي: القرآن المنزل على قلب محمد ﷺ. ﴿وَما أُنْذِرُوا:﴾ من العقاب، والتهديد، والوعيد. ﴿هُزُوًا:﴾ استهزاء وسخرية.\nهذا؛ وهزوا مصدر هزأ يهزأ هزأ من باب فتح، ويأتي أيضا من باب تعب، والمصدر يأتي بضم الزاي وسكونها، وتخفيف الهمزة، فتقلب واوا، وقد قرئ بهما، وهما سبعيتان. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية الحجر الناهية عن السخرية والاستهزاء بالناس معروفة،","vol":"5","page":498},{"text":"وأحاديث النبي ﷺ الناهية عن ذلك مسطورة، ومشهورة. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ قصر إضافي، وهو هنا قصر موصوف على صفة، وهو كثير في كتاب الله تعالى، ومطابقة أيضا بين ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ و(منذرين). تأمل.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نُرْسِلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ حال منصوب. ﴿وَمُنْذِرِينَ:﴾ معطوف عليه فهو حال مثله، وعلامة النصب في الثلاثة الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَما نُرْسِلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وعطف المثبتة على المنفية جائز. ﴿وَيُجادِلُ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (يجادل): مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والمفعول محذوف أي: المرسلين. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلقان بالفعل (يجادل) والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لِيُدْحِضُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون\nإلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يجادل أيضا. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْحَقَّ:﴾\nمفعول به. ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتخذوا): ماض، والواو فاعله. ﴿آياتِي:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَيُجادِلُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة جيد أيضا، والرابط: الواو، والضمير، وقد قبلها مقدرة أيضا.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ما: تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على ﴿آياتِي﴾. ﴿أُنْذِرُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول به. ﴿هُزُوًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: واتخذوا الذي، أو شيئا أنذروا به هزوا، هذا، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل نصب معطوف على ﴿آياتِي﴾ فيكون التقدير: اتخذوا آياتي وإنذارهم هزوا. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2197\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ..﴾. إلخ: أي: لا أحد أظلم لنفسه من إنسان وعظ بآيات الله، فأعرض عنها، وتركها، وتهاون بها، ولم يعمل بها. ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أي: ما عمل من","vol":"5","page":499},{"text":"المعاصي، فالنسيان هنا بمعنى: الترك. وانظر الآية رقم [٢٤] هذا؛ ونسبت الأعمال كلها للأيدي وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون والآذان تغليبا للأكثر على الأقل.\n ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا:﴾ انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٤٥] و[٤٦] من سورة (الإسراء) ففيهما الكفاية. ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى﴾ أي: إلى الإيمان، والمخاطب بذلك النبي ﷺ. ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا:﴾ وهذا في حق أقوام علم الله منهم: أنهم لا يؤمنون. وانظر الآية رقم [١٧] والمحال عليها من سورة (الرعد) برقم [٢٧] هذا؛ وفي أول الآية مراعاة لفظ (من)، وهو الإفراد، وفي آخرها مراعاة معنى (من)، وهو الجمع بالضمائر. تأمل، وفي الآية التفات من الغيبة إلى الحضور، انظر [٢٢] (النحل).\nهذا؛ و﴿يَداهُ﴾ مثنى: يد، وهما كناية عما يعمله الإنسان من أعمال، وليست كل الأعمال من عملهما كما هو معروف. هذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد؛ أي: نعمة، ومعروف وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال:\nلا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿مِمَّنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿ذُكِّرَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿ذُكِّرَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، وجملة: ﴿فَأَعْرَضَ عَنْها﴾ معطوفة عليها.\n ﴿وَنَسِيَ:﴾ ماض. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿يَداهُ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nنسي الذي، أو شيئا قدمته يداه، وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿ذُكِّرَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت ألفها. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ معلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَكِنَّةً:﴾ مفعول به، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، و«لا» مقدرة؛ إذ التقدير: لئلا يفقهوه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلْنا،﴾","vol":"5","page":500},{"text":"وهذا عند الكوفيين، وهو عند البصريين على حذف مضاف، التقدير: كراهية فهمهم له، فالمحذوف مفعول لأجله. ﴿وَفِي آذانِهِمْ:﴾ معطوفان على ﴿قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿وَقْرًا:﴾ معطوف على ﴿أَكِنَّةً﴾ وإن قدرت: ﴿جَعَلْنا﴾ قبلهما، وضح لك ذلك، وجملة: ﴿جَعَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ بمنزلة التعليل لإعراضهم عن آيات ربهم، ونسيانهم ما قدمته أيديهم.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَدْعُهُمْ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلَى الْهُدى:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَهْتَدُوا:﴾ مضارع منصوب ب: (لن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل، لا عمل له. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا..﴾.\nإلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2198\"></span>﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ. ﴿الْغَفُورُ:﴾ البليغ المغفرة. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ:﴾\nصاحب الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، وهي تعمّ كل مخلوق في الدنيا، وتختصّ بالمؤمنين في الآخرة. وانظر الآية رقم [١٥٥] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ أي: من الكفر، والمعاصي، والسيئات. ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ أي: في الدنيا، ولكنه سبحانه يمهل، ولا يهمل. وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (النحل). ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ أي: أجل مقدر يؤخرون إليه، كقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ فإذا حل الأجل لم يتأخر العذاب عنهم، و﴿مَوْعِدٌ﴾ يحتمل اسم المكان، والزمان، والمصدر الميمي، ومثله: (موئل). وانظر ما ذكرته في الآية [٥٣]. ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله.\n ﴿مَوْئِلًا:﴾ ملجأ، ولا منجى، بل، ولا مهربا، يقال: وأل: إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.\nهذا؛ والكلام في أهل مكة، وهو يشمل أهل الظلم، والطغيان، والمعاصي، والسيئات في كل زمان ومكان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"5","page":501},{"text":"الإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(رَبُّكَ):﴾ مبتدأ مرفوع، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْغَفُورُ:﴾ خبر أول. ﴿ذُو:﴾\nخبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿الرَّحْمَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يُؤاخِذُهُمْ:﴾\nمضارع، والفاعل يعود إلى (ربك)، والهاء مفعول به. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما):\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، إذ التقدير:\nبالذي، أو بشيء كسبوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. وجملة: ﴿يُؤاخِذُهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَعَجَّلَ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (عجل): ماض، والفاعل يعود إلى ربك. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، ولو ومدخولها في محل رفع خبر ثالث للمبتدإ، أو هو كلام مستأنف بالإعراض عما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب.\n ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَوْعِدٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب.. إلخ. ﴿يَجِدُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق... ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مَوْئِلًا﴾ كان صفة له، فلما... إلخ. انظر مثله في الآية رقم [٩]، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مَوْئِلًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَنْ يَجِدُوا..﴾.\nإلخ في محل رفع صفة ﴿مَوْعِدٌ﴾. تأمّل.\n\n<span id=\"aya-2199\"></span>﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى﴾ أي: تلك القرى التي قصصنا عليك يا محمد نبأهم، نحو قرى عاد، وثمود، ومدين، وقوم لوط، وقومك يمرون على هذه القرى في أسفارهم إلى اليمن وإلى الشام، أفلا يعتبرون؟! هذا؛ والمراد: أهل القرى بلا ريب بدليل رجوع الضمير عليهم كما ترى.\n ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: بأنواع من العذاب كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (هود) ﵇.\n ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا، وظلموا أنفسهم بمخالفة الله تعالى. ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي:\nوقتا معلوما، لا يستأخرون عنه ساعة، ولا يستقدمون. هذا؛ ويقرأ بضم الميم وفتح اللام على زنة المفعول، ويقرأ بفتح الميم مع كسر اللام وفتح اللام، فالقراءات ثلاث سبعيات، و(موعد) يحتمل الزمان، والمكان، والمصدر. وانظر ما ذكرته في ﴿مَوْبِقًا﴾ في الآية [٥٣].","vol":"5","page":502},{"text":"الإعراب: ﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْقُرى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان، أو في محل نصب حال من أهل القرى، والعامل في الحال اسم الإشارة. هذا؛ ويجوز أن يكون القرى بدلا من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وتبقى الجملة الفعلية خبرا لاسم الإشارة، ويجوز أن يكون: ﴿وَتِلْكَ﴾ منصوب المحل بفعل مقدر يفسره المذكور بعده، التقدير: أهلكنا أهل القرى أهلكناهم، والكلام مستأنف على جميع الاعتبارات لا محل له. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان بمعنى: حين، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ على جملة الوجوه المعتبرة فيها.\n ﴿لِمَهْلِكِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿مَوْعِدًا﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت في الآية السابقة قبلها؛ أي: في قوله: ﴿مِنْ دُونِهِ،﴾ تأمل. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله.\n\n<span id=\"aya-2200\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى:﴾ هو ابن عمران بن قاهت بن لاوي، بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف سلام، وألف صلاة. هذا؛ وموسى في الأصل:\n «موشى» مركبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو) والشجر يقال له:\n (شا) فعربته العرب. وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر، لمّا ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و(القصص).\n ﴿لِفَتاهُ:﴾ هو يوشع بن نون، بن افراثيم، بن يوسف بن يعقوب، وهو صاحب موسى، وولي عهده بعد وفاته، وهو الذي قاتل الجبابرة بعد موسى، وفتح مدينة أريحا. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك، والفتى: الشاب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (يوسف) عليه الصلاة، والسّلام. ﴿لا أَبْرَحُ:﴾ لا أزال أسير. ﴿حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: ملتقاهما ببعضهما، واختلف في البحرين، فقيل: هما: بحر فارس، والروم. وقيل: هما: بحر الأردن، وبحر القلزم. وقيل: مجمع البحرين عند طنجة، فيكون المراد بالأولين الأبيض، والأسود، وملتقاهما هو مضيق الدردنيل، والمراد: بما بعدهما الأبيض والأحمر، وملتقاهما قناة السويس، وبما بعدهما الأبيض والأطلنطي، وملتقاهما مضيق جبل","vol":"5","page":503},{"text":"طارق، والله أعلم. ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ أي: أسير زمانا، هذا؛ وقيل: الحقب ثمانون سنة.\nوقيل: سبعون، والجمع: أحقاب، وقافه تضم، وقد تسكن. هذا؛ والحقبة بكسر الحاء: واحدة الحقب، وهي السنون. قال تعالى في سورة (النبأ): ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾.\nوسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبيّ بن كعب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:\n «إنّ موسى ﵇ قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا، فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ». وذكر الحديث، واللفظ للبخاري. انتهى. قرطبي.\nوقال ابن عباس﵄-: لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر، أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار، أمره الله أن ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه، فذكرهم ما آتاهم الله من الخير، والنعمة؛ إذ نجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم، واستخلفهم في الأرض، ثم قال: وكلم الله نبيكم تكليما، واصطفاه لرسالته، وألقى عليّ محبة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، فجعلكم أفضل أهل الأرض، ورزقكم العز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والتوراة بعد أن كنتم جهالا. فقال له رجل من بني إسرائيل: عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟! قال: لا. فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث الله جبريل ﵇، أن يا موسى، وما يدريك أين علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك.\nقال علماؤنا قوله في الحديث: «هو أعلم منك» أي: بأحكام وقائع مفصلة، وحكم نوازل معينة، لا مطلقا، بدليل قول الخضر لموسى: إنك على علم علمكه الله، لا أعلمه أنا، وأنا على علم علمنيه، لا تعلمه أنت. فيصدق على كل واحد منهما: أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما، لا يعلمه الآخر، فلما سمع موسى﵇هذا تشوقت نفسه الفاضلة، وهمته العالية لتحصيل ما لم يعلم، وللقاء من قيل فيه: إنه أعلم منك، فعزم، وسأل سؤال الذليل ب: كيف السبيل؟ فأمر بالارتحال على كل حال. وقيل له: احمل معك حوتا مالحا في مكتل، فحيث يحيا، وتفقده؛ فثمّ السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه مجتهدا طلبا قائلا:\nلا أبرح حتى... إلخ. انتهى قرطبي.\nهذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وقيل: إن موسى ﵇ سأل ربه؛ أيّ:\nعبادك أحبّ إليك؟ قال: الذي يذكرني، ولا ينساني. قال: فأي: عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق، ولا يتبع الهوى. قال: فأي: عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدل على هدى، أو ترده عن ردى، فقال: إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة.","vol":"5","page":504},{"text":"قال: كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته؛ فهو هناك، فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت، فأخبرني، فذهبا يمشيان. انتهى. والآيات التالية تفصل وتبين ما جرى.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وجملة: ﴿قالَ مُوسى﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿لِفَتاهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَبْرَحُ:﴾ مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «أنا»، والخبر محذوف، تقديره: أسير. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿أَبْلُغَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل «أسير» المقدر. ﴿مَجْمَعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَمْضِيَ:﴾ معطوف على ﴿أَبْلُغَ﴾ منصوب مثله، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿حُقُبًا:﴾\nظرف زمان متعلق بما قبله.\n\n<span id=\"aya-2201\"></span>﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أي: فلما وصل موسى، وفتاه مجمع البحرين. ﴿نَسِيا حُوتَهُما:﴾ كان النسيان من يوشع وحده، فنسب للاثنين على حد قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ وإنما يخرج من الملح وحده، وإنما نسب إليهما للصحبة. ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ:﴾ طريقه.\n ﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي: مسلكا يسلكه. وقيل: المعنى: دخل فيه، واستتر، وأمسك الله عنه جري الماء، فصار عليه مثل الكوة.\nقيل: كان عند الصخرة التي انتهى إليها موسى وفتاه عين ماء، تسمى: عين الحياة، لا تصيب شيئا إلا حيي، فلما أصاب الحوت المشوي روح الماء وبرده؛ اضطرب في المكتل، وهاج، ودخل البحر. وقيل: توضأ يوشع من عين الحياة، فانتضح الماء على الحوت، فعاش، ووثب.\nومثله مروي في البخاري عن ابن عباس، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿بَلَغا:﴾ ماض مبني على الفتح، والألف فاعله. ﴿مَجْمَعَ:﴾","vol":"5","page":505},{"text":"مفعول به، وهو مضاف، و﴿بَيْنِهِما:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة: ﴿بَلَغا..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لمّا)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿نَسِيا:﴾ ماض، والألف فاعله. ﴿حُوتَهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة: ﴿نَسِيا..﴾. إلخ جواب لمّا، لا محل لها، ولمّا ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَاتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿حُوتَهُما﴾. ﴿سَبِيلَهُ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جواب لما لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من سبيله، كما أجيز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿سَرَبًا﴾ كان: صفة له... إلخ. ﴿سَرَبًا:﴾ مفعول به ثان.\n\n<span id=\"aya-2202\"></span>﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أي: فلما ترك موسى وفتاه المكان الذي سقط فيه الحوت في البحر، وهو مجمع البحرين. ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿لِفَتاهُ﴾ أي: يوشع بن نون. ﴿آتِنا غَداءَنا:﴾ أعطنا طعاما. ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ أي: تعبا وشدة، وذلك: أنه ألقي على موسى ﵇ الجوع بعد ما جاوز المكان الموعود فيه أن يلتقي بذلك العالم؛ ليستفيد من علمه، وذلك؛ ليتذكر الحوت، ويرجع في طلبه. هذا؛ و﴿لَقِينا﴾ بمعنى: وجدنا، أو صادفنا، ومصدره: اللّقي بضم اللام وكسر القاف، واللّقى بضم اللام مقصورا، واللقاء بكسرها ممدودا، ومقصورا.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا جاوَزا:﴾ انظر الآية السابقة والمفعول محذوف، التقدير: جاوزا المكان الموعود فيه الالتقاء بالرجل العالم. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى موسى، ﵇.\n ﴿لِفَتاهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿آتِنا:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به أول.\n ﴿غَداءَنا:﴾ مفعول به ثان، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿لَقِينا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ سَفَرِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا) في محل جرّ بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة سفرنا، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿نَصَبًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ: جواب القسم المقدّر لا محلّ لها، ثم الكلام ﴿آتِنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. جواب لما، لا محل لها، ولما ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.","vol":"5","page":506},{"text":"<span id=\"aya-2203\"></span>﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ يوشع ﵇. ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ أي: أتذكر حالنا وقت التجأنا إلى الصخرة، ونمت عندها، وهي في المكان الموعود للقاء الرجل الذي ننشده، وإن الحوت قد حيي، وذهب في البحر شاقا طريقه فيه، وقد أبصرته، ولكني نسيته، ومراده بالاستفهام تعجب موسى ﵇ ممّا اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من حياة الحوت من العظائم التي لا تنسى، وقد جعل فقدانه علامة لوجدان المطلوب. وهذا أسلوب معتاد فيما بين الناس، يقول أحدهم لصاحبه: إذا نابه خطب: أرأيت ما نابني؟! يريد بذلك تهويله، وتعجيب صاحبه منه، وأنه ممّا لا يعهد وقوعه. انتهى جمل بتصرف.\n ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي: ما أنساني ذكره إلا الشيطان، فهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها، لكنّه لمّا عرف أمثالها، وشاهده من معجزات موسى ﵇، وهي كثيرة؛ قلّ اهتمامه بها، أو لعله نسي ذلك لاستغراقه في التفكر، وانجذاب قلبه إلى عالم القدس، بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسب النسيان للشيطان هضما لنفسه، وتوبيخا لها. ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ:﴾ طريقه. ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا:﴾ روي في بعض الأخبار: كان البحر للحوت سربا، ولموسى ولفتاه عجبا. وقيل: أي:\nشيء أعجب من حوت يؤكل منه دهرا. ثم صار حيا بعد أن أكل بعضه؟! هذا؛ وانظر شرح النسيان في الآية رقم [٢٤] وشرح (إبليس) وجنوده في الآية رقم [٥١] وشرح: ﴿سَبِيلًا﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (الإسراء) وشرح العجب في الآية رقم [٩].\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى فتى موسى. ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتنبيه. (رأيت): فعل، وفاعل، ومفعولاه محذوفان، التقدير: أرأيت أمرنا ما عاقبته؟ هذا؛ وقدر البيضاوي الكلام كما يلي: أرأيت ما دهاني؟ وتكون الجملة الاستفهامية قد سدت مسد المفعولين. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿أَرَأَيْتَ﴾ على التقدير الأول، ومتعلق بالفعل: دهاني على التقدير الثاني.\n ﴿أَوَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، ﴿إِلَى الصَّخْرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿فَإِنِّي:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿نَسِيتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْحُوتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومتسببة عنه. وقيل: تعليل للدهشة التي اعترتهما ممّا نابهما، والمعنى لا يؤيده. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الاعتراض. (ما): نافية.","vol":"5","page":507},{"text":"﴿أَنْسانِيهُ:﴾ مضارع مرفوع. وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، والهاء في محل نصب مفعول به ثان، وهو يقرأ بضمه وكسره. ﴿إِلاَّ:﴾\nحرف حصر. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ في محل نصب بدلا من الضمير المنصوب بدل اشتمال، وجملة: ﴿وَما أَنْسانِيهُ..﴾. إلخ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، واعتبارها حالا من تاء الفاعل، أو من الحوت لا بأس به، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير، وإعراب: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ مثل إعراب: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ في الآية [٦٢] والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ فهي في محل رفع مثلها، والكلام ﴿أَرَأَيْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nهذا؛ وقال مكي: ﴿عَجَبًا﴾ مصدر إن جعلته من قول موسى ﵊، وتقف على ﴿الْبَحْرِ،﴾ كأنه لما قال فتى موسى: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾. قال موسى: أعجب عجبا.\nوإن جعلت: ﴿عَجَبًا﴾ من قول فتى موسى، كان مفعولا ثانيا ل: ﴿وَاتَّخَذَ﴾ وقيل: تقديره: واتخذ سبيله في البحر يفعل شيئا عجبا، فهو نعت لمفعول محذوف. وقيل: إنه من قول موسى ﵇ كله، تقديره: واتخذ موسى سبيل الحوت في البحر يعجب ﴿عَجَبًا،﴾ فالوقف على عجبا في هذا التأويل حسن. انتهى. وما يقارب هذا الكلام في البيضاوي أيضا.\nتنبيه: في الآية الكريمة إبدال الظاهر من الضمير، ومثله الآية رقم [٨٠] من سورة (مريم) وهذا الإبدال سائغ من ضمير الغيبة مطلقا، وكذلك سائغ إن كان ضمير حاضر، والبدل بدل بعض، أو اشتمال، فالأول: كقول العديل بن الفرخ: [الرجز]\nأوعدني بالسّجن والأداهم... رجلي فرجلي شثنة المناسم\nف: رجلي بدل بعض من ياء المتكلم، ومثال الثاني: قول عدي بن زيد العبادي: [الوافر]\nذريني إنّ أمرك لن يطاعا... وما ألفيتني حلمي مضاعا\n\n<span id=\"aya-2204\"></span>﴿قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى ﵇. ﴿ذلِكَ﴾ أي: أمر الحوت، وفقده. ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ أي: هو الذي نطلبه؛ لأنه أمارة على وجود الرجل الذي ننشده. ﴿فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أي: فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يقصان قصصا؛ أي: يتبعان آثارهما اتباعا. وانظر شرح ﴿نَقُصُّ﴾ في الآية رقم [١٣].\nتنبيه: حذف نافع، وأبو عمرو، والكسائي ياء ﴿نَبْغِ﴾ وقفا، وأثبتوها وصلا، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون من السبعة حذفوها في الحالتين اتباعا للرسم، وكان من حقها","vol":"5","page":508},{"text":"الثبوت، وإنما حذفت تشبيها بالفواصل، أو لأن الحذف يأنس بالحذف، فإن (ما) موصولة حذف عائدها،. انتهى جمل. وانظر ما ذكرته في: ﴿يَأْتِ﴾ في الآية رقم [١٠٥] من سورة (هود) ﵇، ولا تنس: أن القراءة توقيفية.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى موسى ﵇.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿نَبْغِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة حسبما رأيت، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ذلك الذي كنا نبغيه، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَارْتَدّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ارتدا): ماض، والألف فاعله. ﴿عَلى آثارِهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿قَصَصًا:﴾ مفعول مطلق عامله: (ارتد) على المعنى، أو هو محذوف، التقدير: يقصان آثارهما قصصا، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب حال من ألف الاثنين؛ أي: مقتصين، أو هو نفسه حال على تأويل المصدر بمقتصين، وجملة: ﴿فَارْتَدّا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2205\"></span>﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿فَوَجَدا﴾ أي: عند رجوعهما إلى مجمع البحرين. ﴿عَبْدًا مِنْ عِبادِنا:﴾ هو الخضر ﵇ في قول الجمهور، وبمقتضى الأحاديث الثابتة، وخالف من لا يعتد بقوله، فقال: ليس صاحب موسى بالخضر، بل هو عالم آخر. وقال مجاهد: سمي الخضر؛ لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله. وروى الترمذي عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّما سمّي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتزّ تحته خضراء». الفروة هنا: وجه الأرض. قاله الخطابي، وغيره، والخضر نبي عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبي. والآية تشهد بنبوته؛ لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضا: فإن الإنسان لا يتعلم، ولا يتبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي. وقيل: كان ملكا وليس بشيء، واسمه: بليا بن ملكان، وكنيته أبو العباس. قيل: كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا، وتركوا الدنيا.\nروي: أن موسى، وفتاه حين رجعا إلى مجمع البحرين رأيا الخضر مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السّلام؟ قال: أنا موسى أتيتك لتعلمني ممّا علمت رشدا. وروي: أن الخضر كان نائما على طنفسة خضراء على وجه الماء. وقيل: على جانب","vol":"5","page":509},{"text":"البحر، وهو متشح بثوب أخضر. هذا؛ واختلف: هل الخضر حيّ اليوم، أو ميت؟ فأنكر البخاري أن يكون حيا. وفي صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ قال قبل موته: «ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي حيّة». وسئل غير البخاري من الأئمة، فتلا قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، فقال: (لو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ، ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه). هذا؛ وما نقل من سؤال الخضر للعز بن عبد السّلام في مجلس وعظه عن تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ الله أعلم بحقيقة ذلك. وقد أثبت القرطبي حياته، وحياة إلياس، وأنهما يجتمعان مرة كل موسم من مواسم الحج. ومعنى: ﴿وَعَلَّمْناهُ..﴾. إلخ أي: علما ممّا يختصّ بنا، ولا يعلم إلا بتوفيقنا، وهو علم الغيوب. هذا؛ والإضافة في قوله تعالى: ﴿عِبادِنا﴾ إضافة تشريف كما في الآية رقم [١] من سورة (الإسراء). وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [٨٠] وانظر «نا» والكلام عليها في الآية رقم [٢١] من سورة (الحجر).\nالإعراب: ﴿فَوَجَدا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿عَبْدًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَبْدًا،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿آتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿عَبْدًا﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها.\n ﴿وَعَلَّمْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنّا:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِلْمًا،﴾ كان: صفة له... إلخ. ﴿عِلْمًا:﴾\nمفعول به ثان، وجملة: ﴿وَعَلَّمْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آتَيْناهُ..﴾. إلخ وجملة:\n ﴿فَوَجَدا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَارْتَدّا..﴾. إلخ تأمل.\n\n<span id=\"aya-2206\"></span>﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ:﴾ معناه: أتأذن لي في صحبتك. ﴿عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا..﴾.\nإلخ: أي: علما ترشدني به إلى ما ينفعني في ديني، ودنياي، فقد روي: أن الخضر قال لموسى:\nكفى بالتوراة علما، وببني إسرائيل شغلا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا.\nقال البيضاوي: ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممّن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين، وفروعه، لا مطلقا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعا له، وسأله أن يرشده، وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله به عليه. انتهى.","vol":"5","page":510},{"text":"وقال القرطبي: في هذه الآية دليل على أنّ المتعلم تابع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن: أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أنّ الخضر كان أفضل منه، فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضّله الله، فالخضر إن كان وليا فموسى أفضل منه؛ لأنه نبي، والنبي أفضل من الولي، وإن كان نبيا فموسى فضله بالرسالة. والله أعلم. انتهى.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٣] من سورة (النحل)، ففيها مزيد فائدة.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع... إلخ. ﴿هَلْ:﴾\nحرف استفهام. ﴿أَتَّبِعُكَ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنا» والكاف مفعول به. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تُعَلِّمَنِ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الكاف؛ أي: أتبعك حال كونك معلما لي. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿عُلِّمْتَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني، وهو العائد، أو الرابط محذوف، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والتقدير: من الذي، أو من شيء علمته. ﴿رُشْدًا:﴾ مفعول به ثان ل: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، وحالا على تأويله ب: «مرشدا». وهو يقرأ بفتحتات، وبضم الراء وسكون الشين. هذا؛ والكلام: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2207\"></span>﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾\nالشرح: قال الخضر لموسى ﵇: إنك لا تقدر أن ترى مني عملا، وتسكت عليه؛ لأنك على علم علمك الله إياه لا أعلمه، وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وهو علم الكشف، وقد ترى مني أفعالا مخالفة لشرعك، ظاهرها: أنها مناكير، وبواطنها لم يحط علمك بها.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الخضر. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَسْتَطِيعَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو بالمصدر بعده، أو بمحذوف حال منه. فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿صَبْرًا:﴾ مفعول به.","vol":"5","page":511},{"text":"<span id=\"aya-2208\"></span>﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾\nالشرح: المعنى: وكيف تصبر يا موسى على أمور تراها مني، ولم تعلم أسرارها، وبواطنها، وهي مخالفة لشرعك في ظواهرها. هذا؛ وإن المتعلم على قسمين: متعلم ليس عنده شيء من العلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعود التقرير، والاعتراض. ومتعلم حصل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال، والاعتراض، ثم إنه يريد أن يخالط إنسانا أكمل منه، ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حق هذا القسم الثاني: شاقّ شديد؛ لأنه إذا رأى شيئا، أو سمع كلاما، فربما يكون ذلك في الظاهر منكرا عنده إلا أنه في الحقيقة صواب حق، ويمكن أن يكون موسى-على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من القسم الثاني. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده، وهو مفيد للتعجب. ﴿تَصْبِرُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿تُحِطْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿خُبْرًا:﴾ مفعول مطلق؛ لأنه مرادف لمصدر ﴿تُحِطْ﴾ وملاق له في المعنى، وأجيز اعتباره تمييزا، والجملة: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ.﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول الخضر ﵇.\n<span id=\"aya-2209\"></span>﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ..﴾. إلخ: أي: سأصبر إن شاء الله على ما أرى من أفعالك، وتصرفاتك، ولا أخالفك في أمر تريده، ولا أعترض عليك بشيء أراه منك. وتعليق الوعد بالمشيئة، إما للتيمن، أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإن مشاهدة الفساد، والصبر على خلاف المعتاد أمر صعب وشاق. وفيه دليل على أنّ أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى. وقد اختلف في الاستثناء: هل يشمل عدم العصيان؟ فقيل: يشمله. وقيل: استثنى في الصبر، فصبر، وما استثنى في قوله: ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ فاعترض، وسأل. بعد هذا انظر (الصبر) في الآية رقم [٤٢] من سورة (النحل) والمحال عليها أيضا في سورة (الرعد). وانظر شرح (القول) في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [١]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿سَتَجِدُنِي:﴾ السين: حرف استقبال.\n (تجدني): مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول.","vol":"5","page":512},{"text":"﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن شاء الله تجدني، والجملة الشرطية معترضة بين مفعولي الفعل (تجد). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): نافية. ﴿أَعْصِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩]. ﴿أَمْرًا:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَلا أَعْصِي..﴾. إلخ معطوفة على ﴿صابِرًا﴾ فإنّ التقدير: تجدني صابرا، وغير عاص. هذا؛ والكلام: ﴿سَتَجِدُنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2210\"></span>﴿قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾\nالشرح: المعنى: قال الخضر لموسى: فإن صحبتني، ومشيت معي، فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني، ولم تعلم وجه صحته؛ حتى أبين لك وجه صحته. وهذا منه تأديب، وإرشاد لما يقتضيه دوام الصحبة، فلو صبر، ودأب؛ لرأى العجب، لكنه أكثر الاعتراض، فتعين الفراق، والإعراض.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الخضر ﵇. ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّبَعْتَنِي:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على نحو ما رأيت في الآية السابقة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة.\n ﴿تَسْئَلْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وقرئ بفتح اللام وتشديد النون فيكون مبنيا على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا) الناهية، وتكون نون الوقاية قد حذفت، وياء المتكلم مفعول به، وقرئ: «(فلا تسألن)» بحذف ياء المتكلم، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿عَنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني؛ لأنه ينصب مفعولين، ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿أُحْدِثَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. منه: متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿ذِكْرًا:﴾ مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل ﴿أُحْدِثَ﴾ في تأويل مصدر في","vol":"5","page":513},{"text":"محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَسْئَلْنِي،﴾ والكلام: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي..﴾.\nإلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2211\"></span>﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾\nالشرح: ﴿فَانْطَلَقا﴾ أي: يمشيان على ساحل البحر يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا سفينة، فركباها، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص، ولكن أرى وجوه الأنبياء. وفي صحيح البخاري، ومسلم عن أبي بن كعب﵁عن النبي ﷺ مرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة؛ لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت\nإلخ. قال: وقال رسول الله ﷺ: «وكانت الأولى من موسى نسيانا. قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة في البحر، فقال له الخضر: ما علمي، وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر». انتهى. واطلاق لفظ النقص هنا تجوّز، قصد به التمثيل، والتفهيم؛ إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته.\nهذا؛ وعن أبي العالية: لم ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى، ولو رآه القوم لمنعوه من ذلك. وقيل: خرج أهل السفينة إلى جزيرة، وتخلف فخرق السفينة. وقيل: غير ذلك، ومعنى ﴿إِمْرًا﴾ عجبا. وقيل: منكرا. وقال أبو عبيدة: الإمر: الداهية العظيمة، وأنشد: [الرجز]\nقد لقي الأقران منّي نكرا... داهية دهياء إدّا إمرا\nوقال الأخفش: يقال: أمر أمره يأمر أمرا: إذا اشتد. هذا؛ والأهل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ..﴾. إلخ. والجمع:\nأهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.\nالإعراب: ﴿فَانْطَلَقا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (انطلقا): ماض، والألف فاعله. ﴿حَتّى:﴾\nحرف ابتداء، وجملة: «يمشيان...» إلخ المقدرة في محل نصب حال. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَكِبا:﴾ فعل ماض، وفاعله. ﴿فِي السَّفِينَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿خَرَقَها:﴾ ماض،","vol":"5","page":514},{"text":"والفاعل يعود إلى الخضر، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف كالجملة الفعلية قبله، لا محل له مثلها. هذا؛ ويعتبر الأخفش في مثل هذه الآية ﴿حَتّى﴾ جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قول الأخفش فهي متعلقة مع مجرورها بالفعل (انطلقا) وعلى الأول: فالوقف على انطلقا ثم يستأنف ما بعده.\n ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى. الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (خرقتها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِتُغْرِقَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، ويقرأ الفعل بتشديد الراء وتخفيفها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَهْلَها:﴾ مفعول به، ويقرأ:\n (ليغرق أهلها) فيكون فاعلا، و(ها): في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام:\nواقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿جِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا؛ أي: مجيئا إمرا، والأول: أقوى. ﴿إِمْرًا:﴾ صفة شيئا، وجملة: ﴿لَقَدْ جِئْتَ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2212\"></span>﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الخضر. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف جازم. ﴿أَقُلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ لَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وانظر الإعراب بكامله في الآية رقم [٦٧] وجملة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2213\"></span>﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى ﵇. ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ أي: بسبب نسياني وصيتك. وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، ووصيتك أول مرة، وفيه دليل على أنّ النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف. ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي: لا تكلفني مشقة، ولا تضيق عليّ أمري، ولا تعسر عليّ متابعتك، ويسرها بالإغضاء عما ترى مني. وانظر (النسيان) في الآية رقم [٢٤] و﴿عُسْرًا﴾ يقرأ بضمتين، وبضم وسكون. وانظر ﴿رُحْمًا﴾ في الآية رقم [٨١] الآتية.","vol":"5","page":515},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تُؤاخِذْنِي:﴾\nمضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء نسيته، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل بما بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بنسياني وصيتك. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(لا تُرْهِقْنِي):﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) والفاعل تقديره:\n «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿مِنْ أَمْرِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بالمصدر بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عُسْرًا:﴾\nمفعول به ثان، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2214\"></span>﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿فَانْطَلَقا﴾ أي: يمشيان في الأرض بعد خروجهما من السفينة، ومعهما يوشع، وإنما لم يذكر في الآيات الثلاث؛ لأنه تابع لموسى فالمقصود ذكر موسى، والخضر، ويكون اكتفى بذكر المتبوع عن التابع. وقيل: الأظهر: أن موسى صرف فتاه لمّا لقي الخضر، وهو ضعيف. ﴿حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ:﴾ روي: أن الخضر وجد غلمانا يلعبون، فأخذ غلاما كافرا، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، كما روي: أنه أخذ رأسه بيده، فاقتلعه. وروي: أنه أخذ حجرا، فضرب به رأسه؛ حتى دفعه، فقتله. قال أبو العالية: لم يره إلا موسى، ولو رأوه؛ لحالوا بينه وبين الغلام.\nقال القرطبي: ولا اختلاف بين هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يحتمل أن يكون دفعه أولا بالحجر، ثم أضجعه، فذبحه، ثم اقتلع رأسه. والله أعلم بما كان من ذلك، وحسبك بما جاء في الصحيح، وهو يعني الروايتين الأولى، والثانية. هذا؛ وقد اختلف في الغلام: هل كان بالغا أم لا؟ فالجمهور على أنه لم يكن بالغا؛ ولذلك قال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ أي: لم تذنب، ولم تدرك الحنث، وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام، فإن الغلام في الرجال يقع على من لم يبلغ، وتقابله الجارية في النساء. وقد قتله الخضر لما علم من سره، وأنه طبع كافرا، كما في صحيح الحديث، وأنه لو أدرك؛ لأرهق أبويه كفرا، وقتل الصغير غير مستحيل إذا أذن الله في ذلك، فإن الله تعالى الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء. انتهى. قرطبي بتصرف.","vol":"5","page":516},{"text":"ومعنى ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: قتلا لم يكن قصاصا بقتل نفس مثلها، ولقد اختلف أيهما أبلغ ﴿إِمْرًا﴾ أم ﴿نُكْرًا﴾ فقالت فرقة من الناس: هذا قتل بين، وهناك؛ أي: إغراق من في السفينة مترقب ف: ﴿نُكْرًا﴾ أبلغ. وقالت فرقة: هذا قتل واحد، وذاك قتل جماعة ف: ﴿إِمْرًا﴾ أبلغ.\nوقال ابن عطية: ﴿إِمْرًا﴾ أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، و﴿نُكْرًا﴾ بين في الفساد؛ لأن مكروهه قد وقع، وهذا بين فكانا لمعنيين مختلفين. بقي أن تعرف الفرق بين دخول الفاء بقوله:\n ﴿فَقَتَلَهُ﴾ وعدم دخولها بقوله: ﴿خَرَقَها﴾ قال السمين: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتل الغلام من جملة الشرط معطوفا عليه، فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأن الخرق لم يعقب الركوب، وقد عقب القتل لقاء الغلام. وعن ابن عباس﵄أن نجدة الحروري كتب إليه، كيف جاز للخضر أن يقتل الغلام، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. انتهى نسفي.\nبعد هذا انظر (لقي) في الآية رقم [٦٢] وشرح (غلام) في الآية رقم [٥٣] من سورة (الحجر)، وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (النحل)، وشرح ﴿النَّفْسَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح «غير» في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا:﴾ انظر الآية رقم [٧٢]. ﴿فَقَتَلَهُ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الخضر، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَقِيا غُلامًا﴾ فهي في محل جر مثلها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿أَقَتَلْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (قتلت): فعل، وفاعل. ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به. ﴿زَكِيَّةً:﴾ صفة ﴿نَفْسًا،﴾ ويقرأ:\n «(زاكية)». ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل (قتلت)، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: قتلا كائنا بغير نفس. وقيل: متعلقان بمحذوف على أنه حال من الفاعل، أو من المفعول؛ أي: قتلته ظالما، أو مظلوما، كذا قدره أبو البقاء، واستبعده السمين. انتهى جمل.\nو(غير): مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَقَتَلْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ انظر الآية رقم [٧١] ففيها الكفاية، والجملة القسمية في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2215\"></span>﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾\nشرح هذه الآية وإعرابها مثل الآية رقم [٧٢] وزيد فيها هنا ﴿لَكَ﴾ توكيدا للتوبيخ؛ لأنه اعترض مرتين، وفي البيضاوي: زاد فيه ﴿لَكَ﴾ مكافحة بالعتاب على رفض الوصية، ووسما بقلة الثبات، والصبر لمّا تكرر منه الاشمئزاز، والاستنكار، ولم يرعو بالتذكير أول مرة، حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة. انتهى.","vol":"5","page":517},{"text":"<span id=\"aya-2216\"></span>﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى متعذرا. ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ أي: بعد هذه المرة، ففارقني، ولا تصحبني معك. هذا؛ وقرئ: «(فلا تصحبني)» و«(لا تصحبنّي)». ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي: بلغت مبلغا تعذر به في ترك مصاحبتي. وقرئ: ﴿لَدُنِّي﴾ بقراءات كثيرة. وانظر رقم [٨٠] من سورة (الإسراء).\nفعن أبي بن كعب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «رحمة الله علينا، وعلى موسى» -وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه- «لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة». متفق عليه، ومعنى ذمامة: حياء وإشفاق، من الذم واللوم.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾ تقديره: «هو». ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتُكَ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿بَعْدَها:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ﴾ و(ها): في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُصاحِبْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، أو هو مبني على الفتح في محل جزم على القراءة الثانية، والنون للوقاية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَلَغْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ لَدُنِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿عُذْرًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و(لدن) مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ وانظر ما قيل فيه من قراءات، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿عُذْرًا:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿قَدْ بَلَغْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط:\nالضمير، وإن اعتبرتها تعليلا للنهي فالمعنى لا يأباه. تأمل.\n<span id=\"aya-2217\"></span>﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هي أنطاكية.\nوقيل: هي الأبلّة قاله قتادة، وابن سيرين، وهي أبخل قرية، وأبعدها من السماء. وقيل غير ذلك أقوال كثيرة، وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت القصة، كما رأيت في الكلام على مجمع البحرين، والله أعلم بحقيقة ذلك.","vol":"5","page":518},{"text":"﴿اِسْتَطْعَما أَهْلَها:﴾ طلبا طعاما. ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما:﴾ قال أبي بن كعب﵁عن النبي ﷺ: «أتيا أهل قرية لئاما، فطافا في المجالس، فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيّفوهما». وعن أبي هريرة﵁قال: «أطعمتهما امرأة من أهل بربر، بعد أن طلبا من الرجال، فلم يطعموهما، فدعا موسى لنسائهم، ولعن رجالهم» وعن قتادة﵁قال: شر القرى التي لا تضيف الضيف. انتهى. وقد قال الرسول ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».\n ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي: يسقط، وهذا من مجاز الكلام؛ لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب، ودنا من السقوط، كما تقول: داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها، فاستعير لها النظر، كما استعير للجدار الإرادة، وهو مستعمل في اللغة العربية نثرا، ونظما. قال الشاعر: [الوافر]\nيريد الرّمح صدر أبي براء... ويعدل عن دماء بني عقيل\nفجعل للرمح إرادة بشيء، وعدولا عن شيء آخر. وقال حسان﵁-: [الخفيف]\nإنّ دهرا يلفّ شملي بجمل... لزمان يهمّ بالإحسان\nوقال الزمخشري في كشافه: وسمعت من يقول: عزم السّراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول، والنطق، والشكاية، والصدق، والكذب، والسكوت، والتمرد، والإباء، والعزة، والطواعية، وغير ذلك مستعارة للجماد، ولما لا يعقل، فما بال الإرادة؟. انتهى. ﴿فَأَقامَهُ﴾ أي: سواه. وفي حديث أبي بن كعب عن النبي ﷺ: «فقال الخضر بيده هكذا؛ فأقامه». وقال ابن عباس: هدمه، وقعد يبنيه. وقال سعيد بن جبير﵁-: مسحه بيده، وأقامه فقام.\nقال القرطبي: وهذا هو القول الصحيح، وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، بل والأولياء. وفي بعض الأخبار: إنّ سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعا بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعا، فأقامه الخضر ﵇؛ أي: سواه بيده فاستقام. انتهى.\n ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا:﴾ والمعنى: أنك قد علمت أننا جياع، وأن أهل القرية لم يطعمونا، فلو أخذت أجرا على عملك؛ حتى نستدفع فيه الضرورة، ومسيس الحاجة إلى الطعام.\nهذا؛ وقد قيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر ﵉: إنها حجة على موسى، وعجب له، وذلك: أنه لما أنكر خرق السفينة؛ نودي: يا موسى! أين كان تدبيرك هذا، وأنت في التابوت مطروحا في اليم؟! فلما أنكر أمر الغلام؛ قيل له: أين إنكارك هذا من وكزك القبطي، وقضائك عليه؟! فلما أنكر إقامة الجدار؛ نودي: أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر؟!","vol":"5","page":519},{"text":"الإعراب: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [٧١] ﴿فَأَبَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿يُضَيِّفُوهُما:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَبَوْا..﴾. إلخ معطوفة على جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها مثله. ﴿فَوَجَدا:﴾ ماض، والألف فاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان به. ﴿جِدارًا:﴾ مفعول به. ﴿يُرِيدُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الجدار) والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَنْقَضَّ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿جِدارًا،﴾ وجملة: (وجدا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. (أقامه): ماض ومفعوله، وفاعله يعود إلى الخضر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لاتَّخَذْتَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (اتخذت): فعل، وفاعل والجملة جواب (لو)، لا محل لها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من أجرا، كان صفة له... إلخ. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به، ولو ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقيل: إن جملة: ﴿اِسْتَطْعَما..﴾. إلخ صفة ﴿قَرْيَةٍ﴾ فيكون ما بعدها معطوفا عليها، وتكون جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ وهو كما ترى ضعيف معنى.\n\n<span id=\"aya-2218\"></span>﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الخضر. ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: هذا؛ وقت فراق بيني وبينك.\nوقيل: الإشارة إلى الاعتراض الثالث. ﴿سَأُنَبِّئُكَ:﴾ سأخبرك. ﴿بِتَأْوِيلِ:﴾ بتفسير، وشرح، وبيان الأمور التي لم تقدر أن تصبر عليها، ولم يحط علمك بها. وانظر شرح ﴿نَبَأَهُمْ﴾ في الآية رقم [١٣] وشرح (بين) في الآية رقم [٤٥] من سورة (الإسراء). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿فِراقُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿بَيْنِي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول،","vol":"5","page":520},{"text":"وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سَأُنَبِّئُكَ:﴾ السين: حرف استقبال. (أنبئك):\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والكاف مفعول به. ﴿بِتَأْوِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(تأويل): مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿تَسْتَطِعْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر، أو بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت فيما سبق. ﴿صَبْرًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَمْ تَسْتَطِعْ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على)، وجملة: ﴿سَأُنَبِّئُكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-2219\"></span>﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾\nالشرح: قيل: إن موسى ﵇ أخذ بثوب الخضر. وقال: أخبرني بمعنى: ما علمت قبل أن تفارقني، فقال الخضر ﵇: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ أي: التي قلعت لوحا من ألواحها بالقدوم. ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: يؤجرونها للناس في نقل بضائعهم، وكانوا عشرة إخوة منهم خمسة عجزة لا يستطيعون العمل، وخمسة أصحاء أقوياء، وهم الذين يعملون في البحر لهم، ولإخوتهم العجزة. ففي الكلام تغليب، وكانوا قد ورثوها عن أبيهم.\n ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ أي: أجعلها ذات عيب. يقال: عبت الشيء، فعاب: إذا صار ذا عيب، فهو معيب، وعائب. ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ﴾ أي: أمامهم. ﴿مَلِكٌ﴾ أي: جائر ظالم، اسمه الجلندى الأزدي، وكان كافرا. وقيل: كان اسمه هدد بن برد. وروي: أن الخضر اعتذر إلى القوم، وذكر لهم شأن الملك الغاصب، ولم يكونوا يعلمون بخبره. وقال: أردت أن أعيبها ليتركها؛ إذا هي مرت به، فإذا جاوزوا أرض الملك الظالم أصلحوها، وانتفعوا بها. ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ أي:\nصالحة، وبه قرأ ابن عباس، وعثمان بن عفان﵃ أجمعين-فقد حذفت الصفة، ومثلها قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾ التقدير: شيء سلطت عليه. وقوله تعالى حكاية عن قول قوم موسى له: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: الواضح البين؛ وإلا لكان مفهومه كفرا. وقال المرقش الأكبر: [الوافر]\nوربّ أسيلة الخدّين بكر... مهفهفة لها فرع وجيد\nالفرع: الشعر، وأصل الكلام لها فرع فاحم وجيد طويل.\nوقال العباس بن مرداس السلمي﵁-: [المتقارب]\nوقد كنت في الحرب ذا تدرأ... فلم أعط شيئا ولم أمنع","vol":"5","page":521},{"text":"إذ التقدير: فلم أعط شيئا نافعا. ﴿غَصْبًا:﴾ قهرا من أصحابها.\nبعد هذا: فالسفينة معروفة، وتجمع على: سفين، وسفائن، ويجمع السفين على: سفن بضمتين، وجمع السفينة على سفين شاذ؛ لأن الجمع الذي يفرق بينه وبين واحده بالهاء بابه المخلوقات، مثل تمر، وتمرة، ونخل ونخلة، وأما في المصنوعات مثل سفينة وسفين فمسموع في ألفاظ قليلة. ومنهم من يقول: السفين لغة في الواحدة، وهي فعيلة بمعنى: فاعلة، كأنها تسفن الماء؛ أي: تقشره، وصاحبها: سفّان. انتهى. جمل نقلا من المصباح المنير.\nهذا؛ واحتج الشافعي وغيره في الآية الكريمة على أنّ المسكين أحسن حالا من الفقير، فقد سماهم الله مساكين مع كونهم عندهم سفينة يعملون في البحر، وقد بينت هذا في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة). أما (وراء) فهو هنا بمعنى: أمام، وقدّام. وقيل: هو بمعنى: خلف، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، والأول: أصح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، كما يأتي بمعنى: بعد، خذ قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: من بعد إسحاق يعقوب. وقال النابغة الذبياني: [الطويل]\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للمرء مذهب\nأي: وليس بعد الله ﷻ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده. ومن مجيئه بمعنى: أمام، وقدّام قول لبيد﵁-: [الطويل]\nأليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع\nوأيضا قول سوار بن المضرب السعدي، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل]\nأيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا؟\nالإعراب: ﴿أَمَّا:﴾ أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يكن من شيء؛ فالأمر كذا، فأنيبت أما مناب: مهما، ويكن من شيء، فصار: أما السفينة. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن، وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها.\n ﴿السَّفِينَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿فَكانَتْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿أَمَّا﴾. (كانت): ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿السَّفِينَةُ،﴾ والتاء للتأنيث. ﴿لِمَساكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ في محل جر صفة (مساكين)، وجملة:","vol":"5","page":522},{"text":"﴿(فَكانَتْ...)﴾ إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿فَأَرَدْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿أَعِيبَها:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل تقديره: «أنا»، وها: مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَرَدْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿(فَكانَتْ...)﴾ إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿وَراءَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر كان مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَلِكٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر. ﴿يَأْخُذُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَلِكٌ﴾. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و(كل): مضاف، و﴿السَّفِينَةُ:﴾ مضاف إليه. ﴿غَصْبًا:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف؛ أي: يغصبها غصبا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من فاعل يأخذ. وقيل: هو مفعول لأجله. وقيل: هو مصدر في موضع الحال؛ وقيل: مفعول مطلق عامله أخذ من معناه، وجملة: ﴿يَأْخُذُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿مَلِكٌ،﴾ وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (كانت...) إلخ فهي في محل رفع مثلها. وقيل: هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والأول: أقوى. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ إذ هي من مقول الخضر ﵇.\n\n<span id=\"aya-2220\"></span>﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ﴾ أي: الذي قتلته. ﴿فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ:﴾ وهو كافر، فقد جاء في صحيح الحديث: «أنه طبع يوم طبع كافرا» وهذا يؤيد: أنه غير بالغ. ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما..﴾.\nإلخ: هذا من كلام الخضر وهو الذي يؤيده سياق الكلام، والمعنى خفنا أن يكلف أبويه الكفر لشدة محبتهما له، أو يحملهما عليه حملا، وذلك مجاراة له فيما يحب ويرغب؛ لأنه مجبول على الكفر حال ولادته، وحال معيشته، وحال موته، وكأن الله قد أباح للخضر الاجتهاد في قتل الأولاد على هذه الجهة. وقيل: هو من كلام الله تعالى وعنه عبر الخضر. قال الطبري: معناه فعلمنا، وهو قول ابن عباس﵄-، وهذا يكون كما كنى سبحانه عن العلم بالخوف في قوله جل ذكره: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾. هذا؛ وجاء: «خشي» بمعنى:\nعلم في قول الشاعر: [الكامل]\nولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد\nقالوا: معناه: علمت. هذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن العظيم. هذا؛ والماضي:\nخشي، والمضارع: يخشى، والأمر: اخش، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا.\nالإعراب: ﴿وَأَمَّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أما): انظر الآية السابقة. ﴿الْغُلامُ:﴾ مبتدأ.\nالفاء: واقعة في جواب (أما). (كان): ماض ناقص. ﴿أَبَواهُ:﴾ اسم (كان) مرفوع، وعلامة رفعه","vol":"5","page":523},{"text":"الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿مُؤْمِنَيْنِ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: (كان...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. (خشينا): فعل، وفاعل.\n ﴿فَكانَ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُرْهِقَهُما:﴾ مضارع منصوب ب ﴿فَكانَ،﴾ والفاعل يعود إلى (الغلام)، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿طُغْيانًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَكُفْرًا:﴾ معطوف عليه، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَخَشِينا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَكانَ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، والآية معطوفة بكاملها على سابقتها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-2221\"></span>﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾\nالشرح: ﴿فَأَرَدْنا:﴾ تكلم بنون العظمة، والمريد في الحقيقة هو الله تعالى. ﴿أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما:﴾ أن يرزقهما الله ولدا. ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً﴾ أي: دينا وصلاحا، وطهارة من الذنوب، والأخلاق الرديئة. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: رحمة، وعطفا على والديه بأن يبرهما، ويشفق عليهما.\nقال الشاعر: [الطويل]\nلعلّ التفاتا منك نحوي مقدّر... يمل بك من بعد القساوة للرّحم\nقيل: أبدلهما الله جارية، فتزوجها نبي من الأنبياء، فولدت نبيا، فهدى الله على يديه أمة من الأمم. وقيل: ولدت اثني عشر نبيا. وقيل: غير ذلك، والمعتمد الأول. هذا؛ ويستفاد من هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد، وإن كانوا قطعا من الأكباد، ومن سلم للقضاء؛ أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء، فليرض العبد بقضاء الله تعالى، فإن قضاءه للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب، فالغلام الذي قتله الخضر فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي حيا كان فيه هلاكهما.\nهذا؛ وقرئ: ﴿رُحْمًا﴾ بضمتين وضم الراء وسكون الحاء قراءتان سبعيتان. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: حلم، وأسد، وعسر، ويسر... إلخ.\nالإعراب: ﴿فَأَرَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب: (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُبْدِلَهُما:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿رَبُّهُما:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله.\nوفاعله مستتر فيه، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْهُ:﴾","vol":"5","page":524},{"text":"متعلقان ب: ﴿خَيْرًا﴾. ﴿زَكاةً:﴾ تمييز. ﴿وَأَقْرَبَ:﴾ معطوف على ﴿خَيْرًا﴾. ﴿رُحْمًا:﴾ تمييز أيضا.\nوقيل: مفعول لأجله، وحال، ومفعول مطلق، والمعتمد الأول. و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والآية معطوفة بكاملها على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2222\"></span>﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ﴾ أي: الذي أقامه، وسوّاه. ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ:﴾ اسمهما: أصرم، وصريم، واسم أبيهما: كاشح، واسم أمهما: دنيا. ﴿يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ:﴾ وهي القرية التي استطعما أهلها. وفيه دليل على أنّ القرية تسمى مدينة، وقد عبر عنها بالقرية فيما سبق تحقيرا لها لخسة أهلها، وعبر هنا عنها بالمدينة تعظيما لها من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما. انتهى جمل. ﴿وَكانَ تَحْتَهُ﴾ أي: تحت الجدار. ﴿كَنْزٌ لَهُما:﴾ اختلف في هذا الكنز:\nفقد روى أبو الدرداء﵁عن النبي ﷺ: أنه قال: «كان الكنز ذهبا، وفضة».\nأخرجه الترمذي. وقيل: كان صحفا فيها علم. وقال ابن عباس﵄-: كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟! عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن؟! عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب؟! عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل؟! عجبا لمن أيقن بزوال الدنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟! لا إله إلا الله محمد رسول الله. انتهى. خازن.\nوفي القرطبي والبيضاوي: «عجبت» بدل «عجبا»، و«يؤمن» بدل «أيقن» وزاد القرطبي في أوله:\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nوقال الخازن: وفي الجانب الآخر مكتوب: أنا الله، لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل كل الويل لمن خلقته للشرّ، وأجريته على يديه. انتهى.\n ﴿وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا:﴾ ظاهر اللفظ: أنه أبو الغلامين المباشر، وكان من الأتقياء. قال ابن عباس﵄-: حفظا بصلاح أبيهما. وقيل: كان بينهما وبين الأب سبعة آباء. وقال محمد بن المنكدر: إن الله ﷾ يحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وعشيرته، وأهل دويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: إني لأصلي فأذكر ولدي، فأزيد في صلاتي. انتهى خازن.","vol":"5","page":525},{"text":"﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما﴾ أي: يعقلا، ويدركا قوتهما العقلية، والبدنية، وهو البلوغ، أو ثماني عشرة سنة. ﴿وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما﴾ أي: من تحت الجدار، وذلك إذا بلغا، وعقلا، وقويا. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: إن استخراج الكنز من تحت الجدار بيد اليتيمين رحمة رحمهما الله بها، ونعمة سابغة أسبغها عليهما.\n ﴿وَما فَعَلْتُهُ﴾ أي: إقامة الجدار. أو الضمير يرجع إلى الأمور الثلاثة التي رأيتها، وهو الأقوى. ﴿عَنْ أَمْرِي﴾ أي: باختياري، وإرادتي، بل فعلته بأمر الله، وإلهامه إياي؛ لأن تنقيص أموال الناس، وإراقة دمائهم، وتغيير أحوالهم لا يكون إلا بالنص، وأمر الله تعالى، واستدل بعضهم بذلك على أنّ الخضر ﵇ كان نبيا، لأن هذا يدل على الوحي، وذلك للأنبياء، والصحيح: أنه ولي.\n ﴿ذلِكَ تَأْوِيلُ:﴾ شرح، وتفسير ﴿ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أي: الأمور التي لم تقدر أن تصبر عليها، بل أنكرتها مني. هذا؛ وقد حذفت التاء من المضارع، وهي لغة في «تستطيع» كما حذفت من ماضيه في الآية رقم [٩٧] الآتية، وقد حذفت التاء منهما للخفة؛ لأن التاء قريبة المخرج من الطاء، ومثل الآية قول طرفة بن العبد في معلّقته: [الطويل]\nفإن كنت لا تسطيع دفع منيّتي... فدعني أبادرها بما ملكت يدي\nتنبيه: لقد أضاف الخضر ﵇ العيب إلى نفسه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ أدبا مع الله؛ لأنه إفساد في الظاهر، وأضاف إرادة البلوغ واستخراج الكنز إلى الله تعالى؛ لأنه إنعام محض، وهو في غير مقدور البشر، فقال: ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ..﴾. إلخ، وأما ذكر القتل؛ فذكره بلفظ الجمع تنزيها على أنه من العلماء العظماء في علم الباطن، وعلوم الحكمة، وأنه لم يقدم على مثل هذا القتل إلا بحكمة عالية، فقال: ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما..﴾. إلخ وهو مثل قول إبراهيم ﵊ في سورة (الشعراء): ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ..﴾. إلخ الآية رقم [٧٨] وما بعدها.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ومن فوائد هذه القصة: ألا يعجب المرء بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه، فلعل سرا لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم، ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبه المجرم على جرمه، ويعفو عنه، حتى يتحقق إضراره، ثم يهاجر عنه.\nتنبيه: روي أن الخضر لما ذهب يفارق موسى. قال له موسى: أوصني. قال: كن بساما، ولا تكن ضحاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا بن عمران. انتهى. قرطبي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ:﴾ انظر الآية رقم [٧٩] فهو مثلها. ﴿يَتِيمَيْنِ:﴾ صفة (غلامين) مجرور مثله، وعلامة الجر فيهما الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (غلامين) أو بمحذوف","vol":"5","page":526},{"text":"حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿تَحْتَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَنْزٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر. ﴿لَهُما:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿كَنْزٌ،﴾ وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿أَبُوهُما:﴾ اسم (كان) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.\n ﴿صالِحًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. (أراد):\nماض. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ يَبْلُغا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿فَكانَ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والألف فاعله. ﴿أَشُدَّهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف... إلخ، و﴿أَنْ يَبْلُغا:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَرادَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَسْتَخْرِجا:﴾ مضارع معطوف على ﴿يَبْلُغا﴾ منصوب مثله، والألف فاعله. ﴿كَنزَهُما:﴾\nمفعول به... إلخ. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول لأجله عامله أراد. وقيل: حال. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان برحمة، أو بمحذوف صفة له، والكاف... إلخ، الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿فَعَلْتُهُ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿عَنْ أَمْرِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال؛ أي: ما فعلته صادرا عن أمري، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال أيضا. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَأْوِيلُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف ﴿ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ انظر الآية رقم [٧٨] ففيها الكفاية، بعد هذا ينبغي أن تعلم أن الآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي من قول الخضر ﵊.\nخاتمة: فعن أبي أمامة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أحدثكم عن الخضر؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب، فقال: تصدق عليّ بارك الله فيك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما شاء من أمر يكون! ما عندي شيء أعطيكه! فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدّقت عليّ، فإني نظرت السماحة في وجهك، ورجوت البركة عندك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه، إلا أن تأخذني، فتبيعني! فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟! قال: نعم، أقول: لقد سألتني بأمر عظيم، أما إنّي لا أخيّبك بوجه ربّي».\nقال: «فقدّمه إلى السوق، فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زمانا لا يستعمله في شيء، فقال: إنما اشتريتني التماس خير عندي، فأوصني بعمل. قال: أكره أن أشقّ عليك، إنك شيخ كبير ضعيف. قال: ليس يشقّ عليّ! قال: قم، فانقل هذه الحجارة، وكان لا ينقلها دون","vol":"5","page":527},{"text":"ستة نفر في اليوم، فخرج الرجل لبعض حاجته، ثمّ انصرف، وقد نقل الحجارة في ساعة. قال:\nأحسنت، وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه».\nقال: «ثمّ عرض للرجل سفر، فقال: إني أحبك أمينا، فاخلفني في أهلي خلافة حسنة.\nقال: وأوصني بعمل. قال: إني أكره أن أشقّ عليك. قال: ليس يشقّ عليّ. قال: فاضرب من اللّبن بيتي حتى أقدم عليك». قال: «فمرّ الرجل لسفره». قال: «فرجع الرجل، وقد شيّد بناءه.\nقال: أسألك بوجه الله ما سببك؟ وما أمرك؟ قال: سألتني بوجه الله، ووجه الله، أوقعني في هذه العبودية. فقال الخضر: سأخبرك من أنا، أنا الخضر الذي سمعت به، سألني مسكين صدقة، فلم يكن عندي شيء أعطيه، فسألني بوجه الله، فأمكنته من رقبتي، فباعني. وأخبرك: أنه من سئل بوجه الله، فردّ سائله، وهو يقدر وقف يوم القيامة جلدة، ولا لحم له يتقعقع. فقال له الرجل: آمنت بالله، شققت عليك يا نبيّ الله، ولم أعلم! قال: لا بأس! أحسنت، وأتقنت، فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبيّ الله! احكم في أهلي، ومالي بما شئت، أو اختر فأخلّي سبيلك.\nقال: أحبّ أن تخلّي سبيلي، فأعبد ربي. فخلّي سبيله، فقال الخضر: الحمد لله الذي، أوثقني في العبودية، ثمّ نجّاني منها». انتهى. والله أعلم بصحة ذلك!.\n\n<span id=\"aya-2223\"></span>﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والسائل له كفار قريش بإيعاز من يهود المدينة كما رأيت في الآية رقم [٢٣] انظرها ففيها الكفاية. هذا؛ والسؤال هنا سؤال تعنت، وامتحان بخلافه في أول سورة (الأنفال) فإنه سؤال استفهام، واستفتاء، أما ذو القرنين؛ فقد قال القرطبي: قال ابن إسحاق: وكان من خبر ذي القرنين: أنه أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب؛ حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضا إلا سلّط عليها؛ حتى انتهى من المشرق، والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق. انتهى.\nهذا؛ ولقد اختلف في اسمه: قيل: اسمه: مرزبان بن مرزبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. قال ابن هشام: واسمه الإسكندر، وهو الذي بنى الإسكندرية بمصر، فنسبت إليه. وقيل: هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني. وقيل: اسمه هرمس، ويقال: اسمه هرديس. وقيل: إنّه عربي من حمير مع اختلاف في اسمه، وهو الذي افتخر به أحد شعراء حمير حيث يقول، وهو تبّع: [الكامل]\nقد كان ذو القرنين جدّي مسلما... ملكا علا في الأرض غير مفنّد\nبلغ المشارق والمغارب يبتغي... أسباب ملك من كريم مرشد\nفرأى مآب الشمس عند غروبها... في عين ذي خلب وثأط حرمد","vol":"5","page":528},{"text":"الخلب: بضمتين الحمأة، وهي الطين، والثأطة: الحمأة المختلطة بالماء، فتزيد رطوبة، وتفسد، والحرمد: الطين الأسود.\nواختلف فيه: هل هو نبي، أو ولي، فلقد سئل علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-عنه، أكان نبيا؟ فقال: لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولكن كان عبدا صالحا أحب الله، فأحبه، وناصح الله، فناصحه الله، واختلف في زمانه، فقيل: كان بعد موسى. وقيل: كان في الفترة بعد عيسى. وقيل:\nكان في وقت إبراهيم وإسماعيل، وكان الخضر ﵇ صاحب لوائه الأعظم، وكان السبب في حياة الخضر فيما حكي: أنه شرب من عين الحياة، وذلك: أن ذا القرنين دخل الظلمة لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدمته، فوقع الخضر على العين، فاغتسل وشرب منها، وصلى شكرا لله تعالى، وأخطأ ذو القرنين الطريق فرجع. وذكرت لك فيما مضى: أنه قيل: إن الخضر، وإلياس حيّان يلتقيان كل سنة في الموسم؛ أي: موسم الحج. انظر الآية رقم [٦٥].\nقال السهيلي: والظاهر من علم الأخبار: أنهما اثنان: أحدهما كان على عهد إبراهيم ﵇، ويقال: إنه الذي قضى لإبراهيم ﵇ حين تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام.\nوالآخر كان قريبا من عهد عيسى ﵇. وقيل: إنه أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الطاغي، على عهد إبراهيم ﵇. انتهى والله أعلم بالحقيقة.\nوفي الجمل: ذو القرنين الأكبر، وهو ولي الله تعالى من أولاد سام بن نوح، وكان ابن عجوز ليس لها غيره، وكان أسود اللون، وكان على شريعة إبراهيم الخليل ﵇، فإنه أسلم على يديه، ودعا له، وأوصاه بوصايا، وكان يطوف معه، وكان الخضر وزيره، فكان يسير معه على مقدمة جيشه، وهذا بخلاف ذي القرنين الأصغر فإنه من ولد العيص بن إسحاق، وكان كافرا عاش ألفا وستمائة سنة، وكان قبل المسيح بثلاثمائة سنة. انتهى. نقلا عن شيخه.\nهذا؛ وقد روي: أن عدد من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان، وكافران، فالمؤمنان:\nسليمان بن داود، وإسكندر ذو القرنين، والكافران: نمرود الذي ادعى الألوهية على عهد إبراهيم ﵇، وبختنصر الذي خرب بيت المقدس، وأهلك بني إسرائيل، كما رأيت في الآية رقم [٥] من سورة (الإسراء)، وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وهو المهديّ في آخر الزمان، وحين نزول عيسى ﵇. كذا في القرطبي.\nواختلف في السبب الذي لقب به ب: «ذي القرنين» فقيل: إنه كان ذا ضفيرتين من شعر، فسمي بهما، والضفائر قرون الرأس، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الكامل]\nفلثمت فاها آخذا بقرونها... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج\nوقيل: إنه سمي بذلك؛ لأنه بلغ المغرب، والمشرق، فكأنه حاز قرني الدنيا. وقيل: سمي بذلك؛ لأنه ملك فارس، والروم. وقيل: لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس. وقيل: كان","vol":"5","page":529},{"text":"لتاجه قرنان. وقيل: كان له قرنان تحت عمامته. وقيل: يحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته، كما يقال للشجاع: كبش، كأنه ينطح أقرانه. والله أعلم بالحقيقة. ﴿قُلْ سَأَتْلُوا..﴾. إلخ: أي: سأقص عليكم خبرا من حاله، وشأنه.\nالإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف قصة على قصة قبلها.\n (يسألونك): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعوله. ﴿عَنْ:﴾ حرف جر.\n ﴿ذِي:﴾ اسم بمعنى: صاحب مجرور ب: ﴿عَنْ،﴾ وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و﴿ذِي:﴾ مضاف، و﴿الْقَرْنَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سَأَتْلُوا:﴾ السين: حرف استقبال. (أتلو): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ذِكْرًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على مثال ما تكرر معنا. ﴿ذِكْرًا:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿سَأَتْلُوا..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2224\"></span><span id=\"aya-2225\"></span>﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ:﴾ قال علي كرم الله وجهه: سخر الله له السحاب، ومدت له الأسباب، وبسط له في النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، وسهل عليه السير في الأرض، وذلل له طريقها. ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا:﴾ قال ابن عباس﵄-: من كل شيء علما يتسبب به إلى ما يريد. وقيل: من كل شيء يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك من فتح المدائن، وقهر الأعداء. وأصل السبب: الحبل، فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء.\n ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: سلك طريقا يوصله إلى ما يريد، وقدره الله له. هذا؛ وقرئ: ﴿(فَأَتْبَعَ سَبَبًا)﴾ بوصل الهمزة وتشديد التاء، وهما بمعنى: واحد. قال الأخفش: تبعته، وأتبعته بمعنى، مثل:\nردفته، وأردفته. انتهى. فيتعديان لمفعول واحد. وقيل: «أتبع» بالقطع متعد لاثنين حذف أحدهما، تقديره: فأتبع سببا سببا آخر. أو فأتبع أمره سببا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ ومن حذف أحد المفعولين قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ أي: أتبعوا جنودهم. واختار أبو عبيد (اتّبع) بالوصل، قال: لأنه من المسير. قال: تقول: تبعت القوم، واتبعتهم، فأما الإتباع بالقطع فمعناه: اللحاق، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾. وقال يونس، وأبو زيد: «أتبع» بالقطع عبارة عن المجدّ المسرع الحثيث الطلب، وبالوصل يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. انتهى. جمل نقلا عن السمين.","vol":"5","page":530},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. و(نا): في محل نصب اسمها. ﴿مَكَّنّا:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: أمره. ﴿لَهُ فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿مَكَّنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها. ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سَبَبًا﴾ كان صفة له... إلخ، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿سَبَبًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿فَأَتْبَعَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿سَبَبًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.\n\n<span id=\"aya-2226\"></span>﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: سار ذو القرنين بجيشه في جهة المغرب التي تغرب فيها الشمس. ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء، من:\nحمئت البئر إذا صارت فيها الحمأة حامية، فعن أبي ذر الغفاري﵁قال: كنت رديف رسول الله ﷺ على جمل، فرأى الشمس حين غابت، فقال: «يا أبا ذرّ! أتدري أين تغرب هذه؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّها تغرب في عين حمئة».\nوكان ابن عباس﵄عند معاوية، فقرأ معاوية: «(حامية)» فقال ابن عباس:\n ﴿حَمِئَةٍ﴾ فقال معاوية لعبد الله بن عمر: كيف تقرؤها؟ فقال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة، فوافق قول ابن عباس﵄-، ولا تنافي، فجاز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعا. انتهى نسفي.\nهذا؛ وقال القرطبي: ويجوز أن تكون (حامية) من الحمأة، فخففت الهمزة، وقلبت ياء، وقد يجمع بين القراءتين، فيقال: كان حارة، وذات حمأة. انتهى. هذا؛ وقال القفال: قال بعض العلماء: ليس المراد: أنه انتهى إلى الشمس مغربا، ومشرقا حتى وصل إلى جرمها، ومسّها؛ لأنه تدور مع السماء حول الأرض، من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة، بل المراد: أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب، ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، وكما أن راكب البحر يرى: أنّ الشمس كأنها تغيب في البحر. انتهى. وهو جيد. ﵀.","vol":"5","page":531},{"text":"﴿وَوَجَدَ عِنْدَها:﴾ عند تلك العين. ﴿قَوْمًا:﴾ قيل: كان لباسهم جلود الوحش، وطعامهم ما لفظه البحر، وما نبت من الأرض، وكانوا كفارا، لذا خيره الله بين أن يعذبهم، أو يدعوهم إلى الإيمان وهم أهل مدينة: جابرس، ويقال لها بالسريانية: جرجيسا، يسكنها قوم من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح ﵇؛ أي: وكفروا مع تطاول الزمن. هذا؛ وانظر شرح (قوم) في الآية رقم [١٣] من سورة (النحل). وانظر ما ذكرته في (مسجد) في الآية رقم [٢١].\nهذا؛ وتجمع عين على: عيون، وأعين، وأعيان أيضا، والأخير غير مشهور، وقليل الاستعمال، وأعين جمع قلة، وغيره جمع كثرة، والمراد: بها هنا عين الماء كما يظهر، وتطلق على العين الباصرة، وعلى الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة؛ أي:\nجواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه. وعين الشيء:\nخياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط]\nواستخدموا العين منّي، وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو\nفالمراد بالعين: ذاته، والمراد: ب: «جارية» عينه التي تجري بالدمع، والمراد: بقوله:\n «بها»: نقد الذهب، وهذا يسمى في فن البديع: استخداما، كما تطلق على الماء الجاري النابع من الأرض، وتطلق على المطر الهاطل من السحاب. قال عنترة: [الكامل]\nجادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم\nهذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين.\n ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ:﴾ هذا القول له إن كان نبيا؛ فهو وحي، وإن كان وليا؛ فهو إلهام. ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا..﴾. إلخ: خير الله ذا القرنين كما خير محمدا ﷺ، فقال جل شأنه: ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ فقد خيره الله بين تعذيبهم وبين الإحسان إليهم بالإرشاد، وتعليم الشرائع، والعفو، والصفح عنهم؛ إن هم استجابوا لذلك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: لإمّا خمسة معان:\nأحدها: الشك، نحو: جاءني إما زيد، وإما عمرو. إذا لم تعلم الجائي منهما.\nالثاني: الإبهام: كما في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية رقم [١٠٦] من سورة (التوبة).\nالثالث: التخيير، وهو ما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ومثلها الآية رقم [٦٥] من سورة (طه).\nالرابع: الإباحة، نحو: (تعلّم إما فقها، وإما نحوا).","vol":"5","page":532},{"text":"الخامس: التفصيل، نحو قوله تعالى: ﴿إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾. انتهى. مغني اللبيب باختصار.\nأقول: والتفصيل هو المعنى الذي لا يفارقها مع كل من المعاني المذكورة.\nالإعراب: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها:﴾ انظر الآية رقم [٧١] ففيها الكفاية: وأضيف:\nأن في الآية انتصارا لمذهب الأخفش؛ إذ لا بد من تقدير فعل قبل ﴿حَتّى﴾ كما رأيت في الشرح؛ ليتم المعنى. ﴿تَغْرُبُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّمْسِ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل: (وجد). وقيل: هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب.\n ﴿فِي عَيْنٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَمِئَةٍ:﴾ صفة ﴿عَيْنٍ﴾. ﴿وَوَجَدَ﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿عِنْدَها:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف حال من ﴿قَوْمًا﴾ على مثال ما تقدم. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ معطوفة على جملة:\n ﴿وَجَدَها..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (ذا): منادى منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذا) مضاف، و﴿الْقَرْنَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى... إلخ. ﴿إِمّا:﴾ أداة شرط، وتخيير. وقيل: تقسيم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُعَذِّبَ﴾ في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: إما التعذيب واقع عليهم، أو هو خبر والمبتدأ محذوف، التقدير: إمّا هو تعذيبك لهم، أو المصدر المؤول في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: «إما أن توقع التعذيب عليهم» ومن شواهد الرفع قول تأبط شرا: [الطويل]\nهما خطّتا إمّا إسار ومنّة... وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر\nو﴿وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ﴾ فهو مثله في التأويل والتقدير، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية، فهي معطوفة على ما قبلها. ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، أو بمحذوف حال منه كان صفة له.. إلخ. ﴿حُسْنًا:﴾ مفعول به، والكلام: ﴿يا ذَا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ومثلها الآية رقم [٦٥] من سورة (طه).\n\n<span id=\"aya-2227\"></span>﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: نفسه بالكفر بأن أصر عليه، ولم يقبل الإرشاد، والنصح.\n ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي: بالقتل. ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ﴾ أي: الموت. ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ أي: شديدا. وهو عذاب الآخرة في النار. وفحوى هذا: أنه اختار الدعوة إلى الله، وسلوك الطريقة الحسنى معهم.","vol":"5","page":533},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿أَمّا:﴾ أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل. وانظر الآية رقم [٧٩] ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿ظَلَمَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ ومفعوله محذوف كما رأيت. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (سوف): حرف استقبال، وتسويف. ﴿نُعَذِّبُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن» والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٢٩] هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فالجملة الفعلية بعدها صلتها، وجملة: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُرَدُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿إِلى رَبِّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَيُعَذِّبُهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يعذبه): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّهِ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق.\n ﴿نُكْرًا:﴾ صفة له، وهو يقرأ بضم الكاف وسكونها قراءتان سبعيتان. وانظر: ﴿رُحْمًا﴾ في الآية رقم [٨١] والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2228\"></span><span id=\"aya-2229\"></span>﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ﴾ أي: بالله تعالى. ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أي: عمل عملا صالحا، وهو ما يوجب الإيمان بالله تعالى، وهذا احتراس كما بينته فيما سبق. وانظر الآية رقم [١٠٧]. ﴿فَلَهُ جَزاءً:﴾ يقرأ بالنصب، والرفع بالتنوين، وعدمه. ﴿الْحُسْنى﴾ أي: المثوبة الحسنى، وتفسّر بالجنة. وقال البيضاوي: فله؛ أي: في الدارين؛ أي: فله في الدنيا الإعزاز والإكرام، وحفظ حقوقه المالية وغيرها، وله في الآخرة جنات عدن تجري من تحتها الأنهار. وانظر شرح ﴿الْحُسْنى﴾ في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء).\n ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ﴾ أي: لمن آمن وعمل صالحا. ﴿مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا﴾ أي: لا نأمره بالشيء الصعب الشاق عليه، ولكن نأمره بالسهل المتيسر من دفع زكاة وخراج وغير ذلك من التكاليف. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: سلك طريقا يوصله إلى المشرق، بعد أن دان له المغرب، ويذكر أنه جند جيشا عظيما من أهل المغرب وتوجه به إلى جهة المشرق، وهو ما تفيده الآية التالية. وانظر الآية رقم [٨٦] وما فيها من بحث فإنه جيد، ويقرأ يسرا بضم السين وسكونها، انظر رحما في الآية رقم [٨٢].","vol":"5","page":534},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ:﴾ انظر الآية السابقة ففيها البيان الشافي، وجملة: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ معطوفة على جملة: ﴿آمَنَ﴾ على الوجهين المعتبرين فيها، و﴿صالِحًا﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: وعمل عملا صالحا. وقيل: المحذوف مفعول مطلق. وهو ضعيف. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَزاءً:﴾ فعلى قراءة الرفع فهو مبتدأ مؤخر، أو هو فاعل بالجار والمجرور، وعلى قراءته بغير تنوين فهو مضاف، و﴿الْحُسْنى:﴾\nمضاف إليه، وعلى قراءته بالتنوين، فالحسنى بدل منه، أو هو خبر لمبتدإ محذوف وعلى قراءته بالنصب، والتنوين، فهو منصوب على الحال من الضمير المستقر في الجار والمجرور، أو هو مفعول مطلق عامله من لفظه، وهو محذوف، أو هو تمييز، وعلى قراءته بغير تنوين فهو مثل المنون في جميع، أوجه إعرابه، ويكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين، وعليه ف: ﴿الْحُسْنى﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿فَلَهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، انظر الآية السابقة لتتمة الإعراب، والجملة الاسمية في هذه الآية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n ﴿وَسَنَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (سنقول): مضارع، والسين حرف استقبال، وتنفيس، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿فَلَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَمْرِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿يُسْرًا،﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية السابقة وغيرها. ﴿يُسْرًا:﴾ مفعول به، وهو على تقدير: قولا ذا يسر، أو شيئا ذا يسر، فيكون المحذوف مفعولا مطلقا، أو نائب مفعول مطلق، والآية معطوفة على ما قبلها، فهي من مقول ذي القرنين. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا:﴾ هذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ فيكون ما بينهما معترضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2230\"></span>﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا (٩٠)﴾\nالشرح: المعنى: سار ذو القرنين بجيشه الخضم من مغرب الشمس حتى وصل، وبلغ أقصى المشرق، وهي الجهة التي تطلع منها الشمس. ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ﴾ أي: رأى ذو القرنين أقواما في أقصى المشرق، ليس بينهم وبين الشمس ستر من جبل، أو شجر، ولا يستقر عليهم بناء، فإذا طلعت عليهم الشمس دخلوا في أسراب لهم تحت الأرض، فإذا زالت عنهم الشمس خرجوا إلى معايشهم، حفاة، عراة، عماة عن الحق، يتسافدون مثل الكلاب، ويتهارجون تهارج الحمر.\nقيل: إنهم قوم من نسل مؤمني قوم هود ﵇، واسم مدينتهم: جابلق، واسمها بالسريانية مرقيسيا، وهم مجاورون يأجوج، ومأجوج. هذا؛ و(ستر) اسم آلة؛ فلذا كسرت السين، وقرئ ﴿مَطْلِعَ﴾ بكسر اللام، وفتحها.","vol":"5","page":535},{"text":"الإعراب: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها﴾ انظر الآية رقم [٨٦] والمحال عليها برقم [٧١] ففيهما الكفاية. ﴿تَطْلُعُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّمْسِ﴾ تقديره: «هي». ﴿عَلى قَوْمٍ:﴾\nمتعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل: (وجد). وقيل: هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الأول، أو مفعوله الثاني. ﴿مِنْ دُونِها:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سِتْرًا﴾ كان صفة له... إلخ، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿سِتْرًا:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿لَمْ نَجْعَلْ..﴾. إلخ في محل جر صفة قوم.\n\n<span id=\"aya-2231\"></span><span id=\"aya-2232\"></span>﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿كَذلِكَ﴾ أي: أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكانة، وبسطة الملك. أو أمره في أهل المشرق كأمره في أهل المغرب من التخيير، والاختيار. ﴿وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ﴾ أي:\nمن الجنود، والآلات، والعدد، والأسباب. ﴿خُبْرًا:﴾ علما تعلق بظواهر أمره، وخفاياه، والمراد: أن كثرة ذلك بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير.\n ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: سلك ذو القرنين طريقا ثالثا معترضا بين المشرق، والمغرب آخذا من الجنوب إلى الشمال. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر) هذا؛ وأما ﴿لَدَيْهِ﴾ فهو ظرف بمعنى: «عند»، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، ثم اعلم: أن (عند) أمكن من (لدى) من وجهين:\nأحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في لدى. ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه، والثاني: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله (وجد) أو ﴿نَجْعَلْ﴾ والأول: أقوى، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَحَطْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿لَدَيْهِ:﴾ ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله بالهاء التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهو متعلق بمحذوف","vol":"5","page":536},{"text":"صلة (ما)، أو بمحذوف صفتها. ﴿خُبْرًا:﴾ مفعول به. وقيل: مفعول مطلق؛ لأن في ﴿أَحَطْنا﴾ معنى: خبرنا وقيل: تمييز، وهو ضعيف، وجملة: ﴿وَقَدْ أَحَطْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ معطوفة على ما قبلها، وإن اعتبرت الأولى حالا من فاعل الفعل: ﴿نَجْعَلْ﴾ المقدر فلست مفندا، ولا تصح الحالية على التقدير الأول.\n\n<span id=\"aya-2233\"></span>﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾\nالشرح: المعنى سار ذو القرنين بجيشه العرموم حتى وصل بين السدين، وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان في منقطع أرض الترك، وقد قرئ بضم السين، وفتحها، انظر الآية التالية. وحكي: أن الواثق العباسي بعث بعض من يثق به من أتباعه إليه؛ ليعاينوه، فخرجوا من باب من الأبواب حتى وصلوا إليه، وشاهدوه، فوصفوه: أنه بناء من لبن حديد مشدود بالنحاس المذاب، وعليه باب مقفل. انتهى. خازن.\n ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِما﴾ أي: من وراء السدين. ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قال ابن عباس -﵄-: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم؛ لأن لغتهم غريبة مجهولة، وقد قرئ الفعل ﴿يَفْقَهُونَ﴾ بفتح الياء على المعنى الأول، وبضم الياء على المعنى الثاني.\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ، ﴿بَلَغَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ مفعول به، وهو في الأصل ظرف مكان مثل مغرب ومطلع، فحصل التصرف فيهن بوقوعهن مفعولا، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿السَّدَّيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿بَلَغَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿وَجَدَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿مِنْ دُونِهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿قَوْمًا﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما تقدم، أو هما في محل نصب مفعوله الثاني: تقدم على الأول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَجَدَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش في مثل هذه الآية ﴿حَتّى﴾ جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وعلى قوله ف: ﴿حَتّى﴾ ومجرورها متعلقان بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكادُونَ:﴾ مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، وجملة:\n ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿لا يَكادُونَ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿قَوْمًا﴾. تأمل.","vol":"5","page":537},{"text":"<span id=\"aya-2234\"></span>﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قالت أمة من الإنس صالحة مجاورة. وفي البيضاوي: قال مترجموهم. ﴿يا ذَا الْقَرْنَيْنِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٣] لشرحه. ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ:﴾ هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح ﵇. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم. ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ:﴾ قيل: كانوا يأكلون الناس. وقيل: كانوا يخرجون في أيام الربيع، فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه، وكانوا يلقون منهم قتلا، وأذى شديدا، وهم خلق كثير، لا يحصي عددهم إلا الله.\nقال عبد الله بن مسعود﵁سألت النبي ﷺ عن يأجوج، ومأجوج، فقال:\n «يأجوج ومأجوج أمّتان، كلّ أمة أربعمائة ألف أمة، كلّ أمّة لا يعلم عددها إلا الله، لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه، كلّهم قد حمل السّلاح». وقيل: هم على صنفين: طوال مفرطو الطول، وقصار مفرطو القصر. وقد ذكر القرطبي، والخازن الكثير من صفاتهم، وأحوالهم.\nوبالجملة: هم نادرة عجيبة في ذرية آدم ﵇. هذا؛ وقرئ: «(ياجوج ومأجوج)» بدون همز.\n ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا:﴾ وقرئ: «(خراجا)»، وهما بمعنى: جعلا، وقسما من أموالنا نقدمه إليك، وهو في الآية [٧٢] من سورة (المؤمنون) بمعنى: الأجر، والإثابة على عمل ما. ﴿عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ أي: حاجزا منيعا، يحول بيننا وبينهم، فلا يصلون إلينا. ف: ﴿عَلى﴾ بمعنى:\nلام التعليل هنا وقرئ بضم السين، وهما لغتان. وقيل: المضموم لما خلقه الله تعالى، والمفتوح لما عمله الناس.\nقال القرطبي: ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرءوا ﴿سَدًّا﴾ بالفتح، وقبله. ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بالضم. وقال أيضا: في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدون، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضربا، ويحبسون، أو يكلفون ويطلقون، كما فعل عمر﵁-.\nفائدة: قال بعضهم: مسافة الأرض بتمامها خمسمائة عام، ثلاثمائة منها بحار، ومائة وتسعون مسكن يأجوج ومأجوج، وتبقى عشرة، سبعة للحبشة، وثلاثة لجملة الخلق غيرهم.\nهذا؛ وأرض يأجوج ومأجوج منحصرة وراء الجبلين العظيمين، وليس لهم طريق إلى أرض العمارة إلا هذه الفتحة الموجودة بين الجبلين التي أقام فيها ذو القرنين السد، وعلى هذا فلا يزالون في العالم المجهول الذي لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. وذكر: أن سعة الفتحة التي بين الجبلين مائة فرسخ، فيكون طول السد وامتداده على وجه الأرض مائة فرسخ، ومسيرة الفرسخ","vol":"5","page":538},{"text":"ساعة ونصف، فتكون مسيرته مائة وخمسين ساعة مسيرة اثني عشر يوما، ونصفا، فتبلغ مسافته نحو العقبة من مصر. تأمل. انتهى. جمل. وانظر الآية رقم [٩٤].\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب:\n «دخلوا» في الآية رقم [٥٢] من سورة (الحجر). ﴿يا ذَا الْقَرْنَيْنِ:﴾ انظر الآية رقم [٨٦]. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿يَأْجُوجَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿وَمَأْجُوجَ:﴾ معطوف عليه. ﴿مُفْسِدُونَ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُفْسِدُونَ﴾. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، وتأدب، وتلطف هنا. ﴿نَجْعَلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما مفعوله الثاني: تقدم على الأول.\n ﴿خَرْجًا:﴾ مفعول به. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَجْعَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿سَدًّا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿سَدًّا:﴾ مفعول به. هذا؛ و﴿إِنَّ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تَجْعَلَ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة ﴿خَرْجًا﴾. هذا؛ والجمل في الآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2235\"></span>﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ:﴾ المعنى قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله تعالى لي من القدرة، والملك خير من خرجكم، وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان؛ أي: برجال، وعمل منكم بالأبدان، والآلة التي أبني بها السد، وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة، فإن القوم لو جمعوا له خرجا لم يعنه أحد، ولوكلوه إلى البنيان، ومعونته بأنفسهم أجمل به، وأسرع في انقضاء العمل، وربما أربى ما ذكر على الخرج. انتهى. قرطبي.\nوقال أيضا: في هذه الآية دليل على أنّ الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم وسدّ فرجتهم، وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده، ونظره، حتى لو أكلتها الحقوق، وأنفذتهم المؤن؛ لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم، وذلك بثلاثة شروط: الأول: أن لا يستأثر عليهم بشيء، الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة منهم. الثالث: أن يسوي في العطاء بينهم على قدر منازلهم. انتهى. باختصار.","vol":"5","page":539},{"text":"هذا؛ والردم هو السد. وقيل: الردم أبلغ من السد؛ إذ السد كل ما يسد به، والردم وضع الشيء على الشيء من حجارة، أو تراب، أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع متكاثفة، بعضها فوق بعض، ومنه قول عنترة: [الكامل]\nهل غادر الشعراء من متردّم... أم هل عرفت الدار بعد توهّم؟\nأي: من قول يركب بعضه على بعض. هذا؛ وانظر شرح: (خير) في الآية رقم [٤٤] وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ذي القرنين. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مَكَّنِّي:﴾ ماض مبني على الفتح، وسكنت نونه، وأدغمت في نون الوقاية، وقرئ: «(مكنني)» بالفك، وياء المتكلم مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور ب: (في). ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَعِينُونِي:﴾ الفاء: هي حرف عطف على رأي:\nمن يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت لست بحاجة إلى مال؛ فأعينوني... إلخ، وفعل الأمر هذا مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والكلام في محل نصب مقول القول.\n ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بَيْنَكُمْ﴾ متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿رَدْمًا،﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية السابقة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿رَدْمًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2236\"></span>﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ:﴾ أعطوني، وناولوني. هذا؛ ويقرأ الفعل بهمزة وصل فيكون معناه جيئوني بزبر الحديد، وتكون الباء الجارة محذوفة، و﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ:﴾ قطعه الكبيرة العظيمة.\nفأتوه بها، وبالحطب، فجعل الحطب على الحديد، والحديد على الحطب. ﴿حَتّى إِذا ساوى﴾","vol":"5","page":540},{"text":"أي: رفع البناء لمستوى الجبلين. هذا؛ و﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ هما جانبا الجبل، سميا بذلك لتصادفهما، وتلاقيهما. هذا؛ ويقال لكل بناء مرتفع: صدف تشبيها له بجانب الجبل. وقيل: لا يقال للواحد صدف، وإنما يقال: صدفان للاثنين؛ لأن أحدهما يصادف الآخر. هذا؛ وقرئ ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ بقراءات كثيرة، لم يتغير فيهما المعنى، والإعراب. ﴿قالَ انْفُخُوا﴾ أي: قال للعمال: انفخوا النار في الأكوار على قطع الحديد. ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا﴾ أي: أصبحت قطع الحديد كالنار، وهذا مشاهد في الحديد إذا أحمي عليه بحرارة مرتفعة، فإنه يصير كالجمر المتقد. ﴿قالَ آتُونِي..﴾. إلخ أي: أعطوني قطرا أصب عليه، فجعلت النار تأكل الحطب، وجعل النحاس يسيل مكانه حتى لزم الحديد النحاس، والتأم، واشتد، ولصق البعض بالبعض. وهذا العمل أجراه على أدوار، وطاقات بعضها فوق بعض حتى صار السد جبلا صلدا. هذا؛ والقطر: النحاس عند أكثر المفسرين، وأصله من القطر؛ لأنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء. وقالت فرقة: القطر الحديد المذاب. وقالت أخرى: هو الرصاص المذاب، والمعتمد الأول، ومنه قوله تعالى في سورة (سبأ): ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ الآية رقم [١٢].\nهذا؛ وفيما تقدم من العمل كرامة ظاهرة لذي القرنين؛ حيث منع الله حرارة النار عن العملة الذين ينفخون بالأكوار، ويفرغون القطر مع أنّه كالنار، ومع أنّ الحديد المصبوب عليه كالنار، أو أشد، فلم تصبهم حرارة النار مع قربهم منها، بل ولمخالطتهم لها، فكأن الله تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك العاملين حتى تمكنوا من العمل في ذلك.\nقال قتادة: صار السد كالبرد المحبّر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء. ويروى: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! إني رأيت سدّ يأجوج ومأجوج قال: «كيف رأيته؟». قال:\nرأيته كالبرد المحبّر، طريقة صفراء، وطريقة حمراء وطريقة سوداء، فقال ﷺ: «قد رأيته».\nوقيل: إن عرضه خمسون ذراعا، وارتفاعه مائة ذراع، وطوله فرسخ. وانظر ما ذكرته برقم [٩٤].\nالإعراب: ﴿آتُونِي:﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول. ﴿زُبَرَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿زُبَرَ:﴾ مضاف، و﴿الْحَدِيدِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول ذي القرنين. ﴿حَتّى إِذا ساوى﴾ انظر الآية رقم [٩٣] فالإعراب فيها كاف. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿ساوى،﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وهو البناء، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿الصَّدَفَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. قال: ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ وجملة: ﴿اُنْفُخُوا﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وعلى قول الأخفش فحتى ومجرورها يتعلقان بمحذوف، التقدير: استمر في العمل حتى إذا.. إلخ، ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي:﴾ إعراب هذا الكلام مثل سابقه","vol":"5","page":541},{"text":"بلا فارق. ﴿أُفْرِغْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قِطْرًا:﴾ تنازعه كل من الفعلين السابقين ف: ﴿آتُونِي﴾ يطلبه مفعولا ثانيا، و﴿أُفْرِغْ﴾ يطلبه مفعولا له، والأول: أولى عند الكوفيين لسبقه، والثاني: أولى عند البصريين لقربه. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nإن عاملان اقتضيا في اسم عمل... قبل فللواحد منهما العمل\nوالثّاني أولى عند أهل البصره... واختار عكسا غيرهم ذا أسره\nوأعمل المهمل في ضمير ما... تنازعاه والتزم ما التزما\n\n<span id=\"aya-2237\"></span>﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ:﴾ فلم يقدروا أن يعلوه بالصعود عليه لارتفاعه، وانملاسه، حذفت منه التاء على مثال ما رأيت في الآية رقم [٨٢]، وقرئ بقلب السين صادا ﴿وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا:﴾ وذلك لثخنه، وصلابته. هذا؛ وقرأ الأعمش الفعلين بالتاء ﴿اِسْتَطاعُوا﴾.\nهذا؛ وقال القرطبي: وذكر يحيى بن سلام، عن سعد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة﵃ أجمعين-. قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ يأجوج ومأجوج يخرقون السّدّ كلّ يوم حتّى إذا كادوا يرون شعاع الشمس. قال الذين عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشدّ ما كان، حتى إذا بلغت مدّتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشّمس. قال الذين عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه ويخرجون على الناس». أخرجه ابن ماجة في السنن. انتهى.\nقرطبي.\nوزاد القرطبي، والخازن أيضا: «فينشّفون الماء، ويتحصّن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فيرجع عليها الدّم، فيقولون: قهرنا من في الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله تعالى عليهم نغفا في أقفائهم، فيقتلهم بها» .. قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده! إنّ دوابّ الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم». وقال الخازن: أخرجه الترمذي.\nهذا؛ والنغف: دود يكون في أنوف الإبل، والغنم، فيقتلها، ويقال: شكرت الشاة، تشكر، شكرا: إذا امتلأ ضرعها لبنا. انتهى. وروي: أنهم يشربون ماء الأنهار، ويأكلون الشجر، وجميع النباتات، ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة، والمدينة، وبيت المقدس. قال الجمل: وذلك عقب قتل الدجال، فينحاز عيسى ﵇ بالمؤمنين إلى جبل الطور فرارا منهم، ولا يصلون إلى من تحصّن منهم بورد، أو ذكر.","vol":"5","page":542},{"text":"الإعراب: ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: فجاء قوم يأجوج بعد أن أنهى ذو القرنين بناء السد، وتسويته، يحاولون أن يعلوه، أو يثقبوه فما اسطاعوا... إلخ. (ما): نافية. ﴿اِسْطاعُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَقْبًا،﴾ كان صفة له... إلخ على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩٧].\n\n<span id=\"aya-2238\"></span>﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: ذو القرنين. ﴿هذا:﴾ إشارة إلى الردم السد الذي أقامه. ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على عباده؛ حيث حال هذا السد بين المؤمنين وبين القوم المفسدين، وهم قوم يأجوج، وقوم مأجوج الذين صاروا، وراء هذا السد العظيم محصورين، ولا يستطيعون اقتحامه، ولا نقبه. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي:﴾ المراد به يوم القيامة. ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ أي: مدكوكا مبسوطا مسوّى بالأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ فعند ذلك يخرج منه قوم يأجوج، وقوم مأجوج، وقد قال جل شأنه في سورة (الأنبياء): ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ..﴾. إلخ رقم [٩٦] والمراد: فتح سد يأجوج، ومأجوج. ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي: كائنا لا محالة؛ أي:\nفلا بد من قيام الساعة، وخروج يأجوج، ومأجوج من علامتها الكبرى، كما صرحت بذلك الأحاديث الشريفة، بعد هذا انظر شرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء)، وشرح (الوعد») في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد). وإلى هنا انتهى كلام ذي القرنين.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿رَحْمَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ رَبِّي:﴾ متعلقان ب: ﴿رَحْمَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء:\nحرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ وَعْدُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، و﴿وَعْدُ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، فهو مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَعَلَهُ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ والهاء مفعول به. ﴿دَكّاءَ:﴾ مفعول به ثان. وقيل: هو حال، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، وهو من مقول ذي القرنين","vol":"5","page":543},{"text":"أيضا. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص. ﴿وَعْدُ:﴾ اسم كان، وهو مضاف، و﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿حَقًّا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من مقول ذي القرنين كسابقتها، أو هي في محل نصب حال من ﴿رَبِّي،﴾ والرابط الواو، وإعادة لفظ ﴿رَبِّي﴾ وكان حقه الإضمار، فأظهره للتعظيم، والتفخيم، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2239\"></span>﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ..﴾. إلخ: هذا من قول العلي القدير، فيقول: تركنا قوم يأجوج ومأجوج منحصرين وراء السد يختلط بعضهم ببعض كموج بحر يلطم بعضه بعضا. وقيل: هذا عند قيام الساعة يدخل بعضهم في بعض لكثرتهم، ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى مدهوشين، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ لقيام الساعة. وفيه دليل واضح على أنّ خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة. ﴿فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا﴾ أي: جميع المخلوقات من إنس، وجنّ، يجمعون في صعيد واحد للحساب، والجزاء يوم القيامة.\nهذا؛ وفي قوله تعالى: يموج بعضهم... إلخ استعارة، فقد استعار الموج لهم، وهو عبارة عن حيرة الخلق، وتردد بعضهم في بعض كالمولهين لما يحيط بهم من هم، وخوف، ورعب، فشبههم بموج البحر الذي يضطرب، ويلطم بعضه بعضا. وانظر شرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل).\nأما ﴿الصُّورِ﴾ فهو قرن كهيئة البوق. قاله مجاهد، ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: ما الصّور؟ قال:\n «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود والترمذي، وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ؟!». وكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله! وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا». وربما قال: «توكلنا على الله». أخرجه الترمذي.\nوينبغي أن تعلم أن الذي ينفخ في الصور، إنما هو إسرافيل ﵇، أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى لإماتة جميع المخلوقات، والثانية لإحيائهم، وبعثهم للحساب والجزاء، خذ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ بعد هذا اذكر: أن الزمخشري-رحمه الله تعالى-قال: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج، والذهاب، مثل: نفق، ونفد، ونفث، ونفش... إلخ.","vol":"5","page":544},{"text":"الإعراب: ﴿وَتَرَكْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (تركنا): فعل، وفاعل. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وهذا التنوين عوض عن جملة محذوفة كما رأيت في شرحه. ﴿يَمُوجُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿بَعْضَهُمْ﴾.\n ﴿فِي بَعْضٍ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من بعضهم، وجملة: ﴿وَتَرَكْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَنُفِخَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ في محل نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من بعضهم، وتكون «قد» مقدرة قبلها، والرابط: الواو، والضمير في الجملة المعطوفة عليها. ﴿فَجَمَعْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿جَمْعًا:﴾ مفعول مطلق.\n\n<span id=\"aya-2240\"></span>﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ أي: أبرزناها، وأظهرناها للكافرين؛ ليشاهدوها عيانا في ذلك اليوم الطويل زمانه، العظيم شأنه. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل في هذه الآية وسابقتها لتحقق وقوع ما يحدث يوم القيامة، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة كما في الآية الأولى من سورة (النحل) وغيرها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَعَرَضْنا:﴾ فعل، وفاعل. وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. وانظر الآية السابقة، ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَرْضًا:﴾ مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَعَرَضْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2241\"></span>﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ:﴾ مغطاة بغطاء يمنعهم النظر في الحق. ﴿عَنْ ذِكْرِي:﴾ عن النظر بآياتي، فيستدلون بها على قدرتي، فيذكروني، أو عن الإيمان، والقرآن، والهدى، والبيان، ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا:﴾ لا يقدرون أن يسمعوا آياتي التي يتلوها عليهم محمد ﷺ، هذا هل كانوا عميا حقيقة، وصما حقيقة؟ لا، إنما كانت لهم أعين، ولكن لم يبصروا بها طريق الحق والرشاد، وكانت لهم آذان، ولكن لم يسمعوا بها النصح، والإرشاد، فكانوا كالأنعام بل هم أضل، وكل من تعامى عن الحق، وتصامم عن قبوله في هذه الأيام، فهو على شاكلتهم. وانظر الآية رقم [١٩] من سورة (الرعد). وانظر شرح «العين» في الآية رقم [٨٦]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"5","page":545},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ل: ﴿لِلْكافِرِينَ،﴾ أو هو بدل منه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، تقديره: أذم. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْيُنُهُمْ:﴾ اسم ﴿كانَتْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي غِطاءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَتْ﴾. ﴿عَنْ ذِكْرِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿غِطاءٍ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَكانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. ﴿سَمْعًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2242\"></span>﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: أي: أفظن الكافرون الذين يتخذون عبادي من ملائكة، ونحو عيسى، وعزير﵉أربابا، وآلهة من دوني أني لا أغضب عليهم، ولا أعاقبهم على ذلك؟! أو المعنى: أفظنوا أن ينفعهم ذلك؟! لا بل إنّ من عبدوه من دوني يتبرأ منهم يوم القيامة، ويصير خصمهم. ﴿إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أي: هيأنا، وأعددنا جهنم ضيافة، وإكراما للكافرين الذين عبدوا غير الله تعالى. قال تعالى في سورة (الواقعة) بعد أن ذكر ما أعد لهم في جهنم من العذاب الأليم: ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ هذا؛ و(النزل) ما يقام للضيف من إكرام وحفاوة، وفيه تهكم بالكافرين، ومثله قول أبي السعد الضبي: [الطويل]\nوكنا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا\nوشتان ما بين نزل الكفار، ونزل الأبرار المذكور في الآية رقم [١٩٨] من سورة (آل عمران)، ونزل المؤمنين الذين يعملون الصالحات المذكور في الآية رقم [١٠٧] الآتية ألا فليعتبر المعتبرون، فاعتبروا يا أولي الأبصار!.\nالإعراب: ﴿أَفَحَسِبَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. وانظر ﴿أَفَمَنْ﴾ ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (النحل) تجد ما يسرك. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.\n (حسب): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب.\n ﴿يَتَّخِذُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله،","vol":"5","page":546},{"text":"والألف للتفريق. ﴿عِبادِي:﴾ مفعول به أول منصوب. ﴿مِنْ دُونِي:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلِياءَ؛﴾ لأنه جمع ولي، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩٣] وعلامة النصب في الأول، وعلامة الجر في الثاني: فتحة، أو كسرة مقدرتان على ما قبل ياء المتكلم على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩٨] والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ إلخ في محل نصب مفعول به أول للفعل: (حسب)، والثاني: محذوف، تقديره: أظنوا أن الاتخاذ المذكور نافعهم؟! أو لا أعذبهم عليه، ونحو ذلك. هذا؛ واعتبر السمين، وأبو البقاء المصدر سادا مسد المفعولين، ولا تقدير. هذا؛ ويقرأ:\n ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ..﴾. إلخ على أنه مبتدأ، فيكون المصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ في محل رفع خبر، ويكون المعنى: أفكافيهم في النجاة اتخاذهم... إلخ، والكلام معطوف على مقدر، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها.\n ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به للكافرين متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُزُلًا﴾ كان صفة له.. إلخ ﴿نُزُلًا:﴾ مفعول به ثان، ولم أر هذا الفعل قد نصب مفعولين في غير هذه الآية.\nوقيل: إن نزلا حال، والمعنى لا يؤيده، وجملة: ﴿أَعْتَدْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2243\"></span>﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣)﴾\nالشرح: يقول الله تعالى لمحمد ﷺ قل لهؤلاء الكفرة الفجرة الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به ثوابا، فنالوا هلاكا وخسارا. قال ابن عباس﵄هم اليهود، والنصارى.\nوقيل: هم الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع، وهم الرهبان. وقال علي بن أبي طالب﵁-: هم الخوارج، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر شرح «نبأهم» في الآية رقم [١٣].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿نُنَبِّئُكُمْ:﴾\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، ﴿بِالْأَخْسَرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿أَعْمالًا:﴾ تمييز، وإنما جمع، والقياس: الإفراد؛ لتنوع الأهواء، أو؛ لأنه من أسماء الفاعلين، وجملة: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2244\"></span>﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: الذين ضاع عملهم الذي يعملونه في هذه الدنيا، وذهب أدراج الرياح، فلا يجدون له نفعا في الآخرة، وهم يحسبون: أنهم... إلخ:","vol":"5","page":547},{"text":"وهم يظنون: أن عملهم حسن وجيد مقبول عند الله تعالى. هذا؛ وانظر شرح: ﴿ضَلَّ﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل)، وشرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [١٠٧] منها. وانظر (حسب) في الآية رقم [٩].\nوانظر أعمال الكافرين في الآية رقم [٥٤] من سورة (التوبة) والآية [١٥] من سورة (هود) ﵇، وما ذكرته في الآية رقم [٣٩] من سورة (النور)، وقد جمع ما ذكرته في السورتين المذكورتين. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ هو مثل الآية رقم [١٠١]. ﴿ضَلَّ:﴾ ماض. ﴿سَعْيُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال، التقدير: حالة كونهم في الحياة. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿ضَلَّ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يَحْسَبُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿يُحْسِنُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿صُنْعًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَحْسَبُونَ،﴾ وجملة:\n ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (هم..) إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وقد جاءت الحال من المضاف إليه، انظر الآية رقم [١٢٣] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n\n<span id=\"aya-2245\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى الذين ضل سعيهم... إلخ، ﴿كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ﴾ أي: جحدوا دلائل توحيده، وقدرته، وكفروا بالبعث، والثواب، والعقاب، وذلك؛ لأنهم كفروا بالنبي ﷺ وبالقرآن، فصاروا كافرين بهذه الأشياء. ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:﴾ بطلت أعمالهم الصالحة كصدقة، وصلة رحم، ونحو ذلك، فلا يجدون لها أجرا، وثوابا في الآخرة، بسبب كفرهم المذكور. ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ أي: لا ننصب ميزانا لأعمالهم؛ لأنها لا قيمة لها، ولا اعتبار. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ والميزان ينصب لحسنات المؤمنين وسيئاتهم.\nقال أبو سعيد الخدري﵁-: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة، هي عندهم من العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها؛ لم تزن شيئا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾","vol":"5","page":548},{"text":"وقيل: المعنى: نزدري بهم، ونحتقرهم، فليس لهم عندنا حظّ، ولا قدر، ولا وزن، فعن أبي هريرة﵁عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «إنّه ليأتي الرّجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا» متفق عليه.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلف المطاعم، والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الحاجة المبتغى به الترفه، والسمن، وقد قال ﷺ: «إنّ أبغض الرّجال إلى الله تعالى الحبر السّمين». ومن حديث عمران بن حصين﵁عن النبي ﷺ قال: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم-قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة؟ -ثمّ إنّ من بعدكم قوما يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون، ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن».\nأخرجه البخاري ومسلم.\nوهذا ذم، وسبب ذلك: أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل، والشره، والدّعة، والراحة، والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به، وقد ذم الله الكفار بكثرة الأكل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله، وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان، والقيام بوظائف الإسلام؟! ومن كثر أكله، وشربه كثر نهمه، وحرصه، وزاد بالليل كسله، ونومه، فكان نهاره هائما، وليله نائما. انتهى. هذا؛ وقد ذكرت في الآية رقم [٣١] من سورة (الأعراف) أضرار كثرة الأكل، والشراب. وانظر وزن الأعمال، والميزان في الآية رقم [٨] منها أيضا. هذا؛ وإعلال ﴿نُقِيمُ﴾ مثل إعلال: ﴿مُقِيمَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (إبراهيم) ﵇. هذا؛ وقد قرئ: «(يقيم)» على أنّ الفاعل هو الله، وقرئ: «(يقوم)» على أنّ الفاعل (وزن)، وبه قرأ مجاهد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\nفائدة، وهدية لك: ضحك الصحابة لما رأوا ساق عبد الله بن مسعود﵁- دقيقة نحيفة، وهو يصعد نخلة، فقال حبيب الحق، وسيد الخلق ﷺ: «تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض؟». وفي رواية: «تعجبون من ساق ابن مسعود؟! إنها في الميزان أثقل من جبل أحد!». فدل هذا على أنّ الأشخاص توزن يوم القيامة، كما يحتمل التمثيل والتشبيه، والله أعلم بحقيقة ذلك.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه فيه بعيد، وجملة:","vol":"5","page":549},{"text":"﴿كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلِقائِهِ:﴾ معطوف على (آيات) والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿فَحَبِطَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿نُقِيمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿وَزْنًا،﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٩٤] ﴿وَزْنًا:﴾\nمفعول به هذا؛ وقد قال أبو البقاء: تمييز، أو حال، ولا وجه له؛ لأن الفعل توصل إليه بهمزة التعدية؛ لأن ماضيه: أقام. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2246\"></span>﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ترك وزنهم، أو وزن أعمالهم، واحتقارهم، واستحقوا جهنم بسبب كفرهم، وعتوهم، وعنادهم، واتخاذهم آياتي التي أنزلتها على رسلي سخرية، واستهزاء، واستخفافا. هذا؛ وانظر شرح ﴿جَهَنَّمُ،﴾ ودركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر)، وشرح: ﴿آياتِي﴾ في الآية رقم [١] منها، وشرح: ﴿هُزُوًا﴾ في الآية رقم [٥٦] وشرح (الكفر) في الآية رقم [٢٧] من سورة (النحل).\nالإعراب: في إعراب هذه الآية أربعة، أوجه ذكرها السمين، وأبو البقاء: أحدها: أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، و﴿جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ جملة برأسها. الثاني: أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ أول، وجزاؤهم مبتدأ ثان، وجهنم خبره، وهو وخبره خبر الأول، والعائد محذوف؛ أي: جزاؤهم به. الثالث: أنّ ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ؛ ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ بدل، أو عطف بيان، و﴿جَهَنَّمُ﴾ خبره. الرابع أن يكون ذلك مبتدأ أيضا، وجزاؤهم خبره، وجهنم بدل، أو بيان، أو خبر مبتدأ محذوف. انتهى. جمل. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله مستتر يعود إلى العذاب المذكور. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر جزاؤهم، ومنعه السمين للفصل ب: ﴿جَهَنَّمُ﴾ ورد بأن الخبر من معمولات المبتدأ، فليس أجنبيا عنه. انتهى.\nجمل. قال أبو البقاء: متعلقان بخبر ﴿ذلِكَ﴾ وهذا يكون على أحد الوجوه المعتبرة فيه.\n ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، انظر الشرح لتأويل الكلام بمصادر. وقيل: الجملة مستأنفة، لا محل لها، والأول: أصح معنى وأقوى سبكا. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به أول. ﴿وَرُسُلِي:﴾ معطوف عليه، وعلامة النصب فيهما فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿هُزُوًا:﴾ مفعول به ثان.","vol":"5","page":550},{"text":"<span id=\"aya-2247\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ:﴾ انظر شرح (الجنات) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد).\nوانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ففيها ذكر الجنان السبع. هذا؛ وجنة الفردوس قال قتادة: الفردوس: ربوة في الجنة، وأوسطها، وأعلاها، وأفضلها وأرفعها؛ أي: فأوسطها بالنسبة للمكان، وأعلاها باعتبار الدرجات والقصورة، وأفضلها بالنسبة للنعيم الموجود فيها، وأرفعها بالنسبة لمقامها، ومكانتها. قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. وقال النبي ﷺ: «إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنّة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجّر أنهار الجنة». انتهى. من حديث طويل أخرجه البخاري عن أبي هريرة -﵁-.\nهذا؛ وقيل: الفردوس هو البستان الذي فيه الأعناب. وقيل: هي الجنة الملتفة بالأشجار التي تنبت ضروبا من النبات على اختلاف أنواعها، وهو أجود. واختلف فيه، فقيل: هو عربي.\nوقيل: هو رومي. وقيل: هو فارسي. وقيل: سرياني، وأقول: إنه صار عربيا لاستعمال القرآن له، كما رأيت في ألفاظ كثيرة، انظر الآية رقم [٢] و[٢٣] من سورة (يوسف) على حبيبنا، ونبينا وعليه، وآبائه، وأجداده ألف صلاة، وألف سلام تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ ولم يذكر لفظ ﴿الْفِرْدَوْسِ﴾ في غير هذه الآية، والآية رقم [١١] من سورة (المؤمنون). وقال حسان بن ثابت -﵁-: [الطويل]\nوإنّ ثواب الله كلّ موحّد... جنان من الفردوس فيها يخلّد\nهذا؛ وفردوس اسم روضة في بلاد اليمامة. قال الشاعر، وهو مضرس بن ربعي الأسدي: [الطويل]\nوقلن على الفردوس أوّل مشرب... أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره\nوقال أمية بن أبي الصلت، وقد جمع الفردوس: [البسيط]\nكانت منازلهم إذ ذاك آهلة... فيها الفراديس والفومان والبصل\nهذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ: «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل، كما رأيت في الآية","vol":"5","page":551},{"text":"رقم [١٠٣] ويسمى مثل هذا في علم البديع احتراسا. وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (النحل).\nهذا؛ وانظر شرح (نزلا) في الآية رقم [١٠٢].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم وهو صفة لمحذوف، التقدير: الأعمال الصالحات. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بكانت، أو بمحذوف حال من ﴿نُزُلًا﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩٤] ﴿جَنّاتُ:﴾ اسم (كان)، و﴿جَنّاتُ:﴾ مضاف، و﴿الْفِرْدَوْسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿نُزُلًا:﴾ خبر (كان). هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها، واعتبار ﴿نُزُلًا﴾ حالا من ﴿جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ والأول: أقوى، وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2248\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي: الذين آمنوا، وعملوا الصالحات مخلدون في جنات الفردوس، مقيمون لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يخرجون منها. ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا:﴾ لا يطلبون تحولا منها إلى غيرها، كما ينتقل الرجل من دار إلى أخرى إذا لم توافقه. هذا؛ و(الحول): مصدر سماعي ل: «تحول». وفي السمين: والحول: قيل: مصدر بمعنى: التحول، يقال: حال عن مكانه حولا، فهو مصدر كالعوج، والصّغر. انتهى. جمل. هذا؛ ومعنى ﴿كانَتْ لَهُمْ﴾ أي: في علم الله تعالى الأزلي، فإنه علم علما أزليا أنهم يعملون الصالحات مقرونة بالإيمان الصحيح، فقدرها لهم.\nالإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدرة من الضمير المجرور باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ متعلقان به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَبْغُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، الواو فاعله، ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿حِوَلًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ فهي حال متداخلة، أو هي حال أخرى تفيد توكيد الخلود. هذا؛ والحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام:\nحال مقارنة، وهي الغالبة نحو قوله تعالى: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. وحال محكية، وهي الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا.","vol":"5","page":552},{"text":"<span id=\"aya-2249\"></span>﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. قال ابن عباس﵄-: قالت اليهود:\nيا محمد! تزعم أننا قد، أوتينا الحكمة، وفي كتابك: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ثم تقول: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾. فأنزل الله تعالى هذه الآية. هذا؛ و(المداد): الحبر الذي يستعمل للكتابة، و﴿(لِكَلِماتِ رَبِّي):﴾ المراد بها: علمه وحكمه. وقيل:\nمواعظه. وقيل: معلوماته. وقيل: عنى بها الكلام القديم الذي لا غاية له، ولا منتهى، وهو وإن كان واحدا، فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فرائد الكلمات، ولأنه ينوب منابها، فجاءت العبارة عنها بصيغة الجمع تفخيما. قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ﴾ و﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وغير ذلك كثير. ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا:﴾ عددا، وزيادة، وعليه فالمدد غير المداد، وهو الصحيح.\nالمعنى: لو كان الخلائق يكتبون، وماء البحر حبرا يستعملونه في الكتابة لإحصاء كلمات الله؛ لفني البحر، ولم تفن كلمات الله، ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته مددا وزيادة؛ لنفد كذلك، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾. انظر شرحها هناك. والآيتان نزلتا بسبب واحد.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿الْبَحْرُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿مِدادًا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لِكَلِماتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿مِدادًا،﴾ و(كلمات): مضاف، و﴿رَبِّي:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَنَفِدَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (نفد): ماض. ﴿الْبَحْرُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَنْفَدَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه، التقدير: قبل نفاد الكلمات.. إلخ، ﴿لِكَلِماتِ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه... إلخ، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ لَوْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، و﴿وَلَوْ جِئْنا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير لنفد البحر ومثله معه. ﴿مَدَدًا:﴾ تمييز.","vol":"5","page":553},{"text":"<span id=\"aya-2250\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا..﴾. إلخ: قال: ابن عباس﵄علّم الله تعالى رسوله محمدا ﷺ التواضع لئلا يزهى على خلقه، فأمره أن يقر، فيقول: أنا آدمي مثلكم، إلا أني خصصت بالوحي، وأكرمني الله به، ولا أعلم إلا ما يعلمني الله تعالى. ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ:﴾\nلا شريك له في ملكه، ولا مناوئ له في سلطانه. ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ أي: يرجو رؤيته، وثوابه، ويخشى عقابه. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ أي: من حصل له رجاء لقاء الله تعالى، وأيقن: أنه راجع إليه فليستعمل نفسه في العمل الصالح.\n ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: لا يرائي بعمله أحدا من الناس، فعن عبد الله بن عباس -﵄قال: قال رجل: يا رسول الله إني أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ..﴾. إلخ. رواه الحاكم، والبيهقي. قال الماوردي: قال جميع أهل التأويل: إن المراد بالآية النهي عن الرياء، كيف لا؟ وأحاديث الرسول ﷺ تصرح بأن الرياء شرك.\nفعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله ﵎ يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشّرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري؛ تركته؛ وشركه». أخرجه مسلم. ولغير مسلم: فأنا منه بريء هو والذي عمله. وعن سعيد بن أبي فضالة﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الناس ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان يشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه منه، فإنّ الله أغنى الشّركاء عن الشّرك». أخرجه الترمذي، وابن ماجة.\nوعن شداد بن أوس﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي فقد أشرك، ومن صلّى يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك». رواه البيهقي. هذا؛ وهناك أحاديث كثيرة في كتاب «الترغيب والترهيب» في هذا الباب، انظرها فيه إن شئت.\nبعد هذا؛ وردت أحاديث ترغب في حفظ سورة (الكهف)، وقراءتها، في جميع الأوقات، وفي يوم الجمعة وليلتها يسن قراءتها بوجه خاص، وروي: أن رجلا قال لابن عباس﵄-: إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل، فيغلبني النوم، فقال: إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل؛ فاقرأ إذا أخذت مضجعك: ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي..﴾. إلخ: إلى آخر السورة. فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل. انتهى. قرطبي. قلت: وهو مجرب، والحمد لله! وانظر ما ذكرته في أول السورة.","vol":"5","page":554},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة بشر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿يُوحى:﴾\nمضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان به. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿إِلهُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبر، ﴿واحِدٌ:﴾ صفة. هذا؛ والكلام: ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل، ﴿يُوحى﴾. هذا؛ وكف (أنّ) بما عن العمل لا يخرجها عن المصدرية، وجملة:\n ﴿يُوحى..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر، وجملة:\n ﴿يَرْجُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿فَلْيَعْمَلْ:﴾ الفاء: واقعة في الشرط. واللام: لام الأمر، و(يعمل): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى من. ﴿عَمَلًا:﴾ مفعول به.\n ﴿صالِحًا:﴾ صفته. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٨٨] فهو مثله بلا فارق، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا يُشْرِكْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِعِبادَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدًا﴾ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٩٤] ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَلْيَعْمَلْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.\nخاتمة: لقد ذكر الرحالة المصري محمد ثابت في كتابه: (جولة في ربوع آسيا) عن السد المذكور في هذه السورة ما يلي:\nالسور الأعظم (سدّ يأجوج ومأجوج) لقد تحقق حلم كنت أتمناه طوال السنين، وهو أن تتاح لي الفرصة لزيارة سور الصين، أحد عجائب الدنيا، وكاد يغلب اليأس الرجاء منه، لما أن رفضت جميع شركات السياحة هناك القيام بأية رحلة إليه؛ لأن طريقه أضحى غير مأمون، وكانوا ينصحونني ألاّ أذهب خشية اللصوص، الذين اختطفوا سيارة بمن فيها من الأمريكان، ولم يمض على الحادث أسبوعان.\nلبثت حائرا. ثم اعتزمت الذهاب مهما كلفني ذلك، وقد وقفت إلى زميل ألماني في النّزل، هو مدرس بمدرسة خربين، حدثته عن السور، فرغب في زيارته، ركبنا قطار الضواحي الصغير زهاء ثلاث ساعات، وبعد أن اجتزنا محطة نانكاو الهامة، أخذ القطار يعلو في جبال معقدة، تكسوها الخضرة، واخترق بعض الأنفاق، حتى باغتنا السور، وكأنه إفريز، يطوق الجبال، ويتبعها علوا وانخفاضا إلى الآفاق.","vol":"5","page":555},{"text":"حللنا محطة السور الأعظم، وهناك أقلّتنا الحمير، وسارت بنا في واد كأنه وادي الملوك، صخوره نارية، وحره قائظ، أدى بنا إلى السور، فاعتليناه، فبدت روعته في تغضنه، وامتداده، إلى الآفاق، وهو يتلوّى كالأفعى، وقد لبثت أسير فوقه ساعتين، والذكريات التاريخية المجيدة تمر بالخاطر، فتكبر القوم تارة، وتحط من قدرهم أخرى؛ إذ كان يتجلّى جبروت الإنسان، وبطشه بأخيه الإنسان، وتسخيره فيما لا ينفع.\nوقد قرر الخبيرون: أن السور أضخم عمل أنجزته يد الإنسان، يفوق الهرم، وحدائق بابل المعلقة، وهو يطوق الصين من الشمال مبتدئا من البحر (عند شاي هاي كواي على خليج لياوتونج) إلى ممر كيايو في التيبت، وطوله في استقامة ١٢٥٥ ميلا، وبتعرجاته، وشعابه ١٥٠٠ وعلوه يتراوح بين ١٥ - ٣٠ قدما، وعرضه في أعلاه ١٥ وفي أسفله ٢٥ به ٢٥ ألف برج حربي، و١٥ ألف برج للحراسة، وكأن الصين قد اختصت في بناء الأسوار حتى قال بعضهم: إننا لو جمعنا أسوارهم كلها لطوقنا الكرة الأرضية.\nأمر بإقامته الإمبراطور (شي هوانج تي) الذي اعتلى الملك سنة ٢٢١ قبل الميلاد، ومحا نظام الإقطاع، وقسم البلاد إلى مديريات، وكان كلفا بالمباني الضخمة، من بينها قصره الذي وسعت ردهته عشرة آلاف نفس، رأى هذا العاهل مناما أنذره أن الخطر مقبل من الشمال، وقد أيد التاريخ ذلك، فإن كل ما قاسته الصين من المغيرين جاء من تلك الناحية، فأرغم من الناس ثلث الرجال القادرين في الصين كلها، وكثيرا ما عاقب العلماء، وألزمهم بالعمل في السور؛ لأنهم ناوءوه. وقيل: إنه أحرق كتب العلم، وفلسفة كنفوشيوس لما أن رأى الناس يجلونها، ويكبرون العلماء أكثر من إكبارهم للبراطرة.\nويطلق القوم على السور أحيانا اسم (أطول مقابر الدنيا) لكثرة من ماتوا في بنائه، ولم يتم بناء السور إلا في عهد ليوبانج من أسرة هان، وفي عهد أسر منج دعم السور، وزيد في طوابيه، ولعظيم هذا العمل أحاطه الناس في جميع العصور بخرافات، لا تزال عالقة بالأذهان، منها: أن الإمبراطور كان ساحرا ماهرا، وكان يمتطي جوادا سماويا اختط طريقه، وكان له سوط سحري، استطاع به أن يزيل الجبال، وينظم صرف مياه الهوانج هو، وكان يستخدم مردة الجن في جلب الأحجار، ويخال البعض أن كنوز البراطرة دفنت بين طياته، والكثير يعتقد: أن السور أقيم سدا في وجه الجن، لا الآدميين ويؤيدون ذلك بكثرة المعبودات البشعة، التي توضع على منافذ السور كلها، وممّا أثار دهشتي: أن السور يختط، أوعر المسالك؛ إذ يسلك الجبال، والربى العاتية، وهذا يتطلب مجهود الجبابرة.\nوقال البعض: إن الأبراج كانت تقام أولا، ثم يوصل ما بينهما، وعند ممر نانكاو، الذي وقفنا قبالته، كان يعلو السور فوق مستوى البحر بنحو أربعة آلاف قدم وفي البقاع التي كانت","vol":"5","page":556},{"text":"تتهددها الرمال، أقاموا سلسلة من أسوار خارج بعضها، وفي امتداده هذا غالب ثلاث صعوبات: الجبال الشاهقة، والصحارى الرملية المجدبة، وطبقات الأرض الهشة (اللويس).\nوالعجيب: أني لما زرت مقبرة هذا الإمبراطور في مدافن أسرة منج رأيت الناس يقذفونها بالحجارة، فخلتهم يذكرونه بانتصاره على الصخور، التي أقام بها سوره العظيم، على أني علمت أنهم يأتون ذلك حطا من شأنه، واحتقارا له؛ لأنه امتهن تقاليد أجداده، وأهان العلم، وأهله حتى إنهم لم يلقبوه بباني السد، بل بمبيد الكتب العلمية، ويذهل المرء كيف استطاع الإمبراطور أن يزود السور بالجنود لحراسته، على طول امتداده، ومن العجيب: أنه لم يغن عنهم في الدفاع فتيلا؛ إذ اخترقه جنكيز خان سنة ١٩١٢، وكذلك لم يرد غارات المانشو بعد ذلك، ولا يعزو القوم ذلك إلى ضعف في السور نفسه، بل إلى خمود الروح العسكرية بين أفراد شعوب الصين الزراعية، على أني لما ألقيت على السور نظرة الوداع مرّ بخاطري مظهر الهرم الأكبر، فبدا السور بجانبه ضئيلا، لم يشعرني بالرهبة، والذهول التي يوحيها هرمنا. انتهى بحروفه.\nممّا تقدم يلاحظ أنّ الرحالة أهمل ذكر السد في القرآن الكريم، وأنّ جعله دكّاء إنما هو من علامات الساعة الكبرى، بل هو من مقدماتها، وأنه استبدل اسم ذي القرنين الرجل الصالح، المختلف في نبوته المؤيد من ربه، الموفق في أعماله باسم الإمبراطور (شي هوانج تي) واستبدل زهده، وورعه، وتقواه بكلفه في المباني الضخمة، من بينها قصره الذي وسعت ردهته عشرة آلاف نفس، واستبدل التماس الناس المجاورين لقوم يأجوج ومأجوج منه إقامة السد بقهر الناس وظلمهم، واستعمالهم بالسد ظلما، وعدوانا، حتى أطلق على السد اسم (أطول مقابر الدنيا) لكثرة من ماتوا في بنائه.\nواستبدل حبه للعلم، وتعظيمه للعلماء بحرق كتب العلم، وفلسفة كنفوشيوس، ومعاقبته للعلماء، وإهانة العلم وأهله، حتى إن الناس لم يلقبوه بباني السد، بل بمبيد الكتب العلمية، واستبدل إتمامه للسد، وقوله: ﴿هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ بأن بناءه لم يتم إلا في عهد ليوبانج من أسرة هان، وفي عهد أسرة منج دعم السور، وزيد في طوابيه (سبحانك ربي هذا بهتان عظيم) ولولا كلمته في أول مقاله (سد يأجوج ومأجوج) ما أخذت عليه هذه الملاحظات واعتبرت مقاله عن سد غير سد ذي القرنين، واعتبرت سد ذي القرنين لا يزال في العالم المجهول، وفي علم الله الواحد الأحد، استجابة لقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ رقم [٩٦] من سورة (الأنبياء)، وقوله تعالى حكاية عن قول ذي القرنين في هذه السورة: ﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.\nولعل الرحالة لم يؤمن بما في القرآن، ولم يعتقد بيوم القيامة، وما يسبقه من علامات، بل ومن مقدمات، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبي ونعم الوكيل، عليه","vol":"5","page":557},{"text":"توكلت، وإليه أنيب، والسّلام على من اتبع الهدى، وجانب العصيان والرّدى، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.\nانتهت سورة (الكهف) شرحا وإعرابا\nبحمد الله، وتوفيقه.\n**","vol":"5","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2212>سورة مريم</span>\nوهي مكية بالإجماع. وقيل: إلا آية السجدة والتي بعدها، فهما مدنيتان، وهي ثمان وتسعون آية، وثمانون وسبعمائة كلمة، وثلاثة آلاف، وسبعمائة حرف. انتهى خازن. هذا؛ وانظر شرح البسملة، والاستعاذة، وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه، وعلى نسبه الشريف الكريم، ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-2251\"></span>﴿كهيعص (١)﴾\nانظر الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. وأذكر هنا: أن ابن عباس﵄قال في هذا اللفظ: إن الكاف من: كاف، والهاء من: هاد، والياء من: حكيم، والعين من: عليم، والصاد من: صادق. وقيل: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بهم، صادق في وعده. وقال ابن عباس أيضا: هو اسم من أسماء الله. وقيل: هو اسم للقرآن. وقيل: اسم للسورة. وقيل: هو قسم أقسم الله تعالى به. هذا؛ وفيه قراءات كثيرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n<span id=\"aya-2252\"></span>﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا (٢)﴾\nالشرح: المعنى: هذا الذي نتلوه عليك يا محمد ذكر رحمة ربك... إلخ؛ أي: ما رحم الله به زكريا عبده. وانظر شرح: ﴿عَبْدَهُ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿ذِكْرُ:﴾ قال السمين: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فيما يتلى عليكم ذكر. الثاني: أنه خبر محذوف المبتدأ، تقديره: المتلو ذكر، أو هذا ذكر، الثالث: أنه خبر الحروف المقطعة، وهو قول يحيى بن زياد، وهو الملقب بالفراء. قال أبو البقاء: وفيه بعد؛ لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى، وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها، و﴿ذِكْرُ:﴾ مضاف، و﴿رَحْمَتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ أي: ذكر الله رحمة عبده زكريا، و﴿رَحْمَتِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله عبده، والهاء في محل جر بالإضافة.","vol":"5","page":559},{"text":"﴿زَكَرِيّا:﴾ بدل من ﴿عَبْدَهُ،﴾ أو عطف بيان عليه، منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n\n<span id=\"aya-2253\"></span>﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ نادى﴾ أي: دعا زكريا ربه دعاء خفيا؛ أي: في السر، وإنما أخفى دعاءه؛ لأن الإخفاء والجهر عند الله سيان، والإخفاء أشد إخباتا، وأكثر إخلاصا. قال تعالى: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ انظر الآية رقم [٥٥] من سورة (الأعراف) أو أخفى دعاءه لئلا يلام على طلب الولد مع كبر السن، أو لئلا يطلع عليه مواليه، الذين خافهم، أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته. واختلف في سنه حينئذ، فقيل: خمس وسبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: تسع وتسعون. وقيل: غير ذلك. وقال الجلال: كان له مائة وعشرون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿رَحْمَتِ﴾ وأجيز تعليقه ب: ﴿ذِكْرُ﴾. وقيل: هو بدل اشتمال من ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿نادى:﴾\nماض، والفاعل يعود إلى ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿نِداءً:﴾ مفعول مطلق. ﴿خَفِيًّا﴾ صفة له، وجملة: ﴿نادى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n<span id=\"aya-2254\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي:﴾ ضعف عظمي، ورق، وإنما ذكر العظم وحده؛ لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن؛ تداعى، وتساقط سائر قوته، ولأنه أشد ما فيه، وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه، أوهن، ووحّده؛ لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، والمراد: أن هذا الجنس الذي هو العمود، والقوام، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، والضعف، ووهن، يهن من باب: وعد، فهو واهن في الأمر، والعمل، والبدن، ووهنته: أضعفته، يتعدى، ولا يتعدى في لغة فهو موهون البدن، والعظم، والأجود: أنه يتعدى بالهمزة، فيقال: أوهنته.\n ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا:﴾ هذا من أحسن الاستعارة وأجملها في كلام العرب، فقد شبه الشيب في بياضه، وإنارته بشواظ من نار، وانتشاره، وفشوه في الشعر باشتعالها، ثم أخرج مخرج الاستعارة، وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة، ولا ترى كلاما","vol":"5","page":560},{"text":"أفصح من هذا، ألا ترى: أن أصل الكلام: يا رب قد شخت؛ إذ الشيخوخة تشتمل على ضعف البدن، وشيب الرأس المتعرض لهما.\nهذا؛ والشيب، والشيبة: بياض الشعر، والمشيب عبارة عن الحيوان في زمان تكون قوته فيه غير غريزية، أما الشباب فهو الزمن الذي تكون فيه حرارة الحيوان الغريزية مشبوبة؛ أي: قوية مشتعلة. هذا قول الأصمعي. وقال الجوهري: الشيب، والمشيب بمعنى: واحد.\n ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: عودتني الإجابة فيما مضى، وأرجو أن لا تخيبني هذه المرة، يقال: سعد فلان بحاجته: إذا ظفر لها، وشقي إذا خاب ولم ينلها، ومن حق الكريم أن لا يخيب رجاء من قصده، وأنت يا الله أكرم الأكرمين. هذا؛ وقد كرر لفظ (رب) لمزيد التأكيد، والإلحاح في الطلب، والله يحب الملحّين في الدعاء على عكس ابن آدم الذي يغضب، إن سئل مرة بعد مرة، ورحم الله من يقول: [الكامل]\nلا تسألنّ بنيّ آدم حاجة... وسل الذي أبوابه لا تحجب\nالله يغضب إن تركت سؤاله... وبنيّ آدم حين تسأل يغضب\nتنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد؛ فمعناه: تعال يا زيد! أدعوك يا زيد! فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن، والكلام في نداء الرب لذلك المعنى. هذا؛ وانظر الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء) لشرحه، واشتقاقه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿زَكَرِيّا﴾ ﵇. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، وفيه لغات، فمنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا ربّا، ومنهم من يقول: يا ربّ بضم الباء، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الباء، دليلا عليها، فيقول: يا ربّ. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿وَهَنَ:﴾ ماض. ﴿الْعَظْمُ:﴾\nفاعله. ﴿مِنِّي:﴾ متعلقان بمحذوف حال من العظم، وجملة: ﴿وَهَنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَاشْتَعَلَ:﴾ ماض. ﴿الرَّأْسُ:﴾ فاعله. ﴿شَيْبًا:﴾ تمييز نسبة. وقيل: هو مفعول مطلق","vol":"5","page":561},{"text":"من معنى (اشتعل)؛ لأن معناه: شاب. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، والمعتمد الأول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِدُعائِكَ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿شَقِيًّا﴾ بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿شَقِيًّا:﴾ خبر ﴿أَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، واعتبارها حالا من ياء المتكلم يؤيده المعنى، والرابط: الواو، والضمير.\nهذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وبعضهم يعتبرها تفسيرا للنداء، ولا بأس به.\n\n<span id=\"aya-2255\"></span>﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ أي: من بعدي، وأراد بالموالي: بني عمه، وأقاربه الذين يلونه في النسب، والعرب تسمي بني العم: موالي. قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: [البسيط]\nمهلا بني عمّنا، مهلا موالينا... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا\nقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: خاف أن يرثوا ماله، وأن ترثه الكلالة، فأشفق أن يرثه غير الولد. وقالت طائفة: كان بنو عمه أشرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته، ويبدلوا عليهم دينهم، وقرئ: «(خفّت الموالي من ورائي)» بمعنى: قلّوا، وعجزوا عن إقامة الدين. وهي قراءة شاذة بعيدة جدا، حتى قيل: إنها لا تجوز. ﴿وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا﴾ أي:\nلا تلد لكبر سنها، والعاقر أيضا: التي لا تلد من غير كبر. وهو مشتق من العقر، وهو القطع لقطعه النسل، وكذلك العاقر من الرجال الذي لا يلد، ومنه قول عامر بن الطفيل: [الطويل]\nلبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا... جبانا، فما عذري لدى كلّ محضر\nوهي من النوق التي لا تلد أيضا. قال لبيد﵁-: [الكامل]\nأدعو بهنّ لعاقر أو مطفل... بذلت لجيران الجميع لحامها\nأراد بالعاقر: الناقة التي لا تلد، وبمطفل: الناقة التي لها ولد. ولم تلحق الهاء عاقر؛ لأنها إنما تلحق للفرق بين المذكر، والمؤنث، فما لا يكون للمذكر لا حاجة فيه إلى علامة التأنيث، مثل حائض، وحامل، وطالق، ومرضع، فإن أتي بها، فإنما هو على الأصل. هذا قول أهل الكوفة. وقال أهل البصرة: هذا غير مستمر لأن العرب تقول: رجل أيم، وامرأة أيم، ورجل","vol":"5","page":562},{"text":"عانس وامرأة عانس مع الاشتراك. وقالوا: امرأة مصبية، وكلبة مجرية مع الاختصاص. قالوا:\nوالصواب أن يقال: إن قولهم: حامل، وطالق، وحائض، ونحوها، أوصاف مذكرة، وصف بها الإناث، كما أن الربعة، والراوية، والخجأة، أوصاف مؤنثة وصف بها الذكور. انتهى. مختار الصحاح. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (الحج).\n ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا:﴾ فيه سؤال، ودعاء؛ أي: امنحني ولدا صالحا مرضيا من فضلك، وكرمك، وجودك هذا؛ و﴿الْمَوالِيَ﴾ جمع: مولى. وانظر شرحه في الآية رقم [٧٦] من سورة (النحل). وانظر شرح (وراء) في الآية رقم [٧٩] من سورة (الكهف). وانظر شرح:\n ﴿وَلِيًّا﴾ في الآية رقم [٦٣] من سورة (النحل)، وشرح ﴿لَدُنْكَ﴾ في الآية رقم [٨٠] من سورة (الإسراء)، أما ﴿خِفْتُ﴾ فأصله: خوفت، فاستثقلت الكسرة على الواو لثقلها، ثم قلبت فتحة الخاء كسرة لتدل على حركة المحذوف، ولو كانت الحركة دليلا على المحذوف لكانت ضمة.\nالإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها، وجملة:\n ﴿خِفْتُ الْمَوالِيَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِنْ وَرائِي:﴾ متعلقان بما تضمنه (الموالي) من معنى الفعل، فإن المعنى: الذين يلون الأمر من بعدي، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الموالي، أو هما متعلقان بمحذوف، التقدير: خفت فعل الموالي، أو جورهم من ورائي، وهو أصح معنى. تأمل.\n ﴿وَكانَتِ:﴾ الواو: واو الحال. ﴿وَكانَتِ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿اِمْرَأَتِي:﴾ اسم كان مرفوع.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، ﴿عاقِرًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَهَبْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط جازم مقدر. (هب): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمَوالِيَ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَلِيًّا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ولدن مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿وَلِيًّا:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿فَهَبْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك متوقعا؛ فهب... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2256\"></span>﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾\nالشرح: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ..﴾. إلخ: لقد اختلف في هذا الميراث، فالمعتمد: أنه ميراث العلم، والحكمة؛ لأن الأنبياء لا تورث، وأن زكريا﵊أراد وراثة العلم، والنبوة","vol":"5","page":563},{"text":"لا وراثة المال، لما ثبت عن حبيبنا وشفيعنا ﷺ: أنه قال: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة». هذا؛ ومن قول النبي ﷺ: «وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا، ولا درهما إنّما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث أبي الدرداء﵁-، وهو طويل.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ فإن سليمان لم يرث من داود مالا خلفه بعده، وإنما ورث منه العلم، والحكمة. هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن، وكل قول يخالف قول النبي ﷺ فهو مدفوع مهجور، بل ويضرب به عرض الحائط.\nوالحكمة في أن الأنبياء لا يورثون؛ لأنه قد يقع في قلب الإنسان شهوة موت مورثه ليأخذ ماله. فنزه الله أنبياءه، وأهاليهم عن ذلك، ولئلا يظنّ بهم مبطل: أنهم يجمعون المال لورثتهم، ولأنهم كالآباء لأمتهم فيكون ما لهم لجميع الأمة، وهو معنى الصدقة العامة. هذا؛ وقد اختلف في المراد من يعقوب، فقيل: هو يعقوب بن إسحاق إسرائيل، وكان زكريا متزوجا بإيشاع أخت مريم بنت عمران. وقيل: إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، وهي أخت حنة بنت فاقوذا، وحنة أم مريم، وأبوها من ولد سليمان بن داود، وهو من ولد يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولد هارون أخي موسى، وهما من ولد لاوي بن يعقوب، والنبوة كانت في أولاده. وقيل: المعني بيعقوب هاهنا يعقوب بن ماثان أخو عمران، بن ماثان أبي مريم، فهما أخوان من نسل سليمان بن داود على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: مرضيا في أخلاقه وأفعاله.\nالإعراب: ﴿يَرِثُنِي:﴾ مضارع. والفاعل يعود إلى ﴿وَلِيًّا﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿وَلِيًّا﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد قرئ الفعل بالجزم في جواب الطلب. ﴿وَيَرِثُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿وَلِيًّا﴾ ومفعوله محذوف، تقديره: العلم، ونحوه. ﴿مِنْ آلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿آلِ:﴾ مضاف، و﴿يَعْقُوبَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَاجْعَلْهُ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول.\n ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣] ﴿مَرْضِيًّا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الندائية معترضة بين المفعولين، وجملة: ﴿وَاجْعَلْهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَهَبْ لِي..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\nتنبيه: ذكرت لك أنه يجوز في جملة: ﴿يَرِثُنِي..﴾. إلخ وجهان: اعتبارها صفة، واعتبارها مستأنفة، وقد استشكل بعضهم الوجه الأول بناء على أنّ يحيى قتل قبل والده. كما ستعرفه في الآية رقم [١٤] بأن دعاء النبي قد يتخلف، وذلك؛ لأنه بموته قبله لم يرثه، ومعلوم ما يورث من الأنبياء، ورأى هذا المستشكل أن اعتبار الجملة مستأنفة أقوى، وأجيب بأن دعاء الأنبياء قد","vol":"5","page":564},{"text":"يتخلف، وقد وقع لنبينا محمد ﷺ أنه سأل ربه ثلاثة أمور. فاستجاب له في اثنين، وتأخرت الإجابة في الثالث. وجواب آخر، وهو أنه ﵊ قد صار في حياة والده مرجعا مهمّا لكل من يستفتي في الشريعة الموسوية، القائمة على التوراة.\nكما استشكل على اعتبار الجملة مستأنفة بأن مفاد الجملة حينئذ إخبار، وإخبار الأنبياء لا يتخلف قطعا؛ لأنه قائم مقام: (صدق عبدي في كل ما يبلّغ عنّي) وأجيب بأن هذا الإخبار باعتبار غلبة الظن؛ لأن نبي الله زكريا، لما كان مسنا غلب على ظنه أنه متى وهب له ولد يرثه.\nوقد ذكرت لك فيما مضى بأن المراد إرث النبوة، والعلم، وقد حصل ذلك في حياته، كما أشرت إليه. انتهى. هذا؛ والأمور الثلاثة التي سألها الرسول ﷺ ربه وردت في حديث الجمل الذي أخرجه ابن ماجة من حديث تميم الداري﵁-، وهي: «سكّن الله رعب أمتك يوم القيامة كما سكّنت رعبي، فقلت: آمين، ثمّ قال: حقن الله دماء أمّتك من أعدائها، كما حقنت دمي، فقلت: آمين، ثم قال: لا جعل الله بأسها بينها فبكيت، فإنّ هذه الخصال سألت ربّي فأعطانيها، ومنعني هذه، وأخبرني جبريل عن الله تعالى: أن فناء أمتي بالسيف». انتهى. من حديث طويل موجود في كتاب الترغيب والترهيب.\n\n<span id=\"aya-2257\"></span>﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾\nالشرح: ﴿يا زَكَرِيّا:﴾ المعنى فاستجاب الله له دعاءه، فقال: يا زكريا. ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ أي: بولد ذكر. وانظر شرحه في الآية رقم [٥٣] من سورة (الحجر). ﴿اِسْمُهُ يَحْيى:﴾ سماه الله بذلك؛ لأنه أحياه بالإيمان، والعلم، وإنما تولى تسميته تشريفا. وقيل: سماه يحيى؛ لأنه حيي بين أب شيخ، وأم عجوز. أو سمي بذلك؛ لأن رحم أمه قد حيي به بعد موته بالعقم. ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: لم يسم أحد بيحيى قبله، ومنّ عليه تعالى بأن لم يكل تسميته إلى الأبوين. وقال مجاهد، وغيره: ﴿سَمِيًّا﴾ معناه: مثلا، ونظيرا، وهذا فيه بعد؛ لأنه لا يفضل على إبراهيم، وموسى، اللهم إلا أن يفضل في خاص كالسؤدد، والحصر، كما قال في (آل عمران): ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ هذا؛ ويقرأ (زكريا) بالقصر والمد «(زكرياء)»، ومعناه في العبرية: دائم الذكر، والتسبيح.\nالإعراب: ﴿يا زَكَرِيّا:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب أدعو. (زكريا): منادى مفرد علم مبني على ضم ظاهر على قراءة المد، ومقدر على الألف على قراءة القصر. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نُبَشِّرُكَ:﴾\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿بِغُلامٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿اِسْمُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة.","vol":"5","page":565},{"text":"﴿يَحْيى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جر صفة (غلام). ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به.\n ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، و﴿قَبْلُ:﴾ مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿سَمِيًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَمْ نَجْعَلْ..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية لغلام، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. هذا؛ والآية الكريمة كلها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2258\"></span>﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ:﴾ هذا استفهام عن كيفية حدوث الغلام، واستبعاد من حيث العادة، أو استعظام لشأن خلقه، أو هو تعجب من قدرة الله، لا استبعاد، وإنكار، فلا يرد كيف قال زكريا ذلك، ولم يكن شاكا في قدرة الله تعالى عليه؟. انتهى. جمل في (آل عمران). ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أي: النهاية في الكبر، ونحول الجسم، ودقة العظم، وذهاب القوى، وعتا الشيء: يبس، وقسا. وقال الشاعر: [الخفيف]\nإنّما يعذر الوليد ولا يع... ذر من كان في الزّمان عتيّا\nهذا؛ و﴿عِتِيًّا﴾ أصله: عتوو، كقعود، فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين، فكسرت التاء تخفيفا، وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة، والثانية ياء أيضا لتدغما في بعضهما، فحصل فيه ثلاثة أعمال، وهذا كله على غير قراءة حفص، وفي قراءته بكسر العين أيضا إتباعا لكسرة التاء، كقولهم في: عصي، وقسي: عصي وقسي، فتكون الأعمال أربعة. هذا؛ والعتو: العناد، والطغيان. والعاتي: المجاوز للحد في الاستكبار، والعاتي: الجبار أيضا. وقيل: العاتي: هو المبالغ في ركوب المعاصي، المتمرد الذي لا يقع منه الوعظ، والتنبيه موقعا. انتهى. مختار، وخذ قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ وأما ﴿سَمِيًّا﴾ فأصله: (سميو، فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، وهو فعيل بمعنى: مفعول. انتهى جمل. هذا؛ وانظر (عتيا) ومعناه في الآية [٦٩]).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (زكريا). ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣].\n ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام بمعنى: كيف، أو بمعنى: من أين، فعلى الأول: مبني على السكون في محل نصب حال من (غلام)، والعامل في الحال ﴿يَكُونُ﴾ وساغ مجيء الحال من النكرة","vol":"5","page":566},{"text":"لتقدمها عليها، وقد رأيته كثيرا، وعلى المعنى الثاني، فهو مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر ﴿يَكُونُ﴾ على نقصانه، ومتعلق به على تمامه.\n ﴿لِي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونُ﴾ تقدم على اسمه، وذلك على الوجه الأول: في ﴿أَنّى﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من غلام، وذلك على الوجه الثاني: في ﴿أَنّى﴾ وأيضا على اعتبار ﴿يَكُونُ﴾ تاما. ﴿غُلامٌ:﴾ اسم ﴿يَكُونُ﴾ أو هو فاعل به، وجملة: ﴿أَنّى يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَكانَتِ:﴾ الواو: واو الحال. (كانت): ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿اِمْرَأَتِي:﴾ اسم (كان) مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿عاقِرًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير؛ و«قد» قبلها مقدرة. ﴿وَقَدْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَلَغْتُ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿مِنَ الْكِبَرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿عِتِيًّا﴾ على نحو ما رأيت في الآية رقم [٤] ﴿عِتِيًّا:﴾ مفعول به. وقيل: هو مصدر مؤكد لمعنى الفعل؛ لأن بلوغ الكبر في معناه. وقيل: هو مصدر في موضع الحال من فاعل ﴿بَلَغْتُ؛﴾ أي: عاتيا، أو ذا عتو. وقيل:\nهو تمييز، وعلى هذه الأوجه الثلاثة ف ﴿مِنَ﴾ مزيدة. ذكره أبو البقاء، والأول: هو الأوجه. انتهى جمل نقلا عن السمين. وقد تصرفت فيه، وجملة: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. هذا؛ والكلام: ﴿رَبِّ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2259\"></span>﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله بدليل الكلام السابق، أو جبريل ﵇ هو القائل بدليل قوله تعالى بسورة (آل عمران): ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٩] ﴿قالَ رَبُّكَ هُوَ﴾ أي: خلق الولد من أبوين هرمين ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب بأن أرد عليك قوة الجماع، وأفتق رحم امرأتك؛ حتى يصلح للعلوق، والحمل، وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء):\n ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل خلق يحيى. ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أي:\nكنت في العدم وغير موجود في هذه الدنيا. هذا؛ وقد قرئ: «(وقد خلقناك)» بنون العظمة.\nبعد هذا فأصل ﴿هَيِّنٌ﴾ هيون، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو، والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وقل مثله في إعلال: سيد، وميت، ونحو ذلك، و﴿خَلَقْتُكَ﴾ أصله: «تكون» فلما دخل الجازم صار: «لم تكون» فحذفت الواو لالتقاء","vol":"5","page":567},{"text":"الساكنين فصار: «لم تكن» ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال، وهذا الحذف جائز، وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من: كان، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا يتصل به ضمير متحرك، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر: [الطويل]\nإذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم\nوقول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل]\nفإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم\nهذا؛ وقد قرئ شاذّا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾. إلخ ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]\nدع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها\nفإلاّ يكنها أو تكنه فإنه... أخوها غذته أمّه بلبانها\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، انظر الشرح. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر كذلك. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده. وقيل: الكاف مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أفعل مثل ما طلبت. فتكون الكاف مضافا، واسم الإشارة في محل جر بالإضافة.\nوالمعتمد الأول، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ رَبُّكَ:﴾ ماض، وفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيَّ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿هَيِّنٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، وفيها معنى التأكيد لما قبلها، أو هي تعليل للقول الأول. وانظر الآية رقم [٢٠] يتضح لك ذلك. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿خَلَقْتُكَ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم).\nوانظر شرحه، واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿شَيْئًا:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط: الواو، والضمير المذكور بسابقتها، أو هي حال ثانية، فتكون حالا متداخلة.","vol":"5","page":568},{"text":"<span id=\"aya-2260\"></span>﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: زكريا. ﴿اِجْعَلْ لِي آيَةً:﴾ علامة أعرف بها الحمل، لأستقبله بالفرح، والسرور، والشكر للرب الغفور. وانظر الآية رقم [١] من سورة (الحجر) لشرح آيات.\n ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ..﴾. إلخ: أي: قال الله تعالى: العلامة على حمل امرأتك عدم قدرتك على الكلام مع كونك سليما من عاهة الخرس، والبكم مدة ثلاث ليال، وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران) للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس، والتجرد للذكر، والشكر ثلاثة أيام مع لياليهن. هذا؛ وقد قال تعالى في آل عمران ﴿إِلاّ رَمْزًا﴾ أي: إشارة بيد، أو عين، أو حاجب، أو رأس.\nفائدة: وإنما عبر هنا بالليالي، وفي آل عمران بالأيام؛ لأن هذه السورة مكية، والمكي سابق على المدني، والليل سابق على النهار، فأعطى السابق للسابق، وسورة (آل عمران) مدنية، والمدني متأخر عن المكي، والنهار متأخر عن الليل، فأعطي المؤخر للمؤخر. انتهى. جمل عن شيخه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى زكريا. ﴿رَبِّ:﴾ انظر إعرابه في الآية رقم [٣] ﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿آيَتُكَ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا):\nنافية. ﴿تُكَلِّمَ:﴾ مضارع منصوب ب: (أن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿النّاسَ:﴾\nمفعول به. ﴿ثَلاثَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿ثَلاثَ:﴾ مضاف، و﴿لَيالٍ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿سَوِيًّا:﴾ حال من فاعل ﴿تُكَلِّمَ﴾ المستتر، وعن ابن عباس﵄-: أنه من صفة الليالي، بمعنى: أنها كاملات، فيكون نصبه على النعت للظرف. انتهى سمين. هذا؛ و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: آيتك عدم الكلام... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2261\"></span>﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ﴾ أي: من الموضع الذي كان يصلي فيه، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه؛ حتى يفتح لهم، فيدخلون، ويصلون؛ إذ خرج إليهم","vol":"5","page":569},{"text":"زكريا ﵇ متغيرا لونه، فأنكروا ذلك عليه، وقالوا: مالك. ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار إليهم، وهو معنى ﴿رَمْزًا﴾ المذكور في (آل عمران). ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: صلوا لله، ونزهوه، وقدسوه طرفي النهار؛ أي: في الصباح، والمساء. هذا؛ و﴿الْمِحْرابِ﴾ مأخوذ من المحاربة، كأن ملازم يحارب الشيطان، والشهوات، ولذلك يقال لكل محل من محال العبادة:\nمحراب. وانظر (الغداة) و(العشي) في الآية رقم [٢٨] من سورة (الكهف)، والمحال عليها من سورة (الرعد). وانظر شرح (قوم) في الآية رقم [١٣] من سورة (النحل). وينبغي أن تعلم: أن المدة التي مضت بين البشارة بيحيى ﵇ وبين حمل أمه به هي ثلاث عشرة سنة. وقال الجمل: وبين وجوده في الخارج بالفعل؛ أي: ولادته. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿فَخَرَجَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (خرج): ماض، وفاعله يعود إلى زكريا. ﴿عَلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْمِحْرابِ:﴾ متعلقان به أيضا، وجملة: ﴿فَخَرَجَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (أوحى): ماض، والفاعل يعود إلى زكريا أيضا. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. ﴿سَبِّحُوا:﴾\nأمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها. ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَعَشِيًّا:﴾ ظرف زمان معطوف على ما قبله. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بتسبيحه. والأول: أقوى؛ لأن ﴿أَنْ﴾ مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه.\n\n<span id=\"aya-2262\"></span>﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿يا يَحْيى..﴾. إلخ: في الكلام حذف يدل عليه المقام؛ إذ التقدير: فولد له ولد، وقال الله له: يا يحيى.. إلخ: والمراد: ب: ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة بلا خلاف، ومعنى ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد، واجتهاد. وهذا يتطلب حفظه والعمل به، والالتزام لأوامره، والكف عن نواهيه. ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي: الأحكام والمعرفة بها. روى معمر أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت. هذا؛ وقيل: كان ابن سنتين، أو ثلاث سنين حين أعطاه الله النبوة، وهذا من خوارق العادات للأنبياء. وقال ابن عباس﵄-: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن، أوتي الحكم صبيا. وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمر -﵄عن النبي ﷺ قال: «كلّ بني آدم يأتي يوم القيامة، وله ذنب إلاّ ما كان من يحيى بن زكريّا». وانظر شرح: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (آل عمران).","vol":"5","page":570},{"text":"الإعراب (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (يحيى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب: (يا). ﴿خُذِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِقُوَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿وَآتَيْناهُ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿الْحُكْمَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿صَبِيًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، وجملة: ﴿وَآتَيْناهُ..﴾. إلخ مستأنفة، وعند التأمل يتبين لك: أن الآية كلها في محل نصب مقول القول، انظر الشرح.\n\n<span id=\"aya-2263\"></span>﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا﴾ أي: ورحمة منا عليه، أو رحمة، وتعطفا في قلبه على أبويه وغيرهما من الناس. هذا؛ والحنان: الشفقة، والرحمة، والمحبة، وهو فعل من أفعال النفس، وأصله من حنين الناقة على ولدها، وهو محال في حقه جل ذكره بهذا المعنى. وقال أبو عبيدة:\nوالعرب تقول: حنانك يا ربّ، وحنانيك يا ربّ بمعنى: واحد، تريد: رحمتك. وقال امرؤ القيس: [الوافر]\nويمنحها بنو شمجى بن جرم... معيزهم حنانك ذا الحنان\nمعناه: رحمتك يا رحمان! وقال طرفة بن العبد من قصيدة خاطب بها عمرو بن هند الملك حين أمر بقتله: [الطويل]\nأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض\nمعناه: تحنن علينا. وقال الحطيئة يخاطب عمر﵁-: [المتقارب]\nتحنّن عليّ هداك المليك... فإنّ لكلّ مقام مقالا\nوحنة الرجل، وحنانه: امرأته لتوادهما. قال منذر بن درهم الكلبي: [الطويل]\nفقالت حنان: ما أتى بك هاهنا؟ ... أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف؟\n ﴿مِنْ لَدُنّا:﴾ من عندنا. وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [٨٠] من سورة (الإسراء). وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر). ﴿وَزَكاةً:﴾ الزكاة: التطهير، والبركة، والتنمية في وجوه الخير والبر. ﴿وَكانَ تَقِيًّا:﴾ مطيعا لله تعالى، ولهذا لم يعمل خطيئة، ولم يهم بها كما قد رأيت.\nالإعراب: ﴿وَحَنانًا:﴾ معطوف على الحكم. ﴿مِنْ لَدُنّا:﴾ متعلقان ب: (حنانا)، أو بمحذوف صفة له، و(لدن) مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَزَكاةً:﴾ معطوف على ما قبله، ومتعلقه محذوف اكتفاء بما قبله، وجملة: ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ معطوفة على جملة: ﴿وَآتَيْناهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.","vol":"5","page":571},{"text":"<span id=\"aya-2264\"></span>﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ:﴾ محسنا إليهما، لطيفا بهما؛ لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين. وفي قوله: (والديه) تغليب الأب على الأم. ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا﴾ متكبرا، طاغيا، متغطرسا. ﴿عَصِيًّا:﴾ هو أبلغ من العاصي، والمراد: وصف يحيى ﵇ بالتواضع، ولين الجانب، وخفض الجناح لأبويه، وللناس أجمعين، وأصله: عصييا بوزن فعيل، فأدغمت الياء في الياء، وأتي بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل، وليس المقصود المبالغة، بل المقصود نفي أصل العصيان.\nالإعراب: ﴿وَبَرًّا:﴾ معطوف على خبر (كان). ﴿بِوالِدَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما؛ لأنه اسم فاعل، وعلامة الجر الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص، واسمه يعود إلى يحيى. ﴿جَبّارًا:﴾ خبر ﴿يَكُنْ﴾. ﴿عَصِيًّا:﴾ خبر ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (كان...) إلخ لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-2265\"></span>﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾\nالشرح: المعنى: وأمان ليحيى ﵇ من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان، كما ينال سائر بني آدم، وأمان له يوم يموت من عذاب القبر، وأمان له يوم يبعث حيا من عذاب يوم القيامة، فأكرمه الله تعالى بالأمان في هذه المواطن كلها، وهي، أوحش ما يكون الخلق فيها، وأشد خوفا من غيرها. هذا؛ وقد قال الله هنا منكّرا. وقال في قصة عيسى ﵇ معرّفا؛ لأن ما هنا من الله تعالى، والقليل منه جل ذكره كثير، وما هنالك من عيسى نفسه، وال فيه للاستغراق، أو للعهد، كما في قوله تعالى: ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ أي: ذلك السّلام الموجه إلى يحيى موجه إليّ. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿وَسَلامٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سلام): مبتدأ. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان ب: (سلام) أو بمحذوف صفة له. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ واعتبر أبو البقاء ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿يَوْمَ:﴾ متعلقان بالخبر أيضا، ولكن إذا عرفت أن الخبر ما تتم به الفائدة ظهر لك: أن الأول: أحق بالاعتبار، و(يوم) مبني لإضافته لمبني. ﴿وُلِدَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (يحيى) والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها.\n ﴿وَيَوْمَ﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَمُوتُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها أيضا ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ مثلها. ﴿حَيًّا:﴾ حال من نائب الفاعل المستتر، والجملة الاسمية هي من مقول الله تعالى.","vol":"5","page":572},{"text":"خاتمة: لقد عرفت: أن زكريا﵇قد شاخ، وكبر. وأن امرأته قد بلغت سن الشيخوخة، وتجاوزت سن اليأس من الحمل بالولد، وينبغي أن تعلم: أن الذي حفزه وشجعه على طلب الولد من الله هو ما رآه من إكرام الله لمريم التي كفلها، وأشرف عليها؛ حيث رآها تأكل فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فعلم: أن القادر على ذلك قادر على الإتيان بالولد على الكبر، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] من سورة (آل عمران) وما بعدها.\nفولد يحيى ﵇، وتولاه ربه، ورعاه برعايته، وحفظه من المعاصي والسيئات، وكمله، وجمله بأحسن الصفات، وكريم الأخلاق، وقد ساد الناس في عبادة الله، وطاعته، وقد برع في الشريعة الموسوية، وصار مرجعا مهمّا لكل من يستفتي في أحكامها، وكان أحد حكام فلسطين في عهده يقال له: هيرودس، وكانت له بنت أخ، يقال لها: هيروديا بارعة الجمال، أراد عمها أن يتزوجها، وكانت البنت وأمها تريدان ذلك، غير أن يحيى ﵇ لم يرض عن هذا الزواج؛ لأنه محرّم، فانتهزت أم الفتاة إخراج بنتها إلى عمها في زينتها، فرقصت أمامه، فسرّ منها وطلب إليها أن تقول ما تتمناه ليعمله لها، وكانت أمها قد لقنتها أن تطلب منه رأس يحيى بن زكريا في هذا الطبق إذا سألها عمها أن تقول ما تتمناه، فقال: ويحك سليني غير هذا! قالت:\nلا أسألك غيره، فلما أبت عليه بعث إليه، فأتي برأسه في الطبق، والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه، وهو يقول: لا تحل لك، فلما أصبح إذا دمه يغلي، ويفور، فأمر بتراب فألقي عليه، فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يغلي ويفور؛ حتى أتى بختنصر كما ستعرفه.\nفلما سمع زكريا ﵇ أن ابنه يحيى قد قتل انطلق هاربا في الأرض حتى دخل بستانا عند بيت المقدس فيه الأشجار، فنادته شجرة يا نبي الله إلى هنا! فلما أتاها انفتقت له الشجرة، ودخل في وسطها، وانضمت عليه، فأخذ إبليس أخزاه الله بطرف ردائه، فأخرجه من شقها، وأخذ الملك وأعوانه يبحثون عن زكريا ﵇ حتى أتوا البستان، فدلهم إبليس على الشجرة التي دخلها زكريا، وأراهم طرف ردائه، فأخذوا المناشير ونشروا الشجرة نصفين، فسلط الله عليهم أخبث أهل الأرض علجا مجوسيّا، فانتقم الله به من بني إسرائيل بدم يحيى وزكريا على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، فقتل عظماءهم، وسبى منهم مائة وسبعين ألفا. انتهى. من قصص الأنبياء للنجار، وللثعلبي بتصرف كبير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (الإسراء)، وهكذا كان خبث بني إسرائيل، وخروجهم عن طاعة الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقد نوّه القرآن الكريم بذلك في كثير من آياته، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nتنبيه: وينبغي أن تعلم أن قتل هذين النبيين كان في حياة عيسى، وأنهم كانوا جميعا في زمن واحد، ولم يذكر أحد عمر يحيى ﵇، غير أن عبد الوهاب النجار قال: ولما بلغ المسيح: أنّ يحيى قد قتل جهر بدعوته وقام في الناس واعظا. انتهى. وإذا علمت أن يحيى،","vol":"5","page":573},{"text":"وعيسى متقاربان في زمن ولادتهما، وأن عيسى قد رفع، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة تبين لك أن يحيى لم يعش ثلاثين عاما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على حبيبنا، وشفيعنا محمد وعلى يحيى، وزكريا، وعيسى وجميع الأنبياء، والمرسلين، وسلم.\n\n<span id=\"aya-2266\"></span>﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الخطاب لسيد الرسل ﷺ، ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ في القرآن. ﴿مَرْيَمَ:﴾\nالمراد قصة مريم، وما تضمنت من آيات، وعبر. ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها﴾ أي: تنحت، وتباعدت عن قومها. هذا؛ والنبذ: الطرح، والرمي. قال تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ والانتباذ:\nالاعتزال، والانفراد، وهو المراد هنا. واختلف لم انتبذت؟ قال الخازن: كان ذلك في يوم شات شديد البرد، فجلست في مشرق بيت المقدس تفلي رأسها. وقيل: تغتسل. وقيل:\nلتعبد الله، وهذا أحق بالاعتبار، وأولى. ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: مكانا في الجهة الشرقية، ولهذا اتخذت النصارى المشرق قبلة.\nقال ابن عباس﵄-: إني لأعلم النّاس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة لقوله ﷿: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ فاتخذوا ميلاد عيسى ﵇ قبلة. وقالوا: لو كان شيء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى ﵇ فيه. واختلف في نبوة مريم، فقيل: كانت نبية بهذا الإرسال، والمحاورة للملك، والمعتمد: أنها لم تكن نبية، وإنما هي ولية. انظر ما ذكرته في هذا الصدد في الآية رقم [٤٢] من سورة (آل عمران). وانظر نذر أمها لها، وكفالة زكريا لها في الآية رقم [٣٥] وما بعدها من سورة (آل عمران) تجد ما يسرك.\nومريم بالعبرية بمعنى: الخادم ثم سمي به كثير من النساء، ومريم في لسان العرب: هي التي تكره مخالطة الرجال، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا. هذا؛ وفي القاموس المحيط: المريم هي التي تحب مخالطة الرجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قبله. قال الشاعر: [الطويل]\nوزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير\nفقلت لها: أهلا وسهلا أمريم؟ ... فقالت: نعم من أنت؟ قلت لها: زير\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف عطف قصة مريم على قصة زكريا ويحيى ﵉. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي الْكِتابِ:﴾\nمتعلقان به. ﴿مَرْيَمَ:﴾ مفعول به، وانظر الشرح. ﴿إِذِ:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿مَرْيَمَ﴾ لأن الأحيان مشتملة على ما فيها؛ لأن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها لوقوع هذه القصة العجيبة فيه. قاله الزمخشري. وقيل: هو منصوب بالمحذوف المضاف","vol":"5","page":574},{"text":"ل: ﴿مَرْيَمَ﴾. وقيل: هو منصوب باذكر، وذكر أبو البقاء، أوجها أربعة: أحدها: أنها ظرف العامل فيها محذوف، تقديره: اذكر خبر مريم إذ. والثاني: أن تكون حالا من المضاف المحذوف. الثالث: أن تكون منصوبة بفعل محذوف؛ أي: وبين إذ. والرابع: أن تكون بدلا من مريم بدل اشتمال. والمعتمد الأول. ﴿اِنْتَبَذَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿مَرْيَمَ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها. ﴿مِنْ أَهْلِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿مَكانًا:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، ويجوز أن يكون مفعولا به على أنّ معنى ﴿اِنْتَبَذَتْ﴾ أتت مكانا. أفاده السمين.\n ﴿شَرْقِيًّا:﴾ صفة مكانا، وجملة: ﴿وَاذْكُرْ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو.\n\n<span id=\"aya-2267\"></span>﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أي: وضعت، وضربت بينها وبين قومها سترا يمنعهم من رؤيتها. وقيل: جلست وراء جدار. وقيل: قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها، وكانت إذا حاضت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها امرأة زكريا، وتعود إليه إذا طهرت، فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل ﵇ متمثلا بصورة شاب أمرد، سوي الخلق لتأنس بكلامه، ولعله ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها. هذا؛ وقد عبر سبحانه عن جبريل بالروح، وأضافه إلى نون العظمة تشريفا له، وتكريما، وتمثله لها بصورة شاب حسن الصورة شبيه بتمثله للنبي ﷺ بصورة دحية الكلبي.\nالإعراب: (اتخذت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم. ﴿مِنْ دُونِهِمْ:﴾\nمتعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿حِجابًا﴾ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤]، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِنْتَبَذَتْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾\nفعل، وفاعل، ﴿إِلَيْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رُوحَنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿فَتَمَثَّلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى روحنا. ﴿لَها:﴾ متعلقان به. ﴿بَشَرًا:﴾ حال موطئة للصفة بعدها، وهو: ﴿سَوِيًّا،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا.\n<span id=\"aya-2268\"></span>﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ: وقولها هذا كان حين رأت جبريل ﵇ يقصد نحوها بادرته من بعيد، والمعنى: إني أستجير بالرحمن منك أن تبتعد عني إن كنت ممّن يتقي الله ويخافه. فدل تعوذها من تلك الصورة الحسنة على شدة عفتها، وكمال ورعها، وتعوذها منه إن كان تقيا على","vol":"5","page":575},{"text":"حد قول القائل: إن كنت مؤمنا؛ فلا تظلمني. قيل: نكص جبريل فزعا من ذكر الرحمن ﵎. هذا؛ وقيل: «تقي» اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، وليس بشيء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَعُوذُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ﴿بِالرَّحْمنِ مِنْكَ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿أَعُوذُ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها. ﴿تَقِيًّا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فاتركني، وابتعد عني، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2269\"></span>﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩)﴾\nالشرح: قال جبريل ﵇: ﴿إِنَّما أَنَا..﴾. إلخ: أسند الهبة إلى نفسه، وإن كانت من الله تعالى؛ لأنه أرسل به. ﴿غُلامًا زَكِيًّا:﴾ قال ابن عباس﵄-: أي: ولدا صالحا طاهرا من الذنوب.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة، ﴿أَنَا:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَسُولُ:﴾ خبره، و﴿رَسُولُ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكِ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿لِأَهَبَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿رَسُولُ؛﴾ لأنه بمعنى: مرسول.\n ﴿لَكِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿غُلامًا:﴾ مفعول به. ﴿زَكِيًّا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2270\"></span>﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ فهي تسأل: بأي كيفية يكون الغلام؟ من قبل زوج في المستقبل، أم يخلقه الله ابتداء؟ ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أي: لم يقربني زوج. ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ أي:\nزانية. تريد: أن الولد إنما يكون من نكاح، أو سفاح، ولم يكن هاهنا واحد منهما. هذا؛ ولم تلحق ﴿بَغِيًّا﴾ التاء؛ لأنه للمبالغة، أو للنسبة. وانظر ﴿عاقِرًا﴾ في الآية رقم [٥] وانظر ﴿خَلَقْتُكَ﴾ في الآية رقم [٩] ف: ﴿أَكُ﴾ مثله. والله أعلم بمراده.","vol":"5","page":576},{"text":"الإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم ﵍. ﴿أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ انظر الآية رقم [٧] ففيها الكفاية. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف جازم. ﴿يَمْسَسْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.\n ﴿بَشَرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿أَكُ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة، واسمه مستتر تقديره: «أنا». ﴿بَغِيًّا:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والكلام: ﴿أَنّى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2271\"></span>﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ كَذلِكِ﴾ أي: الأمر حاصل، وواقع مثل ذلك. ﴿قالَ رَبُّكِ هُوَ﴾ أي: خلق الولد من غير أب. ﴿هَيِّنٌ:﴾ غير صعب. ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أي: علامة على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر وأنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. انتهى. جمل. ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ أي: لمن تبعه على دينه الصحيح إلى بعثة محمد ﷺ، ولكن كان خلقه نقمة وضلالا لأكثر الخلق، كما هو معروف ومشاهد، ولا تمتلئ جهنم بجميع دركاتها إلا ممن كذبه، أو أخطأ طريق الهدى والإيمان بسبب خلقه بدون أب. ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذا؛ وقدم الجار والمجرور: ﴿عَلَيَّ﴾ على ﴿هَيِّنٌ﴾ هنا وأخّره عن ﴿أَهْوَنُ﴾ في الآية رقم [٢٧] من سورة (الروم) لقصد الاختصاص هنا بخلافه هناك، فلا معنى للاختصاص، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وأصل ﴿مَقْضِيًّا﴾ مقضويا بزنة مفعول، اجتمعت الواو، والياء، وسبقت، إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء على القاعدة، وأدغمت في الياء وكسرت الضاد لتصح الياء، وأصل بغيا بغويا فعل به مثل ما فعل ب: ﴿مَقْضِيًّا﴾ وكسرت الغين أيضا لمناسبة الياء، فلما كان بزنة فعول لم تلحقه التاء. هذا؛ وقد قال مكي: فلما أتى (بغي) بغيرها علم أنه فعول، وليس بفعيل، وهو قول المبرد. وقال ابن جني: هي فعيل، ولو كانت فعولا لقيل: بغوّ، كما قيل: فلان نهوّ عن المنكر. وقال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nولا تلي فارقة فعولا... أصلا، ولا المفعال والمفعيلا","vol":"5","page":577},{"text":"انتهى. جمل، ولكن ما ذكرته هناك من سبب أقوى؛ لأنه بمعنى: فاعل، لا بمعنى:\nمفعول، كما ذكر هنا.\nالإعراب: ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ انظر الآية رقم [٩] فالإعراب واحد لا يتغير.\n ﴿وَلِنَجْعَلَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن» والهاء مفعول به أول. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به ثان، ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿آيَةً﴾ و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ونخلقه، أو نفعل ذلك لنجعله. وقال الجلال: معطوف على ما قبله؛ لأنه بمعنى: العلة. ولا وجه له. وقيل: معطوف على محذوف، التقدير: لنبين، ولنجعله.\n ﴿وَرَحْمَةً:﴾ معطوف على آية. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان ب: (رحمة)، أو بمحذوف صفة لها، وجملة:\n ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ مستأنفة، لا محل لها، واسم كان محذوف، التقدير: وكان خلقه من غير أب أمرا، ﴿مَقْضِيًّا:﴾ صفة أمرا.\n\n<span id=\"aya-2272\"></span>﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ أي: حملت بعيسى ﵇. قيل إن جبريل ﵇ رفع درعها؛ أي: ثوبها. فنفخ في جيبه، فحملت حين لبسته. وقيل: نفخ في كمها. وقيل: في ذيلها. وقيل: في فيها. وقيل: نفخ من بعيد، فوصل النفخ إليها. قال الطبري: وزعمت النصارى: أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن عيسى ﵇ عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة، وأياما، وأمّه مريم﵍بقيت بعد رفعه ست سنين، فكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة.\nواختلف في مدة الحمل: فقال ابن عباس﵄كان الحمل والولادة في ساعة واحدة. وقال القرطبي: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله ذكر الانتباذ عقب الحمل. وقيل: كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر الحوامل من النساء. وقيل: كانت مدة حمله ثمانية أشهر، وذلك آية أخرى له؛ لأنه لا يعيش ولد لثمانية أشهر.\nوقال وهب: إن مريم لما حملت بعيسى، كان معها ابن عم لها، يقال له: يوسف النجار وكانا يخدمان المسجد، ولا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد عبادة، واجتهادا منهما، وأول من علم بحمل مريم يوسف، فبقي متحيرا في أمرها، كلما أراد أن يتهمها ذكر عبادتها، وصلاحها، وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى ما ظهر منها من الحمل، فأول ما تكلم به أن قال:\nإنه وقع في نفسي من أمرك شيء، وقد حرصت على كتمانه، فغلبني ذلك، فرأيت أن أتكلم به أشفى لصدري. قالت: قل قولا جميلا.","vol":"5","page":578},{"text":"قال: أخبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر؟ وهل ينبت شجر بغير غيث؟ وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر؟ ألم تر أن الله أنبت الشجرة بالقدرة من غير غيث؟ أو تقول أن الله تعالى لا يقدر أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها. قال يوسف: أنا لا أقول هذا، ولكني أقول: إن الله تعالى قادر على كل شيء، يقول له: كن فيكون. قالت له مريم: ألم تعلم أن الله خلق آدم، وامرأته من غير ذكر، ولا أنثى، فعند ذلك زال ما عنده من التهمة، وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل، فلما دنت، ولادتها، أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك. انتهى خازن. وهذا يفيد أن مدة الحمل متطاولة، والمشهور: أن مريم ﵍، كانت مخطوبة لابن عمها يوسف المذكور، والله أعلم بحقيقة الحال. هذا؛ وانظر لشرح (انتبذت) في الآية رقم [١٦]. ﴿قَصِيًّا:﴾ بعيدا. من أهلها، وراء الجبل، إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، وإنما بعدت، وتنحت فرارا من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج.\nالإعراب: ﴿فَحَمَلَتْهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (حملته): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى مريم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي في الحقيقة معطوفة على جملة محذوفة، انظر الشرح. وانظر إعراب مثل: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ في الآية رقم [١٦] والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجار والمجرور:\n ﴿بِهِ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: انتبذت؛ وهو معها في بطنها.\n\n<span id=\"aya-2273\"></span>﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ..﴾. إلخ: أي: ألجأها شدة الطلق إلى ساق النخلة لتعتمد عليه، ولتستر به، وكان جذعا يابسا لا رأس له، ولا ورق فيه، وكان الوقت شتاء، فلما اعتمدت عليه؛ اخضر، وأطلع الجريد، والخوص، والثمر الطيب في وقت واحد، ﷾ من إله قادر مقتدر، وال التعريف، إما للجنس، وإما للعهد؛ إذ لم يكن ثمة غيرها، وكانت كالمتعالم عند الناس. هذا؛ والفعل: (أجاء) منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، والاضطرار، ونظيره: آتى حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، وهو منقول من: أتى بمعنى: جاء. هذا؛ ويقرأ: «(فاجأها)» من المفاجأة، ويقرأ ﴿الْمَخاضُ﴾ بفتح الميم وكسرها.\n ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا﴾ أي: اليوم، أو الحمل، أو الولادة، تمنت الموت استحياء من الناس، وخوفا من الفضيحة، وتعيير أهلها بها، وذلك يكون فيه هتك لكرامتهم، وحط لشرفهم.\nهذا؛ و﴿مِتُّ﴾ يقرأ بكسر الميم، وضمها. ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ أي: ما من شأنه أن ينسى،","vol":"5","page":579},{"text":"والنسي في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى، ولا يتألم لفقده كالوتد، والحبل للمسافر، ونحوه. وقال الفراء: النّسيّ: ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها. وهو يعني: خرق حيضها، ويقرأ ﴿نَسْيًا﴾ بقراءات كثيرة، ﴿مَنْسِيًّا:﴾ هو بمعنى: الأول، وهو في إعلاله مثل:\n ﴿مَقْضِيًّا﴾ في الآية رقم [٢١].\nالإعراب: ﴿فَأَجاءَهَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أجاءها): ماض، و(ها): مفعول به.\n ﴿الْمَخاضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلى جِذْعِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَخاضُ﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، ويؤيده المعنى. تأمل، و﴿جِذْعِ:﴾ مضاف، و﴿النَّخْلَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿قالَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى مريم. (يا): حرف تنبيه. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير: يا قوم، ونحوه. وهو ضعيف. (ليتني):\nحرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿مِتُّ:﴾ فعل، وفاعل وفي الحقيقة:\nفعل ونائب فاعله؛ لأن الإنسان لا يموت بنفسه. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿قَبْلَ:﴾ مضاف، و﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة: ﴿مِتُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (ليت)، وجملة: ﴿يا لَيْتَنِي..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا جيد، وتكون «قد» قبلها مقدرة. ﴿وَكُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها.\n ﴿نَسْيًا:﴾ خبرها. ﴿مَنْسِيًّا:﴾ توكيد لما قبله، أو هو صفة، وجملة: ﴿وَكُنْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿مِتُّ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-2274\"></span>﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها:﴾ يقرأ بفتح الميم وكسرها. قال ابن عباس﵄-:\nالمراد ب: (من) جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وقاله علقمة، والضحاك، وقتادة، ففي هذا لها آية، وأمارة: أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم. انتهى.\nقرطبي. قيل: كانت على أكمة، وجبريل وراء الأكمة. وقيل: إن الذي ناداها هو عيسى ﵇. ﴿أَلاّ تَحْزَنِي﴾ أي: من أجل، ولادتك. ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا:﴾ المراد به: عيسى، والسري من الرجال: العظيم الخصال، الكريم الفعال، وكان عيسى ﵇ من أعظم الرجال، كيف لا؟ وهو من الرسل أولي العزم الكرام. وقيل: المراد به: نهرا سريا؛ أي:\nجاريا، وكان قد جف ماؤه، فأجراه الله لمريم ﵍ تكريما لها. وقيل: ضرب عيسى -وقيل: جبريل-برجله في الأرض، فظهرت عين ماء عذبة، وجرت. هذا؛ والسري: النهر جاء في قول لبيد بن ربيعة الصحابي﵁من معلقته: [الكامل]\nفتوسّطا عرض السّريّ وصدّعا... مسجورة متجاورا قلاّمها","vol":"5","page":580},{"text":"الإعراب: ﴿فَناداها:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ناداها): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وها: في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿تَحْتِها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، وعلى اعتبار ﴿مِنْ﴾ حرف جر، فالجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وعليه فالفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى جبريل، أو إلى عيسى ﵉. و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): مفسرة.\n (لا): ناهية. ﴿تَحْزَنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية مفسرة للنداء لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار (أن) ناصبة، و(لا) نافية فيكون الفعل منصوبا، لا مجزوما. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جَعَلَ رَبُّكِ:﴾ ماض، وفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿تَحْتَكِ:﴾\nظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَرِيًّا:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿فَناداها..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-2275\"></span>﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَهُزِّي..﴾. إلخ: هزي، وحركي نحوك جذع النخلة التي أحياها الله لك، فأورقت، وأثمرت وأنت تنظرين إليها في ساعة واحدة. ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ﴾ أي: يسقط عليك من ثمرها الطيب.\nوفي الفعل ﴿تُساقِطْ﴾ تسع قراءات. ﴿رُطَبًا جَنِيًّا:﴾ الجني ما طاب، وصلح للاجتناء، وهو فعيل بمعنى: فاعل، وهو بمعنى: طريا. قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل. وقيل: إذا عسر، ولادها لم يكن لها خير من الرطب.\nالإعراب: ﴿وَهُزِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (هزي): أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعله. ﴿إِلَيْكِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه في تعليق الجار والمجرور في هذه الآية. وفي قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [٢٦٠] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (القصص)، وقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ رقم [٣٧] من سورة (الأحزاب)، وهذا كله يتخرج على التعلق بمحذوف، كما قيل في اللام في: «سقيا لك» وإما على حذف مضاف، التقدير: هزي إلى نفسك... إلخ. وانظر ما ذكرته في الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب. ﴿بِجِذْعِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (جذع): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقيل: المفعول محذوف، والجار والمجرور حال من ذلك المحذوف، تقديره: وهزي إليك رطبا كائنا بجذع","vol":"5","page":581},{"text":"النخلة، و«جذع» مضاف، و﴿النَّخْلَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿تُساقِطْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والفاعل يعود إلى ﴿النَّخْلَةِ﴾. ﴿عَلَيْكِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رُطَبًا:﴾ مفعول به، أو تمييز على حسب القراءات، ﴿جَنِيًّا:﴾ صفة، وجملة: ﴿تُساقِطْ..﴾. إلخ لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَهُزِّي..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَلاّ تَحْزَنِي..﴾. إلخ لا محل لها، وذلك على النهي.\n\n<span id=\"aya-2276\"></span>﴿فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي: فكلي من الجنيّ، واشربي من السّريّ، وقري عينا برؤية الولد النبي. هذا؛ وقد قرئ: (قري) بفتح القاف وكسرها، فالأولى قراءة الجمهور، والثانية لغة نجد، واشتقاقه من القرار، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القر فإن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. وضعّف ناس هذا. وقالوا:\nالدمع كله حار، فمعنى أقر الله عينه؛ أي: سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر، وتسكن، وإذا أريد بهذه الجملة الدعاء، فيكون المعنى أقر الله عينه؛ أي: أسكنها بالموت، فيكون الفعل من الأضداد، وفلان قرة عيني؛ أي: نفسي تسكن بقربه. قالت ميسون بنت بحدل: [الوافر]\nولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ:﴾ فإما تبصرن، فالأصل فيه: (ترأيين) فحذفت الهمزة، كما حذفت من (ترى) في الآية رقم [١٧] من سورة (الكهف)، ونقلت فتحتها إلى الراء، فصار: (تريين) ثم قلبت الياء الأولى ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف المنقلبة، عن الياء وياء المؤنثة المخاطبة، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (ترين) ثم حذفت النون علامة للجزم، فبقي (ترى) ثم دخلت نون التوكيد الثقيلة، فكسرت ياء المخاطبة لالتقاء الساكنين؛ لأن نون التوكيد، بمنزلة نونين، الأولى ساكنة، فصار (ترينّ) فالأعمال فيه ستة، أو سبعة كما رأيت.\n ﴿فَقُولِي إِنِّي..﴾. إلخ: قبل هذه الجملة جملة محذوفة، وتقدير الكلام: إن رأيت أحدا من الناس، فسألك عن ولدك؛ فقولي... إلخ، والمخاطب لها بذلك جبريل، أو عيسى﵉حسبما رأيت فيما تقدم. ﴿صَوْمًا:﴾ صمتا. قيل: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي. هذا؛ وقد قرئ:\n «(صمتا)» وإنما منعت من الكلام لأمرين: أحدهما: أن يكون عيسى ﵇ هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها، وفيه دلالة على أنّ تفويض الكلام إلى الأفضل أولى.","vol":"5","page":582},{"text":"الثاني: كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه، واجب، ومن أذلّ الناس سفيه لم يجد مسافها. ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي: إنسانا من البشر، يقال: إنها كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس.\nهذا؛ وقد رد ابن هشام في مغنيه بهذه الآية على الزمخشري القائل: إن «لن» تفيد التأبيد.\nفقال-رحمه الله تعالى-: ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ولكان ذكر الأبد في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ تكرارا، والأصل عدمه. انتهى.\nهذا؛ وقرئ شاذّا: «(ترين)» بياء ساكنة، بعدها نون الرفع، ذكره ابن جنّي. انظر الشاهد رقم [٤٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فالبحث فيه جيد.\nالإعراب: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي:﴾ أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة.\nالتي هي فاعله، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الأفعال، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المخاطبة، وقل: مثله في نحو قولك: كلا، واشربا. والمانع من ظهور السكون الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين. وأيضا قولك: كلوا، واشربوا. والمانع من ظهور السكون الضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة التي هي فاعله. ﴿عَيْنًا:﴾ تمييز محول عن الفاعل، والجمل الفعلية معطوفة على جملة: ﴿(هُزِّي)﴾ لا محل لهن مثلها. ﴿فَإِمّا:﴾ الفاء: حرف تفريع. (إما): حرف شرط جازم مدغم في (ما) الزائدة لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى «إن» في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما) ولذا أكد الفعل بنون التوكيد. ﴿تَرَيِنَّ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له. ﴿مِنَ الْبَشَرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدًا﴾ كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٤] أحدا مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وانظر الجملة المحذوفة في الشرح.\n ﴿فَقُولِي:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قولي): أمر وفاعله مثل ما تقدم. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿نَذَرْتُ:﴾ ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل التي هي فاعله. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل نذرنا، نذرن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿صَوْمًا:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿نَذَرْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إني) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُولِي..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور،","vol":"5","page":583},{"text":"والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و«إن» الشرطية، ومدخولها كلام مفرع عما قبله، فهو من جملة النداء لها. تأمل. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿أُكَلِّمَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿إِنْسِيًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الشرطية، فمحلها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2277\"></span>﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأَتَتْ بِهِ﴾ أي: بعيسى ﵇، روي: أن مريم لما اطمأنت بما رأت من الآيات، وعلمت: أن الله تعالى سيبين عذرها؛ أتت به تحمله من المكان القصي الذي كانت قد انتبذت فيه. قال ابن عباس: خرجت من عندهم حين أشرقت الشمس، فجاءتهم عند الظهر، ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار. وقال الكلبي: ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوما للنفاس، ثم أتت به قومها تحمله، فلما رأوها ومعها الصبي؛ حزنوا، وكانوا قوما صالحين. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من الاختلاف في مدة الحمل، ويروى: أن عيسى كلمها في الطريق، فقال: يا أماه لا تحزني، وأبشري فإني عبد الله، ومسيحه.\n ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا:﴾ عظيما، منكرا. هذا؛ و(الفري): العظيم من الأمر، ومنه قول النبي ﷺ في وصف عمر﵁من حديث الرؤيا التي رآها في منامه: «فلم أر عبقريّا يفري فريه». هذا؛ و(الفري): قطع الجلد للخرز، والإصلاح، والإفراء: إفساده.\nهذا؛ وقال السدي، ووهب بن منبه: لما أتت به قومها تحمله تسامع بذلك بنو إسرائيل، فاجتمع رجالهم ونساؤهم، فمدت امرأة يدها إليها لتضربها، فأجف الله شطرها. وقال رجل: ما أراها إلا زنت، فأخرسه الله تعالى، فتحامى الناس من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمة تؤذيها، وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون، فقالوا: ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. انتهى. قرطبي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَتَتْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أتت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى مريم. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿قَوْمَها:﴾\nمفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، ﴿تَحْمِلُهُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى مريم، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (أتت)، فهي حال متكررة، أو من الضمير المجرور بالباء، فهي حال متداخلة، وجملة: (أتت...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو","vol":"5","page":584},{"text":"الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿يا مَرْيَمُ:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب «أدعو». (مريم):\nمنادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: «يا». ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، وهذا الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. جئت: فعل، وفاعل. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به على معنى فعلت شيئا. وقيل هو مصدر مفعول مطلق على معنى جئت مجيئا. ﴿فَرِيًّا:﴾ صفة له والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها. والكلام: ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2278\"></span>﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ:﴾ لقد اختلف الناس في معنى هذه الأخوة، ومن هارون؟ فقيل:\nكان رجلا صالحا في بني إسرائيل، شبهت به في عفتها، وصلاحها، وليس المراد منه الأخوة في النسب. قيل: إنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمون هارون سوى سائر الناس.\nوقيل: كان هارون أخاها لأبيها. وقيل: إنما عنوا هارون أخا موسى؛ لأنها كانت من نسله، وبينهما ألف سنة، كما يقال: للتميمي: يا أخا تميم نسبة للقبيلة. وقيل: بل كان في زمنها رجل فاجر اسمه هارون، فنسبوها إليه على جهة التعيير، والتوبيخ، والله أعلم بحقيقة الأمر.\n ﴿ما كانَ أَبُوكِ﴾ أي: عمران. ﴿اِمْرَأَ سَوْءٍ﴾ أي: يفعل السوء. هذا؛ وأصل امرأ: المرء، ولما كثر استعمالهم لها، حتى أصبحت تستخدم للدّلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازا، وكان الهمز في آخرها ثقيلا بعد السكون خففوها كثيرا بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الراء، فقالوا:\nالمر، وبذلك أشبهت الراء منها النون من (ابن) في تلقى حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرا بحذف الهمزة شبهوها بما حذف آخره، نحو (اسم، ابن، است) فجبروها بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردوا إليها الهمزة، فقالوا: امرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الراء والهمزة، فتقول: هذا امرؤ، ورأيت امرءا، ومررت بامرئ. قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ،﴾ ﴿ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ،﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.\nهذا؛ و(السّوء): الشر والفساد، والجمع: أسواء، وهم بضم السين من ساءه، وهو بفتحها كما هنا المصدر، وتقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ وتأنيث السّوء: السّوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾. ﴿وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا:﴾ زانية. وانظر الآية رقم [٢٠] لإعلاله، فمدحوا","vol":"5","page":585},{"text":"أباها ونفوا عن أمها البغاء، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ وكفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها؛ أي: أنت بخلاف أبيك، وأمك حيث أتيت بهذا الولد.\nالإعراب: ﴿يا أُخْتَ:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (أخت): منادى منصوب، وهو مضاف، و﴿هارُونَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿أَبُوكِ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿اِمْرَأَ:﴾ خبر كان، وهو مضاف، و﴿سَوْءٍ:﴾ مضاف إليه، وإعراب الجملة التالية مثل إعراب هذه الجملة. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول قومها.\n\n<span id=\"aya-2279\"></span>﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي: أشارت مريم إلى عيسى أن كلموه، وذلك أنها التزمت الصمت لما أمرت بترك الكلام، ولذا كان معنى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ.﴾. إلخ أي: أشيري إشارة.\nيروى: أنهم لما أشارت إلى الطفل؛ قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها، لذا قالوا لها:\n ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ..﴾. إلخ هذا؛ والمهد: السرير. وقيل: ﴿الْمَهْدِ:﴾ الحجر، فالمراد: حجرها.\nهذا؛ و﴿الْمَهْدِ:﴾ الموضع والفراش يهيأ، ويوطأ للصبي. قال الصلاح الصفدي: رأيت بخط ابن خلكان: أن مسلما ناظر نصرانيا، فقال له النصراني في خلال كلامه، متخفيا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم! كيف كان وجه عائشة زوجة نبيكم في تخلفها عن الركب عند نبيكم، معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصراني كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج، فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم اعتقدنا مثله في ديننا من براءة عائشة زوج نبينا! فانقطع النصراني، ولم يحر جوابا.\nالإعراب: ﴿فَأَشارَتْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أشارت): ماض، والفاعل يعود إلى (مريم) والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾\nاسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿نُكَلِّمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ﴿كانَ:﴾ قال السمين في ﴿كانَ﴾ أقوال: أحدها: أنها زائدة، وهو قول أبي عبيدة؛ أي: كيف نكلم من في ﴿الْمَهْدِ﴾ و﴿صَبِيًّا﴾ على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، الواقع صلة، والثاني: أنها تامة، بمعنى: حدث، ووجد، والتقدير: كيف نكلم من","vol":"5","page":586},{"text":"وجد صبيا؟! و﴿صَبِيًّا﴾ حال من الضمير في ﴿كانَ﴾. الثالث: أنها بمعنى: صار؛ أي: كيف نكلم من صار في المهد صبيا، و﴿صَبِيًّا﴾ على هذا خبرها. الرابع: أنها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع، كقوله تعالى:\n ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف (لم يزل). انتهى. جمل.\nوقال ابن الأنباري: لا يجوز أن يقال: زائدة، وقد نصبت ﴿صَبِيًّا،﴾ ولا أن يقال: بمعنى:\n «حدث»؛ لأنه لو كانت بمعنى: الحدوث، والوقوع؛ لاستغنى فيه عن الخبر، تقول: كان الحر، وتكتفي به، والصحيح أن ﴿مَنْ﴾ في معنى الجزاء، و﴿كانَ﴾ بمعنى: يكن، التقدير: من يكن في المهد صبيا، فكيف نكلمه. انتهى. قرطبي. وأطال الكلام في الاستدلال لما قاله. هذا؛ وذكر أبو البقاء هذا القول، وضعفه بقوله: وقيل: ﴿مَنْ﴾ شرطية، وجوابها ﴿كَيْفَ﴾. انتهى. أقول:\nوضعفه ظاهر، والمعنى يأباه، والمعتمد: أنها على بابها من النقصان.\n\n<span id=\"aya-2280\"></span>﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ:﴾ قيل كان عيسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يرضع، فلما سمع كلام اليهود لأمه ترك الرضاعة، وأقبل عليهم بوجهه. وقال: إني عبد الله. وقال وهب: أتاها زكريا ﵇ عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك؛ إن كنت أمرت بها، فقال: عند ذلك عيسى، وهو ابن أربعين يوما. وقيل: بل يوم ولد: إني عبد الله، أقر على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها. انتهى. هذا؛ وإنما نطق بذلك، وإن كانت الحاجة أشد ليزيل التهمة عن أمه، ليزيل التهمة عن الله باتخاذ الولد، وإزالة التهمة عن الله إزالة للتهمة عن أمه بطريق الأولى؛ لأن ابن الزنى لا ينطق وهو صبي.\n ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ أي: الإنجيل. ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا:﴾ قيل: معناه سيجعلني نبيا، ويؤتيني الكتاب، وهذا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ في قديم الأزل، كما قيل للنبي ﷺ: «متى كنت نبيّا؟ قال: كنت نبيّا، وآدم بين الروح والجسد». وقال الأكثرون: إنه، أوتي الإنجيل، وهو صغير، وكان يعقل عقل الرجال الكمل، وذكرت لك في الآية رقم [١١] أن يحيى ﵇ أعطي النبوة، وهو صبي كذلك.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى عيسى. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿عَبْدُ:﴾ خبرها، و﴿عَبْدُ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿آتانِيَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿اللهِ،﴾ والرابط رجوع الفاعل فقط، و«قد» قبلها مقدرة، وجملة: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ معطوفة، وهي مثلها في إعرابها ومحلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":587},{"text":"<span id=\"aya-2281\"></span>﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا:﴾ نفاعا للناس، أعلمهم الخير، وأرشدهم إلى جميل الأفعال، وكريم الأخلاق. ﴿أَيْنَ ما كُنْتُ:﴾ في أي مكان، وجدت وحللت فيه. ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ﴾ أي: أمرني بأدائهما إذا أدركني التكليف، وأمكنني أداؤهما. وقيل: إن الله صيره بالغا عاقلا مكلفا حين انفصل من أمه. ﴿ما دُمْتُ حَيًّا:﴾ فهذا يفيد: أنه مكلف في جميع أدوار حياته حين كان في الأرض، وحين رفع إلى السماء، وحين ينزل إلى الأرض في آخر الزمان، هذا، أو يراد بالزكاة المذكورة تطهير النفس من الرذائل، والأفعال الذميمة. هذا؛ والتعبير بلفظ الماضي، إما باعتبار ما سبق في قضائه تعالى، أو بجعل المحقّق وقوعه كالواقع.\nهذا؛ و(الصلاة) في اللغة: الدعاء، والرحمة، والعبادة، وهي في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط وأركان، ومبطلات ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ هذا؛ ويكثر في القرآن لفظ ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ و﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ و﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ والمعنى: أدّ الصلاة كاملة في أوقاتها، وحافظ على طهارتها، وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. أما (الزكاة) فهي في اللغة: التطهير، والنماء، وفي الشرع اسم لمال مخصوص يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة) وانظر ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ في الآية [٥٨] الآتية.\nهذا؛ وخص الصلاة والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. هذا؛ وأضيف: أن الزكاة قرينة الصلاة، فقد روي: أن أعرابيا جاء إلى ابن عباس﵄-، فقال له: يا ابن عباس، أنت حبر الأمة، وترجمان القرآن علمك الله أسرار الكتاب، وفقهك في الدين، فقل لي بربك: لماذا قرن الله الصلاة إلى الزكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عباس ذلك لتعلم: أن الصلاة، والزكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حق الله، وهذه حق الناس. ورضي الله عن الصديق الذي سوى بين المرتدين ومانعي الزكاة في القتال، والمحاربة، كما هو مشهور، وخذ قول أحمد شوقي رحمه الله تعالى: [الوافر]\nولم أر مثل جمع المال داء... ولا مثل البخيل به مصابا\nعجبت لمعشر صلّوا، وصاموا... ظواهر خشية وتقى كذابا","vol":"5","page":588},{"text":"وتلفيهم حيال المال صمّا... إذا داعي الزكاة بهم أهابا\nلقد كتموا نصيب الله منه... كأنّ الله لم يحص النّصابا\nومن يعدل بحبّ الله شيئا... كحبّ المال ضلّ هوى وخابا\nوخذ قول أبي العتاهية الصوفي: [الكامل]\nأقم الصلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات\nوإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصّدقات\nفي الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزكاة قرينة الصّلوات\nالإعراب: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في محلها، وإعرابها. ﴿أَيْنَ ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون. وقيل: مبني على الفتح، و«ما»:\nزائدة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر كان. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: أينما كنت جعلني مباركا، والجملة الشرطية في محل نصب حال من الضمير المستتر في مباركا، أو هي في محل نصب مفعول به من تعدد الثاني؛ لأن الخبر في الأصل يتعدد، وكذلك يتعدد حين صار مفعولا ثانيا. تأمل. هذا؛ وجملة: ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ معطوفة على جملة: ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ فهي مثلها في إعرابها وفي محلها. ﴿وَالزَّكاةِ:﴾ معطوف على الصلاة. ﴿ما:﴾ مصدرية ظرفية. ﴿دُمْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.\n ﴿حَيًّا:﴾ خبره، و﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل، (أوصاني)، وتقدير الكلام: مدة دوامي حيا، فإذا المصدر المؤول مضاف إليه الزمان المقدر. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2282\"></span>﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ أي: مطيعا لها: محسنا إليها. قال ابن عباس﵄-:\nلما قال: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ ولم يقل: «بوالديّ» علم أنه من جهة الله تعالى. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا:﴾\nمتكبرا طاغيا متغطرسا. ﴿شَقِيًّا:﴾ خائبا من الخير، مطرودا من رحمة الله؛ إذ الشقي الحقيقي هو الذي طرد من رحمة الله تعالى. قيل: بلغ من تواضعه، ولينه، وزهده: أنه كان يأكل ورق الشجر، ويجلس على التراب، ولم يتخذ له مسكنا. قال النبي ﷺ في حق أبي ذر الغفاري -﵁-: «إنّه يسير على زهد ابن مريم».","vol":"5","page":589},{"text":"الإعراب: ﴿وَبَرًّا:﴾ معطوف على ﴿مُبارَكًا،﴾ ورجح نصبه بفعل محذوف لطول الفصل. هذا؛ وقرئ شاذا بالجر عطفا على الصلاة، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه اسم فاعل، ﴿بِوالِدَتِي:﴾ متعلقان به، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر تقديره: «هي». ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف جازم. ﴿يَجْعَلْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى (الله)، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿جَبّارًا:﴾ مفعول به ثان، ﴿شَقِيًّا:﴾ من تعدد المفعول الثاني، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من العطف على الجمل السابقة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2283\"></span>﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾\nالشرح: شرح هذه الآية وإعرابها مثل الآية رقم [١٥] بلا فارق، انظرها هناك، ففيها الكفاية. هذا؛ وقال الجمل-رحمه الله تعالى-: وصف نفسه بصفات ثمانية: أولها: العبودية، فاعترف بها لئلا يتخذوه إلها، وآخرها تأمين الله له في أخوف المقامات، وكل هذه الصفات تقتضي تبرئة أمه. انتهى. وأقول: تقتضي أيضا تبرئته من الألوهية التي ألصقها به النصارى.\nتنبيه: روي: أن عيسى ﵇ إنما تكلم في طفولته بما رأيت، ثم عاد إلى حالة الأطفال: حتى مشى على عادة البشر إلى أن بلغ مبلغ الصبيان، فكان نطقه في المهد إظهار براءة أمه، لا أنه كان ممّن يعقل في تلك الحالة، وهو كما ينطق الله الجوارح يوم القيامة، ولم ينقل أنه دام نطقة في تلك الحالة، وهو ما ذكرته في الآية رقم [٤٦] من سورة (آل عمران)، ولا أنه كان يصلي، وهو ابن يوم، أو شهر ولو كان يدوم منه ما ذكر في صغره من وقت الولادة لكان مثله ممّا لا ينكتم، وكلامه في المهد أنقذ أمه من حد الزنى المقرر في التوراة، وقد أجمعت فرق بني إسرائيل أنها لم تحد. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nفائدة: قال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت عيسى ﵇ يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص في سائر آياته، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك، فقال لها:\nطوبى لما تلا كتاب الله تعالى، واتبع ما فيه، وعمل به. انتهى قرطبي.\n<span id=\"aya-2284\"></span>﴿ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: ذلك الذي قال: إني كذا، وكذا، هو عيسى ابن مريم، لا كما قالت النصارى: إنه إله، أو ابن الله، ولا كما يقول اليهود: إنه ابن الزنى، وإنه ابن يوسف النجار، وهو تكذيب للجميع فيما يصفونه به على الوجه الأبلغ، والطريق الأوضح.","vol":"5","page":590},{"text":"﴿قَوْلَ الْحَقِّ:﴾ وسمي: قول الحق كما سمي كلمة الله، و﴿الْحَقِّ﴾ هو الله ﷿. وقيل:\nالتقدير: هذا الكلام قول الحق، وليس بباطل. هذا؛ وقرئ بنصب اللام وضمها. ﴿يَمْتَرُونَ:﴾\nيشكون، بل ويختلفون. هذا؛ وقرئ: «(قال الحقّ)» و﴿(قَوْلَ الْحَقِّ)﴾ والقول والقال والقول بمعنى:\nواحد. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء). هذا؛ وعيسى بالعبرية هو يسوع. وقال أبو البقاء: مأخوذ من العيس، وهو: بياض يخالطه شقرة.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب للنبي ﷺ، ولكل عاقل. ﴿عِيسَى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة عيسى، أو بدل منه، أو عطف بيان عليه، أو خبر ثان للمبتدإ. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿عِيسَى﴾ بدلا من ﴿ذلِكَ﴾ أو عطف بيان عليه، و(ابن) يبقى على ما تقدم ذكره، وعليه فالخبر قول بالرفع على قراءته بذلك، وعلى اعتبار ﴿عِيسَى﴾ خبر المبتدأ ف:\n ﴿قَوْلَ﴾ خبر ثان للمبتدإ، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: قول ابن مريم قول الحق، وعلى هذا فالوقف على ﴿مَرْيَمَ﴾. هذا؛ وعلى قراءة (قول) بالنصب فهو مفعول مطلق مؤكد لمعنى الجملة الاسمية. وقيل: مفعول به لفعل محذوف، والأول: أقوى، وابن مضاف، ومريم مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، و﴿قَوْلَ:﴾ مضاف، و﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه مجرور. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدلا من ﴿عِيسَى﴾ أو صفة، أو هو خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: هو الذي... إلخ وقيل: هو صفة للقول، أو صفة للحق، والمعتمد الأوجه الأولى. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَمْتَرُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2285\"></span>﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿ما كانَ لِلّهِ..﴾. إلخ: ما صح، ولا يليق، ولا ينبغي لله أن يتخذ ولدا؛ لأن الولد يرغب فيه بالمعاونة، والمناصرة، والله غير محتاج لذلك، بل هو منزه عن الشريك والصاحبة والولد، ولذا نزه نفسه بقوله: ﴿سُبْحانَهُ﴾. ﴿إِذا قَضى أَمْرًا:﴾ أراد أمرا من الأمور. ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي:\nأحدث، فيحدث، وليس المراد حقيقة أمر، بل هو تمثيل لما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور والمطيع بلا توقف. بعد هذا انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٠] من سورة (النحل). وانظر شرح سبحانه في الآية رقم [١] منها. وانظر شرح: ﴿قَضى﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في محل رفع اسم (كان) مؤخرا، التقدير: ما","vol":"5","page":591},{"text":"كان اتخاذ الولد واقعا، وحاصلا لله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلَدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قَضى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل خبر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح، وهو المشهور.\n ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَقُولُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُنْ:﴾ أمر تام بمعنى: أحدث، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَيَكُونُ:﴾ مضارع تام أيضا، وفاعله يعود إلى ﴿أَمْرًا﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nفهو يكون، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، وهذا القول يعزى لسيبويه رحمه الله تعالى. وقيل: إن (يكون) معطوف على ﴿يَقُولُ﴾ وهو يعزى للزجاج، والطبري. وقيل: هو معطوف على ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى، وهو قول الفارسي. انتهى جمل في سورة (البقرة). هذا؛ ويقرأ يكون بالنصب على أنّ الفعل منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، وضعفه أبو البقاء، وأقول: لا يمكن سبك مصدر من «أن» المضمرة والفعل، وعطفه على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ لا يقال: يقول له: ليكن حدوث فحدوث. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2286\"></span>﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ:﴾ قال الخازن: هذا إخبار عن عيسى ﵇ أنه قال ذلك. يعني ولأن الله ربي وربكم لا رب للمخلوقات سواه. ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أخبرتكم به ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي..﴾. إلخ هو الصراط المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة. هذا؛ وقد قرئ بفتح همزة (أن) وكسرها، وينبغي أن تعلم: أن الآية قد ذكرت بحروفها في سورة (آل عمران) برقم [٥١].\nهذا؛ و(الصراط): الطريق، وهو مستعار هنا للدين القويم كما في سورة (الفاتحة)، وسمي الدين طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة فهو طريق إليها، وهو يقرأ بالصاد والسين والزاي، ويذكر، ويؤنث، والأول: أكثر، و(المستقيم): هو الذي لا اعوجاج فيه، والأصل فيه: (مستقوم)؛ لأنه","vol":"5","page":592},{"text":"من استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، فصار (مستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة فصار: (مستقيم).\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف، ويقرأ بدون واو. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿رَبِّي:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وعلى قراءة كسر الهمزة فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، لا محل لها. وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قل إن الله... إلخ، بدليل قوله في سورة (المائدة): ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وعلى فتح الهمزة تؤوّل مع اسمها وخبرها بمصدر، وفي محله، أوجه:\nأحدها أنه على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده، التقدير: ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ وإليه ذهب الزمخشري تابعا للخليل، وسيبويه.\nالثاني: أنه معطوف على (الصلاة) والتقدير: أوصاني بالصلاة وبأن الله... إلخ، وإليه ذهب الفراء. الثالث: أن يكون في محل نسقا على ﴿الْكِتابَ﴾ في قوله: ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ على أن يكون الخطاب بذلك لمعاصري عيسى ﵇، والقائل لهم ذلك هو عيسى. هذا؛ وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى: والأمر أن الله ربي، وفيه قول خامس، وهو أنه معطوف على ﴿أَمْرًا﴾ ويكون المعنى: إذا قضى أمرا، وأن الله ربي... إلخ، وهذا ضعيف كما قيل على كسرة الهمزة: إن الجملة الاسمية معطوفة على قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ فهو داخل في حيز القول، ويكون ما بينهما اعتراضا، وهو من البعد بمكان. ﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٤] (اعبدوه): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿صِراطٌ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-2287\"></span>﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى ﵇ فاليهود قالوا: هو ساحر وابن زنى، والنصارى ثلاث فرق: قالت النسطورية منهم:\nهو ابن الله. وقالت الملكانية: ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية: هو الله، فأفرطت النصارى، وغلت، وفرطت اليهود، وقصرت، أما المسلمون فقد قالوا الحق: إنما هو عبد الله، وكلمته.","vol":"5","page":593},{"text":"﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من اليهود، والنصارى. ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من شهود يوم عظيم هوله، وحسابه، وجزاؤه، وهو يوم القيامة، أو من وقت الشهود، أو من مكانه، ف: ﴿مَشْهَدِ﴾ يحتمل المصدر والزمان والمكان، وكل له معنى خاص فيه، وأقواها: شهادة ذلك اليوم عليهم، وهو أن يشهد عليهم الملائكة، والرسل، وألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بالكفر، والفسوق، والعصيان. انظر سورة (التوبة) [٣٠].\nهذا؛ و﴿الْأَحْزابُ﴾ جمع: حزب، وهو الطائفة من الناس اجتمعوا على أمر من الأمور، وكل قوم تشاكلت قلوبهم، وأعمالهم حزب، وإن لم يلق بعضهم بعضا، وحزب الشيطان: هم المتبعون وساوسه وزخارفه، ودعوته إلى الشر، والفساد، وحزب الله: هم المتبعون، أوامره، المنتهون عن مناهيه، قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ الآية رقم [٥٣] من سورة (المؤمنون) ورقم [٣٢] من سورة (الروم).\nالإعراب: ﴿فَاخْتَلَفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اختلف): ماض. ﴿الْأَحْزابُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿بَيْنِهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من ﴿الْأَحْزابُ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَوَيْلٌ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ويل): مبتدأ سوغ الابتداء به، -وهو نكرة-الدعاء؛ لأنه من المسوغات، سواء أكان له، أو عليه.. إلخ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ مَشْهَدِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (ويل) بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلقا ب: (ويل) لأجل الفصل. انتهى عكبري. وقال أبو السعود: متعلقان به على معنى: يولولون، ويضجون منه. والأول: أولى، و﴿مَشْهَدِ:﴾ مضاف، و﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة يوم، والجملة الاسمية: ﴿فَوَيْلٌ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2288\"></span>﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿أَسْمِعْ..﴾. إلخ: هذا تعجب عجب الله نبيه ﷺ من اختلافهم في شأن عيسى ﵇، ووصفه بصفات الربوبية. قال الكلبي: لا أحد أسمع منهم يوم القيامة، ولا أبصر، حين يقول الله ﵎ لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. ﴿لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ أي: في الدنيا. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ وأي ضلال أبين من أن يعتقد المرء في شخص مثله حملته الأرحام، وأكل وشرب، وأحدث، ومرض، واحتاج: أنه إله؟! ومن هذا؛ وصفه، فهو أصم، وأعمى، ولكنه سيبصر، ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولكنه لا ينفعه ذلك. انتهى. قرطبي. هذا؛ وأظهر: ﴿الظّالِمُونَ﴾ في موضع الإضمار زيادة في التشنيع عليهم.","vol":"5","page":594},{"text":"وانظر: (ضل) في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل) وشرح «الظلم» في الآية رقم [٩٠] منها.\nوانظر إعلال ﴿مُبِينٍ﴾ في الآية رقم [١] من سورة (الحجر).\nالإعراب: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ انظر الآية رقم [٢٦] من سورة (الكهف)، ففيها الكفاية، وأضيف هنا أن الفعل ﴿أَسْمِعْ﴾ مبني على السكون، أو قل: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، الذي جيء به لبناء الفعل على صيغة الأمر، والباء زائدة، والهاء فاعل مجرور لفظا، مرفوع محلا. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بأحد الفعلين الجامدين على التنازع. ﴿يَأْتُونَنا:﴾ مضارع مرفوع... إلخ والواو فاعله، و(نا): مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، والكلام: ﴿أَسْمِعْ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿لكِنِ:﴾ حرف استدراك عطف مهمل لا عمل له. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُبِينٍ﴾ بعده. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ﴾ والجملة الاسمية: ﴿لكِنِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2289\"></span>﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمعنى: خوف يا محمد الكفار من أهل مكة وغيرهم يوم الحسرة، سمي بذلك لأن المسيء يتحسر: هلاّ أحسن العمل! والمحسن:\nهلاّ ازداد في الإحسان! يدل عليه ما رواه أبو هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ما من أحد يموت إلاّ ندم». قالوا: ما ندمه يا رسول الله؟ قال: «إن كان محسنا؛ ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا، ندم أن لا يكون نزع». أخرجه الترمذي. هذا؛ وقال أكثر المفسرين:\nيعني بيوم الحسرة حين يذبح الموت.\nفعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرئبّون، وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم؛ هذا الموت، وكلّهم قد رآه، فيذبح بين الجنة والنار، ثمّ يقول: يا أهل الجنة خلود بلا موت! ويا أهل النار خلود بلا موت!». ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ..﴾. إلخ الآية. متفق عليه، وزاد الترمذي في الحديث نفسه: «فلو أنّ أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أنّ أحدا مات حزنا لمات أهل النار». انتهى خازن. وقريب منه في القرطبي. وقال: هذه الأحاديث والآية الكريمة ترد على من قال: إن صفة الغضب تنقطع، وإن إبليس ومن تبعه من الكفرة يدخلون الجنة. انتهى. بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"5","page":595},{"text":"﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وذبح الموت كما رأيت. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: الكافرون غافلون عما يراد بهم، ولا تنس: أن كثيرا من المسلمين أغفل، وأضل، وأجرم من الكافرين. ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بالبعث، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنذرهم): أمر وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به ثان. وقيل: هو ظرف متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْحَسْرَةِ:﴾ مضاف إليه، ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالحسرة، وهو بدل من ﴿يَوْمَ﴾ على اعتباره مفعولا كما رأيت.\n ﴿قُضِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْأَمْرُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. هم: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي غَفْلَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها على الاعتبارين فيها، وفي السمين قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ..﴾. إلخ جملتان حاليتان، وفيهما قولان: أحدهما: أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله: ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: استقروا في ضلال مبين على هاتين الحالتين السيئتين، والثاني:\nأنهما حالان من مفعول أنذرهم؛ أي: (أنذرهم) على هذه الحالة وما بعدها، وعلى الأول:\nيكون قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ اعتراضا. انتهى جمل.\n\n<span id=\"aya-2290\"></span>﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ أي: أن نميت أهلها، وسكانها، فلا يبقى لأحد عليها وعليهم ملك غيرنا. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الحجر) ﴿وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ فنجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وفي قوله: ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ استعارة. تأمل. وإعلال: ﴿نَرِثُ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَحْنُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو تأكيد ل: (نا) على المحل، وثانيها هو ضمير فصل لا محل له، وثالثها: هو مبتدأ. ﴿نَرِثُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) على الوجهين الأولين في الضمير، وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. و(من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الأرض. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. و(إلينا): متعلقان","vol":"5","page":596},{"text":"بما بعدهما. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع.. إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿نَرِثُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له قطعا؛ لأن الجملة المضارعية، الواقعة حالا لا تقترن بالواو.\n\n<span id=\"aya-2291\"></span>﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ﴿فِي الْكِتابِ﴾ أي: في القرآن الكريم. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾\nانظر نسبه، وأولاده، وقصته مع سارة، وهاجر في الآية رقم [٣٥] من السورة المسماة باسمه.\nوانظر عمره وما جرى له مع الملكين اللذين بشراه بإسحاق في الآية رقم [٧١] وما بعدها من سورة (هود) ﵇.\n ﴿صِدِّيقًا﴾ أي: كثير الصدق، وهو مبالغة في كونه صديقا. وقيل: الصدّيق: كثير التصديق.\nوقيل: من صدّق الله في وحدانيته، وصدّق أنبياءه ورسله فيما جاءوا به، وصدّق بالبعث بعد الموت، وقام بالأوامر، فعمل بها، وانتهى عن المناهي وابتعد عنها؛ فهو صدّيق، ولما قربت رتبة الصديق من رتبة النبي؛ انتقل من ذكر كونه صديقا إلى ذكر كونه نبيا، و(النبي) يقرأ بالهمز، وبدونه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهي الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب سائر الخلق. هذا؛ والنبيّ: ذكر، حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، وإن لم يؤمر بتبليغه، وإن أمر بالتبليغ فهو رسول. هذا؛ ومعنى الآية:\nاقرأ يا محمد على قومك، وعلى اليهود، والنصارى أيضا في القرآن أمر إبراهيم، وقصته مع أبيه، فقد عرفوا أنهم من ذريته؛ وأنه كان حنيفا مسلما، وما كان يتخذ من دون الله إلها؛ فهؤلاء لم يتخذون آلهة من دونه؟! وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي:\nاستمهنها، وأذلها، واستخف بها.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف عطف يعطف قصة إبراهيم مع أبيه على قصة مريم مع ابنها. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿صِدِّيقًا:﴾ خبر كان. ﴿نَبِيًّا:﴾ خبر ثان. وقيل: صفة، وليس بشيء، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2292\"></span>﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ:﴾ انظر الكلام على أبيه آزر في الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك. ﴿يا أَبَتِ:﴾ انظر الكلام على هذا اللفظ في الآية رقم [٤] من سورة (يوسف) عليه","vol":"5","page":597},{"text":"السّلام، فإنّه طويل، وجيد. ﴿لِمَ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف: اللام الجارة، والاسم: (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها،﴾ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال:\nللفرق بين الخبر، والاستخبار. هذا؛ وقد وصف إبراهيم﵊الأصنام التي كان أبوه يعبدها بثلاثة أشياء، كل واحد منها قادح في الإلهية، وصفها بعدم السمع، وبعدم البصر، وبعدم الإغناء؛ أي: النفع في شيء من الأشياء، والعبادة هي غاية التعظيم للمعبود، فلا يستحقها إلا من له ولاية الإنعام وله، أوصاف الكمال، وهو الله تعالى، لذا فلا يستحق العبادة إلا هو.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب بدلا من إبراهيم، وما بينهما اعتراض. وقال الزمخشري: متعلق ب: ﴿كانَ﴾ وهذا على رأي: من يجيز التعليق بالأفعال الناقصة. وقيل: متعلق ب: ﴿صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (أبت):\nمنادى منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، والمعوض عنها التاء كما رأيت في الشرح (لم) اللام: حرف جر، و﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، وحذفت الألف الساكنة بسبب الجر، كما رأيت في الشرح، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَعْبُدُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَسْمَعُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والمفعول محذوف، تقديره:\nصوتا، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، وجملة: ﴿وَلا يُبْصِرُ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، وكذلك جملة: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ معطوفة عليها أيضا، ويجوز أن يكون ﴿شَيْئًا﴾ مفعولا به، وأن يكون نائب مفعول مطلق. هذا؛ والكلام: ﴿يا أَبَتِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2293\"></span>﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ أي: من اليقين، والمعرفة بالله، وما يكون بعد الموت، وأنّ من عبد غير الله عذب. ﴿فَاتَّبِعْنِي:﴾ إلى ما أدعوك إليه. ﴿أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا:﴾ أرشدك، وأدلك إلى دين مستقيم فيه النجاة، هذا فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق منه، ثم ثبطه عما كان عليه","vol":"5","page":598},{"text":"بأنه مع خلوه من النفع مستلزم للضر؛ لأنه في الحقيقة عبادة للشيطان من حيث إنه الآمر به، وهو ما يلي في الآية التالية.\nالإعراب: ﴿يا أَبَتِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَنِي:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل (جاء). ﴿الْعِلْمِ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتِكَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ما، وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿قَدْ جاءَنِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فَاتَّبِعْنِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٤] (اتبعني): التماس من أبيه، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكرت حاصلا وصحيحا؛ فاتبعني. ﴿أَهْدِكَ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حرف العلة... إلخ، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنا»، والكاف مفعوله الأول. ﴿صِراطًا:﴾ مفعوله الثاني.\n ﴿سَوِيًّا:﴾ صفة له. هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2294\"></span>﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أي: لا تطعه فيما يأمرك به من الكفر، ومن أطاع شيئا في معصية؛ فقد عبده وانظر الآية رقم [٣١] من سورة (التوبة) تجد ما يسرك. ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا:﴾ ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص، وكل عاص حقيق بأن يسترد منه النعم، وينتقم منه، ولا تنس: أن الرضا بالمعصية معصية، والسكوت عليها ممّن يستطيع تغييرها معصية أيضا.\nالإعراب: ﴿يا أَبَتِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لا تَعْبُدِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الشَّيْطانَ:﴾ مفعول به.\n ﴿الشَّيْطانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى ﴿الشَّيْطانَ﴾ تقديره: «هو». ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَصِيًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿الشَّيْطانَ﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي. هذا؛ وينبغي أن تعلم:\nأنه يجوز في ﴿كانَ﴾ هنا ما جاز فيها في الآية رقم [٢٨] من أوجه، ما عدا الزيادة وينبغي أن تعلم أيضا: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول أيضا؛ إذ هي من قول إبراهيم ﵇ كالسابقة، واللاحقة.","vol":"5","page":599},{"text":"<span id=\"aya-2295\"></span>﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ﴾ أي: أعلم، كما في قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ من الآية رقم [٢٢٩] من سورة (البقرة). وقيل: هو على ظاهره؛ لأنه يمكن أن يؤمن، فيكون من أهل الجنة، أو يصر على الكفر، فيكون من أهل النار، فحمل الخوف على ظاهره أولى. ﴿أَنْ يَمَسَّكَ:﴾ يصيبك، ويقع عليك. ﴿عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ﴾ أي: إن مت على ما أنت عليه من الكفر، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ أي: قرينا من النار.\nقال الخازن رحمه الله تعالى: واعلم: أن إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قد رتب الكلام في غاية الحسن، مقرونا بالتلطف والرفق، فإن قوله في مقدمة كلامه:\n ﴿يا أَبَتِ﴾ دليل على شدة الحب، والرغبة في صرفه عن العقاب، وإرشاده إلى الصواب؛ لأنه نبه أولا على ما يدل على المنع من عبادة الأصنام، ثم أمره باتباعه في الإيمان، ثم نبه على أنّ طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي، بقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ..﴾. إلخ ثم قال: وإنما فعل إبراهيم هذا مع أبيه لأمور: أحدها:\nلشدة تعلق قلبه بصلاح أبيه، وأداء حق الأبوة، والرفق به، وثانيها: أن النبي الهادي إلى الحق لا بد أن يكون رفيقا لطيفا حتى يقبل منه كلامه، وثالثها: النصح لكل أحد. فالأب أولى. انتهى.\nكيف لا؟ وقد روى أبو هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «أوحى الله إلى إبراهيم ﵇: يا خليلي حسّن خلقك، ولو مع الكفّار تدخل مدخل الأبرار، وإنّ كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن أظلّه تحت عرشي، وأن أسقيه من حظيره قدسي وأن أدنيه من جواري». رواه الطبراني.\nالإعراب: ﴿يا أَبَتِ:﴾ انظر الآية رقم [٤١]. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَذابٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فَتَكُونَ:﴾ مضارع ناقص معطوف بالفاء على ﴿يَمَسَّكَ﴾ فهو منصوب مثله، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لِلشَّيْطانِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿وَلِيًّا﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤].\n ﴿وَلِيًّا:﴾ خبر (تكون). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، والآية بكاملها من مقول إبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n<span id=\"aya-2296\"></span>﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: أبوه. ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ﴾ أي: تاركها، وتارك عبادتها.\nهذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-قابل استعطافه، ولطفه في الإرشاد بالفظاظة، وغلظة","vol":"5","page":600},{"text":"العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل ﴿يا أَبَتِ﴾ ب: «يا بني» وأخره، وقدم الخبر على المبتدأ، وصدّره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة، على ضرب من التعجب، كأنها ممّا لا يرغب عنها عاقل، ثم هدده، فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ أي: عن مقالك فيها، أو عن الرغبة عنها، أو عن شتمك إياها.\n ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: معناه: لأضربنك، أو لأقتلنك بالحجارة، أو لأشتمنك، أو لأبعدنك عني بالقول القبيح، والأول: هو الصحيح. وانظر الآية رقم [١١٦] من سورة (الشعراء). ﴿وَاهْجُرْنِي:﴾ اجتنبني. وقال ابن عباس﵄-: اعتزلني سالما، لا يصيبنك مني معرة. ﴿مَلِيًّا:﴾ دهرا طويلا، ومنه قول المهلهل: [الكامل]\nفتصدّعت صمّ الجبال لموته... وبكت عليه المرملات مليّا\nهذا؛ و(راغب) اسم فاعل من رغب، وهذا الفعل وما اشتق منه يتغير معناه بتغير الجار الذي يتعلق به، تقول: رغبت عن الشيء: إذا كرهته، ولم تحبه، ورغبت فيه: إذا أردته، وأحببته، ولذا كان قول القائل: [الطويل]\nويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم\nمحتملا للمدح والذم بسبب تقدير الجار، كما يجوز تقدير «عن»، أو «في» في قوله تعالى:\n ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ومثل «رغب» وما اشتق منه: «ادّعى» يقال: ادّعى فلان في بني هاشم:\nإذا انتسب إليهم، وادّعى عنهم: إذا عدل بنسبه عنهم، ومثله أيضا: عدل، ومال، وانحرف، وغير ذلك كثير، وهذا ممّا يدل على اتساع اللغة العربية.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى أبي إبراهيم. ﴿أَراغِبٌ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري، (راغب): مبتدأ، سوغ الابتداء به تقدم الاستفهام عليه. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل ب: (راغب) وقد سد مسد خبره، وهذا أولى من اعتباره مبتدأ، و(راغب) خبر مقدم كما ذهب إليه الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي؛ لأنه لا تقديم فيه، ولا تأخير؛ إذ رتبة الفاعل التأخير عن رافعه، ولأنه لا فصل فيه بين العامل الذي هو ﴿أَراغِبٌ﴾ وبين معموله، وهو: ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بأجنبي، وهو: ﴿أَنْتَ﴾ إذا كان مبتدأ؛ لأن الخبر ليس عاملا في المبتدأ. انتهى. جمل. ومثل الآية الكريمة قول وداك بن ثميل المازني، وهو الشاهد رقم [٥٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nأجاعل أنت بيقورا مسلّعة... ذريعة لك بين الله والمطر؟\n ﴿عَنْ آلِهَتِي:﴾ متعلقان ب: (راغب) وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (إبراهيم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿لَئِنْ:﴾\nاللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿تَنْتَهِ:﴾ مضارع","vol":"5","page":601},{"text":"مجزوم ب: (لم)، وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ:﴾\nاللام: واقعة في جواب القسم. (أرجمنك): مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\n ﴿وَاهْجُرْنِي:﴾ أمر، وفاعله: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مَلِيًّا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، أو هو حال على تفسير ابن عباس من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب القسم لا محل لها، وعطفها الزمخشري على جملة محذوفة، التقدير: فاحذرني، واهجرني، وهذا يعني: أن الفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-2297\"></span>﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ هذا سلام توديع، ومتاركة، ومفارقة، ومقابلة للسيئة بالحسنة؛ أي: لا أصيبك بمكروه، لا أقول لك بعد ذلك ما يؤذيك. وقال النقاش: حليم خاطب سفيها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام، وجوز بعضهم تحية الكافر، وأن يبدأ بها، فقال النخعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي، أو نصراني فأبدأه بالسلام، فظهر بذلك أن قول النبي ﷺ الذي رواه أبو هريرة﵁-: «لا تبدءوا اليهود والنّصارى بالسّلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق؛ فاضطروهم إلى أضيقه». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي؛ إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءوهم بالسلام، من قضاء ذمام، أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة، أو جوار، أو سفر... إلخ.\nقال الطبري: وقد روي عن السلف: أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، وفعل ذلك ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه. قال علقمة، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدءوا بالسلام. قال: نعم، ولكن حق الصحبة. وسئل الأوزاعي عن مسلم مرّ بكافر، فسلم عليه، فقال:\nإن سلمت فقد سلم الصّالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك. انتهى قرطبي بتصرف.\nهذا؛ وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية، أو نحوها، ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر، وروي عن ابن عباس﵄أنه كان يرى رد الكتاب واجبا، كما يرى رد السّلام، والله أعلم.","vol":"5","page":602},{"text":"أقول: لم يتعرض للكلام في الرد عليهم أحد، وأذكر ما رواه أنس﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم». رواه الستة إلا النسائي، وهذا يعني أن لا يرد ﵈ كاملا، ولكن في هذا العصر كثر الاختلاط بهم، وتغيرت الأوضاع كما هو معروف ومعلوم، فإذا كان قد أجاز بعض العلماء بدأهم بالسلام كما رأيت، فرد السّلام عليهم كاملا، جائز بالأحرى، ولا سيما في هذا العصر الذي ضعفت فيه الروحانية الإسلامية عند كثير من المسلمين، وكذلك ما أصاب المسلمين من ضعف وهوان في هذه الأيام، وإن أراد المسلم التبرئة من التبعة؛ فلينو بالسلام عليهم والرد عليهم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم وتصرفهم في جميع أحوالهم، وكذلك ينوي المسلمين من الجن الذين يكونون قريبا منهم. أقول هذا؛ والله ولي التوفيق، وأضيف: أنه لا يرد عليهم بالرحمة وبالبركة، بل يكتفي بقوله: وعليكم السّلام.\n ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي:﴾ ما أحراك أن تنظر الكلام على هذا الاستغفار في الآية رقم [١١٤] من سورة (التوبة) ففيها الكفاية. ﴿إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا:﴾ الحفي: المبالغ في البر، والرفق، والألطاف. وقال الفراء: أي: عالما لطيفا إذا دعوته يجيبني. هذا؛ و(الحفيّ) أيضا: المستقصي في السؤال، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى إبراهيم ﵇. ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به-وهو نكرة-لأن فيها معنى الدعاء، وفيها أيضا معنى التبري، والمتاركة، فلما أفادت فوائد جاز الابتداء بها. انتهى. مكي. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿سَأَسْتَغْفِرُ:﴾\nالسين: حرف استقبال، وتسويف. (أستغفر): مضارع وفاعله تقديره: «أنا»، والسين والتاء للطلب؛ أي: سأطلب لك المغفرة من ربي. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿رَبِّي﴾. ﴿رَبِّي:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿حَفِيًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجمل ﴿سَلامٌ..﴾.\nإلخ كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2298\"></span>﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: أفارقكم، وأفارق ما تعبدون من الأصنام، وذلك: أنه فارقهم، وهاجر إلى الأرض المقدسة. وانظر الاعتزال في الآية رقم [١٦] من سورة","vol":"5","page":603},{"text":"(الكهف)، ولا تنس: ما فعل قبل الاعتزال من تكسير الأصنام، وما فعله قومه من محاولتهم تحريقه بالنار، وقد تكفلت سورة (الأنبياء) ببيان ذلك، أوضح البيان. ﴿وَأَدْعُوا رَبِّي:﴾ أعبده وأوحّده. ﴿عَسى أَلاّ أَكُونَ..﴾. إلخ: أي: أرجو وآمل أن لا أشقى بدعاء ربي وعبادته، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام، ففيه التواضع لله تعالى، مع التعريض بشقاوتهم، وحرمانهم من رحمة ربهم.\nهذا؛ وقد قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-وفي تصدير الكلام ب: ﴿عَسى﴾ التواضع، وهضم النفس، والتنبيه على أنّ الإجابة والإثابة تفضل غير واجب، وأنّ ملاك الأمر خاتمته، وهو غيب.\nبعد هذا انظر (دعا) في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) وشرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] منها. وانظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [١] من سورة (الكهف)، وشرح (دون) في الآية رقم [١٤] منها. والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أعتزلكم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الكاف. وقيل: في محل نصب مفعول معه، وهو ضعيف. والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا تدعونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَدْعُوا﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿رَبِّي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَسى:﴾ ماض جامد دال على إنشاء الترجي مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.\n ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿أَكُونَ:﴾ مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِدُعاءِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَقِيًّا﴾ بعدهما، و(دعاء) مضاف، و﴿رَبِّي:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم.. إلخ والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: بدعائي ربي... ﴿شَقِيًّا:﴾ خبر ﴿أَكُونَ،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَلاّ..﴾. إلخ في محل رفع فاعل ب: ﴿عَسى،﴾ وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (أدعو) والرابط: الضمير فقط، والتقدير: أدعو ربي راجيا عدم شقوتي بدعائه. وياء المتكلم في محل جر بالإضافة... إلخ.\n\n<span id=\"aya-2299\"></span>﴿فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ فارقهم، وهاجر إلى الأرض المقدسة.\n ﴿وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ:﴾ قيل: إنه لما قصد الشام؛ أتى حران، فتزوج سارة ﵍،","vol":"5","page":604},{"text":"فولدت منه إسحاق، وولد منه يعقوب، ولعل تخصيصهما بالذكر؛ لأنهما شجرتا الأنبياء، أو لأن إسحاق أتاه على الكبر، أو؛ لأنه أراد أن يذكر إسماعيل بفضله على الانفراد. هذا؛ وقد ذكرت لك في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇: أنه قد عاش إبراهيم، وسارة حتى رأيا يعقوب، فقرت عيناهما بالحفيد، كما قرتا بالوليد. ﴿وَكُلاًّ﴾ أي: من إسحاق، ويعقوب.\n ﴿جَعَلْنا نَبِيًّا:﴾ والمعنى: حين اعتزل إبراهيم أهل الكفر، والفسوق، والعصيان رزقه الله أولادا أنبياء مؤمنين. وفي الآية دليل واضح على أنّ الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل ﷾: أعطينا، ورزقنا... إلخ، وإنما قال ﴿وَهَبْنا﴾ قال الشاعر الحكيم: [الكامل]\nنعم الإله على العباد كثيرة... وأجلهنّ نجابة الأولاد\nالإعراب: ﴿فَلَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٦٢] من سورة (الكهف).\n ﴿اِعْتَزَلَهُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بالإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ انظر إعرابه في الآية السابقة. ﴿وَهَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به. ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ معطوف عليه. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(كُلاًّ):﴾\nمفعول به أول تقدم على عامله. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَبِيًّا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله، واعتبارها حالا من ﴿إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ جيد، ويكون الرابط: الواو، والضمير الواجب ذكره بعد (كلاّ)، أو هي حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير أيضا، ويجب تقدير «قد» قبلها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2300\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ﴾ أي: لإبراهيم، ولذريته على نبينا وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. ﴿مِنْ رَحْمَتِنا:﴾ من فضلنا، وإنعامنا عليهم، ووهبنا لهم النبوة، والأموال الوفيرة، والأولاد الكثيرة. ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أي: ذكرا حسنا رفيعا في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة؛ حتى ادعاهم أهل الأديان كلهم، فهم يتولونهم، ويقدسونهم ويعظمونهم استجابة لدعوة إبراهيم حيث قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ والمراد: باللسان: الثناء الذي يكون عليهم به، ولسان العرب لغتهم، وإضافته إلى الصدق، ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار، وتحول الدول، وتبدل الملل، ونحن المسلمين نقدسهم، ونجلهم، ونصلي عليهم في كل صلاة نصليها لله الواحد القهار؛ حيث نقول: اللهمّ صلّ على سيدنا محمد وعلى آل سيّدنا محمد كما صلّيت على سيدنا","vol":"5","page":605},{"text":"إبراهيم، وعلى آل سيّدنا إبراهيم... إلخ. هذا؛ والذكر الحسن الجميل للإنسان بعد موته عمر ثان له، ورحم الله أمير الشعراء إذ يقول: [الكامل]\nدقّات قلب المرء قائلة له: ... إنّ الحياة دقائق وثوان\nفارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان\nهذا؛ وانظر شرح (اللسان) في الآية رقم [٤] من سورة (إبراهيم) تجد ما يسرك أما (نا) فقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) وقوله تعالى:\n «جعلنا، وهبنا، نحن، إنا» لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة، وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى.\nأقول: و(نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن والتي ظاهرها يفيد الجمع. تأمل.\nالإعراب: ﴿وَوَهَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿لَهُمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَحْمَتِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وهو أولى من قول الجمل: المال والولد تفسير للرحمة ومن للتبعيض، وقوله: يعني أن الجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿عَلِيًّا:﴾ صفة ﴿لِسانَ﴾. واعتباره مفعولا ثانيا، أو حالا من ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ لا بأس به.\n\n<span id=\"aya-2301\"></span>﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى﴾ أي: اذكر في القرآن الكريم قصة موسى ﵊ من حين نشأته، وولادته إلى وفاته، وهي مذكورة ومفصلة في القرآن، وعلى الأخص في سورة (الأعراف)، وسورة (طه)، وسورة (القصص). ﴿إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ بفتح اللام؛ أي:","vol":"5","page":606},{"text":"مختارا، اختاره الله، واصطفاه لرسالته. ويقرأ بكسر اللام، على معنى: موحدا أخلص عبادته عن الشرك، والرياء، أو أسلم وجهه لله، وأخلص نفسه عما سواه. ﴿وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا:﴾ أرسله الله إلى أهل زمانه، فأخبرهم عن الله. وانظر شرحهما في الآية رقم [٤٠].\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٤١] وإعراب آخر الآية مثل إعراب: ﴿إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ في الآية المذكورة.\n\n<span id=\"aya-2302\"></span>﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ أي: من ناحية يمين موسى، وكانت الشجرة التي صدر منها الصوت في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل راجعا من مدين إلى مصر، وإن الجبال لا يمين لها، ولا شمال كما هو معروف، وجبل الطور معروف بين مصر ومدين. ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ أي: مناجيا، وهذا التقريب تقريب تشريف، وتكريم، شبهه الله تعالى بمن قربه الملك لمناجاته. وقال ابن عباس﵄-: قربه وأدناه حتى سمع صرير الأقلام، وأصل ﴿نَجِيًّا﴾ نجيوا؛ لأنه من نجا ينجو، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَنادَيْناهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ناديناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ جانِبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿جانِبِ:﴾ مضاف، و﴿الطُّورِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْأَيْمَنِ:﴾ صفة ﴿جانِبِ؛﴾ لأنه تبعه في الإعراب في قوله تعالى: ﴿وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وقيل: إنه صفة للطور.\n ﴿وَقَرَّبْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب (نذرت) في الآية رقم [٢٥]. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿نَجِيًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب. تأمل، وتدبر.\n<span id=\"aya-2303\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا..﴾. إلخ: أي: أنعمنا على موسى، وتكرمنا عليه؛ حيث منحنا أخاه هارون النبوة والرسالة، إجابة لدعوته، وذلك في قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي..﴾. إلخ وكان هارون أسن من موسى، ولم يذهب معه إلى مدين، ولم يكن معه حين ناداه الله من الشجرة في الوادي المقدس طوى. فمعنى هبته له: جعله عضدا، وناصرا، ومعينا على أعباء الرسالة.","vol":"5","page":607},{"text":"الإعراب: ﴿وَوَهَبْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَحْمَتِنا:﴾ عبارة السمين: في ﴿مِنْ﴾ هذه وجهان: أحدهما: أنها تعليلية؛ أي: من أجل رحمتنا. والثاني: أنها تبعيضية، وهو يعني على الاعتبارين: أن الجار والمجرور متعلقان بالفعل (وهبنا). وأقول:\nلا معنى للتعليل، ولا للتبعيض هنا، وإنما معنى ﴿مِنْ﴾ الابتداء، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿هارُونَ﴾ التقدير: حالة كونه من رحمتنا، على مثال ما رأيت في الآية رقم [٥٠] ﴿أَخاهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هارُونَ:﴾ بدل من ﴿أَخاهُ،﴾ أو عطف بيان عليه، وأجيز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، تقديره: أعني. ﴿نَبِيًّا:﴾ حال من: ﴿هارُونَ،﴾ وجملة:\n ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2304\"></span>﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ﴾ أي: اقرأ في القرآن على قومك قصة إسماعيل عليه الصلاة، والسّلام وما اتصف به من صفات جليلة، فإنه أبوهم الأول، وإنهم يفخرون بالانتساب إليه. ﴿إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ:﴾ خصه الله تعالى بذكر صدق الوعد، وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء من غير شك، تشريفا له، وإكراما، كالتلقيب بنحو: الحليم، والأواه والصدّيق، ولأنه المشهور المتواتر من خصاله الجليلة.\nواختلف في ذلك، فقيل: إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح، فصبر حتى فدي، كما ستجده في سورة (الصافات) إن شاء الله تعالى. وقيل: وعد رجلا أن يلقاه في موضع، فنسي ذلك الرجل الوعد، فانتظره إسماعيل في ذلك الموضع اثنين وعشرين يوما، وقد فعل نبينا ﷺ مثل ذلك قبل أن يبعث فعن عبد الله بن أبي الحمساء﵁قال: بايعت النّبيّ ﷺ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقيّة، فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام، فجئت فإذا هو مكانه، فقال: «يا فتى لقد شققت عليّ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك». خرجه الترمذي وغيره. ﴿وَكانَ رَسُولًا:﴾ إلى قبيلة جرهم الذين نزلوا عليه وعلى أمه هاجر في مكة، وزوجوه منهم كما رأيت في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) وشريعته هي شريعة أبيه إبراهيم.\nهذا؛ والوفاء بالوعد حلية الأنبياء، وشعار ذوي التقى والفضل من الأصفياء، ورمز الثقة من ذوي الرأي والحكمة من العقلاء، وقد أكد الرسول المعظم ﷺ أمر العهد، وشدد في طلب الوفاء بالوعد، وبين: أن من أخلف الوعد، ونكث العهد، فقد خان الله ورسوله، وباع آخرته بدنياه، وخرج من دينه، ودخل في النفاق، فعن أنس بن مالك﵁قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». رواه أحمد","vol":"5","page":608},{"text":"والطبراني. وعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى وصام، وزعم أنّه مسلم». وزاد أبو يعلى من رواية أنس: «وإن صام وصلّى، وحجّ واعتمر، وقال: إني مسلم». وقال الشاعر: [الطويل]\nفإن تجمع الآفات فالبخل شرّها... وشرّ من البخل المواعيد والمطل\nولا خير في وعد إذا كان كاذبا... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل\nومن أحسن ما قيل في تشبيه من يخلف الوعد بمسيلمة الكذاب قول بعضهم: [الكامل]\nووعدتني وعدا حسبتك صادقا... فبقيت من طمعي أجيء وأذهب\nفإذا جلست أنا وأنت بمجلس... قالوا مسيلمة، وهذا أشعب\nوانظر الآية [٣١] من سورة (الرعد)، إن أردت الزيادة.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْماعِيلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٥١] لا محل لها مثلها، وإعراب باقي الآية انظر مثله في الآية المذكورة. هذا؛ و﴿صادِقَ:﴾ مضاف، و﴿الْوَعْدِ:﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعله؛ إذ التقدير: صادق وعده، وإنما اعتبرت صادق صفة مشبهة؛ لأنها صفة ثابتة، وليست متجددة، مثل طاهر القلب، ونحوه.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2305\"></span>﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ:﴾ قال البيضاوي رحمه الله تعالى: بدأ بالأهم، وهو أن يقبل الرجل على نفسه، ومن هو أقرب الناس إليه بالتكميل. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ وقال جل شأنه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا﴾ وقيل: ﴿أَهْلَهُ﴾ أمّته، فإن الأنبياء، آباء أممهم، أقول: وهو الأولى. ﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ أي: قائما لله بطاعته. وقيل: رضيه لنبوته، ورسالته، وهذا نهاية في المدح؛ لأن المرضي هو الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات. وإعلال: ﴿مَرْضِيًّا﴾ مثل إعلال ﴿مَقْضِيًّا:﴾ في الآية رقم [٢١] هذا؛ والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان.\nالإعراب: ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى إسماعيل ﵇، ﴿يَأْمُرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إليه أيضا. ﴿أَهْلَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالصَّلاةِ:﴾ متعلقان","vol":"5","page":609},{"text":"بالفعل قبلهما. ﴿وَالزَّكاةِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَأْمُرُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿وَكانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى إسماعيل أيضا. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمرضيا، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَرْضِيًّا:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-2306\"></span><span id=\"aya-2307\"></span>﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ:﴾ انظر الآية رقم [٥٤] ﴿إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا:﴾ انظر الآية رقم [٤١] ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ أي: بشرف الرسالة، والزلفى عند الله. وقيل: الجنة. وقيل: إلى السماء السادسة. وقيل: إلى الرابعة، وإدريس ﵇ أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم، والحساب، وسيرها، وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وكان أول من أعطي الرسالة من ولد آدم بعد شيث، وقد جاء في الصحيحين في حديث الإسراء والمعراج: أن رسول الله ﷺ مر به في السماء الرابعة.\nهذا؛ وقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: وروى ابن جرير الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف. قال: سأل ابن عباس﵄كعبا، وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالى في إدريس: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾.\nفقال كعب: أما إدريس، فإن الله، أوحى إليه: إني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملك، فأتاه خليل له من الملائكة فقال له: إن الله، أوحى إليّ كذا، وكذا، فكلّم ملك الموت حتى أزداد عملا، فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا، فكلّم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو على ظهري، فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت. وقيل لي:\nاقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قوله ﷿: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ ورواه ابن حاتم عند تفسيرها. وعنده فقال لذلك الملك: سل لي ملك الموت كم بقي من عمري؟ فسأله وهو معه، كم بقي من عمره؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه إلى إدريس، فإذا هو قد قبض، وهو لا يشعر.\nقال الحافظ ابن كثير: وهذا من الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة. أقول: الأسلم تفويض علم ذلك، إلى الله تعالى. انتهى.","vol":"5","page":610},{"text":"هذا؛ وقد ذكر القرطبي، والخازن روايات، وحكايات طويلة تنص في نهايتها: أن إدريس ﵇ حيّ في الجنة. وقال الخازن. وقالوا: أربعة من الأنبياء أحياء: اثنان في الأرض، وهما الخضر وإلياس، واثنان في السماء: وهما: إدريس، وعيسى عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.\nهذا؛ وقال عبد الوهاب النجار: اختلف الحكماء في مولده ونشأته، وعمن أخذ العلم، فقالت فرقة: ولد بمصر، وسموه هرمس الهرامسة. وقال هؤلاء: إن معلمه اسمه الغوثاذيمون، ومعناه: الجد السعيد. وقالوا: خرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها، ثم عاد إليها ورفعه الله إليه بها، وذلك بعد اثنتين وثمانين سنة من عمره. وقالت فرقة أخرى: ولد إدريس ببابل، وبها نشأ، وأنه أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، وهو جد جد أبيه؛ لأنه إدريس بن يارد، بن مهلائيل، بن قينان، بن أنوش بن شيث، ولما كبر إدريس؛ آتاه الله النبوة، فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم، وشيث، فأطاعه أقلهم، وخالفه جلهم، فنوى الرحلة عنهم، وأمر من أطاعه منهم بذلك، ثم خرج بهم إلى مصر، وأقام إدريس ﵇ ومن معه بمصر، وأخذ يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطاعة الله ﷿، وقيل: إن اسمه الحقيقي أخنوخ.\nودعا إلى دين الله، والقول بالتوحيد، وعبادة الخالق، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، وحض على الزهد في الدنيا، والعمل بالعدل، وأمرهم بصلوات ذكرها لهم على صفات بينها، وأمرهم بصيام أيام معروفة من كل شهر، وأمرهم بزكاة الأموال معونة للضعفاء بها، وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة، والخنزير والكلب، وحرم المسكر بجميع أنواعه. انتهى. باختصار.\nوأضيف ما ذكر الجمل نقلا من التحبير للسيوطي: أن إدريس ﵇ هو جد نوح، ولد في حياة آدم قبل موته بمائة سنة، وبعث بعد موته بمائتي سنة، وعاش بعد نبوته مائة وخمسين سنة، فتكون جملة عمره أربعمائة سنة، وكان بينه وبين نوح ألف سنة. انتهى. أقول: هذا يخالف ما ذكر، وأقول: إن بعث رسول ومنحه الرسالة بعد ثلاثمائة سنة من عمره لم يقل به أحد، ولم ينقل: أن نبيّا تنبأ بعد مجاوزة الأربعين من عمره.\nتنبيه: إعراب الآية الأولى واضح إن شاء الله تعالى، وقد مر معنا كثير مثلها. ﴿وَرَفَعْناهُ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مَكانًا:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. ﴿عَلِيًّا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ فهي في محل رفع مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿إِدْرِيسَ﴾ فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير و«قد» قبلها مقدرة.","vol":"5","page":611},{"text":"<span id=\"aya-2308\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس، عليهم الصلاة والسّلام. والخطاب للرسول ﷺ. ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ:﴾ المراد به: إدريس وحده؛ لأنه أقرب الرسل إلى آدم؛ لأنه جد أبي نوح كما رأيت. ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ:﴾ المراد به إبراهيم وحده؛ لأنه من ولد سام بن نوح. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ:﴾ المراد: إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب.\n ﴿وَإِسْرائِيلَ﴾ أي: ومن ذرية إسرائيل، وهو يعقوب، والمراد: موسى، وهارون، وسليمان، وداود، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل، صلوات وسلامه عليهم أجمعين. فرتب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبها بذلك على أنهم كما شرّفوا بالنبوة شرّفوا بالنسب.\n ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا﴾ أي: إلى الإسلام. ﴿وَاجْتَبَيْنا﴾ أي: اخترنا على الأنام. ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا:﴾ سقطوا على الأرض. ﴿سُجَّدًا:﴾ ساجدين، فهو جمع: ساجد. ﴿وَبُكِيًّا:﴾ باكين جمع: باك. أخبر الله تعالى: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، كانوا إذا سمعوا آيات الله المنزلة عليهم؛ سجدوا، وبكوا خضوعا، وخشوعا، وخوفا، وحذرا، وكذلك المسلمون ينبغي لهم أن يسجدوا، ويبكوا، ويخشعوا عند سماع آيات القرآن.\nهذا؛ وهذه الآية من عزائم سجود القرآن فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند تلاوتها، فيقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، ويقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. وقيل: يستحب لمن قرأ آية سجدة فسجد أن يدعو بما يناسب تلك الآية، فإن قرأ آية (الإسراء)؛ قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين إليك. وإن قرأ آية (مريم)؛ قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك، وإن قرأ آية ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٠] من سورة (النحل).\nتنبيه: لقد تبين لك من شرح الآية وتفسيرها الترتيب الزمني بالنسبة للرسل، ولكن هذا الترتيب لم يحصل بين الرسل عند تفصيل حال كل واحد منهم في هذه السورة، فيحيى، وزكريا، وعيسى وأمه هم من أحفاد أحفاد أحفاد إبراهيم ﵇، وإسماعيل يعد من أجداد موسى وهارون، وقد ذكر بعدهما، وإدريس هو من أجداد إبراهيم الأول، وقد ذكر آخرا كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن الله لم يذكرهم على حسب ترتيبهم الزمني، كما أن ترتيبهم المذكور","vol":"5","page":612},{"text":"لم يكن على حسب ترتيبهم في الفضل، والشرف، وإنما ترتيبهم في الذكر على حسب الحالة المشابهة بين السابق واللاحق، والغاية من ذلك: التبصر، والاعتبار، وهذه الظاهرة تبرز في سورة (الشعراء) أكثر ما تبرز، ويمكن القول: إن ذكر الرسل في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) ﵇، إنما هو على حسب ترتيبهم الزمني.\nهذا؛ وقد قال رسول الله ﷺ: «اقرءوا، وابكوا، وإن لم تبكوا فتباكوا». وبكيّ أصله:\nبكويّ، فإعلاله مثل إعلال ﴿بَغِيًّا﴾ و﴿مَقْضِيًّا﴾ في الآية رقم [٢٠] و[٢١].\nبعد هذا انظر شرح ﴿إِسْرائِيلَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الإسراء)، وشرح (آدم) في الآية رقم [٦١] منها وشرح (البكاء) في الآية رقم [١٠٩] منها أيضا.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. وقيل: صفة، أو هو في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (على) و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، وعلامة الجر الياء... إلخ. ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ:﴾ بدل ممّا قبلهما بدل بعض من كل، و﴿ذُرِّيَّةِ:﴾ مضاف، و﴿آدَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَمِمَّنْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وهناك مضاف محذوف؛ إذ التقدير: ومن ذرية من، و(من) اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: (من). ﴿حَمَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف.\n ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و﴿ذُرِّيَّةِ:﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n ﴿وَإِسْرائِيلَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله. ﴿وَمِمَّنْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿هَدَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: ومن الذين هديناهم: وجملة: ﴿وَاجْتَبَيْنا:﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، لا محل مثلها. وانظر إعراب: ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُ:﴾ نائب فاعل ﴿تُتْلى﴾ وهو مضاف، و﴿الرَّحْمنِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿خَرُّوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٢٧] لإعراب ﴿قالُوا﴾. ﴿سُجَّدًا:﴾ حال من واو الجماعة.","vol":"5","page":613},{"text":"﴿وَبُكِيًّا:﴾ معطوف عليه وقيل: هو مصدر، وليس جمع باك، التقدير: خروا سجدا، وبكوا بكيا، وقرئ «(بكيا)» بكسر الباء مثل ﴿عِتِيًّا﴾ في الآية رقم [٨]، وجملة: ﴿خَرُّوا..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾ على اعتبار الموصول بدلا... إلخ، ومستأنف على اعتبار الموصول خبر المبتدأ. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2309\"></span>﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ:﴾ فجاء من بعد هؤلاء القوم الكرام، والنبيين العظام أولاد سوء. هذا؛ و﴿فَخَلَفَ﴾ بسكون اللام يستعمل في الشر، والذم كما هنا، ويستعمل بفتح اللام في الخير والمدح، فيقال: خلف صدق وخلف سوء، واختلف في المراد هنا، فقيل: هم اليهود، والنصارى الذين حرفوا، وزيفوا شرائع الأنبياء، بل وقتلوا كثيرا منهم، وأهملوا عبادة الله من صلاة وغيرها. وقيل: هم في هذه الأمة، ولا ريب بأن كل من لم يسر على طريقة آبائه الصالحين، فهو خلف سوء.\nهذا؛ والخلف: القرن، أو الجيل الذي يأتي بعد ما قبله. قال تعالى في الآية رقم [١٦٩] من سورة (الأعراف): ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ..﴾. إلخ وقال البيضاوي: ﴿فَخَلَفَ﴾ مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد، وعلى الجمع. هذا؛ وخذ قول لبيد﵁-: [الكامل]\nذهب الذين يعاش في أكنافهم... وبقيت في خلف كجلد الأجرب\nوقال النبي ﷺ: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله». وقد يتعاوضان فيستعمل مفتوح اللام في الشر، ويستعمل ساكن اللام في الخير. قال حسان بن ثابت﵁مستعملا ساكن اللام في الخير يخاطب النبي ﷺ: [الطويل]\nلنا القدم الأولى إليك وخلفنا... لأوّلنا في طاعة الله تابع\nوقال آخر مستعملا مفتوح اللام في الشر: [الرجز]\nإنّا وجدنا خلفا بئس الخلف... أغلق عنّا بابه ثمّ حلف\nلا يدخل البوّاب إلاّ من عرف... عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف\nهذا؛ وقال اللحياني: الخلف-بفتحتين-: الولد الصالح. والخلف-بفتح فسكون-: الولد الرديء.\n ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ:﴾ جحدوها، أو أهملوها، أو أخروها عن وقتها، أو صلّوها غير صحيحة بإهمال شيء من شروطها، وأركانها، وواجباتها، وقد قال الرسول ﷺ للرجل المسيء صلاته:\n «ارجع فصل، فإنك لم تصل، ثلاث مرات». أخرجه مسلم عن أبي هريرة﵁-. قال","vol":"5","page":614},{"text":"حذيفة﵁لرجل يصلي، ولم يتم صلاته: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين عاما. قال: ما صليت، ولو متّ وأنت تصلي هذه الصلاة؛ لمت على غير فطرة محمد ﷺ. ثم قال:\nإن الرجل ليخفف الصلاة، ويتم، ويحسن. وقال ﷺ: «تلك الصلاة صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشّيطان؛ قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلاّ قليلا». وباختصار:\nفقد وردت أحاديث كثيرة تشدد النكير على الذي لا يحسن صلاته، أكتفي بما يلي:\nفعن أنس بن مالك﵁-. قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلّى الصّلوات لوقتها، وأسبغ لها وضوءها، وأتمّ لها قيامها وخشوعها، وركوعها، وسجودها؛ خرجت، وهي بيضاء مسفرة، تقول: حفظك الله كما حفظتني! ومن صلاّها لغير وقتها، ولم يسبغ لها وضوءها، ولم يتمّ لها خشوعها، ولا ركوعها، ولا سجودها؛ خرجت، وهي سوداء مظلمة، تقول:\nضيّعك الله كما ضيّعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله لفّت كما يلفّ الثوب الخلق، ثمّ ضرب بها وجهه». رواه الطبراني في الأوسط. وانظر معنى الصلاة لغة وشرعا في الآية رقم [٣٠].\n ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ:﴾ كشرب الخمور والزنى وسلب الأموال، والتلذذ بالفواحش، والمنكرات والانهماك في المعاصي، والسيئات، وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: من بناء المشيّد، وركوب المنظور، ولبس المشهور. ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا:﴾ قال ابن عباس﵄- الغي: واد في جهنم، وإن، أودية جهنم لتستعيذ من حره، أعده الله تعالى للزاني المصر عليه، ولشارب الخمر المدمن له، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور.\nوقال كعب: (غي): واد في جهنم أبعدها قعرا، وأشدها حرا، فيه بئر يسمى البهيم، كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البئر، فتسعر بها جهنم. هذا؛ و(الغي): الشر، والضلال، والخيبة.\nهذا؛ وكل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد. قال المرقش الأصغر: [الطويل]\nفمن يلق خيرا يحمد الناس أمره... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما\nهذا؛ وأصل ﴿غَيًّا:﴾ غويا، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.\nالإعراب: ﴿فَخَلَفَ:﴾ ماض. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (خلف)، كان صفة له... إلخ على نحو ما رأيت في الآية رقم [٤] والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَخَلَفَ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿(فَخَلَفَ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿فَخَلَفَ﴾ وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع صفة مثلها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل:\nهي الفصيحة، التقدير: إن شئت أن تعلم عاقبتهم؛ فسوف. (سوف): حرف تسويف واستقبال.\n ﴿يَلْقَوْنَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿غَيًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَسَوْفَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل جزم جواب الشرط المقدر ب: «إن».","vol":"5","page":615},{"text":"<span id=\"aya-2310\"></span>﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ أي: من تضييع الصلوات، واتباع الشهوات. ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بالله، ورسله، وملائكته، وكتبه... إلخ، وذلك بعد الجحود والإنكار، والكفر والضلال. ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أي: الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ أي: تكريما لهم، وجزاء على إيمانهم، وأعمالهم الصالحة. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي: بزيادة شيء من سيئاتهم، أو نقص شيء من حسناتهم. هذا؛ ولا تنس: أن التوبة وحدها بدون إيمان، وعمل صالح لا تجدي شيئا، وأن التوبة، والإيمان بدون عمل صالح لا يغنيان فتيلا. فإذا فالثلاثة مرتبطة ببعضها، وكل واحد من الثلاثة مقرون بالآخرين، ومشروط قبوله، ونفعه بوجودهما، وهذا ما يسمى في علم البلاغة: الاحتراس، وقد نبهتك عليه كثيرا، ومثله في الآية رقم [٨٢] من سورة (طه) ﷺ. وفي الآيتين دليل على أنّ الإيمان الصحيح، المقرون بالتوبة النصوح، والعمل الصالح يجبّ ما قبله. وانظر تبديل سيئات التائبين بحسنات في الآية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع إن كان المراد في الآية السابقة الكفار، والمتصل، إن كان المراد المؤمنين من هذه الأمة. ﴿تابَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَآمَنَ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. وأيضا: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ معطوفة عليها، لا محل لها، وهذا الإعراب يجعل الجملة الاسمية الآتية، غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع أنها مرتبطة به معنى، لذا فالوجه اعتبار:\n ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، والفاء زائدة في خبره لتحسين اللفظ؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\n ﴿فَأُولئِكَ:﴾ مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت إلخ، والواو فاعله. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به. وانظر إعراب: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ:﴾ في الآية رقم [١٠٤] سورة (الإسراء) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاّ مَنْ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام السابق، والاستثناء متصل، أو منقطع حسبما رأيت، ومثل هذه الآية في الإعراب الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة)، ولا تنس: أنه روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ في إرجاع الفاعل إليها، وروعي معناها في لفظ الإشارة، ورجوع الفاعل بعد الإشارة إليها. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو نائب مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. وقيل: معترضة بين البدل، والمبدل منه.","vol":"5","page":616},{"text":"<span id=\"aya-2311\"></span>﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾\nالشرح: ﴿جَنّاتِ:﴾ جمع: جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن؛ أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها. وانظر أسماء الجنات في الآية رقم [٢٥] من سورة (يونس) ﵇، ومعنى ﴿عَدْنٍ:﴾ إقامة وخلود يقال: عدن بالمكان:\nإذا أقام به، ومنه: المعدن أي: الموجود في باطن الأرض. وقال النبي ﷺ: «عدن دار الله، التي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلاّ ثلاثة: النّبيّون والصّدّيقون والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء﵁-.\n ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ:﴾ المؤمنين المطيعين. والإضافة للتشريف، والتكريم. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾\nوعدها إياهم، وهي غائبة عنهم غير حاضرة، فصدّقوا بها، وعملوا الصالحات في الدنيا، وجدّوا، واجتهدوا في العمل للحصول عليها.\nوانظر شرح (الغيب) في الآية رقم [٢٦] من سورة (الكهف). ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أي:\nلا خلف فيه، ومن أوفى بعهده من الله. وانظر الوعد في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد).\nهذا؛ وانظر ما ذكرته في كان في الآية رقم [٣] من سورة (الإسراء)، و﴿مَأْتِيًّا:﴾ اسم مفعول أصله مأتويا، انظر إعلال مثله في الآية رقم [٢٠] وقيل: هو مفعول بمعنى: فاعل، وهو الأصح.\nالإعراب: ﴿جَنّاتِ:﴾ بدل من ﴿الْجَنَّةَ﴾ بدل الاشتمال، أو مفعول به لفعل محذوف، تقديره أعني، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ويقرأ برفعه على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، و﴿جَنّاتِ:﴾ مضاف، و﴿عَدْنٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب، أو في محل رفع صفة ﴿جَنّاتِ﴾ وساغ ذلك لأن ﴿عَدْنٍ﴾ علم، فتعرف به المضاف، ﴿وَعَدَ:﴾ ماض، ومفعوله الأول، وهو العائد محذوف. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله.\n ﴿عِبادَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِبادَهُ﴾ وأجيز تعليقهما بالفعل ﴿وَعَدَ﴾ وجملة: ﴿وَعَدَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهذا الضمير يحتمل عوده على ﴿الرَّحْمنُ﴾ والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن؛ لأنه مقام تعظيم وتفخيم، وعلى الأول: يجوز أن يكون في ﴿كانَ﴾ ضمير هو اسمها يعود على ﴿الرَّحْمنُ﴾ ووعده بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل اسمها ﴿وَعْدُهُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، و﴿مَأْتِيًّا﴾ خبرها على الاعتبارين، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها، وهي مقوية لوعد الله تعالى، ومؤكدة له، والجملة الاسمية:\n «هي جنات عدن» المقدرة على قراءة الرفع مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":617},{"text":"<span id=\"aya-2312\"></span>﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ أي: في الجنة، واللغو: هو الباطل من الكلام، والذي لا ينتفع به، ومنه قول الرسول ﷺ الذي رواه عنه أبو هريرة﵁-: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة، والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت». وقال ابن عباس﵄-: اللغو: كل ما لم يكن فيه ذكر الله تعالى. ﴿إِلاّ سَلامًا﴾ أي: ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب، والنقيصة. أو إلا تسليم الملائكة عليهم، أو إلا تسليم بعضهم على بعض (على الاستثناء المنقطع) وما أحراك أن تنظر قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (يونس) ﵇. وأيضا في الآية رقم [٢٣] من سورة (إبراهيم) ﵇. وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد). هذا؛ وقيل: إن ﴿سَلامًا﴾ مستثنى من صفة ذم منفية، فهو تأكيد المدح بما يشبه الذم على حد قوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وقال النابغة الذبياني: [الطويل]\nولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب\n ﴿وَلَهُمْ﴾ أي: للذين تابوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات. ﴿رِزْقُهُمْ﴾ أي: ما يشتهون من المطاعم، والمشارب. ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا:﴾ قال أهل التفسير: ليس في الجنة ليل، ولا نهار حتى يعرف به البكرة، والعشي، بل هم في نور أبدا، ولكنهم يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار. كعادتهم في الدنيا. وقيل: إنّهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب، وفتح الأبواب، ووقت الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، والمهدوي، وغيرهما. هذا؛ والمراد: بذكر البكرة والعشي: دوام الرزق، ودروره، لا أنهم ممنوعون من الرزق في غير هذين الوقتين المقدرين في الجنة.\nوخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا:\nقال رجل: يا رسول الله! هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيّجك على هذا؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة، والعشي. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك ليل، إنّما هو ضوء ونور، يردّ الغدوّ على الرّواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصّلاة، التي كانوا يصلون فيها في الدّنيا، وتسلّم عليهم الملائكة». وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وانظر شرح «الغداة والعشي» في الآية رقم [٢٨] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿لَغْوًا:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿سَلامًا:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾.","vol":"5","page":618},{"text":"وانظر الشرح وقيل: بدل من ﴿لَغْوًا﴾ وهو ضعيف، وجملة: ﴿لا يَسْمَعُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من ﴿عِبادَهُ﴾ والمعنى يؤيده وقيل: حال من ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ والمعنى لا يؤيده.\n ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِزْقُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالمصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالمصدر أيضا.\n ﴿وَعَشِيًّا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة وهو أقوى من اعتبارها مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-2313\"></span>﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ أي: الموصوفة بما ذكر. والخطاب للنبي ﷺ، ولكل مؤمن عاقل.\n ﴿الَّتِي نُورِثُ مِنْ..﴾. إلخ: ندخرها لهم، ونكرمهم بها جزاء لهم، ومكافأة على تقواهم، كما نورث الوارث مال مورثه، والميراث أقوى لفظ يستعمل في التمليك، والاستحقاق، من حيث إنه لا يعقب بفسخ، ولا استرجاع بإقالة، ونحوها، ولا يبطل بردّ، ولا إسقاط، فهو من باب التشبيه التمثيلي البليغ. وقيل: يرى المتقون من الجنة المساكن، والمنازل التي كانت لأهل النار لو آمنوا، وعملوا الصالحات، وذلك زيادة في كرامة المتقين. هذا؛ والإضافة إضافة تشريف.\nوانظر (نا) في الآية رقم [٤٩] وانظر (التقوى) في الآية رقم [٢] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ خبره. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿الْجَنَّةُ﴾. ﴿نُورِثُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن» ومفعوله الأول: محذوف، وهو عائد الموصول. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما ب: ﴿تَقِيًّا﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد. ﴿تَقِيًّا:﴾\nخبر ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها، وجملة: ﴿نُورِثُ..﴾. إلخ صلة ﴿الَّتِي﴾.\n<span id=\"aya-2314\"></span>﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ..﴾. إلخ: هذه الآية حكاية قول جبريل ﵊ حين استبطأه رسول الله ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما. وقيل: أربعين؛ حتى قال","vol":"5","page":619},{"text":"المشركون: ودّعه ربه، وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك، فقال ﷺ: أبطأت علي يا أخي حتى ساء ظني، واشتقت إليك! فقال جبريل ﵊: «إني كنت أشوق إليك، ولكني عبد مأمور؛ إذا بعثت؛ نزلت، وإذا حبست؛ احتبست». وما أحراك أن تنظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الكهف).\n ﴿لَهُ﴾ أي: لربك. ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ أي: علم ما بين أيدينا. ﴿وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ:﴾\nقال ابن عباس، وابن جريج: ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، وما يكون بعدنا من أمرها وأمر الآخرة، وما بين ذلك من البرزخ. وقال قتادة، ومقاتل: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ من أمر الآخرة، ﴿وَما خَلْفَنا﴾ أي: ما مضى من الدنيا، وما بين ذلك؛ أي: ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة.\nوقال البيضاوي: أي: وهو ما نحن فيه من الأماكن، والأحايين، لا ننتقل من مكان إلى مكان، أو لا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمر الله، ومشيئته. وانظر الآية [١١٠] من سورة (طه).\n ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا:﴾ تاركا لك؛ أي: ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك، وتوديعه إياك، كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه.\nهذا؛ وقيل: إن الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، والمعنى: وما ننزل الجنة إلا بأمر الله، ولطفه، وهو مالك الأمور كلها السالفة، والمترقبة، والحاضرة، فما وجدناه وما نجده من لطفه، وفضله. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا:﴾ تقرير من الله لقولهم؛ أي: وما كان ربك ناسيا لأعمال العاملين، وما وعدهم من الثواب عليها. انتهى. بيضاوي، وعلى هذا القول فالآية متصلة بما قبلها، ومرتبطة بها، وعلى ما تقدم تكون غير متصلة بما قبلها، وشأنها مع اللاحقة لها كشأنها مع السابقة من الارتباط بها، وعدمه. تأمّل، وتدبر.\nبعد هذا انظر شرح ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء)، وشرح: ﴿بَيْنَ﴾ في الآية رقم [٤٥] منها أيضا وانظر شرح (النسيان) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف)، هذا بالإضافة لما ذكرته في تفسير ﴿أَيْدِينا﴾ أقول: ف: (اليد) تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق، ويراد بها القدرة، والقوة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما تطلق على النعمة والمعروف، يقال: لفلان يد عندي؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يدلي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نَتَنَزَّلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»: ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِأَمْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، و(أمر): مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان","vol":"5","page":620},{"text":"متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِينا:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَما خَلْفَنا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو مثله في الإعراب. وأيضا: ﴿وَما بَيْنَ﴾ معطوف عليه أيضا، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ ما بَيْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿رَبِّكَ﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿ما:﴾\nنافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿رَبِّكَ:﴾ اسم كان... إلخ. ﴿نَسِيًّا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2315\"></span>﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ أي: ربهما، وخالقهما، وخالق ما بينهما، ومالكهما، ومالك ما بينهما، فكما إليه تدبير الأزمان؛ كذلك إليه تدبير الأعيان، ومن كان كذلك فيمتنع عليه النسيان قطعا، وفي ذلك دليل واضح على أنّ أفعال العبد مفعولة لله تعالى، كما يقوله أهل السنّة والجماعة، وهو القول الحق الذي لا ريب فيه، خلافا للمعتزلة الذين يقولون:\nإن العبد يخلق أفعاله الاختيارية.\n ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ:﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ مرتب عليه: أنه لمّا عرفت ربك كما ذكر، وعرفت: أنه لن ينساك؛ فأقبل على عبادته، واصطبر عليها، ولا تتشوش بإبطاء الوحي، ولا تكترث بهزء الكافرين. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ﴾ أي: لله. ﴿سَمِيًّا﴾ أي: مثلا، ونظيرا يستحق أن يسمى إلها، أو أحدا يسمى الله، أو الرحمن، فإن المشركين وإن سموا الصنم إلها، فلم يسموه الله، أو الرحمن، وذلك لظهور أحديّته، وتعالي ذاته عن المماثلة، بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الآية رقم [١] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿رَبُّ:﴾ بدل من ﴿رَبِّكَ﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هو رب، وذلك على القطع، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار مستأنفة، لا محل لها، و(رب): مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على لفظ ﴿السَّماواتِ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فَاعْبُدْهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [٥] (اعبده): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا فاعبده، والشرط المقدر ومدخوله","vol":"5","page":621},{"text":"كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَاصْطَبِرْ:﴾ أمر، وفاعله: أنت، وأصل الفعل: «اصتبر» فثقل الجمع بين الصاد والتاء لاختلافهما، فأبدل من التاء طاء، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وهناك من يجيز اعتبار: ﴿رَبُّ﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ﴾ في محل رفع خبره، وهذا على رأي: الأخفش الذي يجيز زيادة الفاء في الخبر، ولنا كلام طويل على مثل ذلك في الآية رقم [٤١] من سورة (المائدة)، والآية رقم [١٥] من سورة (النساء)، وسأعيده في الآية رقم [٢] من سورة (النور) إن شاء الله تعالى. ﴿لِعِبادَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، ﴿تَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿سَمِيًّا:﴾ مفعول به. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2316\"></span>﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ:﴾ المراد به: جنس الإنسان بأسره، فإن المقول مقول فيما بينهم، وإن لم يقله كلهم، كقولك: بنو فلان قتلوا فلانا، والقاتل واحد منهم، والمراد: الكفار الذين ينكرون الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، أو المراد به أبيّ بن خلف الجمحي، وكان منكرا للبعث، وجد عظما باليا فتته بيده، وجاء به إلى النبي ﷺ. وقال له: يا محمد أبعث أنا بعد أن أصير عظما باليا، كما صرحت به آية سورة (يس). ﴿أَإِذا ما مِتُّ﴾ أي: وصرت عظما باليا.\n ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا:﴾ قاله استهزاء، واستنكارا، فكأنه قال: أحقا أنّا سنخرج من القبور حين يتمكن فينا الموت، والهلاك؟! هذا؛ وقرئ بدون همزة الاستفهام كما قرئ: «(أخرج)» بالبناء للمعلوم. وانظر شرح: ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(يَقُولُ الْإِنْسانُ):﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف يدل عليه ﴿أُخْرَجُ﴾ الآتي، ولا يتعلق به؛ لأن ما بعد لام التوكيد لا يعمل فيما قبلها. وقال الجلال: اللام زائدة، وعليه يصح التعليق بالفعل بعدها، هذا؛ واعتبرها ابن هشام واقعة في جواب قسم محذوف، وعلق (إذا) بالفعل ﴿أُخْرَجُ﴾. وقال: وإنما جاز تقديم الظرف على لام القسم، لتوسعهم في الظرف، وأورد قول الأعشى، وهو الشاهد رقم [٢٦٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nرضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا... بأسحم داج عوض لا نتفرّق\nأي: لا نتفرق أبدا، و«لا» النافية لها الصدر في جواب القسم. انتهى. مغني. ثم قال:\nوقيل: العامل محذوف؛ أي: أإذا ما مت أبعث لسوف أخرج. ﴿ما:﴾ صلة. ﴿مِتُّ:﴾ فعل، وفاعل، وهو في المعنى والحقيقة فعل ونائب فاعله؛ لأن الإنسان لا يموت بنفسه، والجملة","vol":"5","page":622},{"text":"الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿لَسَوْفَ:﴾ اللام: هي لام الابتداء مفيدة للتوكيد.\n (سوف): حرف استقبال صرفته اللام للحال. ﴿أُخْرَجُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، أو للمعلوم حسب ما رأيت، والفاعل، أو ونائبه مستتر تقديره: «أنا». ﴿حَيًّا:﴾ حال من الفاعل، أو من نائبه، والكلام كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2317\"></span>﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ﴾ أي: الذي ينكر الحشر، والنشر، بمعنى: أولا يتنبه، ويعلم علم اليقين؟! ويقرأ: «(يذّكّر)» بتشديد الذال، والكاف بمعنى: يتفكر، ويتدبر. ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل الحالة التي هو فيها. ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا:﴾ بل كان شيئا معدوما. والمعنى للآية:\nأيقول ذلك الإنسان الكافر المنكر للإعادة بعد الموت، ولا يتذكر حال النشأة الأولى؛ حتى لا ينكر النشأة الأخرى؟ فإن تلك أدل على قدرة الخالق حيث أخرج الجواهر، والأعراض من العدم إلى الوجود، وأما الثانية فليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة وردها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفريق. انتهى. نسفي بتصرف.\nالإعراب: ﴿أَوَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الواو: حرف عطف. (لا):\nنافية. ﴿يَذْكُرُ﴾ معطوف على (يقول). وقيل: معطوف على محذوف بعد الهمزة، التقدير:\nأيقول، ولا يذكر. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْناهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمه يعود إلى الإنسان. ﴿شَيْئًا:﴾ خبر ﴿يَكُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-2318\"></span>﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ﴾ أي: يحشر الله الكافرين مقرنين مع شياطينهم الذين أضلوهم، كل كافر يحشر مع شيطانه مقرونين في سلسلة واحدة، كقوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ هذا؛ وإن كان الحشر للناس أجمعين مؤمنهم، وكافرهم، فإن المراد من الآية قرن الكافرين مع شياطينهم كما رأيت. هذا؛ وقال الجمل: فائدة القسم أمران: أحدهما أن العادة جارية بتأكيد الخبر في اليمين. والثاني: أن في إقسام الله تعالى باسمه مضافا إلى","vol":"5","page":623},{"text":"رسول الله ﷺ رفعا منه لشأنه، كما رفع من شأن السماء، والأرض في قوله: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. انتهى. نقلا من كرخي. هذا؛ والمراد: من إضافته إلى الرسول إضافته إلى الكاف المخاطب بها ﷺ.\n ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ أي: باركين على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع لشدة ما هم فيه، لا يقدرون على القيام. وقيل: جاثين على الركب لضيق المكان. وقيل: إن البارك على ركبتيه صورته كصورة الذليل، قال تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ فقد وصفوا بالجثوّ على العادة المعهودة في مواقف المقالات، أو؛ لأنه من توابع التوافق للحساب قبل التواصل إلى الثواب، والعقاب.\nوإنما لم يفرق بينهم في المحشر، وأحضروا جميعا حول جهنم، وأورد السعداء النار، كما، أوردها الكفار، ليشاهد السعداء الأهوال التي نجاهم الله، وخلصهم منها، فيزدادوا سرورا إلى سرورهم، ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم، وتزداد حسرة الكافرين، ويشتد غيظهم من سعادة المؤمنين، وشماتتهم بهم. هذا؛ ويقرأ ﴿جِثِيًّا﴾ بكسر الجيم وفتحها، وعلى ما تقدم من الشرح فهو جمع: جاث، وأصله: جثوو، أو جثوي، فالأول: بواوين قلبت الواو الثانية ياء، ثم الأولى كذلك، وأدغمت الياء في الياء، والثاني: قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وعلى الوجهين كسرت الثاء لتصح الياء. وقال ابن عباس﵄-: ﴿جِثِيًّا﴾ أي: جماعات. وقال مقاتل: جمعا جمعا، وهو على هذا التأويل جمع: جثوة بتثليث الجيم ثلاث لغات، وهي في الأصل الحجارة المجموعة، والتراب المجموع، فأهل الخمر على حدة، وأهل الزنى على حدة، وهكذا. قال طرفة بن العبد البكري في معلقته: [الطويل]\nترى جثوتين من تراب عليهما... صفائح صمّ من صفيح منضّد\nالإعراب: ﴿فَوَ رَبِّكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (وربك): متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والهاء مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، واللام واقعة في جواب القسم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿وَالشَّياطِينَ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، أو هو مفعول معه، والواو بمعنى: مع، ورجح هذا على الأول. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ:﴾ هو مثل سابقه في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿حَوْلَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿حَوْلَ:﴾ مضاف، و﴿جَهَنَّمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿جِثِيًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب. وقيل: هو مفعول مطلق، وليس بشيء.","vol":"5","page":624},{"text":"<span id=\"aya-2319\"></span>﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ:﴾ لنخرجن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: من كل أمة، وأهل دين من الكفار.\n ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا:﴾ قال ابن عباس﵄-: يعني: جرأة. وقيل: فجورا، وتمردا. وقيل: قائدهم ورئيسهم في الشرك، والمعنى: أنه يقدّم في إدخال النار الأعتى، فالأعتى، ممن هو أكبر جرما، وأشد كفرا. وفي بعض الأخبار: أنهم يحضرون حول جهنم مسلسلين ومغلولين، ثم يقدم إلى جهنم الأكفر فالأكفر، فمن كان منهم أشد تمردا في كفره خص بعذاب أعظم، وأشد؛ لأن عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب الضال التابع لغيره في الضلال.\nوفائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم ما يلي. انتهى. خازن. وانظر شرح: ﴿عِتِيًّا﴾ وإعلاله في الآية رقم [٨]، وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (النحل). وانظر شرح ﴿شِيَعِ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الحجر)، فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَنَنْزِعَنَّ:﴾ إعراب هذا الفعل مثل إعراب:\n ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ في الآية السابقة، والجملة الفعلية هذه معطوفة على تلك لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شِيعَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَيُّهُمْ:﴾ اسم موصول مبني على الضم في محل نصب مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو أشد، والجملة الاسمية هذه صلة الموصول، وهذا عند سيبويه؛ لأنه حقه أن يبني كسائر الموصولات لكنه أعرب حملا على كل و«بعض» للزوم الإضافة، فإذا حذف صدر صلته زاد نقصه، فعاد إلى حقه منصوب المحل بالفعل قبله؛ ولذلك قرئ بنصبه، وهو مرفوع عند غير سيبويه على الابتداء على أنه اسم استفهام، وخبره: ﴿أَشَدُّ﴾ والجملة الاسمية محكية، وتقدير الكلام: لننزعن من كل شيعة الذين يقال فيهم: أيهم أشد. وقيل: إن الفعل معلق عنها لتضمنه معنى التمييز اللازم للعلم. وقيل: الجملة الاسمية هذه مستأنفة، والفعل واقع على ﴿كُلِّ شِيعَةٍ﴾ على زيادة ﴿مِنْ﴾ في الإيجاب، أو على معنى: لننزعن بعض شيعة. انتهى. بيضاوي بتصرف. هذا؛ وقد قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nأيّ كما وأعربت ما لم تضف... وصدر وصلها ضمير انحذف\nقال ابن عقيل رحمه الله تعالى في شرحه: يعني أن أيّا مثل «ما»، في أنها تكون بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا، نحو يعجبني أيهم هو قائم، ثم إن أيا لها أربعة أحوال: أحدها: أن تضاف ويذكر صدر صلتها، نحو يعجبني أيهم هو قائم، الثاني:\nألا تضاف، ولا يذكر صدر صلتها، نحو يعجبني أي: قائم، الثالث: أن لا تضاف، ويذكر صدر الصلة، نحو يعجبني أي: هو قائم، وفي هذه الأحوال الثلاثة تكون معربة بالحركات الثلاث.","vol":"5","page":625},{"text":"الرابع: أن تضاف ويحذف صدر الصلة، نحو يعجبني أيهم قائم وفي هذه الحالة تبني على الضم أي: في جميع حالات الإعراب، ثم قال: (وبعضهم أعرب مطلقا) يعني أن بعض العرب أعرب أيا في جميع حالاتها؛ أي: وإن أضيفت، وحذف صدر صلتها. ثم قال ابن عقيل: وقرئ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ بالنصب. ﴿عَلَى الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان ب: (أشدّ).\n ﴿عِتِيًّا:﴾ تمييز. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2320\"></span>﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)﴾\nالشرح: يقول الله جل ذكره: نحن أعلم، وأعرف بالذين هم أحق بجهنم، ودخولها، والاحتراق بها. وانظر ما ذكرته في الآية السابقة من شرح. هذا؛ و﴿صِلِيًّا﴾ يقرأ بضم الصاد، وكسرها قراءتان سبعيتان. هذا؛ وقال الجوهري: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق، قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية. ويقال أيضا: صلي بالأمر: إذا قاسى حره، وشدته، واصطليت بالنار، وتصلّيت بها إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. هذا؛ وأصل ﴿صِلِيًّا:﴾\nصلويا، فإعلاله مثل إعلال ﴿مَأْتِيًّا﴾ ﴿مَقْضِيًّا﴾ في الآية رقم [٦١] [٢٠].\nالإعراب: ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿لَنَحْنُ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جواب القسم في الآية رقم [٦٨] لا محل لها مثله. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿هُمْ:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْلى:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله وفاعل أعلم مستتر وجوبا تقديره: «هو»، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِها:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلى﴾. ﴿صِلِيًّا:﴾ تمييز له. وقيل: حال، وليس بشيء.\n<span id=\"aya-2321\"></span>﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها:﴾ هذا قسم، والواو يتضمنه، ويفسره حديث أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسّه النّار إلاّ تحلّة القسم». رواه الستة إلا أبا داود. هذا؛ واختلف الناس في الورود، فقيل:\nالورود: الدخول. فعن جابر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الورود:\nالدخول، لا يبقى برّ، ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم». وتلا الآية التالية: وهو قول ابن عباس، وغيره.","vol":"5","page":626},{"text":"هذا؛ وقالت فرقة أخرى: المراد بهذا الورود: المرور على الصراط، واحتجوا بقوله تعالى:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ وفي حديث أبي سعيد الخدري﵁الطويل في الحشر عن النبي ﷺ قال: «ثمّ يضرب الجسر على ظهر جهنّم، وتحلّ الشفاعة، ويقولون: اللهمّ سلّم سلّم». قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «دحض مزلّة، فيه خطاطيف، وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة، يقال لها: السّعدان، فيمرّ المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالرّيح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرّكاب، فناج مسلّم، ومخدوش مرسل، ومكدوش في نار جهنّم». انظر الحديث بتمام في صحيح مسلم [١٨٢].\nوقالت فرقة: بل هو ورود إشراف، واطّلاع، وقرب، وذلك: أنهم يحضرون موضع الحساب، وهو بقرب جهنم فيرونها، وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا ممّا نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة. قال تعالى: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..﴾. إلخ أي: أشرف عليه لا أنه دخله. وانظر الآية [٨٦] لشرح الورد وقال مجاهد: ورود المؤمنين النار هو الحمّى التي تصيب المؤمن في دار الدنيا، وهي حظه من النار، فلا يردها يوم القيامة. روى أبو هريرة -﵁-: أن رسول الله ﷺ عاد مريضا من وعك به، فقال له النبي ﷺ: «أبشر فإنّ الله ﵎ يقول: هي ناري أسلّطها على عبدي المؤمن لتكون حظّه من النار». وفي حديث آخر: «الحمّى حظّ المؤمن من النار». وقيل: غير ذلك. انتهى. باختصار من القرطبي: وإنني أعتمد المرور على الصراط من كل هذه الأقوال، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أي: كان ورود جهنم قضاء لازما، قضاه الله عليكم، وأوجبه، وقد أكد هذا الوجوب بالقسم، وهو يفيد عدم الخلف في وعده، ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (الفرقان). وانظر إعلال ﴿مَقْضِيًّا﴾ في الآية رقم [٢١].\nهذا؛ و(وارد) اسم فاعل من: ورد الماء يرده، وجمعه: واردون، وورّاد. قال الشاعر: [البسيط]\nردوا فو الله لا ذدناكمو أبدا... ما دام في مائنا ورد لورّاد\nهذا؛ والمورد: المنهل من الماء، والمورود: الماء الذي يورد، والموضع الذي يورد عليه أيضا، وقد اعتبرت النار في هذه الآية موردا على سبيل الاستعارة التصريحية. وقيل: استعارة مكنية تهكمية للضد، وهو الماء، ولا تنس: أن الضمير عائد على النار، وهو قائم مقام التصريح بها.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: فو ربك، ونحوه. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن): حرف نفي بمعنى:\n «ما». ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مبتدأ، التقدير: وما أحد كائن منكم. هذا؛ وفي الكلام التفات من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية. ومثل الآية في حذف الموصوف وإبقاء الصفة قول الشاعر: [الرجز]","vol":"5","page":627},{"text":"لو قلت ما في قومها لم تيثم... يفضلها في حسب وميسم\nفأصل الكلام: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها، ومثل الآية قوله تعالى في سورة (النساء) ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ..﴾. إلخ، وأيضا قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٦٤]: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وارِدُها:﴾ خبر المبتدأ المقدر، و(ها): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية جواب القسم الذي رأيت تقديره، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى الورود المفهوم من واردها. ﴿عَلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿كانَ﴾ أو ب: ﴿مَقْضِيًّا﴾ بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا:﴾ خبر ل ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وابن هشام يعتبر الواو عاطفة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ..﴾. إلخ فإنها وما قبلها أجوبة لقوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ..﴾. إلخ، والأحاديث التي ذكرتها تؤيد ما ذكرته من إعراب، والله الموفق، وإليه المرجع، والمآب يوم الحساب.\n\n<span id=\"aya-2322\"></span>﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي..﴾. إلخ: لقد رأيت في الآية السابقة على أنه قد استدل بهذه الآية على أنّ الورود: الدخول. هذا؛ ويقرأ: ﴿ثُمَّ﴾ بفتح الثاء على أنها ظرف مكان بمعنى: هناك، وبضمها على أنه حرف عطف. وانظر شرح ذلك في الآية رقم [٥٣] من سورة (النحل). وانظر شرح (نذر) في الآية رقم [٣] من سورة (الحجر). وانظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [١٣] من سورة (إبراهيم) ﵇، وشرح (التقوى) في الآية رقم [٢] من سورة (النحل)، وشرح (جثيا) في الآية رقم [٦٨].\nتنبيه: قالت المعتزلة: في الآية دليل على صحة مذهبهم في أن صاحب الكبيرة، والفاسق يخلد في النار؛ بدليل: أن الله بين: أن الكل يردونها، ثم بين صفة من ينجو منها، وهم المتقون، والفاسق لا يكون متقيا فيبقى في النار أبدا. وأجيب عنه بأن المتقي هو الذي يتقي الشرك يقول: لا إله إلا الله، وقد وردت أحاديث شريفة تدل على إخراج المؤمن الموحد من النار، فعن أنس بن مالك﵁-، عن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير. ويخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله، وفي قلبه وزن برّة من خير. ويخرج من النار من قال: لا إله إلاّ الله، وفي قلبه وزن ذرّة من خير». وفي رواية «من إيمان». أخرجه البخاري.","vol":"5","page":628},{"text":"وعن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «يعذّب ناس من أهل التوحيد في النّار حتى يكونوا حمما، ثم تدركهم الرحمة، قال: فيخرجون، فيطرحون على أبواب الجنّة، قال: فيرشّ عليهم أهل الجنة من الماء، فينبتون كما تنبت الحبّة في حمالة السيل». أخرجه الترمذي. فدلت الآية الأولى على أنّ الكل دخلوا النار، ودلت الآية الثانية، والأحاديث: أن الله تعالى أخرج منها المتقين، وجميع الموحدين، وترك فيها الظالمين، وهم المشركون. انتهى.\nخازن بتصرف كبير. والمأخوذ من تلك الأحاديث الشريفة: أن مرتكب الذنوب والمعاصي يعاقب بقدر ذنبه، ثم ينجو. وقالت المرجئة: لا يدخل النار موحد مهما فعل من سيئات، وهذا قول يضرب به عرض الحائط، وحديث جابر المذكور أصدق دليل لأهل السنّة والجماعة.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف على ضم الثاء، وظرف مكان مبني على الفتح على فتحها متعلق بالفعل بعده. ﴿نُنَجِّي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿اِتَّقَوْا:﴾\nماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:\n ﴿نُنَجِّي..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿كانَ﴾ أو هي مستأنفة على الوجه الثاني في ﴿ثُمَّ،﴾ لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَنَذَرُ:﴾ مضارع والفاعل تقديره: «نحن». ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل نذر، أو هما متعلقان ب: ﴿جِثِيًّا﴾. ﴿جِثِيًّا:﴾ حال من ﴿الظّالِمِينَ،﴾ أو هو مفعول به ثان ل: (نذر)، وجملة: ﴿وَنَذَرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2323\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي: على كفار قريش. ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ:﴾ مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني، مبينات المقاصد. ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: مشركو قريش. وأظهر في مقام الإضمار زيادة في التشنيع عليهم. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: فقراء أصحاب رسول الله ﷺ، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون في رغد من العيش، وسعة في الرزق. ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي: المؤمنين، والكافرين. ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾ أي: أفضل، وأعلى منزلا، ومسكنا. وقيل: المقام: الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة، أي أيّ الفريقين أكثر جاها، وأنصارا؟ ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أي: مجلسا، والندي: مجلس القوم، ومتحدثهم، وكذلك الندوة، والنادي. ومنه: دار الندوة التي كان كفار قريش يتشاورون فيها في أمورهم.","vol":"5","page":629},{"text":"تنبيه: إنما قال كفار قريش للمؤمنين هذه المقالة بعد أن عجزوا عن معارضة القرآن، وبعد أن تحداهم مرارا، فأخذوا يتعززون بالدنيا، وحطامها الفاني، ومتاعها الزائل، وغرضهم بذلك إدخال الشبهة على المستضعفين، وإيهامهم: أن من كثر ماله، وعلا جاهه هو المحق في دينه وعبادته، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا، ولا في المؤمنين غنيا، ولم يعلموا: أن الله تعالى حفظ أولياءه من الاغترار بالدنيا، والركون إليها.\nالإعراب: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا:﴾ انظر الآية رقم [٥٨] ففيها الكفاية. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من ﴿آياتُنا﴾ مؤكدة منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.\n ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿قالَ﴾ والموصول مبني على الفتح في الأول في محل رفع، وفي الثاني في محل جر باللام، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول.\n ﴿أَيُّ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، و﴿أَيُّ:﴾ مضاف، و﴿الْفَرِيقَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مَقامًا:﴾ تمييز. ﴿وَأَحْسَنُ:﴾ معطوف على خير. ﴿نَدِيًّا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية:\n ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2324\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: أهلكنا كثيرا قبل كفار قريش من الأمم والقرون السابقة؛ لأن (كم) كناية عن عدد مبهم، وهي بمعنى: كثير، ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا﴾ أي: أحسن متاعا، والأثاث متاع البيت. ﴿وَرِءْيًا:﴾ منظرا حسنا، وفيه خمس قراءات. هذا؛ و(القرن) مفرد لفظا متعدد معنى، ولذا عاد الضمير عليه جمعا. وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. هذا؛ ولا تنس: أن في الآية نقضا وردّا لما قاله كفار قريش في الآية السابقة من المفاخرة بزينة الحياة الدنيا، ومتاعها الزائل الفاني، وهذا الرد مقرون بالتهديد، والوعيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْنٍ:﴾ تمييز (كم) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.\n ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبره، والجملة","vol":"5","page":630},{"text":"الاسمية صفة قرن باعتبار لفظه، أو محله، وقال الزمخشري وأبو البقاء: صفة (كم)، ورده ابن هشام في المغني، وجمع الضمير حملا على معنى ﴿قَرْنٍ،﴾، ﴿أَثاثًا:﴾ تمييز. ﴿وَرِءْيًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2325\"></span>﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ﴾ أي: في الكفر، والطغيان.\n ﴿فَلْيَمْدُدْ..﴾. إلخ: هذا أمر، ومعناه الخبر؛ أي: من كان في الضلالة مد له الرحمن في هذه الدنيا، وفتح عليه من أبواب الرزق، والنعيم ما يريد، حتى يطول اغتراره بالدنيا، فيكون ذلك أشد لعقابه. نظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا﴾ وقوله جل ذكره: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فمصيره إلى الموت، والعقاب، فإن هذا الإمداد استدراج، وليس بإكرام، وهذا في غاية التهديد، والوعيد. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٢ و١٨٣] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوأفيدك: أنه قد ذكر لفظ الرحمن في هذه السورة في ستة عشر موضعا. هذا؛ ومثل الآية الكريمة في وقوع الجملة الطلبية بمعنى: الخبر قول رجل من بني نهشل، وهو الشاهد رقم [١٠٠٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nوكوني بالمكارم ذكّريني... ودلّي دلّ ماجدة صناع\nإذ المعنى: وكوني بالمكارم تذكرينني.\n ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾ أي: يمد الله لهم في هذه الدنيا، ويعطيهم ما يتمنون، ويستمرون في طغيانهم حتى يروا ما يحل بهم إما العذاب في الدنيا، وذلك بالقتل، والأسر، والخزي، وقد أنجز الله وعيده لهم يوم بدر بما حصل فيهم، كما هو معروف، وإما قيام الساعة، وما ينالهم فيها من الخزي والنكال. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أي: إذا نزل بهم أحد الأمرين فعند ذلك يعلمون من هو شر مكانا، وأضعف جندا، أهم أم المؤمنون؟ حيث يعاينون الأمر على عكس ما قدروه، وعاد ما متعوا به خذلانا، ووبالا عليهم. وهذا الكلام في مقابلة قولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ في الآية رقم [٧٣] في يوم القيامة مكانهم جهنم، ومكان المؤمنين الجنة، وجندهم الشياطين، وجند المؤمنين الملائكة.\nبعد هذا انظر شرح: ﴿السّاعَةَ﴾ في الآية رقم [٨٥] من سورة (الحجر)، وإعلال ﴿رَأَوْا﴾ مثل إعلال: «ألقوا» في الآية رقم [٨٧] من سورة (النحل)، والفعل (يعلمون) من المعرفة لا العلم،","vol":"5","page":631},{"text":"انظر الآية رقم [٧٤] منها. وانظر شرح ﴿عَذابًا﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الإسراء) وشرح:\n ﴿شَرٌّ﴾ في الآية رقم [٤٤] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو». ﴿فِي الضَّلالَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾.\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليمدد): مضارع مجزوم بلام الأمر، وقد فك المضعف، ويجوز إبقاؤه من غير فك، ولكن الفك أفصح، وقد جاء به القرآن في غير هذه الآية أيضا.\n ﴿الضَّلالَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله. ﴿مَدًّا:﴾ مفعول مطلق. هذا؛ وقد اختلف في خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ،﴾ فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا، وجملة: ﴿كانَ فِي الضَّلالَةِ﴾ صلته، وجملة: ﴿فَلْيَمْدُدْ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٥٨]. ﴿رَأَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، وقد جمع الضمير مراعاة لمعنى ﴿مَنْ،﴾ بعد مراعاة لفظها في الآية السابقة، ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني: محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِمَّا:﴾ حرف شرط، وتفصيل. ﴿الْعَذابَ:﴾ بدل من الموصول. ﴿إِمَّا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(إِمَّا السّاعَةَ):﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿فَسَيَعْلَمُونَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. السين: حرف استقبال وتسويف وتهديد، ووعيد كما رأيت. (يعلمون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ شَرٌّ﴾ صلة الموصول.\nهذا؛ وأجيز اعتبار (من) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، والضمير مبتدأ ثان و﴿شَرٌّ﴾ خبره، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ شَرٌّ﴾ في محل رفع خبر ﴿مَنْ﴾ وعليه فالفعل: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ معلق عن العمل بسبب الاستفهام، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ هُوَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، وهناك قول لأبي البقاء، وهو أن ﴿مَنْ﴾ مبتدأ وشر خبره، والضمير فصل لا محل له من الإعراب، ومحل الجملة الاسمية يبقى كما رأيته. ﴿مَكانًا:﴾ تمييز ل: ﴿شَرٌّ﴾. ﴿وَأَضْعَفُ:﴾ معطوف على ﴿شَرٌّ﴾. ﴿جُنْدًا:﴾\nتمييز له، وجملة: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، و﴿إِذا﴾ ومدخولها","vol":"5","page":632},{"text":"في محل نصب مقول القول. وقيل: مستأنف. والأول: أقوى معنى، وقد رأيت في الآية رقم [٧١] من سورة (الكهف) أن الأخفش يعتبر حتى في مثل ذلك جارة ل: ﴿إِذا،﴾ انظر الكلام هناك.\n\n<span id=\"aya-2326\"></span>﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: ويثبت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم في النصرة، وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم، هذا قول القرطبي، وغيره. وأرى أن المعنى من سلك طريق الهدى، والطاعة يزيده الله من فضله، وكرمه، وذلك بتقويته، وتنشيطه للطاعة، وشرح صدره للعبادة، وبالمقابل: من سلك طريق الشر، والضلال، والفسوق، والعصيان يزيده الله في ذلك، وذلك يكون به تخليه عنه، وطرده من رحمته، وتسليمه لشيطانه يتلاعب به تلاعب الصبيان بالكرة. اللهم تولني بعنايتك، ورعايتك، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، واحفظني في عقبي، وذريتي، إنك خير مسئول، وأكرم منعم، ومتفضل يا أرحم الراحمين! انظر الآية رقم [٨٣] الآتية.\n ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ..﴾. إلخ: انظر شرح هذا الكلام في الآية رقم [٤٦] من سورة (الكهف) ففيها بحث واف كاف ضاف، والمراد: هنا: العاقبة، والمرجع. وقيل: الفائدة، والنفع، وإنما كانت الباقيات الصالحات أعظم نفعا، وأجل فائدة؛ لأن ما متع به الكافرون من النعم الوفيرة، والجاه الرفيع في هذه الدنيا، إنما هو فان وزائل، ومآله الحسرة، والعذاب المقيم بخلاف ثواب الباقيات الصالحات، فإن ثوابها مدخر عند الله، ولا يطرأ عليه زوال، ولا نفاد في الآخرة، وأفعل التفضيل: ﴿خَيْرٌ﴾ إما لمجرد الزيادة، أو على طريقة قولهم: الصيف أحر من الشتاء؛ أي: أبلغ من حره منه في برده، أو أن اسم التفضيل ذكر على سبيل المشاكلة لكلامهم السابق في الآية رقم [٧٣]. هذا؛ وانظر إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿وَيَزِيدُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يزيد): مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾\nمفعوله الأول. وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء). ﴿اِهْتَدَوْا:﴾ مثل: ﴿رَأَوْا﴾ في الآية السابقة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُدىً:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية: ﴿وَيَزِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على الجملة الشرطية المحكية بالقول، التقدير: قل: من كان في الضلالة... إلخ، وقل: يزيد الله\nإلخ. انتهى. من السمين، والبيضاوي. هذا؛ وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٤٦] من سورة (الكهف)، ففيها الكفاية.","vol":"5","page":633},{"text":"<span id=\"aya-2327\"></span>﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾\nالشرح: عن خباب بن الأرت﵁قال: كنت رجلا قينا في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل السهمي دين، فأتيته أتقاضاه-وفي رواية: فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفا، فجئته أتقاضاه-فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله، ثم تبعث. قال: وإني لميت، ثم مبعوث؟! قلت: بلى! قال: دعني حتى أموت، وأبعث، فسأوتى مالا وولدا، فأقضيك، فنزل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾. متفق عليه.\nهذا؛ والقين: الحداد، أو الصائغ.\nهذا؛ و﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ بمعنى: أخبرني، والاستفهام تعجيب؛ أي: تعجب يا محمد من قصة هذا الكافر ومن مقالته المذكورة. ولما كانت الرؤية أقوى سند الأخبار، استعمل (أرأيت) بمعنى:\nالإخبار. هذا؛ وقرئ: ﴿وَوَلَدًا﴾ بفتحتين، وبضم فسكون، واختلف فيهما، فقيل: هما لغتان بمعنى: واحد. وقيل: إنّ قيسا تجعل الولد بالضم جمعا، والولد بالفتح واحدا. وإنما قال ذلك الكافر هذا الكلام سخرية، واستهزاء، وقد مات على كفره لعدم تقدير السعادة له في الأزل.\nوانظر شرح (المال) في الآية رقم [٦] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجب. الفاء: حرف عطف، والمعنى:\nأخبر بقصة هذا الكافر عقب قصة أولئك. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرَ بِآياتِنا:﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): ماض، والفاعل يعود إلى الذي. ﴿لَأُوتَيَنَّ:﴾\nمضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل، والفعل مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو المفعول الأول. ﴿مالًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿وَوَلَدًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لقسم مقدر، واللام واقعة في جواب ذلك القسم، والقسم المقدر وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. تأمل. هذا؛ وانظر إعراب الآية رقم [٧٥] من سورة (الشعراء) فهي مثلها.\n<span id=\"aya-2328\"></span>﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ..﴾. إلخ ألفه ألف الاستفهام لمجيء ﴿أَمِ﴾ بعدها، ومعناه التوبيخ، وأصله (أأطلع) فحذفت الألف الثانية؛ لأنها ألف وصل، فإن قيل: فهلا أتوا بمدة بعد الألف، فقالوا: آطلع كقوله تعالى: ﴿آللهُ خَيْرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ..﴾. إلخ قيل له: كان","vol":"5","page":634},{"text":"الأصل في هذا (أالله) (أالذّكرين) فأبدلوا من الألف الثانية مدة، ليفرقوا بين الاستفهام، والخبر، وذلك: أنهم لو قالوا: الله خير بلا مد؛ لالتبس الاستفهام بالخبر، ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ﴾ لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة، وذلك أنك تقول في الاستفهام: (أطّلع؟ أفترى؟ أصطفى؟ أستغفرت؟) بفتح الألف، وتقول في الخبر: (اطّلع، افترى، اصطفى، استغفرت لهم) بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح، والكسر، ولم يحتاجوا إلى فرق آخر. انتهى. قرطبي. هذا؛ وأصل: «اطلع» اطتلع على وزن افتعل مثل: اجتمع، فقلبت التاء طاء، وأدغمت في مثلها.\n ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ:﴾ المعنى: أقد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي توحّد به الواحد القهار؛ حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا، وولدا، وتألّى عليه؟! ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا:﴾ أو اتخذ من علام الغيوب عهدا بذلك؟! فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين. وقيل: العهد: كلمة الشهادة، والعمل الصالح، فإن وعد الله بالثواب عليهما كالعهد عليه. انتهى. بيضاوي.\nالإعراب: ﴿أَطَّلَعَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (اطلع): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾. ﴿الْغَيْبَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (أرأيت). ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا.\n ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿عَهْدًا﴾ كان صفة لهن انظر الآية رقم [٤] وقيل مفعول به ثان ل: ﴿اِتَّخَذَ﴾ وعهدا مفعول به أول، ولا وجه له قطعا، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿الرَّحْمنِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَهْدًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2329\"></span>﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ أي: سنظهر له: أنا كتبنا وسجلنا قوله على حد قول زائدة بن صعصعة يعرّض فيه بزوجه، وكانت أمها سرّيّة: [الطويل]\nإذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة... ولم تجدي من أن تقرّي به بدّا\nأي: وتبين، وظهر: أني لم تلدني لئيمة، أو معنى الآية: سننتقم منه انتقام من كتب جريمة العدو، وحفظها عليه؛ لأن نفس الملائكة الكتبة لا يتأخرون عن كتابة قوله. قال تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ أي: ونزيد له من العذاب، ونضاعفه له لكفره، وافترائه، واستهزائه على الله، ولذلك أكد بالمصدر دلالة على فرط غضبه عليه.\nوقيل: نطيل مدة عذابه. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يفيد انتهاء مدة عذاب الكافر.","vol":"5","page":635},{"text":"أما القول في ﴿كَلاّ،﴾ فإني أنقله لك بحروفه من مغني اللبيب لابن هشام-طيب الله ثراه- لتكون على بصيرة من أمرك. قال رحمه الله تعالى: وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرد، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الردع، والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت (كلاّ) في سورة؛ فاحكم بأنها مكية؛ لأن فيها معنى التهديد، والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتو كان بها، وفيه نظر؛ لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها، لا عن غلبته، ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتو سابق، ثم لا يظهر معنى الزجر في ﴿كَلاّ﴾ المسبوقة بنحو قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾.\nوقولهم: المعنى: انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي: صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن تعسف؛ إذ لم يتقدم في الأوليين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين كلاّ وذكر العجلة. وأيضا: فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة العلق، ثم نزل قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ فجاءت في افتتاح الكلام، والوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا كلها في النصف الأخير (وذلك في خمس عشرة سورة منه، وكلها مكية).\nورأى الكسائي، وأبو حاتم، ومن وافقهما: أن معنى الردع، والزجر ليس مستمرّا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيا، يصح أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها للكسائي ومتابعيه: قالوا: تكون بمعنى: حقّا، والثاني: لأبي حاتم، ومتابعيه:\nقالوا: تكون بمعنى: «ألا» الاستفتاحية، والثالث: للنضر بن شميل، والفراء، ومن وافقهما:\nقالوا: تكون حرف جواب بمنزلة: «إي» ونعم، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ فقالوا:\nمعناه: إي والقمر.\nقول أبي حاتم عندي أولى من قولهما؛ لأنه أكثر اطرادا، فإن قول النضر لا يتأتى في آيتي (المؤمنون) و(الشعراء) على ما سيأتي، وقول الكسائي لا يتأتى في نحو قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ﴾ وقوله: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ لأن همزة «أنّ» تكسر بعد ألا الاستفتاحية، ولا تكسر بعد حقا، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم، وأما قول مكيّ: إن «كلاّ» على رأي: الكسائي اسم إذا كانت بمعنى: «حقا» فبعيد؛ لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية، والحرفية قليل، ومخالف للأصل، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها، وإلاّ فلم نوّنت؟!\nوإذا صلح الموضع للردع، ولغيره جاز الوقف عليها، والابتداء بها على اختلاف التقديرين، والأرجح حملها على الردع؛ لأنه الغالب فيها، وذلك نحو قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿أَطَّلَعَ﴾","vol":"5","page":636},{"text":"﴿الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ وقوله جل شأنه في سورة (مريم):\n ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾.\nوقد تتعين للردع، أو الاستفتاح، نحو قوله جل شأنه في سورة (المؤمنون): ﴿حَتّى﴾ ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ﴾ لأنها لو كانت بمعنى: حقا؛ لما كسرت همزة (إنّ)، ولو كانت بمعنى: نعم؛ لكانت للوعد بالرجوع؛ لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فتقول: نعم، ونحو قوله جل ذكره في سورة (الشعراء): ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وذلك لكسر (إنّ)، ولأن «نعم» بعد الخبر للتصديق.\nوقد يمتنع كونها للزجر، نحو قوله تعالى في سورة (المدثر): ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ إذ ليس قبلها ما يصح رده، وقول الطبري، وجماعة: إنه لما نزل في عدد خزنة جهنم قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال بعضهم: اكفوني اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر، فنزل:\n ﴿كَلاّ﴾ زجرا له تعسّف؛ لأن الآية لم تتضمن ذلك. انتهى. مغني اللبيب.\nأقول: ويتلخص من هذا: أن الأكثر في «كلاّ» أن تكون حرف ردع، وزجر، وذلك إذا سبقها كلام يستدعي ذلك، ولا ردع في سورة (الانفطار)، ولا في سورة (العلق)، ولا في سورة (المطففين)، وما جرى مجراهنّ، وإنما هي للتنبيه، والاستفتاح كما هو واضح، وتكون حرف جواب بمعنى: «إي» كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ،﴾ ولا تكون بمعنى: «حقا» كما بينه ابن هشام لعدم فتح همزة (إنّ) بعدها، ونقل الجمل عن السمين للنحويين فيها ستة مذاهب.\nوالمعتمد ما لخصته لك، والوارد منها في القرآن الكريم ثلاثة وثلاثون موضعا، كلها في النصف الأخير. قال الديربي في تفسيره المنظوم: [الطويل]\nوما نزلت كلاّ بيثرب فاعلمن... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر. ﴿سَنَكْتُبُ:﴾ السين: حرف استقبال، ومعناها هنا التوكيد. (نكتب): مضارع والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سنكتب الذي، أو شيئا يقوله ذلك الكافر، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: سنكتب قوله. ﴿وَنَمُدُّ:﴾ مضارع، والفاعل: نحن. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَدًّا﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٤]. ﴿مَدًّا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية:\n ﴿وَنَمُدُّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.","vol":"5","page":637},{"text":"<span id=\"aya-2330\"></span>﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ أي: نرث ما يدعيه لنفسه من المال، والولد، وذلك بموته، وخروجه من الدنيا خاليا من ذلك. وفي القرطبي: وقيل: نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد، ونجعله لغيره من المسلمين. ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ أي: لا مال له، ولا ولد، ولا عشيرة، والمراد: بالفردية: الانقطاع عنهما بالكلية، ولا شك: أن مثل هذه الفردية لا تحصل إلا للكافر، وإلا فالمؤمن والكافر سواء عند البعث في كونهما منفردين عن المال، والولد لقوله تعالى:\n ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام). وانظر الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف). ثم يتفاوتون بعد ذلك. فالمؤمن يلاقي أحبابه، وأولاده، وما اشتهاه في الجنة، والكافر يحال بينه وبين ما يشتهيه، وينفرد عنه أبدا، وكيف يشتهي ذلك، وهو مشغول بنفسه بسبب العقاب الشديد، والعذاب الأليم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَنَرِثُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به ﴿ما يَقُولُ﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله في الآية السابقة، وعلى الاعتبارات الثلاثة فهو بدل اشتمال من الضمير المنصوب، ويجوز أن يكون مفعولا به مثل سابقه، والضمير منصوب بنزع الخافض، التقدير: ونرث منه ما يقول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿وَيَأْتِينا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الكافر المعاند، و(نا): مفعول به. ﴿فَرْدًا:﴾ حال من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-2331\"></span>﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ أي: وعبد المشركون عامة، أوثانا، وأصناما.\n ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا:﴾ قوة، ومنعة يمنعونهم من العذاب، ويكونون لهم شفعاء عند الله، وقد صرحوا بذلك ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ هذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة التي هي للعقلاء مع أنها من الجمادات التي لا تعقل؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا عاملوه معاملته وأنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم والكلام العربي. وانظر شرح ﴿دُونِ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الكهف) وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [١] منها أيضا.\nالإعراب: ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتخذوا): ماض والواو فاعله والألف للتفريق.\nوانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [٢١] ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان","vol":"5","page":638},{"text":"بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً..﴾. إلخ، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿آلِهَةً:﴾\nمفعول به ثان والمفعول الأول: محذوف، التقدير: اتخذوا الأوثان... إلخ. ﴿لِيَكُونُوا:﴾\nمضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما.\n ﴿عِزًّا:﴾ خبره: و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (اتخذوا) وجملة: ﴿وَاتَّخَذُوا..﴾. إلخ متضمنة حكاية حال الكافرين، وهي معطوفة على حكاية مقالة الكافر المعاند الذي رأيت في الآيات السابقة.\n\n<span id=\"aya-2332\"></span>﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ﴾ أي: ليس الأمر كما ظنوا، وتوهموا، ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ أي: ينكرون أنهم عبدوا الأصنام، أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما حكى عنهم سبحانه ما يقولون في الآخرة: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ الآية رقم [٦٣] من سورة (القصص). ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أي: ينقلبون ضدهم، ويكونون لهم أعداء، والضد يكون واحدا ويكون جمعا كالعدو والصديق. وقيل: وقع هنا موقع المصدر؛ أي: ويكونون عليهم عونا، فلهذا لم يجمع، وهذا في مقابلة قوله: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ والعز مصدر، فكذلك ما وقع في مقابلته، هذا؛ ويقرأ ﴿كَلاّ﴾ بالتنوين وفتح الكاف وضمها، فعلى الأول: هو مصدر: كلّ؛ أي: أعيا، والمعنى كلّوا في دعواهم وانقطعوا. وقيل: هو بمعنى: الثقل؛ أي: حملوا كلاّ؛ أي: ثقلا، وعلى الثاني:\nهو تنوين كل، واستبعده أبو البقاء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر لا محل له، وعلى تنوينه وفتح الكاف هو مفعول مطلق عامله محذوف، أو مفعول به لفعل محذوف. انظر الشرح، وعلى ضم الكاف مع التنوين هو حال، المعنى: سيكفرون كلاّ؛ أي: جميعا. السين: حرف استقبال، وتنفيس. (يكفرون):\nمضارع، وفاعله، والجملة الفعلية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِعِبادَتِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول محذوف، التقدير: سيكفر المشركون بعبادتهم الأصنام، أو من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: سيكفر الأصنام، ونحوها بعبادة المشركين إياهم. ﴿وَيَكُونُونَ:﴾ مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على تجويز ذلك، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿ضِدًّا:﴾ خبر (يكونون)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"5","page":639},{"text":"<span id=\"aya-2333\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ تعجب، وخطاب للرسول ﷺ من أقاويل الكفرة، وتماديهم في الغي، وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق على ما نطقت به الآيات المتقدمة. ﴿أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ سلطنا، أو قيضنا لهم الشياطين، أو المعنى خلّينا الشياطين، والكافرين، ولم نعصمهم منهم. ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تغريهم إغراء بالشر، والمعاصي، وذلك بالتسويل، والزخرفة، وتحبيب الشهوات، والمعاصي، والمنكرات. هذا؛ والأز: التهييج، والإغراء. هذا؛ وفي الآية دليل على أنّ ما يفعله العبد إنما هو بتقدير العزيز العليم، وتيسيره له، فهنيئا لمن خلقه الله للإيمان، والخير ويسّره له! وويل ثم ويل لمن تخلى الله عنه، ووكله لشيطانه يتلاعب به! ولكن لا بد للعبد من إرادة للخير، أو إرادة للشر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٦]. هذا؛ وانظر (نا) في الآية رقم [٤٩] وشرح الشيطان في البسملة أول سورة (يوسف) ﵇، وشرح ﴿الْكافِرِينَ﴾ في الآية رقم [١٠٧] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا):\nاسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الشَّياطِينَ:﴾\nمفعول به. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَرْسَلْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿تَرَ،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَؤُزُّهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّياطِينَ﴾ والهاء مفعول به. ﴿أَزًّا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الشَّياطِينَ﴾ والرابط: الضمير فقط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-2334\"></span>﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تطلب لهم العذاب، وتستعجله. ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: نعد لهم آجالهم بالسنين، والشهور، والليالي، والأيام، والساعات، بل والخطوات، واللحظات، والأنفاس، وروي: أن المأمون العباسي قرأ هذه السورة، وعنده جماعة من الفقهاء، فمر بهذه الآية، فأشار إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد. وقيل في هذا المعنى: [الطويل]\nحياتك أنفاس تعدّ فكلّما... مضى نفس منك انتقصت به جزءا","vol":"5","page":640},{"text":"يميتك ما يحييك في كلّ ليلة... ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة وانظر الآية رقم [٥] (لا): ناهية. ﴿تَعْجَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فلا تعجل عليهم، والكلام معطوف على ما قبله في الآية السابقة لا محل له مثله. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة.\n ﴿نَعُدُّ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَدًّا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما نَعُدُّ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها. وقيل: حالية.\n\n<span id=\"aya-2335\"></span><span id=\"aya-2336\"></span>﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ..﴾. إلخ: المعنى يقول الله تعالى لنبيه ﷺ: اذكر يوم القيامة الذي يجتمع فيه المتقون، ويسيرون إلى جنة الرحمن جماعات جماعات، وذلك بعد الحساب، وتسليم البطاقات إلى الجنة. ولاختيار هذا الاسم الكريم وتكراره في هذه السورة شأن، ولعله؛ لأن مساق الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام، وشرح حال المؤمنين والمتقين، وشرح حال الكافرين المعاندين.\nهذا؛ و(الوفد) اسم للوافدين، كما يقال: قوم صوم، وفطر، وزور، فهو جمع: وافد، مثل:\nركب وراكب، وصحب وصاحب، وجمع الوفد: وفاد، ووفود، والاسم: الوفادة وأوفدته أرسلته، والوفد مصدر وفد يفد، وفدا ووفادة وإفادة إلى، أو على الأمير: قدم وورد رسولا، فهو وافد.\n ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا:﴾ السوق: الحث على السير، أو نسوقهم لورود النار، فيساقون عطاشا، حفاة، عراة، مشاة، أفواجا، والورد أيضا: الجماعة التي ترد الماء من طير، وإبل، ونحوهما، والورد: الماء الذي يورد. وانظر الآية رقم [٧١] وقد ورد في كيفية حشر المتقين، وحشر المجرمين أحاديث كثيرة أكتفي منها بما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر النّاس يوم القيامة على ثلاثة طرائق راغبين راهبين: اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر معهم النّار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا». متفق عليه، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم». قيل:\nيا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟! قال: «الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنّهم يتّقون بوجوههم كلّ حدب، وشوك». أخرجه الترمذي.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لذلك المحذوف. وقيل: متعلق بالفعل ﴿يَمْلِكُونَ﴾ الآتي. ﴿نَحْشُرُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر، تقديره:","vol":"5","page":641},{"text":"«نحن». ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِلَى الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَفْدًا﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الآية رقم [٥] ﴿وَفْدًا:﴾\nحال من المتقين، وجملة: ﴿نَحْشُرُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، وجملة:\n ﴿وَنَسُوقُ..﴾. إلخ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها، وإعراب هذه مثل إعراب تلك بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-2337\"></span>﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ:﴾ الضمير يعود إلى القسمين المذكورين. وقيل: يعود إلى الكفار. ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا:﴾ وهم المسلمون الذين قدموا العمل الصالح في الدنيا.\nوهذا على عود الضمير على القسمين المذكورين، فيكون المعنى: فإن المؤمنين يملكون الشفاعة لغيرهم. وعلى الثاني: فإن المعنى: لا يستحق الشفاعة من غيره، ولا يستأهلها إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا. فعلى الأول: فقد تظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل، والصلاح، والعلم يشفعون، فيشفّعون، وعلى الثاني: فإن الرسول ﷺ يشفع في العصاة من المسلمين، فيكون المعنى: فإنهم يملكون الشفاعة بأن يشفع فيهم، فقد قال رسول الله ﷺ: «لا أزال أشفع حتّى أقول: يا ربّ! شفّعني فيمن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيقول: يا محمد إنّها ليست لك، ولكنّها لي». أخرجه مسلم بمعناه. انتهى قرطبي. أما عبدة الأصنام فلا يشفعون لأحد، ولا يملكون شفاعة أحد؛ أي: لا يستحقونها من أحد. قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾.\nهذا؛ وقد قال ابن مسعود﵁-: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح ومساء عند الله عهدا؟». قيل: يا رسول الله! وما ذاك؟ قال: «يقول عند كلّ صباح ومساء: اللهمّ فاطر السّماوات والأرض عالم الغيب والشّهادة إنّي أعهد إليك في هذه الحياة بأنّي أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمدا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي؛ تباعدني من الخير، وتقرّبني من الشّرّ، وإني لا أثق إلاّ برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنّك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليها طابعا، ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقومون، فيدخلون الجنة؟».\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الشَّفاعَةَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ أو منهم ومن المتقين حسب ما رأيت في الشرح، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني","vol":"5","page":642},{"text":"على السكون في محل نصب على الاستثناء المتصل، أو المنقطع حسب ما رأيت في الشرح، أو هو في محل رفع بدل من واو الجماعة، وهذا على القاعدة: «إذا كان الكلام تاما منفيا جاز في الاسم الواقع بعد إلا النصب على الاستثناء، والإتباع على البدلية». ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنِ،﴾ وهو العائد، أو الرابط على اعتبارها نكرة موصوفة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق ب: ﴿عَهْدًا﴾ أو بمحذوف حال منه على مثال ما رأيت في الآية رقم [٥] وقيل: متعلق بمحذوف مفعول ثان ل: ﴿اِتَّخَذَ﴾ و﴿عَهْدًا﴾ هو المفعول الأول، والمعنى لا يؤيده.\n ﴿عَهْدًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ..﴾. إلخ: صلة ﴿مَنِ﴾ أو صفتها.\n\n<span id=\"aya-2340\"></span>﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ:﴾ يتشققن مرة بعد مرة، وقرئ «(ينفطرن)» قال تعالى:\n ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ والأول: أبلغ؛ لأن التفعل مطاوع: فعل.\nوالانفعال مطاوع: فعل. ﴿مِنْهُ﴾ أي: من قولهم: ﴿اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا﴾. ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ:﴾","vol":"5","page":643},{"text":"تتصدع، أو تخسف بهم. ﴿وَتَخِرُّ الْجِبالُ:﴾ تسقط. ﴿هَدًّا:﴾ هدما؛ أي: تسقط بصوت شديد، وتتفتت، يقال: هدني هذا الأمر وهدّ ركني؛ أي: كسرني، وبلغ مني. وهدّته المصيبة: أي:\nأوهنته. والمعنى: أن هول ما قالوه وعظمه بحيث لو تصور بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام، وتفتت من شدتها، وافترائها. أو لأن فظاعتها مجلبة لغضب الله تعالى بحيث لولا حلمه، ولطفه؛ لخرب هذا العالم، وبددت قوائمه غضبا على من تفوّه بها. وانظر الآية رقم [١١١] من سورة (الإسراء) ففيها بحث جيد.\nقال ابن عباس﵄-: فزعت السموات، والأرض، والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت تزول، وغضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولدا.\nوانظر ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (النحل)، وشرح (كاد) في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿تَكادُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿السَّماواتُ:﴾ اسمها. ﴿يَتَفَطَّرْنَ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿تَكادُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، ومتعلق الفعل والذي بعده محذوف لدلالة ما قبله عليه. وأيضا جملة: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبالُ﴾ معطوفة عليها. ﴿هَدًّا:﴾ نائب مفعول مطلق؛ لأنه مصدر مرادف لمصدر (تخر) أو هو حال؛ لأنه بمعنى: مهدودة، أو هو مفعول لأجله. قال الزمخشري: أي: لأن تهد.\n\n<span id=\"aya-2341\"></span><span id=\"aya-2342\"></span>﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾\nالشرح: أي: قاربت السموات أن تتفطر، وقاربت الأرض أن تتشقق، وقاربت الجبال أن تتفتت لافترائهم على الله تعالى اتخاذ الولد، وقد نزه سبحانه نفسه عن ذلك، ونفاه نفيا قاطعا؛ حيث قال: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ..﴾. إلخ أي: لا يصح، ولا يليق؛ لأن الولد لا بد أن يكون شبيها بالوالد، ولا شبيه له تعالى، ولأن اتخاذ الولد يكون لأغراض لا تصح في الله تعالى: من سرور بالولد، واستعانة به، وذكر جميل بعده، ولأن الولد لا يكون إلا من والد، يكون له والد، وأصل، والله تعالى تنزه عن ذلك، وتقدس فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.\nروى البخاري عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله ﵎: «كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إيّاي؛ فقوله: ليس يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأمّا شتمه إيّاي؛ فقوله: اتّخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد».","vol":"5","page":644},{"text":"الإعراب: ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، ﴿دَعَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والفعل في محل نصب ب: «أن»، و«أن» والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nلأجل، أو من أجل دعواهم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال الثلاثة السابقة على التنازع. تأمل. وقال أبو البقاء: فيه-أي: المصدر المؤول-ثلاثة أوجه: أحدها هو في موضع نصب؛ لأنه مفعول له. والثاني: في موضع جر على تقدير اللام. والثالث: في موضع رفع؛ أي: الموجب لذلك دعاؤهم. والمعتمد الثاني، وهو ما ذكرته أولا. وقال الزمخشري:\nفيه ثلاثة أوجه: أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في (منه) ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل؛ أي: هدا لأن دعوا، ومرفوعا بأنه فاعل ﴿هَدًّا﴾ أي: هدها دعاء الولد للرحمن.\n ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَلَدًا﴾ على نحو ما تقدّم، وتكرر. ﴿وَلَدًا:﴾ مفعول به. وقال البيضاوي: والفعل: «دعا» بمعنى: «سمى» المتعدي لمفعولين، وإنما اقتصر على المفعول الثاني: ليحيط بكل من ادعى له ولدا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء). ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَنْبَغِي:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ في محل رفع فاعل ﴿يَنْبَغِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من (الرحمن)، والرابط: الواو، وإعادة لفظ الاسم الكريم.\n\n<span id=\"aya-2343\"></span>﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣)﴾\nالشرح: المعنى: ما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرا له في العبودية، خاضعا ذليلا كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ أي: صاغرين أذلاء، وهو يشمل العابدين، والمعبودين من دون الله، فلا يكون واحد إلها، أو ولدا له ﷿، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا.\nهذا؛ وفي ﴿مَنْ﴾ تغليب العاقل على غير العاقل. تأمل. هذا؛ وفي تكرير الرحمن في هذه السورة، واختصاص هذا الاسم بالذكر مع كونه تعالى له تسعة وتسعون اسما كما رأيت في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) بيان من العلي القدير: أنه وحده الذي يستحق هذا الاسم، ولا يستحقه غيره لأن أصول النعم وفروعها منه وحده لا شريك له، فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، فمن أضاف إليه ولدا؛ فقد جعله كبعض خلقه، وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن، واختصاصه به.","vol":"5","page":645},{"text":"الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ نافية. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، و﴿كُلُّ:﴾ مضاف، و﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة من، التقدير:\nكل شيء كائن في السموات. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿آتِي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وآتي مضاف، و﴿الرَّحْمنِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿عَبْدًا:﴾\nحال؛ لأنه بمعنى: ذليلا، وخاضعا، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ كُلُّ..﴾. إلخ تعليل للنفي في الآية السابقة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2346\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦)﴾\nواختلف فيمن نزلت، فقيل: في علي﵁-، فقد روى البراء بن عازب﵁قال: قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: «قل يا عليّ: اللهمّ اجعل لي عندك عهدا،","vol":"5","page":646},{"text":"واجعل لي في قلوب المؤمنين مودّة». فنزلت الآية. ذكره الثعلبي. وقال ابن عباس﵄-: نزلت في عبد الرحمن بن عوف﵁-، جعل الله له في قلوب العباد مودة، لا يلقاه مؤمن إلا وقّره، ولا مشرك، ولا منافق إلا عظّمه\nالشرح: (الود): المحبة، والمودة، وهو بتثليث الواو، والمعنى: سيجعل للمؤمنين الذين يعملون الصالحات محبة في قلوب عباده المؤمنين بالإضافة إلى محبته لهم، والسين؛ لأن السورة مكية، وكانوا ممقوتين معذبين بين الكفرة، فوعد ذلك سبحانه لهم في المستقبل إذا انتشر الإسلام، وقد حقق وعده، وأنجزه بعد الهجرة.\nأقول: وخصوص السبب لا يمنع التعميم، فكل من آمن بالله الإيمان الصحيح، وتحلى بالعمل الصالح، وابتعد عن إيذاء العباد يحبّه الناس، ويودونه. وذلك دليل واضح على محبة الله له، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى إذا أحبّ عبدا؛ دعا جبريل ﵇، فقال: إني أحبّ فلانا، فأحبّه، فيحبّه جبريل، ثمّ ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحبّ فلانا، فأحبّوه، فيحبّه أهل السّماء، ثمّ يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا؛ دعا جبريل ﵇. وقال: إني أبغض فلانا، فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثمّ ينادي في أهل السّماء: إنّ الله يبغض فلانا، فأبغضوه. قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض». أخرجه مسلم. هذا؛ ولا تنس: الاحتراس الذي ذكرته لك في الآية رقم [٣٠] من سورة (الكهف) وغيرها.\nهذا؛ وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم، ورحمتهم. وقال كعب الأحبار: مكتوب في التوراة:\nلا محبة لأحد في الأرض، حتى يكون ابتداؤها من الله ﷿، ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض. انتهى. هذا، ولا عبرة لبغض أهل الضلال، والفساد أهل التقوى، والإيمان، وفي الحديث الشريف: «يعطى المؤمن مقة في قلوب الأبرار ومهابة في قلوب الفجّار».\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَعَمِلُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم وهو صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: وعملوا الأعمال الصالحات. ﴿سَيَجْعَلُ:﴾ السين: حرف استقبال، وتنفيس. (يجعل):\nمضارع. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله. ﴿وُدًّا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿سَيَجْعَلُ..﴾.","vol":"5","page":647},{"text":"إلخ: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-2347\"></span>﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أي: بينا القرآن. ﴿بِلِسانِكَ﴾ أي: بلغتك العربية، وجعلناه سهلا على من تدبّره وتأمّله. ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الصابرين على التقوى، والمداومين عليها بأنّ لهم الجنة. ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا:﴾ وتخوف بهذا القرآن قوما أشداء الخصومة، و(لدّ) جمع الألد، وهو شديد الخصومة، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) في حق الأخنس بن شريق ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ:﴾ وقيل: (الألد) الظالم الذي لا يستقيم، ولا يقبل الحق، ويدعي الباطل، وفي سورة (الدخان): ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ وانظر شرح (لسان) في الآية رقم [٤] من سورة (إبراهيم) ﵇، و(التقوى) في الآية رقم [٢] من سورة (النحل)، وشرح (قوم) في الآية رقم [٣] منها.\nالإعراب: ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَسَّرْناهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على مقدر، كأنه قيل:\nبلّغ هذا المنزل عليك... فإنما... إلخ. ﴿بِلِسانِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِتُبَشِّرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَتُنْذِرَ:﴾ معطوف على (تبشر) منصوب مثله، والفاعل تقديره أنت. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْمًا﴾ مفعول به.\n ﴿لُدًّا:﴾ صفة له.\n<span id=\"aya-2348\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ:﴾ انظر الآية رقم [٧٤] ففيها الكفاية، والمراد: تخويف أهل مكة، وتجسير الرسول ﷺ على إنذارهم. ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: هل تشعر بأحد من الأمم الهالكة، أو تراه بعينك. ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا:﴾ والركز: الصوت الخفي؛ أي: قد ماتوا، وهلكوا جميعا. هذا؛ و«الركاز» المال المدفون في الأرض، كأنه ركز في الأرض. هذا؛ وانظر شرح «أحد» في الآية رقم [٣٢] من سورة (الكهف)، وشرح «تسمع» في الآية رقم [٦٥] من سورة (النحل).","vol":"5","page":648},{"text":"الإعراب: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ:﴾ انظر إعراب الآية رقم [٧٤] ففيها الكفاية. ﴿هَلْ:﴾\nحرف استفهام. ﴿تُحِسُّ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من أحد كان صفة له على نحو ما رأيت في الآية رقم [٤] ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة، ﴿أَحَدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة: ﴿هَلْ تُحِسُّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿تَسْمَعُ:﴾ مضارع، وفاعله أنت. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿رِكْزًا﴾ على مثال ما تقدم. ﴿رِكْزًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿تَسْمَعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\nانتهت سورة (مريم) شرحا وإعرابا\nبحمد الله، وتوفيقه.\n**","vol":"5","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2306>سورة طه</span>\nمكية، وهي مائة وأربع. وقيل: خمس وثلاثون آية، وألف وستمائة وإحدى وأربعون كلمة، وخمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، فعن عبد الله بن عباس﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت السورة التي فيها (البقرة) من الذكر الأوّل، وأعطيت (طه) و(الطواسين) من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة (البقرة) من تحت العرش، وأعطيت المفصّل نافلة». النافلة: الزيادة. وفقنا الله لفهم ذلك. هذا؛ وقد نزلت السورة الكريمة قبل إسلام عمر﵁-، وقصته مع أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد مشهورة، مسطورة لا أطيل الكلام بذكرها هنا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-2349\"></span>﴿طه (١)﴾\nالشرح: لقد اختلف في معناه، فقال ابن عباس﵄-: معناه: يا رجل! فيكون المراد به النبي ﷺ. وقيل: إنها لغة معروفة في قبيلة عكل، وأنشد الطبري في ذلك قول متمم ابن نويرة: [الطويل]\nدعوت بطه في القتال فلم يجب... فخفت عليه أن يكون موائلا\nأي: ناديته بيا رجل. وقال عبد الله بن عمرو معناه: يا حبيبي بلغة قبيلة عك. وقال قطرب:\nهو بلغة طيئ، وأنشد ليزيد بن المهلهل: [البسيط]\nإنّ السّفاهة طه من شمائلكم... لا بارك الله في القوم الملاعين\nمعناه: إن السفاهة يا حبيبي... إلخ، واستشهد بهذا البيت أيضا من قال: معناه: يا رجل كما استشهد بسابقه. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقسم أقسم به. وقيل: هو اسم من أسماء النبي ﷺ سماه الله به، كما سماه محمدا، وهو المشهور، والمعروف لدى الناس، فقد روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «لي عند ربّي عشرة أسماء». فذكر: أن فيها طه، وياسين. وقيل: إنه اسم للسورة، ومفتاح لها. وقيل: إنها حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، فالطاء افتتاح اسمه: طاهر، وطيب، والهاء افتتاح اسمه: هادي. وقيل: الطاء: يا طامع بالشفاعة للأمة، والهاء: يا هادي الخلق إلى الله. وقيل: غير ذلك. وقيل: إن معناه: طأ الأرض، وذلك أن النبي ﷺ كان يحتمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورّمان، فقيل له: خفّف عن نفسك. وقيل: كان ﷺ إذا صلى قام على رجل واحدة، ورفع الأخرى، فقال الله له: طأ الأرض بقدميك يا محمد. انتهى. من","vol":"5","page":650},{"text":"القرطبي باختصار كبير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١] من سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. ولا تنس: أن اللفظ يقرأ بقراءات كثيرة.\nأما الإعراب، فهو منادى حذف منه حرف النداء على تفسيره ب: يا رجل، أو يا حبيبي، أو هو اسم علم له ﷺ، أو هو فعل أمر على التفسير الأخير له، ولا محل له من الإعراب على اعتباره من الحروف المقطعة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n\n<span id=\"aya-2350\"></span><span id=\"aya-2351\"></span><span id=\"aya-2352\"></span>﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)﴾\nالشرح: لقد اختلف في سبب نزول هذه الآيات، فقال الكلبي: لما نزل على النبي ﷺ الوحي بمكة؛ اجتهد في العبادة، واشتدت عبادته، فجعل يصلي الليل كله زمانا حتى نزلت هذه الآية، فأمره الله تعالى أن يخفف عن نفسه، فيصلي، وينام، فنسخت هذه الآية قيام الليل، فكان بعدها يصلي، وينام. وقال مقاتل، والضحاك: فلما نزل القرآن على النبي ﷺ؛ قام هو، وأصحابه، فصلوا، فقال كفار قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى. وقيل: إن النبي ﷺ كان شديد التأسف والتحسر على عدم إيمان قومه، فيكون الكلام مثل الآية [٦] من سورة (الكهف). هذا؛ وأصل الشقاء في اللغة: العناء، والتعب. قال المتنبي: [الكامل]\nذو العقل يشقى في النّعيم بعقله... وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم\nهذا؛ ومصدر الفعل يشقى: شقاء، وشقوة، وشقاوة، وهن ضدّ السعادة. وقد شقي شقاء، وشقاوة، وأشقاه الله، فهو شقي بيّن الشقاوة. وفي القاموس: الشقاء: الشدة، والعسر. وشقي، كرضي شقاء، وشقاوة.\n ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ أي: يخاف الله تعالى، وإنما خص من يخشى بالتذكرة؛ لأنه هو الذي ينتفع بالموعظة، والتذكرة. ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ أي: نزله عليك يا محمد العلي القدير الذي خلق الأرض، والسموات العلية الرفيعة؛ التي لا يقدر على خلقها في عظمها، وعلوها إلا الله تعالى.\nهذا؛ ويقرأ: «(ما نزّل عليك القرآن لتشقى)» والفرق بين أنزل ونزّل: فالأول: يفيد التنزيل جملة واحدة، وأما الثاني: فإنه يفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر، والخطابة، وهذا ممّا كان يريب المشركين، كما حكى ﷾ عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ وانظر شرح","vol":"5","page":651},{"text":"(القرآن) في الآية رقم [١] من سورة (الحجر). وانظر شرح «خشي» في الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف). هذا؛ و﴿الْعُلى﴾ جمع: العليا، مثل كبرى، وكبر، وصغرى، وصغر.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. ﴿لِتَشْقى:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿ما أَنْزَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة على اعتبار ﴿طه﴾ منادى، أو فعلا كما رأيت، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وجوابه إن جعلته قسما.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿تَذْكِرَةً:﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع، ولا يجوز أن يكون بدلا من محل ﴿لِتَشْقى﴾ لاختلاف الجنسين، ولا مفعولا له ل: ﴿أَنْزَلْنا﴾ فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين. وقيل: هو مصدر في موقع الحال من الكاف، أو القرآن، أو المفعول له على أنّ لتشقى متعلق بمحذوف هو صفة القرآن. انتهى. بيضاوي، وهو قول الزمخشري، ودافع عنه، وأيده، وأنكره الفارسي. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿تَذْكِرَةً﴾ أو بمحذوف صفة له، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يَخْشى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والمفعول محذوف للعلم به.\n ﴿تَنْزِيلًا:﴾ مفعول مطلق بفعل محذوف، أو هو بدل من ﴿تَذْكِرَةً﴾ على اعتباره حالا فقط، وقرئ بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، أو هذا تنزيل. ﴿مِمَّنْ﴾ متعلقان ب ﴿تَنْزِيلًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ صلة (من)، والعائد رجوع الفاعل إليها. ﴿وَالسَّماواتِ:﴾ معطوف على ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿الْعُلى:﴾ صفة (السموات) منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n\n<span id=\"aya-2353\"></span><span id=\"aya-2354\"></span>﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)﴾\nالشرح: ﴿الرَّحْمنُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢] من سورة (الرعد) ففيها الكفاية، أو الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء). ﴿وَما تَحْتَ الثَّرى:﴾ يريد ما تحت الصخرة التي لا يعلم ما تحتها إلا هو، وهي التي ذكرها لقمان لابنه، وذلك في قوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.","vol":"5","page":652},{"text":"تنبيه: قال البيضاوي رحمه الله تعالى في هذا الكلام تفخيم لشأن المنزّل بعرض تعظيم المنزل؛ أي: القرآن، بذكر أفعاله وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل، فبدأ بخلق السموات والأرض التي هي أصول العالم، وقدم الأرض؛ أي: في الآية السابقة؛ لأنها أقرب إلى الحسّ، وأظهر عنده من السموات العلى، ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات، وتدبير أمرها بأن قصد العرش، فأجرى منه الأحكام، والتقادير، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسبما اقتضته حكمته، وتعلقت به مشيئته، فقال ﴿الرَّحْمنُ..﴾. إلخ ليدل بذلك على كمال قدرته، وإرادته، ولما كانت القدرة تابعة للإرادة-وهي لا تنفك عن العلم-عقب ذلك بإحاطة علمه بجليات الأمور، وخفياتها على سواء، فقال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ..﴾. إلخ.\nهذا؛ و«استوى» له في اللغة معان كثيرة. قال في «القاموس»: استوى الشيء: اعتدل، واستقام، يقال: سويت الشيء، فاستوى، واستوى الرجل: استقام أمره، وانتهى شبابه، وبلغ أشده. قال تعالى في حق موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى..﴾. إلخ. واستوى عليه: ظهر واستولى. واستوى على ظهر الدابة: استقر، وثبت.\nواستوى على سرير الملك: كناية عن التملك. واستوى إلى الشيء: قصده. قال تعالى في الآية رقم [١١] من سورة (فصلت): ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ..﴾. إلخ. واستوى الطعام: نضج، والفاكهة: نضجت، وطاب أكلها. هذا؛ و﴿اِسْتَوى﴾ هنا بمعنى: استولى، وقهر. هذا مذهب الخلف. ومذهب السلف: استوى استواء يليق به.\nأما ﴿الثَّرى﴾ بالقصر، فهو التراب الندي، فإن لم يكن نديا؛ فهو تراب، ولا يقال له حينئذ:\nثرى، وفي اللسان وغيره: شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى؛ أي: تكون الأرض ندية أولا، ثم ترى الخضرة، ثم يطول النبات حتى يصلح للرعي. هذا؛ والثراء بالمد: الغنى، وكثرة المال. والثري الغني، وكثير المال.\nالإعراب: ﴿الرَّحْمنُ:﴾ مبتدأ، ﴿عَلَى الْعَرْشِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿اِسْتَوى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الرحمن، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿الرَّحْمنُ﴾ خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرحمن، وعليه فالجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ المحذوف، أو هي في محل نصب حال من ﴿الرَّحْمنُ﴾ كما أجيز اعتبار ﴿الرَّحْمنُ﴾ بدلا من فاعل ﴿خَلَقَ﴾ فتبقى الجملة الفعلية حالا. وقال القرطبي: ويجوز النصب على المدح، فتبقى الجملة الفعلية حالا، ولكن لم أر من قرأ بالنصب. هذا؛ وقرئ بالجر بدلا من الموصول، فتبقى الجملة الفعلية حالا. وقال الزمخشري: هي خبر مبتدأ محذوف لا غير، ولا أراه قويا. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية","vol":"5","page":653},{"text":"مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها خبرا ل: ﴿الرَّحْمنُ﴾ على رفعه. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿تَحْتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، و﴿تَحْتَ:﴾ مضاف، و﴿الثَّرى:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ.\n\n<span id=\"aya-2355\"></span><span id=\"aya-2356\"></span>﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويشمل كل عاقل، والمعنى: إن ترفع صوتك بالذكر، ونحوه؛ فاعلم: أنه غني عن جهرك. ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى:﴾ قال ابن عباس -﵄-: السر: ما تسر في نفسك؛ وأخفى من السر: ما يلقيه الله في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك؛ لأنك لا تعلم ما تسر اليوم، ولا تعلم ما تسر غدا، والله يعلم ما أسررت به اليوم، وما تسر به غدا. وانظر الآية [١٠] من سورة (الرعد). وانظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ بمعنى: يعرف، انظر الآية رقم [٧٤] من سورة (النحل)، وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب، ومنه إلى الغيبة، وذلك للتفنن. وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (النحل) تجد ما يسرك.\n ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ: وحد الله نفسه، وذلك: أن رسول الله ﷺ دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى، وخلع عبادة الأوثان، فكبر ذلك عليهم، فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن؛ قال للوليد بن المغيرة: محمد ينهانا أن ندعو مع الله إلها آخر، وهو يدعو الله، والرحمن، فأنزل الله الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) ثم قال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ انظر آية الإسراء المذكورة تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿تَجْهَرْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِالْقَوْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنه):\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿السِّرَّ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليل لجواب الشرط.\n ﴿وَأَخْفى:﴾ يجوز فيه أن يكون فعلا ماضيا، وفاعله يعود إلى الإنسان، ومفعوله محذوف، التقدير: وأخفى السر عن الخلق، أو هو أفعل تفضيل معطوف على ﴿السِّرَّ﴾ التقدير: وأخفى من السر، والمعنى عليه أقوى، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.","vol":"5","page":654},{"text":"﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: لا إله موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، والثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأولى والأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَسْماءُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْحُسْنى:﴾ صفة الأسماء مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2357\"></span><span id=\"aya-2358\"></span>﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى:﴾ قال أهل المعاني: هو استفهام، وإثبات، وإيجاب معناه: أليس قد أتاك؟ وقيل: معناه: وقد أتاك. قاله ابن عباس، وغيره، ومجيء «هل» بمعنى:\n «قد» ذكره ابن هشام في مغنيه، وجعل منه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾. هذا؛ وفي ذكر نبوة محمد ﷺ في أول السورة، ثم ذكر نبوة موسى ﵊، وما جرى له مع فرعون، ثم مع قومه ذلك: ليأتم به في تحمل أعباء النبوة، وتبليغ الرسالة، والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه من أوائل ما نزل.\n ﴿إِذْ رَأى نارًا فَقالَ..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄هذا حين قضى الأجل؛ أي:\nالذي عاقد شعيبا عليه، ثم استأذنه في الرجوع إلى أهله بمصر، وخرج بزوجه، وهي بنت شعيب كما ستعرفه، وتعرف نشأته في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، فلما وافى وادي طوى وفيه جبل الطور، وكانت أيام الشتاء، فأخذ على غير الطريق المعروف مخافة من ملوك الشام، وامرأته حامل في شهرها، لا يدري: أليلا تضع، أم نهارا؟ فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وذلك في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد لما أراد من كرامته، فأخذ امرأته الطلق، فأخذ زنده فجعل يقدح فلا يوري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور، فذهب إليها. وقال لأهله:\n ﴿اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا:﴾ أقيموا مكانكم لأني أبصرت نارا. وقال ابن عباس﵄-: فلما توجه نحو النار؛ فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حرّ النار تغيّر حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة،","vol":"5","page":655},{"text":"ولا نعمة الخضرة تغيّران حسن ضوء النهار. ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ﴾ أي: بشعلة، أو بجمرة.\n ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ أي: هاديا يهديني، ويدلني على الطريق، ولما كان حصول الاثنين مترقبا متوقعا، وليس محققا بناه على الرجاء بخلاف الإيناس فإنه كان محققا، فلذا حققه. هذا؛ ومعنى الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى النّارِ﴾ أن أهلها مشرفون عليها، أو هم مستعلون على المكان القريب منها، ومثله قول الأعشى من قصيدة مدح بها المحلّق: [الطويل]\nتشبّ لمقرورين يصطليانها... وبات على النّار النّدى والمحلّق\nهذا؛ وفي سورة (النمل) قوله تعالى: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وفي سورة (القصص) قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ والمعنى واحد، واختلاف الألفاظ لشحذ الأذهان، ويورث لذة على الأسماع، وهو دليل واضح على بلاغة القرآن الذي أخرس الفصحاء، وأسكت البلغاء من العرب، وما يتذكر إلا أولو الألباب. وقال بعضهم: لا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكل، إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء.\nهذا؛ و﴿آنَسْتُ:﴾ أبصرت، والإيناس: الإبصار البين، الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين؛ لأنه يبصر به الأشياء، و(القبس): الجذوة من النار.\nبعد هذا فالفعل «أتى» يستعمل لازما؛ إذا كان بمعنى: حضر، وأقبل، وقرب كما في قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ..﴾. إلخ ويستعمل متعديا إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في هذه الآية، ونحوها. ومثله: «جاء» في التعدية، واللزوم مع اختلاف اللفظ واتفاق المعنى. هذا؛ و﴿مُوسى﴾ أصله: (موشى) مركّبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو) والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب. وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر لما ألقته أمه فيه، كما ستعرفه قريبا، أما «النار» فأصلها النّور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فهي في المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين من أبناء المسلمين، والفعل: نار، ينور، ويستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. وانظر شرح (الأهل) في الآية رقم [٧١] من سورة (الكهف)، وإعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] منها، وإعلال ﴿أَجِدُ﴾ مثل إعلال ﴿تَزِرُ﴾ في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿وَهَلْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. وانظر الشرح.\n ﴿أَتاكَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿مُوسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية","vol":"5","page":656},{"text":"مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿حَدِيثُ،﴾ أو هو متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر.\nوقيل: متعلق بمحذوف مؤخر، التقدير: حين رأى نارا كان كيت، وكيت ﴿رَأى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿نارًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿فَقالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿لِأَهْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اُمْكُثُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل وياء المتكلم اسمها. ﴿آنَسْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نارًا:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل معناه الترجي، والياء اسمها. ﴿آتِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلِّي..﴾. إلخ تعليل ل: ﴿آنَسْتُ﴾ لا محل لها. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (قبس) كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بِقَبَسٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، ﴿أَجِدُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿عَلَى النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُدىً:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين. والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-2359\"></span><span id=\"aya-2360\"></span>﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا أَتاها﴾ أي: أتى النار، واقترب منها. قيل: إن موسى ﵇ أخذ شيئا من حشيش الأرض اليابس وقصد الشجرة التي رأى فيها النار، فكان كلما دنا منها؛ نأت عنه، وإذا نأى؛ دنت منه، فوقف متحيرا، وسمع تسبيح الملائكة، وألقيت عليه السكينة، فعند ذلك ﴿نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ قيل: إنه لما نودي؛ قال: من المتكلم؟ قال: «إني أنا الله» فوسوس إليه إبليس، لعلك تسمع كلام الشيطان، فقال: أنا عرفت: أنه كلام الله؛ لأني أسمعه من جميع الجهات، وبجميع الأعضاء. قيل: إنه سمعه بكل أجزائه، حتى إن كل جارحة كانت أذنا.","vol":"5","page":657},{"text":"﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ:﴾ كان السبب فيه ما روي عن ابن مسعود﵁مرفوعا. قال:\nكانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ وإنما أمر بخلعهما صيانة للوادي المقدس. وقيل: أمر بخلعهما؛ ليباشر بقدميه تراب الأرض المقدسة؛ لتنالهما بركتها، فخلعهما، وألقاهما وراء الوادي. وقيل: أمره بخلعهما؛ لأن الحفوة تواضع، وأدب، ولذلك طاف بعض السلف حول الكعبة حافين. ﴿إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر. ﴿طُوىً:﴾ اسم الوادي الذي حصل فيه الكلام، ويقرأ بغير تنوين على أنه معرفة مؤنث علم للبقعة. وقال في القاموس: وطوى بالضم والكسر، وينون واد بالشام. انتهى. وهو غير المذكور في الآية حتما.\nهذا؛ و«الوادي» هو المنفرج بين جبلين يجري فيه السيل، ويجمع على، أودية وأوديات، وأوادية، وأوداء وأوداة. قال جرير: [الوافر]\nعرفت ببرقة الأوداه رسما... محيلا طال عهدك من رسوم\nولم أعثر على «وديان» مع أنه كثير، ومستعمل. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في جمع «واد» على: أودية، وجمع فاعل على أفعلة شاذ ولم نسمعه في غير هذا الحرف، ووجهه: أن فاعلا قد جاء بمعنى: فعيل، وكما جاء فعيل، وأفعلة كجريب، وأجربة كذلك فاعل. انتهى.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿أَتاها:﴾ ماض ومفعوله، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية (لمّا)، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على القول بظرفيتها. ﴿نُودِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. (يا):\nحرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (موسى): مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف للتعذر في محل نصب ب: (يا)، والجملة الندائية في محل نصب مفعول به، وهي في معنى مقول القول.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل يجوز أن يكون فصلا لا محل له، وأن يكون توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، وأن يكون مبتدأ. ﴿رَبُّكَ:﴾ خبر (إنّ) على الوجهين الأولين في الضمير، وخبره على الوجه الثالث، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر إن، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ يقال فيها ما قيل بالجملة الندائية قبلها. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة (أنّ)، وعليه فهي تؤوّل مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جرّ بحرف جر محذوف، التقدير:\nبكوني ربك، والجار والمجرور على هذا متعلقان بالفعل ﴿نُودِيَ﴾.","vol":"5","page":658},{"text":"﴿فَاخْلَعْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأعتبرها الفاء الفصيحة، (اخلع): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿نَعْلَيْكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا فاخلع... إلخ والكلام كله يقال فيه ما قيل فيما قبله. ﴿إِنَّكَ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿بِالْوادِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء. ﴿الْمُقَدَّسِ:﴾ صفة الوادي. ﴿طُوىً:﴾ بدل من الوادي، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2361\"></span><span id=\"aya-2362\"></span>﴿وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ أي: اصطفيتك برسالاتي، وبكلامي، وقرئ: «(وأنّا اخترناك)».\n ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى:﴾ فيه نهاية الهيبة، والجلال له، فكأنه قال له: لقد جاءك أمر عظيم، فتأهب له. قيل: لما قيل له ذلك؛ وقف على حجر، واستند إلى حجر ووضع يمينه على شماله، وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع، وكان لباسه صوفا.\nقال القرطبي: حسن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ﴾ وذمّ على خلاف هذا الوصف، فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ..﴾. إلخ، فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل، وأمر عباده بذلك أدبا لهم، فقال: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لأنه بذلك ينال الفهم عن الله تعالى.\nقال وهب بن منبه: من أدب الاستماع: سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها بشيء.\n ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ ... ﴿لِذِكْرِي:﴾ لقد اختلف في تأويل قوله: ﴿لِذِكْرِي﴾ فقيل: يحتمل أن يريد لتذكرني فيها، أو يريد: لأذكرك بالمدح في عليين بها. وقيل: المراد: إذا نسيت الصلاة، ثم تذكرت، فصل، فعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من نسي صلاة فليصلّ إذا ذكرها، لا كفّارة لها إلاّ ذلك». متفق عليه. وقيل: المعنى: لإخلاص ذكري، وطلب وجهي، ولا ترائي فيها، ولا تطلب بها غرضا آخر.\nالإعراب: ﴿وَأَنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿اِخْتَرْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة","vol":"5","page":659},{"text":"الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وعلى القراءة الثانية فالمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها فيه، وجهان: أحدهما: هو مجرور بحرف جر محذوف، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل بعدهما، التقدير: فاستمع لاختيارنا إياك. والثاني: هو معطوف على ما قبله؛ أي: بأني ربك، وبأنّا اخترناك.\n ﴿فَاسْتَمِعْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وجملة: ﴿فَاسْتَمِعْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم. التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا فاستمع. ﴿لِما:﴾ متعلقان بأحد الفعلين السابقين، و«ما»: تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يُوحى:﴾\nمضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد، أو الرابط، والمتعلق محذوف، التقدير: للذي، أو لشيء يوحى إليك. ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ في الآية رقم [١٢]. ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في الآية رقم [٨] والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّنِي..﴾. إلخ بدل من «الذي يوحى» أو هي تفسير له. تأمل. ﴿فَاعْبُدْنِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة، (اعبدني): أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط على مثال ما رأيت. ﴿وَأَقِمِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أقم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿لِذِكْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لذكري إياك، أو من إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف، التقدير: لتذكرك إياي، و﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2363\"></span>﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها:﴾ قيل: معنى ﴿أُخْفِيها﴾ أظهرها؛ لأنه يقال: خفيت الشيء، وأخفيته: إذا أظهرته، فأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر، والإظهار. واستدلوا بقول امرئ القيس: [المتقارب]\nفإن تدفنوا الداء لا نخفه... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد\nأراد: لا نظهره، وقوله أيضا: [الطويل]\nخفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما... خفاهنّ ودق من عشيّ مجلّب\nالمعنى: أظهرهن من أنفاقهن. وقال أبو بكر الأنباري: بعد ﴿أَكادُ﴾ كلام مضمر، التقدير:\nأكاد آتي بها، وأيد هذا القول علي بن سليمان، والنحاس، وعليه فيبقى: ﴿أُخْفِيها﴾ من الإخفاء","vol":"5","page":660},{"text":"لا الإظهار، وتكون الجملة، مستأنفة. قال القرطبي: وهذا معنى صحيح؛ لأن الله ﷿ قد أخفى الساعة التي هي القيامة، والساعة التي يموت فيها الإنسان؛ ليكون الإنسان يعمل والأمر عنده مبهم، فلا يؤخر التوبة.\nوقال أبو علي الفارسي: معنى ﴿أُخْفِيها﴾ أزيل عنها خفاءها، وهو سترها، وإذا أزال عنها سترها؛ ظهرت. وحكى أبو حاتم عن الأخفش: أن «كاد» زائدة مؤكدة. قال: ومثله: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى، بعضها يحول بين الناظر، والمنظور إليه. وروي معناه عن سعيد بن جبير، واستشهدوا بقول زيد الخير: [الطويل]\nسريع إلى الهيجاء شاك سلاحه... فما إن يكاد قرنه يتنفّس\nأراد، فما يتنفس قرنه؛ أي: مقارنه، وهو محاربه. وقال آخر: [الطويل]\nوألاّ ألوم النفس فيما أصابني... وألاّ أكاد بالذي نلت أنجح\nمعناه: وألا أنجح بالذي نلت. وقيل: المعنى: ﴿أَكادُ أُخْفِيها﴾ أي: أقارب ذلك. قال اللغويون: «كدت أفعل» معناه عند العرب: قاربت الفعل، ولم أفعل، وشاهده قول الله جلت عظمته: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ معناه فعلوا بعد إبطاء لتعذر وجدان البقرة عليهم. وقيل:\nالمعنى: أريد أخفيها. قال الأنباري: وشاهد هذا القول الفصيح من الشعر: [الكامل]\nكادت وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى\nمعناه: أرادت، وأردت. وقال ابن عباس﵄-: وأكثر المفسرين فيما ذكره الثعلبي: إن المعنى أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها مخلوق، وكيف أظهرها لكم؟! وهو محمول على أنه جاء على ما جرت به عادة العرب في كلامها، من أن أحدهم إذا بالغ في كتمان الشيء. قال: أخفيه من نفسي، والله تعالى لا يخفى عليه شيء، ورد هذا الزمخشري بقوله:\nولا دليل على الكلام في هذا المحذوف، ومحذوف لا دليل عليه مطّرح. انتهى. قرطبي بتصرف.\nوقال الجمل: والحكمة من إخفاء الساعة ومن إخفاء وقت الموت: أن الله تعالى وعد بعدم قبول التوبة عن قربهما، فلو عرف وقت الموت لاشتغل الإنسان بالمعصية إلى قرب ذلك الوقت، ثم يتوب، فيتخلص من عقاب المعصية، فتعريف وقت الموت كالإغراء بفعل المعصية، وهو لا يجوز. انتهى.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةَ:﴾ اسمها. ﴿آتِيَةٌ:﴾ خبرها. ﴿أَكادُ:﴾\nمضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «أنا». وخبرها محذوف، انظر ما ذكرته في الشرح، وعلى زيادتها فلا محل لها، وعلى تفسيرها ب «أريد» فهي تامة والجملة بعدها مفعول به. وانظر الشرح بتدبر، وتعقل ينجلي لك الأمر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ السّاعَةَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو تعليلية، أو","vol":"5","page":661},{"text":"مستأنفة، لا محل لها. ﴿أُخْفِيها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ وجملة: ﴿أَكادُ﴾ معترضة في بعض الوجوه، أو الجملة في محل نصب خبر أكاد على وجه آخر وتكون جملة: ﴿أَكادُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾.\n ﴿لِتُجْزى:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعل، و﴿كُلُّ﴾ مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿آتِيَةٌ﴾ أو بالفعل: (أخفي). ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل (تجزى) و(ما) تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول: مبنية على السكون في محل جر بالباء، وعلى الثاني:\nتؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسعيها؛ أي: بعملها الذي عملته.\n ﴿تَسْعى:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) على الوجه الأول فيها، التقدير: بالذي تسعى له من خير، أو من شر.\n\n<span id=\"aya-2364\"></span>﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها:﴾ فلا يصرفنك عن الإيمان بالساعة ومجيئها... إلخ، والخطاب لموسى ﵊، والمراد: أمته؛ لأنه معصوم من اتباع قول من لا يؤمن بها؛ لأن فطرته السليمة لو خليت بحالها لاختارها ولم يعرض عنها. ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ أي: هوى نفسه وميله إلى اللذات المحسوسة، وخالف أوامر الله وأوامر رسله. ﴿فَتَرْدى:﴾ فتهلك مع الهالكين.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿يَصُدَّنَّكَ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُ بِها﴾ صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: عود الفاعل إليها. ﴿وَاتَّبَعَ:﴾ ماض، وفاعله، يعود إلى من. ﴿هَواهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَتَرْدى:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة بعد الفاء، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك صد عنها، واتباع لهوى من لا يؤمن بها، فإرداء لك. والجملة الفعلية: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا كانت الساعة آتية؛ فلا يصدنك... إلخ.","vol":"5","page":662},{"text":"<span id=\"aya-2365\"></span><span id=\"aya-2366\"></span>﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى:﴾ سؤال تقرير، والحكمة فيه تنبيهه وتوقيفه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حية علم: أنها معجزة، وإلا فقد علم الله في الأزل ما هي؟ ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ أي: أعتمد عليها في المشي، والوقوف. ﴿وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ أي:\nأخبط بها ورق الشجر ليسقط. فيسهل على غنمي تناوله، فتأكله. قال الراجز: [الرجز]\nأهشّ بالعصا على أغنامي... من ناعم الأراك والبشام\nهذا؛ وقرئ «(أهشّ)» بكسر الهاء وضمها، كما قرئ «(أهسّ)» بالسين، والهس: زجر الغنم.\nهذا؛ وأما هش، يهش بفتح الهاء، وكسرها في المضارع، فهو بمعنى: السرور، والبشاشة.\n ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أي: حوائج كثيرة، واحدها: مأربة، بتثليث الراء وانظر الآية رقم [٣١] من سورة (النور)، ووصفها ب: ﴿أُخْرى﴾ بلفظ المفرد؛ لأن ﴿مَآرِبُ﴾ في معنى الجمع لغير العاقل، وما كان من هذا فإنه يعامل معاملة الواحدة المؤنثة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ وكقوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.\nتنبيه: تعرض كثيرون لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس﵄-، فقال: إذا انتهيت إلى رأس بئر، فقصر الرّشا؛ وصلته بالعصا. وإذا أصابني حر الشمس؛ غرزتها في الأرض، وألقيت عليها ما يظلني. وإذا خفت شيئا من هوام الأرض؛ قتلته بها. وإذا مشيت؛ ألقيتها على عاتقي، وعلقت عليها القوس، والكنانة، والمخلاة، وأقاتل بها السباع عن الغنم.\nوقال البيضاوي: وكأنه ﵊ فهم: أن المقصود من السؤال أن يتذكر حقيقتها، وما يرى من منافعها، حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة، ووجد منها خصائص خارقة للعادة، مثل أن يشتعل شعبتاها بالليل كالشمع، وتصيران دلوا عند الاستقاء، وتطول بطول البئر. وتحارب عنه إذا ظهر عدو، وينبع الماء بركزها، وينضب بنزعها، وتورق، وتثمر إذا اشتهى ثمرة، فركزها؛ علم: أن ذلك آيات باهرة، ومعجزات قاهرة، أحدثها الله فيها لأجله، وليست من خواصها، فذكر حقيقتها، ومنافعها مفصلا ومجملا، على معنى: أنها من جنس العصي تنفع منافع أمثالها، ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه. هذا؛ ومن فوائد العصا: أن الرجل إذا كبر يعتمد عليها في مشيه. قال عمرو بن أحمد الباهلي: [البسيط]\nوقد جعلت إذا ما قمت يثقلني... ثوبي فأنهض نهض الشّارب السّكر\nوكنت أمشي على رجلين معتدلا... فصرت أمشي على أخرى من الشّجر","vol":"5","page":663},{"text":"ومن فوائدها: التنبيه على الانتقال من هذا الدار، كما قيل لبعض الزهاد: مالك تمشي على العصا، ولست بكبير، ولا مريض. قال: إني أعلم أني مسافر، وأنها دار قلعة، وأن العصا آلة السفر، فأخذه بعض الشعراء فقال: [الطويل]\nحملت العصا لا الضّعف، أوجب حملها... عليّ، ولا أني تحنّيت من كبر\nولكنّني ألزمت نفسي حملها... لأعلمها أنّي مقيم على سفر\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع خبر المبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِيَمِينِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من اسم الإشارة، والعامل في الحال معنى الاستفهام. هذا؛ والكوفيون يعتبرون ﴿تِلْكَ﴾ اسما موصولا، ويعتبرون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة (ما)، والتقدير عندهم، وما التي بيمينك؟ انظر مبحث ذلك في الشاهد [٨٣٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١] والجملتان: الاسمية، والندائية مستأنفتان، وعند التأمل يتبين لك: أن الكلام من قوله تعالى:\n ﴿يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا﴾ إلى هنا كله في محل نصب بقوله: ﴿نُودِيَ﴾. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى). ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَصايَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، وهو يقرأ بقراءات كثيرة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَتَوَكَّؤُا:﴾ مضارع والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الضمير فقط. وقيل: مستأنفة. وقيل في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وجملة: ﴿وَأَهُشُّ بِها﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿عَلى غَنَمِي:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم. منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلِيَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لي):\nمتعلقان بخبر مقدم. ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿مَآرِبُ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2367\"></span><span id=\"aya-2368\"></span><span id=\"aya-2369\"></span>﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى:﴾ لما أراد الله تعالى أن يدرّبه في تلقى النبوة، وتكاليفها أمره بإلقاء العصا التي كانت بيده على الأرض. ﴿فَأَلْقاها:﴾ فقلب الله أوصافها، وأعراضها، وكانت عصا ذات شعبتين، فصارت الشعبتان لها فما، وصارت حية تسير بسرعة، وتلتقم الحجارة، فلما","vol":"5","page":664},{"text":"رآها موسى ﵇؛ خاف منها: ﴿وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ فقال الله له: ﴿خُذْها وَلا تَخَفْ﴾ وإنما أظهر له هذه الآية لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون. ويقال: إن العصا كانت بعد ذلك تماشيه، وتحادثه، ويعلق عليها أحماله، وتضيء له الشعبتان بالليل كالشمع. وقيل: إنها كانت من آس الجنة. وقيل: أتاه جبريل بها. وقيل: قال له شعيب ﵊: خذ عصا من ذلك البيت، فوقعت بيده تلك العصا، وكانت عصا آدم ﵇ هبط بها من الجنة.\n ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى:﴾ قيل: لما ألقاها؛ انقلبت حية صفراء بغلظ الإصبع، ثم تورمت، وانتفخت، وعظمت، فلذلك سماها الله تارة جانا نظرا إلى المبدأ، وتارة ثعبانا باعتبار المنتهى، وحية تارة أخرى باعتبار الحالين. ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى:﴾ إلى هيئتها، وحالتها المتقدمة، فلما قال الله له ذلك؛ اطمأنت نفسه، فأدخل يده في فمها، وأخذ بلحييها، فعادت كما كانت.\nهذا؛ والسيرة: الحالة التي يكون عليها الإنسان غريزية كانت، أو مكتسبة، وهي في الأصل فعلة من السير، كالركبة من الركوب، ثم استعملت بمعنى: الحالة، والطريقة. قال خالد بن زهير الهذلي: [الطويل]\nفلا تجزعن من سيرة أنت سرتها... فأوّل راض سنّة من يسيرها\nتنبيه: إلقاء العصا، وانقلابها حية حصل ثلاث مرات: الأولى في طريق عودته من مدين إلى مصر، وهي المذكورة هنا، والثانية كانت بحضرة فرعون، وكانت سببا في جمع السحرة، والثالثة كانت بحضرة السّحرة، كما ستعرفه في الآيات التالية.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿أَلْقِها:﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١] والجملة الندائية مع الجملة الفعلية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَلْقاها:﴾ الفاء: حرف عطف. (ألقاها): ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: انظر الآية رقم [٦٦] الآتية.\nوالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿تَسْعى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿حَيَّةٌ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿حَيَّةٌ﴾ وقيل: في محل رفع خبر ثان. وقيل: في محل نصب حال من ﴿حَيَّةٌ،﴾ وكأن القائل يريد: أنها علم. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، ﴿خُذْها:﴾ أمر، وفاعله: أنت، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا تَخَفْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل أنت، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿سَنُعِيدُها:﴾ السين: حرف استقبال معناه هنا: التحقيق، والتأكيد. (نعيدها):","vol":"5","page":665},{"text":"مضارع، والفاعل: نحن، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿سِيرَتَهَا:﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلى سيرتها، أو هو ظرف مكان. وقيل: مفعول مطلق؛ لأن معنى ﴿سَنُعِيدُها:﴾ سنسيرها. وقال أبو البقاء: بدل من الضمير المنصوب والمعتمد الأول، وهو قول ابن هشام في المغني. ثم قال: ويحتمل ﴿سِيرَتَهَا﴾ أن يكون بدلا من ضمير المفعول بدل اشتمال؛ أي: سنعيدها طريقتها. انتهى. و(ها): في محل جر بالإضافة.\n ﴿الْأُولى:﴾ صفة ﴿سِيرَتَهَا﴾ مجرور مثله... إلخ، وجملة: ﴿سَنُعِيدُها..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2370\"></span><span id=\"aya-2371\"></span>﴿وَاُضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ:﴾ إلى جنبك تحت العضد؛ إذ يقال لكل ناحيتين:\nجناحان كجناحي العسكر، وذلك استعارة من جناحي الطائر سميا بذلك؛ لأنه يجنحهما عند الطيران؛ أي: يميلهما. والمعنى أدخلها تحت عضدك، والمراد: كف اليد اليمنى، فعبر بالكل عن الجزء. هذا؛ وفي سورة (النمل) قال الله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وقال في سورة (القصص): ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فيكون المراد أدخلها في جيبك، وأوصلها تحت العضد، وضم عليها العضد، وهو ما صرحت به آية القصص. وانظر شرح الاستعارة في الآية [٢٤] من سورة (الإسراء).\n ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ:﴾ من غير عاهة قبح، كنى به عن البرص، كما كنى بالسوءة عن العورة؛ لأن الطباع تعافه، وتنفر منه. قال ابن عباس﵄-: كان ليده نور ساطع، يضيء بالليل، والنهار كضوء الشمس، والقمر، فكان يعشي البصر من شدته. ﴿آيَةً أُخْرى﴾ أي:\nمعجزة ثانية بعد العصا، وعلامة واضحة على نبوّتك.\n ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى:﴾ قال ابن عباس﵄-: كانت يد موسى أكبر آياته.\nهذا؛ وانظر شرح (اليد) في الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) وشرح (سوء) في الآية رقم [٢٨] منها، أما «غير» فهو اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها إن فهم المعنى، أو تقدمت عليها كلمة ليس، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو الفتح خلاف، ولا تنس: أنّ بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ احتراسا دفع توهم البياض لمرض من برص، ونحوه.\nالإعراب: ﴿وَاضْمُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اضمم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى جَناحِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما،","vol":"5","page":666},{"text":"والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَاضْمُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿تَخْرُجْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، والفاعل يعود إلى ﴿يَدَكَ﴾ والجملة الفعلية من جملة مقول القول.\n ﴿بَيْضاءَ:﴾ حال من الضمير المستتر. ﴿مِنْ غَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَخْرُجْ﴾ أو متعلقان بمحذوف حال من الضمير في ﴿بَيْضاءَ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيْضاءَ﴾ وهو ضعيف، وتعليقهما بنفس ﴿بَيْضاءَ﴾ جيد لما فيها من معنى الفعل، نحو ابيضت من غير سوء. ﴿آيَةً:﴾\nحال أخرى من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾ المستتر، وهي في معنى البدل من ﴿بَيْضاءَ،﴾ أو هي حال من الضمير المستتر في ﴿بَيْضاءَ﴾. وقيل: منصوبة بفعل محذوف، التقدير: جعلناها آية، ونحوه.\n ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿آيَةً﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِنُرِيَكَ:﴾\nمضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف يدل عليه ﴿آيَةً﴾ التقدير: دللنا بها لنريك، ونحوه. ﴿مِنْ آياتِنَا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْكُبْرى﴾ تقدمت عليها، وعليه ف: ﴿الْكُبْرى﴾ مفعول ثان، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثان، وعليه ف: ﴿الْكُبْرى﴾ صفة ﴿آياتِنَا﴾ والنصب والجر مقدر على الألف للتعذر، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n\n<span id=\"aya-2372\"></span><span id=\"aya-2373\"></span><span id=\"aya-2374\"></span><span id=\"aya-2375\"></span><span id=\"aya-2376\"></span><span id=\"aya-2377\"></span><span id=\"aya-2378\"></span><span id=\"aya-2379\"></span><span id=\"aya-2380\"></span><span id=\"aya-2381\"></span><span id=\"aya-2382\"></span><span id=\"aya-2383\"></span>﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاِجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ﴾ أي: بهاتين الآيتين، وذلك بعد أن آنسه بالعصا واليد، وأراه ما يدل على أنه رسول أمره بالذهاب إلى فرعون. ﴿إِنَّهُ طَغى:﴾ عصى، وتكبر، وكفر، وتجبر، وتجاوز الحد. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (الإسراء).\n ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي:﴾ قال البيضاوي: لما أمره الله بخطب عظيم، وأمر جسيم؛ سأله أن يشرح صدره، ويفسح قلبه، لتحمل أعبائه، والصبر على مشاقه، والتلقي لما ينزل عليه، ويسهل له الأمر بإحداث الأسباب، ورفع الموانع، وفائدة ﴿لِي﴾ إبهام المشروح، والميسر أولا، ثم رفعه بذكر الصدر، والأمر تأكيدا، ومبالغة. هذا؛ وقد قال الزمخشري: فإن قلت: ﴿عَلَى﴾ من قوله: ﴿اِشْرَحْ لِي..﴾. إلخ: ما جدواه؟ والكلام مستتب بدونه. قلت: أبهم الكلام","vol":"5","page":667},{"text":"أولا: فقيل: ﴿اِشْرَحْ لِي﴾ ﴿وَيَسِّرْ لِي﴾ فعلم أن ثمّ مشروحا، وميسرا، ثم بين، ورفع الإبهام بذكرهما، فكان آكد لطلب الشرح، والتيسير لصدره، وأمره. انتهى. هذا؛ وشيء آخر يلحظ من ذكرهما، وهو الاعتراف بنعمة الله تعالى، وأن شرح الصدر، وتيسير الأمر لا يكونان إلا منه تعالى.\n ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي:﴾ المراد بالعقدة التي كانت بلسانه: الرّتّة التي حصلت من الجمرة التي التقمها، وذلك: أن موسى ربّي في حجر فرعون، فكان يلاعبه ذات يوم، فلطم موسى فرعون لطمة على وجهه، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لامرأته آسية بنت مزاحم، وهي بنت عمّ موسى: إن هذا عدوي، وأراد قتله، فقالت له آسية ﵍: إنه صبي لا يعقل، جربه؛ إن شئت، فجاءت بطستين، في أحدهما جمر، وفي الآخر جوهر. وقيل: تمر، فوضعتهما بين يدي موسى؛ وفرعون ينظر، فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل﵇يد موسى ﵇، فوضعها على الجمر، فأخذ جمرة، فوضعها في فمه، فاحترق لسانه، وصارت فيه عقدة ومعنى ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ يفهموه. هذا؛ ولقد اختلف في زوال العقدة بكمالها، فمن قال به تمسك بقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ ومن لم يقل به فقد احتج بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ وقوله: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾.\n ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي﴾ أي: معينا، وظهيرا، والوزير: من يوازرك، ويحتمل عنك بعض ثقل عملك. أو هو من الوزر، وهو الملجأ؛ لأن الملك يعتصم برأيه، ويلجأ إليه في أموره العظام، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾ ثم عين الوزير بقوله: هارون أخي، وكان هارون ﵇ أكبر من موسى، وأفصح لسانا، وأجمل، وأوسم، وكان أبيض اللون، وكان موسى آدم أقنى جعدا، وكان هارون ألين عريكة من موسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف ألف ألف صلاة، وألف ألف ألف سلام.\n ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ أي: قوّ به ظهري، واجعله سندا في أموري. ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: في أمر النبوة وتبليغ الرسالة. هذا؛ وكان هارون ﵇ بمصر في أهله، فأمر الله موسى أن يأتي هو، وهارون فرعون، وأوحى الله إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة، وأخبره بما، أوحى إليه، فقال له موسى: إن الله أمرني أن آتي فرعون، وسألت ربي أن يجعلك معي رسولا.\n ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ أي: نصلي لك، ونعبدك، ونقدسك. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا:﴾ وفحواه: أن التعاون على الأمور يهيج الرغبات ويؤدي إلى تزايد الخير، وتكاثره، وهذا ملموس في الحضور إلى المساجد، فإن المسلم تشتد رغبته في العبادة، ويكثر نشاطه حينما يرى إخوانه يسبقونه إلى المساجد، ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾. ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا:﴾ عالما بأحوالنا، وتصرفاتنا، وأن","vol":"5","page":668},{"text":"التعاون ممّا يصلحنا، ويقوي عزمنا، وقد أحسنت إلينا فيما مضى من أعمارنا، فأحسن إلينا فيما بقي منها يا أرحم الراحمين! آمين!\nالإعراب: ﴿اِذْهَبْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. والهاء في محل نصب اسمها. ﴿طَغى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾\nماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣] من سورة (مريم)\n ﴿اِشْرَحْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿صَدْرِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وإعراب ما بعدها مثلها. ﴿مِنْ لِسانِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿عُقْدَةً،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿يَفْقَهُوا:﴾\nمضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف. ﴿قَوْلِي:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.\nهذا؛ وقال أبو البقاء: وفي مفعولي، (اجعل) ثلاثة أوجه: أحدها: أنهما ﴿وَزِيرًا﴾ و﴿هارُونَ﴾ ولكن قدم المفعول الثاني، فعلى هذا يجوز أن يتعلق ﴿لِي﴾ ب: (اجعل) وأن يكون حالا من ﴿وَزِيرًا﴾ أي: على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». والثاني: أن يكون ﴿وَزِيرًا﴾ مفعولا أول، و﴿لِي﴾ الثاني، و﴿هارُونَ﴾ بدل، أو عطف بيان، و﴿أَخِي﴾ كذلك. والثالث: أن يكون المفعول الثاني: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ و﴿لِي﴾ تبيين مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ و﴿هارُونَ أَخِي﴾ على ما تقدم، ويجوز أن ينتصب ﴿هارُونَ﴾ بفعل محذوف؛ أي: اضمم إليّ هارون. انتهى. ولم يعلق ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ بالوجهين السابقين، وهما متعلقان بالفعل (اجعل) أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿وَزِيرًا﴾.\n ﴿اُشْدُدْ﴾ و(أشركه): هذان الفعلان يقرآن بصيغة الأمر، وعليه فهما فعلا دعاء، وفاعلهما مستتر تقديره: «أنت»، ويقرآن بصيغة المضارع، وعليه فالأول: مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والثاني: معطوف عليه، وفاعلهما مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». هذا؛ وحاصل ما ذكر في هذين الفعلين قراءات خمسة. والجار والمجرور ﴿بِهِ﴾ متعلقان بالفعل ﴿اُشْدُدْ﴾. ﴿أَزْرِي:﴾\nمفعول به، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي أَمْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (أشركه) وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر","vol":"5","page":669},{"text":"بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر؛ إذ الأصل: فيما تأمرني به. ﴿كَيْ:﴾\nحرف ناصب ﴿نُسَبِّحَكَ:﴾ منصوب ب: ﴿كَيْ﴾ والفاعل: نحن، والكاف مفعول به. ﴿كَثِيرًا﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: نسبحك تسبيحا كثيرا، و﴿كَيْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف التقدير: لكي نسبحك، والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال: (اجعل) ﴿اُشْدُدْ،﴾ (أشركه) على التنازع، ولا تنس: أن بعضهم يعتبر الناصب «أن» مضمرة بعد ﴿كَيْ،﴾ والمصدر المؤول منها، ومن المضارع في محل جر ب: ﴿كَيْ﴾. ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ (٣٤) معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.\n ﴿كُنْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿بِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿بَصِيرًا:﴾ خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للتسبيح، والذكر، وأخيرا ينبغي أن تعلم أن الكلام من قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على محمد الهادي وسلم.\n\n<span id=\"aya-2384\"></span><span id=\"aya-2385\"></span><span id=\"aya-2386\"></span>﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله تعالى. ﴿قَدْ أُوتِيتَ:﴾ أعطيت، ﴿سُؤْلَكَ:﴾ ما سألت، وطلبت، و«السّؤل»: فعل بمعنى: مفعول كالخبز بمعنى: المخبوز، والأكل بمعنى: المأكول. ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا:﴾ أنعمنا، وتفضلنا من النعمة. ﴿عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ أي: قبل إجابة طلبتك هذه، وهي حفظه سبحانه له من شر الفراعنة حين حاولوا قتله؛ وهو صبي مع ما قتلوا من صبيان بني إسرائيل. ﴿إِذْ أَوْحَيْنا..﴾. إلخ: وبذلك بإلهام الله لها، أو في المنام، أو على لسان نبي في وقتها، لا على وجه النبوة، وكذلك كما، أوحى إلى مريم ﵍، بعد هذا انظر شرح ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ في الآية رقم [٧٨] من سورة (النحل) وشرح «الوحي» في الآية رقم [٦٨] منها، وشرح ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء). وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٢١] من سورة (مريم).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُوتِيتَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿سُؤْلَكَ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَنَنّا:﴾ ماض، وفاعله.\nوانظر إعراب ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم). ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.","vol":"5","page":670},{"text":"﴿مَرَّةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿مَرَّةً﴾ منصوب مثله... إلخ. هذا؛ وقيل: ﴿مَرَّةً﴾ مصدر، وهو يعني: أنه مفعول مطلق، وبالأحرى نائب مفعول مطلق. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿مَرَّةً﴾ على اعتباره ظرفا، ومتعلق ب: ﴿مَنَنّا﴾ على اعتبار مرة مصدرا. وقيل: هو حرف تعليل. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلى أُمِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (ما)، لا محل لها، وجملة: ﴿(لَقَدْ...)﴾ إلخ جواب القسم لا محل لها، والكلام: ﴿قَدْ أُوتِيتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nتنبيه: بعضهم يعتبر الواو عاطفة بقوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبران الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو أقسم والله. اللام واقعة في جواب القسم المحذوف. وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام، إنما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد.\nفإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب:\nأنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ فإن التقدير: ورب الضحى، ورب السماء... إلخ الدليل عليه التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم)، وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب، والله أعلم، وأجل، وأعظم.\n\n<span id=\"aya-2387\"></span>﴿أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾ أي: ألهمنا أمك، وقلنا لها: ألقيه في التابوت، وذلك حين ولدتك، وخافت عليك من القتل. قال مقاتل: الذي صنع التابوت، ونجره مؤمن آل فرعون،","vol":"5","page":671},{"text":"وكان اسمه: حزقيل. ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ:﴾ فاطرحيه في نهر النيل، و﴿الْيَمِّ﴾ في الأصل: البحر، فأطلق على نهر النيل لعظمه.\n ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ أي: شاطئ النهر، وكانت أمه قد جعلت فيه قطنا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه، وشقوقه، ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر صغير، فدفعه الماء إليه، فأداه إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا على رأسها مع امرأته:\nآسية بنت مزاحم، فأمر به ففتح، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها، فأحبه حبا شديدا، وذلك قوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ وقيل: كان لفرعون بنت برصاء، فقال له الأطباء: لا تبرأ إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه إنسان، دواؤها ريقه، فلما رأته البنت أخذت من ريقه فلطخت به برصها، فبرئت. هذا؛ وقوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ..﴾. إلخ أمر بمعنى: الخبر، مثل رقم [٧٥] من سورة (مريم).\nهذا؛ وقيل: جعل الله في عيني موسى ﵇ ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه، وعطف عليه. وفي محبة فرعون لموسى ﵇ هنا تناقض مع قوله تعالى في سورة (القصص):\n ﴿وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ..﴾. إلخ فقال فرعون لها: أمّا لك فنعم، وأمّا لي فلا، فروي أن رسول الله ﷺ قال: «لو أنّ فرعون قال: نعم قرة عين لي ولك؛ لآمن وصدّق».\nفقالت: هبه لي، ولا تقتله، فوهبه لها، والتوفيق بين ما هنا وبين آية القصص أن يقال: المراد محبة من رآه من الناس أجمعين، أما محبة فرعون له، فهي حماية الله له من أن يقتله فرعون، بل في تبنيه له بعد ذلك، وتربيته في بلاطه تربية دلال، وعزة، ورفاهية. وانظر سورة (القصص) فالكلام فيها، أوفى، وأتم. هذا؛ وفي إسناد الإلقاء إلى اليم، وهو لا يعقل تمثيل لمشيئة الله تعالى وإرادته التي لا تخطئ، ولا يعزب عنها شيء، فأسند إليه الإلقاء المقرر في علم الله الأزلي كأنه عاقل ذو تمييز يطيع، ويمتثل ما يؤمر به.\n ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ أي: تربى، وتغذى على مرأى مني، بل وبعنايتي، ورعايتي. هذا؛ وانظر شرح ﴿عَيْنٍ﴾ في الآية رقم [٨٦] من سورة (الكهف)، أما ﴿عَدُوٌّ﴾ فهو ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى: فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث إلا لفظا واحدا جاء نادرا. قالوا: هذه عدوّة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ والجمع: أعداء، وأعاد، وعدات وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر اسم الجمع.\nالإعراب: ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. وقيل: حرف مصدري. ﴿اِقْذِفِيهِ:﴾ أمر مبني على حذف النون، والياء فاعله، والهاء مفعول به. وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة","vol":"5","page":672},{"text":"(مريم) ﵍. ﴿فِي التّابُوتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مفسرة للإيحاء لا محل لها. وقال الشلوبين: بحسب ما تفسره. هذا؛ وعلى اعتبار ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل نصب بدلا من ﴿ما،﴾ والأول: أقوى؛ لأن ﴿أَنِ﴾ مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وجملة: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلْيُلْقِهِ:﴾ الفاء:\nحرف عطف. اللام: لام الأمر. (يلقه): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء مفعول به. ﴿الْيَمِّ:﴾ فاعله.\n ﴿بِالسّاحِلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْيَمِّ﴾ التقدير:\nمطروحا بالساحل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَأْخُذْهُ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر، أو بجواب لام الأمر، والهاء مفعول به. ﴿عَدُوٌّ:﴾ فاعل. ﴿لِي:﴾ متعلقان ب: ﴿عَدُوٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية لا محل لها ﴿وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿وَأَلْقَيْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَحَبَّةً:﴾ مفعول به.\n ﴿مِنِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف صفة ﴿مَحَبَّةً﴾ وجملة: ﴿وَأَلْقَيْتُ..﴾. إلخ:\nمستأنفة، أو هي معطوفة على جملة: ﴿أَوْحَيْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، ويكون في الكلام التفات من الجمع إلى التكلم بالمفرد. ﴿وَلِتُصْنَعَ:﴾ يقرأ بالجزم على أنّ اللام لام الأمر، وهو مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿فَلْيُلْقِهِ..﴾. إلخ، ويكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتقدير الكلام في الأصل:\nوليصنعك غيرك بأمري، وقراءة الجمهور بكسر اللام، وفتح العين فهو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على محذوف، وذلك المحذوف متعلق بالفعل (ألقيت) التقدير: ألقيت عليك محبة مني ليعطف الناس عليك ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة.\n\n<span id=\"aya-2388\"></span>﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ واسمها: مريم، وهي غير أم عيسى، وكانت أمها قد أمرتها باتباع أثره، وتلقّي أخباره، كما في سورة (القصص). ﴿فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ:﴾ لمّا وهبه فرعون لامرأته، وأحبته؛ طلبت له المراضع، فأبى أن يأخذ ثدي واحدة منهن، فلما رأت البنت ذلك تقدّمت. وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ قالوا:","vol":"5","page":673},{"text":"فأحضريها! فأحضرتها، فناولته ثديها، فأخذه، فسرت آسية سرورا عظيما بذلك، فاستأجرتها لرضاعه، كما ستعرفه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وهو مفاد قوله تعالى هنا:\n ﴿فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي: بلقائك، ورؤيتك. وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍.\n ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ أي: لفراقك. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا:﴾ المراد به القبطي الذي قتله خطأ، كما ستعرف قصته في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وكان طباخا لفرعون. وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأنبياء)، وكان عمره إذ ذاك ثلاثين سنة. وقيل: اثنتي عشرة سنة، والمعتمد الأول. ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي: من الخوف، والكرب الذي أصابك بسبب قتل القبطي؛ لأنه خاف من القتل، أو الحبس. ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ أي: اختبرناك اختبارا، وأخلصناك إخلاصا للرسالة.\nقال ابن عباس﵄-: الفتون: وقوعه في محنة بعد محنة، وخلصه الله منها:\nأولها: أن أمه حملت فيه في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الصبيان، ثم إلقائه في البحر في التابوت، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه بلحية فرعون حتى همّ بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الجوهرة، ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى مدين خائفا يترقب، ثم رعايته الغنم. انتهى. ويضاف إلى ذلك ما لقيه في ذهابه إلى مدين من مشقة السفر، ومفارقة الأهل، والوطن، والمشي راجلا على حذر، وفقد الزاد، والماء، ونحو ذلك.\n ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ:﴾ هي عشر على المعتمد. وقيل: ثمانية وعشرون سنة، والمعتمد الأول.\n ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ:﴾ هي بلدة شعيب ﵊ على ثمان مراحل من مصر. و«مدين» هو اسم ابن إبراهيم الخليل، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، ثم صار علما للقبيلة من أولاده. وقيل: هو في الأصل اسم مدينة بناها مدين المذكور. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ:﴾ على القدر الذي قدرت لك أن تجيء فيه، وذلك على رأس أربعين سنة، وهو القدر؛ أي: السن الذي يوحى إلى الرسل فيه. قال جرير في مدح عمر بن عبد العزيز، حين تولى الخلافة الإسلامية، وعمره في حدود الأربعين﵁-: [البسيط]\nجاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر\nهذا؛ وقال الجمل نقلا عن شيخه: وحاصل ما ذكره الله من المنن على موسى من غير سؤال ثمانية: الأولى: قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا..﴾. إلخ إلى قوله: ﴿وَعَدُوٌّ لَهُ﴾. الثانية: قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً..﴾. إلخ الثالثة: قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ..﴾. إلخ إلى قوله: ﴿مَنْ يَكْفُلُهُ﴾. الرابعة: قوله:\n ﴿فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ﴾ إلخ إلى قوله: ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾. الخامسة: قوله: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾. السادسة: قوله: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾. السابعة: قوله: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ..﴾. إلخ إلى قوله:\n ﴿يا مُوسى﴾. الثامنة: قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.","vol":"5","page":674},{"text":"واذكر أن وضع موسى ﵇ في تابوت محكم الإغلاق، لا يدخله الهواء، وإلقاؤه في لجّة اليم، وبقاؤه حيا إنما هو معجزة باهرة فيها عظة بالغة لقوم يتعظون، كل واحد يدرك: أنّ كل ذي روح إذا حبس عنه الهواء لحظات يموت، وما أشبه هذه المعجزة بمعجزة يونس ﵇ الذي التقمه الحوت، وجاب به أعماق البحار، وبقي حيا أيضا حتى نبذه إلى شاطئ البحر.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. أو هو مفعول به لهذا المقدر. أو هو متعلق بأحد الفعلين السابقين. أو هو بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى. وقال الجلال، ووافقه الجمل عليه: حرف تعليل. ﴿تَمْشِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿أُخْتُكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. (تقول): مضارع، والفاعل يعود إلى (أختك). ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَدُلُّكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: أنا، والكاف مفعول به. ﴿عَلى مَنْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿مَنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿يَكْفُلُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (تقول..) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿فَرَجَعْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فأجيبت، فجاءت بأمها، فقبلت ثديها. وانظر الشرح. ﴿إِلى أُمِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كَيْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقَرَّ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿كَيْ﴾. ﴿عَيْنُها:﴾ فاعل، و(ها): في محل جر بالإضافة، و﴿كَيْ:﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل:\nإن النصب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿كَيْ﴾ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٣٣]. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَحْزَنَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿أُمِّكَ﴾. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿فَرَجَعْناكَ﴾ وجملة: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ معطوفة عليها أيضا، وجملة: ﴿وَفَتَنّاكَ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿فُتُونًا:﴾ مفعول مطلق مثل: القعود، والجلوس. أو هو منصوب على نزع الخافض؛ إذا كان جمع: فتنة، فيكون المعنى: اختبرناك بأنواع الفتن، والشدائد.. ﴿فَلَبِثْتَ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿سِنِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي أَهْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و﴿مَدْيَنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَلَبِثْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿جِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قَدَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل؛ أي: موافقا على","vol":"5","page":675},{"text":"قدر، والجملة الفعلية: ﴿جِئْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١].\nهذا؛ والكلام كله من قول الله تعالى. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2389\"></span><span id=\"aya-2390\"></span>﴿وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي: اخترتك، واصطفيتك لرسالتي، ووحيي لتتصرف على إرادتي، ومشيئتي، ومحبتي، وذلك لأن قيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله، ومحبته. انتهى. خازن. هذا؛ ومثله فيما خوله الله من الكرامة مثل من قربه الملك، واستخلصه لنفسه. ﴿بِآياتِي:﴾ بمعجزاتي. قال ابن عباس﵄-: المراد بها الآيات التسع. انتهى. ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي:﴾ قال ابن عباس: لا تضعفا في أمر الرسالة، وقاله قتادة.\nوقيل: لا تفترا. قال العجاج: [الرجز]\nفما ونى محمد مذ أن غفر... له الإله ما مضى وما غبر\nوالونى: الضعف، والفتور، والإعياء، والكلال. قال امرؤ القيس: [الطويل]\nمسح إذا ما السابحات على الونى... أثرن غبارا بالكديد المركّل\nهذا؛ وفلان لا يني كذا؛ أي: لا يزال، وبه فسر أبان معنى الآية، واستشهد بقول طرفة: [الطويل]\nكأنّ القدور الرّاسيات أمامهم... قباب بنوها لا تني أبدا تغلي\nالإعراب: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿لِنَفْسِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اِذْهَبْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر.\n ﴿وَأَخُوكَ:﴾ معطوف على الضمير المستتر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِآياتِي:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر وما عطف عليه، التقدير: مصحوبين بآياتي، وعلامة الجر كسرة مقدرة... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا) ناهية. ﴿تَنِيا:﴾ مضارع تام، أو ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، أو اسمه. ﴿فِي ذِكْرِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف خبره على نقصانه، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تَنِيا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، والكلام من مقول الله تعالى. تأمل.","vol":"5","page":676},{"text":"<span id=\"aya-2391\"></span><span id=\"aya-2392\"></span>﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿اِذْهَبا..﴾. إلخ: فقد حذف الله المذهوب به ﴿بِآياتِي﴾ هنا، وذكره في الآية السابقة، بينما حذف في الآية السابقة المذهوب إليه، وهو فرعون، فقد حذف من كل واحد ما أثبته في الآخر، وهذا يسمى في فن البلاغة احتباكا. هذا؛ وانظر طغى في الآية رقم [٢٤] أما فرعون فقد قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي: دهاء، ومكر، وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، ككسرى، وقيصر لملكي الفرس، والروم، وكان فرعون موسى ﵇ مصعب بن ريان. وقيل: ابنه الوليد من بقايا عاد، وفرعون يوسف ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة.\nوكان ملك فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو وجع يوم، أو حمّى يوم لما ادعى الربوبية.\nهذا؛ وقد كان هارون في مصر، ولم يكن حاضرا في مجلس المناجاة، وإنما جمعهما في هذا الخطاب من باب تغليب الحاضر على الغائب، وقد ذكر: أن الله في ذلك الوقت أرسل جبريل بالرسالة إلى هارون، فيكون الخطاب إليهما في وقت واحد، وهما في مكانين متباعدين، والله أعلم.\n ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا:﴾ فيه دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون ذلك باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، واختلف في معنى اللين، فقالت فرقة: كنياه، وكانت كنيته أبو العباس، أو أبو الوليد، أو أبو مرة، فعلى هذا القول تكنية الكافر جائزة، وقد كنى الرسول ﷺ ناسا من الكافرين، وناسا من المنافقين. وقال ﵊: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه».\nوقيل: القول اللين مثل: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة. وقيل: عداه شبابا لا يهرم بعده، وملكا لا يزول إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم، والمشرب، والمنكح إلى حين موته، فلما أتاه موسى ووعده بذلك أعجبه، وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا، فلما قدم؛ خبره بالذي دعاه إليه موسى. وقال: أردت أن أقبل منه. فقال له هامان، كنت أرى أن لك رأيا، وعقلا، أنت رب تريد أن تكون مربوبا، وأنت تعبد تريد أن تعبد غيرك؟! فقال فرعون: ما قلته صواب! وغلبه على رأيه.\n ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ أي: يتعظ، ويخاف، ويسلم. فإن قيل: كيف قال: لعله يتذكر، وقد سبق في علمه: أنه لا يتذكر، ولا يسلم، فالجواب: معناه: اذهبا على رجاء منكما،","vol":"5","page":677},{"text":"وطمع، وقضاء الله وراء أمركما. وقيل: هو إلزام الحجة، وقطع المعذرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾. هذا؛ وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ الرازي الآية فبكى يحيى. وقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله. انتهى. خازن بتصرف.\nهذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وانظر: ﴿يَخْشى﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿اِذْهَبا:﴾ أمر، مبني على حذف النون، وألف الاثنين فاعله. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية فيها معنى التوكيد لما قبلها. ﴿إِنَّهُ﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿طَغى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى فرعون، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿فَقُولا:﴾\nالفاء: حرف عطف. ﴿فَقُولا:﴾ أمر وفاعله. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿فَقُولا:﴾ مفعول مطلق. ﴿لَيِّنًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لَعَلَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها. ﴿يَخْشى:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ والكلام من تتمة مقول الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2393\"></span>﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿قالا﴾ أي: موسى، وهارون، وذلك بعد تلاقيهما، واجتماعهما، وتوجيه الأمر إليهما بالذهاب إلى فرعون معا. وانظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء).\n ﴿رَبَّنا:﴾ انظر الآية رقم [٨] منها. ﴿إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا:﴾ أن يعجّل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى إتمام الدعوة، وإظهار المعجزة. يقال: فرط مني أمر؛ أي: بدر، ومنه: الفارط في الماء الذي يتقدم القوم إلى الماء. قال الرسول ﷺ: «وأنا فرطكم على الحوض». وقرئ بقراءات كثيرة منها «(يفرِط)» من الرباعي ومعناه: يشطط، ويتجاوز الحد في أذيتنا. قال الراجز: [الرجز]\nقد أفرط العلج علينا وعجل\nوانظر الآية رقم [٦٢] من سورة (النحل)، ففيها مزيد فائدة. وانظر: «الخوف» و«التخوف» في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد). ﴿أَوْ أَنْ يَطْغى:﴾ يجاوز الحد في الإساءة إلينا، أو يزداد طغيانا، فيقول فيك: ما لا ينبغي لجراءته، وقساوته، وخلوه من حسن الأدب. وانظر الآية رقم [٢٤].","vol":"5","page":678},{"text":"الإعراب: ﴿قالا:﴾ ماض، والألف فاعله. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا):\nفي محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿نَخافُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَنْ يَفْرُطَ:﴾ مضارع منصوب ب: (أن)، والفاعل يعود إلى فرعون، ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿نَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَطْغى﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله.\n\n<span id=\"aya-2394\"></span>﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما:﴾ بالحفظ، والنصرة، والمعونة. ﴿أَسْمَعُ وَأَرى﴾ أي:\nما يجري بينكما، وبينه من قول، وفعل، فأحدث في كل حال ما يصرف شره عنكما، ويوجب نصرتي لكما. هذا؛ وفي الآية الكريمة، وسابقتها دليل واضح على أنّ الخوف من الأعداء، والحذر من شرهم إنما هو سنة الله في أنبيائه، وأوليائه مع معرفتهم به وثقتهم بنصره، ومنه حفر النبي ﷺ الخندق حول المدينة تحصينا للمسلمين، وأموالهم مع كونه من التوكل والثقة بربه بمحل لم يبلغه أحد، ثم كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة، تخوفا على أنفسهم من مشركي مكة، وهربا بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم. وخاب الفسقة والفجرة الذين يصمون الصديق﵁بالجبن، وضعف الإيمان لما ناله من الخوف في ليلة الهجرة الشريفة، ودخوله مع حبيبه ﷺ الغار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله) تعالى، ﴿لا تَخافا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّنِي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿مَعَكُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (إنّ)، ولا يتعلق بالفعل بعده لفساد المعنى، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَسْمَعُ:﴾\nمضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ)، وجملة: ﴿وَأَرى﴾ مع المفعول المحذوف لتساوي رءوس الآي معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، واعتبار الجملتين حالا من الضمير المستتر في الخبر المحذوف جيد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّنِي..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":679},{"text":"<span id=\"aya-2395\"></span>﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أي: أرسلنا الله إليك يا فرعون؛ لندعوك إلى الإيمان به، وإلى عبادته. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: أطلقهم، وخلهم يسيرون معنا، ويتركون بلادك.\n ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ أي: بالأعمال الشاقة، والتكاليف الصعبة، وقتل الصبيان، فإنهم كانوا في أيدي القبط، يستخدمونهم، ويتعبونهم بالعمل، ويقتلون الذكور عاما، دون عام، وقد ذكّر الله بني إسرائيل بهذا بعد أن أنجاهم من كيد فرعون في كثير من الآيات. ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ:﴾ قال فرعون: وما هي؟ فأخرج موسى يده من تحت عضده؛ فإذا لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها فرعون، ولم يره العصا إلا في يوم الزينة، كذا قيل، وقال البيضاوي: وإنما وحد الآية، وكان معه آيتان؛ لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها، لا الإشارة إلى وحدة الحجة، أو تعددها، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ﴾. ﴿وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى:﴾ ليس المراد من هذا السّلام سلام التحية، بل معناه: السلامة من العذاب، وسخط الله تعالى في الدارين. وقيل: المراد: سلام الملائكة، وخزنة الجنة على المهتدين، فيكون مثل الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿فَأْتِياهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [١٢]. (ائتياه): أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا مني؛ فأتياه. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿رَسُولا:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و﴿رَسُولا﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُولا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَرْسِلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والفاء هي الفصيحة أيضا. ﴿مَعَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَأَرْسِلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك صحيحا وواقعا؛ فأرسل... إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.","vol":"5","page":680},{"text":"﴿جِئْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، وهذه الجملة مفسرة ومبينة لقوله: ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آية)، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالسَّلامُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى مَنِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿مِنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ وهو العائد، أو الرابط.\n ﴿الْهُدى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَالسَّلامُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وأخيرا فالآية بكاملها من مقول الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-2396\"></span>﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٤٨)﴾\nالشرح: المعنى: إن الله أخبرنا، وأعلمنا بواسطة وحيه إلينا: أن الهلاك، والدمار في الدنيا، والخلود في جهنم في الآخرة هو مقرر على من كذب رسل الله، وأعرض عن الإيمان بالله تعالى. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-: هذه الآية أرجى آية للموحدين؛ لأنهم لم يكذبوا، ولم يتولوا.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق... إلخ، ﴿أُوحِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الْعَذابَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿عَلى مَنْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ و﴿عَلى مَنْ﴾ مثلها في الآية السابقة، ﴿كَذَّبَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾ ومفعوله محذوف، والجملة صلتها، أو صفتها، وجملة تولى مع المتعلق معطوفة عليها، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل: ﴿أُوحِيَ﴾ على حد قوله تعالى: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾. وجملة: ﴿قَدْ أُوحِيَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ من جملة قول الله تعالى الذي أمر به موسى، وهارون أن يقولاه لفرعون، التقدير: وقولا له: والسّلام على من... إلخ، وقولا له: إنا قد، أوحي... إلخ.\n<span id=\"aya-2397\"></span><span id=\"aya-2398\"></span>﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى:﴾ ذكر فرعون موسى دون هارون موافقة لرءوس الآي.\nوقيل: خصه بالذكر؛ لأنه صاحب الرسالة، والكلام والآية. وقيل: إنهما جميعا بلّغا الرسالة، وإن كان هارون ساكتا؛ لأنه في وقت الكلام، إنما يتكلم واحد، والخطاب يكون منه، وإليه وحده.\n ﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: إنه يعرف بصفاته، وليس له اسم علم حتى يقال: هو فلان، بل هو خالق العالم أجمع، وهو الذي خص كل مخلوق بهيئة، وصورة،","vol":"5","page":681},{"text":"وشكل يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، وأعطى الأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذا الأنف، والرّجل، واليد، وسائر الجوارح، كل واحد منها مطابق للمنفعة المنوطة به.\n ﴿ثُمَّ هَدى﴾ أي: هداه، وعرفه كيف يرتفق بما أعطاه، وكيف يتوصل به إلى بقائه، وكماله، وهداه إلى منافعه من المطعم، والمشرب، والمنكح. وقيل: المعنى: جعل الزوجة للرجل والأنثى من سائر المخلوقات للذكر، ثم ألهم الذكر، وهداه كيف يأتي الأنثى، وذلك للتوالد، وبقاء الجنس من كل المخلوقات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى فرعون. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف صلة. (من):\nاسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّكُما:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١] والجملتان الاسمية والندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبُّنَا:﴾ مبتدأ، ونا في محل جر بالإضافة... إلخ، ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَعْطى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به ثان تقدم على الأول، و﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَلْقَهُ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَعْطى..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿هَدى﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2399\"></span><span id=\"aya-2400\"></span>﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ أي: ما حال الأمم السابقة كقوم نوح، وصالح، وهود، ونحوهم، فإنهم كانوا ينكرون البعث، ويعبدون الأوثان، وكيف حالهم من شقاوة، أو سعادة. وإنما قال فرعون هذا؛ لأن موسى ﵊ قد خوفه، وقومه مصارع الأمم الخالية، وإذا لم يؤمن؛ يحل به ما حل بهم.\nهذا؛ وقد قال الرازي في مختاره: البال: القلب، يقال: ما يخطر فلان ببالي؛ أي: بقلبي، والبال: رخاء النفس. يقال: فلان رخي البال. والبال: الحال، يقال: ما بالك؟ والبال:\nالشأن. يقال: ما باله لا يفعل كذا؟! هذا؛ وقد كان النبي ﷺ كثيرا ما يعرض بمن ينكر عليهم","vol":"5","page":682},{"text":"بعض أعمالهم، فيقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» وقال البغدادي: وقد التزم بعده ذكر حال يفسره غالبا، وقد يأتي بدونها، كقوله تعالى: ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ وقد تتبعت استعمال هذه الحال في كلام العرب-ولم أر من سبقني له-فرأيتهم يستعملونها على وجوه شتّى: منها:\nأنها ماضوية مقرونة به قد، وماضوية بدون قد، ومضارعية مثبتة، ومضارعية منفية، وتكون مفردة، وتكون اسمية غير مقترنة بواو، ومقترنة بالواو، وأورد لكل وجه مثالا شعريا.\n ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ:﴾ المعنى قال موسى مجيبا لذلك الضال: إنما تسأل عن أمور مغيبة قد استأثر الله بها، لا يعلمها إلا الله، وما أنا إلا عبد مثلك، لا أعلم منها إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون الأولى مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ، وإنما رد موسى علم ذلك إلى الله تعالى؛ لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون، وقومه.\n ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى:﴾ الضلال: أن تخطئ الشيء في مكانه، فلم تهتد إليه، والنسيان:\nأن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على الله تعالى، لذا كان أحسن قول من أقوال مختلفة في تفسير ذلك: إن الوقف على ﴿كِتابٍ﴾ والابتداء بما بعده، والمراد: تنزيه الله تعالى عن هاتين الصفتين. وقيل: إن المراد: الكتاب لا يضل؛ أي: غير ضال عن الله تعالى، وغير ناس له، وهو معنى ركيك كما ترى. هذا؛ وقرئ: «(لا يُضلّ)» من الرباعي على معنى لا يضيعه ربي، ولا ينساه، وعن ابن عباس﵄قوله: لا يترك من كفر به؛ حتى ينتقم منه، ولا يترك من وحده؛ حتى يجازيه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى فرعون، تقديره: «هو». ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف صلة. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بالُ:﴾ خبره، و﴿بالُ:﴾\nمضاف، و﴿الْقُرُونِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْأُولى:﴾ صفة القرون مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، والجملة الاسمية: ﴿فَما بالُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى) ﵇، تقديره:\n «هو». ﴿عِلْمُها:﴾ مبتدأ، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلى هذا فالجار والمجرور: ﴿فِي كِتابٍ﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف المقدر بكائن، أو بموجود. هذا؛ وأجيز اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، وتعليق عند بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المقدر، وهذا على قول الأخفش وقيل: متعلق بمحذوف حال من الضمير المضاف إليه في ﴿عِلْمُها﴾. وقيل: هو ظرف متعلق بالمصدر:","vol":"5","page":683},{"text":"(علم). هذا؛ وقيل: الظرف والجار والمجرور كلاهما متعلقان بخبر واحد، مثل: هذا حلو حامض، وهذا يعطي معنى الاعتبار الأول. تأمل. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَضِلُّ:﴾ مضارع. ﴿رَبِّي:﴾\nفاعله، مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو في محل جر صفة ﴿كِتابٍ﴾ على وجه مرّ ذكره في الشرح، فيكون الرابط محذوفا: التقدير في كتاب لا يضله ربي، أو لا يضل حفظه ربي، وجملة: ﴿وَلا يَنْسى﴾ معطوفة عليها، والمفعول محذوف، التقدير: لا ينساه.\n\n<span id=\"aya-2401\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا:﴾ هذا؛ ويقرأ: «(مهادا)» مثل قوله في سورة (النبأ):\n ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا﴾ فقيل: هما لغتان لما يبسط، ويفرش. وقيل: ﴿مَهْدًا﴾ مصدر، و(مهادا) جمع له، والمعنى: جعلها فراشا، وقرارا تستقرون عليها. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا:﴾ جعل لكم فيها طرقا بين الجبال، والأودية، والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض؛ لتبلغوا منافعها.\n ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر الآية رقم [١٠] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ:﴾ قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: عدل به من لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى، تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة، والحكمة، وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته، وعلى هذا نظائره كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها﴾ وقوله جل ذكره: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾. هذا؛ وقيل: تم الكلام على قوله:\n ﴿السَّماءِ،﴾ وما بعده مستأنف.\n ﴿أَزْواجًا:﴾ أصنافا، سميت بذلك لازدواجها، واقتران بعضها ببعض. ﴿مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ أي:\nمختلف الألوان، والطعوم، والمنافع، فمنها ما هو للناس، ومنها ما هو للبهائم. وانظر الآية رقم [٤] من سورة (الرعد) ففيها فضل بيان. هذا؛ و﴿شَتّى﴾ مأخوذ من: شتّ الشيء؛ أي:\nتفرق. قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ وتقول: جاءوا أشتاتا؛ أي: متفرقين، وعليه ف: ﴿شَتّى﴾ جمع، واحده: شتّ، أو شتيت، كمريض، ومرضى. ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى التكلم.\nالإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من ﴿رَبِّي،﴾ أو عطف بيان عليه، أو هو صفة له، أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي... إلخ، ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَهْدًا﴾ كان","vol":"5","page":684},{"text":"نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».\n ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَهْدًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَسَلَكَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿سُبُلًا﴾ على مثال ما قبله. ﴿سُبُلًا:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها. ﴿فَأَخْرَجْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنْ نَباتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَزْواجًا﴾. ﴿شَتّى:﴾ يجوز اعتباره صفة ل: ﴿أَزْواجًا،﴾ وصفة ل: ﴿نَباتٍ﴾ أو هو حال من ﴿أَزْواجًا﴾ بعد وصفه بالجار والمجرور، وجملة: ﴿فَأَخْرَجْنا..﴾.\nإلخ معطوفة على جملة الصلة على اعتبارها من تتمة كلام موسى ﵇، ويكون المعنى:\nأخرجنا به أي: بالحرث والسقي، ونحوهما؛ لأن الماء المنزل سبب خروج النبات، وتكون مستأنفة على اعتبارها من كلام الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2402\"></span>﴿كُلُوا وَاِرْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ:﴾ هذا أمر إباحة، و(الأنعام) المواشي، انظر الآية رقم [٥] من سورة (النحل). ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في إنزال المطر من السماء، وإنبات النبات من الأرض.\n ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات، وعلامات واضحة على قدرة الله تعالى. ﴿لِأُولِي النُّهى:﴾ لأصحاب العقول السليمة الذين ينتهون عن الأفعال القبيحة، والأخلاق الذميمة، الواحدة: نهية. أما (أولي)، فهو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده: «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و«ذا» المضاف إن كان منصوبا، و«ذي» المضاف إن كان مجرورا.\nالإعراب: ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم)، والجملة الفعلية في محل نصب لقول يقع حالا، من نا: التقدير: قائلين كلوا، وجملة: ﴿وَارْعَوْا﴾ معطوفة عليها. ﴿إِنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: هي لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِأُولِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة آيات، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و﴿لِأُولِي﴾ مضاف، و﴿النُّهى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، أو هي مستأنفة.","vol":"5","page":685},{"text":"<span id=\"aya-2403\"></span>﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ:﴾ للعمل، والثواب، ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ أي: للدود، والتراب. ﴿وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ:﴾ للجزاء، والحساب. هذا؛ وخلق بني آدم من الأرض إنما هو بخلق الأب من التراب، وقد بينت ذلك، وشرحته في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحجر)، وهذا خلق غير مباشر. وقيل: كل نطفة مخلوقة من التراب وعلى هذا يدل ظاهر القرآن، وروى أبو هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود إلاّ وقد ذرّ عليه من تراب حفرته». أخرجه أبو نعيم. وقال عطاء الخراساني: إذا وقعت النطفة في الرحم؛ انطلق الملك الموكل بالرحم، فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه، فيذرّه على النطفة، فيخلق الله النسمة من النطفة، ومن التراب.\nهذا؛ وهناك خلق مباشر من الأرض، وذلك إذا عرفنا: أن النطفة المادة التي يتخلق منها ابن آدم من الدم، والدم مصدره من الغذاء، والشراب، وهما من الأرض بلا ريب، ولا شك، وقد أشار النسفي إلى هذا حيث قال: أو لأن النطفة من الأغذية، وهي من الأرض. هذا؛ وأراد بإخراجهم من الأرض: أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب، ويردهم كما كانوا أحياء ويخرجهم إلى المحشر قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا﴾.\nهذا؛ وقد قال الزمخشري: عدد الله على الخلق ما علق بالأرض من مرافقهم؛ حيث جعلها لهم فراشا، ومهادا يتقلبون عليها، وسوى لهم فيها مسالك، يترددون فيها كيف شاءوا، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم، وعلوفات بهائمهم، وهي أصلهم الذي منه تفرعوا، وأمهم التي منها ولدوا، ثم هي كفاتهم إذا ماتوا، ومن ثمّ قال رسول الله ﷺ: «تمسّحوا بالأرض فإنّها بكم برّة». انتهى. هذا؛ وخذ ما رواه ربيعة الجرشي﵁عن النبي ﷺ قال:\n «استقيموا، ونعمّا إن استقمتم، وحافظوا على الوضوء، فإنّ خير أعمالكم الصلاة، وتحفّظوا من الأرض، فإنها أمّكم وإنه ليس أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلاّ وهي مخبرة به». رواه الطبراني.\nهذا؛ وقد ورد بأن الأرض تضم كل إنسان يدفن فيها بعد موته؛ لأنها أمه، والأم من بني آدم تضم ولدها إذا كان غائبا، وحضر، ولكن ضمة الأرض للعبد المؤمن ضمة عطف، ولطف، وشفقة، وحنان، وضمها للكافر، والفاجر، والفاسق ضمة غضب، وسخط، وقسوة، وإزعاج.\nاللهم وفقنا للعمل بكتابك، وللاهتداء بهدي نبيك محمد ﷺ.\nالإعراب: ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة وهي من قول الله تعالى بلا ريب، وهذا ممّا يقوي: أن الكلام: ﴿فَأَخْرَجْنا..﴾. إلخ هنا إنما هو من مقول الله تعالى، وليس من مقول موسى ﵇، وجملة: ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ معطوفة عليها، وكذا جملة: ﴿وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ﴾ معطوفة عليها، وهو ظاهر. ﴿تارَةً:﴾ نائب مفعول","vol":"5","page":686},{"text":"مطلق، أو هو ظرف مثل ﴿مَرَّةً﴾ في الآية رقم [٣٧]. ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿تارَةً﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n\n<span id=\"aya-2404\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ﴾ أي: لفرعون رأى المعجزات بعينه. ﴿كُلَّها﴾ أي: التي أيد الله بها موسى. وانظر الآية رقم [١٠١] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. ﴿فَكَذَّبَ﴾ أي: فرعون موسى. ﴿وَأَبى:﴾ الإيمان كفرا، وعنادا، وطغيانا. وانظر شرح ﴿أَبى﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحجر). وانظر شرح آيات في الآية [١] منها.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر الآية رقم [٣٧]. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿كُلَّها:﴾ توكيد ﴿آياتِنا﴾ و(ها): في محل جر بالإضافة. (كذب): ماض، وفاعله يعود إلى فرعون، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَبى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيضا، ومفعوله محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-2405\"></span>﴿قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧)﴾\nالشرح: المعنى: جئت لتوهم الناس: أنك جئت بآية توجب اتباعك والانقياد لك حتى تغلب علينا وعلى أرضنا، وذلك لما رأى معجزة اليد فقط، وهذا تعلل، وتحير ودليل على أنه علم أن موسى كان محقا حتى خاف منه على ملكه، وإلا فأي: ساحر يقدر أن يخرج ملكا من أرضه.\nهذا؛ والسحر: كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق، ويخفى. وقال الغزالي في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. انتهى. وانظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك.","vol":"5","page":687},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿أَجِئْتَنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري، (جئتنا): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿لِتُخْرِجَنا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل والفاعل تقديره: «أنت»، و(نا):\nمفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَرْضِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و(نا): في محلّ جرّ بالإضافة.\n ﴿بِسِحْرِكَ:﴾ متعلقان بالفعل: (تخرج) أيضا. ﴿يا مُوسى:﴾ انظر الآية رقم [١١] والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2406\"></span>﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: عين موعدا لاجتماعنا وحضور الناس؛ ليروا ما نأتيك به من السحر، ويعرفوا: أننا أعلم منك بالسحر. ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ:﴾ بل نحضره جميعا بدون تخلف. ﴿مَكانًا سُوىً﴾ أي: وسطا بيننا، وبينك تستوي فيه مسافة الفريقين. وقيل: معناه: سوى هذا المكان؛ أي: غيره.\nهذا؛ و﴿مَوْعِدًا﴾ يحتمل أن يكون اسم زمان، أو اسم مكان، أو مصدرا ميميا، ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ويشهد للثاني: ﴿مَكانًا سُوىً﴾ ويشهد للمصدر قوله تعالى: ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ﴾ وإذا أعرب ﴿مَكانًا﴾ بدلا منه لا ظرفا ل: ﴿نُخْلِفُهُ﴾ تعينت الظرفية.\nفعلى الأول: يكون المعنى: اجعل لنا يوما معلوما، وعلى الثاني: اجعل لنا مكانا معروفا، وعلى الثالث: اجعل بيننا وبينك وعدا، ورجح هذا الأخير، بسبب عود الضمير عليه؛ إذ التقدير: لا نخلف ذلك الوعد. هذا؛ وأما ﴿سُوىً﴾ فإنه يقرأ بكسر السين، وضمها مع تنوينه، مثل: عدى، وعدى، وطوى، وطوى، وقد رأيت شرحه، وهو يقصر، ويمد. ويقال: مررت برجل سواك، وسواك، وسوائك؛ أي: غيرك، وهما في هذا الأمر سواء، وإن شئت: سواءان، وهم سواء للجمع، وهم أسواء، وهم سواسية، وهذا كله بمعنى: مستوون في هذا الأمر. هذا؛ وانظر شرح «بين» في الآية رقم [٤٥] من سورة (الإسراء). وانظر شرح مثل في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nالإعراب: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وأجيز اعتبارها فصيحة. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نأتينك): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل","vol":"5","page":688},{"text":"لها؛ لأنها جواب قسم مقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿بِسِحْرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلها، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿مِثْلِهِ:﴾ صفة (سحر) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَاجْعَلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [١٢]. (اجعل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و(نا) في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَوْعِدًا:﴾ مفعول به. وانظر الشرح، وجملة: ﴿فَاجْعَلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط يقدر ب: «إذا».\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُخْلِفُهُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صفة موعدا. ﴿نَحْنُ:﴾ توكيد للفاعل المستتر. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية.\n ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع معطوف على الضمير المستتر، وساغ ذلك لوجود الفاصل، وهو التوكيد بالضمير. وقال ابن مالك: إن التقدير: ولا تخلفه أنت؛ لأن مرفوع فعل الأمر لا يكون ظاهرا، ومرفوع الفعل المضارع ذي النون لا يكون غير ضمير المتكلم. انتهى. مغني. وعليه فالجملة المقدرة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والضمير ﴿أَنْتَ﴾ توكيد للضمير المستتر في الفعل المحذوف، وفيه: أن الحذف، والتوكيد متنافيان، ومتناقضان.\n ﴿مَكانًا:﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه بدل من ﴿مَوْعِدًا﴾ على اعتباره ظرفا. والثاني: أنه مفعول ثان ل: (اجعل). الثالث: أنه منصوب بإضمار فعل. الرابع: أنه منصوب بالمصدر ﴿مَوْعِدًا﴾. الخامس: هو ظرف مكان متعلق ب: (اجعل). ﴿سُوىً:﴾ صفة له منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ والآية بكاملها من مقول فرعون أخزاه الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-2407\"></span>﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ:﴾ هو يوم عيد كان لهم، يتزينون، ويجتمعون فيه في كل سنة. ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أي: يجتمع الناس في ذلك اليوم وقت الضحوة نهارا جهارا؛ ليكون أبعد من الريبة، وإنما عينه موسى﵊ليظهر الحق، ويزهق الباطل.\nوانظر شرح ﴿الْيَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء). وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [٦٠] منها.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى) ﵇. ﴿مَوْعِدُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَوْمُ:﴾\nخبر المبتدأ، ويقرأ بالنصب على أنه ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ويوم مضاف، و﴿الزِّينَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَنْ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُحْشَرَ:﴾ مضارع مبني للمجهول","vol":"5","page":689},{"text":"منصوب ب: (أن). ﴿النّاسُ:﴾ نائب فاعل. ﴿ضُحًى:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وإعلاله مثل إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف)، والمصدر المؤول من ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ في محل رفع معطوف على خبر المبتدأ، وأجيز اعتباره معطوفا على ﴿الزِّينَةِ﴾ ويكون التقدير: ويوم حشر الناس، والجملة الاسمية: ﴿مَوْعِدُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2408\"></span>﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ:﴾ فذهب، وأعرض عن موسى ﵇. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي:\nحيله، وسحره، والمراد: جمع السحرة، وآلاتهم. قال ابن عباس﵄-: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل ساحر منهم حبال وعصي. وقيل: كانوا أربعمائة. وقيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل غير ذلك، وكان لهم رئيس يقال له: شمعون، هذا، ويقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع، ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه في الآية رقم [٦٤] الآتية: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ..﴾. إلخ. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه وأصدقاءه، وهذا مبني على قاعدة: يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، وأما قوله تعالى هنا: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ:﴾ فصحيح لتأويله بما رأيت.\nهذا؛ ويقرأ في الآية [٦٤] بقطع الهمزة: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ أي: اعزموا، وجدّوا. ويقرأ بهمزة الوصل (فاجمعوا) قال النحاس: ويصحح هذه القراءة أن المعنى أجمعوا كل كيد لكم، وكل حيلة فضموه مع أخيه. وقال الثعلبي: القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان: أحدهما:\nبمعنى: الجمع، تقول: أجمعت الشيء، وجمعته بمعنى: واحد. وفي الصحاح: وأجمعت الشيء: جعلته جميعا. قال أبو ذؤيب يصف حمرا: [الكامل]\nفكأنّها بالجزع بين نبايع... وأولات ذي العرجاء نهب مجمع\nأي: مجموع، والثاني: أنه بمعنى: العزم، والإحكام. قال الشاعر: [الرجز]\nيا ليت شعري والمنى لا تنفع... هل أغدون يوما، وأمري مجمع؟\nهذا؛ ونبايع اسم مكان، أو جبل، أو واد في بلاد هذيل. انتهى. قرطبي بتصرف. وابن هشام قال في المغني: إن «أجمع» لا يتعلق بالذوات، بل بالمعاني، كقولك: أجمعوا على كذا، بخلاف «جمع»، فإنه مشترك، بدليل قوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ﴾ هذا؛ والتعبير ب: ﴿ثُمَّ﴾ وهي للتراخي، دلالة على أنه استغرق وقتا طويلا في جمع السحرة، وترتيب الحيل، ورسم الخطط، والله من ورائه محيط.","vol":"5","page":690},{"text":"الإعراب: ﴿فَتَوَلّى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تولى فرعون): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَتى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (فرعون) والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2409\"></span>﴿قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى (٦١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى﴾ أي: للسحرة الذين جمعهم فرعون للمناظرة ﴿وَيْلَكُمْ:﴾\nالويل: الهلاك، والعذاب. وانظر الآية رقم [٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا وحبيبنا وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي: لا تختلقوا عليه الكذب، ولا تشركوا به شيئا، ولا تقولوا للمعجزات: إنها سحر. وانظر ما ذكرته بشأن الكذب في الآية رقم [١٥] من سورة (النحل). ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ أي: يستأصلكم بالإهلاك، يقال فيه: سحت، وأسحت بمعنى، ويقرأ الفعل من الأول، وهو الثلاثي، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ حفص، وغيره من الرباعي، وهي لغة نجد، وبني تميم، ومصدر الأول: السحت، ومصدر الثاني:\nالإسحات. وقال الفرزدق: [الطويل]\nوعضّ زمان يا بن مروان لم يدع... من المال إلا مسحتا أو مجلّف\nهذا؛ والسحت: المال الحرام؛ كالرشى، والربا، وغير ذلك من أنواع الحرام، وهو من سحته؛ إذا استأصله؛ لأنه مسحوت البركة. وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (المائدة) وأصل المادة يدل على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر؛ أي: استقصاه فلم يترك منه شيئا، ويستعمل في الإهلاك، والإذهاب وهو ما في الآية.\n ﴿وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ أي: خسر، وهلك، وخاب من الرحمة، والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به. هذا؛ وقد قال الزمخشري في بيت الفرزدق: لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه مع كون مسحت يروى بالرفع والنصب فعلى رواية الرفع فهو مرفوع على المعنى، فكأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت، أو مجلف، وعلى رواية النصب فهو منصوب بالفعل لم يدع، ويكون رفع مجلف على المعنى، والتقدير: لم يدع إلا مسحتا، وبقي مجلف، ومثل بيت الفرزدق قول الآخر: [الطويل]\nغداة أحلّت لابن أصرم طعنة... حصين عبيطات السّدائف والخمر\nإذ التقدير: أحلت له عبيطات السدائف وحلّت له الخمر.","vol":"5","page":691},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَيْلَكُمْ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير:\nألزمكم ويلا، وأجاز الزجاج أن يكون نداء، كقوله تعالى: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا تَفْتَرُوا:﴾\nمضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَذِبًا:﴾ مفعول به. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم افتراء على الله فإسحات، أو فسحت لكم. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خابَ:﴾\nماض. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل.\n ﴿اِفْتَرى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنِ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنِ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿(قَدْ خابَ...)﴾ إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2410\"></span>﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تناظروا، وتشاوروا يعني: السحرة في أمر موسى ﵇ سرا من فرعون. وقالوا: إن غلبنا موسى؛ اتبعناه. وقيل قالوا: إن كان ما يفعله سحرا؛ فسنغلبه، وإن كان من عند الله؛ فسيكون له أمر، وهذا هو الذي أسروه. هذا؛ و﴿النَّجْوى﴾ حديث السر بين اثنين، أو أكثر. قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾. وقال الرسول ﷺ: «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناج اثنان دون الثالث، فإنّ ذلك يحزنه». هذا؛ وقد قيل: إن النجوى القوم الذين يتناجون، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء). هذا؛ وقيل: إن الضمير يعود لفرعون، وقومه.\nهذا؛ وقيل: إن أسرّوا يحتمل أن يكون بمعنى أظهروا، وأخفوا، فهو من الأضداد كما قيل به في قول امرئ القيس: [الطويل]\nتجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي\nوبه قيل في الآية رقم [٣] من سورة (الأنبياء). وأيضا قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ الآية رقم [٥٤] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"5","page":692},{"text":"الإعراب: ﴿فَتَنازَعُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تنازعوا): ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة: ﴿قالَ لَهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين. ﴿أَمْرَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النَّجْوى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2411\"></span>﴿قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة، أو فرعون، وقومه على مثال ما رأيت. ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ:﴾ هذه الجملة تقرأ: «(إنّ هذين لساحران)» وهذه القراءة موافقة للإعراب، مخالفة لرسم المصحف، ويقرأ: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها، ما هذان إلاّ ساحران، فإن نافية بمعنى: «ما» واللام بمعنى: إلا، والإعراب واضح، واعتبرها ابن هشام في الشذور مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها، وهذان مبتدأ، واللام هي الفارقة، وساحران خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: لهما ساحران، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وفاته أنّ المخففة المهملة يشترط أن يليها فعل ناسخ للابتداء مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾. ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز]\nوالفعل إن لم يك ناسخا فلا... تلفيه غالبا بإن ذي موصلا\nويقرأ: «(إنّ هذان لساحران)» فوافقوا رسم المصحف، وخالفوا الإعراب.\nقال النحاس: فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة الأئمة. قال القرطبي: وللعلماء في قراءة أهل المدينة، والكوفة-ويعني بها الأخيرة-ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الردّ له، وذكرها النحاس في إعرابه، والمهدوي في تفسيره:\nالقول الأول: أنها لغة بني الحارث بن كعب، وزبيد، وخثعم، وكنانة بن زيد، يجعلون رفع الاثنين، ونصبه، وخفضه بالألف، وأنشد الفراء قول المتلمس: [الطويل]\nفأطرق إطراق الشجاع، ولو رأى... مساغا لناباه الشّجاع لصمّما\nالشجاع: الثعبان العظيم، وصمم: عضّ، ونيّب، ويقولون: كسرت يداه، وركبت علاه بمعنى: كسرت يديه، وركبت عليه. وقال هوبر الحارثي: [الطويل]","vol":"5","page":693},{"text":"تزوّد منّا بين أذناه طعنة... دعته إلى هابي التّراب عقيم\nأي: بين أذنيه. وقال أبو النجم العجلي، وينسب لرؤبة بن العجاج: [الرجز]\nإنّ أباها وأبا أباها... قد بلغا في المجد غايتاها\nأي: إن أبا أبيها، وغايتيها. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة، وقد حكاها من يرتضى بعلمه، وأمانته. منهم أبو زيد الأنصاري، وأبو الخطاب الأخفش، والكسائي، والفراء، كلهم قالوا: هذا على لغة بني الحارث بن كعب.\nالقول الثاني: أن تكون إنّ بمعنى: «نعم». قال الشاعر: [الكامل]\nقالوا: غدرت فقلت إنّ وربّما... نال العلا وشفى الغليل الغادر\nأي: فقلت: نعم، فعلى هذا جائز أن يكون قول الله ﷿: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ بمعنى:\nنعم، ولا تنصب. قال النحاس: أنشدني داود بن الهيثم. قال: أنشدني ثعلب: [الرمل]\nليت شعري هل للمحبّ شفاء... من جوى حبّهنّ؟ إنّ اللّقاء\nأي: نعم هو اللقاء. وقال عبد الله بن قيس الرقيات: [مجزوء الكامل]\nويقلن شيب قد علا... ك وقد كبرت فقلت: إنّه\nأي: فقلت: نعم، والهاء للسكت. قال ابن هشام في مغنيه: وردّ بأنّا لا نسلم: أن الهاء للسكت، بل هي ضمير منصوب بها، والخبر محذوف؛ أي: إنه كذلك، والجيد الاستدلال بقول ابن الزبير﵄لمن قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك: (إنّ وراكبها) أي: نعم، ولعن راكبها.\nهذا؛ وذكر القرطبي سندا طويلا يتصل بعلي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-أنه قال:\nلا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ يقول على منبره: «إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه». كأنه ﷺ يريد: نعم الحمد لله... إلخ وذلك: أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها بنعم.\nالقول الثالث: قاله الفراء: وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل، فزدت عليها نونا ولم أغيرها، كما قلت: الذي، ثم زدت عليها نونا فقلت: جاءني الذي عندك، ورأيت الذين عندك، ومررت بالذين عندك.\nالرابع: قاله بعض الكوفيين. قال: الألف في هذان مشبهة بالألف في يفعلان، فلم تغير.\nالقول الخامس: قال أبو إسحاق: النحويون القدماء يقولون: الهاء هاهنا مضمرة، والمعنى: إنّه هذان لساحران. قال ابن الأنباري: فأضمرت الهاء التي هي منصوب (إنّ)،","vol":"5","page":694},{"text":"و﴿هذانِ﴾ خبر، و(ساحران) يرفعهما «هما» المضمر، والتقدير: إنه هذان لهما ساحران، والأشبه عند أهل هذا الجواب: أن الهاء اسم (إنّ) وهذان رفع بالابتداء، وما بعده خبر الابتداء.\nالسادس: قال أبو جعفر النحاس: وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية، فقال:\nالقول عندي: أنه لما كان يقال: (هذا) في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب ألا يغير لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحدة. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني مع ما أضفته من المغني لابن هشام. رحم الله الجميع رحمة واسعة! وله في الشذور وجهان آخران بعيدان.\nأقول: والمعتمد عند النحويين القولان: الأول، والثاني، وهما اللذان يستشهدون لهما بما ورد من شعر العرب، كما رأيت والله الموفق، والمعين وبه أستعين. ويبقى إشكال على القول الثاني، وهو دخول اللام على خبر المبتدأ، ويؤول الكلام بما يلي: (إنّ هذان لهما ساحران) وفحواه أن (ساحران) خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية خبر ﴿هذانِ﴾.\n ﴿يُرِيدانِ﴾ أي: موسى، وهارون. ﴿أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ أرض مصر. ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى:﴾ وهذا من قول فرعون وملئه للسحرة؛ أي: غايتهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه، كما حكى الله عن فرعون في آية أخرى: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ هذا؛ والطريقة: المذهب الذي يتبعه الإنسان، والسنة التي يسير على نهجها، فيكون المعنى:\nويذهبا بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبه، وإعلاء دينه. وقال ابن عباس﵄-: يعني: يذهبا بسراة قومكم، وأشرافكم. وقيل: أراد أهل طريقتكم، وهم بنو إسرائيل، فإنهم أرباب علم، ويرجعون بالانتساب إلى الأنبياء، والمعتمد الأول. هذا؛ و﴿الْمُثْلى﴾ تأنيث الأمثل، كما أن الفضلى تأنيث الأفضل، والحسنى تأنيث الأحسن.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ انظر القول الأول، والثاني: في الشرح ففيهما الكفاية. ﴿يُرِيدانِ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، وألف الاثنين فاعله. ﴿أَنْ يُخْرِجاكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿إِنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والألف فاعله، والكاف مفعوله، وأن والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِسِحْرِهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ألف الاثنين؛ أي: ملتبسين بسحرهما. والكاف والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. وجملة: ﴿يُرِيدانِ..﴾. إلخ في محل رفع صفة (ساحران). ﴿وَيَذْهَبا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وألف الاثنين فاعله، ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُثْلى:﴾ صفة طريقتكم مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":695},{"text":"<span id=\"aya-2412\"></span>﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اِسْتَعْلى (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: اجعلوه مجمعا عليه حتى لا تختلفوا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٣] فهو يحتمل أن يكون من قول السحرة بعضهم لبعض، وأن يكون من قول فرعون لهم. هذا؛ والكيد: المكر، والخبث، والحيلة. ﴿اِئْتُوا صَفًّا﴾ أي: مصطفين، فيكون أشد لهيبتكم. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ:﴾ فاز، ونجح. ﴿مَنِ اسْتَعْلى:﴾ من غلب خصمه.\nهذا؛ و﴿اِئْتُوا﴾ أمر من: أتى، يأتي، والأمر بهمزتين: همزة الوصل، التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا ابتدأت الكلام، قلت: ايتوا، بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية فتقول: ائت، ومثل ذلك قل في إعلال: أذن يأذن ائذن.\nالإعراب: ﴿فَأَجْمِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اجمعوا): أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الأمر كما ذكر من كونهما ساحرين فأجمعوا... إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول. ﴿كَيْدَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِئْتُوا:﴾ أمر... إلخ، ﴿صَفًّا:﴾ حال؛ أي:\nمصطفين. وقيل: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. الواو: واو الحال. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَفْلَحَ:﴾ ماض. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط. هذا؛ وقال الزمخشري معترضة في آخر الكلام، وعليه فلا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-2413\"></span>﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا مُوسى﴾ القائل هم السحرة، وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن منهم مع موسى ﵇، وكأن الله ألهمهم ذلك، وقد وصلت إليهم بركته، فهداهم الله للإيمان، وأعلم الله موسى اختيار إلقائهم أولا، فقال لهم: بل ألقوا... إلخ. هذا؛ وانظر شرح «أول» في الآية رقم [٢٤] من سورة (النحل)، وشرح ﴿إِمّا﴾ في الآية رقم [٨٧] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو».\n (موسى): منادى مفرد علم، مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب: (يا).","vol":"5","page":696},{"text":"﴿إِمّا:﴾ أداة شرط، وتخيير. وقيل: تقسيم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُلْقِيَ﴾ في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: إما الإلقاء حاصل منك، أو خبر لمبتدإ محذوف التقدير:\nالأمر إلقاؤك، ونحوه، أو المصدر المؤول في محل نصب مفعول به، التقدير: اختر إلقاءك، ومفعول الفعل محذوف للعلم به؛ إذ التقدير: إما أن تلقى عصاك. ﴿وَإِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إما): معطوفة على سابقتها. ﴿أَنْ نَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿أَوَّلَ:﴾ خبر ﴿نَكُونَ،﴾ و﴿أَوَّلَ:﴾ مضاف، و﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَلْقى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، التقدير: ألقى حبالنا، وعصينا، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَكُونَ..﴾. إلخ فهو مثل سابقه في التأويل، والجملة الاسمية سواء أكانت اسمية، أم فعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وألفت النظر إلى أنّ الآية شبيهة في الآية رقم [٨٧] من سورة (الكهف).\n\n<span id=\"aya-2414\"></span>﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ مقالة أدب بأدب، وعدم مبالاة بسحرهم، وليبرزوا ما معهم من مكايد السحر، ويظهر الله سلطانه، ويقذف بالحق على الباطل، فيدمغه، ويسلط المعجزة على السحر فتمحقه، فيصير آية نيرة للمناظرين، وعبرة للمعتبرين. ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ..﴾. إلخ: قبله محذوف، التقدير: فألقوا ما معهم، فإذا حبالهم... إلخ.\n ﴿وَعِصِيُّهُمْ:﴾ يقرأ بضم العين، وكسرها، مثل: قسي، وقسي، ومفرده: عصا، ومقتضى القياس أن يقال في جمعها: (عصوّ) فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها طرف ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار: (عصوي) فاجتمعت الواو، والياء، والأول: ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الصاد كسرة لتصح الياء. ثم تبعت حركة العين حركة الصاد، فكسرت على قراءة كسرها، وبقيت على حالها على قراءة ضمها.\nهذا؛ وانظر بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [١٨] ما ذكرت في الآية رقم [١٠٦] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك ويثلج صدرك، وكذا الآية رقم [٤٥] من سورة (الشعراء).\n ﴿يُخَيَّلُ:﴾ يظن، وتخيل الشيء: توهمه، ويقرأ «(تخيّل)» على أنّ نائب الفاعل يعود إلى العصي، والحبال، وقرئ «(تخيّل)» بالبناء للمعلوم على أنّ أصله: تتخيّل، ويقرأ «(نخيّل)» بالنون على أن الله هو المخيل. ﴿أَنَّها تَسْعى:﴾ تمشي، وذلك: أنهم لطخوا الحبال والعصي، فلما ضربت عليها الشمس، اضطربت، فخيل إلى موسى: أنها تسعى، فرأى أن الأرض قد امتلأت حيات، وكانت قد أخذت ميلا في ميل من كلّ جانب.","vol":"5","page":697},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (موسى). ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَلْقُوا:﴾\nأمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ..﴾. إلخ:\nالفاء: حرف عطف وتعقيب، وخذ ما قاله السيوطي في «همع الهوامع»، فقد قال رحمه الله تعالى: اختلف في هذه الفاء. فقال المازني: هي زائدة لازمة للتوكيد؛ لأن الفجائية فيها معنى الاتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني. وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشّلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع (ثم) موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: للسببية المحضة وفي مغني اللبيب نحو هذا.\n (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو خرجت فإذا الأسد بالباب؛ وهي حرف عند الأخفش وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب) لأن (إنّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها الخبر المذكور في نحو: خرجت فإذا زيد جالس. أو المقدر في نحو: (فإذا الأسد) أي:\nحاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.\n ﴿حِبالُهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿وَعِصِيُّهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يُخَيَّلُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى «الكيد» وعلى قراءته بالتاء فنائب الفاعل يعود إلى: «الحبال، والعصي» وهما بمعنى: الملقى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار (إذا) حرفا، وفي محل نصب حال من «الحبال، والعصي» على اعتبار (إذا) ظرفا متعلقا بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ سِحْرِهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، وهو أجود، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، (أنها): حرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها. ﴿تَسْعى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى «الحبال، والعصي» والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والمصدر المؤول من ﴿أَنَّها تَسْعى﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكونها تسعى، أو في محل رفع بدل من نائب الفاعل المستتر بدل الاشتمال، أو هو نفسه نائب فاعل، التقدير: يخيل إليه سعيها، أو في محل نصب حال على حذف مضاف.\nالتقدير: تخيل الحبال ذات سعي، اعتبارات على حسب القراءات. تأمل، وتدبر، والكلام: ﴿بَلْ أَلْقُوا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":698},{"text":"<span id=\"aya-2417\"></span>﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ المراد به: العصا، وإنما أبهمه، ولم يقل: «عصاك» تحقيرا لها؛ أي: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويدة التي في يدك. أو أبهمه تعظيما لها؛","vol":"5","page":699},{"text":"أي: لا تحتفل بكثرة الأجرام وعظمها، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثرا، فألقه. ﴿تَلْقَفْ﴾ أي: تأخذ، وتبتلع. ومثله: تلقم، وتلهم، واللقف: الأخذ بسرعة، ورجل لقف ثقف؛ أي:\nخفيف حاذق. ويقرأ برفعه، وجزمه، ويقرأ «(تلقّف)» بتشديد القاف، أصله: تتلقّف. هذا؛ والتّلقّي، والتّلقّف، والتّلقّن معان متقاربة خلا أنّ في الأول: معنى الاستقبال، وفي الثاني:\nمعنى الخطف، والأخذ بسرعة، وفي الثالث: معنى الحذق، والمهارة.\n ﴿إِنَّما صَنَعُوا﴾ أي: إن الذي زوروا، وافتعلوا، ﴿كَيْدُ ساحِرٍ:﴾ ويقرأ «(كيد سِحر).» ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أي: لا يفوز، ولا ينجو، وإنما أفرده؛ لأن المراد الجنس، ونكر الأول: لتنكير المضاف، وعرف الثاني: على حد قوله تعالى في سورة (المزمل): ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..﴾. إلخ ﴿حَيْثُ أَتى:﴾ حيث كان وأين أقبل.\nوانظر شرح: ﴿أَتى﴾ في الآية رقم [٩].\nأما ﴿حَيْثُ﴾ فهي ظرف مكان، وهي مبنية، وإنما بنيت؛ لأنها لا تدل على موضع بعينه، ولأن ما بعدها من تمامها، كالصلة من الموصول، وبنيت على حركة؛ لأن ما قبل آخرها ساكن، وكان الضم أولى بحركتها؛ لأنها غاية، فأعطيت غاية الحركات، وهي الضمة؛ لأنها أقوى الحركات. وقيل: بنيت على الضم؛ لأن أصلها حوث. فدلت الضمة على الواو، ويجوز فتحها، وفي «حيث» ستّ لغات بالياء مع الضم، والفتح، والكسر، وبالواو مع الضم، والفتح، والكسر، وهي: حيث، وحيث، وحيث، وحوث، وحوث، وحوث.\nالإعراب: ﴿وَأَلْقِ:﴾ الواو: حرف عطف. (ألق): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي يَمِينِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَلْقِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿تَلْقَفْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تلق... تلقف. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تلقف الذي، أو شيئا صنعوه. هذا؛ وعلى رفع الفعل ﴿تَلْقَفْ..﴾. إلخ فجملته مستأنفة، أو في محل نصب حال من ﴿ما﴾ والرابط: الضمير فقط.\n ﴿إِنَّما:﴾ (إن): حرف مشبه بالفعل، و(ما): اسمها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إن الذي، أو شيئا صنعوه. ﴿كَيْدُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مضاف، و﴿ساحِرٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ ويقرأ بنصب كيد، على أنّ (إنما) كافة، ومكفوفة،","vol":"5","page":700},{"text":"وهو مفعول به، والجملة على جميع الاعتبارات تعليل لما قبلها، لا محل لها. الواو: واو الحال. (لا): نافية، وجملة: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ في محل نصب حال من ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وهو مبني على الضم في محل نصب. وجملة: ﴿أَتى﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها هذا، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية في الموضعين، فهي تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب؛ ويكون التقدير: تلقف صنعهم، إن صنعهم كيد ساحر، ولكن الاعتبار الأول: أظهر كما هو واضح، كما يجوز فتح همزة (إنّ) ولكن لم يقرأ به، وتؤوّل بمصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، والكلام كله في محل نصب مقول القول. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2418\"></span>﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أي: خروا ساجدين لله تعالى، وذلك بعد أن ألقى موسى عصاه، وتلقفت جميع ما صنعوه، فتحقق عندهم: أنه ليس بسحر، وإنما هو من آيات الله، ومعجزة من معجزاته، فإنّ ما صنعوه كان حمل ثلاثمائة بعير، فابتلعته ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي إلا الله تعالى، وروي: أنها لما تلقفت الحبال والعصي وابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا، وازدحموا حتى هلك جمع عظيم منها. وانظر الآية رقم [١١٦] من سورة (الأعراف) ففيها فضل بيان.\nهذا؛ وروي: أن السحرة لم يرفعوا رءوسهم من السجود حتى رأوا الجنة والنار، والثواب والعقاب، ورأوا منازلهم في الجنة. وقال الزمخشري رحمه الله تعالى: ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم، وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر، والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى:﴾ قدم هارون لكبر سنه، أو لروي الآية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأُلْقِيَ:﴾ الفاء حرف استئناف، أو حرف عطف. (ألقي): ماض مبني للمجهول.\n ﴿السَّحَرَةُ:﴾ نائب فاعله. ﴿سُجَّدًا﴾ حال من السحرة، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فألقى موسى عصاه، فتلقفت كل ما صنعوه، فألقي السحرة.\nلا محل لها على الاعتبارين. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل فاعل.\n ﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ورب مضاف، و﴿هارُونَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَمُوسى:﴾ معطوف على هارون مجرور مثله، والجملة","vol":"5","page":701},{"text":"الفعلية: ﴿آمَنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال أخرى من (السحرة) والرابط: الضمير فقط، وهو الواو.\n\n<span id=\"aya-2419\"></span>﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى (٧١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ آمَنْتُمْ..﴾. إلخ وفي (الأعراف): ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ..﴾. إلخ. يقال: آمن بالله، وآمن به، وآمن له، فهو إنكار منه عليهم؛ أي: تعديتم، وفعلتم ما لم آمركم به. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ أي: رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم؛ لأنه أحذق به منكم، وأبرع، وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على الناس؛ حتى لا يتبعوهم، فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم:\nأنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته، ولا تنس: أنه قال في سورة (الأعراف) بعد هذا القول: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾.\n ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ:﴾ قرئت الأفعال هنا وفي سورة (الأعراف) بفتح الهمزة، وتخفيف النون، والمراد: بقوله: ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ اليد اليمنى، والرجل اليسرى. قيل: إنه أول من سن ذلك، فشرعه الله للبغاة، وقطاع الطريق تعظيما لجرمهم، ولذا سماه محاربة الله ورسوله، ولكن على التعاقب لفرط رحمته، انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (المائدة). ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جذوع النخل؛ لأن «في» بمعنى: «على» قال سويد بن أبي كاهل اليشكري: [الطويل]\nهم صلبوا العبديّ في جذع نخلة... فلا عطست شيبان إلاّ بأجدعا\nوقيل: هي على بابها؛ لأن الجذع مكان للمصلوب، ومحتو عليه. قيل: إنه نقر جذوع النخل حتى جوفها، ووضعهم فيها فماتوا جوعا، وعطشا بعد أن قطع الأيدي والأرجل، وهذا كله لم يصرفهم عن الإيمان بالله، ورسوله. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى:﴾ فهو يريد نفسه، وموسى ﵇، وموسى لم يعذب أحدا، فهو يريد تحقير موسى، والهزء به؛ لأنه لم يكن من التعذيب في شيء، والفعل يحتمل أن يكون قلبيا، وأن يكون عرفانيا، ﴿وَأَبْقى:﴾ أطول عذابا، وأدومه، فحذف التمييز لدلالة ما قبله عليه.\nبعد هذا انظر شرح (النخل) في الآية رقم [٢٤] وما بعدها من سورة (إبراهيم) ﵇ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر شرح (اليد) في الآية رقم [٦٣] من سورة (مريم). وانظر شرح (السحر) في الآية رقم [٥٧]. أما ﴿عَذابًا﴾ فهو اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأن الفعل عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل:\nسلام، وعطاء، ونبات، من: سلّم، وأعطى، وأنبت.","vol":"5","page":702},{"text":"أما (لتعلمنّ): فأصل الفعل: تعلمون، فلما دخله التوكيد صار: «لتعلموننّ» فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار: «لتعلمونّ» فحذفت واو الجماعة لالتقائها ساكنة مع نون التوكيد، وبقيت الضمة على الميم لتدل على واو الجماعة المحذوفة، فصار: «لتعلمنّ» أما ﴿آمَنْتُمْ﴾ فأصله: أأمنتم، قلبت الهمزة الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في إيمان، فإن أصله:\nإئمان، وكما قلبت في: أومن، فإن أصله: أؤمن ومثل «آمن» في إعلاله «آذن» و«آدم» ونحوهما.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى فرعون. ﴿آمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿أَنْ آذَنَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكَبِيرُكُمُ:﴾\nاللام: هي المزحلقة. (كبيركم): خبر (إن) والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل لإيمانهم في نظر الخبيث فرعون. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل، أو عطف بيان من (كبيركم). ﴿عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ:﴾ ماض، ومفعولاه، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان قد حصل منكم هذا فلأ... إلخ، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله.\n (أقطعن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب قسم مقدر. ﴿أَيْدِيَكُمْ:﴾\nمفعول به. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بمعنى: مختلفات، وجملة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها.\n ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها مع ملاحظة الإعراب في هذا الفعل والبناء في الفعلين السابقين. ﴿أَيُّنا:﴾ اسم استفهام مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره. ﴿عَذابًا:﴾ تمييز. ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوفة على ﴿أَشَدُّ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعلهما مستتر وجوبا تقديره: «هو»، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (لتعلمن) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام إن كان الفعل علميا، أو مفعوله الواحد إن كان عرفانيا، كما رأيت. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿أَيُّنا﴾ اسما موصولا مبتدأ بمعنى: الذي، وبنيت على الضم؛ لأنها قد أضيفت، وحذف صدر صلتها، و﴿أَشَدُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية صلة ل: (أي) وتكون أي: في محل نصب مفعول به للفعل","vol":"5","page":703},{"text":"(لتعلمن) على اعتباره متعديا لواحد فقط، ويكون الكلام على مثال قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ من سورة (مريم) ﵍، وجملة: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا؛ لأنها جواب لقسم مقدر أيضا، بعد هذا فالآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2420\"></span>﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة لفرعون. ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ:﴾ لن نختارك. ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ:﴾\nمن المعجزات الواضحات. وانظر ما رأوا في الآية قبل السابقة. وقال ابن عباس﵄-:\nيريد ما جاءنا من العلم واليقين. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ أي: لا نختارك على الذي خلقنا، وإنما أخروا ذكره تعالى؛ لأنه من باب الترقي من الأدنى، إلى الأعلى. ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ أي: فاصنع ما أنت صانعه، وافعل ما أنت فاعله من القطع والصلب، ونحوهما. ﴿إِنَّما تَقْضِي..﴾. إلخ: إنما تصنع ما تريد، وتهواه في أمور هذه الحياة الدنيا، وسيزول عن قريب، وقد زال بعونه تعالى.\nبعد هذا انظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح: (قضينا) في الآية رقم [٤] منها، ولقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري إذ يقول: [الكامل]\nيا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى، وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nأو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيا.\nأما أصل «قاض» فهو: قاضي بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة، أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان:\nالياء والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الضاد مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: قاض بالكسرة، وإنما لم يقل بالرفع لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للضاد، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من ال، والإضافة، سواء كان ثلاثيا، أم رباعيا؟\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم).\n ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نُؤْثِرَكَ﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و(نا): مفعول به. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة،","vol":"5","page":704},{"text":"والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿جاءَنا﴾ ماض، ومفعوله، والفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها. ﴿مِنَ الْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، ومن بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف.\n (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿ما﴾ وأجيز اعتبار الواو، واو القسم، والذي مقسما به، وجواب القسم محذوف، التقدير: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك، وجملة:\n ﴿فَطَرَنا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَاقْضِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اقض): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿قاضٍ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: اقض الذي أنت قاضيه، والجملة الفعلية هذه لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منا؛ فاقض... إلخ.\n ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿تَقْضِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل قبله، والمفعول محذوف، التقدير: إنما تقضي غرضك في هذه الحياة. وعلى الثاني و(ما) نفسها اسم (إنّ) والتقدير: إنّ الذي تقضيه نافذ في هذه الحياة. أو اسم الإشارة مفعول به على الاتساع، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْحَياةَ:﴾ بدل من ﴿هذِهِ﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مجرور مثله، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وأجيز اعتبار (إنّ) عاملة.\nو(ما) تحتمل المصدرية والموصولة، فعلى الأول: تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب اسم (إنّ) والخبر محذوف، وهو متعلق الظرف، التقدير: إن قضاءك نافذ في هذه الحياة، وعلى الثاني ف: (ما) نفسها اسم (إنّ) والتقدير: إنّ الذي تقضيه نافذ في هذه الحياة ويكون العائد محذوفا، وقد قدرته، وجملة: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ تعليلية لما قبلها، وقول القرطبي: وأجاز الفراء الرفع على أنّ تجعل (ما) بمعنى: «الذي» وتحذف الهاء من تقضي، ورفعت ﴿هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ولكنني لم أجد من قرأ بالرفع، وأخيرا فالكلام كله في محل نصب مقول القول وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2421\"></span>﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا﴾ أي: صدقنا بالله وحده لا شريك له، وأن ما جاء به موسى هو الحق. ﴿لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ أي: من الشرك، والمعاصي، وعمل السحر. ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ﴾","vol":"5","page":705},{"text":"السِّحْرِ: المراد به إتيانهم من المدائن القاصية، أو تعليمهم صغارا، فأما حين حضروا، وقابلوا موسى ﵇ فلم يكونوا مكرهين بإلقاء حبالهم وعصيهم بدليل قولهم في سورة (الشعراء) لفرعون ﴿أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ وقولهم فيها: ﴿وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ ﴿وَاللهُ خَيْرٌ﴾ أي: ثوابه خير. ﴿وَأَبْقى﴾ أي: عذابا، فيكون المعنى: الله خير ثوابا من ثوابك؛ إن أطعناه، وأبقى عقابا؛ إن عصيناه.\nتنبيه: وإنما آمن السحرة؛ لأنهم أيقنوا: أنّ ما فعلته العصا من التقام حبالهم، وعصيهم ليس من فعل السحر، ولا يقدر على مثله البشر، وقد جرت سنة الله أن يتحدى القوم المكذبين بجنس ما برع به أولئك القوم، فقوم فرعون برعوا بالسحر، وكان فاشيا فيهم، فلما فعلت العصا ما فعلت، فأول من عرف: أن ذلك من صنع القوي القادر هم السحرة، وقوم عيسى ﵇ برعوا في الطب، فلما أبرأ الله الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده، فأول من عرف: أن ذلك من صنع القوي القاهر هم الأطباء، وقوم محمد ﷺ كانوا فرسان الفصاحة، والبلاغة، وقد برعوا بقول الشعر، والخطابة، ونحوهما، فلما جاء القرآن الكريم؛ أخرس فصحاءهم، وأسكت بلغاءهم، وقصة سماع عتبة بن ربيعة، وسماع الوليد بن المغيرة القرآن مشهورة مسطورة؛ حتى قال الوليد: إن له لحلاوة، وإن عليه، لطلاوة وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه يعلو، ولا يعلى عليه، والفضل ما شهدت به الأعداء.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن. ﴿بِرَبِّنا:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وهي تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، والفاعل يعود إلى (ربنا). ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿خَطايانا:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على خطايانا. ﴿أَكْرَهْتَنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد: الضمير المجرور محلا ب: (على). ﴿مِنَ السِّحْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من العائد، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما). هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مبتدأ والخبر محذوف، تقديره: والذي أكرهتنا. مخطوط، أو موضوع عنا، وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: (ما) نافية، وليس بسديد. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة","vol":"5","page":706},{"text":"رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية معترضة، أو مستأنفة، لا محل لها.\nهذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2422\"></span>﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ..﴾. إلخ: هذه الآية وما بعدها يحتمل أن تكون من قول السحرة، ويحتمل أن تكون من قول الله تعالى، ومعنى الإتيان: الموت على الشرك، والموت على الإصرار على المعاصي، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ: وهذا حال الكافر المكذب؛ إذا أدخل جهنم لا يخرج منها أبدا، ولا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة طيبة، ولا يعيش عيشة هنيئة. وانظر ما ذكرته في هذا الصدد في الآية رقم [١٧] من سورة (إبراهيم) ﵇.، ولا تنس:\nالمطابقة بين ﴿يَمُوتُ﴾ و﴿يَحْيى﴾.\nهذا؛ وألفت النظر إلى أن التعبير عن الكافرين يكثر بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير هذا، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، والله أعلم. هذا؛ ويجوز في العربية فتح همزة (إن) الثانية وكسرها، انظر الآية رقم [٥٤] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٤] من سورة (الحج)، ولكني لم أطلع على قراءتين في هذه الآية.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير الشأن اسمها. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْتِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾.\n ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُجْرِمًا:﴾ حال من فاعل ﴿يَأْتِ﴾. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ اسمها مؤخر. ﴿لا:﴾ نافية ﴿يَمُوتُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام، أو من جهنم؛ لأن في الجملة ضمير كل منهما، وجملة: ﴿وَلا يَحْيى﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح","vol":"5","page":707},{"text":"لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)؛ ومثل الآية الكريمة في وقوع الجملة الشرطية خبرا لأن قول الأخطل التغلبي النصراني وقد حذف اسم إن: [الخفيف]\nإنّ من يدخل الكنيسة يوما... يلق فيها جآذرا وظباء\nوأيضا قول الأعشى ميمون من قصيدة يمدح فيها قيس بن معديكرب: [الخفيف] إنّ من لام في بني بنت حسّا... ن ألمه، وأعصه في الخطوب\nهذا؛ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، إن كانت من مقول السحرة، ومستأنفة، لا محل لها إن كانت من قول الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-2423\"></span>﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ﴾ أي: ربه. ﴿مُؤْمِنًا﴾ أي: مات على الإيمان، وذكر العمل الصالح احتراس حتى لا يفهم منه أن الإيمان وحده ينيل صاحبه الدرجات الرفيعة في الجنة، والمراد:\nبالصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها مع الكف عن المعاصي والسيئات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها كلاهما بحسب القدرة والاستطاعة. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ من سورة (التغابن). ﴿فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ:﴾ المنازل الرفيعة في الجنة، و﴿الْعُلى﴾ جمع: العليا، مثل كبرى، وكبر، وصغرى، وصغر، ولا تنس: أنه قد روعي لفظ (من) في صدر الآية، وروعي معناها في آخرها.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ انظر الآية السابقة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَمِلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿قَدْ عَمِلَ..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية، من فاعل (يأت) المستتر، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُؤْمِنًا﴾ فتكون حالا متداخلة. وقيل: الجملة صفة ﴿مُؤْمِنًا،﴾ وهو ضعيف؛ لأنه صفة لموصوف محذوف. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الدَّرَجاتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ. وانظر تتمة الإعراب في الآية السابقة، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة، فهي في محل رفع مثلها. ﴿الْعُلى:﴾ صفة الدرجات مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.","vol":"5","page":708},{"text":"<span id=\"aya-2424\"></span>﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٦٠] من سورة (مريم)، و﴿الْأَنْهارُ﴾ جمع نهر.\nوانظر الآية رقم [٣٣] من سورة (الكهف). ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين، مقيمين، لا يخرجون منها أبدا. ﴿وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ أي: تطهر من الكفر، والمعاصي، فعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أهل الدرجات العلى، ليراهم من تحتهم، كما ترون النّجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر، وعمر منهم، وأنعما». أخرجه الترمذي. أي: زادا، وتناهيا في الفضل إلى غايته. هذا؛ ومن قال: إن الآيات الثلاث من كلام السحرة، لعلهم سمعوه من موسى ﵇، أو من بني إسرائيل، وكان فيهم المؤمن من آل فرعون، كما يحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿جَنّاتُ:﴾ بدل من الدرجات العلى، وأجيز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، و﴿جَنّاتُ﴾ مضاف، و﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿جَنّاتُ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك):\nاسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ، وجزاء مضاف، و﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَزَكّى﴾ مع المتعلق المحذوف، صلة ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: عود الضمير إليها.\n<span id=\"aya-2425\"></span>﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا..﴾. إلخ: وهذا الإيحاء والأمر بالسير كان بعد ثلاثين سنة أقامها موسى بينهم يدعوهم إلى توحيد الله، فلم يزدادوا إلا عتوا، وعنادا على كثرة المعجزات التي رأوها على يد موسى ﵇، وقد فصل ذلك في سورة (الأعراف) في الآية رقم [١٣٦] وما بعدها. هذا؛ وانظر شرح «أسرى» في الآية رقم [١] من سورة (الإسراء)، والمراد: ب: (عبادي) بنو إسرائيل، والإضافة إضافة تشريف. وانظر الآية رقم [١] من سورة (الإسراء) أيضا.\n ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ أي: فاجعل لهم طريقا في البحر يبسا، وهذا كان حين أمره الله أن يضرب بعصاه البحر في قوله تعالى من سورة (الشعراء): ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ﴾","vol":"5","page":709},{"text":"بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وقد أيبس الله لهم أرض البحر، فلم يبق فيه ماء، ولا طين، وأرسل الله الهواء عليه، فلم يبق في أرض البحر التي ساروا فيها رطوبة قطعا.\nقال أبو العتاهية الصوفي: [البسيط]\nما بال دينك ترضى أن تدنّسه... وثوبك الدّهر مغسول من الدّنس\nترجو النّجاة، ولم تسلك طريقتها... إنّ السّفينة لا تجري على اليبس\n ﴿لا تَخافُ دَرَكًا:﴾ لحاقا من فرعون، وجنوده. ويقرأ الفعل بالجزم. وانظر الإعراب. ﴿وَلا تَخْشى﴾ أي: غرقا، فقد روي: أن فرعون لما لحقهم قرب البحر. قالوا: هذا فرعون قد أدركنا بجيشه، وهذا البحر أمامنا، فقال الله لموسى ليطمئن قومه: ﴿لا تَخافُ..﴾. إلخ. هذا؛ والدرك بفتح الدال وتسكن: اللّحاق كما رأيت، وإدراك الحاجة، وأقصى قعر الشيء، ومنه قوله تعالى:\n ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ الآية رقم [١٤٥] من سورة (النساء). وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) ﵍.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٥٦]. ﴿أَنْ:﴾\nحرف تفسير. ﴿أَسْرِ﴾ أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِعِبادِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة وجملة: ﴿أَنْ أَسْرِ..﴾. إلخ مفسرة للإيحاء. وانظر الآية رقم [٣٩] حيث جوز اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية. (اضرب): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿طَرِيقًا:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿طَرِيقًا﴾. ﴿يَبَسًا:﴾ صفة ثانية، أو هو حال من ﴿طَرِيقًا﴾ بعد وصفه بما تقدم، والجملة الفعلية: ﴿فَاضْرِبْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها، والكلام:\n ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَخافُ:﴾ مضارع، والفاعل أنت.\n ﴿دَرَكًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (اضرب) المستتر، والرابط:\nالضمير فقط. هذا؛ ويقرأ الفعل بالجزم في جواب الأمر، أو ب: ﴿لا﴾ الناهية، والجملة الفعلية لا محل لها على الاعتبارين. هذا؛ والفعل: ﴿تَخْشى﴾ معطوف على ما قبله بحالة الرفع، وحالة الجزم، ففي حالة الرفع فالأمر بين، وفي حالة الجزم، فالجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وأنت لا تخشى، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من فاعل تخاف. والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وأجيز اعتباره مجزوما بعطفه على ما قبله، واعتبار الألف الثابتة للإطلاق على حد قوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ وانظر ﴿يَتَّقِ:﴾ في الآية رقم [٩٠] من سورة (يوسف) ﵊.","vol":"5","page":710},{"text":"<span id=\"aya-2428\"></span>﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠)﴾\nالشرح: بعد أن أهلك الله فرعون وجنوده، وأنجى بني إسرائيل ذكرهم الله في هذه الآية","vol":"5","page":711},{"text":"نعمته عليهم، ولعلك تدرك معي: أن موسى ﵇ لقي منهم عناء، وذلك لما طبعوا عليه من خبث، ومكر، وفسوق. ﴿وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ:﴾ هذا الوعد كان لطلب التوراة التي وعدهم إياها موسى قبل إهلاك فرعون وجنوده، وإنما قال: (واعدناكم) لأنها اتصلت بهم حيث كانت لنبيهم، ورجعت منافعها إليهم، وبها قوام دينهم، وشريعتهم، وفيها أفاض الله عليهم من سائر نعمه، وأرزاقه، وبقيت دستورهم، ومصدر حكمهم حتى جاء عيسى ﵇ بالإنجيل، وما أحراك أن تنظر ما حصل لهم عند ما سمعوا كلام الله تعالى في الآية رقم [١٥٥] من سورة (الأعراف)، أما ﴿الْمَنَّ﴾ فكان ينزل عليهم مثل الثلج من الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، وهو أحلى من السكر، و(السلوى) نوع من الطير يسمى السّمانى، فحشره عليهم ريح الجنوب فيذبح الرجل ما يكفيه، وعياله، وهذا كان في التيه المذكور في الآية رقم [٢٦] من سورة (المائدة). هذا؛ والكلام يحتمل أن يكون في محل نصب مقول القول، كما يحتمل أن يكون من تذكير اليهود الموجودين في عهد محمد ﷺ، بما أنعم الله على آبائهم الأولين، وكذلك التوبيخ، والتقريع الموجه إليهم بما فعل آباؤهم من عبادة العجل، ونقض العهود، وخلف الوعود، وغير ذلك من سيئ الأفعال، وفاحش الفعال، والأقوال.\nوانظر شرح ﴿إِسْرائِيلَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الإسراء)، وشرح (عدو) في الآية رقم [٣٩]، وانظر شرح (الوعد) في الآية رقم [٥٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿يا بَنِي:﴾ (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر، وحذفت النون للإضافة، و(بني): مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، أو التركيب المزجي. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْجَيْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو هي في محل نصب حال من ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل (يا)، لما فيها من معنى الفعل. ﴿مِنْ عَدُوِّكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَواعَدْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿جانِبَ:﴾ مفعول به ثان وهو على حذف مضاف؛ أي: إتيان جانب، والجملة الفعلية: معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، و﴿جانِبَ:﴾ مضاف، و﴿الطُّورِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْأَيْمَنَ:﴾ صفة جانب. ﴿وَنَزَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَنَّ:﴾ مفعول به.\n ﴿وَالسَّلْوى:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وأخيرا فالآية في محل نصب مقول القول، أو هي مستأنفة، لا محل لها، انظر الشرح. هذا؛ وقرئ «الأيمن» بالجر على الجوار، أفاده الزمخشري.","vol":"5","page":712},{"text":"<span id=\"aya-2429\"></span>﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١)﴾\nالشرح: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أي: من حلاله، أو من لذائذه، والمراد: المن، والسلوى اللذان نزلا عليهم في التيه. ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أي: لا تعصوا الله تعالى؛ لأن الطغيان:\nالتجاوز إلى ما لا يجوز. وقيل: المعنى: لا تكفروا النعمة، ولا تنسوا شكر المنعم بها عليكم.\nوقيل: لا تدخروا. ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي: يجب، أو ينزل. ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ أي: هلك، وسقط في النار.\nهذا؛ وذكر القرطبي عن شفيّ بن ماتع الأصبحي حديثا موقوفا عليه: «إنّ في جهنّم جبلا يدعى: صعودا، يطلع الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يرقاه. قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ وإنّ في جهنّم قصرا، يقال له: هوى يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى»،﴾ ولا تنس: أن في الآية التفاتا من متكلم الجماعة إلى متكلم الواحد، انظر الالتفات في الآية رقم [٢٢] من سورة (النحل) وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٥٣] منها. هذا؛ ويقرأ الفعلان (يحل) و﴿يَحْلِلْ﴾ بضم الحاء وكسرها، وفرق بينهما في المعنى، فقيل: معنى الأول: ينزل، ومعنى الثاني: يجب.\nالإعراب: ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ طَيِّباتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿طَيِّباتِ﴾ مضاف. و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: طيبات الذي، أو شيء رزقناكموه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: من طيبات رزقنا لكم، وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَطْغَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَيَحِلَّ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿غَضَبِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم طغيان فحلول غضب عليكم.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.","vol":"5","page":713},{"text":"﴿يَحْلِلْ:﴾ فعل الشرط. ﴿غَضَبِي:﴾ فاعله مرفوع. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿هَوى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (من)، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٧٤] والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي من جملة مقول القول المحذوف.\n\n<span id=\"aya-2430\"></span>﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اِهْتَدى (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ:﴾ من الشرك، ومن المعاصي. ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بالله الإيمان الصحيح، وآمن بجميع الرسل، وجميع الكتب السماوية، وبوجود الملائكة، وباليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. ﴿وَعَمِلَ صالِحًا:﴾ صلى، وصام، وحجّ، وزكى، وعمل أنواع البر والخيرات. ﴿ثُمَّ اهْتَدى:﴾ ثم استقام، وثبت على ما ذكر. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (مريم) ﵍، ففيها فضل زيادة. وانظر تبديل سيئات التائبين بحسنات في الآية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل. وياء المتكلم اسمها.\n ﴿لَغَفّارٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (غفار): خبر (إنّ). ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بغفار، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة: ﴿تابَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة (من)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. وجملة:\n ﴿وَآمَنَ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، وكذلك جملة: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ وجملة:\n ﴿اِهْتَدى﴾ معطوفتان عليها، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَحْلِلْ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهو أقوى من الاستئناف. تأمل، وتدبر.\n<span id=\"aya-2431\"></span><span id=\"aya-2432\"></span>﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَعْجَلَكَ﴾ أي: وما حملك على العجلة، ﴿عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى:﴾ وذلك: أنّ موسى ﵇، اختار من قومه سبعين رجلا يذهبون معه إلى جبل الطور ليأخذوا التوراة التي وعده بها ربه، ووعد هو بها بني إسرائيل كما رأيت في الآية رقم [١٥٤] من سورة (الأعراف)، فسار بهم حتى قارب الجبل، ثم عجل السير من بينهم شوقا إلى ربه، وتركهم خلفه وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل على هيئتهم، فقال له ربه: ﴿وَما أَعْجَلَكَ..﴾. إلخ فأجاب ربه قال:\n ﴿هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي﴾ أي: هم خلفي يلحقون بي، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قصيرة. ويقرأ:\n ﴿أَثَرِي﴾ بفتحتين، وبكسر وسكون، لغتان، وهما بمعنى: واحد.","vol":"5","page":714},{"text":"﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ أي: عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمسير إليه لترضى عني؛ لأن المسارعة إلى امتثال أمرك، والوفاء بعهدك يوجب مرضاتك. هذا؛ وإنما أجاب موسى ﵇ بجوابين: أوّلهما كان همّ موسى بسط العذر، وتمهيد السبب في نفس ما أنكر عليه، فاعتذر بأنه لم يوجد منه إلا تقدم يسير عن رفقته وهذا يحصل بين الرفقة في غالب الأحيان، ثم أعقبه بالجواب الثاني، وهو الموافق للسؤال. وينبغي أن تعلم: أن السؤال يقع من الله، لكنه ليس لاستدعاء المعرفة، بل إما لتعريف غيره، أو لتبكيته، أو تنبيهه، كما صرح به الراغب، وظاهره: أنه ليس بمجاز كما يقول التلميذ: سألني الأستاذ عن كذا ليعرف فهمي، ونحو ذلك. انتهى جمل.\nوانظر ما ذكرته بشأن العجلة في الآية رقم [١] من سورة (النحل) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْجَلَكَ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (ما). ﴿عَنْ قَوْمِكَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو».\n (موسى): منادى مبني على الضم المقدر على الألف في محل نصب ب: (يا)، والآية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال الله: وما أعجلك... إلخ. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿أُولاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿عَلى أَثَرِي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والياء في محل جر بالإضافة، وهذا الإعراب إنما هو على مذهب البصريين. هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، أو في محل نصب حال من اسم الإشارة. وأما الكوفيون؛ فهم يعتبرون اسم الإشارة موصولا وهو الخبر، والجار والمجرور صلته، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول. ﴿وَعَجِلْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٢٥] ﴿لِتَرْضى:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة بعد لام التعليل والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: عجلت، وعليه فالجملة الندائية معترضة بينهما، وجملة: ﴿وَعَجِلْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2433\"></span>﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: قال الله: ﴿فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي: ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم، وهم الذين خلف عليهم هارون، وكانوا ستمائة ألف، ما نجا من عبادة","vol":"5","page":715},{"text":"العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا. وقيل: المعنى: ألقيناهم في الفتنة، ولذا قال موسى ﵇:\n ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ وهذا يعود إلى أنّ الله هو الفاعل لأعمال العبد. ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ:﴾ وإنما أضاف الله الضلال إلى السامري؛ لأنهم ضلوا بسببه. ويقرأ: «(أضلّهم)» بضم اللام مشددة؛ أي:\nأشدهم ضلالة. هذا؛ والسامري اسمه موسى بن ظفر، اختلف في نسبته، اختلافا كبيرا. وقال الجمل نقلا عن شيخه: منسوب إلى سامرة قبيلة من بني إسرائيل، كان منافقا، وكان قد ربّاه جبريل ﵇؛ لأن فرعون لما شرع في ذبح الولدان كانت المرأة من بني إسرائيل تأخذ ولدها وتلقيه في حفيرة، أو كهف من جبل، أو غير ذلك، وكانت الملائكة تتعهد هذه الأطفال بالتربية حتى يكبروا، فيدخلوا بين الناس، وكان موسى السامري ممّن تعهده جبريل ﵇، فكان يغذيه من أصابعه الثلاثة، فيخرج له من أحدها لبن، ومن الأخرى سمن، ومن الثالثة عسل. انتهى. وهذا القول ذكره الثعلبي في قصص الأنبياء، وكثير من المفسرين، ومن محفوظي قديما هذان البيتان: [الطويل]\nإذا المرء لم يخلق سعيدا تخلّفت... ظنون مربّيه، وخاب المؤمّل\nفموسى الذي ربّاه جبريل كافر... وموسى الذي ربّاه فرعون مرسل\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ.\n (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿فَتَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿قَوْمَكَ:﴾ مفعول به. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِكَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من قومك، وهو أقوى من تعليقهما بالفعل، وجملة: ﴿قَدْ فَتَنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿قَوْمَكَ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير قد قبلها، وعلى القراءة الثانية فالجملة اسمية، وتبقى في محل نصب حال.\n\n<span id=\"aya-2434\"></span>﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا:﴾ الأسف: شدة الحزن، ورجوعه كان بعد أن أتم أربعين يوما كما رأيت في الآية رقم [١٤٢] من سورة (الأعراف) وأخذ التوراة. ﴿قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا:﴾ وعدهم الله ﷿ الجنة؛ إذا أقاموا على طاعته، وعدهم أن يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها، فيستحقوا ثواب عملهم. وقيل:","vol":"5","page":716},{"text":"وعدهم النصر، والظفر. هذا؛ والغضب: تغير مزاج الإنسان، واحمرار عينيه، وانتفاخ، أوداجه، وهو مذموم إلا إذا كان لله تعالى. وهذا شأن الأنبياء، فكانوا لا يغضبون إلا إذا انتهكت حرمات الله تعالى.\nفعن جابر بن عبد الله﵄قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: «صبّحكم ومسّاكم». ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين». ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: «أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة». رواه مسلم.\n ﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: مدة مفارقتي لكم. ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: أردتم أن تفعلوا فعلا تستحقون الغضب من ربكم بسببه، وذلك هو ما بدر منكم، وهو عبادة العجل. ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: ما وعدتموني به من الثبات على الطاعة، والتمسك بعرى الإيمان.\nالإعراب: ﴿فَرَجَعَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. ﴿فَرَجَعَ مُوسى:﴾ ماض، وفاعله. ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مُوسى،﴾ وهو أقوى، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غَضْبانَ أَسِفًا:﴾ حالان من ﴿مُوسى،﴾ وجملة: ﴿فَرَجَعَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿يا قَوْمِ:﴾ إعرابه مثل إعراب «رب» في الآية رقم [٣٥] مع ملاحظة حذف أداة النداء هناك، وإثباتها هنا. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعِدْكُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والكاف مفعول به أول. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَعْدًا:﴾ مفعول به ثان، إن كان بمعنى: الموعود، أو هو مفعول مطلق إن كان على ظاهره. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة ﴿وَعْدًا﴾. ﴿أَفَطالَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي أيضا. (طال): ماض. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْعَهْدُ:﴾ فاعله. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَرَدْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿غَضَبٌ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَأَخْلَفْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب.\n (أخلفتم): فعل، وفاعل. ﴿مَوْعِدِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ والجمل ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"5","page":717},{"text":"<span id=\"aya-2435\"></span>﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: مجيبين لموسى ﵇ حين وبخهم على عبادة العجل. ﴿ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا:﴾ بقدرتنا، وطاقتنا، أو بإرادتنا، وهو يقرأ بتثليث الميم. ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي: حملنا أحمالا من حلي القبط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم عرس، أو بحجة عيد لنا، ثم لم يردوها عند الخروج مخافة أن يعلموا بهم. وقيل:\nهي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم، فأخذه بنو إسرائيل، ولعلهم سموها، أوزارا؛ لأنها آثام، فإن الغنائم لم تكن تحل لهم، أو؛ لأنهم كانوا مستأمنين، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي إذا كان مستأمنا.\n ﴿فَقَذَفْناها﴾ أي: في النار. ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ أي: ما كان معه منها. روي أنّ السامري قال لهم حين استبطأ القوم موسى: إنما احتبس عليكم من أجل ما معكم من الحلي، فجمعوه وأعطوه للسامري، فرمى به في النار، فذاب الذهب، وصاغ لهم منه عجلا، ثم ألقى عليه قبضة تراب من أثر فرس جبريل، ﵇. وكان الخبيث قد رأى فرس جبريل عند سوقه القبط لا يدوس على تراب إلا نبت الحشيش مكان قدمه فأخذ تلك القبضة، واحتفظ بها. وقال: سيكون لها شأن. فعن ابن عباس﵄قال: مر هارون بالسامري، وهو يصنع العجل، فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع، ولا يضر، فادع لي، فقال هارون ﵇: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه، فألقى قبضة التراب في جوفه، فجعل يخور، وهو ما في الآية التالية.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَخْلَفْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَوْعِدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِمَلْكِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (نا)، والمعنى لا يؤيده. و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: بملكنا الصواب، أو بملكنا قدرتنا. ﴿وَلكِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّا):\nحرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت ألفها. ﴿حُمِّلْنا:﴾ ماض، ونائب فاعله، أو هو ماض، وفاعله على قراءة التخفيف. ﴿أَوْزارًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ زِينَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَوْزارًا،﴾ و﴿زِينَةِ:﴾ مضاف، و﴿الْقَوْمِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿حُمِّلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿فَقَذَفْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وقبلها كلام مقدر؛ أي: فقال لنا السامري اقذفوها في النار... إلخ. ﴿فَكَذلِكَ:﴾ الفاء: حرف","vol":"5","page":718},{"text":"عطف. الكاف: حرف جر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: ألقى السامري ما معه من الحلي إلقاء كائنا مثل إلقائنا حلينا، والكلام كله معطوف على ما قبله، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\n\n<span id=\"aya-2436\"></span>﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ أي: من تلك الحلي المذابة. ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ أي: صوت كصوت البقر، وقرئ: «(جؤار)» وهو بمعنى: الأول، واختلفوا: هل كان الجسد حيا من لحم ودم، أم هو تمثال من ذهب قولان: أحدهما لم يكن من لحم ودم؛ لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال، بل صور السامري صورة على شكل عجل، وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل الهواء فيها صوت كصوت العجل، الثاني: أنه صار حيا، وهو قول الحسن، وقتادة، والسدي. أقول: وهذا أقرب إلى الصواب؛ لأنه لو بقي جمادا لم يكن فيه خرق للعادة، وكان العجل إذا خار؛ سجدوا له.\n ﴿فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ..﴾. إلخ: أي: قال السامري، ومن افتتن بالعجل أول ما رأوه. وقيل:\nعكفوا عليه، وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا قط مثله. ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: قال السامري: إن موسى نسي إلهه، وتركه هنا، وذهب يطلبه. هذا؛ وقد روي: أن موسى ﵇ لما رأى العجل المصنوع من ذهب قال: يا رب هذا السامريّ أخرج لهم عجلا جسدا له خوار من حليهم، فمن جعل الجسد والخوار؟ قال الله ﵎: أنا. قال موسى-على نبينا وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام-: وعزّتك، وجلالك، وارتفاعك، وعلوّك، وسلطانك ما أضلّهم غيرك! قال: صدقت يا حكيم الحكماء! وانظر شرح ﴿جَسَدًا﴾ في الآية [٨] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿فَأَخْرَجَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أخرج): ماض، والفاعل يعود إلى (السامري). ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِجْلًا:﴾ مفعول به، ﴿جَسَدًا:﴾ صفة؛ أي:\nعجلا مجسدا، وقول الجمل: هو حال من ﴿عِجْلًا﴾ غير واضح إلا أن يكون قد صار علما بالغلبة، وهو غير مسلم، واعتباره بدلا جيد. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿خُوارٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية، أو في محل نصب حال من ﴿عِجْلًا﴾ بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿فَأَخْرَجَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على جملة: ﴿وَأَضَلَّهُمُ..﴾. إلخ وهو ضعيف جدا. ﴿فَقالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له.","vol":"5","page":719},{"text":"﴿إِلهُكُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلهُ:﴾ معطوف على الخبر، و(إله) مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَنَسِيَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مُوسى﴾ بزعمهم، ومفعوله محذوف، التقدير: فنسي ﴿مُوسى﴾ إلهه هنا. وقيل: يعود الضمير إلى السامري، فيكون التقدير: فترك السامري ما كان عليه من الإيمان بالله تعالى، وعلى هذا فالجملة مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَأَخْرَجَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2437\"></span>﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ:﴾ يعتبرون، ويفكرون. ﴿أَلاّ يَرْجِعُ..﴾. إلخ: أي: أن العجل لا يرد لهم جوابا إذا دعوه، ولا يكلمهم. ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا:﴾ فكيف يكون إلها؟! والذي يعبده موسى ﵇ يضر، وينفع، ويثيب، ويعذب، ويعطي، ويمنع. وهذا توبيخ لليهود إلى يوم القيامة حيث عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته، ولا ينفع من عبده، وكان العجل ابتلاء ابتلى الله به بني إسرائيل. وانظر (رجع) في الآية رقم [٨٦].\nالإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. الفاء: حرف استئناف. (لا):\nنافية. ﴿يَرَوْنَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه؛ أي: العجل. (لا): نافية. ﴿يَرْجِعُ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله يعود إلى «العجل».\n ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن) و(أن) المخففة واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير:\nأفلا يرون عدم رجوعه بالقول، وقدر القرطبي: في أنه... إلخ، وهو ضعيف. هذا؛ ويقرأ بنصب الفعل، وضعفه القاضي البيضاوي، وجملة: ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿نَفْعًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿أَفَلا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2438\"></span>﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل رجوع موسى من الميقات، أو حين عكفوا على عبادة العجل. ﴿يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أي: اختبرتم وامتحنتم بعبادة العجل، أو ضللتم","vol":"5","page":720},{"text":"بعبادته. ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ:﴾ الحقيقي المستحق للعبادة هو المسمى: ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿فَاتَّبِعُونِي:﴾ في عبادة الرحمن. ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي:﴾ في ترك عبادة العجل.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: اعلم: أن هارون ﵇ سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم أولا عن الباطل بقوله: ﴿إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ﴾ ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ثم دعاهم إلى اتباع الشرائع بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فهذا هو الترتيب الجيد؛ لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق، وهي إزالة الشبهات، ثم معرفة الله، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، وإنما قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ﴾ فخص هذا الموضع بهذا الاسم؛ لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا؛ قبل الله توبتهم؛ لأنه هو التواب الرحيم. فقابلوا هذا القول بالإصرار، والجحود. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧]. واللام:\nواقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قالَ:﴾ ماض.\n ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هارُونُ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال، وليس بشيء، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى.\n ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر إعراب (رب) في الآية رقم [٢٥] ففيه الكفاية. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة.\n ﴿فُتِنْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون مبني للمجهول، والتاء نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمُ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَاتَّبِعُونِي:﴾\nالفاء: هي الفصيحة. وانظر الآية رقم [١٢]. (اتبعوني): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما قلته صحيحا فاتبعوني، وجملة: ﴿وَأَطِيعُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها. ﴿أَمْرِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. هذا؛ والكلام:\n ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلَقَدْ قالَ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له، وفيه معنى التأكيد للكلام السابق.\n\n<span id=\"aya-2439\"></span>﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: مجيبين لهارون ﵇. ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ:﴾ لا نزال مقيمين على عبادة العجل. ﴿حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى:﴾ كأنهم قالوا: لن نقبل حجتك؛ حتى يعود","vol":"5","page":721},{"text":"موسى، فننظر: هل يعبده كما عبدناه؟ فتوهموا: أن موسى يعبده؛ لأن السامري قال لهم: «هذا إلهكم وإله موسى فنسيه هنا» كما رأيت. وهددوه بالقتل، كما ستعرفه، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا، من الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى ﵇، وسمع الصياح والجلبة، -وكانوا يرقصون حول العجل-قال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة. فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه، ولحيته بشماله غضبا وصار يجره إليه كما في الأعراف [١٥٠]، وكان ﵊ حديدا، خشنا، متصلبا في كل شيء، فكيف إذا انتهكت حرمات الله؟! لذا لم يتمالك حين رأى قومه يعبدون العجل عيانا؛ حتى فعل بهارون ما فعل.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَبْرَحَ:﴾ مضارع ناقص، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عاكِفِينَ:﴾ خبر ﴿نَبْرَحَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَرْجِعَ:﴾\nمضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد حتى. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان به. ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بعاكفين، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، وجملة:\n ﴿لَنْ نَبْرَحَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2440\"></span><span id=\"aya-2441\"></span>﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ كفروا بعبادة العجل. ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ أي: تتبع أمري، ووصيتي، وهلاّ قاتلتهم، وأنت تعلم أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم. وقيل:\nمعناه ما منعك من اللحوق بي، وإخباري بكفرهم وضلالهم، فتكون مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه وعذرا عند الله تعالى؟!. ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي:﴾ يريد: أن مقامك بينهم مع ما رأيت منهم مخالفة لأمري، ووصيتي. قيل: إن أمره ووصيته ما ذكر في الآية رقم [١٤٢] من سورة (الأعراف)، فلما أقام معهم، ولم يبالغ في منعهم نسبه إلى عصيانه، ومخالفة، أوامره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ ﵇، (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (هارون): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بيا. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مَنَعَكَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والكاف مفعول به. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿رَأَيْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة ضلوا في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط، وهي","vol":"5","page":722},{"text":"على تقدير «قد» قبلها. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف ناصب. (لا): صلة للتوكيد. ﴿تَتَّبِعَنِ:﴾ مضارع منصوب ب: (أن)، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، أو الثابتة في قراءة أخرى مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(أن) المصدرية، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من اتباعي. والجار والمجرور متعلقان بالفعل، (منع) على أنهما مفعوله الثاني، وهذه الآية مثل الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف). هذا؛ والجملة الفعلية:\n ﴿مَنَعَكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما مَنَعَكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ويقدر قبلها كلام محذوف، فلما رجع موسى ورأى ما رأى قال... إلخ. ﴿أَفَعَصَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء:\nحرف عطف على محذوف. (عصيت): فعل، وفاعل. ﴿أَمْرِي:﴾ مفعول به... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2442\"></span>﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي:﴾ ناداه بذلك مع كونهما شقيقين للأبوين استعطافا، وتلطفا، وأدخل في الرقة، والرحمة. هذا؛ ويقرأ بكسر الميم، وفتحها، وكسر اللام، وفتحها، وكسر اللام أقوى. ﴿إِنِّي خَشِيتُ:﴾ خفت. ﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: إن فارقتهم، وتبعتك فربما اقتتلوا بسبب اختلافهم في عبادة العجل، فتلومني على ذلك، وقد وعظتهم، ونصحتهم، فلم يأبهوا بذلك؛ لأنهم استضعفوني وقد همّوا بقتلي. وهو فحوى آية (الأعراف) رقم [١٥٠]. ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: لم تعمل بوصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي، وأصلح وارفق بهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا فاللحية: شعر الخدين، والذقن، وجمعها لحى، ومنبتها يقال له: لحي. وانظر خشي في الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف) وشرح ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء) وشرح (بين) في الآية رقم [٤٥] منها، وشرح (إسرائيل) في الآية [٢] منها أيضا، وشرح (أم) في الآية رقم [٧٨] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (هارون). (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو».\n (ابن): منادى، وهو مضاف، و(أم) مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة والمدلول عليها بالكسرة على قراءة كسر الميم، وعلى فتحها، فتكون ياء المتكلم قد قلبت ألفا، ثم حذفت للتخفيف، والفتحة على الميم تدل على الألف المحذوفة.\nهذا؛ وحذف هذه الألف يكثر في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم إذا كان (ابن أم)، أو (ابن عم) والثاني: وارد في الشعر العربي كقول الشاعر: [الرجز]","vol":"5","page":723},{"text":"كن لي، لا عليّ يا بن عمّا... نعش عزيزين؛ ونكف الهمّا\nوهذه الألف الثابتة للإطلاق، وليست المنقلبة عن ياء المتكلم، وقد ثبتت وليست للإطلاق، وهو من القليل، وذلك في قول أبي النجم الفضل بن قدامة العجلي: [الرجز]\nيا ابنة عمّا لا تلومي، واهجعي... لا يخرق اللوم حجاب مسمعي\nالبيت الأول: هو الشاهد رقم [٤٣٤] والثاني: هو الشاهد [٤٣٦] من كتابنا فتح رب البرية إعراب شواهد جامع الدروس العربية.\n ﴿لا تَأْخُذْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِلِحْيَتِي:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية داخلة على فعل محذوف، ﴿بِرَأْسِي﴾ متعلقان به؛ إذ التقدير: ولا تأخذ برأسي، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة في الاسمين. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء في محل نصب اسمها. ﴿خَشِيتُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿أَنْ تَقُولَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل تقديره: «أنت». ﴿فَرَّقْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وبين مضاف، و﴿بَنِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿تَرْقُبْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿قَوْلِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة:\n ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا هذا؛ و﴿أَنْ تَقُولَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿خَشِيتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي خَشِيتُ..﴾. إلخ فيها معنى التعليل للنهي. وأخيرا فالجمل كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2443\"></span><span id=\"aya-2444\"></span>﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أي: ما أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ قال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها:\nسامرة، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى. فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم","vol":"5","page":724},{"text":"يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ الآية [١٣٣] من سورة (الأعراف)، فاغتنمها السامري، وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل، فاتخذ العجل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥].\n ﴿قالَ﴾ أي: السامري مجيبا لموسى. ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم يروه، رأيت جبريل ﵇ راكبا على فرس لا يمس شيئا إلا حيي من نبات، أو غيره، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة، فما ألقيت منها على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، فلما سألوك أن تجعل لهم إلها زينت لي نفسي ذلك. هذا؛ ويقرأ الفعل: «(بما لم تبصروا)» بالتاء أي:\nعلمت بما لم تعلموا، وفطنت لما لم تفطنوا له، وبصر من الباب الخامس كما هو مشاهد.\n ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ:﴾ ويقرأ بالصاد، والفرق بينهما أن القبض بجميع الكف، والقبص بأطراف الأصابع، ونحوهما: الخصم، والقصم، والصاد، والضاد، تتعاقبان في كثير من الكلمات، مثل قولك: عاد إلى ضئضئه، وصئصئه؛ أي: أصله، ومناص، ومناض بمعنى:\nواحد. قال تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ وأنقاض، وأنقاص بمعنى: واحد، ومضمض، ومصمص لسانه كلاهما بمعنى: حركه.\nوالمراد: بالرسول: جبريل ﵇، ولعله لم يسمه باسمه؛ لأنه لم يعرف: أنه جبريل، أو أراد أن ينبه على الوقت الذي رآه فيه، وهو حين جاء جبريل إلى موسى ليبلغه الذهاب إلى جبل الطور. وهنا مضافان محذوفان؛ إذ التقدير: فقبضت قبضة من أثر حافر فرس الرسول، ومثل هذه الآية قول كلحبة العرني اليربوعي: [الطويل]\nفأدرك إرقال العرادة ظلعها... وقد جعلتني من حزيمة إصبعا\nفإن التقدير: جعلتني من حزيمة مقدار مسافة إصبع، وهذا البيت هو الشاهد رقم: [١٠٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\n ﴿فَنَبَذْتُها﴾ أي: ألقيتها، وطرحتها في فم العجل المصنوع من ذهب، فخار. ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي:﴾ زينت لي ذلك نفسي، وهواي، وجاء لفظ سولت في الآية رقم [١٨] و[٨٣] من سورة (يوسف) على حبيبنا، وشفيعنا عليه ألف ألف سلام، وألف ألف صلاة، وإعظام بهذا المعنى.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿فَما:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ. (ما): اسم استفهام إنكاري مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿خَطْبُكَ:﴾ خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى السامري. ﴿بَصُرْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ما)","vol":"5","page":725},{"text":"تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿فَقَبَضْتُ:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿قَبْضَةً:﴾ مفعول مطلق إن كانت مصدرا بمعنى: المرة، ومفعول به وإن كانت بمعنى: المقبوض. ﴿مِنْ أَثَرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَبْضَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، و﴿أَثَرِ﴾ مضاف، والرسول مضاف إليه.\n ﴿فَنَبَذْتُها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَكَذلِكَ:﴾\nالواو: حرف استئناف، (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: سولت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك الذي صنعته، وأظهرته، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية [٨٧] ﴿سَوَّلَتْ:﴾\nماض، والتاء للتأنيث. ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نَفْسِي:﴾ فاعل مرفوع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وأخيرا فالجمل في الآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2445\"></span>﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ فَاذْهَبْ﴾ أي: قال له موسى. ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ أي: لا أمسّ أحدا، ولا يمسني أحد طول الحياة، فنفاه موسى ﵇ عن قومه، وأمر بني إسرائيل جميعا ألا يخالطوه، ولا يقربوه، ولا يكلموه عقوبة له، فمنع من مخالطة الناس منعا كليا، ومن كل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا، وإذا اتفق أن يمس أحدا، رجلا، أو امرأة؛ حمّ الماسّ والممسوس، فتحامى الناس، وتحاموه. قال الشاعر: [الطويل]\nتميم كرهط السّامريّ وقوله... ألا لا يريد السامريّ مساسا\nوقد جعل الله عقوبته في الدنيا بأن جعله لا يماس أحدا، ولا يمكن من أن يمسه أحد، ويقال: ابتلي بالوسواس. وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياه إلى اليوم يقولون ذلك؛ أي: ﴿لا مِساسَ:﴾ وانظر الآية رقم [١٢٠] وقد هرب السّامريّ بعد ذلك، وعاش بقية حياته مع الوحش في البرية، وهذه الآية دليل واضح في نفي أهل البدع والمعاصي، وهجرانهم، وعدم مخالطتهم، وقد فعل النبي ﷺ ذلك بكعب بن مالك، وصاحبيه الذين تخلفوا عن الخروج معه إلى غزوة تبوك كما رأيت في الآية رقم [١١٨] من سورة (التوبة). هذا؛ وقرئ بكسر السين على وزن: فجار، وقطام، ورقاش. قال لجيم بن صعب والد حنيفة، وعجل: [الوافر]","vol":"5","page":726},{"text":"إذا قالت حذام فصدّقوها... فإنّ القول ما قالت حذام\n ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ:﴾ المراد به يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين للحساب والجزاء، وقرئ الفعل بفتح اللام وكسرها وقرئ: «(لن يخلفه)» على إسناده لله ﷿.\n ﴿وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ أي: مقيما على عبادته، وتعظيمه، وتقديسه، و﴿ظَلْتَ﴾ أصله: ظللت: فحذفت اللام الأولى تخفيفا. وانظر شرح (ظلوا...) إلخ في الآية رقم [١٤] من سورة (الحجر) تجد ما يسرك، والمراد: به هنا الاستمرار.\n ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ أي: بالنار، ويقرأ بتشديد الراء وتخفيفها، وبكسرها، وضمّها مع التخفيف.\nوقيل: المعنى لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد: المحرق. قال السّدّيّ: ذبح العجل، فسال منه الدم، كما يسيل من العجل الحقيقي؛ إذا ذبح، ثم برد عظامه بالمبرد، وحرّقه. ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ:﴾\nلنذرينه، ولنطيرنه. ﴿فِي الْيَمِّ:﴾ في البحر. والغاية من ذلك: زيادة عقوبته، وإهانته، وإظهار غباوة الذين فتنوا به لمن له أدنى نظر. فلما حرّقه، وذراه في البحر، شرب بعضهم من مائه حبا له، فظهرت على شفاهم صفرة الذهب. وانظر رقم [١٠٥] الآتية.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى موسى ﵇. ﴿فَاذْهَبْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنه أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك قد حصل منك؛ فاذهب. وهو أولى من اعتبارها زائدة هنا. (اذهب): أمر، وفاعله مستتر، والجملة الفعلية جواب الشرط المقدر ب «إذا». ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكَ فِي الْحَياةِ:﴾\nكلاهما متعلقان بمحذوف خبر مقدم على الإفراد أو على التعدد، ويجوز اعتبار: ﴿فِي الْحَياةِ﴾ متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المقدر. والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ في محل نصب اسم (إنّ) مؤخر. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: (إنّ). ﴿مِساسَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محلّ نصب وعلى قراءته بالكسر؛ فهو مبني على الكسر في محل نصب اسمها. واعتباره اسم فعل أمر مثل: دراك، ونزال، وقتال غير وجيه هنا معنى. وخبر ﴿لا﴾ محذوف، تقديره: حاصل لي، ونحوه. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا:﴾ خبر (إنّ) متعلق. ﴿لَكَ،﴾ واسمها المؤخر: ﴿مَوْعِدًا﴾. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في معنى التعليل مثلها. ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ:﴾ مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ على جميع القراءات، ونائب فاعله تقديره: «أنت»، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني، أو فاعله مستتر، تقديره: «أنت»، أو فاعله مستتر، تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿مَوْعِدًا﴾. (انظر): أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿إِلى إِلهِكَ:﴾ متعلقان به، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ جر صفة:\n ﴿إِلهِكَ﴾ أو بدل منه. ﴿ظَلْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْهِ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿عاكِفًا:﴾ خبر ﴿ظَلْتَ﴾. والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.","vol":"5","page":727},{"text":"﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والهاء مفعول به، والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، واللام واقعة في جواب ذلك القسم، والقسم وجوابه في محل نصب مفعول به ل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا، وجملة: ﴿وَانْظُرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اذهب...) إلخ ثم: حرف عطف، وجملة: ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق بينهما.\n ﴿فِي الْيَمِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَسْفًا:﴾ مفعول مطلق. بعد هذا فالآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2446\"></span>﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾\nالشرح: فلما فرغ موسى من أمر العجل، وإبطال ما ذهب إليه السامري: رجع إلى بيان الدين الحق، فقال مخاطبا لبني إسرائيل: إنما إلهكم الله المستحق للعبادة، لا يستحقها غيره، فهو الذي وسع علمه كل شيء، وأحاط بكل شيء، ولا يماثله، ولا يدانيه في كمال العلم والقدرة أحد بخلاف العجل المصنوع من الذهب فهو من الحقارة بمكان.\nتنبيه: أما توبتهم من عبادة العجل فقد بينتها الآية رقم [٥٤] من سورة (البقرة) حيث أمرهم موسى ﵇ بأمر الملك العلام أن يقتل بعضهم بعضا بالسيوف. قيل: أمروا أن يقتل بعضهم بعضا. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة. روي: أن الرجل كان يلقى ابنه، أو أخاه، فلم يقدر على المضي لأمر الله تعالى، فأرسل الله عليهم ضبابة، أو سحابة سوداء، فجعلوا لا يعرف بعضهم بعضا، فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي؛ حتى دعا موسى، وهارون ﵉، فكشفت السحابة، ونزلت؛ أي: التي أتى بها موسى، وكانت القتلى سبعين ألفا. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿إِلهُكُمُ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿اللهُ:﴾ خبره. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة، أو بدل من ﴿اللهُ﴾ وجملة: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ صلة الموصول، وانظر إعرابها في الآية رقم [٨]. ﴿وَسِعَ:﴾\nماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿عِلْمًا:﴾ تمييز. هذا؛ ويقرأ الفعل بالتشديد، فيكون مفعولا ثانيا، وجملة: ﴿وَسِعَ كُلَّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير قد قبلها، واعتبارها خبرا ثانيا للمبتدإ لا بأس به، ولكن الأول: أقوى معنى، واعتبارها مستأنفة جيد، والجملة الاسمية، أو الآية بكاملها إنما هي من قول موسى، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"5","page":728},{"text":"<span id=\"aya-2447\"></span>﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا (٩٩)﴾\nالشرح: ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ..﴾. إلخ: الخطاب للرسول ﷺ، والمعنى: نقص عليك يا محمد من أخبار الأمم السابقة مثل الذي قصصنا عليك من خبر موسى مع قومه، وفي ذلك تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتكثير لمعجزاتك وتذكير وتنبيه للمعتبرين من أمتك. ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا:﴾ من عندنا.\n ﴿ذِكْرًا:﴾ كتابا يشتمل على هذه الأحاديث، والأقاصيص حقيقا بالتفكير فيه، والاستفادة منه، والمراد: القرآن الكريم وقيل: معنى ﴿ذِكْرًا﴾ شرفا، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ والأول: أصح، دليله الآية التالية. بعد هذا انظر شرح (لدن) في الآية رقم [٨٠] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿نَقُصُّ﴾ و(أنباء) في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).\nهذا؛ وفي الآية تذكير للنبي ﷺ وامتنان عليه بما أكرمه به ربه، وهذا كثير في القرآن الكريم، وهذا المن من الله على نبيه، وعلى عباده بما يذكرهم به مقبول؛ لأن الله يمن بما يملك حقيقة، فهو المتفضل والمنعم بخلاف المن الذي ذكرته في الآية رقم [٢٦٤] من سورة (البقرة) فإنه مذموم؛ لأن العبد يمن بما لا يملك على وجه الحقيقة.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نقص عليك... قصصا كائنا مثل القصص الذي قصصناه عليك من خبر موسى، وقومه. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٨٧].\n ﴿نَقُصُّ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْباءِ:﴾\nمتعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا به، التقدير: نقص عليك نبأ كائنا من أنباء، و﴿أَنْباءِ:﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَبَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (ما)، لا محل لها، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال، ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق... إلخ، ﴿آتَيْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿مِنْ لَدُنّا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿ذِكْرًا﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٥٣] و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿ذِكْرًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَقُصُّ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-2448\"></span>﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أي: عن القرآن، فلم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه، ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا:﴾ عقوبة ثقيلة، سماها الله: وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب، وصعب","vol":"5","page":729},{"text":"احتمالها بالحمل الثقيل الذي ينقض ظهره، أو؛ لأنها جزاء الوزر، وهو العذاب. وانظر شرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٥٨] من سورة (الإسراء)، وشرح (يوم) في الآية رقم [١٤] منها.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْرَضَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان به.\n ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَحْمِلُ:﴾\nمضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، ويوم مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وِزْرًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما رأيته مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فلست مفندا، وتكون مبتدأ، وجملة: ﴿أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية:\n ﴿مَنْ..﴾. إلخ على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2449\"></span>﴿خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ مقيمين في عقوبة ذلك الوزر الذي حملوه في دنياهم. ﴿وَساءَ لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: وبئس الحمل الذي حملوه حملهم.\nتنبيه: قال الإمام الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إن عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ وبأن معصية الظالم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم، والجواب: أن قوله تعالى: ﴿أَحْقابًا﴾ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به، وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا. انتهى. جمل في سورة (هود) [١٠٨].\nالإعراب: ﴿خالِدِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَحْمِلُ﴾ المستتر منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ وفيه مراعاة معنى ﴿مَنْ﴾ هنا، وهو الجمع، ومراعاة لفظها في الآية السابقة.\nتأمل. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿وَساءَ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n ﴿وَساءَ:﴾ ماض جامد، دال على إنشاء الذم، وفاعله مستتر فيه يفسره التمييز. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿حِمْلًا﴾ أو متعلق بمحذوف حال من ﴿حِمْلًا﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، و﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿حِمْلًا:﴾ تمييز، والمخصوص بالذم محذوف؛ إذ التقدير: ساء الحمل حملا هو وزرهم، وجملة: ﴿وَساءَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":730},{"text":"<span id=\"aya-2450\"></span>﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:﴾ انظر الآية رقم [٩٩] من سورة (الكهف) ففيها الكفاية. هذا؛ ويقرأ: «(ننفخ)» و﴿يُنْفَخُ﴾ بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم. ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ:﴾ الكافرين، وقد ذكرت لك مرارا: أن في المسلمين مجرمين، وفاسقين، وضالين مضلين، فكل وعيد وتهديد يتوجه إليهم، وهم أولى به. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم القيامة. ﴿زُرْقًا:﴾ الزرق خلاف الكحل، والعرب تتشاءم بزرق العيون، وتذمه وهو من ألوان العيوب عندهم؛ لأن الروم كانوا أعداءهم، وهم زرق العيون. وقال بشار بن برد الأعمى في وصف البخيل: [البسيط]\nوللبخيل على أمواله علل... زرق العيون عليها أوجه سود\nوقيل: معناه: عميا. وقيل: عطاشا قد ازرقت عيونهم من شدة العطش، ويقال: رجل أزرق العين، والمرأة زرقاء: بينة الزرق، والاسم: الزرقة.\nوقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: قيل لابن عباس﵄في قوله تعالى:\n ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ فقال: إن ليوم القيامة حالات، فحالة يكونون فيها زرقا، وحالة عميا. وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾. ﴿يُنْفَخُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾\nجار ومجرور في محل رفع نائب فاعله وعلى القراءتين الأخريين فالفاعل: نحن، أو هو، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿وَنَحْشُرُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن».\n ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين.\nوانظر ما ذكرته في شرحه. ﴿زُرْقًا:﴾ حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ وهو صفة مشبهة فاعله محذوف، التقدير: زرقا عيونهم وجملة: ﴿وَنَحْشُرُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n<span id=\"aya-2451\"></span>﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ:﴾ يتحادثون في موقف القيامة حديث السر، والخفاء. وانظر الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء). وذلك لما يملأ صدورهم من الرعب، والهول. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ:﴾ ما أقمتم في الدنيا. ﴿إِلاّ عَشْرًا:﴾ إلا عشر ليال، فهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا؛ لزوالها عنهم، أو لاستطالتهم أهوال يوم القيامة، أو لتأسفهم على الدنيا لما عاينوا الشدائد، وأيقنوا: أنهم استحقوها على إضاعة أعمارهم في قضاء الشهوات الدنيئة. أو المراد بقصر المدة","vol":"5","page":731},{"text":"التي كانت في القبر. وقيل: المراد مدة ما بين النفختين، وهي أربعون سنة؛ حيث يرفع عنهم العذاب في تلك المدة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَتَخافَتُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿عَشْرًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والمضاف إليه محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: إن لبثتم إلا عشرا.\n\n<span id=\"aya-2452\"></span>﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ أي: بما يتخافتون به فيما بينهم، أو بالمدة التي لبثوها.\n ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً:﴾ أعدلهم قولا، وأعقلهم، وأعلمهم عند نفسه. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا﴾ أي: فتقاصرت المدة التي لبثوها في الدنيا، أو غير ذلك في نظرهم حتى كانت يوما واحدا، وذلك لشدة ما عاينوا من الأهوال التي تنتظرهم، وهذا؛ وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) عليها. وانظر ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الإسراء)، وشرح ﴿الْيَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٤] منها، وينبغي أن تعلم: أن نسبة القول إلى ﴿أَمْثَلُهُمْ﴾ لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول.\nالإعراب: ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ، ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء يقولونه، ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿يَقُولُ:﴾ مضارع. ﴿أَمْثَلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿طَرِيقَةً:﴾ تمييز، وإعراب: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا﴾ مثل إعراب: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2453\"></span><span id=\"aya-2454\"></span><span id=\"aya-2455\"></span>﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ﴾ أي: عن حال الجبال يوم القيامة. قال ابن عباس﵄-: سأل رجل من ثقيف رسول الله ﷺ، فقال: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله","vol":"5","page":732},{"text":"هذه الآية وقيل: لم يسأل، وتقديره: إن سألوك فقل؛ ولذا قرن الجواب بالفاء، بخلاف سائر السؤالات الموجودة في القرآن، فإنها سؤالات تقدمت، فورد جوابها، ولم يكن فيها معنى الشرط، فلم يذكر الفاء.\n ﴿يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ أي: يجعلها كالرمل، أو تكون كالصوف المنفوش، كما في سورة (القارعة) ثم يرسل عليها الرياح، فيفرقها، كما يذري الطعام، ونحوه. وانظر الآية رقم [٩٧] ﴿فَيَذَرُها﴾ أي: يدع أماكن الجبال، أو يدع الأرض لعلمه من المقام. ﴿قاعًا صَفْصَفًا:﴾ أرضا مستوية ملساء، والقاع: المستوي من الأرض، والجمع: أقوع، وأقواع، وقيعان، وقيعة. هذا؛ وقيل: المعنى واحد في القاع، والصفصف، فالقاع: الموضع المنكشف، والصفصف: المستوي الأملس. قال الأعشى، وقد وصف بعد المسافة بينه وبين الممدوح الذي قصده: [المتقارب]\nوكم دون بيتك من صفصف... ودكداك رمل وأعقادها\n ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ أي: لا اعوجاجا، ولا نتوءا، لا انخفاضا، ولا ارتفاعا، لا واديا، ولا رابية. وانظر الآية رقم [٨٨] من سورة (النمل). هذا؛ وقد رأيت في الآية رقم [١] من سورة (الكهف) أن العرب خصوا العوج بكسر العين بالمعاني، وبفتحها في الأعيان، والأرض، أو الجبال هنا عين، ولكن لما استوت الأرض استواء لا يمكن أن يوجد فيها اعوجاج بوجه ما، وإن دقت الحيلة، ولطفت؛ جرت مجرى المعاني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يسألونك): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأن من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿عَنِ الْجِبالِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني؛ لأن الفعل «سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى للثاني ب: «عن» كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء، مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين صريحين، نحو سألت زيدا مالا، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء:\nزائدة على الوجه الأول: في الشرح، وهي الفصيحة على الوجه الثاني. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَنْسِفُها:﴾ مضارع، و(ها): مفعول به. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿نَسْفًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ مستأنفة على الوجه الأول، وهي جواب شرط جازم على الوجه الثاني: في الشرح، والشرط ومدخوله كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿فَيَذَرُها:﴾ مضارع، و(ها): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿قاعًا:﴾ حال من الضمير المنصوب، أو","vol":"5","page":733},{"text":"هو مفعول به ثان، وهو أقوى. ﴿صَفْصَفًا:﴾ حال ثانية، أو هو من تعدد المفعول الثاني: وهو الأقوى. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَرى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من عوجا كان صفة له... إلخ. ﴿عِوَجًا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿أَمْتًا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا تَرى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب أيضا. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2456\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ أي: صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف يوم القيامة، وهو إسرافيل، ﵇، وذلك: أنه يضع الصور في فيه، ويقف على صخرة بيت المقدس، ويقول: أيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة، والشعور المتفرقة، والأوصال المتقطعة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهو فحوى قوله تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾. ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا معدل لهم عنه؛ أي: عن دعائه، فلا يزيغون، ولا ينحرفون، بل يسرعون إليه، ولا يحيدون عنه. ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ﴾ أي: ذلت، وسكنت، والمراد: أصحاب الأصوات، وإنما خشعت هيبة وإجلالا لأجل الرحمن، أو خوفا، وإذلالا. ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا:﴾ الهمس: الصوت الخفي. وقيل: هو صوت وقع الأقدام بعضها على بعض إلى الحشر، ومنه قول الراجز: [الرجز]\nوهنّ يمشين بنا هميسا\nوهمس الطعام: أي: مضغه؛ وفوه منضم. قال الراجز: [الرجز]\nلقد رأيت عجبا مذ أمسا... عجائزا مثل السّعالي خمسا\nيأكلن ما في رحلهنّ همسا... لا ترك الله لهنّ ضرسا\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٥٣] من كتابنا فتح رب البرية.\nالإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أو هو متعلق بالفعل بعده، وهو أقوى فيما يظهر. وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٠٢]. ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الظرف. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿عِوَجَ:﴾ اسم لا مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ في محل نصب حال من ﴿الدّاعِيَ﴾ أو","vol":"5","page":734},{"text":"هي مستأنفة، لا محل لها، وأجيز أن تكون نعتا لمصدر محذوف، تقديره: يتبعونه اتباعا لا عوج فيه. انتهى. جمل.\n ﴿وَخَشَعَتِ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَصْواتُ:﴾ فاعله. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا من ﴿الدّاعِيَ﴾ أو غيره فيه ضعف، ولا يوجد رابط سوى الواو، وتحتاج إلى تقدير «قد» قبلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَسْمَعُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿هَمْسًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَلا تَسْمَعُ﴾ إلخ: معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-2457\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في يوم القيامة الموصوف بما تقدم. ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ..﴾.\nإلخ أي: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن... إلخ، والمعنى: لا تقبل الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن في الشفاعة. أو المعنى: لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من أذن الرحمن في الشفاعة له.\n ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ أي: للشافع، أو المشفوع. هذا؛ والقول المرضي عند الله قول لا إله إلا الله مقرونا بالعمل الصالح، كما قد نبهت عليه مرارا. هذا؛ والشفاعة العظمى ثابتة للنبي ﷺ في الموقف العظيم وبعده، وشفاعة المؤمنين ثابتة بعد الحساب، والجزاء وإدخالهم الجنة في ذويهم، وأصحابهم في الدنيا الذين دخلوا النار لشؤم معاصيهم، وسوء أعمالهم.\nهذا؛ والشفاعة في الأصل: التوسل وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى الشفيع.\nوالشفاعة في الآخرة لا تكون إلا حسنة؛ لأنها لطلب الخير الخالص، وأما في الدنيا فتكون حسنة، وأكثرها سيئة، فالشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك، والدستور في ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ هذا؛ وقيل:\nالشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن النبي ﷺ قوله: «من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك». فذلك النصيب.\nالإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ متعلق بالفعل بعده. وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٠٢]. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من ﴿الشَّفاعَةُ﴾ وهو على حذف مضاف، والتقدير: إلا شفاعة من، أو هو مبني على السكون في محل نصب مفعول به؛ أي: إلا الذي... فإنها تنفعه، وجملة: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ لا محل لها. ﴿وَرَضِيَ:﴾","vol":"5","page":735},{"text":"ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2458\"></span>﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ..﴾. إلخ: الفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾ والضمير المجموع يعود إلى المتبعين إلى الداعي، وهم جميع الخلق، والمعنى: يعلم الرحمن ما بين أيديهم من أمور الآخرة، ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما خلفوه من أمور الدنيا. أو المعنى: يعلم ما قدموا من الأعمال الصالحة، وما تركوا خلفهم من الأموال، وحطام الدنيا، وغير ذلك. وانظر الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) ﵍ ورقم [٧٦] من سورة (الحج). ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ:﴾ الضمير يعود إلى (الله)، أو يعود إلى معلومات الله، أو يعود إلى ﴿ما﴾ والمعنى: إن العباد لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علما.\nالإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ﴿ما﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الرَّحْمنُ﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. لا: نافية. ﴿يُحِيطُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿عِلْمًا﴾ بعدهما. ﴿عِلْمًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n<span id=\"aya-2459\"></span>﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾\nالشرح: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ:﴾ ذلت، وخضعت، ومنه قيل للأسير: عان؛ أي: ذليل خاضع لما يراد منه. قال أمية بن أبي الصلت: [الطويل]\nمليك على عرش السّماء مهيمن... لعزّته تعنو الوجوه وتسجد\nوالمراد: بالوجوه: أصحابها، وإنما خص الوجوه بالذكر؛ لأن آثار الذل، والخضوع إنما تبين في الوجوه، وهذا يكون يوم القيامة؛ حيث الملك، والقهر لله وحده. وقيل: المراد بذلك:\nالمجرمون، والأصح: أن المراد جميع بني آدم، ويؤيده: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: خاب وخسر من أشرك بالله. وأيضا: من حمل مظالم العباد التي تحمّلها في الدنيا بدليل الآية التالية.","vol":"5","page":736},{"text":"هذا؛ و(الحي) هو الذي لا يموت، فهو الباقي أزلا، وأبدا، و(القيوم) هو القائم المقيم لغيره.\nوقيل: الدائم الباقي، فيكون بمعنى: الحي، وتأكيدا له، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَعَنَتِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (عنت): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له. ﴿الْوُجُوهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلْحَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقَيُّومِ:﴾ بدل من سابقه، أو عطف بيان عليه. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خابَ:﴾ ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿حَمَلَ ظُلْمًا﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَقَدْ خابَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الْوُجُوهُ﴾ والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2460\"></span>﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ:﴾ ف: (من) للتبعيض؛ أي: بعض الأعمال الصالحات.\n ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ:﴾ شرط في قبول العمل الصالح؛ لأن العمل لا يقبل بغير إيمان بوجود الله تعالى، وتصديق حبيبه المصطفى ﷺ، وقد ذكرت لك مرارا أن هذا يسمى: احتراسا، كما أن الإيمان بدون عمل لا يجدي، ولا ينفع في دخول الجنة مع السابقين. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (مريم) ﵍، والآية رقم [١٠٧] من سورة (الكهف).\n ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾ أي: نقصا لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته. ﴿(وَلا هَضْمًا):﴾\nبالانتقاص من حقه، والهضم: النقص، والكسر، يقال: هضمت ذلك من حقي؛ أي: حططته، وتركته، وهذا يهضم الطعام؛ أي: ينقص ثقله، وامرأة هضيم الكشح: ضامرة البطن. والفرق بين الظلم، والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه. قال المتوكل الليثي: [الكامل]\nإنّ الأذلّة واللّئام لمعشر... مولاهم المتهضّم المظلوم\nوانظر شرح ﴿هَضِيمٌ﴾ في الآية رقم [١٤٨] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ الصّالِحاتِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معترضة بين فعل الشرط","vol":"5","page":737},{"text":"وجوابه، الغرض منها الاحتراس كما رأيت. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا):\nنافية. ﴿يَخافُ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى من، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، وبعضهم يقدر «فهو لا يخاف» أي: إنها خبر لمبتدإ محذوف، وعليه فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ ويقرأ بجزم الفعل على اعتبار (لا) ناهية. ﴿ظُلْمًا:﴾ مفعول به.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿هَضْمًا:﴾ معطوف على ما قبله، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٧٤] والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2461\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ:﴾ الضمير يعود إلى (القرآن) وإن لم يتقدم له ذكر للإيذان بعلوّ شأنه، وكونه مركوزا في العقول، حاضرا في الأذهان. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: بلغة العرب ليفهموه، ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجا عن طوق البشر، نازلا من عند خلاق القوى، والقدر. وانظر ما ذكرته في شرح هذين اللفظين في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.\n ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ أي: بينا ما فيه من التخويف، والتهديد، وبيان الثواب، والعقاب، ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض، والأحكام؛ لأن الوعيد بهما يتعلق. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ المعاصي؛ أي: يبتعدون عنها، فتصير التقوى ملكة راسخة فيهم. وانظر شرح (التقوى) في الآية رقم [٢] من سورة (النحل). ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا:﴾ عظة، واعتبارا حين يسمعون آياته، وزواجره، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم، والإحداث إلى القرآن. وانظر تفسيره في الآية رقم [٩٩].\nبعد هذا انظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٤٤] وشرح (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) ﵍ وشرح الوعد، والوعيد في الآية رقم [٥٣] منها. وانظر «أنزل، ونزّل» في الآية رقم [٢].\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده: التقدير: أنزلناه إنزالا كائنا مثل ما قصصنا عليك أخبار الأمم السابقة. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿قُرْآنًا:﴾ حال موطئة؛ إذ المقصود الصفة، وهي ﴿عَرَبِيًّا﴾ ولذا جاز وقوعه حالا، وهو جامد كما ترى، والجملة الفعلية معطوفة على ما في الآية رقم [٩٩] ﴿وَصَرَّفْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان به، ﴿مِنَ الْوَعِيدِ:﴾","vol":"5","page":738},{"text":"متعلقان بمحذوف صفة لمفعول به محذوف، التقدير: صرفنا في القرآن نوعا من الوعيد، والمراد: به الجنس، ويجوز أن تكون ﴿مِنَ﴾ مزيدة في المفعول به على رأي: الأخفش الذي يجيز زيادة «من» في الإيجاب، وجملة: ﴿وَصَرَّفْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله محذوف كما في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ تعليل للإنزال، وللتصريف لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُحْدِثُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (القرآن). ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ذِكْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-2462\"></span>﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿فَتَعالَى اللهُ:﴾ في ذاته، وصفاته عن مماثلة المخلوقين، لا يماثل كلامهم كلامه، كما لا يماثل ذاتهم ذاته.\n ﴿الْمَلِكُ:﴾ النافذ أمره ونهيه الحقيقي بأن يرجى وعده، ويخشى وعيده. ﴿الْحَقُّ:﴾ الثابت في ذاته وصفاته، ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ:﴾ علّم نبيه ﷺ كيف يتلقى القرآن. قال ابن عباس﵄-: كان ﷺ يبادر جبريل ﵇، فيقرأ قبل أن يفرغ من الوحي، حرصا على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك، وهذا كقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وقيل: المعنى: لا تقرئه أصحابك، ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه.\n ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أي: سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال، فإن ما أوحى إليك تناله لا محالة، فلم يأمر الله نبيه بطلب الزيادة في الشيء إلا في العلم، وكان ابن مسعود﵁- إذا قرأ هذه الآية يقول: اللهم زدني علما، وإيمانا، ويقينا. وقال الحسن: نزلت في رجل لطم وجه امرأته، فجاءت إلى النبي ﷺ تطلب القصاص، فجعل لها القصاص، فنزل قوله تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ فيكون المعنى زدني فهما؛ لأن ﵊ حكم بالقصاص وأبى الله ذلك، انظر الآية رقم [٣٤] من سورة (النساء)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا فالفعل: «تعالى» بمعنى: تنزه، وتعاظم، وهو ناقص التصرف يأتي منه ماض، ومضارع، ولا يأتي منه أمر. وانظر شرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء)، وشرح: (قضينا) في الآية رقم [٤] منها، وشرح: «زاد، يزيد» في الآية رقم [٤١] منها، وشرح","vol":"5","page":739},{"text":"﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] منها، وشرح ﴿الْقَوْلُ﴾ في الآية رقم [١٦] منها أيضا. وانظر شرح (العجلة) في الآية رقم [١] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿فَتَعالَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تعالى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمَلِكُ:﴾ بدل منه، أو عطف بيان عليه. ﴿الْحَقُّ:﴾ مثل سابقه. هذا؛ ويقال: هما صفتان للفظ الجلالة، ولا أسلمه؛ لأنهما اسمان من أسماء الله الحسنى، وليسا صفتين مشتقين، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَعْجَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿بِالْقُرْآنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿أَنْ يُقْضى:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَحْيُهُ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، هذا؛ ويقرأ: «(من قبل أن نقضي إليك وحيه)»، والإعراب واضح على هذه القراءة، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَعْجَلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ انظر إعرابه في الآية رقم [٣٥] ﴿زِدْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿عِلْمًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الندائية، والفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2463\"></span>﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ:﴾ ولقد أمرناه، يقال: تقدم الملك إليه، وأوعز إليه، وعزم عليه، وعهد إليه: إذا أمره، وإنما عطف قصة آدم على قوله: ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ﴾ للدلالة على أنّ أساس بني آدم على العصيان، وعرقهم راسخ في النسيان. والعهد هنا بمعنى: الوصية، والمراد:\nبه النهي عن أكل الشجرة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدي، وتركوا الإيمان بي. ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: غفل عما، أوصيناه به من عدم الأكل من الشجرة، ولم يتذكره. هذا؛ وقال محمد بن يزيد: المعنى: فترك الأمر، وليس من النسيان، والغفلة، بدليل ما ذكر القرآن من قول إبليس له، ولحواء: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ الآية رقم [٢٠] من سورة (الأعراف)، فلو كان آدم ناسيا لكان قد ذكره بهذا القول.\n ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ أي: صبرا عن أكل الشجرة، أو تصميم رأي، وثبات على الأمر؛ إذ لو كان ذا عزيمة، وتصلب في الرأي؛ لم يستزله الشيطان، ولم يستطع تغريره. وعن النبي ﷺ:\n «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا»﴾.","vol":"5","page":740},{"text":"هذا؛ وانظر شرح (آدم) في الآية رقم [٦١] من سورة (الإسراء)، وشرح (النسيان) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم وانظر الآية رقم [٣٧]. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَهِدْنا:﴾ فعل، وفاعل ﴿إِلى آدَمَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام معطوف على جملة: ﴿وَصَرَّفْنا..﴾. إلخ ﴿فَنَسِيَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿آدَمَ﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَمْ نَجِدْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم). والفاعل مستتر تقديره: «نحن» فإن كان الفعل من الوجود الذي بمعنى: العلم ف: ﴿لَهُ عَزْمًا﴾ مفعولاه وإن كان من الوجود المناقض للعدم ف: ﴿لَهُ﴾ حال من ﴿عَزْمًا﴾ أو هو متعلق بنجد. انتهى. بيضاوي. وجملة:\n ﴿وَلَمْ نَجِدْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2464\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ:﴾ السجود في الأصل: تذلل مع تطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة. والمأمور به إما المعنى الشرعي، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، فمعنى: اسجدوا له؛ أي: إليه، وإما المعنى اللغوي، وهو التواضع لآدم، تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى:\n ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض، إنما كان بالانحناء، فلما جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسلام. ﴿أَبى:﴾ امتنع من السجود. هذا؛ وانظر شرح: ﴿إِبْلِيسَ أَبى﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحجر). وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف). وانظر شرح (الملائكة) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد).\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون متعلق بفعل محذوف، تقديره اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِآدَمَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول","vol":"5","page":741},{"text":"القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. (سجدوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾ وهل هو متصل، أو منقطع. انظر الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف)، وجملة: (سجدوا...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿أَبى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى إبليس، وهل الفعل بمعنى: امتنع، فيكون لازما، أو هو متعد كما في سورة (الحجر)؟ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِبْلِيسَ﴾ والرابط: الضمير فقط، و«قد» قبلها مقدرة. وقال البيضاوي:\nمستأنفة لبيان ما منعه من السجود، وهو الاستكبار.\n\n<span id=\"aya-2465\"></span>﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا﴾ أي: إبليس. ﴿عَدُوٌّ لَكَ:﴾ سبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم، وتكريمه بسجود الملائكة له، فحسده، فصار عدوا له. ﴿وَلِزَوْجِكَ﴾ أي:\nحواء، عدو الرجل عدو لزوجته بلا ريب، ما لم تخن المرأة زوجها، فتكون عدوا له. ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ أسند الإخراج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج؛ لأنه لما كان بوسوسته، وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج؛ صح ذلك. ومعنى (تشقى): تتعب، ويكون عيشك من كد يمينك، وعرق جبينك، وهو الحرث والزرع، والحصد، والطحن، والخبز. هذا؛ والزوج يطلق على الرجل وعلى المرأة، والقرينة تبين الذكر من الأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح، إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج:\nالقرين. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾ والزوج ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء. وقال تعالى في الآية رقم [٤٠] من سورة (هود) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرا، أو أنثى. وقال تعالى في الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام):\n ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ والمعنى: ثمانية أفراد.\nقيل: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه.\nهذا؛ وأسند سبحانه الشقاء إلى آدم وحده؛ لأنه هو المكلف بالسعي لنفسه، ولزوجه، وفيه إشارة إلى أن نفقة المرأة واجبة على الزوج. هذا؛ وإن أردت التوسع في قصة آدم، وما آل إليه أمره بعد الأكل من الشجرة، فانظر الآية رقم [١١] من سورة (الأعراف) وما بعدها. وانظر الآية رقم [٣٠] من سورة (البقرة) وما بعدها، وانظر خلق آدم في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحجر) وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"5","page":742},{"text":"الإعراب: ﴿فَقُلْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (قلنا): فعل، وفاعل. (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (آدم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَدُوٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿وَلِزَوْجِكَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط محذوف. (لا): ناهية. ﴿يُخْرِجَنَّكُما:﴾ مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون للتوكيد حرف لا محل لها، والفاعل يعود إلى (إبليس) والكاف مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منه؛ فلا... إلخ. ﴿فَتَشْقى:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: فلا يكن إخراج لكما من الجنة، فشقاء لك. هذا؛ والجمل كلها في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿فَقُلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2466\"></span><span id=\"aya-2467\"></span>﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها:﴾ في الجنة. ﴿وَلا تَعْرى﴾ أي: من اللباس. ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا:﴾ لا تعطش. ﴿وَلا تَضْحى﴾ أي: تبرز للشمس، فيؤذيك حرها؛ لأنه ليس في الجنة شمس، وأهلها في ظل ممدود، والمعنى: إن الشبع، والري، والكسوة، والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة، وأنه مكفي، لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب، كما يحتاج إليه أهل الدنيا. هذا؛ و﴿تَضْحى﴾ بمعنى: البروز للشمس جاء في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت... فيضحى، وأمّا بالعشيّ فيخصر\nوقال الصفوي رحمه الله تعالى: قابل ﷾ بين الجوع والعري، والظمأ والضحو، وإن كان الجوع يقابل العطش، والعري يقال الضحو؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر، والظمأ حر الباطن، والضحو حر الظاهر، فنفي عن ساكن الجنة ذل الظاهر، والباطن، وحر الظاهر، والباطن. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف ناصب. (لا): نافية. ﴿تَجُوعَ:﴾ مضارع منصوب ب: (أن) والفاعل","vol":"5","page":743},{"text":"مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما و﴿أَلاّ تَجُوعَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، التقدير: إن لك عدم الجوع في الجنة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿تَعْرى:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿وَأَنَّكَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (أنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿لا تَظْمَؤُا فِيها﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، والجملة بعدها معطوفة عليها، وأن واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على ﴿أَلاّ تَجُوعَ﴾ وجاز أن يكون هذا المصدر المسبوك اسما ل: ﴿إِنَّ﴾ بكسر الهمزة للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يجز؛ حتى لو قلت: إن أن زيدا قائم لم يجز، فلما فصل بينهما جاز.\nهذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة على الاستئناف، أو على العطف على ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ﴾ وهذه الجملة ابتدائية، أو هي تعليل للنهي، أو مستأنفة، لا محل لها على جميع الوجوه.\n\n<span id=\"aya-2468\"></span>﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ:﴾ الكلام على هذه الوسوسة طويل انظره في الآية رقم [٢٠] من سورة (الأعراف). ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ:﴾ الشجرة التي من أكل منها؛ خلّد، ولم يمت أصلا، فأضافها إلى الخلد، وهو الخلود؛ لأن الأكل منها سببه بزعمه.\n ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى:﴾ لا يزول، ولا يفنى. هذا؛ والمراد: بالشجرة: شجرة الحنطة. وقيل: هي شجرة العنب؛ لأنها أصل كل فتنة. وقيل: غير ذلك.\nقال الخازن رحمه الله تعالى: الشيء الذي رغّب الله فيه آدم رغّبه فيه إبليس إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة، وإبليس وقفه على الإقدام عليها، وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه، وربه، ومولاه، وناصره، وإبليس هو عدوه؛ أعرض عن قول الله تعالى، ولم يرد المخالفة، ومن تأمل هذا السر؛ عرف أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع له منه.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ ووسوس إلى الرجل: كلمه كلاما خفيا، والوسواس: الاسم من: وسوس، والوسواس: الشيطان. والوسواس: مرض يحدث عند بعض الناس من غلبة السوداء، ويختلط معه الذهن، والموسوس في أمور الطهارة معروف لا يريد أن يمسه أحد. انظر الآية [٩٧].\nهذا؛ ويروى: أن روح موسى التقت مع روح آدم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام. فقال موسى: يا آدم أكلت من الشجرة حتى سببت لذريتك العناء والشقاء، فقال آدم: يا موسى أنت رسول الله وكليمه، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بآلاف السنين، فحجّ آدم موسى؛ أي: غلبه بالحجة. هذا؛ ورواه مسلم عن أبي هريرة﵁عن","vol":"5","page":744},{"text":"النبي ﷺ كما يلي: «قال: احتجّ آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا، وأخرجتنا من الجنّة! فقال آدم: يا موسى: اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده؛ يا موسى! أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحجّ آدم موسى ثلاثا». أي: قال النبي ﷺ فحج آدم موسى ثلاث مرات. انتهى. قرطبي. ولا يبيح هذا لمن عمل الخطايا، ولم تأته المغفرة أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول: أتلومني على أن قتلت، أو زنيت، أو سرقت. وقد قدر الله عليّ ذلك.\nالإعراب: ﴿فَوَسْوَسَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (وسوس): ماض. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الشيطان، (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (آدم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَدُلُّكَ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره:\n «أنا»، والكاف مفعول به، ﴿عَلى شَجَرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿شَجَرَةِ:﴾ مضاف، و﴿الْخُلْدِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَمُلْكٍ:﴾ معطوف على ﴿شَجَرَةِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَبْلى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ملك) والجملة الفعلية في محل جر صفة (ملك) والكلام: ﴿يا آدَمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ تفسير للوسوسة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2469\"></span><span id=\"aya-2470\"></span>﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢)﴾\nالشرح: ﴿فَأَكَلا مِنْها﴾ أي: أكل آدم، وحواء من الشجرة المنهي عنها، وذكر الله في سورة (الأعراف) أن إبليس حلف لهما إنه لمن الناصحين. وانظر الآية رقم [٢١] منها وما ذكرته من قول محمد بن قيس، رحمه الله تعالى، ففيه كبير فائدة. وانظر اللباس الذي نزع عن آدم وحواء حتى بدت لهما سوآتهما في الآية رقم [٢٠] من سورة (الأعراف).\n ﴿وَطَفِقا:﴾ أخذا، وشرعا، فهذا الفعل من أفعال الشروع، ﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي: يرقعان، ويلزقان ورقة فوق ورقة على القبل، والدبر، وهذا؛ وخصف النعل خصفا خرزها، ورقعها. والورق قيل: ورق التين. وقيل: ورق الموز.\n ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ أي: خالف أمره حيث أكل من الشجرة. ﴿فَغَوى:﴾ ففسد عيشه بنزوله إلى الدنيا. والغيّ: الفساد، وهو تأويل حسن، وهو أولى من تأويل من يقول: معناه ضل؛ من الغيّ الذي هو ضد الرشد. وقيل: معناه جهل موضع رشده. انتهى قرطبي. قال البيضاوي رحمه الله تعالى: والنعي عليه بالعصيان، والغواية مع صغر زلته تعظيم للزلة، وزجر بليغ لأولاده عنها. انتهى هذا؛ وخذ قول القائل في هذا المقام: [الكامل]","vol":"5","page":745},{"text":"تضع الذّنوب على الذنوب وترتجي... درج الجنان وطيب عيش العابد\nونسيت أنّ الله أخرج آدما... منها إلى الدّنيا بذنب واحد\n ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أي: اختاره، واصطفاه، ووفقه للتوبة. ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أي: قبل توبته لما تاب إلى الله، وأناب. ﴿وَهَدى﴾ أي: هداه لرشده؛ حتى رجع إلى الندم، والاستغفار.\nتنبيه: قوله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ المراد المثنى؛ لأن المقصود آدم، وحواء، وقد جمع المضاف، وهو سوآت في محل المثنى، وقد تكلم السيوطي رحمه الله تعالى على هذه المسألة في كتابه: (همع الهوامع) الذي شرحت شواهده، وأعربتها، وأرجو الله أن يمتن عليّ بالتوفيق لطباعته، وها أنا ذا أنقل لك ما قاله بالحرف لتكون على بينة من أمرك.\nقال رحمه الله تعالى: الأصل في كلام العرب دلالة كل لفظ على ما وضع له، فيدل المفرد على المفرد، والمثنى على اثنين، والجمع على جمع، وقد يخرج الكلام عن هذا الأصل، وذلك قسمان: مسموع، ومقيس:\nفالأول: ما ليس جزءا ممّا أضيف إليه، سمع: ضع في رحالهما، يريد في اثنين، وديناركم مختلفة؛ أي: دنانيركم، وعيناه حسنة؛ أي: حسنتان، وأورد أربعة أبيات شعرية شاهدا لذلك.\nقال: ومنه: لبّيك وإخوته، فإنه مثنى وضع موضع الجمع. وقالوا: شابت مفارقه، وليس له إلا مفرق واحد، وعظيم المناكب، وغليظ الحواجب، والوجنات، والمرافق، وعظيمة الأوراك، فكل هذا مسموع لا يقاس عليه، وقاسه الكوفيون، وابن مالك إذا أمن اللبس، وهو ماش على قاعدة الكوفيين من القياس على الشاذ، والنادر. قال أبو حيان: ولو قيس شيء من هذا لالتبست الدلالات، واختلطت الموضوعات.\nوالثاني: ما أضيف إلى متضمنه، وهو مثنى لفظا، نحو قطعت رءوس الكبشين؛ أي:\nرأسيهما، أو معنى، نحو قول الشاعر: [الطويل]\nرأيت بني البكريّ في حومة الوغى... كفاغري الأفواه عند عرين\nفإن مثل ذلك ورد فيه الجمع، والإفراد، والتثنية، فمن الأول: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما،﴾ ومن الإفراد قراءة الحسن: «(بدت لهما سوأتهما)»، ومن التثنية قراءة من قرأ: «(بدت لهما سوأتاهما)»، وقراءة الجمهور من الأول؛ أي: الجمع.\nفطرد ابن مالك قياس الجمع، والإفراد أيضا لفهم المعنى، وخص الجمهور القياس بالجمع، وقصر الإفراد على ما سمع، وورد، وإنما وافق الجمهور على قياس الجمع كراهة اجتماع تثنيتين مع فهم المعنى، ولذلك شرط ألا يكون لكل واحد من المضاف إليه إلا شيء","vol":"5","page":746},{"text":"واحد؛ لأنه إن كان له أكثر التبس، فلا يجوز في قطعت أذني الزيدين الإتيان بالجمع، ولا الإفراد للإلباس، وأورد ستة أبيات شعرية شاهدا لذلك، فإن فرق متضمناهما، كقوله تعالى: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.\nفقال ابن مالك أيضا بقياس الجمع، والإفراد، وخالفه أبو حيان؛ لأن الجمع إنما قيس هناك كراهة اجتماع تثنيتين؛ وقد زالت بتفريق المتضمنين. قال: فالذي يقتضيه النظر الاقتصار على التثنية، وإن ورد جمع، أو إفراد؛ اقتصر فيه على مورد السماع. قال: وأما الآية فليس المراد فيها باللسان الجارحة، بل المراد الكلام، أو الرسالة، فليس جزءا من داود، ولا من عيسى عليهما الصلاة والسّلام. انتهى.\nأقول: ولم يذكر السيوطي رحمه الله تعالى أرجح الأوجه الثلاثة في الثاني: وهو ما أضيف إلى متضمنه، وهو جمع المضاف، وبقاء المضاف إليه على تثنيته، وبقاء كلّ من المضاف والمضاف إليه على تثنيته، فأرجحهما الوجه الأول، وهذه لغة القرآن كما رأيت، وهو متفق على رجحانه عند جميع النحاة، واختلف في الوجهين الآخرين، فذهب ابن مالك إلى رجحان الثاني:\nعلى الثالث، وذهب أبو حيان إلى العكس، ومنه قول الرسول ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار». وقد أطلت عليك الكلام في ذلك قصد الإفادة، والله ولي التوفيق.\nتنبيه: يرد سؤال: آدم معصوم؛ فكيف يخالف النهي؟! وأجيب بوجوه: منها: أنه اعتقد: أن النهي عن أكل الشجرة للتنزيه، لا للتحريم. ومنها: أنه نسي النهي كما رأيت في الآية رقم [١١٥].\nومنها: أنه اعتقد نسخه بسبب مقاسمة إبليس له: أنه من الناصحين، فاعتقد: أنه لا يحلف أحد بالله كذبا. هذا؛ ولا يستدل بما فعله آدم على جواز صدور الذنب من الأنبياء، وإنما ما حصل منهم، ولو عوتبوا عليه إنما وقع منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ، والنسيان، أو تأويل دعا إليه ذلك كالذي رأيته في أسرى بدر في سورة (الأنفال)، وكالإذن الذي كان من النبي ﷺ للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، كما رأيت في سورة (التوبة)، وكل ذلك لا يقدح في علوّ مناصبهم ورفعة شأنهم، ولقد أحسن الجنيد-رحمه الله تعالى-حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، ولقد اختلف في الذي كان من آدم: هل كان قبل النبوة، أو بعدها؟ والظاهر: أنه أعطي النبوة في الأرض، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَكَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أكلا): ماض، والألف فاعله. ﴿مِنْها:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَبَدَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له. ﴿لَهُما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَوْآتُهُما:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها،","vol":"5","page":747},{"text":"لا محل لها مثلها. ﴿وَطَفِقا:﴾ ماض ناقص، وألف الاثنين اسمه. ﴿يَخْصِفانِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (طفق). ﴿عَلَيْهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ وَرَقِ:﴾ متعلقان به أيضا. أو هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: ورقا من ورق الجنة، و﴿وَرَقِ﴾ مضاف، و﴿الْجَنَّةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَطَفِقا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ معطوفة أيضا، لا محل لها، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَغَوى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى آدم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِجْتَباهُ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعله... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَتابَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّهُ﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَهَدى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ربه، ومفعوله محذوف، التقدير: وهداه.\nوالجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمّل، وتدبّر.\n\n<span id=\"aya-2471\"></span>﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا﴾ أي: من الجنة، أو من السماء. هذا؛ والهبوط:\nالإنزال، والانحدار من فوق إلى أسفل على سبيل القهر، والهوان، والاستخفاف، وهو بكسر الباء، وقد تضمّ. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٣]: ﴿فَاهْبِطْ﴾ بالإفراد.\nوقال في سورة (البقرة) رقم [٣٦ و٣٨]: ﴿اِهْبِطُوا﴾ بالجمع. وقال هنا: ﴿اِهْبِطا﴾ بالتثنية.\nوالمراد بالأول: إبليس وحده كما هو ظاهر، والمراد بالثاني: آدم وحواء، وإبليس. وقيل:\nوالحية، والصحيح: أن المراد: آدم وحواء وذريتهما. والمراد بالثالث: آدم وحواء، أو آدم وإبليس، وهو الظاهر. قال البيضاوي: ولما كانا أصل الذرية خاطبهما مخاطبتهم، فقال:\nبعضكم لبعض عدو، وهذه العداوة بين آدم وإبليس من جهة، وبين إبليس وذريته من جهة أخرى حتمها الله، وقدرها من قديم الأزل، ولا تنس: العداوة التي تقع بين ذرية آدم بسبب المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والتكالب على حطام الدنيا، وذلك واضح جليّ للعيان.\n ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ أي: كتاب، ورسول هو محمد ﷺ، أو المراد جميع الكتب، وجميع الرسل، وهو أليق بالمقام. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ أي: كتبي، ورسلي الذين أرسلهم لهداية البشر من ذريتك يا آدم. ﴿فَلا يَضِلُّ:﴾ في الدنيا بالانحراف عن الصراط المستقيم. ﴿وَلا يَشْقى:﴾ في الآخرة بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم. قال ابن عباس﵄-: من","vol":"5","page":748},{"text":"قرأ القرآن، واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ..﴾. إلخ بعد هذا انظر إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف)، وشرح «عدو» في الآية رقم [٣٩].\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّهُ﴾. ﴿اِهْبِطا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من ألف الاثنين فيها معنى التأكيد. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان ب:\n ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ألف الاثنين، والرابط: الضمير فقط، وقد رأيت في الشرح المراد من ألف الاثنين. ﴿فَإِمّا:﴾ الفاء:\nحرف تفريع واستئناف. (إما): هي (إن) الشرطية مدغمة في (ما) الزائدة للتأكيد. ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ:﴾\nمضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به، ﴿مِنِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والنون للوقاية، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿هُدىً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا... إلخ، ﴿هُدىً:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة الرفع ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من).\n ﴿هُدايَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿يَضِلُّ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، وجملة: ﴿وَلا يَشْقى﴾ معطوفة عليها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٧٤] هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فالجملة الفعلية: ﴿اِتَّبَعَ هُدايَ﴾ صلتها، وجملة: ﴿فَلا يَضِلُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب (إن) عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ والجمل ﴿اِهْبِطا..﴾. إلخ كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2472\"></span>﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي: ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه. ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أي: عيشا ضيقا، يقال: منزل ضنك، وعيش ضنك، فهو مصدر يستوي فيه الواحد، والاثنان، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال عنترة: [الكامل]","vol":"5","page":749},{"text":"إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل\nوهذا من قبيل القاعدة التي ذكرها ابن مالك رحمه الله تعالى في قوله: [الرجز]\nونعتوا بمصدر كثيرا... فالتزموا الإفراد والتّذكيرا\nوقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-في معنى الضنك: يسلبه القناعة حتى لا يشبع، فمع الدين التسليم، والقناعة، والتوكل، فتكون حياة طيبة، كما قال تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ ومع الإعراض الحرص، والشح فعيشة المعرض عن الإيمان ضنك، وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه، وكان في عيشه ضنك. هذا؛ وقيل: المراد به: عذاب القبر. قال أبو سعيد الخدري: يضغط عليه في القبر؛ حتى تختلف أضلاعه. وقيل: هو الزقوم، والضريع، والغسلين في النار. وقيل: غير ذلك.\nهذا؛ ويقرأ: «(ضنكى)» كسكرى.\n ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى:﴾ قال ابن عباس﵄-: أعمى البصر، وهو كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾. وقيل: أعمى عن الحجة. وقيل: أعمى عن جهات الخير لا يهتدى إليها. وأعتمد هذا؛ وانظر الآية رقم [٧٢] و[٩٧] من سورة (الإسراء) ففيهما الشفاء الكافي لقلبك، والغذاء الوافي لروحك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، ولا تنس: الالتفات من المتكلم المفرد إلى المتكلم المجموع.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْرَضَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿عَنْ ذِكْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها.\n ﴿مَعِيشَةً:﴾ اسم (إنّ) مؤخر. ﴿ضَنْكًا:﴾ صفة معيشة. وانظر الشرح، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ لَهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وانظر بقية الكلام في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ..﴾. إلخ في الآية السابقة، فهو مثله بلا فارق، والجملة الاسمية معطوفة عليها، فمحلها مثلها.\n ﴿وَنَحْشُرُهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نحشره): فعل مضارع، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَعْمى:﴾ حال من الضمير المنصوب، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.","vol":"5","page":750},{"text":"<span id=\"aya-2473\"></span>﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى﴾ أي: بأي: ذنب عاقبتني بالعمى. ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أي: في الدنيا، وكأنه يظن أن لا ذنب له. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وقد نوهت بذلك فيما مضى. وانظر شرح ﴿رَبِّ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (مريم)، وشرح ﴿لِمَ﴾ في الآية رقم [٤٢] منها.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿آدَمُ﴾ ﵇. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء. وانظر الآية رقم [٢٥] ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، (ما): اسم استفهام مبني على السكون، وهو الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار. ﴿حَشَرْتَنِي:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به، والنون للوقاية. ﴿أَعْمى:﴾ حال من ياء المتكلم منصوب... إلخ، والجملة الفعلية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بَصِيرًا:﴾ خبره، وجملة: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ في محل نصب حال ثانية من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2474\"></span>﴿قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا﴾ أي: الدلالات واضحة نيرة على وحدانيتنا وقدرتنا. ﴿فَنَسِيتَها﴾ أي: أهملتها، وأعرضت عنها، ولم تنظر فيها نظر تبصر، واعتبار. ﴿وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ أي: تترك في النار، أو تنسى من الرحمة، ولا تنسى من العذاب. وينبغي أن تعلم أنّ الكلام والخطاب مع آدم، والمراد: ذريته فردا فردا إلى يوم القيامة؛ كيف لا وقد قال تعالى:\n ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾.\nهذا؛ والتعبير ب: ﴿تُنْسى﴾ لمشاكلة (نسيتها) فالله لا يقع منه نسيان لشيء أبدا لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وهذه المشاكلة نبهت عليها كثيرا في محالها، بعد هذا انظر (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) ﵍. وانظر (النسيان) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف)، وشرح: ﴿الْيَوْمَ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله) ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا):\nاسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: قال: أتتك آياتنا إتيانا مثل","vol":"5","page":751},{"text":"ذلك. وهذا أولى من اعتبار عامله ما قبله، التقدير: حشرنا حشرا مثل ذلك. تأمل. ﴿أَتَتْكَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿آياتُنا:﴾ فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَسِيتَها:﴾ الفاء: حرف عطف. (نسيتها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذلك): متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: تنسى اليوم نسيانا كائنا مثل نسيانك آياتنا.\n ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿تُنْسى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2475\"></span>﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ أي: وكما جزينا من أعرض عن القرآن، وعن النظر في دلائل قدرتنا، ووحدانيتنا؛ نجزي من أسرف في المعاصي، وانهمك في الشهوات. وهذه الآية أقوى دليل على تعذيب أهل المعاصي، والمنكرات، والفواحش من المسلمين. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ:﴾ لم يصدق، ولم يعمل بها. هذا؛ وإني أقول: إن أرباب المعاصي من المسلمين لا يصدقون بآيات الله، والدليل على ذلك: أن الوعظ، والنصح، والإرشاد لا يقع منهم موقع القبول، بل يقابل بالرفض منهم، ومقاومة، ومعادات الواعظ، والناصح لهم، وهذا مشاهد وملموس في واقعنا الحاضر، ولا حول، ولا قوة إلا بالله.\n ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ أي: أفظع من المعيشة الضنك، وعذاب القبر؛ لأنه أدوم، وأثبت، فهو لا ينقطع، ولا ينقضي. هذا؛ وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة. انظر شرح الالتفات في الآية رقم [٢٢] من سورة (النحل) وشرح الآخرة في الآية رقم [٣٠] منها، وشرح ﴿يَجْزِي﴾ في الآية رقم [٣١] منها أيضا، وهذا آخر ما يتعلق من كلام بقصة آدم، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف سلام وألف صلاة. وإن أردت أن تعرف قصة آدم بحذافيرها فارجع إلى سورة (الحجر)، وسورة (الأعراف)، وسورة (البقرة)، فإن ما أغفل هنا ذكر هنا، أو هناك، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذلك): متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نجزي من أسرف في المعاصي جزاء كائنا مثل جزاء من نسي الآيات وأعرض عنها. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية","vol":"5","page":752},{"text":"على السكون في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني: محذوف، وجملة: ﴿أَسْرَفَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، والتقدير: نجزي الذي، أو شخصا أسرف في المعاصي عذابا شديدا. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان به، و(آيات): مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، والفاعل مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، واعتبارها حالا لا بأس به. ﴿وَلَعَذابُ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَشَدُّ:﴾\nخبر المبتدأ، ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفيهما ضمير مستتر وجوبا هو فاعلهما. هذا؛ والآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2476\"></span>﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: أفلم يتبين لأهل مكة خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا، وخرجوا في التجارة لطلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية، كقوم عاد، وثمود، وقوم لوط، أفلا يخافون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين قبلهم من الهلاك، والانتقام. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ:﴾ لدلالات واضحة، وبراهين ساطعة على قدرتنا، ووحدانيتنا. ﴿لِأُولِي النُّهى:﴾ لذوي العقول السليمة الناهية عن التغافل، والتعامي عن التبصر والاعتبار. هذا؛ وانظر شرح (أولي) في الآية رقم [٥٤].\nالإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَهْدِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفي الفاعل أقوال كثيرة.\nقال ابن هشام في مغنيه بعد أن رد قول ابن عصفور: إنّ ﴿كَمْ﴾ فاعل، مردود بأنّ ﴿كَمْ﴾ لها الصدر، فقال: وإنما الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أو ضمير العلم، أو الهدى المدلول عليه بالفعل، أو جملة: ﴿أَهْلَكْنا﴾ على القول بأن الفاعل يكون جملة، وجوز أبو البقاء كونه ضمير الإهلاك المفهوم من الجملة، وليس هذا من المواطن التي يعود الضمير فيها على المتأخر. انتهى. هذا؛ واعتبر الجلال الفاعل المصدر المأخوذ من ﴿أَهْلَكْنا﴾ واعتذر عن ذلك بقوله: وما ذكر من أخذ «إهلاك» من فعله الخالي عن حرف مصدري لرعاية المعنى لا مانع منه.\n ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب","vol":"5","page":753},{"text":"مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل ﴿يَهْدِ﴾ وهو معلق عن العمل فيها لفظا؛ لأن «كم» الخبرية تعلق ذكره ابن هشام في المغني، أو في محل رفع فاعل على حسب ما رأيت في الفاعل. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله والأولى تعليقه بمحذوف حال من القرون، التقدير: من القرون كائنين قبلهم، ومثله في آية (السجدة) رقم [٢٦] والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿كَمْ﴾ و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم فيها. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة تمييز ﴿كَمْ﴾ المحذوف؛ فإن التقدير: كم قرنا من القرون أهلكنا.\n ﴿يَمْشُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الضمير فقط. ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء.\n (آيات): اسم إن مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.\n ﴿لِأُولِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آيات) وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(أولي) مضاف، و﴿النُّهى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكلام: ﴿أَفَلَمْ..﴾. إلخ كله مستأنف، أو معطوف على كلام محذوف، التقدير: أغفلوا، فلم يهد... إلخ، لا محل له على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2477\"></span>﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ولولا حكم أزلي سبق في علمه تعالى بتأخير العذاب عن أمة محمد ﷺ إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة؛ لكان العذاب واقعا بأهل مكة، والمكذبين له ﷺ، كما وقع ولزم القرون الماضية، والأمم الخالية الكافرة التي كذبت رسلها.\nهذا؛ وانظر شرح: ﴿كَلِمَةٌ﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وإعلال ﴿مُسَمًّى﴾ مثل إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).\nوانظر شرح ﴿لِزامًا﴾ في الآية رقم [٧٧] من سورة (الفرقان) فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿كَلِمَةٌ:﴾ مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا، تقديره: موجودة. ﴿سَبَقَتْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿كَلِمَةٌ﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية صفة ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة في جواب","vol":"5","page":754},{"text":"(لولا). (كان): ماض ناقص، واسمه محذوف معلوم من المقام، التقدير: لكان العذاب.\n ﴿لِزامًا:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية جواب (لولا) لا محل لها. ﴿وَأَجَلٌ:﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾. وقال الجلال: معطوفة على اسم كان المستتر، وقام الفصل بخبرها مقام التأكيد.\nويكون التقدير: لكان العذاب، أو الأخذ العاجل وأجل مسمى، لازمين لهم، كما كانا لازمين لعاد، وثمود، وغيرهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة أجل مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، ولولا، ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2478\"></span>﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠)﴾\nالشرح: ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ:﴾ أمر الله نبيه ﷺ بالصبر على أقوالهم: إنه ساحر، إنه كذاب، إنه كاهن إلى غير ذلك. والمعنى: لا تكترث بهم، فإن لعذابهم وقتا مضروبا لا يتقدم، ولا يتأخر. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: صل، وأنت حامد لربك على هدايته، وتوفيقه، أو نزهه عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من النقائص، حامدا له على ما ميزك به، معترفا بأنه مولي النعم كلها.\n ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ أي: صلاة الفجر. ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِها:﴾ يعني: الظهر، والعصر؛ لأنهما آخر النهار، أو العصر وحده. ﴿وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ﴾ أي: من أوقاته، وساعاته. ﴿فَسَبِّحْ﴾ أي: فصل المغرب، والعشاء. قال ابن عباس﵄-: يريد أول الليل، وإنما قدم زمان الليل فيه لاختصاصه بمزيد من الفضل، فإن القلب فيه أجمع والنفس أميل إلى الراحة، فكانت العبادة فيه أحزم؛ ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. ﴿وَأَطْرافَ النَّهارِ:﴾ تكرير لصلاتي: الصبح، والمغرب. انتهى. بيضاوي. وفي القرطبي: المغرب، والظهر؛ لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول، وأول طرف النهار الآخر، فهي في طرفين منه، ومثله في الخازن، وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇، والآية رقم [١٧] و[١٨] من سورة (الروم).\nتنبيه: جاء لفظ التسبيح بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى، استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع: المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة، وقد عدّي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ: وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبّحته بعدته من السوء، منقول من: سبّح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل","vol":"5","page":755},{"text":"اللام في نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد يسبح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. انتهى نسفي من سورة (الحديد).\n ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ أي: لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به. وقيل: معناه لعلك ترضى بالشفاعة العظمى. هذا؛ ويقرأ: «(ترضى)» بضم التاء؛ أي: لعلك تعطى ما يرضيك. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٤٤] وانظر شرح (الليل، والنهار) في الآية رقم [٩] من سورة (الإسراء). وانظر (الحمد، والشكر) في الآية رقم [٣٩] من سورة (إبراهيم) ﵇.\nأما ﴿آناءِ﴾ فواحدها: أنى بفتح الهمزة، والنون، أو إنى بكسر الهمزة، وفتح النون، أو أني بالفتح والسكون، أو إني بالكسر والسكون، أو إنو بالكسر والسكون وبالواو، وكل واحد من هذه المفردات الخمس يطلق على الساعة من الزمان. وانظر مفرد (آلاء) في الآية رقم [٦٩] من سورة (الأعراف) فهو قريب منه، وأما (أطراف) فهو جمع: طرف بفتحتين، وهو في الأصل:\nحرف الشيء، ومنتهاه. وانظره بفتح الطاء وسكون الراء في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) صلّى الله على محمد، وعليه، وسلم.\nالإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو على شيء يقولونه، وعلى الثالث تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: فاصبر على قولهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: الفاء الفصيحة، التقدير: إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال، بل إمهال، وهو واقع بهم، وآت عليهم فاصبر، وهو تكلف كما ترى. ﴿وَسَبِّحْ:﴾\nأمر، وفاعله أنت. ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: سبح ملتبسا بحمد، و(حمد) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (سبح)، و﴿قَبْلَ:﴾\nمضاف، و﴿طُلُوعِ﴾ مضاف إليه، و﴿طُلُوعِ﴾ مضاف، و﴿الشَّمْسِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِها:﴾\nمعطوف على سابقه، وجملة: ﴿وَسَبِّحْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَمِنْ آناءِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و﴿آناءِ:﴾ مضاف، و﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿فَسَبِّحْ:﴾ الفاء: زائدة. وقيل: عاطفة على مقدر، أو واقعة في جواب شرط مقدر، والمعتمد الأول. (سبح): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَأَطْرافَ:﴾ معطوف على محل (من آناء) فهو ظرف بلا ريب. وقيل: معطوف على: (قبل) والأول: أقوى، و(أطراف): مضاف، و﴿النَّهارِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَعَلَّكَ:﴾ حرف","vol":"5","page":756},{"text":"مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَرْضى:﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل خبر (لعل) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكَ..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من فاعل (سبح) المستتر، التقدير: سبح أي: صل حال كونك راجيا وطامعا في أن الله يرضيك بما يعطيك من الثواب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2479\"></span>﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ..﴾. إلخ: المعنى لا تتطلع يا محمد، ولا تنظر إلى ما أعطيناه الكفار من متع الحياة الدنيا، ولذائذها وشهواتها، فإن ذلك لا دوام له، ولا بقاء، وما أعطيناه الكفار من حطام الدنيا الفاني إنما هو كالزهرة تتفتح في أول النهار، ثم تذبل في آخره، فقد نهى الله النبي ﷺ عن الرغبة في الدنيا، ومزاحمة أهلها عليها، ولذا كان لا ينظر إلى شيء من متعها، ولا يلتفت إليه، ولا يستحسنه.\n ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ:﴾ لنختبرهم. وقيل: لنجعل ذلك فتنة لهم، وضلالا، فيزدادوا كفرا، وطغيانا، ومعنى أزواجا: أصنافا من الكفرة. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ أي: ما ادخر لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوة. ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى:﴾ أفضل، وأدوم؛ لأنه لا ينقطع، ولا ينتهي. هذا؛ وانظر شرح (العين) في الآية رقم [٨٦] من سورة (الكهف)، وشرح ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٤٤] منها.\nقال القرطبي رحمه الله تعالى: قال بعض الناس: سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله ﷺ قال: نزل ضيف برسول الله ﷺ، فأرسلني ﵇ إلى رجل من اليهود، وقال: «قل له يقول لك رسول الله: نزل بنا ضيف، ولم يلف عندنا بعض الذي يصلحه، فبعني كذا، وكذا من الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب». فقال: لا، إلا برهن. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته، فقال: «والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض، ولو أسلفني، أو باعني؛ لأديت إليه، اذهب بدرعي إليه». ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا.\nقال ابن عطية: وهذا معترض أن يكون سببا؛ لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي ﷺ؛ لأنه مات؛ ودرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت، وإنما الظاهر: أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك: أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة، ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه ﷺ بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم، وما في أيديهم من الدنيا؛ إذ ذلك منصرم عنهم، صائر إلى خزي. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٨] من سورة (الحجر) ففيها كبير فائدة. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.","vol":"5","page":757},{"text":"الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَمُدَّنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَيْنَيْكَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿إِلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَتَّعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿أَزْواجًا:﴾ فيه، وجهان: أحدهما أنه مفعول به، وهو واضح، والثاني: أنه حال من الضمير في ﴿بِهِ﴾ فيكون فيه مراعاة لفظ ﴿ما﴾ مرة ومعناها أخرى، فلذلك جمع. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَزْواجًا﴾ على اعتباره مفعولا به، أو هما متعلقان بمحذوف مفعول به على اعتبار: ﴿أَزْواجًا﴾ حالا، وجملة:\n ﴿وَلا تَمُدَّنَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَاصْبِرْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿زَهْرَةَ:﴾ فيه تسعة أوجه: أحدها: أنه مفعول به ثان على تضمين: ﴿مَتَّعْنا﴾ معنى:\n «أعطينا»، والأول: هو ﴿أَزْواجًا﴾ أو متعلق ﴿مِنْهُمْ﴾ حسب ما رأيت، الثاني: أن يكون بدلا من ﴿أَزْواجًا﴾ وذلك إما على حذف مضاف؛ أي: ذوي زهرة. وإما على المبالغة جعلوا نفس الزهرة.\nالثالث: أن يكون منصوبا بفعل مضمر دل عليه ﴿مَتَّعْنا﴾ تقديره: جعلنا لهم زهرة، أو آتيناهم.\nوهو قول ابن هشام في المغني. الرابع: نصبه على الذم؛ أي: أذم زهرة، وسماه الزمخشري النصب على الاختصاص. الخامس: أن يكون بدلا من موضع الموصول، ورد هذا ابن هشام في مغنيه، ورده مكي أيضا لأن: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ من صلة ﴿مَتَّعْنا،﴾ وجملة: ﴿مَتَّعْنا﴾ صلة الموصول، فيلزم الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وبأن الموصول لا يتبع قبل كمال صلته.\nالسادس: أن يكون بدلا من محل: ﴿بِهِ﴾ قال ابن هشام: وفيه ما ذكر؛ أي: ما المانع المذكور، وزيادة الإبدال من العائد، وبعضهم يمنعه بناء على أنّ المبدل منه في نية الطرح، فيبقى الموصول بلا عائد في التقدير. السابع: أن ينتصب على الحال من ﴿ما﴾ الموصولة. الثامن: أنه حال من الهاء في ﴿بِهِ،﴾ وهو ضمير الموصول، وهذا كالذي قبله، وإن التنوين حذف لسكونه وسكون اللام من ﴿الْحَياةِ﴾ وإن جر ﴿الْحَياةِ﴾ على أنه بدل من (ما) كما قرئ: «(ولا الليل سابق النهارَ)» فنصب النهار بسابق على تقدير حذف التنوين بسكونه وسكون اللام، وهو قول عزاه مكي لأبي محمد من غير تسمية له، ورده ابن هشام. التاسع: أنه تمييز ل: ﴿ما﴾ أو للهاء في ﴿بِهِ﴾ قاله الفراء. قال ابن هشام: وهذا على مذهب الكوفيين في تعريف التمييز. وقال مكي: ويجوز أن تنصب ﴿زَهْرَةَ﴾ على أنها موضوعة موضع المصدر، موضع «زينة» مثل: (صنع الله) و(وعد الله) وفيه نظر، فيكون وجها عاشرا. انتهى. جمل نقلا من السمين. وفيه ما أدخلته من قول ابن هشام وقول مكي، رحم الله الجميع رحمة واسعة، وحشرنا معهم في مستقر رحمته.","vol":"5","page":758},{"text":"﴿لِنَفْتِنَهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والهاء مفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿مَتَّعْنا﴾. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرِزْقُ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (رزق): مبتدأ، و«هو» مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من: إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوف عليه، وفاعلهما مستتر فيهما وجوبا، تقديره: «هو»، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها. وقيل: حال. ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-2480\"></span>﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ:﴾ أمر الله نبيه ﷺ بأن يأمر أهل بيته، أو التابعين له من أمته بالصلاة بعد ما أمره بها، ويدخل في عموم هذا الأمر جميع أمته، وأهل بيته على التخصيص، وكان ﷺ بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة، وعلي رضوان الله عليهما، فيقول: الصلاة، ويروى: أن عروة بن الزبير﵄كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين، وأحوالهم بادر إلى منزله، فدخله، وهو يقرأ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ..﴾. إلخ، ثم ينادي بالصلاة، ويقول: الصلاة يرحمكم الله! ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ أي: داوم عليها، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.\n ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا﴾ أي: لا نطلب منك أن ترزق نفسك وأهلك، بل نحن نتكفل برزقك، وإياهم؛ وقد قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وكان ﷺ إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة.\n ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ أي: العاقبة المحمودة لأهل التقوى. قال ابن عباس﵄-:\nالذين صدقوك، وآمنوا بك، واتبعوك.\nالإعراب: ﴿وَأْمُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اؤمر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿أَهْلَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿بِالصَّلاةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَأْمُرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اصبر...) إلخ لا محل لها مثلها، وجملة:\n ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَسْئَلُكَ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره:\n «نحن»، والكاف مفعول به أول. ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف المخاطب، والرابط: الضمير فقط. وانظر مجيء الحال من المضاف إليه في الآية رقم [٢٣] من سورة (الإسراء). ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.\n ﴿نَرْزُقُكَ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول، والثاني:","vol":"5","page":759},{"text":"محذوف، التقدير: نرزقك ما نشاء، ونحوه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للنفي لا محل لها، أو هي مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (العاقبة): مبتدأ. ﴿لِلتَّقْوى:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2481\"></span>﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار مكة. ﴿لَوْلا يَأْتِينا:﴾ هلا يأتينا محمد ﷺ. ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: معجزة تدل على صدقه، وذلك كعصا موسى، أو ناقة صالح، أو كالذي اقترحوه من شق الأنهار حول مكة، وتسيير الجبال، وغير ذلك، كما رأيت في الآية رقم [٩٠] من سورة (الإسراء) وما بعدها.\n ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ يريد: التوراة، والإنجيل، والكتب المتقدمة التي بشرت بمحمد ﷺ. وأيضا ما ذكر فيها من إهلاك الأمم السابقة الذين اقترحوا الآيات فلما أتتهم، ولم يؤمنوا؛ أهلكوا. وأيضا، فإن القرآن الكريم قد جمع بين دفتيه زبدة ما في الكتب المتقدمة من العقائد والأحكام مع أن الآتي بها أمّيّ لم يرها، ولم يتعلم من علمها، أليس في ذلك معجزة باهرة وبرهان ساطع على نبوة محمد ﷺ؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يَأْتِينا:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الرسول ﷺ، و(نا): مفعول به. ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آية) والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: عاطفة على مقدر يقتضيه المقام، كأنه قيل: ألم تأتهم سائر الآيات، ولم تأتهم خاصة بينة. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء والتاء سبعيتان. ﴿بَيِّنَةُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويقرأ «(بينة)» بالتنوين منصوبا ومرفوعا، فالنصب على الحال من ﴿ما﴾ وقد قدمت عليها، والرفع على أنها فاعل، و﴿ما:﴾ بدل منها، أو خبر مبتدأ محذوف، وتكون الجملة صفة ﴿بَيِّنَةُ﴾. ﴿فِي الصُّحُفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول.\n ﴿الْأُولى:﴾ صفة الصحف مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ والكلام: ﴿لَوْلا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"5","page":760},{"text":"<span id=\"aya-2482\"></span>﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل بعثة محمد ﷺ وإنزال القرآن. ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا..﴾. إلخ: أي: لقالوا يوم القيامة: هلا أرسلت إلينا يا ربنا رسولا يدعونا إلى الإيمان ويبيّن لنا ما يجب علينا من عبادتك، وتقديسك. ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ..﴾.\nإلخ: أن نذل بالقتل، والسبي في الدنيا، ﴿وَنَخْزى﴾ بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم في الآخرة. هذا؛ ويقرأ الفعلان للمعلوم بالبناء للمجهول.\nهذا؛ وروى أبو سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ في الهالك في الفترة والمعتوه، والمولود. قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ولا رسول، ثمّ تلا الآية: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ..﴾. إلخ. ويقول المعتوه: ربّ لم تجعل لي عقلا، أعقل به خيرا، ولا شرّا. ويقول المولود: ربّ لم أدرك العمل. فترفع لهم نار، فيقول لهم: ردوها وادخلوها.\nقال: فيردها، أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيّا لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: إياي عصيتم، فكيف رسلي لو أتتكم؟!». وبه احتج من قال: إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة. انتهى. قرطبي. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء) بشأن أهل الفترة.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها.\n ﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. وانظر إعراب (نذرت) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف صفة (عذاب) جيد معنى، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط لو عند المبرد، التقدير: ولو حصل، أو وقع عذابهم من قبل مبعث الرسول ﷺ. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو هلاكهم حاصل، أو واقع. وقول المبرد هو المرجح لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفاعل المقدر على قول المبرد، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لَقالُوا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و(نا):","vol":"5","page":761},{"text":"في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أَرْسَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به.\n ﴿فَنَتَّبِعَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفاعل السابق، التقدير: لولا حصل إرسال رسول إلينا، فاتباع منا... إلخ. ﴿آياتِكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿قَبْلِ:﴾ مضاف، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَذِلَّ﴾ على القراءتين في محل جر بالإضافة. (نخزى): مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل، أو نائب الفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». هذا؛ والكلام: ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿لَقالُوا..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2483\"></span>﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى (١٣٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أي: كل واحد منا، ومنكم. ﴿مُتَرَبِّصٌ:﴾ منتظر دوائر الزمان، وذلك: أن المشركين كانوا يقولون: نتربص بمحمد ريب المنون، وحوادث الدهر، فإذا مات تخلصنا منه، وكان المؤمنون من جهتهم ينتظرون النصر، والعزة، وعلو شأن الإسلام، وذلّ الكافرين المعاندين. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ:﴾ هذا وعيد وتهديد، والمعنى:\nستعلمون إذا جاء نصر الله للمؤمنين من أصحاب الطريقة المستقيمة، ومن هم أصحاب الطريقة المعوجة، وستعلمون من اهتدى إلى الحق وإلى النعيم المقيم، ومن ضل وانحرف إلى الباطل، ومآله العقاب الشديد، والعذاب الأليم في نار الجحيم. فحذف أحد المتقابلين لدلالة الآخر عليه. هذا؛ ويقرأ: «(الصراط السواء)» أي: الوسط الجيد، وقرئ «(السّوء)» بفتح السين، و«(السوأى)» تأنيث الأسوأ، وقرئ و«(السُّوى)».\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ. وانظر الشرح لحذف المضاف إليه. ﴿مُتَرَبِّصٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فَتَرَبَّصُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (تربصوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله والألف للتفريق. وانظر إعراب: (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الأمر كذلك؛ فتربصوا. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. السين:\nحرف استقبال. (تعلمون): مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على","vol":"5","page":762},{"text":"السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وأصحاب مضاف، و﴿الصِّراطِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (تعلمون) أو مسد مفعول واحد؛ لأنه علق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ وأجاز الفراء اعتبار (من) موصولة مفعولا به، وعليه ف: ﴿أَصْحابُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الذين هم أصحاب، والجملة الاسمية صلة الموصول، وضعف هذا القول؛ لأن العائد قد حذف، ولم تطل الصلة. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، وجملة: ﴿اِهْتَدى﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. هذا وعلى اعتبار: (من) موصولة، فهي معطوفة على ما قبلها، وجملة ﴿اِهْتَدى﴾ صلتها، وهذا يقوي ما قاله الفراء، و(أصحاب): مضاف، و﴿الصِّراطِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿السَّوِيِّ:﴾ صفة الصراط. بعد هذا فالكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (طه) بعونه تعالى تفسيرا وإعرابا.\n**","vol":"5","page":763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2405>سورة الأنبياء</span>\nوهي مكية بالإجماع، وآياتها مئة واثنتا عشرة آية، وكلماتها ألف ومئة وثمان وستون كلمة، وحروفها أربعة آلاف وثمانمئة وتسعون حرفا. انتهى. خازن.\nتنبيه: انظر شرح الاستعاذة، والبسملة، وإعرابهما في أول سورة (الفاتحة) أو في سورة (يوسف) على نبينا وحبيبنا، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-2484\"></span>﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾\nالشرح: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ أي: وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم يوم القيامة.\nنزلت الآية في منكري البعث. هذا؛ وقد قال ابن عباس﵄-: المراد بالناس هنا المشركون بدليل الآيتين. وقيل: المراد عموم الناس؛ إذا كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش، وهو الصحيح؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، والأحكام الشرعية نزلت بأسباب معلومة، ومعروفة، وهي عامة إلى يوم القيامة.\n ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ:﴾ عن التأهب لذلك اليوم، والاستعداد له.\nتنبيه: قال عبد الله بن مسعود﵁-: (الكهف) و(مريم) و(طه) و(الأنبياء) من العتاق الأول، وهنّ من تلادي. يريد من قديم ما كسب، وحفظ من القرآن الكريم كالمال التلاد. وروي: أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يبني جدارا، فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ..﴾. إلخ فنفض يده من البنيان، وقال: والله لا بنيت أبدا؛ وقد اقترب الحساب. انتهى.\nقرطبي.\nهذا؛ و(الناس) جمع لا واحد له من لفظه مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده: إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنسان، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله:\nالأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم لا يكاد","vol":"6","page":5},{"text":"يقال: للناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقيل: إن أصله: النوس، ولم يحذف منه شيء وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وانظر شرح الإنسان في الآية [١١] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿اِقْتَرَبَ:﴾ ماض. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حِسابُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:\nواو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي غَفْلَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر أول. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، هذا؛ وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿مُعْرِضُونَ﴾ تقدم عليه. والأول أقوى، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من (الناس) والرابط: الواو والضمير. وجملة: ﴿اِقْتَرَبَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-2485\"></span>﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أي: جديد، أو متجدد إنزاله، لا أنه مخلوق، والمراد ب: (الذكر) الآيات التي تنزل بعد الآيات، والسورة التي تنزل بعد السورة. أو المراد به ما يذكرهم به النبي ﷺ ويعظهم، وإضافته إلى ﴿رَبِّهِمْ؛﴾ لأنه ﷺ لا ينطق إلا بالوحي، فقوله، ووعظه، وتحذيره ذكر وهو محدث، وانظر شرح ﴿ذِكْرًا﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (طه). ﴿إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ﴾ أي: الذكر. ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: يستهزئون. وساهون لا هون، لا يعتبرون، ولا يتعظون. هذا؛ و«أتى» يستعمل لازما إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، وقرب، كما في قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ..﴾. إلخ، ويستعمل متعديا إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في الآية ونحوها، ومثله جاء في التعدية، واللزوم مع اختلاف اللفظ، واتفاق المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ذِكْرٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ذكر، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿مُحْدَثٍ﴾ متقدم عليه، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿ذِكْرٍ؛﴾ لأنه وصف بمحدث، وهو أضعف الأقوال. ﴿مُحْدَثٍ:﴾ صفة ﴿ذِكْرٍ﴾ على لفظه، وقرئ بالرفع صفة له على محله، وأجاز الكسائي نصبه على الحال، ولم أجد قراءة بالنصب. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف","vol":"6","page":6},{"text":"حصر. ﴿اِسْتَمَعُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، و«قد» قبلها مقدرة، أو في محل نصب حال من الفاعل الموصوف بما ذكر، والرابط: الضمير الواقع مفعولا به. والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة، وجملة: ﴿ما يَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي تفسير لإعراضهم.\n\n<span id=\"aya-2486\"></span>﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ أي: ساهية معرضة عن ذكر الله، متشاغلة عن التأمل، والتفهم.\nوالمراد: قلوب أهل مكة. ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أي: أخفوا تناجيهم فيما بينهم، وكان تناجيهم بتكذيب الرسول ﷺ، وقد بينهم جل ذكره بقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالشرك، والإعراض عن الذكر الذي جاءهم، وانظر ﴿النَّجْوَى﴾ في الآية رقم [٦٢] من سورة (طه) والحديث الذي أسروه فيما بينهم بينه جل ذكره بقوله: ﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فهم ينكرون إرسال رسول من البشر، وإنما يريدون رسولا من الملائكة، وهذا كثير منهم، ومتكرر في القرآن الكريم، كما في الآية رقم [٩٤] من سورة (الإسراء) والآية رقم [٧] من سورة (الفرقان) ونحوهما، هذا؛ ويفسر (أسروا) ب: (أعلنوا)، فهو من الأضداد.\n ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ أي: تحضرون السحر، وتصغون إليه، وتقبلونه من محمد ﷺ.\n ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ:﴾ ترون بأعينكم: أن ما جاء به هو السحر. ومفاده: توبيخ بعضهم بعضا؛ إن سمعوا الذكر، وقبلوه، واهتدوا به.\nالإعراب: ﴿لاهِيَةً:﴾ حال من واو ﴿يَلْعَبُونَ،﴾ فهي حال متداخلة، أو من واو ﴿اِسْتَمَعُوهُ،﴾ فتكون حالا متعددة، هذا؛ وقرئ بالرفع على أنه خبر آخر للمبتدأ: (هم) أو هو خبر لمبتدأ محذوف. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿لاهِيَةً﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وينبغي أن تعلم أن ﴿لاهِيَةً﴾ في الأصل صفة قلوبهم، فلما تقدم النعت المنعوت انتصب، ومثله قوله تعالى:\n ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾. ﴿وَأَسَرُّوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أسروا):\nماض، والواو فاعل، والألف للتفريق. ﴿النَّجْوَى﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الَّذِينَ:﴾ قال أبو البقاء: في موضعه ثلاثة أوجه. أحدها: الرفع وفيه أربعة أوجه: أحدها أن يكون بدلا من واو الجماعة في أسروا، والواو فاعله، والثاني: أن يكون الذين فاعلا، والواو حرف دال على الجمع فقط، والثالث: أن يكون مبتدأ، والخبر: ﴿هَلْ﴾","vol":"6","page":7},{"text":"﴿هذا..﴾. إلخ والتقدير: يقولون: هل هذا، وهذا لا معنى له، والأولى أن يكون مبتدأ مؤخرا، وجملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ خبرا مقدما، والرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين ظلموا، وهذه الأوجه الأربعة ذكرتها في الآية [٧٤] من سورة (المائدة) ويزاد هنا الوجه الثاني، وهو أن يكون منصوبا على إضمار: أعني، والوجه الثالث: أن يكون مجرورا صفة ل: (الناس) أو بدلا منه على بعد من ذلك، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَسَرُّوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة ﴿بَشَرٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَفَتَأْتُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: عاطفة على محذوف. (تأتون): مضارع مرفوع... إلخ، الواو فاعله.\n ﴿السِّحْرَ:﴾ مفعول به. هذا؛ والجملتان: ﴿هَلْ هذا..﴾. إلخ بدل من ﴿النَّجْوَى﴾ أو تفسير لها، أو هما في محل نصب مقول القول محذوف هو جواب عن سؤال مما قبله، كأنه قيل: فماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: ﴿هَلْ هذا..﴾. إلخ.\nوأجيز اعتبارها مفعولا به ل: ﴿النَّجْوَى،﴾ لأنها في معنى القول، وهو أضعف الأقوال الثلاثة، هذا؛ وعلى الاعتبار الأول تكون الجملة أبدلت من المفرد، وقد استشهد بها ابن هشام في المغني لذلك، وذكر قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٨٢٥] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] لقد أذهلتني أمّ عمر وبكلمة... أتصبر يوم البين أم لست تصبر؟\nوالجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة والرابط: الواو والضمير.\n\n<span id=\"aya-2487\"></span>﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: قال محمد ﷺ، ويقرأ بلفظ الأمر. ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ:﴾\nوالمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذي أسروا النجوى: ربي يعلم كل قول في السماء والأرض؛ سواء أكان سرا، أم كان جهرا، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوالهم. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بما في ضمائرهم.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الرسول ﷺ. ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾. ﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان","vol":"6","page":8},{"text":"بمحذوف حال من ﴿الْقَوْلَ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَعْلَمُ،﴾ وهو ضعيف.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر أول، ومتعلقه محذوف. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان، ومتعلقه محذوف أيضا، والجملة الاسمية (هو...) إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ المستتر، والرابط: الواو والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، وإن عطفتها على ما قبلها؛ فهي في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2488\"></span>﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ قالُوا..﴾. إلخ: المعنى: إنهم متحيرون، لا يستقرون على شيء فيما يطعنون فيه الرسول ﷺ وفيما جاء به، فقالوا مرة: سحر، وقالوا مرة: هو أضغاث أحلام، ومرة قالوا:\nافتراه، ومرة قالوا: شاعر. وقيل: قال فريق منهم: إنه ساحر، وفريق قالوا: إنه أضغاث أحلام، وفريق قالوا... إلخ، وانظر شرح ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ في الآية رقم [٤٤] من سورة (يوسف) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: كما أرسل موسى بالعصا، واليد، وصالح بالناقة، وعيسى بإبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى. والمعنى: إن كان صادقا في دعواه؛ فليأتنا بمعجزة تدل على صدقه كما أتى الأنبياء السابقون بمعجزات واضحة أيدت دعواهم. وانظر شرح «أول» في الآية رقم [٢٤] من سورة (النحل) هذا؛ و(آية) تطلق على معان كثيرة: الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وتطلق على المعجزة، وهي المرادة هنا، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق.\n ﴿أَضْغاثُ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو أضغاث، و﴿أَضْغاثُ﴾ مضاف، و﴿أَحْلامٍ﴾ مضاف إليه، ﴿بَلْ:﴾ مثل سابقه. ﴿اِفْتَراهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الرسول المقصود بهذا، والهاء مفعول به. ﴿بَلْ هُوَ شاعِرٌ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فَلْيَأْتِنا:﴾\nالفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، انظر الشرح. ﴿فَلْيَأْتِنا:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط المقدر.","vol":"6","page":9},{"text":"﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية، ﴿أُرْسِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْأَوَّلُونَ:﴾ نائب فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ.\nو(ما) مصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: فليأتنا بآية إتيانا كائنا مثل إرسال الأولين، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة (آية)، هذا؛ والجمل المتعاطفة كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ معطوفة على مضمون: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى..﴾. إلخ لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2489\"></span>﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ:﴾ قبل أهل مكة. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ من أهل قرية، أتتهم المعجزات، فلم يؤمنوا، ولم يوحدوا. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ أهلكنا أهلها لما كذبوا، وزادوا في عنادهم، وعتوهم كقوم نوح، وهود، وصالح، وكفرعون، ومن على شاكلته. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لو جئتهم يا محمد بما طلبوا، وهم أعتى منهم، وأشد نفورا. وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم، إذ لو أتى به، ولم يؤمنوا؛ استوجبوا عذاب الاستئصال كالذين قبلهم، وقد علم الله وقدر، أنه سيخرج من أصلابهم من يؤمن، ويحمل راية الإسلام، وينشرها في أنحاء المعمورة، والتاريخ الإسلامي أكبر شاهد على ذلك.\nهذا؛ و﴿مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ الأصل: من أهل قرية فقد حذف المضاف للإيجاز، وهذا النوع من المجاز مشهور في كلام العرب، نظمه، ونثره، و«القرية» في الأصل: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من:\nقريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية: بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها قرويّ وقرييّ.\nأما الإيمان الصحيح: فهو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول ﷺ عنه؛ قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر، خيره، وشره من الله تعالى».\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿آمَنَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.","vol":"6","page":10},{"text":"﴿قَرْيَةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿آمَنَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿قَرْيَةٍ﴾ على اللفظ. ﴿أَفَهُمْ:﴾ الهمزة:\nحرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف استئناف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2490\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: هذا رد لقول قريش حين أنكروا نبوة محمد ﷺ، وقالوا:\n ﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وقالوا: الله أعظم وأجل من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا، انظر الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) ﵇ ففيها كبير فائدة، والمعنى هنا، وهناك: أن سنة الله جارية من أول مبدأ الخلق: أنه لم يبعث إلا رسولا من البشر، فهذه عادة مستمرة، وسنة جارية قديمة.\n ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ:﴾ أهل الكتاب، وهم علماء اليهود، والنصارى. وإنما أمرهم الله تعالى بسؤال أهل الكتاب؛ لأن كفار مكة كانوا أميين، ويعتقدون: أن أهل الكتاب أهل علم، وقد أرسل الله إليهم رسلا منهم، مثل عيسى، وموسى، وغيرهما من الرسل، وكانوا بشرا مثلهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ ذلك، وفي الآية الكريمة دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة، ولا ملكا، ولا جنيا للدعوة العامة، وفي آية (يوسف) زيادة: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾. وينبغي أن تعلم: أن الله أمر كفار قريش الأميين أن يسألوا أهل العلم من اليهود، والنصارى عما هم جاهلون به، فالأحرى بالجاهلين من المسلمين أن يسألوا علماءهم عن أمور دينهم، وعما هم جاهلون به، من أمر الدنيا، والآخرة، فخصوص السبب لا يمنع التعميم في كل زمان ومكان، ولكن الكثير من المسلمين بمعزل عن ذلك؛ حتى إن الأكثرية الساحقة من المصلين لا يحسنون وضوءهم، ولا صلاتهم؛ لأنهم لا يجالسون أهل العلم، ولا يسمعون منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وينبغي أن تعلم: أن الآية الكريمة مذكورة بحروفها برقم [٤٣] من سورة (النحل)، وانظر ما ذكرته فيها من إعلال وغيره.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل وفاعل.\n ﴿قَبْلَكَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رِجالًا:﴾ مفعول به. ﴿نُوحِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء،","vol":"6","page":11},{"text":"والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، هذا؛ ويقرأ: «(يوحى)» بالبناء للمجهول، فتكون علامة الرفع مقدرة على الألف. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿نُوحِي،﴾ وهما في محل رفع نائب فاعل على القراءة الثانية، والجملة الفعلية على القراءتين في محل نصب صفة ﴿رِجالًا،﴾ وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَسْئَلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، ويعتبرها ابن هشام للسببية المحضة، وهي حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر. (اسألوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَهْلَ:﴾ مفعول به، و﴿أَهْلَ:﴾ مضاف، و﴿الذِّكْرِ:﴾\nمضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنتم جاهلين؛ فاسألوا... إلخ، وهذا الكلام مستأنف، أو معطوف على ما قبله لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿إِلاّ:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، والجملة الشرطية تذييل للكلام السابق، ومؤكدة له، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2491\"></span>﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ﴾ أي: الرسل. ﴿جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ:﴾ هذا رد لقولهم في الفرقان: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾. ﴿وَما كانُوا خالِدِينَ:﴾ هذا رد لقولهم: ﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ والمعنى: لم نجعل الرسل قبل محمد ﷺ خارجين عن طباع البشر، لا يحتاجون إلى طعام، وشراب، ولا يموتون؛ بل هم بشر مثلكم في كل ما تحتاجون إليه، وفي كل ما يصيبكم في هذه الدنيا من مرض، وموت... إلخ.\nهذا؛ و(جسد) اسم جنس، أو هو مصدر، ولهذا لم يجمع، وهو جسم ذو لون، ولذلك لا يطلق على الماء والهواء، والجسد هو الذي له جرم، تقول: تجسد الشيء، كما تقول عن الجسم: تجسم، والجسد أيضا: الزعفران، ونحوه من أنواع الصبغ، وهو أيضا الدم؛ لأنه يتجسد، قال النابغة الذبياني: [البسيط]\nفلا لعمر الّذي مسّحت كعبته... وما هريق على الأنصاب من جسد\nفهو يقسم بالله أولا، ثم بالدماء التي كانت تصبّ في الجاهلية على الأصنام.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿جَعَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿جَسَدًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من الضمير المنصوب. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَأْكُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية","vol":"6","page":12},{"text":"في محل نصب صفة جسدا، أو هي في محل نصب حال أخرى، وجملة: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-2492\"></span>﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ﴾ أي: الرسل. وذلك بإنجائهم، ونصرهم، وإهلاك مكذبيهم، وانظر (الوعد) في الآية رقم [٥٤] من سورة (مريم) ﵍. ﴿فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ:﴾ يعني ومن اتبعهم، واهتدى بهديهم، ومن في إبقائه حكمة، كمن سيؤمن في المستقبل، أو يخرج من صلبه من يؤمن؛ ولذلك حفظت العرب من عذاب الاستئصال. ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ:﴾ المجاوزين الحد في الكفر، والمعاصي، هذا؛ وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿صَدَقْناهُمُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿الْوَعْدَ:﴾\nمفعول به ثان، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض؛ لأن الفعل: «صدق» يتعدى للثاني بحرف الجر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجملة:\n ﴿فَأَنْجَيْناهُمْ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول؛ أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الضمير المنصوب، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شخصا نشاء إنجاءه، وجملة: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-2493\"></span>﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ:﴾ يا معشر قريش. ﴿كِتابًا:﴾ هو القرآن الكريم. ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ:﴾ شرفكم؛ إن عملتم به، وفخركم؛ إن اهتديتم بهديه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ وهو شرف، وفخر لنا؛ إن عملنا بما فيه. وقيل: فيه موعظتكم؛ لتتعظوا به، فيكون الذكر بمعنى الوعد والوعيد. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ فيه بعث، وحث على التدبر؛ لأن الخوف من لوازم العقل. هذا؛ وانظر: (أنزل) و(نزل) في الآية رقم [٢] من سورة (طه).","vol":"6","page":13},{"text":"هذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، والقبائح؛ لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، وخذ ما يلي: [البسيط]\nلم يبق من جلّ هذا الناس باقية... ينالها الوهم إلا هذه الصّور\nلا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر\nيقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإنّ كلّهم كالأنعام، والبهائم، ولله درّ القائل:\nلا يدهمنك اللّحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر\nفي شجر السّرو منهم شبه... له رواء وماله ثمر\nورضي الله عن حسّان بن ثابت؛ إذ يقول: [البسيط]\nلا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم الجمال وأحلام العصافير\nفقد ورد: أن رجلا معتوها مرّ على مجلس النبي ﷺ، فقال الصحابة رضوان الله عليهم:\nهذا رجل مجنون، فقال سيد الخلق، وحبيب الحق: «هذا مصاب، إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله». هذا؛ والعقل أيضا: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية، تعقل بباب ولي القتيل، والعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه ليمنعه من القيام، والمشي، والعقال: أيضا صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات: [البسيط]\nسعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس أو بادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كِتابًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو جواب قسم محذوف لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ذِكْرُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، أو من إضافته إلى الفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿كِتابًا﴾.\n ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام؛ أي: ألا تتفكرون فلا تعقلون؟! (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ والواو فاعله، والكلام كله مستأنف لا محل له.","vol":"6","page":14},{"text":"<span id=\"aya-2494\"></span>﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: وأهلكنا كثيرا من القرى، والمراد: أهلها، كما رأيت في الآية رقم [٦] هذا؛ والقصم: الكسر، والمراد به: الإهلاك كما رأيت. ﴿كانَتْ ظالِمَةً﴾ أي: كافرة، والمراد: ظلمات نفسها بالكفر، فكلّ من عصى الله ظلم نفسه التي بين جنبيه.\n ﴿وَأَنْشَأْنا..﴾. إلخ: أي: خلقنا، أو أبدلنا بأهلها الكافرين قوما مؤمنين موحدين، وهو كقوله تعالى في معرض التهديد: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾.\nالإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿قَصَمْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى قرية، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿ظالِمَةً:﴾ خبر ﴿كانَتْ﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿قَرْيَةٍ﴾. (أنشأنا): فعل، وفاعل. ﴿بَعْدَها:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة ﴿وَأَنْشَأْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة (كم قصمنا...) إلخ لا محل لها.\n<span id=\"aya-2495\"></span>﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا:﴾ فلما رأوا شدة عذابنا، أو المراد: مقدمة العذاب، وبوادره.\nوواو الجماعة عائدة إلى أهل القرية. ﴿إِذا هُمْ مِنْها﴾ أي: من القرية. ﴿يَرْكُضُونَ﴾ أي: خرجوا هاربين، فارين، والركض: العدو بشدة، وهو تحريك الرجل بشدة، ومنه قوله تعالى لأيوب ﵇:\n ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ..﴾. إلخ، وركضت الفرس برجلي: استحثثته ليعدو. هذا؛ والبأس: الشجاعة، والقوة، والخوف، وشدة الحرب، والمراد به هنا: العذاب، كما رأيت، ومؤنثه: البأساء بالمد، وما أشبه ما تضمنته الآيتان هنا بما تضمنته الآيات [٦٤ و٦٥ و٦٦] من سورة (المؤمنون).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿أَحَسُّوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا؛ لأنها تكون ابتدائية. ﴿إِذا:﴾ فجائية واقعة في جواب (لمّا) وانظر","vol":"6","page":15},{"text":"الآية رقم [٩٧] الآتية لتفصيل الأقوال فيها. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة: ﴿مِنْها يَرْكُضُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر محل الجملة الاسمية في الآية المذكورة و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، و﴿إِذا هُمْ..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2496\"></span>﴿لا تَرْكُضُوا وَاِرْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ أي: لا تفرّوا. قيل: إن الملائكة نادتهم لمّا انهزموا عند معاينة العذاب استهزاء بهم. ﴿وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ أي: عودوا إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، والخروج عن طاعة ربكم. والمترف: المتنعم بلذائذ الدنيا، وشهواتها. ﴿وَمَساكِنِكُمْ﴾ التي كانت لكم، وتستقرون فيها. ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ أي: عن شيء من دنياكم استهزاء بهم. وقيل:\nالمعنى: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة، فتخبرون به. وفي الخازن: قال ابن عباس -﵄-: تسألون عن قتل نبيكم.\nقيل: نزلت الآيات في أهل «حضور» قرية باليمن، وكان أهلها عربا، فبعث الله إليهم نبيا اسمه: شعيب بن ذي مهدم، وقبره باليمن بجبل يقال له: ضنن كثير الثلج، وليس هو بشعيب صاحب مدين، فدعاهم إلى الله، فكذبوه، وقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر، فقتلهم، وسباهم، فلمّا استمر فيهم القتل؛ هربوا، فقالت لهم الملائكة استهزاء: لا تركضوا، وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم، لعلكم تسألون شيئا من دنياكم، فإنكم أهل ثروة، ونعمة، فتعطون من شئتم، وتمنعون من شئتم، فاتّبعهم بختنصر، وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جو السماء:\nيا لثارات الأنبياء! فلما رأوا ذلك؛ أقروا بالذنب حين لم ينفعهم، وهو ما في الآية التالية.\nانتهى. خازن، وقرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿لا تَرْكُضُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وَارْجِعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أُتْرِفْتُمْ:﴾\nماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد الضمير المجرور محلا ب: (في). ﴿وَمَساكِنِكُمْ:﴾\nمعطوف على ﴿ما﴾ الموصولة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تُسْئَلُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمتعلق محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، انظر القول المذكور في الشرح. تأمل، وتدبر.","vol":"6","page":16},{"text":"<span id=\"aya-2497\"></span>﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا..﴾. إلخ: اعترفوا بالذنوب حين نزل بهم العذاب، ولم يجدوا مخلصا منه ولكن لم ينفعهم اعترافهم، وقالوا ذلك تحسرا، وتأسفا على ما فرط منهم، وانظر شرح (ويل) في الآية رقم [١٨] الآتية.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿يا وَيْلَنا:﴾ (يا): قال الجلال: حرف تنبيه. (ويلنا): قال الجلال: مصدر، لا فعل له من لفظه، وهو يعني: أنه مفعول مطلق، والتحقيق: أنه منادى، ونداء الويل على تشبيهه بشخص يطلب إقباله، كأنه قيل: يا هلاكنا أقبل، فهذا أوانك، ففيه استعارة مكنية، وتخييلية، وفيه تقريع لهم، وإشارة إلى أنه لا صاحب لهم غير الهلاك، وطلبوا هلاكهم؛ لئلا يروا ما هم فيه. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب في سورة (الكهف).\nو(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت النون، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿ظالِمِينَ:﴾\nخبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والكلام: ﴿يا وَيْلَنا..﴾. إلخ كله في محل مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-2498\"></span>﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ:﴾ فما زالوا يرددون: ﴿يا وَيْلَنا..﴾. إلخ وإنما سماه دعوى؛ لأن المدلول كأنه يدعو بالويل والثبور، وعظائم الأمور، ويقول: يا ويل تعال فهذا أوانك.\n ﴿حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا:﴾ مثل النبت الذي يحصد بالمناجل، وهم قد حصدوا بالسيوف، هذا؛ و(حصيد) فعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث.\n ﴿خامِدِينَ:﴾ ميتين، والخمود: الهمود، كخمود النار إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (ما): نافية. ﴿زالَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم (زال) واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿دَعْواهُمْ:﴾ خبر (زال) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَتّى:﴾ حرف جر، وغاية، بعدها «أن» مقدرة. ﴿جَعَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿حَصِيدًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من الضمير المنصوب. ﴿خامِدِينَ:﴾ من تعدد المفعول الثاني، أو من تعدد الحال، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه","vol":"6","page":17},{"text":"جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و«أن» المقدرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل (جعل) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿زالَتْ،﴾ وجملة: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2499\"></span>﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦)﴾\nالشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-في تفسير الآية: وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع، تبصرة للنظار، وتذكرة لذوي الاعتبار، وتسببا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش، والمعاد، فينبغي أن يتسلقوا به إلى تحصيل الكمال، ولا يغترّوا بزخارفها، فإنها سريعة الزوال.\nوقال الخازن-رحمه الله تعالى-: معناه: ما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، وما بينهما للّعب، واللهو؛ وإنما سويناهما لفوائد، منها: التفكر في خلقهما، وما فيهما من العجائب والمنافع؛ التي لا تعد ولا تحصى.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿لاعِبِينَ:﴾ حال من (نا) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَما خَلَقْنَا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-2500\"></span>﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا:﴾ اللهو: المرأة بلغة أهل اليمن، وقال ابن عباس﵄-: اللهو: الولد. وقال الجوهري: وقد يكنى باللهو عن الجماع. قال القرطبي: ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]\nألا زعمت بسباسة اليوم أنّني... كبرت وألاّ يحسن اللهو أمثالي\n ﴿لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ أي: من عندنا من الحور العين، لا من عندكم من أهل الأرض، والمراد به الرد على المشركين؛ الذين قالوا: الأصنام بنات الله، وبعضهم يقول: الملائكة بنات، وفيه الرد أيضا على النصارى في دعواهم المسيح ابن الله. ﴿إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي: ولكن لسنا بفاعلين لاستحالة اللهو علينا بجميع أنواعه من زوجة، وولد، ونحوهما؛ لأنه لا يليق بمقام الربوبية.\nالإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَرَدْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿لَهْوًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَرَدْنا..﴾. إلخ","vol":"6","page":18},{"text":"لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لاتَّخَذْناهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (اتخذناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنّا:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿أَنْ:﴾\nحرف شرط جازم. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(انا):\nاسمها. ﴿فاعِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، ومفعوله محذوف، وجواب الشرط محذوف، التقدير: لكنا لم نفعله، فلم نرده. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَنْ﴾ نافية بمعنى ما، وتكون الجملة في محل نصب حال، والشرطية أقوى معنى. تأمل. و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2501\"></span>﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿نَقْذِفُ:﴾ نلقي، ونرمي. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالإيمان، أو بالقرآن. ﴿عَلَى الْباطِلِ﴾ أي: على الكفر، أو الشيطان، أو ما افتروه على الله من اتخاذه الولد. ﴿فَيَدْمَغُهُ:﴾ فيبطله، ويمحقه، ويقهره. قال النسفي-رحمه الله تعالى-: وهذه استعارة لطيفة؛ لأن أصل القذف، والدمغ في الأجسام، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهابه، فالمستعار منه حسي، والمستعار له عقلي، فكأنه قيل: بل نورد الحق الشبيه بالجسم القوي على الباطل الشبيه بالجسم الضعيف، فيبطله إبطال الجسم القوي الضعيف، انتهى.\n ﴿فَإِذا هُوَ زاهِقٌ:﴾ هالك. والزهوق: ذهاب الروح، وانظر الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ أي: ولكم الهلاك والوبال، مما تصفون الله بما لا يليق به من اتخاذ الصاحبة والولد، هذا؛ وويل كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة: العذاب، والهلاك. وقال ابن عباس﵄الويل: شدة العذاب. وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الويل: واد في جهنّم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذي، هذا؛ و(الويل) مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأن فاءه، وعينه معتلتان، ومثله: ويح، وويس، وويب، وهو لا يثنى، ولا يجمع، وقيل: يجمع على: «ويلات» بدليل قول امرئ القيس: [الطويل]\nويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت لك الويلات إنّك مرجلي\nوإذا أضيفت هذه الأسماء؛ فالأحسن النصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف فالأحسن فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وساغ ذلك لتضمنها معنى خاصا، هذا؛ وويل نقيض الوأل، وهو النجاة، هذا؛ وقد ينادى الويل إذا أضيف إلى ياء المتكلم، أو «نا» وسبقته أداة النداء، مثل:\nيا ويلتي، يا ويلتنا، ولا تنس: أنه قد أنث الويل في هذين اللفظين، وانظر الآية رقم [١٤].","vol":"6","page":19},{"text":"الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب عن الكلام السابق، أي: دع ذلك الذي قالوه، فإنه كذب، وباطل. ﴿نَقْذِفُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿عَلَى الْباطِلِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (الحق) التقدير: مستعليا على الباطل. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَيَدْمَغُهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يدمغه): مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى (الحق) والهاء مفعول به، وهو يعود إلى ﴿الْباطِلِ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، هذا؛ ويقرأ الفعل بالنصب على اعتبار الفاء للسببية، من غير أن تسبق بنفي، أو طلب، وهي قراءة غير سبعية، ومثلها في النصب قول المغيرة بن حبناء: [الوافر]\nسأترك منزلي لبني تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا\nانظر الكلام على هذا البيت في كتابنا فتح القريب المجيب رقم [٣٢٠] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ انظر إعراب الآية رقم [٩٧] فالإعراب واحد. ﴿وَلَكُمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْوَيْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمّا:﴾ قال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال، التقدير: ولكم الويل واقعا، وهذا يعني: أن الحال من ﴿الْوَيْلُ﴾ وكثيرون لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ، والأحسن تعليقهما بمحذوف خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء تصفونه به، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: ولكم الويل من وصفكم الله بما لا يليق به.\n\n<span id=\"aya-2502\"></span>﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَهُ:﴾ ولله، وفيه التفات من التكلم في الآيات السابقة إلى الغيبة. ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا، وهو الخالق لهم، والمنعم عليهم بأصناف النعيم، فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده، وخلقه، وملكه. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني: الملائكة المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك، وقد ادعيتم: أنهم بنات الله. ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ:﴾ لا يأنفون، ولا يتعظمون عنها. ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ:﴾ لا يتعبون. وقيل: لا يملون، ولا يكلّون. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (من):","vol":"6","page":20},{"text":"مبتدأ. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وهي عندية تشريف وتكريم، لا عندية مكان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، هذا؛ وأجيز اعتبار (من) معطوفة على الأولى، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو من الضمير المتصل في: ﴿عِنْدَهُ،﴾ أو من ﴿مَنْ﴾ الأولى أو الثانية على قول من يجيز رفع من في الجار والمجرور: (له) من غير اعتماد على نفي، وشبهه. ﴿عَنْ عِبادَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-2503\"></span>﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿يُسَبِّحُونَ..﴾. إلخ: يقدسون الله، ويعظمونه، ويصلّون له في جميع أوقات الليل والنهار، لا يملون، ولا يسأمون، ولا يضعفون، يلهمون التسبيح، والتقديس، كما يلهمون النفس. قال عبد الله بن الحارث: سألت كعبا، فقلت: أما لهم شغل عن التسبيح؟ أما يشغلهم عنه شيء؟ فقال: من هذا؟ فقلت: من بني عبد المطلب، فضمني إليه، وقال: يا بن أخي! هل يشغلك عن النفس شيء؟ إن التسبيح لهم بمنزلة النفس. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الملائكة أفضل من بني آدم، وقد بينت لك في سورة (النساء) وغيرها: أن خواص بني آدم أفضل من خواص الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم، وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٤] من سورة (الإسراء) ففيها كبير فائدة. وانظر شرح ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ في الآية رقم [١٢] منها.\nالإعراب: ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة من وجه. ﴿اللَّيْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ فهي حال متداخلة من وجه، وغير متداخلة على اعتبار الأولى مستأنفة، وأجيز اعتبارها مستأنفة أيضا.\n<span id=\"aya-2504\"></span>﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً..﴾. إلخ أي: بل اتخذ كفار قريش آلهة مصنوعة من معادن الأرض، وهي الأصنام المتخذة من الحجارة، والخشب، وغيرهما، وهي من الأرض. ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ:﴾ يحيون الموتى، ففيه زيادة توبيخ، وإن لم يدعوا: أنّ أصنامهم تحيي الموتى، وإن لم يقروا بإحياء الموتى، وكيف يدعون ذلك، ومن أعظم المنكرات أن يبعث الموتى من قبورهم","vol":"6","page":21},{"text":"بعض الجمادات، وإنما يعزى لهم ذلك على وجه التبكيت؛ لأنه يلزم من دعوى الألوهية لها دعوى الإنشار؛ لأن العاجز عنه، لا يصح أن يكون إلها؛ إذ لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. والإنشار من جملة المقدورات، وقد عوملت الأصنام وهي لا تعقل معاملة المذكر العاقل؛ حيث جمعت جمعه. انظر الآية رقم [٥٨] الآتية.\nالإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» كما رأيت. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿آلِهَةً،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْشِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب صفة ل: ﴿آلِهَةً﴾.\n\n<span id=\"aya-2505\"></span>﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما:﴾ في السموات والأرض. ﴿آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ:﴾ غير الله، ف:\n ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى «غير» هنا، وهي صفة آلهة: فوصفت بها كما توصف ب: «غير» لو قيل: آلهة غير الله. واعتبره ابن هشام في المغني من تقارض اللفظين في الأحكام، قال: من ملح كلامهم تقارض اللفظين في الأحكام، ولذلك أمثله: أحدهما إعطاء (غير) حكم (إلا) في الاستثناء بها، نحو قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فيمن نصب غير، وإعطاء (إلا) حكم غير في الوصف بها، نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ وانظر الشاهد رقم [١١٩٥] وما بعده من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nولا يجوز رفع ما بعدها على البدل من ﴿آلِهَةٌ؛﴾ لأن الكلام قبل ﴿إِلاَّ﴾ تام موجب، والبدل لا يسوغ إلا في الكلام التام المنفي، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ في قراءة الرفع، ولا يجوز نصبه على الاستثناء لفساد المعنى؛ ولأن الجمع إذا كان منكرا لا يجوز أن يستثنى منه عند المحققين؛ لأنه لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء، ولهذه المسألة نظائر في الشعر العربي، مثل قول ذي الرمة: [الطويل]\nأنيخت، فألقت بلدة فوق بلدة... قليل بها الأصوات إلا بغامها\nوقول لبيد بن ربيعة العامري الصحابي، ﵁: [البسيط]\nلو كان غيري-سليمى-الدّهر غيّره... وقع الحوادث إلا الصّارم الذّكر\nوهما الشاهدان رقم [١١٣ و١١٤] من كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب. ﴿لَفَسَدَتا:﴾ لخرجتا عن نظامهما المشاهد؛ لوجود التمانع بين الآلهة على وفق العادة","vol":"6","page":22},{"text":"عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء، وعدم الاتفاق عليه، ويوجد التمانع؛ لأن كل أمر صدر عن اثنين، فأكثر لم يجر على النظام، ويدل العقل على ذلك، وذلك أنّا لو قدرنا إلهين، لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم، وإذا انفرد الثاني صح منه تسكينه، فإذا اجتمعا؛ وجب أن يبقيا على ما كانا عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك، والآخر التسكين، فإما أن يحصل المرادان وهو محال، وإما أن يمتنعا وهو أيضا محال؛ لأن كل واحد منهما يكون عاجزا، فوجب القول بوجود إلهين يوجب الفساد، فكان القول به باطلا. انتهى. جلال، وجمل نقلا عن كرخي. وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الإسراء) والآية رقم [٩١] من سورة (المؤمنون).\n ﴿فَسُبْحانَ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (النحل). ﴿اللهُ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الكهف). ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء). ﴿الْعَرْشِ:﴾ قال الراغب في كتابه (مفردات القرآن): وعرش الله ﷿ لا يعلمه البشر إلا بالاسم، لا بالحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك؛ لكان حاملا له، تعالى الله عن ذلك. هذا؛ وقال سليمان الجمل: وأما المراد به هنا فهو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام المحيط بكلها. وانظر ما ذكرته في آية الكرسي [٢٥٥] من سورة (البقرة).\nهذا؛ وفي سورة (الرعد): ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة (طه): ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ فمعنى استوى: استولى، ولا يجوز تفسيره باستقر، وثبت، فيكون الله من صفات الحوادث، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا لا يليق به تعالى، والمنقول عن جعفر الصادق، والحسن، وأبي حنيفة، ومالك﵃ أجمعين-أن الاستواء معلوم، والتكييف فيه مجهول، والإيمان به واجب، وجحوده كفر، والسؤال عنه بدعة.\nوهو مثل قول الإمام علي كرم الله وجهه: الاستواء غير مجهول، والتكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه تعالى كان ولا مكان، فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغّير عمّا كان. ومضمون: ﴿فَسُبْحانَ..﴾. إلخ تنزيه الله عما وصفه به المشركون، والنصارى من اتخاذ الصاحبة، والولد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وأهل السلف يقولون: استوى استواء يليق به، ليس كمثله شيء.\nالإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿فِيهِما:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿آلِهَةٌ:﴾ اسم كان مؤخر.\n ﴿إِلاَّ:﴾ اسم بمعنى «غير» وقال الفراء بمعنى: «سوى» صفة آلهة، ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية لكونه على صورة الحرف و﴿إِلاَّ﴾ مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ﴿إِلاَّ﴾ التي على صورة الحرف، وقال المبرد: إن اسم ﴿اللهُ:﴾ بدل من آلهة، ورده ابن هشام في المغني، وناقشه طويلا.","vol":"6","page":23},{"text":"﴿لَفَسَدَتا:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (فسدتا): ماض، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتحة لا لتقائها ساكنة مع ألف الاثنين التي هي فاعله، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَسُبْحانَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سبحان): مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (سبحان) وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [١٨] فهو مثله بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-2506\"></span>﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ أي: لا يسأل الله عمّا يفعله، ويقضيه في عباده من إعزاز، وإذلال، وهدى، وإضلال، وإسعاد، وإشقاء؛ لأنه تعالى المالك على الحقيقة، ولو اعترض على الملك بعض خدمه، وحشمه مع وجود التجانس، وجواز الخطأ عليه، وعدم الملك الحقيقي؛ لا ستقبح ذلك منه، وعدّ سفها، فالذي هو مالك الملوك، ورب الأرباب، وفعله كله صواب أولى بأن لا يعترض عليه. ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ:﴾ والناس يسألون عن أعمالهم سؤال توبيخ، وتبكيت، يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم كذا؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآية قاصمة للقدرية، وغيرهم، وروي عن عليّ -﵁-: أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين! أيجب ربنا أن يعصى؟ قال: أفيعصى ربنا قهرا؟ قال: أرأيت إن منعني الهدى، ومنحني الردى؛ أأحسن إليّ أم أساء؟ قال: إن منعك حقك؛ فقد أساء، وإن منعك فضله، فهو فضله يؤتيه من يشاء، ثم تلا الآية. وعن ابن عباس -﵄قال: لما بعث الله﷿موسى، وكلمه، وأنزل عليه التوراة؛ قال:\nاللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع؛ لأطعت، ولو شئت ألا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يا رب؟! فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل، وهم يسألون.\nتنبيه: من الصفات التي امتاز بها القرآن: الإيجاز في الألفاظ مع احتوائها على المعاني الكثيرة التي تحتاج إلى كلام كثير، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ وفي الآية الكريمة إيجاز واضح وظاهر، ولقد أعجب الناس بقول السموءل: [الطويل]\nوننكر إن شئنا على الناس قولهم... ولا ينكرون القول حين نقول","vol":"6","page":24},{"text":"وعند ما عدوا حروف الآية، وحروف البيت لم يجدوا بدّا من الاعتراف بفصاحة القرآن وبلاغته وإيجازه، وأين الثرى من الثريا؟.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُسْئَلُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الله تعالى وهو المفعول الأول. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو: عن شيء يفعله. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: عن فعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُسْئَلُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والمتعلق محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو فقط، وهو أولى من عطف الجملة الاسمية على الفعلية.\n\n<span id=\"aya-2507\"></span>﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً:﴾ كرره استعظاما لكفرهم، واستفظاعا لأمرهم، وتبكيتا، وإظهارا لجهلهم، وقال النسفي: الإعادة لزيادة الإفادة، فالأول للإنكار عليهم من حيث العقل، والثاني من حيث النقل. انتهى. هذا؛ وفيه زيادة التوبيخ، والتقريع. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أي: حجتكم على تلك الآلهة؛ التي تعبدونها من دون الله. والخطاب للنبي ﷺ. ﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي: هذا القرآن فيه خبر من تبعني على ديني إلى يوم القيامة، وما لهم من الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي: فيه خبر من قبلي من الأمم السالفة، وما فعل بهم في الدنيا، وما يفعل بهم في الآخرة.\nوقال ابن عباس﵄-: ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ:﴾ القرآن، ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ التوراة، والإنجيل. والمعنى: راجعوا القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسائر الكتب هل تجدون فيها: أن الله اتخذ ولدا، أو كان معه آلهة. هذا؛ ويقرأ بتنوين «(ذكر)» وكسر ميم «(من)» في الموضعين، وبفتحها في الموضعين. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: القرآن وما فيه من المواعظ، والأحكام، ولا يميزون بينه وبين الباطل. ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: لعدم معرفتهم الحق، فهم معرضون عن الاهتداء به، والأخذ بتعاليمه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو التقصير في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل.","vol":"6","page":25},{"text":"أما ﴿هاتُوا﴾ فهو بمعنى: أحضروا. قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر الندى: وأما «هات، وتعال» فعدهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنهما فعلا أمر، بدليل أنهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، تقول: هاتي، وتعالي، ثم قال:\nواعلم: أنّ آخر (هات) مكسور أبدا إلا إذا كان لجماعة المذكرين، فإنه يضم، فتقول: هات يا هند، وهاتيا يا زيدان، وهاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات، كل ذلك بكسر التاء، وتقول:\nهاتوا يا قوم بضمها، قال تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أقول: ومما ينبغي التنبه له: أنهما لا ماضي، ولا مضارع لهما، فهما جامدان، ملازمان للأمرية.\nالإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وقيل في محل نصب مفعول به ثان، ولا وجه له قطعا. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هاتُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُرْهانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿هاتُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿ذِكْرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، هذا؛ وعلى قراءة التنوين وفتح ميم ﴿مِنْ﴾ فهو في محل نصب صراحة، والإعراب نفسه، وأما على قراءة التنوين وكسر الميم؛ ف: (من) جارة لمحذوف، والجار والمجرور متعلقان ب: (ذكر) والظرف متعلق بمحذوف صلة ذلك المحذوف، وتقدير الكلام: هذا ذكر من الّذي معي. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله قراءة، وإعرابا. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. والواو فاعله.\n ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به، ويقرأ برفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الحق، والجملة الاسمية هذه في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لا يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَكْثَرُهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هذا ذِكْرُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب، والجملة الاسمية: (هم معرضون) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"6","page":26},{"text":"<span id=\"aya-2508\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: فهذه الآية مقررة لما سبقها من آي التوحيد، حيث قال الله لجميع الرسل السابقين قولوا: لا إله إلا الله. فأدلة العقل، وهي ما يوجد في السموات، والأرض من آيات شاهدة: أنه لا شريك له تعالى، والنقل عن جميع الرسل موجود، والدليل إما معقول، وإما منقول، قال قتادة: لم يرسل نبيّ إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة، والإنجيل، والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص، والتوحيد. أقول: وتغير الشرائع، والأحكام تبع لتغير الأزمان.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وفي الآية رقم [٧] ونحوها محذوف حرف الجر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نُوحِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، هذا؛ ويقرأ: «(يوحى إليه)» فهو مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجار والمجرور: ﴿إِلَيْهِ﴾ في محل نائب فاعله، وعلى القراءتين فالجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿رَسُولٍ،﴾ وساغ مجيء الحال من النكرة؛ لتقدم النفي عليها. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهو ضمير الشأن.\n ﴿إِلاّ:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿إِلاّ﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم ﴿إِلاّ﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، وثانيهما: اعتباره بدلا من (لا) واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: نوحي إليه بكونه: ﴿لا إِلهَ إِلاّ..﴾. إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار المصدر على قراءة: «(يوحى)» نائب فاعل له. تأمل، والجملة الفعلية ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَاعْبُدُونِ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اعبدون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا منا؛ فاعبدوني، وفي الكلام التفات من المتكلم الجماعة إلى المتكلم المفرد، وهو واضح، وجليّ.","vol":"6","page":27},{"text":"<span id=\"aya-2509\"></span>﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: قال المفسرون: نزلت في قبيلة خزاعة؛ حيث قالوا: الملائكة بنات الله. وبه قال بنو جهينة، وبنو سلمة، وبنو مليح. أقول: تعم الآية كل من نسب لله ولدا، كاليهود؛ حيث قالوا: عزير ابن الله، والنصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله، والملائكة، وعزير، والمسيح كلهم عباد الله، مقربون إليه، ومكرمون عنده.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\nوانظر إعرابه في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة (قالوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو مضاف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف معترضة، والمراد منها: تنزيه الله من اتخاذ الولد، بل ومن اتخاذ الصاحبة. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب.\n ﴿عِبادٌ:﴾ خبر محذوف، التقدير: بل هم عباد. ﴿مُكْرَمُونَ:﴾ صفة ﴿عِبادٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: (قالوا...) إلخ أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-2510\"></span>﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي: لا يتقدمون الله بقول يقولونه من تلقاء أنفسهم، شأنهم شأن العبيد المؤدبين، والضمير يعود على من نسبهم الكفار أولادا لله تعالى، ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ:﴾ لا يعملون إلا ما يأمرهم به، ولا يخالفون أوامره بشيء أبدا.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْبِقُونَهُ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿عِبادٌ﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم.\n ﴿بِالْقَوْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله، وجملة:\n ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"6","page":28},{"text":"<span id=\"aya-2511\"></span>﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ:﴾ الفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ،﴾ والضمير المجموع يعود إلى الذين نسبهم الكفار أولادا لله تعالى، وقال عنهم: إنهم عباد مكرمون، والمعنى: يعلم الرحمن ما عمل أولئك العباد، وما هم عاملون. وقال ابن عباس﵄-: يعلم ما بين أيديهم من أمور الآخرة، وما خلفهم من أمور الدنيا، وقيل: يعلم ما كان قبل خلقهم، وما يكون بعد خلقهم، وانظر الآية رقم [١١٠] من سورة (طه)، والآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) عليهاالسّلام.\n ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ أي: لا يطلبون الشفاعة إلا للمؤمنين العابدين، وقال مجاهد: هم كل من ﵁، والملائكة يشفعون غدا في الآخرة كما في صحيح مسلم، وغيره، وفي الدنيا أيضا، فإنهم يستغفرون للمؤمنين، ولمن في الأرض. انتهى. قرطبي. أقول:\nوأكبر دليل على ذلك آية (غافر) رقم [٧]: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ:﴾ من خوفه. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خائفون، وجلون لا يأمنون مكره، هذا؛ وأصل الخشية: خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء، والإشفاق: خوف مع اعتناء، فإن عدّي ب: «من» فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدّي ب: «على» فبالعكس انتهى. بيضاوي. وعن رسول الله ﷺ: «أنّه رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله» انتهى. كشاف. وانظر الآية رقم [٥٨] من سورة (المؤمنون).\nالإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو المجرور بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، أو: الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَشْفَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر.\n ﴿لِمَنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿اِرْتَضى:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا للذي، أو لشخص ارتضاه الله. ﴿وَهُمْ:﴾\nالواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿مِنْ خَشْيَتِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر","vol":"6","page":29},{"text":"بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2512\"></span>﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ:﴾ قال قتادة، والضحاك، وغيرهما: عنى بهذه الآية إبليس؛ حيث ادعى الشركة، ودعا إلى عبادة نفسه، وكان من الملائكة، ولم يقل أحد من الملائكة: إنّي إله من دون الله. انتهى. قرطبي. أقول: والأولى التعميم لكل من يدعي الألوهية من المخلوقات. ﴿فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أي: الذي يدعي الألوهية جزاؤه جهنم. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أي: كما جزينا مدعي الألوهية بالنار نجزي الظالمين أنفسهم بوضع الألوهية، والعبادة في غير موضعها، وفيه تهديد، ووعيد لكل من أشرك بالله شيئا.\nبعد هذا فقد وصف الله الملائكة بصفات سبع: الأولى: مكرمون، والأخيرة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ..﴾. إلخ، فهذه الضمائر كلها للملائكة. انتهى. جمل. بعد هذا انظر «الظلم، والبغي» في الآية رقم [٩٠] من سورة (النحل) وشرح ﴿يَجْزِي﴾ في الآية رقم [٣١] منها.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَقُلْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من).\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في (من). ﴿إِنِّي:﴾\nحرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿إِلهٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿إِلهٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَذلِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ذلك):\nاسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَجْزِيهِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: (من...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر.\n (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نجزي الظالمين جزاء كائنا مثل ذلك الجزاء الذي نجزيه من يقل: إني... إلخ. ﴿نَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. والفاعل تقديره: «نحن».\n ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"6","page":30},{"text":"<span id=\"aya-2513\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ألم يعلم الذين كفروا، وقرئ بدون واو. ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ أي: كانتا شيئا واحدا، وحقيقة متحدة، هذا؛ و(الرتق) بسكون التاء وفتحها:\nالسد ضد الفتق، وهو أيضا الالتحام، والالتزام. ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ أي: فصلنا بينهما بالهواء، وفي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: قاله ابن عباس، والحسن، وعطاء، والضحاك، وكعب﵃-: خلق الله السموات، والأرض شيئا واحدا ملتزقتين ببعضهما، ففصل بينهما بالهواء.\nوالثاني: قاله مجاهد، والسدي، وأبو صالح: كانت السموات مؤتلفة طبقة واحدة، ففتقها الله، وجعلها سبع سموات، وكذلك كانت الأرضون مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله، فجعلها سبعا، وإنّما قال تعالى: ﴿كانَتا﴾ ولم يقل: كنّ؛ لأن المراد جماعة السموات، وجماعة الأرضين.\nوالثالث: قاله عكرمة، وعطية، وابن زيد، وابن عباس أيضا فيما ذكر المهدوي: إن السموات كانت رتقا، لا تمطر، والأرض كانت رتقا، لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، واختار هذا القول الطبري بدليل الجملة التالية. انتهى. قرطبي بتصرف.\n ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ:﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شيء من الماء، والثاني: حفظ حياة كل شيء بالماء، فيدخل فيه الحيوان، والنبات، والشجر... إلخ، والثالث: أن المراد ما خلق من النطفة، ويكون هذا اللفظ قد خرج مخرج الغالب؛ لأن آدم، وعيسى، والملائكة، والجان، لم يخلقوا من النطفة كما هو معروف. ﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ أي:\nأفلا يصدقون بما يشاهدونه، وأن ذلك لم يخلق بنفسه، بل لمكوّن كونه، وموجد أوجده، ولا يجوز أن يكون ذلك المكون محدثا، وانظر «الإيمان» في الآية رقم [٦]. هذا؛ وفي الآية مقابلة الرتق بالفتق، وهو نوع من البديع جيد\nهذا؛ و(جعلنا) هنا بمعنى: خلقنا، وأنشأنا، وأوجدنا. والفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل، فقال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس بخلاف الخلق؛ لأن فيه معنى الإيجاد والإنشاء، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إيجاد السموات والأرض بالخلق، وخصهما جلت قدرته بالذكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع ﴿السَّماواتِ﴾ دون (الأرض) وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار،","vol":"6","page":31},{"text":"والحركات وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في رحم المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضرّ بالمطر.\nأما «الكفر»: فهو ستر الحق بالجحود والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. وكفر الشيء: ستره، وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره، وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في معلقته: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nأما ﴿الْماءِ﴾ فأصله: موه بفتح الميم، والواو، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «ماه» فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي، قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك:\nأن جمع ماء: أمواه، ومياه، وتصغيره: مويه. وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار، وديار، وقيمة، وقيم، ومثله قولهم: سوط، وسياط، وحوض، وحياض، وثوب، وثياب، وثور، وثيرة. ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام. وقيل في حده: جوهر سيال به قوام الأرواح. بعد هذا خذ قول أبي ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nشربن بماء البحر ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج\nفهو يصف السحاب على اعتقاد العرب في الجاهلية، ومثلهم العصريون في هذا الزمن من أن السحاب، أي الغيوم تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة، فتمتد منها خراطيم كخراطيم الفيلة، فتشرب بها من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء العلي القدير. وأما عند أهل السنة، فيقولون: إن أصله من الجنة، يأتي به المولى المتعالي من السحاب، من خروق فيها كخروق الغربال.\nوأقوال: إن ما ينزل من السماء من مطر، بعضه من ماء البحار المالحة الأرضية، وبعضه من خزائن القدرة، على أن الأول لا ينبت، وإنما الإنبات والخصب في الثاني، وعلامة الأول أنه ينزل غزيرا، كأنه ينصبّ من أفواه قرب، وأما ما يقوله الدهريون الملحدون: إن الطبيعة تمطر فهو كفر صراح، أي: خالص. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (النور) تجد ما يسرك.\nأما ﴿شَيْءٍ﴾ فهو في اللغة: عبارة عن كل شيء موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا","vol":"6","page":32},{"text":"كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل﵀-: أن وزنه شيآء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر، وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا. تأمل، وتدبر.\nوأخيرا فالهمزة في الكلميتن (أولم)، (أفلا) للإنكار وهي في نية التأخير عن الواو، والفاء؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثم» تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى:\n ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات أو قتل... إلخ ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السَّماواتِ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿كانَتا:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتحة لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين التي هي اسمها. ﴿رَتْقًا:﴾ خبر (كان) ولم يثن؛ لأنه مصدر، وجملة: ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به.\n ﴿فَفَتَقْناهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الفعلية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنه بمعنى: خلقنا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ كان صفة له... إلخ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٢٤] هذا؛ وعلى اعتبار الفعل بمعنى التحويل فالجار والمجرور مفعول ثان تقدم على الأول وهو ﴿كُلَّ،﴾ و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿حَيٍّ:﴾ صفة","vol":"6","page":33},{"text":"شيء، وقرئ: «(حيا)» على أنه مفعول ثان، أو صفة ﴿كُلَّ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لا): نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2514\"></span>﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ:﴾ جبالا ثابتة، من: رسا الشيء: إذا ثبت. ﴿تَمِيدَ:﴾\nتتحرك، وتضطرب. والميدان: الاضطراب يمينا، وشمالا. ومادت الأغصان: تمايلت. وماد الرجل: تبختر، وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا:﴾ مسالك، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين، والضمير يعود إلى ﴿الْأَرْضِ﴾. أو إلى الرواسي. ﴿سُبُلًا:﴾ طرقا، وهو تفسير لما قبله، وانظر الإعراب. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى حيث يقصدون، فلا يضلون، ولا يتحيرون، أو لعلهم يهتدون إلى معرفة الله ﷾، فيعرفون: أنه القادر المقتدر، والمنعم المتفضل. هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وانظر شرح: ﴿سُبُلًا﴾ في الآية رقم [٤٢] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقل فيهما ما قلته في: ﴿مِنَ الْماءِ﴾ في الآية السابقة. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به\nإلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (جعلنا من الماء) على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَمِيدَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى الجبال الرواسي.\n ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ في محل جر بإضافته لمصدر محذوف يقع مفعولا لأجله. التقدير: كراهية ميدها بكم، وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تميد بهم. ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا:﴾ مثل ما قبله في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\nهذا؛ وقال الزمخشري: ﴿فِجاجًا:﴾ حال من سبلا كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وقد قاسها على قوله تعالى في آية (نوح): ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا﴾ وقيل: ﴿فِجاجًا:﴾ مفعول به، و﴿سُبُلًا﴾ بدل منه. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَهْتَدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل ل: (جعل) ما ذكر في هذه الآية، وسابقتها.","vol":"6","page":34},{"text":"<span id=\"aya-2515\"></span>﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ أي: من أن يقع، ويسقط على الأرض، أو محفوظا من الشياطين أن تسترق السمع، أو محفوظا من الفساد، والانحلال، والاختلال إلى يوم الوقت المعلوم.\n ﴿وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أي: عما خلق الله فيها من الشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، وكيفية حركاتها في أفلاكها، ومطالعها، ومغاربها، والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة، والقدرة القاهرة، فهم لا يتفكرون، ولا يعتبرون. هذا؛ وأضاف سبحانه الآيات إلى السماء؛ لأنها مجعولة فيها، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع كثيرة؛ لأنه هو الفاعل لها، وانظر شرح: (آية) في رقم [٥].\nهذا؛ و﴿السَّماءَ﴾ يذكر ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت:\nسماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك: [الوافر]\nإذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء: المطر، ثم أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة.\nالإعراب: (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به أول. ﴿سَقْفًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿مَحْفُوظًا:﴾ صفة له. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿عَنْ آياتِها:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من السماء، والرابط على الاعتبارين الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَجَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n<span id=\"aya-2516\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ..﴾. إلخ: ذكّر الله الكافرين، والناس أجمعين نعمة أخرى من نعمه الكثيرة التي لا تعد، ولا تحصى؛ حيث جعل الليل؛ ليسكنوا فيه، وجعل لهم النهار؛ ليسعوا فيه لمعايشهم، وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل؛ ليعلموا السنين والحساب، انظر الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء) فالشرح فيها واف كاف. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحد مما ذكر. ﴿فِي فَلَكٍ﴾","vol":"6","page":35},{"text":"﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون، ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وإنما جمعهن جمع المذكر العاقل بالواو، والنون؛ لأنه ذكر عنهن فعل العقلاء، وهو السباحة، والجري، وجعلهن في الطاعة، والانقياد بمنزلة من يعقل، وهذا يتكرر في القرآن الكريم، وقد ذكرته لك في محاله.\nهذا؛ و(الفلك) بفتحتين: مدار النجوم الذي يضمها، وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه: أفلاك ويجمع على: فلك، مثل: أسد وأسد، وقيل: الفلك: السماء الذي فيه الكواكب، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر له أن يجري فيه، وقيل: الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل، فهو الذي تجري فيه النجوم، وهو مستدير كاستدارة الرحى، وقيل: غير ذلك، وقال أصحاب الهيئة: الأفلاك: أجرام صلبة، لا ثقيلة، ولا خفيفة، غير قابلة للخرق، والالتئام، والنمو، والذبول. والحق: أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات إلا بإخبار الصادق، فسبحان الخالق، المدبر لخلقه بالحكمة، والقدرة الباهرة غير المتناهية. ولا تنس: أن الله تعالى ذكر في غير هذه الآية: أنه سخر ما ذكر لمنافع العباد فوق أنها من الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته، وانظر الآية رقم [٣٣] وما بعدها من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وأتم تسليم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه!\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلته. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به الإضافة التي رأيتها في الشرح. ﴿فِي فَلَكٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَسْبَحُونَ:﴾ مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وأولى منه اعتبار الجملة خبرا ثانيا، والجملة الاسمية: ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الليل، وما عطف عليها، والرابط: الضمير المقدر إضافة كل إليه.\n\n<span id=\"aya-2517\"></span>﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ أي: لم نجعل لنبي، ولا لغيره قبلك دوام البقاء في الدنيا، فقد نزلت الآية حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، أي: الموت فنشمت بموته، فنفى الله الشماتة عنه بهذا. ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ:﴾ التقدير: أفهم الخالدون؟ والمعنى:\nلا خلود في الدنيا لبشر أبدا، وحق ألف الاستفهام إذا دخلت على حرف شرط أن تكون رتبتها قبل جواب الشرط، فالمعنى: أفهم الخالدون إن مت؟ ومثله الآية رقم [١٤٤] من سورة (آل عمران).","vol":"6","page":36},{"text":"هذا؛ و(بشر) يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: «الفلك» تطلق على المفرد، والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ و(بشر) يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون) ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) أيضا.\nهذا؛ وفي الآيات التفات من التكلم إلى الغيبة، ثم من الغيبة إلى التكلم، كما هو واضح، وللالتفات فوائد كثيرة، منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه:\nحث السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصه بالمواجهة. هذا؛ و(مت) يقرأ بضم الميم وكسرها، فالأول من باب: نصر، ك: قلت وصنت، والثاني من باب: علم ك: خفت ونمت. وقال المفسرون: من: مات، يمات، كخاف، يخاف، ونام، ينام، وهو بعد الإعلال يعود إلى باب: علم.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿لِبَشَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف في محل نصب مفعول به ثان، ولا وجه له. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف صفة (بشر) والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْخُلْدَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَما جَعَلْنا..﴾. مستأنفة لا محل لها.\n ﴿أَفَإِنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿مِتَّ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَهُمُ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (هم الخالدون): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والكلام: ﴿أَفَإِنْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2518\"></span>﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ:﴾ هذا التعميم مخصوص بقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ فإن الله تعالى حي لا يموت، ولا يجوز عليه الموت. و(الذوق) هاهنا","vol":"6","page":37},{"text":"عبارة عن مقدمات الموت، وآلامه العظيمة قبل حلوله. انتهى. خازن. هذا؛ و«الذوق» يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه؛ أي:\nاختبره. وانظر فلانا، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل]\nفذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز\nوقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nفذق هجرها إن كنت تزعم أنها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم\nوتقول: ذقت ما عند فلان، أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه. قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]\nفذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب\nوتذوقته؛ أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر]\nوعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق\nوأصله من الذوق بالفم، و(ذوقوا) في كثير من الآيات أمر للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وفي الموت، أو في العذاب استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت الذوق تخييلا.\n ﴿وَنَبْلُوكُمْ:﴾ نختبركم. ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ أي: بالشدة، والرخاء، والصحة، والسقم، والغنى، والفقر، وبما تحبون وما تكرهون، وقد سماه الله ابتلاء، وإن كان عالما بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم؛ لأنه في صورة الاختبار، وفي (الأعراف): ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ رقم [١٦٨]. ﴿فِتْنَةً:﴾ اختبارا، وابتلاء لننظر شكركم فيما تحبون، وصبركم فيما تكرهون. ﴿وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أي: للحساب، والجزاء، وفيه إشارة إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الاختبار، والابتلاء، والتعريض للثواب، والعقاب، وانظر (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، هذا؛ والموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته.\nوموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح.\nهذا؛ وأما (النفس) فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس، والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا، أم أنثى. فعلى الأول قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الرطب، فتكون سارية في جميع البدن.","vol":"6","page":38},{"text":"قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى:\nروحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار.\nهذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أن النفس على خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية، ويزاد: الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء: هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشهوات، وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق، لكن بقي فيها ميل للشهوات؛ سميت: لوامة، وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات؛ سميت: ملهمة، فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشهوانية حكم أصلا؛ سميت: مطمئنة، فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سميت: راضية، فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم وتكميلهم؛ سميت: كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع، درجات كما ذكرت، وقدمت.\nوأخيرا خذ ما ذكره القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي ﷺ: أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية. وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية». قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب. قال: «فو الّذي نفسي بيده؛ إنها لنفوسكم الّتي بين جنوبكم!».\nالإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ذائِقَةُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْمَوْتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَنَبْلُوكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نبلوكم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالشَّرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْخَيْرِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول لأجله، أو حال بمعنى: فاتنين لكم، أو مفعول مطلق من معنى (نبلوكم)؛ إذا المعنى: نفتنكم فتنة. ﴿وَإِلَيْنا:﴾ الواو: واو الحال. (إلينا): متعلقان بما بعدهما.\n ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، ويقرأ بالبناء للمعلوم، والبناء للمجهول، والواو فاعل، أو نائبه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (نبلوكم) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة لا محل لها، وقيل: معطوفة على ما قبلها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"6","page":39},{"text":"<span id=\"aya-2519\"></span>﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفار قريش، والخطاب للنبي ﷺ. وقيل: المراد به أبو جهل الخبيث وحده، كان إذا مر به النبي ﷺ ضحك، وقال: هذا نبي بني عبد مناف.\n ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا:﴾ سخرية، واستهزاء، وقد أخذ الله المستهزئين بالرسول ﷺ أخذ عزيز مقتدر. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٥] من سورة (الحجر).\nهذا؛ و﴿هُزُوًا﴾ مصدر هزأ، يهزأ، هزأ من باب: فتح، ويأتي أيضا من باب: تعب، والمصدر يأتي بضم الزاي، وسكونها، وتخفيف الهمزة، فتقلب واوا، وقد قرئ بهما، وهما سبعيتان، هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية الحجرات الناهية عن السخرية والاستهزاء بالناس معروفة، وأحاديث النبي ﷺ الناهية عن ذلك كثيرة، ومسطورة، ومشهورة، والآية رقم [٤١] من سورة (الفرقان) شبيهة بهذه الآية.\n ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: يقولون: أهذا الذي يذكر آلهتكم بسوء، ويعيبها، فحذف المتعلق لدلالة القرينة عليه. ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي: بذكر الله، وما يجب أن يذكر به من التوحيد. وقيل: المراد ب: (ذكر الرحمن) أي: بما أنزل عليك من القرآن جاحدون، لا يصدقون به أصلا.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف، وقيل: عاطفة على قوله فيما سبق: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ وفيه بعد لا يخفى. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَآكَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿رَآكَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿يَتَّخِذُونَكَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُزُوًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، وهي مخالفة لأدوات الشرط في ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت ب: «إن» النافية، أو ب: «ما» وجب الإتيان بالفاء. ﴿أَهذَا:﴾ الهمزة: حرف استفهام يتضمن التحقير بزعمهم. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَذْكُرُ:﴾\nمضارع، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد. ﴿آلِهَتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل","vol":"6","page":40},{"text":"لها، والجملة الاسمية: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير:\nيقولون: أهذا... إلخ، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، أو هي جواب (إذا) لا محل لها، وتكون جملة: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ..﴾. إلخ معترضة بين شرط (إذا) وجوابها لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿بِذِكْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما، و(ذكر) مضاف، و﴿الرَّحْمنِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿هُمْ:﴾\nتوكيد لفظي لسابقه. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في: «يقولون» المقدر، أو في ﴿يَتَّخِذُونَكَ،﴾ والرابط:\nالواو، والضمير على الاعتبارين، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2520\"></span>﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: ركب على العجلة. فخلق عجولا، ويقال: خلق الإنسان من الشر، أي: شريرا؛ إذا بالغت في وصفه به، والمعنى: إن طبع الإنسان العجلة، فيستعجل كثيرا من الأشياء؛ وإن كانت مضرة. هذا؛ وقيل: المراد بالإنسان آدم ﵇، قال سعيد بن جبير والسدي رحمهما الله تعالى: لما دخلت الروح في عيني آدم ﵇؛ نظر في ثمار الجنة، فلما دخلت جوفه؛ اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فوقع، فقيل: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ وأورث بنيه العجلة، وقيل: خلق بسرعة، وتعجيل على غير قياس خلق بنيه؛ لأنهم خلقوا من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، أطوارا، طورا بعد طور. وقال أبو عبيدة، وغيره: العجل: الطين بلغة حمير، وأنشدوا: [البسيط]\nوالنّبع في الصخرة الصّمّاء منبته... والنّخل ينبت بين الماء والعجل\nوقيل: أراد بالإنسان النوع الإنساني يدل عليه ما بعده، وذلك: أن المشركين كانوا يستعجلون العذاب، وقيل: المراد به النضر بن الحارث، وهو الذي ذكرته في الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي:﴾ المراد بالآيات ما دل على صدق محمد ﷺ من المعجزات، وما جعله له من العاقبة المحمودة، وقال البيضاوي: نقماتي في الدنيا، كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النار.\nهذا؛ ويكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجه للكافرين الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا. وقد توجه إلى النبي ﷺ كما في الآية رقم [١١٤] من سورة (طه)، بينما حث الله تعالى على المسارعة إلى فعل الطاعات، فقال في (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [١٣٣]، وقال في سورة (الحديد): ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [٢١]، كما وصف أنبياءه،","vol":"6","page":41},{"text":"ورسله بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض ما روي: «العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن»؛ لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة من ذلك، كما أن هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداء الصلاة المكتوبة؛ إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ؛ إذا أتى الكفؤ لها، ودفن الميت، وإكرام الضيف؛ إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن علي بن أبي طالب﵁-، قال، قال رسول الله ﷺ له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها:\nالصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفئا». رواه الترمذي.\nالإعراب: ﴿خُلِقَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ عَجَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿سَأُرِيكُمْ:﴾\nالسين: حرف استقبال. (أريكم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول. ﴿آياتِي:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٥]. (لا): ناهية. ﴿تَسْتَعْجِلُونِ:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فلا... إلخ، والكلام كله مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2521\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)﴾\nالشرح: المعنى: يقول كفار قريش: متى هذا الوعد؛ أي: الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب؟! وقيل: قيام الساعة،، وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب، والاستبعاد، والاستهزاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: فيما تعدوننا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع؛ لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك. أو المعنى: إن كنت صادقا أنت، وأتباعك يا محمد!.\nهذا؛ وأصل ﴿كُنْتُمْ:﴾ كونتم، فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار «كانتم» فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف، فصار: «كنتم» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: «كنتم» وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار (كونت) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار (كونت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين وهي الواو لالتقائها ساكنة مع النون، فصار (كنت). وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك مثل: قال، وقام، ونحوهما.","vol":"6","page":42},{"text":"الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقولون...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين؛ فمتى هذا... إلخ أو: فأتوا به. والكلام كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2522\"></span>﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾\nالشرح أي: لو يعلم الكافرون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ وهو وقت تحيط بهم فيه النار من وراء، وقدام، فلا يقدرون على دفعها، ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم لما كانوا بتلك الصفة من الكفر، والاستهزاء، والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هوّنه عليهم. انتهى. نسفي.\nهذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد بخلافه من العلم اليقيني فإنه ينصب مفعولين، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنسب. وتفصيل ذلك:\nأنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة. أما «الحين» فهو الوقت قليلا كان أو كثيرا، والمدة من الزمن قصيرة كانت أو طويلة، وجمعه: أحيان، وجمع الجمع: أحايين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، وهو بكسر الحاء، وأما بفتحها؛ فهو الهلاك والموت. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿حِينَ:﴾ مفعول به، وقيل: المفعول محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: لو يعلم","vol":"6","page":43},{"text":"الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه، واستبطؤوه، و﴿حِينَ﴾ منصوب بالمفعول الذي هو: مجيء. انتهى. جمل. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكُفُّونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿عَنْ وُجُوهِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لا يَكُفُّونَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَنْ ظُهُورِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿وُجُوهِهِمُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿لا يَكُفُّونَ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وجملة:\n ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف انظر تقديره في الشرح، هذا؛ ووقع شرط ﴿لَوْ﴾ مضارعا، وإن كان المعنى على المضي؛ لإفادة استمرار عدم العلم، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2523\"></span>﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ أي: الساعة، أو النار. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة بدون إنذار. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ:﴾\nفتدهشهم، وتحيرهم، هذا؛ وقرئ الفعلان بالياء، ويكون الفاعل: الموعود. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها:﴾ دفعها عن وجوههم، وظهورهم، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ،﴾ يمهلون للتوبة، والمعذرة.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى الساعة، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الفاعل المستتر، بمعنى: باغتة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، وتكون هذه الجملة في محل نصب حال من الفاعل المستتر، وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل «يأتي» من غير لفظه، على حد قولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. وجملة ﴿فَتَبْهَتُهُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿رَدَّها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ:﴾\nمعطوفة أيضا، وانظر إعراب مثلها في الآية السابقة. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-2524\"></span>﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١)﴾\nالشرح: في هذه الآية تعزية، وتسلية للرسول ﷺ عما كان من تكذيب المشركين له، واستهزائهم به، فقد جعل الله أسوة له في ذلك الأنبياء، والمرسلين؛ الذين كانوا قبله، وتلك سنة","vol":"6","page":44},{"text":"متبعة في الأولين، والآخرين، حيث لم يقم داع يدعو إلى الإصلاح، والخير، إلا وقوبل بالسخرية، والاستهزاء. ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ..﴾. إلخ: أي: فنزل بالأقوام المستهزئين بالرسل العقاب الشديد، والعذاب المهين، وفي هذه الآية تحذير للمشركين من أهل مكة أن يفعلوا بنبيهم كما فعل من قبلهم بأنبيائهم، فينزل بهم مثل ما نزل بهم. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها كاملة في سورة (الأنعام) رقم [١٠]. والله الموفق، والمعين.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اُسْتُهْزِئَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿بِرُسُلٍ:﴾ في محل رفع نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (رسل) والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. (حاق): ماض. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿سَخِرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل حاق.\n ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة: «يستهزئون به» في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والرابط، أو العائد: الضمير المجرور محلا بالياء، ولا يصح اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية لعود الضمير عليها، وهي حرف، وجملة ﴿فَحاقَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2525\"></span>﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ:﴾ يحرسكم، ويحفظكم، والكلاءة: الحراسة، والحفظ.\n ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ إذا نمتم. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ إذا قمتم، وتصرفتم في أموركم. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ﴾ أي: من عذابه، وبطشه. ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي: عن القرآن، ومواعظه. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ ساهون، لاهون، غافلون، ومعنى: ﴿بَلْ هُمْ..﴾. إلخ أي: دعهم يا محمد عن هذا السؤال؛ لأنهم لا يصلحون له؛ لإعراضهم عن ذكر الله، فلا يخطر ببالهم حتى يخوفوا بالله، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْلَؤُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف","vol":"6","page":45},{"text":"على ما قبله. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب إبطالي. ﴿هُمْ:﴾\nمبتدأ. ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ بعدهما، و﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2526\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾ أي: ألهم آلهة تحميهم من عذابنا. والميم زائدة. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ المعنى: إنّ تلك الآلهة التي يعبدونها عاجزة عن دفع السوء عن نفسها، فكيف تدفع عنهم العذاب؟! ﴿وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يمنعون، أو المعنى:\nلا يصحب تلك الآلهة خير منا. وقيل: يجارون.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿آلِهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿تَمْنَعُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿آلِهَةٌ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صفة ﴿آلِهَةٌ﴾. ﴿مِنْ دُونِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة، هذا؛ وعلق الجمل الجار والمجرور بمحذوف صفة ﴿آلِهَةٌ،﴾ وتقدير الكلام: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم، وهو لا يتفق مع الشرح المتقدم وعلى قوله فالجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿آلِهَةٌ﴾ لوصفها بالجار والمجرور. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿نَصْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها كالجملة الاسمية قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية.\n ﴿لَهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُصْحَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. وجملة: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-2527\"></span>﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ:﴾ المعنى: إنّ ما هم فيه من الحفظ، وإدرار الرزق عليهم إنما هو منا، لا من غيرنا، وإنما أنعمنا عليهم، وعلى آبائهم بذلك","vol":"6","page":46},{"text":"تمتيعا لهم بالحياة، واستدراجا لهم، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وأعرضوا عن الإيمان، وظنوا: أنهم دائمون مخالدون، وهو أمل كاذب.\n ﴿أَفَلا يَرَوْنَ﴾ أي: كفار مكة. ﴿أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ أي: ننقص من أطراف المشركين، ونزيد في أطراف المؤمنين، يريد بذلك ظهور النبي ﷺ، وفتحه ديار الشرك، أرضا، فأرضا، وقرية، فقرية، والمعنى: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المتعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها، بأخذ الواحد بعد الواحد، وفتح البلاد، والقرى مما حول مكة، وإدخالها في ملك محمد ﷺ، وموت رؤساء المشركين المتنعمين في الدنيا، أما كان لهم في ذلك عبرة، فيؤمنوا، ويدخلوا في دين الله؟! وهذا يعني: أن الآية مدنية، وانظر الآية رقم [٤١] من سورة (الرعد) فهي مثلها، وفيها زيادة شرح.\n ﴿أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي: هم الغالبون؛ ونحن نفعل بهم ما نفعل من نقصان أرضهم؟! بل محمد ﷺ وأصحابه هم الغالبون، و(أطراف) جمع: طرف بفتح الطاء، والراء، وهو في الأصل حرف الشيء ومنتهاه، وانظره بفتح الطاء وسكون الراء في الآية [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وإضراب. ﴿مَتَّعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿وَآباءَهُمْ:﴾ معطوف على اسم الإشارة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة. ﴿طالَ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْعُمُرُ:﴾ فاعله، و«إن» المضمرة والفعل (طال) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿مَتَّعْنا،﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿أَفَلا:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَرَوْنَ:﴾\nمضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿نَأْتِي:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿نَنْقُصُها:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، و(ها): مفعول به أول. ﴿مِنْ أَطْرافِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، وإن اعتبرت ﴿مِنْ﴾ صلة يتضح لك الأمر، و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَنْقُصُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿نَأْتِي﴾ المستتر أو من مفعوله، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين، وجملة:\n ﴿نَأْتِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَفَلا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَهُمُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.\nالفاء: حرف استئناف. والجملة الاسمية: (هم الغالبون): مستأنفة لا محل لها.","vol":"6","page":47},{"text":"<span id=\"aya-2528\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للرسول ﷺ. ﴿إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ:﴾ أخوفكم بما يوحى إليّ، وهو القرآن. ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ أي: من أصم الله قلبه من فهم آيات القرآن، وختم على سمعه، فلا يسمعه سماع قبول، وجعل على بصره غشاوة، فلا ينظر فيه نظر تبصر، واعتبار، هذا؛ ويقرأ: «(لا تسمع الصّمّ)» و«(لا يسمع الصّمّ)». ﴿إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ أي: يخوفون، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والمراد ب: ﴿الدُّعاءَ﴾ الدعوة إلى الإيمان، والتوحيد، ونبذ عبادة الأوثان، وقد اعتبرهم الله صمّا مع كونهم لهم آذان؛ لأنهم لم يسمعوا سماع قبول. هذا؛ وأصل الوحي:\nالإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النّحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، وانظر الآية رقم [٦٨] من سورة (النحل). هذا؛ والفعل ﴿يَسْمَعُ﴾ من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات تعدى إلى اثنين، والثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال، إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة.\n ﴿أُنْذِرُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿بِالْوَحْيِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَسْمَعُ:﴾ مضارع. ﴿الصُّمُّ:﴾\nفاعله. ﴿الدُّعاءَ:﴾ مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿يَسْمَعُ،﴾ أو ب: ﴿الدُّعاءَ﴾. ﴿إِنَّما:﴾ صلة. ﴿يُنْذَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.\n<span id=\"aya-2529\"></span>﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ:﴾ المعنى: ولئن أصابتهم عقوبة قليلة من عذاب الله. هذا؛ وفي قوله: ﴿نَفْحَةٌ﴾ تقليل ما يصيبهم، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء،","vol":"6","page":48},{"text":"والبناء دالّ على المرة. هذا؛ والنفحة في اللغة: الدفعة اليسيرة، وهي أيضا: النصيب القليل، وقال ابن ميادة في مدح الوليد بن يزيد بن عبد الملك: [البسيط]\nلمّا أتيتك أرجو فضل نائلكم... نفحتني نفحة طابت لها العرب\nأي: طابت لها النفس، وانظر ﴿تَلْفَحُ﴾ في الآية رقم [١٠٤] من سورة (المؤمنون). هذا؛ وإعلال: (ليقولنّ) مثل إعلال: (لتعلمنّ) في الآية رقم [٧١] من سورة (طه).\nهذا؛ و﴿عَذابِ﴾ اسم مصدر، لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وسلام، ونبات لأعطى، وسلم، وأنبت.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿مَسَّتْهُمْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿نَفْحَةٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿نَفْحَةٌ،﴾ و﴿عَذابِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿مَسَّتْهُمْ..﴾.\nإلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد، والكلام: ﴿يا وَيْلَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وانظر إعرابه في الآية رقم [١٤] والجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم، فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2530\"></span>﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ﴾ أي: نحضر الموازين لنزن فيها أعمال العباد، والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان، له لسان، وكفتان، ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم. هذا؛ و﴿الْمَوازِينَ﴾ جمع: ميزان، وإنما جمع ﴿الْمَوازِينَ﴾ لتعظيم شأنها، أو لاعتبار تعدد الأعمال","vol":"6","page":49},{"text":"الموزونة به، وأفرد القسط؛ لأنه مصدر وصف به للمبالغة، و«ميزان» أصله: موزان، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ومثله: ميعاد، وميثاق، وميراث، وميقات... إلخ.\n ﴿لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي: لجزاء يوم القيامة، أو لحساب أهله، أو المعنى: في يوم القيامة، كقولك: جئت لخمس خلون من الشهر. هذا؛ والقيامة، أصلها القوامة؛ لأنها من: قام، يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: بزيادة سيئة، أو نقصان حسنة. ﴿وَإِنْ كانَ﴾ أي: العمل الذي عمله العبد في الدنيا. ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ أي: مقدار، أو وزن حبة. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ:﴾ هذا نبات له حب صغير جدا، أسود، واحدته خردلة يقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلا؛ إذ لا ترجح ميزانا. ﴿أَتَيْنا بِها:﴾ أحضرناها، وأوجدناها، ويقرأ:\n «(آتينا بها)» بالمد بمعنى: جازينا بها. ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ:﴾ محاسبين. وقال ابن عباس﵄-: معناه: كفى بنا عالمين حافظين؛ لأن من حسب شيئا؛ فقد علمه، وحفظه.\nوالغرض منه التحذير، فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء، فحقيق بالعاقل أن يكون أشد الخوف منه، ويروى: أن الشبلي -رحمه الله تعالى-رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: [مجزوء الخفيف]\nحاسبونا فدققوا... ثمّ منّوا فأعتقوا\nهكذا سيمة الملو... ك بالمماليك يرفقوا\nتنبيه: والحكمة من وزن الأعمال مع علم الله تعالى بمقاديرها تتجلى فيما يلي:\nمنها: إظهار العدل الإلهي، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة. ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير، وشر، وحسنة، وسيئة. ومنها: إظهار علامة السعادة، والشقاوة. وإن أردت الزيادة فانظر الآية رقم [٨ و٩] من سورة (الأعراف)، وانظر وزن أعمال الكافرين في الآية [١٠٥] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَنَضَعُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نضع): مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿الْمَوازِينَ:﴾ مفعول به. ﴿الْقِسْطَ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿لِيَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(يوم) مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَلا:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (لا): نافية. ﴿تُظْلَمُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿نَفْسٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به ثان، وقيل: نائب مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف، وقيل: عاطفة. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر. انظر الشرح. ﴿مِثْقالَ:﴾\nخبر ﴿كانَ﴾. هذا؛ ويقرأ برفعه على اعتبار (كان) تامة، وهو فاعلها، و﴿مِثْقالَ﴾ مضاف،","vol":"6","page":50},{"text":"و﴿حَبَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حَبَّةٍ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾.\nإلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها.\n ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (كفى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِنا:﴾\nالباء: حرف جر صلة. (نا): فاعل كفى مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿حاسِبِينَ:﴾ تمييز منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2531\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾\nالشرح: المعنى: أعطينا موسى وهارون التوراة: وهي الكتاب الجامع؛ لكونه فارقا بين الحق والباطل، ونورا يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وذكرا يتعظ فيه المتقون، أو: ذكر ما يحتاجون إليه من التشريع لأمور دينهم ودنياهم، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الفرقان) ودخلت الواو على الصفات كما في قوله تعالى في وصف يحيى بن زكريا-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ وإنما خص (المتقين) بالذكر؛ لأنهم هم الذين انتفعوا، وينتفعون بالمواعظ، والنصائح في كل زمان، وفي كل مكان، وانظر الآية التالية.\nتنبيه: عند التأمل يظهر لك: أن النصف الأول من هذه السورة الكريمة تكلم الله فيه عن دلائل التوحيد، والنبوة، والبعث، والحساب، والجزاء، وفي النصف الثاني منها شرع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، تسلية لرسول الله ﷺ فيما يناله من قومه، وتقوية لقلبه على أداء الرسالة، والصبر على كل عارض، وذكر منها عشرا، انظرها فيما يأتي.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به أول. ﴿وَهارُونَ:﴾ معطوف عليه. ﴿الْفُرْقانَ:﴾ مفعول به ثان، وما بعده معطوف عليه.\n ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب: (ذكرا)، أو بمحذوف صفة له، وحذف مثلهما بعد (ضياء)، والعكس صحيح، وذلك على التنازع، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر. هذا؛ وقيل: إن الواو زائدة، كما قرئ بدونها، وعليه ف: (ضياء) حال من ﴿الْفُرْقانَ﴾.\n<span id=\"aya-2532\"></span>﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ:﴾ يخافونه. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: غائبين؛ لأنهم لم يروا الله تعالى، بل عرفوا بالنظر، والاستدلال: أن لهم ربا قادرا، يجازي على الأعمال، فهم يخشونه","vol":"6","page":51},{"text":"في سرائرهم، وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس. وانظر شرح (الغيب) في الآية رقم [٢٦] من سورة (الكهف). ﴿وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ﴾ أي: من مجيئها، وقيامها. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خائفون، وجلون. وانظر الآية رقم [٢٨] تجد ما يسرك.\nهذا؛ و(الساعة:) القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎، وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، ولا تنس: أن ساعة كل إنسان وقيامته، وقت مقدمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ: «من مات فقد قامت قيامته»، وانظر علاماتها في الآية رقم [٩٦] الآتية.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو في محل جر على اعتباره بدلا من (المتقين) أو في محل نصب على اعتباره مفعولا به لفعل محذوف. ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿مِنَ السّاعَةِ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو والضمير.\n\n<span id=\"aya-2533\"></span>﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَهذا ذِكْرٌ:﴾ المراد به: القرآن الكريم. ﴿مُبارَكٌ:﴾ كثير الخير، غزير النفع.\n ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ على قلب محمد ﷺ فيه هدى ونور، وشفاء لما في الصدور، كما أنزلنا التوراة على موسى وهارون فيها ذكر. ﴿أَفَأَنْتُمْ:﴾ يا معشر قريش. ﴿لَهُ مُنْكِرُونَ:﴾ جاحدون له، وقد تحداكم مرارا، فعجزتم عن الإتيان بمثله، هذا؛ وانظر (أنزل، ونزل) في الآية رقم [٢] من سورة (طه)، و(نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وشرح ﴿أَفَأَنْتُمْ﴾ مثل: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٣٠].\nالإعراب: ﴿وَهذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (هذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ذِكْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبارَكٌ:﴾ صفة له. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿ذِكْرٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وتكون «قد» قبلها مقدرة وجوبا لتقرب الفعل الماضي من الحال. والجملة","vol":"6","page":52},{"text":"الاسمية: ﴿وَهذا ذِكْرٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَأَنْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي.\nالفاء: حرف استئناف، أو: عطف. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُنْكِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2534\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ:﴾ هداه، وصلاحه. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل النبوة، حيث وفقناه للنظر، والاستدلال. وذلك لما جن عليه الليل، ورأى الكوكب، والشمس، والقمر، انظر الآية رقم [٧٦] من سورة (الأنعام) وما بعدها، وقيل: من قبل موسى وهارون، وهو المعتمد. ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أي: إنه صالح لإتيان الرشد، وصالح للنبوة ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾.\nبعد هذا انظر مناقشته لأبيه، ودعوته إياه للإيمان بلطف، وحسن أدب في الآية رقم [٤٠] وما بعدها من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وانظر عمره، وأولاده في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇، وانظر قصته مع هاجر في الآية رقم [٣٧] من السورة المسماة باسمه.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به أول. ﴿رُشْدَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم المقدر. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُشْدَهُ﴾ و﴿قَبْلُ﴾ مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عالِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَكُنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-2535\"></span>﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ:﴾ آزر. ﴿وَقَوْمِهِ:﴾ نمرود، ومن اتبعه. ﴿ما هذِهِ التَّماثِيلُ﴾ أي:\nالأصنام المصورة على صورة السباع، أو الطيور، أو الإنسان. وفيه تجاهل لهم؛ ليحقر آلهتهم مع علمه بتعظيمهم لها. ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ:﴾ مقيمون على عبادتها، وتقديسها، وتعظيمها.\nوانظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الحج)، وإنما قال: ﴿لَها عاكِفُونَ﴾ لأن المراد: لها عابدون، ولو كان ﴿عاكِفُونَ﴾ على ظاهره؛ لقال: عليها عاكفون؛ لأن عكف يتعدى ب: «على».","vol":"6","page":53},{"text":"الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿آتَيْنا،﴾ أو ب: ﴿عالِمِينَ﴾ أو بفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم استفهام وتوبيخ وتحقير، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع خبره، والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿التَّماثِيلُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿التَّماثِيلُ﴾. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عاكِفُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿ما هذِهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-2536\"></span><span id=\"aya-2537\"></span>﴿قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤)﴾\nالشرح: المعنى: وجدنا آباءنا عابدين لتلك التماثيل؛ فقلدناهم في عبادتها، واقتدينا بهم في تقديسها. فأجابهم ﵊ بقوله: إنكم أنتم وآباؤكم منخرطون في ضلال واضح، لا يخفى على أحد؛ لعدم استناد الفريقين على دليل في صحة عبادتها.\nهذا؛ و﴿مُبِينٍ﴾ اسم فاعل من: أبان الرباعي، أصله: مبين، بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من بان الثلاثي بائن، أصله: باين، وإعلاله مثل إعلال قائل.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آباءَنا:﴾\nمفعول به أول، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَبْدَيْنِ:﴾\nمفعول به ثان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَجَدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇.\n ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿أَنْتُمْ:﴾ توكيد لتاء الفاعل. ﴿وَآباؤُكُمْ:﴾ معطوف على اسم (كان)، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ﴾ وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"6","page":54},{"text":"<span id=\"aya-2538\"></span>﴿قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ أجادّ فيما تقول، أم أنت لاعب مازح، كأنهم لا ستبعادهم تضليل آبائهم ظنوا: أن ما قاله على وجه الملاعبة، والمداعبة.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَجِئْتَنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام.\n (جئتنا): فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، أي: ملتبسا بالحق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ اللاّعِبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وعطف الجملة الاسمية على الفعلية إيذان برجحانه عندهم.\n<span id=\"aya-2539\"></span>﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي: لست لا عبا فيما أقول، بل ربكم، والقائم بتدبير أموركم، ومصلح شؤونكم خالق السموات، والأرض؛ الذي خلقهن، وأبدعهن. والضمير يحتمل عوده على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ وعلى ﴿التَّماثِيلُ﴾ التي كانوا يعبدونها، وهو أدخل في تضليلهم، وإقامة الحجة عليهم؛ لأن فيه تصريحا بأن معبوداتهم من جملة مخلوقات الله. ﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ﴾ أي: الذي قلته وذكرته. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: من المتأكدين له والمبرهنين عليه، فإن الشاهد من تحقق الشيء، وتثبت منه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض وفاعله يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب.\n ﴿رَبُّكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿رَبُّ،﴾ أو هو بدل منه. ﴿فَطَرَهُنَّ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿رَبُّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَأَنَا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما، واللام: للبعد، والكاف حرف خطاب، هذا؛ ومن يعتبر «أل» موصولة لا يجيز ذلك؛ لأنه لا يجوز أن تتقدم الصلة على الموصول، وعليه فهما متعلقان","vol":"6","page":55},{"text":"بمحذوف دل عليه ما بعده. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ﴿وَأَنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2540\"></span>﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَتَاللهِ:﴾ قسم فيه معنى التعجب، وقرئ بالباء، وهي الأصل، والتاء بدل من الواو المبدلة منها، وفيها معنى التعجب، والتاء تختص في القسم باسم الله وحده، وربما قالوا:\nتربي، وترب الكعبة، وتالرحمن، والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر، ومظهر.\n ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ:﴾ أقسم أنه لا يكتفي بالمحاجة باللسان، بل كسر أصنامهم أيضا فعل واثق بالله تعالى، موطن نفسه على مقاساة المكروه في الذب عن الدين. هذا؛ والكيد: المكر، يقال:\nكاده، يكيده، كيدا، ومكيدة، وكذلك المكايدة، وربما سمي الحرب كيدا، يقال: غزا فلان فلم يلق كيدا، وكل شيء تعالجه؛ فأنت تحاول كيدا. ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أي: منطلقين ذاهبين.\nهذا؛ وقيل: إنما قال إبراهيم هذا القول سرّا في نفسه، ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد من قومه، فأفشاه، وهو القائل: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ..﴾. إلخ، وقيل: كان لهم في كل سنة مجمع، وعيد. فكانوا: إذا رجعوا من عيدهم؛ دخلوا على الأصنام، فسجدوا لها، ثم رجعوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد؛ قال أبو إبراهيم: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا! فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي، فتركوه، ومضوا، فنادى في آخرهم، وقد بقي ضعفاء الناس: تالله ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ فسمعوها منه، ثم رجع إلى بيت الآلهة، وهن في بهو عظيم، وفي مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه صنم أصغر منه، والأصنام جنبها إلى جنب بعض، كل صنم الذي يليه أصغر منه، وهكذا إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما بين يدي الآلهة، وقالوا: إذا رجعنا وقد برّكت الآلهة عليه أكلنا منه، فلما نظر إبراهيم إليهن، وما بين أيديهن من الطعام؛ قال لهن على طريق الاستهزاء: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ فلما لم يجيبوه، قال: ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ وجعل يكسرهن بفأس كان في يده، حتى إذا لم يبق إلا الصنم العظيم علق الفأس في عنقه-وقيل في يده-ثم خرج، وهو ما يلي. انتهى. خازن بتصرف. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [٨٨] من سورة (الصافات) وما بعدها والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والأصنام: جمع صنم: وهو التمثال الذي يتخذ من خشب، وكانت أصنامهم اثنين وسبعين صنما، بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من حديد، وبعضها من نحاس،","vol":"6","page":56},{"text":"ورصاص، وحجر، وخشب... إلخ، وكان الصنم الكبير من ذهب، مكللا بالجواهر، في عينيه جوهرتان تتقدان.\nالإعراب: ﴿وَتَاللهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تالله): متعلقان بفعل محذوف، تقديره:\nأقسم. ﴿لَأَكِيدَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أكيدن): مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقلية التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿أَصْنامَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أَنْ تُوَلُّوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (بعد) إليه.\n ﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال مؤكدة لواو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n\n<span id=\"aya-2541\"></span>﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا:﴾ بضم الذال أي: قطعا، وقيل: فتاتا، وقرئ بكسر الجيم جمع: جذيذ، وهو الهشيم، مثل خفيف، وخفاف، وظريف، وظراف،، قال الشاعر: [الرمل]\nجذّذ الأصنام في محرابها... ذاك في الله العليّ المقتدر\nكما قرئ بفتح الجيم، كالحصاد، والحصاد. هذا؛ وقال قطرب: هي في لغاتها كلها مصدر فلا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، والمعتمد ما ذكرته أولا. ﴿إِلاّ كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أي: عظيم الآلهة في الخلق، فإنه لم يكسره، كما رأيت سابقا. ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ:﴾ إلى الصنم الكبير؛ لأنه ظن: أنهم لا يرجعون إليه، فيسألونه عن كاسرها؛ إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه في حل المعضلات، أو يرجعون إلى الله؛ أي: إلى توحيده عند تحقق عجز آلهتهم، أو يرجعون إلى إبراهيم نفسه لا شتهاره بعداوة تلك الآلهة الباطلة، فيحاجهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ فيحجهم. هذا؛ وجمعت الأصنام بميم جمع المذكر؛ لأنهم عاملوها معاملة السميع، المبصر، العاقل بتقديسهم لها، وانظر الآية رقم [٣٣].\nالإعراب: ﴿فَجَعَلَهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (جعلهم): ماض، والفاعل، يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇. والهاء مفعول به أول ﴿جُذاذًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء.\n ﴿كَبِيرًا:﴾ مستثنى من الضمير المنصوب. ﴿فَجَعَلَهُمْ:﴾ متعلقان بكبيرا أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية: ﴿فَجَعَلَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو","vol":"6","page":57},{"text":"فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل لجعل الأصنام جذاذا، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2542\"></span>﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ (٥٩)﴾\nالشرح: لما رجعوا من عندهم، ورأوا ما حدث بآلهتهم؛ ﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ..﴾. إلخ: فإنه معتد عليها بفعله هذا؛ مع أنها جديرة بالتقديس؛ والإعظام.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فَعَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه، لا محل له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بِآلِهَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من الظالمين):\nمتعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مَنْ﴾ موصولا مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وعلى الاعتبارين بالجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2543\"></span>﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ أي: الذين سمعوا كلام إبراهيم، -﵊-: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ..﴾. إلخ أو هو الواحد، وعبر عنه بلفظ الجمع. ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكر الأصنام بسوء، ويسبّها. ﴿يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ أي: مسمى بهذا الاسم. هذا؛ وانظر شرح: ﴿يَسْمَعُ﴾ في الآية رقم [٤٥] وإعلال ﴿فَتًى﴾ مثل إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).\nهذا؛ والفتى: الشاب، ويطلق على السيد، والشريف، والكريم، كما يطلق على المستخدم من عبد، وغيره، كما في فتيان يوسف، على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام. وكما في فتى موسى ﵇، والفتاء بالمد: الشباب، والفتوة، والشجاعة، والسيادة، والشرف. هذا؛ وقيل: الفتوة: بذل الندى، وكف الأذى، وترك الشكوى، واجتناب المحارم، واستعمال المكارم. هذا؛ ويجمع «الفتى» جمع كثرة على «فتيان»، وجمع قلة على «فتية» كما يجمع أيضا على «فتوّ» كما في قول جذيمة الأبرش: [المديد]\nفي فتوّ أنا رابيّهم... من كلال غزوة ماتوا\nوهو شاذ؛ لأن أصل فتى: «فتي» فهو يائي، وليس واويا. تأمل.","vol":"6","page":58},{"text":"الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فَتًى:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿يَذْكُرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿فَتًى،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب صفة ﴿فَتًى﴾. ﴿يُقالُ:﴾\nمضارع مبني للمجهول. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِبْراهِيمُ:﴾ فيه أوجه: الأول: هو نائب فاعل؛ أي: يقال له هذا اللفظ. الثاني: هو مبتدأ خبره محذوف، أي: يقال له: إبراهيم فاعل ذلك. الثالث: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: يقال له: هو إبراهيم. الرابع: هو منادى، وحرف النداء محذوف، أي: يا إبراهيم، وعلى الأوجه الثلاثة، فهو مقتطع من جملة، وتلك الجملة في محل نصب مقول القول، وعليه: فالجار، والمجرور متعلقان في محل رفع نائب فاعل. وقال مكي: وإن شئت؛ أضمرت المصدر؛ ليقوم مقام الفاعل، و﴿لَهُ﴾ في موضع نصب، وجملة:\n ﴿يُقالُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿فَتًى،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة:\n ﴿سَمِعْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2544\"></span>﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: النمرود الجبار، وأعوانه الظلمة. ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ أي: جيئوا به ظاهرا بمرأى من الناس حتى يروه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: عليه بأنه الذي فعل ذلك، أو يشهدون:\nأنه قال: إنه سيفعل بالآلهة كذا، وكذا، أو يشهدون عقابه حتى لا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، أو هي زائدة. (ائتوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلى أَعْيُنِ:﴾ متعلقان به أيضا، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالياء، التقدير: ظاهرا على أعينهم، و﴿أَعْيُنِ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٥٨]، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة: (ائتوا...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك قد حصل منه؛ ﴿فَأْتُوا..﴾. إلخ، و«إذا» ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-2545\"></span>﴿قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ أي: حين أحضروه سألوه هذا السؤال: أنت كسرت هذه الآلهة؛ التي نعبدها، ونقدسها يا إبراهيم؟!","vol":"6","page":59},{"text":"الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَأَنْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.\n (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فَعَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بِآلِهَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (إبراهيم): مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا)، والجملة الاسمية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2546\"></span>﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ أي: غضب؛ إذ تعبدون معه هذه الصغار، وهو أكبر منها، فكسرهن، وأراد إبراهيم ﵇ إقامة الحجة عليهم، وتقريره الفعل لنفسه، وإثباته لها على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وتقريعا؛ لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح؛ علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح إلها، وهذا كما قال لك صاحبك، وقد كتبت كتابا بخط رشيق أنيق:\nأنت كتبت هذا، وصاحبك أمي، فقلت له: بل كتبته أنت! كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك، وإثباته للأمي؛ لأنه إثباته للعاجز منكما، والأمر كائن بينكما استهزاء به، وإثبات للقادر. ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أي: حتى يخبروا من فعل ذلك بهم، والمعنى: إن قدروا على النطق؛ قدروا على الفعل، وإذا كانوا عاجزين عن الأمرين:\nالنطق، والفعل؛ فكيف يستحقون العبادة؟! ومضمونه: تحقيرهم، وتحقير آلهتهم.\nعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم النبيّ قطّ إلا ثلاث كذبات: ثنتين منهنّ في ذات الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ،﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ،﴾ وواحدة في شأن سارة». رواه مسلم، وغيره. هذا؛ والواحدة في شأن سارة هي قوله للجبار في مصر حين سأله عنها فقال له: هذه أختي. هذا؛ وقد سماها النبي ﷺ كذبات، ومعناه: أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب، وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات، ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم-على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- منها بمؤاخذته بها؛ لذا يعتذر ﵊ عن الشفاعة في الموقف العظيم، ويقول:\n «وإنّي كنت كذبت ثلاث كذبات» انظر حديث الشفاعة الطويل في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وقد خرجه البخاري، ومسلم.\nقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر، وهي:\nأنه﵇قال: «لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات» ثنتين ما حل بهما عن دين الله،","vol":"6","page":60},{"text":"وهما قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ،﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ،﴾ ولم يعد قوله: (هذه أختي) في ذات الله تعالى، وإن كان دفع بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم ﵇ فيها حظ من صيانة فراشه، وحماية أهله، لم يجعلها في ذات الله، وذلك؛ لأنه لا يجعل في جنب الله، وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين؛ كانت لله سبحانه، كما قال: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ،﴾ وهذا لو صدر منا؛ لكان لله، لكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا. والله أعلم. انتهى. قرطبي. وانظر الآية رقم [٨٢] من سورة (الشعراء).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم) ﵇. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿فَعَلَهُ:﴾ ماض، والهاء مفعوله. ﴿كَبِيرُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿كَبِيرُهُمْ،﴾ أو هو بدل منه، والهاء حرف تنبيه، وقال الكسائي: الوقف عند قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ وهذا يعني: أن الفاعل محذوف، التقدير: فعله من فعله، وما بعده جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر. والأول أقوى معنى وأتم سبكا. ﴿فَسْئَلُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو هي الفصيحة، انظر الآية رقم [٢٥].\n (اسألوهم): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كنتم غير مصادقين؛ فاسألوهم. هذا؛ وقيل: الجملة الفعلية معترضة، وهي مقدمة من تأخير، التقدير: إن كانوا ينطقون؛ فاسألوهم. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، وجملة ينطقون في محل نصب خبره، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط دل عليه ما قبله، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2547\"></span>﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ فرجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم لما أخذ بمخانقهم رجوع المنقطع عن حجته المتفطن لصحة حجة خصمه. ﴿فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي:؛ لأنفسكم بعبادة من لا ينطق ببنت شفة، ولا يملك لنفسه منفعة، وكيف ينفع عابديه، ويدفع عنهم من لا يرد عن رأسه الفأس؟!\nالإعراب: ﴿فَرَجَعُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (رجعوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. (قالوا): ماض، وفاعله... إلخ. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه.\n ﴿أَنْتُمُ:﴾ توكيد لاسم (إنّ) على المحل، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبر","vol":"6","page":61},{"text":"(إنّ) مرفوع... إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ، فيكون ﴿الظّالِمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2548\"></span>﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ أي: انقلبوا إلى المجادلة بعد أن استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليا على أعلاه. وقال أهل التفسير: أجرى الله الحق على ألسنتهم في القول الأول، وهو إقرارهم على أنفسهم بالظلم، ثم أدركتهم الشقاوة، فرجعوا إلى حالهم الأولى. ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أي: فكيف تأمرنا بسؤالها؟!\nهذا؛ و﴿ثُمَّ﴾ عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في «مغني اللبيب»، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (ربّ) و(لا) العاملة عمل ليس، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح، هذا؛ و(ثمّ) هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نُكِسُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، ويقرأ بتشديد الكاف، كما يقرأ بالبناء للمعلوم، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿عَلى رُؤُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الواو، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ نافية تحتمل الحجازية والتميمية. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم ﴿ما،﴾ أو في محل رفع مبتدأ على إهمالها، وجملة: ﴿يَنْطِقُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿ما﴾ على إعمالها، أو في محل رفع خبر المبتدأ على إهمالها، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿عَلِمْتَ﴾ أو مسد مفعوليه على اعتباره ينصب مفعولين؛ لأنه علق عن العمل لفظا بسبب ﴿ما﴾ النافية، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم المقدر وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: لقد علمت... إلخ.\n<span id=\"aya-2549\"></span>﴿قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦)﴾\nالشرح: المعنى: فهو ينكر عليهم عبادة تلك الأوثان بعد أن اعترفوا بأنها جمادات لا تضر، ولا تنفع، ولا تتكلم، وهذا كله ينافي الألوهية.","vol":"6","page":62},{"text":"هذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى؛ ولذا يحرم السجود لغيره تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وعن النبي ﷺ، قال: يقول الله تعالى: «أنا والإنس والجنّ في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري».\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇. ﴿أَفَتَعْبُدُونَ:﴾ الهمزة:\nحرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: عاطفة على محذوف. (تعبدون): مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و﴿فَتَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿شَيْئًا:﴾ نائب مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَلا يَضُرُّكُمْ:﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2550\"></span>﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿أُفٍّ لَكُمْ:﴾ قبحا، أو هلاكا، أو ويلا، وفيه قراآت كثيرة، انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الإسراء) فالبحث فيها واف كاف. ﴿وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ المعنى: القبح لكم ولما تعبدون... إلخ. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أليس لكم عقول تعقلون بها: أنّ هذه الأصنام لا تستحق العبادة، وانظر شرح العقل في الآية رقم [١٠].\nالإعراب: ﴿أُفٍّ:﴾ لقد اعتمدت في سورة (الإسراء): أنه اسم فعل مضارع، أما هنا فالأرجح:\nأنه مصدر بمعنى ما رأيت، وعليه هو مفعول مطلق لا فعل له من لفظه، وفاعله مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أُفٍّ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَلِما:﴾ الواو: حرف عطف. (لما): جار ومجرور معطوفان على لكم، (وما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: للذين تعبدونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما). و﴿تَعْبُدُونَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أُفٍّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف استفهام، أو حرف عطف. (لا): نافية، وجملة: (لا تعقلون) مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر.\n<span id=\"aya-2551\"></span>﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ أخذوا في المضارّة لما عجزوا عن المحاجّة، ولما انقطعوا بالحجة؛ أخذتهم عزة بإثم، وانصرفوا إلى طريق الغشم، والغلبة، والقائل رجل من أكراد فارس، اسمه:","vol":"6","page":63},{"text":"هينون، خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وقيل: قاله نمرود بن كنعان بن سنحاريب، بن نمرود، بن كوش، بن حام، بن نوح النبي على نبينا وحبيبنا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة وألف سلام. وما أحراك أن تقف هنا وقفة قصيرة؛ لتنظر ما ذكرته لك في الآية رقم [٢٥٨] من سورة (البقرة).\n ﴿حَرِّقُوهُ﴾ أي: في النار، فإنها أهول ما يعاقب به، وأفظع. ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ:﴾ بالانتقام لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ:﴾ ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا بإحراقه؛ لأنه يسبها، ويعيبها. هذا؛ وجاء في الخبر: أن نمرود بنى صرحا، طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون، وحبسوا إبراهيم ﵊ في بيت، وبنوا بنيانا كالحظيرة بقرية، يقال لها: كوثى، ثم جمعوا له الحطب شهرا، حتى كان الرجل يمرض، فيقول: لئن عوفيت؛ لأجمعن حطبا لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر فيما تطلب، لئن أصابته؛ لتحتطبن في نار إبراهيم، وكانت المرأة تغزل، وتشتري الحطب بغزلها، احتسابا في دينها، فلما جمعوا ما أرادوا، وأشعلوا في كل ناحية من الحطب نارا، فاشتعلت النار، واشتدت، حتى إنّ الطير ليمر بجنباتها، فيحترق من شدة وهجها، فأوقدوا عليها سبعة أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم، لم يعلموا كيف يلقونه؟! فقيل: إن إبليس جاءهم، وعلمهم عمل المنجنيق. فعملوه، ثم عمدوا إلى إبراهيم ﵇، فقيدوه، ورفعوه على رأس البنيان، ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا، فضجت السموات والأرض، ومن فيهن من الملائكة، وجميع الخلق إلا الثقلين ضجة واحدة: ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار، وليس في الأرض أحد يعبدك غيره؛ فائذن لنا في نصرته.\nفقال الله تعالى: إنه خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بأحد منكم، أو دعاه؛ فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري، فأنا أعلم به، وأنا وليه، فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار؛ أتاه خازن المياه، وقال: إن أردت؛ أخمدت النار، وأتاه خازن الهواء، وقال: إن شئت؛ طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم عليه الصلاة، والسّلام: لا حاجة لي إليكم! ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: (اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل). وروى أبي بن كعب عن النبي ﷺ أن إبراهيم ﵇، قال حين أوثقوه؛ ليلقوه في النار: (لا إله إلاّ أنت سبحانك، لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك) ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل ﵇، فقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ فقال: أما إليك؛ فلا! فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال: (حسبي من سؤالي علمه بحالي) فقال الله تعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ..﴾. إلخ.\nعن ابن عباس﵄في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قال:\nقالها إبراهيم﵊حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس:","vol":"6","page":64},{"text":"﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية رقم [١٧٣] من سورة (آل عمران)، ما أحراك أن تنظر شرحها هناك! هذا؛ وعن أم شريك ﵂: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الأوزاغ. متفق عليه، وزاد البخاري، وقال: (كان ينفخ النّار على إبراهيم) وفي كتاب الترغيب والترهيب أحاديث كثيرة تحث على قتل الأوزاغ.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعله، والألف للتفريق، وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) ﵍. ﴿حَرِّقُوهُ:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وما بعدها معطوف عليها. ﴿آلِهَتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب مثل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ في الآية رقم [٧] هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2552\"></span>﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: لو لم يقل: (سلاما) لمات إبراهيم من بردها. وفي بعض الآثار: إنه لم يبق نار يومئذ في الأرض إلا طفئت: فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل: على إبراهيم؛ لبقيت ذات برد أبدا، وقيل: إن الملائكة أخذت بضبعي إبراهيم، فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب، وورد أحمر، ونرجس، قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم ﵇ إلا وثاقه، قالوا: وكان إبراهيم ﵇ في ذلك الموضع سبعة أيام لم يقدر أحد أن يقرب من النار قاله المنهال بن عمرو، قال إبراهيم ﵇: (ما كنت أيّاما قطّ أنعم منّي من الأيام التي كنت في النار). قيل: وبعث الله تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم، فقعد إلى جنبه يؤنسه، قالوا: وبعث الله جبريل ﵇ بقميص من حرير الجنة، وطنفسة فألبسه القميص، وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يحدثه.\nأقول: وهذا القميص ورثه إسحاق من إبراهيم، وورثه يعقوب من إسحاق، وكان يعقوب قد وضعه في قصبة، وعلقه في عنق يوسف، ولما ألقي في الجب؛ أتى جبريل، وأخرجه من القصبة، وألبسه إياه، صلّى الله على نبينا، وحبيبنا، وعلى إبراهيم، ونسله الصالحين، وسلم تسليما كثيرا. ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرحه الذي بناه، فرآه جالسا في روضة، والملك قاعد إلى جنبه، وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه يا إبراهيم! هل تستطيع أن تخرج منها؟! قال: نعم! قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟! قال: لا! قال: قم فاخرج منها.\nفقام إبراهيم ﵇ يمشي فيها؛ حتى خرج منها، فلما وصل إليه، قال: يا إبراهيم! من الرجل الذي رأيته معك مثلك في صورتك، قاعدا إلى جنبك، قال: ذلك ملك الظل أرسله إليّ","vol":"6","page":65},{"text":"ربي؛ ليؤنسني فيها. فقال نمرود: يا إبراهيم! إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته، وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته، وتوحيده، وإني ذابح له أربعة آلاف بقرة. قال إبراهيم ﵇: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك؛ حتى تفارقه، وترجع إلى ديني، فقال: لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبحها له، فذبحها، وكف عن إبراهيم عليه الصلاة، والسّلام، ومنعه الله منه، وهو ما في الآية التالية. انتهى. ما هنا، وهناك من الخازن، والقرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿قُلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام. (يا): أداة نداء. (نار): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿كُونِي:﴾ أمر ناقص مبني على حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة اسمه. ﴿بَرْدًا:﴾\nخبره، والأصل: ذات برد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. (سلاما): معطوف عليه. ﴿عَلى إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بسلاما، أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، هذا؛ والكلام: ﴿يا نارُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-2553\"></span>﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أي: أراد النمرود، وأصحابه إهلاك إبراهيم﵊بالنار، كما رأيت. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ:﴾ أخسر من كل خاسر لما عاد سعيهم برهانا قاطعا على أنهم على الباطل، وإبراهيم على الحق، وموجبا لمزيد مكانته عند الله، واستحقاقهم أشد العذاب في الدنيا، والآخرة، أما في الدنيا فقد نقل القرطبي عن ابن عباس﵄ما يلي: سلط الله على النمرود وقومه أضعف خلقه البعوض، فما برح نمرود حتى رأى عظام أصحابه، وخيله تلوح، أكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره، فلم تزل تأكل حتى وصلت دماغه، وكان أكرم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام بهذا نحوا من أربعمئة سنة. انتهى. وقال الثعلبي: وكان جبارا أربعمئة سنة، فعذبه الله أربعمئة سنة كمدة ملكه. انتهى. وذكرت لك فيما مضى: أن بختنصر، والنمرود ولدا زنى.\nالإعراب: ﴿وَأَرادُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أرادوا): ماض والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بالمفعول كيدا صحيح معنى، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (جعلناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول.\n ﴿الْأَخْسَرِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"6","page":66},{"text":"<span id=\"aya-2554\"></span>﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا..﴾. إلخ. المعنى: أخرجناه، ومعه لوط ابن أخيه؛ الذي آمن معه من بلاد العراق إلى بلاد الشام المباركة، والبركة حصلت من كثرة الأنبياء الذين بعثوا في هذه البلاد، فانتشرت في العالمين شرائعهم، التي هي مبادئ الكمالات، والخيرات الدينية، والدنيوية، وقيل: مباركة لكثرة خصبها، وثمارها، وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء. والبركة:\nثبوت الخير، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه، فلم يبرح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) صلّى الله على نبينا، وعليه، وسلم. هذا؛ وهناك أحاديث كثيرة في فضل بلاد الشام، والترغيب في سكناها موجودة في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري.\nهذا؛ و(العالمين) جمع: عالم بفتح اللام، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قول موسى-على نبينا، وعليه أفضل صلاة، وأتم تسليم-لما قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له:\nعالم: قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَنَجَّيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نجيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به.\n ﴿وَلُوطًا:﴾ معطوف على الضمير المنصوب. ﴿إِلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة الأرض، وجملة: ﴿بارَكْنا فِيها﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد: الضمير المجرور محلا ب: (في). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة ﴿وَنَجَّيْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-2555\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ:﴾ لإبراهيم. ﴿إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أي: عطية من عطاء الله تعالى والمراد يعقوب؛ لأن الله تعالى أعطى إبراهيم إسحاق بدعائه؛ حيث قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وزاده يعقوب نافلة، وهو ولد الولد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٩] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. وانظر ما قلته في شرح (وهبنا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) ﵍. ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنا..﴾. إلخ. قال البيضاوي: بأن وفقناهم للصلاح، وحملناهم عليه، فصاروا كاملين. وقال القرطبي: وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق الصلاح، والطاعة لله، وبخلق القدرة على الطاعة،","vol":"6","page":67},{"text":"ثم ما يكتسبه العبد فهو مخلوق لله تعالى، وانظر أعمار الأسرة الكريمة في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه، وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، ولا تنس: أن يعقوب ولد في حياة إبراهيم، وهو ما أفادته الآية رقم [٧١] من سورة (هود).\nالإعراب: (وهبنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به.\n ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿نافِلَةً:﴾ حال من (يعقوب)، وجملة ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به أول مقدم. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿صالِحِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2556\"></span>﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً:﴾ أي: رؤساء يقتدى بهم في الخيرات، وأعمال الطاعات. هذا؛ و﴿أَئِمَّةً﴾ جمع: إمام، سمي بذلك؛ لأنه يؤتم به في الأفعال، فهنيئا لمن كان إماما في الخير، وويل لمن كان إماما في الشر! قال تعالى في حق فرعون، وأشياعه: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ الآية رقم [٤١] من سورة (القصص) هذا؛ ويقال: أئمّة، وأيمّة. والثاني جائز عربية لا قراءة، وشرحه: أن أصله (أأممة) ولكن لما اجتمع المثلان، وهما الميمان، أدغمت الأولى في الثانية، ونقلت حركتها إلى الهمزة الثانية. فصار: «أئمة» بهمزتين، فأبدل من الهمزة المكسورة ياء كراهة اجتماع الهمزتين. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا:﴾ يدعون الناس إلى التوحيد، وعبادة الإله الحميد المجيد بما أنزلنا عليهم من الوحي المتضمن للأمر، والنهي. ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ:﴾ هي جميع الأعمال الصالحة بأن يفعلوها، ويحثوا الناس على فعلها. وانظر (الخير) في الآية رقم [٢٤] من سورة (القصص). ﴿وَإِقامَ الصَّلاةِ:﴾ فعل الصلاة على الوجه الأكمل، وانظر الآية رقم [٣١] من سورة (مريم) عليهاالسّلام تجد شرح الصلاة، والزكاة. ﴿وَكانُوا لَنا عابِدِينَ:﴾ موحدين مخلصين في العبادة، ولذلك قدم الجار والمجرور، وانظر العبادة في الآية رقم [٦٦].\nهذا؛ وخص الله (الصلاة) و(الزكاة) بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. هذا؛ و(إقام) أصله: إقامة، فالتاء عوض عن ألف الإفعال، وهذا يخضع لقاعدة، وهي: إذا كانت عين الفعل ألفا تحذف منه ألف الإفعال، والاستفعال، ويعوض عنها تاء في الآخر، كأقام إقامة، واستقام استقامة؛ إذ الأصل إقوام، واستقوام، فاجتمع حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة","vol":"6","page":68},{"text":"الواو للقاف، وتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الحال، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان: الألف المنقلبة، وألف الإفعال، أو الاستفعال، فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين، وعوض عنها التاء في الآخر، وقد يستغنى عن هذه التاء في حال الإضافة، كما في هذه الآية، وآية (النور) رقم [٣٧] فلما أضيفت؛ قام المضاف إليه مقام الهاء، فجاز حذفها، وإن لم تضف لم يجز حذفها، وكما عوضت التاء عن ألف الاستفعال في وسط المصدر، تعوض عن الواو في أول المصدر، مثل: وعد عدة، ووزن زنة، والأصل: وعد وعدا، ووزن وزنا، فحذفت الواو، وعوض عنها التاء في الآخر، فلا يجوز حذف هذه التاء؛ لأنها عوض عن واو محذوفة، فإن أضيفتا؛ أجاز الفراء حذف التاء منهما، وأنشد قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: [البسيط]\nإنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا\nفقد قاس حذف التاء من «عدة» في حال الإضافة على حذفها من إقامة في حال إضافتها.\nوالجمهور اعتبروا حذفها من «عدة» شاذّا ذكر ذلك ابن هشام في أوضح المسالك، والبيت المذكور من شواهده.\nالإعراب: ﴿وَجَعَلْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلناهم): فعل، وفاعل، ومفعوله الأول.\n ﴿أَئِمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَهْدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعل. ﴿بِأَمْرِنا:﴾\nمتعلقان به، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿أَئِمَّةً﴾. وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فِعْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْخَيْراتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَإِقامَ:﴾\nمعطوف على ﴿فِعْلَ﴾ وهو مضاف، و﴿الصَّلاةِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر... إلخ.\n ﴿وَإِيتاءَ الزَّكاةِ:﴾ معطوف عليه، وهو مثله في إعرابه، وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، هذا؛ وهذه الآية، بل هذه الجملة ترجح اعتبار «أن» الواقعة بعد الفعل أوحى، ونحوه مصدرية، لا مفسرة؛ لأن أصل الكلام: «أوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات، وأن أقيموا الصلاة، وأن آتوا الزكاة» فربنا ﷻ، قد نطق بالمصدر مسبوكا في الجمل الثلاث. تنبه له، وافهمه، فإنه جيد. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿عَبْدَيْنِ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة ﴿وَكانُوا لَنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فالمعنى لا يأباه، وتحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، ويكون الرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"6","page":69},{"text":"<span id=\"aya-2557\"></span>﴿وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلُوطًا:﴾ هو ابن أخي إبراهيم ﵉، آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق. قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ فأقام إبراهيم في فلسطين، وأقام لوط في الأردن. فأرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وانظر تفصيل ذلك في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) ﵇. ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ أي:\nمنحناه قوة الحكم، والفصل بين الخصوم. وقيل: المراد: حكمة، وهي كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح. ﴿وَعِلْمًا:﴾ المراد به: النبوة، والرسالة التي كلف بها، وقيل: الفرق بين الحكيم والعالم أن العالم: هو الذي يعلم الأشياء بحقائقها، وأن الحكيم: هو الذي يعمل بما يوجبه العلم. ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ﴾ أي: الأعمال الخبيثة، وهي إتيان الذكور في أدبارهم، وكانوا يتضارطون في مجالسهم، ويقذفون المارة بالحصى، وغيره. والمراد: أهل القرية، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا من أنواع المجاز، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ:﴾ كافرين، خارجين عن طاعة الله تعالى. والسوء:\nالشر، والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول:\nرجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء، وتأنيثه: السّوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾.\nالإعراب: ﴿وَلُوطًا:﴾ الواو: حرف عطف عطفت الإشارة إلى قصة لوط على قصة إبراهيم ﵇ مع قومه. (لوطا): مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهو ما يسمى بالاشتغال. ﴿آتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿حُكْمًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة للجملة المحذوفة، وجملة: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿الْقَرْيَةِ﴾. ﴿كانَتْ:﴾ ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه يعود إلى ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد. ﴿تَعْمَلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ أيضا. ﴿الْخَبائِثَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَتْ،﴾ والجملة الفعلية هذه صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمَ:﴾ خبر (كان) و﴿قَوْمَ﴾ مضاف، و﴿سَوْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فاسِقِينَ:﴾\nصفة ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، وجملة: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"6","page":70},{"text":"<span id=\"aya-2558\"></span>﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا﴾ أي: في أهل رحمتنا؛ أي: جعلناه منهم، أو المعنى:\nأدخلناه في جنتنا؛ لأنها مكان الرحمة، فهو مجاز مرسل علاقته المحلية. ﴿إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: الأنبياء الذين سبقت لهم منا الحسنى.\nالإعراب: (أدخلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، انظر إعراب: ﴿نَذَرْتُ﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام. ﴿فِي رَحْمَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لإدخاله في الرحمة.\n<span id=\"aya-2559\"></span>﴿وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: واذكر نوحا وقت دعا ربه من قبل إبراهيم، ولوط، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه على قومه. وانظر الآية رقم [٨٨] الآتية. ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ:﴾ المراد: من آمن معه. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ،﴾ قال ابن عباس﵄-: من الغرق، وتكذيب قومه له، هذا؛ وإنه كان أطول الأنبياء عمرا، وأشدهم بلاء، والكرب: أشد الغم. هذا؛ وبعث نوح﵇وهو ابن أربعين سنة، ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فتكون مدة عمره ألفا وخمسين سنة، ويروى: أن جبريل ﵇ قال له: يا أطول الأنبياء عمرا! كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر. هذا؛ والآيتان قد أشارتا إلى قصة نوح﵇إشارة، وانظر قصته في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) إن أردت بسط ذلك.\nالإعراب: ﴿وَنُوحًا:﴾ الواو: حرف عطف. (نوحا): فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب عطفا على (لوطا) فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو (آتينا) المفسر بآتينا الظاهر، وكذلك داود، وسليمان، والتقدير: ونوحا آتيناه حكما، وداود، وسليمان آتيناهما حكما، وعلى هذا ف:\n ﴿إِذْ﴾ بدل من (نوحا)، ومن (داود وسليمان) بدل اشتمال. والثاني: أنه منصوب بإضمار:\nاذكر؛ أي: اذكر نوحا، وداود، وسليمان، اذكر خبرهم وقصتهم، وعلى هذا فتكون ﴿إِذْ﴾ منصوبة بنفس المضاف المقدر؛ أي: أخبرهم الواقع في وقت كان كيت، وكيت. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿نادى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى","vol":"6","page":71},{"text":"نوح، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿فَاسْتَجَبْنا..﴾. معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَنَجَّيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْكَرْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة الكرب.\n\n<span id=\"aya-2560\"></span>﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ..﴾. إلخ: أي: جعلناه منتصرا عليهم، وهو أولى من تفسيره ب: منعناه منهم. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ أي: قوم شر، وإفساد، وانظر الآية رقم [٧٤].\n ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ﴾ أي: بالطوفان. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ صغيرهم، وكبيرهم، ذكرهم، وأنثاهم، ولم يبق منهم إلا الذين آمنوا، وركبوا معه في السفينة، وهم بضع وثمانون ما بين رجل وامرأة، وإنما أهلكهم الله بالغرق جميعا لتكذيبهم الحق، وانهماكهم في الشر، ولم يجتمعا في قوم إلا أهلكهم الله.\nهذا؛ وقوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ قال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]\nوما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، و(قوم) يذكر، ويؤنث، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فالتذكير باعتبار اللفظ، والتأنيث باعتبار المعنى.\nالإعراب: ﴿وَنَصَرْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الْقَوْمِ،﴾ وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد واو الجماعة. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٧٤]، والجملة الاسمية هنا معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به.\nوالجملة الفعلية معطوفة على جملة (نصرناه...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب... إلخ.","vol":"6","page":72},{"text":"<span id=\"aya-2561\"></span>﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ:﴾ قال ابن عباس﵄وأكثر المفسرين: كان الحرث كرما، قد تدلت عناقيده. وقال قتادة: كان زرعا. ولم يرد بقوله: ﴿إِذْ يَحْكُمانِ﴾ الاجتماع في الحكم، وإن جمعهما في اللفظ، فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز، وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده، كما ستقف عليه. ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ أي:\nرعته ليلا فأفسدته، وكانت بلا راع. هذا؛ والنفش: الرعي في الليل، يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار: إذا رعت بلا راع.\n ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ أي: كان ذلك بعلمنا، ومرأى منا، لا يخفى علينا علمه، وفيه دليل لمن يقول: إن أقل الجمع اثنان، وقيل: المراد به: الحاكمان، والمتحاكمان. هذا؛ وقد قال ابن عباس﵄وغيره: إن رجلين دخلا على داود ﵇، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن غنم هذا دخلت زرعي ليلا، فوقعت فيه، فأفسدته، فلم تبق منه شيئا. فأعطاه رقاب الغنم بالزرع، أي: ملّك صاحب الزرع الغنم، فخرجا، فمرا على سليمان ﵇، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال: لو وليت أمركما؛ لقضيت بغير هذا. وروي: أنه قال: غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود، فدعاه، وقال: كيف تقضي؟\nويروي: أنه قال له: بحق النبوة، والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين! قال:\nادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها، ونسلها، وصوفها، ومنافعها، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه، وأخذ صاحب الغنم غنمه. فقال داود: القضاء ما قضيت. وحكم بذلك. فقيل: كان لسليمان يوم حكم بذلك من العمر إحدى عشرة سنة.\nوحكم الإسلام في هذه المسألة: أن ما أفسدته الماشية المرسلة من مال الغير بالنهار، فلا ضمان على ربها، وما أفسدته بالليل ضمنه ربها؛ لأن في عرف الناس: أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار، وترد بالليل إلى المراح، ويدل على هذه المسألة ما روى حرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة للبراء بن عازب ﵁، دخلت حائطا لبعض الأنصار، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ: أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. زاد في رواية: وأن على أهل الماشية، ما أصابت ماشيتهم بالليل، أخرجه أبو داود مرسلا. وذهب أهل الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن مع ماشيته، فلا ضمان عليه، فيما أتلفت ليلا كان، أو نهارا. انتهى. خازن.","vol":"6","page":73},{"text":"تنبيه: أما داود فهو ابن إيشا ينتهي نسبه إلى يهوذا بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، هذا؛ وداود من سبط الملوك، وهو سبط يهوذا، أما سبط النبوة، فهو سبط لاوي بن يعقوب، وقد اجتمع الملك، والنبوة له، ولابنه سليمان، ولم يجتمعا لغيرهما من بني إسرائيل. وانظر قصته مع طالوت، وجالوت في الآية رقم [٢٤٦] وما بعدها من سورة (البقرة)، وقد وقعت في عهده حادثة أهل السبت التي رأيت تفصيلها في الآية رقم [١٦٣] وما بعدها من سورة (الأعراف). هذا؛ وعاش داود مئة سنة وبينه وبين موسى خمسمئة وتسع وستون سنة، وقيل: وتسع وسبعون، وعاش سليمان تسعا وخمسين سنة، وبينه وبين مولد نبينا، وحبيبنا-عليه، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام-نحو ألف وسبعمئة سنة. انتهى. جمل نقلا من التحبير للسيوطي، وانظر ما ذكرته في الآية [٥٥] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ:﴾ معطوفان على نوحا في الآية رقم [٧٦] ﴿إِذْ:﴾ هي مثل نظيرتها في الآية رقم [٧٦]. ﴿يَحْكُمانِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿فِي الْحَرْثِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف متعلق بالفعل قبله. ﴿نَفَشَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿غَنَمُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْقَوْمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون. و(نا): اسمه. ﴿لِحُكْمِهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿شاهِدِينَ﴾ بعدهما، وانظر جمع الضمير في الشرح. هذا؛ وقرئ: «(لحكمهما)» والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، وفي السمين من إضافة المصدر لفاعله ومفعوله دفعة واحدة، وهو إنما يضاف لأحدهما فقط، وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة إضافة المصدر لفاعله، والمجاز إضافته لمفعوله. ﴿شاهِدِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وجملة: ﴿وَكُنّا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ألف الاثنين فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. تأمل.\nتنبيه: اعتبر ابن هشام في مغنيه اللام في قوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ:﴾ لام التقوية، أي زائدة مقوية ل: ﴿شاهِدِينَ؛﴾ لأنه عامل ضعيف مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ وأورد قول حاتم الطائي، وقيل: هو قيس بن عاصم المنقري ﵁: [الطويل]\nإذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدى\nوعليه فاللام زائدة، و(حكمهم): مفعول به مقدم ل: ﴿شاهِدِينَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو اللام، وفاعل ﴿شاهِدِينَ﴾ مستتر فيه تقديره: «نحن».","vol":"6","page":74},{"text":"<span id=\"aya-2562\"></span>﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ:﴾ الضمير المنصوب يعود للحكومة، أو للفتوى، أو للقضية، المفهومة من المقام، وقرئ: «(فأفهمناها)» ﴿وَكُلاًّ﴾ أي: من داود، وسليمان، ﵉.\n ﴿آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي: بوجوه الاجتهاد، وطرق الأحكام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٤].\nقال الحسن-رحمه الله تعالى-: لولا هذه الآية؛ لرأيت الحكام قد هلكوا، ولكن الله حمد هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده.\n ﴿وَسَخَّرْنا:﴾ ذللنا. ﴿مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ:﴾ قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبحا، فتجاوبه الجبال بالتسبيح، وكذلك (الطير)، وقيل: كان ﵇ إذا وجد فترة أمر الجبال، فسبحت حتى ينشط، ويشتاق، فيكون المعنى: جعلنا الجبال تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل:\nإن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة. وقال قتادة: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يصلين معه إذا صلى، والتسبيح: الصلاة، وكلّ محتمل، وذلك؛ لأن الجبال لا تعقل، فتسبيحها معه دلالة على تنزيه الله تعالى من صفات العاجزين، والمحدثين.\n ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أي: قادرين على ما ذكر من التفهيم، وإيتاء الحكم، والتسخير. هذا؛ ولا تنس: أن اليهود، والنصارى يعتبرون داود، وسليمان ﵉ ملكين، وليسا بنبيّين.\nتنبيه: ومن أحكام داود، وسليمان﵉ما روي عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذّئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسّكّين، أشقّه بينهما! فقالت الصّغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها! فقضى به للصغرى» أخرجاه في الصحيحين.\nويؤخذ من فحوى هذا الحديث: أن الولد وقع بيد المرأة الكبرى، فصارت صاحبة اليد، والصغرى مدعية، فطالبها داود ﵇ ببينة تثبت: أنه ابنها، وتعذر ذلك عليها، وأما سليمان ﵇؛ فقد لجأ إلى حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق الصغرى وهي أنه لما قال:\nهات السكين أشقه بينهما، قالت الصغرى: لا، فظهر له من قرينة الشفقة، والعاطفة في الصغرى أنه لها، وانظر ما أذكره في سورة (النمل) إن شاء الله تعالى.\nفائدة: يروى: أنه لما هدم الوليد بن عبد الملك كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة، التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا؛ فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك","vol":"6","page":75},{"text":"مصيبا؛ فقد أخطأت أنت، فأجابه الوليد بقوله تعالى: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.\nهذا؛ وانظر شرح (الطير) في الآية رقم [٣١] من سورة (الحج).\nالإعراب: ﴿فَفَهَّمْناها:﴾ الفاء: حرف استئناف. (فهمناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول.\n ﴿سُلَيْمانَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة:\n ﴿يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ﴾ فتكون في محل جر مثلها. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا):\nمفعول به أول تقدم على فعله. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿حُكْمًا:﴾ مفعول به ثان. (علما):\nمعطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n (سخرنا): فعل، وفاعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ بعده، و(مع) مضاف، و﴿داوُدَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿الْجِبالَ:﴾ مفعول به. ﴿يُسَبِّحْنَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الجبال، والرابط: الضمير فقط، وهو النون العائدة على الجبال. هذا؛ وأجيز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَالطَّيْرَ:﴾ معطوف على ﴿الْجِبالَ﴾ أو هو مفعول معه، هذا؛ ويقرأ برفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: والطير مسخرات أيضا.\nوالثاني: أنه معطوف على الضمير في ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ ولم يؤكد الضمير المتصل، ولم يفصل بينهما، وهو على مذهب الكوفيين. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وجملة: ﴿وَسَخَّرْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و(نا):\nاسمها. ﴿فاعِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ معطوفة على جملة (سخرنا...) إلخ أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2563\"></span>﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ أي: صنعة الدروع التي تلبس في الحرب. قيل: إن أول من صنع الدروع، وسردها، واتخذها حلقا داود، ﵊. وكانت من قبل صفائح. ولا تنس: أن الله تعالى قد ألان له الحديد، فجعله بيده كالطين، لا يحتاج إلى نار، وهو ما صرحت به آية (سبأ) رقم [١٠] وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ:﴾ لتحفظكم، وتمنعكم من وقع السلاح فيكم في أوقات حربكم مع عدوكم. هذا؛ ويقرأ الفعل المضارع بالتاء والياء والنون، قراآت ثلاث. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ:﴾ هذا الخطاب لداود، ولأهل بيته، وهو استفهام بمعنى الأمر؛ أي: فاشكروا الله على ذلك.","vol":"6","page":76},{"text":"قال القرطبي رحمه الله تعالى: هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع، والأسباب، وهو قول أهل العقول، والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه، فمن طعن في ذلك؛ فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا إلى الضعف، وعدم المنة، وقد أخبر الله عن نبيه داود ﵇: أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضل يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثا، ونوح نجارا، وإدريس خياطا، وطالوت دباغا، وقيل: سقاء. فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر، والبأس، ومن قول النبي ﷺ: «إنّ الله يحبّ المؤمن المحترف الضعيف المتعفّف،، ويبغض السّائل الملحف». انتهى.\nالإعراب: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (فهمناها سليمان) لا محل لها مثلها، و﴿صَنْعَةَ:﴾ مضاف، و﴿لَبُوسٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لبوس، وأجيز تعليقهما بالفعل (علّم) وب: ﴿صَنْعَةَ﴾ أيضا، والأول أقوى. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿لَبُوسٍ،﴾ والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (علمناه) أيضا، وأجيز اعتبارهما بدلا من ﴿لَكُمْ﴾ بإعادة الجار، وهذا على اعتبار اللام في ﴿لَكُمْ﴾ للتعليل. ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاكِرُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2564\"></span>﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح، ويقرأ برفع (الريح) فيكون التقدير:\nولسليمان تسخير الريح. ﴿عاصِفَةً:﴾ شديدة الهبوب. والعصف: التبن، فسمى به شدة الريح؛ لأنها تعصفه بشدة، وتطيره. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ:﴾ تسير بإرادته، ومشيئته. ﴿إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها:﴾\nالمراد بها بلاد الشام، انظر الآية رقم [٧١]، والمراد رجوعه من سفره رواحا إلى بلاد الشام بعد ما سارت به منها بكرة. ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أي: فنجريه على حسب ما تقتضيه الحكمة من تدبير. هذا؛ وقد ذكر الله في سورة (ص) قوله: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ وفي سورة (سبأ) قوله: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ رقم [١٢] انظر شرحها، ففيها كبير فائدة.","vol":"6","page":77},{"text":"قال وهب بن منبه: كان سليمان ﵇ إذا خرج إلى مجلسه؛ حلقت عليه الطير، وقام له الإنس، والجن؛ حتى يجلس على سريره، وكان امرأ غزّاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بخشب فمدت، ورفع عليها الناس والدواب، وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح، فدخلت تحت الخشب، فاحتملته؛ حتى إذا استقلت به؛ أمر الرخاء، فمرت به شهرا في روحته، وشهرا في غدوته إلى حيث أراد. قال وهب: ذكر لي: أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه، كتبه بعض صحابة سليمان ﵇، إما من الإنس، أو من الجن: نحن نزلناه، وما بنيناه، ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر، فقلناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله فنازلون بالشام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (النمل) ففيها فضل زيادة.\nوقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا، فرسخا في فرسخ، ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من ذهب وسط البساط، فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، تقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظلله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح. انتهى. خازن.\nهذا؛ والريح: جسم متحرك لطيف، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للمس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وانظر الآية رقم [٦٩] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَلِسُلَيْمانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لسليمان) متعلقان بفعل محذوف، أو بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف. انظر تقديرهما في الشرح، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون. ﴿الرِّيحَ:﴾ مفعول به، أو هو مبتدأ مؤخر، انظر الشرح. ﴿عاصِفَةً:﴾ حال من الريح. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الريح) والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من (الريح) أو هي بدل من (عاصفة) أو حال من الضمير المستتر فيها، فتكون حالا متداخلة. ﴿بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول لا محل لها. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه، ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿عالِمِينَ،﴾ و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عالِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب... إلخ، وجملة ﴿وَكُنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.","vol":"6","page":78},{"text":"<span id=\"aya-2565\"></span>﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي: وسخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون تحت الماء، فيخرجون له من قعر البحر الجواهر، وغيرها من الأحجار الكريمة، والأشياء الثمينة.\n ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ:﴾ أعمالا أخر، كبناء المدن، والقصور، واختراع الصنائع الغريبة، واتخاذ النورة، والقوارير، بالإضافة إلى صنع المحاريب، والتماثيل، والجفان. ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ:﴾ أن يخرجوا عن طاعته، أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم؛ التي جبلوا عليها.\nقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: فهذا كله دل على أن الله سخر لسليمان﵇الجن تطيعه، وينفذ أمره فيهم، ويعملون له ما يشاء من ضخم المباني، والعمائر، ثم ذكر العمائر والمباني التي بنيت له، ومن جملتها مدينة تدمر في سورية، كل ذلك عدا المخازن، ومدن المركبات، ومدن الفرسان، وما بناه في لبنان وغيرها من سائر مملكته، وسخر في ذلك بقايا الشعوب الذين كانوا في فلسطين، ولم يكن من الشعب الإسرائيلي مسخر، وكان رؤساء المسخرين خمسمئة وخمسين رئيسا.\nومن نظر إلى هذه الأعمال، وفخامتها، وضخامة أحجارها لم يستبعد أن يكون للجن عمل عظيم في ذلك، وخاصة مدينة تدمر، وبعض آثارها الضخمة مائل إلى اليوم، هذا؛ ولا تنس قلعة بعلبك في لبنان، وقد ذكر النابغة الذبياني تسخير الجن لسليمان في شعره الذي يعتذر فيه إلى النعمان بن المنذر؛ إذ يقول: [البسيط]\nولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه... ولا أحاشي من الأقوام من أحد\nإلاّ سليمان إذ قال المليك له... قم في البريّة فاحددها عن الفند\nوخيّس الجنّ إني قد أذنت لهم... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد\nخاتمة: ذكرت لك فيما سبق: أن جميع من ملكوا الدنيا أربعة: مؤمنان، وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وإسكندر ذو القرنين. والكافران هما: نمرود الذي ادعى الألوهية على عهد إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وبختنصر الذي خرب بيت المقدس، ونهبه، وأهلك بني إسرائيل بعد سليمان، ﵇، كما رأيت في الآية رقم [٥] من سورة (الإسراء)، وأضيف هنا: أن ملك سليمان كان أوسع، وأشمل، وأعظم، حيث ذلل الله له الطيور، وسخر له الجن، والشياطين، وسخر له الريح تجري بأمره حيث أصاب، فهذا لم ينله أحد قبله، ولا بعده، وهو فحوى طلبه: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ﴾","vol":"6","page":79},{"text":"﴿أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ ومع هذا كله فقد أعفاه الله من مسؤولية ما أعطاه، فقال له: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (من الشياطين): متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وسخرنا من الشياطين، أو هما متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به على التقدير الأول، أو في محل رفع مبتدأ مؤخر على التقدير الثاني، وقد روعي معناها بإرجاع الضمير عليها جمعا، وجملة:\n ﴿يَغُوصُونَ لَهُ﴾ صلة ﴿مِنَ﴾ أو صفة له، والعائد، أو الرابط: واو الجماعة، وجملة ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا﴾ معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة ﴿عَمَلًا،﴾ و﴿دُونَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والكلام: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، وإعراب ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ..﴾. إلخ إفرادا وجملا.\n\n<span id=\"aya-2566\"></span>﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ أي: اذكر أيوب النبي الصابر على البلاء وقت نادى ربه.\n ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أي: أصابني البلاء، ف (الضرّ) بفتح الضاد شائع في كل ضرر، ومصيبة، وبضم الضاد خاص بما في النفس كمرض، وهزال، وقد نظم بعضهم الفرق بينهما، كما أورد معاني أخر لهما، فقال: [الرجز]\nوضدّ نفع قيل فيه ضرّ... وجود ضرّة لعرس ضرّ\nوسوء حال المرء ذاك ضرّ... كذا هزال مرض أو كبر\nوانظر ما ذكرته في سورة (الحج) رقم [١٣] نقلا من القاموس المحيط.\n ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ:﴾ وصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لفظا في السؤال.\nوأيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان روميا من ولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وزوجته اسمها: رحمة بنت إفراثيم بن يوسف الصديق بن يعقوب.\nقال ابن عباس﵄-: سمي أيوب؛ لأنه آب إلى الله في كلّ حال، هذا؛ وروي: أنه كان ذا مال عظيم، وكان تقيا برّا رحيما بالمساكين، يكفل الأيتام، والأرامل، ويكرم","vol":"6","page":80},{"text":"الضيف، ويبلغ ابن السبيل، شاكرا؛ لأنعم الله عليه، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم، فخاطبوه في أمر، وجعل أيوب يلين له في القول، من أجل زرع كان له، فامتحنه الله بذهاب ماله، وأهله، وبالضر في جسمه؛ حتى تآكل، وتناثر لحمه، فابتعد عنه الناس، وهجره الأصحاب، والأقرباء، وكانت امرأته تخدمه. قال الحسن: مكث بذلك تسع سنين، وستة أشهر، فلما أراد الله أن يفرج عنه، قال الله تعالى له: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ فيه شفاؤك، وقد وهب لك أهلك، ومالك، وولدك، ومثلهم معهم، انتهى. قرطبي. هذا؛ وذكر أيضا: أنه اختلف في تفسير ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ على ستة عشر قولا، وكلها لا حاجة إليها، بعد أن عرفنا: أن الضر هو ما أصيب به من فقد الولد، والمال، ومرض الجسم.\nقال المرحوم عبد الوهاب النجار: إن الناس يروون في بلاء أيوب أقوالا، يوردونها، تدل على أنه مرض مرضا مشوها، ومنفرا للناس من قربانه، والدنو منه، وهذا يتنافى مع منصب النبوة، وقد قرر علماء التوحيد أن الأنبياء منزهون عن الأمراض المنفرة، فكيف يتفق ذلك مع منصب النبوة؟! والجواب على ذلك من وجهين:\nالأول: أن الابتلاء على الوجه الأول الذي يقولون كان قبل النبوة، وأن منحة النبوة إنما كانت لما بدا منه من الصبر، والرضا بما أصابه من مكروه، وملازمته جانب الرضا عن الله تعالى.\nالثاني: أن المبالغين في ضر أيوب إنما اعتمدوا فيما يقولون على ما جاء عند أهل الكتاب في السّفر المسمى سفر أيوب، وإذا ثبت: أن هذا السفر حقيقي، فعبارته مؤولة؛ أي: مؤولة على المبالغة في ذلك على نحو ما جاء في الشعر العربي، وأورد أبياتا شعرية كثيرة شواهد لذلك.\nأقول: أما قوله: إن الابتلاء كان قبل النبوة، وأن منحة النبوة... إلخ يبطله أن ابتلاءه بما ذكر كان بعد أن بلغ من العمر ثمانين سنة، والمعروف أن الرسالة والنبوة إنما كانت تمنح للرسول على رأس الأربعين سنة على أكثر تقدير، فلم يبق إلا المبالغة في ذلك؛ حتى خرجت عن حد المعقول الذي يحط من مقام النبوة، وأقبح من ذلك ما ذكره الخازن نقلا عن الثعلبي:\nأن الله سلط إبليس على ماله، وولده، وجسمه، فهو الذي فعل كل ما أصاب أيوب من بلاء.\nالإعراب: ﴿وَأَيُّوبَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أيوب): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر أيوب، أو التقدير: اذكر خبر أيوب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل المحذوف، أو هو بدل من (أيوب)، أو من خبر (أيوب) المقدر. ﴿نادى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى أيوب، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به.\nوالهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنِّي:﴾ حرف","vol":"6","page":81},{"text":"مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مَسَّنِيَ:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.\n ﴿الضُّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني... إلخ. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة على تقدير: قال: إني... إلخ، أي: فهي في محل نصب مقول القول لهذا المقدر، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الضُّرُّ﴾ أو من ياء المتكلم، والرابط: الواو فقط على الاعتبارين. وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2567\"></span>﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه، وانظر الآية [٨٨]، قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء، والأدباء في دار السلطان، فسئلت عن هذه الآية، أي السابقة. بعد إجماعهم على أن قول أيوب شكاية، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا﴾ فقلت: ليس هذا شكاية، وإنما كان دعاء. بيانه: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ والاستجابة تتعقب الدعاء؛ لا الاشتكاء، فاستحسنوه، وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية، فقال: عرّفه فاقة السؤال؛ ليمنّ عليه بكرم النوال. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ ومدة البلاء كانت ثماني عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة، فقد روي: أن امرأته قالت له يوما: لو دعوت الله! فقال لها: كم سنة كانت مدة الرخاء، والنعمة؟ فقالت: كانت ثمانين سنة، فقال: أستحيي من الله أن أدعوه، وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي.\n ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ:﴾ بالشفاء من مرضه. ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ:﴾ قال ابن عباس، وابن مسعود، وأكثر المفسرين﵃ أجمعين-: رد الله إليه أهله بأعيناهم، أحياهم الله، وأعطاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن. قال القرطبي: لأنهم ماتوا ابتلاء قبل انقضاء آجالهم، حسب ما تقدم بيانه في سورة (البقرة) في قصة ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية رقم [٢٤٣] وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة، فماتوا، ثم أحيوا الآية رقم [١٥٥] من سورة (الأعراف). وعن ابن عباس في رواية أخرى: أن الله ردّ إلى المرأة شبابها، فولدت له ستة وعشرين ذكرا. وقيل: كان له سبع بنين، وسبع بنات، فأحياهم الله له، وولدت زوجته مثلهم.\nوفي الخبر: أن الله بعث إليه جبريل ﵇، فقال له: اركض برجلك، فركض برجله فنبعت عين ماء حار، فأمره أن يغتسل منها، ففعل، فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين","vol":"6","page":82},{"text":"خطوة، فأمره أن يضرب الأرض برجله مرة أخرى، ففعل فنبعت عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها، فشرب، فذهب كل داء بباطنه، فصار كأصحّ ما كان.\nهذا؛ وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما أيوب يغتسل عريانا، خرّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيّوب يحثي في ثوبه، فناداه ربّه: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عمّا ترى؟! قال: بلى يا ربّ! ولكنّي لا غنى لي عن بركتك». أخرجه البخاري. وعن أنس ﵁ يرفعه: أنه كان لأيوب ﵇ أندران: أندر للقمح، وأندر للشّعير، فبعث سحابتين، فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق؛ حتّى فاضا، فقال له جبريل: أشبعت؟ فقال: ومن يشبع من فضل الله؟ فأوحى الله إليه: قد أثنيت عليك بالصّبر قبل وقوعك في البلاء وبعده، ولولا أنّي وضعت تحت كلّ شعرة منك صبرا ما صبرت. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف.\n ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي: كان البلاء لأيوب، والصبر عليه نعمة سابغة، ورحمة عظيمة من العلي القدير؛ الذي تولاه بعنايته، وحفظه من التضجر، وعدم الصبر برعايته. ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي: عبرة، وتذكرة للعابدين إلى يوم القيامة؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب، وصبره عليه، ومحنته له، وهو أفضل أهل زمانه؛ وطّنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا على مثال ما فعل أيوب، وصبروا كما صبر، وأثيبوا كما أثيب.\nوأخيرا أذكر لك: أن الله تعالى ذكر أيوب باسمه فقط في الآية رقم [١٦٣] من سورة (النساء)، والآية رقم [٨٤] من سورة (الأنعام)، وذكر في هذه السورة بذكر بلائه ونعمة الله عليه كما ذكر في الآية رقم [٤١] وما بعدها من سورة (ص) بأكثر مما ذكر في هذه السورة، كما ستقف عليه بعون الله تعالى، وتوفيقه.\nالإعراب: ﴿فَاسْتَجَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (كشفنا): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ ضُرٍّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، وجملة: ﴿فَكَشَفْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ:﴾ معطوفة عليها.\n ﴿وَمِثْلَهُمْ:﴾ معطوفة على أهله، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو من (مثلهم). ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول لأجله، أو مفعول مطلق بفعل محذوف، التقدير: رحمناه رحمة. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ متعلقان ب:\n ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَذِكْرى:﴾ معطوف على ﴿رَحْمَةً﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿لِلْعابِدِينَ:﴾ متعلقان بذكرى، أو بمحذوف صفة لها.","vol":"6","page":83},{"text":"<span id=\"aya-2568\"></span><span id=\"aya-2569\"></span>﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٦)﴾\nالشرح: (إسماعيل): هو ابن إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، وقد ذكره الله في الآيتين [٥٤ و٥٥] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وتكرر ذكره في القرآن كثيرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] وما بعدها من سورة (إبراهيم) بشأنه، وشأن أمه.\n (إدريس): انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، ولم يذكر في غير سورة (مريم) وهذه السورة. أما (ذو الكفل) فذكر باسمه فقط في هذه الآية، وفي الآية رقم [٤٨] من سورة (ص)، أما المفسرون فقد اختلفوا فيه، فقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي:\nهو إلياس. وقيل: زكريا، وقيل: يوشع بن نون، وكأنه سمّي بذلك؛ لأنه ذو الحظ من الله، والمجدود على الحقيقة. وقيل: كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه، وضعف ثوابهم. وكيف يقبل هذا؛ وزكريا﵇يذكر بعد آيتين تبينان فضل الله عليه. هذا؛ وأما الخازن فقد ذكر قصة منقولة عن الثعلبي ملخصها: أن نبيا من بني إسرائيل وكان ملكا شرط على من يكون خليفة من بعده أن يتحلى بثلاثة أمور: بقيام الليل، وصيام النهار، وعدم الغضب، فتكفل بها ذو الكفل، ووفى بها، وقد حاول إبليس أن يغضبه، فلم يفلح.\nهذا؛ وقال القرطبي: وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وغيره من حديث ابن عمر -﵄-، عن النبي ﷺ، قال: «كان في بني إسرائيل رجل، يقال له: ذو الكفل، لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة، فأعطاها ستّين دينارا على أن يطأها، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته؛ ارتعدت، وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكنّه عمل ما عملته قطّ، وما حملني عليه إلاّ الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا، وما فعلته، اذهبي، فهي لك، وقال: والله، لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: إنّ الله قد غفر لذي الكفل». قال: حديث حسن. انتهى. وهذا الحديث مذكور في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري رحمه الله تعالى.\nوقال أبو موسى عن النبي ﷺ: «إنّ ذا الكفل لم يكن نبيا، ولكنّه كان عبدا صالحا، فتكفّل بعمل رجل صالح عند موته، وكان يصلّي لله كلّ يوم مئة صلاة، فأحسن الله الثناء عليه». وقيل:\nغير ذلك فيه. هذا؛ وقول النبي ﷺ: «لم يكن نبيّا» صريح بأنه كان عبدا صالحا، وليس بنبي.\nوقال القرطبي: الجمهور على أنه ليس بنبي انتهى. وأما علماء التوحيد؛ فإنهم يعدونه نبيا مرسلا، ويعدّونه من جملة المرسلين الخمسة والعشرين المذكورين بأسمائهم في القرآن الكريم. انظر الآية رقم [٨٦] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ولعلهم اعتمدوا في ذلك على ذكره في","vol":"6","page":84},{"text":"جملة المرسلين المذكورين في هذه الآية، وعلى الأخص جمعه مع إسماعيل، وإدريس في آية واحدة. وكذلك ذكره في سورة (ص)، وجمعه مع إسماعيل، واليسع في آية واحدة. هذا؛ وذكر الجمل: أن اسمه العلمي: بشر، ولقب بذي الكفل لما رأيت من الروايات، وانظر الآية التالية.\nوصفوة القول: إنه مختلف في نبوته، كما هو مختلف في نبوة لقمان، وإسكندر ذي القرنين، والخضر صاحب موسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وانظر شرح: ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا..﴾. إلخ في الآية رقم [٧٥].\nهذا، وأما «الصابرون» فهو جمع: صابر، والصبر: حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مر المذاق يكاد لا يطاق؛ إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط] الصّبر، مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل\nوبالجملة: فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب والسنة، مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال الله تعالى في غير ما آية: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا في ذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسبا أجره على الله؛ فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره! وما أشد قوته على تحمل النوائب! أو يصبر لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم، ولا ينيل صاحبه الدرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله. وقد يعرضه لشديد غضب الله ونقمته.\nفائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ وقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ وقال: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل: هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل: هو الذي لا أذية معه، ثم اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية البقرة، ومن آنقها قوله تعالى: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا﴾ قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾.\nالإعراب: (إسماعيل): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿وَإِدْرِيسَ:﴾ معطوف عليه.\n ﴿وَذَا:﴾ معطوف على ما قبله، منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذا) مضاف ﴿الْكِفْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به، وهو نكرة، إضافته لمقدر محذوف، التقدير: كل هؤلاء. ﴿مِنَ الصّابِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف","vol":"6","page":85},{"text":"خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي تعليل للأمر المقدر، لا محل لها على الاعتبارين، وانظر إعراب مثل: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا..﴾. إلخ في الآية رقم [٧٥].\n\n<span id=\"aya-2570\"></span>﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَذَا النُّونِ:﴾ هو يونس النبي، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انظر نسبه وقصته مع قومه في الآية رقم [٩٨] من السورة المسماة باسمه، وإني أبين هنا سبب الغضب والمغاضبة، فقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-في كشافه: برم بقومه لطول ما ذكّرهم، فلم يذّكّروا، وأقاموا على كفرهم، وظن: أن ذلك يسوغ؛ حيث لم يفعله إلا غضبا لله، وأنفة لدينه، وبغضا للكفر وأهله، وكان عليه أن ينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت. انتهى. فيكون المعنى: غضب على قومه من أجل كفرهم بربه، فخرج عنهم، وتركهم من غير إذن من الله، وخروجه بدون إذن من الله كان ذنبا منه.\nوقالت فرقة منهم الأخفش: إنما خرج مغاضبا للملك الذي كان على قومه، قال ابن عباس -﵄-: أراد شعيا النبي، والملك الذي كان في وقته اسمه: حزقيا أن يبعثوا يونس إلى ملك نينوى، وكان غزا بني إسرائيل، وسبى الكثير منهم؛ ليكلمه؛ حتى يرسل معه بني إسرائيل، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحى إليهم، والأمر والسياسة إلى ملك قد اختاروه، فيعمل على وحي ذلك النبي، وكان الله قد أوحى لشعيا أن قل لحزقيا الملك أن يختار نبيا قويا أمينا من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل نينوى، فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل، فإني ملق في قلوب ملوكهم وجبابرتهم التخلية عنهم، فقال له الملك: من ترى؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، قال: يونس، إنه قوي أمين، فدعا الملك يونس، وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا، قال: فهل سماني الله لك؟ قال: لا، قال: فهاهنا غيري أنبياء أقوياء، فألحوا عليه، فخرج مغاضبا لشعيا النبي، وللملك، وقومه، فأتى بحر الروم، وكان من قصته ما كان، فابتلي ببطن الحوت لتركه أمر النبي شعيا، والملك حزقيا. هذا؛ ولا تنس: أن (النون) يطلق على كل حوت في أعماق البحر، ويجمع على أنوان، ونينان. هذا؛ والنون: اسم لدواة الحبر، ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nإذا ما الشّوق برّح بي إليهم... سقيت النّون بالدّمع السّجام\nوقيل: ذهب عن قومه مغاضبا لربه لما كشف عنهم العذاب، بعد ما أوعدهم، وكره أن يكون بين أظهر قوم جربوا عليه خلف وعده، وأنه يسمى كذابا، لا كراهية لحكم الله تعالى. وهذا","vol":"6","page":86},{"text":"القول، وسابقه فيه ركاكة، ولا يلتئم مع نص القرآن، والمعتمد ما ذكرته عن الزمخشري، وانظر تفصيله تفصيلا كافيا في الآية رقم [٩٨] من سورة (يونس) فإنك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ويقر عينك.\n ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نضيق عليه على حد قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وقوله تعالى شأنه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ وقيل: هو من القدر الذي هو القضاء، والحكم، أي: فظن: أن لن نقضي عليه بالعقوبة، قال قتادة، ومجاهد، والفراء: مأخوذ من القدر، وهو الحكم، دون القدرة، والاستطاعة. وقال ابن هشام: أي: فظن أن لن نؤاخذه. فعبر عن المؤاخذة بشرطها وهو القدرة عليها، وهو جيد جدا. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿نَقْدِرَ﴾ بالنون مثقلا، ومخففا، والياء مثقلا، ومخففا أيضا، كما يقرأ بالبناء للمجهول مثقلا، ومخففا قراآت كثيرة.\n ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ:﴾ المراد: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وقيل غير ذلك، والمعتمد هذا، روي: أن الله تعالى أوحى إلى الحوت: «لا تؤذ منه شعرة، فإني جعلت بطنك سجنه، ولم أجعله طعامك». ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ يريد فيما خالف فيه من ترك المداومة على دعوة قومه، والصبر عليهم، وقيل: في الخروج من غير أن يؤذن له، ولم يكن ما حصل له عقوبة من الله تعالى؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان ذلك تمحيصا، وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان.\nروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: «دعاء ذي النون في بطن الحوت: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لم يدع به رجل مسلم في شيء قطّ إلاّ استجيب له». وقد قيل: إنه اسم الله الأعظم، ورواه سعد أيضا عن النبي ﷺ.\nوالمعروف: أنه دعاء الكرب.\nفائدة: خمسة من الأنبياء سموا باسمين: يعقوب، وهو إسرائيل، وعيسى، وهو المسيح، وذو النون، وهو يونس، وذو الكفل، واسمه بشر كما رأيت، ومحمد، وهو أحمد، بل ذكر للرسول ﷺ أكثر من مئة اسم ﷺ وعليهم أجمعين.\nفائدة: قال أبو المعالي في قوله ﷺ: «لا تفضّلوني على يونس بن متّى». المعنى: فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه؛ وهو في قعر البحر في بطن الحوت، وهذا يدل على أن الباري ﷾ ليس في جهة. وأخيرا انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٩] من سورة (طه) بشأن حبس الهواء ومنعه عن موسى حين وضع في التابوت مع بقائه حيّا، ومثلته بوجود يونس في بطن الحوت، وبقائه حيا، إن في ذلك لعظة لقوم يتعظون.\nالإعراب: ﴿وَذَا:﴾ معطوف على (إسماعيل) منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذا) مضاف، و﴿النُّونِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِذْ:﴾ بدل من","vol":"6","page":87},{"text":"(ذا النون) فهو مبني على السكون في محل نصب، أو هو ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل المقدر. ﴿ذَهَبَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى «ذي النون». ﴿مُغاضِبًا:﴾ حال من الفاعل المستتر.\nوالجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. (ظن): ماض، وفاعله مستتر أيضا. ﴿أَنْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَقْدِرَ:﴾ منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ على جميع أوجه القراآت، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، أو «هو» على قراءته بالياء. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّ)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها.\n (نادى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿فِي الظُّلُماتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير، أو هي مخففة من الثقيلة، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ﴾ مفسرة ل: (نادى)، وعلى اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة؛ فاسمها ضمير الشأن، والجملة الاسمية في محل رفع خبرها، وهي، واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأنه لا إله... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (نادى)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها، وانظر إعراب: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ﴾ في الآية رقم [٢٥].\n ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف فيها معنى التوكيد للجملة الاسمية قبلها؛ إذ معنى الجملتين تنزيه الله عما لا يليق به. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿كُنْتُ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر ﴿كُنْتُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنِّي،﴾ والجملة الاسمية هذه تعليل لتنزيه الله تعالى، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2571\"></span>﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه، فالسين، والتاء زائدتان؛ لأن «استجاب» بمعنى «أجاب»، قال كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل]\nوداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nأي: فلم يجبه، وعند التأمل تجد الفعل في الآية تعدى بواسطة حرف الجر، وفي البيت تعدى بنفسه، والفرق بين الآية والبيت: أن هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه، وإلى الداعي باللام،","vol":"6","page":88},{"text":"ويحذف الدعاء إذا عدّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه، أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت؛ فمعناه: لم يستجب دعاءه على حذف المضاف.\n ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي: من غم الالتقام في بطن الحوت، أو من غم الخطيئة التي ارتكبها كما رأيت في الآية السابقة. ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: نخلصهم من همومهم، ومتاعب حياتهم بما سبق من عملهم الصالح، وقد بين الله ذلك في سورة (الصافات): ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا حفظ من الله ﷿ لعبده يونس رعى له حق تعبده، وحفظ زمام ما سلف له من الطاعة. وقال الأستاذ أبو إسحاق: صحب ذو النون الحوت أياما قلائل، فإلى يوم القيامة، يقال له: ذو النون، فما ظنك بعبد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده؟ لا يظن به ذلك انتهى. هذا؛ ومدة مكثه في بطن الحوت أربعون يوما، أو سبعة أيام، أو ثلاثة أيام.\nهذا؛ ويقرأ الفعل ﴿نُنْجِي﴾ بالنون، وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عامر: «(نجّي)» بنون واحدة وجيم مشددة، وتسكين الياء على الفعل الماضي، وإضمار المصدر. أي: وكذلك نجّي النّجاء المؤمنين، كما تقول: ضرب زيدا، بمعنى ضرب الضرب زيدا، قال جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق: [الوافر]\nولو ولدت قفيرة جرو كلب... لسبّ بذلك الجرو الكلابا\nأراد لسبّ السّبّ بذلك الجرو، وسكنت ياؤه على لغة من يقول: بقي، ورضي، فلا يحرك الياء، وقرأ الحسن قوله تعالى: ﴿(ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا)﴾ رقم [٢٧٧] من سورة (البقرة)، استثقالا لتحريك ياء قبلها كسرة، قال الشاعر: [الخفيف]\nخمّر الشيب لمّتي تخميرا... وحدا بي إلى القبور البعيرا\nليت شعري إذا القيامة قامت... ودعي بالحساب أين المصيرا؟\nسكن الياء في «دعي» استثقالا لتحريكها، وقبلها كسرة، وفاعل «حدا» المشيب؛ أي: وحدا المشيب البعير، ليت شعري المصير أين هو؟ هذا تأويل الفراء، وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة، وخطأها أبو حاتم، والزجاج، وقالوا: هو لحن؛ لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله، وإنما يقال: نجّي المؤمنون، كما يقال: كرّم الصّالحون، ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله تعالى. قال ابن هشام في المغني: وفي هذه القراءة ضعف من جهات:\nإسكان آخر الماضي، وإنابة ضمير المصدر مع أنه مفهوم من الفعل، وإنابة غير المفعول به مع وجوده. انتهى. قال النحاس: ولم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من علي بن سليمان، قال: الأصل ننجي، فحذف إحدى النونين لا جتماعهما، كما تحذف إحدى التاءين لا جتماعهما،","vol":"6","page":89},{"text":"نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ الأصل: ولا تتفرقوا. وقرأ محمد بن السميقع، وأبو العالية:\n «(وكذلك نجّى المؤمنين)» أي: نجى الله المؤمنين، وهي حسنة. انتهى. قرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿فَاسْتَجَبْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (استجبنا): فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (نجيناه):\nفعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنَ الْغَمِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، اللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: ننجي المؤمنين إنجاء كائنا مثل إنجاء يونس من كربه. ﴿نُنْجِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-2572\"></span>﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ:﴾ دعا ربه، وسأله من فضله أن يهبه ذرية صالحة. ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي: وحيدا بلا ولد يساعدني في أموري، ويرثني من بعدي. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ أي: خير من يبقى بعد كل من يموت، فهو ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وأنه الوارث لهم، وهذا على سبيل التمثيل، والمجاز. هذا؛ وإن أردت أن تعرف قصته، وما الذي قوّى أمله في طلب الولد بعد أن بلغ من العمر عتيا؛ فانظر صدر سورة (مريم) ﵍، والآية رقم [٣٧ و٣٨] من سورة (آل عمران) وما بعدها.\nالإعراب: ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى:﴾ انظر الآية [٨٧] فإعرابهما واحد. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبِّ:﴾\nمنادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وياء المتكلم المحذوفة في محل جر بالإضافة، وانظر الآية رقم [٣] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، ورقم [٣٥] من سورة (طه). ﴿لا:﴾ دعائية. ﴿تَذَرْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.\n ﴿فَرْدًا:﴾ حال من ياء المتكلم، وهو بمعنى منفردا، والجملة الندائية، والفعلية كلتاها تفسير ل: ﴿نادى،﴾ أو هما في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال: رب... إلخ، وتكون هذه الجملة هي المفسرة. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على","vol":"6","page":90},{"text":"الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، و﴿خَيْرُ:﴾ مضاف، و﴿الْوارِثِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الاسمية ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2573\"></span>﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه، وانظر الآية رقم [٨٨]، ﴿وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ أي:\nولدا، وانظر شرح ﴿وَهَبْنا﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وشرح (نا) في الآية [٥٠] منها. ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ:﴾ قال قتادة، وسعيد بن جبير، وأكثر المفسرين: إنها كانت عاقرا، فجعلت ولودا. وقال ابن عباس، وعطاء﵃ أجمعين-: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان، فأصلحها الله، فجعلها حسنة الخلق. قال القرطبي: ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين، فجعلت حسنة الخلق ولودا.\nأقول: والتصريح بقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾ في (آل عمران)، وقوله: ﴿وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا﴾ في سورة (مريم) لا يحتمل غير العقر. هذا؛ و«الزوج» يطلق على الذكر، والأنثى، والقرينة توضح ذلك، وتبين الذكر، والأنثى، ويقال للأنثى: زوجة أيضا، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ:﴾ المراد بهم الأنبياء المذكورون في هذه السورة، وقيل: المراد: زكريا، وأهل بيته، والمسارعة في الخيرات من أعظم ما يمدح به العبد؛ لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله، عز، وجل.\n ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ أي: يرغبون في طاعتنا، وما ينتج عنها من رضانا، وما يعقبها من دخول الجنة، ويخافون من عقابنا؛ الذي سببه الخروج عن طاعتنا، وما يعقبه من سوء المال، والمصير. ﴿وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ:﴾ الخشوع: هو الخوف اللازم للقلب، فيكون الخاشع هو الحذر؛ الذي لا ينبسط في الأمور، خوفا من الوقوع في الإثم. وفسّر ﴿خاشِعِينَ﴾ بمتواضعين، خاضعين، وانظر (الخشوع) في الآية رقم [٢] من سورة (المؤمنون). هذا؛ وفي ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قراآت كثيرة، ولم يتغير المعنى ولا الإعراب، وفيهما طباق.\nالإعراب: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ:﴾ انظر الآية رقم [٨٨] لإعراب الجملة ومحلها، والجملتان:\n ﴿وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ:﴾ معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿يُسارِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِي الْخَيْراتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما،","vol":"6","page":91},{"text":"والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للنعم المذكورة في الجمل قبلها. وقال الجمل: علة لمحذوف؛ أي: نالوا ما نالوا؛ لأنهم كانوا يسارعون... إلخ. ﴿وَيَدْعُونَنا:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، و(نا): مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿رَغَبًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال بمعنى راغبين، أو هو مفعول مطلق، عامله يدعوننا على المعنى دون اللفظ؛ لأنه نوع منه. ﴿وَرَهَبًا:﴾ معطوف على ما قبله، على جميع الاعتبارات فيه، وجملة ﴿وَكانُوا لَنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كانُوا يُسارِعُونَ..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها، وإعرابها مثلها، والجار والمجرور: ﴿لَنا﴾ متعلقان ب: ﴿خاشِعِينَ﴾ بعدهما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-2574\"></span>﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَاِبْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أي: واذكر مريم التي أحصنت فرجها؛ حيث لم يقربها رجل بزواج، أو زنى، وإنما ذكرها، وليست من الأنبياء ليتم ذكر عيسى ﵇، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ولم يقل: آيتين؛ لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما، وأمرهما، وقصتهما آية للعالمين. وقال الزجاج: إن الآية فيهما واحدة؛ لأنها ولدته من غير فحل، وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (المؤمنون) فالكلام فيهما واحد، والمعنى واحد.\nهذا؛ وقيل: إن من آياتها: أنها أول امرأة قبلت في النذر في المعبد، ومنها: أن الله ﷿ غذاها برزق من عنده، لم يجره على يد عبد من عبيده. ومعنى: ﴿أَحْصَنَتْ﴾ عفت، وامتنعت من الفاحشة. هذا؛ وقيل: إن المراد بالفرج فرج القميص؛ أي: فتحة الثوب. قال السهيلي: فلا يذهبن وهمك إلى غير هذا، فإنه من لطيف الكناية؛ لأن القرآن أنزه معنى، وأوزن لفظا، وألطف إشارة، وأحسن عبارة من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل، لا سيما والنفخ من روح القدس بأمر القدوس، فأضف القدس إلى القدوس، ونزه المقدسة المطهرة عن الظن الكاذب، والحدس.\n ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ أي: أمرنا جبريل أن ينفخ في فرج ثوبها الأعلى، فأحدثنا من ذلك النفخ المسيح في بطنها، ولا تنس: قوله تعالى في سورة (التحريم): ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ والضمير يعود إلى فرجها بلا ريب، ولا يحتمل ما ذكره السهيلي من التأويل، فقد قال الجلال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ أي: جبريل حيث نفخ في جيب درعها بخلق الله تعالى فعله الواصل إلى فرجها فحملت بعيسى، ﵉. قال الجمل: ومعنى «خلقه»:\nإيصال أثره، وهو الريح، والهواء الحاصل به إلى فرجها. فمعنى: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ أوصلنا إليه الريح، والهواء الخارج من نفس جبريل لمّا نفخ في جيب قميصها. تأمل.","vol":"6","page":92},{"text":"﴿آيَةً﴾ أي: علامة، وأعجوبة للخلق، وعلما لنبوة عيسى ﵇، ودلالة على نفوذ قدرتنا فيما نشاء. انتهى. قرطبي بتصرف. وإن أردت تفصيل ما ذكر فما عليك إلا أن تنظر سورة (مريم)، وانظر الآية رقم [٣٥] من سورة (آل عمران) وما بعدها. هذا؛ وانظر شرح (العالمين) في الآية رقم [٧١] وانظر: «جعل، وخلق» في الآية رقم [٣٠].\nالإعراب: ﴿وَالَّتِي:﴾ الواو: حرف عطف. (التي): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لموصوف محذوف واقع مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: واذكر مريم التي.\n ﴿أَحْصَنَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى (التي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَرْجَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة المقدرة: «واذكر مريم التي...» إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. (نفخنا): فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رُوحِنا:﴾ متعلقان به أيضا، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَنَفَخْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. (جعلناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف. ﴿وَابْنَها آيَةً:﴾ مفعولان لفعل محذوف دل عليه ما قبله، التقدير: وجعلناها آية للعالمين، وجعلنا ابنها آية للعالمين، ثم حذف وهذا عند سيبويه، والتقدير عند الفراء: وجعلناها آية للعالمين وابنها، مثل قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الآية [٦٢] ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿آيَةً،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلْناها..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. هذا؛ وأجيز اعتبار (التي) مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: وفيما يتلى عليكم التي أحصنت، كما أجيز اعتبار جملة: ﴿فَنَفَخْنا..﴾. إلخ خبرا، وزيدت الفاء على رأي الأخفش.\n\n<span id=\"aya-2575\"></span>﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ أي: ملتكم، ودينكم. ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: دينا واحدا، وهو الإسلام، فأبطل ما سواه من الأديان. والأمة: الجماعة التي هي على مقصد واحد، وجعلت الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحد، انظر رقم [٣٤] من سورة (الحج). وقال القرطبي:\nلما ذكر الأنبياء، قال: هؤلاء كلهم مجتمعون على التوحيد. انتهى. وهو المعنى المراد هنا.\nهذا؛ وقرئ بنصب «(أمّتكم)» ورفع «(أمة)». ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ:﴾ إلهكم وحدي، لا إله لكم غيري.\n ﴿فَاعْبُدُونِ:﴾ أفردوني بالعبادة، وانظر شرح (العبادة) في الآية رقم [٦٦].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسمها، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أُمَّتُكُمْ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ وعلى قراءته بالنصب هو بدل من اسم الإشارة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أُمَّةً:﴾ حال من ﴿أُمَّتُكُمْ،﴾ والعامل","vol":"6","page":93},{"text":"فيه: اسم الإشارة، وعلى قراءته بالرفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ أو بدل من ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي أمة، وعلى نصب (أمتكم) ف: (أمة) هي خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة (أمة) على نصبه ورفعه، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذِهِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع، واعتبارها حالا من الكاف لا بأس به أيضا. ﴿فَاعْبُدُونِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢٥] (اعبدون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.\n\n<span id=\"aya-2576\"></span>﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ:﴾ اختلف بنو آدم في الدين، فصاروا فرقا، وأحزابا، فمن موحد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد شخص، أو صنم، حتى لعن بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل هذه الفرق، وهذه الأحزاب. ﴿إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ أي: بالموت، ثم بالبعث، والحشر للحساب، والجزاء، فنجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. هذا؛ وفي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وفي سابقه التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الآية رقم [٣٤] لشرح الالتفات.\nتنبيه: قال الله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا﴾ الآية رقم [/٥٢ ٥٣] والفرق بين ما هنا وهناك: أن الخطاب هنا للكفار، فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيد، ثم قال: وتقطعوا بالواو؛ لأن التقطع قد كان منهم قبل هذا القول لهم. ومن جعله خطابا للمؤمنين، فمعناه: دوموا على العبادة، وأما في (المؤمنون) فالخطاب للنبي ﷺ، وللمؤمنين بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ والأنبياء، والمؤمنون مأمورون بالتقوى، ثم قال:\n ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ثم ظهر منهم التقطع بعد هذا القول، والمراد: أمتهم. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. هذا؛ وانظر الآية رقم [٥٣] من سورة (المؤمنون).\nالإعراب: ﴿وَتَقَطَّعُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (تقطعوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَمْرَهُمْ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على نزع الخافض، أي: تقطعوا في أمرهم، بمعنى: تفرقوا. الثاني: هو مفعول به على معنى: قطعوا أمرهم، أي:\nفرقوا أمرهم. الثالث: تمييز محول عن الفاعل، بمعنى: تقطع أمرهم. وهذا ضعيف؛ لأنه معرفة، وهو لا يجوز عند البصريين. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿وَتَقَطَّعُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به الإضافة لمحذوف. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿راجِعُونَ:﴾ خبر المبتدأ","vol":"6","page":94},{"text":"مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير المقدر مضافا إليه.\n\n<span id=\"aya-2577\"></span>﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ أي: من الأعمال الصالحات، ف: ﴿فَمَنْ﴾ للتبعيض، لا للجنس؛ إذ لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات، فالمعنى: من يعمل شيئا من الطاعات فرضا، أو نفلا، وهو موحد مسلم. والإيمان شرط لقبول الأعمال الصالحات، كما قد بينته مرارا، وذكرت: أن ذلك يسمى في علم البديع احتراسا، والعكس صحيح، وهو:\nأن الإيمان إذا لم يقرن بالعمل الصالح قد لا يجدي، وقد يضعف، ثم يضمحل؛ فالعمل الصالح بمنزلة الماء للشجر يغذيه، ويقويه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٧] من سورة (الكهف).\n ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي: لا جحود لعمله؛ أي: لا يضيع الله ثواب عمله الصالح.\nاستعير (الكفران) الذي بمعنى الجحود لمنع الثواب كما استعير الشكر لمنحه، وإعطائه، وانظر شرح «الكفر» في الآية رقم [٣٠] ﴿وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ أي: لعمله مسجلون، وحافظون له في صحيفته. نظيره قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِنَ الصّالِحاتِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ مع المتعلق المحذوف معترضة، أو هي في محل نصب حال من الفاعل المستتر. والرابط: الواو والضمير. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن».\n ﴿كُفْرانَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِسَعْيِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿فَلا كُفْرانَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٢٩] والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَهُ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿كاتِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا لَهُ..﴾.\nإلخ معطوفة على جملة جواب الشرط، أو هي في محل نصب حال من: (سعيه)، أو هي مستأنفة لا محل لها، أوجه ثلاثة تجوز فيها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"6","page":95},{"text":"<span id=\"aya-2578\"></span>﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿وَحَرامٌ:﴾ فيه تسع قراآت ذكرها القرطبي. ومعنى ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ..﴾. إلخ:\nوحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك. وهذا على اعتبار ﴿لا﴾ صلة، روي ذلك عن ابن عباس، ﵄، واختاره أبو عبيدة. وقيل: ليست بصلة، وإنما هي ثابتة، ويكون الحرام بمعنى الواجب، أي: وجب على قرية، كما قالت الخنساء: [الطويل]\nوإنّ حراما لا أرى الدّهر باكيا... على شجوه إلاّ بكيت على صخر\nتريد أخاها. ﴿أَهْلَكْناها﴾ أي: حكمنا بإهلاكها، أو وجدناها هالكة، ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلى الدنيا. هذا؛ وقرئ بكسر همزة، «(إنّهم)». وانظر شرح قرية في الآية رقم [٦]. هذا؛ والحرام في الأصل كل ممنوع، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحرمات: كل ممنوع منك، مما بينك وبين غيرك، وقولهم: لفلان بي حرمة، أي: أنا ممتنع من مكروهه، وحرمة الرجل محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم: هو الممنوع من المال، والتلذذ به. والإحرام بالحج، والعمرة هو المنع من أمور معروفة في الفقه الإسلامي، وانظر شرح المسجد الحرام في الآية رقم [٢٥] من سورة (الحج).\nالإعراب: ﴿وَحَرامٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (حرام): خبر مقدم... إلخ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجوز أبو البقاء اعتبار (حرام) مبتدأ، والمصدر المؤول في محل رفع فاعل ب: (حرام) سد مسد خبره. ورده ابن هشام في مغنيه؛ لأنه ليس بوصف صريح، ولأنه لم يعتمد على نفي، أو استفهام. ﴿عَلى قَرْيَةٍ:﴾ متعلقان ب: (حرام)، أو بمحذوف صفة له.\n ﴿أَهْلَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ صلة. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر كما رأيت. هذا؛ وقيل: ﴿لا﴾ نافية، وليست بصلة، والإعراب إما على ما تقدم، والمعنى: ممتنع عليهم عدم رجوعهم إلى الآخرة. وإما على أن (حرام) مبتدأ حذف خبره، أي: حرام... قبول أعمالهم، وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول، وإما على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: والعمل الصالح حرام عليهم. وعلى الوجهين، فالمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، أي: لأنهم... إلخ، ودليل المحذوف ما تقدم في الآية السابقة، ويؤيد هذين الوجهين تمام الكلام قبل مجيء (أنّ) في قراءة بعضهم بكسر الهمزة؛ وعليه فالجملة الاسمية: ﴿أَنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. انتهى. من المغني بتصرف كبير. تأمل، وتدبر.","vol":"6","page":96},{"text":"<span id=\"aya-2579\"></span>﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ..﴾. إلخ: الكلام على حذف مضاف؛ إذ المراد:\nسد يأجوج... إلخ و﴿حَتّى إِذا..﴾. إلخ: هذا الكلام متعلق ب: (حرام)، أو بمحذوف دل الكلام عليه، أو ب: ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ أي: يستمر الامتناع، أو الهلاك، أو عدم الرجوع إلى قيام الساعة، وظهور أماراتها، ومنها فتح سد يأجوج، ومأجوج. هذا؛ وقرئ (فتحت) بالتخفيف، والتشديد، و(يأجوج) و(مأجوج) بهمز وبدونه، انظر الآية [٩٤] وما بعدها من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ويقر عينك. ﴿وَهُمْ:﴾ المراد: قوم يأجوج، ومأجوج، وقيل: المراد جميع الناس. ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: من كل شرف، والحدب: ما ارتفع من الأرض، والجمع: أحداب. مأخوذ من حدبة الظهر، والمراد: التلال والآكام. ﴿يَنْسِلُونَ:﴾ يخرجون، أو يقبلون، أو يسرعون. أقوال. والمعنى متقارب.\nتنبيه: قد ثبت: أن لقيام القيامة علامات، وهي صغرى، وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن.\nأما العلامات الكبرى؛ فخذها مما يلي: عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع علينا النبي ﷺ، ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنّها لن تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات». فذكر الدّخان، والدّجال، والدابّة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. أخرجه مسلم انتهى. خازن. أقول: ما ذكر في الحديث الشريف بعضه من علاماتها، وبعضه من مبادئها، كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك يغلق باب التوبة، ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، انظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأنعام) وانظر الآية [٤٩].\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٣٦] ﴿فُتِحَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿يَأْجُوجُ:﴾ نائب فاعله. ﴿وَمَأْجُوجُ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح، وفي جوابها وجهان:\nأحدهما: أنه محذوف، فقدره أبو إسحاق: قالوا: يا ويلنا. وقدره غيره: فحينئذ يبعثون. وقوله:\n ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ﴾ في الآية التالية معطوف على هذا المقدر. والثاني: أن جوابها الفاء في قوله: ﴿فَإِذا هِيَ﴾. قاله الحوفي، والزمخشري، وابن عطية. انتهى. جمل. و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا،﴾","vol":"6","page":97},{"text":"وقد رده ابن هشام في «المغني» ولكن إذا رجعت إلى الشرح تؤيد الأخفش فيما ذهب إليه في هذه الآية. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿حَدَبٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿يَنْسِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2580\"></span>﴿وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ (٩٧)﴾\nالشرح: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أي: القيامة، وذلك بفتح سد يأجوج ومأجوج. قال حذيفة﵁-: لو أن رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج، ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة. وهذا ينفي ما ذكره الجمل من أن سد يأجوج ومأجوج إنما يفتح بعد نزول عيسى -﵇إلى الأرض، ثم يهلكون بدعائه عليهم، فتملأ رممهم، وجيفهم الأرض، فيرسل الله عليهم طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله تعالى، ثم يرسل الله مطرا، فيغسل الأرض من آثارهم، ثم يقول الله للأرض: أنبتي ثمرك، فيكثر الرزق جدا، ويستقيم الحال لعيسى والمؤمنين، فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله عليهم ريحا طيبة، تقبض روح كل مؤمن، ومسلم، وتبقي شرار الناس يتهارجون في الأرض كتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٩] من سورة (الكهف). ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إذا قامت القيامة شخصت أبصار الذين كفروا إلى السماء من شدة الأهوال، لا تكاد تطرف من هول ذلك اليوم. يقال: شخص الرجل بصره، وشخص البصر نفسه؛ أي:\nسما، وطمح من هول ما يرى. قال ابن عباس﵄-: تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة، فلا يرمضون، وانظر الآية رقم [٤٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٤] ففيها الكفاية. هذا؛ والغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور، وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ، والتيقظ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاقْتَرَبَ:﴾ الواو: زائدة. (اقترب): ماض. ﴿الْوَعْدُ:﴾ فاعله. ﴿الْحَقُّ:﴾ صفة، والجملة الفعلية جواب (إذا) على رأي الفراء والكسائي، وغيرهما، ومعطوفة على جملة: ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ﴾ على حسب ما رأيت في الآية السابقة، وهو مذهب البصريين. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: واقعة في","vol":"6","page":98},{"text":"جواب (إذا)، على رأي الزمخشري ومن وافقه، وحرف عطف على رأي الفراء، والكسائي. وانظر ما ذكرته بشأن هذه الفاء في الآية رقم [٤] من سورة (النحل). (إذا): كلمة دالة على المفاجأة، وهي تختص بالجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب. وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه: خرجت، فإذا إنّ زيدا بالباب؛ لأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور. وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري. وزعم الأخير أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو خرجت فإذا زيد جالس، أو المقدر في نحو: «فإذا الأسد» أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في القرآن الكريم إلا مصرحا به.\n ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿شاخِصَةٌ:﴾ خبره.\n ﴿أَبْصارُ:﴾ فاعل ب: ﴿شاخِصَةٌ،﴾ و(أبصار) مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. هذا هو الإعراب الظاهر، والمتبادر، ولكن إذا عرفت: أن ﴿هِيَ﴾ ضمير القصة، وهي عائدة على متأخر، لا على متقدم، فوجب تفسيرها بجملة، لا بمفرد كما رأيت في الإعراب؛ لذا فالإعراب الصحيح كما يلي: ﴿شاخِصَةٌ:﴾ خبر مقدم، و﴿أَبْصارُ الَّذِينَ..﴾. إلخ: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وهي مفسرة له، وهذا هو مذهب البصريين، وأما الكوفيون؛ فيجيزون اعتبار ﴿شاخِصَةٌ﴾ مبتدأ، و(أبصار) فاعل به سد مسد الخبر، وهذا إنما يتمشى على مذهبهم؛ لأن ضمير القصة يفسر عندهم بالمفرد العامل عمل الفعل، فإنه في قوة الجملة. انتهى.\nجمل نقلا عن السمين. والجملة الاسمية: ﴿هِيَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها، وهي معطوفة على ما قبلها، أو هي جواب ل: (إذا) على وجه مر ذكره على اعتبار (إذا) حرفا. ﴿يا وَيْلَنا:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٤] تجده وافيا كافيا. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿فِي غَفْلَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مِنْ هذا:﴾ متعلقان ب:\n ﴿غَفْلَةٍ﴾ و(من) بمعنى عن، أو بمحذوف صفة غفلة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَلْ:﴾\nحرف عطف، وانتقال، وجملة: ﴿كُنّا ظالِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، والكلام: ﴿يا وَيْلَنا قَدْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقولون: يا ويلنا... إلخ.\nوجملة: (يقولون...) إلخ في محل نصب حال من الموصول، والرابط: واو الجماعة.\nبعد هذا أنقل لك ما ذكره السيوطي في كتابه همع الهوامع بشأن الفاء الداخلة على «إذا» الفجائية، فقال-رحمه الله تعالى-: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة للتأكيد؛ لأن إذا الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره","vol":"6","page":99},{"text":"ابن جنّي، وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة «إذا» ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع «ثم» موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ،﴾ وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: فهي للسببية المحضة.\n\n<span id=\"aya-2581\"></span>﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّكُمْ:﴾ الخطاب لكفار قريش، ويعم كل مشرك جعل لله ندا. ﴿وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ يحتمل الأوثان التي يقدسونها، ويحتمل إبليس وأعوانه من الإنس والجن؛ لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبادتهم، كما رأيت في الآية رقم [٣١] من سورة (التوبة) ولما روي أن النبي ﷺ لما تلا هذه الآية على المشركين، قال عبد الله بن الزّبعرى: قد خصمتك ورب الكعبة! أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة، فقال ﷺ: «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك»، وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ..﴾.\nإلخ الآية الآتية.\nهذا؛ ويروى: أن النبي ﷺ قال له: «ما أجهلك بلغة قومك؟ ألم تعلم أن ما لغير العاقل، ومن للعاقل؟!» فتصاغر، وخنس. وهو جواب مفحم مسكت. ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أي: حطب جهنم؛ الذي يرمى بها فتهيج به، وهذا يفيد: أن الكفار وما يعبدون من الأصنام حطب لجنهم، وهو صريح قوله تعالى في سورة (التحريم): ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. هذا؛ ويقرأ: «(حطب)» بالطاء، كما يقرأ: «(حضب)» بالضاد، قال الفراء: ذكر لنا: أن الحضب في لغة أهل اليمن:\nالحطب. ﴿أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ أي: عليها واردون، بمعنى: داخلون فيها، هذا؛ والحجارة التي عبدوها لا ذنب لها، ولا عقوبة عليها، ولكن تكون عذابا على من عبدها، أول شيء بالحسرة، ثم تجمع على النار، فتكون نارها أشد من كل نار، ثم يعذبون بها بعد أن كانوا يؤملون نفعها، وشفاعتها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الكاف. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: والذي تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما) و﴿تَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿حَصَبُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مصدر صح الإخبار به عن متعدد، و﴿حَصَبُ﴾ مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع","vol":"6","page":100},{"text":"مبتدأ. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿وارِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ..﴾. إلخ جوز فيها أبو البقاء ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون بدلا من ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فهو إبدال جملة من مفرد. الثاني: أن تكون مستأنفة، فلا محل لها على هذا الوجه.\nالثالث: أن تكون في محل نصب حال من جهنم، والرابط: الضمير فقط، وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع التي يجوز فيها مجيء الحال من المضاف إليه، هذا؛ وأجيز اعتبارها خبرا ل: (إنّ).\n\n<span id=\"aya-2582\"></span><span id=\"aya-2583\"></span>﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها﴾ أي: لو كانت الأصنام آلهة، وتستحق العبادة؛ لما ألقيت في جهنم مع عابديها. ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أي: كل من العابدين، والمعبودين ماكثون في جهنم لا يخرجون منها أبدا. ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ﴾ أي: للذين دخلوا النار من الكفار، والشياطين، فأما الأصنام؛ فعلى الخلاف فيها، هل يحييها الله تعالى، ويعذبها حتى يكون لها زفير، أو لا؟ قولان. هذا؛ والزفير: هو أن يملأ الرجل صدره غمّا ثم يتنفس، وقيل: الزفير: ترديد النفس في الصدر حتى تنتفخ منه الضلوع. والشهيق: رد النفس إلى الصدر، وانظر الآية رقم [١٠٦] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف ألف صلاة وألف وألف سلام، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَهُمْ فِيها:﴾ في جهنم. ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يسمعون شيئا؛ لأنهم يحشرون صما، وعميا، وبكما، كما رأيت في الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء) هذا؛ وقد قال ابن مسعود -﵁في هذه الآية: «إذا بقي في النار من يخلّد فيها؛ جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخر، ثم تلك التوابيت في توابيت أخر، عليها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره».\nالإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿هؤُلاءِ:﴾\nاسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿آلِهَةً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿وَرَدُوها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب لو، لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة، ومحلها مثل: ﴿كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ في الآية رقم [٩٣] ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف","vol":"6","page":101},{"text":"حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿زَفِيرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2584\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ أي: قدرت، وسجلت لهم في قديم الأزل الحسنى، والمراد بها: السعادة الأبدية، أو التوفيق للطاعة، أو البشرى بالجنة. وانظر شرح ﴿الْحُسْنى﴾ في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء). ﴿أُولئِكَ عَنْها﴾ أي: عن جهنم.\n ﴿مُبْعَدُونَ:﴾ لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين. هذا؛ وقد ذكرت في الآية رقم [٩٨] أن الآية نزلت ردا على ابن الزّبعرى.\nروي: أن عليا كرم الله وجهه خطب على المنبر، وقرأ هذه الآية، ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وابن الجراح، ثم أقيمت الصلاة. فقام يجر رداءه، ويقول: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها..﴾. إلخ. فويل، ثم ويل، ثم ويل للذين يفرقون بين صحابة رسول الله ﷺ، وويل لهم مما يفترون الكذب من أن عليا رضي الله كان يبغض أحدا من الصحابة. وانظر قوله في سورة (الأعراف) آية رقم [٤٤] وسورة الحجر آية [٤٧] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ويقر عينك، واستمطر الخزي واللعن على من يصمون عليا كرم الله وجهه، ويتهمونه مما هو منه براء.\nتنبيه: فإن قيل: كيف يكونون مبعدين عنها، وقد قال الله تعالى في سورة (مريم) آية رقم [٧١]: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ وورودها يقتضي القرب منها؟ فالجواب: معناه: مبعدون عن عذابها، وألمها، مع ورودهم لها، أو معناه: مبعدون عنها بعد ورودها بالإنجاء المذكور بعد الورود. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. هذا؛ وقد جيء باللام في قوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ؛﴾ لأن السابق نافع، كما جيء ب: (على) حيث كان السابق ضارا، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ الآية رقم [٢٧] من سورة (المؤمنون).\nالإعراب: ﴿إِنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل، وقال أهل العلم: ﴿إِنَّ﴾ ها هنا بمعنى «إلا»، وليس في القرآن غيره. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾.\n ﴿سَبَقَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحُسْنى﴾. ﴿الْحُسْنى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد:","vol":"6","page":102},{"text":"الضمير المجرور محلا باللام. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُبْعَدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء، انظر الشرح.\n\n<span id=\"aya-2585\"></span>﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ أي: صوت جهنم، وحركة لهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة. فإن قيل: أية بشارة لهم في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: أن المراد منه: تأكيد بعدهم؛ لأن من قرب منها، قد يسمع حسيسها، فإن قيل: أليس أهل الجنة يرون أهل النار، فكيف لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: إذا حملناه على التأكيد؛ زال هذا السؤال. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\n ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ..﴾. إلخ: دائمون في غاية التنعم، فيما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وقال تعالى في سورة (فصلت) آية رقم [٣١]: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿حَسِيسَها:﴾\nمفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية يجوز أن تكون بدلا من ﴿مُبْعَدُونَ؛﴾ لأنها لو حلت محله تغني عنه، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا للمبتدأ (أولئك)، ويجوز أن تكون في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُبْعَدُونَ﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم):\nمبتدأ. ﴿فِي مَا:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدُونَ﴾ بعدهما، و﴿مَا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر نفي. ﴿اِشْتَهَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: في الذي، أو: في شيء اشتهته أنفسهم. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو والضمير، أو هي مستأنفة، فلا يكون لها محل.\n<span id=\"aya-2586\"></span>﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ أي: النفخة الثانية لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أو لا نصراف الناس إلى النار، أو حين يطبق على النار، أو","vol":"6","page":103},{"text":"حين يذبح الموت على صورة كبش أملح. انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٩] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي: تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة مهنئين، يقولون لهم:\n ﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي: في الدنيا من الكرامة، والرضا والرضوان، والعفو والغفران. فيكون المعنى: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم به في الدنيا، فأبشروا فيه يجميع ما يسركم! هذا؛ ويقرأ الفعل: (يحزن) بفتح الياء من الثلاثي، وبابه قتل، ويقرأ بضم الياء من الرباعي. قال اليزيدي: «حزنه» لغة قريش، و«أحزنه» لغة تميم. انتهى. وهو متعد على اللغتين مثل: سلكه، وأسكله، هذا؛ و«حزن» بكسر الزاي من باب فرح لازم.\nأما ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ فهم أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ولا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَحْزُنُهُمُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الْفَزَعُ:﴾ فاعله.\n ﴿الْأَكْبَرُ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها، وأجيز اعتبارها بدلا مما قبلها.\n (تتلقاهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿يَوْمُكُمُ:﴾ خبر مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿يَوْمُكُمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي كنتم توعدونه، والجملة الاسمية: ﴿هذا يَوْمُكُمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لفعل محذوف، يقولون لهم: ﴿هذا..﴾. إلخ، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من ﴿الْمَلائِكَةُ،﴾ والرابط: الضمير فقط.","vol":"6","page":104},{"text":"<span id=\"aya-2587\"></span>﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ:﴾ الطيّ في هذه الآية يحتمل معنيين:\nأحدهما: الدرج الذي هو ضد النشر، قال تعالى: ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ والثاني: الإخفاء والمحو، فطيها: تكوير نجومها، ومحو رسومها. هذا؛ ويقرأ: «(تطوى)» بالتاء، وبالبناء للمجهول، ورفع: (السماء)، ويقرأ: «(يطوي)» على أن الفاعل تقديره: هو الله. هذا؛ والسجل: الكتاب، فيكون المعنى: نطوي السماء كطي الصحيفة على مكتوبها؛ أي: المسجل فيها، وتكون اللام بمعنى:\n «على» وروي عن ابن عباس﵄-: أنه اسم أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ، ولم ينقل، ولم يذكر في أصحابه من اسمه: السجل، فلذا هو قول ضعيف، والمعتمد: أنه اسم ملك، وهذا الذي يطوي كتب بني آدم أي صحائف أعمالهم إذا رفعت إليه. ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه أعمال العباد، يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل يوم خميس، واثنين؛ ولذا كان النبي ﷺ يصوم هذين اليومين، ويقول: «ترفع فيهما الأعمال إلى رب العالمين»، وفي رواية:\n «تعرض الأعمال». هذا؛ ويقرأ: «(للكتاب)» بالإفراد، ويقرأ ﴿السِّجِلِّ﴾ بقراآت كثيرة.\n ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ:﴾ في هذه الجملة تفسيران: أحدهما: أن المعنى نعيد ما خلقناه بعد ما أفنيناه، وأهلكناه مثل ما خلقناه أول مرة من العدم، والإعادة تكون بعد تفتت الأجزاء، وتبددها، فيكون المراد بيان صحة الإعادة بالقياس على الإبداء لشمول الإمكان الذاتي المصحح للمقدورية، وتناول القدرة القديمة لهما على السواء، ومجمل القول في هذه الآية على هذا التفسير، فكما قدرنا على الإنشاء نقدر على الإعادة.\nالثاني: أن المعنى نحشر الخلق حفاة عراة غرلا كما بدئوا في البطون، فعن ابن عباس -﵄عن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا، أوّل الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇» ثم قرأ: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. أخرجه مسلم، والنسائي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] من سورة (الكهف) فهو أوسع من هذا، وهذا التفسير أقوى من الأول.\n ﴿وَعْدًا عَلَيْنا﴾ أي: إعادة الخلق كما بدأهم أول مرة، هذا؛ وعد قطعه رب العالمين على نفسه بمعنى: قدره، وقضاه لا محالة كائن، وواقع إنجازه، وتحقيقه. ﴿إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي:\nما وعدناكم به من الإعادة، وهو كقوله تعالى: ﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وفسر ﴿فاعِلِينَ﴾ ب: قادرين على الإعادة. وأصل ذلك: أن الفعل يتسبب عن الإرادة، والقدرة، وهم يقيمون السبب مقام المسبب.","vol":"6","page":105},{"text":"هذا؛ و«كتاب» في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة؛ لا جتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. وقيل: هو ظرف متعلق بالفعل ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ أو (تتلقاهم) وأجاز أبو البقاء اعتباره بدلا من العائد المحذوف في جملة الصلة: ﴿تُوعَدُونَ﴾. وأجاز البيضاوي اعتباره متعلقا بمحذوف حال من العائد المحذوف، والمعتمد الأول. ﴿نَطْوِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به، وانظر أوجه القراآت في الشرح. ﴿كَطَيِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: طيّا كائنا مثل طيّ، و(طي) مضاف، و﴿السِّجِلِّ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله حسب ما رأيت في الشرح. ﴿لِلْكُتُبِ:﴾ متعلقان بالمصدر. واللام زائدة على اعتبار ﴿السِّجِلِّ﴾ اسم ملك، كما رأيت، فيكون الكتب مفعولا به مجرورا لفظا منصوبا محلا، وجملة: ﴿نَطْوِي..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها على جميع أوجه القراآت.\n ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ما): مصدرية. ﴿بَدَأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَوَّلَ:﴾\nمفعول به، و﴿أَوَّلَ﴾ مضاف، و﴿خَلْقٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿نُعِيدُهُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره:\n «نحن»، والهاء مفعول به، و(ما) المصدرية، والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف عامله الفعل بعده، التقدير: نعيده إعادة كائنة مثل بدئنا أول خلق خلقناه. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) موصولة مبنية على السكون في محل جر بالكاف، والجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: كالذي بدأناه، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة... إلخ، مثل التأويل الأول، وعليه يكون ﴿أَوَّلَ﴾ ظرفا متعلقا بالفعل ﴿بَدَأْنا،﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف، وهذه الجملة: ﴿كَما..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَعْدًا:﴾ مفعول مطلق عامله من لفظه محذوف، التقدير: وعدناه وعدا. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان ب: ﴿وَعْدًا،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿بَدَأْنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿فاعِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا فاعِلِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿بَدَأْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل: ذكرت هذه الجملة توكيدا لتحتم الخبر، وقيل: هي تعليل للقدرة، وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف معنى.","vol":"6","page":106},{"text":"<span id=\"aya-2588\"></span>﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا﴾ أي: سجلنا، وقدرنا، وقضينا. ﴿فِي الزَّبُورِ:﴾ كتاب داود، انظر الآية رقم [٥٥] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أي: التوراة التي أنزلت على موسى على نبينا، وشفيعنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وقيل: إن المراد ب: ﴿الزَّبُورِ﴾ جميع الكتب التي أنزلت على الرسل، والمراد ب: ﴿الذِّكْرِ﴾ اللوح المحفوظ الذي سجل فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فيكون المراد بكتابة الزبور نسخ ما فيها من اللوح المحفوظ؛ لأن جميع الكتب السماوية مسجلة في اللوح المحفوظ من قديم الأزل.\n ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ:﴾ أحسن ما قيل فيه: أنه يراد بها أرض الجنة، كما قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى؛ لأن الأرض في الدنيا يملكها الصالحون، وغيرهم، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما. وقال مجاهد وأبو العالية: ودليل هذا التأويل قوله تعالى:\n ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾. هذا؛ وقيل: إنها الأرض المقدسة. ذكر لي: أن اليهود كتبوا على جدران القنيطرة يوم احتلوها عام ١٩٦٧ م الآية التي نحن بصدد شرحها، كتبوها بحروف عربية مكبّرة. هذا؛ وقيل: المراد بها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد ﷺ بالفتوح. وقيل: إن المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾. هذا؛ ويقرأ: ﴿عِبادِيَ﴾ بفتح ياء المتكلم وسكونها.\nهذا؛ والإضافة بقوله: ﴿عِبادِيَ﴾ إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وذكر العبودية مقام عظيم، والعبد: الإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الإسراء). هذا؛ ولا تنس: أن في الآية الكريمة التفاتا من التكلم بالجمع إلى التكلم بالمفرد، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤].\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] ففيها الكفاية. ﴿كَتَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها. ﴿فِي الزَّبُورِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾\nمتعلقان به أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف صفة ل: ﴿الزَّبُورِ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿الذِّكْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَرْضَ:﴾ اسمها.\n ﴿يَرِثُها:﴾ مضارع، و(ها): مفعول به. ﴿عِبادِيَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿الصّالِحُونَ:﴾ صفة ﴿عِبادِيَ﴾ مرفوع مثله. وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يَرِثُها..﴾. إلخ في","vol":"6","page":107},{"text":"محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والقسم المقدر: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2591\"></span>﴿قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾ أمر للنبي ﷺ. ﴿إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي: ما يوحى إليّ من ربي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد لا شريك له في ملكه، ولا مناوئ له في سلطانه.\nقال الشهاب: في هذه الآية قصران: الأول قصر الصفة على الموصوف، والثاني بالعكس.\n ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:﴾ موحدون منقادون لما يوحى إليّ من إخلاص الإلهية والتوحيد. ومعنى الاستفهام: الأمر؛ أي: أسلموا.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة.\n ﴿يُوحى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.","vol":"6","page":108},{"text":"﴿إِلَيَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة، ﴿إِلهُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة إله، والكلام ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل ﴿يُوحى﴾. هذا؛ وكف (أنّ) ب: (ما) عن العمل لا يخرجها عن المصدرية، وجملة: ﴿إِنَّما يُوحى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ إِنَّما..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام.\n ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2592\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإسلام والانقياد لما تدعوهم إليه. هذا؛ والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور الاعتقادية اتساعا، وأصل (تولوا) قبل دخول واو الجماعة: «تولّي» قل في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار (تولاّوا) فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على اللام دليلا على الألف المحذوفة، ويقال في إعلاله أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: «تولّيوا» فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة... إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: «توليوا» فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: ياء العلة، وواو الجماعة، فحذفت ياء العلة لالتقاء الساكنين. وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا، ورمى، وسعى، وغزا... إلخ، تنبه لذلك واحفظه. هذا؛ وإذا ولي الواو ساكن مثل (رأوا العذاب) ونحوه تحرك الواو بالضمة، ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها، وقيل: حركت بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية، وبين واو الجماعة في نحو قولك: «لو اجتهدت لنجحت». وقيل: ضمت؛ لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: غير ذلك.\n ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي: أعلمتكم على بيان: أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا، وهذا إنذار بين نستوي في علمه، لا أستبد به أنا دونكم، لتتأهبوا لما يراد منكم. وقيل:\nالمعنى: أعلمتكم بالحرب على عدل، واستقامة، ورأي بالبرهان النير، فيكون كقوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ وقال الزجاج: المعنى:\nأعلمتكم بما يوحى إلي على استواء في العلم به، ولم أظهر لأحد شيئا كتمته عن غيره. وانظر","vol":"6","page":109},{"text":"إعلال همزة (آمن) في الآية رقم [٧١] من سورة (طه)، وانظر شرح ﴿سَواءٍ﴾ في الآية رقم [٢٥] من سورة (الحج).\n ﴿وَإِنْ أَدْرِي:﴾ لا أدري، ولا أعلم. ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أي: لا أعلم متى يكون يوم القيامة؛ لأن الله لم يطلعني عليه، ولكني أعلم: أنه كائن لا محالة. أو: لا أعلم متى يحل بكم العذاب إن لم تؤمنوا، وقيل: المعنى: آذنتكم بالحرب، ولكني لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم؟\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿آذَنْتُكُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله.\n ﴿عَلى سَواءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، أو من الكاف المفعول به، أو من كليهما، بمعنى: متساويين، ومثله قول الشاعر: [الكامل]\nفلئن لقيتك خاليين لتعلمن... أيّي وأيّك فارس الأحزاب؟\nف «خاليين» حال من التاء والكاف. وأيضا قول عنترة بن شداد العبسي: [الوافر]\nمتى ما تلقني فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا\nفقوله: «فردين» حال من الفاعل المستتر، ومن ياء المتكلم التي هي مفعوله. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو:\nحرف استئناف، أو واو الحال. (إن): حرف نفي. ﴿أَدْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَقَرِيبٌ:﴾ الهمزة حرف استفهام.\n (قريب): خبر مقدم. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعِيدٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير:\nالذي توعدونه، والجملة الاسمية: ﴿أَقَرِيبٌ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل أدري المعلق عن العمل لفظا بهمزة الاستفهام. هذا؛ وجوز أبو البقاء أن يكون: (قريب) مبتدأ؛ لاعتماده على الاستفهام و: ﴿بَعِيدٌ﴾ معطوفا عليه، و﴿ما:﴾ فاعلا بما قبله سادا مسد الخبر، ويكون ذلك على التنازع، وجملة ﴿وَإِنْ أَدْرِي..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من تاء الفاعل.\nوالكلام: ﴿آذَنْتُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إنّ) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو في محل نصب مقول القول.","vol":"6","page":110},{"text":"<span id=\"aya-2593\"></span>﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله. ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: ما تجاهرون به من العداوة والطعن في الإسلام. ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أي: ما تخفون من الإحن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم على ذلك، هذا؛ و﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة لا اليقين انظر الآية رقم [٣٩]. هذا؛ و«كتم» من باب نصر، وربما عدّي «كتم» إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، وتزاد «من» جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وكتم الشيء: بالغ في كتمانه، واكتتم الشيء: اصفرّ. هذا؛ والكتم، والكتمان: نبت يخضب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة، ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]\nفإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم\nولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم\nلو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم\nالإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾. ﴿الْجَهْرَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الجهر، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «هو». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تكتمونه في صدوركم، وجملة:\n ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n<span id=\"aya-2594\"></span>﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١)﴾\nالشرح: معنى الآية: وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، واختباركم، وامتحان لكم؛ ليرى كيف تعملون، وكيف تصنعون، وهو أعلم بكم.\nهذا؛ وذكر القرطبي: أن النبي ﷺ رأى في منامه: أن بني أمية يلون الناس. فلا وجه له هنا ألبتة، ولم يقل به غيره. و﴿أَدْرِي﴾ ماضيه درى بمعنى علم، فهو من أفعال اليقين، فينصب مفعولين كقول الشاعر: [الطويل]\nدريت الوفيّ العهد، يا عمرو، فاغتبط... فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد\nوهو قليل؛ إذ الكثير المستعمل فيه أن يتعدى إلى واحد بالباء نحو دريت بكذا، فإن دخلت عليه همزة النقل تعدى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما﴾","vol":"6","page":111},{"text":"﴿تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ قال شيخ الإسلام: ومحل ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ فالكاف مفعول به أول، والجملة الاسمية بعده سدت مسد المفعولين. انتهى.\nوالذي في: «الهمع» و«المغني» -قيل: وهو الأوجه-: أن الجملة الاسمية سدت مسد المفعول الثاني المتعدي إليه بالحرف، فتكون في محل نصب بإسقاط الجار، كما في: «ذكرت» أهذا صحيح أم لا؟ أي: فكرت بما ذكر. انتهى. جرجاوي، وينبغي أن تعلم: أن الفعل «أدري» هنا معلق عن العمل لفظا بوقوع «لعل» بعده، والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق، إلا أن النحويين لم يعدوا «لعل» من المعلقات. والحق مع الكوفيين، وهو ظاهر في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ وقوله جل شأنه ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾.\nفإن كان (درى) بمعنى: ختل، أي خدع كان متعديا إلى واحد بنفسه مثل: دريت الصيد، أي: ختلته، وخدعته. قال الأخطل التغلبي: [الطويل]\nفإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد ولا يدري\nأي: يصيد، ولا يختل. ومثله قول الآخر: [الطويل]\nفإن كنت لا أدري الظّباء فإنني... أدسّ لها تحت التّراب الدّواهيا\nأي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: حك، مثل درى رأسه بالمدرى، أي: حك رأسه بالمشط، فهي كذلك، وانظر شرح ﴿حِينٍ﴾ في الآية رقم [٣٩].\n (متاع): انتفاع، وتلذذ، وتمتّع، واستمتع بكذا: انتفع به، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء، وأمتعه الله، ومتّعه بكذا بمعنى واحد، ومتاع الغرور، أي ما يغر، ويخدع، ولا يغرّ إلا ضعفاء الإيمان، وذوي النفوس المريضة، وخاب الفسقة الذين يقولون: إن متاع الغرور المذكور في كثير من الآيات هو ما تحمله المرأة في أيام حيضها من خرق، فمن أين أتوا بهذا التفسير الذي لا يقره ذوق؛ فضلا عن عدم وجوده في كتب اللغة.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): نافية. ﴿أَدْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَعَلَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِتْنَةٌ:﴾ خبر (لعل). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿فِتْنَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة لها.\n (متاع): معطوف على ﴿فِتْنَةٌ،﴾ وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف: التقدير: وهو متاع، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان بمتاع أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي الفعل ﴿أَدْرِي﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَدْرِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، فتكون في محل نصب مقول القول.","vol":"6","page":112},{"text":"<span id=\"aya-2595\"></span>﴿قالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: النبي ﷺ، وقرئ: «(قل)». ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: افصل بيني وبين من كذبني، أو المعنى: اقض بيننا، وبين أهل مكة بالعدل، أو بما يحق عليهم من العذاب، وشدّد عليهم، كما قال النبي ﷺ في الدعاء عليهم: «واشدد وطأتك على مضر». هذا؛ ويقرأ: «(ربّ)» بضم الباء، و: ﴿رَبِّ احْكُمْ:﴾ على معنى أحكم الأمور بالحق. ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ﴾ أي: كثير الرحمة على خلقه. ﴿الْمُسْتَعانُ:﴾ المطلوب منه المعونة في كل وقت، وحين. ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أي: من الشرك، والكفر، والكذب، والأباطيل. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء أيضا. هذا؛ وقيل: كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون، ويؤملون أن تكون الشوكة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، ونصر نبيه، والمؤمنين، وخذلهم؛ أي: الكفار. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: ختم الله السورة الكريمة بأن أمر نبيه ﷺ بتفويض الأمر إليه، وتوقع الفرج من عنده، روى سعيد بن جبير عن قتادة قال: كانت الأنبياء تقول: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ فأمر نبيه ﷺ أن يقول: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ فكان إذا لقي العدو يقول، وهو يعلم: أنه على الحق، وعدوه على الباطل: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: اقض. انتهى. قرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، أو (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه حرف النداء. ﴿اُحْكُمْ:﴾ أمر، وفاعله: أنت.\n ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما هذا؛ وعلى قراءة: «(ربي أحكم)» فهو مبتدأ وخبر، وعلى القراءتين فالكلام في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قالَ..﴾. إلخ، أو (قل...) إلخ مستأنفة على القراءتين لا محل لها. ﴿وَرَبُّنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربنا): مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿الْمُسْتَعانُ:﴾ صفة ﴿الرَّحْمنُ﴾. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالمستعان؛ لأنه صيغة مفعول، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو:\nعلى شيء تصفونه به. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: المستعان على وصفكم الله ما لا يليق به، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّنَا..﴾. إلخ مستأنفة وهي في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nانتهت سورة (الأنبياء) بعونه تعالى تفسيرا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.","vol":"6","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2514>سورة الحجّ</span>\nوهي مكية غير ست آيات من قوله ﷿: ﴿هذانِ خَصْمانِ..﴾. إلى قوله: ﴿... وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ انتهى. بيضاوي، وخازن. وقال الجمهور: السورة مختلطة، منها مكي، ومنها مدني، وعدّ النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات، وقول الجمهور هو الأصح؛ لأن الآيات تقتضي ذلك؛ لأن: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ مكّيّ، و﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مدنيّ، وهي من أعاجيب السور، نزلت ليلا ونهارا، سفرا، وحضرا، مكيّا، ومدنيّا، سلميا، وحربيا، ناسخا، ومنسوخا، محكما، ومتشابها مختلف العدد. انتهى. قرطبي.\nوجاء في فضلها ما رواه الترمذي، وأبو داود، والدارقطني عن عقبة بن عامر﵁قال: قلت: يا رسول الله! فضلت سورة (الحج) بأن فيها سجدتين، قال: «نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما». وبه يقول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ورأى بعضهم:\nأن فيها سجدة واحدة فقط، وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة. روى الدارقطني عن عبد الله بن ثعلبة قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁، سجد في الحج سجدتين. قلت: في الصبح؟ قال: في الصبح انتهى. قرطبي بتصرف.\nأقول: من اعتبر السجدتين في هذه السورة اعتبر سجدة سورة (ص) سجدة شكر، لا سجدة تلاوة؛ فلا يسجد لها في الصلاة، فإن سجد لها مصل بطلت صلاته، ومن اعتبر سجدة واحدة في هذه السورة اعتبر سجدة سورة (ص) سجدة تلاوة، وشكر؛ فهو يسجد لها في الصلاة، وخارجها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٧] من هذه السورة.\nهذا؛ وسورة (الحج) ثمان وسبعون آية، وألف ومئتان وإحدى وتسعون كلمة، وخمسة آلاف وخمسة وسبعون حرفا انتهى. خازن.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-2596\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ هذا النداء يعم جميع بني آدم. ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ:﴾ خافوه، واحذروا عقابه، واعملوا بطاعته. ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ:﴾ الزلزلة: شدة الحركة على","vol":"6","page":114},{"text":"الحال الهائلة، وصفها الله بالعظم، ولا شيء أعظم مما عظمه الله تعالى، قيل: هي من أشراط الساعة قبل قيامها. وقال ابن عباس﵄-: زلزلة الساعة قيامها، فتكون معه.\nهذا؛ وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [١] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿شَيْءٌ﴾ في الآية رقم [٣٠] منها، وشرح ﴿السّاعَةِ﴾ في الآية رقم [٤٩] منها أيضا. ﴿اِتَّقُوا:﴾ أمر من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة. وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). هذا؛ وأصل ﴿اِتَّقُوا:﴾ «اتّقيوا» فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة.\nالإعراب: (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو»، أو «أنادي». (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أي» واسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني: «أي» منصوب محلا، فكذا التابع، أعني (الناس) وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبان؛ لأنه قال، والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع لا إعراب، ولا بناء، وقيل: إن رفع التابع المذكور، إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو يدعى، وهو مع ما فيه من التكلف، يؤدي إلى قطع المتبوع، وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى بأل، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصلوا إلى ندائه ب: «أي»، أي مع قرنها بحرف التنبيه، ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له، والإعراب السائد الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ. انتهى.\nهذا؛ والأخفش يعتبر «أيا» في مثل هذه الآية موصولة، و(الناس) خبرا لمحذوف، والجملة الاسمية صلة، وعائد، التقدير: «يا من هم الناس» على أنه قد حذف العائد حذفا لازما كما في قول امرئ القيس: [الطويل]\nألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل\nوما قاله الأخفش ضعيف، لا يعتد به عند جمهرة النحاة، والبيت هو الشاهد رقم [٢٤٢] من كتابنا فتح القريب المجيب.","vol":"6","page":115},{"text":"﴿اِتَّقُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾\nمفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿زَلْزَلَةَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و﴿السّاعَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ويكتفي به إن كان من «زلزل» اللازم، وإن كان من المتعدي؛ فالمفعول محذوف، التقدير: إن زلزلة الساعة الناس، أو الأرض، وهو أحسن يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ أو الإضافة من إضافة المصدر للظرف، وإجرائه مجرى المفعول به، فيكون الفاعل محذوفا، ﴿شَيْءٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة ﴿شَيْءٌ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل لطلب «التقوى» لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2597\"></span>﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها:﴾ يوم ترونها بأعينكم، وتشاهدون هولها. الخطاب للناس، والضمير المنصوب عائد على الزلزلة. ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ:﴾ الذهول: الذهاب عن الأمر بدهشة؛ بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه وذهلت عنه.\nو﴿مُرْضِعَةٍ﴾ بالتاء لمن باشرت الإرضاع، وبلا تاء لمن شأنها الإرضاع، وإن تباشره. قال امرؤ القيس يخاطب ابنة عمه عنيزة: [الطويل]\nفمثلك حبلى قد طرقت ومرضع... فألهيتها عن ذي تمائم محول\nهذا؛ ويقال: لم يؤنث مرضع في بيت امرئ القيس؛ لأن المراد النسبة، أي: ذات إرضاع، أو: ذات رضيع، ومثلها: حائض، وطالق، وحامل. والاسم إذا كان من هذا القبيل؛ عرته العرب من علامة التأنيث، كما قالوا: امرأة لابن تامر، أي: ذات لبن، وذات تمر، ورجل لابن تامر، أي: ذو لبن، وذو تمر، ومنه قوله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ نص الخليل على أن المعنى: السماء ذات انفطار به، لذلك تجرد لفظ منفطر من علامة التأنيث، بخلاف ما إذا بني الوصف على الفعل؛ أنث. فتقول: أرضعت، فهي مرضعة، كما في الآية الكريمة، والجمع:\nمراضع، ومراضيع، ومرضعات، وانظر ما ذكرته في «عاقر» في الآية رقم [٥] من سورة (مريم) على نبينا وعليها ألف صلاة وألف سلام.\n ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أي: تسقط من هول ذلك اليوم كل حامل حملها، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، فعلى هذا","vol":"6","page":116},{"text":"القول تكون الزلزلة في الدنيا؛ لأنه بعد البعث لا يكون حمل، ولا إرضاع. ومن قال: تكون الزلزلة في القيامة، قال: هذا على وجه تعظيم الأمر، وتهويله، لا على حقيقته.\nهذا؛ و﴿حَمْلٍ﴾ بفتح الحاء وسكون الميم، قال ابن السكيت: الحمل-بالفتح-: ما كان في بطن، أو على رأس شجرة. والحمل-بالكسر-: ما كان على ظهر، أو رأس. قال الأزهري: هذا هو الصواب، وهو قول الأصمعي، وقال القرطبي: وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسرة. وقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل المرأة: حمل وحمل يشبه مرة لا ستبطانه بحمل النخلة، ومرة لبروزه وظهوره بحمل الدابة.\n ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾ أي: كأنهم سكارى من هول الزلزلة، ومما يدركهم من الخوف، والفزع، ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾ أي: على الحقيقة. هذا؛ وقرئ: «(وترى الناس)» بضم التاء أي:\nتظن، ويخيل إليك، وقرئ: «(سكرى)» وهما لغتان ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ:﴾ فأرهقهم هوله، بحيث طير عقولهم، وأذهب تمييزهم، ففي الآية الكريمة شبه الله الناس بسكارى الذين فقدوا التمييز، ثم نفى الله عنهم السكر الحقيقي الناتج عن شرب الخمر، ونحوه، وبيّن أن سببه شدة الهول، والخوف من العذاب الشديد، والعذاب الأليم.\nأما ﴿ذاتِ﴾ فهي بمعنى صاحبة، وكثيرا ما تضاف للمصدر فجعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو: (أصحاب الجنة، أصحاب النار) هذا؛ و(ذات) مؤنث: ذو، الذي بمعنى صاحب، وقد يثنى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي كذا من غير رد لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنى «ذو» بذوا، أو ذوي على لفظه، ويجوز فيها: (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهو الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال؛ لأن أصلها (ذوية) الواو عين الكلمة، والياء لامها، والتاء للتأنيث؛ لأنه مؤنث «ذو» وذو أصله ذوي، فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار (ذوات) ثم حذفت الواو تخفيفا. وفي تثنيته وجهان: تارة ينظر للفظه الآن، فيقال: ذاتان، وتارة ينظر له قبل حذف الواو، فيقال: ذواتان فقوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [١٦] ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ وفي سورة (الرحمن) رقم [٤٨] ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ جاء على الأصل برد لام الكلمة.\nهذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء ثمّت، وربّت، ولات، ولكنها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ والنصب جاء في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ وكل معانيها في القرآن الكريم صاحبة، إلا في موضعين، فإنها جاءت بمعنى الجهة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ وقد رأيت تثنيتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع، هذا؛ ولم","vol":"6","page":117},{"text":"يتعرض النحويون لها بهذا المعنى، مع كثرة تعرضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا (ذات) بمعنى «التي» و(ذوات) بمعنى اللواتي، وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nوكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات\nقال الأشموني: أي عند طيئ ألحقوا ب: «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم، حكى الفراء: (بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به) وقريب منه لابن هشام في أو ضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة شاهدا لذلك: [الرجز]\nجمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق\nوالفرق بين الأولى، والثانية، الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها كما رأيت بخلاف الثانية، فإنها لا تضاف؛ لأنها معرفة بالصلة التي تذكر بعدها كما رأيت في بيت رؤبة. تنبه لهذا؛ وافهمه، فإنه معنى دقيق، واسأل الله لي المزيد من التوفيق.\nبعد هذا خذ ما يلي: روى الترمذي عن عمران بن حصين﵁أن النبي ﷺ لما نزلت: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ..﴾. إلى قوله: ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ قال: أنزلت عليه هذه الآية، وهو في سفر، فقال: أتدرون أيّ يوم ذلك؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يا ربّ! وما بعث النار؟ قال: تسعمئة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنّة». فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ﷺ: «قاربوا، وسدّدوا، فإنّه لم تكن نبوّة قطّ إلاّ كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمّت وإلاّ كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلاّ كمثل الرّقمة في ذراع الدّابّة، أو كالشّامة في جنب البعير، ثمّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة!» فكبّروا، ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلاث أهل الجنّة!» فكبّروا ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنّة»، فكبّروا، قال: «لا أدري قال: الثّلثين أم لا؟». قال: هذا حديث حسن صحيح.\nوفي صحيح مسلم: عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n «يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك. قال، يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كلّ ألف تسعمئة وتسعة وتسعون». قال: «فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كلّ ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد»، قال: فاشتدّ ذلك على أصحابه، قالوا: يا رسول الله! أيّنا ذلك الرجل؟ فقال: «أبشروا، فإنّ من يأجوج ومأجوج ألفا، ومنكم رجل». وذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين، ﵃ أجمعين.","vol":"6","page":118},{"text":"الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿تَذْهَلُ﴾ بعده، أو هو متعلق ب: ﴿عَظِيمٌ،﴾ أو هو متعلق بفعل محذوف تقديره: اذكر، أو هو بدل من ﴿السّاعَةِ،﴾ فيكون مبنيا على الفتح في محل جر، أو هو بدل من ﴿زَلْزَلَةَ﴾ بدل اشتمال؛ لأن كلا من الحدث، والزمان يصدق عليه أنه مشتمل على الآخر، ولا يجوز أن يتعلق ب: ﴿زَلْزَلَةَ﴾ لما يلزم عليه من الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر. ﴿تَرَوْنَها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿تَذْهَلُ:﴾ مضارع.\n ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، و﴿كُلُّ:﴾ مضاف، و﴿مُرْضِعَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَذْهَلُ﴾. و(ما): تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: عن الذي أرضعته، وعلى الثاني تؤول (ما) مع الفعل بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: عن إرضاعها وليدها، وجملة:\n ﴿تَذْهَلُ..﴾. إلخ مستأنفة على الوجه الأول في تعليق الظرف، وهي في محل نصب حال على الأوجه الباقية من الضمير المنصوب، أو من «الزلزلة»، أو من الضمير المستتر في ﴿عَظِيمٌ﴾ وإن كان مذكرا؛ لأنه هو الزلزلة في المعنى، أو من ﴿السّاعَةِ﴾ وعلى هذه الوجوه فلا بد من تقدير ضمير يربطها بصاحب الحال، تقديره: تذهل فيها. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n (تضع): مضارع. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿ذاتِ﴾ مضاف إليه، و﴿ذاتِ﴾ مضاف، و﴿حَمْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿حَمْلَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَتَضَعُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿تَذْهَلُ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها.\n (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر فيه تقديره:\n «أنت». ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، وعلى قراءة رفعه فهو نائب فاعله، والفعل مبني للمجهول.\n ﴿سُكارى:﴾ حال منصوب... إلخ، وجملة ﴿وَتَرَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾\nالواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس» أو هي مهملة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، أو هو مبتدأ. ﴿بِسُكارى:﴾ الباء: حرف جر صلة.\n (سكارى): خبر ما، أو خبر المبتدأ، والنصب، أو الرفع المحلّي مقدر على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾ في محل نصب حال من الناس، وهذا على تقدير المستقبل حاضرا. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابَ:﴾\nاسم (لكن) وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. ﴿شَدِيدٌ:﴾ خبر لكن، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وقال أبو حيان: معطوفة على محذوف مخالف لما بعد (لكن) في الحكم، لذا قدر الكلام كما يلي: فهذه الأحوال، وهي الذهول، والوضع، ورؤية الناس شبه السكارى هينة لينة، ولكن عذاب الله شديد، أي: ليس لينا وهينا.","vol":"6","page":119},{"text":"<span id=\"aya-2598\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة في النضر بن الحارث، كان كثير الجدل، وكان يقول:\nالملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وكان ينكر البعث، وإحياء من صار ترابا. انظر ما ذكرته بشأنه في الآية رقم [٣٢/ ٣١] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ويقر عينك.\n ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ أي: في جداله، أو في عامة أحواله. ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ:﴾ المراد به: إبليس وجنوده، أو المراد: شياطين الإنس، وهم رؤساء الكفر الذين يدعون أتباعهم إلى الضلال، والفساد، و﴿مَرِيدٍ﴾ متمرد مستمر في الإضلال، والإفساد يقال: مرد من بابي: نصر، وظرف:\nإذا عتا وتجبر، فهو مارد، ومريد، وجمعه: مردة، ومرد، وماردون، ومرّاد، ومؤنثه: مرداء.\nومرد على الشيء: استمر عليه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾ رقم [١٠١] من سورة (التوبة). انظر شرح شيطان في أول سورة (السجدة) في البسملة، والاستعاذة.\nهذا، و(الله) علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تعلم أحدا تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمئة وستين موضعا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) عليهاالسّلام.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من الناس): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يُجادِلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بغير علم، وجملة:\n ﴿يُجادِلُ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، هذا هو الإعراب الظاهر، والمتعارف عليه في مثل هذه الجملة. وانظر ما ذكرته في مثلها في الآية رقم [٤٥] من سورة (النور) تجد ما يسرك. (يتبع): مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿شَيْطانٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَرِيدٍ:﴾\nصفة ﴿شَيْطانٍ،﴾ وجملة ﴿وَيَتَّبِعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-2599\"></span>﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ:﴾ قضى الله على الشيطان: ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ:﴾ تبعه، وتبع وساوسه، وزخارفه، وأحابيله. ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ:﴾ يضل من تولاه عن طرق الحق، والخير الموصل إلى","vol":"6","page":120},{"text":"الجنة. ﴿وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ:﴾ يقوده إلى طريق الشر الموصل إلى جهنم وبئس المصير.\nهذا؛ وقرئ (أنه) بفتح الهمزة، وكسرها في الموضعين.\nهذا؛ و(السعير): النار الشديدة الاستعار، أي: الاحتراق، وهي واد في جهنم، أو دركة من دركات النار، وطبقاتها، والسّعير، كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة قال رشيد بن رميض العنزي: [الوافر]\nحلفت بمائرات حول عوض... وأنصاب تركن لدى السّعير\nفعوض عندهم صنم صغير، والسّعير صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنزة، فنفرت ناقته من الصنم، فأنشأ يقول: [الكامل]\nنفرت قلوصي من عتائر صرّعت... حول السّعير يزوره ابنا يقدم\nوجموع يذكر مهطعين جنابه... ما إن يحير إليهم بتكلّم\nقال أبو المنذر: يقدم، ويذكر ابنا عنزة، فرأى بني هؤلاء يطوفون حول السّعير. انتهى بغدادي.\nالإعراب: ﴿كُتِبَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهي ضمير الشأن. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَوَلاّهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر في محل جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿فَأَنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يُضِلُّهُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، وجملة: (يهديه...) إلخ معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فله أن يضله، أي فله إضلاله، أو في محل رفع خبر مبتدأ محذوف، التقدير:\nفشأنه وحاله أن يضله، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط، وأيضا على قراءة الكسر فإنه ينتج جملة اسمية في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ،﴾ هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فهي مبتدأ، وجملة: ﴿تَوَلاّهُ﴾ صلته، والجملة الاسمية ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ على الاعتبارين في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ تَوَلاّهُ..﴾. إلخ على الاعتبارين في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل ﴿كُتِبَ،﴾ وعلى قراءته بالبناء للمعلوم، فالفاعل يعود إلى (الله)، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة في الموضعين، فالجملة الاسمية الأولى محكية بقول محذوف، أو هي محكية ب: ﴿كُتِبَ﴾ على تضمينه معنى القول،","vol":"6","page":121},{"text":"وجملة: ﴿كُتِبَ..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية ل: ﴿شَيْطانٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهي على تقدير «قد» قبلها، وتبقى الجملة: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2600\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ هذا النداء يعم جميع بني آدم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي: في شك من الإعادة، والإحياء بعد الموت. والمراد بالبعث: الخروج من القبور بعد النفخة الثانية، وما يعقبها من الحساب، والميزان، والصراط... إلخ، مما يكون يوم القيامة. ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ:﴾ هذا الخلق من التراب على قولين: غير مباشر، ومباشر، فالأول خلق أبينا آدم من تراب، كما رأيت في سورة (الحجر) الآية رقم [٢٦]، والثاني: كل واحد منا خلق من التراب، وذلك إذا نظرنا إلى المادة التي يتخلق منها الإنسان، فإنها من الدم بلا ريب، والدم مصدره من الطعام، والشراب، وأنواع الغذاء، وكل ذلك مخرجه من التراب، كما هو معروف.\n ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ وهو المني، سمي نطفة لقلته، ويكون من الرجل، والمرأة، والجمع: نطاف، ونطف، والنطفة: الماء الصافي قل، أو كثر. ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ أي: من دم جامد غليظ، وذلك أن النطفة تصير دما غليظا بعد أربعين يوما من استقرارها في الرحم، والعلقة: دويبة سوداء تعيش في الأرض الرطبة، والجمع: علق. ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ:﴾ وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ في الفم، وهذا يكون بعد ثمانين يوما من استقرار النطفة في الرّحم.\n ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: أي تامة الخلق، وغير تامة الخلق، وقيل: مصورة وغير مصورة، وقال ابن زيد: المخلقة التي خلق الله فيها الرأس، واليدين، والرجلين، ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ التي لم يخلق فيها شيء. وقيل: المخلقة: الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، وغير المخلقة: السقط، فكأنه سبحانه قسم المضغة قسمين: أحدهما تام الصورة، والحواس، والتخطيط، والقسم الثاني هو الناقص عن هذه الأحوال كلها، وانظر الطورين الآخرين في الآية رقم [١٤] من سورة (المؤمنون).","vol":"6","page":122},{"text":"هذا؛ وروى علقمة عن ابن مسعود ﵁موقوفا عليه، قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، وقال: أي رب! مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة قذفها في الرحم دما، ولم تكن نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أي رب! أذكر، أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ ما الرزق؟ بأي أرض تموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب، فيجدها في أم الكتاب، فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁قال: حدّثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدّق: «إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أو سعيد، فو الذي لا إله غيره! إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». رواه البخاري، ومسلم.\n ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: وإنما نقلناكم من حال إلى حال، ومن خلقة إلى خلقة؛ لنبين لكم بهذا التدريج كمال قدرتنا، وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا، ولا مناسبة بين الماء والتراب، وقدر أن يجعل النطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاما؛ قدر على إعادة ما بدأه. ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ﴾ أي: نثبت في أرحام الأمهات. ﴿ما نَشاءُ﴾ أي:\nالذي نشاء ثبوته، والتعبير ب: ﴿ما﴾ عن الحمل، والمراد به العاقل من بني آدم؛ لأن الكلام على العلقة، والمضغة، وهما جماد قبل نفخ الروح فلذا صح التعبير عنهما ب: ﴿ما﴾ التي هي لغير العاقل. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: وقت الولادة، أي وما لم نشأ ثبوته؛ أسقطته الأرحام.\n ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: وقت الولادة من بطون أمهاتكم، المراد ب: ﴿طِفْلًا﴾ الجنس، ولذا لم يجمع، وأيضا فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد، قال الشاعر: [الكامل]\nيا عاذلاتي، لا تردن ملامتي... إنّ العواذل لسن لي بأمير\nلم يقل: بأمراء. وقال المبرد: هو اسم يستعمل مصدر كالرضا، والعدل، فيقع على الواحد وعلى الجمع، قال الله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ وانظر شرح:\n ﴿سامِرًا﴾ في الآية رقم [٦٧] من سورة (المؤمنون). والطفل: ولد كل وحشية، والمطفل: ذات الطفل من الإنسان، والحيوان، والوحش... إلخ، والجمع: مطافل، ومطافيل. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي: كمال العقل، والقوة، والتمييز، والأشد جمع: شدة، كالأنعم جمع: نعمة، وقيل: هو من ألفاظ الجموع التي لا يستعمل لها واحد. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى﴾ أي: عند بلوغ","vol":"6","page":123},{"text":"الأشد، أو قبله، أو بعده. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا:﴾\nانظر الآية رقم [٧٠] من سورة (النحل) ففيها الكفاية لذوي الدراية.\n ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً:﴾ هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إعادة الخلق بعد الموت، ومعنى ﴿هامِدَةً﴾ يابسة ميتة، من: همدت النار: إذا صارت رمادا. ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ:﴾ تحركت بالنبات، والاهتزاز: شدة الحركة. ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت وزادت. ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ:﴾ من كل صنف من أصناف النبات. ﴿بَهِيجٍ:﴾ حسن جميل، والبهيج: هو الشيء المبهج، المشرق، النضير. ولا يخفى أن فاعل الاهتزاز، والربو، والإنبات إنما هو الله تعالى، وإسناده للأرض إنما هو من باب المجاز العقلي.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [١] ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي رَيْبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنَ الْبَعْثِ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَيْبٍ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له.\n ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿مِنْ تُرابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان محذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: مبتدئا خلقكم من تراب. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وأيضا ﴿مِنْ عَلَقَةٍ،﴾ ﴿مِنْ مُضْغَةٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿مُخَلَّقَةٍ:﴾ صفة مضغة.\n ﴿وَغَيْرِ:﴾ معطوف على ﴿مُخَلَّقَةٍ،﴾ و(غير) مضاف، و﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿لِنُبَيِّنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والمفعول محذوف، انظر الشرح، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور، قال الجمل: متعلقان ب: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ على أن اللام فيه للعاقبة، وأرجح تعليقهما بمحذوف، انظر تقدير الكلام في الشرح، و(إنّ) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له كالجملة الندائية قبله. ﴿وَنُقِرُّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نقر): مضارع مرفوع، والفاعل تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. هذا؛ ويقرأ الفعل بالنصب عطفا على (نبين) كما يقرأ بالياء والتاء، وبالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول قراآت. ﴿فِي الْأَرْحامِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي نشاؤه. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل (نقر) وقيل: متعلقان بمحذوف حال، فيكون التقدير: ممتدا، أو مستقرا الجنين إلى أجل.","vol":"6","page":124},{"text":"﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لا لتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نُخْرِجُكُمْ:﴾ معطوف على (نقر) على رفعه، ونصبه، والفاعل تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿طِفْلًا:﴾ حال من الكاف، والميم، وانظر الشرح، وقيل:\nهو تمييز. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لِتَبْلُغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، أو العاقبة منصوب، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ثم نربيكم لبلوغكم. هذا؛ وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ زائدة، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بالفعل (نخرج) والأول أقوى. ﴿أَشُدَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَمِنْكُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (منكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يُتَوَفّى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنَ﴾ أو صفتها. هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمعلوم، فيكون الفاعل عائدا إلى الله، وعائد من محذوف، التقدير: يتوفاه الله. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الجملة، وانظر الآية رقم [٤٥] من سورة (النور)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وإعراب ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾ مثلها بلا فارق. ﴿إِلى أَرْذَلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما و﴿أَرْذَلِ﴾ مضاف، و﴿الْعُمُرِ﴾ مضاف إليه. ﴿لِكَيْلا﴾ اللام: حرف تعليل وجر. و(كي): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿يَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: (كي)، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾.\n ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف ﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، واكتفى الفعل ﴿يَعْلَمَ﴾ بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: يعرف، وقيل تنازعه الفعل، والمصدر ﴿عِلْمٍ،﴾ ولا أرى له وجها قويا. و(كي) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُرَدُّ:﴾ التقدير: يرد إلى أرذل العمر لعدم علمه بعد علم شيئا.\n ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿هامِدَةً:﴾ حال من الأرض، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إذا):\nظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْماءَ:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور","vol":"6","page":125},{"text":"المرجوح. ﴿اِهْتَزَّتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى الأرض، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، وجملة:\n ﴿وَرَبَتْ﴾ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها، وأيضا جملة: ﴿وَأَنْبَتَتْ..﴾. إلخ معطوفة عليه لا محل لها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿زَوْجٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بَهِيجٍ:﴾ صفة ﴿زَوْجٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-2601\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما ذكر من خلق الإنسان في أطوار مختلفة، وتحويله على أحوال متضادة، وإحياء الأرض بعد موتها. ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الذي ذكر حاصل وموجود بسبب أن الله هو الثابت الذي لا يتغير، ولا يتبدل، ولا يحول، ولا يزول. ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ أي: يعيد الأرواح إلى الأبدان التي تفتتت، وصارت رمما، بعد خلقها خلقا جديدا. ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ومن كان كذلك فإنه لا يعجز عن إعادة الخلق كما بدأه، وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (أنّ) على المحل.\n ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر (أنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ و﴿الْحَقُّ﴾ خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يُحْيِ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿يُحْيِ الْمَوْتى﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ما قبله، فهو في محل جر مثله، وأيضا المصدر المؤول من ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ..﴾. إلخ معطوف عليه، فهو في محل جر مثله. هذا؛ وقيل: ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك. وقيل: مفعول به بفعل محذوف؛ أي: فعلنا ذلك. وعلى هذين القولين فالجار والمجرور متعلقان بالمحذوف المقدر. والأول هو المعتمد. تأمل!.\n<span id=\"aya-2602\"></span>﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾\nالشرح: المعنى ما ذكر الله من الدلائل فيما تقدم؛ لتعلموا علما حقيقا: أنّ الساعة كائنة لا شك فيها، وأنّها حق، وأنّ إخراج الموتى من قبورهم واقع لا محالة؛ لأنه تعالى قد وعد","vol":"6","page":126},{"text":"بذلك، ولا يخلف الله وعده. وانظر شرح ﴿السّاعَةَ﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنبياء)، وعلاماتها في الآية رقم [٩٦] منها.\nالإعراب: ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ:﴾ (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر، وهذا المصدر معطوف على ما قبله من حيث اللفظ، وليس عطفا في المعنى، بل لا بد من تقدير فعل يتضمنه؛ أي: وليعلموا: أن الساعة آتية، والجار والمجرور الناتجان من: «ليعلموا» معطوفان على قوله:\n ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ وعلى هذا فالمصدر المؤول من: (أن الساعة آتية) في محل نصب سد مسد مفعول الفعل المقدر. وقيل: المصدر المؤول خبر مبتدأ محذوف. والأول أقوى. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيها:﴾\nمتعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ في محل رفع خبر ثان؛ ل: (أنّ)، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿آتِيَةٌ،﴾ وفيها معنى التوكيد. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.\n ﴿يَبْعَثُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْقُبُورِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿يَبْعَثُ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه.\n\n<span id=\"aya-2603\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ:﴾ هذا الكلام تقدم بحروفه في الآية رقم [٣] وليس مكررا بمعناه، وإن تكرر لفظه؛ لأن الآية الأولى واردة في المقلّدين-بكسر اللام- لتقليدهم، واتباعهم للشيطان، وهذه واردة في المقلّدين-بفتح اللام-قال الزمخشري: وهو أوفق وأظهر في المقام. ﴿وَلا هُدىً﴾ أي: لا سند له في جداله، وليس معه بيان من الله، وليس هو على بينة من أمره. ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أي: وليس معه كتاب منزل من الله ينير له طريقه، بل هو يخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء.\nتنبيه: قيل: نزلت الآية في أبي جهل الخبيث، والمعتمد: أنها نزلت في النضر بن الحارث كما في الآية رقم [٣] وخصوص السبب لا يمنع التعميم، ففي كل زمان وفي كل مكان يوجد مجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وما أكثرهم في هذا الزمن، الذي كثر فيه الملحدون، والمجرمون، ومن هذا الصنف من يدعي: أن الإيمان في القلب، وليس في الصوم، والصلاة، ومنهم من يدعي: أنه لا يكذب، ولا يؤذي الناس، وهذا هو الدين عنده، ويهمل ما أوجب الله من فرائض، وواجبات دينية زادهم الله خزيا، وندامة يوم القيامة.","vol":"6","page":127},{"text":"الإعراب: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ..﴾. إلخ: انظر الآية المذكورة ففيها الكفاية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿هُدىً:﴾ معطوف على ﴿عِلْمٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليس عينها. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿كِتابٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُنِيرٍ:﴾ صفة ﴿كِتابٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-2604\"></span>﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾\nالشرح: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: لاو جنبه، وعنقه متبخترا لتكبره، معرضا عمّا يدعى إليه من الحق تكبرا، فهو كقوله تعالى في الآية رقم [٨٣] من سورة (الإسراء): ﴿أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ﴾.\nهذا؛ وقال المبرد: العطف: ما انثنى من العنق. وقال المفضل: والعطف: الجانب، ومنه قولهم: فلان ينظر في أعطافه؛ أي: في جوانبه، وعطفا الرجل: من لدن رأسه إلى وركيه. هذا؛ وكلّ بكسر العين، ويقرأ بفتح العين بمعنى: العطف، والشفقة، فيكون المعنى: مانع تعطفه، وشفقته على غيره. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: ليمنع الناس، ويصدهم عن دين الله، وهو بضم الياء من الرباعي، ويقرأ بفتحها من الثلاثي، فيكون المعنى: إن إعراضه عن الهدى المتمكن منه بالإقبال على الجدال الباطل خروج من الهدى إلى الضلال. هذا؛ ومصدر الثلاثي: الضلال، ومصدر الرباعي: الإضلال.\n ﴿لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أي: عذاب، وهوان، وهو وعد من العلي القدير، وقد حقق الله وعده؛ حيث قتل يوم بدر صبرا. انظر الآية رقم [٣١ و٣٢] من سورة (الأنفال). ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: عذاب النار المحرق، فقد جمع الله عليه خزي الدنيا، وعذاب الآخرة. هذا؛ وانظر شرح (سبيلا) في الآية رقم [٤٣] من سورة (الإسراء) أما «الذوق» فيكون محسوسا، ومعنويا، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه؛ أي: اختبره، وانظر فلانا، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل]\nفذاق، فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز\nوأصله من الذوق بالفم، و(ذوقوا) في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وفي (العذاب) استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.\nأما (يضل) من الثلاثي فأكثر استعماله في القرآن الكريم بمعنى الكفر، والخروج عن جادة الحق والصواب، وهو ضد: اهتدى، واستقام، ويأتي «ضل» بمعنى: غاب، كما في قوله","vol":"6","page":128},{"text":"تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وضل الشيء: ضاع وهلك، وضل: أخطأ، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضل: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لحبيبه محمد ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾.\nالإعراب: ﴿ثانِيَ:﴾ حال من فاعل ﴿يُجادِلُ﴾ المستتر، و﴿ثانِيَ﴾ مضاف، و﴿عِطْفِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُضِلَّ:﴾\nمضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله يعود إلى (من)، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُجادِلُ﴾ أو ب:\n ﴿ثانِيَ﴾. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿خِزْيٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. وأجيز اعتبارها حالا من فاعل ﴿يُجادِلُ﴾ أيضا. ﴿وَنُذِيقُهُ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (نذيقه): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿يَوْمَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله، ويوم مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿عَذابَ﴾ مضاف، و﴿الْحَرِيقِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف لصفته، والجملة الفعلية ﴿وَنُذِيقُهُ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-2605\"></span>﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ:﴾ الإشارة إلى العذاب المذكور في الآية السابقة، أي:\nيقال له يوم القيامة إذا دخل النار: ذلك العذاب بما قدمت يداك من الكفر، والمعاصي. وعبر باليدين عن الجملة؛ لأن سائر الأعمال بهما، ولأن اليد هي التي تفعل، وتبطش للجملة. وفي الكلام التفات من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ:﴾ ليس المراد ب ﴿بِظَلاّمٍ﴾ المبالغة حتى تنتفي المبالغة، ويبقى أصل الظلم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما المراد نفي نسبة الظلم إليه تعالى؛ إذ المعنى: ليس بذي ظلم، وينبغي أن تعلم: أن الآية الكريمة قد ذكرت بحروفها في سورة (آل عمران) برقم [١٨٢]، وفي سورة (الأنفال) برقم [٥١] مع اختلاف المراد في كل سورة، وانظر شرح «اليد» في الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وانظر شرح ﴿عِبادِيَ﴾ في الآية رقم [١٠٥] من سورة (الأنبياء). هذا؛ واسم الإشارة ﴿ذلِكَ﴾ بمعنى: «هذا» ودخلت عليه اللام للتهويل، والتفظيع.","vol":"6","page":129},{"text":"الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له: ﴿بِما:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿يَداكَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء قدمته يداك. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بِظَلاّمٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ظلام): خبر ﴿لَيْسَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿لِلْعَبِيدِ:﴾ متعلقان ب: (ظلام)، وجملة: ﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في محل رفع خبر (أنّ). وأن واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر معطوف على (ما)، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ بِما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والقول المقدر ومقوله كلام مستأنف لا محل له، وإذا قدرت الفعل: «ونقول له» فالجملة الفعلية معطوفة على جملة (نذيقه...) إلخ وبدون تقدير الواو معها فالجملة تكون في محل نصب حال من فاعل (نذيقه).\n\n<span id=\"aya-2606\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١)﴾\nالشرح: قال أبو سعيد الخدري﵁-: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره، وماله، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي ﷺ، فقال: أقلني! فقال: «إن الإسلام لا يقال» فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيرا، ذهب بصري، ومالي، وولدي، فقال: «يا يهوديّ! إن الإسلام يسبك الرجال، كما تسبك النار خبث الحديد، والفضة، والذهب». فأنزل الله هذه الآية.\nوروى إسرائيل عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس﵃ أجمعين-: أنها نزلت في قوم من الأعراب، كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم المدينة، فصح بها جسمه، ونتجت بها فرسه مهرا، وولدت امرأته غلاما، وكثر ماله؛ قال: هذا دين حسن، وقد أصبت فيه خيرا، واطمأن له، وإن أصابه مرض، وولدت امرأته جارية، ولم تلد فرسه، وقل ماله؛ قال: ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرا، فينقلب عن دينه، فذلك هو الفتنة، فأنزل الله هذه الآية. وهذا يعني: أن الآية وما بعدها مدنيات، وانظر ما ذكرته في أول السورة.","vol":"6","page":130},{"text":"ومعنى ﴿عَلى حَرْفٍ:﴾ على شك، وحقيقته: أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه، وحرف كل شيء طرفه، وشفيره، وحده، ومنه: حرف الجبل، والحائط الذي غير مستقر، فقيل للشاك في الدين: إنه يعبد الله على حرف؛ لأنه لم يدخل فيه على الثبات، والتمكن. ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ﴾ أي: صحة في جسمه، وسعة في معيشته. ﴿اِطْمَأَنَّ بِهِ:﴾\nرضي به، وسكن إليه. ﴿وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ:﴾ بلاء في جسمه، وضيق في معيشته. ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ أي: ارتد، ورجع على عقبه إلى ما كان عليه من الكفر. هذا؛ و(أصاب) يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم، يصيب: لم يخطئ هدفه.\nوأصاب الرجل في قوله، أو رأيه: أتى بالصواب. وأصاب فلانا البلاء، يصيبه: وقع عليه.\n ﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ﴾ أي: خسر في الدنيا العزة، والكرامة، ولا يبقى دمه وماله مصونا، وفي الآخرة ماله النار، وبئس القرار. ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أي: الظاهر؛ الذي لا خسران مثله. هذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران في الآخرة: أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأي خسران أعظم من هذا الخسران. وانظر الآية رقم [١٠] من سورة (المؤمنون) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وفي الآية استعارة تمثيلية، وهي أنه نزّل من دخل في الإسلام، من غير اعتقاد، وصحة قصد منزلة الحالّ على طرف شيء في تزلزله، وعدم ثباته، وفي تقريره بيان للمعنى المراد المجازي انتهى... جمل نقلا عن كرخي.\nبعد هذا انظر شرح الدنيا في الآية رقم [٧٢] من سورة (طه)، والمراد ب (الآخرة) الحياة الثانية، التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها. وانظر شرح (العبادة) في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [١] منها.\nأما ﴿الْمُبِينُ﴾ فهو اسم فاعل من أبان الرباعي، أصله: المبين بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من «بان» الثلاثي: «بائن» أصله باين، وإعلاله مثل إعلال:\nقائم في الآية رقم [٢٦] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من الناس): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَعْبُدُ:﴾\nمضارع، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلى حَرْفٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَعْبُدُ﴾ المستتر، أي: متزلزلا، وجملة: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ..﴾. إلخ","vol":"6","page":131},{"text":"مستأنفة لا محل لها، وانظر الآية رقم [٤٥] من سورة (النور) تجد ما يسرك. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء:\nحرف استئناف وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَصابَهُ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿خَيْرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿اِطْمَأَنَّ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿أَصابَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، ومفرع عما قبله لا محل له.\nوإعراب: ﴿وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ﴾ مثلها بلا فارق. ﴿عَلى وَجْهِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خَسِرَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ مفعول به منصوب. ﴿وَالْآخِرَةَ:﴾ معطوف على الدنيا، والجملة الفعلية: ﴿خَسِرَ..﴾. إلخ تحتمل الاستئناف، فلا محل لها، وتحتمل الحالية من فاعل ﴿اِنْقَلَبَ،﴾ ولا حاجة إلى إضمار «قد» على الصحيح، وتحتمل البدلية من قوله ﴿اِنْقَلَبَ،﴾ كما أبدل المضارع من مثله في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ هذا؛ ويقرأ: «(خاسر)» على أنه اسم فاعل، وهو حال من فاعل ﴿اِنْقَلَبَ،﴾ وعليه فهو مضاف، و﴿الدُّنْيا﴾ مضاف إليه، ويكون (الآخرة) معطوفا على ﴿الدُّنْيا﴾ مجرورا مثله. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو بدل من ذلك. ﴿الْخُسْرانُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْمُبِينُ:﴾\nصفته، هذا؛ وإن اعتبرت (هو) مبتدأ، و﴿الْخُسْرانُ﴾ خبره. فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2607\"></span>﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ يعبد من دون الله، وانظر (يدعو) في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء)، وانظر (دون) في الآية رقم [١٤] من سورة (الكهف)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] ﴿ما لا يَضُرُّهُ:﴾ المراد به: الصنم الذي لا يضره إن أعرض عن عبادته، وتقديسه، والذي لا ينفعه بشيء إن أطاعه، وعبده. ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: من الرشد، والحق، والصواب. و﴿الضَّلالُ﴾ مصدر «ضل» الثلاثي: وانظر الآية رقم [٩] فهو مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضلالا، أو هو مجاز عقلي، على حد: جد جده؛ لأن البعيد في الحقيقة إنما هو الضال؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله.\nالإعراب: ﴿يَدْعُوا:﴾ مضارع مرفوع. وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال،","vol":"6","page":132},{"text":"و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يَضُرُّهُ﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وجملة: ﴿يَدْعُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿خَسِرَ﴾ العائد إلى ﴿مِنْ﴾ فتكون حالا متداخلة. ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ:﴾ إعراب هذه الجملة ومحلها مثل إعراب: ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2608\"></span>﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿يَدْعُوا﴾ أي: يعبد ذلك الشخص المذكور في الآية رقم [١١]. ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ:﴾ لقد أثبت الله للصنم في هذه الآية الضر، والنفع، ونفاهما عنه في الآية السابقة، فحصل التعارض، والتناقض، والجواب: أن الصنم لا يضر، ولا ينفع بنفسه، ولكن بسبب عبادته، فنسب الضرر إليه، كما في قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ حيث أضاف إلى الأصنام الإضلال، من حيث إنها سبب الضلال، وحاصله: أن الصنم لا ضرر له، ولا نفع له بنفسه، وله ذلك بسبب معبوديته، أما الضرر؛ فظاهر، وأما النفع؛ فبزعم عابديه، وانظر شرح الآية السابقة.\nهذا؛ والضر-بفتح الضاد-شائع في كل ضرر، ومصيبة، وبضم الضاد خاص بما في النفس كمرض، وهزال. وفي القاموس المحيط: الضر، والضرر: ضد النفع، والشدة، والضيق، وسوء الحال والنقصان يدخل في الشيء، والجمع: أضرار، وانظر ما ذكرته في رقم [٨٣] من سورة (الأنبياء). أما ﴿الْمَوْلى،﴾ فإنه يطلق ويراد به الإله المعبود بحق، كما يطلق على السيد، والعبد، والحليف، والنصير، والصاحب، وابن العم، وانظر شرح (بئس) في الآية رقم [٧٨]. ﴿الْعَشِيرُ:﴾ المصاحب، والمعاشر..\nالإعراب: ﴿يَدْعُوا:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿لَمَنْ﴾ أيضا. ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ..﴾. إلخ: قال أبو البقاء رحمه الله تعالى: هذا موضع اختلفت فيه آراء النحاة، وسبب ذلك: أن اللام تعلق الفعل الذي قبلها عن العمل إذا كان من أفعال القلوب، و(يدعو) ليس منها، وهم في ذلك على طريقين:\nأحدهما: أن يكون ﴿يَدْعُوا﴾ غير عامل فيما بعده، لا لفظا، ولا تقديرا، وفيه على هذا ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون تكريرا ل: ﴿يَدْعُوا﴾ الأولى، فلا يكون له معمول، قال ابن هشام: وهذا خلاف الأصل مرتين؛ إذ الأصل عدم التوكيد، والأصل أن لا يفصل المؤكد من توكيده، ولا سيما في التوكيد اللفظي. الثاني: أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ [الحج: ١٠] بمعنى «الذي»","vol":"6","page":133},{"text":"في موضع نصب. ب: ﴿يَدْعُوا﴾ أي: يدعو الذي هو الضلال. ولكنه قدم المفعول، قال ابن هشام: وهذا الإعراب لا يستقيم عند البصريين؛ لأن (ذا) لا تكون عندهم موصولة إلا إذا وقعت بعد (ما) أو (من) الاستفهاميتين. انتهى. أي وهذا يجيزه الكوفيون. الثالث: أن يكون التقدير: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، فالجملة الفعلية في محل نصب حال، والمعنى: ذلك هو الضلال البعيد مدعوا. وقال أبو البقاء: وفيه ضعف، ولم يضعفه ابن هشام، وعلى هذه الأوجه الكلام بعده مستأنف و(من) مبتدأ، والخبر جملة: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى..﴾. إلخ.\nالطريق الثاني: أن ﴿يَدْعُوا﴾ متصل بما بعده، وفيه على هذا ثلاثة أوجه أيضا: أحدها: أنّ ﴿يَدْعُوا﴾ يشبه أفعال القلوب؛ لأن معناه: يسمي من ضرّه أقرب من نفعه إلها، ولا يصدر ذلك إلا عن اعتقاد، فكأنه قال: يظن. والأحسن أن تقديره: يزعم؛ لأن «يزعم» قول مع اعتقاد، والثاني: أن يكون ﴿يَدْعُوا﴾ بمعنى يقول، و(من) مبتدأ، و(ضره) مبتدأ ثان، و(أقرب) خبره، والجملة الاسمية صلة (من)، وخبر (من) محذوف، تقديره: إله، أو إلهي، وموضع الجملة نصب بالقول، وجاء (يدعو) بمعنى «يقول» في قول عنترة: [الكامل]\nيدعون عنتر والرماح كأنها... أشطان بئر في لبان الأدهم\n ﴿لَبِئْسَ..﴾. إلخ، مستأنف؛ لأنه لا يصح دخوله في الحكاية؛ لأن الكفار لا يقولون عن أصنامهم: لبئس المولى، والوجه الثالث: قول الفراء، وهو أن التقدير: يدعو من لضره، ثم قدم اللام على موضعها. وهذا بعيد؛ لأن ما في صلة «الذي» لا يتقدم عليها. انتهى.\nبتصرف كما رأيت.\nهذا؛ وقيل: إن اللام زائدة، ورده ابن هشام بقوله: وهذا مردود؛ لأن زيادة اللام في غاية الشذوذ، فلا يليق تخريج التنزيل عليه، ونقل الجمل عن السمين قوله: وزيدت اللام فيه، كما زيدت في قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ في أحد القولين. وقرأ عبد الله: «(يدعو من ضره...)» إلخ بغير لام الابتداء، وهي مؤيدة لهذا الوجه. انتهى. هذا؛ وقال القرطبي: وقال الفراء، والكسائي، والزجاج: معنى الكلام القسم، والتأخير، أي: يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه، فاللام مقدمة في غير موضعها، و(من) في موضع نصب ب: ﴿يَدْعُوا،﴾ واللام جواب القسم. وضعف النحاس تأخير اللام، وقال: ليس للام من التصرف ما يوجب أن يكون فيها تقديم، ولا تأخير، وأخيرا استحسن النحّاس اعتبار ﴿يَدْعُوا﴾ بمعنى يقول. انتهى. بتصرف كبير. ﴿لَبِئْسَ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم.\n ﴿الْمَوْلى:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف. والجملة الفعلية لا محل لها على الاعتبارين في اللام، والكلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿يَدْعُوا..﴾. إلخ بدل مما قبلها.","vol":"6","page":134},{"text":"<span id=\"aya-2609\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)﴾\nالشرح: قال القرطبي: لما ذكر الله حال المشركين، وحال المنافقين، والشياطين؛ ذكر حال المؤمنين في الآخرة أيضا. وقال الجمل: وعبارة أبي حيان: لما ذكر تعالى من يعبده على حرف، وسفّه رأيه، وتوعّده بخسرانه في الآخرة، عقّبه بذكر حال مخالفهم من الإيمان، وما وعدهم به من الوعد الحسن، ثم أخذ في توبيخ أولئك الأولين، كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظنوا: أن الله لن ينصر محمدا ﷺ وأتباعه، ونحن أمرناهم بالصبر، وانتظار وعدنا فمن ظن غير ذلك فليمدد... إلخ. الآية الآتية.\nوأنا أقول: لقد اقتضت سنة الله في كتابه، وحكمته، ورحمته ألاّ يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا.\nهذا؛ والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان، ولما سئل الرسول ﷺ عنه قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، هي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله... وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين، بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه. واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على:\nأيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم.\n ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ أي: من إثابة الموحّد الصالح، وعقاب المشرك، لا دافع له، ولا مانع، فالأول بحكم وعده الصدق، وبفضله، والثاني بما سبق من عدله، لا أنّ فعله تعالى معلل بفعل العبيد. هذا؛ والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته، وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، وانظر الآية رقم [١٨].","vol":"6","page":135},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُدْخِلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾\nماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿جَنّاتٍ:﴾\nمفعول به ثان ليدخل، ويقال فيه مثل ما قيل في قوله تعالى: ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الإسراء). ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ،﴾ وجملة: ﴿يُدْخِلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَفْعَلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي، أو شيئا يريده، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، وفيها معنى التوكيد للجملة قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2610\"></span>﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥)﴾\nالشرح: في مرجع الضمير المنصوب اختلاف، فقيل: المراد به النبي ﷺ، وإن لم يجر له ذكر، والمعنى عليه: من كان يظن ممّن يعادي محمدا ﷺ، ومن يعبد الله على حرف: أنا لا ننصره؛ فليفعل كذا، وكذا. ونصره في الدنيا بإعلاء كلمته، وإظهار دينه. وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه بعذاب النار. وقيل: الضمير يعود إلى الدين، والمعنى لا يختلف عن الأول، وقيل: يعود الضمير إلى ﴿مَنْ﴾ ومعنى النصر: الرزق، وعليه فالمعنى: من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، فليبلغ غاية الجزع، وهو الاختناق، فإن ذلك لا يجعله مرزوقا. تقول العرب: من نصرني؛ نصره الله، أي من أعطاني؛ أعطاه الله.\nهذا؛ وأرى: أن الآية تشمل كل من لم يرض بقضاء الله وقدره، ويتبرم بما يصيبه في هذه الدنيا من متاعب، ومصائب في جسمه، أو ولده، أو ماله. فإذا لم يرض بذلك فليفعل ما أرشده إليه ربه في هذه الآية من الانتحار بأيّ سبب من الأسباب؛ ليرى هل ينفعه ذلك شيئا، أو يخلصه من متاعبه، ومصائبه؟! وخصوص السبب لا يمنع التعميم، كما بينته كثيرا فما مضى.","vol":"6","page":136},{"text":"﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ:﴾ بحبل. والسبب: ما يتوصل به إلى الشيء، وجمعه: أسباب. وأسباب السموات: طرقها، ونواحيها، قال تعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ هذا؛ والمراد بالسماء: سقف البيت، والمعنى: فليمدد إلى سقف بيته، ثم ليختنق؛ حتى يموت. ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ:﴾ والمعنى: فليفعل كل ما يستطيع من الكيد، وليصور في نفسه: أنه فعل ذلك؛ هل يذهب عنه الذي يغيظه؟ وسمي فعله كيدا على سبيل الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به غيره، وإنما كاد به نفسه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يَظُنُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿كانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال.\n ﴿يَنْصُرَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والهاء مفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿كانَ،﴾ و﴿كانَ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَظُنُّ،﴾ وجملة: ﴿يَظُنُّ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (الآخرة): معطوف على ﴿الدُّنْيا﴾. ﴿فَلْيَمْدُدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (ليمدد): مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِسَبَبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلَى السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (سبب)، وجملة: ﴿فَلْيَمْدُدْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: هو جملة جواب الشرط، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مَنْ﴾ موصولة مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والخبر جملة: ﴿فَلْيَمْدُدْ..﴾. إلخ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وهو ضعيف؛ لأن الجملة الإنشائية لا يجيز كثير من النحاة وقوعها خبرا، كما ذكرته فيما مضى، وانظر الآية رقم [٢] من سورة (النور).\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لْيَقْطَعْ:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والمفعول محذوف، التقدير: ليقطع السبب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة:\n ﴿فَلْيَنْظُرْ..﴾. إلخ معطوفة عليها أيضا. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿يُذْهِبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهي حرف لا محل له. ﴿كَيْدُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَغِيظُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، التقدير: الذي، أو: شيئا يغيظه، هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر، التقدير: هل يذهبن كيده غيظه، وجملة: ﴿هَلْ..﴾.\nإلخ في محل نصب سدت مسد مفعول (ينظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام.","vol":"6","page":137},{"text":"<span id=\"aya-2611\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ المعنى: أنزلنا القرآن على محمد ﷺ إنزالا كائنا مثل إنزال الكتب السابقة على الرسل السابقين قبله. وقيل: المعنى: أنزلنا القرآن الباقي. ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ واضحات ظاهرات الدلالة. ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ:﴾ له الهداية، والتوفيق للإيمان، أو من يريد ثباته على الإيمان. وانظر شرح (أنزل) و(نزل) في الآية رقم [٢] من سورة (طه) وشرح (آية) في الآية رقم [٥] من سورة (الأنبياء) وانظر شرح الإرادة في الآية رقم [١٤] وشرح ﴿يُرِيدُ﴾ في الآية رقم [١٨] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، عامله ما بعده. انظر الشرح. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿آياتٍ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وهي حال موطئة؛ لأن المقصود الصفة، وهي ﴿بَيِّناتٍ،﴾ وكلتاهما منصوب، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالما. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَهْدِي:﴾ مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يهدي الذي، أو:\nشخصا يريده، وجملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على الضمير المنصوب، التقدير: وأنزلنا: أن الله يهدي... إلخ، وأجيز أن يكون المصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: والأمر: أن الله، وهذا يعني: أن الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال، كما أجيز اعتبار المصدر مجرورا بحرف جر محذوف، التقدير: ولأن الله... إلخ، والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. تأمّل.\n<span id=\"aya-2612\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله تعالى ربا، وبالقرآن إماما، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وشفيعا. ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود سموا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من:\nهاد بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أو سموا بذلك نسبة إلى يهوذا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. (الصابئين): جمع: صابئ، قيل: إنهم من اليهود، وقيل: إنّهم من النصارى، ولكنهم عبدوا الملائكة، وقيل: عبدوا الكواكب، والصابئ: هو التارك","vol":"6","page":138},{"text":"لدينه، من: صبأ يصبأ، صبأة، وقد كان كفار قريش، يقولون لمن يسلم منهم: صبأ. (النصارى):\nجمع: نصراني، سموا بذلك؛ لأنهم نصروا عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. أو لأنهم كانوا معه في قرية، يقال لها: نصران، أو ناصرة، فسموا باسمها، أو باسم من أسسها، قال سيبويه-رحمه الله تعالى-: لا يستعمل نصراني في الكلام إلا مع ياء النسب.\n (المجوس): هم عبدة النار، القائلين: إن للعالم أصلين: نور، وظلمة. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ هم العرب عبدة الأوثان. قيل: الأديان ستة، واحد لله، وهو الإسلام، وخمسة للشيطان، وهي ما عدا الإسلام. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: بالحكومة بينهم، وإظهار المحق منهم من المبطل، أو الجزاء، فيجازي كلاّ ما يليق به، ويدخله المحلّ المعدّ له، وقيل: يفصل بينهم في الأحوال، والأماكن جميعا، فلا يجازيهم جزاء واحدا بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد، وانظر الآية رقم [١٩] الآتية.\n ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ:﴾ عالم حاضر، فلا يعزب عنه شيء من أعمال خلقه، وحركاتهم، وأقوالهم. هذا؛ وانظر شرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿الْقِيامَةِ﴾ في الآية رقم [٤٧] منها، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض مبني على الضم لا تصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [٢٧] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، ﴿وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿وَالصّابِئِينَ:﴾ معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. ﴿وَالنَّصارى:﴾ معطوف أيضا على اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ معطوفان على اسم ﴿إِنَّ﴾ أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَفْصِلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَفْصِلُ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى، قال الزمخشري: وأدخلت ﴿إِنَّ﴾ على كل واحد من جز أي الجملة لزيادة التوكيد، ونحوه قال جرير من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن الوليد، بن عبد الملك: [البسيط]\nإنّ الخليفة إنّ الله سربله... سربال عزّ به ترجى الخواتيم\nقال الجمل: وحسن دخول ﴿إِنَّ﴾ في الخبر، وإن كان جملة واقعة خبرا عن ﴿إِنَّ﴾ طول الفصل بينهما بالمعاطيف. وقال أبو البقاء: وقيل: الخبر محذوف، تقديره: مفترقون يوم","vol":"6","page":139},{"text":"القيامة، أو نحو ذلك، والمذكور تفسير له. انتهى. والمعتمد الأول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ﴾ بعدهما و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبارها خبرا ل: ﴿إِنَّ﴾ الأولى، والجملة الثانية توكيدا للأولى. والمعتمد الأول.\n\n<span id=\"aya-2613\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: ألم تعلم. وقال القرطبي: أي: ألم تر بقلبك، وعقلك. ﴿أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ ﴿مَنْ﴾ في الأصل للعاقل، واستعملت هنا للعاقل، وغيره تغليبا. ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ..﴾. إلخ: قيل: السجود في هذه الآية تحول ظلال هذه الأشياء، فتكون كآية (الرعد) رقم [١٥]، وآية (النحل) رقم [٤٨] وقيل: ما في السماء نجم، ولا شمس، ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه. وقيل: معنى سجودها: الطاعة، والانقياد، فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله تعالى، خاشع، ومسبح له، كما وصفهم بالخشية، والتسبيح، كما رأيت في الآية رقم [٤٤] من سورة (الإسراء)، وهذا مذهب أهل السنة، وهو: أن الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي خلقها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة؛ أشبهت بمطاوعتها أفعال المكلف، وهو السجود الذي كل خضوع دونه، وأفرد الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب بالذكر لشهرتها، واستبعاد السجود منها.\n ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ أي: ويسجد له كثير من الناس سجود عبادة، وطاعة، وتخصيص (كثير من الناس) بالذكر مع كونه من جملة الموجودات في الأرض ليذكر بعده: أن كثيرا من الناس لا يعبدون الله، ولا يطيعونه، وهم الذين استحقوا العذاب، وهو قوله جل شأنه: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾. ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ أي: من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه، وهذا يعود إلى تقدير العزيز العليم في الأزل على من كتب له الشقاوة، وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد) فالبحث فيها جيد. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي: يكرم بالسعادة من يشاء، ويهين بالشقاوة من يشاء، فلا اعتراض عليه ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ هذا؛ وهذه الآية يسن السجود عند تلاوتها للقارئ، والمستمع، والسامع. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٧] من سورة (مريم)، والآية رقم [٥٠] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر ما ذكرته برقم [٧٧] الآتية.","vol":"6","page":140},{"text":"بعد هذا انظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [١] منها، أما (الدواب) فهو جمع: دابة، وهي تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان. هذا؛ و﴿يَشاءُ﴾ ماضيه: شاء، فلم يرد له أمر، ولا ل: «أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل (شاء): شيء على فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول (أراد) حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» وليس كذلك.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿يَسْجُدُ:﴾ مضارع. ﴿اللهَ:﴾ متعلقان به. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل: ﴿يَسْجُدُ﴾. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿مَنْ﴾ الأولى، وجملة: ﴿يَسْجُدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي الفعل ﴿تَرَ،﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَكَثِيرٌ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مرفوع بفعل محذوف، تقديره: ويسجد له كثير من الناس.\nالثاني: أنه معطوف على ما قبله، وفي ذلك ثلاث تأويلات: أحدها: أن المراد بالسجود: القدر المشترك بين الكل العقلاء وغيرهم، وهو الخضوع، والطواعية، وهو من الاشتراك المعنوي، والتأويل. الثاني: أنه مشترك اشتراكا لفظيا، ويجوز استعمال المشترك في معنييه. والتأويل الثالث:\nأن السجود المسند للعقلاء حقيقة، ولغيرهم مجاز، ويجوز الجمع بين الحقيقة، والمجاز.\nالثالث من الأوجه المتقدمة: أن يكون (كثير) مرفوعا بالابتداء، وخبره محذوف، تقديره:\nمثابون، أو: مطيعون، ونحو ذلك. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان ب: (كثير) أو بمحذوف صفة له.\n ﴿وَكَثِيرٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كثير): مبتدأ، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: وكثير منهم. ﴿حَقَّ:﴾ ماض. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقيل: إن (كثير) معطوف على ﴿مَنْ،﴾ وجاز ذلك؛ لأن السجود هو التذلل، والانقياد،","vol":"6","page":141},{"text":"فالكفار الذين حق عليهم العذاب أذلاء تحت قدر الله، وتدبيره، فهم منقادون لما سبق فيهم من علم الله، لا يخرجون عما سبق في علم الله تعالى فيهم. انتهى. مكي. والمعتمد الأول. تأمل.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه، أو هو مبتدأ. ﴿يُهِنِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على اعتبار (من) مفعولا مقدما. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿اللهَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مُكْرِمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر (من) على اعتباره مبتدأ مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]، وعلى الاعتبارين في (من) فالجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَفْعَلُ﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله.\n ﴿فَما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي، أو:\nشيئا يشاؤه، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنَّ..﴾.\nإلخ تعليل للكلام قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2614\"></span><span id=\"aya-2615\"></span>﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾\nالشرح: لقد ذكر في سبب نزول هذه الآيات ثلاثة أقوال:\nالأول: أنها في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، ﵃، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، لعنهم الله، وأخزاهم، قال محمد بن إسحاق:\nخرج يوم بدر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم فئة من الأنصار ثلاثة: عوف، ومعوذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالوا:\nمن أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: أكفاء كرام، ثم نادى مناديهم: يا محمد! أخرج لنا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ: «قم يا عبيدة بن الحارث، ويا حمزة بن عبد المطلب، ويا علي بن أبي طالب» فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فذكروا أنفسهم، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة، وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وعليّ الوليد، واختلف عبيدة، وعتبة بينهما ضربتان، كلاهما أثخن صاحبه،","vol":"6","page":142},{"text":"فكر حمزة، وعلي بأسيافهما على عتبة، فذفّفا عليه، واحتملا عبيدة إلى أصحابه، وقد قطعت رجله، ومخها يسيل، فلما أتوا به رسول الله ﷺ قال: ألست شهيدا يا رسول الله! قال: «بلى!»، فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيّا لعلم: أنّا أحق بما قال منه، حيث يقول: [الطويل]\nونسلمه حتّى نصرّع حوله... ونذهل عن أبنائنا والحلائل\nوقال ابن عباس﵄-: نزلت الآيات في المسلمين، وأهل الكتاب، قال أهل الكتاب، أي: اليهود: نحن أولى بالله، وأقدم كتابا منكم، ونبيّنا قبل نبيكم. وقال المسلمون:\nنحن أحقّ بالله، آمنّا بنبينا محمد ﷺ، ونبيّكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا، وكتابنا؛ وقد كفرتم حسدا، وبغضا. فهذه هي خصومتهم.\nوقال عكرمة: المراد بالخصمين: الجنة، والنار، فقد اختصمتا، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني لرحمته. فعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ قال: «احتجّت الجنة، والنار، فقالت النار: فيّ الجبّارون، والمتكبّرون. وقالت الجنّة: فيّ ضعفاء المسلمين، ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنك الجنّة رحمتي، أرحم بك من أشاء، وإنّك النّار عذابي، أعذّب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها». رواه مسلم، وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ رواها البخاري، ومسلم: «فأمّا النار فلا تمتلئ حتّى يضع الله ﵎ رجله فتقول: قط، قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم ربّك أحدا من خلقه. وأمّا الجنة فإنّ الله تعالى ينشئ لها خلقا».\nوقيل: هم المؤمنون، والكافرون من أيّ ملة كانوا، فالمؤمنون خصم، والكفار خصم.\nوالمعتمد من هذه الأقوال هو القول الأول، فقد روي عن علي﵁أنه قال: إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى، يريد قصته في مبارزته، هو وصاحباه. ذكره البخاري.\nبعد هذا ف: ﴿خَصْمانِ﴾ تثنية خصم، وهو هنا بمعنى فريق، أو فوج، على حد قوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا؛﴾ ولذا جمع في قوله تعالى: ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ومعنى ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته. ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ -وهو فصل الخصومة المعني بقوله تعالى في الآية رقم [١٧]: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ - ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ:﴾ قال سعيد بن جبير﵁-: ثياب من نحاس مذاب، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه، وسمي باسم الثياب؛ لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب، وهي السرابيل المذكورة في الآية رقم [٥٠] من سورة (إبراهيم) ﵇. هذا؛ وقيل: في الكلام استعارة تمثيلية، وليس بشيء؛ لأنه حقيقة، كما رأيت من قول سعيد بن جبير.","vol":"6","page":143},{"text":"﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ أي: الماء الحار الذي انتهت حرارته. ﴿يُصْهَرُ بِهِ:﴾\nيذاب بالحميم، والصهر: إذابة الشحم، وغيره من المعادن على اختلاف أنواعها، ولا سيما في هذا العصر، قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة: [الرجز]\nتروي لقى ألقي في صفصف... تصهره الشمس فما ينصهر\nأي: تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك، واللقى: الشيء الملقى لهوانه، والصفصف:\nالمستوي من الأرض. فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ الحميم ليصبّ على رؤوسهم، فينفذ حتّى يخلص إلى جوف أحدهم، فيسلت ما في جوفه حتّى يمرق من قدميه، وهو الصّهر، ثمّ يعاد كما كان». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. ولا تنس: قوله في سورة (محمد) ﷺ: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾. ﴿وَالْجُلُودُ﴾ أي: تحرق الجلود، أو تشوى الجلود، فإن الجلود لا تذاب، ولكن يضم في كل شيء ما يليق به، فهو كما تقول: أتيته فأطعمني ثريدا، أي والله ولبنا قارصا، قال الشاعر: [الرجز]\nعلفتها تبنا وماء باردا... حتّى غدت همّالة عيناها\nولنا كلام طويل في تفسير قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ إن شاء الله تعالى. وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (الفرقان)، ففيها بحث جيد. بعد هذا انظر شرح: ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء)، وشرح (الكفر) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح (النار) في الآية رقم [١٠] من سورة (طه). أما ﴿ثِيابٌ﴾ فهو جمع:\nثوب، والقياس: ثواب، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. انظر إعلال الصيام في الآية رقم [١٨٣] من سورة (البقرة)، فالبحث فيها جيد.\nالإعراب: ﴿هذانِ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وبعضهم يقول: مبني على الألف يعتبره مبنيا كباقي أسماء الإشارة، والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿خَصْمانِ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿اِخْتَصَمُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ومن إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في محل رفع صفة ﴿خَصْمانِ﴾ على المعنى كقوله تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا،﴾ وقال الجمل: حالية، ولا أراه وجيها؛ لأن خصمان نكرة، إلا إذا كان يريد من الضمير المستتر في خصمان على تأويله بفرق ونحوه، وأجيز اعتبارها خبرا، وخصمان بدلا من ﴿هذانِ﴾ والمعتمد الأول. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف.\n (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق","vol":"6","page":144},{"text":"المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قُطِّعَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿ثِيابٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مِنْ نارٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثياب، وجملة: ﴿قُطِّعَتْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿فَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة كالجملة الاسمية قبلها لا محل لهما. هذا؛ وعلى اعتبار الجملة الاسمية: ﴿فَالَّذِينَ..﴾. إلخ تفصيلا، وبيانا لفصل الخصومة في الآية رقم [١٧] فيكون ما بينهما كلاما معترضا، تأمل. ﴿يُصَبُّ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿مِنْ فَوْقِ:﴾ متعلقان به، و﴿فَوْقِ﴾ مضاف، و﴿رُؤُسِهِمُ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَمِيمُ:﴾ نائب فاعل ﴿يُصَبُّ،﴾ والجملة الفعلية هذه تحتمل أن تكون خبرا ثانيا للموصول، وأن تكون حالا من الضمير في ﴿لَهُمْ،﴾ وأن تكون مستأنفة لا محل لها. ﴿يُصْهَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول.\n ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿فِي بُطُونِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿ما﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُصْهَرُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الْحَمِيمُ،﴾ والرابط: الضمير المجرور بالباء. ﴿وَالْجُلُودُ:﴾ معطوف على ﴿ما﴾ الواقعة نائب فاعل، هذا؛ وقيل: هو نائب فاعل لفعل محذوف، التقدير: وتحرق الجلود، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُصْهَرُ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-2616\"></span><span id=\"aya-2617\"></span>﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ أي: للذين كفروا. و﴿مَقامِعُ﴾ جمع: مقمعة بكسر الميم؛ لأنها آلة القمع، يقال: قمعه، يقمعه من باب: قطع: إذا ضربه بشيء يزجره به، ويذله، والمقمعة:\nالمطرقة، وقيل: السوط، وفي الخبر: «لو وقع مقمع من حديد في الأرض، ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلّوه من الأرض». ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها﴾ أي: من النار. ﴿مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ أي:\nردوا إليها بالمقامع. قيل: إن جهنم لتجيش بهم، فتلقيهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فتضربهم الزبانية بمقامع الحديد، فيهوون فيها سبعين خريفا، وقيل: إذا اشتد غمهم فيها؛ فروا، فمن خلص منهم إلى شفيرها؛ أعادتهم الملائكة فيها بالمقامع، ويقولون لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: المحرق، مثل: الأليم، والوجيع. بعد هذا انظر (نذيقه) والاستعارة فيه في الآية رقم [٩]، وشرح ﴿عَذابَ﴾ في الآية رقم [٤٦] من سورة (الأنبياء). هذا؛ والتعبير بالأفعال الماضية عن شيء مستقبل إنما هو لتحقق وقوعه، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة.\nالإعراب: ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مَقامِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ حَدِيدٍ:﴾ متعلقان بمحذوف","vol":"6","page":145},{"text":"صفة ﴿مَقامِعُ﴾. ﴿كُلَّما﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿أَرادُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و(ما) والفعل (أراد) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت إرادة، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَخْرُجُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ غَمٍّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما بدل من ﴿مِنْها﴾ بدل الاشتمال، و﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿أُعِيدُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (ذوقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْحَرِيقِ﴾ مضاف إليه من إضافة الموصوف لصفته، وجملة: (ذوقوا...) إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقيل لهم: ذوقوا... إلخ، وهذه الجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، ويدل على هذا المحذوف التصريح به في سورة (السجدة) آية رقم [٢٠].\n\n<span id=\"aya-2618\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ﴾ ... ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ انظر شرح هذا الكلام وما يتعلق به في الآية رقم [١٤] وأضيف هنا: أنه يشمل العاملين الصالحين من الذكور، والإناث، وأن الله تعالى لما ذكر حال الخصم الكافر في الآيات السابقة؛ ذكر حال المؤمن في هذه الآية.\n ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا:﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٣١] من سورة (الكهف). هذا؛ ويقرأ بجر (لؤلؤ) ونصبه، ويقرأ بهمز ودونه، وبقلب الهمزتين ياء، وغير ذلك. ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ أي: وجميع ما يلبسونه من فرشهم، ولباسهم، وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير.\nهذا؛ وروى النسائي عن أبي هريرة﵁أن النبي ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدّنيا؛ لم يلبسه في الآخرة. ومن شرب الخمر في الدّنيا؛ لم يشربه في الآخرة. ومن شرب في آنية الذّهب والفضّة في الدّنيا؛ لم يشرب فيها في الآخرة». ثم قال ﷺ: «لباس أهل الجنّة، وشراب أهل الجنّة، وآنية أهل الجنّة». وانظر «السندس والإستبرق» في الآية رقم [٣١] من سورة (الكهف).","vol":"6","page":146},{"text":"هذا؛ وقد غير ﷾ الأسلوب؛ حيث لم يقل: (ويلبسون حريرا) للمحافظة على الفواصل، على رؤوس الآي، وللدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة، فإن العدول إلى الجملة الاسمية يدل على الثبوت، والدوام بخلاف الجملة الفعلية، فإنها تدل على التجدد، كما هو مقرر في علم المعاني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ انظر إعراب هذا الكلام إفرادا وجملا في الآية رقم [١٤]. ﴿يُحَلَّوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله وهو المفعول الأول. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَساوِرَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به ثان، أي: شيئا كائنا من أساور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب، فيكون ﴿أَساوِرَ﴾ مفعولا ثانيا، مجرورا لفظا، منصوبا محلا. ﴿مِنْ ذَهَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَساوِرَ﴾. ﴿وَلُؤْلُؤًا:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ويؤتون لؤلؤا، أو هو معطوف على محل ﴿مِنْ أَساوِرَ؛﴾ لأنه يقدر: ويحلون شيئا كائنا من أساور، ولؤلؤا. هذا؛ وعلى قراءته بالجر، فهو معطوف على ﴿ذَهَبٍ،﴾ فيكون المراد أساور من ذهب مرصعة باللؤلؤ. وجملة: ﴿يُحَلَّوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلِباسُهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لباسهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالمصدر. ﴿حَرِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، فتكون في محل نصب حال مثلها، وهو قوي معنى، وسبكا.\n\n<span id=\"aya-2619\"></span>﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ:﴾ قال ابن عباس﵄وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل: هو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر. ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: إلى دين الله، وهو الإسلام، والحميد هو الله المحمود في أفعاله، والمحمود في كل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال. هذا؛ وقيل: الأول في الآخرة حيث يلهمهم الله أن يقولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ..﴾. إلخ، وأن يقولوا: (الحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن) والثاني في الآخرة أيضا، والمراد به طريق الجنة المحمود عاقبته. هذا؛ ومعنى (هدوا) أرشدوا، أو: وفّقوا.\nالإعراب: ﴿وَهُدُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (هدوا): ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الطَّيِّبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة","vol":"6","page":147},{"text":"الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنَ الْقَوْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الطَّيِّبِ﴾ وقيل: من الضمير المستتر، والجملة الثانية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2620\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ:﴾ قال القرطبي: أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام عام الحديبية، وذلك: أنه لم يعلم لهم صدّ قبل ذلك الجمع، إلا أن يريد صدّهم لأفراد من الناس، فقد وقع ذلك في صدر المبعث، هذا؛ والمراد ب: (المسجد الحرام) نفسه، وهو ظاهر القرآن. وقيل: بل المراد الحرم كله، والأول هو المعتمد، هذا؛ ووصف المسجد بالحرام تنويها بشأنه، ورفعة لقدره، وتعظيما لحرمته، ومعنى (الحرام): المحرم فيه اللغو، والرفث، والإيذاء، وكل فعل قبيح، وعمل فاحش، وإن كان في غيره حراما، فهو أشد فيه حرمة، وكذلك محرم على الكفار، فلا يجوز أن يدخله كافر أبدا.\nوانظر شرح (الحرام) في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنبياء)، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ أي: قبلة لصلاتهم، ومنسكا، ومتعبدا. ﴿سَواءً الْعاكِفُ﴾ أي: المقيم فيه، وقال بعضهم: يدخل فيه الغريب إذا جاور، وأقام به، ولزم التعبد فيه. ﴿وَالْبادِ﴾ أي: من يقدم عليه من خارج مكة، واختلف الفقهاء والمحدثون في هذه التسوية بين المقيم، والقادم.\nفقيل: التسوية في تعظيم الكعبة، وفي فضل الصلاة فيه، والطواف به، فعن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ، قال: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، وصلّى أيّة ساعة شاء من ليل، أو نهار». أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي.\nوقيل: المراد: جميع الحرم، ومعنى التسوية: أن المقيم، والبادي سواء في النزول به، وليس أحدهما أحق بالمنزل من الآخر؛ غير أنه لا يزعج أحد أحدا إذا كان قد سبق إلى منزله، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد. قالوا: هما سواء في البيوت، والمنازل، قال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا، لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم، وكان عمر بن الخطاب﵁ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم.\nفعلى هذا القول، لا يجوز بيع دور مكة، وإجارتها. قالوا: إن أرض مكة لا تملك؛ لأنها لو ملكت لم يستو فيها العاكف والبادي، فلما استويا؛ ثبت: أن سبيلها سبيل المساجد، وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وعلى القول الأول، وهو الأقرب إلى الصواب، ولا سيما في","vol":"6","page":148},{"text":"هذا العصر، الذي يبلغ فيه عدد الحجاج كل عام مئات الألوف، وقد تطورت فيه الأوضاع الاجتماعية والسياسية، والعمرانية: أنه يجوز بيع دور مكة، وإجارتها، وهو قول طاووس، وعمرو بن دينار، وإليه ذهب الشافعي، رحمه الله تعالى، وقد احتج في ذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ فقد أضاف الديار إلى مالكيها، وقال النبي ﷺ يوم فتح مكة: «من أغلق بابه، فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن». فنسب الديار إليهم نسبة ملك، واشترى عمر بن الخطاب﵁دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجنا، فدلت هذه النصوص على جواز بيعها.\n ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ أي: في المسجد الحرام. ﴿بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ:﴾ الإلحاد: الميل، والعدول عن القصد. قيل: المراد فيه هنا: الشرك، وعبادة غير الله تعالى. وقيل: هو كل شيء كان منهيا عنه من قول، أو فعل؛ حتى شتم الخادم، وهو المعتمد، وقيل: هو دخول الحرم بغير إحرام، أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم، من قتل صيد، وقطع شجر. والمعتمد ما ذكرته. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ:﴾ انظر الاستعارة في الآية رقم [٩].\nهذا؛ و(يصدون) بمعنى: يمنعون، ويصرفون، وهو بضم الصاد. هذا؛ ويأتي بمعنى:\nيعرضون، ويميلون، كما في قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ويأتي بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ومصدر الأولين: صد، وصدود، ومصدر الأخير: صديد.\nأما ﴿سَواءً﴾ فهو مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد في كثير من الآيات. وقيل: هو بمعنى مستو. وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هم، وهما سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى؛ قالوا: سيان، وإن شئت قلت: سواآن، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون، هذا؛ والسّواء أيضا: العدل، والوسط، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وانظر الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. (يصدون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَيَصُدُّونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، على تأويل الفعل بالماضي، أي:\nوصدوا، أو على تأويل الأول بالمضارع، أي: يكفرون، ويصدون، وقيل: جملة:\n (يصدون...) إلخ في محل نصب حال، وهذا لا يسوغ إلا على تقدير مبتدأ، أي: وهم","vol":"6","page":149},{"text":"يصدون؛ لأن الجملة المضارعية الواقعة حالا لا تقترن بالواو، وعلى هذه الاعتبارات؛ فخبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، يقدر بعد ﴿وَالْبادِ﴾ معذبون. هذا؛ وقيل: الواو زائدة، والجملة الفعلية خبر ﴿إِنَّ﴾ وهو أقوى معنى مما تقدم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَالْمَسْجِدِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة (المسجد). ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة أو بدل من (المسجد). ﴿جَعَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول. هذا؛ وأجيز اعتبار الموصول مفعولا به لفعل محذوف، تقديره: أعني الذي، واعتباره خبر مبتدأ محذوف. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ﴿سَواءً:﴾ بالنصب حال من الضمير المنصوب، أو هو مفعول به ثان. ﴿الْعاكِفُ:﴾ فاعل بسواء، ويقرأ بالجر على أنه بدل من الناس. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالعاكف. ﴿وَالْبادِ:﴾ معطوف على ﴿الْعاكِفُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، وقرئ بإثباتها، هذا؛ ويقرأ برفع سواء على أنه خبر مقدم، و﴿الْعاكِفُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿يُرِدْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ:﴾ قال البيضاوي: حالان مترادفان، أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار وصلة له، أي: ملحدا بسبب الظلم، وهذا يعني: أن الحال من فاعل ﴿يُرِدْ﴾ المستتر، هذا؛ والمعتمد: أن الباء زائدة، و(إلحاد) مفعول به مجرور لفظا، منصوب محلا، و﴿بِظُلْمٍ﴾ متعلقان بمحذوف صفة له.\n ﴿نُذِقْهُ﴾ جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن». والهاء مفعول به. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة ﴿عَذابٍ،﴾ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥] والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2621\"></span>﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ:﴾ يقال: بوأته منزلا، وبوأت له، كما يقال:\nمكنتك ومكنت لك، والمبوأ: المنزل الملزوم، ومنه بوأه الله منزلا، أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة، ﵁. هذا؛ وقيل: المعنى: أرينا إبراهيم مكان البيت ليبنيه، وكان قد درس بالطوفان،","vol":"6","page":150},{"text":"وغيره، فلما جاءت مدة إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام-أمره الله ببنيانه، فجاء إلى موضعه، وجعل يطلب أثرا، فبعث الله ريحا، فكشفت عن أساس آدم على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، فرتب قواعده كما رأيت في الآية رقم [١٢٧] من سورة (البقرة).\n ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا:﴾ الخطاب لإبراهيم ﵇، وهذا على سبيل الفرض والتقدير، فحاشاه من الشرك. هذا؛ ويقرأ: «(أن لا يشرك بي شيئا)»: وانظر الإعراب فإنه يوضح المعنى.\n ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ أي: من الشرك، والأوثان، والأقذار. ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ أي: الذين يطوفون بالبيت. ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ أي: المقيمين فيه. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: المصلين، جمع: راكع، وساجد. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن إبراهيم ﵇ قد أمر ببناء البيت بعد أن أسكن ولده إسماعيل وأمه هاجر في مكة بسنوات، وهي يومئذ أرض، لا ماء فيها، ولا أنيس، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] من السورة المسماة باسمه، فبعد أن شب إسماعيل، وترعوع ذهب أبوه إلى مكة، وأخبره: أن الله أمره ببناء الكعبة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٧] وما قبلها وما بعدها من سورة (البقرة).\nهذا؛ وقد سها القرطبي-رحمه الله تعالى-حيث قال: وقيل: عنى به التطهير من الأوثان، كما قال تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم ﵇. انتهى. فهل كان يوجد في مكة ناس قبل سكنى إسماعيل، وأمه؟! وهل كان يوجد ماء فيها؟! وهل سكنت قبيلة جرهم في مكة قبل سكنى إسماعيل وأمه؟!\nبعد هذا انظر عمر إبراهيم، وانظر أولاده، وأحفاده في الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇، وانظر شرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية [٣٠] من سورة (الأنبياء). أما القائمين فهو جمع: قائم، فهو اسم فاعل من: قام، يقوم، وأصله قاوم، فقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة، لكونها حاجزا غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، ومثله قل: في: بائع، فإن أصله: بايع.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر.\n ﴿بَوَّأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِإِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أكثر المعربين: اللام:\nحرف جر صلة، و(إبراهيم) مفعول به مجرور لفظا منصوب محلا، وهذا يعود إلى معنى (بوأنا) فمن قال: معناه: أرينا إبراهيم؛ فهو مفعول به، ومن قال: معناه: بينا؛ فاللام غير زائدة.\n ﴿مَكانَ:﴾ مفعول به ثان على اعتبار اللام زائدة، ومفعول به على اعتبار اللام غير زائدة.\nوقيل: هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والمعتمد الأول بدليل قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾","vol":"6","page":151},{"text":"﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾. و﴿مَكانَ﴾ مضاف، و﴿الْبَيْتِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿بَوَّأْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: «اذكر إذ...» إلخ المقدرة مستأنفة لا محل لها.\n ﴿مَكانَ:﴾ قيل: مفسرة على تقدير فعل: وأمرناه، وقيل: هي زائدة على تقدير فعل. وقلنا له:\n ﴿لا تُشْرِكْ﴾. وقيل: هي مصدرية على تقدير: فعلنا ذلك لئلا تشرك بعبادتي... إلخ. واعتبرها أبو حيان، وابن عطية مخففة من الثقيلة، وهو ضعيف كما ترى؛ لأنها لم يسبقها فعل من أفعال القلوب، ونحوها. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تُشْرِكْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية:\n ﴿لا تُشْرِكْ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار ﴿مَكانَ﴾ تفسيرية، وفي محل نصب مقول القول لقول محذوف على اعتبارها زائدة، وتؤول مع ﴿مَكانَ﴾ بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، على اعتبارها مصدرية، ويقويه قراءة: «(أن لا يشرك)» بالياء؛ إذ التقدير: لئلا يشرك. (طهر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْتِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلطّائِفِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْقائِمِينَ:﴾ معطوف على ما قبله. وأيضا ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ معطوف أيضا، وهما صفتان لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: الرجال الركع السجود، وجملة: ﴿وَطَهِّرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها.\n\n<span id=\"aya-2622\"></span>﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ:﴾ هذا الخطاب لإبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فإنه لما فرغ من بناء الكعبة بمعاونة ابنه إسماعيل، ﵇، كما رأيت فيما سبق؛ أمره ربه بأن ينادي في الناس، فقال: وما يبلغ صوتي؟ فقال الله له: عليك الأذان، وعلي الإبلاغ، فصعد جبل أبي قبيس، حتى صار كأطول الجبال، فأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يمينا وشمالا، وشرقا وغربا، وقال: يا أيها الناس! ألا إن ربكم قد بنى بيتا، وكتب عليكم الحج إليه، فأجيبوا ربكم. فأجابه كل من يحج من أصلاب الرجال، وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب يومئذ حج، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين... إلخ.\nهذا؛ وزعم الحسن-رحمه الله تعالى-أن المأمور بالتأذين هو محمد ﷺ، أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، فعن أبي هريرة ﵁، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيّها الناس قد فرض الله عليكم الحجّ فحجّوا». فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى","vol":"6","page":152},{"text":"قالها ثلاثا. فقال رسول الله ﷺ: «لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم...». إلخ الحديث رواه مسلم. هذا؛ والمعتمد: أن الأمر في الآية لإبراهيم.\n ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ أي: مشاة على أرجلهم، جمع: راجل. وإنما قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾ وإن كانوا يأتون الكعبة؛ لأن المنادي إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجا، فكأنما أتى إبراهيم ﵇؛ لأنه أجاب نداءه، وفيه تشريف، وتعظيم له، هذا؛ وفي ﴿رِجالًا﴾ قراآت كثيرة، قال النحاس:\nفي جمع (راجل) خمسة أوجه. وإنما قدم الرجال على الركبان لزيادة تعبهم في المشي، ودل ذلك على أنّ حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس﵄-: ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ما شيا. هذا؛ والركوب أفضل إذا كانت المسافة بعيدة، ويلحق الحاج بالمشي مشقة شديدة.\n ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ أي: على كل بعير مهزول ضعيف أتعبه السفر، وهو بمعنى: ضوامر، ودلت ﴿كُلِّ﴾ على العموم، فلذا جمع الضمير في ﴿يَأْتِينَ﴾ أي: جماعة الإبل. هذا؛ وقرئ «(يأتون)» صفة الرجال، والركبان. ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: من كل طريق بعيد، وانظر ما ذكرته في (مرضع) في الآية رقم [٢].\nقال النسفي: قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ قلت: من خراسان، قال: كم بينكم وبين البيت؟ قلت: مسيرة شهرين، أو ثلاثة، قال: فأنتم جيران البيت، فقلت: أنت من أين جئت؟ قال: من مسيرة خمس سنوات، خرجت وأنا شاب، فاكتهلت، قلت: والله هذه الطاعة الجميلة، والمحبة الصادقة، فقال: [البسيط]\nزر من هويت، وإن شطّت بك الدّار... وحال من دونه حجب وأستار\nلا يمنعنّك بعد عن زيارته... إنّ المحبّ لمن يهواه زوّار\nهذا؛ ومن المعلوم: أنه لم يبق بعد في هذه الأيام.\nالإعراب: ﴿وَأَذِّنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أذن): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي النّاسِ بِالْحَجِّ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: ﴿بِالْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: معلنا بالحج، وجملة: ﴿وَأَذِّنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة.\n ﴿يَأْتُوكَ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط مقدر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للطلب. ﴿رِجالًا:﴾ حال من واو الجماعة، وساغ ذلك؛ لأنه بمعنى:\n «ماشين» كما رأيت. ﴿وَعَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بحال محذوفة معطوفة على ما قبلها، التقدير:\nوركبانا على كل، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿ضامِرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يَأْتِينَ:﴾ مضارع مبني على","vol":"6","page":153},{"text":"السكون، والنون فاعله. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿فَجٍّ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَمِيقٍ:﴾ صفة ﴿فَجٍّ،﴾ وجملة: ﴿يَأْتِينَ..﴾. إلخ في محل جر صفة (كل ضامر).\n\n<span id=\"aya-2623\"></span>﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ:﴾ ليحضروا منافع لهم دينية، ودنيوية على تفاوتها، واختلاف أنواعها. ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ:﴾ قيل: المراد: أيام عشر ذي الحجة، وأعتمد: أنها يوم عيد الأضحى، وأيام التشريق بعده، وهي ثلاثة أيام، وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ الآية رقم [٢٠٣] من سورة (البقرة). ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ:﴾ المراد بها: الضحايا، والهدايا تكون من النّعم، وهي: الإبل، والبقر، والغنم. وانظر رقم [٣٤]. وهذا يقوي: أن الأيام المعلومات هي: يوم النحر، وأيام التشريق؛ لأن التسمية على بهيمة الأنعام تكون عند نحرها، ونحر الهدايا يكون في هذه الأيام، وانظر شرح ﴿الْأَنْعامِ﴾ في الآية رقم [٢١] من سورة (المؤمنون).\n ﴿فَكُلُوا مِنْها:﴾ هذا الأمر للإباحة، وليس بواجب، وذلك؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا، فأمر الله بمخالفتهم. واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا، يجوز للمهدي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطوع؛ لما روى جابر بن عبد الله﵄في قصة حجة الوداع: قال: وقدم علي ﵁ ببدن من اليمن، وساق رسول الله ﷺ مئة بدنة، فنحر منها رسول الله ﷺ ثلاثا وستين بدنة، ونحر علي ﵁ ما بقي منها، وأشركه في بدنه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، وطبخت، فأكل من لحمها، وشرب من مرقها. أخرجه مسلم.\nواختلف العلماء في الهدي الواجب بالشرع، مثل دم التمتع والقران، والدم الواجب بإفساد الحج، وفوته، وجزاء الصيد، هل يجوز للمهدي أن يأكل منها شيئا. فقال الشافعي ﵁: لا يأكل منها شيئا، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر. وقال ابن عمر﵄-:\nلا يأكل من جزاء الصيد، والنذر، ويأكل مما سوى ذلك. وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال مالك -﵁-: يأكل من هدي التمتع، ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى، وجزاء الصيد المنذور. وقال أصحاب الرأي: إنه يأكل من دم التمتع، والقرآن، ولا يأكل من واجب سواهما. انتهى. خازن.\n ﴿وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ:﴾ الذي أصابه بؤس شديد. ﴿الْفَقِيرَ:﴾ المحتاج، والأمر فيه للوجوب، وأصل «فقير» في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم يطلق على المعدم الذي لا يجد حاجته من","vol":"6","page":154},{"text":"المال؛ لأنه يشبه الذي انبتّ ظهره، وعدم الحول والقوة، وهو أسوأ حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعية، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فسماهم مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتجرون فيها، وينقلون فيها بضائع للناس من صقع إلى صقع، وكان النبي ﷺ يسأل الله المسكنة، ويتعوذ بالله من الفقر، فعن أنس بن مالك﵁- عن النبي ﷺ قال: «اللهمّ أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة». رواه الترمذي، فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير؛ لما تعوذ من الفقر، وسأل المسكنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لِيَشْهَدُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أذّن) أو ب: ﴿يَأْتُوكَ﴾. ﴿مَنافِعَ:﴾ مفعول به. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَنافِعَ،﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿وَيَذْكُرُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله... إلخ. ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فِي أَيّامٍ:﴾ متعلقان بالفعل (يذكروا). ﴿مَعْلُوماتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّامٍ﴾.\n ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يذكروا) وتعليقهما بمحذوف حال من اسم الله لا بأس به، وجملة:\n ﴿رَزَقَهُمْ﴾ صلة ﴿ما﴾ والعائد محذوف، التقدير: على الذي رزقهم الله إياه. ﴿مِنْ بَهِيمَةِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من العائد المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ و﴿بَهِيمَةِ﴾ مضاف، و﴿الْأَنْعامِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (كلوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا؛ فكلوا، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَأَطْعِمُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿الْفَقِيرَ:﴾ صفة (البائس) وهي صفة مؤكدة.\n\n<span id=\"aya-2624\"></span>﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أي: ليزيلوا أدرانهم، وأوساخهم، والمراد منه: الخروج عن الإحرام بالحلق، وقص الشارب، ونتف الإبط، وقلم الأظفار، والاستحداد، ولبس الثياب.\nوالحاج أشعث أغبر إذا لم يزل هذه الأوساخ. هذا؛ وتفسير «القضاء» بالإزالة تفسير مجازي؛ لأن «القضاء» في الأصل: القطع، والفصل، فأريد به هنا الإزالة. وقال ابن عمر وابن عباس","vol":"6","page":155},{"text":"-﵄-: قضاء التفث مناسك الحج كلها. وقال قطرب: تفث الرجل: إذا كثر وسخه. قال أمية بن أبي الصلت: [البسيط]\nحفّوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا... ولم يسلّوا لهم قملا وصئبانا\nوقال أيضا: [البسيط]\nساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا... وينزعوا عنهم قملا وصئبانا\nساخين: تاركين آباطهم؛ أي: لم يزيلوا عنها وسخها. ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ:﴾ أراد به جميع ما ينذره المسلم من حج، وهدي، أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان معصية، فقد قال النبي ﷺ: «لا وفاء لنذر في معصية». وقال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه».\n ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ:﴾ أراد به طواف الإفاضة الواجب، ووقته يوم النحر بعد الرمي، والحلق، والطواف ثلاثة أنواع: طواف القدوم، وهو أنّ من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا، وهذا الطواف تحية البيت، وهو سنة مؤكدة كتحية غيره من المساجد في الدنيا، وهي ركعتان. عن عائشة﵂أن أول شيء بدأ به حين قدم رسول الله ﷺ أن توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، وعمر مثله. متفق عليه. والثاني: طواف الركن، وهو طواف الإفاضة المتقدم. والثالث: طواف الوداع، وهو واجب، لا رخصة لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر في أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعا، فمن تركه؛ فعليه دم إلا المرأة الحائض، فإنه يجوز لها تركه، قال ابن عباس﵄-: أمر النبي ﷺ الناس أن يكون الطّواف آخر عهدهم بالبيت إلاّ أنّه رخّص للمرأة الحائض. متفق عليه..\nوفي معنى ﴿الْعَتِيقِ﴾ أقوال كثيرة، فقال مجاهد، والحسن: العتيق: القديم، ويعضده قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ الآية رقم [٩٦] وفي الحديث الصحيح: أنه أول مسجد وضع في الأرض، وقيل: سمي عتيقا؛ لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء الزمان. وفي الترمذي عن عبد الله بن الزبير -﵄قال، قال رسول الله ﷺ: «إنّما سمّي البيت عتيقا؛ لأنّه لم يظهر عليه جبّار». فإن قال قائل: إن الحجاج الفاسق نصب المنجنيق على الكعبة حتى هدم قسما منها، قيل له: إنما أعتقها الله عن جبابرة الكفار؛ لأنهم أتوا بأنفسهم متمردين، ولحرمة البيت غير معتقدين، وقصدوا الكعبة بالسوء، فعصمت منهم، ولم تنلها أيديهم، وأما الحجاج فإنه لم يكن قصده الكعبة، وإنما كان قصده مضايقة عبد الله بن الزبير الذي اعتصم بها، ومع ذلك له عند الله ما يستحق من الخزي، والوبال، والمقت، والنكال.","vol":"6","page":156},{"text":"وقالت طائفة: سمي عتيقا؛ لأنه لم يملك موضعه قط. وقالت فرقة: سمي عتيقا؛ لأن الله ﷿ يعتق فيه رقاب المذنبين من النار. وقيل: سمي عتيقا؛ لأنه أعتق من غرق الطوفان.\nهذا؛ والعتيق: الكريم، والعتق: الكرم. قال طرفة يصف أذني فرس: [الطويل]\nمؤلّلتان تعرف العتق فيهما... كسامعتي مذعورة وسط ربرب\nوعتق الرقيق: خروجه من ذل الرق إلى كرم الحرية، والعتيق: الكريم الأصل، قال الشاعر يهجو غيره: [الوافر]\nأما والله أن لو كنت حرّا... وما بالحرّ أنت ولا العتيق\nأي ولست بالكريم الأصل. ومن أسماء أبي بكر الصديق﵁عتيق؛ أي:\nمعتوق من النار، وقيل: بيت عتيق من قولهم: عتاق الخيل، والطير، أي: كرامها. والعواتق:\nالنساء الشريفات اللاتي لم يخرجن من بيوت أهلهن قط. جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ صعد المنبر يوما وقال بصوت رفيع سمعته العواتق في المنازل، فقال: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنّه من تتّبع عورة أخيه تتّبع الله عورته، ومن تتّبع الله عورته فضحه، ولو في جوف بيته».\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لْيَقْضُوا:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿تَفَثَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مرتبطة بكلام محذوف؛ أي: ثم بعد حلهم، وخروجهم من الإحرام، وبعد الإتيان بما عليهم من النسك؛ ليزيلوا أو ساخهم وأدرانهم. وما بعدها معطوف عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2625\"></span>﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر في الآيات السابقة. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ:﴾\nالمراد بذلك هنا: أفعال الحج، ومناسكه، ويدخل في ذلك تعظيم الأماكن المقدسة جميعها، ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات: امتثال الأمر، والنهي. ومعنى التعظيم: العلم بأنه يجب على الإنسان القيام بمراعاتها، وحفظ حرمتها. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها. وقيل: ذلك التعظيم خير من خيراته ينتفع به، وليست ﴿خَيْرٌ﴾","vol":"6","page":157},{"text":"للتفضيل، وإنما هي عدة بخير، وانظر شرح (الحرام) في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنبياء)، والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان، وقرب.\n ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ﴾ أي: أكل لحمها، والانتفاع بجميع أجزائها؛ لأن الحكم الشرعي؛ وإن نسب إلى ذات؛ فالطلب لا يتعلق إلا بالأفعال، نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أي: الاستمتاع بهن. و: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي: أكلها، و: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ أي: تناولها، لا أكلها؛ لتناول شرب ألبان الإبل، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ أي:\nمنافعها: الركوب، والتحميل. ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي: إلا المتلو عليكم في القرآن تحريمه، وهو ما ذكر في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٤] من سورة (المائدة).\n ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ:﴾ ﴿الرِّجْسَ:﴾ الشيء القذر، وصفها الله بالرجس، و﴿الرِّجْسَ:﴾ النجس، فهي نجسة حكما، و﴿الْأَوْثانِ:﴾ جمع: وثن، وهو التمثال من خشب، أواحديد، أو ذهب، أو فضة، ونحوها، انظر الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنبياء)، وكانت العرب تنصبها، وتعبدها. والنصارى تنصب الصليب، وتعبده، وتعظمه، فهو كالتمثال أيضا. قال عدي بن حاتم الطائي﵁-: أتيت النبي ﷺ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي ألق عنك هذا الوثن!». أي: الصليب. وأصله من: وثن الشيء أي: أقام في مقامه، وسمي الصنم وثنا؛ لأنه ينصب، ويركز في مكان، فلا يبرح عنه، والمراد: اجتنبوا عبادة الأوثان.\n ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ:﴾ اتركوا قول الزور، واجتنب الشيء: ابتعد عنه، والزور:\nالباطل، والكذب، وسمي زورا؛ لأنه ميل عن الحق، وكل ما عدا الحق فهو كذب، وباطل، وزور، ولا تنس: أن الحكيم العليم قد قرن قول الزور-أي شهادة الباطل-بعبادة الأوثان، وأيده النبي ﷺ، فعن أيمن بن خريم: أن النبي ﷺ قام خطيبا، فقال: «أيّها الناس عدلت شهادة الزّور الإشراك بالله. ثمّ قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.» أخرجه الترمذي، وأخرجه أبو داود عن خريم بن فاتك بنحوه، وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر-ثلاثا-» قلنا: بلى يا رسول الله! قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». وكان متّكئا فجلس، فقال: «ألا وقول الزّور، وشهادة الزّور». فما زال يكرّرها؛ حتّى قلنا: ليته سكت. أخرجه البخاري.\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الطّير لتضرب بمناقيرها، وتحرّك أذنابها من هول يوم القيامة، وما يتكلّم به شاهد الزّور، ولا تفارق قدماه على الأرض حتى يقذف به في النّار». رواه الطبراني في الأوسط، وكان عمر بن الخطاب﵁يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه، ويطوف به في الأسواق. هذا؛ وكتمان الشهادة-أي: الامتناع عن أدائها-كشهادة الزور، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٣]:","vol":"6","page":158},{"text":"﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وعن أبي موسى الأشعري﵁عن النبي ﷺ قال:\n «من كتم شهادة إذا دعي إليها؛ كان كمن شهد بالزّور». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط.\nتنبيه: لقد ذكرت في الآية رقم [٩٠] من سورة (المائدة) الرد على الفسقة، والفجرة الذين يقولون: إن الله لم يحرم الخمر تحريما قاطعا؛ لأنه لم يذكر مادة (حرّم) في تحريمها، انظرها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والله الموفق، والمعين، وبه أهتدي، وأستعين.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: الأمر، أو الشأن ذلك، أو في محل مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: ذلك أمر الله، وحكمه، وأجاز القرطبي اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: امتثلوا ذلك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، واسم الإشارة يذكر للفصل بين كلامين، أو بين وجهي كلام واحد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿يُعَظِّمْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿حُرُماتِ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿حُرُماتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب:\n ﴿خَيْرٌ﴾ أيضا، وقيل: متعلق بمحذوف حال، وهو غير وجيه. و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿وَأُحِلَّتْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أحلت): ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث.\n ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْعامُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء، وهو يحتمل الاتصال، والانقطاع. ﴿يُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ لا محل لها. وينبغي أن تعلم: أن أصل الكلام: إلا ما يتلى عليكم تحريمه، فحذف المضاف، واستتر الضمير في الفعل، وهو المضاف إليه في الأصل. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، هذا؛ وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الاستثناء، التقدير: إلا المتلو عليكم تحريمه.\n ﴿فَاجْتَنِبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها، وأمثالها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط محذوف.","vol":"6","page":159},{"text":"(اجتنبوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك متلوا عليكم؛ فاجتنبوا.\n ﴿الرِّجْسَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْأَوْثانِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الرِّجْسَ﴾ على اعتبار «أل» للتعريف، أو بمحذوف صفة له على اعتبار «أل» للجنس، والكلام «وإذا كان...» إلخ المقدر معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿قَوْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الزُّورِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: قولكم الزور.\n\n<span id=\"aya-2626\"></span>﴿حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ:﴾ مسلمين. وقيل: مخلصين. وهو جمع مفرده: حنيف، وتكرر الكلام على إبراهيم﵊بأنه كان حنيفا، وفسر بحقه بأنه مائل عن كل دين باطل إلى دين الحق قال الشاعر: [الوافر]\nولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين\nهذا؛ والحنف: الميل في القدمين. هذا؛ وقال القرطبي: ولفظة «حنفاء» من الأضداد تقع على الاستقامة، وتقع على الميل. أقول: وهذا يكون بالمعنى المأخوذ منه، وهو الميل، وقد ذكرت لك فيما مضى: أن الفعل «مال» يتغير معناه بتغير الجار، تقول: ملت إليه، وملت عنه، وهو ظاهر.\n ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ أي: بعبادة غيره، أو في صفة من صفاته، أو في فعل من أفعاله. وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] من سورة (الكهف) ففيها الدواء الشافي لقلبك.\n ﴿فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ:﴾ سقط، والفعل من باب ضرب. ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ:﴾ تسلبه، وتذهب به. ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تميل، وتذهب به الرياح العاتية. ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ:﴾ بعيد، وفي الفعل (تخطف) قراآت كثيرة.\nقيل في معنى الآية: من أشرك بالله؛ فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس وراءه إهلاك بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء، فاختطفته الطير، ففرقت أجزاءه في حواصلها، أو عصفت به الرياح العاتية؛ حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة، فالمراد من الآية تصوير تلك الحالة العجيبة، لا وقوعها في الوقت الحاضر، قال ابن هشام: إنهم يعبرون عن الماضي والآتي، كما يعبرون عن الشيء الحاضر قصدا لإحضاره في الذهن؛ حتى كأنه مشاهد حالة الإخبار.\nقال الزمخشري في كشافه: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب، والمفرق، فإن كان تشبيها مركبا؛ فكأنه قال: من أشرك بالله؛ فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده إهلاك بأن صور","vol":"6","page":160},{"text":"حاله بصورة حال من خر من السماء، فاختطفته الطير متفرقا موزعا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض الأماكن البعيدة. وإن كان مفرقا؛ فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المهلكة.\nهذا؛ و﴿الطَّيْرُ﴾ اسم جمع، مثل: غنم، وخيل، وقيل: بل هو جمع طائر، مثل: صحب، وصاحب، ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع الطير:\nطيور، وأطيار، مثل فرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب، وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾ وطائر الإنسان: عمله الذي قلّده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. والطير أيضا: الاسم من التطير، ومنه قولهم:\nلا طير إلاّ طير الله. كما يقال: لا أمر إلاّ أمر الله. انتهى. مختار الصحاح.\nالإعراب: ﴿حُنَفاءَ:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان به. ﴿غَيْرَ:﴾ حال ثانية فيها معنى التوكيد، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف و﴿مُشْرِكِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمشركين؛ لأنه جمع اسم فاعل، ففاعله مستتر فيه. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ:﴾ مثل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ..﴾.\nإلخ. ﴿فَكَأَنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (كأنما): كافة ومكفوفة. ﴿خَرَّ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (من) وهو بمعنى: «يخر» ليصح العطف عليه. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (كأنما...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:\nلا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما في الآية السابقة، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَتَخْطَفُهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تخطفه): مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الطَّيْرُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَهْوِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على الواو. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الرِّيحُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿فِي مَكانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَحِيقٍ:﴾ صفة ﴿مَكانٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-2627\"></span>﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر في الآيتين السابقتين من اجتناب الرجس، وقول الزور... إلخ. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ:﴾ جمع شعيرة، أو شعارة: وهي كل شيء لله تعالى فيه أمر، أشعر به، وأعلم، فشعائر الله: أعلام دينه؛ لا سيما ما يتعلق بالمناسك، لذا فسرت","vol":"6","page":161},{"text":"الشعائر هنا بدين الله، أو فرائض الحج، أو مواضع نسكه، أو ما يقدم إلى الحرم من الهدايا؛ لأنها من معالم الحج، وهو أوفق لظاهر ما بعده. وتعظيمها أن تختار حسانا، سمانا، غالية الأثمان، فقد روي أنّ النبي ﷺ أهدى مئة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، وأنّ عمر ﵁ أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمئة دينار. هذا؛ وسميت البدن شعائر؛ لإشعارها بما يعرف به: أنها هدي، كطعن حديدة بسنامها.\n ﴿فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: فإن تعظيم شعائر الله من أعمال أصحاب القلوب التقية المتقية، ففيه حذف هذه المضافات، وإضافة الصفة للموصوف، ومثل الآية الكريمة قول كلحبة العرني اليربوعي: [الطويل]\nفأدرك إرقال العرادة ظلعها... وقد جعلتني من حزيمة إصبعا\nإذ التقدير: جعلتني منه ذا مسافة إصبع واحدة، وهذا هو الشاهد رقم [١٠٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب. وانظر (التقوى) في الآية رقم [١]. هذا؛ وقد ذكرت القلوب؛ لأنها مراكز للتقوى، ولذا قال النبي ﷺ: «التّقوى ها هنا». ثلاث مرات، وأشار إلى صدره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٣٠].\n ﴿فَإِنَّها:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنها): حرف مشبه بالفعل، و(ها) اسمه. ﴿مِنْ تَقْوَى:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وتقوى مضاف، و﴿الْقُلُوبِ﴾ مضاف إليه. قال القرطبي: وقرئ برفع القلوب على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو (تقوى). ولم أره لغيره. هذا؛ والجملة الاسمية: (إنها...) إلخ في محل جزم جواب الشرط وهي خالية من ضمير يعود إليه، فيقدر: فإنها من تقوى القلوب منهم على معنى (من)، أو تقديره: فإن تعظيمها منه على لفظ (من). وانظر حذف المضافات في الشرح، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٥].\n\n<span id=\"aya-2628\"></span>﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿لَكُمْ فِيها:﴾ أي: في البدن المهداة إلى البيت. ﴿مَنافِعُ﴾ أي: من الركوب والدرّ، والنسل، والصوف، وغير ذلك. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى أن يسميها هديا، فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، ورواية عن ابن عباس -﵃ أجمعين-وقيل: المراد بالأجل المسمى: هو نحرها، وهو قول عطاء، وعلى القول الأول يركبها بعد تسميتها هديا عند الحاجة، ويشرب لبنها بعد ري فصيلها.","vol":"6","page":162},{"text":"واختلف العلماء في ركوب الهدي، فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يجوز ركوبها، والحمل عليها من غير ضرر بها؛ لما روي: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: «اركبها» فقال: يا رسول الله! إنّها بدنة، فقال: «اركبها». قال: إنّها بدنة، قال: «اركبها ويلك!». في الثانية، أو في الثّالثة. أخرجاه في الصحيحين. وروى جابر بن عبد الله﵄وسئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتّى تجد ظهرا» وهذا يؤيد حجة أهل الرأي الذين يقولون: لا يركبها إلاّ أن يضطر إليها.\n ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي: محل نحر الهدايا عند البيت العتيق، والمراد به: جميع أرض الحرم. روي عن جابر﵄في حديث حجة الوداع: أن رسول الله ﷺ قال: «نحرت هاهنا، ومنى كلّها منحر، فانحروا في رحالكم». ومن قال الشعائر: المناسك، فالمراد: التحلل منها إلى البيت، أي: يطوفون به طواف الإفاضة، ويحلقون بعد رمي جمرة العقبة، ويلبسون ثيابهم، ويحل لهم ما كان محظورا عليهم من محرمات الإحرام. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والماب.\nالإعراب: ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مَنافِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَنافِعُ﴾.\n ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿مَحِلُّها:﴾ مبتدأ، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى الْبَيْتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الْعَتِيقِ:﴾ صفة (البيت)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2629\"></span>﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم. ﴿جَعَلْنا مَنْسَكًا:﴾ قرئ بكسر السين؛ أي: مذبحا وهو موضع ذبح القربان. وقرئ بفتح السين على أنه مصدر، بمعنى: إراقة الدم، وذبح القرابين. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ:﴾ المراد بها:\nالضحايا، والهدايا للبيت تكون من النّعم، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، سماها الله بهيمة؛ لأنها لا تتكلم، وقيد بالأنعام؛ لأن ما سواها لا يجوز ذبحه في القرابين؛ وإن جاز أكله من حيوانات البر والبحر. ﴿فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي: لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فاذكروا على ذبح قرابينكم اسمه وحده. ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي: أخلصوا له العبادة،","vol":"6","page":163},{"text":"وانقادوا لأوامره، وأطيعوا. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ:﴾ قال ابن عباس﵄-:\nالمتواضعين، وقيل: المطمئنين إلى الله، وقيل: الخاشعين الرقيقة قلوبهم. وقيل: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لا ينتصرون، وانظر صفاتهم فيما يلي.\nهذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة إلى خطاب الجمع، ومنه إلى خطاب المفرد، انظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). هذا؛ والبشارة: عبارة عن الخبر السار الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح، والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن، والغم يظهر أثرهما على الوجه وهو الكمودة التي تعلو الوجه عند حصول الغم والحزن، فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، فصح قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم.\nهذا؛ وأما ﴿أُمَّةٍ﴾ فهي بمعنى الجماعة، كما رأيت، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ انظر شرح هذه الآية برقم [١٢٠] من سورة (النحل)، والأمة: الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾. وبها فسرت الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنبياء) وقال النابغة: [الطويل]\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع؟!\nهذا؛ وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد وقت، وحين.\nالإعراب: ﴿وَلِكُلِّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لكل): متعلقان بالفعل بعدهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم عليه، و(كل) مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَنْسَكًا:﴾ مفعول به أول، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِيَذْكُرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ انظر الآية رقم [٢٨] ففيها الكفاية. ﴿فَإِلهُكُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إلهكم):\nمبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة (إله)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة: وانظر الآية رقم [٣٠]. (له): متعلقان بما بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿أَسْلِمُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق،","vol":"6","page":164},{"text":"والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك هو الواقع؛ فله أسلموا، والكلام كله مستأنف، لا محل له. ﴿وَبَشِّرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بشر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمُخْبِتِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2630\"></span>﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ:﴾ فزعت لذكر الله، وخافت استعظاما له، وتهيبا من جلاله. وقيل: هو الرجل يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فينزع عنها خوفا من عقابه.\nهذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وهذه الإحالة مني على ما ذكرت من أجل الاختصار. ﴿وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ:﴾ من ضر، ومتاعب في هذه الدنيا. وانظر (الصبر) في الآية رقم [٨٥] من سورة (الأنبياء).\n ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ أي: المؤدين لها على الوجه الأكمل، وانظر الآية رقم [٣١ و٥٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: ينفقون بعض المال الذي رزقناهم إياه في وجوه الخير، والإحسان، والمعروف.\nتنبيه: لقد وصف الله المتقين في مطلع سورة (البقرة) بخمس صفات، وجعلهم جديرين بالفلاح، والنجاح، ووصف المؤمنين في مطلع سورة (الأنفال) بخمس صفات، واعتبرهم مؤمنين حقا، ووصف المخبتين في هذه الآية بأربع صفات، ولم يذكر جزاءهم، ولكنه جلّت قدرته، وتعالت حكمته وصف المؤمنين في مطلع سورة (المؤمنون) بسبع صفات، وجعلهم جديرين بوراثة الفردوس، والخلود فيها. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿الْمُخْبِتِينَ،﴾ أو صفة له، أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، ونحوه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين... إلخ. والجر لا وجه له هنا. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ذُكِرَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿اللهُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿وَجِلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول.\n (الصابرين): منصوب على المدح بفعل محذوف، تقديره: أمدح الصابرين. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان ب: (الصابرين). ﴿أَصابَهُمْ:﴾ ماض: وفاعله يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به،","vol":"6","page":165},{"text":"والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالْمُقِيمِي:﴾ معطوف على (الصابرين) فهو منصوب مثله، وعلامة النصب فيهما الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مذكر، وفاعلهما مستتر فيهما، وحذفت النون من الثاني للإضافة، وهو مضاف، و﴿الصَّلاةِ﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، هذا؛ وقرئ: «(والمقيمين الصلاة)» بإثبات النون ونصب الصلاة على الأصل، كما قرئ بحذف النون ونصب الصلاة على توهم النون، وأن حذفها للتخفيف لطول الاسم، وأنشد سيبويه قول الشاعر: [المنسرح]\nالحافظو عورة العشيرة لا... يأتيهم من ورائنا نطف\nهذا، وجملة «أمدح الصابرين...» إلخ مستأنفة، وعطفها على صلة الموصول غير منسجم معنى. ﴿وَمِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (مما): متعلقان بالفعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ينفقون من الذي، أو: من شيء رزقناهم إياه، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها. هذا؛ ويظهر لي صحة عطف الجمل الثلاث على الموصول، وصلته، وذلك على اعتبار «أل» ب: (الصابرين) و(المقيمي) موصولة فيكون المعنى: والذين يصبرون، والذين يقيمون الصلاة، والذين ينفقون مما رزقناهم. وهذا حل معنى، لا حل إعراب. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2631\"></span>﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالْبُدْنَ:﴾ جمع بدنة وهي الناقة من الإبل، وقد سميت بها الإبل لعظم بدنها، مأخوذة من: بدن الرجل، يبدن بدنا، وبدانة، فهو بادن، أي: ضخم. والصحيح: أن البدنة لا تطلق على البقرة، وإن كانت تشاركها في الإجزاء عن سبعة؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة﵁في فضل التبكير لصلاة الجمعة: «من راح في الساعة الأولى؛ فكأنّما قرّب بدنة، ومن راح في السّاعة الثانية؛ فكأنّما قرّب بقرة...» إلخ فتفريقه ﷺ بين البقرة، والبدنة يدل على أن البقرة، لا يقال لها بدنة. والله أعلم. هذا؛ ويقرأ (البدن) بضم الدال وسكونها.\n ﴿جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ أي: من أعلام دينه. قيل: لأنها تشعر؛ أي: تطعن بحديدة في سنامها فتعرف بذلك: أنها هدي، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢]. ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ:﴾ المراد بهذا الخير: المنافع التي ذكرت في الآية [٣٣]. والصواب عمومه هنا في خيري الدنيا والآخرة.","vol":"6","page":166},{"text":"﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر. اللهم إنّ هذا منك وإليك. و﴿صَوافَّ﴾ قائمة معقولة إحدى قوائمها، توقف، وقد صفت رجلاها ويدها اليمنى، والأخرى معقولة، أي: مربوطة ركبتها، فتنحر كذلك، وهو سنة. عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها، قال: ابعثها قياما مقيّدة سنة محمد ﷺ. متفق عليه.\n ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ أي: سقطت بعد النحر، ووقع جنبها على الأرض، وهو كناية عن الموت. كما كنى عن النحر، والذبح بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾. ﴿فَكُلُوا مِنْها:﴾ أمر معناه الندب، فقال كل الفقهاء: يستحب أن يأكل من هديه، وفيه أجر، وثواب، ومخالفة لما كان الجاهليون من الامتناع من أكلها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] فإنه جيد.\n ﴿وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ:﴾ فالأول: هو الراضي بما عنده، وبما يعطى من غير مسألة، فهو جالس في بيته متعفف عن ذلّ المسألة، والثاني: هو الذي يريك نفسه، ويتعرض، ولا يسأل.\nوقيل: القانع: السائل، وعليه يكون قانع من الأضداد، فإن كان فعله: قنع، يقنع من باب:\nسلم، وعلم؛ فهو من القناعة، وهو الرضا، والعفة عن التذلل بالسؤال، وإن كان فعله: قنع، يقنع من باب: فتح، وقطع، فهو من التذلل بالسؤال، وعليه قولهم: والعبد حرّ إن قنع، والحر عبد إن قنع، ومصدر الأول: قنعا، وقناعة، ومصدر الثاني: قنوع بضم القاف. وقال بعض أهل العلم: إن القنوع بضم القاف أيضا قد يكون بمعنى: الرضا، والقانع بمعنى: الراضي، وأنشد قول الشاعر: [الوافر]\nوقالوا: قد زهيت فقلت كلاّ... ولكنّي أعزّني القنوع\nوقال لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁: [الطويل]\nفمنهم سعيد آخذ بنصيبه... ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع\nوفي المثل: خير الغنى القنوع، وشرّ الفقر الخضوع. انتهى. مختار. وخذ قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل]\nوالنّفس راغبة، إذا رغّبتها... وإذا تردّ إلى قليل تقنع\nهذا؛ والقنوع بفتح القاف بوزن «فعول» هو مبالغة اسم الفاعل: قانع على الاعتبارين اللذين رأيتهما. هذا؛ والأمر للوجوب عند الشافعي، ﵁.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ أي: مثل ما وصفنا من نحرها قياما. ﴿سَخَّرْناها لَكُمْ:﴾ ذللناها لكم مع عظمها، وقوتها حتى تأخذونها منقادة، فتعقلونها، وتحبسونها صافّة قوائمها، ثم تطعنون في لباتها.\n ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ إنعامنا عليكم بالهداية، والإيمان، والتوفيق، والإذعان لما يرضي الواحد","vol":"6","page":167},{"text":"الديان. هذا؛ و«الشكر»: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. وفعله يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما نصحته، ونصحت له.\nهذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nالإعراب: ﴿وَالْبُدْنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (البدن): مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ. ﴿جَعَلْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة على نصب (البدن) وفي محل رفع خبره على رفعه، والكلام مستأنف على الاعتبارين لا محل له. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ شَعائِرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني في المعنى، و﴿شَعائِرِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿خَيْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من ﴿شَعائِرِ اللهِ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وأجيز اعتبارها مستأنفة لا محل لها. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣٠]. (اذكروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَاذْكُرُوا..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.\n ﴿صَوافَّ:﴾ حال من الهاء في (عليها) فهو منصوب، ولم ينصرف؛ لأنه على وزن: فواعل، وهي صيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. هذا؛ ويقرأ: «(صوافن)» على أنّ واحده: صافن، ويقرأ: «(صوافي)» أي: خوالص لله تعالى، ويقرأ: «(صواف)» بكسر الفاء وتنوينها مخففة، وهي بمعنى التي قبلها، لكن حذفت الياء تخفيفا على غير قياس على لغة من يسكن الياء مطلقا، كقولهم: أعط القوس باريها، قال مجنون ليلى: [الطويل]\nولو أنّ واش باليمامة داره... وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا\nوهذا هو الشاهد، رقم [٥٣٨] من كتابنا فتح القريب المجيب. والقراءة بالتسكين شاذة، لكن ذكرتها؛ لأن المفسرين ذكروها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية السابقة ﴿وَجَبَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿جُنُوبُها:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فَكُلُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (كلوا): أمر، وفاعله، ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى، وجملة: (كلوا منها) جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: (أطعموا القانع والمعتر) معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: سخرناها لكم تسخيرا كائنا مثل وصفنا إياها فيما","vol":"6","page":168},{"text":"تقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [١٦].\n ﴿سَخَّرْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وأجيز اعتبارها حالا؛ أي: حالة كونها مسخرة. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، تقديره: إنعامنا، وتفضلنا عليكم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية:\n ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2632\"></span>﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ أي: لن يصل إلى الله لحومها، ولا دماؤها؛ ولكن يصل إليه، ويرفع لديه التقوى، أي: ما أريد به وجهه، فذلك الذي يقبله، ويرفع إليه، ويثيب عليه، قال الرسول المعظم ﷺ: «إنّما الأعمال بالنّيات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى». هذا؛ ويقرأ الفعلان بالتاء، نظرا إلى اللحوم. هذا؛ و﴿لُحُومُها﴾ جمع: لحم، ويجمع أيضا على:\nلحام، قال لبيد﵁في معلقته: [الكامل]\nأدعو بهنّ لعاقر أو مطفل... بذلت لجيران الجميع لحامها\nهذا؛ ويقال: لحم، وألحم، ولحمان، ولحام، ورجل لحيم شحيم: إذا كان قرما إلى اللحم، والشحم. ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ..﴾. إلخ: أي: سخر البدن، وذللها للذبح، ومكننا من التصرف فيها، وهي أعظم منا أبدانا، وأقوى منا أعضاء؛ ذلك ليعلم ابن آدم: أن الأمور ليست على ما تظهر للعبد من التدبير، وإنما هي بحسب ما يريدها العزيز القدير، فيغلب الصغير الكبير؛ ليعلم الخلق: أن الغالب هو الله الواحد القهار فوق عباده انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وكرر ذكر التسخير للتأكيد، وزيادة التذكير بالنعمة.\n ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ:﴾ ذكر سبحانه في الآية السابقة ذكر اسمه على البدن ونحوها التي تذبح تقربا إليه، وذكر هنا التكبير ليجمع المسلم بينهما عند ذبح القربة، بل وغيرها من الذبائح، وكان عبد الله بن عمر﵄يجمع بينهما إذا نحر هديه، فيقول:\nباسم الله، والله أكبر، وهذا من فقهه ﵁،، كيف لا وقد روى أبو داود عن جابر بن عبد الله﵄قال: ذبح النبي ﷺ يوم الذّبح كبشين أقرنين، موجوءين، خصيّين، أملحين، فلمّا وجّههما؛ قال: «إنّي وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والأرض... إلى قوله:\nوأنا أوّل المسلمين، اللهمّ منك، ولك، عن محمد، وأمّته، باسم الله، والله أكبر». ثم ذبح.\nومعنى ﴿هَداكُمْ:﴾ أرشدكم، ووفقكم لذبح الذبائح، والتقرب به إليه.","vol":"6","page":169},{"text":"﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ:﴾ بجناب النعيم، ورضا رب العالمين، و(محسنين) جمع: محسن، وهو من أحسن العمل، وأخلص فيه النية لله تعالى، وانظر «البشارة» في الآية رقم [٣٤]. وانظر شرح ﴿التَّقْوى﴾ في الآية [١]، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣].\nأما ﴿دِماؤُها﴾ فهو جمع: دم، وأصله: دميّ، وقيل: دمو، حذفت لامه، فيثنى على لفظه:\nدمان بدون رد لامه، ويثنى: دميان، أو: دموان برد لامه، أما في الجمع فلا بدّ من ردّ لامه، فيقال:\nدماي أو دماو، فيقال في إعلاله: تحركت الياء، أو الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. وأضيف: أن أهل الجاهلية كانوا إذا ذبحوا القرابين؛ لطخوا الكعبة بدمائها تقربا إلى الله، فهمّ المسلمون بذلك، فنزلت الآية الكريمة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَنالَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾.\n ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿لُحُومُها:﴾ فاعل، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة للتأكيد. ﴿دِماؤُها:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك. ﴿يَنالُهُ:﴾\nمضارع، والهاء مفعول به. ﴿التَّقْوى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من التقوى. ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة.\n ﴿لِتُكَبِّرُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿عَلى:﴾ حرف جر.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هَداكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: على الذي هداكم إليه. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: على هدايته إياكم. ﴿وَبَشِّرِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (بشر): أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2633\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: مبالغ في الدفع عنهم مبالغة من يغالب فيه. ويقرأ «(يدفع)» والمفعول محذوف على هذه القراءة؛ أي: يدفع غائلة المشركين، وكيدهم عن المؤمنين","vol":"6","page":170},{"text":"منهم، وينصرهم عليهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ أي: خوان في أمانة الله، كفور لنعمته، قال ابن عباس﵄-: خانوا الله، فجعلوا معه شريكا، وكفروا نعمه. هذا؛ وكل من أشرك مع الله أحدا في ذاته، أو في أفعاله، فهو خائن، و﴿خَوّانٍ﴾ صيغة مبالغة، و﴿كَفُورٍ﴾ كذلك، وانظر (الكفر) في الآية رقم [٣٠]، وانظر خيانة الله والرسول في الآية رقم [٢٧] من سورة (الأنفال).\nتنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون، وهي أنه إذا وقعت «كل» في حيز النفي-أي: بعده-كان النفي موجها إلى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: (ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدّراهم لم آخذ). وإن وقع النفي في حيزها-أي: بعدها لفظا، ومحلا-اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟!: «كلّ ذلك لم يكن» وقد يشكل على قولهم قوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ،﴾ وكقوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٨]: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ،﴾ وقوله في سورة (البقرة) رقم [٢٧٦]: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ن) رقم [١٠]: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ،﴾ حيث وقعت (كل) في حيز النفي، فتفيد أن المنفي الشمول، وأن البعض ثابت له المحبة من الله تعالى.\nوالجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم، إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود؛ إذ دل الدليل وهو الإجماع على تحريم الخيانة، والكفر، والاختيال، والفخر، والحلف، ومستند هذا الإجماع الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة الكثيرة. وأخيرا: فمعنى عدم محبة الله لهؤلاء كناية عن بغضهم، والسخط عليهم، وطردهم من رحمة الله، وأما محبته تعالى للعبد؛ فكناية عن رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُدافِعُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿عَنِ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. وإعراب الجملة الثانية واضح إن شاء الله تعالى. هذا؛ و﴿كَفُورٍ﴾ صفة ل: ﴿خَوّانٍ﴾ في الظاهر، وفي الحقيقة إنما هما صفتان لموصوف محذوف، التقدير: إن الله لا يحب كل شخص أو عبد خوان كفور، فهما صيغتا مبالغة، كما رأيت، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها مثل سابقتها. والله أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على الهادي، وسلّم.\n\n<span id=\"aya-2634\"></span>﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ..﴾. إلخ: أي: أذن الله للمسلمين بالجهاد؛ ليقاتلوا المشركين. قال المفسرون: كان المشركون من أهل مكة يؤذون المؤمنين، فلا يزالون يجيئون من بين مضروب،","vol":"6","page":171},{"text":"ومشجوج، ويشكون ذلك إلى رسول الله ﷺ، فيقول لهم: «اصبروا، فإني لم أؤمر بقتال». حتى هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، فاعترضهم المشركون، فأذن الله لهم في قتال الكفار، وهي أول آية في القتال بعد ما نهى الله عنه في نيف وسبعين آية، وهذا الإذن من الله كان بسبب ظلم الكفار لهم، والاعتداء عليهم. هذا؛ ويقرأ الفعلان ﴿أُذِنَ﴾ و﴿يُقاتَلُونَ﴾ بالبناء للمجهول والبناء للمعلوم.\n ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ:﴾ هذا وعد من العلي القدير بنصر المستضعفين من المسلمين، وقد أنجز الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. هذا؛ والآية الكريمة تتضمّن الإذن بالجهاد، كما رأيت، وقد حث الرسول ﷺ عليه، وحذر من تركه، فعن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الجهاد واجب مع كلّ أمير، برّا كان أو فاجرا.\nوالصلاة واجبة عليكم خلف كلّ مسلم، برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر». رواه أبو داود.\nوعن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم». رواه أبو داود، والنسائي.\nوعن عبد الرحمن بن جبر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما اغبرّت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النّار». أخرجه البخاري. وعن معاذ بن جبل﵁-: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة؛ فقد وجبت له الجنة. ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا، ثمّ مات، أو قتل؛ فإنّ له أجر شهيد، ومن جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة؛ فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزّعفران، وريحها ريح المسك». رواه أبو داود، والترمذي. وعن عبادة بن الصامت رضي الله قال: قال رسول الله ﷺ: «جاهدوا في سبيل الله، فإنّ الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنّة ينجّي الله ﵎ به من الهمّ، والغمّ». رواه أحمد.\nوعن النعمان بن بشير﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصّائم نهاره، القائم ليله حتى يرجع متى رجع» رواه أحمد. وانظر ما ذكرته في (النساء) رقم [٩٥]، وفي (الأنفال) رقم [٦١]، وفي (التوبة) [١٢١] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». أخرجه أبو داود، وغيره. وعن ثوبان﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها».\nقالوا: أمن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: «بل أنتم يومئذ كثيرون، ولكنكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: «حبّ الدنيا وكراهية الموت». أخرجه أبو داود، وأحمد وغيرهما.\nالإعراب: ﴿أُذِنَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، وقيل: نائب الفاعل محذوف؛ إذ التقدير: أذن في القتال للذين، وهو جيد معنى، وعلى","vol":"6","page":172},{"text":"البناء للمعلوم فالفاعل يعود إلى (الله)، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُقاتَلُونَ:﴾ مضارع مرفوع على القراءتين، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعل، أو نائب فاعل، وعلى الأول فالمفعول به محذوف، التقدير: يقاتلون أعداءهم.\n ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر، (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿ظُلِمُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُذِنَ﴾.\n ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمه. ﴿عَلى نَصْرِهِمْ:﴾\nمتعلقان ب: (قدير) بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿لَقَدِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2635\"></span>﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ هم المهاجرون من أهل مكة، خرجوا مكرهين من ديارهم بسبب مضايقة المشركين لهم. وقد استدل بهذه الآية وأمثالها على جواز بيع دور مكة، وإجارتها، كما رأيت في الآية رقم [٢٥]. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: بغير موجب استحقوا به الإخراج من ديارهم. ﴿إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ:﴾ هذا هو السبب الوحيد في إخراجهم من ديارهم، وهو التوحيد، والإيمان بالله، ورسوله، ونبذ عبادة الأوثان. وهذا ينبغي أن يكون سبب التمكين، وموجبه لا موجب الإخراج، وما أشبه هذا بقول السحرة لفرعون: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ،﴾ وذكرته في سورة (الأعراف)، وسأذكره في سورة (البروج) إن شاء الله تعالى؛ لأنه مدح بما يشبه الذم.\n ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء، والمؤمنين من قتال الأعداء؛ لا ستولى أهل الشرك، والضلال، وعطلوا ما بيّنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع ذلك بأن أوجب الجهاد؛ ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم، ومستمر إلى يوم القيامة، وبه صلحت، وتصلح الشرائع، وتثبت أمور العبادات، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٥٠] من سورة (البقرة).\n ﴿لَهُدِّمَتْ:﴾ خربت، وأزيلت، ويقرأ بالتشديد، والتخفيف. ﴿صَوامِعُ:﴾ هي معابد الرهبان المتخذة في الجبال، والوديان، جمع: صومعة. ﴿وَبِيَعٌ:﴾ هي معابد النصارى، وكنائسهم في","vol":"6","page":173},{"text":"البلد، جمع: بيعة، وتجمع أيضا على: بيعات، وقيل: البيع للصابئين، والصوامع للنصارى.\nوقيل: العكس. ﴿وَصَلَواتٌ﴾ هي كنائس اليهود، ويسمونها بالعبرانية صلوتا، فعربت، فقيل:\nصلوات، وفيها تسع قراآت ذكرها ابن عطية. ﴿وَمَساجِدُ﴾ أي: ومساجد للمسلمين، ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر، ولم يذكر في هذه الآية المجوس، ولا أهل الشرك؛ لأن هؤلاء ليس لهم ما يجب حمايته، ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع، والوثنيون في هذه الأيام مثلهم في الهند، وغيرها.\n ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: من ينصر دينه ونبيه، وقد أنجز الله وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب، وأكاسرة العجم، وقياصرتهم، وأورثهم أرضهم، وديارهم. ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ:﴾ قادر مقتدر. ﴿عَزِيزٌ:﴾ لا يغلبه شيء في الأرض، ولا في السماء.\nهذا؛ أما «الدار» فهي منزل الإنسان، ومسكنة في الدنيا، وهي مؤنثة، وقد تذكّر، أصلها:\nدور بفتحتين، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، ودور، وأدؤر، وأدور، وأدورة، وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران، وأصل ديار: دوار، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال، لمفرد اعتلت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا البلد، والقبيلة، ودار القرار في الآخرة، إما الجنة، وأما النار، والداران: الدنيا والآخرة، ودار الحرب: بلاد العدو. هذا؛ وقد قال أبو حاتم: إن الديار العساكر، والخيام، لا البنيان والعمران، وإن الدار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي:\nفي عساكرهم، وخيامهم ميتين. وقال جل شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ذلك؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أن الديار مخصوصة بالخيام، انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذا غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى: (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر]\nأمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا\nوما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدل مما قبله، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني الذين. أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿أُخْرِجُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(غير) مضاف، و﴿حَقٍّ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ يَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾","vol":"6","page":174},{"text":"وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل جر بدلا من ﴿حَقٍّ،﴾ والمعنى: ما أخرجوا من ديارهم، إلا بسبب قولهم، واعتبره السمين في محل نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿رَبُّنَا:﴾ مبتدأ، و(نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿دَفْعُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به للمصدر. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ بدل من ﴿النّاسَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿دَفْعُ﴾ على أنهما مفعوله الثاني، وخبر المبتدأ محذوف، كما هو الغالب بعد «لولا»، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها.\n ﴿لَهُدِّمَتْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (هدمت): ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث.\n ﴿صَوامِعُ:﴾ نائب فاعل، ولم يصرف؛ لأنه صيغة منتهى الجموع، وما بعده معطوف عليه، وجملة:\n ﴿لَهُدِّمَتْ..﴾. إلخ جواب (لولا)، و(لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿يُذْكَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿فِيهَا:﴾ متعلقان به. ﴿اِسْمُ:﴾ نائب فاعله، و﴿اِسْمُ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف؛ أي: ذكرا كثيرا، واعتباره حالا من ﴿اِسْمُ اللهِ﴾ لا بأس به، وجملة: ﴿يُذْكَرُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة (مساجد)، وبعضهم يعتبرها صفة للأماكن الأربعة، فيكون من باب التنازع. تأمل، والمعتمد الأول؛ لأن هذه الأمة هي المشهورة بكثرة ذكر الله تعالى في المساجد، وغيرها. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ:﴾\nالواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (ينصرن): مضارع مبني على الفتح؛ لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَنْصُرُهُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ: انظر مثل هذه الجملة في الآية السابقة، فهي مثلها في إعرابها.\n\n<span id=\"aya-2636\"></span>﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: نصرناهم على عدوهم؛ حتى تمكنوا من البلاد.\nوهو ثناء قبل بلاء، واختبار. قال البيضاوي: وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين؛ إذ لم","vol":"6","page":175},{"text":"يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين. هذا؛ وقال قتادة: هم أصحاب محمد ﷺ. وقال ابن عباس﵄-: المراد: المهاجرون، والأنصار، والتابعون لهم بإحسان. وقال عكرمة: هم أهل الصلوات الخمس. والأصح التعميم؛ وإن نزلت الآية في حق الأولين؛ إذ دل الدليل على أن المسلمين الأولين الذين أتوا بعد السابقين لم يفتحوا بلدا، وتمكنوا منه إلا نشروا الإسلام في ربوعه، وفعلهم في الأندلس، وغيرها من بلاد العجم شاهد صدق على ما أقول.\n ﴿أَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ أدوها على الوجه الأكمل، وانظر الآية رقم [٣١ و٥٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ:﴾ وهو ما استحسنه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة، والمنكر: ما استقبحه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة. ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي: آخر أمور الخلق، ومصيرها إليه تعالى؛ لأنه يبطل فيها كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع. هذا؛ وإعلال (آتوا) و(نهوا) مثل إعلال: ﴿تَوَلَّوْا﴾ في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا..﴾. إلخ، أو بدل من ﴿مِنْ﴾ انظر التفسير، والشرح يتضح لك ذلك، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، والبدلية أقوى؛ لشدة ارتباط الكلام بعضه ببعض.\nتأمل. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿مَكَّنّاهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا): فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَقامُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل جزم جواب الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة: (آتوا الزكاة...) إلخ كلها معطوفة على جملة جواب الشرط، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها صلة الموصول، فهو كلام لا محل له من الإعراب. ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله):\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عاقِبَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الْأُمُورِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2637\"></span><span id=\"aya-2638\"></span>﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣)﴾\nالشرح: في هذا الكلام تسلية للنبي، وتعزية عما كان يلقاه من أذى قومه له. أي: كان قبلك أنبياء كذّبوا، فصبروا، وأوذوا، فاحتملوا إلى أن أهلك الله المكذبين، فاقتد بهم، واصبر، فإنك منصور على قومك، كما نصرت الرسل على أقوامهم، وما أكثر مثل هذه التسلية للنبي ﷺ، وإنك تجدها واضحة كل وضوح في سورة (الأنعام)، وإن أردت أن تعرف تفصيل ما جرى بين هؤلاء","vol":"6","page":176},{"text":"الأقوام وبين رسلهم؛ فانظر سورة (الأعراف)، وسورة (هود) ﵇، وسورة (الشعراء).\nوانظر شرح ﴿قَوْمُ﴾ في الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنبياء)، و(عاد) قوم هود، و(ثمود) قوم صالح، واستغنى فيهما عن ذكر قومهما لا ستشهارهم بهذا الاسم الأخصر، والأصل في التعبير العلم، ولا علم لغيرهما هذا؛ وفي الآية دليل على تأنيث ﴿قَوْمُ﴾ لأن الفعل ﴿كَذَّبَتْ﴾ أنث.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يُكَذِّبُوكَ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجواب الشرط محذوف؛ إذ التقدير:\nفاصبر، وتأسّ. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿كَذَّبَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعادٌ وَثَمُودُ:﴾ معطوفان على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿وَقَوْمُ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها تعليل للجواب المحذوف، وهو أولى من اعتبارها جوابا للشرط، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ معطوف أيضا، وهو مضاف ومضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-2639\"></span>﴿وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَصْحابُ مَدْيَنَ:﴾ المراد: من أرسل إليهم شعيب ﵇، ولم يقل: وقوم شعيب؛ لأن قومه يشملون أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، وأصحاب مدين سابقون على أصحاب الأيكة في التكذيب له، فخصوا بالذكر لسبقهم في التكذيب، وانظر ﴿أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ في سورة (الشعراء) الآية رقم [١٧٦] وما بعدها. ﴿وَكُذِّبَ مُوسى:﴾ غيّر النظم، وبنى الفعل للمفعول؛ لأن قومه بني إسرائيل لم يكذبوه، وإنما كذبه فرعون، وقوم فرعون، ولأن تكذيبه كان أشنع، وكانت آياته أعظم وأشيع، ولا تنس: أنه لقي من عنت بني إسرائيل، وفسادهم، وفجورهم، وفسوقهم ما لقي، وأكثر ما تجد ذلك في سورة (الأعراف)، وسورة (البقرة).\n ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أي: أمهلتهم، وأخرت العقوبة عنهم إلى انتهاء آجالهم، وهذا كقوله تعالى في سورتي (الأعراف) و(ن): ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: عاقبتهم.\n ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ:﴾ استفهام معناه التعجب، ومفاده التغيير، أي: فانظر كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعم، والرخاء بالعذاب، والهلاك؟! فكذلك أفعل بالمكذبين من قريش. قال الجوهري: النكير، والإنكار تغيير المنكر. أو المعنى: فكيف كان عقابي للمكذبين الأولين؟!","vol":"6","page":177},{"text":"فليحذر كفار قريش من مثله، أي: فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكاري بالتدمير، والإهلاك، والاستئصال، ولم تغن عنهم قوتهم، ولا أموالهم، ولا أولادهم شيئا، فما لكفار قريش لا يهتدون، ولا يعتبرون بهؤلاء؟! فلا يرتدعون عما هم عليه من الكفر، والعصيان، والطغيان.\nبعد هذا انظر شرح (الكفر) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح (صاحب) في الآية رقم [٣٤] من سورة (الكهف)، وشرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿وَأَصْحابُ:﴾ معطوف على ﴿قَوْمُ نُوحٍ..﴾. إلخ، و(أصحاب) مضاف، و﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (كذّب): ماض مبني للمجهول. ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قد كذبت...) إلخ أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. (أمليت): فعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَخَذْتُهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف):\nاسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، ومفاد الاستفهام الإنكار، والتعجب. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ مستأنفة لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-2640\"></span>﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: كثير من القرى. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ أهلكنا أهلها، ويقرأ:\n «(أهلكتها)». ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي: لنفسها بالكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ:﴾ ساقطة.\n ﴿عَلى عُرُوشِها:﴾ على سقوفها، وقيل: إن أشجار العنب المعرشة سقطت عروشها على الأرض.\nومثله في (البقرة) الآية رقم [٢٥٩]، وفي الكهف [٤٢]. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: وكم من بئر عامرة في البوادي متروكة مخلاة، لا يسقى منها أحد لهلاك أهلها. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أي: رفيع طويل، وقيل: مشيد بالجص، وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البوادي، والمعنى: أهلكنا هؤلاء، وهؤلاء، ول: (قصر) صفة محذوفة، أي: معطل غير مسكون.\nهذا؛ وقيل: إن البئر المعطلة، والقصر المشيد باليمن، أما القصر فعلى قلّة جبل، والبئر في سفحه، ولكل واحد منهما قوم، كانوا في نعمة، فكفروا، فأهلكهم الله، وبقي القصر، والبئر","vol":"6","page":178},{"text":"خاليين. وقيل: إن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح ﵇ لما نجوا من العذاب أتوا إلى حضرموت، ومعهم صالح، فلما وصلوا إلى حضرموت؛ مات صالح، فسمّي المكان حضرموت لذلك، ولما مات صالح؛ بنوا حاضوراء، وقعدوا على هذا البئر، وأمّروا عليهم رجلا منهم، فأقاموا دهرا، وتناسلوا حتى كثروا، وعبدوا الأصنام، فأرسل الله تعالى إليهم نبيا يقال له: حنظلة بن صفوان، فوعظهم، ونهاهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم، وخرب قصرهم. انتهى. خازن.\nهذا؛ وقال السهيلي. وأما القصر المشيد؛ فقصر بناه شدّاد بن عاد بن إرم، لم يبن مثله في الأرض-فيما ذكروا، وزعموا-. وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنيس. انتهى. قرطبي. أقول وهذا القصر ذكره الله تعالى في سورة (الفجر)، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. هذا؛ وسمي القصر قصرا؛ لقصور الفقراء عن تحصيله، وحبسهم عن نيله، والوصول إليه، والأظهر أن البئر، والقصر على العموم من غير تعيين.\nهذا؛ وأما (كأين): أصلها: «أي» الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم مثل: «كم» و«كذا» وفيها خمس لغات، كلها قرئ بها: إحداها: (كأيّن) وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلا ابن كثير. والثانية: «(كائن)» بوزن: كاعن، وبها قرأ ابن كثير، وجماعة، وهي أكثر استعمالا من (كأيّن) وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشعر العربي. الثالثة: «(كئين)» بوزن: كريم. الرابعة: «(كيئن)» بياء ساكنة، وهمزة مكسورة. والخامسة: «(كأن)» بوزن: كفن. هذا؛ والجلال المحلي اعتبر (كأيّن) بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ رحمه الله تعالى سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه. انتهى.\nجمل.\nهذا؛ و(البئر) ركية الماء التي تطوى بالحجارة، قال سنان بن الفحل الطائي: [الوافر]\nفإنّ الماء ماء أبي وجدّي... وبئري ذو حفرت وذو طويت\nفإذا لم تبن بالحجارة فهي: جب، كما رأيت في الآية رقم [١٠] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهي مؤنثة، وجمعها في القلة: أبؤر، وأبآر، ومن العرب من يقلب الهمزة، فيقول: آبار، فإذا كثرت فهي البئار، كالديار.\nالإعراب: ﴿فَكَأَيِّنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كأين): اسم كناية بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز السمين اعتباره مفعولا به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز ل: (كأين) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة","vol":"6","page":179},{"text":"على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿أَهْلَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو هي مفسرة لا محل لها على الوجه الثاني، والكلام مستأنف لا محل له، وانظر ما نقلته عن الزمخشري في الآية رقم [٤٨] الآتية. ﴿وَهِيَ:﴾ الواو: واو الحال. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿ظالِمَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. وجملة: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ معطوفة على جملة: ﴿أَهْلَكْناها﴾ فهي في محل رفع خبر مثلها. ﴿عَلى عُرُوشِها:﴾ متعلقان ب: ﴿خاوِيَةٌ﴾ وأجاز الزمخشري تعليقهما بمحذوف خبر ثان للمبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبِئْرٍ:﴾ معطوف على ﴿قَرْيَةٍ﴾.\n ﴿مُعَطَّلَةٍ:﴾ صفة (بئر). ﴿وَقَصْرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مَشِيدٍ:﴾ صفة (قصر) وله صفة أخرى محذوفة، مدلول عليها بصفة (بئر) أي: قصر مشيد معطل.\n\n<span id=\"aya-2641\"></span>﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ:﴾ حث لكفار قريش على أن يسافروا، فيشاهدوا هذه القرى المهلكة، فيعتبروا، ويتعظوا، ويحذروا عقاب الله أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم. ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها:﴾ ما يجب أن يعقل من التوحيد بما حصل لهم من الاستبصار، والاستدلال.\nوأضاف العقل، -أي الفهم-إلى القلب؛ لأنه محله، كما أن السمع محله الأذن.\n ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ:﴾ الضمير ضمير القصة، والجملة الفعلية بعده مفسرة له، ويقرأ:\n «(فإنه)» بالتذكير على أن الضمير ضمير الشأن. ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ..﴾. إلخ: المعنى فما عميت أبصارهم عن الإبصار، بل عميت قلوبهم عن الاستبصار، والاعتبار، ولكل إنسان أربع أعين:\nعينان في رأسه، وعينان في قلبه، فإذا أبصر ما في القلب، وعمي ما في الرأس؛ لم يضره، وإن أبصر ما في الرأس، وعمي ما في القلب؛ لم ينفعه، كيف لا؛ وقد اعتبر الله الكفار أهل جهنم كالأنعام بل هم أضل، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، انظر الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، واستعمال العمى في القلب استعمارة. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ زيادة تصوير وتقرير، فإن القلوب في الصدور كما هو معروف. وفيه إشعار: أن عيونهم سليمة لا عيب فيها، إنما الخلل في عقولهم، وفي قلوبهم. هذا؛ ولما عمي عبد الله بن عباس﵄أنشد يقول: [البسيط]\nإن يأخذ الله من عينيّ نورهما... فإنّ قلبي مضيّ ما به ضرر\nأرى بقلبي دنياي وآخرتي... والقلب يدرك ما لا يدرك البصر","vol":"6","page":180},{"text":"فاحفظهما فإنهما درة ثمينة، وخذ قول بشار بن برد الأعمى: [مجزوء البسيط]\nقالوا العمى منظر قبيح... قلت بفقدانكم يهون\nوالله ما في الوجود شيء... تبكي على فقده العيون\nوله أيضا، وهي فائدة عظيمة: [الطويل]\nشفاء العمى طول السّؤال وإنّما... دوام العمى طول السّكوت على الجهل\nفكن سائلا عمّا عناك فإنّما... دعيت أخا عقل لتبحث بالعقل\nهذا؛ وقال ابن عباس، ومقاتل، وقتادة، وابن جبير﵃ أجمعين-: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى..﴾. إلخ الآية رقم [٧٢] من سورة (الإسراء) قال عبد الله بن أم مكتوم﵁-: يا رسول الله! أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟! فنزلت هذه الآية التي نحن بصدد شرحها، أي: من كان أعمى في الدنيا عن الحق، أو أعمى بقلبه عن الإسلام، فهو في الآخرة في النار، وأعمى عن طريق الجنة. هذا؛ وطلب السير في الأرض، والأمر فيه متكرر في القرآن الكريم بكثرة، والغرض منه الحث على التفكر والاعتبار، بما جرى للأمم السابقة التي كذبت رسلها من الهلاك، والاستئصال، وما يعتبر إلا ذوو البصيرة، والألباب. انظر مثل: ﴿أَفَلَمْ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري؛ إن كانوا قد سافروا، ولم يعتبروا. أو للحث على السفر؛ ليروا مضارع من تقدمهم؛ إن كانوا لم يسافروا. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أغفلوا فلم يسيروا؟! أو هي مستأنفة، والكلام على الاعتبارين مستأنف لا محل له. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَتَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب:\n «أن» مضمرة بعد الفاء السببية. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (تكون) مقدم. ﴿قُلُوبٌ:﴾ اسمه مؤخر، و«أن» المضمرة، والفعل (تكون) في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: ألا سير يحصل منهم في الأرض، ففهم لقلوبهم. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صفة ﴿قُلُوبٌ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿آذانٌ:﴾ معطوف على ﴿قُلُوبٌ،﴾ والجملة الفعلية ﴿يَسْمَعُونَ بِها﴾ صفة ﴿آذانٌ﴾. ﴿فَإِنَّها:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنها): حرف مشبه بالفعل (ها):\nاسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْمَى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿الْأَبْصارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ﴿فَإِنَّها..﴾. إلخ","vol":"6","page":181},{"text":"للتعليل لا محل لها، وجملة ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿الْقُلُوبُ﴾. ﴿فِي الصُّدُورِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2642\"></span>﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ أي: يطلبون منك يا محمد أن تعجل لهم ما وعدتهم به من العذاب. والمراد: النضر بن الحارث، وأبو جهل، وأضرابهما، الذين قالوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ أي: في إنزال العذاب. قال الزجاج: استعجلوا العذاب، فأعلمهم الله: أنه لا يفوته شيء، وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدر. وانظر ما ذكرته في «العجلة» في الآية رقم [٣٧] من سورة (الأنبياء).\n ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ:﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: يعني من الأيام التي خلق الله فيها السموات، والأرض. وقال عكرمة: يعني من أيام الآخرة.\nأعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب في أيام قصيرة: أنه يأتيهم به في أيام طويلة. وقال الفراء:\nهذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة. هذا؛ ويوم النعيم في الآخرة كألف سنة أيضا، يدل عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنّور التّامّ يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمئة سنة». أخرجه أبو داود، والترمذي. هذا؛ وقال تعالى في سورة (المعارج):\n ﴿مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وقيل: المراد به يوم القيامة، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى هناك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وقرئ: «(يعدون)» بالياء، فيكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وقيل:\nالتفات على قراءته بالتاء. تأمل، انظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿عَذابِ﴾ في الآية رقم [٤٦] منها، وانظر شرح ﴿سَنَةٍ﴾ في الآية رقم [٢٥] من سورة (الكهف)، وانظر شرح ﴿يَوْمًا﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء)، وشرح (ربك) في رقم [٨] منها.\nالإعراب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يستعجلونك): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِالْعَذابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يُخْلِفَ:﴾\nمضارع منصوب ب: (لن). ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿وَعْدَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل","vol":"6","page":182},{"text":"لها مثلها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (إن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿يَوْمًا:﴾ اسم إنّ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة ﴿يَوْمًا،﴾ و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَأَلْفِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) و(ألف) مضاف، و﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿سَنَةٍ﴾ و(ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: من الذي تعدونه في الدنيا، واعتبار (ما) مصدرية ضعيف، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين، وقيل: هي في محل نصب حال، وهو ضعيف أيضا.\n\n<span id=\"aya-2643\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: وكم من أهل قرية، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب، ورجوع الضمائر. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: لم عطفت الأولى بالفاء، أي التي في الآية رقم [٤٥] وهذه بالواو؟ قلت: الأولى وقعت بدلا من قوله تعالى:\n ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ،﴾ وأما هذه فحكمها حكم الجملتين قبلها، المعطوفتين بالواو، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ..﴾. إلخ.\n ﴿أَمْلَيْتُ لَها:﴾ أمهلتها كما أمهلتكم. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي: مثلكم، وانظر الآية رقم [٤٤ و٤٥] ﴿ثُمَّ أَخَذْتُها﴾ أي: بالعذاب، والانتقام. ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: مصير أهلها إليّ في الآخرة، ومالهم، ومرجعهم إليّ ففيه وعيد، وتهديد.\nالإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ انظر الآية رقم [٤٥] ففيها الكفاية. ﴿أَمْلَيْتُ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿لَها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَكَأَيِّنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. والجملة الاسمية: ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَخَذْتُها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَمْلَيْتُ لَها﴾ فهي في محل رفع مثلها.\n (إلي): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-2644\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ بأن يقول لأهل مكة: إني منذر لكم من غضب الله، وسخطه، وانتقامه؛ إن أعرضتم عن الإيمان، والتوحيد، وإنما لم يقل: «بشير ونذير» لذكر","vol":"6","page":183},{"text":"الفريقين بعده؛ لأن الحديث مسوق للمشركين، والنداء خاص بهم، وهم الذين قيل فيهم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا،﴾ ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون، وثوابهم؛ ليغاظوا، وانظر إعلال ﴿مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [١١].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١] وهي هنا في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بنذير بعدهما. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وإنما أفادت الحصر، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2645\"></span><span id=\"aya-2646\"></span>﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف أنواعها، وتفاوت درجاتها. وانظر الاحتراس في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنبياء). ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ:﴾ لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي:\nلا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كد الاكتساب، وخوف الحساب، لا منة فيه، ولا عذاب. والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضي في بابه، يقال:\nوجه كريم؛ أي: مرض بحسنه وجماله. وكتاب كريم: مرض في معانيه، وفوائده. ونبات كريم:\nمرض فيما يتعلق به من المنافع، قال تعالى: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ وقس على ذلك الإنسان، والحيوان... إلخ، وانظر شرح ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ في الآية رقم [٥٨] الآتية.\n ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ:﴾ مغالبين، أو معاندين، أو مثبطين الناس عن الإسلام، يقولون لهم: محمد ﷺ ساحر، وما جاء به سحر، أو يقولون لهم: هو كاهن، أو شاعر... إلخ، هذا؛ وعاجزه: سابقه؛ إذا كان كل واحد منهما يسعى في طلب إعجاز الآخر عن اللّحاق به، فإذا سبقه؛ قيل: أعجزه، وعجّزه. ويقرأ: «(معجّزين)» بتشديد الجيم. هذا؛ ومعنى: ﴿سَعَوْا:﴾\nاجتهدوا. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ:﴾ النار الموقدة التي تشتعل بهم. هذا؛ وقد قابل سبحانه بين المؤمنين المطيعين وبين الكافرين المعاندين، وذكر جزاء كل فريق منهم. انظر الآية رقم [١٤].\nهذا؛ ولا تنس: أن الوعد، والوعيد يشملان الذكور، والإناث من بني آدم، كما قد صرحت به بعض الآيات القرآنية، وانظر مثل إعلال (سعوا) في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ","vol":"6","page":184},{"text":"مؤخر. ﴿وَرِزْقٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة (رزق)، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n (الذين): مبتدأ. ﴿سَعَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿فِي آياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مُعاجِزِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية:\n ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وانظر دخول الفاء في خبر (الذين) في الآية رقم [٥٦] الآتية.\n\n<span id=\"aya-2647\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى:﴾ قرأ، وتلا. ﴿أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ:﴾ في قراءته وتلاوته. قال الشاعر في عثمان﵁-: [الطويل]\nتمنّى كتاب الله أوّل ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل\nأي: قرأ كتاب الله، ومثله قول حسان بن ثابت فيه﵄-: [الطويل]\nتمنّى كتاب الله أوّل ليلة... وآخرها لاقى حمام المقادر\n ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ:﴾ فيبطله، ويذهب به، بل ويمحقه. ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ:﴾ يثبتها، ويحفظها من لحوق الزيادة من الشيطان. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ:﴾ بما أوحى إلى نبيه، وبقصد الشيطان، لا يعزب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء. ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما يفعله، لا يدع لبسا؛ حتى يكشفه، ويزيله.\nتنبيه: لقد كثر القيل والقال في سبب نزول هذه الآية، وما تضمنته من معنى، وكثرت الروايات فيها حتى زلت قدم بعض المفسرين في ذلك حيث نسبوا للرسول المعظم ما يحط من مكانته عند ربه، وما لا يليق بمقامه العظيم في الدنيا، والآخرة! ولقد أحسن الإمام النسفي القول في ذلك جزاه الله خيرا، وأكرم مثواه، حيث ذكر باختصار بعض الروايات التي عنيتها، ثمّ فنّدها ثمّ وصل إلى وجه الحقيقة منزها الرسول ﷺ عن كل ما لا يليق بمقامه الكريم، وهاك قوله بحروفه.","vol":"6","page":185},{"text":"قالوا: إنه ﵇ كان في نادي قومه يقرأ: ﴿وَالنَّجْمِ،﴾ فلما بلغ: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ جرى على لسانه تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. ولم يفطن له؛ حتى أدركته العصمة، فتنبه عليه، وقيل: نبهه جبريل ﵇، فأخبره: أن ذلك كان من الشيطان. وهذا القول غير مرض؛ لأنه لا يخلو إما أن يتكلم النبي ﷺ بها عمدا، وهذا لا يجوز؛ لأنه كفر، ولأنه بعث طاعنا للأصنام، لا مادحا لها. أو أجرى الشيطان ذلك على لسان النبي ﷺ جبرا، بحيث لا يقدر على الامتناع منه. وهو ممتنع؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ ففي حقه أولى. أو أجرى ذلك على لسانه سهوا، وغفلة، وهو مردود أيضا؛ لأنه لا يجوز مثل هذه الغفلة عليه في حال تبليغ الوحي، ولو جاز ذلك؛ لبطل الاعتماد على قوله؛ ولأنه تعالى قال في صفة المنزل عليه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ وقال: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾.\nفلما بطلت هذه الوجوه لم يبق إلا وجه واحد، وهو أنه ﵊ سكت عند قوله: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءة النبي ﷺ، فوقع عند بعضهم: أنه ﵇ هو الذي تكلم بها، فيكون هذا إلقاء في قراءة النبي ﵇، وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي ﵇، ويسمع كلامه، فقد روي: أنه نادى يوم أحد: ألا إن محمدا قد قتل، وقال يوم بدر كما حكى الله تعالى عنه: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾. هذا؛ وانظر شرح هذه الآية برقم [٤٨] من سورة (الأنفال)، وقد رأيت: أنه تشخص بشخص رجل كبير السن ليلة الهجرة المباركة، ودخل على المؤتمرين، واشترك في المشاورة بأمر النبي ﷺ. انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال).\nهذا؛ ولمّا قرأ النبي ﷺ سورة (النجم)؛ سجد في آخرها لآية سجدتها، وسجد معه من حضر من المسلمين، والمشركين. فعن عبد الله بن مسعود﵁-: أن النبي ﷺ قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد فيها، وسجد من كان معه غير أنّ شيخا من قريش أخذ كفّا من حصى، أو تراب فرفعه إلى جبهته، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. أخرجه البخاري، ومسلم.\nوهذا صريح بأن المشركين سجدوا معه ﷺ، وهذه القصة حدثت بعد هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة، فأشيع أن أهل مكة أسلموا جميعا، وبلغ الخبر الذين كانوا بأرض الحبشة ففرح المسلمون، ورجعوا إلى مكة، ولكنهم رأوا قريشا لا تزال على دينها، وقد اشتدوا، وأمعنوا في إيذاء المسلمين المستضعفين، ولمّا تبيّن لهم: أن قريشا لم يسلموا؛ رجعوا إلى الحبشة، وتسمى هذه الرجعة بالهجرة الثانية، فهاجر غالب المسلمين، فكانوا عند النجاشي ثلاثة وثمانين رجلا، وثماني عشرة امرأة، فبقوا عنده؛ حتى هاجر الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة المنورة، وحصلت غزوة بدر، وأحد، فذهبوا من الحبشة إلى المدينة، وكان يرأسهم جعفر بن أبي طالب، -﵃ أجمعين-.","vol":"6","page":186},{"text":"هذا؛ وفي عطف ﴿نَبِيٍّ﴾ على ﴿رَسُولٍ﴾ إشارة واضحة على أنه غيره، وقيل: هو أعم منه؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا. وتعريفهما، فالرسول: ذكر، حرّ من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبي، وليس رسولا. هذا؛ والنبي مأخوذ من النبأ: وهو الخبر، انظر الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).\nوقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة: وهو الارتفاع: لأنّ رتبة النبي ارتفعت عن رتبة سائر الخلق.\nوهو يقرأ بالهمز، وبدونه هذا؛ ويروى: أن أبا ذر﵁سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفا». قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمئة وثلاثة عشر، أول الرّسل آدم، وآخرهم نبيّكم محمد، ﵇».\nهذا؛ وأربعة منهم من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد، صلّى الله عليهم جميعا، وسلم. وإسماعيل مستعرب، والمذكور منهم في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة، على كل مسلم، ومسلمة من المكلفين، وأعني بمعرفتهم: أنه لو عرض اسم رسول على مسلم، فيجب أن يعرف، أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقد ذكر الله في آيات الأنعام ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، لا بحسب الزمان، ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، انظر الآية رقم [٨٣] وما بعدها من سورة (الأنعام)، وبقي سبعة لم يذكروا في سورة (الأنعام)، وذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب الذي ذكر في سورة (الأنبياء)، ومحمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم، فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا هم الذين يجب الإيمان بهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]\nحتم على كلّ ذي التّكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا\nفي تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر، ويبقى سبعة وهمو\nإدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا\nويعني بقوله في ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ آيات الأنعام المذكورة. هذا؛ وفي الآية تسلية ثانية للرسول ﷺ.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿قَبْلِكَ:﴾ ظرف زمان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَبِيٍّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، أو حرف حصر. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿تَمَنّى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف","vol":"6","page":187},{"text":"للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿نَبِيٍّ﴾ و﴿رَسُولٍ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿أَلْقَى الشَّيْطانُ﴾ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها. ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\nوالهاء في محل جر بالإضافة، و(إذا) ومدخولها في محل نصب على الاستثناء المنقطع، أو في محل جرّ صفة ﴿نَبِيٍّ﴾ أفاده أبو البقاء، وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له ألبتة. والكلام:\n ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿فَيَنْسَخُ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو عطف.\n (ينسخ): مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي أو شيئا يلقيه الشيطان، وأجيز اعتبار ما مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: فينسخ الله إلقاء الشيطان، وجملة ﴿فَيَنْسَخُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿يُحْكِمُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله.\n ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2648\"></span>﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً:﴾ محنة، وابتلاء، واختبارا، والله يختبر عباده بما يشاء. ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ شك، ونفاق، فهو يمرض القلوب؛ أي: يضعفها بضعف الإيمان فيها، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتلال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وهو يؤدي إلى الموت، واستعير هنا وفي كثير من الآيات لما في القلوب من الجهل، وفساد العقيدة، والمراد بالذين في قلوبهم مرض ضعفاء الإيمان الذين ارتدوا عن الإسلام حين حصلت الحادثة؛ التي رأيتها في الآية السابقة.\n ﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ:﴾ المراد بهم: المشركون الذين سجدوا مع الرسول ﷺ، ثم عادوا إلى عتوهم، وعنادهم. ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ﴾ أي: لأنفسهم من مشركين، ومن حذا حذوهم، وانظر التعبير ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ ونحوه عن المشركين في الآية رقم [٧٤] من سورة (طه). ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: لفي خلاف وعصيان ومشاقة لله ﷿، ولرسوله ﷺ، وللمؤمنين، ومعنى ﴿بَعِيدٍ﴾ شديد، وقول الجلال رحمه الله تعالى: لفي خلاف طويل مع النبي، والمؤمنين حيث جرى على لسانه ذكر آلهتهم بما يرضيهم، ثم أبطل ذلك انتهى. أقول: هذا كلام قد بينت بطلانه في الآية السابقة، فليتنبه له. ونقل الجمل عن الخازن ما تدارك الخازن نفسه بطلانه أيضا، فليتنبه له أيضا.","vol":"6","page":188},{"text":"هذا؛ ول (الشقاق) ثلاثة معان: أحدها: العداوة، كما في قوله تعالى حكاية عن قول شعيب ﵇ لقومه: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. إلخ [٨٩] من سورة (هود). والثاني:\nالضلال، والكفر كما في هذه الآية التي نحن بصدد شرحها. والثالث: الخلاف، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما..﴾. إلخ [٣٥] (النساء).\nهذا؛ وقد قال الثعلبي: وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو، والنسيان، والخطأ بوسواس الشيطان، أو عند شغل القلب حتى يغلط، ثم ينبه، ويرجع إلى الصحيح، وهو معنى قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ ولكن إنما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأما ما يضاف إليه من قولهم: تلك الغرانيق العلا، فكذب على النبي ﷺ؛ لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء، كما لا يجوز أن يقرأ بعض القرآن، ثم ينشد شعرا، ويقول: غلطت، وظننته قرآنا. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿لِيَجْعَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يحكم) وإليه نحا الحوفي، فتكون الجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ معترضة، أو هما متعلقان بالفعل (ينسخ) وإليه ذهب ابن عطية، أو هما متعلقان بالفعل ﴿أَلْقَى،﴾ وليس بظاهر. انتهى. جمل. ﴿ما يُلْقِي الشَّيْطانُ:﴾ انظر الآية السابقة، ففيها الكفاية.\n ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها؛ هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول، و﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا بمتعلقهما، التقدير: للذين استقر في قلوبهم مرض. ﴿وَالْقاسِيَةِ:﴾ معطوف على الموصول. ﴿قُلُوبِهِمْ:﴾ فاعل له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسم (إن) منصوب، وعلامة نصبه الياء\nإلخ. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في شقاق): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿بَعِيدٍ:﴾\nصفة (شقاق) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2649\"></span>﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ وليوقن، ويعتقد. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ:﴾ وهم من المؤمنين الموحدين الذين ليس في قلوبهم مرض، ولا زيغ عن الإيمان، والتوحيد: ﴿أَنَّهُ﴾ أي: القرآن، والذي أحكم، وأثبت من آياته. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ:﴾ الحق النازل من عند الله، لا ريب فيه، ولا يشوبه تحريف،","vol":"6","page":189},{"text":"ولا تزييف، ولا يتلاعب به مخلوق من شيطان، وغيره من الجن، والإنس إلى يوم القيامة؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظه، ورعايته. ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي: يؤمن أهل العلم بالقرآن، ويعترفوا: أنه من عند الله. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخضع، وتطيع، وتشخع عند تلاوته، أو سماعه.\n ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: لموفق لهم ومثبت أقدامهم على الطريق المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه، ولا انحراف، وهو دين الإسلام الذي جاء به سيد الأنام محمد ﵊.\nأما ﴿أُوتُوا﴾ فأصله: أوتيوا، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فصار أوتوا، ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو، والفعل «أتى» يستعمل لازما إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، وقرب، كما في قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ..﴾. إلخ، ويستعمل متعديا لمفعول واحد إن كان بمعنى:\nوصل، وبلغ، كما في قوله تعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ..﴾. إلخ، وكما في الآية التالية، وأما «أتى» بمعنى: أعطى، ومنح؛ فهو ينصب مفعولين كما في هذه الآية، فإن معنى أوتوا: أعطوا، ومنحوا، ولا تنس: أن الله ذكر حال الظالمين في الآية السابقة، ثم ذكر حال المؤمنين في هذه الآية، وذلك من باب المقابلة، والمقارنة بين حال الفريقين، انظر رقم [١٤].\nالإعراب: ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ معطوف على ﴿لِيَجْعَلَ﴾ وهو مثله في إعرابه، وتأويل المصدر وجره... إلخ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله. ﴿أُوتُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والعائد، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل (يعلم). ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَيُؤْمِنُوا:﴾ معطوف على (ليعلم) بالفاء العاطفة منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، واعتبار الفاء للسببية، والنصب ب: «أن» مضمرة بعدها لا بأس به. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿فَتُخْبِتَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها ﴿لَهادِ:﴾ خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، واللام هي المزحلقة، و(هادي) مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ ويقرأ «(لهاد الّذين)» بتنوين الدال، فيكون الموصول مفعولا صريحا. تأمل. والكسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين.\nوجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان ب: (هاد).\n ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"6","page":190},{"text":"<span id=\"aya-2650\"></span>﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ:﴾ في شك، وريب. ﴿مِنْهُ:﴾ من القرآن، أو من الرسول، أو من الدّين، أو مما تكلم به الشيطان على لسان الرسول ﷺ، يقولون: ما باله ذكر آلهتنا بخير، ثم ارتدّ عنه؟ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً:﴾ فجأة، وانظر الآية رقم [٤٩ و٩٦] من سورة (الأنبياء) تجد شرح الساعة، وعلاماتها. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ:﴾ يعني: يوم بدر، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرج، أو راحة، كالريح العقيم، لا تأتي بخير، لا تنشئ مطرا، ولا تلقح شجرا، أو عذاب يوم شديد لا رحمة فيه، أو لا مثل له في عظم شأنه لقتال الملائكة فيه، وعن الضحاك: إنه يوم القيامة، فهو يوم لا ليلة بعده. انتهى. والعقيم في اللغة:\nعبارة عمن لا يكون له ولد، ولما كان الولد إنما يكون بين أبوين، وكانت الأيام تتوالى قبل، وبعد؛ جعل الاتباع فيها بالبعدية كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم؛ وصف بالعقيم. انتهى. قرطبي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وفي الكلام استعارة بالكناية، حيث شبه ﷾ ما لا خير فيه من الزمان بالنساء العقيم، كما شبهت الريح التي لا تحمل السحاب، ولا تلقح الأشجار بهن تشبيها مضمرا في النفس، وإثبات العقم تخييل. انتهى. جمل بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَزالُ:﴾ مضارع ناقص.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسم ﴿يَزالُ،﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي مِرْيَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (لا يزال).\n ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿مِرْيَةٍ﴾. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة.\n ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والهاء مفعول به. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله.\n ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من ﴿السّاعَةُ﴾ بمعنى: باغتة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، وتكون هذه الجملة في محل نصب حال من الساعة. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل تأتي من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف أيضا، التقدير: مستمرا ذلك منهم إلى أن تأتيهم، أو إلى إتيان الساعة... إلخ. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿عَذابُ:﴾ فاعله، وهو مضاف و﴿يَوْمٍ:﴾\nمضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسمه إلى ظرفه. ﴿عَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ،﴾ وجملة: ﴿وَلا يَزالُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.","vol":"6","page":191},{"text":"<span id=\"aya-2651\"></span>﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة، دلت عليها الغاية، أي: يوم تزول حريتهم، و(إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فإن أصل الكلام يوم إذ تزول حريتهم، ويرون بأعينهم ما لم يكن بحسبانهم. فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في حينئذ، وساعتئذ ونحوهما.\n ﴿لِلّهِ:﴾ وحده لا شريك له فيه، ولا منازع، بخلاف الدنيا فكثير من الناس يدعون الملك، ويتكبرون، ويتجبرون. واللام مفيدة للملك الحقيقي الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين المؤمنين، والكافرين، وبين الظالمين، والمظلومين... إلخ، ثم بين حكمه بينهم، فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا..﴾.\nإلخ، وإدخال الفاء في خبر الثاني دون الأول تنبيه على أن إثابة المؤمنين بالجنات تفضل منه تعالى، وأنّ عقاب الكفار مسبب عن أعمالهم الخبيثة؛ ولذلك قال: لهم عذاب، ولم يقل: هم في عذاب. انتهى. بيضاوي بتصرف. أقول: لم تدخل الفاء في خبر الذين في الآية رقم [٥٠] مع أن المغزى واحد، فلله في كتابه حكم، وأسرار عجزت عن إدراكها البصائر والأبصار. انظر الاحتراس في الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف، الذي هو متعلق لله، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿يَحْكُمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (الذين) ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٥٠].\n ﴿فِي جَنّاتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: (الذين آمنوا...) إلخ مفرعة عما قبلها، ومستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-2652\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾\nالشرح: هذه الآية مرتبطة في الآية السابقة، ومقابلة لها، انظر شرحها، وانظر شرح (عذاب) في الآية رقم [٤٦] من سورة (الأنبياء). ﴿مُهِينٌ﴾ مذل، فهو اسم فاعل من: أهان الرباعي، وإعلاله مثل إعلال: (مبين) في الآية رقم [١١]، وانظر (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم).","vol":"6","page":192},{"text":"الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (قالوا) في الآية رقم [٢٧] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿بِآياتِنا:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: صلة، وزيدت في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ (أولئك)، ويكون ﴿عَذابٌ﴾ فاعلا بالخبر المحذوف. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n (الذين...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2653\"></span>﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: فارقوا أوطانهم، وعشائرهم في طاعة الله، وطلب مرضاته، وذلك بسبب مضايقة الكفار لهم، كالذي حصل من كفار مكة للمسلمين المستضعفين قبل فتح مكة. هذا؛ وقد سمى الله الجهاد في سبيله هجرة أيضا، وهناك هجرة ثالثة، وهي هجرة جميع المعاصي، والابتعاد عنها. فقد قال الرسول المعظم ﷺ من حديث طويل: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (النساء) إن أردت الزيادة.\n ﴿ثُمَّ قُتِلُوا:﴾ في قتالهم مع الكفار. ﴿أَوْ ماتُوا:﴾ في بيوتهم، وعلى فرشهم. ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: لا ينقطع أبدا، وهو رزق الجنة؛ لأن فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وإنما سوى ﷾ بين من قتل في الجهاد، وبين من مات في بيته في الوعد لا ستوائهما في القصد، والنية الحسنة، وهي نصرة هذا الدين، وإعلاء كلمته. هذا؛ وانظر شرح (رزق كريم) في الآية رقم [٥٠].\nوسبب نزول هذه الآية الكريمة: أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد﵄قال بعض المسلمين: من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه، فنزلت هذه الآية مسوية بينهم في الأجر والثواب، وحسن الماب، وأن الله يرزق جميعهم رزقا حسنا. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ:﴾ أعظم، وأكرم الرازقين.","vol":"6","page":193},{"text":"قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: الرزاق في الحقيقة هو الله ﷿، لا رازق للخلق غيره، فكيف قال: وإن الله لهو خير الرازقين؟ قلت: قد يسمى غير الله رازقا على المجاز، كقوله: رزق السلطان الجند؛ أي: أعطاهم أرزاقهم، وأن الرازق في الحقيقة هو الله تعالى، وقيل: لأن الله تعالى يعطي من الرزق ما لا يقدر عليه غيره. هذا؛ وانظر شرح (خير) في الآية رقم [٤٤] من سورة (الكهف).\nالإعراب: (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ صلته، وانظر تفصيل الإعراب في الآية السابقة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿قُتِلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿ماتُوا﴾ معطوفة أيضا عليها لا محل لها مثلها. ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يرزقنّهم:) مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿اللهِ:﴾ فاعل. ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو مفعول مطلق مؤكد للفعل. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآيتين السابقتين لا محل لها مثلهما. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن)، وإن اعتبرت الضمير فصلا فيكون (خير) خبر (إنّ) ودخلت اللام على الضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على خبر (إنّ) فدخولها على ضمير الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و(خير) مضاف، و﴿الرّازِقِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وانظر الآية رقم [٧] من سورة (العنكبوت) ففيها بحث قيم يتعلق بوقوع الجملة القسمية خبرا عن الموصول كما في هذه الآية.\n\n<span id=\"aya-2654\"></span>﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ الضمير يشمل من قتل في سبيل الله مجاهدا، ومن مات حتف أنفه.\n ﴿مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ:﴾ هو الجنة، ونعيمها الدائم، يكرمون به، ولا ينالهم فيه مكروه. هذا؛ ويقرأ ﴿مُدْخَلًا﴾ بضم الميم من الرباعي، وبفتحها من الثلاثي، فعلى الأول هو مصدر على صورة اسم المفعول، وكثيرا ما يرد المصدر كذلك، نحو قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ ويحتمل أن يكون اسم مكان، وعلى الثاني هو اسم مكان، ويحتمل أن يكون مصدرا","vol":"6","page":194},{"text":"أيضا، وانظر ﴿مُنْزَلًا﴾ في الآية رقم [٢٩] من سورة (المؤمنون). ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ:﴾ بأحوال المسلمين المجاهدين، وأحوال أعدائهم. ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ والحلم-بكسر الحاء، وسكون اللام: هو الأناة، والروية في الأمور، والتؤدة، والعقل، ومقابله السفه، والطيش الذي حدثتك عنه في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأعراف) وغيرها. والحليم:\nمن أسماء الله الحسنى، ومعناه: الذي لا يستفزه عصيان العاصين، ولا يستثيره جحود الجاحدين. وانظر (الجهل) في الآية رقم [٦٣] من سورة (الفرقان) إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾ في الآية السابقة، وهو بدل منه، أو الجملة جواب قسم محذوف مثل الآية السابقة، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿مُدْخَلًا:﴾ مفعول مطلق فيكون المفعول محذوفا، التقدير: ليدخلنهم الجنة إدخالا يرضونه، أو هو ظرف مكان وقع مفعولا به، انظر الشرح. ﴿يَرْضَوْنَهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (مدخلا) أي مرضيا عندهم، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محل لها، وإعرابها واضح إن شاء الله.\n\n<span id=\"aya-2655\"></span>﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الأمر ذلك، أو ذلك الأمر الذي قصصنا عليك. ﴿وَمَنْ عاقَبَ:﴾\nجازى، وانتقم ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ:﴾ اعتدي عليه، والمعنى: جازى الظالم بمثل ظلمه، عبر عن الجزاء بالعقاب مشاكلة لفعل الظالم، وهذه المشاكلة كثيرة في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وقوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ:﴾ اعتدي عليه مرة ثانية، أي بالكلام، أو الإخراج من وطنه بالمضايقة ونحوها. ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ:﴾ لا محالة، والمراد محمد ﷺ وأصحابه، فإن الكفار بغوا عليهم، وهو يشمل كل مظلوم إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى.\n ﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ:﴾ للمنتقم المجازي الظالم، حيث اتبع هواه في الانتقام، وأعرض عما ندب الله إليه في قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فإنه تعريض بالحث على العفو والمغفرة، فإنه تعالى مع كمال قدرته، وتعالي شأنه لما كان يعفو ويغفر، فغيره أولى، وتنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة؛ إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر، و(عفوّ): كثير العفو، و﴿غَفُورٌ﴾ كثير المغفرة، فهما صيغتا مبالغة.","vol":"6","page":195},{"text":"تنبيه: نزلت الآية الكريمة في قوم من مشركي مكة لقوا قوما من المسلمين في البرية، وذلك بعد الهجرة لليلتين بقيتا من المحرم، فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام، فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا القتال، فحملوا عليهم، فثبت المسلمون، ونصرهم الله على المشركين، وحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيء، فنزلت هذه الآية، وما أشبه هذه الواقعة بالواقعة المذكورة في الآية رقم [٢١٦] من سورة (البقرة) إن لم تكن هي نفسها، فهي شبيهتها. تأمل.\nوقيل: نزلت في قوم من المشركين مثّلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم أحد، فعاقبهم رسول الله ﷺ بمثله، فتكون هي الحادثة المذكورة في الآية رقم [١٢٦] وما بعدها من سورة (النحل).\nهذا؛ وأما (مثل) فهو بكسر الميم، وسكون الثاء؛ ومثله: مثيل، نحو شبه، وشبيه: وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير، وغيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في مواضعه، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى: الشبيه، كما في الآية الكريمة، ونحوها. والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم، حيث قال: المعنى: ليس كذاته شيء. والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي بما آمنتم به، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] من سورة (المؤمنون).\nهذا؛ وأما المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً..﴾. إلخ وشبهه فهو عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة؛ ليتبين أحدهما من الآخر، ويصوره.\nوقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر وبالجملة: هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه والممثل بمضربه، أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغير، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي أصله، مثل: (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.\nهذا؛ وأما «البغي» الذي هو مصدر (بغي عليه): فهو الظلم، والاعتداء على حق غيرك.\nوعواقبه ذميمة، ومال الباغي وخيم، وعقباه أليمة، ولو أن له جنودا بعدد الحصى، والرمل، والتراب، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nلا يأمن الدهر ذو بغي، ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل","vol":"6","page":196},{"text":"وعن النبي ﷺ قوله: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ،﴾ وقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال أبو بكر الصديق﵁-:\n (ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه) وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ أنه قال: «أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشّرّ عقوبة البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس﵄- أنه قال: (لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي) ورحم الله من يقول: [البسيط]\nيا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير مقال المرء أعدله\nفلو بغى جبل يوما على جبل... لا ندكّ منه أعاليه وأسفله\nوكان المأمون العباسي يتمثل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]\nوالبغي يصرع أهله... والظّلم مرتعه وخيم\nهذا؛ وانظر أنواع الظلم في رسالة: (الحج والحجاج في هذا الزمن) وأقبح أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بارتكاب المعاصي والمنكرات، فيسبب لها الخلود في جهنم.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أو في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، انظر الشرح، وانظر مثله في الآية رقم [٣٠]، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾\nالواو: حرف استئناف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتبارها اسم شرط جازما، ولا وجه له ألبتة. ﴿عاقَبَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والمفعول محذوف، تقديره: المعتدي. والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿بِمِثْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(مثل) مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عُوقِبَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بُغِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ:﴾ إعراب هذه مثل إعراب ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ﴾ في الآية [٥٨]، وهي مثلها جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (من)، والجملة الاسمية حينئذ مستأنفة، لا محل لها ﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ:﴾ وهذه الجملة اسمية أيضا، وهي مستأنفة، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى.","vol":"6","page":197},{"text":"<span id=\"aya-2656\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾\nالشرح: أي: ذلك النصر للمظلوم المذكور في الآية السابقة، والغفران له إذا انتقم من المعتدي بسبب أنه ﷾ قادر على ما يشاء، ومن علامات قدرته أنه يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، أي: يزيد من هذا في ذاك، ومن ذاك في هذا، أو بسبب: أنه خالق الليل، والنهار، ومصرفهما فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر، والبغي، والإنصاف، وأنه سميع لما يقولون، ولا يشغله سمع عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، بصير بما يعملون، ولا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي، وإن توالت الظلمات. انتهى. نسفي بتصرف كبير.\nهذا؛ ويولج: يدخل، والماضي: أولج، فهو رباعي، ومصدره: الإيلاج، وأما الثلاثي، فهو: ولج، يلج، ومصدره: الولوج، والمراد بإيلاج الليل في النهار وبالعكس بأن يزيد كلّ منهما بما نقص من الآخر، كما هو ظاهر في طول الليل وقصره تبعا لفصول السنة، قال تعالى:\n ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ وقيل: المراد بالإيلاج: أنه ﷾ يجعل ظلمة الليل مكان ضياء النهار، وذلك بغيبوبة الشمس، ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿يُولِجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي النَّهارِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ) والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل جر مثله. هذا؛ ويقرأ بكسر همزة «(إنّ)» فتكون الجملة الاسمية مستقلة بنفسها، ومستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-2657\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذو الحق، فدينه حق، وعبادته حق، والمؤمنون","vol":"6","page":198},{"text":"يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق. ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ﴾ أي: الأصنام التي يعبدونها لا استحقاق لها في العبادات.\n ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ أي: العالي على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه، والأنداد، المقدس عما يقول الظالمون من الصفات التي لا تليق بجلاله. ﴿الْكَبِيرُ﴾ أي: الموصوف بالعظمة، والجلال، وكبر الشأن. وقيل: ﴿الْكَبِيرُ﴾ ذو الكبرياء، والكبرياء عبارة عن كمال الذات؛ أي: له الوجود المطلق أبدا، وأزلا، فهو الأول القديم، والآخر الباقي بعد فناء خلقه انتهى... قرطبي.\nبعد هذا انظر شرح ﴿الْحَقُّ﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء) وضده: الباطل، وهو بمعنى الفاسد، والبطلان: عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل: من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم، فسكون: الباطل، والكذب، والبطالة: التعطل، والتفرغ عن العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: إعراب هذه الآية مثل إعراب الآية رقم [٦] بلا فارق، وأوضح لك إعراب ما يلي. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: وأن الذي يدعونه.\n ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب العائد إلى ﴿ما،﴾ ومن بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ وباقي الإعراب مثل سابقه، ولا حقه بلا فارق. هذا؛ والآية مذكورة، بحروفها في سورة لقمان برقم [٣٠].\n\n<span id=\"aya-2658\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ ألم تعلم أن الله... إلخ: استفهام تقريري، ولذلك لم ينصب الفعل بعد الفاء، وهو عند سيبويه والخليل كلام خبري، قال الخليل:\nالمعنى: انتبه أنزل الله من السماء ماء، فكان كذا، وكذا، ومثله قول جميل بثينة: [الطويل]\nألم تسأل الرّبع القواء فينطق... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق؟\nمعناه قد سألته فنطق، وقال الفراء: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله ﷿ ينزل من السماء ماء، هذا؛ والفعل (تصبح) بمعنى الماضي، وإنما عدل به عن صيغة الماضي للدلالة على بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان. وأيضا: لم ينصب الفعل بعد الفاء؛ لأن","vol":"6","page":199},{"text":"خضرة الأرض لا تتسبب عن الرؤية، وإنما تتسبب عن نزول المطر. وأيضا: جواب الاستفهام ينعقد منه شرط، وجزاء. وهنا لا يصح ذلك؛ إذ لا يقال: إن تر إنزال المطر تصبح الأرض مخضرة. انتهى. جمل بتصرف كبير.\n ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراج النبات من الأرض رزقا للعباد، والحيوان. ﴿خَبِيرٌ:﴾\nبالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بما في قلوب العباد إذا تأخر المطر عنهم. هذا؛ وانظر شرح (الماء) وإعلاله في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿السَّماءِ﴾ وإعلاله في الآية رقم [٣٢] منها.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.\n ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿تَرَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (تصبح): مضارع ناقص. ﴿الْأَرْضُ:﴾ اسمها. ﴿مُخْضَرَّةً:﴾ خبرها، وإن اعتبرت (تصبح) تاما؛ فيكون مخضرة حالا من ﴿الْأَرْضُ،﴾ وجملة (تصبح...) إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. وهذا على اعتبار (تصبح) بمعنى: أصبحت، وعلى اعتباره مضارعا على ظاهره؛ فالجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهي تصبح، وهذا الضمير للقصة، وتكون الجملة الاسمية مستأنفة، وعلى الاعتبار الأول؛ فالرابط بالجملة الأولى رابط في الثانية بسبب العطف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ:﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2659\"></span>﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا، كل ذلك ملك له، لا يشركه فيه أحد. هذا؛ وفي ﴿ما﴾ تغليب غير العاقل على العاقل. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ:﴾\nعن عباده غير محتاج إليهم في شيء. ﴿الْحَمِيدُ:﴾ المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات.\nالإعراب: ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان","vol":"6","page":200},{"text":"بمحذوف صلة الموصول، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ..﴾. إلخ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ بلا فارق، وهي هنا مستأنفة لا غير، انظر رقم [٥٨].\n\n<span id=\"aya-2660\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ استفهام تقريري، وهو يشمل كل مخاطب، وعاقل من بني آدم.\n ﴿سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ:﴾ ذلّله، وجعله معدا لمنافعهم، وهو يشمل جميع ما يحتاجون إليه من الدواب، والنبات، والأنهار وغير ذلك. ﴿وَالْفُلْكَ:﴾ انظر الآية رقم [٦٦] من سورة (الإسراء)، أو الآية رقم [٢٧] من سورة (المؤمنون).\nوانظر شرح ﴿الْبَرِّ﴾ و(البحر) في الآية رقم [٧٠] من سورة (الإسراء). ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ أي: بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك. ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ:﴾\nإلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة؛ حيث تتغير معالمها، كما ذكر الله في سورة (التكوير) وغيرها، وفيه رد على من يدعي استمساكها بذاتها، فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية، فتكون قابلة للسقوط قبول غيرها، وآية (فاطر) رقم [٤١] توضح هذا المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا..﴾. إلخ.\n ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ:﴾ حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال، وفتح عليهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أنواع المضار. هذا؛ والرأفة: أشد الرحمة، ورؤوف صيغة مبالغة، والله أرأف بعبادة من الوالدة بولدها، ومن رأفته أشياء كثيرة يعسر حصرها، وعدها، وهي معلومة عند ذوي الألباب.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٦٣] ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (الفلك): معطوف على ﴿ما﴾. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الفلك). ﴿فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليق ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بمحذوف حال من فاعل تجري المستتر، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَجْرِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من (الفلك). هذا؛ وأجيز اعتبار الفلك معطوفا على لفظ الجلالة، فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبره، على تقدير:\nوأن الفلك تجري... إلخ. هذا؛ ويقرأ برفع (الفلك) على أنه مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، وتكون الجملة مستأنفة، لا محل لها، وعطفها على ما قبلها لا يصح.","vol":"6","page":201},{"text":"(يمسك): مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ تَقَعَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنَّ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿السَّماءَ﴾.\n ﴿عَلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والهاء في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَقَعَ﴾ في محل نصب بدل اشتمال من ﴿السَّماءَ،﴾ التقدير: ويمسك وقوعها بمعنى: يمنعه، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تقع، وهذا عند الكوفيين، وأما البصريون؛ فيعتبرون المصدر المؤول في محل جر بإضافة مفعول لأجله إليه محذوف، التقدير: كراهة وقوعها. تأمل. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿بِالنّاسِ:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2661\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ:﴾ أنشأكم، ولم تكونوا شيئا، أو بعد أن كنتم نطفا في الأصلاب. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ:﴾ عند انقضاء آجالكم. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ:﴾ يوم القيامة للحساب، والثواب، والعقاب. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ:﴾ لجحود للنعم مع ظهورها، وتكاثرها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾. هذا؛ وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأنبياء)، وشرح (الكفر) في الآية رقم [٣٠] منها.\nتنبيه: لقد ذكر الله تعالى في الآيات الأربع من آثار قدرته ستة أشياء:\nأولها: إنزال المطر الناشئ عنه اخضرار الأرض، وفسر الرؤية بالعلم دون الإبصار؛ لأن الماء وإن كان مرئيا؛ إلا أن كون الله منزلا له من السماء غير مرئي، وقال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ﴾ دون أصبحت لإفادته بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان.\nالثاني: قوله: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ومن جملته خلق المطر، والنبات نفعا للحيوان، مع أن الله لا يحتاج لذلك، ولا ينتفع به.\nالثالث: تسخير ما في الأرض، أي: ذلك لكم، كل ما فيها كالحجر، والحديد، والنار لما يراد منها، والحيوان للأكل، والركوب، والحمل عليه، والنظر إليه.\nالرابع: تسخير الفلك بالماء، والأرياح، فلولا أن الله سخرها، لكانت تغوص، أو تقف.\nالخامس: إمساك السماء؛ لأن النعم المتقدمة لا تكمل إلا به، والسماء جرم ثقيل، وما كان كذلك لا بد له من السقوط؛ لولا مانع يمنعه منه، وهو القدرة، فأمسكها الله بقدرته؛ لئلا تقع، فتبطل هذه النعم التي امتن الله بها علينا.","vol":"6","page":202},{"text":"سادسها: الإحياء ثم الإماتة، ثم الإحياء. نبه بهذا على أنّ هذه النعم لمن أحياه الله، فنبه بالإحياء الأول على إنعامه في الدنيا بكل ما تقدم، ونبه بالإماتة، والإحياء ثانيا على إنعامه علينا في الآخرة، ولما فصّل الله هذه النعم؛ قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: لهذه النعم. انتهى.\nنقلا من الفخر الرازي.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَحْياكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ مستأنفة، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-2662\"></span>﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا:﴾ شرح هذه الكلمات مثل الآية رقم [٣٤] ولكن المراد ب: ﴿مَنْسَكًا﴾ هنا غير ما هنالك، فإن المراد به هنا: الشريعة التي تعبد الله بها الأمم السابقة، وإنما حذف الواو هنا، ولم يقل: ولكل أمة؛ لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله. ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أن هذه مشتملة على النعم التكليفية، والتي قبلها مشتملة على نعم غير تكليفية. وهذا الكلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه ﷺ من أهل الأديان السماوية عن مفارقته، فكيف بمعاداته؟!\n ﴿هُمْ ناسِكُوهُ﴾ أي: عاملون به، أي بتلك الشريعة، وذلك الدين الذي جاءهم به رسولهم.\n ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: فلا يخاصمك أصحاب الأديان الأخرى في أمر الدين؛ لأنهم بين جهال، وأهل عناد، أو؛ لأن دينك أظهر من أن يقبل النزاع. وقيل: المراد: نهي رسول الله ﷺ عن الالتفات إلى قولهم، وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى نزاعهم، فإنها تنفع طالب الحق، وهؤلاء أهل جدال بالباطل. وقيل: نزلت في كفار بني خزاعة، قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؟!. وقرئ: «(فلا ينزعنّك)» على تهييج الرسول ﷺ، والمبالغة في تثبيته على دينه على أنه من نازعته، فنزعته إذا غلبته. قال القرطبي: ولفظ النهي في القراءتين للكفار، والمراد: النبي ﷺ.\n ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: إلى توحيده، ودينه، والإيمان به، ولا تنس: قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ رقم [١٢٥] ﴿إِنَّكَ لَعَلى هُدىً﴾ أي: دين.\n ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: قديم لا اعوجاج فيه.","vol":"6","page":203},{"text":"الإعراب: ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم عليه، و(كل) مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَنْسَكًا:﴾ مفعول به أول، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ناسِكُوهُ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿مَنْسَكًا﴾ أي: منسوكا من قبلهم. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣٠]. (لا): ناهية. ﴿يُنازِعُنَّكَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، وعلى القراءة الثانية فلا يتغير الإعراب، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فلا... إلخ، والشرط المقدر ومدخوله كلام مستأنف لا محل له. ﴿فِي الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n (ادع): أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر تقدير المضاف في الشرح، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَعَلى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (على هدى): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لا لتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.\n ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿هُدىً،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2663\"></span>﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ﴾ أي: خاصموك يا محمد! والمراد: مشركو مكة، وغيرهم. ﴿فَقُلِ اللهُ..﴾. إلخ: أي: من المجادلة الباطلة، وغيرها، فيجازيكم عليها. وهو وعيد فيه رفق، وهذا قبل الأمر بالقتال، فهو منسوخ بآية السيف. أو قل: أمره الله تعالى بالإعراض عن مماراتهم صيانة له عن الاشتغال بتعنتهم، ولا جواب لصاحب العناد إلا الإعراض، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جادَلُوكَ:﴾ ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ وهو بمعنى: عالم،","vol":"6","page":204},{"text":"و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين، مبينة على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: الله عالم بعملكم، والجملة الفعلية: ﴿فَقُلِ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2664\"></span>﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: يفصل بين المؤمنين منكم، والكافرين بالثواب، والعقاب. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ يوم الحسرة، والندامة، وانظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الأنبياء).\n ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: من أمر الدين. هذا؛ وقال القرطبي: في هذه الآية أدب حسن، علمه الله عباده في الرد على من جادل تعنتا، ومراء ألا يجاب، ولا يناظر، ويدفع بهذا القول الذي علمه الله لنبيه ﷺ.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَحْكُمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيما:﴾ متعلقان بالفعل (يحكم) أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في). ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: (تختلفون فيه) في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط:\nالضمير المجرور محلا ب: (في)، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ يَحْكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2665\"></span>﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ: هذا خطاب للنبي ﷺ، ويدخل فيه كل عاقل، والمعنى: وإذا قد علمت يا محمد هذا؛ وأيقنت؛ فاعلم: أنه يعلم أيضا ما أنتم مختلفون فيه، فهو يحكم بينكم يوم القيامة في ذلك. ﴿إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ﴾ أي: كل ما يجري في هذا الكون، فهو مكتوب، ومسجل عند الله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله آدم بآلاف السنين. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ أي:\nإن الفصل بين المختلفين، أو: إن كتب الحوادث في اللوح المحفوظ. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ:﴾ هين.","vol":"6","page":205},{"text":"الإعراب: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ:﴾ إعرابه مثل إعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ﴾ في الآية رقم [٦٣] بلا فارق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (الأرض): معطوف على ﴿السَّماءِ،﴾ والكلام:\n ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية بمنزلة التعليل لما قبلها، لا محل لها، وما بعدها بمنزلة التأكيد لها. ﴿عَلَى اللهِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿يَسِيرٌ﴾ بعدهما. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2666\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ المراد بهم كفار قريش؛ الذين يعبدون الحجارة، والأوثان من دون الله، وانظر (العبادة) في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأنبياء)، وشرح (دون) في الآية رقم [١٤] من سورة (الكهف). ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا:﴾ حجة، وبرهانا على ما يعبدون. ﴿وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ:﴾ أي أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل، لا علم، ولا دليل عقلي. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ:﴾\nللمشركين. ﴿مِنْ نَصِيرٍ:﴾ من مانع يمنعهم من عذاب الله تعالى، وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦٠].\nهذا؛ و(سلطان) تسلط وولاية، ومعناه هنا: الحجة، والبرهان، كما رأيت، قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة له، كالسلطان يقهر غيره بقوته، وقال الزجاج: السلطان: هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه. انتهى. ولا تنس: ما قاله عثمان بن عفان﵁-: (إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أي: يكف عن المعاصي، ويردع. وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء: أن العرب تؤنث السلطان، تقول: قضت به عليك السلطان، أما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى الحجة.\nالإعراب: ﴿وَيَعْبُدُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يعبدون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له ألبتة. و﴿يَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُنَزِّلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سُلْطانًا﴾ كان صفة له... إلخ، انظر","vol":"6","page":206},{"text":"الآية [٧٥]. ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَمْ يُنَزِّلْ..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ معطوفة على سابقتها. ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها.\n ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، وتعلقيهما ب: ﴿عِلْمٌ﴾ بعدهما، فالمعنى لا يأباه. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها على مثال ما تقدم. ﴿وَما:﴾ الواو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، أو بمحذوف خبر (ما) على إعمالها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَصِيرٍ:﴾ مبتدأ مؤخر، أو اسم (ما) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-2667\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي: على كفار قريش. ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ:﴾ مرتبات الألفاظ، ملخصات المعاني، بينات المقاصد، مفصلات الحلال، والحرام، والنافع، والضار... إلخ.\n ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ:﴾ الإنكار لشدة نكيرهم للحق، وغيظهم لأباطيل ورثوها تقليدا لآبائهم، وهذا منتهى الجهالة، والحمق، والسفاهة.\n ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ:﴾ يبطشون، والسطوة: شدة البأس، يقال: سطا به، يسطو: إذا بطش به، كان ذلك بضرب، أو بشتم. ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أي: بمحمد ﷺ وأصحابه، وقد بطشوا بالنبي كثيرا، وبطشوا بأبي ذر الغفاري حينما قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبطشوا بعبد الله بن مسعود حينما قرأ عليهم سورة (الرحمن)، وبطشوا بالمستضعفين أمثال عمار، وأبويه، وبلال. والسيرة النبوية طافحة بإيذاء المشركين للمؤمنين.\n ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: أخبركم. ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ﴾ أي: أكره لكم، وأغيظ لقلوبكم من هذا القرآن الذين تسمعون. ﴿النّارُ:﴾ فكأنهم تساءلوا، ما الذي هو شر؟ فقيل: هو النار. ﴿وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: يلقون عذاب النار يوم القيامة، وقد وعدهم الله ذلك، وقد جاء (وعد) في الشر، وانظر الآية رقم [٧٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وشرح (نا) برقم [٥٨] منها.\n ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمال، وانظر شرح «بئس» و«نعم» في الآية رقم [٧٨] الآتية، وانظر شرح (آية) في الآية رقم [٥] من سورة (الأنبياء). و(الكفر) في الآية رقم [٣٠]، وشرح","vol":"6","page":207},{"text":"(النار) وإعلاله في الآية رقم [١٠] من سورة (طه)، وشرح (شر) في الآية رقم [٤٦] من سورة (الكهف)، وشرح (كاد) في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء)، وانظر شرح ﴿نَبَأَهُمْ﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٥٢] ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به.\n ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿تُتْلى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من ﴿آياتُنا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿تَعْرِفُ:﴾ مضارع، والفاعل: أنت. ﴿فِي وُجُوهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿وُجُوهِ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.\n ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْمُنْكَرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿تَعْرِفُ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين.\n ﴿يَكادُونَ:﴾ مضارع ناقص مرفوع... إلخ، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَسْطُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿يَكادُونَ﴾. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿آياتُنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَكادُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الوجوه، وهو سائغ؛ لأنه يعبر بها عن أصحابها، كقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ،﴾ ثم قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ،﴾ أو هي في محل نصب حال من الموصول، وإن كان مضافا إليه؛ لأن المضاف جزؤه، خذ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلا إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.\nالفاء: حرف عطف، انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء) لشرح ذلك تجد ما يسرك.\n (أنبئكم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿بِشَرٍّ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿مِنْ ذلِكُمُ:﴾ متعلقان ب: (شرّ)؛ لأنه أفعل تفضيل، واللام للبعد. والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: (أنبئكم...) إلخ معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: أي: أخاطبكم فأنبئكم، والكلام، كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":208},{"text":"﴿النّارُ:﴾ بقرأ بالحركات الثلاث، فالرفع من وجهين: أحدهما: الرفع على الابتداء، والخبر الجملة بعده، وعليه؛ فالجملة لا محل لها؛ لأنها مفسرة للشر المتقدم، كأنه قيل: ما شر من ذلك، فقيل: ﴿النّارُ وَعَدَهَا..﴾. إلخ، والثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ما شر من ذلك، فقيل:\nهو النار، وتبقى الجملة مفسرة للشر كما في الوجه الأول، وحينئذ يجوز في جملة: ﴿وَعَدَهَا..﴾.\nإلخ الرفع على أنها خبر بعد خبر، أو هي بدل من النار، وهو ضعيف؛ لأنه إبدال جملة من مفرد.\nوالنصب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر، والمسألة من باب الاشتغال، الثاني: أنها منصوبة على الاختصاص. قاله الزمخشري. الثالث: أن ينتصب بأعني، وهو قريب مما قبله، أو هو هو، والجر على البدل من (شر). انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n ﴿وَعَدَهَا:﴾ ماض، و(ها): مفعوله الأول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعوله الثاني، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. هذا، وقيل: إن الضمير هو المفعول الثاني، والموصول هو المفعول الأول، وهذا يتمشى على القاعدة، وهي أنه متى اجتمع ما يتعدى إلى اثنين شيئان، ليس ثانيهما عبارة عن الأول، فالفاعل المعنوي رتبته التقديم، وهو المفعول الأول، فإذا قلت: وعدت زيدا دينارا، فالدينار هو المفعول الثاني؛ لأنه لا يتأتى منه فعل، وهو نظير قولك:\nأعطيت محمودا دينارا، فمحمود هو الفاعل في المعنى؛ لأنه آخذ للدينار. (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف التقدير: النار، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2668\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ نداء يعم الناس أجمعين، والمخصوص أهل مكة. ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ:﴾ بيّن لكم حال مستغربة، أو قصة رائعة، ولذلك سميت مثلا. ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي:\nتدبروه حق تدبره، فإن الاستماع بلا تدبر وتعقل لا ينفع، والمثل المضروب يحتمل وجهين:\nالأول: أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره، فكأنه تعالى قال: جعلوا لي شبيها في عبادتي، فاستمعوا خبر هذا الشبه. والثاني: هو ما ذكره الله صريحا من كون الأصنام المعبودة لم تستطع أن تخلق شيئا؛ حتى الذباب الضعيف؛ بل إن هذا المخلوق الضعيف إن سلب هذه الآلهة المصطنعة شيئا لا تقدر على إنقاذه منه.\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ تعبدون من دون الله، أو تسمونهم آلهة، وانظر ما ذكرته في: دعا، يدعو في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"6","page":209},{"text":"قال ابن عباس﵄-: كانوا يطلون الأصنام بالطيب والعسل، ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. وقيل: كانوا يضعون الطعام بين أيدي الأصنام، فيقع الذباب عليه ويأكل منه، والأول أولى بالاعتبار، بل إن هذه الآلهة المصطنعة لا تقدر أن تدفع السوء عن نفسها، وقصة إبراهيم﵇في سورة (الأنبياء) شاهد على ذلك.\nوخذ ما يلي يروى: أن رجلا من بني سلمة اسمه غاوي بن ظالم كان سادنا على صنم لقومه، وكان يأتيه بالخبز، والزبد، ويضعه على رأسه لعله يأكل، فبينما هو كذلك إذ أقبل ثعلب ذات يوم، فرفع رجله بعد أن أكل الخبز، والزبد، وبال على رأس الصنم، ثم إن الرجل كسر الصنم، وأتى النبي ﷺ فأسلم، فقال له النبي ﷺ: ما اسمك؟ قال له: غاوي بن ظالم، فقال له: اسمك راشد بن عبد الله، وكان لما كسر الصنم قال أبياتا هاكها: [الطويل]\nلقد خاب قوم أمّلوك لشدّة... أرادوا نزالا أن تكون تحارب\nفلا أنت تغني عن أمور تواترت... ولا أنت دفّاع إذا حلّ نائب\nأربّ يبول الثّعلبان برأسه؟ ... لقد هان من بالت عليه الثعالب\n ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ:﴾ العابد، والمعبود. أو الطالب: الذباب، والمطلوب:\nالصنم. وقيل: بالعكس. هذا؛ وخص الذباب بالذكر لأربعة أمور تخصّه: لمهانته، وضعفه، ولا ستقذاره، وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان، وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله﷿على خلق مثله، ودفع أذيته، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأربابا مطاعين، ولكن لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ولا حول ولا قوة إلا بالله!\nبعد هذا انظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠]، وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وأما (الذباب) فهو اسم جنس مثل: إبل، وبقر يقع على الذكر، والأنثى، وجمع القلة منه: أذبّة، وجمع الكثرة منه: ذبّان، مثل غراب، وأغربة، وغربان، وسمي به لكثرة حركته، قال الجوهري: والذباب معروف، الواحدة: ذبابة، ولا تقل: ذبّانة. والمذبّة: ما يذبّ به الذباب، وذباب السيف: طرفه الذي يضرب به، وذباب العين: إنسانها، والذبابة: البقية من الدين، وذبّب النهار: إذا لم يبق منه إلا بقية، والتذبذب: التحرك، وقال تعالى عن المنافقين:\n ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي: مترددين بين الإيمان، والكفر.\nفائدة: ذكر: أن المنصور العباسي كان في مجلسه؛ وعنده بعض العلماء، فسقطت عليه ذبابة، فدفعها، فرجعت، وتكرر منه طردها، وهي تعاود السقوط على وجهه، وغيره، فضجر منها، فقال: لماذا خلقها الله تعالى؟ لا ريح لها طيب، ولا شكل جميل! فقال أحد العلماء:","vol":"6","page":210},{"text":"خلقها الله ليذل بها الجبابرة، فلم يحر المنصور جوابا. ولا تنس: أن الذباب لم يقع على النبي ﷺ في حياته تكريما له.\nتنبيه: روي عن الحسن البصري، وقتادة﵄-: أنهما قالا: لما ذكر الله الذباب، والعنكبوت في كتابه، أي في هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وضرب للمشركين بذلك المثل ضحكت اليهود، وقالت: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى قوله في سورة (البقرة): ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها..﴾. إلخ الآية رقم [٢٦].\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [١] ففيها الكفاية. ﴿ضُرِبَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿مَثَلٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فَاسْتَمِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٣٠]. (استمعوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ضرب المثل حاصلا؛ فاستمعوا له، والشرط المقدر، ومدخوله كلام معطوف على ما قبله لا محل له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَخْلُقُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ذُبابًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَلَوِ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجملة:\n ﴿اِجْتَمَعُوا لَهُ﴾ شرط (لو) لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لا يقدرون، و(لو) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، جيء به للمبالغة؛ إذ التقدير: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ مجتمعين له متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين متفرقين؟! والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ تفسير ل: ﴿مَثَلٌ﴾ تأمل.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَسْلُبْهُمُ:﴾ مضارع فعل الشرط، والهاء مفعوله الأول. ﴿الذُّبابُ:﴾ فاعله. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعوله الثاني، وجملة: ﴿يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿يَسْتَنْقِذُوهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب","vol":"6","page":211},{"text":"الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ مستأنفة أيضا لا محل لها، وقيل: هي في محل نصب حال، ولا وجه له ألبتة؛ لأنها لا يوجد فيها رابط يربطها بصاحب حال.\n\n<span id=\"aya-2669\"></span>﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموا الله حق تعظيمه، أو: ما عرفوه حق معرفته في الرحمة، والإنعام على العباد حيث أشركوا به أحقر خلقه، وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة، وهذه الجملة ذكرت في سورة (الأنعام) برقم [٩١]، وفي سورة (الزمر) برقم [٦٧]. ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ:﴾ قادر مقتدر على خلق الممكنات بأسرها. ﴿عَزِيزٌ:﴾ غالب قاهر، لا يغلبه، ولا يقهره شيء، وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة، ذليلة، مهينة، لا تدفع عن نفسها ضرا، ولا تجلب لها نفعا، وانظر سبب نزول آية (الأنعام) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وإذا كانت الآية مدنية حسب ما رأيت في مطلع السورة، فيكون المراد: اليهود اللؤماء؛ الذين قالوا: إن الله فقير، ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة... إلخ إلى غير ذلك من الأقوال، والافتراآت على الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قَدَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، ويقال: نائب عنه، و﴿حَقَّ﴾ مضاف، و﴿قَدْرِهِ﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿ما قَدَرُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَقَوِيٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (قوي): خبر أول. ﴿عَزِيزٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين.\n<span id=\"aya-2670\"></span>﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ يَصْطَفِي:﴾ يختار. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا:﴾ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وغيرهم، وانظر الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأنبياء). ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ أي: يصطفي من الناس رسلا أيضا، مثل: إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم من الأنبياء، والرسل صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وانظر الآية رقم [٥٢] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال الناس أجمعين. ﴿بَصِيرٌ:﴾ بأفعالهم، ونياتهم، وسائر تصرفاتهم. هذا؛ ويجوز تسكين سين ﴿رُسُلًا﴾ وضمها. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد... إلخ.","vol":"6","page":212},{"text":"تنبيه: نزلت الآية الكريمة حين قال المشركون: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ ولا تنس: ما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ الزخرف [٣١] فأخبر الله تعالى: أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من عباده لرسالته. هذا؛ ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر ما يتعلق بالإلهيات؛ ذكر هنا ما يتعلق بالنبوات.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَصْطَفِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿رُسُلًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».\n ﴿وَمِنَ النّاسِ:﴾ معطوفان على ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ وحذف ﴿رُسُلًا﴾ من بعدهما لدلالة الأول عليه، والجملة الفعلية: ﴿يَصْطَفِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة أيضا، وفيها معنى التوكيد لما قبلها. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2671\"></span>﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ:﴾ ما قدموا من الأعمال. ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي: ما تركوا وراء ظهورهم بعد مماتهم من أمور الدنيا. وقيل: يعلم ما عملوا، وما هم عاملون. وقيل: يعلم ما بين أيدي ملائكته، ورسله قبل أن يخلقهم، ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم، وانظر الآية رقم [١١٠] من سورة (طه). ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾ وإليه مرجع الأمور كلها؛ لأنه مالكها بالذات، لا يسأل عما يفعل من الاصطفاء، وغيره، وهم يسألون. هذا؛ والفعل «رجع» يستعمل لازما، ومتعديا، فالأول مثل قولك: رجع زيد من عمله. والثاني مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ..﴾. إلخ وما في الآية يحتمل اللازم، والمتعدي، فاللازم على قراءة الفعل للفاعل، والمتعدي على قراءته للمفعول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثالث؛ ل: ﴿إِنَّ﴾. (إلى الله): متعلقان بما بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾\nمضارع، ونائب فاعله، أو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":213},{"text":"<span id=\"aya-2672\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ خص الله المؤمنين بهذا النداء؛ لأنهم هم الذين يستجيبون لأوامره، ونواهيه. وانظر (الإيمان) في الآية رقم [١٤]. ﴿اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا:﴾ أمرهم بهما؛ لأنهم ما كانوا يفعلونهما أول الإسلام، أو المعنى: صلوا، وعبر عن الصلاة بهما؛ لأنهما أعظم أركانها، أو المعنى: اخضعوا لله، وخروا له سجدا.\n ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ أي: بسائر ما تعبدكم به. ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ:﴾ وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون، وما تذرون كنوافل الطاعات، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: افعلوا كل هذه الأفعال؛ وأنتم راجون الفلاح، غير متيقنين له، واثقين من قبول أعمالكم. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٣٦].\nتنبيه: لم يختلف العلماء في السجدة الأولى المذكورة في الآية رقم [١٨]، واختلفوا في سجدة هذه الآية، فروي عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري﵃أنهم قالوا: في الحج سجدتان، وبه قال ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، يدل عليه ما روي عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله! أفي سورة (الحج) سجدتان؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما». أخرجه أبو داود، والترمذي، وعن عمر بن الخطاب﵁-: أنه قرأ سورة (الحج)، فسجد فيها سجدتين، وقال: إن هذه السورة، فضّلت بسجدتين. أخرجه مالك في الموطأ.\nوذهب قوم إلى أن في (الحج) سجدة واحدة، وهي الأولى، وليست هذه بسجدة، وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، بدليل:\nأنه قرن السجود بالركوع، فدل ذلك على أنها سجدة صلاة، لا سجدة تلاوة، واختلف في عدة سجود التلاوة، فذهب الشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم إلى أنها أربع عشرة سجدة، لكنّ الشافعي قال، في (الحج) سجدتان، وأسقط سجدة (ص). وقال أبو حنيفة: في (الحج) سجدة واحدة، وأثبت سجدة (ص). وبه قال أحمد في إحدى الروايتين عنه، فعنده أن السجدات خمس عشرة سجدة.\nوذهب قوم إلى أن المفصل ليس فيه سجود، يروى ذلك عن أبي بن كعب وابن عباس، وبه قال مالك، فعلى هذا: في القرآن إحدى عشرة سجدة. أخرجه أبو داود، وقال: إسناده واه، ودليل من قال: في القرآن خمس عشرة سجدة، ما روى عن عمرو بن العاص. قال: أقرأني رسول الله ﷺ في القرآن خمس عشرة سجدة، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة (الحج) سجدتان، أخرجه أبو","vol":"6","page":214},{"text":"داود، وصح من حديث أبي هريرة﵁قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في اقرأ، وإذا السماء انشقت، أخرجه مسلم، وسجود التلاوة سنة للقارئ والسامع والمستمع، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: واجب. انتهى. خازن بتصرف. وانظر ما ذكرته في مقدمة هذه السورة.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١] وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿اِرْكَعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (اشربي) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والجمل بعدها معطوفة عليها لا محل لها أيضا. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، والجملة الفعلية: ﴿تُفْلِحُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، التقدير: افعلوا هذه الأمور حالة كونكم راجين الفلاح. وفيه: أن الترجي إنشاء.\n\n<span id=\"aya-2673\"></span>﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ﴾ أي: لله، ومن أجله أعداء دينه الظاهرة، كأهل الزيغ، والباطنة، كالهوى والنفس. ﴿حَقَّ جِهادِهِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هو استفراغ الطاقة. وعنه: أنه قال: لا تخافوا في الله لومة لائم، فهو حق الجهاد. وقيل: معناه: اعملوا لله حق عمله، واعبدوه حق عبادته. وقال مقاتل، وهبة الله: هذه الآية منسوخة، بقوله تعالى:\n ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فتكون مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٠٢] من سورة (آل عمران): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾.\nوقال أكثر المفسرين: حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، بدليل قوله ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله». أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري﵁-. وقيل: مجاهدة النفس، والهوى هو حق الجهاد، وهو الجهاد الأكبر. روي: أن النبي ﷺ لما رجع من غزوة تبوك، قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قيل: وما الجهاد الأكبر، قال: «جهاد النّفس». وانظر ما ذكرته في الجهاد في الآية رقم [٩٥] من سورة (النساء).","vol":"6","page":215},{"text":"﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أي: اختاركم للذبّ عن دينه، والتزام أمره. وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة، أي: وجب عليكم أن تجاهدوا؛ لأن الله اختاركم له. والخطاب لأمة محمد ﷺ، فأية رتبة أعلى من هذا؟! وأية سعادة فوق هذا؟!.\n ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: ضيق، وشدة، وهو أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله منه مخرجا، بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات من الأمراض، والمصائب، وغير ذلك فليس في دين الإسلام ما لا يجد فيه العبد سبيلا إلى الخلاص من الذنوب، ومن العقاب لمن وفق. وقيل: معناه: الرخص عند الضرورات، كقصر الصلاة، والفطر في السفر، والتيمم عند فقد الماء، وأكل الميتة عند الضرورة، والصلاة قاعدا، والفطر مع العجز بعذر المرض، ونحو ذلك من الرخص؛ التي رخص الله لعباده المؤمنين.\nقيل: أعطى الله هذه الأمة خصلتين، لم يعطهما أحد غيرهم: جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج. وقال ابن عباس﵄-: الحرج: ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة. هذا؛ وقال العلماء:\nرفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة، والسراق وأصحاب الجرائم من زنى، وقتل نفس، وغير ذلك؛ فعليهم الحرج بإقامة الحدود عليهم، وهم جاعلوه على أنفسهم بمخالفة أوامر رب العالمين، وعدم الاهتداء بهدي نبيه الأمين ﷺ.\n ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ أي: ملتكم ملة إبراهيم. أو: اتبعوا ملة إبراهيم، وإنما سمى إبراهيم أبا لهذه الأمة كلها؛ لأنه أبو العرب قاطبة، وأيضا هو أبو المسلمين أب احترام. والمعنى: أن وجوب احترامه وحفظ حقه يجب، كما يجب احترام الأب، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ وقد قال الرسول ﷺ: «إنّما أنا لكم كالوالد». أي: في وجوب التقدير، والاحترام.\n ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ:﴾ الضمير يعود إلى ﴿اللهِ﴾ والمعنى: أن الله سماكم المسلمين في الكتب القديمة. أو الضمير يعود إلى إبراهيم ﵇، والمعنى: أن إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه من قبل هذا الوقت، وهو قوله: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فاستجاب الله دعاءه فينا. والمعتمد الأول. ﴿وَفِي هذا﴾ أي: وفي القرآن سماكم المسلمين. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ يعني: يوم القيامة: أنه قد بلغكم. ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ أي: تشهدون يوم القيامة على الأمم: أن رسلهم قد بلغتهم، وهذا المعنى قد ذكر في سورة (البقرة) رقم [١٤٣] وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.\n ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ أي: فتقوبوا إلى الله بأنواع الطاعات؛ لما خصكم به من أنواع الفضل، والشرف. وانظر شرح (الصلاة، والزكاة) في الآية رقم [٣١] من سورة (مريم) على نبينا،","vol":"6","page":216},{"text":"وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ أي: ثقوا به، وتوكلوا عليه، ولا تطلبوا الإعانة، والنصرة إلا منه. ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ:﴾ ناصركم، ومتولي أمركم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ؛﴾ إذ لا مثل له في الولاية، والنصرة، بل لا مولى، ولا ناصر سواه في الحقيقة.\nبعد هذا انظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] أما (الملّة) فهي: الطريقة، والديانة، وهي بفتح الميم: الرماد الحار. و(الدّين) بكسر الدّال اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، و(الدّين) أيضا:\nالملة، والشريعة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ و(الدّين): الحساب، والجزاء، ومنه ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي: يوم الحساب، والجزاء. ومنه: كما تدين تدان؛ أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس﵄قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشرّ؛ إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره. ثم قال: ألا له الخلق، والأمر. هذا؛ والدّين-بفتح الدال-: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء والحساب، والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله.\nأما (نعم) فهي فعل ماض لإنشاء المدح، وضدها: «بئس» لإنشاء الذم، ف: «نعم» منقول من: نعم فلان-بفتح النون، وكسر العين-: إذا أصاب النعمة، و: «بئس» منقول من: «بئس» فلان-بفتح الباء، وكسر الهمزة-: إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس بكسر فسكون، وهي أفصحهنّ، وهي لغة القرآن، ثم: نعم، وبئس بكسر أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في نعم أنه يجيء بعدها (ما) كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وبئس جاءت بعدها (ما) على اللغة الأولى الفصحى، كقوله تعالى:\n ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ واللغة الثالثة: نعم وبئس، بفتح فسكون. والرابعة: نعم، وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما. ولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي، بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ: «من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل».\nوقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد نصرها بكاء، وبرّها سرقة)، وقول غيره: (نعم السّير على بئس العير)، وأوّله البصريون على حذف كلام مقدّر؛ إذ التقدير: (والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير)، والمعتمد في ذلك قول البصريين هذا؛ ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا ب: «أل» أو مضافا لمقترن بها، أو ضميرا مميزا بنكرة، أو كلمة «ما» فالأول: كما في الآية الكريمة، والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾. والثالث: مثل قوله تعالى ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا،﴾ والرابع: نحو قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾.","vol":"6","page":217},{"text":"الإعراب: ﴿وَجاهِدُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (جاهدوا): أمر، وفاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، ويقال: نائب مفعول مطلق، و﴿حَقَّ﴾ مضاف، و﴿جِهادِهِ﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة، والإضافة في الأول من إضافة الصفة للموصوف، أي: جهادا حقا. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف؛ أي: جهادا حق جهاده. والمعتمد الأول. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِجْتَباكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للأمر، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وقيل: هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، وهو ضعيف؛ لأن الجملة الاسمية الواقعة حالا، والمصدرة بالضمير تقترن بالضمير تقترن بالواو. وهو كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الله.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَرَجٍ﴾ كان صفة له، كما رأيت في الآية رقم [٧٥] ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿حَرَجٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿وَما جَعَلَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اتبعوا ملة، وقيل: منصوب على الاختصاص؛ أي: أعني بالدين: ملة أبيكم، وقيل منصوب بمضمون ما تقدمه، كأنه قال: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: غير ذلك، واعتمد:\nأنه منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا ملة أبيكم إبراهيم. و﴿مِلَّةَ﴾ مضاف، و﴿أَبِيكُمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ بدل من ﴿أَبِيكُمْ،﴾ أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿سَمّاكُمُ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، وقيل: يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والمعتمد الأول، والكاف مفعول به أول. ﴿الْمُسْلِمِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال من ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ والكلام عليها مثل ما تقدم. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿وَفِي:﴾ الواو:","vol":"6","page":218},{"text":"حرف عطف. (في هذا): متعلقان بفعل محذوف لدلالة ما قبله عليه، والبدل من اسم الإشارة محذوف أيضا، وتقدير الكلام: وسماكم في هذا القرآن مسلمين أيضا، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿لِيَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿الرَّسُولُ:﴾ اسم (يكون). ﴿شَهِيدًا:﴾ خبره. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدًا،﴾ و«أن» المضمرة، والمضارع الناقص في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿سَمّاكُمُ﴾.\n ﴿وَتَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبره. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شُهَداءَ،﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿فَأَقِيمُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (أقيموا): أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فأقيموا الصلاة. وهذا الكلام يحتمل العطف على ما قبله، والاستئناف، والجملتان بعدها معطوفتان على جملة: (أقيموا...) إلخ. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿مَوْلاكُمْ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية تعليل للأمر قبلها لا محلّ لها. وقيل: هي في محل نصب حال، والكلام عليها مثل ما تقدم. ﴿فَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (نعم): ماض جامد دال على إنشاء المدح. ﴿الْمَوْلى:﴾\nفاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والمخصوص بالمدح محذوف؛ إذ التقدير: هو الله. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الحج) بعونه تعالى تفسيرا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"6","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2589>سورة المؤمنون</span>\nوهي مكية بالإجماع، وهي مئة وثماني عشرة آية، وألف وثمانمئة وأربعون كلمة، وأربعة آلاف وثمانمئة حرف وحرفان. انتهى. خازن.\nفعن عمر بن الخطاب﵁قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النّحل، فأنزل الله عليه يوما، فمكث ساعة، ثم سري عنه، فقرأ: ﴿*قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ..﴾. إلى عشر آيات من أولها، وقال: من أقام هذه العشر آيات دخل الجنة، ثم استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: «اللهم زدنا، ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا». أخرجه الترمذي. انتهى. خازن، ومعنى «أقام هذه العشر آيات» أقام عليهن، ولم يخالف ما فيهن، كما تقول: فلان يقوم بعمله على الوجه الأكمل.\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-2674\"></span><span id=\"aya-2675\"></span><span id=\"aya-2676\"></span><span id=\"aya-2677\"></span>﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ:﴾ فاز برضا الله، وجنة عرضها السموات والأرض، ونجا من عذاب الله، وسخطه. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ الموحدون، وانظر الإيمان في الآية رقم [١٤] من سورة (الحج)، والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وقد مر معنا كثير من ذلك، ولذا دخلت «قد» على الماضي، وقد تقربه من الحال كما عرفته في الإعراب كثيرا. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ:﴾ انظر شرح (الصلاة، والزكاة) في الآية رقم [٣١] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nأما «الخشوع» فهو لب الصلاة، وجوهرها، وقد قال ابن عباس﵄في تفسير ﴿خاشِعُونَ:﴾ مخبتون، أذلاء، متواضعون. هذا؛ والخشوع في الصلاة يكون في القلب والجوارح، أما خشوع القلب فهو الخوف من الله، وحضوره معه حينما يقول المصلي: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وملاحظة: أنه بين يديه تعالى في جميع حركاته، وسكناته. وأما خشوع الجوارح، فعدم الالتفات في الصلاة، وعدم رفع البصر إلى السماء، وعدم العبث بشيء من جسده وثيابه، وذلك لما يلي:","vol":"6","page":220},{"text":"فعن عائشة﵂، وعن أبويها-قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاس يختلسه الشّيطان من صلاة العبد». الاختلاس: هو السرقة، والاختطاف. متفق عليه. وعن أبي ذر﵁عن النبي ﷺ قال: «لا يزال الله مقبلا على العبد، وهو في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه». أخرجه أبو داود، والنسائي. وعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟». فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «لينتهنّ عن ذلك، أو لتخطفنّ أبصارهم».\nأخرجه البخاري. وروي أن النبي ﷺ أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا؛ لخشعت جوارحه». ذكره البغوي بغير سند، وغير ذلك، وخذ قول الشاعر: [الطويل]\nألا في الصّلاة الخير والفضل أجمع... لأنّ بها الآراب لله تخضع\nوأوّل فرض من شريعة ديننا... وآخر ما يبقى إذا الدّين يرفع\nفمن قام للتكبير لاقته رحمة... وكان كعبد باب مولاه يقرع\nوصار لربّ العرش حين صلاته... نجيّا فيا طوباه لو كان يخشع\nالآراب: جمع: الإرب بكسر فسكون، وهو العضو، وقال آخر: [الطويل]\nتصلّي بلا قلب صلاة بمثلها... يكون الفتى مستوجبا للعقوبة\nتظلّ وقد أتممتها غير عالم... تزيد احتياطا ركعة بعد ركعة\nفويلك تدري من تناجيه معرضا... وبين يدي من تنحني غير مخبت؟\nتخاطبه إيّاك نعبد مقبلا... على غيره فيها لغير ضرورة\nولو ردّ من ناجاك للغير طرفه... تميّزت من غيظ عليه وغيرة\nأما تستحي من مالك الملك أن يرى... صدودك عنه يا قليل المروءة\nإلهي اهدنا فيمن هديت وخذ بنا... إلى الحقّ نهجا في سواء الطريقة\n ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ:﴾ قيل المراد باللغو هنا: الشرك، وهو غير واضح؛ لأن الأفعال التي وصف الله بها المؤمنين كلها مأمور بها المؤمنون، والأولى تفسيره بكل باطل، ولهو، وما لا يجمل من القول، والفعل. وقد وصف الله عباده في سورة (الفرقان) بقوله: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قال البيضاوي هناك: واللغو ما يجب أن يلغى ويطرح، و﴿كِرامًا﴾ معرضين عنه، مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه، والخوض فيه، وقال عن قوم مؤمنين في سورة (القصص): ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ..﴾. إلخ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ أي: الزكاة","vol":"6","page":221},{"text":"الواجبة مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل؛ لأنها فعل، وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب، قال أمية بن أبي الصلت: [الخفيف]\nالمطعمون الطعام في السّنة الأز... مة والفاعلون للزّكوات\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَفْلَحَ:﴾ ماض. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ أو بدل، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذين، أو هو مبتدأ خبره الجملة الاسمية:\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خاشِعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وأيضا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ..﴾.\nإلخ معطوف أيضا. هذا؛ وقال السمين: اللام في ﴿لِلزَّكاةِ﴾ زائدة، و(الزكاة) مفعول به مقدم لما بعده، وزيدت اللام في المفعول لتقدمه على عامله، ولكونه فرعا في العمل، وعليه فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وفي كلّ من ﴿خاشِعُونَ﴾ و﴿مُعْرِضُونَ﴾ و﴿فاعِلُونَ﴾ ضمير مستتر هو فاعله؛ لأنه جمع: اسم فاعل. هذا؛ وزيادة اللام في ﴿لِلزَّكاةِ﴾ على قول السمين مثل قول ابن هشام بزيادتها في قوله تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ و﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ونحو ذلك، وسماها ابن هشام لام التقوية.\n\n<span id=\"aya-2678\"></span><span id=\"aya-2679\"></span><span id=\"aya-2680\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ:﴾ جمع: فرج، وهو اسم لسوأة الرجل، والمرأة، وحفظه:\nالتعفف عن الحرام، وعن كل ما لا يحل من زنى، ولواط، واستمناء باليد، ومتعة.\nأما الزنى فإني قد استوفيت الكلام عليه في الآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء)، وأستدرك هنا، فأقول: إنه قد فشا في هذه الأيام زنى بشرف، وفخر، وترضى به المرأة، وهي مرفوعة الرأس، ويقره زوجها، وهو شامخ الأنف، ذلك هو تلقيح المرأة من مادة رجل أجنبي غير زوجها، الذي ثبت عقمه، فهو يقر الدياثة بنفسه ما دام يأخذها بيده إلى طبيب قذر، لا يعرف للمروءة سبيلا، ولا للشهامة طريقا، ويكون شريكا للرجل في الدياثة، والحرمان من جنة النعيم،","vol":"6","page":222},{"text":"فقد قال الرسول ﷺ: «ثلاثة حرّم الله ﵎ عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاقّ لوالديه، والدّيّوث، الّذي يقرّ في أهله الخبث». رواه الإمام أحمد والنسائي عن عبد الله بن عمر، ﵄.\nوأما اللواط؛ فإنه عمل قوم لوط، كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (هود) و(الحجر) وغير ذلك، وهو كبيرة من الكبائر التي تستوجب غضب الله في الدنيا، وعقابه في الآخرة، والنبي ﷺ قد شدّد النكير على من اقترف هذه الجريمة، أو يقترفها، وإليك نبذة من أحاديثه الشريفة في ذلك.\nفعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سمواته، وردّد اللعنة على واحد منهم ثلاثا، ولعن كلّ واحد منهم لعنة تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئا من البهائم، ملعون من عقّ والديه، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غيّر حدود الأرض، ملعون من ادّعى إلى غير مواليه». رواه الطبراني في الأوسط.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من وجدتّموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.\nأقول: المفعول به يقتل إذا كان مطاوعا، وباختياره، أما إذا كان مكرها؛ فلا إثم عليه، ولا قتل له، بل إن النبي ﷺ حرم هذه الجريمة حتى عمل الرجل مع امرأته، فعن عبد الله بن عمرو﵁أن النبي ﷺ قال: «هي اللّوطيّة الصّغرى». يعني الرجل يأتي امرأته في دبرها. وعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فصدّقه كفر بما أنزل على محمد ﷺ». رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وأبو داود، وهذا محمول على المستحل.\nوأما الاستمناء باليد، ويطلق عليه في هذه الأيام اسم العادة السرية، فقد قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿العادُونَ﴾ وهذا؛ لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة، وفيه يقول الشاعر: [البسيط]\nإذا حللت بواد لا أنيس به... فاجلد عميرة، لا داء ولا حرج\nفقد أجمع العلماء على تحريمه، وقال بعضهم: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها إبليس حين نزل إلى الأرض، وأجراها بين الناس، وكان الإمام أحمد بن حنبل﵁- على ورعه يجوّزه؛ لأنه فضلة في البدن يجوز إخراجها لحاجة، كالفصد، والحجامة؛ ولكن","vol":"6","page":223},{"text":"بشروط ثلاثة: أن يخاف الزنى، وأن يفقد مهر حرة، أو ثمن أمة، وأن يفعله بيده، وبالجملة:\nفإن فعله حرام، ومضر بالصحة كما ثبت طبيا، ولو قام الدليل على جوازه؛ لكان ذو المروءة يعرض عنه لدناءته، ومع هذا فالدليل ضعيف، وهو عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الشريف؟ وسئل عطاء عنه، فقال: مكروه، سمعت أن قوما يحشرون، وأيديهم حبالى، فأظن أنهم هؤلاء. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: عذّب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم.\nوأما المتعة؛ فهي عقد مؤقت يعقده الرجل على امرأة يحل له زواجها شرعا بأجر معين مقبوض، فإذا انتهت المدة المتعاقد عليها تخلص منه بدون طلاق؛ لأنها كالمستأجرة. وقد كان للمتعة في التحليل، والتحريم أحوال، فمن ذلك: أنها كانت مباحة، ثم حرمها رسول الله ﷺ زمن خيبر، ثم حللها في غزوة فتح مكة، ثم حرمها بعد ذلك تحريما أبديّا. ويقال: إن عبد الله بن عباس﵄كان يقول بتحليلها، ثم رجع إلى التحريم حينما بلغه أحاديث النبي ﷺ وتأكد من صحتها، ويروى أن المأمون العباسي أباحها للمجاهدين، وهم بعيدون عن أهليهم، فدخل عليه العالم الجليل يحيى بن أكثم، وهو يرتعد غضبا، فقال المأمون: ما للإمام يشتاط غضبا؟ فقال الإمام العظيم: كيف لا؛ وقد انتهكت حرمات الله، وأحلّ ما حرّم الله، ورسوله؟ قال المأمون: ومن فعل ذلك؟ فقال: أمير المؤمنين فعل ذلك. قال: وكيف كان ذلك؟ قال: ألم تحل المتعة؛ وقد حرمها الله ورسوله إلى يوم القيامة؟ قال: أليست تحل بعقد شرعي، ومهر، ورضا، واختيار مع رشد، وعقل؟! قال: يا أمير المؤمنين! فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ أهي زوجة ترث وتورث؟ قال: لا! قال: أيلحق الولد المتمتع إذا كان بعيدا عن البلد المتمتع بها؟ قال: لا! قال: أيلحقها ولدها التي أتت به من المتعة؟ قال: لا! قال: أهي أمة في ملك اليمين؟ قال: لا! قال: فإذا هي محرمة إذا كانت ليست زوجة بالمعنى الصحيح، ولا أمة بملك. فرجع المأمون عن تحليلها، واستغفر الله.\nوأخيرا أقول: تأباها المروءة والشرف، فأي رجل فيه شيء من ذلك، ثم هو يرضى بأن يسلم أخته، أو ابنته لشخص أياما معدودة، ثم هو يردها له، وقد تكون حملت منه بولد، ثم ما مصير هذا الولد؟ هل هو لقيط، أو ابن زنى، أو هو ولد شرعي؟ فيجب أن يرث من والده، وينتسب إليه، وهل يتأتى هذا في نكاح المتعة؟.\nتنبيه: قد تحرم الزوجة، أي: إتيانها لعارض حيض، أو نفاس، وقد صرحت به آية البقرة رقم [٢٢١] هذا؛ و﴿أَزْواجِهِمْ﴾ جمع: زوج، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٠] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وإجراء (ما) وهي لغير العاقل على الإماء، وهن عاقلات؛ لأنهن ناقصات عقل، ولأنهن يبعن، ويشترين كالبهائم، كما أطلقت على النساء الحرائر في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ للسبب الأول فقط.","vol":"6","page":224},{"text":"﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أي: على إتيان أزواجهم وإمائهم إذا كان الإتيان على وجه أذن فيه الشرع، دون الإتيان في الدبر، وفي حال الحيض، والنفاس، فإنه محظور، فلا يجوز، ومن فعله؛ فإنه ملوم. ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ﴾ أي: التمس، وطلب سوى الأزواج، والإماء، وهن الجواري المملوكة. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ أي: المتجاوزون الحد من الحلال إلى الحرام، وذلك مما يوجب الحد على الزاني، واللائط، والتعزير على إتيان البهيمة، وإتيان المرأة في دبرها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ..﴾. إلخ: إعرابه مثل إعراب سابقه، ويقال في اللام الجارة لفروجهم ما قيل في اللام الجارة في: ﴿لِلزَّكاةِ﴾ في الآية السابقة؛ لأن ﴿فاعِلُونَ﴾ و﴿حافِظُونَ﴾ كلاهما مأخوذ من فعل متعد لواحد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلى أَزْواجِهِمْ:﴾ في تعليقهما أوجه:\nأحدها: أنهما متعلقان ب: ﴿حافِظُونَ﴾ على تضمينه معنى: ممسكين، أو قاصرين. الثاني: أنهما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: حافظون فروجهم في كل حال؛ إلا في حال إتيان أزواجهم، أو إمائهم. الثالث: أنهما متعلقان بمحذوف يدل عليه ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وكأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿أَزْواجِهِمْ﴾.\n ﴿مَلَكَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: أو الذي ملكته أيمانهم. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء:\nحرف تعليل. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿غَيْرُ:﴾ خبرها، و(غير) مضاف، و﴿مَلُومِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: (إنهم غير ملومين) تعليل لنفي الحرج، والمؤاخذة، وهو ما تضمنه الاستثناء.\n ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِبْتَغى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿وَراءَ:﴾ مفعول به على تفسيره ب: «سوى»، وظرف مكان متعلق بما قبله على تفسيره ب «بعد» ونحوه، وقال الزجاج: التقدير: فمن ابتغى ما بعد ذلك، وعليه فالمفعول محذوف، و﴿وَراءَ﴾ متعلق بمحذوف صلة المفعول المحذوف المقدر ب: ما، و﴿وَراءَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل لها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (أولئك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب.\n ﴿العادُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ثانيا و﴿العادُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: (أولئك هم...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، وخبر","vol":"6","page":225},{"text":"المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وخبره الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2681\"></span><span id=\"aya-2682\"></span><span id=\"aya-2683\"></span><span id=\"aya-2684\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ:﴾ الأمانات تشمل الودائع التي يضعها أصحابها عند غيرهم، وتشمل جميع التكاليف الإلهية التي كلف الله بها عباده المؤمنين، وتشمل جميع جوارح الإنسان من عين، وأذن، ويد... إلخ، وتشمل جميع المعاملات من بيع، وشراء... إلخ، وتشمل جميع النعم التي أنعم الله بها على العبد من ولد، وزوجة... إلخ. والعهد يشمل جميع الوعود التي يقطعها العبد على نفسه لغيره من الناس، ويشمل جميع العقود التي يعقدها العبد مع غيره، مثل عقد النكاح، ونحوه، وأيضا الصنائع، والأسرار وغير ذلك، ولقد أحسن القرطبي- رحمه الله تعالى-إذ قال: والأمانة، والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه، ودنياه قولا، وفعلا. ومعنى ﴿راعُونَ﴾ قائمون بحفظها، ورعايتها. وأصله: راعيون، فحذفت الضمة التي على الياء لا ستثقالها، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي علامة الجمع، وهذا في الجمع، كما تحذف من المفرد لا لتقائها ساكنة مع التنوين. انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (لقمان).\nهذا؛ ويقرأ: «(لأمانتهم)» بالإفراد، وقراءة حفص بالجمع، قال مكي بن أبي طالب القيسي: أمانة:\nمصدر، وحق المصادر أن لا تجمع؛ لأنها كالفعل يدل على القليل، والكثير من جنسه، ولكنه لما اختلفت أنواع الأمانة لوقوعها على الصلاة، والزكاة، والتطهر، والحج، وغير ذلك من العبادات جاز جمعها؛ لأنها لما اختلفت أنواعها شابهت المفعول به، فجمعت كما يجمع المفعول به.\n ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أي: على أدائها في أوقاتها الأوائل، وعلى إتمام ركوعها، وسجودها، وطهارتها، وكل شروطها، وأركانها، وسننها، وليس ذلك تكرارا لما وصفهم به أولا، فإن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها، وفي تصدير الأوصاف المذكورة، وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١ و٥٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ:﴾ الجامعون لهذه الصفات هم الأحقاء، والجديرون بأن يسموا ورّاثا دون غيرهم. ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ:﴾ بيان لما يرثونه، وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيما لها، وتأكيدا، وهي مستعارة لا ستحقاقهم الفردوس من أعمالهم، وإن كان بمقتضى وعده مبالغة","vol":"6","page":226},{"text":"فيه، وقيل: إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها؛ حيث فوتوها على أنفسهم؛ لأنه تعالى جعل لكل إنسان منزلا في الجنة، ومنزلا في النار.\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى جعل لكلّ إنسان مسكنا في الجنّة، ومسكنا في النار، فأمّا المؤمنون فيأخذون منازلهم، ويرثون منازل الكفّار، ويجعل الكفّار في منازلهم في النار». خرجه ابن ماجه بمعناه. ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي: لا يخرجون منها، ولا يموتون، وأنث الضمير؛ لأنه اسم من أسماء الجنة، أو المراد طبقتها العليا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٧] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nخاتمة: قال ابن العربي-رحمه الله تعالى-من غريب القرآن: إن هذه الآيات العشر عامة في الرجال، والنساء كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم، فإنها عامة فيهم، إلا قوله تعالى:\n ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات بدليل قوله تعالى:\n ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر كآيات الإحصان عموما، وخصوصا، وغير ذلك من الأدلة\nأقول: وهذا شيء نوهت عنه كثيرا وذكرت: أن المدح، والثناء، والذم، والترغيب، والترهيب بلفظ المذكر يدخل تحته النساء إلحاقا؛ إذ ما من شك: أن في النساء متقيات، ومؤمنات، وصالحات، وخبيثات، وفاسقات... إلخ، والتعبير بلفظ المذكر هو من باب تغليب المذكر على المؤنث، خذ قوله تعالى في آخر سورة (التحريم) في مدح مريم: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ:﴾ معطوف هذا الكلام على قوله تعالى:\n ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ وهو مثله في إعرابه بلا فارق بينهما، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وكذلك ما بعده معطوف عليه، وإعرابه مثل السابق.\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ بلا فارق بينهما، والجملة الاسمية هنا مستأنفة، لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الموصول الأول في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ما عدا الوجه الأخير. وهو اعتباره مبتدأ، فتكون هذه الجملة في محل رفع خبره. ﴿الَّذِينَ:﴾ هو مثل ﴿الَّذِينَ﴾ في الآية رقم [٢] بلا فارق، وجملة:\n ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُمُ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ مستأنفة على جميع الوجوه التي تعتبر في الموصول، ما عدا اعتباره مبتدأ. فتكون هذه الجملة في محل رفع خبره، وقال أبو البقاء: الجملة حال مقدرة، إما من الفاعل، أو من المفعول، وهذا يكون على الوجوه الأولى في الموصول، وانظر أنواع الحال في الآية رقم [٧٦] من سورة (الفرقان).","vol":"6","page":227},{"text":"<span id=\"aya-2685\"></span><span id=\"aya-2686\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ المراد به آدم ﵇. ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ:﴾\nالسلالة: الخلاصة؛ لأنها تسل من بين الكدر، وقيل: إنما سمي التراب الذي خلق منه آدم سلالة؛ لأنه سل من كل تربة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحجر)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وقيل: المراد ابن آدم. قاله ابن عباس، وغيره؛ وعلى هذا فالسلالة صفوة الماء، يعني: المني، فالنطفة سلالة، والولد سليل، وسلالة، عنى به الماء يسل من الظهر سلا، قال حسان بن ثابت﵁-: [الطويل]\nفجاءت به عضب الأديم غضنفرا... سلالة فرج كان غير حصين\nوقالت هند بنت النعمان في مدح نفسها، وذم الحجاج الذي تزوجها في قصة مشهورة مسطورة في كتب الأدب: [الطويل]\nوما هند إلاّ مهرة عربيّة... سليلة أفراس تجلّلها بغل\nفإن ولدت مهرا فلله درّها... وإن ولدت نغلا فجاء به البغل\nومعنى ﴿مِنْ طِينٍ﴾ أي: إن الأصل آدم، وهو من طين. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:\nأي: من طين خالص، فأما ولده؛ فهو من طين، ومني: وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (الحج).\n ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أي: نسله، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ لأن آدم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لم يصر نطفة، فهو كقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ من سورة (السجدة) رقم [٧ و٨]. ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أي: حريز، وهو الرحم، سمي مكينا لاستقرار النطفة فيه إلى وقت الولادة.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف، التقدير، والله، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر.\n ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ سُلالَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿مِنْ طِينٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿سُلالَةٍ﴾ على تأويلها ب: «مسلومة»، أو بمحذوف صفة لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جَعَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿نُطْفَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فِي قَرارٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿نُطْفَةً﴾. ﴿مَكِينٍ:﴾ صفة قرار.","vol":"6","page":228},{"text":"<span id=\"aya-2687\"></span>﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا:﴾ هذا هو الطور الرابع الذي لم يذكر في آية الحج رقم [٥] حيث تتحول المضغة بعد تمام أربعة أشهر، ونفخ الروح في الجنين إلى عظام لينة غضروفية مكسوة باللحم. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ:﴾ اختلف في تفسير هذا الخلق اختلافا كثيرا، وفي الحقيقة هو يشمل كل تصرفات الإنسان من النطق، والإدراك، وحسن المحاولة، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. هذا؛ والفعل (خلق) هنا بمعنى: صير، فلذا نصب مفعولين صريحين، فإن كان بمعنى: اخترع، وأحدث؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وهو كثير. هذا؛ والفعل «جعل» ينصب مفعولين أيضا إذا كان من أفعال التصيير، فإن كان بمعنى: خلق؛ تعدى إلى واحد فقط، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ أي: وخلق الظلمات، والنور.\n ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ:﴾ يروى: أن عمر بن الخطاب﵁لما سمع صدر الآية إلى قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ قال: فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله ﷺ: «هكذا أنزلت». وقيل: إن قائل ذلك معاذ بن جبل، ﵁. وقيل: إن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب للنبي ﷺ الوحي، فنطق بذلك قبل إملائه عليه، فقال له رسول الله ﷺ: اكتب هكذا نزلت». فقال عبد الله: إن كان محمد نبيا يوحى إليه؛ فأنا نبي يوحى إلي، فارتد، ولحق بمكة، ثم أسلم يوم الفتح، وفي إسلامه دخن، ودغل. انظر ما ذكرته بشأنه، وشأن غيره في الآية رقم [٩٣] من سورة (الأنعام)، وقيل: هذه الحكاية غير صحيحة؛ لأن ارتداده كان في المدينة، وهذه السورة مكية كما رأيت في مقدمتها.\nهذا؛ ومعنى (تبارك) تقدس، وتعظم، وتعالى، وتنزه، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر. وانظر الآية رقم [١] من سورة (الفرقان)، ومعنى ﴿أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ أحسن المصورين، والمقدرين. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ قلت: الخلق له معان، منها: الإيجاد، والإبداع، ولا موجد، ولا مبدع إلا الله تعالى، ومنها: التقدير، قال زهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان المري: [الكامل]\nولأنت تفري ما خلقت وبع... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري\nمعناه: أنت تقدر الأمور، وتقطعها، وغيرك لا يفعل ذلك. فعلى هذا يكون معنى الآية: الله أحسن المقدرين. وجواب آخر، وهو: أن عيسى-عليه الصلاة، والسّلام-خلق طيرا، وسمى نفسه خالقا بقوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فقال: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾.","vol":"6","page":229},{"text":"مسألة، بل فائدة من هذه الآية: قال ابن عباس﵄لعمر﵁حين سأل مشيخة الصحابة-رضوان الله عليهم أجمعين-عن ليلة القدر، فقالوا: الله أعلم، فقال عمر: ما تقول يا بن عباس؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى خلق السموات سبعا، والأرضين سبعا، وخلق ابن آدم من سبع، وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين، فقال عمر﵁-: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه؟! وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة. فأراد ابن عباس﵄-: خلق ابن دم من سبع بهذه الآية، وبقوله:\n (وجعل رزقه في سبع) قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ آية رقم [٢٧] وما بعدها من سورة (عبس) السبع الأولى منها لا بن آدم، والأب للأنعام، والقضب يأكله ابن آدم، ويسمن منه النساء. هذا قول. وقيل:\nالقضب: البقول؛ لأنها تقضب، فهي رزق ابن آدم. انتهى. قرطبي بتصرف.\nهذا؛ وأحفظ لا بن عباس﵄استدلالا آخر لليلة القدر؛ حيث عد كلمات سورة (القدر) فكانت ثلاثين كلمة بعدد أيام رمضان، ولياليه، ثم عدد كلماتها ثانية، فكانت لفظة الضمير (هي) السابعة والعشرين، فقال: هنا ليلة القدر؛ أي: في الليلة السابعة والعشرين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل، و﴿خَلَقْنَا﴾ بمعنى: صيرنا، ولذا نصب مفعولين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، والجمل بعدها كلها معطوفة عليها، والأفعال كلها نصبت مفعولين. ﴿آخَرَ:﴾ صفة خلقا.\n (تبارك): ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَحْسَنُ:﴾ بدل، أو خبر لمبتدأ محذوف، وليس بصفة؛ لأنه نكرة، وإن أضيف؛ لأن المضاف إليه عوض من «من» وعليه فالجملة الاسمية المقدرة: «هو أحسن الخالقين» في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير المقدر مبتدأ، و﴿أَحْسَنُ:﴾ مضاف، و﴿الْخالِقِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة (تبارك...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nخاتمة: قال الجمل: اختلاف العواطف بالفاء، وثم؛ لتفاوت الاستحالات، يعني: إن بعضها مستبعد حصوله مما قبله، وهو معطوف ب: ﴿ثُمَّ﴾ فجعل الاستبعاد عقلا، أو رتبة بمنزلة التراخي، والبعد الحسي... إلخ. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: فالفاآت في الآية بمعنى «ثم» لتراخي معطوفاتها، وهو جيد جدا.\n\n<span id=\"aya-2688\"></span><span id=\"aya-2689\"></span><span id=\"aya-2690\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي: بعد الخلق المذكور في أطواره المختلفة.\n ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ أي: عند انقضاء آجالكم. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ أي: تخرجون من القبور وتحشرون للجزاء والحساب، والثواب، أو العقاب. هذا؛ وقد أكد الجملتين الاسميتين","vol":"6","page":230},{"text":"ب: (إنّ) ولام الابتداء ليؤكد وقوع البعث، وما يتبعه، وما يتعلق به، وهو ما ينكره الجاحدون، والملحدون؛ أما الموت؛ فلا ينكره أحد أبدا؛ لأنه مشاهد لكل إنسان.\n ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ سبع سموات، سميت بذلك؛ لأنّ بعضها فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء: طريقة، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها طرق الملائكة في الصعود، والهبوط، وقيل:؛ لأن الكواكب تطرقها، أي: تسير فيها. ﴿وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ:﴾\nالخلق بمعنى المخلوق، والمراد به: السموات، أو جميع المخلوقات، وهو أولى، ومعنى ﴿غافِلِينَ﴾ مهملين أمرها، بل نحفظها من الاختلال، والزوال، وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة، وتعلقت به المشيئة. وقيل: المعنى: ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي. وقيل: المعنى: ما كنا غافلين عن أعمالهم، وأقوالهم، وسائر تصرفاتهم، بل هي مسجلة عندنا، ومحفوظة لدينا حتى نحاسبهم عليها يوم يرجعون إلينا.\nأما (الموت): فهو انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته. وموت القلب: قسوته فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح، وأما الميت، والميتة بفتح الميم وسكون الياء فيهما فهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات، وأما المشدد؛ فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وجمعه: موتى، قال الإمام علي، كرم الله وجهه: [البسيط]\nففز بعلم، ولا تجهل به أبدا... فالنّاس موتى وأهل العلم أحياء\nهذا؛ وقد قال بعض الأدباء في الفرق بين المشدد، والمخفف: [الطويل]\nأيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل\nفمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل\nهذا هو الأصل الغالب في الاستعمال وقد يتعاوضان كما في قول ابن الرعلاء الغساني: [الخفيف]\nليس من مات فاستراح بميت... إنّما الميت ميّت الأحياء\nإنّما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله، قليل الرّجاء\nأقول: ومن هذا ما في الآية رقم [٢٧] من سورة (آل عمران) وما في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام) حيث استعمل المشدد فيهما لفاقد الحياة، والروح، كما هو واضح فيهما. هذا؛ ولا تنس: أن أصل «ميّت» المشدد: (ميوت)؛ لأنه من مات يموت، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال سيّد وهيّن، وليّن وصيّب، ونحو ذلك، وقال الشاعر في تخفيف: هين، ولين: [البسيط]\nهينون لينون أيسار بنو يسر... سوّاس مكرمة أبناء أيسار","vol":"6","page":231},{"text":"الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿بَعْدَ:﴾\nظرف زمان متعلق ب (ميتون) بعده، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَمَيِّتُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ميتون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجمل الفعلية السابقة لا محل لها مثلهن. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ مثل سابقه.\n ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿تُبْعَثُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا﴾ انظر الآية رقم [١٢] فالإعراب لا يتغير، وهذا الكلام معطوف عليه لا محل له مثله. ﴿فَوْقَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿طَرائِقَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿عَنِ الْخَلْقِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿غافِلِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2691\"></span>﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر شرح (الماء) وإعلاله، وما قيل فيه في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿السَّماءِ﴾ وإعلاله في الآية رقم [٣٢] منها. ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي: على مقدار مصلح؛ لأنه لو كثر؛ أهلك، كما هو مشاهد في بعض الأحيان، كما قال تعالى في الآية رقم [٢١] من سورة (الحجر): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. ﴿فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: جعلناه مستقرا فيها مخزونا، قال تعالى في الآية رقم [٢٢] من سورة (الحجر).\n ﴿وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ ثم أخرجناه من الأرض ينابيع، كالعيون، والآبار، والأنهار، فكل ماء ينتفع به الإنسان، والحيوان أصله من السماء. ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أي: على ذهاب الماء المختزن. وفيه تهديد، ووعيد، أي: إنا قادرون على إزالته بالإفساد، أو التصعيد، أو التعميق بحيث يتعذر استخراجه والاستفادة منه، فعند ذلك يهلك الناس، والحيوان، والنبات من شدة العطش. هذا؛ وقد قيل: إن ما في هذه الآية أبلغ من قوله تعالى في سورة (الملك) رقم [٣٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"6","page":232},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ماء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به. ﴿بِقَدَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف صفة ماء، والجملة الفعلية: ﴿وَأَنْزَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله. ﴿فَأَسْكَنّاهُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجر المفعول به الثاني هنا على الأصل في مفعول: (سكن، ودخل، ونزل). ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال.\n (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت ألفها. ﴿عَلى ذَهابٍ:﴾ متعلقان ب (قادرون). ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بذهاب؛ لأنه مصدر. ﴿لَقادِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2692\"></span>﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ:﴾ خلقنا وأوجدنا لكم. ﴿بِهِ:﴾ بالماء. ﴿جَنّاتٍ:﴾ بساتين. ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ:﴾ إنما أفردهما بالذكر لكثرة منافعهما، فإنهما يقومان مقام الطعام، والإدام في سنوات المحل، والجدب، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٤] وما بعدها من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَكُمْ فِيها﴾ أي: في الجنة.\n ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: غير النخيل، والأعناب، وذلك كالخوخ، والتفاح... إلخ. ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي: ومن الجناب تأكلون تغذّيا، أو ترتزقون، وتحصلون معايشكم، من قولهم: فلان يأكل من حرفته، ويجوز أن يكون الضميران للنخيل، والأعناب؛ أي: لكم في ثمرتهما أنواع من الفواكه:\nالرطب، والعنب، والتمر، والزبيب، والعصير، والدبس، وغير ذلك، وطعام تأكلونه وتتغذون به. وانظر قوله تعالى في الآية رقم [٤] من سورة (الرعد): ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿فَأَنْشَأْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنشأنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لَكُمْ بِهِ:﴾ كلاهما متعلق بالفعل قبلهما. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنْ نَخِيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَأَعْنابٍ:﴾ معطوف على ﴿نَخِيلٍ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿فَواكِهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية لجنات، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿كَثِيرَةٌ:﴾ صفة ﴿فَواكِهُ﴾. (منها):","vol":"6","page":233},{"text":"متعلقان بما بعدهما. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، هذا؛ وعلى اعتبار الضميرين عائدين على ﴿نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ،﴾ فالجملتان في محل جر صفة لهما.\n\n<span id=\"aya-2693\"></span>﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ:﴾ المراد بها: شجرة الزيتون، وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في بلاد الشام، والحجاز، وغيرهما من البلاد، وقلة تعاهدها بالسقي، والحفر، وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار، وخص طور سيناء بالزيتون؛ لأنه منه نشأ. وقيل: إن أول شجرة نبتت في الأرض بعد الطوفان هي شجرة الزيتون، وقيل: إنها تبقى في الأرض نحو ثلاثة آلاف سنة، والمراد بطور سيناء: الجبل الذي كلم الله عليه موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وفي سورة والتين ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾.\nقال البيضاوي: ولا يخلو من أن يكون (الطور) اسما للجبل، و﴿سَيْناءَ﴾ اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منهما علم له، كامرئ القيس، ومنعه من الصرف للتعريف، والعجمة، أو التأنيث على تأويل البقعة، وصحراء سيناء معروفة تعتبر من البلاد المصرية جغرافيا. وقال الخازن:\nومعناه: الجبل الملتف بالأشجار، وقيل: كل جبل فيه أشجار مثمرة، يسمى: سيناء، وسينين.\nانتهى. أقول: وهو ضعيف جدا، والمعتمد الأول. هذا؛ وسيناء بفتح السين، والمد، من السناء، وهو: الرفعة، وعلو الشأن، ويقرأ بالفتح والقصر بمعنى: النور، ويقرأ بالكسر، والقصر.\n ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ:﴾ يقرأ الفعل بفتح التاء، وضم الباء على أنه لازم، ويقرأ بضم التاء وكسر الباء على أن المفعول محذوف، أو الباء زائدة في المفعول، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية رقم [١٩٥] من سورة (البقرة)، ومثل الآية قول الراعي النميري، أو القتال الكلابي: [البسيط]\nهنّ الحرائر لا ربّات أخمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور\nوقيل: نبت، وأنبت بمعنى واحد، وهو مذهب الفراء، وأبي إسحاق، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: [الطويل]\nرأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم... قطينا بها حتّى إذا أنبت البقل\nأي: نبت البقل. هذا؛ وفيه قراآت أخر، ويقرأ: «(بالدّهان)» ايضا. ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ:﴾\nويقرأ: وصباغ، مثل: دبغ، ودباغ. هذا؛ ولشجرة الزيتون فوائد كثيرة، أهمها: أنها يؤتدم بزيتونها، ويدهن بزيتها، وهو علاج نافع لكثير من الأمراض، ولا سيما الأمراض العصبية،","vol":"6","page":234},{"text":"والمعدية، فقد روى الترمذي-رحمه الله تعالى-من حديث عمر بن الخطاب﵁-:\nقال، قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزّيت وادّهنوا به فإنّه من شجرة مباركة».\nوقال ابن عباس﵄-: في الزيتونة منافع: يسرج بزيتها، أي يستضاء به، وهو إدام، ودهان، ودباغ، ووقود يوقد بحطبه، وتفله، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة حتى الرماد يغسل به الإبريسم، أي: الحرير بكسر الراء، والسين، وفتحهما لغتان، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، وتنبت في منازل الأنبياء، والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيا بالبركة، منهم إبراهيم، ومنهم محمد ﷺ، فإنه قال: «اللهمّ بارك في الزّيت، والزّيتون». قاله مرتين. انتهى. قرطبي من تفسير سورة (النور)، وانظر الآية رقم [٣٥] من سورة (النور).\nالإعراب: ﴿وَشَجَرَةً:﴾ معطوف على جنات، ويقرأ بالرفع على اعتباره مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ومما أنشئ لكم به شجرة، أو: وهناك شجرة. ﴿تَخْرُجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (شجرة)، والجملة صفة (شجرة). ﴿مِنْ طُورِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿طُورِ﴾ مضاف، و﴿سَيْناءَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، وانظر الشرح. ﴿تَنْبُتُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (شجرة)، ومفعوله محذوف. ﴿بِالدُّهْنِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وتقدير الكلام: تنبت جناها، أو ثمرها مصحوبا بالدهن، وانظر الشرح لأوجه القراآت، والجملة الفعلية في محل صفة ثانية ل: (شجرة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. (صبغ): معطوف على لفظ (الدهن)، وهو في المعنى مفعول به. ﴿لِلْآكِلِينَ:﴾ متعلقان ب: (صبغ)، أو بمحذوف صفة له.\n\n<span id=\"aya-2694\"></span><span id=\"aya-2695\"></span>﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ أي: في خلق الأنعام، والتفكر فيها للدلالة على قدرة الله تعالى. هذا؛ وواحد ﴿الْأَنْعامِ:﴾ نعم، وهو يطلق على الإبل خاصة، فيكون الجمع من باب التغليب غلب الإبل على البقرة، والغنم. والأنعام تؤنث كما في هذه الآية، وكما في الآية رقم [٥] من سورة (النحل) تبعا للمعنى، فإن الأنعام جمع كما رأيت، ولذلك عده سيبويه -رحمه الله تعالى-في المفردات المبنيّة على أفعال، كأخلاق، وكقولهم: ثوب أكياش. هذا؛ وذكّر في الآية رقم [٦٦] من سورة (النحل) تبعا للفظ، انظر شرحها، فإنه جيد.\n ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ:﴾ في ظهورها، وأصوافها، وأوبارها، وأشعارها. ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي: من لحومها بعد ذبحها. ﴿وَعَلَيْها﴾ أي: على الأنعام، والمراد به: الإبل؛ لأنها هي التي يحمل عليها.","vol":"6","page":235},{"text":"﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ أي: السفن التي تجري في البحر. ﴿تُحْمَلُونَ﴾ أي: في أسفاركم، فالإبل للبر، والسفن للبحر.\nهذا؛ وانظر شرح (الفلك) في الآية رقم [٦٦] من سورة (الإسراء)، أما ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ فهو من الرباعي: «أسقى»، ويقرأ بفتح النون على أنه من الثلاثي: «سقى»، وهما بمعنى واحد، تقول:\nسقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمز تارة، وبدونه أخرى، وشاهد المهموز قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا﴾ وشاهد غير المهموز قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾ ويحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد في قول لبيد﵁اللغتان جميعا: [الوافر]\nسقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال\nولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، وفرق الأعلم بينهما، فقال: تقول: سقيتك ماء:\nإذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيتك: إذا حصلت له سقيا.\nتنبيه: جملة ما ذكره الله في الآيات المتقدمة من أول السورة إلى هنا من الدلائل على قدرته أربعة أنواع: الأول: الاستدلال بتقلب الإنسان في أطوار الخلقة، وهي تسعة آخرها:\n ﴿تُبْعَثُونَ﴾. النوع الثاني من الأدلة: خلق السموات، وأشار له بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾. النوع الثالث: إنزال الماء، وأشار له بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾. النوع الرابع:\nالاستدلال بأحوال الحيوانات، وأشار له بقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ..﴾. إلخ. وأحوال الحيوان أربعة مذكورة في الآية. انتهى. جمل نقلا من الرازي.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْأَنْعامِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (عبرة): اسم (إنّ) مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿نُسْقِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف صرحت به آية (النحل) المذكورة في الشرح. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي بُطُونِها:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿نُسْقِيكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب المجرورة محلا باللام، أو من الأنعام، والرابط: الضمير على الاعتبارين، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مَنافِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة على جميع الاعتبارات فيها. ﴿كَثِيرَةٌ:﴾ صفة ﴿مَنافِعُ﴾. (منها):","vol":"6","page":236},{"text":"متعلقان بما بعدهما، وجملة: «تأكلون منها» معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَعَلَيْها:﴾ الواو: حرف عطف. (عليها): متعلقان بما بعدهما. (على الفلك): معطوفان على ما قبلهما، وهما متعلقان بالفعل بعدهما حكما. ﴿تُحْمَلُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2696\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ:﴾ هذا شروع في خمس قصص: الأولى: قصة نوح، هذا أولها، والثانية: قصة هود، ﵇. وانظر تفصيل ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى.\nهذا؛ وقد ذكرت قصة نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وسلام في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) مفصلة تفصيلا كافيا، وسأعود إلى تفصيلها ثانية في سورة (الشعراء) إن شاء الله تعالى. هذا؛ و(قوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]\nوما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إنّ كل لفظ «قوم» في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا. هذا؛ ولفظ (قوم) يذكر، ويؤنث؛ قال تعالى في سورة (الشعراء) الآية رقم [١٠٥]: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ،﴾ وانظر شرح (التقوى) في الآية رقم [١] من سورة (الحج)، ومعنى ﴿تَتَّقُونَ﴾ أفلا تخافون أن يزيل الله عنكم نعمه، فيهلككم، ويعذبكم بإعراضكم عن عبادته، وإقبالكم على عبادة غيره، وكفرانكم نعمه؛ التي لا تعد، ولا تحصى.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [١٢] فهو مثله بلا فارق، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نوحا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال):\nماض، وفاعله يعود إلى (نوح). (يا): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا قومي. ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: يا قومي. ومنهم من","vol":"6","page":237},{"text":"يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا قوما. ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: يا قوم. ففيه خمس لغات ذكرها ابن مالك-رحمه الله تعالى-بقوله: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ل: «يا» ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nهذا؛ ويزاد سادسة، وهي البناء على الضم، والقطع عن الإضافة تشبيها له بالنكرة المقصودة، فيقول: يا قوم، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿غَيْرُهُ:﴾ يقرأ بالرفع صفة ﴿إِلهٍ﴾ على المحل، أو بدل منه. وبالجر صفة على اللفظ، وبالنصب على الاستثناء، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التعليل للأمر بالعبادة، وقيل: مستأنفة، ولا وجه له، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب القسم لا محل لها مثله. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف. أو حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، أو هي مستأنفة، وتعود إلى أنها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2697\"></span>﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:﴾ ف: ﴿الْمَلَأُ﴾ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملؤون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، والملأ:\nاسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، وقوم، ومعشر... إلخ، وانظر شرح ﴿كَفَرُوا﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وقول الملأ المذكور إنما هو لعوامهم، وسفلتهم الذين يتبعونهم، خاطبوهم بالجملة التالية.\n ﴿ما هذا:﴾ الإشارة إلى نوح ﵇. ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: آدمي مثلكم يأكل كما تأكلون، ويشرب كما تشربون، وهو مثلكم في جميع الأمور، وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)، وشرح (بشر) في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). وانظر ما ذكرته في الآية [٤٨] الآتية. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يحب الشرف، والرياسة بأن يكون سيدا متبوعا، وأنتم له تبع. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أي: يبعث ملائكة، يكونون رسلا، وواسطة بينه وبين خلقه.","vol":"6","page":238},{"text":"﴿ما سَمِعْنا بِهذا﴾ أي: بالذي يدعونا إليه نوح. أو المعنى: ما سمعنا بنوح: أنه نبي مرسل إلينا، وهذا من فرط عنادهم، أو؛ لأنهم كانوا في فترة متطاولة لم يرسل الله فيها رسولا؛ لأن نوحا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان أول رسول جاء برسالة بعد آدم، وشيث ابنه. ﴿فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ:﴾ أي في الأمم الماضية. قاله ابن عباس﵄-.\nالإعراب: (قال الملأ): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾\nاسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة ﴿الْمَلَأُ،﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية مهملة. ﴿هذا:﴾\nاسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له من الإعراب.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة له، ولم يتعرف بالإضافة؛ لأنه متوغل في الإبهام كما رأيت في شرحه، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ما هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿يُرِيدُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿بَشَرٌ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَتَفَضَّلَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يُرِيدُ أَنْ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ولو شاء الله أن يرسل رسولا. ﴿لَأَنْزَلَ:﴾\nاللام: واقعة في جواب (لو). (أنزل): ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿مَلائِكَةً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، وهو من قول الملأ بلا ريب. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهذا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعند التأمل يتبين لك: أن الباء حرف صلة، واسم الإشارة مفعول به، مجرور لفظا، منصوب محلا، تأمل. ﴿فِي آبائِنَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من اسم الإشارة، و(نا): في محل جر بالإضافة، ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة آبائنا مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ.\nوالجملة الفعلية: ﴿ما سَمِعْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول كالجمل قبلها.\n\n<span id=\"aya-2698\"></span><span id=\"aya-2699\"></span>﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ:﴾ بكسر الجيم: جنون. وهو أيضا: الجن، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ،﴾ وهو بفتح الجيم: الحديقة ذات الأشجار، وجمعها: جنات، وهو بضم الجيم كل ما استترت به، وكل ما وقيت به نفسك من السلاح، وغيره، ومنه المجن، والمجنة بكسر الميم","vol":"6","page":239},{"text":"فيهما، وهو الترس الذي كان يتخذ للوقاية من ضربات السيوف، والرماح. هذا؛ ورجل مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشجاعة، والشهامة، والحمية، وغير ذلك.\n ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أي: فانتظروا، واصبروا عليه إلى زمان حتى ينجلي أمره، فإن أفاق من جنونه، وإلا قتلتموه. هذا؛ والحين: الوقت قليلا كان أو كثيرا، والمدة من الزمن قصيرة كانت أو طويلة، وجمعه أحيان، وجمع الجمع: أحايين. هذا؛ والحين بفتح الحاء: الهلاك، والموت.\n ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ:﴾ طلب هذا من الله تعالى لمّا أيس من إيمانهم بعد أن دعاهم إلى الله، وعبادته ألف سنة إلا خمسين عاما. والمعنى: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي؛ إذ في نصرتي إهلاكهم، أو المعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلٌ:﴾\nخبر المبتدأ، والجملة الاسمية من قول الملأ أيضا. و﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿جِنَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿فَتَرَبَّصُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وهي حرف عطف عند من يجيز عطف الإنشاء على الخير، وابن هشام يعتبرها في مثل ذلك للسببيّة المحضة. (تربصوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الجنون واقعا به؛ فتربصوا، وانتظروا... إلخ، والكلام كله من مقول الملأ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿حَتّى حِينٍ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (نوح). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، وهو مثل: ﴿يا قَوْمِ﴾ في إعرابه في الآية السابقة. ﴿اُنْصُرْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر.\n (ما): مصدرية. ﴿كَذَّبُونِ:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب تكذيبهم إياي، والجار، والمجرور متعلقان بما قبلهما، واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة ضعيف معنى، والكلام: ﴿رَبِّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2700\"></span>﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ﴾ أي: إلى نوح، ﵇. وهذا بعد أن قال له في سورة (هود) ﵇: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾. هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة","vol":"6","page":240},{"text":"السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد ﷺ أجمعين، والوحي: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا؛ حيث تبني بيوتها على شكل هندسي يعجز عنه العقل البشري، ولها تنظيم في حياتها يدهش أولي الألباب. ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ أي: اعمل السفينة التي ستنجو فيها أنت، ومن آمن معك، وإني أحيلك على الآيات رقم [٣٦] وما بعدها من سورة (هود)، فإنك ستجد الشرح فيها وافيا كافيا، ومعنى (اسلك): أدخل فيها، واجعل فيها، يقال: سلكته في كذا، وأسلكته فيه: إذا أدخلته. قال عبد مناف بن ربع الهذلي: [البسيط]\nحتّى إذا أسلكوهم في قتائدة... شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا\nقتائدة: موضع بعينه، والشل الطرد، والشرد جمع شرود. ومعنى ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: في تقدير الله الأزلي بهلاكه لكفره، وإنما جيء بعلى؛ لأن السابق ضار، كما جيء باللام حيث كان نافعا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ الآية رقم [١٠١] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وقد قال الحسن-رحمه الله تعالى-: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد، أو يبيض، فأما البق، والذباب، والدود؛ فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين، والذين سبق عليه القول منهم هنا، ما عبر عنه في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وكان من جملتهم ابنه كنعان، ووالدته كما رأيت في سورة (هود) ﵇.\n ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا:﴾ ولا تسألني نجاة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ:﴾ لا محالة لظلمهم أنفسهم بالشرك، والمعاصي. هذا؛ وتأكيد الجملة الاسمية ب: (إنّ) لأن المقام يقتضي ذلك، فكأن سائلا سأل عن سبب النهي، فجيء بإن المؤكدة، وهذا من مباحث علم المعاني، كما لا يخفى.\nهذا؛ وقد يعترض بعض الناس على سبق قضاء الله، وقدره بكفر الكافرين، فيقول: إذن لا مؤاخذة عليهم، فكيف يعذبهم الله ما داموا مقدرا عليهم ذلك؟ والجواب: أن هذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن العبد منهم لو ترك، وشأنه لم يختر سوى الكفر، والضلال، ولذا قدره الله عليهم، هذا بالإضافة لما نصب لهم في هذا الكون من دلائل على قدرته، ووحدانيته، وبعد أن بين الله لكل واحد منهم طريق الخير، وطريق الشر، والحسن، والقبيح، كما قال جل ذكره:\n ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير، وطريق الشر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَوْحَيْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أوحينا): فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اِصْنَعِ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْفُلْكَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها من","vol":"6","page":241},{"text":"الإعراب. هذا؛ وبعضهم يعتبر ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، في محل نصب مفعول به. والمعتمد الأول. ﴿بِأَعْيُنِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْفُلْكَ﴾ أي: مصنوعا بأعيننا. أو من الفاعل المستتر، التقدير: محفوظا برعايتنا. و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَوَحْيِنا:﴾ معطوف على ما قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ في محل جر بإضافة (إذا) على القول المشهور المرجوح، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿فَاسْلُكْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اسلك): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له أيضا. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ كُلٍّ:﴾ هنا قراءتان: يقرأ (كل) بالإضافة وبدون تنوين، وفيه وجهان: أحدهما: أنّ ﴿اِثْنَيْنِ﴾ مفعول به، وعليه فالجار والمجرور ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿اِثْنَيْنِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والثاني: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة، وكل مفعول به مجرور لفظا، منصوب محلا، وعليه ف: ﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد، وهذا على قول الأخفش، الذي يجيز زيادة «من» في الإيجاب، والقراءة الثانية بتنوين (كلّ) ولا إضافة، وعليه فمفعول (اسلك) هو ﴿زَوْجَيْنِ،﴾ و﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد له، والجار والمجرور: ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ يحتمل تعليقهما ب: (اسلك) ويحتمل تعليقهما بمحذوف حال من ﴿زَوْجَيْنِ﴾ كان صفة له، التقدير: اسلك زوجين اثنين حالة كونهما من كل صنف من أصناف الحيوانات. ولا تنس: أن القراءتين ترجعان إلى معنى واحد، معه آخر لا يستغنى عنه.\n ﴿وَأَهْلَكَ:﴾ معطوف على مفعول (اسلك) على القراءتين. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مِنْ:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء. ﴿سَبَقَ:﴾\nماض. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا ب: (على) و(من) بيان لما أبهم في ﴿مِنْ،﴾ وجملة: ﴿سَبَقَ..﴾. إلخ صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُخاطِبْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (اسلك...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فِي الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُغْرَقُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها.","vol":"6","page":242},{"text":"<span id=\"aya-2701\"></span>﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ﴾ أي: علوت على السفينة، واستقررت فيها. ﴿وَمَنْ مَعَكَ﴾ أي:\nمن الذين آمنوا معك. ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾. إلخ: أمر الله نوحا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بالأمر بالدعاء والثناء المذكورين، إظهارا لفضله، وإشعارا بأن في دعائه، وحمده مندوحة عن دعاء قومه، وحمدهم، وثنائهم.\nهذا؛ والمراد ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ الكافرين، وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، لا سيما من قرأ القرآن، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ وانظر (الظلم) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج).\nهذا؛ و﴿الْحَمْدُ﴾ في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل، والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا؟ فالأول كمن يحسن إليك، والثاني كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبي عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل]\nأفادتكم النّعماء منّي ثلاثة... يدي ولساني والضمير المحجّبا\nومما هو جدير بالذكر: أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح، فهو: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله.\nالإعراب: ﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية السابقة. ﴿اِسْتَوَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المتصل. ﴿وَمَنْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على الضمير المتصل، وهو التاء. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿اِسْتَوَيْتَ﴾. ﴿فَقُلِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (قل):\nأمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قل...) إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر","vol":"6","page":243},{"text":"صفة (الله) أو بدل منه. ﴿نَجّانا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة القوم مجرور... إلخ.\n\n<span id=\"aya-2702\"></span><span id=\"aya-2703\"></span>﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي..﴾. إلخ: قيل: هذا الأمر لنوح كان حين دخل السفينة، فيكون قوله: ﴿مُبارَكًا﴾ يعني: بالسلامة، والنجاة. وقال ابن عباس، ومجاهد﵄-: هذا حين خرج من السفينة، مثل قوله تعالى له في الآية رقم [٤٨] من سورة (هود): ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾. وهذا هو المعتمد.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وبالجملة فالآية تعليم من الله تعالى لعباده إذا ركبوا، وإذا نزلوا أن يقولوا هذا، بل وإذا دخلوا بيوتهم، وسلموا قالوا ذلك. وروي عن علي﵁أنه كان إذا دخل المسجد قال: (اللهمّ أنزلني منزلا مباركا، وأنت خير المنزلين). انتهى.\nويقرأ: (منزلا) بضم الميم وفتح الزاي، وبفتح الميم وكسر الزاي، قراءتاه سبعيتان، وعلى القراءتين يحتمل أن يكون كل منهما مصدرا ميميا، وأن يكون اسم مكان، وانظر ﴿مُدْخَلًا﴾ في الآية رقم [٥٩] من سورة (الحج). هذا؛ وكسر الزاي هنا في القراءة الثانية لكسرها في المضارع، وفتحت الخاء في ﴿مُدْخَلًا﴾ لضمها في المضارع. تأمل، وتدبر.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: ما ذكر من أمر نوح، وسفينته، ونجاته وهلاك الكافرين. ﴿لَآياتٍ:﴾\nلدلالات على كمال قدرة الله تعالى، وأنه ينصر أنبياءه، ويهلك أعداءه، ﴿وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي:\nمختبرين قوم نوح وغيرهم من الأمم السابقة بإرسال الرسل إليهم، ليظهر المطيع منهم والعاصي، ويتبين للملائكة، وللناس حالهم، لا أن يستجد المولى سبحانه علما بأحوالهم.\nالإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾\nمنادى حذف منه أداة النداء، وانظر إعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣] فهو مثله. ﴿أَنْزِلْنِي:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مُنْزَلًا:﴾ مفعول مطلق، أو هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. ﴿مُبارَكًا:﴾ صفة له. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال.\n (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، و(خير) مضاف، و﴿الْمُنْزِلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الندائية والفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها.","vol":"6","page":244},{"text":"﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء، (آيات): اسم (إن) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (إن): مخففة من الثقيلة لا عمل لها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا) اسمها. ﴿لَمُبْتَلِينَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين المخففة والنافية. (مبتلين): خبر (كان) منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ، وهذا الإعراب إنما هو على مذهب البصريين، وأما الكوفيون فيعتبرون (إن) نافية، واللام بمعنى «إلا»، والتقدير عندهم: وما كنا إلا مبتلين، وعلى المذهبين فالجملة فعلية، وهي معطوفة على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها مثلها. هذا؛ وقول الكوفيين: إن اللام بمعنى «إلا» مثل قولهم في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٤٢٠] من كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب-: [البسيط]\nأمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان\n\n<span id=\"aya-2704\"></span><span id=\"aya-2705\"></span>﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا:﴾ خلقنا، وأوجدنا. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ من بعد هلاك قوم نوح. ﴿قَرْنًا آخَرِينَ:﴾ يعني: قوم عاد، وقيل: هم قوم ثمود. ﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا:﴾ هو هود، أو صالح، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. والذين قالوا بالقول الأول استدلوا عليه بذكر قوم هود بعد ذكر قوم نوح في كثير من السور، والذين قالوا بالثاني استدلوا عليه بقوله تعالى في آخر القصة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ والذين قالوا بالقول الأول أولوا الصيحة بمطلق العذاب. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ..﴾. إلخ: هو مثل الآية رقم [٢٣]. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإنما جعل القرن موضع الإرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم، وإنما أوحي إليه، وهو بين أظهرهم. وانظر قول النسفي-رحمه الله تعالى-في الإعراب. هذا؛ و﴿آخَرِينَ﴾ مفرده: آخر، وهو اسم على أفعل، والأنثى: أخرى، وجمعه: أخر، وأخريات.\nالإعراب: ﴿أَنْشَأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أرسلنا...) إلخ في الآية رقم [٢٣] لا محل لها مثلها.\n ﴿قَرْنًا:﴾ مفعول به. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة ﴿قَرْنًا﴾ وجمع؛ لأن ﴿قَرْنًا﴾ يتضمن أفرادا كثيرين، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. (أرسلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان به.\n ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿رَسُولًا،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على","vol":"6","page":245},{"text":"ما قبلها لا محل لها أيضا. هذا؛ وقد قال النسفي: الإرسال يعدى ب: «إلى» ولم يعد ب: «في» إلا هنا، وفي قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ ولكن الأمة، والقرية جعلت موضعا للإرسال ومثله قول رؤبة: [الرجز]\nأرسلت فيهم مصعبا ذا إقحام... طبّا فقيها بذوات الأبلام\n ﴿أَنِ:﴾ مفسرة؛ لأنّ (أرسلنا) متضمن معنى القول دون حروفه، وأجيز اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن، وانظر بقية الإعراب في الآية رقم [٢٣]. هذا؛ ورؤبة يصف ممدوحه بأنه مسوّد في قومه ذو شجاعة فائقة، وبأنّه حاذق ماهر في حل القضايا المعقدة مثل الطبيب الماهر بجراحة النساء في أرحامهنّ.\n\n<span id=\"aya-2706\"></span>﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ هو مثل الآية رقم [٢٤] بلا فارق، والتقديم والتأخير في بعض الكلمات إنما هو للتفنن، وعطف الجملة هنا بالواو، وتلك بالفاء؛ لأن ما هنا عطف لما قالوه على ما قاله الرسول. ومعناه: أنه اجتمع في الحصول هذا الحق، وهذا الباطل، وليس بجواب للرسول متصل بكلامه، ولم يكن بالفاء، وجيء بالفاء في قصة نوح؛ لأنه جواب لقوله واقع عقيبه. انتهى. نسفي.\n ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ أي: بلقاء ما فيها من الحساب، والثواب، والعقاب، وغير ذلك.\n ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: وسعنا عليهم نعم الدنيا؛ حتى بطروا بسبب كثرة الأموال، والأولاد، مع الصحة، والعافية، وراحة البال، وهناءة الضمير. ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ..﴾.\nإلخ: انظر الآية رقم [٢٤] فهو مثله، مع زيادة إيضاح هنا.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أرسلنا...) إلخ ﴿مِنْ قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَلَأُ﴾ على اعتبار (أل) فيه للتعريف، أو بمحذوف صفة له على اعتبارها للجنس، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿قَوْمِهِ﴾ أو بدل منه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (كذبوا بلقاء) معطوفة عليها لا محل لها مثلها، و(لقاء) مضاف، و﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: ولقائهم الآخرة. ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة،","vol":"6","page":246},{"text":"لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة (الحياة) مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وانظر إعراب: ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في الآية رقم [٢٤] وهي في محل نصب مقول القول مثلها أيضا. ﴿يَأْكُلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿بَشَرٌ﴾. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، واعتبارها مصدرية ضعيف، وجملة: ﴿تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (من)، وجملة: ﴿يَأْكُلُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة ﴿وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وقد حذف العائد، أو الرابط لدلالة الأول عليه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-2707\"></span>﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا:﴾ المراد به: الرسول الذي دعاهم إلى توحيد الله، وعبادته.\n ﴿مِثْلَكُمْ:﴾ في أحوالكم، وتصرفاتكم، من أكل، وشرب، ونوم، ويقظة، وزواج، ومرض، وغير ذلك. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ أي: لمغبونون، ومغدورون بترككم آلهتكم، واتّباعكم إياه، وانقيادكم له من غير فضيلة له عليكم. ومن حمقهم الشديد: أنهم أبوا اتّباع مثلهم، وعبدوا أعجز منهم، وهي الحجارة؛ التي لا تنفع، ولا تضر.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. واللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَطَعْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿بَشَرًا:﴾ مفعول به. ﴿مِثْلَكُمْ:﴾ صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل هنا. هذا؛ ونقل السيوطي في «همع الهوامع» عن شيخه الكافيجي: أن هذه هي «إذا» الشرطية، حذفت جملتها التي تضاف إليها، وعوض عنها التنوين كما في «يومئذ». ﴿لَخاسِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nهذا؛ والكلام كله من مقول الملأ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"6","page":247},{"text":"<span id=\"aya-2708\"></span><span id=\"aya-2709\"></span>﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ أي: هود النبي. ﴿أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا﴾ أي: مجردة من اللحوم، أو صارت تلك العظام ترابا متفتتا. ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ أي: مبعوثون من قبوركم. ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هي كلمة للبعد، كأنهم قالوا: بعيد بعيد ما توعدون. قال ابن الأنباري: وفي هيهات عشر لغات: بفتح التاء، وهي قراءة الجماعة، وهيهات بكسرها من غير تنوين، وهيهات بالخفض، والتنوين، وهيهات بالضم من غير تنوين، وبالرفع مع التنوين، وهيهاتا بالنصب والتنوين، ومثله قول الأحوص: [الطويل]\nتذكّرت أياما مضين من الصّبا... وهيهات هيهاتا إليك رجوعها\nواللغة السابعة: أيهات أيهات، وأنشد الفراء قول جرير: [الطويل]\nفأيهات أيهات العقيق ومن به... وأيهات خلّ بالعقيق نواصله\nوقرأ عيسى الهمداني «(هيهات هيهات)» بالإسكان، قال ابن الأنباري: ومن العرب من يقول:\nأيهان، ومنهم من يقول: أيها بلا نون، وأنشد الفراء قول الشاعر: [الطويل]\nومن دوني الأعيان والقنع كلّه... وكتمان أيها ما أشتّ وأبعدا\nالأعيان، والقنع، وكتمان كلها مواضع. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني. وألفت النظر إلى أنه لم يرد هذا اللفظ في القرآن في غير هذا الموضع. هذا؛ وانظر ﴿مِتَّ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء). و(يعد) أصله: يوعد؛ لأن ماضيه: وعد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها:\nالياء، والكسرة. وانظر الوعد ووفاءه في الآية رقم [٥٤]. من سورة (مريم).\nالإعراب: ﴿أَيَعِدُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (يعدكم): مضارع، والفاعل يعود إلى الرسول المعبر عنه ب: (بشر،) والكاف مفعول به أول. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُخْرَجُونَ﴾.\n ﴿مِتُّمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. (كنتم): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُرابًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (عظاما): معطوف على ﴿تُرابًا﴾. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ قال سيبويه: بدل من الأولى، وقال الفراء، والجرمي، والمبرد: مكررة للتوكيد، لما طال الكلام كان تكريرها حسنا.\nوقال الأخفش: (أنّ) الثانية تؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل رفع فاعل بفعل مضمر يقع جوابا ل: ﴿إِذا،﴾ و(إذا) ومدخولها في محل رفع خبر (أنّ) الأولى.","vol":"6","page":248},{"text":"هذا؛ وقال الجمل: وعبارة السمين: ﴿أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ..﴾. إلخ فيه أوجه: أحدها: أن اسم الأولى مضاف لضمير الخطاب حذف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والخبر قوله: ﴿إِذا مِتُّمْ﴾ و﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ تكرير؛ ل: (أنّ) الأولى للتوكيد، والدلالة على المحذوف. والمعنى: أن إخراجكم إذا متم، وكنتم. والثاني: أن خبر (أن) الأولى هو ﴿مُخْرَجُونَ﴾ وهو العامل في ﴿إِذا﴾ وكررت الثانية توكيدا لما طال الفصل. وإليه ذهب الجرمي، والمبرد، والفراء. والثالث: أن خبر (أن) الأولى محذوف، لدلالة خبر الثانية عليه، تقديره: أنكم تبعثون، وهو العامل في الظرف، و(أنّ) الثانية وما في حيزها بدل من الأولى. وهذا مذهب سيبويه. والرابع: أن يكون ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ مبتدأ، وخبره الظرف مقدما عليه، والجملة خبر عن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى، والتقدير:\nأيعدكم أنكم إخراجكم كائن، أو مستقر وقت موتكم. ولا يجوز أن يكون العامل في ﴿إِذا﴾ ﴿مُخْرَجُونَ﴾ على كل قول؛ لأن ما في حيز (أنّ) لا يعمل فيما قبلها، ولا يعمل فيها ﴿مِتُّمْ﴾ لأنه مضاف إليه، و﴿أَنَّكُمْ﴾ وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف حرف الجر؛ إذ الأصل أيعدكم بأنكم. ويجوز ألا يقدر حرف جر، فيكون في محل نصب فقط انتهى. والمعتمد: أنه في محل جر بحرف جر محذوف، وهو مفاد كلام ابن هشام في المغني، والجار والمجرور هما المفعول الثاني، والجملة الفعلية: ﴿أَيَعِدُكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول الملأ.\n ﴿هَيْهاتَ:﴾ اسم فعل ماض مبني على الفتح، و﴿هَيْهاتَ﴾ الثاني توكيد لفظي لا فاعل له، أما فاعل الأول ففيه وجهان: أحدهما: هو ضمير، تقديره: هيهات وقوع، وحصول خروجنا من القبور. ﴿لِما:﴾ اللام: حرف جر. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفاعل المحذوف؛ لأنه مصدر، واللام فيها معنى التبيين. الوجه الثاني: أن اللام زائدة، و(ما) هي الفاعل. قال ابن الأنباري: ترفع الظاهر، ولا يرفع بها المضمر، وأنشد بيت جرير السابق. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة صلة (ما) والعائد محذوف؛ إذ التقدير: للذي توعدونه. هذا؛ وقد رأيت في بعض القراآت: أنه قد نون هيهات؛ وعليه فهو مصدر مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، وعلى الاعتبارين: الفعلية، والاسمية؛ فالكلام مقول من الملأ.\n\n<span id=\"aya-2710\"></span>﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا:﴾ أصله: إن الحياة إلا الحياة الدنيا، فأقيم الضمير مقام الأولى، لدلالة الثانية عليها حذرا من التكرير، وإشعارا بأن تعيينها مغن عن التصريح بها، كقوله: [الطويل]\nهي النّفس ما حمّلتها تتحمّل","vol":"6","page":249},{"text":"وهذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا ما يتلوه من بيانه، ولا يقال له: ضمير القصة؛ لأن ضمير القصة يجب تفسيره بجملة، ومعناه: لا حياة إلا هذه الحياة الدنيا. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا:﴾ قيل: معناه:\nنحيا، ونموت، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ وقيل: نموت، أي: الآباء، ونحيا، أي: الأولاد، وقيل: المعنى: يموت قوم، ويحيا قوم. هذا؛ وفيهما مطابقة بين الموت والحياة، وهي من المحسنات البديعية، كما هو معروف، ومسطور. ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أي: من القبور بعد الموت، فهم يقرون بالموت، ويعترفون بوقوعه، ولكنهم ينكرون البعث، والحشر للحساب، والجزاء، وهذا ديدن الأمم السابقة في ذلك، وقريش كانت أشد الإنكار له، وفي عصرنا هذا؛ وجد كثيرون ينكرونه، وهم من أبناء المسلمين، فإذا كان كفار قريش قالوا كما حكى الله عنهم: ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ فأبناء المسلمين الملحدون يقولون: إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿حَياتُنَا:﴾ خبر المبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة له مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿نَمُوتُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط.\nوقول الجمل: جملة مفسرة لما ادعوه من أن حياتهم هي الحياة الدنيا؛ هذا حل معنى، لا حل إعراب، تأمّل. وجملة ﴿وَنَحْيا﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو:\nحرف عطف، أو هي واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمَبْعُوثِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة.\n (مبعوثين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية: ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي في محل نصب حال من (نا) فتكون حالا متعددة بنفسها، والرابط: الواو، والضمير، وعلى الأول فهي متعددة بسبب العطف. هذا؛ وإن اعتبرتها حالا من فاعل ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ فهي حال متداخلة، وهذا أقوى؛ لأن فيها معنى التوكيد.\n\n<span id=\"aya-2711\"></span>﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ:﴾ يعنون الرسول المرسل إليهم. ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي:\nاختلق من تلقاء نفسه ما يدعيه من الرسالة، أو فيما يعدنا من البعث، والحساب، والجزاء... إلخ. ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ:﴾ بمصادقين له فيما يدعيه. هذا؛ وانظر شرح (الإيمان) في الآية رقم [١٤] من سورة (الحج).","vol":"6","page":250},{"text":"الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿رَجُلٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿اِفْتَرى:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿كَذِبًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ. ﴿كَذِبًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِفْتَرى..﴾. إلخ في محل صفة ﴿رَجُلٌ﴾. هذا؛ وإعراب: ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مثل إعراب ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بلا فارق، والجار والمجرور ﴿اللهِ﴾ متعلقان ب: (مؤمنين)، والجملة الاسمية هنا في محل نصب حال من ﴿رَجُلٌ،﴾ والرابط:\nالواو، والضمير. وساغ مجيء الحال من النكرة؛ لأنها تخصصت بالوصف، ولا تنس: أن الكلام كله في الآية من مقول الملأ في الآية رقم [٣٣].\n\n<span id=\"aya-2712\"></span><span id=\"aya-2713\"></span><span id=\"aya-2714\"></span>﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤١)﴾\nالشرح: قال: أي: هود أو صالح﵉كما رأيت في الآية رقم [٣١] ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ:﴾ شرح هذه الجملة مثل الآية رقم [٢٦] مع معرفة الفرق بين القائلين الداعيين.\n ﴿قالَ﴾ أي: الله مجيبا دعوة الرسول الداعي على قومه بالهلاك، والنصرة له عليهم. ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أي: بعد زمن قليل. ﴿لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ:﴾ على كفرهم، وتكذيبهم، وعدم إيمانهم، وذلك إذا عاينوا مقدمات العذاب الأليم، والعقاب الشديد. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ:﴾ صاح بهم جبريل ﵇ صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله تعالى بها، فماتوا عن آخرهم، ومعنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدل من الله حيث استحقوا ذلك العذاب بكفرهم، وعنادهم، يقال: فلان يقضي بالحق، أي: بالعدل، والإنصاف.\n ﴿فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً﴾ أي: هلكى هامدين، كغثاء السيل، وهو ما يحمله من بالي الشجر، والحشيش، والقصب مما يبس، وتفتت. ومثله الجفاء، ويجمع على: أغثية، كغراب، وأغربة، وعلى: غثيان، كغراب، وغربان، وخذ ما يلي: عن ثوبان﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل:\nأمن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن». قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حبّ الدّنيا وكراهية الموت». رواه أبو داود، وأحمد، وغيرهما.\n ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: هلاكا لهم، يقال: بعد فلان بكسر العين بعدا بضم فسكون، وبعدا بفتحتين: إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك، وخص بدعاء السوء. انتهى.","vol":"6","page":251},{"text":"بيضاوي، وقال القرطبي: والبعد: الهلاك، والبعد: التباعد من الخير، يقال: بعد يبعد بعدا؛ إذا تأخر، وتباعد، وبعد يبعد بعدا: إذا هلك. قالت خرنق أخت طرفة بن العبد البكري لأمه: [السريع]\nلا يبعدن قومي الّذين همو... سمّ العداة، وآفة الجزر\nوقال النابغة الذبياني: [الطويل]\nلا تبعدن إنّ المنيّة منهل... وكلّ امرئ يوما به الحال زائل\nوخذ قول فاطمة بنت الأخرم الخزاعية تبكي إخوتها: [المديد]\nإخوتي لا تبعدوا أبدا... وبلى والله قد بعدوا\nكلّ ما حيّ وإن أمروا... واردو الحوض الذي وردوا\nوانظر التعبير ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ ونحوه عن «الكافرين» هنا وفي الآية رقم [٢٨] ولا تنس:\nالالتفات من الغيبة إلى التكلم، وانظر (الأنبياء) [٣٤].\nالإعراب: ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦] فالإعراب فيها واف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَمّا قَلِيلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، أو ب: ﴿نادِمِينَ﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف يدل عليه ما قبله، التقدير: ننصرك عما قليل، و(ما): مقحمة بين الجار والمجرور، وقيل: هي نكرة موصوفة بمعنى: «شيء»، فيكون ﴿قَلِيلٍ﴾ صفة لها، وقيل: هي بمعنى زمن فيكون ﴿قَلِيلٍ﴾ صفة، أو بدلا منه. ﴿لَيُصْبِحُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (يصبحن): مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوف لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة اسمه، والنون حرف لا محل له. هذا؛ وإعلاله مثل إعلال: (لتعلمن) في الآية رقم [٧١] من سورة (طه). ﴿نادِمِينَ:﴾ خبره، أو حال على اعتباره تاما من واو الجماعة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للقسم المقدر، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أخذتهم):\nماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الصَّيْحَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الصَّيْحَةُ﴾. (جعلناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿غُثاءً:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَبُعْدًا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بعدا): مفعول مطلق، لفعل محذوف لا يظهر.\n ﴿لِلْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالمصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة القوم مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: (بعدا للقوم...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فبعدا... إلخ، والكلام مستأنف، لا محل له.","vol":"6","page":252},{"text":"<span id=\"aya-2717\"></span>﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا:﴾ تتواتر، وتتوالى، ويتبع بعضهم بعضا، وهذا التتابع بمهلة.\nوقيل: بغير مهلة. هذا؛ ويقرأ: «(تترى)» بالتنوين على أنه مصدر، وعلى القراءتين فالتاء الأولى منقلبة عن واو، أصله وترى، فقلبت الواو تاء، مثل: التقوى، والتكلان، وتجاه، ونحو ذلك.\n ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ:﴾ وتلك هي سنة الأمم الكافرة تكذب رسلها؛ ليحق عليها العذاب.\n ﴿فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أي: بالهلاك في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.\n ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ أي: حكايات وقصصا يتحدث من بعدهم بأمرهم، وشأنهم، و﴿أَحادِيثَ﴾ اسم جمع للحديث. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (الحج)، أو هو جمع: أحدوثة، وهي ما يتحدث به تلهيا، كأضاحيك جمع: أضحوكة، وأكاذيب جمع:\nأكذوبة، وأعاجيب جمع: أعجوبة، وهي ما يتعجب منه. قال الأخفش: إنما يقال هذا في","vol":"6","page":253},{"text":"الشر، ولا يقال في الخير، كما يقال: صار فلان حديثا، أي: عبرة ومثلا، كما قال في آية أخرى، وهي رقم [١٩] من سورة (سبأ): ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.\nقال القرطبي قلت: وقد يقال: فلان حديث حسن: إذا كان مقيدا بذكر ذلك. ومنه قول ابن دريد في مقصورته: [الرجز]\nوإنّما المرء حديث بعده... فكن حديثا حسنا لمن وعى\nهذا؛ ويجدر بي أن أذكر هنا قول أحمد شوقي رحمه الله تعالى: [الكامل]\nدقّات قلب المرء قائلة له: ... إنّ الحياة دقائق وثوان\nفارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان\nولا تنس: أن الذكر يكون بالخير لمن عمل صالحا، ونافعا، ويكون بالشر لمن عمل سيئا، ومضرا، فالأنبياء، والصالحاء من علماء وغيرهم يذكرون بالخير، والثناء عليهم. والفاسدون، والطاغون يذكرون بالسوء، والذم لهم أمثال فرعون، ويزيد بن معاوية، والحجاج، ومن على شاكلتهم إلى يوم القيامة.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢٣] لا محل لها مثلها.\n ﴿تَتْرا:﴾ حال من ﴿أَرْسَلْنا﴾ بمعنى: متواترين، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. وعلى قراءته بالتنوين فهو مفعول مطلق عامله ﴿أَرْسَلْنا؛﴾ لأنه متضمن معنى: واترنا، أي:\nتابعنا. وقيل: هو نعت مصدر محذوف، التقدير: أرسلنا إرسالا متتابعا، أو إرسالا إثر إرسال.\n ﴿كُلَّ ما:﴾ (كل): ظريفة متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، و(ما): مصدرية توقيتية. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به. ﴿رَسُولُها:﴾\nفاعله، و(ها): في محل جر بالإضافة، و﴿ما﴾ والفعل جاء في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كل وقت مجيء رسولها. وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، وقيل: ﴿ما﴾ نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا.\n ﴿كَذَّبُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّ ما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّ ما﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معترض بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿فَأَتْبَعْنا:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (أتبعنا): فعل، وفاعل. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿بَعْضًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح.\n ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ:﴾ هو مثل الآية رقم [٤١]، والجملة المنفية: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم).","vol":"6","page":254},{"text":"<span id=\"aya-2718\"></span><span id=\"aya-2719\"></span>﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ:﴾ هذا الإرسال تجده موسعا، وواضحا في سورة (الأعراف) وفي سورة (الشعراء) وسورة (القصص). ﴿بِآياتِنا﴾ أي: التسع المذكورة بالتفصيل في سورة (الأعراف) رقم [١٣٠] وما بعدها. (سلطان مبين): حجة واضحة ملزمة للخصم، ويجوز أن يراد به: العصا. وإفرادها؛ لأنها أول المعجزات، وأمها، تعلقت بها معجزات شتى، كانقلابها حية، وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر عند ضربه بها، وانفجار العيون من الحجر كلما ضربه بها، وحراستها له، ومصيرها شمعة تضيء بالليل المظلم، وشجرة خضراء مثمرة، ورشاء، ودلوا، وغير ذلك، ويجوز أن يراد ب: (سلطان مبين) المعجزات، وبالآيات:\nالحجج الدامغات، وأن يراد بهما المعجزات جميعا، فإنها آيات للنبوة، وحجة بينة على ما يدعيه النبي.\n ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ أي: أعوانه على الظلم، والجبروت، والفساد، والطغيان.\n ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ عن الإيمان بالله، والمتابعة لموسى وهارون على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ أي: متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم، كما قال تعالى في سورة (القصص): ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ﴾. هذا؛ وأصل ﴿عالِينَ﴾ عاليين، فحذفت الكسرة التي على الياء لاستثقالها، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الياء التي هي علامة الجمع، وهذا في الجمع، كما تحذف من المفرد لالتقائها ساكنة مع التنوين.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. (أخاه): معطوف على موسى منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿هارُونَ:﴾ بدل من (أخاه) أو عطف بيان عليه. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل أرسلنا، وهما مفعوله الثاني. و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (سلطان). ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مُوسى﴾ و﴿هارُونَ﴾ أي: حالة كونهما مبعوثين. وقيل: ﴿بِآياتِنا﴾ متعلقان بمحذوف حال أيضا. وما ذكرته سابقا أقوى، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَمَلائِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢٣] لا محل لها مثلها. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية","vol":"6","page":255},{"text":"معطوفة على جملة: ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمًا:﴾ خبر (كان). ﴿عالِينَ:﴾ صفة قوما منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2720\"></span><span id=\"aya-2721\"></span>﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿فَقالُوا﴾ أي: فرعون وملؤه. ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا:﴾ انظر الآية رقم [٢٤] وثني «البشر» هنا؛ لأنه يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ كما يطلق على الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ ولم يثن «المثل» لأنه في حكم المصدر، وقد جاءت تثنيته في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الآية رقم [١٣] من سورة (آل عمران)، وجاء جمعه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ وقيل: إنما وحد؛ لأن المراد المماثلة في البشرية، وليس المراد الكمية، وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين.\n ﴿وَقَوْمُهُما﴾ يعني: بني إسرائيل. ﴿لَنا عابِدُونَ:﴾ خادمون، منقادون، متذللون، كالعبيد.\n ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ أي: في الغرق في البحر، انظر تفصيل ذلك في سورة (الشعراء).\nالإعراب: ﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق، وانظر ﴿قالُوا﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) عليهاالسّلام. ﴿أَنُؤْمِنُ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري. (نؤمن): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿لِبَشَرَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِثْلِنا:﴾ صفة (بشرين) و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمُهُما:﴾ الواو: واو الحال. (قومهما): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِثْلِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿عابِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَقَوْمُهُما..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من بشرين، وسوغ ذلك الصفة، والرابط: الواو، والضمير، وجملة ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها لا محل لها. (كذبوهما): ماض، وفاعله، ومفعوله، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (قالوا...) إلخ لا محل لها مثلها. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿مِنَ الْمُهْلَكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.","vol":"6","page":256},{"text":"<span id=\"aya-2722\"></span><span id=\"aya-2723\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: قومه بني إسرائيل، ولم يتقدم لهم ذكر، ولا يجوز إرجاع الضمير إلى فرعون وملئه؛ لأن موسى أعطي التوراة بعد هلاك فرعون وقومه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ وقد أوتي موسى التوراة جملة واحدة. هذا؛ وخصّ موسى بالذكر؛ لأن التوراة أنزلت عليه في الطور وهارون خليفته في قومه، كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (طه) ولو قيل: ولقد آتيناهما الكتاب؛ لجاز بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (الأنبياء). ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ:﴾ إلى طريق الخير، والفلاح، والنجاح، ولكن أكثرهم كانوا غير مهتدين بدليل اتخاذهم العجل إلها في حياة موسى وهارون، وقتلهم كثيرا من الأنبياء بعدهما، مثل: يحيى، وزكريا، وغيرهما. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!\n ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: بولادتها إياه من غير مسيس ذكر لها. فالآية أمر واحد مضاف إليهما. أو المعنى: جعلنا عيسى ابن مريم آية؛ بأن ظهر منه معجزات كثيرة، أهمّها:\nأنه تكلم في المهد، وجعلنا أمه آية بأن حملت وولدت من غير مسيس ذكر لها، فحذفت إحداهما لدلالة الثانية عليها. وانظر الآية رقم [٩١] من سورة (الأنبياء)، فالكلام فيهما واحد، والمعنى واحد.\n ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ﴾ أي: مكان مرتفع، قيل: هي دمشق، وقيل: هي مدينة الرملة بفلسطين. وقيل: هي بيت المقدس، وهو قول ابن عباس﵄-. قال كعب: بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقيل: هي مصر، وسبب الإيواء: أنها فرت بابنها إليها بصحبة يوسف النجار ابن عمها. ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أي: أرض مستوية يستقر عليها، وقيل: ذات ثمار، وزروع، فإن ساكنيها يستقرون فيها لأجلها. و(معين): ماء جار ظاهر للعيون، يقال: معين، ومعن، كما يقال: رغيف، ورغف، فهو فعيل من: معن الماء: إذا جرى، أو من الماعون، وهو المنفعة؛ لأنه نفاع، أو هو مفعول من عانه: إذا أدركه بعينه؛ لأنه لظهوره مدرك بالعيون. وصف ماؤها بذلك؛ لأنه الجامع لأسباب التنزه، وطيب المكان. وانظر شرح:\n ﴿ذاتِ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الحج)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [١٢] ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والكلام معطوف على ما في الآية رقم [٢٣] أو هو مستأنف لا محل","vol":"6","page":257},{"text":"له على الاعتبارين. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَهْتَدُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للإتيان، لا محل لها. (جعلنا) فعل، وفاعل. ﴿اِبْنَ:﴾\nمفعول به أول، وهو مضاف، و﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. (أمه): معطوف على (ابن)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به ثان، وجملة ﴿وَجَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَآوَيْناهُما:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلى رَبْوَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ذاتِ:﴾ صفة ﴿رَبْوَةٍ،﴾ و﴿ذاتِ﴾ مضاف، و﴿قَرارٍ﴾ مضاف إليه. (معين): معطوف على ﴿قَرارٍ﴾ وهو صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل، وذات ماء معين.\n\n<span id=\"aya-2724\"></span>﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاِعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ..﴾. إلخ: قيل: أراد بالرسل محمدا ﷺ وحده، وقيل: أراد به عيسى ﵇ وحده، وقيل: أراد جميع الرسل. وخذ قول البيضاوي-رحمه الله تعالى-في ذلك، فقال: نداء، وخطاب لجميع الأنبياء، لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة واحدة؛ لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على معنى أن كلاّ منهم خوطب به في زمانه، فيدخل تحته عيسى دخولا أوليا، فيكون ابتداء كلام ذكر تنبيها على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة، وأن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم، واحتجاجا على الرهبانية في رفض الطيبات، أو حكاية لما ذكر لعيسى، وأمه عند إيوائهما إلى الربوة؛ ليقتديا بالرسل في تناول ما رزقا. وقيل: النداء له، ولفظ الجمع للتعظيم. والطيبات: ما يستلذ به من المباحات، وقيل: الحلال الصافي القوام، فالحلال ما لا يعصى الله فيه، والصافي ما لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك النفس، ويحفظ العقل.\nانتهى. هذا؛ وانظر عدد الرسل في سورة (الحج) [٤٢].\n ﴿وَاعْمَلُوا صالِحًا﴾ أي: استقيموا على ما يوجبه الشرع، فإنه المقصود منكم، والنافع عند ربكم. ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي: فأجازيكم به. وفيه تحذير من مخالفة ما أمرهم الله به، قال الخازن-رحمه الله تعالى-: وإذا كان الرسل مع علو شأنهم كذلك؛ فلأن يكون تحذيرا لغيرهم أولى؛ لما روى أبو هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله طيّب لا يقبل إلا طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ «ثمّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدّ يده إلى السّماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. فأنّى يستجاب له؟». أخرجه مسلم.","vol":"6","page":258},{"text":"هذا؛ والمراد ب: ﴿الطَّيِّباتِ﴾ الحلالات، والحلال هو المراد عند الإطلاق، سواء أكان مستلذا أم لا؛ لأن الحرام خبيث، ونجس، ورديء؛ وإن كان مستلذا عند من يأكله من فاسقين، ومجرمين؛ الذين لا يبالون بما أخذوا، وما أكلوا؛ حتى حقّ، وصدق عليهم قول الرسول ﷺ: «يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام». رواه البخاري عن أبي هريرة﵁-. هذا؛ والأمر بالأكل مستعمل في كل من الوجوب، والندب والإباحة، فالأول: إذا كان لقيام البدن، والثاني: كالأكل مع الضيف، والثالث: في غير ما ذكر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو» أو أنادي. (أيها): نكرة: مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الرُّسُلُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل فيه أن الاسم الواقع بعد أي واسم إشارة، إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا، فهو بدل، أو عطف بيان، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الحج) إن أردت الزيادة، والجملة الندائية ابتدائية، لا محل لها. ﴿كُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. وهذا؛ والمفعول محذوف، تقديره: كلوا رزقكم. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، وجوز الأخفش اعتبار ﴿مِنَ﴾ زائدة في الإيجاب، فيكون ﴿الطَّيِّباتِ﴾ مفعولا به، مجرورا لفظا، منصوبا محلا. والمعتمد الأول، وجملة: ﴿وَاعْمَلُوا صالِحًا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، و﴿صالِحًا﴾ صفة لموصوف محذوف هو المفعول، التقدير: اعملوا عملا صالحا. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و(ما): تحتمل الموصوفة، والموصولة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالياء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2725\"></span>﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: ملتكم ملة واحدة متحدة في العقائد، أو أصول الشرائع، أو: جماعتكم جماعة واحدة متفقة على الإيمان، والتوحيد في العباد، والخطاب لأمة محمد ﷺ. ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ أي: متولي أموركم، ومالك جميع شؤونكم فخافون واحذرون.\nوقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين قبلكم، فأمركم واحد، وأنا ناصركم على","vol":"6","page":259},{"text":"أعدائكم فاتقون، وينبغي أن تعلم: أن الآية مذكورة بجميع ألفاظها برقم [٩٢] من سورة (الأنبياء) مع إبدال ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ هناك بقوله: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ هنا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم (إنّ) والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿أُمَّتُكُمْ:﴾ خبر (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة:\n (إني بما...) إلخ في الآية السابقة لا محل لها مثلها، أو هي مستأنفة، وبه قال أبو البقاء، وغيره، وهذا على كسر الهمزة. ﴿أُمَّةً:﴾ حال من ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ والعامل اسم الإشارة. ﴿واحِدَةً:﴾\nصفة ﴿أُمَّةً﴾. ﴿وَأَنَا:﴾ الواو: واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط:\nالواو، والضمير، وقد جاءت الحال من المضاف إليه، وانظر الآية رقم [٧٢] من سورة (الحج) أو هي مستأنفة، لا محل لها، وأجيز عطفها على الجملة الاسمية قبلها. ﴿فَاتَّقُونِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتقون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فاتقون. وهذا الكلام مستأنف لا محل له.\nهذا؛ ويقرأ بفتح همزة (أنّ) مع التشديد، والإعراب كما سبق، ويقرأ بفتح الهمزة مع التخفيف على أن اسمها ضمير الشأن، وما بعدها مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل رفع خبرها، وعلى القراءتين تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: لأن هذه... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿فَاتَّقُونِ﴾. الوجه الثاني:\nأنه معطوف على ما قبله مع تقدير الباء؛ إذ التقدير: إني بما تعملون عليم، وبأن هذه. والثالث: أن في الكلام حذفا، التقدير: واعلموا: أن هذه... إلخ، وهذا معزوّ للفراء، والوجه الأول مغزوّ لسيبويه على حد قوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ..﴾. إلخ انتهى. عكبري، وقرطبي بتصرف مني. هذا؛ وفي الآية قراآت، وأوجه إعراب، كما في آية سورة (الأنبياء) ينبغي ملاحظتها.\n\n<span id=\"aya-2726\"></span>﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ:﴾ اختلف بنو آدم في الدين، فصاروا فرقا، وأحزابا، فمن موحد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد صنم، ومن عابد شخص، حتى لعن بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض. ثم ذكر الله تعالى أن كلاّ منهم معجب برأيه، وضلالته. وهذا غاية الضلال. ومعنى ﴿زُبُرًا:﴾ كتبا وضعوها، وضلالات افتروها. قاله ابن زيد، وقيل: إنهم","vol":"6","page":260},{"text":"فرقوا الكتب، فاتبعت فرقة الصحف، وفرقة التوراة، وفرقة الزبور، وفرقة الإنجيل، ثم حرّف الكلّ وبدّل. قاله قتادة. وقيل: المعنى: أخذ كل فريق منهم كتابا آمن به، وكفر بما سواه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٣] من سورة (الأنبياء)، ففيها عظيم الفائدة.\n ﴿كُلُّ حِزْبٍ:﴾ كل فريق، وملة. هذا؛ والحزب في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، يعني: أهمه، والجمع: أحزاب. ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ:﴾ مسرورون، معجبون به، معتقدون أنه الحق. هذا؛ وقال القرطبي: وهذه الآية مثال لقريش خاطب به محمدا ﷺ في شأنهم متصلا بقوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ الآية التالية.\nهذا؛ و﴿لَدَيْهِمْ﴾ ظرف مكان بمعنى: عند، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا، قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، ثم اعلم: أن «عند» أمكن من «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به. ويمتنع ذلك في: «لدي»، ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه، والثاني: أنك تقول: عندي مال (وإن كان غائبا) ولا تقول: لدي مال (إلا إذا كان حاضرا) قاله جماعة.\nخاتمة: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذه الآية تنظر إلى قوله ﷺ: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة». الحديث. أخرجه أبو داود، ورواه الترمذي، وزاد: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو، وهذا يبين: أن الافتراق المحذر منه في الآية، والحديث، إنما هو في أصول الدين، وقواعده؛ لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر: أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل، ولا عذاب النار. انتهى.\nأقول: إنما يعني رحمه الله تعالى المذاهب الأربعة المختلفة في بعض الأحكام، فأهل هذه المذاهب يطلق عليهم اسم أهل السنة، والجماعة؛ لأنهم هم المتمسكون بسنّة رسول الله ﷺ، وسنّة خلفائه الراشدين، وصحابته المهتدين، بل وعاضّون عليها بالنواجذ. والحمد لله رب العالمين.\nهذا؛ وأصل الفرق ستة: حرورية، قدرية، جهمية، مرجئة، رافضة، جبرية، وانقسم كل منها إلى اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين، وإنما سموا فرقا؛ لأنهم فارقوا الإجماع.\nوالحديث الشريف من جملة المعجزات؛ لأنه إخبار عن غيب قد وقع بعد وفاة النبي ﷺ.","vol":"6","page":261},{"text":"بعد هذا؛ فالفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب؛ ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذم الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وقوله:\n ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ،﴾ ولكنه مطلق، فإذا قيد الفرح لم يكن ذما لقوله تعالى في حق الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: برحمته، وجوده، وإحسانه، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ من سورة (الروم) رقم [٤ و٥].\nالإعراب: ﴿فَتَقَطَّعُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تقطعوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَمْرَهُمْ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على نزع الخافض، أي: تقطعوا في أمرهم بمعنى: تفرقوا. الثاني: هو مفعول به على معنى: قطعوا أمرهم؛ أي: فرقوا أمرهم.\nالثالث: أنه تمييز. محول عن الفاعل، بمعنى: تقطع أمرهم. وهذا ضعيف؛ لأنه معرفة، وهو لا يجوز عند البصريين. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿فَتَقَطَّعُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿زُبُرًا:﴾ حال من ﴿أَمْرَهُمْ﴾ أو من واو الجماعة، أو هو مفعول ثان للفعل السابق. اعتبارات. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿حِزْبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِحُونَ﴾ بعدهما، و(ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لا تصاله بالهاء التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَرِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2727\"></span><span id=\"aya-2728\"></span><span id=\"aya-2729\"></span>﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، والغمرة هنا مراد بها: الحيرة، والغفلة، والضلالة، والجهالة، والغمرة في الأصل: ما يغمرك ويعلوك من ماء، ونحوه، فهي مستعارة لما في قلوبهم من كفر، ونحوه، ومنه: الغمر: الحقد؛ لأنه يغطي القلب، وهو بكسر الغين، وبفتحها: الماء الكثير؛ لأنه يغطي الأرض، وبضم الغين لمن لم يجرب الأمور، أي:\nفيه غباء، أو غباوة. وغمر الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء، قال الشاعر: [الكامل]\nغمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا... غلقت لضحكته رقاب المال\n ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أي: إلى انقضاء آجالهم بالقتل، أو بالموت، فهو تهديد، ووعيد، والمعنى:\nاترك يا محمد هؤلاء المعاندين يتحيرون، ويترددون في كفرهم، وطغيانهم إلى انقضاء آجالهم.","vol":"6","page":262},{"text":"وانظر شرح ﴿حِينٍ﴾ في الآية رقم [٢٥]. ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ..﴾. إلخ: أي: يظنون: أنّ ما نعطيهم إياه من مال، وبنين، وصحة، وعافية، وغير ذلك هو ثواب ومكافأة لهم على أعمالهم لمرضاتنا عنهم. ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: أن ذلك الإمداد، والمسارعة في الخيرات إنما هو استدراج لهم؛ لأنهم كالبهائم، لا فطنة لهم، ولا شعور.\nروي عن سعيد بن ميسرة﵁-: أنه قال: (أوحى الله إلى نبيّ من الأنبياء: أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا، وهو أبعد له مني، ويحزن أن أقبض عنه الدّنيا، وهو أقرب له مني؟).\nانتهى. جمل نقلا عن الخطيب.\nهذا؛ و﴿يَشْعُرُونَ﴾ من الشعور، وهو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. هذا؛ وفي الفعل نسارع وسابقة قراآت كثيرة.\nالإعراب: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (ذرهم): أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول ثان، التقدير: ذرهم مستقرين في غمرتهم، ويجوز اعتبارهما متعلقين بالفعل قبلهما، والمفعول الثاني محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كانوا مصرين على كفرهم، وعنادهم؛ فذرهم. ﴿حَتّى حِينٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَيَحْسَبُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (يحسبون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. و(ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿نُمِدُّهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿مِنْ مالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير العائد على الموصول، و﴿مِنْ﴾ مبينة لما أبهم فيه. (بنين): معطوف على ﴿مالٍ﴾ مجرور مثله وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نُسارِعُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، وعلى قراءته بالياء تقديره: «هو»، وعلى قراءته بالبناء للمجهول؛ فالجار والمجرور ﴿فِي الْخَيْراتِ﴾ نائب فاعله، وعلى قراءته بالبناء للمعلوم متعلقان به، مثل ﴿لَهُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والرابط محذوف، التقدير: نسارع لهم بهم، أو فيه، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل (يحسبون)، وهذه الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والجملة الاسمية هذه معطوفة على مقدر ينسحب عليه الكلام، التقدير: كلا لا نفعل ذلك، بل هم لا يشعرون بشيء أصلا؛ لأنهم كالبهائم؛ لا فطنة لهم، ولا شعور... إلخ. انتهى. جمل.","vol":"6","page":263},{"text":"<span id=\"aya-2730\"></span><span id=\"aya-2731\"></span><span id=\"aya-2732\"></span><span id=\"aya-2733\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أي: خائفون، والمعنى: أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه، قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: المؤمن جمع إحسانا، وخشية، والمنافق جمع إساءة، وأمنا. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: آيات القرآن، أو الآيات الموجودة في الأرض، والسماء الدالة على قدرة الواحد الديان. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ يصدقون.\n ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ أي: معه أحدا في ذاته، أو في صفاته، أو في أفعاله شركا جليا، ولا خفيا.\n ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة، والصدقات. وقيل: يعملون ما عملوا من أعمال البر، وقرئ: «(يأتون ما أتوا)»: مقصور؛ أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات.\n ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ:﴾ خائفة أن لا يقبل منهم ما أعطوا من الصدقات، وما فعلوا من الطاعات، وأن لا يقع على الوجه اللائق، فيؤخذوا به. ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ أي: خوفهم؛ لأنهم إلى الله راجعون يوم القيامة، وهو يعلم ما يخفى عليهم. وفيه تنبيه على الخاتمة، وفي صحيح البخاري:\n «وإنما الأعمال بالخواتيم» وأما المخلط، والمسرف على نفسه، فينبغي له أن يكون تحت خوف من أن ينفذ عليه الوعيد بتخليطه وإسرافه. وقال أصحاب الخواص: وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله من مخالفته؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب بتصحيح الغرض.\nبعد هذا: فعن عائشة الصديقية﵂، وعن أبويها-أنها قالت: يا رسول الله! ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون؟ قال: «لا يا بنت الصديق! ولكن هم الّذين يصومون، ويصلون، ويتصدّقون، ويخافون ألا يقبل منهم، أولئك الّذين يسارعون في الخيرات». أخرجه الترمذي.\nوقال الحسن-رحمه الله تعالى-: لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن تردّ أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. وفي رواية أخرى عنه: عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن تردّ عليهم. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما فرغ من ذكر الكفرة وتوعدهم؛ عقّب ذلك بذكر المؤمنين المسارعين في الخيرات، ووعدهم، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم. انتهى. أقول: وهذا من باب المقابلة بين الفريقين، وقد نبهت على ذلك مرارا، انظر الآية رقم [١٤] من سورة (الحج).","vol":"6","page":264},{"text":"هذا؛ والخشية: الخوف، وانظر الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف) والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة، وضعف، فالجمع بينهما ليس للتوكيد، وانظر الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ خَشْيَةِ:﴾ متعلقان ب:\n ﴿مُشْفِقُونَ﴾ بعدهما، و﴿خَشْيَةِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ وإعراب الآيتين التاليتين مثل هذه الآية مع ملاحظة وقوع الجملة الفعلية فيهما في محل رفع خبر المبتدأ؛ الذي هو الضمير، والاسم الموصول معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ في الآية الأولى. ﴿الَّذِينَ:﴾ معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾ أيضا. ﴿يُؤْتُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿آتَوْا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: يؤتون الذي آتوه، والجملة الاسمية:\n (قلوبهم وجلة) في محل نصب من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿راجِعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ.\nو(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنهم، أو من أجل أنهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿وَجِلَةٌ﴾. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2734\"></span>﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بالصفات المذكورة. ﴿يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ أي: يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرونها. أو: يسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليها كقوله تعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ﴾ فيكون إثباتا لهم ما نفي عن أضدادهم. وقيل: المعنى: يسابقون من سابقهم إلى نيل المبرات. ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ أي: لأجلها فاعلون السبق، أو سابقون الناس إلى الطاعة، أو الثواب، أو الجنة، فتكون اللام بمعنى: إلى، أو المعنى: سابقونها، أي: ينالونها قبل الآخرة؛ حيث عجلت لهم في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ هذا؛ وانظر العجلة في الآية رقم [٣٧] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُسارِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِي الْخَيْراتِ:﴾ متعلقان بالفعل","vol":"6","page":265},{"text":"قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، أو المفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) في الآية رقم [٥٨] التي رأيت أنّ اسمها أربع موصولات متعاطفة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما بعدهما.\nوقدم للفاصلة، وللاختصاص. ﴿سابِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي مؤكدة لها، وهي في محل رفع مثلها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿الْخَيْراتِ﴾ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2735\"></span>﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها:﴾ قدر طاقتها، يريد الله تعالى بهذه الجملة التحريض، والحث على ما وصف به الصالحين، وتسهيله على النفوس. وهذه الجملة ومثيلتها في آخر سورة (البقرة) وفي سورة (الأنعام) رقم [١٥٢] وفي سورة (الأعراف) رقم [٤٢] ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف لا يطاق، أو فيه مشقة شديدة، ومن ذلك من لم يستطع القيام في الصلاة؛ فليصل قاعدا، ومن لم يستطع الصوم في رمضان لسفر، أو مرض، ونحو ذلك؛ فليفطر، وليقض بعد التمكن من القضاء. ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ﴾ أي: اللوح المحفوظ. وقال القرطبي: أظهر ما قيل فيه:\nإنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة لذي الجلال والإكرام. وأضافه إلى نفسه؛ لأن الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره. انتهى. ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق، لا يوجد فيه ما يخالف الواقع، وفي هذا تهديد، وتأييس من الحيف، والظلم. ولفظ النطق للكتاب مجاز، والمراد أن الملائكة أو النبيين تنطق بما فيه. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ:﴾ بزيادة عقاب على ما يستحقون، ولا بنقصان ثواب على عمل صالح عملوه في دنياهم، وهذه الجملة تؤيد: أن المراد بالكتاب صحيفة الأعمال، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿نُكَلِّفُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، و(ها): في محل جر بالإضافة؛ من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿وَلا نُكَلِّفُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَدَيْنا:﴾ الواو: واو الحال. (لدينا): ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله ب: (نا) التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿كِتابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿يَنْطِقُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى كتاب. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية:\n ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ في محل رفع صفة (كتاب)، والجملة الاسمية: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ..﴾. إلخ في محل نصب","vol":"6","page":266},{"text":"حال من فاعل (نكلف) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها حالا من ﴿كِتابٌ﴾ بعد وصفه بما تقدم؛ فيكون الرابط: الواو فقط، وقيل: معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-2736\"></span>﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ:﴾ قلوب كفار قريش، ويعم جميع الكافرين. ﴿فِي غَمْرَةٍ:﴾ في حيرة، وعماية؛ لأنها مغطاة بغطاء الجهل، والكفر، والعناد، وانظر الآية رقم [٥٥]. ﴿مِنْ هذا﴾ أي:\nمما تقدم من أعمال البر في الآيات المتقدمة؛ قاله قتادة. أو من الكتاب الذي ينطق بالحق.\n ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ﴾ أي: للكفار أعمال خبيثة من المعاصي. ﴿مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي: الأعمال الخبيثة التي طبعوا عليها أهون من الشرك الذي جبلوا عليه، وهم به متمسكون، أو المعنى: متجاوزة لما وصفوا به. ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ أي: لتلك الأعمال الخبيثة يعملون عليها مقيمون، لا يتركونها حتى يأخذهم الله بالعذاب، وقيل: المعنى لا بد أن يعملوها، ليدخلوا النار بسببها؛ لأنها مقدرة عليهم، لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة في الآخرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال، وعطف. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿فِي غَمْرَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الكلام في الآية رقم [٥٦] وما بينهما اعتراض. ﴿مِنْ هذا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿غَمْرَةٍ﴾ والهاء حرف تنبيه، لا محل له.\n ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَعْمالٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَعْمالٌ﴾ و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ فيها معنى التأكيد للجملة قبلها، وقيل صفة ثانية ل: ﴿أَعْمالٌ﴾ وإعرابها مثل إعراب: ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾.\n<span id=\"aya-2737\"></span><span id=\"aya-2738\"></span>﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ:﴾ متنعّميهم، أي رؤساءهم، وأغنياءهم. والمترف: المتنعم بلذائذ الدنيا، وشهواتها، والترف: رغد العيش، وهناءة البال، وراحة الضمير. ﴿بِالْعَذابِ﴾ أي:\nبالجوع. قاله الضحاك. وذلك حين دعا عليهم الرسول ﷺ، فقال: «اللهمّ اشدد وطأتك على","vol":"6","page":267},{"text":"مضر! اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف». فابتلاهم الله بالقحط، والجدب، والجوع؛ حتى أكلوا العظام، والميتة، والجيف، والكلاب، وهلك الأموال، والأولاد، فاستغاثوا بالرسول ﷺ فدعا ربه، واستسقى فأغاثهم رب العزة بمطر غزير، نزل كأفواه القرب. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-: ﴿بِالْعَذابِ﴾ يعني: بالسيف يوم بدر. وقال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ:﴾ هم الذين قتلوا ببدر، والذين يجأرون هم الذين بمكة، قال القرطبي: فجمع بين القولين المتقدمين، وهو حسن. وانظر ما ذكرته في الآية [٧٦].\nهذا؛ ومعنى ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يضجون، ويستغيثون، وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع، كما يفعل الثور، قال الأعشى يصف بقرة وحشية: [الطويل]\nفطافت ثلاثا بين يوم وليلة... وكان النكير أن تطيف وتجأرا\nوجأر النبات: طال، والأرض: طال نبتها، والجأر من النبت: الغض، والكثير، والرجل الضخم. انتهى. جمل، وهو ما في القاموس المحيط. هذا؛ ولم يذكر هذا الفعل في غير هذه الآية، والآية رقم [٥٢] من سورة (النحل).\nوجأر الرجل إلى الله ﷿: تضرع بالدعاء. وقال قتادة: يصرخون بالتوبة، فلا تقبل منهم. قال الشاعر: [المتقارب]\nيراوح من صلوات المليك... فطورا سجودا وطورا جؤارا\n ﴿لا تَجْأَرُوا﴾ أي: لا تصرخوا ولا تستغيثوا. ﴿إِنَّكُمْ مِنّا﴾ أي: من عذابنا. ﴿لا تُنْصَرُونَ﴾ أي:\nلا تمنعون، ولا ينفعكم جزعكم. وعلى قول قتادة معناه: لا تنصرون بقبول التوبة، ورفع العذاب عنكم. وما أشبه ما تضمنته الآيتان هنا بما تضمنته الآيتان [١٢ و١٣] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٢٧] ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿مُتْرَفِيهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح المشهور.\n ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة، وانظر ما ذكرته بشأنها في الآية رقم [٩٧] من سورة (الأنبياء).\n ﴿مُتْرَفِيهِمْ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار ﴿إِذا﴾ حرفا، وهي عند التأمل جواب ل: ﴿إِذا﴾ الأولى، وكان الواجب أن تقترن بالفاء، لكن قام مقامها ﴿إِذا﴾ الفجائية، على حد قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوتخلف الفاء إذا المفاجأه... كإن تجد إذا لنا مكافأه","vol":"6","page":268},{"text":"هذا؛ و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قوله: ف: ﴿حَتّى إِذا﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف التقدير: استمروا على ما ذكر حتى إذا... إلخ. ﴿لا:﴾ ناهية.\n ﴿تَجْأَرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال لهم: لا تجأروا. وهذه الجملة المقدرة مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، التقدير: بماذا يجابون، فيقال لهم: لا تجأروا... إلخ. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها. ﴿مِنّا:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُنْصَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2739\"></span><span id=\"aya-2740\"></span>﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي:﴾ آيات القرآن الكريم. ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ:﴾ يقرؤها عليكم محمد ﷺ.\n ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ:﴾ تعرضون مدبرين عن سماعها، وتصديقها، والأخذ بها، وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق. هذا؛ وقال مجاهد: معناه: تستأخرون عن الإيمان. وأصله: أن ترجع القهقرى، قال الشاعر: [الكامل]\nزعموا بأنّهم على سبل النّجا... ة وإنما نكص على الأعقاب\nونكص: رجع، قال الشاعر: [البسيط]\nليس النّكوص على الأدبار مكرمة... إنّ المكارم إقدام على الأسل\nالأسل: الرماح، والمراد الإقدام في ساحة الوغى. وقال آخر: [الطويل]\nوما ينفع المستأخرين نكوصهم... ولا ضرّ أهل السابقات التّقدّم\nوينبغي أن تعلم: أنه لم يذكر من هذه المادة في القرآن الكريم سوى المضارع هنا، والماضي في الآية رقم [٤٩] من سورة (الأنفال)، والمضارع منه يقرأ بضم الكاف وكسرها من بابي: دخل، وجلس.\n ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ:﴾ قال الجمهور: الضمير عائد على الحرم، أو المسجد، أو البلد الذي هو مكة؛ وإن لم يتقدم له ذكر، لشهرته. ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ:﴾ نحن أهل الحرم، فلا نخاف، وقالت","vol":"6","page":269},{"text":"فرقة: الضمير عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات، والمعنى: يحدث لكم سماع آياتي كبرا، وطغيانا، فلا تؤمنوا به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد. وقيل: الضمير للتكذيب. والقول الأول أولى بالاعتبار.\n ﴿سامِرًا:﴾ معناه: سمارا، فهو في الأصل مصدر جاء على لفظ الفاعل، كالعافية، والعاقبة، والكاذبة، وقرئ: «(سمّرا)» و«(سمّارا)» جمع: سامر، ومثله قول امرئ القيس: [الطويل]\nفقالت سباك الله إنّك فاضحي... ألست ترى السّمّار والناس أحوال؟!\nوقيل: هو مفرد بمعنى الجمع كالحاضر، وهم القول النازلون على الماء، والباقر: جمع البقر، والجامل جمع: الإبل ذكورها، وإناثها، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي:\nأطفالا، الآية رقم [٥] من سورة (الحج). وفحوى الآية: أن كفار قريش كانوا يقضون ليلهم حول الكعبة، وكان عامة سمرهم في الليل ذكر القرآن، وتسميته: سحرا، وشعرا، وكهانة، ونحو ذلك من القول، وفي النبي ﷺ وقولهم فيه: هو ساحر، شاعر، كاهن، ونحو ذلك.\n ﴿تَهْجُرُونَ:﴾ من الإهجار، وهو: الإفحاش في القول، وهو يؤيد قراءة الفعل بضم التاء وكسر الجيم، من: أهجر الرباعي، أو هو من الهجر بمعنى الإعراض عن النبي ﷺ، وعن الإيمان به، وعن الإيمان بالقرآن، وهو يؤيد قراءة الفعل بفتح التاء، وضم الجيم من: هجر الثلاثي، وقيل: هو بمعنى: تهذون وتقولون ما لا تعلمون، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿آياتِي:﴾ اسم (كان) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿آياتِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿قَدْ كانَتْ..﴾. إلخ تعليل لعدم النصر.\n (كنتم): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلى أَعْقابِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: «تنكصون على أعقابكم»:\nفي محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿فَكُنْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿مُسْتَكْبِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه... إلخ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو بما بعدهما، والمعنى جيد على الاعتبارين. ﴿سامِرًا:﴾ حال ثانية، وجملة:\n ﴿تَهْجُرُونَ﴾ في محل نصب حال ثالثة من واو الجماعة، فهي أحوال متكررة مترادفة، ويجوز اعتبار الثلاثة أحوالا متداخلة، كل واحدة حال من الضمير المستتر فيما قبلها. تأمل، وتدبر.","vol":"6","page":270},{"text":"<span id=\"aya-2741\"></span>﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي: القرآن؛ ليعلموا: أنه الحق من ربهم، بإعجاز لفظه، ووضوح مدلوله، فهو كقوله تعالى في الآية رقم [٨٢] من سورة (النساء): ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.\nوسمي القرآن هنا قولا؛ لأنهم خوطبوا به، وتدبر القرآن: التأمل في معانيه، والتبصر بما فيه، وأصل التدبر: النظر في عواقب الأمور، والتفكر في أدبارها، ثم استعمل في كل تدبر، وتأمل.\nوالتفكر بمعنى التدبر، وهو تصرف القلب بالنظر في الدلائل. وهذا يرد قول من زعم من الروافض: أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول ﷺ، والإمام المعصوم.\n ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ:﴾ من الرسول، والكتاب، أو الأمن من عذاب الله تعالى، فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون، كإسماعيل ﵇، وأعقابه، فآمنوا بالله، وكتبه، ورسله، وأطاعوه. هذا؛ وقيل: ﴿أَمْ﴾ بمعنى: «بل»، فيكون المعنى: بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه، وتركوا التدبر له، والتأمل فيه. هذا؛ والفعلان: جاء، ويأتي هنا بمعنى: وصل، وبلغ، فلذا تعديا لمفعول واحد، وإذا كانا بمعنى: حضر، وأقبل يكونان لا زمين، مثل قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. هذا؛ والكلام في: ﴿أَفَلَمْ﴾ مثل الكلام في: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء).\nتنبيه: قال الجمل نقلا عن زاده: لما وصف الله حال الكفرة؛ الذين فرقوا دينهم؛ ردّ عليهم بأن بيّن: أنّ إقدامهم على هذه الضلالة لا بد أن يكون لأحد أربعة أمور: أحدها: ألاّ يتأملوا في دليل نبوته، وهو القرآن المعجز. ثانيها: أن يعتقدوا: أن بعثة الرسول أمر غريب لم تسمع، ولم ترد عن الأمم السالفة. وليس كذلك؛ لأنهم قد عرفوا بالتواتر: أن الرسل كانت ترسل إلى الأمم. ثالثها: ألاّ يكونوا عالمين بأمانة مدّعي الرسالة، وصدقه قبل ادعائه النبوة، وليس كذلك، فإنهم قد عرفوا منه قبل ادعاء النبوة كونه في نهاية الأمانة والصدق، فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين الصادق؟! رابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون، فهو الذي حمله على ادعائه الرسالة. وهذا أيضا فاسد؛ لأنهم كانوا يعلمون: أنه أعقل الناس. انتهى. وسيأتي خامس في قوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ الآية رقم [٧٣].\nالإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف.\n (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَدَّبَّرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: فعلوا ما فعلوا مما سبق، فلم يدبروا القول. والأول أقوى هنا فيما يظهر.\n ﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به، وانظر المتعلق في الشرح. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض،","vol":"6","page":271},{"text":"والهاء مفعول به. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل (جاء). ﴿فَلَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَأْتِ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿فَلَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة صلة ﴿ما﴾ أو صفتها. ﴿آباءَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة ﴿آباءَهُمُ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿جاءَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2742\"></span>﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ:﴾ قال ابن عباس﵄-: المعنى: أليس قد عرفوا محمدا ﷺ صغيرا، وكبيرا، وعرفوا نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفته، وطهره، ووفاءه بالعهود، وهذا على سبيل التوبيخ لهم على الإعراض عنه بعد ما عرفوه بصفاته النبيلة، وشيمه الحميدة. انتهى. ففي اتباعه النجاة، والفلاح، والخير، والنجاح لولا العنت، والتعنّت. ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: منكرون دعواه بعد ما عرفوه حق المعرفة. قال سفيان الثوري: بلى قد عرفوه، ولكنهم حسدوه. أقول: وقد تجلى ذلك في قول أمية بن أبي الصلت، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة حين اعترفوا برسالته ﷺ، ولكن كبرياؤهم، وعظمتهم، بل وحسدهم هو الذي سبب ضلالهم، وموتهم على الكفر، وذهابهم إلى جهنم وبئس المصير!\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَعْرِفُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿رَسُولَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء:\nحرف عطف وسبب. (هم): مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُنْكِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-2743\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ:﴾ جنون، فلا يبالون بقوله، وليس هو كذلك؛ لزوال أمارات الجنون عنه، بل كانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلا، وأتقنهم نظرا، وأثبتهم فكرا. ﴿بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالقرآن، والتوحيد، والدين الحق، والأمر الذي لا تخفى صحته، وحسنه على عاقل. هذا؛ وانظر شرح ﴿جِنَّةٌ﴾ في الآية رقم [٢٥]. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ:﴾ لأنه يخالف شهواتهم، وأهواءهم، فلذلك أنكروه. وإنما قيد الحكم بالأكثر؛ لأنه كان منهم من ترك الإيمان استنكافا، كما رأيت في الآية السابقة، أو خوفا من توبيخ قومه له، ومنهم من ترك الإيمان لقلة","vol":"6","page":272},{"text":"فطنته، وعدم فكرته، لا لكراهته للحق. وما ذكرته مشاهد في كل زمان، ومكان. هذا؛ والذي أعرض عن الإيمان خوفا من توبيخ قومه له هو أبو طالب، كما قال في شعره: [الكامل]\nلولا الملامة أو حذار مسبّة... لرأيتني سمحا بذاك مبينا\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. وهي في المواضع الثلاثة مقدرة ب: «بل» الانتقالية، وهمزة الاستفهام التقريري، والتقدير: بل أجاءهم، بل ألم يعرفوا رسولهم، بل أيقولون: به جنة... إلخ. انتهى. جمل.\n ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جِنَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف.\n ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى رسولهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بالحق. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أكثرهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لِلْحَقِّ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿كارِهُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط:\nالواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2744\"></span>﴿وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ..﴾. إلخ: فيه أقوال كثيرة: ﴿الْحَقُّ﴾ هنا هو الله سبحانه، وتعالى؛ قاله الأكثرون، منهم: مجاهد، وابن جريج، وأبو صالح، وغيرهم. ومن المعلوم: أن من أسماء الله تعالى «الحق» وعليه؛ فالمعنى: لو وافق الله أهواءهم، وما يريدون؛ لفسدت السموات. وقيل: المعنى: لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله ﷿، ثم لا يعاقبون، ولا يجازون على ذلك، إما عجزا، وإما جهلا؛ لفسدت السموات، والأرض.\nوقيل: المعنى: لو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى؛ لا ختلفت الآلهة فيما بينها، وأراد بعضهم ما لا يريده بعض، فاضطرب التدبير، وفسدت السموات، والأرض، وإذا فسدتا؛ فسد من فيهما، فيكون على حد قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء). وقيل: المعنى: لو اتبع الحق أهواءهم بما يهوونه، وما يشتهونه؛ لبطل نظام العالم؛ لأن شهوات الناس تختلف، وتتضاد، وسبيل الحق أن يكون متبوعا، وسبيل الناس الانقياد للحق. انتهى. قرطبي بتصرف.","vol":"6","page":273},{"text":"وقيل: المراد ب: ﴿الْحَقُّ﴾ القرآن، وعليه فالمعنى: ولو اتبع الحق الذي جاء به محمد ﷺ أهواءهم، وانقلب الحق شركا؛ لجاء الله بالقيامة، وأهلك العالم من فرط غضبه، أو: لو اتبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك، والمعاصي؛ لخرج عن الألوهية، ولم يقدر أن يمسك السموات والأرض. وهو على أصل المعتزلة. انتهى. بيضاوي بتصرف.\n ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ:﴾ إشارة إلى من يعقل من ملائكة، وإنس الأرض وجنّها. وفيه تغليب العاقل على غير العاقل. هذا؛ وقرأ ابن مسعود﵁-: (وما بينهما) فيكون فيه تغليب غير العاقل على العاقل.\n ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ:﴾ قال ابن عباس﵄-: بما فيه شرفهم، وفخرهم، وعزهم، وهو القرآن، فهو كقوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٤٤]: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ،﴾ وفي سورة (ص) رقم [٤٩] ﴿هذا ذِكْرٌ،﴾ ورقم [٨٧] منها أيضا ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾. هذا؛ وأعاد الذكر مصرحا به مع أن المقام مقام إضمار للتوكيد، والتشنيع عليهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَوِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿اِتَّبَعَ:﴾\nماض. ﴿الْحَقُّ:﴾ فاعله. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر المجموع لفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لَفَسَدَتِ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (فسدت): ماض، والتاء للتأنيث. ﴿السَّماواتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والنون حرف دال على جماعة الإناث، و(لو) ومدخولها كلام معترض بين المتعاطفات، لا محل له. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على (لو) ومدخولها لا محل لها أيضا. ﴿بِذِكْرِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿عَنْ ذِكْرِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2745\"></span>﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا:﴾ أجرا على ما جئتهم به من الرسالة، وهو في آية (الكهف) رقم [٩٤] بمعنى الجعل، والقسم من الأموال. هذا؛ ويقرأ هنا «(خراجا)». ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ:﴾ رزقه في الدنيا، أو ثوابه في الآخرة، ويقرأ: «(فخرج ربك)»، ويقرأ: «(خرجا)» في الموضعين، و«(خراجا)» فيهما، فالقراآت ثلاث، وهي سبعية، وهما بمعنى واحد، وقال أبو حاتم: الخرج:","vol":"6","page":274},{"text":"الجعل، والخراج: العطاء، وقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج، والخراج، فقال: الخراج: ما لزمك، والخرج: ما تبرعت به. وعنه: أن الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض، ذكر الأول الثعلبي، والثاني الماوردي. أقول: ويراد بقوله: من الرقاب، ما كان يؤخذ من الجزية، وبالخراج: ما يفرض على الأرض؛ التي يستولي عليها المسلمون، ويتركونها بيد أصحابها.\nهذا؛ وقال الإمام النسفي: خراجا فخراج، وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك، وإلى كل عامل من أجرته وجعله، والخرج أخص من الخراج، تقول: خراج القرية، وخرج الكوفة، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذا حسنت القراءة الأولى. انتهى. ويعني بها: المرسومة في المصحف. انتهى. وفي المختار: وجمع الخرج: أخراج، وجمع الخراج: أخرجة، كزمان، وأزمنة، وجمع الجمع: أخاريج.\n ﴿خَيْرٌ﴾ أي: أفضل، وأعظم لكثرته، ودوامه. هذا؛ وسمى الله ثوابه وإكرامه لنبيه ﷺ على دعوته خراجا للمشاكلة، والمزاوجة على حد قوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ونبهت عليه في محاله، وانظر شرح: ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ في الآية رقم [٥٨] من سورة (الحج) القريبة منك.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَسْأَلُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿خَرْجًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n (خراج): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنت تسألهم أجرا وجزاء؛ فجزاء ربك خير من جزائهم، وعليه: فالفاء هي الفصيحة، وقال الجمل: تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار؛ أي: لا تسألهم ذلك، فإنّ ما رزقك الله خير. انتهى نقلا من أبي السعود.\nتأمل، وتدبر. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ربك، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2746\"></span><span id=\"aya-2747\"></span>﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ الصراط في اللغة: الطريق. فسمي الدين طريقا على سبيل الاستعارة؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، فهو طريق إليها، والدين الإسلامي تشهد العقول السليمة على","vol":"6","page":275},{"text":"استقامته، فلا عوج فيه يوجب اتهامهم له. واعلم: أن الله ﷾، ألزمهم الحجة، وأزاح العلة في هذه الآيات بأن حصر أقسام ما يؤدي إلى الإنكار، والاتهام، وبين انتفاء ما عدا كراهة الحق، وقلة الفطنة. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ:﴾ لا يعتقدون بوجودها بعد الموت، ولا يعترفون بها. ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ أي: المستقيم. ﴿لَناكِبُونَ:﴾ لعادلون عنه. يقال: نكب عن الطريق ينكب نكوبا: إذا تركه، ومال إلى غيره، ومنه نكبت الريح: إذا لم تستقم على مجرى، وشر الريح النكباء، وهي الآتية بين جهتين من الجهات، سميت بذلك لعدولها عن المهاب. ونكبت حوادث الدهر، أي:\nأصابت بشدة، وهبت هبوب النكباء، هذا؛ ولا تنس: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.\nهذا؛ و(الآخرة) هي الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار والخلود فيها. و﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أصله: مستقوم؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار «مستقوم» ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار مستقيم.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: واو الحال. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.\n ﴿لَتَدْعُوهُمْ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تدعوهم): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة (صراط)، والجملة الاسمية:\n ﴿وَإِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعل ﴿تَسْأَلُهُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إنّ). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿عَنِ الصِّراطِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿لَناكِبُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ناكبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: (إن الذين...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والضمير الموجود في الأولى يكفي رابطا لهذه، كما هو منصوص عليه في مغني اللبيب، ومن أمثلته: (الذّباب يطير، فيغضب زيد).\n\n<span id=\"aya-2748\"></span>﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ:﴾ يروى: أنه لما دعا النبي ﷺ على كفار قريش كما رأيت في الآية رقم [٦٥] واستجاب الله دعاءه، واشتد البلاء عليهم؛ حتى أكلوا الجيف، وغيرها؛ جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ، فقال له: أنشدت الله والرحم! ألست تزعم: أنك بعثت رحمة","vol":"6","page":276},{"text":"للعالمين؟ فقال: «بلى!». فقال: قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فنزلت الآية. انتهى.\nنسفي، وهذا يفيد: أن القحط، والجوع نزل بهم بعد الهجرة، وأن أبا سفيان، ذهب إلى المدينة بعد غزوة بدر. لقوله: قتلت الآباء بالسيف، وهذا يتناقض مع اعتبار السورة مكية كلها. وأيضا، فإن طلبهم الاستسقاء من النبي ﷺ كان في حياة أبي طالب، ولذا قال أبو طالب في مدحه ﷺ: [الطويل]\nوأبيض يستسقى الغمام بوجهه... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل\nلذا فالقول: إن المعنى: لو رددناهم إلى الدنيا، ولم ندخلهم النار. وامتحناهم بعرض الإيمان عليهم هو المعتمد. ﴿لَلَجُّوا:﴾ لثبتوا على كفرهم، وعنادهم، واللجاج: التمادي في العناد في تعاطي الفعل المزجور عنه. ﴿طُغْيانِهِمْ﴾ أي: في عنادهم، وتمردهم. هذا؛ والطغيان:\nمجاوزة الحد، يقال: طغا، يطغى، ويطغو طغيانا: جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغ، وكل مسرف في الظلم، والمعاصي طاغ. وطغى البحر: هاجت أمواجه. وطغا السيل:\nجاء بماء كثير، قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.\n ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتحيرون، ويترددون، والعمه: التحير، والتردد، وهو قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني. وفي المصباح: عمه عمها من باب: تعب: إذا تردد متحيرا، وتعامه مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء:\nإذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه، وأعمه. انتهى. جمل. وهذا الفعل لم أر له ماضيا، ولا أمرا، فيظهر أنه فعل جامد لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له لكنه لم يستعمل، ولم يتداول. هذا؛ والضر بضم الضاد خاص بما في النفس كمرض وهزال، والضر بفتح الضاد شائع في كل ضرر ومصيبة، وفي القاموس المحيط: الضّر والضّر والضّرر ضد النفع، والشدة، والضيق، وسوء الحال، والنقصان يدخل في الشيء، والجمع أضرار.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿رَحِمْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ ضُرٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها.\n ﴿لَلَجُّوا:﴾ اللام: واقعة في جواب لو. (لجّوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل:\nمتعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿يَعْمَهُونَ:﴾\nمضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المجرور محلا بالإضافة، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.","vol":"6","page":277},{"text":"<span id=\"aya-2749\"></span>﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ:﴾ بالقحط، والجدب سبع سنين حين دعا عليهم الرسول ﷺ، كما رأيت في الآية السابقة. ﴿فَمَا اسْتَكانُوا:﴾ ما خضعوا، ولا لانت قلوبهم، ولا ذلوا لربهم. ﴿وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: ما لجؤوا إلى الله بالتضرع، والتذلل وقت نزول الشدائد بهم. هذا؛ وأصل (استكان) استكن من السكون؛ لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة، أو أصله: استكون من الكون، فنقلت حركة الواو إلى الكاف، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن.\nهذا؛ وجاء الفعل الأول ماضيا، والثاني مضارعا، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين، ولا جاء الأول مضارعا والثاني ماضيا لإفادة الماضي وجود الفعل، وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع، فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال، وأما الاستكانة فقد توجد منهم. انتهى. نقلا عن السمين. هذا؛ واعتبار الألف ب: (استكان) للإشباع، ومنه: [الكامل]\nينباع من ذفرى غضوب جسرة\nفإن هذا الإشباع ليس بفصيح، وهو من ضرورات الشعر، فينبغي أن ترفع منزلة القرآن عن ورود مثله فيه.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب قسم. (قد): حرف تحقيق. ﴿أَخَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وقال الجمل: هذه الجملة تأكيد للشرطية قبلها.\n ﴿بِالْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿اِسْتَكانُوا:﴾\nماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَتَضَرَّعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: وما يتضرعون لنا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-2750\"></span>﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ:﴾ في هذا العذاب ثلاثة أقوال: الأول:\nالجوع الذي نزل بهم بسبب القحط، والجدب؛ الذي حصل بدعاء الرسول ﷺ. والثاني: القتل","vol":"6","page":278},{"text":"الذي وقع بهم في وقعة بدر. والثالث: العذاب الذي يحل بهم يوم القيامة. قال عكرمة: هو باب من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربعمئة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم؛ إذا بلغوه فتحه الله﷿عليهم. ولعلك تدرك معي: أن هذا القول أولى بالاعتبار.\n ﴿إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ:﴾ متحيرون، آيسون من كل خير، لا يدرون ما يصنعون. هذا؛ وقد قال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، وذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون له جواب: قد أبلس. وأقول: سمي إبليس من هذا؛ لأنه أفلس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه من سعة فضل الله. بعد هذا خذ ما رواه عقبة بن عامر﵁عن النبي ﷺ: «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته، فذلك منه تعالى استدراج». ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري، وانظر الآية رقم [٤٤] من سورة (الأنعام)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَتَحْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بابًا:﴾ مفعول به. ﴿إِذا:﴾ صفة (بابا) منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذا) مضاف، و﴿عَذابٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة عذاب، وجملة: ﴿فَتَحْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُبْلِسُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار ﴿إِذا﴾ حرفا، وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٦٥]. و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قوله: ﴿حَتّى إِذا..﴾. إلخ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف التقدير: فليستمروا على ما ذكر حتى إذا... إلخ. هذا؛ والتعبير بالفعل الماضي عن المستقبل على الاعتبار الأخير، والمعتمد عندي إنما هو لتحقق وقوعه.\n\n<span id=\"aya-2751\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ:﴾ خلق، وأوجد. ﴿لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ:﴾ لتحسوا بها ما نصب الله في هذا الكون من الآيات. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ:﴾ القلوب لتتفكروا فيها، وخص الحواس الثلاث بالذكر؛","vol":"6","page":279},{"text":"لأنها يتعلق بها من المنافع الدينية، والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها. هذا؛ وقد وحّد سبحانه السمع في هذه الآية، وأمثالها دون الأبصار، والأفئدة لأمن اللبس. ولأنه في الأصل مصدر، يقال:\nسمعت الشيء سماعا، وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع، وقيل: وحّد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد وهو الصوت، ومدركات البصر والقلب مختلفة، والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب.\n ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أي: شكركم قليل على هذه الجوارح التي خلقها الله لكم، وهي أساس منفعتكم في هذه الدنيا، وإنما كان شكركم قليلا؛ لأنكم لم تعرفوا عظم هذه النعم، ووضعتموها في غير مواضعها؛ لأنكم لم تعملوا، وتستخدموا أبصاركم، وأسماعكم في آيات الله، وأفعاله، ولم تستدلوا بقلوبكم على نعم الله، وإفضاله. وفيه تنبيه على أن من لم يعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له؛ فهو بمنزلة عادمها؛ لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [٢٦] من سورة (الأحقاف). وحقيقة الشكر: صرف كل نعمة لما خلقت له، واستخدامها في طاعة الله، ﷿. هذا؛ والفعل: «شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرت زيدا، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له. هذا؛ ولا تنس: أن في الكلام التفاتا من التكلم في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، انظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَنْشَأَ:﴾\nماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، والجملة الفعلية: ﴿أَنْشَأَ لَكُمُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال: ﴿ما﴾ محتملة لثلاثة أوجه: أحدها: الزيادة، فتكون إما لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، وقليلا في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل مثلها في: «أكلت أكلا ما». وعلى هذا يكون تقليلا بعد تقليل.\nالوجه الثاني: النفي، و﴿قَلِيلًا﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: شكرا قليلا، أو زمانا قليلا. الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: (قليل) و﴿قَلِيلًا﴾ حال معمول لمحذوف، وعليه المعنى، أي: شكروا، فأخروا قليلا شكرهم، أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب (قليلا) على الوجه الأول، وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر (قليلا) نعتا لمصدر محذوف مثل اعتباره في الوجه الثاني، وذكر أبو البقاء","vol":"6","page":280},{"text":"الوجه الثاني، وقال التقدير: فما يشكرون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين. وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2752\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ خلقكم، وبثكم فيها للتناسل، وباب الفعل: قطع، ومنه: الذرية، وهي نسل الثقلين، تركوا همزها، والجمع: الذراريّ بتشديد الياء. ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ:﴾ تجمعون للحساب والجزاء بعد إخراجكم من القبور.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿ذَرَأَكُمْ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.\n ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n<span id=\"aya-2753\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ:﴾ المعنى: أن القادر على خلقكم، ثم جمعكم للحساب والجزاء هو الذي أحياكم بعد أن لم تكونوا شيئا، وهو الذي يميتكم عند انتهاء آجالكم. ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي: بقدرته، وحكمته، وتدبيره اختلاف الليل والنهار، بالزيادة والنقصان، كما هو مشاهد تبعا لفصول السنة. وقيل: اختلافهما في الظلمة، والنور، وقيل:\nتكررهما يوما بعد ليلة، وليلة بعد يوم. وكله مختص بالله تعالى لا يقدر عليه غيره. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون، وتتدبرون ذلك، فتعرفوا قدرته تعالى على البعث، والحساب، والجزاء، والإثابة، أو العقاب، أو: فتستدلوا بالصنع على الصانع، فتؤمنوا. هذا؛ وانظر شرح «العقل» في الآية رقم [١٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح: ﴿أَفَلا﴾ في الآية رقم [٣٠] منها، وشرح ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء). ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والطباق بين ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وهي من المحسنات البديعية اللفظية.\nالإعراب: (هو الذي): مبتدأ، وخبر، وانظر الآية رقم [٧٩] لتفصيله. ﴿يُحْيِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة عليها، وحذف مفعول الفعلين","vol":"6","page":281},{"text":"للتعميم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (له): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿اِخْتِلافُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿اللَّيْلِ:﴾\nمضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. (النهار): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها.\n\n<span id=\"aya-2754\"></span><span id=\"aya-2755\"></span>﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ قالُوا﴾ أي: كفار مكة. ﴿مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: كذبوا كما كذب الأولون، وأنكروا البعث، والحساب، كما أنكر الأولون، وهم: قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وأمثالهم، ثم بيّن قولهم، وإنكارهم للبعث بالجملة التالية. هذا؛ ويقرأ: ﴿أَإِذا﴾ ﴿أَإِنّا﴾ بقراآت كثيرة جملتها تسع، وكلها سبعية، وهذا الكلام: ﴿أَإِذا..﴾. إلخ قد تكرر هو أو ما يماثله في آيات كثيرة، أذكر الآية رقم [٤٩ و٩٨] من سورة (الإسراء) وقولهم هذا تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر]\nألا من بلّغ الرحمن عنّي... بأني تارك شهر الصّيام\nأيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟!\nأتترك أن تردّ الموت عنّي... وتحييني إذا بليت عظامي؟\nفهو يقصد بابن كبشة: النبي ﷺ، وأبو كبشة هي كنية زوج حليمة مرضعته ﷺ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم.\nوانظر شرح ﴿مِتَّ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف انتقالي. ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به، وساغ ذلك؛ لأنه متضمن كلاما كثيرا، فهو بمعنى الجملة، وقيل: هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قالوا قولا مثل... إلخ، و﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: مثل الذي قاله الأولون. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية؛ فهي تؤول مع","vol":"6","page":282},{"text":"الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: مثل قول الأولين، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة مقدرة، التقدير: فلم يعتبروا، بل قالوا... إلخ.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعله. ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. وهذا عند سيبويه. ﴿مِتْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: أئذا متنا... نبعث، ولا يجوز أن يعمل فيها (مبعوثون)؛ لأن ما بعد (إنّ) لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم: أنّ (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية، فإن تقدير الكلام: أنبعث إذا... إلخ وهذا قول غير سيبويه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا أَإِذا..﴾. إلخ مفسرة لمعنى ما تضمنه ﴿مِثْلَ﴾ من كلام. وقيل: بدل من سابقتها. تأمل. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿تُرابًا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (عظاما): معطوف على ما قبله. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنا):\nحرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمَبْعُوثُونَ:﴾\nاللام: هي المزحلقة. (مبعوثون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة بالإنكار، وبدون الاستفهام فيها حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار بالأولى إنكار فيها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2756\"></span>﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا﴾ أي: هذا الوعد، وهو البعث بعد الموت. ﴿نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ:﴾ وعد آباءنا قوم زعموا: أنهم رسل الله من قبل مجيء محمد، فلم نرهم بعثوا، ولم نر لذلك حقيقة؛ لأنهم ظنوا: أن البعث، والإعادة إنما يكون في الدنيا، وهم لم يروا، ولم يسمعوا: أن أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم بعد الموت. ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي:\nما هذا الذي يقوله محمد من أننا نبعث بعد الموت إلا أكاذيب الأولين، وترهاتهم، وخرافاتهم التي سطروها. وانظر الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان) لشرح ذلك. هذا؛ والآية بحروفها مذكورة في سورة (النمل) رقم [٦٨] مع ملاحظة تقديم (هذا) على (نحن) هناك؛ لأن المقصود بالذكر هناك إنما هو البعث، وأخّر في هذه السورة (هذا) على (نحن)؛ لأن المقصود به هنا المبعوثون نظرا إلى الاهتمام في الموضعين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، أو هي لام الابتداء. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وُعِدْنا:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على السكون،","vol":"6","page":283},{"text":"و(نا): نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع توكيد ل: (نا). ﴿وَآباؤُنا:﴾ معطوف على (نا) بعد توكيدها، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿وُعِدْنا،﴾ أو بمحذوف صفة ل: (آباؤنا) أي: الكائنون من قبل، ومقتضى القاعدة: أن يكونا متعلقين بمحذوف حال منه؛ لأنه معرفة بالإضافة للضمير، ولكن المراد به الماضي، وهو لا يتفق مع الحال. تأمل، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، لا محل لها، والقسم وجوابه، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ الكلام كله ففي محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول كفار قريش. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2757\"></span><span id=\"aya-2758\"></span>﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ كلاحقه في الآيات التالية، وهو جواب عما قالوه فيما تقدم. ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها:﴾ يخبر بربوبيته، ويعترف بوحدانيته، وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إن كنتم من أهل العلم، أو من العالمين بذلك. فيكون استهانة لهم، وتقريرا لفرط جهالتهم، حتى جهلوا مثل هذا الجلي الواضح، وإلزاما بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره، ولذا أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا، فقال: ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ ولا بد لهم من ذلك؛ لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر، وأقل تأمل إلى الإقرار بأنه تعالى خالقها. ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تتعظون وتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء، فهو على إحياء الموتى بعد موتهم أقدر، فإن بدأ الخلق ليس بأهون من إعادته، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ ويقرأ: «(تذكرون)» و«(تتذكّرون)».\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(من) اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام. ﴿الْأَرْضُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ﴿الْأَرْضُ﴾. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.\n ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف","vol":"6","page":284},{"text":"للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فأخبروني بخالقهما، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿سَيَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والسين حرف استقبال. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو لله، ويقرأ بغير لام، فيكون التقدير: هو الله، والقراءة باللام هي قراءة الجمهور، وهو جواب ما فيه اللام، فهو مطابق للفظ، والمعنى، والقراءة بغير لام حملا على المعنى؛ لأن معنى ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ:﴾\nمن رب الأرض؟ فيكون الجواب: الله، أي: هو الله، والجملة الاسمية على القراءتين في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية مستأنفة في المعنى، وهي من مقول الله تعالى. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله:\n «أنت» وجملة: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ في محل نصب مقول القول، وإعرابها مثل إعراب: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ في الآية رقم [٨٠] بلا فارق. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2759\"></span><span id=\"aya-2760\"></span>﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ:﴾ هو مثل الآية [٨٥]. ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ ولا بد لهم من ذلك؛ لأن الواقع يضطرهم إلى الاعتراف بأن الله هو المالك لما في هذا الكون، وذلك بأدنى نظر، وأقل تأمل. ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أي: تخافون عقابه، فلا تشركوا به بعض مخلوقاته، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته. أو المعنى: أفلا تخافونه في جحودكم قدرته على البعث مع اعترافكم بقدرته على خلق هذه الأشياء. هذا؛ وانظر الكلام على ﴿الْعَرْشِ﴾ في الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح (التقوى) في الآية رقم [١] من سورة (الحج). هذا؛ ويقرأ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ:﴾ بغير لام فيه، وفيما بعده على ما يقتضيه لفظ السؤال، بخلافه فيما قبله فحذف اللام منه حملا على المعنى كما رأيت، والقراءة باللام موافقة للفظ والمعنى، والقراءة هنا وفيما بعده باللام حملا على المعنى؛ لأنك إذا قلت: من ربّ هذا؟ فمعناه لمن هذا؟ فيجاب لفلان كقول الشاعر: [الطويل]\nإذا قيل من ربّ المزالف والقرى... وربّ الجياد الجرد قيل: لخالد\nفالمزالف جمع: مزلفة، وهي المرحلة من الطريق، وهي أيضا القرية بين الريف، والبرج.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿السَّبْعِ:﴾ صفة ﴿السَّماواتِ﴾. ﴿وَرَبُّ:﴾ معطوف على","vol":"6","page":285},{"text":"ما قبله، وهو مضاف، و﴿الْعَرْشِ:﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة ﴿الْعَرْشِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿مَنْ رَبُّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ:﴾ انظر الآية السابقة فالإعراب واحد على القراءتين، وانظر إعراب: ﴿قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ فيها أيضا إفرادا، وجملا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\n\n<span id=\"aya-2761\"></span><span id=\"aya-2762\"></span>﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ ملك كل شيء، زيدت فيه، الواو، والتاء للمبالغة كالرهبوت، والرغبوت، والرحموت من الرهبة، والرغبة، والرحمة. والمراد: السموات، وما فوقهن، وما بينهن، والأرضين، وما تحتهن، وما بينهن، وما لا يعلمه إلا هو، وقال مجاهد:\n ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ خزائن كل شيء. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ:﴾ يغيث، ويحرس، ويحفظ، ويمنع.\n ﴿وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أي: ولا يغاث أحد، ولا يمنع منه، يقال: أجرت فلانا على فلان: إذا أغثته منه، ومنعته. المعنى: يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحدا. ثم قيل: هذا في الدنيا، أي من أراد الله إهلاكه، وخوفه لم يمنعه منه مانع، ومن أراد نصره، وأمنه لم يدفعه من نصره، وأمنه دافع. وقيل: هذا في الآخرة؛ أي: لا يمنعه من مستحق الثواب مانع، ولا يدفعه عن مستوجب العذاب دافع. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: مجيرا، ومغيثا غير الله فاذكروه.\n ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ أي: الإغاثة لله، أو هو المغيث، والمجير، لا مغيث غيره، ولا مجير سواه. ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: فكيف تخدعون، وتصرفون عن الإيمان بالله، وعبادته، وتوحيده مع ظهور الأمر. وتظاهر الأدلة على ما ذكر؟! أو: كيف يخيل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر، ولا ينفع، والخادع: هو الهوى، والشيطان، والسحر: هو التخييل كما رأيت في الآية رقم [٥٧] من سورة (طه). وكل ما تقدم احتجاج على العرب المقرين بوجود الصانع، وهو الله تعالى.\nهذا؛ ومعنى ﴿بِيَدِهِ:﴾ بقدرته، وتحت تصرفه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِيَدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَلَكُوتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ بِيَدِهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): مبتدأ. ﴿يُجِيرُ:﴾ مضارع، وفاعله مستتر تقديره:","vol":"6","page":286},{"text":"«هو»، والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُجارُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٨٥]، والجملة الشرطية بكاملها في محل نصب مقول القول. ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ انظر الآية رقم [٨٦] ففيها الكفاية. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ، أو هي الفصيحة. (أنى): اسم استفهام، وتعجب بمعنى: كيف مبني على السكون في محل نصب حال صاحبها الواو، وعاملها الفعل بعدها. ﴿تُسْحَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية على اعتبار الفاء فصيحة لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنتم تعترفون بذلك؛ فكيف تسحرون، أي: تخدعون...؟ والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2763\"></span>﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالقول الصدق من التوحيد، والوعد بالحساب، والثواب، والعقاب، لا ما يقوله الكفار من إثبات الشريك له تعالى، وإنكار البعث واليوم الآخر، وما يقع فيه. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي: الكافرين ﴿لَكاذِبُونَ﴾ أي: في قولهم: اتخذ الله ولدا من الملائكة، أو من البشر، وكاذبون أيضا في ادعائهم الشريك معه تعالى شأنه، وتعالت حكمته. وما أحراك أن تنظر ﴿الْكَذِبَ﴾ في الآية رقم [١٠٥] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف انتقالي. ﴿أَتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية رقم [٨٢] ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (نا).\n ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾\nاللام: هي المزحلقة. (كاذبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-2764\"></span>﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ:﴾ لتقدسه عن مماثلة أحد، وعدم احتياجه إلى أحد، بل","vol":"6","page":287},{"text":"واستغنائه عن كل أحد. وفيه رد على مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وعلى اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، وعلى النصارى الذين قالوا: عيسى ابن الله. ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ:﴾ يساهمه في الألوهية، ويشاركه في الملكوتية. ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ:﴾\nالمعنى لو كان مع الله آلهة كما يدعون، ويفترون لذهب كل واحد منهم بما خلقه، واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، وقوى نفسه، وجيشه، وأعوانه، ووقع بينهم التحارب، وظهر التغالب كما هو حال ملوك الدنيا، فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شيء، واللازم باطل بالإجماع، والاستقراء، وقيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى إله واحد.\nفقد قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٤٢]: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا،﴾ وقال في سورة (الأنبياء) رقم [٢٢]: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ انظر شرح الآيتين في محلهما، فإنه جيد من حمده تعالى، وإذا كان الأمر كذلك؛ فاعلموا: أن الله إله واحد، بيده ملكوت كل شيء، ويقدر على كل شيء، وهو غني عن كل شيء.\n ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ:﴾ تنزه عن الولد والشريك لما سبق من الدليل على فساده. هذا؛ و﴿سُبْحانَ﴾ اسم مصدر، وقيل: مصدر مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل سبّح بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]\nقد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وقال ذو النون﵇-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ،﴾ وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به، وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب من رفع وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين الألف والنون، ومعناه: التنزيه، والبراءة لله ﷿ من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح لغيره. وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة﵃ أجمعين-: أنه قال للنبي ﷺ:\nما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كل سوء» والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده:\nأنزه الله تنزيها، فوقع ﴿سُبْحانَ اللهِ﴾ مكان قولك: تنزيها لله.\nالإعراب: ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف صلة يفيد التوكيد. ﴿وَلَدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها","vol":"6","page":288},{"text":"اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ تقدم على اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة كسابقه. ﴿إِلهٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء. وهو هنا مقدر ب: «لو» الشرطية، انظر الشرح، وهو مثل الآية رقم [٧٣ و٧٦] من سورة (الإسراء). ﴿لَذَهَبَ:﴾ اللام: واقعة في جواب «لو» المقدرة. (ذهب): ماض. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿إِلهٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل: (ذهب)، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لذهب كل إله بالذي، أو: بشيء خلقه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: لذهب كل إله بخلقه. والجملة الفعلية هذه جواب ل: «لو» المقدرة، والقائم مقامها (إذا) و«لو» المقدرة، ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَلَعَلا:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب «لو» تقديرا بسبب العطف. (علا):\nماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل (علا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف كما رأيت في الشرح، وهو مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سُبْحانَ،﴾ و(ما):\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية مثل ﴿بِما خَلَقَ﴾ فعلى الأولين التقدير: عن الذي، أو: عن شيء يصفونه به، وعلى الثالث التقدير: عن وصفهم الله بما لا يليق به.\n\n<span id=\"aya-2765\"></span>﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: يعلم ﷾ ما غاب عن أبصار عباده، ويعلم ما يشاهدونه بحواسهم، فلا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم، فنبه سبحانه على انفراده بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه فيه أحد من خلقه، وهو دليل قاطع على تفرده بالوحدانية، وعلى نفي الشريك له، وعلى نفي الولد له. ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ تنزه، وتعاظم عمّا يقوله المشركون من اتخاذ الشريك، والولد، والصاحبة له، جلّت قدرته. هذا، و(تعالى) يأتي منه","vol":"6","page":289},{"text":"مضارع: يتعالى بمعنى: يتعاظم ويتقدس، ولا أمر له، فهو ناقص التصرف، و«يتعالى» لم يرد في القرآن الكريم أيضا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿عالِمِ:﴾ بالجر بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، ويقرأ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو عالم، وعليه: فالجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، و﴿عالِمِ﴾ مضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَتَعالى:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.\n (تعالى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو». ﴿عَمّا:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وما تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو: عن شيء يشركونه مع الله، وعلى الثالث تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، التقدير: عن شركهم، وجملة: ﴿فَتَعالى..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، وذلك على قراءة الرفع، فكأنه قال: عالم الغيب والشهادة فتعالى، كقولك: زيد شجاع، فعظمت منزلته؛ أي شجع، فعظمت. وعلى قراءة (عالم) بالجر، فهي مستأنفة، لا محل لها، وقيل: على إضمار القول؛ أي: أقول: فتعالى الله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2766\"></span><span id=\"aya-2767\"></span>﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٩٤)﴾\nالشرح: فقد علّم الله نبيه ﷺ ما يدعو به، والمعنى: قل: يا رب إن أريتني ما يوعدون من العذاب في الدنيا، أو في الآخرة، فلا تجعلني في عداد الظالمين، ولا تعذبني بعذابهم! فعن الحسن﵁-: أخبر الله نبيه ﷺ أن له في أمته نقمة، ولم يخبره متى وقتها، فأمره أن يدعو هذا الدعاء، ويجوز أن يسأل النبي المعصوم ربه ما علم أنه يفعله، وأنه يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله، إظهارا للعبودية، وتواضعا لربه. واستغفاره ﷺ إذا قام من مجلسه لذلك، وتعليمه هذا الدعاء إما لهضم النفس، أو؛ لأن شؤم الظلمة قد يحيق بمن وراءهم، كقوله تعالى:\n ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.\nأقول: وهذا كله يعني: أن المراد بالظالمين هم ما يكونون في هذه الأمة، وسياق الآيات يدل على أن المراد الظالمين، وهم الكفرة الذين جعلوا لله شريكا، وجعلوا له صاحبة وولدا، وقد توعدهم بالعذاب في غير ما آية، وكان النبي ﷺ يعلم: أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب، ومع هذا فقد أمره ربه بهذا الدعاء، والسؤال ليعظم أجره، وليكون في كل الأوقات ذاكرا لربه، ﷿. هذا؛ وتكرير النداء، وتصدير كل واحد بالشرط، والجزاء به فضل تضرع، وجؤار.","vol":"6","page":290},{"text":"تنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى: ونداء الرب قد كثر حذف «يا» النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد، فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن «يا» تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام في نداء الرب لذلك المعنى، انتهى.\nهذا؛ والرب يطلق، ويراد به السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا..﴾. إلخ، وقال الأعشى: [الكامل]\nربّي كريم، لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا\nكما يقال: رب الدار، ورب الأسرة، أي مالكها، ومتولي شؤونها. كما يراد به المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة، يربها: إذا أصلحها، والله ﷾ مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه، وهو خلق صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك.\nوالرب: المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السجن:\n ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]\nهنيئا لأرباب البيوت، بيوتهم... وللأكلين التّمر مخمس مخمسا\nوهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر. وانظر شرح «الظلم» في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وباقي الإعراب مثل: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣]. ﴿إِمّا:﴾ هي «إن» الشرطية مدغمة في «ما» الزائدة للتوكيد.\n ﴿تُرِيَنِّي:﴾ مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، وحذفت نون الوقاية للتخفيف، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿إِمّا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في","vol":"6","page":291},{"text":"محل نصب مفعول به ثان. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، وهو العائد، أو الرابط؛ إذ التقدير: إما تريني الذي، أو: شيئا يوعدونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: وعيدك لهم، وجملة: ﴿تُرِيَنِّي..﴾.\nإلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. هذا؛ وينبغي أن تعلم:\nأن الفعل يرى هنا بصري، وقد تعدى إلى المفعول الثاني بهمزة التعدية؛ لأن ماضيه هنا رباعي وهو أرى، ومضارعه: يري.\n ﴿رَبِّ:﴾ هذا النداء مؤكد لسابقه تأكيدا لفظيا، ومعترض بين فعل الشرط، وجوابه.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَجْعَلْنِي:﴾ مضارع مجزوم ب:\n (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿فِي الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و﴿فِي﴾ بمعنى «مع». تأمل. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء\nإلخ. هذا؛ والكلام: ﴿رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ رَبِّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2768\"></span>﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥)﴾\nالشرح: كان كفار قريش ينكرون الوعيد، والتهديد بالعذاب، ويضحكون منه، ويسخرون، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما يتوعدكم، ويتهددكم به، إن تأملتم، وعرفتم الحقيقة. وقد أخره سبحانه، وتعالى؛ لأنه علم أن بعضهم، أو بعض أعقابهم يؤمنون، وقد حصل ذلك حيث أسلم المئات منهم بعد الهجرة، وعلى رأسهم سيف الله، وسيف رسوله خالد بن الوليد الذي خرج من مكة مؤمنا طائعا بعد غزوة الحديبية، أو المعنى: أن الله لا يعذبهم، وأنت يا محمد موجود بينهم، ومقيم بين أظهرهم، وهذا ما صرحت به آية (الأنفال) رقم [٣٣] ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.\nالإعراب: ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿نُرِيَكَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول.\n ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿نَعِدُهُمْ:﴾\nمضارع، والفاعل: نحن، والهاء مفعول به أول، والثاني محذوف، وهو العائد، أو الرابط؛ إذ التقدير: نريك الذي، أو: شيئا نعدهموه، أو نعدهم إياه، و(أن) والمضارع في تأويل مصدر في","vol":"6","page":292},{"text":"محل جر ب: ﴿عَلى﴾ والجار، ومجرور متعلقان ب: (قادرون) بعدهما. ﴿لَقادِرُونَ:﴾ خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعلين السابقين، والرابط: الواو، والضمير. أو هي مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى، وأولى.\n\n<span id=\"aya-2769\"></span>﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦)﴾\nالشرح: لقد أمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية بالصفح، والعفو، ومكارم الأخلاق، ودفع السيئة بالحسنة، فما كان منها لهذه الأمة فيما بينهم؛ فهو محكم باق في الأمة إلى يوم القيامة، وما كان فيها من موادعة الكفار، وترك التعرض لهم، والصفح عن أمورهم فمنسوخ بآية القتال، وقيل: هي محكمة أيضا في حق الكفار بحيث لم يؤد ذلك إلى وهن في الدين، أو إلى انتهاك حرمة المسلمين؛ إذ المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى ما ذكر، وسترى مزيدا لذلك في سورة (فصلت) رقم [٣٣] إن شاء الله تعالى.\n ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ أي: يصفوننا من نسبة الشريك إلينا، ومن اتخاذ الصاحبة، والولد، أو بما يصفونك به يا محمد من قولهم: هو شاعر، ساحر، كاهن، مجنون، إلى غير ذلك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وأصل ﴿السَّيِّئَةَ:﴾ السّيوئة، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وأصل ﴿يَصِفُونَ:﴾ يوصفون، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة، وتحذف من المبدوء بالهمزة والنون والتاء حملا على المبدوء بالياء من كل مضارع مأخوذ من ماض مبدوء بالواو، مثل وعد، وزن، ورث... إلخ، و﴿أَعْلَمُ﴾ ليس على بابه من التفضيل؛ لأن الله لا يشركه في علمه أحد.\nالإعراب: ﴿اِدْفَعْ:﴾ أمر، وفاعله: «أنت». ﴿بِالَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(التي) صفة لموصوف محذوف، التقدير: بالخصلة التي، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿السَّيِّئَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿اِدْفَعْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإنما لم يقل: فادفع بالتي هي أحسن، أي: بقرن الجملة الفعلية الطلبية بالفاء الفصيحة؛ لأنه على تقدير قائل قال: فكيف أصنع، فقال: ادفع بالتي هي أحسن. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِما:﴾ متعلقان به، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أعلم بالذي، أو:\nبشيء يصفوننا به. أو بالذي، أو: بشيء يصفونك به. وعلى اعتبار المصدرية، تؤول (ما) مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: نحن أعلم بوصفهم لنا، أو بوصفهم لك، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له.","vol":"6","page":293},{"text":"<span id=\"aya-2770\"></span><span id=\"aya-2771\"></span>﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ:﴾ أمتنع، وأتحصن، وأعتصم بك. ﴿مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أي: وساوسهم، ونخساتهم، ونزغاتهم الشاغلة عن ذكر الله تعالى، فعن جبير بن مطعم﵁-: أنه رأى النبي ﷺ يصلي صلاة، -قال عمرو﵁-: ولا أدري أي صلاة هي؟ - فقال: «الله أكبر كبيرا (ثلاثا)، والحمد لله كثيرا (ثلاثا)، وسبحان الله بكرة وأصيلا (ثلاثا)، أعوذ بالله من الشّيطان من نفخه، ونفثه، وهمزه، قال: نفثه: الشّعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة» أخرجه أبو داود، والموتة: الجنون.\n ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ أي: يكونوا معي في أموري، فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدّين للهمز، وإذا لم يكن حضور فلا همز. فعن جابر بن عبد الله﵄قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الشّيطان يحضر أحدكم عند كلّ شيء من شأنه، حتّى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللّقمة، فليمط ما كان بها من أذى، ثمّ ليأكلها، ولا يدعها للشّيطان، فإذا فرغ: فليلعق أصابعه، فإنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة». أخرجه مسلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وخذ ما يلي:\nفعن أبي أمامة الباهلي﵁قال: حدّث خالد بن الوليد﵁- رسول الله ﷺ عن أهاويل يراها باللّيل، حالت بينه وبين صلاة اللّيل، فقال رسول الله ﷺ: «يا خالد بن الوليد! ألا أعلّمك كلمات تقولهنّ، ولا تقولهنّ ثلاث مرّات؛ حتّى يذهب الله عنك ذلك؟». قال: بلى يا رسول الله بأبي أنت وأمّي! فإنّما شكوت هذا إليك رجاء هذا منك. قال:\nقل: أعوذ بكلمات الله التّامّة من غضبه، وعقابه، وشرّ عباده، ومن همزات الشّياطين، وأن يحضرون». قالت عائشة﵂-: فلم ألبث ليالي حتّى جاء خالد بن الوليد، فقال:\nيا رسول الله بأبي أنت وأمّي! والّذي بعثك بالحقّ ما أتممت الكلمات الّتي علّمتني ثلاث مرّات حتّى أذهب الله عني ما كنت أجد، ما أبالي لو دخلت على أسد في خيسته بليل. رواه الطبراني في الأوسط، خيسة الأسد: موضعه الذي يأوي إليه.\nوعن خالد﵁-: أنه أصابه أرق، فقال رسول الله ﷺ: «ألا أعلّمك كلمات إذا قلتهنّ نمت، قل: اللهمّ ربّ السموات السبع وما أظلّت، وربّ الأرضين وما أقلّت، وربّ الشّياطين وما أضلّت، كن لي جارا من شرّ خلقك أجمعين أن يفرط عليّ أحد منهم، أو أن يطغى، عزّ جارك، وتبارك اسمك». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، ويزاد: «وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك».","vol":"6","page":294},{"text":"الإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله: أنت. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وفيه أوجه، انظرها بإعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣]. ﴿أَعُوذُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ هَمَزاتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ويجوز تعليقهما وتعليق ما قبلهما بمحذوف حال، التقدير: أعوذ مستجيرا بك من همزات، و﴿هَمَزاتِ﴾ مضاف، و﴿الشَّياطِينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الندائية والجملة الفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، و﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ﴾ الإعراب مثل ما قبلهما، والجملتان معطوفتان على ما قبلهما، فهما في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَحْضُرُونِ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير من حضورهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n\n<span id=\"aya-2772\"></span><span id=\"aya-2773\"></span>﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ:﴾ هذا الكلام متعلق بالفعل ﴿يَصِفُونَ﴾ في الآية رقم [٩١] والمعنى: لا يزالون مصرين على الشرك إلى وقت مجيء الموت، أو لا يزالون مستمرين على سوء الذكر، إلى هذا الوقت، وما بينهما مذكور على وجه الاعتراض، والتأكيد للإغضاء عنهم، مستعينا بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم، ويغريه على الانتصار منهم.\n ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ:﴾ قال أبو البقاء: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع على التعظيم، كما قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا﴾. والثاني: أنه أراد: يا ملائكة ربّي ارجعون. والثالث: أنه دل بلفظ الجمع على تكرير القول، فكأنه قال: ربّ ارجعني، ربّ ارجعني، ربّ ارجعني انتهى. بتصرف. ومعنى التكرير قيل به في قوله تعالى في سورة (ق): ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ،﴾ وبقول امرئ القيس: [الطويل]\nقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل\nومثله كثير في الشعر العربي. هذا؛ وسؤال الرجعة إلى الدنيا ليس مختصا بالكافر، فقد يسألها المؤمن كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الآية رقم [١٠] من سورة (المنافقون). بل إن الندامة بعد الموت تعم الصالح والطالح، والمؤمن، والكافر. المؤمن الصالح يندم على عدم","vol":"6","page":295},{"text":"الزيادة في الخيرات، والصالحات. والطالح الكافر يندم على عصيانه، وإسرافه في السيئات؛ فضلا عن ندامته في الكفر، وعبادة غير الله تعالى.\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد يموت إلا ندم».\nقالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا؛ ندم ألاّ يكون ازداد. وإن كان مسيئا؛ ندم أن لا يكون نزع». رواه الترمذي، والبيهقي.\n ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: ما تمنى أن يرجع إلى أهله، وعشيرته، ولا ليجمع الدنيا، ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع، فيعمل بطاعة الله، فرحم الله امرأ عمل فيما تمناه الكافر إذا رأى العذاب! فعن النبي ﷺ قال: «إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا:\nنرجعك إلى الدّنيا، فيقول: إلى دار الهموم، والأحزان، بل قدوما إلى الله. وأما الكافر فيقول:\nربي ارجعون». وهذا بعد بشارة المؤمن برضا الله، ورضوانه، وبعد بشارة الكافر بغضب الله، وسخطه، وعذابه، فعن عائشة﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أحبّ لقاء الله؛ أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله؛ كره الله لقاءه». فقلت: يا نبيّ الله! أكراهية الموت، فكلّنا نكره الموت؟ قال: «ليس ذلك، ولكنّ المؤمن إذا بشّر برحمة الله ورضوانه وجنّته؛ أحبّ لقاء الله، فأحبّ الله لقاءه، وإنّ الكافر إذا بشّر بعذاب الله، وسخطه؛ كره لقاء الله، وكره الله لقاءه». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وانظر ما ذكرته الآية رقم [١٠٨] الآتية.\n ﴿فِيما تَرَكْتُ﴾ أي: ضيعت من عمري، وتركت العمل به من الطاعات. أو المعنى: أقول:\nأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأعمل بطاعته. فيدخل فيه الأعمال البدنية، والمالية. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر، وانظر شرحها في الآية رقم [٧٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها:﴾ المراد بالكلمة:\nالطائفة من الكلام المنتظم بعضه مع بعض، وهو قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ ومعنى ﴿هُوَ قائِلُها﴾ أي: لا ينفك عنها، بل يقولها دائما؛ لا ستيلاء الحسرة، والندم عليه، وقيل: معناها: لو أجيب إلى ما يطلب من الرجعة إلى الدنيا؛ لما وفى بما يقول، كما قال تعالى في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنعام): ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ وذلك للحكم الأزلي في حقهم: أنهم أصحاب النار.\n ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ﴾ أي: من أمامهم. ﴿بَرْزَخٌ:﴾ حائل، وحاجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، وكل حاجز بين شيئين؛ فهو برزخ، والمراد به المدة التي تكون من حين الموت إلى البعث. هذا؛ وما يجري على ألسنة العوام (من أن البرزخ جب تحبس فيه الأرواح) لا أصل له، وإنما الروح لها تعلق بالجسد الذي خرجت منه، وإن فني، فلها تعلق بالقبر الذي دفن فيه الجسد ليصدق عليه قول الرسول ﷺ في نعيم القبر، وعذابه في أحاديث كثيرة أذكر منها ما يلي: عن عبد الله بن عمر-رضي","vol":"6","page":296},{"text":"الله عنهما-أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة؛ فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النار؛ فمن أهل النّار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.\nوعن أبي هريرة﵁قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس إلى قبر منها فقال: «ما يأتي على هذا القبر يوم إلاّ وهو ينادي بصوت ذلق طلق: يا بن آدم نسيتني ألم تعلم أنّي بيت الواحدة، وبيت الغربة، وبيت الوحشة، وبيت الدود، وبيت الضّيق إلاّ من وسّعني الله عليه». ثم قال رسول الله ﷺ: «القبر إمّا روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النّار».\n ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ:﴾ لم يرد أنهم يرجعون يوم البعث إلى الدنيا، وإنما هو إقناط كلّي لما علم أن لا رجوع بعد البعث إلا إلى الآخرة.\nأما ﴿كَلِمَةٌ﴾ ففيها ثلاث لغات: الأولى كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم كنبق، والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم، كسدر، وجمع الثانية: كلم، كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو: كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ، وشهد، وهي في الأصل قول مفرد، مثل: محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة كما في هذه الآية التي نحن بصدد شرحها، وقال النبي ﷺ:\n «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: [الطويل]\nألا كلّ شيء-ما خلا الله-باطل... وكلّ نعيم لا محالة زائل»\nالمراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان: كلمة، والمراد بها كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم، والحديث، وانظر شرح الكلام في الآية رقم [١٠٨] الآتية.\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٧٨]. ﴿جاءَ:﴾ ماض.\n ﴿أَحَدَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿أَحَدَهُمُ﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وفيه أوجه أخر انظرها بإعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣]. ﴿اِرْجِعُونِ:﴾ فعل دعاء مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾","vol":"6","page":297},{"text":"ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل:\n ﴿إِذا،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى قوله ف: ﴿حَتّى إِذا..﴾. إلخ جار ومجرور متعلقان بمحذوف. انظر الشرح، وهو يؤيد قول الأخفش في هذه الآية.\n ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَعْمَلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿صالِحًا:﴾ صفة مفعول محذوف، التقدير: أعمل عملا صالحا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل). ﴿فِيما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: في الذي، أو: في شيء تركته، والجملة الاسمية:\n ﴿لَعَلِّي..﴾. إلخ تعليل لطلب الرجوع، لا محل لها.\n ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر، مبني على السكون في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وذلك على الحكاية، أي: فيقال له: كلا. ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها.\n ﴿كَلِمَةٌ:﴾ خبرها. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿قائِلُها:﴾ خبره، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿كَلِمَةٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها..﴾. إلخ تعليل للردع، والزجر، لا محل لها، والجملة المقدرة: يقال له:\nكلا... إلخ لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، فكأن قائلا قال: بماذا يجاب؟ فالجواب فيقال له: كلا... إلخ. ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من ورائهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَرْزَخٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَرْزَخٌ﴾. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، التقدير:\nإلى يوم بعثهم، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وقيل: معطوفة، وهما ضعيفان.\n\n<span id=\"aya-2774\"></span>﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي: لقيام الساعة، والمراد بهذا النفخ النفخة الأولى. قاله ابن عباس﵄-. وقال ابن مسعود﵁-: المراد: النفخة الثانية، فقد قال: يؤخذ بيد العبد يوم القيامة، فينصب على رؤوس الأولين، والآخرين، ثم ينادي مناد: هذا فلان ابن فلان، فمن كان له قبله حقّ، فليأت إلى حقه! فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده، أو ولده، أو زوجته، أو أخيه، فيأخذه منه، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ فيقول الرب ﷾: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب! قد فنيت الدنيا،","vol":"6","page":298},{"text":"فمن أين أوتيهم؟ فيقول الرب للملائكة: خذوا من حسناته، فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، فإن كان وليا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل، فيضاعفها الله تعالى حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود﵁قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ الآية رقم [٤٠] من سورة (النساء)، وإن كان شقيّا؛ قالت الملائكة: ربّنا فنيت حسناته، وبقي طالبون، فيقول الله تعالى: «خذوا من أعمالهم، فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكّا إلى جهنم». انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف، ولا تنس: أن التعبير بالماضي عن المستقبل في هذه الآية، وأمثالها، إنما هو لتحقيق وقوع الأمر المحدّث عنه، وهو كثير في القرآن.\nوفي رواية عن ابن عباس﵄-: أنها النفخة الثانية، ومعنى ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ، كما كانوا يتفاخرون بها في الدنيا، ولا يتساءلون سؤال تواصل، كما كانوا يتساءلون في الدنيا: من أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد: أن الأنساب تنقطع.\nهذا؛ وقد قال الله في سورة (الطور) رقم [٢٥]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وقال في سورة (الصافات) رقم [٢٧]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أقول: فآية (الطور) تنص على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب بدليل الآيات التي قبلها، والتي بعدها، وأما آية (الصافات) فهي تنص على أن التساؤل إنما يكون في يوم القيامة بدليل قوله تعالى قبلها بآيتين:\n ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ وهي تعارض الآية التي نحن بصدد شرحها، وقد قال ابن عباس﵄في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا، ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة، فيتساءلون.\nانتهى.. خازن.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٧٧]. ﴿نُفِخَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿أَنْسابَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾\nظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر (لا)، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محل لها. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف الذي هو متعلق الظرف قبله، أو بمحذوف خبر ثان. و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، لا محل لها مثلها.","vol":"6","page":299},{"text":"<span id=\"aya-2775\"></span>﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾\nالشرح: لقد ذكر الله تعالى الآية ولا حقتها في سورة (الأعراف) برقم [٨ و٩] وهناك زيادة هذه الجملة قبلهما: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ وذكر ثقل الموازين وخفتها في سورة (القارعة) أيضا، وذكرت لك في الآية رقم [١٠٥] من سورة (الكهف) الاختلاف في الوزن، هل هو للأعمال، أو للأشخاص؟ انظرها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وأقول هنا: الجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان، له لسان، وكفتان، ينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم فينكرون، ولكن تعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم، كما في سورة (النور)، وسورة (يس)، وسورة (فصلت).\nوالحكمة من وزن الأعمال مع علم الله بمقاديرها تتجلى فيما يلي: منها: إظهار العدل الإلهي، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة. ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير، وشر، وحسنة، وسيئة. ومنها:\nإظهار علامة السعادة، والشقاوة. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت حسناته على سيئاته، و(موازين) جمع: ميزان، وأصله موزان، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، ومثله:\nميعاد، وميثاق، وميراث، وميقات، فأصل الياء فيهن واو. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون برضا الله، ودخول الجنة، الناجون من سخطه، ومن عذاب النار؛ لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه، والفوز بكل محبوب، وأصله: المؤفلحون، انظر الآية رقم [١١٧] الآتية لإعلاله.\nالإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ثَقُلَتْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿مَوازِينُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾\nخبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر أولئك. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له. فيكون ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر (أولئك)، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل:\nهو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى جميع الاعتبارات؛ فالجملة الاسمية مفرعة عما قبلها، ومستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":300},{"text":"<span id=\"aya-2776\"></span>﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت سيئاته على حسناته. هذا؛ وقد ذكر الله في الآية السابقة السعداء الذين غلبت حسناتهم على سيئاتهم، وذكر في هذه الآية الأشقياء الذين غلبت سيئاتهم على حسناتهم، وبقي صنف ثالث: وهم من تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم أصحاب الأعراف؛ الذين ذكرهم الله في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأعراف). ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي:\nضيعوها، وحرموها من جزيل ثواب الله تعالى، وكرامته. ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ:﴾ مقيمون، ماكثون، لا يخرجون منها أبدا، فهذه هي خسارتهم، وأية خسارة أعظم من الحرمان من الجنة ونعيمها الدائم، والخلود في النار، وانظر (الخسران) في الآية رقم [١١] من سورة (الحج)، وانظر شرح ﴿يَرِثُونَ﴾ في الآية رقم [١١]، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأنبياء).\nتنبيه: روي عن أبي بكر الصديق﵁أنه قال حين حضره الموت في وصيته لعمر بن الخطاب﵁-: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿خَسِرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهم في جهنم، وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ:﴾ بدل من الصلة، أي من جملة: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ولا محل للبدل، ولا للمبدل منه، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان ل: (أولئك)، وعلى هذه الأقوال ف:\n (خالدون) فاعل بمتعلق الجار والمجرور. هذا؛ وإن اعتبرنا ﴿خالِدُونَ﴾ خبرا ثانيا للمبتدأ (أولئك)، أو خبرا لمبتدأ محذوف، فيكون الجار والمجرور متعلقين به، التقدير: فأولئك الذين... خالدون في جهنم، أو التقدير: فهم خالدون في جهنم. وبقي وجه آخر، وهو اعتبار الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و﴿خالِدُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية بدل من جملة الصلة، وذلك على قول الزمخشري، ومتابعيه. تأمل، وتدبر.\n<span id=\"aya-2777\"></span>﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ:﴾ تحرق، واللفح كالنفح؛ إلا أنه أشد تأثيرا، وانظر الآية","vol":"6","page":301},{"text":"رقم [٤٦] من سورة (الأنبياء) يقال: لفحته النار والسموم بحرها: أحرقته، ونفحته بالسيف نفحة:\nإذا ضربته به ضربة خفيفة. ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ أي: عابسون، وقد بدت أسنانهم، وتقلصت شفاههم، كالرأس المشوي في النار، قال الأعشى: [الرمل]\nوله المقدم لا مثل له... ساعة الشّدق عن النّاب كلح\nوعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ، قال: ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ قال:\n «تشويه النّار فتقلص شفته العليا حتّى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السّفلى؛ حتّى تضرب سرّته». أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. هذا؛ ودهر كالح: شديد.\nالإعراب: ﴿تَلْفَحُ:﴾ مضارع. ﴿وُجُوهَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿النّارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ:\n (أولئك)، أو في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:\nواو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿كالِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، فهي حال متداخلة من وجه، وهو أولى من اعتبارها معطوفة على الجملة الفعلية قبلها.\n\n<span id=\"aya-2778\"></span>﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾\nالشرح: في الآية الكريمة توبيخ، وتقريع للذين دخلوا النار من الكفار. والمعنى: ألم تقرأ عليكم آيات القرآن، وزواجره، وفيها تبين طريق الحق والنور، والإسلام والسّلام، فأعرضتم عنها، ولم تصدقوا بها، وكنتم من المكذبين بما فيها؛ حتى استحققتم هذا العذاب الأليم، والعقاب الشديد؟!.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَكُنْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿آياتِي:﴾ اسم ﴿تَكُنْ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى (آياتي)، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿تَكُنْ﴾.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف. (كنتم): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿فَكُنْتُمْ..﴾. إلخ","vol":"6","page":302},{"text":"معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: «يقال...» إلخ المقدرة معطوفة على جملة ﴿تَلْفَحُ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، والمقدّر كالموجود.\n\n<span id=\"aya-2779\"></span>﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا:﴾ يقرأ: «(شقاوتنا)». قال القرطبي: وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا، وأهواؤنا. فسمى اللذات والأهواء شقوة؛ لأنهما يؤديان إليها، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٠]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا؛﴾ لأن ذلك يودي بهم إلى النار، وقيل: ما سبق في علمك، وكتب علينا في أمّ الكتاب من الشقاوة. وهذا رده النسفي بقوله:\nلا يصح؛ لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد، وما يعلم: أنه يختاره، ولا يكتب غير الذي علم أنه يختاره، فلا يكون مغلوبا، ومضطرا في الفعل، وهذا؛ لأنهم إنما يقولون ذلك اعتذارا لما كان منهم من التفريط في أمره، فلا يجمل أن يطلبوا لأنفسهم عذرا فيما كان منهم. انتهى.\nوانظر الفعل «يشقى» في الآية رقم [٢] من سورة (طه).\n ﴿وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ أي: كنا في فعلنا ضالين عن الهدى، وليس هذا اعتذارا منهم، إنما هو إقرار، ويدل عليه الآية التالية. هذا؛ وانظر شرح: ﴿رَبِّ﴾ في الآية رقم [٩٤]، وشرح ﴿قَوْمًا﴾ في الآية رقم [٢٣]، وإعلال ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿غَلَبَتْ:﴾\nماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿شِقْوَتُنا:﴾ فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. والجملتان الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): ماض ناقص مبني على السكون، و(نا):\nاسمه. ﴿قَوْمًا:﴾ خبر (كان). ﴿ضالِّينَ:﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة ﴿وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2780\"></span>﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها﴾ أي: من النار، طلبوا الرجعة إلى الدنيا، كما طلبوها عند الموت، كما رأيت في الآية رقم [٩٩]. ﴿فَإِنْ عُدْنا﴾ أي: رجعنا إلى الكفر، والتكذيب بما جاءت به الرسل. ﴿فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ أي: لأنفسنا، والله أعلم بمراده.","vol":"6","page":303},{"text":"الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَخْرِجْنا:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿عُدْنا:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا):\nفاعله، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، ومتعلقه محذوف كما رأيت في الشرح، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم الفاعل، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2781\"></span><span id=\"aya-2782\"></span>﴿قالَ اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١٠٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله مجيبا لهم. ﴿اِخْسَؤُا فِيها:﴾ اسكتوا سكوت هوان، فإنها ليست مقام سؤال، من خسأت الكلب خسئا: طردته، وخسأ الكلب بنفسه خسوآ، يتعدى، ولا يتعدى، ولم يرد هذا الفعل في غير هذه الآية لا بصيغة الماضي، ولا المضارع، ولا الأمر، وقد جاء منه اسم الفاعل:\n ﴿خاسِئِينَ﴾ في البقرة رقم [٦٥]، وفي الأعراف رقم [١٦٦]، و﴿خاسِئًا﴾ في سورة (الملك) رقم [٤].\n ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: في رفع العذاب، أو تخفيفه، فإني لا أرفعه عنكم، فعند ذلك ييأس المجرمون من الفرج. قال الحسن رحمه الله تعالى: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلمون بعد ذلك، ما هو إلا الزفير، والشهيق، وعواء كعواء الكلاب، لا يفهمون، ولا يفهمون. انتهى. خازن.\nوقال الزمخشري في الكشاف: وعن ابن عباس﵄قال: إن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار، قالوا ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ فيجابون بما يلي: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ سورة (السجدة)، فينادون ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ؟﴾ فيجابون:\n ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ سورة (غافر)، فينادون ألف سنة: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ فيجابون: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ سورة (الزخرف)، فينادون ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾.\nفينادون ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾","vol":"6","page":304},{"text":"﴿ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ سورة (فاطر). فينادون ألف سنة: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ فيجابون: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾.\nهذا، وإذا نظرت في الكشاف يتبين لك ما زدته عليه من ذكر الآيات بكاملها، وعزوها إلى سورها زيادة في الإيضاح. وينبغي أن تعلم: أنه لا يوجد في الآخرة ليل، ولا نهار، ولا شهور، ولا أعوام، وإن ما ذكر من الآلاف إنما هو بالتقدير، وقد يعترض بعض الناس، فيقول: هذا العذاب الشديد، والمكث الطويل في جهنم، هذا كله من أجل كفر الكافر في أيام معدودة في الدنيا، وكثير من الكفار لا يعيشون في الدنيا عشرين عاما، ومنهم من يعيش أكثر، أو أقل، ولماذا استحقوا هذا العذاب الشديد الذي لا انتهاء له، ولا انقطاع؟ والجواب عن ذلك: أنهم استحقوا العذاب لإصرارهم على الكفر، ونيتهم البقاء عليه، ولو عاشوا آلاف السنين في الدنيا، فمن أجل هذا جوزوا بالخلود في نار الجحيم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي﴾ أي: المؤمنين، أمثال بلال، وخباب، وصهيب، وفلان، وفلان من ضعفاء المسلمين. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أي: بما أنزلت من القرآن، وبما جاء به محمد ﷺ من الهدى، والفرقان. ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾ أي: ذنوبنا. ﴿وَارْحَمْنا﴾ أي: برحمتك الواسعة التي وسعت كل شيء. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ:﴾ وأنت أفضل، وأكرم ممن يرحم.\nهذا؛ و﴿فَرِيقٌ﴾ طائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، وقوم. أما الكلام بالنسبة للبشر فهو يدل على أحد ثلاثة أمور:\nأولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا! تريد: تكليمك إياه.\nوثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكل ما يعبّر عنه باللفظ، لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية، تأمل قول الأخطل التغلبي: [الكامل]\nلا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا\nإنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا\nوثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللّسانين)، وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفّتي المصحف: (كلام الله)، ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جل شأنه:\n ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ وإلى كلمته جلّت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾ ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل]","vol":"6","page":305},{"text":"أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل]\nفعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿اِخْسَؤُا:﴾ أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُكَلِّمُونِ:﴾ مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهو ضمير الشأن؛ لأنه لا يعود إلى مذكور.\n ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿فَرِيقٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿مِنْ عِبادِي:﴾ متعلقان ب: (فريق) أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آمَنّا:﴾ ماض مبني على السكون، و(نا): فاعله، ومتعلقه محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، وللنهي. هذا؛ وقرئ بفتح همزة (أن) وعليه فتؤول مع اسمها وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنه... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تُكَلِّمُونِ﴾.\n ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يرى صحة عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة. (اغفر): فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه تقديره:\n «أنت»، ومفعوله محذوف، تقديره: ذنوبنا. ﴿لَنا:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا منا؛ فاغفر لنا... إلخ، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَارْحَمْنا﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الرّاحِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره","vol":"6","page":306},{"text":"الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعل: (ارحمنا)، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2783\"></span>﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)﴾\nالشرح: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا:﴾ فجعلتموهم هزآ، وسخرية تسخرون منهم. هذا؛ ويقرأ بكسر السين، وضمها هنا، وفي سورة ص رقم [٦٣]. قال النحاس: وفرّق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة التهزؤ، والمضمومة من جهة السخرة، ولا يعرف هذا التفريق الخليل، ولا سيبويه، ولا الكسائي، ولا الفراء. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال:\nعصيّ وعصيّ، ولجيّ ولجيّ. وحكى الثعلبي عن الكسائي، والفراء الفرق الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر بمعنى الاستهزاء، والسخرية بالقول، والضم بمعنى التسخير، والاستعباد بالفعل.\nوقال المبرد: إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما التأويل فلا يكون، والكسر في سخري في المعنيين جميعا؛ لأن الضمة تستثقل في مثل هذا. انتهى. قرطبي. هذا؛ وسخريا على اللغتين مصدر «سخر»، زيدت فيهما ياء النسبة للمبالغة.\n ﴿حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي: أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم ذكري؛ أي: توحيدي، والإيمان بي، فلم تخافوني، ولم تحفظوا كرامة أوليائي. ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ:﴾ استهزاء بهم، وأضاف سبحانه الإنساء إلى المؤمنين؛ لأنهم كانوا سببا لاشتغالهم عن ذكره، وتعدي شؤم استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-وينظر إلى معنى هذا قوله تعالى في آخر المطففين: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخر السورة، ويستفاد من هذا: التحذير من السخرية والاستهزاء بالضعفاء والمساكين، والاحتقار لهم، والإزراء عليهم، والاشتغال بهم فيما لا يعني، وأن ذلك مبعد من الله، ﷿. انتهى.\nأقول: فإذا كان هذا في حق الكفار الذين كانوا يسخرون بالمؤمنين؛ فالمسلمون أحق بهذا الوعيد والتهديد؛ إذا كانوا يسخرون بإخوانهم المؤمنين، وقد وردت أحاديث كثيرة تشدد النكير على الذين يهزؤون بالناس، فعن الحسن﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب إلى الجنّة، فيقال له: هلمّ! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه؛ أغلق دونه، ثمّ يفتح له باب آخر، فيقال له: هلم! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه أغلق دونه، فما يزال كذلك، حتّى إنّ أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة، فيقال له: هلمّ فما يأتيه من الإياس». رواه البيهقي مرسلا، وعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التّقوى هاهنا، التقوى هاهنا،","vol":"6","page":307},{"text":"التقوى هاهنا (ويشير إلى صدره) بحسب امرئ من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله». رواه مسلم وغيره، وقال تعالى في سورة (الحجرات): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾.\nالإعراب: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (اتخذتموهم): ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول. ﴿سِخْرِيًّا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ، وقد قال الجمل: هي محط التعليل؛ أي: للنهي عن الكلام. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿أَنْسَوْكُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لا لتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿ذِكْرِي:﴾ مفعول به ثان أوصل الفعل إليه همزة التعدية، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و«أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل (أنسوكم) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ ويعتبر الجرجاوي في إعرابه لشواهد ابن عقيل ﴿حَتّى﴾ في مثل ذلك حرف ابتداء، والمعنى على ما جريت عليه في الإعراب. تأمل. (كنتم): ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: (تضحكون منهم) في محل نصب خبر (كان)، وجملة ﴿وَكُنْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (اتخذتموهم...) إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2784\"></span>﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)﴾\nالشرح: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ أي: على أذاكم، واستهزائكم بهم، وصبروا على طاعتي، وانظر (الصبر) في الآية رقم [٨٥] من سورة (الأنبياء). ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ أي:\nبجميع مراداتهم في جنة عرضها السموات والأرض. هذا؛ وإعلال (فائز) مثل إعلال (قائم) في الآية رقم [٢٦] من سورة (الحج).\nهذا؛ و(الجزاء) و(المجازاة): المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول ما في الآية الكريمة، وقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ والثاني مثل قوله تعالى في آيات كثيرة بعد أن يذكر عذاب الكافرين، والظالمين:\n ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ،﴾ ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ هذا؛ والفعل جزى، يجزي ينصب مفعولين.\nالإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿جَزَيْتُهُمُ:﴾ فعل، وفاعل ومفعوله الأول، والثاني محذوف، التقدير: جزيتهم النعيم المقيم. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف متعلق بما","vol":"6","page":308},{"text":"قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية لا غير. ﴿صَبَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و(ما) والفعل ﴿صَبَرُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبصبرهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (إنّهم) (^١): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿جَزَيْتُهُمُ:﴾ توكيد لاسم (إنّ) على المحل، أو هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب.\n ﴿الْفائِزُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ مبتدأ؛ ف: ﴿الْفائِزُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿أَنَّهُمْ..﴾.\nإلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة ﴿أَنَّهُمْ﴾ (^٢)، وعليه فهي تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر، وفي هذا المصدر وجهان: أحدهما هو في محل نصب مفعول ثان للفعل (جزي)، وثانيهما هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأنهم، أو لأنهم، فيبقى المفعول الثاني لجزي محذوفا، كما رأيت تقديره، ولعلك تدرك معي: أن الآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2785\"></span>﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ:﴾ أقمتم، ومكثتم، وبابه: فهم، وله مصادر كثيرة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أحياء على ظهرها، أو أمواتا في جوفها في القبور. ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: كم سنة لبثتم في الأرض؟ وانظر الآية رقم [٢٥] من سورة (الكهف) فالبحث فيها جيد، وهذا السؤال للمشركين في النار، أو في عرصات القيامة.\nتنبيه: الغرض من السؤال التبكيت والتوبيخ؛ لأنهم كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلا، ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا، ويظنون أن بعد الموت يدوم الفناء، ولا إعادة، فلما حصلوا في النار، وأيقنوا دوامهم وخلودهم فيها؛ سألهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ منبها لهم على ما ظنوه دائما طويلا، وهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا من حيث تيقنوا خلافه، وهذا هو الغرض من السؤال. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الله، أو إلى الملك المأمور بسؤالهم، ويقرأ بلفظ الأمر: «(قل)» للملك، أو لبعض رؤساء أهل النار. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده، وتمييزه محذوف، أي: كم سنة لبثتم؟ ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب\n_________\n١) وهذه قراءة حمزة، والكسائي.\n٢) وهي قراءة الباقين.","vol":"6","page":309},{"text":"مقول القول. ﴿عَدَدَ:﴾ بدل من ﴿كَمْ﴾. ﴿سِنِينَ:﴾ بدل من عدد منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، هذا الإعراب منقول عن أبي البقاء، وقال الجمل: ﴿عَدَدَ:﴾ تمييز ل: ﴿كَمْ،﴾ و﴿عَدَدَ﴾ مضاف، و﴿سِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، والمعنى: لبثتم كم عددا من السنين. انتهى.\nوبقول الجمل قال البيضاوي، والنسفي، ومكي، والجلال، وغيرهم وهو أخصر، وأفهم، وأولى، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2786\"></span>﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أي: أقمنا، ومكثنا على وجه الأرض أحياء، أو في جوفها أمواتا يوما، أو بعض يوم، نصفه، أو ثلثه... إلخ استقصارا لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم في النار، أو لأنها كانت أيام سرورهم، وأيام السرور قصار، قال الشاعر: [الكامل]\nفقصارهنّ مع الهموم طويلة... وطوالهنّ مع السرور قصار\nأو لأنها منقضية، والمنقضي في حكم المعدوم. وقيل: لأن العذاب رفع عنهم بين النفختين، فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم، وهو فحوى قول ابن عباس﵄-. ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ أي: اسأل الحسّاب الذين يعرفون ذلك، أو الذين يتمكنون من عد أيامها إن أردت تحقيقها، فإنا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها، وإحصائها. أو اسأل الملائكة الذين يعدون أعمار الناس، ويحصون أعمالهم، الأول قول قتادة، والثاني قول مجاهد. هذا؛ وقرئ: «(العادين)» بتخفيف الدال؛ أي: الظالمين، فإنهم يقولون ما نقول، أو المعنى: اسأل العاديين، أي: المتقدمين المعمرين الذين عاشوا مئات السنين، كقولك: هذه بئر عادية، أي: قديمة، وحذف إحدى يائي النسب، كما قالوا: الأشعرون، وحذفت الأخرى لالتقاء الساكنين، كما رأيت في ﴿عالِينَ﴾ رقم [٤٦].\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَبِثْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب (نذرت) في الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) أيضا. ﴿يَوْمًا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله.\n ﴿بَعْضَ:﴾ ظرف زمان معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَسْئَلِ:﴾\nالفاء: الفصيحة، وانظر مثلها في الآية رقم [١١٠] (اسأل): ويقرأ بحذف الهمزة فهو أمر على القراءتين، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْعادِّينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لَبِثْنا..﴾. إلخ والمعطوفة عليها كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":310},{"text":"<span id=\"aya-2787\"></span>﴿قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ ويقرأ: «(قل)» كما في الآية رقم [١١٤]. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي: ما لبثتم إلا زمانا قليلا، أو لبثا قليلا، فقد سماه الله قليلا؛ لأن الإنسان، وإن طال مكثه، ولبثه في الدنيا، فإنه يكون قليلا في جنب ما يلبث في الآخرة؛ لأن الأول ينتهي، والثاني لا ينتهي أبدا.\n ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ صدقهم الله تعالى في تقالهم لسني لبثهم في الدنيا، أي: لو علمتم عدد سني مكثكم في الدنيا، وعدد سني مكثكم في الآخرة، بل في النار لعلمتم علم اليقين: أن الأول لا يكاد يذكر بجانب الثاني؛ لأن الأول انقضى وانتهى، وأما الثاني فلا انقضاء له، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، أو أمر على نحو ما رأيت في الآية رقم [١١٤]. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة زمان محذوف، أو صفة مفعول مطلق محذوف، انظر الشرح. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّكُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: تعلمون مقدار لبثكم في الدارين، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط ﴿لَوْ﴾ عند المبرد، التقدير: لو حصل علمكم ونحو ذلك. وقال سيبويه﵏ جميعا-: هو في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو علمكم حاصل، أو واقع. وقول المبرد هو المرجح؛ لأن ﴿لَوْ،﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم... لعلمتم يومئذ قلة لبثكم في الدنيا، كما علمتم اليوم، أو لعملتم بموجبه، ولم تركنوا إلى الدنيا، أو لما أجبتم بهذا الجواب، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2788\"></span>﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾\nالشرح: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا﴾ أي: مهملين كما خلقت البهائم، لا ثواب لها، ولا عقاب عليها، مثل قوله تعالى في الآية رقم [٣٦] من سورة (القيامة): ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ أي: هملا كالبهائم، بل خلقناكم للتكليف، ثم للرجوع من دار التكليف، إلى دار الجزاء، فنثيب المحسن، ونعاقب المسيء، قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ..﴾. إلخ من سورة (الذاريات).","vol":"6","page":311},{"text":"قال الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى: (إن الله خلق الخلق عبيدا ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار الإسلام، وإن رفضوا العبودية لله فهم اليوم عبيد أبّاق، سقّاط، لئام، وغدا أعداء في السجون بين أطباق النيران). انتهى. قرطبي. هذا؛ ويقرأ: ﴿لا تُرْجَعُونَ﴾ بالبناء للمجهول فيكون متعديا، ويقرأ بالبناء للمعلوم، فيكون لازما، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nروى البغوي بسنده عن الحسن﵁أن رجلا مصابا مرّ به على ابن مسعود﵁-، فرقاه في أذنه ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ..﴾. إلخ حتى ختم السورة، فبرأ، فقال رسول الله ﷺ:\nبماذا رقيت في أذنه؟». فأخبره. فقال رسول الله ﷺ: «والّذي نفسي بيده لو أنّ رجلا موقنا قرأها على الجبل لزلّ». انتهى خازن. ومعنى لزل: لتحرك من مكانه، ويروى (لزال) من الزوال، وهو الذهاب.\nالإعراب: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف على محذوف، انظر تفصيل ذلك في سورة (الأنبياء) رقم [٣٠] (حسبتم): فعل، وفاعل. ﴿أَنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة، وتبقى مؤولة مع ما بعدها بمصدر في محل نصب سد مسد مفعولي حسب. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والميم علامة جمع الذكور. ﴿عَبَثًا:﴾\nمصدر فهو حال بمعنى: عابثين، أو هو مفعول لأجله، أي: لأجل العبث. ﴿وَأَنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنكم): حرف مشبه، والكاف اسمها. ﴿إِلَيْنا:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، أو نائب فاعله حسبما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول من: ﴿أَنَّما..﴾. إلخ فيكون الحسبان منسحبا عليه، ويجوز أن يكون معطوفا على ﴿عَبَثًا﴾. هذا؛ والكلام ﴿أَفَحَسِبْتُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2789\"></span>﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾\nالشرح: ﴿فَتَعالَى اللهُ﴾ أي: تنزه، وتقدس عن الأولاد، والشركاء، والأنداد، وعن أن يخلق شيئا عبثا، أو لعبا؛ لأنه الحكيم. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: الذي يحق له الملك مطلقا، فإن من عداه مملوك بالذات مالك بالعرض من وجه دون وجه، وفي حال دون حال. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ فهو الواحد، الأحد، الفرد، الصمد؛ الذي يستحق العبودية، وما عداه عبيد له مملوكون في قبضته. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ:﴾ مالكه، وهو الذي خلقه. ﴿الْكَرِيمِ﴾ أي: الحسن، وقيل: الرفيع المرتفع، وقال البيضاوي: الذي يحيط بالأجرام، وتنزل منه محكمات الأقضية، والأحكام، ولذلك وصفه بالكريم، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، وإنما خص ﴿الْعَرْشِ﴾ بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات. هذا؛ وقرئ برفعه على أنه تابع للفظ الجلالة.","vol":"6","page":312},{"text":"الإعراب: ﴿فَتَعالَى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تعالى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمَلِكُ:﴾ بدل مما قبله، أو عطف بيان عليه. ﴿الْحَقُّ:﴾ بدل ثان، أو عطف بيان أيضا، وبعضهم يعتبرهما صفتين للجلالة، والمعتمد ما ذكرته. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف. وهو الأقوى.\n ﴿رَبُّ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر.\nالثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رب. وحسن حذفه توالي اللفظ ب: ﴿هُوَ﴾ مرتين.\nالثالث: أن يكون بدلا ثالثا من لفظ الجلالة، أو عطف بيان عليه. الرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون الضمير غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. و﴿رَبُّ﴾ مضاف، و﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْكَرِيمِ:﴾ صفة ﴿الْعَرْشِ﴾ وعلى قراءته بالرفع فمن وجهين: أحدهما أنه نعت ل: ﴿الْعَرْشِ﴾ أيضا، ولكنه قطع عن إعرابه لأجل المدح على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الكريم، وهذا جيد لتوافق القراءتين في المعنى، والثاني كونه نعتا ل:\n ﴿رَبُّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط:\nالضمير فقط، والجملة الفعلية: ﴿فَتَعالَى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2790\"></span>﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ:﴾ يعبده وحده، أو يتخذه شريكا لله. ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ:﴾ لا حجة له باتخاذه إلها. ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ:﴾ جزاؤه، وعقابه عند خالقه، فهو مجازيه عليه لا محالة. ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ أي: لا يسعد من جحد، وكذب بالله، وآياته، ورسله. هذا؛ وقد جعل سبحانه، وتعالى فاتحة السورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وخاتمتها:\n ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ وشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.\nهذا؛ ويقرأ «(لا يفلح)» بفتح الياء واللام من الثلاثي، وقراءة الجمهور بضم الياء وكسر اللام من «أفلح» الرباعي، وإعلاله كما يلي: فأصله يؤفلح، فحذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أؤفلح، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين،","vol":"6","page":313},{"text":"فصار: يفلح. وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل:\nأجاب، يجيب، وأكرم، يكرم، ونحو ذلك، كما حذفت الهمزة الثانية من (يؤمنون)؛ لأن ماضيه: آمن، وأصله: أأمن، والمضارع: يؤأمن أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]\nفإنّه أهل لأن يؤكرما\nولا تنس: أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس: مؤكرم، ومؤكرم، وقس على ذلك. تنبه لهذا؛ واحفظه، والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَدْعُ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿مَعَ:﴾\nظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به.\n ﴿آخَرَ:﴾ صفة له. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿بُرْهانَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا﴾. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف الذي هو متعلق ﴿اللهِ﴾ قبله، أو بمحذوف خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿إِلهًا﴾ لازمة له، فإن الباطل لا برهان به جيء بها للتأكيد، أو هي معترضة بين فعل الشرط، وجوابه.\n ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿حِسابُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:\nلا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَدْعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهو ضمير الشأن، والأمر. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يُفْلِحُ:﴾ مضارع. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بفتح الهمزة، وعليه ف: (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر","vol":"6","page":314},{"text":"محذوف، التقدير: بأنه، وهذا الجار، والمجرور متعلقان ب: ﴿حِسابُهُ،﴾ وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي: إن المصدر المؤول في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: فإنما حسابه عدم الفلاح، وهذا يعني: أنه خبر بعد خبر.\n\n<span id=\"aya-2791\"></span>﴿وَقُلْ رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، أمره ربه أن يتوجه إليه بخاتمة هذه السورة الكريمة بطلب المغفرة، والرحمة، وهما خير ما يسأل، ويطلب، ولم يأمره أن يتوجه إليه بطلب الدنيا وزينتها؛ لأنها لا بقاء لها، فقد روي: أن أول هذه السورة، وآخرها من كنوز الجنة، ومن عمل بثلاث آيات من أولها، واتعظ بأربع آيات من آخرها؛ فقد نجا وأفلح.\n ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ:﴾ إنما كان ذلك كذلك؛ لأن رحمته-جلّت قدرته-إذا أدركت أحدا؛ أغنته عن رحمة غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته تعالى، فهذه الآية مسك الختام لهذه السورة الكريمة، والحمد لله ربّ العالمين.\nالإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قل): أمر، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وانظر ما فيه من أوجه الإعراب في: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٣] ﴿اِغْفِرْ وَارْحَمْ:﴾ فعلا دعاء مبنيان على السكون، وفاعلهما ضمير مستتر فيهما، ومفعولا هما محذوفان؛ إذ التقدير: اغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا، والجملتان مع الجملة الندائية الجميع في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الرّاحِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: احمد الله، واشكره، وقل... إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وعلى التقدير الأول الكلام مستأنف، لا محل له.\nتأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nانتهت سورة المؤمنون شرحا وإعرابا بعونه تعالى وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين.","vol":"6","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2670>سورة النّور</span>\nسورة (النور)، وهي مدنية بالإجماع، وهي اثنتان، وقيل: أربع وستون آية. قال القرطبي:\nمقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف، والسّتر. وكتب عمر﵁إلى أهل الكوفة:\n\nعلموا نساءكم سورة (النور). وقالت عائشة﵂-: لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهنّ الكتابة، وعلموهنّ سورة النور، والغزل. انتهى.\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-2792\"></span>﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾\nالشرح: ﴿سُورَةٌ:﴾ هي الطائفة من القرآن، التي أقلها ثلاث آيات، منقولة، ومستعارة من سور المدينة؛ لأنها محيطة بطائفة من القرآن، كالتي نحن بصدد شرحها، محتوية على أنواع من العلم، احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة؛ لأن السّور كالمراتب، والمنازل يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول، والقصر، والفضل، والشرف، وثواب القراءة، قال النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل]\nألم تر أنّ الله أعطاك سورة... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب\nوالحكم في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة: منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف؛ كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا. ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى؛ كان أنشط له، وأبعث على القراءة منه لو استمر على القرآن بطوله، ومن ثمّ جزّأ القراء القرآن أسباعا، وأجزاء، وعشورا، وأخماسا. ومنها: أن الحافظ إذا حفظ سورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، ولها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه، ومنه قول أنس﵁-: (كان الرّجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا). أي: عظم ولذا أنزل الله التوراة، والإنجيل، وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السّور. وبوّب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. انتهى. نسفي في سورة (البقرة) آية [٣٢] بتصرف كبير مني.\n ﴿أَنْزَلْناها﴾ أي: نزل بها عليك جبريل يا محمد مفرقة منجمة، وهو بمعنى: نزلنا، والفرق بين الفعلين: أن أنزل يفيد: أن القرآن، أو السورة نزل دفعة واحدة، وأما نزّل فيفيد: أن القرآن نزل","vol":"6","page":316},{"text":"مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة، وهذا مما يريب القرشيين كما حكى ﷾ ذلك عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ سورة (الفرقان) رقم [٣٢].\n (فرضناها) أي: فرضنا عليكم، وعلى من بعدكم ما فيها من الأحكام. ويقرأ بتشديد الراء؛ أي: أنزلنا فيها فرائض مختلفة، أو للمبالغة في إيجاب أحكامها، أو المعنى: قطعناها في الإنزال نجما نجما، والفرض: القطع، ومنه فرائض الميراث، وفرض النفقة. ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ واضحات الدلالة، وانظر شرح (آية) في (الأنبياء) رقم [٥]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ تتعظون فتنتفعون بذلك، وأصل الفعل: تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، وهو كثير في القرآن الكريم، ويقرأ بتسكين الذال. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترجّ، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nالإعراب: ﴿سُورَةٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذه سورة، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فيما أوحينا إليك سورة، وقال أبو عبيدة، والأخفش: مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده، وهو ضعيف جدا؛ لأنه نكرة، ولا يجوز الابتداء بالنكرة، وأضعف منه اعتبار (سورة) مبتدأ، والجملة بعده صفة له، والخبر في قوله: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي..﴾. إلخ. هذا؛ ويقرأ:\n «(سورة)» بالنصب فعلى اعتبارين: الأول: أنه منصوب بفعل محذوف، تقديره: اتل سورة.\nوالثاني: أنه منصوب بفعل محذوف، يفسره ما بعده، أي: أنزلنا سورة، ومثل ذلك قول الربيع بن ضبيع بن وهب: [المنسرح]\nوالذّئب أخشاه إن مررت به... وحدي، وأخشى الرّياح والمطرا\nوقول الفراء: هو حال من الضمير المنصوب بعده، لا وجه له ألبتة، ومثله قول الزمخشري هو منصوب على الإغراء، التقدير: دونك سورة، ولا تنس: أن قراءة النصب ليست سبعية.\n ﴿أَنْزَلْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صفة ﴿سُورَةٌ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة في إعرابه، ما عدا وجه الاشتغال، فهي مفسرة للفعل المقدر ب: «أنزلنا»، والجملتان:\n (فرضناها، وأنزلنا فيها) معطوفتان عليها. ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ صفة له، وكلاهما منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية:\n ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للإنزال وللفرض. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له ألبتة.","vol":"6","page":317},{"text":"<span id=\"aya-2793\"></span>﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي:﴾ لفظ الزنى مستعمل في اللغة قبل الشرع، مثل اسم السرقة، والقتل، وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح، ولا شبهة نكاح بمطاوعتها. وإنما قدم سبحانه الزانية؛ لأن الزنى يكون في الأغلب بتعرضها للرجل، وعرض نفسها عليه، ولأن مفسدته تتحق بالإضافة إليها. وقيل: لأن الزنى في النساء أعرّ، وهو لأجل الحبل أضرّ. وقيل:\nلأن الشهوة في المرأة أكثر، وعليها أغلب، فصدّرها تغليظا لتردع شهوتها، وإن كانت قد ركّب فيها حياء أكثر من الرجل، لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله، وأيضا فإن العار بالنساء ألحق؛ إذ موضوعهن الحجب والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما، وهذا بخلاف حد السرقة حيث قدم جلت قدرته السارق على السارقة؛ لأن السرقة إنما تتولد من الجسارة، والقوة، والجراءة، وهي في الرجل أقوى، وأكثر. وهذه الآية ناسخة لآية الحبس، وآية الأذى اللتين في سورة (النساء) برقم [١٥ و١٦]. هذا؛ والزنى بالمد والقصر، قال الفرزدق: [الطويل]\nيا خالد من يزن يعلم زناؤه... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا\nقال الفراء: المقصور من: زنى، والممدود من: زانى، يقال: زاناها مزاناة، وزناء، وخرجت فلانة تزاني، وتباغي، وقد زنى بها، يزني زناء، وزنى.\n ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا:﴾ هذا حد الزاني الحر، البالغ، البكر، العاقل، وكذلك الزانية البالغة، العاقلة، البكر، الحرة. وثبت بالسنة تغريب عام على الخلاف في ذلك بين الفقهاء. هذا؛ والسوط الذي يضرب به كل واحد منهما يكون وسطا بين سوطين، لا شديدا، ولا ليّنا، ويجرّد من الثياب مع إبقاء ساتر للعورة عليه، ويجتنب في الضرب المقاتل، ويكون الضرب غير مبرح ضربا بين ضربين. هذا؛ والمخاطب بذلك ولاة الأمور، وقيل: الخطاب للمسلمين؛ لأن إقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين، ثم الحاكم ينوب عنهم؛ إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود. ولا بد لإقامة الحد المذكور من شهادة أربعة يشهدون: أنهم رأوا الميل بالمكحلة، أو بالإقرار من الزانيين، أو من أحدهما، كما ستعرفه، واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ثوب واحد، أو لحاف واحد، فالمتفق عليه التعزير للرجل، والمرأة، وله درجات متفاوتة عند الفقهاء، لا تبلغ الحد المقرر الثابت بالشهادة المذكورة، مع ملاحظة التلويث لشرفهما، وشرف أسرتهما.\nهذا؛ وأما حدّ الزانيين المحصنين، أواحدّ أحدهما؛ فهو الرجم بالحجارة حتى يموت.\nوالمراد بالإحصان التزوج بعقد صحيح، ودليل حدّ الرجم ما يلي: فعن عبادة بن الصامت","vol":"6","page":318},{"text":"-﵁قال: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه حكم كرب لذلك، وتربّد وجهه، فأنزل الله عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلما سرّي عنه، قال: «خذوا عنّي قد جعل الله لهنّ سبيلا: البكر بالبكر جلد مئة، ونفي سنة، والثّيّب بالثّيّب الرّجم». رواه مسلم، والمراد بقوله ﷺ: «قد جعل الله لهنّ سبيلا». هو المذكور في الآية رقم [١٥] من سورة (النساء)، وكذلك الآية الكريمة المنسوخ تلاوتها، الباقي حكمها، إلى يوم القيامة، ونصها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم). وهذه الآية كانت من سورة (الأحزاب).\nولقد خطب سيدنا عمر بن الخطاب﵁على المنبر، فقال: (أيها الناس، إنّ الله بعث محمدا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه كتابا هاديا للنّاس، بشيرا ونذيرا، وكان فيما أنزل عليه:\n (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم) فقر أناها، ووعيناها.\nثم قال: إني خشيت أن يطول بالناس زمان، فيقول قائل: لا نجد الرّجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإنّ الرّجم حقّ لمن زنى؛ وقد أحصن).\nوعن عمران بن حصين﵁-: أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ، وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا رسول الله! أصبت حدا، فأقمه عليّ! فدعا نبي الله ﷺ وليها، فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها». ففعل، فأمر بها نبيّ الله ﷺ، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها، فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر﵁-: تصلي عليها يا رسول الله! وقد زنت؟! قال: «لقد تابت توبة، لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ﷿». رواه مسلم.\nوقد أيد ذلك قول الرسول ﷺ وفعله، فقد ثبت: أنه رجم ماعزا، والغامديّة في حديث صحيح حينما اعترفا بالزنى. وورد في الصحيح عن أبي هريرة﵁-: أن أعرابيين جاآ إلى رسول الله ﷺ، ومع أحدهما ولده، فقال الوالد: يا رسول الله! إن ولدي هذا زنى في زوجته، وأشار إلى الأعرابيّ الذي معه، فسقت للأعرابيّ مئة شاة وجارية كفارة لولدي. فقال رسول الله ﷺ: «ردّ الشياه، وأرجع الجارية، ولا بدّ من جلد ولدك مئة جلدة، وأن يغرّب عاما وينفى». ثم قال ﷺ لأحد أصحابه: «اذهب مع هذا الأعرابيّ، واسأل المرأة، فإن أقرّت بالزّنى فاحفروا لها حفرة، وارجموها حتى تموت، وإن لم تقرّ فلا سبيل لكم عليها». ولكن المرأة أقرّت بالزّنى، فرجمت حتّى فاضت روحها، وكان ذلك كفارة لذنبها. رحمها الله تعالى.\n ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ:﴾ رحمة، وقيل: الرأفة في دفع المكروه، والرحمة في إيصال المحبوب، والرأفة أرق من الرحمة، والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله، ولا يأخذهم اللين في استيفاء حدوده، فيعطلوا الحدود، أو يخففوا الضرب. وفي ﴿رَأْفَةٌ﴾ أربع قراآت. فعن أبي هريرة﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «لحدّ يقام في الأرض خير","vol":"6","page":319},{"text":"لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا». وفي رواية: «أربعين صباحا». رواه النسائي هكذا مرفوعا في الرواية الأولى، وموقوفا في الثانية، ورواه ابن ماجه مرفوعا في الأولى، ورواه ابن حبان في الأولى باختصار، وعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستّين سنة، واحدّ يقام في الأرض بحقّه أزكى فيها من مطر أربعين عاما». رواه الطبراني. وعن عبادة بن الصامت﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «أقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم». رواه ابن ماجه.\n ﴿فِي دِينِ اللهِ:﴾ في حكم الله، وطاعته، وإقامة حدوده؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ في حديث المخزومية التي سرقت: «وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها». رواه الستة عن عائشة﵂-. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ فإن الإيمان يقتضي الجدّ في طاعة الله، والاجتهاد في إقامة حدوده، وتنفيذ أحكامه. وهو من باب التهييج، وإلهاب الغضب لله تعالى، ولتنفيذ أوامره.\n ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يحضر إقامة الحد عليهما جمع من المؤمنين، أقله ثلاثة، وذلك زيادة في التنكيل، فإن التفضيح، والتشهير قد ينكل أكثر ما ينكل التعذيب، وأيضا فيه ردع لمن حضره، وزجر لمن سمع به، وهذا لا ريب فيه.\nتنبيه: بالإضافة لما ذكرته من أحاديث في الآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء) أذكر هنا ما يلي: عن حذيفة﵁: -أن النبي ﷺ قال: «يا معاشر النّاس اتّقوا الزّنى، فإنّ فيه ستّ خصال، ثلاثا في الدّنيا، وثلاثا في الآخرة، فأمّا اللّواتي في الدّنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر. وأمّا اللّواتي في الآخرة: فيوجب السّخط، وسوء الحساب، والخلود في النار». وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أعمال أمّتي تعرض عليّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزّناة». وعن بريدة﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ السموات السّبع، والأرضين السّبع ليلعنّ الشّيخ الزّاني، وإنّ فروج الزّناة ليؤذي أهل النار نتن ريحها».\nوالمراد بالشيخ: من تجاوز الأربعين من عمره، وهذا الوعيد يشمل الذكر، والأنثى على السواء.\nالإعراب: ﴿الزّانِيَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿وَالزّانِي:﴾ معطوف على المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وفي الخبر وجهان: أحدهما: محذوف، وهو قول سيبويه، التقدير: فيما يتلى عليكم، أو فيما فرض عليكم حكم الزانية، فقد حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعند المبرد الخبر هو جملة: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ وهو موافق للكوفيين في هذا، ودخلت الفاء في الخبر زائدة؛ لأن الكلام في معنى الشرط التقدير: التي تزني؛ والذي يزني فاجلدوا... إلخ. هذا؛ وقد قرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره المذكور، وهذا هو المختار في أمثاله؛ لأن الخبر لا يكون إنشاء إلا بإضمار، وتأويل. هذا؛ ومثل هذه الآية في أوجه الإعراب الآية رقم [٣٨] من","vol":"6","page":320},{"text":"سورة (المائدة)، والآية رقم [١٥] من سورة (النساء). (اجلدوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة على قول سيبويه، وفي محل رفع خبر المبتدأ على قول المبرد، ومفسرة لا محل لها على قراءة النصب. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿واحِدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُما:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿واحِدٍ،﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِائَةَ:﴾ مفعول مطلق، أو نائب مفعول مطلق، و(مئة) مضاف، و﴿جَلْدَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَأْخُذْكُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) والكاف مفعول به. ﴿بِهِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿رَأْفَةٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿فِي دِينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، و﴿دِينِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة اليوم، وجملة: ﴿تُؤْمِنُونَ..﴾.\nإلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿وَلْيَشْهَدْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (ليشهد): مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿عَذابَهُما:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بطائفة، أو بمحذوف صفة لها، وجملة ﴿وَلْيَشْهَدْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2794\"></span>﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اختلف العلماء في معنى الآية، وحكمها، فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة، وفيهم فقراء، لا مال لهم، ولا عشائر، وفي المدينة نساء بغايا، هن أخصب أهل المدينة، فرغب ناس من فقراء المسلمين في نكاحهن، لينفقن عليهم، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك، فنزلت هذه الآية، فحرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا؛ لأنهنّ كنّ مشركات. وهذا قول مجاهد، وعطاء، وقتادة، والزهري، والشعبي، ورواية عن ابن عباس، -﵃ أجمعين-.","vol":"6","page":321},{"text":"وقال عكرمة: نزلت في نساء كنّ بمكة، والمدينة، لهنّ رايات يعرفن بها، منهن: أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل في الجاهلية ينكح الزانية، يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الصفة، فاستأذن رجل رسول الله ﷺ في نكاح أم مهزول، واشترطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده﵃قال: كان رجل، يقال له:\nمرثد بن أبي مرثد الغنوي﵁وكان يحمل الأسارى من مكة؛ حتى يأتي بهم المدينة، (وهذا عمل فدائي كان يقوم به﵁ينقذ به بعض المستضعفين في مكة من الأسر والتعذيب) وكانت بمكة امرأة بغيّ، يقال لها: عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية، فلما أتى مكة؛ دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد﵁-: إنّ الله حرم الزنى. قالت:\nفانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ، قال: فأتيت النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقا؟ فأمسك، فلم يرد شيئا، فنزلت الآية الكريمة، فدعاني، فقرأها عليّ، وقال: «لا تنكحها».\nأخرجه الترمذي، والنسائي، وأبو داود بألفاظ متقاربة. انتهى. وما أجدرك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢٠] من سورة (البقرة)، فإنك تجد مثل هذا عن مرثد، -﵁-. هذا؛ وانظر ما أذكره في الآية رقم [٣٢] الآتية.\nوخذ المعنى من قول النسفي﵁أي: الخبيث الذي من شأنه الزنى، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في نكاح خبيثة من شكله، أو في نكاح مشركة، والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصالحاء من الرجال، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة، أو المشركين. (أقول: والعكس مثله، وهو الواقع في كل زمان ومكان).\n ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ لأنه تشبه بالفساق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء المقالة، والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد؛ ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة. انتهى. بيضاوي.\nوانظر ما ذكرته بشأن الزنى السرّي، وهو تلقيح المرأة الشائع في هذه الأيام في أول سورة (المؤمنون).\nفالآية تزهيد في نكاح البغايا؛ إذ الزنى عديل الشرك في القبح، والإيمان قرين العفاف، والتحصن، وهو نظير قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٦] الآتية. وقيل: كان نكاح الزانية محرما في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] الآتية، وقيل: المراد بالنكاح: الوطء؛ لأن غير الزاني يستقذر الزانية، ولا يشتهيها، وهو صحيح، لكنه يقتضي إذا قولك: الزاني لا يزني إلا بزانية، والزانية لا يزني بها إلا زان، وسئل رسول الله ﷺ عمن زنى بامرأة، ثم تزوجها، فقال: «أوّله سفاح، وآخره نكاح، والحرام لا يحرّم الحلال».","vol":"6","page":322},{"text":"ومعنى الجملة الأولى: صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف، ولكن في الفواجر.\nومعنى الثانية: صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة. وهما معنيان مختلفان. وقدمت الزانية على الزاني أولا، أي في الآية السابقة، ثم قدم عليها ثانيا، أي في هذه الآية؛ لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي نشأت منها تلك الجناية؛ لأنها لو لم تطمع الرجل، ولم تومض له، ولم تمكنه، لم يطمع، ولم يتمكن، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح، والرجل أصل فيه؛ لأنه الخاطب، ومنه بدئ الطلب. انتهى.\nوانظر ما ذكرته في الآية السابقة في سبب تقديم ذكر الزانية على الزاني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nبعد هذا انظر شرح (الحرام) في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنبياء). والنكاح: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء على الأصح عندنا معاشر الشافعية، أما ﴿زانٍ﴾ فأصله: زاني بضمة على الياء علامة للرفع، وبكسرة على الياء علامة للجر في حالات الجر، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الضمة، أو الكسرة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت النون مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: (زان) بالكسر، وإنما لم يقل: زان بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للنون، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من «أل» والإضافة، سواء أكان ثلاثيا، أم رباعيا؟.\nالإعراب: ﴿الزّانِي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَنْكِحُ:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى الزاني. هذا؛ ويقرأ الفعل بالجزم على النهي، وفي المرفوع أيضا معنى النهي، وهو أبلغ، وآكد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿زانِيَةً:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مُشْرِكَةً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿الزّانِي﴾ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. (الزانية): مبتدأ. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿يَنْكِحُها:﴾ مضارع، والهاء مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿زانٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالزّانِيَةُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿مُشْرِكٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَحُرِّمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (حرم): ماض مبني للمجهول. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من «الزنى» المفهوم من المقام، وفحوى الكلام السابق، فيكون الرابط: الواو، وعود الإشارة إليه كما هو واضح، وتكون «قد» مقدرة قبل الجملة، والمعنى يؤيد هذا، ويقويه.","vol":"6","page":323},{"text":"<span id=\"aya-2795\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ أي: يقذفونهن بالزنى. واستعير الرمي لسب المرأة وقذفها بالزنى؛ لأنه أذية في القول، قال ابن أحمر: [الطويل]\nرماني بأمر كنت منه ووالدي... بريئا ومن أجل الطّويّ رماني\nالطوي: البئر. وشروط إحصان القذف: الحرية، والعقل، والبلوغ، والإسلام، والعفة عن الزنى، والمحصن كالمحصنة في وجوب حد القذف لمن قذفه، والقذف بغير الزنى، مثل قول القائل: يا فاسق! يا خبيث! يا شارب الخمر! يوجب التعزير، ويكفي فيه شاهدان ليدرأ عن نفسه حد التعزير.\n ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ:﴾ يشهدون: أنهم رأوا الميل بالمكحلة، ولا يكفي رأيتهما في فراش واحد، ولا رأيته فوقها، وقد جلد عمر﵁ثلاثة شهداء على المغيرة بن شعبة حينما شهدوا عليه بالزنى، وجاء الرابع فقال: رأيت ساقا يرفع، ورجلا يدفع، لا أدري ينفع أو لا ينفع؟! وقد عزر المغيرة، وعزله في قصة يطول شرحها، فقد شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث، وأخوه نافع، وقال الزهراوي: عبد الله بن الحارث، وزياد بن سمية، وهو مستلحق معاوية، وشبل بن معبد البجلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة وتوقف زياد ولم يؤدها، وقال ما ذكرته؛ جلد عمر﵁الثلاثة المذكورين. انتهى. قرطبي بتصرف.\n ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً:﴾ أخف من ضربات الزاني لضعف سببه، واحتماله، ولذلك نقص عدده عن حد الزاني. هذا؛ وتخصيص المحصنات بالذكر لخصوص الواقعة، أو لأن قذف النساء أغلب، وأشنع، ولا يشترط اجتماع الشهود عند الأداء، بل يجوز أداء الشهادة منهم في حال تفرقهم؛ ولو في أيام.\n ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا:﴾ هذا يقتضي مدة أعمارهم. فلا تقبل منهم ولهم أية شهادة كانت؛ لأن القاذف مفتر، ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد؛ خلافا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، فإن الأمر بالجلد، والنهي عن القبول سيان في وقوعهما جوابا للشرط، لا ترتيب بينهما، فيترتبان عليه دفعة، كيف وحاله قبل الحد أسوأ مما بعده. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ:﴾ فهذا حكم على القاذفين للمحصنات بالفسوق، أي: الخروج عن طاعة الله تعالى بعد جلدهم ثمانين جلدة، ورد شهادتهم، وعدم قبولها في أي شيء، وهذا أكبر رادع، وأعظم زاجر للذين يتكلمون في أعراض المؤمنات المحصنات، وقد عدّه الرسول ﷺ من السبع الموبقات، وخذ ما يلي:","vol":"6","page":324},{"text":"فعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات». قالوا:\nيا رسول الله، وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».\nرواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.\nهذا؛ وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأنبياء)، و«أتى» يستعمل لازما، كما في هذه الآية، ومتعديا، وهو كثير، أما «الأبد» فهو الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت:\nلا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. هذا؛ وما ذكرته من عدم قبول شهادة القاذف مدّة حياته. هذا؛ و﴿الْفاسِقُونَ﴾ جمع فاسق، وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها. فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولا بس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمّى الإيمان انتهى. بيضاوي في غير هذا الموضع.\nفائدة: قال القرطبي-رحمه الله تعالى- «عشرون» و«ثلاثون» و«أربعون... إلخ»: كل واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد، فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين، وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه-رحمه الله تعالى-: أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين كما كسر أول اثنان، والدليل على هذا قولهم:\nستون وتسعون كما قيل: ستة، وتسعة. انتهى. احفظه فإنه جيد. هذا؛ وقال صاحب المختار:\nوإذا أضفته؛ أي: لفظ العقود؛ أسقطت النون، فقلت: هذه عشروك، وعشريّ.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، أو خبره الجملة الفعلية: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ وما يعطف عليها، أو هو مبني على الفتح في محل نصب مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، انظر تفصيل هذا في الآية رقم [٢] فهو مثلها بلا فارق، والله ولي التوفيق. ﴿يَرْمُونَ:﴾ مضارع، وفاعله.\n ﴿الْمُحْصَناتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِأَرْبَعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و(أربعة) مضاف، و﴿شُهَداءَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع","vol":"6","page":325},{"text":"الصرف. هذا؛ وقرئ في الشاذ بتنوين «(أربعة)» فيكون في ﴿شُهَداءَ﴾ أربعة أوجه: النعت لأربعة، أو البدلية منه، فهو مجرور مثله على الاعتبارين، والثالث: اعتباره حالا من نكرة وهو: (أربعة)، والرابع: اعتباره تمييزا ل: (أربعة)، وهذان فيهما ضعف ظاهر، قال النحاس: ويجوز أن يكون شهداء في موضع نصب، بمعنى: ثم لم يحضروا أربعة ﴿شُهَداءَ﴾. انتهى. قرطبي.\n ﴿فَاجْلِدُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف صلة، أو حرف استئناف. (اجلدوهم): أمر، وفاعله، ومفعوله.\n ﴿ثَمانِينَ:﴾ نائب مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مفسرة، أو في محل رفع خبر المبتدأ على مثال ما رأيت بجملة: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ﴾.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا تقبلوا): مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من شهادة، كان صفة له... ﴿شَهادَةً:﴾ مفعول به. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها.\n (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَاجْلِدُوهُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْفاسِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و﴿الْفاسِقُونَ﴾ خبره فالجملة الاسمية هي خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة جيد، والمعنى يؤيده، ويقويه، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ولكن العطف هو المرجح. كما ستعرفه في المستثنى الآتي.\n\n<span id=\"aya-2796\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وفي حكم هذا الاستثناء، فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف؛ وإذا تاب، وندم على ما قال، وحسنت حالته بعد التوبة؛ قبلت شهادته، سواء تاب بعد إقامة الحد عليه، أو قبله، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ وقالوا: هذا الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة، وإلى الفسق، وإذا تاب؛ تقبل شهادته، ويزول عنه اسم الفسق، يروى ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وطاووس، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والشعبي، وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وبه قال مالك، والشافعي. وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا؛ وإن تاب،","vol":"6","page":326},{"text":"وقالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾. وهو قول النخعي، وشريح، وأصحاب الرأي، قالوا: بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد، قال الشافعي﵁-:\nهو قبل أن يحد شرّ منه حين يحد؛ لأن الحدود كفارات، فكيف تردّونها في أحسن حاليه، وتقبلونها في شر حاليه؟! وذهب الشافعي إلى أنّ حد القذف يسقط بالتوبة، وقال: الاستثناء يرجع إلى الكل، (أي: إلى الجمل الثلاث المتضمنة للجلد، وردّ الشهادة، والتفسيق) وعامة العلماء على أنه لا يسقط الحد بالتوبة، إلا أن يعفو عنه المقذوف، فيسقط كالقصاص يسقط بالعفو، ولا يسقط بالتوبة. فإن قلت: إذا قبلت شهادته بعد التوبة فما معنى قوله تعالى: أبدا، قلت: معنى أبدا ما دام مصرا على القذف؛ لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق به، كما يقال:\nشهادة الكافر لا تقبل أبدا، يراد بذلك ما دام على كفره، فإذا أسلم قبلت شهادته. انتهى.\n ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي: أعمالهم بالتدارك، ومنه: الاستسلام للحد، أو الاستحلال من المقذوف.\n ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ أي: للقاذفين؛ إن هم تابوا، وأنابوا. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم حيث وفقهم للتوبة ولإصلاح العمل بما ذكر، فبالتوبة ينتهي فسقهم، وتقبل شهادتهم، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من الجملة الأخيرة، وهل هو متصل، أو منقطع؟ فيه خلاف، أو هو في محل جر بدلا من الضمير في لهم، وأجيز أن يكون مبتدأ، خبره الجملة الاسمية الآتية. ﴿تابُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(بعد) مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿تابُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل: (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر (الذين) على وجه مرّ ذكره، فتكون الفاء زائدة لتحسين اللفظ؛ ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ويجب تقدير رابط للمبتدأ، أي: غفور لهم، رحيم بهم.\n\n<span id=\"aya-2797\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٦)﴾\nالشرح: سبب نزول هذه الآية هو ما رواه أبو داود عن ابن عباس﵄أن هلال بن أمية الواقفي﵁وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، كما رأيت في الآية رقم [١١٨] من سورة (التوبة) قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء البلوي، والسحماء أمه، سميت بذلك لشدة سوادها، وأبوه اسمه عبدة بن الجد العجلاني","vol":"6","page":327},{"text":"فقال النبي ﷺ: «البيّنة، أواحدّ في ظهرك!». قال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: «البيّنة، أواحدّ في ظهرك». فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلنّ الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد، فنزلت الآية الكريمة، وما بعدها.\nوقيل: لما نزلت الآية المتقدمة في الذين يرمون المحصنات، وتناول ظاهرها الأزواج، وغيرهم؛ قال سعد بن معاذ﵁-: يا رسول الله! إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة؟! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه! فقال رسول الله ﷺ: «أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني». انتهى. قرطبي.\nوعن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ..﴾. إلخ قال سعد بن عبادة﵁-: لو أتيت لكاع، وقد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء؟! فو الله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة! فقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم». قالوا: لا تلمه، فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة، واجترأ رجل منا أن يتزوجها.\nفقال سعد﵁-: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، والله إني لأعرف: أنها من الله، وأنها حق، ولكن عجبت من ذلك لما أخبر الله! فقال النبي ﷺ: «فإن الله يأبى إلا ذلك». فقال:\nصدق الله ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له، يقال له: هلال بن أمية من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ، وذكر له ما تقدم... إلخ. انتهى. خازن.\nرضي الله عن السعدين، فلا يستغرب منهما غيرتهما، وحميتهما، فإنهما سيدا قومهما، الأول -سيد الأوس بلا منازع-والثاني-سيد الخزرج بلا مكابر-والأول هو الذي اهتز عرش الرحمن لموته، وشيعته ملائكة السماء. هذا؛ ويروى أن عويمر بن زيد بن الجد بن العجلاني قذف زوجته أيضا، وقد اختلف في المقذوف، فإن كان شريكا هو المقذوف في الروايتين فالواقعة واحدة، وقد اختلف فبعضهم يرجح: أنها حادثة هلال، وبعضهم يرجح: أنها واقعة عويمر، وإن كان المقذوف متعددا، فهما حادثتان، ولم يذكر أحد مقذوفا غير شريك، والله أعلم بذلك.\nوكانت هذه القصة في شهر شعبان سنة تسع من الهجرة، منصرف رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة. قاله الطبري، وروى الدّارقطنيّ عن عبد الله بن جعفر﵄قال:\nحضرت رسول الله ﷺ حين لا عن بين عويمر العجلاني وامرأته، مرجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، وأنكر حملها الذي في بطنها، وقال: هو لابن السحماء، فقال رسول الله ﷺ: «هات امرأتك، فقد نزل القرآن فيكما». فلاعن بينهما بعد العصر عند المنبر.\nبيان حكم الآية: أنّ الرجل إذا قذف امرأته، فموجبه موجب قذف الأجنبية في وجوب الحد عليه إن كانت محصنة، أو التعزير إن كانت غير محصنة، غير أن المخرج منهما مختلف، فإذا","vol":"6","page":328},{"text":"قذف أجنبيا، أو أجنبية يقام عليه الحد، إلا أن يأتي بأربعة يشهدون بالزنى، أو يقر المقذوف بالزنى، فيسقط عنه الحد، وفي الزوجة؛ إذا وجد أحد هذين الأمرين، أو لاعن سقط عنه الحد، فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة؛ لأن الرجل إذا رأى مع امرأته رجلا، ربما لا يمكنه إقامة البينة، ولا يمكنه الصبر على العار، فجعل الله اللعان حجة له على صدقه، فقال تعالى: ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾.\nوإذا أقام الزوج بينة على زناها، أو اعترفت هي بالزنى سقط عنه الحد، واللعان؛ إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه، فله أن يلاعن لنفيه، وإذا أراد الحاكم المسلم أن يلاعن بينهما؛ بدأ بالرجل، فيقيمه، ويلقنه كلمات اللعان، فيقول: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنى، وإن كان قد رماها برجل بعينه سماه في اللعان، ويقول كما يلقنه الحاكم المسلم، وإن كان هناك ولد، أو حمل يريد نفيه، يقول: وإن هذا الولد، أو هذا الحمل لمن الزنى، ما هو مني، ويقول في الخامسة: عليّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة! وإذا أتى بكلمة من كلمات اللعان من غير تلقين الحاكم له؛ لا تحسب، فإذا فرغ الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين الزوجة، وحرمت عليه على التأبيد، وانتفى عنه النسب، وسقط عنه الحد، ووجب على المرأة حد الزنى، فهذه خمسة أحكام تتعلق بلعان الزوج.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ:﴾ صلة الموصول لا محل لها، ومتعلق الفعل محذوف تقديره بالزنى. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر (يكن) مقدم. ﴿شُهَداءُ:﴾ اسمها مؤخر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾\nبدل من ﴿شُهَداءُ،﴾ ويجوز نصب شهداء على اعتباره خبرا مقدما ل: ﴿يَكُنْ،﴾ ويكون ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ اسمه مؤخرا، ويجوز نصب ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ على الاستثناء، أو على أنه خبر ﴿يَكُنْ﴾ ولكن لم يقرأ بنصبه. انتهى. مكي بتصرف. هذا؛ وأجيز اعتبار (إلا) بمعنى: «غير» على أنها صفة ﴿شُهَداءُ﴾ ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية؛ لكونه على صورة الحرف، و(إلا) مضاف، و﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة (إلا) التي على صورة الحرف، وانظر تفصيل مثل هذا وشرحه في الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء). وجملة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير. هذا؛ ويجوز اعتبارها معطوفة على جملة الصلة، والمعنى لا يأباه. تأمل.\n ﴿فَشَهادَةُ:﴾ الفاء: زائدة في الخبر لتحسين اللفظ، ولأن الموصول يشبه الشرط في العموم:\n (شهادة): في رفعه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، خبره محذوف، مقدر التقديم؛ أي: فعليهم شهادة أحدهم، أو الخبر محذوف، ومقدر التأخير، أي: فشهادة أحدهم كائنة، أو واجبة.\nالثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب شهادة أحدهم. الثالث: أنه فاعل بفعل محذوف،","vol":"6","page":329},{"text":"التقدير: فيكفي شهادة أحدهم. وهذه الوجوه صحيحة على نصب ﴿أَرْبَعُ،﴾ وأما على رفعه؛ فهو خبر (شهادة أحدهم) بلا ريب، وشهادة مضاف، و﴿أَحَدِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَرْبَعُ:﴾ خبر المبتدأ، و(أربع) مضاف، و﴿شَهاداتٍ:﴾\nمضاف إليه، والجملة الاسمية: (شهادة أحدهم...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٤]، وهي في الحقيقة عطف قضية على قضية، كما رأيت في الشرح. هذا؛ ويقرأ بنصب (أربع) على أنه مفعول مطلق عامله «(شهادة)» على حد قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا﴾ الآية رقم [٦٣] من سورة (الإسراء)، وهذا صحيح على جميع الوجوه الأولى المعتبرة في إعراب (شهادة أحدهم).\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهاداتٍ﴾ قبلهما، وذلك على رفع ﴿أَرْبَعُ،﴾ وأما على نصبه فيجوز فيهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلقا ب: ﴿شَهاداتٍ؛﴾ لأنه أقرب إليهما. والثاني: أنهما متعلقان بقوله: ﴿فَشَهادَةُ﴾ أي: فشهادة أحدهم بالله، ولا يضر الفصل ب: ﴿أَرْبَعُ؛﴾ لأنها معمولة للمصدر، فليست أجنبية عنه. والثالث: أن المسألة من باب التنازع، فإن كلاّ من (شهادة) و﴿شَهاداتٍ﴾ يطلبه من حيث المعنى، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول، وهو مختار البصريين، وعلى قراءة رفع ﴿أَرْبَعُ﴾ فيتعين تعليقهما ب: ﴿شَهاداتٍ؛﴾ إذ لو علق ب: (شهادة) لزم الفصل بين المصدر، ومعموله بالخبر، وهو لا يجوز؛ لأنه أجنبي.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. اللام: هي المزحلقة. (من الصادقين): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ في محل نصب مفعول به للمصدر ﴿شَهاداتٍ،﴾ أو (شهادة) على نصب (أربع)، ويتعين أن تكون الجملة الاسمية معمولة ل: ﴿شَهاداتٍ﴾ على رفع ﴿أَرْبَعُ﴾ لما ذكرنا من التفرقة بالأجنبي، ولم تفتح همزة (إنّ) من أجل اللام التي في الخبر، فإنها في الأصل لام الابتداء، وهي معلقة للمصدر عن العمل، كما علقت فعله عن العمل في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ وكما في الآية رقم [٨] الآتية. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nوكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى\n\n<span id=\"aya-2798\"></span>﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالْخامِسَةُ﴾ أي: والشهادة الخامسة، كما رأيت في شرح الآية السابقة. ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ:﴾ اللعن: الطرد من رحمة الله تعالى. هذا؛ ولقد كرر الله لعن الكفار في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة)، كما لعن الظالمين، والكاذبين، والناقضين للعهد، والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره، فقد استحق اللّعن من الله،","vol":"6","page":330},{"text":"والملائكة، والناس أجمعين، وأما الأحياء من الكفار؛ فقد قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معيّن؛ لأن حاله عند الوفاة لا تعلم، فلعله يؤمن، ويموت على الإسلام، وقد قيد الله في آية (البقرة) إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار، أي جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ: «لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها فباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله... وهو الصحيح، كيف لا؛ وقد لعن حسان بن ثابت﵁أبا سفيان وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ وخذ قوله: [الكامل]\nلعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر\nوقد لعن الفاروق﵁أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، وغيرهم، الذين قدموا المدينة المنورة، بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك! فشق ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الأمان، فقال الفاروق: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، كيف لا؛ وهذه الآية تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين.\nوأما العصاة من المسلمين، فلا يجوز لعن أحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات... إلخ، لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله السّارق يسرق البيضة، والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ: «الواشمة والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكل هذا؛ وارد في الصحيح من الأحاديث.\n ﴿إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ في قذف امرأته بالزنى وإلحاق العار بها. هذا؛ ولقد اختلف العلماء في حكم من قذف امرأته برجل سماه، وعيّنه، هل يحدّ، أم لا؟ فقال الإمام مالك: عليه اللعان لزوجته، واحدّ للمرمي، أي: لمن قذفه، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه قاذف لمن لم يكن له ضرورة إلى قذفه. وقال الشافعي: لا حدّ عليه؛ لأن الله ﷿ لم يجعل على من رمى زوجته بالزنى إلا حدّا واحدا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ..﴾. إلخ، ولم يفرق بين من ذكر رجلا بعينه، وبين من لم يذكر، وقد رمى العجلانيّ زوجته بشريك، وكذلك هلال بن أمية، فلم يحدّ واحد منهما. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَالْخامِسَةُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الخامسة): معطوف على ﴿أَرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ على قراءة رفعه، أو هو مبتدأ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَعْنَتَ:﴾ اسمها، و﴿لَعْنَتَ﴾ مضاف،","vol":"6","page":331},{"text":"و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع بدل من (الخامسة)، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن لعنة الله عليه، والجار والمجرور متعلقان ب: (الخامسة) أو ب: «الشهادة» المقدرة قبلها. هذا؛ والبدلية على اعتبار (الخامسة) معطوفة على ﴿أَرْبَعُ﴾ كما رأيت، وأما على اعتبارها مبتدأ؛ فالمصدر المؤول، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره. هذا؛ ويقرأ بتخفيف النون على أنها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و(لعنة) بالرفع مبتدأ، و﴿عَلَيْهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن) المخففة من الثقيلة، وتتأول مع اسمها المحذوف وخبرها بمصدر على مثال ما رأيت في محله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر يعود إلى ﴿أَحَدِهِمْ﴾. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ وجملة: ﴿كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كان من الكاذبين؛ فلعنة الله عليه، والجملة الاسمية: ﴿وَالْخامِسَةُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (شهادة أحدهم...) إلخ فهي في محل رفع مثلها، والجملة الشرطية مرتبطة بها تمام الارتباط فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-2799\"></span>﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ:﴾ يدفع الحد عن المرأة التي قذفها زوجها، ولا عنها، وتوجب عليها الحد بلعانه هو أن ترد على الزوج بخمس شهادات مثل شهاداته التي رأيتها في الآية رقم [٦] فتقوم على مكان مرتفع بالمسجد، وتشهد بعد تلقين الحاكم أربع شهادات بالله ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فيما رماني به من الزنى، وإن كان ولد، أو حمل، تقول: وإن هذا الولد، أو الحمل منه وليس من الزنى، وتقول في الخامسة: عليّ غضب الله، إن كان زوجي من الصادقين، فيما رماني به، ولا يتعلق بلعانها إلا هذا الحكم الواحد، وهو إسقاط الحد عنها، وانظر الأمور المتعلقة بلعان الزوج، ومن جملتها الفرقة بينهما، والتحريم على التأبيد لقول النبي ﷺ:\n «المتلاعنان لا يجتمعان». حتى لو أكذب الزوج نفسه يقبل ذلك فيما عليه، لا فيما له، فيلزمه الحد، ويلحقه الولد، لكن لا يرتفع التحريم؛ لأنه على التأبيد.\nهذا؛ ويغلظ اللعان بين الزوجين بأربعة أشياء: بتعدد الألفاظ، وبالمكان، والزمان، وأن يكون بمحضر جماعة من الناس، أما تعدد الألفاظ فيجب ولا يجوز الإخلال بشيء منها، وأما المكان؛ فهو أن يلاعن في أشرف الأماكن، فإن كان بمكة؛ فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند منبر النبي ﷺ، وفي سائر البلاد في الجامع عند المنبر، وأما الزمان؛ فهو أن يكون بعد العصر، وأما الجمع؛ فأقله أربعة.","vol":"6","page":332},{"text":"الإعراب: ﴿وَيَدْرَؤُا:﴾ الواو: حرف استئناف. (يدرأ): مضارع. ﴿عَنْهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ تَشْهَدَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، والفاعل يعود إلى المرأة المقذوفة، والمفهومة من الكلام السابق. ﴿أَرْبَعَ:﴾ مفعول مطلق، أو نائبه، و(أربع) مضاف، و﴿شَهاداتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل، أو بالمصدر شهادات على التنازع، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، و(أن تشهد) في تأويل مصدر في محل رفع فاعل للفعل يدرأ، التقدير: ويدرأ عنها العذاب شهودها أربع شهادات. ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ إعراب هذه الجملة ومحلها والكلام فيها مثل: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ في الآية رقم [٦] وجملة: (يدرأ...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2800\"></span>﴿وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ (٩)﴾\nالشرح: تضمنت هذه الآية الشهادة الخامسة التي ترد بها المرأة على زوجها؛ الذي قذفها، ولا عنها، كما رأيت في الآية السابقة. هذا؛ وجعل الغضب في جانب المرأة؛ لأن النساء يستعملن اللعن كثيرا؛ كما قال لهن النبي ﷺ: «لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير». فربما يجترئن على الإقدام لكثرة جري اللعن على ألسنتهن، وسقوط وقوعه في قلوبهن، فذكر الغضب في جانبهن، ليكون رادعا لهن. انتهى. نسفي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالْخامِسَةَ:﴾ معطوف على ﴿أَرْبَعُ،﴾ على معنى: وتشهد الخامسة. ويقرأ بالرفع على اعتباره مبتدأ؛ لأنه صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل: والشهادة الخامسة. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿غَضَبَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾. هذا؛ ويقرأ بتخفيف (أنّ)، فيكون اسمها ضمير الشأن محذوفا، و«(غضب)» بالرفع مبتدأ، و﴿عَلَيْها﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾. هذا؛ ويقرأ: «(غضب)» بكسر الضاد وفتح الباء على أنه ماض، وبرفع «(الله)» على أنه فاعله، و﴿أَنَّ﴾ ومدخولها على جميع الاعتبارات والقراآت في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان ب: (الخامسة)، أو ب: (الشهادة) المقدّرة على قراءة النصب، أو في محل نصب بدلا منها، وعلى قراءته بالرفع فالمصدر في محل رفع خبرها، وكذا إن قدرت المصدر مجرورا بحرف جر محذوف، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها: ﴿إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب: ﴿إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ في الآية رقم [٧] بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"6","page":333},{"text":"<span id=\"aya-2801\"></span>﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: كرمه، وجوده، وإحسانه. ﴿وَرَحْمَتُهُ:﴾ الواسعة التي وسعت كل شيء، وجواب (لولا) محذوف، تقديره: لفضحكم، ولكنه ستر عليكم، أو:\nلعاجلكم بالعقوبة، ولكنه رحيم بكم؛ حيث دفع عنكم الحد باللعان. هذا؛ وفي ﴿عَلَيْكُمْ﴾ التفات عن الغيبة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ،﴾ وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ انظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء) والخطاب لكل من الفريقين، أي: القاذفين، والمقذوفات، ففي الكلام تغليب صيغة الذكور على صيغة الإناث؛ حيث لم يقل: عليكم، وعليكن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿تَوّابٌ:﴾ كثير قبول التوبة من عباده، أو الرجاع على عباده بالرحمة، والمغفرة، فهو صيغة مبالغة. وتوبة العبد: رجوعه عن المعصية إلى الطاعة، وقرع باب ربه بالندم، والإنابة.\n ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما قدر، وقضى، وفعل من فرض الحدود، ووضع الزواجر عن المعاصي، والسيئات، لا يقضي، ولا يفعل إلا ما فيه حكمة؛ وإن خفيت على كثير من الناس. وانظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] من سورة (الحج).\nالإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿فَضْلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿فَضْلُ﴾ وهذا على اعتبار خبر المبتدأ محذوفا، التقدير: موجود.\nهذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ وهو قول ابن الشجري، ورده ابن هشام في المغني؛ لأن خبر المبتدأ بعد لولا واجب الحذف، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، وجواب لولا محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿وَرَحْمَتُهُ:﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومتعلقه محذوف؛ إذ التقدير: رحمته بكم. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾\nاسمها. ﴿تَوّابٌ حَكِيمٌ:﴾ خبران لها، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على ﴿فَضْلُ اللهِ﴾ ولولا ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n<span id=\"aya-2802\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿جاؤُ:﴾ هذا الفعل وقع هنا لازما متعديا بالحرف، ويأتي متعديا، وهو كثير.\n (الإفك): هو أبلغ ما يكون من الكذب، والافتراء، وأصله الأفك، وهو القلب؛ لأنه قول مأفوك","vol":"6","page":334},{"text":"عن وجهه. أي: مقلوب عن وجهه الصحيح إلى الباطل، ومنه قيل للكذاب: أفّاك؛ لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل، قال تعالى: ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾. ﴿عُصْبَةٌ:﴾\nجماعة، وهي ما بين العشرة إلى الأربعين، ومثلها العصابة، ولا واحد لها من لفظها، كالنفر، والرهط، والمعشر... إلخ، والمراد هنا ب: ﴿عُصْبَةٌ﴾ عبد الله بن أبيّ، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم، وقال بقولهم. ﴿لا تَحْسَبُوهُ:﴾ لا تظنوه، والخطاب للنبي ﷺ ولعائشة، ولأبويها، ولصفوان المتهم فيها، وإنما كان ما أشيع على السيدة عائشة﵂خيرا؛ لأن الله آجرهم على ذلك أجرا عظيما، وأظهر براءتها، وشهد بكذب العصبة، وأوجب لهم الذم، وهذا غاية الفضل والشرف للنبي ﷺ، ولعائشة، ولأبويها، ولصفوان، ومن ساءه ذلك من المؤمنين.\n ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ أي: من العصبة الكاذبة. ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي: ما اجترح من الذنب، وعلى قدر ما خاض فيه. هذا؛ والخير في الحقيقة: ما زاد نفعه على ضره، والشر: ما زاد ضره على نفعه، وإن خيرا لا شرّ فيه هو الجنة، وشرّا لا خير فيه هو النار، فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير؛ لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب الكثير في الآخرة، فنبه الله عائشة، وأهلها، وصفوان بهذا الخطاب لهم لرجحان النفع، والخير على جانب الشر في حقهم.\n ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ:﴾ تحمل معظمه، وبدأ بالخوض فيه، وقام بإشاعته، وهو عبد الله بن أبيّ ابن سلول. ﴿لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: عذاب النار في الآخرة، وروي: أن النبي ﷺ أمر بالذين تكلموا في عائشة، فجلدوا الحد جميعا ثمانين ثمانين جلدة. وقيل: لم يحد أحد منهم. وقيل:\nحد حسان، ومسطح، ولم يحد ابن أبيّ، والمعتمد: أنهم حدوا جميعا، وفي ذلك قال شاعر من المسلمين: [الطويل]\nلقد ذاق حسّان الّذي كان أهله... وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح\nوابن سلول ذاق في الحدّ خزية... كما خاض في إفك من القول يفصح\nتعاطوا برجم الغيب زوج نبيّهم... وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: المشهور من الأخبار، والمعروف عند العلماء: أن الذي حدّ حسان، ومسطح، وحمنة، ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبيّ، وإنما لم يحدّ؛ لأن الله تعالى قد أعدّ له في الآخرة عذابا عظيما، فلواحدّ في الدنيا، لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة، وتخفيفا عنه، وإنما حدّ هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة، وقد قال ﷺ في الحدود: «إنها كفارات لمن أقيمت عليه». كما في حديث عبادة بن الصامت، -﵁-.","vol":"6","page":335},{"text":"ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ابن أبيّ استئلافا لقومه، واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد ظهرت مبادئها من سعد بن عبادة، ومن قومه، كما في صحيح مسلم.\nانتهى.\nهذا؛ وإن الآية الكريمة، وما بعدها إلى رقم [٢٦] نزلت في قذف السيدة عائشة، وبينت براءتها أحسن بيان، وإن الذي يبقى في نفسه شيء عليها فلا حظّ له في الإسلام؛ لأنه ينكر صريح القرآن، ومن أنكر شيئا بيّنه القرآن فهو كافر بإجماع المسلمين. واحديث الإفك رواه البخاري ومسلم عن عائشة نفسها، وها أنذا أذكره لك بحروفه برواية البخاري. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nعن عائشة﵂-، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا؛ أقرع بين أزواجه، فأيتهنّ خرج سهمها؛ خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه.\nفأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن، ولم يغشهنّ اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل، وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إليّ.\nفبينما أنا جالسة غلبتني عيناي، فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ، ثم الذّكوانيّ من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته، فوطئ يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين في نحر الظّهيرة فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبيّ ابن سلول.\nفقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي أنّي لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل، فيسلّم، ثم يقول: «كيف تيكم»؟. لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت فخرجت أنا وأمّ مسطح قبل المناصع متبرّزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن تتّخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرّيّة، أو في التّنزّه.","vol":"6","page":336},{"text":"فأقبلت أنا وأمّ مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا، شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه! ألم تسمعي ما قالوا؟! فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ، فسلّم، فقال: «كيف تيكم»؟ فقلت: ائذن لي إلى أبويّ، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ.\nفأتيت أبويّ، فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنيّة! هوّني على نفسك الشأن، فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها، ولها ضرائر إلا أكثرن عليها! فقلت:\nسبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا؟! قالت: فبتّ تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله.\nفأمّا أسامة؛ فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم إلاّ خيرا! وأمّا عليّ، فقال: يا رسول الله! لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: «يا بريرة! هل رأيت فيها شيئا يريبك»؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحقّ إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها قطّ أكثر من أنها جارية حديثة السّنّ تنام عن العجين، فتأتي الداجن، فتأكله، فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فقال رسول الله ﷺ: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلاّ خيرا، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي؟».\nفقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله! أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة، وهو سيّد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة، فقال: كذبت، والله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك!\nفقام أسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمر الله! والله لنقتلنّه! فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيّان: الأوس، والخزرج حتى همّوا ورسول الله ﷺ على المنبر، فنزل فخفّضهم حتّى سكتوا، وسكت، وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتين ويوما، حتى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي؛ إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك؛ إذ دخل رسول الله ﷺ، فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء.","vol":"6","page":337},{"text":"قالت: فتشهّد، ثم قال: «يا عائشة لقد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة؛ فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب؛ فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه، ثمّ تاب، تاب الله عليه». فلمّا قضى رسول الله ﷺ مقالته؛ قلص دمعي؛ حتّى ما أحسّ منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ! فقلت لأمّي:\nأجيبي عنّي رسول الله ﷺ فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله! قالت: وأنا جارية حديثة السّنّ، لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت: والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم، وصدّقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة-والله يعلم أنّي لبريئة- لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، -والله يعلم أني لبريئة-لتصدّقنّي، والله، ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف؛ إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾.\nثمّ تحوّلت على فراشي، وأنا أرجو أن يبرّئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا يتلى، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلّم بالقرآن في أمري، ولكنّي كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها، فو الله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتّى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات.\nفلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ؛ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال لي: «يا عائشة! احمدي الله، فقد برّأك الله». فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ! فقلت: لا والله، لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله! فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ..﴾. الآيات.\nفلما أنزل الله ﷿ هذا في براءتي؛ قال أبو بكر الصديق﵁، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه-: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة ما قال! فأنزل الله ﷿: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: بلى! والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي! فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه.\nوكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: «يا زينب! ما علمت؟ ما رأيت؟». فقالت: يا رسول الله! أحمي سمعي، وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا! قالت:\nوهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع. انتهى.\nتنبيه: الغزوة التي حصل فيها حديث الإفك، هي غزوة المريسيع، وتسمى غزوة بني المصطلق، وكانت في السنة الرابعة، وقيل: في السادسة للهجرة، وسببها: أن النبي ﷺ بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار والد جويرية﵂-. التي تزوجها الرسول ﷺ، فلما سمع بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم،","vol":"6","page":338},{"text":"يقال له: المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل. فاقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وأمكن رسوله من أبنائهم، ونسائهم، وأموالهم، فأفاءها الله عليه، ثم ردها عليهم، وتزوج جويرية﵂تأليفا لهم؛ لأنهم أسلموا.\nتنبيه: ذكرت لك فيما تقدم: أن قصة هلال بن أمية، وعويمر العجلاني﵄- كانت سنة تسع من الهجرة منصرف رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، ويذكر أصحاب السير: أن قصة عائشة﵄كانت في غزوة بني المصطلق، وقد كانت سنة خمس، أو ست من الهجرة، وهذا يعني: أن الآيات التي تقص علينا قصة الإفك متقدمة في النزول على آيات اللعان، وإن كانت متأخرة عنها في التلاوة، وإنما قدمت آيات اللعان لتتصل بالآية التي تنص على قذف المحصنات، واحد القاذفين لهن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿جاؤُ:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْإِفْكِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عُصْبَةٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عُصْبَةٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا تَحْسَبُوهُ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿شَرًّا:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَرًّا﴾. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف. ﴿هُوَ خَيْرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(كل) مضاف، و﴿اِمْرِئٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة امرئ. ﴿مَا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿اِكْتَسَبَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اِمْرِئٍ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي اكتسبه. ﴿مِنَ الْإِثْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مَا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ فيكون ما بينهما اعتراضا. ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف استئناف (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿تَوَلّى كِبْرَهُ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من فاعل ﴿تَوَلّى﴾ المستتر.\n ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":339},{"text":"<span id=\"aya-2803\"></span>﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ:﴾ حين سمعتم الإفك، والافتراء على السيدة عائشة.\n ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ﴾ أي: اعتقدوا بالذين منهم، والتعبير بأنفسهم على حد قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فالمؤمنون كالجسد الواحد، والطاعن في أخيه كالطاعن في نفسه، واللامز لأخيه كاللامز لنفسه.\n ﴿خَيْرًا:﴾ عفافا، وصلاحا، وذلك نحو ما يروى أن عمر﵁قال لرسول الله ﷺ: أنا قاطع بكذب المنافقين؛ لأن الله تعالى عصمك من وقوع الذباب على جلدك؛ لأنه يقع على النجاسات، فيتلطخ بها، فلما عصمك الله من ذلك القدر من القذر، فكيف لا يعصمك عن صحبة من تكون متلطخة بمثل هذه الفاحشة!\nوقال عثمان﵁-: إن الله ما أوقع ظلك على الأرض، لئلا يضع إنسان قدمه على ذلك الظل، فلما لم يمكّن أحدا من وضع القدم على ظلك، كيف يمكن أحدا من تلويث عرض زوجتك! وكذا قال علي﵁-: إن جبريل ﵇ أخبرك أن على نعليك قذرا، وأمرك بإخراج النعل عن رجلك بسبب ما التصق به من القذر، فكيف لا يأمرك بإخراجها بتقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش؟\nوروي: أن أبا أيوب الأنصاري﵁قال لامرأته: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله ﷺ سوآ؟ فقال: لا، قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله ﷺ، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك.\nوإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر، ولم يقل: ظننتم بأنفسكم خيرا، وقلتم؛ ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات، وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها قول غائب، ولا طاعن، وهذا من الأدب الحسن الذي قلّ القائم به، والحافظ له، وليتك تجد من يسمع، فيسكت، ولا يشيع ما سمعه بإخوانه. انتهى. كله من قول النسفي، رحمه الله تعالى.\n ﴿هذا إِفْكٌ مُبِينٌ:﴾ كذب بيّن لا حقيقة له، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح (مبين) وإعلاله في الآية رقم [١١] من سورة (الحج)، وانظر (الإيمان) في الآية رقم [١٤] منها، وانظر شرح (يسمع) في الآية رقم [٤٦] من سورة (الحج) أيضا.\nالإعراب: ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض، وقيل: فيها معنى التوبيخ. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿ظَنَّ﴾ الآتي، وانظر ما","vol":"6","page":340},{"text":"ذكرته في الآية رقم [١٦] فإنه جيد. ﴿سَمِعْتُمُوهُ:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ظَنَّ:﴾ ماض. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. (المؤمنات): معطوف على ما قبله. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿ظَنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به. وجملة: ﴿ظَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.\n ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذا:﴾\nاسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِفْكٌ:﴾\nخبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ظَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2804\"></span>﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿جاؤُ عَلَيْهِ:﴾ على ما زعموا، وقذفوا به عائشة﵂-. ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ أي: يشهدون بما زعموا، وافتروا. ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: في حكم الله وشريعته. ﴿هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أي: فيما زعموا، وافتروا؛ لأن الله تعالى جعل الفرق بين الرمي الصادق، والكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة، وانتفاءها، والذين رموا عائشة﵂لم يكن لهم بينة على قولهم، فكانوا كاذبين. هذا؛ وانظر ما ذكرته بشأن ﴿الْكَذِبَ﴾ في الآية رقم [١٠٥] من سورة (النحل) فإنه جيد.\nتنبيه: رتب ﷾ الحدود على حكمه الذي شرعه في الدنيا، لا على مقتضى علمه الذي تعلق بالإنسان على ما هو عليه، فإنما يبنى على ذلك حكم الآخرة، ومما يقوي هذا المعنى ويعضده، ما خرجه البخاري-رحمه الله تعالى-عن عمر بن الخطاب﵁-: أنه قال: أيها الناس! إنّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا؛ أمنّاه، وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوآ؛ لم نأمنه، ولم نصدّقه؛ وإن قال: إن سريرته حسنة. وأجمع العلماء: أنّ الأحكام في الدنيا على الظاهر، وأن السرائر إلى الله ﷿. انتهى. قرطبي.\nفائدة: روي: أن حسان بن ثابت﵁قد أنكر أن يكون قال شيئا في حق عائشة﵂يتجلى ذلك في قوله: [الطويل]","vol":"6","page":341},{"text":"حصان رزان ما تزنّ بريبة... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\nحليلة خير الناس دينا ومنصبا... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل\nعقيلة حيّ من لؤيّ بن غالب... كرام المساعي، مجدها غير زائل\nمهذّبة قد طيّب الله خيمها... وطهّرها من كلّ شين وباطل\nفإن كان ما بلّغت أنّي قلته... فلا رفعت سوطي إلّي أناملي\nفكيف وودّي ما حييت ونصرتي... لآل رسول الله زين المحافل\nله رتب عال على الناس فضلها... تقاصر عنها سورة المتطاول\nوقد روي: أنه لما أنشدها قوله: (حصان رزان...) إلخ قالت له: لست كذلك، تريد: إنك وقعت في الغوافل. هذا؛ وحصان: عفيفة. ورزان: ذات ثبات، ووقار وعفاف. وغرثى: جائعة. ما تزن: ماتتّهم. الغوافل: جمع غافلة، أي: لا ترتع في أعراض الناس. والخيم: الطبيعة، والسجية.\nالإعراب: ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض، واعتبرها ابن هشام للتوبيخ، والتنديم. ﴿جاؤُ:﴾\nماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِأَرْبَعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان ب: ﴿شُهَداءَ،﴾ و(أربعة) مضاف، و﴿شُهَداءَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، والمانع له ألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. وجملة: ﴿لَوْلا جاؤُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إذ): يظهر فيها معنى «إن» الشرطية، ولم يقل به ابن هشام في مغنيه، ولا المرادي في جناه، أو معنى (إذا) الشرطية، ولم يقل به ابن هشام، ونقله المرادي عن قوم من المتأخرين، ونقل تصحيح المغاربة في إبطاله. وظاهر نص الآية: أنها متضمنة معنى الشرط. هذا؛ ونقل ابن هشام، والمرادي عن سيبويه أن تكون للمفاجأة، ولا تكون إلا بعد: «بينا» و«بينما» واستشهد ابن هشام لذلك بقول عنبر بن لبيد العذري الجاهلي: [البسيط]\nاستقدر الله خيرا وارضينّ به... فبينما العسر إذ دارت مياسير\nوهو الشاهد رقم [١٣٠] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالشُّهَداءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذ)؛ لأنها مشبهة ب «إن» الشرطية لفظا ومعنى، كما رأيت قاله في المغني. وإعراب (أولئك...) إلخ مثل إعراب ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ في الآية رقم [٤] بلا فارق، و﴿عِنْدَ﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿الْكاذِبُونَ،﴾","vol":"6","page":342},{"text":"و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ جواب (إذ) لا محل لها، و(إذ) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2805\"></span>﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾\nالشرح: معنى الآية: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أتكرم عليكم في الآخرة بالرحمة، والعفو، والمغفرة؛ لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك. والخطاب للذين قذفوا السيدة عائشة، وهذا الفضل هو تأخير العذاب، وقبول التوبة لمن تاب. هذا؛ والإفاضة: الأخذ في الحديث. يقال:\nأفاض في الحديث، وخاض فيه واندفع، وانظر شرح (الآخرة) في الآية رقم [١١] من سورة (الحج)، وشرح ﴿عَذابٌ﴾ في الآية رقم [٤٦] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ:﴾ انظر الآية رقم [١٠] ففيها الكفاية مع ملاحظة:\nأن جواب (لولا) حذف هناك، وذكر هنا. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان ب: (رحمته)، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. (الآخرة): معطوف على ما قبله. ﴿لَمَسَّكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، واللام واقعة في جواب (لولا). ﴿فِيما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما:) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ وجملة:\n ﴿أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: ﴿فِي،﴾ وعلى اعتبار ﴿فِيما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿فِي﴾ التقدير:\nلمسكم بسبب إفاضتكم، وخوضكم فيه، وهذا على اعتبار (في) للسببية، وفيه ضعف ظاهر.\n ﴿عَذابٌ:﴾ فاعل (مس). ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما..﴾. إلخ جواب (لولا) لا محل لها، و(لولا) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية رقم [١٠] وهو في معنى التوكيد له، فيكون ما بينهما معترضا، أو هو مستأنف، ولا محل له على الاعتبارين.\n<span id=\"aya-2806\"></span>﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ:﴾ الضمير المنصوب عائد على (الإفك). هذا؛ والتّلقّي، والتّلقّف، والتّلقّن معان متقاربة خلا أن في الأول معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف والأخذ بسرعة، وفي الثالث معنى الحذق، والمهارة. هذا؛ وقرأ جمهور السبعة بفتح التاء، واللام، والقاف","vol":"6","page":343},{"text":"المشددة، ويقرأ بقراآت كثيرة. والمعنى: يروي حديث الإفك بعضكم عن بعض، وذلك: أن الرجل منهم كان يلقى الرجل، فيقول: بلغني كذا، وكذا، فينقله الآخر، إلى غيره بدون تروّ، وتعقّل.\nهذا؛ و(ألسنتكم): جمع: لسان، ويجمع أيضا على: لسن بضم اللام، وضم السين، وتسكينها أيضا، وهو على هذا مؤنث كذراع، وأذرع، والأول مذكر، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء، كما في قول الشاعر: [الوافر]\nلسان السّوء تهديها إلينا... وحنت، وما حسبتك أن تحينا\nفيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر كقول الآخر: [المتقارب]\nأتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر\nوقد أطلقه الله على القرآن الكريم بكامله مع التذكير في قوله في سورة (النحل) الآية رقم [١٠٣] حيث قال جل ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الآية رقم [٥٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: من غير أن تتأكدوا من صحته، وتعلموا: أنه حق، وإنما قيد بالأفواه؛ مع أن القول لا يكون إلا بالفم؛ لأن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، ثم يترجم عنه اللسان، والإفك الذي تكلموا فيه ليس إلا قولا يدور في أفواههم من غير ترجمة عن علم به في القلب، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ رقم [١٦٧] من سورة (آل عمران).\nهذا؛ وجمع (أفواهكم) على الأصل؛ لأن الأصل في فم: فوه، مثل: حوض، وأحواض.\n ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا:﴾ تظنون ما تكلمتم به سهلا، لا إثم فيه، ولا حرج. هذا؛ وإعلال «هيّن» مثل إعلال «ميّت» في الآية رقم [١٥] من سورة (المؤمنون). هذا؛ و«حسب» من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، فيكون من الباب السادس. ويقرأ (تحسبونه) بفتح السين، وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإفك الذي تكلموا به. ﴿عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ:﴾ كبيرة من الكبائر. وهذا مثل قول النبي ﷺ في حديث القبرين: «إنهما ليعذّبان، وما يعذّبان في كبير». أي بالنسبة إليكم. هذا؛ وقد جزع بعضهم عند الموت، فقيل له ذلك، فقال: أخاف ذنبا لم يكن مني على بال، وهو عند الله عظيم، ومعنى ﴿عِنْدَ اللهِ:﴾ في حكمه وشريعته.\nالإعراب: ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بأحد الفعلين: (مسكم) أو ﴿أَفَضْتُمْ﴾. هذا؛ وإن اعتبرتها حرف تعليل لما قبلها؛ فالمعنى لا يأباه.\n ﴿تَلَقَّوْنَهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به،","vol":"6","page":344},{"text":"والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها، أو هي تعليل لما قبلها، فلا محل لها.\n ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، و(تقولون) بمعنى: تنطقون. ﴿لَيْسَ:﴾\nماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا... إلخ.\n ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال.\n (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿عَظِيمٌ﴾ بعده، و(عند) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-2807\"></span>﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ..﴾. إلخ: هذا عتاب لجميع المؤمنين، أي: كان ينبغي عليكم أن تنكروه، ولا تتناقلوه بألسنتكم، وكان الواجب عليكم أن تنزهوا الله عن أن يقع من زوج نبيه ﷺ وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها بهتان، وحقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه، وهذا المعنى جاء في قوله ﷺ لأصحابه: «أتدرون ما الغيبة؟». قالوا: الله، ورسوله أعلم! قال: «ذكرك أخاك فيما يكره لو بلغه ذلك». قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهتّه». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة﵁-.\nهذا؛ و﴿سُبْحانَكَ:﴾ هنا للتعجب من عظم الأمر. قال في الكشاف: فإن قلت: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؛ قلت: الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر، حتى استعمل في كل متعجب منه، أي بدون ملاحظة معنى التنزيه، أو لتنزيه الله تعالى من أن تكون حرمة نبيه فاجرة، فإنه لا يجوز؛ للتنفير عن النبي ﷺ، وهو خلاف مقصود الإرسال بخلاف كفرها. انتهى.\nتنبيه: حث الله المؤمنين على تنزيه الله، وتقديسه من أن تكون امرأة نبيه فاجرة، وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة، كالذي حصل من امرأة نوح، وامرأة لوط، ولم يجز أن تكون فاجرة؛ لأن النبي مبعوث إلى الكفار، ليدعوهم إلى التوحيد، والإيمان، فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه،","vol":"6","page":345},{"text":"والكفر غير منفر عندهم، وأما الدعارة، والفجور فمن أعظم المنفرات، وهذا يفيد أن الزنى لم تبحه أمة من الأمم، ما عدا الأمم البدائية في الأزمان الغابرة، والأمم الإباحية في العصور الحديثة.\nهذا؛ وإعلال ﴿قُلْتُمْ﴾ مثل إعلال ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح ﴿يَسْمَعُ﴾ في الآية رقم [٤٥] منها، وانظر الكلام في الآية رقم [١٠٩] من سورة (المؤمنون)، وشرح (سبحان) في الآية رقم [٩١] منها.\nالإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لولا): حرف تحضيص، واعتبرها ابن هشام مفيدة للتوبيخ، والتنديم. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل ﴿قُلْتُمْ﴾ فهو مبني على السكون في محل نصب، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز الفصل بين لولا، وقلتم بالظرف. قلت: للظروف شأن، وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها، وأنها لا تنفك عنها، فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. قال أبو حيان: وهذا يوهم اختصاص ذلك بالظرف، وهو جار في المفعول به، تقول: لولا زيدا ضربت، ولولا عمرا قتلت، وقال الزمخشري أيضا: فإن قلت: أي فائدة في تقديم الظرف حتى وقع فاصلا؟ قلت: الفائدة فيه بيان: أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب تقديمه.\n ﴿سَمِعْتُمُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ وتسهيله، فتولدت واو الإشباع، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿قُلْتُمْ:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونُ﴾ تقدم على الاسم. ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والمصدر المؤول من المضارع، وناصبه في محل رفع اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخر. ﴿بِهذا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بين الجار والمجرور، لا محل له، وجملة: ﴿ما يَكُونُ..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتُمْ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة:\n ﴿وَلَوْلا إِذْ..﴾. إلخ معطوفة على ما يشبهها في الآية رقم [١٢] لا محل لها مثلها. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿بِهذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بُهْتانٌ:﴾ خبره. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة (بهتان) والجملتان: ﴿سُبْحانَكَ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2808\"></span>﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يحرم الله عليكم. وقيل:\nمعناه ينهاكم الله. ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي: في عائشة؛ لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في","vol":"6","page":346},{"text":"المقول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي ﷺ- ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ فلا تعودوا لقذف أزواج النبي ﷺ، وفيه تعريض بأن من قذف أزواجه ﵊ فهو ليس بمؤمن.\nقال هشام بن عمار: سمعت مالكا يقول: من سبّ أبا بكر، وعمر أدّب، ومن سب عائشة قتل؛ لأن الله يقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ..﴾. إلخ فمن سب عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل. وقال أصحاب الشافعي: من سب عائشة﵂أدّب كما في سائر المؤمنين، ولا يسلب عنه الإيمان، وإنما هو على حد قول النبي ﷺ: «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه».\nقال أصحاب مالك في الرد عليهم بقولهم: ليس الأمر كما زعمتم، فإن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة، فبرأها الله تعالى مما قالوا، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر. فهذا طريق قول مالك، وهي سبيل الآية، وهي لائحة لأهل البصائر، ولو أن رجلا سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب. انتهى. قرطبي بتصرف -﵃ أجمعين-.\nهذا؛ وإعلال «يعظ» مثل إعلال «يعد» في الآية رقم [٣٥] من سورة (المؤمنون)، وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)، وشرح (الأبد) في الآية رقم [٤].\nالإعراب: ﴿يَعِظُكُمُ:﴾ مضارع، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَنْ تَعُودُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وفي المصدر المؤول من المضارع وناصبه أوجه: أحدها: أنه مجرور ب: «عن» محذوفة، وهذا على تأويل ﴿يَعِظُكُمُ﴾ ب «ينهاكم»، أو هو مجرور ب «في» محذوفة على لفظه، وهو عند البصريين في محل جر بإضافته لمفعول لأجله محذوف، التقدير: كراهة عودكم، وهو عند الكوفيين على تقدير:\nلئلا تعودوا، وقد مر معنا كثير من مثله. ﴿لِمِثْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فلا تعودوا... إلخ، وجملة: ﴿يَعِظُكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2809\"></span>﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾\nالشرح: المعنى يبين ويوضح الله الدلالات الواضحات، وأحكام الشرائع، والآداب الجميلة، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأمر عائشة، وصفوان، وبكم جميعا، وأعمالكم، وتصرفاتكم.\n ﴿حَكِيمٌ:﴾ في جميع تشريعاته، وتدابيره، بل وبجميع صنعه.","vol":"6","page":347},{"text":"الإعراب: ﴿وَيُبَيِّنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يبين): مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمُ:﴾\nمتعلقان به. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الاسمية: (الله عليم حكيم) في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتعظيم والتشريف، وكان حقه الإضمار، وجملة:\n (يبين...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2810\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ﴾ أي: تفشو، وتظهر، وتنتشر. ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: في المحصنين، والمحصنات، والمراد بهذا اللفظ العام عائشة وصفوان﵄-، وقيل: بل المراد العموم، فكل من أحب أن تشيع الفاحشة، أو تظهر في بيت من بيوت المسلمين فهو داخل في حكم هذه الآية.\nأقول: وهو الحق؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، كما قد قررته مرارا. ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا﴾ أي: الحد، والذم في الدنيا، (و) في (الآخرة) لهم عذاب النار، وهذا للمنافقين فأما المؤمنون إذا أقيم عليهم حد القذف، فهو كفارة لهم، وقال الطبري: معناه إن مات مصرا على القذف غير تائب.\n ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ أي: مقدار عظم الذنب، والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء من براءة عائشة، وما خاضوا فيه... إلخ. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ قيل: معناه: يعلم ما في قلب من يحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين والمؤمنات، فيجازيه على ذلك، وأنتم لا تعلمون ذلك، فقد روي من حديث أبي الدرداء﵁أن رسول الله ﷺ قال: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها، فهو في سخط الله حتى ينزع عنها، وأيّما رجل قال بشفاعته دون حدّ من حدود الله أن يقام؛ فقد عاند الله حقا، وأقدم على سخطه، وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة. وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة، وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا؛ كان حقّا على الله تعالى أن يرميه بها في النار». ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ..﴾. إلخ. الآية. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ والفعل (يعلم) من المعرفة، لا من العلم. انظر شرح ذلك في الآية رقم [٣٩] من سورة (الأنبياء)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] من سورة (الحج)، وشرح (الإيمان) في الآية رقم [١٤] منها.","vol":"6","page":348},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يُحِبُّونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمصدر المؤول من:\n ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يُحِبُّونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَشِيعَ،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان ب: ﴿عَذابٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. (الآخرة): معطوف على ﴿الدُّنْيا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ عَذابٌ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله)، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2811\"></span>﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾\nالشرح: قال البيضاوي رحمه الله تعالى: هذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة، ولذا عطف قوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ على حصول فضله، ورحمته عليهم.\nانتهى. هذا؛ ومن رأفته سبحانه إظهار براءة المقذوفين، وإثباتها. ومن رحمته غفران ذنب القاذف إذا تاب. قال ابن عباس﵄-: يريد بالخطاب مسطحا، وحسان بن ثابت، وحمنة -﵃ أجمعين-، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر شرح (رؤوف) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحج). هذا؛ وإعراب الآية مثل إعراب الآية رقم [١٠] بلا فارق. تأمّل.\n<span id=\"aya-2812\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ:﴾ زخارفه، ووساوسه، وأحابيله، فيحمل الإنسان على إشاعة الفاحشة، والكذب، والافتراء، والبهتان. ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ:﴾ يدعو، ويزين، ويزخرف. ﴿بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ أي: بالقبائح من الأقوال، والأفعال،","vol":"6","page":349},{"text":"وكل ما يكره الله تعالى. والآية عامة في حق كل واحد؛ لأن كل مكلف ممنوع من ذلك، وانظر مرجع الضمير في الإعراب.\n ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ أي: ما اهتدى، ولا أسلم، ولا عرف رشدا، ولا صلح. هذا؛ ويقرأ بتشديد الكاف، فيكون المعنى: إن تزكيته، وتطهيره، وهدايته لكم إنما هي بفضله، وتوفيقه. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي:﴾ يطهر بالتوبة، وصالح الأعمال ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ تطهيره من الذنب بالرحمة، وقبول التوبة. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ:﴾ لأقوالكم. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بنياتكم وإخلاصكم.\nهذا؛ و﴿خُطُواتِ﴾ جمع: خطوة بضم الخاء، وسكون الطاء، وهي في الأصل ما بين القدمين، فاستعيرت هنا لوسوسة الشيطان، وزخرفته، وتجمع في القلة على «خطوات» بضم الخاء، وتثليث الطاء، أي الضم بإتباع ثانيه لأوله، والفتح، وإبقاء السكون على حاله كما في المفرد، وتجمع في الكثرة على خطى بضم الخاء. هذا؛ والخطوة بفتح الخاء: المرة الواحدة، وجمعها: خطوات بفتح الخاء والطاء لا غير.\nبعد هذا أنقل لك ما قاله المرحوم مصطفى الغلاييني في جامع الدروس العربية: وإن جمعت اسما ثلاثيا مضموم الأول، أو مكسوره، ساكن الثاني، صحيحه، خاليا من الإدغام، مثل:\nخطوة، وجمل، وهند، وقطعة، وفقرة؛ جاز فيه ثلاثة أوجه: الأول: إتباع ثانية لأوله، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثاني: فتح ثانيه، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات. الثالث: إبقاء ثانيه على حاله من السكون، كخطوات، وجملات، وهندات، وقطعات، وفقرات.\nأما الاسم فوق الثلاثي، كزينب، والاسم الصفة، كضخمة، والاسم الثلاثي المحرك الثاني، كشجرة، والاسم الثلاثي الذي ثانيه حرف علة، كجوزة، والاسم الثلاثي الذي فيه إدغام، كمرّة، فكل ذلك لا تغيير فيه عند جمعه جمع مؤنث سالما. انتهى.\nالإعراب: (يا): حرف نداء ينوب مناب: «أدعو». (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من (أي) أو عطف بيان عليه، أو صفة له، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الحج) ففيها بحث جيد، وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا تَتَّبِعُوا:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿خُطُواتِ﴾ مضاف، و﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿لا تَتَّبِعُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها.","vol":"6","page":350},{"text":"﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَّبِعْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿خُطُواتِ:﴾ مفعول به، و﴿الشَّيْطانِ:﴾ مضاف إليه، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فقد غوى وضل. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء:\nحرف تعليل. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وهي عائدة على: ﴿الشَّيْطانِ﴾ وقيل:\nعائدة على (من)، والمعنى: إن المتبع للشيطان يأمر... إلخ، فإنه بسبب اتباعه القبائح صار ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ؛﴾ لأنه لما ضل في نفسه؛ صار يضل غيره؛ لأن شأن الشيطان الإضلال، ومن اتبعه فإنه يترقى من رتبة الضلال، والفساد، إلى رتبة الإضلال، والإفساد. ﴿يَأْمُرُ:﴾\nمضارع، وفاعله يعود إلى (من)، أو إلى ﴿الشَّيْطانِ﴾. كما رأيت. والثاني هو المتبادر إلى الفهم. ﴿بِالْفَحْشاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْمُنْكَرِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة:\n ﴿يَأْمُرُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، أو لجواب الشرط المحذوف، حسب ما رأيت في مرجع الضمير.\n ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ:﴾ انظر الآية رقم [١٠] ففيها الكفاية. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿زَكى:﴾\nماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وهذا هو الأقوى. ﴿مَنْ:﴾ حرف صلة.\n ﴿أَحَدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿ما زَكى..﴾.\nإلخ جواب (لولا). وقال الكسائي: هذه الجملة جواب لقوله أولا، وثانيا: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ..﴾.\nإلخ وما بينهما معترض لا محل له، و(لولا) ومدخولها كلام معطوف على مثله فيما تقدم، لا محل له مثله.\n ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يُزَكِّي:﴾\nمضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية خبر (لكن). ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يزكي الذي، أو شيئا يشاء تزكيته.\nوالجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿ما زَكى..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا من فاعل ﴿يُزَكِّي﴾ المستتر لا بأس به، وعليه: فالرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتعظيم، والتشريف.","vol":"6","page":351},{"text":"<span id=\"aya-2813\"></span>﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَأْتَلِ:﴾ ولا يحلف، من «الأليّة» وهي اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الآية رقم [٢٢٦] من سورة (البقرة)، وقالت جماعة: لا يقصّر، من قولك: ألوت في كذا: إذا قصرت فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا..﴾. إلخ الآية رقم [١١٨] من سورة (آل عمران).\nفالماضي: ائتلى، والمضارع: يأتلي، ولم أره في القاموس المحيط بهذا المعنى، ولكن فيه: أتل، يأتل أتلا، وأتلانا، وأتلالا محركتين: قارب الخطو في غضب، ومن الطعام امتلأ، والأوتل: الشبعان، وقوم أتل بضمتين، ووتل شباع انتهى. هذا؛ ويقرأ: «(ولا يتألّ)» من الأليّة، وهي اليمين. وفي المختار: آلى يؤلي إيلاء: حلف، وتألّى، وائتلى مثله، قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ والأليّة اليمين، وجمعها: ألايا، والألية بالفتح: ألية الشاة، ولا تقل: إلية بالكسر، ولا: ليّة وتثنيتها: أليان بغير تاء. انتهى.\n ﴿أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي: في الدين، ومكارم الأخلاق. ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي: في المال، والغنى.\n ﴿أَنْ يُؤْتُوا..﴾. إلخ أي: يعطوا وينفقوا من أموالهم على أصحاب القرابات والمساكين ﴿وَالْمُهاجِرِينَ﴾ من وطنهم من أجل دين الله. هذا؛ ويقرأ: «(تؤتوا)» بتاء المضارعة على الالتفات، ويعضده قوله:\n ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).\n ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا:﴾ وليتجاوزوا عن الجفاء، والإساءة عمن أساء إليهم، وليعرضوا عن عقوبتهم، وليرجعوا إلى الإحسان عمن أساء إليهم. هذا؛ وأولوا، وأولي هو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و«ذا» المضاف إن كان منصوبا، و«ذي» المضاف إن كان مجرورا.\nوأما (ليعفوا) فهو بمعنى: ليصفحوا، فهو مرادف لما بعده، وهو كثير في القرآن بهذا المعنى كثرة لا تعد، ولا تحصى، كما يأتي (عفا) بمعنى الكثرة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ أي: حتى كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم. من قولهم: عفا النبات، وعفا الشحم، والوبر: إذا كثر. قال الحطيئة: [الطويل]\nبمستأسد الغربان عاف نباته... بأسوق عافيات الشحم كوم\nوعفا المنزل، يعفو عفاء: إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، قال الشاعر: [البسيط]\nوبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد","vol":"6","page":352},{"text":"وعفو المال ما يفضل عن النفقة، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعافي: طالب المعروف، والإحسان، قال عروة بن الورد: [الطويل]\nوإنّي امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد\nوجمع العافي: عفاة، قال الأعشى: [المتقارب]\nتطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن\nبعد هذا: فالآية الكريمة نزلت في قصة أبي بكر﵁ومسطح بن أثاثة، وهو ابن خالته، وكان من المهاجرين البدريين المساكين، وكان أبو بكر﵁ينفق عليه لفقره، وقرابته، فلما خاض مسطح في الإفك مع الخائضين، وأنزل الله براءة السيدة عائشة-كما رأيت فيما سبق-حلف أبو بكر﵁ألا ينفق عليه، ولا ينفعه بشيء أبدا. فلما نزلت الآية الكريمة؛ قال أبو بكر﵁-: والله إني لأحب أن يغفر الله لي! فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا، وجاء مسطح، فاعتذر إليه، وأقيم الحد عليه، كما رأيت فيما سبق.\nوقال الضحاك، وابن عباس﵄-: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم، وصلاتهم عن كل من قال في الإفك، وقالوا: لا نصل من تكلم في شأن عائشة. فنزلت الآية فيهم جميعا. والأول أصح، وذكره بلفظ الجمع فيه دلالة واضحة على فضل أبي بكر﵁وعلو شأنه، ومرتبته؛ حيث احتمل الأذى من ذوي القربى، ورجع على مسطح بما كان ينفقه عليه، وهذا من أشد الجهاد؛ لأنه جهاد النفس. هذا؛ وخصوص السبب لا يمنع التعميم، فهنيئا لمن اقتدى بأبي بكر﵁في عفوه وصفحه عمّن أساء إليه. وخذ هذه الطرفة اللطيفة، وهي: أن ابن المقري-رحمه الله تعالى-منع عن ولده النفقة تأديبا له على أمر وقع منه، فكتب إلى والده رحمه الله تعالى يقول: [السريع]\nلا تقطعن عادة برّ ولا... تجعل عقاب المرء في رزقه\nفإنّ أمر الإفك من مسطح... يحطّ قدر النّجم من أفقه\nوقد جرى منه الذي قد جرى... وعوتب الصّدّيق في حقّه\nفكتب إليه والده رحمه الله تعالى يقول: [السريع]\nقد يمنع المضطرّ من ميتة... إذا عصى بالسّير في طرقه\nلأنّه يقوى على توبة... تكون إيصالا إلى رزقه\nلو لم يتب مسطح من ذنبه... ما عوتب الصّدّيق في حقّه","vol":"6","page":353},{"text":"انتهى... من السيرة الحلبية. وابن المقري-رحمه الله تعالى-من علماء الشافعية القدامى.\nهذا؛ وفي الآية دليل، بل وحث كبير على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه. كيف لا؟ وقد قال النبي ﷺ لابن سمرة: «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فائت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك». ويروى الحديث أيضا بلفظ الغيبة، وكلاهما في الصحيح. هذا؛ وقد ذكرت لك أن آية البقرة رقم [٢٢٣] نزلت في أبي بكر﵁وهي: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَأْتَلِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿أُولُوا:﴾ فاعله مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولُوا﴾ مضاف، و﴿الْفَضْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿أُولُوا الْفَضْلِ﴾. ﴿وَالسَّعَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَنْ يُؤْتُوا:﴾\nمضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من المضارع، وناصبه في محل جر بحرف جر محذوف مع «لا» النافية؛ إذ التقدير: على أن لا يؤتوا. ذكره الزجاج، وقال أبو عبيدة: التقدير: في أن يؤتوا. والأول أوضح معنى كما ترى.\n ﴿أُولِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و(أولي) مضاف، و﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. ﴿وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ:﴾ معطوفان على ﴿أُولِي﴾ وعلامة نصب الأول الفتحة، وعلامة نصب الثاني الياء. تأمل. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُؤْتُوا﴾ وتعليقهما ب: (المهاجرين) جيد، و(سبيل) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَلا يَأْتَلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلْيَعْفُوا:﴾ مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَلا يَأْتَلِ..﴾. إلخ لا محل لها، وجملة ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ معطوفة أيضا لا محل لها. هذا؛ ومتعلق الفعلين محذوف. ﴿أَلا:﴾ حرف عرض، وهو أولى من اعتباره حرف تحضيض. ﴿تُحِبُّونَ:﴾ مضارع، وفاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَلا تُحِبُّونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتشريف، والتعظيم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"6","page":354},{"text":"<span id=\"aya-2814\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ أي: يقذفون بالزنى، وانظر الآية رقم [٤] ففيها الكفاية. ﴿الْغافِلاتِ:﴾ قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: السليمات الصدور، والنقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء، ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور، ولم يرزن الأحوال، فلا يفطنّ لما تفطن له المجربات العرافات، قال الشاعر: [الكامل]\nولقد لهوت بطفلة ميّالة... بلهاء تطلعني على أسرارها\nالطّفلة بفتح الطاء: المرأة الناعمة، وطفلة الأنامل: رخصتها، وميّالة، أي: مختالة، وبلهاء من البله، وهي التي لا مكر لها، ولا دهاء، وكذلك البله من الرجال في قول النبي ﷺ: «أكثر أهل الجنّة البله». وهو جمع الأبله، وهو الغافل عن الشر، المطبوع على الخير، وأما الأبله الذي لا عقل له فغير مراد في الحديث؛ لأن المقام مقام مدح. ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا﴾ أي: بإقامة الحد عليهم. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: بالطرد من رحمة الله. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ:﴾ جعل الله القذفة ملعونين في الدارين، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة؛ إن لم يتوبوا لعظم ذنوبهم.\nقيل: هو حكم كل قاذف ما لم يتب، وقيل: هو مخصوص بمن قذف أزواج النبي ﷺ، ولذلك قال ابن عباس﵄-: لا توبة لعبد الله بن أبي، ولو فتشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ مما نزل في إفك عائشة﵂-، علما بأن ما ذكر في هذه السورة يشمل القاذفين، والقاذفات، والمقذوفين، والمقذوفات على السواء. وذلك بالنسبة للأجر، والثواب، والغضب، والعقاب.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَرْمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ:﴾ ثلاث صفات لموصوف محذوف منصوب؛ إذ التقدير: النساء المحصنات... إلخ، وعلامة النصب فيهن الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لُعِنُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (الآخرة): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَرْمُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿لُعِنُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿لُعِنُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. تأمل.","vol":"6","page":355},{"text":"<span id=\"aya-2815\"></span>﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ أي: تنطق الألسنة في الآخرة بما قذفت في الدنيا، وهذا قبل أن يختم الله على أفواههم، كما قال تعالى في سورة (يس) رقم [٦٥]: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ..﴾. وبعد الختم تنطق الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا، كما تشهد الأسماع والأبصار والجلود على العبد بما عمل صاحبها في الدنيا، وهو ما أفادته الآية رقم [٢٠] من سورة فصلت: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هذا؛ وقول القرطبي، رحمه الله تعالى: «والمعنى: يوم تشهد ألسنة بعضهم على بعض بما كانوا يعملون من القذف، والبهتان» لا وجه له.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمتعلق (لهم) أي في الخبر المحذوف، وإنما لم يعلق ب: ﴿عَذابٌ﴾ وهو مصدر، وشرط عمله عند البصريين ألا يوصف، وهنا قد وصف، وأجيب عن هذا بأن الظرف يتسع فيه ما لا يتسع في غيره. ﴿تَشْهَدُ:﴾ مضارع. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به.\n ﴿أَلْسِنَتُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَشْهَدُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل (تشهد)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والمفعول محذوف، وهو العائد، أو الرابط؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء كانوا يعملونه. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: تشهد عليهم ألسنتهم... بعملهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-2816\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه، وانظر الآية رقم [٥٦] من سورة (الحج). ﴿يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ﴾ أي: جزاءهم الواجب. وقيل:\nحسابهم العدل، وانظر شرح ﴿الدِّينِ﴾ في الآية رقم [٧٨] من سورة (الحج)، وانظر شرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] منها. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ أي: الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء. وقال البيضاوي: الثابت بذاته، الظاهر بألوهيته، لا يشاركه في ذلك غيره، ولا يقدر على الثواب، والعقاب سواه. أو ذو الحق البيّن، أي: العادل، الظاهر عدله، ومن كان هذا شأنه، ينتقم من الظالم للمظلوم لا محالة. انتهى.","vol":"6","page":356},{"text":"وقيل: معناه: يبين لهم أحقّيّة ما كان يعدهم في الدنيا. وقال عبد الله بن عباس﵄-: وذلك أن عبد الله بن أبي ابن سلول كان يشك في الدين، فيعلم يوم القيامة: أن الله هو الحق المبين؛ أي لارتفاع الشكوك، وحصول العلم الضروري.\nقال النسفي-رحمه الله تعالى-ولم يغلّظ الله في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة﵂-، فأوجز في ذلك، وأشبع، وفصّل، وأجمل، وأكد، وكرّر، وما ذاك إلا لأمر. وعن ابن عباس﵄-: من أذنب ذنبا، ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة﵂وهذا منه تعظيم ومبالغة في أمر الإفك. ولقد برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف ﵇ بشاهد من أهلها، وبرأ موسى ﵇ من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم عليهاالسّلام بإنطاق ولدها، وبرأ عائشة﵂بهذه الآي العظام في كتابه المعجز، المتلوّ على وجه الدهر بهذه المبالغات. فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك، وما ذاك إلا لإظهار علوّ منزلة رسوله، والتنبيه على إنافة محله ﷺ وعلى آله. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بأحد الفعلين: ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾ و(يعلمون)، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة التي رأيت تقديرها في الشرح. ﴿يُوَفِّيهِمُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿دِينَهُمُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَقَّ:﴾ صفة ﴿دِينَهُمُ﴾. هذا؛ ويقرأ بالرفع فيكون صفة لفظ الجلالة، والجملة الفعلية: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَعْلَمُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعلمون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾\nاسمها. ﴿هُوَ:﴾ توكيد للفظ الجلالة، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿الْحَقَّ:﴾ خبر ﴿أَنَّ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و﴿الْحَقَّ﴾ خبره، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾.\n ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة ﴿الْحَقَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يعلمون) وجملة: ﴿وَيَعْلَمُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2817\"></span>﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾\nالشرح: قال ابن زيد رحمه الله تعالى: ﴿الْخَبِيثاتُ﴾ من النساء ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وكذا (الخبيثون للخبيثات)، وكذا (الطيبات للطيبين) و(الطيبون للطيبات) فتكون هذه الآية مبنية على قوله تعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ..﴾. إلخ الآية رقم [٣].","vol":"6","page":357},{"text":"وقال مجاهد، وابن جبير، وعطاء، وأكثر المفسرين: المعنى: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. قال النحاس في كتاب معاني القرآن: وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية. انتهى. قرطبي. وعليه فالكلام الخبيث صدر من الرجل الخبيث، وهو عبد الله بن أبيّ، وأضرابه من المنافقين، والطيبون من الرجال، والطيبات من النساء لم يتكلموا في حق عائشة إلا بالقول الطيب، وهو تبرئتها مما رماها به الخبيثون، والخبيثات. وعليه في الكلام استعارة تصريحية.\n ﴿أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ:﴾ الإشارة إلى عائشة، وصفوان﵄وذكرهما الله بلفظ الجمع للتعظيم، والتكريم، أي: منزهون مما يقوله الخبيثون، والخبيثات في حقهما. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: في الجنة. وانظر الآية رقم [٥٠] من سورة (الحج) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وروي عن علي بن زيد بن جدعان، عن جدته، عن عائشة﵂أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيتهنّ امرأة: لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرا، وما تزوج بكرا غيري، ولقد توفّي رسول الله ﷺ، وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه؛ وهو في أهله، فينصرفون عنه، وإن كان لينزل عليه؛ وأنا معه في لحافه، فما يبينني عن جسده، وإني لابنة خليفته، وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما، تعني قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ انتهى. قرطبي. وكان مسروق رحمه الله تعالى إذا حدث عن عائشة﵂يقول:\nحدثتني الصّدّيقة بنت الصّدّيق، حبيبة رسول الله ﷺ، المبرّأة من السماء.\nهذا؛ وانظر ما وصفها به حسان﵁في أبياته التي ذكرتها في الآية رقم [١٣].\nوروي: أن ابن عباس﵄دخل على عائشة﵂في مرضها، وهي خائفة من القدوم على الله تعالى، فقال: لا تخافي! لأنك لا تقدمين إلا على مغفرة، ورزق كريم، وتلا الآية، فغشي عليها فرحا بما تلا.\nالإعراب: ﴿الْخَبِيثاتُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلْخَبِيثِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْخَبِيثُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لِلْخَبِيثاتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وما بعدها معطوفتان أيضا عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف","vol":"6","page":358},{"text":"خطاب لا محل له. ﴿مُبَرَّؤُنَ:﴾ خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿مِمّا:﴾ متعلقان ب: ﴿مُبَرَّؤُنَ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: مبرؤون من الذي، أو من شيء يقولونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) أي: مبرؤون من قولهم.\n ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ. ﴿وَرِزْقٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-2818\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أي: تستأذنوا.\nوالاستئناس في الأصل: الاستعلام، والاستكشاف، استفعال من: أنس الشيء: إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، أي: حتى تستعلموا: أيؤذن لكم في الدخول أم لا؟ فإذا هو من باب الكناية عن الاستئذان، أو هو من باب الإرداف؛ أي: ترادف اللفظين. ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ أي: تقولوا:\nالسّلام عليكم. ولقد اختلف في أيهما يقدم: الاستئذان، أم السّلام، فقيل: يقدم الاستئذان، فيقول: أأدخل؟ سلام عليكم، كما في الآية من تقديم الاستئذان قبل السّلام. وقال الأكثرون:\nيقدم السّلام، فيقول: سلام عليكم، أأدخل؟ وتقدير الآية حتى تسلموا على أهلها، وتستأذنوا.\nولكل فريق دليله.\n ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: الاستئذان، والتسليم خير لكم من أن تدخلوا بغتة. أو ما ذكر خير لكم من تحية الجاهلية. كان الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته؛ قال: حييتم صباحا. أو حييتم مساء، ودخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد! هذا؛ والترجي إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله لا يحصل منه ترج لعباده.\nهذا؛ وإن سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري، وغيره عن عدي بن ثابت﵁- أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله! إني أكون في بيتي على حال، لا أحبّ أن يراني عليها أحد، لا والد، ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجال من أهلي؛ وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت الآية، فقال أبو بكر﵁-:\nيا رسول الله! أفرأيت الخانات، والمساكن في طرق الشام، ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى:\n ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.","vol":"6","page":359},{"text":"هذا؛ وإن الرجل لا يستأذن على أهل بيته، ولكن يسن في حقه أن يسلم عليهم إذا دخل، وإذا دخل بيتا ليس فيه أحد؛ فيسن في حقه أن يقول: السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\nقال قتادة-رحمه الله تعالى-: وذكر لنا: أن الملائكة ترد السّلام. وقال: إذا دخلت بيتك؛ فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم، فإن كان فيه معك أمك، أو أختك، فقالوا: تنحنح، واضرب برجلك؛ حتى ينتبها لدخولك؛ لأن الأهل لا حشمة بينك، وبينها، وأما الأم، والأخت، فقد تكونان على حالة لا تحب أن تراهما فيها. وقد روى عطاء بن يسار: أن رجلا قال للنبي ﷺ: أستأذن على أمّي؟ قال: «نعم». قال إني أخدمها، قال: «استأذن عليها». فعاوده ثلاثا. قال: «أتحبّ أن تراها عريانة؟». قال: لا، قال: «فاستأذن عليها». ذكره الطبري.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢١] ففيها الكفاية. ﴿بُيُوتًا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، رحمه الله تعالى. والمحققون -وعلى رأسهم الأخفش-ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت المدينة، وسكنت الشام) ﴿غَيْرَ:﴾ صفة ﴿بُيُوتًا،﴾ و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿بُيُوتِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَسْتَأْنِسُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿لا تَدْخُلُوا﴾.\n ﴿وَتُسَلِّمُوا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو منصوب مثله... إلخ، والواو فاعله... إلخ. ﴿عَلى أَهْلِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿ذلِكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ انظر مثلها في الآية رقم [١]، والجملة الاسمية هنا متعلقة بكلام محذوف، التقدير: أنزل عليكم حكم الاستئذان، أو قيل لكم: استئذنوا قبل دخول بيوت غيركم إرادة أن تذكروا، وتعملوا بما هو أصلح لكم. انتهى. بيضاوي بتصرف كبير.\n\n<span id=\"aya-2819\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها﴾ أي: في البيوت. ﴿أَحَدًا:﴾ يأذن لكم في الدخول. ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي: حتى يأتي من يأذن لكم، فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على","vol":"6","page":360},{"text":"العورات فقط، بل وعلى ما يخفيه الناس عادة، مع أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه محظور، واستثني ما إذا عرض فيه حرق، أو غرق، أو كان فيه منكر ونحو ذلك؛ فإنه يجوز اقتحام البيوت من غير إذن أهلها في تلك الحالات.\n ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا:﴾ ولا تلحوا بطلب الدخول، ولا تقفوا على الباب ملازمين، ولا تجدوا في نفوسكم على صاحب البيت، بل ولا تروا أن فيه غضاضة، وانتقاصا من كرامتكم. ﴿هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ أي: الرجوع المفهوم من الفعلين السابقين أطهر لقلوبكم، وأصلح لأعمالكم، فإن للناس حاجات وأحوالا يكرهون الدخول عليهم فيها، وإذا حضر إلى الباب، فلم يستأذن، وقعد على الباب منتظرا خروج صاحب الدار جاز له ذلك، فقد كان ابن عباس﵄يأتي دور الأنصار لطلب الحديث، فيقعد، ولا يستأذن، حتى يخرج إليه صاحب الدار، فإذا خرج، ورآه قال: يا بن عم رسول الله! لو أخبرتني بمكانك، فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم.\nوإذا وقف على الباب، فلا يجوز له أن ينظر من شقه إذا كان مردودا، فعن سهل بن سعد الساعدي﵁-: أن رجلا اطّلع على النّبيّ ﷺ من حجر في حجرة النبي ﷺ، ومع رسول الله ﷺ مدراة يحكّ به رأسه، فقال النبي ﷺ: «لو علمت أنّك تنظر؛ لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والمدراة المشط، ويروى: مدرى بالقصر.\nوعن عبد الله بن بسر﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تأتوا البيوت من أبوابها، ولكن ائتوها من جوانبها، فاستأذنوا، فإن أذن لكم فادخلوا، وإلاّ؛ فارجعوا». رواه الطبراني في الكبير، فينبغي أن يقف المستأذن على يمين الباب، أو يساره، ولا يستقبله، ثم إذا قيل: من هذا؟ قال: أنا فلان، أو: أبو فلان، ولا يقل: أنا؛ فإنه لا يعرف، وقد أنكر النبي ﷺ على من قال: أنا. فعن جابر بن عبد الله﵄قال: استأذنت على النبيّ ﷺ، فقال:\n «من هذا؟». فقلت: أنا، فقال النبيّ ﷺ: «أنا، أنا». كأنه كره ذلك. رواه الشيخان وغيرهما.\nفينبغي مراعاة هذه الآداب في الاستئذان، وإنا لنفخر بما شرع الله لنا من آداب كثيرة، ومن جملتها هذا الاستئذان، وإن كثيرا من غير المسلمين يحسدوننا على هذا الأدب، فقد ذكر لي أحد إخواني: أن نصرانيا قال له: نحسدكم على ما في دينكم من آداب، وفي طليعتها أدب الاستئذان. ولكن الكثير من المسلمين قد أهملوا هذه الآداب، واعتبروها معرّة لهم، وانتقاصا من أقدارهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ توعّد لمن يتجسس على البيوت، ويحاول الدخول على غفلة من أهلها، والنظر إلى ما لا يحل، ولا يجوز، ولغيرهم ممّن يرتكب شيئا من المحظورات.","vol":"6","page":361},{"text":"فائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-في مثل هذا التركيب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا:﴾ دخلت «إن» على «لم» ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ «لم» تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و«إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت «لم» ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي ردتها «إن» إلى الاستقبال؛ لأن «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.\nهذا؛ وإعلال ﴿تَجِدُوا﴾ مثل إعلال (يعد) في الآية رقم [٣٥] من سورة (المؤمنون)، وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [٣٢] من سورة (الكهف)، وأما ﴿قِيلَ﴾ فأصلها: قول، بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار قيل.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَجِدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية.\n ﴿تَدْخُلُوها:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) ... إلخ، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور.\nوالدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر.\n ﴿يُؤْذَنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ في محل رفع نائب فاعله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلها، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول، وقيل: الجار والمجرور لكم في محل رفع نائب فاعل، وقيل: جملة: (ارجعوا) هي نائب الفاعل، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «بحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا كلام لا غبار عليه، انظر الشاهد [٧٩٣] من كتابنا فتح القريب المجيب والكلام عليه.\n ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِرْجِعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مفسرة لنائب الفاعل على اعتباره ضميرا، أو هي في محل","vol":"6","page":362},{"text":"نصب مقول القول، أو هي نفسها في محل رفع نائب فاعل، كما رأيت، فتكون على الحكاية، وهو المعتمد، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ لا محل لها... إلخ. ﴿فَارْجِعُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، والجملة: (ارجعوا) في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَزْكى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَزْكى﴾. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: الله عليم بعملكم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2820\"></span>﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾\nالشرح: روي: أن بعض المسلمين لما نزلت آية الاستئذان السابقة تعمق في الأمر، فكان لا يأتي موضعا خربا، ولا مسكونا إلا سلم، واستأذن، فنزلت هذه الآية، حيث أباح الله تعالى فيها رفع الاستئذان في كل بيت، لا يسكنه أحد؛ لأن العلة إنما هي لأجل خوف الكشفة على الحرمات، فإذا زالت العلة زال الحكم. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ والمراد بالبيوت غير المسكونة كالربط، والمدارس، والخانات المعدة لنزول المسافرين، والحوانيت المعدة للبيع والشراء، والمحلات المعدة لقضاء الحاجة من بول، وغائط، والفنادق المعدة لنوم الغرباء، وإيوائهم مع العلم أنه لا يجوز دخول غرفة من غرف الفندق حتى يعلم، ويتأكد: أنه ليس فيها أحد؛ لأن من المعلوم أن كثيرا من الغرباء يكونون مع أزواجهم، مصطحبين لهنّ في سفرهم.\n ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ:﴾ إثم، ومؤاخذة. ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ أي: استمتاع كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الأمتعة، والجلوس للمعاملة. وقيل: المراد لكم فيها أمتعة كالحقيبة ونحوها مما يصطحبه المسافر في سفره. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ..﴾. إلخ: فيه وعيد، وتهديد لمن يدخل مدخلا لفساد، أو بقصد تطلع على عورات، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جُناحٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ في محل جر بحرف جر","vol":"6","page":363},{"text":"محذوف، التقدير: في دخول بيوت غير مسكونة. والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿جُناحٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وانظر الآية رقم [٢٧] لإعراب مثل هذه الكلمات بالتفصيل. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَتاعٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَتاعٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿بُيُوتًا﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ هي بمنزلة الاستثناء من قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف اسئتناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، وهو بمعنى: يعرف، فيتعدى لمفعول واحد فقط، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تبدونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم إبداءكم، وفيه ضعف ظاهر. ﴿وَما تَكْتُمُونَ:﴾ معطوف على ما قبله على جميع الاعتبارات. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2821\"></span>﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ:﴾ هذا خطاب موجه للنبي ﷺ أمره ربه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم عما لا يجوز النظر إليه، وغض البصر: كفه عن المحرمات، يقال:\nغض بصره، يغضه غضا. قال عنترة الجاهلي-وفيه شهامة أكثر من مئات الألوف من المسلمين في هذه الأيام-: [الكامل]\nوأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي... حتّى يواري جارتي مأواها\nوقال حاتم الطائي، والجاهلي أيضا-وفيه غيرة وحمية أكثر من عشرات الملايين من مسلمي هذه الأيام-: [الكامل]\nوأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي... حتّى يواري جارتي الخدر\n ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أي: يستروها عن أن يراها من لا يحل نظرهم إليها، أو يحفظوها عن الزنى، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٥] من سورة (المؤمنون). ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه، ويحفظ الفرج منه؛ لأن ذلك معلوم بالعادة، وأن المراد منه المحرّم دون المحلّل، وعلى الاعتبار الأول فالصحيح أن الجميع مراد، واللفظ عام.","vol":"6","page":364},{"text":"وروى بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه، عن جده﵃قال: قلت:\nيا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلاّ من زوجتك، أو ما ملكت يمينك». قال: الرجل يكون مع الرجل، قال: «إن استطعت ألاّ يراها أحد فافعل». قلت: الرجل يكون خاليا؟ فقال: «الله أحقّ أن يستحيا منه من الناس». وقد ذكرت عائشة﵂- رسول الله ﷺ، وحالها معه، ﷺ، فقالت: (ما رأيت منه، ولا رأى منّي) فحذفت﵂- مفعول الفعلين، والمراد به: الفرج. وعن أبي سعيد الخدري﵁أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الرّجل إلى عورة الرّجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفض الرّجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفض المرأة إلى المرأة في ثوب واحد». أخرجه مسلم.\n ﴿ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ﴾ أي: غض البصر، وحفظ الفرج أطهر في الدين، وأبعد من دنس الآثام والريبة. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ:﴾ لا يخفى عليه إجالة أبصارهم، واستعمال سائر حواسهم، وتحريك جوارحهم، وما يقصدون بها، فليكونوا على حذر منه في كل حركة وسكون. هذا؛ و﴿يَصْنَعُونَ﴾ أبلغ من قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في الآية السابقة، من حيث إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه، وتروّ، وتحرّي إجادة، ولذلك ذم به خواص اليهود وذلك في سورة (المائدة) الآية رقم [٦٣] بينما ذم عوامهم بقوله ﴿يَعْمَلُونَ﴾ وذلك في الآية رقم [٦٢] منها.\nهذا؛ ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته، أو أمه، أو أخته، وزمانه خير من زماننا هذا، وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرّمة نظر شهوة يردّدها. انتهى. قرطبي.\nتنبيه: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأهم طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وعن كل ما يخشى الفتنة من أجله، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nكلّ الحوادث مبداها من النّظر... ومعظم النّار من مستصغر الشّرر\nوالمرء ما دام ذا عين يقلّبها... في أعين الغيد موقوف على الخطر\nكم نظرة فعلت في قلب صاحبها... فعل السّهام بلا قوس، ولا وتر\nيسرّ ناظره ما ساء خاطره... لا مرحبا بسرور عاد بالضّرر\nوقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة تحذر من سقطاته. وترغب في غضه، وكفه عن النظر إلى المحرمات، فعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: «النّظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي، أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه». رواه الطبراني والحاكم من حديث حذيفة﵁-.\nهذا؛ وإن الإسلام أباح النظرة الأولى نظرة الفجاءة، وحرم النظرة الثانية نظرة التتبع، والتمتّع، والمعاودة؛ لأن النظر إلى النساء باب عظيم من أبواب البلاء، فقد قال الرسول ﷺ","vol":"6","page":365},{"text":"لعلي كرم الله وجهه: «يا عليّ! لا تتبع النّظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وعليك الثانية». وفي رواية: «وليست لك الآخرة». والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة.\nخاتمة: نظر الرجل إلى المرأة على ستة أضرب: أحدها: نظره-ولو كان شيخا هرما، عاجزا عن الوطء-إلى أجنبية لغير حاجة؛ فغير جائز. الثاني: نظره إلى زوجته، فيجوز أن ينظر كل شيء منها حتى الفرج مع الكراهة. والثالث: نظره إلى ذوات محارمه، فيجوز فيما عدا ما بين السرة والركبة إذا كان بغير شهوة. والرابع: النظر لأجل النكاح أي نظر الخاطب إلى خطيبته، وبالعكس، فيجوز إلى الوجه والكفين. والخامس: النظر للمداواة، فيجوز إلى المواضع التي يحتاج إليها، وهذا عند فقد امرأة تعالج المرأة، فإن وجدت امرأة مسلمة؛ فهي أحق، وإذا لم توجد مسلمة؛ فامرأة كافرة أحق من الرجل؛ وإن كان مسلما صالحا. والسادس: النظر للشهادة عليها، أو للمعاملة معها، فيجوز النظر إلى الوجه خاصة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَغُضُّوا:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو جواب ﴿قُلْ﴾. وتقدير الكلام: إن تقل لهم يغضوا، قاله الأخفش، ورده قوم، قالوا: لأن قول الرسول لهم لا يوجب أن يغضوا، وهذا عندي لا يبطل قوله؛ لأنه لم يرد أمر الكفار، بل المؤمنين كما هو واضح، وإذا قال لهم الرسول: غضوا أبصاركم؛ غضوها؛ لأنهم مأمورون بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، استجابة لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nوالوجه الثاني: حكي عن المبرد، وهو أن التقدير: قل لهم: غضوا؛ يغضوا، فيغضوا المصرح به جواب غضوا المحذوف، حكاه جماعة عنه، ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد لوجهين: أحدهما: أن جواب الشرط، يخالف الشرط، إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما، فأما إذا كان مثله في الفعل والفاعل فهو خطأ، كقولك: قم تقم، والتقدير على ما ذكر في هذا الوجه: إن يغضوا يغضوا، والوجه الثاني أن الأمر المقدر للمواجهة، ويغضوا على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدا.\nوالوجه الثالث من الأوجه الأولى: أنه مجزوم بلام محذوفة، تقديره: ليغضوا، فهو أمر مستأنف، وجاز حذف اللام لدلالة ﴿قُلْ﴾ على الأمر، وهذه التوجيهات أخذتها من إعراب الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بالمقايسة بين ما هنا وهناك، فإن التعبير في الآيتين واحد، ولم يذكر أحد شيئا في إعراب الآية هنا، وما هناك منقول عن أبي البقاء العكبري، ومكي بن أبي طالب القيسي، مع الإشارة إلى ما ذكره ابن هشام في مغنيه. رحم الله الجميع رحمة واسعة، وشملنا معهم ببره، وإحسانه، وفضله، وكرمه، وجوده.","vol":"6","page":366},{"text":"هذا؛ و﴿يَغُضُّوا﴾ مجزوم على جميع الوجوه المذكورة، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل نصب مقول القول على حسب الوجوه المعتبرة فيها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة وهذا على مذهب الأخفش الذي يجيز زيادتها في الإيجاب، ويؤيده قوله تعالى في سورة (الحجرات): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾ وهو مذهب الكوفيين.\n ﴿أَبْصارِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقيل: ﴿مِنْ﴾ أصلية جارة، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَحْفَظُوا:﴾ معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿فُرُوجَهُمْ:﴾ مفعول به، و(الهاء) في محل جر بالإضافة، ودخلت ﴿مِنْ﴾ في غض البصر، دون حفظ الفرج لتدل على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن، وصدورهن، وكذا الإماء المستعرضات للبيع في الزمن الماضي، وأما الفروج؛ فمضيق فيها.\n ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب حرف لا محل له. ﴿أَزْكى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهو أفعل تفضيل، فاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَزْكى،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبرها.\n ﴿بِما:﴾ متعلقان بخبير، وانظر إعراب مثل الباقي في الآية رقم [٢٨] فهو مثله بلا فارق، وفي الآية السابقة ما يشبهه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2822\"></span>﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ:﴾ خص الله ﷾ الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد، فإن قوله جل ذكره في الآية السابقة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يكفي؛ لأنه قول عام يتناول","vol":"6","page":367},{"text":"الذكر، والأنثى من المؤمنين، حسب كل خطاب عام في القرآن، وبدأ جل ذكره بغض البصر، قبل حفظ الفرج؛ لأن البصر رائد القلب، كما أن الحمّى رائد الموت، وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال: [الطويل]\nألم تر أنّ العين للقلب رائد... فما تألف العينان فالقلب آلف\nورحم الله من يقول: [الطويل]\nوكنت إذا أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتبعتك المناظر\nرأيت الّذي لا كلّه أنت قادر... عليه ولا عن بعضه أنت صابر\nهذا؛ وقد قيل: إن النظر بريد الزنى، ورسول الفحش، والخنا، ورحم الله أحمد شوقي؛ إذ يقول: [الخفيف]\nنظرة، فابتسامة، فسلام... فكلام، فموعد، فلقاء\nهذا؛ وإن الله جلت قدرته أمر المرأة بغض بصرها عن الرجل، كما أمر الرجل بغض البصر عنها؛ لأنه قد يعجبها من الرجال ما يعجب الرجال من النساء، حتى لا نقع في فتنة عمياء، تورثها البلاء، والشقاء، فقد روى الترمذي، وأبو داود-رحمهما الله تعالى-عن أم سلمة﵂- قالت: كنت عند رسول الله ﷺ، وعنده ميمونة بنت الحارث؛ إذ أقبل ابن أمّ مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ: «احتجبا منه». فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى، لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟! فقال: «أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟!».\n ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ:﴾ بالتستر، أو التحفظ عن الزنى، وهو الأولى. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: لغير محرم، والمراد بالزينة: ما تتزين به المرأة من حليّ، أو كحل، أو خضاب في الرجل، والسوار في المعصم، والقرط في الأذن، والقلائد في العنق، فلا يجوز للمرأة إظهارها، ولا يجوز للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة النظر إلى مواضعها من البدن. ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ أي: من الزينة.\nقال سعيد بن جبير، والضحاك، والأوزاعي: الوجه والكفان، وقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس﵃ أجمعين-: هي الكحل، والخاتم، والخضاب في الكف، فما كان من الزينة الظاهرة، يجوز للرجل الأجنبي النظر إليه للضرورة، مثل تحمل الشهادات، ونحوه من الضرورات؛ إذا لم يخف فتنة، وشهوة، فإن خاف شيئا من ذلك؛ غضّ البصر، وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها؛ لأنه ليس بعورة، وتؤمر بكشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة، يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة﵂-: (أنّ أسماء بنت أبي بكر﵄دخلت على رسول الله ﷺ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض","vol":"6","page":368},{"text":"عنها رسول الله ﷺ، وقال لها: «يا أسماء! إنّ المرأة إذا بلغت المحيض؛ لم يصلح أن يرى منها إلاّ هذا، وأشار إلى وجهه، وكفّيه». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٠] الآتية.\nفهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس، فلا تبد المرأة من زينتها، إلا ما ظهر من وجهها وكفيها. والله الموفق لا رب سواه. وقد قال ابن خويز منداد من علماء المالكية:\nإن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها، وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزا، أو مقبّحة؛ جاز أن تكشف وجهها، وكفيها.\n ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ:﴾ (الخمر) جمع: الخمار بكسر الخاء، وهو ما تغطي به رأسها، ومنه اختمرت المرأة، وتخمّرت، وهي حسنة الخمرة، ويجمع الخمار على أخمرة أيضا، قال الراعي النميري، وينسب للقتال الكلابي: [البسيط]\nصلّى على عزّة الرحمن وابنتها... ليلى وصلّى على جاراتها الأخر\nهنّ الحرائر لا ربّات أخمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور\nو﴿جُيُوبِهِنَّ:﴾ جمع: جيب، وهو موضع القطع عند الرقبة والصدر من الثوب، والمراد:\nليلقين ثيابهن على نحورهن، وصدورهن. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة، ولا للأجانب، وهي ما عدا الوجه والكفين، فقد روى البخاري عن عائشة ﵂: أنها قالت: رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أزرهن، فاختمرن بها. ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن -﵃وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها، وما هنالك، فشقته عليها، وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر.\n ﴿إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ:﴾ فهؤلاء هم الذين يجوز لهم أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدن زوجته؛ غير أنه يكره له النظر إلى فرجها، ولهذا المعنى بدأ الله بالبعولة؛ لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا.\nهذا؛ ولا يفوتني أن أذكر أن نظر الرجل إلى فرج زوجته كثيرا، يورث عمى القلب، ومن ذلك كثرة النسيان. وقد تساهل أصبغ من المالكية تساهلا كبيرا في ذلك، ولا شك أنه تختلف مراتب ما يبدى لهم، فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج.\nهذا؛ والمراد ب: ﴿أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الذكور، ويدخل فيه أولاد الأولاد، وإن سفلوا من ذكور كانوا أو إناث كبني البنين وبني البنات، وكذلك آباء البعولة، والأجداد، وإن علوا، وكذلك أبناء البنات، وأبناء الإخوة، وأبناء الأخوات، وإن سفلوا، وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح، فإن ذلك على المعاني في الولادات، وهؤلاء محارم، انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (النساء). هذا؛","vol":"6","page":369},{"text":"ولم يذكر الله الأعمام، والأخوال مع كونهم من المحارم، وأولادهم ليسوا من المحارم باتفاق جميع المسلمين؛ لأن مناكحتهم صحيحة لا حرج فيها. ولم يذكر جلت قدرته ما يحرم بالرضاع.\nوقد ذكرته آية النساء المذكورة. تنبه لهذا؛ واحفظه، وقيل: لم يذكر الأعمام، والأخوال؛ لأنهم في معنى الإخوان، أو؛ لأن الأحوط أن يتسترن عنهم أن يصفوهن لأولادهم.\n ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ أي: المؤمنات من أهل دينهم، أراد به: أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة ما عدا ما بين السرة، والركبة، فلا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتعرى من ثيابها عند الذمية، أو الوثنية؛ لأنها ليست من نساء المؤمنات، ولأنها أجنبية في الدين. فكانت أبعد من الرجل المسلم الذي يحل نكاحه، وكان قد كتب عمر﵁إلى أبي عبيدة بن الجراح﵁-: أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات، وذلك لئلا تصف الكافرة جسد المسلمة لزوجها، أو غيره من أقاربها. ولا يفوتني أن أذكر: أنه تقدم الطبيبة الكافرة في معالجة المرأة المسلمة، ومداواتها على الطبيب المسلم، ولو كان صالحا، ولكن المسلمين في هذه الأيام يقدمون الطبيب الكافر على الطبيب المسلم بل وعلى الطبيبة المسلمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ أي: من العبيد والإماء، بمعنى يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف من بدنها ما عدا ما بين السرة والركبة لمن تملكه من العبيد، ولا أطيل الكلام في ذلك؛ لأنه لم يعد الرق موجودا في الدنيا. ﴿أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ الإربة: الحاجة، يقال: أربت كذا، آرب أربا، والإرب، والإربة، والمأربة، والأرب: الحاجة، والجمع: مارب، أي:\nحوائج، وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (طه) وقال طرفة بن العبد البكري: [الطويل]\nإذا المرء قال الجهل والحوب والخنا... تقدّم يوما ثمّ ضاعت ماربه\nهذا؛ وقد اختلف في المراد بذي الإربة، فقيل: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقيل: هو الأبله، وقيل: هو العنين، وقيل: هو الخصي، وقيل: هو الرجل يتبع القوم، فيأكل معهم، لا همة له إلا ذلك، ولا حاجة له في النساء، وقيل: هو المخنث. وبهذه الصفة كان «هيت» المخنث عند رسول الله ﷺ، فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن المرأة، وهي بادية بنة غيلان أمر بالاحتجاب منه.\nفقد ذكر الواقدي، والكلبي: أن «هيتا» المخنث، قال لعبد الله بن أمية المخزومي، وهو أخو أم سلمة لأبيها، وأمه عاتكة عمة رسول الله ﷺ، قال له، وهو في بيت أخته أم سلمة، ورسول الله ﷺ يسمع: إن فتح الله عليكم الطائف، فعليك ببادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي، فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، مع ثغر كالأقحوان، إن جلست تبنّت، وإن تكلمات تغنّت، بين رجليها كالإناء المكفوء، وهي كما قال قيس بن الخطيم: [المنسرح]\nتغترق الطّرف وهي لاهية... كأنّما شفّ وجهها نزف","vol":"6","page":370},{"text":"بين شكول النّساء خلقتها... قصد، فلا جبلة، ولا قضف\nتنام عن كبر شأنها فإذا... قامت رويدا تكاد تنقصف\nتغترق الطرف: أي من نظر إليها استغرقت طرفه، وبصره، وشغلته عن النظر إلى غيرها، وهي لاهية عنه، غير محتفلة به. نزف: أي: كأنما ينزف الدم من وجهها لشدة حمرته، وشقرته، والشكول: الضروب، والأمثال. وقصد: ليست بالجسيمة، ولا النحيفة. والجبلة: الغليظة.\nوالقضف: الدقة، وقلة اللحم.\nفقال له النبي ﷺ: «لقد غلغلت النظر إليها يا عدوّ الله». ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى.\nرواه مسلم. وزاد أبو داود في رواية: فاحجبوه، وأخرجوه إلى البيداء، فكان يدخل كل جمعة فيستطعم، ولم يزل بذلك المكان حتى قبض النبي ﷺ، فلما ولي أبو بكر﵁كلّم فيه، فأبى أن يرده، فلما ولي عمر﵁-؛ كلّم فيه، فأبى أن يرده، ثم كلّم فيه عثمان رضي الله بعد، وقيل: إنه كبر، وضعف، فأذن له أن يدخل المدينة. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\n ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ أي: لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع، فيطلعوا عليها، أو لم يعرفوا العورة من غيرها لصغرهم. وقيل: لم يطيقوا أمر النساء.\nهذا؛ والطفل اسم جنس وضع موضع الجمع اكتفاء بدلالة الوصف؛ أي الموصول. انظر الآية رقم [٥] من سورة (الحج) فالبحث فيها ضاف كاف، ويقرأ شاذا: «(الأطفال)» كما قرئ:\n «(عورات)» بفتح الواو شاذا قراءة، ولغة، وانظر ما ذكرته في خطوات في الآية رقم [٢١] وانظر شرح النساء في الآية رقم [٦٠] الآتية.\n ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ:﴾ قيل: كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها الأرض ليسمع صوت خلخالها، أو يتبين، فنهين عن ذلك، وقيل: إن الرجل تغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال، ويصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن، وقد علل الله ذلك برغبتهن في معرفة ما يخفين من زينتهن، فنهى الله عن ذلك؛ لأن إسماع صوت الزينة كإبداء الزينة، أو أشد، والغرض التستر، وسد الذريعة، ولذا نهى الله عنه، والنهي للتحريم، إن فعلت ذلك تبرجا، وتعرضا للرجال، علما بأن الخلخال لم يكن في هذه الأيام زينة للنساء، ولكن الآنسة في هذه الأيام تكشف عن ساعديها، ونحرها، وأذنيها لتري زينتها للغادين، والرائحين بلا خجل، ولا ارعواء، لا من الله، ولا من الناس، ولا حول، ولا قوة إلا بالله!.\n ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا﴾ أي: من التقصير الواقع في أمره، ونهيه، وراجعوا طاعته، فيما أمركم به، ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة. قيل: إن أوامر الله، ونواهيه في كل باب، لا يقدر العبد الضعيف على مراعاتها، وإن ضبط نفسه، واجتهد، فلا ينفك عن تقصير يقع","vol":"6","page":371},{"text":"منه، فلذلك وصى المؤمنين بالتوبة، والاستغفار، ووعد بالفلاح إذا تابوا، واستغفروا، وقد قيل:\nأحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة. وينبغي أن تعلم: أن التوبة المقبولة هي التوبة النصوح التي ذكرها ربنا في سورة (التحريم) ولها شروط: الندم بالجنان، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالأركان، ورد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان.\nوقد كان النبي ﷺ يكثر من الاستغفار، والتوبة مع كونه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وذلك تعليم لنا، وترغيب في كثرة الاستغفار، والتوبة إلى الله تعالى، فعن الأغر أغر مزينة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توبوا إلى ربّكم، فو الله إنّي لأتوب إلى ربّي ﵎ مئة مرّة في اليوم». رواه مسلم، وعن عبد الله بن عمر﵄قال: إن كنّا لنعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: «ربّ اغفر لي، وتب عليّ إنّك أنت التواب الرّحيم مئة مرّة». أخرجه عبد بن حميد الكشي، والأحاديث المرغبة في التوبة كثيرة لا تعد، ولا تحصى.\nولا تنس: أن في الآية التفاتا من الغيبة في كل ما تقدم إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا..﴾.\nإلخ، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).\nخاتمة: يطعن المستشرقون، وكثير من المسلمين المثقفين في أحكام الإسلام، ويصفونه بالقسوة في حدوده التي وضعها لبعض الجرائم التي يقترفها العبد، مثل إقامة الحد على الزاني، والزانية، من جلد، أو رجم حسب ما رأيت في مطلع هذه السورة، فنرد عليهم، ونقول لهم: إن الإسلام الحنيف كرم المرأة، وأحاطها بسياج من العفة، وحفظ الشرف، ورفعة القدر، وعلو المكانة، فهو لم يفتح لها الباب على مصراعيه، تخالط من تشاء، وترافق من تشاء، وتتأبط من تشاء، وإنما أمرها في القعود في بيتها، وكلف الرجل بالإنفاق عليها، وتقديم مطالبها، وقد شرع من التعاليم، والآداب ما يجعلها في كن منيع من الوقوع في جريمة الزنى، فقد حرم النظر منها، وإليها كما رأيت، وشرع الاستئذان في الدخول على البيوت؛ حتى لا يداهمها رجل في بيتها، وقد تكون وحدها، وحرم عليها التبرج، والخروج إلى الشوارع متهتكة، وحرم عليها الخلوة بمن يحل له زواجها، فعن جابر بن عبد الله﵄-: أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يخلونّ بامرأة ليس معها ذو محرم، فإنّ ثالثهما الشّيطان».\nوعن عقبة بن عامر﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والدّخول على النساء». فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحم؟ قال: «الحم الموت». أخرجه البخاري، ومسلم. وقد فسر العلماء الحم بأنه أخو الزوج وابن أخيه، وعمه وابن عمه، ونحوهم مما يشمل أقارب الزوج وأقارب الزوجة، ومعنى قول النبي ﷺ: «الحم الموت». أي: الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه، والفتنة أكثر؛ لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة بها من غير أن ينكر عليه أحد، وكان المعنى: موته، ولا يختلي بامرأة قريبة.","vol":"6","page":372},{"text":"وعن أبي أمامة الباهلي﵁عن رسول الله ﷺ قال: «إيّاك والخلوة بالنّساء، والّذي نفسي بيده، ما خلا رجل بامرأة إلاّ ودخل الشّيطان بينهما، ولأن يزحم رجل خنزيرا متلطّخا بطين، أو حمأة خير من أن يزحم منكبه منكب امرأة لا تحلّ له». رواه الطبراني.\nتنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ليس في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه الآية، جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات، من مخفوض ومرفوع.\nتنبيه: قرأ الجمهور: (أيّه) بفتح الهاء، وبدون ألف، وقرأ ابن عامر بضمها، ووجهه أن تجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها. وضعف أبو علي الفارسي ذلك جدا، وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من «أيّ» فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز ضم الهاء ها هنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في (اللهم) لاقترانها بالكلمة في كلام طويل، والصحيح: أنه إذا ثبت عن النبي ﷺ قراءة، فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة، وأنشد الفراء: [الرجز]\nيا أيّه القلب اللّجوج النّفس... أفق عن البيض الحسان اللّعس\nوبعضهم يقف (أيّه) وبعضهم يقف (أيها) بالألف؛ لأن علة حذفها في الوصل، إنما هو سكونها وسكون اللام، فإذا كان الوقف ذهبت العلة، فرجعت الألف. وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في الآية رقم [٤٩] من سورة (الزخرف) في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ وأيضا في الآية رقم [٣١] من سورة (الرحمن) في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ انتهى. قرطبي، وقد رسمت الهاء في هذه المواضع الثلاثة بدون ألف، وثبتت في غير هذه المواضع حملا لها على الأصل، كما تراه في جميع آيات القرآن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَغْضُضْنَ:﴾ مضارع مبني على السكون، لا تصاله بنون النسوة، والنون فاعله، وهو في محل جزم، والكلام فيه كما في الآية السابقة. ﴿مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ:﴾ قل في هذا الكلام ما رأيته في الآية السابقة من الإعراب، والهاء فيهما وفيما يأتي في محل جر بالإضافة، والنون فيهما، وفيما يأتي حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿يُبْدِينَ:﴾ مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وهو في محل جزم بلا الناهية، والنون فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَغْضُضْنَ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿زِينَتَهُنَّ:﴾ مفعول به... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾\nاسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء. وقيل: بدل من ﴿زِينَتَهُنَّ﴾ ولا وجه له. ﴿ظَهَرَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط.\n ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ والجملة","vol":"6","page":373},{"text":"الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ:﴾ مضارع مبني على السكون لا تصاله بنون النسوة، وهو في محل جزم بلام الأمر، والنون فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِخُمُرِهِنَّ:﴾\nالباء: حرف جر صلة. (خمرهن): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقيل: الباء حرف جر أصلي، وهي للتبعيض. ﴿عَلى جُيُوبِهِنَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهو بمعنى يلقين.\n ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ:﴾ هو مثل ما قبله في إعرابه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِبُعُولَتِهِنَّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والأسماء الآتية كلها معطوفة على هذا المجرور، و﴿آباءِ﴾ مضاف، و﴿لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ مضاف إليه، و﴿أَبْناءِ﴾ مضاف، و﴿لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ مضاف إليه. ﴿بَنِي:﴾ معطوف على ما قبله مجرور أيضا، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِخْوانِهِنَّ﴾ مضاف إليه.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على الأسماء المجرورة قبله. ﴿مَلَكَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿أَيْمانُهُنَّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: أو الذي ملكته أيمانهن.\n ﴿التّابِعِينَ:﴾ معطوفة على ما قبله، مجرور أيضا، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿غَيْرِ:﴾ بالجر صفة ﴿التّابِعِينَ﴾ أو بدل منه، ويقرأ بالنصب، وفيه وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الضمير المستتر في ﴿التّابِعِينَ﴾ وثانيهما: النصب على الاستثناء من الضمير المستتر في ﴿التّابِعِينَ﴾ أيضا، و﴿غَيْرِ﴾ مضاف، و﴿أُولِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولِي﴾ مضاف، و﴿الْإِرْبَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الرِّجالِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿التّابِعِينَ﴾ أو من ﴿أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. ﴿الطِّفْلِ:﴾ معطوف على بعولتهن... إلخ، وما بعده من أسماء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الطِّفْلِ﴾. ﴿لَمْ يَظْهَرُوا:﴾\nمضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَلى عَوْراتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿عَوْراتِ﴾ مضاف، و﴿النِّساءِ﴾ مضاف إليه.\n (لا): ناهية جازمة. ﴿لْيَضْرِبْنَ:﴾ مضارع مبني على السكون في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (لا يبدين...) إلخ. ﴿بِأَرْجُلِهِنَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِيُعْلَمَ:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿يُخْفِينَ:﴾","vol":"6","page":374},{"text":"مضارع مبني على السكون لا تصاله بنون النسوة التي هي فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ليعلم الذي، أو شيء يخفينه. ﴿مِنْ زِينَتِهِنَّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾ والهاء فيه وفي جميع ما تقدم في محل جر بالإضافة، والنون فيه وفي جميع ما تقدم حرف دال على جماعة الإناث، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يضربن. ﴿وَتُوبُوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف.\n (توبوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، وهو الأقوى لا محل لها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال مؤكدة. ﴿أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ في الآية رقم [٢١]، والجملة الندائية لا محل لها مثل الجملة الفعلية قبلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تُفْلِحُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للحث على التوبة.\n\n<span id=\"aya-2823\"></span>﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾\nالشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى: لما نهى عما عسى أن يفضي إلى السفاح، المخل بالنسب المقتضي للألفة، وحسن التربية، ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع الإنساني بعد الزجر عنه مبالغة فيه، عقبه بالأمر بالنكاح، الحافظ له. انتهى. والخطاب لأولياء الحرائر، وسادة الإماء. وفيه دليل واضح على أن المرأة، ليس لها أن تنكح نفسها بغير ولي، وهو قول أكثر الفقهاء، لقول النبي ﷺ: «لا نكاح إلاّ بوليّ». أخرجه أبو داود، والترمذي، عن أبي موسى الأشعري﵁-. ولهما عن عائشة﵂عن النبي ﷺ: أنه قال: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها؛ فنكاحها باطل ثلاثا، فإن أصابها فلها المهر بما استحلّ من فرجها، فإن تشاجروا فالسّلطان وليّ من لا وليّ له».\nوقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: إذا زوجت الثيب، أو البكر البالغ نفسها بغير ولي، وبحضور شاهدين كفأ لها؛ جاز. وقال مالك: إن كانت المرأة دنيئة يجوز لها تزويج نفسها. وإن كانت شريفة فلا. ودليل الشافعي وأحمد بن حنبل﵃ أجمعين-الحديثان المذكوران عن أبي موسى، وعائشة﵄-.\nهذا؛ وقد اختلف في هذا الأمر، فقال قوم: هو للوجوب، وقال قوم: هو للندب، والقول الفصل فيه: إن الرجل إن كان يتوق للزواج، وقادرا على تكاليفه، ويخشى على نفسه الهلاك في","vol":"6","page":375},{"text":"الدين، أو في الدنيا، أو فيهما؛ فهو واجب له، كيف لا؟ وقد قال الرسول ﷺ: «من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشّطر الباقي». أخرجه الطبراني في الأوسط، عن أنس﵁-. وفي رواية للبيهقي: قال رسول الله ﷺ: «إذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدّين؛ فليتّق الله في النصف الباقي». وأقول: إن المرأة في هذه الأيام صارت الدين كله، وكذلك المرأة إن كانت محتاجة للنكاح لعدم نفقة، أو خوف زنى.\nوأما من لا تتوق نفسه إلى الزواج، وهو قادر عليه؛ فالتخلي للعبادة أفضل له من النكاح، كيف لا؟ وقد روى عبد الله بن مسعود﵁عن النبي ﷺ: أنه قال: «يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم، فإنّه له وجاء». أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما، الباءة: كناية عن الجماع، كما تفسر بمؤن النكاح، والوجاء بكسر الواو: رضّ الأنثيين، وهو نوع من الخصاء، فالصوم يكسر شهوة الشاب، وكذلك المرأة، فالتخلي للعبادة أفضل لها؛ إن كانت غير محتاجة... إلخ.\nهذا؛ والنكاح لغة: الضم، يقال: تناكحت الأشجار؛ أي: انضم بعضها إلى بعض، وشرعا عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح، أو تزويج، وهو حقيقة في العقد، مجاز في الوطء على الأصح عندنا معاشر الشافعية، والكفاءة معتبرة في النكاح، ولها شروط ستة عند الحنفية، وهي:\nالعلم، والمال، والسن، والجمال، والنسب، والدين، وأما عند الشافعية فقد نظمها بعضهم بقوله: [الكامل]\nشرط الكفاءة خمسة قد حرّرت... ينبيك عنها بيت شعر مفرد\nنسب ودين حرفة حرّية... فقد العيوب، وفي اليسار تردّد\nوأما في هذه الأيام فلم يعد لهذه الأمور اعتبار إلا المال، فإنه الميزان الذي توزن به النساء والرجال كما قال القائل: [الكامل]\nقالوا: الكفاءة ستّة فأجبتهم... قد كان هذا في الزّمان الأقدم\nأمّا بنو هذا الزّمان فإنهم... لا يعرفون سوى يسار الدّرهم\nوفي الآية الكريمة حث، وترغيب في نكاح الصالحين، والصالحات، ولو كانوا عبيدا، وإماء، أو فقراء، كيف لا؟ وقد روى أبو هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدّين تربت يداك!». رواه الستة إلا الترمذي، وكذلك الرجل ينكح للأربعة المذكورة، بل نفر الرسول ﷺ من زواج امرأة ليست ذات دين، فعن أنس﵁عن النبي ﷺ قال: «من تزوّج امرأة لعزّها؛ لم يزده الله إلاّ ذلاّ، ومن تزوّجها لمالها؛ لم يزده الله إلاّ فقرا، ومن تزوّجها لحسبها؛ لم يزده الله","vol":"6","page":376},{"text":"إلاّ دناءة، ومن تزوّج امرأة لم يرد بها إلاّ أن يغضّ بصره، ويحصّن فرجه، أو يصل رحمه؛ بارك الله له فيها، وبارك الله لها فيه». رواه الطبراني في الأوسط، وعن عبد الله بن عمر﵁قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تزوّجوا النّساء لحسنهنّ، فعسى حسنهنّ أن يرديهنّ، ولا تزوّجوهنّ لأموالهنّ؛ فعسى أموالهنّ أن تطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ على الدّين، والخلق، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل». رواه ابن ماجه. والعكس صحيح.\nبعد هذا ف: ﴿الْأَيامى:﴾ جمع: أيم، وهي من ليس لها زوج؛ بكرا كانت، أو ثيبا، ومن ليس له زوج؛ بكرا كان، أو ثيبا، وقد آم، وآمت، وتأيّما: إذا لم يتزوجا؛ بكرين كانا، أو ثيّبين. قال الشاعر: [الطويل]\nفإن تنكحي أنكح، وإن تتأيّمي... وإن كنت أفتى منكم أتأيّم\nوقال جميل بن معمر العذري: [الطويل]\nأحبّ الأيامى إذ بثينة أيّم... وأحببت لمّا أن غنيت الغوانيا\nويقال: أيّم بيّن الأيمة، وقد آمت هي، وإمت أنا. قال الشاعر: [الطويل]\nلقد إمت حتّى لامني كلّ صاحب... رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت\nو﴿الْأَيامى﴾ أصله: يتائم، مثل اليتامى أصله: أيائم فقلبا. ﴿عِبادِكُمْ:﴾ جمع: عبد، ويجمع على عبيد، وأعبد وعبدان، والمراد هنا الأرقاء، ويطلق لفظ العبد على الحر أيضا، كيف لا؟ وقد أطلق الله هذا اللفظ على حبيبه محمد ﷺ، وأضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما في كثير من الآيات. (إمائكم): جمع أمة، والمراد به هنا: الرقيقات، والمملوكات، كما يطلق على الحرة؛ فقد قال النبي ﷺ: «ما من عبد، ولا أمة إلاّ وله ثلاثة أخلاّء...». الحديث.\n ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: لا تمتنعوا من زواج الرجل، وتزويج المرأة بسبب الفقر، فقد وعد الله المتزوجين الطالبين العفة بالزواج، والراغبين في طاعته تعالى بالغنى، وهذا شرط اشترطه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «التمسوا الرّزق بالنّكاح». وقال عمر﵁-: (عجب لمن لا يطلب الغنى بالنكاح) فإن قيل: كثيرا ما نجد الناكح فقيرا معدما، قلت: ينبغي أن يعرف العبد ما شرطه الله للغنى، وهو التقوى كما رأيت، وكذلك ما قيده بإرادته ومشيئته، ولا يشاء الحكيم العليم إلا ما اقتضته الحكمة، وما فيه مصلحة، فقد قال جل ذكره: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nفمن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضا بعزب كان غنيا، فأصبح فقيرا بالنكاح، وبفاسق تاب، واتقى الله، وكان له شيء، فأصبح فقيرا بعد توبته. ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ أي: غني ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق وهو أيضا واسع الفضل والرحمة، وواسع القدرة والعلم والحكمة.","vol":"6","page":377},{"text":"﴿عَلِيمٌ:﴾ يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر. هذا؛ وقد قال الله تعالى في الآية رقم [١٣٠] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾. فجملة القول نفحات الله، وخيراته مأمولة في كل حال موعود بها، من عزوبة، أو تزوج، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَنْكِحُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنكحوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْأَيامى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الأيامى، والجملة الفعلية، بل الآية بكاملها معطوفة على ما تضمنت السورة الكريمة من حوادث. ﴿وَالصّالِحِينَ:﴾ معطوف على الأيامى منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿مِنْ عِبادِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل، ﴿وَإِمائِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص، فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فُقَراءَ:﴾\nخبره، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿يُغْنِهِمُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يُغْنِهِمُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿واسِعٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2824\"></span>﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ أي: ليجتهد في طلب العفة، وقمع الشهوة؛ حتى لا يقع في الزنى، والحرام الذين لا يجدون ما يتزوجون به من صداق، ونفقة، وقد أرشد هؤلاء الرسول ﷺ إلى الصوم، كما رأيت في الآية السابقة. ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يوسع عليهم في الرزق من جوده وإحسانه، ويجدون أهبة الزواج، وتكاليفه.\n ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ﴾ أي: المكاتبة، و﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون، ويلتمسون. قيل: نزلت الآية الكريمة في عبد لحويطب بن عبد العزى، يقال له: صبح، أو صبيح، طلب من سيده أن يكاتبه،","vol":"6","page":378},{"text":"فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية، فكاتبه حويطب على مئة دينار، ووهب له منها عشرين دينارا، فأداها، وقتل يوم حنين﵁-، وأرضاه.\nبيان حكم الآية، وكيفية المكاتبة: وذلك أن يقول السيد لعبده: كاتبتك على كذا من المال، ويسمي مالا معلوما، تؤدي ذلك في نجمين، أو في نجوم معلومة، كل نجم (قسط) كذا، فإذا أديت ذلك؛ فأنت حر، ويقبل العبد ذلك، فإذا أدى العبد المال المتفق عليه عتق، ويصير أحق بمكاسبه من سيده، وما فضل بيده بعد أداء المال المتفق عليه فهو له، ويتبعه أولاده الذين حصلوا في الكتابة في العتق، وإذا عجز عن أداء المال كان لسيده أن يفسخ كتابته، ويرده إلى العتق، ويكون ما في يده من المال لسيده، لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده﵃أنه قال، قال رسول الله ﷺ: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». أخرجه أبو داود. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أمر إيجاب، يجب على السيد أن يكاتب عبده الذي علم أن فيه خيرا؛ إذا سأل العبد ذلك على قيمته، أو على أكثر من قيمته، وإن سأل المكاتبة على أقل من قيمته، لا يجب، وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار؛ لما روي: أن سيرين، -أبا محمد بن سيرين- سأل أنس بن مالك﵃ أجمعين-أن يكاتبه، فأبى، فانطلق سيرين إلى الفاروق -﵁-، فشكاه إليه، فدعاه الفاروق، فقال له: كاتبه، فأبى، فضربه بالدّرّة، وتلا قوله تعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فكاتبه. انتهى خازن بتصرف.\nوقد اختلف في معنى (الخير) فقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: أظهر معاني الخير في العبد، الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من المكاتبة؛ إذا كان هكذا، وعن أبي هريرة -﵁أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة حقّ على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والنّاكح الّذي يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله». أخرجه الترمذي، والنسائي.\n ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ:﴾ هذا خطاب لسادات المكاتبين أن يحطوا عنهم شيئا من المال الذي كاتبوهم عليه. وقيل: هو حث لجميع المسلمين على مساعدتهم في تحرير رقابهم، ولذا فقد جعل الله لهم نصيبا مفروضا من الزكاة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ من آية التوبة رقم [٦٠]. وأكتفي بهذا؛ لأنه لم يبق للرق وجود في الدنيا. وقد كان في الزمن الغابر وقبل الإسلام يعمّ العالم وجوده، ولا أحكام تضبطه، ثمّ أخذت أحكامه قسطا كبيرا من الفقه الإسلامي.\n ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ:﴾ المراد ب: (الفتيات): الإماء، و﴿الْبِغاءِ﴾ الزنى، فقد روي عن جابر، وابن عباس﵄أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ المنافق، فقد كانت له جاريتان: إحداهما تسمى: معاذة، والأخرى مسيكة، وكان يكرههما على الزنى، ويضربهما عليه ابتغاء المال، وكسب الولد، إن حبلت إحداهما، أو كلتاهما، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ، فنزلت","vol":"6","page":379},{"text":"الآية فيه، وفيمن فعل فعله من المنافقين، ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي ﷺ في زوجها، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في مطلع سورة (المجادلة). انتهى. قرطبي بتصرف.\n ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ أي: إن أراد الفتيات؛ أي: الإماء تعففا عن الزنى، وذلك: أن الفتاة إذا أرادت التحصن، فحينئذ يمكن، ويتصور أن يكون السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الإكراه، وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن، فلا يتصور أن يقال للسيد: لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها، وهي مريدة للزنى، فهذا أمر في سادة، وفتيات حالهم هذه، وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي رحمه الله تعالى، فقال: إنما ذكر الله إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت راغبة في الزنى لم يتصور إكراه، فحصّلوه. وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين:\nفقال بعضهم: إن الكلام راجع إلى ﴿الْأَيامى﴾ في الآية السابقة. قال الزجاج، والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير، أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم، إن أردن تحصنا. وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ﴾ ملغى، ونحو ذلك مما يضعف، والله الموفق. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وقيل: هذا الشرط لا مفهوم له. ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها، والولد يسترق فيباع، وقيل: كان الزاني يفتدي ولده من المزنيّ بها بمئة من الإبل يدفعها إلى سيدها.\nوقال أبو السعود-رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنى، وإخراج ما عداها من حكمة، كما كان الإكراه بسبب كراهتهن الزنى لخصوص الزاني، أو لخصوص الزمان، أو لخصوص المكان، أو لغير ذلك من الأمور المصححة للإكراه في الجملة، بل للمحافظة على عادتهم المستمرة، حيث كانوا يكرهونهن على البغاء، وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهرتهن الآمرة بالفجور، وقصورهن في معرفة الأمور، الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح. انتهى.\nهذا؛ و﴿عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ حطامها الفاني، وإنما سمى سبحانه منافع الدنيا عرضا؛ لأنه لا ثبات لها ولا دوام، فكأنها تعرض، ثم تزول بخلاف منافع الآخرة، فإنها دائمة لا انقطاع لها، و﴿عَرَضَ﴾ بفتح العين والراء هنا، وهو بضم العين وسكون الراء: ناحية الشيء من أي وجه جئته، وهو بفتح العين وسكون الراء: ضد الطول، وهو بكسر العين وسكون الراء: النفس، يقال:\nأكرمت عنه عرضي، أي صنت عنه نفسي، وهو أيضا: رائحة الجسد وغيره، طيبة كانت أو خبيثة، يقال: فلان طيب العرض، أو منتن العرض، وانظر شرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (طه).\n ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ:﴾ على الزنى. ﴿فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لهن، أو: له إن تاب، والأول أوفق للظاهر، ولما في مصحف ابن مسعود﵁-: (بعد إكراههنّ لهنّ","vol":"6","page":380},{"text":"غفور رحيم) وكان الحسن يقول: لهنّ والله! لهن والله! ولا يرد عليه: أن المكرهة غير آثمة، فلا حاجة إلى المغفرة؛ لأن الإكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات، ولذلك حرم على المكره القتل، وأوجب عليه القصاص.\nخاتمة: يطعن المستشرقون، والملحدون من أبناء المسلمين في الإسلام، وينعتونه بالقسوة، وبأنه عمل على تكديس الرق، وتكريسه، ويستدلون على ذلك بما كان عند الخلفاء والأثرياء من العبيد، والسراري الكثيرة. والجواب، بل والرد المفحم لهم: أن الإسلام لم يبتدع الرق، ولم يعمل على تشجيعه، وإنما جاء والبشرية غارقة بماسي الرقيق، فلو دعا الإسلام من أول نشأته إلى تحرير الرق، لنفر منه الأثرياء، وذوو الجاه، والسلطان.\nولكنه عمل على تحرير الرقيق بشتى الوسائل، وفتح أبوابا كثيرة لتحريره، لم نجد ذلك في اليهودية، ولا في النصرانية، ولا في المجوسية وغيرها من الديانات على ممر العصور، فهذه المكاتبة التي رأيت شرحها، وقد جعل الإسلام تحرير الرقيق أول ما يجب في الكفارات لمن كان يملك رقيقا، أو قدر على شرائه، وذلك في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل غير العمد، وكفارة الجماع في أيام رمضان، ونحو ذلك. هذا بالإضافة إلى الترغيب في عتق الرقيق احتسابا لوجه الله تعالى، يتجلى ذلك في قول الرسول ﷺ: «من عتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النّار».\nهذا؛ بالإضافة إلى حسن المعاملة التي أمر بها الإسلام في التخاطب بين السيد وعبده، وفي المأكل، والملبس، والعمل. ففي التخاطب قال الرسول ﷺ: «لا يقل أحدكم عبدي، وليقل:\nيا مولاي». وذلك لئلا ينكسر خاطر العبد بكلمة: عبدي، فكانت كلمة: يا مولاي متبادلة بين السيد، ومملوكه. وأما في المأكل والملبس، والعمل؛ فقد قال الرسول الله ﷺ: «إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده، فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا يكلّفه من العمل ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه عليه». رواه البخاري، وغيره من حديث أبي ذر﵁-. هذا؛ ويلحق بالعبد الأجير، والخادم الضعيف، والدابة.\nلذا لم يكن التذمر موجودا عند طبقة العبيد في الإسلام، بل كان السادة والعبيد متحابين متوادين متآلفين، ولم تقم ثورات للعبيد على أسيادهم في بلاد المسلمين، كالذي حدث عند الأوربيين وذلك للظلم الذي أحاط بالعبيد في أوربا خلال القرون الوسطى، وكان من أبرزها الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي، وما تلاها من ثورات واحتجاجات في إنكلترا وغيرها، حتى أدى ذلك إلى إلغاء الرق في مطلع القرن العشرين، ولو بقي الرق موجودا في بلاد المسلمين إلى اليوم لما رأينا أثرا لهذا التذمر الذي حصل في أوربا، وهذه دولة الولايات المتحدة التي تدعي التقدمية، وتدافع عن حقوق الإنسان لا يزال التمييز العنصري موجودا في جميع هيئاتها، فكيف يصمون الإسلام مما هو منه براء؟!.","vol":"6","page":381},{"text":"الإعراب: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ليستعفف): مضارع مجزوم بلام الأمر.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهو العائد. ﴿نِكاحًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها «أن» مضمرة.\n ﴿يُغْنِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، والهاء: مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وفي الخبر وجهان: أحدهما محذوف، وهو قول سيبويه، التقدير: فيما يتلى عليكم حكم الذين يبتغون... إلخ، وعند المبرد الخبر هو جملة: ﴿فَكاتِبُوهُمْ..﴾. إلخ، وهو موافق للكوفيين في هذا، ودخول الفاء في الخبر زائدة؛ لأن الكلام في معنى الشرط، أو الموصول في محل نصب مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهو المختار في أمثاله؛ لأن الخبر لا يكون جملة إنشائية، إلا بإضمار وتأويل، ومثل هذه الآية في أوجه الإعراب الآية رقم [٢ و٤].\n ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ مضارع وفاعله. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿مَلَكَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾\nفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف إذ التقدير: من الذين ملكتهم أيمانكم، وجملة: ﴿يَبْتَغُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿فَكاتِبُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي زائدة. (كاتبوهم): أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة على قول سيبويه، وفي محل رفع خبر المبتدأ على قول المبرد، ومفسرة لا محل لها على الاشتغال، والجملة الاسمية، أو الفعلية المقدرة لا محل لها. تأمل. ﴿إِنْ:﴾\nحرف شرط جازم. ﴿عَلِمْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من خيرا، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة... إلخ، وجملة: ﴿عَلِمْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها، لا محل لها أيضا.\n (آتوهم): أمر، وفاعله، ومفعوله. ﴿مِنْ مالِ:﴾ متعلقان به، و﴿مالِ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿مالِ اللهِ﴾.\n ﴿آتاكُمْ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي آتاكموه، وجملة: ﴿وَآتُوهُمْ..﴾. إلخ معطوفة","vol":"6","page":382},{"text":"على جملة (كاتبوهم...) إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (لا تكرهوا): مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَتَياتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى الْبِغاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْنَ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والنون فاعله. ﴿تَحَصُّنًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن أردن تحصنا؛ فلا تكرهوهن على البغاء. وانظر الشرح، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تُكْرِهُوا﴾. ﴿عَرَضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله... إلخ.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُكْرِهْهُنَّ:﴾ مضارع فعل الشرط. والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان ب: ﴿غَفُورٌ﴾ بعدهما. و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿إِكْراهِهِنَّ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والنون علامة جمع الإناث. ﴿غَفُورٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محلّ المفرد، وانظر المتعلق المحذوف في الشرح، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2825\"></span>﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ:﴾ بكسر الياء المشددة، أي: بينت هذه الآيات الأحكام، والحدود، وهي واضحة في نفسها، يصدقها الكتب القديمة، والعقول السليمة، أو من بيّن بمعنى: تبين، ومنه المثل: [الرجز]\nقد بيّن الصبح لذي عينين","vol":"6","page":383},{"text":"هذا؛ ويقرأ بفتح الياء المشددة على أن المراد الآيات التي بيّنت في هذه السورة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود، وجاز أن يكون الأصل مبينا فيها، فاتسع في الظرف، أي أجري مجرى المفعول به، ومنه قول رجل من بني عامر، لم يسم: [الطويل]\nويوما شهدناه سليما وعامرا... قليلا سوى الطّعن النّهال نوافله\n ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: ومثلا من أمثال من قبلكم، أي وقصة عجيبة مثل قصصهم، وهي قصة عائشة﵂-، فإنها كقصة يوسف، ومريم على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ:﴾ وتخصيص المتقين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظ القرآن، وتذكيره. هذا؛ وقد قيل: المثل من نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ..﴾. إلخ، ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾.\nبعد هذا: انظر (نا) في الآية رقم [٤٩] من سورة (مريم)، وشرح أنزل، ونزل في الآية رقم [١].\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿مُبَيِّناتٍ:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، وجملة: (قد أنزلنا...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف. (مثلا): معطوف على ﴿آياتٍ﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (مثلا). ﴿خَلَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. (موعظة):\nمعطوف على مثلا. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب: (موعظة) أو بمحذوف صفة لها، وجملة: ﴿خَلَوْا..﴾.\nإلخ صلة الموصول لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2826\"></span>﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ النور في كلام العرب: الأضواء المدركة بالباصرة، أو هو كيفية تدركها الباصرة أولا، وبواسطتها تدرك سائر المبصرات. وفي تأويل هذه الجملة أقوال","vol":"6","page":384},{"text":"كثيرة، وتفسيرات عديدة، فقد قال ابن عباس﵄-: معناه: الله هادي السموات، والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهدايته من حيرة الضلالة ينجون. وقيل: معناه: الله منوّر السموات والأرض، وقد قرئ به، وقيل: نور السماء بالملائكة، ونور الأرض بالأنبياء، وقيل:\nمعناه: مزين السموات والأرض، زين السماء بالشمس، والقمر، والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء، والعلماء، والمؤمنين، يقال: زين الأرض بالنبات، والأشجار، وقيل: معناه: أن الأنوار كلها منه تعالى. وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح، فيستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح: فيقال منه: كلام له نور، ومنه الكتاب المنير، ومنه قول الشاعر: [الكامل]\nنسب كأنّ عليه من شمس الضّحى... نورا، ومن فلق الصّباح عمودا\nوالناس يقولون: فلان نور البلد، وشمس العصر، وقمره، قال النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل]\nفإنّك شمس والملوك كواكب... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب\nفيجوز أن يقال: لله تعالى نور، من جهة المدح؛ لأنه أوجد الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة، تنزه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وجملة القول: إن بالله تعالى وبقدرته أنارت أضواء السموات والأرض، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها. فالكلام على التقريب للذهن.\n ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: مثل نور الله ﷿ في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدي به.\nوقيل: أراد بالنور: القرآن. وقيل: هو محمد ﷺ، وقيل: هو الطاعة، سمى سبحانه طاعته نورا، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تشريفا، وتفضيلا، وعلى الثلاثة الأخيرة فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر.\n ﴿كَمِشْكاةٍ:﴾ هي الكوة في الحائط غير النافذة، قاله ابن جبير، وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها، وهي على وزن مفعلة كالمقراض، والمصفاة، قال الشاعر: [البسيط]\nكأنّ عينيه مشكاتان في حجر... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير\n ﴿الْمِصْباحُ:﴾ الفتيل الذي تشتعل فيه النار للإضاءة، و﴿الزُّجاجَةُ﴾ جسم شفاف، والمصباح فيه أضوأ، وأنور منه في غير الزجاج. ﴿كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي في الإنارة، والضوء، والمراد ب: ﴿كَوْكَبٌ﴾ أحد الكواكب الخمسة السيارة، التي هي: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، ووصفه ب: ﴿دُرِّيٌّ﴾ أي شديد الإنارة نسبة إلى الدر في صفائه، وحسنه، وإن كان الكوكب أضوأ من الدر، لكنه يفضل الكوكب بصفائه، كما يفضل الدر على سائر اللؤلؤ، قيل:","vol":"6","page":385},{"text":"إن الله شبه المصباح بالكوكب، ولم يشبهه بالشمس، والقمر؛ لأنهما يلحقهما الكسوف بخلاف الكواكب. هذا؛ ويقرأ ﴿دُرِّيٌّ﴾ بقراآت كثيرة.\n ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أي: يستمد المصباح زيته من زيت شجرة كثيرة البركة، وهي شجرة الزيتون، ذات المنافع الكثيرة. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠] من سورة (المؤمنون).\nهذا؛ ويقرأ: «(توقد)» بالتاء على إسناده إلى الزجاجة، و«(توقّد)» على أنه أصله: تتوقد.\n ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ:﴾ فقد قال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وغيرهم: الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا أشرقت، ولا تصيبها إذا غربت؛ لأن لها سترا. والغربية عكسها، أما شجرة الزيتون المذكورة هنا فإنها في صحراء ومنكشف من الأرض، لا يواريها عن الشمس شيء في أول النهار، ولا في آخره، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية غربية، وما كانت بهذه المثابة؛ فزيتها أطيب زيت. وقيل: المعنى: أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد. وقيل: المعنى: هي شامية؛ لأن الشام وسط الأرض لا شرقي، ولا غربي. وقيل: ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا؛ لأنها لو كانت في الدنيا، لكانت شرقية، أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره. وقيل غير ذلك، والأول هو الأولى بالاعتبار.\n ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يكاد يضيء بنفسه من غير نار تمسه، وذلك لشدة صفائه، وحسنه، وجودته، وفرط تلألئه، ورونقه. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أي أنه اجتمع في المشكاة ضوء المصباح، إلى ضوء الزجاجة، وإلى ضوء الزيت الصافي الجيد، فصارت المشكاة كأنور ما يكون، لحصر النور فيها، وعدم نفاذه إلى خارجها، فكذلك براهين الله تعالى واضحة، وهي برهان بعد برهان، وتنبيه بعد تنبيه، كإرساله الرسل، وإنزاله الكتب، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر.\n ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته، وسعادته، ومن لم يهده الله فلا هادي له، ولا يرى النور مهما قدمت له من البراهين، والحجج. قال تعالى في الآية رقم [١٧] من سورة (الكهف): ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أي:\nيبين الله الأشياء للناس تقريبا للأفهام، وتسهيلا لسبيل الإدراك، وإدناء للمعقول من المحسوس توضيحا وبيانا. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ لا يخفى عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء، معقولا كان، أو محسوسا، ظاهرا كان، أم خفيا، وفيه وعد لمن تدبر الأمثال، وانتفع بها، ووعيد لمن لم يكترث بها، ولم يستفد منها.\nهذا؛ وعلى اعتبار الممثل به فقد اختلف العلماء في معنى هذا التمثيل، فقيل: المراد به الهدى، ومعناه: أن هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور، والجلاء إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي فيها زجاجة صافية، وفي تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت، بلغ النهاية","vol":"6","page":386},{"text":"في الصفاء، والرقة، والبياض، فإذا كان كذلك؛ كان عاملا في صفائه، وصلح أن يجعل مثلا لهداية الله تعالى.\nوقيل: وقع هذا التمثيل لنور محمد ﷺ. قال ابن عباس﵄لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾ قال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيه ﷺ، فالمشكاة صدره، و﴿الزُّجاجَةُ﴾ قلبه، و﴿الْمِصْباحُ﴾ فيه النبوة. ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي شجرة النبوة، يكاد محمد ﷺ، وأمره يتبين للناس، ولو لم يتكلم به أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء، ولو لم تمسسه نار.\nوروي عن ابن عمر﵄في هذه الآية قال: المشكاة جوف محمد ﷺ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله فيه، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ:﴾ لا يهودي، ولا نصراني، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ:﴾ إبراهيم عليه الصلاة، والسّلام، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ:﴾ نور قلب إبراهيم، ونور قلب محمد ﷺ.\nوقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، و﴿الزُّجاجَةُ:﴾ إسماعيل، و﴿الْمِصْباحُ:﴾\nمحمد ﷺ وعليهم أجمعين، سمى الله محمدا مصباحا، كما سماه: (سراجا منيرا)، والشجرة المباركة إبراهيم ﵊؛ لأن أكثر الأنبياء من صلبه، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ،﴾ يعني إبراهيم لم يكن يهوديا، ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما؛ لأن اليهود تصلي إلى الغرب، والنصارى تصلي إلى الشرق، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ تكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل أن يوحى إليه، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ نور نبي من نسل نبي، نور محمد على نور إبراهيم.\nوقيل: وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن، قال أبي بن كعب: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه، والزجاجة قلبه، و﴿الْمِصْباحُ﴾ ما جعله الله فيه من الإيمان، والقرآن، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي شجرة الإخلاص لله وحده، فمثله مثل شجرة التفّ بها الشجر، فهي خضراء ناعمة نضرة، لا تصيبها الشمس؛ إذا طلعت، ولا إذا غربت، فكذلك المؤمن قد احترس أن يصيبه شيء من الفتن، فهو بين أربع خلال، إن أعطي؛ شكر، وإن ابتلي؛ صبر، وإن حكم؛ عدل، وإن قال؛ صدق، ﴿يَكادُ زَيْتُها،﴾ أي يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ،﴾ قال أبيّ: أي: فهو يتقلب في خمسة أنوار، قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.\nوقال ابن عباس﵄-: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوآ على ضوئه، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم؛ ازداد هدى على هدى، ونورا على نور.\nوقال الكلبي: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يعني: إيمان المؤمن وعمله. وقيل: نور الإيمان، ونور القرآن، وقيل: هذا مثل القرآن، فالمصباح هو القرآن، فكما يستضاء بالمصباح؛ فكذلك يهتدى","vol":"6","page":387},{"text":"بالقرآن. والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة فمه ولسانه، والشجرة المباركة شجرة المعرفة في قلبه، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ أي: نور المعرفة يشرق في قلب المؤمن، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾.\nوقيل: تكاد حجة القرآن تتضح؛ وإن لم يقرأ. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يعني: القرآن نور من الله لخلقه، مع ما أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نورا على نور. انتهى.\nخازن بحروفه. هذا؛ وضرب المثل يكون بدنيء محسوس معهود، لعليّ رفيع غير معاين، ولا مشهود، فأبو تمام لما قال في المأمون: [الكامل]\nإقدام عمرو في سماحة حاتم... في حلم أحنف في ذكاء إياس\nفقيل له: إن الخليفة فوق من مثلته بهم، فقال مرتجلا [الكامل]\nلا تنكروا ضربي له من دونه... مثلا شرودا في النّدى والباس\nفالله قد ضرب الأقلّ لنوره... مثلا من المشكاة والنّبراس\nهذا؛ وقد اختلفوا أيضا في هذا التشبيه، هل هو تشبيه مركب، أي: قصد فيه تشبيه جملة بجملة من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هداه، وإتقان صنعته في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي تتخذونه، وهو أبلغ صفات النور عندكم؟ أو هو تشبيه غير مركب؛ أي: قصد مقابلة جزء بجزء؟ وهل المشكاة عربية، أم حبشية معربة؟ خلاف.\nانتهى. جمل بحروفه.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿نُورُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿نُورِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَمِشْكاةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما فهي الخبر، وتكون الكاف مضافا، و(مشكاة) مضافا إليه، والجملة الاسمية: ﴿مَثَلُ..﴾. إلخ مفسرة لما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِيها:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِصْباحٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة (مشكاة). هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور فيها متعلقين بمحذوف صفة (مشكاة)، فيكون ﴿مِصْباحٌ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور. ﴿الْمِصْباحُ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي زُجاجَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿مِصْباحٌ،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها، وقيل:\nمفسرة لما قبلها، وعلى الأول فالرابط: إعادة المصباح بلفظه. ﴿الزُّجاجَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿كَأَنَّها:﴾\nحرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها. ﴿كَوْكَبٌ:﴾ خبرها. ﴿دُرِّيٌّ:﴾ صفة ﴿كَوْكَبٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الزُّجاجَةُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿زُجاجَةٍ،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها، وقيل: مفسرة لما قبلها.","vol":"6","page":388},{"text":"﴿يُوقَدُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ويقرأ بالتاء، بالبناء للمعلوم، كما يقرأ بالبناء للماضي وبالتاء، ونائب الفاعل على الأول يعود إلى ﴿كَوْكَبٌ﴾ والفاعل على الثاني يعود إلى ﴿الزُّجاجَةُ﴾ وعلى الثالث يعود إلى ﴿كَوْكَبٌ،﴾ والجملة الفعلية على الأول، والثالث في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿كَوْكَبٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه ب: ﴿دُرِّيٌّ﴾ وعلى الثاني في رجوع الفاعل، فالجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ الذي هو الزجاجة. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من نائبه المستتر في الفعل. ﴿مُبارَكَةٍ:﴾ صفة ﴿شَجَرَةٍ﴾. ﴿زَيْتُونَةٍ:﴾ بدل من ﴿شَجَرَةٍ﴾ أو هي عطف بيان عليها، وهذا مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو علي الفارسي من البصريين، والأول أشهر، وهو قول البصريين، فإنهم لا يجيزون عطف البيان في النكرات، وهو مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٦] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾. ﴿لا شَرْقِيَّةٍ:﴾ صفة ثانية ل: ﴿شَجَرَةٍ﴾ منفية. (لا غربية): معطوف على ما قبله.\n ﴿يَكادُ:﴾ مضارع ناقص مرفوع. ﴿زَيْتُها:﴾ اسم يكاد، و(ها): في محل جر بالإضافة.\n ﴿يُضِيءُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى زيتها، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿يَكادُ،﴾ وجملة: ﴿يَكادُ..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية، أو ثالثة ل: ﴿شَجَرَةٍ﴾ وقال أبو البقاء: نعت ل: ﴿زَيْتُونَةٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿تَمْسَسْهُ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) والهاء مفعول به. ﴿نارٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: ولو لم تمسسه نار؛ لأضاء، و(لو) ومدخولها في محل نصب حال من فاعل ﴿يُضِيءُ﴾ المستتر، وهذه الحال لاستقصاء الأحوال، أي: حتى في هذه الحال. انتهى. جمل.\n ﴿نُورُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى نُورٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، وقيل: ﴿نُورُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، و﴿عَلى نُورٍ﴾ متعلقان بمحذوف صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، أي: ذلك النور نور عظيم كائن على نور كذلك، لا على أنه عبارة عن نور واحد معين، أو غير معين فوق نور آخر مثله، ولا عن مجموع نورين اثنين فقط، بل عبارة عن نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه بحدّ معين، وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر؛ لكونه أقصى مراتب تضاعفه عادة. انتهى. جمل. والجملة الاسمية: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ فيها معنى التأكيد لجملة: ﴿يُضِيءُ..﴾. إلخ ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِنُورِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يهدي الله لنوره الذي، أو: شخصا يشاء هدايته. وجملة: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ مستأنفة،","vol":"6","page":389},{"text":"لا محل لها. وجملة: ﴿وَيَضْرِبُ..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، والجار والمجرور ﴿بِكُلِّ﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما والذي هو خبر المبتدأ، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-2827\"></span>﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فِي بُيُوتٍ:﴾ المراد به جميع المساجد. قال ابن عباس﵄-:\nالمساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء، كما تضيء النجوم لأهل الأرض. وقيل:\nالمراد بالبيوت أربعة مساجد، لم يبنها إلا نبي: (الكعبة) بناها إبراهيم، وإسماعيل، وجعلاها قبلة، و(بيت المقدس) بناه داود، وسليمان، و(مسجد المدينة) و(مسجد قباء) بناهما رسول الله ﷺ، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين. والمعتمد الأول؛ لما رواه أنس بن مالك -﵁عن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ الله؛ فليحبني، ومن أحبّني؛ فليحبّ أصحابي؛ ومن أحبّ أصحابي؛ فليحبّ القرآن، ومن أحبّ القرآن؛ فليحبّ المساجد، فإنها أفنية الله، وأبنيته، أذن الله في رفعها، وبارك فيها، ميمونة ميمون أهلها، محفوظة محفوظ أهلها، هم في صلاتهم، والله ﷿ في حوائجهم، هم في مساجدهم، والله من ورائهم». انتهى.\nقرطبي بتصرف، والأحاديث المرغبة في لزوم المساجد كثيرة لا تعد، ولا تحصى.\n ﴿أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ:﴾ أمر، وقضى، وحكم أن تبنى، وتشيد. قاله مجاهد، وعكرمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ..﴾. إلخ وقال ﷺ: «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله؛ بنى الله له بيتا في الجنّة». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عثمان بن عفان﵄وعن أبي ذر﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «من بنى لله مسجدا قدر مفحص قطاة، بنى الله له بيتا في الجنة». رواه الطبراني في الصغير، وابن حبّان، والبزار، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تحض على بناء المساجد، وتشييدها من غير إسراف في زخرفتها.\nوقال الحسن البصري، وغيره: معنى ﴿تُرْفَعَ﴾ تعظم، وتطهر من الأنجاس، والأقذار. هذا؛ وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، فعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أخرج أذى من المسجد؛ بنى الله له بيتا في الجنّة». رواه ابن ماجه. وعن أبي قرصافة﵁أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة». فقال رجل: يا رسول الله! وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: «نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين» رواه الطبراني في الكبير.\n ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: بالتقديس، والتحميد، والتهليل، والتكبير، أو بقراءة القرآن الكريم، أو بالصلاة، والتسليم على سيد المرسلين، أو بمدارسة العلوم الشرعية على جميع","vol":"6","page":390},{"text":"أنواعها، واختلاف فنونها. ويجب أن تجنب المساجد البيع، والشراء، وإنشاد الضائع، والجلوس فيها لحديث الدنيا، فإن ذلك يمحق الحسنات، ويضاعف السيئات، فعن أبي هريرة -﵁أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من سمع رجلا ينشد ضالّة في المسجد؛ فليقل:\nلا ردّها الله عليك، فإنّ المساجد لم تبن لهذا». رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم، وعنه﵁أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد فقولوا:\nلا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالّة فقولوا: لا ردّها الله عليك». رواه الترمذي والنسائي وابن خزيمة والحاكم، وعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «سيكون في آخر الزّمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة».\nرواه ابن حبّان في صحيحه. ولولا الإطالة لذكرت لك الكثير من هذا.\nوأما تناشد الأشعار في المسجد فاختلف في ذلك، فمن مانع مطلقا، ومن مجيز مطلقا، والأولى التفصيل، وهو أن ينظر إلى الشعر، فإن كان مما يقتضي الثناء على الله ﷿، أو على رسوله ﷺ، أو الذب عنهما، كما في شعر حسان﵁-، أو يتضمن الحض على الخير والوعظ، والزهد في الدنيا، والتقلل منها؛ فهو حسن في المساجد، وغيرها كقول أبي العتاهية: [الكامل]\nأقم الصّلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات\nوإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصدقات\nفي الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزكاة قرينة الصّلوات\nوللشافعي﵁أشعار في الحكمة لا بأس بإنشادها حتى في مجالس الوعظ والإرشاد، كالذي ذكرته في الآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء). وأما الشعر المشتمل على المجون، والكذب، والتزين بالباطل، والمدح الكاذب، فلا يجوز إنشاده في المسجد، ولا في غيره، فعن عائشة﵂-. قالت: ذكر الشعراء عند رسول الله ﷺ، فقال: «هو كلام حسنة حسن، وقبيحه قبيح». وأما النوم في المسجد فإنه مكروه إلا للغرباء، الذين لا بيوت لهم، فهو جائز.\nوعن فاطمة الزهراء﵂قالت: كان رسول الله: ﷺ إذا دخل المسجد؛ قال:\n «باسم الله، والسّلام على رسول الله. اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرج؛ قال: «باسم الله، والسّلام على رسول الله. اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك». رواه ابن ماجه. وعن أبي قتادة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال:\n «إذا دخل أحدكم المسجد؛ فليركع ركعتين قبل أن يجلس». رواه مسلم.","vol":"6","page":391},{"text":"﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ:﴾ اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبّحين، فقيل: هم المراقبون أمر الله، الطالبون رضاه، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا. وقال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق، الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة؛ تركوا كل عمل، وبادروا. ورأى سالم بن عبد الله أهل الأسواق؛ وهم مقبلون إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين أراد الله بقوله: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ..﴾. إلخ. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿يُسَبِّحُ﴾ بكسر الباء وفتحها، كما يقرأ «(تسبح)» بالتاء، وعلى ما تقدم؛ فالمراد من يسبح في الصلاة.\nهذا؛ و(الغدو): جمع: غدوة بضم الغين فيهما، وهي ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس، وقيل: إلى الضحوة الكبرى، والغداة بفتح الغين في الأصل: الضحوة، ولو حملها حامل على أول النهار لجاز له التذكير، والجمع: غدوات. (الآصال): جمع: أصيل، وهو الوقت بين العصر، والمغرب، ويجمع أيضا على أصائل، وأصل، وأصلان. هذا؛ وقيل: الآصال جمع: أصل، والأصل جمع: أصيل، ثم أصائل جمع الجمع، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nلعمري أنت البيت أكرم أهله... وأقعد في أفيائه بالأصائل\nهذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس إلى الماء مثل الحبال، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب، وانظر مقابلة (العشي) ب: (الإبكار) في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران)، ومقابلة (البكرة) ب: (الأصيل) في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان)، ومقابلة (الغداة) ب: (العشي) في الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام) ففيهما كبير فائدة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فِي بُيُوتٍ:﴾ فيه ستة أوجه: أحدها: أنهما متعلقان بمحذوف صفة (مشكاة) أي:\nكمشكاة موجودة في بيوت. الثاني: أنهما متعلقان بمحذوف صفة ﴿مِصْباحٌ،﴾ أي: مصباح كائن في بيوت. الثالث: أنهما متعلقان بمحذوف صفة ﴿زُجاجَةٍ﴾ أي: زجاجة موجودة في بيوت.\nالرابع: أنهما متعلقان ب: ﴿يُوقَدُ﴾ وعلى هذه الأوجه لا يوقف على ﴿عَلِيمٌ﴾. الخامس: أنهما متعلقان بمحذوف، أي: سبحوه في بيوت. السادس: أنهما متعلقان ب: ﴿يُسَبِّحُ﴾ أي: يسبح رجال في بيوت، ولفظ ﴿فِيهَا﴾ تكرر للتوكيد، وعلى هذين الوجهين يوقف على ﴿عَلِيمٌ﴾ انتهى. نقلا عن السمين بتصرف. وفي القرطبي: قال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول:\nهو حال للمصباح، والزجاجة، والكوكب، كأنه قال: وهي في بيوت. وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي: (في بيوت) منفصل، كأنه يقول: الله في بيوت... وبذلك جاءت الأخبار: أنه من جلس في المسجد، فإنه يجالس ربه. وجوز ابن الأنباري تعليقهما بمحذوف خبر مقدم، على أن ﴿رِجالٌ﴾ مبتدأ مؤخر، فإن قيل: فما الوجه في تعليقهما بمحذوف صفة لأحد الأسماء الثلاثة المذكورة، أو ب: ﴿يُوقَدُ،﴾ ولا يكون مشكاة، أو مصباح، أو زجاجة إلا في بيت واحد، قيل:","vol":"6","page":392},{"text":"هذا من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد، ويختم بالجمع، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ ونحوه، وقيل: رجع إلى كل واحد من البيوت، وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾.\n ﴿أَذِنَ:﴾ ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تُرْفَعَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ونائب الفاعل يعود إلى ﴿بُيُوتٍ﴾ و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في رفعها. والجار والمجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿أَذِنَ،﴾ وجملة: ﴿أَذِنَ..﴾. إلخ في محل جر صفة (بيوت). ﴿وَيُذْكَرَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وهو مبني للمجهول أيضا. ﴿فِيهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِسْمُهُ:﴾ نائب فاعل. ﴿يُسَبِّحُ:﴾ مضارع، فعلى قراءته بالبناء للمعلوم فاعله ﴿رِجالٌ﴾. وعلى قراءته بالبناء للمجهول، فنائب الفاعل متعلّق أحد المجرورات بعده، والأول أولى، لاحتياج العامل إلى مرفوعه فالذي يليه أولى، وعلى هذا فالوقف على (الآصال) و﴿فِيها بِالْغُدُوِّ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، وعلى هذا ف: ﴿رِجالٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو مبتدأ مؤخر، والخبر متعلق ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ وهذا وجه رأيته فيما سبق. والثاني: هو فاعل لفعل محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: يسبحه رجال، وهذه الجملة وقعت جوابا لسؤال مقدر، فكأن سائلا سأل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال، وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: المسبح لله تعالى رجال، وتبقى الجملة الاسمية جوابا للسؤال المقدر، ومثل هذه الآية قول نهشل بن حري، ونسب لغيره، وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا فتح رب البرية، والشاهد رقم [١٠٤٨] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nليبك يزيد ضارع لخصومة... ومختبط ممّا تطيح الطوائح\nإذ التقدير: يبكيه ضارع، وجملة: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من نائب فاعل ترفع المستتر، والرابط: الضمير المجرور بقوله ﴿فِيهَا﴾ وقيل: صفة ثانية لبيوت.\n\n<span id=\"aya-2828\"></span>﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿رِجالٌ:﴾ جمع: رجل. مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشهامة، وغيرهما، والمرأة مأخوذة من المرء، وهو الرجل؛ لأنها خلقت منه، وجعلت نهمتها فيه. ﴿لا تُلْهِيهِمْ:﴾\nلا تشغلهم. ﴿تِجارَةٌ:﴾ قيل: خص التجارة بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلوات، والطاعات. وأراد بالتجارة: الشراء، وإن كان اسم التجارة يقع على البيع، والشراء جميعا؛ لأنه ذكر البيع بعده، وقيل: التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على يده. ﴿وَلا بَيْعٌ﴾ أي: لا يشغلهم بيع.","vol":"6","page":393},{"text":"﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: باللسان، والقلب، وقيل: المراد به الصلاة، وحضور المساجد لإقامتها.\nوالأول أقوى لذكر الصلاة بعده، وعطفها عليه. ﴿وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ أي: إقامة الصلاة في وقتها؛ لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة. وانظر شرح الصلاة، والزكاة في الآية رقم [٣٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وانظر إعلال (إقام) في الآية رقم [٧٣] من سورة (الأنبياء) وانظر ما ذكرته في الآية السابقة بشأن أهل الأسواق.\n ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ أي: يوم القيامة. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ أي: من هوله، وحذر الهلاك. والتقلب: التحول، والمراد: قلوب الكفار، وأبصارهم، فتقلب القلوب: انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها، ولا هي تخرج، وأما تقلب الأبصار؛ فتحول هيئتها إلى العمى بعد البصر، بمعنى: تزيغ، ولا تبصر. وانظر الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ الآية رقم [١٠] من سورة (الأحزاب).\nوالمعنى: إن هؤلاء الرجال، وإن بالغوا في ذكر الله، والطاعات؛ فإنه مع ذلك وجلون خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته. وقد قيل في معنى تقلب القلوب والأبصار: إن القلوب تتقلب بين الطمع في النجاة، والخوف من العقاب في ذلك اليوم، وتقلب الأبصار، تنظر من أية ناحية يعطون كتبهم، وإلى أية ناحية يؤخذ بهم. وقيل: إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك، وكذلك أبصارهم؛ لرؤيتهم اليقين، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فما كان يراه في الدنيا غيّا يراه رشدا في الآخرة، إلا أن ذلك لا ينفعهم.\nوقيل: تقلب على جمر جهنم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ﴾ الأحزاب رقم [٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ..﴾. الآية رقم [١١٠] من سورة (الأنعام).\nوقيل: المعنى: تتقلب أحوالها، فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه، وتبصر الأبصار ما لم تبصر. هذا؛ وتخصيص الرجال بالذكر دليل على أن النساء لاحظ لهن في المساجد؛ إذ لا جمعة عليهن ولا جماعة، وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، فعن عبد الله بن مسعود﵁عن النبي ﷺ قال: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها». رواه أبو داود، وابن خزيمة في صحيحه. والمخدع: الخزانة ونحوها في داخل البيت، وعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ:\n «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهنّ خير لهنّ». رواه أبو داود.\nفهذا النهي للفتنة، فإذا أمن الإنسان الفتنة، وعدم النظر إليهن، فلا يمنعن، ولا سيما العجائز وهذا في عصر النبوة، وآداب الإسلام معمول بها، والإسلام في قمة رفعته، وعزته، والكل يخاف الله جل وعلا، فما بالك الآن أيها المسلم؛ وقد كثر الفجور والفسوق، وكثير من","vol":"6","page":394},{"text":"الفتيات عاريات، مائلات، مميلات في الشوارع، والنوادي، وعلى شواطئ الأنهار، والبحار، يا عجبا! يمنعهن نبي الإسلام من الذهاب إلى المساجد لعبادة الله، والأزواج، والآباء، والإخوة، لا يمنعونهن من هذا التبرج، ويل لكم يا أولياء النساء! إذا قدرتم على منعهن، ولم تمنعوهن، فإنه تنزل عليكم اللعنات، وتشملكم السخطات، ويلحقكم غضب الله، وانتقامه في يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعا، ولا دفعا.\nالإعراب: ﴿رِجالٌ:﴾ فاعل ﴿يُسَبِّحُ﴾ أو هو مبتدأ مؤخر، خبره ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ انظر الآية السابقة.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُلْهِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿تِجارَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿رِجالٌ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿بَيْعٌ:﴾ معطوف على ﴿تِجارَةٌ﴾. ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف.\n ﴿وَإِقامِ:﴾ معطوف على ذكر، وهو مضاف، و﴿الصَّلاةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَإِيتاءِ:﴾ معطوف على ذكر أيضا، وهو مضاف، و﴿الزَّكاةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿يَخافُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿يَوْمًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب وهو الهاء، والرابط: الضمير فقط، وهو واو الجماعة، وأجيز اعتبارها صفة ثانية ل: ﴿رِجالٌ﴾. ﴿تَتَقَلَّبُ:﴾ مضارع. ﴿فِيهِ﴾ متعلقان به. ﴿الْقُلُوبُ:﴾ فاعله. ﴿وَالْأَبْصارُ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة يوما.\n\n<span id=\"aya-2829\"></span>﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)﴾\nالشرح: المعنى: إن الرجال الذين اشتغلوا بذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتأدبوا بآداب المساجد إنما فعلوا ذلك ليجزيهم، أي: ليثيبهم أعظم من عملهم في الدنيا فرضا، كان أو نفلا، كيف لا؟! والله الحليم الكريم يجزي المؤمن على عمله الصالح في الدنيا الحسنة بعشر أمثالها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ الأنعام [١٦٠] وهذا أقل ما وعد به سبحانه من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبعمئة وبغير حساب، كما في هذه الآية:\n ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ أشياء كثيرة لم يعدهم إياها على أعمالهم، ولم تخطر ببالهم.\nوفي أبي السعود: أي: يتفضل عليهم بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها، أو بمقاديرها، ولم يخطر ببالهم كيفياتها، ولا كمياتها، بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف","vol":"6","page":395},{"text":"سلام. وقول النبي ﷺ: «يقول الله ﵎: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» وغير ذلك من المواعيد الكريمة. انتهى. جمل.\nخرج الحديث في الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي﵁-. وهو ما في القرطبي، وأسنده الخازن إلى أبي هريرة﵁-.\n ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ بغير تقدير، فيوسع في الدنيا، استدراجا تارة، وابتلاء أخرى، وإكراما ثالثة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ سورة (الطلاق) رقم [٢ و٣] هذا؛ وأما في الآخرة فرزقه جلت قدرته للمؤمنين واسع، لا يضبطه عد، ولا يحصره كيل، ولا وزن، بخلاف رزق الدنيا فإنه مضبوط محصور. وقول القرطبي:\nأي: من غير أن يحاسب على ما أعطاه. لا وجه له؛ إذ ما ذكره خصوصية لسليمان بن داود ﵉؛ حيث قال الله له: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾. سورة (ص) رقم [٣٩].\nخاتمة: الآيات الثلاث تثني على عباد الله المؤمنين الذين يألفون المساجد، ويتأدبون بآدابها، وبالإضافة لما ذكرته في الآيتين السابقتين أذكر لك نبذة من أحاديث سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ في فضل صلاة الجماعة، والمحافظة عليها، وما يترتب على تركها، وإهمالها من الوعيد الشديد.\nفعن أبي سعيد الخدري﵁-، عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد؛ فاشهدوا له بالإيمان، قال الله ﷿: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»﴾. رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ، قال: «من ألف المسجد ألفه الله». رواه الطبراني في الأوسط. وعن أبي الدرداء -﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسجد بيت كلّ تقيّ، وتكفّل الله لمن كان المسجد بيته بالرّوح، والرّحمة، والجواز على الصّراط إلى رضوان الله إلى الجنّة». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، والبزار. وعن سلمان الفارسي﵁-: أن النبي ﷺ، قال: «من توضّأ في بيته، فأحسن الوضوء ثمّ أتى المسجد، فهو زائر الله، وحقّ على المزور أن يكرم الزّائر». رواه الطبراني في الكبير، والبيهقي. وعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد، أو راح، أعدّ الله له في الجنة نزلا كلّما غدا، أو راح». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما، وعنه أيضا قال، قال رسول الله ﷺ: «لا يتوضّأ أحدكم، فيحسن وضوءه، فيسبغه، ثمّ يأتي المسجد، لا يريد إلاّ الصلاة؛ إلاّ تبشّش الله إليه، كما يتبشّش أهل الغائب بطلعته». رواه ابن خزيمة في صحيحه.\nهذا؛ وصلاة الجماعة تضعف على صلاة الرجل في بيته وفي سوقه سبعا وعشرين درجة؛ ومع ذلك فليست الأوقات الخمسة في درجة واحدة من الفضل، فأفضل صلاة في الجماعة، هي","vol":"6","page":396},{"text":"صلاة صبح يوم الجمعة، ثم صبح كل يوم، ثم صلاة عشاء كل يوم، ثم صلاة العصر، ثم صلاة الظهر، ثم صلاة المغرب، وكلما بعد بيت المصلي عن المسجد كان أعظم أجرا، وذلك لزيادة الأجر، المترتب على كثرة الخطى.\nفعن بريدة﵁عن النبي ﷺ قال: «بشّر المشّائين في الظّلم إلى المساجد بالنور التّامّ يوم القيامة». رواه أبو داود، والترمذي، وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «المشّاؤون إلى المساجد في الظّلم؛ أولئك الخوّاضون في رحمة الله تعالى».\nرواه ابن ماجه، والترمذي.\nوعن عثمان بن عفان﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل، ومن صلّى الصّبح في جماعة فكأنّما صلّى الليل كلّه». رواه مسلم، ومالك، وأبو داود وهذا في ترغيب الصلاة في الجماعة ووعد الخير فيها، وعلى أدائها.\nأما في التحذير من تركها، والوعيد في إهمالها-وعلى الأخص: صلاة الفجر، وصلاة العشاء-فخذ ما يلي: عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، (أي في الجماعة) ولو يعلمون ما فيهما (أي: من الأجر والثواب) لأتوهما، ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثمّ آمر رجلا، فيصلّي بالناس، ثمّ أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنّار». رواه البخاري، ومسلم.\nوعن معاذ بن أنس﵁-، عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «الجفاء كلّ الجفاء، والكفر والنّفاق، من سمع منادي الله ينادي إلى الصّلاة؛ فلا يجيبه». رواه أحمد، والطبراني، وفي رواية أخرى للطبراني: «بحسب المؤمن من الشّقاء والخيبة أن يسمع المؤذّن يثوّب بالصّلاة فلا يجيبه». والمراد بالتثويب هنا: إقامة الصلاة، أو: الأذان مطلقا.\nوخذ ما يلي عن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلّى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى (أي: مع الإمام) كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق». رواه الترمذي. ومما يحزّ في القلب وتدمع له العين أن نرى من يصلي جماعة أربعين سنة لا تفوته التكبيرة الأولى مع الإمام، بل ويأتي إلى المسجد قبل الفجر بساعة، أو أكثر، يقوم، ويقعد يصلي، ولكنه مع الأسف معرضا عن الحق مؤيدا للباطل! وقد رأيت من يعتدي على كرامة الناس، وحرماتهم، وينفعل، ويثور، ويغضب لأقل شيء، فهؤلاء أقل ما أقول في شأنهم: إن صلاتهم لا ترفع فوق رؤوسهم شبرا، ولا صلاة لهم؛ لأن من شأن الصلاة أن تنهي صاحبها عن الفحشاء، والمنكر مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. وقال الرسول ﷺ: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ لم يزدد من الله إلاّ","vol":"6","page":397},{"text":"بعدا». والله ولي التوفيق. علما بأن هذه الأحاديث مقتطفة من كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، رحمه الله تعالى، وهو نزر من بحر، والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام التعليل، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَحْسَنَ:﴾ مفعول به ثان، وأحسن مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أحسن الذي، أو شيء عملوه، واعتبار ﴿ما﴾ مصدرية ضعيف، تأمل. و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُسَبِّحُ،﴾ أو ب: ﴿يَخافُونَ،﴾ أو بفعل محذوف، التقدير: فعلوا ذلك؛ ليجزيهم الله، أو بالفعل: ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار اللام لام العاقبة، والصيرورة، لا لام العلة على حد قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ومتعلقة بمحذوف حال. ﴿وَيَزِيدَهُمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ما يليق بكرمه، وجوده. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَرْزُقُ:﴾\nمضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يرزق الذي، أو شخصا يشاء الله رزقه. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول ثان محذوف، التقدير: رزقا كائنا بغير، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، و(غير) مضاف، و﴿حِسابٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَرْزُقُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2830\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩)﴾\nالشرح: لما ضرب الله مثلا لحال المؤمن، وأنه في الدنيا والآخرة في نور، وأنه فائز بالنعيم المقيم؛ أتبعه بضرب مثل لأعمال الكفار، وشبهها بالسراب، وهذا من لطف الله وكرمه وحكمته، ورحمته؛ حيث جرت سنته في كتابه ألا يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنّة إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة، إلا ويذكر الغضب، والسخط، ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا.\nهذا؛ والسراب: ما يرى نصف النهار في اشتداد الحر كالماء في البادية يلتصق بالأرض، وله رهجة، واهتزاز كالماء في الغدران، و«الآل» الذي يكون ضحى كالماء؛ إلا أنه يرتفع عن","vol":"6","page":398},{"text":"الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء، وسمي السراب سرابا؛ لأنه يسرب، أي يجري كالماء، ولا يكون إلا في البرية، والأرض الفلاة في أيام القيظ الحارة، فيغتر به العطشان، والمسافر، وقد يريق ما معه من الماء اغترارا به، قال الشاعر: [الطويل]\nفلمّا كففنا الحرب صارت عهودهم... كلمع سراب بالفلا متألّق\nوقال آخر: [الطويل]\nفكنت كمهريق الذي في سقائه... لرقراق آل فوق رابية صلد\nو(القيعة) جمع: القاع، مثل: جيرة وجار. قاله الهروي. وقال أبو عبيدة: قيعة، وقاع واحد حكاه النحاس، والقاع: ما انبسط من الأرض، واتسع، ولم يكن فيه نبات، وفيه يكون السراب، والآل، وجمع قاع على: أقوع، وأقواع، وقيعان، وأصله: قوعان، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وقرئ: «(بقيعات)» ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً:﴾ أي: يظنه، ويتوهمه العطشان ماء، وانظر (حسب) في الآية رقم [١٥]، وشرح ﴿الْماءِ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء).\n ﴿حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أي: لم يجد ما قدره، وتوهمه ماء في مكان السراب، أو المعنى: لم يجده شيئا نافعا، فحذف الصفة، واكتفى بالموصوف، وهذا كثير في القرآن والكلام العربي. ﴿وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ﴾ أي: وجد الله بالمرصاد، أو وجد عقابه، ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أي:\nجزاء عمله، قال امرؤ القيس: [الوافر]\nفولّى مدبرا يهوي حثيثا... وأيقن أنّه لاقى حسابا\n ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ:﴾ يحاسب العباد على كثرتهم، وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة، ووصف سبحانه نفسه بسرعة الحساب مع ما ذكر ليدل بذلك على كمال قدرته؛ لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ولا يحتاج إلى آلة حاسبة، ولا إلى أمارة، ولا إلى مساعد، لا جرم كان قادرا على أن يحاسب جميع الخلائق في أقل من لمح البصر. وقيل: معناه: يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، فبادروا إلى الطاعات، واكتساب الحسنات.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة مثل ضربه الله تعالى للكفار الذين يؤملون ثواب أعمالهم، فإذا قدموا على الله تعالى يوم القيامة؛ وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر. ووجه التشبيه: أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر، يعتقد: أن له ثوابا عند الله تعالى، وليس كذلك، فإذا وافى عرصات القيامة؛ لم يجد الثواب الذي كان يؤمله، بل وجد العقاب العظيم، والعذاب الأليم، فعظمت حسرته، وتناهى غمه، فشبه الله تعالى حاله بحال العطشان الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب في الأرض الفلاة؛ تعلق قلبه به، وأخذ يسعى إليه، فإذا جاء المكان الذي تراءى له فيه السراب لم يجد فيه شيئا، فكذلك الكافر يحسب أن عمله نافعه، فإذا احتاج","vol":"6","page":399},{"text":"إلى عمله؛ لم يجده أغنى عنه شيئا، ولا نفعه. وهذا يسمى بالتشبيه التمثيلي. وتفيد الآية الكريمة، والتي تليها: أن أفعال الكافر إذا كانت برّا، كصلة القرابة ونحوها، لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة، ومثلها الآية رقم [٢٣] من سورة (الفرقان) بيد أنه يطعم بها في الدنيا، دليله ما رواه مسلم عن عائشة﵂-: أنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان، كان في الجاهلية يصل الرّحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنّه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين». وروي عن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدّنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأمّا الكافر، فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدّنيا، حتّى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها». وهذا نصّ. ثم قيل: هل بحكم هذا الوعد الصادق لا بد أن يطعم الكافر، ويعطى بحسناته في الدنيا، أو ذلك مقيد بمشيئة الله المذكورة في قوله تعالى: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (الإسراء) وهذا هو الصحيح من القولين؟ بينما نجد آية (هود) رقم [١٥] قد أطلقت، ولم تقيد بالمشيئة، وكذلك آية الشورى رقم [٢٠] أطلقت.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: والصحيح: أنه من باب الإطلاق، والتقييد، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع، دائما على كل حال، وليس كذلك لقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nوأخيرا أقول: إن معنى إطعام الكافر في الدنيا: إدرار الرزق عليه، ومدّه بالصحة، والعافية، وسروره في الدنيا، وراحة باله، وهناءة عيشه، وغير ذلك من نعيم الدنيا، وملذاتها.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف، أي: بالله: صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ مبتدأ ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، -أي جمعه-لفاعله.\n ﴿كَسَرابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل؛ فهي الخبر، وتكون مضافة و(سراب) مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول.\nهذا؛ وأجيز اعتبار ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ بدل اشتمال من الموصول. و﴿كَسَرابٍ﴾ متعلقين بمحذوف خبره.\nولا أرتضيه، والمعنى لا يقويه. ﴿بِقِيعَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (سراب). ﴿يَحْسَبُهُ:﴾\nمضارع، والهاء مفعول به أول. ﴿الظَّمْآنُ:﴾ فاعله. ﴿ماءً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (سراب) أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط:\nالضمير فقط. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَهُ:﴾ ماض، ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿الظَّمْآنُ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على","vol":"6","page":400},{"text":"المرجوح المشهور. ﴿لَمْ يَجِدْهُ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ والفاعل يعود إلى الظمان، والهاء مفعول به أول. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به ثان على اعتباره بمعنى: ماء، أو هو مفعول مطلق على اعتباره مصدرا بمعنى وجدانا، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد ﴿حَتّى﴾ لا محل له.\nوقال الجمل: غاية لمحذوف، تقديره: ويقصده، ولا يزال جائيا إليه، حتى إذا جاءه... إلخ، وهذا يؤيد رأي الأخفش الذي يعتبر «حتى» في مثل ذلك جارة ل: «إذا». (وجد):\nماض. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الظَّمْآنُ﴾. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، أو هو متعلق بمحذوف مفعول ثان ل: (وجد)، وجملة:\n ﴿وَوَجَدَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة مدلول عليها بالمذكورة؛ إذ التقدير: لم يجد عمله الذي رجا ثوابه. ﴿فَوَفّاهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (وفّاه): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول. ﴿حِسابَهُ:﴾ مفعول به ثان، و(الهاء) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: سريع حسابه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وفحوى الآية معطوف على فحوى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-2831\"></span>﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ..﴾. إلخ: هذا مثل آخر ضربه الله تعالى للكفار، أي: أعمالهم كسراب بقيعة، أو كظلمات. قال الزجاج: إن شئت مثّل بالسراب، وإن شئت مثّل بالظلمات، ف: ﴿أَوْ﴾ للإباحة حسبما تقدم من القول في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ..﴾. الآية رقم [١٩] من سورة (البقرة). وقال الجرجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم؛ لأنه أيضا من أعمالهم، وقد قال تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية رقم [٢٥٧] من سورة (البقرة) أي: من الكفر إلى الإيمان. وقال أبو علي الفارسي: التقدير: كذي ظلمات، ودل على هذا المضاف قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ..﴾. إلخ فالضمير يعود إلى المضاف المحذوف. قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار.\nوعند الجرجاني لكفر الكافر. وعند أبي علي للكافر نفسه. وقال ابن عباس: هذا مثل قلب الكافر. انتهى. قرطبي. رحم الله الجميع رحمة واسعة، وأدخلنا معهم جنته! وقال الخازن:","vol":"6","page":401},{"text":"أعلم الله ﷾ أن أعمال الكفار إن كانت حسنة؛ فهي كسراب بقيعة، وإن كانت قبيحة؛ فهي كظلمات. ومثله في البيضاوي.\n ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ أي: عميق كثير الماء، ولجة البحر: معظمه، وجمعها: لجج، فأما اللّجّة؛ فأصوات الناس. يقال: سمعت لجّة الناس؛ أي: أصواتهم وصخبهم. قال أبو النجم الفضل بن قدامة العجليّ: [الرجز]\nتدافع الشّيب ولم تقتّل... في لجّة أمسك فلانا عن فل\nو﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ أي: يعلو ذلك البحر العميق، ويغطيه موج. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أي: من فوق الموج موج ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ أي: ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب. هذا؛ والسحاب اسم جنس، واحده سحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو الثقال بقوله تعالى في الآية رقم [١٢] من سورة (الرعد): ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ وتجمع السحابة على سحاب، وسحائب، وسحب.\n ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ:﴾ المعنى: أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا. بسبب غمورة الماء له، فإذا ترادفت الأمواج ازدادت الظلمة، فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى. ثم قيل: المراد بهذه الظلمات: ظلمة السحاب، وظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة البحر، فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئا، كذلك الكافر، له ظلمات كثيرة: ظلمة الاعتقاد، وظلمة التفكير، وظلمة القول، وظلمة العمل. وقيل: شبه بالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يتغشى قلبه من الشك، والجهل، والحيرة، وبالسحاب الختم، والطبع على قلبه. قال أبيّ بن كعب﵁-: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات في النار، وبئس القرار، والكلام جار مجرى الاستعارات، والكنايات. تأمّله، وتدبره.\n ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: إذا أخرج شخص يده ليراها؛ لم يقرب أن يراها لشدة الظلمة. وقيل: المعنى لم يرها إلا بعد الجهد، كما تقول: ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه بعد يأس، وشدة. وقيل: هو مبالغة في لم يرها، أي لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها، ومثله قول ذي الرمة: [الطويل]\nإذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح\nأي: لم يقرب من البراح فماله يبرح. هذا؛ وقال الفراء: «كاد» صلة، أي لم يرها، وحكاه أبو حاتم عن الأخفش أيضا، وهي مؤكدة لمعنى الكلام؛ لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى، بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه. وروي معناه عن سعيد بن جبير﵄- واستشهدوا بقول زيد الخير﵁-: [الطويل]","vol":"6","page":402},{"text":"سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه... فما إن يكاد قرنه يتنّفس\nأراد فما يتنفس قرنه، أي مقارنه، وهو محاربه. وقال آخر: [الطويل]\nوألاّ ألوم النفس فيما أصابني... وألاّ أكاد بالّذي نلت أنجح\nمعناه: وألا أنجح بالذي نلت، وبه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [١٥] من سورة (طه):\n ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها..﴾. إلخ.\n ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا﴾ أي: ومن لم يقدّر له الهداية، ولم يوفقه لأسبابها. وقال ابن عباس﵄-: أي من لم يجعل الله له دينا فما له من دين، ومن لم يجعل الله له نورا يمشي به يوم القيامة لم يهتد إلى الجنة، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وجملة القول: من لم يهده الله لم يهتد، وقد قال الرسول ﷺ: «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النّور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ». أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-. فإذا الهداية هداية الله، والتوفيق توفيق الله.\nوقد يعترض بعض الناس على ذلك، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، فكيف يعذبه الله، ولم يهده، ولم يوفقه للإيمان؟ والجواب: أن عدم توفيق الله للعبد معناه تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه، لم يختر سوى الكفر، والضلال، ولذا قدره الله عليه، هذا بالإضافة إلى اختياره الضلال، بعد أن بين الله لكل واحد الخير، والشر، والحسن، والقبيح، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير، وطريق الشر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: قال مقاتل بن سليمان رحمه الله تعالى: نزلت الآيتان في عتبة بن ربيعة، كان يلتمس الدين في الجاهلية، ولبس المسوح، فلما جاء الإسلام؛ كفر. وقال الماوردي: في شيبة أخيه، كان يترهب في الجاهلية، ويلبس المسوح، ويطلب الدين، فكفر بالإسلام، وكلاهما مات كافرا، فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرهما، وقد قيل: نزلتا في عبد الله بن جحش وكان قد أسلم، وهاجر إلى الحبشة، ثم تنصر بعد إسلامه. انتهى. قرطبي بتصرف. أقول:\nوالآيتان تشملان كل كافر بالله ورسوله إلى يوم القيامة بلا ريب ولا شك. تأمل، وتدبر.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كَظُلُماتٍ:﴾ معطوفان على ﴿كَسَرابٍ﴾ في الآية السابقة.\n ﴿فِي بَحْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (ظلمات). ﴿لُجِّيٍّ:﴾ صفة ﴿بَحْرٍ﴾. ﴿يَغْشاهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿مَوْجٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: ﴿بَحْرٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْ فَوْقِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(الهاء) في محل جر بالإضافة. ﴿مَوْجٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿مَوْجٌ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ متعلقين بمحذوف","vol":"6","page":403},{"text":"صفة ﴿مَوْجٌ،﴾ فيكون ﴿مَوْجٌ﴾ الثاني فاعلا بمتعلق الجار والمجرور: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ مثل سابقه على الاعتبارين فيه. ﴿كَظُلُماتٍ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذه ظلمات، ويقرأ بالجر على اعتباره بدلا من (ظلمات) الأولى، كما يقرأ: «(سحاب ظلمات)» بالإضافة، ولا تنوين في (سحاب) للإضافة. ﴿بَعْضُها:﴾ مبتدأ، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿فَوْقَ﴾ مضاف، و﴿بَعْضٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع، أو في محل جر صفة (ظلمات). هذا؛ والجملة الاسمية المقدرة هذه ظلمات إلخ على قراءة الرفع في محل جر صفة (ظلمات) الأولى، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، والرابط على الاعتبارين إعادة الظلمات بلفظها. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَخْرَجَ:﴾ ماض، والفاعل تقديره:\n «هو»، يعود إلى غير مذكور، والمراد به من كان في الظلمات. ﴿يَدَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿لَمْ يَكَدْ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ واسمه يعود إلى ما عاد إليه فاعل ﴿أَخْرَجَ﴾. ﴿يَراها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ما عاد إليه... إلخ، و(ها):\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خير ﴿لَمْ يَكَدْ،﴾ والجملة: ﴿لَمْ يَكَدْ..﴾. إلخ جواب:\n (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ يَجْعَلِ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\n ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نورا، كان صفة له... إلخ.\n ﴿نُورًا:﴾ مفعول به. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نُورٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٣]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فالجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (ما له من نور) خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية:\n ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2832\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١)﴾\nالشرح: لما ذكر الله وضوح الآيات؛ زاد في الحجة، والبينات، وبين: أن مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها صانعا قادرا على الكمال، فله بعثة الرسل، وقد بعثهم، وأيدهم بالمعجزات،","vol":"6","page":404},{"text":"وأخبروا بالجنة والنار، والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ، وهو يعم كل مخاطب من العقلاء.\nوالمعنى: ألم تعلم علما يقينيا يشبه المشاهدة في اليقين، والوثاقة بالوحي والاستدلال.\n ﴿أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ﴾ أي: من الملائكة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الجن والإنس، والحيوان والنبات والجماد، وهو ما صرحت به الآية رقم [٤٤] من سورة (الإسراء): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. انظر شرحها هناك، والمعنى: يقدس الله، وينزهه عن كل نقص وآفة أهل السموات، والأرض. وانظر الكلام على (من) و(ما) في الآية رقم [٤٥] الآتية.\nتنبيه: جاء لفظ التسبيح بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع: المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة قد عدي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى:\n ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ وقوله تعالت حكمته: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبّحته: بعدته من السوء، منقول من «سبح»: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له، وشكرته وشكرت له، وإما أن يراد ي: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ اكتسب التسبيح لأجل الله. ولو جهه خالصا. انتهى. نسفي. من سورة (الحديد).\n ﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾ أي: باسطات أجنحتهن في الهواء. قيل: خص الطير بالذكر من جملة الحيوان؛ لأنها تكون بين السماء والأرض أثناء طيرانها، فتكون خارجة عن حكم من في السموات والأرض.\n ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ:﴾ قال مجاهد، وغيره: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سواه من الخلق. وقال سفيان: للطير صلاة ليس فيها ركوع، ولا سجود. وقيل: إن ضربها بأجنحتها صلاة، وإن أصواتها تسبيح، حكاه النقاش. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحد مما ذكر. ﴿عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي: علم الله تسبيح المسبح، وصلاة المصلي من جميع المخلوقات، ولهذا قال: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أي: لا يخفى عليه طاعتهم، ولا تسبيحهم. ومن هذه الجهة يجوز نصب ﴿كُلٌّ﴾ عند البصريين، والكوفيين بإضمار فعل يفسره ما بعده. وقد قيل: المعنى: قد علم كل مصلّ صلاة نفسه، وكل مسبح تسبيحه الذي كلّفه. هذا؛ وقد قرئ ﴿عَلِمَ﴾ بالبناء للمعلوم وللمجهول، كما قرئ بتشديد اللام، كما قرئ بنصب (الطير)، وقراءة الجمهور الرفع، مع نصب ﴿صَافّاتٍ﴾ على القراءتين، وقرئ برفعهما «(والطير صافات)»، وانظر شرح ﴿الطَّيْرُ﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحج). هذا؛ والصلاة هنا بمعنى التسبيح، فهو بمعنى المرادف، وكرر للتوكيد.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير هنا. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.","vol":"6","page":405},{"text":"﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُسَبِّحُ:﴾ مضارع. ﴿اللهَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿وَالطَّيْرُ:﴾ معطوف على ﴿مَنْ﴾. ﴿صَافّاتٍ:﴾ حال منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. هذا؛ و(الطير) بالنصب مفعول معه، وعلى رفعه ورفع (صافات) فهما مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿يُسَبِّحُ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل ﴿تَرَ﴾ وقيل: هو قلبي فالمصدر سد مسد مفعوليه، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به، وهو نكرة الإضافة المقدرة. ﴿قَدْ:﴾\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ أو إلى ﴿كُلٌّ،﴾ انظر الشرح. ﴿صَلاتَهُ:﴾ مفعول به. ﴿وَتَسْبِيحَهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿عَلِمَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (الله): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبره. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾.\nو(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عليم بالذي، أو بشيء يفعلونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: عليم بفعلهم، والجملة الاسمية: (الله...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2833\"></span>﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾\nالشرح أي: إن جميع الموجودات في السموات والأرض من أفلاك وكواكب في السموات، وما على الأرض من جبال وأنهار وبحار، فكل ذلك ملك لله تعالى، وفي تصرفه، وعنه نشأ،، ومنه بدأ لا يشركه فيه أحد، وما يملكه العبد في هذه الدنيا، فإنما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة، فويل لمن قصر في الوكالة، وخان في الأمانة! وقيل: معناه: إن خزائن المطر، والرزق بيد الله، ولا يملكها أحد سواه. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي:\nالمرجع، والماب، والمال بعد الموت إلى الله تعالى، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وانظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾\nمبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. (إلى الله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"6","page":406},{"text":"<span id=\"aya-2834\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: الكلام عليه هنا كما في الآية رقم [٤١]. ﴿يُزْجِي سَحابًا:﴾\nيسوق، ويجري إلى حيث يشاء، والسحاب: الغيوم التي تراها العيون في السماء. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي: يجمعه عند انتشائه؛ ليقوى، ويتصل، ويكثف. وقرئ «(يولّف)» بدون همز، والسحاب واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع، وهو غربال الماء. قاله علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه.\nهذا، وقيل: السحاب: الغيم فيه الماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل: سحاب جهام، وهو الخالي من الماء، وأصل السحب: الجر، وسمي السحاب سحابا، إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لا نجراره في سيره، ووصفه الله ب: ﴿الثِّقالَ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (الرعد)، لثقله بالماء الذي يحمله إلى حيث شاء الله الخلاق العظيم.\nهذا؛ وينبغي أن تعلم أن «بين» لا تقع إلا لاثنين فصاعدا، ووقوعها هنا لجماعة السحاب؛ لأنه بمعنى الجمع كما تقول: جلست بين الشجر؛ لأنه جمع، والسحاب مؤلف من قطع ينضم بعضها إلى بعض. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أي: مجتمعا يركب بعضه بعضا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ والرّكم: جمع الشيء، يقال: ركم الشيء، يركمه ركما:\nإذا جمعه، وألقى بعضه على بعض، وارتكم الشيء، وتراكم: إذا اجتمع.\n ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أي: من وسطه وهو مخارج القطر، وقد قال كعب: إن السحاب غربال المطر، ولولا السحاب حين ينزل المطر من السماء؛ لأفسد ما يقع عليه من الأرض. وفي ﴿الْوَدْقَ﴾ قولان: أحدهما: أنه البرق قاله أبو الأشهب العقيلي، ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nأثرن عجاجة، وخرجن منها... خروج الودق من خلل السحاب\nالثاني: أنه المطر قاله الجمهور، قال امرؤ القيس: [الطويل]\nفدمعهما ودق، وسحّ، وديمة... وسكب وتوكاف، وتنهملان\nوقال عامر بن جوين الطائي: [المتقارب]\nفلا مزنة ودقت ودقها... ولا أرض أبقل إبقالها\n ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ:﴾ وفيه معنيان: أحدهما: أن يخلق الله في السماء جبالا من برد، كما خلق في الأرض جبالا من حجر. والثاني: أن يريد الكثرة بذكر الجبال،","vol":"6","page":407},{"text":"كما يقال: فلان يملك جبالا من ذهب. والأول فحوى قول ابن عباس﵄-، ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ:﴾ فيكون إصابته نقمة حيث يهلك من يصيبه، وأمواله، وزرعه، وهذا مشاهد في بعض السنين، ويكون صرفه نعمة، فلا يضر، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن ينزل البرد في الغالب في أواخر فصل الربيع، حين يكون الزرع قد قارب الحصاد، ولله في خلقه وحكمته شؤون، لا اعتراض عليها.\n ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ أي: ضوء ذلك البرق الذي في السحاب. ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ:﴾ من شدة بريقه، وضوئه. هذا؛ والبرق مصدر: برق، يبرق: إذا لمع. والرعد: مصدر: رعد، يرعد، وهما معروفان ومشاهدان للناس جميعا، وتفسيرهما في الشرع غير تفسيرهما وشرحهما في العلم الحديث. هذا؛ وذكر الله في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد) أن الناس بعضهم يخافون من البرق ولمعانه، وبعضهم يطمعون فيما وراءه، وفيما يبشر به من مطر. هذا؛ و(السنا) بالقصر الضوء، وشدة بريق البرق، قال الشماخ: [الوافر]\nوما كادت إذا رفعت سناها... ليبصر ضوءها إلاّ البصير\nوهو أيضا نبت يتداوى به، و«السناء» بالمد: الرفعة، والعلو في الشرف والحسب، وقد قرأه طلحة بن مصرّف هنا بالمد على المبالغة في شدة الضوء، والصفاء، فأطلق اسم العلو، والشرف. هذا؛ ويقرأ ﴿يَذْهَبُ﴾ بفتح الياء من الثلاثي، وهي سبعية، وقرئ بضم الياء من الرباعي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والمشهور في العلم الحديث: أن الأبخرة إذا تصاعدت من البحار، والأنهار الموجودة في الأرض، ولم تحللها حرارة معينة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوي البرد هناك؛ اجتمع، وصار سحابا، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا، وإن اشتد، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا، وإلا نزل بردا، وقد يبرد الهواء بردا مفرطا، فينقبض، وينعقد سحابا، وينزل منه المطر أو الثلج، وكل ذلك لا بد وأن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم؛ لقيام الدليل على أنها الموجبة لا ختصاص الحوادث بمحالها، وأوقاتها. انتهى. بيضاوي بتصرف.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا:﴾ انظر الآية قبلها فالإعراب واحد. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُؤَلِّفُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بَيْنَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿يَجْعَلُهُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ أيضا، والهاء مفعوله الأول. ﴿رُكامًا:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿فَتَرَى:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل","vol":"6","page":408},{"text":"مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْوَدْقَ:﴾ مفعول به. ﴿يَخْرُجُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الودق.\n ﴿مِنْ خِلالِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (الودق) والرابط: الضمير فقط، وجملة ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا، والرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة.\n (ينزّل): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ جِبالٍ:﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها هما بدل مما قبلهما، والثاني: هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: شيئا كائنا من جبال، و«شيئا» المحذوف، هو مفعول (ينزّل)، وهو فحوى كلام الزمخشري، وابن عطية. هذا؛ وأجاز الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ صلة، و﴿جِبالٍ﴾ هو مفعول به، وهذا على مذهبه بجواز زيادة «من» في الإيجاب. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جِبالٍ﴾. ﴿مِنْ بَرَدٍ:﴾ فيه ثلاثة أقوال أيضا: أحدها: هما بدل من قوله: ﴿مِنَ السَّماءِ،﴾ أو من قوله: ﴿مِنْ جِبالٍ﴾. والثاني: هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، وهذا المحذوف بدل من المحذوف المقدر قبل: ﴿مِنْ جِبالٍ﴾. والثالث: ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿بَرَدٍ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، والخبر متعلق فيها، والجملة الاسمية صفة ﴿جِبالٍ﴾ وهذا على مذهب الأخفش الذي يجيز زيادة «من» في الإيجاب، وجملة: ﴿وَيُنَزِّلُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا.\n ﴿فَيُصِيبُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (يصيب): مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بِهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nفيصيب به الذي، أو: شخصا يشاء إصابته بذلك البرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن عطفتها على ما قبلها؛ فلست مفندا، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها؛ إذ التقدير: ويصرفه-أي: البرد-عن الذي، أو: عن شخص يشاء صرفه عنه. ﴿يَكادُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿سَنا:﴾ اسم ﴿يَكادُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وعلى قراءته بالمد فالضمة ظاهرة، و﴿سَنا﴾ مضاف، و﴿بَرْقِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَذْهَبُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿سَنا بَرْقِهِ﴾. ﴿بِالْأَبْصارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلى قراءة الفعل بضم الياء؛ فالباء صلة، و(الأبصار) مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة:\n ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ في محل نصب خبر (يكاد)، وجملة: ﴿يَكادُ..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿سَحابًا﴾ على بعده عنها، والرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة؛ لأنها عائدة عليه، وقيل:\nصفة ﴿بَرَدٍ،﴾ وليس بشيء، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. تأمّل.","vol":"6","page":409},{"text":"<span id=\"aya-2835\"></span>﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ أي: بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما، وزيادة الآخر، تبعا لفصول السنة، أو بتغيير أحدهما بالحر، والبرد، والظلمة، والنور، وكل ذلك مشاهد، وقيل: تقليبهما باختلاف ما يقدر فيهما من خير، وشر، ونفع، وضر. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في الذي ذكر، من تقلب الليل، والنهار، وأحوال المطر، والصيف، والشتاء. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اعتبارا، وعظة، وتذكرة. ﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي: لأهل العقول السليمة، والبصائر النيرة، فيستدلون بذلك على قدرة الله وتوحيده.\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل، والنهار». متفق عليه، ومعنى هذا الحديث:\nأن العرب كانوا يقولون عند النوازل، والشدائد: أصابنا الدهر، ويذمونه في أشعارهم، فقيل لهم: لا تسبوا الدهر، فإن فاعل ذلك هو الله عز جل، والدهر مصرّف تقع فيه التأثيرات، كما تقع بكم.\nتنبيه: لقد عدد الله في هذه الآيات من الدلائل على وحدانيته وقدرته ما فيه عبرة لمن يعتبر، وذكرى لمن يتذكر، حيث ذكر تسبيح من في السموات والأرض، وكل ما يطير بين السماء والأرض، ودعاءهم له، وابتهالهم إليه، وأنه سخر السحاب التسخير الذي وصفه، وما يحدث فيه من أفعاله؛ حتى ينزل المطر منه، وأنه يقسم رحمته بين خلقه، ويقبضها، ويبسطها على ما تقتضيه حكمته، ويريهم البرق في السحاب، الذي يكاد يخطف أبصارهم؛ ليعتبروا، ويحذروا، ويعاقب بين الليل، والنهار، ويخالف بينهما في الطول، والقصر، وما هذه إلا براهين في غاية الوضوح على وجوده، وقدرته، ودلائل منادية على كمال صفاته لمن نظر، وفكر، وتبصر، وتدبر. انتهى. كشاف بتصرف.\nالإعراب: ﴿يُقَلِّبُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. (النهار): معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (عبرة): اسم (إنّ) مؤخر. ﴿لِأُولِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (عبرة)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(أولي) مضاف، و﴿الْأَبْصارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة أيضا لا محل لها.","vol":"6","page":410},{"text":"<span id=\"aya-2836\"></span>﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ أي: كل ما يدب على وجه الأرض، من إنسان، وحيوان، وهوام، وغير ذلك. هذا؛ ويقرأ: «(والله خالق كلّ دابة)» ﴿مِنْ ماءٍ﴾ أي: من نطفة، وأراد به كل حيوان يشاهد في الدنيا، ولا يدخل فيه الملائكة والجن؛ لأنّا لم نشاهدهم، وقيل: إن أصل جميع الخلق من الماء، وذلك أن الله خلق ماء، فجعل بعضه ريحا ونورا، فخلق منه الملائكة، وجعل بعضه نارا، فخلق منه الجن، وجعل بعضه طينا، فخلق منه آدم.\n ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ:﴾ كالحيات، والديدان، والحيتان، ونحو ذلك، وسمي الزحف على البطن مشيا على الاستعارة، أو المشاكلة لما بعده. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ:﴾ كبني آدم، والطير إذا مشى على الأرض. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ:﴾ كالبهائم، والسباع، قال النقاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها.\nهذا؛ و﴿دَابَّةٍ﴾ تشمل من يعقل، وما لا يعقل، فغلب من يعقل لما اجتمع مع من لا يعقل؛ لأنه المخاطب، والمتعبد، ولذلك قال: ﴿فَمِنْهُمْ،﴾ وقال: ﴿مَنْ يَمْشِي﴾ لأن الأصل أن تكون (من) للعاقل، و(ما) لغير العاقل، وقد يعكس هذا فتستعمل (من) لغير العاقل كما في هذه الآية، وتستعمل (ما) للعاقل كما في الآية رقم [٦] من سورة (المؤمنون) وهي قوله تعالى:\n ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وذلك قليل، وأكثر ما تكون (ما) للعاقل إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، كما في الآية رقم [٤٩] من سورة (النحل)، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ، وقوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ الآية رقم [١] من سورة (الجمعة)، وكذلك الآية رقم [١] من سورة (الحديد)، ورقم [١] من سورة (الصف)، فإن كل ما في السموات والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو السجود والتسبيح، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ﴾ ويكون في الكلام تغليب، كما تستعمل في المبهم أمره كقولك، وقد رأيت شبحا من بعد: (انظر إلى ما أرى) و(من، وما) تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث.\n ﴿يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ:﴾ ما ذكر، وما لم يذكر، بسيطا أو مركبا على اختلاف الصور في الأعضاء، والهيئات، والحركات، والطبائع، والقوى، والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى","vol":"6","page":411},{"text":"مشيئته، وحكمته. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ على ما ذكر، لا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وهذه الآية فيها من دلائل قدرة الله تعالى ما لا يخفى على ذي لب.\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿دَابَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وعلى القراءة الثانية ف: «(خالق)» هو خبر المبتدأ، و«(خالق)» مضاف، و﴿كُلَّ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والآية بجملتها معطوفة على ما ذكر في الآيات السابقة من دلائل قدرته، جلت حكمته. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: حرف تفريع وعطف.\n (منهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا هو الظاهر والمتبادر، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و﴿مِنْ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: فبعض المخلوقات، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى:\n ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ من الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران)، فعطف (أكثرهم) على (منهم) يؤيد: أن معناه بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث، لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ «منهم» بما هو مبتدأ أعني لفظة «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث جمع: ليث، وهو الأسد. لا ترام: لا تقصد. قمشت: جمعت من هنا وهناك، والمراد رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. ﴿يَمْشِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿عَلى بَطْنِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة من، أو صفتها، والجملة: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ..﴾. إلخ معطوفة، ومفرعة عما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملتان: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ﴾ معطوفتان عليها، وإعرابهما لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى.\n ﴿يَخْلُقُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يخلق الله الذي، أو شيئا يشاء خلقه، وجملة: ﴿يَخْلُقُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، وكل مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل لمشيئة الله تعالى، لا محل لها.","vol":"6","page":412},{"text":"<span id=\"aya-2837\"></span>﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ للحقائق بأنواع الدلائل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٤]. ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ أي: بالتوفيق للنظر في هذه الآيات، والتدبر لمعانيها. ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إلى دين الإسلام، الذي هو دين الله، وطريقه إلى جنته ورضاه، وانظر الآية رقم [٧٣] من سورة (المؤمنون). ولا تنس: الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وانظر رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره:\nوالله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿مُبَيِّناتٍ:﴾ صفة لها، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين في اللام. تأمل. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله):\nمبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يهدي الذي، أو: شيئا يشاء هدايته ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2838\"></span>﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾\nتنبيه: لما ذكر الله إنزال الآيات مبينات موضحات ذكر بعدها افتراق الناس إلى ثلاث فرق:\nفرقة صدقت ظاهرا، وكذبت باطنا، وهم المنافقون، وهم المذكورون في هذه الآية وما بعدها إلى رقم [٥٤]، وفرقة صدقت ظاهرا وباطنا، وهم المؤمنون المخلصون، وهم المذكورون في الآية رقم [٥٥ و٥٦]، وفرقة كذبت ظاهرا وباطنا، وهم الكافرون المذكورون في الآية رقم [٥٧]، وبدأ بالمنافقين لشدة شكيمتهم، وبيان: أنهم أسوأ حالا من المشركين.\nوهذه الآيات نزلت في رجل منافق اسمه بشر، تخاصم مع يهودي في قضية، فدعاه اليهودي إلى النبي ﷺ ليحاكمه عنده، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت في الآية رقم [٦٠] من سورة (النساء) فأبى اليهودي عليه، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله ﷺ، فحكم لليهودي، فلم يرض المنافق بقضاء رسول الله ﷺ، وقال: تعال نتحاكم","vol":"6","page":413},{"text":"إلى عمر، فأتيا عمر﵁-، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد، فقضى لي عليه، فلم يرض بقضائه، وزعم أنه مخاصمي إليك، فقال عمر﵁للمنافق:\nأكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، وأخذ السيف، ثم خرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد-أي: مات-وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله، وقضاء رسوله، فنزلت الآيات، وآية النساء رقم [٦٠] وقال جبريل ﵇: (إنّ عمر فرّق بين الحقّ والباطل) فسمي الفاروق﵁حينئذ.\nالشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المنافقون، وإنما جمع الضمير، والمراد به هنا واحد فقط؛ لأن كل المنافقين على طريقته في المكر، والخبث، والكفر، وبمقالته يقولون، وأضمر قبل الذكر لعلمهم من المقام، ولدلالة الكلام عليهم. ﴿آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا﴾ أي: يقولون ذلك بألسنتهم من غير اعتقاد بقلوبهم. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: يعرض عن الإيمان بالله ورسوله، وعن الانقياد لحكمهما وطاعتهما. ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد قولهم: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، ويدعون إلى غير حكم الله. ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويدعون إلى حكم الطاغوت، ليسوا بالمؤمنين الحقيقيين؛ لأن المؤمنين المخلصين يقولون: سمعنا، وأطعنا، ويرضون بحكم الله وحكم رسوله. وفيه إعلام من الله بأن جميع المنافقين منتف عنهم الإيمان لا عتقادهم ما يعتقد هؤلاء، والإعراض؛ وإن كان من بعضهم؛ فالرضا بالإعراض من كلهم جعلهم جميعا في حكم واحد.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَبِالرَّسُولِ:﴾\nمعطوفان على ما قبلهما. (أطعنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتَوَلّى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَرِيقٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَتَوَلّى،﴾ و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿يَتَوَلّى..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم (ما)، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (المؤمنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها حالا من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، واسم الإشارة العائد إلى الواو.","vol":"6","page":414},{"text":"<span id=\"aya-2839\"></span><span id=\"aya-2840\"></span>﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليحكم النبي ﷺ، فإنه الحاكم ظاهرا، أو المدعو إليه، وذكر الله لتعظيمه، والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: فاجأ فريق منهم الإعراض إذا كان الحق عليهم، لعلمهم بأنك لا تحكم لهم، بل تحكم عليهم؛ لأنك لا تحكم إلا بالحق، وهو مبالغة في شرح التولي، والإعراض عن حكم الرسول ﷺ، وعدم الرضا به.\n ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: إذا عرفوا: أن الحق معهم ولهم على غيرهم. ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي: مطيعين منقادين لحكمه لثقتهم: أنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا، لا رضا بحكم الله، وحكم رسوله.\nقال الزجاج: الإذعان: الإسراع مع الطاعة، والمعنى: أنهم لمعرفتهم: أنه ليس معك إلا الحق الخالص والعدل البحت يمتنعون عن المحاكمة إليك إذا كانوا مبطلين؛ لئلا تنتزع الحق من قلوبهم، وعيونهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن عرفوا، وأيقنوا: أن الحق لهم على خصمهم؛ أسرعوا إليك، ولم يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة غيرهم.\nوهذا المرض قد استشرى عند الأغلبية الساحقة من المسلمين في هذه الأيام، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأكثرهم لا يرضون بشرع الله.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿دُعُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتقدير الكلام: دعوا إلى حكم الله، وحكم رسوله، فحذف المضاف لوضوحه.\n ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة جوازا بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (رسوله).\n ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿دُعُوا إِلَى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على الفجاءة، وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الأنبياء) تجد البحث وافيا كافيا. ﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في","vol":"6","page":415},{"text":"الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿فَرِيقٌ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وهذا على اعتبار ﴿إِذا﴾ الفجائية ظرفا، والجملة الاسمية جواب (إذا) الشرطية، و﴿إِذا﴾ الفجائية واقعة في جواب (إذا) الشرطية، كما إذا وقعت الفاء في جوابها، وفي الآية دليل على أن «إذا» الشرطية لا تكون معمولة لجوابها؛ لأن ما بعد «إذا» الفجائية لا يعمل فيما قبلها، ومثلها الآية رقم [٥٤] من سورة (النحل)، ﴿وَإِذا﴾ ومدخولها كلام معطوف على جملة: (يقولون...) إلخ لا محل له مثلها.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ مضارع ناقص فعل الشرط. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم. ﴿الْحَقُّ:﴾ اسمه مؤخر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَأْتُوا:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مُذْعِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿يَأْتُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وإن ومدخولها كلام معطوف على (إذا) ومدخولها لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-2841\"></span>﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ اِرْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، واستعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿أَمِ ارْتابُوا﴾ أي: شكوا في نبوة محمد ﷺ، وعدله، أو رأوا منه تهمة، فزالت ثقتهم، ويقينهم به.\n ﴿أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ:﴾ ذكر الله السبب في صدودهم عن حكومة الرسول ﷺ؛ إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين من جوره وظلمه، ثم أبطل خوفهم من جوره وظلمه، حيث قال جلت قدرته: ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي: لا يخافون أن يجور عليهم بحكمه لمعرفتهم بعدله، وإنما هم ظالمون، يريدون أن يظلموا من له الحق، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله ﷺ، فمن ثمّ يأبون المحاكمة إليه. والحيف: الميل، والجور في القضاء.\nوفي البيضاوي في قوله تعالى: ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ:﴾ إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول؛ أي: هو النفاق في قلوبهم. ووجه التقسيم: أن امتناعهم، إما لخلل فيهم،","vol":"6","page":416},{"text":"أو في الحاكم. والثاني: إما أن يكون محققا عندهم، أو متوقعا، وكلاهما باطل؛ لأن منصب نبوته، وفرط أمانته يمنعه، فتعين الأول، وظلمهم يعمّ خلل عقيدتهم، وميل نفوسهم إلى الحيف.\nوالفصل-أي: ضمير الفصل-لنفي ذلك عن غيرهم، سيما المدعو إلى حكمه. انتهى. بتصرف.\nالإعراب: ﴿أَفِي:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وذم. (في قلوبهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، ويجوز اعتباره فاعلا بمتعلق الجار والمجرور بالاتفاق لاعتماده على الاستفهام، والتقدير: أيوجد في قلوبهم مرض؟ وعليه هو نائب فاعل لهذا المقدر.\n ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» للانتقال. ﴿اِرْتابُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» أيضا. ﴿يَخافُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَحِيفَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قُلُوبِهِمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و﴿الظّالِمُونَ﴾ خبره؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأن «بل» للإضراب. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2842\"></span>﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: كتاب الله وحكم رسوله.\n ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بما أنزل الله عليه، وبما ألهمه، وعلمه من لدنه علما. ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا:﴾ قال: ابن عباس﵄-: أخبر الله بطاعة المهاجرين، والأنصار؛ وإن كان ذلك فيما يكرهون، أي: هذا قول المؤمنين، وهؤلاء المنافقون لو كانوا مؤمنين حقا، لكانوا يقولون: سمعنا وأطعنا. وفي الآية الكريمة تعليم أدب الشرع على معنى: أن المؤمنين، كذا ينبغي أن يكونوا أن يقولوا. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الفائزون برضا الله، ونعيم الجنة في الآخرة، وهذا من عادته تعالى في لطفه، وكرمه في إتباع المحقّ المبطل، والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره ما لا ينبغي، وانظر زيادة على ذلك في الآية رقم [٣٩] ..\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿قَوْلَ:﴾ خبر كان مقدم، وهو مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية هنا، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر قبله. ﴿دُعُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في","vol":"6","page":417},{"text":"محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ مضارع يقرأ بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول، فهو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى رسوله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بالفعل على أنه نائب فاعله على قراءة الفعل بالبناء للمجهول.\nوقيل: نائب الفاعل يعود إلى مصدر الفعل؛ لأن معناه: ليفعل الحكم بينهم، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿دُعُوا،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، وقرأ أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه، والحسن برفع «(قول المؤمنين)» على أنه اسم ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها، وقراءة الجمهور بالنصب أقوى؛ لأن أولى الاسمين بكونه اسما ل: ﴿كانَ﴾ أو غلهما في التعريف، والمصدر المؤول أوغل بخلاف (قول المؤمنين) فإن الإضافة فيه بنية الانفصال. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (أطعنا) معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-2843\"></span>﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمران به، وينهيان عنه، أو يطع الله في الفرائض، ورسوله في السنن. وقال ابن عباس﵄-: أي: فيما سره، وأحزنه. ﴿وَيَخْشَ اللهَ:﴾ على ما مضى من ذنوبه. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ أي: فيما بقي من عمره. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ أي: برضوان الله ورحمته، وجنته؛ كيف لا؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ الآية رقم [٦٩] من سورة (النساء).\nفائدة: ذكر أسلم﵁-: أن عمر بن الخطاب﵁بينما هو قائم في مسجد النبي ﷺ، وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمدا رسول الله، فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت لله. قال: هل لهذا من سبب؟ قال: نعم، قرأت التوراة، والزبور، والإنجيل، وكثيرا من كتب الأنبياء، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت: أنها من عند الله فأسلمت، قال: ما هذه الآية؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ والفائز من نجا من النار، وأدخل الجنة! فقال عمر﵁-: قال النبي ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم». انتهى. قرطبي بتصرف. وانظر الآية رقم [٥٤] الآتية.","vol":"6","page":418},{"text":"هذا؛ والخشية: الخوف. وانظر الآية رقم [٨٠] من سورة (الكهف)، وانظر (التقوى) في الآية رقم [١] من سورة (الحج). هذا؛ وقرأ حفص (يتّقه) بسكون القاف على نية الجزم، قال الشاعر: [الوافر]\nومن يتّق فإن الله معه... ورزق الله مؤتاب وغادي\nوكسرها الباقون؛ لأن جزمه بحذف حرف العلة من آخره على القاعدة في جزم المعتل.\nوأسكن الهاء أبو عمر وأبو بكر، واختلس الكسرة يعقوب، وقالون، وأشبع كسرة الهاء الباقون، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُطِعِ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَخْشَ:﴾ مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿وَيَتَّقْهِ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، ثم تلاها تسكين القاف للتخفيف، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وانظر مثل إعراب الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في الآية رقم [٥٠] فهي مثلها بلا فارق، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٣]. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2844\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ حلفوا، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة كما تراه في الآية رقم [٦٣] في إعلال (يصيب). هذا؛ وأما «قسم» الثلاثي فإنه بمعنى: جزأ وفرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها، و(الجهد) بفتح الجيم: المشقة، وبضمها الطاقة والقدرة، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ الآية رقم [٧٩] من سورة (التوبة).\n ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: عاد القول إلى ذكر المنافقين، فإن الله لما بيّن كراهتهم لحكم النبي ﷺ أتوه، فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا، ونسائنا، وأموالنا؛","vol":"6","page":419},{"text":"لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد؛ لجاهدنا، فنزلت هذه الآية؛ أي: وأقسموا بالله أنهم يخرجون معك في المستقبل، ويطيعون. انتهى. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ مستعار من جهد نفسه إذ بلغ أقصى وسعها.\n ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ أي: لا تحلفوا كذبا بالله. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: هذه طاعة القول باللسان، دون الاعتقاد بالقلب، وهي معروفة، أي أمر عرف منكم أنكم تكذبون، وتقولون ما لا تفعلون.\nوقيل: معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل، وأمثل من يمين باللسان، لا يوافقها الفعل.\nانتهى. خازن. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: من طاعتكم بالقول، ومخالفتكم بالفعل، فلا يخفى عليه شيء من سرائركم.\nبعد هذا انظر شرح (الإيمان) في الآية رقم [١٤] من سورة (الحج)، وإعلال ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ مثل إعلال (لتعلمن) في الآية رقم [٧١] من سورة (طه). هذا؛ وأمر يتعدى لمفعولين، تارة بنفسه.\nكما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن، فمثال «استغفر» وقد نصب مفعولين صريحين قول الشاعر: [البسيط]\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل\nومثال «أمر» وقد نصب مفعولين صريحين قول عمرو بن معدي كرب، وينسب لغيره: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nهذا؛ والأمر من: أمر: مر، وأصله: اومر، لكن لم يستعمل على الأصل، وحذفت الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وهذا الحذف واقع في الأمر المأخوذ من: أخذ وأكل، فيقال: خذ، وكل، وقد قالوا: اؤمر، و: اؤخذ، فاستعملا على الأصل، ومنه: (أؤمر) في الآية رقم [١٤٤ و١٩٩] من سورة (الأعراف)، ورقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٧] من سورة لقمان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقسموا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله: (أقسموا) وهو من معناه، أو هو حال من واو الجماعة بمعنى جاهدين، أو مجتهدين، وجملة ﴿وَأَقْسَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (يقولون...) إلخ في الآية رقم [٤٧] و﴿جَهْدَ﴾ مضاف، و﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿أَمَرْتَهُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَخْرُجُنَّ:﴾\nاللام: واقعة في جواب القسم. (يخرجن): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون للتوكيد","vol":"6","page":420},{"text":"حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما»؛ ما لم يتقدم عليهما ما يحتاج إلى خبر، فيصح أن يكون الجواب للشرط المتقدم، وأن يكون جوابا للقسم، والمرجح أن يكون للشرط مطلقا، قال ابن مالك﵀في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوإن تواليا وقبل ذو خبر... فالشّرط رجّح مطلقا بلا حذر\nوربّما رجّح بعد قسم... شرط بلا ذي خبر مقدّم\nهذا؛ والقسم المحذوف وجوابه المذكور، والشرط المذكور، وجوابه المحذوف كلّ ذلك جواب لقومه: (أقسموا بالله) ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا تُقْسِمُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿طاعَةٌ:﴾ مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: طاعة معروفة خير من قسمكم، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أمرنا طاعة ونحو ذلك: المطلوب منكم طاعة. وأجاز البيضاوي تقدير: ولتكن طاعة معروفة، فتكون طاعة فاعلا لفعل محذوف. ولكنه ضعيف؛ لأن الفعل لا يحذف إلا لدليل، وقال: قرئت بالنصب على تقدير: أطيعوا طاعة. وقال العكبري: ولو قرئ بالنصب لكان جائزا في العربية، وذلك على المصدر، أي: أطيعوا طاعة، وقولوا قولا، أو اتخذوا طاعة، وقولا... إلخ، وكانه لم يطلع على القراءة بالنصب، ﴿مَعْرُوفَةٌ:﴾ صفة ﴿طاعَةٌ،﴾ والجملة الاسمية أو الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿بِاللهِ:﴾ اسمها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبرها. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خبير بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: خبير بعملكم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2845\"></span>﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: فيما يأمران به، وفيما ينهيان عنه. هذا؛ وقد قرن الله طاعته بطاعة رسوله ﷺ في كثير من الآيات، كما هو معلوم، من ذلك قوله تعالى في","vol":"6","page":421},{"text":"سورة (النساء) رقم [٨٠]. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ ومن القرطبي: وفي حديث: أن النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،﴾ ومن فرّق بين شكر الله وشكر والديه، والله ﷿ يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾. انتهى.\n ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله، وأصل الفعل: تتولوا، فحذف إحدى التاءين، وهو كثير في القرآن الكريم، ودل على ذلك: أن بعده ﴿وَعَلَيْكُمْ﴾ ولم يقل:\nوعليهم. ﴿فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ:﴾ إذ المعنى: فإن تتولوا عن ما ذكر فإنكم لن تضروه، وإنما تضرون أنفسكم، فإن الرسول ﷺ ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى، وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى ما عليه فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التقى بالقبول والإذعان، فإن لم تفعلوا، وتوليتم؛ فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وشديد انتقامه.\n ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أي: وإن أطعتموه فيما يأمركم به، وينهاكم عنه؛ فقد أحرزتم نصيبكم من الهدى، فالضرر في توليكم، والنفع في طاعتكم عائدان إليكم. فقد جعل الاهتداء مقرونا بطاعة الرسول ﷺ. ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: ما على الرسول إلا أن يبلغكم ما يوحى إليه من ربه، فليس له نفع في طاعتكم، ولا عليه ضرر في إعراضكم. و﴿الْبَلاغُ﴾ بمعنى التبليغ، كالأداء بمعنى التأدية، و﴿الْمُبِينُ﴾ الظاهر لكونه مقرونا بالدلائل النيرة والمعجزات الباهرة، وانظر إعلال ﴿الْمُبِينُ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الحج). ولقد صرف الله الكلام عن الغيبة في الآية السابقة، إلى الخطاب في هذه الآية على طريق الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَطِيعُوا:﴾ أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\nوالتي بعدها معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف، وقيل: حرف عطف. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، وقيل: الجواب محذوف، التقدير: فاعلموا أنما عليه ﷺ ما حمل. وهو تكلف لا داعي له. (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَإِنَّما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿حُمِّلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الرسول، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فإنما","vol":"6","page":422},{"text":"عليه الذي، أو: شيء حمله، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق، و(إن) ومدخولها كلام مفرع عما قبله، ومستأنف لا محل له، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿فَإِنَّما:﴾ نافية. ﴿عَلَى الرَّسُولِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر قصر مهمة الرسول على التبليغ. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2846\"></span>﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: الخطاب في هذه الآية لرسول الله ﷺ، ولأصحابه، و﴿مِنْكُمْ﴾ للبيان والتخصيص كالتي في آخر سورة (الفتح)، وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ويجعلهم فيها خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل؛ حين أورثهم أرض مصر، والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى، وهو دين الإسلام، وتمكينه: تثبيته، وتوطيده، وأن يؤمن سربهم، ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه، وذلك أن النبي ﷺ وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، أي بعد السر بالدعوة ثلاث سنين، ولما هاجروا إلى المدينة كانوا يصبحون في السلاح ويمسون فيه، حتى قال رجل: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع السلاح؟ فقال ﷺ:\n «لا تلبثون إلا يسيرا؛ حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا، ليس عليه حديدة».\nفأنجز الله وعده، وأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعدها بلاد المشرق، والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا، قال الضحاك في كتاب النقاش:\nهذه الآية تتضمّن صحة خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي﵃-؛ لأنهم أهل الإيمان، وعملوا الصالحات؛ وقد قال الرسول ﷺ: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ تكون ملكا». رواه سفينة مولى رسول الله ﷺ. وفي رواية: «ثم تكون ملكا عضوضا». أي جائرا، وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في أحكامه، واختاره، وقال: قال علماؤنا هذا الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة﵃-، وأن الله تعالى استخلفهم، ورضي أمانتهم، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم؛ لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فاستقر الأمر","vol":"6","page":423},{"text":"لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبّوا عن حوزة الدين، فنفذ الوعد فيهم، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز، وفيهم نفذ، وعليهم ورد، ففيمن يكون إذا، وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيمن بعدهم﵃-.\n ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ليجعلنهم متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم، وعطف (عملوا) على ﴿آمَنُوا﴾ احتراس يوحي: أن الإيمان بدون عمل صالح لا يحقق استخلافا في الأرض، بل ولا يدخل جنة، وهذا نبهت عليه مرارا وتكرارا. ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كما استخلف داود، وسليمان، وغيرهما من الأنبياء، وكما استخلف بني إسرائيل، وأهلك الجبابرة بمصر والشام، وأورثهم أرضهم، وديارهم.\n ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ:﴾ اختاره بقوله في سورة (المائدة) رقم [٣]: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ قال ابن عباس﵄-: يوسع لهم في البلاد؛ حتى يملكوها، ويظهر دينهم على سائر الأديان. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا:﴾ آمنين، فأنجز الله وعده، وأظهر دينه، ونصر أولياءه، وأبدلهم بعد الخوف أمنا، وبسطا في الأرض.\nفقد أخرج البخاري عن عدي بن حاتم الطائي﵁قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال:\n «يا عديّ هل رأيت الحيرة؟». قلت: لم أرها، ولقد أنبئت عنها، قال: «فإن طالت بك حياة؛ لترينّ الظعينة ترحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله». قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعّار طيئ الذين قد سعّروا البلاد؟! «ولئن طالت بك حياة؛ لتفتحنّ كنوز كسرى» قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: «كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترينّ الرجل يخرج ملء كفه من ذهب، أو فضة يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقينّ الله أحدكم يوم القيامة، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولنّ: ألم أبعث إليك رسولا، فيبلغك؟ فيقول: بلى! يا رب، فيقول: ألم أعطك مالا، وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم». قال عدي﵁-:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا النار، ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».\nقال عديّ﵁-: فرأيت الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترونّ ما قال أبو القاسم ﷺ: يخرج الرجل ملء كفه ذهبا... إلخ. انتهى. خازن.\n ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا:﴾ فيه أربعة أقوال: أحدها: لا يعبدون غيري. الثاني:\nلا يراؤون بعبادتي أحدا. الثالث: لا يخافون غيري. قاله ابن عباس﵄-. الرابع:\nلا يحبون غيري. قاله مجاهد. ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي: كفر هذه النعم، أي: جحدها، ولم","vol":"6","page":424},{"text":"يرد الكفر بالله، وانظر (الكفر) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي:\nالعاصون الخارجون عن طاعة الله تعالى، وانظر الآية رقم [٤]، وانظر شرح ﴿الدِّينِ﴾ في الآية رقم [٧٨] من سورة (الحج)، وشرح (العبادة) في رقم [٦٧] من سورة (الأنبياء).\nقال أهل التفسير: أول من كفر النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان﵁-، فلما قتلوه؛ غيّر الله ما بهم، وأدخل عليهم الخوف، حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا، فعن ابن أخي عبد الله بن سلام﵄قال: لما أريد قتل عثمان جاء عبد الله بن سلام، فقال عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرك، قال: اخرج إلى الناس، فاطردهم، فإنك خارجا خير لي منك داخلا، فخرج عبد الله إلى الناس، فقال: أيها الناس، إن لله سيفا مغمودا عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول الله ﷺ، فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فو الله إن قتلتموه لتطردنّ جيرانكم الملائكة، وليسلّنّ الله سيفه المغمود عنكم، فلا يغمد إلى يوم القيامة! قالوا: اقتلوا اليهودي، واقتلوا عثمان. أخرجه الترمذي. زاد في رواية غير الترمذي، فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿وَعَدَ:﴾ ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. (عملوا): ماض، وفاعله. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (يستخلفنهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. والجملة الفعلية جواب قسم محذوف، التقدير: أقسم ليستخلفنهم في الأرض، والقسم وجوابه كلام معطوف على جملة: ﴿وَعَدَ..﴾. إلخ بواو محذوفة، أو نزّل ﴿وَعَدَ اللهُ﴾ في تحققه منزلة القسم، فتلقي بما يتلقى به القسم، كأنه قيل: أقسم الله ليستخلفنكم. انتهى. زمخشري من الكشاف، ومثله ما نقله الجمل عن السمين، وزاد فيه قوله على الاعتبار الأول: ويكون، مفعول الوعد محذوفا، تقديره:\nوعدهم الاستخلاف، لدلالة قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ عليه.\nوأما مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-فقد قال: أصل «وعد» أن يتعدى إلى مفعولين، ولك أن تقتصر على أحدهما، فلذلك تعدى في هذه الآية إلى مفعول واحد، وفسر العدة بقوله سبحانه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ كما فسر العدة في المائدة بقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ رقم [١٠]","vol":"6","page":425},{"text":"وكما فسر الوصية في (النساء) بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية رقم [١١].\n ﴿كَمَا:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿اِسْتَخْلَفَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ ويقرأ بالبناء للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، أو هو في محل رفع نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: ليستخلفنهم استخلافا مثل استخلاف الذين من قبلهم، وهذا ليس مذهب سيبويه؛ وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، وجملة: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿دِينَهُمُ،﴾ والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي ارتضاه لهم، وكذلك جملة: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، ويقرأ بتشديد النون، وتخفيفها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَمْنًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿خَوْفِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿أَمْنًا:﴾ مفعول به ثان للفعل (يبدل). ﴿يَعْبُدُونَنِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ضمير الغائبين، والرابط: الضمير، وهو واو الجماعة، أو هي مستأنفة، لا محل لها. أو هي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم يعبدونني، والجملة الاسمية مستأنفة، وفي توجيه الحالية ذكر الجمل خمسة أوجه من الفاعل، أو من المفعول، وكلها تعود لما ذكرته. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يُشْرِكُونَ:﴾ مضارع، والواو فاعله. ﴿بِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، أو هي بدل مما قبلها، فتكون حالا متداخلة على الأول، وبمعنى التفسير على الثاني.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من).\n ﴿بَعْدِ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وبعد مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَأُولئِكَ:﴾","vol":"6","page":426},{"text":"الفاء: واقعة في جواب الشرط، وإعراب: (أولئك هم الفاسقون) مثل إعراب ﴿أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ في الآية رقم [٥٠] بلا فارق، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٣]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرَ..﴾. إلخ صلته، وخبره الجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2847\"></span>﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ:﴾ في جميع ما أمركم به، قال تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وانظر الآية رقم [٥٤]. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي:\nتنالكم رحمة الله. وانظر ما ذكرته في مثل هذا الترجي في الآية رقم [١].\nالإعراب: ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقيموا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على مقدر يقتضيه السياق، التقدير: دوموا على الإيمان. واعملوا صالحا، وأقيموا الصلاة، أو هي معطوفة على جملة: ﴿أَطِيعُوا اللهَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٥٤] وما بينهما كلام معترض لا محل له، وهذا الاعتراض فاصل، وهو وعد على المأمور به، فيكون تكريرا للأمر بطاعة الرسول ﷺ للتأكيد، وتعليق الرحمة بها، أو بالمندرجة هي فيه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ كما علق الهدى، وربطه بطاعته ﷺ، والجملتان: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معطوفتان عليها، وجملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ تعليل للأمر، و﴿تُرْحَمُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ).\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم..\n<span id=\"aya-2848\"></span>﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ المعنى: لا تظنن يا محمد الكفار معجزين الله عن إدراكهم، وإهلاكهم، فهم لا يفوتونه، ولا يفلتون من عقابه وانتقامه. هذا؛ ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد عاقل، ويقرأ الفعل بالياء. (مأواهم النار): مقرهم، ومالهم جهنم. ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ:﴾ المرجع، والماب، وانظر شرح (بئس) في الآية رقم [٧٨] من سورة (الحج).\nالإعراب: ﴿لا تَحْسَبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». وعلى قراءته بالياء، فالفاعل","vol":"6","page":427},{"text":"تقديره: «هو»، فعلى القراءتين الفاعل يعود إلى ﴿الرَّسُولَ﴾ كذا قيل، وهو غير مسلم؛ لأنه يمتنع، أو يبعد جعله الرسول ﷺ؛ لأن مثل هذا الحسبان لا يتصور منه حتى ينهى عنه، وهذا على الخطاب، وأما على قراءته بالياء، فإن الفاعل مضمر يعود على ما دل السياق عليه، أي:\nلا يحسبن حاسب، أو أحد، وعوده على الرسول ﷺ ضعيف للمعنى المتقدم، ويجاب: بأنه لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه من المنهي عنه، فيكون على سبيل الفرض، والتقدير.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته. ﴿مُعْجِزِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُعْجِزِينَ﴾. هذا؛ وقيل: إن فاعل (يحسبن) بالياء هو ﴿الَّذِينَ،﴾ والمفعول الأول محذوف، فيكون تقدير الكلام: ولا يحسبن الذين كفروا أحدا معجزين، أو لا يحسبوهم معجزين، فحذف المفعول الأول؛ لأن الفاعل، والمفعولين لشيء واحد، فاكتفى بذكر واحد عن اثنين. وقدر القرطبي الكلام: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض.\nقال النحاس: وما علمت أحدا من أهل العربية بصريا، ولا كوفيا، إلا وهو يخطّئ قراءة حمزة، وهي قراءة الياء، فمنهم يقول: هي لحن؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ل: (يحسبنّ) وممن قال هذا أبو حاتم. وقال الفراء: هو ضعيف، وأجازه على ضعفه، على أنه يحذف المفعول الأول. انتهى. قرطبي. (مأواهم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿النّارُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها عطف خبر على إنشاء على رأي بعضهم، أو هي معطوفة على مقدر. تقديره: بل هم مقهورون مدركون، أي فهو عطف خبر على خبر.\n ﴿وَلَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم.\n ﴿الْمَصِيرُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. هذا؛ ويجوز اعتبارها واقعة في جواب قسم محذوف، والجملة الفعلية جوابه.\n\n<span id=\"aya-2849\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾\nسبب نزول الآية الكريمة: قال ابن عباس﵄-: وجّه رسول الله ﷺ غلاما من الأنصار-يقال له: مدلج بن عمرو-إلى عمر بن الخطاب﵁وقت الظهيرة؛ ليدعوه، فدخل-أي: بدون استئذان-فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته فيها، فقال﵁-:","vol":"6","page":428},{"text":"لوددت: أن الله ﷿ نهى آباءنا، وأبناءنا، وخدمنا أن يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذن؛ ثم انطلق معه إلى النبي ﷺ، فوجده، وقد أنزلت عليه هذه الآية، وهي إحدى الآيات التي نزلت توافق رأي عمر، ﵁.\nوقيل: نزلت في أسماء بنت مرثد﵂-، كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقت كرهته، فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: إن خدمنا، وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها! فأنزل الله الآية.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: الآية رجوع إلى تتمة الأحكام السالفة-أي: في الاستئذان- بعد الفراغ من الإلهيات، الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها، والوعد عليها، والوعيد على الإعراض عنها، والمراد به: خطاب الرجال، والنساء، غلّب فيه الرجال.\nانتهى. أقول: وهذا نبهت عليه كثيرا بأن نداء الذكور يعمّ النساء، إلا ما ورد بخصوصه.\nالشرح: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ من العبيد، والإماء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] من سورة (الحج). ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ أي: من الأطفال الأحرار، والمراد بهم: من بلغوا سن التمييز، والعقل وغيرهما، واتفق العلماء على أنّ الاحتلام بلوغ، وعلى أن الحيض بلوغ، ولو كانا في السن العاشرة، أو غيرها، واختلفوا فيما إذا بلغا خمس عشرة سنة، ولم يحتلم الذكر، ولم تحض الأنثى، فقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: لا يكون بالغا حتى يبلغ ثمان عشرة سنة، ويستكملها، والجارية سبع عشرة سنة، وتستكملها. وقال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد -رضوان الله عليهم-: في الغلام والجارية بخمس عشرة سنة يصير مكلفا، وتجري عليهما الأحكام الشرعية، وتجب عليهما التكاليف الإلهية. وعن علي-كرم الله وجهه-أنه كان يعتبر القامة، وقدرها، بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله يمدح يزيد بن المهلب في مرثية له: [الكامل]\nما زال مذ عقدت يداه إزاره... وسما فأدرك خمسة الأشبار\nوهذا هو الشاهد رقم [٦٣٤] من كتابنا فتح القريب المجيب، انظر شرحه، وإعرابه هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ:﴾ في اليوم والليلة، وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها، وملازمة التعري. ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ:﴾ فهذا وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب النهار. ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ:﴾ وهو وقت القيلولة، والراحة، والهدوء والسكون في البيت. ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ:﴾ وهو وقت التعري للنوم، ولقد خص الله هذه الأوقات الثلاثة بالذكر؛ لأنها ساعات الخلوات، ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يجوز أن يراه أحد من العبيد، والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وغير العبيد، والصبيان يستأذن في جميع الأوقات، وهو ما رأيته في الآية رقم [٢٨] وما بعدها.","vol":"6","page":429},{"text":"﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ أي: هي ثلاثة أوقات تكون فيها عوراتكم متعرضة للانكشاف، وسميت هذه الأوقات عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها ثيابه. فتبدو عورته. هذا؛ و﴿عَوْراتٍ﴾ جمع:\nعورة، ولم تحرك عين الاسم بالفتح؛ لأنها حرف علة، ولو حركت بالفتح، لا نقلبت ألفا على القاعدة المشهورة: إذا تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. انظر ﴿خُطُواتِ﴾ في الآية رقم [٢١] وما ذكرته في شرحها. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي: إثم ومؤاخذة بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان من المماليك والصبيان والخدم.\n ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ:﴾ يتردد هؤلاء عليكم، يدخلون، ويخرجون في أشغالكم، وقضاء حوائجكم. ﴿بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ:﴾ يطوف بعضكم على بعض، والمراد به كثرة الدخول، والخروج. ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ أي: كما بين حكم الاستئذان في هذه الآية، وفي الآية رقم [٢٨] يبين لكم غيره من الآيات التي احتجتم إلى بيانها، والتي أيضا هي دلالات واضحة على قدرته، وحكمته العالية. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ:﴾ بأمور خلقه، وبمصالحهم. ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما شرع لهم.\nخاتمة: لقد اختلف في حكم هذه الآية، فقيل: إنها منسوخة، وعليه ابن عباس وسعيد بن المسيب، وعكرمة﵃-. وذهب قوم إلى أنها غير منسوخة قاله الشعبي، وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: إن ناسا يقولون: نسخت، والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس، قيل: ثلاث آيات ترك الناس العمل بهن: هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ؛﴾ والناس يقولون: أعظمكم بيتا، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى﴾.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢١] فالإعراب فيها واف. ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ:﴾\nمضارع مجزوم بلام الأمر، والكاف مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مَلَكَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين ملكتهم أيمانكم، والجملة الفعلية: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل رفع مثله. ﴿لَمْ يَبْلُغُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحُلُمَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿ثَلاثَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ وقيل: هو مفعول مطلق على معنى: ثلاثة استئذانات، والأول أقوى؛ لأنه لم يرد تكرار الاستئذان، و﴿ثَلاثَ﴾ مضاف، و﴿مَرّاتٍ﴾ مضاف إليه، وجملة:\n ﴿لَمْ يَبْلُغُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ في محل نصب بدل من (ثلاث مرات) أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي من قبل، وأجاز أبو البقاء وجها","vol":"6","page":430},{"text":"ثالثا، وهو الجر بدلا من مرات، و(قبل) مضاف، و﴿صَلاةِ﴾ مضاف إليه، و(صلاة) مضاف، و﴿الْفَجْرِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَحِينَ:﴾ ظرف زمان معطوف على ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ على جميع الاعتبارات.\n ﴿تَضَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ثِيابَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و﴿مِنْ﴾ بمعنى «في» أو بمعنى أجل، وجملة: ﴿تَضَعُونَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (حين) إليها. (من بعد): معطوفان على ﴿مِنْ قَبْلِ،﴾ على جميع الاعتبارات فيهما، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿صَلاةِ﴾ مضاف إليه، و﴿صَلاةِ﴾ مضاف، و﴿الْعِشاءِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثَلاثَ:﴾ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي أوقات ثلاث عورات، فحذف المبتدأ، والمضاف، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بنصب ﴿ثَلاثَ﴾ على البدلية من ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ أو على تقدير:\nأعني: ثلاث، وذلك على القطع. و﴿ثَلاثَ﴾ مضاف، و﴿عَوْراتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَوْراتٍ﴾.\n ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿جُناحٌ:﴾ اسم ليس مؤخر. ﴿بَعْدَهُنَّ:﴾ ظرف زمان متعلق بجناح، أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقيل: صفة ﴿عَوْراتٍ،﴾ وليس بشيء. ﴿طَوّافُونَ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم طوافون مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل لنفي الجناح. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: يطوف على بعض، أو طائف على بعض، والجملة الاسمية هذه بدل مما قبلها، أو هي مؤكدة مبينة، بمعنى: أنها أفادت ما أفادته الجملة التي قبلها، فكانت بدلا، أو مؤكدة. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿بَعْضُكُمْ﴾ بدلا من ﴿طَوّافُونَ،﴾ قاله ابن عطية، كما أجيز اعتباره فاعلا لفعل مقدر، أي: يطوف بعضكم، حذف الفعل لدلالة ﴿طَوّافُونَ﴾ عليه، قاله الزمخشري، وعليه البيضاوي.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا عامله ما بعده، التقدير: يبين الله لكم الآيات تبيينا كائنا مثل تبيين آيات الاستئذان المتقدم ذكرها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مستأنفة أيضا، لا محل لها. تأمل.","vol":"6","page":431},{"text":"<span id=\"aya-2850\"></span>﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اِسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾\nالشرح: معنى هذه الآية: أن الأطفال أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة في الآية السابقة، وأبيح لهم الأمر في غير ذلك كما ذكرنا، ثم أمر الله تعالى في هذه الآية أن يكونوا إذا بلغوا الحلم على حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت، وهذا بيان من الله ﷿ لأحكامه، وإيضاح حلاله وحرامه. وقال هنا: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ولم يقل: فليستأذنوكم، وقال في الأولى: ليستأذنكم؛ لأن الأطفال غير مخاطبين، ولا متعبدين، وإنما المخاطب أولياؤهم.\nهذا؛ وبينت في الآية رقم [٢٨] أن الاستئذان واجب حتى إن الرجل يستأذن على أمه كلما دخل عليها، وكرر سبحانه هنا قوله: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ للمبالغة، والتأكيد في الأمر بالاستئذان. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿بَلَغَ الْأَطْفالُ:﴾\nماض، وفاعله. ﴿مِنْكُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْأَطْفالُ﴾. ﴿الْحُلُمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا:﴾\nالفاء: واقعة في جواب (إذا). (ليستأذنوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿كَمَا:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):\nمصدرية. ﴿اِسْتَأْذَنَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل.\n ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذين كانوا، أو وجدوا من قبلهم، والهاء في محل جر بالإضافة، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا للفعل قبله، التقدير: فليستأذنوا استئذانا كائنا مثل استئذان الذين من قبلهم، وانظر مذهب سيبويه -رحمه الله تعالى-في الآية رقم [٥٥] وذلك بقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ..﴾. إلخ هذا؛ وانظر إعراب: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ في الآية السابقة، فهو مثلها بلا فارق.\n<span id=\"aya-2851\"></span>﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ:﴾ (القواعد): جمع: قاعد بلا هاء؛ ليدل حذفها على أنه قعود الكبر، كما قالوا: امرأة حامل، ليدل بحذف الهاء على أنه حمل حبل، وقالوا في غير","vol":"6","page":432},{"text":"ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها. وقال مكي: على النسب، أي ذات قعود. وقيل:\nحذفت الهاء للفرق بينه وبين القاعدة؛ أي الجالسة. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (الحج) تجد ما يسرك، و﴿النِّساءِ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وجمعها في القلة: نسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان الذي رأيته في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف) فهي مطبوعة عليه؛ إما إهمالا، وإما كذبا. ويقال لكل واحد من هذه الجموع: اسم جمع، لا واحد له من لفظه. هذا؛ والمرأة مأخوذة من المرء، وهو الرجل؛ فلذا سميت بذلك، والأم الأولى حواء سميت بذلك؛ لأنها مأخوذ من: حي، وهو آدم ﵉.\nهذا؛ والقواعد من النساء: اللاتي قعدن عن الولد، والمحيض. وقال ربيعة: هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كبرها. أقول: والمراد من تجاوزت الستين من عمرها، فإنها لا يميل إليها، ولا يشتهيها إلا من كان في سنها، أو أسنّ منها. ﴿اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ أي: لا يردن الأزواج لكبرهن، فأما من كانت فيها بقية جمال، وهي محل الشهوة؛ فلا تدخل في حكم هذه الآية، والمراد: لا يرغبن في الزواج.\n ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ:﴾ إثم، ومؤاخذة. ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أي: الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار. وأقول: ولا حرج عليها في كشف دائرة وجهها إذا كانت قد سترت جميع جسدها، وكانت في السن التي ذكرتها، وغير متبرجة، ولكن مما يؤسف له، بل ويحز في القلب أن نرى في هذه الأيام بنت الستين، والسبعين متحجبة، متسترة، محتشمة، وبناتها، وكناتها، وقريباتها يمشين معها، وهنّ هالعات، خالعات من الحياء، خاليات، ومن الدين مارقات، ولا حول، ولا قوة إلا بالله!.\n ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي: غير مظهرات من زينتهن، ومحاسنهن ما يجب عليهن ستره، وذلك ليستهوين الرجال، فإن ذلك من أقبح الأشياء، وأبعده عن الحق، والتبرج: التكشف، والظهور للعيون، ومنه بروج مشيدة، وبروج السموات والأسوار، أي: لا حائل دونها يسترها، ثم قيل: من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفان حجم أعضائها، فعن أبي هريرة﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أهل النار، لم أر هما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها النّاس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا، وكذا». أخرجه مسلم، وغيره، وفي حديث آخر عن ابن عمر﵄-: «العنوهنّ فإنّهنّ ملعونات».\nوعن أبي موسى الأشعريّ، ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: «أيّما امرأة استعطرت فمرّت على قوم؛ ليجدوا ريحها، فهي زانية، وكلّ عين زانية». رواه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبّان في صحيحهما، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠ و٣١].","vol":"6","page":433},{"text":"هذا؛ وقد قيل: إن المعنى: كاسيات من الثياب، عاريات من لباس التقوى؛ الذي قال الله تعالى فيه في الآية رقم [٢٦] من سورة (الأعراف): ﴿وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ وأنشدوا: [الطويل]\nإذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى... تقلّب عريانا، وإن كان كاسيا\nوخير لباس المرء طاعة ربّه... ولا خير فيمن كان لله عاصيا\nوفي هذا الكلام إستعارة لا تخفى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي: يطلبن العفة، والمحافظة على الشرف، ولا يلقين شيئا من الثياب، ويسترن وجوههنّ، وجميع أجسادهن؛ لأنه أبعد من التهمة. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ بنياتهن، وأقوالهن.\nالإعراب: ﴿وَالْقَواعِدُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (القواعد): مبتدأ. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من القواعد على اعتبار أل للتعريف، أو بمحذوف صفة له، على اعتبارها للجنس، وهو أولى؛ لأن كثيرين لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة (القواعد) لا ل: ﴿النِّساءِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾\nمضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة التي هي فاعله. ﴿نِكاحًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَلَيْسَ:﴾ الفاء: زائدة للتوكيد. (ليس): ماض ناقص.\n ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿جُناحٌ:﴾\nاسم ليس مؤخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن المبتدأ موصوف بموصول، لو كان ذلك الموصول مبتدأ؛ لجاز دخولها في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ولا يجوز أن يكون ﴿اللاّتِي﴾ صفة ل: ﴿النِّساءِ؛﴾ إذ لا يبقى مسوغ لدخول الفاء في خبر المبتدأ، وقال أبو البقاء: ودخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط؛ لأن الألف، واللام بمعنى: اللاتي قعدن، وهذا مذهب الأخفش. انتهى.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يَضَعْنَ:﴾ مضارع مبني على السكون، وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ والنون فاعله. ﴿ثِيابَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من نون النسوة، أو من الضمير المجرور محلا بالإضافة، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿مُتَبَرِّجاتٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِزِينَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في وضعهن ثيابهن، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿جُناحٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿وَالْقَواعِدُ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها، والمصدر المؤول من: (أن يستعففن) في محل رفع مبتدأ، و﴿خَيْرٌ:﴾\nخبره التقدير: والاستعفاف خير لهن من الوضع. ﴿لَهُنَّ:﴾ متعلقان بخير، والجملة الاسمية:\n ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"6","page":434},{"text":"<span id=\"aya-2852\"></span>﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾\nالشرح: اختلف العلماء في هذه الآية، فقال عبد الله بن عباس﵄-: لما أنزل الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى، والزمنى، والعمي، والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله ﷿ عن أكل الأموال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول، فلا يستوفي من الطعام حقه.\nفأنزل الله ﷿ هذه الآية، فعلى هذا التأويل تكون ﴿عَلَى﴾ بمعنى «في» أي: ليس في الأعمى.\nوالمعنى: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى، والمريض، والأعرج حرج؛ أي: إثم ومؤاخذة.\nوقيل: كان العميان، والعرجان، والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء؛ لأن الناس يقذرونهم، ويكرهون مؤاكلتهم، وكان الأعمى يقول: ربما آكل أكثر من ذلك، ويقول الأعرج والمريض: ربما أجلس مكان اثنين. فنزلت هذه الآية.\nوقيل: نزلت ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سماهم الله في باقي الآية، وذلك: أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل في طلب الطعام، فإذا لم يكن عنده شيء ذهب بهم إلى بيت أخيه، أو بيت أمه، أو بعض من سمى الله تعالى، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك، ويقولون: ذهب بنا إلى غير بيته. فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقيل: كان المسلمون إذا غزوا؛ دفعوا مفاتيح بيوتهم إلى الزمنى، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك، ويقولون: لا ندخلها، وأصحابها غيّب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم. وقيل: نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد.\nفعلى هذا تم الكلام عند قوله: ﴿وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ كلام مستأنف. انتهى. خازن. وهذا الأخير نفاه البيضاوي، حيث قال: وهو لا يلائم ما قبله، وما بعده.","vol":"6","page":435},{"text":"هذا؛ وقيل: لما نزلت: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل من أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ والمعنى: ولا عليكم أيها الناس حرج، ولكن لما اجتمع المخاطب وغير المخاطب غلّب المخاطب لينتظم الكلام. وذكر بيوت القرابات، وسقط منها بيوت الأبناء، فقال المفسرون: ذلك؛ لأنها داخلة في قوله في بيوتكم؛ لأن بيت ابن الرجل بيته، لما جاء في قول النبي ﷺ للرجل الذي شكا إليه أباه، وأنه يأخذ ماله: «أنت ومالك لأبيك». وقوله ﷺ: «إنّ أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإنّ ولده من كسبه».\nهذا؛ وقال العلماء: الأكل من بيوت المذكورين إذا أذنوا في ذلك، وقال آخرون: أذنوا له، أو لم يأذنوا فله أن يأكل؛ لأن القرابة التي بينهم هي إذن منهم، والمعتمد: أن الإذن شرط في حل الأكل في هذه الأيام؛ لأن بعض النفوس لا تسمح حتى للإخوة، والأخوات، وذلك ملموس عند كثير من الأشحاء.\n ﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: عنى بذلك: وكيل الرجل، وقيّمه في ضيعته، وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمرة ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل، ولا يدخر. وقيل: يعني: بيوت عبيدكم، ومماليككم، وذلك: أن السيد يملك منزل عبده. هذا؛ ويقرأ «(مفتاحه)» وقرأ سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: «(مفاتيحه)» وعلى قراءة «(مفاتح)» يكون قد حذف منه عند الجمع الألف التي تقلب ياء في صيغة منتهى الجموع، كما تقول في مصباح: مصابح، وفي محراب: محارب، والمفتاح: آلة الفتح، كالمفتح. وقيل: مفاتح جمع: مفتح أو مفتح، ومفاتيح جمع: مفتاح.\n ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ:﴾ يعني: أو بيوت صديقكم، كان الرجل من السلف يدخل دار صديقه، وهو غائب، فيسأل جاريته كيسه، فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها، فأخبرته، أعتقها سرورا بذلك، فأما الآن؛ فقد غلب الشح على النفوس، فلا يأكل الإنسان إلا بإذن. هذا؛ والصديق هو من يصدقك في مودته، وتصدقه في مودتك، وهو يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث؛ لأنه على وزن فعيل، وفعيل يطلق على ما ذكر، قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾. و(عدو) على وزن فعيل يطلق على ما ذكر، كما رأيت في الآية رقم [٣٩] من سورة (طه). وقال جرير، وقد أطلق صديقا على جماعة الإناث: [الطويل]\nدعون الهوى ثمّ ارتمين قلوبنا... بأسهم أعداء وهنّ صديق\nوعن ابن عباس﵄قال: الصداقة أو كد من القرابة ألا ترى: أن الجهنميين لما استغاثوا، لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، فقالوا: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الآيتان رقم [١٠٠ و١٠١] من سورة (الشعراء)، وانظر ما ذكرته في الخل والخليل في الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"6","page":436},{"text":"﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ:﴾ إثم، ومؤاخذة. ﴿أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا﴾ أي: متفرقين، جمع: شت، والشت: المصدر بمعنى التفرق، قيل: إنها نزلت في بني ليث بن بكر، وهم حيّ من بني كنانة، كان الرجل منهم، لا يأكل وحده حتى يجد ضيفا يأكل معه، فربما قعد الرجل من الصباح إلى المساء، وربما كانت معه الإبل الحفّل، فلا يشرب من ألبانها حتى يأتي من يشاربه، فإذا أمسى؛ ولم يجد أحدا؛ أكل. وقال القرطبي: وقد يمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله، وهي مبالغة غير مقبولة منه، وهذا خلق ورثه أولئك القوم من (إبراهيم) ﵇، فقد كان لا يأكل وحده؛ حتى يجد من يأكل معه، وهذا مشهور عنه. وقد قال قيس بن عاصم المنقري الصحابي﵁وينسب لحاتم الطائي يخاطب زوجته: [الطويل]\nإذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي\nوانظر الشاهد [٣٩٨] من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك. وقال ابن عباس﵄-: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته، وصداقته، فيدعوه إلى طعامه، فيقول:\nوالله إني لأجنح-أي: أتحرج-أن آكل معك؛ وأنا غني، وأنت فقير. فنزلت هذه الآية، وقيل:\nنزلت في قوم من الأنصار، كانوا لا يأكلون؛ إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعا، أو متفرقين. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف. وهذا يفيد: أن الآية الكريمة نزلت في أسباب متعددة، كما يحتمل أن يكون نزولها جملة واحدة، وأن يكون متفرقا.\n ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ليسلم بعضكم على بعض، هذا في دخول الرجل بيت نفسه، يسلم على أهله، ومن في بيته. قال قتادة﵁-: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليه، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السّلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، السّلام على أهل البيت، ورحمة الله وبركاته. حدّثنا أن الملائكة ترد عليه. وقال ابن عباس﵄-: إذا لم يكن في البيت أحد: فليقل: السّلام علينا من ربنا، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السّلام على أهل البيت، ورحمة الله وبركاته. وعن زيد بن أسلم﵁أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخلتم بيوتا؛ فسلّموا على أهلها، واذكروا اسم الله، فإنّ أحدكم إذا سلّم حين يدخل بيته، وذكر اسم الله على طعامه، يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هاهنا، ولا عشاء. وإذا لم يسلّم أحدكم؛ إذا دخل، ولم يذكر اسم الله على طعامه؛ قال الشيطان لأصحابه، أدركتم المبيت، والعشاء».\n ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: ثابتة بأمره، مشروعة من لدنه. ﴿مُبارَكَةً:﴾ لأنها ترجى بها زيادة الخير، وتكثير الحسنات، ورفع الدرجات في الجنة. ﴿طَيِّبَةً:﴾ تطيب بها نفس المستمع، فعن أنس بن مالك﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «متى لقيت أحدا من أمّتي؛ فسلّم عليه؛ يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلّم عليهم، يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضّحى، فإنّها","vol":"6","page":437},{"text":"صلاة الأبرار الأوّابين». لذا وصف الله التحية ب: ﴿طَيِّبَةً﴾ وب: ﴿مُبارَكَةً؛﴾ لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها ما ذكرت.\n ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ:﴾ كرر الله هذه الجملة ثالثة لمزيد التأكيد، وتفخيم أمر الأحكام المختتمة بها، وفصل الأوليين بما هو المقتضي لذلك، وختم هذه بما هو المقصود منه، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون، فتتدبرون الحق، والخير في الأمور، فتتبعونه، وتهتدون بهديه، وانظر شرح (العقل) في الآية رقم [١٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] منها.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عَلَى الْأَعْمى:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَرَجٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿عَلَى الْأَعْرَجِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿حَرَجٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وجه للإعراب، والوجه الثاني: أن تعطف الجار، والمجرور على مثلهما. و﴿حَرَجٌ﴾ على مثله، والعامل في الأولين، والمعطوفين عليهما عامل واحد، وهو ﴿لَيْسَ،﴾ وتكون (لا) زائدة لتأكيد النفي، ومثل الآية الكريمة قول الأعور الشني: [المتقارب]\nهوّن عليك فإنّ الأمو... ربكفّ الإله مقاديرها\nفليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها\nوهذان البيتان هما الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ:﴾ معطوفان على ما تقدم، والكاف في محل جر بالإضافة فيه، وفيما يلي، والميم حرف دال على جماعة الذكور، و«حرج» المعطوف على مثله محذوف، لدلالة ما قبله عليه، وهذا إن كان الكلام مرتبطا ببعضه، وإن كان غير مرتبط بما قبله، فالجملة الاسمية مستأنفة، وهو ما أفاده القرطبي، والخازن، وغيرهما من المفسرين، ويكون الوقف على قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ تاما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في الأكل، فالجار والمجرور متعلقان ب: «حرج» المحذوف المقدر، أو في محل جر صفة له، وهذا لا يرتضيه سيبويه؛ لأنه لا يجيز حذف الموصوف وبقاء صفته إلا في مواضع معينة معروفة، انظرها في مغني اللبيب باب الحذف، والتقدير، وقيل: المصدر المؤول مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وهذا لا يؤيده معنى، ولا يصح إعرابا. ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وما بعدهما معطوف عليهما، ولا تنس: الإضافة.","vol":"6","page":438},{"text":"﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على بيوتكم.\n ﴿مَلَكْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَفاتِحَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿صَدِيقِكُمْ:﴾ معطوف على ﴿آبائِكُمْ﴾. هذا؛ وإعراب: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ لا يخفى عليك بعد ما تقدم إن شاء الله تعالى، وهذه الجملة بدل من الجملة السابقة على اتصال الكلام ببعضه، ومستأنفة، لا محل لها بالإعراض عن الكلام السابق. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿أَشْتاتًا:﴾\nمعطوف عليه.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٣٩]. ﴿دَخَلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿بُيُوتًا:﴾ انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] في مثله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فَسَلِّمُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (سلموا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَحِيَّةً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: فحيوا تحية. وقيل: عامله:\nسلموا من غير لفظه؛ لأنه بمعنى تسليما، على حد قعدت جلوسا، وجملة: ﴿فَسَلِّمُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان ب ﴿تَحِيَّةً:﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿مُبارَكَةً:﴾ صفة (تحية). ﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة ثانية، أو حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ:﴾ انظر الآية رقم [٥٨] ففيها الكفاية، وجملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تعليل لتبيين ما ذكر من الأحكام السابقة.\n\n<span id=\"aya-2853\"></span>﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: الكاملون في الإيمان. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ إيمانا خالصا من صميم قلوبهم. ﴿وَإِذا كانُوا مَعَهُ﴾ أي: مع الرسول ﷺ. ﴿عَلى أَمْرٍ جامِعٍ:﴾ كالجمعة، والعيدين، والحروب، والمشاورة في الأمور المهمة في الدين، أو الدنيا. ووصف الأمر بالجامع للمبالغة، وفيه إسناد مجازي؛ لأن الأمر لما كان سببا في جمعهم، نسب الجمع إليه مجازا. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أي: لم يتفرقوا عنه. ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أي: يستأذنوا رسول الله ﷺ، فيأذن","vol":"6","page":439},{"text":"لهم. واعتباره في كمال الإيمان؛ لأنه كالمصداق لصحته، والمميز للمخلص فيه من المنافق الذي ديدنه التسلل، والفرار، ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس الرسول ﷺ بغير إذنه ولذلك أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فإنه يفيد: أن المستأذن مؤمن لا محالة، وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك، وإنما ضيق عليهم في ذلك؛ لأنه لا بد لرسول الله ﷺ في الأمور المهمة من ذوي رأي، وقوة يظاهرونه عليها، ويعاونونه، ويستضيء بآرائهم، ومعارفهم، وتجاربهم، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق عليه، ويشعث عليه رأيه، فمن ثمّة ضيق عليهم الأمر في الاستئذان.\n ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ:﴾ ما يعرض لهم من المهام. ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ أي:\nفي الذهاب، والانصراف، والمعنى: إن شئت؛ فأذن، وإن شئت؛ فلا تأذن. ففيه تفويض الأمر إلى رأي رسول الله ﷺ، واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ:﴾ بعد الإذن، فإن الاستئذان ولو لعذر قصور؛ لأنه تقديم لأمر الدنيا على الدين. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ:﴾ لذنوب عباده. ﴿رَحِيمٌ:﴾ حيث يسّر عليهم، ورخّص لهم في الضرورة في أمور كثيرة، كما هي معروفة في الشريعة.\nتنبيه: روي: أن هذه الآية نزلت في حفر الخندق حين جاءت قريش بجيوشها؛ وقائدها أبو سفيان، وغطفان؛ وقائدها عيينة بن حصن الفزاري، فضرب النبي ﷺ الخندق حول المدينة باستشارة سلمان الفارسي﵁وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، فكان المنافقون يتسللون لو اذا من العمل، يعتذرون الأعذار الكاذبة.\nوقال المفسرون: كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد رجل أن يخرج من المسجد لحاجة، أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله ﷺ، بحيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن، فيأذن لمن شاء منهم، وهذا كان بعد انتهاء غزوة الخندق.\nقال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيديه، قاله أهل العلم، وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام، لا يخالفونه، ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وإذا استأذن الإمام؛ إن شاء؛ أذن له، وإن شاء؛ لم يأذن، وهذا إذا لم يكن حدث يمنعه من المقام بأن يكونوا في المسجد، فتحيض امرأة منهم، أو يجنب رجل، أو يعرض له مرض، فلا يحتاج إلى الاستئذان. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة مفيدة للحصر. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا بِاللهِ﴾ صلة","vol":"6","page":440},{"text":"الموصول لا محل له. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّمَا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كان)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى أَمْرٍ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿جامِعٍ:﴾ صفة أمر، وجملة:\n ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. ﴿يَسْتَأْذِنُوهُ:﴾\nمضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة، لا محل له مثلها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها. ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية:\n ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ هي توكيد للجملة السابقة، وتعظيم، وتفخيم لهذا الأمر المذكور. ﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا):\nمثل سابقتها. ﴿اِسْتَأْذَنُوكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿لِبَعْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(بعض) مضاف، و﴿شَأْنِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأْذَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ائذن): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿شِئْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو: لشخص شئته. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و(من) بيان لما أبهم في (من)، وجملة ﴿فَأْذَنْ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ﴾ معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل للأمر، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.","vol":"6","page":441},{"text":"<span id=\"aya-2854\"></span>﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ أي: لا تنادوا الرسول ﷺ من بعيد بقولكم: يا أبا القاسم، ونحوه، بل عظموه، كما قال تعالى في سورة (الحجرات):\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ..﴾. إلخ الآيات من أولها. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد -رحمهما الله تعالى-: المعنى: قولوا: يا رسول الله! في رفق، ولين، ولا تقولوا: يا محمد! بتجهم. وقال ابن عباس﵄-: المعنى: احذروا دعاء الرسول إذا أسخطتموه، فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، أي: موجب للانتقام. وقيل: المعنى: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جواز الإعراض، والمساهلة في الإجابة، والرجوع بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة، وإجابته ﷺ واجبة، ولو كان المسلم في الصلاة، كما صحت بذلك الأحاديث.\n ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا:﴾ التسلل، والانسلال: الخروج قليلا قليلا في استخفاء، واللواذ: من الملاوذة، وهي أن تستتر بشيء مخافة من يراك، فقد كان المنافقون يتسللون، ويخرجون من المسجد يوم الجمعة؛ لأنه لم يكن أثقل عليهم منه، وحضور الخطبة، وسماعها فيه. وقال الحسن: ﴿لِواذًا﴾ فرارا من الجهاد، وثبت هذا عنهم في حفر الخندق حول المدينة، ومنه قول حسان بن ثابت﵁-: [الخفيف]\nوقريش تلوذ منّا لواذا... لم يقيموا وخفّ منها الحلوم\nولم تقلب الواو في لواذا ألفا لتحركها في لاوذ، يقال: لاوذ، يلاوذ ملاوذة، ولواذا. ولاذ يلوذ لوذا، ولياذا، انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا ل: لاذ في الاعتلال. هذا؛ وقد قال السيوطي في همع الهوامع في باب الإبدال ما يلي: تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معل العين، موزون بفعال، نحو قام قياما، وعاد عيادا، بخلاف عين غير المصدر كصوان، وسواك، والمصدر المفتوح أوله، كرواح، أو المضموم كقوار، أو المكسور الذي لم يعل عين فعله، ك: لاوذ لواذا، وعاود عوادا، أو الموزون بفعل كالحول. وتبدل أيضا بعد كسرة من واو هي عين جمع لواحد ساكن العين، أو معتلها، صحيح اللام، موزون بفعال، كثوب وثياب، وحوض وحياض، ودار وديار، وريح ورياح بخلاف عين المفرد. انتهى. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ﴾ تهديد، ووعيد.","vol":"6","page":442},{"text":"﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: يعرضون عن أمره، وهم المنافقون، يقال: خالفه إلى الأمر؛ إذ ذهب إليه دونه، ومنه ما حكى الله تعالى من قول شعيب ﵇ لقومه: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ وخالفه عن الأمر: إذا صد عنه دونه، والضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ لله سبحانه، أو للرسول ﷺ، والمعنى: يخالفون عن طاعته، ودينه. هذا؛ وقال أبو عبيدة، والأخفش: ﴿عَنْ﴾ في هذا الموضع زائدة. وقال الخليل، وسيبويه: ليست بزائدة، وإنما هي بمعنى: بعد أمره، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [٥١] من سورة (الكهف): ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني: «يخالفون» متعد، وقد جاء لازما هنا؛ لأنه بمعنى:\nيخرجون عن أمره، وأورد بيت ذي الرمة، وهو الشاهد رقم [٩٢٠] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nوإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها... إلى الضّيف يجرح في عراقيبها نصلي\nفإنه قال: ضمن «يجرح» معنى: «يفسد». ولذا جاء لازما.\n ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ:﴾ بلاء في الدنيا، أو قتل، أو زلازل، وأهوال، أو تسليط سلطان جائر، أو قسوة القلب عن معرفة الله تعالى ومعرفة حقوقه، وهو أعظم ما يصاب به العبد: فعند ذلك لا تؤثر فيه المواعظ، ولا يقبل النصائح، انظر الآية رقم [٥٨] من سورة (الكهف)، أو إسباغ النعم استدراجا. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: وجيع في الآخرة.\nهذا؛ و﴿تُصِيبَهُمْ﴾ ماضيه: أصاب، وهو يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم، يصيب إذا لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأية أتى بالصواب، وأصاب فلانا البلاء، يصيبه وقع عليه، وهو المراد هنا وفي أكثر الآيات القرآنية. هذا؛ وأصاب يأتي بمعنى أراد، وقصد، ومنه قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٣٦]: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب، وأخطأ الجواب. قاله ابن الأعرابي، وقال الشاعر: [المتقارب]\nأصاب الكلام فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصل\nأي: أراد الكلام.\nوأصل يصيب: يؤصوب، أو يؤصيب، فقل في إعلاله: حذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل: أؤصيب الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: (يصوب، أو يصيب)، ثم يقال: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، أو الياء، وهي الكسرة إلى الصاد قبلها، بعد سلب سكونها، فصار: (يصيب أو يصوب)، ثم قلبت الواو في","vol":"6","page":443},{"text":"الثاني ياء لا نكسار ما قبلها. هذا؛ وإذا دخل الجازم على المضارع، فيصير: لم تصيب. فيحذف حرف العلة لالتقاء الساكنين، فيصير لم يصب، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل: أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم، ونحو ذلك، كما حذفت الهمزة الثانية من «يؤمنون» لأن ماضيه: آمن. وأصله أأمن، والمضارع يؤأمن، أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]\nفإنّه أهل لأن يؤكرما\nولا تنس: أن الهمزة المزيدة هذه تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، ومصيبة، ومصاب. وقس على ذلك.\nتنبه لهذا، واحفظه، فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿لا تَجْعَلُوا:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿دُعاءَ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف، و﴿الرَّسُولِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، أو من إضافة المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالمصدر قبله، وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كَدُعاءِ:﴾ الكاف: اسم بمعنى «مثل» مبني على الفتح في محل نصب مفعول به ثان للفعل السابق، والكاف مضاف، و(دعاء):\nمضاف إليه، و(دعاء): مضاف، و﴿بَعْضِكُمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضًا:﴾ مفعول به للمصدر، وجملة: ﴿لا تَجْعَلُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق هنا. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به وجملة: ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿لِواذًا:﴾ حال بمعنى: ملاوذين، وقيل: هو مفعول مطلق عامله ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ من غير لفظه، وجملة: ﴿قَدْ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلْيَحْذَرِ:﴾ الفاء: حرف عطف، على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (ليحذر):\nمضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿يُخالِفُونَ:﴾ صلة الموصول، ﴿عَنْ أَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو عبيدة والأخفش: ﴿عَنْ﴾ زائدة، و﴿أَمْرِهِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ في محل نصب مفعول به للفعل (يحذر).","vol":"6","page":444},{"text":"﴿يُصِيبَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعله.\n ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿فَلْيَحْذَرِ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، وعلى اعتبار الفاء الفصيحة؛ فالتقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منهم فليحذر... إلخ.\n\n<span id=\"aya-2855\"></span>﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خلقا، وملكا، وعبيدا، وقد غلّب غير العاقلين على العاقلين. انظر الآية رقم [٤٥]. ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيها المكلفون من المخالفة، والموافقة لأوامر الله، ورسوله، والنفاق، والإخلاص في الأعمال. وإنما أكد علمه ب ﴿قَدْ﴾ لتأكيد الوعيد، والتهديد. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ:﴾ جل شأنه يوم القيامة للحساب، والجزاء. والمراد: المنافقون الذين كانوا يتسللون لواذا، أو هو عام، وهو أولى. وفي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة. انظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأنبياء)، والفعل ﴿يُرْجَعُونَ﴾ يقرأ بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ أي: من الخير والشر، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعقابه. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ لا تخفى عليه خافية من أعمال العباد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، لا محل لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق هنا. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (يوم): معطوف على محل ﴿ما﴾ الموصولة فهو مفعول به مثله. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ مضارع مبني للمعلوم، أو للمجهول مرفوع... إلخ، والواو فاعل، أو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ينبئهم):\nمضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها،","vol":"6","page":445},{"text":"والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فينبئهم بالذي، أو: بشيء عملوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم. والجملة الفعلية:\n ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (الله): مبتدأ. ﴿بِكُلِّ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\nانتهت سورة (النور) شرحا وإعرابا، بعون الله وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين","vol":"6","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2734>سورة الفرقان</span>\nسورة (الفرقان) وهي مكية، وآياتها سبع وسبعون، وكلماتها ثمانمئة واثنتان وتسعون، وحروفها ثلاثة آلاف وسبعمئة وثلاثون، وقال ابن عباس وقتادة﵄-:\nالسورة مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت في المدينة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ..﴾. إلى قوله: ﴿... وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nقال القرطبي: ومقصود هذه السورة ذكر موضع عظم القرآن، وذكر مطاعن الكفار في النبوة، والرد على مقالاتهم، فمن جملتها قولهم: إن القرآن افتراه محمد ﷺ، وإنه ليس من عند الله.\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-2856\"></span>﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾\nالشرح: ﴿تَبارَكَ الَّذِي:﴾ تكاثر خيره من البركة، وهي كثرة الخير، وزيادته، ومعنى «تبارك الله» تزايد خيره، وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تعظيم وتقديس، لم تستعمل إلا لله وحده، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر، قال الطّرمّاح: [الطويل]\nتباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع\nوقال آخر: [الطويل]\nتباركت ما تقدر يقع ولك الشّكر\n ﴿نَزَّلَ الْفُرْقانَ:﴾ القرآن سماه الله: فرقانا؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام بتقريره، أو بين المحق والمبطل بإعجازه، أو لكونه نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة، ولهذا قال:\n ﴿نَزَّلَ﴾ بالتشديد لتكثير التفريق، وينبغي أن تعلم: أن الفرقان يطلق على كل منزل من السماء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٨] من سورة (الأنبياء).\n ﴿عَلى عَبْدِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الإسراء) ففيها الكفاية. ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا:﴾ النذير: المحذر من الهلاك، والنذير: المنذر من الشر، و(نذير) مخوف من غضب الله تعالى، وعقابه، والمراد ب: (العالمين) الإنس والجن؛ لأن النبي ﷺ قد كان أرسل إليهما،","vol":"6","page":447},{"text":"ونذيرا لهما، ولم يكن غيره عام الرسالة إلا نوح، ﵊، فإنه عمّ برسالته جميع الإنس، والجن بعد الطوفان؛ لأنه بدأ به الخلق.\nالإعراب: ﴿تَبارَكَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿نَزَّلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الْفُرْقانَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلى عَبْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَزَّلَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِيَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو الله تعالى، أو عبده، وهو أوفق بالمقام، وأقوى في المعنى، كما أجيز عوده على الفرقان. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نَذِيرًا:﴾ خبر (يكون)، و«أن» المضمرة والفعل (يكون) في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَزَّلَ،﴾ وجملة: ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.\n\n<span id=\"aya-2857\"></span>﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المتصرف فيهما كيف يشاء. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا:﴾ نزه ﷾ نفسه عما قاله المشركون من أن الملائكة بنات الله، وعما قالته اليهود: عزير ابن الله، جل الله تعالى، وعما تقوله النصارى: المسيح ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ أي: هو المنفرد بالإلهية، وفيه رد على الثنوية، والحلولية، وعبّاد الأوثان. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: مما تطلق عليه صفة المخلوق، أحدثه إحداثا مراعيا فيه التقدير حسب إرادته، كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة، وصور، وأشكال معينة. ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: سواه، وهيأه لما يصلح له، لا خلل فيه، ولا تفاوت. وقيل: قدر كل شيء تقديرا من الأجل، والرزق، فجرت المقادير على ما خلق. ولا شبهة فيه لمن يقول: إن الله شيء، ويقول بخلق القرآن؛ لأن الفاعل بجميع صفاته، لا يكون مفعولا له، على أن لفظ شيء اختص بما يصح أن يخلق بقرينة خلق، وهذا أوضح دليل لأهل السنة والجماعة في الرد على المعتزلة في خلق أفعال العباد. انتهى. نسفي بتصرف.\nوقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: فقدّر كل شيء، وهيأه لما أراد منه من الخصائص، والأفعال، كتهيئة الإنسان للإدراك، والفهم، والنظر، والتدبير، واستنباط الصنائع المتنوعة، ومزاولة الأعمال المختلفة، إلى غير ذلك. أو: فقدره للبقاء إلى أجل مسمى. وقد يطلق الخلق","vol":"6","page":448},{"text":"لمجرد الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فيكون المعنى: وأوجد كل شيء، فقدره في إيجاده، حتى لا يكون متفاوتا. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ بدل مما قبله، أو نعت له. أو عطف بيان عليه، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح، أو أعني.\n ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لم يتخذ): مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿وَلَدًا:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَمْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لم يكن): مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر يكن مقدم. ﴿شَرِيكٌ:﴾ اسمه مؤخر. ﴿فِي الْمُلْكِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة شريك، أو هما متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَخَلَقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (خلق): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَقَدَّرَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قدره): ماض، ومفعوله، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿تَقْدِيرًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2858\"></span>﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار عبدة الأوثان. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله تعالى.\n ﴿آلِهَةً:﴾ المراد بها: الحجارة، ونحوها مما كانوا يتخذونه آلهة. ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ أي:\nعاجزون عن خلق أي شيء. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ:﴾ لأن عبدتهم ينحتونهم، ويصورونهم. ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا:﴾ وما فعله إبراهيم الخليل في الأصنام أكبر دليل على ذلك.\n ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ أي: إماتة أي إنسان، أو حيوان، ونحوه. ﴿وَلا حَياةً﴾ أي: إحياء أي ميت من إنسان، أو غيره. ﴿وَلا نُشُورًا﴾ أي: بعثا بعد الموت، والمعنى: لا يميتون أحدا، ولا يحيونه، ولا بعثا له بعد موته.\nالإعراب: ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (اتخذوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً،﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وقيل: في محل نصب مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول","vol":"6","page":449},{"text":"به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿آلِهَةً﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ معطوفة على جملة: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ فهي في محل نصب مثلها، وجملة: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا:﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿حَياةً:﴾ معطوف على ﴿مَوْتًا،﴾ وأيضا: ﴿نُشُورًا﴾ معطوف عليه، و﴿لا﴾ في الجميع زائدة لتأكيد النفي، وجملة: ﴿وَاتَّخَذُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة على الاعتبارين فيها، والرابط هنا: الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو هي مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2859\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفار قريش، أو النضر بن الحارث. ﴿إِنْ هَذا﴾ أي: ما هذا القرآن. ﴿إِلاّ إِفْكٌ﴾ أي: كذب، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (النور).\n ﴿اِفْتَراهُ﴾ أي: اختلقه، واخترعه محمد ﷺ من عند نفسه. ﴿وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أي:\nاليهود، قاله مجاهد. وقال ابن عباس﵄-: المراد: أبو فكيهة مولى بني الحضرمي، وعداس، وجبر، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب. ﴿فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا﴾ أي: بظلم حيث اعتبروا الكلام المعجز إفكا مختلفا متلقفا من اليهود. ﴿وَزُورًا:﴾ بنسبة ما هو بريء منه إليه، واعتبارهم العربي يتلقن من العجمي كلاما عربيا، أعجز بفصاحته جميع الفصحاء، وأخرس ببلاغته جميع البلغاء.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هَذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿إِفْكٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿اِفْتَراهُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ المعبر عنه ب: ﴿عَبْدِهِ﴾ في الآية رقم [١]، أو هو محذوف لدلالة المقام عليه، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿إِفْكٌ﴾. (أعانه): ماض، والهاء مفعول به. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قَوْمٌ:﴾ فاعله. ﴿آخَرُونَ:﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وجملة: ﴿وَأَعانَهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي","vol":"6","page":450},{"text":"في محل رفع مثلها، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اتخذوا من دونه...) إلخ.\n ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاؤُ:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ظُلْمًا:﴾ مفعول به على اعتبار «جاء» متعديا، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: جاؤوا بظلم. وأجاز فيه السمين أن يكون حالا بمعنى: ظالمين. ﴿وَزُورًا:﴾\nمعطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه، وجملة: ﴿فَقَدْ جاؤُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قال الذين...) إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وقيل: الفاء الفصيحة، ولا معنى لها كما ترى.\n\n<span id=\"aya-2860\"></span>﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا:﴾ القائل هو النضر بن الحارث، كان يقول: إن هذا القرآن ليس من عند الله، وإنما هو مما سطره الأولون، مثل حديث رستم، وإسفنديار. ومعنى ﴿اِكْتَتَبَها﴾ انتسخها محمد ﷺ من جبر، ويسار، وعداس، وأبي فكيهة، وطلب أن تكتب له؛ لأنه كان لا يكتب، ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أي: تقرأ عليه؛ لأنه كان لا يكتب. هذا؛ وانظر شرح (الآصال) في الآية رقم [٣٦] من سورة (النور)، والبكرة: من طلوع الشمس إلى الضحوة الكبرى، وهي بضم الباء، وسكون الكاف، ومثله: الإبكار، وقد قوبل بالعشي في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران). هذا؛ و﴿أَساطِيرُ﴾ جمع: أسطورة، وإسطارة بكسر الهمزة، فالأول مثل: أحدوثة، وأضحوكة، وأعجوبة، وجمعها: أحاديث، وأضاحيك، وأعاجيب. وقيل: واحدها: سطر بفتح السين والطاء، وأسطار: جمع، وأساطير: جمع الجمع، مثل: أقوال، وأقاويل. هذا؛ وسطر الكتابة جمعه في القلة: أسطر، وفي الكثرة: سطور، مثل فلس، وأفلس، وفلوس. هذا؛ وقد قيل في معنى ﴿أَساطِيرُ:﴾ إنها الترهات وهي عند العرب غامضة، ومسالك وعرة مشكلة، يقول قائلها:\nأخذنا في التّرّهات، بمعنى عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق المشكل؛ الذي لا يعرف، فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف، ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة؛ التي لا أصل لها.\n ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ جمع أوّل، وفيه مسائل: الأولى: الصحيح: أن أصله (أوأل) بوزن: أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت في الأولى، بدليل قولهم في الجمع: أوائل، وقيل: إن أصله (ووّل) بوزن: فوعل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.\nالثانية: الصحيح: أن أول لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد لا تكتسب بعده شيئا، وقد تكتسب، وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا، فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره، وقع الطلاق على الأول دون الثاني.","vol":"6","page":451},{"text":"الثالثة: لأول استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة، أي أفعل تفضيل بمعنى الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو هذا أوّل من هذين، ولقيته عاما أوّل. والثاني: أن يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أولا، ومنه قولهم: ما له أول، ولا آخر، قال أبو حيان: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أوّله، وآخره بالتنوين. انتهى. جمع الجوامع شرح همع الهوامع للسيوطي.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذه أساطير، وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿اِكْتَتَبَها:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ الذي يعنونه، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ و«قد» قبلها مقدرة، وقيل: ﴿أَساطِيرُ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية خبره. وليس بشيء. ﴿فَهِيَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تُمْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. (أصيلا): معطوف عل ما قبله، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2861\"></span>﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ..﴾. إلخ: ذكر السر دون الجهر؛ لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم، ولو كان القرآن مأخوذا من أهل الكتاب، وغيرهم لما زاد عليه، وقد أعجزكم عن آخركم بفصاحته، وتضمن أخبارا مغيبة مستقبلة، وأشياء مكنونة، لا يعلمها إلا عالم الأسرار؛ فكيف تجعلونه أساطير الأولين؟! وأيضا لو كان مأخوذا من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضا، كما تمكن محمد ﷺ، وحينئذ كانوا يقدرون على معارضته، ولكنهم كانوا معاندين للحق، لا يهتدون إليه سبيلا.\n ﴿إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا:﴾ فلذلك لا يعاجلكم بالعقوبة أيها المبطلون على ما تفترونه؛ مع كمال قدرته عليها، واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبا. هذا؛ و﴿كانَ﴾ في هذه الآية، وأمثالها من أفعال الاستمرار ليس على بابه من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الآبدين في الدنيا، والآخرة.\nقال المرحوم سليمان الجمل: ومعلوم: أن ﴿كانَ﴾ في القرآن الكريم على أوجه: بمعنى الأزل، والأبد، وبمعنى المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى","vol":"6","page":452},{"text":"الاستقبال، وبمعنى: صار، وبمعنى: ينبغي، وبمعنى: حضر، أو: وجد، أو حصل، وترد للتأكيد، وهي زائدة. انتهى. نقلا عن كرخي.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْزَلَهُ:﴾ ماض، والهاء مفعوله.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿السِّرَّ:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿السِّرَّ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿أَنْزَلَهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿غَفُورًا رَحِيمًا:﴾ خبران ل: ﴿كانَ﴾ وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2862\"></span>﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ:﴾ يعنون سيد الخلق، وحبيب الحق محمدا ﷺ. ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ:﴾ كما نأكل. ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ أي: يلتمس المعاش، كما نلتمسه نحن، وإذا كان موصوفا بهذين الوصفين مثلنا؛ فمن أين له الفضل علينا؟ ولا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة، ولا يحق له أن يترفع علينا بشيء، وكانوا يقولون له: لست بملك؛ لأنك بشر مثلنا، والملك لا يأكل، ولا يملك؛ لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق، تبيع وتشتري في الأسواق. وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميا، ولم يدّع أنه ملك، ومشيه في الأسواق لتواضعه. وكانت تلك صفته في التوراة، ولم يكن صخابا في الأسواق، وليس شيء من ذلك ينافي النبوة، ولم يدّع أنه ملك من الملوك. انتهى. خازن بتصرف.\nوقال القرطبي: عيّروه بأكل الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا، وعيّروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة، والقياصرة، والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق، وكان ﷺ يخالطهم في أسواقهم، يأمرهم، وينهاهم، فقالوا: هذا يطلب أن يتملك علينا، فماله يخالف سيرة الملوك، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٠] الآتية، وإنما قالوا ما تقدم لعمههم، وقصور نظرهم على المحسوسات، فإن تميز الرسل عن سواهم ليس بأمور جسمانية، وإنما هو بأحوال نفسانية، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ...﴾. الآية آخر سورة (الكهف).","vol":"6","page":453},{"text":"﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: يصدقه، ويشهد له، ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ أي: داعيا إلى الله مرغبا في رحمته، مخوفا من عقابه، وانظر الآية رقم [١]. هذا؛ وفي الآية دليل على أن دخول الأسواق مباح للتجارة، وطلب المعاش لمن اتقى الله في بيعه، وشرائه، وكان ﷺ يدخلها لحاجته، وليذكر الخلق بأمر الله، ودعوته، ويعرض نفسه فيها على القبائل لتؤمن برسالته، ولم يكن فظّا ولا غليظا، ولا صخّابا في الأسواق.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (لهذا): متعلقان بمحذوف خبره، والهاء حرف تنبيه لا محل له مقحم بينهما. ﴿الرَّسُولِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعربه صفة.\n ﴿يَأْكُلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّسُولِ﴾. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الرَّسُولِ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال الاستفهام لتضمنه معنى الفعل: أستفهم، أو اسم الإشارة، وجملة: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ:﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول.\n ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَلَكٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، كالجملة الاسمية: ﴿ما لِهذَا..﴾. إلخ. ﴿فَيَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية، واسمه يعود إلى ﴿الرَّسُولِ﴾. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، وقيل: متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَذِيرًا:﴾ خبر (يكون)، و«أن» المضمرة والمضارع الناقص في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: فهلا نزول ملك من السماء، فيكون نذيرا معه؟! والجملة الفعلية ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2863\"></span>﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق لتحصيل معاشه. ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ:﴾ بستان فيه أنواع الثمار. ﴿يَأْكُلُ مِنْها﴾ أي: هو فلا أقل من ذلك إن لم يكن له كنز من ذهب، وانظر ما اقترحوه على رسول الله ﷺ في الآية رقم [٩٠] من سورة (الإسراء) وما بعدها تجد ما يسرك. هذا؛ ويقرأ:\n «(نأكل)» بالنون.\n ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا:﴾ انظر الآية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء) تجد فيها الكلام كافيا شافيا، وانظر شرح «الظلم» و(البغي) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)،","vol":"6","page":454},{"text":"وانظر التعبير ب: ﴿الظّالِمِينَ﴾ عن الكافرين في الآية رقم [٢٨] من سورة (المؤمنون). وقد وضع الظالمين موضع الضمير تسجيلا عليهم بوصف الظلم، وتجاوز الحد.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُلْقى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَنْزٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أُنْزِلَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُ﴾ مقدم. ﴿جَنَّةٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يَأْكُلُ مِنْها﴾ على القراءتين في محل رفع صفة ﴿جَنَّةٌ﴾. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال):\nماض. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله، ومقتضى القياس الإضمار، غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿تَتَّبِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلًا:﴾ مفعول به. ﴿مَسْحُورًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قالوا ما لهذا...) إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2864\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ أي: اقترحوا عليك ما تقدم من نزول ملك من السماء يعاونك في تبليغ رسالتك، وإنزال كنز من السماء تنفقه على نفسك، أو يكون لك بستان فيه أنواع الثمار تتمتع فيه بحياتك، وتجد فيه هناءتك، وسرورك، كما أنهم مثلوك تارة بالساحر، وتارة بالشاعر، وتارة بالمجنون، وأخرى بالكاهن. ﴿فَضَلُّوا﴾ أي: فيما اقترحوا عليك، وفيما مثلوك به، وحاروا، وخرجوا عن جادة الحق والصواب في جميع تصرفاتهم، واقتراحاتهم، وأمثلتهم. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي: فلا يجدون طريقا وحيلة في صد الناس عنك، أو لا يجدون طريقا إلى الهدى والرشاد، والخطاب في ذلك للنبي ﷺ وحده. هذا؛ وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج)، وشرح (ضل) في الآية رقم [١٠٤] من سورة (الكهف)، ولا تنس: أن الآية مذكورة بحروفها كاملة برقم [٤٨]. من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿اُنْظُرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده.\n ﴿ضَرَبُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَمْثالَ:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ل: ﴿اُنْظُرْ﴾ المعلق عن العمل لفظا، وتقدير الكلام: انظر كيفية ضرب الأمثال لك. ﴿فَضَلُّوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة","vol":"6","page":455},{"text":"الفعلية مع المعلق بها المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. (لا): نافية.\n ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والفاء في الجملتين حرف عطف وسبب.\n\n<span id=\"aya-2865\"></span>﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾\nالشرح: ﴿تَبارَكَ الَّذِي:﴾ انظر الآية رقم [١] والمعنى هنا: تكاثر خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما قالوا، وهو أن يجعل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات، والقصور.\n ﴿إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ﴾ أي: من الذي قالوا وأفضل من البستان الذي ذكروا. ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي..﴾. إلخ: أي بيوتا مشيدة. فعن أبي أمامة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهبا، قلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما-أو قال: ثلاثا، أو نحو هذا-فإذا جعت؛ تضرعت إليك، وذكرتك، وإذا شبعت؛ حمدتك وشكرتك». وعن عائشة -﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «لو شئت؛ لسارت معي جبال مكة ذهبا، جاءني ملك، إنّ حجرته لتساوي الكعبة، فقال: يا محمد! ربّك يقرئك السّلام، ويقول: إن شئت نبيّا عبدا، وإن شئت نبيّا ملكا! فنظرت إلى جبريل، فأشار إليّ: أن ضع نفسك، فقلت: نبيّا عبدا».\nقالت: فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك، لا يأكل متّكئا، يقول: «أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». ذكر هذين الحديثين البغوي بسنده. انتهى. خازن. هذا؛ وذكر القرطبي: أن الملك الذي نزل على الرسول ﷺ، وعرض عليه ما تقدم هو (رضوان) خازن الجنان، وساق الحديث مع تغيير في بعض ألفاظه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ و﴿قُصُورًا﴾ جمع قصر، وهو البناء المشيد المتميز عن غيره بضخامة بنائه، وزخرفته. سمي بذلك؛ لقصور الفقراء عن تحصيله، وحبسهم عن نيله، والوصول إليه، أو لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه، وقيل: العرب تسمي بيوت الطين: القصر، وما يتخذ من الصوف والشعر: البيت.\nالإعراب: ﴿تَبارَكَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى الله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لَكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿جَعَلَ،﴾ وقيل: هما المفعول الثاني تقدم على الأول. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرًا﴾ لأنه أفعل تفضيل، فاعله مستتر فيه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ لا محل لها؛","vol":"6","page":456},{"text":"لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية: ﴿إِنْ شاءَ جَعَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة. ﴿جَنّاتٍ:﴾ بدل من ﴿خَيْرًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾\nفاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَيَجْعَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يجعل): مضارع معطوف على جواب الشرط، وهو ﴿جَعَلَ﴾ أي: على محله. هذا؛ ويقرأ بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف، والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط، وقال الزمخشري: لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جوابه الجزم، والرفع، وقال: وليس هذا مذهب سيبويه، بل مذهبه أن الجواب محذوف، وأن هذا المضارع منوي به التقديم، ومذهب المبرد والكوفيين: أنه جواب على حذف الفاء، ومذهب آخرين: أنه جواب لا على حذفها، بل لما كان الشرط ماضيا ضعيف تأثير: ﴿إِنْ﴾ فيه، فارتفع. قلت: فالزمخشري بنى قوله على هذين المذهبين. ثم قال الشيخ: وهذا التركيب جائز فصيح، وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجيء إلا في الضرورة. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nهذا؛ وذكر الزمخشري قول زهير بن أبي سلمى المزني في مدح هرم بن سنان: [البسيط]\nوإن أتاه خليل يوم مسغبة... يقول لا غائب مالي ولا حرم\nوقايس بينه وبين الآية، ولا وجه له؛ لأن الجواب في الآية مذكور، وفيها عطف (يجعل) على الجواب، والجواب في البيت غير مذكور، لذا قيلت فيه الأقوال الكثيرة، وأوّل التأويلات المتعددة. وينبغي أن تعلم أن بيت زهير هو الشاهد رقم [٧٨٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، انظر شرحه وإعرابه وما قيل فيه هناك؛ تجد ما يسرك. هذا؛ ولم يقرأ الفعل (يجعل) بالنصب، ولو قرئ؛ لطبقت القاعدة المشهورة عليها، وهي: «إذا عطف على جواب الشرط مضارع بالواو، أو بالفاء جاز جزمه، ورفعه، ونصبه» وآية البقرة رقم [٢٨٣] هي التي طبقت القاعدة المذكورة عليها لقراءة الفعل (فيغفر) بالأوجه الثلاثة، وإذا عطف بالواو أو بالفاء مضارع على فعل الشرط جاز جزمه ونصبه، ويمتنع الرفع. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته مقررا القاعدتين المذكورتين: [الرجز]\nوالفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفاء، أو الواو بتثليث قمن\nوجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو ان بالجملتين اكتنفا\nوفاعل (يجعل) يعود إلى (الله) تعالى. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: هما في محل المفعول الثاني. ﴿قُصُورًا:﴾ مفعول به.","vol":"6","page":457},{"text":"<span id=\"aya-2866\"></span>﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ أي: فقصرت أنظارهم على الدنيا وحطامها الفاني، وظنوا:\nأن الكرامة إنما هي بالمال، فطعنوا فيك بفقرك. أو المعنى: فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب؟ وكيف يصدقون بتحقيق ما وعدك في الآخرة، وهم لا يؤمنون بها؟ ﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أي: وهيأنا للمكذبين بها نارا شديدة الاستعار. وقيل: هو اسم لواد من أودية جهنم، فيكون صرفه باعتبار المكان. هذا؛ والمراد ب: (الساعة) يوم القيامة، وانظر الآية رقم [٩٦] من سورة (الأنبياء) وانظر شرح (السعير) في الآية رقم [٤] من سورة (الحج). هذا؛ و(أعتدنا) دليل واضح على وجود النار الآن كما أن الجنة موجودة الآن، لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، تبتدأ بعده الجمل. ﴿كَذَّبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالسّاعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (أعتدنا):\nفعل، وفاعل. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة:\n ﴿كَذَّبَ بِالسّاعَةِ:﴾ صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿سَعِيرًا:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿وَأَعْتَدْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.\n<span id=\"aya-2867\"></span>﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: من مسيرة خمسمئة عام، وتأنيث الفاعل، وهو عائد على ﴿سَعِيرًا؛﴾ لأنه بمعنى النار، أو جهنم. ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ أي: سمعوا لها صوت التغيظ، شبّه صوت غليانها بصوت المغتاظ، وزفيره، وهو صوت يسمع من جوفه. هذا؛ وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية؛ أمكن أن يخلق الله فيها حياة، فترى، وتتغيظ، وتزفر، وقيل: إن ذلك لزبانيتها، فنسب إليها على حذف المضاف. انتهى. بيضاوي.\nقال القرطبي: والأول أصح لما روي مرفوعا: أن رسول الله ﷺ قال: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ بين عيني جهنم مقعدا!». قيل: يا رسول الله! ولها عينان؟! قال: «أما سمعتم الله ﷿ يقول: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ..﴾. إلخ. يخرج عنق من النار، له عينان تبصران، ولسان ينطق، فيقول: وكّلت بكلّ من جعل مع الله إلها آخر، فلهو أبصر بهم من الطّير بحبّ السّمسم فيلتقطه».\nوخرج الترمذي من حديث أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكّلت بثلاثة: بكلّ جبّار عنيد، وبكلّ من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصوّرين». انتهى. قرطبي.","vol":"6","page":458},{"text":"بعد هذا انظر شرح ﴿يَسْمَعُ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (الأنبياء). بقي أن تعلم: أن التغيظ يرى بظهوره على وجه المغتاظ، ولا يسمع، والزفير يسمع؛ لأنه صوت يخرج من الصدر حتى تنتفخ منه الضلوع، فكيف جمع بينهما في السماع؟! وهو مؤول على أن المعنى: رأوا لها تغيظا، وسمعوا لها زفيرا. قال الشاعر: [مجزوء الكامل]\nورأيت زوجك في الوغى... متقلّدا سيفا ورمحا\nأي: وحاملا رمحا؛ لأن الرمح لا يتقلد. ولنا كلام طويل في آية (الحشر) في قوله تعالى:\n ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ إن شاء الله تعالى، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَأَتْهُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿سَعِيرًا﴾ وانظر الشرح، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة (مكان). ﴿سَمِعُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَها:﴾\nمتعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف حال مما بعدها، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.\n ﴿تَغَيُّظًا:﴾ مفعول به. (زفيرا): معطوف على ما قبله، وانظر الشرح، وجملة: ﴿سَمِعُوا..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل نصب صفة ﴿سَعِيرًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2868\"></span>﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها﴾ أي: من النار. ﴿مَكانًا ضَيِّقًا:﴾ قال ابن عباس﵄-: تضيق عليهم النار، كما يضيق الزّج في الرمح. هذا؛ وإن الكرب يشتد مع الضيق، كما أن الراحة، والهدوء، والطمأنينة تزيد مع السعة؛ ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض. ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد، والأعمال، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ،﴾ أو قرنوا مع الشياطين لقوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: قرناءهم من الشياطين، أو قرنوا مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة، والملكات الباطلة، لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..﴾. إلخ. أو المعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، ومعنى ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ مشدودين في الأغلال والقيود، قال عمرو بن كلثوم في معلقته: [الوافر]\nفآبوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مقرّنينا","vol":"6","page":459},{"text":"قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾. ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ أي: هلاكا، يتمنون الهلاك، وينادونه، فيقولون: يا ثبوراه تعال، فهذا أوانك وحينك، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «أوّل من يقوله إبليس، وذلك: أنّه أوّل من يكسى حلّة من النار، فتوضع على حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذرّيّته من خلفه، وهو يقول: واثبوراه». انتهى. قرطبي. هذا؛ وإعلال ﴿دَعَوْا﴾ مثل ﴿تَوَلَّوْا﴾ في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء)، وأصل ﴿أُلْقُوا:﴾ «ألقيوا» فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية السابقة. ﴿أُلْقُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَكانًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مَكانًا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والأصل: في مكان، فلما حذف الجار انتصب على الظرفية. ﴿ضَيِّقًا:﴾ صفة ﴿مَكانًا﴾. ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿دَعَوْا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب إذا، لا محل لها، وإذا ومدخولها معطوف على مثله في الآية السابقة فهو في محل نصب صفة مثله، والضمير في منها عائد على ﴿سَعِيرًا﴾ في الآية رقم [١١]، وانظر تأويله في الآية السابقة. ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بالفعل قبله، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿ثُبُورًا:﴾\nمفعول مطلق، عامله محذوف، أي: ثبرنا ثبورا، قاله الزجاج: وقال أبو البقاء عامله: ﴿دَعَوْا﴾ من غير لفظه. وقيل: هو مفعول به للفعل قبله، وقيل: هو منادى، انظر الشرح.\n\n<span id=\"aya-2869\"></span>﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَاُدْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ أي: يقال لهم: لا تدعوا... إلخ. ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا:﴾\nهلاكا. ﴿كَثِيرًا﴾ أي: لأن عذابكم أنواع كثيرة، كل نوع منها ثبور لشدته، أو لأنه يتجدد على حد قوله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ أو لأن العذاب لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور. وقال القرطبي: وقال ﴿ثُبُورًا﴾ لأنه مصدر يقع للقليل والكثير، ولذلك لم يجمع، وهو كقولك: ضربته ضربا كثيرا، وقعد قعودا طويلا. ونزلت الآيات في ابن خطل وأصحابه.","vol":"6","page":460},{"text":"الإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.\n ﴿ثُبُورًا:﴾ يقال فيه: ما قيل في الآية السابقة. ﴿واحِدًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول محذوف، التقدير: يقال لهم: لا تدعوا، وهذه الجملة المقدرة معطوفة على جملة: ﴿وَادْعُوا..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَادْعُوا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (ادعوا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ثُبُورًا:﴾ هو مثل سابقه. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة له. ﴿وَادْعُوا..﴾. إلخ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-2870\"></span>﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا (١٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ:﴾ الإشارة: إلى العذاب المذكور في الآيات السابقة، والاستفهام، والتفضيل، والترديد للتقريع مع التهكم. أو: إلى الكنز، والجنة المذكورين في الآية رقم [٨]. وإضافة (الجنة) إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ للمدح، أو للدلالة على خلودهم، وعدم فنائها، أو للتمييز عن جنات الدنيا. ﴿كانَتْ لَهُمْ:﴾ في علم الله القديم الأزلي، أو في اللوح المحفوظ، أو لأن ما وعده الله المتقين في تحققه كالواقع، كأنه قد كان مكتوبا في اللوح المحفوظ، قيل: أن يخلقهم الله بأزمنة متطاولة: أن الجنة مالهم، ومصيرهم جزاء لهم على أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: إن قيل: كيف قال: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ﴾ ولا خير في النار؟! فالجواب أن سيبويه حكى عن العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم: أن السعادة أحبّ إليه. وقيل: ليس هو من باب: أفعل منك، وإنما هو كقولك: عنده خير، قال النحاس:\nوهذا قول حسن، كما قال حسان﵁يمدح النبي ﷺ، ويهجو أبا سفيان: [الوافر]\nأتهجوه، ولست له بكفء؟! ... فشرّ كما لخير كما الفداء\nوقيل: إنما قال ذلك على معنى: علمكم واعتقادكم أيها الكفار، وذلك أنهم لما كانوا يعملون عمل أهل النار، صاروا كأنهم يقولون: إن في النار خيرا. انتهى. أقول: وما آية (يوسف) رقم [٣٩] منك ببعيد.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَذلِكَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ وتقريع. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿جَنَّةُ:﴾ معطوف على اسم الإشارة، وهو مضاف،","vol":"6","page":461},{"text":"و﴿الْخُلْدِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة الجنة.\n ﴿وُعِدَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ نائب فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، وهو العائد؛ إذ التقدير: وعدها المتقون، وهذه الجملة صلة الموصول لا محل لها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى (الجنة). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿كانَتْ؛﴾ لأنه يصح التعليق بالفعل الناقص على المعتمد، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿جَزاءً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿جَزاءً:﴾ خبر (كانت). ﴿وَمَصِيرًا:﴾ معطوف عليه بالواو العاطفة، وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿جَنَّةُ الْخُلْدِ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وساغ ذلك؛ لأن الفعل كان من أفعال الاستمرار، كما قد نبهت عليه مرارا، وجملة: ﴿قُلْ أَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2871\"></span>﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿لَهُمْ:﴾ للمتقين. ﴿فِيها:﴾ في جنة الخلد. ﴿ما يَشاؤُنَ:﴾ من النعيم، ولعله يقصر همّ كل طائفة على ما يليق برتبتها؛ لأن الظاهر: أن الناقص لا يدرك شيئا مما هو للكامل بالتشهي. وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة، وما فيها من النعيم دائم؛ لأن من تمام النعيم أن يكون دائما؛ إذ لو انقطع لكان مشوبا بضرب من الغم، وأنشد في المعنى: [الوافر]\nأشدّ الغمّ عندي في سرور... تيقّن عنه صاحبه انتقالا\nوينبغي أن تعلم: أن الله يزيل كل خاطر عن أهل الجنة مما هو مستحيل وجوده في الجنة كتشهي الولد، بل كل واحد من أهل الجنة مشتغل بما هو فيه من اللذات الشاغلة عن الالتفات إلى غيره. ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا﴾ أي: وعد الله عباده المؤمنين إذا دعوه، وسألوه من كرمه، وجوده أن ينيلهم مسؤولهم، فلذا سألوه بقولهم: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ وقالوا: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ،﴾ وكذلك الملائكة طلبوا للمؤمنين، وسألوا ربهم بقولهم: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ..﴾. إلخ وما في: ﴿عَلى﴾ من معنى الوجوب لامتناع الخلف في وعده، ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز، فإن تعلق الإرادة بالموعود مقدم على الوعد الموجب للإنجاز.\nالإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾\nمتعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع","vol":"6","page":462},{"text":"مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل نصب حال ثانية من جنة الخلد.\nو﴿يَشاؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي يشاؤونه. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب فهي حال متداخلة من وجه، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله ضمير مستتر فيه.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ أو يعود على الوعد المفهوم من قوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. ﴿عَلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من وعدا، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وقال أبو البقاء: متعلقان بخبر ﴿كانَ﴾ والمعنى لا يؤيده، ولو قال: متعلقان ب: ﴿كانَ﴾ نفسها؛ لكان مقبولا، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَعْدًا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مَسْؤُلًا:﴾ صفة وعدا، وجملة: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2872\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ:﴾ يقرأ الفعل بالياء، والنون، والحشر: الجمع، والمراد: بعثهم للحساب، والجزاء. ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: غير الله من الملائكة، وعيسى، وعزير، والجن، فيكون قد خص العقلاء لقرينة السؤال، والجواب، فتكون (ما) مستعملة في العقلاء فقط، وهذا وجه أول، والوجه الثاني: أن المراد: ما عبد من دون الله جميعا العقلاء وغيرهم، وغلب غير العاقل على العاقل. والوجه الثالث: أن المراد: ما لا يعقل فقط، والله قادر على أن ينطق الحجارة التي عبدت من دون الله تعالى، أو تتكلم بلسان الحال، كما قيل: في شهادة الأيدي والأرجل، كما رأيت في الآية رقم [٢٤] من سورة (النور). ﴿فَيَقُولُ﴾ أي: الله تعالى للمعبودين. وقرئ الفعل بالنون. ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي:﴾ أو قعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: خرجوا عن الصراط المستقيم بإرادتهم. والمراد ب:\n ﴿السَّبِيلَ﴾ دين الإسلام، وتعاليمه السمحة.\nتنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فالله سبحانه قد سبق في علمه بالمسؤول عنه؛ فما فائدة هذا السؤال؟ قلت: فائدته: أن يجيبوا بما أجابوا به حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فيبهتوا، وينخذلوا، وتزيد حسرتهم، ويكون ذلك نوعا مما يلحقهم من غضب الله، وعقابه، ويغتبط المؤمنون، ويفرحوا بحالهم، ونجاتهم من فضيحة أولئك، وليكون حكاية ذلك في القرآن لطفا للمكلفين، وفيه كسر بيّن لقول من يزعم: أن الله يضل عباده على الحقيقة حيث يقول للمعبودين من دونه: أأنتم أضللتموهم أم هم ضلوا بأنفسهم؟ فيتبرؤون من","vol":"6","page":463},{"text":"إضلالهم، ويستعيذون به أن يكونوا مضلين، ويقولون: بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سبب الكفر، ونسيان الذكر، وكان ذلك سبب هلاكهم، فإذا برأت الملائكة، والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم، واستعاذوا منه؛ فهم لربهم الغني العدل أشد تبرئة، وتنزيها منه، ولقد نزهوه حين أضافوا إليه التفضيل بالنعمة، والتمتيع بها، وأسندوا نسيان الذكر، والتسبب للبوار إلى الكفرة، فشرحوا الإضلال المجازي الذي أسنده الله إلى ذاته في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ ولو كان هو المضل على الحقيقة؛ لكان الجواب العتيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم. انتهى. كشاف، وهذا مبني على مذهبه في الاعتزال وهو أن العبد يخلق أفعال نفسه، وهذا بخلاف مذهب أهل السنّة، وهو أن الله خالق للعبد، ولعمله. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٤] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر.\n ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل تقديره:\n «هو» يعود إلى الله، أو تقديره: «نحن» على قراءته بالنون، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير:\nوالذي يعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿يَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: «اذكر يوم...» إلخ المقدرة معطوفة على جملة: ﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَيَقُولُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يقول): فعل مضارع، والفاعل تقديره: «هو»، أو: «نحن» على القراءتين. ﴿أَأَنْتُمْ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام وتقرير. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿أَضْلَلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عِبادِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء حرف تنبيه لا محل له. و(أولاء) اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب بدل من ﴿عِبادِي،﴾ أو هو نعت له، أو عطف بيان عليه، وجملة: ﴿أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n (يقول...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَحْشُرُهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿ضَلُّوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿السَّبِيلَ:﴾\nمفعول به، أو هو منصوب بنزع الخافض؛ إذ الأصل: «عن السبيل». وجملة: ﴿ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿يَحْشُرُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.","vol":"6","page":464},{"text":"<span id=\"aya-2873\"></span>﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال المعبودون من دون الله. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ تنزيها لك عن الأنداد، والشركاء. وقال البيضاوي: تعجبا مما قيل لهم؛ لأنهم إما ملائكة، أو أنبياء معصومون، أو جمادات لا تقدر على شيء، أو إشعار بأنهم الموسومون بتسبيحه، وتوحيده، فكيف يليق بهم إضلال عبيده، أو تنزيها لله عن الأنداد. ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ أي: ما صح، وما استقام لنا أن نوالي أعداءك، بل أنت ولينا من دونهم. وقيل: معناه: ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا، ونحن عبيدك. ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ:﴾ بطول العمر، والصحة، والنعمة في الدنيا على جميع أنواعها، فاستغرقوا في الشهوات. ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ أي: أعرضوا عن المواعظ، والإيمان بالقرآن، وقيل: تركوا ذكرك، وغفلوا عنه، فأشركوا بك بطرا، وجهلا، حتى عبدونا من غير أن نأمرهم به. ﴿وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هلكى، قاله ابن عباس﵄مأخوذ من البوار، وهو الهلاك، وقال بعضهم: الواحد: بائر، والجمع: بور، كما يقال: عائذ، وعوذ، وقيل:\n ﴿بُورًا﴾ عميا عن الحق، والبوار: الهلاك.\nوفي المصباح: بار الشيء يبور بورا بالضم: هلك، وبار الشيء بوارا: كسد على الاستعارة؛ لأنه إذا ترك صار غير منتفع به، فأشبه الهالك من هذا الوجه، ورجل بائر: فاسد، لا خير فيه، وفي الأساس: (فلان له نوره، وعليك بوره) أي: هلاكه، ونزلت بوار على الكفار، أي: هلاك، ومن المجازات: بارت البياعات: كسدت، وسوق بائرة، وبارت الأيم: إذا لم يرغب فيها، وكان الرسول الله ﷺ يتعوذ من بوار الأيم. وبارت الأرض: إذا لم تزرع، وأرض بوار، وأرضون بور. ودار البوار: جهنم، قال تعالى في حق زعماء الكفار: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ الآية رقم [٢٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾\nفعل ماض ناقص، واسمه ضمير الشأن محذوف. ﴿يَنْبَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿نَتَّخِذَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿كانَ﴾ والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:\n «نحن». ﴿مِنْ دُونِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما المفعول الثاني له، والكاف","vol":"6","page":465},{"text":"في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من أولياء، كان صفة له فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وقرئ: «(نتّخذ)» بالبناء للمجهول، وعليه فنائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن»، وهو المفعول الأول، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ في محل رفع فاعل ﴿يَنْبَغِي،﴾ وجملة: ﴿يَنْبَغِي لَنا..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ زائدة فالمعنى لا يأباه، وتكون جملة: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وتكون الجملة، والكلام مثل قوله تعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ الآية رقم [٩٢] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وإن اعتبرت الكلام من باب التنازع؛ فتكون ﴿كانَ﴾ و﴿يَنْبَغِي﴾ قد تنازعا في المصدر المؤول، فيعمل فيه أحدهما، ويضمر في الآخر على الاختلاف بين البصريين، والكوفيين أيهما أولى، فالمعنى لا يأباه، وتبقى جملة: ﴿يَنْبَغِي﴾ في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك، مهمل لا عمل له. ﴿مَتَّعْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَآباءَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آباءهم):\nمعطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر.\n ﴿نَسُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل نصب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الذِّكْرَ:﴾ مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل ﴿نَسُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: واو الحال.\n (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمًا:﴾ خبر كان. ﴿بُورًا:﴾ صفة له، وجملة (كانوا...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وساغ ذلك؛ لأن الفعل (كان) من أفعال الاستمرار، وإن اعتبرت الجملة الفعلية مستأنفة؛ فلست مفندا، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2874\"></span>﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا (١٩)﴾\nالشرح: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ﴾ أي: يقول الله عند تبري المعبودين. والخطاب مع المشركين. وقال ابن زيد: المعنى: فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ﷺ. وعلى هذا فمعنى: ﴿بِما تَقُولُونَ﴾ أي: من الحق. ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا﴾ أي:","vol":"6","page":466},{"text":"للعذاب. وهذا على القول الأول، والمعنى على قول ابن زيد: فما يستطيعون لكم صرفا عن الحق الذي هداكم الله إليه. ﴿وَلا نَصْرًا﴾ أي: من الله، وهذا على القول الأول، وعلى القول الثاني: ولا نصرا؛ لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم، وقرئ الفعل:\n ﴿تَقُولُونَ﴾ بالتاء والياء. ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ أي: يشرك؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومن جعل المخلوق شريك خالقه؛ فقد ظلم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. هذا؛ وقيل: إن الخطاب يعم جميع المكلفين من المسلمين والكافرين، فيكون الشرط للعموم، ويشمل الظلم الشرك، وجميع المنكرات. ﴿نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا:﴾ فسر العذاب بالخلود في النار، وهو يليق بالمشرك، دون الفاسق إلا على قول المعتزلة والخوارج القائلين بتخليد الفاسق في النار. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ..﴾. إلخ التفاتا من الغيبة إلى الخطاب.\nالإعراب: ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: زائدة على تقدير: «القول» قبلها، وقيل: الفاء الفصيحة، وليس بقوي. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبُوكُمْ:﴾ ماض، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: فيقول الله لهم: فقد كذبوكم... إلخ. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِما:﴾\nالباء: حرف جر. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء تقولونه. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف تفريع وعطف. (ما): نافية. ﴿تَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿صَرْفًا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي.\n ﴿نَصْرًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَظْلِمْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والمفعول محذوف، تقديره: نفسه، أو غيره. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد على (من)، و(من) بيان لما أبهم فيها. ﴿نُذِقْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿نُذِقْهُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.\nوالجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة بالنسبة لما قبلها، وهي من مقول الله تعالى المقدر.","vol":"6","page":467},{"text":"<span id=\"aya-2875\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ..﴾. إلخ: هذا رد لقول المشركين في الآية رقم [٧]. قال ابن عباس﵄-: لمّا عير المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة، وقالوا: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ..﴾. إلخ حزن النبي ﷺ لذلك، فنزلت تعزية له، فقال جبريل ﵇:\nالسّلام عليك يا رسول الله! الله ربك يقرئك السّلام، ويقول لك: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ..﴾. إلخ.\nومعنى الآية: أن هذه عادة مستمرة من الله تعالى على رسله، فلا وجه لهذا الطعن، وما أنا إلا رسول، وما كنت بدعا من الرسل، وهم كانوا مثلي (يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق).\n ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أي: إن الدنيا دار ابتلاء، وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس: مؤمن، وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني. ومعنى هذا: أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني، عليه ألا يحسده، ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق.\nفعن أبي الدرداء﵁-: أنه سمع النبي ﷺ أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السّلطان، وبعضهم لبعض فتنة وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ»﴾. أسنده الثعلبي، تغمده الله برحمته.\nوقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وغيره من الزعماء حين رأوا أبا ذر، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما من فقراء المسلمين، فقالوا على سبيل الاستهزاء: أنسلم، فنكون مثل هؤلاء؟! ولا تنس: الالتفات من المفرد إلى الجمع.\n ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أي: على هذه الحالة من الفقر، والشدة، والأذى. ولهمزة الاستفهام معادل، تقديره: أم لا تصبرون، وهو يقتضي جوابا، كما قال المزني: بلى ربنا! نصبر، ونحتسب. ونظير هذه الجملة قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. ولما صبر المؤمنون الأولون؛ أنعم الله عليهم بنعم لا تعد، ولا تحصى، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾. ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أي: بكل امرئ، وبمن يصبر، أو يجزع، ومن يؤمن، ومن لا يؤمن، وبمن أدى ما عليه من الحق، ومن لا يؤدي. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-، يبلغ به النبي ﷺ قال: «إذا نظر أحدكم إلى من فضّل عليه بالمال والجسم، فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم». أخرجه البخاري، وغيره. ولمسلم","vol":"6","page":468},{"text":"«انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم».\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿قَبْلَكَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال، وليس بقوي، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، واعتبرت مثله في الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنبياء) مفعولا به.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَيَأْكُلُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يأكلون): مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الْمُرْسَلِينَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، قال أبو البقاء: إذ المعنى إلا وهم يأكلون، وهو قول ابن هشام في المغني. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي كعادتهما: الجملة صفة لموصوف محذوف. والمعنى عندهم: وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين، وماشين.\nوإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور، أي: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ونحوه قوله تعالى: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ والأول أقوى، وجملة: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (جعلنا): فعل، وفاعل.\n ﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (فتنة) كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَتَصْبِرُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.\n (تصبرون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، وانظر الشرح.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. وهو من أفعال الاستمرار.\n ﴿رَبُّكَ:﴾ اسم (كان) والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بَصِيرًا:﴾ خبر (كان) والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2876\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ:﴾ لا يؤملون، وأصل الرجاء: الأمل في الشيء، والطماعية فيه، قال الشاعر: [الوافر]\nأترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب","vol":"6","page":469},{"text":"وقيل: معنى ﴿لا يَرْجُونَ﴾ هنا: لا يبالون، قال خبيب بن عدي﵁-: [الطويل]\nلعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي\nوقد يأتي الرجاء بمعنى الخوف، وبه فسر كثير من المفسرين الآية هنا، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال، أي الذي يقطف عسل النحل: [الطويل]\nإذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل\nوقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد، أي: النفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد. ﴿لِقاءَنا﴾ أي: بالبعث، والحشر، والنشر، ولا يؤملون خيرا، أو لا يخافون لقاءنا بالشر، وأصل اللقاء: الوصول إلى الشيء، ومنه الرؤية، فإنه وصول إلى المرئي، وأصل «لقاء» لقاي؛ لأنه من: لقي، فقل في إعلاله: تحركت الياء، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين.\n ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ فيخبروننا بصدق محمد ﷺ، أو يكونون رسلا إلينا من دونه. ﴿أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ أي: جهرة، وعيانا، فيأمرنا بتصديقه، واتباعه. ونظيره الآية رقم [٩٤] و[٩٥] من سورة (الإسراء).\n ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: تعظموا. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في شأنها حتى أرادوا لها ما يتفق للأفراد من الأنبياء، الذين هم أكمل خلق الله في أكمل أوقاتها، وما هو أعظم من ذلك. ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أي: تجاوزوا الحد في الظلم تجاوزا بالغا أقصى مراتبه؛ حيث عاينوا المعجزات القاهرة، فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية؛ لأن الملائكة لا ترى إلا عند الموت، أو عند نزول العذاب، والله تعالى لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، فلا عين تراه. هذا؛ والعتو: العناد، والطغيان، والعاتي: المجاوز للحد في الاستكبار، والعاتي: الجبار أيضا. وقيل: العاتي: هو المبالغ في ركوب المعاصي، المتمرد الذي لا يقع منه الوعظ، والتنبيه موقعا. انتهى. مختار. وانظر الآية رقم [٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وقال الزمخشري: وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب، ألا ترى: أن المعنى: ما أشد استكبارهم، وما أكبر عتوهم!. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"6","page":470},{"text":"بالفعل قبلهما. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿نَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿رَبَّنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَقَدِ:﴾ اللام:\nواقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿اِسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (عتوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَتَوْا:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَعَتَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-2877\"></span>﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ﴾ أي: عند الموت، وقيل: يوم القيامة، وعلى الأول فالمراد:\nملائكة الموت، وعلى الثاني فالمراد: ملائكة العذاب. ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ:﴾ وذلك أن ملائكة الرحمة تبشر المؤمنين بالجنة، والرحمة، ويقولون للمجرمين: لا بشرى لكم بالخير، ولا بشارة لكم بالجنة، كما بشر المؤمنون. ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا:﴾ قال ابن عباس﵄-: تقول الملائكة: حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل: إذا خرج الكفار من قبورهم تقول الملائكة لهم: حراما محرما عليكم أن تكون لكم البشرى. وقيل: هذا قول الكفار للملائكة، وذلك أن العرب كانت إذا نزلت بهم شدة، ورأوا ما يكرهون قالوا: حجرا محجورا، فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة.\nومعنى الآية على ذلك: أنهم يطلبون نزول الملائكة، وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة؛ كرهوا لقاءهم، وفزعوا منهم؛ لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو الموتور وشدة النازلة. هذا؛ وانظر شرح الملائكة في الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأنبياء) أما ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فالتنوين ينوب عن جملة محذوفة دل عليها ما قبلها؛ أي: يرون الملائكة و(إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فحذفت الجملة، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما.","vol":"6","page":471},{"text":"هذا؛ والحجر يطلق على أشياء كثيرة: حجر الإنسان بفتح الحاء وكسرها، وهو ما بين يديه من ثوبه، ويقال: نشأ فلان في حجر فلان؛ أي: تحت رعايته، وعنايته، وهو بفتح الحاء: المنع من التصرفات المالية لصغر، أو سفه، أو فلس، وغير ذلك، والحجر بكسر الحاء، يطلق على الفرس الأنثى، وعلى العقل، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ،﴾ ويطلق على حجر إسماعيل بجوار الكعبة المعظمة، وعلى حجر ثمود؛ أي: بلادهم، وعلى الحرام، كما في هذه الآية، وقال الشاعر: [الطويل]\nألا أصبحت أسماء حجرا محرّما... وأصبحت من أدنى حموّتها حما\nأراد: ألا أصبحت أسماء حراما محرما. قاله رجل كانت له امرأة، فطلقها، وتزوجها أخوه. أي: أصبحت أخا زوجها بعد ما كنت زوجها. وقد نظم بعضهم المعاني المتقدمة بقوله: [البسيط]\nركبت حجرا، وطفت البيت خلف الحجر... وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر\nلله حجر منعني من دخول الحجر... ما قلت حجرا، ولو أعطيت ملء الحجر\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ قال أبو البقاء: في العامل فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اذكر يوم، والثاني:\nيعذبون يوم، والكلام الذي بعده يدل عليه، والثالث: لا يبشرون يوم يرون، ولا يجوز أن تعمل فيه البشرى لأمرين: أحدهما: أن المصدر لا يعمل فيما قبله. والثاني: أن المنفي لا يعمل فيما قبل «لا». ﴿يَرَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿بُشْرى:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على فتح مقدر على الألف في محل نصب. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ فيه أوجه: أحدها: هو تكرير ل: ﴿يَوْمَ﴾ الأول، أي: تأكيد له. والثاني: هو خبر ﴿بُشْرى﴾ فيعمل فيه المحذوف، والجار والمجرور ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ تبيين، أو خبر ثان. والثالث: أن يكون الخبر ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ والعامل في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ما يتعلق به اللام. والرابع: أن يعمل فيه ﴿بُشْرى﴾ إذا قدرت أنها منونة غير مبنية مع ﴿لا،﴾ ويكون الخبر ﴿لِلْمُجْرِمِينَ،﴾ وسقط التنوين لعدم الصرف، ولا يجوز أن يعمل فيه بشرى؛ إذا بنيتها مع ﴿لا﴾. انتهى. وقال ابن هشام في المغني: ألا ترى أن اليوم لو علق ب: ﴿بُشْرى﴾ لم يصح من وجهين: أنه مصدر، وأنه اسم ل ﴿لا،﴾ انتهى. و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.\nوالجملة الاسمية: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تقديره: تقول الملائكة، أو يقولون، فعلى الأول: الجملة في محل نصب حال من ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ وعلى الثاني: الجملة في محل نصب حال من واو الجماعة، وعلى الوجهين الرابط الضمير فقط. (يقولون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿حِجْرًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف","vol":"6","page":472},{"text":"واجب الحذف. ﴿مَحْجُورًا:﴾ تأكيدا لما قبله؛ أي: فهو صفة مؤكدة، والجملة الناتجة من المصدر، وفعله المحذوف في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَرَوْنَ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-2878\"></span>﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقَدِمْنا..﴾. إلخ: أي: وعمدنا إلى ما عمل الكفار في كفرهم من أعمال صالحات كقرى الضيف، وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وبر الوالدين، والإحسان إلى اليتيم، والأرملة، والمسكين، فأحبطناه لفقد الشرط الأساسي لقبول عمل البر، وهو الإيمان بالإسلام، وبمحمد ﷺ. ففي الآية الكريمة تشبيه حال الكفار، وأعمالهم بحال قوم استعصوا سلطانهم، فقدم إلى أشيائهم، وقصد إلى ما تحت أيديهم، فأفسدها، فمزقها وأبطلها، ولم يبق لها أثرا.\nوالهباء: غبار يرى في شعاع الشمس يدخل من كوة في بيت مظلم. فقد شبه عملهم المحبط في حقارته، وعدم نفعه بالهباء المنثور الذي لا يمكن نظمه، والانتفاع به، ولا يمس بالأيدي، ولا يرى في الظل. ولا تنس: أن في الكلام استعارة عن كونه لا يقبل الاجتماع، ولا يقع به الانتفاع، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٩] من سورة (النور) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ ومثل هذه الآية في معناها، ومغزاها قوله تعالى في الآية رقم [١٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾.\nالإعراب: ﴿وَقَدِمْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قدمنا): فعل، وفاعل. ﴿إِلى:﴾ حرف جر.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب ﴿إِلى،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلى الذي، أو إلى شيء عملوه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ عَمَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، وجملة: ﴿وَقَدِمْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَجَعَلْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جعلناه): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿هَباءً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مَنْثُورًا:﴾ صفة ﴿هَباءً،﴾ وقيل: من تعدد المفعول الثاني، ولا وجه له، وجملة: ﴿فَجَعَلْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-2879\"></span>﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم القيامة. ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا:﴾ مكانا يستقر فيه في أكثر الأوقات للتجالس، والتحادث، و﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا:﴾ مكانا يأوون إليه للاسترواح بالأزواج،","vol":"6","page":473},{"text":"والتمتع بهن، تجوزا له من مكان القيلولة على التشبيه، كما أن المترفين في الدنيا يعيشون على ذلك الترتيب، ولا نوم في الجنة، ولكن الله تعالى سمى مكان استراحتهم إلى الحور العين، وأزواجهم اللاتي دخلن معهم الجنة مقيلا على طريق التشبيه، وانظر ما ذكرته في مثل هذا التفضيل في الآية رقم [١٥]. هذا؛ وقد جعل المؤمنون المطيعون ربّهم أصحاب الجنة؛ بمعنى:\nمالكيها؛ لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها. وقل مثله في أصحاب النار. والمقيل: مكان القيلولة.\nالإعراب: ﴿أَصْحابُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْجَنَّةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم):\nظرف زمان متعلق بمحذوف خبر أول، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ووقع ظرف الزمان خبرا عن الجثة؛ لأنه أفاد فائدة، قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز]\nولا يكون اسم زمان خبرا... عن جثّة، وإن يفد فأخبرا\n ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر ثان، ﴿مُسْتَقَرًّا:﴾ تمييز. ﴿وَأَحْسَنُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مَقِيلًا:﴾ تمييز أيضا، وقد حذف المفضل عليه، والتقدير: خير مستقرا من مستقر أهل النار، وأحسن مقيلا من مقيل أهل النار. هذا؛ وقيل: إن التفضيل ليس على بابه، وليس مرادا هنا وعليه ف: ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿خَيْرٌ،﴾ و﴿مَقِيلًا﴾ ظرف مكان متعلق ب (أحسن)، والجملة الاسمية:\n ﴿أَصْحابُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقيل: الظرف متعلق ب ﴿خَيْرٌ،﴾ والأول أقوى معنى، وأولى اعتبارا.\n\n<span id=\"aya-2880\"></span>﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ:﴾ أصله: تتشقق فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، وهو كثير في القرآن الكريم، والكلام العربي. ﴿بِالْغَمامِ﴾ أي: بسبب طلوع الغمام منها، وهو الغمام المذكور في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾. والغمام: سحاب أبيض مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ أي: ينزلون بصحائف العباد إلى الأرض، وذلك لحساب الثقلين من الإنس، والجن. قال ابن عباس﵁-:\nتتشقق سماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن، والإنس، ثم تشقق السماء الثانية، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في سماء الدنيا، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة؛ وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي تليها، ثم ينزل الكروبيون، ثم حملة العرش. هذا؛ وقرئ الفعل: (نزّل) بقراآت كثيرة، وإذا نزل ملائكة سماء الدنيا؛ اصطفوا حول العالم المجموع في المحشر صفا، وإذا نزل ملائكة السماء الثانية؛ اصطفوا خلف هذا الصف،","vol":"6","page":474},{"text":"وهكذا حتى تصير الصفوف سبعة، كلهم يحرسون أهل المحشر من الفرار والهرب، قال تعالى في سورة (الفجر): ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقد تقدم لهذا مزيد بسط في آخر سورة (إبراهيم) عند قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ..﴾. إلخ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره:\nاذكر. ﴿تَشَقَّقُ:﴾ فعل مضارع. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿بِالْغَمامِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءُ،﴾ وجملة:\nاذكر يوم... إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَنُزِّلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (نزل): ماض مبني للمجهول. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ نائب فاعله. ﴿تَنْزِيلًا:﴾ مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَنُزِّلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿تَشَقَّقُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-2881\"></span>﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم القيامة. ﴿الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾ أي: الملك الثابت له تعالى؛ لأن كل ملك يبطل يومئذ ولا يبقى إلا ملكه؛ لأن السلطان الظاهر، والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى، ظاهرا، وباطنا بحيث لا زوال له أصلا، ولا يكون إلا لله تعالى، وهو فحوى قوله تعالى في آخر سورة (الانفطار): ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾. ﴿وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا:﴾ شديدا لما ينالهم فيه من الأهوال، ويلحقهم من الخزي والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاة مكتوبة.\nفعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فقلت: ما أطول هذا اليوم، فقال النّبيّ ﷺ: «والّذي نفسي بيده، إنّه ليخفّف عن المؤمن حتّى إنّه يكون أخفّ عليه من صلاة المكتوبة يصلّيها في الدّنيا».\nالإعراب: ﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله؛ لأنه مصدر. ﴿الْحَقُّ:﴾\nصفة ﴿الْمُلْكُ﴾. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (يوم القيامة). ﴿يَوْمًا:﴾ خبر (كان). ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾\nمتعلقان ب ﴿عَسِيرًا﴾ بعدهما. ﴿عَسِيرًا:﴾ صفة ﴿يَوْمًا،﴾ وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.\n<span id=\"aya-2882\"></span>﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ من فرط الحسرة، وشدة الندامة، وعض اليدين، وأكل البنان، وحرق الأسنان، ونحوها كنايات عن شدة الغيظ، والحسرة؛ لأنها من روادفهما. هذا؛","vol":"6","page":475},{"text":"والظالم هو الذي يظلم غيره بالاعتداء على حقوقه، أو على كرامته، وحرماته، والظالم هو الذي يظلم نفسه بالكفر، أو بالمعاصي، وارتكاب الفواحش والمنكرات، وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\n ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا:﴾ طريقا إلى النجاة، أو طريقا واحدا، وهو طريق الحق، ولم تتشعب بي طرق الضلالة، والمراد بالرسول هنا: محمد ﷺ.\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة وما بعدها في عقبة بن أبي معيط بن أمية، بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان قد نطق بالشهادتين، ثم ارتد عن الإسلام، وسبب نطقه بهما أنه صنع يوما طعاما، ودعا الناس إليه، ودعا رسول الله ﷺ، فلما قدم الطعام، قال الرسول ﷺ: «لا آكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله». فنطق بهما، وأكل ﷺ من طعامه، وكان عقبة صديقا لأبيّ بن خلف الجمحي، فلما أخبر أبيّ بما وقع لعقبة، قال له: يا عقبة! صبأت، قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل بيتي رجل، فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي، ولم يطعم، فشهدت له، فطعم، فقال: لا أرضى عنك أبدا، حتى تأتيه فتبزق في وجهه، ففعل ذلك عقبة، فعاد بزاقه على وجهه، فحرقه، وبقي أثره في وجهه حتى قتل يوم بدر، وأما أبيّ فقد ضربه النبي يوم أحد بنبل فطعنه، وكان ذلك سبب موته وذهابه إلى جهنم وبئس المصير، وعقاب عقبة في جهنم كما هو نص الآية أنه يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه، ثم ينبتان ثم يأكلهما وهكذا كلما نبتت يده أكلها تحسرا وندامة على ما فعل.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿يَعَضُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿الظّالِمُ:﴾ فاعله. ﴿عَلى يَدَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء، نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعَضُّ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (يوم) إليها، وجملة: (اذكر يوم...) إلخ معطوفة على جملة: اذكر يوم تشقق... إلخ المقدرة، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الظّالِمُ﴾. (يا): حرف تنبيه، وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، تقديره: يا قوم ونحوه، والأول أقوى، كما يؤخذ من قول ابن هشام في المغني. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿اِتَّخَذْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مَعَ:﴾","vol":"6","page":476},{"text":"ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وقيل: مفعول ثان، وليس بشيء، و(مع) مضاف، و﴿الرَّسُولِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية:\n ﴿يا لَيْتَنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الظّالِمُ،﴾ والرابط: الضمير فقط.\n\n<span id=\"aya-2883\"></span>﴿يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿يا وَيْلَتى:﴾ دعاء بالثبور والهلاك على محالفة الكافر ومتابعته، قال الزجاج:\nأصلها يا ويلتي، فأبدل من الياء ألفا؛ لأنها أخف من الياء والكسرة. هذا؛ وقرئ بالياء على الأصل، قال البيضاوي: أصله في الشر، فأطلق في كل أمر فظيع. انتهى. أقول: وهي كلمة تحسر وتلهف على ما فات، وتستعمل عند الداهية العظيمة، وجاءت للتعجب في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا:﴾ فلان كناية عن الأعلام، وإن أريد به الجنس، فكل من اتخذ من المضلين خليلا، كان اسم علم لخليله لا محالة، فجعله كناية عنه، وقيل: هو كناية عن الشيطان بدليل الآية التالية، وفي الجمل نقلا عن السمين: فلان كناية عن علم من يعقل من الذكور، وهو منصرف، و«فل» كناية عن نكرة من يعقل من الذكور، وفلانة كناية عن علم من يعقل من الإناث، و«فلة» كناية عن نكرة من يعقل من الإناث، والفلان والفلانة بالألف واللام كناية عن غير العاقل، ولام فل وفلان فيها وجهان:\nأحدهما: أنها واو، والثاني: أنها ياء انتهى. والخليل: الصاحب، والصديق الذي صفت مودته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك، كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضبي: [الوافر]\nأخوك أخوك من يدنو وترجو... مودّته، وإن دعي استجابا\nإذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا\nوهو معدوم في هذا الزمن الذي فسد أهله، وصاروا خلاّ ودودا كما قال القائل: [الوافر]\nسألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا النّاس من خلّ ودود\nفقلت أليس فيهم ذو وفاء؟ ... فقالوا كان ذلك في الجدود\nاحفظ هذين البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التام. لذا فإنه لا وجود للصديق، بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا كما قال القائل: [الكامل]\nقد قيل إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي","vol":"6","page":477},{"text":"وقال الآخر: [الوافر]\nسألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا ما إلى هذا سبيل\nتمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدنيا قليل\nومما هو جدير بالذكر: أن كل صداقة لا تكون على أساس من التقوى تنقلب عداوة في الدنيا والآخرة، خذ قوله تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ الآية رقم [٦٧] من سورة (الزخرف) انظر شرحها هناك. وانظر نتيجة صداقة إبليس في الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وفي سورة (ق) أيضا.\nالإعراب: (يا): حرف نداء ينوب مناب: أدعو. (ويلتا): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وقد قلبت الياء ألفا في إحدى القراءتين كما رأيت، والياء في محل جر بالإضافة، وأصل النداء أن يكون لمن يعقل، وقد ينادى ما لا يعقل مجازا، مثل: يا أسفي ونحوه، والمعنى هنا: أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك. ﴿لَيْتَنِي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَتَّخِذْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿فُلانًا:﴾ مفعول به أول. ﴿خَلِيلًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿لَمْ أَتَّخِذْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2884\"></span>﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أي: يقول الظالم النادم، لقد أضلني من اتخذته في الدنيا صديقا، وصاحبا عن القرآن، والإيمان به. وقيل: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ أي: عن الرسول، والأول أقوى لوروده في كثير من الآيات بمعنى الذكر. ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾ أي: هديت إليه، وتمكنت منه. ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ﴾ أي: الخليل المضل، أو إبليس؛ لأنه حمله على مصاحبته، وطاعته فيما أراد منه، ومخالفته للرسول ﷺ، أو كل من تشيطن، وتمرد عن الحق فهو يدعو إلى الضلال سواء أكان من الجن، أو من الإنس. ﴿لِلْإِنْسانِ خَذُولًا:﴾ الخذل: الترك من الإغاثة، وهذا دأب الضالين المضلين من الإنس، والجن، يوالون الإنسان، ويتقربون إليه؛ حتى يودون به إلى الهلاك، ثم يتركونه ولا ينفعونه بشيء، ومنه خذلان إبليس للمشركين لما ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك يوم غزوة بدر، فلما رأى الملائكة؛ تبرأ منهم، وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أكبر دليل على ذلك.","vol":"6","page":478},{"text":"تنبيه: نزلت الآيات الثلاث في عقبة بن أبي معيط وأبيّ بن خلف، وخصوص السبب لا يمنع التعميم، والحكم عام في كل خليلين ومتحابين اجتمعا على معصية الله تعالى إلى يوم القيامة. وقد بين الرسول ﷺ الفوائد، والمنافع التي يكتسبها الإنسان من مجالسة الأخيار، والمفاسد والمضار التي تتسبب من مخالطة الأشرار. وخذ ما يلي: فعن أبي موسى الأشعري﵁عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إمّا أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإمّا أن تجد منه ريحا طيّبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإمّا أن تجد منه ريحا خبيثة». متفق عليه. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». أخرجه أبو داود، والترمذي.\nولهما عن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تصاحب إلاّ مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلاّ تقيّ». وعن ابن عباس﵄قال: قيل: يا رسول الله! أيّ جلسائنا خير؟ قال: «من ذكّركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكّركم بالآخرة عمله». رواه البزار. وقال مالك بن دينار: إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار. والخبيص: حلواء تصنع من التمر، والسمن، وأنشد: [الطويل]\nوصاحب خيار الناس تنج مسلّما... وصاحب شرار النّاس يوما فتندما\nوقال عدي بن زيد العبادي، وهما في معلقة طرفة بن العبد: [الطويل]\nعن المرء لا تسأل؛ وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي\nإذا كنت في قوم فصاحب خيارهم... ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدي\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَضَلَّنِي:﴾ فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى (فلان)، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿عَنِ الذِّكْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا، وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له. و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿جاءَنِي:﴾ فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الذِّكْرِ،﴾ والجمل الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ اسم (كان).\n ﴿لِلْإِنْسانِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خَذُولًا:﴾ خبر (كان)، وهو مبالغة اسم الفاعل، وجملة ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها من كلام الله، وليست من مقول الظالم، وقيل:\nفي محل نصب حال، ولا وجه له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"6","page":479},{"text":"<span id=\"aya-2885\"></span>﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ:﴾ النبي ﷺ، وقوله هذا في الدنيا بثا إلى الله، أو في الآخرة شكوى إليه تعالى. ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ أي: قريشا. ﴿اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا:﴾ أعرضوا عنه، واستكبروا، وقالوا فيه غير الحق من أنه سحر، وشعر، وكهانة، وأساطير الأولين... إلخ، فعزاه الله بالآية التالية. وعن أنس بن مالك﵁قال: قال النبي ﷺ: «من تعلّم القرآن، وعلّق مصحفه ولم يتعاهده، ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلّقا به، يقول: يا ربّ العالمين، إنّ عبدك هذا اتّخذني مهجورا، فاقض بيني وبينه». ذكره الثعلبي، وانظر سورة (الإسراء) رقم [٧٨] فهو جيد.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الرَّسُولُ:﴾ فاعله. (يا):\nأداة نداء تنوب مناب: أدعو. (رب): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وانظر شرح (رب) في الآية رقم [٩٤] من سورة (المؤمنون)، وإعراب مثله في الآية رقم [٢٣] منها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿قَوْمِي:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿مَهْجُورًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ قَوْمِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2886\"></span>﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا..﴾. إلخ أي: كما جعلنا لك يا محمد عدوا من مشركي قومك، وهو أبو جهل وغيره، فكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من مشركي قومه، فاصبر لأمري كما صبروا، فإني متوليك بالهداية، والتوفيق لما أحبه، وأرضاه، وناصرك على أعدائك، والعدو يكون واحدا، ويكون جمعا، وانظر شرحه في الآية رقم [٣٩] من سورة (طه)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل بعده، التقدير: جعلنا لكل نبي عدوّا جعلا كائنا مثل جعل أبي جهل وأمثاله عدوّا لك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.","vol":"6","page":480},{"text":"﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، وكل مضاف، و﴿نَبِيٍّ﴾ مضاف إليه. ﴿عَدُوًّا:﴾ مفعول به أول. ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَدُوًّا،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَكَفى:﴾ الواو: واو الاستئناف. (كفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.\n ﴿بِرَبِّكَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ربك): فاعل (كفى) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿هادِيًا:﴾ تمييز، وأجيز اعتباره حالا. ﴿وَنَصِيرًا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها لا محل لها على الاعتبارين، والحالية ضعيفة فيها.\n\n<span id=\"aya-2887\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً:﴾ اختلف في قائل ذلك على قولين: أحدهما: أنهم كفار قريش، قاله ابن عباس﵄-. الثاني: أنهم اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقا، قالوا: هلا أنزل عليه جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود على نبينا، وعليهم أجمعين ألف صلاة، وألف سلام، فقال الله تعالى ردّا عليهم: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أي: نقوي به قلبك، فتعيه، وتحمله؛ لأن الكتب المتقدمة إنما أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، والقرآن إنما أنزل على نبي أمي، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، فالمتأخر قد نسخ كثيرا من الآيات المتقدمة، أو نسخ بعض أحكامها، ولأن منه ما هو جواب لمن سأل عن شيء، ولأن منه ما نزل لحل مشكلة حصلت في عهد النبي ﷺ، فتفريقه كان أوعى للنبي ﷺ، وأيسر على العامل به، وحفظه أسهل، فكان كلما نزل وحي جديد زاد قلب النبي ﷺ قوة وثباتا، وازداد المؤمنون به إيمانا فوق إيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾. رقم [٢] من (الأنفال).\nفإن قيل: هلا أنزل دفعة واحدة وحفظه؛ إذ كان ذلك في قدرته، فالجواب: أن في قدرة الله أن يعلم نبيه القرآن كله في لحظة واحدة، ولكنه لم يفعل، ولا معترض عليه تعالى في حكمه، وقد بينا وجه الحكمة ظاهرا في ذلك، ولله في كتابه، وقضائه، وقدره أسرار حيرت ذوي العقول، والأبصار. ﴿وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ أي: وقرأناه عليك شيئا بعد شيء على تؤدة وتمهل في ثلاث وعشرين سنة.","vol":"6","page":481},{"text":"وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى: وأمرنا بترتيل قراءته، وذلك قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أي: اقرأه بترسل، وتثبت، ومنه حديث عائشة﵂في صفة قراءته ﷺ: «لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه لعدّها». انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قال): فعل ماض.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿نُزِّلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ نائب فاعل ﴿نُزِّلَ﴾.\n ﴿جُمْلَةً:﴾ حال من ﴿الْقُرْآنُ﴾ أي: مجتمعا. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها، وجملة: ﴿لَوْلا نُزِّلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قال الرسول...) إلخ فتكون الآية: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفتين، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف مع عامله، التقدير: نزلنا تنزيلا مثل ذلك التنزيل. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما فالمحل لها، وتكون مضافة، واسم الإشارة في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِنُثَبِّتَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فُؤادَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل نثبت في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل المقدر المحذوف، وجملة: «نزلناه كذلك...» إلخ المقدرة في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي قال الله تعالى: (نزلناه كذلك...) إلخ؛ لأنها ليست من مقول الذين كفروا، وجملة: قال الله تعالى... إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n (رتلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: «نزلناه» المقدرة فهي من مقول الله تعالى المحذوف المقدر. ﴿تَرْتِيلًا:﴾ مفعول مطلق.\n\n<span id=\"aya-2888\"></span>﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي: بسؤال عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك. ﴿إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: إلا أتيناك بالجواب الحق الدامغ لما يسألونه، وقيل:\n (لا يأتونك بمثل) كقولهم في صفة عيسى: إنه خلق من غير أب، وألحق ما فيه نقض حجتهم كآدم؛ إذ خلق من غير أب وأم. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا:﴾ تفصيلا، والمعنى: أحسن من مثلهم تفصيلا، وبيانا، فحذف لفهمه من المقام، أو المعنى: لا يأتونك بحال، وصفة عجيبة، مثل قولهم:\nهلا أنزل عليك القرآن جملة واحدة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا أن تعطاه،","vol":"6","page":482},{"text":"وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه، ودلالة على صحته، يعني: إن تنزيله مفرقا، وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق، كلما نزل شيء منها دخل في الإعجاز من أن ينزل كله جملة.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَأْتُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والكاف مفعوله. ﴿بِمَثَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿جِئْناكَ:﴾ فعل ماض، و(نا): فاعله، والكاف مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، والجملة الفعلية: ﴿جِئْناكَ بِالْحَقِّ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهي على تقدير قد قبلها. (أحسن): معطوف على (الحق) مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل. ﴿تَفْسِيرًا:﴾ تمييز.\n\n<span id=\"aya-2889\"></span>﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ:﴾ فعن أنس بن مالك﵁-: أن رجلا قال: يا رسول الله! قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ﴾ أيحشر الكافر على وجهه؟! فقال ﷺ: «أليس الّذي أمشاه على الرّجلين في الدّنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟!» قال قتادة رحمه الله تعالى حين بلغه: بلى وعزة ربنا! رواه البخاري ومسلم، وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء)، والآية رقم [١٠٢] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أي: مكانة ومنزلة، أو مسكنا ومنزلا. ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: أخطأ طريقا، والطريق لا تضل، وإنما هو من الإسناد المجازي للمبالغة، والمعنى: إن حاملكم على هذه الأسئلة أنكم تضلون سبيله، وتحتقرون منزلته ومكانته، ولو نظرتم بعين الإنصاف، وأنتم من المسحوبين على وجوههم؛ لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه، ومنزلة سبيلكم أضل من سبيله.\nهذا؛ وانظر الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أذم. أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل رفع مبتدأ خبره ما يأتي. ﴿يُحْشَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجمل الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: يحشرون مكبوبين على وجوههم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أُوْلئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿شَرٌّ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مَكانًا:﴾","vol":"6","page":483},{"text":"تمييز. ﴿وَأَضَلُّ:﴾ معطوف على ﴿شَرٌّ﴾. ﴿سَبِيلًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿أُوْلئِكَ..﴾.\nإلخ مستأنفة على الأوجه المتقدمة في الموصول، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وجملة: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ سواء أكانت فعلية، أم اسمية، فهي مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2890\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ..﴾. إلخ: الواو في هذه الآية لمطلق الجمع، ولا تفيد ترتيبا؛ لأن من المعلوم أن إيتاء التوراة، كان بعد إيتاء الرسالة لموسى وهارون بنحو من ثلاثين سنة، وكذلك الفاء في الآية التالية لا تفيد تعقيبا ولا ترتيبا؛ لأن كلا من الجعل والقول، كان قبل إيتاء التوراة كما علمت. وانظر شرح الآية رقم [٢٩] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقال البيضاوي في معنى ﴿وَزِيرًا:﴾ يوازره في الدعوة، وإعلاء الكلمة، ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة، فإن المتشاركين في الأمر متوازران عليه، وأيضا فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. وجملة: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، المراد منه تسلية النبي ﷺ بحكاية ما جرى بين الأنبياء وبين أقوامهم حكاية إجمالية كافية فيما هو المقصود. (جعلنا):\nفعل، وفاعل. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَخاهُ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هارُونَ:﴾ بدل من ﴿أَخاهُ،﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿وَزِيرًا:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ وقيل: ﴿وَزِيرًا﴾ حال، والمفعول الثاني (معه) ولا وجه له، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. هذا؛ وانظر إعراب:\n ﴿وَلَقَدْ﴾ في سورة (طه) رقم [٣٧] فهو جيد.\n<span id=\"aya-2891\"></span>﴿فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ﴾ أي: إلى فرعون وقومه. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي:\nفذهبا إليهم، فأبلغاهم الرسالة، فكذبوهما. هذا؛ وقال الجمل: إن كان المراد بالآيات مصنوعات الله تعالى الدالة على انفراده بالملك والعبادة، فالأمر ظاهر، وإن كان المراد بها","vol":"6","page":484},{"text":"خصوص الآيات التسع التي جاء بها موسى للقبط لم يظهر، وذلك؛ لأن وقت الأمر بالذهاب إلى القبط، لم يكونوا قد رأوا شيئا من الآيات التسع حتى يكلموا بها؛ لأن الأمر بالذهاب إليهم كان في واقعة الطور، وهي كانت قبل مجيء مصر، ومخاطبة فرعون وقومه، فلا تخلص إلا بحمل الماضي على معنى الاستقبال، أي: سيكذبوا بآياتنا انتهى. نقلا عن شيخه. ﴿فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا:﴾ قال البيضاوي: أي: فذهبا إليهم، فكذبوهما، فدمرناهم تدميرا، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود، وهو إلزام بالحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم.\nهذا؛ والتدمير الإهلاك بأمر عجيب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَقُلْنَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قلنا): فعل، وفاعل. ﴿اِذْهَبا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿إِلَى الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الْقَوْمِ،﴾ وجملة:\n ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ صلة الموصول لا محل لها. (دمرناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح، وجملة: ﴿اِذْهَبا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (فقلنا...) إلخ معطوفة على جواب القسم في الآية السابقة، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَدَمَّرْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (قلنا...) إلخ لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2892\"></span>﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ:﴾ ذكر الله جنس الرسل، والمراد: نوح وحده؛ لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده، فنوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-إنما بعث بلا إله إلا الله، وبالإيمان بما ينزل الله، فلما كذبوه؛ كان في ذلك تكذيب لكل من بعث بعده بهذه الكلمة، وقيل: إن من كذب رسولا فقد كذب جميع الرسل؛ لأنهم لا يفرق بينهم في الإيمان، ولأنه ما من نبي إلا يصدق سائر أنبياء الله، فمن كذب منهم نبيا، فقد كذب كل من صدقه من النبيين. انتهى. قرطبي. ﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ أي: جعلنا إغراقهم، أو قصتهم. ﴿لِلنّاسِ آيَةً﴾ أي: علامة ظاهرة على قدرتنا. ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ هيأنا. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ قوم نوح ومن سار على طريقتهم، وانظر التعبير عن الكافرين، في الآية رقم [٢٧]. ﴿عَذابًا أَلِيمًا﴾ أي: في الآخرة، وتلك سنة الله في الكافرين والجاحدين، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولا تحويلا. هذا؛ وانظر قصة نوح مع قومه مفصلة في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَقَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قوم): في نصبه أربعة أقوال: الأول: العطف على الضمير المنصوب، فيكون المعنى: ودمرنا قوم نوح. الثاني: أنه منصوب بفعل محذوف،","vol":"6","page":485},{"text":"تقديره: اذكر. الثالث: أنه منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده، التقدير: وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم. الرابع: أنه منصوب ب: ﴿أَغْرَقْناهُمْ﴾ قاله الفراء، ورده النحاس، قال: لأن «أغرقنا» ليس مما يتعدى إلى مفعولين، فيعمل في المضمر وفي (قوم نوح)، وأقوى هذه الأقوال أولها:\nو(قوم) مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَمّا:﴾ حرف وجود لوجود. عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على القول بحرفية ﴿لَمّا،﴾ وهي في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿الرُّسُلَ:﴾ مفعول به. ﴿أَغْرَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَمّا،﴾ لا محل لها، و﴿لَمّا﴾ ومدخولها في محل نصب حال من (قوم نوح)، والرابط: الضمير في الجملتين، وعلى هذا فلا يتأتى الوجه الثالث في قوم نوح، لأن أغرقناهم حينئذ جواب ﴿لَمّا،﴾ جوابها لا يفسر غيره، وإنما يتأتى على اعتبار ﴿لَمّا﴾ ظرف زمان متعلقا بالفعل (أغرقنا) مجردا من معنى الشرطية. تأمل. (جعلناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿آيَةً:﴾\nمفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ الواو: واو الحال. (أعتدنا): فعل، وفاعل. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿أَلِيمًا﴾ بعدهما. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفته، وجملة:\n (أعتدنا...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، وإعادة (الظالمين) بلفظه بدلا من الضمير، وضعا للظاهر موضعه تسجيلا عليهم بوصف الظلم للمبالغة، و«قد» مقدرة قبل الجملة.\n\n<span id=\"aya-2893\"></span>﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَعادًا﴾ أي: قوم عاد الذين كذبوا نبيهم هودا، فأهلكهم الله بالريح العقيم.\n ﴿وَثَمُودَ:﴾ هم قوم صالح، فأهلكهم الله بالرجفة، وقد كثر ذكر هاتين القبيلتين في كثير من السور، وانظر سورة (هود) وسورة (الأعراف) ففيهما تفصيل أكثر من غيرهما. ﴿وَأَصْحابَ الرَّسِّ:﴾\nالرس في كلام العرب البئر التي تكون غير مطوية، والجمع: رساس، قال الشاعر: [المتقارب]\nوهم سائرون إلى أرضهم... فيا ليتهم يحفرون الرّساسا\nوالرس: اسم واد في قول زهير بن أبي سلمى المزني في معلقته: [الطويل]","vol":"6","page":486},{"text":"بكرن بكورا، واستحرن بسحرة... فهنّ لوادي الرّسّ كاليد للفم\nورسست رسا: حفرت بئرا، ورسّ الميت: أي قبر، والرس: الإصلاح بين الناس، والإفساد، أيضا، فهو من الأضداد. هذا؛ وفي الرس وفي أصحابه أقوال كثيرة أنقلها لك من القرطبي وغيره، قال ابن عباس﵄-: سألت كعبا عن أصحاب الرس، قال:\nصاحب (يس) الذي قال: (يا قوم اتّبعوا المرسلين) قتله قومه، ورسّوه في بئر لهم، يقال له:\nالرّس، طرحوه فيها. وكذا قال مقاتل. وقال السدي: هم أصحاب قصة (يس) أهل أنطاكية، والرس: بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار مؤمن آل (يس) فنسبوا إليها.\nوقال علي﵁-: هم قوم كانوا يعبدون شجرة صنوبر، فدعا عليهم نبيهم، وكان من ولد يهوذا، فيبست الشجرة، فقتلوه، ورسّوه في بئر، فأظلتهم سحابة سوداء، فأحرقتهم.\nوقال ابن عباس﵄-: هم قوم بأذربيجان، قتلوا أنبياء، فجفت أشجارهم وزروعهم، فماتوا جوعا، وعطشا.\nوقال وهب بن منبه: كانوا أهل بئر يقعدون عليها، وأصحاب مواش، وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيبا، فكذبوه وآذوه، وتمادوا على كفرهم وطغيانهم، فبينما هم حول البئر في منازلهم، انهارت بهم، وبديارهم، فخسف الله بهم، فهلكوا جميعا.\nوقال قتادة: أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمّتان، أرسل الله إليهما شعيبا، فكذبوه، فعذبهما الله بعذابين. قال قتادة: والرس قرية بفلج اليمامة. وقال الكلبي: أصحاب الرس قوم أرسل الله إليهم نبيا فقتلوه، وهم أول من عمل نساؤهم السّحق؛ ذكره الماوردي. وقيل: هم أصحاب الأخدود، الذين حفروا الأخاديد، وحرقوا فيها المؤمنين. وقيل: هم بقايا من قوم ثمود، وأن الرس البئر المذكورة في الحج رقم [٤٥].\nوقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: كان نبي يقال له: حنظلة بن صفوان، فقتلوه، فأهلكهم الله تعالى. وأخيرا أذكر أنه يوجد بين الحجاز ونجد قرية تسمى: الرس، وهي مأهولة بالسكان، فيكون حنظلة بن صفوان-وهو عربي-أرسل إلى هذه القرية، ولا تزال معالمها قائمة إلى أيامنا هذه.\nهذا؛ وزاد البيضاوي في أصحاب حنظلة النبي: ابتلاهم الله بطير عظيم كان فيها من كل لون، وسموها عنقاء لطول عنقها، وتسكن جبلهم الذي يقال له: فتخ، أو دمخ، وتنقض على صبيانهم، فتخطفهم إذا أعوزها الصيد، ولذلك سميت مغربا، فدعا عليها حنظلة، فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوه، فأهلكوا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي: وأهلكنا قرونا كثيرا بين عاد، وثمود، وأصحاب الرس لا يعلمها إلا الله. والإشارة راجعة إلى تلك القرون الكثيرة فلذا صح دخول «بين» عليها؛ لأنها لا تدخل","vol":"6","page":487},{"text":"إلا على متعدد لفظا، أو حكما، وهي ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا:\nالوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) الآية رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير﵁في قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ: [البسيط]\nوما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\nهذا؛ والقرون جمع قرن، بفتح القاف وسكون الراء، وهو مئة سنة على الصحيح، وقيل:\nثمانون، وقيل: ثلاثون. ويقال: القرن في الناس أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة ونحوها، وقال الرسول ﷺ: «خير القرون قرني... إلخ». ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nإذا ذهب القرن الّذي أنت فيهم... وخلّفت في قرن فأنت غريب\nوخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي﵁-: [الطويل]\nفإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل\nوالقرن بفتح القاف أيضا: الزيادة العظيمة التي تنبت في رؤوس بعض الحيوانات، ومنه إسكندر ذو القرنين. والقرن: الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر، والقرن من القوم:\nسيدهم، ومن السيف: حده ونصله، وجمعه في كل ما تقدم: قرون. هذا؛ وهو بكسر القاف، وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة، والعلم، ونحوهما، والجمع على هذا: أقران.\nالإعراب: ﴿وَعادًا:﴾ الواو: حرف عطف. (عادا): معطوف على (قوم نوح) وهو على معنى:\nوأهلكنا عادا، أو هو معطوف على الضمير المنصوب بقوله (دمرناهم) أو بقوله (جعلناهم) كما جوز اعتباره منصوبا بفعل محذوف تقديره: اذكر عادا. ﴿وَثَمُودَ:﴾ معطوف على ما قبله، ويقرأ بتنوينه مصروفا على إرادة الأب، أو الحي. ﴿وَأَصْحابَ:﴾ معطوف على ما قبله، و(أصحاب) مضاف، و﴿الرَّسِّ﴾ مضاف إليه. (قرونا): معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: (قرونا)، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة ثانية ل (قرونا).\n\n<span id=\"aya-2894\"></span>﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ أي: بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين، ووصفنا لهم ما فعلوا من تكذيب الأنبياء، وجرى عليهم ما جرى من عذاب الله، وتدميره.","vol":"6","page":488},{"text":"﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا:﴾ أهلكناه إهلاكا، والتتبير: التفتيت، والتكسير، ومنه: التبر، وهو كسار الفضة، والذهب، وانظر شرح المثل في الآية رقم [٦٠] من سورة (الحج).\nالإعراب: ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به لفعل محذوف، دل عليه ما بعده، التقدير: وأنذرنا، أو حذرنا، أو خوفنا. ﴿ضَرَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مفسرة لما قبلها؛ لأنها دالة عليها، والأولى معطوفة على ما قبلها من جمل. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿الْأَمْثالَ:﴾ مفعول به. ﴿وَكُلاًّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كلا): مفعول به مقدم.\n ﴿تَبَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿تَتْبِيرًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-2895\"></span>﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني: قريشا مروا مرارا في متاجرهم إلى الشام، و«أتى» يستعمل متعديا بنفسه، أو ب: «إلى» وقد عدّاه هنا ب: «على»؛ لأنه بمعنى: مروا كما رأيت. ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ:﴾\nأراد جنس القرى، وعبر بواحدة عن الجميع، وهي خمس قرى؛ لأنها عظمى قرى قوم لوط، واسمها سذوم بالذال، أو بالدال. ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ أي: بالحجارة من السماء، أي: بعد جعل عاليها سافلها، فأهلك الله أربعا من القرى، ونجت واحدة، وهي أصغرها، وقد كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها:﴾ في مرورهم عليها، فيتعظون بما يرون فيها من آثار عذاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ،﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ الأولى رقم [١٣٧] من سورة (الصافات)، والثانية رقم [٧٩] من سورة (الحجر). ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ﴾ أي: لا يؤملون، أو: لا يخافون، وانظر الآية رقم [٢١]. ﴿نُشُورًا﴾ أي: بعثا، وحسابا؛ لأنهم كانوا كفرة، لا يتوقعون ذلك، فلذلك لم ينظروا، ولم يتعظوا، فمروا بها كما مرت ركابهم، وانظر شرح ﴿الْقَرْيَةِ﴾ في الآية رقم [٦] من سورة (الأنبياء)، وشرح ﴿السَّوْءِ﴾ في الآية رقم [٧٤] منها. هذا؛ وانظر قصة لوط في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) مفصلة تفصيلا كافيا.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥]. ﴿أَتَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: (لقد أتوا...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه مستأنف لا محل له، وهو في المعنى معطوف على مثله في الآية رقم [٣٥]. ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿الْقَرْيَةِ﴾. ﴿أُمْطِرَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿الْقَرْيَةِ﴾ تقديره: «هي». ﴿مَطَرَ:﴾ مفعول مطلق مبين للهيئة، وأجاز أبو البقاء اعتباره مفعولا ثانيا، ولا وجه له، و﴿مَطَرَ﴾ مضاف، و﴿السَّوْءِ﴾ مضاف إليه، والجملة","vol":"6","page":489},{"text":"الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام متضمن معنى التوبيخ والتقريع، الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. لم: حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُونُوا:﴾\nفعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَرَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر:\n ﴿يَكُونُوا،﴾ وهذه الجملة معطوفة على جملة محذوفة يقتضيها المقام، التقدير: ألم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها، أو أكانوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، أو حرف انتقال. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿نُشُورًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-2896\"></span>﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا رَأَوْكَ﴾ أي: أبو جهل، وأمثاله، والخطاب للنبي ﷺ. ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا:﴾ سخرية واستهزاء، وقد أخذ الله المستهزئين بالرسول ﷺ أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ الآية رقم [٩٥] من سورة (الحجر). هذا؛ وهزوا مصدر: هزأ يهزأ هزأ من باب فتح، ويأتي أيضا من باب: تعب، والمصدر يأتي بضم الزاي، وسكونها، وتخفيف الهمزة، فتقلب واوا، وقد قرئ بهما، وهما قراءتان سبعيتان. هذا؛ والاستهزاء بالناس حرام قطعا، وآية (الحجرات) الناهية عن السخرية، والاستهزاء بالناس معروفة، وأحاديث النبي ﷺ الناهية عن ذلك كثيرة، ومسطورة، ومشهورة. ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا:﴾ أرادوا بهذا الاستفهام التقرير والتحقير. نزلت الآية الكريمة في أبي جهل، وغيره من المستهزئين، وهي شبيهة بالآية رقم [٣٦] من سورة (الأنبياء).\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٢]. ﴿رَأَوْكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والكاف مفعوله، وقد اكتفى الفعل به؛ لأنه بصري، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿إِنْ:﴾ نافية. ﴿يَتَّخِذُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُزُوًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة:\n ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها من الإعراب، وهي مخالفة لأدوات الشرط في","vol":"6","page":490},{"text":"ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت ب: «إن» النافية، أو ب: «ما» أو ب: «لا» وجب اقترانها بالفاء، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿أَهذَا:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير وتحقير. الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿بَعَثَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله. ﴿رَسُولًا:﴾ حال من الضمير المنصوب، وقيل: هو مفعول مطلق؛ لأن معنى بعث: أرسل، ويكون معنى رسولا: رسالة، وجملة: ﴿بَعَثَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي بعثه الله رسولا، والجملة الاسمية: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: ﴿أَهذَا الَّذِي..﴾. إلخ.\nهذا؛ وأجيز اعتبار الجملة الاسمية: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تقديره: يقولون: أهذا الذي... إلخ، وهذه الجملة جواب (إذا) لا محل لها، وعليه فجملة: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ..﴾. إلخ معترضة بين شرط (إذا) وجوابها.\n\n<span id=\"aya-2897\"></span>﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا:﴾ قولهم هذا دليل على شدة مجاهدة الرسول ﷺ في دعوتهم، وبذله قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم، حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرط لجاجهم، واستمساكهم بعبادة آلهتهم. ﴿لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أي: لولا أن ثبتنا عليها، واستمسكنا بعبادتها. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ: وعيد وتهديد ودلالة على أنهم لا يفوتونه، وإن طالت مدة الإمهال، فلا بد للوعيد أن يلحقهم، فلا يغرنهم التأخير. ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا:﴾ هو كالجواب عن قولهم: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ لأن نسبة الرسول ﷺ إلى الضلال من حيث لا يضل غيره إلا من هو ضال في نفسه، ويروى: أن هذا الكلام من قول أبي جهل الخبيث. وانظر شرح ﴿كادَ﴾ في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء) فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها عند البصريين، وقال الكوفيون: هي حرف نفي بمعنى ما. ﴿كادَ:﴾ فعل ماض من أفعال المقاربة، واسمها ضمير مستتر تقديره:\n «هو» يعود إلى الرسول ﷺ. ﴿لَيُضِلُّنا:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات عند البصريين، وهي بمعنى «إلا» عند الكوفيين. (يضلنا): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الرسول أيضا، و(نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كادَ﴾.\n ﴿عَنْ آلِهَتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَوْلا:﴾","vol":"6","page":491},{"text":"حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿صَبَرْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و(نا): فاعله. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿إِنْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف أيضا، وتقدير الكلام لولا صبرنا موجود لأضلنا عن آلهتنا. والكلام: ﴿إِنْ كادَ..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول المحذوف المقدر في الآية السابقة قبل: ﴿أَهذَا..﴾. إلخ.\n ﴿وَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿يَرَوْنَ:﴾\nفعل مضارع، والواو فاعله. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:\n ﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿سَبِيلًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَضَلُّ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا مفعولا به، فيكون: ﴿أَضَلُّ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: هو أضل، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها ليست من مقولهم. تأمل، وتدبر، والله أعلى، وأعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2898\"></span>﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ أخبرني. ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ:﴾ بأن أطاع هواه، وبنى عليه دينه، لا يسمع حجة، ولا يبصر دليلا؛ وقد طبع على قلبه. وقال القرطبي: عجّب نبيه ﷺ من إصرارهم على الشرك مع إقرارهم بأنه خالقهم، ورازقهم، ثم يعمد أحدهم إلى حجر يعبده من غير حجة. قال الكلبي وغيره: كان العرب إذا هوي الرجل منهم شيئا عبده من دون الله، فإذا رأى أحسن منه؛ ترك الأول، وعبد الأحسن. انتهى. ويروى: أن أحدهم إذا كان في سفر، وأراد أن ينام، فإنه يأخذ ثلاثة أحجار، فيختار إحداهن، وينصبها إلها، ويتوسد الثانية في نومه، ويستنجي بالثالثة من غائطه وبوله.\n ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا:﴾ حفيظا تمنعه من الشرك والمعاصي، أفتتوكل عليه وتجبره على الإسلام، وتقول له: لا بد أن تسلم شئت، أو أبيت، ولا إكراه في الدين، وهذا كقوله تعالى:\n ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ والخطاب كله للنبي ﷺ.\nهذا؛ و«الهوى» يقصر، ويمد، والمراد بالأول: الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، ومنه ما في الآية الكريمة، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ ومدح من يخافه، ويخشاه بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما","vol":"6","page":492},{"text":"تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهوى بمعنى العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق\nوإليك هذين البيتين فإنهما من النكت الحسان: [الكامل]\nجمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران\nفقصرت بالممدود عن نيل المنى... ومددت بالمقصور في أكفاني\nوقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، وجمعه: أهواء، وجمع الممدود: أهوية.\nالإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تعجبي. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنِ﴾. ﴿إِلهَهُ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿هَواهُ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿إِلهَهُ﴾ مفعولا ثانيا مقدما، و﴿هَواهُ﴾ مفعولا أولا مؤخرا، (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿وَكِيلًا:﴾ خبر ﴿تَكُونُ،﴾ وجملة: ﴿تَكُونُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَفَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل ﴿أَرَأَيْتَ،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. والجملة الفعلية: ﴿اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2899\"></span>﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ:﴾ المعنى: بل أتظن: أن أكثرهم يسمعون الكلام سماع قبول، أو يفهمون ما تقول لهم، فيجدي معهم الكلام، وتفيد الحجج، والبراهين، فتهتم بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حقّ بالإضراب عنه إليه، وتخصيص الأكثر؛ لأنه كان منهم من آمن، ومنهم من عقل الحق ولم يقبله استكبارا، وعنادا، أو خوفا على الرياسة، والزعامة أن تذهب منه، وهذا يشمل كل من كابر وعاند، في عهد النبي ﷺ وبعده إلى قيام الساعة.","vol":"6","page":493},{"text":"﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ:﴾ في عدم الانتفاع بقرع الآيات آذانهم، وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل، والمعجزات. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا:﴾ من الأنعام؛ لأنها تنقاد لمن يتعهدها، وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتتجنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يفرقون بين إحسانه وإساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار؛ ولأنها إن لم تعتقد حقا، ولم تكتسب خيرا؛ لم تعتقد باطلا، ولم تكتسب شرا، بخلاف هؤلاء؛ ولأن جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى تهييج الفتن، وصد الناس عن الحق؛ ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال، فلا تقصير منها ولا ذم، وهؤلاء مقصرون مستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم. انتهى. بيضاوي بتصرف بسيط. هذا؛ وانظر الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي بمعنى بل التي للإضراب كما رأيت في الشرح.\n ﴿تَحْسَبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم ﴿أَنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ وجملة:\n ﴿يَعْقِلُونَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿تَحْسَبُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾\nحرف نفي بمعنى «ما». ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كَالْأَنْعامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿هُمْ أَضَلُّ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿سَبِيلًا:﴾ تمييز.\n\n<span id=\"aya-2900\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: ألم تنظر إلى صنعه ﷾. ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ أي: بسطه، فعم الأرض، وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس في قول الجمهور؛ لأنه ظل ممدود لا شمس معه، ولا ظلمة شديدة، وهو أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الشديدة تنفر الطبع، وتمنع النظر، وشعاع الشمس يسخن الجو، ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة، فقال جل شأنه: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا:﴾ أي دائما ثابتا لا يزول، ولا يذهب بالشمس، قال ابن عباس﵄-: يريد إلى يوم القيامة، وقيل: المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع؛ أي: ولكنه لم يشأ ذلك. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها، فلولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها، والدليل هنا","vol":"6","page":494},{"text":"فعيل بمعنى الفاعل، وقيل: بمعنى المفعول، كالقتيل، والدهين، أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، وأزالته، ولم يؤنث (الدليل)؛ لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان، والشمس حق. هذا؛ ولا تنس: أن في الآية الكريمة التفاتا من الغيبة إلى التكلم.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تقريري. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الحال تقدم على عامله وصاحبه. ﴿مَدَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿الظِّلَّ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بدل اشتمال من: ﴿رَبِّكَ،﴾ والمعنى: ألم تر إلى ربك كيفية مد الظل. ومثل ذلك قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٩]: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ فالجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ بدل اشتمال من العظام، وانظر الشاهد [٣٧٣] من كتابنا فتح القريب المجيب، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبِّكَ،﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلَهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (جعله): فعل ماض، والهاء مفعوله الأول، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿ساكِنًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين، وقيل: الكلام في محل نصب حال. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الشَّمْسَ:﴾ مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وليس بشيء. ﴿دَلِيلًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿جَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\nتنبيه: الإعراب المتقدم إنما هو إعراب ابن هشام في مغني اللبيب وتقديره، كما في الشاهد الذي ذكرته لك في كتابنا، وبعضهم يعتبر الجملة الفعلية ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل: (ترى) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2901\"></span>﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ أي: أخذنا ذلك الظل الممدود. ﴿إِلَيْنا:﴾ إلى حيث أردنا وشئنا.\n ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: سهلا غير عسير، أو قليلا قليلا، أي جزآ فجزآ بالشمس التي تأتي عليه، فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل","vol":"6","page":495},{"text":"مقبوضا. هذا؛ وقيل: معنى ﴿يَسِيرًا﴾ سريعا؛ قاله الضحاك. وقال قتادة: خفيا، أي إذا غابت الشمس قبض الظل قبضا خفيا، كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعة واحدة. هذا؛ وجاء ب: ﴿ثُمَّ﴾ العاطفة التي هي للتراخي في هذه الآية وسابقتها لتفاضل ما بين الأمور، فكان الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، شبه ﷾ تباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت. هذا؛ ولا تنس: الحكمة المترتبة على مد الظل وقبضه بواسطة الشمس، أي بشروقها، وغروبها، وهي انتظام مصالح الكون، وتحصيل ما لا يحصر من منافع الخلق به. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿قَبَضْناهُ﴾ استعارة تصريحية تبعية، استعير فيها لفظ المشبه به، وهو البعد، والتراخي للمشبه، وهو تفاضل الأمور.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف وتراخ. ﴿قَبَضْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿قَبْضًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿يَسِيرًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-2902\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ أي: سترا للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن. قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء، ويغشاها. ﴿وَالنَّوْمَ سُباتًا:﴾ راحة للأبدان بالانقطاع عن الأشغال، وأصل السبات من التمدد، وقيل للنوم: سبات؛ لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت: القطع، فالنوم انقطاع عن الأعمال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الأعمال فيه. ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أي: ذا نشور، أي انتشار ينتشر الناس فيه للمعاش، أو هو بعث من النوم كبعث الأموات، وفيه إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت، والبعث يوم القيامة، ومن وصية لقمان ﵇ لابنه: يا بني كما تنام، فتوقظ، كذلك تموت، فتنشر. هذا؛ وسبت الشيء: قطعه، وسبت الرأس: حلقه، والسبت: مصدر ويوم من أيام الأسبوع، وجمعه: أسبت، وسبوت، والسبت أيضا: النوام، والفرس، والجواد، والرجل الداهية. هذا؛ والسّبت بكسر السين: الجلد المدبوغ، قال عنترة في وصف الشجاع الذي افتخر بقتله: [الكامل]\nبطل كأنّ ثيابه في سرحة... يحذى نعال السّبت ليس بتوءم\nوكان النبي ﷺ إذا أصبح قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور». وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق، فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية، ودنيوية، وقد كثر هذا الامتنان من الله على خلقه مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢]","vol":"6","page":496},{"text":"من سورة (الإسراء)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم).\nهذا؛ والنوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين فترة طبيعية تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها. وأما نوم القلب فهو تعطيل القوى المدركة. والثاني لم يقع منه ﷺ؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه ﷺ: أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان ولا ينام قلبي».\nورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]\nلا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم\nهذا؛ والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم، أو هو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصلح لهذا كله. هذا؛ والنوم هو الموتة الصغرى، لذا أرشدنا سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ أن نقول عند القيام من النوم: «سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النّشور».\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿جَعَلَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿لِباسًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.\n ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿لِباسًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2903\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ بمعنى: بعث، وفي آية (الأعراف) رقم [٥٧] بالمضارع.\n ﴿الرِّياحَ:﴾ ويقرأ: «(الريح)» بالإفراد. هذا؛ وذكر ﷾ في الآية رقم [١٦٤] من سورة (البقرة) أن من الآيات الدالة على قدرته تصريف الرياح، وتصريفها: تقليبها شمالا، وجنوبا، وقبولا، ودبورا، وانظر الآية رقم [٦٩] من سورة (الإسراء).\n ﴿بُشْرًا:﴾ جمع بشير، وهو بضم الباء وسكون الشين، ويقرأ بضمتين، مثل: رسل، وسبل ونحوهما. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: عسر، ويسر، وأسد، ورحم. هذا؛ ويقرأ:\n «(نشرا)» بضم النون، مع ضم الشين وسكونها، على أنه جمع: نشور بمعنى: ناشر وبمعنى:\nطاهر، ويجوز أن يكون جمع: نشور بمعنى: منشور، ويقرأ: «(نشرا)» بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر نشر بعد الطي، والقراآت كلها سبعية، كما يقرأ: «(بشرى)» على وزن: حبلى، أي: ذات بشارة، وكما يقرأ: «(بشرا)» بفتح الباء وسكون الشين، وهو مصدر بشرته: إذا بشرته.","vol":"6","page":497},{"text":"وعن عبد الله بن عمر﵄-: إن الرياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي القاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: أمام المطر الذي هو رحمته ﷾؛ وإنما سماه رحمة؛ لأنه سبب لحياة الأرض. هذا؛ و﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ بمعنى: أمام، وقدام مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، وكل ذلك من باب الاستعارة. ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾\nانظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). ﴿طَهُورًا:﴾ مطهرا، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وهو اسم لما يتطهر به، كالوضوء والوقود بفتح الواو، لما يتوضأ به، ويوقد به، قال النبي ﷺ: «التّراب طهور المؤمن طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعا، إحداهنّ بالتّراب». ووصف الماء به إشعار بالنعمة فيه، وتتميم للنعمة فيما بعده، فإن الماء الطهور أنفع وأهنأ مما خالطه ما يزيل طهوريته. هذا؛ والطهور بضم الطاء: المصدر، ولا تنس: الالتفات في الآية من الغيبة إلى جمع المتكلم.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ:﴾ هذه الجملة مثل الجملة في الآية السابقة في إعرابها.\n ﴿بُشْرًا:﴾ حال من الرياح، وقيل: مفعول مطلق، وهذا على قراءته بالنون؛ لأن أرسل وأنشر متقاربان في المعنى. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿بُشْرًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء لأنه مثنى لفظا، وحذفت النون للإضافة، و﴿يَدَيْ:﴾ مضاف، و﴿رَحْمَتِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنزلنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والالتفات يمنع العطف. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له فلمّا قدّم عليه؛ صار حالا. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به. ﴿طَهُورًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-2904\"></span>﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ:﴾ بالمطر. ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: بالجدب، والمحل، وعدم النبات. قال كعب: المطر روح الأرض يحييها الله به، وقال في سورة (الحج): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ وإنما ذكر ﴿مَيْتًا؛﴾ لأن البلدة في معنى البلد. قاله الزجاج، وقيل: أراد بالبلدة المكان، وقد أنثها الأعشى في قوله: [البسيط]\nوبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ باللّيل في حافاتها زجل\nوقال جران العود أيضا: [الرجز]\nوبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير، وإلاّ العيس","vol":"6","page":498},{"text":"و(نسقيه): يقرأ بضم النون من الرباعي، وبفتح النون من الثلاثي، ومن الأول قوله تعالى:\n ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾ وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (المؤمنون)، وكذلك شرح (ميت) في الآية رقم [١٥] منها. ﴿أَنْعامًا:﴾ الأنعام تطلق على المأكول من الحيوانات: البقر، والغنم، والإبل، والماعز، والمراد هنا المأكول وغيره. ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أي: بشرا كثيرا، واحده: إنسيّ، وهو قول الأخفش، والمبرد، وأحد قولي الفراء، وله قول آخر، وهو أن يكون واحده إنسانا، ثم تبدل من النون ياء، فتقول: أناسي، والأصل أناسين، مثل: سرحان، وسراحين، وبستان، وبساتين، فجعلوا الياء عوضا من النون، وعلى هذا يجوز سراحيّ وبساتيّ لا فرق بينهما، وقال: لا فرق بينهما. انتهى. قرطبي. وقال الجمل:\nأناسين، كسرحان، وسراحين وهذا مذهب سيبويه، وهو الراجح. وجزم ابن هشام، وابن مالك بأنه جمع: إنسان لا جمع إنسي، وقد قال: ﴿كَثِيرًا﴾ ولم يقل: كثيرين؛ لأن فعيلا قد يراد به الكثرة، وهو يطلق على المفرد والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، نحو قوله تعالى:\n ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ قال الجمل نقلا عن شيخه: خص الأنعام بالذكر؛ لأنها ذخيرتنا، ومدار معاش أكثر المدر، ولذلك قدم سقيها على سقيهم، كما قدم عليها إحياء الأرض، فإنها سبب لحياتها وتعيشها، فقدم ما هو سبب حياتهم، ومعاشهم. انتهى.\nالإعراب: ﴿لِنُحْيِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا) في الآية السابقة. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَلْدَةً:﴾ مفعول به. ﴿مَيْتًا:﴾ صفة: ﴿بَلْدَةً﴾. ﴿وَنُسْقِيَهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على الفعل قبله منصوب مثله، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَنْعامًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة... إلخ، ﴿خَلَقْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: من الذي خلقناه.\n ﴿أَنْعامًا:﴾ مفعول به ثان للفعل (نسقي). (أناسي): معطوف على ﴿أَنْعامًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، إن كان جمع: إنسي، والياء نيابة عن الفتحة إن كان جمع إنسان؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وأصله أناسين، وتكون النون قد قلبت ياء، وأدغمت الياء في الياء. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة أناسي على الوجهين المعتبرين فيه.\n\n<span id=\"aya-2905\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: صرفنا المطر بين الناس، مرة ببلدة، ومرة ببلدة أخرى في البلدان المختلفة، والأوقات المتغايرة، والصفات المتفاوتة، من وابل، وطل، وغيرهما، وعن","vol":"6","page":499},{"text":"ابن عباس﵄قال: ما عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض، وقرأ هذه الآية. وهذا كما روي مرفوعا: «ما من ساعة من ليل، ولا نهار؛ إلا والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء». وروي عن ابن مسعود يرفعه قال: «ليس من سنة بأمطر من سنة أخرى، ولكن الله ﷿ قسم هذه الأرزاق، فجعلها في هذه السماء الدنيا، في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، وإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك المطر إلى الفيافي والبحار».\nوقال القرطبي: الضمير المنصوب يعود إلى القرآن، وقد جرى ذكره في الآية رقم [١]، وفي الآية رقم [٢٩]، وفي الآية رقم [٣٠] وهي على التوالي ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾. ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾. ﴿اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ فيكون كما في الآية رقم [٤١] من سورة (الإسراء) ولم يوافق القرطبي عليه أحد من المفسرين. ﴿لِيَذَّكَّرُوا:﴾ ليتعظوا، ويعتبروا، وقرئ الفعل بالتخفيف هنا، وفي سورة (الإسراء) فيكون بمعنى الذكر.\n ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ أي: جحودا لنعم الله تعالى، وقلة الاكتراث لها، أو جحودها بأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، ومن لا يرى الأمطار إلا بالأنواء كافر، بخلاف من يرى أنها من خلق الله، والأنواء وسائط، وأمارات يجعله جل ذكره وتعالى شأنه، فعن زيد بن خالد الجهني﵁-: أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر ماء من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب». متفق عليه. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥] ففيها الكفاية. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِيَذَّكَّرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿فَأَبى:﴾ الفاء: حرف عطف. (أبى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.\n ﴿أَكْثَرُ:﴾ فاعله، و﴿أَكْثَرُ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿كُفُورًا:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق، ولا وجه له البتة، وجملة: ﴿فَأَبى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"6","page":500},{"text":"<span id=\"aya-2906\"></span><span id=\"aya-2907\"></span>﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أي: رسولا ينذرهم، كما قسمنا المطر بين الناس، ولكننا لم نفعل، بل جعلناك نذيرا لجميع البشر لترتفع درجتك، ويزداد فضلك وقدرك، وفضلناك على سائر الرسل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾.\n ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ:﴾ فيما يريدونك عليه، وحاشاه ﷺ أن يطيع الكافرين، وإنما أراد ﷾ بهذا تهييجه، وتهييج أصحابه، وتحريكهم. ﴿وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أي جادلهم به، وقرعهم بالعجز عن معارضته. ﴿جِهادًا كَبِيرًا:﴾ جامعا لكل أنواع المجاهدة.\nوالمراد: أن الكفار يجدّون، ويجتهدون في معارضتك، ومحاربتك، وتوهين أمرك، وصد الناس عنك، فقابلهم بما تقدر عليه من جدك واجتهادك، وعضك على نواجذك بما تغلبهم به، وترد كيدهم في نحورهم، وإن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف، ومنه قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿شِئْنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَبَعَثْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (بعثنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب ﴿نَذِيرًا﴾ بعدهما. و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿قَرْيَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿نَذِيرًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَبَعَثْنا..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا؛ فلا... إلخ. (لا):\nناهية جازمة. ﴿تُطِعِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت» ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿فَلا تُطِعِ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَجاهِدْهُمْ:﴾ فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿جِهادًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة له.","vol":"6","page":501},{"text":"<span id=\"aya-2908\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: الله الذي... إلخ، فكنى جلّت قدرته عن نفسه بضمير الغيبة. و﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ:﴾ أرسلهما، وخلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يختلطان، ولا يتمازجان من: مرج دابته: إذا خلاها وأرسلها في المرعى، ومرج الدين والأمر: اختلط واضطرب؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ،﴾ وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص -﵁-: «إذا رأيت النّاس مرجت عهودهم، وخفّت أماناتهم، وكانوا هكذا، وهكذا، -وشبّك بين أصابعه-» فقال: كيف أصنع عند ذلك، جعلني الله فداك؟! قال: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصّة أمر نفسك، ودع عنك أمر العامّة».\nخرجه النسائي، وأبو داود، وغيرهما. هذا؛ ومصدر «مرج» المرج، وهو أيضا أرض ذات نبات، ومرعى، والجمع: مروج مثل: فلس، وفلوس. وانظر ما ذكرته في سورة (المائدة) رقم [١٠٥].\n ﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ أي: أحدهما حلو شديد العذوبة قاطع للعطش لشدة عذوبته. ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أي: شديد الملوحة، ولشدة ملوحته فيه مرارة. وفي القاموس: فرت الماء ككرم فروتة:\nعذب، وفيه أيضا أجّ الماء أجوجا بالضم يأجج، كيسمع، ويضرب، وينصر، أي: فيأتي فعله من ثلاثة أبواب: إذا اشتدت ملوحته. هذا؛ وفي قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ استعارة تصريحية حيث شبههما جلت قدرته، وتعالت حكمته بطائفتين معاديتين، تريد كل منهما الإيقاع بالأخرى، وتتربص بها الدوائر، ولكنها عند ما تحصل على ما تريد تمتنع من البغي، فجعل المعنى المستعار كاللفظ المقول. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ أي: حاجزا من قدرته؛ فلا يختلط أحدهما بالآخر فلا يرى، ولا يشاهد، كما قال جل شأنه في سورة (الرحمن): ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾. ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: سترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، فالبرزخ الحاجز، والحجر المانع، وقيل: حراما محرما أن يعذب هذا الملح بالعذب، أو يملح هذا العذب بالملح، وانظر الآية رقم [٢٢].\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (هو): ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مَرَجَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْبَحْرَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له.\n (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَذْبٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿فُراتٌ:﴾","vol":"6","page":502},{"text":"صفة: ﴿عَذْبٌ،﴾ صفة كاشفة على حد: أحمر قان، وأبيض ناصع، ونحو ذلك، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾. والرابط: اسم الإشارة، واعتبرها السمين مستأنفة، وجوز الحالية، وأعتمد الحالية، أو هي مقولة لحال محذوفة، أي مقولا فيهما: هذا عذب... إلخ، وهو أظهر. وجملة: ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها، بلا فارق.\n (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية وهو في موضع المفعول الثاني. هذا؛ ويجوز اعتبار الظرف متعلقا بمحذوف حال من ﴿بَرْزَخًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بَرْزَخًا:﴾ مفعول به.\n ﴿وَحِجْرًا:﴾ معطوف عليه. ﴿مَحْجُورًا:﴾ تأكيد لما قبله، أي: فهو صفة مؤكدة، وجملة:\n ﴿وَجَعَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وهذا ممّا يؤكد الحالية في الجملة الاسمية: ﴿هذا عَذْبٌ..﴾. إلخ، وإذا لم نعتبرها حالا فهي معترضة بين المتعاطفين.\n\n<span id=\"aya-2909\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا:﴾ يحتمل الماء أمرين: أحدهما: المراد به الماء الذي خمر به طينة آدم، ﵊. والثاني: المراد به النطفة. وعلى الاحتمالين فقد جعل الله الماء جزآ من مادة البشر لتجتمع وتسلس، وتقبل الأشكال والهيئات بسهولة. ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أي: خلق الله من الماء المذكور بشرا وقسمه قسمين: ذوي نسب، أي: ذكور ينسب إليهم، وذوات صهر، أي: إناثا يصهر بهن، وهو كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾.\n ﴿وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا:﴾ حيث خلق مادة واحدة بشرا، ذا أعضاء مختلفة، وطباع متباعدة، وجعله قسمين متقابلين، لا يمكن التعايش إلا باجتماعهما، ولا يعمر الكون إلا بتمازجهما واختلاطهما. هذا؛ واشتقاق الصهر من صهرت الشيء: إذا خلطته، فكل واحد من الصهرين قد خالط صاحبه، فسميت المناكح صهرا لاختلاط الناس بها، وتقاربهم بسببها، وانظر شرح كان في الآية رقم [٦]. قال ابن سيرين-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في النبي ﷺ وعلي -﵁-؛ لأنه جمعه معه نسب، وصهر. هذا؛ وجمع الصهر: أصهار.\nتنبيه: قال الخليل: الصهر: أهل بيت المرأة، وقال: ومن العرب من يجعل الأحماء، والأختان جميعا أصهارا. وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم، وذوات المحارم، كالأبوين، والإخوة، وأولادهم، والأعمام، والأخوال، والخالات، فهؤلاء أصهار زوج المرأة، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم، فهم أصهار المرأة أيضا، وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه، أو أخيه، أو عمه، فهم الأحماء، ومن كان من قبل","vol":"6","page":503},{"text":"المرأة؛ فهم الأختان، ويجمع الصنفين: الأصهار، وصاهرت إليهم، ولهم، وفيهم: إذا تزوجت فيهم. هذا؛ ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا:﴾ انظر الآية السابقة ففيها الكفاية. (جعله): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿نَسَبًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿فَجَعَلَهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. (صهرا): معطوف على ما قبله. ﴿وَكانَ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿رَبُّكَ:﴾ اسم (كان)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قَدِيرًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2910\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: لما عدد الله النعم وبيّن كمال قدرته؛ عجب من المشركين في إشراكهم به من لا يقدر على نفع، ولا ضر؛ أي: إن الله هو الذي خلق ما ذكره، ثم إن هؤلاء لجهلهم يعبدون من دونه أمواتا جمادات، لا تنفع، ولا تضر.\n ﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا:﴾ روي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: الكافر هو إبليس ظهر على عداوة ربه. والمعنى: معينا للشيطان على المعاصي. وقيل: المعنى: وكان الكافر على ربه هينا ذليلا، لا قدر له، ولا وزن عنده، من قول العرب: ظهرت به، أي: جعلته خلف ظهرك، ولم تلتفت إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ وهو نحو قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ فيكون المعنى: كفر الكافرين هين على الله تعالى، والله مستهين به؛ لأن كفر الكافر لا يضره.\nوقيل: المعنى: وكان الكافر على ربه الذي يعبده، وهو الصنم قويا غالبا يعمل به ما يشاء؛ لأن الجماد لا قدرة له على دفع ضر، وجلب نفع، وانظر الآية رقم [٣] وشرحها. هذا؛ والظهير: المعين، والمعاون، والمساعد، فهو فعيل بمعنى مفاعل، يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى في سورة (التحريم): ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ومثله: الخليط والصديق، قال الشاعر في وصف النساء: [الرجز]\nهنّ صديق للّذي لم يشب\nالإعراب: ﴿وَيَعْبُدُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يعبدون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما،","vol":"6","page":504},{"text":"و﴿يَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿لا يَنْفَعُهُمْ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط، رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ معطوفة عليها، وجملة: ﴿وَكانَ الْكافِرُ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها، والجار والمجرور: ﴿عَلى رَبِّهِ﴾ متعلقان ب ﴿ظَهِيرًا﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر (كان)، و﴿ظَهِيرًا﴾ حالا، أو خبرا ثانيا ل (كان)، والأول أقوى.\n\n<span id=\"aya-2911\"></span>﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾\nالشرح: الخطاب في هذه الآية للرسول ﷺ، يقول الله له: إنما أنت مبشر للمؤمنين الطائعين بالجنة ونعيمها الدائم، ومنذر للكافرين، والفاسدين المفسدين بنار السموم وعذاب الجحيم. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قصر إضافي، وهو هنا قصر موصوف على صفة، وهو كثير في كتاب الله تعالى. ولا تنس: المطابقة بين ﴿مُبَشِّرًا﴾ و(نذيرا).\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مُبَشِّرًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال مستثنى من عموم الأحوال. (نذيرا): معطوف على ما قبله بالواو العاطفة. هذا؛ وعبارة الشهاب: أي ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك مبشرا ونذيرا فلا تحزن على عدم إيمانهم. انتهى. جمل، وهو يفيد الحالية. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-2912\"></span>﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ. ﴿ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الرسالة الذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا،﴾ أو على ما جئتكم به من الوحي، والقرآن. ﴿مِنْ أَجْرٍ:﴾ فتقولوا حينئذ: إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعوننا إليه فلا نتبعه. ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ:﴾\nوالمراد إلا فعل من شاء. ﴿أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا:﴾ أن يتقرب إليه، ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة، فصور سبحانه ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود فعله، أو المعنى: لكن من شاء أن يتخذ بإنفاق ماله سبيلا إلى ربه، وعليه فالمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرا، ولكن أمنع من إنفاق المال إلا في طلب مرضاة الله، واتخاذ السبيل إلى جنته.\nهذا؛ والسبيل: الطريق، يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾","vol":"6","page":505},{"text":"أَدْعُوا إِلَى اللهِ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في: رسل، وعسر، ويسر. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: حلم، ورحم، وعسر... إلخ.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ نافية.\n ﴿أَسْئَلُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿أَجْرٍ،﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَجْرٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء منقطع بمعنى: لكن. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿إِلى رَبِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. وقيل: في محل نصب مفعول ثان ل ﴿يَتَّخِذَ،﴾ وليس بشيء، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿شاءَ أَنْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة:\n ﴿ما أَسْئَلُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2913\"></span>﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ أي: في استكفاء شرور الكافرين المجرمين، والاستغناء عن أجورهم، فإن الله هو الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم، وأما الله تعالى فإنه حي لا يموت، فلا ينقطع توكل من توكل عليه، ولا يضيع البتة. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ:﴾ نزهه سبحانه عن صفات النقصان، مثنيا عليه بأوصاف الكمال، طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على فضله، وكرمه، وجوده.\n ﴿وَكَفى بِهِ:﴾ فهو هنا بمعنى: اكتف، فالباء زائد عند الجمهور في الفاعل، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ،﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾.\n (ذنوب): جمع ذنب، وهو يطلق على مخالفة الله فيما أمر، أو فيما نهى عنه، وهو على درجات، منها الصغائر، ومنها الكبائر، وتفصيلها معروف في محالها. هذا؛ وذنوب بالمعنى","vol":"6","page":506},{"text":"المتقدم بضم الذال، وهو بفتحها بمعنى النصيب، قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٥٩]:\n ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ وذنوب بفتحها: الدلو العظيمة في الأصل، قال الراجز: [الرجز]\nإنّا إذا شاربنا شريب... له ذنوب، ولنا ذنوب\nفإن أبى كان له القليب\nالإعراب: ﴿وَتَوَكَّلْ:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: عاطفة. (توكل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلَى الْحَيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿الْحَيِّ،﴾ وجملة: ﴿لا يَمُوتُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. (سبح): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِحَمْدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: سبح ملتبسا بحمده تعالى. وهو أولى، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَسَبِّحْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (كفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِهِ:﴾ الباء: حرف جر زائد، والضمير فاعل (كفى)، فهو مجرور لفظا مرفوع محلا.\n ﴿بِذُنُوبِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَبِيرًا﴾ بعدهما، و(ذنوب) مضاف، و﴿عِبادِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿خَبِيرًا:﴾ تمييز لجملة (كفى به)، وقيل: حال، والأول أعرف في مثل ذلك، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2914\"></span>﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ:﴾ من أيام الدنيا، أي في قدرها؛ لأنه لم يكن ثمة شمس، ولو شاء لخلقهن في لمحة البصر، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت، والتأني في الأمور. هذا؛ وما ذكر من أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة عصرا، فخلق الأرض في يومين: الأحد، والاثنين، وما بينهما في يومين: الثلاثاء، والأربعاء، والسموات في يومين: الخميس، والجمعة، كل ذلك لم يثبت، قاتل الله اليهود، فإنهم يقولون: استراح ربنا يوم السبت؛ فلذا اختاروه للراحة والعبادة، وقال ﴿بَيْنَهُما،﴾ ولم يقل: بينهن؛ لأنه أراد الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين، كقول القطامي: [الوافر]\nألم يحزنك أنّ حبال قيس... وتغلب قد تباينت انقطاعا","vol":"6","page":507},{"text":"أراد: وحبال تغلب، فثنى، والحبال: جمع؛ لأنه أراد الشيئين، والنوعين. وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وعن سعيد بن جبير﵄قال: إنما خلقهما في ستة أيام، وهو يقدر على أن يخلقهما في لحظة تعليما لخلقه الرفق، والتثبت.\n ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: استولى، ولا يجوز تفسيره باستقر، وثبت، فيكون صفة لله من صفات الحوادث، وهناك من يقول: استوى استواء يليق به، وهو مذهب السلف، والأول مذهب الخلف، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا، لا يليق به تعالى، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء) لشرح العرش؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ:﴾ اسأل عنه ﴿خَبِيرًا﴾ قاله الزجاج، وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة: أن الباء تكون بمعنى عن، كما قال تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ وقال علقمة بن عبدة: [الطويل]\nفإن تسألوني بالنّساء فإنّني... خبير بأدواء النّساء طبيب\nأي: عن النساء. ورده، وأنكره جماعة. وقال البيضاوي: فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالما يخبرك بحقيقته، وهو الله تعالى، أو جبرائيل، أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقوك فيه.\nوقيل: الضمير ل: ﴿الرَّحْمنُ﴾ والمعنى: إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى؛ فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم انتهى، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ثانية ل ﴿الْحَيِّ،﴾ أو هو بدل من: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ،﴾ أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو في محل رفع مبتدأ، خبره ﴿الرَّحْمنُ،﴾ أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره:\nأعني الذي. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على السموات. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فِي سِتَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ،﴾ و﴿سِتَّةِ﴾ مضاف، و﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾.\nإلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها. ﴿عَلَى الْعَرْشِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ بالرفع يجوز فيه ثلاثة أوجه: أن يكون بدلا من فاعل: ﴿اِسْتَوى﴾ المستتر، وأن يكون خبرا ل: ﴿الَّذِي﴾ على وجه فيه، أو خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: هو الرحمن، وأن يكون مبتدأ خبره جملة:\n ﴿فَسْئَلْ﴾ والفاء زائدة على رأي الأخفش، وهو أحد وجهين في الآية رقم [٢] من سورة (النور).","vol":"6","page":508},{"text":"هذا؛ وقرئ بالجر على أنه بدل من: ﴿الْحَيِّ﴾. ويجوز فيه النصب على تقدير: أعني الرحمن، ولم يقرأ به أحد. ﴿فَسْئَلْ:﴾ الفاء: زائدة على وجه رأيته، وهي حرف استئناف على غيره، ويكون الوقف على ﴿الرَّحْمنُ﴾. (اسأل): فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا تقديره: «أنت».\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على اعتبار الباء بمعنى «عن»، ومتعلقان بما بعدهما على إبقائها على ظاهرها. ﴿خَبِيرًا:﴾ مفعول به، وقيل: حال، ولا وجه له، وجملة:\n ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي خبر المبتدأ على وجه مر ذكره في الرحمن.\n\n<span id=\"aya-2915\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: لمشركي قريش. ﴿اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ﴾ أي: لله تعالى، ومن أسمائه: الرحمن. ﴿قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ:﴾ على جهة الإنكار، والتعجب، أي: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. يعنون: مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في عهد النبي ﷺ، وكأنهم فهموا:\nأن تعدد الأسماء يدل على تعدد المسمى، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء).\n ﴿أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ أي: تأمرنا أنت يا محمد، وقرئ بالياء، يعنون الرحمن، أو الرسول ﷺ، ويكون من قول بعضهم لبعض، وعلى القراءتين فالاستفهام تعجبي إنكاري. ﴿وَزادَهُمْ نُفُورًا﴾ أي:\nزادهم قول القائل لهم: ﴿اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ﴾ نفورا عن الدين، وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول في هذه الآية: إلهي زادني لك خضوعا ما زاد عداك نفورا؟. انتهى. وأنا أقول: اللهم زدني لك خضوعا ما زاد الفاسدين المفسدين نفورا عن الحق والدين. هذا؛ وفي هذه الآية سجدة، فيسن للقارئ، والسامع، والمستمع السجود عند تلاوتها. وانظر ما ذكرته في الآية الأخيرة من سورة (الأعراف)، والآية رقم [٥٠] من سورة (النحل) أيضا.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف، (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول، وقيل: الجار، والمجرور ﴿لَهُمُ﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل. وقيل: جملة: ﴿اُسْجُدُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا كلام لا غبار عليه، انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والكلام عليه. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما في محل نائب فاعل.","vol":"6","page":509},{"text":"﴿اُسْجُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، أو هي في محل رفع نائب فاعل على نحو ما رأيت، وجملة:\n ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وَمَا:﴾ الواو: زائدة مقوية للكلام. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع خبر مقدم. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ خبر، أو مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنَسْجُدُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري تعجبي. (نسجد): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿لِما:﴾ اللام: حرف جر. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَأْمُرُنا:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، أو هو على حسب قراءته، بالتاء، أو بالياء، و(نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تأمرناه، أو تأمرنا به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير:\nأنسجد من أجل أمرك، والجملة الفعلية: ﴿أَنَسْجُدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَزادَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (زادهم): فعل ماض، والهاء مفعوله الأول. ﴿نُفُورًا:﴾ مفعوله الثاني، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المفهوم من الكلام السابق، أي: زادهم قول القائل، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها مثله.\n\n<span id=\"aya-2916\"></span>﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾\nالشرح: ﴿تَبارَكَ الَّذِي:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا﴾ أي: منازل للكواكب السبعة السيارة. وأصل البروج: القصور العالية، قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ سميت هذه المنازل بروجا؛ لأنها للكواكب السيارة كالمنازل الرفيعة التي هي القصور لسكانها، وهي اثنا عشر: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. والكواكب السيارة هي المريخ، وله: الحمل، والعقرب. والزهرة، ولها: الثور، والميزان. وعطارد-ويمنع من الصرف لصيغة منتهى الجمع- وله: الجوزاء، والسنبلة. والقمر، وله السرطان. والشمس، ولها: الأسد. والمشتري، وله:\nالقوس، والحوت. وزحل-ويمنع من الصرف للعلمية والعدل-وله: الجدي، والدلو، وانظر","vol":"6","page":510},{"text":"الآية رقم [١٦] من سورة (الحجر)، وسورة يس [٣٩] لمعرفة منازل القمر. ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا:﴾\nيعني: الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾. ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا:﴾ مضيئا بالليل.\nتنبيه: البروج الاثنا عشر مقسمة على فصول السنة كما يلي: فللربيع: الحمل، والثور، والجوزاء، وللصيف: السرطان، والأسد، والسنبلة. وللخريف: الميزان، والعقرب، والقوس.\nوللشتاء: الجدي، والدلو، والحوت.\nالإعراب: ﴿تَبارَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿بُرُوجًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿بُرُوجًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة:\n ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح. (قمرا): معطوف على: ﴿سِراجًا﴾. ﴿مُنِيرًا:﴾ صفة له.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2917\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً:﴾ قال ابن عباس﵄-: معناه:\nخلفا وعوضا، يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. قال شقيق-رحمه الله تعالى-: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب﵁فقال: فاتتني الصلاة الليلة، قال: فأدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله تعالى جعل الليل، والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر، وروى مسلم عن عمر بن الخطاب﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر، وصلاة الظّهر، كتب له كأنّما قرأه من اللّيل». فيكون معنى ﴿خِلْفَةً﴾ يخلف أحدها الآخر، ومن هذا المعنى قول زهير بن أبي سلمى المزني في معلقته: [الطويل]\nبها العين والأرآم يمشين خلفة... وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم\nوقيل: جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه، فجعل هذا أسود، وهذا أبيض، وقيل:\nيخلف أحدهما صاحبه: إذا ذهب هذا جاء هذا، فهما يتعاقبان في الضياء، والظلمة، والزيادة، والنقصان. انتهى. خازن.\n ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أي: يتذكر، فيعلم: أن الله لم يجعله كذلك عبثا، فيعتبر في مصنوعات الله، ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل، والفكر، والفهم. ﴿أَوْ أَرادَ﴾","vol":"6","page":511},{"text":"شُكُورًا: أن يشكر الله على ما أولاه من النعم، أو ليكون الليل والنهار وقتين للذاكرين، والشاكرين. هذا؛ و﴿يَذَّكَّرَ﴾ أصله: يتذكر، فقلبت التاء ذالا، وأدغمت الذال في الذال، ومثله كثير في القرآن الكريم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٣] إفرادا، وجملا.\n ﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿خِلْفَةً:﴾ مفعول به ثان، وقيل: هو على حذف مضاف، التقدير: ذوي خلفة. وقيل: هو حال. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿خِلْفَةً﴾. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ في محل نصب مفعول به، ومفعول يذكر محذوف، التقدير:\nأن يذكر ما فاته ونحو ذلك، وجملة: ﴿أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿أَرادَ شُكُورًا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2918\"></span>﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (٦٣)﴾\nالشرح: قال القرطبي رحمه الله تعالى: لما ذكر جهالات المشركين، وطعنهم في القرآن، والنبوة؛ ذكر عباده المؤمنين أيضا، وذكر صفاتهم، وأضافهم إلى عبوديته تشريفا لهم، كما قال في أول سورة (الإسراء): ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. إلخ فمن أطاع الله، وعبده، وشغل سمعه، وبصره، ولسانه، وقلبه بما أمره به؛ فهو الذي يستحق اسم العبودية، ومن كان بعكس هذا؛ شمله قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ الآية رقم [١٧٩] من سورة (الأعراف)، وأيضا الآية رقم [٤٤] من هذه السورة.\n ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ:﴾ عبارة عن عيشهم، ومدة حياتهم، وتصرفاتهم، فذكر من ذلك المهم، وهو المشي. ﴿هَوْنًا﴾ أي: بالسكينة، والوقار، متواضعين، غير أشرين، ولا مرحين، ولا متكبرين، بل علماء حكماء، أصحاب وقار وعفة، ولذا كره الإسراع في المشي، قال الزهري: سرعة المشي تذهب بهاء الوجه. قال ابن عطية: يريد الإسراع الحثيث؛ لأنه يخل بالوقار؛ والخير في التوسط.\n ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ﴾ أي: السفهاء بما يكرهونه. ﴿قالُوا سَلامًا:﴾ تسلّما منكم، ومتاركة لكم، فأقيم السّلام مقام التسلم، أي: وإن سفه عليهم جاهل؛ حلموا، ولم يجهلوا، وليس المراد السّلام المعروف، فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعا ومروءة، قال القرطبي: هذه الآية كانت قبل آية السيف، نسخ منها ما يخص الكفرة، وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة، فالإعراض عن الجاهلين في كل وقت، وحين هو المطلوب من المسلم؛ ليسلم له","vol":"6","page":512},{"text":"شرفه، وتبقى له كرامته، ويسلم له عرضه، وورعه، وأحاديث الرسول ﷺ المرغبة في الحلم، والإعراض عن الجاهلين كثيرة، والشعر العربي طافح بذلك، أذكر من ذلك قول رجل من بني سلول: [الكامل]\nولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني\nغضبان ممتلئا عليّ إهابه... إنّي وربّك سخطه يرضيني\nوروى الأصمعي بيتين في هذا المعنى، وهما: [السريع]\nلا يغضب الحرّ على سفلة... والحرّ لا يغضبه النّذل\nإذا لئيم سبّني جهده... أقول زدني فلي الفضل\nوما أحسن قول الآخر: [الوافر]\nيشافهني السّفيه بكلّ عيب... فأكره أن أكون له مجيبا\nيزيد سفاهة فأزيد حلما... كعود زاده الإحراق طيبا\nوأخيرا؛ فالجاهل من يجهل ما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم كيفيته، وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nفإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل\nوإن لم يكن كذلك يصدق عليه: أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر الحكيم: [الكامل]\nفضل الحمار على الجهول بخلّة... معروفة عند الّذي يدريها\nإنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهال ما يؤذيها\nالإعراب: ﴿وَعِبادُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (عباد): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الرَّحْمنِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، وقال الأخفش: في محل رفع صفة: (عباد)، والخبر محذوف. وقال الزجاج: في محل رفع صفة (عباد الرحمن)، والخبر الجملة الاسمية: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ﴾ الآتية في الآية رقم [٧٥]، وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم، وما تعلق بها. ﴿يَمْشُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَلَى الْأَرْضِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هَوْنًا:﴾ حال من واو الجماعة بمعنى: هينين؛ أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: يمشون مشيا هونا. (إذا): انظر الآية رقم [٦٠].","vol":"6","page":513},{"text":"﴿خاطَبَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الْجاهِلُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سَلامًا:﴾ مفعول به ل: ﴿قالُوا،﴾ وإن كان مصدرا، فأعمل فيه القول؛ لأنه لم يحك قولهم بعينه، إنما حكى معنى قولهم، ولو حكى قولهم بعينه؛ لكان محكيا، ولم يعمل فيه القول: انتهى. مكي. وقيل: هو مفعول مطلق، عامله ﴿قالُوا﴾ من غير لفظه، وقيل: صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قالوا قولا سلاما، والمعتمد الأول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة، لا محل له مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2919\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ:﴾ قال الزجاج: بات الرجل، يبيت: إذا أدركه الليل، نام، أو لم ينم، ويقال: بات فلان يفعل كذا: إذا فعل ليلا، وليس بات بمعنى نام في الليل، تقول: بات فلان يصلي: إذا لم يزل يصلي بالليل، ومنه الآية الكريمة. قال زهير بن أبي سلمى المزني: [الطويل]\nفبتنا قياما عند رأس جوادنا... يزاولنا عن نفسه ونزاوله\n ﴿سُجَّدًا وَقِيامًا:﴾ المعنى: يبيتون لربهم في الليل بالصلاة سجدا على وجوههم، وقياما على أقدامهم. قال ابن عباس﵄-: من صلى ركعتين، أو أكثر بعد العشاء الأخيرة، فقد بات لله ساجدا، وقائما. وقال الكلبي: من أقام ركعتين بعد المغرب، وأربعا بعد العشاء، فقد بات ساجدا قائما. وعن عثمان بن عفان﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى العشاء في جماعة؛ فكأنّما قام نصف اللّيل، ومن صلّى الصّبح في جماعة؛ فكأنّما صلّى اللّيل كلّه». رواه مالك ومسلم. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٨] و[٧٩] من سورة (الإسراء)، وما ذكرته في الآية رقم [٣٨] من سورة (النور). ورحم الله من يقول في صفة عباد الرحمن الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما: [الكامل]\nامنع جفونك أن تذوق مناما... واذر الدّموع على الخدود سجاما\nواعلم بأنّك ميّت ومحاسب... يا من على سخط الجليل أقاما\nلله قوم أخلصوا في حبّه... فرضي بهم واختصّهم خدّاما\nقوم إذا جنّ الظّلام عليهم... باتوا هنالك سجّدا وقياما\nخمص البطون من التّعفّف ضمّرا... لا يعرفون سوى الحلال طعاما","vol":"6","page":514},{"text":"هذا؛ و﴿سُجَّدًا﴾ جمع: ساجد، وهو اسم فاعل لذا تعلق به الجار والمجرور، و(قياما) جمع قائم، وقدم السجود على القيام، وإن كان قبله في الفعل لمراعاة رؤوس الآي، كما ترى.\nالإعراب: (الذين): معطوف على مثله في الآية السابقة، وجملة: ﴿يَبِيتُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما على التنازع، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سُجَّدًا﴾ خبر:\n ﴿يَبِيتُونَ﴾ على اعتباره ناقصا، وحال من واو الجماعة على اعتباره تاما. (قياما): معطوف على ما قبله بالواو العاطفة.\n\n<span id=\"aya-2920\"></span><span id=\"aya-2921\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ:﴾ هذه صفة ثالثة من صفات: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾. ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ﴾ أي: هم مع طاعتهم، وسجودهم، وقيامهم لربهم مشفقون خائفون من عذاب الله تعالى، يدعون بهذا الدعاء، وذلك لعدم اعتدادهم بأعمالهم، وعدم وثوقهم بنجاتهم من عذاب جهنم على ما هم عليه من العبادة، والطاعة، وحسن الحال. ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا:﴾ لازما لزوما كليا في حق الكفار، ولزوما بعد إطلاقهم إلى الجنة في حق عصاة المسلمين، وفي المختار: الغرام: الشر الدائم، والعذاب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أي: هلاكا لازما. انتهى. ومنه سمي الغريم لملازمته من له عليه حق، من دم أو مال، أو نحوهما، وفلان مغرم بكذا، أي: ملازم له ومولع به، وهذا معناه في كلام العرب فيما ذكر ابن الأعرابي، وابن عرفة وغيرهما، وقال الأعشى: [الخفيف]\nإن يعاقب يكن غراما وإن يع... ط جزيلا فإنّه لا يبالي\nوقال الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم هذا؛ والمغرم بفتح الميم والراء:\nالخسران، والضياع، ومن دعاء الرسول ﷺ: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من المأثم والمغرم، وأعوذ بك من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن». وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا..﴾.\nإلخ الآية رقم [٩٨] من سورة (التوبة)، وفي حديث النبي ﷺ الذي يرويه علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: «إذا كانت الأمانة مغنما، والزّكاة مغرما...». والمغرم بزنة المفعول: أسير الحب، والعشق، وقول الله تعالى في سورة (الواقعة) ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ معناه: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا. ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ أي: بئس المستقر، وبئس المقام، وقد أنث الفعل ﴿ساءَتْ﴾ مع كون الفاعل مميز بمذكر، وهو: مستقر؛ لأن «المستقر» عبارة عن جهنم، ولفظها","vol":"6","page":515},{"text":"مؤنث، فلذلك جاز تأنيث فعله. هذا؛ والمستقر، والمقام بمعنى واحد، أي: فهما مترادفان، وقال بعضهم: مستقرّا لعصاة المؤمنين، ومقاما للكافرين، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿رَبَّنَا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اِصْرِفْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والإضافة من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وأصل الكلام: التعذيب في جهنم. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابَها:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف... إلخ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه تقديره: «هو». ﴿غَرامًا:﴾\nخبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجمل كلها في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(ها): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿ساءَتْ:﴾\nفعل ماض لإنشاء الذم، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» دل عليه التمييز بعده، وهو: ﴿مُسْتَقَرًّا﴾. ﴿وَمُقامًا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿ساءَتْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها ساءَتْ..﴾. إلخ تعليل لجملة: ﴿إِنَّ عَذابَها..﴾.\nإلخ، أو تعليل ثان، وهي بدورها في محل نصب مقول القول. وقال الزمخشري في الكشاف:\nوالتعليلان يصح أن يكونا متداخلين، ومترادفين، وأن يكونا من كلام الله تعالى، وحكاية لقولهم.\nولا تنس: أن المخصوص بالذم محذوف، التقدير: ساءت مستقرا هي هي، ف: هي الثاني هو المخصوص. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿ساءَتْ﴾ بمعنى: أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة للمفعول، وهو هنا محذوف أي: إن جهنم أحزنت أصحابها، وداخليها، ويكون: ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ تمييزا، أو حالا. وهو تكلف لا داعي له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2922\"></span>﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧)﴾\nالشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية، فقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معناها: أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله ﷿ فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام. وقال ابن عباس -﵄-: من أنفق مئة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو سرف، ومن منع من حق عليه فقد قتر. وقاله مجاهد، وابن زيد، وغيرهما. وقال عون بن عبد الله: الإسراف: أن تنفق مال غيرك.","vol":"6","page":516},{"text":"وقال ابن عطية: هذا؛ ونحوه غير مرتبط بالآية، والوجه أن يقال: إن النفقة في معصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشرع فيها أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حقا آخر، أو عيالا ونحو ذلك، وألا يضيق أيضا ويقتر حتى يجيع العيال، ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي: العدل.\nوقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف، ولم يبخلوا، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ الآية رقم [٢٩] من سورة (الإسراء). وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (الأعراف)، انظر تفسير الآيتين في محالهما. وقال الشاعر الحكيم: [الطويل]\nولا تغل في شيء من الأمر، واقتصد... كلا طرفي قصد الأمور ذميم\nوقال آخر: [الطويل]\nإذا المرء أعطى نفسه كلّ ما اشتهت... ولم ينهها تاقت إلى كلّ باطل\nوساقت إليه الإثم والعار بالّذي... دعته إليه من حلاوة عاجل\nوقال عمر بن الخطاب﵁لابنه عاصم: كل في نصف بطنك، ولا تطرح ثوبا حتى تستخلقه، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم. وقال حاتم الطائي: [الطويل]\nإذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله... وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا\nهذا؛ ويقرأ ﴿يَقْتُرُوا﴾ بقراآت كثيرة، والمعنى، والإعراب لا يتغيران، و﴿قَوامًا:﴾ بفتح القاف: عدلا، ويقرأ بكسر القاف، أي: سدادا، وملاك حال. وقال البيضاوي: هو ما يقام به الحاجة، لا يزيد عليها، ولا ينقص. هذا؛ وقد حث الله على الاعتدال، والتوسط في كل شيء حتى في المشي، ورفع الصوت، قال تعالى حكاية عن وصية لقمان لابنه، وهو يعظه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، تقديره: المال، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُسْرِفُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: لم يسرفوا في إنفاقه، والجملة الفعلية جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ معطوفة عليها،","vol":"6","page":517},{"text":"لا محل لها مثلها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول لا محل له. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مقدر فيها، أي: كان الإنفاق، دل عليه الكلام السابق. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر أول ل (كان)، و﴿قَوامًا﴾ خبر ثان، أو هو حال من الضمير المستتر في متعلق: ﴿بَيْنَ،﴾ فهو حال مؤكدة، وأجاز الفراء أن تكون ﴿بَيْنَ﴾ اسم (كان) مبني على الفتح مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (الجن) ف ﴿دُونَ﴾ مفتوح وهو مبتدأ، وإنما جاز ذلك؛ لأن هذه الألفاظ كثر استعمالها بالفتح، فتركت على حالها في موضع الرفع، وكذلك يقول في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ الآية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام) وهو مرفوع بالفعل: ﴿تَقَطَّعَ،﴾ لكنه ترك مفتوحا لكثرة وقوعه كذلك، وخالفه البصريون في ذلك. انتهى. من قول مكي بن أبي طالب القيسي. هذا؛ وقد قرئ في سورة (الأنعام) بالرفع، وفسر بالوصل، انظر شرح الآية في محلها من سورة (الأنعام)، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقيل: معطوفة على ما قبلها، وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه لهما البتة.\n\n<span id=\"aya-2923\"></span>﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ..﴾. إلخ: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: نفى الله عن عباده المؤمنين أمهات المعاصي بعد أن أثبت لهم أصول الطاعات إظهارا لكمال إيمانهم، وإشعارا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك، أي: فعل الطاعات، وترك المنهيات، وتعريضا للكفرة بأضداد ذلك، أي إنهم جمعوا بين ترك الطاعات والمأمورات، وفعل المنهيات، ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لهم، فعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندّا، وهو خلقك». قلت: ثم أيّ؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك». فأنزل الله تصديقه الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ..﴾. إلخ. أخرجه مسلم. وعن ابن عباس﵄أن ناسا من أهل الشرك قتلوا، فأكثروا، وزنوا، فأكثروا، فأتوا النبيّ ﷺ، فقالوا: إن الذي تقول، وتدعو إليه لحسن، وهو يخبرنا بأن لما عملنا كفارة، فنزلت الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ..﴾.\nإلخ، ونزل قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٥٣] من سورة (الزمر) انظر شرحها، وتفسيرها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] من سورة (النساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"6","page":518},{"text":"هذا؛ وانظر ما ذكرته في حق الزاني، وبشاعة الزنى في الآية رقم [٢] من سورة (النور)، والآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء)، والآية رقم [٥] من سورة (المؤمنون)، وانظر ما ذكرته في حق قاتل النفس بغير حق في الآية رقم [٣٣] من سورة (الإسراء)، وانظر شرح (دعا) في الآية رقم [١١٠] منها أيضا، وشرح (النفس) في الآية رقم [٣٥] من سورة (الأنبياء).\n ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الثلاثة المذكورة: الشرك، وقتل النفس، والزنى. والوعيد، والتهديد لا يتوقفان على فعل الثلاثة، بل المراد، -والله أعلم-: ومن يفعل شيئا من ذلك يلق أثاما؛ لأن كل واحد من الثلاثة كبيرة من الكبائر تستوجب العقاب الشديد، والعذاب الأليم في نار الجحيم، و(الأثام) في كلام العرب: العقاب بوزن الوبال، والنكال، ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nجزى الله ابن عروة حيث أمسى... عقوقا، والعقوق له أثام\nأي: جزاء، وعقوبة. وقال عبد الله بن عمرو، وعكرمة ومجاهد﵃-: إن ﴿أَثامًا﴾ واد في جهنم، جعله الله عقابا للكفرة، قال الشاعر: [المتقارب]\nلقيت المهالك في حربنا... وبعد المهالك تلقى أثاما\nوقال السدي: هو جبل في جهنم، قال الشاعر: [الوافر]\nوكان مقامنا ندعو عليهم... بأبطح ذي المجاز له أثام\nهذا؛ والحق الذي تقتل به النفس هو واحد من ثلاثة أمور بيّنها النبي ﷺ بقوله: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثيّب الزّاني، والنّفس بالنّفس، والتّارك لدينه المفارق للجماعة». أخرجه الخمسة ما عدا ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود﵁-.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وتعليقه بمحذوف حال من (إلها) ضعيف، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿لا يَدْعُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون صفة: ﴿النَّفْسَ،﴾ وجملة: ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾ صلة: ﴿الَّتِي،﴾ والعائد محذوف، التقدير: حرم الله قتلها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المقدر، أي: إلا مقتولة بالحق، وجملة: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض، وقيل: حرف عطف.","vol":"6","page":519},{"text":"(من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وهو مفيد للعموم، ولذا صح الاستثناء منه كما ستقف عليه. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره: «هو» يعود إلى (من). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف للخطاب حرف لا محل له. ﴿يَلْقَ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من) أيضا. ﴿أَثامًا:﴾ مفعول به. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، قيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: (من...) إلخ معترضة مع ما يتعلق بها بين الصفات المتعاطفة، لا محل لها، وقيل: معطوفة. وليس بشيء.\n\n<span id=\"aya-2924\"></span>﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿يُضاعَفْ:﴾ يقرأ بالجزم، والرفع على الاستئناف. ويقرأ: «(يضعّف)» بتشديد العين، والجزم، والرفع أيضا، فهذه أربع قراآت سبعية. وقرئ: «(نضعّف)» بالنون وتشديد العين المكسورة، ومضاعفة العذاب لانضمام المعصية إلى الكفر، ويدل عليه الآية التالية. هذا؛ والمضاعفة المكاثرة، وضعف الشيء بكسر الضاد وسكون العين مثله، وضعفاه: مثلاه.\nوأضعافه: أمثاله. هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد عليه، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا، أي مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال:\nأضعفت الشيء، وضعفته، وضاعفته، فمعناه ضممت إليه مثله فصاعدا، وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في هذه الآية: ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وفي الآية رقم [٤٠] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾.\n ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وكثر التعبير عنه بألفاظ كثيرة، مثل القارعة، والحاقة، والطامة، والصاخة، وغير ذلك، وأصل القيامة:\nالقوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. و(يخلد): يقرأ بالجزم والرفع، وبالبناء للمعلوم، وللمجهول، وبالتاء خطابا للكافر. ﴿مُهانًا:﴾ ذليلا محتقرا، جامعا للعذاب الروحاني والجسماني. والخلود في العذاب: عدم الخروج منه أبدا. هذا؛ ويقرأ بمد الضمير بقوله (فيه) مبالغة في الوعيد، والعرب تمدّه للمبالغة.\nالإعراب: ﴿يُضاعَفْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول بدل من الفعل ﴿يَلْقَ،﴾ وإبدال الفعل مستعمل في اللغة العربية، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nويبدل الفعل من الفعل كمن... يصل إلينا يستعن بنا يعن","vol":"6","page":520},{"text":"ومن شواهده الشعرية قول عبيد الله بن الحر الجعفي في رجل تقاعد عن مبايعة الملك، وهو الشاهد رقم [١٦٨] من كتابنا فتح رب البرية: [الرجز]\nإنّ عليّ الله أن تبايعا... تؤخذ كرها أو تجيء طائعا\nحيث أبدل تؤخذ من تبايع، والمعنى: إن علي والله، فلما حذف الجار نصب لفظ الجلالة وأيضا قول عبيد الله بن الحر الجعفي: [الطويل]\nمتى تأتنا تلمم بنا في ديارنا... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا\nفالفعل تلمم بدل من تأتنا فكل فعل يبدل من سابقه إذا كان بمعناه، قال الشاعر: [مجزوء الكامل]\nإن يجبنوا أو يغدروا... أو يبخلوا لا يحفلوا\nيغدوا عليك مرجّلي... ن كأنّهم لم يفعلوا\nفقوله: يغدوا بدل من قوله: لا يحفلوا. وخذ قول وداك بن ثميل المازني شاعر إسلامي.\nهذا؛ والأبيات الثلاثة هي الشاهد رقم [٨٢٧] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nرويد بني شيبان بعض وعيدكم... تلاقوا غدا خيلي على سفوان\nتلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى... إذا ما غدت في المأزق المتداني\nتلاقوهم، فتعرفوا كيف صبرهم... على ما جنت فيهم يد الحدثان؟\nفقد أبدل «تلاقوا» الثاني من الأول، والثالث من الثاني. هذا؛ وتبدل الجملة من الجملة، كما ستعرفه في الآية رقم [١٣٣] من سورة (الشعراء) إن شاء الله تعالى. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعل، على قراءة الفعل بالرفع، فالجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل ﴿يَفْعَلْ﴾ المستتر، وعلى قراءة الفعل بالنون فالعذاب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَيَخْلُدْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يخلد): معطوف على ما قبله على جميع القراآت. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُهانًا:﴾ حال من فاعل: (يخلد)، أو من نائب فاعله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2925\"></span>﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ أي: من الشرك، ومن قتل النفس، ومن الزنى؛ أي: ومن جميع المعاصي. ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبمحمد ﷺ نبيّا،","vol":"6","page":521},{"text":"وشفيعا، ورسولا، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ أي: يرضي الله، ورسوله؛ بأن صلى، وصام، وحج، وزكى، وعمل أنواع البر والخيرات، فقد شرط الله لقبول التوبة الإيمان الصحيح، والعمل الصالح، وكلّ منهما احتراس يفيد عدم قبول التوبة إلا بوجودهما معا. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٨٢]. ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ هذا؛ والتوبة المقبولة هي التوبة النصوح التي ذكرها الله في سورة (التحريم) ولها شروط: الندم بالجنان، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالأركان، ورد الحقوق لأصحابها بحسب الإمكان. وانظر نص الآيتين رقم [١٧] و[١٨] من سورة (النساء).\n ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ:﴾ معنى إبدال السيئات حسنات: أن الله يمحوها بالتوبة المقبولة، ويثبت مكانها الحسنات: الإيمان، والطاعة، والتقوى. وقيل: يبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنى عفة وإحصانا. وقيل: يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم، أو يبدل ملكة المعصية ودواعيها في النفس بملكة الطاعة بأن يزيل الأولى، ويأتي بالثانية مكانها. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (هود): ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾. وقال الرسول ﷺ لمعاذ﵁-: «اتّق الله حيثما كنت، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن». ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا:﴾ انظر الآية رقم [٦].\nهذا؛ وقد أفرد الضمير في الأفعال الثلاثة، وجمع اسم الإشارة العائد إلى (من) وأفرد الضمير في الأول مراعاة للفظ (من)، وجمع في الثاني مراعاة لمعناها.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من فاعل (يلقى) العائد إلى ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿تابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (آمن) مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾. و﴿عَمَلًا﴾ مفعول به، أو هو مفعول مطلق معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَأُوْلئِكَ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُبَدِّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\n ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به أول. ﴿حَسَناتٍ:﴾ مفعول به ثان، فهما منصوبان، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿يُبَدِّلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأُوْلئِكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة، ومستأنفة، وهذا الإعراب يجعل هذه الجملة غير مرتبطة بما قبلها؛ لذا فالوجه اعتبار: ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأُوْلئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، والفاء زائدة لتحسين اللفظ، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام","vol":"6","page":522},{"text":"السابق. هذا، وأجيز في مثل هذه الآية اعتبار: ﴿مَنْ﴾ شرطية، جوابها الجملة الاسمية الآتية، وتبقى الجملة الاسمية في محل نصب على الاستثناء. ومثل هذه الجملة في إعرابها الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٦٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط إعادة الاسم الكريم بلفظه.\n\n<span id=\"aya-2926\"></span>﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتابًا (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ تابَ﴾ أي: من الشرك، والمعاصي، بتركها، والندم على فعلها. ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أي: عملا صالحا، يتلافى به ما فرط من الطاعات، أو خرج من المعاصي، ودخل في الطاعات. ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ﴾ أي: يرجع إليه تعالى؛ إذ التوبة: الرجوع عن الذنوب إلى علام الغيوب. ﴿مَتابًا﴾ أي: مرضيا عند الله، ماحيا للعقاب، محصلا للثواب، أو يرجع إلى الله مرجعا حسنا. وفي كلام بعض العرب: لله أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد، والظمان الوارد، والعقيم الوالد.\nوعن الحارث بن سويد عن عبد الله﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دويّة مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام، فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتّى إذا اشتدّ عليه الحرّ والعطش، أو ما شاء الله تعالى، قال: أرجع إلى مكاني الّذي كنت فيه، فأنام حتّى أموت، فوضع يده على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله أشدّ فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته». أخرجه البخاري، ومسلم، ومعنى فرح الله بتوبة العبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه.\nهذا؛ وقد قال القفال: يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ثم عطف عليه من تاب من المسلمين، وأتبع توبته عملا صالحا، فله حكم التائبين، ولا تنس: الاحتراس في الآيتين، وهو: اشتراط الإيمان الصحيح، والعمل الصالح لقبول التوبة؛ ولذلك قيل: من تاب بلسانه، ولم يحقق ذلك بفعله، فليست تلك التوبة نافعة، بل من تاب وعمل صالحا، فحقق توبته بالأعمال الصالحة، فهو الذي تاب إلى الله متابا، أي تاب حق التوبة، وهي النصوح، ولذا أكد بالمصدر، ف: ﴿مَتابًا﴾ مصدر معناه التأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ أي:\nفإنه يتوب إلى الله حقّا، فيتقبل الله توبته حقّا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تابَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط","vol":"6","page":523},{"text":"ومتعلقه محذوف، والفاعل يعود إلى (من). ﴿وَعَمِلَ:﴾ فعل ماض معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿صالِحًا:﴾ مفعول به. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَتُوبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، تقديره: «هو». ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بالمصدر بعدهما. ﴿مَتابًا:﴾ مفعول مطلق، وهو مصدر ميمي مؤكد لفعله، والجملة الفعلية: ﴿يَتُوبُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: (إنه...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٦٨].\nهذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: ﴿تابَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وخبره: الجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ ودخلت الفاء عليها، وهي خبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: (من تاب...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها. تأمل.\n\n<span id=\"aya-2927\"></span>﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: لا يحضرون مجالس الباطل، وعن ابن الحنفية: اللهو، والغناء. وعن مجاهد: أعياد المشركين. والزور: كل باطل زوّر وزخرف وزين، وأعظمه الشرك، وتعظيم الأنداد، والمعاندين لله. وقال علي بن أبي طلحة ومحمد بن علي: المعنى لا يشهدون بالزور. وقال الزمخشري: ويحتمل: أنهم لا يشهدون شهادة الزور، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. هذا؛ وانظر ما ذكرته في شهادة الزور في الآية رقم [٣٠] من سورة (الحج).\n ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ:﴾ اللغو: ما ينبغي أن يلغى ويطرح. والمعنى: إذا مروا بأهل اللغو، والمشتغلين به؛ مروا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم، والخوض معهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ الآية رقم [٥٥] من سورة (القصص). هذا؛ ومن ترك اللغو: الإغضاء عن الفواحش، والصفح عن الذنوب، والكناية عما يستهجن التصريح به.\n ﴿كِرامًا﴾ أي: مروا مرّ الكرام الذين لا يدخلون في الباطل، يقال: تكرم فلان عما يشينه، أي: تنزه، وأكرم نفسه عنه. روي أن عبد الله بن مسعود﵁سمع غناء، فأسرع، وذهب، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لقد أصبح ابن أمّ عبد كريما». كيف لا؟ وقد قال﵁-: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع. قال القرطبي: من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم، وذلك كالأشعار التي توصف فيها الصور","vol":"6","page":524},{"text":"المستحسنات، والخمر، وغير ذلك مما يحرّك الطباع، ويخرجها عن الاعتدال، أو يثير فيها كامنا من حب اللهو. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على مثله في الآيات السابقة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ﴿الزُّورَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٦٠].\n ﴿مَرُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللَّغْوِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ جواب (إذا) لا محل لها. ﴿كِرامًا:﴾ حال من واو الجماعة، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة، لا محل له مثلها.\n\n<span id=\"aya-2928\"></span>﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: قرئ عليهم القرآن، أو وعظوا. ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها..﴾. إلخ: قيل: إن المعنى: إذا تليت عليهم آيات الله؛ وجلت قلوبهم، فخروا سجدا، وبكيا، ولم يخروا عليها صما وعميانا، بل هم سامعون بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية لما أمروا به، ونهوا عنه، لا كالمنافقين، وأشباههم. دليله قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٥٨]: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٠٧]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا﴾. ﴿صُمًّا:﴾\nجمع: أصم، وهو الذي لا يسمع ما يقال له. ﴿وَعُمْيانًا:﴾ جمع: أعمى، ومؤنثه عمياء، ويجمع أيضا على: عمي، وأعماء، وعماة.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَخِرُّوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿صُمًّا:﴾ حال من واو الجماعة. (عميانا): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لَمْ يَخِرُّوا..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول، كلام لا محل له.","vol":"6","page":525},{"text":"<span id=\"aya-2929\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا..﴾. إلخ: في هذه الآية إرشاد كريم من الله تعالى، وتعليم لعباده أن يسألوا الله الذرية الصالحة، والزوجة المطيعة، والمتقية، كيف لا؟ وقد قال الله تعالى حكاية عن قول زكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. وقد دعا الرسول ﷺ؛ لأنس بن مالك بقوله: «اللهمّ أكثر ماله وولده، وبارك له فيه».\nوذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده، قرت عينه بأهله وعياله؛ حتى إذا كانت عنده زوجة صالحة مطيعة، اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة، وكانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوجة غيره، ولا إلى ولده، فقد قيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته، وأولاده مطيعين لله ﷿، فيطمع أن يحلّوا معه في الجنة، فيتم سروره، وتقر عينه بذلك. هذا؛ ويقرأ «(ذريتنا)» بالإفراد، و(هب) ماضيه وهب، فتحذف الواو من مضارعه وأمره، مثل وعد، يعد، عد. ووزن، يزن، زن. والقياس من كسر الهاء؛ لأن الواو لا تسقط إلا على هذا التقرير، مثل عد، وزن ونحوهما، إلا أن الهاء فتحت من يهب؛ لأنها حرف حلق، فهي عارضة، فلذلك لم تعد الواو كما لم تعد في يسع ويدع.\n ﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا﴾ أي: أئمة يقتدون بنا في الخير. وفيه دليل على أن الرياسة في الدين مطلوبة، وطلبها من الله مندوب، وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى، أي: بتوفيق الله، وتيسيره ومنته، لا بما يدعيه كل واحد لنفسه. وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة في الدنيا، بل بأن يكونوا قدوة في الدين.\nهذا؛ و﴿أَزْواجِنا﴾ جمع: زوج، وهو يطلق على الرجل، والمرأة، والقرينة تبين الذكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج: القرين، قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي:\nوقرناءهم، الآية رقم [٢٢] من سورة (الصافات). والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا وأنثى، الآية رقم [٤٠] من سورة (هود) وقال تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام)، والمعنى:\nثمانية أفراد، والزوج: الصنف، والنوع، قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٠]: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف من النبات، وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. (ذرياتنا): جمع: ذرية، وهي النسل من بني","vol":"6","page":526},{"text":"آدم، وهي تقع على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ وعلى الواحد كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. قيل: هي مشتقة من الذّرا بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي في كنفه وستره، وتحت حمايته، وهو بضم الذال: أعلى الشيء، وقيل:\nهي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أبدلت همزة الذّرء ياء، ثم شددت الياء، وتبعتها الراء في التشديد.\n ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ:﴾ يحتمل أن تكون من القرار، وهو السكون، والهدوء، ويحتمل أن تكون من القرّ، وهو الأشهر، والقرّ: البرد؛ لأن العرب تتأذى بالحر، وتستريح إلى البرد، وأيضا فإن دمع السرور بارد، ودمع الحزن ساخن؛ فمن هذا يقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين العدو.\nقال الشاعر: [الطويل]\nفكم سخنت بالأمس عين قريرة... وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (القصص) وقد وحد ﴿قُرَّةَ﴾ لأنه مصدر، والمصدر يصلح للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وإنما قال: ﴿أَعْيُنٍ﴾ وهو جمع قلة بخلاف: «عيون» وهو جمع كثرة؛ لأنه أراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. هذا؛ ولفظ (إمام) يستوي فيه المفرد، والجمع، فالمطابقة حاصلة. وقال البيضاوي: وتوحيد ﴿إِمامًا﴾ لدلالته على الجنس، وعدم اللبس كقوله جل ذكره في الآية رقم [٥] من سورة (الحج): ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد، واجعل كل واحد منا إماما، أو لأنهم كنفس واحدة، لاتحاد طريقتهم، واتفاق كلمتهم. وقيل: هو جمع آم، كصائم، وصيام، ومعناه: قاصدين لهم، مقتدين بهم. انتهى. بتصرف. هذا؛ و(إمام): قدوة، وهو أيضا الكتاب، والرسول، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ والإمام: الطريق الذي يؤتم به، قال تعالى في سورة (الحجر):\n ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ وخذ قول لبيد في معلقته: [الكامل]\nمن معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿يَقُولُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، الواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَزْواجِنا:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿هَبْ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿قُرَّةَ﴾","vol":"6","page":527},{"text":"﴿أَعْيُنٍ،﴾ على القاعدة (نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا) و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَذُرِّيّاتِنا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قُرَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَعْيُنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاجْعَلْنا:﴾ فعل دعاء، وفاعله أنت، و(نا): مفعول به.\n ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (إماما)، كان نعتا له فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة التي رأيتها. ﴿إِمامًا:﴾ مفعول به. هذا؛ والجملة: ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2930\"></span>﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ إشارة إلى المتصفين بما فصل في جيز الموصولات الثمانية، وهي إحدى عشرة خصلة: التواضع، والحلم، والتهجد في الليل، والخوف من نار جهنم وعذابها، وترك الإسراف في الإنفاق، والتقتير فيه، والنزاهة عن الشرك، وترك الزنى، وعدم قتل النفس، والتوبة، وتجنب الكذب، والعفو عن المسيء، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله، والتضرع إليه بطلب الزوجات الصالحات، والذرية المستقيمة على الصراط المستقيم.\n ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ:﴾ يكافؤون على اتصافهم بتلك الصفات الحميدة بالغرفة، وهي الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا، و﴿الْغُرْفَةَ﴾ اسم جنس أريد به الجمع لقوله تعالى في الآية رقم [٣٧] من سورة (سبأ): ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٢٠] من سورة (الزمر): ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ وتجمع على: غرف، وغرفات، كما في هاتين الآيتين. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي: ينالون الغرف والنعيم المقيم في الجنة بسبب صبرهم على الطاعات، وعن المعاصي، وعن السيئات، وعلى أنواع البلاء، وكل ذلك مستقى من هدي القرآن الكريم، وهدي الرسول ﷺ.\nوفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدّرّيّ الغابر من الأفق من المشرق، أو المغرب لتفاضل ما بينهم». قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم، قال: «بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدّقوا المرسلين». وخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب -﵁قال رسول الله ﷺ: «إنّ في الجنّة لغرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». فقام إليه أعرابيّ، فقال: لمن هي يا رسول الله؟! قال: «هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطّعام، وأدام الصّيام، وصلّى لله باللّيل، والناس نيام». انتهى. قرطبي. وهذا الحديث يروى بروايات كثيرة في «الترغيب والترهيب» للمنذري، وغيره.","vol":"6","page":528},{"text":"﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها﴾ أي: يعطون في الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا،﴾ ويقرأ بالتخفيف، ومعناه: يجدون، ويصادفون، وكل شيء استقبل شيئا، أو صادفه فقد لقيه؛ لأن ما لقيك فقد لقيته، وما لقيته فقد لقيك، ومثله: ما نالك فقد نلته، وما نلته فقد نالك. ﴿تَحِيَّةً وَسَلامًا:﴾ هما اسمان مترادفان على المعتمد، وقيل: التحية البقاء الدائم، والملك العظيم، وهذه التحية، والسّلام من الملائكة، كما أخبر الله في الآيتين رقم [٢٣ و٢٤] من سورة (الرعد) بقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وقيل: هذه التحية، والسّلام من الله تعالى. وقيل: يحيى بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض. هذا؛ والتحية: مصدر: حيّاه بتشديد الياء، وأصل معناه: الدعاء له بالحياة، ثم عم في كل كلام يلقيه بعض الناس على بعض بقصد الدعاء، كقولهم: أبيت اللعن، وأنعموا صباحا، ونحوه، ثم خصته الشريعة الإسلامية بكلام معين، وهو قول القائل: السّلام عليكم. قال الرسول ﷺ: «ألا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟». قالوا: بلى، قال: «أفشوا السّلام بينكم». وفي سورة (النساء) رقم [٨٦] قوله تعالى: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾. هذا؛ وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية ونحوها ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروي عن ابن عباس﵄أنه كان يرى رد الكتاب واجبا، كما يرى رد السّلام للإنسان الحاضر. والتحية: الملك أيضا، من ذلك «التحيات لله» معناه: الملك لله تعالى، قال عمرو بن معديكرب: [الوافر]\nأسير به إلى النّعمان حتّى... أنيخ على تحيّته بجند\nوتكون التحية بمعنى البقاء، قال زهير بن جناب الكلبي: [مجزوء الكامل]\nأبنيّ إن أهلك فإ... نّي قد بنيت لكم بنيّه\nوتركتكم أولاد سا... دات زنادكم وريّه\nمن كلّ ما نال الفتى... قد نلته إلاّ التّحيّه\nمعناه: إلا البقاء، فإنه لا ينال، ويقال: حيّاك الله وبيّاك، فمعنى حيّاك: ملكك، ومعنى بيّاك: أضحكك.\nالإعراب: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿الْغُرْفَةَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَبَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، و(ما) المصدرية، والفعل: ﴿صَبَرُوا﴾ في","vol":"6","page":529},{"text":"تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. انظر الشرح، وجملة: ﴿يُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُوْلئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (عباد الرحمن) على اعتبار الاسم الموصول خبرا له. ﴿وَيُلَقَّوْنَ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (يلقون): فعل مضارع مبني للمجهول على قراءته بالتشديد، والواو نائب فاعله، ومبني للمعلوم على قراءته بالتخفيف، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿تَحِيَّةً:﴾ مفعول به. ﴿وَسَلامًا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَيُلَقَّوْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2931\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ مقيمين في تلك الغرفة لا يخرجون، ولا يموتون. ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ أي: نعم المستقر، ونعم المقام، وانظر تأنيث الفعل: ﴿ساءَتْ﴾ في الآية رقم [٦٦] ف: ﴿حَسُنَتْ﴾ مثله. هذا؛ ومقام أصله: مقوم، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت فتحة الواو إلى القاف قبلها، ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.\nالإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿حَسُنَتْ:﴾ فعل ماض لإنشاء المدح، وفاعله مستتر مميز بما بعده. ﴿مُسْتَقَرًّا:﴾ تمييز، والتقدير: حسن المستقر مستقرا. هذا؛ وقال أبو البقاء: الفاعل في: ﴿حَسُنَتْ﴾ ضمير: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وعليه فلا مدح في هذه الجملة، والمعتمد الأول. ﴿وَمُقامًا:﴾ معطوف على ما قبله، والمخصوص بالمدح محذوف؛ إذ التقدير: «حسنت مستقرّا ومقاما هي». والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال ثانية من الغرفة، والحال الأولى: ﴿خالِدِينَ،﴾ ولا أسلمه، بل أعتمد اعتبار ﴿خالِدِينَ﴾ حالا من واو الجماعة، وأجيز اعتبار الجملة الفعلية حالا من الضمير المجرور ب: (في) وهو عائد على ﴿الْغُرْفَةَ﴾ ويكون الرابط: الواو فقط. والمعتمد الأول.\nهذا؛ والحال في هذه الآية حال مقدرة؛ إذ الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى، حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ،﴾ ومثلها الحال في هذه الآية. وحال محكية، وهي الحال الماضية،","vol":"6","page":530},{"text":"نحو: جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها، بمعنى أن المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٣] من سورة (الشعراء) ففيها بحث آخر.\n\n<span id=\"aya-2932\"></span>﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي﴾ أي: ما يصنع وما يفعل بكم؛ فوجودكم وعدمكم سواء. انتهى. خازن. وقال القرطبي: هذه آية مشكلة تعلقت بها الملاحدة، يقال: ما عبأت بفلان؛ أي: ما باليت به، أي ما كان له عندي وزن، ولا قدر. وأصل يعبأ من العبء، وهو الثقل، قال أبو زبيد الطائي، يصف أسدا: [الوافر]\nكأنّ بصدره وبجانبيه... عبيرا بات يعبؤه عروس\nأي: يجعل بعضه على بعض، فالعبء: الحمل الثقيل، والجمع: أعباء، و«العبء» المصدر.\nوقال الزمخشري: لما وصف عبادة العباد، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم، وأثنى عليهم من أجلها، ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة؛ أتبع ذلك ببيان: أنه إنما اكترث لأولئك، وعبأ بهم، وأعلى ذكرهم، ووعدهم ما وعدهم؛ لأجل عبادتهم، فأمر رسوله أن يصرح للناس، ويجزم لهم القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم، إنما هو للعبادة وحدها، لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة، ولم يعتد بهم، ولم يكونوا عنده شيئا يبالي به. انتهى. وهو جيد جيد جدا.\n ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ:﴾ لولا عبادتكم، فإن شرف الإنسان، وكرامته بالمعرفة والطاعة، وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء، وقيل: معناه: ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، فيكون كقوله تعالى في الآية رقم [١٤٧] من سورة (النساء): ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾.\n ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أي: بما أخبرتكم حيث خالفتموه، وإذا كان الخطاب لمشركي قريش؛ فيكون في الكلام التفات من خطاب المؤمنين الصادقين إلى خطاب المشركين المعاندين، وهذا على رأي الزمخشري. وإذا كان الخطاب في الأول، والثاني لكفار قريش، فلا التفات في الكلام.\n ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ أي: يكون جزاء التكذيب-وهو العذاب-لازما لكم، يحيق بكم لا محالة، أو أثره لازما لكم؛ حتى يكبكم في النار، واللّزام بالفتح: اللزوم، وبكسر اللام:\nالملازمة، وقد قرئ بفتح اللام، وكسرها، كالثبات، والثبوت، وقد فسر بالعذاب في الآخرة، وفسر بالقتل يوم بدر. ولزام على القراءتين مصدر، وقد وقع على القراءتين موقع اسم الفاعل، فعلى الكسر وقع موقع ملازم، وعلى الفتح وقع موقع لازم، فيكون مثل قوله تعالى في آخر سورة (الملك): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أي: غائرا.","vol":"6","page":531},{"text":"تنبيه: فقد روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود﵁-: أنه قال: (خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر. وفي رواية: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام) وقوله: خمس أي: خمس علامات دالة على قيام الساعة. قد مضين، أي:\nوقعن، الأول: الدخان المذكور في سورة (الدخان) في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ وعلى هذا فالمراد به شيء يشبه الدخان. وذلك: أنه لما نزل بقريش الجوع، صار الواحد منهم يرى كأن بينه وبين السماء دخانا. والقمر، أي: في قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. والروم، أي: المذكور في قوله تعالى سورة (الروم): ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾.\nوالبطشة، أي: المذكورة بسورة (الدخان) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾ وهي القتل يوم بدر. واللزام، أي: في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق عامله ما بعده، التقدير: أي عبء يعبأ بكم، وقيل: ﴿ما﴾ نافية. ﴿يَعْبَؤُا:﴾ فعل مضارع. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود. ﴿دُعاؤُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وخبر المبتدأ محذوف، التقدير: موجود، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف أيضا دل عليه ما قبله، والكلام: ﴿ما يَعْبَؤُا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء:\nحرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة، والمعنى يؤيده. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول على الاعتبارين. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال وتسويف. ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المفهوم من التكذيب، انظر تقديره في الشرح. ﴿لِزامًا:﴾ خبر:\n ﴿يَكُونُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nانتهت سورة الفرقان شرحا، وإعرابا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"6","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2810>سورة الشّعراء</span>\nسورة (الشعراء)، وهي مكية إلا أربع آيات من آخر السورة، من قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) ..﴾. إلخ وهي مئتان وسبع وعشرون آية، وألف ومئتان وتسع وسبعون كلمة، وخمسة آلاف، وخمسمئة وأربعون حرفا. انتهى. خازن.\nفعن ابن عباس﵄قال: قال النبي ﷺ: «أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت (طه) و(الطواسين) من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن، وخواتيم سورة (البقرة) من تحت العرش، وأعطيت المفصّل نافلة». وعن البراء بن عازب -﵁-: أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله أعطاني السّبع الطّوال مكان التوراة، وأعطاني ﴿المص﴾ مكان الإنجيل، وأعطاني (الطواسين) مكان الزبور، وفضّلني ب: (الحواميم) والمفصّل ما قرأهنّ نبيّ قبلي». انتهى. جمل نقلا عن القرطبي.\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-2933\"></span><span id=\"aya-2934\"></span>﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)﴾\nالشرح: ﴿طسم:﴾ قال ابن عباس﵄-: عجزت العلماء عن علم تفسيرها، وفي رواية أخرى عنه: أنه قسم، وهو اسم من أسماء الله تعالى. والجواب الآية رقم [٤] الآتية.\nوقال قتادة: اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. وقال مجاهد: هو اسم للسورة. وقال القرظي:\nأقسم الله بطوله، وسنائه، وملكه. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: الطاء: طور سيناء، والسين:\nإسكندرية، والميم مكة. وقال جعفر الصادق بن محمد بن علي، أي زين العابدين ﵃ أجمعين-: الطاء: شجرة طوبى، والسين: سدرة المنتهى، والميم: محمد ﷺ. وقيل: الطاء من الطاهر، والسين من السميع، أو من السّلام، والميم من المجيد. و(طسم) و(طس) بمعنى واحد، قال المتنبي في مطلع قصيدة له مدح بها أبا الحسن علي بن عبد الله العدوي: [الطويل]\nوفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه... بأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه\nوالطّواسين، والطّواسيم سور في القرآن جمعت على غير قياس، وأنشد أبو عبيدة: [الرجز]\nوبالطّواسيم الّتي قد ثلّثت... وبالحواميم الّتي قد سبّعت","vol":"6","page":533},{"text":"قال الجوهري: والصواب أن تجمع بذوات، وتضاف إلى واحد، فيقال: ذوات طسم، وذوات حم. انتهى. قرطبي. ﴿آياتُ:﴾ جمع آية، وهي تطلق على معان كثيرة: الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها، وهي المرادة هنا.\n ﴿الْكِتابِ:﴾ هو في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة؛ لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا.\nوالمراد به هنا: القرآن الكريم الذي أنزل على قلب محمد ﷺ. ﴿الْمُبِينِ:﴾ الظاهر إعجازه، وصحته، وما فيه من الأحكام، والمبين للحق من الباطل، والحلال، والحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد ﷺ، وانظر وصفه ب: ﴿الْحَكِيمِ﴾ في أول سورة (لقمان) وهو اسم فاعل من: أبان الرباعي، أصله المبين بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من بان الثلاثي: «بائن».\nالإعراب: ﴿طسم:﴾ في إعراب هذا اللفظ وأمثاله وجوه: الأول: أن محله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا طسم، أو هو مبتدأ خبره ما بعده. والثاني: أن محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل طسم، أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير:\nالتزمت الله، أي اليمين به. والثالث: أن محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم، أو أحلف ب ﴿طسم،﴾ وضعف هذا سليمان الجمل، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك، أي حذف الجار وإبقاء عمله من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها، ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء. وكذلك على قول السلف في هذا اللفظ، وأمثاله: الله أعلم بمراده بذلك، لا محل له من الإعراب؛ لأن الإعراب فرع معرفة المعنى.\n ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتباره خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هذه تلك، فتكون ﴿آياتُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، والأول أقوى، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿آياتُ:﴾ مضاف،","vol":"6","page":534},{"text":"و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُبِينِ:﴾ صفة ﴿الْكِتابِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ آياتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿طسم﴾ على الوجه الثاني من وجهي الرفع، كما رأيت، والرابط: اسم الإشارة على اعتبار الإشارة عائدة على ﴿طسم،﴾ وهي مستأنفة على بقية الأوجه فيه.\n\n<span id=\"aya-2935\"></span>﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمعنى: لعلك مهلك نفسك، وقاتلها.\nوأصل البخع أن يبلغ الذابح بالذبح البخاع، وهو عرق مستبطن الفقار، وذلك أقصى حد الذبح.\nوفي المصباح المنير: وبخع نفسه بخعا من باب: نفع: قتلها من وجد، أو غيظ. وبخع لي بالحق بخوعا: انقاد له، وخضع. و(لعلّ) هنا للإشفاق؛ أي: أشفق على نفسك أن تقتلها. ﴿أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لئلا يؤمنوا، أو خيفة عدم إيمانهم. فقد شبه الله نبيه ﷺ حين تولى عنه المشركون برجل فارقه أحبته، فهو يتساقط حسرات عليهم، ويهلك نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم. ففي الكلام استعارة تمثيلية. وبخع نفسه: قتلها غما، قال ذو الرمة: [الطويل]\nألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه... بشيء نحته عن يديه المقادر\nوالترجي هنا ليس على بابه، بل المقصود منه النهي؛ أي: لا تبخع نفسك، أي: لا تهلكها غما على عدم إيمانهم، وقيل: هو للإشفاق على بابها. هذا؛ والفراق بين الترجي، والإشفاق:\nأن الأول في المحبوب، والثاني في المكروه، وما في الآية من هذا القبيل، وقيل: (لعلّ) هنا للاستفهام، وهو رأي الكوفيين، ومثل الآية الآية رقم [٦] من سورة (الكهف).\nالإعراب: ﴿لَعَلَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿باخِعٌ:﴾ خبرها، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَفْسَكَ:﴾ مفعول به ل ﴿باخِعٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿يَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر ﴿يَكُونُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و(أن) والفعل ﴿يَكُونُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لئلا يكونوا، وهو قول الكوفيين، أو هو في محل جر بإضافة مفعول لأجله إليه، التقدير: مخافة عدم إيمانهم، وهو قول البصريين، ومثل هذه الآية قول عمرو بن كلثوم، وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الوافر]\nنزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا","vol":"6","page":535},{"text":"<span id=\"aya-2936\"></span>﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ أي: دلالة ملجئة إلى الإيمان، أو بلية قاسرة عليه. ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ أي: منقادين ذليلين، وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فاقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الخبر على أصله. وقيل: لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء، أجريت مجراهم، وقيل: المراد ب: (الأعناق) الرؤساء، أو الجماعات، من قولهم: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم، وقيل: إنما أراد أصحاب الأعناق، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: إن المعنى: إن ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ويسوغ في كلام العرب أن تترك الخبر عن الأول وتخبر عن الثاني، قال الأغلب العجلي: [الرجز]\nطول اللّيالي أسرعت في نقضي... نقضن كلّي، ونقضن بعضي\nفأخبر عن الليالي، وترك الطول، وقال جرير: [الوافر]\nأرى مرّ السّنين أخذن منّي... كما أخذ السّرار من الهلال\nوإنما جاز ذلك؛ لأنه لو أسقط مرّ وطول من الكلام لم يفسد معناه انتهى. قرطبي، وما في البيتين يعبر عنهما بتعبير آخر، وهو: أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه. انظر الشاهد رقم [٩٠٢] وما بعده في كتابنا فتح القريب المجيب، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nتنبيه: ذكر الزمخشري، والقرطبي: أن ابن عباس﵄قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية قال: ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة. انتهى. وأعتقد أن هذه المقالة مكذوبة على ابن عباس﵄-. هذا؛ ويقرأ الفعلان ﴿نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ بالنون والياء.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، أو تقديره: «هو»، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نُنَزِّلْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن»، أو «هو». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿آيَةً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿نُنَزِّلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَظَلَّتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ظلت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث","vol":"6","page":536},{"text":"حرف لا محل لها. ﴿أَعْناقُهُمْ:﴾ اسم (ظلّت)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خاضِعِينَ:﴾ خبر (ظلّت) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿فَظَلَّتْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ؛ لأنه لو قيل: أنزلنا؛ لكان صحيحا على حد قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ وهذا التعبير لا يجوز؛ لأنه لا يكون في النثر فعل الشرط مضارعا، والجواب ماضيا، وإنما ميدانه الشعر، قال قعنب ابن أم صاحب: [البسيط]\nإن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا... عنّي، وما يسمعوا من صالح دفنوا\nوهذا هو الشاهد رقم [١١٧٦] من كتابنا فتح القريب المجيب، وفي الآية الكريمة عطفت جملة: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ..﴾. إلخ على جواب الشرط، وفعلها ماض، وجواب الشرط مضارع، واغتفر ذلك؛ لأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل. انتهى. مغني اللبيب. هذا؛ وقيل:\nإن جملة: ﴿فَظَلَّتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2937\"></span>﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ﴾ أي: جديد، أو متجدد إنزاله، لا أنه مخلوق، والمراد بالذكر: الآيات؛ التي تنزل بعد الآيات، والسورة التي تنزل بعد السورة. أو المراد به ما يذكرهم به النبي ﷺ، ويعظهم. وإضافته إلى الرحمن؛ لأنه ﷺ لا ينطق إلا بالوحي، فقوله، ووعظه، وتحذيره ذكر، وهو محدث متجدد. ﴿إِلاّ كانُوا عَنْهُ:﴾ عن الذكر.\n ﴿مُعْرِضِينَ﴾ أي: جددوا له إعراضا عنه، وكفرا به، وازدادوا عتوا، وعنادا، وقابلوه بالتكذيب، والسخرية، والاستهزاء. هذا؛ والفعل «أتى، يأتي» يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، كما في قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ،﴾ ويستعمل متعديا، إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في هذه الآية ونحوها، ومثله فعل: «جاء» في التعدية واللزوم، مع اختلاف اللفظ واتفاق المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ذِكْرٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿ذِكْرٍ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿مُحْدَثٍ﴾ تقدم عليه، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿ذِكْرٍ؛﴾ لأنه وصف بمحدث، وهذا أضعف الأقوال. ﴿مُحْدَثٍ:﴾ صفة ﴿ذِكْرٍ﴾ على لفظه، وقرئ بالرفع صفة له على محله، وأجاز","vol":"6","page":537},{"text":"الكسائي نصبه على الحال، ولم أجد قراءة بالنصب، وهذا كله من الآية رقم [٢] من سورة (الأنبياء). وجملة: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة:\n ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو في محل نصب حال من الفاعل الموصوف بما ذكر، و«قد» قبلها مقدرة، والرابط: الضمير المجرور محلا ب: (عن).\n\n<span id=\"aya-2938\"></span>﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أي: النبي ﷺ، حيث لم يؤمنوا بالذكر الذي جاءهم به؛ حيث أعرضوا عنه، وأمعنوا في تكذيبه، حيث أدى بهم إلى الاستهزاء المخبر به عنهم ضمنا بما يلي.\nهذا؛ وفي الآية رقم [٥] من سورة (الأنعام): ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ وفسرت الحق هناك بالقرآن المنزل من عند الله على قلب محمد ﷺ. ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا..﴾. إلخ: أي سيظهر لهم عاقبة استهزائهم عند نزول العذاب بهم يوم القيامة، أو حين يعلو شأن الإسلام، وتنزل بهم الذلة، والمهانة، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده حين هزموا في وقعة بدر الكبرى، ثم تم ذلك يوم فتح مكة حين وقفوا بين يدي رسول الله ﷺ صاغرين ذليلين حقيرين ينتظرون ما يفعل بهم من قتل، أو نفي، أو استرقاق، ففي الآية الكريمة وعيد، وتهديد، وإنذار بأنهم سيعلمون ما يحل بهم من ذلة، وصغار؛ إن لم يؤمنوا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة كأنه قيل: إذا أردت أن تعرف ماذا كان موقفهم من الذكر حين أعرضوا عنه، وصرفوا عن التأمل فيه، فقد كذبوا، وفيه من الضعف ما لا يخفى. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول به محذوف مع المتعلق انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. السين: حرف استقبال. (يأتيهم):\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْبؤُا:﴾ فاعل. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة هنا، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بإضافة ﴿أَنْبؤُا﴾ إليها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا بِهِ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا","vol":"6","page":538},{"text":"بالباء، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بإضافة: ﴿أَنْبؤُا﴾ إليه، التقدير: أنباء استهزائهم، وجملة: (سيأتيهم...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2939\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء). ﴿يَرَوْا﴾ أي: الكفار، ينظروا ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ وما فيها من العجائب، والغرائب. ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ..﴾. إلخ: نبه على عظمته، وقدرته، وأنهم لو رأوا بقلوبهم، ونظروا ببصائرهم؛ لعلموا: أن الله تعالى هو الذي يستحق العبادة وحده؛ إذ هو القادر على كل شيء، والخالق لكل شيء، والمحيط علمه بكل شيء، و(الزوج) المراد به هنا: الجنس، والنوع، والصنف الحسن من النبات، مما يأكل الناس والأنعام.\nهذا؛ وقال الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم، وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة، والإحاطة: أن كلمة «كل» تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و«كم» تدل على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة. وانظر شرح ﴿تَنْبُتُ﴾ في الآية رقم [٢٠] من سورة (المؤمنون)، وانظر شرح: ﴿كَرِيمٍ﴾ في الآية رقم [٥٨] الآتية.\nوهنا أذكر: أنه تعالى وصف النبات ب: ﴿كَرِيمٍ﴾ لأحد أمرين: الأول: أن النبات نوعان:\nنافع، وضار، فدل بكلمة ﴿كَرِيمٍ﴾ على أن المراد النوع النافع، وخلّى ذكر الضار. والثاني: أن المراد: النافع والضار من النبات، ووصفهما ب: ﴿كَرِيمٍ﴾ تنبيها على أنه ما خلق شيئا إلا لحكمة، وربما خفيت أسرارها على ابن آدم، ولكنه تعالى عالم بما يجهل العبد الفقير.\nوأما (نا) في قوله تعالى ﴿أَنْبَتْنا﴾ فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح): وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا،﴾ ﴿وَهَبْنا،﴾ ﴿نَحْنُ،﴾ ﴿إِنّا﴾ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك، يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات، والأرض. انتهى.\nأقول: و(نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون، والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن،","vol":"6","page":539},{"text":"وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (الواو): حرف استئناف.\n (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق.\n ﴿إِلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. وقال الجلال: خبرية بمعنى: كثيرا، وجوز أبو البقاء اعتبارها ظرفا لما بعدها، كما جوز اعتبارها مصدرا، أي: فهي مفعول مطلق، والمعتمد الأول، ثم الثاني. انظر مبحثها في كتابنا: فتح القريب المجيب. ﴿أَنْبَتْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (في). وقال الجمل، وقول آخر لأبي البقاء: (كل) تمييز ل: (كم) فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو ﴿مِنْ،﴾ و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿زَوْجٍ﴾ مضاف إليه. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة ﴿زَوْجٍ،﴾ وجملة: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي الفعل ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-2940\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: إنبات تلك الأصناف. ﴿لَآيَةً﴾ أي: علامة تدل على أنه واحد، وعلى أنّ منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة؛ أي: دلالة على كمال قدرتنا، وتوحيدنا، كما قال القائل: [المتقارب]\nوفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد\n ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: في علم الله، وقضائه، فلذلك لا ينفعهم ما يرون من الآيات العظام؛ لأن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فمن يهديهم إلى الإيمان بعد الله، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب ﴿فِي،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له من الإعراب. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام:\nلام الابتداء. (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾","vol":"6","page":540},{"text":"منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وقال سيبويه: (كان) زائدة، وعليه تكون (ما) عاملة عمل «ليس» و﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ اسمها، و﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبرها، وعلى الاعتبارين فالجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، وقيل: في محل نصب حال، وليس بالقوي.\n\n<span id=\"aya-2941\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الغالب القادر على الانتقام من الكفرة. ﴿الرَّحِيمُ:﴾\nحيث أمهلهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة، أو ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب، وآمن.\nهذا؛ والخطاب للنبي ﷺ، و(الرب) انظر شرحه في الآية رقم [٩٤] من سورة (المؤمنون).\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي اللام المزحلقة. (هو): ضمير فصل لا محل له. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر (إن).\n ﴿الرَّحِيمُ:﴾ خبر ثان. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، وما بعده خبران عنه، فتكون الجملة الاسمية: ﴿لَهُوَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إن). هذا؛ ودخلت اللام على ضمير الفصل على الوجه الأول فيه؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ، وانظر الآية رقم [٤٤] الآتية.\n<span id=\"aya-2942\"></span><span id=\"aya-2943\"></span>﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ اِئْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ نادى..﴾. إلخ: هذا شروع في قصص سبع ذكرها الله تعالى في هذه السورة، أولها قصة موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وهذا النداء كان لموسى في طريق عودته من مدين إلى مصر، كما رأيت في سورة (طه)، وكما ستقف عليه مفصلا في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وكان النداء بكلام نفساني سمعه من كل الجهات من غير واسطة، والنداء: الدعاء ب «يا فلان» أي: قال ربك: يا موسى. وموسى أصله: (موشى) مركبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو)، والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر، لمّا ألقته أمّه فيه، كما رأيت في سورة (طه) وكما ستقف عليه مفصلا في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى.\n ﴿اِئْتِ:﴾ أمر من «أتى» الثلاثي الذي شرحته لك في الآية رقم [٥] فهو بهمزتين: همزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا","vol":"6","page":541},{"text":"ابتدأت الكلام، قلت: إيت بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل وتعود الهمزة الأصلية، فتقول: ائت، ومثل ذلك قل في إعلال: أذن يأذن ونحوه.\n ﴿الْقَوْمَ:﴾ هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر... إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]\nوما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوربما دخل النساء فيه على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، وهو يذكر، ويؤنث، انظر الآية رقم [١٠٥] الآتية. ﴿الظّالِمِينَ﴾ أي: بالكفر، واستعباد بني إسرائيل، وذبح صبيانهم، واستحياء بناتهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ:﴾ قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: دهاء، ومكر، وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر، وكسرى لملكي الفرس، والروم، وكان فرعون موسى مصعب بن الريان، وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمئة سنة، وعاش ستمئة وعشرين سنة، وكان ملك فرعون موسى أربعمئة سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو وجع يوم؛ أو حمى يوم لما ادّعى الربوبية.\n ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ أي: ألا يخافون عقاب الله، وانتقامه، ويمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه، وذلك مع الإيمان به، وتصديق موسى فيما جاء به من عند ربه. هذا؛ والفعل مأخوذ من (التقوى) وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي، وأصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). هذا؛ ويقرأ الفعل بالتاء، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب زجرا لهم، وغضبا عليهم.\nقال الزمخشري: فإن قلت فما فائدة هذا الالتفات، والخطاب مع موسى ﵊ في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غيب لا يشعرون، قلت: إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم، وإلقائه إلى مسامعهم؛ لأنه مبلغه، ومنهيه، وناشرة بين الناس، وله فيه لطف، وحث على زيادة التقوى، وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين، وفيها أوفر نصيب للمؤمنين. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو: اتل، ويدل للأول ما صرح به","vol":"6","page":542},{"text":"في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ،﴾ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ﴾ ويدل للثاني، ما صرح به في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾ أو هو مفعول به لهذا المقدر، ورجحه ابن هشام في المغني، وذكر الأول أيضا. ﴿نادى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكَ:﴾\nفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَنِ:﴾ حرف مصدري. ﴿اِئْتِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، و﴿أَنِ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن ائت. هذا؛ وأرجح اعتبار (أن) حرف تفسير، والجملة الفعلية مفسرة للفعل نادى، وشرط التفسير موجود هنا، وهو سبق «أن» بجملة فيها معنى القول دون حروفه. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n ﴿قَوْمَ:﴾ بدل من ﴿الْقَوْمَ،﴾ أو عطف بيان عليه، و﴿قَوْمَ﴾ مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿نادى رَبُّكَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح، يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. وقيل: هي حرف عرض، وقيل: الهمزة حرف استفهام معناه التعجب، و(لا) نافية، ولا وجه له البتة. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقال النسفي:\nويحتمل: أنها في محل نصب حال من الضمير في ﴿الظّالِمِينَ﴾ أي: يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال، والكلام ﴿وَإِذْ نادى..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2944\"></span><span id=\"aya-2945\"></span><span id=\"aya-2946\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أي: قال موسى: يا رب. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أي: في دعوى الرسالة. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ أي: بسبب تكذيبهم إياي. ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي:﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه بسبب وضع الجمرة عليه، وهو صغير لمّا نتف لحية فرعون، فغضب منه، وأراد قتله، فأشارت عليه زوجته، أن يختبره، فقدم له تمرة، وجمرة، فأخذ الجمرة، ووضعها على لسانه، فحصل فيه ثقل في النطق. ﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ أي: أرسل جبريل إلى هارون، واصطفيه رسولا مثلي. ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ:﴾ المراد بالذنب هنا: قتل القبطي على ما يأتي بيانه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى. ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلوني قصاصا به، وفي هذا دليل واضح على أن","vol":"6","page":543},{"text":"الخوف قد يصحب الأنبياء، والفضلاء، والأولياء مع معرفتهم بالله، وأن لا فاعل إلا هو؛ إذ قد يسلط من شاء على من شاء.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: رتب استدعاء ضم أخيه إليه، وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق الصّدر انفعالا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق؛ لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين، يقوي قلبه، وينوب منابه متى تعتريه حبسته، حتى لا تختل دعوته، ولا تبتر حجته، وليس ذلك تعللا منه، وتوقفا في تلقي الأمر، بل طلبا لما يكون معونة على امتثاله، وتمهيد عذره فيه. انتهى.\nكيف لا وقد صرح بذلك في قوله: ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وما أحراك أن تنظر الآيات رقم [٢٥] وما بعدها من سورة (طه).\nهذا؛ وقد كان هارون ﵇، أكبر من موسى، وأفصح لسانا منه، وأجمل، وأوسم، وكان أبيض اللون، وكان موسى آدم اللون، أقنى، أجعد، وكان هارون ألين عريكة من موسى، على نبينا وحبيبنا وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.\nهذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن يحصل من توقع مكروه يقع في المستقبل. وأما التخوف؛ فإنه يأتي بمعنى التّنقّص، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ الآية رقم [٤٧] من سور النحل، يروى: أن الفاروق﵁قال على المنبر:\nما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؟﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا: التّخوّف: التّنقّص، قال عمر﵁-: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]\nتخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن\nفقال عمر﵁-: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. وانظر ما ذكرته في الشعراء والشعر في الآية رقم [٢٢٤] الآتية. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى العلم، وبه قيل في قوله تعالى:\n ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا..﴾. إلخ الآية رقم [١٨٢] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى:\n ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٢٩] من سورة (البقرة)، بعد هذا انظر شرح: ﴿ذَنْبٌ﴾ في الآية رقم [٥٨] من سورة (الفرقان)، وشرح ﴿رَبِّ﴾ في الآية رقم [٩٤] من سورة (المؤمنون).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى، تقديره: هو. ﴿رَبِّ:﴾ منادى مضاف، حذفت منه أداة النداء، وانظر الآية رقم [١٦٩] الآتية. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:","vol":"6","page":544},{"text":"«أنا». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُكَذِّبُونِ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَيَضِيقُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يضيق): فعل مضارع. ﴿صَدْرِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على خبر: (إن)، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها. هذا؛ ويقرأ الفعلان بالنصب على: ﴿يُكَذِّبُونِ﴾. ﴿فَأَرْسِلْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كانت الأمور الثلاثة متوقعة الحصول فأرسل. (أرسل): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿ذَنْبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخافُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخاف): فعل مضارع، والفاعل أنا، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿فَأَخافُ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير (فأنا أخاف...) إلخ، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، أو تعليل، ولا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-2947\"></span>﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله لموسى. ﴿كَلاّ﴾ أي: لن يقتلوك، فهو ردع وزجر عن هذا الظن، وأمر بالثقة بالله تعالى، أي: ثق بالله، وانزجر عن خوفك منهم، فإنهم لا يقدرون على قتلك، ولا يقوون عليه. ﴿فَاذْهَبا﴾ أي: اذهب أنت، وأخوك، فقد جعلته رسولا معك. والخطاب لموسى، وثني، ففيه تغليب الحاضر على الغائب عن ذلك المكان، وهو هارون؛ لأنه إذ ذاك كان بمصر، والإرسال والخطاب المذكوران كانا في الطور في طريق عودة موسى من مدين إلى مصر. ﴿إِنّا:﴾ يريد نفسه ﷾. ﴿مَعَكُمْ:﴾ جمع الضمير، والخطاب لموسى وحده؛ لأن المراد موسى وهارون، فأجراهما مجرى الجمع تعظيما لشأنهما، أو المراد: هما، وفرعون. ﴿مُسْتَمِعُونَ:﴾ سامعون ما يقولون، وما يجيبون، وما يجري بينكما وبينه، فأظهركما","vol":"6","page":545},{"text":"عليه. مثل ﷾ نفسه بمن حضر مجادلة قوم استماعا لما يجري بينهم، وترقبا لإمداد أوليائه منهم، مبالغة في الوعد بالإعانة، فلذلك تجوّز بالاستماع الذي هو بمعنى الإصغاء للسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات، بعد هذا انظر شرح ﴿كَلاّ﴾ في الآية رقم [٧٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿كَلاّ:﴾\nحرف ردع وزجر مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿فَاذْهَبا:﴾ الفاء: حرف عطف. (اذهبا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المفهومة من قوله: ﴿كَلاّ﴾ كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت والذي طلبته. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا:﴾\nحرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (إنّ)، أو هو متعلق بما بعده، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْتَمِعُونَ:﴾ خبر ثان ل: (إنّ)، أو هو خبر واحد على اعتبار الظرف متعلقا به مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وهي مفيدة للتعليل، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2948\"></span><span id=\"aya-2949\"></span>﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا:﴾ الخطاب لموسى، وغلبه على أخيه هارون الغائب كما رأيت في الآية السابقة. ﴿إِنّا رَسُولُ:﴾ في إفراده أوجه: أحدها: هو مصدر كالرسالة، أي ذوا رسول، أو: إنا رسالة على المبالغة. والثاني: أنه اكتفى بأحدهما؛ إذ كانا على أمر واحد. والثالث: أن موسى ﵇ كان هو الأصل وهارون تبع، فذكر الأصل. انتهى. عكبري.\nوقال الخازن: فإن قلت: هلاثنى الرسول، كما في قوله تعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (طه)؟، قلت: الرسول قد يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة، فجعله ثمّ بمعنى المرسل فلم يكن بدّ من تثنيته، وجعله هنا بمعنى الرسالة، فجازت التسوية فيه؛ إذا وصف به الواحد، والتثنية، والجمع، والمعنى إنا ذوا رسالة، قال كثيّر عزة: [الطويل]\nلقد كذب الواشون ما فهت عندهم... بشيء ولا أرسلتهم برسول\nأي: برسالة، وقال الأسعر الجعفي: [الوافر]\nألا أبلغ بني عمرو رسولا... بأنّي عن فتاحتكم غنيّ\nأي: أبلغهم رسالة. وقال العباس بن مرداس: [الوافر]","vol":"6","page":546},{"text":"ألا من مبلغ عنّي خفافا... رسولا بيت أهلك منتهاها\nيعني: رسالة، فلذلك أنثها، وقيل: إنهما لاتفاقهما في الرسالة، والشريعة، والأخوة، فصارا كأنهما رسول واحد. وقيل: كل واحد منا رسول رب العالمين. انتهى. بتصرف.\n ﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو نبي الله يعقوب، ومعناه بالعبرانية: صفوة الله، أو عبد الله ف: «إسرا» هو العبد أو الصفوة، و«أيل» هو الله، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد ولد يعقوب في حياة جده إبراهيم، وهو النافلة التي امتن الله بها على إبراهيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ ولقد وجدت في كثير من المراجع الموجودة عندي: أن يعقوب كان توأما مع أخ له اسمه عيصو في بطن واحد، فعند خروجهما من بطن أمهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيصو ليعقوب: إن لم تدعني أخرج قبلك، وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه على أمه؛ فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين، والله أعلم بحقيقة ذلك.\nهذا؛ و: ﴿الْعالَمِينَ:﴾ جمع عالم بفتح اللام، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له الآية رقم [٢٣] و[٢٤] والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا..﴾. إلخ: أي: أطلقهم من استعبادك لهم، وخلهم يذهبوا إلى فلسطين، وكانت مسكن يعقوب وإسحاق، والذي أتى بهم إلى مصر هو يوسف ﵇، كما هو معروف، ومشهور، وكان فرعون قد استعبدهم، واستذلهم أربعمئة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمئة ألف، وثلاثين ألفا. يروى: أنهما انطلقا إلى باب فرعون، فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب عليه، وقال: هاهنا إنسان يزعم: أنه رسول رب العالمين، فقال: إيذن له، لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه، وأديا الرسالة.\nوروى وهب، وغيره: أنهما لما دخلا على فرعون وجداه قد أخرج سباعا من أسد ونمور وفهود يتفرج عليها، فخاف سواسها أن تبطش بموسى وهارون، فأسرعوا إليها، وأسرعت السباع إلى موسى وهارون، فأقبلت تلحس أقدامهما، وتبصبص إليهما بأذنابها، وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ذلك، فقال: ما أنتما؟ قال: إنا رسول رب العالمين، فعرف موسى؛ لأنه نشأ في بيته. فقال: ما يلي.\nالإعراب: ﴿فَأْتِيا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ائتيا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَاذْهَبا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَقُولا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قولا): فعل أمر، والألف فاعله. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿رَسُولُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مضاف، و﴿رَبِّ﴾","vol":"6","page":547},{"text":"مضاف إليه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير لتضمن الرسول معنى الإرسال، والإرسال بمعنى القول دون حروفه، كما في الوحي، والمناداة، والكتابة، والإشارة، ونحو ذلك. ﴿أَرْسِلْ:﴾ فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَعَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿أَنْ أَرْسِلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفسرة لمعنى الإرسال، كما رأيت، وقيل: ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب بنزع الخافض، والأول أقوى، وأرجح.\n\n<span id=\"aya-2950\"></span>﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ..﴾. إلخ: فحذف: فأتيا فرعون، فقالا له ذلك؛ لأنه معلوم لا يخفى، وهذا الاختصار كثير في التنزيل، والمعنى: ربيناك صغيرا، ولم نقتلك فيمن قتلنا.\nوالوليد: الصبي لقرب عهده بالولادة. ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي: أقمت عندنا في إعزاز وإكرام ورعاية سنين، أي: ثلاثين، وقد ذكر السبب في سورة (طه)، وسأذكره في سورة (القصص)؛ إن شاء الله تعالى أيضا.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نُرَبِّكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿فِينا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿وَلِيدًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة، التي ذكرتها لك كثيرا. ﴿وَلِيدًا:﴾ حال من كاف الخطاب، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلَبِثْتَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لبثت): فعل، وفاعل. ﴿مِنْ عُمُرِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿سِنِينَ،﴾ كان صفة له... والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سِنِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلَبِثْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":548},{"text":"<span id=\"aya-2951\"></span>﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ:﴾ أراد قتله القبطي. وبخه على قتله، معظما إياه، بعد أن عدد عليه نعمه. والفعلة بفتح الفاء: المرة من الفعل، وقرئ بكسر الفاء بمعنى الهيئة، والحال، قال الأعشى: [البسيط]\nكأنّ مشيتها من بيت جارتها... مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل\n ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي: في قتلك القبطي. وقيل: أي: بنعمتي التي كانت لي عليك من التربية، والرعاية، والإحسان إليك. هذا؛ وقد ربّي موسى ﵇ في بيت فرعون ثلاثين عاما، وخرج إلى مدين، فأقام عشرة أعوام، ودعا فرعون إلى الله ثلاثين عاما، وعاش بعد غرق فرعون خمسين عاما.\nهذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. وكفر الشيء: ستره، وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في معلقته: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثغور ظلامها\nالإعراب: ﴿وَفَعَلْتَ:﴾ الواو: حرف عطف. (فعلت): فعل، وفاعل. ﴿فَعْلَتَكَ:﴾ مفعول مطلق، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿فَعْلَتَكَ﴾. وجملة: (فعلت): صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، وهو ضمير المصدر على حد قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ وجملة: ﴿وَفَعَلْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الحال. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-2952\"></span>﴿قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿فَعَلْتُها إِذًا﴾ أي: فعلت تلك الفعلة. يريد: قتل القبطي.\n ﴿وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي: من الجاهلين. وقد قرئ به، والمعنى من الفاعلين فعل أولي الجهل،","vol":"6","page":549},{"text":"والسفه، أو: من المخطئين؛ لأنه لم يتعمد قتله، أو: من الذاهلين عما يؤول إليه أمر الوكز؛ لأنه أراد به التأديب، والردع، والزجر من الاعتداء على الإسرائيلي الذي كان مع القبطي. أو:\nمن الناسين على حد قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ فقد بيّن ﵊ بهذا: أن التربية فيهم لا تنافي النبوة والحلم على الناس، وأنّ القتل خطأ، أو في وقت لم يكن فيه شرع لا ينافي النبوة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿فَعَلْتُها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، أو مفعول مطلق. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَنَا:﴾ الواو: واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الضّالِّينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذًا﴾ ظرفا متعلقا ب ﴿الضّالِّينَ﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون معناه: ﴿حِينَئِذٍ﴾. وانظر الآية رقم [٤٢] الآتية، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2953\"></span>﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ أي: خرجت فارا من بلدكم حين خفت بطشكم، وعقوبتكم. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أي: أنعم عليّ، ومنحني من فضله حكمة، وعلما، ونبوة.\n ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: اصطفاني، واختارني رسولا لكم. هذا، وقد فسرت الحكم-وهو الحكمة-بما رأيت. والحكمة: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة. وأصل الفعل:\n ﴿خِفْتُكُمْ﴾ خوفتكم، فحذفت الواو لاستثقال الكسرة عليها، ثم قلبت فتحة الخاء كسرة؛ لتدل على حركة المحذوف، ولو كانت الحركة دليلا على المحذوف؛ لكانت ضمة. تأمل.\nالإعراب: ﴿فَفَرَرْتُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (فررت): فعل، وفاعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل فررت أيضا، وهي بمعنى حين.\n ﴿خِفْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها.\nهذا؛ وإن اعتبرت: ﴿لَمّا﴾ متطلبة جملتين، فقد حذف جوابها لدلالة ما قبله عليه. هذا؛ وقرئ:\n «(لما)» بكسر اللام وتخفيف الميم على اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير: لتخوفي منكم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (فررت). ﴿فَوَهَبَ:﴾\nالفاء: حرف عطف. (وهب): فعل ماض. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾\nفاعل: (وهب) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها","vol":"6","page":550},{"text":"اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حُكْمًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَوَهَبَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَجَعَلَنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلني):\nفعل ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ تقديره: «هو». ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ متعلقان بالفعل: (جعل) وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿وَجَعَلَنِي..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-2954\"></span>﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢)﴾\nالشرح: لقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، وأنا أنقل لك ما ذكره النسفي-رحمه الله تعالى-فيها، حيث قال: كرّ على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله، وأبى أن تسمى نعمة؛ لأنها نقمة حيث بيّن أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل؛ لأن تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته له، ولو تركهم لرباه أبواه من غير امتنان عليه، فكأن فرعون امتن على موسى بتعبيد قومه، وإخراجه من حجر أبويه إذا حقّقت. وتعبيدهم: تذليلهم، واتخاذهم عبيدا انتهى. هذا؛ ويقال: عبدته وأعبدته؛ إذا ذللته، واستعبدته، واتخذته عبدا، قال الفراء، وأنشد: [البسيط]\nعلام يعبدني قومي وقد كثرت... فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان؟\nوقال الخازن: وقيل: هو على طريق الإنكار، والمعنى: أتمنّ عليّ أن ربيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد، والمعاملات القبيحة، أو يريد: كيف تمن عليّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟! ومن أهين قومه فقد ذل، فتعبيد بني إسرائيل قد أحبط حسناتك إلي، ولو لم تستعبدهم، ولم تقتل أولادهم؛ لم أرفع إليك حتى تربيني، وتكفلني، ولكان لي من أهلي من يربيني، ولم يلقوني باليم.\nهذا؛ وقد وحد الضمير في قوله تعالى: ﴿تَمُنُّها﴾ و﴿عَبَّدْتَ﴾ وجمع في ﴿خِفْتُكُمْ؛﴾ لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله بدليل قوله تعالى:\n ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ وأما الامتنان فمنه وحده، وكذا التعبيد، وتلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة، لا يدري ما هي إلا بتفسيرها.\nالإعراب: ﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نِعْمَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿تَمُنُّها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة:\n ﴿نِعْمَةٌ﴾. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.","vol":"6","page":551},{"text":"﴿عَبَّدْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، و﴿أَنْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر؛ قال السمين: في محله أوجه سبعة: أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان ل: (تلك) كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ..﴾. إلخ.\nوالثاني: أنه في محل نصب مفعولا لأجله. والثالث: أنه بدل من: ﴿نِعْمَةٌ﴾. والرابع: أنه بدل من الهاء في ﴿تَمُنُّها﴾. والخامس: أنه مجرور بباء مقدرة؛ أي: بأن عبدت. والسادس: أنه خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هي. والسابع: أنه منصوب بإضمار: أعني. انتهى. جمل. والجملة الاسمية: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-2955\"></span><span id=\"aya-2956\"></span>﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ: أي: إنك تدعي: أنك رسول رب العالمين، فما صفته، وذلك؛ لأنك إذا أردت السؤال عن صفة زيد، تقول: ما زيد؟ تعني: أطويل، أم قصير، أفقيه، أم طبيب؟ وقيل: هو سؤال عن الجنس، والله منزه عن الجنسية، والماهية؛ فلذلك عدل موسى -﵇عن جوابه، وأجابه بذكر أفعاله، وآثار قدرته؛ التي تعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها. ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ..﴾. إلخ: أي: رب السموات، والأرض هو خالقهما.\nفاعرفوا: أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لكم، فإن أيقنتم بذلك؛ لزمكم أن تقطعوا: أنه لا جواب لكم عن هذا السؤال إلا ما ذكرته من الجواب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل، فكفى خلق هذه دليلا، أو إن كان يرجى منكم الإيقان؛ الذي يؤدي إليه النظر الصحيح؛ نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفع، والإيقال: العلم الذي يستفاد بالاستدلال، ولذا لا يقال: الله موقن.\nهذا؛ وقد أعاد الضمير إلى السموات والأرض مثنى والمرجوع إليه مجموع السموات والأرض وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، قال الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط]\nسعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nفقد ثنى «جمال» الذي هو جمع: جمل. والعقاب: صدقة عام، والسبد: المال القليل.\nواللبد: المال الكثير. وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الزكوات","vol":"6","page":552},{"text":"في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حق؛ حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا، أو كيف يبقى لأحد لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟ ثم أقسم، فقال: والله لو صار عاملا سنتين؛ لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان، فيختل أمر الغزوات. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٩] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله. ﴿وَما:﴾ الواو: صلة. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿رَبُّ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: «هو»، و﴿رَبُّ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾\nمضاف إليه... إلخ. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على السموات والأرض. ﴿بَيْنَهُمَا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية المقدرة: «هو رب...» إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُوقِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة:\n ﴿كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فآمنوا به وحده، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2957\"></span><span id=\"aya-2958\"></span><span id=\"aya-2959\"></span>﴿قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه. قال ابن عباس﵄-: كانوا خمسمئة رجل عليهم الأسورة. ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ أي: جواب موسى، فإني أطلب منه ماهية إلهه الذي يدعيه، وهو يجيبني بأنه مالك السموات والأرض وما بينهما؛ أي: يجيبني بأفعاله، وآثاره، فهو يستغرب من جوابه؛ لأنهم يزعمون قدم السموات، والأرض، وينكرون حدوثهما، وأن لهما ربّا.\n ﴿قالَ﴾ أي: موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ..﴾. إلخ:\nأي: خالقكم، وخالق آبائكم، فإن لم تستدلوا على الخالق العظيم بما ذكرت لكم؛ فاستدلوا بخلقه لكم، ولآبائكم الأولين. وإنما قال: ورب آبائكم؛ لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدّمهم، وهذا شأن كلّ من ادّعى الألوهية لنفسه.","vol":"6","page":553},{"text":"﴿قالَ﴾ أي: فرعون. ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ..﴾. إلخ: حيث يجيب عن السؤال بما لا نفهمه، ويتكلم بكلام لا نقبله، فكأنه لا يفهم السؤال، ثم هو يزعم: أن في الوجود إلها غيري. هذا؛ وانظر شرح ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان)، وشرح: ﴿رَبَّكَ﴾ في الآية رقم [٩].\nأما ﴿حَوْلَهُ﴾ فهو ظرف مكان لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله، وحياله، أي: بإزائه، وإزاءه.\nهذا؛ وسمى فرعون موسى رسولا على طريق السخرية.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ﴾. ﴿لِمَنْ:﴾ اللام: حرف جر، (من): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. وقيل:\nالهمزة للاستفهام، و(لا) نافية. ﴿تَسْتَمِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (رب): معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿آبائِكُمُ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل... إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة ﴿آبائِكُمُ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية المقدرة: «هو ربكم...» إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى فرعون. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَسُولَكُمُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة:\n ﴿رَسُولَكُمُ﴾. ﴿أُرْسِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولَكُمُ﴾. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وجملة: ﴿أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، ﴿لَمَجْنُونٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مجنون): خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2960\"></span>﴿قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما:﴾ فإنكم تشاهدون كل يوم:\nأنه يأتي بالشمس من المشرق، ويحركها على مدار، غير مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع ينتظم به أمور الكائنات، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: إن كان لكم عقل علمتم","vol":"6","page":554},{"text":"أن لا جواب لكم فوق ذلك، لا ينههم أولا، ثم لما رأى شدة شكيمتهم، خاشنهم وعارضهم بمثل مقالتهم. انتهى. بيضاوي.\nهذا؛ وإنك لترى: أن موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، قد تدرج معهم في الجواب، وإلقاء الحجج وطرح الأدلة على وجود الصانع الحكيم من قوله: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ..﴾. إلخ، وختم الآية الأولى بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ،﴾ وختم الثالثة بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ،﴾ وهذا التدرج معهم كان من الملاينة إلى الغلظة، كما رأيت. هذا؛ وانظر شرح «العقل» في الآية رقم [١٠] من سورة (الأنبياء).\nتنبيه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ:﴾ يريد بهما ناحيتي الأرض، أي له سبحانه الأرض كلها، لا يختص به مكان دون مكان. هذا؛ وقد قال سبحانه في سورة (الرحمن): ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشتاء والصيف ومغربهما، أو مشرقي الشمس والقمر ومغربهما، وقال تعالى: في سورة (المعارج) وغيرها: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾. فقد جمع المشرق والمغرب، كما ترى باعتبار مشارق الشمس ومغاربها في السنة، وهي ثلاثمئة وستون، تشرق كل يوم في واحد منها، وكذا تغرب في واحد منها، وكان من حق المشرق، والمغرب فتح العين، وهي الراء؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان والمكان إذا أخذ أحدها من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها، وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب النحو، من ذلك: المسجد، والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنحر، والمجزر، والتحقيق: أنها أسماء نوعية، غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح. هذا؛ وتقديم المشرق على المغرب، بجميع تصاريفه إيماء بأفضليته على المغرب. ولا تنس المطابقة بين المشرق والمغرب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مُوسى﴾ ﵇، ﴿رَبُّ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: رب العالمين رب، وهو مضاف، و﴿الْمَشْرِقِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿وَالْمَغْرِبِ:﴾ معطوف على ما قبله، (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على: ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ،﴾ ﴿بَيْنَهُما﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والميم حرف دال على جماعة الذكور.\n ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لا محل لها؛","vol":"6","page":555},{"text":"لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كنتم تعقلون كلامي؛ فتدبروا ما أقوله لكم. والكلام: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2961\"></span>﴿قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: قال النسفي-رحمه الله تعالى-في آخر الآية السابقة: وهذا غاية الإرشاد؛ حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض، وما بينهما، ثم خصص من العام للبيان أنفسهم، وآباءهم؛ لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثمّ خصص المشرق، والمغرب؛ لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين، وغروبها في الآخر، على تقدير مستقيم في فصول السنة، وحساب مستو من أظهر ما استدل به، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الرحمن عن الاحتجاج بالإحياء، والإماتة على نمرود بن كنعان.\nفلما تحير فرعون، ولم يتهيأ له أن يدفع ظهور آثار صنعه؛ ﴿قالَ لَئِنِ..﴾. إلخ، والمعنى: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه، فيطرحه في هوة، ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا لا يبصر فيها، ولا يسمع، فكان ذلك أشدّ من القتل، وأشدّ من السجن، ولو قال: لأسجننك؛ لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. انتهى.\nوقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ثم لما انقطع فرعون-لعنه الله-في باب الحجة؛ رجع إلى الاستعلاء والتغلب، فتوعد موسى بالسجن، ولم يقل: ما دليلك على أن هذا الإله أرسلك؟ لأن فيه الاعتراف، بأن ثم إلها غيره، وفي توعده بالسجن ضعف، وكان-فيما يروى-يفزع منه فزعا شديدا، حتى كان اللعين لا يمسك بوله. انتهى. هذا؛ وقد قال نبينا ﷺ «نصرت بالرعب» فكانت عروش الجبابرة تهتزّ عند ذكره ﷺ فرقا، ووجلا.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ﴾ تقديره: «هو». ﴿لَئِنِ:﴾ اللام:\nموطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِتَّخَذْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ﴿إِلهًَا:﴾ مفعول به، ﴿غَيْرِي:﴾ صفة: ﴿إِلهًَا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهذه الإضافة لا تفيد «غير» تعريفا، لذا صح وقوعه صفة للنكرة، وجملة: ﴿اِتَّخَذْتَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أجعلنك): فعل مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: «أنا»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ:﴾","vol":"6","page":556},{"text":"جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية جواب القسم المدلول عليه باللام لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام: ﴿لَئِنِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2962\"></span>﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: قال له موسى حين توعده بالسجن: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ..﴾. إلخ: أي: أتفعل ذلك بي؛ ولو جئتك بشيء يبين صدقي فيما أقول؟! والمراد: المعجزة، فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع، وحكمته، والدلالة على صدق مدعي النبوة، انتهى. بيضاوي بتصرف، وإنما قال ذلك موسى؛ لأن من عادة الناس السكون إلى الإنصاف، والإجابة إلى الحق بالبيان.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام داخل على فعل محذوف، انظر الشرح، الواو:\nواو الحال، (لو): وصلية لا عمل لها. ﴿جِئْتُكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل الفعل المحذوف، والرابط: الواو، والضمير، انظر الشرح.\n ﴿بِشَيْءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (شيء) والكلام: ﴿أَوَلَوْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2963\"></span>﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ فَأْتِ..﴾. إلخ: أي: قال فرعون لموسى: فائت بالشيء المبين إن كنت صادقا، فإن من يدعي النبوة، والرسالة لا بد له من حجة تثبت دعواه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ،﴾ ﴿فَأْتِ:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط محذوف، التقدير: إن كنت صادقا في دعواك، فائت.\n (ائت): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر","vol":"6","page":557},{"text":"(كان)، وجملة: ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله، والكلام: ﴿فَأْتِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2964\"></span>﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿فَأَلْقى عَصاهُ:﴾ فطرح موسى عصاه على الأرض. ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ:﴾ الثعبان:\nذكر الحيّات العظيم الضخم، ويجمع على: ثعابين. وفي آية أخرى: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ والجان: الحية الصغيرة، ووجه الجمع: أنها كانت في العظام كالثعبان العظيم، وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة، وهي الجانّ. ﴿مُبِينٌ:﴾ ظاهر واضح لمن يراه، ليس بتمويه وتخييل، كما تفعل السحرة. قال ابن عباس﵄-: لما ألقى موسى عصاه؛ صارت حية عظيمة، صفراء شقراء، فاتحة فمها، بين لحييها ثمانون ذراعا، وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، فوثب هاربا، وأحدث-أي: تغوط-في ثيابه بحضرة قومه في ذلك اليوم مرات عديدة، واستمرّ معه هذا المرض، وهو الإسهال؛ حتى غرق، وقد انهزم الناس خوفا مزدحمين، وقتل بعضهم بعضا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، ودخل فرعون قصره، وصاح: يا موسى! أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأمسكها بيده، فعادت عصا، كما كانت. انتهى. خازن. وغيره في سورة (الأعراف). وهذه إحدى المعجزات، وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (النمل).\nهذا؛ والعصا كانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء؛ حتى وصلت إلى شعيب، ﵇، فأعطاها لموسى حين لجأ إليه، وزوّجه إحدى ابنتيه، وأسند إليه رعاية الغنم، كما ستقف عليه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى.\nهذا؛ والعصا تطلق على أمور، يقال: ألقى عصاه، أي: أقام، وترك الأسفار، وهو مثل عربي، ويقال: انشقت العصا، أي: وقع الخلاف بين القوم، قال الشاعر: [الطويل]\nإذا كانت الهيجاء، وانشقّت العصا... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد\nوهذا هو الشاهد [٩٦٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، انظر إعرابه فإنه جيد، ويقال في الخوارج: قد شقوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم، وائتلافهم. والعصيان: ضد الطاعة، وتجمع العصا على: عصيّ بضم العين وكسرها، وتشديد الياء، كما في الآية رقم [٤٤] الآتية،","vol":"6","page":558},{"text":"ومقتضى القياس أن يقال في جمعها: عصوّ؛ لأن ألفها منقلبة عن واو، ولذا يقال في تثنيتها:\nعصوان، فأبدل من الواو الثانية ياء؛ لأنها ظرف ليس بينها، وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار (عصوي) فاجتمعت الواو والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الصاد كسرة لتصح الياء، ثم تبعت حركة الصاد. هذا؛ وانظر فوائد العصا في الآية رقم [١٨] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ تقديره: «هو»، ﴿عَصاهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف دال على التعقيب هنا كما ترى. (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب)؛ لأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: (خرجت فإذا زيد جالس) أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي: حاضر، وإذا قدرت أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو: استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.\nوعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فانقلبت في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان... إلخ، وتعليقها ب ﴿مُبِينٌ﴾ -كما ذكرت في المثال المتقدم- لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير. تأمل، وتدبر. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿ثُعْبانٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿ثُعْبانٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة الفعلية المقدرة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وعلى تعليقها ب ﴿مُبِينٌ،﴾ فتبقى الجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها، وأيضا على اعتبار (إذا) حرفا؛ فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\nتنبيه: ﴿فَإِذا:﴾ قلت: الفاء هنا حرف عطف وتعقيب، وأذكر لك ما قاله السيوطي في همع الهوامع، فقال-رحمه الله تعالى-: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن إذا الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني، وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشّلوبّين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع «ثم» موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾","vol":"6","page":559},{"text":"تَنْتَشِرُونَ وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط انتهى. أي: فهي للسببية المحضة، وفي مغني اللبيب نحو هذا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-2965\"></span>﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ:﴾ أخرجها من جيبه، أو من تحت إبطه، والمراد بها اليد اليمنى.\nروي: أن فرعون لما رأى الآية الأولى، قال: فهل غيرها؟ فأخرج يده، وقال: ما هذه؟ قال فرعون: يدك؛ فما فيها؟ فأدخلها في إبطه، ثم أخرجها، ولها شعاع يغشى الأبصار، ويسد الأفق، علما بأن سيدنا موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كان أسمر شديد السمرة. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (طه): ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فهو احتراز، واحتراس عن أن يكون البياض عن مرض، كبرص، ونحوه، وبياضها طارئ لا جبلّي.\nهذا؛ واليد تستعمل في الأصل لليد الجارحة، وتطلق ويراد بها القوة، والقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ،﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير، قال عروة بن حزام العذري: [الطويل]\nوحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان\nهذا؛ وأصل يد: (يدي) فحذفت منه الياء، والدليل على ذلك ردها إليه في الجمع، فتقول:\nالأيدي، كما في الآية الكريمة، وكذلك ترد إليه في التصغير، فتقول: يديو؛ لأن التكسير والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها.\nالإعراب: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ:﴾ هو كما في الآية السابقة بلا فارق. ﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَيْضاءُ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَنَزَعَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (ألقى...) إلخ لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-2966\"></span>﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون، وفي (الأعراف) رقم [١٠٩] قال الملأ، وقد أجاب الزمخشري-رحمه الله تعالى-عن هذا التعارض بثلاثة أوجه: الأول: أن يكون هذا الكلام صادرا منه، ومنهم، فحكي هنا عنه وفي سورة (الأعراف) عنهم. والثاني: أن فرعون قاله ابتداء، وتلقته عنه خاصته، فقالوه لمن دونهم من الرعية. والثالث: أنهم قالوه عنه للناس على","vol":"6","page":560},{"text":"طريق التبليغ، كما يفعل الملوك، يرى الواحد منهم الرأي، فيبلغه للخاصة، ثم يبلغونه للعامة، وهذا الوجه قريب من الثاني في المعنى. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n (الملأ): الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملؤون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: معشر، ورهط، ونحوهما. والملأ: رجال لا امرأة فيهم، والملأ: الخلق، وفي حديث: أن النبي ﷺ قال لأصحابه حين همّوا بضرب الأعرابي الذي بال في المسجد: «أحسنوا أملاءكم» فقد جمع بهذا المعنى، كما يجمع في المعنى المتقدم، قال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته: [الخفيف]\nأيّما خطّة أردتم فأدّو... ها إلينا تمشي بها الأملاء\nالساحر: هو الذي يستعمل السحر، وهو كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى. وقال الغزالي في «الإحياء» ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الجواهر هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستعانة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. هذا؛ والمعتمد أنّ تعلمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله وبقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد. ومعنى (ساحر عليم) متفوق في علم السحر.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿فِرْعَوْنُ﴾. ﴿لِلْمَلَإِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (الملأ)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه للمخاطب ينبه به على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾.\n ﴿لَساحِرٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. ساحر: خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2967\"></span>﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ هذا من بقية الكلام الذي قبله، وهو قول فرعون للملأ. ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ:﴾ بمعنى ماذا تشيرون، من المشاورة، والائتمار: التشاور في أمر من الأمور، وهو أولى من اعتباره من الأمر المعروف. هذا؛ ويقرأ: ﴿تَأْمُرُونَ﴾ بفتح النون، وكسرها.","vol":"6","page":561},{"text":"هذا؛ ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقي لا يدري أيّ طرفيه أطول، حتى زلّ عنه ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده، وهو إلههم أن طفق يؤامرهم، ويعترف لهم بما حذر منه، وتوقعه، وأحسّ به من جهة موسى ﵇ وغلبته على ملكه، وأرضه. انتهى. كشاف.\nالإعراب: ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ تقديره: هو. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُخْرِجَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾ أيضا، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِسِحْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ في محل نصب مفعول به، التقدير: يريد إخراجكم، وجملة: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل ﴿أَنْ،﴾ أو هي في محل رفع صفة ثانية ل: (ساحر)، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: (ساحر) و﴿عَلِيمٌ،﴾ التقدير: حالة كونه مريدا إخراجكم. ﴿فَماذا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (ماذا): (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير:\nما الذي تأمرونه، أو تأمرونني به. هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) اسم استفهام مركبا، وفي محله وجهان: الأول: اعتباره مفعولا به مقدما للفعل بعده، والثاني: اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، والرابط محذوف على مثال ما رأيت في العائد. ﴿تَأْمُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمفعول محذوف على مثال ما رأيت، وينبغي أن تعلم أن المفعول به المحذوف، هو ياء المتكلم على كسر النون، وتكون نون الرفع قد حذفت، وهو ضمير الغيبة على فتح النون، والجملة الفعلية صلة (ذا) على اعتباره موصولا مفردا، وفي محل رفع خبر المبتدأ على الوجه الأول من وجهي التركيب، أو هي فعلية لا محل لها على الوجه الثاني من وجهي التركيب، وجملة: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ سواء أكانت اسمية، أم فعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا فماذا تأمرون؟ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا، وعلى الاعتبارين فهي في محل نصب مقول القول، وهي من مقول فرعون.\nبخلافها في سورة (الأعراف) رقم [١١٠] فإنها مقولة لقول محذوف.\n\n<span id=\"aya-2968\"></span>﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال الملأ المذكورون في الآية رقم [٣٤]. ﴿أَرْجِهْ:﴾ فيه ست قراآت، ثلاثة بإثبات الهمزة (أرجئه) بكسر الهاء من غير إشباع، وضمها كذلك، وبإشباع؛ حتى","vol":"6","page":562},{"text":"يتولد منها واو، وثلاث بحذف الهمزة (أرجه) سكون الهاء وكسرها من غير إشباع، وبه حتى يتولد منها ياء. وقوله: (ابعث): في الأعراف: (أرسل). ﴿الْمَدائِنِ:﴾ قيل: هي مدائن صعيد مصر، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، ومدائن جمع: مدينة على وزن: فعيلة، فالياء زائدة في المفرد؛ فلذلك تقلب همزة في الجمع، مثل: صحيفة، وصحائف، وغير ذلك، والمدينة من مدن يمدن بالمكان إذا أقام به، فالفعل من باب نصر. ﴿حاشِرِينَ:﴾ جامعين، ومعنى ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ:﴾ أي أخر أمرهما، ولا تعجل بقتلهما، خوفا من الفتنة، والمراد ب: ﴿حاشِرِينَ﴾ الشرطة الذين كانوا جنودا عند فرعون.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَرْجِهْ:﴾\nفعل أمر مبني على السكون على الهمزة المحذوفة كما رأيت، والهاء مفعول به، وتسكينه قراآت كما رأيت، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَخاهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، وقيل: مفعول معه، والأول أقوى، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة.\n (ابعث): فعل أمر، والفاعل: أنت. ﴿فِي الْمَدائِنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حاشِرِينَ:﴾ مفعول به، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ الأصل رجالا حاشرين، وجملة (ابعث...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2969\"></span>﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿يَأْتُوكَ﴾ أي: الرجال المبعوثون إلى المدائن. ﴿سَحّارٍ:﴾ صيغة مبالغة اسم الفاعل، وفي سورة (الأعراف) ساحر. وبه قرئ هنا أيضا. ﴿عَلِيمٍ:﴾ متفوق في علم السحر، وانظر (أتى) في الآية رقم [٥].\nالإعراب: ﴿يَأْتُوكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم بجواب الأمر: (ابعث) وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب. ﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(كلّ) مضاف، و﴿سَحّارٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿عَلِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والذي في الآية رقم [٣٤] مثله.\n<span id=\"aya-2970\"></span>﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾\nالشرح أي: أحضر الشرطة السحرة في يوم معين، وهو يوم الزينة المذكور بقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥٩] حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ﴾","vol":"6","page":563},{"text":"﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ..﴾. إلخ هذا؛ وأصل «ميقات»: (موقات) قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، وقل مثله في: ميعاد، وميثاق... إلخ.\nالإعراب: ﴿فَجُمِعَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (جمع): فعل ماض مبني للمجهول.\n ﴿السَّحَرَةُ:﴾ نائب فاعل. ﴿لِمِيقاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ميقات) مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَعْلُومٍ:﴾ صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ وجملة ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2971\"></span>﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ﴾ أي: نادى مناد بالناس. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ أي: اجتمعوا، وهو استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم، وحثهم عليه، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي: انتهوا، وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: أسلموا، فهنا قد خرج الاستفهام عن معناه الحقيقي إلى الأمر، ومنه قول تأبّط شرّا: [البسيط]\nهل أنت باعث دينار لحاجتنا... أو عبد ربّ أخاعون بن مخراق؟\nأي: ابعث أحدهما إلينا سريعا. هذا؛ وأصل «قيل»: (قول) بضم القاف وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب حركتها، فصار (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة. ويقال: قلبت ياء لمناسبة الكسرة. أما (الناس) فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال:\nالأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (الإسراء) وقيل: إن أصله النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.\nالإعراب: ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف، (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِلنّاسِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام خرج عن معناه الأصلي. ﴿أَنْتُمْ:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُجْتَمِعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ في محل رفع نائب فاعل (قيل) وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام","vol":"6","page":564},{"text":"المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا فتح القريب المجيب والكلام عليه. هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور في محل رفع نائب فاعل، وجملة: ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2972\"></span>﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: قال البيضاوي تبعا للزمخشري: أي لعلنا نتبعهم في دينهم إن غلبوا، والترجي باعتبار الغلبة المقتضية للاتباع، ومقصودهم الأصلي ألا يتبعوا موسى، لا أن يتبعوا السحرة، فساقوا الكلام مساق الكناية؛ لأنهم إذا تبعوهم لم يتبعوا موسى انتهى. هذا؛ وقال الخازن:\nقيل: أراد القائل، والمنادي بالسحرة موسى وهارون، وإنما قال ذلك على طريقة الاستهزاء. انتهى. بتصرف مني، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَعَلَّنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿نَتَّبِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿السَّحَرَةَ:﴾ مفعول به؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّنا..﴾. إلخ تعليل للأمر المفهوم من الجملة الاستفهامية كما رأيت، وقيل: هي في محل نصب حال. والأول أقوى. ﴿إِنْ:﴾\nحرف شرط جازم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو تأكيد لواو الجماعة.\n ﴿الْغالِبِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. هذا؛ ويجوز في العربية اعتبار الضمير مبتدأ، و«الغالبون» خبره، والجملة الاسمية في محل نصب خبر (كان)، ولكن لم يقرأه بالواو أحد، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، التقدير: إن كانوا هم الغالبين؛ فنحن نتبعهم، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها من جملة التعليل للأمر المفهوم مما سبق.\n<span id=\"aya-2973\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١)﴾\nالشرح: اشترط السحرة على فرعون الجزاء، والمكافأة، وهو بذل المال، والجاه؛ إن غلبوا موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وكانوا اثنين وسبعين، وقيل: كانوا آلافا.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السرّاج، والفارسي، وابن جني،","vol":"6","page":565},{"text":"وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿السَّحَرَةُ:﴾ فاعل، ومفعوله محذوف، التقدير:\nجاء السحرة فرعون، وصرح به في سورة (الأعراف). والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لما) حرفا. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِفِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَإِنَّ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إن) مقدم. ﴿لَأَجْرًا:﴾ اللام: لام الابتداء. (أجرا): اسم: ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط.\n ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا): ضمير متصل في محل رفع اسمها، وباقي الإعراب مثل إعراب ﴿إِنْ كانُوا..﴾. إلخ في الآية السابقة بلا فارق، والكلام ﴿أَإِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2974\"></span>﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون. ﴿نَعَمْ﴾ أي: إن لكم أجرا، ف: ﴿نَعَمْ﴾ حرف جواب سد مسد هذه الجملة، ومثله: أجل، وجير، وإي، وبلى، ونقيضها: لا، و﴿نَعَمْ﴾ تكون لتصديق المخبر، أو إعلام المستخبر، أو وعد الطالب. ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: ولكم المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر الكبير، فتكونون أول من يدخل، وآخر من يخرج من عندي. قال الكلبي: والآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا، مهينا عاجزا، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة. وتدل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر، والمال من فرعون؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان، لقلبوا التراب ذهبا، ولنقلوا ملك فرعون لأنفسهم، ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم، ورؤساءهم. والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل، والأكاذيب. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى فرعون. ﴿نَعَمْ:﴾ هذا الحرف يقوم مقام جملة كما رأيت، فهو مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿إِذًا:﴾\nحرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. هذا؛ وبعضهم يعتبرها ظرفا، ويعلقها بما بعدها، ويعتبر التنوين نائبا عن جملة محذوفة، وتقدير الكلام: إنكم لمن المقربين إذا غلبتم موسى، ويضعفه أن لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. هذا؛ ونقل السيوطي في «همع الهوامع» عن شيخه","vol":"6","page":566},{"text":"الكافيجي: أن هذه إنما هي: «إذا» الشرطية، حذفت جملتها، التي تضاف إليها، وعوض عنها التنوين كما في: يومئذ. انتهى. ولهذا لا يختص دخولها على المضارع، بل تدخل على الماضي وعلى الاسم، وقد وردت في القرآن كثيرا. وانظر الآية رقم [٢٠]. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي لام الابتداء، وتسمى مزحلقة بالقاف، أو بالفاء. (من المقربين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ﴿نَعَمْ﴾ السادّة مسدّ الجملة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2975\"></span>﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا..﴾. إلخ: أي: اصنعوا سحركم، وأروه الناس، فالأمر بصنع السحر وإظهاره للناس، والإذن بتقديم إلقائهم إيّاه توسلا به إلى إظهار الحق، وهذا جواب سؤال صورته:\nكيف يجوز على الرسول المعصوم الإذن بل الأمر بفعل السحر، وهو من قبيل الكفر؟! وحاصل الجواب: أن صيغة الأمر ليست على حقيقتها، بل هي مجاز عن الإذن، ولا يلزم منه الرضا، وإنما هو وسيلة لإبطاله، وإظهار الحق، وهو: أن انقلاب العصا حية ليس من قبيل السحر، والشعوذة.\nولا تنس: أن السحرة تأدبوا مع موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وخيروه بين إلقائه، وإلقائهم أولا، وقد صرح القرآن الكريم بهذا في الآية رقم [١١٥] من سورة (الأعراف)، والآية رقم [٦٥] من سورة (طه). انظر شرحهما وتفسيرهما تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وأخيرا أصل ﴿أَلْقُوا﴾ (ألقيوا)، وأصل (ملقون): (ملقيون) فحذفت الضمة التي على الياء، للثقل، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وأبدلت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو، وقل في الماضي: (لقوا) مثل ذلك.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُوسى:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَلْقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿مُلْقُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ألقوا الذي، أو شيئا أنتم ملقونه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-2976\"></span>﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ أي: طرحوها على الأرض، وكانت سبعين ألف عصا،","vol":"6","page":567},{"text":"وسبعين ألف حبل، وذكر الله في سورة (الأعراف) قوله: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي، يركب بعضها بعضا، وقد قال الله تعالى في سورة (طه): ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ وهذه الخيفة لم تحصل له لأجل سحرهم؛ لأنه كان على ثقة، ويقين: أنهم لن يغلبوه، وإنما كان خوفه أن يتفرق الناس خوفا مما رأوا قبل ظهور معجزته، وحجته، وما فعله السحرة إنما كان من باب التمويه، والتخييل، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾.\n ﴿وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ:﴾ قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أقسموا بعزة فرعون، وهي من أيمان الجاهلية، وهكذا كل حلف بغير الله، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله معلقا ببعض أسمائه، أو صفاته، كقولك: بالله، والرحمن، وربي، ورب العرش، وعزة الله، وقدرة الله، وجلال الله، وعظمة الله. قال رسول الله ﷺ: «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمّهاتكم، ولا بالطّواغيت، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلاّ وأنتم صادقون». ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم، جاهلية نسبت لها الجاهلية الأولى، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه، ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به، فتلك عندهم جهد اليمين، التي ليس وراءها حلف لحالف. انتهى. كشاف.\nأقول: وأبشع شيء عند المسلمين في هذه الأيام هو الحلف بالطلاق، الذي هو دليل الفسق، والنفاق، وضعف العقيدة على الإطلاق، وما كره رسول الله ﷺ شيئا كراهيته للفظ الطلاق، فقد سمع ﷺ رجلا يحلف بالطلاق، فقام مغضبا من مجلسه، وظهرت الكراهية في وجهه، وقال: «ألعبا بدين الله وأنا فيكم، أتلعبون بدين الله وأنا بينكم؟ من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت». بل إنه ﷺ جعل الحالف بالطلاق في درجة المنافقين والفساق، وقال: «لا يحلف بالطّلاق إلاّ فاسق، ولا يرضى به إلاّ منافق».\nالإعراب: ﴿فَأَلْقَوْا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ألقوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿حِبالَهُمْ:﴾ مفعول به.\n ﴿وَعِصِيَّهُمْ:﴾ معطوف عليه، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة: ﴿فَأَلْقَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقالُوا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِعِزَّةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم، و(عزة) مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنَحْنُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (نحن): ضمير فصل لا محل له من الإعراب.","vol":"6","page":568},{"text":"﴿الْغالِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و﴿الْغالِبُونَ﴾ خبره، فتكون الجملة الاسمية: ﴿لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ ودخلت اللام على ضمير الفصل على الوجه الأول فيه؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على ضمير الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. هذا؛ وامتنع اعتبار الضمير توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ لوجود اللام الداخلة عليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2977\"></span>﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ:﴾ وفي سورة (الأعراف) وسورة (طه) ألقى عصاه بعد الأمر بذلك بوحي منه ﷾. ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أي: تأخذ، وتبتلع بسرعة بعد قلبها حية عظيمة، ومثله تلقم، وتلهم، واللقف: الأخذ بسرعة، ورجل لقف ثقف؛ أي: خفيف حاذق. وقرئ:\n «(تلقّف)» بتشديد القاف، والأصل: تتلقّف بتاءين، فحذفت إحداهما، وقرئ: «(اتّلقف)» بتشديد التاء أيضا، وقراءة حفص بتخفيف القاف، كما رأيت أولا من: لقف، يلقف؛ كعلم، يعلم، وركب، يركب. يقال: لقفت الشيء، ألقفه لقفا، وتلقّفته، أتلقّفه تلقّفا: إذا أخذته بسرعة، فأكلته، أو ابتلعته. هذا؛ والتلقي، والتّلقّف، والتّلقّن معان متقاربة، خلا أن في الأول معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف، والأخذ بسرعة، وفي الثالث معنى الحذق، والمهارة.\n ﴿ما يَأْفِكُونَ:﴾ ما يقلبون بتمويههم. هذا؛ وأصل الإفك: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب: أفاك؛ لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل، وهو بهذا المعنى من الباب الرابع، ومصدره: إفك، كعلم، ويغلب مجيء فعله بالبناء للمجهول، ويكون بمعنى الصرف، كقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ومصدره أفك كضرب، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾ وما في الآية بمعنى: الكذب وما في قوله: ﴿لِتَأْفِكَنا﴾ بمعنى: الصرف.\nتنبيه: قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية، فيقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، فإذا هي تبتلع كل شيء أتوا به من السحر، فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم، واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل، وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع، ففزعوا، ووقع الزحام بينهم، فمات منهم في ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى، فعادت في يده عصا، كما كانت أول مرة، فلما رأى السحرة ذلك؛ عرفوا أنه من أمر","vol":"6","page":569},{"text":"السماء، وليس بسحر، وعرفوا: أن ذلك ليس من قدرة البشر، فعند ذلك خروا سجدا، و﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾.\nتنبيه: إلقاء العصا، وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون، الأولى كانت سببا في جمع السحرة، والثانية بحضرتهم، فالأولى ذكرت في الآية رقم [٣٢]، والثانية هي المذكورة هنا، ووقع انقلابها مرة ثالثة، ولم يكن هناك أحد غير موسى، وقد ذكرت في سورة (طه)، وفي سورة (القصص) وكانت في طريق عودته من مدين إلى مصر. تأمل.\nتنبيه: لقد جرت سنة الله أن يؤيد الرسول بمعجزة من جنس ما برع به قومه، فقوم موسى برعوا بالسحر، فأيده الله بانقلاب العصا حية. وقوم عيسى برعوا بالطب، فأيده الله بإبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، وقوم محمد-صلّى الله عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم- برعوا بالفصاحة والبلاغة، فأيده الله بالقرآن الكريم؛ الذي أسكت فصحاءهم، وأخرس بلغاءهم.\nالإعراب: ﴿فَأَلْقى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿عَصاهُ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَلْقى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذا هِيَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٢].\n ﴿تَلْقَفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿عَصاهُ﴾. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تلقف الذي، أو شيئا يأفكونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: تلقف إفكهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿هِيَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2978\"></span>﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: إن السحرة لما عاينوا من عظيم قدرة الله تعالى ما ليس في قدرتهم مقابلته، وعلموا أنه ليس بسحر خروا لله ساجدين، وذلك أن الله تعالى ألهمهم معرفته والإيمان به، وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق وتخييل بشيء لا حقيقة له، وأن التبحر في كل فن نافع للإنسان، وإنما بدل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله، ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا؛ لم يتمالكوا أنفسهم، فكأنهم أخذوا وطرحوا على وجوههم، وأنه تعالى ألقاهم بما خولهم من التوفيق.\nالإعراب: ﴿فَأُلْقِيَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ألقي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿السَّحَرَةُ:﴾\nنائب فاعله. ﴿ساجِدِينَ:﴾ حال منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿فَأُلْقِيَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":570},{"text":"<span id=\"aya-2981\"></span>﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: فرعون. ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: لموسى، ﵇. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: قبل أن تستأذنوني في ذلك، فآذن لكم بتصديقه، واتباعه. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ:﴾ وذلك: أن فرعون رأى موسى يحدّث كبير السحرة، فقال له موسى: تؤمن بي إن غلبتك، فقال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني لأومنن بك، فظن فرعون: أنهما قد تواطآ عليه، وعلى القبط، وهذا فحوى كلامه في سورة (الأعراف): ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾ أو أراد بقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ..﴾. إلخ أي هو رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم؛ لأنه أحذق به منكم، وقد أراد فرعون بقوله هذا؛ ليشبه على الناس؛ حتى","vol":"6","page":571},{"text":"لا يتبعوهم، فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم: أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى، وقبل ولادته. ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ تهديد، ووعيد شديدين، فسرهما بما يلي في الآية التالية. هذا؛ وقال سبحانه هنا وفي سورة (طه): ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ وقال في سورة (الأعراف): ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وهما بمعنى واحد، والضمير فيهما لموسى ﵇، وقيل في سورة (الأعراف) الضمير إلى الله تعالى، وانظر إعلال الهمزة الممدودة فيما تقدم.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى فرعون. ﴿آمَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿آذَنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، و﴿أَنْ آذَنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكَبِيرُكُمُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (كبيركم): خبر (إنّ)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: (كبيركم)، أو هو بدل منه، أو عطف بيان عليه. ﴿عَلَّمَكُمُ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿السِّحْرَ:﴾ مفعول به ثان، وجملة:\n ﴿عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والكلام ﴿آمَنْتُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول. ﴿فَلَسَوْفَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: بعزتي، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (سوف): حرف تسويف واستقبال.\n ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، التقدير: فسوف تعلمون ما أفعل بكم، وجملة: (لسوف تعلمون) جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام لا محل له؛ لأنه جواب شرط غير جازم وتقدير الكلام: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا منكم؛ فأقسم بعزتي: لسوف تعلمون ما أفعل بكم! والكلام كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-2981\"></span>﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ:﴾ قرأ حفص بضم الهمزة، وتشديد الطاء من الرباعي، وقرأ غيره بفتح الهمزة، وتخفيف الطاء من الثلاثي، وكذا: (لأصلبنكم). ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ يريد أن يقطع من كل شق طرفا فيقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، أو بالعكس. قيل: إن فرعون-لعنه الله-أول من سن هذا القطع، وهذا الصلب للمؤمنين، وذلك لشدة كفره، وعناده، ثم شرعه الله تعالى لقطّاع الطّريق، وللباغين تعظيما لجرمهم، وتنكيلا بهم، ولذلك سماه الله محاربة له ولرسوله، ولكن على التعاقب لفرط رحمته، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٣] من سورة (المائدة) وجيء هنا،","vol":"6","page":572},{"text":"وبسورة (طه) بالواو، وفي سورة (الأعراف) ب: ﴿ثُمَّ؛﴾ لأن الواو صالحة للمهلة، فلا تنافي بين الآيات، وانظر شرح (اليد) في الآية رقم [٣٣].\nتنبيه: قال الجمل-رحمه الله تعالى-نقلا عن كرخي: والحاصل: أنهم لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول قومه: إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفتهم بصحة أمر موسى ﵇، فيسلكون طريقهم، فلبّس على القوم، وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه: أحدها: قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ والمعنى: أن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه، فتتطرق التهمة إليهم، فلعلهم قصروا في السحر حياء منه. وثانيها: قوله:\n ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهذا تصريح بما رمز به أولا، وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى، وقصروا في السّحر، ليظهر أمر موسى، وإلا ففي قوة السّحرة أن يفعلوا مثل ما فعل هو، وهذه شبهة قوية في تنفير من حوله. وثالثها: قوله: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو وعيد، وتهديد شديدين. انتهى. هذا؛ وقيل: إنه فعل بهم ما توعدهم به من التقطيع، والتصليب، وقيل: لم يفعله بهم، ولم يرد في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ذلك. انتهى.\nوالقول الأول منقول عن الكلبي، وقال غيره: لم يقدر عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ الآية رقم [٣٥] من سورة (القصص).\nالإعراب: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، (أقطعن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أو الخفيفة حسب القراءة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وكأنه قال: أقسم بعزتي، وعظمتي لأقطعن! وهذا الكلام مفسر للجملة القسمية في الآية السابقة، فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَيْدِيَكُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الأيدي، والأرجل، التقدير: مختلفات. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ:﴾\nالواو: حرف عطف. وجملة ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثل سابقتها، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد لمدلول الكاف، والميم، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وأخيرا أقول: إن الآيات في هذه السورة وفي سورة (الأعراف) وفي سورة (طه) متقاربة في المعنى والإعراب، وإن اختلفت في بعض الألفاظ.\n\n<span id=\"aya-2982\"></span>﴿قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: السحرة الذين آمنوا مجيبين إلى فرعون. ﴿لا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عذاب الدنيا، بل لنا فيه أعظم النفع؛ لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله","vol":"6","page":573},{"text":"تعالى من تكفير الخطايا، والثواب العظيم مع الأعواض الكثيرة. هذا؛ والضر، والضير، والضور واحد. ويقال: لا ضير ولا ضور ولا ضرّ ولا ضرر ولا ضارورة، والكل بمعنى واحد، وأنشد أبو عبيدة قول خداش بن زهير: [الوافر]\nفإنّك لا يضورك بعد حول... أظبي كان أمّك أم حمار\nومعنى هذا البيت: لا تبالي، أو لا يعيبك، أو لا يضرك بعد قيامك بنفسك، واستغنائك عن أبويك من انتسبت إليه من شريف، أو وضيع. وضرب المثل بالظبي، أو بالحمار. ويستشهد بالبيت على جعل اسم كان نكرة، وخبرها معرفة ضرورة، وانظر الشاهد رقم [٨٢٣] من كتابنا فتح القريب المجيب.\n ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: راجعون إلى ربنا بالموت لا محالة، فلا نبالي بوعيدك، وتهديدك، فهو الذي يفصل بيننا، وبينك بالحق، وهو خير الحاكمين. فكأنهم استلذوا العذاب رغبة في الأجر، والثواب حين خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾\nنافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿ضَيْرَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: لا ضير علينا، أو في ذلك، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، وقد حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِلى رَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُنْقَلِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل للنفي، لا محل لها، وهي من مقول السحرة، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-2983\"></span>﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾ أي: نأمل أن يتكرم علينا ربنا بغفر ذنوبنا؛ التي صدرت منا فيما مضى من عمرنا من سحر، وغيره، والطمع: نزول النفس إلى الشيء، والحرص على حصوله، وطمع يطمع من باب: سلم، يسلم. وخطايا: جمع: خطيئة، وتجمع على خطيئات، وهو كثير في القرآن الكريم. ﴿أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: عند ظهور الآية ممن كان في جانب فرعون. وقال الفراء: أول مؤمني زماننا. وأنكره الزجاج، وقال: قد روي: أنه آمن معهم ستمئة ألف، وسبعون ألفا، وهم الشّرذمة القليلون الذين قال فيهم فرعون ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ روي ذلك عن ابن مسعود، وغيره. انتهى. قرطبي. هذا؛ وانظر شرح ﴿رَبَّكَ﴾ في الآية رقم [٩]، وشرح: (أوّل) في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان). هذا؛ وقرئ بكسر همزة (إن).","vol":"6","page":574},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَطْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعل، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خَطايانا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و(نا): في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَغْفِرَ..﴾. إلخ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إنا نطمع بمغفرة ربنا لنا خطايانا، أو في محل نصب مفعول به على تضمين ﴿نَطْمَعُ﴾ معنى: نرجو، وجملة: ﴿نَطْمَعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل ثان لنفي الضير، أو تعليل للعلة المتقدمة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ و(نا):\nاسمها. ﴿أَوَّلَ:﴾ خبر كان، و﴿أَوَّلَ﴾ مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، و﴿أَنْ كُنّا:﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن كنا...، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَغْفِرَ،﴾ وعلى قراءة كسر الهمزة، قال فيه الزمخشري: هو من الشرط الذي يجيء به المدل بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين: أنهم أول المؤمنين، ونظيره قول العامل لمن يؤخر جعله: إن كنت عملت لك؛ فوفني حقي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ مع علمه: أنهم لم يخرجوا إلا لذلك. انتهى. كشاف. وعلى ما تقدم يكون جواب الشرط محذوفا، التقدير: إن كنا أول المؤمنين؛ فهو يغفر لنا خطايانا.\n\n<span id=\"aya-2984\"></span>﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى..﴾. إلخ: هذا الإيحاء والأمر بالسير كان بعد ثلاثين سنة أقامها موسى بينهم يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، فلم يزدادوا إلا عتوا، وعنادا على كثرة المعجزات التي رأوها على يد موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقد فصل ذلك في سورة (الأعراف) في الآية رقم [١٣٢] وما بعدها. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ:﴾ يتبعكم فرعون، وجنوده، أي: أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين، كان لكم تقدم عليهم، بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر، فيدخلون مدخلكم، فأطبقه عليهم، فأغرقهم، وتنجون أنتم.\nهذا؛ وأسرى فيه لغتان: سرى وأسرى، وقرئ هنا بكسر نون ﴿أَنْ﴾ على أن الهمزة للوصل، من الأول، وقرئ بسكون النون على أن الهمزة للقطع من الثاني، وقد جمع حسان بن ثابت﵁بين اللغتين في بيت واحد؛ حيث قال: [الكامل]\nحيّ النّضيرة ربّة الخدر... أسرت إليّ ولم تكن تسري","vol":"6","page":575},{"text":"وسرى، وأسرى بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيدة، والثانية لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم هنا، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث. وأما: سار؛ فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى مشى.\nهذا؛ والسّرى، والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى، يسري، سرى، ومسرى، وسرية، وسراية؛ وأسرى إسراء. هذا؛ والسرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث، كأنهم جعلوه جمع: سرية. ﴿بِعِبادِي:﴾ الإضافة إضافة تشريف، وتبجيل، وتفخيم، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، وكثيرا ما ذكر الله حبيبه محمدا ﷺ بلفظ عبده. هذا؛ والعبد الإنسان، حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك.\nهذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله وسلم عليهم أجمعين. والوحي أيضا: الكتابة والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام، واختلف في الوحي إلى أم موسى، فقيل: كان في المنام، وقيل: كان إلهاما، وقيل: كان يكلمها جبريل.\nالإعراب: ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أوحينا): فعل، وفاعل. ﴿إِلى مُوسى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. ﴿أَسْرِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مفسرة للإيحاء، لا محل لها. هذا؛ ويجيز بعضهم اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والمعتمد الأول. ﴿بِعِبادِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: مصحوبا بعبادي، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مُتَّبَعُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ تعليل للأمر.\n\n<span id=\"aya-2985\"></span>﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: لما علم فرعون بخروج بني إسرائيل عند الصباح أمر جنوده، وأعوانه، وعساكره أن يجمعوا الناس من جميع المدائن، وكانت ألف مدينة، واثني عشر ألف قرية، فعن ابن عباس-رضي","vol":"6","page":576},{"text":"الله عنهما-قال: خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، فلذلك استقل قوم موسى ﵇، وكانوا ستمئة ألف وسبعين ألفا، وسماهم شرذمة قليلين بالنسبة لعسكره، وجنوده.\nالإعراب: ﴿فَأَرْسَلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أرسل): فعل ماض. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله. ﴿فِي الْمَدائِنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿حاشِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، وجملة: ﴿فَأَرْسَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أوحينا...) إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-2986\"></span><span id=\"aya-2987\"></span><span id=\"aya-2988\"></span>﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ أي: قوم موسى. ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ أي: طائفة قليلة، وذلك بالنسبة لعسكره كما تقدم، وتجمع على: شراذم، وشراذيم. ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ:﴾ الغيظ: الغضب الشديد، ومنه التغيظ، والاغتياظ، يقال: غاظني كذا، وأغاظني. وسبب شدة غيظ فرعون من بني إسرائيل ما روي: أن الله أوحى إلى موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أن اجمع بني إسرائيل كلّ أربعة أبيات في بيت واحد، ثم اذبحوا الجداء، واضربوا بدمائهم على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة ألا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار القبط؛ لأشغلهم بموتاهم عن اللحاق بكم. وسبب آخر للغيظ هو أخذ النساء الإسرائيليات حلي النساء القبطيات بحجة الاستعارة للزينة بها في يوم عيد، أو بحجة عرس، كما رأيت في الآية رقم [٨٧] وما بعدها من سورة (طه). وكما رأيت في الآية رقم [١٤٨] من سورة (الأعراف)، فالغيظ حصل لفرعون وقومه من أمور: مخالفة بني إسرائيل لدينهم، وذهابهم بأموالهم التي استعاروها، وقتل الملائكة لأبكارهم، وخروج بني إسرائيل من أرض مصر بغير إذنهم. ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ أي: وإنا لجميع من عادتنا الحذر، واستعمال الحزم في الأمور، وقرئ: «(حذرون)» اي: خائفون من شرهم، قال الشاعر أبو يحيى اللاحقي: [الكامل]\nحذر أمورا لا تضير وآمن... ما ليس منجيه من الأقدار\nكما قرئ: «(حادرون)» بالدال، والحادر: القوي السمين، قال: [الطويل]\nأحبّ الصّبيّ السّوء من أجل أمّه... وأبغضه من بغضها، وهو حادر\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء):\nاسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَشِرْذِمَةٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (شرذمة): خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿قَلِيلُونَ:﴾ صفة (شرذمة)، وصح ذلك؛ لأنها بمعنى الجماعة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع صفة ثانية لموصوف","vol":"6","page":577},{"text":"محذوف، والصفة الأولى: ﴿حاشِرِينَ،﴾ وتقدير الكلام: فأرسل فرعون... رجالا حاشرين قائلين: إن هؤلاء... إلخ. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿لَغائِظُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (غائظون): خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، و﴿حاذِرُونَ﴾ صفة (جميع) وساغ ذلك؛ لأنه بمعنى جماعة أيضا.\n\n<span id=\"aya-2989\"></span><span id=\"aya-2990\"></span>﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾\nالشرح: قيل: كانت البساتين ممتدة في حافتي النيل، فيها عيون، وأنهار جارية. والمراد ب: (كنوز) الأموال التي كانوا يملكونها من الذهب والفضة، وسماها الله كنوزا؛ لأنه لم يؤدّ حق الله منها، وكل مال لم يؤد حق الله منه فهو كنز، وإن كان ظاهرا. قيل: كان لفرعون ثمانمئة ألف غلام، كل غلام على فرس عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب. ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أي: حسن.\nقيل: أراد مجالس الأمراء، والرؤساء التي كانت لهم. وقيل: إنه كان إذا قعد على سريره، وضع بين يديه ثلاثمئة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف من قومه، والأمراء، وعليهم أقبية الذهب، مخوصة بالذهب. والمعنى: إنا أخرجناهم من بساتينهم، التي فيها العيون، وأموالهم، ومجالسهم الحسنة. هذا؛ والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضى في بابه، يقال:\n «وجه كريم» أي: مرضي بحسنه، وجماله، و«كتاب كريم»: مرضي في معانيه، وفوائده، «ونبات كريم»: مرضي فيما يتعلق به من المنافع، قال تعالى: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ وقس على ذلك الإنسان، والحيوان، والمكان. وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أخرجناهم): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ جَنّاتٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَكُنُوزٍ:﴾ معطوفة أيضا. ﴿وَمَقامٍ:﴾ معطوف أيضا على ما قبله. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة (مقام).\n<span id=\"aya-2991\"></span><span id=\"aya-2992\"></span>﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾\nالشرح: أي: إن كل ما ذكره الله تعالى من الجنات، والعيون، والكنوز، والمقام الكريم، أورثه ﷾ بني إسرائيل. قال الحسن وغيره: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ أي: لحق فرعون وقومه بني إسرائيل وقت شروق الشمس وإضاءتها. واختلف في سبب هذا التأخر إلى شروق الشمس على قولين: أحدهما: لاشتغالهم","vol":"6","page":578},{"text":"بدفن أبكارهم الذين ماتوا في تلك الليلة. الثاني: أن سحابة أظلّتهم، وظلمة نزلت بهم، فظنوا:\nأن النهار لم يشرق نوره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أورثناها بني إسرائيل ميراثا كائنا مثل إخراج فرعون وقومه من جنات... إلخ، وعليه فالواو زائدة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. وقال الزمخشري:\n ﴿كَذلِكَ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه، النصب على: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه. والجر على أنه وصف ل: (مقام) أي: مقام كريم مثل ذلك المقام، الذي كان لهم. والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كذلك. انتهى. وهذا أقوى الثلاثة عندي. ﴿وَأَوْرَثْناها:﴾ الواو:\nحرف صلة، أو حرف استئناف على حسب الإعراب المتقدم، والعطف ممكن على ما تقدم.\n (أورثناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية على حسب ما قيل بالواو. ﴿بَنِي:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، والعطف غير جائز لاختلاف المعنى بين الجملتين، وإذا عطفناها على جملة:\n (أخرجناهم...) إلخ فتكون جملة: ﴿وَأَوْرَثْناها..﴾. إلخ معترضة بينهما، وهذا جيد لا غبار عليه.\n (أتبعوهم): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مُشْرِقِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، أو من الهاء منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n\n<span id=\"aya-2993\"></span>﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ:﴾ تقاربا بحيث رأى كل منهما الآخر، وقرئ: «(تراءت الفئتان)» ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أي: لملحقون بمعنى: سيدركنا فرعون، وقومه، ولا طاقة لنا بهم.\nقرئ بتشديد الدال. وفرق بينهما بأن معنى الأول: ملحقون، ومعنى الثاني: مجتهد في لحاقهم.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٤١]. ﴿تَراءَا:﴾ فعل ماض، ﴿الْجَمْعانِ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعل، و﴿أَصْحابُ﴾ مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف","vol":"6","page":579},{"text":"للتعذر. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.\n ﴿لَمُدْرَكُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مدركون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-2994\"></span>﴿قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى، ﴿كَلاّ:﴾ لن يدركوكم، فإن الله وعدكم الخلاص منهم، وهذا رد لقولهم السابق: ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾. ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي﴾ أي: بالحظ، والرعاية، ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ طريق النجاة منهم، ومن كيدهم، روي: أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟! فهذا البحر أمامك، وقد غشيك آل فرعون، قال: أمرت بالبحر، ولعلي أومر بما أصنع.\nوهنا بحث جدير بالاعتبار، وهو المقارنة بين قول موسى ﵇ ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي،﴾ وقول نبينا، وحبيبنا محمد ﷺ في سورة (التوبة). ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ وكلاهما كان في حالة شدة، وضيق، كلاهما شديد الاتصال بربه، والتوكل عليه، فنجد موسى ﵇ قدم الظرف على لفظ ربي، ونبينا، وحبيبنا قدم لفظ الجلالة على الظرف، وللتقديم أهميته في مثل هذا المقام، ولا سيما إذا كان من رسولين عظيمين كريمين على الله، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وما يتذكر ويعتبر إلا أولو الألباب. وانظر الكلام على ﴿كَلاّ﴾ في الآية رقم [٧٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى موسى ﵇. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر مبني على السكون في محل نصب مقول القول، وهو مفيد للنفي هنا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَعِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿رَبِّي:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ السين: حرف استقبال. (يهدين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ربي، والنون للوقاية، والمفعول به، وهو ياء المتكلم محذوف لدلالة الكسرة عليها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان؛ ل: ﴿إِنَّ،﴾ وقيل: مستأنفة، والأول أقوى بلا شك.\nوالجملة الاسمية: ﴿إِنَّ مَعِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التعليل للردع، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":580},{"text":"<span id=\"aya-2995\"></span>﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾\nالشرح: قيل: لما انتهى موسى ومن معه إلى البحر، هاج البحر، وهاجت الرياح، وصار البحر يرمي بموج كالجبال، قال يوشع بن نون: يا كليم الله! أين أمرت؛ فقد غشينا فرعون من خلفنا، والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا، فخاض يوشع الماء، لا يواري حافر دابته، وقال الذي يكتم إيمانه-وهو مؤمن آل فرعون، واسمه حزقيل-: يا كليم الله! أين أمرت؟ قال: هاهنا. فكبح فرسه، فصكه بلجامه، حتى طار الزبد من شدقه، ثم أقحم البحر، فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع! فأوحى الله إليه، أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فإن الرجل واقف على فرسه، لم يبتل سرجه، ولا لبده. انتهى. خازن بتصرف. وهذا إحدى الآيات التي أيد الله بها موسى، وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (النمل).\n ﴿فَانْفَلَقَ:﴾ فانشق اثني عشر فرقا بعدد أسباط بني إسرائيل المنسوبين إلى أولاد يعقوب الاثني عشر على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ووقف الماء كالطود، أي: الجبل العظيم، فصار ما بين تلك الأطواد طرقا يابسة، كما ذكر الله في الآية رقم [٧٧] من سورة (طه) بعد هذا فالبحر: الماء الكثير، أو الملح، والجمع: بحور، وبحار، وأبحر. وضد البحر: البر، وهو بفتح الباء: الأرض اليابسة، وهو بضم الباء: حب القمح، وبكسرها: عمل الخير مطلقا، وقد ثبت جغرافيا: أن مساحة البحر، تعدل ثلاثة أضعاف مساحة البر. وروي أن أنواع المخلوقات، وأجناسها الموجودة في أعماق البحار أكثر ممّا يوجد على سطح الأرض. والله أعلم. و﴿فِرْقٍ:﴾ قطعة من ماء البحر.\nو(الطود): الجبل العظيم كما رأيت، ومنه قول امرئ القيس: [الوافر]\nفبينا المرء في الأحياء طود... رماه النّاس عن كثب فمالا\nوجمعه: أطواد، قال الأسود بن يعفر: [الكامل]\nحلّوا بأنقرة يسيل عليهم... ماء الفرات يجيء من أطواد\nالإعراب: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٥٣].\n ﴿بِعَصاكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَانْفَلَقَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (انفلق): فعل ماض، والفاعل تقديره:\n «هو» يعود إلى ﴿الْبَحْرَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة معطوفة بدورها على جملة: (أوحينا...) إلخ لا محل لهما مثلها. انظر التقدير في الشرح. ﴿فَكانَ:﴾ الفاء: حرف","vol":"6","page":581},{"text":"عطف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿كُلُّ:﴾ اسمها، و﴿كُلُّ﴾ مضاف، و﴿فِرْقٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿كَالطَّوْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وإن اعتبرت الكاف اسما، فتكون هي الخبر، بمعنى: مثل، وتكون مضافة، و(الطود) مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة (الطود)، وجملة ﴿فَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2996\"></span><span id=\"aya-2997\"></span><span id=\"aya-2998\"></span>﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ أي: قربناهم إلى البحر، والمراد فرعون، وقومه، قيل: إن جبريل الأمين﵇كان بين بني إسرائيل، وبين قوم فرعون، يقول لبني إسرائيل:\nليلحق آخركم أولكم، ويقول للقبط: رويدا ليلحق آخركم أولكم، فكان بنو إسرائيل يقولون:\nما رأينا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان قوم فرعون يقولون: ما رأينا أحسن داع من هذا الرجل. انتهى. خازن. هذا؛ وقرأ أبو عبد الله بن الحارث، وأبي بن كعب، وابن عباس -﵃ أجمعين- «(وأزلقنا)» بالقاف على معنى أهلكناهم، أو معنى أذهبنا عزهم، كقول زهير في مدح هرم بن سنان، والحارث بن عوف: [الطويل]\nتداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها... وذبيان؛ إذ زلّت بأقدامها النّعل\n ﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى..﴾. إلخ: أي من الفرق حيث عبروا البحر سالمين. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ:﴾\nانظر ما قال فرعون حين أدركه الغرق وما قيل له في الآية رقم [٩٠] وما بعدها من سورة (يونس) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿ثَمَّ:﴾ بضم الثاء حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كلّ منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (ربّ) و(لا) العاملة عمل ليس، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح. هذا؛ وثمّ هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في الآية رقم [٦٥] وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.\nالإعراب: ﴿وَأَزْلَفْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أزلفنا): فعل، وفاعل. ﴿ثَمَّ:﴾ اسم إشارة مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل قبله. ﴿الْآخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَأَزْلَفْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n (أنجينا): فعل، وفاعل. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف","vol":"6","page":582},{"text":"للتعذر. ﴿وَمَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ﴿مُوسى﴾.\n ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد ل: ﴿مُوسى﴾ وما عطف عليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَأَنْجَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿ثَمَّ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-2999\"></span><span id=\"aya-3000\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في إغراق فرعون وقومه. ﴿لَآيَةً﴾ أي: علامة على قدرة الله تعالى، وأيضا عبرة لمن بعدهم. ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: في علم الله، وقضائه. وانظر الآية رقم [٨]. فلم يؤمن بالله من قوم فرعون غير آسية امرأة فرعون، وحزقيل مؤمن آل فرعون المذكور في الآية رقم [٢٨] من سورة (غافر)، ومريم بنت ناموسى التي دلت موسى على عظام يوسف ﵇، وكانت عجوزا، تعيش من العمر نحو سبعمئة سنة، وسبب دلالتها على قبره: أن الله أمر موسى بأخذه معه إلى الشام، حين خروجه من مصر، فسأل عن قبره، فلم يعرف ذلك أحد، فدلته عليه هذه العجوز، بعد ما ضمن لها موسى على الله الجنة، وكان يوسف قد دفن في قعر النيل، فحفر عليه موسى، وأخرجه وذهب به إلى الشام، في خروجه من مصر. انتهى. جمل.\nروى أبو بردة عن أبي موسى الأشعري﵁أن رسول الله ﷺ نزل بأعرابي، فأكرمه. فقال رسول الله ﷺ: «حاجتك» قال: ناقة أرحلها، وأعنزا أحلبها، فقال رسول الله ﷺ:\n «فلم عجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟!». فقال أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل؟ فذكر لهم حال هذه العجوز التي احتكمت على موسى أن تكون معه في الجنة. انتهى. قرطبي. هذا؛ ونص الآية يدل على أن الثلاثة المذكورين كانوا من قوم فرعون، وإلا فإن بني إسرائيل كانوا جميعا مؤمنين بالله، ومتبعين لموسى، ومصادقين له.\n ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ:﴾ انظر شرح هذه الآية وإعرابها برقم [٩] وإعراب سابقتها برقم [٨] وذلك بغية الاختصار، والله ولي التوفيق، وأسأله المزيد من فضله وكرمه لي ولإخواني المؤمنين الصادقين.\n<span id=\"aya-3001\"></span><span id=\"aya-3002\"></span><span id=\"aya-3003\"></span>﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَاتْلُ:﴾ هذا الخطاب للنبي ﷺ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على أهل مكة المشركين. ﴿نَبَأَ إِبْراهِيمَ:﴾ خبر إبراهيم مع قومه. ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ﴾ أي: اذكر كما رأيت في الآية رقم [٧٤] من","vol":"6","page":583},{"text":"سورة (الأنعام) على المعتمد. ﴿وَقَوْمِهِ﴾ أي: نمرود، ومن تبعه. ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ أي: أي شيء تعبدونه؟ وإبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يعلم: أنهم عبدة أصنام، ولكنه سألهم؛ ليريهم: أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة.\n ﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا:﴾ قال النسفي رحمه الله تعالى: جواب ﴿ما تَعْبُدُونَ:﴾ ﴿أَصْنامًا﴾ أي:\nفيكفي هذا بدون ذكر الفعل، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: فحذف الفعل: أنفقوا، وكقوله تعالى: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ أي: قال: ﴿الْحَقَّ،﴾ فحذف الفعل؛ لأن سؤال إبراهيم لهم عن المعبود، لا عن العبادة، وإنما زادوا: (نعبد) في الجواب افتخارا ومباهاة بعبادة الأصنام. انتهى. بتصرف كبير مني.\n ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أي: فنبقى، وندوم على عبادتها، وتقديسها، وتعظيمها مقيمين، لا نتركها أبدا، فليس المراد التوقيت في النهار، خلافا لمن قال به، بل المراد من الفعل (نظل) الاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾.\nهذا؛ والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذي يتخذ من خشب، أو حجارة، أواحديد، أو ذهب، أو فضة على صورة إنسان، أو غيره. وهو الوثن المعبر به في كثير من الآيات القرآنية.\nوانظر نسب إبراهيم، وأولاده، وقصته مع سارة، وهاجر، وزوجته في الآية رقم [٣٥] من السورة المسماة باسمه، وانظر ما فعل بالأصنام، وما أرادوا به من كيد، وتحريق في سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَاتْلُ:﴾ الواو: حرف عطف تعطف قصة إبراهيم مع قومه على قصة موسى مع فرعون وقومه، علما بأن قصة إبراهيم متقدمة على قصة موسى، كيف لا؟ وإبراهيم هو الجدّ الأول لموسى، وغيره من الأنبياء، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. (اتل):\nفعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَبَأَ:﴾\nمفعول به، و: ﴿نَبَأَ:﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل اشتمال من ﴿نَبَأَ﴾. وقيل: متعلق ب: ﴿نَبَأَ﴾ نفسه، والأول أقوى، وأولى. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى إبراهيم. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء، نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمِهِ:﴾ معطوف على أبيه بالواو العاطفة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، أو في محل رفع مبتدأ. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال","vol":"6","page":584},{"text":"الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول على اعتبار الأول في ﴿ما،﴾ وفي محل رفع خبرها على اعتبارها مبتدأ، ويكون الرابط، وهو المفعول به محذوفا، التقدير:\nتعبدونه، وعلى هذا فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن». ﴿أَصْنامًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَنَظَلُّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نظلّ): فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه، تقديره: «نحن». ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿عاكِفِينَ:﴾ خبر (نظل) منصوب، وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿فَنَظَلُّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3004\"></span><span id=\"aya-3005\"></span>﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: إبراهيم لقومه. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ أي: هل يسمعون دعاءكم إذا دعوتموهم؟ ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ أي: هل تنفعكم هذه الأصنام برزق، أو بصحة وعافية، أو بولد، ونحو ذلك؛ إن عبدتموهم؟ أو يضرونكم بشيء؛ إن عصيتموهم؟ وهذا استفهام لتقرير الحجة، بل للتقريع، والتوبيخ، والمعنى: فإذا لم ينفعوكم، ولم يضروكم بشيء فما معنى عبادتكم لها؟ هذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة التي هي لجماعة المذكرين العاقلين، مع أنها جمادات لا تعقل؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل، من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي.\nهذا؛ والفعل «يسمع» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول: كذا، وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال، إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام مفيد للتوبيخ، والتقريع. ﴿يَسْمَعُونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وانظر الشرح لتقدير المحذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِذْ:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل","vol":"6","page":585},{"text":"قبله. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: تدعونهم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجملة: ﴿يَنْفَعُونَكُمْ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ:﴾\nفهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿يَضُرُّونَ﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3006\"></span>﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾\nالشرح: فهذا الجواب منهم اعتراف صريح بأن ما يعبدون من دون الله بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة، واضطروا إلى بيان أنه لا مستند لهم في عبادتها سوى التقليد.\nوالمعنى: ما علمنا ولا رأينا من تلك الأصنام ما ذكر من الأمور، وإنما وجدنا آباءنا يعبدونها، فاقتدينا بهم.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب متضمن معنى النفي. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به أول، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يفعلون فعلا كائنا مثل فعلنا، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٦٠].\n ﴿يَفْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿بَلْ وَجَدْنا آباءَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3007\"></span><span id=\"aya-3008\"></span><span id=\"aya-3009\"></span>﴿قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: إبراهيم. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ:﴾ قال أبو السعود رحمه الله تعالى: أي: أنظرتم فأبصرتم، أو أتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدونه؟ وقال الكازروني: المعنى:\nأخبروني عن حال ما كنتم تعبدون. وانظر الإعراب. ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ:﴾ الأولون، فإن التقدم لا يدل على صحة، ولا ينقلب به الباطل حقا.\n ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي:﴾ المعنى: فإنهم عدو لي يوم القيامة؛ إن عبدتهم في الدنيا، كما قال تعالى في الآية رقم [٨٢] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. وقيل: إن الكفار لما عبدوها، ونزلوها منزلة الأحياء العقلاء؛ أطلق إبراهيم لفظ العداوة عليها، وقال الفراء: هو من المقلوب، مجازه: فإني عدو لهم؛ لأن من عاديته عاداك. هذا؛ وإذا عرفنا أن المعبودات تتبرأ من عابديها، كما نصت على ذلك الآيات","vol":"6","page":586},{"text":"الكثيرة؛ فكفى بذلك عداوة بينها وبين من يعبدها. ﴿إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أي: فإنه ربي، ووليي.\nوقال الكلبي: التقدير: إلا من عبد رب العالمين.\nهذا؛ وعدو: ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل صبور، وشكور وما كان على هذا الوزن، يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا، جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فقد عبر به عن مفرد، وما في الآية الكريمة عبر به عن جمع، كما هو واضح، ومثل ذلك صديق، كما رأيت في الآية رقم [٦١] من سورة (النور)، وقيل: أفرد عدو على النسب، أي: ذو عداوة، والجمع أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى، وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر اسم الجمع. هذا؛ والعبادة: غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى؛ ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وعن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: «أنا، والإنس، والجنّ في نبأ عظيم، أخلق، ويعبد غيري، وأرزق، ويشكر غيري»».\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى إبراهيم.\n ﴿أَفَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتعجيب. الفاء: أراها زائدة للتوكيد، (رأيتم): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، فعلى قول أبي السعود يكتفي الفعل به، وعلى قول الكازروني يتطلب الفعل مفعولين على مثال ما رأيت في سورة (الأنعام) رقم [٤٠]، والآية رقم [٥٠] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، الأول: الاسم الموصول، والثاني: جملة استفهامية غير موجودة هنا، ويقدر الكلام:\n «أخبروني ما كنتم تعبدون، هل هو حقيق بالعبادة أو لا؟». انتهى. جمل. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله، وهو العائد محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: «كنتم تعبدونه» صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لواو الجماعة. (آباؤكم): معطوف على واو الجماعة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿الْأَقْدَمُونَ:﴾ صفة (آباؤكم) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف تعليل.\n (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر (إن). ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ﴾. ﴿إِلاّ:﴾\nأداة استثناء. ﴿رَبَّ:﴾ مستثنى متصل، أو منقطع، فالاتصال على قول من يقول: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله مثل مشركي مكة، والانقطاع على أنهم لم يعترفوا بوجود الله تعالى،","vol":"6","page":587},{"text":"و﴿رَبَّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية (إنهم...) إلخ تعليل لما قبلها، والكلام:\n ﴿أَفَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3010\"></span>﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿يَهْدِينِ﴾ أي: يرشدني إلى الدين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له، من أمور المعاش والمعاد، كما قال جل ذكره: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ هداية مدرجة، من مبدأ إيجاده، إلى منتهى أجله، يتمكن بها من جلب المنافع، ودفع المضار، مبدؤها بالنسبة للإنسان، هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم، ومنتهاها الهداية، إلى طريق الجنة، والتنعم بلذائذها.\nالإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿رَبَّ الْعالَمِينَ،﴾ أو عطف بيان عليه، أو صفة له، أو على إضمار: أعني، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي. ﴿خَلَقَنِي:﴾ فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ تقديره: «هو»، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف على الأوجه الأولى في الموصول، وزائدة على اعتباره مبتدأ. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَهْدِينِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هو يهدين) معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها على الأوجه الأولى في الموصول، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3011\"></span>﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾\nالشرح: المعنى: هو يرزقني، ويغذيني بالطعام، والشراب.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله، أو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، تقديره: لا أحد غيره يفعل ذلك. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يُطْعِمُنِي﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَسْقِينِ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿يَهْدِينِ﴾ بلا فارق.","vol":"6","page":588},{"text":"<span id=\"aya-3012\"></span>﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾\nالشرح: أي: إذا أصابني المرض فهو يبرئني ويعافيني من المرض، فقد أضاف المرض إلى نفسه استعمالا للأدب، وإن كان المرض، والشفاء من الله تعالى: وذلك كما قال الخضر:\n ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها،﴾ وقال: ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما﴾.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإنما لم ينسب المرض إليه تعالى؛ لأن مقصوده تعداد النعم، ولا ينتقض بإسناد الإماتة إليه، فإن الموت من حيث إنه لا يحسن به، لا ضرر فيه، إنما الضرر في مقدماته، وهي المرض، ثم إنه لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب التي تستحقر دونها الحياة الدنيوية، وخلاص من أنواع المحن والبلية؛ ولأن المرض في غالب الأمر، إنما يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه، ومشاربه، وبما بين الأخلاط والأركان من التنافي، والتنافر، والصحة إنما تحصل باستحفاظ اجتماعها، والاعتدال المخصوص عليها قهرا، وذلك بقدرة العزيز الحكيم. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَرِضْتُ:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): مبتدأ، وجملة: ﴿يَشْفِينِ﴾ في محل رفع خبره، وإعرابها مثل إعراب ﴿يَهْدِينِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ جواب (إذا) لا محل لها. و(إذا) ومدخولها معطوف على جملة: ﴿يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ لا محل له مثلها.\n<span id=\"aya-3013\"></span>﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿يُمِيتُنِي﴾ أي: في الدنيا. ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ أي: يوم القيامة للحساب، والجزاء.\nهذا؛ وقال النسفي-رحمه الله تعالى-: ولم يقل: إذا مت؛ لأنه الخروج من حبس البلاء، ودار الفناء إلى روض البقاء لوعد اللقاء، وأدخل: ﴿ثُمَّ﴾ في الإحياء لتراخيه عن الإفناء، وأدخل الفاء في الهداية، والشفاء؛ لأنهما يعقبان الخلق، والمرض. انتهى. هذا؛ وتجوز أهل الإشارات في غوامض المعاني، فعدلوا عن ظاهر اللفظ، وتأولوا الآية الكريمة على ثلاثة أوجه:\nأحدها: الذي يميتني بالمعاصي، يحييني بالطاعات. الثاني: يميتني بالخوف، يحييني بالرجاء.\nالثالث: يميتني بالطمع، يحييني بالقناعة، وقول رابع: يميتني بالعدل، يحييني بالفضل. وقول خامس: يميتني بالفراق، يحييني بالتلاق. وقول سادس: يميتني بالجهل، يحييني بالعقل، إلى غير ذلك مما ليس بشيء منه مراد من الآية، فإن هذه التأويلات الغامضة، والأمور الباطنة، إنما","vol":"6","page":589},{"text":"تكون لمن حذق، وعرف الحق، وأما من كان في عمى عن الحق، فكيف ترمز له الأمور الباطنة، وتترك الأمور الظاهرة؟ هذا محال، والله أعلم. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون معطوف على ما قبله. ﴿يُمِيتُنِي:﴾ فعل مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة:\n ﴿يُحْيِينِ:﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿يَهْدِينِ﴾ في الآية رقم [٧٨].\n\n<span id=\"aya-3014\"></span>﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ..﴾. إلخ: أرجو، وقيل: هو بمعنى اليقين في حق إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وبمعنى الرجاء في حق المؤمنين سواء، وانظر الآية رقم [٥٢]. هذا؛ وقال البيضاوي﵀في هذه الخطيئة: ذكر ذلك هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر، وطلب؛ لأن يغفر لهم ما فرط منهم، واستغفار لما عسى يندر منه من الصغائر، وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث: (إني سقيم)، (بل فعله كبيرهم هذا)، (هي أختي) عن زوجته سارة ضعيف؛ لأنها معاريض، وليست خطايا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٣] من سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر جمع خطيئة في الآية رقم [١٢] من سورة (العنكبوت).\n ﴿يَوْمَ الدِّينِ:﴾ يوم الحساب، والجزاء، وهو يوم القيامة، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس﵄قال: يوم الدين: يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال:\nألا له الخلق والأمر. هذا؛ و﴿الدِّينِ﴾ بكسر الدال: اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى، و﴿الدِّينِ﴾ أيضا: الملة والشريعة، ومن هذا قوله تعالى في حق يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون وأدين، والدينونة: القضاء، والحساب والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.\nفائدة: روى مسلم عن عائشة﵂-، قالت: قلت: يا رسول الله! إنّ ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين؛ أكان ذلك نافعا له: «قال: لا ينفعه، إنّه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين». هذا؛ وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان التيمي من قبيلة أبي بكر﵁-، كان من أجواد قريش، توفي قبل المبعث بسنوات قليلة.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون معطوف على ما قبله. ﴿أَطْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿أَنْ:﴾ حرف","vol":"6","page":590},{"text":"مصدري، ونصب. ﴿يَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿خَطِيئَتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَغْفِرَ﴾ و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، و﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل ﴿يَغْفِرَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أطمع بمغفرته لي خطيئتي، وجملة: ﴿أَطْمَعُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3015\"></span>﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (٨٣)﴾\nالشرح: لما ذكر إبراهيم فنون الألطاف الفائضة عليه من حضرة الحق، من مبدأ خلقه إلى يوم بعثه؛ حمله ذلك على مناجاته، ودعائه، وطلبه منه حكما، أي: كمالا في العلم، والعمل أستعد به لخلافة الحق، ورياسة الخلق، وانظر الآية رقم [٢١].\n ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أي: وفقني للكمال في العمل؛ لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح، الذي لا يشوب صلاحهم كبير ذنب، ولا صغيره. هذا؛ وفسر الصالحين بالنبيين، فيكون المراد من سبقه منهم مثل: هود، وصالح، وإدريس، ونوح، وشيث، وآدم على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته بشأن الصالحين في الآية رقم [١٩] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء. ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حُكْمًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية والندائية قبلها في محل نصب مقول القول ل: ﴿قالَ﴾ في الآية رقم [٧٥].\n ﴿وَأَلْحِقْنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (ألحقني): فعل دعاء، والفاعل: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿بِالصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n<span id=\"aya-3016\"></span>﴿وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾\nالشرح: دعا إبراهيم ربه أن يجعل له لسان صدق؛ أي: جاها، وحسن صيت في الدنيا، يبقى أثره إلى يوم الدين، وقد حقق الله رجاءه، وأجاب دعاءه، فما من أمة من الأمم، إلا وهي تحبه، وتثني عليه خصوصا أمة محمد، وخصوصا في كلّ تشهد من تشهدات الصلوات كما هو معروف، وهذا الجاه، والثناء الحسن قد شمل ذريته من بعده، كما صرحت به الآية [٥٠] من سورة (مريم) حيث قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. هذا؛ وقد روى أشهب عن مالك: أنه قال: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا، ويرى في عمل الصالحين إذا","vol":"6","page":591},{"text":"قصد به وجه الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ الآية رقم [٣٩] من سورة (طه)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا،﴾ أي: حبّا في قلوب عباده، وثناء حسنا. فنبه الله بهذه الآية التي نحن بصدد شرحها على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل؛ إذ هي الحياة الثانية، قال أحمد شوقي رحمه الله تعالى: [الكامل]\nدقّات قلب المرء قائلة له... إنّ الحياة دقائق وثوان\nفارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان\nهذا؛ وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء، كما في قول الشاعر: [الوافر]\nلسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا\nوقد أنّثه، وأيضا قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط]\nإنّي أتتني لسان، لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر\nقال الجوهري: يروى: «من علو» بضم الواو، وفتحها، وكسرها؛ أي: أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة. وقد يجعل اللسان كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر، كقول الآخر: [المتقارب]\nأتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر\nهذا؛ وقد أطلقه الله على القرآن بكامله مع التذكير في سورة (النحل) الآية رقم [١٠٣] حيث قال جل ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. وأخيرا: فاللسان يؤنث، فيجمع على ألسن، كذراع، وأذرع ويذكّر فيجمع على ألسنة، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة.\nالإعراب: ﴿وَاجْعَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اجعل): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿لِسانَ:﴾ مفعول به، و﴿لِسانَ:﴾ مضاف، و﴿صِدْقٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي الْآخِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿لِسانَ صِدْقٍ،﴾ وجملة: ﴿وَاجْعَلْ لِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-3017\"></span>﴿وَاِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾\nالشرح: سأل إبراهيم ربه أن يجعله من أهل الجنة، ومن ورثتها، وهو يردّ قول بعضهم:\nلا أسأل جنة ولا نارا. هذا؛ وقد ذكرت لك مرارا: أن معنى ميراث الجنة: أن المؤمن يرث منزل الكافر في الجنة، والكافر يرث منزل المؤمن في النار؛ لأن لكل واحد منزلا في الجنة، ومنزلا في النار، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"6","page":592},{"text":"الإعراب: ﴿وَاجْعَلْنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (اجعلني): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِنْ وَرَثَةِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و﴿وَرَثَةِ﴾ مضاف، و﴿جَنَّةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة لمفعولها؛ لأنه بمعنى وارث كما يشير إليه المعنى، وفاعله مستتر فيه. و﴿جَنَّةِ﴾ مضاف، و﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المحل للحال فيه، وجملة: ﴿وَاجْعَلْنِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-3018\"></span>﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ (٨٦)﴾\nالشرح: سأل إبراهيم ربه المغفرة لأبيه، وهذا الدعاء كان في حياة أبيه، فدعا له بالتوفيق، والهداية للإيمان، وهذا قبل أن يتبين له: أنه عدو لله، كما رأيت في الآية رقم [١١٤] من سورة (التوبة). ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي: المشركين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وإن كان هذا الدعاء بعد موته، فلعله كان في ظنه أنه كان يخفي إيمانه تقية من نمرود، ولذلك وعده به، أو؛ لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار، ويرد الأول التصريح ببراءته من أبيه، كما رأيت في الآية المذكورة آنفا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاغْفِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿لِأَبِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى أبيه. ﴿مِنَ الضّالِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، وهذا يؤيد أن الدعاء له كان بعد موته، وأما على اعتبار الدعاء له قبل أن يتبين له أنه عدو لله، ف: ﴿كانَ﴾ زائدة، لا عمل لها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ تعليل للدعاء لا محل لها، وجملة: ﴿وَاغْفِرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n<span id=\"aya-3019\"></span>﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ أي: لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، أو لا تعذبني يوم القيامة.\nوقال البيضاوي: بمعاتبتي على ما فرطت، أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الوراث. ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: يبعث الناس، أو الضالون. هذا؛ ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ ولا توقعني في الخزاية من الإخزاء، وهو الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي: [البسيط]","vol":"6","page":593},{"text":"لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني\nوهو هنا من الرباعي من: أخزى، يخزي، وهو من الثلاثي: خزي، يخزى خزاية بمعنى:\nاستحيا، وخجل، وقال نهشل بن حري الدارمي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل بصفين مع الإمام علي-كرم الله وجهه-: [الطويل]\nأخ ما جد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو، لم تخنه مضاربه\nوفي البخاري: عن أبي هريرة﵁-، عن النبي ﷺ قال: «إنّ إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة، والقترة». والغبرة: هي القترة، وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا ربّ، إنك وعدتني ألاّ تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إنّي حرّمت الجنّة على الكافرين». انفرد بها البخاري رحمه الله تعالى. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): دعائية متضمنة معنى النهي. ﴿تُخْزِنِي:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-3020\"></span><span id=\"aya-3021\"></span>﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾\nالشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: أي: لا ينفع مال، ولا بنون أحدا إلا مخلصا، سليم القلب من الكفر، وميل المعاصي، وسائر آفاته. أو لا ينفعان أحدا إلا مال من هذا شأنه، وبنوه، حيث أنفق ماله في سبيل البر، وأرشد بنيه إلى الحق، وحثهم على الخير، وقصد بهم أن يكونوا عباد الله مطيعين، شفعاء له يوم القيامة.\nهذا؛ واختلف في «القلب السليم» على أقوال كثيرة، قال الضحاك: هو السليم الخالص، وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه، أي: الخالص من الأوصاف الذميمة، كالعجب، والكبر، والحقد، والحسد، والرياء، والنفاق، والمتصف بالأوصاف الجميلة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ، قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطّير». يريد، والله أعلم: أنها مثلها في أنها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا. وقيل: قلب سليم من الكفر والنفاق، فقلب الكافر، والمنافق مريض،","vol":"6","page":594},{"text":"كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هذا؛ وإنما خص الله القلب بالذكر؛ لأنه إذا سلم؛ سلمت الجوارح كلها، وإذا فسد فسدت الجوارح كلها، ولذا قال النبي ﷺ: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب».\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ،﴾ وهذا على اعتبار الكلام من تتمة كلام الخليل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. واعتبره ابن عطية من كلام الله تعالى، فيكون الكلام مستأنفا. و﴿يَوْمَ﴾ متعلقا بفعل محذوف، تقديره: اذكر، ويكون الكلام في محل نصب مقول لقول محذوف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مالٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿بَنُونَ:﴾\nمعطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والمفعول محذوف، تقديره: أحدا، أو رجلا ونحوهما. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من المفعول المحذوف، أو في محل نصب مستثنى منه. هذا؛ وأجيز اعتباره بدلا من فاعل ﴿يَنْفَعُ،﴾ وغلب من يعقل، ويكون التقدير: إلا مال من، أو بنو من، فإنه ينفع نفسه، أو غيره بالشفاعة، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون مفعول: ﴿يَنْفَعُ﴾ أي: لا ينفع ذلك إلا رجلا أتى الله بقلب سليم. ﴿أَتَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿بِقَلْبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَلِيمٍ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَتَى..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، أو هي صفة ﴿مَنْ،﴾ إن اعتبرتها نكرة موصوفة، وهو مفاد كلام الزمخشري.\n\n<span id=\"aya-3022\"></span><span id=\"aya-3023\"></span><span id=\"aya-3024\"></span><span id=\"aya-3025\"></span>﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: قربت، وأدنيت إليهم؛ ليدخلوها، بحيث يرونها من الموقف. ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ أي: أظهرت. ﴿الْجَحِيمُ:﴾ جهنم. ﴿لِلْغاوِينَ﴾ أي: الكافرين الذين أغواهم إبليس اللعين، فضلوا عن طريق الهدى. والمعنى: تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها، فيرونها مكشوفة، فيتحسرون، ويستشعرون الحزن والخوف، كما يستشعر أهل الجنة الفرح والسرور لعلمهم: أنهم يدخلونها. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما..﴾. إلخ: هذا توبيخ لهم على إشراكهم؛ حيث يقال لهم: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله، هل ينفعونكم بنصرتهم لكم، أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم. لأنهم، وآلهتهم وقود النار. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل في الأفعال الثلاثة، إنما هو لتحقق ما يقع يوم القيامة من أحداث، وهذا كثير في القرآن الكريم.","vol":"6","page":595},{"text":"هذا؛ ومما يتعلق بالآيات الكريمة قال النسفي-رحمه الله تعالى-: وقد صوب الجليل استثناء الخليل، أي في الآية رقم [٨٩] إكراما له، ثم جعله صفة له في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الآية رقم [٨٣] و[٨٤] من سورة (الصافات) وما أحسن ما رتب عليه السلامة من كلامه مع المشركين، حيث سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر، لا مستفهم، ثم أقبل على آلهتهم، فأبطل أمرها، فإنها لا تضر، ولا تنفع، ولا تسمع. وعلى تقليدهم آباءهم الأولين، فأخرجه من أن يكون شبهة؛ فضلا عن أن يكون حجة. ثم صوّر المسألة في نفسه دونهم، حتى تخلص منها إلى ذكر الله تعالى، فعظم شأنه، وعدد نعمته، من حين إنشائه إلى وقت وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأدب، ثم وصله بذكر يوم القيامة، وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة، على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني الكرة إلى الدنيا؛ ليؤمنوا ويطيعوا. انتهى. بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَأُزْلِفَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أزلفت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ نائب فاعل. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:\n (وأزلفت...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ وقد رأيت: أن الفعل بمعنى الاستقبال، وجملة: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.\n ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَقِيلَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، والأول أقوى هنا، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتوبيخ. ﴿يَنْصُرُونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَنْتَصِرُونَ:﴾\nفعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام: ﴿أَيْنَ ما..﴾. إلخ كله في محل رفع نائب فاعل: (قيل)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف في","vol":"6","page":596},{"text":"محل رفع نائب فاعل، وجملة: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ وساغ ذلك؛ لأن قيل بمعنى يقال، كما رأيت فيما سبق.\n\n<span id=\"aya-3026\"></span><span id=\"aya-3027\"></span>﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾\nالشرح: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ:﴾ قال ابن عباس﵄-: جمعوا في جهنم. وقيل:\nقذفوا، وطرحوا بعضهم على بعض. وقيل: ألقوا على رؤوسهم، والمراد بالضمير الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله. وجمعت الأصنام، جمع مذكر سالما على مثال ما رأيت في الآية رقم [٧٣]. ﴿وَالْغاوُونَ:﴾ المراد: العبدة، والكبكبة: تكرير الكب، وهو الإلقاء على الوجه لتكرير معناه، كأنّ من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى؛ حتى يستقر في قعرها. ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ:﴾\nأتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس، وقال قتادة، والكلبي، ومقاتل: الغاوون: هم الشياطين، فيكون المراد بواو الجماعة العبدة. هذا؛ وانظر إبليس، وجنوده، وذريته في الآية رقم [٥٠] من سورة (الكهف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وقال القرطبي: وأصل: كبكبوا: كبّبوا، فأبدل من الباء الوسطى كاف، استثقالا لاجتماع الباآت. انتهى. وينبغي أن تعلم أن كبّ متعدّ، وأكبّ لازم، قال امرؤ القيس: [المتقارب]\nلها متنتان خظاتا كما... أكبّ على ساعديه النّمر\nوهو خارج عن قاعدة تعدية اللازم بالهمزة، كما في قولك: ذهب زيد، وأذهب، وخرج، وأخرج، ومثله: أنزفت البئر، ونزفتها أنا، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا. ومن المتعدي بدون همز قول النبي ﷺ: «وهل يكبّ النّاس في النار على وجوههم إلاّ حصائد ألسنتهم». وقوله ﵊: «من ولي أمّة من أمتي قلّت أو كثرت، فلم يعدل فيهم؛ كبّه الله على وجهه في النّار».\nالإعراب: ﴿فَكُبْكِبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كبكبوا): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لواو الجماعة، وقيل:\nضمير فصل، والأول أقوى. ﴿وَالْغاوُونَ:﴾ معطوف على واو الجماعة مرفوع. ﴿وَجُنُودُ:﴾\nمعطوف على واو الجماعة مرفوع مثله، و(جنود): مضاف، و﴿إِبْلِيسَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَجْمَعُونَ:﴾\nتوكيد لواو الجماعة وما عطف عليه، وإن اعتبرت (جنود) مبتدأ خبره جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ فيكون توكيدا له، وجملة: ﴿فَكُبْكِبُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ على مثال ما رأيت في الجمل السابقة.","vol":"6","page":597},{"text":"<span id=\"aya-3028\"></span><span id=\"aya-3029\"></span><span id=\"aya-3030\"></span>﴿قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ:﴾ يعني: الإنس والشياطين، والغاوين، والمعبودين، اختصموا حينئذ، على أن الله ينطق الأصنام، فتخاصم العبدة، وهذا الخصام كرره القرآن كثيرا في آياته، ومثله: خصام الأتباع والمتبوعين.\n ﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ هذا من قول العابدين بدليل ما بعده، وهو اعتراف منهم بأنهم كانوا في الدنيا كافرين ضالين عن طريق الحق، والصواب، فأكدوه بالقسم. ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ المعنى لقد كنا في غاية الضلال وقت تسويتنا إياكم يا هذه الأصنام في استحقاق العبادة برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم، وأعجزهم، وانظر إعلال: ﴿مُبِينٍ﴾ في الآية رقم [١]، وشرح ﴿الْعالَمِينَ﴾ في الآية رقم [١٦]، و﴿تَاللهِ﴾ قسم فيه معنى التعجب، والتاء بدل من الباء، وهي مختصة باسم الله تعالى، وربما قالوا: تربي، وترب الكعبة، وتا الرحمن. والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وَهُمْ:﴾\nالواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَخْتَصِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿تَاللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم. ﴿إِنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، مهملة لا عمل لها، وقيل: عاملة، ولا وجه له البتة؛ لأن شروط الإهمال هنا متوفرة، وهي إيلاؤها فعلا ناسخا، ولزوم لام الابتداء بعدها، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nوخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل\nوالفعل إن لم يك ناسخا فلا... تلفيه غالبا بإن ذي موصلا\n ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا) اسمه. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات. (في ضلال): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿إِنْ كُنّا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، يدل عليه ﴿ضَلالٍ،﴾ أو ب ﴿ضَلالٍ﴾ نفسه، أو ب ﴿مُبِينٍ﴾. ﴿نُسَوِّيكُمْ:﴾","vol":"6","page":598},{"text":"فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(رب) مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3031\"></span><span id=\"aya-3032\"></span><span id=\"aya-3033\"></span><span id=\"aya-3034\"></span>﴿وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَضَلَّنا:﴾ عن طريق الهدى، والحق. ﴿إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: من دعاهم إلى عبادة الأوثان من الجن، والإنس. وقيل: المراد: الأولون الذين اقتدينا بهم، وقيل: المراد:\nإبليس، وابن آدم الأول، وهو قابيل، وهو أول من سن القتل، وأنواع المعاصي. وهذا بعيد جدا.\n ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ أي: من يشفع لنا، كما للمؤمنين شافعون من الملائكة والأنبياء. ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ:﴾ كما نرى للمؤمنين أصدقاء؛ إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل الكفر والمعاصي والفسوق والضلال فبينهم التعادي، قال تعالى في بيان ذلك: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أو ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ من الذين كنا نعدهم شفعاء، وأصدقاء؛ لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم: أنهم شفعاؤهم عند الله. وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس. والحميم من: الاحتمام، وهو الاهتمام الذي يهمه ما يهمك، أو من الحامة بمعنى الخاصة. ومن الجدير بالذكر أن الصديق سمي صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من المودة، والألفة، والمحبة، وسمي العدو عدوا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك.\nوجمع الشافع ووحّد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الصديق، ولأن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالعدو؛ لأنه في الأصل مصدر، كالحنين، والصهيل، وانظر شرح ﴿عَدُوٌّ﴾ في الآية رقم [٧٧] فهو مثله. يستوي فيه المفرد، والمذكر، والمؤنث. ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أي: رجعة إلى الدنيا. ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ تمنوا حين لا ينفعهم التمني، وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة، والمؤمنون.\nفعن جابر بن عبد الله﵄قال: قال النبي ﷺ: «إنّ الرّجل ليقول في الجنّة:\nما فعل فلان وصديقه في الجحيم؟ فلا يزال يشفع له حتّى يشفّعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون:\n ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ»﴾.","vol":"6","page":599},{"text":"وقال الحسن: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «أكثروا من الإخوان فإنّ لكلّ أخ شفاعة يوم القيامة».\nهذا؛ والحميم: القريب، والخاص، ومنه: حامّة الرجل، أي: أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم، وهو الماء الحار، ومنه الحمّام، والحمّى، فحامّة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه.\nوقال علي بن عيسى: إنما سمي القريب حميما؛ لأنه يحمى لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية، وجمع حميم: أحمّاء، وأحمّة، وكرهوا: «أفعلاء» للتضعيف.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَضَلَّنا:﴾ فعل ماض، و(نا):\nمفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع... إلخ. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف أو حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له ألبتة. (ما): نافية. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شافِعِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿صَدِيقٍ:﴾ معطوف على لفظ ﴿شافِعِينَ﴾. ويجوز في العربية رفعه عطفا على المحل. ﴿حَمِيمٍ:﴾ صفة: ﴿صَدِيقٍ﴾. ﴿فَلَوْ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو استئناف.\n (لو): حرف تمنّ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿أَنَّ﴾ مقدم. ﴿كَرَّةً:﴾ اسمها مؤخر، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: فلو حصل لنا وقوع كرة وهذا على اعتبارها شرطية، وعلى اعتبارها باقية للتمني فالتقدير: نتمنى حصول ووقوع كرة إلى الدنيا. ﴿فَنَكُونَ:﴾ الفاء: للسببية.\n (نكون): فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنَّ﴾ مضمرة بعد الفاء، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر نكون، و«أن» المضمرة والفعل (نكون) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على: ﴿كَرَّةً﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار: (لو) شرطية، فيكون جوابها محذوفا دل عليه ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ويقدر: لكنا مؤمنين، والكلام على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، ولهذا نفى ابن هشام أن يكون نصب (نكون) جوابا ل: (لو)، ولذا قال: ولا دليل في هذا لجواز أن يكون النصب في ﴿فَنَكُونَ﴾ مثله في قوله تعالى:\n ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ..﴾. إلخ الآية رقم [٥١] من سورة (الشورى) وقول ميسون: [الوافر]\nولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف\nأي: إن المصدر المؤول معطوف بالفاء على: ﴿كَرَّةً،﴾ وهو المعبر عنه باسم خالص من التقدير بالفعل.","vol":"6","page":600},{"text":"<span id=\"aya-3035\"></span><span id=\"aya-3036\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ أي: لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها، ويعتبر، فإنها جاءت على أنظم ترتيب، وأحسن تقرير، يتفطن المتأمل فيها لغزارة علمه؛ لما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدينية، والتنبيه على دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحسن مخالفته معهم، وكمال إشفاقه عليهم، وتصور الأمر في نفسه، وإطلاق الوعد، والوعيد على سبيل الحكاية تعريضا، وإيقاظا لهم ليكون أدعى لهم إلى الاستماع، والقبول، والإشارة إلى ما ذكر من قصة إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انتهى. بيضاوي بتصرف. ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ:﴾ أكثر قوم إبراهيم.\n ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ مصادقين له. بل إنه لم يهاجر معه من العراق إلى فلسطين سوى زوجته سارة وابن أخيه لوط. كما تقدم ذكره في الآية رقم [٧١] من سورة (الأنبياء). هذا؛ وانظر إعراب الآيتين فيما تقدم برقم [٨] و[٩] وذلك بغية الاختصار، في الوقت، وغيره.\n<span id=\"aya-3037\"></span><span id=\"aya-3038\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: كذبت جماعة قوم نوح. وقال البيضاوي: القوم:\nمؤنث؛ ولذلك يصغر على: قويمة. وفي المصباح: القوم: يذكر، ويؤنث، فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذا كل اسم جمع لا واحد له من لفظه، نحو رهط ونفر. انتهى. والتأنيث باعتبار معناه، والتذكير باعتبار لفظه، وإنما جمع المرسلين مع أن المرسل واحد وهو نوح كما هو نص الآية؛ لأن دين الرسل واحد، وأن الآخر منهم جاء بما جاء به الأول، فمن كذب واحدا منهم؛ فقد كذب جميع الرسل، فلذا صح الجمع هنا، وكذلك باقي قصص الأنبياء.\n ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ:﴾ أخوهم في النسب لا في الدين؛ لأنه من عشيرتهم، وولد بينهم.\nهذا؛ وإن أردت التوسع في قصة نوح مع قومه؛ انظر سورة (الأعراف) وسورة (هود) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ أي: تخافون الله، فتتركوا عبادة الحجارة والأوثان، وما لا يضر، ولا ينفع.\nالإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل، و﴿قَوْمُ﴾ مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كَذَّبَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿كَذَّبَتْ﴾. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أَخُوهُمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء","vol":"6","page":601},{"text":"ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿نُوحٍ:﴾ بدل، أو عطف بيان من: ﴿أَخُوهُمْ﴾. ﴿أَلا:﴾\nحرف تنبيه، واستفتاح، يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-3039\"></span><span id=\"aya-3040\"></span>﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ:﴾ مرسل من الله إليكم، ﴿أَمِينٌ﴾ أي: على تبليغ ما أمرني به، وكان مشهورا عندهم بالأمانة، كمحمد ﷺ في قريش، وكذا سائر الرسل؛ لأنهم مطبوعون على الصدق، والأمانة، والعفة، وسائر الصفات الحميدة، والشيم الكريمة. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ:﴾ بطاعته، وعبادته، ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ فيما آمركم به من الإيمان، والتوحيد تنجوا من عذاب الله، وسخطه، وغضبه، وعقابه.\nالإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَسُولٌ﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا».\n ﴿رَسُولٌ:﴾ خبر (إن). ﴿أَمِينٌ:﴾ صفة ﴿رَسُولٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿فَاتَّقُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا؛ فاتقوا... إلخ. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الفعل، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمة التي جيء بها لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في نحو: (اشربا، واحفظا، واتقيا) والمانع من السكون الفتحة التي جيء بها لمناسبة ألف الاثنين، التي هي فاعله، وأيضا قولك: (اشربي، واحفظي، واتقي) والمانع من ظهور السكون الكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المؤنثة المخاطبة، التي هي فاعله، ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: «إذا»، والجملة الشرطية مع الجملة الاسمية قبلها في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ الواو:\nحرف عطف، (أطيعون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.","vol":"6","page":602},{"text":"<span id=\"aya-3043\"></span>﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: أي: قوم نوح له: نصدقك، ونتبعك؛ ولقد اتبعك الأقلون جاها،","vol":"6","page":603},{"text":"ومالا، وهذا من سخافة عقلهم، وقصور رأيهم على الحطام الدنيوية، حتى جعلوا اتباع المقلين فيه مانعا عن اتباعهم وإيمانهم بما يدعوهم إليه دليلا على بطلانه، وأشاروا بذلك إلى أن اتباعهم ليس عن نظر، وبصيرة، وإنما هو لتوقع مال، ورفعة جاه. هذا؛ و﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ جمع الأرذل، وهو جمع مذكر سالم، وتكسيره: الأراذل، كما في قولهم في سورة (هود): ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾. والأنثى: الرّذلى، والجمع: الرّذل.\nقال النحاس: ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. هذا؛ وقرأ يعقوب: «(وأتباعك الأرذلون)». هذا؛ والمراد بالأراذل في نظر الكفار: فقراء الناس، وضعفاؤهم، وهذا حال الدنيا لا يتبع الأنبياء إلا الفقراء، ولا يلازم العلماء إلا هؤلاء، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة تحويلا، ولا تنس: أن الذين آمنوا بنوح، واتبعوه هم نساؤه، وبنوه، وأحفاده، ونساؤهم باستثناء ولده كنعان، وأمه كما رأيت في سورة (هود) على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، ومن اهتدى بهديه من الفقراء والضعفاء من غير أهل بيته كما ستعرفه في الآية رقم [١١٩] الآتية.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنُؤْمِنُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (نؤمن): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَاتَّبَعَكَ:﴾ الواو: واو الحال، (اتبعك): فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿الْأَرْذَلُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكاف المجرورة باللام، والرابط: الواو، والضمير، ويجب تقدير «قد» قبلها. هذا؛ وعلى قراءة يعقوب يجوز في «(أتباعك)» وجهان، اعتباره مبتدأ خبره: ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾. والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف. والوجه الثاني: اعتباره معطوفا على فاعل (نؤمن) المستتر. وجاز ذلك للفصل بالجار والمجرور، ويكون: ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ صفة له، وجملة:\n ﴿أَنُؤْمِنُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3044\"></span><span id=\"aya-3045\"></span>﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾\nالشرح: المعنى: إني لم أكلف العلم بأعمالهم، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان، لا بالحرف، والصنائع. وكأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال، فقال: إني لم أقف على باطن أمرهم، وإنما إليّ ظاهرهم، وأكل سرائرهم إلى الله تعالى؛ ولذا قال: ما حسابهم إلا عليه تعالى، ولو علمتم ذلك لما لمتموني، ولما عبتم عليهم إيمانهم بالله تعالى. هذا؛ و﴿تَشْعُرُونَ﴾ من الشعور، وهو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته.","vol":"6","page":604},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿نُوحٍ﴾. ﴿وَما:﴾ الواو:\nزائدة لتحسين اللفظ، (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِلْمِي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.\nهذا؛ وجوز اعتبار (ما) نافية فيكون ﴿عِلْمِي﴾ مبتدأ، خبره محذوف تقديره: موجود ونحوه.\n ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر، (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿كانُوا:﴾\nفعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف. هذا؛ وقال القرطبي: ﴿كانُوا﴾ زائدة، وعليه ف: (ما) تحتمل الموصوفة، والموصولة، والمصدرية، فعلى الأولين تكون مجرورة بالباء، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ صلتها، أو صفتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: بشيء. أو بالذي يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم، وعلى جميع الاعتبارات فالجار والمجرور متعلقان ب: ﴿عِلْمِي﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿حِسابُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، ﴿تَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب: ﴿لَوْ﴾ محذوف، انظر تقديره في الشرح، والكلام: ﴿وَما عِلْمِي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3046\"></span><span id=\"aya-3047\"></span>﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾\nالشرح: طلب العظماء من نوح أن يطرد الفقراء، والضعفاء عن مجلسه، كما طلبت قريش ذلك من النبي ﷺ، كما هو معلوم، فرد عليهم نوح ﵇ بقوله: ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين آمنوا بالله تعالى، واتبعوني، وصدقوني فيما أدعو إليه. وقال لهم: ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار الناس، وزجرهم عن الكفر والمعاصي سواء أكانوا من الأعزاء، أو من الضعفاء، أو من الأغنياء، أو من الفقراء، فكيف يليق بي أن أطرد الضعفاء، والفقراء؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، (ما): نافية حجازية، تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها، ﴿بِطارِدِ:﴾ الباء: حرف جر صلة.","vol":"6","page":605},{"text":"(طارد): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و(طارد) مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي، ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ أَنَا..﴾. إلخ تعليل للنفي السابق، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-3048\"></span>﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾\nالشرح: قال قوم نوح له: لئن لم تنته، وتكف عن سب آلهتنا، وعيب ديننا، وما نحن عليه من عباداتنا؛ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أي: من المشتومين، أو من المقتولين، أو من المضروبين بالحجارة، قال الثّماليّ: كل «مرجومين» في القرآن فهو القتل إلا في مريم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ فهو بمعنى السب، انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (مريم).\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف، يقدر بما يناسب معتقداتهم. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَنْتَهِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (يا):\nأداة نداء تنوب مناب أدعو. (نوح): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا).\n ﴿لَتَكُونَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم، (تكونن): فعل مضارع ناقص، مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر فيه، وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (تكونن)، وجملة:\n ﴿لَتَكُونَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والجملة الندائية معترضة بين القسم وجوابه، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام ﴿لَئِنْ لَمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمّل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"6","page":606},{"text":"<span id=\"aya-3049\"></span><span id=\"aya-3050\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾\nالشرح: توجه نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بهذا الدعاء حين أيس من إيمان قومه، وقد آذنه الله بذلك حين قال له: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٦] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿كَذَّبُونِ:﴾ فلم يقبلوا مني ما أدعوهم إليه من الإيمان بك. ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا:﴾ فاحكم بيني وبينهم حكما فاصلا. هذا؛ والفتاح: القاضي، والفتاحة: الحكومة. قال ابن عباس﵄-: ما كنت أدري ما معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا..﴾. إلخ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال حتى أفاتحك، يعني: أقاضيك. وهذا قول قتادة، والسدي، وابن جريج، وجمهور المفسرين: أن الفاتح هو القاضي، والحاكم، سمي بذلك؛ لأنه يفتح إغلاق الإشكال بين الخصوم ويفصلها.\nوقال الزجاج: وجائز أن يكون معناه: ربنا أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين قومنا، وينكشف.\nوالمراد منه: أن ينزل عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب والمؤمنين معه محقين. وعلى هذا الوجه؛ فالفتح يراد به الكشف والتمييز. انتهى. خازن من تفسير الآية رقم [٨٨] من سورة (الأعراف). هذا؛ وانظر شرح (بين) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى نوح. ﴿رَبِّ:﴾\nمنادى حذفت منه أداة النداء، وانظر شرح ذلك، وتفصيله في الآية رقم [١٦٩] الآتية. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿قَوْمِي:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَذَّبُونِ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿فَافْتَحْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط غير جازم، وانظر الآية رقم [١٠٨]، (افتح): فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة... إلخ، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. (بينهم): معطوف على ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَتْحًا:﴾\nيجوز أن يكون مفعولا مطلقا مؤكدا للفعل، وأن يكون مفعولا به، وجملة: ﴿فَافْتَحْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم مقدر ب: «إذا». ﴿وَنَجِّنِي:﴾ الواو: حرف عطف.\n (نجني): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية","vol":"6","page":607},{"text":"معطوفة على ما قبلها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول بمعنى الذين مبني على السكون في محل نصب معطوف على ياء المتكلم، ويجوز أن تكون (من) نكرة موصوفة.\n ﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، أو بمحذوف صفة النكرة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (من)، و(من) بيان لما أبهم فيها، والكلام ﴿رَبِّ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3051\"></span><span id=\"aya-3052\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠)﴾\nالشرح: ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أي: أنقذناه وخلصناه من إيذاء قومه له. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي: السفينة التي صنعها بيده كما رأيت في سورة (هود). ﴿الْمَشْحُونِ:﴾ المملوء بما حمل فيه من الناس، والدواب، والطير، وغير ذلك. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنا﴾ أي: بالطوفان الذي حصل بعد دعوة نوح قومه إلى الإيمان بالله تعالى تسعمئة وخمسين سنة.\nهذا؛ و﴿الْفُلْكِ﴾ بضم الفاء، وسكون اللام يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فقد أفرد سبحانه في هذه الآية وذكّر، وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع، وقال جل شأنه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى معنى المركب، فتذكر، وإلى معنى السفينة فتؤنث، وقد ألغز فيها الشاعر حيث قال: [الطويل]\nمكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو\nفإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل\nولا تنس: أن أول من اخترع السفينة-وهي الفلك-نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومن تصميمها، وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ والفلك بفتحتين: مدار النجوم، ويجمع على فلك بضمّ وسكون اللام وضمها أيضا، وعلى: أفلاك أيضا، والفلك من كل شيء: مستداره، ومعظمه، والفلكي منسوب، إلى علم الفلك.\nالإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنجيناه): فعل ماض مبني على السكون، و(نا): ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات، فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل ذهبت،","vol":"6","page":608},{"text":"وذهبن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَشْحُونِ:﴾ صفة: ﴿الْفُلْكِ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿فَأَنْجَيْناهُ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَغْرَقْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَعْدُ:﴾ ظرف زمان مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿الْباقِينَ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿أَغْرَقْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3053\"></span><span id=\"aya-3054\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾\nانظر شرح هاتين الآيتين في الآية رقم [١٠٣] فهو مثله، وانظر إعرابهما في الآية رقم [٨] و[٩] ففيه الكفاية.\n<span id=\"aya-3055\"></span><span id=\"aya-3056\"></span>﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾\nالشرح: شرح هذا الكلام وإعرابه مثل الآيتين رقم [١٠٥] و[١٠٦]، وتأنيث ﴿عادٌ﴾ على معنى القبيلة، أو الجماعة، وهو في الأصل اسم أبيهم، وانظر قصة هود مع قومه مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n<span id=\"aya-3057\"></span><span id=\"aya-3058\"></span><span id=\"aya-3059\"></span>﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧)﴾\nانظر شرح هذه الآيات وإعرابها برقم [١٠٧] وما بعدها على الترتيب.\n<span id=\"aya-3060\"></span><span id=\"aya-3061\"></span><span id=\"aya-3062\"></span>﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ (١٣٠)﴾\nالشرح: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ:﴾ بكل مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، يقال: كم ريع أرضك، أي: كم ارتفاعها، وهو جمع: ريعة. وقال قتادة: الرّيع: الطريق، قال: ذو الرمة يصف بازيا: [الطويل]\nطراق الخوافي مشرق فوق ريعة... ندى ليله في ريشه يترقرق","vol":"6","page":609},{"text":"وقال عمارة: الريع: الجبل، الواحد: ريعة، والجمع: رياع. وقال مجاهد: هو الفج بين الجبلين. ﴿آيَةً﴾ أي: علامة. وانظر الآية رقم [١]. ﴿تَعْبَثُونَ:﴾ تلعبون، وتهزؤون، قيل:\nإنهم بنوا بيوتهم فيما تقدم ذكره، وكانوا يسخرون بمن يمر بهم من الناس. ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ:﴾\nقال ابن عباس﵄-: أبنية. وقال مجاهد: قصورا مشيدة، وحصونا منيعة، قال الشاعر: [الوافر]\nتركنا دارهم منهم قفارا... وهدّمنا المصانع والبروجا\nوقال السدي، وغيره: المصانع: بروج الحمام، ولا أرى له وجها قويا. وقال قتادة، والزجاج: إنها مصانع الماء تحت الأرض، أي: قنوات الماء، واحدتها مصنعة، ومصنع، قال لبيد﵁-: [الطويل]\nبلينا وما تبلى النّجوم الطّوالع... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع\n ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: تبنون ما تبنون لكي تخلدوا في هذه الدنيا، فأنتم تحكمون بنيان ما تصنعون. وقيل: (لعلّ) استفهام بمعنى التوبيخ، والتقريع، ولا وجه له؛ لأنه لم يقل أحد إن «لعلّ» تأتي للاستفهام. ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ..﴾. إلخ: أي: إذا ضربتم أحدا ضربتموه بعنف وقسوة بدون رحمة، ورأفة، ولا قصد تأديب، ونظر في العواقب، وقال ابن عباس، ومجاهد﵄-: البطش: العسف قتلا بالسيف، وضربا بالسوط. ﴿جَبّارِينَ:﴾ قتالين في غير حق، وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة، قال عمرو بن كلثوم في معلقته: [الوافر]\nلنا الدّنيا ومن أضحى عليها... ونبطش حين نبطش قادرينا\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أهل النّار لم أرهما:\nقوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها النّاس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة، ولا يجدن ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا، وكذا». رواه مسلم في صحيحه. وعن ابن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». رواه أبو داود.\n «العينة»: بكسر العين: أن تبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم تشتريها منه بأقل من الثمن الذي بعتها به. ومنها: أن يغالي بالثمن كثيرا لقاء بيعها بالدين إلى أجل مسمى، وإن لم يشترها البائع منه؛ لأن زيادة الثمن لقاء التأجيل، وهو نوع من أنواع الربا. هذا؛ وقيل:\nالجبار: المتسلط العاتي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾. وقال الشاعر: [الطويل]\nسلبنا من الجبّار بالسّيف ملكه... عشيّا وأطراف الرّماح شوارع","vol":"6","page":610},{"text":"الإعراب: ﴿أَتَبْنُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. (تبنون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل.\n ﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(كل) مضاف، و﴿رِيعٍ﴾ مضاف إليه. ﴿آيَةً:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿وَتَتَّخِذُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تتخذون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿مَصانِعَ:﴾\nمفعول به. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تَخْلُدُونَ:﴾ في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للبناء، ولاتخاذ المصانع، وقيل: في محل نصب حال، وهو غير سديد. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، (إذا):\nظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿بَطَشْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها على المشهور المرجوح، والجملة الثانية جواب (إذا) لا محل لها، ﴿جَبّارِينَ:﴾ حال من تاء الفاعل والميم، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. هذا؛ والكلام ﴿أَتَبْنُونَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3063\"></span><span id=\"aya-3064\"></span><span id=\"aya-3065\"></span><span id=\"aya-3066\"></span><span id=\"aya-3067\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاِتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾\nالشرح: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: بترك الكفر، والمعاصي. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ فيما أدعوكم إليه، فإنه أنفع لكم، وتنجون به من عذاب الله، وسخطه، وغضبه، وعقابه. ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ:﴾\nمن الخيرات في هذه الدنيا، ثم فسر ذلك بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ..﴾. إلخ؛ أي: سخر لكم ذلك، وتفضل به عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد، ويشكر ولا يكفر. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ: أي في الدنيا والآخرة؛ إن أعرضتم عن الإيمان، وأصررتم على الكفر، فإنه كما قدر على الإنعام؛ يقدر على الانتقام.\nهذا؛ و(اتقوا) أمر من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). هذا؛ وأصل: «اتقوا» (اتّقيوا) فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة.\n ﴿اللهَ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء","vol":"6","page":611},{"text":"به؛ لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تعلم أحدا تسمى «الله» غيره تعالى، وإنما يذكر الكافرون، والمشركون معبوداتهم باسم الرب والإله، وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمئة وستين موضعا.\n (الأنعام): يطلق هذا اللفظ على المأكول من الحيوان، من إبل، وبقر، وغنم، وماعز، والمراد هنا-والله أعلم-المأكول، وغيره، فيكون قد غلب المأكول على غيره. و: (جنات) جمع: جنه، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن أي:\nتستر من يدخل فيها، لكثرة أشجارها، وكثافتها، وهي درجات ذكرتها في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر (الخوف) في الآية رقم [١٢].\n ﴿عَذابَ:﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وسلام، ونبات، لأعطى، وسلم، وأنبت.\nهذا؛ و﴿يَوْمٍ﴾ المراد به هنا يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من أيام الدنيا، كما في الآية رقم [٤٧] من سورة (الحج) وأما اليوم في الدنيا؛ فهو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي، فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت والجمع: أيام، وأصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع: أياويم.\nوأيام العرب: وقائعها، وحروبها. وأيام الله: نعمه ونقمه، كما في الآية رقم [١٠٢] من سورة (يونس)، والآية رقم [٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، ويقال:\nفلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها. ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: اعتبر حالي فيما أنا فيه.\nالإعراب: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ:﴾ انظر إعراب هذه الآية برقم [١٠٨]. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِي:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ﴿أَمَدَّكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر، (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، وجملة: ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تعلمونه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ﴾ بدل من سابقتها، لا محل لها مثلها، وهي أوضح من الأولى؛ لأنها فصّلت نعم الله، وبينتها، ومثلها الآية رقم [٢٢٢] الآتية، ومثل الآيتين قول الشاعر: [الطويل]\nأقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا... وإلاّ فكن في السّرّ والجهر مسلما","vol":"6","page":612},{"text":"فجملة: «لا تقيمن» بدل من جملة «ارحل»؛ لأن دلالة الثانية على ما أراده من إظهار الكراهية لإقامته أوفى بالمراد، فإنه اشتهر في إظهار الكراهية عرفا بخلاف الأولى، فإن دلالتها على ذلك بالالتزام، لكن البدلية في البيت بدل اشتمال، وفي الآية الكريمة بدل البعض، وانظر بدل الكل في الآية رقم [٦٩] من سورة (الفرقان). ﴿وَبَنِينَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ:﴾ معطوفان على (أنعام). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنا»، ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ وإن اعتبرته صفة: ﴿عَذابَ،﴾ فيكون قد جر على الجوار، وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، والكلام: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3068\"></span><span id=\"aya-3069\"></span><span id=\"aya-3070\"></span>﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قوم هود له، ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ..﴾. إلخ: أي: وعظك وعدمه عندنا سواء، لا نسمع منك، ولا نلتفت إلى ما تقوله، فإنا لا نرعوي عما نحن عليه. ﴿إِنْ هذا﴾ أي:\nالذي تخوفنا به، أو الذي جئتنا به، وهو ترك ما نحن عليه، ﴿إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: إلا كذب الأولين، أي: قبلنا، أو ما خلقنا هذا إلا خلقهم نحيا ونموت مثلهم، ولا بعث ولا حساب، ولا ثواب ولا عقاب، وهذا على قراءة «(خلق)» بفتح الخاء، فيكون بمعنى افتراء، وقراءة حفص بضمتين، فيكون المعنى: ما هذا الذي جئت به إلا عادة الأولين، كانوا يلقنون الناس مثله، أو ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين، وعادتهم، ونحن بهم مقتدون. أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة قديمة لم يزل الناس عليها. انتهى. بيضاوي بتصرف.\n ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: على ما نحن عليه من الدين والعبادة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: ﴿سَواءٌ﴾ مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح به الإخبار عن متعدد في كثير من الآيات، وقيل: هو بمعنى مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هم، وهما سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيان، وإن شئت؛ قلت: سواآن، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر. هذا؛ وانظر الشاهد رقم [٢٤١] من كتابنا فتح القريب المجيب، وموجز القول في «سواء» منه تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وأيضا على غير القياس قولهم: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون.","vol":"6","page":613},{"text":"هذا؛ والسواء: العدل، والوسط، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ،﴾ وانظر شرح ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم، الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيْنا:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب ﴿سَواءٌ﴾. ﴿أَوَعَظْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتسوية تؤول مع ما بعدها بمصدر. (وعظت): فعل، وفاعل، وهمزة التسوية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾\nفعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْواعِظِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُنْ،﴾ وجملة: ﴿لَمْ تَكُنْ..﴾. إلخ مؤولة بمصدر معطوف على سابقه، التقدير: «وعظك وعدمه سواء علينا»: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما».\n ﴿هذا:﴾ الهاء حرف تنبيه، ينبه به على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿خُلُقُ:﴾ خبر المبتدأ. و﴿خُلُقُ﴾ مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُعَذَّبِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معذبين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا. هذا؛ والكلام: ﴿سَواءٌ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3071\"></span><span id=\"aya-3072\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾\nالشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذب قوم هود رسولهم. فلم يصدقوه فيما يدعو إليه من عبادة الله تعالى، وتوحيده، وخلع عبادة الأوثان. ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: بالريح العاتية المذكورة في سورة (القمر)، وسورة (الحاقة)، وانظر شرح باقي الكلام في الآية رقم [١٠٣] وما بعدها.\nالإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كذبوه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أهلكناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وانظر إعراب الباقي في الآيتين رقم [٨] و[٩] ففيه الكفاية. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين، وهو حسبي، ونعم الوكيل، عليه توكلت، وإليه أنيب.","vol":"6","page":614},{"text":"<span id=\"aya-3074\"></span>﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢)﴾\nالشرح: شرح هاتين الآيتين وإعرابهما مثل الآيتين رقم [١٠٥] و[١٠٦] بلا فارق. وتأنيث ﴿ثَمُودُ﴾ على معنى القبيلة، أو الجماعة، وهو في الأصل اسم أبيهم الأول، وانظر قصة صالح مع قومه مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n<span id=\"aya-3075\"></span><span id=\"aya-3076\"></span><span id=\"aya-3077\"></span>﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥)﴾\nانظر شرح هذه الآيات وإعرابها في الآية رقم [١٠٧] وما بعدها على الترتيب.\n<span id=\"aya-3078\"></span><span id=\"aya-3079\"></span><span id=\"aya-3080\"></span><span id=\"aya-3081\"></span>﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ (١٤٩)﴾\nالشرح: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أي: في الدنيا آمنين من العذاب، والزوال، والموت، فهو إنكار؛ لأن يتركوا كذلك مع إصرارهم على الكفر، وتماديهم في الضلال، والعصيان، والفساد، أو هو تذكير لهم بالنعمة في تخلية الله إياهم، وأسباب تنعمهم آمنين. ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ:﴾ في بساتين تجري فيها عيون الماء. (زروع): يشمل الخضار كلها، وأنواع المزروعات من قمح، وشعير، ونحو ذلك. ﴿وَنَخْلٍ:﴾ أفرده بالذكر مع كونه داخلا فيما قبله تنبيها على فضله، وكثرة منافعه. هذا؛ و«نخل» اسم جنس جمعي، يفرق بينه، وبين واحده بالتاء، وهو: نخلة كتمر، وتمرة، ونخل اسم جمع لا واحد له من لفظه، كقوم، ورهط، ونحوهما، وفي مختار الصحاح:\nالنخل، والنخيل بمعنى واحد، والواحد نخلة، وما ألطف قول الشاعر في التورية: [الوافر]\nرأيت بها قضيبا فوق دعص... عليه النّخل أينع والكروم\nفقد ورّى عن المرأة بالقضيب، وعن الحلي بالنخل، وعن قلائدها بالكروم، والدعص بكسر الدال: قطعة من الرمل مستديرة. ﴿طَلْعُها:﴾ هو أول ما يطلع من ثمر النخلة، كنصل السيف، في جوفه شماريخ القنو، والقنو: اسم للخارج من الجذع، كما هو بعرجونه، وشماريخه، والطلع يخرج من أنثى النخل وذكره، فتلقح الأنثى بأخذ شيء من طلع الذكر، ووضعه في طلع الأنثى بعد شقه، وأنث طلعها؛ لأن النخل اسم جمع كما رأيت، وكل اسم جمع يؤنث ويذكر، و﴿هَضِيمٌ:﴾ لطيف لين للطف الثمر، قال امرؤ القيس في معلقته: [الطويل]\nإذا قلت هاتي نوليني تمايلت... عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل","vol":"6","page":615},{"text":"هذا؛ والهضم: الانتقاص من حق الإنسان، كما رأيت في الآية رقم [١١٢] من سورة (طه).\n ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا:﴾ قال القرطبي، النّحت: النّجر، والبري، يقال: نحته، ينحته بالكسر نحتا، أي: براه، والنّحاتة: البراية، والمنحت ما ينحت به، وفي (الصافات): ﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ فكانوا ينحتونها من الجبال، لما طالت أعمارهم، وتهدم بناؤهم من المدر. انتهى.\nوإنما كانوا ينحتون في الجبال بيوتا لطول أعمارهم، فإن السقوف، والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم؛ لأن الواحد منهم كان يعيش ثلاثمئة سنة إلى ألف سنة، وكذا كان قوم (هود).\n ﴿فارِهِينَ:﴾ بطرين، أو حاذقين، من الفراهة؛ وهي النشاط، فإن الحاذق يعمل بنشاط، وطيب قلب. وقرئ: «(فرهين)» وهو أبلغ، والمراد بما ينحتون من الجبال: الكهوف، والغيران، قيل:\nكانوا يسكنون السهول في الصيف، ويبنون فيها القصور، ويسكنون بالكهوف، والغيران في فصل الشتاء، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفين في حياتهم.\nالإعراب: ﴿أَتُتْرَكُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تتركون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله.\n ﴿فِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر. ﴿هاهُنا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (هنا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿آمِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، إن لم تعتبره مفعولا ثانيا، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾\nبدل من الجار والمجرور قبلهما بإعادة الجار. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ:﴾ معطوفان على ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿طَلْعُها:﴾ مبتدأ. و(ها): في محل جر بالإضافة.\n ﴿هَضِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل جر صفة: (نخل). ﴿وَتَنْحِتُونَ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (تنحتون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿مِنَ الْجِبالِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿بُيُوتًا﴾. كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة المشهورة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ﴿بُيُوتًا:﴾\nمفعول به. ﴿فارِهِينَ:﴾ حال من واو الجماعة. هذا؛ والكلام: ﴿أَتُتْرَكُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ إذ هو من مقول صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3082\"></span><span id=\"aya-3083\"></span><span id=\"aya-3084\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾\nالشرح: أمر صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قومه بتقوى الله تعالى، وبأن يطيعوه فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه، ونهاهم عن طاعة المسرفين المفسدين في الأرض،","vol":"6","page":616},{"text":"ولم يصلحوا أنفسهم بالعمل الصالح. قيل: المراد بهؤلاء المفسدين: التسعة؛ الذين عقروا الناقة، كما ستقف عليه في الآية رقم [٤٨] من سورة (النمل) إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ:﴾ انظر إعراب هذه الآية برقم [١٠٨]. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُطِيعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَمْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة: ﴿الْمُسْرِفِينَ،﴾ أو بدل منه، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أذم الذين، ونحوه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هم الذين. ﴿يُفْسِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُصْلِحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محل لها مثلها، والكلام: ﴿فَاتَّقُوا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول أيضا؛ لأنه من مقول صالح على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3085\"></span><span id=\"aya-3086\"></span>﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٥٤)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ أي: من الذين سحروا كثيرا، حتى غلب على عقولهم، وقيل: من المعللين بالطعام والشراب. قاله ابن عباس، والكلبي، وقتادة، ومجاهد أيضا فيما ذكر الثعلبي، وهو على هذا القول من السّحر، بضم السين وسكون الحاء، وجمعه:\nأسحار، كبرد وأبراد، وكذا بالفتح، والسكون، وجمعه: سحور، كفلس، وفلوس، وهو على اللغتين الرئة. انتهى. مختار الصحاح. فيكون المعنى: أنت بشر لك رئة تأكل، وتشرب مثلنا، فمن أين أتاك ما تدعيه من النبوة. قال لبيد﵁-: [الطويل]\nفإن تسألينا فيم نحن فإنّنا... عصافير من هذا الأنام المسحّر؟\nوقال امرؤ القيس: [الوافر]\nأرانا موضعين لأمر غيب... ونسحر بالطّعام وبالشّراب\n «موضعين»: مسرعين، وأمر غيب: يريد الموت، وأنه قد غيب عنا وقته، ونحن نلهو بالطعام، والشراب. ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا:﴾ فأي فضل لك علينا، وأية ميزة تتعالى فيها. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ:﴾ تدل على صدقك فيما تدعيه. وانظر (ائت) في الآية رقم [١٠].","vol":"6","page":617},{"text":"هذا؛ و﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الإنسان ذكرا كان، أو أنثى، مفردا، كان أو جمعا، مثل كلمة:\nالفلك، تطلق على المفرد، والجمع. وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ وبشر يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم)، ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nوأما (مثل) فهو بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله: مثيل، وشبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير، وغيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ كما في هذه الآية، ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في مواضعه، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، ونحوها. والثاني:\nبمعنى نفس الشيء وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم، حيث قال:\nالمعنى: ليس كذاته شيء. والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم به، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون).\nهذا؛ وأما المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً..﴾. إلخ وشبهه، فهو عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة ليتبين أحدهما من الآخر ويصوره. وقيل:\nهو تشبيه شيء بشيء آخر. وبالجملة هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه أي هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغير تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل؛ أي: أصله، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّما:﴾\nكافة، ومكفوفة. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْتَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُنا:﴾ صفة: ﴿بَشَرٌ،﴾ و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَأْتِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، انظر الآية رقم [١٠٨]، (ائت): فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿بِآيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها","vol":"6","page":618},{"text":"جواب شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت صادقا فيما تدعيه؛ ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ تدل على صدقك، وقد دل على هذا الشرط ما بعده، ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، وجملة: ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. والكلام: ﴿إِنَّما أَنْتَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجواب الشرط محذوف.\n\n<span id=\"aya-3087\"></span>﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾\nالشرح: روي: أن قوم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-طلبوا منه علامة تدل على صدقه، فقالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا؛ أي:\nولدا، فقال له جبريل﵇-: صل ركعتين، وسل ربك الناقة. ففعل، فخرجت الناقة، وبركت بين أيديهم، ونتجت سقبا مثلها في العظام، فقال لهم صالح﵇-: هذه ناقة كما طلبتم، فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء، وكانوا يشربون جميعا من ماء واحد، فقال لهم: للناقة الماء في يوم، ولكم الماء في يوم آخر، فكانت تشرب الماء كله في يوم شربها، وعند المساء يحلبونها فيشربون لبنها، وتكفيهم عن الماء، وفي يوم شربهم يشربون منها وتكفي مواشيهم، وأرضهم، ليس لهم في يوم ورودها أن يشربوا من الماء شيئا أبدا، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئا. هذا؛ والشّرب بكسر الشين: الحظ من الماء، وأما المصدر؛ فهو بتثليث الشين من شرب، يشرب، والشّرب بفتح الشين: جمع شارب، كما قال الأعشى في معلقته رقم [٤١]: [البسيط]\nفقلت للشّرب في درنا وقد ثملوا: ... شيموا، فكيف يشيم الشّارب الثّمل؟\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى صالح. ﴿هذِهِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه ينبه به المخاطب على ما يساق من الكلام، (ذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿ناقَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿شِرْبٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة: ﴿ناقَةٌ﴾. ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شِرْبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. و﴿شِرْبٌ﴾ مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَعْلُومٍ:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ،﴾ والجملة الاسمية: (لكم شرب...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع صفة مثلها، والرابط في الأولى رابط في الثانية، والجملة الاسمية: ﴿هذِهِ ناقَةٌ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":619},{"text":"<span id=\"aya-3088\"></span>﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ:﴾ من عقر، أو ضرب. والسوء: الشر، والفساد، والجمع:\nأسواء، وهو بضم السين من: ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء، وتأنيثه: السّوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾. هذا؛ وقد نهاهم صالح ﵇ عن المسّ الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء، الجامع لأنواع الأذى، مبالغة في النهي، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] و[٤٩] من سورة (النمل) فإنه جيد.\n ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ:﴾ هذا؛ ووصف اليوم الذي يقع فيه العذاب بالعظم، وهو أبلغ من وصف العذاب؛ لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظام أشد. هذا؛ وقد وصفه بسورة (هود) ب: ﴿قَرِيبٌ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَمَسُّوها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ:﴾ الفاء: للسببية.\n (يأخذكم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والكاف مفعول به. ﴿عَذابُ:﴾\nفاعل، وهو مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ﴾. وإن اعتبرته صفة ﴿عَذابُ؛﴾ فيكون قد جر على الجوار، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم مسّ للناقة، فأخذ لكم بسببه عذاب عظيم.\nوجملة (لا تمسوها...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n<span id=\"aya-3089\"></span>﴿فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧)﴾\nالشرح: روي: أن رجلا منهم يقال له: مسطح ألجأ الناقة إلى مضيق في شعب، فرماها بسهم، فأصاب رجلها، فسقطت، ثم ضربها قدار بن سالف برضاهم. وروي: أن عاقرها قال:\nلا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم رضوا بذلك، وندمهم المذكور لم يكن توبة، بل ندم على عقرها لمّا رأوا مقدمات العذاب؛ الذي توعدهم به صالح في ثلاثة أيام التي صرحت بها آية هود، وهي قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ كما أن ندم قابيل لم يكن توبة من قتل أخيه هابيل، بل ندم على حمله، كما رأيت في سورة (المائدة)، أو ندموا حين لا ينفع الندم، وذلك عند معاينة العذاب. هذا؛ والعقر في الأصل: قطع عرقوب","vol":"6","page":620},{"text":"البعير، ثم جعل النحر عقرا؛ لأن ناحر البعير يعقره، ثم ينحره، وباب: عقر: ضرب. هذا؛ وكان «قدار» المذكور أحمر، أزرق العينين، قصيرا، كما كان فرعون كذلك، قال النبي ﷺ:\n «يا عليّ! أشقى الأوّلين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك». ولا تنس: أنه لا يراد بأصبحوا التوقيت، بل هي بمعنى: صاروا.\nالإعراب: ﴿فَعَقَرُوها:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عقروها): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَصْبَحُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿نادِمِينَ:﴾ خبر (أصبح) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3090\"></span><span id=\"aya-3091\"></span>﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾\nالشرح: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ:﴾ وهي الرجفة المصرح بها في الآية رقم [٧٨] من سورة (الأعراف)، والصيحة المصرح بها في الآية رقم [٦٧] من سورة (هود) والرجفة: هي الزلزلة الشديدة العظيمة، وأما الصيحة: فهي صيحة جبريل ﵇، وجمع بينهما بأن الزلزلة أتت من تحتهم، والصيحة من فوقهم؛ حتى هلكوا.\nتنبيه: يروى: أن الناقة ولدت ولدا مثلها، ومكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبّا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر، فما ترفعه حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج، فيحلبون منها ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون، ويدخرون، وكانت تصيّف بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه، فتهرب منها مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم، وزينت عقرها لهم عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه قارة، فرغا ثلاثا، فقال لهم صالح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه، حيث انفجّت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب. فلما رأوا العلامات؛ طلبوه؛ ليقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع، تحنطوا بالصّبر، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء بعد الزلزلة، فتقطعت قلوبهم، فهلكوا.\nوفي الخازن عن ابن عمر﵄قال: لمّا مرّ رسول الله ﷺ بالحجر؛ قال:\n «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين». ثم قنّع رأسه، وأسرع السير؛ حتى جاوز الوادي. متفق عليه. وعنه أيضا: أن الناس نزلوا مع رسول","vol":"6","page":621},{"text":"الله ﷺ على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوه، ويعلفوا الإبل بالعجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. رواه الشيخان. وهذا كان في طريقه ﷺ إلى تبوك، وهو يدل على أن ديار ثمود كانت شمال المدينة، بينها وبين تبوك، ولقد ذكر الله تعالى ذلك في سورة (الحجر): ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nوالحجر منازل قوم صالح، جاء في مختار الصحاح: والحجر: منازل ثمود، ناحية الشام عند وادي القرى. وقال عبد الوهاب النجار رحمه الله تعالى: وموقعها بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف خرج بهم صالح ﵊ بعد هلاك قومه من فلسطين إلى حضرموت، فلما دخلوها مات صالح، فسميت الأرض حضرموت، ثم بنوا فيها أربعة آلاف مدينة، وسموها: حاضوراء. وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. انتهى. من الخازن. وذكر السيوطي في التحبير: أنه عاش مئتين وثمانين سنة، وهذا أولى بالاعتبار وأقرب إلى الصواب.\nالإعراب: ﴿فَأَخَذَهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. لا محل لها أيضا، وانظر إعراب الباقي في الآيتين رقم [٨] و[٩] والله الموفق، والمعين، وبه نستعين.\n\n<span id=\"aya-3097\"></span>﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥)﴾\nالشرح: أي: أتأتون من بين أولاد آدم ﵇على فرط كثرتهم، وتفاوت أجناسهم، وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة-ذكرانهم، كأن الإناث قد أعوزتكم. أو: أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران، يعني: أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة،","vol":"6","page":622},{"text":"و(العالمون) على هذا القول: كل من ينكح من الحيوان، وعلى الأول الناس. انتهى. كشاف.\nهذا؛ و﴿الذُّكْرانَ﴾ جمع: ذكر، وهو ضد الأنثى، ويجمع أيضا على: ذكور، وذكارة كحجارة.\nالإعراب: ﴿أَتَأْتُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ﴿الذُّكْرانَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الذُّكْرانَ،﴾ والآية الكريمة في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول لوط لقومه.\n\n<span id=\"aya-3098\"></span>﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَتَذَرُونَ:﴾ تتركون، ﴿ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ أي: لأجل استمتاعكم، ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ:﴾\nلبيان ما خلق إن أريد به جنس الإناث، أو للتبعيض، إن أريد به العضو المباح منهن، فيكون تعريضا بأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم أيضا. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أي: متجاوزون الحلال إلى الحرام؛ لأن معنى العادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، وهم تجاوزوا حد الشهوة، حيث زادوا على سائر الناس، بل الحيوانات في فعلهم الشنيع، أو: هم مفرطون في المعاصي، وهذا الذي يفعلونه من جملة ذلك، أو هم أحقاء بأن يوصفوا بالعدوان لارتكابهم هذه الجريمة العظيمة. وانظر شرح (أزواج) في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿وَتَذَرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف، (تذرون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعل، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:\n ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تذرون الذي، أو شيئا خلقه لكم ربكم، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، الذي رأيت تقديره، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وانتقال.\n ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبره. ﴿عادُونَ:﴾\nصفة ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع مثله. وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n<span id=\"aya-3099\"></span>﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾\nالشرح: قال قوم لوط له: إن لم تنته عما تدعيه، أو عن نهينا عما نفعل، أو: إن لم تنته عن تقبيحه وتشنيعه؛ لنخرجنك من بلدتنا، وننفيك منها، ولعلّهم كانوا يخرجون من كرهوه على","vol":"6","page":623},{"text":"عنف وقهر. وانظر إعراب هذه الآية بكاملها برقم [١١٦] وإن اختلفت بعض الكلمات، فالإعراب واحد.\n\n<span id=\"aya-3100\"></span><span id=\"aya-3101\"></span>﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: لوط ﵇، ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أي: اللواط، ﴿مِنَ الْقالِينَ﴾ أي:\nالمبغضين. والقلى: البغض، قال الله تعالى لحبيبه محمد ﷺ ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ أي:\nما تركك منذ اختارك، وما أبغضك منذ أحبك. تقول: قليته، أقليه قلى، وقلاء. قال امرؤ القيس: [الطويل]\nصرفت الهوى عنهنّ من خشية الرّدى... فلست بمقليّ الخلال ولا قالي\nوقوله: ﴿مِنَ الْقالِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قال؛ لدلالته على أنه معدود في زمرة المبغضين لهذا العمل الشنيع، ولفاعليه، ومشهور بأنه من جملتهم. ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ:﴾ دعا الله لمّا أيس من إيمانهم ألا يصيبه شيء من العذاب؛ الذي سينزل بهم.\nهذا؛ و«الأهل»: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة وذو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾. والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. سورة (التحريم) [٦].\nتنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-ونداء الرب قد كثر حذف (ياء) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أنّ في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد! فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد! فحذفت (يا) من نداء الرّبّ، لنزول معنى الأمر، وينقص؛ لأنّ «يا» تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف «يا» التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام العربي في نداء الرب لذلك المعنى، وانظر شرح (الرب) في الآية رقم [٩].\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى لوط. ﴿إِنِّي:﴾\nحرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت نون الوقاية جوازا. ﴿لِعَمَلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف. التقدير: قال لعملكم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنَ الْقالِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة للخبر المحذوف الذي رأيت تقديره، ولو علقت الجار والمجرور بمحذوف خبر ﴿إِنِّي﴾ لتعلق ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾ ب ﴿الْقالِينَ،﴾ فيفضي إلى تقديم معمول الصلة على الموصول، وهو (أل) مع أنه لا يجوز. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة","vol":"6","page":624},{"text":"على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول:\nيا ربّي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا ربّا، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الباء دليلا عليها، فيقول: يا ربّ، ففيه خمس لغات ذكرها ابن مالك رحمه الله تعالى بقوله: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ل: «يا» ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nهذا؛ ويزاد سادسه، وهي البناء على الضم، والقطع عن الإضافة تشبيها له بالنكرة المقصودة، فيقول: «يا ربّ». ﴿نَجِّنِي:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿وَأَهْلِي:﴾ الواو: حرف عطف. «أهلي»:\nمعطوف على ياء المتكلم، أو هو مفعول معه منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، «فعلى الأولين» مبنية على السكون في محل جر ب: «من»، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نجني وأهلي من الذي، أو من شيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر ب: «من»؛ إذ التقدير: نجني وأهلي من عملهم، والكلام: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ إِنِّي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3102\"></span><span id=\"aya-3103\"></span><span id=\"aya-3104\"></span><span id=\"aya-3105\"></span>﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾\nالشرح: ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: أنجى الله لوطا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ومن آمن معه من أهله، ولم يكن معه أحد سوى ابنتيه، فلم يؤمن به أحد لقوله في سورة (هود): ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ فلم يوجد فيهم رجل رشيد يهتدي إلى الحق، والصواب، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. ﴿إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ:﴾ وهي امرأته، فإنها كانت تسر الكفر، واسمها: واهلة كانت من الغابرين، أي: من الذين بقوا في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ هذا؛ والغابرين جمع اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، فهو من الأضداد، وبابه","vol":"6","page":625},{"text":"دخل. انتهى. مختار. هذا؛ ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان، وحاضرها، كما يقال: في غابر الأزمان، وماضيها، وقال أبو ذؤيب الهذلي في رثاء أولاده: [الكامل]\nفغبرت بعدهم بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع\n ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ:﴾ أهلكناهم. ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أي: وأنزلنا عليهم من السماء مطرا عجيبا، وهو مبيّن في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وهذه الحجارة قد عجنت بالكبريت، والنار. هذا؛ ويقال: مطرت السماء، وأمطرت. وقال أبو عبيدة: يقال في العذاب:\nأمطرت، وفي الرحمة: مطرت. ﴿فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس المطر الذي أمطره المنذرون، وهم قوم لوط؛ لأنه كان فيه هلاكهم.\nقال مجاهد رحمه الله تعالى: نزل جبريل، ﵊، فأدخل جناحيه تحت مدائن قوم لوط، فاقتلعها، ورفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها، ثم أتبعوا بالحجارة، أي على من كان خارجا من القرى التي قلبها جبريل ﵇. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: إن النبي ﷺ حذر أمته أن يقع فيهم ما وقع بقوم لوط من العذاب إذا فعلوا فعلهم، وذلك بقوله ﷺ: «سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرّجال، ونساؤهم بالنساء، فإذا كان ذلك، فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجّيل». ثم تلا آخر آية رقم [٨٣] من سورة (هود): ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ وفي رواية عنه، ﵊: «لا تذهب اللّيالي والأيّام حتّى تستحلّ هذه الأمّة أدبار الرجال، كما استحلّوا أدبار النّساء، فتصيب طوائف هذه الأمة حجارة من ربّك».\nالإعراب: ﴿فَنَجَّيْناهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (نجيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به.\n ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أهله): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب وما عطف عليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عَجُوزًا:﴾ مستثنى من (أهله). ﴿فِي الْغابِرِينَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَجُوزًا،﴾ وجملة: ﴿فَنَجَّيْناهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿دَمَّرْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْآخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَأَمْطَرْنا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (أمطرنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿مَطَرًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَمْطَرْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿فَساءَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ساء): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿مَطَرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هو مطرهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":626},{"text":"<span id=\"aya-3106\"></span><span id=\"aya-3107\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾\nانظر شرح هاتين الآيتين وإعرابهما برقم [٨] و[٩]، وذلك بغية الاختصار من وقت وغيره.\n<span id=\"aya-3108\"></span><span id=\"aya-3109\"></span>﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧)﴾\nالشرح: ﴿أَصْحابُ:﴾ جمع: صاحب، يكون بمعنى الصديق، والزوج، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار؛ أي: مالكها، وما هنا منه، ويجمع على أصحاب، وصحب، وصحابة، وصحبة، وصحاب، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب. ﴿الْأَيْكَةِ:﴾ الأيك: الشجر الملتف الكثير، الواحدة: أيكة، والأيكة: الغيضة، وقرئ «(ليكة)» على أنه اسم للقرية. قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: قد وقع لفظ الأيكة في القرآن أربع مرات في (الحجر)، وفي (ق) وما هنا، وفي (ص)، والأولان بأل والجر لا غير، والآخران يقرآن بأل وبالجر وبالصرف مع فتح التاء، مع أن الكل مجرورات بإضافة لفظ أصحاب إليها. انتهى. نقلا عن شيخه.\n ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ انظر ما قلته في جمعه في الآية رقم [١٠٥] ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ:﴾ لم يقل أخوهم كما قال تعالى في إخوته لأهل مدين؛ لأنه لم يكن من أهل بلدتهم، ولا من عشيرتهم، وإخوته لأهل مدين أخوة نسب، وبلد، لا أخوة دين، كما ذكرت في أخوة الرسل لأقوامهم الذين أرسلوا إليهم، وشعيب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام هو ابن ميكيل، بن يشجر، بن مدين، بن إبراهيم ﵇، وأم ميكيل هي بنت لوط ﵇. ﴿أَلا تَتَّقُونَ:﴾ إنما كان جواب جميع الرسل الذين تقدم ذكرهم واحدا على صيغة واحدة، وهي التقوى؛ لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى، والطاعة، والإخلاص في العبادة، وكذلك الامتناع عن أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.\nهذا؛ وبعد أن أهلك الله قوم مدين، ونجى شعيبا، والذين آمنوا معه، كما رأيت في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) أرسله الله إلى أصحاب الأيكة، وهي غيضة تنبت ناعم الشجر، كانت بقرب مدين، تسكنها طائفة من عباد الله، قيل: كانوا بادية مدين، وكان شعيب أجنبيا منهم، وكانوا على مثل طريقة أهل مدين، من بخس للكيل، والميزان، فلما نهاهم عما هم فيه كذبوه، ظنا منهم: أنّ الله لا يرسل إلى البشر هداة منهم، جهلا منهم بأن الله أعلم حيث يجعل رسالته.\nالإعراب: ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿الْأَيْكَةِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة. وعلى قراءة «(ليكة)» فعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة","vol":"6","page":627},{"text":"عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شُعَيْبٌ:﴾ فاعل. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3110\"></span><span id=\"aya-3111\"></span><span id=\"aya-3112\"></span>﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠)﴾\nانظر شرح هذه الآيات وإعرابها في الآية رقم [١٠٧] وما بعدها على الترتيب.\n<span id=\"aya-3113\"></span><span id=\"aya-3114\"></span><span id=\"aya-3115\"></span>﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾\nالشرح: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ:﴾ أتموه للناس إذا كلتم لهم. ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي:\nالناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ:﴾ بالميزان السوي، صغيرا كان، أو كبيرا، قيل: هو رومي، وقيل: هو سرياني عرّب، والأصح أنه عربي مأخوذ من القسط، وهو العدل، قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾.\n ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ:﴾ ولا تنقصوا الناس، يقال: بخسته حقه: إذا نقصته إياه. وقد نصب مفعولين؛ لأنه بمعنى: تنقصوا. ﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ دراهمهم، ودنانيرهم، قيل: إنهم كانوا يقصون أطراف الدراهم والدنانير. ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ:﴾ ولا تبالغوا فيها بالإفساد، نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك، فنهوا عنه. هذا؛ وفي مختار الصحاح:\nعثا في الأرض: أفسد، وبابه: سما، وعثي بالكسر عثوّا أيضا، وعثى بفتحتين بوزن فتى، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء، دل على أن القرآن نزل باللغة الثانية. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ واسم الفاعل منه: عاث، والأول من الباب الأول، والثاني من الباب الرابع، والثالث من الباب الثالث.\nهذا؛ و(زنوا): أمر، ماضيه: وزن، ومضارعه: يزن، أصله: يوزن، حذفت الواو من مضارعه لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء، والكسرة، والأمر منه: اوزن، حذفت الواو، وتلتها","vol":"6","page":628},{"text":"الألف في الحذف، فصار: زن، وهذا الحذف قياسي في كل فعل ثلاثي مثال، واوي مكسور عين المضارع، مثل: وعد، يعد، عد، ووقف، يقف، قف.\n ﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ جمع شيء، وهو في اللغة عبارة عن كل موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير مصروف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: أن وزنه: شيئاء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت: لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.\n ﴿الْمُسْتَقِيمِ:﴾ أصله المستقوم؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف، واوي، فقل في إعلاله:\nاجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار: (المستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.\nالإعراب: ﴿أَوْفُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْكَيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الْمُخْسِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا﴾. ﴿وَزِنُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (زنوا): فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْقِسْطاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُسْتَقِيمِ:﴾\nصفة (القسطاس). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَبْخَسُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) ... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول.\n ﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (لا): ناهية جازمة. ﴿تَعْثَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُفْسِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي مؤكدة؛ لأنها من معنى الفعل كما رأيت في الشرح منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول شعيب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nفائدة: الحال على نوعين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة، فالمؤسسة هي التي لا يستفاد معناها بدونها نحو: جاء زيد ضاحكا، ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول. والمؤكدة: هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهذه ثلاثة أنواع:","vol":"6","page":629},{"text":"الأول: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول نحو قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها﴾ ومنه الآية التي نحن بصدد إعرابها. والثاني نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾.\nالنوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾.\nالنوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو:\n «هو الحق بيّنا، أو صريحا». وقول سالم بن دارة اليربوعي، وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا «فتح رب البرية»: [البسيط]\nأنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟\nوانظر الآية رقم [٧٦] من سورة (الفرقان)؛ لأنواع الحال بالنسبة للزّمان.\n\n<span id=\"aya-3116\"></span>﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أي: خافوا، ووحّدوا، واعبدوا الذي خلقكم من العدم، وأنشأكم من ماء مهين. ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: الجماعة، والأمم الأولين، الذين كانوا على خلقة، وطبيعة عظيمة، كأنها الجبال قوة، وصلابة، ولا سيما قوم هود الذين بلغت بهم الشدة حتى قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. انتهى. جمل.\nوقال مجاهد: الجبلة الخليقة، وجبل فلان على كذا، أي: خلق، فالخلق جبلّة، وجبلّة، وجبلة، وجبلة، وجبلة. ذكره النحاس في معاني القرآن. وقال الهروي: الجبلّة، والجبلة، والجبلّ، والجبلّ والجبل لغات، وهو الجمع الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى في سورة (يس): ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا﴾. وقال النحاس أيضا: كلها لغات، وتحذف الهاء من هذا كله، وقرأ الحسن باختلاف عنه: «(والجبلّة الأولين)» بضم الجيم والباء، وروي عن شيبة والأعرج، والباقون بالكسر، قال الشاعر: [مجزوء الكامل]\nوالموت أعظم حادث... فيما يمرّ على الجبلّة\nانتهى. كله من القرطبي بتصرف بسيط.\nالإعراب: ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به،","vol":"6","page":630},{"text":"والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالْجِبِلَّةَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الجبلة): معطوف على الكاف الواقعة مفعولا. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة (الجبلة) منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-3117\"></span><span id=\"aya-3118\"></span>﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا إِنَّما﴾ ... ﴿مِثْلُنا:﴾ هذا الكلام تقدم شرحه وإعرابه في الآيتين [١٥٣] و[١٥٤] مع فارق بينهما، وهو زيادة الواو هنا، وتركها هناك، وفرق بينهما الزمخشري ﵀؛ حيث قال: إذا أدخلت الواو؛ فقد قصد معنيان، كلاهما مناف للرسالة عندهم: التسحير، والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا، ولا يجوز أن يكون بشرا. وإذا تركت الواو؛ فلم يقصد إلا معنى واحد، وهو كونه مسحرا، ثم قرر بكونه بشرا مثلهم.\n ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي: ما نظنك إلا من الكاذبين. هذا عند الكوفيين، وعند البصريين. التقدير: وإنا لنظنك من الكاذبين فيما تدعيه. والمراد بالظن هنا: الطرف الراجح، المفيد لليقين. وانظر الإعراب، والله الموفق إلى الحق، والصواب، وإليه المرجع، والماب.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها.\n ﴿نَظُنُّكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النافية، والمهملة. (من الكاذبين): جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وهذا عند البصريين، والمتعلق محذوف، التقدير: فيما تدعيه من النبوة، والرسالة.\nقال النسفي تبعا للزمخشري: وإنما تفرقتا: أي: (إن) المخففة، و(اللام الفارقة) على فعل الظن وثاني مفعوليه؛ لأن أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ، والخبر، كقولك: إن زيدا لمنطلق، فلما كان بابا: «كان» و«ظننت» من جنس المبتدأ والخبر؛ فعل ذلك في البابين، فقيل: إن كان زيد لمنطلقا، وإن ظننته لمنطلقا. انتهى. والجملة القرآنية التي تشبه هذه الجملة هي قوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ هذا؛ وأما الكوفيون فيعتبرون (إن) نافية، واللام بمعنى: «إلا» وباقي الإعراب مثل البصريين، والجملة الفعلية على الإعرابين في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر.","vol":"6","page":631},{"text":"<span id=\"aya-3119\"></span>﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٨٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ أي: جانبا من السماء، وقطعة منه، فننظر إليه، كما قال تعالى في سورة (الطور): ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾. وقيل: أرادوا نزول العذاب، وهو مبالغة في التكذيب. قال أبو عبيدة: الكسف جمع: كسفة، مثل: سدر، وسدرة، وهو بتسكين السين، وقراءة حفص بفتح السين، جمع: كسفة أيضا، وهي القطعة، والجانب، مثل كسرة، وكسر، ويقال: الكسف، والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ:\n «(كسفا)» جعله واحدا، ومن قرأ (كسفا) جعله جمعا. وقال الهروي: من قرأ: «(كسفا)» على التوحيد، فجمعه: أكساف، وكسوف، كأنه قال: أو تسقطه علينا طبقا واحدا، وهو من: كسفت الشيء كسفا: إذا غطيته انتهى. قرطبي. والذي طلبه قوم شعيب في هذه الآية طلبه قوم محمد ﷺ في الآية رقم [٩٢] من سورة (الإسراء)، وانظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم). هذا؛ والسماء يذكر، ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء:\nالمطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]\nإذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النبات، ويسمى هذا في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، وجمع السماء: السموات، وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يذكرها الله بلفظ الجمع، إلا ويذكر معها الأرض، وكثيرا ما يخصهما الله بالذكر دون مصنوعاته؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، ويجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة في الصفات، والآثار، والحركات، ويقدمها بالإفراد والجمع على الأرض لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَسْقِطْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كنت صادقا فيما تدعيه، فأسقط وقد دل على هذا الشرط ما بعده. (أسقط): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كِسَفًا:﴾ مفعول به.\n ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِسَفًا﴾. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٥٤]. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول أصحاب الأيكة، كما هو واضح.","vol":"6","page":632},{"text":"<span id=\"aya-3120\"></span><span id=\"aya-3121\"></span>﴿قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: شعيب، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: من نقصان الكيل، والوزن، وبعذابه المنزل عليكم، ومما أوجبه لكم عليه في وقته المقدر له لا محالة، فإنه نازل بكم. فهو تهديد، ووعيد، وهو يفيد أيضا: إنما عليّ البلاغ، وليس إليّ العذاب الذي سألتموه. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: استمروا على كفرهم، وعنادهم وأعمالهم الخبيثة.\n ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: أصابهم حرّ شديد، فأرسل الله ﷾ سحابة فهربوا إليها ليستظلوا بها، فلما صاروا تحتها؛ صيح بهم، فهلكوا. وقيل: إن الله حبس عنهم الريح سبعة أيام، وسلّط عليهم الحر حتى أخذ بأنفاسهم، ولم ينفعهم ظلّ، ولا ماء، فكانوا يدخلون تحت الأسراب، ليتبردوا فيها، فيجدوها أشد حرا من الظاهر، فهربوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وهي الظلة، فوجدوا لها بردا، ونسيما، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. وقال يزيد الجريريّ: سلّط الله عليهم الحر سبعة أيام، ولياليهن، ثم رفع لهم جبل من بعيد، فأتاه رجل، فإذا تحته أنهار، وعيون، وشجر، وماء بارد، فاجتمعوا كلهم تحته، فوقع عليهم الجبل، وهو الظّلة، وقيل: غير ذلك. انتهى. قرطبي.\nوقال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين: أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلّة، وأما أصحاب مدين فصاح بهم جبريل ﵇ صيحة، فهلكوا. انتهى.\nأقول: وقد ذكر الله قصة شعيب مع أهل مدين بالتفصيل في سورة (الأعراف) وسورة (هود) وأما قصة أهل الأيكة فأشار في سورة (الحجر) إليها إشارة وباختصار، وقد فصلها ﷾ في هذه السورة كما ترى، والأمّتان: أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، كانت فعلتهم السيئة هي بخس الكيل، والميزان مقرونة بالكفر بالله، وعدم توحيده، وعبادته. قيل: آمن بشعيب من الأمتين تسعمئة نفر.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى شعيب تقديره: «هو». ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو بمعنى عالم. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وفاعله مستتر فيه، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية","vol":"6","page":633},{"text":"تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أعلم بعملكم، والجملة الاسمية:\n ﴿رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كذبوه): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخَذَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿عَذابُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الظُّلَّةِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَأَخَذَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ،﴾ و﴿عَذابُ﴾ مضاف، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿يَوْمِ،﴾ وإن اعتبرته صفة:\n ﴿عَذابُ،﴾ فيكون قد جر على الجوار، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3122\"></span><span id=\"aya-3123\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: هذا آخر القصص السبع المذكورة في هذه السورة على سبيل الاختصار، تسلية لرسول الله ﷺ، وتهديدا، ووعيدا للمكذبين به، واطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به، واقتراحهم له، استهزاء، وعدم مبالاة به يدفع أن يقال:\nإنه كان بسبب اتصالات فلكية، أو كان ابتلاء لهم، لا مؤاخذة على تكذيبهم. انتهى.\nأما تكرير بعض الآيات في أول كل قصة وآخرها، كما رأيت بنصها، فقد قال عنه الزمخشري رحمه الله تعالى في كشافه ما يلي: كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس، وتثبيتا لها في الصدور؛ ألا ترى: أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما زاد ترديده؛ كان أمكن له في القلب، وأرسخ في الفهم، وأثبت للذكر، وأبعد من النسيان، ولأن هذه القصص طرقت بها آذان، وفيها وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره. فكوثرت بالوعظ، والتذكير، وروجعت بالترديد، والتكرير، لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفتق ذهنا، أو يصقل عقلا، طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما، قد غطى عليه تراكم الصدأ. انتهى.\nبعد هذا أذكر: أن ذكر الرسل في هذه السورة الكريمة لم يأت مرتبا على وجودهم الزمني في هذه الدنيا؛ لأن ترتيبهم الزمني كما يلي: نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم إبراهيم ولوط كان في زمنه؛ لأنه ابن أخيه، كما قد ذكرت لك فيما سبق، ثم موسى، وشعيب، فإنهما كانا في زمن","vol":"6","page":634},{"text":"واحد، كما ستعرفه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى، وإن كان شعيب أسنّ من موسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، أما إعراب الآيتين فانظره برقم [٨] و[٩] ففيه الكفاية.\n\n<span id=\"aya-3124\"></span><span id=\"aya-3125\"></span><span id=\"aya-3126\"></span><span id=\"aya-3127\"></span><span id=\"aya-3128\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: فليس بشعر، ولا بكهانة، ولا أساطير الأولين، ولا غير ذلك مما قالوه. ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ أي: جبريل ﴿الْأَمِينُ:﴾ لأنه أمين على الوحي الذي فيه الحياة، وخاب، وخسر من يقول: تاه الأمين، فإنهم يزعمون: أن الرسالة كانت لعليّ، فتاه جبريل، وأعطاها لمحمد ﷺ. ﴿عَلى قَلْبِكَ:﴾ قال البيضاوي رحمه الله تعالى: هذا تقرير لحقية تلك القصص، وتنبيه على إعجاز القرآن، ونبوة محمد ﷺ، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها، لا يكون إلا وحيا من الله ﷿، والقلب إن أريد به الروح؛ فذاك، وإن أريد به العضو؛ فتخصيصه؛ لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولا على الروح، ثم تنتقل منه إلى القلب؛ لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ، فينتقش بها لوح المتخيلة.\nوقال الخازن: وإنما خص القلب بالذكر؛ لأنه هو المخاطب في الحقيقة، وإنه موضع التمييز، والفعل، والاختيار، وسائر الأعضاء مسخرة له، ويدل له قوله ﷺ: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب». أخرجاه في الصحيحين، ومن المعقول: أن موضع الفرح، والسرور، والغم، والحزن هو القلب، فإذا فرح القلب، أو حزن يتغير حال سائر الأعضاء، فكان القلب كالرئيس لها، ومنه: أنّ موضع العقل هو القلب على الصحيح من القولين، فإذا ثبت ذلك؛ كان القلب هو الأمير المكلّف، وهو المطلق؛ لأن التكليف مشروط بالعقل، والفهم. انتهى.\n ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ:﴾ المخوفين من عذاب الله عمّا يؤدي إليه من فعل منهي عنه، أو ترك مأمور به، والخطاب للنبي ﷺ. ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ أي: واضح؛ لئلا يقول كفار قريش: ما نصنع بما لا نفهمه؛ لو نزل بغير العربية، وعلى هذا فالجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَزَلَ،﴾ ويجوز تعليقهما ب ﴿الْمُنْذِرِينَ،﴾ فيكون المعنى: لتكون ممن أنذروا بلغة العرب، هم: هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ والضمير المنصوب بقوله: (إنه) والمجرور بقوله: (به) عائدان على القرآن الكريم، ولم يتقدّم له ذكر، وهو مفهوم من المقام بلا ريب.","vol":"6","page":635},{"text":"﴿وَإِنَّهُ:﴾ هذا الضمير يحتمل عوده على القرآن الكريم، وعوده على النبي ﷺ، ولم يتقدم له ذكر أيضا. ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ:﴾ فعلى الاعتبار الأول بعود الضمير يكون المعنى، إن هذا القرآن مثبت ذكره في سائر الكتب السماوية المتقدمة. وقيل: إن معانيه فيها، وفيه دليل للحنفية على أن القرآن قرآن، ولو ترجم بغير العربية، فيكون دليلا على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة، وعلى الاعتبار الثاني بعود الضمير يكون المعنى: إن ذكر محمد ﷺ مثبت في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.\nهذا؛ وانظر ما ذكرته في ﴿الرُّوحُ﴾ في الآية رقم [٨٥] من سورة (الإسراء)، وشرح:\n (اللسان) في الآية رقم [٨٤]، وشرح ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان)، وإعلال ﴿مُبِينٍ﴾ في الآية رقم [٢]. هذا؛ والزبر: الكتب جمع: زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم، والمواعظ، من: زبرت الشيء: إذا حبسته. وقيل: الزبور: المواعظ والزواجر من وعظته: إذا زجرته، والمراد هنا جميع الكتب التي نزلت على المرسلين، فإنها جميعها بشرت بمحمد ﷺ وبأمته، ونوهت بشأن القرآن الكريم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَنْزِيلُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تنزيل): خبر (إنّ)، و(تنزيل) مضاف، و﴿رَبِّ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿نَزَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الرُّوحُ﴾ الذي هو فاعله. ﴿الْأَمِينُ:﴾ صفة له. هذا؛ وقد قرئ بتشديد الزاي، ونصب: (الرّوح الأمين)، فيكون الفاعل ضميرا مستترا يعود إلى: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ وعليه؛ فالجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ وعلى الأول؛ فالجملة الفعلية في محل نصب حال من: (تنزيل رب)، والرابط على الاعتبارين الضمير فقط.\n ﴿عَلى قَلْبِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿نَزَلَ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِتَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكون)، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَزَلَ﴾. ﴿بِلِسانٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿نَزَلَ،﴾ أو ب ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾ حسب ما رأيت فيما تقدم في الشرح، وأجيز اعتبارهما بدلا من قوله: ﴿بِهِ﴾ بإعادة الجار. ﴿عَرَبِيٍّ مُبِينٍ:﴾\nصفتان ل: (اللسان). ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير","vol":"6","page":636},{"text":"متصل في محل نصب اسمه. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في زبر): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، و﴿زُبُرِ﴾ مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:\n ﴿وَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3129\"></span>﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ أي: لأهل مكة الذين أنكروا القرآن، ونبوة محمد ﷺ. ﴿آيَةً﴾ أي:\nعلامة تدل على صحة القرآن ونبوة سيد الأنام. هذا؛ وقرئ برفع ﴿آيَةً﴾ ونصبها، وقرئ ﴿يَكُنْ﴾ بالياء والتاء. ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: يعرفون صحة القرآن، وصدق نبوة الرسول ﷺ حيث ذكر بنعته في كتبهم، كما صرحت به الآية السابقة.\nقال مجاهد: يعني عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وغيرهما ممن أسلم، كأسد، وأسيد، وثعلبة، وابن يامين؛ الذين أسلموا من اليهود. وقال عبد الله بن عباس﵄-: بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة، يسألونهم عن محمد ﷺ ونبوته، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة نعته، وصفته. فيرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم؛ أسلم، أو لم يسلم على هذا القول، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين؛ لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمر الدين إلى أهل الكتاب؛ لأنهم مظنون بهم علم. انتهى. قرطبي.\nأقول: قد تقدم في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف) أن قريشا بعثوا عمرو بن العاص وغيره إلى المدينة المنورة يسألون اليهود عن محمد ﷺ، فاقترحوا ثلاثة أسئلة على النبي ﷺ انظر ما ذكرته في شرح الآية المذكورة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتعجب. الواو: حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف بالفعل ﴿يَكُنْ،﴾ على رأي من يجيز تعليق الجار والمجرور بالفعل الناقص، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةً،﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:\n «نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿آيَةً:﴾ خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَعْلَمَهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿عُلَماءُ:﴾ فاعل، و﴿عُلَماءُ﴾ مضاف، و﴿بَنِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿يَكُنْ﴾ مؤخر.","vol":"6","page":637},{"text":"هذا؛ وقرأ ابن عامر: «(تكن)» بالتاء، و«(آية)» بالرفع، والفعل على هذه القراءة يحتمل النقصان والتمام، فعلى الأول يكون «(آية)» اسم «(تكن)» مؤخر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في محل رفع بدل من (آية)، أو (إنّ) الاسم ضمير القصة، و(آية) خبر مقدم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب خبر (تكن)، وأما على التمام ف: (آية) فاعل (تكن)، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في محل رفع بدل من (آية)، والجار والمجرور: ﴿لَهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (آية) على مثال ما سبق، أو: هما متعلقان بالفعل (تكن)، وأجيز على التمام أيضا أن تكون (آية) فاعل (تكن)، والمصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي أن يعلمه. هذا؛ وأجاز الزجاج كون ﴿آيَةً﴾ اسم (تكن) على النقصان، والمصدر المؤول في محل نصب خبره، وهو مردود بأنه لا يخبر بالمعرفة عن النكرة إلا في ضرورة الشعر، كما في قول القطامي: [الوافر]\nقفي قبل التّفرّق يا ضباعا... ولا يك موقف منك الوداعا\nوأيضا قول حسان﵁قبل تحريم الخمرة من قصيدة يمدح بها النبي ﷺ، ويندد بكفار قريش ويتهدّد شعراءهم: [الوافر]\nكأنّ سبيئة من بيت رأس... يكون مزاجها عسل وماء\nوهذان البيتان هما الشاهدان رقم [٨٢٢ - ٨٢٣] من كتابنا فتح القريب.\n\n<span id=\"aya-3130\"></span><span id=\"aya-3131\"></span><span id=\"aya-3132\"></span><span id=\"aya-3133\"></span><span id=\"aya-3134\"></span>﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ:﴾ الضمير يعود إلى القرآن. ﴿عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ أي: على رجل ليس بعربي اللسان. ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا..﴾. إلخ: أي بغير لغة العرب؛ لما آمنوا، ولقالوا: لا نفقه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ الآية رقم [٤٤] من سورة فصلت، وقيل: معناه: ولو نزلناه على رجل ليس من العرب؛ لما آمنوا به أنفة، وكبرا، وعنادا، واستنكافا من اتباع العجم.\n ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ:﴾ الضمير للكفر المدلول عليه بقوله: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فتدل الآية على أنه بخلق الله. وقيل: الضمير للقرآن، أي: أدخلناه في قلوب المجرمين، فعرفوا معانيه، وإعجازه، ثم لم يؤمنوا به عنادا. وهذا أقوى؛ لأن قوله تعالى: ﴿لا﴾","vol":"6","page":638},{"text":"يُؤْمِنُونَ بِهِ يؤيده، وذلك بإرجاع الضمير إلى القرآن أيضا، ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ أي:\nالملجئ إلى الإيمان. هذا؛ ويؤيد إرجاع الضمير الأول للكفر قوله تعالى في سورة (الحجر):\n ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ الآية رقم [١٢] وقد ذكرت هناك أن هذه الآية ترد على القدرية والمعتزلة، وهي أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق، ولم يعاند.\nهذا؛ والسّلك: إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط، والرمح بالمطعون، وانظر (نا) في الآية رقم [٧]. هذا؛ وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، ونحو ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات؛ فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم؟ وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب، ورحم الله البيضاوي؛ حيث قال: والتعبير عن الكافرين بالمجرمين؛ ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرائم. وأضيف في ترك الكذب، والفسوق، والإسراف، والظلم، والاعتداء، وغير ذلك من الأعمال التي يبغضها الله، ورسوله.\nأما ﴿الْأَعْجَمِينَ:﴾ فهو جمع: أعجمي، والقياس: أعجميين، وبه قرأ الحسن، وقد حذفت ياء النسب من الأعجمين لثقلها، كما يقال: الأشعرين، جمع أشعريّ، وقيل: هو جمع:\nأعجم، وفيه بعد؛ لأن ما كان من الصفات الذي مؤنثه (فعلاء) لا يجمع بالواو والنون، ولا بالألف والتاء، فلا يقال: أحمرون ولا حمراوات، وبالأول قال أبو الفتح بن جني، وهو مذهب سيبويه، والبصريين. وبالثاني قال الكوفيون. والمعتمد قول البصريين، وانظر ما ذكرته في سورة (الصافات) رقم [١٢٨].\nوالأعجمي: هو الذي لا يفصح في كلامه، والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم، ولا يتكلم بكلامهم أعجميّا. وقال الفراء: الأعجم: هو الذي في لسانه عجمة، وإن كان عربيّا، ومنه سمي زياد الأعجم؛ لأنه كان في لسانه عجمة، أي: لكنة مع كونه من العرب، والأعجمي، والعجمي: الذي أصله من العجم، فهو منسوب إليه. هذا؛ والأعرابي: هو الذي يسكن البادية، والعربي: هو الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب، وهو منسوب إلى العرب، وجمع الأول:\nالأعراب، كما في الآية رقم [٩٠] من سورة (التوبة) وما بعدها، وجمع الثاني: العرب، والعرب، والعرب واحد، كالعجم، والعجم، فبينهما طباق التضاد.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿نَزَّلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَلى بَعْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْضِ﴾ مضاف،","vol":"6","page":639},{"text":"و﴿الْأَعْجَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فَقَرَأَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قرأه): فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿نَزَّلْناهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان ب ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ بعدهما. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿ما كانُوا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها من الإعراب، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده؛ أي: سلكنا التكذيب به بقراءة النبي مثل إدخالنا التكذيب به في قلوبهم بقراءة الأعجمي، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿سَلَكْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، وانظر إعراب (أنجينا) في الآية رقم [١١٩]. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿قُلُوبِ﴾ مضاف، و﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من:\n ﴿الْمُجْرِمِينَ،﴾ والرابط على الاعتبارين الضمير فقط، أو الجملة مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَرَوُا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿الْأَلِيمَ:﴾ صفة له، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَيَأْتِيَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يأتيهم): فعل مضارع معطوف على ﴿يَرَوُا﴾ منصوب مثله، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الْعَذابَ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. هذا؛ وقرأ الحسن: «(فتأتيهم)» بالتاء، والمعنى: فتأتيهم الساعة بغتة. فأضمرت لدلالة العذاب الواقع فيها، ولكثرة ما في القرآن من ذكرها. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الفاعل المستتر بمعنى: باغتا، أو: باغتة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تبغتهم بغتة، وتكون هذه الجملة في محل نصب حال من الفاعل المستتر. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل يأتي من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون ﴿بَغْتَةً﴾ نائب مفعول مطلق. ﴿وَهُمْ:﴾\nالواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، التقدير:","vol":"6","page":640},{"text":"لا يشعرون بإتيانه، أو بإتيانها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3135\"></span><span id=\"aya-3136\"></span><span id=\"aya-3137\"></span><span id=\"aya-3138\"></span><span id=\"aya-3139\"></span>﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾\nالشرح: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: مؤخرون وممهلون يطلبون الرجعة حين يفاجئهم العذاب، فلا يجابون، ويقولون ذلك تحسرا، وتأسفا. ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: يطلبون العذاب، فيقولون: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ،﴾ ويقولون: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾.\n ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، بمعنى: أخبرني ماذا يكون حالهم، وشأنهم. ﴿إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ﴾ أي: تركناهم أحياء سنين يتلذذون، ويتنعمون في هذه الدنيا، ومشتهياتها، ولذائذها. قال يحيى بن معاذ﵁-: أشد الناس غفلة من اغتر بحياته، والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته؛ والله يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ﴾. ﴿ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب. ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أي: به في تلك السنين.\nوالمعنى: أن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن، ولا لا حق بهم، وأنهم ممتعون بأعمار طوال، في سلامة، وأمن، فقال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أشرا، وبطرا، واستهزاء، واتكالا على الأمل الطويل. ثم قال: هب: أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم، وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك لا ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم، وطيب معايشهم.\nوعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن البصري في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له:\nعظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال ميمون: قد وعظت، فأبلغت! وعن الزهري -رحمه الله تعالى-قال: إن عمر بن عبد العزيز﵁كان إذا أصبح؛ أمسك بلحيته، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ ... ﴿يُمَتَّعُونَ﴾ ثم يبكي ويقول: [الطويل]\nنهارك يا مغرور سهو وغفلة... وليلك نوم والرّدى لك لازم\nفلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم... ولا أنت في النّوّام ناج فسالم\nتسرّ بما يفنى وتفرح بالمنى... كما سرّ باللّذّات في النّوم حالم\nوتسعى إلى ما سوف تكره غبّه... كذلك في الدّنيا تعيش البهائم","vol":"6","page":641},{"text":"هذا؛ ويكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجه للكافرين الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا، وقد توجه إلى النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ الآية رقم [١١٤] من سورة (طه)، بينما حث الله تعالى على فعل الطاعات، فقال في سورة (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٣٣]، وقال في سورة (الحديد):\n ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٢١] كما وصف أنبياءه ورسله بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض: «العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن»؛ لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة من ذلك، كما أن هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداء الصلاة المكتوبة؛ إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل، وخذ ما يلي، فعن علي بن أبي طالب﵁قال: قال رسول الله ﷺ له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». رواه الترمذي.\nالإعراب: ﴿فَيَقُولُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (يقولوا): معطوف على: ﴿يَرَوُا،﴾ فهو منصوب مثله، وقال القشيري: وقوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ ليس عطفا على قوله: ﴿حَتّى يَرَوُا﴾ بل هو جواب قوله:\n ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فلما كان جوابا للنفي انتصب، وكذلك قوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ وعلامة النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى هذا الوجه تكون «أن» مضمرة بعد الفاء، وتؤول مع الفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لم يكن منهم إيمان، فإتيان العذاب بغتة، فقولهم... إلخ. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام.\n ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿مُنْظَرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿أَفَبِعَذابِنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتعجب. الفاء: حرف استئناف. (بعذابنا): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. ﴿يَسْتَعْجِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على مقدر يقتضيه المقام، التقدير: أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون... إلخ. ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿مَتَّعْناهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا) فاعله، والهاء مفعول به. ﴿سِنِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم،","vol":"6","page":642},{"text":"والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: لم يغن عنهم تمتعهم، والجملة الشرطية معترضة بين الفعل: (رأيت) ومفعوليه، وأيضا بين الفعلين المتعاطفين.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿ما:﴾ اسم موصول تنازعه (رأيت) يطلبه مفعولا أول، و﴿جاءَهُمْ﴾ يطلبه فاعلا، فإذا أعملنا الأول أضمرنا في الثاني ضميرا يعود عليه، التقدير: ثم جاءهم هو، أي الذي كانوا يوعدونه، وإذا أعملت الثاني، وهو جاءهم أعملت الأول في ضميره، ولكنه حذف؛ لأنه فضلة، وهو المفعول الأول له. ﴿كانُوا:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يُوعَدُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها؛ إن اعتبرتها نكرة موصوفة، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني.\n ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وقيل: في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿عَنْهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل: ﴿أَغْنى،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ما أغنى عنهم الذي، أو شيء كانوا يمتعون به، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل: ﴿أَغْنى،﴾ التقدير: ما أغنى عنهم تمتعهم، أو كونهم متمتعين، وجملة: ﴿أَغْنى..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما أَغْنى..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان، للفعل: (أرأيت) وجملة: ﴿أَفَرَأَيْتَ..﴾. إلخ معطوفة على: ﴿فَيَقُولُوا..﴾. إلخ وما بينهما اعتراض. انتهى. جمل.\nهذا؛ وأجيز اعتبار (ما) الثانية حرف نفي، كما أجيز اعتبار الأولى حرف نفي، والثانية اسما موصولا والمعتمد ما ذكرته أولا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3140\"></span><span id=\"aya-3141\"></span>﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ (٢٠٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: بنوع من أنواع العذاب المتقدمة. ﴿إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ أي: رسل ينذرونهم، أي: ينذرون أهل القرية؛ لئلا يكون لهم حجة يوم القيامة. ﴿ذِكْرى﴾ أي:\nليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصوا مثل عصيانهم. ﴿وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ أي: فنهلك","vol":"6","page":643},{"text":"قوما غير مستحقين العذاب، أو ما كنا ظالمين في تعذيبهم، حيث أرسلنا إليهم رسلا، فلم يؤمنوا، وقطعنا حجتهم.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُنْذِرُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وجاز مجيء الحال من النكرة لتقدم النفي عليها، ولم يجوز ابن هشام اعتبار الجملة صفة للفصل ب: ﴿إِلاّ؛﴾ فإنه قال: ولما جاءت ﴿إِلاّ﴾ امتنعت الوصفية، وأما قوله تعالى: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ الآية رقم [٤] من سورة (الحجر)، فللوصفية مانعان: الواو، و﴿إِلاّ،﴾ ولم ير الزمخشري، وأبو البقاء واحدا منهما مانعا، وكلام النحويين بخلاف ذلك. وقال الأخفش: لا تفصل «إلا» بين الموصوف وصفته. انتهى. مغني اللبيب. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف تركت الواو من الجملة بعد ﴿إِلاّ،﴾ ولم تترك منها في آية الحجر، قلت: الأصل ترك الواو؛ لأن الجملة صفة ل ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف، كما في قوله تعالى: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. انتهى. سمين.\n ﴿ذِكْرى:﴾ مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، وعليهما فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وقيل: هي صفة: ﴿مُنْذِرُونَ﴾ على تقدير: ذوو ذكرى، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه، أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي ذكرى، وعليه فهذه الجملة معترضة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): ضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وجملة: ﴿كُنّا ظالِمِينَ﴾ في محل نصب حال من (نا) والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3142\"></span><span id=\"aya-3143\"></span><span id=\"aya-3144\"></span>﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن. ﴿الشَّياطِينُ:﴾ فهذا رد لما زعمه الكفرة في حق القرآن الكريم من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة بعد تحقيق الحق ببيان: أنه نزل به الروح الأمين، فقد أكذبهم الله تعالى بهذه الآية، وعليه فلا يكون سحرا، ولا كهانة، ولا شعرا، ولا أضغاث أحلام، كما يقولون. ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أي: وما يصلح للشياطين أن ينزلوا بالقرآن الكريم. ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: لا يقدرون على إنزال القرآن. ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ أي:","vol":"6","page":644},{"text":"هم محجوبون عن سماع كلام الملائكة بالرمي بالشهب، فلا يصلون إلى استراق السمع من الملائكة، وقد بين الله ذلك في الآيتين رقم [١٧] و[١٨] من سورة (الحجر)، وفي مطلع سورة (الصافات) وقد بيّن البيضاوي العلة في منعهم من سماع الملائكة، فقال: لأنه مشروط بمشاركة في صفات الذات، وقبول فيضان الحق، والانتعاش بالصور الملكوتية، ونفوسهم خبيثة ظلمانية، شريرة بالذات لا تقبل ذلك، والقرآن مشتمل على حقائق، ومغيبات، لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَنَزَّلَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّياطِينُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَنْبَغِي:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى المفهوم من الفعل السابق، التقدير: وما ينبغي النزول لهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: ﴿الشَّياطِينُ﴾ فلست مفندا، ويكون الرابط:\nالواو، والضمير المجرور محلا باللام. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿عَنِ السَّمْعِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿لَمَعْزُولُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (معزولون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة... إلخ، والجملة الاسمية تعليل للنفي، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3145\"></span>﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾\nالشرح: ﴿فَلا تَدْعُ..﴾. إلخ: هذا الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره، كقوله تعالى له: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وحاشاه ﷺ أن يشرك باتخاذ إله مع الله تعالى. هذا؛ و: (لا تدع) يحتمل أن تكون من الدعاء، وهو النداء، وأن يكون بمعنى العبادة، فيتعدى لواحد، وأن يكون بمعنى التسمية، وعليه الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي في الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء)، فيتعدى لاثنين، كما قال الشاعر: [الطويل]\nدعتني أخاها أمّ عمرو، ولم أكن... أخاها، ولم أرضع لها بلبان\nدعتني أخاها بعد ما كان بيننا... من الفعل ما لا يفعل الأخوان\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَدْعُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مَعَ:﴾ ظرف","vol":"6","page":645},{"text":"مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول على حسب ما رأيت في الشرح، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿إِلهًا﴾ كان صفة له... إلخ. و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة له. ﴿فَتَكُونَ:﴾ الفاء:\nللسببية. (تكون): فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد فاء السببية، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْمُعَذَّبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكون)، و«أن» المضمرة والفعل (تكون) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منك دعاء... فكون من المعذبين.\n\n<span id=\"aya-3146\"></span>﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾\nالشرح: عن ابن عباس﵄قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: «يا بني فهر! يا بني عدي!» لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا، لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب، وقريش، فقال:\n «أرأيتكم لو أخبرتكم: أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟». قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ..﴾. إلخ. متفق عليه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٤] من سورة (الحجر).\nوعن أبي هريرة﵁قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: «يا معشر قريش-أو كلمة نحوها-اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا». متفق عليه.\nهذا؛ والعشيرة: أقرباء الإنسان الذين يعيشون معه، ويعاشرونه، ومن الجدير بالذكر: أن العشيرة آخر طبقة من الطبقات السبع التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، والعشيرة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب، واستحدث اسم الأسرة أو العائلة لما يشمل الزوج، والزوجة، وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة، وأخيرا اسمع قول العلي القدير: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.","vol":"6","page":646},{"text":"تنبيه: ما تقدم يدل على أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأسباب، أي في الأعمال الصالحة، وقد قال النبي ﷺ: «من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه». وروي: أنه قال لعمه، ولعمته، وبناته: «لا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتونني بالأنساب».\nوفي الآية دليل على جواز صلة الكافر، وإرشاده، ونصيحته، ولا سيما إذا رأى منه لينا، وميلا إلى الإسلام، ولقد سها الزمخشري-رحمه الله تعالى-حيث ذكر في النداء المتقدم ذكره قوله: «ثم قال: يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمّة محمد، اشترين أنفسكن من النار، فإني لا أغني عنكن من الله شيئا». وأين عائشة، وأين كانت حفصة﵄وعن والديهما؛ حين خاطب النبي ﷺ عشيرته بهذا الخطاب، حين نزلت عليه الآية الكريمة!؟.\nالإعراب: ﴿وَأَنْذِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنذر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت».\n ﴿عَشِيرَتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَقْرَبِينَ:﴾ صفة ﴿عَشِيرَتَكَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَأَنْذِرْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n (لا تدع...) إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.\n\n<span id=\"aya-3147\"></span>﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ:﴾ ألن جانبك ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ وتواضع لهم، فالطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع على الأرض؛ كسر جناحه، وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع، ولين الجانب، ومنه قول بعضهم: [المتقارب]\nوأنت الشّهير بخفض الجناح... فلا تك في رفعه أجدلا\nالأجدل: الصقر، ونحوه من الطيور الجوارح، فالشاعر ينهى ممدوحه عن التكبر بعد التواضع، ففي الآية الكريمة استعارة مكنية، وهي ما حذف فيها المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، فقد استعير الطائر للذل، ثم حذفه ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح، وإثبات الجناح للذل يسمونه: استعارة تخييلية، ومثل الآية قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل]\nوإذا المنيّة أنشبت أظفارها... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع\nحيث أثبت الأظفار للمنية، وهي لا ترى، ولا تشاهد على طريقة الاستعارة التخييلية، وأيضا قول لبيد بن ربيعة﵁-: [الكامل]","vol":"6","page":647},{"text":"وغداة ريح قد كشفت وقرّة... إذا أصبحت بيد الشّمال زمامها\nفقد جعل للشمال يدا، وللقرة-أي: البرد-زماما على مثال ما رأيت، والبيت من معلقته رقم [١٦].\nتنبيه: قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: المتبعون للرسول هم المؤمنون، والمؤمنون هم المتبعون للرسول فما معنى قوله: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟﴾ قلت: فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين؛ لمشارفتهم ذلك، وأن يريد بالمؤمنين المصادقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدق، واتبع رسول الله فيما جاء به، وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب، ثم إما أن يكونوا منافقين، أو فاسقين، والمنافق، والفاسق لا يخفض لهما الجناح. والمعنى من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، يعني: أنذر قومك، فإن اتبعوك، وأطاعوك، فاخفض لهم جناحك، وأن عصوك، ولم يتبعوك؛ فتبرأ منهم، ومن أعمالهم من الشرك بالله، وغيره. انتهى.\nكشاف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاخْفِضْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اخفض): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿جَناحَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِمَنِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّبَعَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (اتبعك)، و(من) بيان لما أبهم في (من)، وجملة ﴿وَاخْفِضْ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3148\"></span>﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾\nالشرح: المعنى: أنذر قومك، فإن اتبعوك، وأطاعوك؛ فاخفض جناحك لهم، وإن عصوك، ولم يتبعوك؛ فتبرأ منهم، ومن أعمالهم من الشرك بالله، وغيره. هذا؛ وأصل: (عصوا) قبل دخول واو الجماعة «عصو» فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار «عصاوا» فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على الصاد دليلا على الألف المحذوفة، ويقال في إعلاله أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار «عصووا» فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة... إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار «عصووا» فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت، فالتقى ساكنان: واو العلة وواو الجماعة، فحذفت واو العلة... إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا،","vol":"6","page":648},{"text":"ورمى، وسعى، ودعا، وغزا... إلخ. تنبه لذلك، واحفظه. هذا؛ وتحرك واو الجماعة بالضمة إذا التقى معها ساكن، مثل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ وإنما حركت بالضم دون غيره ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قولك: «لو اجتهدت؛ لنجحت». وقيل: ضمت؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: حركت بحركة الواو المحذوفة، وقيل: غير ذلك.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿عَصَوْكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿بَرِيءٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أُبْرِئُ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بريء من الذي، أو من شيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) التقدير: بريء من عملكم، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3149\"></span><span id=\"aya-3150\"></span><span id=\"aya-3151\"></span><span id=\"aya-3152\"></span>﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ أي: على الله يكفيك شر من يعصيك منهم، ومن غيرهم. والتوكل:\nتفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره، وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا: إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة.\n ﴿الْعَزِيزِ:﴾ القوي، القاهر، الغالب؛ الذي لا يغلبه شيء. ﴿الرَّحِيمِ:﴾ بعباده المؤمنين، فهو الذي ينصرك على أعدائك. ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: حين تقوم إلى الصلاة تتهجد في قول أكثر المفسرين، وهو قول ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: يعني: حين تقوم حيثما كنت.\n ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: المعنى: ويرى تقلبك في صلاتك","vol":"6","page":649},{"text":"في حال قيامك، وركوعك، وسجودك، وقعودك. وقيل: مع المصلين في الجماعة، يقول: يراك إذا صليت وحدك، ومع الجماعة. وقيل: معناه: يرى تقلب بصرك في الساجدين، أي:\nالمصلين، فإنه ﷺ كان يبصر من خلفه كما يبصر من قدامه.\nفعن أبي هريرة﵁أن النبي ﷺ قال: «هل ترون قبلتي هاهنا، فو الله ما يخفى عليّ خشوعكم، ولا ركوعكم، إنّي لأراكم من وراء ظهري». وقيل: معناه: يرى تصرفك، وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين، وتصفح أحوال المجتهدين منهم، وكيف يعبدون الله، وكيف يعملون لآخرتهم، كما يحكى: أنه حين نسخ فرض قيام الليل؛ طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه؛ لينظر ما يصنعون؛ لحرصه عليهم، وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات، وتكثير الحسنات، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله، وتلاوة القرآن. انتهى. كشاف.\nوقال ابن عباس﵄، وهو قول آخر له-: أراد: وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي؛ حتى أخرجتك في هذه الأمة، ويؤيد هذا ما روي من قوله ﷺ: «أنا أشرفكم نسبا، وحسبا، وصهرا، خرجت من نكاح كنكاح الإسلام لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء».\nوقوله ﷺ: «لم أزل أنتقل من الأصلاب الطّاهرات إلى الأرحام الزّاكيات». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ ويكون على الرأي الأخير ﴿السّاجِدِينَ﴾ بمعنى: المؤمنين، ويكون جميع أصوله رجالا ونساء مؤمنين من لدن آدم وحواء إلى عبد الله، وآمنة، وأورد على هذا آزر أبو إبراهيم، فإنه كان كافرا بمقتضى نص الآيات القرآنية، وأجاب بعضهم: بأنه كان عم إبراهيم لا أباه، وأجاب بعضهم بجواب أحسن من هذا، وهو أن قولهم: أصول محمد ﷺ لم يدخلهم الشرك: محله ما دام النور المحمدي في الذكر، وفي الأنثى، فإذا انتقل منه لمن بعده أمكن أن يعبد غير الله، وآزر ما عبد الأصنام، إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم، وأما قبل انتقاله؛ فلم يعبد غير الله.\nالإعراب: ﴿وَتَوَكَّلْ:﴾ الواو: حرف عطف، وقرئ بالفاء. (توكل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة بالواو على جملة: (أنذر...) إلخ لا محل لها مثلها، وعلى قراءة الفاء، فهي معطوفة على جملة: (قل...) إلخ وهي متضمنة معنى البدلية منها. ﴿عَلَى الْعَزِيزِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرَّحِيمِ:﴾ بدل من العزيز. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ،﴾ أو في محل جر بدل منهما، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير:\nهو الذي، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني، أو أمدح، ونحوهما. ﴿يَراكَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول","vol":"6","page":650},{"text":"لا محل لها. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿تَقُومُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿وَتَقَلُّبَكَ:﴾\nالواو: حرف عطف. (تقلبك): معطوف على الكاف، هذا هو الظاهر، وأرى: أنه منصوب بفعل محذوف، تقديره: ورأى (تقلبك) ولا سيما على الوجه الأخير في الشرح، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي السّاجِدِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر (تقلبك). ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ﴿هُوَ﴾ توكيد لاسم (إنّ) على المحل. وثانيها: ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له، وعليهما فخبر (إنّ) هو ﴿السَّمِيعُ﴾. وثالثها: هو مبتدأ، و﴿السَّمِيعُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ هُوَ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، لا محل لها. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بدل مما قبله.\n\n<span id=\"aya-3153\"></span><span id=\"aya-3154\"></span><span id=\"aya-3155\"></span>﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: أخبركم أيها المشركون. ﴿عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ:﴾ هذا جواب لقولهم: ينزل على محمد ﷺ شيطان يعلمه، ويلقي إليه ما يقوله. ثم بين على من تنزل الشياطين حيث قال جل ذكره: ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ﴾ أي: كذاب كثير الإفك. ﴿أَثِيمٍ:﴾ مرتكب للآثام، وهم الكهنة، والمتنبئة، مثل: سطيح، وطليحة بن خويلد الأسدي، ومسيلمة الكذاب، أما محمد ﷺ؛ فإنه يشتم الأفاكين، ويذمهم، وينهى عن مجالستهم، وعن الأخذ منهم، فكيف تنزل الشياطين عليه؟\n ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ أي: ما يسمعونه من الملائكة يلقونه إلى الكهنة، فعن ابن عباس﵄قال: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها إلى الكهنة، فيلقونها إليهم، فلما ولد عيسى ﵇؛ منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد ﷺ؛ منعوا من السموات أجمع، فما منهم من أحد يريد أن يسترق السمع إلا رمي بشهاب، فلمّا منعوا من تلك المقاعد؛ ذكروا ذلك لإبليس، فقال: لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم ينظرون، فوجدوا رسول الله ﷺ يتلو القرآن، فقالوا: هذا؛ والله حدث!.\nوعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم؛ قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا: للذّي قال الحقّ، وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترقو السّمع، ومسترقو السّمع هكذا بعضهم فوق بعض-ووصف سفيان بكفّه، فحدّقها، وبدّد بين أصابعه-فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته، حتّى يلقيها على لسان السّاحر، أو الكاهن، فربّما أدركه","vol":"6","page":651},{"text":"الشّهاب قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال له: أليس قد قال لنا: كذا، وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السّماء». أخرجه البخاري.\n ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ:﴾ فيما يوحون به إليهم؛ لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم، والأفاك: هو الذي يكثر الإفك، وانظر شرح (يأفكون) في الآية رقم [٤٥].\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أُنَبِّئُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿عَلى:﴾ حرف جر ﴿مَنْ:﴾\nاسم استفهام مبني على السكون في محل جر ب: «على»، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿عَلى مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث، إن جعل ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ متعديا لثلاثة، ومسد الثاني فقط، إن جعل متعديا لاثنين، وقد علق الفعل ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ عن العمل لفظا بالمفعول الثاني، أو بالمفعول الثاني، والثالث بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَنَزَّلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّياطِينُ،﴾ تقديره: «هي»، وقد حذفت التاء منه، ومن سابقه؛ لأن أصلها: «تتنزل»، والجملة الفعلية هذه بدل من سابقتها على مثال ما رأيت في الآية رقم [١٣٣] والثانية هنا أوضح من الأولى لأنها فصلت معنى ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية وبينتها، مثل الآية [١٣٣]. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿أَفّاكٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿أَثِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف.\n ﴿يُلْقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل تنزل المستتر العائد إلى الشياطين، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أكثرهم):\nمبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كاذِبُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3156\"></span><span id=\"aya-3157\"></span><span id=\"aya-3158\"></span>﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالشُّعَراءُ:﴾ جمع شاعر، والأصل في: «فعلاء» أن يكون جمع: «فعيل» مثل:\nظريف، وظرفاء، وشريف، وشرفاء؛ لأن فعيلا إنما يقع لمن قد كمل ما هو فيه، فلما كان","vol":"6","page":652},{"text":"«شاعر» إنما يقال لمن عرف بالشعر؛ شبه بفعيل، ودخلته ألف التأنيث الممدودة لتأنيث الجماعة، كما تدخل الهاء في: صياقلة، وزنادقة. وقال الأخفش: الشاعر مثل: لابن، وتامر، أي: صاحب شعر، وقد سمي الشاعر شاعرا لفطنته، وهو الفقية أيضا، والشاعر مأخوذ من قولهم: ما شعرت بهذا الأمر، أي: ما فطنت له، وقوله تعالى في كثير من الآيات في حق الكافرين والمنافقين والفاسقين: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يفطنون، ولا يتدبرون ما يقع بهم من الخزي، والوبال، والنكال في الدنيا، والآخرة.\n ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ:﴾ قال أهل التفسير: أراد الله بهذه الآية شعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي ﷺ مثل عبد الله بن الزّبعرى، وأبو عزة الجمحي، وأضرابهما، ويجتمع إليهم سفهاء قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون النبي ﷺ وأصحابه، وكانوا يروون عنهم قولهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ أي: فهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين. وفي رواية: أن رجلين: أحدهما من الأنصار، والثاني من المهاجرين تهاجيا على عهد رسول الله ﷺ، ومع كل واحد غواة قومه، وهم: السفهاء. والمعتمد الأول.\n ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ أي: ألم تنظر إليهم أنهم في كل واد من أودية الشعر يتحيّرون ويتردّدون، وعن طريق الحق يحيدون، ويخرجون. وهذا من باب الاستعارة البليغة، والتمثيل الرائع، شبه جولانهم في أفانين القول بطريق المدح والذم، والتشبب، وأنواع الشعر بهيام الهائم في كل وجه وطريق، والهائم هو الذي يخبط في طريقه، ولا يقصد موضعا معينا، يقال: هام على وجهه، أي: ذهب، والهائم: العاشق من ذلك، والهيمان: العطشان، والهيام: داء يأخذ الإبل من العطش. وجمل أهيم، وناقة هيماء، والجمع: هيم قال تعالى: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وذلك في سورة (الواقعة). انتهى جمل نقلا عن السمين. وينبغي أن تعلم: أنه لا يوجد لفظ: ﴿يَهِيمُونَ﴾ في غير هذه السورة، فهو لفظ مفرد لا ثاني له. هذا؛ وأودية الشعر:\nأنواعه، وأغراضه، وفنونه من تشبب في النساء، والتغزل بحسنهن، وجمالهن، وتمزيق الأعراض، والقدح في الأنساب، والوعد الكاذب، والافتخار بالباطل، ومدح من لا يستحق المدح، وذم من لا يستحق الذم، حتى إنهم ليفضلون أجبن الناس على عنترة، وأبخلهم على حاتم، وأفسقهم على أتقى الناس، وإلى هؤلاء يتوجه الوعيد الشديد من النبي ﷺ، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتّى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا». ومعنى «يريه»: يقذفه بسبب شدة الامتلاء. خرّج الحديث مسلم، رحمه الله تعالى. وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ؛ إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله ﷺ: «خذوا الشّيطان-أو-أمسكوا الشّيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا». أخرجه مسلم وغيره.","vol":"6","page":653},{"text":"قال العلماء: إنما فعل النبي ﷺ هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله، فلعلّ هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه اتخذ الشعر طريقا للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو، والذم إذا منع، فيؤذي الناس في أموالهم، وأعراضهم، فهذا حكم الشعر المذموم، وحكم صاحبه، فلا يحل سماعه، ولا إنشاده في مسجد، وغيره.\nهذا؛ ويجدر بي أن أقول إن هناك شعرا لا يمنع الإنسان من إنشاده، ولا من سماعه، وهو كثير منه ما تضمن ذكر الله، وحمده، والثناء عليه، أو ذكر الرسول ﷺ أو مدحه، وقد مدحه عمّه العباس﵁فقال له: «لا يفضض الله فاك». وكان يحب النبي ﷺ أن يسمع ما قاله فيه عمه أبو طالب من قصائد، وأشعار، أو تضمن الشعر دفاعا، وذبّا عنه ﷺ وعن الإسلام، وما قاله حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك﵃من قصائد في هذا الباب كثير، ومشهور، ومحفوظ، وقد أنشد كعب بن زهير﵁النبي ﷺ قصيدته المشهورة: (بانت سعاد) فلم ينكر عليه، بل سمعها كلّها منه.\nوكثيرا ما كان رسول الله ﷺ يحث حسان، وعبد الله بن رواحة، وغيرهما على هجاء المشركين، فعن البراء بن عازب﵁-: أن رسول الله ﷺ قال يوم قريظة لحسان:\n «اهج المشركين؛ فإنّ جبريل معك». متفق عليه. وعن عائشة﵂قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد، يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله ﷺ، وينافح، ويقول رسول الله ﷺ: «إنّ الله يؤيّد حسّان بروح القدس ما نافح، أو فاخر عن رسول الله». أخرجه البخاري.\nوعن عائشة﵂-: أن رسول الله ﷺ قال: «اهجوا قريشا، فإنّه أشدّ عليها من رشق بالنّبل». فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: «اهجهم». فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: «قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضّارب بذنبه» ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينّهم بلساني فري الأديم. أخرجه مسلم، والفري: الشق. والأديم: الجلد.\nوروى الترمذي، وصححه عن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه، ويقول﵁-: [الرجز]\nخلّوا بني الكفّار عن سبيله... اليوم نضربكم على تنزيله\nضربا يزيل الهام عن مقيله... ويذهل الخليل عن خليله\nفقال له عمر﵁-: يا بن رواجة في حرم الله، وبين يدي رسول الله ﷺ؟! فقال له النبي ﷺ: «خلّ عنه يا عمر! فلهو أسرع فيهم من نضح النّبل». وانظر ما ذكرته عن عمر -﵁في الآية رقم [١٢].","vol":"6","page":654},{"text":"وأخرج ابن عساكر عن الهيثم بن عدي؛ قال: ذكروا: أن عبد الله بن رواحة﵁- ابتاع جارية، وكتم ذلك امرأته، وقد بلغها، فقالت له ذات يوم-وبلغها: أنه كان عندها-: إنه بلغني عنك أنك ابتعت جارية، فقال لها: ما فعلت! قالت: بلى! وبلغني أنك كنت عندها اليوم، ولا أحسبك إلا جنبا، فإن كنت صادقا، فاقرأ آيات من القرآن، فقال: [الوافر]\nشهدت بأنّ وعد الله حقّ... وأنّ النار مثوى الكافرينا\nفقالت: زدني آية أخرى، فقال: [الوافر]\nوأنّ العرش فوق الماء طاف... وفوق العرش ربّ العالمينا\nفقالت: زدني آية أخرى، فقال: [الوافر]\nوتحمله ملائكة كرام... ملائكة الإله مقرّبينا\nفحدث رسول الله ﷺ بذلك، فضحك؛ حتى ردّ يده إلى فيه، وقال: «هذا من معاريض الكلام، يغفر الله لك يا بن رواحة! إن خياركم خيركم لنسائه؛ فأخبرني ما الذي ردت عليك حيث قلت ما قلت؟». قال: قالت لي: أما إذ قرأت القرآن فإني أتهم ظني، وأصدقك، فقال ﷺ: «لقد وجدتها ذات فقه في الدين». انتهى. سيوطي.\n ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ أي: يكذبون في قولهم، فيدلون بكلام على الخير، والكرم، وغير ذلك، ولا يفعلونه، ويذمون البخل، وغيره من الصفات الذميمة، ويصرون عليه، ويفرطون في القول، بما لم يفعلوه، رغبة منهم في تسلية النفس، وتحسين الكلام كما روي: أن الفرزدق أنشد سليمان بن عبد الملك قوله: [الوافر]\nخرجن إليّ لم يطمثن قبلي... وهنّ أصحّ من بيض النّعام\nفبتن بجانبيّ مصرّعات... وبتّ أفضّ أغلاق الختام\nفقال له سليمان: قد وجب عليك الحد، فقال: يا أمير المؤمنين! قد درأ الله عني الحد بقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾. فيريد سليمان: أنّ قوله هذا اعتراف منه بالزنى، فأجابه بهذا الكلام البليغ، والجواب المسكت.\nالإعراب: ﴿وَالشُّعَراءُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الشعراء): مبتدأ. ﴿يَتَّبِعُهُمُ:﴾ فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الْغاوُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالشُّعَراءُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":655},{"text":"﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿فِي كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿وادٍ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿يَهِيمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ). هذا؛ ويجوز أن يكون الجار والمجرور ﴿فِي كُلِّ وادٍ﴾ متعلقين بمحذوف في محل رفع خبر (أن)، وجملة: ﴿يَهِيمُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير في الخبر المحذوف، كما يجوز أن تكون الجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي (تر)، وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: مفسرة، ولا معنى للتفسير. ﴿وَأَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَفْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يقولون: الذي، أو شيئا لا يفعلونه، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق، فهو في محل نصب مثله.\n\n<span id=\"aya-3159\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَاِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾\nالشرح: في هذه الآية الكريمة استثنى الله من الشعراء المذمومين شعراء المؤمنين، أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير﵃-، ومن كان على طريقتهم من القول الحق، من إكثار ذكر الله في أشعارهم، والثناء عليه تعالى، وعلى نبيه ﷺ، والحث على طاعة الله، وطاعة رسوله، وكذلك الرد على المشركين وهجوهم كما رأيت في الآيات السابقة.\nيروى: أنه لما نزلت ﴿وَالشُّعَراءُ..﴾. إلخ جاء حسان، وابن رواحة، وكعب بن مالك -﵃يبكون إلى النبي ﷺ، فقالوا: يا نبي الله! أنزل الله هذه الآية؛ وهو تعالى يعلم: أنا شعراء، فقال: «اقرؤوا ما بعدها»: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ وقال ﷺ: «انتصروا،","vol":"6","page":656},{"text":"ولا تقولوا إلا حقّا، ولا تذكروا الآباء، والأمّهات». وقال ﵊: «إنّ المؤمن يجاهد بنفسه، وسيفه، ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأنّ ما ترمونهم به نضح النّبل». ولذا انبرى حسان﵁يرد على أبي سفيان فخذ من قوله ما يلي: [الوافر]\nهجوت محمّدا فأجبت عنه... وعند الله في ذاك الجزاء\nوإنّ أبي ووالدتي وعرضي... لعرض محمّد منكم وقاء\nأتشتمه ولست له بكفء... فشرّكما لخير كما الفداء\nلساني صارم لا عيب فيه... وبحري لا تكدّره الدّلاء\nوقال كعب بن مالك﵁من قصيدة: [الكامل]\nجاءت سخينة كي تغالب ربّها... وليغلبنّ مغالب الغلاّب\nفقال النبي ﷺ «لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا». والسخينة: طعام حار، يتخذ من دقيق، وسمن، أغلظ من الحساء، وأرق من العصيدة، وكانت قريش تكثر من أكلها، فعيّرت بها حتى سموا سخينة. وخذ ما يلي:\nفعن أبي بن كعب﵁-: أن رسول الله ﷺ، قال: «إنّ من الشّعر لحكمة». رواه البخاري. وعن ابن عباس﵄-، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فجعل يتكلم بكلام، فقال: «إنّ من البيان سحرا، وإنّ من الشّعر حكما». أخرجه أبو داود.\nهذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ..﴾. إلخ تهديد، ووعيد لمن انتصر بظلم؛ أي: سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله تعالى، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة من ربه. والمعنى: سيعلمون أيّ مصير يصيرون إليه، وأيّ مرجع يرجعون إليه؛ لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب، وهو شر مرجع، والفرق بين المنقلب، والمرجع: أن المنقلب: الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع: العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا، والله أعلم. ذكره المارودي.\nهذا؛ وقرأ ابن عباس﵄- «(أيّ منفلت ينفلتون)» بالفاء، والتاء، ومعناهما واحد. انتهى. قرطبي، وقال البيضاوي: والمعنى: أن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله، وسيعلمون: أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من (الشعراء). ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n (عملوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه","vol":"6","page":657},{"text":"الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَذَكَرُوا اللهَ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ذكرا كثيرا، وقيل: صفة زمان محذوف، أي: وقتا كثيرا، وليس بشيء، وبعضهم يعربه نائب مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَانْتَصَرُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية.\n ﴿ظُلِمُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، و(ما) المصدرية، والفعل: ﴿ظُلِمُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه.\n ﴿وَسَيَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. السين: حرف استقبال، (يعلم): فعل مضارع معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿ظُلِمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول. ﴿أَيَّ:﴾ اسم استفهام مفعول مطلق، أو نائب مفعول مطلق لإضافته للمصدر الميمي، عامله ما بعده، وهو واجب التقديم؛ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له الصدر، و﴿أَيَّ﴾ مضاف، و﴿مُنْقَلَبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يَنْقَلِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية: «ينقلبون أي منقلب» في محل نصب سدت مسد مفعول (يعلم)، أو مسد مفعوليه إن كان متعديا لاثنين، وجملة: ﴿وَسَيَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.\nانتهت سورة الشعراء شرحا وإعرابا، بحمد الله، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"6","page":658},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2939>سورة النّمل</span>\nسورة (النمل)، وهي مكية كلها في قول الجميع، وهي ثلاث وتسعون آية، وألف وثلاثمئة وسبع عشرة كلمة، وأربعة آلاف وسبعمئة، وتسعة وتسعون حرفا. انتهى. خازن.\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3160\"></span>﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١)﴾\nالشرح: أرى أن تنظر شرح هذه الكلمات كلها في الآيتين رقم [١] و[٢] من سورة (الشعراء)، والإشارة إلى آي السورة. والكتاب المبين: إما اللوح المحفوظ، وإبانته: أنه خط فيه ما هو كائن. فهو يبينه للناظرين فيه من الملائكة، وتأخيره هنا باعتبار تعلق الله فيه، وتقديمه في سورة (الحجر) في قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ باعتبار الوجود. أو المراد بالكتاب هنا: القرآن، فأخرج لفظ ﴿الْكِتابِ﴾ في سورة (الحجر) بلفظ المعرفة، و(القرآن) بلفظ النكرة، وهنا بعكس ذلك، وذلك؛ لأن القرآن، والكتاب اسمان يصلح لكل واحد منهما أن يجعل معرفة، وأن يجعل صفة، وعطف أحدهما على الآخر، كعطف إحدى الصفتين على الأخرى، أو من عطف المرادف على مرادفه. ووصفه بالمبين؛ لأنه بيّن فيه أمره، ونهيه، وحلاله، وحرامه، ووعده، ووعيده. وانظر وصفه بالحكيم في أول سورة لقمان.\nهذا؛ والإشارة بقوله ﴿تِلْكَ﴾ إلى ما تضمنته السورة الكريمة من آيات القرآن، وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة هنا وفي كثير من الآيات، وهي للبعد، والسورة الكريمة، بل القرآن كله في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل، والشرف، وعلو المكانة، فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد.\nو(قرآن) مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. هذا؛ وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا؛ أي: جمعته، وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر، فيما بين الدفتين، وهو المراد. ويحرم","vol":"6","page":659},{"text":"على المحدث حدثا أكبر، قراءته، وحمله، ومسّه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله، ومسّه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب، قال تعالى في تقديسه، وتعظيمه: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿طس:﴾ انظر الآية رقم [١] من سورة (الشعراء). ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هذه تلك، فتكون ﴿آياتُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، والأول أقوى معنى، وأصح إعرابا، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، أو بدل من اسم الإشارة، و﴿آياتُ﴾ مضاف، و﴿الْقُرْآنِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَكِتابٍ:﴾ معطوف على: ﴿الْقُرْآنِ،﴾ وقرئ برفعه على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: (كتاب).\n\n<span id=\"aya-3161\"></span><span id=\"aya-3162\"></span>﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ خص الله المؤمنين بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنهم هم المهتدون، والمنتفعون بآيات القرآن، فعملوا بتعاليمه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ولذا وصفهم العزيز الحكيم بالصفات الثلاث الآتية. هذا؛ وأصل ﴿هُدىً﴾ هديا، أو هدي، بضم الهاء، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان، الألف والتنوين الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار ﴿هُدىً﴾ وإنما أتوا بياء أخرى؛ لتدل على الياء الأصلية المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: هدا؛ فلا يوجد ما يدل عليها.\n ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جمع: مؤمن، والإيمان الصحيح: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان، ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر: خيره، وشرّه من الله تعالى».\nوالإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما بينته في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون، أعلاها: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ،﴾ وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين، بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم.\n ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ:﴾ يؤدونها في أوقاتها، ويحافظون على طهارتها، ويتمّون ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام","vol":"6","page":660},{"text":"الصلاة. هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء، والتضرّع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها: التضرّع والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرحمة، ومن الله على عباده، معناها الرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وانظر: ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ في الآية رقم [٥٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nهذا؛ وأصل ﴿يُقِيمُونَ:﴾ (يؤقومون) حذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أاقوم، الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: (يقومون) ثم يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، وهي الكسرة إلى القاف قبلها، فصار: (يقومون) ثم قلبت الواو ياء، لمناسبة الكسرة، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله للتعدية، مثل: أجاب، يجيب، وأكرم، يكرم... إلخ، كما حذفت الهمزة الثانية من: يؤمنون؛ لأن ماضيه: آمن، وأصله: أأمن، والمضارع: يؤأمن أؤمن، فحذفت من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]\nفإنّه أهل لأن يؤكرما\nولا تنس: أن هذه الهمزة المزيدة تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس: مؤكرم، ومؤكرم، وقس على ذلك، وإعلال (يؤتون) مثل ما تقدم؛ لأن ماضيه آتي، وأصله أأتى، وأصل ﴿يُوقِنُونَ﴾ (يؤيقنون)؛ لأنه من: (أيقن) الرباعي، فحذفت الهمزة على مثال ما رأيت في ﴿يُقِيمُونَ﴾ فصار:\n (ييقنون) ثم قلبت الياء الثانية واوا لسكونها، وانضمام ما قبلها.\nهذا؛ وأما ﴿الزَّكاةَ﴾ فهي في اللغة: التطهير، والنماء. وفي الشرع: اسم لمال مخصوص، يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وقد خص الله الصلاة، والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر الصلاة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، والتي لا تنهاه في العنكبوت [٤٥].\nالإعراب: ﴿هُدىً:﴾ يجوز في محله النصب على الحال من ﴿آياتُ﴾ أي: هداية، وبشارة، والعامل اسم الإشارة؛ لما فيه من معنى الفعل، ويجوز في محله الجر على أنه بدل من (كتاب)،","vol":"6","page":661},{"text":"أو صفة له، كما يجوز في محله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي هدى، أو على البدل من ﴿آياتُ،﴾ أو على أنه خبر بعد خبر، وعلامة النصب، أو الجر، أو الرفع مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَبُشْرى:﴾ الواو: حرف عطف، (بشرى): معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه، والفتحة، أو الكسرة، أو الضمة، مقدرة على الألف للتعذر، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ يجوز في محله الجر على الإتباع ل: (المؤمنين) على البدلية، أو الوصفية، والنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، وهو مبني على الفتح في محل جر، أو في محل رفع، أو في محل نصب، وجملة: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد للمبتدأ. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز عطفها على جملة الصلة، كما أجيز اعتبارها مستأنفة، ومعترضة في آخر الكلام، ولا محل لها على الوجهين.\nتنبيه: قال زادة: ولما كان إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مما يتكرر، ويتجدد في أوقاتهما؛ أتي بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا، مطلوبا دوامه، أتي به جملة اسمية، وجعل خبرها مضارعا للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد. انتهى. جمل. فهذه فائدة جديرة بالاعتبار. والله الموفق، والمعين، ولا تنس: أن الآية الكريمة مذكورة بحروفها كاملة برقم [٥] من سورة لقمان.\n\n<span id=\"aya-3163\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يصدقون، ولا يعترفون بالآخرة، وما فيها من حساب، وجزاء، وجنة، ونار، وهم الكفار ومن لف لفهم من الفاسدين المفسدين، ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ:﴾ قال الزمخشري رحمه الله تعالى: فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسنده إلى الشيطان في قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ؟﴾ قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك:\nأن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله ﷿ مجاز، وله طريقان في علم البيان:","vol":"6","page":662},{"text":"أحدهما: أنه من المجاز الذي يسمى استعارة. والثاني: أن يكون من المجاز الحكمي.\nفالطريق الأول: أنه لما متعهم بطول العمر، وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم، وإيثارهم الراحة، والترفه، ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة، والمشاق المتعبة؛ فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإليه أشارت الملائكة- صلوات الله وسلامه عليهم-في قولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾.\nوالطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان وتخليته؛ حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: هي أعمال الخير؛ التي وجب عليهم أن يعملوها، زينها الله لهم، فعموا عنها، وضلوا. ويعزى إلى الحسن. انتهى. كشاف.\nوانظر الآية رقم [٢٤] الآتية. ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتحيرون، ويترددون، لا يعرفون ما يلحقهم من ضر، أو نفع، والعمه: التحيّر، والتردد، كما يكون حال الضال عن الطريق. وعن بعض الأعراب: أنه دخل السوق، وما أبصرها قط، فقال: رأيت الناس عمهين، أراد مترددين في أشغالهم، وأعمالهم، قال رؤبة بن العجّاج: [الرجز]\nومهمه أطرافه في مهمه... أعمى الهدى بالحائرين العمّه\nهذا؛ والعمه قريب من العمى، لكن العمى يطلق على ذهاب نور العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني. وفي المصباح: عمه، يعمه عمها من باب: تعب إذا تردد متحيرا، و: «تعامه» مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء: إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه، واعمه. انتهى. جمل. وهذا الفعل لم أر له ماضيا، ولا أمرا، فيظهر: أنه فعل جامد، لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له، لكنه لم يستعمل، ولم يتداول، وهو بلفظ المضارع كثير في القرآن الكريم.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ. والواو: فاعله.\n ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿زَيَّنّا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و(نا): فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون، في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"6","page":663},{"text":"<span id=\"aya-3164\"></span>﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين لا يؤمنون بالآخرة. ﴿الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ﴾ أي:\nفي الدنيا بالقتل، والأسر، والخوف على أنفسهم، وأموالهم. ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي:\nأشد الناس خسرانا يوم القيامة؛ لفوات المثوبة، واستحقاق العقاب لهم، وقد قيل في تفسير خسران الكافرين: أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران! ويستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾. هذا؛ والمراد بالآخرة: الحياة الثانية، التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها.\nالإعراب: ﴿أُوْلئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُوءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، والجملة الاسمية: ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ الذي هو خبر المبتدأ، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والضمير الثاني توكيد للأول أو هو ضمير فصل، فهو يفيد التوكيد أيضا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-3165\"></span>﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ. ﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ:﴾ لتؤتاه؛ أي: يلقى عليك بواسطة جبريل الأمين، ﵇، فتأخذه، وتتعلمه. ﴿مِنْ لَدُنْ:﴾ من عند. ﴿حَكِيمٍ عَلِيمٍ:﴾ أيّ حكيم، وأيّ عليم؟! والجمع بينهما-مع أن العلم داخل في الحكمة-لعموم العلم، ودلالة الحكمة على إتقان الفعل، والإشعار بأن علوم القرآن، منها ما هي حكمة كالعقائد، والشرائع، ومنها ما ليس كذلك، كالقصص، والإخبار عن المغيبات. انتهى. بيضاوي. وقال الخازن:\nالحكمة هي العلم بالأمور العلمية فقط، والعلم أعم منه؛ لأن العلم قد يكون علما، وقد يكون نظرا، والعلوم النظرية أشرف. انتهى.","vol":"6","page":664},{"text":"تنبيه: قرئ قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٣٧]: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ برفع آدم، ونصب كلمات، وقرأ ابن عباس﵄بنصب آدم، ورفع كلمات، ومعنى القراءتين واحد، وهذا مبني على قاعدة، وهي أن ما لقيك فقد لقيته، وما لقيته فقد لقيك.\nهذا؛ و﴿لَدُنْ﴾ بمعنى عند، وفيها إحدى عشرة لغة، أفصحها: إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها، معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلما يفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة؛ تمحضت للزمان؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث». ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لما لم يتمحض «لدن» في الأصل للزمان، وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنه لا يقال: لده، ولا لدك، و«لدن» مبني في جميع لغاته، وإنما لم يعرب ك: «عند»؛ لأن «عند» لما بحضرتك، وما يبعد منك، وقد كان حكمها أن تبنى ك: «لدن» لو لم يلحقها من التعريف ما ذكرناه، و«لدن» لا يتجاوز بها حضرة الشيء، فلهذا كانت مبنية.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتُلَقَّى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تلقى): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، وهو المفعول الأول. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر.\n ﴿لَدُنْ:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و﴿لَدُنْ:﴾ مضاف، و﴿حَكِيمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٍ:﴾ بدل من ﴿حَكِيمٍ؛﴾ لأنهما اسمان للذات العلية، وجملة: ﴿لَتُلَقَّى..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّكَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3166\"></span>﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ﴾ أي: اذكر يا محمد لقومك وقت قال موسى لأهله: امكثوا هنا.\nوهذا كان حين قضى الأجل الذي عاقد شعيبا عليه، ثم استأذنه في الرجوع إلى أهله بمصر، وخرج بزوجه، فلما وافى وادي الطور، وفيه جبل الطور، وكانت أيام الشتاء، فأخذ على غير الطريق المعروف مخافة من ملوك الشام، وامرأته حامل في شهرها، لا يدري: أليلا تضع حملها أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، وذلك في ليلة مظلمة مثلجة، شديدة البرد لما أراد الله من كرامته، فأخذ امرأته الطلق، فأخذ زنده، فجعل يقدح فيها، فلا توري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور الأيمن.","vol":"6","page":665},{"text":"﴿إِنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أي: أبصرت نارا، قال الحارث بن حلّزة اليشكري: في معلقته: [الخفيف]\nآنست نبأة وأفزعها القن... ناص عصرا وقد دنا الإمساء\nقال ابن عباس﵄-: فلما توجه نحو النار، فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة، ولا نعمة الخضرة تغيران حسن ضوء النار.\n ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ:﴾ السين تفيد الوعد، وقد قال في سورة (طه): ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ﴾ ولعل تفيد الرجاء، وهما متدافعان؛ لأن السين تفيد اليقين، والرجاء بخلاف ذلك، وجوابه: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه، سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه عدم الوقوع، والحصول.\n ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ:﴾ يقرأ بتنوين (شهاب) وعدمه بإضافة النوع إلى الجنس، كما تقول: هذا ثوب خز، وخاتم حديد، وشبهه، والشهاب: كل ذي نور، نحو: الكوكب، والعود، والموقد.\nوالقبس: اسم لما يقتبس من جمر، وما أشبهه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ:﴾ رجاء أن تستدفئوا بها، والصلاء: النار العظيمة. هذا؛ ويقال: اصطلى، يصطلي: إذا استدفأ. قال الشاعر: [الكامل]\nالنّار فاكهة الشّتاء فمن يرد... أكل الفواكه شاتيا فليصطل\nوفي سورة (طه) قوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ فرجا أحد أمرين وجود هاد يهديه الطريق الذي أضله، أو إتيان قبس من النار؛ ليستدفئ به أهله، والمراد بأهله: زوجته وولده ومن كان معه من خدمه ورعاة غنمه. هذا؛ و﴿تَصْطَلُونَ﴾ فيه إبدال حرف بحرف؛ لأن أصله: (تصتلون) فلما وقعت تاء الافتعال بعد حرف الإطباق، وهو الصاد، قلبت طاء على القاعدة. وهو من: صلي بالنار. وفي المصباح: (صلي بالنار) وصليها صلى من باب: تعب:\nوجد حرها، والصّلاء بوزن كتاب: حر النار. هذا؛ وفي سورة (القصص): ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. وقيل: هو مفعول به لهذا المحذوف. وقيل: متعلق ب ﴿عَلِيمٍ،﴾ والمعتمد الأول. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِأَهْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿آنَسْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نارًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ، في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿سَآتِيكُمْ:﴾ السين: حرف استقبال. ﴿آتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه","vol":"6","page":666},{"text":"ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿مِنْها بِخَبَرٍ:﴾ جار ومجرور كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بِخَبَرٍ﴾ في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿بِشِهابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿قَبَسٍ:﴾ صفة (شهاب) على تأويله بمفعول، أي: مقتبس، أو هو بدل منه على تنوينه، ومضاف، ومضاف إليه على عدم التنوين، وجملة: ﴿آتِيكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿تَصْطَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ، تعليل لإتيانه ما رأى. وقيل: في محل نصب حال؛ أي: راجيا تأمين الدفء لكم، وتوفيره، وفيه أن الرجاء إنشاء.\n\n<span id=\"aya-3167\"></span>﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَها﴾ أي: فلما جاء موسى الذي ظن أنه نار؛ وهي نور، ووقف قريبا منها، ورآها تخرج من الشجرة، فعجب منها، كما رأيت في الآية السابقة، وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها، فمالت إليه، فخافها فتأخر عنها، ثم لم تزل تطمعه، ويطمع فيها إلى أن وضح أمرها، على أنها مأمورة لا يدري ما شأنها؟! ﴿نُودِيَ:﴾ ناداه الله تعالى، كما قال جل ذكره: ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾.\n ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها:﴾ التقدير: بورك على من في النار، وهو موسى، أو على من في قرب منها، لا أنه كان في وسطها، وقال السدي: كان في النار ملائكة، فالتبريك عائد إلى موسى، والملائكة، أي: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين هم حولها، وقيل: البركة راجعة إلى النار نفسها، ومن حولها الملائكة وموسى. وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك. وقال الثعلبي: العرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات. قال الشاعر: [الطويل]\nفبوركت مولودا وبوركت ناشئا... وبوركت عند الشّيب إذ أنت أشيب\nوهناك قول قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير: قدّس من في النار وهو الله ﷾، عنى به نفسه تقدّس، وتعالى. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: النار نور الله ﷿، نادى الله موسى، وهو في النور؛ وتأويل هذا: أن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-رأى نورا عظيما، فظنه نارا، وهذا؛ لأن الله تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار، لا أنه يتحيز في جهة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل، فيعلم به وجود الفاعل. وقيل على هذا: أي: بورك من في النار سلطانه، وقدرته. وقيل: أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة.","vol":"6","page":667},{"text":"ومما يدل على صحة قول ابن عباس﵄ما خرّجه مسلم في صحيحه، وابن ماجه في سننه، واللفظ له عن أبي موسى الأشعري﵁قال، قال رسول الله ﷺ:\n «إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور، لو كشفها؛ لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره». ثم قرأ أبو عبيدة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ..﴾. إلخ.\nقال أبو عبيد: يقال السّبحات: إنها جلال وجهه، ومنها قيل: سبحان الله، إنما هو تعظيم له وتنزيه. انتهى. قرطبي بتصرف.\n ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: تنزيها وتقديسا لله رب العالمين. هذا؛ و﴿وَسُبْحانَ:﴾ اسم مصدر، وقيل: هو مصدر، مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل سبّح بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح، بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]\nقد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر؟\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به، وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف والنون، ومعناه التنزيه، والبراءة لله﷿من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، لا يصلح لغيره، وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله-أحد العشرة المبشرين بالجنة، ﵃ أجمعين-: أنه قال للنبي ﷺ: ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل:\nقعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع «سبحان الله» مكان قولك: «تنزيها لله».\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَها:﴾ فعل ماض، و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿نُودِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿أَنْ:﴾ فيها ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنها المفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول عليها. والثاني: أنها الناصبة للمضارع، ودخلت","vol":"6","page":668},{"text":"على الماضي هنا، وعليه فتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن بورك، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. والثالث: أنها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة: ﴿بُورِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر، ولم يحتج إلى فاصل؛ لأن الفعل دعاء، وعليه فتؤول هي، واسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف كالسابق، وعلى اعتبار ﴿أَنْ﴾ مفسرة فالجملة الفعلية لا محل لها. هذا؛ وقيل: إن نائب فاعل: ﴿نُودِيَ﴾ هو الجار والمجرور على الوجهين في ﴿أَنْ،﴾ وقيل: إنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل، أي: نودي النداء، ثم فسر بما بعده، على حد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾.\n ﴿بُورِكَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعله. ﴿فِي النّارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): معطوف على سابقه، فهو في محل رفع مثله. ﴿حَوْلَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نُودِيَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها. و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَسُبْحانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سبحان): مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، و(سبحان) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: ويقول من حولها. وقيل: التقدير: وقال موسى حين فرغ من سماع النداء. وقيل: هو من قول الله تعالى. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه. و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة: ﴿وَسُبْحانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-3168\"></span>﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾\nالشرح: ﴿يا مُوسى إِنَّهُ﴾ أي: الحال والشأن. ﴿أَنَا اللهُ:﴾ الغالب، القوي، القاهر؛ الذي ليس كمثله شيء. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في فعله، وأمره، ونهيه. قيل: إن موسى﵇قال:\nيا رب! من الذي ينادي، قال الله له: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب: (يا)، ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: الأول: اعتباره ضمير","vol":"6","page":669},{"text":"فصل لا محل له. والثاني: اعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، وعليهما، فلفظ الجلالة خبر (إنّ)، وما بعده خبران آخران، والثالث: اعتباره مبتدأ، وما بعده أخبار له متعددة، وعليه، فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والآية كلها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر الشرح، وجملة: «قال الله: يا موسى...» إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني: يجوز في الضمير ثلاثة أوجه: الفصل، وهو أرجحها، والابتداء، وهو أضعفها، ويختص بلغة تميم، والتوكيد.\n\n<span id=\"aya-3169\"></span>﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ:﴾ في الآية حذف؛ إذ التقدير: وألق عصاك فألقاها من يده، فصارت حية تهتز كأنها جان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم. وقيل: إنها قلبت له أولا حية صغيرة، فلمّا أنس منها؛ قلبت حية كبيرة. وقيل: انقلبت مرة حية صغيرة، ومرة حية تسعى، وهي الأنثى، وهو ما عبر عنها في سورة (طه) بقوله: ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى،﴾ ومرة ثعبانا، وهو الذكر الكبير من الحيات، وقد عبر عنها بقوله في سورة (الشعراء) وفي سورة (الأعراف): ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (طه) رقم [٢٠]، وفي سورة (القصص) رقم [٣١] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَلّى مُدْبِرًا:﴾ خائفا على عادة البشر هاربا من هول ما رأى. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ:﴾ لم يرجع، ولم يلتفت لشدة خوفه، ورعبه؛ لأنه ظن: أن هذا الأمر أريد به. يقال:\nعقّب المقاتل إذا كرّ، ورجع بعد الفرار، قال الشاعر: [الطويل]\nفما عقّبوا إذ قيل هل من معقّب؟ ... ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا\nفهو يصف قوما بالجبن، وأنهم إن قيل: هل من معقب، وراجع على عقبه للحرب؛ لم يرجعوا إليها ولا نزلوا يوم الحرب منزلا من منازلها. ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ أي: ناداه ربه: يا موسى لا تخف من الحية، وضررها. ﴿إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: لا يخاف المرسلون إذا خاطبتهم، وسمعوا كلامي، وكانوا بين يدي.\nهذا؛ و﴿لَدَيَّ﴾ ظرف مكان بمعنى: «عند» وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا؛ قلبت ألفها ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف على، وإلى، ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر]\nإلاكم يا خناعة لا إلانا... عزا النّاس الضّراعة والهوانا","vol":"6","page":670},{"text":"فلو برأت عقولكم بصرتم... بأنّ دواء دائكم لدانا\nوذلكم إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكم علانا\nوهذا الأبيات هي الشاهد رقم [٧٩٢] من كتابنا فتح الكريم الواسع إعراب شواهد همع الهوامع، ثم اعلم: أن «عند» أمكن من «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في: «لدى». ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال (إلا إذا كان حاضرا). قاله جماعة.\nالإعراب: ﴿وَأَلْقِ:﴾ الواو: حرف عطف. (ألق): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، ﴿عَصاكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿بُورِكَ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها؛ إذ التقدير: نودي أن بورك... وأن ألق، ويدل عليه قوله: ﴿أَنْ يا مُوسى﴾\n ﴿وَأَنْ أَلْقِ﴾ إلخ سورة (القصص) رقم [٣٠] [٣١] ويكون ما بينهما كلاما معترضا، وقال الجمل نقلا عن السمين: الجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من الجملة الاسمية الخبرية، وقد تقدم: أن سيبويه لا يشترط تناسب الجمل، وأنه يجيز: جاء زيد، ومن أبوك؟ وقاله هنا بدون ذكر (أن) وفي القصص بذكرها؛ لأن ما هنا تقدمه فعل بعد ﴿أَنْ،﴾ وهو ﴿بُورِكَ،﴾ فحسن عطف الفعل عليه، وما هناك لم يتقدمه فعل بعد (أن)، فذكرت (أن) لتكون جملة (أن ألق) معطوفة على جملة: ﴿أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ﴾. انتهى. أقول: وهذا الكلام يؤيد الوجه الأول في العطف.\nتأمل.\n ﴿فَلَمّا:﴾ انظر الآية رقم [٨]، ﴿رَآها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر، يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية يقال فيها ما قلته بجملة: ﴿جاءَها،﴾ ﴿تَهْتَزُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى «العصا» تقديره: هي، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط، ولا يجوز اعتبار الجملة مفعولا ثانيا ل: (رأى) لأنه بصري، لا قلبي. ﴿كَأَنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(ها):\nضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿جَانٌّ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَهْتَزُّ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة، أو هي حال ثانية من الضمير المنصوب. ﴿وَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (موسى)، ﴿مُدْبِرًا:﴾ حال منه، والجملة الفعلية جواب (لما)، لا محل لها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال، (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم، ﴿يُعَقِّبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم)، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿وَلّى،﴾ والرابط: الواو،","vol":"6","page":671},{"text":"والضمير، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف، أو هو معطوف على الكلام الذي رأيته في الشرح، ولا محل له على الاعتبارين.\n ﴿يا مُوسى:﴾ منادى مثل سابقه. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾.\nوالفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخافُ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَدَيَّ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء، والمدغمة في ياء المتكلم، التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُرْسَلُونَ:﴾ فاعل: ﴿يَخافُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، والكلام: ﴿يا مُوسى..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. هذا؛ والآية مذكورة في سورة (القصص) برقم [٣١] بحروفها.\n\n<span id=\"aya-3170\"></span>﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ..﴾. إلخ: قيل: هو ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل، والصغيرة، كالذي حصل من آدم، وداود، ﵉. وعليه الضحاك. أو كالذي حصل من آدم، ويونس، وداود، وسليمان، ومن إخوة يوسف، ومن موسى بوكزه القبطي، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وعليه الزمخشري، وغيره. وقيل: يحتمل أن يكون المراد منه التعريض بما وجد من موسى من قتله القبطي، وهو من التعريضات اللطيفة، وسماه ظلما لقوله ﵇: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ثم إنه خاف من ذلك، فتاب. قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾.\nفإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة، والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله ﷿ أن يكونوا خائفين من معاصيهم وجلين، وهم أيضا لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيء لم يأتوا به، فهم يخافون من المطالبة به، ويدل على ذلك حديث الشفاعة يوم القيامة، وإذا أحدث المقرّب حدثا، فهو وإن غفر له ذلك الحدث؛ فأثر ذلك الحدث باق، وما دام الأثر، والتهمة قائمة؛ فالخوف كائن، لا خوف العقوبة، ولكن خوف العظمة، والمتهم عند السلطان يجد للتهمة حزازة تؤذيه، إلى أن يكدّر عليه صفاء الثقة، وموسى ﵇ قد كان منه الحدث في ذلك الفرعوني، ثم استغفر، وأقر بالظلم على نفسه، ثم غفر له، ثم قال بعد المغفرة ﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من المرسلين. ﴿ظَلَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: هو،","vol":"6","page":672},{"text":"والمفعول محذوف، تقديره: ظلم نفسه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾\nحرف عطف. ﴿بَدَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿حُسْنًا:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾\nظرف زمان متعلق بمحذوف صفة: ﴿حُسْنًا،﴾ وهو أولى من تعليقه بالفعل: ﴿بَدَّلَ،﴾ و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿سُوءٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿بَدَّلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها.\n ﴿فَإِنِّي:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنِّي..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة، ومستأنفة، وهذا الإعراب يجعل هذه الجملة غير مرتبطة بما قبلها، لذا فالوجه اعتبار ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في محل رفع خبره، والفاء زائدة لتحسين اللفظ، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿مَنْ ظَلَمَ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام السابق. هذا؛ وقال الجمل: ﴿مَنْ﴾ شرطية، وجوابها جملة: ﴿فَإِنِّي..﴾. إلخ وتبقى الجملة اسمية في محل نصب على الاستثناء. هذا؛ وقيل: إن ﴿إِلاّ﴾ في هذه الآية بمعنى واو العطف، كما قيل: إنها بمعنى «لكن»، وهذان القولان ليسا بشيء.\n\n<span id=\"aya-3171\"></span>﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ:﴾ وفي سورة (القصص): ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وهما بمعنى واحد، وقيل: كانت عليه مدرعة صوف، لا كم لها، ولا أزرار، فأدخل يده في جيبها، وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل شعاع الشمس أو البرق، والجيب طوق القميص، سمي جيبا؛ لأنه يجاب، أي: يقطع ليدخل فيه الرأس. هذا؛ وفي سورة (طه) قوله تعالى:\n ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ..﴾. إلخ رقم [٢٢] فيكون المراد بما هنا، وهناك: أدخل يدك في جيبك، وأوصلها تحت العضد، وضم عليها العضد، وهو المعبر عنه بالجناح.\n ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ:﴾ من غير عاهة، وقبح، كنى به عن البرص، كما كنى بالسّوءة عن العورة؛ لأن الطباع تعافه، وتنفر منه. قال ابن عباس﵄-: كان ليده نور ساطع يضيء بالليل، والنهار، كضوء الشمس، والقمر، فكان يعشى البصر من شدته.\nهذا؛ والسوء: الشر، والفساد، والجمع: أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتحها المصدر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. وتأنيث السوء: السوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾.","vol":"6","page":673},{"text":"﴿فِي تِسْعِ آياتٍ:﴾ ﴿فِي﴾ بمعنى «مع» قاله جماعة، فتكون الآيات-أي: المعجزات-إحدى عشرة، منها اثنتان: اليد، والعصا، والتسع: الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. هذا؛ وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى «من» وهو قول ابن عطية. والأول قول الزجاج، وجماعة، وعليه: فاليد، والعصا من جملة التسع، وعليه؛ فالأخيران آية واحدة، والفلق ليس من التسع؛ لأنه حصل، ووقع فيه هلاك فرعون وجنوده. وانظر شرح هذه الآيات في محالها من سورة (الأعراف)، وسورة (يونس)، وسورة (الشعراء) إن أردت تفصيله.\n ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، وفيه إشارة خفية إلى أن فسوقهم كان بتقدير الله وقضائه عليهم، وعلمه الأزلي بأنهم لو تركوا وشأنهم؛ لما اختاروا غير الكفر، والعناد، والخروج عن طاعة الله تعالى. وانظر ما ذكرته عن الزمخشري في الآية رقم [١٧] من سورة (الفرقان) والإشارة الخفية مفهومة من التعبير بالماضي.\nهذا؛ و﴿فاسِقِينَ﴾ جمع فاسق، وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع:\nالخارج عن أمر الله تعالى بارتكاب الكبيرة، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها. والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة:\nالجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها. فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولا بس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك؛ فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لا تصافه بالتصديق؛ الذي هو مسمى الإيمان. انتهى. بيضاوي. في غير هذا الموضع.\nالإعراب: ﴿وَأَدْخِلْ:﴾ الواو: حرف عطف، (أدخل): فعل أمر معطوف على (ألق)، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي جَيْبِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَخْرُجْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، والفاعل يعود إلى: ﴿يَدَكَ﴾. ﴿بَيْضاءَ:﴾ حال من الفاعل المستتر. ﴿مِنْ غَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أخرى من الفاعل المستتر، أو من الضمير المستتر في: ﴿بَيْضاءَ،﴾ أو بمحذوف صفة: ﴿بَيْضاءَ،﴾ أو هما متعلقان ب: ﴿بَيْضاءَ﴾ نفسها، وجملة: ﴿تَخْرُجْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر قبل (أدخل) ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية.\n ﴿فِي تِسْعِ:﴾ قال السمين: فيه أوجه: أحدها: أنه حال ثالثة من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾. قاله أبو البقاء، واختاره الجلال، أي: آية في تسع آيات، وأراد بالحالين: الأولى والثانية قوله:\n ﴿بَيْضاءَ،﴾ وقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ في الآية السابقة. الثاني: أنها متعلقة بمحذوف؛ أي اذهب في تسع، وهو اختيار الزمخشري. الثالث: أن يتعلق بقوله: ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ،﴾ ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ،﴾ أي:\nفي جملة: ﴿تِسْعِ آياتٍ﴾. انتهى. بتصرف. وهذا على قول ابن عطية، والزجاج في تفسير:","vol":"6","page":674},{"text":"﴿فِي،﴾ و﴿تِسْعِ﴾ مضاف، و﴿آياتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (أدخل) المستتر، أي: مرسلا إلى فرعون، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف صفة: ﴿تِسْعِ،﴾ أو صفة ﴿آياتٍ،﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (قومه): معطوف على: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ بالواو العاطفة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانُوا:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمًا:﴾ خبر كان.\n ﴿فاسِقِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للإرسال المفهوم مما تقدم.\n\n<span id=\"aya-3172\"></span>﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا﴾ أي: المعجزات التي أيدنا بها موسى، وهي التسع المنصوص عليها فيما تقدم. ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: بينة واضحة. وقال البيضاوي: اسم فاعل، أطلق للمفعول إشعارا بأنها لفرط اجتلائها للأبصار، بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي، والعمي لا تهتدي، فضلا عن أن تهدي، أو مبصرة كل من نظر إليها، وتأمل فيها. انتهى.\n ﴿قالُوا﴾ أي: فرعون، وقومه، ﴿هذا﴾ أي: ما نشاهده، ونبصره. ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ:﴾ ظاهر واضح، وانظر شرح السحر في الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء)، وإعلال: ﴿مُبِينٌ﴾ في الآية رقم [١] منها.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ انظر الآية رقم [٨]. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به.\n ﴿آياتُنا:﴾ فاعل، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُبْصِرَةً:﴾ حال من ﴿آياتُنا،﴾ وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ لها محل، أو لا محل لها حسب ما رأيت في الآية رقم [٨]. ﴿قالُوا:﴾\nفعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿سِحْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n<span id=\"aya-3173\"></span>﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَجَحَدُوا بِها:﴾ كذبوا الآيات، وأنكروها، ولم يقروا: أنها من عند الله.\n ﴿وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: أيقنوا: أنها من عند الله، فالسين والتاء زائدتان، وليستا للطلب،","vol":"6","page":675},{"text":"فيكون المعنى: جحدوا الآيات بألسنتهم، واستيقنوها بقلوبهم، وضمائرهم. هذا؛ والاستيقان أبلغ من الإيقان. ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ أي: اعتداء، وترفعا عن الإيمان بتلك المعجزات الباهرات.\n ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ..﴾. إلخ: أي انظر كيف كان مالهم، ومصيرهم، وهو الإغراق في البحر، والإحراق بنار الجحيم، وإذاقتهم العذاب الأليم. والخطاب للنبي ﷺ، ويعم كل من كان له قلب يتدبر، وعين تبصر، وتعتبر، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ وانظر تفصيل ما فعل الله بفرعون، وقومه في سورة (الشعراء) وسورة (الأعراف) وسورة (طه) و(يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥١] الآتية فهو بحث جيد، يتعلق ب ﴿كانَ عاقِبَةُ﴾.\nالإعراب: ﴿وَجَحَدُوا:﴾ الواو: حرف عطف، (جحدوا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو عبيدة: الباء زائدة، أي وجحدوها. انتهى. قرطبي.\n ﴿وَاسْتَيْقَنَتْها:﴾ الواو: واو الحال. (استيقنتها): فعل ماض، والتاء للتأنيث، و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ:﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، و«قد» قبلها مقدرة، ﴿ظُلْمًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال ثانيه بمعنى ظالمين. ﴿وَعُلُوًّا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ب: «إذا». (انظر): فعل أمر، معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل (انظر)، وجملة:\n ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿كانَ﴾ تامة، وفاعلها ﴿عاقِبَةُ،﴾ فتكون: ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ﴾ والعامل: ﴿كانَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3174\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ أي: منحناهما علما سنيا غزيرا، والمراد: علم الدين، والحكم وغيرهما مما هو من متعلقات النبوة، والرسالة، وهو مذكور في الزبور الذي أنزل على داود بالإضافة إلى الخلافة في الأرض. ﴿وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾. إلخ: وهنا كلام محذوف يجب تقديره ليصح العطف عليه بالواو، ولولا تقدير المحذوف، لكان الوجه الفاء،","vol":"6","page":676},{"text":"كقولك: أعطيته، فشكر، وتقدير الكلام: آتيناهما علما، فعملا به، وعلماه، وعرفا حق النعمة فيه، وقالا: الحمد لله الذي فضلنا. والكثير المفضل عليه من لم يؤت علما، أو من لم يؤت مثل علمهما. وفيه أنهما فضّلا على كثير، وفضّل عليهما كثير.\nوفي الآية الكريمة دليل على شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم، وأن من أوتيه؛ فقد أوتي فضلا على كثير من عباده، وما سماهم رسول الله ﷺ في أحاديثه الشريفة ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف، والمنزلة؛ لأنهم القوام بما بعثوا لأجله، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ وقال جل ذكره: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ وقال جل شأنه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.\nوفي الآية أيضا: أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أوتوه، وأن يعتقد العالم أنه إن فضّل على كثير؛ فقد فضّل عليه مثلهم، وما أحسن قول عمر﵁-:\n (كلّ الناس أفقه من عمر). انتهى. نسفي بتصرف كبير. وخذ قوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ،﴾ وقصة موسى مع الخضر دليل واضح لما ذكرت. هذا؛ وانظر ما ذكرته من عمر داود، وسليمان-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-في الآية رقم [٧٨] وما بعدها من سورة (الأنبياء) وأيضا الآية رقم [٥٥] من سورة (الإسراء).\nهذا؛ والحمد في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل، والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا؛ فالأول كمن يحسن إليك، والثاني كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان التي هي الأعضاء؟ كما قال القائل: [الطويل]\nأفادتكم النّعماء منّي ثلاثة... يدي ولساني والضّمير المحجّبا\nومما هو جدير بالذكر: أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح فهو: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ وقد حثنا الرسول ﷺ على حمد الله باللسان، ورغبنا فيه، وذكر لنا أحاديث ترغبنا فيه، وصيغا مفصّلة على غيرها؛ لما فيها من المعاني القوية، وخذ نبذة من ذلك فيما يلي:\nفعن عبد الله بن عمر﵄-: أن رسول الله ﷺ حدّثهم: «أنّ عبدا من عباد الله قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها؟! فصعدا إلى السّماء، فقالا: يا ربّنا إنّ عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله، وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربّ إنّه قد قال: يا ربّ لك","vol":"6","page":677},{"text":"الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتّى يلقاني، فأجزيه بها». رواه أحمد وابن ماجه.\nوعن أبي أيوب﵁قال: قال رجل عند رسول الله ﷺ: الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، فقال رسول الله ﷺ: «من صاحب الكلمة؟». فسكت الرجل، ورأى أنه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه، فقال رسول الله ﷺ: «من هو؟ فإنه لم يقل إلا صوابا». فقال الرّجل: أنا قلتها يا رسول الله أرجو بها الخير! فقال: «والذي نفسي بيده! لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك، أيّهم يرفعها إلى الله ﵎». رواه الطبراني، والبيهقي. وانظر ما ذكرته في الشكر في الآية رقم [١٣] من سورة (سبأ).\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿داوُدَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَسُلَيْمانَ:﴾\nمعطوف على ما قبله بالواو العاطفة، ﴿عِلْمًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: (لقد آتينا...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وانظر سورة (السجدة) رقم [٢٣] أو الآية رقم [٣٧] من سورة (طه) إن أردت الزيادة. ﴿وَقالا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالا): فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه. ﴿فَضَّلَنا:﴾ فعل ماض، و(نا): مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَلى كَثِيرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿كَثِيرٍ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ صفة ﴿عِبادِهِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة (قالا...) إلخ معطوفة على المحذوف الذي رأيت تقديره في الشرح، والذي هو معطوف على جملة جواب القسم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3175\"></span>﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ:﴾ قال الكلبي: كان لداود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-تسعة عشر ولدا، فورث سليمان من بينهم نبوته وملكه، ولو كان وراثة مال، لكان جميع أولاده فيه سواء، فخص الله سليمان بما كان لداود من الحكمة، والنبوة، وزاده من فضله","vol":"6","page":678},{"text":"ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. وقال ابن عطية: ورث سليمان من داود ملكه، ومنزلته من النبوة، بمعنى: صار ذلك إليه بعد موت أبيه، فسمي ميراثا تجوزا، وهذا نحو قول النبي ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء». ويحتمل قوله﵊-: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث». أنّه يريد:\nأن ذلك من فعل الأنبياء، وسيرتهم.\nوقال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدا من سليمان. وقال غيره: لم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ ملكه، فإن الله ﷾ سخر له الإنس، والجن، والطير، والوحش، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، وورث أباه في الملك والنبوة، وقام بعده بشريعته، وكل نبي جاء بعد موسى ممن بعث، أو لم يبعث، فإنما كان بشريعة موسى إلى أن بعث عيسى ﵇، فنسخها. وقيل: إن بين موته وبين مولد النبي ﷺ، نحوا من ألف وسبعمئة سنة، وعاش نيفا وخمسين سنة.\n ﴿وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ:﴾ سمى صوت الطير منطقا لحصول الفهم منه، والمنطق كل ما يصوت به من المفرد، والمؤلف المفيد، وغير المفيد. وقول سليمان هذا إنما هو تشهير لنعمة الله تعالى، واعتراف بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، وكان سليمان ﵇ يفهم منها، كما يفهم بعضها من بعض.\nهذا؛ وروي عن كعب الأحبار قال: صاح ورشان عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب. وصاحت فاخته، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا، وليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا، وصاح طاووس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: كما تدين تدان.\nوصاح هدهد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: من لا يرحم لا يرحم.\nوصاح صرد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: استغفروا ربكم يا مذنبين.\nوصاحت طيطوى، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: كل حي ميت، وكل جديد بال، وصاح خطاف، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: قدموا خيرا تجدوه، وهدرت حمامة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. وصاح قمريّ، فقال: أتدرون ما يقول: قالوا: لا، قال: إنه يقول:\nسبحان ربي العظيم. ثم قال: والغراب يدعو على العشار، والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغاء تقول: ويل لمن كانت الدنيا همه، والسرطان يقول: سبحان ربي القدوس. والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده. والضفدعة تقول:\nسبحان المذكور بكل لسان. والدّرّاج يقول: الرحمن على العرش استوى.\nوقال فرقد السّبخيّ: مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه، ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: لا يا نبي الله! قال: إنه يقول: أكلت نصف ثمرة،","vol":"6","page":679},{"text":"فعلى الدنيا العفاء. ومر بهدهد فوق شجرة، وقد نصب له صبي فخّا، فقال له سليمان: احذر يا هدهد! فقال: يا نبي الله، هذا صبي لا يعقل، فأنا أسخر به. ثم رجع سليمان، فوجده قد وقع في حبالة الصبي، وهو في يده، فقال: يا هدهد ما هذا؟ قال: ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي الله! قال: ويحك، فأنت ترى الماء تحت الأرض، أما ترى الفخ، قال: يا نبي الله! إذا نزل القضاء عمي البصر. انتهى. خازن. وقريب منه في الكشاف، والقرطبي.\nوقال الحسن قال النبي ﷺ: «الدّيك إذا صاح؛ قال: اذكروا الله يا غافلين». وقال الحسن بن علي﵄قال النبي ﷺ: «النسر إذا صاح قال: يا بن آدم عش ما شئت، فآخرك الموت. وإذا صاح العقاب؛ قال: في البعد من الناس الراحة. وإذا صاح القنبر، قال: إلهي العن مبغضي آل محمد. وإذا صاح الخطاف قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فيقول: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ ويمد بها صوته، كما يمد القارئ». انتهى. قرطبي.\nوفيه أيضا: وصاحت خطافة عند سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، قال: إنها تقول: قدموا خيرا تجدوه، فمن ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتلها. وقيل: إن آدم خرج من الجنة، فاشتكى إلى الله الوحشة، فآنسه الله تعالى بالخطّاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بني آدم أنسا لهم. انتهى.\n ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ:﴾ هذا قول وارد على سبيل الشكر، والمحمدة، كما قال رسول الله ﷺ: «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر». أي أقول هذا القول شكرا، ولا أقوله فخرا. انتهى.\nكشاف.\nهذا؛ والطير: اسم جمع مثل: غنم، وخيل. وقيل: بل هو جمع: طائر، مثل: صحب، وصاحب، ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل:\nفرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾ وطائر الإنسان: عمله، الذي قلّده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. والطير أيضا: الاسم من التطير، ومنه قولهم: (لا طير إلاّ طير الله) كما يقال: (لا أمر إلاّ أمر الله). انتهى. مختار.\nالإعراب: ﴿وَوَرِثَ:﴾ الواو: حرف عطف، (ورث): فعل ماض. ﴿سُلَيْمانُ:﴾ فاعل.\n ﴿داوُدَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿وَوَرِثَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آتَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿سُلَيْمانُ،﴾ تقديره: «هو». (يا): حرف نداء ينوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل:","vol":"6","page":680},{"text":"أنّ الاسم الواقع بعد «أي» واسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع، أعني: (أيّ) منصوب محلا، فكذا التابع، أعني: ﴿النّاسُ،﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية... إلخ. ﴿عُلِّمْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، و(نا): نائب فاعله، وهو المفعول الأول، ﴿مَنْطِقَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الطَّيْرِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَأُوتِينا:﴾ الواو: حرف عطف. (أوتينا): فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، و(نا):\nنائب فاعله. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿سُلَيْمانُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿سُلَيْمانُ﴾. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام:\nهي المزحلقة، (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿الْفَضْلُ:﴾ خبره، ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿لَهُوَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿سُلَيْمانُ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا؛ فالخبر: ﴿الْفَضْلُ،﴾ وأخيرا فالكلام ﴿يا أَيُّهَا..﴾. إلخ، كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3176\"></span>﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ:﴾ الحشر: الجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ وهذا كثير في القرآن بلفظ الماضي، والمضارع، والأمر، مثل قوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾.\n ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ:﴾ معناه: يردّ أولهم إلى آخرهم، ويكفّون. وانظر الآية رقم [٨٣] الآتية، قال قتادة: كان لكل صنف وزعة في رتبتهم، ومواضعهم من الكرسي، ومن الأرض إذا مشوا فيها، والوازع في الحرب: الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم. والوازع: الرادع، والزاجر. قال الشاعر: [الطويل]\nولا يزع النّفس اللجوج عن الهوى... من النّاس إلاّ وافر العقل كامله\nومن هذا قول النابغة الذبياني: [الطويل]\nعلى حين عاتبت المشيب على الصّبا... وقلت ألمّا أصح والشّيب وازع؟!\nوقال الحسن البصري: لا بد للناس من وازع، أي: من سلطان يكفّهم. وذكر ابن القاسم قال حدثنا مالك: أن عثمان بن عفان﵁قال: ما يزع الإمام أكثر ممّا يزع القرآن. والمحفوظ: إن الله يزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن، وشرح الجملتين واضح إن","vol":"6","page":681},{"text":"شاء الله تعالى. هذا؛ وأوزعه، يوزعه: أغراه يغريه. قال النابغة الذبياني في وصف ثور وحشي، وذلك من معلقته البيت رقم [١٤]: [البسيط]\nفهاب ضمران منه حيث يوزعه... طعن المعارك عند المجحر النّجد\nقال محمد بن كعب القرظي﵁-: كان معسكر سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مئة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، فالبريد ثمانية وأربعون ألف خطوة، وكان يوضع كرسيه في وسطه، فيقعد؛ وحوله كراسي الذهب، والفضة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، والناس حوله، والجن، والشياطين حول الناس، والوحوش حولهم، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمئة منكوحة، يعني: حرة، وسبعمئة سرّيّة، فيأمر الريح العاصف، فيرفع البساط، ثم يأمر الرخاء، فتسير به، والأول مذكور في الآية رقم [٨١] من سورة (الأنبياء):\n ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ..﴾. إلخ، والثاني مذكور في الآية رقم [٣٦] من سورة ص: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾. وأوحى الله إليه، وهو يسير بين السماء والأرض أني قد زدت في ملكك: أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح، وأخبرتك به.\nفيحكى: أنه مرّ بحرّاث، فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فألقته الريح في أذنه، فنزل، ومشى إلى الحراث، وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه. ثم قال له:\nلتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود. انتهى. من الخازن، والقرطبي، والكشاف بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨١] و[٨٢] من سورة (الأنبياء) إن أردت الزيادة، وقد أنكر عبد الوهاب النجار ما ذكره المفسرون من سعة البساط المذكور، وقصر ملك داود، وسليمان على البلاد الشامية، وهذا لم يقله أحد غيره فيما أعلم. وإذا عرفنا: أن سليمان كان أحد أربعة ملكوا الدنيا، وهم إسكندر ذو القرنين، والنمرود، وشداد بن عاد، وقرأنا ما ذكره الله حكاية من قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي؛﴾ لا يبقى لما قاله وجه.\nالإعراب: ﴿وَحُشِرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (حشر): فعل ماض مبني للمجهول.\n ﴿لِسُلَيْمانَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. ﴿جُنُودُهُ:﴾ نائب فاعل: (حشر)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل، لا محل لها أيضا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿جُنُودُهُ﴾. ﴿وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ:﴾\nمعطوفان على ﴿الْجِنِّ﴾. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب. وقيل: الفاء الفصيحة، ولا وجه له قطعا. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُوزَعُونَ:﴾ فعل","vol":"6","page":682},{"text":"مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3177\"></span>﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ أي: أشرفوا، وأقبلوا على الوادي الذي فيه النمل.\nروي عن كعب الأحبار: أنه قال: كان سليمان إذا ركب؛ حمل أهله، وخدمه، وحشمه، وقد اتخذ مطابخ، ومخابز، فيها تنانير الحديد، والقدور العظام، تسع كل قدر عشرة من الإبل، فيطبخ الطباخون، ويخبز الخبازون، وهو بين السماء والأرض، واتخذ ميادين للدواب، فتجري بين يديه، والريح تهوي به، فسار من إصطخر يريد اليمن، فسلك على مدينة الرسول ﷺ، فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي يكون في آخر الزمان، فطوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه! ولما وصل مكة رأى حول البيت أصناما تعبد، فجاوزه سليمان، فلما جاوزه بكى، فأوحى الله إليه ما يبكيك؟ قال: يا رب! هذا نبي من أنبيائك، ومعه قوم من أوليائك مروا علي، ولم يهبطوا، ولم يصلوا عندي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله إليه: لا تبك، فإني سوف أملؤك وجوها سجدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك في آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني، وأفرض عليهم فريضة يزفون إليك زفيف النسر إلى وكرها، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها، والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان، والأصنام، والشيطان. ثم مضى سليمان حتى مر بوادي السدير واد من الطائف، فأتى على واد النمل، كذا قال كعب الأحبار. وقيل: إنه بالشام. انتهى. خازن. ونقله عنه الجمل بحروفه.\nهذا؛ ويرد على هذا المقال أمران: الأول: أن سليمان نبي مرسل، والنبي المرسل مأمور بإزالة المنكر أينما وجد، وهل يوجد منكر أعظم من الشرك، وعبادة الأوثان، فكيف جاوز البيت بعد أن رأى الأصنام حوله، وبإمكانه إزالة المنكر؛ لأن الله أعطاه من القوة ما ذكره الله في الآية السابقة وشرحته لك كما رأيت، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١].\nالأمر الثاني: لا أعتقد تاريخيا: أن الأصنام أدخلت البيت الحرام، ووضعت حول الكعبة في الحقبة التي كان فيها سليمان حيا في الدنيا؛ لأن الأصنام، إنما أدخلها المسجد الحرام عمرو بن لحي الخزاعي، وهذا كان في الفترة التي كانت بين عيسى، ومحمد صلّى الله عليهم أجمعين على ما يبدو تاريخيا، فعهد سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يقارن عهد قبيلة جرهم، التي كانت تحكم مكة قبل قبيلة خزاعة التي منها عمرو المجرم الأثيم، والله أعلم. هذا؛ وقد ذكر المرحوم عبد الوهاب النجار: أن سليمان كان قبل المسيح بألف سنة.","vol":"6","page":683},{"text":"هذا؛ وقد اختلف في حجم النمل، فقال الكلبي: كانت نملة صغيرة مثل النمل المعتاد. وقيل:\nكان نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظام. وقال بريدة الأسلمي: كهيئة النعاج. وقولها: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يدل على صحة قول الكلبي؛ إذ لو كانت كهيئة الذئاب، والنعاج لما حطمت بالوطء.\nوعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتفت إليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة ﵀ حاضرا، وهو غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه، فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين عرفت؟ قال: من كتاب الله، وهو قوله:\n ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولو كانت ذكرا لقال: قال نملة، وذلك: أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر، والأنثى، فيميز بينهما بعلامة، نحو: حمامة ذكر، وحمامة أنثى، وهو وهي.\nهذا؛ وسميت النملة نملة؛ لتنملها، وهو كثرة حركتها، وقلة قرارها. والنمل: حيوان معروف، شديد الإحساس، والشم، حتى إنه ليشم الشيء من بعيد، ويدخر قوته. ومن شدة إدراكه أنه يفلق الحبة حبتين خوفا من الإنبات، ويفلق حبة الكزبرة أربع فلق؛ لأنها إذا فلقت فلقتين؛ تنبت، ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستبقي باقيه عدة. وقال ابن عباس﵄-: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: (الهدهد، والصرد، والنملة، والنحلة).\nأخرجه أبو داود. وهذا إذا لم يكن منهن أحد مؤذيا، وإلا فقتل المؤذي حلال.\nفقد روى مسلم من حديث أبي هريرة﵁عن رسول الله ﷺ «أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل، فأحرقت، فأوحى الله تعالى إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبّح؟!» وفي طريق آخر: «فهلا نملة واحدة». قال العلماء: يقال إن هذا النبي هو موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم، وفيهم الطائع، فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها، وعندها قرية النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم؛ لدغته النملة، فأضجرته، فدلكهنّ بقدمه، فأهلكهنّ، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك لما لدغته نملة، فقال:\nفكيف أصبت الباقين بعقوبتها، يريد أن ينبهه: أن العقوبة من الله تعالى تعمّ، فتصير رحمة على المطيع، وطهارة، وبركة، وشرا، ونقمة على العاصي، وعلى هذا فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلق الله أعظم حرمة من المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بقتل، وضرب على المقدار، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت لك، وسلطت عليها. انتهى. قرطبي.\n ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ:﴾ لما جعلها الله قائلة، والنمل مقولا لهم، كما يكون في العقلاء؛ أجرى خطاب النمل خطاب العقلاء، وذلك بالواو التي هي علامة جمع المذكر السالم. ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ:﴾ فإن قيل: كيف يتصور الحطم-وهو التكسير-من سليمان، وجنوده، وهو فوق البساط على متن الريح، فالجواب: كأنهم أرادوا النزول عند منقطع الوادي،","vol":"6","page":684},{"text":"فلذلك قالت: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؛﴾ لأنهم ما دامت الريح تحملهم، لا يخشى حطمهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وفي الآية قراآت كثيرة، ولم يتغير المعنى، ولا الإعراب. هذا؛ وفي قولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ احتراس لا يخفى، وقد أنشدوا ملغزين في نملة سليمان، وبقرة بني إسرائيل: [الطويل]\nفما ميّت أحيا به الله ميّتا... ليخبر قوما أنذروا ببيان\nوعجفاء قد قامت لتنذر قومها... وأهل قراها رهبة الحدثان\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل ذلك حرف جر، وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى الوجهين فهي غاية لمحذوف، التقدير: فسار سليمان، وجنوده؛ حتى إذا أتوا... إلخ. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَتَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿عَلى وادِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، و﴿وادِ﴾ مضاف، و﴿النَّمْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿نَمْلَةٌ:﴾ فاعله. ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ:﴾ مثل قوله ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿مَساكِنَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ ناهية، أو نافية.\n ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب ﴿لا﴾ الناهية، ونون التوكيد حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿سُلَيْمانُ:﴾ فاعله، وفي محل الجملة الفعلية وجهان: أحدهما أنها مستأنفة، والثاني: أنها بدل من جملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ. هذا؛ وعلى اعتبار ﴿لا﴾ نافية، فالفعل ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ مبني على الفتح في محل جزم جواب الأمر قبله.\nقال الزمخشري: والذي جوز أن يكون بدلا منه: أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم (فيحطمنكم)، على طريقة: لا أرينك هاهنا هذا؛ وقال ابن هشام: أكد المضارع بالنون بعد ﴿لا﴾ النافية، حملا لها في اللفظ على ﴿لا﴾ الناهية في نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا﴾. ﴿وَجُنُودُهُ:﴾ معطوف على ﴿سُلَيْمانُ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم لا يشعرون) في محل نصب حال من ﴿سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ﴾ والرابط: الواو، والضمير، والكلام: ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، والكلام المقدر، والمذكور:\nفسار سليمان وجنوده؛ حتى إذا أتوا... إلخ كلام مستأنف، لا محل له.","vol":"6","page":685},{"text":"<span id=\"aya-3178\"></span>﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها﴾ أي: تعجبا من حذرها، وتحذيرها، واهتدائها إلى مصالحها، أو سرورا بما خصه الله به من إدراك همسها، وفهم غرضها. هذا؛ وقوله تعالى ﴿فَتَبَسَّمَ﴾ يشير إلى أنه لم يقهقه في ضحكه، وكذلك جل ضحك الأنبياء التبسم، وما روي: أن النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فالغرض منه المبالغة في وصف ما وجد منه من الضحك النبوي، لا القهقهة، وكذلك ورد النهي عن كثرة الضحك، وقد كره العلماء منه الكثرة، كما قال لقمان لا بنه: (يا بني! إياك وكثرة الضحك؛ فإنه يميت القلب)،\nفعن عائشة﵂قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا قطّ ضحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم). متفق عليه، وعن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: (ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله). أخرجه الترمذي.\nوقيل: إن سبب ضحك سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شيئان:\nأحدهما: ما دل من قولها على ظهور رحمته، ورحمة جنوده، وشفقتهم، وذلك من قولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾. الثاني: سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا من إدراك فهم ما تقوله النملة، وغيرها؛ والإنسان إذا رأى، أو سمع ما لا عهد له به ضحك.\n ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني، وأصله من: وزع، فكأنه قال: كفّني عما يسخط، ووفقني لما يرضي. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ:﴾ ما أنعم الله به عليه وعلى والديه فقد سطره القرآن الكريم من تسبيح الجبال مع داود، وإلانة الحديد له، وإتيانه الملك، وتسخير الجن، والإنس، والطير لسليمان، وإتيانه ما لم يؤته الله أحدا من العالمين قبله، وبعده إلى يوم الدين. وقد أدرج في كلامه ذكر والديه تكثيرا للنعمة، أو تعميما لها، فإن النعمة عليهما نعمة عليه، والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدينية، فإنه إن كان تقيا نفعهما بدعائه، وشفاعته، وبدعاء المؤمنين كلما دعوا له، وقالوا: رضي الله عنك، وعن والديك. وهذا سمعته بإذني، ووقر في قلبي، والحمد لله رب العالمين، ولذلك دعا العبد الصالح في الآية رقم [١٥] من سورة (الأحقاف) بمثل ما دعا سليمان هنا، وزاد قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ وهذا بخلاف الفاسق، والمؤذي لعباد الله الذي يسبب المسبة، والمذمة لنفسه، ولوالديه، وما أكثرهم في هذا الزمن!\n ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ أي: مع عبادك ف: ﴿فِي﴾ بمعنى: مع، وقيل: المعنى في جملة: ﴿عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾. قال ابن عباس﵄-: يريد مع إبراهيم،","vol":"6","page":686},{"text":"وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن بعدهم من النبيين، فإن قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، وقد تمنى إبراهيم ذلك بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ رقم [٨٣] من سورة (الشعراء)، وقد تمنى يوسف ﵇ ذلك بقوله: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أجيب بأن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية. انتهى. جمل، نقلا عن الخطيب.\nفائدة: بعد أن تبسم سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من كلام النملة المتقدم مضت النملة مسرعة إلى قومها، فقالت: هل عندكم من شيء نهديه إلى سليمان نبي الله؟ قالوا: وما قدر ما نهدي له؟ والله ما عندنا إلا نبقة واحدة، قالت: حسنة، ائتوني بها، فأتوها بها، فحملتها بفيها، فانطلقت تجرها، فأمر الله الريح فحملتها، وأقبلت تشق الإنس، والجن، والعلماء على البساط، حتى وقعت بين يديه، ثم وضعت تلك النّبقة من فيها في كفه، وأنشأت تقول: [الطويل]\nألم ترنا نهدي إلى الله ما له... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله\nولو كان يهدى للجليل بقدره... لقصّر عنه البحر يوما وساحله\nولكنّنا نهدي إلى من نحبّه... فيرضى به عنّا ويشكر فاعله\nوما ذاك إلاّ من كريم فعاله... وإلاّ فما في ملكنا ما يشاكله\nفقال لها: بارك الله فيكم، فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله، وأكثر خلق الله. انتهى. قرطبي ومثله ما قيل في هذا المعنى: [البسيط]\nجاءت سليمان يوم العرض هدهدة... تحمل جرادة كانت في فيها\nوتكلّمت بلسان الحال قائلة... إنّ الهدايا على قدر مهديها\nلو كان يهدى للإنسان قيمته... لأهديت لك الدّنيا وما فيها\nالإعراب: ﴿فَتَبَسَّمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تبسم): فعل ماض، وفاعله تقديره: «هو» يعود إلى ﴿سُلَيْمانُ﴾. ﴿ضاحِكًا:﴾ حال مؤكدة، وقرئ: «(ضحكا)» على أنه مفعول مطلق، والعامل فيه (تبسم)؛ لأنه بمعنى: ضحك. ﴿مِنْ قَوْلِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿فَتَبَسَّمَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة على محذوف، التقدير: فسمع قولها المذكور فتبسّم. ﴿وَقالَ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (قال): فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿سُلَيْمانُ﴾ أيضا. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه","vol":"6","page":687},{"text":"أداة النداء، وانظر الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء). ﴿أَوْزِعْنِي:﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير مستتر، تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَشْكُرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿نِعْمَتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿نِعْمَتَكَ﴾. ﴿أَنْعَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة صلة ﴿الَّتِي﴾ والعائد محذوف؛ إذ التقدير: التي أنعمتها. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (على والدي): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\nو﴿أَنْ أَشْكُرَ:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل نصب بنزع الخافض، والكلام: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والمصدر المؤول من: (أن أعمل صالحا) معطوف على سابقه، فهو مثله في محل نصب مفعول به. ﴿تَرْضاهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية للموصوف المحذوف، والصفة الأولى: ﴿صالِحًا﴾. (أدخلني): إعراب هذه الجملة مثل إعراب جملة: ﴿أَوْزِعْنِي،﴾ وهي معطوفة عليها. ﴿بِرَحْمَتِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي عِبادِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الصّالِحِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادِكَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-3179\"></span>﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ:﴾ التفقد: تطلّب ما غاب عنك من شيء. ﴿ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ:﴾ استفهام استخبار، ولا حاجة إلى ادّعاء القلب، كما قاله بعضهم: إن الأصل ما للهدهد لا أراه. إذ المعنى صحيح بدون ادعاء القلب. هذا؛ والهدهد بضم الهاء الثانية وكسرها طائر ذو خطوط وألوان كثيرة، الواحدة هدهدة بضم الهاء الثانية وكسرها أيضا، والجمع: هداهد، وهداهيد. ﴿أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ:﴾ أم منقطعة، فهي بمعنى «بل»، كأنه لما لم يره؛ ظن: أنه حاضر، ولا يراه لساتر أو غيره، ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ:﴾ ثم احتاط، فلاح له أنه غائب، فأضرب عن ذلك، وأخذ يقول: بل هو غائب، كأنه يسأل عن صحة ما لاح له.","vol":"6","page":688},{"text":"تنبيه: لقد اختلف الناس في معنى تفقده للطير على أقوال كثيرة، وأكتفي بما يلي نقلا عن القرطبي. فقد قال عبد الله بن سلام﵁-: إنما طلب الهدهد؛ لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض؛ لأنه كان نزل في مفازة عدم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها، فكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة، تسلخ عنه وجه الأرض كما تسلخ الشاة، قاله ابن عباس فيما روى عن ابن سلام، وذكر:\nأن سليمان لم يصحب معه سوى هذا الهدهد في سفره، ولذا فقده، مع كون الهداهد كثيرة.\nقال أبو مجلز، قال ابن عباس لعبد الله بن سلام﵃ أجمعين-: أريد أن أسألك عن ثلاث مسائل قال: أتسألني، وأنت تقرأ القرآن؟ قال: نعم (ثلاث مرات) قال: لم تفقد سليمان الهدهد دون سائر الطير؟ قال: احتاج إلى الماء، ولم يعرف عمقه، وكان الهدهد يعرف ذلك دون سائر الطير، فتفقده. وروي: أن نافع بن الأزرق الخارجي سمع ابن عباس يذكر شأن الهدهد، فقال له: قف يا وقّاف، كيف يرى الهدهد باطن الأرض، وهو لا يرى الفخ حين يقع فيه؟! فقال له ابن عباس﵄-: إذا جاء القدر عمي البصر. قال ابن العربي:\nولا يقدر على هذا الجواب إلا عالم القرآن، وأنشدوا في هذا المعنى: [الرجز]\nإذا أراد الله أمرا بامرئ... وكان ذا عقل ورأي ونظر\nوحيلة يعملها في دفع ما... يأتي به مكروه أسباب القدر\nغطّى عليه سمعه وعقله... وسلّه من ذهنه سلّ الشّعر\nحتّى إذا أنفذ فيه حكمه... ردّ عليه عقله ليعتبر\nالإعراب: ﴿وَتَفَقَّدَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تفقد): فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (سليمان). ﴿الطَّيْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (تبسم...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (سليمان) أيضا، (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (لي): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «أنا». ﴿الْهُدْهُدَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال، من ياء المتكلم، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال الاستفهام. ﴿أَمْ:﴾ حرف إضراب بمعنى «بل» كما رأيت. وتسمى منقطعة. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الهدهد. ﴿مِنَ الْغائِبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، والكلام: ﴿ما لِيَ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"6","page":689},{"text":"<span id=\"aya-3180\"></span>﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ..﴾. إلخ: لقد اختلف في هذا التعذيب اختلافا كبيرا. فقيل: هو أن ينتف ريشه وذنبه، ويلقيه في الشمس ممعّطا، لا يمتنع من النمل، ولا من غيره. وقيل: هو أن يودعه السجن. وقيل: هو أن يحبسه مع ضده. وقيل: هو أن يفرق بينه وبين إلفه. وقيل: هو أن يلزمه خدمة أقرانه. وقيل: هو أن يبعده عن خدمته. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بعذر واضح على تغيبه. وقرئ الفعل بنونين. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: قد حلف على أحد ثلاثة أشياء، فحلفه على فعليه لا مقال فيه، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد؟ ومن أين درى: أنه يأتي بسلطان مبين حتى يقول: (والله ليأتيني بسلطان مبين)؟ قلت: لما نظم الثلاثة بأو في الحكم الذي هو الحلف آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمور، يعني: إن كان الإتيان بسلطان؛ لم يكن تعذيب، ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما، وليس في هذا ادعاء دراية. انتهى.\nوكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء: أن سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لما فرغ من بناء بيت المقدس؛ عزم على الخروج إلى أرض الحرم؛ ليحج، فتجهّز للمسير، واستصحب جنوده من الجن والإنس، والطير، والوحش فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم أقام فيه ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر في كل يوم طول مقامه خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، وقال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا المكان يخرج منه نبي عربي، صفته كذا، وكذا، ويعطى النصر على جميع من عاداه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم. فقالوا: بأي دين يدين يا نبي الله؟! قال: بدين الله الحنيفية، فطوبى لمن أدركه، وآمن به!\nقالوا: كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟! قال: مقدار ألف سنة، فليبلغ الشاهد الغائب، فإنه سيد الأنبياء، وخاتم الرسل. قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحا، وسار نحو اليمن، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي، ويتغدى، فلما نزل، قال الهدهد: قد اشتغل سليمان بالنزول، فارتفع نحو السماء، ينظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك، فبينما هو ينظر يمينا وشمالا رأى بستانا لبلقيس، فنزل إليه، فإذا هو بهدهد آخر، فسأله من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود، قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الإنس، والجن، والشياطين، والطير، والوحش، والرياح، فمن أنت؟ قال: أنا من هذه البلاد، قال: ومن يملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبك ملكا عظيما، ولكن ليس ملك بلقيس دونه. وبلقيس بكسر الباء على الأفصح، فإنها","vol":"6","page":690},{"text":"تملك اليمن، وتحت يدها أربعمئة ملك، كل ملك على كورة، مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاثمئة وزير، يدبرون ملكها، ولها اثنا عشر قائدا، مع كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها، قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج الماء، قال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. قال: فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها. وأما سليمان ﵇، فإنه نزل على غير ماء، فسأل الجن، والإنس عن الماء، فلم يعلموا، فتفقد الهدهد، فلم يره، فدعا بعريف الطير، وهو النسر، فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك، ما أدري أين ذهب؟ وما أرسلته إلى مكان. فغضب سليمان، ولم يكن معه إلا هذا الهدهد، قال: لأعذبنه... إلخ، ثم دعا العقاب، وهو أشد الطير طيرانا، فقال:\nعلي بالهدهد الساعة، فارتفع العقاب في الهواء حتى نظر الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يمينا، وشمالا، فرأى الهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض العقاب يريده، وعلم الهدهد: أن العقاب يقصده بسوء.\nفقال: بحق الذي قواك، وأقدرك علي إلا ما رحمتني، ولم تتعرض لي بسوء! فتركه العقاب، وقال: ويحك! إن نبي الله قد حلف أن يعذبك، أو يذبحك. فسارا متوجهين نحو سليمان ﵇، فلما انتهيا إلى العسكر؛ تلقاه النسر، والطير، وقالا له: ويلك! أين غبت في يومك هذا؟ فلقد توعدك نبي الله. وأخبراه بما قال سليمان، فقال الهدهد:\nأو ما استثنى نبي الله؟ فقالوا: بلى إنه قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾. فقال: نجوت إذا، وكانت غيبته من الزوال، ولم يرجع إلا بعد العصر، فانطلق به العقاب حتى أتيا سليمان، وكان قاعدا على كرسيه، فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله! فلما قرب منه الهدهد، رفع رأسه، وأرخى ذنبه، وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه، فمده إليه، وقال له: أين كنت؟ لأعذبنك عذابا شديدا! فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله ﷿. فلما سمع سليمان ذلك منه ارتعد وعفا عنه، ثم سأله: ما الذي أبطأك عني؟ فقال الهدهد: أحطت بما لم تحط به... إلخ، انتهى. خازن، ونقله عنه الجمل بحروفه، وفي الكشاف قريب منه.\nتنبيه: في هذا النص تعارض بينه وبين ما ذكرته في شرح الآية رقم [١٨] نقلا عن الخازن، والجمل من وجوه:\n١ - هناك ذكر: أن سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مر على البيت الحرام، ورأى حول الكعبة أصناما تعبد من دون الله تعالى... إلخ، وهنا ذكر أنه أقام في المسجد الحرام أياما طوالا، فذبح ما ذبح، وأدى نسكه... إلخ، فكيف غفل الخازن ونقله عنه الجمل هنا، وهناك؟!","vol":"6","page":691},{"text":"٢ - ذكر هنا: أن سليمان كان قد قصد اليمن حينما فقد الهدهد، فإذا كان قد قصد اليمن ما الذي رده عن قصده، وكيف أرسل سليمان الهدهد برسالة إلى بلقيس، وهو بصنعاء، وهل اليمن إلا صنعاء.\n٣ - إن الآيات الآتية تنص على أن بلقيس بعد إلقاء الرسالة إليها، ومناقشتها مع رجال قومها أرسلت إلى سليمان هدية، فهل هذه الهدية أرسلت إليه، وهو بصنعاء، أو كان في بلاد الشام؟ ثم إن الآيات التالية تنص على أن الذي عنده علم من الكتاب أتى بعرش بلقيس، فهل أتى به إلى صنعاء، أو إلى بلاد الشام مقر ملك سليمان؟ المعتمد: أن الهدية أرسلت إليه؛ وهو في مقر ملكه، وكذا العرش أتاه به، وهو في مقر ملكه، وقد أنشأ الصرح الآتي ذكره في مقر ملكه، وانظر ما أنقله عن القرطبي في الآية التالية.\n٤ - إن ما ذكر من ذبح آلاف النوق، وآلاف البقر، وآلاف الغنم في الحرم، فهل كان يحمل معه هذه الآلاف المؤلفة معه على بساط الريح، كل ذلك يحتاج إلى تأمل وتمحيص.\nالإعراب: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم مقدر، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (أعذبنه): فعل مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول سليمان. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿شَدِيدًا:﴾\nصفة له. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها كإعرابها، وكذلك جملة: ﴿لَيَأْتِيَنِّي،﴾ معطوفة على ما قبلها، وسليمان ﵇ لم يقسم ويحلف على فعل الهدهد، ولكن لما جاء في إثر قوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (سلطان).\n\n<span id=\"aya-3181\"></span>﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿فَمَكَثَ:﴾ يقرأ بفتح الكاف وضمها، والأول من الباب الأول كنصر، والثاني من الباب الخامس كقرب، وهو بمعنى: أقام ولبث. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ:﴾ غير زمن طويل ومديد، ﴿فَقالَ﴾ أي: الهدهد: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: علمت من الأمر ما لم تعلمه، وفي هذا رد على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب في كل الأوقات، وإنما يعلمون ما يطلعهم الله عليه في بعض الأوقات، والله قال لحبيبه محمد ﷺ: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ..﴾. إلخ الآية رقم [١٨٨] من سورة (الأعراف). وفيه رد ودليل على بطلان قول الرافضة: إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه. انتهى. نسفي.","vol":"6","page":692},{"text":"هذا؛ وفي مخاطبة الهدهد سليمان بهذا الكلام تنبيه له على أن في أضعف خلق الله تعالى من أحاط علما بما لم يحط به ليكون لطفا له في ترك الإعجاب، ولتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر لديه علمه، وقال القرطبي: فإن قلت: كيف خفي على سليمان مكانها؟ وكانت المسافة بينهما قريبة! وهي مسيرة ثلاث مراحل بين صنعاء ومأرب، فالجواب: أن الله ﷿ أخفى ذلك عنه لمصلحة رآها، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية السابقة وأقول هنا: أرجع سليمان إلى مقر ملكه، وأخذ يراسلها وتراسله وهي في مقر ملكها، أم كان قريبا منها، كما ذكر القرطبي؟ فالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي: بخبر يقين محقق، أعلم سليمان ما لم يكن يعلمه، ودفع عن نفسه ما توعده من العذاب أو الذبح. وقرأ الجمهور ﴿سَبَإٍ﴾ بالصرف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة، وترك الصرف، فالأول على أنه اسم رجل نسب إليه قوم، وعليه قول الشاعر: [البسيط]\nالواردون، وتيم في ذرى سبأ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس\nالمعنى: الواردون هم وتيم في ذرى أرض سبأ مغلولين بأغلال من جلد الجواميس بحيث يعض أعناقهم، ومن لم يصرفه اعتبره اسما للقبيلة، أو للمدينة، وأنشد للنابغة الجعدي: [المنسرح]\nمن سبأ الحاضرين مارب إذ... يبنون من دون سيله العرما\nفهو يمدح رجلا، ويقول: هو من قبيلة سبأ الحاضرين مدينة مأرب الذين بنوا السد، دون السيل، فالعرم هو السد، ومأرب اسم المدينة، وقيل: اسم قصر. هذا؛ وسبأ: اسم رجل، وهو سبأ بن يعرب بن قحطان أخي عدنان وقد جاء في الحديث: أن النبي ﷺ سئل عن سبأ، فقال:\n «رجل له عشرة من البنين تيامن منهم ستة، وتشاءم أربعة». ومعنى تيامن: سكن اليمن، ومعنى تشاءم: سكن الشام، فالذين تيامنوا هم: حمير، وكندة، والأزد، وأشعر، وقشعم، وبجيلة.\nوالذين تشاءموا هم: لخم وجذام، وعاملة وغسّان، وانظر الآية رقم [١٥] وما بعدها من سورة (سبأ) ففيها فضل زيادة.\nالإعراب: ﴿فَمَكَثَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (مكث): فعل ماض، وفاعله يعود إلى الهدهد.\n ﴿غَيْرَ:﴾ صفة ظرف محذوف، أي: مكانا غير بعيد، أو وقتا غير بعيد، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، أي: مكثا غير بعيد، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (تفقد...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الهدهد أيضا.\n ﴿أَحَطْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُحِطْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:","vol":"6","page":693},{"text":"«أنت». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط هو الضمير المجرور محلا بالباء، وجملة: ﴿أَحَطْتُ..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَجِئْتُكَ:﴾\nالواو: حرف عطف. (جئتك): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ سَبَإٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال من (نبأ)؛ لأنه كان صفة له، وليس بقوي. ﴿بِنَبَإٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَقِينٍ:﴾ صفة (نبأ).\n\n<span id=\"aya-3182\"></span>﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ:﴾ هي بلقيس بنت شراحيل، من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكا عظيما، قد ولد له أربعون ملكا هي آخرهم، وكان يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منهم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج منهم، فخطب إلى الجن، فزوجوه امرأة منهم، يقال لها: ريحانة بنت السكن، قيل في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب منهم: أنه كان كثير الصيد، فربما اصطاد الجن، وهم في صورة الظباء، فإذا عرفهم خلّى عنهم، فظهر له ملك الجن، وشكره على ذلك، واتخذه صديقا، فخطب ابنته، فزوجه إياها، وقيل: إنه خرج متصيدا، فرأى حيتين تقتتلان بيضاء، وسوداء، وقد ظهرت السوداء على البيضاء، فقتل السوداء، وحمل البيضاء، وصب عليها الماء، فأفاقت، وأطلقها فلما رجع إلى داره، وجلس وحده منفردا، فإذا معه شاب جميل، فخاف منه، قال: لا تخف أنا الحية البيضاء التي أحييتني، والأسود الذي قتلته هو عبد لنا، تمرد علينا، وقتل عدة منا، وعرض عليه المال، فقال: لا حاجة لي به، ولكن إن كان لك بنت فزوجنيها، فزوجه ابنته، فولدت بلقيس.\nوجاء في الحديث الشريف: أن أحد أبوي بلقيس، كان جنيا، فلما مات أبو بلقيس طمعت في الملك، وطلبت قومها أن يبايعوها، فأطاعها قوم، وأبى آخرون، وملكوا عليهم رجلا آخر، يقال:\nإنه ابن أخي الملك، وكان خبيثا سيئ السيرة في أهل مملكته، حتى كان يمد يده إلى حريم رعيته، ويفجر بهن، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه، فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة، فأرسلت إليه، فعرضت نفسها عليه، فأجابها الملك، وقال: ما منعني أن ابتدئك بالخطبة، إلا اليأس منك، فقالت: لا أرغب عنك؛ لأنك كفؤ كريم، فاجمع رجال أهلي، واخطبني منهم، فجمعهم، وخطبها، فقالوا: لا نراها تفعل. فقال: بلى إنها قد رغبت فيّ، فذكروا ذلك لها، فقالت: نعم، فزوجوها منه، فلما زفت إليه، خرجت في ملأ كثير من خدمها وحشمها، فلما خلت به سقته الخمر حتى سكر، ثم قتلته، وحزّت رأسه، وانصرفت إلى منزلها من الليل.","vol":"6","page":694},{"text":"فلما أصبحت أرسلت إلى وزرائه، وأحضرتهم، وقرعتهم، وقالت لهم: أما كان منكم من يأنف لكريمته، أو كرائم عشيرته، ثم أرتهم إياه قتيلا، وقالت: اختاروا رجلا تملكونه عليكم، فقالوا: لا نرضى غيرك، فملكوها، وعلموا: أن ذلك النكاح كان مكرا وخديعة منها. انتهى.\nخازن. أقول: ومثل هذه القصة قصة الزّبّاء ملكة تدمر مع جذيمة الأبرش.\nفعن أبي بكر﵁-: قال: لما بلغ رسول الله ﷺ: أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: «لن يفلح قوم ملّكوا عليهم امرأة». أخرجه البخاري. وفي رواية أخرى: «ولّوا أمرهم امرأة» ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: تحتاجه الملوك من رجال، وسلاح، ومال، وعدة. والمراد بالكية: الكثرة، لا الكلية الحقيقية، كما هو واقع الحياة الدنيا، ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ:﴾ عظمه بالنسبة إليها، أو إلى عروش أمثالها، والعرش: هو الكرسي الذي يجلس عليه الملك.\nقال ابن عباس﵄-: كان طول عرشها ثمانين ذراعا، وعرضه أربعين ذراعا، وارتفاعه في السماء ثلاثين، مكلل بالدر، والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر. وقال قتادة:\nوقوائمه لؤلؤ، وجواهر، وكان مستّرا بالديباج، والحرير، عليه سبعة مغاليق، أي سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿وَجَدْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اِمْرَأَةً:﴾ مفعول به. ﴿تَمْلِكُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اِمْرَأَةً﴾ تقديره: «هي»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (امرأة)، على تفسير ﴿وَجَدْتُ﴾ ب: لقيت، أو هي في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَدْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مفسرة للنبأ.\n ﴿وَأُوتِيَتْ:﴾ الواو: واو الحال، (أوتيت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿اِمْرَأَةً،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿تَمْلِكُهُمْ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. وأجيز عطفها على ما قبلها بتأويل المضارع بالماضي. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَلَها:﴾ الواو: واو الحال، (لها): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَرْشٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير: ﴿اِمْرَأَةً﴾ في الفعلين السابقين، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3183\"></span>﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ وذلك: أنهم كانوا كفرة، يعبدون الشمس. قيل: كانوا مجوسا يعبدون الأنوار. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: الخبيثة من","vol":"6","page":695},{"text":"الكفر، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى. هذا؛ مذهب أهل السنة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته سلطه عليه حتى يقبل وسوسته.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤].\nهذا؛ وما ذكرته في هذه الآية مبني على أن العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله تعالى، كما قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وما قاله الزمخشري في الآية المذكورة مبني على مذهبه في الاعتزال من أن العبد يخلق أفعال نفسه، وهو مبني على القاعدة الفاسدة في إيجاب رعاية الصلاح والأصلح للعبد، وامتناع أن يخلق الله تعالى للعبد، إلا ما هو مصلحة له، فمن ثم اعتبر التزيين من الله تعالى مجازا، ومن الشيطان حقيقة.\nولو عكس الجواب؛ لفاز بالصواب، وإلى الله المرجع والماب.\n ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ:﴾ عن طريق الهدى، والحق، والصواب، ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق، والصواب، ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله تعالى، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس إلهاما من الله له، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة؛ التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها.\nهذا؛ ف: (صدّهم): منعهم، والمضارع: «يصد» يمنع، ويصرف، وهو بضم الصاد. هذا؛ ويأتي بمعنى: يعرضون ويميلون، كما في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ويأتي بضم الصاد وكسرها، كما يأتي بمعنى يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. ومصدر الأولين: صد وصدود، ومصدر الأخير صديد. هذا؛ والصدد القرب، يقال: داري صدد داره، أي قبالتها وقربها، والصدد القصد، تقول: رجعنا إلى ما نحن بصدده، أي بقصده، وهو أيضا الميل-بفتح الياء والناحية-.\nالإعراب: ﴿وَجَدْتُها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، ﴿وَقَوْمَها:﴾ الواو: حرف عطف.\n (قومها): معطوف على الضمير المنصوب، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿يَسْجُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿لِلشَّمْسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة. و﴿يَسْجُدُونَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَسْجُدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من ضمير المرأة، وجملة: ﴿وَجَدْتُها..﴾. إلخ بدل من جملة: (وجدت...) إلخ في الآية السابقة. ﴿وَزَيَّنَ:﴾ الواو: واو الحال. (زين): فعل ماض، ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعل. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير","vol":"6","page":696},{"text":"متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَزَيَّنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجملة: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ:﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَهْتَدُونَ:﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال أيضا، وهي مؤكدة لمعنى الجملتين الفعليتين قبلها.\n\n<span id=\"aya-3184\"></span>﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ:﴾ قرئ في السبعة بتشديد اللام، وتخفيفها، وقرئ فوق السبعة:\n «(هلاّ)»، «(وهلا)» بقلب الهمزة هاء فيهما، وانظر الإعراب يتضح لك الأمر غاية الإيضاح. ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: المخبوء فيهما من مطر ونحوه في السماء، ومن كنوز، ونبات في الأرض. ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ:﴾ من أعمالكم، ونياتكم في ضمائركم. ﴿وَما تُعْلِنُونَ:﴾ وما تجهرون به من قول، أو عمل، وقرئ الفعلان بالتاء، والياء.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام وصف لله تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من التفرد بكمال القدرة، والعلم حثا على سجوده، وردا على من يسجد لغيره، و﴿الْخَبْءَ﴾ ما خفي في غيره، وإخراجه: إظهاره، وهو يعم إشراق الكواكب، وإنزال الأمطار، وإنبات النبات، بل الإنشاء، فإنه إخراج ما في الشيء بالقوة إلى الفعل، والإبداع، فإنه إخراج ما في الإمكان، والعدم إلى الوجوب، والوجود، ومعلوم: أنه يختص بالواجب لذاته. انتهى.\nهذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم في إحداهما؟ قلت: هي واجبة فيهما جميعا؛ لأن مواضع السجدة، إما أمر بها، أو مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر، والأخرى ذم للتارك، وانظر الإعراب يتضح لك المعنى غاية الإيضاح.\nالإعراب: ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿يَسْجُدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لئلا يسجدوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (زين). قاله الأخفش، أو هما متعلقان بالفعل (صدهم) قاله الكسائي. وعلى قول الأخفش لا يلزم تقدير الجار، فيكون التقدير: زين لهم عدم السجود، وهو في المعنى بدل من أعمالهم، وأجيز اعتبار المصدر في","vol":"6","page":697},{"text":"محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي عدم السجود. وقال أبو عمرو: المصدر المؤول في محل جر بدلا من ﴿السَّبِيلِ﴾. هذا؛ وقيل: إن (لا) زائدة، والمصدر المؤول في محل جر ب إلى محذوفة، التقدير: إلى السجود، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَهْتَدُونَ﴾. وقيل:\nالمصدر المؤول مفعول صريح للفعل: ﴿يَهْتَدُونَ﴾. وعلى هذا الاعتبار، فليست الآية بموضع سجدة. هذا؛ وعلى قراءة تخفيف اللام، فتكون (ألا) أداة استفتاح، وتنبيه يسترعى بها انتباه المخاطب لما يأتي بعدها من كلام، وتكون (يا) أداة نداء حذفت ألفها لالتقاء الساكنين، والمنادى محذوف، التقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وعليه فالفعل فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى هذا فالسجود واجب، كما قرئ شاذا: «(ألا هل تسجدون)» و«(ألا تسجدون)». ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه. ﴿يُخْرِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد. ﴿الْخَبْءَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْخَبْءَ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يُخْرِجُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَيَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعلم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الذي أيضا. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تخفونه، وجملة: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ:﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها، وإعراب: ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ مثل إعراب ما قبله، ومعطوف عليه. تأمل.\n\n<span id=\"aya-3185\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾\nالشرح: قال الخازن: هذه السجدة من عزائم السجود يستحب للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءتها، أقول: ويبتدئ الكلام بقوله ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا﴾ وينتهي بالعظيم، وقال الخازن أيضا:\nفإن قلت: قد وصف عرش بلقيس بالعظيم، وعرش الله بالعظيم، فما الفرق بينهما؟ قلت: وصف عرش بلقيس بالعظم بالنسبة إليها، وإلى أمثالها من ملوك الدنيا، وأما عرش الله تعالى، فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السموات والأرض، فحصل الفرق بينهما.\nبعد هذا: قال الجرجاني: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا..﴾. إلخ هو كلام معترض من الهدهد أو من كلام سليمان، أو من الله. وقال ابن عطية: هو من كلام الهدهد، وهو قول ابن زيد، وابن إسحاق ويعترض بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم في معنى الشرع؟ ويحتمل: أنه من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى، فهو اعتراض بين الكلامين، وهو الثابت مع التأمل. أقول: المعتمد: أنه من كلام الهدهد، وخذ ما يلي:","vol":"6","page":698},{"text":"قال أبو السعود رحمه الله تعالى: اعلم أن ما حكي عن الهدهد، من قوله ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ إلى هنا ليس داخلا تحت قوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وإنما هو من المعارف والعلوم التي اقتبسها من سليمان ﵇، أورده بيانا لما هو عليه، وإظهارا لتصلبه في الدين، وكل ذلك لتوجيه قلبه ﵇ نحو قبول كلامه، وصرف عنان عزيمته إلى غزوها، وتسخير ولايتها. انتهى.\nقال الجمل: وقوله: ليس داخلا تحت قوله... إلخ، مراده بهذا: أن الذي اختص به الهدهد عن سليمان، وذكره بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ قد انتهى بقوله: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ﴾ وأما قوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ..﴾. إلخ فهو وإن كان من مقول الهدهد، لكنه ليس مما علمه دون سليمان، بل سليمان يعلمه أيضا على وجه أتم، وأكمل من علم الهدهد، وإنما ذكره الهدهد بيانا لما هو عليه، أي لما هو معتقده، وإظهارا لتصلبه في الدين. انتهى.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم (لا) على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء.\nوالثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو أقوى الثلاثة، وهو مبني على الفتح في محل رفع. ﴿رَبُّ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ﴿رَبُّ،﴾ وحسن حذفه توالي اللفظ ب: (هو) مرتين، الثالث: أن يكون خبرا ثانيا لقوله: ﴿اللهُ﴾ والخبر الأول: الجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ، وذلك عند من يرى تعدد الخبر مختلفا بالإفراد، والجملة. الرابع:\nأن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. و﴿رَبُّ﴾ مضاف، و﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة (العرش) ويقرأ بالرفع، فيقال فيه ما قيل ب: ﴿رَبُّ﴾ من الأوجه الأربعة، واعتباره صفة له يتضمن الأوجه الأربعة، وإن أبقيته صفة ل: ﴿الْعَرْشِ،﴾ ورفعته فيكون خبر مبتدأ محذوف، وذلك على القطع، وهذا معروف في باب النعت، والجملة الاسمية ﴿اللهُ..﴾. إلخ، تحتمل أن تكون من مقول الهدهد، وأن تكون من كلام سليمان فتكون مستأنفة متصل بها ما بعدها، وأن تكون من كلام الله تعالى، فتكون معترضة بين كلام الهدهد، وكلام سليمان الآتي. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-3186\"></span>﴿قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ سَنَنْظُرُ:﴾ من النظر الذي هو التأمل، والتصفح. ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ التقدير: أصدقت، أم كذبت؟ والتغيير لرعاية الفواصل، وللمبالغة أيضا، ولم يقل:","vol":"6","page":699},{"text":"سننظر في أمرك؛ لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ صرح له سليمان بقوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فكان ذلك مقابلة لما قاله، وكفاء له.\nثم إن الهدهد دلهم على الماء، فاحتفروا الركايا، وروي الناس، والدواب، ثم إن سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كتب كتابا: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: (بسم الله الرحمن الرحيم، السّلام على من اتبع الهدى، أمّا بعد أن لا تعلو عليّ، وائتوني مسلمين). قيل: لم يزد على ما نص الله في كتابه، وكذلك الأنبياء؛ كانوا يكتبون جملا، لا يطيلون، ولا يكثرون. فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد:\n ﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ. وقيل: لم يبدأ سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كتابه باسم الله؛ لأنها كانت كافرة قارئة، فخاف من كفرها أن تستخف باسم الله، فجعل اسمه وقاية لاسم الله تعالى، وكانت عربية، والكتابة عربية، وهو الظاهر، وقيل: إنه كتبه بالعجمية، ولها ترجمان يترجم لها به؛ لأنها عربية، ويحتمل أنها كانت تعرف غير العربية. انتهى. جمل نقلا عن شيخه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى «سليمان» تقديره: «هو». ﴿سَنَنْظُرُ:﴾\nالسين: حرف استقبال. (ننظر): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَصَدَقْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (صدقت):\nفعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، تقديره: في قولك، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول: (ننظر). ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كُنْتَ،﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مثلها، وجملة: ﴿سَنَنْظُرُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3187\"></span>﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ:﴾ إنما قال: (إليهم) بلفظ الجمع؛ لأنه جعله جوابا لقول الهدهد: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فقال: ألقه إلى الذين هذا دينهم، وقد قرئ: (ألقه) بقراآت كثيرة. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: تنح عنهم. أمره بالتولي حسن أدب حسب ما يتأدب به مع الملوك، أي: وكن قريبا منهم؛ حتى تسمع، وترى ما يقولون. ﴿فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ:﴾ بماذا يتداولون، كقوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ،﴾ فأخذ الكتاب، وأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض مأرب من اليمن، على ثلاث مراحل من صنعاء، فوجدها نائمة، مستلقية على قفاها، وقد غلقت الأبواب، ووضعت المفاتيح تحت رأسها، وكذلك كانت","vol":"6","page":700},{"text":"تفعل إذا رقدت، فأتى الهدهد، وألقى الكتاب على نحرها، وكان قد دخل عليها من كوة عالية في جدار قصرها، فاستيقظت فلما رأت الكتاب؛ دهشت.\nوقيل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره، وطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة، والوزراء، والجنود، فرفرف ساعة، والناس ينظرون إليه، فرفعت بلقيس رأسها، فألقى الكتاب في حجرها، فلما رأت الخاتم ارتعدت، وخضعت؛ لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل إليها الكتاب أعظم ملكا منها، فقرأت الكتاب؛ والهدهد غير بعيد متوار عنها، وجاءت هي؛ حتى قعدت على سرير ملكها، وجمعت الأشراف من قومها. وقال ابن عباس -﵄-: كان مع بلقيس مئة قيل، مع كل قيل مئة ألف، والقيل ملك دون الملك الأعظم، وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، كل رجل منهم على عشرة آلاف، فلما جاؤوا، وأخذوا مجالسهم؛ ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿اِذْهَبْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿بِكِتابِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾\nالهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة (كتابي)، وجملة:\n ﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. (ألقه): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿تَوَلَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل: أنت. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وليس بشيء. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظر): فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿ماذا:﴾ ما:\nاسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي يرجعونه.\nهذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، كما يجوز اعتباره مفعولا مقدما، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية في محل نصب مفعول به ل (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، هذا كله إذا كان (انظر) بمعنى تأمل وتفكر. وإن كان الفعل بمعنى انتظر من قوله تعالى: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ كانت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا بمعنى الذي، و﴿يَرْجِعُونَ﴾ صلته، والعائد مقدر، كما مر تقديره، وتكون: ﴿ماذا﴾ مفعولا به ل (انظر)؛ أي: انتظر الذي يرجعونه، انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول والأول أقوى. هذا؛ والجمل المتعاطفة كلها من قول سليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"6","page":701},{"text":"<span id=\"aya-3188\"></span><span id=\"aya-3189\"></span><span id=\"aya-3190\"></span>﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي..﴾. إلخ: في الكلام حذف؛ إذ التقدير: فذهب الهدهد، فألقى إليهم الكتاب، فسمعها تقول: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ،﴾ و﴿الْمَلَأُ:﴾ الأشراف، والسادة. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء). ثم وصفت الكتاب بالكريم، إما؛ لأنه من عند عظيم في نفسها، ونفوسهم، فعظمته إجلالا لسليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهذا قول ابن زيد. وإما أنها إشارة إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكرامة الكتاب ختمه، وروي ذلك عن رسول الله ﷺ. وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا، ولم يختمه؛ فقد استخف به.\nوقيل: لأنه بدأ فيه بالبسملة، وقد قال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «كل كلام لا يبدأ فيه ب: بسم الله الرحمن الرحيم، فهو أجذم. وفي رواية: فهو أقطع. وفي ثالثة: فهو أبتر». وقيل: كريم لغرابة شأنه؛ حيث ألقي إليها من حيث لا تعلم. وقيل: كريم لكرم مضمونه، وهو مفهوم بعض ما تقدم. وانظر شرح ﴿كَرِيمٌ﴾ في الآية رقم [٥٩] من سورة (الشعراء).\n ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ:﴾ لا تترفعوا علي، ولا تتكبروا عن متابعتي، ولا تأنفوا عن الانقياد إلى طاعتي، فإني رسول من رب العالمين، وقرئ: «(ألا تغلوا)» بالغين شاذا، من: غلا، يغلو: إذا تجاوز، وتكبر، وهي راجعة إلى قراءة الجماعة. ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ:﴾ موحدين، منقادين، طائعين، وليس المراد ملة الإسلام الحادثة التي جاء بها محمد ﷺ، ولو قلنا بذلك؛ لرد علينا بما رددنا به على اليهود والنصارى من أن ملة الإسلام الحادثة حدثت بعد سليمان بزمن طويل، فكيف يكون سليمان عليها، ومثل ذلك قل في إسلام نوح وغيره من الأنبياء من أن المراد بإسلامهم التوحيد.\nوردنا على اليهود هو ما تضمنه قوله تعالى: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية رقم [٦٧] من سورة (آل عمران)، وقوله تعالى في الآية التي قبلها: ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.\nقال البيضاوي رحمه الله تعالى: وهذا الكلام-أي: ما تضمنه الكتاب-في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة، الدالة على ذات الصانع، وصفاته صريحا، أو التزاما، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والأمر بالإسلام، الجامع لأمهات الفضائل، وليس الأمر فيه الانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد، فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الأدلة. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، (يا): أداة نداء، تقوم مقام: أدعو، أو أنادي، (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في","vol":"6","page":702},{"text":"محل نصب ب (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْمَلَأُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد (أي)، أو بعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا، كما هنا، فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع: أعني (أي) منصوب محلا، فكذا التابع أعني ﴿الْمَلَأُ﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية... إلخ. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أُلْقِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كِتابٌ:﴾ نائب فاعل: ﴿أُلْقِيَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول.\nوجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة: ﴿كِتابٌ﴾.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿مِنْ سُلَيْمانَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ﴾ مستأنفة، وهي جواب لسؤال مقدر، فكأن سائلا قال لها: ممّن الكتاب، وما هو؟ فقالت: إنه من سليمان. وقرئ بفتح الهمزة (أنّه) وعليه فالمصدر المؤول من (أن) واسمها وخبرها في محل رفع بدل من: ﴿كِتابٌ،﴾ أو في محل جر بلام تعليل مقدرة، أي؛ لأنه من سليمان، والجار والمجرور على هذا متعلقان ب: ﴿كَرِيمٌ،﴾ وإنه الثانية معطوفة على ما قبلها على القراءتين، وفيما بعدها وجهان للإعراب.\nالوجه الأول بالنسبة لكلام بلقيس، فالكلام: ﴿بِسْمِ اللهِ..﴾. إلى ﴿مُسْلِمِينَ﴾ كله في محل رفع خبر (إنّ) على الحكاية؛ لأنها أرادت إن ما تضمنه الكتاب: بسم الله... إلخ، وبالنسبة لكلام سليمان التفصيلي فالإعراب كما يلي ﴿بِسْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أفتتح كتابي، أو ابتدئ كلامي باسم، و: (اسم) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة على اعتبارهما اسمين من أسماء الله الحسنى، وهو المعتمد، وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة، وانظر إعراب البسملة في أول سورة (الفاتحة) وغيرها.\n ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تَعْلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيَّ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(أن) المصدرية، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع بدل من: ﴿كِتابٌ،﴾ أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، يليق بالمقام، أي: مضمونه ﴿أَلاّ تَعْلُوا..﴾. إلخ، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ب ﴿أَلاّ تَعْلُوا﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار: (أن)، مفسرة، فيكون الفعل مجزوما ب (لا) على أنها ناهية، والجملة الفعلية مفسرة ل ﴿كِتابٌ﴾ لتضمنه معنى القول دون حروفه. ﴿وَأْتُونِي:﴾ الواو: حرف عطف. (ائتوني): فعل أمر","vol":"6","page":703},{"text":"مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وهذا يرجح اعتبار (أن) تفسيرية، ليصح عطف الإنشاء على مثله. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n\n<span id=\"aya-3191\"></span>﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ..﴾. إلخ: أجيبوني في أمري، واذكروا ما تستصوبونه فيه، وهذا حسن أدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وبينت أن ذلك شأنها، وعادتها في كل ما يعرض لها من معضلات الأمور. هذا؛ والفتوى: الجواب في الحادثة، اشتقت على طريق الاستعارة من الفتاء في السن، والمراد هنا بالفتوى: الإشارة عليها بما عندهم من الرأي. وقصدها بالرجوع إلى استشارتهم تطييب أنفسهم، وكذلك لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وإمضائهم على الطاعة لها، لعلمها بأنهم إذا لم يبذلوا أنفسهم، وأموالهم دونها لم يكن لها طاقة على مقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم، كان ذلك عونا لعدوهم عليهم، أما مشاورتهم، واجتماع رأيهم وانقيادهم لطاعتها؛ فهو عون لها على عدوهم، وكذلك ينبغي أن يكون ولاة الأمور في كل زمان ومكان.\nالإعراب: ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية. ﴿أَفْتُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به. ﴿فِي أَمْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.\n ﴿قاطِعَةً:﴾ خبر (كان) وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به ل: ﴿قاطِعَةً؛﴾ لأنه اسم فاعل. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها: «أن» مضمرة. ﴿تَشْهَدُونِ:﴾ فعل مضارع منصوب ب:\n «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بكسرة النون في محل نصب مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿قاطِعَةً،﴾ وجملة: ﴿ما كُنْتُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها، والكلام ﴿يا أَيُّهَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3192\"></span>﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الملأ مجيبين لها، ﴿نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ:﴾ في الحرب، والقتال. ﴿وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ:﴾ في الطعان، والنزال. قال ابن عباس﵄-: كان من قوة أحدهم: أنه يركض","vol":"6","page":704},{"text":"فرسه حتى إذا احتد؛ ضم فخذيه عليه، فحبسه بقوته. ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ:﴾ سلّموا الأمر إليها مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة مع إظهار الطاعة، والانقياد لها، كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا: نحن من أبناء الحرب، لا من أبناء الرأي، والمشورة، وأنت صاحبة الرأي والتدبير، فانظري ما ذاترين؛ نتبع أمرك. فلما أحست منهم الميل إلى الحرب؛ مالت إلى المهادنة، والموادعة، ورتبت الجواب، فزيفت ما ذكروه، وأرتهم الخطأ فيه حيث قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ..﴾. إلخ.\nهذا؛ ﴿وَأُولُوا﴾ بمعنى أصحاب، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده: «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و«ذا» المضاف إن كان منصوبا، و«ذي» المضاف إن كان مجرورا، ومؤنثه: «ذات» وجمعها: «أولات» من غير لفظها أيضا، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (الحج) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نَحْنُ:﴾\nضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أُولُوا:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة. ﴿وَأُولُوا﴾ مضاف، و﴿قُوَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأُولُوا بَأْسٍ:﴾ معطوف على ما قبله. وإعرابه مثله. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة ﴿بَأْسٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول. ﴿وَالْأَمْرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأمر): مبتدأ. ﴿إِلَيْكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَانْظُرِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منك فانظري... إلخ، (انظري):\nفعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿ماذا تَأْمُرِينَ:﴾ هو مثل: ﴿ماذا يَرْجِعُونَ﴾ في الآية رقم [٢٨] ويضاف إليه: أنه يجوز اعتبار ﴿ماذا﴾ مفعولا ثانيا مقدما على اعتبار الفعل ناصبا مفعولين، ويكون التقدير: ماذا تأمريننا؟ والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية في محل نصب سدت مسد مفعول (انظري)، وجملة: ﴿فَانْظُرِي..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3193\"></span>﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها:﴾ فهذا رد منها بادعائهم القوة، والبأس الشديد، وإشعار منها بأنها تريد الصلح مخافة أن يتعدى سليمان حدودهم، فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم، وزروعهم، وعمارتهم. ثم إن الحرب عاقبتها مجهولة، لا تعلم نتائجها.","vol":"6","page":705},{"text":"﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها:﴾ كرام أهلها. ﴿أَذِلَّةً:﴾ بسبب نهب أموالهم، وتخريب ديارهم، وغير ذلك من القتل، والأسر، يفعلون ذلك ظلما وعدوانا؛ كي يستقيم لهم الأمر، ويستتب لهم الملك. ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ:﴾ تأكيد لما وصفت من حالهم، وتقرير بأن ذلك من عادتهم الثابتة المستمرة، أو هو من قول الله تعالى، فيكون تصديقا منه-جل ذكره، وتعالى شأنه-لما قالت، وتعريفا لمحمد ﷺ وأمته بذلك، وإخبارا به.\nقال وهب بن منبه: لما قرأت عليهم الكتاب؛ لم تعرف اسم الله، فقالت: ما هذا؟ فقال بعض القوم: ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من الجن، يقتدر به هذا الملك على ما يريده، فسكّتوه، وقال آخر: أراهم ثلاثة من العفاريت، فسكّتوه. فقال شاب قد علم: يا سيدة الملوك، إن سليمان ملك قد أعطاه ملك السماء ملكا عظيما، فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه، و«الله» اسم مليك السماء، و﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ نعوته. فعند ذلك قالت: أفتوني في أمري... إلخ. انتهى. قرطبي باختصار منه.\nالإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى بلقيس تقديره: «هي».\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُلُوكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿دَخَلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿قَرْيَةً:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون، وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت، ونزلت البلد، وسكنت الشام) وجملة: ﴿دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿أَفْسَدُوها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها.\n (جعلوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَعِزَّةَ:﴾ مفعول به أول، و﴿أَعِزَّةَ﴾ مضاف، و﴿أَهْلِها﴾ مضاف إليه، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَذِلَّةً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها أيضا، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَتْ﴾ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف (كذلك) الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يفعلون فعلا كائنا مثل ذلك، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ إن كانت من قول الله تعالى ابتداء، وفي محل نصب مقول القول؛ إن كانت من قول بلقيس. والأول أقوى، ومثل هذا يسميه المحدّثون مدرجا.","vol":"6","page":706},{"text":"<span id=\"aya-3194\"></span>﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ:﴾ بيان لما ترى تقديمه للمهادنة، والموادعة. والمعنى:\nإني مرسلة رسلا بهدية أدفعه بها عن ملكي. ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: ما يقولونه عن حال هذا الرجل حتى أعمل بحسب ذلك. وهذا يدل على كمال عقلها، وحسن تدبيرها. وقالت في نفسها: إن كان ملكا؛ قبل الهدية، واتخذت عنده يدا، وإن كان نبيا؛ لم يقبل إلا الاتباع لدينه، والانقياد لطاعته، وأوامره. قال قتادة: يرحمها الله أن كانت لعاقلة في إسلامها، وشركها، قد علمت: أن الهدية تقع موقعا من الناس.\nفبعثت إليه خمسمئة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهنّ، راكبي خيل مغشاة بالديباج، محلاة اللجم، والسروج بالذهب المرصع بالجواهر، وخمسمئة جارية على براذين في زيّ الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر، واليواقيت، وحقّا فيه درة عذارء؛ أي غير مثقوبة، وخرزة معوجة الثقب، وبعثت رسلا، وأمرت عليهم المنذر بن عمرو، وكتبت كتابا إلى سليمان، وذكرت فيه أنواع الهدايا، وقالت: إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء، والوصائف، وأخبر بما في الحق، واثقب الدرة ثقبا، واسلك في الخرزة خيطا، ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان؛ فهو ملك، فلا يهولنّك منظره، وإن رأيته بشاشا لطيفا؛ فهو نبي، فأقبل الهدهد، وأخبر سليمان الخبر كله.\nفأمر سليمان-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-الجنّ، فضربوا لبنات الذهب والفضة، وفرشوها في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا، شرفه من الذهب، والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر، فربطوها عن يمين الميدان، ويساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن، وهم خلق كثير، فأقيموا على اليمين، واليسار، ثم قعد على سريره، والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش، والسباع، والطيور، والهوام كذلك.\nفلما دنا رسل بلقيس، ورأوا الدواب تروث على اللّبن، رموا بما معهم من الهدايا، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم سليمان بوجه طلق، فأعطوه كتاب الملكة، فنظر فيه، وقال: أين الحقّة؟ فأمر الأرضة، فأخذت شعرة، ونفذت في الدرة، وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها، ونفذت فيها، ودعا بالماء، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها، فتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام يأخذ الماء بيديه، ويغسل به وجهه، فميز بين الغلمان، والجواري بذلك. ثم رد الهدية، وقال للمنذر: ارجع إليهم. انتهى. نسفي بحروفه. وهو موجز ما في الخازن، والقرطبي، والكشاف. والله ولي التوفيق.","vol":"6","page":707},{"text":"هذا؛ وأما: ﴿بِمَ﴾ فهي كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف الباء الجارة، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ للفرق بين الموصولة، والاستفهامية، ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار.\nالإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مُرْسِلَةٌ:﴾ خبر: (إنّ)، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُرْسِلَةٌ﴾. ﴿بِهَدِيَّةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿مُرْسِلَةٌ﴾ أيضا. هذا؛ وإن اعتبرت الباء زائدة؛ فلست مفندا، والمعنى يؤيده، فيكون مفعولا به ل: ﴿مُرْسِلَةٌ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنِّي..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَناظِرَةٌ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ناظرة): معطوفة على ﴿مُرْسِلَةٌ،﴾ وفاعله مستتر تقديره:\n «أنا». ﴿بِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وقد رأيت في الشرح كيف حذفت ألف (ما)، وقيل: متعلقان ب (ناظرة) ويرده: أن الاستفهام له الصدر فلا يعمل فيه ما قبله. ﴿يَرْجِعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُرْسَلُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول (ناظرة) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام.\n\n<span id=\"aya-3195\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أي: جاء الرسول، أو ما أهدته إليه، وقرئ: «(فلما جاؤوا إليه)» قال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ أي: أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي، والخطاب للرسول ومن معه، وقرئ الفعل بقراآت كثيرة. ﴿فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أي: فما أعطاني من الإسلام، والملك، والنبوة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ:﴾ والمعنى: إن ما عندي خير مما عندكم، وذلك: أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر، والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمد بمال؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزادون، ويهدى إليكم؛ لأن ذلك مبلغ همتكم، وحالي خلاف حالكم، لا أرضى منكم بشيء، ولا أفرح بشيء منكم إلا بالإيمان، وتوحيد الله، وترك الشرك به، والوثنية. هذا؛ وانظر (الفرح) في سورة (الروم) رقم [٣٢] فإنه جيد جدا.\nتنبيه: كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها، ولا يقبل الصدقة، وكذلك كان سليمان وسائر الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وإنما رد سليمان هدية بلقيس؛ لأنها جعلت","vol":"6","page":708},{"text":"هديتها علامة على ما في نفسها على ما ذكرناه من كون سليمان ملكا، أو نبيا؛ لأنه قال في كتابه: ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وهذا لا تقبل فيه فدية، ولا تؤخذ عنه هدية، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة المحمدية عن قبول الهدية بطريق من الطرق المعوجة لأجل غاية عند حاكم، أو موظف، وإنما هي رشوة لأجل إماتة حق، وإحياء باطل، وقد لعن الرسول ﷺ الرّاشي، والمرتشي، والرائش بينهما، وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد، وعلى كل حال؛ لأنها لا يقصد بها إضاعة حق، ولا إحياء باطل.\nوالهدية على هذا الشكل مندوب إليها، وهي مما تورث المودة، وتذهب العداوة. روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني، قال: قال رسول الله ﷺ: «تصافحوا يذهب الغلّ، وتهادوا تحابّوا، وتذهب الشّحناء». وعن ابن شهاب قال: بلغنا: أن رسول الله ﷺ قال:\n «تهادوا بينكم، فإنّ الهديّة تذهب السخيمة». وعلى الجملة فقد ثبت: أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة، ومن فضل الهدية مع اتباع السنة: أنها تزيل حزازات النفوس، وتكسب المهدي والمهدى إليه رنّة في اللقاء، والجلوس، ولقد أحسن من قال: [الوافر]\nهدايا الناس بعضهم لبعض... تولّد في قلوبهم الوصالا\nوتزرع في الصّدور هوى وودّا... وتكسبهم إذا حضروا جمالا\nوقال آخر: [البسيط]\nإنّ الهدايا لها حظّ إذا وردت... أحظى من الابن عند الوالد الحدب\nهذا؛ وقد روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «جلساؤكم شركاؤكم في الهدية». واختلف في معناه، فقيل: هو محمول على ظاهره، وقيل: يشاركهم على وجه الكرم، والمروءة، فإن لم يفعل فلا يجبر عليه، وقال أبو يوسف: ذلك في الفواكه، ونحوها. وقال بعضهم: هم شركاؤه في السرور لا في الهدية. والخبر محمول في أمثال أصحاب الصفة، والخوانق، والرباطات، أما إذا كان فقيها من الفقهاء؛ اختص بها، فلا شركة فيها لأصحابه، فإن أشركهم فذلك كرم وجود منه. انتهى. قرطبي بتصرف من التنبيه إلى هنا، وينبغي أن تعلم أنه لم تذكر الهدية في غير هذه السورة.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٨]. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الرجل المرسل من قبل بلقيس. ﴿سُلَيْمانَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة: (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿سُلَيْمانَ﴾. تقديره: هو. ﴿أَتُمِدُّونَنِ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تمدونن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، أو الثابتة في بعض","vol":"6","page":709},{"text":"القراآت في محل نصب مفعول به. ﴿بِمالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب: (لمّا)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف، وقيل: حرف تعليل، ولا وجه له، ولو قيل: استئناف لكان أولى. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿آتانِيَ:﴾\nفعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، والثاني محذوف، وهو العائد، أو الرابط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة: (ما)، أو صفتها، وتقدير الكلام: فالذي، أو: فشيء آتانيه الله. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصوفة والموصولة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو: من شيء آتاكموه. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وانتقال. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: «تفرحون بهديتكم» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة كلام سليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3196\"></span>﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد: ارجع إلى بلقيس وقومها بهديتهم. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها:﴾ لا طاقة لهم بها، وقرئ: «(بهم)». ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها﴾ أي: من أرض سبأ. ﴿أَذِلَّةً:﴾ بذهاب ما كانوا فيه من العز، والمجد. ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ:﴾\nأسراء مهانون، إن لم تأتوني مسلمين.\nقال وهب بن منبه، وغيره من أهل الكتاب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان، وبلغوها ما قال سليمان، وذكروا لها ما رأوا من عظمة ملكه، وسلطانه، قالت: لقد عرفت أن هذا ليس بملك، وما لنا به من طاقة، فبعثت إلى سليمان: إني قادمة عليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك، وما الذي تدعو إليه من دينك؟ ثم أمرت بعرشها، فجعلته في آخر سبعة أبيات بعضها داخل بعض، ثم أغلقت عليه سبعة أبواب، ووكلت به حراسا يحفظونه، ثم قالت لمن خلفت على ملكها: احتفظ بما هو قبلك، وسرير ملكي لا يخلص إليه، ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها، تؤذنهم بالرحيل، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، كل قيل تحت يده ألوف كثيرة وسمي قيلا بفتح القاف؛ لأنه ينفذ كل ما يقول. قال ابن","vol":"6","page":710},{"text":"عباس﵄-: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما، فجلس على سريره، فسمع رهجا قريبا منه، قال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس قد نزلت منا بهذا المكان، وكان على مسيرة فرسخ من سليمان، فأقبل سليمان على جنوده، فقال:\n ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا..﴾. إلخ ولا تنس: أن «رجع» يكون متعديا، ولازما.\nالإعراب: ﴿اِرْجِعْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف تعليل وقيل: حرف استئناف، والأول أقوى.\nاللام: واقعة في جواب قسم مقدر، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (نأتينهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿بِجُنُودٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿قِبَلَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا﴾. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان. وقيل متعلقان ب: ﴿قِبَلَ﴾ لتضمنه معنى المصدر، وتعليقهما بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف جيد معنى. تأمل. والجملة الاسمية:\n ﴿لا قِبَلَ..﴾. إلخ في محل جر صفة: (جنود). ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها. وهي في التقدير جواب لقسم مقدر، وإعرابها مثل إعراب سابقتها. ﴿أَذِلَّةً:﴾ حال من الضمير المنصوب. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿صاغِرُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وقد تعددت الحال مختلفة في الإفراد والجملة، بعد هذا: فالآية كلها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من جملة كلام سليمان، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3197\"></span>﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا:﴾ هذا النداء لكلّ من هو عنده في قبضته من الجن، والإنس، والطير، وغير ذلك. ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها:﴾ يحضره إليّ. ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ:﴾ طائعين منقادين، وكان سليمان إذ ذاك في بيت المقدس، وعرشها في سبأ، بلدة في اليمن، وبينها وبين بيت المقدس مسيرة شهرين.\nهذا؛ ولقد اختلف في فائدة إحضار عرشها قبل حضورها. قيل: غرض سليمان في ذلك ليريها قدرة الله تعالى، وإظهار معجزة دالة على نبوته. وقيل: أراد أن ينكّره، ويغيّره قبل مجيئها","vol":"6","page":711},{"text":"ليختبر بذلك عقلها؛ لأن الجن قالوا له: إن في عقلها خللا، وقيل: إن سليمان علم: أنها إن أسلمت حرم عليه مالها، فأراد أن يستولي عليه قبل أن يحرم عليه أخذه؛ لأنها حربية، ومال الحربي يحل أخذه بأية وسيلة كانت. وقيل: أراد أن يعرف صدق الهدهد في قوله ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وقيل: أراد أن يعرف قدر ملكها؛ لأنّ السرير على قدر الملك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية. ﴿أَيُّكُمْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ. والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَأْتِينِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿أَيُّكُمْ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بِعَرْشِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿يَأْتُونِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلَ﴾ إليه، التقدير: قبل إتيانهم. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾\nحال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والكلام: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3198\"></span>﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ:﴾ مارد من الجن، يقرأ بكسر العين، وفتحها، وهي قراءة الجمهور، وقرأ أبو رجاء، وعيسى الثقفي: «(عفرية)» ورويت عن أبي بكر الصديق﵁- ومن قول النبي ﷺ: «إنّ الله يبغض العفرية النّفرية». قال قتادة: هي الداهية. وقال النحاس:\nيقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء: عفر، وعفرية، وعفريت، وعفارية، وقيل: عفريت؛ أي:\nرئيس، وكان اسم هذا العفريت ذكوان، أو صخرا، ومن هذا الاسم قول ذي الرمة: [البسيط]\nكأنّه كوكب في إثر عفرية... مصوّب في سواد الليل منقضب\nوأنشد الكسائي قول رؤبة من قصيدة مدح بها مسلمة بن عبد الملك: [الرجز]\nإذ قال شيطانهم العفريت... ليس لكم ملك ولا تثبيت\nهذا؛ ومن قول النبي ﷺ أيضا: «إن الله ليبغض العفريت النفريت». قيل: هو الجموع المنوع من الناس. وقال أبو عثمان النهدي﵁-: دخل رجل عظيم على النبي ﷺ،","vol":"6","page":712},{"text":"فقال له: «متى عهدك بالحمّى؟». قال: ما أعرفها، قال: «فبالصّداع؟». قال: ما أدري ما هو، قال: «أفأصبت بمالك؟» قال: لا، قال: «أفرزئت بولدك؟». قال: لا، فقال النبي ﷺ: «إن الله ليبغض العفريت النفريت، وهو الذي لا يرزأ».\n ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ أي: من مجلسك للحكم، وكان يجلس إلى نصف النهار. ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: على العرش. ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ أي: قوي على حمله، أمين على ما فيه من الجواهر وغيرها، وكان هذا المارد مثل الجبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، فقال سليمان: أريد أسرع من ذلك، عند ذلك ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ..﴾. إلخ.\nتنبيه: فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ عفريتا من الجنّ تفلّت عليّ البارحة؛ ليقطع عليّ الصّلاة، وإنّ الله أمكنني منه، فدعتّه». رواه البخاري، ومعنى «تفلّت»:\nتعرض لي فلتة؛ أي: بغتة، ومعنى «دعته»: دفعته دفعا شديدا. وفي رواية قذعته؛ أي: خنقته.\nوفي الموطأ عن يحيى بن سعيد: أنه قال: «أسري برسول الله ﷺ، فرأى عفريتا من الجنّ يطلبه بشعلة من نار، كلّما التفت رسول الله ﷺ رآه، فقال جبريل ﵇: أفلا أعلّمك كلمات تقولهنّ؛ إذا قلتهنّ؛ طفئت شعلته، وخرّ لفيه؟ فقال رسول الله ﷺ: بلى، فقال: أعوذ بالله الكريم، وبكلمات الله التّامات الّتي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر من شرّ ما ينزل من السّماء، وشرّ ما يعرج فيها، وشرّ ما ذرأ في الأرض، وشرّ ما يخرج منها، ومن فتن اللّيل، والنّهار، ومن طوارق اللّيل، والنّهار، إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمن».\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿عِفْرِيتٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عِفْرِيتٌ﴾. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿آتِيكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا».\nوالكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويحتمل أن يكون ﴿آتِيكَ:﴾ اسم فاعل، فهو خبر مفرد مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وانظر مثله في الآية رقم [٩٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿آتِيكَ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُومَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْ مَقامِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. و﴿أَنْ﴾ والفعل (تقوم) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلَ﴾ إليه.\nوالجملة الاسمية: ﴿أَنَا آتِيكَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل","vol":"6","page":713},{"text":"نصب اسمها، ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿لَقَوِيٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (قوي أمين): خبران ل (إن)، والجملة الاسمية: (إني عليه...) إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿آتِيكَ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3199\"></span>﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ:﴾ قيل: هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. وقيل: هو جبريل ﵇، والكتاب على هذا هو: اللوح المحفوظ. وقيل:\nهو الخضر، وقيل: هو آصف بن برخيا، وهو الأصح، وعليه الجمهور، وكان عنده اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب. وإذا سئل به أعطى. روي: أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان:\nيا نبي الله! امدد بصرك، فمد بصره، نحو اليمن فإذا بالعرش، فما رد بصره إلا وهو عنده. وقيل:\nهو سليمان نفسه، وعليه؛ فالخطاب في: ﴿أَنَا آتِيكَ﴾ للعفريت، وكأنه استبطأه، فقال له ذلك.\nوالمعتمد: أنه آصف، كما قدمت. فهو كرامة له، ومعجزة لسليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؛ لأن كرامة الولي معجزة لنبيه الذي كان سببا في هدايته إلى الدين القويم، وقد اختلف في الكيفية التي كان فيها إحضار العرش، فالله أعلم أي ذلك كان، فالتفويض أولى.\nهذا؛ وقد قالت عائشة﵂قال النبي ﷺ: «إنّ اسم الله الأعظم الّذي دعا به آصف بن برخيا يا حيّ يا قيّوم». وقال الزهري: دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت ايتني بعرشها! فمثل بين يديه. وقال مجاهد: دعا، فقال:\nيا إلهنا، وإله كل شيء، يا ذا الجلال والإكرام!.\n ﴿طَرْفُكَ:﴾ الطرف: تحريك جفن العين إذا نظرت، فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قول الشاعر: [الطويل]\nوكنت إذا أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتعبتك المناظر\nرأيت الّذي لا كلّه أنت قادر... عليه ولا عن بعضه أنت صابر\nوصف برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد، وقد يراد بالطرف: الجفن خاصة، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nأشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة مخزون، ولم تتكلّم","vol":"6","page":714},{"text":"فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nويقال: ما طبق طرفه، أي جفنه على الآخر، والطرف بالمعنى السابق لا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه في الأصل مصدر، فيكون واحدا، وجمعا، قال تعالى في سورة (إبراهيم): ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ رقم [٤٣] وهو هنا بفتح الطاء وسكون الراء، وهو بفتحهما: حرف الشيء، ومنتهاه، وجمعه: أطراف، قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٣٠]: ﴿وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾. وهو بكسر الطاء، وسكون الراء: الكريم من الخيل، وقد يراد به أيضا الكريم الطرفين؛ أي: الأب، والأم، ويجمع على أطراف أيضا.\n ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا:﴾ ثابتا بين يديه غير متقلقل، وليس بمعنى الحصول المطلق؛ إذ لو كان كذلك لم يذكر، فهو كون خاص، انتهى. مغني. ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أي: هذا النصر، والتمكين من حصول المراد. ﴿لِيَبْلُوَنِي:﴾ ليختبرني ربي ﴿أَأَشْكُرُ﴾ أي: نعمته عليّ؛ بأن أرى ذلك فضلا بلا حول ولا قوة مني، وأقوم بحقه، ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ أي: أجحد نعمته عليّ، وأقصر بالقيام في حقه. ﴿وَمَنْ شَكَرَ﴾ أي: النعمة، وأدى حق الله فيها، ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ:﴾ يرجع نفع ذلك إلى نفسه، لا إلى غيره، حيث يستوجب بشكره تمام النعمة ودوامها، والمزيد منها، كما قال تعالى:\n ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة، ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: جحد النعمة. ولم يقم بشكرها. ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ أي: عن العباد، وعن شكرهم. ﴿كَرِيمٌ:﴾\nيتفضل على العباد لا يقطع نعمة عنهم إذا أعرضوا عن شكره، وقصروا في واجب النعمة، وفي سورة (لقمان) رقم [١٢]. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد.\nهذا؛ وسمى الله سبحانه جحود النعمة: كفرا؛ لأن معنى الكفر الغوي: الستر، والتغطية.\nكما في الآية رقم [٤٣] الآتية. أما الفعل: شكر، فيتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له، وانظر شرح الشكر لغة، واصطلاحا في الآية رقم [١٥].\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عِلْمٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ ويجوز اعتبار الظرف متعلقا بمحذوف صلة الموصول، فيكون ﴿عِلْمٌ﴾ فاعلا به، أي: بمتعلقه، وهذا لا غبار عليه. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ:﴾ بلا فارق، وهو في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":715},{"text":"﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٨]، ﴿رَآهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى سليمان، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُسْتَقِرًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، وفاعله مستتر فيه. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: (مستقرا). انظر الشرح فإنه جيد، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿رَآهُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى سليمان أيضا. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ فَضْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، و﴿فَضْلِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿لِيَبْلُوَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف مدلول عليه بما قبله، التقدير: تفضل عليّ ليبلوني.\n ﴿أَأَشْكُرُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (أشكر): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب بدلا من ياء المتكلم، ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿أَكْفُرُ:﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها، والكلام: ﴿هذا مِنْ فَضْلِ..﴾.\nإلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ هذا..﴾. إلخ جواب (لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشْكُرُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وفاعله مستتر تقديره:\n «هو» يعود إلى (من)، ومفعوله محذوف. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (إنما):\nكافة، ومكفوفة، ﴿يَشْكُرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وقيل: (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب اسم:\n (إنّ)، التقدير: فإن ثواب شكره... و﴿لِنَفْسِهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (إن)، وبذلك تكون الجملة اسمية في محل جزم جواب الشرط، ويرجحه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ في الجملة التالية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.","vol":"6","page":716},{"text":"هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، وجملة: ﴿أَشْكُرُ﴾ صلته، والجملة الفعلية: ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ خبره؛ فهو جيد، وتكون الفاء زائدة دخلت على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَمَنْ كَفَرَ:﴾ مثل: (من شكر). ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي:﴾ اسم (إن) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم\nإلخ، ﴿غَنِيٌّ كَرِيمٌ:﴾ خبران ل: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وتتمة الكلام مثل سابقه بلا فارق، والكلام: ﴿وَمَنْ شَكَرَ..﴾. إلخ مستأنف، وهو في محل نصب مقول القول؛ لأنه من جملة قول سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3200\"></span>﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها:﴾ بتغيير شكله، وهيئته. وقيل: هو أن يزاد فيه، أو ينقص منه. وقيل: هو أن يجعل أعلاه أسفله، ويجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر، ومكان الأخضر أحمر، ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته، ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ إلى معرفته، والجواب الصواب. وقيل: أتهتدي إلى الإيمان بالله ورسوله؛ إذا رأت عرشها عندنا، وقد خلفته في قصرها مغلقة عليه الأبواب، موكلة عليه الحراس.\nقال الفراء وغيره: إنما أمر سليمان بتنكير عرشها؛ لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئا، فأراد أن يمتحنها. وقيل: خافت الجن أن يتزوجها سليمان، فيولد له منها ولد، فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا؛ لأن أمها جنية كما ذكرته لك فيما سبق. فقالوا لسليمان: إنها ضعيفة العقل.\nورجلها كرجل الحمار، وإنها شعراء الساقين، فقال: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ لنعرف عقلها، وكان لسليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ناصح من الجن، فقال: كيف لي أن أرى قدميها من غير أن أسألها كشفهما؟ فقال: أنا أجعل لك في هذا القصر ماء، وأجعل فوق الماء زجاجا، تظن: أنه ماء، فترفع ثوبها، فترى قدميها، فهذا هو الصرح المذكور في الآية رقم [٤٤].\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى سليمان، ﴿نَكِّرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَرْشَها:﴾ مفعول به، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿نَنْظُرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وقرئ برفعه على الاستئناف، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَتَهْتَدِي:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (تهتدي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل ﴿نَنْظُرْ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب","vol":"6","page":717},{"text":"الاستفهام. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى بلقيس. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُ،﴾ وجملة: ﴿لا يَهْتَدُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والكلام: ﴿نَكِّرُوا لَها..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقال الجمل: معطوفة على المعنى، على قوله: ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾.\nوالمقصود عطف المتعلق، فكان يكفي أن يقال: ونكروا لها عرشها، وإنما أعيد ذكر القول لكون المتعلق مختلفا لكونه أولا ثناء على الله تعالى، وثانيا متعلقا بشأن عرشها.\n\n<span id=\"aya-3201\"></span>﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ أي: حضرت، ودخلت على سليمان. ﴿قِيلَ﴾ أي: لها. ﴿أَهكَذا عَرْشُكِ:﴾ تشبيها عليها، زيادة في امتحان عقلها. ﴿قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ:﴾ لم تقل: هو؛ لا حتمال أن يكون مثله، وذلك من كمال عقلها. وقيل: إنها عرفته، لكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها.\nوقيل: إنها كانت حكيمة، لم تقل: نعم؛ خوفا من الكذب، ولا قالت: لا؛ خوفا من التكذيب أيضا، فقالت: كأنه هو، فعرف سليمان كمال عقلها بحيث لم تقر، ولم تنكر، وقيل: اشتبه عليها أمر العرش؛ لأنها تركته في بيت، عليه سبعة أبواب مغلقة، والمفاتيح معها. قيل لها: فإنه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب.\n ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها﴾ أي: من قبل هذه الآية في العرش، ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين خاضعين طائعين لأمر سليمان. وقيل: المعنى، أوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد، والرسل من قبل هذه الآية، وهذا على أن الكلام من كلام بلقيس. وقيل: هو من كلام سليمان، فيكون المعنى: أوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وقبل مجيئها. ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ موحدين مؤمنين بالله، فيكون الغرض من هذا الكلام مزيد شكر الله على نعمته حيث خصه بمزيد من العلم، والتقدم في الإيمان، والتوحيد. وقيل: معناه: أوتينا العلم بإسلامها، ومجيئها طائعة من قبل وصولها إلينا، وهذا ضعيف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٨]، ﴿جاءَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار: (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول ﴿أَهكَذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، والهاء:\nحرف تنبيه لا محل له، والكاف حرف تشبيه، وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وقد فصل في هذا التركيب بين (ها) التنبيه، واسم الإشارة بحرف الجر، وهو الكاف، والأصل اتصال (ها) التنبيه باسم","vol":"6","page":718},{"text":"الإشارة، وهذا الفصل لا يجوز بغير الكاف من حروف الجر. ﴿عَرْشُكِ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ،﴾ وهذا جار على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول:\n «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه. و﴿قِيلَ:﴾ نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول، وقيل: الجار والمجرور المقدران في الشرح في محل رفع نائب فاعل، وجملة: ﴿قِيلَ﴾ جواب (لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى بلقيس أيضا، ﴿كَأَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع خبر: (كأن)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأُوتِينَا:﴾ الواو: حرف عطف. (أوتينا): فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و(نا): ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعِلْمَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَأُوتِينَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقالت بلقيس: وأوتينا... إلخ، أو قال سليمان:\nوأوتينا... إلخ، حسب ما رأيت في الشرح، وهذا الكلام معطوف على جملة: ﴿قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لا محل له مثلها. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): ضمير متصل في محل رفع اسمه. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فمحلها مثل محل ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3202\"></span>﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ صرفها عن الإيمان بالله، وتوحيده، وعبادته ما كانت تعبده من دون الله من عبادة الشمس، وغيرها. وقيل المعنى: وصدها سليمان عن ما كانت تعبده من دون الله، وذلك بسبب إسلامها على يديه، فحال بينها، وبين ذلك. ﴿إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ:﴾ قرئ بكسر الهمزة وفتحها، وهذا الكلام من إخبار الله تعالى بأنها كانت كافرة؛ لأنها نشأت بين قوم كافرين.\nهذا؛ والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى؛ ولذا يحرم السجود لغيره تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وعن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: أنا، والإنس، والجن في","vol":"6","page":719},{"text":"نبأ عظيم، أخلق، ويعبد غيري، وأرزق، ويشكر غيري». هذا؛ وانظر (الكفر) في الآية رقم [١٩] من سورة (الشعراء).\nالإعراب: ﴿وَصَدَّها:﴾ الواو: حرف عطف. (صدها): فعل ماض، و(ها) ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكره موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿تَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى بلقيس أيضا، ومفعوله محذوف، وهو عائد الموصول، أو رابط النكرة الموصوفة. وجملة: ﴿كانَتْ تَعْبُدُ﴾ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، التقدير: وصدها الذي، أو: شيء كانت تعبده. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف. و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، فيكون التقدير:\nوصدها كونها عابدة من دون الله، أو التقدير: وصدها عبادة الشمس عن التقدم إلى الإيمان، والإسلام. هذا؛ وقيل: الفاعل يعود إلى سليمان، أو إلى: ﴿اللهِ﴾ ويكون التقدير: وصدها سليمان، أو ﴿اللهِ﴾ عن الذي كانت تعبده من دون الله، وذلك بهدايتها إلى الإسلام.\n ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(ها): ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه يعود إلى بلقيس أيضا. ﴿مِنْ قَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَتْ﴾. ﴿كافِرِينَ:﴾ صفة ﴿قَوْمٍ﴾ مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وعلى قراءة فتح الهمزة تؤول مع اسمها وخبرها بمصدر على أنه بدل من: ﴿ما،﴾ أو على أنه في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لكونها من قوم كافرين، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (صدها)، وجملة: ﴿وَصَدَّها..﴾. إلخ معطوفة على جملة (أوتينا...) إلخ في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-3203\"></span>﴿قِيلَ لَهَا اُدْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ:﴾ القصر، وذلك: أن سليمان لما اختبر عقلها بتنكير العرش، وأراد أن ينظر إلى ساقيها، وقدميها من غير أن يسألها كشفهما؛ لما أخبرته الجن: أن رجليها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين؛ أمر الشياطين أن يعملوا له قصرا من الزجاج الأبيض كالماء. وقيل: ﴿الصَّرْحَ:﴾ صحن الدار، وأجرى تحته الماء، وألقى فيه السمك، والضفادع،","vol":"6","page":720},{"text":"ونحوهما من دواب البحر، ثم وضع سريره في صدر المجلس، وجلس عليه، ولما جاءت قيل لها: ادخلي الصرح، وهذا بخلاف صرح فرعون المذكور في الآية رقم [٣٨] من سورة (القصص).\n ﴿فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً:﴾ أي ظنته ماء عظيما راكدا. هذا؛ ولجة الماء: معظمه، وجمعه:\nلجج، ولما رأت لجة الماء؛ فزعت، وظنت: أن سليمان قصد بها الغرق، وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن لها من امتثال الأمر بدّ. هذا؛ وفي هذه الجملة تشبيه مأخوذ من معنى: ﴿حَسِبَتْهُ،﴾ فقد شبهت الصرح بلجة الماء فهو قسم من أقسام التشبيه جاءت فيه الأداة فعلا من أفعال الظن، ومثله آية (الكهف) رقم [١٨]، وآية (الدهر) رقم [١٩].\n ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها:﴾ فإذا هي من أحسن الناس ساقا، سليمة مما قالت الجن، غير أنها كثيرة الشعر، فلما بلغت هذا الحد، قال لها سليمان بعد أن صرف نظره عنها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ﴾ والممرّد: المملّس المحكوك، ومنه: الأمرد لملاسة وجهه، أي: نعومته لعدم وجود الشعر به، والقوارير: الزجاج الأبيض الجميل.\nهذا؛ والقوارير جمع: القارورة. وفي المصباح: القارورة: إناء من زجاج، والجمع:\nالقوارير، والقارورة أيضا: وعاء الرطب والتمر، وهي القوصرّة، وتطلق القارورة على المرأة؛ لأن الولد، أو المني يقر في رحمها، كما يقر الشيء في الإناء، أو تشبيها بآنية الزجاج لضعفها.\nوفي الحديث الشريف: «رفقا بالقوارير». قال الأزهري: والعرب تكني عن المرأة بالقارورة والقوصرة انتهى. وفي القاموس: القارورة: حدقة العين، وما قرّ فيه الشراب، أو نحوه، أو يخصّ بالزجاج، و﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: من زجاج في بياض الفضة وصفاء الزجاج.\nوعند ذلك استسلمت، وأذعنت، وأقرت على نفسها بالظلم؛ حيث قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي..﴾. إلخ. ولما رأى سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قدميها؛ قال لناصحه من الشياطين: كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة بالجسد؟ فدله على عمل النورة، فكانت النورة، والحمامات من يومئذ. هذا؛ وقيل في معنى ظلمها لنفسها: إنها ظنت:\nأن سليمان يريد أن يغرقها في الماء. والأصح: أنها أرادت ظلمات نفسي بعبادة غير الله تعالى، ونحوها؛ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nواختلفوا في أمر بلقيس بعد إسلامها، فقيل: انتهى أمرها إلى قولها: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ولا علم لأحد وراء ذلك؛ لأنه لم يذكر في الكتاب، ولا في خبر صحيح. وقال بعضهم: تزوجها سليمان، وأحبها حبا شديدا، وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون، لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، وهي سلحين، وبينون، وغمدان، ثم كان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام، يبكر من الشام إلى اليمن، ومن اليمن إلى الشام، وولدت له ولدا ذكرا، أسماه داود، مات في حياته.","vol":"6","page":721},{"text":"وقال وهب بن منبه: زعموا أن بلقيس لما أسلمت، قال لها سليمان: اختاري رجلا من قومك حتى أزوجك إياه، فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال، وقد كان لي من قومي الملك والسلطان؟! قال: نعم، إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله، قالت: فإن كان ولا بد فزوجني ذا تبّع ملك همدان، فزوجها إياه، وذهب بها إلى اليمن، وملك زوجها على اليمن، ودعا زوبعة ملك الجن، وقال له: اعمل ل: «ذي تبّع» ما استعملك فيه، فلم يزل يعمل له ما أراده إلى أن مات سليمان، وحال الحول، وعلم الجن موته، فأقبل رجل منهم حتى بلغ جوف اليمن، وقال بأعلى صوته: يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات، فارفعوا أيديكم، فرفعوا أيديهم، وتفرقوا، وانقضى ملك سليمان، وملك «ذي تبع» وملك بلقيس، وبقي الملك لله الواحد القهار. قيل: إن سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. انتهى. خازن بتصرف.\nالإعراب: ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿اُدْخُلِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل. ﴿الصَّرْحَ:﴾ مفعول فيه ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض، وفي مقدمتهم سيبويه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٤]. وجملة: ﴿اُدْخُلِي الصَّرْحَ﴾ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٢] ففيها الكفاية، وجملة: ﴿قِيلَ لَهَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٨]، ﴿رَأَتْهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وقد اكتفى الفعل به؛ لأنه بصري، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى بلقيس، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، ﴿حَسِبَتْهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى بلقيس أيضا، والتاء للتأنيث، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿لُجَّةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَكَشَفَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (كشفت): فعل ماض، والفاعل يعود إلى بلقيس أيضا، والتاء للتأنيث، ﴿عَنْ ساقَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها:﴾ معطوفة على جواب (لما)، لا محل لها مثلها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (سليمان). ﴿إِنَّهُ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿الصَّرْحَ:﴾ خبر (إن).\n ﴿مُمَرَّدٌ:﴾ صفة: ﴿الصَّرْحَ،﴾ ﴿مِنْ قَوارِيرَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿الصَّرْحَ،﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾","vol":"6","page":722},{"text":"أَنْزَلْناهُ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى بلقيس، تقديره:\n «هي». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، وانظر الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء) الشرح والإعراب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿ظَلَمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَفْسِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي:﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَسْلَمْتُ:﴾\nالواو: حرف عطف. (أسلمت): فعل، وفاعل. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله أو هو متعلق بمحذوف حال من تاء الفاعل، وهو أولى، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿سُلَيْمانَ﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. هذا؛ وقيل: ﴿مَعَ﴾ حرف جر، ولا أعتمده. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبِّ:﴾\nصفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وجملة: ﴿وَأَسْلَمْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-3204\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿ثَمُودَ:﴾ قبيلة عربية مثل قبيلة: «عاد» سميت باسم أبيها الأكبر، ثمود بن غابر، بن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر، وكانت منازل ثمود الحجر بين الحجاز، والشام إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد:\nالماء القليل، والأول هو المعتمد. فإن جعلته اسما لمذكر صرفته، وإن جعلته اسما لمؤنث منعته، وقرئ بصرفه شاذا. (صالح): هو ابن عبيد بن آسف، بن ماشخ، بن عبيد بن حاذر، بن ثمود، وليس من أنبياء بني إسرائيل ك: (هود)، وكان بينهما مئة سنة، وعاش صالح مئتي سنة، كما في التحبير للسيوطي، وأخوته لقومه إخوة نسب، لا أخوة دين، كأخوة هود ونوح، وغيرهما إلى أقوامهم. هذا؛ وعاش هود أربعمئة وأربعا وستين سنة وبين هود، ونوح ثمانمئة سنة.\n ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ:﴾ ذكر هذين الفريقين جاء في سورة (الأعراف) في قوله تعالى:\n ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ﴾","vol":"6","page":723},{"text":"كافِرُونَ هذا؛ والفريق: الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، وقوم.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة)، أو الآية رقم [٣٧] من سورة (طه) لتتمة الإعراب. ﴿إِلى ثَمُودَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَخاهُمْ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿صالِحًا:﴾ بدل، أو عطف بيان على: ﴿أَخاهُمْ،﴾ ﴿أَنِ:﴾ مفسرة؛ لأن الإرسال يتضمن معنى القول. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية مفسرة للإرسال، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بعبادة الله. ﴿فَإِذا:﴾ انظر الآية رقم [٣٢] من سورة (الشعراء) ففيها الكفاية.\n ﴿أَخاهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فَرِيقانِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿يَخْتَصِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، وأجيز اعتبارها صفة ل: ﴿فَرِيقانِ﴾ على المعنى، كقوله تعالى: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا﴾ وقوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا..﴾. إلخ. هذا؛ وأجيز تعليق (إذا) بالفعل: ﴿يَخْتَصِمُونَ،﴾ فيكون المعنى: فإذا قوم صالح فريقان: مؤمن به، وكافر به يختصمون. وقال ابن هشام: ويحتمل الحالية أيضا، أي: فإذا هم فريقان مختصمين.\n\n<span id=\"aya-3205\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي: بالعقوبة، وهو قولهم: ﴿وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ:﴾ قبل التوبة، وطلب الرحمة، فتؤخرونها إلى نزول العذاب، فإنهم كانوا يقولون: إن صدق إيعاده؛ تبنا حينئذ. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ:﴾ تتوبون، وتطلبون المغفرة لذنوبكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ:﴾ بقبول التوبة، وشمول","vol":"6","page":724},{"text":"الرحمة؛ إن تبتم، ورجعتم إلى الله، وعبادته، وترك عبادة الأوثان، والأصنام. وانظر العجلة في الآية رقم [٢٠٤] من سورة (الشعراء).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى صالح تقديره: «هو». (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة فيقول: يا قومي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول: يا قومي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا قوما. ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: يا قوم، ويزاد لغة سادسة، وهي لغة القطع، فتقول: يا قوم، ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، وحذفت ألفها للفرق بين الخبر والاستخبار كما رأيت في الآية رقم [٣٥]، ﴿تَسْتَعْجِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿بِالسَّيِّئَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من السيئة.\nو﴿قَبْلَ﴾ مضاف، و﴿الْحَسَنَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿تَسْتَغْفِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به منصوب على التعظيم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ تعليل للحض على الاستغفار، والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3206\"></span>﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: مجيبين لصالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ:﴾ تشاءمنا بك، وبمن معك؛ إذ تتابعت علينا الشدائد، وكانوا قد قحطوا، وجاعوا، وكذلك ما أصابهم من التفرق بسبب من آمن مع صالح. ﴿قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي:\nسبب خيركم، وشركم عند الله، وهو حكمه، ومشيئته، أو سبب شؤمكم عند الله، وهو أعمالكم المكتوبة عنده، فإنها هي التي ساقت لكم ما يسوءكم. وقال ابن عباس﵄-:\nطائرهم: ما قضي لهم، وقدر عليهم. انتهى. هذا؛ وقد سمي ما قضي عليهم بذلك؛ لأنه لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم. وقيل: طائركم: عملكم عند الله، سمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء، وقد استعير الطائر لما كان سبب الخير والشر من قدر الله، وقسمته، أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة، والنقمة.","vol":"6","page":725},{"text":"﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ:﴾ تختبرون، وتمتحنون بتعاقب السراء، والضراء، هل تنتبهون إلى أن ما أصابكم من حسنة؛ فبفضل الله، وأن ما أصابكم من سيئة؛ فبسوء أعمالكم. وتشاؤمهم إغراق منهم بالغباوة، وقسوة القلب، فإن الشدائد ترقق القلوب، وتلين العرائك، سيما بعد مشاهدة المعجزة، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عتوا، وانهماكا في الغيّ، والضلال.\nهذا؛ وقد كانت العرب في الجاهلية أكثر الناس طيرة، وكان أحدهم: إذا أراد سفرا نفّر الطير صباحا، فإن طار يمنة تيمن، وسار، وإن طار يسرة؛ أي: شمالا؛ رجع، وتشاءم، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك فقال: «لا عدوى، ولا طيرة... إلخ». رواه أبو هريرة.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁: -أن رسول الله ﷺ قال: «الطّيرة شرك». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] من سورة (يس) ففيها فضل زيادة.\nهذا؛ وأصل ﴿اِطَّيَّرْنا﴾ تطيرنا، أدغمت التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، واجتلبت همزة الوصل لأجل التوصل للنطق بالساكن الذي هو الطاء المدغمة؛ لأن المدغم ساكن دائما، وقد قرئ: «(تطيّرنا)» على الأصل، وانظر رقم [٦٦].\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿اِطَّيَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَبِمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف، (بمن): جار ومجرور معطوفان على ﴿بِكَ﴾. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (صالح) تقديره: «هو». ﴿طائِرُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال.\n ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبره. ﴿تُفْتَنُونَ:﴾\nفعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿قَوْمٌ﴾.\nوهذه الصفة وطئ لها بلفظ ﴿قَوْمٌ،﴾ فهي المرادة؛ لا لفظ ﴿قَوْمٌ؛﴾ لأنهم معلومون بأنهم قوم، ولهذا أعيد الضمير بعد ﴿قَوْمٌ﴾ إلى ما قبله لا إليه، وإلا لقيل: (يفتنون) بالغيبة فيه؛ لأن ﴿قَوْمٌ﴾ اسم ظاهر وهو من قبيل الغيبة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٥٥]: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وقل مثل ذلك في الحال الموطئة في قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والجملة","vol":"6","page":726},{"text":"الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها وما قبلها وما أشبههما بمنزلة جواب لسؤال مقدر؛ إذ التقدير: فما كان الجواب من صالح... إلخ.\n\n<span id=\"aya-3207\"></span>﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ:﴾ مدينة ثمود، وهي الحجر المصرح بها في كثير من الآيات، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ:﴾ وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط؛ لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل:\nتسعة أنفس. هذا؛ و«رهط»: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: نفر ومعشر... إلخ، والفرق بين الرهط، والنفر: أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة، من الرجال، وليس فيهم امرأة. هذا؛ وجمع رهط: أرهط، وأراهط.\nوأسماؤهم عن وهب بن منبه: الهذيل بن عبد رب، غنم بن غنم، رياب بن مهرج، مصدع بن مهرج، عمير بن كردبة، عاصم بن مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صيفي، قدار بن سالف، وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وكانوا من أبناء أشرافهم. انتهى. كشاف. وقيل في أسمائهم غير ذلك، والله أعلم.\n ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالكفر، وارتكاب المعاصي، والمنكرات لا يتورعون عن شيء، ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ أي: شأنهم الإفساد الخالص، الخالي من شوائب الصلاح، كما ترى بعض المفسدين، قد يندر منهم بعض الصلاح في هذه الأيام. قيل: فسادهم: أنهم كانوا يتبعون عورات الناس، ولا يسترون عليهم؛ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (كان). تقدم على اسمها. ﴿تِسْعَةُ:﴾ اسم (كان) مؤخر، وهو مضاف، و﴿رَهْطٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يُفْسِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿تِسْعَةُ،﴾ أو في محل جر صفة ﴿رَهْطٍ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُصْلِحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل صفة مثلها، التقدير: تسعة رهط مفسدون، أو مفسدين في الأرض، وغير مصلحين، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها ليست من قول قوم صالح، ولا من قول صالح، وإنما من إخبار الله تعالى.","vol":"6","page":727},{"text":"<span id=\"aya-3208\"></span>﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنّا لَصادِقُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: المتآمرون على قتل صالح، أي: قال بعضهم لبعض. ﴿تَقاسَمُوا بِاللهِ:﴾ يحتمل الأمر، والماضي، والمعنى: تحالفوا بالله، وفيه دليل على أن الكفار يعتقدون بوجود إله يسمونه الله، وإن كان لهم فيه اعتبارات حسب المعبودات التي كانوا ينصبونها للعبادة، ويعظمونها، ويقدسونها في كل زمان ومكان، حتى الملحدين في هذه الأيام، فإنهم يلهجون بحركاتهم، وسكناتهم بكلمة (يا الله) من حيث لا يشعرون. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ:﴾ لنباغتن صالحا، وأهله ليلا. وقرئ الفعل بالنون، والياء، والتاء، ومثله (لنقولن) وعلى قراءتهما بالنون مفتوح ما قبل النون، وعلى قراءتهما بالتاء والياء مضموم ما قبل النون، وانظر الإعراب.\n ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي: لأقربائه الذين لهم ولاية الدم، وحق المطالبة بدمه. ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ:﴾ ما حضرنا، ولا ندري من قتله وأهله؛ أي: لا علم لنا بذلك قطعا. ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ:﴾ فيما نقول من إنكارنا العلم بقتله، وقتل أهله. هذا؛ ويقرأ: ﴿مَهْلِكَ﴾ بضم الميم وفتح اللام على زنة المفعول، ويقرأ بفتح الميم مع كسر اللام وفتحها، فالقراآت ثلاث سبعيات، وانظر شرح ﴿أَهْلَهُ﴾ في الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء).\nتنبيه: قال السدي، وغيره: أوحى الله تعالى إلى صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: إن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل، فقال لهم: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها، ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد في هذا الشهر غلام إلا قتلناه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر أولاد ذكور، فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر، فأبى أن يذبح ولده، وكان لم يولد له قبل ذلك ذكر، وكان ابن العاشر أزرق أحمر، فنبت نباتا سريعا، وكان إذا مر بالتسعة، فرأوه؛ قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، وغضب التسعة على صالح؛ لأنه كان سبب قتلهم أبناءهم، فتعصبوا، وتقاسموا بالله... إلخ.\nقالوا لما عزموا على قتله: نخرج إلى سفر، فنري الناس سفرنا، فنكون في غار، حتى إذا كان الليل، وخرج صالح إلى مسجده؛ أتيناه، فقتلناه، ثم قلنا: ما شهدنا مهلك أهله، وإنا لصادقون، فيصدقوننا، ويعلمون أننا خرجنا إلى سفر، وكان صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لا ينام معهم في القرية، وكان يأوي إلى مسجده، فإذا أصبح أتاهم، فوعظهم، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا، فسقط عليهم الغار، فقتلهم.\nفرأى ذلك ناس ممن كان قد اطلع على ذلك، فصاحوا في أهل بلدتهم: يا عباد الله! أما رضي صالح أن أمر بقتل أولادهم حتى قتلهم، فأجمع أهل البلد على قتل الناقة. انتهى. قرطبي","vol":"6","page":728},{"text":"من سورة (الشعراء) وكان الذي باشر قتلها قدار بن سالف برضاهم، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٧] من سورة (الشعراء). هذا؛ وما تقدم يفيد: أن قوم صالح بقوا مدة طويلة بعد خروج الناقة من الصخرة، التي هي المعجزة التي اقترحوها عليه، وهذه المدة كانت من قبل ولادة قدار إلى بلوغه سن الشباب، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٨] من سورة (الشعراء).\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿تَقاسَمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. هذا؛ وأجيز اعتباره فعلا ماضيا مبنيا على الضم، والواو فاعله، وحينئذ يجوز أن يكون مفسرا ل: ﴿قالُوا،﴾ كأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: تقاسموا، ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب حال من واو الجماعة على تقدير «قد» قبلها، أي قد قالوا ذلك متقاسمين.\n ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نبيتنه): فعل مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». هذا؛ وعلى قراءته بالتاء والياء فهو مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب: ﴿تَقاسَمُوا،﴾ لا محل لها. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف، (أهله):\nمعطوفة على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَنَقُولَنَّ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِوَلِيِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وانظر الشرح، ﴿ما:﴾ نافية، ﴿شَهِدْنا:﴾ فعل ماض، و(نا) فاعله. ﴿مَهْلِكَ:﴾ مفعول به، أو هو ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿مَهْلِكَ﴾ مضاف، و﴿أَهْلَهُ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المفعول لنائب فاعله، أو من إضافة المصدر لفاعله، أو من إضافة اسم المكان للحال فيه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما شَهِدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا):\nحرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَصادِقُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (صادقون): خبر (إن) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، والكلام: ﴿تَقاسَمُوا..﴾. إلخ، كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3209\"></span>﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا:﴾ مكرهم الذي مكروه هو ما روي: أن قوم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لما توعدهم بالهلاك بعد ثلاثة أيام من عقر الناقة كما رأيت في","vol":"6","page":729},{"text":"سورة (الشعراء) اتفقوا وتحالفوا على أن يأتوا داره ليلا، ويقتلوه وأهله المختصين به، والمؤمنين الذين اتبعوه، واهتدوا بهديه؛ وقد قالوا: إذ كان كاذبا في وعيده؛ أوقعنا به ما يستحق، وإن كان صادقا؛ كنا قد عجلناه قبلنا، وشفينا قلوبنا. قاله مجاهد، وغيره.\n ﴿وَمَكَرْنا مَكْرًا﴾ أي: جازيناهم على مكرهم بتعجيل العذاب. قال ابن عباس﵄-: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه، فأتت تلك التسعة دار صالح، شاهرين سلاحهم وسيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة، وهم يرون الحجارة، ولا يرون الملائكة، فقتلتهم، وأهلك الله جميع القوم بالصيحة. انتهى. خازن. وهذا يخالف ما ذكرته في الآية السابقة عن القرطبي، والنتيجة واحدة، وهي نجاة صالح، وإهلاك قومه، كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (هود) وغيرهما.\n ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ أن وبال مكرهم عائد عليهم بالويل، والثبور، وعظائم الأمور. هذا؛ والشعور: إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. هذا؛ و(المكر) معناه: الخبث، والخداع والاحتيال، والكيد، والتدبير الحرام. وهو مستحيل في حقه تعالى، وإنما نسبه الله إلى نفسه في هذه الآية وأمثالها من باب المقابلة، وهذا يسمى عند البلغاء بالمشاكلة؛ أي: ذكر الله جزاءهم، وعقابهم من جنس صنعهم، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾. وذلك كثير في كتاب الله تعالى: هذا؛ وخذ قول الشاعر: [الطويل]\nقهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخديعة والمكر\nوأيضا قول زياد بن يسار: [الطويل]\nتعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر\nوهذا هو الشاهد رقم [١٠٢١] من كتابنا فتح القريب المجيب.\nالإعراب: ﴿وَمَكَرُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (مكروا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَكْرًا:﴾ مفعول مطلق؛ لأنه مصدر ميمي، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَمَكَرْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (مكرنا):\nفعل، وفاعل. ﴿مَكْرًا:﴾ مفعول مطلق أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"6","page":730},{"text":"<span id=\"aya-3210\"></span>﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿فَانْظُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ولكل من يتأتى منه النظر نظر تبصر، واعتبار، فيعتبر العاقل وينزجر بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة والأعمال الخبيثة، ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ:﴾ عاقبة كل شيء آخره ونتيجته، ولم يؤنث الفعل ﴿كانَ؛﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه، ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ..﴾. إلخ أهلكناهم بسبب كفرهم، وخروجهم عن طاعة ربهم بعقرهم الناقة، وغير ذلك من قبيح الفعال. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة (أن) وكسرها، قراءتان سبعيتان.\nهذا؛ وتدميرهم كان بإهلاك التسعة بالحجارة، وإهلاك الباقين بالصيحة.\nالإعراب: ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ: في ﴿كانَ﴾ وجهان: أحدهما: هي الناقصة، و﴿عاقِبَةُ﴾ مرفوعة على أنها اسمها، وفي الخبر وجهان: أحدهما ﴿كَيْفَ﴾ و﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ:﴾ إن كسرت الهمزة كان مستأنفا، وهو مفسر لمعنى الكلام، وإن فتحت ففيه أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ال ﴿عاقِبَةُ﴾. والثاني: أن يكون المصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. التقدير: هي كوننا دمرناهم. والثالث: أن يكون في محل نصب بدلا من ﴿كَيْفَ﴾ عند بعضهم. وقال آخرون: لا يجوز ذلك؛ لأن البدل من الاستفهام، يلزم فيه إعادة حرفه، كقولك: كيف زيد؟ أصحيح أم مريض؟ والرابع: هو في موضع نصب على نزع الخافض، التقدير: بكوننا دمرناهم، أو لكوننا دمرناهم، والوجه الثاني: أن يكون خبر ﴿كانَ﴾ هو المصدر المؤول من ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ إذا فتحت الهمزة، وإذا كسرت الهمزة لم يجز؛ لأنه ليس في الجملة ضمير يعود على ﴿عاقِبَةُ،﴾ و﴿كَيْفَ﴾ على هذا في محل نصب حال من: ﴿عَقِبِهِ،﴾ والعامل في الحال ﴿كانَ﴾ أو ما يدل عليه الخبر، والوجه الثاني من وجهي (كان) أن تكون التامة، و﴿كَيْفَ﴾ على هذا حال، و﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ بالكسر مستأنف، وبالفتح، فالمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها على ما تقدم في محله من اعتبارات. إلا في كونها خبرها، انتهى. أبو البقاء بتصرف كبير مني. هذا؛ وأجاز ابن هشام في المغني في ﴿كانَ﴾ ثلاثة أوجه: نقصان ﴿كانَ،﴾ وتمامها، وزيادتها، وقال: إلا أن الناقصة لا تكون شأنية لأجل الاستفهام، ولتقدم الخبر، و﴿كَيْفَ﴾ حال على التمام، وخبر ل: ﴿كانَ﴾ على النقصان، وللمبتدأ على الزيادة. انتهى. أقول: وتبقى الاعتبارات المذكورة في ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ..﴾. إلخ على حالها.\nو﴿عاقِبَةُ:﴾ مضاف، و﴿مَكْرِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب","vol":"6","page":731},{"text":"مفعول به للفعل: (انظر)، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل له. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿دَمَّرْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، ومحل المصدر المؤول، أو الجملة الناتجة منها، ومن اسمها، وخبرها هو ما رأيته سابقا. ﴿وَقَوْمَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (قومهم): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد لما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n\n<span id=\"aya-3211\"></span>﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ:﴾ بيوت قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿خاوِيَةً:﴾ خالية، من: خوى البطن: إذا خلا، أو: ساقطة متهدمة، من خوى النجم:\nإذا سقط ﴿بِما ظَلَمُوا:﴾ بسبب ظلمهم؛ لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة ربهم، وتعدوا حدوده، وأهملوا أوامره. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في الذي وقع في قوم صالح من الهلاك، والدمار. ﴿لَآيَةً:﴾ لدلالة واضحة على قدرة الله تعالى، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، وأنه ﷾ ينتقم من العاصين، وإن أمهل؛ فهو لا يهمل. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ:﴾ يعرفون الحق، فيعتبرون بقوم صالح، وأمثالهم ممن أهلك الله في العصور السابقة.\nهذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nلعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني والنّسب.\nفائدة: يحكى: أن بعض الملوك الظالمين أغاز على قرية، فنهبها، وفتك بأهلها، فخرجت إليه عجوز، وقالت له: يا ويلك من ديان يوم الدين! فقال لها: يا عجوز، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً،﴾ فقالت له: يا هذا لقد حفظت شيئا، وغابت عنك أشياء، أو نسيت الآية التي بعدها ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ فاتعظ الملك، وردّ أموال الناس إليهم.\nالإعراب: ﴿فَتِلْكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بُيُوتُهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء","vol":"6","page":732},{"text":"ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿خاوِيَةً:﴾ حال من: ﴿بُيُوتُهُمْ﴾. والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، ويقرأ بالرفع، وفيه خمسة أوجه: الأول: أن يكون ﴿بُيُوتُهُمْ﴾ بدلا من اسم الإشارة، و﴿خاوِيَةً﴾ خبر: البيوت. والثاني: أن تكون: ﴿خاوِيَةً﴾ خبرا ثانيا.\nوالثالث: أن ترفع ﴿خاوِيَةً﴾ على إضمار مبتدأ، أي هي ﴿خاوِيَةً﴾. والرابع: أن تجعل ﴿خاوِيَةً﴾ بدلا من البيوت. والخامس: أن تجعل: ﴿بُيُوتُهُمْ﴾ عطف بيان على (تلك)، و﴿خاوِيَةً﴾ خبر المبتدأ؛ الذي هو (تلك). ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية.\n ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء. والجار والمجرور متعلقان ب ﴿خاوِيَةً،﴾ وفاعلها ضمير مستتر، تقديره: هي، والجملة الاسمية: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء.\n (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية). وجملة:\n ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المقدر في محل جر صفة (قوم). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3212\"></span>﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: الذين آمنوا بالله تعالى، وصدقوا برسالة صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ:﴾ الله، ويخافون عذابه، ويبتعدون عن الكفر، والمعاصي. هذا؛ وفي ذكر التقوى بعد الإيمان إشارة إلى أن العمل قرين الإيمان، وأن الإيمان وحده قد لا يجدي إذا لم يقرن بالعمل الصالح. وهذا يسمى: احتراسا، وقد نبهت عليه مرارا، وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الشعراء). وشرح: ﴿يَتَّقُونَ﴾ في الآية رقم [١٠] منها أيضا.\nتنبيه: آمن بالله، وبرسالة صالح أربعة آلاف من قومه، وهلك الباقون، وكان صالح قد أنذرهم بعد أن عقروا الناقة بالهلاك بعد ثلاثة أيام. وقال لهم: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبّحكم العذاب، فلما رأوا العلامات؛ طلبوه؛ ليقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كانت ضحوة اليوم الرابع؛ تحنطوا، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة جبريل من السماء، فتقطعت قلوبهم، فهلكوا، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم الأحد، ثم بعد هلاكهم خرج صالح بمن آمن معه من فلسطين إلى حضرموت، فلما دخلوها؛ مات صالح، فسميت الأرض: أرض حضرموت، ثم بنوا فيها أربعة","vol":"6","page":733},{"text":"آلاف مدينة، وسموها: حاضوراء، وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٥].\nالإعراب: ﴿وَأَنْجَيْنَا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنجينا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فأهلكنا الكافرين، و(أنجينا). ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة:\n ﴿يَتَّقُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر (كان). وجملة: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ:﴾\nمعطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول، أو من واو الجماعة، فلست مفندا، وتكون «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3213\"></span>﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلُوطًا:﴾ هو ابن أخي إبراهيم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام.\nآمن به، وهاجر معه من بلاد العراق، قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي..﴾. إلخ فأقام إبراهيم في فلسطين، وأقام لوط في الأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم، يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح. هذا؛ وقال الجمل: سذوم بالذال المعجمة، وهي بلد بحمص، نقلا من أبي السعود، وأين حمص من الأردن؟!. انتهى. في سورة (الأعراف): ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ:﴾ سؤال توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح، والشناعة. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ:﴾ تعلمون فحشها، وقبحها، وذلك أعظم لذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضا، وأنتم تنظرون إليه، وكانوا لا يستترون عتوا منهم، وتمردا، وخلاعة، ومجانة، وانهماكا في المعصية، وكأن أبا نواس بنى على مذهبهم قوله، الذي يمثل مجونه وفسوقه: [الطويل]\nألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر... ولا تسقني سرّا إذا أمكن الجهر\nوبح باسم من تهوى ودعني من الكنى... فلا خير في اللّذّات من دونها ستر\nوهذه الآية وغيرها دالة على وجوب الحد في اللواطة؛ لأنها اشتركت مع الزنى في كونها فاحشة، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ وهذا؛ وإن كان قياسا إلا أن الجامع مستفاد من الآية. انتهى. جمل. هذا؛ وقد شدد النبي ﷺ في النكير على من فعل هذه الفعلة الشنيعة، وأباح قتله، فعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل، والمفعول به». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي.","vol":"6","page":734},{"text":"وعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سمواته، وردّد اللعنة على واحد منهم ثلاثا، ولعن كلّ واحد منهم لعنة تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئا من البهائم، ملعون من عقّ والديه، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غيّر حدود الأرض، ملعون من ادّعى إلى غير مواليه». رواه الطبراني في الأوسط.\nقال البغوي: اختلف أهل العلم في حد اللّوطي، فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد الزنى، إن كان محصنا يرجم، وإن لم يكن محصنا يجلد مئة، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وقتادة، والنخعي، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وهو قول الشافعي، ويحكى أيضا عن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن. وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مئة وتغريب عام رجلا كان، أو امرأة، محصنا كان، أو غير محصن. وذهب قوم إلى أن اللّوطي يرجم محصنا كان، أو غير محصن. رواه سعيد بن جبير، ومجاهد عن ابن عباس، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والقول الآخر للشافعي: أنه يقتل الفاعل، والمفعول به، كما جاء في الحديث. انتهى. الترغيب.\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أتى النّساء في أعجازهنّ، فقد كفر». رواه الطبراني. وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أحمد، وأبو داود.\nالإعراب: ﴿وَلُوطًا:﴾ الواو: حرف عطف. (لوطا): مفعول به لفعل محذوف، تقديره:\nاذكر، أو: وأرسلنا لوطا، لدلالة: (ولقد أرسلنا) عليه. ﴿إِذْ:﴾ بدل على التقدير الأول من (لوطا)، وظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾ على التقدير الثاني. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. والفاعل يعود إلى (لوط). ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَتَأْتُونَ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام وتوبيخ، (تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾\nالواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة:\n ﴿تُبْصِرُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3214\"></span>﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ..﴾. إلخ: هذا من قول لوط-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مخاطبا لقومه بذلك. ﴿الرِّجالَ:﴾ جمع: رجل، وهو مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة،","vol":"6","page":735},{"text":"والشجاعة، والقوة، وغير ذلك. ﴿شَهْوَةً:﴾ قال البيضاوي: وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة، وتنبيه على أنّه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي إلى المباشرة طلب الولد، وبقاء النوع، لا قضاء الوطر. انتهى.\nقال عمرو بن دينار-رحمه الله تعالى-: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط.\nهذا؛ وقد لعن الرسول ﷺ من عمل عمل قوم لوط ثلاثا، كما لعن من أتى امرأته في دبرها أيضا.\n ﴿النِّساءِ:﴾ أصله: النساي، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والياء المنقلبة ألفا، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ ونساء اسم جمع، لا واحد له من لفظه؛ لأن مفرده: امرأة، وتجمع المرأة أيضا على نسوة، بضم النون، وكسرها، ونسوان، بكسر النون، ونسنون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان، فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا. هذا؛ والمرأة مشتقة من المرء، وهو الرجل؛ لأنها خلقت منه.\n ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أي: تفعلون فعل من يجهل قبحها، ويكون سفيها، لا يميز بين الحسن والقبيح، قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: فسرت ﴿تُبْصِرُونَ﴾ بالعلم، وبعده:\n ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فكيف يكونون علماء جهلاء؟! قلت: أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة، مع علمكم بذلك، أو تجهلون العاقبة وأراد بالجهل: المجانة التي كانوا عليها، فإن قلت: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ صفة ل: ﴿قَوْمٌ،﴾ والموصوف لفظه الغائب، فهلا طابقت الصفة الموصوف، فقرئ بالياء، دون التاء، وكذلك: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ؟﴾ قلت: اجتمعت الغيبة، والمخاطبة، فغلبت المخاطبة؛ لأنها أقوى، وأرسخ من الغيبة. وانظر شرح الجاهل في الآية رقم [٦٣] من سورة (الفرقان).\nتنبيه: ذكرت الآية بكاملها في سورة (الأعراف) برقم [٨١] بإبدال: ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾ هناك بالفعل: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ هنا. وإنما وصفهم الله بالإسراف هناك، وبالجهل هنا؛ لفعلهم ذلك العمل الخبيث؛ لأن الله خلق الإنسان، وركب فيه الشهوة لبقاء النسل، وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا للشهوة، وموضع النسل، فإذا تركهن الرجل، وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال، فكأنما جهل الحكمة الإلهية، وتجاوز الحد، واعتدى، فكان جديرا بهذين الوصفين؛ لأنه وضع الشيء في غير موضعه الذي خلق له؛ لأن أدبار الذكور ليست محلا للولادة، التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان.\nوكانت قصة لوط على ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل الأخبار، والسير: أنه كانت قرى قوم لوط مخصبة، ذات زروع وثمار، لم يكن في الأرض مثلها، فقصدهم الناس، وآذوهم، وضيقوا عليهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ، وقال لهم: إذا فعلتم بهم كذا، وكذا؛ نجوتم","vol":"6","page":736},{"text":"منهم، فأبوا، فلما ألح عليهم الناس قصدوهم، فأصابوا منهم غلمانا حسانا صباحا، فأخبثوا، واستحكم ذلك فيهم، قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا الغرباء، وقيل: استحكم ذلك فيهم حتى نكح بعضهم بعضا. أقول: وهو الصحيح ويؤيده قوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٩]: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ وقال الكلبي: إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس أخزاه الله، وذلك: أن بلادهم أخصبت، فقصدها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شاب أمرد، فدعا إلى نفسه، فكان أول من نكح في دبره، فأمر الله السماء أن تحصبهم، والأرض أن تخسف بهم. انتهى من الخازن في سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿أَإِنَّكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَأْتُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تأتون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الرِّجالَ:﴾ مفعول به. ﴿شَهْوَةً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال بمعنى مشتهين، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ). ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الواو. أو من ﴿الرِّجالَ،﴾ و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿النِّساءِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف انتقالي من الإنكار عليهم إلى الإخبار عن حالهم التي أدت إلى ارتكاب أمثالها، وهي: اعتياد الجهل، والإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الجهل، والإسراف. وانظر باقي الإعراب في الآية رقم [٤٧]، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3215\"></span>﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ:﴾ أتى الكلام هنا، وفي الآية رقم [٢٩] من سورة (العنكبوت) مبتدأ بالفاء، وأتى في الآية رقم [٨١] من سورة (الأعراف) مبتدأ بالواو، وقد قال سليمان الجمل نقلا عن السمين-رحمهما الله تعالى-في سورة (الأعراف): أتى هنا بقوله:\n (وما) وفي (النمل) و(العنكبوت) بقوله: ﴿فَما﴾ والفاء هي الأفضل في هذا الباب؛ لأن المراد:\nأنهم لم يتأخر جوابهم عن نصيحته، وأما الواو، فالتعقيب أحد محاملها، فتعين هنا: أنها للتعقيب لأمر خارجي، وهو القرينة في السورتين المذكورتين، لا أنها اقتضت ذلك بوضعها. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿قَوْمِهِ﴾ أي: المستكبرين منهم عن الإيمان، وانظر الآية رقم [١٠] من سورة (الشعراء).\n ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ:﴾ لوطا، والمؤمنين معه من أهله. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ:﴾ هي: سدوم؛ التي ذكرتها","vol":"6","page":737},{"text":"لك في الآية السابقة. ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: من الفواحش، ومن أدبار الرجال، وهذا استهزاء منهم بلوط، وأتباعه، وانظر شرح الناس في الآية رقم [٣٩] من سورة (الشعراء)، وانظر قولهم في سورة (العنكبوت) رقم [٢٩].\nهذا؛ وأما ﴿آلَ﴾ فأصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار (أأل) ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان الأولى متحركة، والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى»، وذلك مثل: آدم، وإيمان، وأومن، فإن الأصل أأدم، وإإمان، وأؤمن، وقلب الهمزة سائغ مستعمل لغة في:\nأراق، فإن أصله هراق، وهو كثير مستعمل في الشعر العربي، وغيره، وهذا مذهب سيبويه.\nوقال الكسائي: أصله: (أول) كجمل من آل يؤول، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على (أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى (أويل) وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل ﴿آلَ﴾ إلا فيمن له خطر وشأن، بخلاف: أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن أهله، ولا ينتقض بآل فرعون، فإن له شرفا باعتبار الدنيا، واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ: [مجزوء الكامل]\nلا همّ إنّ المرء يم... نع رحله فامنع رحالك\nوانصر على آل الصّلي... ب وعابديه اليوم آلك\n ﴿قَرْيَتِكُمْ:﴾ القرية: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى في قوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام) كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية: بكسر القاف وفتحها، وبالنسبة إليها قرويّ وقرييّ.\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: عاطفة، وليس بشيء. (ما): نافية.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿جَوابَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، و﴿جَوابَ﴾ مضاف، و﴿قَوْمِهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ومحل الفعل في محل نصب ب: ﴿كانَ،﴾ و﴿كانَ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخرا. هذا؛ وقرئ برفع (جواب) على: أنه اسم ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها، وهو ضعيف والأول أفصح؛ لأن فيه جعل الأعراف اسما، لذا فالقراءة شاذة، وليست سبعية. ﴿أَخْرِجُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آلَ:﴾ مفعول به، و﴿آلَ﴾ مضاف، و﴿لُوطٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ:﴾ جار","vol":"6","page":738},{"text":"ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَخْرِجُوا..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أُناسٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿يَتَطَهَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿أُناسٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للأمر، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3216\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: أنجى الله لوطا، ومن آمن معه من أهله. ﴿إِلاّ امْرَأَتَهُ:﴾\nفإنها كانت كافرة تسر الكفر، وتخبر قومها بما يكون في بيت لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. واسمها: واهلة. ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي: الذين بقوا في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم-على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام-:\n ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾. هذا؛ والغابر: اسم فاعل من: غبر الشيء بقي، وغبر أيضا: مضى، فهو من الأضداد، وبابه: دخل. انتهى. مختار. هذا؛ ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان، أي: في ماضيها، وحاضرها. وقال أبو ذؤيب الهذلي من قصيدة في رثاء أولاده: [الكامل]\nفغبرت بعدهم بعيش ناصب... وإخال أنّي لا حق مستتبع\nهذا؛ واللغة العربية غنية بالكلمات التي تعني الضدين، وتحتمل معنيين متقابلين، منها:\nما رأيته من لفظ الغابرين، ومنها: جلل للعظيم، والحقير، فمن الأول: قول الحارث بن وعلة بن ذهل بن شيبان الذهلي، وهو الشاهد رقم [١٩٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل]\nفلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي\nومن الثاني قول امرئ القيس لما قتل أبوه، وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب]\nبقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل\nأي: هين، وحقير، لا قيمة له. ومنها: الجون للأبيض، والأسود. والبين: للقرب، والبعد. والصريم: للّيل، والنهار. وبهما فسر قوله تعالى في سورة: (ن): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ والناصح: للأبيض، والأسود، والناهل: للرّيّان، والظمان. والسليم: للديغ، والصحيح، ووراء بمعنى: خلف، وأمام. وشعبت الشيء: أصلحته، وشققته. والصّارخ: للمغيث، والمستغيث.\nوالهاجد: للمصلي في الليل، والنائم. والوهدة: للانحدار والارتفاع. والتعزير: للإكرام، والإهانة. والتقريظ: للمدح، والذم. وترب: للغني والفقير. والإهماد: للسرعة في السير، والإقامة. وعسعس: إذا أقبل، وإذا أدبر. قال تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ والقرء: للحيض، والطهر.","vol":"6","page":739},{"text":"ومنه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (طه)، وفي الآية رقم [٣] من سورة (الأنبياء): ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى:﴾ إنّ أسروا يحتمل أن يكون بمعنى: أظهروا، وأن يكون بمعنى:\nأخفوا، فهو من الأضداد. وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [٥٤] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾. كما قيل به في قول امرئ القيس، وهو الشاهد رقم [٤٧٢] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nتجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي\nالإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على محذوف، يتطلبه المقام. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أهله): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء.\n ﴿اِمْرَأَتَهُ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَدَّرْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿اِمْرَأَتَهُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها. ﴿مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n\n<span id=\"aya-3217\"></span>﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾\nهذه الآية ذكرت بحروفها كاملة برقم [١٧٣] من سورة (الشعراء) فلا حاجة إلى إعادة شيء من شرحها، وإعرابها، والله الموفق والمعين، وبه نستهدي ونستبين.\n<span id=\"aya-3218\"></span>﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أمر الله رسوله ﷺ بعد ما قص عليه القصص، الدالة على كمال قدرته، وعظيم شأنه أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته، وحكمته، وأن يستفتح بتحميده، والسّلام على أنبيائه، والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التّيمّن بالذّكرين، والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، وإصغائهم إليه، ولقد توارث العلماء، والخطباء، والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله ﷿، وصلوا على رسوله ﷺ أمام كل علم مفاد، وقبل كل تذكرة، وموعظة، وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون، فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح، والتهاني، وغير ذلك من الحوادث؛ التي لها شأن. انتهى. بتصرف. هذا؛ وقال الفراء: الخطاب ل: (لوط) والمعتمد الأول؛ لأن القرآن منزل على النبي ﷺ، وكل ما فيه فهو مخاطب به ﵇، إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره.","vol":"6","page":740},{"text":"﴿عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ أي: اختار الله لرسالته، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، وقال عبد الله بن عباس، وسفيان﵄-: هم أصحاب محمد ﷺ. والمعتمد الأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ ف: ﴿خَيْرٌ﴾ هنا ليس بمعنى أفضل، وإنما هو مثل قول حسان﵁في هجاء أبي سفيان: [الوافر]\nأتهجوه، ولست له بكفء... فشرّ كما لخير كما الفداء\nإذ المعنى: فالذي فيه الشر فداء للذي فيه خير. وقيل: هو على بابه من التفضيل، والمعنى:\n ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: أثوابه خير، أم عقاب ما تشركون، أي: ما يتسبب من عبادة الأصنام من عقاب، وقيل: قال لهم ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون: أن في عبادة الأصنام خيرا، فخاطبهم الله ﷿ على اعتقادهم، وكان النبي ﷺ إذا قرأ هذه الآية يقول: «بل الله خير، وأبقى، وأجلّ، وأكرم». وقال البيضاوي رحمه الله تعالى: هذا الكلام إلزام لهم، وتهكم بهم، وتسفيه لرأيهم؛ إذ من المعلوم أن لا خير فيما أشركوه رأسا؛ حتى يوازن بينه وبين من هو مبدأ كل الخير.\n ﴿آللهُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وقد مدت مدا لازما بقدر ست حركات، ولولا مدها لم يظهر الاستفهام، ويسمى هذا المد في أحكام التجويد بمد الفرق؛ لأنه يفرق بين الاستفهام والخبر؛ لأنه لولا المد لتوهم أنه خبر لا استفهام، وانظر الآية رقم [٥١] من سورة (يونس). أما ﴿خَيْرٌ﴾ فهو أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في: حبّ، وشرّ اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة: [الرجز]\nيا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\nوخير، وشر، وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنه بمعنى: أفعل كما رأيت. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ.\n ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَسَلامٌ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (سلام): مبتدأ. ﴿عَلى عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول","vol":"6","page":741},{"text":"مثلها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة عباده، أو في محل جر بدل منه. ﴿اِصْطَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿آللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين اصطفاهم الله.\n ﴿آللهُ:﴾ الهمزة حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (الله): مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَمّا:﴾ أم: حرف عطف وهي متصلة بخلافها في الآيات التالية، فإنها منقطعة. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع معطوفة على لفظ الجلالة، والمعادل محذوف؛ لدلالة (خير) عليه، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أم الذي، أو:\nشيء يشركونه مع الله تعالى. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مصدرية. ولا أعتمده.\n\n<span id=\"aya-3219\"></span>﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ قال أبو حاتم تقديره: آلهتكم خير أم من خلق... إلخ؟ وقيل: المعنى: أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير، أم عبادة من خلق السموات والأرض؟ فهو مردود على ما قبله من المعنى، وفيه معنى التوبيخ، والتقريع لهم، والتنبيه على قدرة الله تعالى، وعجز آلهتهم، وقرئ: «(آمن)» بتخفيف الميم. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ:﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم. هذا؛ والحدائق: جمع:\nحديقة، وهي البستان الذي عليه حائط، فإن لم يكن عليه حائط، فهو البستان، وليس بحديقة، وقيل: الحدائق: النخل، والبهجة: الزينة والحسن، يبهج به من رآه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (طه): ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾.\n ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أي: ما ينبغي لكم ذلك؛ لأنكم لا تقدرون عليه؛ لأن الإنسان يقول: أنا المنبت للشجرة بأن أغرسها، وأسقيها الماء، فأزال الله هذه الشبهة بقوله: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ؛ لأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف، والطعوم، والروائح المختلفة، والزروع المتنوعة، تسقى بماء واحد، لا يقدر عليه إلا الله تعالى ولا يتأتّى لأحد، وإنّ تأتّي ذلك لغيره محال. انتهى. خازن. وانظر ما ذكرته في الأحزاب [٣٦]: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ..﴾. إلخ.\nقال القرطبي رحمه الله تعالى: وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء، سواء كان له روح أم لم يكن؟ وهو قول مجاهد، ويعضده قول النبي ﷺ: قال الله ﷿: «ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو ليخلقوا حبّة، أو ليخلقوا شعيرة». رواه مسلم في","vol":"6","page":742},{"text":"صحيحه من حديث أبي هريرة﵁-، فعم بالذم، والتهديد، والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله، وضاهاه في التشبيه في خلقه؛ فيما انفرد به سبحانه من الخلق، والاختراع، وهذا واضح. وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح، يجوز تصويره والاكتساب به، وقد قال ابن عباس﵄للذي سأله أن يصنع الصور: (إن كنت لا بدّ فاعلا، فاصنع الشجر، وما لا نفس له) أخرجه مسلم أيضا، والمنع أولى، -والله أعلم- لما ذكرنا.\n ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أي: هل مع الله معبود أعانه على ذلك. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي: ليس معه معين على خلق ما ذكر، ولكنهم قوم يميلون عن الحق إلى الباطل، وهذا الفعل أحد الأفعال التي يتغير معناها بتغير الجار، تقول: عدلت عنه، بمعنى: أعرضت عنه. وتقول: عدلت إليه، بمعنى: أقبلت عليه. وقد جاء في قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ محتملا لمعنى الميل ومعنى العدل، وقد يجيء محتملا لمعنى الميل، ومعنى التسوية، وذلك كما في قوله تعالى:\n ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فإن جعلت الجار والمجرور ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلقين بيعدلون، كان المعنى إن الكفار يسوون الأصنام بربهم، وإن جعلتهما متعلقين بالفعل كفروا، كان يعدلون بمعنى يميلون، والمعنى: إن الكفار يميلون وينحرفون عن إفراد الله بالوحدانية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة. وانظر شرح ﴿ذاتَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الحج).\nالإعراب: ﴿أَمَّنْ:﴾ (أم): حرف إضراب بمعنى: «بل»؛ لأنها منقطعة عما قبلها بخلافها في الآية السابقة فإنها متصلة، كما رأيت. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، وتقدير الكلام: أمّن خلق السموات والأرض كمن لا يخلق. وقد أظهر في غير هذه المواضع ما أضمر في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (النحل)، وعلى تقدير أبي حاتم: آلهتكم خير، أم من خلق السموات والأرض؟ يكون تقدير الخبر: خير، وعلى هذا تكون (أم) متصلة، وهو مردود، فالمعتمد: أنها منقطعة، وتقدير الكلام:\nبل الذي خلق السموات خير. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وجملة:\n ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في محل رفع خبره، فالمعنى صحيح، والكلام تام، لا يحتاج إلى تقدير خبر محذوف. هذا؛ وعلى قراءة: (أمن) فالهمزة للاستفهام وفي (من) وجهان: أحدهما: أن تكون","vol":"6","page":743},{"text":"مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره ما تقدم، والثاني: أنها بدل من: ﴿اللهِ﴾ كأنه قيل: (أمن خلق السموات والأرض خير أم ما يشركون) ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَأَنْزَلَ:﴾\nالواو: حرف عطف. (أنزل): فعل ماض، وفاعله يعود إلى (من). ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَنْبَتْنا:﴾\nالفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أنبتنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَدائِقَ:﴾ مفعول به. ﴿ذاتَ:﴾ صفة ﴿حَدائِقَ﴾ منصوب مثله، و﴿ذاتَ﴾ مضاف، و﴿بَهْجَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تُنْبِتُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿كانَ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿كانَ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر.\n ﴿شَجَرَها:﴾ مفعول به، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾.\nإلخ في محل نصب صفة ﴿حَدائِقَ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾.\n ﴿أَإِلهٌ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. (إله): مبتدأ. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب وانتقال. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿يَعْدِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة (قوم) والجملة الاسمية: ﴿بَلْ هُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3220\"></span>﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا﴾ أي: بسطها، وسواها للاستقرار عليها، أي: يستقر على سطحها الإنسان، والحيوان. ﴿وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا﴾ أي: شق في الأرض أنهارا يستفيد منها الإنسان، والحيوان، والنبات. ﴿وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ:﴾ جبالا راسية ثابتة، واحدتها: راسية؛ لأن","vol":"6","page":744},{"text":"الأرض ترسو بها، أي: تثبت وتستقر، وفي غير ما آية: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ،﴾ وانظر ما أذكره في الآية رقم [١٠] من سورة (لقمان). ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ أي: مانعا من اختلاط الأجاج بالعذب. وانظر الآية رقم [٥٣] من سورة (الفرقان). ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: الحق، فيشركون مع الله أحقر خلقه. هذا؛ وذكر الأكثر؛ إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ مبلغ التكليف، أو؛ لأنه يقام مقام الكل، وانظر سورة (الروم) رقم [٦].\nالإعراب: ﴿أَمَّنْ:﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله بلا فارق، ولذا قال البيضاوي والنّسفي: بدل من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ فكان حكمهما حكمه. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو من أفعال التصيير، لذا فقد نصب مفعولين، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا﴾ معطوفة عليها، و﴿خِلالَها﴾ ظرف مكان في محل نصب مفعوله الثاني، وكذا (جعل لها رواسي) فالجار والمجرور: ﴿خِلالَها﴾ في محل نصب مفعوله الثاني، وكذا جملة: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ ف: ﴿بَيْنَ﴾ ظرف مكان في محل نصب مفعوله الثاني، وكلّ متعلق بالفعل قبله. هذا؛ وإن جعلته متعلقا بمحذوف حال مما بعده على اعتباره صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» فلست مفندا.\n ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ هو مثل ما تقدم في إعرابه. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾\nمبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-3221\"></span>﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ:﴾ الاضطرار: افتعال من الضرورة، وهي الحالة المحوجة الملجئة. يقال: اضطره إلى كذا. واسم الفاعل والمفعول: مضطر، والمضطر: هو الذي أحوجه مرض، أو فقر، أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجأ، والتضرع إلى الله، أو المذنب إذا استغفر، أو المظلوم إذا دعا، أو من رفع يديه، ولم ير لنفسه حسنة غير التوحيد، وهو منه على خطر. هذا؛ وأل في المضطر للجنس، لا للاستغراق، فلا يلزم منه إجابة كل مضطر.\n ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أي: الضر؛ لأنه لا يقدر على تغيير حال من فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة، ومن ضيق إلى سعة إلا القادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب، ولا ينازع.\n ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: خلفاء فيها بأن ورّثكم سكناها، والتصرف فيها قرنا بعد قرن، وكذلك يرثها منكم من بعدكم. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أي: أيوجد إله مع الله الذي خصكم بهذه النعم،","vol":"6","page":745},{"text":"العامة، والخاصة، الباطنة، والظاهرة. ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرون نعم الله تذكرا قليلا، وقرئ الفعل بالياء والتاء، وأيضا بتسكين الذال، وتخفيف الكاف، ولا يتغيّر المعنى، ولا الإعراب، ولكن يكون على قراءته بالياء التفات من الخطاب إلى الغيبة، عكس ما في الآية السابقة.\nتنبيه: جاء رجل إلى مالك بن دينار-رحمه الله تعالى-، فقال: أنا أسألك بالله أن تدعو لي، فأنا مضطر، قال: إذا فاسأله، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. قال الشاعر: [الطويل]\nوإنّي لأدعو الله والأمر شيّق... عليّ فما ينفكّ أن يتفرّجا\nوربّ أخ سدّت عليه وجوهه... أصاب لها لمّا دعا الله مخرجا\nهذا؛ وعن أبي بكرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ في دعاء المضطر: «اللهمّ رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كلّه، لا إله إلاّ أنت». وينبغي أن تعلم: أن الله ضمن إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك: أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عنها الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن، أو كافر، طائع، أو فاجر، كما ذكر الله عنهم بقوله: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ..﴾. إلخ. الآية رقم [٢٢] من سورة (يونس)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ..﴾. إلخ الآية رقم [٦٥] من سورة (العنكبوت)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (لقمان) فيجيب المضطر لموضع اضطراره، وإخلاصه، وإن كان كافرا، وكذلك إن كان فاجرا، فكفر الكافر، وفجوز الفاجر، لا يعود بنقص، ولا عيب في حقّه تعالى، وإنما يعود على صاحبه. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ: أنه قال لمعاذ بن جبل﵁لما وجهه إلى أرض اليمن: «واتّق دعوة المظلوم؛ فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب». وعن أبي ذر الغفاري﵁عن النبي ﷺ، عن رب العزة في دعوة المظلوم: «فإنّي لا أردّها، ولو كانت من كافر».\nالإعراب: ﴿أَمَّنْ﴾ قل فيه ما رأيته في الآية السابقة. ﴿يُجِيبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد من الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿دَعاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المضطر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ معطوفة على جملة: ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ لا محل لها مثلها، (يجعلكم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والكاف مفعول به أول. ﴿خُلَفاءَ:﴾\nمفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ لا محل لها مثلها. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٦٠].","vol":"6","page":746},{"text":"﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام رحمه الله تعالى في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال-رحمه الله تعالى-: ﴿ما:﴾ محتملة لثلاثة أوجه:\nأحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، وقليلا في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل، مثلها في: (أكلت أكلا ما) وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل.\nالوجه الثاني: النفي، وقليلا نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي تذكرا قليلا، أو زمنا قليلا.\nالثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: (قليل)، وقليلا حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى؛ أي: تذكروا فأخروا قليلا تذكرهم. أجازه ابن الحاجب، ورجّح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب قليلا على الوجه الأول، وذكر سليمان الجمل الوجه الأول واعتبر قليلا نعتا لمصدر محذوف، مثل اعتباره في الوجه الثاني، وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: فما يتذكرون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ تعليلية لا محل لها من الإعراب، وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة).\n\n<span id=\"aya-3222\"></span>﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ:﴾ يرشدكم، ويدلكم. ﴿فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ:﴾ إذا سافرتم إلى البلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار. وقيل: جعل مفاوز البر؛ التي لا أعلام لها، ولجج البحار كأنها ظلمات؛ لأنها ليس لها علم يهتدى به، والاهتداء في تلك الظلمات يكون بالنجم، وغيره، كما قال تعالى: ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وانظر شرح البر والبحر في الآية رقم [٥٩] من سورة (الأنعام).\n ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ:﴾ يبعثها. ويقرأ: «(الريح)» بالإفراد. ﴿بُشْرًا:﴾ جمع: بشير، وهو بضم الباء وسكون الشين، ويقرأ بضمتين، ويقرأ: «(نشرا)» بضم النون مع ضم الشين وسكونها على أنه جمع: نشور بمعنى: ناشر، كطهور بمعنى: طاهر، ويجوز أن يكون جمع: نشور بمعنى:\nمنشور، ويقرأ: «(نشرا)»، بفتح النون، وسكون الشين على أنه مصدر نشر بعد الطي كما يقرأ:\n «(بشرى)» على وزن: حبلى، أي: ذات بشارة، وكما يقرأ: «(بشرا)» بفتح الباء، وسكون الشين، وهو مصدر: بشرته: إذا بشرته.\n ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: أمام المطر؛ الذي هو رحمته، وإنما سماه الله: رحمة؛ لأنه سبب لحياة الأرض، وحياتها حياة للإنسان والحيوان، وكل شيء، كما هو مشاهد. و﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾","vol":"6","page":747},{"text":"بمعنى: أمام، وقدام مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، وهذه الجملة مذكورة في الآية رقم [٥٧] من سورة (الأعراف)، وانظر شرح ﴿الرِّياحَ﴾ في الآية رقم [٦٩] من سورة (الإسراء)، أو الآية رقم [٩] من سورة (الأحزاب).\n ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أي: يقدر على ذلك، ويعينه عليه. ﴿تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي:\nتقدس الله، وتنزه عن الذي يشركونه معه من الحجارة، والأوثان.\nالإعراب: ﴿أَمَّنْ﴾ انظر الآية رقم [٦٠] ففيها الكفاية. ﴿يَهْدِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من)، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من) على اعتبارها موصولة، والخبر محذوف، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية. ﴿فِي ظُلُماتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿ظُلُماتِ﴾ مضاف، و﴿الْبَرِّ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْبَحْرِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (من): معطوفة على ما قبلها. ﴿يُرْسِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿الرِّياحَ:﴾\nمفعول به. ﴿بُشْرًا:﴾ حال من الرياح، وقيل: مفعول مطلق، وهذا على قراءته بالنون، لأن أرسل، وأنشر متقاربان في المعنى. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿بُشْرًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى لفظا، وصورة، وحذفت النون للإضافة، و﴿يَدَيْ﴾ مضاف، و﴿رَحْمَتِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿يُرْسِلُ..﴾. إلخ صلة (من) على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية، ويكون العطف عطف جملة على جملة.\n ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ انظر الآية رقم [٦٠]. ﴿تَعالَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو: عن شيء يشركونه مع ﴿اللهِ﴾. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: تعالى الله عن شركهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3223\"></span>﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ:﴾ يبدأ الخلق: يوجده من العدم، مثل خلق الإنسان من النطفة، ومثله كثير، ثم يبعثه، وينشره بعد موته، وفنائه، والكفرة وإن أنكروا الإعادة؛ فهم معترفون بالإيجاد من العدم، وليس البعث، والإعادة بأصعب على الله من الإيجاد من العدم، بل هو أهون","vol":"6","page":748},{"text":"عليه. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بأسباب سماوية، وأرضية، من السماء بسبب المطر، ومن الأرض بسبب النبات. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ يخلق، ويرزق، ويبدئ ويعيد؟ لا، وألف لا، لا يوجد معه معين، ولا مساعد. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ:﴾ حجتكم على أنه صنع أحد شيئا من هذه الأشياء غير الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في ادعائكم: أن مع الله إلها آخر.\nتنبيه: ﴿هاتُوا:﴾ بمعنى: أحضروا. قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر الندى:\nوأما (هات وتعال) فعدّهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنهما فعلا أمر، بدليل أنهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، تقول: هاتي، وتعالي. ثم قال: واعلم أنّ آخر (هات) مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكورين، فإنه يضم، فتقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتيا يا زيدان، أو هاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات، كل ذلك بكسر التاء، وتقول: هاتوا يا قوم بضمها. انتهى. أقول: ومما ينبغي التنبه له: أنهما ملازمان للأمرية، فهما جامدان، لا ماضي، ولا مضارع لهما.\nالإعراب: ﴿أَمَّنْ:﴾ هو مثل الآية رقم [٦٠] بلا فارق. ﴿يَبْدَؤُا:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من) على اعتبارها موصولة، والخبر محذوف، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): معطوفة على ما قبلها. ﴿يَرْزُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من)، أو في محل رفع خبرها، على اعتبارها استفهامية، ويكون العطف عطف جملة على جملة.\n ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَإِلهٌ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. (إله): مبتدأ. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿هاتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُرْهانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.\n ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ، وجملة:\n ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين؛ فهاتوا... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"6","page":749},{"text":"<span id=\"aya-3224\"></span>﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ:﴾ العلم هنا من المعرفة، لا من اليقين. والغيب: هو ما لم يقم عليه دليل، ولا اطلع عليه مخلوق، والغيب:\nما غاب عن المخلوقات من معلومات لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد ذكرها ربنا في آخر آية من آيات سورة (لقمان)، وقال سبحانه في سورة (الرعد): ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾. وعن عبد الله بن عمر -﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلاّ الله تعالى: لا يعلم أحد ما يكون في غد إلاّ الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلاّ الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت، ولا يدري أحد متى يأتي المطر». وفي رواية أخرى: «لا يعلم ما تغيض الأرحام إلاّ الله، ولا يعلم ما في غد إلاّ الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلاّ الله، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلاّ الله، ولا يعلم متى تقوم السّاعة إلاّ الله». أخرجه البخاري. هذا؛ والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه، قال الشاعر المسلم: [الطويل]\nوبالغيب آمنّا، وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد\nأقول: وما اخترع من أشياء، وما اكتشف من أمور في هذا العصر، وما يتحدثون عنه من مغيبات، مثل نزول المطر، وغير ذلك، إنما هو قائم على التجربة، والتخمين، كثيرا ما يخطئ، وقد يصيب فيبقى من غيب الله تعالى.\n ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ:﴾ وما يعلمون في أي وقت يبعثون من قبورهم للحساب، والجزاء. وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق، ولم يطّلع عليه أحد، لئلا يأمن عبد من عبيده مفاجأة عقابه، وحسابه. وقالت عائشة﵂-: من زعم أن محمدا يعلم ما في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾.\nأخرجه مسلم. وأخيرا أقول: نزلت الآية الكريمة في المشركين حين سألوا رسول الله ﷺ عن وقت الساعة، وعليه؛ فالمعنى: أن الله هو الذي يعلم الغيب وحده، ويعلم متى تقوم الساعة؟\nوأخيرا أذكر ما قاله البيضاوي-رحمه الله تعالى-: لما بين الله تعالى اختصاصه بالقدرة التامة الفائقة العامة؛ أتبعه ما هو كاللازم له، وهو التفرد بعلم الغيب، والاستثناء منقطع، ورفع المستثنى على اللغة التميمية؛ للدلالة على: أنه تعالى إن كان ممن في السموات والأرض؛ ففيها من يعلم الغيب مبالغة في نفيه عنهم. أو متصل على أن المراد ممن في السموات والأرض من تعلق علمه بها، واطلع عليها اطلاع الحاضر فيها، فإنه يعمّ الله تعالى، وأولي العلم من خلقه.\nوهو موصول، أو موصوف.","vol":"6","page":750},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْغَيْبَ:﴾\nمفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ بدل من: ﴿مَنْ﴾ قاله أبو البقاء، ومكي، والمعنى:\nلا يعلم أحد الغيب إلا الله. وقيل: ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: غير، وهي صفة ل: ﴿مَنْ،﴾ فتكون مثل الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء)، ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، لكونها على صورة الحرف، و﴿إِلاَّ﴾ مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة: ﴿إِلاَّ،﴾ التي على صورة الحرف.\nهذا؛ وقال السمين: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: يعلمه، و﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: «لكن» إشارة إلى انقطاع الاستثناء. وقال ابن هشام في مغنيه: وفي الآية وجه آخر، وهو أن يقدر ﴿مَنْ﴾ مفعولا به، والغيب بدل اشتمال، والله فاعل، والاستثناء مفرغ. وأعتمد الوجه الثاني من الأوجه الأربعة المتقدمة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده، وهو معلق لما قبله عن العمل لفظا. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾\nفعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل (يشعرون)، وهذه الجملة في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط:\nالواو فقط، والكلام: ﴿لا يَعْلَمُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3225\"></span>﴿بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ:﴾ قال البيضاوي رحمه الله تعالى: لما نفى عنهم علم الغيب، وأكد ذلك بنفي شعورهم، بما هو مالهم لا محالة؛ بالغ فيه بأن أضرب عنه، وبين: أنّ ما انتهى، وتكامل فيه أسباب علمهم من الحجج والآيات، وهو أن يوم القيامة كائن لا محالة، لا يعلمونه كما ينبغي. انتهى. وقال النسفي: والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم، وتكرير لجهلهم. وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون: أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة. انتهى. وكلاهما اختصره من الكشاف. هذا؛ و: ﴿اِدّارَكَ﴾ بمعنى لحق وتتابع.\nوخذ تتمة ما قاله الزمخشري-رحمه الله تعالى-: ألا ترى أن من لم يسمع اختلاف المذاهب، وتضليل أربابها بعضهم لبعض؛ كان أمره أهون ممن سمع بها، وهو جاثم لا يشخص به طلب","vol":"6","page":751},{"text":"التمييز بين الحق والباطل. انتهى. أي: لا يبحث عن سبب الاختلاف بين المذاهب، ويتعرف دليل كل مذهب، ووجهة نظر إمام المذهب، وهذا يعني: أن الإنسان إذا تعرف أسباب الاختلاف بين المذاهب الأربعة، لا يبقى عنده شك في أن كل مذهب على حق، ولكلّ وجهة الله مولّيه إياها.\n ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ أي: من الآخرة، فهم كمن تحيّر في أمر لا يجد عليه دليلا، ولا يهتدي إليه سبيلا، ولكنهم إذا أبصروا القيامة؛ أيقنوا بها، وزال شكهم فيها.\n ﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ:﴾ لا يدركون دلائلها؛ لاختلال بصيرتهم؛ وإن كانت لهم أبصار: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. هذا؛ وواحد ﴿عَمُونَ﴾ عمو، وقيل: عم، أصله عمي، وقد مر معنا إعلال مثله، وعليه فجمعه: عميون، حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها، وعليه فقد تصرف فيه بحذف لامه كقاض إذا جمع، وهو صفة مشبهة.\nوفي السمين، يقال: عم: إذا كان أعمى البصيرة، غير عارف بأموره، وأعمى، أي: في البصر، وهذا قول الليث، وقيل: عم، وأعمى، كخضر، وأخضر. هذا؛ ولم يذكر هذا اللفظ في غير هذه السورة، وذكر بلفظ: ﴿عَمِينَ﴾ في الآية رقم [٦٤] من سورة (الأعراف).\nبعد هذا في الفعل (ادّارك) اثنتا عشرة قراءة، أذكر بعضها والمعتمد منها: (ادّارك): أصله:\nتدارك، وقد قرئ به أيضا، فأدغمت التاء في الدال بعد قلبها دالا، وتسكينها، ثم اجتلبت همزة الوصل ليمكن النطق بالساكن، ولهذه الكلمة نظائر، مثل: ادّكر، واطّلع، والطّيّر، وادّارأتم، وازّيّن؛ إذ الأصل: تدارأتم، وتزيّن، وقال تعالى في سورة (الأعراف) الآية رقم [٣٨]. ﴿حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ ومعنى القراءتين واحد، وفي معناه قولان: أحدهما: أن المعنى: بل تكامل علمهم في الآخرة؛ لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة، فتكامل علمهم به. والقول الآخر: أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة، فقالوا: تكون، وقالوا: لا تكون،\nوقرئ: «(أدرك)» من الإدراك، وفي معناه قولان: أيضا: أحدهما: أن معناه: كمل في الآخرة، وهو مثل الأول، قال مجاهد: معناه: يدرك علمهم في الآخرة، ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم؛ لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين. والقول الآخر: أنه على معنى الإنكار، وهو مذهب أبي إسحاق، واستدل على هذا القول بأن بعده: ﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ أي: لم يدرك علمهم علم الآخرة. وقيل: بل ضلّ، وغاب علمهم في الآخرة، فليس لهم فيها علم انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nهذا؛ وقد تفرد الجلال رحمه الله تعالى بقوله: ﴿بَلِ﴾ بمعنى «هل» التي للاستفهام الإنكاري، ومعناه: ليس الأمر كذلك. ولم يسلك هذا التقرير غيره، بل أبقوا «بل» على أصلها من الإضراب الانتقالي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿اِدّارَكَ:﴾ فعل ماض ﴿عِلْمُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور","vol":"6","page":752},{"text":"متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بالمصدر علمهم، وهو أولى، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب وانتقال أيضا. ﴿عِلْمُهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شَكٍّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿عِلْمُهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿عَمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة... إلخ.\n\n<span id=\"aya-3226\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: في الآية قراآت كثيرة، وأوجه متعددة، وأقتصر على هذه القراءة شرحا، وإعرابا، فالمراد بالذين كفروا: كفار قريش، والآية بيان لضلالهم، وإنكارهم للبعث، والحساب، والجزاء، وعمههم عن طريق الحق، والصواب، والمراد بالإخراج: الإخراج من القبور، أو من حال الفناء بعد الموت إلى الحياة، والوجود. ومعنى الآية رقم [٨٢] من سورة (المؤمنون) قريب من معنى هذه الآية، فهو تعجب منها، واستبعاد للبعث، والإحياء بعد الموت، وفناء الجسد، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم كانوا يظنون: أن البعث، والإعادة إنما يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم. وتكرير حرف الاستفهام إنكار بعد إنكار، وجحود عقيب جحود، ودليل على كفر مؤكد، مبالغ فيه.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَإِذا:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وهذا عند سيبويه. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿تُرابًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا تُرابًا﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المشهور المرجوح، وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: أئذا كنا ترابا نخرج، ولا يجوز أن يعمل فيها مخرجون؛ لأن كلا من الهمزة و(إنّ) واللام مانعة من عملها فيما قبلها.\n ﴿وَآباؤُنا:﴾ الواو: حرف عطف. (آباؤنا): معطوف على (نا) وجاز ذلك للفصل بينهما ب: ﴿تُرابًا،﴾ و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والكلام ﴿أَإِذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير","vol":"6","page":753},{"text":"متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمُخْرَجُونَ:﴾ اللام:\nهي المزحلقة. (مخرجون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية:\n ﴿أَإِنّا﴾ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة بالإنكار، وقرئ بدون الاستفهام فيها. فيكون الإنكار حصل بالأولى، وهذه مرتبطة فيها من جهة التوكيد، فالإنكار بالأولى إنكار فيها أيضا، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3227\"></span>﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ﴾ أي: هذا الوعد، وهو: البعث بعد الموت، والحساب، والجزاء. ﴿وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وعد آباءنا قوم زعموا أنهم رسل من قبل مجيء محمد، فلم نرهم بعثوا، ولم نر لذلك حقيقة قولهم هذا؛ لأنهم ظنوا: أن البعث، والإعادة بعد الموت إنما يكونان في الدنيا، وهم لم يروا، ولم يسمعوا: أن أحدا خرج من قبره بعد موته. ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما هذا الذي يقوله محمد: «إننا نبعث بعد الموت» إلا أكاذيب الأولين، وترهاتهم، وخرافاتهم؛ التي سطروها. هذا؛ والآية بحروفها مذكورة في سورة (المؤمنون) برقم [٨٣] مع ملاحظة تقديم، ﴿هذا﴾ على ﴿نَحْنُ﴾ هنا؛ لأن المقصود بالذكر هو البعث، وأخر في سورة (المؤمنون) ﴿هذا﴾ على ﴿نَحْنُ﴾ فالمقصود به المبعوثون نظرا إلى الاهتمام. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر شرح (أساطير) في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، أو هي لام الابتداء. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿وُعِدْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و(نا): ضمير متصل في محل رفع نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع توكيد ل: (نا). ﴿وَآباؤُنا:﴾ الواو: حرف عطف. (آباؤنا):\nمعطوف على (نا) بعد توكيدها، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿وُعِدْنا،﴾ أو بمحذوف صفة: (آباؤنا)، أي: الكائنون من قبلنا، ومقتضى القاعدة أن يكونا متعلقين بمحذوف حال منه؛ لأنه معرفة بالإضافة للضمير، ولكن المراد به الماضي، وهو لا يتفق مع الحال. تأمل، وبني (قبل) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، أو لأنها ابتدائية. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الذين كفروا.","vol":"6","page":754},{"text":"<span id=\"aya-3228\"></span>﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ:﴾ هذا أمر لكفار قريش؛ لينظروا ما فعل الله بالأقوام الذين كذبوا رسلهم؛ حيث أهلكهم بسبب ذلك، وفيه تهديد، ووعيد لا يخفيان لأهل مكة ولكلّ المكذبين المجرمين. هذا؛ وقد قال الله تعالى هنا: ﴿فَانْظُرُوا﴾ ومثلها الآية رقم [٣٦] من سورة (النحل)، والآية رقم [١٣٧] من سورة (آل عمران) بينما قال تعالى في الآية رقم [١١] من سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ والفرق بينهما: أن النظر في السور الثلاث جعل مسببا عن السير، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير في سورة (الأنعام) إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب: ﴿ثُمَّ،﴾ التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح، وانظر التعبير عن الكافرين بالمجرمين، ونحوه في الآية رقم [٢٠٠] من سورة (الشعراء)، ورحم الله البيضاوي حيث قال: والتعبير عن الكافرين بالمجرمين ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرائم، وانظر عدم تأنيث ﴿كانَ﴾ في الآية رقم [٥١].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَانْظُرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظروا):\nفعل أمر وفاعله، والألف للتفريق، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر (كان)، تقدم عليها، وعلى اسمها، وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة فهو في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل في الحال ﴿كانَ﴾. ﴿عَقِبِهِ:﴾ اسم (كان) أو فاعل بها، و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل: (انظروا)، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وجملة: ﴿قُلْ سِيرُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3229\"></span>﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمعنى: لا تحزن على الكافرين الذين ناصبوك العداء، ولم يتبعوك، وآذوك، وأصحابك بأنواع الأذى. ﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا تغتم يا محمد، ولا يضيق صدرك بسبب مكرهم، وتدبير الكيد لك، فإن الله مذلهم، وخاذلهم، وناصرك عليهم.\nهذا؛ وقرئ (ضيق) بفتح الضاد وكسرها، وهما لغتان كالقول، والقيل، ويجوز أن يكون بالفتح مخففا من المشدد مثل تخفيف: هين، ولين، ونحوهما، وقال الفراء: الضّيق: ما ضاق","vol":"6","page":755},{"text":"عنه صدرك، والضّيق ما يكون في الذي يتسع، ويضيق، مثل الدار، والثواب. والمكر: تدبير الأمر في الخفاء. ولا تنس: أن الآية مذكورة بحروفها في الآية رقم [١٢٧] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَحْزَنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ لا محل لها مثلها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا)، واسمه مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿فِي ضَيْقٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُنْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِمّا:﴾ (من): حرف جر. (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من مكرهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿ضَيْقٍ﴾ أو بمحذوف صفة له. هذا؛ واعتبار (ما) موصولة أو موصوفة فيه ضعف لا يخفى. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-3230\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)﴾\nالشرح: والمعنى يقول كفار قريش: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ أي: الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب؟! وقيل: قيام الساعة. وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب، والاستبعاد، والاستهزاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: فيما تعدوننا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع؛ لأن كل أمة من الأمم السابقة قالت لرسولها كذلك، أو المعنى: إن كنتم صادقين أنت، وأتباعك يا محمد ﷺ! وينبغي أن تعلم: أن هذه الآية تكررت بحروفها في كثير من السور، وفيها تسلية للنبي ﷺ.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين؛ فمتى يتحقق صدقكم، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3231\"></span>﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ:﴾ تبعكم، ولحقكم. ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ:﴾ حلوله ونزوله، وهو عذاب يوم بدر، ولعل، وعسى، وسوف في مواعيد الملوك كالجزم بها، وإنما","vol":"6","page":756},{"text":"يطلقونها إظهارا لوقارهم، وإشعارا بأن الرمزة منهم كالتصريح من غيرهم، وعليه جرى وعد الله تعالى، ووعيده، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن»، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في محل رفع فاعل ﴿عَسى،﴾ وهو تام هنا، وإن كان من أفعال الرجاء. هذا؛ وقيل: هي الناقصة هنا، واسمها ضمير، والمصدر المؤول خبرها، وهو غير وجيه. تأمل. ﴿رَدِفَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا على اعتبار الفعل لازما، واعتباره بمعنى: دنا، واقترب، وقد تعدى باللام، وأما على اعتباره متعديا بمعنى: تبع ولحق، فاللام زائدة، ويسميها ابن هشام لام التقوية، والكاف في محل نصب مفعول به، وإن كانت مجرورة لفظا باللام. هذا؛ وقيل: الفعل متعد، والمفعول محذوف، واللام أصلية، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير:\nردف الخلق لأجلكم، وهذا ضعيف كما ترى. ﴿بَعْضُ:﴾ فاعل: ﴿رَدِفَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿يَكُونَ،﴾ وعلى هذا فاسم ﴿يَكُونَ﴾ ضمير شأن محذوف، وهو قول الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي في الآية رقم [١٨٥] من سورة (الأعراف)، وجوز السمين اعتبار ﴿بَعْضُ﴾ اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخرا. وجملة: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ في محل نصب خبر مقدم، وعليه ففاعل: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى متأخر لفظا، وأرى: أن الفعلين ﴿يَكُونَ﴾ و﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ قد تنازعا ﴿بَعْضُ﴾ فالمسألة من باب التنازع، تأمل جيدا يظهر لك ذلك جليا بعونه تعالى، و﴿بَعْضُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي تستعجلونه، وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3232\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويعم كل عاقل. ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ:﴾ صاحب إنعام، وجود، وإفضال على الناس حيث لم يعاجلهم بالعقاب، والانتقام على المعاصي، والمنكرات، والفضل، والفاضلة: الإفضال، وجمعهما: فضول، وفواضل. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يعرفون حق النعمة، ولا يشكرون الله على فضله، وجوده، وكرمه، فهم يستعجلون العذاب بجهلهم. هذا؛ وقد قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ سورة (سبأ) رقم [١٣].\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم (إن)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.","vol":"6","page":757},{"text":"﴿لَذُو:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذو) مضاف، و﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿فَضْلٍ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفه له، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف.. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾\nاسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وقيل: في محل نصب حال، والمعنى لا يؤيده قطعا.\n\n<span id=\"aya-3233\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ:﴾ تخفي صدورهم، وقرئ: «(ما تكنّ)» بفتح التاء وضم الكاف، من: كننت الشيء، وأكننته: إذا سترته، وأخفيته. ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾ يظهرون من عداوتك، فليس تأخير العذاب لخفاء حالهم، ولكن له وقت مقدر أوانه، فهو ﷾ يعلم ما يخفون، وما يعلنون من عداوة رسول الله ﷺ ومكايدهم، وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقون. وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. هذا؛ وقد ذكرت الآية بحروفها كاملة في سورة (القصص) برقم [٦٩] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم (إن)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿لَيَعْلَمُ:﴾ اللام: هي المزحلقة (يعلم):\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تُكِنُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿صُدُورُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ليعلم الذي، أو شيئا تكنه صدورهم، وجملة: ﴿لَيَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ معطوفة على سابقتها، وباقي الإعراب لا خفاء فيه، فهو مثل سابقه بلا فارق.\n<span id=\"aya-3234\"></span>﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾\nالشرح: أي: وما من شيء يغيب في السماء، والأرض عن أعين الناس، ومشاهدتهم إلا هو مسجل، ومكتوب في اللوح المحفوظ، سمي الشيء الذي يغيب، ويخفى: غائبة، وخافية،","vol":"6","page":758},{"text":"والتاء فيهما كالتاء في العاقبة والعافية، ونظائرهما: الرمية، والنطيحة، والذبيحة في أنها أسماء غير صفات. ويجوز أن يكونا صفتين، وتاؤهما للمبالغة كالراوية، وإذا كان الله يعلم كل شيء في السموات، والأرض؛ فكيف يخفى عليه ما يسر هؤلاء، وما يعلنونه، فأما عذابهم، وعقابهم، فله أجل مضروب مسجل لا يتأخر عنه، ولا يتقدم، فلماذا يستعجلونه؟!.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿غائِبَةٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان ب ﴿غائِبَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿كِتابٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو.\n\n<span id=\"aya-3235\"></span>﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾\nالشرح: إن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ يبين لليهود، والنصارى-الذين هم من أولاد يعقوب-الكثير مما اختلفوا فيه، وتخاصموا بشأنه، فإنهم اختلفوا في شأن عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كما رأيت في سورة (التوبة) و(المائدة) وغيرهما؛ حيث تحزبوا فيه أحزابا، ووقع التناكر بينهم في أشياء كثيرة، حتى لعن بعضهم بعضا، قال تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا، وأخذوا به وأسلموا؛ لنالوا خيري الدنيا، والآخرة، ولفازوا بالحسنيين.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿يَقُصُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الْقُرْآنَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلى بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n ﴿أَكْثَرَ:﴾ مفعول به، و﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون، في محل جرّ بالإضافة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ..﴾. إلخ مبتدأة أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.","vol":"6","page":759},{"text":"<span id=\"aya-3238\"></span>﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ:﴾ أمره بالتوكل عليه تعالى في جميع أموره، وكافة شؤونه، وعدم المبالاة بأعداء الله، وأعدائه، وانظر (التوكل) في الآية رقم [٢١٧] من سورة (الشعراء). ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ:﴾ هذا تعليل للتوكل بأنه على الحق الأبلج، وهو الدين الواضح، والصراط","vol":"6","page":760},{"text":"المستقيم؛ الذي لا شك، ولا ريب فيه. وفيه بيان: أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله وبنصرته؛ لأن للباطل جولة، ثم يضمحل. وقيل: للباطل جولة، وللحق ألف جولة، قال تعالى:\n ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾.\nهذا؛ والحق ضد الباطل، قال الراغب: أصل الحق المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة. والحق يقال لموجد الشيء بسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحقّ، للموجد بحسب مقتضى الحكمة حقّ؛ ولذلك يقال: فعل الله كلّه حقّ، نحو قولنا: الموت حقّ، والحساب حقّ... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق، وللفعل والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق، ويقال:\nأحققت ذا، أي: أثبتّه حقّا، أو: حكمت بكونه حقّا. انتهى. بغدادي.\nالإعراب: ﴿فَتَوَكَّلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، ومحققا، فتوكل... إلخ. (توكل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿عَلَى اللهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿عَلَى الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿الْمُبِينِ:﴾ صفة الحق، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-3239\"></span>﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾\nالشرح: لما كان الكفار، لا يفهمون ما يسمعون، ولا به ينتفعون؛ شبهوا بالموتى، وهم أحياء صحاح الحواس، وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون، وبالعمي حيث يضلون الطريق، ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداة بصراء إلا الله تعالى. ثم أكد حال الصم بقوله: ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ؛﴾ لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا؛ كان أبعد عن إدراك صوته. انتهى. نسفي.\nهذا؛ وأقول: إن الله قال عنهم في سورة (البقرة): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ؛﴾ وهم لم يكونوا في الحقيقة كذلك، ولكن المعنى: هم صم عن سماع الحق، وهم خرس عن النطق بالحق، وهم عمي عن طريق الحق، فلا يهتدون، وهذا تكرر في القرآن الكريم، وآية الأعراف رقم [١٧٩] ذكرت أن لهم قلوبا، ولكن لا يفقهون بها، وأن لهم أعينا؛ ولكن لا يبصرون بها طريق الخير، والهدى، وأن لهم آذانا، ولكن لا يسمعون بها الحق سماع قبول، وتدبر. هذا؛ والموتى جمع:\nميت ويجمع على أموات، وكلاهما جمع تكسير، ويجمع جمع سلامة أيضا: ميتون، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.","vol":"6","page":761},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾\nنافية، ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره:\nالدعاء، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) وما بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر قبلها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿تُسْمِعُ﴾. ﴿وَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعل، والألف للتفريق. ﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال مؤكدة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. هذا؛ والآية مذكورة برقم [٥٢] من سورة (الروم).\n\n<span id=\"aya-3240\"></span>﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَنْتَ:﴾ يا محمد. ﴿بِهادِي الْعُمْيِ:﴾ عمى البصيرة لا عمى البصر، والمعنى:\nما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان. ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا:﴾ لا تسمع سماع قبول، وتدبر إلا من يؤمن، ويصدق بالقرآن: أنه منزل من عند الله.\n ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ:﴾ مخلصون، من قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ أي: جعله سالما لله خالصا له، أي: لا رياء، ولا حب سمعة، ومحمدة. وانظر الآية رقم [٥٣] من سورة (الروم).\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِهادِي:﴾ الباء:\nحرف جر زائد. هادي: خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، وهو مضاف، و﴿الْعُمْيِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (هادي)، وأجاز أبو البقاء تعليقهما ب: (العمي)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿تُسْمِعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ لا محل لها. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ﴾","vol":"6","page":762},{"text":"﴿تُسْمِعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3241\"></span>﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وجب عليهم العذاب، وقيل: إذا غضب الله عليهم.\nوقيل: إذا وجبت الحجة عليهم؛ وذلك: أنهم إذا لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر.\nوقيل: إذا لم يرج صلاحهم، وذلك في آخر الزمان قبل قيام الساعة.\nفعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال قبل ستّ: طلوع الشمس من مغربها، والدّخان، والدجّال، والدّابّة، وخويصّة أحدكم، وأمّ العامريّة». رواه مسلم. انتهى. خازن ولدى مراجعة صحيح مسلم وجدت الحديث بسنده إلى أبي هريرة كما يلي: «بادروا بالأعمال ستّا: طلوع الشّمس من مغربها، والدّخان، والدّجّال، والدّابّة، وخاصّة أحدكم، وأمر العامّة». بروايتين: الأولى بأو، والثانية بالواو العاطفة. وفسرت «خويصّة أحدكم» و«خاصّة أحدكم» بالموت، وفسرت «أمّ العامريّة» و«أمر العامّة» بالفتنة التي تعم الناس، أو الأمر الذي يستبد به العوام، ويكون من قبلهم دون الخواص من تأمير الأمة. هذا؛ وفي القاموس المحيط: والخويصّة تصغير الخاصّة، ياؤها ساكنة؛ لأن ياء التصغير لا تتحرك، وفسرت الخاصة بشواغل النفس، وأمر العامة بيوم القيامة.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدّابّة على النّاس ضحى، وأيّتهما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبا». أخرجه مسلم.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «تخرج الدّابّة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتّى إنّ أهل الخوان ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وروى البغوي بإسناده عن الثعلبي وأوصله القرطبي إلى حذيفة بن اليمان﵁- عن النبي ﷺ قال: «يكون للدّابّة ثلاث خرجات من الدّهر، فتخرج خروجا بأقصى اليمن، فيفشو ذكرها في البادية، لا يدخل ذكرها القرية-يعني: مكّة-ثم تمكث زمانا طويلا، ثمّ تخرج خرجة أخرى، قريبا من مكة، فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية-يعني: مكة-ثمّ بينا","vol":"6","page":763},{"text":"النّاس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة، وأكرمها على الله-يعني الحرام-لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو، وتدنو كذا-وقال القرطبي: ترغو، وترغو-قال عمر: وما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك، فارفضّ الناس عنها، وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب، فمرت بهم، فجلت وجوههم، حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت في الأرض، لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، حتى إن الرجل ليقوم، فيتعوّذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان الآن تصلي، فيقبل عليها بوجهه، فتسمه بوجهه، فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشركون في الأموال، يعرف المؤمن من الكافر، فيقال للمؤمن:\nيا مؤمن! ويقال للكافر: يا كافر!».\nوبإسناد الثعلبي عن حذيفة بن اليمان﵁ذكر رسول الله ﷺ الدابة، قلت:\nيا رسول الله: من أين تخرج؟ قال: «من أعظم المساجد حرمة على الله، فبينما عيسى يطوف بالبيت، ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض، وينشقّ الصّفا، مما يلي المسعى، وتخرج الدّابّة من الصّفا، أوّل ما يخرج منها رأسها، ملمّعة، ذات وبر وريش، لن يدركها الطالب، ولن يفوتها هارب، تسم الناس مؤمنا، وكافرا، فأما المؤمن؛ فتترك وجهه كأنه كوكب درّيّ، وتكتب بين عينيه: مؤمن، وأما الكافر؛ فتنكت بين عينيه: نكتة سوداء، وتكتب بين عينيه: كافر».\nوروي عن ابن عباس﵄أنه قرع الصفا بعصاه؛ وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه. وعن ابن عمر﵄قال: تخرج الدابة ليلة جمع، والناس يسيرون إلى منى. وعن أبي هريرة﵄أن رسول الله ﷺ: قال: «بئس الشّعب شعب أجياد مرّتين، أو ثلاثا، قيل: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: تخرج منه الدابة، تصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين.»\nوروي عن ابن الزبير﵄-: أنه وصف الدابة، فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّ، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا. انتهى. خازن ببعض تصرف، وهذا كله في القرطبي وزاد: أن الدابة فصيل ناقة صالح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وصححه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أي: بكلام عربي فصيح. قيل: تقول: هذا مؤمن، وهذا كافر. وقيل: تقول ما أخبر الله به ﴿أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أي: بخروجي؛ لأن خروجها من الآيات. وتقول:\n ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ وقولها هذا حكاية لقول الله ﷿، أو على معنى: بآيات ربنا، أو لاختصاصها بالله، وأثرتها عنده، وأنها من خواص خلقه أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقول","vol":"6","page":764},{"text":"بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه، وبلاده. انتهى. كشاف بتصرف. هذا؛ والدابة التي الكلام فيها يطلق عليها اسم: الجسّاسة، وتنوينها، وتنكيرها لإبهامها، وتفخيمها، لتسترعي الانتباه إليها، وتلفت الأنظار إلى ترقب خروجها، وهي من الأمور المغيبة التي نؤمن بها، ونعتقد بخروجها؛ لأن القرآن جاء بها، وأحاديث الرسول ﷺ نوّهت بشأنها.\nتنبيه: خروج الدابة من الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك من مبادئ وقوع الساعة، وقيامها كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة، وقد ثبت: أن للساعة علامات تتقدمها، وتدل عليها، وهي علامات صغرى، وعلامات كبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفسوق، والفجور، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن. وأما العلامات الكبرى؛ فعشرة، وهي: الدجال، وظهور المهدي، ونزول عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوف الثلاثة الكبرى: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج النار، وطرد الناس إلى أرض المحشر، والدخان، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها؛ أغلقت أبواب الرحمة، ولم تقبل توبة. وهذا فحوى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾. (الأنعام) [١٥٨] انظر شرحها هناك.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿وَقَعَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، على المشهور المرجوح. ﴿أَخْرَجْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿دَابَّةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿دَابَّةً،﴾ وجملة: ﴿أَخْرَجْنا..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿تُكَلِّمُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿دَابَّةً،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿دَابَّةً،﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿النّاسَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع","vol":"6","page":765},{"text":"خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nتكلمهم بكونهم لا يوقنون. هذا؛ وأجيز اعتبار المصدر في محل نصب مفعول به ثان على تضمين ﴿تُكَلِّمُهُمْ:﴾ «تخبرهم» وهو جيد. هذا؛ ويقرأ بكسر همزة (إن). وفي الجملة الاسمية قولان:\nأحدهما: الاستئناف، والثاني: على تضمين ﴿تُكَلِّمُهُمْ:﴾ «تقول لهم» ولا بأس به أيضا.\n\n<span id=\"aya-3242\"></span>﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾\nالشرح: أي: واذكر يوم نجمع من كل أمة من الأمم زمرة من الكافرين الذين كذبوا رسلهم، ولم يؤمنوا بآيات ربهم؛ التي أنزلها على تلك الرسل. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يدفعون، ويساقون إلى موضع الحساب، قال الشماخ: [الرجز]\nوكم وزعنا من خميس جحفل... وكم حبونا من بئيس مسحل\nوقال قتادة: ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يردّ أولهم على آخرهم. وانظر الآية رقم [١٧]، وانظر شرح ﴿أُمَّةٍ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (الحج). هذا؛ وفوج: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل:\nقوم، ورهط... إلخ، وجمعه: أفواج، وفؤوج، وجمع الجمع: أفاوج، وأفايج، وأفاويج.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو.\n ﴿نَحْشُرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿فَوْجًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا... إلخ، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَوْجًا:﴾ مفعول به، ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَوْجًا﴾ على تعليق: ﴿مِنْ كُلِّ﴾ بالفعل قبلهما، و﴿مِمَّنْ﴾ بدل من ﴿كُلِّ أُمَّةٍ﴾ على تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿فَوْجًا﴾ كما رأيت.\nوقول الزمخشري، وغيره: ﴿مِنْ﴾ الأولى للتبعيض، و(من) الثانية للتبيين، ولا يبين الإعراب الحقيقي فيهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿يُكَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى من، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَحْشُرُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (يوم) إليها.\n ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف تفريع وعطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُوزَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"6","page":766},{"text":"<span id=\"aya-3243\"></span>﴿حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا جاؤُ:﴾ يوم القيامة إلى المحشر. ﴿قالَ﴾ أي: الله تعالى لهم:\n ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ أي: لم تصدقوا بما أنزلت على رسلي من كتب، وتعاليم سماوية. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أي: ولم تعرفوها حق معرفتها. ﴿أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: أم أي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك، وهو للتبكيت؛ لأنهم لم يفعلوا غير التكذيب من الجهل، فلا يقدرون أن يقولوا: فعلنا غير ذلك، فكأنهم لم يخلقوا إلا للكفر، والمعصية، وإنما خلقوا للإيمان والطاعة، يخاطبون بهذا الكلام قبل كبهم في النار، ثم يكبون فيها، وذلك قوله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل ذلك حرف جر، وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى الوجهين؛ فهي غاية، لما قبلها من كلام. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٨٢].\n ﴿جاؤُ:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف؛ أي: جاؤوا إلى مكان الحساب، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المرجوح، وهو المشهور. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿أَكَذَّبْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (كذبتم): فعل، وفاعل. ﴿بِآياتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُحِيطُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل مع الميم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِلْمًا:﴾ مفعول به. ﴿أَمّا ذا:﴾ (أم): حرف إضراب، وانتقال. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، وهو مفعول تعملون. هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) كله في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في محل رفع خبره، كما يجوز اعتباره اسما مركبا في محل نصب مفعولا به مقدما ل: ﴿تَعْمَلُونَ،﴾ وسواء أكانت الجملة اسمية، أو فعلية، فهي مستأنفة، وهي في محل نصب مقول القول.","vol":"6","page":767},{"text":"<span id=\"aya-3244\"></span>﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: حل بهم العذاب الموعود على ألسنة الرسل، عليهم الصلاة والسّلام، وهو كبهم في النار. ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أي: بسبب التكذيب، وقد ظلموا أنفسهم به، حيث كان شؤمه عليهم. ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ أي: بحجة تدفع عنهم العذاب، وقيل: يختم على أفواههم، فلا ينطقون، وقد ذكرت لك فيما مضى مرارا: أن الكفار في مواطن يتكلمون، وفي مواطن لا يتكلمون يوم القيامة.\nهذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ﴾. الثالث: الحركة، والإمالة، يقال:\nقالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾.\nالخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذا قول الأشاعرة، أي: ما يعتقدونه.\nوانظر شرح الكلام في الآية رقم [١٠٩] من سورة (المؤمنون) أو [٣٥] من سورة (الروم).\nالإعراب: ﴿وَوَقَعَ:﴾ الواو: حرف عطف. (وقع): فعل ماض. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثل إعراب: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.\n<span id=\"aya-3245\"></span>﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: أي: ألم يعلموا علما يقينا لا شك فيه: أن الله ﷾ قد جعل الليل للهدوء، والاستقرار بالنوم، والراحة. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أي: جعل النهار مبصرا؛ أي: جعلنا شمسه مضيئة للإبصار. فيكون المعنى مبصرا فيه بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر، بل يبصر فيه، فهو من إسناد الحدث إلى زمانه، فهو مجاز عقلي، مثل: ليله قائم، ونهاره صائم.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: بتقلب الليل، والنهار، واختلافهما. ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لعلامات، ودلالات على قدرة الله تعالى، فيهتدوا بذلك إلى الإيمان بالحشر، والنشر، وبعثة الرسل؛ لأن تعاقب الظلمة، والنور على وجه مخصوص غير متعين بذاته، لا يكون إلا بقدرة قادر قاهر، وأن من قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادة واحدة؛ قدر على إبدال الموت بالحياة في مواد","vol":"6","page":768},{"text":"الأبدان، وأن من جعل النهار؛ ليبصروا فيه سببا من أسباب معاشهم، لعله لا يخل بما هو مناط جميع مصالحهم في معاشهم، ومعادهم. انتهى. بيضاوي بتصرف.\nتنبيه: في الكلام حذف وتقدير؛ إذ التقدير: ألم يروا أنا جعلنا الليل مظلما؛ ليسكنوا فيه، وجعلنا النهار مبصرا؛ ليتحركوا فيه، ويسعوا إلى معايشهم. فحذف من أحدهما ما أثبته في الآخر، ويسمى هذا احتباكا في الكلام. هذا؛ ولا تنس: أن (جعل) هنا بمعنى: خلق، فلذا تعدى إلى مفعول واحد فقط.\nهذا؛ والليل واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر وتمرة، وقد جمع على ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع: كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب، وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز]\nلولا الثّريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل، وثريد بالنّهر\nوفي القليل: أنهر، والنهار: من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر على ما تقدم في نهاية الليل إلى غروب الشمس. وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما رأيت في الآية رقم [١٣٥] من سورة (الشعراء). هذا؛ و(الليل) يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]\nإذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اللَّيْلَ:﴾\nمفعول به، ﴿لِيَسْكُنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿جَعَلْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدت مسد مفعول، أو مفعولي ﴿يَرَوْا،﴾ وجملة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (النهار): معطوف على الليل. ﴿مُبْصِرًا:﴾\nحال من النهار، أو هو مفعول ثان للفعل المقدر. تأمل. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾\nحرف جر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ والجار والمجرور","vol":"6","page":769},{"text":"متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ في محل جر صفة: قوم، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3246\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:﴾ الصور: كهيئة البوق، قاله مجاهد. ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: ما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود والترمذي، قال أبو هريرة﵁-، قال النبي ﷺ: «إنّ الله لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصّور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر بالنفخة». قلت:\nيا رسول الله! ما الصّور؟ قال: «قرن والله عظيم، والّذي بعثني بالحقّ إنّ عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض». وعن أبي سعيد الخدري﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ».\nوكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟! وكيف نقول؟ فقال: «قولوا:\nحسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكّلنا، وربّما قال: توكّلنا على الله». أخرجه الترمذي.\nوينبغي أن تعلم: أن الذي ينفخ في الصور إنما هو إسرافيل ﵇، أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين، بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى لإماتة جميع الخلق، والثانية لإحيائهم، وبعثهم للحساب والجزاء، خذ قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ بعد هذا أذكر أن الزمخشري-رحمه الله تعالى-قال: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، مثل: نفق، ونفث، ونفش... إلخ.\n ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ التعبير بالماضي لتحقق وقوعه، وثبوته، وأنه كائن لا محالة. هذا؛ وفي هذا الفزع قولان: أحدهما: أنه الإسراع، والإجابة إلى النداء من قولهم:\nفزعت إليك في كذا: إذا أسرعت إلى ندائك في معونتك، والقول الثاني: أنه الفزع المعهود من الخوف، والحزن؛ لأنهم أزعجوا من قبورهم، وخافوا. وهذا أشبه القولين، ولذا يقولون مرعوبين: ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟!﴾.","vol":"6","page":770},{"text":"﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ:﴾ روى أبو هريرة﵁-: أن النبي ﷺ، سئل عن قوله تعالى ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾. قال: «هم الشهداء متقلّدون أسيافهم حول العرش». وقال ابن عباس -﵄-: هم الشهداء؛ لأنهم أحياء عند ربهم، لا يصل إليهم الفزع. وقيل: يعني:\nجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، فلا يبقى بعد النفخة الأولى إلا هؤلاء الأربعة.\nويروى: أن الله تعالى يقول لملك الموت: خذ نفس إسرافيل، فيأخذ نفسه، ثم يقول: من بقي يا ملك الموت؟ فيقول: سبحانك ربي، تباركت، وتعاليت يا ذا الجلال، والإكرام، بقي وجهك الباقي الدائم، وبقي جبريل وميكائيل، وملك الموت. فيقول: خذ نفس ميكائيل، فيقع كالطود العظيم، فيقول: من بقي من خلقي؟ فيقول: سبحانك ربي، تباركت، وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام! بقي وجهك الدائم الباقي، وجبريل الميت الفاني. فيقول الله: يا جبريل لا بد من موتك، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه.\nويروى: أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش، فيقبض روح جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم أرواح حملة العرش، ثم روح ملك الموت، فإذا لم يبق أحد إلا الله ﵎ طوى السماء كطي السجل للكتاب، ثم يقول: أنا الجبار، لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول: لله الواحد القهار!.\nفعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «ينفخ في الصّور، فيصعق من في السّموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله، ثمّ ينفخ فيه أخرى، فأكون أوّل من رفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان ممّن استثنى الله ﷿، أم رفع رأسه قبلي، ومن قال: أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب». وقيل الذين استثنى الله هم: رضوان، والحور العين، ومالك، والزبانية. انتهى. خازن. وأقول: الله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿وَكُلٌّ﴾ أي: وكل المخلوقات الذين أحيوا بعد النفخة الثانية، وسواء الذين ماتوا بالنفخة الأولى، ومن مات من آلاف السنين. ﴿أَتَوْهُ:﴾ جاؤوا، ووقفوا بين يديه جلّت قدرته، وتعالت حكمته. وقرئ: «(أتاه)» بالإفراد حملا على لفظ كل، وقرئ: «(آتوه)» على أنه جمع اسم فاعل:\n (آت). ﴿داخِرِينَ:﴾ صاغرين ذليلين، وقرئ: «(دخرين)».\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على (يوم نحشر) وقبله فعل مقدر مثله. ﴿يُنْفَخُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿فَفَزِعَ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب.\n (فزع): فعل ماض، ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي","vol":"6","page":771},{"text":"في محل رفع مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول أيضا. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من: ﴿مَنْ﴾ الأولى؛ لأنها بمعنى الجمع، وهذه بمعنى البعض، لذا فقد صح الاستثناء. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير:\n «شاءه الله». ﴿وَكُلٌّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كل): مبتدأ، والمضاف إليه محذوف. ﴿أَتَوْهُ:﴾\nفعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والهاء مفعول به، وعلى قراءة «(أتاه)» فهو فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (كلّ)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية على الوجهين في محل رفع خبر المبتدأ، وعلى قراءة: «(آتوه)» فهو خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَكُلٌّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿داخِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه... إلخ.\n\n<span id=\"aya-3247\"></span>﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، أو لكل أحد. و﴿الْجِبالَ﴾ مفرده:\nجبل، ويجمع على أجبل، وأجبال أيضا، ومعنى: ﴿جامِدَةً:﴾ ثابتة قائمة، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ:﴾ قال القتبي: وذلك: أن الجبال تجمع، وتسير، فهي في رؤية العين كالقائمة؛ وهي تسير، وكذلك كل شيء عظيم، وجمع كثير يقصر عنه النظر لكثرته وبعد أطرافه، وهو في حسبان الناظر كالواقف، وهو يسير قال النابغة في وصف جيش: [الطويل]\nبأرعن مثل الطّود تحسب أنّهم... وقوف لحاج والرّكاب تهملج\nهذا؛ ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال يوم القيامة بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه، فأول الصفات الاندكاك، وذلك قبل الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد جمع الله بينهما في سورة (المعارج) فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن، قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾. والحالة الرابعة: أن تنسف؛ لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها، والأرض تحتها غير بارزة، فتنسف عنها لتبرز، قال تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ وقال جل ذكره في سورة (الكهف) الآية [٤٧]:","vol":"6","page":772},{"text":"﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً..﴾. إلخ، والحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها على وجه الأرض، فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجسادا جامدة، وهي في الحقيقة مارّة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة. والحالة السادسة: أن تكون سرابا فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها كالسراب، قال تعالى في سورة (النبأ): ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ هذا؛ ونقل عن أبي السعود: أن ما ذكر مما يقع بعد النفخة الثانية. وهو غير مسلم له، وإنما هو بعد النفخة الأولى. هذا؛ وانظر شرح (السحاب) في الآية رقم [٤٠] من سورة (النور).\n ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أحكم خلقه وسواه على ما ينبغي. والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر ما فعل، وما يفعل في المستقبل، وكل ذلك لا يقدر عليه غيره؛ جعل خلق ما ذكر من الأشياء التي أتقنها، وأحكمها، وأتى بها على وجه الحكمة، والصواب. ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ:﴾ عالم بظواهر الأمور، وبواطنها، فيجازيكم عليها، كما بينه في الآية التالية، ويقرأ الفعل بالياء.\nقال الزمخشري رحمه الله تعالى: انظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه، وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغا واحدا، ولأمر ما أعجز القوى، وأخرس الشقاشق، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته، والمنادي على سداده، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ و﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ و﴿وَعَدَ اللهُ﴾ و﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ بعد ما وسمها بإضافتها إليه بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ و﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ و﴿لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ و﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾. انتهى. هذا؛ وفي الآية طباق عجيب بين الجمود والحركة السريعة، فجعل ما يبدو لعين الناظر كالجبل في جموده ورسوخه، ولكنه سريع يمر مرا حثيثا، كما يمر السحاب.\nالإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْجِبالَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فهي في محل جر مثلها. ﴿تَحْسَبُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿جامِدَةً:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الجبال، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿وَهِيَ:﴾ الواو: واو الحال. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿تَمُرُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الجبال، تقديره: «هي». ﴿تَمُرُّ:﴾ مفعول مطلق، وهو مضاف، و﴿السَّحابِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿تَمُرُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب أيضا، والرابط: الواو، والضمير، وتعددت الحال مختلفة بالإفراد والجملة.\n ﴿صُنْعَ:﴾ مفعول مطلق مؤكد لنفسه، وهو مضمون الجملة المتقدمة، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ﴾.","vol":"6","page":773},{"text":"وقال أبو البقاء: عمل فيه ما دل عليه ﴿تَمُرُّ؛﴾ لأن ذلك من صنعه سبحانه. ويجوز نصبه على الإغراء؛ أي: انظروا صنع الله. ويجوز رفعه على الخبر، التقدير: ذلك صنع. ولم أر من قرأ به.\nو﴿صُنْعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه. ﴿أَتْقَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خبير بالذي، أو: بشيء تفعلونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بفعلكم، أو بفعلهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-3248\"></span>﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ:﴾ لقد اختلف في هذه الحسنة، فقيل: هي كلمة (لا إله إلا الله)، وقيل: هي الإخلاص، والتوحيد، وقيل: هي الطاعات جميعها على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. وهو أولى. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها:﴾ قيل: المعنى يصل إليه خير بسببها، بمعنى: أنه له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب، والأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإيمان فلا؛ لأنه لا شيء خير من: لا إله إلا الله. وقيل: هو جزاء الأعمال، والطاعات الثواب والجنة، وجزاء الإيمان والإخلاص رضوان الله، والنظر إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ وقيل: الخيرية ثبتت باستبدال الخسيس بالشريف، والباقي بالفاني، وسبعمئة بواحدة، وهي مضاعفة الثواب التي نص الله عليها في غير ما آية.\n ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ أي: من فزع مفرط الشدة، وهو خوف النار، وغضب الجبار، فالمؤمنون المخلصون آمنون منه. وأما الفزع المذكور في الآية السابقة؛ فهو ما يلحق كل إنسان من التهيب لما يرى من الأهوال، والعظائم، وهذا يعم المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح، فلا ينفك منه أحد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٣] من سورة (الأنبياء)، وانظر شرح:\n ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآية رقم [٢٢] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو».\n ﴿بِالْحَسَنَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل","vol":"6","page":774},{"text":"المستتر؛ أي: جاء ملتبسا بالحسنة. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿خَيْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وقيل: هما في محل نصب مفعول به ل: ﴿خَيْرٌ﴾. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.\nهذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولا، فهو في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿جاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ صلته، وجملة: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ في محل رفع خبره، واقترنت بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ جاءَ..﴾. إلخ على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ فَزَعٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿آمِنُونَ﴾ بعدهما، ويقرأ بتنوين:\n ﴿فَزَعٍ،﴾ وبدونه، فعلى التنوين ف: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿آمِنُونَ﴾ بعده، وعلى عدم التنوين، فيكون (يوم) في محل جر بإضافة (فزع) إليه، و(إذ) مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿آمِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3249\"></span>﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي: بالشرك على أرجح الأقوال. ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ:﴾\nعبر بالوجه عن جميع البدن، كأنه قال: كبوا، وطرحوا في النار جميعهم. وهذا كقوله تعالى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فعبر بالأيدي عن جميع البدن، وانظر شرح (كب وأكب) في الآية رقم [٩٤] من سورة (الشعراء). ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تقول لهم الملائكة:\nلا تجزون إلا جزاء عملكم السّيّئ في الدنيا، ويجوز أن يكون من كلام الله لهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر شرح الحسنة والسيئة برقم [٨٤] من سورة (القصص).\nالإعراب: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ﴾ هو مثل الآية السابقة بلا فارق، وأضيف: أن هذه الآية ترجح اعتبار الموصولية على الشرطية في: (من)؛ لأن جملة: ﴿فَكُبَّتْ﴾ تصلح؛ لأن تكون جوابا للشرط، فلو تمحضت للشرطية؛ لما احتيج إلى اقترانها بالفاء؛ لأنها ليست من الجمل التي يجب اقترانها بالفاء، وهو المنظومة في قول بعضهم: [الكامل]\nاسميّة طلبيّة وبجامد... وبما ولن وقد وبالتّنفيس\n (كبت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿وُجُوهُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي النّارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل","vol":"6","page":775},{"text":"قبلهما. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، وهي في الأصل مضاف إليه، والمضاف محذوف.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون. والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلا مثل الذي، أو مثل شيء كنتم تعملونه، وجملة: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر الشرح، وجملة القول، ومقوله مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من وجوههم، التقدير: فكبت وجوههم مقولا لهم.\n\n<span id=\"aya-3250\"></span>﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ:﴾ أمر الله نبيه ﷺ أن يقول لهم ذلك، بعد ما بين أحوال المبدأ والمعاد، وشرح أحوال القيامة، إشعارا بأنه قد أتم الدعوة، وقد كملت، وما عليه بعد ذلك إلا الاشتغال بشأنه، والاستغراق في عبادة ربه. والمعنى: قل: إنما أمرت أن أخص بعبادتي، وتوحيدي الله الذي هو رب هذه البلدة، وهي مكة المكرمة. وإنما خصها بالذكر من بين سائر البلاد؛ لأنها مضافة إليه، وأحب البلاد، وأكرمها عليه. وأشار إليها إشارة تعظيم؛ لأنها موطن نبيه، ومهبط وحيه.\n ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ أي: جعلها حرما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا يدخلها إلا محرم، وإنما ذكر: أنه هو الذي حرمها؛ لأن العرب كانوا معترفين بفضيلة مكة، وأن تحريمها من الله، لا من الأصنام. هذا؛ وقرئ: «(التي حرمها)».\n ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ أي: مالك الدنيا، والآخرة خلقا، وعبيدا، فليس له شريك في ذلك أبدا. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: المنقادين له، والثابتين على ملة الإسلام. هذا؛ و«أمر» من الأفعال التي تنصب مفعولين، الثاني منهما مجرور بحرف جر في الغالب، وجاء منصوبا في الشعر كقول عمرو بن معدي كرب الزبيدي: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدق، وزوج، وكال، ووزن، قال الشاعر: [البسيط]\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والقبل","vol":"6","page":776},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أُمِرْتُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهي المفعول الأول، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ﴾ في محل نصب مفعول به ثان للفعل «أمر»، أو هو منصوب بنزع الخافض، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرت بعبادة رب... إلخ، هذه الاعتبارات تجوز في الأفعال التي ذكرتها لك في الشرح، وهي منقولة عن سيبويه وغيره من العلماء، وقد ورد الجر بقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ رقم [١٢] من سورة (الزمر)، وفيها أقوال، وأوجه، سأذكرها في محلها إن شاء الله تعالى، و﴿رَبَّ﴾ مضاف، واسم الإشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْبَلْدَةِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿رَبَّ،﴾ وعلى قراءة:\n «(التي)» فهو في محل جر صفة: ﴿الْبَلْدَةِ﴾. ﴿حَرَّمَها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ أو إلى ﴿رَبَّ،﴾ و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول على القراءتين، وجملة: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، لقول محذوف؛ إذ التقدير: قل لأهل مكة: إنما أمرت... إلخ، والقول، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: واو الحال. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿كُلُّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿حَرَّمَها﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَأُمِرْتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أمرت): مثل سابقه في إعرابه.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص، منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَكُونَ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ أَكُونَ..﴾. إلخ يقال فيه ما قيل بالمصدر المؤول من ﴿أَنْ أَعْبُدَ..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-3251\"></span>﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ أي: أواظب على قراءته، لتنكشف لي حقائقه الرائعة المخزونة في تضاعيفه شيئا فشيئا، أو على تلاوته على الناس بطريق تكرير الدعوة، وتثنية الإرشاد، فيكون ذلك تنبيها على كفايته في الهداية، والإرشاد من غير حاجة إلى إظهار معجزة أخرى.\n ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: فمن اهتدى بالإيمان به، والعمل بما فيه من الشرائع والأحكام؛ فنفع اهتدائه عائد إليه، لا إليّ. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن طريق الإيمان، وأخطأ طريق الهدى؛ ﴿فَقُلْ إِنَّما..﴾. إلخ: أي: فلا يضرني، وليس علي من وبال ضلاله شيء؛ إذا ما على الرسول إلا البلاغ، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾. هذا؛ وقرئ: «(واتل عليهم)» و«(وأن أتل)».","vol":"6","page":777},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿أَتْلُوَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن»، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والمصدر المؤول معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. هذا؛ وعلى قراءة «(اتل)» فهو فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، الفاعل تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقول ومقوله في محل نصب حال من تاء الفاعل، وعلى قراءة «(أن أتل)» فتؤول أن مع فعل الأمر بمصدر معطوف على ما قبله. ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف.\n (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِهْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) ومتعلقه محذوف. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة، ومكفوفة ﴿يَهْتَدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا.\n ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿فَإِنَّما..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٨٩]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، وجملة: ﴿اِهْتَدى﴾ صلة الموصول، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ في محل رفع خبره، واقترنت بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنِ اهْتَدى..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين؛ لأنها مفرعة عما قبلها، ومستأنفة. ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق. (إنما): كافة، ومكفوفة. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3252\"></span>﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، أمره ربه أن يحمده على نعمة النبوة، أو على ما علّمه، ووفقه للعمل به. ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ أي: آياته الباهرة، ودلائله القاهرة، فتعرفون:\nأنها آيات الله. قيل: هي يوم بدر، وهو ما أراهم فيه من القتل، والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم. وقيل: آياته في السموات، والأرض، وفي أنفسكم، وهو المعتمد، لقوله تعالى في الآية [٣٥] من سورة (فصلت): ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾. وقيل: المراد بالآيات علامات الساعة التي ذكرتها في الآية رقم [٨٢] وليس بشيء، ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ..﴾. إلخ: فيه تهديد، ووعيد لا يخفيان؛ إذ المعنى: فلا تحسبوا: أن تأخير العذاب لغفلة الله عنكم؛ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء، وهذا على الالتفات.","vol":"6","page":778},{"text":"الإعراب: ﴿وَقُلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ.\n ﴿سَيُرِيكُمْ:﴾ السين: حرف استقبال، وهي تفيد تحقيق الوعد بحقه جل ذكره. (يريكم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الله، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وينبغي أن تعلم: أن الفعل: (يري) من رأى البصرية، فلما دخلت عليه الهمزة عدته إلى المفعول الثاني.\n ﴿فَتَعْرِفُونَها:﴾ الفاء: حرف عطف (تعرفونها): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون\nإلخ، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلِ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة، فهي في محل جزم مثلها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿رَبُّكَ:﴾ اسم (ما)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وأجاز بعضهم اعتبار: (ما) مهملة تميمية، والباء زائدة في خبر المبتدأ. والمعتمد الأول؛ لأن الخبر بعد «ما» لم يجيء في التنزيل مجردا من الباء؛ إلا وهو منصوب نحو قوله تعالى: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ ﴿ما هذا بَشَرًا﴾.\n ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان: ب: (غافل)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بغافل عن الذي، أو: عن شيء تعملونه. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، والجار والمجرور متعلقان: ب: (غافل)، التقدير: وما ربك بغافل عن عملكم، أو عن عملهم، والجملة الاسمية: ﴿وَما رَبُّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (قل) المستتر، أو من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين، أو هي مستأنفة، لا محل لها.\nانتهت سورة النمل، بحمد الله وتوفيقه، شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"6","page":779},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3029>سورة القصص</span>\nسورة القصص، وهي مكية كلها في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء. وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية نزلت بين مكة والمدينة. وقال ابن سلام: بالجحفة في وقت هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة، وهي قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾. وقال مقاتل: فيها آية من المدني: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ إلى قوله: ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾. وهي ثمان وثمانون آية، وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وخمسة آلاف وثمانمائة حرف. انتهى. قرطبي، وخازن.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3255\"></span>﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ أي: نقرأ عليك بواسطة جبريل؛ لأنه هو الذي ينزل عليك بكلامنا، ووحينا. ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾ أي: من خبرهما، فقد ذكر الله في هذه السورة قصة موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-وفرعون، وقارون، واحتج على مشركي قريش، وبيّن: أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، وكذلك قرابة قريش لمحمد ﷺ.\nوبيّن: أن فرعون علا في الأرض، وتجبر، فكان ذلك من كفره، فليجتنب العلو في الأرض، وكذلك التعزز بكثرة المال، وهما من سيرة فرعون وقارون، وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالتذكير، وقص قصص الأنبياء.\nهذا؛ و(النبأ): الخبر وزنا، ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرّى عن الكذب كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي","vol":"7","page":5},{"text":"تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى: أعلم، فيتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿نَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ نَبَإِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به؛ لأن ﴿مِنْ﴾ بمعنى بعض، والأخفش يعتبر ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿نَبَإِ﴾ مفعولا به، وقيل: المفعول محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة له، التقدير: نتلو عليك شيئا كائنا من نبأ موسى. و﴿نَبَإِ﴾ مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. (فرعون): معطوف على ﴿مُوسى﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿نَتْلُوا﴾ المستتر؛ أي: محقين، أو من: ﴿نَبَإِ مُوسى﴾ أي: ملتبسا بالحق. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿نَتْلُوا،﴾ وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة: (قوم)، وجملة:\n ﴿نَتْلُوا..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3256\"></span>﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: استكبر وطغى وتجبر، وادعى الربوبية.\nو﴿الْأَرْضِ﴾ أرض مصر. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا﴾ أي: فرقا؛ يشيعونه فيما يريد، أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته، أو أصنافا في استخدامه، استعمل كل صنف في عمل، أو أحزابا بأن أغرى بينهم العداوة كيلا يتفقوا عليه. ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ:﴾ يستذلها، ويستعبدها، والمراد: بنو إسرائيل. ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ:﴾ سمي هذا استضعافا؛ لأنهم عجزوا، وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، فكان يذبح الصبيان الذكور، ويترك البنات أحياء، وسبب ذلك: أن فرعون رأى في منامه رؤيا أفزعته، فعبرها له الكهنة بأن مولودا يولد في بني إسرائيل، يكون ذهاب ملك فرعون على يديه.\nقال الزمخشري: وفيه دليل على ثخانة حمق فرعون فإنّه إن صدق الكاهن؛ لم يدفع القتل الكائن. وإن كذب، فما وجه القتل. أقول: لذا كان قول سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق ﷺ لعمر بن الخطاب﵁في ابن صياد: «إن يكنه فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله». هو عين الحكمة، والحق والصواب. ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي:\nبقتل الأولاد، وتسخير الكبار، وادعائه الربوبية. وقيل: إنه ذبح سبعين غلاما من بني إسرائيل.","vol":"7","page":6},{"text":"هذا؛ و(الطائفة): الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل: فريق، ورهط، وجماعة، وجمعها: طوائف، وقد يطلق لفظ طائفة على الواحد، وعلى الاثنين، مثل قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً؛﴾ لأن مجموع الطائفتين كانوا ثلاثة، كما رأيت في تفسير الآية هناك.\nأما (شيع) فهو جمع شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر، فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، ومعنى الشيعة: الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا، وقيل: الشيعة: هم الذين يتقوى بهم الإنسان. وفي القاموس المحيط: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه، وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علي بن أبي طالب، وأهل بيته﵃ أجمعين-حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت: [الطويل]\nوما لي إلاّ آل أحمد شيعة... وما لي إلاّ مذهب الحقّ مذهب\nهذا؛ والمشايعة: المناصرة، والمعاونة، أخذت من الشياع وهو دقاق الحطب؛ لمعاونته النار على الإيقاد في الحطب الجزل، قال عنترة: [الكامل]\nذلل ركابي حيث شئت مشايعي... قلبي وأحفزه بأمر مبرم\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ تقديره: «هو». ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. وقيل: تفسير ل: ﴿نَبَإِ مُوسى﴾. ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿أَهْلَها:﴾ مفعول به أول، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿شِيَعًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿يَسْتَضْعِفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿طائِفَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿طائِفَةً﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: (جعل)، والرابط:\nالضمير فقط، أو في محل نصب صفة: ﴿شِيَعًا،﴾ أو مستأنفة، والأول أقوى، وجملة: ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ﴾ بدل منها بدل اشتمال على جميع الوجوه المعتبرة فيها. «(يستحيي)»: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيضا.\n ﴿نِساءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي بدل مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿مِنَ الْمُفْسِدِينَ:﴾ جار ومجرور","vol":"7","page":7},{"text":"متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لأفعاله المذكورة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3257\"></span>﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ..﴾. إلخ: أي: نريد أن نتفضل على بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون، واستذلهم. والتعبير بالمضارع حكاية حال مضت، كما هو الواقع، فإن التقدير: وأردنا أن نمن، وقل مثله إلى آخر الآية التالية. هذا؛ والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه. ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته ﷾، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره.. ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته.\nوقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح. وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر. هذا؛ ولم يرد لفعل الإرادة، ولا لفعل المشيئة أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وقد كثر حذف مفعول هذين الفعلين؛ حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو»، وليس كذلك.\n ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: رؤساء يقتدى بهم في الخيرات، وأعمال الطاعات. وقيل: نجعلهم ملوكا. وهو غير مسلم. هذا؛ و﴿أَئِمَّةً﴾ جمع: إمام، سمي بذلك؛ لأنه يؤتم به في الأفعال، فهنيئا لمن كان إماما في الخير، وويل لمن كان إماما في الشر. هذا؛ والفعل (نجعل) بمعنى:\nنصير، فلذا تعدى إلى مفعولين، فإن كان بمعنى: خلق تعدى إلى مفعول واحد، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ أي: وخلق الظلمات، والنور، وخلق إذا كان بمعنى: صير؛ تعدى إلى مفعولين، نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ وإن كان بمعنى: اخترع، وأحدث؛ تعدّى إلى مفعول واحد، وهو كثير. هذا؛ والفرق بين: خلق وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث الظلمات، والنور بالجعل، فقال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما، كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق، فإن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إيجاد السموات والأرض بالخلق.","vol":"7","page":8},{"text":"﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ أي: لملك فرعون، يرثون ملكه، ويسكنون مساكن القبط، كما قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾. قال ابن عباس﵄-: إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر؛ استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، فسلط الله عليهم القبط، وساموهم سوء العذاب إلى أن أنجاهم الله على يد موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-.\nالإعراب: ﴿وَنُرِيدُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نريد): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:\n «نحن»، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اُسْتُضْعِفُوا:﴾ فعل ماض، مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف، وجملة: ﴿وَنُرِيدُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، وقيل: هي في محل نصب حال من فاعل يستضعف، ولا وجه له قطعا؛ لأن الجملة المضارعية الواقعة حالا لا تقترن بالواو إلا بتقدير: ونحن نريد... إلخ. (نجعلهم): معطوف على: ﴿نَمُنَّ﴾ منصوب مثله، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿الْوارِثِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n\n<span id=\"aya-3258\"></span>﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ أرض مصر، والشام، وأصل التمكين أن تجعل للشيء مكانا يتمكن فيه، ثم استعير للتسليط، وإطلاق الأمر. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما،﴾ وقرئ «(يرى فرعون...)» إلخ برفع هذه الأسماء. ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من بني إسرائيل. ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أي:\nيخافون من هلاكهم، وذهاب ملكهم على يد مولود منهم، والحذر والتحرز من الشر، ولا يغني حذر من قدر. هذا؛ وهامان كان وزيرا لفرعون، وهو معين له على ضلاله، وكفره، وادعائه الربوبية.\nتنبيه: قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغنيه: إنهم يعبرون عن الماضي، والآتي، كما يعبرون عن الشيء الحاضر قصدا لإحضاره في الذهن، حتى كأنه مشاهد حالة الإخبار، ومنه:\nقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَنُمَكِّنَ:﴾ معطوف على: ﴿أَنْ نَمُنَّ،﴾ والفاعل المستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ جاران، ومجروران متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بمحذوف","vol":"7","page":9},{"text":"حال، وليس بشيء. ﴿وَنُرِيَ:﴾ معطوف على ما قبله، والفاعل: «نحن». ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه. وعلى قراءة: (يرى) فهو فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. (فرعون): فاعله بالرفع، والجملة الفعلية على هذه القراءة فيها معنى التعليل؛ إذ التقدير: وليرى فرعون... إلخ، ﴿وَجُنُودَهُما:﴾ اسم معطوف، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (نري) على القراءتين. ﴿جُنُودَهُما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان على القراءة الأولى، أو مفعول واحد على القراءة الثانية، وكلاهما بصريان، لكن الأول رباعي فتعدى بالهمزة إلى مفعولين، والثاني ثلاثي يكتفي بمفعول واحد.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و(كان) واسمها وخبرها صلة ﴿جُنُودَهُما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو: شيئا كانوا يحذرونه.\n\n<span id=\"aya-3259\"></span>﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى:﴾ اختلف في هذا الوحي، فقيل: وحي إلهام، وقيل: كان في المنام، وقيل: كان جبريل يكلمها. وأجمع الجميع على أنها لم تكن نبية. هذا؛ وانظر الوحي في الآية رقم [٥٢] من سورة (الشعراء).\n ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ:﴾ قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وكانت ترضعه، وهو لا يبكي، ولا يتحرك في حجرها. ﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أي: الذبح. ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي: في البحر، والمراد به: نيل مصر، فأطلق عليه اسم اليم لعظمه. ﴿وَلا تَخافِي﴾ أي: عليه من الغرق، وقيل: الضياع. ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ أي: على فراقه. ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ:﴾ عن قريب بحيث تأمنين عليه، ونرده إليك بوجه لطيف لتربيه. ﴿وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من الأنبياء المرسلين مثل أجداده: يعقوب، وإسحاق، وإبراهيم. هذا؛ والفرق بين الخوف، والحزن: أن الخوف غم يلحق الإنسان لشر متوقع. والحزن: غم يلحق الإنسان لشر واقع، والمراد هنا فراق ولدها، والأخطار المحيطة به، فنهيت عنهما، وبشرت برده، وجعله من المرسلين. حكي أن الأصمعي رحمه الله تعالى قال: سمعت جارية أعرابية تنشد، وتقول: [الرجز]\nأستغفر الله لذنبي كلّه... قبّلت إنسانا بغير حلّه\nمثل الغزال ناعما في دلّه... فانتصف اللّيل ولم أصلّه","vol":"7","page":10},{"text":"فقلت: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أو تعد هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ..﴾. إلخ، فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين. هذا؛ والفعل ﴿تَحْزَنِي﴾ في هذه الآية من باب: فرح، وطرب، فهو لازم، ويأتي من باب: دخل، وقتل، فيكون متعديا، كما يكون متعديا إذا أتى من الرباعي.\nقال ابن عباس﵄-: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها، كانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، وقالت لها: قد نزل بي ما نزل فلينفعني حبك إياي، فعالجت قبالها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نور عيني موسى، فارتعش كل مفصل فيها، ودخل حب موسى قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت حين دعوتني إلا مرادي قتل ولدك، ولكن وجدت لابنك حبا، ما وجدت حب شيء مثل حبه، فاحفظي ابنك، فإني أراه عدونا. فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون، فجاءوا إلى بابها ليدخلوا، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب.\nفلفته بخرقة وألقته في التنور، وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، فلمّا دخلوا؛ فتشوا فلم يجدوا شيئا ورأوا: أنّ التنور مسجور، ورأوا أن أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن في ثديها، فقالوا: ما أدخل القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخته: أين الصبي؟ فقالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي في التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما، فاحتملته.\nثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الصبيان؛ خافت على ابنها، فقذف الله في قلبها أن تتخذ تابوتا له، ثم تقذف التابوت في النيل، فانطلقت إلى نجار من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ فقالت: ابن لي أخبئه في هذا التابوت، وكرهت الكذب، ولم تقل: أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته، وانطلقت به، انطلق النجار إلى الذباحين؛ ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه، فلم يطق الكلام، وجعل يشير بيديه، فلم تدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره، قال كبيرهم: اضربوه! فضربوه، وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه؛ رد الله عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء. فأتاهم؛ ليخبرهم، فأخذ الله لسانه، وبصره، فلم يطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه، وأخرجوه، وبقي حيران، فجعل لله عليه: إن رد عليه لسانه، وبصره ألاّ يدل عليه، وأن يكون معه فيحفظه حيثما كان. فعرف الله صدقه، فرد الله عليه لسانه، وبصره، فخر لله ساجدا، فقال: يا رب دلني على هذا العبد الصالح، فدله عليه فآمن به، وصدقه. انتهى. بحروفه من الخازن، وفي الكشاف قريب منه. أقول: وهذا النجار هو مؤمن آل فرعون الذي سيأتي ذكره في سورة (غافر) -إن شاء الله تعالى-بقوله جل شأنه: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ.","vol":"7","page":11},{"text":"هذا؛ وقد اختلف في اسم أم موسى، فقيل: اسمها: يوحنانذ، وقيل: اسمها: لوخا بنت هاند، بن لاوي بن يعقوب، وقيل: اسمها أيارخا. وقيل: أيارخت. وقيل: بوخابذ. وقيل:\nيوخابيل. وقيل: غير ذلك، والمشهور: أنه حنّة، والله أعلم، أما زوجها فهو: عمران، -ويقال بالعبري: عمرام-ابن قاهت بن لاوي، بن يعقوب فهو ابن عمها. وينبغي أن تعلم أن عمران أبا موسى غير عمران أبي مريم أم عيسى؛ لأن بين العمرانين ألفا وثمانمائة سنة. وانظر الآية رقم [١٩] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أوحينا): فعل ماض، وفاعله. ﴿إِلى أُمِّ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿أُمِّ﴾ مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسره مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. وقيل: حرف مصدري، ونصب، وهو ضعيف؛ لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه. ﴿أَرْضِعِيهِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة ل: (أوحينا) على المعتمد عندي، وجملة: ﴿وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾. إلخ؛ لأنها معها من جملة تفسير النبأ. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريغ. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿خِفْتِ:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَأَلْقِيهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ألقيه): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب (إذا). ﴿فِي الْيَمِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَخافِي:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا) ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿رَادُّوهُ:﴾ خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَيْكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿رَادُّوهُ﴾. ﴿وَجاعِلُوهُ:﴾ معطوف على: ﴿رَادُّوهُ،﴾ وهو مثله في إعرابه. ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿(جاعِلُوهُ)﴾ معطوف على: ﴿رَادُّوهُ﴾ وهو مثله في إعرابه. ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: (جاعلوه) وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا رَادُّوهُ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها.","vol":"7","page":12},{"text":"<span id=\"aya-3260\"></span>﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄وغيره: كان لفرعون يومئذ بنت، ولم يكن له غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إليه، وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها الأطباء، والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا: أيها الملك، لا تبرأ البنت من برصها إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه، فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا ساعة كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس له على شفير النيل، ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن، وتنضح الماء على وجوههن؛ إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجر؛ ائتوني به.\nفابتدروه بالسفن من كل ناحية حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقتدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فدنت آسية، فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها، فعالجته، ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في التابوت، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله رزقه في إبهامه، يمص منه لبنا، فألقى الله محبته في قلب آسية، وأحبه فرعون، وأقبل عليه، وأقبلت عليه بنت فرعون، فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت إلى ما يسيل من أشداقه من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، ثم قبلته، وضمته إلى صدرها.\nفقالت الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن هذا المولود هو الذي نحذر منه من بني إسرائيل رمي به في النيل فزعا منك، فهم فرعون بقتله، فقالت آسية: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ أي: فنصيب منه خيرا، نتخذه ولدا، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، قال رسول الله ﷺ: «لو قال يومئذ قرّة عين لي، كما هو لك؛ لهداه الله كما هداها الله». فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موسى؛ لأنا وجدناه في الماء والشجر؛ لأن (مو) هو الماء، و(سا) هو الشجر. انتهى. خازن بحروفه.\nهذا؛ وقد قرئ: (حزنا) بفتحتين، وبضم فسكون، وهما لغتان مثل: العدم، والعدم، والسّقم، والسّقم، والرّشد، والرّشد، والحزن: ضد الفرح، والسرور، يحصل للإنسان بسبب مصائب الدهر، ومتاعب الدنيا، وآل فرعون لقوا من موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-ما لقوا من الهم، والغم، والحزن، وما آل إليه أمرهم من الهلاك، والدمار، وقد تفرد الجلال﵀بتفسير حزنا، فقال: يستعبد نساءهم. قال الجمل-رحمه الله تعالى-:\nظاهر هذه العبارة: أنّ موسى بعد غرق القبط كان يستعبد نساءهم؛ أي: يعاملهن معاملة العبيد","vol":"7","page":13},{"text":"في التسخير في الأعمال، ولم نر من ذكر هذا في هذه القصة في سائر مواضعها في القرآن.\nويمكن أن يقال: المراد باستعباده نساءهم: تذليلهن، أي: تصييرهن أذلاء ضعفاء لعدم الرجال الذين يقومون عليهن بالخدمة والنفقة. فليتأمل انتهى. بحروفه.\n ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ أي: في كل شيء، فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفا لأجله، ثم أخذوه يربونه؛ ليكبر، ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، أو كانوا مذنبين، فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم على أيديهم. هذا؛ واللام بقوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة؛ لأنهم أخذوه؛ ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا، وحزنا، فذكر الحال بالمآل، كما قال الشاعر: [البسيط] وللمنايا تربّي كلّ مرضعة... ودورنا لخراب الدّهر نبنيها\nوقال آخر: [الطويل] فللموت تغذوا الوالدات سخالها... كما لخراب الدّور تبنى المساكن\nوقال عبد الله بن الزّبعرى: [المتقارب] فإن يكن الموت أفناهم... فللموت ما تلد الوالده\nوهذا قول الكوفيين، وقد أنكر البصريون، ومن تابعهم لام العاقبة. قال الزمخشري:\nوالتحقيق: أنها لام العلة، وأن التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة، وبيانه أنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا، بل المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له، وثمرته؛ شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله، فاللام مستعارة لما يشبه التعليل، كما استعير الأسد لمن يشبه بالأسد. انتهى. مغني اللبيب.\nهذا؛ وينبغي أن تدرك معي: أن كل مخلوق ذي روح حبس عنه الهواء بضع دقائق يموت بلا شك، فكيف بقي هذا المخلوق الصغير الضعيف حيا داخل صندوق محكم الإغلاق؟! إن هي إلا معجزة رب الأرض، والسماء الذي حفظ له روحه دون إزهاق ساعات، وساعات مضت بين إلقائه في النيل، والتقاطه منه، وما أشبه هذه المعجزة بمعجزة يونس-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-الذي التقمه الحوت، وجاب به أعماق البحار، وبقي حيا أيضا حتى نبذه إلى شاطئ البحر بأمر الله الواحد القهار.\nالإعراب: ﴿فَالْتَقَطَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (التقطه): فعل ماض، والهاء مفعول به.\n ﴿آلُ:﴾ فاعل، و﴿آلُ﴾ مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والجملة الفعلية معطوفة على جمل مقدرة قبلها، كما يلي: فأرضعته، فوضعته في تابوت، وألقته في نهر النيل، فالتقطه... إلخ.","vol":"7","page":14},{"text":"﴿لِيَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد اللام، واسمه يعود إلى:\n ﴿مُوسى﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿عَدُوًّا:﴾ خبر (يكون).\n ﴿وَحَزَنًا:﴾ معطوف عليه، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾\nاسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَهامانَ:﴾ معطوف عليه. ﴿وَجُنُودَهُما:﴾ معطوف أيضا على ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿خاطِئِينَ:﴾ خبر كان منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليلية. وقال الجمل: معترضة بين الجملتين المتعاطفتين جملة: ﴿وَقالَتِ..﴾. إلخ وجملة: ﴿فَالْتَقَطَهُ..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-3261\"></span>﴿وَقالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: لفرعون حين أخرجته من التابوت. ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ:﴾ الخطاب لفرعون، وانظر شرح: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان).\n ﴿لا تَقْتُلُوهُ:﴾ خاطبته بلفظ الجمع للتعظيم. ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا:﴾ لأن فيه مخايل اليمن، والبركة، ودلائل النفع، وذلك لما رأت منه ما ذكرته في الآية السابقة. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: نتبناه، فإنه أهل له. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ أن التقاطه، وتربيته وبال عليهم.\nتنبيه: امرأة فرعون هي آسية بنت مزاحم، وكانت من خيار النساء، ومن بنات الأنبياء، وكانت أمّا للمساكين، ترحمهم، وتتصدق عليهم، قالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه على شاطئ النيل حين التقطوا موسى: هذا أكبر من ابن سنة، وأنت تذبح ولدان هذه السنة، فدعه يكون عندي، وقيل: إنها قالت له: إنه أتانا من أرض أخرى، وليس هو من بني إسرائيل، فاستحياه فرعون، وألقى الله محبته في قلبه. قال ابن عباس﵄-: لو أن عدوّ الله قال في موسى، كما قالت آسية: لنفعه الله به، ولكنه أبى للشقاء الذي كتبه الله عليه. انتهى.\nخازن. وفي أبي السعود: وآسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق ﵇. انتهى.\nأقول: أعتمد: أنها من بني إسرائيل، وقيل: إنها بنت عم موسى، وقد تزوجها فرعون قهرا، ولم تنجب منه أولادا، وقد آمنت بموسى وصدّقته، كما ستعرفه في آخر سورة (التحريم) إن شاء الله تعالى. وعن أبي موسى الأشعري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلاّ مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت","vol":"7","page":15},{"text":"خويلد، وفضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام». متفق عليه. وعن أنس -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، وآسية امرأة فرعون». أخرجه الترمذي، وورد أن النبي ﷺ يتزوج مريم، وآسية في الجنة، وأخت موسى بن عمران.\nفقد روى الزبير بن بكار: أن رسول الله ﷺ قال لخديجة﵂-: «أشعرت أنّ الله زوّجني معك في الجنة مريم بنت عمران، وكلثوم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ فقالت: الله أخبرك بذلك؟ فقال: نعم، فقالت: بالرّفاء والبنين». انتهى. وهذا كان منه ﷺ قرب وفاتها -﵂وأرضاها.\nالإعراب: ﴿وَقالَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿اِمْرَأَتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (التقطه...) إلخ لا محل لها مثلها، و﴿اِمْرَأَتُ﴾ مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿قُرَّتُ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو قرة. وقال النحاس: وفيه وجه آخر بعيد، ذكره أبو إسحاق، قال: يكون رفعا بالابتداء، والخبر جملة: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾. وإنما بعد؛ لأنه يصير المعنى: أنه معروف بأنه قرة عين. وجوازه أن يكون المعنى: إذا كان قرة عين لي ولك؛ فلا تقتلوه. ويجوز النصب بمعنى: لا تقتلوه قرة عين لي، ولك، ولم أر قراءة بالنصب. تأمّل. و﴿قُرَّتُ﴾ مضاف، و﴿عَيْنٍ﴾ مضاف إليه، ﴿لِي:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿قُرَّتُ،﴾ أو بمحذوف صفة له. (لك): جار، ومجرور، معطوفان على ما قبلهما، وجملة: «هو قرّة...» إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة.\n ﴿تَقْتُلُوهُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد تام هنا مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب ﴿يَنْفَعَنا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى،﴾ و(نا): مفعول به، وأن والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿عَسى﴾. هذا؛ وإن كانت ﴿عَسى﴾ ناقصة فاسمها ضمير مستتر والمصدر المؤول في محل نصب خبرها. والأول أقوى؛ لأنه لا مرجع للضمير. تأمّل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.\n ﴿نَتَّخِذَهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿وَلَدًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿(آلُ فِرْعَوْنَ)﴾ والرابط: الواو، والضمير، الذي رأيت تقديره في الشرح.","vol":"7","page":16},{"text":"<span id=\"aya-3262\"></span>﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأَصْبَحَ:﴾ صار، فليست أصبح على بابها من التوقيت في الصباح. وقيل: المراد ألقته ليلا، فأصبح فؤادها في النهار فارغا. والفؤاد: القلب، والجمع: أفئدة، ومعنى ﴿فارِغًا:﴾\nصفرا من العقل؛ لما دهمها من الخوف، والحيرة لمّا سمعت بوقوعه في يد فرعون، كقوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي: خلاء لا عقول فيها، ومنه قول حسّان﵁-: [الوافر] ألا أبلغ أبا سفيان عنّي... فأنت مجوّف نخب هواء\nوقيل: المعنى: خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى. وقيل: معناه: ناسيا للوحي الذي أوحاه الله إليها حين أمرها أن تلقيه في اليم بقوله: ﴿وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي،﴾ والعهد الذي عهده إليها أن يرده إليها، ويجعله من المرسلين.\n ﴿إِنْ كادَتْ﴾ أي: إنها قاربت. ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: لتظهر أمره. قال ابن عباس﵄-: أي: تصيح عند إلقائه في يد فرعون: وا ابناه. ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ أي:\nبالصبر، والثبات. ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المصادقين بوعد الله إياها. قال يوسف بن الحسين-رحمه الله تعالى-: أمرت أم موسى بشيئين، ونهيت عن شيئين، وبشرت ببشارتين، فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها، فربط على قلبها. انتهى. نسفي؛ أي: بالصبر، والثبات، وقوة الإيمان، والله يتولى الصالحين. وفيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأن الربط هو الشد بالحبل.\nالإعراب: ﴿وَأَصْبَحَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أصبح): فعل ماض ناقص. ﴿فُؤادُ:﴾ اسم (أصبح)، وهو مضاف، و﴿أُمِّ﴾ مضاف إليه، و﴿أُمِّ﴾ مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿فارِغًا:﴾ خبر: (أصبح)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وهي من جملة تفسير ﴿نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾. ﴿إِنْ:﴾ مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كادَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي»، يعود إلى ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿لَتُبْدِي:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات.\n (تبدي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كادَتْ،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿رَبَطْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، وهو في محل نصب ب ﴿إِنْ،﴾ و(نا): فاعله، و﴿إِنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف","vol":"7","page":17},{"text":"وجوبا، والجملة الاسمية ابتدائية، وحالة محل شرط ﴿لَوْلا﴾. وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: لولا ربطنا على قلبها موجود؛ لأبدت به. ﴿عَلى قَلْبِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِتَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: ﴿إِنْ﴾ مضمرة بعد لام التعليل، واسمه مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكون)، و: «أن» المضمرة، والفعل (تكون) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿رَبَطْنا﴾. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-3263\"></span>﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَتْ﴾ أي: أم موسى. ﴿لِأُخْتِهِ:﴾ أخت موسى، واسمها: مريم بنت عمران وافق اسمها اسم مريم أم عيسى على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وذكر ذلك السهيلي، والثعلبي. وذكر الماوردي عن الضحاك: أن اسمها: كلثمة. وقال السهيلي: اسمها:\nكلثوم، جاء ذلك في حديث الزبير بن بكار، انظره في الآية رقم [٩]. ﴿قُصِّيهِ:﴾ اتبعي أثره حتى تتعرفي خبره. هذا؛ وقص الخبر: أخبر به، والقصص: تتبع الأثر، وسميت الحكاية: قصة؛ لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا.\n ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ:﴾ عن بعد، قيل: كانت تمشي جانبا، وتنظره اختلاسا، ترى: أنها لا تنظره. و«بصر» من الباب الخامس. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ أنها أخته، وأنها تراقبه، فكانت تسير على شاطئ النيل بعيدا عنه حتى دخلوا القصر، وأخذوا يبحثون عن مرضع ترضعه.\nالإعراب: ﴿وَقالَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿لِأُخْتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قُصِّيهِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والياء فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَقالَتْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَبَصُرَتْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب. (بصرت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى (أخته) تقديره: «هي».\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَنْ جُنُبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (بصرت) المستتر؛ أي: بصرت به مستخفية كائنة عن جنب، أو من الضمير المجرور بالباء؛ أي: بعيدا منها، وجملة: ﴿فَبَصُرَتْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قالت...) إلخ لا محل لها مثلها، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، انظر الشرح. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ انظر الآية رقم [٩] ففيها الكفاية محلا، وإعرابا.","vol":"7","page":18},{"text":"<span id=\"aya-3264\"></span>﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: منعناه من قبول ثدي مرضعة غير أمه، فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة، قبل مجيء أمه، وأخته. والتحريم استعارة للمنع؛ لأن من حرم عليه الشيء؛ فقد منعه، وذلك؛ لأن الله منعه أن يرضع ثديا غير ثدي أمه، وقد أهمهم ذلك. هذا؛ وإن الحكم الشرعي وإن نسب إلى ذات، فالطلب لا يتعلق إلا بالأفعال، نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أي: حرم الاستمتاع بهن، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي: أكلها، وقوله: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ أي: تناولها، لا أكلها، لتناول شرب ألبان الإبل، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ أي: منافعها من الركوب، والتحميل. و(مراضع) جمع:\nمرضع بضم الميم، وكسر الضاد، وترك التاء إما لاختصاصه بالنساء، أو لأنه بمعنى: شخص مرضع، وفي سورة (الحج): ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ لذا قيل: مرضعة بالتاء لمن باشرت الإرضاع، وبلا تاء لمن شأنها الإرضاع، وإن لم تباشره، قال امرؤ القيس يخاطب ابنة عمه عنيزة: [الطويل]\nفمثلك حبلى قد طرقت ومرضع... فألهيتها عن ذي تمائم محول\nهذا؛ ويقال: لم يؤنث مرضع في بيت امرئ القيس، ونحوه؛ لأن المراد النسبة، أي: ذات إرضاع، أو ذات رضيع، ومثلها: حائض، وطالق، وحامل. والاسم إذا كان من هذا القبيل عرته العرب من علامة التأنيث، كما قالوا: امرأة لابن تامر، أي: ذات لبن، وذات تمر، ورجل لابن تامر، أي: ذو لبن، وذو تمر، ومنه قوله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ نص الخليل على أن المعنى: السماء ذات انفطار به؛ لذلك تجرد لفظ منفطر من علامة التأنيث، بخلاف ما إذا بني الوصف على الفعل؛ أنث، فتقول: أرضعت فهي مرضعة كما في آية الحج. والجمع: مراضع، ومراضيع، ومرضعات.\n ﴿فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أي: يتولون تربيته، ورضاعه، وإنما قالت لهم ذلك حين رأت رغبتهم في إيجاد امرأة يقبل ثديها، وحرصهم على حياة الطفل الذي يبكي بين أيديهم من شدة جوعه. ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ أي: لا يمنعونه ما ينفعه من تربيته، وغذائه، والنصح: إخلاص العمل من شوائب الفساد. قيل: لما قالت لهم ذلك، قالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله، قالت: لا أعرفه، ولكن قلت: وهم ناصحون للملك، وقيل: إنها قالت: إنما قلت ذلك رغبة في سرور الملك، واتصالنا به. وقيل: قالوا: من هي؟ قالت: أمي، قالوا: أولأمك ولد؟ قالت نعم هارون، وكان هارون-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-قد ولد في السنة التي لا يقتل فيها","vol":"7","page":19},{"text":"الغلمان، قالوا: صدقت فائتينا بأمك، فانطلقت إليها، وأخبرتها بحال ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها، وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا. انتهى. خازن.\nروي: أنهم قالوا لأم موسى حين قبل ثديها، والتقمه: كيف ارتضع منك، ولم يرتضع من غيرك؟! فقالت: إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني.\nفاستأجرها فرعون لإرضاعه، وحضانته، وكان يعطيها كل يوم دينارا. روي: أن فرعون-لعنه الله تعالى-قال لها: أقيمي عندنا لإرضاعه، فقالت: لا أقدر على فراق بيتي، إن رضيتم أن أرضعه في بيتي، وإلا فلا حاجة لي فيه، وأظهرت الزهد فيه نفيا للتهمة عنها، فرضوا بذلك، فرجعت به إلى بيتها من يومها، ولم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها، وأتحفها بالذهب، والجواهر.\nقال الزمخشري: فإن قلت: كيف حل لها أن تأخذ الأجر على إرضاع ولدها؟ قلت: ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربي، تأخذه على وجه الاستباحة. انتهى. أقول:\nومن هذا يستباح مال الحربي بأي وجه كان، ولو كان عن طريق المقامرة؛ إذا كان المسلم يعلم من نفسه أنه يقمرهم ويغلبهم. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿وَحَرَّمْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (حرمنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَراضِعَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَراضِعَ﴾. وبني (قبل) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿فَقالَتْ:﴾\nالفاء: حرف عطف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى أخت موسى.\n ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَدُلُّكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿عَلى أَهْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿بَيْتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يَكْفُلُونَهُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿أَهْلِ بَيْتٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه لتخصصه بالإضافة. ﴿أَدُلُّكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿ناصِحُونَ:﴾\nخبر المبتدأ مرفوع.. إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير، وجملة: ﴿وَقالَتْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3265\"></span>﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها:﴾ تسر، وتفرح من «القرار»، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس؛ سكنت إليه من النظر إلى غيره. أو من «القر»، فإن دمعة السرور باردة، ودمعة","vol":"7","page":20},{"text":"الحزن حارة، وضعف ناس هذا، وقالوا: الدمع كله حار، فمعنى «أقر الله عينه» أي: سكن الله عينه؛ بالنظر إلى من يحبه حتى تقر وتسكن، وإذا أريد بهذه الجملة الدعاء فيكون المعنى: أقر الله عينه، أي: أسكنها بالموت، فيكون الفعل من الأضداد، وفلان قرة عيني؛ أي: تسكن نفسي بقربه، وقالت ميسون بنت بحدل الكلبية: [الوافر] ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان). ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ أي: لفراقه.\n ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ أي: ما وعدها به من رده إليها، وجعله من المرسلين. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر آل فرعون كانوا في غفلة عن ما قدره الله، وقضاه. هذا؛ وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ مبلغ التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿فَرَدَدْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (رددناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِلى أُمِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَيْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقَرَّ:﴾\nفعل مضارع منصوب ب ﴿كَيْ﴾. ﴿عَيْنُها:﴾ فاعل، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و: ﴿كَيْ﴾ والفعل: ﴿تَقَرَّ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل مقدرة قبل ﴿كَيْ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت النصب ب: «أن» مضمرة بعد: ﴿كَيْ،﴾ ف: «أن» تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر ب: ﴿كَيْ﴾. وعلى الاعتبارين فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَحْزَنَ:﴾ معطوف على ﴿تَقَرَّ﴾. وقيل التقدير: ولئلا تحزن، والفاعل يعود إلى ﴿أُمِّ مُوسى﴾. ﴿وَلِتَعْلَمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لتعلم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى أم موسى أيضا، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ،﴾ و﴿وَعْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول: (تعلم). ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لكن):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم (لكن)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لكن)، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.","vol":"7","page":21},{"text":"<span id=\"aya-3266\"></span>﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ:﴾ الأشد: ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين عاما، وقيل: الأشد:\nثلاثة وعشرون سنة. ﴿وَاسْتَوى:﴾ بلغ أربعين عاما هكذا قيل، ومعلوم أن بلوغه سن الأربعين كان عند رجوعه من مدين؛ لأنه أقام في مصر ثلاثين سنة، ثم ذهب إلى مدين، وأقام فيها عشر سنين، ووقعة قتل القبطي كانت قبل ذهابه إلى مدين، فهي السبب فيه؛ لذا تفسير الاستواء بانتهاء الشباب، وتكامل العقل، والقوى أولى بالاعتبار. ولا تنس: أن الله تعالى لم يذكر الاستواء في حق يوسف على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. وانظر شرح ﴿اِسْتَوى﴾ في سورة (طه) رقم [٥]. و﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ أي: الحكمة قبل النبوة. والعلم: الفهم. وقال محمد بن إسحاق:\nأي: العلم بما في دينه ودين آبائه، وكان له تسعة من بني إسرائيل يسمعون منه، ويقتدون به، ويجتمعون إليه، وكان هذا قبل النبوة. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدّقت بوعد الله، فرددنا ولدها إليها مصحوبا بالهدايا والتحف وهي آمنة، ثم وهبنا له العقل، والحكمة، والنبوة، وكذلك نجزي كل محسن على إحسانه. انتهى. قرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿بَلَغَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى موسى، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا.\n ﴿أَشُدَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَاسْتَوى:﴾ الواو: حرف عطف. (استوى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى موسى، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿آتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول.\n ﴿حُكْمًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَعِلْمًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف.\nالكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نجزي المحسنين جزاء كائنا مثل جزاء موسى وأمه على صبرهما، وإحسانهما. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿نَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والكلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"7","page":22},{"text":"<span id=\"aya-3267\"></span>﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ يعني: موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nوالمدينة قيل: هي منف من أعمال مصر. وقيل: هي قرية، يقال لها: حايين على رأس فرسخين من مصر. وقيل: هي مدينة عين شمس. ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها:﴾ قيل: هي نصف النهار، واشتغال الناس بالقيلولة. وقيل: دخلها ما بين المغرب، والعشاء. وفي سبب دخول المدينة في ذلك الوقت أقوال:\nالأول: أن موسى كان يسمى ابن فرعون، وكان يركب في مراكبه، ويلبس لباسه، فركب فرعون يوما، وكان موسى غائبا، فلما جاء؛ قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها، وليس في طرقها أحد.\nالثاني: أنه كان لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه، ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، ومخالفتهم في دينه؛ حتى أنكروا عليه ذلك، وخافوه، وخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلا خائفا مستخفيا على حين غفلة من أهلها.\nالقول الثالث: أن موسى ضرب فرعون بالعصا في صغره، فأراد فرعون قتله، فقالت امرأته:\nهو صغير فتركه وأمر بإخراجه من مدينته، فأخرج منها، فلم يدخل عليهم حتى كبر، وبلغ أشده، فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، يعني: عن ذكر موسى، ونسيانهم خبره لبعد عهدهم به.\nوعن علي بن أبي طالب﵁-: أنه كان يوم عيد لهم، قد اشتغلوا فيه بلهوهم ولعبهم. انتهى. خازن بحروفه. وفي القرطبي قريب منه، واعتمد المروي عن علي كرم الله وجهه. هذا؛ وعلى حين بمعنى في حين، قال النابغة الذبياني: [الطويل] على حين عاتبت المشيب على الصّبا... وقلت: ألمّا أصح والشّيب وازع؟!\nوقال القرطبي: يقال في الكلام: دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، فدخلت ﴿عَلى﴾ في هذه الآية؛ لأن الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئت على غفلة انتهى. هذا؛ والغفلة: معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور. وقيل:\nحقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ، والتيقظ، وهذا في حق الله تعالى محال، فلا بد من تأويل قوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [٤٢]: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ﴾","vol":"7","page":23},{"text":"﴿الظّالِمُونَ..﴾. إلخ فإن المقصود منها: أنه سبحانه ينتقم من الظالم للمظلوم، ففيه وعيد، وتهديد للظالم، وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه، بل ينتقم منه، ولا يتركه مغفلا.\n ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ:﴾ يتخاصمان، ويتنازعان. ﴿هذا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: أحدهما من طائفة بني إسرائيل. ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ:﴾ والثاني قبطي من قوم فرعون عدوه. وقيل: أحدهما مؤمن، والآخر كافر. وقيل: الذي من شيعته هو السامري، والذي من عدوه هو طباخ فرعون، واسمه: فاتون، وكان القبطي يريد أن يأخذ الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى مطبخ فرعون، وهذا يرجح ما اعتمدته عن علي-كرم الله وجهه -آنفا. وقال ابن عباس -﵄-:\nلما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم؛ حتى امتنعوا كل الامتناع، وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى؛ لأنهم كانوا يعلمون: أنه منهم.\nقال ابن هشام في المغني: ليس المراد تقريب الرجلين من موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، كما تقول: هذا كتابك فخذه، وإنما الإشارة إليهما كانت في ذلك الوقت هكذا، فحكيت.\n ﴿فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ:﴾ طلب منه أن يغيثه وأن يعينه على عدوه الفرعوني. وقرئ:\n (فاستعانه) وهو بمعناه، والسين والتاء فيهما للطلب. ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ أي: ضرب القبطي بجمع كفه، وقرئ: «(فلكزه)» أي: فضرب به صدره. قال قتادة: ضربه بعصاه، وقال مجاهد: بكفه، أي: دفعه. هذا؛ والوكز، واللكز، واللهز، واللهد بمعنى واحد، وهو الضرب بجمع الكف مجموعا كعقد ثلاثة وسبعين، قال طرفة في معلقته يذم رجلا: [الطويل] بطيء عن الجلى، سريع إلى الخنا... ذلول بإجماع الرجال ملهد\nففعل موسى -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام -ذلك؛ وهو لا يريد قتله، إنما قصد دفعه، فكانت فيه منيته، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ وكل شيء أتيت عليه، وفرغت منه قضيت عليه. يروى: أن موسى قال للقبطي: خل سبيله، فقال: إنما أريد أن يحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازعه، فقال القبطي لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك، فغضب موسى، واشتد غضبه، وكان قد أوتي بسطة في الخلق، وشدة في القوة، فوكزه فقضى عليه.\n ﴿قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أي: من إغوائه؛ لأنه لم يكن أمر بقتال الكفار، أو لأنه كان مأمونا فيهم، فلم يكن له اغتيالهم، ولا يقدح ذلك في عصمته؛ لأنه قتل خطأ لا عمد، وإنما عده من عمل الشيطان، وسماه ظلما، واستغفر منه على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم. ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ:﴾ بين الضلال، والإضلال، وانظر شرح (عدو) في الآية رقم [٧٧] من سورة (الشعراء).","vol":"7","page":24},{"text":"الإعراب: ﴿وَدَخَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (دخل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى.\n ﴿الْمَدِينَةَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة وفي مقدمتهم سيبويه. والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في «دخلت الدار، ونزلت البلد، وسكنت الشام». ﴿عَلى حِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَدِينَةَ،﴾ أو من الفاعل المستتر؛ أي: مستخفيا. ﴿مِنْ أَهْلِها:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿غَفْلَةٍ،﴾ و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَدَخَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لما) لا محل لها أيضا. ﴿فَوَجَدَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (وجد): فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى أيضا، ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، تقدم على الأول. ﴿رَجُلَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى. ﴿يَقْتَتِلانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (رجلين) وجملة: ﴿فَوَجَدَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ شِيعَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿رَجُلَيْنِ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ،﴾ وجملة: ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ معطوفة على ما قبلها فلها حكمها. ﴿فَاسْتَغاثَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.\n (استغاثه): فعل ماض. والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿مِنْ شِيعَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿عَلَى الَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ عَدُوِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿فَوَكَزَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (وكزه): فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.\n ﴿فَقَضى:﴾ الفاء: حرف عطف. (قضى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (موسى)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿هذا:﴾\nمبتدأ. ﴿مِنْ عَمَلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عَمَلِ﴾ مضاف، و﴿الشَّيْطانِ﴾ مضاف","vol":"7","page":25},{"text":"إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر (إن). ﴿مُضِلٌّ:﴾ خبر ثان. ﴿مُبِينٌ:﴾ خبر ثالث. وإن اعتبرت ﴿مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ صفتين ل: ﴿عَدُوٌّ﴾ فالمعنى لا يأباه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3268\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾\nالشرح: ندم موسى -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام -على ذلك الوكز، الذي كان فيه إزهاق الروح، فحمله ندمه على الخضوع لربه، والاستغفار من ذنبه، ثم لم يزل يعدد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر له، حتى إنه في يوم القيامة يعتذر عن الشفاعة، ويقول: إني قتلت نفسا لم اؤمر بقتلها، وإنما اعتبره ذنبا؛ لأن النبي لا ينبغي له أن يقتل حتى يؤمر. ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أي: ذنبي الذي حصل من قتل القبطي. ﴿فَغَفَرَ لَهُ:﴾ ذنوبه باستغفاره. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ:﴾ لذنوب عباده إذا استغفروا، وتابوا، و﴿الْغَفُورُ﴾ صيغة مبالغة. ﴿الرَّحِيمُ:﴾ بعباده حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، ويغفر لهم ذنوبهم؛ إذا استغفروا.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ، وانظر الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء) ففيها البحث كاف واف. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿ظَلَمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَفْسِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والمفعول محذوف، تقديره: اغفر لي ذنوبي، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»؛ إذ التقدير: إذا كان ذلك حاصلا مني فاغفر لي، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿فَغَفَرَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (غفر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: «ربه». ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء","vol":"7","page":26},{"text":"اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له من الإعراب، أو هو توكيد لا سم (إن) على المحل.\n ﴿الْغَفُورُ:﴾ خبر (إن). ﴿الرَّحِيمُ:﴾ خبر ثان. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، وما بعده خبرا عنه، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3269\"></span>﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: من المعرفة، والحكمة، والتوحيد، والإيمان بك.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى -: يجوز أن يكون قسما، جوابه محذوف، تقديره: أقسم بإنعامك علي بالمغفرة؛ لأتوبن. وأن يكون استعطافا، كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين. فتكون الباء متعلقة ب: «اعصمني» المقدر، أقول: من المعروف: أن جواب القسم الاستعطافي يكون جملة إنشائية، مثل قول الشاعر: [الطويل] بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة... أبى غير ما يرضيك في السر والجهر\nوأيضا قول مجنون ليلى: [الوافر] بربك هل ضممت إليك ليلى... قبيل الصبح أو قبلت فاها؟\nاللهم إلا أن يقال: الجواب محذوف لدلالة الجملة الآتية عليه، التقدير على الأول: أقسم بحق إنعامك علي؛ لأتوبن! والتقدير على الثاني: أسألك بحق إنعامك علي اعصمني! هذا؛ وانظر البيتين في كتابنا فتح القريب المجيب رقم [٩٩٥ و٩٩٦].\nهذا؛ وأراد بمظاهرة المجرمين: إما صاحبة فرعون، وانتظامه في جملته، وتكثير سواده؛ حيث كان يركب بركوبه، كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، وإما بمظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم، والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له قتله. وعن ابن عباس -﵄قال: لم يستثن، فابتلي به مرة أخرى، يعني: لم يقل: فلن أكون إن شاء الله ظهيرا؛ أي: معاونا للمجرمين، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.\nقال عبيد الله بن الوليد الوصافي: قلت لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخا يأخذ بقلمه (أي:\nيأخذ أجرة على كتابته بقلمه)، وإنما يحسب ما يدخل، وما يخرج، وله عيال، ولو ترك ذلك لاحتاج، وادان، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله القسري، قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: ﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. قال ابن عباس -﵄-: فلم يستثن، فابتلي به ثانية، فأعانه الله، فلا يعينهم أخوك؛ فإن الله يعينه.","vol":"7","page":27},{"text":"قال عطاء: فلا يحل لأحد أن يعين ظالما، ولا يكتب له، ولا يصحبه، وأنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين. وفي الحديث: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة، وأعوان الظلمة؛ حتى من لا ق لهم دواة، أو بري لهم قلما، فيجمعون في تابوت من حديد، فيرمى بهم في جهنم». ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «من مشى مع مظلوم؛ ليعينه على مظلمته؛ ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزل فيه الأقدام. ومن مشى مع ظالم؛ ليعينه على ظلمه؛ أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام». انتهى. قرطبي، وخذ ما يلي:\nعن كعب بن عجرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم، وصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم، أولم يغش، فلم يصدقهم في كذبهم، ولا أعانهم على ظلمهم، فهو مني، وأنا منه، وسيرد علي الحوض». رواه الترمذي والنسائي.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾\nمنادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿أَنْعَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، أو: أسألك بحق إنعامك علي. وانظر الشرح. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف تعليل وتفريغ. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال.\nوقال ابن عصفور، وابن السراج، وآخرون: ودعاء، أي: اعتبروها دعائية هنا، مثل قول الأعشى: [الخفيف] لن تزالوا كذلكم، ثم لا زل... ت لكم خالدا خلود الجبال\n ﴿أَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: (لن) واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا».\n ﴿ظَهِيرًا:﴾ خبر: ﴿أَكُونَ﴾. ﴿لِلْمُجْرِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ظَهِيرًا،﴾ وجملة: ﴿فَلَنْ أَكُونَ..﴾. تعليل لما قبلها، والأحسن عطفها على الجواب المحذوف المقدر ب: (لأتوبن)، والكلام ﴿رَبِّ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3270\"></span>﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا﴾ أي: على نفسه من قتله القبطي أن يؤخذ به. و(أصبح) بمعنى: صار، وليس على بابه. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أي: ينتظر سوءا. والترقب: انتظار المكروه. وقيل:","vol":"7","page":28},{"text":"ينتظر متى يؤخذ به. وقيل، يترقب الأخبار وما يتحدث به الناس. ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ:﴾\nوهو الإسرائيلي؛ الذي قتل القبطي بسببه. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي: يستغيث بموسى ﵇.\nقال ابن عباس -﵄-: أتي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا، فخذ لنا بحقنا، فقال: اطلبوا قاتله، ومن يشهد عليه، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة؛ إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر، فاستغاثه على الفرعوني، وكان موسى قد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي. هذا؛ والصارخ، والمستصرخ: هو الذي يطلب النصرة، والمعاونة، والمصرخ: هو المغيث، قال سلامة بن جندل: [البسيط] كنا إذا ما أتانا صارخ فزع... كان الصراخ له قرع الظنابيب\nالظنابيب: جمع ظنبوب، وهو حرف الساق اليابس من قدم، وقال أمية بن أبي الصلت: [الطويل] ولا تجزعوا إني لكم غير مصرخ... وليس لكم عندي غناء ولا نصر\n ﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ أي: للإسرائيلي. ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر الغواية، قاتلت رجلا بالأمس، فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم رجلا آخر، وتستغيث بي عليه. هذا؛ والغواية، والغي: ضد الرشد، الذي هو التعقل في الأمور، والتدبير: ألا يفعل فعلا يفضي إلى البلاء على نفسه، وعلى من يريد نصرته. وقال الحسن: إنما قال للقبطي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. وهو غير معتمد، وإنما هو للإسرائيلي.\nفائدة: الأمس: اسم نكرة يراد به يوم من الأيام الماضية لا على التعيين، وإذا قيل: أمس؛ فإنه يكون معرفة؛ المراد به اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه. وبه يلغز، فيقال: أي اسم إذا عرف، نكر، وإذا نكر؛ عرف. وإذا اقترنت به ال فيكون معربا بالحركات الظاهرة، وإذا جرد منها فللعرب فيه حينئذ ثلاث لغات:\nإحداها: البناء على الكسر مطلقا، وهي لغة أهل الحجاز، فيقولون: ذهب أمس بما فيه، واعتكفت أمس، وعجبت من أمس (بالكسر فيهن).\nالثانية: إعرابه إعراب ما لا ينصرف مطلقا، وهي لغة بني تميم.\nالثالثة: إعرابه إعراب ما لا ينصرف في حالة الرفع خاصة، وبناؤه على الكسر في حالتي النصب والجر، وهي لغة جمهور بني تميم. انتهى. شذور الذهب. هذا؛ وقال الزمخشري: قد يذكر: الأمس، ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن يراد به الوقت المستقرب على طريق الاستعارة.\nالإعراب: ﴿فَأَصْبَحَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أصبح): فعل ماض ناقص، واسمه مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى موسى. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خائِفًا﴾ بعدهما. ﴿خائِفًا:﴾ خبر","vol":"7","page":29},{"text":"(أصبح)، ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: (أصبح)، و﴿خائِفًا﴾ حالا من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، كما يجوز اعتباره خبرا ثانيا. ﴿يَتَرَقَّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية يجوز فيها أن تكون خبرا ثانيا ل (أصبح)، وأن تكون حالا ثانية، وأن تكون بدلا من الحال الأولى، أو من الخبر الأول، أو حالا من الضمير المستتر ب: ﴿خائِفًا﴾. فتكون حالا متداخلة، وجملة:\n ﴿فَأَصْبَحَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (إذا): هي الفجائية. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِسْتَنْصَرَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْأَمْسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والهاء مفعول به، والمتعلق محذوف، التقدير: على قبطي آخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، أو الخبر متعلق: (إذا) فتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من الموصول. وانظر الآية رقم [٣٢] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قالَ﴾.\n ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَغَوِيٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (غوي):\nخبر (إنّ). ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3271\"></span>﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ﴾ أي: موسى. ﴿أَنْ يَبْطِشَ:﴾ بطش به: فتك به، وأخذه بصولة، وشدة، وسطا، وانقض عليه فهو باطش، وبطاش وبطيش. وقد أطلق على يوم بدر اسم البطشة الكبرى؛ لأن الله أخذهم أخذة شديدة فيه، كما هو معروف في السيرة النبوية، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٠] من سورة (الشعراء)، فإنه جيد. ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما﴾ أي: لموسى، وللإسرائيلي، والمراد: القبطي الذي يريد أن يسخر الإسرائيلي؛ لأنه عدو لموسى، وللإسرائيلي. وقيل: الذي أراد أن يبطش هو الإسرائيلي. وليس بشيء، وانظر زيادة ﴿أَنْ﴾ بعد (لما) في الآية رقم [٣٣] من سورة (العنكبوت).","vol":"7","page":30},{"text":"﴿قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ..﴾. إلخ: وذلك: أن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- أخذته الرقة، والغيرة على الإسرائيلي، فمد يده ليبطش بالقبطي، فظن الإسرائيلي: أنه يريد أن يبطش به، لما رأى من غضب موسى، وسمع من قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وهذا يفيد: أنه لم يكن أحد علم من قوم فرعون: أن موسى هو الذي قتل القبطي، حتى أفشى عليه الإسرائيلي ذلك، فسمعه القبطي، فأتى فرعون، فأخبره بذلك.\n ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالقتل ظلما. وقيل: الجبار: هو الذي يقتل، ويضرب، ولا ينظر في العواقب. وقيل: هو الذي يتعاظم، ولا يتواضع لأمر الله تعالى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٠] من سورة (الشعراء) أيضا. ﴿وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ:﴾ بين الناس، فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن، ولما فشا: أن موسى قتل القبطي؛ أمر فرعون بقتله، فخرجوا بطلبه، وسمع رجل من شيعة موسى، ويقال: أنه مؤمن من آل فرعون، واسمه حزقيل، وقيل: شمعون، وقيل: سمعان. أقول: وهو النجار الذي صنع التابوت لأم موسى، كما رأيت في الآية رقم [٧] وهو مؤمن آل فرعون المذكور في سورة (غافر).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿أَنْ:﴾ زائدة.\n ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى موسى على المعتمد. والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هُوَ:﴾\nضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. ﴿لَهُما:﴾ جار ومجرور، متعلقان ب ﴿عَدُوٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الإسرائيلي.\n (يا): حرف نداء ينوب مناب: أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف في محل نصب ب: (يا). ﴿أَتُرِيدُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (تريد): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَقْتُلَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿قَتَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به. ﴿بِالْأَمْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و: (ما) المصدرية، والفعل ﴿قَتَلْتَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: أتريد أن تقتلني قتلا كائنا مثل قتلك نفسا بالأمس. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا","vol":"7","page":31},{"text":"التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر، المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿تُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿جَبّارًا:﴾ خبر: ﴿تَكُونَ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب ﴿جَبّارًا،﴾ و﴿أَنْ تَكُونَ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿إِنْ تُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَما تُرِيدُ..﴾. إلخ معطوفة عليها فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3272\"></span>﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ:﴾ آخرها، أي: من مكان بعيد. ﴿يَسْعى:﴾ يسرع في مشيه، وأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى، وأخبره، وأنذره بما سمع. ﴿قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ:﴾ يتشاورون بسببك. والائتمار: التشاور. يقال: الرجلان يتآمران، ويأتمران؛ لأن كل واحد منهما يأمر صاحبه بشيء، أو يشير عليه بأمر، و﴿الْمَلَأَ:﴾ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملئون العيون بكبريائهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، ونحوهما. وانظر الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ أي: في الخروج من المدينة.\nتنبيه: في سورة (يس) قدّم ﴿مِنْ أَقْصَا﴾ على: ﴿رَجُلٌ؛﴾ لأنه لم يكن من أقصاها، وإنما جاء منها. وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان، وقضيتان متباينتان، فما هنا في قضية موسى، وما هناك في قضية حواري عيسى. انتهى. جمل. وهل هذا الرجل من القبط، أو من بني إسرائيل؟ المعتمد: أنه من القبط، وأنه الرجل المذكور في الآية رقم [٢٨] من سورة (غافر) انظر شرحها هناك: إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿وَجاءَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (جاء): فعل ماض. ﴿رَجُلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقبلها كلام محذوف يفهم من سياق القصة. ﴿مِنْ أَقْصَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلٌ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف، و﴿أَقْصَا﴾ مضاف، و﴿الْمَدِينَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَسْعى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل:\n ﴿رَجُلٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾","vol":"7","page":32},{"text":"أَنْزَلْناهُ. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الْمَلَأَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَأْتَمِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لِيَقْتُلُوكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعوله، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَاخْرُجْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٦]، (اخرج): فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان بمحذوف يدل عليه ما بعده، التقدير: ناصح لك؛ لأن «ال» موصولة، ولا يتقدم معمول الصلة على الموصول، وقيل: متعلقان بالناصحين؛ لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها، أو على جهة البيان، أعني: لك. ﴿مِنَ النّاصِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنِّي،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، وجملة: ﴿فَاخْرُجْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف، يقدر بإذا، والكلام ﴿يا مُوسى..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (جاء...) إلخ بواو محذوفة، لا محل لها مثلها، وهو أولى من اعتبارها في محل نصب حال. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3273\"></span>﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿فَخَرَجَ مِنْها﴾ أي: من المدينة. ﴿خائِفًا:﴾ من آل فرعون. ﴿يَتَرَقَّبُ:﴾ لحوق طالب له. ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ:﴾ خلصني منهم، واحفظني من لحوقهم، وهذا لجوء إلى الله لعلمه أن لا ملجأ إلا إليه تعالى.\nتنبيه: في هذه الآية، وفي الآية رقم [١٨] دليل واضح على: أن الخوف من الأعداء، والحذر من شرهم، إنما هو سنة الله في أنبيائه، وأوليائه، مع معرفتهم به، وثقتهم بنصره. ومنه حفر النبي ﷺ الخندق حول المدينة تحصينا للمسلمين، وأموالهم؛ مع كونه من التوكل على الله، والثقة به بمحل لم يبلغه أحد، ثم ما كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم، مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة تخوفا على أنفسهم من مشركي مكة، وهربا بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم، وخاب الفسقة، والفجرة الذين يصمون الصديق﵁بالجبن، وضعف الإيمان لما ناله من الخوف في ليلة الهجرة الشريفة، ودخوله مع حبيبه الغار، فويل لهم مما يكذبون، وويل لهم مما يفترون.\nالإعراب: ﴿فَخَرَجَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (خرج): فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خائِفًا:﴾","vol":"7","page":33},{"text":"حال من الفاعل المستتر، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَتَرَقَّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، ومفعوله محذوف، التقدير: يترقب لحوقهم به، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من الفاعل المستتر في الفعل: (خرج) أو من الفاعل المستتر ب: ﴿خائِفًا،﴾ فتكون حالا متداخلة.\n ﴿قالَ﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف. ﴿نَجِّنِي:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة القوم مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملتان الندائية والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ رَبِّ..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية من فاعل (خرج) المستتر، والرابط: الضمير فقط.\n\n<span id=\"aya-3274\"></span>﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾\nالشرح: لما خرج موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فارا بنفسه، خائفا منفردا، لا شيء معه: من زاد، ولا راحلة، ولا حذاء نحو مدين. قيل: لأنه وقع في نفسه: أن بينهم، وبينه قرابة؛ لأن أهل مدين من ولد إبراهيم، وموسى من ولد إبراهيم، ومدين هو أحد أولاد إبراهيم، وقد بينته لك في سورة (هود) وغيرها، سميت البلد باسمه، وبين مدين ومصر مسيرة ثمانية أيام، وليس لفرعون سلطان على أهل مدين، ولم يكن لموسى طعام إلا ورق الشجر، ونبات الأرض، حتى رأى خضرته في بطنه. وما وصل إلى مدين؛ حتى وقع خف قدميه. قال ابن عباس﵄-: هو أول ابتلاء من الله لموسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام.\n ﴿قالَ عَسى رَبِّي أَنْ..﴾. إلخ: لما توجه موسى إلى مدين ولم يكن له معرفة بالطرق؛ سأل الله أن يهديه إلى الطريق التي توصله إلى مدين، فاعترضه ثلاث طرق، فأخذ في أوسطها، وكان فرعون أرسل جنوده في طلبه، وقال لهم: اطلبوه في ثنيات الطريق؛ فإنه لا يعرف الطريق، فجاءه ملك راكبا فرسا، فقال له: اتبعني، فاتبعه، فهداه إلى الطريق. قيل: إن هذا الملك هو جبريل ﵇. والله أعلم.\nهذا؛ وبلاد مدين واقعة حول خليج العقبة من عند نهايته الشمالية، وشمال الحجاز، وجنوب فلسطين تنسب إلى مدين، ويطلق على سكانها: قوم مدين.\nهذا؛ و﴿تِلْقاءَ﴾ يقرأ بالمد، والقصر، قراءتان سبعيتان، وهو يستعمل ظرف مكان كما هنا، ويستعمل مصدرا ك: «التّبيان»، ولم يجئ من المصادر على التفعال بالكسر غير: التّلقاء،","vol":"7","page":34},{"text":"والتّبيان، والزّلزال، والوسواس، وإذا فتحت الأول صارت أسماء. ولم أعثر على فعل ل:\n «تلقاء» على الاعتبارين: المصدرية، والاسمية، وهمزته بالمد منقلبة عن ياء «تلقاي» لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين.\nهذا؛ و﴿سَواءَ﴾ في الأصل مصدر بمعنى: الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد في كثير من الآيات، وقيل: هو بمعنى: مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع. قالوا: هما سواء، وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيان، وإن شئت قلت: سواءان. قال قيس بن معاذ، وهو الشاهد رقم [٢٤١] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]\nفيا ربّ إن لم تجعل الحبّ بيننا... سواءين فاجعلني على حبّها جلدا\nواعتبر ابن هشام في المغني هذه التثنية شاذة، وفي الجمع قالوا: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس قولهم: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون. هذا؛ والسواء أيضا: العدل، والوسط، كما في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾. وانظر شرح السبيل في الآية رقم [٥٧] من سورة (الفرقان). هذا؛ وفسر الجلال: ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ بقصد الطريق، ثم فسر القصد بالوسط.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿تَوَجَّهَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿تِلْقاءَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿تِلْقاءَ﴾ مضاف، و﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. وقيل: العلمية، والتأنيث، وليس بشيء، وجملة: ﴿تَوَجَّهَ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد من أفعال الرجاء، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبِّي:﴾ اسم (عسى) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَهْدِيَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿سَواءَ:﴾ منصوب بنزع الخافض. وقيل: هو مفعول ثان للفعل قبله، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ و﴿سَواءَ﴾ مضاف، و﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف، و﴿أَنْ يَهْدِيَنِي﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر:\n ﴿عَسى،﴾ وجملة: ﴿عَسى رَبِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب.","vol":"7","page":35},{"text":"<span id=\"aya-3275\"></span>﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ:﴾ وصل موسى إلى الماء، وهو بئر لأهل مدين كانوا يسقون منها، ووروده الماء معناه: أنه بلغه لا أنه دخل فيه، ولفظة الورود تكون بمعنى الدخول في المورود، وبمعنى الاطلاع عليه؛ والبلوغ إليه؛ وإن لم يدخل، ومنه قول زهير في معلقته:\nرقم [١٤]. [الطويل]\nفلمّا وردن الماء زرقا جمامه... وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم\n ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ أي: قريبا من الماء، أو وجد فوق شفير البئر. ﴿أُمَّةً:﴾ جماعة كثيرة العدد.\n ﴿يَسْقُونَ:﴾ مواشيهم الماء. هذا؛ وأمة بمعنى الجماعة، كما رأيت، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ﴾ والأمة:\nالطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وبها فسرت الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنبياء). وقال النابغة الذبياني من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر، ويعتذر له مما وشى به الواشون: [الطويل]\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وهل يأثمن ذو أمّة، وهو طائع؟\nوكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾. والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت وحين.\n ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ أي: في مكان أسفل من مكانهم، وقبل أن يصل إلى الجماعة المحتشدين على الماء. ﴿اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ:﴾ تحبسان أغنامهما من الماء؛ لئلا تختلط بأغنامهم.\nقال سويد بن كراع يذكر تنقيحه شعره: [الطويل]\nأبيت على باب القوافي كأنّما... أذود به سربا من الوحش نزّعا\nأي: أحبس، وأمنع. وقيل: تذودان: تطردان. قال جرير يهجو الفرزدق: [الوافر]\nلقد سلبت عصاك بنو تميم... فما تدري بأيّ عصا تذود؟\nأي: تطرد، وتكف. قال ابن عباس﵄-: تذودان أغنامهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء. وقيل: كانتا تكرهان المزاحمة على الماء. ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أي:","vol":"7","page":36},{"text":"ما شأنكما؟ وحقيقته: ما مخطوبكما؛ أي: ما مطلوبكما من الذياد؟ فسمى المخطوب: خطبا.\nهذا؛ والخطب: الأمر العظيم، والنازلة من نوازل الدهر، وجمعه: خطوب، قال جابر بن رألان الطائي الجاهلي، وهذا هو الشاهد رقم [٢٦] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الوافر]\nيرجّي المرء ما إن لا يراه... وتعرض دون أدناه الخطوب\n ﴿قالَتا لا نَسْقِي:﴾ أغنامنا الماء. ﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أي: يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء، حذرا من مزاحمة الرجال، فإذا صدروا سقينا مواشينا من فضل ما بقي منهم في الأحواض. هذا؛ ويقرأ ﴿يُصْدِرَ﴾ بضم الياء وكسر الدال من الرباعي، وبفتح الياء، وضم الدال من الثلاثي، و﴿الرِّعاءُ﴾ بكسر الراء جمع: راع، كقائم، وقيام، ويقرأ بضم الراء، وهو اسم للجمع، كالتّوام، والرّخاء. ﴿وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ:﴾ كبير السن لا يستطيع أن يخرج للسقي، فيرسلنا اضطرارا.\nهذا؛ والفعل ﴿نَسْقِي﴾ و﴿يَسْقُونَ﴾ في الآية السابقة، و(سقى) في الآية التالية، و(سقيت) في الآية التي بعدها كل هذه الأفعال من الثلاثي، كما يأتي هذا الفعل من الرباعي: أسقى، وهما بمعنى واحد، تقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمزة تارة، وبدونه أخرى، وشاهد المهموز قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا،﴾ وشاهد غير المهموز قول تعالى:\n ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا،﴾ ويحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد اللغتان في قول لبيد﵁-: [الوافر]\nسقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال\nولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، كما حذف المفعولان من الألفاظ المذكورة في هذه الآيات. هذا؛ وفرق الأعلم بين المهموز، وغيره، فقال: تقول: سقيتك ماء إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيتك إذا حصلت له سقيا.\nهذا؛ والشيخ هو الذي استبانت فيه السن، وظهر عليه الشيب، وفي اللغة: هو من تجاوز الأربعين من عمره، وهو السن الذي يكمل فيها العقل، ويغلب فيها صلاح الرجل على فساده، ومن لم يكمل بعد الأربعين، ولم يرجع إلى صوابه فهو من الخاسرين. قال رسول الله ﷺ: «من بلغ من العمر أربعين سنة، ولم يغلب خيره على شرّه فليتجهّز إلى النّار». وأصبح الأمل في صلاحه بعيدا. قال زهير بن أبي سلمى: [الطويل]\nوإنّ سفاه الشّيخ لا حلم بعده... وإنّ الفتى بعد السّفاهة يحلم\nورحم الله من يقول: [الطويل]\nإذا المرء وفّى الأربعين ولم يكن... له دون ما يأتي حياء ولا ستر","vol":"7","page":37},{"text":"فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى... وإن مدّ أسباب الحياة له الدّهر\nهذا؛ ويجمع شيخ على: شيوخ، وشيوخ، وأشياخ، ومشيخة، وشيخان وشيخة، وجمع الجمع: مشايخ وأشاييخ، وفي مختار الصحاح عدّ من الجمع: مشايخ، ومشيوخاء، والمرأة شيخة، قال عبيد بن الأبرص في وصف فرسه في معلقته: [مخلع البسيط]\nباتت على إرم عذوبا... كأنها شيخة رقوب\nوقال عبد يغوث بن الحارث، وهذا هو الشاهد رقم (٥٠٣) من كتابنا: «فتح القريب»: [الطويل] وتضحك منّي شيخة عبشميّة... كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا\nهذا؛ وشيّخته دعوته شيخا للتبجيل والتعظيم، وتصغير الشيخ: شييخ (بضم الشين وكسرها) ولا تقل: شويخ. ويطلق الشيخ على الأستاذ، والعالم وكبير القوم، ورئيس الصناعة، وعلى من كان كبيرا في أعين الناس علما، أو فضيلة، أو مقاما، ونحو ذلك، وشيخ النار: كناية عن إبليس، أخزاه الله تعالى.\nهذا؛ ولقد اختلف في الشيخ أبي البنتين اختلافا كبيرا، فأكثر المفسرين على: أنه شعيب النبي على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد اشتهر ذلك اشتهارا عظيما، وأولع به الأدباء وأصحاب السير، وهذا أبو العلاء المعري يقول مادحا رجلا عظيما زفت إليه عروسه: [الخفيف]\nكنت موسى وافته بنت شعيب... غير أن ليس فيكما من فقير\nوآخرون يذكرون غير ذلك، فقال جماعة: اسم والد المرأتين: يثرون، وإنه ابن أخي شعيب، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام. وقال آخرون: اسمه: يثري، فقد ذكر أبو جعفر الطبري في ذلك ثلاث روايات تنتهي كلها إلى ابن عباس﵄-، ليس فيها: أنه شعيب، أو ابن أخي شعيب.\nوقال آخرون: إن الذي استأجر موسى هو نبي الله شعيب، وهي رواية ذكرها الطبري بسنده إلى قرّة بن خالد عن الحسن البصري، وذكر هذا الحافظ ابن كثير في تفسيره من قول الحسن البصري، وقول الإمام مالك. وقال آخرون: إن صاحب موسى والد المرأتين هو رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى بمدة طويلة، والله أعلم بحقيقة الحال.\nهذا؛ وقد روى البزار وابن أبي حاتم، كلاهما عن عتبة بن المنذر السلمي صاحب رسول الله ﷺ بسند طويل، قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرّهما وأوفاهما». ثم قال النبي ﷺ: «إنّ موسى لمّا أراد فراق شعيب﵇أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالب لون، قال: فما مرّت شاة إلا ضرب موسى جنبها بعصاه، فولدت قوالب ألوان كلّها، وولدت","vol":"7","page":38},{"text":"ثنتين، أو ثلاثا كلّ شاة، وليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا كميشة تفوت الكف، ولا ثغول».\nوقال رسول الله ﷺ: «إذا فتحتم الشّام، فإنّكم تجدون بقايا منها، وهي السامريّة». هذا الحديث أورده الحافظ ابن كثير من جملة أحاديث مرسلة، ثم قال: بعد كلام طويل: مدار هذا الحديث على عبد الله بن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم.\nوابن لهيعة أحد رواة سند الحديث. انتهى. قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار بتصرف، واختصار كبيرين. ثم قال عبد الوهاب-رحمه الله تعالى-: من هذا نعلم: أنه لا يوجد حديث صحيح فيه اسم شعيب مصرحا به. انتهى.\nشرح ألفاظ الحديث-قالب لون: ذات لونين، ما بين أبلق، وبلقاء، وقال الهروي: إنها جاءت على غير ألوان أمهاتها، والفشوش: هي التي ينفشّ لبنها من غير حلب، وذلك لسعة الإحليل، أي الحلمة التي يخرج منها اللبن، ومثله الفتوح والثّرور، ومنه قول النبي ﷺ: «إنّ الشّيطان يفشّ بين أليتي أحدكم حتّى يخيّل إليه: أنه أحدث». أي: ينفخ نفخا ضعيفا. والضبوب: الضيقة ثقب الإحليل، والضّبّ: الحلب لشدة العصر، والكميشة، ويروى الكموش، وهما بمعنى: الصغيرة الضرع، سميت بذلك لانكماش ضرعها، وهو تقلصه. والثغول، ويروى بالعين، وهي الشاة التي لها زيادة حلمة. والثعل: ضيق مخرج اللبن أيضا، وزيد في رواية ابن أبي حاتم: ولا عزوز، قال الهروي: العزوز: البكيئة، مأخوذ من العزاز، وهي الأرض الصلبة. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿وَرَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿ماءَ:﴾ مفعول به، و﴿ماءَ﴾ مضاف، و﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ لا محل لها... إلخ. ﴿وَجَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به أول. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أُمَّةً﴾. ﴿يَسْقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، وقد حذف مفعولاه، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو في محل نصب حال من: ﴿النّاسِ،﴾ أو من:\n ﴿أُمَّةً،﴾ والرابط: الضمير. وهذا على اعتبار: وجد بمعنى: لقي. وجملة: ﴿وَجَدَ..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.\n ﴿وَوَجَدَ:﴾ الواو: حرف عطف. (وجد): فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى أيضا.\n ﴿مِنْ دُونِهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿اِمْرَأَتَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: لقي. ﴿تَذُودانِ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، وألف الاثنين فاعله، ومفعوله محذوف،","vol":"7","page":39},{"text":"التقدير: تذودان أغنامهما. وانظر ما ذكرته الآية رقم [٩] من سورة (الزمر) عن ابن هشام فهو جيد إن شاء الله. والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿اِمْرَأَتَيْنِ،﴾ وجملة: ﴿وَوَجَدَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لما)، لا محل لها مثلها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿لَمّا:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَطْبُكُما:﴾ خبر المبتدأ، وبعضهم يعتبره مبتدأ مؤخرا، و(ما) خبرا مقدما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قالَتا:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين التي هي فاعله. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَسْقِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، ومفعولاه محذوفان، التقدير: لا نسقي أغنامنا الماء، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة.\n ﴿يُصْدِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الرِّعاءُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف إن كان من الرباعي؛ و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَبُونا:﴾ والواو: واو الحال. (أبونا):\nمبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْخٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿كَبِيرٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿نَسْقِي﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وجملة:\n ﴿قالَتا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3276\"></span>﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿فَسَقى لَهُما:﴾ أغنامهما ماء رحمة بهما، وشفقة عليهما، واختلف كيف كان سقيه لأغنامهما، قيل: اقتلع صخرة كانت على رأس بئر أخرى، كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقيل: زاحم القوم، ونحاهم عن البئر، وسقى لهما الغنم، وقيل: لما فرغ الرعاء من السقي غطوا رأس البئر بحجر، لا يرفعه إلا عشرة نفر، فجاء موسى، فرفع الحجر وحده، ونزع دلوا واحدا، ودعا فيه بالبركة، وسقى الغنم، فرويت.\n ﴿ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ﴾ أي: عدل، ومال إلى أصل شجرة من شجر الطلح، فجلس في ظلها من شدة الحر، وهو جائع، وفيه دليل على جواز الاستراحة في الدنيا؛ حتى من كثرة العبادة، فكيف بمن يشقى، ويركض في الدنيا ليلا ونهارا في جمع حطامها الفاني، بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة: ولما طال عليه البلاء أنس بالشكوى؛ إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى.","vol":"7","page":40},{"text":"﴿فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما:﴾ لأي شيء. ﴿أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ:﴾ قليل، أو كثير، غث أو سمين، وكان لم يذق طعاما منذ سبعة أيام، حتى لصق بطنه بظهره، وكان يأكل من ورق الشجر ونبات الأرض، فعرّض بالدعاء، ولم يصرح بالسؤال، هكذا روى جميع المفسرين: أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله، فالخير يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية، ويكون بمعنى المال، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ،﴾ ويكون بمعنى القوة، كما قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ،﴾ ويكون بمعنى العبادة، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾.\n ﴿فَقِيرٌ:﴾ محتاج. وعدي باللام؛ لأنه ضمن معنى: سائل، أو طالب. هذا؛ وأصل «فقير» في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم أطلق على المعدم الذي لا يجد حاجته من المال؛ لأنه يشبه الذي انبت ظهره، وعدم الحول والقوة، وهو أسوأ حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعية.\nتنبيه: وإنما رضي شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لابنتيه بسقي الغنم؛ لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور، والدين لا يأباه، وأما المروءة فعادة الناس في ذلك متباينة، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة. انتهى. نسفي.\nأقول: لعل الرجل أبا البنتين لم يكن له أولاد ذكور يقومون له بسقي الغنم، وغيرها من الأعمال، فإنني لم أطلع على أولاد ذكور لشعيب في المراجع الموجودة لدي، فتكون الضرورة هي التي ألجأت البنتين لسقي الغنم، وغيرها من الأعمال؛ وقد ذكر: أنه كان له سبع بنات، وانظر ما ذكرته في الشاهد [١٠٣١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»؛ ففيه بحث جيد.\nالإعراب: ﴿فَسَقى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (موسى)، ومفعولاه محذوفان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقبلها كلام كثير مقدر، كما رأيت في الشرح. ﴿لَهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِلَى الظِّلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى (موسى) أيضا. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف. وانظر ما ذكرته في (الشعراء) رقم [١٦٩] فإنه جيد.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَقِيرٌ﴾ الآتي، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، و﴿أَنْزَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إني فقير للذي، أو: لشيء أنزلته. ﴿إِلَى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما،","vol":"7","page":41},{"text":"﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ما. ﴿فَقِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والكلام: ﴿رَبِّ إِنِّي..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3277\"></span>﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: روي: أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس مبكرتين، وأغنامهما حفل بالماء، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا، رحمنا، فسقى لنا، وقصّا عليه القصة، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، وهو قوله تعالى: ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾. قيل:\nهي الكبرى، واسمها صفوراء. وقيل: صفراء. وقيل: بل هي الصغرى، واسمها: ليا. وقيل:\nصفيراء، وقال عمر بن الخطاب﵁-: ليست بسلفع من النساء، خرّاجة، ولّاجة، ولكن جاءت مستترة، قد وضعت كمّ درعها على وجهها استحياء.\nوالاستحياء، والحياء-بالمد-: الحشمة، والانقباض، والانزواء. يقال: استحيت-بياء واحدة، وبياءين-، ويتعدى بنفسه، وبالحرف، يقال: استحييته، واستحيت منه. والحياء: ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل. والحياء خير ما يتحلى به إنسان، فإذا ذهب الحياء من الإنسان؛ فقد ذهب منه كلّ خير، كما قال القائل: [الوافر]\nإذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستح فاصنع ما تشاء\nفلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء\nوقد رغّب النبي ﷺ في أحاديثه الشريفة الكثيرة بالحياء، وبيّن أنه من خير الخصال، وأكتفي بما يلي: فعن عمران بن الحصين﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الحياء لا يأتي إلاّ بخير». رواه البخاري، ومسلم، وفي رواية لمسلم: «الحياء خير كلّه». وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النّار». رواه أحمد.\nهذا؛ والحياء في حق الله تعالى المراد منه: الترك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ: عن سلمان الفارسي﵁-: «إنّ الله حييّ كريم، يستحيي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، فالمراد منه: أن الله سبحانه يعطي، ولا يمنع.","vol":"7","page":42},{"text":"﴿قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا:﴾ قيل: لما سمع موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ذلك كره أن يذهب معها، ولكن كان جائعا، فلم يجد بدّا من الذهاب معها، فمشت المرأة، ومشى خلفها، فكانت الريح تضرب ثوبها، فتصف ردفها، فكره أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، ودليني على الطريق؛ إذا أخطأت، ففعلت ذلك، فلما دخل موسى على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال: اجلس يا فتى فتعش! فقال: أعوذ بالله، قال شعيب: ولم ذاك؟ ألست جائعا؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لابنتيك، وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا. فقال له شعيب: لا والله يا فتى! ولكنها عادتي، وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام. فجلس، وأكل. انتهى. خازن. وقال القرطبي: كان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال. فلما جاءه، وقصّ عليه القصص؛ أي: أخبره بأمره أجمع: من خبر ولادته، وتربيته في بلاط فرعون، وقتله القبطي، وقصد فرعون قتله. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: من فرعون، وقومه، وإنما قال ذلك؛ لأنه لم يكن لفرعون سلطان على مدين.\nيقول بعض المفسرين: إن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-أسمع المرأتين قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ تعريضا حتى يكون له منهما ما يقوته، وهو ليس معه درهم ولا متاع ولا دينار، ولا ما يؤكل، فكانت دعوته كدعوة المظلوم سريعة الإجابة، ومن جهة أخرى: فإن غرس الجميل قد أثمر، وآتى أكله في أقل من ساعة، والله يضاعف الحسنات لعباده المخلصين.\nموسى رجل ربّي على العزة في بيت فرعون، مدللا في نعيم دائم، ورفاهة، وقد نزل به من الجوع ما اضطره إلى أن يرضى أن يأخذ أجر عمل من أعمال المروءة، والجوع يرضي الأسود بالجيف، وأحسبه لو كان في بلهنية من العيش؛ لم يرض أن يأخذ أجرا على زكاة قوته. انتهى.\nعبد الوهاب النجار، وهذا كلام لا وجه له.\nالإعراب: ﴿فَجاءَتْهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (جاءته): فعل ماض، والهاء مفعول به.\n ﴿إِحْداهُما:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة: ﴿فَجاءَتْهُ..﴾. إلخ معطوفة على الكلام المقدر الذي رأيته في الشرح، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿تَمْشِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: «هي»، يعود إلى إحداهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِحْداهُما﴾. والرابط: الضمير فقط. ﴿عَلَى اسْتِحْياءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿تَمْشِي﴾ فهي حال متداخلة. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿إِحْداهُما﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَبِي:﴾","vol":"7","page":43},{"text":"اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَدْعُوكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿أَبِي،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿لِيَجْزِيَكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿أَبِي،﴾ والكاف مفعول به أول، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجْرَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿أَجْرَ﴾ مضاف، و﴿إِحْداهُما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿سَقَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: أجر الذي سقيته... إلخ، وإن اعتبرت ﴿إِحْداهُما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة، فالتقدير: أجر سقيك لنا\nإلخ. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n (جاءته...) إلخ بواو محذوفة، أو هي في محل نصب حال ثانية، فتكون «قد» قبلها مقدرة. تأمل.\n ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى)، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿وَقَصَّ:﴾\nالواو: حرف عطف. (قصّ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقَصَصَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى أبي البنتين. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: «لا» الناهية، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿نَجَوْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَخَفْ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿مِنَ الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة (القوم) مجرور مثله، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿لا تَخَفْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3278\"></span>﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَتْ إِحْداهُما:﴾ وهي التي استدعته. ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ:﴾ اتخذه أجيرا؛ ليرعى غنمنا. ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي: إن خير من تستعمله الذي قوي على العمل، وأدى الأمانة، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته، وأمانته؟ قالت: أما قوته؛ فإنه رفع الحجر من على رأس البئر، ولا يرفعه إلا عشرة. وقيل: أربعون رجلا. وأما أمانته؛ فإنه قال لي: امشي","vol":"7","page":44},{"text":"خلفي، ودليني على الطريق؛ حتى لا تصف الريح بدنك. هذا؛ وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أن أمانته، وقوته أمران متحققان. وقولها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ كلام جامع؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان: الكفاية والأمانة في القائم بأمرك؛ فقد فرغ بالك، وتم مرادك. وعن ابن مسعود﵁قال: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب، وصاحب يوسف في قوله: ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ وأبو بكر في عمر، رضي الله عن الاثنين. هذا؛ وقد جعل الله ﴿خَيْرَ﴾ اسما ل: ﴿إِنَّ﴾ و﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ خبران لها، وهما أعرف منه، والسبب في ذلك: هو شدة الاهتمام والعناية بما جعل اسما، ومنه قول أبي الشغب العبسي في خالد بن عبد الله القسري الذي أسره يوسف بن عمر، وسجنه: [الطويل]\nألا إنّ خير النّاس حيّا وميّتا... أسير ثقيف عندهم في السّلاسل\n ﴿يا أَبَتِ:﴾ من المعروف: أن في الاسم المضاف لياء المتكلم إذا كان صحيح الآخر ومنادى ستّ لغات: أحدها: حذف الياء، والاستغناء عنها بالكسرة مثل: يا عبد، وهذا هو الأكثر. الثاني: إثبات الياء ساكنة، نحو: يا عبدي، وهو دون الأول في الكثرة. الثالث: قلب الياء ألفا، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو يا عبد. الرابع: قلبها ألفا وبقاؤها، وقلب الكسرة فتحة، نحو: يا عبدا. الخامس: إثبات الياء محركة بالفتحة، نحو: يا عبدي. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nالسادس: ضم الاسم بعد حذفها كالمفرد، اكتفاء بنية الإضافة، وإنما يكون ذلك فيما يكثر نداؤه مضافا للياء كالرب، والأبوين، والقوم، قرئ قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾.\nإلخ بضم الباء، وحكي: يا ربّ اغفر لي. هذا؛ ويضاف إلى ذلك: إذا كان المنادى المضاف إلى الياء أبا، أو أمّا أربع لغات: إحداها: إبدال الياء تاء مكسورة، وبها قرأ السبعة ما عدا ابن عامر في قوله تعالى: ﴿يا أَبَتِ﴾ من سورة (يوسف) وسورة (مريم). الثانية: إبدالها تاء مفتوحة، وبها قرأ عامر ما تقدم. الثالثة: (يا أبتا) بالتاء والألف، وبها قرئ ما تقدم شاذا. وقال رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nتقول بنتي قد أنى أناكا... يا أبتا علّك أو عساكا\nالرابعة: يا أبتي. وعليه قول الشاعر: [الطويل]\nأيا أبتي لا زلت فينا فإنّما... لنا أمل في العيش ما دمت عائشا\nقال ابن هشام في قطر الندى: وهاتان اللغتان قبيحتان، والأخيرة أقبح من التي قبلها، وينبغي ألاّ تجوز إلا في ضرورة الشعر، وقال الخضري في حاشيته على ابن عقيل: ضرورة لكن الأولى","vol":"7","page":45},{"text":"أهون لذهاب صورة الياء المعوض عنها. بل قيل: لا ضرورة فيه؛ لأن هذه الألف لم تنقلب عن الياء، بل هي التي تلحق المنادى البعيد، والمندوب، والمستغاث، فتكون لغة عاشرة، والله أعلم.\nالإعراب: ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿إِحْداهُما:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو.\n (أبت): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، والمعوض عنها التاء، كما رأيت في الشرح. ﴿اِسْتَأْجِرْهُ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت» والهاء مفعول به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿خَيْرَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و﴿مَنِ﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿اِسْتَأْجِرْهُ﴾ صلة ﴿مَنِ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو:\nشخص استأجرته. ﴿الْقَوِيُّ:﴾ خبر (إن). ﴿الْأَمِينُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ خَيْرَ..﴾. إلخ تعليل للأمر لا محل لها، والكلام: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3279\"></span>﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ أي: أزوجك. ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ:﴾ قيل: زوّجه الكبرى. وقال الأكثرون: إنه زوجه الصغرى، واسمها: صفوراء، أو: ليا، حسبما رأيت فيما تقدم، وهي التي ذهبت في طلبه، واستدعائه، وهذا؛ وعد منه، ولم يكن عقد نكاح إذ لو كان عقدا؛ لقال: قد أنكحتك، ولعين المعقود عليها له. ﴿عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ:﴾ على أن تكون لي أجيرا ثمان سنين، والحجة: السنة، وجمعها: حجج، قال زهير بن أبي سلمى، وينسب لحماد الراوية: [الكامل]\nلمن الدّيار بقنّة الحجر... أقوين مذ حجج ومذ دهر\n ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أي: عمل عشر سنين. ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: فالإتمام من عندك؛ أي:\nتفضل منك، وتكرم، وليس مشروطا عليك. ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي: ألزمك إتمام العشر. هذا؛ والمشقة: الصعوبة، واشتقاقها من: الشق، فإن ما يصعب عليك يشق عليك اعتقادك في إطاقته، ورأيك في مزاولته.\n ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: في حسن المعاملة، ولين الجانب، والوفاء بالمعاهدة، والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح: الاتكال على توفيقه تعالى،","vol":"7","page":46},{"text":"ومعونته، لا المراد التعليق بالمشيئة؛ لأنها غير معلومة في جنب الله تعالى. وإن قلت: المراد:\nالتبرك، لا الاستثناء؛ فهو جيد.\nهذا؛ والمساهلة في المعاملات من شيم الأنبياء بلا ريب، والصالحون يقتدون بهم، ومنه الحديث: «كان رسول الله ﷺ شريكي، فكان خير شريك، لا يداري، ولا يشاري، ولا يماري».\nتنبيه: في الآية الكريمة عرض ولي الأنثى ابنته على الرجل، وهذه سنة قائمة بين الناس، عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر، وعثمان﵃ أجمعين-وعرضت الموهوبة نفسها على النبي ﷺ، فمن الحسن عرض الرجل وليته، والمرأة نفسها على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى والد البنتين. ﴿إِنِّي:﴾\nحرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿أُنْكِحَكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب:\n ﴿أَنْ﴾ والفاعل تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿إِحْدَى:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿إِحْدَى:﴾ مضاف، و﴿اِبْنَتَيَّ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿هاتَيْنِ:﴾ الهاء: تنبيه. (تين): اسم إشارة صفة ﴿اِبْنَتَيَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وبعضهم يعتبره مبنيا على الياء؛ لأن أسماء الإشارة من المبنيات، وجملة: ﴿أُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب.\n ﴿تَأْجُرَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب، ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، ويا المتكلم مفعول به، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: تأجرني نفسك. ﴿ثَمانِيَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، واعتبره الزمخشري مفعولا ثانيا على تضمين ﴿تَأْجُرَنِي﴾ تثيبني، وتقدير مضاف محذوف، التقدير: تثيبني رعي ثماني حجج، و﴿ثَمانِيَ﴾ مضاف، و﴿حِجَجٍ﴾ مضاف إليه، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو من المفعول وهو الكاف، التقدير: مشروطا علي، أو عليك ذلك.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم، ﴿أَتْمَمْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿عَشْرًا:﴾ مفعول به، وهو على حذف مضاف، التقدير: أتممت رعي عشر سنين، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَمِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من عندك):\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف أيضا: التقدير: فالتمام من عندك تفضلا،","vol":"7","page":47},{"text":"لا من عندي إلزاما عليك، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما):\nنافية. ﴿أُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿وَما أُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿سَتَجِدُنِي:﴾ السين: حرف استقبال. (تجدني): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن شاء الله ذلك؛ فإنك تجدني مثلك. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿سَتَجِدُنِي،﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الشرطية معترضة بينهما لا محل لها، وجملة: ﴿سَتَجِدُنِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3280\"></span>﴿قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: الذي قلته، وعاهدتني عليه قائم، وثابت بيننا، لا يخرج عنه واحد منا، لا أنا عما شرطت علي، ولا أنت عما شرطته على نفسك. ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ أي: أتممت أقصرهما، أو أطولهما. ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أي: لا يتعدى علي بطلب الزيادة على الثمان، كما لا أطالب بالزيادة على العشر، أما الثمان فأنا ملزم بإتمامها. وقرئ بضم العين وكسرها، والأول أفصح. ﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ:﴾ شاهد، وحفيظ. هذا؛ وقرئ: «(أيما)» بتخفيف الياء، ومثله قول الفرزدق في مدح نصر بن سيار أمير خراسان لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وهو الشاهد رقم [١٢٤] من كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب: [الطويل]\nتنظّرت نصرا والسّماكين أيهما... عليّ من الغيث استهلّت مواطره\nتنبيه: قيل: تم عقد النكاح والإجارة بما صدر من شعيب، وهو قوله ﴿إِنِّي أُرِيدُ..﴾. إلخ ومن موسى، وهو قوله ﴿ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ..﴾. إلخ ولعل هذا كان في شرعهما، وإلا فهذه الصيغة لا تكفي عندنا في عقد النكاح؛ لأن الواقع من شعيب وعد بالإنكاح، والواقع من موسى ليس فيه مادة التزويج، ولا الإنكاح، وأيضا الصداق ليس راجعا للمنكوحة، بل لأبيها، وأيضا لم يعين المنكوحة. وقيل: إنهما عقدا عقدا بغير الصورة المذكورة هنا منهما. انتهى. جمل.\nوالله أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"7","page":48},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: قائم، وثابت بيني وبينك، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَبَيْنَكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (بينك): معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَيَّمَا:﴾ اسم شرط مفعول به مقدم، و(ما): صلة، و(أيّ) مضاف، و﴿الْأَجَلَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. هذا؛ وقيل: (ما) نكرة تامة بمعنى شيء، وهي المضاف إليه، و﴿الْأَجَلَيْنِ﴾ بدل منها. وبه قيل في قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية رقم [١٥٩] من سورة (آل عمران). ﴿قَضَيْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل: «إن».\n ﴿عُدْوانَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿عَلَيَّ:﴾ حرف جر. ﴿أَيَّمَا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلَيَّ،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿وَكِيلٌ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿أَيَّمَا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو على شيء نقوله، وعلى اعتبار: ﴿أَيَّمَا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلَيَّ،﴾ التقدير: على قولنا. ﴿وَكِيلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، إن كانت من كلام موسى، ومستأنفة إن كانت من قول شعيب، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3281\"></span>﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ:﴾ وهو عشر سنين. عن سعيد بن جبير﵄- قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري؛ حتى أقدم على حبر العرب، فأسأله. فقدمت، فسألت ابن عباس﵄فقال: قضى أكثرهما، وأوفاهما؛ لأن النبي إذا قال؛ فعل.\nوعن أبي ذر الغفاري﵄مرفوعا إذا سئلت: أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما، وأبرّهما. وإذا سئلت أي المرأتين تزوج فقل: الصغرى منهما، وهي التي جاءت","vol":"7","page":49},{"text":"فقالت: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما، وعن عيينة بن حصن﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «أجّر موسى نفسه بشبع بطنه، وعفّة فرجه».\nوروى شداد بن أوس مرفوعا: بكى شعيب النبي ﷺ؛ حتى عمي، فرد الله عليه بصره، ثم بكى؛ حتى عمي، فرد الله عليه بصره، ثم بكى؛ حتى عمي، فرد الله عليه بصره، فقال الله له:\nما هذا البكاء؟ أشوقا إلى الجنة، أم خوفا من النار؟ فقال: لا يا رب، ولكن شوقا إلى لقائك، فأوحى الله إليه: إن يكن ذلك، فهنيئا لك لقائي يا شعيب! لذلك أخدمتك كليمي موسى.\nولما تعاقدا العقد السابق بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، قيل: كانت من آس الجنة، حملها آدم معه، فتوارثها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم؛ حتى وصلت إلى شعيب، فأعطاها موسى.\nوقيل: أمره شعيب أولا أن يلقيها في البيت، ويأخذ غيرها، فدخل، وأخرج تلك العصا بعينها، وهكذا سبع مرات، كل مرة لا تقع بيده غير تلك، فعلم شعيب: أن له شأنا.\nفلما أصبح قال له: سق الأغنام إلى مفرق الطريق، فخذ عن يمينك، وليس بها عشب كثير، ولا تأخذ عن يسارك فإن بها عشبا كثيرا، وتنينا كبيرا، فساق المواشي إلى مفرق الطريق، فأخذت نحو اليسار ولم يقدر على ضبطها، فنام موسى وخرج التنين، فقامت العصا، وصارت شعبتاها حديدا، وحاربت التنين حتى قتلته، وعادت إلى موسى، فلما انتبه رأى العصا مخضوبة بالدم، والتنين مقتولا، فعاد إلى شعيب عشاء، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا أثر الخضب باد عليها، فسأله عن القصة، فأخبره بها، ففرح شعيب.\n ﴿وَسارَ بِأَهْلِهِ:﴾ بامرأته؛ لصلة رحمه، وزيارة أمه، وأبيه، وأخيه، وأقاربه مصطحبا الغنم التي أعطاه إياها شعيب كما رأيت في الآية رقم [٢٣] وكان قد استأذن شعيبا في العودة إلى مصر، فأذن له، فخرج من عنده قاصدا مصر، وفيه دليل على: أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء، لما له عليها من فضل القوامة وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمرا؛ فالمؤمنون عند شروطهم. ﴿آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا:﴾ انظر الآية رقم [٧] من سورة (النمل)، وانظر التعبير هناك بقوله تعالى: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾.\n ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ:﴾ وفي (النمل): ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ و(الجذوة) بتثليث الجيم، وقرئ بهن: الجمرة الملتهبة، والجمع: جذا بتثليث الجيم أيضا، والجذوة: العود الغليظ كانت في رأسه نار، أو لم تكن، قاله الزمخشري، والأول قاله القرطبي، وهو الموافق لكتاب اللغة، قال ابن مقبل: [البسيط]\nباتت حواطب ليلى يلتمسن لها... جزل الجذى غير خوّار ولا دعر\nالخوار: الضعيف، وعود دعر: كثير الدخان، وقال آخر: [الطويل]","vol":"7","page":50},{"text":"وألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها\nفهي في هذا البيت مستعارة لشدة النّكاية التي أذاقها قبيلة قيس. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٧] من سورة (النمل). هذا؛ والنار: جوهر لطيف مضيء محرق، وهي من المؤنث المجازي وقد تذكّر، وأصلها: نور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وتصغيرها:\nنويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، قلبت الواو فيهما ياء لانكسار ما قبلها. ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين والمجرمين. والفعل: نار ينور، يستعمل لازما، ومتعديا؛ إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿مُوسَى:﴾ فاعله مرفوع... إلخ. ﴿الْأَجَلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. (سار): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسَى،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِأَهْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿آنَسَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسَى﴾. ﴿مِنْ جانِبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نارًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة...» إلخ و﴿جانِبِ﴾ مضاف، و﴿الطُّورِ﴾ مضاف إليه. ﴿نارًا:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿آنَسَ﴾ جواب (لما)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وقبله كلام محذوف يدل عليه سياق الكلام.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسَى﴾ أيضا. ﴿لِأَهْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اُمْكُثُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والمعنى: فلما آنس من جانب الطور نارا؛ قال... إلخ. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿آنَسْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نارًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿آتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (خبر).\n ﴿بِخَبَرٍ:﴾ متعلقان به أيضا، وهما في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ في محل رفع خبر: (لعلّ)، وجملة: ﴿لَعَلِّي..﴾. إلخ مفيدة للتعليل أيضا. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأن الترجي إنشاء. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿جَذْوَةٍ:﴾ معطوف على","vol":"7","page":51},{"text":"ما قبله. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿جَذْوَةٍ،﴾ وجملة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ بمنزلة البدل من سابقتها، وإعرابها غير خاف؛ إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-3282\"></span>﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا أَتاها:﴾ يعني: الشجرة، قدّم ضميرها عليها. ﴿نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ﴾ أي: من جانب الوادي الذي عن يمين موسى، وهو صريح قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ وإن الجبل، والوادي لا يمين لهما، ولا شمال كما هو معروف، والشجرة المذكورة كانت نابتة على الشاطئ، وشاطئ الوادي، وشطه: جانبه، والجمع شطّان، وشواطئ ذكره القشيري، وقال الجوهري: ويقال: شاطئ الأودية، ولا يجمع. ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ:﴾\nجعلها الله مباركة؛ لأن الله كلم موسى هناك، وبعثه نبيا، وقيل: يريد: البقعة المقدسة.\n ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ أي: من ناحية الشجرة. قال ابن مسعود﵁-: كانت سمرة خضراء تبرق، وقيل: كانت عوسجة. وقيل: كانت من العليق. وعن ابن عباس﵄-: إنها العناب. وقيل: إن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لما رأى النار في الشجرة الخضراء علم: أنه لا يقدر على الجمع بين النار، وخضرة الشجرة إلا الله تعالى، فعلم بذلك أن المتكلم هو الله تعالى. وقيل: إن الله تعالى: خلق في نفس موسى علما ضروريا بأن المتكلم هو الله تعالى، وأن ذلك الكلام كلام الله تعالى. وقيل: إنه قيل لموسى:\nكيف عرفت أنه نداء الله تعالى؟ قال: إني سمعته بجميع أجزائي، فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء؛ علم بذلك: أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى. انتهى. خازن.\nقال المهدوي: كلم الله تعالى موسى من فوق عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء، ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالانتقال، والزوال، وشبه ذلك من صفات المخلوقين.\nوقال أبو المعالي: وأهل المعاني، وأهل الحق، يقولون: من كلمه الله تعالى، وخصه بالرتبة العليا، والغاية القصوى، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف، والأصوات، والعبارات، والنغمات، وضروب اللغات، كما أن من خصه الله بمنازل الكرامات، وأكمل عليه نعمته، ورزقه رؤيته يرى الله منزها عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث، ولا مثل له سبحانه في ذاته، وصفاته. انتهى. قرطبي.\n ﴿يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ:﴾ وفي سورة (طه) قوله تعالى: ﴿يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ..﴾. إلخ، وفي سورة (النمل) ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ والمعنى واحد، واختلاف","vol":"7","page":52},{"text":"الألفاظ لشحذ الأذهان، وله وقع جيد على الأسماع، وهو دليل واضح على بلاغة القرآن، الذي أخرس الفصحاء، وأسكت البلغاء، واعتبروا يا أولي الأبصار.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿أَتاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾ تقديره: «هو» و(ها):\nمفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿نُودِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾.\n ﴿مِنْ شاطِئِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل؛ أي: قريبا منه، أو كائنا فيه. و﴿شاطِئِ﴾ مضاف، و﴿الْوادِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْأَيْمَنِ:﴾ صفة: ﴿الْوادِ﴾. ﴿فِي الْبُقْعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿نُودِيَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شاطِئِ﴾. ﴿الْمُبارَكَةِ:﴾ صفة ﴿الْبُقْعَةِ﴾. ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ:﴾ بدل من ﴿شاطِئِ الْوادِ﴾ بدل اشتمال، وجملة: ﴿نُودِيَ..﴾. إلخ جواب (لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وقبله كلام مقدر يقتضيه المقام.\n ﴿أَنْ:﴾ مفسرة، وقيل: مصدرية، وقيل: مخففة من الثقيلة. وليسا بشيء؛ لعدم إفادتها المعنى المقصود. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (موسى): منادى مفرد علم مبني على ضم مقدر على الألف المقصورة في محل نصب ب: (يا). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل في محل رفع توكيد لاسم (إنّ) على المحل، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ خبر (إن). ﴿رَبُّ:﴾ خبر ثان ل: (إنّ)، أو هو بدل من لفظ الجلالة، أو هو صفة له. و﴿رَبُّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وهو مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، ولفظ الجلالة خبره؛ فالجملة الاسمية تكون في محلّ رفع خبر (إنّ). هذا؛ والكلام: ﴿أَنْ يا مُوسى..﴾. إلخ لا محل له؛ لأنه مفسر ل: ﴿نُودِيَ،﴾ وقيل: هو على إضمار القول؛ أي: قل يا موسى: إني... إلخ، والمعتمد الأول. هذا؛ وقرئ بفتح همزة: (أني)، وعليه تؤول أن واسمها وخبرها بمصدر في محل نصب سد مسد مفعول لفعل محذوف، التقدير: اعلم: أني... إلخ، وهذه الجملة في محلها ما ذكرته سابقا.\n\n<span id=\"aya-3283\"></span>﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ:﴾ في الآية حذف؛ إذ التقدير: وألق عصاك، فألقاها من يده، فصارت حية تهتز، كأنها جان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم، وقيل: إنها قلبت له حية","vol":"7","page":53},{"text":"صغيرة، فلمّا أنس منها، قلبت حية كبيرة. وقيل: انقلبت مرة حية صغيرة، ومرة حية تسعى، وهي الأنثى، وهو ما عبر عنها في سورة (طه) بقوله: ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ومرة ثعبانا، وهو الذكر الكبير من الحيات، وهو ما عبر عنها بقوله تعالى في سورة (الشعراء)، وفي سورة (الأعراف): ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾.\nقال أحمد محشّي الكشاف: كما وصف الله الريح بأنها تكون أحيانا عاصفة، وأحيانا رخاء، وذلك لسليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-وصف عصا موسى تارة بأنها جان، وتارة بأنها ثعبان. والجان: الرقيق من الحيات، والثعبان: العظيم الجافي منها، ووجه ذلك: أنها جمعت بين الوصفين، فكانت في خفتها، وفي سرعة حركتها كالجان، وكانت في عظم خلقها كالثعبان، ففي كل واحد من الريح، والعصا على هذا التقرير معجزتان، والله ﷾ أعلم. انتهى.\n ﴿وَلّى مُدْبِرًا:﴾ خائفا على عادة البشر، هاربا من هول ما رأى. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ:﴾ لم يرجع، ولم يلتفت لشدة خوفه، ورعبه؛ لأنه ظن: أن هذا الأمر أريد به. ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ:﴾ ناداه ربه:\nيا موسى! لا تخف من الحية، وضررها. ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ:﴾ من المخاوف جميعها، فإنه لا يخاف لدي المرسلون. قال وهب-رحمه الله تعالى-: إنها لم تدع شجرة، ولا صخرة إلا بلعتها؛ حتى إن موسى سمع صرير أسنانها، وقعقعة الشجر، والصخر في جوفها، فحينئذ ولّى مدبرا ولم يعقب، فنودي عند ذلك: ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ..﴾. إلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): مفسرة مثل سابقتها. ﴿أَلْقِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت».\n ﴿عَصاكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَنْ يا مُوسى..﴾. إلخ ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿رَآها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (موسى)، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿تَهْتَزُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى العصا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وجملة:\n ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ في محل نصب حال من فاعل: ﴿تَهْتَزُّ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة، أو هي حال ثانية من الضمير المنصوب. ﴿وَلّى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (موسى) أيضا. ﴿مُدْبِرًا:﴾ حال منه، وهي حال مؤكدة لمعنى الفعل؛ لأنها من معناه، وإن اختلف اللفظ، وجملة: ﴿وَلّى مُدْبِرًا﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على الكلام الذي رأيته في الشرح، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين. ﴿وَلَمْ:﴾","vol":"7","page":54},{"text":"الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُعَقِّبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب:\n (لم) والفاعل يعود إلى (موسى) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من فاعل:\n ﴿وَلّى،﴾ والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿يا مُوسى:﴾ منادى مثل سابقه. ﴿أَقْبِلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مِنَ الْآمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ تعليل للنهي، لا محل لها، والكلام: ﴿يا مُوسى..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له.\nهذا؛ والآية مذكورة في سورة (النمل) برقم [١٠] مع فارق بسيط.\n\n<span id=\"aya-3284\"></span>﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ..﴾. إلخ: وفي سورة (النمل): ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ..﴾. إلخ، وهما بمعنى واحد. وقيل: كانت عليه مدرعة صوف، لا كم لها، ولا أزرار، فأدخل يده في جيبها، وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل شعاع الشمس، أو البرق. والجيب طوق القميص، سمي جيبا؛ لأنه يجاب؛ أي: يقطع؛ ليدخل فيه الرأس. هذا؛ وفي سورة (طه) قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ..﴾. إلخ فيكون المراد بما هنا، وهناك أدخل يدك في جيبك، وأوصلها تحت العضد، وضمّ عليها العضد وهو المعبر عنه بالجناح. وقوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير عاهة، وقبح، كنى به عن البرص، كما كنى بالسوءة عن العورة؛ لأن الطباع تعافه، وتنفر منه. قال ابن عباس﵄-: كان ليده نور ساطع، يضيء بالليل، والنهار كضوء الشمس، والقمر، فكان يعشي البصر من شدته. ولا تنس: أن قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ احتراس من أن يتوهم متوهم البرص، وغيره من الأمراض المشينة.\n ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ:﴾ المعنى: اضمم يدك إلى صدرك يذهب ما بك من خوف لأجل الحية، عن ابن عباس﵄قال: كل خائف إذا وضع يده على صدره؛ زال خوفه. وقيل: معنى ضم الجناح: أن الله تعالى لما قلب العصا حية؛ فزع موسى، واتّقاها بيده، كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيتها، فكما تنقلب العصا حية؛ فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء؛ ليحصل","vol":"7","page":55},{"text":"الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح: اليد؛ لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضم جناحه إليه.\nأو أريد بضم جناحه إليه: تجلده وضبط نفسه عند انقلاب العصا حية؛ حتى لا يضطرب، ولا يرهب استعارة من فعل الطائر؛ لأنه إذا خاف؛ نشر جناحيه، وأرخاهما، وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران. انتهى. نسفي. هذا؛ وضم الجناح كناية عن السكون، والرفق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ارفق بهم.\nطرفة: يحكى عن عمر بن عبد العزيز﵁-: أن كاتبا كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه فلتة ريح فخجل، وانكسر، فقام، وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر-رحمه الله تعالى-: خذ قلمك واضمم إليك جناحك، وليفرخ روعك، فإني ما سمعتها من أحد أكثر ممّا سمعتها من نفسي. هذا؛ ومعنى: وليفرخ روعك: وليذهب روعك، وأفرخ الروع: انكشف وذهب.\nهذا ويقرأ ﴿الرَّهْبِ﴾ بفتحتين، وبضمتين وبضم فسكون، والمعنى واحد. ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ:﴾\nحجتان واضحتان، والمراد بهما: العصا، واليد. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: لم سميت الحجة برهانا؟ قلت: لبياضها، وإنارتها، من قولهم للمرأة البيضاء: برهرهة بتكرير العين واللام معا. انتهى. ومثله تسميتهم الحجة سلطانا من السليط، وهو الزيت؛ لإنارتها، وقرئ بتشديد نون (ذانك) والتخفيف أفصح، وانظر شرح بقية الآية في سورة (النمل) رقم [١٢] وإنما ذكّر اسم الإشارة مع أن المشار إليه اليد، والعصا، وهما مؤنثان؛ لأن المبتدأ عين الخبر في المعنى، والبرهان مذكر.\nالإعراب: ﴿أَسْئَلَكَ:﴾ فعل أمر معطوف بواو محذوفة على قوله: ﴿أَلْقِ﴾ بدليل قوله ﴿وَأَدْخِلْ﴾ في الآية رقم [١٢] من سورة (النمل)، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿يَدَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي جَيْبِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تَخْرُجْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، والفاعل يعود إلى:\n ﴿يَدَكَ﴾. ﴿بَيْضاءَ:﴾ حال من الفاعل المستتر. ﴿مِنْ غَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أخرى من الفاعل المستتر، أو من الضمير المستتر في: ﴿بَيْضاءَ،﴾ أو بمحذوف صفة:\n ﴿بَيْضاءَ،﴾ و﴿غَيْرِ﴾ مضاف، و﴿سُوءٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿تَخْرُجْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر قبل ﴿أَسْئَلَكَ،﴾ ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَاضْمُمْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (اضمم): معطوف على ما قبله، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿إِلَيْكَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\nهذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: في تعليق الجار والمجرور في هذه الآية، وفي قوله تعالى:\n ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [٢٦٠] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وهذا كله يتخرج إما على","vol":"7","page":56},{"text":"التعلق بمحذوف، كما قيل في اللام في: سقيا لك. وإما على حذف مضاف، التقدير: واضمم إلى نفسك جناحك، وذلك لأنه لا يتعدى فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل إلا في باب: «ظنّ» وانظر ما ذكرته في الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿جَناحَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الرَّهْبِ:﴾ متعلقان بالفعل:\n (اضمم) وقال مكي وأبو البقاء: متعلقان ب: ﴿وَلّى،﴾ وقيل: ب: ﴿مُدْبِرًا،﴾ وقيل: بمحذوف، أي: يسكن من الرهب، وقيل: ب: (اضمم). انتهى. ولعلك تدرك معي: أن التعليق بأقرب مذكور أولى. ﴿فَذانِكَ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (ذانك): اسم إشارة مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بالمثنى، وبعضهم يعتبره مبنيا على الألف؛ لأن أسماء الإشارة مبنية، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بُرْهانانِ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على مضمون الكلام قبلها لا محل لها، وإن اعتبرتها مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (برهان)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الكاف، التقدير: مرسلا إلى فرعون. ﴿وَمَلائِهِ:﴾\nمعطوف على: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مجرور مثله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة ومحلها في الآية رقم [١٢] من سورة (النمل).\n\n<span id=\"aya-3285\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا:﴾ يعني القبطي الذي تقدم ذكره في الآية رقم [١٥].\n ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١].\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مُوسى﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف. ﴿إِنِّي:﴾\nحرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿قَتَلْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَفْسًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، وجملة: ﴿قَتَلْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فَأَخافُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخاف):\nفعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَقْتُلُونِ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة ﴿فَأَخافُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ رَبِّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":57},{"text":"<span id=\"aya-3286\"></span>﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ أي: كلاما، أو بيانا، وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه، وذلك: أن موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-قد ربّي في حجر فرعون، كما رأيت فيما سبق، فكان يلاعبه ذات يوم، فلطم موسى فرعون لطمة على وجهه، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لامرأته آسية: إن هذا عدوي، وأراد قتله، فقالت له آسية﵍-: إنه صبي، لا يعقل، جربه إن شئت، فجاءت بطستين، في أحدهما جمر، وفي الآخر جوهر. وقيل: تمر، فوضعتهما بين يدي موسى، وفرعون ينظر، فأراد موسى أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل ﵇ يده، فوضعها على الجمر، فأخذ جمرة، فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، وصارت فيه لكنة، ولذا قال في سورة (طه): ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ وقال فرعون عنه في سورة (الزخرف): ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾. وهو حكاية قول الله عنهما.\n ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا:﴾ معينا، مشتق من: أردأته، أي: أعنته، وأردأته: أفسدته، فهو من الأضداد. قال النحاس: وقد حكي: ردأته ردءا. هذا؛ والردء: اسم لما يعان به، كما أنّ الدفء اسم لما يدفأ به. قال سلامة بن جندل: [الوافر]\nوردئي كلّ أبيض مشرفيّ... شحيذ الحدّ، عضب ذي فلول\nوقرئ «(ردا)» على التخفيف، كما قرئ قوله تعالى ﴿الْخَبْءَ:﴾ (الخب). قال المهدوي:\nويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم: أردى على المئة، أي: زاد عليها. وكأن المعنى: أرسله معي زيادة في تصديقي، قاله مسلم بن جندب، وأنشد قول الشاعر: [الطويل]\nوأسمر خطّيّا كأنّ كعوبه... نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر\nفهو يصف رمحا. والقسب: الصلب، والقسب: تمر يابس يتفتت في الفم، صلب النواة.\n ﴿يُصَدِّقُنِي:﴾ يقرأ بالرفع، والجزم، والمراد بتصديق هارون له أن يخلص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفار، كما يفعل الرجل الفصيح البليغ، لا المراد أن يقول له: صدقت، فإن هذا يستوي فيه البليغ، والبليد، والمنطيق، والعي، كما هو معروف. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ:﴾ إذا لم يكن لي وزير، ولا معين يدعمني، ويقوي حجتي.\nالإعراب: ﴿وَأَخِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (أخي): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿هارُونُ:﴾ بدل، منه، أو عطف بيان عليه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿أَفْصَحُ:﴾ خبر المبتدأ. وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و﴿أَفْصَحُ﴾ خبره؛ فالجملة","vol":"7","page":58},{"text":"الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من تاء الفاعل؛ فالرابط: الواو، والضمير، ولكن الأول أقوى.\n ﴿مِنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَفْصَحُ﴾. ﴿لِسانًا:﴾ تمييز. ﴿فَأَرْسِلْهُ:﴾ الفاء هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٦]. (أرسله): فعل دعاء، والفاعل تقديره: «أنت» والهاء مفعول به.\n ﴿مَعِي:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿رِدْءًا:﴾ مفعول به ثان، وقيل: حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية: ﴿فَأَرْسِلْهُ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿يُصَدِّقُنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى ﴿هارُونُ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿رِدْءًا،﴾ وقيل: في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وعلى قراءته بالجزم يكون مجزوما بجواب الدعاء، والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ إعرابها مثل إعراب ما قبلها بلا فارق، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3287\"></span>﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنقويك به، فإن قوة الشخص بقوة اليد على مزاولة الأمور؛ ولذلك يعبر عنه باليد، وشدتها بشدة العضد. هذا؛ وأصل العضد: العضو الذي هو المرفق إلى الكتف، ففي الكلام استعارة، وفيه قراءات ثمانية. هذا؛ والعضد تذكر، وتؤنث، وقال اللحياني: العضد مؤنثة لا غير، وهي العضو ما بين المرفق، والكتف، وجمعها:\nأعضاد، وأعضد، وتكون بمعنى الناصر، والمعين، كما في قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. وذلك على سبيل الاستعارة، قال أبو الشعر الهلالي من قصيدة له مستجادة: [البسيط]\nكلا أخي وخليلي واجدي عضدا... في النّائبات وإلمام الملمّات\nوتكون بمعنى القوة، كما في الآية الكريمة، وقال طرفة بن العبد: [السريع]\nأبني لبينى لستم بيد... إلاّ يدا ليست لها عضد\nويقال في دعاء الخير: شدّ الله عضدك، وفي ضده: فتّ الله في عضدك. ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا:﴾ غلبة، وتسلطا، أو حجة واضحة. ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما:﴾ بالأذى من قتل، أو غيره، وقد استدل بهذه الآية على أن فرعون لم يقتل السحرة الذين آمنوا، ولم يسلط عليهم. ﴿بِآياتِنا:﴾\nالمعنى: نمدكما بالمعجزات، ما تمتنعان به من أذاهم. ﴿أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ أي: لكما،","vol":"7","page":59},{"text":"ولأتباعكما الغلبة على فرعون، وقومه. هذا؛ وقد كان هارون في مصر، ولم يكن حاضرا في مجلس المناجاة، وإنما جمعهما في هذا الخطاب من باب تغليب الحاضر على الغائب. هذا؛ وذكر: أن الله في ذلك الوقت أرسل جبريل بالرسالة إلى هارون، وهو بمصر، فيكون الخطاب إليهما في وقت واحد، وهما في مكانين متباعدين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى الله تعالى. ﴿سَنَشُدُّ:﴾\nالسين: حرف استقبال. (نشد): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَضُدَكَ:﴾\nمفعول به. ﴿بِأَخِيكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَنَجْعَلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نجعل): فعل مضارع، والفاعل تقديره:\n «نحن». ﴿لَكُما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية.\n ﴿يَصِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلَيْكُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِآياتِنا:﴾ يجوز فيهما أوجه: أن يتعلقا ب: (نجعل)، أو ب: ﴿يَصِلُونَ،﴾ أو بمحذوف، تقديره: اذهبا بآياتنا. أو على البيان فيتعلقان بمحذوف أيضا، أو ب: ﴿الْغالِبُونَ﴾ على أن (ال) ليست موصولة، أو موصولة، واتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما، أو هما قسم وجوابه متقدم عليه، وهو قوله: ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ أو من لغو القسم. انتهى. سمين نقلا عن الزمخشري. و(نا):\nفي محل جر بالإضافة. ﴿أَنْتُما:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿وَمَنِ:﴾\nالواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ما قبله.\n ﴿اِتَّبَعَكُمَا:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿الْغالِبُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3288\"></span>﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: فرعون، وقومه. ﴿مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾ أي: واضحات، والمراد بها هنا: العصا، واليد؛ إذ هما اللتان أظهرهما الله على يد موسى إذ ذاك، والتعبير عنهما بصيغة الجمع؛ لأن في كل واحدة منهما آيات عديدة. ﴿قالُوا ما هذا﴾ أي: قلب العصا حية،","vol":"7","page":60},{"text":"وجعل اليد بيضاء كشعاع الشمس. ﴿إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً﴾ أي: سحر تعمله أنت، ثم تفتريه على الله.\nأو: هو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر، وليس بمعجزة من عند الله تعالى.\n ﴿وَما سَمِعْنا بِهذا﴾ أي: بالذي تدعونا إليه. ﴿فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ:﴾ وكلامهم هذا لا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك، وقد سمعوا، وعلموا بنحوه، أو يريدوا: أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو ما كان الكهان يخبرون بظهور موسى، ومجيئه بما جاء به. وهذا دليل على أنهم حجوا، وبهتوا وما وجدوا ما يدفعون به ما جاءهم من الآيات إلا قولهم: هذا سحر، وبدعة لم يسمعوا بمثلها. وانظر ما حدث عند إلقاء العصا بين يدي فرعون، وانقلابها حية في الآية رقم [٤٥] من سورة (الشعراء).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من (آياتنا) منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿جاءَهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُفْتَرىً:﴾ صفة ﴿سِحْرٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية: ﴿ما هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بينهما، لا محل له. ﴿فِي آبائِنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من اسم الإشارة، والعامل حرف التنبيه. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة: ﴿آبائِنَا﴾ مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة ليس بعيدا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-3289\"></span>﴿وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: أي: قال موسى: ربي أعلم منكم بحال من أهّله الله للفلاح الأعظم؛ حيث جعله نبيا، وبعثه بالهدى، ووعده حسن العقبى، يعني: نفسه، ولو كان ساحرا مفتريا كما تزعمون؛","vol":"7","page":61},{"text":"لما أهّله الله لذلك؛ لأنه غني حكيم لا يرسل الكذابين، ولا ينبئ الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة لقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ (٢٢) جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ والمراد بالدار: الدنيا، وعاقبتها: أن يختم للعبد بالرحمة، والرضوان، وتلقى الملائكة بالبشرى، والغفران. هذا؛ وقرئ الفعل: ﴿تَكُونُ﴾ بالتاء، والياء؛ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، كما قرئ (قال) بواو وبدونه وكلاهما حسن، وجيد.\nفقراءته بالواو وجهها: أنهم قالوا ذلك، وقال موسى هذا ليوازن الناظر بين قولهم، وقوله، ويتبصر فساد أحدهما، وصحة الآخر، وبضدها تتبين الأشياء، وقراءته بدون الواو وجهها: أن الموضع موضع سؤال وبحث عما أجابهم به موسى عند تسميتهم مثل تلك الآيات الباهرة سحرا مفترى. هذا؛ وإعلال ﴿يُفْلِحُ﴾ مثل إعلال ﴿يُقِيمُونَ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (النمل)، وانظر التعبير عن الكافرين بالظالمين ونحوه في الآية رقم [٢٠٠] من سورة (الشعراء). والفلاح: نيل المرغوب، والفوز بالمطلوب.\nهذا؛ والدار تطلق على الحياة الدنيا، كما تطلق على الآخرة، والدار هي منزل الإنسان ومسكنه الخاص به في الدنيا، وهي مؤنثة، وقد تذكر، أصلها: دور بفتحتين، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، ودور، وأدؤر، وأدور، وأدورة، وأدوار، وديارات، ودورات، ودوران، وديران. وأصل ديار: دوار، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال، لمفرد اعتلت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا: البلد، والقبيلة، ودار القرار:\nالآخرة، والداران: الدنيا والآخرة، ودار الحرب: بلاد العدو. هذا؛ وقد قال أبو حاتم: إن الديار: العساكر، والخيام، لا البنيان، والعمران، وإن الدار: البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم، وخيامهم ميتين. وقال جل شأنه:\n ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ذلك؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أن الديار مخصوصة بالخيام. انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى (أقبّل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر]\nأمرّ على الدّيار، ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا\nوما حبّ الدّيار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعله، ﴿رَبِّي:﴾\nمبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و(من)","vol":"7","page":62},{"text":"تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها.\n ﴿بِالْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْ عِنْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (الهدى)، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): معطوفة على (من) السابقة من غير إعادة الجار.\n ﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُ﴾ مقدم، و﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها مؤخر، وأجيز اعتبار اسمها ضمير القصة، و: ﴿لَهُ عاقِبَةُ﴾ جملة اسمية في محل نصب خبرها، وهذا على القراءتين. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿تَكُونُ﴾ تاما وفاعله يعود إلى (من)، وجملة: ﴿لَهُ عاقِبَةُ﴾ في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الضمير المجرور باللام، و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الدّارِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، الهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفْلِحُ:﴾ فعل مضارع، ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ لا محل لها على القراءتين؛ لأنها بالواو معطوفة على جواب (لمّا)، وبدون الواو مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-3290\"></span>﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ..﴾. إلخ: قال عبد الله بن عباس﵄-:\nكان بين قوله هذا؛ وبين قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ أربعون سنة، وكذب عدو الله، بل علم: أن له ربا هو خالقه، وخالق قومه، ولذا نفى علمه بإله غيره دون وجوده؛ إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه، ولذلك أمر ببناء الصرح؛ ليصعد عليه، ويطلع على الحال.\n ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ﴾ أي: اطبخ لي الآجر، وهو القرميد. قيل: إنه أول من اتخذ آجرا، وبنى به. ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ أي: قصرا عاليا. وقيل: منارة. وهذا بخلاف صرح سليمان الذي بنته له الجن في الآية رقم [٤٤] من سورة (النمل) فليتأمل.\nهذا؛ و(غير) اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، فلذا وصفت به النكرة في هذه الآية، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، وتقدمت كلمة ليس عليها، تقول: قبضت عشرة ليس غير. وهو مبني على الضم، أو على الفتح، خلاف.","vol":"7","page":63},{"text":"قال أهل التفسير: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح؛ جمع هامان العمال، والفعلة، حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء، سوى الأتباع، والأجراء، وطبخ الآجر، والجص، ونجر الخشب، وضرب المسامير، وأمر بالبناء، فبنوه، ورفعوه، وشيدوه، حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، وأراد الله أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه؛ ارتقى فرعون فوقه، وأخذ نشابة، ورمى بها نحو السماء، فردت إليه، وهي ملطخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعند مقالته هذه بعث الله جبريل فضرب الصرح بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، فوقعت منه قطعة على عسكر فرعون، فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة منه في البحر، وقطعة في المغرب، فلم يبق أحد عمل شيئا فيه إلا هلك.\n ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ أي: أصعد. ظن الخبيث: أن الله تعالى في مكان؛ أي في السموات، كما هو في مكان؛ أي: في الأرض. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أي: موسى.. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾ في دعواه: أن له إلها، وأنه أرسله إلينا رسولا. وقد ناقض نفسه اللّعين، فإنه قال:\nما علمت لكم من إله غيري، ثم أظهر حاجته إلى هامان اللّعين أيضا، وأثبت: أن لموسى إلها، وأخبر: أنه غير متيقن بكذبه، وكأنه خاف من عصا موسى، فلبّس، وقال: لعلي أطلع إلى إله موسى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قال): فعل ماض.\n ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله، (يا): أداة نداء، تقوم مقام: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْمَلَأُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أي» أو بعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا، فهو بدل أو عطف بيان، والمتبوع؛ أعني: (أي) منصوب محلا، فكذا التابع، أعني: ﴿الْمَلَأُ﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَلِمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿إِلهٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم. ﴿غَيْرِي:﴾ صفة: ﴿إِلهٍ﴾ على اللفظ، فهو مجرور، أو على المحل، فهو منصوب، والكسرة أو الفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَوْقِدْ:﴾ الفاء:\nهي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (أوقد): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».","vol":"7","page":64},{"text":"﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿يا هامانُ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿عَلَى الطِّينِ:﴾ متعلقان بالفعل (أوقد)، والجملة الندائية معترضة بين الفعل ومتعلقه، وجملة: (أوقد...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف يقدر ب: «إذا»، وجملة:\n ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل مفيد للترجي، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَطَّلِعُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر، تقديره: «أنا». ﴿إِلى إِلهِ:﴾ متعلقان به، و﴿إِلهٍ﴾ مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿أَطَّلِعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلِّي..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَأَظُنُّهُ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (أظنه): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به أول، ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿لَأَظُنُّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَطَّلِعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول فرعون، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-3291\"></span>﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ:﴾ تعظم في نفسه، وأعرض عن الإيمان. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nأرض مصر. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ:﴾ إذ الاستكبار بالحق إنما هو في الحقيقة لله الواحد القهار، وهو المتكبر على الحقيقة، وهو الذي يليق بجلاله، وعظمته الكبرياء، فعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله جل وعلا: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النّار». رواه ابن ماجة، ورواه مسلم، وأبو داود بألفاظ مختلفة.\n ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ أي: للحساب، والجزاء. هذا؛ ويقرأ الفعل بضم الياء من المتعدي، وبفتح الياء من اللازم؛ لأن رجع يكون متعديا، ولازما.\nالإعراب: ﴿وَاسْتَكْبَرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (استكبر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿فِرْعَوْنُ﴾ تقديره: «هو». ﴿هُوَ:﴾ توكيد للفاعل المستتر. ﴿وَجُنُودُهُ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (جنوده): معطوف على الفاعل المستتر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: فرعون، وجنوده، و(غير) مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَاسْتَكْبَرَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَظَنُّوا:﴾ الواو: حرف عطف. (ظنوا): فعل ماض مبني","vol":"7","page":65},{"text":"على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.\n ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، أو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّ)، وجملة: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3292\"></span>﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ:﴾ وكانوا ألفي ألف وستمائة ألف. ﴿فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ أي:\nطرحناهم في البحر. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام الفخم الذي دل على عظمة شأنه، وكبرياء سلطانه، شبههم-استحقارا لهم، واستقلالا لعددهم، وإن كانوا الكثير الكثير، والجم الغفير-بحصيات أخذهن آخذ في كفه، فطرحن في البحر، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ وقوله جلت قدرته: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. وما هي إلا تصويرات، وتمثيلات لاقتداره، وأن كل مقدور-وإن عظم وجل-فهو مستصغر إلى جنب قدرته. انتهى. وانظر الكلام على (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الشعراء)، وانظر كيف كان هلاك فرعون في الآية رقم [٩٠] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ولكل من يتأتى منه النظر، نظر تبصر، واعتبار، فيعتبر العاقل، وينزجر بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة، والأعمال الخبيثة. وعاقبة كل شيء: نتيجته، وآخره، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ؛﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَخَذْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أخذناه): فعل ماض، وفاعل، ومفعول به. ﴿وَجُنُودَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَبَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لهما على الاعتبارين بالفاء. ﴿فِي الْيَمِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: هي الفصيحة. والأول أقوى. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:\n «أنت» وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، ﴿كَيْفَ كانَ:﴾ في ﴿كانَ﴾ وجهان:\nأحدهما: أنها ناقصة، و﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل","vol":"7","page":66},{"text":"نصب خبرها تقدم عليها، وعلى اسمها. والثاني: أنها تامة و﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ،﴾ تقدمت على صاحبها وعاملها، و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الظّالِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب سدّت مسد مفعول (انظر) وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معترضة بين المتعاطفتين.\n\n<span id=\"aya-3293\"></span>﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: قادة، وزعماء يقتدى بهم في الضلال، وبالحمل على الإضلال، كما جعلنا الأنبياء، والمرسلين ودعاة الخير أئمة يدعون إلى الطاعات، وفعل الصالحات. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا..﴾. إلخ رقم [٧٣] من سورة (الأنبياء) ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ أي: يدعون إلى الكفر، والمعاصي؛ التي تسبب دخول النار؛ لأن من أطاعهم؛ ضلّ، ودخل النار معهم.\n ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يمنعون من العذاب، ولا يجدون من يدفعه عنهم، بخلاف الأئمة الداعين إلى الخير، فإنهم منصورون في الدارين. ويجوز أن يكون المعنى خذلناهم؛ حتى كانوا أئمة الكفر. ومعنى الخذلان: منع الألطاف، وإنما يمنعها الله من علم:\nأنها لا تنفع فيه، وهو المصمم على الكفر؛ الذي لا تغني عنه الآيات، والنذر، ومجراه مجرى الكناية؛ لأن منع الألطاف يردف التصميم، والغرض بذكره التصميم نفسه، فكأنه قيل: صمموا على الكفر، حتى كانوا أئمة فيه، دعاة إليه، وإلى سوء عاقبته. وخذ ما يلي:\nعن حذيفة بن اليمان﵄قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنّا كنّا في جاهلية وشرّ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: «نعم». قلت: وهل بعد ذلك الشّرّ من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن». قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر». فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنّم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله! صفهم لنا! قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها؛ ولو أن تعضّ بأصل شجرة، حتّى يدركك الموت، وأنت على ذلك». أخرجه البخاري.\nالإعراب: ﴿وَجَعَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَئِمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلَى النّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمفعول","vol":"7","page":67},{"text":"محذوف للتعميم، وجملة: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ في محل نصب صفة: ﴿أَئِمَّةً﴾. ﴿وَيَوْمَ:﴾\nالواو: حرف عطف. (يوم): ظرف زمان متعلق بما بعده، و(يوم) مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها.\n\n<span id=\"aya-3294\"></span>﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أي: خزيا، وبعدا، وطردا من رحمة الله. أو المراد: لعن اللاعنين لهم كلما ذكروا يلعنهم الملائكة، والمؤمنون. ومثله قوله تعالى في سورة (هود) في حقهم: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.\n ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المبعدين، المطرودين، وقال ابن عباس﵄-: من المشوهين الخلقة بسواد الوجوه، وزرقة العيون. وقال أبو عمرو: قبحت وجهه بالتخفيف معناه: قبّحت، قال الشاعر: [الطويل]\nألا قبّح الله البراجم كلّها... وقبّح يربوعا، وقبّح دارما\nالإعراب: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أتبعناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول.\n ﴿فِي هذِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿لَعْنَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».\nوالهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿الدُّنْيا:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لَعْنَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية:\n ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (يوم): فيه أوجه: أحدها أن يتعلق ب: ﴿الْمَقْبُوحِينَ،﴾ على أن (ال) ليست موصولة، أو هي موصولة، واتسع فيه على القاعدة: «يتسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما» والثاني: أن يتعلق بمحذوف يفسره: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾. كأنه قيل: وقبحوا يوم القيامة، على مثال ما رأيت في الآية رقم [١٦٨] من سورة (الشعراء). الثالث: أن الظرف معطوف على محل: ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا﴾ فيكون التقدير: وأتبعناهم لعنة يوم القيامة. وهو ما في مغني اللبيب، وهو قول الفارسي. والرابع: أنه معطوف على ﴿لَعْنَةً﴾ على حذف الموصوف؛ أي: ولعنة كائنة يوم القيامة. والوجه الثاني أظهرها، وأقواها. وقد مر معنا كثير مثله، و(يوم) مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَتْبَعْناهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب وذلك على حسب تعليق الظرف. تأمل.","vol":"7","page":68},{"text":"<span id=\"aya-3295\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة، وهو أول كتاب نزلت فيه الفرائض، والحدود، والأحكام. ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ أي: قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب. وقيل: أي: من بعد إهلاك فرعون، وقومه. قال أبو سعيد الخدري﵁قال النبي ﷺ: «ما أهلك الله قوما، ولا قرنا، ولا أمّة، ولا أهل قرية بعذاب من السّماء، ولا من الأرض منذ أنزل التّوراة على موسى غير القرية الّتي مسخت قردة، ألم تر إلى قوله:\n ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ..﴾. إلخ».\nقال الجمل نقلا من أبي السعود: -رحمهما الله تعالى-: التعرض لكون إيتاء التوراة بعد إهلاك الأمم الماضية، للإشعار بمسيس الحاجة الداعية إليها؛ تمهيدا إلى إنزال القرآن على رسول الله ﷺ؛ فإن إهلاك القرون الأولى من موجبات اندراس معالم الشرائع، وانطماس آثارها، وأحكامها المؤدّيين إلى اختلال نظام العالم، المستدعيين للتشريع الجديد، بتقرير الأصول الباقية على مر الدهور، وترتيب الفروع المتبدلة بتبدل العصور، وتذكير أحوال الأمم الخالية الموجبة، كأنه قيل: ولقد آتينا موسى التوراة على حين حاجة إليها. وقوله: ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ أي: أنوارا لقلوبهم، تبصر بها الحقائق، وتميز بين الحق والباطل، بعد أن كانت عميا عن الفهم والإدراك بالكلّية، فالبصيرة نور القلب الذي يستبصر به، كما أنّ البصر نور العين الذي به تبصر. انتهى. هذا؛ وبصائر جمع: بصيرة، وهي: العقل، والفطنة، والعبرة، والشاهد، والحجة. يقال: جوارحه بصيرة عليه، أي: شهود، وفراسة ذات بصيرة، أي: صادقة.\nهذا؛ وقد قال الله تعالى في حق القرآن الكريم: ﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية رقم [٢٠٣] من سورة (الأعراف)، وقال أيضا جل ذكره: ﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٠٤] من سورة (الأنعام). ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ أي: رشد، وبيان، وهداية من الضلال، ونعمة شاملة لمن قرأ التوراة، وانتفع بها. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى، لا يحصل منه ترج ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾. ﴿ما:﴾","vol":"7","page":69},{"text":"مصدرية. ﴿أَهْلَكْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْقُرُونَ:﴾ مفعول به. ﴿الْأُولى:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿ما﴾ والفعل: ﴿أَهْلَكْنَا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (بعد) إليه، والتقدير: من بعد إهلاكنا القرون الأولى. ﴿بَصائِرَ:﴾ حال من ﴿الْكِتابَ﴾. وقال أبو البقاء: مفعول لأجله. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿بَصائِرَ﴾. (هدى):\nمعطوف عليه منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، (رحمة): معطوف على ما قبله، وحذف متعلقهما لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: هدى للناس، ورحمة للناس. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها، وجملة ﴿(لَقَدْ آتَيْنا...)﴾ إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة)، ففيها فضل بيان.\n\n<span id=\"aya-3296\"></span>﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ:﴾ يريد الوادي، أو الطور، الذي خاطب موسى بجانبه، فإنه كان في الجهة الغربية من مقام موسى، أو: الجانب الغربي منه، ولكن حول عن ذلك، وجعل صفة لمحذوف، التقدير: بجانب المكان الغربي، والخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، أي: ما كنت حاضرا. ﴿إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ أي: وقت كلفناه أمرنا، ونهينا، وألزمناه عهدنا. ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: الحاضرين ذلك المقام؛ الذي أوحينا إلى موسى فيه، فتعرفه من ذات نفسك.\nوهذا شروع في بيان: أن إنزال القرآن واقع في زمان شدة الحاجة إليه ببيان: أن الوقوف على هذه الأحوال لم يحصل لك بالمشاهدة، أو بالتعلم ممن شاهدها، فوجب أن يكون بوحي من الله تعالى. انتهى. جمل. نقلا من أبي السعود. والمراد من الآية: الدلالة على أن إخباره عن ذلك إنما هو من قبيل الإخبار عن المغيبات التي لا تعرف إلا بالوحي.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِجانِبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (كان) و(جانب) مضاف، و﴿الْغَرْبِيِّ﴾ مضاف إليه، وهو على حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، كما رأيت في الشرح. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بما تعلق به ﴿بِجانِبِ﴾. ﴿قَضَيْنا:﴾ فعل ماض، وفاعله. ﴿إِلى مُوسَى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الْأَمْرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿قَضَيْنا..﴾.\nإلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَما كُنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.","vol":"7","page":70},{"text":"<span id=\"aya-3297\"></span>﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا:﴾ خلقنا. ﴿قُرُونًا:﴾ أجيالا من البشر من بعد موسى، ﵇. ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ والمعنى: ولكنا أوحينا إليك هذا القرآن؛ لأنا خلقنا أجيالا مختلفة بعد موسى، فتطاولت عليهم الأعوام، والسنون، فحرفوا الأخبار، وغيروا الشرائع، وبدلوا الأحكام، ونسوا عهد الله، وتركوا أوامره، فهو كقوله تعالى عنهم في سورة (الحديد):\n ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾. ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا:﴾ مقيما. ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ:﴾ قوم شعيب الذين أقام فيهم موسى مدة عشر سنين.\n ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أي: تذكر أهل مكة بالوعد، والوعيد. والمعنى: ما كنت مقيما في أهل مدين وقت تلاوتك على أهل مكة خبرهم، وقصتهم مع موسى، ومع شعيب حتى تنقلها إليهم بطريق العيان والمشافهة، وإنما أتتك بطريق الوحي الإلهي، وهذا أحد احتمالين في الضمير، والمعنى عليه واضح كما عرفت، وأكثر المفسّرين على أن الضمير لأهل مدين، والمراد بتلاوته عليهم القراءة عليهم بطريق التعلم منهم. انتهى. جمل. ﴿وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ إياك رسولا، وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، تتلوها عليهم، ولولا ذلك؛ ما علمتها، ولم تخبرهم بها.\nهذا؛ وأصل «كنت»: «كونت» فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «كانت» فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف، فصار: «كنت» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار «كنت». وهناك إعلال آخر: وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل به ضمير رفع متحرك؛ نقل إلى باب فعل، فصار: (كونت) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار (كونت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائها ساكنة مع النون، فصار: (كنت) وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي أسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قام، وقال، ونحوهما.\nالإعراب: ﴿وَلكِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها؛ إذا الأصل لكننا، فحذفت النون، وبقيت الألف دليلا عليها، على مثال إنّا وأنّا. ﴿أَنْشَأْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿قُرُونًا:﴾ مفعول به. ﴿فَتَطاوَلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تطاول): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْعُمُرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَنْشَأْنا قُرُونًا﴾ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على","vol":"7","page":71},{"text":"السكون، والتاء اسمها. ﴿ثاوِيًا:﴾ خبرها، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿وَلكِنّا..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفتين. ﴿فِي أَهْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿ثاوِيًا،﴾ و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿تَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ متعلقان به. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تَتْلُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر ثان ل: ﴿كُنْتَ،﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿ثاوِيًا﴾. ﴿وَلكِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿لكِنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿مُرْسِلِينَ:﴾\nخبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا مُرْسِلِينَ:﴾ في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. وقيل:\nفي محل نصب حال، ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-3298\"></span>﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ..﴾. إلخ: أي: كما لم تحضر جانب المكان الغربي؛ إذ أرسل الله موسى إلى فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين. انتهى. قرطبي. هذا؛ وعكس الزمخشري الأمر، وتبعه البيضاوي حيث جعلا الأول، وهو ما تضمنته الآية رقم [٤٤] المناجاة مع السبعين؛ لأخذ التوراة؛ التي وعد الله بها موسى بني إسرائيل، وجعلا ما في هذه الآية المناجاة في طريق عودة موسى من مدين إلى مصر، وكانت هذه المناجاة هي أول منحه الرسالة إلى فرعون، وقومه. وعاد البيضاوي، فاستدرك بقوله: لعل المراد به وقت إعطائه التوراة، وبالأول حيثما استنبأه؛ لأنهما المذكوران في القصة. انتهى.\nوينبغي أن تعلم: أن بين الإرسال، وإيتاء التوراة نحوا من ثلاثين سنة.\nقال سليمان الجمل نقلا من أبي السعود: من المعلوم: أن واقعة مدين كانت قبل واقعتي الطور، فمقتضى الترتيب الوقوعي أن تقدم عليهما، وإنما توسطت بينهما للتنبيه على أن كلاّ منهما برهان مستقل على أن إخباره ﷺ عن هذه القصص بطريق الوحي الإلهي، ولو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم: أن الكل دليل واحد على ما ذكر انتهى. هذا؛ وانظر المناجاة لأخذ التوراة في الآية رقم [١٥٤] من سورة (الأعراف).","vol":"7","page":72},{"text":"هذا؛ وقال الخازن: اعلم: أن الله تعالى لما بين قصة موسى ﵊ لرسوله ﷺ فجمع بين هذه الأحوال الثلاثة العظيمة التي اتفقت لموسى، فأراد بقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ هو إنزال التوراة عليه؛ حتى تكامل دينه، واستقر شرعه، والمراد بقوله: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أول أمر موسى، والمراد بقوله: ﴿إِذْ نادَيْنا﴾ ليلة المناجاة، فهذه أعظم أحوال موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام. ولما بينها لرسوله، ولم يكن في هذه الأحوال حاضرا؛ بين الله: أنه بعثه، وعرفه هذه الأحوال الدالة على نبوته ﷺ ومعجزته، وكأنه قال: في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور، ولا مشاهدة دلالة ظاهرة على نبوتك.\nهذا؛ وروى عمرو بن دينار يرفعه، قال: «نودي يا محمد! أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني». فذلك قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾. وفي رواية عن ابن عباس -﵄-: إن الله تعالى قال: «يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني».\n ﴿وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: رحمناك رحمة بإرسالك، والوحي إليك، واطلاعك على الأخبار الغائبة عنك. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ المراد ب ﴿قَوْمًا﴾ أهل مكة، فلم يأتهم رسول في الفترة الواقعة بين محمد، وعيسى عليهما الصلاة، والسّلام، وهي خمسمائة وخمسون سنة، أو بين محمد، وإسماعيل، عليهما الصلاة، والسّلام، على أن دعوة موسى، وعيسى -على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-كانت مختصة ببني إسرائيل، وما حواليهم.\nتنبيه: لعلك تدرك معي أيها القارئ الكريم: أن ما ذكر في هذه الآيات إنما هو من تذكير الله لنبيه ﷺ بما أنعم عليه، وإنك لتجد الكثير من هذا في آيات القرآن مثل سورة (الضحى) وغيرها، وهذا يسمى بالمنّ على المنعم عليه. هذا؛ وقد بين الله في آية البقرة رقم [٢٦٢] أن المنّ على من أنعمت عليه مذموم، وهو يحبط الثواب، بل ويوجب المقت، والسخط. والجواب عن ذلك: أن الفرق بعيد بين منّ الله على عباده، وبين منّ العبد على العبد، فمنّ الله على العبد يزيده شكرا له تعالى، كما يزيده طاعة له، ورغبة في عبادته. وأيضا: فالله هو المالك حقيقة بما ينعم به على العبد، ويمنّ به عليه، وأما العبد فإنه غير مالك بما ينعم على الحقيقة، وإنما هو وكيل على هذه النعم، والمالك على الحقيقة إنما هو الله تعالى. وأيضا: منّ العبد على العبد يورثه ذلة وانكسارا.\nالإعراب: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ﴾ انظر الآية رقم [٤٤] فالإعراب واحد. ﴿نادَيْنا:﴾\nفعل، وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: نادينا موسى، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له.\n ﴿رَحْمَةً:﴾ قال الأخفش: مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: ولكن رحمناك رحمة. وقال الزجاج: مفعول لأجله، التقدير: ولكن كان ذلك رحمة. وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: ولكن هي رحمة. والجملة على جميع الأوجه معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ﴾","vol":"7","page":73},{"text":"رَبِّكَ: متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل الذي رأيت تقديره على جميع الأوجه التي رأيتها، ومتعلقان ب: ﴿رَحْمَةً﴾ على التقدير الأخير.\n ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَتاهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَذِيرٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿قَوْمًا...﴾. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَذِيرٍ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ انظر مثلها في الآية رقم [٤٣] إعرابا، ومحلا.\n\n<span id=\"aya-3299\"></span>﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ:﴾ عقوبة، ونقمة. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ:﴾ من الكفر، والظلم، والمعاصي. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي؛ نسبت الأعمال كلها إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون، والآذان تغليبا للأكثر على الأقل. ﴿فَيَقُولُوا:﴾\nعند معاينة العذاب. ﴿رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ..﴾. إلخ: أي هلا أرسلت إلينا يا ربنا رسولا يدعونا إلى الإيمان، ويبين لنا ما يجب علينا من عبادتك، وتقديسك، وتعظيمك. ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ أي: التي جاء بها الرسول محمد ﷺ. ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المصادقين له، وبما جاء به.\nقال النسفي: والمعنى: لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك، والمعاصي:\nهلا أرسلت إلينا رسولا محتجين علينا بذلك؛ لما أرسلنا إليهم، يعني أن إرسال الرسول إليهم، إنما هو ليلزموا الحجة، ولا يلزموها، كقوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.\nفإن قلت: كيف استقام هذا المعنى؟ وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال، لا القول؛ لدخول ﴿لَوْلا﴾ الامتناعية عليها دونه!.\nقلت: القول هو المقصود بأن يكون سببا للإرسال، ولكن العقوبة لما كانت سببا للقول وكان وجوده بوجودها؛ جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال، فأدخلت عليها ﴿لَوْلا،﴾ وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة؛ لما أرسلنا إليهم رسولا. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣٤] من سورة (طه)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"7","page":74},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تُصِيبَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ فاعل، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: ولولا إصابتهم مصيبة موجودة. وقال الجلال: لولا الإصابة المسبب عنها قولهم، أو: لولا قولهم المسبب عنها؛ لعاجلناهم بالعقوبة، ولما أرسلناك إليهم رسولا.\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nبالذي، أو بشيء قدمته أيديهم. ﴿فَيَقُولُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (يقولوا): فعل مضارع معطوف على (تصيبهم) منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أَرْسَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْنا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به. ﴿فَنَتَّبِعَ:﴾ الفاء: للسببية. (نتبع):\nفعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿آياتِكَ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: هلا حصل إرسال رسول منك إلينا فاتّباع منا لآياتك.\n ﴿وَنَكُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (نكون): فعل مضارع ناقص معطوف على نتبع، فهو منصوب مثله، واسمه مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (نكون) والكلام:\n ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف، قدره النسفي كما رأيت في الشرح: لما أرسلنا إليهم، وقدره القرطبي: لعاجلناهم بالعقوبة، وهو تقدير الجلال أيضا، وعطف عليه قوله: ولما أرسلناك إليهم رسولا، وهو ما رأيته آنفا.\n\n<span id=\"aya-3300\"></span>﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ﴾ أي: أهل مكة. ﴿الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا:﴾ المراد به: محمد ﷺ المؤيد بالمعجزات، وأطلق عليه اسم: ﴿الْحَقُّ؛﴾ لأنه مرسل بالحق، والصدق، أو المراد به: القرآن","vol":"7","page":75},{"text":"الكريم، الناطق بالحق، والصدق. ﴿قالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿أُوتِيَ:﴾ أعطي من المعجزات. ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ أي: من المعجزات، مثل: العصا، واليد، وإنزال القرآن دفعة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى، فجاءوا بالاقتراحات المبنية على التعنت، والعناد، كما قالوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وما أشبه ذلك.\n ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أبناء جنسهم، ومن مذهبهم مذهبهم، وعنادهم عنادهم، وهم الكفرة في زمن موسى من قبل محمد ونزول القرآن عليه. قيل: إن يهود المدينة أرسلوا إلى قريش أن يسألوا محمدا ﷺ مثل ما أوتي موسى من المعجزات، فقال الله تعالى: أو لم يكفر اليهود بما أوتي موسى، وأول كفرهم قولهم: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وثاني كفرهم اتخاذهم العجل إلها، وثالث، ورابع... إلخ، ومن كفرهم قتلهم زكريا، ويحيى، وغيرهما من الأنبياء.\n ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ أي: تعاونا وقوّى بعضهما بعضا. قال الكلبي: بعثت قريش إلى اليهود يسألونهم عن بعث محمد، وشأنه، فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته، وصفته كذا، وكذا، فلما رجع الجواب إليهم، وتحققوا الصفات التي اقترحها اليهود موجودة في النبي ﷺ؛ ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾. هذا؛ وقرئ: «(ساحران تظاهرا)» فيكون المراد: محمدا، وموسى عليهما الصلاة والسّلام. وقيل: هو من قول اليهود، فيكون المراد: موسى، وهارون. وقيل: بل المراد عيسى، ومحمد عليهما الصلاة والسّلام. وهذا قول اليهود إلى اليوم وإلى يوم القيامة، وبه قال قتادة. ﴿وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ أي: بالتوراة، والقرآن، أو بمحمد، وموسى، فيكون من قول كفار قريش، أو بموسى وهارون، أو بعيسى، ومحمد، عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، فيكون من قول اليهود اللؤماء على نحو ما قبله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [١٤]. ﴿جاءَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْحَقُّ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى محمد ﷺ وهو المفعول الأول. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿فَلَمّا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والمفعول الثاني محذوف. ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية صلة ﴿فَلَمّا﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nلولا أوتي محمد مثل الذي، أو: شيء أوتيه موسى، وهذا الكلام في محل نصب مقول القول.\nوجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا)، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.","vol":"7","page":76},{"text":"﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وإعراب: (ما أوتي موسى) مثل ما قبله بلا فارق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿أُوتِيَ﴾ وعلقهما الزمخشري بالفعل: ﴿(لَمْ يَكْفُرُوا)﴾، أقول: وهذا الاختلاف تابع للمعنى. تأمل.\nوبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على محذوف، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿سِحْرانِ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هما سحران، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿سِحْرانِ﴾. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمه وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.\n ﴿بِكُلٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَقالُوا..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3301\"></span>﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿فَأْتُوا:﴾ أمر لكفار قريش. ﴿بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾\nفيه تبيين الحلال، والحرام، وغيرهما من الأحكام. ﴿هُوَ أَهْدى مِنْهُما﴾ أي: من التوراة، والقرآن.\n ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ أي: أتبع الكتاب الذي تأتون به. وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله، وكيف يأتون بكتاب مثل القرآن، فضلا عن الإتيان بأهدى منه، وقد تحداهم أن يأتوا بسورة مثله، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٨] من سورة (يونس)، ومثلها الآية رقم [٢٣] من سورة (البقرة). ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في قولكم: إنهما سحران تظاهرا؛ فأتوا، وانظر شرح ﴿اِئْتِ﴾ في الآية رقم [١٠٠] من سورة (الشعراء).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: حرف صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا كان ما ادعيتموه صحيحا وواقعا؛ ﴿فَأْتُوا﴾. (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِكِتابٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (كتاب). و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَأْتُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَهْدى:﴾\nخبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جر صفة","vol":"7","page":77},{"text":"ثانية ل: (كتاب)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَهْدى﴾ والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَتَّبِعْهُ:﴾ مجزوم بجواب الأمر.\nوجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، تقديره: إن تأتوا بكتاب؛ أتبعه، وقال الفراء: برفعه على أن الجملة صفة لكتاب أيضا، ولم يذكر: أن أحدا قرأ برفعه، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب الشرط محذوف، انظر تقديره في الشرح. والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3302\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ أي: إن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى منهما. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا..﴾. إلخ الآية رقم [٢٤] من سورة (البقرة). هذا؛ وقد تعدى الفعل باللام، وقد عدي بنفسه في قول كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل]\nوداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nوالفرق بين الآية والبيت أن هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه، وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عدي إلى الداعي في الغالب فيقال: استجاب الله دعاءه أو: استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه. وأما البيت؛ فمعناه: لم يستجب دعاءه؛ على حذف المضاف.\nهذا؛ والسين والتاء زائدتان؛ لأن استجاب بمعنى: أجاب.\n ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ:﴾ يعني: أن ما ركبوه من الكفر لا حجة لهم فيه، وإنما آثروا اتباع ما هم عليه من الهوى، وما يستحسنونه، ويحببه لهم الشيطان. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ﴾ أي: لا أحد أضل عن طريق الحق والصواب. ﴿بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ أي: بغير توفيق من الله إلى طريق الرشاد، والفلاح. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ:﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي. بمعنى لا يرشدهم إلى الإيمان، ولا يوفقهم للعمل به. وهذا يرجع إلى علمه الأزلي بأنهم لو تركوا وشأنهم؛ لما اختاروا غير ما هم عليه من الكفر، والضلال.\nفائدة: قال مكي-رحمه الله تعالى-في مثل هذا التركيب: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا:﴾ دخلت (إن) على: ﴿لَمْ﴾ ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأن «لم» ترد لفظ المستقبل إلى","vol":"7","page":78},{"text":"معنى المضي، و: «إن» تردّ الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت «لم» ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأن «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْتَجِيبُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿فَاعْلَمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعلم): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت».\n ﴿أَنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَنَّما يَتَّبِعُونَ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: (اعلم) وجملة: (اعلم...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام بمعنى النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَضَلُّ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿اِتَّبَعَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط. ﴿هَواهُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿اِتَّبَعَ﴾ المستتر، أي: مخذولا مخلى بينه وبين هواه، و(غير) مضاف، و﴿هُدىً﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿هُدىً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فَإِنْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة:\n ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3303\"></span>﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي: أتبعنا بعضه بعضا، وبعثنا رسولا بعد رسول. وقال أبو عبيدة، والأخفش: معناه: أتممنا، كصلتك الشيء. وقال ابن عيينة، والسدي: معناه: بينا.","vol":"7","page":79},{"text":"وقال أهل المعاني: والينا، وتابعنا، وأنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا وعدا، ووعيدا، وقصصا، وعبرا، ونصائح، ومواعظ إرادة أن يتذكروا، فيفلحوا. وهذا القول أعم، وأتم، وأصلها من:\nوصل الحبال بعضها ببعض، فاستعير لإنزال القرآن متتابعا يتلو بعضه بعضا، قال الشاعر: [الطويل] فقل لبني مروان ما بال ذمّتي... بحبل ضعيف ما يزال يوصّل؟!\nوالضمير في: ﴿لَهُمُ﴾ لقريش، وهو المعتمد، فتكون الآية ردا على من قال: هلا أوتي محمد القرآن جملة واحدة. وقيل: الضمير لليهود، فيكون المراد بتوصيل القول لهم: إرسال الرسل إليهم من بني إسرائيل؛ حتى تم بإرسال محمد ﷺ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ لعلهم يتعظون بالقرآن الكريم عن عبادة الأصنام، ويخافون أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم. وعلى رد الضمير لليهود يكون المعنى: لعلهم يتذكرون: أن محمدا هو المبشر به في التوراة، والإنجيل فيؤمنوا به، ويتبعوه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [٤٣]. ﴿وَصَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿(لَقَدْ وَصَّلْنا...)﴾ إلخ جواب القسم المقدر لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَتَذَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3304\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن، أو من قبل محمد ﷺ. نزلت هذه الآية والتي بعدها في مؤمني أهل الكتاب من اليهود، كعبد الله بن سلام، وأصحابه. ويدخل فيه من أسلم من النصارى، وهم أربعون رجلا قدموا مع جعفر بن أبي طالب المدينة، اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة، وثمانية أقبلوا من الشام، وكانوا أئمة النصارى، فلما رأوا ما بالمسلمين من الفقر، والحاجة، قالوا: يا رسول الله: إن لنا أموالا، فإن أذنت لنا انصرفنا، فجئنا بأموالنا، فواسينا بها المسلمين؟ فأذن لهم، فانصرفوا، فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين، فنزلت الآيات الأربع. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥] من سورة (المائدة)، فهو وثيق الصلة والمعنى بما في هذه الآيات.\nوقال ابن عباس﵄-: نزلت الآيات في ثمانين من أهل الكتاب: أربعون من نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام. وعن رفاعة القرظي: نزلت في عشرة، أنا أحدهم. وقال القرطبي: وقال عروة بن الزبير﵄-: نزلت في","vol":"7","page":80},{"text":"النجاشي، وأصحابه، وكان وجه باثني عشر رجلا، فجلسوا مع النبي ﷺ، وكان أبو جهل، وأصحابه قريبا منهم، فآمنوا بالنبي ﷺ، فلما قاموا من عنده؛ تبعهم أبو جهل، ومن معه، فقال لهم: خيبكم الله من ركب! وقبحكم من وفد! لم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركبا أحمق منكم، ولا أجهل! فقالوا: سلام عليكم... إلخ، وإذا عرفت: أن هذه الآيات مدنية، لا يبقى لما ذكره القرطبي اعتبار، والله أعلم بحقيقة الحال.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْكِتابَ:﴾\nمفعول به ثان. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ:﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿آتَيْناهُمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3305\"></span>﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي: يقرأ القرآن على المذكورين في الآية السابقة. ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ﴾ أي: صدقنا بالقرآن، واعترفنا بأنه منزل من عند الله تعالى بالحق والصدق، وذلك: أن ذكر النبي ﷺ كان مكتوبا عندهم في التوراة، والإنجيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٥٧] من سورة (الأعراف)؛ بل وجاء ذكر أصحابه، وأمته مكتوبا في التوراة، والإنجيل، اقرأ الآية الأخيرة من سورة (الفتح) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك؛ إن كنت من أهل القرآن.\n ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل نزول القرآن، أو من قبل بعثة محمد ﷺ. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾\nموحدين، أو مؤمنين بأنه سيبعث محمد ﷺ وينزل عليه القرآن.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية مع ما بعدها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.","vol":"7","page":81},{"text":"﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر (إن). ﴿مِنْ رَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْحَقُّ،﴾ و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وقد قال البيضاوي: الجملة الاسمية مستأنفة لبيان ما أوجب إيمانهم به، وقال في الجملة التالية: استئناف آخر للدلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حينئذ، وإنما هو أمر تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتاب المتقدمة، وكونهم على دين الإسلام، قبل نزول القرآن، أو تلاوته عليهم باعتقادهم صحته في الجملة، وهذا حل معنى، ولا يغير المحل الإعرابي الذي ذكرته للجملتين. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها.\n ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ فيها معنى التعليل لإيمانهم، وإن كانت في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3306\"></span>﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين آمنوا من أهل الكتاب. ﴿يُؤْتَوْنَ:﴾ يعطون، ويوفون.\n ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ ثوابهم على إيمانهم، وعملهم. ﴿مَرَّتَيْنِ:﴾ مرة على إيمانهم بكتابهم الأول، ومرة على إيمانهم بالقرآن الكريم، فهو كقوله تعالى لهم في سورة (الحديد): ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. وعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بمحمد ﷺ، والعبد المملوك؛ إذا أدّى حقّ الله وحقّ مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها، فأدّبها، فأحسن تأديبها، وعلّمها، فأحسن تعليمها، ثمّ أعتقها، ثمّ تزوّجها، فله أجران». متفق عليه.\n ﴿بِما صَبَرُوا:﴾ بصبرهم على الإيمان بالتوراة، أو الإنجيل، وصبرهم على الإيمان بالقرآن.\nأو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله، وبعد نزوله، أو بصبرهم على أذى المشركين، وأذى أهل الكتاب.\n ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ:﴾ قال ابن عباس--﵄-: يدفعون بالعمل الصالح العمل السيئ، فيكون كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال الحسن-رحمه الله تعالى-: (إذا حرموا؛ أعطوا، وإذا ظلموا؛ عفوا، وإذا قطعوا؛ وصلوا) فيكون كقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ الآية رقم [١٩٩] من سورة (الأعراف). ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: قسما من أموالهم في وجوه الخير، وفي الطاعات.","vol":"7","page":82},{"text":"الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يُؤْتَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَّتَيْنِ:﴾ نائب مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية.\n ﴿صَبَرُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يُؤْتَوْنَ،﴾ أو ب: ﴿أَجْرَهُمْ﴾.\n ﴿وَيَدْرَؤُنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يدرءون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿بِالْحَسَنَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿السَّيِّئَةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَمِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (مما): جار ومجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿يُنْفِقُونَ،﴾ و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء رزقناهموه، وجملة:\n ﴿يُنْفِقُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يُؤْتَوْنَ..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-3307\"></span>﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا سَمِعُوا:﴾ هذا وصف لمن آمن من أهل الكتاب، وفي ضمنه مدح لهم، وثناء عليهم. ﴿اللَّغْوَ:﴾ الشتم، والأذى من الكفار، وكان المشركون يسبون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون لهم: تبا لكم تركتم دينكم! فيعرضون عنهم، ولا يردون عليهم. هذا؛ واللغو: ما ينبغي أن يلغى، ويطرح، وفي آية الفرقان رقم [٧٢]: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ والمعنى: إذا مروا بأهل اللغو، المشتغلين به؛ مروا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن التوقف معهم، والخوض معهم.\n ﴿وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي: لنا ديننا، وعبادتنا، ولكم دينكم، وعبادتكم. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ:﴾ هذا سلام توديع، ومتاركة، مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٦٣]: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ فأقيم السّلام مقام التسلم، والتوديع، والمتاركة؛ إذ المعنى: وإن سفه عليهم جاهل؛ حلموا، ولم يجهلوا. وليس المراد السّلام المعروف، فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعا، ومروءة. ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ أي: لا نطلبهم للجدال، والمراجعة، والمشاتمة. وانظر ما ذكرته في آية الفرقان رقم [٦٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"7","page":83},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٥٣].\n ﴿سَمِعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللَّغْوَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿أَعْرَضُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها معطوف على الجمل الفعلية السابقة، فهو في محل رفع مثلها، أو هو مستأنف، لا محل له. ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل، وفاعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿أَعْمالُنا:﴾ مبتدأ مؤخر، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ معطوفة عليها، وهي مثلها في المحل والإعراب. ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، وساغ الابتداء به، وهو نكرة؛ لأنه بمعنى الدعاء. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَبْتَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْجاهِلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من نا، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أعرضوا...) إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3308\"></span>﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ:﴾ هذا الخطاب لسيد الخلق وحبيب الحق ﷺ، والمعنى: لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك، وغيرهم؛ لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي:﴾ يدخل في الإسلام ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ وهو الذي علم أنه غير مطبوع على قلبه، وأن الألطاف تنفع فيه، فيقرن به ألطافه حين تدعوه إلى القبول.\nقال النسفي-رحمه الله تعالى-: والآية حجة على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الهدى هو البيان، وقد هدى الله الناس أجمع، ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم، فدل على أن وراء البيان ما يسمى هداية، وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق، والقدرة. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (الفرقان).\n ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي: بالقابلين من الذين لا يقبلون. قال الزجاج: أجمع المسلمون:\nأنها نزلت في أبي طالب، وذلك: أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم، أطيعوا محمدا، وصدقوه؛ تفلحوا، وترشدوا. فقال النبي ﷺ: «يا عم! تأمرهم بالنصيحة؛ لأنفسهم، وتدعها لنفسك!». قال: فما تريد يا بن أخي؟ قال: «أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم","vol":"7","page":84},{"text":"من أيام الدنيا: أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله». قال: يا بن أخي قد علمت:\nأنك لصادق، ولكني أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك، وعلى بني عمك غضاضة، ومسبة بعدي؛ لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ: عبد المطلب، وهاشم، وعبد المناف.\nوروي أنه قال للنبي: جئت بشيء قبله الجنان، وأباه اللسان، مخافة الشنآن.\nتنبيه: من المعروف: أن أبا طالب كفل النبي ﷺ بعد وفاة جده عبد المطلب، وعطف عليه عطف الوالد على ولده حتى شبّ وترعرع، وكان يحبه حبا شديدا، ولما منّ الله عليه بالرسالة؛ قامت قريش بكليتها تعارضه، وتصد الناس عن دعوته، فأعلن أبو طالب حمايته له، والذود عنه، ومشوا إليه مرارا يطلبون منه أن يكف الرسول ﷺ عن تسفيه عقولهم، وشتم آبائهم، وعيب آلهتهم، وقدموا له من مغريات الدنيا المال، والملك، والسيادة، كل ذلك لم يثن الرسول ﷺ عن دعوته.\nوروي في كتاب السيرة، وغيرها: أن قريشا جاءوا إلى أبي طالب، فكلموه في شأن النبي ﷺ فهددوه، وتوعدوه، وكان فيما قالوا له: إما أن تكفه، أو ننازله، وإياك! فشق على أبي طالب فراق قومه، ومعاداتهم، فبعث إلى النبي ﷺ فجاء، وقال له: يا بن أخي! إن قومك جاءوني، وقالوا لي: كذا، وكذا. يا بن أخي! أبق عليّ، وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق! فظن النبي ﷺ أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله، فقال: «يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله تعالى، أو أهلك في طلبه». ثم استعبر فبكى، فلمّا ولى، قال له: يا بن أخي! امض على أمرك، وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا! وأنشد: [الكامل] والله لن يصلوا إليك بجمعهم... حتّى أوسّد في التّراب دفينا\nفاصدع بأمرك ما عليك غضاضة... أبشر وقرّ بذاك منك عيونا\nودعوتني وزعمت أنّك ناصح... ولقد صدقت وكنت قبل أمينا\nولقد علمت بأنّ دين محمّد... من خير أديان البريّة دينا\nلولا الملامة أو حذاري سبّة... لوجدتني سمحا بذاك مبينا\nانتهى. بتصرف كبير، سيوطي، وبغدادي، كلاهما شرح شواهد المغني. ومن الغريب: أن الخازن-رحمه الله تعالى-ذكر: أن أبا طالب أنشد البيتين الأخيرين عند موته، ونقله عنه سليمان الجمل، رحمه الله تعالى، ولم يصحح له هذا الخطأ، بل أبقاه على حاله، وانظر الآية رقم [١١٣] من سورة (التوبة).","vol":"7","page":85},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿تَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَحْبَبْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لا تهدي الذي، أو: شخصا أحببته، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة.\n ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مَنْ:﴾ مثل سابقتها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهدي الذي، أو شخصا يشاء هدايته. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو أعلم): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَهْدِي﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-3309\"></span>﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. وقال عبد الله بن عباس﵄-: قائل ذلك من قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القريشي، قال للنبي ﷺ: إنا لنعلم: أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك، ونؤمن بك مخافة أن يخرجنا العرب من بلدنا، وإنما نحن أكلة رأس (أي: قليلون). هذا؛ والتخطف الانتزاع، والأخذ بسرعة.\n ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ أي: ذا أمن، وذلك: أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون مطمئنون في حرمهم، لا يخافون أن يغير عليهم أحد، فأخبر الله: أنه قد أمنهم بحرمة البيت، وحماهم من الاعتداء عليهم، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم. ومن المعروف: أنه كان تأمن فيه الظباء من الذئاب، والحمام من الحدأة، فكيف يسلبهم هذا الأمن، ويخيفهم، ويعرضهم للتخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام، وتوحيد الملك العلام، ونبذوا الشرك، والأوثان.\n ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: يجمع، ويجلب إلى الحرم من الشام، ومصر، والعراق، واليمن وغيرها الثمرات، والفواكه، وغيرها. والمراد بالكلية: الكثرة مثل قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا الكلية الحقيقية، كما هو معروف. هذا؛ ويقرأ ﴿يُجْبى﴾ بالياء، والتاء، كما يقرأ: «(يجنى)» بالنون.","vol":"7","page":86},{"text":"﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنّا﴾ أي: من عندنا كرما، وجودا، وتفضلا، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾\nأي أكثر أهل مكة، بل أكثر الناس لا يفهمون هذا؛ ولا يعرفونه، وذكر الأكثر إما؛ لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل. وانظر الآية رقم [٦] من سورة (الروم)، وانظر شرح (لدن) في الآية رقم [٦] من سورة (النمل)، وشرح شيء في الآية رقم [١٨٣] من سورة (الشعراء).\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَتَّبِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْهُدى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل في محل نصب حال، ولا وجه له، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَتَّبِعِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نُتَخَطَّفْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿مِنْ أَرْضِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالوا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نُمَكِّنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم)، والفاعل تقديره: «نحن».\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿حَرَمًا:﴾ مفعول به. ﴿آمِنًا:﴾ صفة له. ﴿يُجْبى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثَمَراتُ:﴾ نائب فاعل، و(هو) مضاف، و﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يُجْبى..﴾. إلخ في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿حَرَمًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والجملة: ﴿أَوَلَمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n (رزقا) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو مفعول مطلق مؤكد؛ لأن معنى ﴿يُجْبى إِلَيْهِ﴾ بمعنى:\nنرزقهم. وثانيها: على أنه مفعول لأجله، عامله محذوف، التقدير: نسوقه إليه رزقا. ثالثها: على أنه حال من ﴿ثَمَراتُ﴾ لتخصصها بالإضافة. ﴿مِنْ لَدُنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رِزْقًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، و(لدن): مبني على السكون في محل جر، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر: (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.","vol":"7","page":87},{"text":"<span id=\"aya-3310\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلًا وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها:﴾ هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم بإنعام الله عليهم، فلم يشكروا النعمة، وقابلوها بالبطر، فأهلكوا، فدمرهم الله، وخرب ديارهم. هذا؛ والبطر: سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حق الله فيه، والبطر: الأشر والكبر وتجاوز حدود الله تعالى. وقيل: عاشوا في البطر، فأكلوا رزق الله، وعبدوا غيره، و﴿مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ على حذف المضاف؛ أي: من أهل القرية.\n ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾ أي: منازلهم باقية الآثار، يشاهدونها في الأسفار، كبلاد ثمود، وقوم لوط، وشعيب، وغيرهم. ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلًا:﴾ قال ابن عباس﵄-:\nلم يسكنها إلا المسافرون سكونا قليلا. وقيل: لم يعمر إلا أقلها، وأكثرها خراب. ﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ أي: لم يخلفهم فيها أحد بعد هلاكهم، وصار أمرها إلى الله تعالى؛ لأنه الباقي بعد فناء الخلق.\nوفحوى الآية الكريمة: أن كفار قريش لما خافوا أن يتخطفهم الناس؛ إن آمنوا، ونبذوا عبادة الأصنام؛ بين الله لهم في هذه الآية: أن الأمر بالعكس، وأنهم جديرون بأن يخافوا بأس الله تعالى، ولا يغتروا بالأمن الحاصل لهم؛ إن بقوا على كفرهم بالله، وأنهم جديرون بالأمن والطمأنينة إن هم آمنوا بالله، ووحدوه. هذا؛ و(كم) خبرية كناية عن عدد مبهم، وهي هنا بمعنى: كثير، والمعنى: أهلكنا كثيرا من القرى.\nالإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿مِنْ﴾ بيان ل: (كم) وتمييز له. والتمييز في المعنى هو المجرور ب: ﴿مِنْ،﴾ وبما أنه معرفة؛ لأنه على حذف المضاف كما رأيت في الشرح، والتمييز لا يكون معرفة، فلذا جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَطِرَتْ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿قَرْيَةٍ،﴾ تقديره: «هي». ﴿مَعِيشَتَها،﴾ فيه أوجه: مفعول به على تضمين ﴿بَطِرَتْ:﴾ خسرت، أو على الظرف؛ أي: أيام معيشتها. فيكون على حذف المضاف، أو على حذف «في» أي: في معيشتها، أو على التمييز، أو على التثنية بالمفعول به، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بَطِرَتْ..﴾. إلخ في محل جر صفة: ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿فَتِلْكَ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له.","vol":"7","page":88},{"text":"﴿مَسْكَنِهِمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿لَمْ:﴾ حرف جزم. ﴿تُسْكَنْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَسْكَنِهِمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿مَسْكَنِهِمْ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، وأجيز اعتبارها في محل رفع خبر ثان، كما أجيز اعتبار ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بدلا من تلك، فتكون الجملة الفعلية خبرا للمبتدإ. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا سكنا قليلا، أو صفة زمان محذوف، أي: إلا زمنا قليلا، أو صفة مكان محذوف، أي: إلا مكانا قليلا. والأقوى الثاني من الثلاثة. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: واو الحال. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد ل: (نا). ﴿الْوارِثِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة ﴿وَكُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-3311\"></span>﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويعم كل واحد من العقلاء. ﴿مُهْلِكَ الْقُرى﴾ أي: القرى الكافرة. ﴿حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا﴾ أي: في أكبرها وأعظمها رسولا ينذرهم، وخص الأم ببعثة الرسول؛ لأنه يبعث إلى الأشراف، وهم سكان المدن، بخلاف أهل البوادي، فإن الله لا يبعث فيهم، انظر ما ذكرته الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: المراد بأم القرى: مكة المكرمة، والمراد بالرسول: محمد ﷺ؛ لأنه خاتم الأنبياء، ويؤيده قوله تعالى في سورة (الأنعام) [٩٢]: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾.\n ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا:﴾ يقرأ عليهم ما ننزله عليه من آيات، وهذا يفيد: أن أهل الفترة غير معذبين في الدنيا، وفيه دلالة على أنهم لا يعذبون في الآخرة، كما هو صريح قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٥]: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى..﴾.\nإلخ: أي: لم أهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك؛ لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم، وفي هذا بيان لعدله، وتقدسه عن الظلم.\nأخبر الله تعالى في هذه الآية: أنّه لا يهلك قوما هلاك استئصال إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم. ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة، والإلزام ببعثة الرسل. ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم، ونزه ذاته أن يهلكهم؛ وهم غير ظالمين، وهو صريح قوله تعالى في","vol":"7","page":89},{"text":"سورة (هود): ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ ولا تنس: أن في الآية التفاتا من الخطاب إلى التكلم.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿رَبُّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُهْلِكَ:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْقُرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَتّى:﴾\nحرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَبْعَثَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُهْلِكَ﴾. ﴿فِي أُمِّها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَسُولًا﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَتْلُوا..﴾.\nإلخ في محل نصب صفة: ﴿رَسُولًا﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿مُهْلِكِي:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿مُهْلِكِي﴾ مضاف، و﴿الْقُرى﴾ مضاف إليه... إلخ على مثال سابقه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَأَهْلُها:﴾ الواو: واو الحال. (أهلها):\nمبتدأ، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: وما نهلكهم في حال من الأحوال إلا في حال كونهم ظالمين. وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿(ما كانَ...)﴾ إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.\n\n<span id=\"aya-3312\"></span>﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَما أُوتِيتُمْ:﴾ الخطاب لأهل مكة، ويعم كل عاقل. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من أسباب الدنيا، وزينتها. ﴿فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها:﴾ تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم هي إلى فناء، وانقضاء؛ لأنها زينة أيام قلائل سرعان ما تنقضي، فإما أن تزول عن الإنسان، أو يزول الإنسان عنها. روي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: إن الله خلق الدنيا، وجعل أهلها ثلاثة أصناف: المؤمن، والمنافق، والكافر، فالمؤمن يتزود، والمنافق يتزيّن، والكافر يتمتّع. انتهى.","vol":"7","page":90},{"text":"﴿وَما عِنْدَ اللهِ:﴾ ثوابه، وما أعده الله من النعيم المقيم للمؤمنين العاملين. ﴿خَيْرٌ:﴾ في نفسه من الأول؛ لأنه لذة خالصة من المكدرات، وبهجة كاملة لا يشوبها منغصات. ﴿وَأَبْقى:﴾\nأدوم بخلاف الأول فإنه منقطع، وزائل. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تفهمون، وتتدبرون: أن الباقي خير من الفاني. وقيل: من لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل. ولهذا قال الشافعي -﵁-: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس؛ صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى؛ لأن أعقل الناس من أعطى القليل، وأخذ الكثير، وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى. والمعنى: أعطى القليل من حطام الدنيا، وأخذ الكثير من الحسنات.\nهذا؛ وقد وصف الله تعالى الحياة الدنيا التي يحياها ابن آدم في هذه الآية وغيرها بالدنيا؛ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة. ورحم الله الجريري إذ يقول: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nأو: هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيا.\nالإعراب: (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان تقدم على عامله، أو هو في محل رفع مبتدأ. ﴿أُوتِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف على اعتبار (ما) مبتدأ. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (ما)، أو من المفعول الثاني المحذوف، و(من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿فَمَتاعُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (متاع): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالمؤتى متاع، و(متاع) مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر (ما) على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان وهو المرجح لدى المعاصرين.\nهذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة؛ فالجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير:\nوالذي أوتيتموه. والجملة الاسمية خبرها، وزيدت الفاء في خبر المبتدأ؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ويؤيد هذا الاعتبار الجملة التالية؛ لأن (ما) لا تكون إلا موصولة فيها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، وقيل: واو الحال، ولا وجه له لعدم الرابط. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. (أبقى): معطوف","vol":"7","page":91},{"text":"على ما قبله مرفوع مثله... إلخ. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. والفاء:\nحرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3313\"></span>﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا:﴾ والمراد به: المؤمن الذي وعده ربه بالجنة على عمله الصالح. والوعد الحسن: الثواب في الآخرة ودخول الجنة؛ لأنه دائم غير منقطع تكرما، وتفضلا منه تعالى: ﴿فَهُوَ لاقِيهِ:﴾ مدركه لا محالة لامتناع الخلف في وعده سبحانه، وتعالى، قال تعالى: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾.\n ﴿كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ الذي هو مشوب بالآلام، مكدر بالمتاعب، مستعقب للتحسر على الانقطاع. والمعنى لا يستوي من يدخل الجنة تحقيقا لوعده سبحانه الصادق، ومن يتمتع في هذه الدنيا متاعا قليلا، ثم هو يزول ويفنى، ثم يوم القيامة يحشر، ويحضر للحساب، والجزاء، ثم يساق إلى النار، وبئس القرار، ونحوه قوله تعالى حكاية عن قول المؤمن: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.\nتنبيه: قال ابن عباس﵄-: نزلت الآية في حمزة بن عبد المطلب، وفي أبي جهل بن هشام. وقال مجاهد: نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل. وقال محمد بن كعب: نزلت في حمزة، وعلي﵄-، وقيل غير ذلك. قال القشيري: والصحيح: أنها نزلت في المؤمن، والكافر على التعميم. وقال الثعلبي: وبالجملة فإنها نزلت في كل كافر متع في الدنيا بالعافية، والغنى، وله في الآخرة النار. وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا، ثقة بوعد الله، وله في الآخرة الجنة. هذا؛ ومعنى الآية شبيه بالآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد).\nهذا؛ والوعد يستعمل في الخير وفي الشر، فإذا قلت: وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به، كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به، كان ذلك شرا، وهو ما في بيت طرفة بن العبد البيت الأخير من معلقته: [الطويل] وإنّي وإن أوعدته، أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوهو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعود به، أو الموعد به، فيجوز أن تستعمل «وعد» في الخير وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ومن الثاني قوله جل شأنه: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وأنشدوا: [الطويل]","vol":"7","page":92},{"text":"إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا فراث وعتّما\nكما يستعمل «أوعد» فيهما أيضا، كقولك: (أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرّا) هذا؛ والمركز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرا؛ كان الخلف محمدة، وإذا وعدته خيرا؛ كان الخلف منقصة. وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدم. هذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقه تعالى كرما. وعند الماتريدية لا يجوز. وأما الوعد؛ فلا يجوز الخلف في حقه تعالى اتفاقا، دليل الأشاعرة قول النبي ﷺ: «من وعده الله على عمل ثوابا؛ فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا؛ فهو بالخيار، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، واستبعاد. الفاء: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (من): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿وَعَدْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها. ﴿وَعْدًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة له. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لاقِيهِ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية هذه معطوفة على فحوى ما قبلها. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة مثل سابقتها، وجملة: ﴿مَتَّعْناهُ﴾ صلة (من)، أو صفتها. ﴿مَتاعَ:﴾ مفعول مطلق، وهو مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة:\n ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿فَهُوَ:﴾\nمبتدأ. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده، على أن (ال) ليست موصولة، أو هي موصولة، واتسع فيه على القاعدة: «يتوسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما»، أو هو متعلق بمحذوف يفسره ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾ وانظر الآية رقم [٤٢] و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ يَوْمَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أيستوي المؤمن الموعود بالخير العميم، والكافر الموعود بالعذاب الأليم؟! وهذا الكلام كله مستأنف لا محل له.\nتنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فسر لي الفاءين، و﴿ثُمَّ،﴾ وأخبرني عن مواقعها، قلت: قد ذكر في الآية التي قبلها متاع الحياة الدنيا، وما عند الله، وتفاوتهما ثم عقبه بقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ﴾ على معنى: أبعد هذا التفاوت الظاهر، يسوّى بين أبناء الآخرة، وأبناء الدنيا، فهذا بيان معنى الفاء الأولى وبيان موقعها. وأما الثانية فللتسبب؛ لأن لقاء الموعود","vol":"7","page":93},{"text":"مسبب عن الوعد، الذي هو الضمان في الخير، وأما ﴿ثُمَّ﴾ فلتراخي حال الإحضار عن حال التمتيع، لا لتراخي وقته عن وقته. انتهى.\n\n<span id=\"aya-3314\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أي: ينادي الله يوم القيامة هؤلاء المشركين الذين اتخذوا الحجارة آلهة من دون الله، فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أي: يقول الله لهم يوم القيامة على سبيل التقريع، والتأنيب: أين شركائي في الألوهية ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ:﴾ أنهم آلهة، وأنهم ينصرونكم ويشفعون لكم. هذا؛ وأطلق الله على الأصنام اسم الشركاء لأمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس، وثانيهما: أنهم يشركونها معه في الأموال، والأنعام، والزروع، وانظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الانعام) وما بعدها.\nهذا؛ وماضي: ﴿تَزْعُمُونَ:﴾ زعم. قال الشيخ مصطفى الغلاييني-رحمه الله تعالى-:\nالغالب في «زعم» أن تكون للظن الفاسد، وهو حكاية قول، يكون مظنة للكذب، فيقال فيما يشك فيه، أو فيما يعتقد كذبه، ولذلك يقولون: «زعم» مطية الكذب، أي: هذه الكلمة مركب للكذب، ومن عادة العرب: أن من قال كلاما، وكان عندهم كاذبا؛ قالوا: زعم فلان، ولهذا جاء في القرآن الكريم في كل موضع ذمّ القائلون به، وقد يراد الزعم بمعنى القول مجردا عن معنى الظن الراجح أو الفاسد، أو المشكوك فيه، فإن كانت زعم بمعنى: تأمّر، وترأّس، أو بمعنى: كفل به؛ تعدت إلى واحد بحرف الجر، تقول: زعم على القوم، فهو زعيم، أي: تأمّر عليهم، وترأّسهم، وزعم بفلان أو بالمال، أي: كفله، وضمنه. وتقول: زعم اللبن؛ أي: أخذ يطيب. انتهى.\nوقال الأشموني: وإن كانت بمعنى: سمن، أو: هزل؛ فهي لازمة. هذا؛ وأقول: إن «زعم» من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ، وخبر إن كان من أفعال الرجحان، والأكثر أن يسد مسدهما: «أن» واسمها وخبرها مخففة من الثقيلة أو غيرها، نحو قوله تعالى:\n ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾. إلخ، وانظر شواهد ذلك في كتابنا فتح رب البرية، والقليل أن تنصب مفعولين صريحين، وهو ناقص التصرف لا يأتي منه غير الماضي، والمضارع.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم. ﴿يُنادِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) تعالى، والهاء مفعول به. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿فَيَقُولُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفسير. (يقول): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام توبيخي إنكاري، مبني على الفتح في في محلّ نصب","vol":"7","page":94},{"text":"على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿شُرَكائِيَ:﴾ مبتدأ مؤخر، مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة: ﴿شُرَكائِيَ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَزْعُمُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعولاه محذوفان، والتقدير: تزعمونهم شركائي، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف كما رأيت تقديره، والجملة الاسمية: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿فَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها من عطف التفسير على المفسّر.\n\n<span id=\"aya-3315\"></span>﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ:﴾ وهم أئمة الكفر، ورؤساء الضلالة، ومعنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ:﴾ وجب عليهم مقتضاه، وثبت مؤداه تحقيقا لقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ:﴾ دعوناهم إلى الشرك، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات، فأجابونا، وانقادوا لنا من دون قهر، وقسر. ﴿أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا﴾ أي:\nأضللناهم كما ضللنا، فهم يريدون ضللنا باختيارنا، وضلوا باختيارهم؛ لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة، وتسويلا، فلا فرق بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر، وارتكاب المعاصي، فهناك دعاء الله في مقابلته إلى الإيمان، بما ركز فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتاب الداعية إلى الهدى والرشاد.\n ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ:﴾ معناه: تبرأ بعضهم من بعض، وصاروا أعداء، وقول الله تعالى في سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٢] برهان قاطع على وقوع العداوة بين الأتباع والمتبوعين، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾. ومثل ذلك الآية رقم [٢٥] من سورة (العنكبوت). ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أي: بل كانوا يعبدون أهواءهم، ويطيعون شهواتهم، ولا سلطان لنا عليهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل.\n ﴿حَقَّ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعل، وجملة:\n ﴿حَقَّ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هؤُلاءِ:﴾","vol":"7","page":95},{"text":"الهاء: حرف تنبيه. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وقيل: صفة له، فهو مبني على الفتح في محل رفع. ﴿أَغْوَيْنا:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير:\nأغويناهم. ﴿أَغْوَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ.\n ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَغْوَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، وهو لازم لا ينصب مفعولا، و(ما) المصدرية والفعل ﴿أَغْوَيْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: أغويناهم إغواء كائنا مثل إغوائنا. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، والكلام ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَبَرَّأْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿كَما:﴾ نافية.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِيّانا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وجملة: ﴿إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿ما كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية من (نا) أيضا، فهي حال متكررة، أو متداخلة، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين. قال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى. أقول:\nواعتبارهما حالا يؤدي هذا المعنى بلا ريب. هذا؛ وقيل: (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: من عبادتهم إيانا، وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-3316\"></span>﴿وَقِيلَ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: للكفار، والقائل هو الله تعالى أو الملائكة، وهذا يكون يوم القيامة، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه. ﴿اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أي: أصنامكم التي كنتم تعبدونها في الدنيا لتخلصكم من العذاب. ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أي: استغاثوا بهم. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ:﴾ لم يجيبوهم ولم يغيثوهم. ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ:﴾ عاينوه بأعينهم واقعا بهم.\n ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أي: لو أنّهم كانوا يهتدون؛ لأنجاهم الهدى، ولما صاروا إلى العذاب. وقيل: المعنى لو أنهم كانوا يهتدون؛ ما استغاثوا بهم؛ لأن استغاثتهم بهم لا تغني فتيلا. وقيل: المعنى ودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إلى التوحيد، والإيمان بالله، وتصديق رسول الله ﷺ.","vol":"7","page":96},{"text":"الإعراب: ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اُدْعُوا:﴾\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿شُرَكاءَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل: (قيل)، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه. هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير:\nوقيل قول. وقيل: الجار والمجرور المقدر ب: «لهم» في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول.\nوأيده ابن هشام في المغني؛ حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو «لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنّة» ونحو «زعموا مطيّة الكذب» وجملة: ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَدَعَوْهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (دعوهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وجزم، وقلب. ﴿يَسْتَجِيبُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَرَأَوُا:﴾ الواو: حرف عطف. (رأوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، وحركت الواو بالضم للتفريق بينها وبين الواو الأصلية في نحو قولك: (لو اجتهدت؛ لنجحت). والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَهْتَدُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أن) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرد، التقدير: لو حصل، أو وقع اهتداؤهم. وقال سيبويه: هو في محلّ رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو اهتداؤهم حاصل أو واقع، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره: لأنجاهم الهدى ولما صاروا إلى العذاب. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿لَوْ﴾ للتمني فلا جواب لها، وانظر تقدير الكلام في الشرح. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-3317\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾\nالشرح: قال النسفي-رحمه الله تعالى-: حكى أولا ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما يقوله الشياطين، أو أئمة الكفر عند توبيخهم؛ لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة، اعتذروا بأن","vol":"7","page":97},{"text":"الشياطين، هم الذين استغووهم، ثم ما يشبه الشماتة بهم، لاستغاثتهم آلهتهم، وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل، وإزاحة العلل.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): معطوف على مثله في الآية رقم [٦٢]، أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر (يوم)، وجملة: ﴿يُنادِيهِمْ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿ماذا:﴾ اسم استفهام توبيخي، مبني على السكون في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بماذا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، أو هو اسم استفهام مركب مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق قدم على عامله. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف، التقدير:\nماذا أجبتم به المرسلين؛ فالمعنى لا يأباه، وأقوى منه اعتبار (ما) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و(ذا) اسما موصولا مبنيا على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية صلته، والعائد محذوف، والتقدير: ما الذي أجبتم به المرسلين، فهو كلام في غاية الوضوح.\n ﴿أَجَبْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-3318\"></span>﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: فصارت الأنباء كالعمي عليهم، لا تهتدي إليهم، وأصله: فعموا عن الأنباء، لكنه عكس مبالغة، ودلالة على أن ما يحضر الذهن، إنما يفيض، ويرد عليه من خارج، فإذا أخطأه؛ لم يكن له حيلة إلى استحضاره، والمراد ب: ﴿الْأَنْباءُ﴾ ما أجابوا به الرسل، أو ما يعمها، وإذا كانت الرسل يتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول الشديد، ويفوضون علم ذلك إلى الله تعالى، فما ظنكم بالضلال من أممهم؟! ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ:﴾ لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب؛ لفرط الدهشة، أو العلم بأنه مثله في العجز. انتهى. بيضاوي بحروفه. هذا؛ واعتبر ابن هشام في المغني قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ﴾ من باب القلب، وهذا باب واسع من أبواب النحو، ومن شواهده الشعرية الشاهد رقم [١١٨٧] إلى [١١٩٣] من كتابنا فتح القريب المجيب انظرها فيه تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوقال القرطبي: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ:﴾ خفيت عليهم الحجج. قاله مجاهد؛ لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم عذر، ولا حجة يوم القيامة. ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ أي:\nبالأنساب والقرابات. قاله مجاهد. وقيل: لا يتساءلون سؤال تواصل، كما كانوا يتساءلون في","vol":"7","page":98},{"text":"الدنيا: من أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٢]: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ يوضح هذا؛ ويبينه.\nهذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (الطور) رقم [٢٥]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وقال في سورة (الصافات) رقم [٢٧]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ،﴾ أقول: فآية (الطور) تنص على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب، بدليل الآيات التي قبلها، والتي بعدها، وأما آية (الصافات) فهي تنص على أن التساؤل إنما يكون يوم القيامة، بدليل قوله تعالى قبلها بآيتين:\n ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ وهي تعارض الآية التي نحن بصدد شرحها، وآية المؤمنون المذكورة آنفا، وقد قال ابن عباس﵄في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة، فيتساءلون. انتهى. خازن في سورة (المؤمنون).\nالإعراب: ﴿فَعَمِيَتْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (عميت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَنْباءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين ينوب عن جملة محذوفة، مضافة (إذ) إليها، التقدير: يوم إذ يناديهم. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3319\"></span>﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ:﴾ من الشرك، ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبمحمد ﷺ نبيا، وشفيعا، ورسولا. ﴿وَعَمِلَ صالِحًا:﴾ أدى الفرائض، وأكثر من النوافل، مع اجتناب المحرمات، والمنهيات. انظر الآية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك.\n ﴿فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي: من الفائزين بالسعادة الأبدية، والهناءة السرمدية.\nوعسى من الله واجبة التحقيق على عادة الكرام، أو هي ترج من التائب الذي آمن وعمل صالحا، وينبغي أن تعلم: أنه لما ذكر الله حال الكافرين في الآيات السابقة، وما يجري عليهم يوم القيامة من عظائم الأمور؛ ذكر حال المؤمنين السعداء، وما يجري عليهم من النعيم المقيم والخير العميم؛ لأنه جرت سنة الله في كتابه: أنه لا يذكر أحد الفريقين؛ إلا ويذكر الآخر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار... إلخ، وذلك ليكون المؤمن راغبا في طاعة الله خائفا من معصيته.","vol":"7","page":99},{"text":"الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أما) أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء فالذي تاب... إلخ، فأنيبت (أما) مناب: مهما يك من شيء، فصار: أما من\nفعسى. وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تابَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ معطوفتان عليها. ﴿فَعَسى:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (عسى): فعل ماض جامد مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْمُفْلِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿يَكُونَ،﴾ ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر (عسى). هذا؛ وإن اعتبرت عسى تامة فالمصدر المؤول يكون في محل رفع فاعلها، ولا ضمير مستتر فيها، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] وجرّدن عسى أو ارفع مضمرا... بها إذا اسم قبلها قد ذكرا\nوجملة: (عسى...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأَمّا مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3320\"></span>﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾\nالشرح: نزلت الآية الكريمة جوابا للمشركين حين قالوا: ما حكى الله عنهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ يريدون الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي. وقيل:\nهي جواب لليهود؛ إذ قالوا: لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل، لآمنا به، والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار منهم من يشاء لنبوته. قال يحيى بن سلام، وحكى النقاش: أن المعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه. يعني: محمدا ﷺ، ويختار الأنصار لدينه.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي كتاب البزار مرفوعا صحيحا عن جابر﵁-: «إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين، والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة، يعني: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا﵃ أجمعين-، فجعلهم أصحابي، وفي أصحابي كلهم خير، واختار أمتي على الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون». انتهى.","vol":"7","page":100},{"text":"و﴿الْخِيَرَةُ﴾ من التخير، كالطيرة من التطير. يستعمل بمعنى المصدر، وهو التخير، وبمعنى المتخير، كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه، والمعنى على الأول: إن الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، أي: ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، كقوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وقال محمود الوراق رحمه الله تعالى: [الطويل] توكّل على الرحمن في كلّ حاجة... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر\nإذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده... يصبه وما للعبد ما يتخيّر\nوقد يهلك الإنسان من وجه حذره... وينجو بحمد الله من حيث يحذر\nوقال آخر: [البسيط] العبد ذو شجر والرّبّ ذو قدر... والدّهر ذو دول والرّزق مقسوم\nوالخير أجمع فيما اختار خالقنا... وفي اختيار سواه اللّوم والشّؤم\nقال بعض العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك؛ بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ..﴾. إلخ وفي الركعة الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ..﴾. إلخ. واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ..﴾. إلخ، وفي الركعة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ..﴾. إلخ وكلّ حسن، ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السّلام، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله﵄-. قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثمّ ليقل: اللهمّ إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم: أنّ هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي، وعاقبة أمري-أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسّره لي، ثمّ بارك لي فيه، وإن كنت تعلم: أنّ هذا الأمر شرّ لي في ديني، ودنياي، ومعاشي، وعاقبة أمري-أو قال: في عاجل أمري وآجله-. فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثمّ رضّني به. قال: ويسمي حاجته».\nوروى أنس﵁أن النبي ﷺ قال له: «يا أنس! إذا هممت بأمر، فاستخر ربّك فيه سبع مرّات، ثمّ انظر إلى ما يسبق إليه قلبك؛ فإنّ الخير فيه». قال العلماء: وينبغي له أن يفرّغ قلبه من جميع الخواطر، حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إليه قلبه؛","vol":"7","page":101},{"text":"يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله، وإن عزم على سفر، فيتوخّى بسفره يوم الخميس، أو يوم الإثنين، اقتداء برسول الله ﷺ. انتهى. قرطبي بتصرف.\nأقول: وما تقدم كله صريح على أن الاستخارة تكون في اليقظة. هذا؛ وقد استحدثت الاستخارة المنامية: يتوضأ، ويصلي ركعتين بنية الاستخارة، ثم يدعو بالدعاء المذكور، ثم يستغفر الله ما أمكنه، ثم يصلي على الرسول ﷺ ما أمكنه، ثم ينام موجها صدره إلى جهة القبلة، ثم إن رأى في منامه ما يسره مضى لما يريده، وإن رأى في منامه ما يزعجه ويسوءه أعرض عن الأمر الذي يريده. والله ولي التوفيق.\n ﴿سُبْحانَ اللهِ:﴾ تنزيها، وتقديسا لله. ﴿(تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ)﴾ أي: تقدس الله، وتنزه عن الذي يشركونه معه من الحجارة، والأوثان، و(تعالى) بهذا المعنى ناقص التصرف، لا يأتي منه أمر.\nالإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربك): مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (ربك)، والجملة الفعلية في محل رفع خبره. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يخلق الذي أو شيئا يشاؤه، وجملة:\n ﴿وَيَخْتارُ﴾ معطوفة عليها، والمفعول محذوف أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) مقدم. ﴿الْخِيَرَةُ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والوقف على (يختار) تام، وجيد. هذا؛ وقيل: إن ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول بما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يختار اختيارهم، كما قيل: إنّ ﴿ما﴾ موصولة في محلّ نصب مفعول به وفي (كان) ضمير مستتر هو اسمها، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ:﴾ في محلّ خبرها، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير:\nما كان لهم الخيرة فيه، وهذان القولان ضعيفان، والأصح اعتبار ﴿ما﴾ نافية، والجملة مستأنفة.\nقال مكي-رحمه الله تعالى-: وقال بعض العلماء كالطبري، وغيره: هي في موضع نصب ب: (يختار)، وليس ما قاله بحسن في الإعراب؛ لأنه لا عائد يعود على ﴿ما﴾ في الكلام، وهو بعيد أيضا في المعنى، والاعتقاد؛ لأن كونها للنفي يوجب عموم جميع الأشياء في الخير، والشر: أنها حدثت بقدر الله، واختياره، وليس لمخلوق فيها اختيار غير اكتسابه بقدر من الله له.\nوإذا كانت ﴿ما﴾ في موضع نصب ب: (يختار)؛ لم تعم جميع الأشياء: أنها مختارة لله، إنما أوجبت أنه يختار ما كان لهم فيه الخيرة لا غير، وبقي ما ليس لهم فيه الخيرة، وهو الخير موقوفا، وهذا هو مذهب القدرية والمعتزلة، فكون ﴿ما﴾ للنفي أولى في المعنى، وأصح في التفسير، وأحسن في الاعتقاد، وأقوى في العربية. انتهى. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو مضاف،","vol":"7","page":102},{"text":"و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَتَعالى:﴾ الواو: حرف عطف. (تعالى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء يشركونه مع الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: تعالى الله عن شركهم.\n\n<span id=\"aya-3321\"></span>﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أي: تخفي صدورهم من الحقد عليك يا محمد! والعداوة لك. ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾ يظهرون من عداوتك بالطعن، والشتم، فليس تأخير العذاب لخفاء حالهم، ولكن له وقت مقدر أوانه، فهو ﷾ يعلم ما يخفون، وما يعلنون من عداوة رسول الله ﷺ ومكايدهم، وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقون، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربك): مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (ربك) وهو من المعرفة فلذا اكتفى بمفعول واحد. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تُكِنُّ:﴾ فعل مضارع.\n ﴿صُدُورُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تكنه صدورهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف على نحو ما تقدم. هذا؛ وقد ذكرت الآية بحروفها في سورة (النمل) برقم [٧٤]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n<span id=\"aya-3322\"></span>﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ اللهُ:﴾ المستحق للعبادة. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ لا أحد يستحق العبادة، والتقديس، والتعظيم إلا هو، ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى﴾ أي: في الدنيا. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ المراد بها: الحياة","vol":"7","page":103},{"text":"الثانية التي تكون بعد الموت، ثم الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها بالفضل الإلهي، ودخول النار، والخلود فيها بالعدل الرباني. ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ:﴾ القضاء النافذ في كل شيء، لا يوجد معارض، ولا مدافع، ولا محام، يحكم لأهل طاعته بالمغفرة، والسعادة في الجنة، ولأهل المعصية بالشقاوة، ودخول النار. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: بالبعث، والنشور يوم القيامة.\nهذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول من المتعدي، ويقرأ بالبناء للمعلوم من اللازم.\nتنبيه: الحمد في الدنيا حمد تكليف، وشكر لله على إنعامه، وهو في الآخرة على وجه اللذاذة، لا الكلفة، يقولون: ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ)﴾، ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ)﴾ ويقولون: ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)﴾ انظر (الحمد) في الآية رقم [١٥] من سورة (النمل) فهو جيد.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ خبر أول، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول:\nاعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. الثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع على الابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو أقوى الثلاثة، وهو مبني على الفتح في محل رفع، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل رفع خبر ثان للمبتدإ. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثالث للمبتدإ.\n ﴿فِي الْأُولى:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿الْحَمْدُ؛﴾ لأنه مصدر، وتعليقهما بمحذوف حال منه لا يجيزه كثير من النحاة. (الآخرة): معطوف على الأولى، وجملة: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-3323\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، والخطاب لأهل مكة. ﴿إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا:﴾ دائما مستمرا. من السرد، وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ثلاثة سرد، وواحد فرد. ومنه قول طرفة في معلقته رقم [١٠٦]: [الطويل] لعمرك ما أمري عليّ بغمّة... نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد","vol":"7","page":104},{"text":"﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ بإسكان الشمس تحت الأرض، أو تحريكها حول الأفق الغائر، فقد بيّن سبحانه: أنه مهّد أسباب المعيشة؛ ليقوموا بشكر نعمه. ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ:﴾ المعنى:\nأي إله يأتيكم بنهار تطلبون فيه المعيشة، وتستعينون فيه على قضاء حوائجكم. ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ أي:\nسماع فهم وقبول وتدبر واستبصار. هذا؛ والقيامة أصلها: القوامة؛ لأنها من قام، يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (رأيتم): فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وقد اختلف في مفعولي هذا الفعل، فقال قوم: هما محذوفان دل عليهما الكلام، التقدير: أرأيتم عبادتكم الأصنام، هل تنفعكم شيئا إن جعل الله... إلخ، ودل عليه قوله: ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ﴾. وقال آخرون: لا يحتاج الفعل إلى مفعول؛ لأن بالشرط، وجوابه قد حصل معنى المفعول. وملخص كلام السمين: أن المفعول الأول محذوف، التقدير: أرأيتموه، والمسألة من باب التنازع، فقد تنازع (أرأيتم) وفعل الشرط في: (الليل) فكلاهما يطلبه مفعولا، فأعمل الثاني، وحذف المفعول الأول، وأما المفعول الثاني ل: (رأيتم) فهو الجملة الاستفهامية. انتهى. جمل بتصرف كبير من سورة (الأنعام). وأرى:\nأن الفعل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وأن الجملة الاسمية: ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ﴾ سدت مسد المفعولين، وما بينهما كلام معترض لا محل له، أعطى الكلام تقوية، وتسديدا، وحذف جواب الشرط لدلالة الكلام عليه، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿سَرْمَدًا:﴾ مفعول به ثاني، أو هو حال من ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جَعَلَ،﴾ أو ب: ﴿سَرْمَدًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، التقدير:\nفمن يأتيكم بضياء تطلبون فيه معايشكم، وتستعينون فيه على قضاء حوائجكم؟!.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿غَيْرُ:﴾\nصفة: ﴿إِلهٌ،﴾ و﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿يَأْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿إِلهٌ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: (إله)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿بِضِياءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ إِلهٌ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول، أو المفعولين حسب ما رأيت في الشرح. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَسْمَعُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة","vol":"7","page":105},{"text":"الفعلية: مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ والكلام ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإعراب الآية التالية مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3324\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ وذلك بإسكان الشمس في وسط السماء، أو تحريكها على مدار فوق الأفق. ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ:﴾ للاستراحة من متاعب الأشغال. ولعله لم يصف الضياء بقوله: بنهار تتصرفون فيه، كما وصف الليل بما ذكر؛ لأن الضوء نعمة في ذاته، مقصود بنفسه، ولا كذلك الليل حيث قال: ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ؛﴾ لأن منافع الضوء التي تتعلق به متكاثرة لا يحصيها عد، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثم قرن بالضياء قوله: ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ؛﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه، ووصف فوائده، وقرن الليل بقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون، ونحوه.\nتنبيه: الهمزة في الكلام ﴿أَفَلا﴾ ومثلها ﴿أَوَلَمْ﴾ للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء والواو؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثم» تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾.\nإلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ أمكثوا فلم يسيروا في الأرض، أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل... إلخ؟ ويضعفه ما فيه من التكلف وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف.\n<span id=\"aya-3325\"></span>﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ من فضله، وكرمه. ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ:﴾ يتعاقبان بالظلمة، والضياء. ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ:﴾ لتستريحوا فيه من متاعبكم؛ التي تنالكم في النهار. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ﴾","vol":"7","page":106},{"text":"فَضْلِهِ أي: في النهار بطلب المعاش، وأنواع المكاسب، فهو من باب اللف، والنشر.\n ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك، فتشكروه عليها. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٢]: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ انظر شرحها هناك، وانظر الترجي في الآية رقم [٤٣].\nهذا؛ وقد قال الخازن: إن من نعمة الله تعالى على الخلق أن جعل الليل، والنهار يتعاقبان؛ لأن المرء في حال الدنيا، وفي حال التكليف مدفوع إلى التعب، ليحصل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولأجله يحصل الاجتماع، فتمكن المعاملات. ومعلوم: أن ذلك لا يتم إلا بالراحة، والسكون بالليل، فلا بد منهما، فأما في الجنة؛ فلا تعب، ولا نصب، فلا حاجة بهم إلى الليل، ولذلك يدوم لهم الضياء أبدا، فيبين الله تعالى: أنه القادر على ذلك؛ ليس غيره، فقال: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ..﴾. إلخ.\nوقال الزمخشري: زاوج بين الليل، والنهار لأغراض ثلاثة: لتسكنوا في أحدهما، وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخرة، وهو النهار، ولإرادة شكركم. وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف، والنشر في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذانا بأن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به! كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده! اللهم فكما أدخلتنا في أهل توحيدك؛ فأدخلنا في الناجين من وعيدك. انتهى. آمين يا رب.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنْ رَحْمَتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و﴿جَعَلَ﴾ مؤول بمصدر بتقدير: «أن» مبتدأ مؤخر، ولا وجه له قطعا؛ لأن تأويل الفعل بمصدر إنما هو في المضارع، لا الماضي، وبحثه معلوم. انظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم) والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو». ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به أيضا. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. (النهار): معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿لِتَسْكُنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ﴾ أيضا. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَلِتَبْتَغُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها من تعليل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"7","page":107},{"text":"<span id=\"aya-3326\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)﴾\nالشرح: ذكرت هذه الآية بحروفها برقم [٦٢] وأعيدت هنا لزيادة التوبيخ والتقريع للمشركين للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به! أو الآية الأولى لتقرير فساد آرائهم، وهذه الآية لبيان: أن إشراكهم لم يكن عن سند، وإنما هو محض تشهّ، ومجرد هوى.\n<span id=\"aya-3327\"></span>﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿وَنَزَعْنا﴾ أي: وأخرجنا يوم القيامة. ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا:﴾ يشهد عليهم، والمراد به رسولهم يشهد عليهم بأن بلغهم رسالة ربهم، ونصح لهم، اقرأ معي قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ:﴾ حجتكم على صحة ما كنتم تدينون به من الشرك، ومخالفة الرسل.\n ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ﴾ أي: أيقنوا يوم القيامة: أن الدين القويم هو الذي ارتضاه الله للناس أجمعين، وهو دين التوحيد. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: غاب عنهم. ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي:\nيختلقون في الدنيا من الكذب على الله من ألوهية غيره، والشفاعة لهم.\nهذا؛ و(ضل): غاب كما رأيت، وأكثر استعماله في القرآن الكريم بمعنى: كفر، وخرج عن جادة الحق والصواب، وهو ضد: اهتدى، واستقام. وضل الشيء: ضاع وهلك، وضل: أخطأ في رأيه. ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم لأبيهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ،﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضل: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وهو فن من فنون البلاغة، كما هو معروف ببابه.\nالإعراب: ﴿وَنَزَعْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (نزعنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَنَزَعْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَقُلْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قلنا):\nفعل، وفاعل. ﴿هاتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بُرْهانَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿هاتُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿فَعَلِمُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (علموا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف","vol":"7","page":108},{"text":"للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْحَقَّ:﴾ اسمها. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (علموا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَضَلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (ضل): فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ضل عنهم الذي، أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ضل عنهم افتراؤهم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان).\n\n<span id=\"aya-3328\"></span>﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: لما قال تعالى:\n ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها﴾ بيّن أن قارون أوتيها، فاغتربها، ولم تعصمه من عذاب الله، كما لم تعصم فرعون، ولستم أيها المشركون بأكثر عددا، ومالا من فرعون، وقارون، فلم ينفع فرعون جنوده، وأمواله، ولم ينفع قارون قرابته من موسى، ولا كنوزه. قال النخعي، وقتادة، وغيرهما: كان ابن عمّ موسى لحّا، وهو قارون، بن يصهر، بن قاهث، بن لاوي، بن يعقوب، وموسى بن عمران، بن قاهث. انتهى.\n ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ:﴾ تكبر عليهم، وأراد أن يكون بنو إسرائيل تحت أمره. وقيل: أمّره فرعون على بني إسرائيل، فجعل يظلمهم، ويستبد بهم. ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ:﴾ من الأموال المدخرة.\nوقيل: أظفره الله بكنز من كنوز يوسف، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل:\nسميت أمواله كنوزا؛ لأنه كان ممتنعا من أداء الزكاة، وبسبب ذلك عادى موسى، ﵇.\n ﴿ما إِنَّ مَفاتِحَهُ﴾ أي: مفاتح كنوزه، جمع مفتح-بكسر الميم، وفتح التاء-فيكون المراد به الآلة المعروفة، ويؤيده قراءة: (مفاتيح) في سورة (الأنعام) ويكون قد حذف منه عند الجمع الألف التي تقلب ياء في صيغة منتهى الجموع، كما قيل في جمع: مصباح: مصابح، وفي جمع: محراب: محارب، أو هو جمع مفتح-بفتح الميم، وكسر التاء-كمخزن وزنا، ومعنى، وهو الخزانة. وقال النسفي: والأصوب: أنها المقاليد، والمعتمد الأول بدليل قوله تعالى:\n ﴿لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي: لتثقلهم، وتميل بهم؛ إذا حملوها. قال النمر بن تولب الصحابي﵁-، قيل: إنه عمر مائتي سنة: [الطويل]","vol":"7","page":109},{"text":"يودّ الفتى طول السّلامة والبقا... فكيف يرى طول السلامة يفعل؟\nيودّ الفتى بعد اعتدال وصحّة... ينوء إذا رام القيام ويحمل\nهذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ قلب؛ إذ المعنى: لتنوأ العصبة بها، أي: تنهض بها متثاقلة. هذا؛ والقلب باب واسع من أبواب النحو، ويوجد في القرآن كثير، كما رأيته في مواضعه. ومن شواهده الشعرية الشواهد رقم [١١٨٧] إلى [١١٩٤] من كتابنا فتح القريب المجيب، وخذ واحدا منها، وهو للقطامي: [الوافر] فلمّا أن جرى سمن عليها... كما طيّنت بالفدن السّياعا\nقال ابن عباس﵄-: كان يحمل مفاتيح خزائنه أربعون رجلا أقوى ما يكون من الرجال. وقيل: كان قارون يحمل معه مفاتيح كنوزه معه أينما ذهب، وكانت من حديد، فلما كثرت، وثقلت؛ جعلها من خشب، فثقلت فجعلها من جلود البقر، كل مفتاح على قدر الإصبع، وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا.\nهذا؛ والعصبة، ومثلها العصابة: من الرجال ما بين العشرة إلى الأربعين، وهو قول السدي، وقتادة، وقال تعالى في قصة أولاد يعقوب، وكانوا عشرة: ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ثم قالوا: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾. هذا؛ والعصبة، والعصابة: الجماعة من الناس، والخيل، والطير، واعصوصبوا: اجتمعوا، والعصبة لا واحد لها من لفظها، مثل:\nنفر، ورهط، ومعشر، وانظر شرح (أولو) في الآية رقم [٣٣] من سورة (النمل).\n ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ أي: المؤمنون من بني إسرائيل. قاله السدي. وقال يحيى بن سلام: القوم هنا: موسى، وقاله الفراء أيضا، وعليه فهو جمع، أريد به واحد، كقوله تعالى:\n ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ وإنما هو نعيم بن مسعود، كما رأيت في الآية رقم [١٧٣] من سورة (آل عمران) والمراد بالفرح: البطر، وهو مذموم؛ لأنه نتيجة حب الدنيا، والرضا بها، والذهول عن ذهابها، فإن الواقع بأن ما فيها من اللذة زائل لا محالة، يوجب الهم، والغم، والحزن الطويل، كما قال أبو الطيب المتنبي: [الوافر] أشدّ الغمّ عندي في سرور... تيقّن عنه صاحبه انتقالا\n ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: بزخارف الدنيا، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، ويبطرون به على خلقه، قال الشاعر: [الطويل] ولست بمفراح إذا الدّهر سرّني... ولا ضارع من صرفه المتقلّب\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿قارُونَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿قارُونَ﴾. ﴿مِنْ قَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان). و﴿قَوْمِ﴾","vol":"7","page":110},{"text":"مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ قارُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَبَغى:﴾ الفاء: حرف عطف. (بغى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿قارُونَ،﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل (بغى) المستتر، فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وتكون: «قد» قبلها مقدرة. ﴿مِنَ الْكُنُوزِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَفاتِحَهُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَتَنُوأُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تنوء): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَفاتِحَهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِالْعُصْبَةِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿أُولِي:﴾ صفة (العصبة) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و﴿أُولِي﴾ مضاف، و﴿الْقُوَّةِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿إِنَّ مَفاتِحَهُ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾\nظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (تنوء)، وقال أبو البقاء:\nمتعلق ب: (آتينا)، ويجوز أن يكون ظرفا لفعل محذوف، دل عليه الكلام، أي: بغى؛ إذ قال له قومه.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿قَوْمُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا تَفْرَحْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهَ﴾. ﴿الْفَرِحِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3329\"></span>﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿وَابْتَغِ:﴾ اطلب، واقصد. ﴿فِيما آتاكَ اللهُ:﴾ من المال، والغنى. ﴿الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: الجنة، وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم، وتنفق المال في مرضاة الله ﷿؛ لأن من حق المؤمن العاقل أن يصرف المال فيما يقربه من رحمة الله تعالى، لا فيما يسبب له غضبه، وسخطه من تجبر وتكبر، وبغي، وفساد في الأرض.","vol":"7","page":111},{"text":"﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا:﴾ اختلف فيه، فقال ابن عباس، والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره، وعمله الصالح فيها. فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة. وقال الحسن، وقتادة: معناه:\nلا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به، وإصلاح الأمر الذي يشتهيه، وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النّبوة من الشدّة. قاله ابن عطية. وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر﵄في قوله: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، وقيل:\nلا تنس صحتك، وقوتك، وشبابك، وغناك أن تطلب بها الآخرة. وعن عمرو بن ميمون الأزدي قال: قال رسول الله ﷺ لرجل، وهو يعظه: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».\n ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ أي: أطع الله، واعبده، كما أنعم عليك. وقيل: أحسن إلى الناس، كما أحسن الله إليك. وقال ابن العربي: فيه أقوال كثيرة، جماعها: استعمال نعم الله في طاعة الله. ﴿وَلا تَبْغِ﴾ أي: لا تقصد. ﴿الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ:﴾ كل من عصى الله وآذى عباد الله فقد طلب الفساد في الأرض، وتعرّض لسخط الله، وشديد نقمته، ودليله عدم حبّه له، وهو كناية عن البغض، والسخط، والغضب. ومحبته جلت قدرته للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَابْتَغِ:﴾ الواو: حرف عطف. (ابتغ): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجاز أبو البقاء تعليقهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والمعنى لا يؤيده، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في). ﴿آتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني-وهو العائد، أو الرابط-محذوف؛ إذ التقدير: في الذي، أو: في شيء آتاك الله إياه. وأجاز أبو البقاء فيها المصدرية، والمعنى لا يؤيده. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها. ﴿الدّارَ:﴾ مفعول به للفعل: (ابتغ) ﴿الْآخِرَةَ:﴾ صفة: ﴿الدّارَ،﴾ وجملة:\n ﴿وَابْتَغِ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَنْسَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿نَصِيبَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَصِيبَكَ﴾. وهو أقوى معنى، وجملة: ﴿وَلا تَنْسَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَحْسِنْ:﴾ الواو:","vol":"7","page":112},{"text":"حرف عطف. (أحسن): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت» ﴿كَما﴾ الكاف حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَحْسِنْ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، يقع مفعولا مطلقا، التقدير: أحسن إحسانا كائنا مثل إحسان الله إليك، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] عن سيبويه، رحمه الله تعالى.\nواعتبار (ما) موصولة ضعيف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا تبغ): فعل مضارع مجزوم ب:\n (لا) إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْفَسادَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ إعراب هذه الجملة ومحلها مثلها إعراب: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ في الآية السابقة بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3330\"></span>﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: على فضل، وخير علمه الله عندي، فرآني أهلا لذلك، ففضلني بهذا المال عليكم، كما فضلني بغيره. وقيل: هو علم الكيمياء، وكان موسى ﵇ يعلمه، فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم، وعلم كالب بن يوقنا ثلثه، وعلم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، فكان يصنع من الرصاص فضة، ومن النحاس ذهبا، وكان ذلك سبب كثرة أمواله. وقيل: كان علمه حسن التصرف في التجارات، والزراعات، وأنواع المكاسب. انتهى. خازن. وقال القرطبي: يعني: علم التوراة، وكان فيما روي من أقرأ الناس لها، ومن أعلمهم بها، وكان أحد السبعين الذين اختارهم موسى للميقات. انتهى. فهو كقول الله تعالى على لسان الآخر: ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (الزمر).\nفائدة: قال سهل: ما نظر أحد إلى نفسه، فأفلح! والسعيد من صرف بصره عن أفعاله، وأقواله، وفتح له سبيل رؤية منّة الله تعالى عليه في جميع الأفعال، والأقوال، والشقي من زين في عينه أفعاله، وأقواله، وأحواله، ولا فتح له سبيل رؤية منة الله تعالى عليه، فافتخر بها، وادعاها لنفسه، فشؤمه يهلكه يوما، كما خسف بقارون لما ادعى لنفسه فضلا. انتهى. نسفي.\n ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ..﴾. إلخ: أي: ألم يعلم علم اليقين: أن الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه، وأغنى؛ لأنه قد قرأ في التوراة، وفيها ذكر من أهلك الله، كعاد، وثمود، وما فرعون منه ببعيد، كأنه قيل: أولم يعلم في جملة ما عنده من العلم هذا، حتى لا يغتر بكثرة ماله، وقوته، أو هو نفي لعلمه بذلك؛ لأنه لما قال: ﴿أُوتِيتُهُ عَلى﴾","vol":"7","page":113},{"text":"﴿عِلْمٍ عِنْدِي،﴾ قيل: أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين. انتهى. نسفي.\n ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ:﴾ لعلمه تعالى بهم، بل يدخلون النار بغير حساب، أو يعترفون بها بغير سؤال، أو يعرفون بسيماهم، فلا يسألون، أولا يسألون من جهتهم؛ لتعلم ذنوبهم، بل يسألون سؤال تقريع، وتوبيخ. أولا يسأل عن ذنوب الماضين المجرمون من هذه الأمة. انتهى. نسفي. وانظر العنكبوت [١٣] قال الزمخشري-رحمه الله تعالى -: وجه اتصال هذه الجملة بما قبلها: لما ذكر الله قارون ومن أهلك من قبله من القرون الذين كانوا أقوى منه، وأغنى مالا منه؛ قال على سبيل التهديد، والوعيد له: والله مطلع على ذنوب المجرمين، لا يحتاج إلى سؤالهم عنها، وهو قادر على أن يعاقبهم عليها، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ،﴾ وقوله: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وما أشبه ذلك. انتهى. بتصرف.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (قارون). ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة.\n ﴿أُوتِيتُهُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل.\n ﴿عِنْدِي:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿عِلْمٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل يعود إلى: ﴿قارُونَ﴾. ﴿أَنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَهْلَكَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مِنْ﴾ بعدهما، و﴿مِنْ﴾ الجارة تبيين لما أبهم فيها. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَشَدُّ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَأَكْثَرُ:﴾ معطوف على ﴿أَشَدُّ،﴾ ومتعلقه محذوف. ﴿جَمْعًا:﴾ تمييز، وجملة: ﴿قَدْ أَهْلَكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول: ﴿يَعْلَمْ،﴾ وجملة:\n ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف.","vol":"7","page":114},{"text":"(لا): نافية. ﴿يُسْئَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والمفعول الأول نائب الفاعل، وهو قوله ﴿الْمُجْرِمُونَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو.\n\n<span id=\"aya-3331\"></span>﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ:﴾ قيل: خرج هو، وحاشيته، وهم سبعون ألفا، عليهم الثياب الحمر، والصفر، والمعصفرات، وكان ذلك أول يوم رؤي فيه المعصفر. وقيل: خرج يوم السبت على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف من حاشيته على زيه. وقيل: عليهم، وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحلي، والديباج، والجميع على البغال الشهب.\n ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا:﴾ قيل: كانوا مسلمين، وإنما تمنوا ذلك على سبيل الرغبة في اليسار على عادة البشر. وقيل: هو من قول أقوام لم يؤمنوا بالآخرة، ولا رغبوا فيها، وهم الكفار. ولا وجه له؛ لأن بني إسرائيل كانوا جميعا مؤمنين موحدين في عهد موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ:﴾ قالوا ذلك غبطة، والغابط: هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه، كما في هذه الآية. وهذا لا بأس به، ولا يضر بالدين. أما الحاسد فهو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ وهذا مذموم، ضار بالدين، يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب. قيل للنبي ﷺ: هل يضر الغبط؟ فقال: «لا إلا كما يضر العضاه الخبط». هذا؛ والتمني: طلب ما لا طمع فيه كقول أبي العتاهية: [الوافر] ألا ليت الشباب يعود يوما... فأخبره بما فعل المشيب\nأو ما فيه عسر، كقول المعدم الآيس: ليت لي قنطارا من الذهب. هذا؛ والترجي طلب المحبوب المتوقع حصوله، كقولك: لعل زيدا هالك.\n ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: صاحب حظ، والحظ: الجد، وهو البخت، والدولة، وصفوه بأنه رجل مجدود مبخوت، يقال: فلان ذو حظ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ، وجدود. هذا؛ والحظ ضد النحس، وعليه قول أبي العلاء المعري: [الكامل] لا تطلبن بغير حظ رتبة... قلم الأديب بغير حظ مغزل","vol":"7","page":115},{"text":"سكن السما كان السماء كلاهما... هذا له رمح وهذا أعزل\nالإعراب: ﴿فَخَرَجَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (خرج): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿قارُونُ﴾. ﴿عَلى قَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي زِينَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل (خرج) المستتر، وجملة: ﴿فَخَرَجَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿قالَ إِنَّما..﴾. إلخ وما بينهما كلام معترض. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ صلة الموصول لا محل لها. (يا): حرف تنبيه. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، والمعتمد الأول. (ليت): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليت) تقدم على اسمها. ﴿مِثْلَ:﴾\nاسمها مؤخر، و(مثل) مضاف، و﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والمفعول الثاني محذوف، والمفعول الأول هو نائب الفاعل، الذي هو ﴿قارُونُ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: مثل الذي أوتيه قارون، والجملة الاسمية: ﴿يا لَيْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿لَذُو:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخامسة، و(ذو) مضاف، و﴿حَظٍّ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة ﴿حَظٍّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للتمني، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3332\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: بالثواب، والعقاب، وفناء الدنيا، وبقاء الآخرة.\nقال ابن عباس -﵄-: يعني الأحبار للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون.\n ﴿وَيْلَكُمْ:﴾ دعاء بالهلاك، استعمل للزجر عما لا يرتضى. ﴿ثَوابُ اللهِ﴾ أي: جزاؤه للمؤمنين المطيعين، وهو الجنة. ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ:﴾ صدق بوعد الله. ﴿وَعَمِلَ صالِحًا:﴾ هذا احتراس، وقد ذكرته لك مرارا، وهو يفيد: أنه لا بد من العمل الصالح مقرونا بالإيمان. ﴿وَلا يُلَقّاها:﴾\nالضمير فيه للكلمة التي تكلم بها العلماء، أو للثواب، فإنه بمعنى المثوبة، أو للجنة المفهومة من الكلام، أو للإيمان، والعمل الصالح، فإنهما بمعنى السيرة، والطريقة، ومثلها قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٣٤]: ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.\nهذا؛ وأصل ﴿أُوتُوا:﴾ (أوتيوا) فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، وبقيت الواو. فصار: (أوتوا) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.","vol":"7","page":116},{"text":"هذا؛ و(ويل) كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة: العذاب والهلاك. وقال ابن عباس -﵄-: الويل: شدة العذاب. وعن أبي سعيد الخدري -﵁ -، قال: قال رسول الله ﷺ: «الويل واد في جهنم، يهوي به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذي. هذا؛ والويل مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأن فاءه وعينه معتلتان، ومثله: ويح، وويس، وويب، وهو لا يثنى، ولا يجمع. وقيل: يجمع على: ويلات بدليل قول امرئ القيس: [الطويل] ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت: لك الويلات إنك مرجلي\nوإذا أضيفت هذه الأسماء، فالأحسن النصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف فالأحسن فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وسائغ ذلك؛ لتضمنها معنى خاصا. هذا؛ وويل: نقيض: الوأل، وهو النجاة. وقد ينادى الويل إذا أضيف إلى ياء المتكلم، أو (نا) وسبقته أداة النداء، وانظر: ﴿يا وَيْلَتى﴾ في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر ﴿يا وَيْلَتَنا﴾ في الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف)، ولا تنس: أنه قد أنث الويل في الآيتين المذكورتين. هذا؛ وانظر شرح (الصبر) في الآية رقم [٨٥] من سورة (الأنبياء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿وَيْلَكُمْ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف. وقال أبو البقاء: مفعول به لفعل محذوف، أي ألزمكم الله ويلكم. والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ثَوابُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله؛ لأنه بمعنى: إثابة الله لكم. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة (من) أو صفتها، وجملة:\n ﴿وَعَمِلَ صالِحًا:﴾ معطوفة عليها، والكلام ﴿وَيْلَكُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية.\n ﴿يُلَقّاها:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به ثان. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الصّابِرُونَ:﴾ نائب فاعل وهو المفعول الأول مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من مرجع الضمير المنصوب، وهو أولى، والرابط: الواو والضمير.","vol":"7","page":117},{"text":"<span id=\"aya-3333\"></span>﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾\nالشرح: (خسفنا به) أي: بقارون، والخسف: انهيار الأرض، وخسف المكان: ذهب في الأرض، وبابه: جلس، وخسف الله به الأرض من باب: ضرب، أي: غاب به فيها، وخسوف القمر: ذهاب ضوئه. هذا؛ والخسف: النقصان، والخسف: الذلة، والمهانة، والحقارة، قال الشاعر: [البسيط] ولا يقيم على ضيم يراد به... إلا الأذلان عير الحي والوتد\nهذا على الخسف مربوط برمته... وذا يشج فلا يرثي له أحد\n ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ:﴾ جماعة من الناس، وهي اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل:\nقوم، وفريق، ومعشر... إلخ؛ ولذا أعاد عليه الضمير بلفظ الجمع، والمراد: فما كان له أعوان يدفعون عنه عذاب الله. ﴿وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أي: الممتنعين من عذابه.\nتنبيه: كان قارون ابن عم موسى كما ذكرت لك فيما سبق، وكان قد آمن به، وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للمناجاة، فسمع كلام الله تعالى، وكان أعلم بني إسرائيل بعد موسى، وهارون على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، وأقرأ هم للتوراة، وأكملهم، فابتلاه الله بالغنى، وجمع المال، فبغى، وطغى، وكان موسى يداريه للقرابة التي بينهما، وهو يؤذيه كل وقت، ولا يزيد إلا عتوا، وتجبرا، ومعاداة لموسى -﵇حتى بنى دارا، وجعل لها بابا من ذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، فيطعمهم الطعام، ويحدثونه، ويضاحكونه.\nقال ابن عباس -﵄-: لما نزلت فريضة الزكاة على موسى؛ أتاه قارون، فصالحه على كل ألف دينار عنها دينار، وعلى كل ألف درهم عنها درهم، وعلى كل ألف شاة عنها شاة، وكذلك سائر الأشياء، انتهى. أقول: والمشهور: أن الزكاة كانت مفروضة على بني إسرائيل بمقدار الربع من جميع أصناف المال، ويظهر أن موسى ﵇ صالحه على ما ذكر لما رأى من شحه، وبخله.\nثم رجع قارون إلى بيته، وماله بعد المصالحة المذكورة، فحسب ماله، فوجد المال المطلوب إخراجه زكاة كثيرا، فلم تسمح نفسه بذلك، فجمع بني إسرائيل، وقال لهم: إن موسى أمركم بكل شيء، فأطعتموه، وهو يريد أن يأخذ أموالكم. فقالوا له: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت، قال: آمركم أن تأتوا فلانة البغي، وتجعلوا عليكم لها جعلا على أن تقذف موسى بنفسها،","vol":"7","page":118},{"text":"فإذا فعلت ذلك؛ خرج عليه بنو إسرائيل، فرفضوه. فدعوها، فجعل لها قارون ألف دينار، وألف درهم. وقيل: طستا من ذهب، وقيل: قال لها قارون: أنزلك بيتي، وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل. قالت: نعم، فلما كان الغد، وهو يوم عيد لهم، قام موسى -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام -خطيبا، فقال: من سرق قطعنا يده، ومن زنى غير محصن جلدناه، ومن زنى، وهو محصن؛ رجمناه إلى أن يموت. فقال قارون: وإن كنت أنت، قال: وإن كنت أنا. قال: فإن بني إسرائيل يزعمون: أنك فجرت بفلانة البغي، قال موسى: ادعوها فلما جاءت، قال لها موسى: أسألك بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة إلا صدقت، فتداركها الله بالتوفيق.\nفقالت في نفسها: أحدث توبة أفضل من أن أوذي رسول الله. فقالت: لا والله، ولكن قارون جعل لي جعلا على أن أقذفك بنفسي! فخر موسى ساجدا يبكي، ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي! فأوحى الله إليه: إني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت. فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون، كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا قارون، فلم يبق معه إلا رجلان، وقيل: كان على سريره، وفرشه فأخذته الأرض حتى غيبت سريره، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق.\nوأصحاب قارون يتضرعون إلى موسى، وقارون يناشده الله، والرحم؛ حتى قيل: إنه ناشده أربعين مرة. وقيل: سبعين مرة، وموسى في ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأطبقت عليهم الأرض، فأوحى الله إلى موسى -﵇ -: ما أغلظ قلبك! يستغيث بك قارون سبعين مرة، فلم تغثه، أما وعزتي، وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته! وفي بعض الآثار، لا أجعل بعدك الأرض طوعا لأحد.\nقال قتادة: خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قائمة رجل، لا يبلغ قرارها إلى يوم القيامة. وأصبح بنو إسرائيل يقولون فيما بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره، وكنوزه، وأمواله، فدعا الله موسى حتى خسف بداره، وكنوزه، وأمواله. وقد ذكر في فتح الباري شرح البخاري نكتة لطيفة، وهي أن مقتضى هذا الحديث: أن الأرض لم تأكل جسده، فيمكن أن يلغز، ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت، وهو قارون. والله أعلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩] من سورة (الأحزاب).\nالإعراب: ﴿فَخَسَفْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (خسفنا): فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (بداره): جار ومجرور، معطوفان عليهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿فَخَسَفْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار","vol":"7","page":119},{"text":"ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿فِئَةٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة ف ﴿فِئَةٍ﴾ فاعلها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿فِئَةٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿يَنْصُرُونَهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر على اللفظ، أو في محل رفع على المحل صفة:\n ﴿فِئَةٍ﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة العائدة على ﴿فِئَةٍ﴾. و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية، ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى قارون. ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ، في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3334\"></span>﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَصْبَحَ﴾ أي: صار؛ فليس المراد التوقيت في الصباح. ﴿الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ:﴾\nمنزلته، وهو ما كان فيه من النعيم، والزينة، والتفاخر بالأموال، والتعاظم بالذهب، والفضة، والعمارات الشامخة، والفرش الوثيرة. ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: يبسط، ويقدر بمقتضى مشيئته، لا لكرامة تقتضي البسط، ولا لهوان يوجب القبض، فإن القوم الذين شاهدوا قارون في زينته لما شاهدوا ما نزل به من الخسف؛ تنبهوا لخطئهم في تمنيهم، مثل ما أوتي قارون حيث علموا: أن بسط الرزق لا يكون لكرامة الإنسان على الله، ولا تضييقه لهوانه عليه، فتعجبوا من أنفسهم: كيف وقعوا في مثل هذا الخطأ، ثم ابتدءوا يقولون: كأن الله يبسط الرزق... إلخ، والمعنى: ليس الأمر كما زعمنا من أن البسط في الرزق ينبئ عن الكرامة، والقبض ينبئ عن الهوان، بل كان بمقتضى مشيئته، وحكمته. هذا؛ و﴿تَمَنَّوْا﴾ أرادوا، وأحبوا، ويأتي (تمنى) بمعنى: قرأ، وتلا قال الشاعر في عثمان﵁-: [الطويل] تمنّى كتاب الله أوّل ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل\nأي: قرأ كتاب الله، ومثله قول حسان بن ثابت﵁-: [الطويل] تمنّى كتاب الله أول ليلة... وآخرها لاقى حمام المقادر\n ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي: بالإيمان، والرحمة، وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البغي والبطر. هذا؛ وقرئ: «(لولا منّ الله لخسف بنا)» أي: لما يحصل فينا من الغطرسة، والبغي","vol":"7","page":120},{"text":"المتولد عن الغنى، كقوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ أي: الجاحدون لنعمة الله، أو المكذبون برسله، وبما وعد لهم من ثواب الآخرة.\nهذا؛ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بمعنى: يضيق، ويفقر من المال. قال تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. أما (وي) فقد قال ابن جني﵀في المحتسب: في: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ ثلاثة أقوال: منهم من جعلها كلمة واحدة، فلم يقف على (وي)، ومنهم من يقف على: (وي)، ويعقوب يقف على: (ويك) وهو مذهب أبي الحسن، والوجه فيه عندنا قول الخليل، وسيبويه، وهو أن: (وي) على قياس مذهبهما اسم سمي به الفعل، فكأنه اسم فعل بمعنى: أعجب، ثم ابتدأ، فقال: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ ف: (كأنّه) هنا إخبار عار من معنى التشبيه، ومعناه: إن الله يبسط الرزق، و: (وي) منفصلة من (كأن)، وعليه بيت الكتاب، وأنشد قول سعيد بن زيد الصحابي أحد العشرة المبشرين بالجنة، -﵁-: [الخفيف] وي كأن من يكن له نشب يح... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ\nهذا كلامه، وهو خلاف ما صرح به سيبويه، قال: سألت الخليل عن قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ وعن قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ..﴾. إلخ، فزعم أنها مفصولة من كأنّ، والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا، فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون هذا عندكم كذا، والله أعلم.\nقال النحاس: يريد: أن معنى (وي) تنبيه يقولها الإنسان حين يستنكر أمرا، أو يستعظمه، فيقول: «وي!» فتكون (ويكأنّ) مركبة من (وي) للتنبيه، ومن (كأنّ) للتشبيه، وكذلك قال الأعلم. انتهى. بغدادي بتصرف. وقال الفراء: هي كلمة تقرير، كقولك: أما ترى إلى صنع الله، وإحسانه! وذكر أن أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك ويلك؟! فقال: وي كأنه وراء البيت، أي:\nأما ترينه وراء البيت! هذا؛ وعلى قول يعقوب: إن الوقف على: (ويك) جاء قول عنترة العبسي في معلقته رقم [٩٩]: [الكامل] ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم\nوعليه فالكاف حرف خطاب مضمومة إلى (وي) وأنه بمعنى: لأنه. وبقي قول آخر للكوفيين، وهو: أن (ويك) بمعنى: ويلك، بل وهو أصلها، فحذفت اللام، واتصلت الكاف ب: (وي) وفيه بعد في المعنى، والإعراب؛ لأن القوم لم يخاطبوا في الآية أحدا بخلاف بيت عنترة، ولأن حذف اللام من هذا لا يعرف، ولأنه كان يجب أن تكون «إن» مكسورة؛ إذ لا شيء يوجب فتحها. انتهى. من هنا وهناك. وقد ذكر الجمل الأقوال كلها باختصار، وإيجاز، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.","vol":"7","page":121},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَصْبَحَ:﴾ الواو: حرف عطف، (أصبح): فعل ماض ناقص. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسمها. ﴿تَمَنَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَكانَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْأَمْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿مَكانَهُ،﴾ ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع مقولها في محل نصب خبر (أصبح). هذا؛ وأجيز اعتبار (أصبح) تامة. وليس بشيء. وجملة: ﴿وَأَصْبَحَ..﴾. إلخ، معطوفة على جملة:\n (خسفنا...) إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿وَيْكَأَنَّهُ:﴾ فيها أوجه، ومذاهب: أحدهما: أن (وي) اسم فعل مضارع بمعنى: أعجب مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا»، والكاف حرف تشبيه وجر، و(أن) حرف مشبه بالفعل. و﴿اللهَ﴾ اسمها، والجملة الفعلية بعدها في محل رفع خبرها، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار، والمجرور متعلقان باسم الفعل (وي) والمعنى: أعجب؛ لأن الله يبسط... إلخ.\nالثاني: أن (وي) اسم فعل مضارع مثل الأول، و(كأن) حرف مشبه بالفعل، و﴿اللهَ﴾ اسمها، والجملة الفعلية خبرها، إلا أن معنى التشبيه ذهب منها، وصارت للخبر، واليقين.\nوالثالث: أن (ويك) كلمة برأسها؛ أي: هي اسم فعل مضارع مثل الأول، والثاني، والكاف حرف خطاب، لا محل له، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي فعل محذوف، التقدير: اعلم: أن الله يبسط... إلخ. قال هذا الأخفش.\nالرابع: أن (ويك) مفعول مطلق عامله محذوف، وهذا على أن أصلها: «ويلك» وفيه بعد في المعنى، والإعراب، كما رأيت في الشرح.\nوالخامس: اعتبار: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلمة مستقلة بسيطة عاملة عمل «أنّ»، و﴿اللهَ﴾ اسمها، وجملة: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ،﴾ في محل رفع خبرها على جميع أوجه الإعراب المتقدمة، والرابط رجوع فاعل ﴿يَبْسُطُ،﴾ ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشخص يشاؤه، ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و(من) بيان لما أبهم في:\n (من)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقدر):\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها.","vol":"7","page":122},{"text":"﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود. ﴿وَيْكَأَنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿لِمَنْ:﴾ فعل ماض، و﴿اللهَ:﴾ فاعله، ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ والفعل ﴿لِمَنْ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ. هذا؛ وقرأ الأعمش: «(لولا منّ الله)» بحذف ﴿وَيْكَأَنَّ،﴾ ورفع (منّ) على الابتداء، وإضافته إلى لفظ الجلالة. وعلى الوجهين فخبر المبتدأ محذوف، تقديره:\nلولا من الله علينا موجود. ﴿لَخَسَفَ:﴾ اللام: واقعة في جواب: ﴿لَوْلا﴾. (خسف): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ وقرئ بالبناء للمجهول. ﴿بِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (خسف) على بنائه للمعلوم، وهما في محل نائب فاعل على بنائه للمجهول، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْلا،﴾ لا محل لها، و﴿لَوْلا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل سابقتها، وهي توكيد لها.\n\n<span id=\"aya-3335\"></span>﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ﴾ أي: الجنة، والإشارة تعظيم لها، وتفخيم لشأنها، والمعنى:\nتلك التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها. ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: رفعة وتكبرا على الإيمان، والمؤمنين، كتكبر فرعون. ﴿وَلا فَسادًا:﴾ عملا بالمعاصي، كالذي حصل من قارون؛ حيث افترى على موسى الافتراءات. ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ أي: المحمودة. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز﵁أنه كان يردد هذه الآية حتى قبض. وعن الفضيل: أنه قرأ هذه الآية، ثم قال: ذهبت الأماني هاهنا.\nهذا؛ والطماع في رحمة الله من دون عمل صالح، من يجعل العلو لفرعون، متعلقا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ والفساد لقارون متعلقا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ،﴾ ويقول: من لم يكن مثل فرعون، وقارون؛ فله الدار الآخرة؛ أي: الجنة، ولا يتدبر قوله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما تدبره الفضيل، وعمر رحمهما الله تعالى.\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الدّارُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الْآخِرَةُ:﴾\nصفة: ﴿الدّارُ﴾. ﴿نَجْعَلُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و(ها): مفعول به أول. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني.\n ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عُلُوًّا:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عُلُوًّا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا:﴾ زائدة لتأكيد النفي. ﴿فَسادًا:﴾","vol":"7","page":123},{"text":"معطوف على: ﴿عُلُوًّا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾\nالواو: حرف استئناف. (العاقبة): مبتدأ. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على الجملة السابقة، وأقوى من اعتبارها حالا، وجملة: ﴿نَجْعَلُها..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿تِلْكَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3336\"></span>﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها:﴾ ذاتا، وصفة، وقدرا، وانظر الآية رقم [٨٩] من سورة (النّمل)، ففيها الدواء الشافي لقلبك. ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ،﴾ انظر الآية رقم [٩٠] من سورة (النمل) أيضا. ﴿فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ:﴾ وضع فيه الظاهر موضع الضمير تهجينا لحالهم بتكرير إسناد السيئة إليهم، وفيه زيادة تبغيض السيئة إلى قلوب السامعين. ﴿إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إلا مثل ما كانوا يعملون، وهذا من فضله العظيم، وكرمه العميم أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها، ويجزي الحسنة بعشر أمثالها، وبسبعمائة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم.\nووجه المناسبة بين هذه الآية، والتي قبلها: أن الله تعالى لما حكم بأن العاقبة للمتقين؛ أكد ذلك بوعد المحسنين، ووعيد المسيئين، ثم وعده بالعاقبة الحسنى في الدارين. هذا؛ والحسنة:\nما يحمد فاعله شرعا، وسميت حسنة؛ لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها يوم القيامة، والمراد بالحسنة: المقبولة الأصلية المعمولة للعبد، أو ما في حكمها، كما لو تصدق عنه غيره.\nوأما السيئة، فهي: ما يذم فاعلها شرعا، صغيرة كانت، أو كبيرة، وسميت سيئة؛ لأن فاعلها يساء بها عند المجازاة عليها في الدنيا، أو في الآخرة، وأصلها: سيوئة، فقل في إعلالها:\nاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.\nالإعراب: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها:﴾ انظر الآية رقم [٨٩] من سورة (النمل)، والجملة التالية فإنها مثلها بلا فارق، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالسَّيِّئَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية، ﴿يُجْزَى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول، ﴿عَمِلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة","vol":"7","page":124},{"text":"نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، وهي في الأصل مضاف إليه، والمضاف محذوف.\nالتقدير: إلا مثل الذي، أو: مثل شيء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر (كان).\nهذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان.\nوهو في الأصل مضاف إليه. والمضاف محذوف، التقدير: إلا مثل عملهم، والجملة الفعلية:\n ﴿فَلا يُجْزَى..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.\nهذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا فتكون جملة: ﴿جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ صلتها، وجملة:\n (لا يجزى...) إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء على خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3337\"></span>﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ:﴾ أوجب عليك تلاوته، وتبليغه والعمل به، والمعنى: إن الذي حملك صعوبة هذا التكليف لمثيبك عليها ثوابا، لا يحيط به الوصف. ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ:﴾ أيّ معاد! وهو المقام المحمود الذي وعدك أن يبعثك فيه. وعن أبي سعيد الخدري، وابن عباس﵄-: لرادك إلى الجنة؛ لأنه دخلها ليلة الإسراء، والمعراج. وقيل:\nلأن أباه آدم خرج منها.\nهذا؛ وقول آخر: ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ إلى مكة، وهو قول جابر بن عبد الله، وابن عباس، ومجاهد، وغيرهم. قال مقاتل: خرج النبي ﷺ من الغار ليلا مهاجرا إلى المدينة في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق، ونزل بالجحفة، عرف الطريق إلى مكة، فاشتاق إليها، فنزل جبريل الأمين﵇فقال له: أتشتاق إلى مكة؟ قال: نعم، فأوحاها إليه. قال القتبي: معاد الرجل بلده؛ لأنه ينصرف منه، ثم يعود، وعليه فالآية الكريمة ليست مكية، ولا مدنية؛ لأنها نزلت بالجحفة. وفيها يتجلى مقدار الحب، والحنين للأوطان، ومما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٦٦]، ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ حيث سوى الله بين قتل أنفسهم، وبين الخروج من ديارهم. وقال","vol":"7","page":125},{"text":"تعالى حكاية عن قول قوم طالوت: ﴿وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾. الآية رقم [٢٤٦]، من سورة (البقرة)، وقال بعضهم: من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه. والشعر العربي طافح بالحنين إلى الأوطان، أكتفي بقول أبي تمام: [الكامل] نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى... ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل\nكم منزل في الأرض يألفه الفتى... وحنينه أبدا لأوّل منزل\n ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، والمعنى: قل يا محمد للمشركين: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ..﴾. إلخ: فإن الله لما وعد النبي ﷺ الردّ إلى معاد، قال له: قل للمشركين: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى:﴾ وما يستحقه من الثواب، والتأييد، والنصر على الأعداء، ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ وما يستحقه من الإذلال والإهانة في الدنيا، والعذاب الشديد في العقبى. هذا؛ وفي ختم السورة بهذه الآية بشارة للنبي ﷺ، برده إلى مكة فاتحا منتصرا مظفرا في وقت كان فيه خائفا من لحاق قريش؛ وهو في طريق هجرته إلى المدينة المنورة.\nتنبيه: هذه الآية اتخذها عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث ذريعة في تفرقة المسلمين وجعلهم شيعا، فإنه انتحل الإسلام، وجعل يطوف في البلاد الإسلامية في عهد عثمان بن عفان﵁ويقول: إن محمدا يعود إلى الدنيا قبل يوم القيامة كما يرجع عيسى إلى الدنيا، ومحمد أحق بالرجعة منه، شأنه في ذلك شأن بولص اليهودي الذي انتحل النصرانية، وجعلهم شيعا، وقد سار أبناء الخبيث سيرته بعد موته حتى ألّهوا علي بن أبي طالب﵁ وكرم الله وجهه-وتم لهم ما أرادوا من جعل المسلمين شيعا، وفرقا، وهناك من يقدّسه ويعظمه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿فَرَضَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد.\n ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَرادُّكَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (رادك): خبر ﴿إِنَّ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿إِلى مَعادٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (رادك)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِي..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون","vol":"7","page":126},{"text":"في محل نصب مفعول به ل ﴿أَعْلَمُ﴾ على تأويله ب: «عالم»، أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: يعلم، وإنما احتيج إلى ذلك؛ لأن ﴿أَعْلَمُ﴾ لا ينصب المفعول به. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد أو الرابط. ﴿بِالْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿رَبِّي..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3338\"></span>﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا:﴾ تأمل، وتتوقع. وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الفرقان) ﴿أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ﴾ أي: ما كنت قبل النبوة، ونزول الوحي تؤمّل أن ينزل عليك القرآن من السماء. ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ولكن أنزله الله عليك رحمة، وفضلا، وكرما، ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ أي: معاونا، ومساعدا للكافرين على ظلمهم، وفسوقهم، وفسادهم. وانظر الآية رقم [١٧] تجد ما يسرك. هذا؛ وقيل: نزلت الآية الكريمة حين دعا كفار قريش النبيّ ﷺ إلى دين آبائه، فذكره نعمه عليه، ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه. قال ابن عباس﵄-: الخطاب في الظاهر للنبي ﷺ، والمراد أهل دينه. انتهى. وهذا المعنى يتكرر في آيات الله، كما في الآية التالية.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُلْقى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكِتابُ:﴾ نائب فاعل، و﴿أَنْ﴾ المصدرية والفعل ﴿يُلْقى﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿تَرْجُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتَ تَرْجُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. وإن اعتبرتها في محلّ نصب حال من ضمير المخاطب في الآية السابقة؛ فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر بمعنى: «لكن».\n ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول لأجله، والعامل محذوف، والتقدير: لكن ألقاه رحمة منه. ويجوز أن يكون الاستثناء محمولا على المعنى، كأنه قال: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة، أي: لأجل الترحم.","vol":"7","page":127},{"text":"﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، وانظر الآية رقم [١٦].\n (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ فعل مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم ب:\n (لا) الناهية، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والنون للتوكيد حرف لا محل له.\n ﴿ظَهِيرًا:﴾ خبر ﴿تَكُونَنَّ،﴾ ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ظَهِيرًا،﴾ وجملة: ﴿فَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ، لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا أنعمنا عليك بما أنعمنا فلا تكونن... إلخ، وهذا الكلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3339\"></span>﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ﴾ أي: ولا يصرفنك عن قراءة آيات الله، والعمل بها كفار قريش، ومن على شاكلتهم من المجرمين. هذا؛ وانظر صدّ يصدّ في الآية رقم [٢٤] من سورة (النمل)، وقد قرئ «(يصدّنّك)» من: أصده، يصده، وهي لغة في بني كلب، قال ذو الرمة: [الطويل] أناس أصدّوا النّاس بالسّيف عنهم... صدود السّواقي عن أنوف الحوائم\n ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: ادع الناس إلى دين الله وتوحيده. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ انظر ما ذكرته في الآية السابقة عن عبد الله بن عباس﵄-.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (لا): ناهية جازمة. ﴿يَصُدُّنَّكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب «لا» الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين، والمدلول عليها بالضمة فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿عَنْ آياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿آياتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿إِذْ﴾ ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أُنْزِلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿آياتِ اللهِ،﴾ والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها، وهي جملة: ﴿فَلا تَكُونَنَّ..﴾. إلخ. ﴿وَادْعُ:﴾\nالواو: حرف عطف. (ادع): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله","vol":"7","page":128},{"text":"مستتر فيه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَكُونَنَّ:﴾ فعل مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون حرف لا محل له، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونَنَّ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3340\"></span>﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ:﴾ هذا الخطاب للنبي ﷺ، والمراد غيره، كقوله تعالى له: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ،﴾ وحاشاه ﷺ أن يشرك باتخاذ إله مع الله تعالى، وانظر الآية رقم [٢١٣] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ لا إله موجود في هذا الكون إلا الله تعالى. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ذاته، فإن كل ما عداه ممكن هالك في حد ذاته معدوم، والتعبير بالوجه عن الكل مستعمل في العربية، وقال أبو العالية، وسفيان: معناه: إلا ما أريد به وجهه؛ أي: ما يقصد إليه بالقربة، قال الشاعر: [البسيط] أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل\n ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٧٠] ففيها الكفاية، وفي الآية التفات من خطاب الواحد إلى الجمع.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَدْعُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف مفعول به ثان تقدم على الأول على اعتبار الفعل متعديا إلى مفعولين. و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به، ﴿آخَرَ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَدْعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ انظر إعرابها في الآية رقم [٧٠]، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف، ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿هالِكٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، ﴿وَجْهَهُ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿الْحُكْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف","vol":"7","page":129},{"text":"عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\nانتهت سورة (القصص)، شرحا وإعرابا.\nوالله الموفق والمعين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"7","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3117>سورة العنكبوت</span>\nسورة العنكبوت، وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية كلها في أحد قولي ابن عباس وقتادة﵄وفي القول الآخر لهما، وهو قول يحيى بن سلاّم أنها مكية إلا عشر آيات من أولها، فإنها نزلت بالمدينة في شأن من كان من المسلمين في مكة. وقال علي بن أبي طالب﵁-: نزلت بين مكة والمدينة. انتهى. قرطبي.\nوآياتها تسع وستون، وكلماتها تسعمائة وثمانون، وحروفها أربعة آلاف، ومائة وخمسة وستون حرفا. انتهى. خازن.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3341\"></span><span id=\"aya-3342\"></span>﴿الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿الم:﴾ انظر شرح هذا اللفظ، وإعرابه في أول سورة (الروم). ﴿أَحَسِبَ النّاسُ﴾ أي: أظنّ الناس. والحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن، بخلاف الشك، فهو الوقوف بينهما، أما العلم؛ فهو القطع على أحدهما. والحسبان، والظن يتعلقان بمضامين الجمل، للدلالة على جهة ثبوتها، ولذلك اقتضى كل واحد منهما مفعولين متلازمين، أصلهما مبتدأ وخبر، أو ما يسد مسدهما.\n ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أي: بغير اختبار، وابتلاء، ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ أي: يقولوا بألسنتهم: آمنا بالله، ورسوله. ﴿وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ أي: لا يبتلون في أنفسهم، وأموالهم. كلا لنختبرنهم بأنواع البلاء لنمحص المؤمن من المنافق، ونميز الصادق من الكاذب. هذا؛ والفتنة:\nالامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات والملاذ، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس، والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم، وكيدهم، وضرارهم، وكذلك الصبر على أذى الفساق من الذين يدّعون الإسلام؛ والإسلام منهم براء.\nقال ابن عباس﵄وغيره: المراد ب: ﴿النّاسُ﴾ قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر، وياسر أبوه، وسمية أمه، وعدة من بني مخزوم، وغيرهم،","vol":"7","page":131},{"text":"فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين. قال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية مسلّية، ومعلمة: أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا للمؤمنين، وفتنة.\nقال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب، أو ما في معناه من الأقوال؛ فهي باقية في أمة محمد ﷺ، موجود حكمها بقية الدهر. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ما أحسن ما قاله! ولقد صدق فيما قال﵁-. انتهى.\nوقيل: نزلت هذه الآية في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتاب إليهم أصحاب النبي ﷺ: أنه لا يقبل منكم الإقرار بالإسلام؛ حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فتبعهم المشركون، وقاتلوهم فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله هاتين الآيتين.\nالإعراب: ﴿أَحَسِبَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير، وتوبيخ. (حسب): فعل ماض.\n ﴿النّاسُ:﴾ فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُتْرَكُوا:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي:\n (حسب)، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن يقولوا. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، كما تقول: خرج زيد بثيابه، وقيل: هو على تقدير لام التعليل؛ أي: لأن يقولوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: المصدر المؤول من ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ بدل مما قبله، وقيل: هو على التكرير؛ أي: تقدير:\nأحسبوا أن يقولوا... إلخ. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفْتَنُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿(هُمْ لا يُفْتَنُونَ)﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3343\"></span>﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ابتلينا الماضين بأنواع البلاء، كالخليل﵇ألقي في النار، ومنهم من يوضع المنشار على رأسه، فيشقه نصفين، فما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من يمشط بأمشاط الحديد ما يصرفه ذلك أيضا عن دينه، ومنهم من أحرق بالنار كأصحاب الأخدود، والأمثلة على هذا كثيرة.\nروى البخاري عن خبّاب بن الأرتّ﵁قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ؛ وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فقال: «قد كان من","vol":"7","page":132},{"text":"قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض حفرة، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه، وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».\nوعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص يروي عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا؛ اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتّى يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة». رواه ابن ماجة، والترمذي.\nوعن أبي سعيد الخدري﵁-: أنه دخل على رسول الله ﷺ، وهو موعوك، عليه قطيفة، فوضع يده فوق القطيفة، فقال: ما أشدّ حمّاك يا رسول الله! قال: «إنا كذلك يشدّد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر». ثمّ قال: يا رسول الله! من أشدّ النّاس بلاء؟ قال: «الأنبياء»، قال: ثمّ من؟ قال: «العلماء»، قال: ثم من؟ قال: «الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر حتّى ما يجد إلاّ العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشدّ فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء». رواه ابن ماجة، والحاكم.\n ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا:﴾ في إيمانهم. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ:﴾ في دعواهم الإيمان، و(ليعلمن) هنا ليس على ظاهره؛ لأن الله قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٦ و١٦٧] وهو يحتمل ثلاثة معان: الأول: أن (يعلمن) بمعنى: يظهرن. الثاني: أنه بمعنى يميزن بين الصادق، والكاذب.\nالثالث: أنه بمعنى يجازين الصادق بما يستحق من الثواب، والأجر، ويجازين الكاذب بما يستحق من الخزي، والنكال. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وقرأ الإمام علي﵁الفعلين (ليعلمنّ) بضم الياء وكسر اللام، وهذه القراءة تحتمل ثلاثة معان: الأول: أن يعلم الله في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه، وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى: يوقفهم ويظهرهم على ما كان منهم. الثاني أن يكون المفعول الأول محذوفا، تقديره: فليعلمنّ الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين؛ أي:\nيشهرهم، هؤلاء في الخير، وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا، والآخرة. والثالث: أن يكون ذلك من العلامة، أي يضع الله لكل واحد من الصادقين في إيمانهم، والكاذبين علامة يشتهر بها، فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي ﷺ: «من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها». انتهى. قرطبي بتصرف.\nهذا؛ وفي التعبير عن الصادقين بقوله: ﴿صَدَقُوا﴾ وفي التعبير عن الكاذبين باسم الفاعل:\n ﴿الْكاذِبِينَ﴾ نكتة، وهي أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه،","vol":"7","page":133},{"text":"والفعل الماضي لا يدل عليه؛ لأن وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام، وعن قوم مستمرين على الكفر، فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل، وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات. انتهى. جمل نقلا من زاده.\nتنبيه: فحوى الآيتين قريب من فحوى قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٤]: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب من الحال. ﴿فَتَنَّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿(لَقَدْ فَتَنَّا...)﴾ إلخ. جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف، اللام: واقعة في جواب القسم بسبب العطف، (يعلمن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿صَدَقُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3344\"></span>﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ:﴾ الشرك، والمعاصي، فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح. ﴿أَنْ يَسْبِقُونا:﴾ أن يفوتونا، ويعجزونا قبل أن نعاقبهم ونؤاخذهم بما يفعلون، قال ابن عباس﵄-: يريد الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، وأمثالهما من كفرة قريش. وما أحراك أن تجعل حكم الآية عاما لكل من يعمل السيئات. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه مسبوق، والله القادر على كل شيء. هذا؛ وفحوى الآية قريب من فحوى قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٩]: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾.\nهذا؛ و﴿حَسِبَ﴾ من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون سين المضارع مع كسر سين الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء. وحسبت المال حسبا من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا.","vol":"7","page":134},{"text":"الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي منقطعة بمعنى: «بل» لأنها لا معادل لها. ﴿حَسِبَ:﴾\nفعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَسْبِقُونا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و(نا): مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿حَسِبَ﴾. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَحْكُمُونَ:﴾ في محل نصب صفة:\n ﴿ما،﴾ والتقدير: ساء الشيء شيئا محكوما به، ورابط الصفة محذوف، التقدير: يحكمونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا، التقدير: هو حكمهم. هذا؛ وأجيز اعتبار الفعل: ﴿ساءَ﴾ متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجيز اعتبار: ﴿ما﴾ موصولة، وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: ساءهم الذي، أو: شيء يحكمونه. وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم حكمهم، والجملة الفعلية: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3345\"></span>﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ أي: يخاف لقاء الله للبعث، والجزاء، والحساب؛ فليعمل عملا صالحا، فإنه لا بد أن يأتيه. أو المعنى: من كان يطمع في ثواب الله، وجنته؛ فليعمل عملا صالحا... إلخ، وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الفرقان). ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ أي: فإن الأجل المضروب للقائه تعالى لا بد آت، وإذا كان وقت اللقاء آتيا؛ كان اللقاء كائنا لا محالة، فليبادر الإنسان ما يحقق أمله، ويصدق رجاءه، أو ما يستوجب به القربة والرضا، وهو العمل الصالح الذي يرضى به ربه. وهذا ما صرحت به آية (الكهف) الأخيرة: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.\n ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوال عباده. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بأفعالهم، وعقائدهم من إيمان، ونفاق، وإخلاص، ورياء... إلخ. هذا؛ وإعلال (آت) مثل إعلال ﴿زانٍ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (النور).\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى","vol":"7","page":135},{"text":"﴿مَنْ﴾. ﴿يَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿يَرْجُوا..﴾. إلخ خبر: ﴿كانَ﴾. وجواب الشرط محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، وخبر المبتدأ الذي هو: ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا مبتدأ، فجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلته، وخبره ما رأيت تقديره في الشرح، وقد اقترن خبره بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنَّ:﴾\nالفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَجَلَ:﴾ اسم (إن)، و﴿أَجَلَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَآتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (آت): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية:\n ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ تعليل للأمر الذي رأيت تقديره، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿الْعَلِيمُ:﴾\nخبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3346\"></span>﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ جاهَدَ:﴾ حارب أعداء الله، وأعداء الدين، وحارب شيطانه العدو المبين، وحارب هو نفسه الأمارة بالسوء، بالصبر على الطاعات، والكف عن المعاصي، وهجر اللذات والشهوات المحرمة. ﴿فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: له ثواب جهاده، وهذا بحكم الوعد، لا بحكم الوجوب على الله، والكريم إذا وعد؛ وفى، ومن أوفى بوعده من الله؟! ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي: عن أعمالهم، وعبادتهم. وفيه بشارة، وتخويف، أما البشارة؛ فلأنه إذا كان غنيا عن الأشياء، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عبيده؛ لا شيء عليه، لاستغنائه عنه، وهو يوجب الرجاء التام، وأما التخويف؛ فلأن الله إذا كان غنيا عن العالمين، فلو أهلكهم بعذابه؛ فلا شيء عليه، لاستغنائه عنهم، وإنما كلف عباده بتكاليف رحمة بهم، ومراعاة لمصالحهم، ومنافعهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. ﴿جاهَدَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط، (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿يُجاهِدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ","vol":"7","page":136},{"text":"الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية السابقة، كما يجوز اعتبار (من) موصولة أيضا.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لَغَنِيٌّ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة.\n (غني): خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَنِ الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (غني)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للكلام السابق لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3347\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ عطف العمل الصالح على الإيمان دليل واضح على أن الإيمان وحده قد لا يكفي، بل لا بد وأن يقرن بالعمل الصالح. وهذا يسمى في اللغة العربية احتراسا. ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ:﴾ السيئات: جمع سيئة، وهي تعم الكفر والمعصية، فالكفر يكفّر بالإيمان، والمعصية تكفّر بالطاعة، والعمل الصالح. والتكفير: المحو، والإزالة، وهو أيضا: التغطية، فالإيمان يمحو، ويزيل، ويغطي الكفر، والعمل الصالح يمحو، ويزيل، ويغطي المعصية، ولا سيما إذا قرن بالتوبة النصوح.\n ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ والجزاء الحسن: أن يجازى بحسنة حسنة، وأحسن الجزاء هو أن يجازى الحسنة الواحدة بالعشر، وزيادة، قال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها،﴾ وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ رقم [٣٦] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا..﴾.\nإلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير:\nالأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَنُكَفِّرَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، (نكفرن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿لَنُكَفِّرَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف، وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار (الذين) منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال؛ أي: ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم. ولا أراه قويا. هذا؛ ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ. قاله ابن مالك،","vol":"7","page":137},{"text":"ومنعه ثعلب، ومثله قوله تعالى في سورة (النساء): ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٧٥٦] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين... وإذا أتاك فلات حين مناص\nقال ابن هشام في المغني: وعندي لما استدل به ابن مالك تأويل لطيف يخرجه عن الاستدلال، وهو أن المبتدأ في ذلك كله، -أي: البيت المذكور، والآيات التي ألحقها، ومنها الآية التي نحن بصدد شرحها-ضمن معنى الشرط؛ إذ التقدير: إن آمنوا وعملوا الصالحات؛ لنكفرن... إلخ، فإذا قدر قسم قبل الشرط؛ كان المعنى: والله إن آمنوا وعملوا الصالحات؛ لنكفرن، ف: (لنكفرنّ) جواب القسم المقدر، والمبتدأ مضمن معنى الشرط، خبره محذوف، وهذا على القاعدة المشهورة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». ويحذف جواب المتأخر، فكذا يقال في المبتدأ المنزل منزلة الشرط مع القسم، وحينئذ فلا تقع الجملة القسمية خبر المبتدأ، ونظيره في الاستغناء بجواب القسم المقدر قبل الشرط المجرد من لام التوطئة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ التقدير: والله ليمسن إن لم ينتهوا. انتهى. وهذا من ابن هشام-رحمه الله تعالى-تخريج على البعيد.\nوالجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، (لنجزينهم): إعرابه مثل إعراب:\n ﴿لَنُكَفِّرَنَّ﴾ وهو معطوف عليه، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿أَحْسَنَ:﴾\nمفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة:\n ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يعملونه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3348\"></span>﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ..﴾. إلخ: أي: وصيناه بوالديه برا بهما، وعطفا عليهما. أو المعنى: وصينا الإنسان بوالديه أن يفعل معهما ما يحسن. نزلت هذه الآية والتي في سورة (لقمان) رقم [١٤]، والتي في سورة (الأحقاف) رقم [١٥] في سعد بن أبي وقاص مالك الزهري، أحد العشرة المبشرين بالجنة﵃ أجمعين-وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس لما أسلم﵁-، وكان من السابقين إلى الإسلام، وكان بارا بأمه، فلما","vol":"7","page":138},{"text":"أسلم؛ قالت له أمه: ما هذا الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب، ولا يظلني سقف بيت من الحر، والريح؛ حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت، فتعيّر بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب، ولم تستظل، فأصبحت وقد جهدت، ثم مكثت كذلك يوما آخر، وليلة، فجاءها، وقال: يا أماه! والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا؛ نفسا ما تركت ديني، فكلي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي! فلما أيست منه؛ أكلت، وشربت، واستظلت. وروي عن ابن عباس﵄أنه قال: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه حين هاجر. والصحيح الأول. ومع ذلك فالآية حكمها عام إلى يوم القيامة.\nهذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي..﴾. إلخ، وفي سورة (لقمان) قال: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي..﴾. إلخ؛ لأن ما في هذه السورة وافق ما قبله لفظا، وهو قوله تعالى:\n ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ،﴾ وفي لقمان محمول على المعنى؛ لأن التقدير: وإن حملاك على أن تشرك بي. انتهى. جمل نقلا عن غيره.\n ﴿فَلا تُطِعْهُما:﴾ في الشرك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي:\nمرجع من آمن منكم، ومرجع من أشرك، ومن أطاع، ومن عصى، ومن بر بوالديه، ومن عق... إلخ، وفي كثير من الآيات يذكر بعده: ﴿جَمِيعًا﴾. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي:\nفأخبركم بالذي كنتم تعملونه من إيمان، أو كفر، صلاح، أو فساد، طاعة، أو معصية... إلخ.\nهذا؛ والفعل «وصى» حكمه حكم: «أمر» في معناه، وتصريفه. يقال: وصيت زيدا بأن يفعل كذا، كما تقول: أمرته بأن يفعل كذا، ومنه قول الشاعر: [الوافر] وذبيانيّة وصّت بنيها... بأن كذب القراطف والقروف\nيصف امرأة ذبيانية وصت بنيها بحفظ القراطف، جمع القرطفة، وهي القطيفة المخملة، والقروف: أوعية من أدم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي: وصاهم بكلمة التوحيد، وأمرهم بها.\nأما ﴿الْإِنْسانَ،﴾ فإنه يطلق على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة: «شخص» قال تعالى في سورة (العصر): ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أن الله لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في الإنسان إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من الإنسان في سورة (العصر). هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء، التي تبدو لامعة وسط السواد، قال ذو الرمة، وهو الشاهد رقم (٨٨٩) من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] وإنسان عيني يحسر الماء تارة... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق","vol":"7","page":139},{"text":"وانظر جمع ﴿الْإِنْسانَ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (الشعراء). هذا؛ والإنس: البشر، الواحد: إنسي، بكسر الهمزة فيهما، وجمع الإنسي أناس، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ ويجمع أيضا على: أناسيّ، كما في الآية رقم [٤٩] من سورة (الفرقان).\nهذا؛ وفي قوله (والديه) تغليب الوالد على الوالدة، وفي: «أبويه» تغليب الأب على الأم.\nالإعراب: ﴿وَوَصَّيْنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (وصينا): فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿بِوالِدَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى تغليبا، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿حُسْنًا:﴾\nصفة مصدر محذوف مع حذف مضاف؛ إذ التقدير: وصينا الإنسان بوالديه إيصاء ذا حسن.\nوقيل: هو منتصب بفعل مضمر على تقدير قول مفسر للتوصية؛ أي: قل لهما، أو افعل بهما حسنا، وهو أوفق لما بعده، وعليه يحسن الوقف على: ﴿بِوالِدَيْهِ،﴾ وقرئ «(حسنا)» و«(إحسانا)». انتهى. بيضاوي. وقال مكي: التقدير: وصينا الإنسان بوالديه أمرا ذا حسن، ثم أقام الصفة مقام الموصوف، وهو الأمر، ثم حذف المضاف، وهو «ذا» وأقام المضاف إليه مقامه، وهو حسن. انتهى. وهذا يعني: أن الفعل قد نصب مفعولين، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: وصينا الإنسان بوالديه بحسن، وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) رقم [١٥]، وجملة: ﴿وَوَصَّيْنَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاهَداكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لِتُشْرِكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم: ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور بالباء.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (لا): ناهية. ﴿تُطِعْهُما:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والهاء ضمير متصل في محل نصب","vol":"7","page":140},{"text":"مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (أنبئكم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فأنبئكم بالذي، أو: بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فأنبئكم بعملكم، وهو أضعف من الاعتبارين السابقين، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3349\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ هو مثل الآية رقم [٧]. ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ أي: مع الصالحين؛ أي: نحشرهم معهم يوم القيامة، وندخلهم معهم الجنة. والاتصاف بالكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين، ومتمنى أنبياء الله المرسلين، وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم؛ تحصل ثمرته، وجزاؤه وهو الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، والخير العميم، كيف لا؛ وقد تمنى يوسف، وسليمان-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-ذلك فقال يوسف:\n ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ،﴾ وقال سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وقيل: هو منصوب على الاشتغال بفعل محذوف. ولا أراه قويا. وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.\n (ندخلنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ﴿فِي الصّالِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر الآية رقم [٧]؛ ففيها الكفاية.","vol":"7","page":141},{"text":"<span id=\"aya-3350\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠)﴾\nالشرح: لما بين الله المؤمنين، والكافرين فيما تقدم في قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ،﴾ وبين حال الكفار بقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ..﴾. إلخ، وبين حال المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ؛ بين حال المنافقين في هذه الآية حيث جعلوا إيذاء الكفار لهم صارفا لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر.\n ﴿فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ أي: عذبوا تعذيبا لم يصبروا عليه، وتركوا الدين الحق، وكان يمكنهم أن يصبروا على الأذى إلى حد الإكراه، وتكون قلوبهم مطمئنة بالإيمان. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ أي: تعذيب الكافرين لهم صارفا عن الإيمان. ﴿كَعَذابِ اللهِ﴾ أي: في النار فإنه يصرف المؤمنين عن الكفر، وشتان ما بينهما، فتعذيب الكافرين للمؤمنين يترتب عليه ثواب عظيم، وعذاب الله للكافرين بعده عذاب أليم، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة؛ تطيب لها النفس، ولا تعد عذابا، كما تجرى عملية جراحية في الجسم لقطع ما يؤذيه، ولا تعد عذابا له.\n ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: نصر على الكفار، وفيه كسب، وغنيمة، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أي:\nالمنافقون. وهذا على ضم اللام مراعاة لمعنى (من)، وقرئ بفتح اللام، مراعاة للفظ (من).\n ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أي: على عدوكم، وكنا مسلمين، وإنما أكرهنا بالتعذيب حتى قلنا ما قلنا فأشركونا معكم بالكسب، والغنيمة. ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ أي: الله أعلم بما في صدور العالمين من العالمين أنفسهم بما في صدورهم، ومن ذلك ما في صدور المؤمنين من الإخلاص، وما في صدور المنافقين من النفاق.\nتنبيه: قال الضحاك: نزلت الآية في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا؛ رجعوا إلى الشرك. وقال عكرمة: كان قوم قد أسلموا، فأكرههم المشركون على الخروج معهم إلى بدر، فقتل بعضهم، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فكتاب بها المسلمون من المدينة إلى المسلمين بمكة، فخرجوا، فلحقهم المشركون، فافتتن بعضهم، فنزلت هذه الآية فيهم. وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أسلم، وهاجر، ثم أوذي، وضرب، فارتد، وإنما عذبه أبو جهل والحارث وكانا أخويه لأمه. قال ابن عباس﵄-: ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه. انتهى. قرطبي.","vol":"7","page":142},{"text":"الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنَ النّاسِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾. والأصح: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و: ﴿مِنَ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: وبعض الناس، وجمع الضمير في قوله ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف (أكثرهم) على ﴿مِنْهُمُ﴾ يؤيد: أن معناه: بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة: «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون: «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث: جمع ليث، وهو الأسد. لا ترام: لا تقصد. قمشت:\nجمعت من هنا وهناك، والمراد رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء.\n ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ،﴾ تقديره: «هو». ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾.\nإلخ صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أُوذِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مِنَ،﴾ ﴿فِي اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مِنَ﴾ أيضا، ﴿فِتْنَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. ﴿كَعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ،﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل، فهي المفعول الثاني، وهي مضاف، و(عذاب) مضاف إليه، و(عذاب) مضاف، و﴿بِاللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، وجملة: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.\n ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، ﴿نَصْرٌ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَصْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف ضمير متصل في","vol":"7","page":143},{"text":"محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له. هذا؛ وعلى قراءته بفتح اللام، فهو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون، و(نا): ضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كان)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنّا مَعَكُمْ:﴾ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُمْ:﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ إِنّا..﴾. إلخ جواب القسم المقدر المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم؛ فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\n ﴿أَوَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي، الواو: حرف استئناف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿بِاللهِ:﴾ اسم (ليس). ﴿بِأَعْلَمَ:﴾ الباء: حرف جر صلة، (أعلم): خبر (ليس) مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (أعلم). ﴿فِي صُدُورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و﴿صُدُورِ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3351\"></span>﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٣] ففيها الكفاية. هذا؛ و﴿اللهُ﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي:\nهل تعلم أحدا تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين، وثلاثمائة وستين موضعا.\nبعد هذا: فالمنافقون: جمع: منافق، وقد سمي المنافق: منافقا أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر. هذا؛ وقد يتصف","vol":"7","page":144},{"text":"مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب، ويخلف الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة. وما أكثرهم في هذا الزمن! فهذا يقال له: نفاق العمل، وأما الأول فيقال له: نفاق العقيدة؛ لأنه يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشد منه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وقد حذر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به؛ لأنه قد يجر إلى نفاق العقيدة، فعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان؛ وإن صلّى، وصام، وحجّ، واعتمر، وقال إنّي مسلم».\nأخرج بعضه البخاري، وبعضه مسلم، وآخره أبو يعلى من حديث أنس﵁-.\nالإعراب: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (يعلمن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وجملة ﴿(وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ)﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-3352\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ أي: ديننا الذي ندين به، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ:﴾ هذا أمر، وهو في تأويل الشرط، والجزاء؛ إذ المعنى: إن تتبعوا ديننا نحمل خطاياكم. وقيل: هو خبر عبر عنه بصيغة الطلب، مثل قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٥]: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾. والحمل هنا بمعنى: الحمالة، لا الحمل على الظهر. وهذا قول صناديد قريش، كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن، ولا أنتم، فإن كان ذلك؛ فإنا نتحمل عنكم الإثم الذي تخافون سوء عاقبته. وقيل: القائل الوليد بن المغيرة. وقيل: أبو سفيان.\nهذا؛ وإنك لترى في هذه الأيام بعض من يتسمون بالإسلام، وبأسماء المسلمين يستنون بأولئك الكفرة الفجرة، فيقول أحدهم لصاحبه إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض الجرائم: افعل هذا؛ وإثمه في عنقي. وكم من مغرور بمثل هذا الضمان من ضعفة العامة وجهلتهم!.\n ﴿وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لا يحملون شيئا من أوزارهم. قال تعالى:\n ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وانظر الآية التالية. ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي: في قولهم؛ لأنهم قالوا ذلك؛ وقلوبهم على خلافه كالمرائين الذين يعدون؛ وفي قلوبهم نية الخلف. وأيضا فإنهم لا يستطيعون ذلك، بل، ولا أقل منه.","vol":"7","page":145},{"text":"هذا؛ و﴿خَطاياكُمْ:﴾ جمع: خطيئة. وأصله: خطايئ، بياء قبل الهمزة، فقلبت تلك الياء همزة مكسورة، فاجتمع همزتان، فقلبت الثانية ياء، فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل من نفسه، وهو الهمزة الأولى، فقلبت فتحة. ثم يقال: تحركت الياء التي بعد الهمزة، وانفتح ما قبلها، وهو الهمزة، فقلبت ألفا على القاعدة، فصار خطاءا بألفين، بينهما همزة، فاستثقل ذلك؛ لأن الهمزة شبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات متواليات، فقلبت الهمزة ياء للخفة، فصار خطايا بوزن فعالى، ففيه خمسة أعمال: قلب الياء التي قبل الهمزة همزة، ثم قلب الثانية ياء، ثم قلبت كسرة الأولى فتحة، ثم قلبت الثانية ألفا، ثم قلبت الأولى ياء. هذا؛ وتجمع: خطيئة جمع مؤنث سالما: خطيئات.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف، (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: كفروا بالله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (قال)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سَبِيلَنا:﴾ مفعول به، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اِتَّبِعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلْنَحْمِلْ:﴾ الواو: حرف عطف، (لنحمل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن».\n ﴿خَطاياكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما).\n ﴿بِحامِلِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة، (حاملين): خبر: (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ خَطاياهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به ل: (حاملين)، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:\n ﴿وَما هُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (كاذبون):\nخبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ:﴾ مؤكدة لمضمون الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"7","page":146},{"text":"<span id=\"aya-3353\"></span>﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ:﴾ الأثقال: الأوزار، جمع: ثقل، وهو استعارة أطلق عليها لفظ الأثقال، وهي الأحمال التي تثقل حاملها، وتتعبه؛ لأنها تسبب له النكد، والشقاء الطويل في جهنم يوم القيامة، وما بعده. وفيه تأويلان:\nأحدهما: أن المراد به ما يحمل على الظالمين من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم، قال أبو أمامة الباهلي﵁-: «يؤتى بالرجل يوم القيامة، وهو كثير الحسنات، فلا يزال يقتصّ منه حتى تفنى حسناته، ثم يطالب، فيقول الله ﷿: اقتصوا من عبدي، فتقول الملائكة:\nما بقيت له حسنات! فيقول: خذوا من سيئات المظلوم، فاجعلوا عليه». ثم تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾. أقول: وهذا في حق المسلم الموحد؛ لأن الكافر لا حسنة له، كما نوهت به آية (الفرقان) رقم [٢٣]: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ وآية (النور) رقم [٣٩] وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً..﴾. إلخ. والمسلم الذي تذهب حسناته، ويطرح عليه من سيئات المظلومين، هو من سماه الرسول ﷺ المفلس، فعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا، من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة؛ ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثمّ طرح في النّار». رواه مسلم والترمذي.\nوالتأويل الثاني: أن المراد به: رؤساء الكفر، ودعاة الشر، والرذيلة، الذين يصدون الناس عن الإيمان، أو عن الطاعة، أو عن عمل الخير... إلخ، فقد قال قتادة﵁-: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء، ونظيره قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٢٥]: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. وعن أنس بن مالك﵁عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «أيّما داع دعا إلى ضلالة فاتّبع، فإنّ له مثل أوزار من اتّبعه، ولا ينقص من أوزارهم شيئا، وأيّما داع دعا إلى هدى، فاتّبع فإنّ له مثل أجور من اتّبعه، ولا ينقص من أجورهم شيئا». أخرجه ابن ماجة.\nهذا؛ ومن الحديث الطويل الذي خرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجة، والترمذي عن جرير بن عبد الله البجلي﵁-: أن النبي ﷺ قال: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».","vol":"7","page":147},{"text":"وعن حذيفة﵁قال: سأل رجل على عهد رسول الله ﷺ، فأمسك القوم، ثم إن رجلا أعطاه، فأعطى القوم، فقال رسول الله ﷺ: «من سنّ خيرا فاستنّ به كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه أحمد، والحاكم.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنعام) الآية رقم [٣١]: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ﴾.\nوحمل الذنوب-بالمعنيين: الأوزار، والأثقال-قيل به: إن الكافر إذا خرج من قبره يوم القيامة يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحا، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك؛ حتى أخزيك على رءوس الخلائق! فيركبه، ويتخطّى به الناس، حتى يقف بين يدي الله تعالى. وأقول: إن الفاسق، والفاجر ليس من ذلك ببعيد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ:﴾ من الأباطيل التي أضلوا بها غيرهم، يسألون سؤال توبيخ، وتقريع؛ لأن الله تعالى عالم بأعمالهم، وأحوالهم، وافترائهم. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحجر): ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ،﴾ وهذه الآية تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم، كافرهم ومؤمنهم، وفي سؤاله الكافر، ومحاسبته خلاف بين العلماء، والذي يظهر سؤاله لهم، لقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ،﴾ وقوله ﷿: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ،﴾ فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ،﴾ وقال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فالجواب: أن ليوم القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال، وكلام، وموطن لا يكون فيه ذلك. وقال ابن عباس﵄-: لا يسألهم سؤال استخبار، واستعلام، ولكن يسألهم سؤال تقريع، وتوبيخ، فيقول لهم: لم عصيتم القرآن؟ وما حجتكم فيه؟ قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآيات الاستعتاب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.\nهذا؛ وأصل الفعل: (ليحملن) يحملون، فلما اتصلت به نون التوكيد الثقيلة صار: (ليحملوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار: (ليحملونّ) فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، فصار: (ليحملنّ) وبقيت الضمة على اللام لتدل على الواو المحذوفة، ومثله: (ليسألن) وشبهه.\nالإعراب: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف، اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (يحملن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له. ﴿أَثْقالَهُمْ:﴾\nمفعول به، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَأَثْقالًا:﴾ الواو: حرف عطف. (أثقالا):","vol":"7","page":148},{"text":"معطوف على ما قبله. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة (أثقالا). و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿أَثْقالَهُمْ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (ليسألن): معطوف على الفعل: (ليحملنّ)، فهو مثله، مع ملاحظة: أنه مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (ليسألن)، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن). ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ليسألن عن الذي، أو: عن شيء كانوا يفترونه. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: ليسألن يوم القيامة عن افترائهم.\n\n<span id=\"aya-3354\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤)﴾\nالشرح: لقد شرح الله لنا في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) قصة نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شرحا وافيا وكافيا، وذكرها في سورة (الشعراء) باختصار، ولم يخل الله سورة من سور القرآن من ذكره إلا القليل منها؛ وقد عد المرحوم عبد الوهاب النجار السور التي ورد فيها ذكر نوح ثلاثا وأربعين سورة، وعمل لها جدولا، مع عدد الآيات التي ذكر فيها بكل سورة جزاه الله خيرا! وقال: ذكرت قصة نوح مفصلة في سورة (الأعراف) وسورة (هود) وسورة (الشعراء) وسورة (القمر) وسورة (نوح) وهي مختلفة اللفظ بحسب ما تكون العناية موجهة نحوه من البيان. انتهى. بتصرف. وهذا؛ أنا ذا أذكر لك ما يتعلق بهاتين الآيتين، فأقول وبالله التوفيق:\nقيل: إن اسمه الأصلي: السكن، سمي بذلك؛ لأن الناس سكنوا إليه بعد آدم. فهو الأب الثاني لهم بعده، وقيل: إن اسمه: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلخ، وقال النجار (نوح بن لامك، بن متوشالح) بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، ابن يارد، بن مهلئيل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، بن آدم أبي البشر، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وذكر المرحوم النجار: أن آدم عاش في الأرض تسعمائة وثلاثين عاما، وأن المدة بين وفاة آدم وولادة نوح مائة وستة وعشرون عاما.\nواختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح! فأوحى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وهو أول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه","vol":"7","page":149},{"text":"عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الشرك بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة، وقال وهب: عمّر نوح ألفا وأربعمائة سنة، وقيل غير ذلك، ولم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين؛ بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الآخرة في سورة (نوح).\nوولد له أربعة أولاد: سام، وحام، ويافث، وكنعان، فالثلاثة الأول اتبعوه في دينه، وأما الرابع وهو كنعان، فقد انشق عنه وخالفه، كما رأيت تفصيله في سورة (هود). وروي: أنه ﵊ عاش عمره الطويل في بيت من شعر، فقيل له: يا نبي الله ابن بيتا، فقال: أموت اليوم، أو غدا. وقال وهب بن منبه: مرت بنوح خمسمائة سنة لم يقرب النساء وجلا من الموت.\n ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ:﴾ أقام في قومه، ألف سنة إلا خمسين عاما: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: هلاّ قيل: تسعمائة وخمسين سنة؟ قلت: ما أورده الله أحكم؛ لأنه لو قيل كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل: تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد، إلا أن ذلك أخصر، وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى، وهي: أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح ﵇ من أمته، وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله ﷺ، وتثبيتا له، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطاعة السامع مدة صبره.\nفإن قلت: فلم جاء المميز أولا بالسّنة، وثانيا بالعام؟ قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم، أو تهويل، أو تنويه، أو نحو ذلك. انتهى. كشاف. أما ذكر مدة لبثه في قومه ﵊ ففائدته تسلية النبي ﷺ؛ لأنه ﵊ كان يضيق صدره بسبب عدم إسلام قومه، وقد ذكر ذلك في آياته حيث قال له: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فقال الله له: إن نوحا لبث هذا العدد الكثير من السنين، ولم يؤمن من قومه إلا القليل، فصبر، وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك. انتهى. نقلا عن الرازي بتصرف.\nهذا؛ ونوح أحد الرسل أولي العزم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.\nهذا؛ وروي: أنه لما أتاه ملك الموت، قال: يا نوح، يا أكبر الأنبياء، ويا طويل العمر، ويا مجاب الدعوة، كيف وجدت الدنيا؟ قال: مثل رجل بني له بيت، له بابان، فدخل من أحدهما، وخرج من الآخر. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ أي: الماء الكثير الذي نبع من الأرض، ونزل من السماء. ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ:﴾ أنفسهم بالكفر، ومخالفة الواحد القهار.","vol":"7","page":150},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نُوحًا:﴾ مفعول به.\n ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿نُوحًا،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ:\nجواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر أن الجملة الآتية جواب لقسم محذوف.\nولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو: وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة. وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية؛ لتدل على القسم المقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد بعون الله تعالى. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به وبقاء حرف القسم. والجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ فإن التقدير: وربّ السماء... إلخ، بدليل التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم) وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة) فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.\n ﴿فَلَبِثَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لبث): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (نوح)، تقديره:\n «هو» ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلْفَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (لبث)، و﴿أَلْفَ﴾ مضاف، و﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿خَمْسِينَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾ منصوب. وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهو عند المبرد مفعول به، و﴿إِلاّ﴾ عنده قامت مقام الفعل الناصب للأسماء، فهي تقوم مقام: أستثني، واستثنيت فلانا، ولا يستثنى من العدد إلا أقل من النصف عند أكثر النحويين. انتهى. من قول مكي. ﴿عامًا:﴾ تمييز. وجملة: ﴿فَلَبِثَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة جواب القسم، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَخَذَهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء: مفعول به. ﴿الطُّوفانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو","vol":"7","page":151},{"text":"الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ:﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3355\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥)﴾\nالشرح: وجه مناسبة ذكر نوح، وإبراهيم-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام- بعد ما تقدم من الآيات هو: أن الله تعالى لما بين التكليف، وذكر أقسام المكلفين، ووعد المؤمن الصادق الثواب العظيم، ووعد المنافق العذاب الأليم؛ ذكر: أن هذا التكليف ليس مختصا بالنبي ﷺ، وأصحابه، وأمته حتى صعب عليهم ذلك، بل من قبله كان كذلك، كنوح، وإبراهيم وغيرهما. انتهى. جمل نقلا عن الرازي، وقد تصرفت فيه.\n ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أي: أنجينا نوحا من أذى قومه، ومن الغرق بالطوفان الذي غرقوا فيه، و﴿وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ أي: أنجيناهم مع نوح، وكثيرا جاء التعبير عن السفينة بالفلك، وكانوا ثمانية وسبعين من بني آدم، نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، كما حمل في السفينة ذكرا وأنثى من جميع أصناف المخلوقات، وهو فحوى قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٠]: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾. ﴿وَجَعَلْناها:﴾ الضمير يعود إلى السفينة، أو للعقوبة التي أهلكوا فيها، أو للنجاة الحاصلة بسبب السفينة. ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أي:\nعلامة على قدرة الله القاهرة، وقوته الباهرة. هذا؛ وانظر صنع السفينة مفصلا في سورة (هود).\nهذا؛ وأصحاب جمع: صاحب، وهو هنا بمعنى الراكب فيها، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار. أي: مالكها. هذا؛ والصاحب يكون بمعنى الصديق، والزوج.\nوصاحب رسول الله ﷺ هو كل من جالسه في حياته، ولو ساعة بشرط أن يكون مسلما موحدا، ويجمع على: أصحاب، وصحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب.\nالإعراب: ﴿فَأَنْجَيْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنجيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَصْحابَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (أصحاب): معطوف على الضمير المنصوب، و(أصحاب) مضاف، و﴿السَّفِينَةِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَجَعَلْناها:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿آيَةً:﴾\nمفعول به ثان. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.","vol":"7","page":152},{"text":"<span id=\"aya-3356\"></span>﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أي: اذكر. أو وأرسلنا إبراهيم. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ وحدوه، ولا تشركوا معه شيئا في العبادة. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي: خافوا عقابه، فاجتنبوا مخالفته، ومعصيته، ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر من العبادة، والتقوى، أي: فهي خير لكم مما أنتم عليه من عبادة الأصنام، وذلك على تقدير الخيرية فيه على زعمكم. وقيل: التقدير: خير من كل شيء؛ لأن حذف المفضل عليه يقتضي العموم مع عدم احتياجه إلى التأويل؛ إذ المراد بكل شيء، كل شيء فيه خيرية، ويجوز كونه صفة لا اسم تفضيل. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي:\nالخير، والشر، وتميزون بين ما هو خير، وبين ما هو شر، أو: كنتم تنظرون في الأمور بنظر العلم دون نظر الجهل.\nهذا؛ وإبراهيم خليل الله بن تارح، بن ناحور، بن سروج، بن رعو، بن فالج، بن عابر، بن شالح، بن أرفكشاذ بن سام، بن نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، وقد جاء ذكره في القرآن في خمس وعشرين سورة، وقد عمل المرحوم عبد الوهاب النجار، جدولا بأسماء تلك السور، مع عدد الآيات التي ذكر فيها بكل سورة، جزاه الله خيرا! وقد ذكرت قصة إبراهيم مفصلة في سورة (هود) وفي سورة (إبراهيم) وفي سورة (الحجر) وفي سورة (مريم) وفي سورة (الأنبياء) وفي سورة (الشعراء) وفي سورة (الصافات) ومختصرة في باقي السور التي ذكر فيها، وهي مختلفة الألفاظ، والتعبير بحسب ما تكون العناية موجهة نحوه من البيان والإيضاح.\nوإبراهيم خليل الرحمن ولد في فدام آرام من بلاد العراق، ولم يؤمن له من قومه سوى زوجه سارة، وابن أخيه لوط بن هاران، بن تارح، فهاجر إلى فلسطين، ثم إلى مصر، ثم عاد إلى فلسطين، وكانت وفاته فيها، وقبره موجود في بلدة الخليل. هذا؛ ويذكر المفسرون: أن شأن إبراهيم في ولادته شبيه بشأن موسى في ولادته، وأنه ربي خفية عن النمرود الذي هو شبيه بفرعون بادعاء الألوهية، والربوبية. هذا؛ وإبراهيم معناه في العبرانية: أب رحيم، وانظر أولاده والكثير من سيرته في الآية رقم [٣٥] وما بعدها من السورة المسماة باسمه، على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَإِبْراهِيمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إبراهيم): معطوف على ﴿نُوحًا﴾ فيكون التقدير:\nوأرسلنا إبراهيم. أو هو معطوف على الضمير المنصوب، فيكون التقدير: وأنجينا إبراهيم. أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكر إبراهيم. هذا؛ وقرئ برفعه فيكون مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: ومن المرسلين إبراهيم. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل","vol":"7","page":153},{"text":"نصب يقع بدلا من (إبراهيم) على نصبه، فهو بدل اشتمال، ومفعول به لفعل محذوف على رفع (إبراهيم)، التقدير: اذكر وقت قال... إلخ. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم)، تقديره: «هو». ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل، في محل جر بالإضافة. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والكلام معطوف على ما قبله على نصب (إبراهيم)، ومستأنف على رفعه. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والميم حرف دال على جماعة الذكور.\n ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم تعلمون فذلكم خير لكم.\nأو: «فاعبدوا الله...» إلخ، وهذه الجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3357\"></span>﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا:﴾ أصناما. قال أبو عبيدة: الصنم: ما يتخذ من ذهب، أو فضة، أو نحاس. والوثن: ما يتخذ من جصّ، أو حجارة. وقال الجوهري: الوثن:\nالصنم، والجمع: وثن، وأوثان، مثل: أسد، وآساد. انتهى. قرطبي. هذا؛ وقد حكى الله عن إبراهيم في سورة (الأنبياء) قوله: ﴿ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾. وفسرت هناك بالأصنام المصورة على صورة السباع، أو الطيور، أو الإنسان، وحكى الله عنه قوله في السورة المسماة باسمه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾. والأصنام، والتماثيل، والأوثان كلها بمعنى واحد، وتصنع من خشب، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، وذلك تبع لقدرة العابد، وغناه، وكانت العرب، وغيرهم من الوثنيين يعبدونها، والنصارى تنصب الصليب، وتعبده، وتعظمه، فهو كالتمثال أيضا، قال عدي بن حاتم الطائي﵁-: أتيت النبي ﷺ، وفي عنقي صليب","vol":"7","page":154},{"text":"من ذهب، فقال: «يا عدي! ألق عنك هذا الوثن!». فألقيته. وأصله من: وثن الشيء؛ أي: أقام في مقامه، وسمي الصنم وثنا؛ لأنه ينصب ويركز في مكان لا يبرح عنه.\n ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا:﴾ وتكذبون كذبا في تسميتها آلهة، وادعاء شفاعتها عند الله، أو تعملونها وتنحتونها للإفك، وهو استدلال بيّن على شرارة ما هم عليه من حيث إنه زور، وباطل، وبهتان، وقرئ: «(تخلّقون)»، وقرئ: «(تخلّقون)» وهو بمعنى التكثير من خلّق، والأول من تخلّق بمعنى:\nتكذّب، وتخرّص. هذا؛ والإفك هو أبلغ ما يكون من الكذب، والافتراء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ..﴾. إلخ رقم [١١] من سورة (النور)، وانظر الآية رقم [٤٥] من سورة (الشعراء).\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: من الأوثان. ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا:﴾ لا يستطيعون أن يرزقوكم، وهذا دليل ثان على شرارة عبادتهم لهذه الأوثان؛ لأنها لا تجدي قليلا، ولا تغني فتيلا، ونكر: (رزقا) للتعميم؛ أي: لا قليلا، ولا كثيرا. ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ:﴾ اطلبوا رزقكم كله من عند الله تعالى، وتعريف الرزق على حد قوله تعالى في سورة (المزمل): ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..﴾. إلخ.\n ﴿وَاعْبُدُوهُ:﴾ وحّدوه، وانظر (العبادة) في سورة (النمل) رقم [٤٣]، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ:﴾ انظر (الشكر) في الآية رقم [٤٠] من سورة (النمل). ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:﴾ يقرأ بالبناء للمجهول من المتعدي، وبالبناء للمعلوم من اللازم.\nهذا؛ و﴿تَعْبُدُونَ﴾ بمعنى: غير وسوى هنا، وأصله من الدنو، وهو القرب، ومنه: تدوين الكتاب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف، والسيادة، وعلو المنزلة، ثم اتّسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد.\nهذا؛ ويأتي «دون» بمعنى «قدام» قال الشاعر: [الطويل] تريك القذى من دونها، وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق\nهذا؛ ومثله: أدنى، وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان:\nأحدهما: أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني أن يكون بمعنى: القريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله تعالى؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة. خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء، حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من: دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون من الشيء الدّون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن أفلع. انتهى. عكبري في غير هذا الموضع.","vol":"7","page":155},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو:\nفاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من: ﴿أَوْثانًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿أَوْثانًا:﴾ مفعول به، ولو قرئ برفعه، لكانت (ما) اسما موصولا اسما ل: (إن)، على حد قوله تعالى في سورة (طه): ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ..﴾. إلخ، (تخلقون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله. ﴿إِفْكًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: إن الذين تعبدونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، و﴿تَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رِزْقًا﴾ على مثال ما تقدم.\n ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ: في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. وقيل:\n ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول مطلق، وعامله: ﴿لا يَمْلِكُونَ؛﴾ لأنه من معناه، وليس بشيء. ﴿فَابْتَغُوا:﴾\nالفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر... (ابتغوا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو: فاعله، والألف للتفريق. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَابْتَغُوا..﴾. إلخ:\nلا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: إذا، التقدير: وإذا كانت معبوداتكم لا تملك لكم رزقا؛ فابتغوا... إلخ، وجملة: ﴿وَاعْبُدُوهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ:﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما.\n ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله، أو نائب فاعله. بعد هذا فالآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول إبراهيم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3358\"></span>﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾\nالشرح: وإن تكذبوني؛ فلا تضروني بتكذيبكم، فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضروهم، وإنما ضروا أنفسهم؛ حيث حل بهم ما حل بسبب تكذيب الرسل. وأما الرسول فقد تم أمره حين بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشك، وهو اقترانه بآيات الله، ومعجزاته، أو وإن كنت مكذبا فيما بينكم؛ فلي في سائر الأنبياء أسوة، وسلوة؛ حيث كذّبوا، وعلى الرسول أن يبلغ، وما عليه أن يصدّق ولا يكذّب.","vol":"7","page":156},{"text":"وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم-صلوات الله، وسلامه عليه-لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله ﷺ وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم، وآخرها. فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم؛ فما المراد بالأمم قبله؟ قلت: قوم شيث، وإدريس، ونوح، وقوم صالح، وهود، وغيرهم-وكفى بقوم نوح أمة-في معنى أمم جمّة مكذبة.\nولقد عاش إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء، وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه، وأعقابهم على التكذيب. انتهى. كله من الكشاف. وما ذكر في شأن إدريس﵇- يخالف ما ذكرته في الآية رقم [٥٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nوقال النسفي-وهو مأخوذ من الكشاف بلا شك-: فإن قلت: فالجمل الاعتراضية، لا بدّ لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه، فلا تقول: مكة، وزيد قائم، خير بلاد الله. قلت: نعم، وبيانه: أن إيراد قصة إبراهيم﵇ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله ﷺ، وأن تكون مسلاة له بأن أباه إبراهيم﵇كان مبتلى بنحو ما ابتلي به من شرك قومه، وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا..﴾. إلخ على معنى: أنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمدا؛ فقد كذب إبراهيم قومه، وكل أمة كذبت نبيها؛ لأن قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لا بد من تناوله لأمة إبراهيم، وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الآيات بعدها من توابعها؛ لكونها ناطقة بالتوحيد، ودلائله، وهدم الشرك، وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله، وسلطانه، ووضوح حجته وبرهانه. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض، أو هي حرف عطف، (إن): حرف شرط جازم، ﴿تُكَذِّبُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فلا يضرني تكذيبكم. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل للجواب المنفي. (قد): حرف تحقيق، يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض. ﴿أُمَمٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أُمَمٌ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ..﴾. إلخ، لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية، ﴿عَلَى الرَّسُولِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْبَلاغُ:﴾\nمبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا أراه قويا. هذا؛ والآية في محل نصب مقول القول على اعتبارها مع ما بعدها من قول إبراهيم ﵇، ولا محل لها على اعتبارها مع ما بعدها كلام معترض، وهو المعتمد. انظر الشرح.","vol":"7","page":157},{"text":"<span id=\"aya-3359\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: لما بين الله الأصل الأول، وهو التوحيد، وأشار إلى الثاني، وهو الرسالة بقوله: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ؛﴾ شرع في بيان الأصل الثالث، وهو الحشر. وهذه الأصول الثلاثة لا ينفك بعضها عن بعض في الذكر الإلهي. انتهى. جمل نقلا من النهر. هذا؛ والضمير في ﴿يَرَوْا﴾ إلى الأمم المكذبة، ويقرأ: «(أولم تروا)» بتاء المضارعة خطاب لكفار قريش.\n ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ﴾ أي: من مادة من نطفة، ونحوها، ومن غير مادة، والفعل بضم الياء من الرباعي، وقرئ شاذا: «(يبدأ)» من الثلاثي. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يوم القيامة للحساب، والجزاء، ويجوز أن يراد ببدء الخلق، وإعادته ما يحصل في كل سنة مثل ما كان في السنة السابقة من النبات، والثمار، ونحوهما؛ حيث تحيا، ثم تفنى، ثم يعيدها وكذلك يبدأ خلق الإنسان، ثم يميته بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا، وكذلك سائر الحيوان، والمعنى: إذا رأيتم قدرة الله تعالى على الإبداء، والإيجاد فيما ذكر؛ فهو القادر على الإعادة بلا ريب. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ أي: ما ذكر من الإيجاد، والإعدام، والإهلاك، ثم الإعادة. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ:﴾ هيّن سهل؛ لأنه سبحانه لا يفتقر في فعل ذلك إلى معاون، ولا إلى مساعد؛ لأنه إذا أراد شيئا؛ فإنما يقول له: كن، فيكون.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لم)، وهو بصري، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من لفظ الجلالة، ﴿يُبْدِئُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ:\nفي محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها، وجملة: ﴿أَوَلَمْ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ، ولا يجوز عطفها على جملة: ﴿يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ؛﴾ لأن الرؤية غير واقعة على الإعادة، بل على الإبداء فقط. هذا؛ وقدر الجلال: ثم هو يعيده. وهذا يعني: أن الجملة اسمية، وهي مستأنفة. وهو قول ابن هشام في المغني. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾\nاسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَسِيرٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية تعليل لما ذكر من الإبداء، والإعادة.","vol":"7","page":158},{"text":"<span id=\"aya-3360\"></span>﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا الخطاب للنبي ﷺ، وهو يؤيد ما ذكر من الاعتراض. وقيل: هو لإبراهيم ﵇. ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ:﴾ على كثرتهم، واختلاف أحوالهم، وألسنتهم، فهو أمر للكفرة؛ لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم، وآثارهم كيف أهلكهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.\n ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ أي: يخلق الخلق المرة الثانية بعد الأولى؛ التي هي الإبداء، والآخرة تكون يوم القيامة. فبدء الخلق، وإعادته نشأتان من حيث إن كلا منهما اختراع، وإخراج من العدم، غير أن الثانية إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك، والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق، ثم ينشئ النشأة الآخرة؟ لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء، وجب ألا يعجزه الإعادة، فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه، وأوقعه مبتدأ.\n ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ لأن قدرته لذاته، ونسبة ذاته إلى كل الممكنات على سواء، فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على النشأة الأولى. هذا؛ وقرئ: «(النّشاءة)» كالرأفة.\nهذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ..﴾. إلخ، وقال في سورة (الأنعام) رقم [١١]:\n ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا..﴾. إلخ والفرق بينهما: أن النظر هنا جعل مسببا عن السير، فكأنه قال: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير هناك إباحة السير للتجارة، وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك ب: ﴿ثُمَّ﴾ التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح. انتهى. نسفي من سورة (الأنعام) بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَانْظُرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظروا):\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل: ﴿بَدَأَ﴾. ﴿بَدَأَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ تعالى. ﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ:﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول (انظروا)، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿فَانْظُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على","vol":"7","page":159},{"text":"ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ.\n ﴿يُنْشِئُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿النَّشْأَةَ:﴾ مفعول مطلق، فهي مصدر محذوف الزوائد، والأصل الإنشاءة، أو هو على حذف العامل، أي: ينشئ فينشئون النشأة؛ وعلى هذا فهي مصدر للثلاثي، ولا حذف. ﴿الْآخِرَةَ:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ يُنْشِئُ..﴾. إلخ، معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿كُلِّ:﴾\nاسم مجرور، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ، تعليل لقدرة الله القاهرة، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ: مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3361\"></span>﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ:﴾ تعذيبه بعدله. ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ:﴾ رحمته بفضله، وكرمه، وجوده. ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ:﴾ ترجعون، وتردون إليه يوم القيامة، فيجازي كل واحد ما يستحق من الثواب، والعقاب. هذا؛ وقد قال سليمان الجمل: لما ذكر الله النشأة الآخرة؛ ذكر ما يكون فيها، وهو تعذيب أهل التكذيب عدلا، وحكمة، وإثابة أهل الإثابة فضلا، ورحمة. وقدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة؛ لأن السابق ذكر الكفار، فذكر العذاب أولا لسبق ذكر مستحقيه. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.\nالإعراب: ﴿يُعَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿مَنْ:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعذب الذي، أو شخصا يشاء تعذيبه، والجملة الفعلية مستأنفة، واعتبارها حالا من لفظ الجلالة، لا بأس به، وجملة: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ:﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وتقديمهما يفيد الحصر. ﴿تُقْلَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3362\"></span>﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ:﴾ ربكم عن إدراككم. بمعنى: لا تفوتونه؛ إن هربتم من حكمه، وقضائه. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ أي: إن فررتم من قضائه، وحكمه بالتواري في","vol":"7","page":160},{"text":"الأرض، أو الهبوط في مهاويها، والتحصين في السماء، أو القلاع، والجبال الذاهبة، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وقيل: المعنى: ولو كنتم في السماء لا تعجزون الله، ولا تهربون من قضائه، وحكمه، فهو كقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾. وقيل: التقدير: ولا من في السماء. قال حسان بن ثابت﵁في هجاء أبي سفيان، وقريش: [الوافر] أمن يهجو رسول الله منكم... ويمدحه وينصره سواء؟!\nفإن المعنى: ومن يمدحه. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ من غيره، وسواه. ﴿مِنْ وَلِيٍّ:﴾\nيتولى أموركم، ويمنعكم من عذابه. ﴿وَلا نَصِيرٍ:﴾ ينصركم من عذاب الله تعالى. هذا؛ والولي:\nهو الذي يتولى شئون غيره، والنصير: المعين، والمساعد. والفرق بينهما: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا، وقال تعالى هنا: ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ واقتصر في سورة (الشورى) رقم [٣١] على ﴿الْأَرْضِ؛﴾ لأن ما هنا خطاب لقوم فيهم النمرود، الذي حاول الصعود إلى السماء. وقد حذفا معا للاختصار في الآية رقم [٥١] من سورة (الزمر).\nفائدة: والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات. ووجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا هو من يتولى الله رعايته، وحفظه، فلا يكله إلى غيره، ونفسه لحظة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. والوجه الثاني: أنه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا هو من يتولى عبادة الله تعالى، من غير أن يتخللها عصيان، أو فتور. وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بولي، بل هو مغرور، مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري وغيره من أئمة الطريقة رحمهم الله تعالى. انتهى.\nمن شرح ألفاظ الزبد للشيخ أحمد بن حجازي الفشني، رحمه الله تعالى. هذا؛ وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب».\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، أو: واو الحال. وقيل: عاطفة. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس» ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها.\n ﴿بِمُعْجِزِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا. وإن اعتبرت (ما) مهملة؛ فالضمير يكون مبتدأ، والباء زائدة في خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير. هذا؛ وفاعل (معجزين) ضمير مستتر فيه، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: وما","vol":"7","page":161},{"text":"أنتم بمعجزين الله في حال وجودكم في الأرض، وهذا يعني: أن الجار، والمجرور: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر ب: (معجزين). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتوكيد النفي. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ل: «كان» المحذوفة، على تقدير: ولو كنتم في السماء. أو صفة: «من» على تقدير: من في السماء. أو هما معطوفان على قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مراعاة للظاهر. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرٍ:﴾ معطوف على: ﴿وَلِيٍّ﴾ على لفظه، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَكُمْ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3363\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بدلائل وحدانيته، وقدرته، أو المعنى:\nبكتاب الله؛ التي أنزلها على رسله، أو بالمعجزات؛ التي أجراها على أيدي رسله، ﴿وَلِقائِهِ:﴾\nيوم القيامة بالبعث، والحشر، والنشر. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المتصفون بما ذكر. ﴿يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: قطعوا أملهم في دخول الجنة يوم القيامة. والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ يوم القيامة، وذلك بدخولهم النار لمخالفتهم أوامر الواحد القهار. وعن قتادة -﵁قال: إن الله ذم قوما هانوا عليه، فقال: ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي،﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ،﴾ فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح الله، ولا من رحمته، وأن لا يأمن عذابه، وعقابه، صفة المؤمن أن يكون راجيا لله ﷿ خائفا. انتهى. كشاف.\nهذا؛ والفعل «يئس» مضارعه: ييأس بمعنى: يقنط من رحمة الله، ويقطع أمله فيها. قال تعالى حكاية عن قول يعقوب لأولاده: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾. هذا؛ ويأتي «ييأس» بمعنى: يعلم، وبه فسر قوله تعالى في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد): ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ﴾. قال الكلبي: هي لغة النخع. وقيل: لغة هوازن. ويؤيده ما روي: أن عليا، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين قرءوا: «(أفلم يتبين)» وهو تفسيره، وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأنه مسبب","vol":"7","page":162},{"text":"عن العلم بأن الميئوس منه لا يكون. وقال الليث، وأبو عبيدة: هو بمعنى: ألم يعلم، واستدلوا لهذه اللغة بقول سحيم بن وثيل اليربوعي: [الطويل] أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني: ... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم؟\nزهدم اسم فرس، وقال رباح بن عدي: [الطويل] ألم ييأس الأقوام أنّي أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا؟\n ﴿عَذابٌ:﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، وسلام، ونبات لأعطى وسلّم، وأنبت.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف، (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول:\nفعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿بِآياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. (لقائه): معطوف على: (آيات الله) بالواو العاطفة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يَئِسُوا:﴾ فعل، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنْ رَحْمَتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أولئك): مبتدأ أول، والكاف حرف خطاب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-3364\"></span>﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أي: قوم إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-حين دعاهم إلى التوحيد، والإيمان. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض، أو","vol":"7","page":163},{"text":"قاله واحد منهم، وكان الباقون راضين، فكانوا جميعا في حكم القائلين. ﴿اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ:﴾ ثم اتفقوا على تحريقه. ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ أي: فقذفوه في النار، فأنجاه الله منها بأن جعلها عليه بردا، وسلاما. انظر ما ذكرته في سورة (الأنبياء) الآية رقم [٦٨ و٦٩]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ:﴾ أي في إنجائه من النار العظيمة التي أوقدوها، ﴿لَآياتٍ﴾ أي: دلالات وعلامات على قدرة الله تعالى. هذا؛ وذكر الجلال الآيات بأنها ثلاث: عدم تأثيرها فيه مع عظمها، وإخمادها، وإنشاء روض في مكانها في زمن يسير. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون، ويتأملون، وينتفعون. يروى: أنه لم ينتفع أحد في ذلك اليوم الذي ألقي فيه إبراهيم في النار بشيء منها، وذلك لذهاب حرها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿جَوابَ:﴾ خبر كان مقدم، وقرئ برفعه على أنه اسمها، و﴿جَوابَ﴾ مضاف، و﴿قَوْمِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿كانَ﴾ والفعل ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب خبر كان على رفع:\n (جواب)، وفي محل رفع اسمها مؤخرا على نصبه، وهو الأفصح؛ لأن فيه جعل الأعرف اسما. ﴿اُقْتُلُوهُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿حَرِّقُوهُ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿فَما كانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما ذكر في الآية رقم [١٦]، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَأَنْجاهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له.\n (أنجاه): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:\n ﴿فَأَنْجاهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (ما كان...) إلخ لا محل لها مثلها، والأولى عطفها على جملة محذوفة، التقدير: فقذفوه، فأنجاه الله. ﴿كانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء، (آيات): اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل لمحذوف، أي: وخصوا بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون.","vol":"7","page":164},{"text":"<span id=\"aya-3365\"></span>﴿وَقالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ﴾ أي: إبراهيم، ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ﴾ أي: عبدتم، وجعلتم آلهة. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا:﴾ من سوى الله أصناما تقدسونها وتعظمونها بالعبادة، ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: اجتمعتم على عبادة تلك الأوثان، واتفقتم عليها؛ لتتوادوا بينكم، وتتواصلوا، وتتآلفوا لاجتماعكم على عبادتها، واتفاقكم عليها، كما يتفق على مذهب من المذاهب، فيكون سببا لتحابهم، وتآلفهم، وتعلقتم بها، وأحببتموها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾. [١٦٥] من سورة (البقرة). ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ:﴾ تتبرأ الأوثان من عابديها، وتجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ الآية رقم [٨٢] من سورة (مريم)، وكما حكى الله عنهم في سورة (القصص) رقم [٦٣]: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾.\n ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: يقوم بينكم التلاعن، والتباغض، والتعادي، يتلاعن العبدة والأصنام، ويتلاعن العبدة، وهذا ما صرحت به سورة الأحزاب رقم [٦٨]: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾. ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ:﴾ مقركم، ومآلكم، ومصيركم النار، وبئس المآل، والمصير! ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ ينصرونكم من النار، ويمنعونكم من عذاب الله تعالى. هذا؛ والخطاب لعبدة الأوثان، الرؤساء منهم، والأتباع. وقيل: تدخل فيه الأوثان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ سورة (الأنبياء) رقم [٩٨].\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف، (قال): فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى إبراهيم. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿اِتَّخَذْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْثانًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْثانًا:﴾ مفعول به أول، أو مفعول واحد، على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ﴿مَوَدَّةَ:﴾ مفعول لأجله، و﴿مَوَدَّةَ﴾ مضاف، و﴿بَيْنِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وهذا الإعراب إنما هو على قراءة حفص، وقد قرئ: «(مودّة)» بالرفع أيضا، وفيه من الأوجه ما يلي:","vol":"7","page":165},{"text":"اعتبار (إن) عاملة، و(ما): اسم موصول بمعنى «الذي» مبني على السكون في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إن الذي اتخذتموه. وعليه ف: ﴿أَوْثانًا﴾ مفعول ثان، أو حال، و(مودّة) بالرفع خبر (إن)، وعلى الوجه الأول في الإعراب، تكون (مودّة) بالرفع خبرا لمبتدإ محذوف، أي هي مودة، أي ذات مودة، والجملة الاسمية هذه في محل نصب صفة: ﴿أَوْثانًا﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر (مودّة) على رفعه، ولا حذف على هذا الوجه، والخبر محذوف على نصب ﴿مَوَدَّةَ،﴾ التقدير: إن اتخاذكم أوثانا من دون الله لأجل المودة لا ينفعكم، أو: يكون عليكم. هذا؛ ويقرأ ﴿مَوَدَّةَ﴾ في حال رفعه بالتنوين، وعدمه، فعدم التنوين على الإضافة، وعلى رفعه يكون (بينكم) متعلقا بمحذوف صفة: (مودّة)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ قال أبو البقاء: فيه سبعة أوجه: الأول: أن يتعلقا ب ﴿اِتَّخَذْتُمْ﴾ إذا جعلت (ما) كافة ل (إن)، لا على الوجهين الآخرين؛ لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر، والثاني: أن يتعلقا بنفس: ﴿مَوَدَّةَ؛﴾ إذا لم تجعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ صفة لها؛ لأن المصدر إذا وصف لا يعمل. والثالث: أن يتعلقا بنفس: ﴿بَيْنِكُمْ؛﴾ لأن معناه: اجتماعكم، أو وصلكم.\nوالرابع: أن تجعلهما متعلقين بمحذوف: صفة ثانية ل: ﴿مَوَدَّةَ﴾ إذا نونتها، وجعلت ﴿بَيْنِكُمْ﴾ متعلقا بمحذوف صفة أولى. والخامس: أن تعلقهما ب: ﴿مَوَدَّةَ،﴾ وتجعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ ظرف مكان، فيعمل ﴿مَوَدَّةَ﴾ فيهما، والسادس: أن تعلقهما بمحذوف حال من الضمير في:\n ﴿بَيْنِكُمْ؛﴾ إذا جعلته وصفا ل ﴿مَوَدَّةَ﴾. والسابع: أن تعلقهما بمحذوف حال من ﴿بَيْنِكُمْ﴾ لتعرفه بالإضافة، وأجاز قوم منهم، أن يتعلقا ب: ﴿مَوَدَّةَ،﴾ وإن كان ﴿بَيْنِكُمْ﴾ متعلقا بمحذوف صفة لها؛ لأن الظروف يتوسع فيها، بخلاف المفعول به. انتهى. بتصرف.\n ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ل: (حياة) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَكْفُرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ معطوفة عليها. ﴿وَمَأْواكُمُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو واو الحال، (مأواكم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف المجرورة بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر","vol":"7","page":166},{"text":"مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع محلا، مجرور لفظا، وإن اعتبرت (ما) نافية حجازية عاملة عمل «ليس»، فالإعراب لا يخفى، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3366\"></span>﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي: صدق إبراهيم برسالته لما رأى معجزاته، وذلك حين رأى النار عليه بردا وسلاما. والمراد: التصديق كما ذكرت، وأما في أصل التوحيد؛ فإنه كان مؤمنا، موحدا؛ لأن الأنبياء لا يتصور فيهم الكفر. ولوط هو ابن أخي إبراهيم، كما ذكرته لك فيما مضى.\n ﴿وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ أي: إلى حيث أمرني ربي. قال النخعي، وقتادة: هاجر إبراهيم من كوثا-وهي قرية من سواد العراق-. إلى حران، ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط، بن هاران بن تارح، وامرأته سارة، وهي بنت عمه، وهو أول من هاجر من أرض الكفر. قال مقاتل: هاجر إبراهيم، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: الذي قال ذلك إنما هو لوط، وليس بشيء يعتد به. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر الذي يمنعني من أعدائي. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ الذي لا يأمرني إلا بما فيه صلاحي، والذي لا يفعل إلا ما فيه الحكمة.\nالإعراب: ﴿فَآمَنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (آمن): فعل ماض. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لُوطٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم) على المعتمد. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مُهاجِرٌ:﴾ خبر (إن)، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُهاجِرٌ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ إِنِّي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه توكيد للضمير المنصوب على المحل. والثاني: أنه ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وعليهما ف: ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر أول ل: (إن)، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثان. والثالث: أن الضمير مبتدأ، و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر أول له، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليلية، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني الفصل أرجحها، والابتداء أضعفها، ويختص بلغة تميم، والتوكيد سكت عنه.","vol":"7","page":167},{"text":"<span id=\"aya-3367\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: منّ الله عليه بالأولاد حين أيس من الولادة من عجوز عاقر، وهي سارة، فرزقه إسحاق، وولد لإسحاق يعقوب في حياته، كما قال تعالى في سورة (هود) رقم [٧١]: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٧٢]: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أي: غنيمة، فعد الله ولد الولد غنيمة فوق الولد.\nهذا؛ وفي الآية دليل واضح على أن الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل ﷾: أعطيناه، ورزقناه، وإنما قال: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ قال الشاعر الحكيم: [الكامل] نعم الإله على العباد كثيرة... وأجلّهنّ نجابة الأولاد\n ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ:﴾ فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من ذريته، ونسله، ووحد الكتاب؛ لأنه أراد الجنس ليتناول الكتاب الأربعة، أو أراد المصدر كالنبوة، فإنه تعم كل نبوة كانت في ذريته، والمراد: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن، فالتوراة أنزلت على موسى، والزبور أنزل على داود، والإنجيل أنزل على عيسى، والقرآن أنزل على محمد، وكلهم من ولد إبراهيم ﷺ وعليهم أجمعين، ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ أي: ثوابه على الهجرة من وطنه إلى غيره، وثباته على التقوى، والصلاح، وهذا الأجر كان بإعطائه الولد في غير أوانه، والذرية الطيبة، واستمرار النبوة فيهم، وانتماء أهل الملل إليه، فجميع أهل الأديان يتولونه، ويحبونه، ويقدسونه، ويثنون عليه، ويصلون عليه إلى آخر الدهر. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: أي: مثل نوح، وإدريس، وآدم، وانظر ما ذكرته بشأن الصالحين في الآية رقم [١٠]، وانظر شرح (ذرية) في الآية رقم [٧٤] من سورة (الفرقان).\nالإعراب: ﴿وَوَهَبْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (وهبنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِسْحاقَ:﴾ مفعول به. ﴿وَيَعْقُوبَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة:\n ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي ذُرِّيَّتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿النُّبُوَّةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْكِتابَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة:\n ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَآتَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، والهاء مفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿أَجْرَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو","vol":"7","page":168},{"text":"هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَجْرَهُ﴾. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: وإنه صالح في الآخرة؛ لأن متعلق الصلة لا يتقدم على الموصول، وهذا على اعتبار «ال» في: ﴿الصّالِحِينَ﴾ موصولة. وقيل: الجار والمجرور للتبيين، فجاز تقديمهما، وقيل: الألف واللام للتعريف، وليستا بمعنى «الذين» وعليه فهما متعلقان ب: ﴿الصّالِحِينَ،﴾ ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (من الصالحين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (إن)، والجملة الاسمية:\n ﴿وَإِنَّهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير العائد إلى (إبراهيم)، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3368\"></span>﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨)﴾\nالشرح: بعد أن هاجر لوط مع عمه إبراهيم من العراق إلى فلسطين، واستقر به المقام أرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وهو إتيان الرجال في أدبارهم، وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سور باختلاف يسير، وبعضها يكمل بعضا، وتلخص: أن قوم لوط كانوا من الشر بمكان، وأنهم كانوا يقطعون السبيل على المارة، وقد ذهب الحياء من وجوههم، فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسن، كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ وكانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله، وذلك: أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، يستعلنون بذلك، ولا يستسرّون، ولا يرون في ذلك سوءا، أو قبحا، وإن لوطا ﵇ قد وعظهم، ونصحهم، ونهاهم، وخوفهم بأس الله تعالى، فلم يأبهوا، ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات والإنذار؛ هددوه، وتوعدوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم، إلى أن جاء لوطا الملائكة، الذين ذكرهم الله في سورة (هود)، وسورة (الحجر)، وهذه السورة، وغيرها، وقد جاءوا إلى لوط بهيئة غلمان مرد، حسان الوجوه، فجاء أهل القرية إلى بيت لوط طالبين ضيوفه الكرام؛ ليفعلوا فيهم الفاحشة، وقد جهد لوط في ردهم، وبالغ في ذلك؛ حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته بدل ضيوفه، فلم يصغوا إليه.\nحينئذ التفت لوط إلى ضيوفه الكرام، وقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: لجاهدتهم بكم، وأوقعت بهم ما يستحقون، وكان لا يعلم: أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاءوا للتنكيل بأولئك القوم الخبثاء، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط، طمس الله أعينهم، فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه عليه، وعلى من معه، قال تعالى في سورة (القمر): ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾.","vol":"7","page":169},{"text":"ثم أخرج الملائكة لوطا، وابنتيه وزوجه من القرية، وأمروهم أن لا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون، فامتثلوا الأمر إلا امرأته، فقد التفتت إلى القرية لترى ما يحلّ بها، وكانت خبيثة هواها مع أهل القرية دون لوط، فحل بها من السخط، والعذاب ما حل بهم، وكانت كافرة غير مؤمنة، فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، قال تعالى في سورة (هود) رقم [٨٣]: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.\nقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: وأعتقد: أن البحر الميت-المعروف الآن ببحر لوط، أو بحيرة لوط-لم يكن موجودا قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمائة متر، وقد جاءت الأخبار في السنتين الماضيتين بأنهم اكتشفوا آثار مدن قوم لوط على حافة البحر الميت. انتهى.\nقصص الأنبياء للنجار بتصرف.\nيا سبحان الله! كيف زلّ النجار حيث عزا ما وقع في قرى قوم لوط إلى الزلزال؟! وإنما حصل ذلك بفعل جبريل ﵇؛ حيث وضع جناحه تحت القرى، ورفعها إلى السماء ثم جعل عاليها سافلها، ولا زلزال، ولا بحر، ولا بحيرة، وكان هذا العمل الجبار الذي كان من قدرة الواحد القهار، فاعتبروا يا أولي الأبصار!.\nهذا؛ ويقول ابن كثير-رحمه الله تعالى-في تفسيره: وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة؛ لفنائها، ولرداءتها ودناءتها، فصارت عبرة، ومثلة، وعظة، وآية على قدرة الله تعالى، وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، وعصى مولاه. انتهى.\nهذا، والمراد بالفاحشة المذكورة في هذه الآية: هي إتيان الذكور في أدبارهم، وقد ذمهم الله في هذه الآيات. وقال عنهم في سورة (الأعراف) حكاية عن قول لوط لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ؛﴾ لأن الله خلق الإنسان، وركب فيه الشهوة لبقاء النسل، وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥] من سورة (النمل) ففيها الكفاية لطالب الزيادة.\n ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي: لم يفعل هذه الفاحشة أحد قبلكم من الناس أجمعين، وانظر شرح ﴿الْعالَمِينَ﴾ في الآية رقم [١٦] من سورة (الشعراء). هذا؛ و﴿أَحَدٍ﴾ أصله:\nوحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة، والمكسورة مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين:\nأحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال،","vol":"7","page":170},{"text":"فلا يستعمل «أحد» إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: «ما في الدار أحد» هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.\nهذا؛ و«أحد» أكمل من «الواحد»: ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان، فأكثر، بخلاف قولك: لا يقوم له أحد. وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار أحد، فيجوز أن يكون فيها من الدواب، والطير، والوحش، والإنس، فيعم الناس، وغيرهم، بخلاف: ليس في الدار واحد، فإنه مخصوص بالآدميين.\nويأتي «الأحد» في كلام العرب بمعنى الواحد، فيستعمل في النفي، والإثبات، نحو قوله تعالى:\n ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أي: واحد، وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: واحدا منكم، وبغير معنى الواحد، فلا يستعمل إلا في النفي. تقول: ما جاءني من أحد، ومنه قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ،﴾ و«واحد» يستعمل فيهما مطلقا، و«أحد» يستعمل في المذكر، والمؤنث، نحو قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ بخلاف الواحد، فلا يقال: كواحد من النساء، بل:\nكواحدة. وأحد يصلح للإفراد، والجمع، ولهذا؛ وصف به في قوله تعالى: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ بخلاف الواحد، و«الأحد» له جمع من لفظه، وهو: الأحدون، والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال: واحدون، بل: اثنان، وثلاثة. والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد، فتلخص من ذلك سبعة فروق. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَلُوطًا:﴾ الواو: حرف عطف، (لوطا): معطوف على (إبراهيم)، أو على الضمير المنصوب في (أنجيناه)، وقيل: معطوف على نوح في الآية رقم [١٤]، وقيل: هو على تقدير: اذكر لوطا. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل من (لوطا) بدل اشتمال. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (لوط). ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَأْتُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. هذا؛ وقرئ بهمزتين على الاستفهام الإنكاري، والواو فاعله. ﴿الْفاحِشَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَبَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره،","vol":"7","page":171},{"text":"منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿ما سَبَقَكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من: ﴿الْفاحِشَةَ﴾ نفسها، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين. وقد قيل: إنها مستأنفة. والأول أقوى، وجملة: اذكر لوطا، أو: أرسلنا لوطا، معطوفة على ما قبلها، ومتضمنة عطف قصة لوط على قصة إبراهيم، ونوح على نبينا، وعليهم جميعا ألف تحية، وسلام، وصلاة. هذا؛ وقد قال البيضاوي، والنسفي تبعا للزمخشري: جملة: ﴿ما سَبَقَكُمْ..﴾. إلخ جملة مستأنفة مقررة لقبح تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل له: لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازا منها في طباعهم، لإفراط قبحها؛ حتى أقدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم، وقذر طباعهم. انتهى. كشاف بتصرف.\n\n<span id=\"aya-3369\"></span>﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أي: في أدبارهم شهوة من دون النساء؛ حيث تقضون وطركم بالرّجال، ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أي: الطريق، فقد كانوا يتعرضون للمارة في طرقهم بالقتل، وسلب مالهم، أو يتعرضون لهم بالفاحشة بالقهر، والقوة حتى ابتعد الناس عن المرور في طرقهم. وقيل: المراد به قطع سبيل النّسل بالإعراض عن مكان الحرث؛ أي: محل النسل، وإتيان ما ليس بمكان النسل.\n ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ:﴾ النادي: مجلس القوم ومتحدثهم، ولا يقال له: ناد إلا بوجود أهله فيه، ودار الندوة كان قرب الكعبة المعظمة، يجتمع فيه زعماء قريش للتشاور في أمورهم العامة، والخاصة. ﴿الْمُنْكَرَ:﴾ الفعل القبيح؛ الذي تأباه العقول السليمة، والأخلاق الكريمة، والفطرة المستقيمة.\nقيل: كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل واحد منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل؛ خذفوه، فأيهم أصابه؛ قال: أنا أولى به، فيأخذه، ويفعل به الفاحشة قهرا. وقيل:\nكان يأخذ ما معه، وينكحه. وهذان الفعلان سبب في قطع الطريق، كما رأيت، فهما مفهومان مما سبق. وقيل: كان يلوط بعضهم ببعض في مجلسهم. وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، ويتهارشون تهارش الكلاب، ويبزق بعضهم على بعض. وقيل: كانت أخلاق قوم لوط مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، والصفير، والحذف بالحصى، والرمي بالبندق، واللوطية، والفحش في المزاح، وفرقعة الأصابع، وغير ذلك من رذيل الفعال.","vol":"7","page":172},{"text":"وعن أم هانئ بنت أبي طالب﵂-: أنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قول الله ﷿: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: «كانوا يخذفون من يمرّ بهم، ويسخرون منه، فذلك المنكر الّذي كانوا يأتونه». أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، وذكره النحاس، والثعلبي، والمهدوي، والماوردي. وذكر الثعلبي: قال معاوية: قال النبي ﷺ: «إنّ قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كلّ رجل قصعة فيها الحصى للخذف، فإذا مرّ بهم عابر؛ قذفوه، فأيّهم أصابه كان أولى به». يعني: يذهب به للفاحشة. انتهى. قرطبي.\n ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أي: حين أنذرهم، وتوعدهم بالعذاب. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ:﴾ الذي تعدنا به. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ فائتنا بما تعدنا به، وقولهم هذا إنما هو استهزاء، وقولهم في سورة (النمل) رقم [٥٦] غير هذا.\nتنبيه: كثير من أمة محمد يفعلون القبائح، والفواحش التي فعلها قوم لوط، والقبائح التي فعلها غيرهم، مثل: بخس الكيل والميزان، والظلم، والعدوان، والتكبر، والإفساد في الأرض، ومع ذلك لم يعاقبهم الله في الدنيا، وانظر ما أذكره في الآية رقم [٤٠] الآتية.\nالإعراب: ﴿أَإِنَّكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، فيكون تأكيدا لما في الآية السابقة على قراءتها بالاستفهام. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَأْتُونَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (تأتون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الرِّجالَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التوكيد لجملة: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾. وجملة: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وأيضا ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، والجار والمجرور: ﴿فِي نادِيكُمُ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمُنْكَرَ﴾. ﴿فَما:﴾\nالفاء: حرف استئناف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٦] من سورة (النمل) من الفرق بين بدء جوابهم بالفاء هنا، وفيها، وبين بدء جوابهم بالواو في الآية رقم [٨٢] من سورة (الأعراف). (ما):\nنافية. ﴿جَوابَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، وهو مضاف، و﴿قَوْمِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ قالُوا﴾ في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا ويقرأ برفع (جواب) على أنّه اسم ﴿كانَ﴾ والمصدر المؤوّل في محل نصب خبرها، ولكن الأول أفصح؛ لأن فيه جعل الأعرف اسما. ﴿اِئْتِنا:﴾ فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت، و(نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل","vol":"7","page":173},{"text":"قبلهما، و(عذاب) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لفاعله. ﴿كانَ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: فائتنا به، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3370\"></span>﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: لوط. ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أي: بإنزال العذاب. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: بابتداع الفاحشة وسنها فيمن بعدهم، وصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ رقم [٨٨] من سورة (النحل).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. والفاعل يعود إلى (لوط) تقديره: «هو». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، وانظر تفصيله في الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء) ففيها الكفاية.\n ﴿اُنْصُرْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُفْسِدِينَ:﴾ صفة:\n ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3371\"></span>﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أي: الملائكة. ﴿إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى:﴾ هي البشارة بالولد، والنافلة لزوجته سارة، وهي قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٧١]. ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾. ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة المرسلون. ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ:﴾ وهي قرية «سدوم» وما حولها، وقد قيل فيها: أجور من قاضي سدوم. وهذه الآية تشعر بأن القرية قريبة من موضع إبراهيم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم أجمعين ألف صلاة، وألف سلام. قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم.\n ﴿إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ أي: إن الظلم قد استمر فيهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وظلمهم: هو كفرهم، وأنواع معاصيهم التي رأيتها فيما مضى. هذا؛ وانظر شرح","vol":"7","page":174},{"text":"﴿الْقَرْيَةِ﴾ في الآية رقم [٥٦] من سورة (النمل)، وانظر شرح: ﴿أَهْلِ﴾ في الآية رقم [١٦٩] من سورة (الشعراء).\nهذا؛ وقد قال المرحوم عبد الوهاب النجار: قرأت في كتاب من كتاب الأدب العبري وصفا لهم، وفي ذلك الكتاب من دلائل ظلمهم، واستغراقهم فيه: أن سارة زوج إبراهيم أرسلت لعازر كبير عبيد إبراهيم؛ ليأتيها بأخبار لوط، فلما دخل مدينة سدوم لقيه رجل من أهلها، فعمد إلى لعازر بحجر ضربه به في رأسه، فأسال منه دما كثيرا، ثم تعلق به قائلا: إن هذا الدم لو بقي لأضرّ بك، فأعطني أجري، ثم آل الأمر بينهما إلى الترافع إلى قاضي سدوم، فلما سمع للخصمين حكم على لعازر بأن يعطي للسدومي أجر ما ضربه بالحجر، وأسال دمه، فلما رأى لعازر الجور من القاضي والخصم في أمره، عمد إلى حجر ضرب به رأس القاضي، فأسال دمه، وقال له: الأجر الذي وجب لي عليك بإسالة دمك عليك أن تعطيه لضاربي السدومي جزاء ضربه إياي، وإسالة دمي. ولقد كنت أقرأ قول المعري: [الطويل] وأيّ امرئ في الناس ألفي قاضيا... ولم يمض أحكاما لحكم سدوم\nفلم أفهم ما يعزوه بهذا البيت، ولم أعرف ما سدوم حتى قرأت هذه القصة ففهمت معنى البيت. هذه الحكاية مع احتمال وضعها تفيدنا معرفة الفكر العام في أحوال هؤلاء الناس، وأنهم من الشر بحيث يصلحون أن تسند إليهم أمثالها. انتهى. بحروفه.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.\n ﴿رُسُلُنا:﴾ فاعل. و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به.\n ﴿بِالْبُشْرى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿جاءَتْ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُهْلِكُوا:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿مُهْلِكُوا﴾ مضاف، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿هذِهِ﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقَرْيَةِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول","vol":"7","page":175},{"text":"القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ وقدر الجمل ما يلي: فاستجاب الله دعاءه، فأرسل ملائكة لإهلاكهم، وأمرهم أن يبشروا إبراهيم بالذرية الطيبة، فجاءوا أولا إلى إبراهيم. فيقدر هذا كله قبل قوله: ﴿وَلَمّا جاءَتْ..﴾. إلخ ونقل من أبي السعود نحوه، وعليه ف: (لما) ومدخولها معطوف على هذا المقدر.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَهْلَها:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا ظالِمِينَ:﴾\nفي محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل لإهلاكهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3372\"></span>﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ أي: إبراهيم ﵇. ﴿إِنَّ فِيها لُوطًا﴾ أي: أتهلكون أهل القرية، وفيهم من هو بريء من الكفر، والمعصية، وهو لوط؟! وأراد بهذا الاعتراض، والجدال إظهار الشفقة عليه، وما يجب للمؤمن من التحزن لأخيه، والتشمر في نصرته، وحياطته، والخوف من أن يمسه أذى، أو يلحقه ضرر. ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها:﴾ يريدون نحن أعلم منك، وأخبر بحال لوط، وحال قومه، وامتيازه منهم الامتياز البين، وأنه لا يستحق ما يستحقون من العذاب، فخفض على نفسك، وهون عليك الخطب. ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ:﴾ مما يقع فيهم من العذاب الذي يستأهلونه. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي: الباقين في العذاب، وانظر الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل) ففيها الكفاية لمن أراد الزيادة. وانظر مراجعة إبراهيم للملائكة في سورة (هود) رقم [٧٤] وما بعدها.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى إبراهيم. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿لُوطًا:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث؛ فلذا صح فيه الإخبار عن الجمع. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ؛﴾ لأنه أفعل التفضيل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.","vol":"7","page":176},{"text":"(ننجينه): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أهله): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء.\n ﴿اِمْرَأَتَهُ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة أيضا. والكلام: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كانَتْ:﴾\nفعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتَهُ﴾. ﴿مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَتْ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال مقدر نشأ من استئنافها. كأنه قيل: فماذا كان حالها؟ فقيل: كانت من الغابرين. انتهى. جمل من سورة (الأعراف). هذا؛ وأرى جواز اعتبارها حالا من ﴿اِمْرَأَتَهُ﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط: الضمير فقط.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3373\"></span>﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ:﴾ ساءه مجيئهم، واغتم بسببهم، مخافة أن يقصدهم قومه بسوء، و﴿أَنْ﴾ صلة أكدت وجود فعلين متجاورين، مرتبا أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان، كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث خيفة عليهم من قومه أن يتناولوهم بالفجور. انتهى. نسفي بتصرف.\nهذا؛ وزيدت ﴿أَنْ﴾ بعد (لما) في الآية رقم [١٩] من سورة (القصص)، وفي الآية رقم [٩٦] من سورة (يوسف)، ولم تزد في الآية رقم [٧٧] من سورة (هود) لعدم السبب المذكور، وإنما ساءه مجيئهم؛ لأنهم كانوا في صورة غلمان مرد، حسان الوجوه، فظن: أنهم أناس، فخاف أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم؛ لأن قوم لوط كانوا مولعين بالفاحشة، وهي إتيان الذكور في أدبارهم. هذا؛ والفعل: ﴿سِيءَ﴾ من: ساء، يسوء يكون لازما، ويكون متعديا، كما في قولك: ساءني فلان، وكما هنا، وهذا غير «ساء» المستعمل في الذم.\n ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: ضاق بشأنهم، وتدبير أمرهم ذرعه؛ أي: طاقته، وقد جعلت العرب ضيق الذراع، والذرع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع بكذا؛ إذا كان مطيقا له، والأصل فيه: أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير، فضرب ذلك مثلا في العجز، والقدرة. انتهى. كشاف.","vol":"7","page":177},{"text":"هذا؛ ولما كان الذراع موضع قوة الإنسان، وقدرته، وشهرته، قيل في الأمر الذي لا طاقة للإنسان به: ضاق بالأمر ذراع فلان، وذرعه، وضاق بالأمر ذرعا، وذراعا: عجز عن احتماله. قال هدبة بن خشرم، رحمه الله تعالى، وهو الشاهد رقم [٥٦٣] من كتابنا: فتح القريب المجيب: [الطويل] إن العقل في أموالنا لا نضق بها... ذراعا وإن صبرا فنصبر للصّبر\nوهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه، والاحتيال فيه، قال عمر بن أبي ربيعه المخزومي: [الخفيف] من رسولي إلى الثّريّا بأني... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب؟\nوأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه؛ ضاق عن ذلك، وضعف، ومد عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. هذا؛ والذراع من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. وهي مؤنثة، وجمعها: أذرع لا غير، قاله سيبويه، وذرع الثوب: قاسه بذراعه، وذرعه القيء: غلبه. هذا؛ وضاق الأمر، وتضايق وتضيّق به، أو عليه: ضد اتسع. والضيق: ما ضاق عنه الصدر من حزن، أو هم. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ وهو بفتح الضاد، وبكسرها ما يكون في الذي يتسع، ويضيق، مثل الدار، والثوب ونحوهما.\n ﴿وَقالُوا﴾ أي: الملائكة لما رأوا فيه أثر الضجر، والقلق والانزعاج من أجلهم. كيف لا؛ وقد قال لقومه، وهم يسمعون قوله متأسفا متحسرا: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ؛﴾ أي: لبطشت بكم. ﴿لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ:﴾ ولا تغتم لأجلنا، فإنهم لن يصلوا إلينا بسوء. ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ أي: إنا مهلكوهم، ومنجوك، وأهلك ولم يكن له أهل، ولا عشيرة فيهم سوى ابنتيه؛ لأنه لم يكن منهم في نسب، ولا قرابة، كما بينته لك في سورة (الأعراف) وغيرها، ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي: من الباقين في العذاب مع قومها. وانظر سبب ذلك، وشرحه في الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل).\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٣١]. ﴿أَنْ:﴾ حرف صلة كما رأيت في الشرح. ﴿جاءَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.\n ﴿رُسُلُنا:﴾ فاعله، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لُوطًا:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿جاءَتْ..﴾. إلخ: لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿سِيءَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره:\n «هو» يعود إلى (لوط) وقيل: هو ضمير المصدر، وليس بشيء. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ جواب: (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها","vol":"7","page":178},{"text":"كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَضاقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ضاق): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (لوط). ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ذَرْعًا:﴾ تمييز جملة، وجملة:\n ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف، (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لا تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿(لا تَحْزَنْ)﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: (قالوا...) إلخ معطوفة على جواب (لما)، لا محل لها أيضا.\n ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُنَجُّوكَ:﴾ خبر: (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَهْلَكَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (أهلك): معطوف على محل الكاف عند الأخفش. وعند سيبويه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وننجي أهلك، وهذه الجملة معطوفة على: ﴿مُنَجُّوكَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، وهي من مقول الرسل بلا ريب. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِمْرَأَتَكَ:﴾ مستثنى ب: (إلا)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وإعراب:\n ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ مثل سابقتها محلا، وإعرابا بلا فارق. والله ولي التوفيق.\n\n<span id=\"aya-3374\"></span>﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ..﴾. إلخ: يقرأ بتشديد الزاي، وتخفيفها، وتشديد الجيم، وتخفيفها بقوله تعالى: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ و﴿مُنَجُّوكَ﴾ والمراد بالقرية: قرية سدوم التي كان يقطنها قوم لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والرجز: العذاب، ومثله الرجس من قولهم:\nارتجز، وارتجس: إذا اضطرب، لما يلحق المعذب من القلق، والاضطراب، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٣٤] في حق الفراعنة الطغاة: ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ..﴾. إلخ.\nهذا؛ واختلف في ذلك الرجز الذي أنزل على قوم لوط، قيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل:\nخسف، وعلى هذا يكون المراد: أن الأمر بالخسف، والقضاء به من السماء، ومعلوم: أن الخسف كان بجعل عاليها سافلها، ثم أمطر الله على من كان خارج القرية حجارة من سجيل منضود. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: إن إنزال الرجز عليهم كان بسبب فسقهم، وخروجهم عن طاعة ربهم، ومخالفة نبيهم.","vol":"7","page":179},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿مُنْزِلُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَلى أَهْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُنْزِلُونَ؛﴾ لأنه جمع اسم فاعل، لذا فيه ضمير مستتر هو فاعله، و: ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿هذِهِ:﴾ مضاف إليه مبني على الكسر في محل جر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقَرْيَةِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿رِجْزًا:﴾ مفعول به ل: ﴿مُنْزِلُونَ﴾. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رِجْزًا﴾. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر، (ما): مصدرية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَفْسُقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بفسقهم، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُنْزِلُونَ﴾. هذا؛ واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة ضعيف معنى، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ..﴾. إلخ تعليل آخر للنهي المذكور في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-3375\"></span>﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً:﴾ قال ابن عباس﵄-: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة، وقيل: هي الحجارة التي أهلكوا بها، أبقاها الله ﷿ حتى أدركتها أوائل هذه الأمة. وقيل: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض، والضمير يعود إلى قرى قوم لوط، والآية: الدلالة، والعبرة. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:﴾ يفهمون، فيستعملون عقولهم في الاستبصار، والاعتبار.\nهذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه؛ أي: يمنع صاحبه من فعل الرذائل، والقبائح؛ لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد: أن رجلا معتوها مر على مجلس النبي ﷺ، فقال الصحابة الكرام-رضوان الله عليهم-: (هذا رجل مجنون) فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «هذا مصاب، إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله تعالى». هذا؛ والعقل أيضا: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي القتيل.\nوالعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه؛ ليمنعه من القيام، والمشي، والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات، في عهد بني أمية: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو سعى عمرو عقالين؟!\nلأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين","vol":"7","page":180},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٤] ففيها الكفاية. ﴿تَرَكْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به. ﴿بَيِّنَةً:﴾ صفة:\n ﴿آيَةً﴾. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو ب: ﴿آيَةً،﴾ أو ب: ﴿بَيِّنَةً،﴾ وهو أظهر، قاله الجمل. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (قوم)، وجملة: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3376\"></span>﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: وأرسلنا إلى مدين. هذا؛ ومدين اسم رجل، وهو مدين بن إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. فعلى هذا يكون المعنى: وأرسلنا إلى ولد مدين. ومدين: اسم للقبيلة، كما يقال: بنو تميم، وبنو أمية، ونحو ذلك، وقيل: مدين: اسم للماء الذي كانوا عليه. وقيل: هو اسم للمدينة، وعلى هذين القولين يكون المعنى: وأرسلنا إلى أهل مدين. والصحيح هو الأول؛ لقوله تعالى: ﴿أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يعني في النسب لا في الدين، وشعيب هو ابن ميكيل، بن يشجر، بن مدين، بن إبراهيم، وأم ميكيل هي بنت لوط، وكان يقال لشعيب ﵇: خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته قومه، وكانوا أهل كفر، وبخس في المكيال، والميزان. هذا؛ وكان أهل مدين قوما عربا يسكنون في بلاد الحجاز، مما يلي جهة الشام قريبا من خليج العقبة من الجهات الشمالية منه، ويقول الطبري: إن بين مصر وأرض مدين ثمان ليال، ويظهر: أنها في الأرض المسماة الآن معان، وهي جنوب فلسطين. وهذا يخالف ما ذكرته سابقا.\nهذا؛ واذكر أن شعيبا أضيف إلى قومه حيث قال تعالى: ﴿أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ بخلافه في قصة نوح، وإبراهيم، ولوط حيث ذكر قوم مؤخرا عنهم، معرفا بالإضافة إلى ضمير كل واحد منهم؛ لأن الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم، ثم يذكر رسولهم؛ لأن الله لا يبعث رسولا إلى غير معين، غير أن قوم نوح، وإبراهيم، ولوط، لم يكن لهم اسم خاص، ولا نسبة مخصوصة، يعرفون بها، فعرفوا بالإضافة إلى نبيهم، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وقوم إبراهيم، وأما قوم شعيب، وهود، وصالح، فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس، فجرى الكلام على أصله. انتهى. جمل بتصرف. وينبغي أن تعلم: أن الله أرسل شعيبا إلى أهل مدين أولا، كما ذكر في سورة (الأعراف) وسورة (هود) فدعاهم إلى التوحيد، وإلى إيفاء الكيل، والميزان،","vol":"7","page":181},{"text":"فعصوا، وعاندوا، فأهلكهم الله بالرجفة، ثم بعثه إلى أهل الأيكة، كما رأيت في سورة (الشعراء) فعصوا، وعتوا أيضا، فأهلكهم الله بالظلة.\n ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ:﴾ وحدوه. لم يذكر الله عن لوط: أنه أمر قومه بالعبادة، والتوحيد، وذكر عن غيره ذلك؛ لأن لوطا كان في زمن إبراهيم على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وإبراهيم سبق لوطا بذلك؛ حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق، وإنما ذكر عنه ما اختص به من النهي عن الفاحشة، وأما غيره؛ فجاءوا في زمن غير مشتهر بالتوحيد، فأمروا به. انتهى. جمل نقلا عن الرازي.\n ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي: افعلوا ما ترجون به ثوابه، فأقيم المسبب مقام السبب. أو المعنى:\nاخشوا اليوم، وخافوه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر شرح (يوم) في الآية رقم [١٣٥] من سورة (الشعراء) ووصفه بالآخر؛ لأنه آخر يوم من أيام الدنيا، وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، وهو لا ريب فيه، وانظر شرح: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في الآية رقم [١٨٣] من سورة (الشعراء).\nالإعراب: ﴿وَإِلى:﴾ الواو: حرف عطف، ﴿(إِلى مَدْيَنَ)﴾: جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: وأرسلنا إلى مدين، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَخاهُمْ:﴾ مفعول به للفعل المحذوف منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿شُعَيْبًا:﴾ بدل من ﴿أَخاهُمْ﴾ بدل كل من كل، أو عطف بيان عليه. والواو عطفت قصة شعيب على قصة نوح، وإبراهيم. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (شعيب) تقديره: هو. ﴿يا قَوْمِ:﴾ منادى، انظر تفصيل إعرابه في الآية رقم [٤٦] من سورة (النمل). ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية والندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول. (ارجو): فعل أمر... إلخ، ﴿الْيَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الْآخِرَ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَعْثَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُفْسِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي مؤكدة للفعل؛ لأنها من معناه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَلا تَعْثَوْا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾.\nإلخ معطوفة على الجملة المقدرة بعد الواو لا محل لها مثلها.","vol":"7","page":182},{"text":"<span id=\"aya-3377\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذب قوم شعيب شعيبا فيما قاله، فلم يؤمنوا به، ولم يصدقوه فيما يقوله. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:﴾ وفي سورة (الحجر): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ،﴾ وفي سورة (هود):\n ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾. فقد قال الفراء، والزجاج: الرجفة: الزلزلة الشديدة العظيمة.\nوقال مجاهد، والسدي: هي الصيحة، فيحتمل: أنهم أخذتهم الزلزلة من تحتهم، والصيحة من فوقهم حتى هلكوا، فيكون قد اجتمع على إهلاكهم سببان. وقيل: إن جبريل الأمين﵇صاح فيهم، فتزلزلت الأرض من صيحته، فرجفت قلوبهم. والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب. انتهى. جمل نقلا من زاده. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: أصبحوا في أرضهم، وبلدهم ميتين على وجوههم خامدين. هذا؛ والجثوم للناس، والطير بمنزلة البروك للبعير. وانظر شرح ﴿الدّارِ﴾ في الآية رقم [٣٧] من سورة (القصص).\nالإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كذبوه): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف أيضا. (أخذتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم حرف دال على جماعة الذكور.\n ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَأَصْبَحُوا:﴾\nالفاء: حرف عطف، وقد أفادت في المواضع الثلاثة الترتيب، والتعقيب. (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِي دارِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿جاثِمِينَ:﴾ خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وأجيز اعتبار أصبحوا تاما، فتكون الواو فاعله، و﴿جاثِمِينَ﴾ حالا، والأول أقوى، وجملة: ﴿فَأَصْبَحُوا..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-3378\"></span>﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَعادًا:﴾ عاد: اسم للحي؛ ولذلك صرف، ومنهم من جعله اسما للقبيلة، ولذلك منعه، و(عاد) في الأصل اسم الأب الكبير، وهو: عاد بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فسميت به القبيلة، أو الحي، وقبيلة عاد كانت تسكن الأحقاف من أرض اليمن. أما ثمود؛ فهي قبيلة أخرى من العرب كعاد، سموا باسم أبيهم","vol":"7","page":183},{"text":"الأكبر: ثمود، بن غابر، بن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر. وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز، والشام إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل. والأول هو المعتمد، ونبي قوم عاد هو هود، ونبي قوم ثمود هو صالح. على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وقد مضى القول على هذين الرسولين وقومهما مفصلا في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) وغيرهما.\n ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ﴾ أي: تبين لكم بعض مساكنهم، أو تبين لكم إهلاكهم من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها، وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام، واليمن لأجل التجارة، فيبصرون ديار أولئك الأقوام الهالكين. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ:﴾ انظر الآية رقم [٤] و[٢٤] من سورة (النمل) ففيها الكفاية.\n ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: فكانوا متمكنين من النظر، والاستبصار، ولكنهم لم يفعلوا، وكانوا معجبين بدينهم، وضلالتهم، يحسبون أنهم على هدى؛ وهم على باطل، وضلالة. أو المعنى:\nكانوا متبينين: أن العذاب لاحق بهم بإخبار الرسل لهم، ولكنهم لجوا في العصيان حتى هلكوا، فلم تغن عنهم عقولهم شيئا؛ لأنهم لم ينتفعوا بها؛ حيث لم تهدهم إلى مرضاة الله تعالى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَعادًا:﴾ الواو: حرف عطف، (عادا): قال الكسائي-رحمه الله تعالى-: قال بعضهم: هو راجع إلى أول السورة؛ أي: ولقد فتنا الذين من قبلهم، وفتنا عادا، وثمود. قال:\nوأحب إليّ أن يكون معطوفا على: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛﴾ أي: وأخذت عادا، وثمود. وزعم الزجاج: أن التقدير: وأهلكنا عادا، وثمود. وقيل: المعنى: واذكر عادا إذ أرسلنا إليهم هودا، فكذبوه، فأهلكناهم. انتهى. قرطبي. أقول: وقول الزجاج أولى بالاعتبار، وهو أولى لعطف جملة على جملة قريبة في المعنى. ﴿وَثَمُودَ:﴾ معطوف على: (عادا). ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل محذوف، تقديره: ذلك؛ يعني ما وصفه الله من إهلاكهم. وقيل: التقدير: تبين لكم بعض مساكنهم، أو تبين لكم إهلاكهم من جهة مساكنهم، والأول أولى بالاعتبار. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ مَساكِنِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية؛ أي: من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿(عادًا وَثَمُودَ)﴾.\n ﴿وَزَيَّنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (زين): فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.\n ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط في الأولى:","vol":"7","page":184},{"text":"الواو، والضمير. ﴿فَصَدَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (صدهم): فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿عَنِ السَّبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وأيضا جملة ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، و«قد» مقدرة قبل كل جملة من هذه الجمل المتعاطفة؛ لأنها كلها في محل نصب حال.\n\n<span id=\"aya-3379\"></span>﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩)﴾\nالشرح: (قارون): هو من بني إسرائيل، وقد رأيت قصته في آخر سورة (القصص) وقدم بالذكر على فرعون، وهامان لشرف نسبه بقرابته من موسى لكونه ابن عمه. (فرعون): ما أكثر ذكره في القرآن لشدة عتوه، وكثرة طغيانه. و(هامان): هو وزيره والمساعد له على عتوه، وطغيانه، وخروجه عن طاعة ربه. ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تعالوا على الناس، وخرجوا عن طاعة الله بأرض مصر؛ حيث كان فرعون، وهامان. وأما قارون؛ فقد كان، وأهلكه الله بأرض فلسطين.\n ﴿وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ أي: فائتين من عذابنا، بل أدركهم العذاب، فلم يفوتوه. وانظر الآية رقم [٤] فبحثها جيد. وقيل: المعنى: وما كانوا سابقين في الكفر، والطغيان، والعصيان، بل قد سبقهم في ذلك قرون كثيرة، وأمم عديدة، مثل قوم نوح، وقوم هود، وصالح، وقوم لوط... إلخ، فأخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق.\nالإعراب: ﴿وَقارُونَ:﴾ معطوف على: (عادا وثمود) وما بعده معطوف عليه. ﴿وَلَقَدْ:﴾\nانظر الآية رقم [١٤] فالإعراب فيها كاف واف، ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به.\n ﴿مُوسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ جار ومجرور، متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مُوسى﴾ أي: مصحوبا بالبينات، أو ملتبسا بها، وجملة: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه، كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (استكبروا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿سابِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من اعتبارها معطوفة على ما قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"7","page":185},{"text":"<span id=\"aya-3380\"></span>﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أي: فكل واحد من المذكورين عاقبناه بسبب ذنبه. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ أي: ريحا عاصفا، فيها حصباء، أو ملكا رماهم بها، كالذي حصل لقوم لوط، قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ:﴾\nكقوم شعيب، وقوم صالح، قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾. وانظر تفسير الرجفة في الآية رقم [٣٧]. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ:﴾ والمراد به: قارون، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ أي: بالماء، كالذي حصل لقوم نوح، وقوم فرعون.\n ﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: ليعاملهم معاملة الظالم، فيعاقبهم بغير جرم؛ إذ ليس ذلك من عادته، بل أنذرهم رسولهم عقاب الله، وأمهلهم الله؛ حيث بعث إليهم الرسل، وأزاح العذر.\n ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ:﴾ حيث ارتكبوا الجرائم التي سببت لهم الهلاك والدمار.\nهذا؛ وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٧] من سورة (الشعراء)، وشرح الذنب في الآية رقم [٥٨] من سورة (الفرقان).\nتنبيه: مما لا ريب فيه أن أمة محمد ﷺ، قد فعل أفرادها جميع الفواحش، والقبائح التي فعلتها الأمم الماضية، والقرون الخالية من تطفيف، وبخس للكيل والميزان، والزنى وعمل قوم لوط، وسفك الدماء، والظلم، والعدوان، والفساد في الأرض، وتجاوز حدود الله: من سلب للأموال، وانتهاك للحرمات، واعتداء على الكرامات، ومع ذلك لم يقع عذاب على هذه الأمة، وهي باقية بقاء الدهر، ولعل السبب في ذلك: أن الأمة لا تخلو في كل زمان، ومكان من صالحين، وصالحات، فيدفع الله بهم البلاء عن المسيئين، والمسيئات، أو أن الله لم يعاجل هذه الأمة بالأخذ الشديد، والعقاب الأليم، بل يؤخر ذلك إلى يوم القيامة، أو أن السبب كون النبي ﷺ رحمة للعالمين، فلذا لم يعاقب أحدا عقاب استئصال؛ حتى الكافرين لم يعاقبهم ذلك العقاب، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ولكن لا بد من القول:\nإن الله سينزل على هذه الأمة في آخر الزمان أنواع العذاب؛ التي أنزلها على الأمم الماضية، والقرون الخالية، وخذ ما يلي:\nفعن أبي أمامة﵁عن النبي ﷺ قال: «يبيت قوم من هذه الأمّة على طعم، وشرب، ولهو، ولعب، فيصبحوا قد مسخوا قردة، وخنازير، وليصيبنّهم خسف، وقذف، حتّى","vol":"7","page":186},{"text":"يصبح النّاس، فيقولون: خسف اللّيلة ببني فلان، وخسف اللّيلة بدار فلان خواصّ، ولترسلنّ عليهم حجارة من السّماء، كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها، وعلى دور، ولترسلنّ عليهم الريح العقيم؛ التي أهلكت عادا على قبائل فيها، وعلى دور بشربهم الخمر ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الرّبا، وقطيعتهم الرّحم». رواه الإمام أحمد، والبيهقي.\nوعن علي بن أبي طالب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلة؛ حلّ بها البلاء». قيل: ما هنّ يا رسول الله؟! قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعقّ أمّه، وبرّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرّجل مخافة شرّه، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتّخذت القينات، والمعازف، ولعن آخر هذه الأمّة أوّلها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا، أو مسخا». رواه الترمذي.\nالإعراب: ﴿فَكُلاًّ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة. (كلاّ): مفعول به مقدم.\n ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِذَنْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾\nالفاء: حرف استئناف، وتفريع. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب المتعارف عليه، والظاهر في مثل هذه الجملة، وأرى: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و﴿مَنْ﴾ خبره. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠]. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حاصِبًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية ﴿أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا:﴾\nصلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على)، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها، كما هو الظاهر.\n ﴿أَخَذَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وهو العائد، أو الرابط ل: ﴿مَنْ﴾. ﴿الصَّيْحَةُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة:\n ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها. ﴿خَسَفْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِذَنْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ:﴾ صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿أَغْرَقْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: منهم الذي، أو شخص أغرقناه.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾\nاسمها. ﴿لِيَظْلِمَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ تقديره: «هو» والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. و«أن»","vol":"7","page":187},{"text":"المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ التقدير: وما كان الله مريدا ظلمهم. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا ب: (من) فلست مفندا. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾\nمفعول به مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾. والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-3381\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ يعني: الأصنام التي اتخذوها معتمدا، ومتكلا، يرجون نصرها، ونفعها. فالغرض تشبيه ما اتخذوه متكلا، ومعتمدا في دينهم، وتولّوه من دون الله بما هو مثل عند الناس في الوهن والضعف، وهو نسج العنكبوت. ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا:﴾ لنفسها تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف، والوهن، لا يدفع عنها حرا، ولا بردا، فكذلك الأوثان، لا تملك لعابدها نفعا، ولا ضرا.\nوقيل: معنى هذا المثل: أن المشرك الذي يعبد الأصنام بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل العنكبوت تتخذ بيتا من نسجها بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجرّ وجصّ، أو نحته من صخر فكما: أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت، فكذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينا دينا عبادة الأوثان؛ لأنها لا تضر ولا تنفع.\n ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ:﴾ أي أضعفها. ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ:﴾ إشارة إلى ضعفه، فإن الريح إذا هبت عليه، أو لمسه لامس، فلا يبقى له عين، ولا أثر، فقد صح، وثبت: أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، وقد تبين وثبت أن دين الكفرة أوهن الأديان، وأحقرها.\n ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا يرجعون إلى علم؛ لعلموا: أن هذا مثل دينهم، فعند ذلك يقلعون عن دينهم الوضيع المهين، ويعتنقون الدين القويم، الذي جاء به سيد المرسلين محمد ﷺ. هذا؛ وقد قال النحاة: إن تاء العنكبوت في آخرها مزيدة؛ لأنها تسقط في التصغير، والجمع، وهي مؤنثة. وحكى الفراء تذكيرها، وأنشد قول الشاعر: [الوافر] على هطّالهم منهم بيوت... كأنّ العنكبوت قد ابتناها\nويروى: على أهطالهم منهم بيوت.","vol":"7","page":188},{"text":"قال الجوهري: والهطال: اسم جبل، والعنكبوت: الدويبة المعروفة التي تنسج نسجا رقيقا مهلهلا بين الهواء، ويجمع على: عناكيب، وعناكب، وعكاب، وعكب، وأعكب. وقد حكى:\nأنه يقال: عنكب، وعكنباة. قال الشاعر: [الرجز] كأنّما يسقط من لغامها... بيت عكنباة على زمامها\nويقال أيضا: «عنكباة» بتقديم النون على الكاف، وتصغّر، فيقال: عنيكب. وقد حكي عن يزيد بن ميسرة: أن العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى (ولا أصل له). وقال عطاء الخراساني:\nنسجت العنكبوت مرتين: مرة على داود ﵇، حين كان جالوت يطلبه-الأصح:\n (طالوت) -، ومرة على النبي ﷺ (ليلة الهجرة، ويومها حين كان في غار ثور)؛ ولذلك نهى النبي عن قتلها. ويروى عن علي﵁، وكرم الله وجهه-: أنه قال: طهّروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإنّ تركه في البيوت يورث الفقر. انتهى. قرطبي. ما عدا ما بين القوسين، فإنه تصرف مني. وأضيف: أن العنكبوت يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، والغالب في استعماله التأنيث.\nتنبيه: روي عن الحسن البصري، وقتادة﵄-: أنهما قالا: لما ذكر الله الذباب، والعنكبوت في كتابه؛ أي: في هذه الآية وقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. وضرب للمشركين بذلك المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله! تعالى قوله في سورة (البقرة): ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها..﴾. إلخ الآية رقم [٢٦]. وانظر الآية رقم [١٣] من سورة (فاطر)، وانظر (الحج) رقم [٧٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا». و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ: صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. و(مثل) مضاف، و﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ مضاف إليه. ﴿اِتَّخَذَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿الْعَنْكَبُوتِ،﴾ تقديره: «هي». ﴿بَيْتًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ على اعتبار (ال) للتعريف، وقد حازت شرط مجيء الحال من المضاف إليه، أو الجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ على اعتبار (ال) فيه","vol":"7","page":189},{"text":"للجنس، على حد قوله تعالى في حق علماء اليهود اللؤماء: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾. وقال السلولي: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني\n ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَوْهَنَ:﴾ اسم (إنّ) وهو مضاف، و﴿الْبُيُوتِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَبَيْتُ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى: (المزحلقة).\n (بيت): خبر (إنّ)، و(بيت) مضاف، و﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْعَنْكَبُوتِ،﴾ والرابط: إعادة ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ بلفظه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْلَمُونَ:﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.\nويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لو كانوا يعلمون ذلك؛ لما عبدوها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام فيه معنى التقوية للجملة الاسمية قبله. والجملة الاسمية:\n ﴿مَثَلُ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3382\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: الله يعلم ما يعبدون من غيره من إنس، أو جن، أو جماد، أو نبات، أو شمس، أو قمر... إلخ، وقال الخازن: هذا توكيد للمثل، وزيادة عليه، يعني: إن الذين يدعون من دونه ليس بشيء. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر؛ الذي لا يغلب. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في صنعه، فهو الذي خلق كل شيء على مقتضى الحكمة. هذا؛ وإن من فرط الغباوة إشراك ما لا يعد شيئا بمن هذا شأنه وهو القدرة على كل شيء، وإن الجماد الذي يعبده المشركون بالإضافة إلى القاهر على كل شيء، البالغ في العلم وإتقان العمل الغاية القصوى، كالمعدوم، وإن من هذا صفته قادر على مجازاتهم إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، وانظر شرح (دعا) في الآية رقم [٢١٣] من سورة (الشعراء)، وشرح ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [١٨٣] منها.\nهذا؛ و﴿اللهَ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد: وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا.","vol":"7","page":190},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي يدعونه. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على الموصول، و﴿مِنْ﴾ تبيين ل: ﴿ما﴾ وهذا الإعراب هو الظاهر، والمتبادر إلى الأفهام. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿ما﴾ استفهامية على جهة التوبيخ، وهي معلقة للفعل عن العمل، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعدها، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾. وقول الجمل: (فتكون هي وما عمل فيها معترضا بين قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ وبين قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ كأنه قيل: أي شيء يدعون من دونه؟ ولا أراه قويا، كما أجيز اعتبار: ﴿ما﴾ نافية، فتكون معلقة للفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ عن العمل أيضا، وتكون: ﴿مِنْ﴾ صلة، و﴿شَيْءٍ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾. كما أجيز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، فتؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم دعوتهم شيئا من دونه. فينتج أربعة أوجه في: ﴿ما﴾ ويكون فحوى الكلام على الوجه الأول، والرابع تجهيلا لهم، وتوكيدا للمثل. وعلى الوجه الثاني، والثالث وعيدا لهم. وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ، في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ التقدير: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة:\n ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ وهذا الكلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَكِيمُ:﴾\nخبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل يعلم المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3383\"></span>﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ:﴾ يعني هذا المثل الذي ضربه الله للأوثان بالعنكبوت، ونظائره مما ذكر في سورة (البقرة) وسورة (الحج) وغيرهما. ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ:﴾ نبينها لكفار مكة، وغيرهم.\n ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ أي: ما يفهم الأمثال التي يضربها الله للناس إلا العلماء الذين يعقلون عن الله ﷿. فقد روي البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله﵄-: أن النبي ﷺ تلا هذه الآية، ثم قال: «العالم من عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه».","vol":"7","page":191},{"text":"فعن النبي ﷺ: أنه قال: «الناس كلهم هالكون إلا العالمون، والعالمون كلّهم هالكون إلا العاملون، والعاملون كلّهم هالكون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم». وفي رواية «الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلاّ العاملون، والعاملون هلكى إلاّ المخلصون». وينبغي أن تعلم أن «إلا» في هذا الحديث بمعنى «غير» إذ المعنى: الناس غير العالمين هلكى، والعالمون غير العاملين هلكى، والعاملون غير المخلصين هلكى، ولو أراد الاستثناء لنصب ما بعد «إلاّ»؛ لأنه في كلام تام موجب.\nالإعراب: ﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْأَمْثالُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿نَضْرِبُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿لِلنّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿الْأَمْثالُ﴾ خبر المبتدأ؛ فالجملة الفعلية تكون في محل نصب حال من ﴿الْأَمْثالُ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والجملة الاسمية: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية. ﴿يَعْقِلُها:﴾ فعل مضارع، و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿الْعالِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَعْقِلُها..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، أو: هي مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3384\"></span>﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، والقسط، محقا غير قاصد به باطلا، فإن المقصود من خلقهما إفاضة الخير على العباد، والدلالة على ذاته، وصفاته. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ أي: لعلامة، ودلالة على قدرته التامة، وحكمته البالغة. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون، فينتفعون.\nالإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من لفظ الجلالة، والجملة الفعلية: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام","vol":"7","page":192},{"text":"للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (آية): اسم:\n ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آية)، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3385\"></span>﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ﴾ أي: تقربا إلى الله تعالى بقراءته، وتذكرا لما في تضاعيفه من المعاني، وتذكيرا للناس، وحملا لهم على العمل بما فيه من الأحكام، ومحاسن الآداب، ومكارم الأخلاق.\n ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويعم أمته إلى يوم القيامة بدليل التعليل بالجملة الاسمية التالية، وإقامة الصلاة: أداؤها في وقتها بقراءتها، وركوعها، وسجودها، وقعودها وتشهدها، وجميع شروطها على الوجه الأكمل، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل؛ يقال عنه:\nإنه صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. وانظر ما ذكرته لك في الآية رقم [٣] من سورة (النمل).\n ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ﴾ أي: ما قبح من الأعمال، وفحش من الأقوال.\n ﴿وَالْمُنْكَرِ:﴾ وهو ما استقبحه الشرع، والعقل، وتأباه الفطرة السليمة، والخليقة المستقيمة، فقد قال عبد الله بن مسعود، وابن عباس﵄-: في الصلاة منتهى، ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر؛ لم تزده صلاته من الله إلا بعدا.\nوقال الحسن، وقتادة﵄-: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ فصلاته وبال عليه. وقيل: من داوم على الصلاة جره ذلك إلى ترك المعاصي، والسيئات. كما روي عن أنس -﵁قال: كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله ﷺ، ثم لم يدع من الفواحش شيئا إلا ركبه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «إنّ صلاته ستنهاه يوما». فلم يلبث أن تاب، وحسنت حاله، فقال النبي ﷺ «ألم أقل لكم: إنّ صلاته ستنهاه يوما».\nوفي الآية قول آخر، ارتضاه المحققون، وقال به المشيخة الصوفية، وذكره المفسرون؛ حيث قيل: المراد ب: ﴿(أَقِمِ الصَّلاةَ)﴾ إدامتها، والقيام بحدودها، ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها، وممتثلها عن الفحشاء والمنكر، وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة.\nوالصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه، وخشع، وأخبت لربه، وادّكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه، ويراه؛ صلحت لذلك نفسه، وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى، يرجع بها إلى أفضل حالة. فهذا معنى هذه الأخبار؛ لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون. انتهى. قرطبي.","vol":"7","page":193},{"text":"ثم قال: لا سيما وإن أشعر نفسه: أن هذا ربما يكون آخر عمله، وهذا أبلغ في المقصود، وأتم في المراد، فإن الموت ليس له سن محدود، ولا زمن مخصوص، ولا مرض معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه. وروي عن بعض السلف: أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد، واصفر لونه، فكلّم في ذلك، فقال: إني واقف بين يدي الله تعالى، وحقّ لي هذا مع ملوك الدنيا، فكيف مع ملك الملوك. فهذه صلاة تنهى صاحبها، ولا بد عن الفحشاء، والمنكر. ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء، لا خشوع فيها، ولا تذكر، ولا فضائل، كصلاتنا-وليتها تجزي-فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص، تبعده من الله تعالى؛ تركته الصلاة يتمادى على بعده. انتهى. والمعنى: إن الصلاة لم تؤثر في تقريبه من الله، بل تتركه على حاله، ومعاصيه من الفحشاء، والمنكر، والبعد، فلم تزده الصلاة إلا تقرير البعد الذي كان سبيله.\nوعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث: «لم تزده من الله إلا بعدا، ولم يزدد بها من الله إلا مقتا». إشارة إلى أن مرتكب الفحشاء، والمنكر لا قدر لصلاته؛ لغلبة المعاصي على صاحبها. انتهى. قرطبي.\n ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي: ذكر الله لكم بالثواب، والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم، وصلواتكم. وقال معناه ابن مسعود، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو قرّة، وسلمان، والحسن﵃ أجمعين-؛ وهو اختيار الطبري. وقيل: ذكركم الله في صلاتكم، وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء. وقيل: المعنى: لذكر الله باللسان بسائر أنواعه من تحميد، وتهليل، وتسبيح، وتكبير وغير ذلك أفضل من أي عمل كان. واستدل عليه بما رواه أبو الدرداء عن النبي ﷺ قال: «ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب، والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟». قالوا: بلى، قال: «ذكر الله». أخرجه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم، وغيرهم.\nوالحديث القدسي الذي خرجه الشيخان عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ؛ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ شبرا؛ تقرّبت إليه ذراعا، وإن تقرّب إليّ ذراعا؛ تقرّبت إليه باعا، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة». وخذ قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ..﴾. إلخ.\nوقيل: و﴿وَلَذِكْرُ اللهِ﴾ يريد: وللصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله، كما قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ وإنما قال: ولذكر الله؛ ليستقل بالتعليل، كأنه قال: وللصلاة أكبر؛ لأنها ذكر الله، وعن ابن عباس﵄-، قال: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر","vol":"7","page":194},{"text":"من ذكركم إياه بطاعته. وهو قريب مما تقدم. هذا؛ وإننا لنرى من يكثر الصلاة، والركوع، والسجود، وهو معرض عن الحق، مؤيد للباطل، فهذا يمكن القول: إنه اتخذ الصلاة عادة من غير أن يفقه لها معنى، ولا مغزى. وقد قيل: إن الصلاة عادة، والصوم جلادة.\n ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ:﴾ هو أبلغ من (والله يعلم ما تعملون)؛ حيث إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه وتروّ، وتحري إجادة، ولذا ذم الله به خواص اليهود؛ حيث قال تعالى في حقهم:\n ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ بينما ذم عوامهم بقوله: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وأعني بخواصهم:\nالأحبار، والرهبان الذين يحرفون التوراة، ويفترون على الله المفتريات، وأعني بعوامهم: الذين كانوا لا يعلمون الكتاب إلا أماني، أي: أكاذيب. والمراد ما تصنعون من الذكر، وسائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة.\nالإعراب: ﴿اُتْلُ:﴾ فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُوحِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿ما،﴾ تقديره: «هو» وهو العائد. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا أراه قويا، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿اُتْلُ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وجملة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الصَّلاةَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿تَنْهى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى:\n ﴿الصَّلاةَ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَنِ الْفَحْشاءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْمُنْكَرِ:﴾ معطوف على ما قبله بالواو العاطفة، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ الصَّلاةَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَلَذِكْرُ:﴾ الواو: واو الحال. اللام: لام الابتداء، (ذكر): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: ولذكركم الله. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الصَّلاةَ،﴾ والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾\nالواو: حرف استئناف أو عطف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. وفاعله مستتر فيه يعود إلى (الله)، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تصنعونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل","vol":"7","page":195},{"text":"بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم صنعكم. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأعظم.\n\n<span id=\"aya-3386\"></span>﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾\nالشرح ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ أي: لا تخاصموهم، والجدل شدة الخصومة، وهي مذمومة إلا عند الضرورة كما سيأتي، فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا﴾. رواه الترمذي، وابن ماجة.\nوعن أبي أمامة الباهلي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنّة، ومن تركه وهو محقّ بني له في وسطها، ومن حسّن خلقه بني له في أعلاها». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي.\n ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالخصلة التي هي أحسن للثواب، وهي: مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ:﴾ فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح والإرشاد، ولم ينفع فيهم الرفق والسهولة، فاستعملوا معهم الغلظة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ بالقول، أو بالفعل. أو إلا الذين أثبتوا الولد والشريك لله، وقالوا: يد الله مغلولة، أو المعنى: ولا تجادلوا الداخلين في الذمة، المؤدين للجزية. ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا،﴾ فنبذوا الذمة، ومنعوا الجزية، فمجادلتهم بالسيف، والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين، وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي تتحقق به المجادلة.\n ﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ:﴾ روى البخاري عن أبي هريرة﵁- قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالذي... إلخ». وروى عبد الله بن مسعود﵁أن النبي ﷺ قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنّهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، إمّا أن تكذّبوا بحقّ، وإما أن تصدّقوا بباطل». وعن النبي ﷺ أنه قال:\n «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالله وملائكته وبكتبه ورسله، فإن قالوا باطلا لم تصدّقوهم، وإن قالوا حقّا لم تكذّبوهم».","vol":"7","page":196},{"text":"وفي البخاري عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. ﴿وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ:﴾ مطيعون له خاصة. وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم، ورهبانهم أربابا من دون الله.\nهذا وفحوى الآية قريب من قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا..﴾.\nإلخ رقم [١٣٦]. وقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا..﴾. إلخ رقم [٦٤] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُجادِلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَهْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالَّتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ إذ المعنى:\nولا تجادلوا أهل الكتاب في حال من الأحوال إلا في حال مجادلتكم إياهم بالتي... إلخ.\n ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من ﴿أَهْلَ الْكِتابِ،﴾ أو في محل نصب بدل منه.\n ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (لا تجادلوا...) إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَقُولُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قولوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والموصول مبني على السكون في محل جر.\n ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى الذي، وهو العائد. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقال الكوفيون، والأخفش وتبعهم ابن مالك: إنّ اسما موصولا محذوفا هنا معطوفا على ما قبله، التقدير:\nوالذي أنزل إليكم. ومثل الآية قول حسان بن ثابت ﵁: [الوافر] أمن يهجو رسول الله منكم... ويمدحه وينصره سواء؟\nالتقدير: ومن يمدحه، وهذا هو الشاهد رقم [١٠٥٨] من كتابنا فتح القريب المجيب، ولولا هذا التقدير لفسد المعنى فسادا شنيعا؛ إذ يصير المادح هو الهاجي، وهو لا يصح، ومثله قول الآخر، وهو الشاهد التالي له من كتابنا المذكور: [الخفيف]","vol":"7","page":197},{"text":"ما الّذي دأبه احتياط وحزم... وهواه أطاع يستويان\nوجملة: ﴿آمَنّا بِالَّذِي﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿(لا تُجادِلُوا...)﴾ إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَإِلهُنا:﴾ الواو: واو الحال. (إلهنا): مبتدأ، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلهُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إلهكم):\nمعطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿واحِدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (إلهنا...) إلخ في محل نصب حال من (نا)، أو من الكاف، والرابط على الاعتبارين الواو والضمير. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-3387\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧)﴾\nالشرح ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي: كما أنزلنا الكتاب على اليهود والنصارى؛ أنزلنا إليك القرآن يا محمد مصدقا لسائر الكتاب السماوية، ومحتويا على جميع ما فيها من تعاليم وتشريعات إلهية. ﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ المراد بهم: عبد الله بن سلام ومن تبعه من اليهود وأيضا من أسلم من نصارى نجران، والقسيسون، والرهبان من أهل الحبشة. قال الجمل: فيه أن إسلامهم إنما كان بالمدينة، والسورة مكية، ويجاب بأن هذا من قبيل الإخبار بالغيب فأخبر الله نبيه ﷺ بحالهم قبل وقوعه. انتهى. نقلا من كرخي، وانظر ما ذكرته في المقدمة عن ابن عباس وقتادة﵄-. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يصدقون بالقرآن، ويهتدون بهديه.\n ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ:﴾ ومن أهل مكة، أو: ومن العرب. وقيل: المراد بالذين أوتوا الكتاب: الذين تقدموا عهد رسول الله ﷺ. ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ﴾ ممن في عهده منهم. ﴿وَما يَجْحَدُ:﴾ وما يكفر، يقال:\nجحد الشيء: أنكره، وجحد الإسلام: كفر به، وهو من باب: فتح. ﴿بِآياتِنا:﴾ آيات القرآن.\n ﴿إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ أي: المتوغلون في الكفر، فإن جزمهم به يمنعهم من التأمل فيما يفيد لهم صدقها؛ لكونها معجزة بالإضافة إلى رسول الله ﷺ الذي لم يقرأ ولم يكتب.\nهذا والمراد بالكتاب الأول: القرآن، وبالكتاب الثاني: التوراة، والكتاب في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماع أفرادها، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا.","vol":"7","page":198},{"text":"هذا و﴿أَنْزَلْنا﴾ بمعنى: نزّلنا، والفرق بين الفعلين أن أنزل يفيد أن القرآن، أو السورة نزل دفعة واحدة، وأما نزّل فيفيد أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة، وهذا مما يريب القرشيين، كما حكى ﷾ ذلك عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين الله سبحانه الحكمة من نزوله مفرقا بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أنزلنا إليك الكتاب إنزالا كائنا، مثل إنزالنا التوراة، والإنجيل على من قبلك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَنْزَلْنا:﴾\nفعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول.\n ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له.\n (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب: (من)، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الجملة، وأرى: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و﴿مِنْ﴾ خبره، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من هذه السورة؛ تجد ما يسرك. ﴿يُؤْمِنُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَجْحَدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَجْحَدُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.","vol":"7","page":199},{"text":"<span id=\"aya-3388\"></span>﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا:﴾ تقرأ، والخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق ﷺ. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ من قبل القرآن. ﴿مِنْ كِتابٍ﴾ أي: من كتاب سماوية، أو غيرها.\n ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: لم تكتبه، والمعنى: إنك لم تقرأ، ولم تكتاب قبل الوحي. وذكر اليمين، وهي اليد الجارحة التي يزاول بها الخط زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتبا، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات: رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشد لإثباتك أنه تولى كتابته بيده، فكذلك النفي، وإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة على أمّيّ لم يعرف بالقراءة، والكتابة، والتعلم خارق للعادة، بل هو معجزة المعجزات.\n ﴿إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ معناه: لو كنت تقرأ، وتكتاب قبل الوحي إليك؛ لارتاب المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأ ما يقصه، ويتلوه علينا من كتاب الأولين، أو ينسخه منها. وقيل:\n ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ هم اليهود، ومعناه: أنهم إذا لشكّوا فيما تتلوه وتقرؤه، واتهموك، وقالوا: إن الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ، ولا يكتب، ومحمد ليس على هذه الصفة. وسماهم الله مبطلين؛ لإنكارهم نبوة محمد ﷺ، وكفاهم بذلك بطلا، وكفرا. وعن مجاهد، والشعبي: ما مات النبي ﷺ حتى كتاب وقرأ. وهذا لم يثبت.\nوقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم: أن محمدا ﷺ المبعوث آخر الزمان لا يخط، ولا يقرأ، فنزلت الآية الكريمة تؤيد ما في كتبهم. قال النحاس: نزلت الآية دليلا على نبوته لقريش؛ لأنه لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء، والأمم، وزالت الريبة، والشك.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون. والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. ﴿تَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كِتابٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿كِتابٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿تَتْلُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَما كُنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿تَخُطُّهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء","vol":"7","page":200},{"text":"مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تَتْلُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مثلها.\n ﴿بِيَمِينِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب وجزاء. ﴿لارْتابَ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:\nإذا والله... إلخ. (ارتاب): فعل ماض. ﴿الْمُبْطِلُونَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، لا محل لها. هذا؛ وقدر الجلال الكلام كما يلي: «لو كنت قارئا كتابا؛ لارتاب المبطلون» وقدر نظيره في قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ وقد قال الجمل هناك، معلقا على تقدير الجلال: ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية كما فعل الشارح، وعبارة السمين: ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها.\nهذا وقد قال ابن هشام-رحمه الله تعالى في مغنيه-: والأكثر أن تكون جوابا ل: «إن»، أو «لو» مقدرتين، أو ظاهرتين، فالأول أي وقوعها جوابا ل: «إن» كقول كثير عزة: [الطويل] لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذا لا أقيلها\nهذا هو الشاهد رقم [١٩] من كتابنا فتح القريب المجيب، وقول قريط بن أنيف: [البسيط] لو كنت من مازن لم تستبح إبلي... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا\nإذا لقام بنصري معشر خشن... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا\nهذا هو الشاهد رقم [٢٠] من كتابنا المذكور. هذا؛ وقد قال الفراء: حيث جاءت بعدها اللام فقبلها (لو) مقدرة، إن لم تكن ظاهرة، وهذا هو القول الفصل، والكلام بجملته: ﴿إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3389\"></span>﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ:﴾ إضراب عن ارتيابهم، أي: ليس القرآن مما يرتاب فيه؛ لكونه في الصدور، وكونه محفوظا بخلاف غيره من الكتاب، فإنه لا يقرأ إلا في المصاحف، ولذا جاء في وصف هذه الأمة، صدورهم أناجيلهم، والمعنى: أنهم يقرءون كتاب الله عن ظهر قلب، وهو مثبت محفوظ في صدورهم، كما كان كتاب النصارى مثبتا في أناجيلهم، أي: كتبهم.\n ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو شعر، ولكنه علامات، ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه، وهي كذلك في صدور الذين أوتوا","vol":"7","page":201},{"text":"العلم، وهم أصحاب محمد ﷺ، والمؤمنون به، يحفظونه، ويقرءونه، ووصفهم بالعلم؛ لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله، وكلام البشر، والشياطين، ولذا لا يقدر أحد على تحريفه، كما حرفت الكتاب السابقة.\nوقال قتادة، وابن عباس﵄-: ﴿بَلْ هُوَ﴾ يعني: محمدا ﷺ. والمراد ب: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم بهذه الصفة: أميا لا يقرأ، ولا يكتب، ولكنهم ظلموا أنفسهم، وكتموا، وهذا اختيار الطبري. ودليل هذا القول قراءة ابن مسعود، وابن السّميقع: (بل هذا آيات بينات) وكان ﵊ آيات، لا آية واحدة؛ لأنه دل على أشياء كثيرة من أمر الدين، لهذا قال: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ وقيل: بل هو ذو آيات بينات، فحذف المضاف.\n ﴿وَما يَجْحَدُ:﴾ وما يكفر. ﴿بِآياتِنا:﴾ بآيات القرآن. ﴿إِلاَّ الظّالِمُونَ:﴾ المتوغلون في الظلم بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها حتى لم يعتدّوا بها، والمراد بالظالمين: اليهود، ومن على شاكلتهم من المكابرين المعاندين في كل وقت، وحين. وعبر سبحانه في هذه الآية وسابقتها عن القرآن بالآيات للتنبيه على ظهور دلالتها على معانيها، وعلى كونها من عند الله تعالى، وأضيفت إلى نون العظمة لمزيد تفخيمها، وغاية التشنيع على من يجحدها.\nهذا؛ والظالم هو الذي يظلم غيره بالاعتداء على حقوقه، أو على كرامته، وحرماته، والظالم هو الذي يظلم نفسه بالكفر، أو بالمعاصي، وارتكاب الفواحش، والمنكرات، وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آياتٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿بَيِّناتٌ:﴾ صفة ﴿آياتٌ﴾. ﴿فِي صُدُورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَيِّناتٌ،﴾ و﴿صُدُورِ:﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ آياتٌ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَما يَجْحَدُ..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٤٧] فالإعراب مثلها.","vol":"7","page":202},{"text":"<span id=\"aya-3390\"></span>﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار مكة لرسول الله ﷺ. ﴿لَوْلا:﴾ هلا. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: مثل آيات الأنبياء، كما جاء صالح بالناقة، وموسى بالعصا، وعيسى بالمائدة، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وقرئ «(آية)» بالإفراد. ﴿قُلْ﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿إِنَّمَا الْآياتُ:﴾ المعجزات. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: ينزلها على من يشاء؛ إذا شاء أنزلها عليّ، وليست عندي، فأملكها، فآتيكم بما تقترحونه. ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ:﴾ ليس من شأني إلا الإنذار وإبانته، بما أعطيت من الآيات.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتٌ:﴾ نائب الفاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْآياتُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّما:﴾ الواو: حرف عطف. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n<span id=\"aya-3391\"></span>﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا..﴾. إلخ: هذا جواب لقولهم في الآية السابقة: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: أو لم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحدّيتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى؛ لقالوا:\nسحر ونحن لا نعرف السحر، والكلام مقدور لهم، ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. وأيضا:","vol":"7","page":203},{"text":"فإن معجزة القرآن أتم من معجزة من تقدم من الأنبياء؛ لأن معجزة القرآن تدوم على مر الدهور والزمان، ثابتة لا تزول، ولا تضمحل، كما زالت كل آيات الأنبياء بعد وجودها.\nوقيل: إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: أتي النبي ﷺ بكتف «أي: عظم كتف دابة» فيه كتاب، فقال: «كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم، أو كتاب غير كتابهم». فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾. أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده، وذكره أهل التفسير في كتبهم. انتهى. قرطبي.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: ذلك الكتاب، الذي هو آية مستمرة، وحجة مبينة. ﴿لَرَحْمَةً:﴾\nلنعمة عظيمة في الدنيا والآخرة. وقيل: رحمة في الدنيا باستنقاذهم من الضلالة. وذكرى في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ فإنهم هم المنتفعون بتعاليم القرآن، والمهتدون بهديه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكْفِهِمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل للفعل: «يكفي»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها مع الجملة المعطوفة عليها في التقدير: إذا قدرت: أقصّر محمد، ولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات.\n ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الكتاب، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكتاب. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَرَحْمَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (رحمة): اسم: ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿وَذِكْرى:﴾ الواو: حرف عطف. (ذكرى): معطوف على رحمة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (رحمة)، أو ب: (ذكرى) على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صفة: (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":204},{"text":"<span id=\"aya-3392\"></span>﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ أني قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، وأنذرتكم، وأنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب. وقال ابن عباس﵄-: معناه يشهد لي: أني رسوله، والقرآن كتابه، ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة الله إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه.\n ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المطلع على أمري وأمركم، ويعلم حقي وباطلكم، كيف لا؟ وهو يعلم ما في السموات والأرض، ولا يعزب عن علمه شيء مهما دق، وصغر.\n ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ﴾ أي: بعبادة غير الله من حجارة، أو شمس، أو قمر، أو إنسان، فإن عبادة ما سوى الله باطل. ﴿وَكَفَرُوا بِاللهِ:﴾ بتكذيب رسوله، وجحد كتابه، أو بإضافة الولد له تعالى.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: من آمن بالباطل فقد كفر بالله، فهل لهذا العطف من فائدة غير التأكيد؟ قلت: نعم فائدته: أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول، فهو كقول القائل:\n «أتقول الباطل، وتترك الحق» لبيان: أن الباطل قبيح. ومعنى ﴿الْخاسِرُونَ﴾ المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان، والنار بالجنة.\nهذا؛ والباطل ضد الحق، والباطل بمعنى الفاسد، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما لعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل، والكذب، والبطالة: التعطل والتفرغ عن العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل: اسم فاعل من أبطل الرباعي.\nأما كفى في هذه الآية، ونحوها؛ فهو بمعنى: اكتف، والباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله. كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى، فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾.\nوأما الفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ فإنه هنا بمعنى: يعرف، فهو متعد لمفعول واحد فقط، والفرق بين العلم والمعرفة: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنّسب. وانظر الآية رقم [٥٢] من سورة (النمل).","vol":"7","page":205},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿بَيْنِي:﴾\nظرف مكان متعلق بما بعده منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة؛ والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَبَيْنَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شَهِيدًا:﴾\nتمييز. وقيل: حال، والأول أقوى، وأصح، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي تعليلية، لا محل لها على الوجهين، واعتبارها حالا فيه ضعف.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْباطِلِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَكَفَرُوا بِاللهِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبره فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿أُولئِكَ،﴾ وعلى الوجهين فالجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ..﴾.\nإلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3393\"></span>﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ:﴾ لما أنذرهم الرسول ﷺ بالعذاب، قالوا لشدة جهلهم، وحمقهم: عجل لنا هذا العذاب. والقائل: هو النضر بن الحارث، وأبو جهل، وأشباههما، فقد قال النضر ما قاله الله تعالى عنه: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقالوا جميعا ما قاله الله تعالى عنهم: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ،﴾ وقالوا أيضا ما قاله الله عنهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾.","vol":"7","page":206},{"text":"﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: وقت محدد لعذاب كل قوم، وهلاكهم. وقيل: هو القتل يوم بدر.\nوعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر، قال ابن عباس﵁-: المراد به: ما وعد الله به رسوله ﷺ من عدم عذاب قومه، وعدم استئصالهم، وتأخير عذابهم إلى يوم القيامة. ﴿لَجاءَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: عاجلا، وهو ما استعجلوه، وطلبوه. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة من غير إنذار، ولا يؤخر إذا نزل، وقد حقق الله ذلك يوم بدر. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي:\nلا يعلمون بنزوله عليهم. هذا؛ والشعور إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا؛ لفطنته ودقة معرفته.\nالإعراب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يستعجلونك): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به.\n ﴿بِالْعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: واو الحال. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿أَجَلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة له مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره موجود، والجملة الاسمية هذه ابتدائية لا محل لها، وحالة محل شرط (لولا). ﴿لَجاءَهُمُ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (جاءهم):\nفعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿بِالْعَذابِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: (لولا) لا محل لها، و(لولا) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير المنصوب، وهو أولى وأقوى معنى من الاستئناف. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب (لولا) تقديرا بسبب العطف. وقيل: موطئة للقسم، ولا وجه له البتة. (يأتينهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿بِالْعَذابِ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لولا)، لا محل لها أيضا. هذا؛ ويغلب أن يقع جواب (لولا) ماضيا، وإنما وقع مستقبلا ليفيد التوكيد في الوعيد والتهديد؛ إذ المعنى: ولأتاهم العذاب بغتة.\nوإذا أبقينا الكلام على ظاهره فتكون الجملة جوابا لقسم محذوف، والقسم وجوابه يكون كلاما مستأنفا، ويكون المراد بمجيء العذاب عذاب الاستئصال، والمراد بإتيانه المؤكد بالنون ما نزل ببعضهم يوم بدر من الخزي، والنكال، وهو القتل، والأسر، كما هو معروف. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من الفاعل المستتر بمعنى: باغتا أو مباغتا، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يبغتهم بغتة، وتكون الجملة هذه في محل نصب حال من الفاعل المستتر، وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل:\nيأتي من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل","vol":"7","page":207},{"text":"مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3394\"></span>﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ أي: يستعجلونك، وقد أعد لهم جهنم، وأنها ستحيط بهم لا محالة يوم يأتيهم العذاب، فما معنى الاستعجال، أو هي كالمحيطة بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم؛ لتلبسهم بالكفر والمعاصي، وعدم إقلاعهم عن ذلك.\nالإعراب: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ:﴾ هذه الجملة مؤكدة للجملة السابقة، وفيها معنى التعجب، أي: يتعجب من أمرهم، فكيف يطلبون العذاب، وإن جهنم لا بد أن تحيط بهم؟ ﴿وَإِنَّ:﴾\nالواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ اسم (إن). ﴿لَمُحِيطَةٌ:﴾ اللام: لام الابتداء وتسمى المزحلقة. (محيطة): خبر (إن). ﴿بِالْكافِرِينَ﴾ جار ومجرور متعلقان ب (محيطة)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من العذاب، أو من الواو، أو من الكاف، والرابط الواو فقط.\n<span id=\"aya-3395\"></span>﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: يحيط بهم العذاب من جميع جوانبهم وجهاتهم، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ رقم [١٦] من سورة (الزمر)، وأيضا قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤١]: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾. ﴿وَيَقُولُ﴾ أي: الموكل بالعذاب. ويقرأ بالنون التي هي للعظمة، فيكون القائل الله تعالى. ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي.\nقال الجمل-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: لم خص الجانبين بالذكر، ولم يذكر اليمين، ولا الشمال، ولا الخلف، ولا الأمام؟ فالجواب: إن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه ويمينه وشماله، وأما النار من فوق، فلا تنزل. وإنما تصعد في العادة، وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم، بل تطفأ، ونار جهنم تنزل من فوق، ولا تطفأ بالدوس عليها بوضع القدم. انتهى. نقلا من الرازي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا وأما الذوق فإنه يكون محسوسا ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه، أي: اختبره، وانظر فلانا، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل]","vol":"7","page":208},{"text":"فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز\nوقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم\nوتقول: ذقت ما عند فلان، أي خبرته، وذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره، أي: عقوبة كفره ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب\nوتذوقته، أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق، أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق\nوأصله من الذوق بالفم، وذوقوا في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وذكر العذاب في بعض الآيات استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب (محيطة)، أو هو متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم، أو هو مفعول به لهذا الفعل المقدر. ﴿يَغْشاهُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْعَذابُ﴾. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ تَحْتِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و﴿تَحْتِ﴾ مضاف، و﴿أَرْجُلِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقول): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، أو «نحن». ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهي على تقدير مضاف قبلها؛ إذ التقدير: ذوقوا جزاء الذي، أو: شيء. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:\n ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان) والمفعول به، وهو عائد الموصول، أو رابط الصفة محذوف، التقدير: جزاء الذي، أو شيء كنتم تعملونه. هذا؛ وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة للمفعول المحذوف، التقدير: ذوقوا جزاء عملكم، وجملة: ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.","vol":"7","page":209},{"text":"<span id=\"aya-3396\"></span>﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾\nالشرح: معنى الآية الكريمة: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه، ولم يتمشّ له أمر دينه كما ينبغي ويجب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدّر أنه فيه أسلم قلبا، وأصح دينا، وأكثر عبادة، وأحسن خشوعا. هذا؛ وإن الآية الكريمة نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة مستضعفين على الهجرة، فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأن البقاء في أرض يؤذى فيها المسلم بسبب دينه، وطاعته لربه ليس بصواب، بل الحكمة الخروج من هذه الأرض إلى أرض يستطيع فيها أن يؤدي عبادته بحرية تامة.\nولا ريب: أن بقاع الأرض تتفاوت بالفضيلة، وما يكون فيها من راحة وهدوء، وما يتبع ذلك من طمأنينة وخشوع وخضوع لله تعالى، ولا يوجد في الأرض أرض تكون أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد للفتن، وأضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله في مكة المكرمة، ومع ذلك فقد أمر الله المؤمنين بالهجرة منها حين كانت دار كفر، وكان المشركون يؤذونهم في دينهم.\nهذا وقد قال مطرف بن الشخير: المعنى: إن رحمتي واسعة، وعنه أيضا: إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض. وقال سفيان الثوري: إذا كنت بأرض غالية، فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم. وقيل: المعنى: إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة. وكل هذه الأقوال لا تستفاد من نص الآية؛ لأن الآيات السابقة تكلمت عن المشركين، وعن تعنتهم في سؤالهم، ثم ذكرت ما أعد لهم من العذاب الأليم، في نار الجحيم، وفي الوقت نفسه كانوا يؤذون المؤمنين المستضعفين؛ الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، فالقول الحق هو الأول، وهو أن الآية نزلت في تحريض المؤمنين، وحثهم على الهجرة من مكة المكرمة بأية وسيلة كانت، وعن النبي ﷺ: أنه قال: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا من الأرض؛ استوجب الجنّة، وكان رفيق إبراهيم ومحمّد». وعن سهل: إذا ظهرت المعاصي، والبدع في أرض؛ فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (عبادي): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهي تقرأ بالسكون وبحركة الفتحة.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة: (عبادي)، أو عطف بيان عليه، والبدلية لا تجوز؛ لأن المبدل منه في نية الطرح، ولا يمكن نداء الذين، بدون «أي» قبله، وهذه","vol":"7","page":210},{"text":"إحدى مسألتين يمتنع فيهما البدلية، ويتعين فيهما عطف البيان، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى- في ألفيته: [الرجز] وصالحا لبدليّة يرى... في غير نحو يا غلام يعمرا\nونحو بشر تابع البكريّ... وليس أن يبدل بالمرضيّ\n ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَرْضِي:﴾\nاسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه مثل (عبادي). ﴿واسِعَةٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿فَإِيّايَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدّر؛ إذ التقدير: إن لم تتمكنوا من العبادة في أرض؛ فإياي اعبدون في غير تلك الأرض. فإذا الضمير في محل نصب مفعول به مقدم للفعل المقدر، كما ترى. ﴿فَإِيّايَ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (اعبدون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والكسرة تحتها دليل على ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والتي هي مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المقدرة قبلها، ومؤكدة لها. وقيل: مفسرة، ولا وجه له. والجملة الشرطية التي رأيت تقديرها، لا محل لها مثل الجملتين قبلها. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٠]:\n ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ورقم [٤١]: ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3397\"></span>﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ:﴾ فيه وعد للمصدق، ووعيد للكاذب، والمعنى: لا يحزنك تكذيبهم إياك فمرجع الخلق إليّ، فأجازيهم على التكذيب، وأجازيك على الصبر. وهذا التعميم مخصوص بقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ فإن الله تعالى حي لا يموت، ولا يجوز عليه الموت، وانظر الآية رقم [٨٧] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر (الذوق) في الآية رقم [٥٥]. والموت: هو انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح. هذا ويكثر ذكر الموت في القرآن الكريم، والمراد منه تحقير أمر الدنيا، والزهد فيها، والاستعداد للآخرة التي لا بد منها وخذ قول بعضهم: [البسيط] الموت في كلّ حين ينشد الكفنا... ونحن في غفلة عمّا يراد بنا\nلا تركننّ إلى الدّنيا وزهرتها... وإن توشّحت من أثوابها الحسنا\nأين الأحبّة والجيران ما فعلوا؟ ... أين الّذين همو كانوا لها سكنا؟","vol":"7","page":211},{"text":"سقاهم الموت كأسا غير صافية... صيّرهم تحت أطباق الثّرى رهنا\nالإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ: وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ذائِقَةُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْمَوْتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، وهو يقرأ بالتاء والياء مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، فهو عطف جملة فعلية على جملة اسمية.\n\n<span id=\"aya-3398\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:﴾ وقرئ بالياء، كما قرئ: «(لنثوينّهم)» من الثوي وهو الإقامة؛ أي: لنعطينهم غرفا يثوون فيها، والمعنى: على الأول: لننزلنهم، يقال:\nبوأته منزلا، وبوأت له، كما يقال: مكنتك ومكنت لك، والمبوأ المنزل الملزوم، ومنه بوأه الله منزلا، أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁.\n ﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا:﴾ جمع: غرفة، وهي الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة، وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا، وتجمع أيضا على غرفات كما في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ الآية رقم [٣٧] من سورة (سبأ)، وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدّرّيّ الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم». قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى والّذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله، وصدّقوا المرسلين». وخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ:\n «إنّ في الجنّة لغرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». فقام إليه أعرابيّ. فقال:\nلمن هي يا رسول الله؟! قال: «هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطّعام، وأدام الصّيام، وصلّى لله باللّيل، والنّاس نيام».\nهذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ: «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، ويسمى هذا في علم البديع: احتراسا.","vol":"7","page":212},{"text":"بعد هذا؛ فقد قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-نقلا عن الرازي: بين الله ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه، كما بين في الآية السابقة ما يكون للكافرين بقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ فبين: أن للمؤمنين الجنات في مقابلة: أن للكافرين النيران. وبين: أن فيها غرفا تجري تحتها الأنهار في مقابلة أن تحت الكافرين النار، وبين: أن ذلك أجر عملهم بقوله:\n ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ في مقابلة ما تقدم للكفار بقوله: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ ولم يذكر ما فوق المؤمنين؛ لأن المؤمنين في أعلى عليين، فلم يذكر فوقهم شيئا إشارة إلى علو مرتبتهم، وارتفاع منزلتهم، ولم يجعل الماء من تحت أقدامهم، بل جعله من تحت غرفهم؛ لأن الماء يكون ملتذّا به في أي جهة كان، وعلى أي بعد كان إذا كان تحت الغرفة؟. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: عملوا الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.\n (نبوئنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، أو جوازا تقديره: «هو»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿غُرَفًا﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿غُرَفًا:﴾ مفعول به ثان على قراءة الفعل بالنون، والباء؛ لأن «بوأ» ينصب مفعولين، قال تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ وأما على قراءة الفعل بالنون والثاء ففيه أوجه: أحدها أنه مفعول ثان بتضمين: «نثوي» ننزل، فيتعدى لاثنين بسبب التضمين، وإما على تشبيه الظرف المختص بالمبهم، فيكون ظرف مكان متعلقا بالفعل قبله، أو هو منصوب بنزع الخافض اتساعا، أي في غرف، وجملة: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار (الذين) منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال، أي: ونبوئ الذين آمنوا... إلخ، ولا أراه قويا. هذا؛ ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ قاله ابن مالك، ومنعه ثعلب، ومثل الآية قوله تعالى في سورة (النساء): ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ..﴾. إلخ، والآية رقم [٧ و٩] من هذه السورة، ومثل ذلك كله قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٧٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] جشأت، فقلت: اللّذ خشيت ليأتين... وإذا أتاك فلات حين مناص","vol":"7","page":213},{"text":"والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و: (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل: ﴿تَجْرِي﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بخالدين، وجملة: ﴿تَجْرِي..﴾.\nإلخ في محل نصب صفة: ﴿غُرَفًا﴾. ﴿نِعْمَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء المدح. ﴿أَجْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْعامِلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمخصوص بالمدح محذوف، دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير: نعم أجر العاملين الممدوح ما ذكر، وجملة: ﴿نِعْمَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وقرئ: «(فنعم)».\nفائدة: الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة نحو قوله تعالى:\n ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وحال محكية، وهي الماضية. نحو: جاء زيد أمس راكبا.\n\n<span id=\"aya-3399\"></span>﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا:﴾ على مفارقة الأهل، والأوطان، والهجرة لأجل الدين، وصبروا على أذى المشركين، وصبروا على المحن، والشدائد، والمصائب، وصبروا على الطاعات على تفاوت درجاتها، ومراتبها، وصبروا عن المعاصي كبيرها، وصغيرها، وعلى جميع أنواعها.\n ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ:﴾ لا يتوكلون، ولا يعتمدون على غيره. هذا؛ وحقيقة التوكل: تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره. وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة، والله أعلم، وأجل، وأعظم.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ﴿الْعامِلِينَ﴾ أو هو بدل منه، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أمدح، أو: أعني الذين، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذين صبروا... لهم أجرهم عند ربهم، وجملة: ﴿صَبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَعَلى:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(عَلى رَبِّهِمْ)﴾: جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله","vol":"7","page":214},{"text":"مستتر فيه. ﴿يَتَوَكَّلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3400\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ أصلها «أي» الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم، مثل «كم» و«كذا»، وفيها خمس لغات، كلها قرئ بها: إحداها: (كأيّن)، وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة، إلا ابن كثير، والثانية: (كائن) بوزن كاعن، وبها قرأ ابن كثير وجماعة، وهي أكثر استعمالا من: (كأيّن)، وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشعر العربي، الثالثة: (كئين) بوزن كريم، الرابعة: (كيئن) بياء ساكنة، وهمزة مكسورة، الخامسة: (كأن) بوزن كفن. هذا؛ والجلال المحلي اعتبر (كأيّن) بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ-رحمه الله تعالى-سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه. انتهى. جمل.\n ﴿دَابَّةٍ:﴾ تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وطير، وحشرة، وغيرها.\nهذا وسبب نزول الآية الكريمة: أن النبي ﷺ لما أمر المسلمين بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المشرفة حين آذاهم المشركون؛ قالوا: كيف نخرج إلى المدينة، وليس لنا بها دار، ولا مال؟ فمن يطعمنا، ويسقينا؟! فأنزل الله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ..﴾. إلخ.\nوالمعنى: كثير من الدواب لا تطيق حمل رزقها لضعفها، أو لا تدخره، وإنما تصبح، ولا معيشة عندها، ثم إنها مع ضعفها، وتوكلها يرزقها الله، وإياكم مع قوتكم، واجتهادكم، فأنتم سواء في أن يرزق الله الجميع من فضله، وكرمه، وجوده، و﴿هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ،﴾ فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة، فإن الله يرزقكم.\nفقد سوى الله بين الحريص، والمتوكل في الرزق، وبين الراغب، والقانع، وبين الجلد، والعاجز. يعني: أن الجلد لا يتصور: أنه مرزوق بجلده؛ ولا يتصور العاجز: أنه ممنوع من الرزق بعجزه. انتهى. قرطبي بتصرف.\nوعن عمر﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم، كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذي. ومعناه أن الطير تذهب أول النهار جياعا ضامرة البطون، وتروح آخر النهار إلى أوكارها شباعا ممتلئة البطون، ولا تدخر شيئا. قال سفيان بن عيينة: ليس شيء من خلق الله يخبئ طعامه إلا الإنسان، والفأرة، والنملة، وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في محضنه، ويقول: للعقعق مخابئ إلا أنه","vol":"7","page":215},{"text":"ينساها. هذا؛ وادخار الطعام لا ينافي التوكل، فقد روى البخاري، ومسلم: أن النبي ﷺ كان يدخر لأهله قوت سنتهم. وهذا بلا ريب كان في آخر حياته، وقد وسع الله عليه، وعلى المسلمين في معيشتهم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون ذلك، وهم القدوة الطيبة، وأهل اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين. وخذ على سبيل الموعظة ما يلي:\nعن عبد الله بن مسعود﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «ليس من عمل يقرّب من الجنّة؛ إلاّ وقد أمرتكم به، ولا عمل يقرّب من النّار؛ إلاّ وقد نهيتكم عنه، فلا يستبطئنّ أحد منكم رزقه، فإنّ جبريل ألقى في روعي: أنّ أحدا لن يخرج من الدّنيا حتّى يستكمل رزقه.\nفاتّقوا الله أيّها الناس! وأجملوا في الطّلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه، فلا يطلبه بمعصية الله، فإنّ الله لا ينال فضله بمعصيته». رواه الحاكم.\nالإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كأيّن): اسم كناية بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز أبو البقاء أن يكون في موضع نصب بفعل دل عليه ﴿يَرْزُقُها،﴾ ويقدّر بعد (كأيّن) وفيه ضعف لا يخفى. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ:﴾ تمييز لكأين منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَحْمِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿دَابَّةٍ﴾.\n ﴿رِزْقَهَا:﴾ مفعول به، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر على اللفظ، أو في محل نصب على المحل صفة ﴿دَابَّةٍ﴾. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَرْزُقُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ تقديره: «هو». و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿وَإِيّاكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إياكم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، والجملة الاسمية:\n ﴿اللهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَكَأَيِّنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَرْزُقُها﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3401\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمسئول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ..﴾. إلخ: ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته أمرين: أحدهما: إشارة إلى اتحاد الذات، والثاني: إشارة إلى اتحاد الصفات، وهي الحركة في الشمس، والقمر، وذكر في السموات،","vol":"7","page":216},{"text":"والأرض الخلق، وفي الشمس، والقمر التسخير؛ لأن مجرد خلق الشمس والقمر، ليس حكمة، فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد، لا تتحرك؛ ما حصل الليل، والنهار، ولا الصيف، والشتاء وكذلك القمر لولا زيادته، ونقصانه، ونوره، ومحاقه؛ لما أمكن معرفة الشهور، وعددها، فحينئذ الحكمة إنما هي في تحريكهما، وتسخيرهما. ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ:﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد، واجب الوجود. ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ:﴾ أي فكيف يصرفون عن توحيد الله وعبادته مع إقرارهم بذلك، واعترافهم: أنه هو الصانع الحكيم.\nهذا وقد قال تعالى في سورة الذاريات ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف عنه من صرف، فهو من باب: ضرب، ومصدره: أفكا، كضربا. هذا؛ وهو من الباب الرابع بمعنى: كذب، ومصدره، إفكا كعلما، ويغلب مجيء الأول بالبناء للمجهول، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ سورة الأحقاف رقم [٢٢] ومن مجيئه بمعنى الكذب قوله تعالى: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ الآية رقم [٤٥] من سورة (الشعراء)، انظر شرحها هناك، ففيه كبير فائدة.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾\nفعل ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾\nمعطوف على ما قبله بالواو العاطفة، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ خَلَقَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (سأل)، وجملة: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولنّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الله خلقهن، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير: خلقهن الله، ويرجحه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ رقم [٩]، والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم","vol":"7","page":217},{"text":"والكلام: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كانوا يعترفون بأن الله خلق السموات والأرض فكيف يصرفون عن توحيده، وعبادته. (أنى): اسم استفهام، وتعجب، وتوبيخ مبني على السكون في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر بإذا، والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3402\"></span>﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ:﴾ لما ذكر ﷾ الخلق؛ ذكر الرزق؛ لأن كمال الخلق ببقائه، وبقاء الخلق بالرزق، والله تعالى هو المتفضل بالرزق على الخلق، فله الفضل، والإحسان، والطول، والامتنان. ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يضيق عليه إذا شاء، ويفقره من المال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق عليه في الرزق. وينبغي أن يعلم الإنسان: أن البسط في الرزق لا ينبئ عن كرامة العبد على الله، والقبض، والضيق في الرزق لا ينبئ عن هوان العبد على الله، بل العكس هو الصحيح، فإذا رأينا إنسانا عاصيا لله، وهو يمده في المال، ويعطيه ما يرغب فيه من حطام الدنيا؛ فإن هذا الإمداد والإعطاء قد يكون استدراجا له، قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا،﴾ وقال تعالى شأنه: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا﴾.\nهذا وإذا رأينا إنسانا مطيعا لله تعالى، ورزقه مضيق عليه، فقد يكون ذلك رحمة من الله له؛ لأنه تعالى لا يريد أن يلوثه بحطام الدنيا، ولا أن يكثر مسئوليته أمامه يوم القيامة عن تبعات المال، وخذ ما يلي: فعن أبي سعيد الخدري﵁-: أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله ﷿ ليحمي عبده المؤمن من الدّنيا، وهو يحبّه كما تحمون مريضكم الطّعام، والشّراب». رواه الحاكم. وعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «التقى مؤمنان على باب الجنّة: مؤمن غنيّ، ومؤمن فقير كانا في الدنيا، فأدخل الفقير الجنّة، وحبس الغنيّ ما شاء الله أن يحبس، ثمّ أدخل الجنّة، فلقيه الفقير، فقال: يا أخي ما حبسك؟ والله لقد حبست؛ حتّى خفت عليك! فيقول:\nيا أخي! إنّي حبست بعدك محبسا فظيعا كريها، ما وصلت إليك؛ حتّى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير، كلّها أكلة حمض النّبات؛ لصدرت عنه رواء». رواه أحمد.\n ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ يعلم ما يصلحهم، وما يفسدهم، فيعطي كل واحد حسب ما تقتضيه حكمته ﷾، من غنى، أو فقر، والسعيد من كان رزقه كفافا، وقنع به، ورضيه، وحمد الله عليه. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «إن من عبادي من لا يصلح","vol":"7","page":218},{"text":"إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته؛ لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته؛ لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، والعافية، ولو أمرضته؛ لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض، ولو عافيته وصححت له جسمه؛ لأفسده ذلك».\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(من): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة:\n ﴿يَشاءُ﴾ صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير للذي، أو لشخص يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقدر): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:\n ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسم (إنّ). ﴿بِكُلِّ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾\nخبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ يَبْسُطُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3403\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ والمسئول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي: من السحاب مطرا. ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها﴾ أي: جدبها. وموت الأرض عند ما تكون يابسة لا نبات فيها شبيهة بالميت، وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ انظر تفسيرها وشرحها هناك.\n ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ:﴾ فهم معترفون بأن الله هو الموجد للممكنات بأسرها، أصولها، وفروعها، ثم هم يشركون به بعض مخلوقاته، الذي لا يقدر على شيء من ذلك، وكان الأحرى بهم أن يعبدوه، ويوحدوه ما داموا يعترفون بأنه هو الذي ينزل الغيث من السماء، وما داموا يعترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وسخر الشمس، والقمر، ولكنهم لا يعقلون كما ذكر الله ذلك عنهم كثيرا.\n ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ؛ أي: احمد الله يا محمد على نعمته عليك حيث عصمك من مثل ضلالهم، وهداك الصراط المستقيم، وأنعم عليك بالرسالة، والنبوة، وأيدك","vol":"7","page":219},{"text":"بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يفهمون فيناقض فعلهم قولهم، حيث يقرون بأن الله هو المبدئ لكل ما عداه، ثم يشركون به أحقر خلقه. وذكر الأكثر؛ إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ مبلغ التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل، وانظر سورة الروم رقم [٦].\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٦١]. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية:\n ﴿مَنْ نَزَّلَ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني ل: (سأل). ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الله نزل من السماء ماء، والمعنى:\nلا يؤيد التقدير الثاني، الذي ذكرته في الآية رقم [٦١]، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف على مثال ما رأيت في الآية رقم [٦١]، والكلام: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.\n ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْحَمْدُ:﴾\nمبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال.\n ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْقِلُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها؛ لأنها ليست من مقول القول. تأمل وتدبر، وربك أعلم. وأجل وأعظم.\n\n<span id=\"aya-3404\"></span>﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ إشارة تحقير؛ كيف لا؟ وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا جرعة ماء، ولقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول: [الكامل]","vol":"7","page":220},{"text":"يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nأو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيّا.\n ﴿إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: إلا كما يلهو ويلعب به الصبيان، ويجتمعون عليه، ويبتهجون به ساعة، ثم يتفرقون متعبين. هذا؛ واللهو: هو الاستمتاع بلذات الدنيا. وقيل: هو الاشتغال بما لا يعنيه، وما لا يهمه. واللعب: هو العبث، أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا؛ إلا وهو يضمحل، ويزول، كاللعب الذي لا حقيقة له، ولا ثبات، قال بعضهم: إن بقيت لك الدنيا؛ لم تبق لها، وأنشد: [الطويل] تروح لنا الدّنيا بغير الّذي غدت... وتحدث من بعد الأمور أمور\nوتجري اللّيالي باجتماع وفرقة... وتطلع فيها أنجم وتغور\nفمن ظنّ أنّ الدّهر باق سروره... فذاك محال، لا يدوم سرور\nعفا الله عمّن صيّر الهمّ واحدا... وأيقن أنّ الدّائرات تدور\nوما أحسن قول الشافعي، ﵁: [الطويل] وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها\nفإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها\n ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: التي تكون بعد الموت، وبعد البعث، والحشر، والحساب والجزاء، والمراد بها: الجنة، ونعيمها الدائم. ﴿لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ أي: هي دار الحياة الباقية، التي لا تزول، ولا موت فيها، وهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها، أو جعلت في ذاتها حياة للمبالغة.\nو﴿الْحَيَوانُ﴾ مصدر: حيي، سمّي به ذو الحياة، وأصله عند سيبويه، وأتباعه: حييان، فقلبت الياء الثانية واوا، وهو شاذ. قال أبو البقاء: لئلا يلتبس بالتثنية، ولم تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، لئلا تحذف إحدى الألفين. وقال البيضاوي: وهو أبلغ من الحياة؛ لما في بناء:\n «فعلان» من الحركة، والاضطراب اللازم للحياة، ولذا اختير عليها هاهنا. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ:﴾ حقيقة الدارين؛ لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْحَياةُ:﴾ بدل من ﴿هذِهِ،﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف","vol":"7","page":221},{"text":"للتعذر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَهْوٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَلَعِبٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الدّارَ:﴾ اسم (إن)، وقدر أبو البقاء، وغيره: وإن حياة الدار الآخرة، وإنما قدروا ذلك ليتطابق المبتدأ، والخبر. ﴿الْآخِرَةَ:﴾ صفة: ﴿الدّارَ﴾. ﴿لَهِيَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْحَيَوانُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الدّارَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، انظر تقديره في الشرح، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، أو معترض في آخر الكلام، لا محل له على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3405\"></span>﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا رَكِبُوا﴾ أي: ركب المشركون في السفن، وخافوا الهلاك، والغرق، وهذا مع كونهم وصفوا بالشرك، والعناد، فإذا ركبوا في البحر، وخافوا الغرق. ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: تركوا الأصنام، ولجئوا إلى الله بالدعاء، والتضرع حالة كونهم كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين؛ حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو.\n ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ أي: إلى الأرض اليابسة. ﴿إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: عادوا إلى ما كانوا عليه من الشرك، والعناد. وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا إذا ركبوا البحر؛ حملوا أصنامهم معهم، فإذا اشتدت الريح، وخافوا الغرق؛ ألقوها في البحر، وقالوا: يا رب! وقيل: إشراكهم أن يقول قائلهم: لولا الله، والرئيس أو الملاح؛ لغرقنا، فيجعلون ما فعل الله بهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه.\nأقول: وهذا القول لا يقتصر على المشركين، بل هو يعم المسلمين؛ إذا قال أحدهم:\nلولا فلان؛ لكان كذا، واعتقد بأن لفلان، أو لشيء تأثيرا في جلب نفع، أو جلب شر. وهذا ما يسمى بالشرك الأصغر، لذا ينبغي للمسلم أن ينزه نفسه عن ذلك خوفا من تطرق الشرك إليه، وهو لا يشعر به، قال الرسول ﷺ لعبد الله بن عباس﵄-: «يا غلام! إنّي أعلّمك","vol":"7","page":222},{"text":"كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك؛ إذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله، واعلم: أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضرّوك بشيء؛ لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف». رواه الترمذي.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَكِبُوا:﴾\nفعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة:\n ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ جواب: (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعوله. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.\n (لما): انظر الآية رقم [٣١]. ﴿نَجّاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِلَى الْبَرِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿فَإِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة هنا واقعة في جواب (لما)، وانظر تفصيل الكلام فيها في الآية رقم [٣٢] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿نَجّاهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشْرِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب (لما) لا محل لها، على اعتبار ﴿فَإِذا﴾ حرفا، وهو قول الأخفش، وابن مالك، و(لما) ومدخولها كلام معطوف على (إذا) ومدخولها، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3406\"></span>﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ:﴾ اللام لام التعليل، ومتعلقة بما قبلها؛ إذ التقدير: إذا هم يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا:﴾ معطوف على ما قبله على قراءة كسر اللام، واعتبارها للتعليل، فيكون المعنى: يعودون إلى شركهم بعد نجاتهم من الغرق؛ ليكونوا بالعود إلى شركهم كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع والتلذذ بها لا غير، على خلاف عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة، فإنهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم، ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى ازدياد الطاعة، لا إلى التلذذ، والتمتع، وعلى هذا لا وقف على قوله ﴿يُشْرِكُونَ؛﴾ لأنه","vol":"7","page":223},{"text":"ينقطع التعليل عن المعلل. هذا؛ ومن اعتبر اللام فيهما للأمر محتجا بقراءة ابن كثير، وحمزة، وعلي بسكون اللام على وجه التهديد والوعيد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ..﴾. إلخ فيكون الكلام مستأنفا، والوقوف على ﴿يُشْرِكُونَ﴾ جيد. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ:﴾ سوء تدبيرهم عند تدميرهم، فهذا تهديد، ووعيد صراحة.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله بالكفر، وبأن يعمل العصاة ما شاءوا وهو ناه عنه، ومتوعد عليه؟! قلت: هو مجاز عن الخذلان، والتخلية، وأن ذلك الأمر متسخط إلى غاية، ومثاله: أن ترى الرجل قد عزم على أمر، وعندك: أن ذلك الأمر خطأ، وأنه يؤدي إلى ضرر عظيم، فتبالغ في نصحه، واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تر منه إلا الإباء، والتصميم؛ حردت عليه، وقلت: أنت وشأنك، وافعل ما شئت! فلا تريد بهذا حقيقة الأمر. كيف والآمر بالشيء مريد له؟! وأنت شديد الكراهة، متحسر، ولكنك كأنك تقول له:\nفإذا قد أبيت قبول النصيحة، فأنت أهل لأن يقال لك: افعل ما شئت، وتبعث عليه؛ ليتبين لك إذا فعلت صحة رأي الناصح، وفساد رأيك. انتهى. بحروفه. أقول: ومن هذه المشكاة قوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ رقم [٤٠] من سورة (فصلت).\nالإعراب: ﴿لِيَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، وأن المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُشْرِكُونَ﴾. هذا؛ وعلى اعتبار اللام لام الأمر، فالفعل مجزوم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و(نا): فاعله، والهاء مفعوله الأول، والمفعول الثاني، وهو العائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: (بالذي)، أو بشيء آتيناهموه. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا:﴾ معطوف على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة، ولا وجه له. (سوف):\nحرف تسويف، واستقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3407\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني: أهل مكة. ﴿أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ أي: جعلنا بلدهم، وهو مكة آمنا مصونا من النهب، والتعدي، ومن القتل، والسبي. ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ:﴾ يختلسون","vol":"7","page":224},{"text":"قتلا، وسبيا؛ إذ كانت العرب حول الكعبة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارّون آمنون فيها، لا يغزون، ولا يغار عليهم مع قلتهم، وكثرة العرب حولهم، فذكرهم الله هذه النعمة الخاصة بهم. هذا؛ والتخطف: الانتزاع، والأخذ بسرعة.\nولا تنس: أن ذلك كان تحقيقا لدعوة إبراهيم، وإجابة لسؤاله، فقد قال الله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٦]: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا،﴾ وقال في السورة المسماة باسمه رقم [٣٥]: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فقد حقق الله رجاءه، وأجاب دعوته، والحمد لله رب العالمين، وكان ذلك فخرا للمسلمين إلى يوم الدين.\n ﴿أَفَبِالْباطِلِ﴾ يعني: الشيطان، والأصنام. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يؤملون أن تنفعهم، والمعنى: أبعد هذه النعمة الظاهرة وهي الأمن، والاستقرار في بلدهم، وغير هذه النعمة مما لا يقدر عليه إلا الله يؤمنون بالأصنام، وينقادون للشيطان؟! ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: بمحمد ﷺ والإسلام يكافرون؛ حيث أشركوا مع الله في العبادة أحقر خلقه. هذا؛ ولم يذكر الله الضمير: (هم) هنا، وذكره في سورة (النحل) رقم [٧٢] بقوله: ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ لأن ما في سورة (النحل) اتصل بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ وهو بالخطاب كما ترى، فلو ترك: (هم) لالتبست الغيبة بالخطاب بأن تبدل الياء تاء.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والفعل بصري، لا علمي. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و: (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿حَرَمًا:﴾ مفعول به. ﴿آمِنًا:﴾ صفة ﴿حَرَمًا،﴾ وجملة: ﴿جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيُتَخَطَّفُ:﴾ الواو: واو الحال. (يتخطف): فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿النّاسُ:﴾\nنائب فاعل. ﴿مِنْ حَوْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: (يتخطف...) إلخ في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهم يتخطف الناس من حولهم. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ ولا يجوز اعتبار الجملة الفعلية حالا بمفردها؛ لاقترانها بالواو، وهي مضارعية، وهذا ممتنع كما هو معروف في القواعد النحوية.\nقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت","vol":"7","page":225},{"text":"وذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا\n ﴿أَفَبِالْباطِلِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: أيكفرون بالله الذي هذا شأنه، فيؤمنون. (بالباطل): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على المقدرة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَبِنِعْمَةِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بنعمة):\nجار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(نعمة) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3408\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكا وولدا، وإذا فعل فاحشة قال: ﴿وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها﴾. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ..﴾. إلخ، فقد جمعوا بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل: افتراؤهم على الله بما هو باطل غير ثابت بالحجة، أو المعنى: لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين، فكيف بمن جمع بينهما، والأمر الأول هو ما زعمه مشركو العرب من كون الملائكة بنات الله تعالى، والأمر الثاني هو تكذيبهم بالقرآن الكريم، وبالمعجزات التي أيد الله بها نبيه محمدا ﷺ.\n ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ أي: بمحمد ﷺ، أو بالقرآن، وفي لفظ: ﴿لَمّا﴾ تسفيه لهم حيث لم يتوقفوا، ولم يتأملوا قط حين جاءهم، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه، ولم يفعلوا كما يفعل العقلاء المتثبتون في الأمور، يسمعون الخبر، فيستعملون فيه الروية، والفكر، ويستأنون إلى أن يتضح لهم صدقه، أو كذبه.\n ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ:﴾ هذا تقرير لثوائهم؛ لأن همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي صار إيجابا فيرجع إلى معنى التقرير، قال تعالى لنبيه ﷺ في سورة (الضحى): ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى،﴾ وقال له في سورة (الشرح): ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ،﴾ وقال جرير يخاطب عبد الملك بن مروان، ويمدحه: [الوافر] ألستم خير من ركب المطايا... وأندى العالمين بطون راح؟\nإذ المعنى: ألا يستوجبون، ويستحقون الثواء في جهنم، والإقامة فيها، وقد افتروا على الله مثل هذا الكذب، وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب، أو لاجترائهم على الله؛ أي: ألم يعلموا علم اليقين، ويستقر في نفوسهم: أن في جهنم مثوى للكافرين المكذبين؛ حتى اجترءوا على الله هذه الجرأة؟!","vol":"7","page":226},{"text":"هذا؛ و﴿مَثْوىً﴾ بمعنى: مأوى، وكلاهما بمعنى المستقر، والملجأ، والفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقتا، وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ؛﴾ لأنه على الترتيب الوجودي يأوي، ثم يثوي. هذا و﴿مَثْوىً﴾ مشتق من: ثوى بالمكان: إذا أقام به ثواء، وثويّا، مثل: مضى، يمضي مضاء، ومضيّا، ولو كان من: أثوى لكان: مثوى، وهذا يدل على أن «ثوى» هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد: أثوى، وأنشد قول الأعشى: [الكامل] أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا\nوالأصمعي لا يعرف إلا «ثوى» ويروى البيت (أثوى) على الاستفهام، وأثويت غيري يتعدى، ولا يتعدى.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من).\n ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره:\n «هو»، يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَذِبًا:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.\n ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان بمعنى «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الحق، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، وجملة: ﴿كَذَّبَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِفْتَرى..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَلَيْسَ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام تقريري. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿مَثْوىً:﴾ اسم (ليس) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة، لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مَثْوىً،﴾ وجملة: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3409\"></span>﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ أي: جاهدوا في طلب مرضاتنا. فقد أطلق المجاهدة، ولم يقيدها بمفعول؛ ليتناول كل ما تجب مجاهدته، من النفس، والشيطان، وأعداء الدين. قال","vol":"7","page":227},{"text":"أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وأعظمه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وهو الجهاد الأكبر، فقد روى البيهقي بإسناد حسن صحيح: أن أصحاب رسول الله ﷺ حين قدموا من الجهاد، تلقاهم الرسول ﷺ، وقال لهم: «مرحبا بكم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟! قال: «جهاد النفس».\nوقال عبد الله بن عباس، وإبراهيم بن أدهم﵄-: الآية في الذين يعملون بما يعلمون؛ وقد قال ﷺ: «من عمل بما علم؛ علّمه الله ما لم يعلم». ونزع بعض العلماء إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾. وقال عمر بن عبد العزيز﵁-: إنما قصّر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾.\n ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ أي: طرق السير إلينا، والوصول إلى جنابنا، أو لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير، وتوفيقا لسلوكها، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ وهاك أقوالا أخر في تفسير هذه الآية: فعن الفضيل قوله: والذين جاهدوا في طلب العلم؛ لنهدينهم سبل العمل به. وعن سهل قوله: والذين جاهدوا في إقامة السنة؛ لنهدينهم سبل الجنة. وعن ابن عطاء قوله: والذين جاهدوا في رضانا؛ لنهدينهم إلى الوصول إلى محل الرضوان. وعن ابن عباس قوله: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وعن الجنيد قوله: والذين جاهدوا في التوبة؛ لنهدينهم سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا، لنفتحنّ عليهم سبل المناجاة معنا، والأنس بنا، أو جاهدوا في طلبنا تحرّيا لرضانا؛ لنهدينهم سبل الوصول إلينا. انتهى. نسفي.\n ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ بالعون، والرعاية، والتوفيق، والهداية، ومع جميع الناس بالعلم، والقدرة، والإحاطة، فبين المعنيين بون، ومع المحسنين بالنصرة، والمعونة في الدنيا، وبالثواب والمغفرة في العقبى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿جاهَدُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِينا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نهدينهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿سُبُلَنا:﴾ مفعول به، و(نا):\nضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ جواب القسم","vol":"7","page":228},{"text":"المحذوف، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر الآية رقم [٥٨] ففيها كبير فائدة، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (إن). ﴿لَمَعَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى:\n (المزحلقة) هنا. (مع): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: (إن)، و(مع) مضاف، و﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو فقط.\nتأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، ورحم الله قيس بن سعد بن عبادة﵄إذ يقول: [مخلع البسيط] يا ناظرا في الكتاب بعدي... مجتنيا من ثمار جهدي\nبي افتقار إلى دعاء... تهديه لي في ظلام لحدي\nانتهت سورة العنكبوت شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"7","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3186>سورة الرّوم</span>\n\nسورة الروم، وهي مكية كلها، وهي ستون آية، وثمانمائة وتسع عشرة كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وثلاثون حرفا. انتهى. خازن.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3410\"></span><span id=\"aya-3411\"></span><span id=\"aya-3412\"></span>﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿الم:﴾ ألف لام ميم، اعلم: أن مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور أربعة عشر حرفا، وهي نصف حروف الهجاء، وقد تفرقت في تسع وعشرين سورة، ولم يثبت عن النبي ﷺ في هذه الفواتح شيء، يصلح للتمسك به؛ لذا كان بعده فيها مذهبان: مذهب السلف: التفويض، ومذهب الخلف: التأويل، فالصحابة، والتابعون لم يخوضوا في تفسيرها، ويكلون العلم بها إلى الله تعالى. فعن أبي بكر الصديق﵁-: أنه قال: في كل كتاب سرّ، وسرّ الله في القرآن أوائل السور. وعن عمر، وعثمان، وابن مسعود﵃-: أنهم قالوا: الحروف المقطعة من السر المكتوم؛ الذي لا يفسر. وعن علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-: أنه قال: إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. ولكن بعد أن اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، ودخل أكثر أهل البلاد المفتوحة في الدين الإسلامي الحنيف، وظهرت الملل، والنحل خصوصا في العصر العباسي؛ اضطر علماء المسلمين للخوض في تفسير هذه الحروف، وأعني بهؤلاء الخلف، وبمذهبهم مذهب الخلف، وكثرت الأقوال والتفاسير في ذلك:\nفقيل: كل حرف مفتاح اسم من أسماء الله تعالى، فالألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه المجيد. وقيل: الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه. وقيل: هي أسماء مقطعة لو علم الناس تأليفها، لعلموا اسم الله الأعظم، ألا ترى أنك تقول ﴿الر﴾ و﴿لَحْمَ﴾ و﴿ن﴾ فيكون مجموعها الرحمن وكذلك سائرها، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعا. وقيل: هي أسماء للسور التي بدئت بها. وقيل: غير ذلك. انتهى. من تفسير سورة (البقرة).\nوينبغي أن تعلم: أن هذا اللفظ أعني: ﴿الم﴾ قد ذكر في أول سورة (البقرة)، وأول سورة (آل عمران)، وأول سورة (العنكبوت) وأول سورة (الروم) هذه، وأول سورة (لقمان) وأول سورة","vol":"7","page":230},{"text":"(السجدة) وذكر في أول سورة (الأعراف) ﴿المص،﴾ وفي أول سورة (الرعد) ﴿المر،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ:﴾ الروم اسم قبيلة، سميت باسم جدها الأول، وهو: روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. وسبب نزول الآيات على ما ذكره المفسرون: أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم؛ لأن الفرس كانوا مجوسا أميين مثل المشركين، وكان المسلمون يودون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل كتاب مثل المسلمين، فبعث كسرى جيشا إلى الروم استعمل عليهم رجلا، يقال له:\nشهريزان، وبعث قيصر جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى بخين. وقيل: بخنس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار قريش، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أمّيّون، وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا؛ لنظهرن عليكم.\nفأنزل الله تعالى هذه الآية فخرج أبو بكر الصديق﵁إلى كفار مكة، وقال:\nفرحتم بظهور إخوانكم، فلا تفرحوا، فو الله لتظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا ﷺ، فقام إليه أبيّ بن خلف الجمحي، وقال: كذبت! فقال له الصديق﵁-: أنت أكذب يا عدوّ الله! فقال: اجعل أجلا أناحبك عليه، والمناحبة: القمار والمراهنة؛ أي: أراهنك عليه، فناحبه على عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت لك، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت لي. ففعلوا، وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر -﵁إلى رسول الله ﷺ، فأخبره بذلك، وكان ذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي ﷺ: «ما هكذا ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر، ومادده في الأجل». فخرج أبو بكر، ﵁، فلقي أبيّا، فقال: لعلك ندمت، فقال: لا، فتعال أزيدك في الخطر، وأماددك في الأجل فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين. وقيل: إلى سبع.\nفلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه، ولزمه، وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة، فأقم لي كفيلا ضامنا، فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد، أتاه عبد الله بن أبي بكر، فلزمه، وقال: لا أدعك حتى تعطيني كفيلا، فأعطاه كفيلا، ثم خرج إلى أحد، ثم رجع أبي بن خلف إلى مكة، ومات بها من جراحته التي جرحه إياها النبي ﷺ حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: كان يوم بدر، وربطت الروم خيولهم بالمدائن.\nوبنوا بالعراق مدينة، وسمّوها روميّة، فقمر أبو بكر﵁أبيّا، وأخذ مال الخطر","vol":"7","page":231},{"text":"من ورثته، وجاء به إلى النبي ﷺ، وذلك قبل أن يحرّم القمار، فقال له النبي ﷺ: «تصدق به». انتهى. خازن.\nوكان سبب غلبة الروم فارسا على ما قاله عكرمة وغيره: أن شهريزان لما غلب الروم لم يزل يطؤهم، ويخرب مدائنهم؛ حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرّخان جالس ذات يوم يشرب؛ قال لأصحابه: لقد رأيت أني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى! فكتاب إلى شهريزان:\nإذا أتاك كتابي فابعث إليّ برأس أخيك فرّخان! فكتاب إليه: أيها الملك! إنك لم تجد مثل فرخان، إن له لنكاية، وصولة في العدو، فلا تفعل! فكتاب إليه: إن في رجال فارس خلفا عنه، فعجّل إليّ برأسه! فراجعه، فغضب كسرى، ولم يجبه وبعث بريدا إلى أهل فارس: إني قد عزلت عنكم شهريزان، واستعملت عليكم فرخان، ثم بعث مع البريد صحيفة صغيرة، وأمره فيها بقتل شهريزان، وقال: إذا ولي فرّخان الملك، وانقاد له أخوه، فأعطه الصحيفة.\nفلما وصل البريد إلى شهريزان عرض عليه كتاب كسرى، فلما قرأه قال: سمعا وطاعة، ونزل عن سرير الملك، وأجلس عليه أخاه فرّخان، فدفع البريد الصحيفة إلى فرخان فلما قرأها استدعى أخاه شهريزان، وقدمه ليضرب عنقه، فقال له: لا تعجل حتى أكاتب وصيتي! قال:\nنعم، فدعا بسفط، ففتحه، وأعطاه ثلاث صحائف منه، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد قتلي بكتاب واحد، فرد فرخان الملك إلى أخيه شهريزان.\nثم كتاب إلى قيصر ملك الروم: أما بعد: إن لي إليك حاجة، لا تحملها البرد، ولا تبلغها الصحف، فالقني في خمسين روميّا حتى ألقاك في خمسين فارسيا، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، مخافة أن يمكر به شهريزان حتى أتاه عيونه، فأخبروا: أنه ليس معه إلا خمسون فارسيا، فلما التقيا ضربت لهما قبة، فيها ديباج، فدخلاها ومع كل واحد منهما سكين، ودعيا بترجمان يترجم بينهما، فقال شهريزان: إن الذي خرب بلادك أنا، وأخي بكيدنا، وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، وأراد أن يقتل أخي، فأبيت عليه، ثم أمر أخي بقتلي، فأبى عليه، وقد خلعناه، ونحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما، وأشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوزهما فشا، فقتلا الترجمان معا بسكينهما، ونشبت الحروب بعدئذ، وأديل للروم على فارس عند ذلك، وغلبوهم، وقتلوهم، وجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ففرح، ومن كان معه من المسلمين بذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ..﴾. إلخ. انتهى. خازن. والبادئ في الحرب الأولى الفرس، وفي هذه الروم.\n ﴿أَدْنَى:﴾ أقرب. قال ابن عطية، فإن كانت الواقعة بأذرعات، فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وهي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله: [الطويل] تنوّرتها من أذرعات وأهلها... بيثرب أدنى دارها نظر عالي","vol":"7","page":232},{"text":"وإن كانت الواقعة في الجزيرة، فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن، فهي أدنى إلى أرض الروم. وكان في هذا الإخبار دليل على نبوة محمد ﷺ؛ لأن الروم قد غلبتها فارس، فأخبر الله ﷿ نبيه محمدا ﷺ أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، وأن المؤمنين يفرحون بذلك، وفي هذا الإخبار دليل على أن القرآن من عند الله؛ لأن الآيات أنبأت عن علم الغيب؛ الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ لبيان شدة ضعفهم، أي: انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طرف بلادهم، وكسروهم، وهم في بلادهم، ثم غلبوا حتى وصلوا إلى المدائن، وبنوا هناك الروميّة، لبيان: أن هذه الغلبة العظيمة بعد ذلك الضعف العظيم كان، بإذن الله تعالى. انتهى جمل نقلا من كرخي. قال الزمخشري: وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة على صحة نبوة النبي ﷺ، وأن القرآن من عند الله؛ لأنها إنباء عن علم الغيب؛ الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.\nالإعراب: ﴿الم:﴾ في إعراب هذا اللفظ وجوه: الأول: أن محله الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الم. أو هو مبتدأ خبره ما بعده. والثاني: أن محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل الم، أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير: التزمت الله، أي:\nاليمين به. والثالث: أن محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم، أو أحلف ب: الم، وضعف هذا سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك؛ أي: حذف الجار، وإبقاء عمله من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها. ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء.\n ﴿غُلِبَتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الرُّومُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر: ﴿الم﴾ على وجه مر ذكره في إعرابها. ﴿فِي أَدْنَى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿أَدْنَى﴾ مضاف، و﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و﴿بَعْدِ:﴾ مضاف، و﴿غَلَبِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: من بعد غلب فارس لهم. ﴿سَيَغْلِبُونَ:﴾ السين: حرف استقبال. (يغلبون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الروم، والرابط:","vol":"7","page":233},{"text":"الواو، والضمير. هذا؛ واقتران الجملة الخبرية بالسين، لا يضر، وهو من قبيل الوعد، ووعد الله حق، لا يخلف فكان بمنزلة الواقع حالا، وإن اعتبرتها معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فمحلها مثلها، والحالية أقوى.\n\n<span id=\"aya-3413\"></span>﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ:﴾ البضع مأخوذ من: بضعت الشيء؛ أي: قطعته، فهو قطعة من العدد، وهو في العدد بكسر الباء، وبعض العرب يفتحها، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، تقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلا، وبضع عشرة امرأة، فإذا جاوزت لفظ العشر، ذهب البضع، لا تقول: بضع وعشرون، وقد يقال. والبضع: الطائفة من الليل، والبضع بضم الباء:\nالجماع، أو الفرج نفسه، والمهر، والطلاق، وعقد النكاح. وقد أبهم البضع ولم يبينه، وإن كان معلوما لنبيه ﷺ، لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت. انتهى. جمل نقلا من الرازي.\n ﴿سِنِينَ:﴾ جمع سنة، والأصل فيها ألا تجمع بالياء والنون؛ لأن الواو والنون لمن يعقل، ولكن جاز ذلك فيها، وإن كانت ممن لا يعقل للحذف الذي دخلها؛ لأن أصلها سنوة.\nوقيل: سنهة على فعلة، دليله قولهم: في جمع الأول سنوات جمع مؤنث سالم، وقولهم:\nسانهت، وتجمع على سنهات، كسرت السين في ﴿سِنِينَ﴾ لتدل على أنه جمع على غير الأصل؛ لأن كل ما جمع جمع السلامة، لا يتغير فيه بناء الواحد، فلما تغير بناء الواحد في هذا الجمع بكسر أوله، وقد كان مفتوحا في الواحد؛ علم أنه جمع على غير أصله، لذا فإنه يلحق بجمع المذكر السالم إلحاقا، والنسبة إلى سنة: سنهي، أو سنوي.\n ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ:﴾ أخبر الله تعالى بانفراده بالقدرة، وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه، وبإرادته، وقدرته، فقال: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ﴾ أي: إنفاذ الأحكام. و﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء، أو حين غلبوا، وحين يغلبون، والمعنى:\nأن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا ليس إلا بأمر الله، وقضائه، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾. هذا؛ و﴿قَبْلُ﴾ و﴿بَعْدُ﴾ ظرفان بنيا على الضم؛ لأنهما تعرّفا بحذف ما أضيفا إليهما، وصارا متضمنين ما حذف، فخالفا تعريف الأسماء، وأشبها الحروف في التضمين، فبنيا، وخصّا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر وأضيف؛ زال بناؤه، وكذلك هما، فضما. هذا؛ وقرئ شاذا بالجر بالتنوين، وعدمه.\n (يومئذ): التنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة، دلت عليها الغاية، أي: يوم ينتصر الروم على الفرس، و(إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فإن أصل الكلام: يوم إذ ينتصر الروم على الفرس، ويتحقق وعد الله بنصرهم، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت","vol":"7","page":234},{"text":"الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما، وانظر الفرح في الآية رقم [٣٢] الآتية.\nالإعراب: ﴿فِي بِضْعِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يغلبون) و﴿بِضْعِ﴾ مضاف، و﴿سِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَمْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو أولى من تعليقهما بمحذوف خبر ثان، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: في ألفيته: [الرجز] واضمم بناء غيرا أن عدمت ما... له أضيف ناويا ما عدما\nقبل كغير بعد حسب أوّل... ودون والجهات أيضا وعل\n (من بعد): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَيَوْمَئِذٍ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يومئذ): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.\n ﴿يَفْرَحُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3414\"></span>﴿بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾\nالشرح: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ أي: يفرح بنصر الله من له كتاب، وهم الروم على من لا كتاب له، وهم الفرس، لما في ذلك من انقلاب التفاؤل، وظهور صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من أهل مكة، وغلبة أبي بكر الصديق﵁في رهانه مع أبي بن خلف كما رأيت، وازدياد يقينهم، وثباتهم في دينهم. ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: من أوليائه على أعدائه؛ لأن نصره مختص بغلبة أوليائه؛ لأعدائه، فأما غلبة أعدائه لأوليائه؛ فليس بنصر، وإنما هو ابتلاء، وقد يسمى ظفرا. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي الغالب القاهر ينتقم من أعدائه. ﴿الرَّحِيمُ:﴾ بأهل طاعته، ينصرهم؛ إن نصروا دينه، وتعاليم نبيه.\nالإعراب: ﴿بِنَصْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل يفرح، و(نصر) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، انظر الشرح. ﴿يَنْصُرُ:﴾ فعل مضارع،","vol":"7","page":235},{"text":"والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ينصر الذي، أو: شخصا يشاء نصره، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر أول.\n ﴿الرَّحِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (ينصر) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3415\"></span>﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ أي: وعد الله وعدا قاطعا بظهور الروم على فارس. ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ:﴾\nلامتناع الخلف في حقه تعالى كرما، وجودا. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ الحقيقة، ولا يفهمونها، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل. وخذ قول الشاعر: [البسيط] لم يبق من جلّ هذا الناس باقية... ينالها الوهم إلا هذه الصّور\nلا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر\nدهمه: غشيه، يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم، ولله درّ القائل: [المنسرح] لا يدهمنّك اللّحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر\nفي شجر السّرو منهم شبه... له رواء ما له ثمر\nورضي الله عن حسان بن ثابت؛ إذ يقول: [البسيط] لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم الجمال وأحلام العصافير\nهذا والفعل ﴿يَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما: مبتدأ، وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنّسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا؛ فالمعنى: أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك","vol":"7","page":236},{"text":"عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم، والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.\nهذا؛ والوعد يستعمل في الخير والشر، وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (القصص) ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿وَعْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ لأن هذا الكلام كان بمنزلة الوعد للمؤمنين، و﴿وَعْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخْلِفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿وَعْدَهُ:﴾\nمفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط إعادة اللفظ الكريم بعينه وهي مؤكدة لمعنى المصدر، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، و﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لكنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-3416\"></span>﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: ما يشاهدونه منها، والتمتع بزخارفها، ويعلمون أمر معاشهم؛ كيف يكسبون، ويتجرون، ومتى يغرسون، ويزرعون، ويحصدون. قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره، فيذكر وزنه لا يخطئ؛ وهو لا يحسن أن يصلي.\nوقيل: إن المعنى لا يعلمون الدنيا بحقيقتها إنما يعلمون ظاهرها، وهو ملاذّها، وملاعبها، ولا يعلمون باطنها، وهو مضارّها، ومتاعبها.\n ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ أي: عن العلم بها، والعمل لها، وأنّها غاية الدنيا، والمقصود منها. ﴿هُمْ غافِلُونَ:﴾ لا تخطر ببالهم. وهو نداء، وإشعار على تمكن غفلتهم عن الآخرة. وهو تقرير لجهالتهم، وتشبيه لهم بالحيوانات، وخذ ما يلي وهو قول بعضهم: [الكامل] ومن البليّة أن ترى لك صاحبا... في صورة الرّجل السّميع المبصر\nفطن بكلّ مصيبة في ماله... وإذا يصاب بدينه لم يشعر\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يبغض كلّ جعظريّ جوّاظ، صخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنّهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة».","vol":"7","page":237},{"text":"الإعراب: ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿ظاهِرًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْحَياةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ظاهِرًا﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ بدل من الجملة قبلها، وفيه إشعار: أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين العلم المقصور على معرفة الدنيا، وتحصيل متاعها الزائل. وفي هذا الإبدال مخالفة بين النفي والإثبات؛ لذا فقد قيل بالاستئناف. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:\nواو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنِ الْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿غافِلُونَ﴾ بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ توكيد لما قبله. ﴿غافِلُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا وإن اعتبرت ﴿هُمْ﴾ الثانية مبتدأ ثانيا، و﴿غافِلُونَ﴾ خبره، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، ومثلها الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف).\n\n<span id=\"aya-3417\"></span>﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أولم يتفكروا في أنفسهم، التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرا، وباطنا من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة مثلها؛ حتى يعلموا عند ذلك: أن سائر الخلائق كذلك، أمرها جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات.\n ﴿ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما:﴾ هو مثل قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ والمعنى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا،﴾ أولم ينظروا نظر تفكر، واعتبار، واستدلال، واستبصار. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: ما خلق الله السموات والأرض، وما بينهما باطلا وعبثا بغير حكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى، لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب، والثواب، والعقاب. ألا ترى إلى قوله جل ذكره في آية أخرى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثا. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بلقاء جزائه عند انقضاء الأجل المسمى، أو قيام الساعة. ﴿لَكافِرُونَ:﴾\nجاحدون يوم القيامة، ولا يعتقدون بالبعث، والحساب، ولا يقرون بالجزاء، والجنة، والنار، وإنما يظنون: أن الدنيا أبدية، وأن الآخرة لا تكون.","vol":"7","page":238},{"text":"هذا وقد أعاد الضمير إلى السموات والأرض مثنى، والمرجوع إليه مجموع السموات والأرض، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، ومنه قول الشاعر، يذم عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nفقد ثنى: «جمالا» الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللبد: المال الكثير، وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الزكوات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حق، حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا؟ وكيف يبقى لأحد مال لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟ ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان؛ أي: قطيعان من الجمال، فيختل أمر الغزوات.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتَفَكَّرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، وهو أقوى من العطف على محذوف، فلا محل لها. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما بمعنى الظرف له. وقيل: هما في محل نصب مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾\nمعطوف على ﴿السَّماواتِ﴾ بالواو العاطفة. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا مقرونة بالحق. ﴿وَأَجَلٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (أجل): معطوف على الحق. فإن التقدير: وبأجل. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. وجملة: ﴿ما خَلَقَ اللهُ..﴾.\nإلخ قال أبو البقاء والجمل: وجهان: أحدهما أنها مستأنفة، والثاني أنها معلقة للفعل قبلهما عن العمل لفظا، فتكون في محل نصب على نزع الخافض.\nوأما الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي، فيعتبرونها في محل نصب مقول القول لقول محذوف. التقدير: أولم يتفكروا، فيقولوا: ما خلق الله... إلخ. وقيل: التقدير: أولم يتفكروا","vol":"7","page":239},{"text":"فيعلموا ما خلق الله... إلخ؛ لأن في الكلام دليلا عليه. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيرًا:﴾ اسم (إن). ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:\n ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿بِلِقاءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (كافرون)، و(لقاء) مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: بلقائهم ربهم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَكافِرُونَ:﴾ اللام:\nلام الابتداء. وتسمى المزحلقة. (كافرون): خبر (إن) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو فقط.\n\n<span id=\"aya-3418\"></span>﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ..﴾. إلخ أي: أولم يمش كفار قريش في نواحي الأرض، وجهاتها ليروا مصارع الأمم المكذبة، وما حل بهم من الهلاك، والدمار، فيعتبروا بهم، وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذبين بأن الله سيهلكهم، كما أهلك من قبلهم، فهو حض للكفرة؛ لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم وآثارهم، كيف أهلكهم الله، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١].\nهذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ؛﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، أو لأن ﴿عَقِبِهِ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهذا باب من أبواب النحو، انظر الشاهد رقم [٩٠١] وما بعده من كتابنا فتح القريب المجيب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: في الأبدان، كقوم هود، وكقوم صالح، فإنهم كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان، كما هو معروف عنهم. وأثاروا الأرض: حرثوا الأرض، وقلبوا وجهها لاستنباط المعادن، واستخراج المياه، وزرع البذور وغيرها. وذكر الله أهل مكة بهذا، ولم يكونوا أهل حرث، وزرع لزيادة العبرة، والعظة لهم. ﴿وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أي: عمر الأرض أولئك الأقوام، وشيدوا فيها القصور الشامخة، والعمارة الفخمة أكثر من تعمير كفار قريش لها.","vol":"7","page":240},{"text":"﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحة، والحجج الدامغة، والدلالات الظاهرة، ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: فأهلكهم الله بذنوبهم، وما كان الله مريدا ظلمهم بأن يهلكهم من غير ذنب. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات، ومعاندة الواحد القهار.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها يقتضيها المقام، أي: أقعدوا في أماكنهم، ولم يسيروا. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، أو منصوب على إضمار: «أن» واعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا، فيؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، فيكون التقدير: فهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم. ﴿كَيْفَ:﴾\nاسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و﴿عَقِبِهِ:﴾\nمضاف، والذين اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\nهذا وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة؛ فالمعنى لا يأباه، فيكون عاقبة فاعلها، وكيف في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ﴾ والعامل ﴿كانَ،﴾ وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَشَدَّ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾\nتمييز، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول. فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الضمير فقط، وقد ربطت بالواو أيضا في آية سورة (فاطر) رقم [٤٤]، ويجب تقدير: «قد» قبلها، لتقربها من الحال. وقيل: مفسرة لما قبلها.\nوقيل: بدل منها. ﴿وَأَثارُوا:﴾ الواو: حرف عطف، وجملة: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ﴾ معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَعَمَرُوها:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، و(ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَكْثَرَ:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف.\nالتقدير: عمروها عمارة أكثر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِمّا:﴾ (من): حرف","vol":"7","page":241},{"text":"جر. (ما): مصدرية، و(ما) والفعل: (عمر) في تأويل مصدر في محل جر ب: (من)، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿أَكْثَرَ،﴾ التقدير: أكثر من عمارتهم.\n ﴿وَجاءَتْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (جاءتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل. والهاء في محل جر بالإضافة، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿لِيَظْلِمَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود.\nوالفاعل يعود إلى الله تعالى، والهاء مفعول به، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ التقدير:\nوما كان الله مريدا ظلمهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَلكِنْ كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3419\"></span>﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: هذا بيان هلاكهم في الآخرة بعد بيان هلاكهم في الدنيا بسبب تكذيبهم رسلهم، وانظر شرح: ﴿عاقِبَةَ﴾ في الآية السابقة. هذا؛ والسوء: كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي، أو أخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف كما في هذه الآية.\nوقيل: إن ﴿السُّواى﴾ تأنيث الأسوأ، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. وقيل: المعنى: ثم كان عاقبة الذين أساءوا العقوبة السوأى. أو الخصلة السوأى، كما قيل: السوأى هي النار. هذا؛ والسوء أيضا: العمل السّيّئ، وأطلق عليه ذلك؛ لأنه يسوء صاحبه، ويغمه عند مجازاته به في الدنيا، وفي الآخرة، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين السوأى لتكذيبهم بآيات الله، واستهزائهم بها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةَ:﴾ يقرأ بالرفع، والنصب، فمن رفعه جعله اسم ﴿كانَ،﴾ وفي الخبر وجهان، أحدهما: ﴿السُّواى﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ في محل نصب مفعول لأجله؛ أي: لأن كذبوا، أو بأن كذبوا، أو","vol":"7","page":242},{"text":"في موضع جر بتقدير الجار على قول الخليل. والثاني: أن الخبر هو المصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أي: كان آخر أمرهم التكذيب، و﴿السُّواى﴾ على هذا صفة مصدر محذوف، أي:\nأساءوا الإساءة السوأى. ومن نصب: ﴿عاقِبَةَ﴾ جعلها خبر (كان) مقدما، وفي الاسم وجهان:\nأحدهما: ﴿السُّواى،﴾ والآخر: المصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ على ما تقدم، ويجوز أن تجعل المصدر المؤول من ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ بدلا من ﴿السُّواى،﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. انتهى.\nعكبري بتصرف. وزاد مكي اعتبار ﴿السُّواى﴾ مفعولا به ل: ﴿أَساؤُا﴾ على اعتبار المصدر المؤول من ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ خبر (كان) على قراءة الرفع، واسم (كان) على قراءة النصب، وهو بيان لما أبهم في شأن: ﴿السُّواى﴾. هذا؛ ونقل الجمل عن السمين نحو ما تقدم، وما تقدم من أوجه الإعراب في هذه الآية يشبه الآية رقم [٥١] من سورة (النمل).\nهذا و﴿عاقِبَةَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَساؤُا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿السُّواى:﴾ رأيت ما فيها من اعتبارات فيما تقدم، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ قد رأيت ما فيه من اعتبارات أيضا. ﴿بِآياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة:\n «يستهزءون بها» في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ فهي داخلة معها في المصدرية المؤولة، انظر المعنى في الشرح.\n\n<span id=\"aya-3420\"></span>﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: خلقهم ابتداء، ثم يعيدهم بعد الموت أحياء.\n ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:﴾ بالخطاب على الالتفات من الغيبة إليه، ويقرأ بالياء على الغيبة من غير التفات. ورجوع الخلق إليه بعد الموت للحساب، والجزاء، وإدخال المحسنين الجنة، وإدخال المسيئين النار، والفعل: «رجع» يستعمل لازما، ومتعديا.\n ﴿ثُمَّ:﴾ بضم الثاء: حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق: «ربّ» و«لا» العاملة عمل: «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح. هذا؛ و«ثمّ» هذه غير: «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد يتصل به التاء المربوطة، فيقال: «ثمّة».","vol":"7","page":243},{"text":"الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَبْدَؤُا:﴾ فعل مضارع. والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ تقديره:\n «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله أيضا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما.\n ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا مثلها.\n\n<span id=\"aya-3421\"></span>﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ:﴾ يسكتون متحيرين، يقال: ناظرته، فأبلس: إذا سكت، وأيس من أن يحتج. وفي سورة (الأنعام) قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير ورحمة. وقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، وذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون له جواب: قد أبلس. وقال الزجاج: المبلس:\nالساكت، المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدي إليها.\nأقول: سمي إبليس من هذا؛ لأنه أفلس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه من سعة فضل الله. بعد هذا خذ ما رواه عقبة بن عامر﵁عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته، فذلك منه تعالى استدراج». ثم تلا قوله تعالى في سورة (الأنعام) الآية [٤٤]: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري، وانظر الآية رقم [٤٩] الآتية.\nهذا والمراد ب: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ الكافرون، والتعبير عن الكافرين بالمجرمين، والظالمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين كثير في القرآن الكريم، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات؛ فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يُبْلِسُ﴾.\n ﴿تَقُومُ:﴾ فعل مضارع. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها.\n ﴿يُبْلِسُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعله. هذا؛ وقرئ شاذا ببناء الفعل للمجهول، وهذا بعيد؛ لأن «أبلس» لم يستعمل متعديا، ومخرجه أن يكون أقام المصدر مقام الفاعل وحذفه،","vol":"7","page":244},{"text":"وأقام المضاف إليه مقامه، فيكون التقدير: يبلس إبلاس المجرمين. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب، ومثلها في إعرابها الآية رقم [٥٥] الآتية.\n\n<span id=\"aya-3422\"></span>﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ:﴾ يجيرونهم من عذاب الله. ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أي: جاحدين متبرءين منها، وتتبرأ منهم. أو المعنى: كانوا في الدنيا كافرين بسببهم، وهذا التبرؤ بين العابدين، والمعبودين من دون الله، وبين التابعين، والمتبوعين نجده في كثير من آيات الله تعالى. والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه، وهو كثير في آيات الله تعالى.\nهذا وقد أطلق الله على الأصنام المعبودة من دون الله اسم الشركاء لأمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس، وثانيهما: أنهم يشركونها معهم في الأموال، والأنعام، والزروع. انظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ و﴿شُفَعاءُ﴾ جمع: شفيع، والشفاعة: التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى: الشفيع، والشفاعة تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس. والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك».\nفذلك هو النصيب الذي ذكره الله بقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ رقم [٨٥] من سورة (النساء).\nالإعراب: ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُنْ﴾ تقدم على اسمها. ﴿مِنْ شُرَكائِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو حال من: ﴿شُفَعاءُ؛﴾ لأنه صفة له في الأصل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شُفَعاءُ:﴾ اسم ﴿يَكُنْ﴾ مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿يَكُنْ﴾ تاما ف: ﴿شُفَعاءُ﴾ فاعله، و﴿لَهُمْ﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَكُنْ،﴾ و﴿مِنْ شُرَكائِهِمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿شُفَعاءُ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين لا محل لها على الاعتبارين، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل","vol":"7","page":245},{"text":"ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِشُرَكائِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كافِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، على جميع الاعتبارات فيها.\n\n<span id=\"aya-3423\"></span>﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾\nالشرح: معنى الآية يتفرق الناس يوم القيامة فرقتين بعد الحساب: المؤمنون يدخلون الجنة، والكافرون يدخلون النار، وقد دل على هذا التفرق الآيتان التاليتان. وعن الحسن، ﵁، قال: هو تفرق المسلمين، والكافرين، هؤلاء في عليين، وهؤلاء أسفل السافلين. وعن قتادة -﵁-: فرقة لا اجتماع بعدها. وانظر هذا التفرق في الآية رقم [٤٤] الآتية.\nهذا؛ و﴿السّاعَةُ﴾ القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة، لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ ولا تنس: أن ساعة كل إنسان، وقيامته وقت مقدمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ: «من مات فقد قامت قيامته». وقيل: سميت الساعة بذلك؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا.\nهذا وقد ثبت: أن لقيام القيامة علامات، وهي صغرى، وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن.\nأما العلامات الكبرى فخذها مما يلي، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري﵁قال:\nطلع علينا رسول الله ﷺ، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نتذاكر الساعة، قال: «إنّها لن تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدّخان، والدّجّال، والدّابّة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم». أخرجه مسلم. انتهى. خازن.\nأقول: ما ذكر في الحديث الشريف، بعضه من علاماتها، وبعضه من مبادئها، كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك يغلق باب التوبة، ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، انظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأنعام)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٣] من سورة (الأحزاب) فإنه جيد.","vol":"7","page":246},{"text":"الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾.\n ﴿تَقُومُ:﴾ فعل مضارع. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها.\n ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ توكيد لفظي لسابقه، و: (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض عن جملة محذوفة؛ إذ التقدير:\nيوم إذ تقوم الساعة. ﴿يَتَفَرَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ في الآية رقم [١٢] لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3424\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ عطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة، وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ: «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح وقد بينته الآية رقم [٣٩] من سورة (النور)، والآية رقم [٢٣] من سورة (الفرقان) وغيرهما، ويسمى هذا في علم البديع احتراسا.\n ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ:﴾ الروضة: كل أرض ذات نبات، وماء، ورونق، ونضارة. وقال أبو عبيدة: الروضة: ما كان في تسفل من الأرض، فإذا كانت مرتفعة فهي ترعة. وقال غيره:\nأحسن ما تكون الروضة؛ إذا كانت في موضع مرتفع غليظ، كما قال الأعشى في معلقته رقم [١٢] وما بعده: [البسيط] ما روضة من رياض الحزن معشبة... خضراء جاد عليها مسبل هطل\nيضاحك الشمس منها كوكب شرق... مؤزّر بعميم النّبت مكتهل\nيوما بأطيب منها نشر رائحة... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل\nانظر شرح هذه الأبيات، وإعرابها في كتابنا إعراب المعلقات العشر؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك؛ إلا أنه لا يقال له: روضة إلا إذا كان فيها نبت، فإن لم يكن فيها نبت، وكانت مرتفعة فهي ترعة. وقال القشيري: والروضة عند العرب ما ينبت حول الغدير من البقول، ولم يكن عند العرب شيء أحسن منه. هذا؛ وجمع روضة: روض، ورياض، وأصل هذا: رواض، قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، مثل: حوض، وحياض، وثوب، وثياب، ونحو ذلك، وتجمع أيضا على: روضات، كما في سورة (الشورى) [٢٢].\n ﴿يُحْبَرُونَ:﴾ يكرمون، وينعّمون. وقيل: يسرون سرورا تهللت له وجوههم. والحبر، والحبور هو السرور. وقيل: هو من التحبير، وهو التحسين، يقال: هو حسن الحبر، والسّبر،","vol":"7","page":247},{"text":"بكسر الحاء، والسين وفتحهما. وفي الحديث «يخرج من النار رجل ذهب حبره، وسبره».\nفالمفتوح مصدر، والمكسور اسم.\nروي: أن في الجنة أشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش، فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا؛ لماتوا طربا.\nوقال الأوزاعي: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم، وتسبيحهم. زاد غير الأوزاعي: ولم تبق شجرة في الجنة إلا وردّدت، ولم يبق ستر، ولا باب إلا أرتج، وانفتح، ولم تبق حلقة إلا طنّت بألوان طنينها، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلى وقع أهبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جواري الحور العين إلا غنت بأغانيها، والطير بألحانها.\nويوحي الله إلى الملائكة أن جاوبوهم، وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم من مزامير الشيطان! فيجاوبون بألحان، وأصوات روحانيين، فتختلط هذه الأصوات، فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله ﷿: «يا داود قم عند ساق عرشي فمجدني، فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات، ويجليها، وتتضاعف اللذة»، فذلك قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ذكره الترمذي الحكيم ﵀. انتهى. قرطبي، ثم قال-رحمه الله تعالى-: وهذا كله من النعيم والسرور والإكرام، فلا تعارض بين الأقوال، وأين هذا من قوله الحق: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ على ما يأتي، وقول النبي ﷺ: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». انتهى.\nالإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد.\nأما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام الشرط، وفعله؛ بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل:\nمهما يك من شيء؛ فالذين آمنوا... إلخ، فأنيبت (أما) مناب مهما، ويك من شيء. فصار:\n ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ..﴾. إلخ.\nوأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها.\nوأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لأنها علقته على أمر متيقن. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَهُمْ:﴾","vol":"7","page":248},{"text":"الفاء: واقعة في جواب (أما). (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي رَوْضَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يُحْبَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3425\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ بالله، وبرسوله، وبكتابه. ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ آيات القرآن، أو بالمعجزات التي أيد بها رسوله. ﴿وَلِقاءِ الْآخِرَةِ:﴾ البعث، والحساب، والجزاء يوم القيامة.\n ﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ:﴾ مقيمون، لا يغيبون عنه، ولا يخفف عنهم منه شيء. قال تعالى: ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ وقال: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.\nتنبيه: لما ذكر الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أعد لهم من النعيم المقيم، والخير العميم؛ ذكر الذين كفروا، وما أعد لهم من العذاب المقيم، والعقاب الشديد، وتلك سنة الله في كتابه العظيم؛ حيث اقتضت حكمته تعالى، ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا.\nوالمراد ب: ﴿(عَمِلُوا الصّالِحاتِ)﴾ الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت درجاتها، ومراتبها.\nالإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ انظر الآية السابقة؛ فالإعراب مثله. ﴿وَلِقاءِ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لقاء): معطوف على (آياتنا)، و(لقاء) مضاف، و﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ولقائهم الآخرة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب (أما). (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-3426\"></span><span id=\"aya-3427\"></span>﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾\nالشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: الكلام إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى، والثناء عليه في هذه الأوقات؛ التي تظهر فيها قدرته، وتتجدد فيها نعمته. أو دلالة على أن ما","vol":"7","page":249},{"text":"يحدث فيها من الشواهد الناطقة بتنزيهه، واستحقاقه الحمد ممن له تمييز من أهل السموات، والأرض. وتخصيص التسبيح بالمساء، والصباح؛ لأن آثار القدرة، والعظمة فيهما أظهر، وتخصيص الحمد بالعشي؛ الذي هو آخر النهار، وبالظهيرة؛ التي هي وسطه؛ لأن تجدد النعم فيهما أكثر.\nهذا؛ وقال الجوهري: العشي، والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشيّة أمس، وعشيّ أمس. وتصغير العشي: عشيّان على غير قياس مكبّره، والجمع: عشيّانات، وتصغير العشية: عشيشة، والجمع عشيشيات، والعشاء مثل العشي. والعشاءان: المغرب، والعتمة، وزعم قوم: أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا: [الوافر] غدونا غدوة سحرا بليل... عشاء بعد ما انتصف النّهار\nهذا؛ وقال الأزهري: العشي ما بين زوال الشمس، وغروبها. وهذا هو المعتمد عنده.\nأقول: والمعتمد أنه الوقت من قبيل العصر إلى المغرب، وهو ما رأيته في تفسير الآية، وإن أفتاك الناس، وأفتوك. وقال الماوردي: والفرق بين المساء، والعشاء: أن المساء بدوّ الظلام بعد المغيب، والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من: عشا العين، وهو نقص النور من الناظر، كنقص نور الشمس.\nهذا؛ وقد قوبل العشي بالإبكار في قوله تعالى لزكريا ﵇: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ،﴾ وقد قوبل بالغدو، في قوله تعالى في حق فرعون، وأشياعه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا،﴾ وقوبل بالغداة في قوله تعالى لنبينا، وحبيبنا ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..﴾. إلخ. وقوبلت العشية بالضحى في قوله تعالى في بيان يوم القيامة في سورة (النازعات) رقم [٤٦]: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾.\nهذا وأكثر المفسرين على أن المراد بالتسبيح هنا: الصلاة، والمراد ب: ﴿حِينَ تُمْسُونَ:﴾\nتدخلون في المساء وفيه صلاة المغرب والعشاء، والمراد ب: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ تدخلون في الصباح، وفيه صلاة الصبح، والمراد بالعشي: الوقت ما بين العصر، والمغرب، وفيه صلاة العصر والمراد ب ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ:﴾ حين تدخلون في الظهيرة، وفيه صلاة الظهر، قال نافع بن الأزرق الخارجي لابن عباس﵄-: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن، قال:\nنعم، وقرأ هاتين الآيتين: وقال: جمعتا الصلوات الخمس، ومواقيتها.\nوعن النبي ﷺ: «من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى، فليقل: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ..﴾. إلخ»، وعنه ﷺ: «من قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ..﴾. إلخ إلى قوله: ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته».","vol":"7","page":250},{"text":"وإنما خص الله هذه الأوقات بالصلاة لله تعالى، وتسبيحه، وتعظيمه، وتقديسه؛ لأن أفضل الأعمال أدومها، والإنسان لا يقدر أن يصرف جميع أوقاته إلى الصلاة، والتسبيح، والتحميد، والتقديس؛ لأنه محتاج إلى ما يمونه من مأكول، وملبوس، وغير ذلك، فخفف الله عنه العبادة في غالب الأوقات، وأمره بها في أول النهار، ووسطه، وآخره، وفي أول الليل، وآخره، فإذا صلى العبد ركعتي الفجر، فكأنما عبد الله قدر ساعتين، وكذلك باقي الركعات، وهي سبع عشرة ركعة مع ركعتي الفجر، فإذا صلى المسلم، والمسلمة الصلوات الخمس في أوقاتها، فكأنما سبحه، وقدسه، وعظمه سبع عشرة ساعة من الليل، والنهار، وبقي عليه سبع ساعات في جميع الليل والنهار، وهي مقدار النوم، والنائم مرفوع عنه القلم، فيكون قد صرف جميع أوقاته في التسبيح، والعبادة. انتهى. خازن بتصرف.\nهذا؛ وإن الصلوات الخمس إذا أديت على الوجه الأكمل كانت كفارة لما بينها من الذنوب الصغار. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرّات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فكذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا».\nرواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. وعنه أيضا﵁أن رسول الله ﷺ قال: «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفّارة لما بينهنّ ما لم تغش الكبائر». رواه مسلم والترمذي، وفي رواية أخرى: «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ؛ إذا اجتنبت الكبائر».\nهذا؛ وتفسير التسبيح بالصلاة على ما تقدم هو قول لبعض المفسرين، وقال بعضهم:\nالمراد: التنزيه، أي: نزهوا الله عن صفات النقص، وصفوه بصفات الكمال. وهذا أولى؛ لأنه يتضمن الصلاة؛ لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب؛ الذي هو الاعتقاد الجازم، ويتناول التنزيه باللسان، وهو الذكر الحسن، ويتناول التنزيه بالأركان، وهو العمل الصالح، والثاني ثمرة الأول، والثالث ثمرة الثاني، فاللسان ترجمان الجنان، والأركان ترجمان اللسان، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان، فهي مشتملة على الذكر باللسان، والتصديق بالجنان، فهو نوع من أنواع التنزيه، والأمر المطلق، لا يختص بنوع دون نوع، فيجب حمله على كل ما هو تنزيه، الذي من جملته الصلاة، انتهى. جمل نقلا عن الرازي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة الأحزاب.\nهذا؛ وقد حضنا الرسول ﷺ على كثرة التسبيح باللسان زيادة على تسبيح الله، وتعظيمه بالصلوات: فرضها، ونفلها، وذكر لنا أحاديث ترغبنا به، وصيغا مفضلة على غيرها لما فيها من المعاني الجميلة، وخذ نبذة من ذلك: فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ:","vol":"7","page":251},{"text":"«كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». رواه الستة ما عدا أبا داود. وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس».\nرواه مسلم، والترمذي.\nوعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها﵄-: أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة، بين يديها نوى، أو حصى تسبح به، فقال: «أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا، أو أفضل؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلاّ الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله مثل ذلك».\nرواه أبو داود، والترمذي. فلفظ مثل يجوز رفعه ونصبه.\nالإعراب: ﴿فَسُبْحانَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل الفصيحة، ولا وجه له. (سبحان):\nمفعول مطلق لفعل محذوف: و(سبحان) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر والمصدر كلام مستأنف لا محل له. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل المقدر، أو بالمصدر المذكور. ﴿تُمْسُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وهو تام، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حِينَ﴾ إليها، وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.\nهذا؛ ويقرأ: «(حين)» بالتنوين، فتكون الجملة الفعلية في الموضعين في محل نصب صفة له.\n ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ:﴾\nمبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَمْدُ،﴾ ومن لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ يعتبرهما متعلقين في محل نصب حال من الخبر المحذوف.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَعَشِيًّا:﴾ معطوف على (حين)، وعليه فالجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفين. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3428\"></span>﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ:﴾ كالإنسان، والطائر. ﴿الْمَيِّتِ:﴾ النطفة، والبيضة، ومعروف إخراج أحدهما من الآخر. هذا؛ وقد قيل: إن المراد ب: ﴿الْحَيَّ﴾ المسلم يخرج من صلب الكافر، وب: ﴿الْمَيِّتِ﴾ الكافر يخرج من صلب المؤمن، فالمسلم حي القلب بالإيمان، والكافر","vol":"7","page":252},{"text":"ميت القلب بالكفر، خذ قول ربك: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ﴾ الآية رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام) انظر شرحها، وتفسيرها هناك. ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي: يبسها وجدبها؛ إذ موتها حين تكون يابسة لا نبات فيها شبيهة بالميت، وإحياؤها يكون بنزول المطر عليها، وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ انظر تفسيرها، وشرحها هناك.\n ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: ومثل ذلك الإخراج تخرجون من قبوركم. والمعنى: أن بدء خلق الإنسان، وإعادته بعد موته متساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت من الحي، وعكسه. روى ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ قال: «من قرأ: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ..﴾. إلخ إلى الثلاث، وآخر سورة (الصافات) دبر كلّ صلاة، كتاب له من الحسنات عدد نجوم السماء، وقطر الأمطار، وورق الأشجار، وتراب الأرض، فإذا مات أجري له بكلّ حرف عشر حسنات في قبره».\nهذا؛ و﴿الْمَيِّتِ﴾ والميتة بفتح الميم، وسكون الياء فيهما، وهو من فارقت روحه جسده، وجمعهما: أموات، وميتات، وأما المشدد، فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وجمعه: موتى قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل] أيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل\nفمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل\nهذا هو الأصل الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان، كما في قول عدي بن الرّعلاء الغساني: [الخفيف] ليس من مات، فاستراح بميت... إنّما الميت ميّت الأحياء\nإنّما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء\nأقول: ومن هذا ما في هذه الآية، والآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [٢٧] من سورة (آل عمران) حيث استعمل المشدد في الآيات الثلاث لفاقد الحياة، والروح، كما هو واضح، ولا تنس: أن أصل ميّت المشدد: ميوت؛ لأنه من: مات، يموت، فقل في إعلاله: اجتمعت الياء، والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال سيّد وهيّن وصيّب ونحو ذلك، وأضيف: أنه قرئ في الآيات الثلاث بتشديد ياء الميت وتخفيفها.\nالإعراب: ﴿يُخْرِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، أو من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿الْحَيَّ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ﴾","vol":"7","page":253},{"text":"الْمَيِّتِ: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وإن اعتبرتهما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿الْحَيَّ﴾ فلست مفندا، والمعنى لا يأباه، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها.\n (يحيي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَيُحْيِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا):\nاسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: تخرجون إخراجا كائنا مثل إخراج الحي من الميت. أو التقدير: تخرجون إخراجا كائنا مثل إخراج النبات من الأرض... إلخ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تُخْرَجُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، أو هو فاعل له، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3429\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: ومن علامات ربوبيته، ووحدانيته. ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ:﴾\nفي هذا الخلق تأويلان: خلق من تراب غير مباشر، وخلق مباشر، فالأول: خلق أبينا آدم من تراب، كما رأيت في سورة (الحجر) رقم [٢٦] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.\nوالثاني: كل واحد منا خلق من التراب خلقا مباشرا، وذلك إذا نظرنا إلى المادة التي يتخلق منها الإنسان، فإنها من الدم بلا ريب، والدم مصدره من الطعام، والشراب، وأنواع الغذاء، وكل ذلك مصدره من التراب، كما هو معروف.\n ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ:﴾ ثم أنتم عقلاء ناطقون، تتصرفون فيما فيه قوام معايشكم؛ إذا فلم يكن خلقكم عبثا، ومن قدر على هذا؛ فهو أهل للعبادة، والتسبيح، والتحميد، والتقديس. هذا؛ والترتيب والمهلة المفهومان من ﴿ثُمَّ﴾ هنا ظاهران، فإنهم إنما يصيرون بشرا بعد أطوار كثيرة، والغالب أن تقع «إذا» الفجائية بعد الفاء؛ لأنها تقتضي التعقيب بلا مهلة، ووجه وقوعها هنا بعد ﴿ثُمَّ﴾ بالنسبة إلى ما يليق بالحالة الخاصة، أي بعد تلك الأطوار، التي قصها الله علينا في مواضع أخر من كتابه من كوننا نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما مجردا، ثم عظما مكسوا لحما فاجأ البشرية والانتشار. انتهى. جمل نقلا عن السمين. بتصرف مني.\nهذا؛ وآيات: جمع: آية، وتطلق على معان كثيرة: الدلالة على قدرة الله تعالى، كما في الآية الكريمة، وما يليها من آيات، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وتطلق","vol":"7","page":254},{"text":"على المعجزة الخارقة للعادة، مثل: انشقاق القمر، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال تعالى:\n ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وتطلق على الموعظة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها، كما في أول سورة (الشعراء) ونحوها.\nأما: ﴿بَشَرٌ﴾ فإنه يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا مثل كلمة «الفلك» تطلق على المفرد، والجمع. وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو الصوف، أو الريش. هذا؛ و﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾.\nتنبيه: ذكر الله لفظ: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ في هذه السورة ست مرات، تنتهي عند قوله: ﴿إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ذكر فيها بدء خلق الإنسان آية آية إلى حين بعثه من القبور، وختم هذه الآيات بقيام السموات والأرض، لكونه من العوارض اللازمة؛ لأن كلا من السماء، والأرض، لا يخرج عن مكانه، فيتعجب من وقوف الأرض، وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها بغير عمد، ثم أتبع ذلك بالنشأة الآخرة، وهي الخروج من الأرض، وذكر من الأنفس أمرين: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ و﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ،﴾ وذكر من الآفاق السماء، والأرض، وذكر من لوازم الإنسان: اختلاف الألسنة، واختلاف اللون، وذكر من عوارضه: المنام، والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق، والمطر، ومن لوازمها: قيام السماء وقيام الأرض، فجملة ما يتعلق بالنوع الإنساني ستة أشياء:\nاثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، وستة متعلقة بالآفاق، اثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، انتهى. جمل من هنا، وهناك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنْ آياتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾\nفعل ماض مبني على الفتح في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ تُرابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(أن) والفعل (خلق) في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة، وانظر الآية رقم [٢٥] الآتية.\n ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبره: والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على اعتبار ﴿إِذا﴾ حرفا، واعتبارها هنا ظرفا غير جيد، ولا يصح معنى. ﴿تَنْتَشِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة بشر، أو هي في محل رفع خبر ثان. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"7","page":255},{"text":"<span id=\"aya-3430\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: من دلائل قدرته، وعلامات ربوبيته، ووحدانيته. ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ أي: لأن حواء خلقت من ضلع آدم ﵉، وسائر النساء خلقن من نطف الرجال، أو لأنهن من جنسهم لا من جنس آخر. ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها:﴾ لتميلوا إليها، وتأنسوا بها؛ لأنهن من جنسكم، لا من جنس آخر، وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف، والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر، يقال: سكن إليه إذا مال إليه، وأنس به. هذا؛ والمودة، والرحمة، والألفة التي تقع بين الزوجين ظاهرة لا خفاء فيها.\n ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: محبة، وشفقة متبادلتين، فعن ابن عباس﵄قال: المودة حبّ الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. انتهى.\nوالعكس صحيح، وعن ابن عباس، ومجاهد، والحسن: المودة الجماع، والرحمة: الولد، ولا أراه قويا، فلعله متقوّل عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: الخلق. ﴿لَآياتٍ:﴾ لعلامات واضحة على قدرته تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ:﴾ وإذا تفكروا؛ اتعظوا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا، وعبدوا الله، والتفكير في صنع الله أعظم عبادة يقوم بها العبد، وقد ورد: لتفكّر ساعة في صنع الله أفضل من عبادة ستّين سنة. وورد: تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله، فإنه لا تحيط به الفكرة.\nوروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا عبادة كالتّفكّر». لأنه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه ﷺ أنه قال: «بينما رجل مستلق على فراشه، إذ رفع رأسه، فنظر إلى السماء والنّجوم، فقال: أشهد أنّ لك ربّا، وخالقا، اللهمّ اغفر لي! فنظر الله إليه، فغفر له».\nهذا؛ والفكر: تصرف القلب في طلب الأشياء. وقال صاحب المفردات: الفكر: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب. انتهى. هذا؛ والفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس، والتجانس بين الأشياء كالزوجين.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ:﴾ انظر الآية السابقة فالإعراب واحد لا يتغير. ﴿لَكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ﴾ أيضا، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَزْواجًا:﴾ مفعول به. ﴿لِتَسْكُنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿خَلَقَ﴾ أيضا. ﴿إِلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"7","page":256},{"text":"بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ آياتِهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): معطوف على ﴿خَلَقَ،﴾ فهو يؤول مثله بمصدر، أو هو داخل معه بالمصدرية بسبب العطف، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا.\n ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: مفعول ثان، ولا وجه له، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مَوَدَّةً:﴾ مفعول به. ﴿وَرَحْمَةً:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾ حرف جر. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنْ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿أَنْ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آيات). ﴿يَتَفَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3431\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: الدالة على أمر البعث، وما يتلوه من الحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار. ﴿خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ في تخصيصهما بالذكر أحد أمرين: إما من حيث إن القادر على خلقهما بما فيهما من المخلوقات بلا مادة مساعدة لها أظهر قدرة على إعادة ما كان حيا قبل ذلك. وإما من حيث إن خلقهما، وما فيهما ليس إلا لمعاش البشر، ومعاده، كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\n ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي: لغاتكم بأن علّم كل صنف لغته، أو ألهمه وضعها، وأقدره عليها، أو أجناس نطقكم وأشكاله، فإنك لا تكاد تسمع متكلمين متساويين في الكيفية من كل وجه، فكيف بالاختلاف الكبير، من العربية، والتركية، والرومية، والإنكليزية... إلخ.\n ﴿وَأَلْوانِكُمْ:﴾ بياض الجلد، وسواده، وتوسطه فيما بينهما، أو تخطيطات الأعضاء، وهيآتها، وألوانها، وحلاها بحيث وقع بها التمايز بين الأشخاص، حتى إن التوأمين مع توافق موادهما، وأسبابهما، والأمور الملاقية لهما في التخليق مختلفان في شيء من ذلك لا محالة، وإن كانا في غاية التشابه، وإنما نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق السموات، والأرض","vol":"7","page":257},{"text":"مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام في سلك ما سبق من خلق أنفسهم، وأزواجهم للإيذان باستقلاله، والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم. انتهى جمل نقلا من أبي السعود، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة فاطر.\nتنبيه: خالف ﷾ بين الألوان، والألسنة حتى ما تكاد تسمع منطقين متفقين في جرس واحد، ولا جهارة واحدة، وحتى ما تكاد ترى صورتين متشابهتين تمام التشابه في الألوان، والسمات، والقسمات؛ لحصول التعارف، وإلا فلو كان الناس على هيئة واحدة، وبلون واحد، وتقاسيم وتقاطيع واحدة لحصل الخلل والالتباس، ولانعدم التمييز بينها جميعا حتى إن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما، والأمور الملاقية في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة، مهما تقاربا في وجه الشبه انتهى.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر في هذه الآية. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات بالغة لا تكاد تخفى على عاقل من ملك، أو إنس، أو جن على قدرة الواحد القهار، حيث ولدوا من أب واحد، وهم على هذه الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون.\n ﴿لِلْعالِمِينَ:﴾ يقرأ بكسر اللام على أنه جمع: عالم بكسرها أيضا، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ ويقرأ بفتح اللام على أنه جمع: عالم بفتحها أيضا، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قوله تعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ والعوالم كثيرة، لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.\nهذا وخص الله السموات والأرض بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض؛ وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات، وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا؛ لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في رحم المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.\nأما ﴿أَلْسِنَتِكُمْ﴾ فهو جمع لسان، ويجمع أيضا على لسن بضم اللام، وضم السين وتسكينها أيضا، وهو على هذا مؤنث كذراع وأذرع، والأول مذكر، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء، كما في قول الشاعر: [الوافر] لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا","vol":"7","page":258},{"text":"فيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر، كقول الآخر: [المتقارب] أتتني لسان بني عامر... فجلّت أحاديثها عن بصر\nوقد أطلقه الله على القرآن الكريم بكامله مع التذكير في قوله تعالى: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ الآية رقم [١٠٣] من سورة (النحل)، كما أطلقه على الثناء، والذكر الحسن في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الآية رقم [٥٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وأيضا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (الشعراء) رقم [٨٤]: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنْ آياتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿خَلْقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ومن آياته خلقه السموات، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿وَاخْتِلافُ:﴾ معطوف على ﴿خَلْقُ،﴾ و(اختلاف) مضاف. ﴿أَلْسِنَتِكُمْ:﴾\nمضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَلْوانِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ في الآية السابقة.\n ﴿لِلْعالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، أو لأنه ملحق به، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-3432\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية، وقوة القوى الطبيعية، وطلب معاشكم فيهما، أو منامكم بالليل، وابتغاؤكم بالنهار، فلف وضم بين الزمانين، والفعلين بعاطفين إشعارا بأن كلا من الزمانين؛ وإن اختص بأحدهما؛ فهو صالح للآخر عند الحاجة، يؤيده سائر الآيات الواردة فيه. انتهى. بيضاوي.\nوقال الجمل: قيل في الآية تقديم وتأخير ليكون كل واحد مع ما يلائمه، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل، وعطف عليه؛ لأن حرف العطف قد يقوم مقام الجار، والأحسن أن يجعل على حاله، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من الله، ولا سيما في أوقات القيلولة في البلاد الحارة. انتهى. نقلا عن السمين.","vol":"7","page":259},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر في هذه الآية. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات واضحة على قدرة الله تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ:﴾ سماع تفهم واستبصار، وتدبر، واعتبار؛ لأن الحكمة فيما ذكر ظاهرة.\nهذا و﴿مَنامُكُمْ﴾ مصدر ميمي بمعنى النوم، أو هو اسم مكان بمعنى موضعه، أو هو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصلح لهذا كله. هذا؛ والنوم هو الموتة الصغرى؛ لذا أرشدنا سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ أن نقول عند القيام من النوم: «سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النّشور». والنوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين فترة طبيعية، تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها، وأما نوم القلب، فهو تعطيل القوى المدركة، والثاني لم يقع من النبي ﷺ؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه ﷺ: أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي». ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط] لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم\nهذا والفعل (يسمع) من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا، وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال، إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ:﴾ انظر الآية السابقة فإعراب هذه الجملة مثلها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر الميمي، وإن علقتهما بمحذوف حال من الكاف؛ فالمعنى لا يأباه. (النهار):\nمعطوف على الليل. (ابتغاؤكم): معطوف على منامكم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالمصدر (ابتغاء) والهاء في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب مثل: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٢١] مفردات، وجملا، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ آياتِهِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3433\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ:﴾ هذا الفعل من: «رأى» البصرية التي تنصب مفعولا واحدا، فلما دخلت عليه همزة التعدية صار: «أرى» وحذفت الهمزة الأصلية منه؛ لأن أصله «أرأى» مثل: «أذهب»، وفي المضارع حذفت منه الهمزتان كما ترى، وهمزة التعدية عدته إلى المفعولين.","vol":"7","page":260},{"text":"﴿الْبَرْقَ:﴾ مصدر: برق، يبرق: إذا لمع. والرعد مصدر: رعد، يرعد، وهما معروفان، ومشاهدان للناس، وتفسيرهما وشرحهما في الشرع غير تفسيرهما في العلم الحديث. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا:﴾ هذا الخوف، والطمع من رؤية البرق يكونان من وجوه: الأول: عند لمعان البرق يخاف من الصواعق، ويطمع في نزول المطر. الثاني: أنه يخاف من البرق من يتضرر بالمطر كالمسافر، ومن على بيدره التمر، والزبيب، والقمح ونحو ذلك، ويطمع فيه من له في نزول المطر نفع كالزراع، ونحوهم. الثالث: أن المطر يخاف منه إذا كان في غير مكانه، وزمانه، ويطمع فيه إذا كان في مكانه وزمانه المناسبين لسقوطه، وخذ قول أبي الطيب في ممدوحه: [الطويل] فتى كالسّحاب الجون يخشى ويرتجى... يرجى الحيا منه، وتخشى الصّواعق\nهذا؛ وقيل: ﴿خَوْفًا﴾ أن يكون البرق برقا خلبا، لا يمطر، ﴿وَطَمَعًا﴾ أن يكون ممطرا. قاله ابن بحر، وأنشد قول الشاعر: [الرمل] لا يكن برقك برقا خلّبا... إنّ خير البرق ما الغيث معه\nهذا؛ والسماء يذكر، ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت:\nسماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك: [الوافر] إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في: «رعيناه» بمعنى النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، وانظر شرح ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٢٢].\nوأما ﴿السَّماءِ﴾ فاصله: موه بفتح الميم والواو، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «ماه» فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي، قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع ﴿السَّماءِ:﴾ أمواه، ومياه، وتصغيره: مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار، وديار، وقيمة، وقيم، ومثله قولهم: سوط، وسياط، وحوض، وحياض، وثوب، وثياب، وثور، وثيرة. ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام. وقيل في حده: جوهر سيال به قوام الأرواح. بعد هذا خذ قول أبي ذؤيب الهذلي: [الطويل] شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج\nفهو يصف السحاب على اعتقاد العرب في الجاهلية، ومثلهم العصريون في هذا الزمن من أن السحاب، أي: الغيوم تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة، فتمتد منها خراطيم","vol":"7","page":261},{"text":"كخراطيم الفيلة، فتشرب بها من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء العلي القدير. هذا ونص الآية يرد هذا الاعتقاد، وأما عند أهل السنة، فهم يقولون: إن أصله من الجنة، يأتي به المولى القدير من السحاب من خروق فيها كخروق الغربال.\nوأقول: إن ما ينزل من السماء من مطر بعضه من ماء البحار المالحة الأرضية، وبعضه من خزائن القدرة على أن الأول لا ينبت وإنما الإنبات والخصب في الثاني، وعلامة الأول أنه ينزل غزيرا كأنما ينصب من أفواه قرب، وأما ما يقوله الدهريون الملحدون: إن الطبيعة تمطر فهو كفر صراح.\n ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها:﴾ انظر الآية رقم [١٩]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر في هذه الآية. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات واضحة على قدرة الله تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يفهمون.\nوإذا فهموا؛ تدبروا، وإذا تدبروا؛ اتعظوا، وتذكروا؛ وإذا اتعظوا؛ آمنوا، ووحدوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا الله.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من آياته): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يُرِيكُمُ:﴾ هذا الفعل مقدر ب: «أن يريكم» وعليه فأن المقدرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، ومثل ذلك قول طرفة بن العبد في معلقته رقم [٦٠]: [الطويل] ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟\nبنصب «أحضر» بعد حذف أن الناصبة، وهي رواية الكوفيين، ولكن لم يقرأ أحد بنصب الفعل في الآية، أو الفعل منزل منزلة المصدر، كما في قول طرفة المذكور في رفع «أحضر» وهي رواية البصريين، ومنه المثل العربي: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» فيروى «تسمع» برفعه، ونصبه، وإنزال الفعل منزلة المصدر واضح في قول عروة بن الورد العبسي، المعروف بعروة الصعاليك: [الوافر] فقالوا: ما تشاء؟ فقلت: ألهو... إلى الإصباح آثر ذي أثير\nهذا؛ أو: الجملة الفعلية: ﴿يُرِيكُمُ﴾ في محل رفع صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: ومن آياته آية يريكم بها البرق، كما قال ابن مقبل الشاعر: [الطويل] وما الدّهر إلاّ تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح\nالتقدير: فمنهما تارة أموت منها. وقيل: التقدير: ومن آياته أنه يريكم البرق. وتعسف أبو البقاء وجها آخر، فاعتبر: (من آياته) متعلقين بمحذوف حال من البرق، وقال التقدير: يريكم","vol":"7","page":262},{"text":"البرق كائنا من آياته، والمعتمد من كل ما تقدم تنزيل الفعل منزلة المصدر، و﴿يُرِيكُمُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله) والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿الْبَرْقَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ آياتِهِ..﴾. إلخ على جميع الوجوه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿خَوْفًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال على حذف المضاف، التقدير: ذوي خوف، وذوي طمع، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: فتخافون خوفا، وتطمعون طمعا. أجاز الاعتبارات الثلاثة ابن هشام في المغني. ﴿وَيُنَزِّلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ينزل): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وجملة: ﴿وَيُنَزِّلُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يُرِيكُمُ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿فَيُحْيِي:﴾ الفاء: حرف عطف. (يحيي): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (يحيي)، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و(موتها) مضاف إليه، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَيُحْيِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا، وانظر مثل: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ..﴾. إلخ في الآية رقم [٢١] فالإعراب لا يختلف.\n\n<span id=\"aya-3434\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: من علامات قدرة الله، ودلائل ربوبيته، ووحدانيته. ﴿أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: تثبتا وتدوما بلا عمد، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ سورة (الرعد) رقم [٢]، وقال في الآية رقم [١٥] من سورة (النحل): ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ والتعبير بالأمر للمبالغة في كمال القدرة، والغنى عن الآلة. ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم، والمراد بالدعوة هي ما عبر عنها جلت قدرته بسورة (ق) في قوله: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ والمنادي هو إسرافيل ﵇، والصيحة هي قوله: أيتها العظام البالية! أيتها اللحوم المتمزقة! أيتها الشعور المتفرقة! أيتها الأوصال المتقطعة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. فلا تبقى حينئذ نسمة من الأولين، والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾.","vol":"7","page":263},{"text":"هذا؛ وأظهر الله تعالى ﴿أَنْ﴾ الناصبة هنا التي هي علم الاستقبال، ولم يظهرها في الآية السابقة قبل: ﴿يُرِيكُمُ﴾ لأن القيام هنا بمعنى البقاء لا الإيجاد، وهو مستقبل باعتبار أواخره، وما بعد نزول هذه الآيات. انتهى. جمل بتصرف.\nفائدة: ذكر الله قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ في الأربع مواضع، ولم يذكره في الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ ولا في الأخير، وهو هذا، ووجه عدم ذكره في الأول: أن خلق الأنفس، وخلق الأزواج من باب واحد، وهو الإيجاد، فاكتفى فيهما بذكره مرة واحدة، أي: اكتفى بذكر قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ مرة واحدة. وأمّا قيام السموات، والأرض الذي هو الأخير فلذكره الدلائل الظاهرة بقوله: ﴿لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ و﴿يَسْمَعُونَ﴾ و﴿يَعْقِلُونَ﴾ فيكون الأمر بعدها أظهر فلم يميز أحدا عن أحد، أو ذكر ما هو مدلوله، وهو قدرته على الإعادة. انتهى. جمل نقلا من الرازي.\nفائدة: قال هنا: ﴿إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ وقال في خلق الإنسان أولا: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ؛﴾ لأنه هناك يكون خلق، وتقدير، وتدريج، حتى يصير التراب قابلا للحياة، فتنفخ فيه الروح، فإذا هو بشر. وأما في الإعادة فلا يكون تدريج، بل يكون بدء، وخروج، فلم يقل هنا:\nثم. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنْ آياتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَقُومَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعل.\n ﴿وَالْأَرْضُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و﴿أَنْ تَقُومَ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: ومن آياته قيام السموات... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿دَعاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه، تقديره: «هو» يعود إلى الله، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿دَعْوَةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (دعا) كقوله: دعوته من أسفل الوادي، فطلع إليّ، وقال أبو البقاء:\nوجهان: أحدهما هو صفة ل: ﴿دَعْوَةً﴾ والثاني: أن يكون متعلقا بمحذوف، تقديره: خرجتم من الأرض، ودل على المحذوف ما بعده، والمعتمد الأول، تأمل. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة، وهي رابطة لجواب ﴿إِذا﴾ الشرطية قبلها.","vol":"7","page":264},{"text":"و«إذا» الفجائية تختص بالجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو خرجت؛ فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه نحو: «خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب» لأن «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهي ظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور، في نحو «خرجت فإذا زيد جالس» أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي:\nحاضر، وإذا قدرت أنها الخبر؛ فعاملها مستقر، أو: استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.\nوعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان فعاملها الفعل بعدها، فيكون التقدير: أنتم تخرجون وقت مفاجأتكم، أو في مكان مفاجأتكم العذاب. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَخْرُجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على الجملة الاسمية السابقة على المعنى؛ إذ المعنى: ومن آياته قيام السموات والأرض بأمره، ثم خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة من الأرض، وانظر الآية رقم [٣٣] الآتية.\n\n<span id=\"aya-3435\"></span>﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَهُ﴾ أي: لله. ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خلقا، وملكا، وعبيدا. ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ:﴾ روي عن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ: أنه قال: «كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة» ومطيعون طاعة انقياد، وإقرار بالعبودية، إما قولا، وعملا من المؤمنين، وإما دلالة من الكافرين، وما أحسن ما روي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ:﴾ مطيعون في الحياة والبقاء، والموت، والبعث، وإن عصوا في العبادة».\nالإعراب: ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وكذا إن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به الإضافة المقدرة؛ إذ التقدير: كلهم. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿قانِتُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وفيها معنى التأكيد لما قبلها.","vol":"7","page":265},{"text":"<span id=\"aya-3436\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ أي: يخلقهم ابتداء بعلوق كل واحد في الرحم قبل ولادته. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ:﴾ يحييه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث، فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفى من إعادته.\n ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: والإعادة بعد الموت أسهل على الله تعالى من بدء الخلق، وإنشائه، وهذا بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة. وهذا جواب لسؤال قد يرد، وهو أنه كيف قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ والأفعال كلها بالنسبة إلى قدرته تعالى متساوية في السهولة؟! وإيضاحه: أن الأمر مبني على ما ينقاس على أصولكم، ويقتضيه معقولكم من أن الإعادة للشيء أهون من ابتدائه؛ لأن من أعاد منكم صنعة شيء، كانت أسهل عليه، وأهون من إنشائها، فالإعادة محكوم عليها بزيادة السهولة. هذا وذكر الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ مع أنه عائد على الإعادة باعتبار كونها ردا، وإرجاعا، أو مراعاة للخبر، وهو ﴿أَهْوَنُ﴾ قال الجمل: وذكّر الضمير فيه مع أنه راجع إلى الإعادة المأخوذة من لفظ: ﴿يُعِيدُهُ﴾ نظرا إلى المعنى دون اللفظ، وهو رجعه، أو رده كما نظر إليه في قوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: مكانا ميتا، أو تذكيره باعتبار الخبر. انتهى. نقلا عن كرخي.\nوقيل: الضمير المجرور ب: (على) يعود إلى الخلق، فتكون الإعادة أهون على الخلق، وذلك؛ لأنهم يقومون بصيحة واحدة فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، إلى أن يصيروا رجالا، ونساء. وقيل: إن أهون بمعنى: هين وليس على بابه من التفضيل؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء. قال أبو عبيدة: ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء، فقوله مردود بقوله تعالى: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا،﴾ وبقوله: ﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما﴾ والعرب تحمل «أفعل» على فاعل، ومنه قول الفرزدق: [الكامل] إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول\nأي: دعائمه عزيزة طويلة. وقال معن بن أوس: [الطويل] لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل\nأراد: إني لوجل. ومن ذلك قول الشافعي ﵁: [الطويل] تمنّى رجال أن أموت، وإن أمت... فتلك سبيل لست فيها بأوحد","vol":"7","page":266},{"text":"أي: لست فيها بواحد. هذا؛ وتذكير الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ﴾ مع أن المراد به الإعادة المفهومة من الفعل لأن المعنى: وأن يعيده أهون عليه، وأخّر الجار، والمجرور ﴿عَلَيْهِ﴾ عن ﴿أَهْوَنُ﴾ هنا، وقدّم في قوله تعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ الآية رقم [٢٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام لقصد الاختصاص هناك، وأما هنا فلا معنى للاختصاص، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي: الوصف العجيب الشأن، كالقدرة العامة، والحكمة التامة، وليس لغيره ما يساويه، أو يدانيه في ذلك، وقد وصف به في السموات والأرض على ألسنة الخلائق، وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر، الذي لا يعجز عن شيء، من إنشاء، وإعادة، وغيرهما من المقدورات والممكنات، وعن مجاهد، وقتادة﵄-: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ قول: لا إله إلا الله؛ أي: الذي له الوصف الأرفع شأنا والأعلى مكانة؛ الذي هو الوصف بالوحدانية.\nويعضده ما يلي في الآية التالية.\n ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر الغالب لكل مقدور. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ الذي يجري كل فعل على حسب حكمته، وعلمه، ومقتضى قضائه، وقدره، وإرادته، ومشيئته.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يَبْدَؤُا:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْخَلْقَ:﴾ مفعول به. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿أَهْوَنُ:﴾\nخبر المبتدأ. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَهْوَنُ﴾ على جميع الاعتبارات فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَثَلُ:﴾\nمبتدأ مؤخر. ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة المثل مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿الْأَعْلى﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو غير وجيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية:\n ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.","vol":"7","page":267},{"text":"<span id=\"aya-3437\"></span>﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا..﴾. إلخ: قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك؛ إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: هذا مثل ضربه الله للمشركين، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله، ونفسه مثله؟! فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم، فكيف جعلتم لله شركاء؟.\nهذا؛ وقال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض، ونفيها عن الله سبحانه، وذلك: أن الله ﷿ لما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا..﴾. إلخ فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا. فيقال لهم: فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم، وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي؟! فهذا حكم فاسد، وقلة نظر، وعمى قلب، فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم، فيما يملكه السادة، والخلق كلهم عبيد الله، فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله، فلم يبق إلا أنه يستحيل أن يكون له شريك؛ إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال، والعمل، والقديم الأزلي منزه عن ذلك. وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه؛ لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك. انتهى. قرطبي.\n ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ: منتزعا من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم. ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ من عبيدكم، ومماليككم. ﴿مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ أي: من الأموال، وغيرها. ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم، فتكونون أنتم وهم فيه شرك يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم، وأن أموالكم معارة لكم؟.\n ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ أي: تخافون معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكما دون إذنهم خوفا من لائمة تلحقكم من جهتهم. ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كما يخاف بعض الأحرار بعضا، فيما هو مشترك بينهم. فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم؛ فكيف ترضون لرب الأرباب، ومالك الأحرار، والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء. ﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل هذا التفصيل. ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ:﴾\nنبينها؛ لأن التمثيل مما يكشف المعاني، ويوضحها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:﴾ يفهمون، وإذا فهموا؛ تدبروا، وإذا تدبروا؛ اتعظوا وتذكروا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا ووحدوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا الله.\nفاستعمال العقل يؤدي إلى كل خير، وعدم استعماله يجعل الإنسان في عداد البهائم.","vol":"7","page":268},{"text":"هذا؛ وأما النفس، فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس، والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا؛ أم أنثى، فعلى الأول قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرطب، فتكون سارية في جميع البدن.\nقال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح: شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى فمن حيث تفكرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى:\nروحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار، وهذا ما تدل عليه الآثار الصحاح، انظر رقم [٤٢] من سورة (الزمر).\nهذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أن للنفس خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضيّة، ويزاد: الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق؛ لكن بقي فيها ميل للشهوات؛ سميت لوامة. وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها، إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات؛ سميت ملهمة. فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس، الشهوانية حكم أصلا؛ سميت مطمئنة. فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سميت راضية. فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سميت كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدمت.\nوأخيرا خذ ما ذكره القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي ﷺ: أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية. وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية؟». قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب! قال: «فو الّذي نفسي بيده، إنّها لنفوسكم التي بين جنوبكم!».\nالإعراب: ﴿ضَرَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: في محل مفعول ثان تقدم على الأول. ﴿مَثَلًا:﴾\nمفعول به. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَثَلًا،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام توبيخي إنكاري. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار","vol":"7","page":269},{"text":"والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿شُرَكاءَ﴾ كان نعتا له... إلخ، وبعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة:\n ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو: من شيء ملكته أيمانكم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شُرَكاءَ:﴾ مبتدأ مؤخر مجرور لفظا، مرفوع محلا، والجر اللفظي لم يظهر؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، والجملة الاسمية مفسرة ل: ﴿مَثَلًا﴾. ﴿فِي ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شُرَكاءَ،﴾ و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من شركاء كائنين في الذي، أو: في شيء رزقناكموه.\n ﴿فَأَنْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سَواءٌ﴾ لأنه بمعنى: مستوون، أو: متساوون.\n ﴿سَواءٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وقال أبو البقاء: الجملة في موضع نصب جواب الاستفهام، أي: هل لكم، فتستووا. ﴿تَخافُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وقال أبو البقاء: في محل نصب حال من الضمير المستتر في: (سواء). ﴿كَخِيفَتِكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف؛ إذ التقدير: تخافونهم خيفة كائنة مثل خيفتكم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿أَنْفُسِكُمْ:﴾\nمفعول به للمصدر: (خيفة)، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نفصل الآيات تفصيلا كائنا مثل ذلك التفصيل. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نُفَصِّلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:\n ﴿يَعْقِلُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3438\"></span>﴿بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا بالله غيره، وأطلق على الشرك لفظ الظلم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وفيه الإضراب مع الالتفات، وأقيم الظاهر مقام","vol":"7","page":270},{"text":"الضمير للتسجيل عليهم بوصف الظلم. ﴿أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: اتبعوا أهواءهم جاهلين؛ لأن العالم إذا ركب هواه؛ ربما ردعه علمه، وكفه، وأما الجاهل، فإنه يهيم على وجهه كالبهيمة، لا يكفه شيء عن غيه، وضلاله. هذا؛ ولما قامت عليهم الحجة ذكر الله تعالى: أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم، وتقليد الأسلاف في عبادتها، بدون سند يعتمدون عليه.\n ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ أي: لا هادي لمن أضله الله تعالى، وفي هذا رد على القدرية، وغيرهم. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ يخلصونهم من الضلالة، ويحفظونهم من آفاتها، وأضرارها في الدنيا والآخرة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (الفرقان) من إضلال الكافرين؛ وانظر شرح (الهوى) في الآية رقم [٤٣] منها أيضا، وفيه مراعاة المعنى.\nالإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿اِتَّبَعَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(غير) مضاف، و﴿عِلْمٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّبَعَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: هي الفصيحة، ولا وجه له. (من): اسم استفهام توبيخي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: (من). ﴿فَمَنْ:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلة: ﴿فَمَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير الذي، أو شخصا أضله الله، والجملة الفعلية: ﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿فَمَنْ يَهْدِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فَمَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء؛ التي جلبها حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3439\"></span>﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا:﴾ هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، ويدخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل. وإقامة الوجه معناها: تقويم المقصد، والقوة على","vol":"7","page":271},{"text":"الجد في أعمال الدين، فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر؛ عقد عليه طرفه، ومد إليه نظره، وقوم له وجهه، مقبلا عليه؛ أي: فقوم وجهك له غير ملتفت يمينا، ولا شمالا. و﴿حَنِيفًا﴾ مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق. قال الشاعر: [الوافر] ولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين\nولقد تكرر الكلام على إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بأنه كان حنيفا، وفسر بما ذكرته. هذا؛ والحنف: الميل في القدمين. وقد قال القرطبي-رحمه الله تعالى- في غير هذا الموضع: ولفظة: حنيفا، وحنفاء من الأضداد، تقع على الاستقامة، وتقع على الميل. انتهى. وهذا يكون على المعنى المأخوذ منه، وهو الميل، وقد ذكرت لك فيما مضى:\nأن الفعل: «مال» يتغير معناه بتغير الجار، تقول: ملت إليه، وملت عنه، وهو ظاهر.\n ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ أي: الزموا فطرة الله، والفطرة: الخلقة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ فالمعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد، والإسلام، غير نائين عنه، ولا منكرين له، لكونه مجاوبا للعقل، ومساوقا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن، والإنس، ومنه قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: «كلّ عبادي خلقت حنفاء، فاجتالتهم الشّياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري».\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه، ويمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء». ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾. وفي رواية: «حتّى تكونوا أنتم تجدعونها». قالوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». رواه مسلم. ومعنى: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء» أي سالمة من العيوب، كاملة الخلق، ومعنى: «هل تحسّون فيها من جدعاء». أي:\nمقطوعة الأذن. فمثّل قلوب بني آدم بالبهائم؛ لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه بحائر، وهذه سوائب. يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم، ليس فيها كفر، ولا إيمان، ولا معرفة، ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين، فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم.\nوقال الزجاج-رحمه الله تعالى-: معناه: أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به على ما جاء في الحديث: أن الله ﷿ أخرج من صلب آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم، بأنه خالقهم، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٧٢] من سورة (الأعراف) وكل مولود هو من تلك الذرية؛ التي شهدت بأن الله تعالى خالقها. فمعنى فطرة الله:","vol":"7","page":272},{"text":"دين الله. انتهى. ولكن لا اعتبار بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة، والفعل، ألا ترى إلى قوله ﷺ: «فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه». فهو مع وجود الإيمان الفطري، فإنه محكوم له بحكم أبويه الكافرين.\nوحكي عن عبد الله بن المبارك-رحمه الله تعالى-: أنه قال: معنى الحديث: أن كل مولود يولد على فطرته؛ أي: خلقته التي خلقه الله عليها، في علمه تعالى من السعادة، والشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين، أو نصرانيين، فيحملانه على اعتقاد دينهما. انتهى. أقول:\nوإذا كان الله قد قدر له السعادة، فيهديه إلى الإيمان، فيترك دين أبويه، ويؤمن بالله، ورسوله.\nوقيل: معناه: أن كل مولود في مبدأ الخلقة على الفطرة، أي على الجبلة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها؛ لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول السليمة، والحجة المستقيمة، وإنما يعدل عنه من عدل إلى غيره؛ لأنه من آفات التقليد، ونحوه، فمن سلم من تلك الآفات، لم يعتقد غيره، فعرف الحق، وعرف دين الإسلام، وقد دل على صحة هذا المعنى قول النبي ﷺ: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء». أي: كما تلد البهيمة بهيمة مستوية، لم يذهب من بدنها شيء.\nولا بأس بهذا القول، وأن انحراف العبد عن الفطرة السليمة، يظهر بعد أن يدرك، ويعقل أمر الدنيا، وقد تأكدت حجة الله عليه بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل والنهار، فلما عملت أهواؤه فيه؛ أتته الشياطين، فدعته إلى اليهودية، أو النصرانية، أو الوثنية فذهبت بأهوائه يمينا، وشمالا، وهو إن مات صغيرا فهو في الجنة، وأعني: جميع أطفال الكفار من يهود، ونصارى، ومجوس، بل ووثنيين؛ لأن الله لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صور الذر؛ أقروا له بالربوبية والوحدانية وهو فحوى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٧١] من سورة (الأعراف).\nثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، وأنه الله لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا، أو سعيدا على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمّر حتى يجري عليه القلم، فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمّر حتى يجري عليه القلم، فيصير سعيدا، ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم، ولم ينقضوا الميثاق. ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله ﷺ لما سئل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» أي: لو بلغوا.","vol":"7","page":273},{"text":"وقد روي من حديث أنس﵁قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها، فيكونوا من ملوك الجنّة، ولم تكن لهم سيّئات فيعاقبوا عليها، فيكونوا من أهل النّار، فهم خدم لأهل الجنّة». ذكره يحيى بن سلام في التفسير له.\nوقال أبو بكر الوراق-رحمه الله تعالى-: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ هي الفقر، والفاقة، وهذا حسن فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج، نعم؛ وفي الآخرة؛ أي: أحوج إلى فضل الله تعالى. انتهى. قرطبي بتصرف.\n ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ أي: هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق، ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه، أي: لا يشقى من خلقه سعيدا، ولا يسعد من خلقه شقيا. وقال مجاهد:\nالمعنى لا تبديل لدين الله، ويدل عليه ما بعده. وقاله قتادة، وابن جبير، والضحاك، وابن زيد، والنخعي، والزجاج، قالوا: هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة: وروي عن ابن عباس، وعمر بن الخطاب﵃ أجمعين-: أن المعنى لا تغيير لخلق الله من البهائم أن تخصى فحولها، فيكون معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان.\n ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم، فالإشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له، أو الفطرة؛ إن فسرت بالملة، أو الطريقة، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يتفكرون، فيعلمون: أن لهم خالقا معبودا، وإلها قديما سبق قضاؤه، ونفذ حكمه. وانظر الآية رقم [٦] تجد ما يسرك.\nهذا؛ والدين بكسر الدال اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. والدين أيضا: الملة، والشريعة.\nومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. والدّين: الحساب، والجزاء، ومنه:\nيوم الدين، أي: يوم الجزاء، والحساب. ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس﵄قال: يوم الدّين: يوم حساب الخلائق يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفى الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.\nأما ﴿الْقَيِّمُ﴾ فهو المستقيم، المعتدل، أي: لا إفراط فيه، ولا تفريط، وأصله: القيوم:\nفقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، وهذا على القاعدة: «إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء»، وانظر سورة (يوسف) رقم [٤٠].\nالإعراب: ﴿فَأَقِمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، وهو ضعيف معنى. (أقم):\nفعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿وَجْهَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِلدِّينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَنِيفًا:﴾ حال من","vol":"7","page":274},{"text":"الفاعل المستتر، أو من: (الدين). ﴿فِطْرَتَ:﴾ مفعول به على الإغراء بفعل محذوف، تقديره:\nالزموا فطرة، أو: عليكم فطرة، أو: اتبعوا فطرة، وقدر بالجمع لقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ..﴾. إلخ في الآية التالية، وقال الطبري: ﴿فِطْرَتَ﴾ مصدر من معنى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ لأن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة، وانظر إعراب: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ في الآية رقم [٨٨] من سورة (النمل).\nو﴿فِطْرَتَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿فِطْرَتَ﴾. ﴿فَطَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿فَأَقِمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿تَبْدِيلَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لِخَلْقِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ و(خلق) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿لا تَبْدِيلَ..﴾. إلخ في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الكلام السابق مثل «أنت أخي حقا». ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿الدِّينُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له. ﴿الْقَيِّمُ:﴾ خبر المبتدأ.\nهذا؛ وإن اعتبرت (الدين) خبر المبتدأ، و(القيم) صفته، فالمعنى لا يأباه، وانظر ما ذكرته في سورة (يوسف) رقم [٤٠] وانظر تتمة الإعراب في الآية رقم [٦].\n\n<span id=\"aya-3440\"></span>﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاِتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ:﴾ راجعين إليه، من: أناب إذا رجع مرة بعد مرة. وقيل: منقطعين إليه، ومنه أخذ اسم الناب؛ لأنه قاطع، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله ﷿ بالطاعة، والمفرد: منيب، وأصله: «منيب» على وزن مفعل؛ لأنه من الرباعي كما ترى، فقل في إعلاله:\nاجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء إلى النون قبلها، بعد سلب سكونها، فصار «منيب» ومثله قل في إعلال «مبين» ونحوه. (اتقوه): خافوه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه. ﴿(أَقِيمُوا الصَّلاةَ)﴾:\nأدوها على الوجه الأكمل، وقد شرحت ذلك كثيرا. ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ بأي نوع من أنواع الشرك، فإن الشرك لا يكون مقصورا على عبادة الحجارة، أو عبادة الشمس، والقمر، أو عبادة فرد من الناس، لا؛ فإن الرياء بالعمل شرك، وإن من اعتقد: أن لمخلوق في هذا الكون تأثيرا في شيء من الأشياء؛ فقد أشرك، وإن من اعتقد: أن فلانا؛ ضره، أو نفعه، ولم يعز ذلك إلى الله؛ فقد أشرك، ومن يقول: إن فلانا سبب في النفع، أو الضر؛ فلا بأس به شرعا مع اعتقاده: أنه من الله.","vol":"7","page":275},{"text":"الإعراب: ﴿مُنِيبِينَ:﴾ حال من واو الجماعة ب: «الزموا» الذي رأيت تقديره في الآية السابقة، أو حال من فاعل (أقم) المستتر؛ لأن الأمر للنبي ﷺ أمر له، ولأمته. فالمعنى أقيموا وجوهكم.\nويؤيده عطف: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ عليه، فهو منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ الواو: حرف عطف: (اتقوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: «الزموا» التي رأيت تقديرها في الآية السابقة، أو هي معطوفة على جملة: (أقم...) إلخ التي رأيت تأويلها، وجملة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة عليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا،﴾ وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3441\"></span>﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ:﴾ إن كان الضمير راجعا إلى كفار قريش، فيكون معنى التفريق راجعا إلى تفريق أهوائهم، واختلافهم فيما يعبدون من أوثان، وعبادة الملائكة، وغير ذلك من المعبودات الباطلة؛ التي كانت شائعة عند العرب في الجاهلية، ويؤيده قراءة حمزة، والكسائي: «(فارقوا)» أي: فارقوا دينهم الصحيح، وهو دين إبراهيم، وإسماعيل، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: هم أهل البدع من هذه الأمة. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾.\nهذا؛ وشيع: جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، وهو التحزب، ومعنى الشيعة الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان، وفي القاموس المحيط: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه، وأنصاره؛ والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علي بن أبي طالب، وأهل بيته﵃ أجمعين-، حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت: [الطويل] وما لي إلاّ آل أحمد شيعة... وما لي إلاّ مذهب الحقّ مذهب\n ﴿كُلُّ حِزْبٍ:﴾ كل فريق، وملة. هذا؛ والحزب في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، يعني: أهمّه، والجمع: أحزاب.\n ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ:﴾ مسرورون معجبون به، معتقدون: أنه الحق.","vol":"7","page":276},{"text":"هذا؛ و﴿لَدَيْهِمْ﴾ ظرف مكان بمعنى: «عند» وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف على وإلى ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر] إلاكم يا خناعة، لا إلانا... عزا النّاس الضّراعة والهوانا\nفلو برأت عقولكمو بصرتم... بأنّ دواء دائكمو لدانا\nوذلكمو إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكمو علانا\nثم اعلم: أن «عند» أمكن من: «لدى» من وجهين: أحدهما أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في «لدى»، ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة.\nخاتمة: هذه الآية وأمثالها تنظر إلى قول النبي ﷺ: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق إلى ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة». الحديث خرجه أبو داود، ورواه الترمذي وزاد فيه:\nقالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». خرجه من حديث عبد الله بن عمرو ﵁، وهذا يبين أن الافتراق المحذّر منه في الآية، والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده؛ لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل، ولا عذاب النار. انتهى.\nقرطبي في غير هذا الموضع.\nأقول: وإنما يعني-رحمه الله تعالى-المذاهب الأربعة المختلفة في بعض الأحكام، فأهل هذه المذاهب يطلق عليهم اسم أهل السنة، والجماعة؛ لأنهم هم المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين، وصحابته المهتدين، وعاضّون عليها بالنواجذ. والحمد لله رب العالمين.\nبعد هذا: فالفرح لذة في القلب، بإدراك المحبوب، ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذم الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ولكنه مطلق، فإذا قيّد الفرح لم يكن ذمّا لقوله تعالى في حق الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ،﴾ وقال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: برحمته، وقال تعالى: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ هذا؛ وقد قال تعالى في","vol":"7","page":277},{"text":"سورة (غافر) رقم [٧٥]: ﴿ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يدل على أنه يكون في الحق وغيره، ثم قال تعالى في تتمة الآية: ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ فلم يستثن؛ لأن المرح لا يكون إلا في الشر كالبطر، والأشر.\nالإعراب: ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور بدل من قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بإعادة العامل. ﴿فَرَّقُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿دِينَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿شِيَعًا:﴾ خبر (كان) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿حِزْبٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِحُونَ﴾ بعدهما. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لاتصاله بالهاء التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فَرِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية:\n ﴿كُلُّ..﴾. إلخ مستأنفة أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها على الاعتبارين، وهي مقررة لما قبلها من تفريق دينهم، وكونهم شيعا.\nهذا؛ وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون: ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ منقطعا مما قبله، ومعناه: من المفارقين دينهم كل حزب فرحين بما لديهم، ولكنه رفع ﴿فَرِحُونَ﴾ على الوصف ل: ﴿كُلُّ﴾ وفحواه أنه يريد اعتبار ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ مؤخرا، والجار والمجرور ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ متعلقين بمحذوف خبر مقدم، والمعنى لا يؤيده. تأمل.\n\n<span id=\"aya-3442\"></span>﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ:﴾ أصابهم شدة من هزال، أو مرض، أو قحط، أو غير ذلك. ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ:﴾ لجئوا إلى الله بالدعاء، والتضرع. ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ:﴾ مقبلين عليه بقلوبهم، وجميع جوارحهم. ﴿ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً:﴾ صحة من مرض، وخصبا من قحط، ونعمة من نقمة. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ:﴾ المراد: الكفار من الناس. ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يرجعون إلى عبادة الأصنام، وترك عبادة الملك العلام.\nومعنى هذا الكلام التعجب: عجب الله نبيه ﷺ من المشركين في ترك الإنابة إليه تعالى، مع تتابع الحجج عليهم، ولكنهم إذا نزل بهم ضر؛ لجئوا إليه في كشف الضر عنهم، فإذا كشف","vol":"7","page":278},{"text":"عنهم؛ انقلبوا على أعقابهم خاسئين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة العنكبوت تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وانظر (الذوق) في الآية رقم [٥٥] منها أيضا. هذا؛ وأما ﴿دَعَوْا﴾ فأصله قبل دخول واو الجماعة: (دعو) فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة، صار «دعاوا» فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على العين دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار «دعوا» فقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة... إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار:\n «دعووا» فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت، فالتقى ساكنان: واو العلة، وواو الجماعة، فحذفت واو العلة... إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا... إلخ تنبه لذلك واحفظه.\nهذا؛ وتحرك واو الجماعة بالضمة إذا التقى معها ساكن، مثل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ وإنما حركت بالضمة دون غيرها ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قولك: «لو اجتهدت لنجحت» وقيل: ضمت؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الواو المحذوفة. وقيل: غير ذلك.\nهذا؛ والفريق: الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، ومعشر... إلخ، وقد جمع الضمير في الثلاثة بعده مراعاة لمعناه. تأمل.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ.\n ﴿مَسَّ:﴾ فعل ماض. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿ضُرٌّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿دَعَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة كما رأيت، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُنِيبِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل... إلخ. ﴿أَذاقَهُمْ:﴾\nفعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿رَبَّهُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها... إلخ. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف","vol":"7","page":279},{"text":"حال من: ﴿رَحْمَةً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». (إذا): كلمة دالة على الفجاءة، وهي رابطة لجواب (إذا) الشرطية قبلها، وانظر الآية رقم [٢٥]. ﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿يُشْرِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَرِيقٌ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ الشرطية، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، وفي الآية دليل واضح على أن «إذا» الشرطية لا تكون معمولة لجوابها؛ لأن ما بعد «إذا» الفجائية، لا يعمل فيما قبلها. هذا؛ ومثل هذه الآية في المعنى، والإعراب الآية رقم [٥٤] من سورة (النحل).\n\n<span id=\"aya-3443\"></span>﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ:﴾ اللام لام التعليل، ومتعلقة بما قبلها؛ إذ التقدير: فريق منهم بربهم يشركون؛ ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة، وجمع الضمير مراعاة لمعنى ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿فَتَمَتَّعُوا:﴾ لفظه أمر، ومعناه: التهديد، والوعيد، والمعنى: فاسرحوا في هذه الدنيا الفانية، وامرحوا إلى انتهاء آجالكم، وقرئ: «(وليتمتعوا)». وقيل: اللام فيه للأمر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٦] من سورة (العنكبوت) ففيها الكفاية. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ سوء تدبيركم عند تدميركم، فهذا تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد. والالتفات من الغيبة إلى الخطاب واضح وظاهر، ويقرأ: (يعلمون) بالياء ليوافق: (ليتمتعوا) فتكون الآية قد وافقت آية (العنكبوت) رقم [٦٦] بحروفها، وعلى القراءة بالتاء فهي موافقة للآية رقم [٥٥] من سورة (النحل) بحروفها.\nهذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها، وكفر الشيء: ستره وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع: كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ وسمي الليل: كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في معلقته البيت رقم [٦٥] وما بعده: [الطويل] وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل\nرضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيّار في كلّ جدول","vol":"7","page":280},{"text":"هذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة. فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام! هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو القميص، والإزار، والملحفة، قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ والمراد من الآية: الأمر للكفار بأن يتمتعوا بدنياهم قليلا، أو بعبادتهم الأوثان، أو باتباعهم الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها. وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به.\nهذا؛ وذكرت لك: أن في الآية التفاتا من الغيبة إلى الخطاب، وللالتفات فوائد كثيرة:\nمنها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.\nالإعراب: ﴿لِيَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل:\nالعاقبة. وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ على اعتبار اللام للتعليل، ومتعلقان بفعل محذوف على اعتبار اللام للعاقبة، والمآل، التقدير: آل أمرهم للكفر. وقيل: اللام لام الأمر، فالفعل مجزوم لا منصوب، فتكون الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء.\n ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة: (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ليكفروا بالذي، أو: بشيء آتيناهموه. ﴿فَتَمَتَّعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (تمتعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول محذوف، التقدير: فقل لهم يا محمد: تمتعوا، وهذه الجملة لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان هذا حالهم وعملهم؛ فقل لهم: (تمتعوا). ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف تسويف، واستقبال.\n ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وانظر الإعراب على قراءة الفعلين بالياء في الآية رقم [٦٦] من سورة (العنكبوت) ففيها فضل زيادة.","vol":"7","page":281},{"text":"<span id=\"aya-3444\"></span>﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ:﴾ على المشركين. ﴿سُلْطانًا:﴾ حجّة، وعذرا، وقال الضحاك وقتادة، والربيع بن أنس﵃ أجمعين-: ﴿سُلْطانًا﴾ كتابا، وأضاف الكلام إليه توسعا، أو المراد: تكلم دلالة، كقوله تعالى: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. هذا؛ وفي الحقيقة قد نطق القرآن بكفرهم كثيرا، كما هو معلوم من الآيات الكثيرة، أو المراد بالكلام: الشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم، كما يشهد بنبوة محمد ﷺ، ويشهد بصحته: أنه منزل من عند الله، ولا تنس: أن (أم) بمعنى همزة الإنكار، فيكون المعنى: لا، لم ننزل عليهم سلطانا. وهو قول الكوفيين. ومذهب البصريين: أنها بمعنى بل، والهمزة، والمعنى: لا يصح إلا على هذا. تأمل.\nهذا؛ و(سلطان): تسلط وولاية، ومعناه هنا: الحجة، والبرهان، أو الكتاب، كما رأيت. قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة له، كالسلطان يقهر غيره بقوته. وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه. انتهى. ولا تنس ما قاله عثمان بن عفان﵁-: «إنّ الله ليزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن». أي: يكف عن المعاصي ويردع، وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء: أن العرب تؤنث السلطان، تقول:\nقضت به عليك السلطان، أما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى الحجة. هذا؛ والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى حكاية عن قول سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ الآية رقم [٢١] من سورة (النمل).\nهذا؛ والكلام بالنسبة للبشر، فهو يدل على أحد ثلاثة أمور:\nأولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد تكليمك إياه.\nوثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك: كلاما في اللغة العربية، تأمل قول الأخطل التغلبي: [الكامل] لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا\nإنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا\nوثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب: «القلم أحد اللّسانين» وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفّتي","vol":"7","page":282},{"text":"المصحف: «كلام الله»، ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾. وقال جل شأنه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ،﴾ وإلى كلمته جلت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا،﴾ ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينيها القول، والكلام، وذلك في قوله: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطّرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل] فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\nوانظر شرح القول في الآية رقم [٨٥] من سورة (النمل).\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل»؛ لأنها منقطعة. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سُلْطانًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَكَلَّمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿سُلْطانًا،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وهي في المعنى صفة سلطانا، وإن اعتبرت الفاء زائدة؛ وضح المعنى. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كونهم مشركين، ويضعفه وجود الضمير العائد عليها، والمصدرية لا يعود عليها الضمير، احفظه؛ فإنه جيد. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يُشْرِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها... إلخ.\n\n<span id=\"aya-3445\"></span>﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً:﴾ نعمة من صحة، وغنى، وخصب، ورخاء، وراحة بال، وهناءة ضمير. وانظر الذوق في الآية رقم [٥٥] من سورة (العنكبوت). ﴿فَرِحُوا بِها﴾ أي: فرحوا فرح","vol":"7","page":283},{"text":"بطر، وكبر. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ:﴾ شدة من مرض، وفقر، وقحط، وغير ذلك مما يسوءهم. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الكفر، والظلم، والمعاصي. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي؛ نسبت الأعمال كلها إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون، والآذان تغليبا للأكثر على الأقل. ﴿إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ:﴾ ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر ربه عند النعمة، ويصبر، ويرجوه عند الشدة، وكان الأحرى بهؤلاء الكافرين أن يعلموا، ويوقنوا أن الله هو الباسط، والقابض، فيرجعوا إليه عند الشدة، ويتوبوا من المعاصي التي عوقبوا بسببها حتى يعيد إليهم نعمته التي سلبهم إياها. هذا؛ والفعل: قنط، يقنط يأتي من الباب الرابع، والثاني، وبهما قرئ في هذه الآية، وقرأ الأعمش أيضا: قنط، يقنط من الباب السادس أيضا.\nهذا؛ والآية صفة للكافر يقنط عند الشدة، ويبطر عند النعمة، كما قيل: [المديد] كحمار السّوء إن أشبعته... رمح النّاس وإن جاع نهق\nوكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلوبهم بهذه المثابة، وقد مضى هذا في غير موضع، قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ، انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿أَذَقْنَا:﴾ فعل وفاعل. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به.\nثان، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَرِحُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿سَيِّئَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالياء.\n ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها.\nوالعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء قدمته أيديهم. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة واقعة في جواب الشرط، انظر الآية رقم [٢٥] ففيها الكفاية. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَقْنَطُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية واقعة في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.","vol":"7","page":284},{"text":"<span id=\"aya-3446\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا:﴾ أولم ينظروا ويبصروا. ﴿أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ يعطي الرزق، ويمنح المال، ويوسع في المعيشة لمن يشاء من عباده. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيق ويفقر من المال، وقال جل ذكره: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في البسط، والتضييق في الرزق. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات على قدرة الله، وكمال حكمته، وأنه هو الفاعل المختار يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالتذكير، وفي كثير من الآيات ﴿لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ وهذه الآية مذكورة في سورة الزمر رقم [٥٢] بحروفها بإبدال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ب: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل رهط ومعشر ونفر... إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري-وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن يوجهه رسول إلى قومه، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، قال تعالى:\n ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ،﴾ وقال جل شأنه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وفي المصباح: «القوم» يذكر، ويؤنث، فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذا كل اسم جمع، لا واحد له من لفظه، نحو: رهط، ونفر... إلخ، فالتأنيث باعتبار معناه، وتأويله بالجماعة. والتذكير باعتبار لفظه.\nوالآيتان المذكورتان دليل على التأنيث.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. وقيل:\nحرف عطف على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة بما يلي: ما بالهم لم يشكروا في السراء والضراء كالمؤمنين، ولم يروا... إلخ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿الرِّزْقَ:﴾\nمفعول به. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والمتعلق محذوف، تقديره: من عباده. والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط","vol":"7","page":285},{"text":"محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو: لشخص يشاؤه الله. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقدر):\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ ومتعلقه محذوف، تقديره: له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل: ﴿يَرَوْا،﴾ وانظر مثل إعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ في الآية رقم [٢١]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3447\"></span>﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: لما بين الله تعالى: أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؛ أمر من وسع عليه في الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغني، والخطاب للنبي ﷺ، والمراد هو وأمته، وأمر بإيتاء ذي القربى لقرب رحمه، وخير الصدقة ما كان على القريب، وفيها صلة الرحم، وقد فضّل رسول الله ﷺ الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة ﵂، وقد أعتقت وليدة: «أما إنّك لو أعطيتها أخوالك؛ كان أعظم لأجرك». ويظهر: أنّ أخوالها كانوا فقراء.\nوعن سلمان بن عامر﵁عن النبي ﷺ قال: «الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرّحم ثنتان: صدقة وصلة» أخرجه النسائي، والترمذي. وعن عبد الله بن عمر -﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّما رجل أتاه ابن عمّه يسأله من فضله، فمنعه؛ منعه الله فضله يوم القيامة». أخرجه الطبراني. وخذ قول زهير في معلقته: [الطويل] ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله... على قومه يستغن عنه ويذمم\n ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ:﴾ من صلة مادية كما ذكرت، ومن المودة: الزيارة، وحسن المعاشرة، والمعاونة في الضراء، والمؤالفة في السراء، والدعاء في ظهر الغيب، والمعاضدة، ونحو ذلك، ويدخل في ذي القربى جميع الأقارب من جهة الأب، ومن جهة الأم، ويطلق عليهم جميعا اسم ذوي الأرحام، وأبو حنيفة-رحمه الله تعالى-يلزم الموسر نفقة أقاربه المعسرين من أي جهة كانوا؛ لأنه يورث ذوي الأرحام بعضهم بعضا، استدلالا بقوله تعالى في آخر سورة (الأنفال):\n ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ ويقول: الغنم بالغرم، وهذه الآيات يقول الشافعي -رحمه الله تعالى-فيها: إنها منسوخة بآية المواريث الموجودة في سورة (النساء)، فلا يرى توريث ذوي الأرحام، ولا يلزم الموسر النفقة إلا إلى الأصول، والفروع.\nوالمسكين: هو الذي لا يقوم دخله بكفايته، وهو أحسن حالا من الفقير عند الشافعي، -رحمه الله تعالى-. والعكس عند أبي حنيفة، -رحمه الله تعالى-. وخذ تعريفه فيما يلي: فعن","vol":"7","page":286},{"text":"أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الّذي تردّه اللّقمة، واللّقمتان، والتّمرة والتّمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس». رواه البخاري، ومسلم. هذا؛ وقد كان النبي ﷺ يسأل المسكنة، ويتعوذ بالله من الفقر، فعن أنس﵁-، عن النبي ﷺ قال: «اللهمّ أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة». رواه الترمذي، ولو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير؛ لما تعوذ بالله من الفقر، وسأله المسكنة. وقد توسعت في شرح الفقير، والمسكين في الآية رقم [٦١] من سورة (التوبة). ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: ابن الطريق المنقطع في سفره، ونفد ماله بأية وسيلة كانت، فقد أمر الله الموسرين بأن يعطوه ما يوصله بلده، ولو كان من أغنى الأغنياء في وطنه، وقد جعله الله أحد الأصناف الثمانية؛ الذين تصرف إليهم الزكاة في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة).\nهذا؛ وخص الله هؤلاء الثلاثة من بين الأصناف الثمانية بالذكر هنا؛ لأنه جلت قدرته أراد هاهنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال، سواء أكان زكويا، أو لم يكن؟ وسواء أكان قبل الحول، أم لم يكن؟ لأن المقصود هنا الشفقة العامة، وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم، وإن لم يكن للإنسان مال زائد، وإن لم يكن مالكا للنصاب، والفقير داخل في المسكين؛ لأن من أوصى للمساكين بشيء يصرف إلى الفقراء أيضا. وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف رأيتهم، لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم. وقدم القريب؛ لأن دفع حاجته واجب، سواء أكان في مخمصة، أو لم يكن، فلذلك قدم على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع فقدم على من حاجته مختصة بموضع دون موضع، وهو ابن السبيل. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nوينبغي أن تعلم: أن (ذا) بمعنى: صاحب، ويجمع جمع تكسير: «ذوين، وذوون» وتحذف نونهما للإضافة، ويجمع على غير لفظه: «أولون، وأولين» وهو كثير مثل: أولو الألباب، وهذا ذكر في الآية رقم [٢٦] من سورة (الإسراء).\n ﴿ذلِكَ﴾ أي: إنفاق المال إلى الفقراء والمساكين، ولا سيما الثلاثة المذكورون في هذه الآية.\n ﴿خَيْرٌ:﴾ أفضل درجة، وأعظم مكانة. ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ:﴾ ذاته، أو جهته، أي: يقصدون إياه بمعروفهم ويريدون رضاه، فهو كقوله تعالى في حق أبي بكر الصديق﵁-: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ فهم لا يريدون سمعة، ولا يقصدون ثناء، ولا شكورا من الناس. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة، حيث بسط لهم من النعيم المقيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.","vol":"7","page":287},{"text":"الإعراب: ﴿فَآتِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (آت): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿ذَا:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذَا﴾ مضاف، و﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَقَّهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَآتِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الغنى والفقر من الله؛ فآت ذا... إلخ.\n ﴿وَالْمِسْكِينَ:﴾ معطوف على: ﴿ذَا الْقُرْبى،﴾ وحذف المفعول الثاني لدلالة ما قبله عليه. ﴿وَابْنَ:﴾\nمعطوف عليه أيضا، وحذف الثاني أيضا، فإن التقدير: وآت المسكين حقه. وآت ابن السبيل حقه، و(ابن) مضاف، و﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿وَجْهَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3448\"></span>﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا:﴾ زيادة محرمة في المعاملة. ﴿لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ:﴾ ليزيد، ويكثر في أموالهم. ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ:﴾ فلا يزكو عند الله، ولا يبارك فيه، كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٧٥]: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ،﴾ وقرئ: «(ما أتيتم)» بالقصر؛ المعنى: ما جئتم به من إعطاء الربا، كما قرئ: «(لتربوا)» أي: لتزيدوا، ولتصيروا ذوي ربا.\n ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ:﴾ صدقة تزكون بها أنفسكم. ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ تبتغون به وجهه والتوجه إليه بالإخلاص، وحسن النية. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ:﴾ ذوو الأضعاف من الثواب","vol":"7","page":288},{"text":"والحسنات، حيث يعطون الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعين، إلى سبعمائة... إلخ، وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة للتعظيم، كأنه خاطب به الملائكة، وخواص الخلق، تعريفا لحالهم، أو للتعميم كأنه قال: فمن فعل ذلك فأولئك هم المضعفون، هذا هو المتبادر للأذهان من فحوى هذه الآية. وقيل المراد: أن يهب الرجل للرجل، أو يهدي له؛ ليعوضه أكثر مما وهب، وأعطى، فليست تلك الزيادة بحرام ولكن المعوض لا يثاب على تلك الزيادة، وخذ ما ذكره الجمل ملخصا من القرطبي، رحمه الله تعالى.\nقال-رحمه الله تعالى-: الربا: الزيادة، وقد مضى في البقرة معناه، وهو هناك محرم، وهاهنا حلال، وثبت بهذا: أنه قسمان، منه حلال، ومنه حرام. قاله عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ﴾ قال: الربا نوعان: فربا حلال، وربا حرام، فأما الربا الحلال، فهو الذي يهدى يلتمس ما هو أفضل منه، وليس له فيه أجر، وليس عليه فيه إثم، ولذلك قال ابن عباس: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ يريد هدية الرجل التي يرجو أن يثاب عليها أفضل منها، فذلك الذي لا يربو عند الله، ولا يؤجر صاحبه، ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى نزلت الآية.\nقال ابن عباس، وابن جبير، وطاوس، ومجاهد: هذه الآية نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه، وهو إن كان لا إثم فيه؛ فلا أجر فيه، ولا زيادة عند الله، وقاله القاضي أبو بكر بن العربي. قال المهلب: واختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب ثوابها، وقال: إنما أردت الثواب، فقال مالك: ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له، فله ذلك، مثاله هبة الفقير للغني، وهبة الخادم لصاحبه، وهبة الرجل لأميره، ومن فوقه، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي الآخر، وعن علي﵁قال: المواهب ثلاثة: موهبة يراد بها وجه الله، وموهبة يراد بها ثناء الناس، وموهبة يراد بها الثواب، فموهبة الثواب يرجع فيها أي صاحبها إذا لم يثب عليها، بخلاف القسمين الآخرين، فلا يرجع فيهما صاحبهما. انتهى. بحروفه.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول مقدم، أو هي في محل رفع مبتدأ. ﴿آتَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول الثاني محذوف على الوجه الأول في (ما)، والمفعولان محذوفان على الوجه الثاني فيها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على الوجه الأول في ما، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها مبتدأ. ﴿مِنْ رِبًا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (ما)، أو من ضميرها المقدر، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿لِيَرْبُوَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿رِبًا،﴾ تقديره: «هو»، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة:","vol":"7","page":289},{"text":"﴿رِبًا﴾. ﴿فِي أَمْوالِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و﴿أَمْوالِ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿لِيَرْبُوَا:﴾ فعل مضارع مرفوع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى: ﴿رِبًا﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (ما)، على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.\nهذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي آتيتموه الناس... إلخ، وجملة: ﴿فَلا يَرْبُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ﴾ إعرابه مثل سابقه بلا فارق على جميع الوجوه المعتبرة فيه. وجملة: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ في محل جر صفة (زكاة) ورابط الصفة محذوف؛ إذ التقدير: تريدون بها وجه الله، وإعراب: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ مثل إعراب ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في الآية السابقة بلا فارق، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط على اعتبار (ما) شرطية، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها موصولة مبتدأ، والجملة على جميع الاعتبارات فيها معطوفة على ما قبلها. ومفعول ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ محذوف؛ إذ التقدير: المضعفون ثوابهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3449\"></span>﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ:﴾ أنشأكم من العدم. ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ:﴾ ثم بعد خلقكم تكفل بأرزاقكم إلى أن تموتوا. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ:﴾ بقبض أرواحكم. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ:﴾ بإعادة أرواحكم إلى أجسادكم للبعث، والحساب، والجزاء، وهو ﷾ المختص بهذه الأمور الأربعة:\nالخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، لا يقدر عليها أحد غيره. ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ أي:\nأصنامكم التي زعمتم: أنهم شركاء الله. وقد أطلق الله اسم الشركاء على الأصنام المعبودة من دونه لأمرين: أحدهما أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس.\nوثانيهما: أنهم يشركونها معهم في الأموال، والأنعام، والزروع، كما رأيت في الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها.\n ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ:﴾ أثبت الله لنفسه لوازم الألوهية، ونفاها قطعا عما اتخذوه شركاء له من الأصنام، وغيرها مؤكدا بالإنكار على ما دل عليه البرهان، والعيان، ووقع عليه الوفاق، ثم نزه نفسه بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة عن الأنداد، والأضداد، والصاحبة،","vol":"7","page":290},{"text":"والأولاد بقوله الحق: ﴿\\سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقديسا، وتنزيها عما يشركونه معه من الأضداد، والأصنام.\nهذا؛ و(سبحان) اسم مصدر. وقيل: هو مصدر مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل سبّح بتشديد الباء، والمصدر تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره: ... سبحان من علقمة الفاخر!\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به، وجملة القول فيه: هو اسم وضع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف والنون، ومعناه:\nالتنزيه، والبراءة لله ﷿ من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، لا يصلح لغيره.\nوقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة﵃ أجمعين-: أنه قال للنبي ﷺ: ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه عند سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله، مكان قولك: تنزيها لله. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره.\n ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿رَزَقَكُمْ﴾ معطوفة عليها. ﴿يُمِيتُكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الذي أيضا، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿يُحْيِيكُمْ﴾ معطوفة عليها، والتعبير بالماضي في الجملتين الأوليتين؛ لأن الخلق، والرزق كانا قد حصلا عند الخطاب، بخلاف الإماتة، والإحياء فإنهما لم يحصلا عند الخطاب، فلذا كان التعبير عنهما بالفعل المستقبل، وهو المضارع كما هو ظاهر.\n ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام إنكاري توبيخي. ﴿مِنْ شُرَكائِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»","vol":"7","page":291},{"text":"يعود إلى ﴿مِنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ ذلِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار الموصول صفة الجلالة، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو لفظ الجلالة، وهو غير مسلم؛ لأن كثيرا من النحويين لا يجيز وقوع الجملة الطلبية خبرا للمبتدإ، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر جملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَتَعالى:﴾ الواو: حرف عطف. (تعالى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تعالى عن الذي، أو عن شيء يشركون به مع الله، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: تعالى الله عن شركهم به. تأمل.\n\n<span id=\"aya-3450\"></span>﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ:﴾ كالجدب، والموتان، وكثرة الحرق، والغرق، ومحق البركات بسبب شؤم العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية. هذا؛ وقيل: المراد ب: ﴿الْفَسادُ﴾ الظلم، وارتكاب المعاصي، فهذا هو الفساد على الحقيقة، ويكون المعنى ظهرت المعاصي في البر، والبحر، فحبس الله عنهم الغيث، وأغلى أسعارهم، ومحق البركة من بين أيديهم، وشدد على قلوبهم، وأكثر همومهم وغمومهم، والمراد بالبحر: قرى، ومدن السواحل، وجزر البحار، والبر: مدن وقرى الداخل البعيدة عن البحار.\n ﴿بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ أي: بسبب الذي اجترحته أيدي الناس من المعاصي، والمنكرات. والتعبير بالأيدي على مثال ما رأيت في الآية رقم [٣٦]. قال تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ﴾","vol":"7","page":292},{"text":"مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ. ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: جزاء وعقوبة بعض الذي عملوا من السيئات، والمعاصي في الدنيا، والعذاب الأليم، والعقاب الشديد الذي سيلقونه في الآخرة، وانظر الاستعارة في الآية رقم [٥٥] من سورة (العنكبوت).\n ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ عن غيهم، وظلمهم، وارتكابهم المعاصي، واجتراحهم المنكرات، ولكن الناس في هذه الأيام لا يرجعون مع أن البلاء قد صب عليهم بجميع أنواعه، وألوانه، والشيء العجيب الغريب: أن كل واحد يرى الناس ضالين عاصين، ويتحدث بالحلال، والحرام، وينتقد الناس، وهو غارق في الضلال من الظلم وسوء الأعمال إلى فوق الأذقان، ورحم الله الكميت؛ إذ يقول: [الطويل] كلام النّبيّين الهداة كلامنا... وأفعال أهل الجاهليّة نفعل\nجاءني شخص يبكي على الإسلام؛ لأن شخصا آخر يضع مئونة سنوية عشرين تنكة من الخمر، والناس معروفون بمناصرة الباطل، ومحاربة الحق، وإنني أؤكد أن ما يضعه الشخص مئونة سنوية من الخمر أهون عند الله من كلمة يقولها إنسان بالباطل، وأهون عند الله من خطوة يخطوها مجرم أثيم لنصرة باطل، وإضاعة حق.\nهذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى، لا يحصل منه ترج ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nتنبيه: لقد كان أول فساد في الأرض قتل قابيل أخاه هابيل، فكانت الأرض قبل ذلك مونقة، نضرة مثمرة، لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها الثمر، وكان البحر عذبا، وكان السبع لا يصول على الغنم، ونحوها، فلما قتل قابيل هابيل؛ اقشعرت الأرض، ونبت الشوك في الأشجار، وصار ماء البحر ملحا، وتسلطت الحيوانات بعضها على بعض، ومن ذلك اليوم أخذ الكفر، والظلم، وارتكاب المعاصي ينتشر في الأرض، وكلما فسدت أمة يهلكها الله بسبب فسادها، وكل ذلك سجله القرآن الكريم. فاعتبروا يا أولي الأبصار، ولكن لا اعتبار، ولا استبصار!.\nالإعراب: ﴿ظَهَرَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْفَسادُ:﴾ فاعله. ﴿فِي الْبَرِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْفَسادُ﴾ التقدير: ظهر الفساد منتشرا في الأرض. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْبَحْرِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿ظَهَرَ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.\n ﴿أَيْدِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و﴿أَيْدِي﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة: (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nبسبب الذي، أو شيء كسبته أيدي الناس. وإن اعتبرت (ما) مصدرية؛ فالتقدير يكون: بكسبهم.","vol":"7","page":293},{"text":"﴿لِيُذِيقَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، أو هي لام العاقبة، والمآل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ ويؤيده قراءة الفعل بالنون، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿بَعْضَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: بعض الذي عملوه، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿ظَهَرَ،﴾ أو هما متعلقان بفعل محذوف، تقديره: عاقبهم بذلك؛ ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة يرجعون في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-3451\"></span>﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ سِيرُوا..﴾. إلخ: هذا أمر موجه للنبي ﷺ؛ ليرشد قومه بالسير في الأرض، والنظر بما فعل الله بالأقوام الذين كذبوا رسلهم؛ حيث أهلكهم بتكذيبهم إياهم، وكيف خلت منهم مساكنهم، فهو أمر للكفرة لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. وفيه تهديد، ووعيد لأهل مكة، ولكلّ المكذبين. ﴿كانَ أَكْثَرُهُمْ:﴾ أكثر الأمم السابقة. ﴿مُشْرِكِينَ:﴾ فيه بيان على أن سوء عاقبتهم كان لفشو الشرك فيهم، أو كان الشرك في أكثرهم، وما دونه من المعاصي كان في قليل منهم، ومع ذلك فقد أهلكوا جميعا. فاعتبروا يا أولي الألباب.\nتنبيه: قال الله تعالى هنا ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا،﴾ وقال في سورة (الأنعام) رقم [١١]:\n ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ والفرق بينهما: أن النظر هنا جعل مسببا عن السير، فكأنه قال:\nسيروا؛ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير هناك إباحة السير للتجارة وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب: ﴿ثُمَّ﴾ التي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح. انتهى. نسفي من سورة (الأنعام) بتصرف كبير.\nهذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث. أو لأن ﴿عَقِبِهِ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار","vol":"7","page":294},{"text":"ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى.\nهذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة-والمعنى: لا يأباه-فيكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من عاقبة، والعامل ﴿كانَ،﴾ وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها، وجملة: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ اسمها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُشْرِكِينَ:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كانَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3452\"></span>﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠] ففيها الكفاية. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ:﴾ المراد به: يوم القيامة. ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ:﴾ لا يقدر أن يرده أحد من الخلق. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾\nفي ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه، القريب أوانه. وانظر الآية رقم [٤]. ﴿يَصَّدَّعُونَ:﴾\nأصله: يتصدعون، فقلبت التاء صادا، وأدغمت في الصاد الثانية، ومعناه: يتفرقون بعد الحساب: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ويدل على هذا التفريق الآية التالية، ويقال: تصدع القوم: إذا تفرقوا، قال متمم بن نويرة من قصيدته في رثاء أخيه مالك: [الطويل] وكنّا كندماني جذيمة حقبة... من الدّهر، حتّى قيل لن يتصدّعا\nجذيمة: هو الأبرش، وكان ملكا، ونديماه يقال لهما: مالك، وعقيل، ويضرب بهما المثل لطول ما نادماه، فقد نادماه أربعين سنة ما أعادا عليه حديثا.\nالإعراب: ﴿فَأَقِمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له. (أقم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿وَجْهَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِلدِّينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْقَيِّمِ:﴾ صفة (الدين). ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (أقم) أيضا. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال. ولا أراه قويا، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، التقدير: من قبل إتيان يوم. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن».","vol":"7","page":295},{"text":"﴿مَرَدَّ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَأْتِيَ،﴾ أو هما متعلقان بفعل محذوف يدل عليه ﴿مَرَدَّ﴾ أي: لا يرده من الله أحد، ولا يجوز أن يتعلقا فيه؛ لأنه ينبغي أن ينون حينئذ؛ لأنه يصير شبيها بالمضاف، والجملة الاسمية: ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ في محل رفع صفة: ﴿يَوْمٌ﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و(إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ إذ التقدير: يوم إذ يأتي هذا اليوم. ﴿يَصَّدَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿يَوْمٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾ والرابط على الاعتبارين محذوف؛ إذ التقدير: يصدعون فيه يومئذ.\n\n<span id=\"aya-3453\"></span>﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: فعليه وبال كفره، وهو النار المؤبدة، وانظر الآية رقم [٣٤]. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا﴾ أي: عملا صالحا، والعمل الصالح يتمثل بأداء ما أوجب الله، والقيام بما أمر رسول الله ﷺ به، والعمل السّيّئ يتمثل بكل عمل نهى الله، ورسوله عنه.\n ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: يوطئون، ويسوون لأنفسهم في الآخرة فراشا، ومسكنا، وقرارا بالعمل الصالح، الذي قدموه في الدنيا لآخرتهم. وقيل: يوطئون المضاجع، ويسوونها في القبر.\nولا أراه قويا، وهذه الآية مفسرة لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ،﴾ وقال تعالى في آية أخرى ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ وهي رقم [١٤] في هذه السورة انظر شرحها هناك، فهو جيد.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو» والمتعلق محذوف، تقديره: كفر بالله. ﴿فَعَلَيْهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كُفْرُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا فهي مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرَ﴾ صلتها، والجملة الاسمية: (عليه كفره) في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة التالية مثلها في جميع ذلك، و﴿صالِحًا﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: عمل عملا صالحا. (لأنفسهم): جار ومجرور متعلقان بالفعل","vol":"7","page":296},{"text":"بعدهما. ﴿يَمْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والثانية معطوفة عليها كما هو ظاهر، وتقديم الظرف في الجملتين للدلالة على الاختصاص.\n\n<span id=\"aya-3454\"></span>﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ،﴾ الاقتصار على بيان جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات، والاكتفاء بفحوى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ فإن فيه إثبات البغض لهم، وإثبات المحبة للمؤمنين، وتأكيد اختصاص الصلاح بالمؤمنين، المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح باسمهم تعليل له، وقوله جلت قدرته: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ دال على أن الإثابة تفضل محض، وتأويله بالعطاء، والزيادة على الثواب عدول عن الظاهر. انتهى. بيضاوي بتصرف.\nهذا؛ وعطف: «العمل الصالح» على: «الإيمان» دليل واضح على أن الإيمان وحده قد لا يجدي بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ: «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، ويسمى هذا في فن البديع احتراسا.\nهذا؛ وعدم محبة الله للكافرين كناية عن البغض، والسخط، والغضب، ومحبته للمؤمنين رضاه عنهم، وغفر ذنوبهم، وستر عيوبهم. هذا؛ والجزاء والمجازة المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾. ومن الثاني قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير؛ وإن شرّا، فشرّ. هذا؛ والفعل جزى ينصب مفعولين، قال تعالى في سورة (النور): ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾.\nالإعراب: ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله تعالى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها.\n (عملوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: الأعمال الصالحات، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَصَّدَّعُونَ،﴾ أو بالفعل ﴿يَمْهَدُونَ﴾. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع،","vol":"7","page":297},{"text":"والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها من الإعراب على جميع الاعتبارات.\n\n<span id=\"aya-3455\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: ومن علامات قدرته، ودلائل ربوبيته، ووحدانيته. ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ:﴾ على جميع حالاتها، وقد عدد الفوائد في إرسالها فيما يلي: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ أي: بالمطر، وقد كثر مثل هذا التعبير في القرآن الكريم، فقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٨]: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ،﴾ وقال في سورة (النمل) رقم [٦٣]: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.\n ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: ولإذاقة الرحمة، وهي نزول المطر، وحصول الخصب؛ الذي يتبعه، أو الروح الذي هو مع هبوبها. هذا؛ وأطلق الله على المطر اسم الرحمة؛ لأن به حياة الأرض، التي بها حياة الإنسان، والحيوان، وكل شيء فيها، كما هو مشاهد، وانظر (الإذاقة) في الآية رقم [٥٥] من سورة (العنكبوت).\n ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بقدرته، وإرادته، وتدبيره، أو بتكوينه كقوله تعالى: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ولتطلبوا رزقه الذي كتبه، وقدره لكم عن طريق التجارة في البحر، وركوب السفن فيه. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ هذه النعم المتسببة عن إرسال الرياح، وهي أربع هنا، وفوائدها أكثر من أن تعد وتحصى، وانظر (الشكر) في الآية رقم [١٢] من سورة (لقمان).\nهذا؛ وقرأ حمزة، والكسائي، وابن كثير: «(الريح)» على إرادة الجنس، والريح في الأصل:\nالهواء المسخر بين السماء والأرض، وهو جسم متحرك لطيف، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للحس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وهو حياة كل نام، من إنسان، وحيوان، ونبات مثل الماء، بل الحاجة إليه أشد، وأصله: الرّوح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع:\nأرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل فيه كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ وقد تذكر على معنى الهواء.\nوالرياح الأصول أربع: إحداها: الشمال، وتأتي من ناحية الشمال، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء. والثانية: الجنوب، وهي","vol":"7","page":298},{"text":"مقابلتها؛ أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس، وهي الريح اليمانية. والثالثة:\nالصّبا، بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى القبول أيضا. والرابعة: الدّبور، وتأتي من مغرب الشمس، وما أتى منها من بين تلك الجهات، يقال لها: النّكباء، ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق، قيل لها: أزيب، (بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الياء). وإن خرجت من بين الشمال والغرب، قيل لها: جربيا، (بكسر الجيم، وسكون الراء، وكسر الباء). وإن خرجت من بين الشمال، والشرق، قيل لها: صابية. وإن خرجت من بين الجنوب، والغرب، قيل لها: هيف (بفتح الهاء، وسكون الياء) وقد جمع الثمانية النواجي بقوله: [الطويل] صبا ودبور والجنوب وشمأل... بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ\nومن بينها النّكباء أزيب جربيا... وصابية والهيف خاتمة العدّ\nهذا؛ وأضيف: أن ريح الصبا نصر الله بها نبينا ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، كما ستقف عليه في سورة (الأحزاب) إن شاء الله تعالى، وأن ريح الدّبور أهلك الله بها قوم عاد، ونبيهم هود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما رأيت في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) وغيرهما.\nهذا؛ ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة، والقوة، قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح، وهبوبها، يقال: هبت رياح بني فلان: إذا دانت لهم الدولة، ونفذ أمرهم. وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر. قال الشاعر: [الوافر] إذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون\nولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السّكون متى يكون؟\nفعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وعن عبد الله بن عمر﵄قال: «إنّ الرّياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي القاصف، والعاصف، والصّرصر، والعقيم.\nوأربع منها رحمة، وهي: النّاشرات، والمبشّرات، والمرسلات، والذّاريات».\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنْ آياتِهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُرْسِلَ:﴾\nفعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله تعالى.\n ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به. ﴿مُبَشِّراتٍ:﴾ حال من الرياح منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن","vol":"7","page":299},{"text":"الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿أَنْ يُرْسِلَ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (ليذيقكم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله تعالى، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على: معنى مبشرات؛ إذ التقدير: ليبشركم وليذيقكم، أو هما متعلقان بمحذوف، التقدير: وأرسلها (ليذيقكم). هذا؛ وأجيز اعتبار الواو صلة، فيتعلقان حينئذ بالفعل ﴿يُرْسِلَ﴾ والأول أقوى، وهو ما في «مغني اللبيب». ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وقوله تعالى: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وأيضا ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ مثله بلا فارق. ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها من تعليل.\n\n<span id=\"aya-3456\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ: هذا الكلام تسلية لرسول الله ﷺ، وهو اعتراض بين الكلامين المتصلين، أي في الآية السابقة، والآية اللاحقة. قال أبو حيان-رحمه الله تعالى-:\nاعتراض جاء تسلية لرسول الله ﷺ، وتأنيسا له، ووعدا بالنصر، ووعيدا لأهل الكفر، وحقيّة نصر المؤمنين على الله لا تختص بالدنيا، بل تعم الآخرة أيضا، فما في الآخرة من متناولات الآية. انتهى. جمل.\n ﴿فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات. ﴿فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أي: كفروا، وكذبوا، وقبلها جملة محذوفة؛ أي: فكفروا وكذبوا، فانتقمنا... إلخ.\n ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا..﴾. إلخ: فيه تعظيم للمؤمنين، ورفع لشأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة، ومزية؛ حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم تفضلا منه، مستوجبين عليه أن يظهرهم، ويظفرهم، تكرما منه. وفيه من التبشير للبشير النذير ﷺ بالظفر، والنصر على الأعداء.\nهذا؛ وقد عد محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-في كتابه: «التبيان في علوم القرآن» من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: الوفاء بالوعد في كل ما أخبر عنه، وفي كل ما وعد الله عباده به. قال: وهذا الوعد ينقسم إلى قسمين: وعد مطلق، ووعد مقيد، فالوعد المطلق كوعده بنصر رسوله، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، ونصر المؤمنين على الكافرين، وقد","vol":"7","page":300},{"text":"تحقق ذلك كله، وذكر مطلع سورة الفتح، وسورة النصر بكاملها، والآية رقم [٥١] من سورة (غافر): ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا..﴾. إلخ ثم قال: ومن الوعد المطلق قوله جل ثناؤه: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد تحقق نصر المؤمنين في مواطن عديدة: في بدر، والأحزاب، وحنين، وغير ذلك من المعارك العظيمة، التي شهدها تاريخ الإسلام، وذكر آيات من سورة (الأنفال) ثم قال: ومن الوعد المطلق قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ الآية رقم [٥٥] من سورة (النور)، ومن الوعد المطلق أيضا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ..﴾.\nإلخ رقم [٣٣] من (التوبة) ورقم [٢٨] من سورة (الفتح)، ورقم [٩] من سورة (الصف).\nأما الوعد المقيد فهو ما كان فيه شرط، كشرط التقوى، أو شرط الصبر، أو شرط نصرة دين الله، وما شابه ذلك، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ رقم [٧] من سورة (محمد) ﷺ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ رقم [٢ و٣] من سورة الطلاق، وبعدها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا،﴾ وقد وعد المؤمنين بالنصر بشرط الصبر، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٥]: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..﴾. إلخ. انتهى. بتصرف كبير مني، وانظر شرح هذه الآيات في محالها.\nهذا؛ وإذا كان الواحد القهار قد تعهد بنصر المؤمنين الصادقين؛ فالواجب على المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضا في جميع أنحاء الدنيا بما يقدر عليه، ولو بالتأييد باللسان في المؤتمرات العالمية، والدولية، ومن ذلك الدفاع عنه، ونصره في غيبته؛ إذا تعرض أحد للطعن في عرضه، وجرح كرامته. وخذ ما يلي: فعن أبي الدرداء﵁عن النبي ﷺ قال: «من ردّ عن عرض أخيه؛ ردّ الله عن وجهه النّار يوم القيامة». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وفي رواية أخرى: «من ذبّ عن عرض أخيه ردّ الله عنه عذاب النّار يوم القيامة»، وتلا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوعن جابر بن أبي طلحة الأنصاري﵃قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه؛ إلاّ خذله الله في موطن يحبّ فيه نصرته. وما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته؛ إلاّ نصره الله في موطن يحبّ فيه نصرته». رواه أبو داود.\nوينبغي أن تعلم: أن نصر الله إنما هو للمؤمنين الصادقين، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فوقفوا عند حدوده، فعملوا بأحكام كتابه، واهتدوا بهدي نبيه. وأكد هذا المعنى في الآية رقم [٥١] من سورة (غافر) حيث قال: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ وقد تجلى هذا النصر للمؤمنين الصادقين في عهد النبي ﷺ، وفي عهد خلفائه الراشدين وما","vol":"7","page":301},{"text":"بعدهم، والتاريخ شاهد صادق على ذلك، أما بعد أن أهمل المسلمون العمل بكتابه تعالى، ونبذوا الاهتداء بهدي نبيه ﷺ، وفسدوا، وفجروا، فقد رفع الله عنهم عونه، ولم ينصرهم في حربهم مع أعدائهم، قد يقول قائل: إن الأمة لا تخلو من مؤمنين صادقين، والجواب هو ما تضمنته الآية رقم [٢٥] من سورة (الأنفال): ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.\nفعن عبد الله بن عمر﵄-، قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ! لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع؛ الّتي لم تكن مضت في أسلافهم؛ الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال، والميزان؛ إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدة المئونة، وجور السّلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلاّ منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم.\nوما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّرون فيما أنزل الله؛ إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، ورواه الحاكم بنحوه من حديث بريدة وقال: صحيح على شرط مسلم.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿رُسُلًا:﴾ مفعول به. ﴿إِلى قَوْمِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿رُسُلًا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام معترض، لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة).\n ﴿فَجاؤُهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جاءوهم): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَانْتَقَمْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انتقمنا): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وهناك جملة محذوفة، التقدير: فكذبوهم فانتقمنا... إلخ. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿أَجْرَمُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿حَقًّا:﴾ خبرها، تقدم على اسمها. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿حَقًّا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿نَصْرُ:﴾ اسم (كان) مؤخر، و(نصر) مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة... إلخ، هذا هو الإعراب الظاهر، والمتبادر، وهو المعتمد. هذا؛ وأجيز اعتبار اسم","vol":"7","page":302},{"text":"(كان) ضميرا مستترا، التقدير: وكان الانتقام حقا، ومن أجاز هذا يجيز الوقف على: ﴿حَقًّا﴾.\n ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نَصْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للانتقام، كما أجيز اعتبار اسم (كان) ضميرا، و: ﴿حَقًّا﴾ مفعولا مطلقا، والجملة الاسمية: ﴿عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وتكون الجملة المؤلفة من حقا وفعله المحذوف معترضة بين اسم (كان) المستتر وخبرها، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3457\"></span>﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ:﴾ على جميع حالاتها، وانظر الآية رقم [٤٦] وقرئ في الآيتين بالإفراد، والجمع. قال أبو عمرو: كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد. ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا:﴾ تحركه وتهيجه، قال تعالى في سورة (النور) رقم [٤٣]:\n ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ أي: يسوق، ويجري إلى حيث يشاء، والسحاب: الغيوم التي تراها العيون في السماء، وهو واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع. وقيل: السحاب اسم جنس، واحده سحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو: (الثقال) في آية الرعد، وتجمع السحابة على:\nسحاب، وسحائب، وسحب. وهو غربال الماء، قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. هذا؛ وقيل: السحاب: الغيم فيه ماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل: سحاب جهام، وهو الخالي من الماء. وأصل السّحب: الجر، وسمي السحاب سحابا إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لانجراره في سيره، ووصفه الله بالثقال في الآية رقم [١٢] من سورة (الرعد) فقال جل ذكره:\n ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ لثقله بالماء الذي يحمله إلى حيث شاء الله الخلاق العظيم.\n ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ:﴾ ينشره متصلا بعضه ببعض، أي: ينشره كمال الانتشار، وإلا فأصل الانتشار موجود في السحاب دائما، والمراد بالسماء: جهتها، أي: جهة العلو، وليس المراد حقيقة السماء المعروفة. ﴿كَيْفَ يَشاءُ:﴾ من قلة وكثرة، ومن سير تارة، ووقوف أخرى، مطبق، وغير مطبق، متراكم، وغير متراكم، من جهة دون جهة، وغير ذلك. ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا:﴾ قطعا متفرقة، ويقرأ بفتح السين، وسكونها، فهو جمع: كسفة، وفي القاموس: الكسفة بالكسر:\nالقطعة من الشيء، والجمع كسف، وكسف، وجمع الجمع: أكساف، وكسوف، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الشعراء) فإنه جيد.\n ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أي: من وسطه، وهو مخارج القطر، ولولا السحاب حين ينزل المطر من السماء؛ لأفسد ما يقع عليه من الأرض، وهذا يفيد: أن المطر ينزل من خزائن الله","vol":"7","page":303},{"text":"تعالى، وينفي أن يكون من البحر كما يقول الدهريون والعصريون في هذا الزمن، وفي ﴿الْوَدْقَ﴾ قولان: أحدهما: أنه البرق، قاله الأشهب العقيلي، ومنه قول الشاعر: [الوافر] أثرن عجاجة وخرجن منها... خروج الودق من خلل السّحاب\nالثاني: أنه المطر، قاله الجمهور، قال امرؤ القيس: [الطويل] فدمعهما ودق وسحّ وديمة... وسكب وتوكاف وتنهملان\nوقال عامر بن جوين الطائي: [المتقارب] فلا مزنة ودقت ودقها... ولا أرض أبقل إبقالها\n ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر. ﴿مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ يعني: بلادهم، وأراضيهم، وزروعهم. ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ:﴾ بنزول المطر، فيفرحون، ويؤملون الخصب بسببه.\n ﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا.\n «ترى» ماضيه: رأى، وقياس المضارع ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته كما في قول سراقة بن مرداس البارقي، وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الوافر] أري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات\nوربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و﴿إِذا رَأَيْتَ:﴾ «(أرأيتكم)» «(أرأيت)» بدون همز وقال الشاعر: [الخفيف] صاح هل ريت أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟\nوإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله: ترأي قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.\n ﴿أَصابَ:﴾ يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم، يصيب: لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب، وأصاب فلانا البلاء، يصيبه: وقع عليه، وأصابهم المطر في هذه الآية: نزل عليهم. هذا؛ وأصاب: قصد، وأراد، قال تعالى في سورة (ص)","vol":"7","page":304},{"text":"رقم [٣٦]: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب وأخطأ الجواب. قاله ابن الأعرابي، وقال الشاعر: [المتقارب] أصاب الكلام فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصل\nأي: أراد الكلام، والمضارع: يصيب، وإعلاله مثل: يقيمون في الآية رقم [٣] من سورة (النمل).\nهذا؛ ويشاء: ماضيه: شاء فلم يرد له أمر، ولا ل: أراد فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل شاء: شئ على فعل بكسر العين، بدليل: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول: أراد؛ حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» وليس كذلك.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يُرْسِلُ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَتُثِيرُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تثير): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى الرياح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿سَحابًا:﴾ مفعول به. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يَشاءُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله تعالى، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: كيف يشاء بسطه.\nوالجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، التقدير: فيبسطه في السماء في الحالة التي يشاؤها، وجملة: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ معطوفة على جملة: (يبسطه...) إلخ لا محل لها أيضا. ﴿فَتَرَى:﴾ الفاء: حرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْوَدْقَ:﴾ مفعول به. ﴿يَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الودق. ﴿مِنْ خِلالِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الودق، والجملة الفعلية: ﴿فَتَرَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. ﴿فَإِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ. ﴿أَصابَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، الجملة الفعلية بعدها","vol":"7","page":305},{"text":"صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذين، أو: ناسا يشاؤهم. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مِنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَصابَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿فَإِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَإِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة، وهي رابطة لجواب (إذا) الشرطية قبلها، وانظر الآية رقم [٢٥]. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وهو أولى من عطفه على ما قبله.\nتنبيه: جاء في مغني اللبيب ما نصه: وتستعمل كيف على وجهين: أحدهما: أن تكون شرطا، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ، والمعنى: غير مجزومين، نحو: كيف تصنع أصنع، ولا يجوز كيف تجلس أذهب باتفاق، ولا كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها كما مرّ. وقيل: يجوز مطلقا، وإليه ذهب قطرب، والكوفيون. وقيل: يجوز بشرط اقترانها ب: «ما» قالوا: ومن ورودها شرطا:\n ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾. ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبلها، وهذا يشكل على إطلاقهم: أن جوابها يجب مماثلته لشرطها.\nوقد استدرك بعض المعلقين على المغني، فقال: أجاب بعضهم بأنه يمكن أن يقدر الجواب موافقا للشرط بأن يقدر الجواب فعل مشيئة متعلق بالفعل السابق، وهو دال عليه؛ لأن الفعل الاختياري، يستلزم المشيئة، والأصل: كيف يشاء أمرا يشاء التصوير في الأرحام، كيف يشاء أمرا يشاء الإنفاق. كيف يشاء أمرا يشاء بسطه. غاية الأمر: أن متعلق الفعلين مختلف، وهذا جواب بعيد؛ لأنهم قالوا: لدلالة ما قبلها؛ لأن المتبادر: أنه دال على الجواب، وعلى دفع الإشكال، فيكون ما قبلها دالا على متعلق جوابها، لا على نفس جوابها، وقد علمت دفع هذا بأن الفعل الاختياري، وهو الفعل الواقع قبلها يستلزم المشيئة، وهو الجواب المحذوف.\n\n<span id=\"aya-3458\"></span>﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: المطر. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ من قبل نزول المطر، وهذا من باب التكرير، والتوكيد لما قبلهما، ومعنى التوكيد فيهما: الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول، وبعد، فاستحكم بأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اهتمامهم بذلك. وقيل: الضمير للمطر أو للسّحاب، أو الإرسال، والمعتمد الأول.\n ﴿لَمُبْلِسِينَ:﴾ لآيسين من رحمة الله تعالى مكتئبين، قد ظهر الحزن عليهم، لاحتباس المطر عنهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢].","vol":"7","page":306},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. وفسرها الجلال تبعا للبغوي ب: «قد» ولا وجه له، ويدل للأول اللام في: ﴿لَمُبْلِسِينَ،﴾ فإنها الفارقة.\nقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾\nجار ومجرور، متعلقان ب: (مبلسين): ﴿أَنْ يُنَزَّلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿إِنْ،﴾ وهما في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المطر المفهوم من ﴿الْوَدْقَ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ توكيد لما قبلهما هذا على اعتبار الضمير عائدا على المطر. وقيل: عائد على السحاب، أو على الريح، أو على الكسف، فيكونان متعلقين بالفعل: ﴿يُنَزَّلَ﴾ على هذه الاعتبارات، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَمُبْلِسِينَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي، والإثبات، أي: اعتبار (إن) مخففة كما رأيت. (مبلسين): خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: (إن كانوا...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3459\"></span>﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿فَانْظُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويعم كل إنسان يعقل من بني آدم، فيكون المعنى:\nانظروا نظر استبصار، واستدلال، لا نظر عمى، وإهمال. أي: انظروا على أن من قدر على ذلك قادر على إحيائكم وبعثكم بعد موتكم. ﴿إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ أي: أثر المطر المعبر عنه بالرحمة كيف يتسبب عنه النبات، والأشجار، وأنواع الثمار. وهذا ما يسمى بالمجاز المرسل علاقته الحالية. هذا؛ ويقرأ: «(أثر)» بالإفراد وبالجمع أيضا.\n ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي: يبسها، وجدبها؛ إذ موتها حين تكون يابسة لا نبات فيها شبيهة بالميت، وإحياؤها يكون بنزول المطر عليها، والفاعل يعود إلى (الله)، ويقرأ الفعل بالتاء على عود الفاعل إلى رحمة الله. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ أي: القادر على إحياء الأرض بعد موتها.\n ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتى:﴾ لقادر على إحياء الأموات من البشر يوم القيامة، فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى، كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية.\nهذا؛ ومن المحتمل أن يكون من الكائنات الراهنة ما يكون من مواد ما تفتت، وتبددت من جنسها في بعض الأعوام السالفة انتهى. بيضاوي. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ لا يعجزه شيء؛ لأن نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على سواء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"7","page":307},{"text":"الإعراب: ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفاء الفصيحة إن أردت اتصال الكلام بسابقة؛ (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فانظر... إلخ، والكلام لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِلى آثارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿آثارِ﴾ مضاف، و﴿رَحْمَتِ﴾ مضاف إليه، و﴿رَحْمَتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، أو إلى المطر المفهوم مما تقدم، أو تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿رَحْمَتِ اللهِ،﴾ انظر الشرح. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به.\n ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و(ها):\nضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَيْفَ يُحْيِ..﴾. إلخ في محل نصب حال، التقدير: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ محيية للأرض بعد موتها، أو هي في محل نصب مفعول به ل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ ويجوز اعتبار الجملة في محل جر بدل من: ﴿آثارِ رَحْمَتِ اللهِ،﴾ فيكون التقدير: فانظر إلى آثار رحمة الله كيفية إحياء الأرض بعد موتها، ومثله ما نسب للفرزدق: [الطويل] إلى الله أشكو بالمدينة حاجة... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان؟!\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٧٣] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَمُحْيِ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (محيي): خبر: ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و﴿الْمَوْتى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة أيضا لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3460\"></span>﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا﴾ أي: الدبور العقيم. ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا:﴾ فرأوا أثر رحمة الله؛ لأن رحمة الله هي الغيث، وأثرها النبات، فالضمير المنصوب يعود إلى النبات. وقيل: يعود إلى الريح، والريح تذكر كما رأيت في الآية رقم [٤٦] واصفرارها عقمها. وقيل: يعود إلى السحاب، وإذا كان مصفرا لا يمطر. والأول هو المعتمد.","vol":"7","page":308},{"text":"﴿لَظَلُّوا﴾ أي: ليظلّنّ، وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل؛ لما في الكلام من معنى المجازاة، والمجازاة لا تكون إلا في المستقبل. قاله الخليل، وغيره، ومعنى: (ظلوا) بقوا، وثبتوا على كفرهم، فليس المراد التوقيت في النهار، بل المراد من الفعل الاستمرار، كما في قوله تعالى:\n ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وهو يفيد: أنه بمعنى المستقبل، وهو مفاد كلام ابن هشام في المغني.\nهذا؛ وظلوا: أصله ظللوا، فسكنت اللام الأولى بعد إسقاط حركتها، وأدغمت في الثانية، وذلك كراهة أن يجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة، وهذا يطّرد في كل مضعف، مثل: مدّوا، وشدّوا، فإذا اتصل به ضمير متحرك؛ وجب الفك، مثل قولك: ظللت ومددنا، وشددن، وتقول: ظللت أفعل ذلك، وظللت أفعله، وظلت أفعل ذلك وظلت أفعله: إذا كنت تفعله نهارا، وقد قرئ قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ بقراءات ثلاث.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآيات ناعية على الكفار بقلة تثبتهم، وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم، وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله، ويلتجئوا إليه بالاستغفار؛ إذا احتبس القطر عنهم، ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر، والاستدامة بالطاعة؛ إذا أصابهم برحمته، ولم يفرطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على بلائه؛ إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولا يكفروا نعمه. انتهى. ولكنهم عكسوا الأمر، وأبوا ما يجديهم، وأتوا ما يرديهم.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا): فاعله. ﴿رِيحًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَرَأَوْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (رأوه): فعل ماض، مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُصْفَرًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَظَلُّوا:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (ظلوا):\nفعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (ظلوا)، وجملة: ﴿لَظَلُّوا..﴾. إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالقسم، وجوابه، والشرط أيضا كله كلام مستأنف لا محل له.","vol":"7","page":309},{"text":"<span id=\"aya-3461\"></span>﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى..﴾. إلخ: أي: وضحت الحجج يا محمد! لكنهم لإلفهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولهم، وعميت بصائرهم، فلا يتهيأ لك إسماعهم، وهدايتهم، وهذا رد على القدرية. انتهى. قرطبي. وقال الجمل: تعليل لمحذوف، أي: لا تجزع، ولا تحزن على عدم إيمانهم، فإنهم موتى صم عمي، ومن كان كذلك لا يهتدي. انتهى.\nوأقول: الخطاب للنبي ﷺ، ويعم كل عاقل من بني آدم، والمعنى: لما كان الكفار لا يفهمون ما يسمعون، ولا به ينتفعون؛ شبهوا بالموتى، وهم أحياء صحاح الحواس، وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون، وبالعمي حيث يضلون الطريق، ولا يقدر أحد أن ينتزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداة بصراء إلا الله تعالى، ثم أكد حال الصم بقوله: ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ؛﴾ لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا؛ كان أبعد عن إدراك صوته، وإذا كان مقبلا، وإن لم يسمع الكلام؛ تفطن منه بواسطة الحركات شيئا.\nهذا؛ وأقول أيضا: إن الله تعالى قال عن الكافرين في سورة (البقرة): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وهم لم يكونوا في الحقيقة كذلك، ولكن المعنى: هم صم عن سماع الحق، وهم خرس عن النطق بالحق، وهم عمي عن طريق الحق، فلا يهتدون. وهذا تكرر في القرآن الكريم، وآية (الأعراف) رقم [١٧٨] ذكرت: أن لهم قلوبا؛ ولكن لا يفقهون بها، وأن لهم أعينا؛ ولكن لا يبصرون بها طريق الخير، والهدى، وأن لهم آذانا؛ ولكن لا يسمعون بها الحق سماع قبول، وتدبر. هذا؛ والموتى جمع ميت، ويجمع على: أموات أيضا، وكلاهما جمع تكسير، ويجمع جمع سلامة أيضا: ميتون، قال تعالى لحبيبه وصفيه محمد ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وانظر الآية رقم [١٩] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿فَإِنَّكَ:﴾ الفاء: حرف تعليل، وتفريع. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: «الدعاء»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: (إنك...) إلخ تعليل لمحذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿تُسْمِعُ﴾. ﴿وَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال من واو","vol":"7","page":310},{"text":"الجماعة، وهي حال مؤكدة منصوبة، علامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، واعتبار ﴿إِذا﴾ شرطية بعيد، ولا يؤيده المعنى، وينبغي أن تعلم: أنّ الآية الكريمة قد ذكرت بحروفها كاملة في الآية رقم [٨٠] من سورة (النمل).\n\n<span id=\"aya-3462\"></span>﴿وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَنْتَ:﴾ يا محمد. ﴿بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أي: عمى البصيرة، لا عمى البصر، والمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان. سماهم الله عميا؛ لفقدهم المقصود الحقيقي من الإبصار. ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا:﴾ لا تسمع سماع قبول وتدبر إلا من يؤمن، ويصدق بالقرآن: أنه منزل من عند الله تعالى. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ:﴾\nمخلصون. من قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ أي: جعله خالصا سالما لله تعالى؛ أي:\nلا رياء فيه، ولا حب محمدة، وسمعة، وقد راعى معنى ﴿مَنْ﴾ حيث جمع الضمير، وراعى لفظها بفاعل يؤمن.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِهادِ:﴾\nالباء: حرف جر صلة. (هادي): خبر (ما)، مجرور لفظا منصوب محلا، وهو مضاف، و﴿الْعُمْيِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: (هادي)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿تُسْمِعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف بمعنى «ما». ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف، التقدير: ما تسمع الدعاء إلا من. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «هو»، يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ لا محل لها.\n ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ تُسْمِعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها كاملة برقم [٨١] من سورة (النمل).","vol":"7","page":311},{"text":"<span id=\"aya-3463\"></span>﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ أي: بدأكم، وأنشأكم من ضعف، كقوله تعالى:\n ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾. وقيل: من ماء ذي ضعف، وهو النطفة، والمعبر عنها بكثير من الآيات: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ وقيل: هو إشارة إلى أحوال الإنسان المختلفة، كان جنينا، ثم طفلا مولودا، ومفطوما، فهذه أحوال غاية الضعف. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ أي: حال الشباب، وبلوغ الأشد. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ أي: بياض الشعر الأسود، ويحصل أوله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين، وهو أول سن الاكتهال، والأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب.\nقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ومثله في الآية رقم [٧٠] من سورة (النحل). ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ:﴾ من ضعف، وقوة، وشيبة، وشبيبة. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ:﴾ بتدبيره أمور خلقه. ﴿الْقَدِيرُ:﴾ القادر المقتدر على تغيير أحوال خلقه، وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير، وخذ هذين البيتين رحم الله قائلهما: [البسيط] ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته... لكلّ شيء من الآفات مقصود\nفإن سلمت من الآفات أجمعها... فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود\nهذا؛ ويقرأ بفتح الضاد في جميعها، وقرئ بالضم، وهو أقوى. قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. قال عبد الله بن عمر﵄-: قرأتها على رسول الله ﷺ ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ فأقرأني «(من ضعف)» وهما لغتان كالعقر، والعقر. وقيل: الضعف بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسد، ومنه الحديث في الرجل الذي كان يخدع في البيوع: «أنه يبتاع وفي عقدته ضعف» أي: في رأيه، ونظره في مصالح نفسه.\nهذا؛ والشيبة، والشيب: بياض الشعر، والمشيب: عبارة عن الحيوان في زمان تكون قوته فيه غير غريزية، أما الشباب فهو الزمن الذي تكون فيه حرارة الحيوان الغريزية مشبوبة؛ أي: قوية مشتعلة. هذا قول الأصمعي، وقال الجوهري: الشيب، والمشيب بمعنى واحد.\nالإعراب: ﴿اللهُ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ ضَعْفٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"7","page":312},{"text":"بمحذوف حال من الكاف على حد قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من قوة، كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ضَعْفٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قُوَّةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وإعرابها مثلها. ﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يخلق الذي، أو: شيئا يشاؤه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل: ﴿جَعَلَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل يشاء المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3464\"></span>﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أي: تقوم القيامة، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ:﴾ يحلفون. وانظر التعبير عن الكافرين بالمجرمين، ونحوه في الآية رقم [١٢]. هذا؛ وسمي الحلف: قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة، كما رأيت مثله كثيرا، وأما «قسم» الثلاثي، فإنه بمعنى: جزّأ، أو فرّق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل، تسقط في درج الكلام، وتثبت في أوله.\n ﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ:﴾ وأرادوا لبثهم في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وقال الرسول ﷺ: «ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون». قالوا: لا نعلم، أهي أربعون سنة، أو أربعون ألف سنة؟! وذلك وقت يفنون فيه، وينقطع عذابهم، وإنما يقدرون وقت لبثهم بذلك على وجه استقصارهم له، أو ينسون، أو يكذبون، أو يخمنون، وعلى القول الأول، وهو أنهم أرادوا لبثهم في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾.\nوقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ رقم [٤٥] من سورة (يونس)، ومثلها من سورة الأحقاف رقم [٣٥] والأولى من سورة النازعات.\n ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كانوا يكذبون في الدنيا، فكذلك يكذبون في الآخرة، وقد زعم جماعة من أهل النظر: أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه، والقرآن يدل على","vol":"7","page":313},{"text":"غير ذلك، قال الله ﷿: ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما صرفوا عن الحق في قسمهم:\nأنهم ما لبثوا غير ساعة، كذلك كانوا يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال ﷿ في سورة (المجادلة): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ (٢٣) اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ الآية رقم [٢٣] و[٢٤]، انتهى. قرطبي بتصرف. والقائل: ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ هم الملائكة، والأنبياء، والمؤمنون، وانظر شرح ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ في الآية رقم [٦١] من سورة (العنكبوت)، ولا تنس ما كانوا يقولونه في الدنيا: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ الآية رقم [٢٩] من سورة (الأنعام)، ومثلها في سورة (المؤمنون) رقم [٣٧].\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يُقْسِمُ﴾ الآتي، وجملة: ﴿تَقُومُ السّاعَةُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿يُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع.\n ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ومثلها في إعرابها الآية رقم [١٢]. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَبِثُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب القسم: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لا محل لها. ﴿غَيْرَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و﴿السّاعَةُ﴾ مضاف إليه. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. و(ذا): اسم مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: كانوا يؤفكون في الدنيا إفكا مثل إفكهم يوم القيامة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3465\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ:﴾ هم الملائكة، والأنبياء، والمؤمنون من هذه الأمة. وقيل: جميع المؤمنين من الأمم. ولا بأس. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ:﴾ في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ، أو في حكم الله، وقضائه. ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ:﴾ ردوا بذلك ما قاله الكافرون، وحلفوا عليه. ﴿فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ أي: الذي كنتم تنكرونه، ولا تؤمنون به.\n ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ أنه حق؛ لتفريطكم في طلب الحق، واتباعه. هذا؛ وأصل","vol":"7","page":314},{"text":"﴿أُوتُوا:﴾ «أوتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، وبقيت الواو، فصار: «أوتوا» ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.\nهذا؛ والإيمان الصحيح: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول ﷺ عن الإيمان قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة هي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله... وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ،﴾ واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله. وهو المفعول الأول، وهو العائد. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالْإِيمانَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي كِتابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال، التقدير: محسوبة في علم الله وتقديره، و﴿كِتابِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْبَعْثِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾.\nإلخ معطوفة على جملة: ﴿يُقْسِمُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿فَهذا:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط مقدر، التقدير: إن كنتم منكرين البعث؛ فهذا يومه. قاله القرطبي، وقاله الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي. الهاء: حرف تنبيه لا محل له، ينبه به المخاطب على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (يوم): خبره. و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْبَعْثِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: (هذا يوم البعث) في محل جزم جواب الشرط الذي رأيت تقديره، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾.","vol":"7","page":315},{"text":"إلخ في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-3466\"></span>﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم قامت الساعة، وحلف المشركون كاذبين، ورد عليهم الملائكة والمؤمنون، وبينوا كذبهم. ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ..﴾. إلخ: يقرأ الفعل بالتاء، والياء؛ لأن الفاعل هو (معذرة) وهو مؤنث مجازي، وما كان منه يجوز تأنيث فعله، وتذكيره، والمعذرة: الاعتذار، فهي مصدر ميمي، من: عذره رفع عنه اللوم، والمؤاخذة، والذنب، أو قبل عذره.\n ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم؛ أي: إزالة عتبهم من التوبة، والطاعة، كما دعوا إليه في الدنيا؛ حيث ندبهم الله في كثير من الآيات إلى التوبة، والطاعة، وحضّهم في كثير من الآيات على الاستغفار، والإيمان به. من قولهم: استعتبني فلان، فأعتبته؛ أي: استرضاني فأرضيته. وجملة القول: لا يقال لهم يوم القيامة: أرضوا ربكم بتوبة، وطاعة، ومثله قوله تعالى في الآية رقم [٣٥] من سورة (الجاثية): ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (النحل) رقم [٨٤]: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [٢٤]: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ وخذ قول أبي الأسود، وهو الشاهد [٩٦٠] من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [المتقارب] فألفيته غير مستعتب... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا\nهذا؛ والاستعتاب: طلب العتاب. والمعتبة: هي الغلظة، والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة، والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب العتاب من خصمه دل ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني: [الطويل] فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته... وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب\nهذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (غافر) رقم [٥٢]: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾. وفي المصباح المنير: عتب عليه عتبا من باب: ضرب، وقتل، ومعتبا أيضا: لامه في سخط، فهو عاتب، وعتّاب مبالغة، وبه سمي، ومنه عتّاب بن أسيد الصحابي -﵁وعاتبه معاتبة، وعتابا. قال الخليل: حقيقة العتاب: مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة. وأعتبني: الهمزة للسلب؛ أي أزال الشكوى، والعتاب. واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبى: الاسم من الإعتاب. انتهى. جمل.","vol":"7","page":316},{"text":"عن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنّى أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا فلعلّه يستعتب». رواه البخاري، ومسلم. هذا؛ والاستعتاب بمعنى الاسترضاء. قال الشاعر: [الكامل] غضبت تميم أن تقتّل عامر... يوم النسار فأعتبوا بالصّيلم\nكيف جعلهم غضابا: ثم قال: فأعتبوا؛ أي: أزيل غضبهم بالسيف.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين؛ فهذا معناه. أي: ما تقدم، وأما كونهم غير معتبين؛ فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت حالهم بحال قوم جني عليهم، فهم عاتبون على الجاني، غير راضين عنه، فإن يستعتبوا الله، أي يسألوه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَيَوْمَئِذٍ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (يومئذ): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و(إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وإذ هذه مضافة لجملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح. ﴿لا:﴾\nنافية: ﴿يَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَعْذِرَتُهُمْ:﴾ فاعل ينفع، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿مَعْذِرَتُهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُسْتَعْتَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال؛ فلست مفندا، والحالية مقدرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه ما يرون من أهوال.\n\n<span id=\"aya-3467\"></span>﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ..﴾. إلخ أي: ولقد وصفنا لهم كل صفة، كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن، كصفة المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون، وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم، ومج أسماعهم حديث الآخرة؛ إذا جئتهم بآية من آيات القرآن؛ قالوا: جئتنا بزور وباطل. انتهى. كشاف.","vol":"7","page":317},{"text":"قال الخازن: فإن قلت: ما معنى توحيد الخطاب في قوله: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجمع في قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ قلت: فيه لطيفة، وهي: أن الله تعالى قال: ولئن جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل. ويمكن أن يقال: معناه: إنكم كلكم أيها الرسل مبطلون. انتهى. أقول:\nوالأولى اعتبار الخطاب في الأول موجها إلى النبي ﷺ، وفي الثاني موجها له وللمؤمنين معه.\nهذا؛ و﴿مُبْطِلُونَ﴾ اسم فاعل من: أبطل الرباعي، وانظر الآية رقم [٥٢] من سورة (العنكبوت).\nهذا؛ و(قرآن) مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. هذا؛ وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته، وبمعنى: القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا. ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء، المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر، فيما بين الدفتين، وهو المراد هنا، ويحرم على المحدث حدثا أكبر، قراءته، وحمله، ومسه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله ومسه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب، قال تعالى في تقديسه، وتعظيمه. ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿ضَرَبْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِلنّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي هذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿ضَرَبْنا﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف معنى، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿ضَرَبْنا﴾ أيضا، وهما في محل المفعول به، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿مَثَلٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿(لَقَدْ ضَرَبْنا...)﴾ إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة). ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿جِئْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط، غير ظرفي. ﴿بِآيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَيَقُولَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مُبْطِلُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٥١].","vol":"7","page":318},{"text":"<span id=\"aya-3468\"></span>﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾\nالشرح أي: يطبع الله على قلوب الكافرين طبعا مثل ذلك الطبع الذي يطبعه الله على قلوب الجاهلين. ومعنى طبع الله: منع الألطاف؛ التي تنشرح لها الصدور؛ حتى تقبل الحق، وإنما يمنعها الله من علم: أنها لا تجدي عليه، ولا تغني فتيلا، كما يمنع الواعظ الموعظة من يتبين له: أن الموعظة تلغو، ولا تنجع فيه، فوقع ذلك كناية عن قسوة قلوبهم، وركوب الصدأ، والرين عليها، فكأنه قال: كذلك تقسو، وتصدأ قلوب الجهلة؛ حتى يسموا المحقين مبطلين، وهم أعرف خلق الله في تلك الصفة. انتهى. كشاف.\n ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يطلبون العلم، ويصرون على خرافات اعتقدوها، فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق، ويوجب تكذيب المحق. انتهى. بيضاوي.\nهذا؛ ومعنى ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ ختم عليها؛ إذ الطبع في الأصل الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، وإذا طبع على قلب الإنسان؛ فلا تؤثر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾. والطبع: السجية، والخلق الذي طبع عليه الإنسان، والطبيعة مثله، وجمع الأول: طباع، وجمع الثاني: طبائع.\nهذا؛ والطبع: تدنس العرض، وتلطخه. يقال: طبع السيف: إذا دخله الجرب من شدة الصدأ، وطبع الرجل فهو طبع: إذا أتى عيبا، يقال: نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع، أي: إلى دنس، قال ثابت بن قطنة: [البسيط] لا خير في طمع يدني إلى طبع... وغفّة من قوام العيش تكفيني\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، انظر تقدير الكلام في الشرح، وانظر الآية رقم [٥٦]. ﴿يَطْبَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله. ﴿عَلى قُلُوبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿قُلُوبِ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3469\"></span>﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ على أذاهم، وعداوتهم. والخطاب للنبي ﷺ. ﴿وَعْدَ اللهِ:﴾ بنصرك على أعدائك، وإظهار دينك على الدين كله. ﴿حَقٌّ:﴾ ثابت، ومحقق، لا بد من تنفيذه،","vol":"7","page":319},{"text":"وإنجازه والوفاء به. ﴿(وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ)﴾: لا يحملنك على الطيش، والخفة، والقلق، أو الجهل.\n ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ:﴾ لا يؤمنون بالبعث، والحساب، والمجازاة في يوم القيامة على الأعمال، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشر، فهم كافرون شاكون ضالون، لا يستغرب منهم ذلك. هذا؛ وقرئ بتخفيف النون، كما يقرأ بالقاف، فيكون المعنى لا يفتننك، فيملكوك، ويكونوا أحق بك من المؤمنين، وهذا على سبيل الفرض، والتقدير، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: إذا علمت حالهم، وتبين لك كفرهم، وضلالهم فاصبر. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت»، والمتعلق محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾\nاسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة.\n ﴿يَسْتَخِفَّنَّكَ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أو الخفيفة في محل جزم ب: (لا) الناهية، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يُوقِنُونَ﴾ صلة الموصول، وجملة: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اصبر...) إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم، والحمد لله رب العالمين.\nانتهت سورة الروم، شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه والحمد لله رب العالمين.","vol":"7","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3244>سورة لقمان</span>\nسورة (لقمان)، وهي مكية غير آيتين قال قتادة: أولهما: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ..﴾. إلى آخر الآيتين. وقال ابن عباس﵄-: غير ثلاث آيات، أولهن: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ. وهي أربع وثلاثون آية، وخمسمائة، وثمان وأربعون كلمة، وألفان ومائة وعشرة أحرف. انتهى. قرطبي، وخازن.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3470\"></span><span id=\"aya-3471\"></span><span id=\"aya-3472\"></span>﴿الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿الم:﴾ انظر سورة (الروم). ﴿تِلْكَ:﴾ الإشارة إلى ما تضمنته السورة الكريمة من آيات القرآن، وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة هنا، وفي كثير من الآيات، وهي للبعد، والسورة الكريمة؛ بل القرآن كله في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل، والشرف، وعلو المكانة، فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد. وانظر شرح ﴿آياتُ﴾ في الآية رقم [٢٠] من سورة (الروم). ﴿الْكِتابِ الْحَكِيمِ:﴾ المحكم؛ أي: لا خلل فيه، ولا تناقض. وقيل:\nذو الحكمة. وقيل: الحاكم. أو وصفه الله بالحكيم؛ لاشتماله على الحكم. أو لأنه كلام حكيم.\nأو محكم آياته لم ينسخ منها شيء. هذا؛ وقد وصفه الله بالمبين في أول سورة (الشعراء)، وفي أول سورة (النمل)، وفي أول سورة (القصص) وهو بمعنى: الظاهر إعجازه، وصحته، وما فيه من الأحكام، والمبين للحق من الباطل، والحلال، والحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد ﷺ، وغير ذلك. وقيل: ﴿الْحَكِيمِ﴾ بمعنى: المحكوم فيه؛ أي: حكم الله فيه بالعدل، والإحسان، وبالنهي عن الفحشاء. والمنكر، وبالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه.\n ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ:﴾ جمع: محسن، وهو الذي يعمل الحسنات التي ذكرها في الآية التالية، ووصف الله المحسنين في سورة (الذاريات) بقوله: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١٨) وفى أموالهم حق للسائل اتاهم لذا؛ فالقول: إن المحسنين هم الذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ثم خص منهم القائمين بهذه الأعمال الثلاثة بفضل الاعتداد بها، فهو أولى بالاعتبار، وفي قول الرسول ﷺ لجبريل ﵇: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنّه يراك». هذا؛ وقد قال الله تعالى في أول سورة","vol":"7","page":321},{"text":"(النمل): ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وتخصيص المؤمنين، والمحسنين بالذكر؛ وهم جميعا بمعنى واحد؛ لأنهم هم المهتدون، والمنتفعون بآيات القرآن الكريم، فعملوا بتعاليمه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، فكانوا جديرين بكون القرآن هدى، ورحمة، وبشارة لهم برضا الله، ورضوانه.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الم:﴾ انظر إعرابه في أول سورة (الروم). ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه تلك؛ فتكون ﴿آياتُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، والأول أقوى معنى، وأصح إعرابا. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، أو بدل من اسم الإشارة. و﴿آياتُ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَكِيمِ:﴾ صفة ﴿الْكِتابِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ آياتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿الم﴾ على الوجه الثاني من وجهي الرفع كما رأيت، والرابط: اسم الإشارة على اعتبار الإشارة عائدة على ﴿الم﴾ وهي مستأنفة على بقية الأوجه فيه.\n ﴿هُدىً:﴾ يجوز في محله النصب على الحال من: ﴿آياتُ﴾. أي: هداية، ورحمة، والعامل اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، ويجوز في محله الجر على أنه بدل من ﴿الْكِتابِ﴾ بدل اشتمال، كما يجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف التقدير: هي هدى، أو على البدل من: ﴿آياتُ،﴾ أو على أنه خبر بعد خبر، وعلامة النصب، أو الجر، أو الرفع مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَرَحْمَةً:﴾\nالواو: حرف عطف. (رحمة): معطوفة على ما قبله، وينبغي أن تعلم أنه قرئ برفعه، ونصبه، ولم يقرأ بجره، لذا فالبدلية من ﴿الْكِتابِ﴾ ضعيفة، تنبه لهذا. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني.\n\n<span id=\"aya-3473\"></span>﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ:﴾ يؤدونها في أوقاتها، ويحافظون على طهارتها، ويتمون ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل يقال عنه: صلى، ولا يقال:\nأقام الصلاة. هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء، والتضرع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها: التضرع، والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرحمة له، ومن الله على عباده معناها الرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].","vol":"7","page":322},{"text":"وأما ﴿الزَّكاةَ﴾ فهي في اللغة: النماء، والتطهير. وفي الشرع: اسم لمال مخصوص يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وقد خص الله الصلاة، والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، و﴿الزَّكاةَ﴾ أفضل العبادات المالية، وفرضت للفقير، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. وانظر الصلاة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، والتي لا تنهاه في الآية رقم [٤٥] من سورة (العنكبوت).\n ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ:﴾ المراد بالآخرة: الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد البعث، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها.\nتنبيه: قال زاده: ولما كان إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة مما يتكرر، ويتجدد في أوقاتهما؛ أتى بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا دوامه؛ أتى به جملة اسمية، وجعل خبرها مضارعا للدلالة على: أن إتقانهم مستمر على سبيل التجدد. انتهى. جمل. هذا؛ ولا تنس: أن هذه الآية مذكورة بحروفها كاملة في الآية رقم [٣] من سورة (النمل) والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وهو الموفق، والمعين.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ يجوز فيه أن يكون في محل جر على الاتباع للمحسنين على البدلية، أو على الوصفية، وأن يكون في محل نصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني. وأن يكون في محل رفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وهو مبني على الفتح في محل جر، أو في محل نصب، أو في محل رفع. ﴿يُقِيمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو هو توكيد للمبتدإ، وجملة: ﴿يُوقِنُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز عطفها على جملة الصلة، كما أجيز اعتبارها مستأنفة، ومعترضة في آخر الكلام، ولا محل لها على جميع الاعتبارات.\n\n<span id=\"aya-3474\"></span>﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المحسنين الذين وصفوا في الآية السابقة بالأعمال المجيدة، والصفات الحميدة. ﴿عَلى هُدىً:﴾ على هداية، وتوفيق. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ للقيام بالأعمال المذكورة. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون بالجنة، الناجون من النار، فهو اسم فاعل من: أفلح الرجل:\nفاز ببغيته، ومراده. وأصله: «مؤفلح» حذفت الهمزة منه كما رأيت مثله في الآية رقم [٣] من","vol":"7","page":323},{"text":"سورة (النمل) وغيرها، وتكرار اسم الإشارة لإظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم، وأنهم جديرون بذلك الفضل: الذي خصهم الله به، ومنحهم إياه، ومثل هذه الآية في (البقرة) رقم [٥].\nالإعراب ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلى هُدىً:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: كائنون على هدى ونحوه، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هُدىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار:\n ﴿الَّذِينَ﴾ ... إلخ مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وهو وجه ضعيف فيما يظهر. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ مثل سابقه. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب.\n ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-3475\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ:﴾ نحو السمر بالأساطير، والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات، والمضاحيك، وفضول الكلام، وما لا ينبغي من القول، والفعل، ونحو الغناء، وتعلم الموسيقى، وما أشبه ذلك. وفي الجملة هو كل باطل ألهى عن طاعة الله، ومنع من الخير.\nوقيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث بن كلدة، وكان يتجر إلى فارس، فيشتري كتاب الأعاجم، فيحدث بها قريشا، ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد، وثمود، فأنا أحدثكم بأحاديث رستم، وبهرام، والأكاسرة، وملوك الحيرة، فيستملحون حديثه، ويتركون استماع القرآن. وقيل: كان يشتري المغنيات، فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه، واسقيه، وغنيه. ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة، والصيام، وأن تقاتل بين يديه.\nوقيل: هو شراء القينات، والمغنين. فيكون معنى الآية: ومن الناس من يشتري ذات لهو، أو ذا لهو الحديث. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي أمامة﵁قال: قال","vol":"7","page":324},{"text":"رسول الله ﷺ: «لا يحلّ تعليم المغنيات، ولا بيعهنّ، وأثمانهنّ حرام». وفي مثل ذلك نزلت هذه الآية. ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ «وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله له شيطانين:\nأحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الّذي يسكت». أخرجه الترمذي.\nوهذا لفظه عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا القينات المغنّيات، ولا تشتروهنّ، ولا تعلّموهنّ، ولا خير في تجارة فيهنّ، وثمنهنّ حرام». وفي مثل هذا نزلت:\n ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ..﴾. إلخ. معنى ﴿يَشْتَرِي:﴾ يستبدل، ويختار الغناء، والمزامير، والمعازف على القرآن. وقال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود﵁عن هذه الآية، فقال: هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو (يرددها ثلاث مرات). هذا؛ وقيل: الغناء منفدة للمال، مسخطة للرب، مفسدة للقلب.\nهذا؛ والإضافة معناها التبيين على حد قولهم: باب ساج، وخاتم حديد، فيكون المعنى:\nومن الناس من يشتري اللهو من الحديث، والمراد بالحديث: الحديث المنكر. ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى من التبعيضية كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه.\n ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ:﴾ عن دين الإسلام، وعن سماع القرآن. وقرئ بضم الياء، فيكون المعنى ليضل غيره. وقرئ بفتح الياء، فيكون المعنى: ليثبت على ضلاله. وفي اشتراء لهو الحديث استعارة تصريحية واضحة، لا خفاء فيها.\n ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بحال ما يشتريه، وما يجره عليه من الوبال، أو بالتجارة؛ لأن شأن التاجر أن يشتري من أجل الربح، وهو خاسر في تجارته، قال تعالى: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: وما كانوا مهتدين للتجارة، بصراء فيها. ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُوًا:﴾ يقرأ الفعل بالرفع، والنصب، ويقرأ بسكون الزاي والهمز، وبضم الزاي والهمز، وبضم الزاي بلا همز، وهو بجميع قراءاته مصدر: هزأ، يهزأ، هزءا من باب: فتح، ويأتي من باب: تعب. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي: شديد، يهينهم لإهانتهم الحق باستئثارهم الباطل.\nتنبيه: (من) مفرد لفظا، جمع معنى، روعي لفظها، أولا في ثلاثة ضمائر «يشتري، ويضلّ، ويتخذ» وروعي معناها ثانيا في موضعين، وهما: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ﴾ ثم رجع إلى مراعاة اللفظ في خمسة ضمائر، وهي في الآية التالية.\nهذا؛ وجمع الحديث: أحاديث شذوذا، انظر جمع الباطل في الآية رقم [٥٢] من سورة (العنكبوت) فهو مثله، وأصل ﴿مُهِينٌ﴾ «مهين» فهو اسم فاعل من أهان الرباعي، فقل في إعلاله: نقلت كسرة الياء إلى الهاء قبلها بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ومثله قل في إعلال ﴿مُبِينٌ﴾.","vol":"7","page":325},{"text":"الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنَ النّاسِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.\nوقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس، على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾. والأصح: أن مضمون الجار، والمجرور مبتدأ، و(من) هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وجمع الضمير في قوله: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ﴾ يؤيد ذلك، وانظر تفصيل ذلك وشرحه في الآية رقم [١٠] من سورة (العنكبوت)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَشْتَرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها. ﴿لَهْوَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْحَدِيثِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿لِيُضِلَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ،﴾ ومفعوله محذوف على قراءته بضم الياء، وهو لازم على قراءته بفتحها، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَشْتَرِي﴾.\n ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿يَشْتَرِي﴾ المستتر، و(غير) مضاف، و﴿عِلْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَيَتَّخِذَها:﴾ الواو: حرف عطف. (يتخذها): بالرفع معطوف على ﴿يَشْتَرِي،﴾ وبالنصب معطوف على يضل، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ أيضا، وأجاز أبو البقاء: الرفع على إضمار مبتدأ، فتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَشْتَرِي،﴾ وفيه ضعف كما ترى. و(ها): مفعوله الأول. ﴿هُزُوًا:﴾ مفعوله الثاني. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3476\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا:﴾ آيات القرآن. ﴿وَلّى مُسْتَكْبِرًا:﴾ أعرض عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن الإصغاء لآيات القرآن. ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها:﴾ يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها، وهو سامع. ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا:﴾ الوقر بفتح الواو: الصمم في الأذن. والوقر بكسر الواو: حمل البغل، والحمار. والوقار: الحلم، والرزانة، والتعقل، وهو أيضا: العظمة، والهيبة، والمهابة. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ:﴾ أعلمه: أن العذاب يحيق به لا محالة.","vol":"7","page":326},{"text":"هذا؛ والبشارة عبارة عن الخبر السار؛ الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه، كان كذلك الحزن والغم يظهر أثرهما على الوجه، وهو الكمودة، التي تعلو الوجه عند حصول الغم، والحزن. فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، فصح قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر، وبما يسوء على سبيل التهكم والاستهزاء كما في هذه الآية، وهو كثير في القرآن الكريم.\nهذا؛ وولّى، ومثله تولّى يكونان بمعنى الإعراض، والإدبار عن الشيء بالجسم، ويستعملان في الإعراض عن الأمور الاعتقادية اتساعا، وانظر شرح (يسمع) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم). هذا؛ و﴿عَذابٌ﴾. اسم مصدر، لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأن فعله: عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، وسلام، ونبات لأعطى، وسلم، وأنبت، و﴿أَلِيمٍ﴾ بكسر اللام اسم فاعل بمعنى: موجع، وقال سليمان الجمل:\nبفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذب، فهو على حد: جدّ جدّه. انتهى. بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تُتْلى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿وَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿مُسْتَكْبِرًا:﴾\nحال من الفاعل المستتر، وجملة: ﴿وَلّى مُسْتَكْبِرًا﴾ جواب (إذا)، لا محل لها. و: (إذا) ومدخولها كلام معطوف على الجملة الاسمية: ﴿(مِنَ النّاسِ...)﴾ إلخ لا محل له مثلها.\n ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير:\nكأنه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْمَعْها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ،﴾ و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من فاعل: ﴿وَلّى﴾ المستتر، والرابط ضمير الشأن المحذوف وفاعل يسمع المستتر. ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي أُذُنَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كَأَنْ﴾ تقدم على اسمها، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَقْرًا:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثالثة من فاعل ولى، أو بدل مما قبلها، أو هي حال من فاعل ﴿يَسْمَعْها،﴾ أو هي تفسير لما قبلها، وجوز الزمخشري وتبعه البيضاوي اعتبار جملتي التشبيه","vol":"7","page":327},{"text":"استئنافيتين. ﴿فَبَشِّرْهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بشره): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا منه فبشره، والجملة الشرطية هذه مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة (عذاب).\n\n<span id=\"aya-3477\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ (٨)﴾\nالشرح: لما ذكر الله مآل المكذب بآيات الله؛ الذي يتخذها هزوا؛ ذكر عاقبة المؤمن بها، والعامل بتعاليمها. وهذا من باب المقابلة التي جرت سنة الله في كتابه أن يأتي بها، فإنه-تعالت حكمته، وتمت كلمته-لا يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر السخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا. هذا؛ والمراد ب: ﴿جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ نعيم الجنات، فعكس للمبالغة. بيضاوي. هذا؛ و﴿جَنّاتُ﴾ جمع: جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار. وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن، أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها، وينبغي أن يلاحظ: أن هذا الوعد للذكور والإناث الصالحات، وإن كان الكلام بصيغة جمع الذكور، فيمكن أن يكون من باب تغليب الذكور على الإناث، كما يمكن أن تكون الإناث ملحقة بالذكور إلحاقا، وهناك آيات كثيرة تثني على المؤمنات الصالحات، وتبشرهن بجنة عرضها الأرض والسموات، وآية الأحزاب رقم [٣٥] قرنت النساء بالرجال بالمدح والثناء بعشر صفات. ووعد الجميع بالأجر العظيم، والثواب الكبير.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. (عملوا):\nفعل ماض مبني على الضم، لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتُ:﴾ مبتدأ مؤخر؛ و﴿جَنّاتُ﴾ مضاف، و﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3478\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾\nالشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثون في تلك الجنات، أي: المؤمنون، والمؤمنات، لا يفنون، ولا يخرجون، ولا يهرمون. روى مسلم عن جابر بن عبد الله﵄قال: قال","vol":"7","page":328},{"text":"رسول الله ﷺ: «أهل الجنّة يأكلون، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون، ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما يلهمون النفس، طعامهم جشاء، ورشحهم كرشح المسك».\n ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا:﴾ مصدران مؤكدان، الأول لنفسه، والثاني لغيره؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ وعد، وليس كل وعد حقا، و﴿حَقًّا﴾ يدل على معنى الثبوت، والدوام، فأكد به معنى لوعد، ومؤكّدهما الجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ الذي لا يغلبه شيء، ولا يعجزه، يقدر على الشيء، وضده، فيعطي النعيم من يستحقه، ويعطي البؤس من يستحقه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة، وهو الذي يضع الأمور مواضعها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور محلا باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿وَعْدَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير:\nوعد وعدا، و﴿وَعْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقًّا:﴾\nمفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، وانظر الشرح. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ.\n ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3479\"></span>﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها:﴾ في هذه الرؤية قولان: أحدهما: أن الرؤية ترجع إلى السموات، والمعنى: وأنتم ترون السموات مرفوعة بغير عمد من تحتها، يعني: ليس تحتها دعامة تدعمها، ولا من فوقها علاقة تمسكها. قال إياس بن معاوية-رحمه الله تعالى-:\nالسماء مقبية على الأرض مثل القبة، وهذا قول الحسن وقتادة، وجمهور المفسرين، وإحدى الروايتين عن ابن عباس﵄والقول الثاني: أن الرؤية ترجع إلى العمد، والمعنى: أن لها عمدا، ولكن لا ترونها أنتم. والأول أصح. وهذا على أن السموات مكونة من أجرام، وأما ما يقوله العلم الحديث من أن السموات السبع طبقات هوائية، تختلف كل طبقة عما فوقها، وعما تحتها، فنكل علمه إلى الله تعالى.\n ﴿وَأَلْقى:﴾ وخلق، وجعل. ﴿فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ:﴾ جبالا ثابتة. قال ابن عباس﵄-: هي الجبال الشامخات من أوتاد الأرض، وهي سبعة عشر جبلا منها: قاف،","vol":"7","page":329},{"text":"وأبو قبيس، والجودي، ولبنان، وطور سينين، وطور سيناء. أخرجه ابن جرير كما في «المبهمات» للسيوطي. وأضيف: أن ﴿عَمَدٍ﴾ جمع عمود، وهو ما يقوم عليه البيت، وجمعه في القلة: أعمدة، وفي الكثرة: عمد بفتحتين، وعمد، وبهما قرئ قوله تعالى ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ وعمود القوم: سيدهم. في القاموس: عمد جمع: عمود، وعماد أيضا. هذا؛ والعماد: الأبنية الرفيعة، ومنه قوله تعالى ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ:﴾ تتحرك، وتضطرب، والميدان:\nالاضطراب يمينا، وشمالا، ومادت الأغصان: تمايلت، وماد الرجل: تبختر، وتمايل كبرا، وغطرسة. و﴿رَواسِيَ﴾ جمع: راسية، فالأرض ترسو بالجبال، أي: تثبت، وتستقر. فعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا خلق الله الأرض جعلت تميد، وتكفّأ، فأرساها بالجبال فاستقرّت، فعجبت الملائكة من شدّة الجبال، فقالوا: يا ربّنا هل خلقت خلقا أشدّ من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الحديد؟ قال: النار، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من النار؟ قال: الماء، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الماء؟ قال: الريح. قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الريح، قال: ابن آدم إذا تصدق بصدقة بيمينه، فأخفاها من شماله». رواه الترمذي، وقال: حديث غريب.\n ﴿وَبَثَّ فِيها:﴾ خلق، وفرق، ونشر. ﴿مِنْ كُلِّ دابَّةٍ:﴾ تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وطير، وهوام. ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم).\n ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها:﴾ في الأرض. ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ:﴾ من كل صنف كثير المنفعة. ولا تنس الالتفات في الآية من الغيبة إلى التكلم، وانظر فوائده في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم)، ومثل هذه الآية في الالتفات قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥٣]: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى،﴾ وقوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٦٠]: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة فاطر رقم [٢٧]: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها﴾.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-في ختام الآية التي نحن بصدد شرحها: وكأنه جلت قدرته، وتعالت حكمته استدل بذلك على عزته التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هي كمال العلم، ومهد به قاعدة التوحيد، وقررها بقوله: ﴿هذا خَلْقُ اللهِ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وزوج في هذه الآية بمعنى: الصنف، والنوع، كما رأيت، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ والزوج: القرين قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي قرناءهم من الشياطين. والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، قال تعالى في سورة","vol":"7","page":330},{"text":"(هود) رقم [٤٠]: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا، وأنثى، وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٤٣]: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ والمعنى: ثمانية أفراد، وأخيرا فزوج يطلق على الرجل والمرأة، والقرينة تبين الذكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث.\nأما ﴿كَرِيمٍ﴾ فهو كثير المنافع، والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضي في بابه، يقال: وجه كريم؛ أي: مرضيّ في حسنه، وجماله، وكتاب كريم: مرضي في معانيه وفوائده، ونبات كريم فيما يتعلق به من المنافع، وقس على ذلك الإنسان، والحيوان، والمكان، وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (النمل).\nالإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿السَّماواتِ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم.\n ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماواتِ﴾ أي: خالية من عمد، و(غير) مضاف، و﴿عَمَدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَرَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿عَمَدٍ﴾ على اعتبار الضمير المنصوب راجعا إليها، أو هي في محل نصب حال من ﴿السَّماواتِ﴾ على اعتباره راجعا إليها. وقيل: مستأنفة، وهو ضعيف، وجملة:\n ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَلْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، انظر الشرح. ﴿أَنْ تَمِيدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن»، والفاعل يعود إلى (الأرض) تقديره: «هي»: و﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافته لمصدر محذوف، يقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهية ميدها بكم، وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين في محل جر بحرف محذوف، التقدير: لئلا تميد بكم، ومثل هذه الآية قول عمرو بن كلثوم من معلقته المشهورة: رقم [٩٧]: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا\nوهذا هو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا فتح القريب المجيب.\n ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَبَثَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (بث): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان به أيضا، وهما في محل نصب مفعول به. قال الجمل: ﴿مِنْ﴾ زائدة. انتهى. وعليه: ف: ﴿كُلِّ﴾ مفعول","vol":"7","page":331},{"text":"صريح. والأقوى تعليقهما بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: وبث فيها حيوانات من كل دابة. و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿دابَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا):\nفعل، وفاعل. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ماء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، وجملة: ﴿وَأَنْزَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، وانظر مثل هذا الالتفات في الآيات التي ذكرتها لك في الشرح.\n (أنبتنا): فعل، وفاعل. ﴿فِيها مِنْ كُلِّ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما ويجوز أن يكون: ﴿مِنْ كُلِّ﴾ متعلقين بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: نباتا من كل، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿زَوْجٍ﴾ مضاف إليه. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة: ﴿زَوْجٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-3480\"></span>﴿هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)﴾\nالشرح: ﴿هذا﴾ أي: ما ذكر من السموات والأرض، وما تعلق بهما من الأمور المعدودة.\n ﴿خَلْقُ اللهِ﴾ أي: مخلوق الله. ﴿فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: فأروني الذي خلقته آلهتكم؛ حتى استحقوا العبادة منكم، وحتى أشركتموهم مع الله في التقديس والتعظيم. ﴿بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ إضراب عن تبكيتهم، وتقريعهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الذي لا يخفى على ناظر، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم مع الله ما لا يضر، ولا ينفع.\nهذا؛ والضلال مصدر: ضل بمعنى: كفر وأشرك بالله، وخرج عن جادة الحق، والصواب، وهو ضد: اهتدى، واستقام، ويأتي ضلّ بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وضل الشيء: ضاع وهلك، وضل: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وضل: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لحبيبه محمد ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. هذا؛ وأضل، يضل غيره من الرباعي، ومصدره الإضلال فهو متعد، والثلاثي لازم، وانظر رقم [١٠] من سورة (السجدة).\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلْقُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَرُونِي:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان هذا خلق الله؛ فأروني... إلخ. (أروني): فعل أمر مبني على","vol":"7","page":332},{"text":"حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعوله الأول، وهو معلق عن الثاني، والثالث لفظا بسبب الاستفهام. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿خَلْقُ:﴾ فعل ماض.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي خلقه الذين، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مفعولا مقدما ل: ﴿خَلْقُ﴾ و(ذا) زائدة، كما أجيز اعتبار ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، أو في محل نصب مفعولا به مقدما للفعل ﴿خَلْقُ،﴾ وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد المفعولين؛ وأجاز مكي اعتبار (ما) اسما موصولا بمعنى: الذي في محل نصب مفعول به ل: (أروني)، واعتبار: (ذا) زائدة، والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف، التقدير: فأروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه، وهو قول ضعيف تفرد به -رحمه الله تعالى-. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.\n ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿فَأَرُونِي..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.\n\n<span id=\"aya-3481\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ:﴾ هو ابن باعوراء بن ناحور، بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، كذا نسبه محمد بن إسحاق. وقيل: هو لقمان بن عنقاء، بن سرون، وكان نوبيا من أهل أيلة.\nذكره السهيلي. وقال وهب: هو ابن أخت أيوب النبي. وقال مقاتل: ذكر: أنه كان ابن خالة أيوب، وقال الزمخشري. هو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب، أو ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر، عاش ألف سنة، وأدركه داود ﵊، وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له: لم تركت الفتوى؟ فقال: ألا أكتفي إذ كفيت.\nوقال الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل، وأكثر الأقاويل: أنه كان حكيما، ولم يكن نبيا.\nوعن ابن عباس﵄-: لقمان لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولكن كان راعيا أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله، ووصيته، فقص أمره في القرآن؛ لتمسكوا بوصيته.\nوقال عكرمة، والشعبي: كان نبيا. وقيل: خيّر بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة. وعن ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطا. وعن مجاهد: كان عبدا أسود غليظ الشفتين،","vol":"7","page":333},{"text":"متشقق القدمين. وقيل: كان نجارا. وقيل: كان راعيا. وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة. وروي عنه: أن قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين، فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض.\nوروي: أن رجلا وقف عليه في مجلس وهو يعلّم الناس الحكمة. فقال له: ألست عبد بني فلان؟ قال: نعم، قال: ألست كنت ترعى معي في مكان كذا؟ قال: بلى، قال: ما بلغ بك ما أرى، ويراه الناس من العلم، والحكمة؟ قال: بفضل الله علي وصدقي في الحديث، وأداء الأمانة، وصمتي عما لا يعنيني.\nوروي من حديث ابن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكر، حسن اليقين، أحبّ الله تعالى فأحبّه، فمنّ عليه بالحكمة، وخيّره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال: يا رب! إن خيرتني قبلت العافية، وتركت البلاء، وإن عزمت علي فسمعا، وطاعة، فإنك ستعصمني». ذكره ابن عطية. وزاد الثعلبي: «فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه المظلوم من كل مكان، إن يعن فبالحرى أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا فذلك خير من أن يكون فيها شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة؛ تفته الدنيا، ولا يصب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة، فأعطي الحكمة، فانتبه يتكلم بها».\nثم نودي داود بعده فقبل الخلافة، ولم يشرط ما اشترطه لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه. وكان لقمان يؤازره في حكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان، أعطيت الحكمة، وصرف عنك البلاء، وأعطي داود الخلافة، وابتلي بالبلاء، والفتنة.\nقال له سيده ذات يوم: اذبح لي شاة، وائتني بأطيب مضغتين فيها. فأتاه باللسان، والقلب، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام، وأن يخرج أخبث مضغتين في الشاة الأخرى، فأتاه باللسان، والقلب، فسأله عن ذلك، فقال: هما أطيب ما فيها؛ إذا طابا، وهما أخبث ما فيها؛ إذا خبثا.\nوقد قال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب». رواه البخاري ومسلم.\nوجاء في اللسان أحاديث شهيرة كثيرة، صحيحة، مذكورة في كتاب الترغيب والترهيب، خذ منها ما يلي: عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من وقاه الله شرّ ما بين لحييه وشرّ ما بين رجليه دخل الجنّة». رواه الترمذي وحسنه. انتهى. قرطبي وكشاف وغيرهما بتصرف.\nهذا؛ وأما الحكمة؛ فهي الصواب في المعتقدات، والفقه في الدين، والعقل، والعمل.\nوقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها.","vol":"7","page":334},{"text":"وقال أبو بكر بن دريد: الحكمة: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح.\n ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾ أي: آتيناه الحكمة، وقلنا له: اشكر، وانظر الإعراب، وانظر الشكر لغة، واصطلاحا في الآية رقم [٢٥] الآتية، والمعنى: اشكر نعمة الله عليك. ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ أي:\nالنعمة وأدى حق الله فيها. ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ:﴾ يرجع نفع ذلك إلى نفسه، لا إلى غيره، حيث يستوجب بشكره تمام النعمة، ودوامها، والمزيد منها، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.\nوالشكر: قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: جحد النعمة، ولم يقم بشكرها. ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ أي: عن العباد، وعن شكرهم. ﴿حَمِيدٌ:﴾ حقيق بالحمد، وإن لم يحمد، أو: محمود، نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال. وفي سورة (النمل) رقم [٤٠]: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وقد سمى الله ﷾ جحود النعمة كفرا؛ لأن معنى الكفر اللغوي: الستر، والتغطية، كما رأيت في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم) أما الفعل: شكر، يشكر، فيتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لُقْمانَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الْحِكْمَةَ:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه: كلام مستأنف لا محل له. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة). ﴿لُقْمانَ:﴾ حرف صلة على تقدير: قلنا له:\nاشكر، وهي مفسرة على تضمين الحكمة معنى القول، ومصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بحرف تعليل التقدير: لإتيان لقمان الحكمة، أو بحرف دال على السببية، أي بأن اشكر.\n ﴿اُشْكُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف كما رأيت، أو هي مفسرة، لا محل لها، أو هي بعد تأويلها بمصدر تعليل للكلام السابق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَشْكُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله يعود إلى: (من). ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَشْكُرْ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو","vol":"7","page":335},{"text":"المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ مثل سابقه.\n ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا.\n ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (إن). ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ:﴾ خبران ل: (إن)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، تقديره: ومن كفر فلا يحزنك كفره، أو فلا يضرك كفره، فالجملة الاسمية:\n ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنفي، والمعنى: يؤيده، وبقية الإعراب مثل سابقه، والجملة الاسمية:\n ﴿وَمَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3482\"></span>﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ:﴾ واسمه: ثاران. وقيل: أشكم. وقيل: أنعم. وقيل:\nماتان. ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ:﴾ ينصحه ويرشده، والفعل مثال واوي، أصله: وعظ، يوعظ، مثل وعد، يوعد، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الفتحة، والكسرة، والأمر منه: عظ، مثل:\nعد، وزن، والأصل: اوعظ، واوعد، واوزن، فحذفت الهمزة، والواو.\n ﴿يا بُنَيَّ:﴾ تصغير ابن، تصغير: إشفاق، وإرفاق، لا تصغير تحقير، فأصل ابن: بنو فلما صغر؛ صار: بنيو، فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم ألحقت به ياء المتكلم، فاجتمع ثلاث ياءات، فحذفت الثانية منهن؛ التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتي بها لغرض خاص، ولم تحذف الثالثة؛ التي هي ياء المتكلم؛ لأنها كلمة برأسها. هذا؛ وقرئ بإسكان الياء، وكسرها، وفتحها في هذه الآية، وفيما يأتي.\n ﴿لا تُشْرِكْ بِاللهِ:﴾ قال القشيري: إن ابنه، وامرأته كانا كافرين، فما زال يعظهما؛ حتى أسلما، وذلك لأن أعلى مراتب الإنسان أن يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره، فقوله تعالى:\n ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾ إشارة إلى الكمال، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ..﴾.\nإلخ إشارة إلى التكميل لغيره، وبدأ بالأقرب إليه، وهو ابنه، وبدأ في وعظه بالأهم، وهو المنع من الشرك.\n ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ:﴾ لأن التسوية بين من يستحق العبادة، وبين من لا يستحقها ظلم عظيم؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها. هذا؛ وقد بينات لك فيما سبق: أن الشرك أنواع منوعة، فأعظمها: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، ومنها: الرياء، ومنها: أن يعتقد الإنسان تأثير مؤثر في هذا الكون مع الله، من جلب نفع، أو ضر، وغير ذلك، فعن يزيد بن خالد الجهني","vol":"7","page":336},{"text":"-﵁قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر مطر نزل بالليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربّكم اللّيلة؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك مؤمن بالكوكب، كافر بي». رواه مسلم.\nتنبيه: ذكر الله في هذه الآية، والآيات التالية بعض الحكم، والوصايا التي أوصى بها لقمان﵊ابنه. وفي الخطيب، فرجع الابن إليه، وأسلم، ثم قال له: يا بني! اتخذ تقوى الله تعالى تجارة؛ يأتك الربح من غير بضاعة. يا بني احضر الجنائز، ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكر الآخرة، والعرس يشهيك الدنيا، يا بني! لا تكن أعجز من هذا الديك، الذي يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، يا بني! لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة، يا بني! لا ترغب في ود الجاهل، فيرى أنك ترضى عمله، يا بني! اتق الله، ولا تر الناس: أنك تخشى الله؛ ليكرموك بذلك، وقلبك فاجر، يا بني! ما ندمت على الصمت قطّ، فإن الكلام إذا كان من فضة؛ كان السكوت من ذهب، يا بني! اعتزل الشرّ، كما يعتزلك، فإنّ الشر للشر خلق، يا بني عليك بمجالسة العلماء، واستمع كلام الحكماء، فإن الله تعالى يحيي القلب الميت بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل المطر. يا بني! من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمّه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.\nيا بني لا ترسل رسولك جاهلا، فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك، يا بني لا تنكح أمة غيرك، فتورث بنيك حزنا طويلا، يا بني! يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم، يا بني! اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله ﷿، فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك غبيا يعلموك، وإن يطلع الله ﷿ عليهم برحمة تصبك معهم، يا بني! لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه، فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن غبيا يزيدوك غباوة، وإن يطلع الله عليهم بسخط يصبك معهم.\nيا بني! لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء، يا بني! إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيه ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، لعلك تنجو، يا بني! إني حملت الجندل والحديد، فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها، فلم أذق أشد من مرارة الفقر، يا بني! كن كمن لا يبتغي محمدة الناس، ولا يكسب مذمتهم، فنفسه منهم في غنى، والناس منه في راحة، يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.\nيا بني! لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم. يا بني! إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه، وإلا فاحذره. يا بني! إنك منذ نزلت إلى الدنيا؛ استدبرتها،","vol":"7","page":337},{"text":"واستقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها ترتحل. يا بني! عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا ترد. يا بني! إيّاك والدّين فإنه ذل في النهار، وهمّ في الليل، يا بني! ارج الله رجاء لا يجرّئك على معصيته، وخف الله خوفا، لا يؤيسك من رحمته. انتهى. جمل، ثم قال-رحمه الله تعالى-: وإنما أكثرت من ذلك لعل الله ينفعني، ومن طالعه بذلك، واقتصرت على هذا القدر، وإلا فمواعظه لابنه لو أراد شخص الإكثار منها؛ لجعل منها مجلدات.\nومن قصص الأنبياء للثعلبي: يا بني لا تضع برّك إلا عند راعيه، كما ليس بين الكبش والذئب مودة فليس بين البار والفاجر خلة، ومن يحب المراء؛ يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن يصاحب قرين السوء؛ لا يسلم، ومن لا يملك لسانه؛ يندم، يا بني! لا تطلب من الأمر مدبرا، ولا ترفض منه مقبلا، فإن ذلك يقل الرأي، ويزري بالعقل... إلخ، وهذا قطرة من بحر.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر، وجملة: ﴿قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال.\n (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعِظُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى الضمير العائد بدوره إلى لقمان ﵇، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿(هُوَ يَعِظُهُ)﴾ في محل نصب حال من ﴿لُقْمانُ﴾ والرابط: الواو، والضمير. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الإدغام، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا تُشْرِكْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملتان الندائية والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: (اذكر إذ قال...) إلخ معطوفة على جواب القسم، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿لُقْمانُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشِّرْكَ:﴾ اسم ﴿لُقْمانُ﴾. ﴿لَظُلْمٌ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (ظلم): خبر ﴿لُقْمانُ﴾. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليل للنهي لا محل لها، وهي من مقول لقمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3483\"></span>﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾\nالشرح: هذه الآية، والآية التالية معترضتان في تضاعيف وصية لقمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لابنه تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك، وغيره، فكأنه قال: وقد","vol":"7","page":338},{"text":"وصينا بمثل ما وصى به، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك، مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم، والطاعة، لا يجوز أن يطاعا في الإشراك، والمعاصي. الآيتان نزلتا في حق سعد بن أبي وقاص﵁لما أسلم، وأن أمه حمنة قد حلفت ألا تأكل. انظر تفصيل ذلك في الآية رقم [٨] من سورة (العنكبوت) ففيها الكفاية، فإن ما هنا، وهناك نزل فيه، ﵁.\n ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ﴾ أي: ضعفا على ضعف، وقال ابن عباس﵄-:\nشدة بعد شدة. وقيل: إن المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف، والتعب، والمشقة، وذلك؛ لأن الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف، والرضاعة ضعف. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [١٥]: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾. وفي هاتين الآيتين تنويه بشأن الأم، وأن حقها أعظم من حق الأب، وأنها تستحق من الطاعة، والإكرام، والخدمة، والاحترام أكثر مما يستحقه الأب، وذلك لما قاسته من الآلام بسبب الولادة، ولما هي مجبولة عليه من الضعف الخلقي، والجسدي، ولا سيما إذا بلغت من العمر عتيا، وقد لفت النبي ﷺ نظر المسلم المؤمن إلى هذا، وذلك فيما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! من أحقّ النّاس بحسن صحابتي؟ قال: «أمّك»، قال: ثمّ من؟ قال: «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال:\n «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال: «أبوك» رواه البخاري ومسلم، وعن أنس﵁قال:\nأتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّي أشتهي الجهاد، ولا أقدر عليه! قال: «هل بقي من والديك أحد؟». قال: أمّي، قال: «قابل الله في برّها، فإذا فعلت ذلك؛ فأنت حاجّ، ومعتمر، ومجاهد». رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وأبو يعلى. فالرسول ﷺ قد جعل للأم ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وهو ما يفهم من مغزى الآيتين الكريمتين.\nهذا؛ وقرأ عيسى الثقفي: «(وهنا على وهن)» بفتح الهاء فيهما، ورويت عن أبي عمرو، وهما بمعنى واحد، قال قعنب بن أم صاحب: [البسيط] هل للعواذل من ناه فيزجرها؟ ... إنّ العواذل فيها الأين والوهن\nهذا؛ ويأتي: وهن، يهن، مثل: ضرب، يضرب، ووهن، يوهن، مثل: كرم، يكرم، ووهن، يهن، مثل: حسب، يحسب، وورث، يرث. ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ أي: فطامه في انقضاء عامين، وهي مدة الرضاع، التي ذكرها الله في آية البقرة رقم [٢٣٣]. ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾. وهذه هي المدة التي يتعلق بها تحريم الرضاع، ولا تحريم بعدها. هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) رقم [١٥] فهو مرتبط في هذه الآية، وهو جيد جداجدا؛ إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":339},{"text":"﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ:﴾ فقد قرن الله شكره بشكر الوالدين؛ لأن للوالدين صورة التربية الظاهرة، والله هو الموجد، والمربي في الحقيقة؛ لذا جعل الشكر بينه وبين الوالدين، ثم فرق، فقال: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، والمآب؛ أي: إن نعمة الوالدين على الوالد مختصة بالدنيا، ونعمتي وإفضالي عليك في الدنيا، والآخرة. وقيل: لما أمر الله بشكره، وشكر الوالدين؛ قال: الجزاء عليّ وقت المصير إليّ.\nقال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس؛ فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس؛ فقد شكرهما. انتهى. أقول: إن كانت الصلاة قد نهته عن الفحشاء، والمنكر، وأما إذا اتخذ الصلاة عادة، ولم تنهه؛ فأي شكر لله يكون فيها؟! وهذا هو الغالب على المصلين في هذا العصر.\nومن القرطبي في تفسير سورة (النور) قال: وفي حديث: أن النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة، من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرّسول، والله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزّكاة، والله تعالى يقول:\n ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ ومن فرّق بين شكر الله وشكر والديه، والله ﷿ يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَوَصَّيْنَا:﴾ الواو: واو الاعتراض. (وصينا): فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿بِوالِدَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى تغليبا، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿حَمَلَتْهُ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿أُمُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهْنًا:﴾ حال من ﴿أُمُّهُ﴾ أي: ذات وهن، أو هو مفعول مطلق، تقديره:\nتهن وهنا، وهذه الجملة في محل نصب حال، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: على وهن أو بوهن، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: حملا وهنا، وجملة: ﴿حَمَلَتْهُ..﴾.\nإلخ معترضة لا محل لها، وفيها معنى التعليل للوصية. ﴿وَفِصالُهُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو اعتراض آخر، ﴿وَفِصالُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿فِي عامَيْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وعلامة الجر الياء... إلخ، والجملة الاسمية معترضة أيضا لا محل لها. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفسرة؛ لأن (وصينا) متضمن معنى القول دون حروفه. وقيل: مصدرية. ﴿اُشْكُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار: ﴿الْإِنْسانَ﴾ تفسيرية، وعلى اعتبار ﴿الْإِنْسانَ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن اشكر، أو بأن اشكر، وهو أقوى من سابقه. كما","vol":"7","page":340},{"text":"أجيز اعتبار المصدر في محل جر بدل اشتمال من: (والديه)، وأجاز الزجاج اعتبار المصدر مفعولا به ثانيا ل: (وصينا) والتفسير أقوى من كل هذه الوجوه، وما بين التفسير والمفسر جملتان معترضتان لا محل لهما. ﴿عَلى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿اُشْكُرْ﴾. (لوالديك): جار ومجرور متعلقان معطوفان على: ﴿عَلى،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَيَّ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للأمر، وفيها معنى التقوية له، ولا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3484\"></span>﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي:﴾ وإن حملاك على أن تشرك بي، وألحّا عليك في ذلك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨] من سورة (العنكبوت) من الفرق بين ما هنا، وهناك. ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ:﴾ بأنه يستحق العبادة مع الله، تقليدا للأبوين المشركين. ﴿فَلا تُطِعْهُما:﴾ فيما يأمران به، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\n ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ أي: بالمعروف، وهو البر، والصلة، والعشرة الجميلة اللطيفة. والآية دليل واضح على حسن معاشرة الأبوين إذا كانا كافرين، وحثّ على صلتهما بما يمكن من المال إن كانا فقيرين.\nفعن أسماء بنت أبي بكر الصديق﵄-، قالت: قدمت عليّ أمي؛ وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ. قلت: يا رسول الله! قدمت عليّ أمي، وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال:\n «نعم صلي أمّك». رواه البخاري، ومسلم، ومعنى: راغبة، أي: طامعة فيما عندي، تسألني الإحسان إليها. وفي رواية أخرى راغمة، أي: كارهة للإسلام، واسم أمها قتيلة بنت عبد العزى، طلقها أبو بكر﵁قبل الهجرة لكفرها، وإبائها الإسلام، أما أم عائشة﵄فهي قديمة الإسلام، واسمها زينب الفراسيّة، وتكنى أم رومان﵄-.\n ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ﴾ أي: اتبع دين من رجع إلي بالإسلام والتوبة، فقد حكى النقاش وغيره: أن المأمور سعد، والذي أناب إلى الله: أبو بكر. وقال: إن أبا بكر لما أسلم أتاه سعد، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان، وطلحة، وسعيد، والزبير، فقالوا: آمنت بهذا الرجل، وصدقته؟! قال: نعم إنه صادق، فآمنوا به! ثم ذهب بهم إلى النبي ﷺ حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام أسلموا بإرشاد أبي بكر، -﵃ أجمعين-.","vol":"7","page":341},{"text":"﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ترجعون إلي. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ فأخبركم جميعا. ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما عملتم في الدنيا من أعمال، فأجازيكم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاهَداكَ﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَلى:﴾\nحرف جر، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُشْرِكَ:﴾ في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿تُشْرِكَ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وهي نكرة موصوفة. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تُطِعْهُما:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله.\n ﴿وَصاحِبْهُما:﴾ الواو: حرف عطف. (صاحبهما): فعل أمر، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها. ﴿مَعْرُوفًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: صحابا معروفا. وقيل: منصوب على نزع الخافض، التقدير: بمعروف، والناصب له عند الكوفيين النزع، وعند البصريين الفعل. ﴿وَاتَّبِعْ:﴾ فعل أمر، والفاعل تقديره:\n «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿سَبِيلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿مَنْ:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَنابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو» وهو العائد. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (أنبئكم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به.","vol":"7","page":342},{"text":"﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و(ما):\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالياء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فأنبئكم بالذي، أو بشيء كنتم تعلمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فأنبئكم بعملكم، وهو أضعف من الاعتبارين السابقين. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، كما رأيت تقديره، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقد ذكرت لك: أن هاتين الآيتين معترضتان في تضاعيف وصية لقمان لابنه، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3485\"></span>﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: إن الخصلة من فعل الخير، أو من فعل الشر، إن تك مثلا في الصغر كحبة خردل. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، والمعتمد الأول؛ لقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٧]: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾.\nهذا؛ والخردل نبات له حب صغير جدّا أسود، واحدته: خردلة، يقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلا؛ إذ لا ترجح ميزانا. هذا؛ ويقال: خردل الطعام: أكل خياره، وخردل اللحم: قطع أعضاءه قطعا صغارا. هذا؛ ويقرأ برفع «(مثقال)» على اعتبار ﴿تَكُ﴾ فعلا تاما، وتأنيث الفعل على هذا؛ لأن مثقال اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وهو ﴿حَبَّةٍ﴾ ومثل ذلك قول الأعشى: [الطويل] وتشرق بالقول الّذي قد أذعته... كما شرقت صدر القناة من الدّم\nوهذا هو الشاهد رقم [٩٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\n ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. وقيل: خلق الله الأرض على حوت، وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك. وقيل: على ظهر ثور، وهو على صخرة، وهي التي ذكر لقمان، ليست في الأرض، ولا في السماء، فلذلك","vol":"7","page":343},{"text":"قال تعالى: ﴿أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ والصخرة على متن الريح، والريح على القدرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وما أحسن قول البيضاوي: في أخفى مكان، وأحرزه، كجوف صخرة، أو أعلاها كمحدّب السموات، أو أسفله كمقعّر الأرض. هذا؛ وقرئ: «(فتكن)» بكسر الكاف، من: وكن الطائر: إذا استقر في وكنته.\n ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ:﴾ يحضرها يوم القيامة ويحاسب عليها، وهذا على اعتبار ضمير ﴿إِنَّها﴾ مقصود به الفعلة الحسنة، أو السيئة، وأما على اعتباره مقصودا به رزق الإنسان؛ فيكون المعنى:\nلو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع؛ جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، ويكون محصله: لا تهتم للرزق؛ حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن اتباع سبيل من أناب إليّ. ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود﵁-: «لا تكثر همّك، ما يقدّر يكن، وما ترزق يأتك». والأحاديث النبوية في هذا الباب مشهورة مسطورة في كتاب: الترغيب والترهيب، وغيره.\n ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ:﴾ يصل علمه إلى كل خفي. ﴿خَبِيرٌ:﴾ عالم بكنهه، أو: هو لطيف باستخراج الحبة خبير بمستقرها، أو: هو لطيف باستخراج النبات من الأرض رزقا للعباد، والحيوان، خبير بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بما في قلوب العباد إذا نزل بهم الضر، وخبير بمصالح عباده.\nومعنى الآية: له جل شأنه، وتعالت حكمته الإحاطة بجميع الأشياء: صغيرها، وكبيرها.\nقيل: إن هذه الكلمة آخر كلمة قالها لقمان لابنه، فانشقت مرارة ابنه من هيبتها، وعظمتها فمات. والله أعلم.\nهذا؛ وإن الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّها إِنْ تَكُ..﴾. إلخ يعود إلى غير مذكور، وهو مفهوم يدل عليه المقام، والحال المشاهدة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (هود): ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ،﴾ وقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ أي بلغت الروح التراقي، وأيضا قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: بلغت الروح الحلقوم، ومثل هذه الآيات قول بشار بن برد: [الطويل]\nإذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة... ذرا منبر صلّى علينا وسلّما\nإذا ما غضبنا غضبة مضريّة... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما\nوالبيتان هما الشاهد رقم [١٩٠] من كتابنا فتح رب البرية.\nأما ﴿تَكُ،﴾ فأصله: تكون، فلما دخل الجازم صار: إن تكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار «إن تكن» ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز","vol":"7","page":344},{"text":"وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من «كان»، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، وأن لا يتصل به ضمير، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط، إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر: [الطويل] إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم\nوقول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل] فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم\nهذا؛ وقرئ شاذا قوله تعالى في سورة (البينة): (لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب...) إلخ، ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-؛ لجريانه على القاعدة: [الطويل] دع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها\nفإلاّ يكنها، أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها\nالإعراب: ﴿يا بُنَيَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٣]. ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص، فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه محذوف، كما رأيت في الشرح. ﴿مِثْقالَ:﴾\nخبر: ﴿تَكُ،﴾ وعلى قراءته بالرفع فهو فاعل، والفعل ﴿تَكُ﴾ تام، اكتفى به، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و﴿مِثْقالَ:﴾\nمضاف، و﴿حَبَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿فَتَكُنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تكن): فعل مضارع ناقص معطوف على (تك) مجزوم مثله، واسمه، أو فاعله مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿فِي صَخْرَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (تكن) على تمامه، وبمحذوف خبره على نقصانه، وما بعدهما معطوفان عليهما ب: ﴿أَوْ﴾ العاطفة. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعل ﴿يَأْتِ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر ﴿إِنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها..﴾. إلخ مع الجملة الندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول؛ لأنهما من مقول لقمان لابنه. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا، وهي معترضة؛ إن كانت من قول الله تعالى.","vol":"7","page":345},{"text":"<span id=\"aya-3486\"></span>﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ:﴾ تكميلا لنفسك؛ أي: إذا قمت بها على الوجه الأكمل من المحافظة على طهارتها وأدائها في أوقاتها، والمحافظة على إتمام شروطها، وأركانها، وآدابها؛ فإنها تكون سببا لتأديبك، وتهذيبك، وقربك من ربك. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ وهو ما استحسنه الشرع، وأجمعت العقول السليمة على حسنه. ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ وهو ما استقبحه الشرع، وأجمعت العقول السليمة على قبحه، وكذلك الفطرة السليمة تنفر منه، وتأباه. ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ:﴾ يجوز أن يكون عاما في كل ما يصيبه من المحن، والمتاعب في نفسه، وولده وماله، وأن يكون خاصا بما يصيبه فيما يأمر به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أذى من يدعوهم إلى الخير، وينهاهم عن الشر.\n ﴿إِنَّ ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى: إقام الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على أنواع البلاء. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: مما عزمه الله، وأمر به. وقطعه قطع إيجاب وإلزام.\nومنه قول الرسول ﷺ: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل». أي: لم يقطعه ويجزم به بالنية، ومنه قول الرسول ﷺ: «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه». وقولهم:\nعزمة من عزمات ربنا. ومنه: عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لمن تحت يده: عزمت عليك إلا فعلت كذا؛ إذا قال ذلك؛ لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة في تركه.\nوحقيقته: أنه من تسمية المفعول بالمصدر، وأصله من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها، ومفروضاتها. ويجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل، أصله من: عازمات الأمور، من قوله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ كقولك: جد الأمر، وصدق القتال. وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها في سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها، موصى بها في الأديان كلها. انتهى. كشاف بتصرف.\nهذا؛ والفعل الثلاثي المبدوء بالهمزة: «أخذ، وأمر، وأكل» تحذف منه في الأمر الهمزة الأصلية، وهي همزة قطع، وهمزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، فتقول: خذ، ومر، وكل، وإنما تحذف الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وقد قالوا: اؤمر، وأؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه: «اؤمر» في هذه الآية، وفي الآية رقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٤٤] من سورة (الأعراف).\nالإعراب: ﴿يا بُنَيَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٣]. ﴿أَقِمِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَأْمُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اؤمر): فعل أمر، وفاعله","vol":"7","page":346},{"text":"تقديره: «أنت». ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَانْهَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنه): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n (اصبر): فعل أمر، وفاعله: (أنت). ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أَصابَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ عَزْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ و﴿عَزْمِ:﴾ مضاف، و﴿الْأُمُورِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ والآية كلها من مقول لقمان لابنه، أي: فهي في محل نصب مقول القول.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3487\"></span>﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أي: لا تمله عنهم، ولا تولهم صفحة وجهك، كما يفعله المتكبرون، من: الصعر، وهو داء يعتري البعير، فيلوي منه عنقه. وقرئ: «(ولا تصاعر)» (ولا تصعر)، والمعنى: واحد، ومنه قول عمرو بن حنيّ التغلبي: [الطويل] وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه... أقمنا له من ميله فتقوّما\n ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: ذا مرح، وهو الخيلاء، والكبر، والبطر، وقرئ: ﴿مَرَحًا﴾ بفتح الراء وكسرها، والأول أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ركضا، أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أي: يفخر على الناس، ويعدد عليهم مناقبه تطاولا، وتكبرا، ومعنى عدم محبة الله للمتكبر: سخطه وغضبه عليه، وإبعاده من رحمته، وعفوه، ورضوانه. ولا تنس: أن هذا يشمل الذكر، والأنثى، وإن كان المخاطب به الذكر وحده.\nتنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون البتة، وهي ما إذا وقعت «كلّ» في حيز النفي كان النفي موجها إلى الشّمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: «ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدّراهم لم آخذ» وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أنسيت، أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟! «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول، قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ن): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ﴾","vol":"7","page":347},{"text":"﴿مَهِينٍ،﴾ وما في الآية التي نحن بصدد شرحها، حيث وقعت ﴿كُلَّ﴾ في حيز النفي فتفيد أن المنفي الشمول، وأن البعض ثابت له المحبة من الله.\nوالجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود؛ إذ دل الدليل، وهو الإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا.\nومستند هذا الإجماع الأحاديث الشريفة الكثيرة. هذا؛ ويعبر عما تقدم ب: سلب العموم، وعموم السلب.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة نهي عن الكبر، والتكبر، والفخر، والتفاخر، والخيلاء، وقد نهى الله عنه في كثير من الآيات القرآنية، وبين أنه يكون سببا في صرف العبد المتكبر عن قبول الحق، واتباع الهوى، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.\nوالرسول ﷺ شدد النكير على المتكبرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده﵃عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الرّجال، يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يساقون إلى سجن في جهنّم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النّار، طينة الخبال». رواه النسائي والترمذي.\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر». فقال رجل: إنّ الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، قال:\n «إنّ الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ، وغمط النّاس». رواه مسلم والترمذي.\nهذا؛ وإن الكبر ليس سببه الغنى، وعلو المنصب، والجاه، أو قوة الجسم، وغير ذلك، وإنما هو من شيم النفوس الخبيثة، والطبائع الوضيعة الدنيئة، فعن عبد الله بن عمر﵄عن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والكبر، فإنّ الكبر يكون في الرّجل، وإنّ عليه العباءة».\nرواه الطبراني في الأوسط.\nلذا لا يتكبر إلا ناقص العقل، أو ناقص الدين، أو الحقير الدنيء فيحاول أن يكمل نقصه عن طريق الكبرياء، والتظاهر بالعظمة، ورحم الله من يقول: [الكامل] ملأى السّنابل تنحني بتواضع... والفارغات رءوسهنّ شوامخ\nوعن أبي هريرة﵁أن النبي ﷺ قال: «لينتهينّ أقوام يفتخرون بآبائهم الّذين ماتوا، إنّما هم فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله ﷿ من الجعل الّذي يدهده الخرء بأنفه، إنّ الله أذهب عنكم عيبة الجاهليّة، وفخرها بالآباء، إنّما هو مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، النّاس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب». رواه الترمذي. وخذ قول الشاعر: [الطويل] تواضع تكن كالنّجم لاح لناظر... على صفحات الماء، وهو رفيع","vol":"7","page":348},{"text":"ولا تك كالدّخان يعلو بنفسه... إلى طبقات الجوّ، وهو وضيع\nوقال آخر: [الكامل] إن شئت أن تبني بناء شامخا... يلزم لذا البنيان أسّ شامخ\nإنّ البناء هو الكمال وأسّه الصّ... خريّ فهو الاتّضاع الباذخ\nوقال آخر: [الطويل] تواضع إذا ما نلت في النّاس رفعة... فإنّ رفيع القوم من يتواضع\nوقال آخر: [الطويل] تواضع إذا ما كان قدرك عاليا... فإنّ اتّضاع المرء من شيم العقل\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(لا تُصَعِّرْ)﴾: فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿خَدَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِلنّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n ﴿(لا تَمْشِ)﴾: فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَرَحًا:﴾ مفعول مطلق، أو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ولا تمش في الأرض مشيا مرحا، أو هو حال من الفاعل المستتر على حذف المضاف، التقدير: ذا مرح.\nوقيل: مفعول لأجله، ولا وجه له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿مُخْتالٍ﴾ صفة لموصوف محذوف. ﴿فَخُورٍ:﴾ صفة ثانية له؛ إذ التقدير: لا يحب كل إنسان مختال فخور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي، والآية الكريمة بكاملها من مقول لقمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3488\"></span>﴿وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾\nالشرح: قال القرطبي: لما نهى لقمان ابنه عن الخلق الذميم؛ رسم له الخلق الكريم، الذي ينبغي أن يستعمله فقال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: توسط فيه بين الإسراع، والبطء، أي: لا تدبّ دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «سرعة المشي تذهب بهاء الوجه». فأمّا ما روي: أنه ﷺ كان إذا مشى؛ أسرع، وقول عائشة﵂في عمر ﵁: «كان إذا مشى؛ أسرع، وإذا ضرب؛ أوجع». فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن","vol":"7","page":349},{"text":"دبيب المتماوت، المظهر الضعف، والزهد كذبا، ورياء، ونفاقا، فالإسراع منهي عنه؛ لأنه من الخيلاء، والتأني، والتباطؤ منهي عنه؛ لأن فيه إظهار الضعف تزهدا، وكلا الطرفين مذموم؛ بل ليكن المشي بين السكينة، والوقار. هذا؛ وقرئ بقطع همزة: (أقصد) من: أقصد الرامي: إذا سدد سهمه نحو الرمية، قال الأخطل التغلبي: [الطويل] فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد ولا يدري\n ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ:﴾ أي أنقص منه، وأقصر، ولا تتكلف رفع صوتك، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف، ويؤذي، والمراد بذلك كله التواضع، وقد قال عمر﵁لأبي محذورة سمرة بن معير المؤذن، وقد رفع صوته بأكثر من طاقته: لقد خشيت أن ينشق مريطاؤك، أي ما بين السرة إلى الركبة. هذا؛ ويستثنى الخطيب؛ إذا صعد المنبر، فإنه يحق له أن يرفع صوته ما أمكنه، فإنه أوقع أثرا في القلوب، وأردع، وأزجر عن المعاصي، والمنكرات. ودليلنا ما يلي: فعن جابر بن عبد الله﵄قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنّه منذر جيش، يقول. «صبّحكم ومسّاكم». ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه: السّبّابة، والوسطى... إلخ». رواه مسلم، وابن ماجة، وغيره، ويستثنى أيضا المظلوم في حقه، المهضوم في عمله، فإنه يحق له أن يجهر ويرفع صوته؛ بل وينطق بالكلام السوء حتى يصل إلى حقه، ويدفع الظلم عن نفسه. دليلنا قوله تعالى في الآية رقم [١٤٨] من سورة (النساء):\n ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.\n ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ:﴾ أقبحها، وأوحشها. ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ:﴾ لأن أوله زفير، وآخره شهيق كصوت أهل النار، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنّها رأت شيطانا». وقد روي: أنه ما صاح حمار، ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانا، وما صاح ديك إلا أن يرى ملكا. وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمار. وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق تنبيه على أن رفع الصوت في غاية الكراهة، ويؤيده ما روي: أن النبي ﷺ كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت، وقد كانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير، فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز، ومن كان أخفض صوتا كان أذل، حتى قال شاعرهم: [المتقارب] جهير الكلام، جهير العطاس... جهير الرّواء جهير النّعم\nويعدو على الأين عدو الظّليم... ويعلو الرّجال بخلق عمم\nالرواء: المنظر الحسن. النّعم: الإبل. الأين: التعب. الظليم: الذكر من النعام. بخلق عمم: أي: خلق تام. هذا؛ وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوت الحمار، ثم إخراجه مخرج","vol":"7","page":350},{"text":"الاستعارة مبالغة شديدة. وتوحيد الصوت مع كونه مضافا إلى الجمع؛ لأن المراد تفضيل الجنس في النكير، دون الآحاد، أو لأنه مصدر في الأصل، والمصدر يدل على الكثرة، وأيضا يستعمل للمفرد مثل قولك: شاهد عدل، وللجمع مثل قولك: شهود عدل... إلخ.\nهذا؛ والحمير جمع: حمار، وهو معروف يكون وحشيا، ويكون أهليا، وأنثاه: أتان، ويقال: حمارة أيضا، ويجمع على: حمير، وحمر، وحمور، وحمرات، وكلها للكثرة، ويجمع جمع قلة على: أحمرة، قال الراعي النميري، أو القتّال الكلابي: [البسيط] هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور\nوالحمار الأهلي يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرة واحدة، وبحدة السمع، وللناس في مدحه، وذمه أقوال متباينة، وقد أطال الدّميري الكلام فيه.\nهذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: لم وحد صوت الحمير ولم يجمع؟ قلت: ليس المراد أن يذكر صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع، وإنما المراد: أن كل جنس من الحيوان الناطق له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. انتهى.\nكشاف. وقال القرطبي: ووحد الصوت؛ لأنه مصدر، والمصدر يدل على الكثرة فلا يثنى، ولا يجمع. ولا تنس: أن في الكلام استعارة تصريحية حيث شبه بعض الناس بالحمير.\nخاتمة: قال وهب: تكلم لقمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-باثني عشر ألف باب من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم، وقضاياهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] وفي الخطيب ما نصه: وعن عبد الله بن دينار-رحمه الله تعالى-أن لقمان قدم من سفر، فلقيه غلامه في الطريق، فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله ملكت أمري. قال: فما فعلت أمي؟ قال: ماتت، قال: ذهب همي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت. قال: جدّد فراشي. قال: ما فعلت أختي؟ قال: ماتت، قال: سترت عورتي. قال: ما فعل أخي، قال:\nمات، قال: انقطع ظهري. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿وَاقْصِدْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اقصد): فعل أمر؛ وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿فِي مَشْيِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. (اغضض): فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿مِنْ صَوْتِكَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. هذا؛ ويجوز عند الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب، ويؤيده قوله تعالى في سورة (الحجرات): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ..﴾. إلخ. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَنْكَرَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْأَصْواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَصَوْتُ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة، أو المزحلفة. (صوت): خبر ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْحَمِيرِ﴾ مضاف إليه، والجملة","vol":"7","page":351},{"text":"الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، والآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول لقمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span id=\"aya-3489\"></span>﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا..﴾. إلخ: ذكر الله نعمه على بني آدم، وأنه سخر لهم ما في السموات من شمس وقمر وملائكة تحوطهم، وتحرسهم، وتجر إليهم منافعهم، وأيضا: النجوم، والسحاب، وغير ذلك، وما في الأرض من البحار، والأنهار، والجبال، والأشجار، والمعادن، والدواب على اختلاف أجناسها، وتفاوت منافعها.\n ﴿وَأَسْبَغَ﴾ أي: أتم، وأكمل. قال تعالى لداود: ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أي: دروعا تامات كاملات، وقرئ: «(أصبغ)» بالصاد على إبدالها من السين؛ لأن حروف الاستعلاء، تجتذب السين من سفلها إلى علوها، فتردها صادا. ﴿نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً:﴾ محسوسة، ومعقولة، ما تعرفونه، وما لا تعرفونه. هذا؛ وقرئ: «(نعمة)» بالإفراد، وهو يدل على الكثرة، كقوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ قال النبي ﷺ لابن عباس﵄وقد سأله عن هذه الآية: «الظّاهرة الإسلام، وما حسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيّئ عملك».\nوقيل: الظاهرة: تسوية الأعضاء وحسن الصورة، والباطنة: الاعتقاد بالقلب. وقيل:\nالظاهرة: الرزق، والباطنة: حسن الخلق. وقيل: الظاهرة: تخفيف الشرائع، والباطنة:\nالشفاعة. وقيل: الظاهرة ظهور الإسلام، والنصر على الأعداء، والباطنة: الإمداد بالملائكة.\nوقيل: الظاهرة: اتباع الرسول، والباطنة: محبته. انتهى. خازن. وقريب منه في الكشاف، وتفسير القرطبي.\nوأجل هذه النعم على وجه الإطلاق نعمة الإيمان لمن هداه الله، ووفقه للعمل بمقتضاه.\nوينبغي أن تعلم: أن الإنسان مهما عمل من الصالحات، وعبد الله تعالى لا يوفي حق أصغر هذه النعم، فعن أنس بن مالك﵁عن النبي ﷺ قال: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النّعم من الله عليه، فيقول الله ﷿ لأصغر نعمة (أحسبه قال: في ديوان النعم): خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصّالح، ثم تنحّى، وتقول: وعزّتك ما استوفيت! وتبقى الذنوب والنّعم؛ وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبده، قال: يا عبدي! قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيّئاتك، (أحسبه قال: ووهبت لك نعمي)». رواه البزار. هذا؛ وحديث الذي عبد الله خمسمائة","vol":"7","page":352},{"text":"سنة برأس جبل، وقال الله له: ادخل الجنة برحمتي، فقال: بل بعملي مشهور مسطور في كتاب الترغيب والترهيب، وغيره.\nفائدة: النّعمة: بكسر النون: واحدة النعم، والنّعمة بفتح النون: التّنعّم، والترفه، ولذا قيل: كم ذي نعمة لا نعمة له، أي: كم ذي مال لا تنعّم له.\n ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ:﴾ نزلت في النضر بن الحارث، وأبيّ بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم كانوا يجادلون النبي ﷺ في الله، وفي صفاته. وخصوص السبب لا يمنع التعميم، ففي كل زمان، ومكان يوجد مجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وما أكثرهم في هذا الزمن! ولا تنس: أن هذا الكلام مذكور بحروفه في الآية رقم [٨] من سورة (الحج). ﴿وَلا هُدىً﴾ أي: لا سند له في جداله، وليس معه بيان من الله، وليس هو على بينة من أمره. ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أي: وليس معه كتاب من الله ينير له طريقه، بل هو يخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿سَخَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما،﴾ وجملة: ﴿سَخَّرَ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول: ﴿تَرَوْا،﴾ وهو بصري كما هو ظاهر. وقيل: الرؤية قلبية، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَسْبَغَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أسبغ): فعل ماض، الفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نِعَمَهُ:﴾ مفعول به. ﴿ظاهِرَةً:﴾ حال من ﴿نِعَمَهُ﴾ وعلى قراءة الإفراد، فهو صفة (نعمة). ﴿وَباطِنَةً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة:\n ﴿وَأَسْبَغَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿وَمِنَ النّاسِ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنَ النّاسِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.\nوقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس. على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ أي: ومنا فريق دون ذلك، والأصح: أن مضمون","vol":"7","page":353},{"text":"الجار والمجرور مبتدأ، و﴿مِنَ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وانظر تفصيل ذلك في الآية رقم [١٠] من سورة (العنكبوت). ﴿يُجادِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ﴾ تقديره: «هو». ﴿فِي اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بغير علم.\nو(غير) مضاف، و﴿عِلْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي.\n ﴿هُدىً:﴾ معطوف على (علم) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي أيضا. ﴿كِتابٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُنِيرٍ:﴾ صفة ﴿كِتابٍ،﴾ وجملة:\n ﴿يُجادِلُ..﴾. إلخ في محل رفع صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3490\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: للناس الكفار، والقائل لهم هو النبي ﷺ، أو أحد المؤمنين الصادقين. ﴿اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: من التوحيد، وتحليل الطيبات، وتحريم الخبائث، وإنما عدل عن الخطاب مع الكفار للنداء على ضلالهم، كأنه التفت إلى العقلاء من المؤمنين الصادقين، وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى بماذا يجيبون؟!.\n ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أي: من عبادة الأصنام، وتحريم السوائب، والبحائر، والوصائل، والحوامي، وتحريم بعض الزروع... إلخ، فإنهم كانوا خيرا منا، وأعلم وأعقل، فرد الله عليهم هنا بقوله: ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ..﴾. إلخ: أي: أيتبعون آباءهم، ولو كان الشيطان يدعوهم جميعا إلى ما فيه هلاكهم، ودخولهم جهنم، وبئس المصير. هذا؛ وفي آية (البقرة) رقم [١٧٠]: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أي لا يفهمون، ولا يفقهون شيئا، ولا يهتدون إلى الحق، والصواب، وبإبدال: ﴿ما وَجَدْنا﴾ هنا ب: ﴿ما أَلْفَيْنا﴾ هناك.\nهذا؛ و﴿السَّعِيرِ:﴾ النار الشديدة الاستعار؛ أي: الاحتراق، وهي واد من أودية جهنم، أو دركة من دركات النار، وطبقاتها، والسّعير كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة، قال رشيد بن رميض العنزي: [الوافر] حلفت بمائرات حول عوض... وأنصاب تركن لدى السّعير","vol":"7","page":354},{"text":"ف: «عوض» عندهم صنم صغير، والسعير: صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنزة، فنفرت ناقته من الصنم، فأنشأ يقول: [الكامل] نفرت قلوصي من عتائر صرّعت... حول السّعير يزوره ابنا يقدم\nوجموع يذكر مهطعين جنابه... ما إن يحير إليهم بتكلّم\nقال أبو المنذر: «يقدم» و«يذكر» ابنا عنزة، فرأى هؤلاء يطوفون حول السّعير، انتهى.\nبغدادي.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: اتبعوا الذي، أو: شيئا أنزله الله، وجملة: ﴿اِتَّبِعُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه. وقيل:\nنائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: هو، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور في محل رفع نائب فاعل.\nوالمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: «لا حول ولا قوّة إلا بالله كنز من كنوز الجنة» ونحو: «زعموا: مطيّة الكذب» وجملة: ﴿قِيلَ لَهُمُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿نَتَّبِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول.\n ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به أول، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة:\n ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على)، وجملة: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.","vol":"7","page":355},{"text":"﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف. (لو) حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿يَدْعُوهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى الشيطان، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿إِلى عَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿عَذابِ﴾ مضاف، و﴿السَّعِيرِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَدْعُوهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، تقديره: لا تبعوه. هذا؛ وقال الجمل تبعا للزمخشري: إن الجملة في محل نصب حال، وهذا يعني: أن (لو) وصلية، ولا تحتاج إلى جواب...، ويكون تقدير الكلام: أيتبعونه، ولو كان الشيطان يدعوهم؟! أي: في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. وهذا هو المعتمد.\nهذا؛ ومثل هذه الآية في تركيبها، وإعرابها الآية رقم [١٧٠] من سورة (البقرة) ورقم [١٠٤] من سورة (المائدة)، ورقم [٤٣] من سورة الزمر.\n\n<span id=\"aya-3491\"></span>﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾\nالشرح ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ:﴾ بأن أقبل بكليته عليه، وفوض أمره إليه، وأخلص عبادته، وقصده إليه. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: في علمه؛ لأن العبادة من غير إحسان، ولا معرفة القلب لا تنفع، وفي حديث جبريل ﵊، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال الرسول ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك».\n ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ:﴾ تمسك، فالسين، والتاء ليستا للطلب. ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى:﴾ العروة في الأصل موضع شدّ اليد، وأصل المادة تدل على التعلق، ومنه: عروته؛ إذا ألممت به متعلقا به، واعتراه الهم: تعلق به. والوثقى: تأنيث الأوثق، وهي للتفضيل، كفضلى تأنيث الأفضل. وفي الآية الكريمة تمثيل حال المتوكل على الله بحال من أراد أن يتدلى من شاهق، فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين، مأمون انقطاعه. ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي: صائرة إليه، فيجازي عليها، والمراد: أعمال العباد، مردها، ومصيرها إلى الله تعالى. هذا؛ وفي سورة (البقرة) قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾. أي لا انقطاع لها، فيكون المعنى: اعتصم بالعهد الأوثق، الذي لا يخلف عليه، ولا يخاف انقطاعه، ويرتقي بسببه إلى أعلى المراتب، وأسمى الغايات. هذا؛ وفي الآيتين استعارة تمثيلية، وتفصيلها ما ذكرته آنفا.\nوقيل: هو تشبيه تمثيلي لذكر طرف التشبيه. هذا؛ وعاقبة كل شيء: نتيجته، وآخره. وقال القرطبي: فإن قلت: ما له عدّي: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ﴾ هنا ب: ﴿إِلَى،﴾ وقد عدّي باللام","vol":"7","page":356},{"text":"في قوله ﷿: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (البقرة) قلت: معناه مع اللام: أنه جعل وجهه، وهو ذاته، ونفسه سالما لله؛ أي: خالصا له. ومعناه مع ﴿إِلَى﴾ راجع إلى أنه سلم إليه نفسه، كما يسلم المتاع إلى الرجل؛ إذا دفع إليه، والمراد: التوكل عليه، والتفويض إليه. انتهى. ومثله في الكشاف.\nهذا؛ وإنما خص الوجه بالذكر؛ لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة، وفيه أكثر الحواس، ولأنه موضع السجود، ومظهر آثار الخشوع، والخضوع، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُسْلِمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿وَجْهَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُحْسِنٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من اعتبار الجملة معترضة. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِسْتَمْسَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالْعُرْوَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْوُثْقى:﴾\nصفة العروة مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية:\n ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ..﴾. إلخ معطوفة على (إذا) ومدخولها في الآية السابقة، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِلَى:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(إِلَى اللهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عاقِبَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْأُمُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3492\"></span>﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ:﴾ فإنه لا يضرك في الدنيا، والآخرة. ﴿إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا:﴾ فنخبرهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، ونجازيهم عليها، فصار المعنى: لا يهمنك كفر من كفر، وكيده للإسلام، ومحاربته لك، وإيذاؤه لأصحابك، فإن الله ﷿ دافع كيده في نحره، ومنتقم منه، ومعاقبه على عمله. هذا؛ وقرئ","vol":"7","page":357},{"text":"الفعل: (يحزن) بفتح الياء من الثلاثي، وبضمها من الرباعي، والأول من باب دخل، وقتل، قال اليزيدي-رحمه الله تعالى-: «حزنه» لغة قريش، و«أحزنه» لغة تميم. انتهى. وهو متعد على اللغتين، مثل سلكه، وأسلكه. هذا؛ وحزن بكسر الزاي، من باب: فرح، وطرب لازم.\n ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: إن الله عليم بما في صدور عباده من نية حسنة، أو نية خبيثة، فيفعل بهم على حسب ما تكنه صدورهم من غدر، وخيانة، وتبييت للشر، وغير ذلك.\nهذا؛ وانظر شرح النبأ في الآية رقم [٣] من سورة (القصص). هذا؛ وقد أفرد الضمير بقوله:\n ﴿كُفْرُهُ﴾ مراعاة للفظ (من)، وجمعه بالضمير المنصوب مراعاة لمعناها.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض، مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، ومتعلقه محذوف. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَحْزُنْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والكاف مفعول به. ﴿كُفْرُهُ:﴾\nفاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية السابقة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (ننبئهم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والهاء مفعول به. ﴿بِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ننبئهم بالذي، أو بشيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم، والجملة الفعلية: ننبئهم بعملهم معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها.\n ﴿بِذاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(ذات) مضاف، و﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3493\"></span>﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ أي: نمهلهم؛ ليتمتعوا بنعيم الدنيا إلى انقضاء آجالهم. هذا؛ والتمتع بالشيء: التلذذ به، والانتفاع بفوائده، ومثله الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة","vol":"7","page":358},{"text":"بكسر الميم، وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد والطعام؛ ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو القميص، والإزار، والملحفة، قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا؛ والتمتع بالمرأة إلى أجل معلوم بيّنت فساده في أول سورة (المؤمنون).\n ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ:﴾ نلجئهم، ونردهم. ﴿إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ:﴾ شديد. شبه إلزامهم التعذيب، وإرهاقهم إياه باضطرار المضطر إلى الشيء؛ الذي لا يقدر على الانفكاك منه، وهي استعارة مكنية هذا؛ والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد الشدة، والثقل على المعذب. هذا؛ وقد قال تعالى في الآية رقم [١٢٦] من سورة (البقرة): ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nالإعراب: ﴿نُمَتِّعُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل المستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، أي: تمتيعا قليلا، أو صفة زمان محذوف؛ أي: نمتعهم زمانا قليلا، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3494\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمسئول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته خلق السموات والأرض، وخصهما بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنها أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات، وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنها كالذكر، فنزول المطر من السماء على الأرض، كنزول المني من الذكر في رحم المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.\n ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ:﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود.\n ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السموات، والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد، والشكر، وأن لا يعبد معه أحد غيره. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن ذلك يلزم، وإذا نبهوا عليه؛ لم ينتبهوا، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل، وانظر الآية رقم [٦] من سورة (الروم). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"7","page":359},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ خَلَقَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (سأل). ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، ونون التوكيد حرف لا محل له.\n ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: الله خلقهن، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير:\nخلقهن الله، ويرجحه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٩]: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ،﴾ والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط، لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما»، والكلام:\n ﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له، وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\n ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة وهي في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3495\"></span>﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خلقا، وملكا، وعبيدا، لا يستحق العبادة فيهما غيره. ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن العباد، وعن حمدهم، وشكرهم. ﴿الْحَمِيدُ:﴾ المستحق للحمد وإن لم يحمد، أو محمود نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال، وبلسان المقال أيضا، وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (فاطر).","vol":"7","page":360},{"text":"الإعراب: ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ خبرين له؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3496\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾\nالشرح: لما احتج الله بما احتج به على المشركين؛ بين: أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، وأنها لا نهاية لها. وقال القفال: لما ذكر: أنه سخر لهم ما في السموات، وما في الأرض، وأنه أسبغ عليهم النعم؛ نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما، والبحار مدادا، فكتاب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته، ووحدانيته؛ لم تنفد تلك العجائب.\nوقال أبو جعفر النحاس: فقد تبين: أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم، وحقائق الأشياء؛ لأنه ﷿ علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السموات والأرض من كل شيء، وعلم ما فيه من مثاقيل الذر، وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة وعضو، وما في الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق، وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون، فلو سمى كل دابة وحدها، وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها، وكثيرها، وما تحولت عليه من الأحوال، وما زاد فيها في كل زمان، ثم كتاب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها، ثم كان البحر مدادا لذلك البيان الذي بين الله ﵎ عن تلك الأشياء يمده من بعده سبعة أبحر؛ لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر. انتهى. قرطبي بتصرف.\nوالمعنى: الإجمالي للآية: ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام، وبذلك المداد كلمات الله، لما نفدت كلماته، ونفدت الأقلام، والمداد، كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٠٩]: ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ انظر شرحها هناك، والآيتان نزلتا بسبب واحد. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. انظر الآية رقم [٩].\nتنبيه: وإنما ذكر «شجرة» على التوحيد؛ لأنه أريد تفصيل الشجر، وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر، ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما، وأوثر «الكلمات» وهي جمع","vol":"7","page":361},{"text":"قلة على الكلم وهي جمع كثرة؛ لأن معناه: أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار، فكيف به كلمه. انتهى. نسفي.\nخاتمة: نزلت الآية الكريمة جوابا لليهود حين سألوا رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ رقم [٨٥] من سورة (الإسراء) فقالوا له: نحن مختصون بهذا الخطاب؟ فقال: «بل نحن وأنتم». فقالوا: ما أعجب شأنك! ساعة تقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ الآية رقم [٢٦٩] من سورة (البقرة)، وساعة تقول: هذا، فنزل: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وما قالوه دليل على سوء فهمهم؛ لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم العبد من الخير والحق ما تسعه الطاقة البشرية؛ بل ما ينتظم به معاشه، ومعاده-وهو بالإضافة إلى معلومات الله تعالى؛ التي لا نهاية لها قليل-ينال به خير الدارين، وهو بالإضافة إليه كثير. انتهى. وانظر شرح الآيتين في محلهما.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. (أنّ):\nحرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (أنّ). ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ وهو عائد الموصول، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿أَقْلامٌ:﴾ خبر: (أن)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأول مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، تقديره: ولو حصل، أو وقع كون ما في الأرض... إلخ، وهذا الفعل شرط (لو) عند المبرد. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف، التقدير: ولو كون ما في الأرض من شجرة أقلاما حاصل، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَالْبَحْرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (البحر):\nيقرأ بنصبه عطفا على (ما)، التقدير: ولو أن البحر يمده، ويقرأ برفعه عطفا على محل (أن) واسمها؛ إذ محلهما الرفع على الفاعلية، أو على الابتداء كما رأيت، أو هو مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق الصلة، والرابط:\nالواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ وما أشبه ذلك من الأحوال، التي حكمها حكم الظرف. ﴿يَمُدُّهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مما بعدهما، وهو أقوى معنى، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿سَبْعَةُ:﴾ فاعل:\n (يمد)، و﴿سَبْعَةُ﴾ مضاف، و﴿أَبْحُرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر «أنّ» على نصب (البحر)، وفي محل رفع خبره على الاعتبارات الأخرى. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَفِدَتْ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِماتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿ما﴾","vol":"7","page":362},{"text":"نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3497\"></span>﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ قال الضحاك-رحمه الله تعالى-:\nالمعنى: ما ابتداء خلقكم جميعا إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة. انتهى. أي: فحذف هذا المقدر للعلم به، والمعنى: سواء في قدرته القليل، والكثير، فلا يشغله شأن عن شأن؛ لأنه يقول للقليل والكثير: ﴿كُنْ فَيَكُونُ،﴾ فلا يصعب عليه ما يصعب على العباد، وخلقه للعالم كخلقه لنفس واحدة. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ:﴾ لقول المشركين: إنه لا بعث.\n ﴿بَصِيرٌ:﴾ بأعمالهم، فيجازيهم عليها.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية في أبيّ بن خلف، وأبي الأسود؛ ومنبّه ونبيه ابني الحجاج بن السباق، قالوا للنبي ﷺ: إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم تقول: إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلْقُكُمْ:﴾ مبتدأ حذف خبره لدلالة ما بعده عليه، كما رأيت في الشرح، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: ما خلقي إياكم، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو صلة لتأكيد النفي. ﴿بَعْثُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ، مثل سابقه. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿كَنَفْسٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف خبر ﴿خَلْقُكُمْ﴾ فيكون الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه. وعلى الأول فالحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما يجوز اعتبار الكاف اسما بمعنى: مثل، فهي الخبر، وتكون مضافة، و(نفس) مضاف إليه. ﴿واحِدَةٍ:﴾ صفة نفس. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، أو معترضة في آخر الكلام، لا محل لها على جميع هذا الاعتبارات.\n<span id=\"aya-3498\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ:﴾ ألم تنظر نظر تبصر، واعتبار، وتدبر، واستبصار. ﴿يُولِجُ:﴾\nيدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، أي: يزيد من هذا في ذاك، ومن ذاك في هذا.","vol":"7","page":363},{"text":"أو بسبب أنه خالق الليل والنهار، ومصرفهما، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير، والشر. هذا؛ و﴿يُولِجُ﴾ من: أولج الرباعي، أصله: يؤولج حذفت الهمزة منه حملا على المبدوء بالهمزة: أؤولج للتخفيف، ومصدره: الإيلاج، وأما الثلاثي فهو: ولج، يلج، وأصله: يولج، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة، مثل: وعد، يعد، ووزن، يزن، ومصدره: الولوج. والمراد بإيلاج الليل في النهار، وبالعكس بأن يزيد كل منهما بما نقص من الآخر، كما هو ظاهر في طول الليل، وقصره، تبعا لفصول السنة، قال تعالى:\n ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ رقم [٤٤] من سورة (النور).\nوقيل: المراد بالإيلاج: أنه ﷾ يجعل ظلمة الليل مكان ضياء النهار، وذلك بغيبوبة الشمس، ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس. ﴿وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ لا يخفى عليه شيء مما يقع في الليل، والنهار. كما لا يخفى عليه شيء من أعمالكم كانت صغيرة، أو كبيرة. هذا؛ والمراد بالأجل المسمى: يوم القيامة؛ لأن جريان الشمس، والقمر لا ينقطع إلا حينئذ، ودل أيضا بالليل، والنهار، وتعاقبهما، وزيادتهما، ونقصانهما، وجري النيرين في فلكيهما-كلّ ذلك على تقدير وحساب-وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته، وحكمته.\nفإن قلت: ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ و﴿يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أهو من تعاقب الحرفين؟ قلت:\nكلا ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن، ولكنّ المعنيين أعني: الانتهاء والاختصاص كل منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأن قولك: يجري إلى أجل مسمى معناه: يبلغه، وينتهي إليه، وقولك: يجري لأجل مسمى تريد: يجري لإدراك أجل مسمى، تجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمّى، ألا ترى أن جري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر مختصّ بآخر الشهر، فكلا المعنيين غير ناب به موضعه. انتهى. كشاف.\nهذا؛ وتعاطف الجمل مع اختلافها بالمضارعية، والماضوية لا غبار عليه هنا؛ لأن ما تتحدث عنه هذه الجمل واقع في الماضي، وفي الحال، وفي المستقبل؛ بل هو مستمر حتى نهاية الدنيا، لا ينكره إلا مكابر. وقيل: عبر ب: ﴿يُولِجُ﴾ لأن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد كل حين، فعبر عنه بالمضارع المتجدد حينا بعد حين، وأما تسخير النيرين؛ فهو أمر ثابت لا يتجدد، فعبر عنه بالماضي المفيد ذلك. هذا؛ ويطلق على الليل، والنهار اسم الجديدين.\nقالت الخنساء، ﵂: [البسيط] إنّ الجديدين في طول اختلافهما... لا يفسدان ولكن يفسد الناس\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف","vol":"7","page":364},{"text":"والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُولِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾.\n ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي النَّهارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يُولِجُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول (ترى)، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وجملة: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معطوفة أيضا عليها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به الإضافة المقدرة. ﴿يَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿كُلٌّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جرّه كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية:\n ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الشمس، والقمر، والرابط: الضمير المقدر، أو هي معترضة بين المتعاطفين.\n ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (أن). ﴿بِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. والجملة الفعلية صلة: (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على المصدر المؤول السابق، فهو في محل نصب مثله. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ﴾ بعدهما، التقدير: خبير بعملكم.\n\n<span id=\"aya-3499\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الذي ذكر من سعة العلم، وشمول القدرة، وعجائب الصنع، واختصاص الباري بها. وقيل: المعنى فعل الله تعالى ذلك لتعلموا، وتقروا بأن الله هو الحق بسبب: أن الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته، فهو الحق، ودينه حقّ، وعبادته حق، والمؤمنون يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق. ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: ما يعبدون من سواه. ﴿الْباطِلُ:﴾ أي المعدوم في حد ذاته. والمراد: الأصنام؛ التي يعبدونها من دون الله، فإنها لا استحقاق لها في العبادة، والتقديس، والتعظيم. وقيل: المراد: الشياطين. ولا وجه له.","vol":"7","page":365},{"text":"﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ أي: العالي على كل شيء، والعالي عن الأشباه، والأنداد، المقدس عما يقوله الظالمون من الصفات؛ التي لا تليق بجلاله. ﴿الْكَبِيرُ﴾ أي: الموصوف بالعظمة والجلال، وكبر الشأن. وقيل: ﴿الْكَبِيرُ:﴾ ذو الكبرياء. والكبرياء. عبارة عن كمال الذات، أي له الوجود المطلق أبدا، وأزلا، فهو الأول القديم، والآخر الباقي بعد فناء خلقه؛ بل بعد فناء الزمان، والمكان.\nهذا؛ و﴿الْحَقُّ﴾ ضد الباطل، قال الراغب: أصل الحق المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة. الحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حقّ، نحو: الموت، والحساب... إلخ. وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه.\nنحو اعتقاد زيد في الجنة حق. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حقّ، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا، أي أثبتّه حقا، أو حكمت بكونه حقا، انتهى. بغدادي. هذا؛ وانظر شرح الباطل في الآية رقم [٥٢] من سورة (العنكبوت).\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وقد رأيت في الشرح اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾\nالباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (أن). ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم: (أن) على المحل. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر: (أن). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ والحق خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بالفعل الذي رأيت تقديره في الشرح، وعلى الوجهين فالجملة مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب اسم (أن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وأن الذي، أو: أن شيئا يدعونه. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا به، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْباطِلُ:﴾ خبر: (أن)، وفي سورة (الحج): ﴿هُوَ الْباطِلُ﴾ والمصدر المؤول من: (أنّ) واسمها وخبرها معطوف على المصدر المؤول السابق فهو في محل جر مثله. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ يجوز فيه ما جاز بسابقه، وباقي الإعراب مثل: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ والمصدر المؤول من: (أن) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله أيضا، وينبغي أن تعلم: أن الآية مذكورة بحروفها في سورة (الحج) برقم [٦٢].","vol":"7","page":366},{"text":"<span id=\"aya-3500\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ ألم تنظر: نظر تبصر، واعتبار، لا نظر إهمال، واستهتار. ﴿أَنَّ الْفُلْكَ:﴾ أن السفن والمراكب البحرية على جميع أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ:﴾\nتسير. ﴿بِنِعْمَتِ اللهِ:﴾ بإحسانه، وكرمه في تهيئة أسبابه، من هبوب الريح، وغير ذلك، وهو استشهاد آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته وشمول إحسانه وكرمه، وبره، وإفضاله. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ﴾ من دلائل قدرته، ووحدانيته، وعجائب صنعه. قال النقاش: الآيات: ما يرزقهم الله من البحر بسبب السفن. وقال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلائل واضحات، وبينات باهرات على قدرته وعظمته. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ:﴾ على المصائب، والمتاعب، والمشاق، وعلى التفكر في صنع الله، وما ذرأ، وبرأ في هذا الكون الواسع المترامي الأطراف. ﴿شَكُورٍ:﴾ يعرف النعم، ويتعرف فضل مانحها، أو لكل مؤمن، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. هذا؛ و﴿صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ صيغتا مبالغة، كما هو ظاهر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْفُلْكَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر، تقديره: «هي» يعود إلى الفلك، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد المفعول به على اعتبار (ترى) بصريا، وسد مسد مفعوليه على اعتباره قلبيا، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِنِعْمَتِ:﴾ متعلقان بالفعل:\n ﴿تَجْرِي،﴾ أو في محل نصب حال من فاعله، التقدير: تجري في البحر مصحوبة بنعمة، و(نعمة) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: بنعمة الله عليكم. ﴿لِيُرِيَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ تقديره: «هو»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿تَجْرِي،﴾ أو هما متعلقان بفعل محذوف، يدل عليه المقام، تقديره: فعل ذلك؛ ليريكم. ﴿مِنْ آياتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾\nاللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿أَنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه","vol":"7","page":367},{"text":"جمع مؤنث سالم. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة آيات، و(كل) مضاف، و﴿صَبّارٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿شَكُورٍ:﴾ صفة ثانية؛ إذ التقدير: لكل شخص، أو لكل إنسان صبار شكور. وهو يشمل الذكر، والأنثى. وصيغتا المبالغة صالحة لهما، كما هو معلوم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٩] من سورة (سبأ).\n\n<span id=\"aya-3501\"></span>﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ:﴾ علاهم، وغطاهم. ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ:﴾ مرتفع كالجبال، و(الظلال) جمع: ظلة، وهي السحابة الكبيرة، شبه الموج بها لكبرها وارتفاعها، قال النابغة في وصف بحر: [الوافر] يماشيهنّ أخضر ذو ظلال... على حافاته فلق الدّنان\nوإنما شبه الموج-وهو واحد-بالظلال، وهو جمع؛ لأن الموج يأتي شيئا بعد شيء، ويركب بعضه بعضا كالظلال. وقيل: هو بمعنى الجمع، وإنما لم يجمع؛ لأنه مصدر، وأصله من الحركة، والازدحام.\n ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: تركوا الأصنام؛ التي يعبدونها، ولجئوا إلى الله بالتضرع، والدعاء، حالة كونهم كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو، وإنما لجئوا إلى الله لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى، والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد. ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ أي: إلى الأرض اليابسة، وأمنوا من الغرق.\n ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ:﴾ قال ابن عباس﵄-: موف بما عاهد عليه الله في البحر.\nوقال الحسن: «مقتصد» مؤمن، متمسك بالتوحيد، والطاعة. وقال الزمخشري: متوسط في الكفر، والظلم، خفض من غلوائه، وانزجر بعض الانزجار. وقال الخازن: وقيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل، وذلك: أنه هرب عام الفتح إلى البحر، فجاءهم ريح عاصف، فقال عكرمة -﵁-: لئن أنجانا من هذه لأرجعن إلى محمد ﷺ، ولأضعن يده في يدي! فسكتت الريح، ورجع عكرمة إلى مكة، وأسلم، وحسن إسلامه، ﵁.\n ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا:﴾ وما يكفر بدلائل قدرتنا. ﴿إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ:﴾ غدار، والختر: أسوأ الغدر، ومنه قولهم: إنك لا تمد لنا شبرا من غدر؛ إلا مددنا لك باعا من ختر. قال عمرو بن معديكرب ﵁: [الوافر]","vol":"7","page":368},{"text":"فإنّك لو رأيت أبا عمير... ملأت يديك من غدر وختر\nيريد الشاعر المبالغة في وصف غدر أبي عمير. روي: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا عدّ بأصابع يده اليمنى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وبأصابع يده اليسرى: اللهمّ اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني، فقال له رسول الله ﷺ: «ملأت يديك خيرا». فعلى القياس، من عد معايب أحد بأصابع يديه ملأ يديه شرا، فكأن الشاعر ينبه: أن في أبي عمير عشرا من الأخلاق الذميمة.\nوقال الأعشى: [البسيط] بالأبلق الفرد من تيماء منزله... حصن حصين وجار غير ختّار\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا) انظر الآية رقم [٢١]. ﴿غَشِيَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿مَوْجٌ:﴾ فاعله. ﴿كَالظُّلَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَوْجٌ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل فهي الصفة، وتكون مضافة، و(الظلال) مضاف إليه، وجملة: ﴿غَشِيَهُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿دَعَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، وجملة: ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ جواب (إذا) لا محل لها من الإعراب، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:\n ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعوله.\n ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿نَجّاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ تقديره: «هو»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِلَى الْبَرِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب: (لما). (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُقْتَصِدٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، هذا هو الظاهر. وأرى: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و﴿مُقْتَصِدٌ﴾ هو الخبر؛ لأن من الجارة دالة على التبعيض؛ أي: بعضهم مقتصد، والجملة الاسمية جواب: (لما) لا محل لها.\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (العنكبوت).","vol":"7","page":369},{"text":"هذا؛ وقال ابن هشام في «المغني»: وقال جماعة منهم ابن مالك في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ:﴾ إن الجملة الاسمية: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ جواب (لما)، والظاهر:\nأن الجواب جملة فعلية محذوفة، أي: انقسموا قسمين: فمنهم مقتصد، ومنهم غير ذلك. ويؤيد هذا: أن جواب (لما) لا يقترن بالفاء. انتهى. بتصرف. وعليه فالفاء حرف عطف، وتفريع.\nو(لما) ومدخولها معطوف على (إذا) ومدخولها، أو هو مستأنف لا محل له على الوجهين.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَجْحَدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿خَتّارٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف.\n ﴿كَفُورٍ:﴾ صفة ثانية؛ إذ التقدير: إلا كل شخص، أو إنسان ختار، كفور. وهو يشمل الذكر، والأنثى، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَجْحَدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والحالية ضعيفة.\n\n<span id=\"aya-3502\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاِخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ هذا النداء يشمل المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح. ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ:﴾ خافوه، واعبدوه. ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا:﴾ احذروا يوما، وخافوا عقابه، وأهواله، والمراد به يوم القيامة بلا ريب. ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ:﴾ لا يقضي، وقرئ: «(لا يجزئ)» من: أجزأ: إذا أغنى ونفع. ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا:﴾ بمعنى غير قاض، وغير مغن عن والده شيئا في ذلك اليوم الطويل زمانه، العظيم أهواله، القريب أوانه.\n ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ:﴾ لا خلف فيه قطعا؛ بل إن ما وعد به عباده من الخير لا بد وأن يقع، وأن ما توعدهم به من الشر فهو بالخيار، لا يسأل عما يفعل، فإن شاء عفا، وإن شاء عاقب.\n ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ فلا تخدعنكم بزخارفها، وزينتها، ولا تشغلنكم عن طاعة الله تعالى بحطامها الفاني ومتاعها الزائل. ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الشيطان بأن يرجّيكم التوبة، ويؤملكم المغفرة، فيجرّئكم على المعاصي، ويسوف لكم بالتوبة.\nهذا؛ و﴿الْغَرُورُ﴾ بفتح الغين: الشيطان كما رأيت، وهو الذي يغر الخلق، ويمنيهم الأماني الكاذبة، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٢٠]: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾. هذا؛ وقرئ بضم الغين، كأنه مصدر: غرّ، يغرّ غرورا: خدعه، وأطمعه في الباطل.\nقال سعيد بن جبير﵁هو أن يعمل بالمعصية، ويتمنى المغفرة.","vol":"7","page":370},{"text":"أما ﴿جازٍ،﴾ فأصله: «جازي» بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة على الياء علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة، أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الزاي مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: ﴿جازٍ﴾ بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة فتمنع الرفع للزاي، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من ال والإضافة، سواء أكان ثلاثيا، أم رباعيا؟\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: قيل: إن معنى الآية: أن الله تعالى ذكر شخصين في غاية الشفقة، والمحبة، وهما الوالد، والولد، فنبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، فالوالد يجزي عن ولده لكمال شفقته عليه، والولد يجزي عن والده لما له عليه من حق التربية وغيرها، فإذا كان يوم القيامة، فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، ولا يهتم بقريب، ولا بعيد، كما قال ابن عباس﵄-: كل امرئ تهمه نفسه.\nوقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: قوله: ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ وارد على طريق من التوكيد، لم يرد عليه ما هو معطوف عليه؛ قلت: الأمر كذلك؛ لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: ﴿هُوَ﴾ وقوله: ﴿مَوْلُودٌ﴾. والسبب في مجيئه على هذا السنن: أن الخطاب للمؤمنين، وعليتهم قبض آباؤهم على الكفر، وعلى الدين الجاهلي، فأريد حسم أطماعهم، وأطماع الناس فيهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من الله شيئا، فلذلك جيء به على الطريق الآكد. ومعنى التوكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه؛ لم تقبل شفاعته؛ فضلا عن أن يشفع لمن فوقه من أجداده؛ لأن الولد يقع على الولد، وولد الولد، بخلاف المولود، فإنه لمن ولد منك. انتهى.\nوقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسّه النار إلاّ تحلّة القسم». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ومالك عن أبي هريرة، ﵁. وفي رواية: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسّه النّار إلا تحلّة القسم». هذا؛ والقسم هو مضمون، وفحوى قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧١]: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾. وقال ﷺ: «من ابتلي من هذه البنات بشيء، فأحسن إليهنّ؛ كنّ له سترا من النّار». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي عن عائشة ﵂؛ قيل له: المعنى بهذه الآية: أنه لا يحمل والد ذنب ولده، ولا مولود ذنب والده، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر. والمعنى بالأخبار-أي: بالأحاديث-: أن ثواب الصبر على الموت، والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار، ويكون الولد سابقا له إلى","vol":"7","page":371},{"text":"الجنة. انتهى. بتصرف كبير. أقول: والأحاديث التي ترغب الآباء، والأمهات في تربية الأولاد، والصبر على موتهم كثيرة مسطورة في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وغيره.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل:\nإن الاسم الواقع بعد «أي»، وبعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا-كما هنا-فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع-أعني: «أي» -منصوب محلا، فكذا التابع، أعني:\nالناس، وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الاتباع اللفظية... إلخ، وانظر الآية رقم [١] من سورة الأحزاب. ففيها بحث جيد.\n ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محلّ جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها كالجملة الندائية قبلها؛ لأنهما ابتدائيتان.\n ﴿وَاخْشَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (اخشوا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يَوْمًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿والِدٌ:﴾ فاعله. ﴿عَنْ وَلَدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة:\n ﴿يَوْمًا،﴾ ورابط الصفة محذوف، التقدير: يوما لا يجزي فيه والد عن ولده. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية، أو هي صلة لتأكيد النفي. ﴿مَوْلُودٌ:﴾ يجوز وجهان: أحدهما أنه معطوف على ﴿والِدٌ،﴾ وثانيهما: أنه مبتدأ جاز الابتداء به؛ لأنه في سياق النفي. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿جازٍ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة:\n ﴿مَوْلُودٌ،﴾ أو هي في محل رفع خبره، وعليه؛ فالجملة الاسمية: ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، وهي في محل نصب صفة مثلها. ﴿عَنْ والِدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جازٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به ل: ﴿جازٍ﴾.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للنفي،","vol":"7","page":372},{"text":"لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك، -أي ما ذكر-حاصلا، وواقعا. ﴿فَلا..﴾. إلخ. (لا): ناهية جازمة.\n ﴿تَغُرَّنَّكُمُ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون حرف لا محل له، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به.\n ﴿الْحَياةُ:﴾ فاعله. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والجملة: ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها أيضا، ولا خفاء فيه. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3503\"></span>﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾\nالشرح: روي: أن رجلا من قبيلة محارب، اسمه: الحارث بن عمرو، بن حارثة، بن حفصة من أهل البادية أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن الساعة متى قيامها؟ وإني قد ألفيت حياتي في الأرض، وقد أبطأت عنا السماء؛ فمتى تمطر؟ وأخبرني عن امرأتي؛ فقد اشتملت ما في بطنها، أذكر، أم أنثى؟ وإني علمت ما عملت أمس، فما أعمل غدا؟ وهذا مولدي قد عرفته فأين أموت؟ فنزلت الآية الكريمة.\nوعن عبد الله بن عمر﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلاّ الله تعالى، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلاّ الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلاّ الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت، ولا يدري أحد متى يأتي المطر». وفي رواية أخرى: «لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلاّ الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلاّ الله، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى السّاعة إلاّ الله». أخرجه البخاري.\nوعن ابن عباس﵄-: «من ادّعى علم هذه الخمسة فقد كذب، إياكم والكهانة، فإن الكهانة تدعو إلى الشرك، والشرك وأهله في النار». وروي: أن المنصور العباسي أهمه معرفة مدة عمره، فرأى في منامه كأن خيالا أخرج يده من البحر، وأشار إليه بالأصابع الخمس، وكان سأله عن مدة عمره، فاستفتى العلماء في ذلك. فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر، وبخمسة أيام، حتى قال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: تأويلها أن مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.","vol":"7","page":373},{"text":"﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي: علم وقت قيامها، وانظر شرح ﴿السّاعَةِ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم). ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: المطر في وقته المقدر له، والمكان المعيّن له، لا يتجاوزه، من غير تقديم، ولا تأخير. وسمي المطر: غيثا؛ لأنه يغيث الناس، فيزيل همهم، ويفرج كربهم، ويطلق مجازا على الجواد الكريم، قال ذو الرمة في مدح بلال بن أبي بردة الأشعري: [الوافر] سمعت الناس ينتجعون غيثا... فقلت لصيدح انتجعي بلالا\nفقد جعله أجود من الغيث، وأنفع. وصيدح: اسم ناقته. وللزمخشري قوله: [البسيط] لا تحسبوا أنّ في سرباله رجلا... ففيه غيث وليث مسبل مشبل\n ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ:﴾ أذكر، أم أنثى، تام أم ناقص، أسود، أو أبيض، صبيح أم قبيح.\nوفي سورة (الرعد) رقم [٩]: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ والأرحام جمع:\nرحم، وهو مستودع الجنين في بطن الأنثى الحبلى من الإنسان، والحيوان. هذا؛ والرحم:\nالقرابة من جهة الأب، أو الأم، قال تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾.\n ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا:﴾ من خير، أو شر، وربما تعزم على شيء، وتفعل خلافه. ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ:﴾ ليس أحد يعلم أين مدفنه من الأرض في بر، أو بحر في سهل، أو جبل، وكل إنسان يساق إلى الأرض التي قدر الله فيها موته، كما يساق إلى الأرض التي قدر الله فيها دفنه، وربما أقام الإنسان بأرض، وحدثته نفسه بالإقامة الدائمة فيها، وضربت، أوتادها، وقالت: لا أبرحها، وأقبر فيها، فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها، ولا حدثتها به ظنونها.\nروي: أن ملك الموت -﵇مر على سليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، ويديم النظر إليه، فقال الرجل: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني، وسأل سليمان أن يحمله على الريح، ويلقيه ببلاد الهند، ففعل، ثم قال ملك الموت لسليمان كان دوام نظري إليه تعجبا منه؛ لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند، وهو عندك! ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ:﴾ يعلم الأشياء كلها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ يعلم بواطنها، كما يعلم ظواهرها. ﴿غَدًا:﴾ المراد به: اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في قوله: [الطويل] وما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها... بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع\nتنبيه: أقول: إن ما اخترع من أشياء، وما اكتشف من أمور، وما يتحدثون عنه من مغيبات، مثل نزول المطر، وغير ذلك، إنما هو قائم على التجربة، والحدس، والتخمين، كثيرا ما يخطئ، وقد يصيب، فيبقى من مكنون علم غيب الله تعالى.","vol":"7","page":374},{"text":"تنبيه: جعل العلم لله، والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل، والحيلة، فيكون المعنى أن النفس لا تعرف أين تموت، وماذا تكسب غدا، وإن أعملت حيلها في معرفة ما يلصق بها، ويختص بها، ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه، وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما؛ كان من معرفة ما عداهما أبعد.\nتنبيه: قرأ أبي بن كعب﵁-: (بأيّة أرض تموت) وقرأ الباقون: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ قال الفراء: اكتفى بتأنيث الأرض من تأنيث: (أي). وقيل: أراد بالأرض المكان فذكر، قال عامر بن جوين الطائي: [المتقارب] فلا مزنة ودقت ودقها... ولا أرض أبقل إبقالها\nوقال الأخفش: يجوز مررت بجارية أيّ جارية، وأية جارية. وشبه سيبويه تأنيث (أي) بتأنيث كل في قولهم: كلّتهنّ. انتهى. قرطبي: أقول: وإنما جاء ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ لأن أرضا مؤنث مجازي، والمؤنث المجازي يجوز تذكيره، وتأنيثه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السّاعَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيُنَزِّلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ينزل):\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿الْغَيْثَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَيَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (يعلم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ أيضا. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْأَرْحامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. وهو معلق عن العمل لفظا. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ما الذي تكسبه غدا.\nهذا؛ وإن اعتبرت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا فلك وجهان: أحدهما: اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف. والثاني: اعتباره مبنيا على السكون في محل نصب مفعول به مقدما، والجملة: ﴿ماذا تَكْسِبُ﴾ على جميع الاعتبارات في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل ﴿تَدْرِي،﴾ وهذه الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿غَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.\n ﴿بِأَيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَمُوتُ﴾ بعدهما، و(أي) اسم استفهام علق الفعل:","vol":"7","page":375},{"text":"﴿تَدْرِي﴾ عن العمل لفظا، و(أي) مضافا، و﴿أَرْضٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَمُوتُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٌ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي ﴿تَدْرِي﴾ المعلق عن العمل لفظا، وجملة: ﴿وَما تَدْرِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\nانتهت سورة (لقمان) بحمد الله، وتوفيقه والحمد لله رب العالمين","vol":"7","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3277>سورة السّجدة</span>\nسورة (السجدة)، وهي مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة؛ وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا..﴾. إلخ. قاله الكلبي، ومقاتل. وقال غيرهما: إلا خمس آيات من قوله تعالى:\n ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾. وهي ثلاثون آية، وثلاثمائة وثمانون كلمة، وألف وخمسمائة وثمانية عشر حرفا. وفي الصحيح عن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾.\nأعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم\nالشرح: أعوذ: أتحصن، وأعتصم، وأستجير، وألتجئ. وعاذ فلان بفلان: لجأ إليه، واعتصم به. قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ،﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ،﴾ وفي الحديث الشريف: «عذت بمعاذ» ومن أمثال العرب: «ذليل عاذ بقرملة» والقرملة: شجرة معروفة. ومعنى هذا المثل: أن الذليل قد لجأ إلى غير ملجأ، واعتصم بما لا يعصم، فهو ضد الحديث الذي ذكرته. وأصله: أعوذ على وزن: أنصر، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح، أولى بالحركة من حرف العلة. فنقلت حركة الواو إلى العين بعد سلب سكونها، فصار: أعوذ.\n (الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال.\nالشيطان: اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم! قال تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (الأنعام)، وما أجدرك أن تنظر شرحها هناك.\nقال الرسول ﷺ لأبي ذر الغفاري﵁-: «يا أبا ذرّ! تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم». ولا تنس: أن لكل واحد من الإنس شيطانا بدليل قول النبي ﷺ لعائشة﵂-: «أجاءك شيطانك؟». قالت: أولي شيطان؟ قال:\n «ما من أحد، إلاّ وله شيطان». قالت: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا؛ إلاّ أنّني أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». بفتح الميم من الإسلام، وبضمها من السلامة.","vol":"7","page":377},{"text":"هذا؛ والشيطان مأخوذ من: شطن إذا بعد. وقيل: مأخوذ من: شاط: إذا احترق، فعلى الأول هو مصروف؛ لأن النون أصلية، وعلى الثاني هو غير مصروف لزيادة الألف والنون، وشطن من باب: قعد، وشاط من باب ضرب. (الرجيم): فعيل بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم باللعن، وطرد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى. وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل، أي: يرجم غيره بالإغواء، والوسوسة.\nبعد هذا لا يخفى عليك المعنى لهذه الجملة، وقد يعبر عن الجملة بكاملها بكلمة الاستعاذة على طريقة النحت، والنحت في الكلام: تركيب كلمة من كلمتين فأكثر، نحو البسملة، والحوقلة من: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم». والاسترجاع من: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون».\nوالفذلكة من قولك: «فذلك كذا وكذا». وهلمّ جرّا.\nقال الخازن: ومن لطائف الاستعاذة أن قوله: ﴿(أَعُوذُ بِاللهِ...)﴾ إلخ إقرار من العبد بالعجز، والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الباري ﷿، وأنه الغني القادر على دفع جميع المضرات، والآفات، واعتراف من العبد أيضا بأن الشيطان عدو مبين، ففي الاستعاذة لجوء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغوي الفاجر، وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى. والله أعلم. انتهى.\nالإعراب: (أعوذ): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا». (بالله): جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وإن علقتهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ فلا بأس، ويكون التقدير: أعوذ مستجيرا بالله. (من الشيطان): متعلقان بالفعل قبلهما. (الرجيم): صفة الشيطان مجرور مثله، ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف، ونصبه على أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أذم، وهذان الوجهان على القطع عن الإتباع، وجملة: (أعوذ...) إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nالشرح: (اسم): اختلفوا في اشتقاقه، فقال البصريون: أصله: سمو، من السّموّ، وهو العلو والارتفاع، فاسم الشيء: ما علاه حتى ظهر به، وعلا عليه، فكأنه علا على معناه، وصار علما له، فحذفت لامه، وعوض عنها همزة الوصل في أوله. وقال الكوفيون: أصله: وسم من السّمة، وهي العلامة، فكأنه علامة لمسماه، حذفت فاؤه، وعوض عنها همزة الوصل. وحجة البصريين:\nأنه لو كان اشتقاقه من السّمة؛ لكان تصغيره وسيم، وجمعه، أوسام؛ لأن التصغير، والتكسير يردان الأشياء إلى أصولها، وقد أجمعوا على أن تصغيره سميّ، وجمعه: أسماء، وأسام.","vol":"7","page":378},{"text":"وقد حذفت الألف من: ﴿بِسْمِ اللهِ..﴾. للخفة، ولكثرة الاستعمال، وأثبتت في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ لقلة الاستعمال. هذا؛ واسم: أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدءين، زادوا همزة الوصل في أولها، تفاديا للابتداء بالساكن، علما بأن هذه الهمزة تسقط في وصل الكلام وإن كتبت، وهذه الأسماء هي: ابن، وابنة، وابنم، وامرئ، وامرأة، واسم، واست، واثنين، واثنتين، وايمن.\n ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ اسمان. وقيل: صفتان مأخوذتان من الرحمة، وهما في حقه ﷾ بمعنى المحسن، أو مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى المحسن بجلائل النعم، والثاني بمعنى المحسن بدقائق النعم، وإنما جمع بينهما في البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه تعالى النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم العظيمة، وقد يوصف بالرحيم المخلوقون، وأما الرحمن فلا يوصف به إلا الله تعالى ومن وصف به مسيلمة الكذاب فقد تعنّت حيث قال فيه: [البسيط] وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا\nبعد هذا ينبغي أن تعلم: أن البسملة آية من سورة الفاتحة، وآية من كل سورة ما عدا براءة عند الشافعي-رحمه الله تعالى-ولا تعد آية في كل ذلك عند مالك، وأبي حنيفة-رحمهما الله تعالى-وإنما هي للفصل بين كل سورتين، وأحمد-رحمه الله تعالى-يعدها آية من أول سورة الفاتحة، ولا يعدها آية في غيرها. ومبحث ذلك مبسوط في كتاب الفقه.\nوأخيرا ينبغي أن تعلم: أن النبي ﷺ ندبنا إلى افتتاح جميع أمورنا بالبسملة تيمنا، وتبركا، فقد روى الخطيب في كتاب الجامع عنه ﷺ: أنه قال: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرّحمن الرحيم، فهو أبتر». وفي رواية: فهو أقطع، والمعنى: قليل البركة، أو معدومها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿بِسْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقرأ، أو أتلو؛ إذا أراد الشخص القراءة، وقس على ذلك جميع الأعمال التي يقوم بها المسلم، ويسمي الله عليها، فمثلا الآكل، والشارب، والقائم، والقاعد، تقدير المحذوف عنده: آكل، أو أشرب... إلخ، وتقدير المحذوف «فعلا» مذهب الكوفيين، وهم: يقدرونه مؤخرا ليفيد معنى الاختصاص، وأما البصريون فإنهم يقدرون المحذوف «اسما» والتقدير عندهم: ابتدائي كائن بسم. وقال المرحوم سليمان الجمل: والأحسن أن يقدر متعلق الجار هنا: قولوا؛ لأن المقام مقام تعليم، وهذا الكلام صادر عن حضرة الرب تعالى. انتهى. و(اسم) مضاف، و﴿اللهَ﴾ مضاف إليه.\n ﴿الرَّحْمنِ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. ﴿الرَّحِيمِ:﴾ بدل ثان من لفظ الجلالة، وهذا على اعتبارهما اسمين من أسماء الله الحسنى، وهو المعتمد. وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة. هذا؛ ويجوز","vol":"7","page":379},{"text":"في العربية رفعهما على أنهما خبران لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرحمن الرحيم، كما يجوز نصبهما على أنهما مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح، ونحوه. وهذان الوجهان على القطع، أعني به قطع النعت عن المنعوت، وجملة: البسملة على الوجهين ابتدائية لا محل لها.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3504\"></span><span id=\"aya-3505\"></span>﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)﴾\n ﴿الم:﴾ انظر شرحها، وإعرابها في، أول سورة (الروم).\n ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ أي: القرآن الكريم الموجود بين أيدينا، المتلو بألسنتنا، المحفوظ في صدورنا، المنزل على قلب نبينا ﷺ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه. ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: إنه منزل من رب العالمين الذي أنشأهم من العدم، وأحسن خلقهم، وصوّرهم، فأحسن تصويرهم، وربّاهم، فأحسن تربيتهم، وغذّاهم، فأحسن تغذيتهم... إلخ.\nتنبيه: يرد هنا سؤال، وهو: إن الله تعالى قد نفى الريب والشك عن كتابه الذي أنزله على نبيه ﷺ على سبيل الاستغراق، وقد ارتاب فيه كثيرون في الماضي، وفي الحاضر.\nوالجواب: أن المنفي كونه متعلّقا للريب، ومظنة له؛ لأنه من وضوح الدلالة، وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه، لا أن أحدا لا يرتاب، ومن ارتاب فيه، أو في بعضه فالريب حصل له من فهمه السقيم، وعقله العقيم، وخذ قول المتنبي: [الوافر] وكم من عائب قولا صحيحا... وآفته من الفهم السّقيم\nولكن تأخذ الآذان منه... على قدر القريحة والفهوم\nورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط] قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد... وينكر الفم طعم الماء من سقم\nورحم الله أحمد شوقي إذ يقول: [الوافر] وما ضرّ الورود وما عليها... إذا المزكوم لم يطعم شذاها\nوما أحسن قول بعضهم: [البسيط] عاب الكلام أناس لا خلاق لهم... وما عليه إذا عابوه من ضرر\nما ضرّ شمس الضحى في الأفق طالعة... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر\nوخذ قول أبي الطيب المتنبي أيضا: [الوافر] ومن يك ذا فم مرّ مريض... يجد مرّا به الماء الزّلالا","vol":"7","page":380},{"text":"هذا؛ وتقول: رابني هذا الأمر، وأوقعني في ريبة، أي في شك. وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها. قال الرسول ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذي والنسائي عن الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ وريحانته، -﵄-.\nالإعراب: ﴿تَنْزِيلُ:﴾ فيه، أوجه خمسة: أحدها: أنه خبر عن ﴿الم﴾ لأن ﴿الم﴾ يراد به السورة، وبعض القرآن، و﴿تَنْزِيلُ﴾ بمعنى منزّل، والجملة من قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ حال من الكتاب، والعامل فيها ﴿تَنْزِيلُ؛﴾ لأنه مصدر، و﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ متعلق به أيضا، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في ﴿فِيهِ﴾ لوقوعه خبرا، والعامل فيه الظرف، أو الاستقرار.\nالثاني: أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾ مبتدأ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبره، و﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حالا من الضمير ﴿فِيهِ،﴾ ولا يجوز حينئذ أن يتعلق ب: ﴿تَنْزِيلُ؛﴾ لأن المصدر قد أخبر عنه، فلا يعمل، ومن يتسع في الجار، لا يبالي بذلك.\nالثالث: أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾ مبتدأ أيضا، و﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ خبره، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾\nحالا، أو معترضا.\nالرابع: أن يكون ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ و﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ خبرين ل: ﴿تَنْزِيلُ﴾.\nالخامس: أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ مضمر، التقدير: هذا تنزيل، أو: المتلوّ تنزيل، أو:\nهذه الحروف تنزيل، ودلت ﴿الم﴾ على ذكر الحروف، وكذلك: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ،﴾ وكذلك ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فتكون كل جملة مستقلة برأسها، ويجوز أن تكونا حالين من تنزيل، وأن تكون:\n ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هي الحال، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ معترض. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني، وهو ملخص ما في العكبري، والكشاف، والبيضاوي، وما قاله مكي والنسفي... إلخ.\nو﴿تَنْزِيلُ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف.\n ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية رأيت ما فيها من أوجه. ﴿مِنْ رَبِّ:﴾ انظر ما يجوز في تعليقهما من أوجه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n\n<span id=\"aya-3506\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ:﴾ هذه «أم» المنقطعة، التي تقدر ب: «بل» و«ألف الاستفهام»؛ إذ التقدير: بل أيقولون افتراه، وهي تدل على الخروج من حديث إلى حديث، فإن الله ﷿","vol":"7","page":381},{"text":"أثبت: أنه تنزيل من رب العالمين، وأن ذلك مما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله:\n ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أي: افتعله واختلقه محمد ﷺ. ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ:﴾\nهذا تقرير له، وتثبيت أنه منزل من عند الله. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا:﴾ هم قريش قاله قتادة، كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد ﷺ.\nوقال الخازن: المراد ب: ﴿قَوْمًا﴾ العرب؛ لأنهم كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد ﷺ.\nوقال ابن عباس﵄-: ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى، ومحمد ﷺ. وأعتمد الأول؛ لأن دعوة قريش دعوة العرب عامة لما لها من زعامة على العرب قاطبة، وجميع العرب ينظرون إليها نظرة إجلال، وتقدير، واحترام لشرف نسبها، وحرمة البيت الموجود في بلدها، ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في الآية، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (يس) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوالنذير: هو المبشر على عمل الخير خيرا، والمخوف من عمل الشر، وموعد عليه شرا.\n ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى طريق الحق، والصواب، فيصدقونك ويؤمنون بالقرآن المنزل عليك. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، أو الترجي معتبر من جهته ﷺ، أي: لتنذرهم راجيا لاهتدائهم.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» الإضرابية الإبطالية. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة، لا محل لها. ﴿اِفْتَراهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الرسول ﷺ، وإن لم يتقدم له ذكر، وهو مفهوم يدل عليه المقام، وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (لقمان)، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وإضراب انتقالي. وقيل: إبطالي أيضا. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: أنت، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال ثانية من ﴿الْحَقُّ،﴾ أو هما متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أنزله للإنذار، وعلى الأول لا يوقف على ﴿رَبِّكَ﴾ وعلى الثاني يوقف، وتكون الجملة الفعلية المقدرة","vol":"7","page":382},{"text":"مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: لتنذر به قوما. وقدره السمين: لتنذر قوما العقاب. ﴿قَوْمًا:﴾ نافية. ﴿أَتاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَذِيرٍ:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿قَوْمًا﴾. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وأجيز تعليقهما بالفعل ﴿أَتاهُمْ﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿قَوْمًا﴾ موصولة صفة للمفعول الثاني المحذوف، التقدير: لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك، وعليه ف: ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَتاهُمْ﴾ أي: أتاهم على لسان نذير من قبلك وبواسطته، وكذلك قوله تعالى في سورة (يس) رقم [٦]: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ ف ﴿قَوْمًا﴾ مفعول في الموضعين، و﴿أَنْذِرْ﴾ متعد إلى اثنين، قال تعالى: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿يَهْتَدُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية تعليل للإنذار، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، التقدير: لتنذرهم راجيا اهتداءهم.\n\n<span id=\"aya-3507\"></span>﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٥] من سورة (لقمان). ﴿وَما بَيْنَهُما:﴾ لم يقل بينهن؛ لأنه أراد بين الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين كقول القطامي: [الوافر] ألم يحزنك أنّ حبال قيس... وتغلب قد تباينتا انقطاعا\nأراد: وحبال تغلب، فثنّى، والحبال جمع، فثناهما؛ لأنه أراد الشيئين، أو النوعين. أو لأنه ثناهما على تأويلهما بالجماعة، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، قال الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nفقد ثنى: جمال، الذي هو جمع: جمل. والعقال صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللبد: المال الكثير. وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصدقات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموال الناس بغير حق حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا، أو: كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم،","vol":"7","page":383},{"text":"فقال: والله لو صار عاملا سنتين؛ لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان، فيختل أمر الغزوات.\n ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ:﴾ في ستة أوقات، أو في مقدار ستة أيام، فإن اليوم المتعارف زمان طلوع الشمس إلى غروبها لم يكن حينئذ، وفي خلق الأشياء مدرّجا مع القدرة على خلقها دفعة، دليل للاختيار، واعتبار للنظار، وحث على التأني في الأمور. هذا؛ وما ذكر من أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة عصرا، فخلق الأرض في يومين: الأحد، والاثنين، وما بينهما في يومين: الثلاثاء، والأربعاء، والسموات في يومين: الخميس، والجمعة، كل ذلك لم يثبت وإن أسنده القرطبي في سورة (غافر) إلى عبد الله بن سلام، ﵁. قاتل الله اليهود، فإنهم يقولون: استراح ربنا يوم السبت، فلذا اختاروه للراحة، والعبادة.\n ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: استولى، ولا يجوز تفسيره باستقر، وثبت، فيكون الله من صفات الحوادث، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا لا يليق به تعالى، والمنقول عن جعفر الصادق، والحسن، وأبي حنيفة، ومالك﵃ أجمعين-: أن الاستواء معلوم، والتكييف فيه مجهول، والإيمان به واجب، والجحود له كفر، والسؤال عنه بدعة. وهو مثل قول الإمام علي كرم الله وجهه: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ لأنّ الله تعالى كان، ولا مكان، فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغيّر عمّا كان». وهذا مذهب الخلف، والسلف يقولون: استوى استواء يليق به.\n ﴿الْعَرْشِ:﴾ قال الراغب في كتابه: «مفردات القرآن»: وعرش الله ﷿ مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، لا بالحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك؛ لكان حاملا له، تعالى الله عن ذلك. انتهى. وقد قال سليمان الجمل: وأما المراد به هنا: فهو الجسم النوراني، المرتفع على كل الأجسام المحيط بكلها. وانظر ما ذكرته في آية الكرسي رقم [٢٥٥] من سورة (البقرة): والصحيح: أن العرش غير الكرسي.\n ﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ:﴾ ما لكم إذا جاوزتم رضا الله أحد ينصركم، ويشفع لكم. أو: ما لكم سواه ولي، ولا شفيع؛ بل هو الذي يتولى مصالحكم، وينصركم في مواطن نصركم، على أن الشفيع متجوز به للناصر، فإذا خذلكم لم يبق لكم ولي، ولا ناصر، انتهى.\nبيضاوي.\n ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ:﴾ تتعظون بمواعظ الله، وتتفكرون في صنعه، وقدرته، وما ذرأ، أو برأ في هذا الكون المترامي الأطراف.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى:","vol":"7","page":384},{"text":"﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾\nمعطوف على ﴿السَّماواتِ﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) الموصولة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فِي سِتَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿خَلَقَ،﴾ و﴿سِتَّةِ﴾ مضاف، و﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَى الْعَرْشِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. هذا؛ ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من ﴿وَلِيٍّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ ويجيز بعضهم اعتبار (ما) نافية حجازية تقدم خبرها-وهو متعلق الجار والمجرور-على الاسم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿شَفِيعٍ:﴾ معطوف على لفظ ﴿وَلِيٍّ﴾. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف يقتضيه المقام. (لا): نافية. ﴿تَتَذَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معترضة في آخر الكلام.\n\n<span id=\"aya-3508\"></span>﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: يدبر الله أمر الدنيا بأسباب سماوية كالملائكة وغيرها، نازلة آثارها إلى الأرض. روى عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: يدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، صلوات الله عليهم أجمعين. فأما جبريل؛ فموكل بالريح، والجنود. وأما ميكائيل؛ فموكل بالقطر، والماء. وأما ملك الموت؛ فموكل بقبض الأرواح. وأما إسرافيل؛ فهو ينزل بالأمر عليهم. ومعنى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضيه، ويقدره وحده، لا يشركه في تدبير خلقه أحد. وقيل: معناه: أنه ﷾","vol":"7","page":385},{"text":"يدبر أحوال الخلق، وأحوال السموات والأرض، فلا يحدث حدث في العالم العلوي، ولا في العالم السفلي إلا بإرادته، وتدبيره، وقضائه، وحكمته، وقد قيل: إن العرش موضع التدبير، كما أن ما دون العرش موضع التفصيل، قال الله تعالى في سورة (الرعد) الآية رقم [٢]: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ وما دون السموات موضع التصريف، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ وما ذكر من التدبير، والتفصيل، والتصريف إنما هو في مدة الدنيا، وهي سبعة آلاف سنة كما ورد من عدة طرق، والنبي ﷺ بعث في الألف السادس، ودلت الآثار على: أن مدة أمته ﷺ، تزيد على ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة. انتهى. جمل نقلا من كتاب للسيوطي، سماه: الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف.\nأقول: ومدة الدنيا على ما ذكر إنما هي بالنسبة لخلق آدم ﵊، وأما بالنسبة لخلق الدنيا قبل آدم فلا يعلم ذلك إلا الله، وتذكر الاكتشافات الحديثة عن موجودات حية من آلاف السنين؛ بل من ملايين السنين، وقد ذكرت لك في سورة (الحجر) أنه ذكر قبل خلق آدم، أوادم.\nوذكرت لك في سورة (الرعد) رقم [٢] معنى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ:﴾ يقضيه ويقدره وحده، لا يشركه في تدبير خلقه أحد. أو المعنى أنه ﷾ يدبر أحوال الخلق، وأحوال ملكوت السموات والأرض، فلا يحدث حدث في العالم العلوي، ولا في العالم السفلي إلا بإرادته، وتدبيره، وقضائه، وحكمته.\n ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ:﴾ اختلف في فاعل يعرج: قال يحيى بن سلام: هو جبريل يصعد إلى السماء بعد نزوله بالوحي. وقال النقاش: هو الملك الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. وقيل:\nإنها أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع حملتها من الملائكة؛ قاله ابن شجرة. وعلى هذه الأقوال فالضمير يعود إلى الملك، ولم يجر له ذكر؛ لأنه مفهوم من المعنى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦] من سورة (لقمان) كما اختلف في الضمير بقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ فقيل: يعود إلى السماء على لغة من يذكّرها، أو على مكان الملك الذي يرجع إليه، أو على اسم الله تعالى، والمراد: إلى الموضع الذي أقره فيه، وإذا رجع إلى الله؛ فقد رجع إلى السماء؛ أي: إلى سدرة المنتهى، فإنه إليها يرتفع ما يصعد به من الأرض، ومنها ينزل ما يهبط به إليها؛ ثبت معنى ذلك في صحيح مسلم. انتهى. قرطبي.\n ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أي: مما تحسبون من أيام الدنيا، وهذا اليوم عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة من سني العالم، وليس بيوم يستوعب نهارا بين ليلتين؛ لأن ذلك ليس عند الله، والعرب تعبر عن مدة العمر باليوم.","vol":"7","page":386},{"text":"هذا؛ وقال تعالى هنا: ﴿كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ مشكل مع قوله تعالى في سورة (المعارج): ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. وقد تكلم العلماء في ذلك، فقيل: إن يوم القيامة فيه أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. وقيل: هو أوقات مختلفة، فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ينقل إلى جنس آخر، مدته خمسون ألف سنة، ومن شواهد التعبير باليوم عن المدة قول الشاعر: [البسيط] يومان يوم مقامات وأندية... ويوم سير إلى الأعداء تأويب\nوقيل: مواقف القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة، فمعنى ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي: مقدار وقت، أو موقف من مواقف يوم القيامة. انتهى. قرطبي.\nوقال الخازن: أراد بقوله: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ مدة المسافة بين الأرض، وسدرة المنتهى التي هي مقام جبريل ﵇، يقول: يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. وقيل: كلها في القيامة، فيكون على بعضهم مثل ألف سنة، وعلى بعضهم خمسين ألف سنة، وهذا في حال الكفار، وأما على المؤمنين فدون ذلك، كما جاء في الحديث «إنّه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاّها في الدنيا». قال إبراهيم التميمي: لا يكون على المؤمنين إلا كما يكون ما بين الظهر، والعصر. وقيل: يحتمل أن يكون هذا إخبارا عن شدته، وهوله، ومشقته. انتهى. وانظر سورة المعارج رقم [٤] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿يُدَبِّرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو». انظر مرجعه في الشرح. ﴿الْأَمْرَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الأمر؛ أي: نازلا من السماء. ﴿إِلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: «نازلا» أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿اِسْتَوى﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾\nحرف عطف. ﴿يَعْرُجُ:﴾ فعل مضارع، وانظر مرجع الضمير في الشرح. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي يَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَعْرُجُ﴾ المستتر، وجملة: ﴿يَعْرُجُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿مِقْدارُهُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ والضمير في محل جر بالإضافة. ﴿أَلْفَ:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾ وهو مضاف، و﴿سَنَةٍ:﴾ مضاف إليه. وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل جر صفة ﴿يَوْمٍ﴾. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿أَلْفَ،﴾ أو بمحذوف صفة ﴿سَنَةٍ،﴾ و(ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، وجملة: ﴿تَعُدُّونَ﴾ ويقرأ بالياء صلة: (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو: من شيء تعدونه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"7","page":387},{"text":"<span id=\"aya-3509\"></span>﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: يعلم سبحانه ما غاب عن أبصار عباده، وما يشاهدونه بحواسهم، فلا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم. فنبه سبحانه على انفراده بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه فيه أحد من خلقه. هذا؛ وقال القرطبي: ﴿ذلِكَ﴾ بمعنى: أنا، وفي الكلام معنى التهديد، والوعيد؛ أي: أخلصوا أفعالكم، وأقوالكم فإني أجازي عليها. انتهى. وقال الخازن: يعني الذي صنع ما ذكر من خلق السموات والأرض هو عالم الغيب والشهادة. انتهى.\nهذا؛ وأرى: أن الإشارة إلى ما تقدم بيانه، وأن هناك مضافا محذوفا، التقدير: ذلك فعل عالم الغيب، والشهادة. فلما حذف المضاف، أقيم المضاف إليه مقامه. هذا؛ وانظر شرح:\n ﴿الْغَيْبِ﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (سبأ).\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عالِمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْغَيْبِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على: ﴿الْغَيْبِ﴾ على لفظه. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر ثان للمبتدإ. ﴿الرَّحِيمُ:﴾ خبر ثالث له، وقد رأيت في البسملة أنه يجوز في العربية قطعهما على إضمار مبتدأ، أو على إضمار فعل، تقديره: أعني. هذا؛ وقرئ شاذا بجر الأسماء الثلاثة على البدلية من الضمير المجرور محلا ب: ﴿إِلَيْهِ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-3510\"></span>﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ:﴾ خلقه موفرا عليه ما يلزم له، ويليق به على وفق الحكمة، والمصلحة، وقال عبد الله بن عباس﵄-: أتقنه، وأحكمه. وقيل:\nالمعنى: علم كيف يخلق كل شيء. وقيل: خلق كل حيوان على صورة، فلم يخلق البعض على صورة البعض، فكل حيوان كامل في صورته، حسن في شكله، وكل عضو مقدر على ما يصلح به معاشه. وقيل: المعنى ألهم خلقه ما يحتاجون إليه، وعلمهم إياه. وقيل: معناه: أحسن إلى كل خلقه. انتهى. خازن.\n ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ:﴾ يعني: آدم. ﴿مِنْ طِينٍ﴾ أي: من تراب الأرض، وفي سورة (الحجر) رقم [٢٦]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ انظر شرح هذه الآية هناك، فإنه جيد، ومعنى: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ أي: إن الأصل آدم، وهو من طين. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أي:","vol":"7","page":388},{"text":"من طين خالص، فأما ولده؛ فهو من طين ومني. وخلق الإنسان من تراب يكثر ذكره في القرآن الكريم، وشرحته في محاله، فلا حاجة إلى ذكره هنا.\nالإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر رابع للمبتدإ:\n ﴿ذلِكَ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: «هو» الذي. أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أمدح، ونحوه. ﴿أَحْسَنَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ تقديره: «هو» وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿خَلَقَهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿كُلَّ،﴾ أو في محل جر صفة:\n ﴿شَيْءٍ،﴾ وهذا على قراءة الفعل بفتح اللام، وأما على قراءته بسكون اللام؛ فهو بدل من كل، أو هو مفعول أول، والمفعول الثاني ﴿كُلَّ﴾ تقدم عليه، وهذا على تضمين ﴿أَحْسَنَ﴾ معنى:\nعرّف، وألهم، أو هو مفعول ثان، و﴿كُلَّ﴾ مفعول أول على تضمين الفعل معنى: أعطى، والبدلية بدل اشتمال على اعتبار الضمير عائدا على ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ وهذا هو المشهور المتداول، أو هو بدل كل من ﴿كُلَّ﴾ على اعتبار الضمير عائدا على (الله) تعالى، وأجاز مكي اعتباره مصدرا مثل: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ و﴿كِتابَ اللهِ﴾ وليس بشيء يعتد به. ﴿وَبَدَأَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (بدأ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الذي أيضا. ﴿خَلْقَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْإِنْسانِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: وبدأ خلقه الإنسان. ﴿مِنْ طِينٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿خَلْقَ الْإِنْسانِ﴾ أو بالمصدر، والمعنى: عليه أقوى. تأمل. والجملة الاسمية: هو الذي، أو الفعلية:\nأمدح الذي: مستأنفة على الاعتبارين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3511\"></span>﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ:﴾ ذرية آدم، سميت بذلك؛ لأنها تنسل منه، أي: تنفصل من سلالة.\n ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ:﴾ ممتهن مبتذل. هذا؛ والسلالة: الخلاصة؛ لأنها تسل من بين الكدر. وقيل: إنما سمي التراب الذي خلق منه آدم: سلالة؛ لأنه سل من كل تربة. وقيل: السلالة المراد بها: ابن آدم.\nقاله ابن عباس، وغيره. وعلى هذا؛ فالسلالة: صفوة الماء، يعني: المني، فالنطفة سلالة، والولد سليل، وسلالة، عنى به الماء يسل من الظهر سلا، قال حسان بن ثابت، ﵁: [الطويل] فجاءت به عضب الأديم غضنفرا... سلالة فرج كان غير حصين\nوقالت هند بنت النعمان بن بشير﵄في مدح نفسها، وذمّ الحجاج الذي تزوجها في قصة مشهورة، وفي كتاب الأدب مسطورة: [الطويل]","vol":"7","page":389},{"text":"وما هند إلاّ مهرة عربيّة... سليلة أفراس تجلّلها بغل\nفإن ولدت مهرا فلله درّها... وإن ولدت نغلا فجاء به البغل\nهذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ،﴾ وخذ قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٢] وما بعدها: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾. وانظر شرح هذه الآيات في محالها، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى:\n ﴿الَّذِي﴾. ﴿نَسْلَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ سُلالَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَسْلَهُ﴾. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿سُلالَةٍ﴾. ﴿مَهِينٍ:﴾ صفة ﴿ماءٍ،﴾ وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3512\"></span>﴿ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ:﴾ قومه، وأحسن خلقه، كما قال تعالى في سورة (الانفطار): ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ،﴾ وقال تعالى في سورة التين: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ:﴾ دل بإضافة الروح إلى ذاته على أنه خلق عجيب، لا يعلم كنهه إلا هو، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية رقم [٨٥] من سورة (الإسراء) كأنه قال: ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به، وبمعرفته، وفي الإضافة إلى ذاته تشريف، وتعظيم، وإن له شأنا، ولهذا من عرف نفسه، فقد عرف ربه.\n ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ:﴾ خلق، وأوجد وأنشأ. ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ:﴾ لتحسوا بها ما نصب الله في هذا الكون من الآيات. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ:﴾ القلوب؛ لتتفكروا فيها في صنع الله، وما ذرأ، وما برأ، وخص الحواس الثلاث بالذكر؛ لأنها يتعلق بها من المنافع الدينية، والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٧٨]: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذا؛ وقد وحّد سبحانه السمع في هذه الآية وأمثالها دون الأبصار، والأفئدة؛ لأمن اللبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء، سماعا،","vol":"7","page":390},{"text":"وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع. وقيل: وحّد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات البصر والقلب مختلفة، والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب.\n ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أي: شكركم قليل على نعم هذه الجوارح؛ التي خلقها الله لكم، وهي أساس منفعتكم في هذه الدنيا. وإنما كان شكركم قليلا؛ لأنكم لم تعرفوا عظم هذه النعم، ووضعتموها في غير مواضعها؛ لأنكم لم تعملوا، وتستخدموا أبصاركم، وأسماعكم في آيات الله، وأفعاله، ولم تستدلوا بقلوبكم على نعم الله وأفضاله. وفيه تنبيه على أن من لم يستعمل هذه الجوارح فيما خلقت له، فهو بمنزلة عادمها، لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (الأحقاف). هذا وحقيقة الشكر:\nصرف كل نعمة لما خلقت له، واستخدامها في طاعة الله ﷿، والفعل: شكر يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرت زيدا، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، فإن الأول مراد به آدم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-والثاني مراد به ذريته في كل زمان، ومكان.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿سَوّاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ تعالى، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿وَنَفَخَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (نفخ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ رُوحِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَنَفَخَ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغني اللبيب في هذه الجملة، وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال: ﴿ما﴾ محتملة لثلاثة، أوجه:\nأحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، و﴿قَلِيلًا﴾ بمعنى النفي، وإما لإفادة التقليل، مثلها في: «أكلت أكلا ما» وعلى هذا يكون تقليلا بعد تقليل.\nالثاني: النفي، و﴿قَلِيلًا﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف؛ أي: شكرا قليلا، أو زمانا قليلا.","vol":"7","page":391},{"text":"الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: ﴿قَلِيلًا،﴾ وقليلا حال معمول لمحذوف، وعليه يكون المعنى، أي: شكروا، فأخروا قليلا شكرهم. أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير.\nولم يذكر إعراب قليلا على الوجه الأول، وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر ﴿قَلِيلًا﴾ نعتا لمصدر محذوف، مثل اعتباره في الوجه الثاني، وذكر أبو البقاء الوجه الثاني، وقال: التقدير: فما يشكرون قليلا، ولا كثيرا، وجملة: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين. وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة).\n\n<span id=\"aya-3513\"></span>﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار مكة. ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: صرنا ترابا، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، ولا نتميز منه، كما يضل الماء في اللبن، والعرب تقول للشيء غلب عليه غيره، حتى خفي فيه أثره: قد ضل، قال الأخطل التغلبي: [الكامل] كنت القذى في موج أكدر مزبد... قذف الأتيّ به فضلّ ضلالا\nأي: هلك، واختفى أثره. وقال قطرب: معنى: ﴿ضَلَلْنا:﴾ غبنا في الأرض. وأنشد قول النابغة الذبياني: [الطويل] فآب مضلّوه بعين جليّة... وغودر بالجولان حزم ونائل\nهذا؛ وقرئ: «(ضللنا)» بكسر اللام، والأولى لغة نجد، وهي الفصيحة، والثانية لغة أهل العالية، قاله الجوهري. وانظر الآية رقم [١١] من سورة (لقمان)، ورقم [٥٠] من سورة (سبأ) وقرئ شاذا: «(صللنا)» بالصاد، أي أنتنا، وهي قراءة علي بن أبي طالب ﵁، قال النحاس: ولا يعرف في اللغة: صللنا، ولكن يقال: صلّ اللحم، وأصلّ، وخمّ، وأخمّ: إذا أنتن، قال الحطيئة: [السريع] ذاك فتى يبذل ذا قدره... لا يفسد اللّحم لديه الصّلول\n ﴿أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ:﴾ أي أنبعث، أو يجدد خلقنا بعد أن نصير مختلطين بالتراب. ﴿بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ:﴾ جاحدون، لما ذكر كفرهم بالبعث؛ أضرب عنه إلى ما هو أبلغ، وهو أنّهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة من حساب، وجزاء، وجنة، ونار، لا بالبعث وحده، وأنهم لا يلقون الله تعالى، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَإِذا:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب","vol":"7","page":392},{"text":"بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وهذا عند سيبويه. ﴿ضَلَلْنا:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: أإذا ضللنا في الأرض؛ نبعث، ولا يجوز أن يعمل فيها ﴿جَدِيدٍ؛﴾ لأن ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم أن (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية، فإن تقدير الكلام: أنبعث إذا... إلخ وهذا قول غير سيبويه، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري.\n (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿لَفِي:﴾\nاللام: لام الابتداء، وتسمى هنا: المزحلقة. (في خلق): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:\n (إن). ﴿جَدِيدٍ:﴾ صفة ﴿خَلْقٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة في الإنكار، وبدون الاستفهام فيها حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار بالأولى، إنكار فيها أيضا، وجملة: (قالوا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب إبطالي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِلِقاءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما، و(لقاء): مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾\nمضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3514\"></span>﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمقول لهم: كفار قريش، ويعم كل واحد من بني آدم.\n ﴿يَتَوَفّاكُمْ:﴾ يقبض أرواحكم من أجسادكم، من: توفّى العدد، والشيء: إذا استوفاه، وقبضه جميعا، يقال: توفّاه الله؛ أي: استوفى روحه، ثم قبضه، وتوفّيت مالي من فلان؛ أي: استوفيته.\n ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ:﴾ واسمه: عزرائيل، ومعناه: عبد الله، وتصرفه كله بأمر الله تعالى، وبخلقه، واختراعه. هذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ،﴾ وقال في سورة (الأنعام) رقم [٦١]: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ،﴾ وقال في سورة (الزمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها،﴾ وقال في سورة (الأنفال) رقم [٥٠]: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ والجمع بين هذه الآيات، وما أذكره من أحاديث: أن ملك الموت يقبض، وله أعوان يعالجون، والله تعالى يزهق الروح، لكنه لما كان ملك الموت متولي ذلك بالوساطة، والمباشرة أضيف التوفي إليه. انتهى. قرطبي بتصرف. وذكر","vol":"7","page":393},{"text":"لك في سورة (الأنعام) أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت بنفسه.\nبقي شيء آخر ينبغي أن تعلمه، وهو: هل يقبض ملك الموت أرواح جميع الخلائق؟ والجواب: نعم يتوفى أرواح جميع الخلائق حتى البرغوث، والبعوضة. وخذ ما يلي: روى جعفر بن محمد عن أبيه قال: نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: «أرفق بصاحبي، فإنه مؤمن». فقال ملك الموت -﵇-: «يا محمد! طب نفسا، وقرّ عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم: أن ما من أهل بيت مدر، ولا شعر، في بر، ولا بحر، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات؛ حتى لأنا أعرف بصغيرهم، وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد! لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك؛ حتى يكون الله هو الآمر بقبضها». قال جعفر بن علي: بلغني: أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلاة.\nذكره الماوردي.\nوعن سليمان بن مهير الكلابي، قال: حضرت مالك بن أنس، ﵁، فأتاه رجل، فسأله: أبا عبد الله! البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ قال: فأطرق مالك طويلا، ثم قال:\nألها نفس؟ قال: نعم، قال: ملك الموت يقبض أرواحها؛ ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾.\nوروى مجاهد: أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان، يأخذ من حيث شاء.\nوروي: أن ملك الموت لما وكله الله تعالى بقبض الأرواح، قال: رب جعلتني أذكر بسوء، ويشتمني ابن آدم. فقال الله تعالى له: إني أجعل للموت عللا، وأسبابا من الأمراض، والأسقام ينسبون الموت إليها، فلا يذكرك أحد إلا بخير. وقد ذكر: أنه يدعو الأرواح فتجيئه، ويقبضها، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة، أو العذاب. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني.\nوعن معاذ بن جبل﵁قال: إن لملك الموت حربة، تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهي تتصفح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة، وقال له: الآن تنزل بك سكرات الموت. انتهى. خازن، وقال ابن عباس﵄-: إن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب.\nبقي شيء آخر، وهو: أنه قد يرد سؤال، كيف يستطيع عزرائيل قبض أرواح الألوف من المخلوقات في لحظة واحدة من الزمان، والجواب عن ذلك: كما يمكن إطفاء الألوف من المصابيح الكهربائية في لحظة واحدة يستطيع عزرائيل قبض أرواح الألوف؛ بل الملايين من المخلوقات في لحظة واحدة بما منحه الله من قوة، وتسلط على أرواح المخلوقات.","vol":"7","page":394},{"text":"﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي: وكل بقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم، فلا يغفل عنكم، ولا شغل له إلا ذلك؛ إذا جاء أجل أحدكم لا يقدم لحظة، ولا يؤخر لحظة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي: تصيرون إلى ربكم يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَتَوَفّاكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مَلَكُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿الْمَوْتِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾. ﴿وُكِّلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَتَوَفّاكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-3515\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ تَرى:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ولكل من يتأتّى منه الرؤية. ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ:﴾\nهم الذين قالوا: ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: في موقفهم بين يدي ربهم يوم القيامة، قد نكسوا رءوسهم حياء، وخجلا. والتعبير بالماضي المستفاد من:\n ﴿إِذِ،﴾ إنما هو لتحقق وقوع ما يذكر في هذه الآية يوم القيامة.\n ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا﴾ أي: يقولون أبصرنا ما وعدتنا حقا، وقد كنا مكذبين به في الدنيا.\n ﴿وَسَمِعْنا:﴾ يعني منك تصديق ما أتتنا به رسلك. وقيل: المعنى: أبصرنا معاصينا، وسمعنا ما قيل فيها. ﴿فَارْجِعْنا﴾ أي: إلى الدنيا. ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ أي: نؤمن بك، ونصدق رسلك، ونعمل بطاعتك. ﴿إِنّا مُوقِنُونَ﴾ أي: بالبعث، والحساب. ومثل قولهم هذا قولهم في سورة (المؤمنون): ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ وقد أكذبهم الله تعالى بقوله في سورة (الأنعام): ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ وبالجملة فقد أبصروا حين لا ينفعهم البصر، وسمعوا حين لا ينفعهم السمع.","vol":"7","page":395},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف. تقديره: المجرمين، وقد أغنى عنه المبتدأ. ﴿إِذِ:﴾\nظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾\nمبتدأ مرفوع... إلخ. ﴿ناكِسُوا:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿ناكِسُوا﴾ مضاف، و﴿رُؤُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿ناكِسُوا،﴾ وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وجملة: ﴿تَرى..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، تقديره: لرأيت أمرا فظيعا. هذا؛ وأجيز اعتبار (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب حينئذ، والأول أقوى معنى. و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَبْصَرْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول به محذوف، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: ربنا أبصرنا، وجملة: (سمعنا) مع المفعول المحذوف أيضا معطوفة على ما قبلها ويجوز عدم تقدير مفعول للفعلين، فيكون المعنى: صرنا ممن يبصر، ويسمع. ﴿فَارْجِعْنا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منا؛ فارجعنا. (ارجعنا): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: أنت، و: (نا) مفعول به والجملة الفعلية من جملة مقول القول المحذوف.\n ﴿نَعْمَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن». ﴿صالِحًا:﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: نعمل عملا صالحا. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿مُوقِنُونَ:﴾ خبر (إن) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا مُوقِنُونَ﴾ تعليل للطلب، وهي من جملة مقول القول المحذوف، والجملة الشرطية المقدرة: «إذا كان...» إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":396},{"text":"<span id=\"aya-3516\"></span>﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها:﴾ يقول الله: لو شئت؛ لهديت الناس جميعا، فلم يختلف منهم أحد. قال النحاس: في معناه قولان: أحدهما: أنه في الدنيا. والآخر: أن سياق الكلام يدل على أنه في الآخرة؛ أي: لو شئنا؛ لرددناهم إلى الدنيا، والمحنة، كما سألوا. ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي..﴾. إلخ أي: حق القول مني لأعذبن من عصاني بنار جهنم، وعلم الله ﵎ أنه لو ردهم؛ لعادوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾.\nهذا؛ وقدر ابن هشام الكلام في المغني كما يلي: ولكن لم أشأ ذلك، فحق القول مني.\nوهذه الهداية معناها خلق المعرفة في القلب. وتأويل المعتزلة: -ولو شئنا لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة، لكن لا يحسن منه فعله؛ لأنه ينقض الغرض المجرى بالتكليف إليه، وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما يفعله المكلف باختياره-باطل، ولا وجه له.\nوقالت الإمامية في تأويلها: إنه يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في الآخرة، ولم يعاقب أحدا، لكن حق القول منه أن يملأ جهنم، فلا يجب على الله تعالى عندنا هداية الكل إليها؛ قالوا:\nبل الواجب هداية المعصومين، فأما من له ذنب؛ فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله. وفي جواز ذلك منع لقطعهم على أن المراد: هداها إلى الإيمان، وقد تكلم العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفاية في أصول الدين، وأقرب ما لهم في الجواب أن يقال: فقد بطل عندنا، وعندكم أن يهديهم الله سبحانه على طريق الإلجاء، والإجبار، والإكراه، فصار يؤدي ذلك إلى مذهب الجبرية، وهو مذهب رذل عندنا، وعندكم؛ فلم يبق إلا أن المهتدين من المؤمنين، إنما هداهم الله تعالى إلى الإيمان والطاعة على طريق الاختيار؛ حتى يصح التكليف، فمن شاء آمن، وأطاع اختيارا لا جبرا، قال تعالى في سورة التكوير رقم [٢٨]: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ،﴾ وقال في سورة الإنسان رقم [٢٩]: ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. ثم عقب هاتين الآيتين في السورتين المذكورتين بقوله جل شأنه: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم، ونفى أن يشاءوا إلا أن يشاء الله، ولهذا أفرطت الجبرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق (معلّق) بمشيئة الله تعالى، فقالوا: الخلق مجبورون في طاعتهم كلها، التفاتا منهم إلى قوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾. وفرّطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق بمشيئة العباد، فقالوا: الخلق خالقون لأفعالهم، التفاتا منهم إلى قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾.\nومذهبنا هو الاقتصاد في الاعتقاد، وهو مذهب بين مذهبي المجبرة، والقدرية، وخير الأمور، أوسطها، وذلك: أن أهل الحق قالوا: نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه، وهو أنا","vol":"7","page":397},{"text":"ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش، الواقعة في يد الإنسان بغير محاولته، وإرادته ولا مقرونة بقدرته، وبين حركة الاختيار؛ إذا حرك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش، ومن لا يفرق بين الحركتين:\nحركة الارتعاش، وحركة الاختيار، وهما موجودتان في ذاته، ومحسوستان في يده بمشاهدته، وإدراك حاسته؛ فهو معتوه في عقله، ومختل في حسه، وخارج من حزب العقلاء، وهذا هو الحق المبين وهو طريق بين طريقي الإفراط، والتفريط، قال الشاعر: [الطويل] ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد... كلا طرفي قصد الأمور ذميم\nوبهذا الاعتبار اختار أهل النظر من العلماء أن سمّوا هذه المنزلة بين المنزلتين كسبا، وأخذوا هذه التسمية من كتاب الله العزيز، وهو قوله سبحانه في آخر سورة (البقرة): ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ انتهى. قرطبي بحروفه بتصرف بسيط. ومعنى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ أي: من عصاتهما، وقدم الجن؛ لأن المقام مقام تحقير، ولأن أكثر أهل جهنم منهم فيما قيل، وفي تخصيص الجن، والإنس بالذكر إشارة إلى أنه تعالى قد عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم.\nهذا؛ وخذ قوله تعالى في الآية رقم [١١٢] من سورة (الأنعام): ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ،﴾ ورقم [١٠٧] منها ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا،﴾ وخذ قوله تعالى في الآية رقم [١٨] من سورة (الأعراف) لإبليس: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ،﴾ وقوله له في الآية رقم [٨٥] من سورة (ص): ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ،﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [١١٩] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ انظر شرح الآيات في محالها.\nتنبيه: قال الله تعالى في الآية رقم [٢٧] من سورة (الحجر): ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ،﴾ وقال في سورة (الرحمن) رقم [١٥]: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ فقد قال ابن عباس﵄-: الجان: أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر. وقال قتادة: هو إبليس.\nوقيل: الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين. هذا؛ والجنة بكسر الجيم، والجن بمعنى واحد، وفيهم مسلمون، وكافرون، يأكلون، ويشربون، ويحيون، ويموتون، ويتوالدون كبني آدم. وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون، ولا يموتون إلا إذا مات أبوهم إبليس. والأصح: أن الشياطين نوع من الجن لاشتراكهم في الاستتار، سمّوا جنّا لتواريهم، واستتارهم عن الأعين من قولهم:\nجنّ الليل إذا ستر بظلمته كل شيء. والشيطان هو العاتي المتمرد الكافر، والجن منهم المؤمن، ومنهم الكافر، والجن أجسام نارية لطيفة، قادرة على التشكل في الغالب بأشكال مخيفة قبيحة من حية، ونحوها، وهم يروننا، ولا نراهم. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٧]: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ والملائكة مثلهم في هذا، ولكنهم يتشكلون بأشكال حسنة عكس الجن، وهم مخلوقون من نور.","vol":"7","page":398},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿شِئْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَآتَيْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (آتينا): فعل، وفاعل. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به أول، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿هُداها:﴾\nمفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَآتَيْنا..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف وقيل: واو الحال، ولا وجه له البتة. (لكن): حرف استدراك لا محل له. ﴿حَقَّ:﴾ فعل ماض. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿مِنِّي:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿حَقَّ،﴾ أو بالقول، ومعنى ﴿حَقَّ﴾ وجب فهو بمعنى القسم.\nوقيل: متعلقان بمحذوف، ولا وجه له قطعا. ﴿لَأَمْلَأَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المفهوم من الجملة الفعلية قبلها. (أملأن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له: والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا». ﴿جَهَنَّمَ:﴾\nمفعول به. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالنّاسِ:﴾ معطوف على ﴿الْجِنَّةِ﴾.\n ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد ل: ﴿الْجِنَّةِ﴾ و(الناس) فهو مجرور مثلهما، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:\n ﴿لَأَمْلَأَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المفهوم من الجملة الفعلية السابقة، والكلام: ﴿وَلكِنْ..﴾. إلخ معطوف على (لو) ومدخولها لا محل له مثله. هذا؛ وقدر ابن هشام الكلام: ولكن لم أشأ ذلك؛ فحق القول مني.\n\n<span id=\"aya-3517\"></span>﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا:﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه من النسيان؛ الذي لا ذكر معه، أي: لم يعملوا لهذا اليوم، فكانوا بمنزلة الناسين. والآخر: أنه بمعنى تركتم، وكذا: ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ فالأول بمعنى: تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم، والثاني بمعنى: تركناكم من الخير. قاله السدي. وقال مجاهد: تركناكم في العذاب ترك المنسي.\nوالكلام مقول قول محذوف: يقوله الله، أو الملائكة..\nومعنى الآية: فذوقوا العذاب المخلد في جهنم، وما فيه من نكس الرءوس، والخزي، والغم بسبب نسيان اللقاء، وذوقوا العذاب المخلد بسبب ما عملتم من الشرك، والمعاصي، والكبائر الموبقة. وانظر الذوق، وما قيل فيه في الآية رقم [٥٥] من سورة (العنكبوت).","vol":"7","page":399},{"text":"وجملة القول: إنهم غفلوا عن الإيمان بالله، واليوم الآخر، أو تركوا أوامره؛ حتى صاروا بمنزلة الناسين له، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسيّين من ثوابه، ورحمته، فخرج على مزاوجة الكلام، فهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها،﴾ ومثل هذا يسمى في فن البلاغة مشاكلة، وقال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٣٠]: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ،﴾ وقال في سورة (النمل) رقم [٥٠]: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا،﴾ والمكر معناه الخبث والخداع والاحتيال، والكيد، والتدبير الحرام، وهو مستحيل في حقه تعالى، وإنما هو بمعنى المجازاة، والمعاقبة، وذلك كثير في كتاب الله تعالى.\nهذا؛ و(النسيان) مصدر: نسيت الشيء، أنساه، وهو مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء عن ذهول، وغفلة، والثاني: عن تعمد، وقصد، وقد رأيت في الشرح القولين فيه.\nالإعراب: ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الفعل، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمة التي جيء بها لمناسبة واو الجماعة، وقل مثله في نحو قولك: «كلا، واشربا» والمانع من ظهور السكون، الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، التي هي فاعله، وأيضا قولك: «ذوقي، وكلي» والمانع من السكون اشتغال المحل بالكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المخاطبة، التي هي فاعله. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما) مصدرية. ﴿نَسِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله. ﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به ل: ﴿نَسِيتُمْ،﴾ ومفعول (ذوقوا) محذوف، التقدير: فذوقوا العذاب، ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون ﴿لِقاءَ﴾ مفعول (ذوقوا) على إعمال الأول، كما يجوز أن يكون مفعول (ذوقوا). ﴿هذا﴾ أي: هذا العذاب، وهو ضعيف معنى، و﴿لِقاءَ﴾ مضاف، و﴿يَوْمِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿يَوْمِكُمْ﴾ على المعتمد، والهاء حرف تنبيه لا محل له. و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: بنسيانكم لقاء يومكم هذا، وجملة: ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ التقدير: فتقول الملائكة لهم: ذوقوا... إلخ، والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿نَسِيناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ تعليل للأمر، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿وَذُوقُوا عَذابَ﴾ مثل سابقه، و﴿عَذابَ﴾ مضاف، و﴿الْخُلْدِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و: (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى","vol":"7","page":400},{"text":"الأولين: مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب عملكم الكفر، والمعاصي والموبقات. ﴿كُنْتُمْ:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة (تعملون) في محل نصب خبره، وجملة:\n ﴿(ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-3518\"></span>﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾\nالشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذه تسلية للنبي ﷺ؛ أي: إنهم لإلفهم الكفر لا يؤمنون بك، إنما يؤمن بك وبالقرآن المتدبرون له، والمتعظون به، وهم الذين إذا قرئ عليهم القرآن خروا سجدا. انتهى.\n ﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا:﴾ آيات القرآن. ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها:﴾ وعظوا بها، وخوّفوا من عقاب الله، أو بشّروا برحمة الله. ﴿خَرُّوا سُجَّدًا:﴾ وقعوا على الأرض ساجدين لله خوفا من عذابه وعقابه، أو سقطوا على وجوههم تعظيما لأمر الله، وشكرا لنعمه، وفي سورة (الإسراء) ﴿إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا﴾ رقم [١٠٧]، وفي رقم [١٠٩]: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.\n ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: نزهوه، وحمدوه، فخلطوا التسبيح بالحمد، فقالوا في جميع حركاتهم، وسكناتهم وفي جميع أحوالهم: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». رواه الستة ما عدا أبا داود. ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان، والطاعة، كما استكبر أهل مكة عن ذلك.\nتنبيه: هذه الآية هي العاشرة عند الشافعي، والتاسعة عند أبي حنيفة رحمهما الله تعالى من الآيات الأربع عشرة التي يسن السجود عند قراءتها للقارئ، والسامع، والمستمع، والدليل على ذلك هو سجود النبي ﷺ، فعن عبد الله بن عمر﵄-: «أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه حتّى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة». متفق عليه. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «إذا قرأ ابن آدم السّجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلتا! أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسجود، فأبيت فلي النّار». رواه مسلم.","vol":"7","page":401},{"text":"هذا؛ وشروط السجدة هي شروط الصلاة، وتزيد عند الشافعي بأنها تحتاج إلى نية كنية الصلاة، وسلام كسلام الصلاة، وهي فورية عند الشافعي، وعلى التراخي عند أبي حنيفة، لذا إذا كان القارئ، والسامع لا يستطيع السجود لعدم طهارته، أو لعدم قدرته على السجود لمانع يمنعه منه يكفيه أن يقول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر» أربع مرات وهذا عند الشافعي. وأما عند أبي حنيفة، فيقضيها عند التمكن من فعلها، ولو بعد أيام، وإذا كانت في الصلاة فلا تؤدى إلا بالسجود لها عند الشافعي، وعند أبي حنيفة تؤدى بركوع الصلاة؛ إذا نواها معه.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِآياتِنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿خَرُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم، الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿سُجَّدًا:﴾ حال بمعنى: ساجدين، وجملة: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول، وجملة: ﴿وَسَبَّحُوا﴾ معطوفة على جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(حمد) مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3519\"></span>﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿تَتَجافى:﴾ ترتفع وتتنحّى. ﴿جُنُوبُهُمْ:﴾ جمع جنب، وهو صفحة الإنسان التي ينام عليها في الغالب، وقد ينام مستلقيا على ظهره. ﴿الْمَضاجِعِ:﴾ جمع مضجع، وهي مواضع","vol":"7","page":402},{"text":"النوم، ويحتمل عن وقت الاضطجاع، ولكنه مجاز. والحقيقة أولى، ومنه قول عبد الله بن رواحة -﵁-: [الطويل] أتانا رسول الله يتلو كتابه... كما لاح مشهور من الصّبح ساطع\nأرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا... به موقنات أنّ ما قال واقع\nيبيت يجافي جنبه عن فراشه... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع\n ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا:﴾ داعين الله خوفا من سخطه، وطمعا في رحمته. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ:﴾ المال في وجوه الخير. قيل: المراد: الزكاة المفروضة. وقيل: التطوع زيادة على الزكاة المفروضة، وهذا القول أمدح.\nهذا؛ وفي الصلاة التي تتجافى جنوبهم عن المضاجع لأجلها أربعة أقوال: أحدها: التنفل بالليل، قاله الجمهور من المفسرين، وعليه أكثر الناس، وهو الذي فيه المدح. الثاني: أن المراد به صلاة العشاء. الثالث: أن المراد التنفل ما بين المغرب، والعشاء. الرابع: أن المراد صلاة العشاء، والصبح في جماعة. والأول أقوى الأربعة، وها أنا ذا أذكر أحاديث شريفة ترغب في الأربعة:\nأولا: بالنسبة للتنفل في الليل انظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٨ و٧٩] من سورة (الإسراء)، وما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (الفرقان) وخذ ما يلي:\nفعن أسماء بنت يزيد﵂-: أن النبي ﷺ قال: «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة؛ جاء مناد، فنادى بصوت تسمعه الخلائق كلّهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى الناس بالكرم، ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فيقومون؛ وهم قليل. ثمّ ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أولى الناس بالكرم، ليقم الّذين لا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون. ثمّ ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أولى الناس بالكرم، ليقم الحامدون لله على كل حال في السرّاء، والضرّاء، فيقومون؛ وهم قليل. فيسرّحون جميعا إلى الجنة، ثمّ يحاسب سائر الناس».\nوعن سلمان الفارسي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بقيام اللّيل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيّئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد». رواه الطبراني. وفي رواية أخرى قريبة منها، رواها الترمذي عن أبي أمامة الباهلي، ﵁.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلا قام من الليل، فصلّى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء. ورحم الله امرأة قامت من الليل،","vol":"7","page":403},{"text":"فصلّت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء». رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما، والحاكم.\nوعن جابر بن عبد الله﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ في اللّيل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدّنيا؛ والآخرة إلاّ أعطاه إيّاه، وذلك كلّ ليلة». رواه مسلم.\nوقد ذكر: أن أبا ذر الغفاري﵁وقف يوما عند الكعبة في حجة حجها، أو عمرة اعتمرها، فاكتنفه الناس، فقال لهم: لو أن أحدكم أراد سفرا، أليس يعد زادا؟ فقالوا:\nبلى! فقال: سفر يوم القيامة أبعد مما تريدون، فخذوا ما يصلحكم. فقالوا: وما يصلحنا؟ قال:\nحجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يوما شديدا حره ليوم النشور، وصلوا في الليل لوحشة القبور. انتهى. زيني دحلان.\nثانيا: بالنسبة للتنفل ما بين المغرب، والعشاء فخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلّى بعد المغرب ستّ ركعات لم يتكلّم فيما بينهنّ؛ عدلن بعبادة ثنتي عشرة سنة». رواه ابن ماجة، وابن خزيمة، والترمذي، وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من صلّى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنّة». وفي رواية أخرى: «من ركع عشر ركعات بين المغرب والعشاء؛ بني له قصر في الجنة». فقال عمر بن الخطاب﵁-: إذا تكثر قصورنا، وبيوتنا يا رسول الله؟! فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، وأفضل»، أو قال: «أطيب». وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: صلاة الأوابين الخلوة التي بين المغرب، والعشاء حتى يثوب الناس إلى الصلاة. وكان عبد الله بن مسعود -﵁يصلي في تلك الساعة، ويقول: صلاة الغفلة بين المغرب والعشاء.\nثالثا: بالنسبة لصلاة العشاء والصبح في جماعة؛ فخذ ما يلي: فعن عثمان بن عفان -﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى العشاء في جماعة؛ فكأنّما قام نصف الليل. ومن صلّى الصّبح في جماعة؛ فكأنّما صلّى اللّيل كلّه». رواه مالك، ومسلم، ورواه أبو داود، والترمذي مع اختلاف في بعض ألفاظه. وفي حق المتقاعسين عن هاتين الصلاتين في الجماعة يقول الرسول ﷺ: «إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر في الجماعة، ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبوا... إلخ». أخرج الحديث بطوله البخاري، ومسلم عن أبي هريرة ﵁.\nفائدة وطرفة: -تتعلق بالأبيات السابقة فخذها-كما يلي: أخرج ابن عساكر عن الهيثم بن عدي قال: ذكروا: أن عبد الله بن رواحة﵁ابتاع جارية، وكتم ذلك عن امرأته، وقد بلغها. فقالت له ذات يوم، وبلغها: أنه كان عندها: إنه بلغني عنك أنك ابتعت جارية، فقال","vol":"7","page":404},{"text":"لها: ما فعلت، قالت: بلى! وقد بلغني أنك كنت عندها اليوم، ولا أحسبك إلا جنبا، فإن كنت صادقا؛ فاقرأ آيات من القرآن، فقال: [الوافر] شهدت بأنّ وعد الله حقّ... وأنّ النّار مثوى الكافرينا\nوأنّ العرش فوق الماء طاف... وفوق العرش ربّ العالمينا\nوتحمله ملائكة كرام... ملائكة الإله مقرّبينا\nقالت: أما إذا قرأت القرآن؛ فإني قد عرفت: أنه مكذوب عليك. قال: فافتقدته ذات ليلة، فلم تجده على فراشها، فلم تزل تطلبه حتى رأته في ناحية الدار، فقالت: الآن صدّقت ما بلغني، فجحدها فقالت: اقرأ آيات من القرآن؛ إن كنت صادقا، فقال: [الطويل] أتانا رسول الله يتلو كتابه... ... الأبيات الثلاثة\nفحدث رسول الله ﷺ بذلك، فضحك حتى ردّ يده على فيه، وقال: هذا لعمري من معاريض الكلام، يغفر الله لك يا بن رواحة! إن خياركم خيركم لنسائه، فأخبرني ما الذي ردت عليك، حيث قلت ما قلت؟ قال: قالت لي: أما إذا قرأت القرآن فإني أتهم ظني، وأصدقك، فقال رسول الله ﷺ: لقد وجدتها ذات فقه في الدين. انتهى. سيوطي شرح شواهد المغني.\nالإعراب: ﴿تَتَجافى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿جُنُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿عَنِ الْمَضاجِعِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خَوْفًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال على حذف المضاف، التقدير: ذوي خوف، وذوي طمع، وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا لعامل مقدر، وهو ضعيف، وجملة: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة، أو هي حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، فتكون حالا متداخلة، واستئنافها ضعيف. ﴿وَمِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (مما): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من). ﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء رزقناهم إياه؛ لأن الفعل رزق ينصب مفعولين، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من)، التقدير: من رزقنا إياهم المال. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَدْعُونَ..﴾. إلخ.","vol":"7","page":405},{"text":"<span id=\"aya-3520\"></span>﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أي: للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ويقرأ الفعل: ﴿أُخْفِيَ﴾ بقراءات كثيرة. ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ أي: مما تقر به عيونهم، يحتمل أن تكون من القرار، وهو: السكون والهدوء، ويحتمل أن تكون من القر، وهو الأشهر، والقرّ: البرد؛ لأن العرب تتأذى بالحر، وتستريح إلى البرد، وأيضا: فإن دمع السرور بارد، ودمع الحزن ساخن، فمن هذا يقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين العدو، قال الشاعر: [الطويل] فكم سخنت بالأمس عين قريرة... وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب\nوضعّف ناس هذا، وقالوا: الدمع كله حار، فمعنى «أقر الله عينه» أي: سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر، وتسكن، وإذا أريد بهذه الجملة الدعاء؛ فيكون المعنى: أقر الله عينه، أي: أسكنها بالموت، فيكون الفعل من الأضداد، وفلان قرة عيني، أي: تسكن نفسي بقربه، قالت ميسون بنت بحدل الكلبية: [الوافر] ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف\nوقد وحد ﴿قُرَّةِ؛﴾ لأنه مصدر، والمصدر يصلح للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث، وإنما قال: ﴿أَعْيُنٍ﴾ وهو جمع قلة بخلاف عيون، وهو جمع كثرة؛ لأنه أراد أعين المؤمنين المخلصين، والمتقين الخاشعين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال تعالى:\n ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾.\n ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: جوزوا جزاء عظيما بسبب ما عملوا من الطاعات، فأخفى أولئك أعمالهم من أعين الناس، فأخفى الله جزاءهم، فلا يعلم مقداره ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وفي معنى هذه الآية قال النبي ﷺ: «قال الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. خرجه الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي، ﵁. انتهى. قرطبي، وأسنده الخازن إلى أبي هريرة، ﵁، وقال: متفق عليه.\nوقال ابن مسعود ﵁: في التوراة مكتوب: «على الله للّذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وقال ابن عباس -﵄-: الأمر في هذا أجلّ وأعظم من أن يعرف تفسيره.\nوعن أبي عبيدة﵁قال: قال عبد الله بن سلام﵁-: إنه مكتوب في التوراة: لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم","vol":"7","page":406},{"text":"يخطر على قلب بشر، ولا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، قال: ونحن نقرؤها: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وقال الجمل-رحمه الله تعالى-: والمراد: لا تعلم نفس ما أخفي لهم علما تفصيليا، وإلا فنحن نعلم ما أعد الله للمؤمنين إجمالا من حيث: إنه غرف في الجنة، وقصور، وأشجار، وأنهار، وملابس، ومآكل، وحور عين، وغير ذلك. انتهى. أقول: وهذا تحدث عنه القرآن في كثير من السور. هذا؛ وذكرت في سورة (الزخرف) رقم [٧١] بحثا جيدا يتعلق ببلاغة القرآن، وفصاحته مع مقارنته بكلام الرسول ﷺ؛ الذي هو أفصح البشر على الإطلاق.\nهذا؛ و﴿أَعْيُنٍ﴾ جمع: عين، وهو جمع قلة كما رأيت، وجمع الكثرة: عيون، وأعيان، والثاني غير مشهور، وقليل الاستعمال، والمراد هنا: الأعين الباصرة، وتطلق العين على الماء الخارج من الأرض، وعلى الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة، أي:\nجواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه، وعين الشيء:\nخياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط] واستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو\nفالمراد بالعين: ذاته. والمراد بجارية: عينه التي تجري بالدمع، والمراد بقوله: بها نقد الذهب، وهذا يسمى في فن البديع استخداما. وتطلق على المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة: [الكامل] جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم\nهذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة ومن الأبوين.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (لا): نافية. ﴿تَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع.\n ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أُخْفِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها.\nهذا؛ ويقرأ الفعل ببنائه للمعلوم على أن الفاعل يعود إلى: (الله)، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فلم تعلم نفس الذي، أو: شيئا أخفاه الله لهم، ويقرأ الفعل بصيغة المضارع: (نخفي) وعليه فالفاعل تقديره: «نحن»، والجملة صلة... إلخ، والتقدير: فلا تعلم نفس الذي، أو شيئا نخفيه لهم، كما يقرأ بصيغة المضارع المبني للمجهول (ما يخفى) هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ استفهامية مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، وذلك على اعتبار الفعل ماضيا، وفي محل نصب مفعول به مقدم على اعتبار الفعل مضارعا، والجملة على الاعتبارين في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿تَعْلَمُ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب ﴿ما﴾","vol":"7","page":407},{"text":"الاستفهامية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قُرَّةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، أو من ﴿ما﴾ نفسها، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، و﴿قُرَّةِ﴾ مضاف، و﴿أَعْيُنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، تقديره: جوزوا جزاء، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام، كما يجوز اعتبار ﴿جَزاءً﴾ حالا منه على تأويله ب: مجازين، وأجيز اعتباره مفعولا لأجله. ﴿بِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً،﴾ أو بالفعل المقدر، و: ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية على مثال ما رأيت في الآية رقم [١٤] قوله تعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3521\"></span>﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا﴾ أي: كامل الإيمان بالله، ورسوله، وكتابه، واليوم الآخر، والملائكة، راضيا بقضاء الله وقدره، مؤديا لله ما أوجب عليه، منتهيا عما نهاه عنه. ﴿كَمَنْ كانَ فاسِقًا:﴾ خارجا عن الإيمان، مقصرا بواجبات الله، مرتكبا ما نهى الله عنه. ﴿لا يَسْتَوُونَ:﴾\nلا يكونون عند الله بمنزلة ودرجة واحدة، والمراد: جنس المؤمنين، وجنس الفاسقين، ولم يرد مؤمنا واحدا، ولا فاسقا واحدا، ومعنى الآية مثل قوله تعالى في سورة (الجاثية) رقم [٢١]: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً..﴾. إلخ، وأيضا قوله تعالى في سورة (ن) رقم [٣٥]: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ وينبغي أن تعلم: أن الفعل (يستوي) من الأفعال التي لا يكتفى فيها بواحد، فلو قلت: استوى زيد لم يصح، فمن ثمّ لزم العطف على الفاعل، أو تعدده، كما في الآية الكريمة.\nهذا؛ وقد نزلت الآية في علي بن أبي طالب﵁والوليد بن عقبة بن أبي معيط، كان بينهما تنازع، وكلام في شيء، فقال الوليد لعلي: اسكت فإنك صبي، وأنا شيخ، والله إني أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة! فقال له علي﵁ وكرم الله وجهه-: اسكت! فإنك فاسق، فأنزل الله هذه الآية. هذا؛ ولا غرابة في إطلاق الفسق على الوليد، فقد صرحت آية (الحجرات) رقم [٦] بفسقه، وذلك لما تعرفه هناك من نقله عن بني المصطلق ما لم يكن، ويحتمل أن تطلق الشريعة ذلك عليه؛ لأنه كان على طرف من الإيمان، وهو الذي شرب الخمر في زمن عثمان ﵁، وصلى الصبح بالناس، ثم التفت، وقال: أتريدون أن أزيدكم؟ ونحو هذا مما يطول ذكره.\nهذا؛ والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات:\nالأولى: التغابي وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها. والثانية: الانهماك، وهو: أن يعتاد ارتكابها، غير مبال بها. والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها، فإذا شارف","vol":"7","page":408},{"text":"هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق؛ الذي هو مسمى الإيمان.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام داخلة على مقدر محذوف، أي: أفبعد ما بينهما من التفاوت والتباين يتوهم كون المؤمن الذي حكيت أوصافه، كالفاسق الذي ذكرت أحواله. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود. الفاء: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من)، وهو العائد.\n ﴿مُؤْمِنًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة: (من)، لا محل لها. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما فهي الخبر، وتكون مضافة، و(من) اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كانَ فاسِقًا﴾ صلة (من)، لا محل لها، والكلام ﴿أَفَمَنْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَوُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية ومتعلقه محذوف، التقدير: لا يستوون في المآل، أو عند الله: مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3522\"></span>﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى:﴾ نوع من الجنات تأوي إليها أرواح المؤمنين. ﴿نُزُلًا:﴾ هو ما يعد للنازل؛ أي: للضيف من طعام، وشراب، وإكرام. قال أبو السعد الضبي: [الطويل] وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا\nهذا؛ وأجيز اعتباره أن يكون جمع: نازل، كما قال الأعشى في معلقته رقم [٦٧]: [البسيط] إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا... أو تنزلون فإنّا معشر نزل\nولا وجه له البتة. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بسبب أعمالهم، وليس المراد السبب الحقيقي، حتى يخالف نص الحديث الشريف، وفحوى هذا: أن نص الآية وغيرها كثير مثلها يفيد: أن دخول الجنة بسبب الأعمال الصالحة، والرسول ﷺ يقول: «لن يدخل أحدا عمله الجنّة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: «ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا... إلخ».\nأخرجه البخاري عن أبي هريرة﵁وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) الآية رقم [٤٣]: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ومثلها في الزخرف رقم [٧٢].\nوالجمع بين هذه الآيات، والحديث الشريف بأنّ محمل آية (الأعراف) وآية (الزخرف) على أن منازل الجنة إنما تنال بالأعمال؛ لأن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن","vol":"7","page":409},{"text":"محمل الحديث على أصل دخول الجنة. فإن قيل: آية (السجدة) التي الكلام فيها صريحة في أن دخول الجنة أيضا بالأعمال؛ أجيب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث الشريف، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة، وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد أصل الدخول. أو المراد: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم، وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخولها حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته، وفضله، لا إله إلا هو له الملك، وله الحمد. انتهى. حاشية الشنواني على مختصر ابن أبي جمرة.\nالإعراب: ﴿أَمَّا:﴾ انظر الآية رقم [١٥] من سورة (الروم). ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾ فعل، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. (عملوا): ماض، وفاعله. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَلَهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿أَمَّا﴾. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْمَأْوى:﴾\nمضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة مفرعة عما قبلها، لا محل لها.\n ﴿نُزُلًا:﴾ حال من: ﴿جَنّاتُ الْمَأْوى﴾ أي: حالة كونها مهيأة ومعدة لهم، كما يعد ما يحصل به الإكرام للضيف.\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نُزُلًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار: (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم.\n\n<span id=\"aya-3523\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أي: خرجوا عن طاعة الله تعالى، وارتكبوا المعاصي، والمنكرات. ﴿فَمَأْواهُمُ النّارُ:﴾ مقرهم، وملجؤهم، ومصيرهم النار. ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها﴾ أي: إذا دفعهم لهب النار إلى أعلاها، ردوا إلى موضعهم فيها؛ لأنهم يطمعون","vol":"7","page":410},{"text":"بالخروج منها، ولا خروج. قيل: إن جهنم لتجيش بهم، فتلقيهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فتضربهم الملائكة الزبانية بمقامع الحديد، فيهوون فيها سبعين خريفا. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ:﴾\nالقائل هو الله، أو الملائكة. ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: لا تقرون به، ولا تصدقونه. هذا؛ وانظر التقسيم، والمقابلة في الآية رقم [١٥] من سورة (الروم)، وأخيرا فالتعبير بالأفعال الماضية عن شيء مستقبل إنما هو لتحقق وقوعه، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، وانظر (الذوق) في الآية رقم [٥٥] من سورة (العنكبوت).\nتنبيه: ﴿الَّذِي﴾ يقع هنا صفة ل: ﴿عَذابَ،﴾ وجوز أبو البقاء أن يكون صفة ل: ﴿النّارُ﴾ قال:\nوذكر على معنى الجحيم، أو الحريق، قال ذلك هنا، وقال في سورة (سبأ) رقم [٤٢]: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ فذكّر الوصف، والضمير هنا، نظرا للمضاف، وهو العذاب، وأنّثهما في سورة (سبأ) نظرا للمضاف إليه، وهو ﴿النّارُ﴾. وخص ما هنا بالتذكير؛ لأن ﴿النّارُ﴾ وقعت موقع ضميرها، لتقدم ذكره، والضمير لا يوصف، فناسب التذكير، وفي سورة (سبأ) لم يتقدم ذكر «النار» ولا ضميرها فناسب التأنيث، انتهى. جمل نقلا من كرخي. وانظر ما ذكرته في آية (سبأ).\nالإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿فَمَأْواهُمُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (مأواهم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿كُلَّما:﴾ (كل):\nظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه.\n (ما): مصدرية توقيتية. ﴿أَرادُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب واستقبال. ﴿يَخْرُجُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، و(ما) والفعل أراد في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت إرادة، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل). وقيل:\n (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أُعِيدُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿أُعِيدُوا فِيها﴾ جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر للإهانة مبني على حذف النون، والواو فاعل، والألف للتفريق. ﴿عَذابَ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿النّارُ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في","vol":"7","page":411},{"text":"محل نصب صفة: ﴿عَذابَ النّارِ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «تكذبون به» في محل نصب خبر:\n (كان). وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. وجملة: ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل: (قيل)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان)، وجملة:\n ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أُعِيدُوا فِيها﴾ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3524\"></span>﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى﴾ أي: عذاب الدنيا، يريد ما محنوا به من الجدب سبع سنين، والقتل، والأسر. وقال ابن عباس، وغيره: العذاب الأدنى: مصائب الدنيا، وأسقامها مما يبتلى به العبيد حتى يتوبوا، فعلى الأول هو خاص بأهل مكة، وعلى الثاني هو عام في جميع الناس إلى يوم القيامة، وهو الأولى، ولكن الناس في هذه الأيام، وما قبلها لا يتعظون بما ينزل بهم من أنواع البلاء؛ بل هم مستمرون في غيهم، ولا يرتدعون ولا ينزجرون؛ ولم يعلموا أن ما ينزل بهم من أنواع البلاء إنما هو بسبب أعمالهم السيئة. وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن عمر﵄قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ-وأعوذ بالله أن تدركوهنّ-: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال، والميزان؛ إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المئونة، وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيّروا فيما أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، والحاكم، والبيهقي. هذا؛ و﴿الْأَدْنى﴾ هنا بمعنى الأصغر، أو: الأقرب، و﴿دُونَ﴾ بمعنى: قبل هنا.\nوالعجب العجاب: أن كل إنسان يتألم لما أصاب المسلمين من ذل، وهوان، ويعترف: أن ما أصاب المسلمين في هذه الأيام إنما هو بسبب المعاصي، والمنكرات، والخروج عن طاعة الله. وأعجب من ذلك: أن كل واحد ينظر إلى أعمال غيره السيئة، ويتحرق غيظا، ويندب الإسلام لما هدم من تعاليمه، ولكنه غارق في الظلم، والمعاصي، وخائض في الباطل إلى حافة الأذقان، ولا ينظر إلى سوء أعماله، وقبيح أفعاله، ورحم الله الكميت؛ إذ يقول: [الطويل] كلام النّبيّين الهداة كلامنا... وأفعال أهل الجاهليّة نفعل","vol":"7","page":412},{"text":"ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لعل من بقي منهم يتوبون من الكفر، ويرجعون عن غيهم، وضلالهم، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٣].\nالإعراب: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله.\nوالجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم.\n (نذيقنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَدْنى:﴾ صفة ﴿الْعَذابِ﴾ مجرورة مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿الْأَدْنى،﴾ و﴿دُونَ﴾ مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْأَكْبَرِ:﴾\nصفة العذاب، وجملة: (لنذيقنهم...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَرْجِعُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيها معنى التعليل لإذاقتهم العذاب.\n\n<span id=\"aya-3525\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ: قال الجمل: هذا بيان إجمالي لحال من قابل آيات الله تعالى بالإعراض بعد بيان حال من قابلها بالسجود، والتسبيح، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإعراض عنها عقلا مع غاية وضوحها، وإرشادها إلى سعادة الدارين. انتهى. نقلا من أبي السعود.\n ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم. ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أي: بآيات القرآن. وقيل: ذكر بدلائل وحدانيته، وإنعامه عليه، فلم يتفكر فيها، ولم ينتفع بما فيها. ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها:﴾ مستكبرا كأن في أذنيه وقرا، وثم لاستبعاد الإعراض عن مثل هذه الآيات في وضوحها، وإنارتها، وإرشادها إلى سواء السبيل، والفوز بالسعادة العظمى، بعد التذكير بها مستبعد في العقل، كما تقول لصاحبك: وجدت منك تلك الفرصة، ثم لم تنتهزها! استبعادا لتركه الانتهاز، ومثله: «ثم» في بيت الحماسة وهو لجعفر بن علبة الحارثي. [الطويل] ولا يكشف الغمّاء إلاّ ابن حرّة... يرى غمرات الموت ثمّ يزورها\nفإنه استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها، أي:\nلا يكشف الخصلة الشديدة إلا رجل كريم يرى غمرات الموت، ثم يتوسطها ولا يعدل عنها، وإنما قال: ابن حرة؛ ليثير حميته، وشجاعته، وإقدامه. ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ:﴾ لم يقل:\nمنه؛ لأنه إذا جعله أعظم من كل ظالم، ثم وعد المجرمين عامة بالانتقام منهم، فقد دل على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام، ولو قال بالضمير لم يفد هذه الفائدة. انتهى. نسفي.","vol":"7","page":413},{"text":"بعد هذا خذ آية الكهف رقم [٥٧] فإنها أبلغ في الزجر، وآلم في التقريع، والتوبيخ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿ذُكِّرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿ذُكِّرَ..﴾. إلخ صلة: (من) أو صفتها، وجملة: ﴿أَعْرَضَ عَنْها﴾ معطوفة عليها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿مُنْتَقِمُونَ:﴾ خبر: (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3526\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ:﴾ التوراة. ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ:﴾ في ريب، وشك.\n ﴿مِنْ لِقائِهِ:﴾ من لقاء كتاب موسى، ومعناه: إنا آتينا موسى﵇مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله، ولقيت نظيره، كقوله تعالى في سورة (يونس) رقم [٩٤]: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.\nأو المعنى: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب. أو المعنى: فلا تكن في شك من لقائك موسى، عليك يا محمد، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهذا اللقاء كان في ليلة الإسراء والمعراج. قاله ابن عباس﵄فعنه﵄عن النبي ﷺ قال: «رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا، كأنّه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا، مربوع الخلق إلى الحمرة، وإلى البياض، سبط الشعر، ورأيت مالكا خازن النار، والدجّال في آيات أراهنّ الله إيّاه». متفق عليه. ﴿وَجَعَلْناهُ:﴾ في هذا الضمير وجهان، كما في سابقه: أحدهما:","vol":"7","page":414},{"text":"جعلنا الكتاب. قاله الحسن، والثاني: جعلنا موسى. قاله قتادة. هذا؛ وقيل: الضمير يعود إلى ملك الموت لتقدم ذكره. وقيل: يعود على الرجوع المفهوم من قوله: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.\nوقيل: يعود على ما يفهم من سياق الكلام مما ابتلي به موسى من البلاء، والامتحان؛ أي: لا بد أن تلقى ما لقي موسى من قومه. وهذه أقوال ضعيفة ذكرتها للتنبيه على ضعفها، وأظهرها: أن الضمير إما لموسى، وإما للكتاب. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر: أن الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو: وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر) افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم. فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى:\n ﴿وَالضُّحى﴾. ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ وغير ذلك فإن التقدير: ورب الضحى! ورب السماء! ... إلخ، والدليل: التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات)، وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم). وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية ﴿(لَقَدْ آتَيْنا...)﴾ إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا)، واسمه ضمير مستتر فيه تقديره: أنت. ﴿فِي مِرْيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُنْ﴾. ﴿مِنْ لِقائِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مِرْيَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. وقيل: من إضافة المصدر","vol":"7","page":415},{"text":"لفاعله، وجملة: ﴿فَلا تَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء؛ لأنها معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿وَجَعَلْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿هُدىً:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِبَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هُدىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(بني) مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قد آتينا...) إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3527\"></span>﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: قادة يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات، و﴿أَئِمَّةً:﴾ جمع: إمام، سمي بذلك؛ لأنه يؤتم به في الأفعال، فهنيئا لمن كان إماما في الخير! وويل لمن كان إماما في الشر! قال تعالى في حق فرعون، وأشياعه: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ..﴾. إلخ الآية رقم [٤١] من سورة (القصص).\nهذا؛ ويقال: أئمة، وأيمّة، والثاني جائز عربية لا قراءة، وشرحه: أنّ أصله «أأممة» ولكن لما اجتمع المثلان، وهما الميمان، أدغمت الأولى في الثانية، ونقلت حركتها على الهمزة، فصار أئمة بهمزتين، فأبدل من الهمزة المكسورة ياء كراهة اجتماع الهمزتين.\n ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ أي: يدعون الناس إلى التوحيد، وعبادة الإله الحميد المجيد بما أنزلنا عليهم من الوحي المتضمن للأمر، والنهي. ثم قيل: المراد: الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام.\nوقيل: المراد: الفقهاء، والعلماء من بني إسرائيل الذين جاءوا بعد موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومعنى بأمرنا بتوفيقنا إياهم لما نأمرهم به.\n ﴿لَمّا صَبَرُوا:﴾ على طاعة الله، وعلى البلاء؛ الذي أصابهم، يقرأ بفتح اللام، وتشديد الميم، ويقرأ بكسر اللام، وتخفيف الميم. ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ:﴾ المراد بالآيات: التوراة، أو ما تضمنته من الأحكام، ومعنى ﴿يُوقِنُونَ:﴾ يؤمنون إيمانا صادقا، ويعلمون علما يقينا، لا يخالجه شك.\nوأخيرا: أما الصبر: فهو حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مر المذاق، يكاد لا يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]","vol":"7","page":416},{"text":"الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل\nوبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب، والسنة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر على البلاء. ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى: الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا بذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره! وما أشد قوته على تحمل النوائب! أو يصبر؛ لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم، لا ينيل صاحبه الدرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله، وقد يعرضه لشديد غضب الله، ونقمته.\nثم اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية (البقرة) وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٥٥] وما بعدها من سورة (البقرة)، ومن آنقها قوله تعالى في سورة (ص) في حق أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا﴾ قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾.\nفائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا،﴾ وقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال:\n ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. فقالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (الزمر).\nالإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَئِمَّةً﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليه صار حالا» وقيل: الجار والمجرور مفعول به ثان تقدم على الأول، وهو غير وجيه. ﴿أَئِمَّةً:﴾ مفعول به. ﴿يَهْدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿أَئِمَّةً﴾. ﴿بِأَمْرِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى حين متعلق بالفعل: ﴿يَهْدُونَ،﴾ وقال الجمل: وجوابها محذوف دل عليه: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ،﴾ أو هو نفسه الجواب، والتقدير: ولما صبروا؛ جعلنا منهم أئمة، وأرى أن لا جواب لها.","vol":"7","page":417},{"text":"هذا؛ وعلى قراءة كسر اللام، فاللام حرف جر، و(ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير: لصبرهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَهْدُونَ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾\nمتعلقان بالفعل بعدهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، وجملة:\n ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿صَبَرُوا﴾ على الاعتبارين فيها.\n\n<span id=\"aya-3528\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ: أي يقضي، ويحكم بين المؤمنين، والكافرين، فيجازي كلا بما يستحق. وقيل: المعنى يميز الحق من الباطل بتمييز المحق من المبطل. ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: من أمر الدين، وأمر الواحد القهار، والخطاب في الآية للنبي ﷺ، ويعم كل عاقل من بني آدم، وقول الله تعالى في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم) ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ يوضح معنى هذه الآية، وأمثالها.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة، أوجه: أحدها: كونه ضمير فصل لا محل له من الإعراب. وثانيها: كونه توكيدا لاسم: ﴿إِنَّ﴾ على المحل، وعليهما فالجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. وثالثها: كونه مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَفْصِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: هو يعود إلى: ﴿رَبَّكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ أو في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو الضمير، كما رأيت. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله أيضا، وقيل: متعلق بمحذوف حال ولا وجه له قطعا. و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَفْصِلُ﴾ أيضا، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (في). ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا ب (في).","vol":"7","page":418},{"text":"<span id=\"aya-3529\"></span>﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: أولم يتبين لأهل مكة خبر من أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم؛ إذا سافروا، وخرجوا في التجارة لطلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية من أهلها، كقوم عاد، وثمود، وقوم لوط، أفلا يخافون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين قبلهم من الهلاك، والانتقام. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ:﴾ لدلالات واضحة، وبراهين ساطعة على قدرتنا، ووحدانيتنا. ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ:﴾ سماع قبول، وسماع تدبر، واتعاظ.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: عاطفة على محذوف، تقديره:\nأغفلوا، ولم يتبين لهم. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَهْدِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. وفي الفاعل أقوال كثيرة، قال ابن هشام في مغنيه بعد أن رد قول ابن عصفور: إن ﴿كَمْ﴾ فاعل:\nمردود بأن ﴿كَمْ﴾ لها الصدر، فقال: وإنما الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أو ضمير العلم، أو الهدى المدلول عليهما بالفعل، أو جملة: ﴿أَهْلَكْنا﴾ على القول بأن الفاعل يكون جملة، وجوز أبو البقاء كونه ضمير الإهلاك المفهوم من الجملة، وليس هذا من المواطن التي يعود الضمير فيها على المتأخر. انتهى.\nهذا؛ واعتبر الجلال الفاعل المصدر المأخوذ من: ﴿أَهْلَكْنا﴾ واعتذر عن ذلك بقوله:\nوما ذكر من أخذ إهلاك من فعله الخالي عن حرف مصدري لرعاية المعنى لا مانع منه. ﴿لَهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. هذا؛ ويقرأ الفعل: (نهد) بالنون، فيكون الفاعل مستترا وجوبا تقديره:\n «نحن». ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل ﴿يَهْدِ﴾ وقد علق عن العمل فيها لفظا بسبب ﴿كَمْ؛﴾ لأنها تعلق خلافا لأكثرهم. قاله ابن هشام في المغني. أو في محل رفع فاعل على حسب ما رأيت في الفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْقُرُونِ،﴾ وهو أولى، وأقوى.\n ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كَمْ،﴾ و(من) بيان لما أبهم فيها. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة تمييز ﴿كَمْ﴾ المحذوف، فإن التقدير: كم قرنا من القرون أهلكنا. ﴿يَمْشُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْقُرُونِ﴾ فهي حال متداخلة. ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ومثل هذه الآية الآية رقم [١٢٨] من سورة (طه).","vol":"7","page":419},{"text":"﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء.\n (آيات): اسم (إن) مؤخر منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3530\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: أولم ينظروا، ويتفكروا بدلائل قدرتنا، ووحدانيتنا من ذلك:\n ﴿أَنّا نَسُوقُ الْماءَ﴾ أي: بواسطة السحاب المسخر بين السماء والأرض، ثم بواسطة الرياح التي تسوق السحاب. ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ أي: الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: حيث قالوا: التي جرز نباتها، أي: قطع، وأزيل، لا التي لا تنبت كالسباخ بدليل الجملة الآتية. هذا؛ وإذا رجعنا إلى قوله تعالى في الآية رقم [٨] من سورة (الكهف): ﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ لعرفنا: أن المعنى هناك التي لا تنبت شيئا، وبالجملة: فإن المعنى: هي التي لا تنبت، أو: التي أكل نباتها، وهو ما في القاموس المحيط، وجمعها: أجراز، ويقال: سنة جرز، وسنون أجراز؛ أي: لا مطر فيها، وتكون فيها جدوبة، ويبس، وشدة، قال ذو الرمة يصف إبلا: [الطويل] طوى النّحز والأجراز ما في بطونها... فما بقيت إلاّ الضّلوع الجراشع\nوالجروز: المرأة الأكول، قال الراجز: [الرجز] إنّ العجوز خبّة جروزا... تأكل كلّ ليلة قفيزا\nويستشهد بهذا البيت على نصب «إنّ» لاسمها وخبرها. ورجل جروز: إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله، قال الراجز: [الرجز] خبّ جروز وإذا جاع بكى... ويأكل التمر ولا يلقي النّوى\nهذا؛ والجرز، والجرز، والجرز بمعنى واحد. وبالجملة فإن معنى الجروز هي: التي لا تنبت، أو التي أكل نباتها، وهو ما في «القاموس المحيط». هذا؛ وجرزه الزمان: اجتاحه، قال تبع: [الكامل] لا تسقني بيديك إن لم ألقها... جرزا كأنّ أشاءها مجروز","vol":"7","page":420},{"text":"﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ أي: بالماء. ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ﴾ أي: تأكل مواشيهم من الزرع، كالتبن، والقصل، والورق، وبعض الحبوب المخصوصة بها. ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ أي: يأكلون منه كالحبوب التي يعتادها الإنسان، وأنواع الخضار، ومختلف أنواع الفواكه، والثمار، وقدم الأنعام؛ لأن انتفاعها مقصور على النبات، ولأن أكلها منه مقدم؛ لأنها تأكله قبل أن يثمر، ويخرج سنبله، وختمت الآيات هنا بقوله: ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ لأن الزرع مرئي، وختمت الآية السابقة بقوله: ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ لأن ما قبله مسموع، أو ترقيا من الأدنى إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير، ودفع العذر. انتهى. جمل نقلا من الشهاب. ومعنى: ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ فيستدلون به على كمال قدرته، وفضله وكرمه وجوده.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿نَسُوقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْماءَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلَى الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْجُرُزِ:﴾ صفة: ﴿الْأَرْضِ،﴾ وجملة: ﴿نَسُوقُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل قبله، وجملة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَنُخْرِجُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نخرج): فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿زَرْعًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ معطوفة على جملة: ﴿نَسُوقُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿تَأْكُلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْعامُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنْفُسُهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنفسهم):\nمعطوف على ما قبله، وجملة: ﴿تَأْكُلُ..﴾. إلخ في محل نصب صفة زرعا. ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ إعرابها مثل إعراب: ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ إفرادا، وجملا، ومحلا.\n\n<span id=\"aya-3531\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: الكفار. ﴿مَتى هذَا الْفَتْحُ﴾ أي: النصر، أو الفصل بالحكومة.\nوقيل: المراد به: فتح مكة. وقال مجاهد: المراد به يوم القيامة، وهو الأصح، حيث يروى: أن المؤمنين قالوا للمشركين: سيحكم الله ﷿ بيننا يوم القيامة، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء. فقال الكفار على سبيل التهزي: متى يوم الفتح؟ وقيل: كان المسلمون يقولون: إن الله","vol":"7","page":421},{"text":"سيفتح لنا على المشركين، ويفصل بيننا وبينهم، وكان أهل مكة إذا سمعوه يقولون بطريق الاستعجال تكذيبا، واستهزاء: ﴿مَتى هذَا الْفَتْحُ﴾ أي: النصر، والفصل في الحكومة. وفي كثير من السور قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهو قريب من معنى هذه الآية، ومعنى: ﴿صادِقِينَ﴾ أي: فيما تعدوننا به، وإنما جاء بلفظ الجمع؛ لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك، أو المعنى: إن كنت صادقا أنت، وأتباعك يا محمد!.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿الْفَتْحُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين فيما تقولون؛ فأتونا به. والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقولون...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3532\"></span>﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ: أي يوم القيامة، وهو يوم الفصل بين المؤمنين، وأعدائهم، ويوم نصرهم عليهم، أو: يوم بدر، أو: يوم فتح مكة.\n ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: وهذا الكلام لا ينطبق جوابا على سؤالهم ظاهرا، ولكن لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم على وجه التكذيب، والاستهزاء؛ أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم، فقيل لهم: لا تستعجلوا به، ولا تستهزءوا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم، وآمنتم، فلا ينفعكم الإيمان، أو استنظرتم في إدراك العذاب، فلم تنظروا. ومن فسره بيوم الفتح، أو بيوم بدر؛ فهو يريد المقتولين منهم، فإنهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند الغرق. انتهى. نسفي. هذا؛ ولما فتحت مكة هرب قوم من بني كنانة، فلحقهم خالد بن الوليد، ﵁، فأظهروا الإسلام، فلم يقبله منهم خالد، وقتلهم، فذلك قوله تعالى: ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ﴾.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، وأجاز الفراء رفعه على الابتداء، ولا وجه له؛ لأنه لم يقرأ برفعه، ولا مسوغ","vol":"7","page":422},{"text":"لبنائه على الفتح، ولأنه لا يوجد رابط في الجملة الفعلية الآتية التي تقع خبرا عنه، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْفَتْحِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِيمانُهُمْ:﴾ فاعل ﴿يَنْفَعُ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿إِيمانُهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3533\"></span>﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاِنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ:﴾ هذا أمر للنبي ﷺ، ومعناه: أعرض عن سفههم، ولا تجبهم، إلا بما أمرت به، ولا تبال بتكذيبهم. وقيل: إن هذا منسوخ بآية السيف بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية رقم [٥] من سورة (براءة). ﴿وَانْتَظِرْ﴾ أي: موعدي لك بالنصر عليهم. ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: ينتظرون بك حوادث الزمن. هذا؛ وقرئ بفتح الظاء، فيكون معناه: أنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، أو أن الملائكة ينتظرونه، ويكثر ذكر مثل هذه الجملة في سور القرآن، مثل قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٠٢] ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ،﴾ وفي سورة (الأنعام) رقم [١٥٨]: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ وكثير غيرها، وفي هذا المعنى، وهو كثير أيضا قوله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾.\nخاتمة: فعن جابر بن عبد الله﵄-: أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ:\n ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ...،﴾ و﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ..﴾. أخرجه الترمذي، وقال طاوس:\n «تفضلان عن كلّ سورة في القرآن بسبعين حسنة». أخرجه الترمذي، وعن النبي ﷺ: «من قرأ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ..﴾. في بيته؛ لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيّام». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَعْرِضْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (أعرض): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:\n «أنت». ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فأعرض عنهم. وهذا الكلام مستأنف،","vol":"7","page":423},{"text":"لا محل له، وجملة: ﴿وَانْتَظِرْ..﴾. معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مُنْتَظِرُونَ:﴾ خبر: (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (السجدة)، بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين","vol":"7","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3307>سورة الأحزاب</span>\nسورة الأحزاب، وهي مدنية بالاتفاق، وهي ثلاث وسبعون آية، وألف ومائتان وثمانون كلمة، وخمسة آلاف، وسبعمائة، وتسعون حرفا. انتهى. خازن، وسميت سورة الأحزاب؛ لأن المشركين تحزبوا على المؤمنين من جميع الجهات، كما ستعرفه مفصلا بعونه تعالى.\nنزلت السورة الكريمة بشأن غزوة الأحزاب الشهيرة بغزوة الخندق، وبيان خبث بني قريظة، الذين نقضوا عهد رسول الله ﷺ، وبيان عقاب الله، وانتقامه منهم، وكشفت النقاب عن خبث المنافقين، وإيذائهم رسول الله ﷺ، وطعنهم فيه وفي مناكحته.\nوكانت هذه السورة تعدل سورة (البقرة)، وكانت فيها آية الرجم، ولفظها: «الشّيخ والشّيخة إذا زنيا، فارجموهما البتّة نكالا من الله، والله عزيز حكيم». ذكره أبو بكر الأنباري عن أبي بن كعب﵁وهذا يحمله أهل العلم على أن الله تعالى رفع من هذه السورة ما يزيد على ما في أيدينا منها، وأن آية الرجم المذكورة رفع لفظها، وحكمها باق إلى يوم القيامة.\nفعن عروة بن الزبير عن عائشة﵄قالت: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله ﷺ مائتي آية، فلما كتاب المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي الآن. وقال أبو بكر بن الأنباري: فمعنى هذا من قول أم المؤمنين عائشة: أن الله رفع إليه من سورة الأحزاب ما يزيد على ما عندنا، انتهى. وهذا؛ وجه من وجوه النسخ التي ذكرتها في الآية رقم [١٠٦] من سورة (البقرة)، وهذا الوجه مما نسخ لفظه، وبقي حكمه.\nوروي عن زرّ بن حبيش قال: قال لي أبيّ بن كعب﵁-: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثا وسبعين آية، قال: فو الذي يحلف به أبيّ بن كعب أن كانت لتعدل سورة (البقرة)، أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم: «الشيخ والشيخة...» إلخ أراد أبيّ: أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن، وأما ما يحكى من أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة، فأكلتها الداجن، فمن تأليفات الملاحدة، والروافض.\nهذا؛ والمراد بالشيخ: الرجل المتزوج، وبالشيخة: المرأة المتزوجة، وإن كانا في سن قبل العشرين سنة، ولقد روي: أن الفاروق﵁خطب على المنبر، فقال: أيها الناس إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه كتابا هاديا للناس، بشيرا، ونذيرا، وكان فيما أنزل عليه:\n «الشيخ والشيخة... إلخ» فقرأناها، ووعيناها، ثم قال: إني خشيت أن يطول بالناس زمان، فيقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق لمن زنى، وقد أحصن.","vol":"7","page":425},{"text":"بسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3534\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ يقرأ بالهمز: «يا أيها النبيء» ومعناه: يا أيها المخبر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا، وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: يا آدم، يا نوح، يا موسى... إلخ تشريفا له، وتنويها بفضله. وتصريحه باسمه في قوله جل ذكره: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ ونحوه لتعليم الناس بأنه رسول الله. انتهى. نسفي. وينبغي أن تعلم: أن الله لم يناد نبيه ﷺ بلفظ الرسول إلا في سورة (المائدة) رقم [٤١ و٦٧]. ﴿اِتَّقِ اللهَ:﴾ اثبت على تقوى الله، ودم عليه، وازدد منه، فهو باب لا يدرك مداه. ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ:﴾ فيما يطلبون منك، ففيه توهين للدين، وضعف لشوكة المسلمين، فإياك أن تساعدهم، أو تستجيب لهم بشيء أبدا، واحترس منهم، فإنهم أعداء الله، وأعداؤك، وأعداء المؤمنين.\nفقد روي: أن الآية نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور السلمي، وذلك: أنهم قدموا المدينة، فنزلوا على عبد الله بن أبيّ ابن سلول، رأس المنافقين بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي ﷺ وعنده الفاروق﵁-: ارفض ذكر آلهتنا:\nاللات، والعزى، ومناة-أي: لا تذمها-وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشق ذلك على النبي ﷺ، فقال الفاروق﵁-: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال النبي ﷺ: إني أعطيتهم الأمان، فقال الفاروق: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي ﷺ أن يخرجوا من المدينة، فنزلت الآية. وفي هذا دليل قاطع على أنه يجوز لعن كافر معين. هذا؛ وإن هذا النص لا يدل على وقوع الذنب من الرسول ﷺ، وإنما هو خطاب للأمة توجه إلى القائد، والزعيم في صورة الخطاب له ﷺ، والمراد به أمته، والدليل أن المقصود بالخطاب هو الأمة، لا شخص الرسول: أن الله ختم الآيات الكريمة بصيغة الجمع حيث قال: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾ أي: بخلقه قبل أن يخلقهم، فهو يعلم مكر الماكرين، وخبث الخبيثين من الكافرين، والمنافقين. ﴿حَكِيمًا:﴾ فيما دبر لهم، والحكيم: هو الذي يضع الأمور في مواضعها، فأوامر الله كلها حكم، ونواهيه وزواجره كلها حكم، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\nهذا؛ و﴿كانَ﴾ في القرآن الكريم تأتي على أوجه: تأتي بمعنى الأزل، والأبد، وبمعنى المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى «صار»","vol":"7","page":426},{"text":"وبمعنى: «حضر» أو «وجد» وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي هنا بمعنى الاستمرار، فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الآبدين في الدنيا والآخرة.\nهذا؛ والنبي يقرأ بالهمز وبدونه كما رأيت، وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهي الارتفاع لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبي غير الرسول بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..﴾. إلخ. وقيل: هو أعم منه؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، أما تعريفهما فالرسول: ذكر حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبي، وليس رسولا، فنبينا ﷺ صار نبيا بنزول سورة اقرأ عليه، وبعد ستة أشهر من نزولها صار رسولا بنزول سورة (المدثر) عليه.\nهذا؛ ويروى: أن أبا ذر﵁سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفا». قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم، وآخرهم نبيكم محمد ﵇». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط. هذا؛ وأربعة منهم من العرب: هم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ. وإسماعيل مستعرب لسكناه مكة مع قبيلة جرهم، وتزوجه منهم بامرأتين. والمذكور من الرسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كل مسلم ومسلمة من المكلفين، وأعني بمعرفتهم: أنه لو عرض اسم رسول على مسلم، فيجب عليه أن يعرف: أهو من المرسلين أم لا؟ هذا؛ وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (النساء) رقم [١٦٤]: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ،﴾ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٨]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.\nهذا؛ وقد ذكر في آيات (الأنعام) رقم [٨٣] وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب لا بحسب الزمان، ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، وبقي سبعة لم يذكروا في سورة (الأنعام) وقد ذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب؛ الذي ذكر في سورة (الأنبياء)، ومحمد صلّى الله عليهم جميعا وسلم، فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا هم الذين يجب الإيمان بهم، ومعرفتهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط] حتم على كلّ ذي التّكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا\nفي تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر، ويبقى سبعة، وهمو\nإدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا","vol":"7","page":427},{"text":"ويعني بقوله في: (تلك حجتنا) آيات الأنعام المذكورة. وينبغي أن تعلم: أن هؤلاء الرسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل؛ بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة، أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد. وسيد الجميع، وأفضل الخلق قاطبة محمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما. والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تجوز عليهم الأعراض البشرية؛ لأنهم من البشر، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحون، ويمرضون، وينكحون النساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الأعراض البشرية، من ضعف، وشيخوخة، وموت، إلا أنهم يمتازون بخصائص، ويتصفون بصفات عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، وهي ما يلي: الصدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النبوة، وبعدها، والسلامة من العيوب المنفرة.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النَّبِيُّ:﴾ بعضهم يعرب هذا وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل:\nأن الاسم الواقع بعد أي، وبعد اسم الإشارة إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني «أي» منصوبا محلا، فكذا التابع، أعني ﴿النَّبِيُّ،﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الاتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء؛ لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو: يدعى، وهو مع ما فيه من التكليف، يؤدي إلى قطع المتبوع. وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى بال، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه توصلوا إلى ندائه بأي، أي مع قرنها بحرف التنبيه، ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى؛ والثاني تابع له، والإعراب السائد الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ. انتهى. جرجاوي.\nهذا؛ والأخفش يعتبر «أيا» في مثل هذه الآية موصولة، و﴿النَّبِيُّ﴾ خبرا لمحذوف، والجملة الاسمية صلة، وعائد، التقدير: يا من هو النبي، على أنه قد حذف العائد حذفا لازما كما في قول امرئ القيس: [الطويل] ألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل\nوهذا هو الشاهد، رقم [٢٤٢] من كتابنا فتح القريب المجيب، وما قاله الأخفش لا يعتد به عند جمهرة النحاة. ﴿اِتَّقِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها","vol":"7","page":428},{"text":"دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة.\n ﴿تُطِعِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْمُنافِقِينَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا:﴾ خبران ل: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر والنهي مؤكدة لمضمون وجوب الامتثال، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3535\"></span>﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: القرآن، وما فيه من الأحكام، والحث على التقوى، والثبات على الطاعة، وترك طاعة الكافرين، والمنافقين فيما يطلبون منك يا محمد!.\n ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا:﴾ وإنما جمع الضمير؛ لأن المراد النبي ﷺ، وأصحابه. هذا؛ ويقرأ الفعل المضارع بالياء، فيكون المراد: الكافرين، والمنافقين الذين طلبوا منه ﷺ ما ذكرته في الآية السابقة. هذا؛ وفي الآية الكريمة التفات، فعلى القراءة الأولى بالخطاب يكون الالتفات من المفرد إلى الجمع، وعلى القراءة الثانية يكون الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، التي هي بالجمع أيضا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاتَّبِعْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتبع): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:\n «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل العائد إلى: ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِتَّقِ اللهَ..﴾.\nإلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى الله. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿خَبِيرًا﴾ بعدهما، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى","vol":"7","page":429},{"text":"اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿خَبِيرًا:﴾\nخبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها تعليل للأمر، وتأكيد لموجبه.\n\n<span id=\"aya-3536\"></span>﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ:﴾ أسند أمرك إلى الله، وكله إلى تدبيره، فهو الذي يمنعك من الناس، ويحفظك من إيذائهم. والخطاب للنبي ﷺ، وأمته تبع له في كل ما تقدم، والتوكل:\nتفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره. وقالوا: المتوكل من أن إذا دهمه أمر، لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة.\n ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ أي: حافظا، وراعيا، ومعتمدا عليه في المهمات، وملجأ في النوائب، والأزمات. هذا؛ والفعل: (كفى) في هذه الآية ونحوها فهو بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ الآية رقم [٥٣] من سورة (فصلت)، وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ رقم [٢٥] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَتَوَكَّلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (توكل): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت».\n ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِتَّقِ اللهَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: واو الحال. (كفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَكِيلًا:﴾ تمييز.\nوقيل: حال، والأول أقوى، والجملة الفعلية: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n<span id=\"aya-3537\"></span>﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾\nالشرح: فقد نفى الله في هذه الآية ثلاثة أمور؛ فخذها بما يلي:","vol":"7","page":430},{"text":"﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ:﴾ نزلت هذه الجملة في أبي معمر جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان. وكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر؛ انهزم أبو معمر فيهم، فلقيه أبو سفيان، وإحدى نعليه في يده، والأخرى في رجله، فقال: يا أبا معمر ما حال الناس؟ فقال: انهزموا، فقال: فما بال إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجلك؟ فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان؛ لما نسي نعله في يده.\nوعن أبي ظبيان، قال: قلنا لابن عباس﵄-: أرأيت قول الله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ:﴾ ما عنى بذلك؟ فقال: قام رسول الله ﷺ يوما يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون أن له قلبين، قلبا معكم، وقلبا معهم! فأنزل الله ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ..﴾. إلخ أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. هذا؛ والخطر: الوسوسة التي تحصل للإنسان في صلاته. انتهى. خازن. هذا؛ ولا يمكن أن يكون لواحد قلبان: يحب بواحد ويبغض بآخر. بمعنى: أنه يجمع بين الضدين، ومن هذا الباب قول الشاعر: [الكامل] لو كان لي قلبان عشت بواحد... وتركت قلبا في هواك يعذّب\n ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ:﴾ وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته:\nأنت علي كظهر أمي. وقد كان هذا طلاقا في الجاهلية، وفي صدر الإسلام، وسيأتي حكمه، وكفارته وما يترتب عليه في سورة (المجادلة) إن شاء الله تعالى.\n ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ أي: الذين تتبنونهم أبناءكم حقيقة، وذلك: أن الرجل كان في الجاهلية يتبنى الرجل كالابن المولود، يدعوه إليه الناس، ويرث منه بعد وفاته، وقد نزلت هذه الجملة في نفي تبني النبي ﷺ زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وكان زيد﵁فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مسبيا من الشام سبته خيل من تهامة، وهو طفل صغير ابن ست سنوات، أو أكثر، وكان مع أمه في زيارة لأخواله، وأبوه وعمه سيدا قومهما، فالذي سباه باعه في مكة على أنه عبد، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد لعمته خديجة﵂فلما تزوج النبي ﷺ خديجة، وهبته له، ثم إن أباه وعمه قد علما: أنه في مكة عند محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فأتيا بمال كثير ليفدياه به، فقال لهما النبي ﷺ: «خيراه، فإن اختاركما؛ فهو لكما دون فداء»، وذلك قبل المبعث، فاختار الرق مع رسول الله ﷺ على حريته وقومه، فغضب أبوه وعمه، وقالا: يا زيد تختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك، وعمك؟! قال لهم: نعم. فأراد النبي الكريم أن يطيب خاطرهما، وأن يجبر قلبهما، فقال لهما: هو حرّ.\nولم يكتف بذلك؛ بل أعلن تبنيه لزيد، وقال: يا معشر قريش! أشهدكم: أنه ابني، يرثني،","vol":"7","page":431},{"text":"وأرثه، ويعقل عني، وأعقل عنه، وكان هذا على عادة الجاهلية، فرضي بذلك أبوه، وعمه، وقرّا عينا، وانصرفا. وكان أبوه لما سبي يدور الشام، ويقول: [الطويل] بكيت على زيد ولم أدر ما فعل... أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل؟\nفو الله لا أدري وإني لسائل... أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل؟\nفيا ليت شعري هل لك الدّهر، أوبة؟ ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل\nتذكّرنيه الشمس عند طلوعها... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل\nوإن هبّت الأرياح هيّجن ذكره... فيا طول ما حزني عليه وما وجل\nسأعمل نصّ العيس في الأرض جاهدا... ولا أسأم التطواف، أو تسأم الإبل\nحياتي، أو تأتي عليّ منيتي... فكلّ امرئ فان وإن غرّه الأمل\nوسيأتي من ذكره، وفضله، وشرفه في الآية [٣٦] ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و﴿أَدْعِياءَكُمْ﴾ جمع: دعي، وهو الولد المتبنّى من أبناء الغير، قال في اللسان: والداعي:\nالمنسوب إلى غير أبيه، قال الشاعر المسلم يفتخر بإسلامه: [الوافر] دعيّ القوم ينصر مدّعيه... ليلحقه بذي النّسب الصّميم\nأبي الإسلام لا أب لي سواه... إذا افتخروا بقيس، أو تميم\nهذا؛ وقد ادعى معاوية بن أبي سفيان زياد بن سمية أخا له، وألحقه بأبيه، قال بعض الشعراء يهجوه: [الوافر] ألا أبلغ معاوية بن حرب... مغلغلة عن الرّجل اليمان\nأتغضب أن يقال: أبوك عفّ... وترضى أن يقال: أبوك زان\nهذا؛ والخليع في الجاهلية كان بالعكس، وهو الذي خلعه أهله، وطردوه، وتبرءوا منه لخبثه، فكان الرجل يأتي بابنه في الموسم، ويقول: ألا إني قد خلعت ابني هذا، فإن جر جريرة، أي جنى جناية لم أضمن، وإن جرّ عليه، أي جني عليه لم أطلب، فلا يؤخذ بجرائره.\nقال امرؤ القيس في معلقته: [الطويل] وواد كجوف العير قفر قطعته... به الذّئب يعوي كالخليع المعيّل\n ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ أي: إن قولكم للزوجة: هي أم، وللدعي: هو ابن قول تقولونه بأفواهكم، لا حقيقة له؛ إذ الابن لا يكون إلا بالولادة، وكذا الأم لا تكون إلا بالولادة أيضا،","vol":"7","page":432},{"text":"وأيضا لا يكون للإنسان إلا قلب واحد. ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي: ما هو حق ظاهره، وباطنه.\n ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أي: يرشد، ويوفق إلى سبيل الهدى، والرشاد.\nومعنى الآية الكريمة: أنه تعالى كما لم يجعل للإنسان قلبين؛ لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما فعلا من أفعال القلوب، فأحدهما فضلة غير محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك، فذلك يؤدي إلى اتصاف الإنسان بكونه مريدا كارها، عالما ظانا، موقنا شاكا في حالة واحدة، لم يحكم الله، ولم يرض أيضا أن تكون المرأة الواحدة أمّا لرجل زوجا له؛ لأن الأم مخدومة، والمرأة خادمة وبينهما منافاة، كذلك لم يحكم الله أن يكون الرجل الواحد دعيّا لرجل، وابنا له؛ لأن البنوة أصالة في النسب، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا، وغير أصيل. انتهى. نسفي بتصرف.\nهذا؛ والقلب قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة، خلقها الله في الآدمي، وجعلها محلا للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتبه الله بالخط الإلهي، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني، حتى يحصيه، ولا ينسى منه شيئا، وهو بين لمّتين: لمّة من الملك، ولمّة من الشيطان، كما قال النبي ﷺ. خرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود، ﵁، وقد مضى في الآية رقم [٢٦٧] من سورة (البقرة) وهو محل الخطرات، والوساوس، ومكان الكفر، والإيمان، وموضع الإصرار، والإنابة، وموضع الانزعاج، والطمأنينة. والمعنى في الآية: أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والإنابة والإصرار، وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة، أو مجاز. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nهذا؛ و﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ جمع: أم، والقياس أن يكون جمعها: «أمّات» قال الزمخشري: والهاء مزيدة في: أمّات، كما زيدت في: أراق، فقيل: أهراق، وشذت زيادتها في الواحدة في قول قصي الجد الرابع للنبي ﷺ: [الرجز] أمّهتي خندف والياس أبي... عند تناديهم بهال وهب\nوقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء زائدة فيه، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة، يستدل على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي، إلا أن الفرق بين أمّهة، وأم: أن أمّهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدا، نحو قول السفاح بن بكير: [السريع] قوّال معروف وفعّاله... عقّار مثنى أمّهات الرّباع\nوأم يقع في الغالب على ما لا يعقل، وقد يقع على العاقل، نحو قول جرير: [الوافر] لقد ولد الأخيطل أمّ سوء... على باب استها صلب وشام","vol":"7","page":433},{"text":"ومما يدل أيضا على زيادة الهاء في أمّهة قولهم: أم بينة الأمومة بغير هاء، ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدل على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم:\nتأمّهت أما، فتأمّهت تفعّلت بمنزلة: تنبهت، مع أن زيادة الهاء قليلة جدا، فمهما أمكن جعلها أصلية؛ كان ذلك أولى فيها. والصحيح: أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به لكثرة اضطرابه، وخلله. انتهى. بعد هذا فالأم تعم من ولدتك، أو ولدت من ولدك؛ وإن علت. ويقرأ: «(أمّهات)» بضم الهمزة وفتح الميم، وهي قراءة العامة، ويقرأ بكسر الهمزة وفتح الميم، وبكسرهما معا.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿لِرَجُلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَلْبَيْنِ:﴾ مفعول به مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿فِي جَوْفِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جَعَلَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿قَلْبَيْنِ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقد اكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى خلق، بخلاف ما بعده فإنه بمعنى: صير. وقيل: ﴿لِرَجُلٍ﴾ في محل المفعول الثاني، ولا وجه له. (ما): نافية. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾.\n ﴿أَزْواجَكُمُ:﴾ مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿اللاّئِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿أَزْواجَكُمُ﴾. ﴿تُظْهِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿مِنْهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أُمَّهاتِكُمْ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة؛ وجملة: ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ معطوفة أيضا، وإعرابها لا خفاء فيه.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. ﴿قَوْلُكُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِأَفْواهِكُمْ:﴾\nمتعلقان بالمصدر قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (الله): مبتدأ. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: يقول القول الحق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. والفاعل يعود إلى (الله). ﴿السَّبِيلَ:﴾ منصوب بنزع الخافض، أو هو مفعول به","vol":"7","page":434},{"text":"ثان، والمفعول الأول محذوف اختصارا؛ إذ التقدير: يهدي من يشاء السبيل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَقُولُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3538\"></span>﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ أي: انسبوهم لآبائهم الحقيقيين. فعن عبد الله بن عمر -﵄قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزل: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ فرفع الله حكم التبني، ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد بقوله إلى أن الأولى، والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا. وقال النحاس: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني، وهو من نسخ السنة بالقرآن، فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب معروف؛ نسبوه إلى ولائه، فإن لم يكن له ولاء معروف؛ قال له: يا أخي. يعني:\nفي الدين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. هذا؛ والضمير يعود إلى مصدر الفعل المتقدم، مثل قوله تعالى: ﴿اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾.\n ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ أي: فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم. ﴿فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم في الدين، فقولوا: هذا أخي، وهذا مولاي، ويا أخي ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين، والولاية فيه.\n ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: لو نسي أحدكم فنسب إنسانا إلى أبيه من التبني، أو أخطأ في ذلك، وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد؛ فلا إثم، ولا مؤاخذة.\nوكذلك لو دعوت رجلا إلى غير أبيه، وأنت ترى: أنه أبوه؛ فليس عليك بأس. قاله قتادة.\nولا يجري هذا المجرى من غلب عليه اسم التبني كالحال في المقداد بن عمرو، فإنه كان غلب عليه نسب التبني، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود، فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية، وعرف به، فلما نزلت الآية قال المقداد﵁-: أنا ابن عمرو، ومع ذلك بقي الإطلاق عليه، ومثله كثير، وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة، فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمدا؛ عصى، وإن قاله نسيانا، أو خطأ؛ فلا إثم عليه بدليل نص الآية التي نحن بصدد شرحها، ومن هذا القبيل ما يقوله الأستاذ لتلميذه، وصاحب العمل لعامله: يا بنيّ، فإن كان على سبيل التكريم، أو الرحمة والشفقة؛ فلا إثم عليه، وإن كان يقصد غير ذلك فحرام عليه أن يستعمل هذا اللفظ لمعنى من المعاني المعوجة.","vol":"7","page":435},{"text":"﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا:﴾ لما سلف منكم، وحصل قبل النهي. ﴿رَحِيمًا:﴾ لا يؤاخذكم بالخطإ، ولا يقبل التوبة من المتعمد، فعن سعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة﵄- كلاهما يقول: سمعته أذناي، ووعاه قلبي محمدا ﷺ يقول: «من ادّعى إلى غير أبيه، وهو يعلم:\nأنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام». رواه مسلم، وغيره. فمحمدا بدل من الضمير المنصوب. وفي حديث أبي ذر﵁أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليس من رجل ادّعى لغير أبيه، وهو يعلمه؛ إلاّ كفر».\nالإعراب: ﴿اُدْعُوهُمْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِآبائِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿هُوَ أَقْسَطُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿أَقْسَطُ،﴾ و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَعْلَمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وهو فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آباءَهُمْ:﴾\nمفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِخْوانُكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إخوانكم): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهم إخوانكم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (إخوانكم)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَلَيْسَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (ليس) تقدم على اسمها. ﴿جُناحٌ:﴾ اسم (ليس) مؤخر.\n ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿جُناحٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا ب: (في)، وجملة: ﴿وَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿فِيما:﴾ معطوفة على ما قبلها، أو هي مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: الذي تعمدته قلوبكم تؤاخذون به. ﴿تَعَمَّدَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿فِيما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط","vol":"7","page":436},{"text":"محذوف، انظر تقديره، والجملة الاسمية على اعتبار ﴿فِيما﴾ مبتدأ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الفعلية: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف معنى.\n\n<span id=\"aya-3539\"></span>﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٦)﴾\nالشرح: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ في الأمور كلها، فإنه لا يأمرهم، ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم، ونجاحهم؛ بخلافها؛ فإنها في كثير من الأحيان تأمر بالشر، وبما فيه مضرة لصاحبها ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ فلذلك أطلق، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وأمره أنفذ فيهم من أمرها، وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها.\nروي: أن النبي ﷺ أراد غزوة تبوك، فأمر الناس بالخروج، فقال ناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فنزلت الآية الكريمة، وفي معنى طاعة الرسول ﷺ وشفقته على أمته جاء ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدّوابّ، والفراش يقعن فيه، وأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تقحّمون فيه».\nوعن جابر مثله، وقال: «وأنتم تفلّتون فيه». أخرج الحديث مسلم، وهذا مثل لاجتهاد نبينا، وحبيبنا ﷺ في نجاتنا، وحرصه على تخلصنا من الهلكات التي بين أيدينا، فهو أولى بنا من أنفسنا، ولجهلنا بقدر ذلك، وغلبة شهواتنا علينا، وظفر عدونا اللعين بنا؛ صرنا أحقر من الفراش، وأذل من الفراش، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!.\nوقيل: معنى: ﴿أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: برعايتهم، والذود عنهم، ومساعدة ضعيفهم، ومعاونة فقيرهم. ويفسر هذا؛ ويؤيده ما رواه أبو هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال:\n «ما من مؤمن إلاّ وأنا أولى الناس به في الدّنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا، فلترثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا، أو ضياعا؛ فليأتني، فأنا مولاه». أخرجه مسلم.\n ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ:﴾ شرف الله تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين؛ أي: في وجوب التعظيم، والمبرة، والإجلال، وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن-رضي الله تعالى عنهن-بخلاف الأمهات، وهذه الأمومة لا توجب الميراث كأمومة التبني، وجاز تزويج بناتهن، ولا يجعلن أخوات الناس. وأمّا النظر إليهن، والخلوة بهن؛ فإنه حرام في حقهن، كما في حق","vol":"7","page":437},{"text":"الأجانب، ولا يقال لبناتهن: هن أخوات المؤمنين، ولا لأخواتهن، وإخوانهن هن خالات المؤمنين، وهم أخوالهم. وهن أمهات المؤمنين بما ذكرت من وجوب التعظيم، ويجب على نساء المؤمنين إجلالهن وتعظيمهن أيضا، ولكن لا يقال: أمهات المؤمنات بدليل ما روي عن مسروق: أن امرأة قالت لعائشة: يا أمّه، فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم، فبان بذلك أن معنى الأمومة إنما هو تحريم نكاحهن تعظيما لمقام النبوة، وتشريفا لصاحب الرسالة ﷺ.\nوانظر الآية رقم [٢٨] الآتية، وما بعدها. هذا؛ وهو تشبيه بليغ، ووجه الشبه متعدد، وهو ما ذكرته مفصلا.\n ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ أي: ذوو القرابات. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ أي: في الميراث، وكانوا يتوارثون بالهجرة، والتآخي فيما بينهم، فكان الرسول ﷺ قد آخى بين المهاجرين والأنصار، فقد جعل مع كل أنصاري مهاجر، فكان الأنصاري يعطف على أخيه المهاجري عطف الأب على ابنه، والأخ على أخيه، وإذا مات أحدهما؛ ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت الآية: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾. وهذه الجملة مذكورة بحروفها في الآية الأخيرة من سورة (الأنفال). وقيل في معنى الآية: لا توارث بين المسلم، والكافر، ولا بين المهاجر، وغير المهاجر، وقد ذكرت ذلك في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال) وجملة القول: إن هذه الآية ناسخة للتوارث بالأخوة الإسلامية، والهجرة، وصار التوارث بآيات النساء المبينة ذلك، وقد استدل بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام، وهو مذهب أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-.\nوالمراد ب: ﴿كِتابِ اللهِ:﴾ اللوح المحفوظ. وقيل: المراد: القرآن الكريم. وقيل:\nالمراد: حكم الله، وقضاؤه. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ أي: الذين آخى رسول الله ﷺ فيما بينهم، فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة، والهجرة، وصارت الموارثة بينهم بالقرابة. ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ:﴾ يريد الإحسان في الحياة، والوصية عند الموت، وذلك: أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالحلف، والإخاء، والهجرة؛ أباح أن يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلث ماله. وقيل: معناه: إلا أن توصوا إلى قرابتكم بشيء، وإن كانوا من غير أهل الإيمان، والهجرة.\n ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ، أو في القرآن. وقيل: في التوراة.\nوالمراد بالإشارة ما ذكر في الآيتين. ﴿مَسْطُورًا:﴾ مكتوبا مثبتا. هذا؛ ومعنى: (أولو) أصحاب، ولا واحد له من لفظه، وإنما واحده: «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و«ذا» المضاف إن كان منصوبا، و«ذي» المضاف إن كان مجرورا.\nالإعراب: ﴿النَّبِيُّ:﴾ مبتدأ. ﴿أَوْلى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهو أفعل تفضيل، ففاعله مستتر، تقديره: «هو». ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾\nكلاهما متعلقان ب: ﴿أَوْلى،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، أو","vol":"7","page":438},{"text":"ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَأُولُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أولو): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(أولو) مضاف، و﴿الْأَرْحامِ﴾ مضاف إليه. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلى:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ:\n (أولو) وإن اعتبرت بعضهم بدلا من: (أولو) ف ﴿أَوْلى﴾ يكون خبره. ﴿بِبَعْضٍ فِي كِتابِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿أَوْلى،﴾ و﴿كِتابِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وأجيز تعليق ﴿فِي كِتابِ﴾ بمحذوف حال من الضمير في ﴿أَوْلى﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب (أولو الأرحام)، فينتصب على التبيين، أي أعني، أو هما متعلقان ب: ﴿أَوْلى﴾. فمعنى الأول: وأولو الأرحام من المؤمنين، أولى بالميراث من الأجانب. وعلى الثاني: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ،﴾ أولى ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ الأجانب. انتهى. أبو البقاء، ومثله عن السمين. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَفْعَلُوا﴾ في محل نصب على الاستثناء المنقطع؛ لأنه من غير الجنس، وهو مستثنى من معنى الكلام السابق. ﴿إِلى أَوْلِيائِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿مَعْرُوفًا،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَعْرُوفًا:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم: ﴿كانَ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مَسْطُورًا:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها كالخاتمة لما ذكر من الأحكام، وفيها معنى التوكيد له.\n\n<span id=\"aya-3540\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أي: عهدهم على الوفاء بما حمّلوا من أداء الرسالة، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا، وأن يسدوا النصيحة لمن أرسلوا إليهم.\n ﴿وَمِنْكَ:﴾ فهو من عطف الخاص على العام، والخطاب للنبي ﷺ، وقدم على نوح وعلى من بعده؛ لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء؛ لأنهم أولو العزم، وأصحاب الشرائع، فلما كان ﷺ أفضل هؤلاء؛ قدم عليهم، ولولا ذلك؛ لقدم من قدم زمانه. وهذا يشير إلى الحديث الشريف:\n «كنت أوّلهم في الخلق، وآخرهم في البعث». هذا؛ ومعنى «في الخلق»: في الذكر.","vol":"7","page":439},{"text":"﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أي: عهدا وثيقا عظيما على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضا. والميثاق: هو اليمين بالله تعالى، فالميثاق الثاني تأكيد للميثاق الأول باليمين. وقيل: الأول هو الإقرار بالله تعالى، والثاني في أمر النبوة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ الآية رقم [٨١] من سورة (آل عمران). هذا؛ وفي الآية استعارة مكنية؛ حيث شبه الميثاق بجرم محسوس، واستعار له شيئا من صفات الأجرام، وهو الغلظ؛ للتنويه بعظم الميثاق، وشدته، ومثل الآية قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل] وإذا المنية أنشبت أظفارها... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع\nهذا؛ والميثاق: العهد. وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة: الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم في قديم الأزل بأن يقروا بربوبيته، ويعترفوا بألوهيته، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٧٢] من سورة (الأعراف). والعهد الثاني خص به النبيين، والمرسلين بأن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدين، وهو المذكور في هذه الآية. والعهد الثالث:\nخص به العلماء من كل أمة، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ الآية رقم [١٨٧] من سورة (آل عمران)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (الشورى) تجد ما يسرك. هذا؛ و﴿مِيثاقَ﴾ أصله: موثاق، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، ومثله قل في: ميعاد، وميزان.\nالإعراب: (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف لهذا المقدر، وأجاز السمين عطفه على محل ﴿فِي الْكِتابِ﴾ فيكون متعلقا ب: ﴿مَسْطُورًا﴾ معنى، التقدير: كان هذا الحكم مسطورا في الكتاب، وقت أخذنا... ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿مِيثاقَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. (منك): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما؛ إذ التقدير: وأخذنا منك. ﴿وَمِنْ نُوحٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَإِبْراهِيمَ:﴾ معطوف على ﴿نُوحٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَمُوسى وَعِيسَى:﴾ معطوفان أيضا، وعلامة الجر فيهما الكسرة المقدرة على الألف للتعذر. ﴿اِبْنِ:﴾ صفة عيسى، أو بدل منه، و﴿اِبْنِ﴾ مضاف، و﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، وجملة: ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا:﴾ معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر مثلها، ومؤكدة لها.","vol":"7","page":440},{"text":"<span id=\"aya-3541\"></span>﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٨)﴾\nالشرح: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ:﴾ فيه أربعة، أوجه:\nأحدها: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم؛ حكاه النقاش. وفي هذا تنبيه على أنه إذا كان الأنبياء يسألون، فكيف من سواهم؟!\nالثاني: ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم، حكاه علي بن عيسى.\nالثالث: ليسأل الأنبياء ﵈ عن الوفاء بالميثاق، الذي أخذه عليهم. حكاه ابن شجرة.\nالرابع: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٦] من سورة (الأعراف): ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقيل: فائدة سؤالهم:\nتوبيخ الكفار، كما يقول الله لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. انتهى. قرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿لِيَسْئَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: فعلنا ذلك؛ ليسأل الله الأنبياء يوم القيامة عما قالوه لقومهم.\nوقيل: متعلقان ب: ﴿أَخَذْنا،﴾ والأول أقوى. ﴿الصّادِقِينَ:﴾ مفعول به. ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَعَدَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أعد): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به.\n ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة، وجملة: ﴿وَأَعَدَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ من جهة أن بعثة الرسل، وأخذ الميثاق منهم لإثابة المؤمنين، أو هي معطوفة على ما دل عليه ﴿لِيَسْئَلَ﴾ كأن قال:\nفأثاب المؤمنين، وأعد للكافرين.\n<span id=\"aya-3542\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ وهي ما امتن الله به عليهم من خيبة المشركين من كفار قريش، وحلفائهم من قبائل غطفان، وفزارة، وقبائل اليهود الذين تحالفوا، وتعاقدوا على استئصال المسلمين في المدينة المنورة. ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ:﴾ يعني: القبائل المذكورة الذين تحزبوا على عداوة رسول الله ﷺ، وحربه. ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا:﴾ يعني: الصّبا،","vol":"7","page":441},{"text":"وهي الآتية من الجهة الشرقية، وقد قيل فيها: الصبا ريح، فيها روح، ما هبت على محزون؛ إلا ذهب حزنه. وعن ابن عباس﵄عن النبي ﷺ قال: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». متفق عليه، والدّبور: الريح الآتية من جهة المغرب.\nفبعث الله على قريش في تلك الليلة ريحا باردة عاتية، فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الخيم؛ التي أقاموها، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض. ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها:﴾ هم الملائكة الذين ألقوا الرعب في قلوب المشركين، وكبروا في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل خباء، يقول: يا بني فلان هلمّ إليّ! فإذا اجتمعوا إليه، قال لهم: النجاء النجاء؛ لما بعث الله عليهم من الرعب، فقال طليحة بن خويلد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء فالنجاء! فانهزموا من غير قتال، ويقرأ: ﴿لَمْ تَرَوْها﴾ بالخطاب للمسلمين المجاهدين، ويقرأ بالياء، أي لم يرها المشركون، فيكون التفاتا من الخطاب إلى الغيبة.\n ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا:﴾ رائيا ما تعملون من حفر الخندق، ومصابرتكم الكفار في الجهاد. ويقرأ بالياء، أي: الله بصير بما يعمل المشركون من التحزب، والكيد، والمحاربة، ويكون من جملة الالتفات، وخذ ما يلي:\nغزوة الخندق سميت بذلك لحفر الخندق، وتحصن المسلمين داخله، وتسمى: غزوة الأحزاب، سميت بذلك لتحزب قبائل العرب، واليهود من قريش، وتحالفهم معها على استئصال المسلمين في المدينة، ومحو الإسلام. قال موسى بن عقبة: كانت سنة أربع للهجرة، وقال ابن إسحاق: كانت سنة خمس، وبذلك جزم أهل المغازي، ومال البخاري إلى قول موسى بن عقبة، وصادفت شهر آذار سنة ٦٢٧ م.\nوسببها: أنه لما وقع إجلاء بني النضير من المدينة المنورة، واستولى المسلمون على دورهم، وأملاكهم-انظر مطلع سورة الحشر-ذهب جمع منهم، وعلى رأسهم حيي بن أخطب من خيبر؛ حتى قدموا مكة المكرمة، ونزلوا على قريش، وحرضوهم على حرب رسول الله ﷺ، وقالوا: إنا نكون معكم عليه حتى نستأصله! فقال أبو سفيان: مرحبا، وأهلا، وأحب الناس إلينا من أعاننا على حرب محمد، وعداوته! ثم قال لهم أبو سفيان: يا معشر اليهود! إنكم أهل الكتاب الأول، فأخبرونا: أنحن على الحق، أم محمد؟ فقالوا: بل أنتم على الحق، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ..﴾. إلخ الآية رقم [٥٠] من سورة (النساء) وما بعدها.\nهذا؛ وفي موقف اليهود من قريش، وتفضيلهم وثنيتهم على محمد ﷺ، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه: «تاريخ اليهود في بلاد العرب»: كان من واجب هؤلاء اليهود أن لا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وأن لا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي، ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم؛ لأن بني إسرائيل الذين","vol":"7","page":442},{"text":"كانوا منذ عدة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا نكبات لا تحصى: من تقتيل، واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من أدوار التاريخ كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم، وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين؛ هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام، إنما كانوا يحاربون أنفسهم بأنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة؛ التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام، والوقوف منهم موقف الخصومة. انتهى. الدرويش.\nفلما قالوا ذلك لقريش؛ سرهم، ونشطوا لحرب الرسول ﷺ، ثم خرج أولئك اليهود حتى جاءوا غطفان، وقيس بن عيلان، وندبوهم لحرب النبي ﷺ، فأجابوهم، وخرجت قريش، وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان، وقائدهم عيينة بن حصن الفزاري، ولما تهيأ الجميع للخروج؛ ذهب ركب قبيلة خزاعة في أربع ليال حتى أخبروا الرسول ﷺ بما أجمعوا عليه، ولا يبعد أن يكون العباس﵁قد بعث من قبله رسولا إلى المدينة يخبر النبي بذلك.\nفشرع في حفر الخندق بإشارة سلمان الفارسي ﵁، فإنه قال: يا رسول الله! إنا كنا بفارس إذ حوصرنا؛ خندقنا علينا، فعمل فيه النبي ﷺ والمسلمون؛ حتى أحكموه، وكان النبي يقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعا، ومكثوا في حفره خمسة عشر يوما. وقيل: أربعة وعشرين.\nوقيل: شهرا، فلما فرغوا من حفره؛ أقبلت قريش بجموعها، وحلفائها، وجملتهم اثنا عشر ألف مقاتل، فنزلوا حول المدينة، والخندق بينهم وبين المسلمين، فلما رآه المشركون؛ قالوا: هذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها. وأخذوا يترامون ويتراشقون مع المسلمين بالنبل، ومكثوا في ذلك الحصار خمسة عشر يوما، وقيل أربعة وعشرين يوما، واشتد الخوف على المسلمين.\nثم إن نعيم بن مسعود﵁من غطفان جاء ليلا إلى النبي ﷺ، وقال له: إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له الرسول ﷺ: «إنما أنت رجل واحد، ابق مع قومك، وخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة». فخرج﵁حتى أتى بني قريظة؛ الذين نقضوا العهد مع الرسول ﷺ، وانضموا إلى قريش وحلفائها، وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة! قد عرفتم ودّي إياكم، ونصحي لكم! قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم. فقال: إن قريشا، وغطفان جاءوا لحرب محمد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم، به أموالكم، وأولادكم، ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا، وغطفان أموالهم، وأبناؤهم، ونساؤهم بغيره، إن رأوا نهزة، وغنيمة؛ أصابوها، وإن كان غير ذلك؛ لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين هذا الرجل، والرجل ببلدكم، لا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم؛ حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا؛ حتى تناجزوه! قالوا: لقد أشرت برأي، ونصح.","vol":"7","page":443},{"text":"ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان، ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي إياكم، وفراقي محمدا، فقد بلغني أمر رأيت حقا عليّ أن أبلغكم نصحا لكم، فاكتموا عليّ! قالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم، وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش، وغطفان رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم؛ فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.\nثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان! أنتم أهلي وعشيرتي، وأحب الناس إليّ، ولا أراكم تتهمونني، قالوا: صدقت! قال: فاكتموا عليّ! قالوا: نفعل، فقال لهم: مثل ما قال لقريش، وحذرهم مثل ما حذرهم. ثم إن أبا سفيان، ومن على شاكلته أرسلوا إلى بني قريظة يقولون لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف، والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا، وبينه، فأرسلوا إليهم: لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا؛ حتى نناجز محمدا، فإننا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تسيروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل، ولا طاقة لنا بذلك من محمد. فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش، وغطفان: تعلمنّ والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحقّ! فأرسلوا إلى بني قريظة، والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا! فإن كنتم تريدون القتال؛ فاخرجوا، فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة؛ انتهزوها، وإن كان غير ذلك؛ شمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم، وبين الرجل في بلدكم. فأرسلوا إلى قريش، وغطفان إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا! فأبوا عليهم، وخذل الله ﷿ بينهم. رضي الله عنك، وأرضاك يا نعيم بن مسعود!\nثم بعث الله الرياح في ليلة شاتية، شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح آنيتهم. فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح، وجنود الله بهم، فقال: يا معشر قريش! إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع، والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا، فإني مرتحل. ورجعوا خائبين، كما قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا..﴾. إلخ. وانظر شرح الآيات آية آية؛ يتضح لك ذلك أكثر، فأكثر.\nوالله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و(ها): حرف تنبيه، لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من: (أيها)، أو عطف بيان","vol":"7","page":444},{"text":"عليه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَةَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿نِعْمَةَ،﴾ أو هو متعلق بالفعل ﴿اُذْكُرُوا﴾ على أنه بدل اشتمال من ﴿نِعْمَةَ،﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً﴾ في الآية رقم [١٠٣] من سورة (آل عمران). ﴿جاءَتْكُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والكاف مفعول به.\n ﴿جُنُودٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. (أرسلنا): فعل، وفاعل.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رِيحًا:﴾ مفعول به. ﴿وَجُنُودًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَوْها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والفعل بصري، فاكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: (جنودا)، وجملة: ﴿فَأَرْسَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان):\nفعل ماض ناقص. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَصِيرًا﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها، صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nبالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بصيرا بعملكم. ﴿بَصِيرًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، فتكون في محل جر أيضا. هذا؛ ويقرأ الفعل:\n ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياء، فيكون في الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة، وهو مما يرجح الاستئناف.\n\n<span id=\"aya-3543\"></span>﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ:﴾ الخطاب للمسلمين الصادقين، وضمير الغيبة للمشركين:\nقريش، وحلفائها. والمراد بالجاءين من فوق-أي: من أعلى الوادي من جهة المشرق-: بنو غطفان، وبنو أسد، وبنو فزارة. والمراد بالجاءين من أسفل-أي: من أسفل الوادي من جهة المغرب-: قريش وجاء أبو الأعور السلمي، ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة؛ الذين نقضوا العهد، والميثاق مع النبي ﷺ. هذا؛ والفعل: «جاء» يستعمل متعديا إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما هنا، ولازما: إذا كان بمعنى: حضر، وأقبل، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾.","vol":"7","page":445},{"text":"﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ:﴾ مالت عن مستوى نظرها حيرة، وشخوصا، فلم تلتفت إلا إلى عدوها دهشا من شدة الهول. ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ أي: زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر، وهي الحلاقيم، واحدها: حنجرة، وذلك من شدة الخوف، فإن الرئة تنتفخ من شدة الروع، فترتفع إلى رأس الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم، مدخل الطعام، والشراب.\nوقيل: إنه مثل يضرب من شدة الخوف ببلوغ القلوب الحناجر، وإن لم تزل عن أماكنها مع بقاء الحياة. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ أي: الأنواع المختلفة من الظن، فظن المؤمنون الصادقون، الثبت القلوب: أن الله منجز وعده في إعلاء دينه، وظن الضعاف الإيمان، والمنافقون: أن المسلمين يستأصلون. والآيات التالية تقص علينا ما تفوهوا به من كلام، وما ظهر منهم من نفاق.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ..﴾. إلخ. ﴿جاؤُكُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله.\nوالجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والكاف في محل جر بالإضافة. (من أسفل):\nمعطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَسْفَلَ﴾. ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوف على ما قبله. ﴿زاغَتِ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَبْصارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: ﴿وَبَلَغَتِ..﴾. إلخ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿وَتَظُنُّونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تظنون): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الظُّنُونَا:﴾ مفعول به، أو هو مفعول مطلق على اعتباره جمع الظن، والألف للإطلاق، وجملة: ﴿وَتَظُنُّونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، والمضارع بمعنى الماضي، كما هو ظاهر؛ ليتناسب المتعاطفان.\n\n<span id=\"aya-3544\"></span>﴿هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ:﴾ امتحنوا، واختبروا؛ ليتبين المخلص من المنافق، وكان هذا الابتلاء بالخوف، والقتال، والجوع، والبرد، والمحاصرة، والنزال. ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ أي: حركوا تحريكا عظيما. قال الزجاج: كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر، والفتح، نحو قلقلته قلقالا وقلقالا، وزلزلوا زلزالا وزلزالا، والكسر أجود؛ لأن غير المضاعف على الكسر، نحو: دحرجته دحراجا.\nالإعراب: ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، أو على المكانية-وهو أقوى-متعلق بالفعل بعده، وأجيز تعليقه ب: ﴿الظُّنُونَا،﴾ وعليه فالوقف على آخره، وعلى الأول فالوقف على ﴿الظُّنُونَا،﴾ وهو الأقوى. واللام للبعد، والكاف حرف","vol":"7","page":446},{"text":"خطاب، لا محل له. ﴿اُبْتُلِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ نائب فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿زِلْزالًا:﴾\nمفعول مطلق. ﴿شَدِيدًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-3545\"></span>﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ شك، وضعف اعتقاد، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، واستعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا:﴾ إلا وعدا باطلا، وذلك:\nأن طعمة بن أبيرق، ومعتّب بن قشير، وجماعة من المنافقين، قالوا: يعدنا محمد كنوز كسرى، وقيصر، ولا يجرؤ أحدنا أن يخرج للغائط، وإنما قالوا ذلك حينما سمعوا: أن النبي ﷺ وعدهم ذلك عند ضربه الصخرة، وتفتتها، وظهور النار منها، وكانت قد ظهرت في الخندق في الجزء الذي كان يعمل فيه سلمان الفارسي مع جماعة من الصحابة، -﵃ أجمعين-.\nهذا؛ والغرور الذي يغر ويخدع الإنسان مما لا يدوم؛ بل يضمحل بسرعة. و﴿مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ كل شيء يتمتع به الإنسان في دنياه، ويتلذذ به من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، وولد، وزوجة... إلخ، وانظر ﴿الْغُرُورِ﴾ بفتح الغين في الآية رقم [٣٣] من سورة (لقمان).\nوأما ﴿الْمُنافِقُونَ﴾ فهو جمع: منافق، وسمي المنافق منافقا أخذا من نافقاء اليربوع، وهو جحره؛ الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر. هذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب، ويخلف الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة، وما أكثرهم في هذا الزمن، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأمّا الأول؛ فيقال له: نفاق العقيدة، لأنه يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشدّ منه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وقد حذر الرسول ﷺ من نفاق العمل والاتصاف به؛ لأنه يجر إلى نفاق العقيدة، فعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإن صام، وصلّى، وحجّ، واعتمر، وقال: إني مسلم». أخرج بعضه البخاري، وبعضه مسلم، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس ﵁.","vol":"7","page":447},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوف على سابقه. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُنافِقُونَ:﴾ فاعله مرفوع... إلخ. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذ) إليها.\n (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿وَعَدَنَا:﴾ فعل ماض، و(نا):\nمفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿وَرَسُولُهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿غُرُورًا:﴾ مفعول به ثان، وقيل: صفة مفعول مطلق محذوف وهو ضعيف معنى. وجملة: ﴿ما وَعَدَنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3546\"></span>﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ:﴾ من المنافقين، والمراد ب: ﴿طائِفَةٌ﴾ عبد الله بن أبي وأصحابه. وقال القرطبي: هو أوس بن قيظي، والد عرابة بن أوس؛ الذي انتهى إليه الكرم في المدينة في زمن التابعين، وهو الذي يقول في الشماخ: [الوافر] إذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين\nهذا؛ والطائفة: الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل: فريق، ورهط، ونفر... إلخ، وجمعها: طوائف، وقد يطلق لفظ: طائفة على الواحد، وعلى الاثنين، مثل قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٦]: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾.\n ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ:﴾ هي المدينة المنورة، وسماها رسول الله طيبة، وطابة. وقال أبو عبيدة: يثرب: اسم أرض، والمدينة ناحية منها. وقال السهيلي: وسميت يثرب لأن الذي نزلها من العماليق اسمه يثرب بن عميل بن مهلائيل، بن عوض بن عملاق بن لاوذ بن إرم. وبنو عميل هم الذين سكنوا الجحفة، فأجحفت بهم السيول فيها، وبها سميت الجحفة، قال امرؤ القيس: [الطويل] تنوّرتها من أذرعات، وأهلها... بيثرب أدنى دارها نظر عالي\nوقد نهى النبي ﷺ أن تسمى بهذا الاسم لما فيه من التثريب، وهو التقريع، والتوبيخ، كما في قوله تعالى حكاية عن قول يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ،﴾ وقد قال المنافقون: يا أهل يثرب مخالفة لما نهى عنه النبي ﷺ. ﴿لا مُقامَ لَكُمْ:﴾ يقرأ بضم الميم وفتحها على أنه مصدر ميمي، أو اسم مكان بمعنى الإقامة، وأصله: «مقوم» فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.","vol":"7","page":448},{"text":"﴿فَارْجِعُوا﴾ أي: إلى منازلكم هاربين. وقيل المعنى: لا مقام لكم على دين محمد ﷺ فارجعوا إلى الشرك، وسلموا؛ لتسلموا، ويروى: أن يهود بني قريظة قالوا لعبد الله بن أبي ابن سلول، وأصحابه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه، فارجعوا إلى المدينة، فإنا مع القوم، فأنتم آمنون. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ أي: في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة، وهم بنو حارثة بن الحارث. وقيل: هو أوس بن قيظي، وجماعة من قومه.\n ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أي: غير حصينة، وهي ما يلي العدو، ويخشى عليها من السراق.\nوقرئ: «(عورة)» بكسر الواو، يعني: قصيرة الجدران فيها خلل، تقول العرب: دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة. وقد أعور الفارس: إذا بدا فيه خلل للضرب، والطعن. قال الشاعر: [الطويل] متى تلقهم لم تلق في البيت معورا... ولا الضيف مفجوعا ولا الجار مرملا\n ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ:﴾ تكذيب لهم، وردّ عليهم فيما ذكروه، وادّعوه. ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ أي:\nما يريدون إلا الهرب من الحرب، أو من الدين. هذا؛ وحكى النقاش: أن هذه الآية نزلت في قبيلتين من الأنصار: بني حارثة، وبني سلمة، وهموا أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾. ويرده: أن هذا حصل في غزوة أحد، انظر الآية رقم [١٢٢] من سورة (آل عمران). وقال السدي: الذي استأذنه منهم رجلان من الأنصار: أوس بن قيظي، وأبو عرابة بن أوس. قال الضحاك: ورجع ثمانون رجلا بغير إذن.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوف على ما قبله، وقال مكي: العامل فيه، وفي سابقه فعل مضمر، تقديره: واذكر يا محمد إذ يقول، وإذ قالت، وعليه فالظرف مفعول به، أو هو مفعول فيه لهذا المقدر، وقد مر معنا كثير مثله. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿طائِفَةٌ،﴾ وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: (إذ) إليها. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أهل): منادى، وهو مضاف، و﴿يَثْرِبَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿مُقامَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾ والجملة الاسمية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿فَارْجِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فارجعوا. و(ارجعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَيَسْتَأْذِنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يستأذن): فعل مضارع. ﴿فَرِيقٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِيقٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿النَّبِيَّ:﴾ مفعول به، وجملة:","vol":"7","page":449},{"text":"﴿وَيَسْتَأْذِنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بُيُوتَنا:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَوْرَةٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ مفسرة للفعل: (يستأذن)، أو هي في محل نصب حال من ﴿فَرِيقٌ﴾ جوز مجيء الحال منه، وهو نكرة وصفه بالجار والمجرور، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿النَّبِيَّ﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط محذوفا، التقدير: قائلين له: إن بيوتنا عورة. ﴿وَما:﴾ الواو:\nواو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِعَوْرَةٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (عورة): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما هِيَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من بيوتنا، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف نفي بمعنى «ما». ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِرارًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الضمير فقط، وتكون حالا متداخلة من وجه واحد من الأوجه التي رأيتها في محل جملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-3547\"></span>﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيرًا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لو دخلت جيوش المشركين الذين هاجموا المدينة بيوت هؤلاء المنافقين، أو دخلوا شوارع المدينة. ﴿مِنْ أَقْطارِها:﴾ من نواحيها، وجوانبها. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ أي: طلب من المنافقين الفتنة، أي الردة عن الإسلام، والرجعة إلى الكفر، ومقاتلة المسلمين. ﴿لَآتَوْها:﴾ لجاءوها، وفعلوها بسرعة. ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾ أي: وما توقفوا عن إجابة من طلب منهم الفتنة. ﴿إِلاّ يَسِيرًا﴾ أي: وقتا قليلا ريثما يكون السؤال، والجواب من غير توقف. أو المعنى: ما لبثوا في المدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا فإن الله يهلكهم. هذا؛ وقرئ الفعل: «(لآتوها)» بالمدّ؛ أي: لأعطوها بسرعة لمن يطلبها منهم. والمعنى: أنهم يتعللون باعورار بيوتهم؛ ليفروا عن نصرة رسول الله ﷺ، والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب؛ الذين ملئوا قلوبهم رعبا، وخوفا. وهؤلاء الأحزاب كما هم لو دخلوا أرضهم، وديارهم، وعرضوا عليهم الكفر، وقالوا لهم: انقلبوا على المسلمين؛ لسارعوا إليه، وما ذلك إلا لبغضهم الإسلام، وحبهم للكفر، وذلك لما جبلوا عليهم من النفاق، والمداهنة.","vol":"7","page":450},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿دُخِلَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى المدينة، أو إلى بيوتهم حسبما رأيت في الشرح. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَقْطارِها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿دُخِلَتْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿سُئِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْفِتْنَةَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿لَآتَوْها:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (آتوها): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿تَلَبَّثُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والحالية ممكنة، ويؤيدها المعنى من واو الجماعة، فيكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يَسِيرًا:﴾ صفة مفعول مطلق، التقدير: إلا لبثا يسيرا، أو صفة زمان محذوف، التقدير: إلا زمنا يسيرا.\n\n<span id=\"aya-3548\"></span>﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل غزوة الخندق، وبعد غزوة بدر.\nقال قتادة: وذلك: أنهم غابوا عن بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة، والنصر، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن. وقال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة، همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم. انتهى. قرطبي، ومعنى ﴿لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ:﴾ لا يعطون ظهورهم للأعداء منهزمين، والأدبار جمع: دبر، بضم الدال مع ضم الباء وسكونها، وهو الظهر، قال تعالى في سورة (القمر): ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وهو أيضا ضد القبل، والأدبار بمعنى، أواخر الأشياء، قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ بمعنى أعقاب الصلاة، وأواخرها. هذا؛ والإدبار بكسر الهمزة: ضد الإقبال. ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا﴾ أي: إن العبد سيسأل يوم القيامة عن العهد الذي يعطيه على نفسه لله وللناس، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٤]: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم","vol":"7","page":451},{"text":"يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: والله أقسم، أو: وأقسم والله.\nاللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: موطئة، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام، إنما تدخل على: «إن» الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر) افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى:\n ﴿وَالضُّحى،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: ورب الضحى، ورب السماء... إلخ، ويدل على هذا المقدر قوله تعالى في الآية رقم [٢٧] من سورة (الذاريات): ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ..﴾.\nإلخ. وأوضح من ذلك قوله تعالى في الآية رقم [٧١] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ فإن التقدير: فوعزتي وجلالي ما أحد منكم إلا واردها. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عاهَدُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿عاهَدُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُوَلُّونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْأَدْبارَ:﴾ مفعول به ثان، والأول محذوف، التقدير: لا يولون العدو الأدبار، والجملة الفعلية جواب ﴿عاهَدُوا؛﴾ لأنه بمعنى القسم، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿عَهْدُ:﴾ اسم (كان) وهو مضاف، و﴿اللهَ﴾ مضاف إليه. ﴿مَسْؤُلًا:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3549\"></span>﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ أي:\nمن حضر أجله مات، أو قتل فلا ينفع الفرار؛ لأنه لا بد لكل إنسان من الموت، إما حتف أنفه، أو يقتل بالسيف في وقت معين سبق به القضاء، وجرى به القلم، وأيضا لا بد من الموت ولو تحصن الإنسان في القصور الشامخة، أو صعد الجبال العالية، قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا﴾","vol":"7","page":452},{"text":"يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ. ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ﴾ أي: في الدنيا بعد فراركم. ﴿إِلاّ قَلِيلًا:﴾ المعنى: وإن نفعكم الفرار من الحرب، والقتال مع الرسول ﷺ، فتأخر موتكم لم يكن ذلك التأخير، والتمتيع في الدنيا إلا قليلا، وهو مدة انقضاء آجالكم.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت». ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَنْفَعَكُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿الْفِرارُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿فَرَرْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنَ الْمَوْتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿الْقَتْلِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو ظاهر، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِذًا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا):\nحرف جواب وجزاء. ﴿لا تُمَتَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، و﴿لا:﴾ نافية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق، أي تمتيعا قليلا، أو صفة زمان محذوف، أي: زمانا قليلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\nهذا؛ وقدر الجلال في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء) «لو» محذوفة، فيكون التقدير هنا: لو فعلتم الفرار؛ لا تمتعون إلا قليلا. قال الجمل معلقا على قول الجلال هناك: (إذا) حرف جواب، وجزاء يقدر: ب: «لو» الشرطية كما فعل الشارح، وعبارة السمين: (إذا) حرف جواب، وجزاء، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها، وقوله: ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ أي: في سورة (الإسراء):\nجواب قسم محذوف، تقديره: والله لاتخذوك... إلخ.\nهذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: والأكثر أن تكون جوابا ل: «إن»، أو «لو» مقدرتين، أو ظاهرتين، فالأول كقول كثير عزة: [الطويل] لئن جاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها، إذا لا أقيلها\nوهذا هو الشاهد رقم [١٩] من كتابنا فتح القريب المجيب. وقول قريط بن أنيف: [البسيط] لو كنت من مازن لم تستبح إبلي... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا\nإذا لقام بنصري معشر خشن... عند الحفيظة، إن ذو لوثة لانا\nوهذا هو الشاهد رقم [٢٠] من الكتاب المذكور. هذا؛ وقال الفراء: حيث جاءت بعدها اللام، فقبلها «لو» مقدرة؛ إن لم تكن ظاهرة، وهذا هو القول الفصل انتهى. أقول: وهو يريد لام التوكيد، ولا النافية مثلها. هذا؛ ويبقى الكلام المقدر، والمذكور في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":453},{"text":"<span id=\"aya-3550\"></span>﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ أمر للنبي ﷺ. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ:﴾ يمنعكم من الله. ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا:﴾ في أنفسكم من قتل، أو غيره. ﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ أي: إطالة عمر في عافية وسلامة. ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا:﴾ ينفعهم. ﴿وَلا نَصِيرًا:﴾ يدفع الضر عنهم. ولا تنس الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.\nقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة، ولا عصمة إلا من السوء؟! قلت: معناه: أو يصيبكم بسوء، إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام، وقال الشاعر: [مجزوء الكامل] ورأيت زوجك في الوغى... متقلّدا سيفا ورمحا\nأو: حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع، وانظر ما أذكره في الآية رقم [٩] من سورة (الحشر) إن شاء الله تعالى. هذا؛ والولي: هو الذي يتولى شئون غيره، والنصير: المعين، والمساعد، والفرق بينهما: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله:\nالعارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات. ووجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا: هو من يتولى الله رعايته، وحفظه، فلا يكله إلى غيره، ونفسه لحظة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. والوجه الثاني: أنه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى راحم، وعالم، فعلى هذا: هو من يتولى عبادة الله تعالى، من غير أن يتخللها عصيان، أو فتور. وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بولي؛ بل هو مغرور مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمة الطريقة-رحمهم الله تعالى-. انتهى. من شرح ألفاظ الزبد للشيخ أحمد بن حجازي الفشني-رحمه الله تعالى-.\nهذا؛ وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب».\nأما الإرادة: فهي نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه. ويقال للقوة؛ التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته ﷾، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال","vol":"7","page":454},{"text":"الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر. هذا؛ ولم يرد لفعل الإرادة، ولا لفعل المشيئة أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وقد كثر حذف مفعول هذين الفعلين حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه، ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» وليس كذلك.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر. ﴿الَّذِي:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿ذَا﴾ أو بدل منها، وجوز أن يكون: ﴿مَنْ ذَا﴾ اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿يَعْصِمُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سُوءًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿وَلِيًّا﴾ أو ﴿نَصِيرًا﴾ على التنازع، أو بمحذوف حال من أحدهما، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما تعلق به: ﴿لَهُمْ﴾. وأجيز اعتبار ﴿لَهُمْ﴾ مفعولا ثانيا، وهو وجه ضعيف. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرًا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَلا يَجِدُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3551\"></span>﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ أي: المثبطين الناس عن رسول الله ﷺ، وهم عبد الله بن أبيّ وأصحابه المنافقون. هذا؛ والتعويق: المنع، والصرف، وهو للمبالغة. ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ﴾ من ساكني المدينة. ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ أي: ارجعوا إلينا، ودعوا محمدا ﷺ، فلا تشهدوا","vol":"7","page":455},{"text":"معه الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك، وما محمد، وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما؛ لالتهمهم أبو سفيان، وأصحابه! دعوا الرجل؛ فإنه هالك!.\nوالآية نزلت في المنافقين بلا ريب، وذلك: أن اليهود أرسلوا إليهم حين أقبلت قريش بحلفائها، وحاصروا المدينة المنورة، وقالوا لهم: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان، ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة؛ لم يستبقوا منكم أحدا، وإنا نشفق عليكم، فأنتم جيراننا، وإخواننا هلموا إلينا! فأقبل عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم، ويخوفونهم بأبي سفيان، ومن معه، وقالوا لهم ما تقدم، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا، واحتسابا. ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ:﴾ ولا يحضرون القتال. ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي: إلا زمانا، أو إتيانا قليلا. وقيل: إلا رياء، ومداراة للمؤمنين. والبأس: الحرب.\n ﴿هَلُمَّ:﴾ اسم فعل أمر، بمعنى: احضروا. وفيه لغتان: لغة أهل الحجاز، ولغة بني تميم، فأما لغة الحجاز، وبها جاء التنزيل، فإنها بصيغة واحدة للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، نحو: هلمّ يا زيد، هلمّ يا زيدان، هلمّ يا زيدون، هلمّ يا هندان، هلمّ يا هندات، وهي على هذه اللغة: اسم فعل أمر لعدم تغيرها، والتزمت العرب فيها فتح الميم على هذه اللغة، وهي حركة بناء، بنيت على الفتح تخفيفا. وأما لغة بني تميم، وقد نسبها الليث إلى بني سعد، فتلحقها الضمائر، كما تلحق سائر الأفعال، فيقال: هلمّا يا زيدان، هلمّوا يا زيدون، هلمّي يا هند، هلمّنّ يا هندات. وقال الفراء: يقال هلمّين يا نسوة، وهي على هذه اللغة فعل صريح لا يتصرف. هذا قول الجمهور، وقد خالف بعضهم في فعليتها على هذه اللغة، وليس بشيء، فالتزمت العرب فيها أيضا على لغة بني تميم فتح الميم؛ إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكر، ولم يجيزوا فيها ما أجازوه في:\nردّ، وشدّ، من الضم، والكسر. انتهى. جمل نقلا عن السمين، ومثله في قطر الندى، ولكنه أخصر.\nهذا؛ وأصله عند البصريين: هالمّ من: لمّ إذا قصد، حذفت الألف لتقدير السكون في اللام، فإنه الأصل، وعند الكوفيين أصله: هل أمّ، فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام، وهو بعيد؛ لأن هل لا تدخل على الأمر، ويكون متعديا كما في آية الأنعام رقم [١٥٠]: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ..﴾. إلخ ولازما، كما في الآية التي بين أيدينا: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ والأولى بمعنى:\nأحضروهم من الرباعي، وهنا بمعنى: احضروا من الثلاثي، أو بمعنى: تعالوا. وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضا، وحذف مفعوله، فإنه قال: هلمّوا إلينا، أي: قربوا أنفسكم إلينا. وأخيرا أقول: وهو جامد على الاعتبارين، لا يأتي منه مضارع، أو اسم مضارع، ولا ماض، ولا اسمه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق هنا. ومفيد للتكثير. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله. ﴿الْمُعَوِّقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر","vol":"7","page":456},{"text":"سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿الْمُعَوِّقِينَ،﴾ أو بمحذوف حال من فاعله المستتر، وجملة: ﴿قَدْ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (القائلين): معطوف على ﴿الْمُعَوِّقِينَ،﴾ وفاعله مستتر فيه أيضا.\n ﴿لِإِخْوانِهِمْ:﴾ متعلقان ب: (القائلين)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هَلُمَّ:﴾ اسم فعل أمر مبني على الفتح، والفاعل مستتر فيه، وانظر الشرح. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هَلُمَّ،﴾ وجملة: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال. (لا): نافية.\n ﴿يَأْتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿الْبَأْسَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، أو صفة زمان محذوف، انظر الشرح، وجملة: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ وما بعده، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، والأول أقوى.\n\n<span id=\"aya-3552\"></span>﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ:﴾ بخلاء عليكم بالمعاونة، والمساعدة، أو: بالنفقة في سبيل الله، أو: بالغنيمة، أي: فإنهم يطالبون بها بإلحاح، ولا يعفون عن شيء منها، و﴿أَشِحَّةً:﴾ جمع صحيح، وهو شديد البخل، مثل رغيف، وأرغفة، ولكن نقلت حركة الحاء الأولى إلى الشين، وأدغمت في الحاء الثانية، وأصله: أشححة، وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه، ولامه من واد واحد أن يجمع على: أفعلاء، نحو خليل، وأخلاء، وظنين، وأظناء، وضنين، وأضناء، وقد سمع أشحاء، وهو القياس. ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ﴾ أي: من قتال العدو؛ إذا أقبل، أو من النبي ﷺ؛ إذا غلب أعداءه، فإنهم يخافون أن يبطش بهم بعد فراغه من أعدائه.\n ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: في تلك الحالة حالة الخوف. ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: في أحداقهم من شدة الخوف، وشدة الجبن، والهلع. ﴿كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي قرب من الموت، وغشيته أسبابه فإنه يذهب عقله، ويشخص بصره، فلا يطرف، وذلك من شدة سكرات الموت. ﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ أي: زال الخوف عنهم، وأمنوا، وحيزت الغنائم، وقسمت. ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ:﴾ رموكم، وتناولوكم بألسنة ذربة حادة تفعل كفعل الحديد. قال ابن عباس﵄-: معناه: عضوكم، وتناولوكم بالطعن، والغيبة.\nوقيل: بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا! أعطونا! فإنا شهدنا معكم","vol":"7","page":457},{"text":"القتال، فلستم بأحق بالغنيمة منا، فهم عند الغنيمة أشجع قوم! وعند الحرب أجبن قوم! وفي قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ استعارة مكنية حيث شبه اللسان بالسيف، ثم حذف المشبه به، واستعار شيئا من خصائصه، وهو الضرب المعبر عنه ب: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾.\n ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: يشاحون المؤمنين، ويخاصمونهم عند الغنيمة، قاله يحيى بن سلام. وقيل: أشحة على المال أن ينفقوه في سبيل الله؛ قاله السدي. ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي:\nلم يؤمنوا حقيقة الإيمان، وإن نطقوه بألسنتهم، ولكنه لم يدخل سويداء قلوبهم. والإشارة إلى المنافقين الذين تتحدث الآيات السابقة عنهم. ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ:﴾ أبطل ثواب أعمالهم؛ التي كانوا يأتون بها مع المسلمين، من إنفاق بعض المال رياء، وحضور القتال خوفا من توبيخ المسلمين لهم، وتقريعهم إياهم. ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا:﴾ وكان إحباط أعمالهم على الله هينا.\nوقيل: كان نفاقهم على الله هينا، وسهلا.\nقال الزمخشري: كل شيء على الله يسير، فما معنى: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا؟﴾ قلت:\nمعناه: أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف. هذا؛ وقد بين الله في سورة (النور) وفي سورة (الفرقان) أن أعمال الكفار الصالحة في نظرهم، إنما هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وهي هباء منثور لا قيمة لها عند الله، ولا تنفع أصحابهم شيئا، والنفاق أشد كفرا، كما صرحت به الآيات الكثيرة. هذا؛ وقال أبو السعود: (أحبط أعمالهم):\nأظهر بطلانها؛ إذ ليس لهم أعمال صحيحة حتى تحبط، أو المراد: أبطل تصنعهم، ونفاقهم فلم يبق مستتبعا لمنفعة دنيوية أصلا. انتهى.\nهذا؛ وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب حبطا بالسكون، وحبوطا:\nفسد، وهدر، وحبط، يحبط من باب ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ، وحبط دم فلان حبطا من باب: تعب: هدر، وأحبطت العمل، والدم-بالألف-: أهدرته. وفي المختار: والحبط -بفتحتين-: أن تأكل الماشية، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها. وقيل:\nهو أن ينتفخ بطنها عن أكل الذرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث: «إنّ ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الداء: حباط. والفعل: حبط لازم، ويتعدى بالهمزة، كما رأيت في الآية.\nالإعراب: ﴿أَشِحَّةً:﴾ حال من فاعل: ﴿يَأْتُونَ،﴾ أو من الضمير المستتر في ﴿الْمُعَوِّقِينَ،﴾ أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، والمعتمد الأول. هذا؛ ويقرأ بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم أشحة. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿جاءَ الْخَوْفُ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿رَأَيْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به،","vol":"7","page":458},{"text":"والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَدُورُ:﴾ فعل مضارع. ﴿أَعْيُنُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة. ﴿كَالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، أي: ينظرون إليك نظرا مثل نظر الذي يغشى عليه. أو التقدير:\nتدور أعينهم دورانا مثل دوران عين الذي يغشى عليه. فبعد الكاف محذوفان، وهما: دوران، وعين، وعليه ابن هشام في المغني. ﴿يُغْشى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور في محل نائب فاعل. وقيل: نائب الفاعل ضمير مصدر الفعل، التقدير: ويغشى الغشيان المعهود. وعليه: فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر الآية رقم [٥٤] من سورة (سبأ)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْمَوْتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من الضمير المجرور ب (على) غير مستبعد.\n ﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب ما قبلها، جملة، وإفرادا.\n ﴿سَلَقُوكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب: (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿بِأَلْسِنَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حِدادٍ:﴾ صفة (ألسنة). ﴿أَشِحَّةً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿عَلَى الْخَيْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَشِحَّةً﴾. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَحْبَطَ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (أحبط):\nماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم (كان)، فهو اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَسِيرًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من عطفها على ما قبلها.\nوقيل: في محل نصب حال، وليس بشيء.","vol":"7","page":459},{"text":"<span id=\"aya-3553\"></span>﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿يَحْسَبُونَ:﴾ يظنون. ﴿الْأَحْزابَ﴾ أي: قريشا، وغطفان، واليهود. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أي: لم يرجعوا خائبين بدون ظفر بالمسلمين، ولكنهم جبنوا هم، وانهزموا، ففروا إلى داخل المدينة، والمراد: المنافقون المذكورون في الآية رقم [١٢] وما بعدها. هذا؛ والأحزاب جمع:\nحزب، وهو في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، يعني: أهمه، ونزل به. أما الفعل «حسب» فهو من باب: تعب في لغة جميع العرب إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس. وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا، من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا.\n ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ﴾ أي: يرجعوا إليهم للقتال بعد أن ولوا الأدبار. ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ أي: تمنوا أنهم خارجون إلى البادية، ومقيمون بين الأعراب، وذلك لشدة جبنهم، وخوفهم. ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ أي: يسألون كل قادم من جهة المدينة عن أخباركم، وما جرى لكم مع أعدائكم. ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ أي: موجودين في المدينة معكم. ﴿ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي: إلا قتالا قليلا، أو: إلا زمانا قليلا.\n ﴿الْأَعْرابِ:﴾ جمع أعرابي، وهو من يسكن البادية، وهو ما في «القاموس». وقيل:\nالأعراب: اسم جنس، وأعرابي نسبة إلى الأعراب. انتهى. مختار الصحاح. هذا؛ والعرب:\nأهل الأمصار، وهو أيضا اسم جنس، والنسبة إليهم عربي. فالأعرابي على الأول مفرد:\nالأعراب، ونسبة إليهم، والعربي على الثاني مفرد: العرب، ونسبة إلى العرب.\nالإعراب: ﴿يَحْسَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿الْأَحْزابَ:﴾ مفعول به أول. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَذْهَبُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿يَحْسَبُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب حال من أحد الضمائر المتقدمة؛ إذا صح المعنى، ولو بعد العامل.\nأفاده أبو البقاء. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿الْأَحْزابَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَوَدُّوا:﴾ جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف","vol":"7","page":460},{"text":"النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بادُونَ:﴾ خبر: (أن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْأَعْرابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بادُونَ،﴾ و: (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: لو ثبت: أنهم بادون، و(لو) والفعل المقدر ب: «ثبت» في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ل: ﴿يَوَدُّوا﴾. وجملة: ﴿يَوَدُّوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿يَسْئَلُونَ:﴾ مضارع وفاعله، ومفعوله الأول محذوف، تقديره: الناس ونحوه.\n ﴿عَنْ أَنْبائِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَسْئَلُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿يَوَدُّوا﴾ وأجيز اعتبارها مستأنفة، والأول أقوى.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾\nماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قاتَلُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، أو صفة زمان محذوف، انظر الشرح، وجملة: ﴿ما قاتَلُوا..﴾. إلخ جواب: (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وقيل:\nفي محل نصب حال. ولا وجه له؛ لأن «لو» لتعليق الشرط في المستقبل، كما هو مشهور فيها.\n\n<span id=\"aya-3554\"></span>﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة صالحة، أي: اقتدوا به اقتداء حسنا، وهو أن تنصروا دين الله، وتؤازروا رسوله، ولا تتخلوا عنه في الحرب، وتصبروا على ما يصيبكم، كما فعل هو؛ إذ قد كسرت رباعيته، وشج وجهه، وقتل عمه في غزوة أحد، وأوذي بضروب الأذى فصبر، وواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا مثله، واستنوا بسنته. ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ أي: يرجو رحمته، ومثله: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: عذابه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾. ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ:﴾ هو آخر يوم من أيام الدنيا، فيه الحشر، والنشر، والميزان، والصراط، إلى دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار. ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ أي: ذكرا كثيرا بقلبه، وبلسانه في جميع المواطن على السراء، والضراء، والشدة، والرخاء. وقرن بالرجاء","vol":"7","page":461},{"text":"كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول ﷺ كذلك. هذا؛ و«الرجاء» في الأصل: الأمل في الشيء، والطماعية فيه، قال الشاعر: [الوافر] أترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب؟\nوقد يأتي الرجاء بمعنى الخوف، وبه فسر قوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ ... إلخ وغيرها كثير، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسال؛ أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل\nوقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد؛ أي النفي، كقوله تعالى:\n ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا﴾. وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، ونحوه. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي رَسُولِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، و﴿رَسُولِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُسْوَةٌ:﴾\nاسم كان مؤخر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ صفة ﴿أُسْوَةٌ،﴾ وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو هي جواب القسم المقدر، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من ﴿لَكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿حَسَنَةٌ﴾ وهو المعتمد عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون إبدال الغائب من المخاطب، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿يَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿اللهِ:﴾\nمنصوب على التعظيم. ﴿وَالْيَوْمَ:﴾ معطوف عليه. ﴿الْآخِرَ:﴾ صفة: (اليوم) وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، وما تقدم مذكور بحروفه في سورة (الممتحنة) رقم [٦]. (ذكر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (من) أيضا. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم أيضا. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، وجملة: ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ معطوفة على جملة ﴿كانَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-3555\"></span>﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ﴾ أي: قريشا، وحلفاءها، وقد نزلوا حول المدينة، وعسكروا. ﴿قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ:﴾ يريد قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ﴾","vol":"7","page":462},{"text":"تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ... إلخ، وقول النبي ﷺ:\n «سيشتدّ الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم». وكان قد قال لهم أيضا: «إنهم سائرون إليكم بعد تسع، أو عشر». قاله قتادة.\n ﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ:﴾ روى كثير بن عبد الله، بن عمرو المزني عن أبيه، عن جده، قال:\nخطب رسول الله ﷺ عام جاءت الأحزاب، فقال: «أخبرني جبريل﵇أن أمتي ظاهرة عليها-يعني على قصور الحيرة، ومدائن كسرى-فأبشروا بالنصر!». فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله، موعد صادق؛ إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر. فطلعت الأحزاب، فقال المؤمنون: ﴿هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾. وقولهم هذا في مقابلة قول المنافقين:\n ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا﴾. وقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ ليس إشارة إلى ما وقع، فإنهم كانوا يعرفون صدق الله ورسوله قبل الوقوع، وإنما هو إشارة إلى البشارة في جميع ما وعد، مثل فتح مكة، وفتح بلاد الروم، وبلاد فارس.\n ﴿وَما زادَهُمْ﴾ أي: البلاء، أو شدة الخطب، أو الذي رأوه من مجيء الأحزاب، أو الوعد، أو الصدق. ﴿إِلاّ إِيمانًا:﴾ بالله ﴿وَتَسْلِيمًا:﴾ لحكمه، وإرادته. هذا؛ والفعل «زاد» ضد: نقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدا، فدرهما ومدا تمييز، ومثله قل في «نقص» فمن المتعدّي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.\nتنبيه: في إعادة الاسمين وتكريرهما التعظيم، والتكريم، ولأنه لو أعادهما مضمرين، لجمع بين اسم الله تعالى، واسم رسوله في لفظة واحدة، فكان يقول: وصدقا، والنبي ﷺ قد كره ذلك، ورد على من قاله، حيث قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما؛ فقد غوى» فقال له: «بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله؛ فقد غوى». قصدا إلى تعظيم الله، وعليه استشكل بعضهم قوله ﷺ: «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله، أحبّ إليه مما سواهما... إلخ». الحديث رواه أنس بن مالك، ﵁، فقد جمع بينهما في ضمير واحد، وأجيب بأن النبي ﷺ أعرف بقدر الله منا، فليس لنا أن نقول كما يقول. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو حرف استئناف. (لما): حرف وجود عند سيبويه. وبعضهم يقول:\nحرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿رَأَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.","vol":"7","page":463},{"text":"﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الْأَحْزابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿قالُوا:﴾\nماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿لَمّا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿وَعَدَنَا:﴾ ماض، و(نا): مفعوله الأول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿لَمّا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط، وهو المفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير:\nالذي، أو: شيء وعدنا الله إياه، أو به، وجملة: ﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾.\nإلخ جواب (لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿زادَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى «الوعد»، أو إلى «الصدق»، أو إلى «البلاء»، أو إلى «الرؤية»، وإنما ذكّر لأن تأنيثها غير حقيقي، وكل ذلك مفهوم مما قبله، وقرأ ابن أبي عبلة: «(وما زادوهم)» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿إِيمانًا:﴾ مفعول به ثان. (تسليما): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَما زادَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3556\"></span>﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ:﴾ من الثبات مع الرسول ﷺ، والمقاتلة لإعلاء الدين، وهم رجال من الصحابة نذروا: أنهم إن أدركوا حربا مع رسول الله؛ ثبتوا، وقاتلوا حتى يستشهدوا، وكانوا تخلفوا عن غزوة بدر الكبرى، فعن أنس بن مالك﵁قال:\nغاب عمي أنس بن النضر﵁عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله! غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ثانية ليرينّ الله ما أصنع! فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء-يعني: أصحابه-وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء-يعني المشركين-ثم تقدم فاستقبله سعد بن مالك، فقال: يا أبا عمرو أين؟ فقال:\nواها لريح الجنة، أجده دون أحد! فقاتل؛ حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة، وطعنة، ورمية، فقالت عمتي الرّبيّع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت فيه وفي أشباهه من المؤمنين هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ..﴾. إلخ.","vol":"7","page":464},{"text":"﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ:﴾ وفى نذره بأن قاتل؛ حتى قتل، كحمزة، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر، وغيرهم، رضوان الله عليهم. والنحب: النذر، استعير للموت؛ لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان، قال لبيد ﵁: [الطويل] ألا تسألان المرء ماذا يحاول... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل؟\nوقال القرطبي: النحب: النذر، والعهد، والموت، والحاجة، والمدة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ أي: من بقي من المؤمنين ينتظر أحد الأمرين: إما الشهادة، وإما النصر على الأعداء. ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي: وفوا بعهودهم، ولم ينقضوها، ولم يغيروا شيئا مما عاهدوا الله، ورسوله عليه.\nعن خباب بن الأرت﵁قال: «هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنّا من مات، ولم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، وترك نمرة، وكنا إذا غطّينا بها رأسه؛ بدت رجلاه، وإذا غطّينا بها رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطّي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر. ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها» متفق عليه. النمرة: كساء ملون من صوف، وقوله: «منا من أينعت له ثمرته»، أي: أدركت ونضجت له ثمرته، وهذه استعارة لما فتح الله عليهم من الدنيا، وقوله: يهدبها؛ أي: يجتنيها، ويقطعها.\nتنبيه: الشهداء على ثلاثة أنواع: شهيد الدنيا، وشهيد الآخرة، وشهيد الدنيا والآخرة، فالأول: من قاتل للسمعة، والشهرة، أو للمغنم، أو كان غير كامل الإيمان، فهذا تجري عليه أحكام الشهيد في الدنيا، فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه؛ بل يلف بثيابه، وبدمه، ويدفن في الأرض إن عثر على جثته، أو على شيء منها. أما شهيد الآخرة فقط، فهو ما رواه الطبراني عن عبد الله بن عباس﵄-، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما تعدّون الشهيد فيكم؟». قلنا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله، قال: «إنّ شهداء أمتي إذا لقليل، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، والمتردّي شهيد، والنفساء شهيد، والغريق شهيد، والسّلّ شهيد، والحريق شهيد، والغريق شهيد». هذا؛ وورد في أحاديث كثيرة: «المبطون شهيد، والميت بالطاعون شهيد». وعن سعيد بن زيد﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد». رواه أبو داود، وغيره. أما شهيد الدنيا، والآخرة؛ فهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله، تجري عليه أحكام الشهادة في الدنيا، وفي الآخرة في أعلى عليين، وفي آية البقرة رقم [١٥٤]، وفي آية آل عمران رقم [١٦٩] بيّن الله مقام الشهداء المخلصين، وما أعده لهم من الأجر العظيم، والثواب العميم.\nالإعراب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِجالٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿صَدَقُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة","vol":"7","page":465},{"text":"الفعلية في محل رفع صفة ﴿رِجالٌ﴾. ﴿ما:﴾ مصدرية، وتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: صدقوا عهدهم مع الله. واعتبار (ما) موصولة فلا بأس به، وتكون الجملة بعدها صلتها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مِنَ،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿نَحْبَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة:\n ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها هذا هو الإعراب الظاهر، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور (منهم):\nمبتدأ، و﴿مِنَ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: فبعض المؤمنين، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى:\n ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ من الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران)، فعطف (أكثرهم) على (منهم) يؤيد: أن معناه بعضهم. وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ (منهم) بما هو مبتدأ، أعني: لفظة: «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ و«ليوث» جمع: ليث، وهو الأسد. «لا ترام»: لا تقصد.\n «قمشت»: جمعت من هنا، وهناك؛ والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء، والجملة الاسمية: (منهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. وجملة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ما): نافية. ﴿بَدَّلُوا:﴾ ماض والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، التقدير: وما بدلوا العهد. ﴿تَبْدِيلًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3557\"></span>﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: أمر الله بالجهاد؛ ليثيب المؤمنين الصادقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ:﴾ الذين أخلفوا الله ما وعدوه، وبما كانوا يكذبون. ﴿إِنْ شاءَ﴾ أي: إن شاء أن يعذبهم؛ أي: لم يوفقهم للتوبة، وإن لم يشأ أن يعذبهم؛ وفقهم للتوبة قبل موتهم. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا:﴾ انظر الآية رقم [١].","vol":"7","page":466},{"text":"الإعراب: ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وقال أبو البقاء: لام العاقبة. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الصّادِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿بِصِدْقِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، أي: أمر الله بالجهاد ليجزي... إلخ. وقال أبو البقاء: متعلقان ب (صدق) أو ب: ﴿زادَهُمْ،﴾ أو ب (ما بدلوا)، والمعنى: على الأول أقوى.\n ﴿وَيُعَذِّبَ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله، منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾.\n ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والمفعول محذوف، وجواب الشرط محذوف أيضا، التقدير: إن شاء تعذيبهم؛ عذبهم. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتُوبَ:﴾\nمضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وحذف شرط آخر، لدلالة الأول عليه انظر الشرح. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١]. والجملة الشرطية معترضة بين الفعلين المتعاطفين.\n\n<span id=\"aya-3558\"></span>﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: قريشا، وحلفاءهم. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ أي: لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا من القضاء على الإسلام، والمسلمين في المدينة المنورة؛ بل رجعوا خائبين. ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا:﴾ ظفرا بالمسلمين، وسماه الله خيرا بزعمهم، وقصدهم. ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ:﴾ بالملائكة، والرياح؛ التي أرسلها عليهم، كما رأيت في الآية رقم [١٠]. ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ أي: صنع ما يريد، وهو غالب على أمره، ولا يحول شيء دون تنفيذ مراده.\nتنبيه: قرئ قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٤]: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ وقرئ:\n «(الظالمون)» قال الفراء: معنى القراءتين واحد؛ لأن ما نلته فقد نالك، وما نالك فقد نلته.\nخاتمة: وفي صحيحي البخاري، ومسلم: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب، فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم، وزلزلهم».\nوقام ﷺ في الناس، فقال: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتم العدو؛ فاصبروا، واعلموا: أن الجنة تحت ظلال السيوف». أي: السبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيف في سبيل الله، ودعا ﷺ بقوله: «يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرين، اكشف همي، وغمي، وكربي، فإنك ترى ما نزل بي، وبأصحابي». وقال له المسلمون: هل من","vol":"7","page":467},{"text":"شيء نقوله، فقد بلغت الروح الحناجر، قال: «نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا».\nفأتاه جبريل ﵊، فبشره: أن الله يرسل عليهم ريحا، وجنودا، وأعلم ﷺ أصحابه، وصار يرفع يديه، ويقول: «شكرا شكرا، كما رحمتني، ورحمت أصحابي».\nوجاء: أنه ﷺ كان قد دعا يوم الإثنين والثلاثاء، ويوم الأربعاء، واستجيب له ذلك اليوم الذي هو يوم الأربعاء، بين الظهر والعصر، فعرف السرور في وجهه. ومن ثمّ كان جابر يدعو في مهماته في ذلك اليوم في ذلك الوقت، ويتحرى ذلك اليوم. وأما الأحاديث التي وردت بذم يوم الأربعاء، فمحمولة على آخر أربعاء في الشهر؛ فإنه روي: أن فرعون قد ولد في ذلك اليوم، وادعى الربوبية فيه، وأهلكه الله فيه، وهو اليوم الذي ابتلي فيه أيوب على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انتهى. زيني دحلان بتصرف.\nهذا؛ ويوم الأربعاء هو اليوم الأول والآخر من الأيام الثمانية التي أرسل الله فيها الرياح على قوم عاد، وسماها الله في سورة (فصلت) رقم [١٦] أياما نحسات، وقال في سورة (القمر) عن يوم الأربعاء: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ فإن قيل: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، فكيف يستجاب فيه الدعاء، والنبي ﷺ قد دعا فيه كما رأيت، واستجيب له فيه؟! والجواب والله أعلم: أنه نحس على الفجار، والمفسدين، كما كانت الأيام النحسات المذكورة في سورة (فصلت) نحسات على الكفار من قوم عاد، لا على نبيهم، والمؤمنين منهم. وإذا كان كذلك؛ لم يبعد أن يمهل الله الظالم من أول يوم الأربعاء، إلى أن تزول الشمس، فإذا أدبر النهار، ولم يحدث توبة، ورجعة؛ استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على الظالم، ودعاء النبي ﷺ إنما كان على الكفار. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَرَدَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (رد): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَرَدَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِغَيْظِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (رد)، وهما مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الاسم الموصول وهو أقوى، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، أو من إضافة اسم المفعول لنائب فاعله. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَنالُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة فهي حال ثانية، أو متداخلة، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَكَفَى﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف.\n (كفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الْقِتالَ:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَكَفَى..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿(رَدَّ اللهُ...)﴾","vol":"7","page":468},{"text":"إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان):\nفعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿قَوِيًّا:﴾ خبر أول. ﴿عَزِيزًا:﴾ خبر ثان، وجملة:\n ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-3559\"></span>﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أي: عاونوا قريشا، وحلفاءها من غطفان، وغيرها. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ وهم بنو قريظة. ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ أي: حصونهم، واحدها: صيصة، قال عبد بني الحسحاس: [الطويل] فأصبحت الثّيران صرعى وأصبحت... نساء تميم يبتدرن الصّياصيا\nومنه قيل لشوكة الحائك؛ التي يسوي بها السّداة واللّحمة: صيصة. قال دريد بن الصمة: [الطويل] فجئت إليه والرّماح تنوشه... كوقع الصّياصي في النسيج الممدّد\nومنه: صيصة الديك التي في رجله. وصياصي البقر: قرونها؛ لأنها تمتنع بها، وربما كانت تركب في الرماح مكان الأسنة، ويقال: جذّ الله صئصئه؛ أي: أصله. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ:﴾ الخوف. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ:﴾ يعني الرجال، يقال: كانوا ستمائة. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا:﴾\nيعني: النساء، والذراري. يقال: كانوا سبعمائة وخمسين.\nروي أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب، ورجع المسلمون إلى المدينة، ووضعوا سلاحهم. أتى على فرسه الحيزوم، والغبار على وجه الفرس، وعلى السرج، فقال: ما هذا يا جبريل؟! قال: من متابعة قريش، فجعل رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه الفرس، وعن سرجه. فقال: يا رسول الله! إن الملائكة لم تضع السلاح، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إليهم، فإن الله داقّهم دقّ البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة. فأذّن في الناس: أن من كان سامعا مطيعا، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة، لقول الرسول ﷺ.\nفحاصرهم خمسا وعشرين ليلة؛ حتى جهدهم الحصار، فقال لهم رسول الله ﷺ: «تنزلون على حكمي؟» فأبوا، فقال: «على حكم سعد بن معاذ؟» فرضوا به، فقال سعد ﵁:\nحكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي ﷺ وقال: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة». ثم استنزلهم، وخندق في سوق المدينة خندقا، وقدمهم،","vol":"7","page":469},{"text":"فضرب أعناقهم. انتهى. من الكشاف باختصار. هذا؛ وقد ذكرت لك في الآية رقم [٢٧] من سورة (الأنفال) قصة أبي لبابة، وهي متعلقة بقصة بني قريظة.\nالإعراب: ﴿وَأَنْزَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تعالى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿ظاهَرُوهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل (أنزل)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (ردّ...) إلخ لا محل لها مثلها. (قذف): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الرُّعْبَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَقَذَفَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَرِيقًا:﴾ مفعول به مقدم. ﴿تَقْتُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مفسرة لقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ بل ومقررة لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3560\"></span>﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ولأصحابه. ﴿أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ:﴾ ضمير الغيبة يعود إلى بني قريظة. روي: أن النبي ﷺ جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالت الأنصار في ذلك، فقال: إنكم في منازلكم. وقال عمر﵁-: أما تخمس، كما خمست يوم بدر؟ قال: «لا إنما جعلت هذه لي طعمة دون النّاس»، قال: رضينا بما صنع الله، ورسوله. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها:﴾ عن الحسن البصري قال: هي فارس، والروم. وعن قتادة قال:\nكنا نتحدث أنها مكة. وعن مقاتل: هي خيبر. وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.\nوهذا ضعيف كما ترى، وما ذكر قبله فقد تحقق الثاني والثالث في عهد الرسول ﷺ، وتحقق الأول في عهد الفاروق، ﵁.\n ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا:﴾ فيه توجيهان: أحدهما: على ما أراده بعباده من نقمة، أو عفو قدير. والثاني: على ما أراد أن يفتحه من الحصون، والقرى قدير؛ قاله النقاش. والأول قاله محمد بن إسحاق. وقدير وقادر: لا ترد قدرته، ولا يجوز عليه العجز تعالى الله عن ذلك.\nهذا؛ وانظر شرح (الدار) في الآية رقم [٣٧] من سورة (القصص) أما الأموال؛ فإنه جمع:\nمال، قال ابن الأثير: المال في الأصل يطلق على ما يملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على","vol":"7","page":470},{"text":"كل ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم. وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسان ﵁: [البسيط] المال تذري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال\nوعن الفضل الضبي: المال عند العرب: الصامت، والناطق، فالصامت: الذهب، والفضة، والجواهر. والناطق: هو البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصامت، وإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فالمراد الناطق، والنشب: المال الثابت، كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول من المال المذكور آنفا، قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي، ﵁: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nهذا؛ وقد قال الرسول ﷺ: «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنما كان كذلك؛ لأن الإيمان متعلق لثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه، فقد ذهب الثلثان، فلو انضم إليه القلب ذهب الكل، وإن لم ينضم؛ فهو النفاق.\nالإعراب: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أورثكم): ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿أَرْضَهُمْ:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في الثلاثة ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَرْضًا:﴾ معطوفة أيضا.\n ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَطَؤُها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: (أرضا)، وجملة: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (ردّ...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَدِيرًا﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿قَدِيرًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة. لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-3561\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: السعة، والتنعم، والترفه فيها. ﴿وَزِينَتَها:﴾ زخارفها، وبهجتها. ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ:﴾ أعطيكن المتعة، وهي قدر من المال، وهذه المتعة سنة إن كان الزوج قد أعطاها جميع حقوقها، فيسن أن يزيدها هذه المتعة تطييبا لخاطر المرأة المطلقة؛ لأنها مفجوعة بالطلاق، وهذه المتعة واجبة على الزوج إن طلقها قبل الدخول بها، وبعد العقد عليها، ولم يسم لها مهرا، وهذا القدر المالي يكثر، ويقل","vol":"7","page":471},{"text":"نظرا لحال الزوج المطلق، قال تعالى في الآية رقم [٢٣٦] من سورة (البقرة): ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ أي: أطلقكن طلاقا حسنا، وذلك بأن يكون سنيا، وهو: أن يقع في طهر غير مجامع فيه، وأيضا مع إعطاء المرأة جميع حقوقها، لا كما يفعله فساق هذا الزمان الذين يؤذون المرأة، ويضارونها حتى يحملوها على التنازل عن كل حقوقها، أو بعضها.\n (تعالين): قال ابن هشام في قطر الندى: وأما هات، وتعال، فعدهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنهما فعلا أمر، بدليل أنهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، فتقول: هاتي، وتعالي. واعلم أن آخر (هات) مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكرين، فإنه يضم، وأن آخر (تعال) مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، تقول: تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا هندان، أو يا زيدان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات، كل ذلك بالفتح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. إلخ، وقال تعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ..﴾.\nإلخ، ومن ثمّ لحنوا أبا فراس الحمداني بقوله: [الطويل] أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي\nوأقول: إن الفعلين «هات، وتعال» ملازمان للأمرية، فلا يأتي منهما مضارع، ولا ماض، وهما بمعنى: «أحضروا، أو احضروا» فالأول متعد، وهو من الرباعي، والثاني لازم، وهو من الثلاثي، وأما تعالى يتعالى؛ فهما بمعنى: تعاظم، يتعاظم، أو بمعنى: تنزه، يتنزه. وقل في إعلال: (تعالوا):\nأصله تعالووا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام لتدل على الألف المحذوفة.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ انظر الآية رقم [١] ففيها الكفاية. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿لِأَزْواجِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُنَّ:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿تُرِدْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، والنون فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وبعضهم يعتبره مضافا إليه، ولا وجه له البتة. ﴿وَزِينَتَها:﴾ معطوف على ما قبله، و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنْتُنَّ..﴾.\nإلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَتَعالَيْنَ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (تعالين): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله.\n ﴿أُمَتِّعْكُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف،","vol":"7","page":472},{"text":"والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث.\n ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أسرحكن): معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، والجملتان لا محل لهما؛ لأن الأولى لم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. هذا؛ وقرئ الفعلان بالرفع على الاستئناف. ﴿سَراحًا:﴾ مفعول مطلق، وهو اسم مصدر لأن المصدر «تسريح». ﴿جَمِيلًا:﴾ صفة: ﴿سَراحًا،﴾ وجملة: (تعالين...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مبتدأة، مثل الجملة الندائية قبلها.\n\n<span id=\"aya-3562\"></span>﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾\nالشرح: ففي هذه الآية وعد من العزيز القدير لنساء النبي ﷺ بأنهن إن أعرضن عن الحياة الدنيا وزينتها، وفضلن الآخرة عليها، وأردن طاعة الله، ورضين بالرسول ﷺ، وقنعن بما يقدم لهن من طعام، وكساء، ومسكن بأن الله أعد لهن في الآخرة الأجر العظيم، والخير العميم.\nوتنكيره في الآية دليل على أنه لا يعرف قدره، ولا يحيط بكنهه عقل ولا سمع ولا بصر، قال تعالى في ثواب المؤمنين الصادقين: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة (السجدة) رقم [١٧].\nهذا؛ وسبب نزول الآيتين الكريمتين: أن نساء النبي ﷺ سألنه من عرض الدنيا شيئا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فهجرهن النبي ﷺ، وآلى أن لا يقربهن شهرا، ولم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه؟ وكانوا يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقال عمر﵁-: لأعلمن لكم شأنه. قال: فدخلت على رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: «لا». قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجد، والمسلمون يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل، فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: «نعم، إن شئت». فقمت على باب المسجد، وناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية رقم [٨٣] من سورة (النساء)، فكنت أنا استنبطت هذا الأمر، وأنزل الله آية التخيير انتهى.\nخازن. ولم يذكر هذا غيره، ولم يذكر في تفسير الآية هناك.\nعن جابر بن عبد الله﵄قال: دخل أبو بكر﵁يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر﵁فاستأذن، فأذن له، فوجد رسول الله ﷺ جالسا ساكتا، وحوله نساؤه،","vol":"7","page":473},{"text":"فقال لأبي بكر: لأقولن شيئا أضحك به النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، وهي زوجته، فضحك رسول الله ﷺ، فقال: «هن حولي، كما ترى يسألنني النفقة». فقام أبو بكر﵁إلى عائشة، فوجأ عنقها، وقام عمر﵁إلى حفصة، فوجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده! قلن: والله لا نسأل رسول الله شيئا أبدا ليس عنده.\nثم اعتزلهن شهرا، أو تسعا وعشرين، حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ﴾ إلى قوله تعالى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمرا، أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك». قالت: وما هو يا رسول الله؟! فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله، ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت! قال: «لا تسألني امرأة منهنّ إلاّ أخبرتها، إنّ الله لم يبعثني معنّتا، ولا متعنّتا، ولكن بعثني معلّما ميسّرا». أخرجه مسلم، ولما قالت عائشة ما تقدم رؤي الفرح في وجهه ﷺ.\nقال العلماء: وأما أمر النبي ﷺ عائشة أن تشاور أبويها؛ لأنه كان يحبها، وكان يخاف أن يحملها فرط الشباب على أن تختار فراقه، ويعلم من أبويها: أنهما لا يشيران عليها بفراقه.\nهذا؛ ولما أخبر النبي ﷺ نساءه بذلك تابعن عائشة على اختيارها الله، ورسوله، والدار الآخرة.\nفشكر الله اختيارهن، وكافأهن على ذلك حيث قصر نبيه عليهن، وحجر عليه التزوج بغيرهن حيث قال جل ذكره: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ..﴾. إلخ الآية رقم [٥٢] الآتية.\nتنبيه: اختلف العلماء في هذا الخيار، هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار، أم لا؟ فذهب الحسن، وقتادة، وأكثر أهل العلم إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا؛ فارقهن، لقوله تعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور، وأنه قال لعائشة ﵂: لا تعجلي؛ حتى تستشيري أبويك، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور، وذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق، ولو اخترن أنفسهن؛ كان طلاقا.\nالتفريع على حكم الآية: اختلف أهل العلم في حكم التخيير، فقال عمر، وابن مسعود، وابن عباس﵃-: إذا خير الرجل امرأته، فاختارت زوجها لا يقع شيء، وإن اختارت نفسها؛ يقع طلقة واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي، وأصحاب الرأي، إلا أن أصحاب الرأي يقع عندهم طلقة بائنة؛ إذا اختارت نفسها، وعند الآخرين رجعية، وأكثر أهل العلم على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء.\nفعن مسروق-رحمه الله تعالى-، قال: ما أبالي خيرت امرأتي واحدة، أو مائة، أو ألفا بعد أن تختارني ولقد سألت عائشة، ﵂، فقالت: خيرنا رسول الله ﷺ، فما كان طلاقا.\nوفي رواية: فاخترناه، فلم يعدّ ذلك شيئا.","vol":"7","page":474},{"text":"تنبيه: كان تحت رسول الله ﷺ يوم حصل التخيير تسع نسوة: خمس من قريش، وهن:\nعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها: رملة، وأم سلمة، واسمها: هند بنت أبي أمية المخزومية، وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية، وأربع غير قرشيات، وهن: زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وقد نظم ذلك بعضهم فقال: [الطويل] توفّي رسول الله عن تسع نسوة... إليهنّ تعزى المكرمات وتنسب\nفعائشة ميمونة وصفيّة... وحفصة تتلوهنّ هند وزينب\nجويرية مع رملة، ثمّ سودة... ثلاث وستّ ذكرهنّ مهذّب\nهذا، ولا يخفى عليك تزويجه بأم المؤمنين الأولى، وهي خديجة الكبرى، ﵂.\nوتزوج ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث من بني هلال، وكانت تسمى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم، وقد توفيت في حياته مثل خديجة، وتزوج ريحانة بنت زيد، وكانت من سبي بني النضير، أعتقها، وتزوجها؛ وماتت في حياته، أما مارية القبطيّة ﵂ فقد كانت جارية تسرّى بها، وولدت منه إبراهيم، وبقيت بعده، وقد عقد ﷺ على كثير، ولم يدخل بهن.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ انظر الآية السابقة، فالإعراب فيها شبيه بهذا. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿لِلْمُحْسِناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿مِنْكُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (المحسنات)، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له، وجملة:\n ﴿أَعَدَّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، و(إن) ومدخولها معطوف على ما قبله فهو في محل نصب مقول القول مثله.\n\n<span id=\"aya-3563\"></span>﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: بمعصية ظاهرة. قيل: هو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أي: على سبيل الفرض والتقدير، لا أنّ منهن من أتت. أو تأتي بفاحشة، فإن الله تعالى قد صان أزواج الأنبياء عن فاحشة، وإن لم يصنهن عن الكفر، كالذي كان من امرأة نوح، وامرأة لوط، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وهذا","vol":"7","page":475},{"text":"دليل واضح على أن فاحشة الزنى تنفر منها العقول السليمة، وتأباها الكرامة الإنسانية، لذا يجوز للمسلم أن يتزوج امرأة كافرة، ولا يجبرها على الإسلام، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (المائدة) ولا يجوز له أن يقرّ امرأة زانية في بيته وقد سماه الرسول ﷺ الدّيّوث، وحرّم عليه دخول الجنة.\nفعن عبد الله بن عمر﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة حرّم الله ﵎ عليهم الجنّة: مدمن الخمر، والعاقّ لوالديه، والدّيّوث؛ الّذي يقرّ الخبث في أهله».\nرواه الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم. وقال ابن عباس﵄-: المراد بالفاحشة:\nالنشوز، وسوء الخلق، أي: والترفع، وعدم الخضوع لإرادة النبي ﷺ، وهذا هو الذي أعتمده، وأنزه نساءه ﷺ عن فاحشة الزنى فحاشاهن، كيف لا؟ وقد أنزل الله قرآنا برّأ به عائشة مما رماها، وقذفها به المنافقون، انظر الآية رقم [١١] من سورة (النور) وما بعدها.\n ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي: مثلين، وسبب تضعيف العقوبة لهن لشرفهن، كتضعيف عقوبة الحرة على الأمة، وذلك؛ لأن نسبة النبي ﷺ إلى غيره من الرجال، كنسبة السادات إلى العبيد، لكونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكذلك أزواجه بالنسبة إلى غيرهن كنسبة الحرة إلى الأمة، وقد اكتسبن هذا الشرف، وهذا الفضل من اقترانهن بسيد الخلق قاطبة. ﴿وَكانَ ذلِكَ:﴾\nأي تضعيف العذاب لهن. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرًا:﴾ سهلا هينا.\nهذا؛ ويقرأ: «(يضعّف)» بتشديد العين، ويقرأ: «(نضعف)» بالنون، كما يقرأ ﴿يَأْتِ﴾ بالياء والتاء، وكلها سبعية، والمضاعفة: المكاثرة، وضعف الشيء بكسر الضاد وسكون العين: مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله. هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا، أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا.\nويقال: أضعفت الشيء، وضعفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله فصاعدا. وقال بعضهم:\nضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في هذه الآية: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ،﴾ وفي الآية رقم [٦٩] من سورة (الفرقان) ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ،﴾ وفي الآية رقم [٣٩] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. هذا؛ وللضّعف بفتح الضاد، والضّعف بكسرها، والضّعف بضمها معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز] في الرأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم، فذاك الضّعف\nزيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (نساء): منادى، وهو مضاف، و﴿النَّبِيِّ﴾ مضاف إليه. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل","vol":"7","page":476},{"text":"مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو». ﴿مِنْكُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد إلى: ﴿مَنْ،﴾ و(من) بيان لما أبهم فيها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿بِفاحِشَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل: (يأتي). ﴿مُبَيِّنَةٍ:﴾ صفة: (فاحشة).\n ﴿يُضاعَفْ:﴾ مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم. ﴿لَهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعل. ﴿ضِعْفَيْنِ:﴾ مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:\n ﴿يُضاعَفْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مبتدأة مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٩].\n\n<span id=\"aya-3564\"></span>﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ:﴾ يطع، ويخضع؛ إذ القنوت: الخضوع، والطاعة، وطاعة الرسول إنما هي من طاعة الله. ﴿وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ:﴾ مرة على الطاعة، ومرة على طلبهن رضا النبي ﷺ. ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ هيأنا. ﴿رِزْقًا كَرِيمًا:﴾ واسعا، والمراد به الجنة، وما فيها من النعيم المقيم لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كدّ الاكتساب، وخوف الحساب، لا منة فيه، ولا عذاب.\nوإنما خص الله تعالى نساء النبي ﷺ بتضعيف العقوبة على الذنب، والمثوبة على الطاعة لأمرين: أما الأول: فلأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة عن الذنوب ما لا يشاهده غيرهن، ولأن في معصيتهن إيذاء لرسول الله ﷺ، وذنب من آذى رسول الله ﷺ أعظم من ذنب غيره، وأما الثاني: فلأنهن أشرف من سائر النساء لقربهن من رسول الله ﷺ، فكانت الطاعة منهن أشرف كما أن المعصية منهن أقبح. انتهى. جمل نقلا من كرخي.\nبعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الأعمال يضاعف ثوابها إن كانت صالحة، ويضاعف عقابها إن كانت سيئة، بالنسبة للأشخاص العاملين، وبالنسبة للزمان، وبالنسبة للمكان، فكلما علت منزلة العبد عند ربه، وارتفعت مكانته عنده، يضاعف له ثواب عمله الصالح، ويضاعف له عقاب عمله السيئ، وما ذكر في الآيتين دليل واضح على ذلك. والعمل الصالح في شهر رمضان، وغيره من","vol":"7","page":477},{"text":"الأوقات الفاضلة يضاعف ثوابه أضعافا مضاعفة، والعمل السيئ، يضاعف عقابه أضعافا مضاعفة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية رقم [٣٦] من سورة (التوبة) ففي قوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ لفت نظر إلى ما ذكرت، والمكان المفضل كذلك، فالصلاة في المسجد يضاعف ثوابها، والمعصية يضاعف عقابها فيه.\nفعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الصّلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة بمسجدي بألف صلاة، والصّلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة».\nرواه الطبراني، وإذا فعل العبد معصية في أحد المساجد الثلاثة يضاعف عقابه، كما يضاعف الثواب له. افهم هذا، واحفظه فقلّ من يتعرض له، ويلفت النظر إليه، والله ولي التوفيق، والحمد له على كل حال.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ:﴾ انظر إعراب: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ في الآية السابقة فهو مثله بلا فارق. ﴿وَتَعْمَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (تعمل): معطوف على فعل الشرط: ﴿يَقْنُتْ﴾ فهو مجزوم مثله، والفاعل مستتر تقديره: «هي»، ويقرأ بالياء على معنى (من). ﴿صالِحًا:﴾ مفعول به، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: تعمل عملا صالحا. ﴿نُؤْتِها:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و(ها): مفعول به أول. ﴿أَجْرَها:﴾ مفعول به ثان، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَّتَيْنِ:﴾ نائب مفعول مطلق، أو هو ظرف زمان فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من)، يقال فيه ما قيل بسابقه. (أعتدنا):\nفعل، وفاعل. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول به. ﴿كَرِيمًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَأَعْتَدْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿نُؤْتِها..﴾. إلخ لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3565\"></span>﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أي: في الفضل، والشرف، والمنزلة، وعلو المكانة؛ بل أنتن أرفع من غيركن بكثير، كيف لا؟ وقد اعتبركن الله أمهات للمؤمنين في الاحترام، والتكريم، والتعظيم. ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: إن خفتن الله، وراقبتنّه، فإن التقوى هي المقام الأكرم، والأجل عند الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أي: إذا كلمتن الرجال من وراء حجاب فلا تجئن بقولكنّ خاضعا، أي: لينا خنثا مثل كلام المريبات، ولا يمنع خصوص السبب التعميم؛ بل يعم كل امرأة مسلمة. هذا؛ وينبغي للمرأة","vol":"7","page":478},{"text":"المسلمة الكاملة إذا عرفت من صوتها اللّين والنعومة أن تضع في فمها إصبعها، أو غيرها ليخرج صوتها خشنا جافا. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: ريبة، وفجور، وفسوق. ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: يوجبه الدين، والإسلام عند الحاجة إليه ببيان من غير لين، وتخنث.\nهذا؛ و(نساء) اسم جمع لا واحد له من لفظه لأن مفرده: امرأة، وجمعها في القلة: نسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان الذي رأيته في الآية رقم [١٤] من سورة (السجدة) فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا، ويقال لكل واحد من هذه الجموع: اسم جمع، لا واحد له من لفظه. أما المرأة فهي مأخوذة من: المرء، وهو الرجل، فلذا سميت بذلك، والأم الأولى حواء سميت بذلك؛ لأنها مأخوذة من: حي، وهو آدم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿لَسْتُنَّ:﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء، والسين؛ إذ أصله: ليس بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصل بضمير رفع متحرك؛ سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء، والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿لَسْتُنَّ،﴾ وانظر شرح (القول) في الآية رقم [٨٥] من سورة (النمل)، وشرح ﴿أَحَدٍ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (العنكبوت).\n ﴿اِتَّقَيْتُنَّ:﴾ ماض من: «التقوى» وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي: الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). وأصل: اتقى «اوتقى» قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء، مثل: اتصل، أصله: «اوتصل» ... إلخ.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (نساء): منادى، وهو مضاف، و﴿النَّبِيِّ﴾ مضاف إليه. ﴿لَسْتُنَّ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿كَأَحَدٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (ليس)، وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي الخبر، وتكون مضافة، و(أحد) مضاف إليه. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (أحد)، وجملة: ﴿لَسْتُنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿اِتَّقَيْتُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والنون حرف دال على جماعة الإناث، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة.\n ﴿تَخْضَعْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، التي هي فاعله، وهو في محل جزم ب (لا) الناهية. ﴿بِالْقَوْلِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط.","vol":"7","page":479},{"text":"هذا؛ وقيل: الجواب محذوف دل عليه ما قبله، وجملة: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ مستأنفة، ولا وجه له. ﴿فَيَطْمَعَ:﴾ الفاء: للسببية. (يطمع): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول، مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي قَلْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول؛ ف: ﴿مَرَضٌ﴾ يكون فاعلا بمتعلق الجار والمجرور، التقدير:\nالذي استقر في قلبه مرض، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: فلا يكن منكن خضوع بالقول، فطمع واقع من الذي في قلبه مرض. هذا؛ ويقرأ الفعل بكسر العين على اعتباره معطوفا بالجزم على المجزوم ب: (لا) الناهية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَقُلْنَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (قلن): فعل أمر مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة التي هي فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿مَعْرُوفًا:﴾ صفة ﴿قَوْلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-3566\"></span>﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ:﴾ يقرأ بكسر القاف، وفتحها، أما الأولى فتحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون من الوقار، تقول: وقر، يقر، وقارا؛ أي: سكن، والأمر: قر، وللنساء:\nقرن، مثل: عدن. والثاني: وهو قول المبرد أن يكون من القرار، تقول: قررت بالمكان، أقرّ.\nوالأصل: أقررن بكسر الراء الأولى، فحذفت الراء الأولى تخفيفا؛ ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف. وأما على قراءة الفعل بفتح القاف، يقال: قررت في المكان: إذا أقمت فيه أقرّ من باب: حمد، يحمد، والأصل اقررن بفتح الراء الأولى، فحذفت لثقل التضعيف، وألقيت حركتها على القاف، فتقول: قرن.\n ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ أي: القديمة، والأصل: ولا تتبرجن، فحذفت إحدى التاءين، والتبرج: التبختر في المشي، أو إظهار الزينة، والتقدير: ولا تبرجن تبرجا مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى، وهي: الزمان الذي ولد فيه إبراهيم ﵇، أو ما بين آدم، ونوح ﵉، أو زمن داود، وسليمان. والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى، ومحمد، عليهما الصلاة والسّلام. أو الجاهلية الأولى: جاهلية الكفر قبل الإسلام. والجاهلية الأخرى:\nجاهلية الفسوق، والفجور في الإسلام. ويعضده قول النبي ﷺ لأبي الدرداء﵁-","vol":"7","page":480},{"text":"«إنّ فيك جاهلية!» قال: جاهلية كفر، أو إسلام؟ قال: «جاهلية كفر». ولا تنس الجاهلية السائدة في هذه الأيام بين المسلمين.\n ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ:﴾ خصهما الله بالذكر، والأمر، ثم عمم بجميع الطاعات تفضيلا لهما، وتنويها بعلو شأنهما، ولأن من واظب عليهما؛ جرتاه إلى كل خير، كيف لا وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. وقال جل ذكره لنبيه ﷺ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾. وانظر الآية رقم [٤] من سورة (لقمان) تجد ما يسرك. ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ قرن الله طاعته بطاعة نبيه، وهو دليل صريح على أن من لم يطع الرسول؛ لم يطع الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\n ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ:﴾ الذنب المدنس لعرضكم، وشرفكم، والإثم الذي نهى الله عنه. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ:﴾ قال الزجاج: قيل: يراد به نساء النبي ﷺ. وقيل: يراد به نساؤه، وأهله الذين هم أهل بيته، وانظر الآية التالية. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ:﴾ من المعاصي. ﴿تَطْهِيرًا:﴾ مصدر مؤكد، وفيه بيان: أنه إنما نهاهن، وأمرهن، ووعظهن لئلا يقارف أهل بيت رسول الله ﷺ المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى، واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر؛ لأن عرض المقترف للقبائح يتلوث بها، كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات؛ فالعرض منهن نقي، كالثوب الطاهر.\nوفيه تنفير لأولي الألباب عن المناهي، وترغيب لهم في الأوامر من الطاعات. انتهى. نسفي.\nالإعراب: ﴿وَقَرْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قرن): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَبَرَّجْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، التي هي فاعله، وهو في محل جزم ب (لا) الناهية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿تَبَرُّجَ:﴾ مفعول مطلق، مبين للنوع، وهو مضاف، و﴿الْجاهِلِيَّةِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْأُولى:﴾ صفة ﴿الْجاهِلِيَّةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. (آتين): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿الزَّكاةَ:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ..﴾. إلخ: قال الجمل في حاشيته عند قوله تعالى في الآية [٨] من سورة (الصف): ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا..﴾. إلخ: في هذه اللام، أوجه: أحدها أنها مزيدة في مفعول الإرادة، قال الزمخشري: أصله يريدون أن يطفئوا كما جاء في سورة (التوبة) الآية رقم [٣٢]:","vol":"7","page":481},{"text":"﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ..﴾. إلخ وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له لما فيها من معنى الإرادة، وقال ابن عطية: واللام في ﴿لِيُطْفِؤُا﴾ لام مؤكدة دخلت على المفعول؛ لأن التقدير: يريدون أن يطفئوا. الثاني: أنها لام العلة، والمفعول محذوف، أي:\nيريدون إبطال القرآن، أو رفع الإسلام، أو هلاك الرسول ليطفئوا. الثالث: أنها بمعنى «أن» الناصبة، وأنها ناصبة للفعل بنفسها. قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع «أن» في أراد، وأمر، وإليه ذهب الكسائي أيضا. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٢٦] من سورة (النساء): ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ،﴾ والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام) ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ومثل ذلك قول كثيّر عزة بصيغة التصغير: [الطويل] أريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل\nوهو الشاهد رقم [٢٩٤] من كتابنا: فتح القريب المجيب. ﴿عَنْكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرِّجْسَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿إِنَّما يُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَهْلَ:﴾\nمنادى بأداة نداء محذوفة. وقال بعضهم: منصوب على الاختصاص بفعل محذوف، وهو ضعيف لوقوعه بعد ضمير الخطاب، وإنما الأكثر أن يقع الاختصاص بعد ضمير التكلم، كقول النبي ﷺ:\n «نحن معاشر الأنبياء لا نورث». و﴿أَهْلَ﴾ مضاف، و﴿الْبَيْتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ:﴾\nمعطوف على: (يذهب)، والفاعل يعود إلى الله تعالى، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿تَطْهِيرًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله.\n\n<span id=\"aya-3567\"></span>﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ:﴾ الخطاب لنساء النبي ﷺ، وهو تذكير لهن بما أنعم الله عليهن؛ حيث جعلهن أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي، وما شاهدن من آثار الوحي، مما يوجب قوة الإيمان، والحرص على الطاعة، ويبعث على القيام بما كلفن به، والإعراض عما نهين عنه. ﴿مِنْ آياتِ اللهِ:﴾ آيات القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةِ:﴾ السنة المطهرة، التي تكفلت بشرح معاني القرآن. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا:﴾ لطيفا بأهل طاعته، وأوليائه، عالما بغوامض الأشياء، وخبيرا بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبيرا بحاجات العباد، وأحوالهم، ومصالحهم، وخبيرا بأعمال العباد، ونياتهم.\nهذا؛ وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت من هم؟ فقال عطاء، وعكرمة، وابن عباس، وسعيد بن جبير-رضوان الله عليهم-: هم زوجاته خاصة، لا رجل معهن، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ،﴾ وذهب أبو سعيد الخدري، وجماعة من التابعين،","vol":"7","page":482},{"text":"منهم: مجاهد، وقتادة، وغيرهم إلى أنهم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين﵃ أجمعين-. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ..﴾. إلخ ولو كان للنساء خاصة لقال: «عنكنّ، ويطهركنّ» إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل، كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ أي: امرأتك، ونساؤك. فيقول: هم بخير، قال تعالى:\n ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. الآية رقم [٧٣] من سورة (هود).\nوالذي يظهر من الآية: أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج، وغيرهم، وإنما قال:\n (يطهركم) لأن رسول الله ﷺ، وعليا، وحسنا، وحسينا كانوا فيهم، وإذا اجتمع المذكر، والمؤنث؛ غلّب المذكر، فاقتضت الآية: أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nوخذ ما يلي: عن عائشة﵂قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة، وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجلس، فأتت فاطمة، فأدخلها فيه، ثم جاء عليّ فأدخله فيه، ثم جاء الحسن، فأدخله فيه، ثم جاء الحسين، فأدخله فيه، ثم قال: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. أخرجه مسلم. المرط: الكساء، والمرحل: بالحاء المنقوش عليه صور الرحال، وبالجيم: المنقوش عليه صور الرجال.\nوعن أم سلمة﵂قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي، فدعا رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا، فدخل معهم تحت كساء خيبري، وقال: «هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا». فقالت أم سلمة﵂-: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «أنت على مكانك، أنت على خير، أنت من أزواج النبيّ». أخرجه الترمذي. هذا؛ وبعد وفاة أزواج النبي ﷺ ثبت لقب «أهل البيت» على أولاد فاطمة، ﵂.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكرن): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ لا محل لها. ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾ و﴿آياتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَالْحِكْمَةِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَاذْكُرْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿لَطِيفًا:﴾ خبر أول. ﴿خَبِيرًا:﴾ خبر ثان، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":483},{"text":"<span id=\"aya-3568\"></span>﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾\nالشرح: روي: أن أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله! ذكر الله الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة! فأنزل الله هذه الآية.\nوروي أن أم عمارة الأنصارية﵂قالت: أتيت النبي ﷺ، فقلت: ما لي أرى كل شيء إلى الرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؟! فنزلت الآية أخرجه الترمذي. وروي: أنه لما نزل في نساء النبي ﷺ الآيات السابقة قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء. فنزلت الآية، وهذا أولى بالاعتبار، فذكر الله لهن عشر مراتب مع الرجال، فمدحن بها معهم.\nالأولى: الإسلام، وهو: الاستسلام الظاهر لما أمر الله به، وحث عليه رسوله ﷺ، وعرف من الدين بالضرورة.\nالثانية: الإيمان، وهو التصديق بما جاء به رسول الله ﷺ، وعرف من الدين بالضرورة.\nفإن قلت: لم عطف الإيمان على الإسلام؛ مع أنهما متحدان شرعا؟ فالجواب: ليسا بمتحدين مطلقا؛ بل متحدان ما صدقا لا مفهوما، أخذا من الفرق بين الإسلام، والإيمان الشرعيين؛ إذ الإسلام الشرعي هو التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي ﷺ، والإيمان الشرعي عكس ذلك، ويكفي في العطف المقتضي للاختلاف اختلافهما مفهوما، وإن اتحدا ما صدقا، وفي اتحادهما يقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\nوبعبارة، أوضح: قد يوجد إسلام، ولا يوجد إيمان. ودليل هذا: أن الإسلام هو النطق بالشهادتين والانقياد الظاهري بالجوارح، وذلك يكون بأداء الصلاة، وغيرها من أعمال الإسلام، أما الإيمان فمحله القلب، وهو الاعتقاد الجازم بوجود أمور أجاب عنها الرسول ﷺ حينما سأله جبريل الأمين﵇عن الإيمان، فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر: خيره، وشره من الله تعالى». ولذا رد الله دعوى أقوام الإيمان بقوله: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤] من سورة (الحجرات)، ثم بين حقيقة الإيمان، وحقيقة المؤمنين الصادقين في الآية التالية لها رقم [١٥] بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ وجملة القول: إن بينهما عموما،","vol":"7","page":484},{"text":"وخصوصا من وجه، فقد يوجد إسلام، ولا يوجد إيمان، وأما الإيمان فلا يمكن وجوده إلا بوجود الإسلام، فالإسلام قد يوجد عند المنافقين؛ الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأما الإيمان فلا يوجد إلا عند المسلمين المؤمنين الصادقين في إيمانهم؛ الذين قال الله فيهم: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾. جعلنا الله منهم، ووفقنا للسير على طريقتهم.\n ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ:﴾ والمطيعين، والمطيعات. هذا؛ والقنوت: الطاعة، والخضوع، والدعاء، والتذلل بين يدي الله تعالى. ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾ أي: في الأقوال، والأعمال، والنيات، وقد حث النبي ﷺ على الصدق، وحذر من الكذب، فقال: «عليكم بالصّدق، فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرّى الصدق؛ حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإيّاكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرّجل يكذب، ويتحرّى الكذب؛ حتّى يكتب عند الله كذّابا». رواه البخاري، ومسلم عن عبد الله بن مسعود، ﵁. واعتبر الكذب من علامات النفاق؛ فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلى، وصام، وحج، واعتمر. وقال: إني مسلم».\n ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ:﴾ على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى أنواع البلاء، كما رأيت في الآية رقم [٢٤] من سورة (السجدة).\n ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾ أي: في الصلاة، فهو لبها، وجوهرها. وقال ابن عباس﵄في تفسير قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ أي: مخبتون أذلاء متواضعون. هذا؛ والخشوع في الصلاة يكون في القلب وفي الجوارح، أما خشوع القلب: فهو الخوف من الله، وحضوره معه حينما يقول: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وملاحظة: أنه بين يديه تعالى في جميع حركاته، وسكناته. وأما خشوع الجوارح؛ فعدم الالتفات في الصلاة، وعدم رفع البصر إلى السماء، وعدم العبث بشيء من جسده، وثيابه، فقد روي: أن النبي ﷺ أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا؛ لخشعت جوارحه». ذكره البغوي بغير سند، وانظر ما ذكرته في صدر سورة (المؤمنون) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾ أي: المنافقين، والمنفقات المال فرضا، وتطوعا كلما دعاهم داع إلى بذل المال.\n ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ أي: شهر رمضان، وما ندب الرسول ﷺ إلى صومه، كصوم الاثنين، والخميس من كل أسبوع، والعشر الأول من ذي الحجة، وغير ذلك مما ورد الترغيب في صومه.","vol":"7","page":485},{"text":"﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ:﴾ عما لا يحل، من الزنى، وغيره. ﴿وَالْحافِظاتِ:﴾ فروجهن عما لا يحل، من الزنى وغيره.\n ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾ أي: الله كثيرا، وهذا يفيد: أن كل عبادة لها أول، ولها آخر إلا الذكر فإنه لا يقف عند حد، وخذ ما يلي:\nعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب، والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟!». قالوا: بلى. قال: «ذكر الله».\nقال معاذ بن جبل: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي.\nوعن ابن عباس﵄أن النبي ﷺ قال: «أربع من أعطيهنّ؛ فقد أعطي خيري الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها، وماله». رواه الطبراني، وهذا قليل من كثير مما ورد في فضائل الذكر. وانظر الآيتين رقم [٤١ و٤٢] الآتيتين.\n ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ:﴾ فيه تغليب الذكور على الإناث، وحذف مقابلة لدلالة الأول عليه، التقدير:\nأعد الله لهم ولهن. ﴿مَغْفِرَةً:﴾ لما اقترفوا من الذنوب الصغائر؛ لأن ما ذكر من الصفات يكفرها، أما الكبائر؛ فلا بد لغفرانها من التوبة النصوح المقترنة بشروطها. ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا:﴾\nالتنكير يدل على أن هذا الأجر لا يدرك كنهه أحد، ولا يحيط به علم مخلوق.\nفائدة: قال عطاء بن أبي رباح﵁-: من فوض أمره إلى الله؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾. ومن أقر بأن الله ربه، ومحمدا رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾. ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾. ومن صان قوله عن الكذب؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾. ومن صبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الرزية، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ﴾. ومن صلّى، فلم يعرف من على يمينه، ومن على شماله، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾. ومن تصدّق في كل أسبوع بدرهم؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾. ومن صام في كل شهر أيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فهو داخل في قوله تعالى:\n ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾. ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾. ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها، فهو داخل في قوله تعالى:\n ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾. انتهى. خازن، ولا تنس: أن «ال» في هذه الأسماء بمعنى:","vol":"7","page":486},{"text":"«الذي» فإن التقدير: والذين يديمون التصدق، والذين يديمون الصيام، والذين يتصدقون، والذين يصومون، والذين يحافظون... إلخ.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُسْلِمِينَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْمُسْلِماتِ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وفاعله مستتر فيه، وما بعد هذين الاسمين معطوف عليهما، والإعراب مثلهما بلا فارق، وحذف متعلق بعض هذه الأسماء لدلالة المقام عليه. ﴿فُرُوجَهُمْ:﴾\nمفعول به عامله ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وحذف مفعول (الحافظات) لدلالة الأول عليه. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم عامله ما قبله. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ذكرا كثيرا، وحذف ما بعد (الذاكرات) لدلالة ما قبله عليه. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَغْفِرَةً﴾ مفعول به.\n ﴿وَأَجْرًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَعَدَّ اللهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3569\"></span>﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: ما صح، وهذا التعبير: ﴿وَما يَنْبَغِي﴾ ونحوهما معناه: الحظر والمنع، فتجيء لحظر الشيء، والحكم بأنه لا يجوز كما في هذه الآية، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النّمل): ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ الآية رقم [٦٠]. وربما كان العلم بامتناعه شرعا، كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٧٩]: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥١]: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ وربما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح، والعشاء في الجماعة، ونحو ذلك.\n ﴿إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ أي: قضى رسول الله ﷺ، وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأن قضاءه قضاء الله، فهو مثل قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾. ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ:﴾ أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا؛ بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره.\nهذا؛ والفعل ﴿يَكُونَ﴾ يقرأ بالياء، والتاء؛ لأن الخيرة مؤنث مجازي، يجوز فيه التذكير، والتأنيث، والخيرة من: التخير، كالطيرة من: التطير، يستعمل بمعنى المصدر. وهو التخير؛ وبمعنى المتخيّر، كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (القصص) تجد ما","vol":"7","page":487},{"text":"يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وجمع الضمير في ﴿لَهُمُ﴾ وإن كان حقه أن يوحد، أو يثنى؛ لأن المذكورين وقعا تحت النفي، فعمّا كل مؤمن، ومؤمنة، فرجع الضمير إلى المعنى، لا إلى اللفظ.\n ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ يخالف، أوامرهما فيما أمرا به، أو يخالف نهيهما عما نهيا عنه.\n ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا:﴾ فإن كان العصيان عصيان رد، وامتناع عن القبول؛ فهو ضلال، وكفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر، واعتقاد الوجوب؛ فهو ضلال خطأ، وفسق. وانظر شرح:\n ﴿ضَلَّ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (لقمان).\nتنبيه: نزلت الآية الكريمة في زينب بنت جحش الأسدية، وأخيها عبد الله بن جحش، وأمهما أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، وذلك: أن النبي ﷺ خطبها لمولاه زيد بن حارثة﵁الذي حدثتك عنه في الآية رقم [٤] وكانت قد ظنت: أن النبي ﷺ خطبها لنفسه، فرضيت، فلما علمت: أنه يخطبها لزيد بن حارثة؛ أبت، وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول الله! فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة، وفيها حدة، وكذلك كره أخوها ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ يعني: عبد الله بن جحش ﴿وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: أخته زينب ﴿إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ يعني: نكاح زيد لزينب. فلما سمعت زينب بذلك وأخوها؛ رضيا، وسلّما، وجعلت أمرها بيد رسول الله ﷺ، فأنكحها زيدا، ودخل بها، وساق إليها رسول الله ﷺ عشرة دنانير، وستين درهما، وخمارا، ودرعا، وملحفة، وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. انتهى. خازن.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل؛ بل نص في أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب، وإنما تعتبر في الأديان، خلافا لمالك، والشافعي، والمغيرة، وسحنون، وذلك: أن الموالي تزوجت في قريش، تزوج زيد زينب بنت جحش، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وزوج أبو حذيفة سالما من فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف. انتهى.\nوالمعتمد: أن الكفاءة تعتبر في الأحساب أيضا؛ لأن المرأة إذا تزوجت دونها في الحسب، فإنها تترفع على الزوج، ولا تخضع لأوامره، ولا تستجيب لمطالبه، والآية التالية توضح ذلك، أما الزوج إذا تزوج دونه في الحسب برضاه، فلا غضاضة، ولكن الأفضل أن يتزوج مثله لأن الولد يفتخر بأخواله، كما هو معلوم لدى كل إنسان.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿لِمُؤْمِنٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿مُؤْمِنَةٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرط، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، التقدير: وما كان مستقرا لمؤمن ولا مؤمنة وقت قضاء الله كونه خيرة له في أمره. ويجوز أن","vol":"7","page":488},{"text":"تكون: ﴿إِذا﴾ شرطية، ويكون جوابها محذوفا مدلولا عليه بالنفي المتقدم. ﴿قَضَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:\n ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَرَسُولُهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: ﴿كانَ﴾. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْخِيَرَةُ:﴾ اسم يكون مؤخر.\n ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الخيرة، و﴿أَنْ يَكُونَ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل رفع اسم (كان) مؤخر، وجملة: (ما كان...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْصِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿اللهُ:﴾\nمنصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على ما قبله.\n ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿ضَلالًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٣٠].\n\n<span id=\"aya-3570\"></span>﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ تَقُولُ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ. ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ:﴾ المراد بضمير الغيبة: زيد بن حارثة﵁أنعم الله عليه بالإسلام الذي هو أجل النعم. ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أي: بالإعتاق والتبني، فهو متقلب بنعمة الله ونعمة رسوله. ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ:﴾ زينب، ولا تطلقها، وذلك حين أتى النبي ﷺ، وقال له: إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال له: «ما لك؟ أرابك منها شيء؟». قال:\nلا والله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعاظم عليّ بشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ:﴾ فلا تطلقها. ﴿وَاتَّقِ اللهَ:﴾ فلا تذمها بنسبتها إلى الكبر، وأذى الزوج.\n ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أي: تخفي في نفسك نكاح زينب إن طلقها زيد، وهو الذي يريد الله إظهاره للناس لحكمة يعلمها جلت قدرته ظهرت فيما بعد، وهي إبطال عادة التبني التي كانت شائعة في الجاهلية وصدر الإسلام. ﴿وَتَخْشَى النّاسَ﴾ أي: تخاف من لوم الناس وعلى الأخص","vol":"7","page":489},{"text":"المنافقين، وتعييرهم، حيث يقولون: تزوج محمد امرأة ابنه زيد. ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ أي: تخافه وتستحيي منه، فهو أحق بالخوف، والحياء منه. فعن عائشة﵂قالت: لو كتم رسول الله ﷺ شيئا ممّا أوحي إليه؛ لكتم هذه الآية. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا﴾ أي: حاجته منها، ولم يبق له فيها أرب وتقاصرت همته عنها، وطابت نفسه منها، وطلقها، وانقضت عدتها. وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبني تحل بعد الدخول بها. ﴿زَوَّجْناكَها:﴾ وقرئ: «(زوجتكها)».\nتنبيه: قال الله تعالى هنا مخاطبا نبيه ﷺ: ﴿وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ،﴾ وقال في الآية رقم [١٣] من سورة (التوبة) مخاطبا المؤمنين: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ،﴾ وقال في الآية رقم [٤٤] من سورة (المائدة): ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم. هذا؛ والماضي خشي، والمصدر: خشية، والرجل خشيان والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك، أي: أشد خوفا. هذا؛ وقد يأتي الفعل: «خشي» بمعنى: «علم» القلبية، قال الشاعر: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد\nقالوا: معناه: علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nروي: أنها لما اعتدت، قال رسول الله ﷺ لزيد: «ما أجد أحدا، أوثق في نفسي منك! اخطب عليّ زينب». قال زيد﵁-: فانطلقت، وقلت: يا زينب! أبشري! إن رسول الله ﷺ يخطبك، ففرحت، وتزوجها، ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز، واللحم حتى امتد النهار. وقال أنس ﵁:\nكانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ، تقول: زوجكن آباؤكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي ﷺ: إني لأدلّ عليك بثلاث، ما من امرأة من نسائك تدلّ بهن: جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله في السماء، وإن السفير جبريل ﵇، لذا فإن النبي ﷺ، لما قرأ عليه جبريل ﵇: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ قال: قبلت، فلم يحتج ﵊ إلى وليّ من جهة زينب يتولى إيجاب العقد، ولم يحضر شهودا على ذلك.\n ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ:﴾ إثم ومؤاخذة. ﴿فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ:﴾ جمع دعي، وهو الابن المتبنى. ﴿إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا:﴾ قضاء الوطر: إدراك الحاجة، وبلوغ المراد منه. ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ:﴾ أمره الذي يريده. ﴿مَفْعُولًا﴾ أي: ماضيا ونافذا، كالذي أراده من زواج النبي ﷺ بزينب، ﵂، والحكمة كانت إبطال عادة التبني؛ التي كانت شائعة في الجاهلية.","vol":"7","page":490},{"text":"تنبيه: قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي﵁-: كان يقال: زيد بن محمد؛ حتى نزل قوله تعالى: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ فقال زيد: أنا زيد بن حارثة، وحرم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد. فلما نزع عنه هذا الشرف، وهذا الفخر، وعلم الله وحشته من ذلك، شرفه بخصوصية لم يكن يخص بها أحدا من أصحاب النبي ﷺ، وهي أنه سماه في القرآن، فقال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا﴾ يعني: من زينب، ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم؛ حتى صار قرآنا يتلى في المحاريب؛ نوّه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له، وعوض من الفخر بأبوة محمد ﷺ له.\nألا ترى إلى قول أبي بن كعب﵁حين قال له النبي ﷺ: إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا، فبكى، وقال: أو ذكرت هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر: أن الله تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلدا لا يبيد، يتلوه أهل الدنيا إذا قرءوا القرآن، وأهل الجنة كذلك أبدا، لا يزال على ألسنة المؤمنين، كما لم يزل مذكورا على الخصوص عند رب العالمين؛ إذ القرآن كلام الله القديم، وهو باق لا يبيد؟! فاسم زيد في هذه الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة، تذكره في التلاوة السفرة الكرام البررة، وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة تعويضا من الله تعالى مما نزع منه، وزاد في الآية أن قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ أي: بالإيمان؛ فدل على أنه من أهل الجنة، علم ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى. انتهى. قرطبي.\nتنبيه: وهنا يحلو لبعض ضعفاء الإيمان الذين في قلوبهم مرض أن يثيروا الشبهات حول زواج النبي ﷺ بزينب﵂فقد زعموا: أن النبي ﷺ رأى زينب، فأحبها ثم كتم هذا الحب، ثم بعد ذلك أظهره، ورغب في زواجها، فطلقها زيد، وتزوجها رسول الله ﷺ.\nوزعموا: أن العتاب في الآية كان لكتمان حبه لها.\nوكذبوا، وافتروا: أن النبي ﷺ مر ببيت زيد، وهو غائب، فرأى زينب، فوقع منها في قلبه شيء، فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت زينب تلك التسبيحة، فنقلتها إلى زيد، فوقع في قلبه أن يطلقها؛ حتى يتزوجها الرسول إلى غير ذلك من المزاعم الباطلة التي تلقفها المستشرقون ومن على شاكلتهم من المسلمين المزيفين، وخذ ما يلي:\nروي عن علي بن الحسين﵃ أجمعين-: أنه قال: أعلم الله نبيه ﷺ: أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ﴾ عاتبه الله، وقال له: أخبرتك: أني مزوجكها. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ،﴾ فالذي أخفاه الرسول ليس هو الحب، وإنما أخفى ما أوحى الله إليه من أمر الزواج بها لحكمة عظيمة، هي إبطال عادة التبني. ومحمد ﷺ كان يعرف زينب من الصغر؛ لأنها ابنة عمه،","vol":"7","page":491},{"text":"وهي لا تحتجب عنه فمن كان يمنعه منها، وكيف يقدّم إنسان امرأة لشخص وهي بكر حتى إذا تزوجها وصارت ثيبا؛ رغب فيها. انتهى.\nولكن الحق: أن هذا الزواج كان امتحانا في أوله لزينب وأخيها؛ حيث أكرها على قبول زيد، وفي النهاية كان امتحانا قاسيا للنبي ﷺ حيث يؤمر به، ويعلم نهايته، وزينب تحت مولاه زيد. والحكمة هي ما ذكرته من إبطال عادة التبني، وهكذا تبطل مزاعم المفترين على عصمة الرسول ﷺ. والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: حرف عطف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت... إلخ، وأجيز اعتباره ظرفا لهذا المقدر. ﴿تَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت».\n ﴿لِلَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْعَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (أنعمت):\nفعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَمْسِكْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: أنت. ﴿عَلَيْكَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: في تعليق الجار والمجرور في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ الآية رقم [٢٦٠] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الآية رقم [٢٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وهذا كله يتخرج على التعلق بمحذوف، كما قيل في اللام في سقيا لك، وإما على حذف مضاف، التقدير: أمسك على نفسك زوجك، وذلك؛ لأنه لا يتعدى فعل المضمر المستتر إلى ضميره المتصل إلا في باب: «ظن». وانظر ما ذكرته في الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وجملة: ﴿أَمْسِكْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿تَقُولُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: اذكر وقت... إلخ المقدرة مستأنفة، لا محل لها. ﴿زَوْجَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَاتَّقِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتق): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿وَتُخْفِي:﴾ الواو: واو الحال. (تخفي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي نَفْسِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿مُبْدِيهِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه،","vol":"7","page":492},{"text":"والجملة الاسمية صلة: ﴿مَا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالإضافة، وجملة: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وأنت تخفي... إلخ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من فاعل:\n ﴿تَقُولُ﴾ المستتر، والرابط: الواو. هذا؛ وإنما قدرت مبتدأ محذوفا قبل جملة: ﴿وَتُخْفِي..﴾. إلخ لأن الجملة المضارعية الواقعة حالا، لا تقترن بالواو. قال ابن مالك: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا، ومن الواو خلت\nوذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا\n ﴿وَتَخْشَى:﴾ الواو: حرف عطف. (تخشى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿أَحَقُّ:﴾ خبره.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَخْشاهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أحق بخشيتك، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَحَقُّ﴾. هذا؛ وجوز اعتبار المصدر المؤول في محل رفع بدل اشتمال من المبتدأ، كما جوز اعتباره مبتدأ ثانيا مؤخرا، و﴿أَحَقُّ﴾ خبره مقدما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ أَحَقُّ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي حال من فاعل: (تخشى)، فتكون حالا متداخلة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فسلت مفندا.\n ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٢٢]. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿زَيْدٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَطَرًا﴾ كان صفة له، فلمّا قدم عليه؛ صار حالا، وجملة: ﴿قَضى..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿زَوَّجْناكَها:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و(نا): فاعله، والكاف مفعوله الأول، و(ها): مفعوله الثاني، والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لِكَيْ:﴾ اللام: حرف تعليل وجر. (كي): حرف مصدري، ونصب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: (كي). ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونَ﴾ مقدم. ﴿حَرَجٌ:﴾ اسم: ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر. ﴿فِي أَزْواجِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حَرَجٌ،﴾ و﴿أَزْواجِ﴾ مضاف، و﴿أَدْعِيائِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون","vol":"7","page":493},{"text":"في محل نصب متعلق بالفعل ﴿يَكُونَ﴾. ﴿قَضَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وَطَرًا﴾ على نحو ما رأيت آنفا، والنون حرف دال على جماعة الإناث، و(كي) والفعل ﴿يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿أَمْرُ:﴾ اسم: (كان)، وهو مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَفْعُولًا:﴾ خبر: (كان)، وجملة:\n ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقال الزمخشري: معترضة في آخر الكلام، ولا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3571\"></span>﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ:﴾ محمد ﷺ. ﴿مِنْ حَرَجٍ:﴾ من إثم، ومؤاخذة. ﴿فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ:﴾ في الذي أحله الله له من زواجه بزينب، ﵂، وغيرها من النساء اللاتي مر ذكرهن، وعددهن. ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ:﴾ هذا رد لكل معترض على النبي ﷺ فيما أحل الله له، وهو إعلام بأن النكاح، ونحوه من المباحات سنة قديمة في الأنبياء، أن ينالوا ما أحله الله لهم، فقد كان لداود مائة امرأة حرة، وثلاثمائة سريّة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة حرة وسبعمائة سريّة، و﴿سُنَّةَ﴾ هنا بمعنى: الطريقة، والعادة المتبعة، والمراد بالذين خلوا: الأنبياء الذين مضوا قبل نبينا، عليه، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أي: قضاء مقضيا، وحكما مبتوتا: أن لا حرج على أحد فيما أحل له.\nهذا؛ ولقد أحسن الدكتور محمد علي الصابوني جزاه الله خيرا الرد على من انتقد الرسول ﷺ فيما أحل الله له من التزوج بالنساء في رسالته: «شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول ﷺ» وبين: أن زواجه بكل واحدة كان لحكمة سامية. وأضيف: أن زواجه بأكثر من أربع نسوة، وجمعهن عنده هو من خصوصياته ﷺ، فقد اختصه الله بأمور فيها ترفيه له، واختصه الله بأمور فيها تشديد عليه لرفع مقامه، وتكثير ثوابه، وعلو درجاته، انظر الآية رقم [٥٠] الآتية.\nهذا؛ ومن أهم ما يدحض انتقاد المستشرقين، والملحدين في كل زمان، ومكان زواج الرسول ﷺ بأكثر من أربع أمران: أولهما: أن الرسول ﷺ لم يتزوج أكثر من أربع إلا بعد بلوغه سن الشيخوخة؛ أي بعد أن جاوز الخمسين من عمره؛ وثانيهما: أن جميع زوجاته الطاهرات ثيبات ما عدا السيدة عائشة، ﵂، فهي الوحيدة التي تزوجها في حالة الصبا، والبكارة.","vol":"7","page":494},{"text":"الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى النَّبِيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿حَرَجٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حَرَجٍ،﴾ وجملة: ﴿فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد: الضمير المجرور محلا باللام، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سُنَّةَ:﴾ مفعول مطلق مؤكد للكلام قبله، كأنه قيل: سن الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين، كقولهم: ترابا، وجندلا. و﴿سُنَّةَ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سُنَّةَ اللهِ﴾.\n ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، ونية معناه. ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية السابقة. إفرادا، وجملة، مع ملاحظة: أن ﴿مَقْدُورًا﴾ صفة: ﴿قَدَرًا﴾ مراد به التأكيد، كظل ظليل، وليل أليل.\n\n<span id=\"aya-3572\"></span>﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾ أي: يبلغون فرائض الله، وسننه، وأوامره، ونواهيه إلى من أرسلوا إليهم. هذا؛ وقرئ «رسالته» بالإفراد. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ:﴾ ويخافونه. ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا:﴾ ولا يخافون أحدا من الناس ﴿إِلاَّ اللهَ﴾ تعالى. ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا:﴾ محاسبا لأعمال خلقه، وحافظا لأعمالهم صغيرها، وكبيرها، سرها، وجهرها.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة، أو بدل من:\n ﴿الَّذِينَ﴾ في الآية السابقة، أو في محل نصب على المدح بفعل محذوف، تقديره: أمدح، أو أعني ونحو ذلك، أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿يُبَلِّغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رِسالاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿رِسالاتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة:\n ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا:﴾ وهذه الجملة معطوفة أيضا على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة حصر. ﴿اللهِ:﴾ بدل من:\n ﴿أَحَدًا،﴾ والاستثناء ضعيف. ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ في الآية رقم [٣] بلا فارق بينهما.","vol":"7","page":495},{"text":"<span id=\"aya-3573\"></span>﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ أي: على الحقيقة، فيثبت بينه وبين الرسول ﷺ ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة، وغيرها، والمراد: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾ البالغين، والحسن والحسين لم يكونا بالغين حينئذ، وأولاده ﷺ القاسم، وهو أول أولاده، وبه يكنى، وعبد الله، وكان يلقب ب:\nالطيب، والطاهر. وقيل: الطيب، والطاهر غير عبد الله المذكور، ولدا في بطن واحدة قبل البعثة.\nوإبراهيم ماتوا قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، ولو بلغوا كانوا رجاله، لا رجال أصحابه.\n ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ:﴾ وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير، والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة، والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء، والأبناء، وزيد بن حارثة واحد من رجالكم، الذين ليسوا بأولاده حقيقة، فكان حكمه حكمكم، والادعاء، والتبني من باب الاختصاص، والتقريب لا غير.\n ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ:﴾ بفتح التاء وهي قراءة عاصم وحده بمعنى: أنهم به ختموا، فهو كالخاتم، والطابع لهم، وقرأ الجمهور بكسر التاء بمعنى: أنه ختمهم، أي: جاء آخرهم. وقيل:\nالخاتم، والخاتم لغتان، مثل: طابع، وطابع، ودانق ودانق، وطابق من اللحم، وطابق هذا؛ وقال بعضهم: هو فعل مثل: قاتل بمعنى: ختمهم.\nتنبيه: قال ابن عطية-رحمه الله تعالى-: هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة، خلفا، وسلفا، متلقاة على العموم التام، مقتضية نصا: أنه لا نبي بعده ﷺ، وما ذكره القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى ب: «الهداية» من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف، وما ذكره الغزالي في هذه الآية، وهذا المعنى في كتابه الذي سماه ب: «الاقتصاد» إلحاد عندي، وتطرق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد ﷺ النبوة، فالحذر الحذر منه، والله الهادي برحمته. انتهى. قرطبي. أقول: وقد ادعى خبيث النبوة في عصرنا الحديث في باكستان، ولا تزال جماعة تقول بنبوته. هدانا الله وإياهم طريق الحق، والصواب.\nقال ابن عباس﵄-: يريد: لو لم أختم به النبيين؛ لجعلت له ابنا يكون بعده نبيا. وعنه﵄قال: إن الله لما حكم أن لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا. انتهى. خازن ويعجبني في هذا المقام قول حسان﵁مخاطبا النبي ﷺ حين توفي إبراهيم ابنه معزيا له: [الطويل] مضى وهو محمود العواقب لم يشب... بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل\nرأى أنّه إن عاش ساواك للعلا... فآثر أن تبقى وحيدا بلا مثل","vol":"7","page":496},{"text":"وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه، وأجمله، إلاّ موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويتعجبون له، ويقولون: هلاّ وضعت هذه اللّبنة، فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النبيين». متفق عليه. وعن جابر﵁نحوه. وقد خرجه له مسلم. وعن جبير بن مطعم﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي؛ الّذي يمحو الله الكفر بي، وأنا الحاشر؛ الّذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب؛ الّذي لا نبيّ بعدي». متفق عليه.\nبقي أن تعلم: أن عيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان، وهو نبي مرسل، كما هو مشهور ومعلوم، ولكنه حين ينزل يكون عاملا بشريعة محمد ﷺ، ومصليا إلى قبلته، كأنه بعض أمته، فلا يجيء بشريعة جديدة. وينبغي أن تعلم: أن الآية نزلت حين تزوج الرسول زينب، وقال الناس: تزوج محمد امرأة ابنه زيد.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿مُحَمَّدٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿أَبا:﴾ خبرها منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿أَبا﴾ مضاف، و﴿أَحَدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ رِجالِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك، مخفف من الثقيلة، مهمل لا عمل له. ﴿رَسُولَ:﴾\nخبر ل: «كان» محذوفة، التقدير: ولكن كان رسول الله. هذا؛ ويقرأ بتشديد النون على أنها عاملة، و﴿رَسُولَ﴾ اسمها، وخبرها محذوف، التقدير: من عرفتموه. كما يقرأ برفع «(رسول)» على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: ولكن هو رسول الله، و﴿رَسُولَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَخاتَمَ:﴾ معطوف على ﴿رَسُولَ﴾ على رفعه، ونصبه، وعلى اعتباره فعلا؛ ففاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿رَسُولَ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: «كان» المقدرة، و(خاتم) مضاف، و﴿النَّبِيِّينَ﴾ مضاف إليه، وجملة: «وكان رسول الله...» إلخ المقدرة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها على جميع الاعتبارات فيها.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِكُلِّ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿عَلِيمًا﴾ بعدهما، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3574\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾\nالشرح: أمر الله في هذه الآية عباده المؤمنين بأن يذكروه، ويشكروه، ويكثروا من ذلك على","vol":"7","page":497},{"text":"ما أنعم الله به عليهم، وجعل تعالى ذلك دون حد؛ لسهولته على العبد. قال ابن عباس﵄-: لم يفرض الله ﷿ على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا مغلبا على عقله، وأمرهم به في الأحوال كلها، فقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾.\nوقال تعالى: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ يعني: بالليل، والنهار، في البر، والبحر، في الصحة، والمرض، في السر، والعلانية. وقيل: الذكر الكثير: هو أن لا ينساه أبدا، وخذ ما يلي:\nعن أبي سعيد الخدري﵁أن رسول الله ﷺ قال: «أكثروا ذكر الله حتّى يقولوا: مجنون». رواه أحمد، والحاكم، وغيرهما. وعن أبي موسى الأشعري﵁- قال: قال النبي ﷺ: «مثل الّذي يذكر ربّه؛ والّذي لا يذكر ربّه مثل الحيّ، والميّت». رواه البخاري، ومسلم، وعن أنس﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشّيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله؛ خنس، وإن نسي؛ التقم قلبه». رواه البيهقي، وغيره.\nوالأحاديث المرغبة في الذكر أكثر من أن تحصى، وانظر الآية رقم [٣٥].\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والمتعلق محذوف. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿ذِكْرًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-3575\"></span>﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَسَبِّحُوهُ:﴾ معناه: إذا ذكرتموه ينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم والتقديس، والتنزيه عن كل سوء. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أول النهار، وآخره، وخصّا بالذكر؛ لأن ملائكة الليل، وملائكة النهار يجتمعون في هذين الوقتين، وإنما اختص التسبيح بالذكر من بين أنواع الذكر؛ لبيان فضله على سائر الأذكار، كما اختص جبريل، وميكائيل بالذكر من بين الملائكة لبيان فضلهما؛ لأن معنى التسبيح: تنزيه ذاته تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات.\nوجاز أن يراد بالذكر، والتسبيح وإكثارهما تكثير الطاعات، والعبادات فإنها من جملة الذكر، ثم خص من ذلك التسبيح ﴿بُكْرَةً،﴾ وهي صلاة الفجر. ﴿وَأَصِيلًا،﴾ وهي صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء لمزيد الاهتمام بشأن الصلاة.\nتنبيه: جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى، استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع:","vol":"7","page":498},{"text":"المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر، وهذا الفعل بألفاظه الأربعة، قد عدّي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى شأنه: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا،﴾ وقوله جلت قدرته: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبّحته: بعدته من السوء، منقول من: سبح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل: نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد ب: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا.\nهذا؛ وقد حثنا الرسول ﷺ على الإكثار من التسبيح، وغيره من أنواع الذكر. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا».\nقلت: يا رسول الله! ما رياض الجنّة؟ قال: «المساجد». قلت: وما الرّتع؟ قال: «سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». رواه الترمذي.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي، فقال: يا محمد! أقرئ أمّتك منّي السّلام، وأخبرهم: أنّ الجنّة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر».\nرواه الترمذي، والطبراني، وهذه الكلمات يقولهن الطاهر، والمحدث، والجنب، والحائض، والنفساء، وينبغي أن لا يلفظهن في الأماكن القذرة، وفي حالة كشف العورة. هذا؛ والتسبيح يأتي بمعنى الدعاء، قال جرير: [الطويل] فلا تنس تسبيح الضّحى إنّ يوسفا... دعا ربّه فاختاره حين سبّحا\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (الروم)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥].\nولا تنس: أن الله تعالى قال في الآية رقم [٤٤] من سورة (الإسراء): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.\nهذا؛ وقد قابل الله بين الأصيل، والبكرة هنا، وأيضا في الآية رقم [٥] من سورة (الفرقان) وقابل بينه وبين الغدو في الآية رقم [٣٦] من سورة (النور)، وفي (الرعد) رقم [١٥]، وأيضا في الآية رقم [٢٠٥] من سورة (الأعراف) وقابل العشي بالإبكار في الآية رقم [٤١] من سورة (آل عمران) وقابله بالغداة في الآية رقم [٥٢] من سورة (الأنعام) وأيضا في الآية رقم [٢٨] من سورة (الكهف) وقابل الغدو بالعشي في الآية رقم [٤٦] من سورة (غافر). هذا؛ والبكرة، والغداة، والغدو: النصف الأول من النهار، والأصيل، والعشي: النصف الآخر من النهار، مع الاختلاف في تحديد كل منهما.\nوالأصيل: الوقت بين العصر، والمغرب على الراجح، ويجمع على: آصال، وعلى:\nأصائل، وأصل، وأصلان. وقيل: الآصال جمع أصل، والأصل جمع: أصيل، ثم أصائل جمع الجمع، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]","vol":"7","page":499},{"text":"لعمري لأنت البيت أكرم أهله... وأقعد في أفيائه بالأصائل\nهذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتدّ من الشمس إلى الماء مثل الحبال، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب.\nهذا؛ وإنما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت، فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم، وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر؛ ليكون أول أعماله ذكر الله ﷿، وأما وقت الأصيل، وهو أخر النهار، فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم، الذي هو أخو الموت، فيستحب له أن يستقبله بالذكر؛ لأنه حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله ﷿. فعن جويرية أم المؤمنين﵄أن النبي ﷺ خرج من عندها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟». قالت: نعم، قال النبي ﷺ: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم، لوزنتهنّ سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضاء نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته». أخرجه مسلم، ويروى بروايات كثيرة أيضا.\nوقد اختلفت في إعراب: «عدد، رضاء، زنة، مداد» فقال السيوطي: هي منصوبة على الظرف بتقدير: قدر عدد، قدر رضاء... إلخ، وقد نص سيبويه-رحمه الله تعالى-على أن من المصادر التي تنصب على الظرف قولهم: زنة الجبال... إلخ. وقيل: تعرب على المفعولية المطلقة لفعل محذوف. وقيل: منصوبة بنزع الخافض، التقدير: كعدد خلقه، ومثل رضاء نفسه، ومثل زنة عرشه، ومثل مداد كلماته.\nالإعراب: ﴿وَسَبِّحُوهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (سبحوه): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله.\n ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَأَصِيلًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها؛ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3576\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ رقم [٥٦] الآتية؛ قال المهاجرون، والأنصار: هذا لك يا محمد يا رسول الله، وليس لنا فيه شيء، فأنزل الله هذه الآية. انتهى. وهذه النعمة من أجل النعم على هذه الأمة، ودليل على فضيلتها على سائر الأمم، وقد قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ..﴾. إلخ الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران). والصلاة من الله على العبد هي رحمته له، وبركته لديه، وصلاة الملائكة دعاؤهم للمؤمنين، واستغفارهم لهم، كما قال تعالى في الآية رقم [٧] من سورة (غافر).","vol":"7","page":500},{"text":"﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أي: ظلمات الكفر. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ أي: نور الإيمان. هذا؛ والظلمات جمع: ظلمة، وهي الكفر، والنفاق، والجهل، ونحو ذلك. وأيضا جمعت لتعدد فنون الضلال، والمعاصي، ولم يجمع النور؛ لأن الإيمان واحد لا يتعدد. هذا؛ وإن في الكلام استعارة، حيث استعير لفظ الظلمات للكفر، وما يلحق به، والجامع فيهما عدم الاهتداء. واستعير لفظ النور للإيمان بجامع الاهتداء في كل منهما.\n ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا:﴾ فهو اعتناء بصلاح أمرهم، وظهور شرفهم، وبشارة لجميع المؤمنين، وإشارة إلى أن قوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ غير مختص بالسامعين وقت نزول الوحي؛ بل هو عام لجميع المؤمنين. هذا؛ والملائكة أجسام نورانية، لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة حسنة، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا ينامون، ولا يموتون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس، ولا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، حيث قال جل ذكره: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال. ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، عليهم ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١] من سورة (فاطر).\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يُصَلِّي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة فيها معنى التعليل للكلام السابق. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَمَلائِكَتُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ملائكته): معطوف على فاعل ﴿يُصَلِّي﴾ المستتر، وجاز ذلك للفصل بالجار والمجرور، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِيُخْرِجَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُصَلِّي﴾ أيضا. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل: (يخرج). ﴿وَكانَ:﴾\nالواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص، واسمه مستتر يعود إلى (الله) أيضا.\n ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿رَحِيمًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، وقال الجمل نقلا عن أبي السعود: اعتراض مقرر لمضمون ما قبله، أي: كان بكافة المؤمنين الذين أنتم من زمرتهم رحيما.","vol":"7","page":501},{"text":"<span id=\"aya-3577\"></span>﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿تَحِيَّتُهُمْ:﴾ تحية المؤمنين بعضهم لبعض، أو هذه التحية من الله لهم، أو هي من الملائكة لهم، كما قال تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ..﴾. إلخ. ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي: يوم يلقون الله عند الموت، أو عند الخروج من القبر، أو عند دخول الجنة. وقيل: يوم يلقون ملك الموت، وقد ورد: أنه لا يقبض روح مؤمن، ومؤمنة إلا سلم عليه، وعليها. روي عن البراء بن عازب﵁قال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ فيسلم ملك الموت على المؤمن عند قبض روحه، لا يقبض روحه حتى يسلم عليه. ﴿سَلامٌ﴾ أي: يقولون:\nسلامة لنا ولكم من عذاب الله، أو يقول الله أو الملائكة لهم حسبما رأيت، و﴿سَلامٌ﴾ اسم مصدر مثل (عذاب) في الآية رقم [٧] من سورة (لقمان). ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ هو الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (يس).\nهذا؛ والتحية: مصدر «حيّاه» الله بتشديد الياء، وأصل معناه: الدعاء له بالحياة، ثم عم في كل كلام يلقيه بعض الناس على بعض بقصد الدعاء، كقولهم: أبيت اللعن، و: أنعموا صباحا، أو مساء، أو نحو ذلك، ثم خصته الشريعة الإسلامية بكلام معين، وهو قول القائل: السّلام عليكم.\nالإعراب: ﴿تَحِيَّتُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله، حسبما رأيت في الشرح. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالمصدر (تحية). وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿يَلْقَوْنَهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿سَلامٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في المؤمنين، والرابط: الضمير فقط، والأول أقوى. ﴿وَأَعَدَّ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (أعد): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به. ﴿كَرِيمًا:﴾ صفة: ﴿أَجْرًا،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَأَعَدَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير: «قد» قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-3578\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا:﴾ على من بعثت إليهم بتصديقهم، وتكذيبهم، ونجاتهم وضلالهم؛ لتترقب أحوالهم، وتشاهد أعمالهم، وتتحمل الشهادة على ما صدر عنهم،","vol":"7","page":502},{"text":"تؤديها يوم القيامة أداء مقبولا فيما لهم، وفيما عليهم، والآية الكريمة رقم [٤١] من سورة (النساء): ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ توضح هذا المعنى. ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أي: للمؤمنين برحمة الله، وبالجنة. ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: مخوفا للعصاة، والمكذبين، والفاسقين، والظالمين من النار، وعذاب الخلد فيها.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ انظر الآية رقم [١] ففيها الكفاية. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.\n ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿شاهِدًا:﴾ مفعول به ثان. وقيل: هي حال من الكاف، وهي حال مقارنة؛ إن كان المراد مراقبة أحوالهم في الدنيا، واعتبرها بعضهم مقدرة منتظرة بأن حمل الشهادة على شهادته عليهم في الآخرة؛ بأن يشهد عليهم بما حصل منهم في الدنيا من تصديق، وتكذيب، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم لهم، والحال المقدرة مثل قولك:\nمررت برجل معه صقر صائدا به؛ أي: مقدرا به الصيد غدا.\n\n<span id=\"aya-3579\"></span>﴿وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: لما نزلت هذه الآية؛ دعا رسول الله ﷺ عليا ومعاذا﵄فبعثهما إلى اليمن، وقال: «اذهبا فبشّرا، ولا تنفّرا، ويسّرا، ولا تعسّرا، فإنه قد أنزل الله عليّ». وقرأ الآية.\n ﴿وَداعِيًا إِلَى اللهِ﴾ أي: إلى دين الله، وتوحيده، ومحاربة الكفر، وأهله. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ بأمره.\nقال الزمخشري: لم يرد حقيقة الإذن، وإنما جعل الإذن مستعارا للتسهيل، والتيسير؛ لأن الدخول في حق المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل، وتيسر، فلما كان الإذن تسهيلا لما تعذر من ذلك؛ وضع موضعه، وذلك: أن دعاء أهل الشرك، والجاهلية إلى التوحيد والشرائع أمر في غاية الصعوبة، والتعذر، فقيل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ للإيذان بأن الأمر صعب، لا يتأتى ولا يستطاع؛ إلا إذا سهله الله، ويسره، ومنه قولهم في الشحيح: إنه غير مأذون له في الإنفاق؛ أي غير مسهل له الإنفاق، لكونه شاقا عليه داخلا في حكم التعذر. انتهى. كشاف.\n ﴿وَسِراجًا مُنِيرًا:﴾ هذا استعارة للنور الذي يتضمنه شرع محمد ﷺ. وقيل: ﴿وَسِراجًا﴾ أي:\nهاديا من ظلم الضلالة، ووصفه بالإنارة؛ لأن من السّرج ما لا يضيء إذا قلّ زيته، ودقت فتيلته.\nوفي كلام بعضهم: ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر لها من يجيء.\nوسماه الله: سراجا، ولم يسمه: شمسا مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج وأنور؛ لأنه لا يمكن أن يؤخذ من نور الشمس شيء بخلاف نور السراج، فإنه يؤخذ منه أنوار كثيرة. وما","vol":"7","page":503},{"text":"أحسن قول النسفي-رحمه الله تعالى-: أو المعنى: ﴿شاهِدًا﴾ بوحدانيتنا، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ برحمتنا، ﴿وَنَذِيرًا﴾ بنقمتنا، ﴿وَداعِيًا﴾ إلى عبادتنا، ﴿وَسِراجًا﴾ وحجة ظاهرة لحضرتنا.\nالإعراب: ﴿وَداعِيًا:﴾ معطوف على ما قبله، وفي الكل ضمير مستتر هو فاعله. ﴿إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ:﴾ كلاهما متعلقان ب: (داعيا)، وقيل: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ متعلقان بمحذوف حال من لفظ الجلالة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَسِراجًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُنِيرًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-3580\"></span>﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ، وهو معطوف على محذوف، التقدير: فراقب أحوال أمتك، وبشر... إلخ. ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا:﴾ ثوابا عظيما، قال ابن عطية: قال لنا أبيّ ﵁: هذه من أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى؛ لأن الله ﷿ قد أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلا كبيرا، وقد بين الله تعالى الفضل الكبير في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فالآية في هذه السورة خبر، والتي في (الشورى) رقم [٢٢] تفسير لها.\nالإعراب: ﴿وَبَشِّرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بشر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره:\n «أنت». ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أنّ) تقدم على اسمها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَجْرًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة:\n «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿فَضْلًا:﴾ اسم: (أنّ) مؤخر. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة له:\nو(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَبَشِّرِ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة التي رأيت تقديرها.\n<span id=\"aya-3581\"></span>﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ أي: لا تطعهم فيما يشيرون عليك من المداهنة في الدين، ولا تمالئهم، والمراد بالكافرين: أبو سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبو الأعور السلمي، فقد قالوا: يا محمد! لا تذكر آلهتنا بسوء؛ نتبعك. والمراد بالمنافقين: عبد الله بن","vol":"7","page":504},{"text":"أبيّ، وعبد الله بن سعد، وطعمة بن أبيرق، حثّوا النبي ﷺ على إجابة المشركين فيما طلبوا بحجّة المصالحة، والموادعة، وهذا كان بعد غزوة أحد، انظر الآية رقم [٦٨] الآتية.\n ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ أي: أعرض عن إيذائهم مجازاة على إذايتهم إياك، فأمره الله-تبارك، وتعالى-بترك معاقبتهم، والصفح عن زللهم. فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول، ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخص الكافرين، وناسخه آية السيف. أو المعنى: أعرض عن أقوالهم، وما يؤذونك، ولا تشتغل به: فالمصدر على هذا التأويل مضاف إلى الفاعل. وهذا تأويل مجاهد، والآية منسوخة بآية السيف. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا:﴾ انظر الآية رقم [٣] ففيها الكفاية.\nأما (دع)، فهو بمعنى: أعرض، واترك، والمستعمل من هذه المادة المضارع، والأمر فقط، ومثله «ذر» ومضارعه: يذر، فكلا المادتين ناقص التصرف، وهما بمعنى الترك، والإعراض، وقد سمع سماعا نادرا الماضي منهما، فقالوا: ودع ووذر بوزن وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى أنهم لم يتكلموا به البتة؛ بل تكلموا به دهرا، ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا إلا ما سمع منه سماعا نادرا، فقد قرئ قوله تعالى:\n ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ بالتخفيف، وقال الرسول ﷺ: «دعوا الحبشة ما ودعوكم». وسمع منه المصدر في قوله ﵊: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو لأحرقنّ عليهم بيوتهم». أي: عن تركهم إياها. وسمع منه: اسم الفاعل، واسم المفعول في أبيات من الشعر، قال خفاف بن ندبة: [الطويل] إذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودوع ووادع مصدق\nهذا رأي أكثر النحاة، وقال محب الدين الخطيب، شارح شواهد الكشاف: فقد رويت هذه الكلمة، أي: (دع) عن أفصح العرب، يقصد النبي ﷺ، ونقلت عن طريق القراء، فكيف تكون إماتة؟ وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإمانة، وأضيف: أن كثيرا من النحاة يقولون في ماضي: «عم ويعم» ما قيل في ماضي «دع، وذر».\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُطِعِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْمُنافِقِينَ﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَدَعْ:﴾ الواو: حرف عطف. (دع): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».","vol":"7","page":505},{"text":"﴿أَذاهُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله حسبما رأيت في الشرح. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ. انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٣] إفرادا وجملا.\n\n<span id=\"aya-3582\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ:﴾ تزوجتموهن. هذا؛ والنكاح لغة:\nالضم، وشرعا: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ: إنكاح، أو تزويج، وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الأصح عندنا معاشر الشافعية، وهو عند السادة الحنفية في الأصل الوطء، وتسمية العقد نكاحا لملابسته له؛ من حيث إنه طريق إليه، كتسمية الخمر إثما؛ لأنها سببه. قال الشاعر: [الوافر] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول\nقالوا: ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد؛ لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به، ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة، والمماسة، والقربان، والتغشي والإتيان.\n ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: تجامعوهن. والخلوة الصحيحة مثل الجماع عند الحنفية لها كل أحكامه. وفي الآية دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع لأن الله رتب الطلاق على النكاح، حتى لو قال لامرأة أجنبية: إذا نكحتك؛ فأنت طالق. أو قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق. فنكح لا يقع الطلاق، وهو المعتمد. هذا؛ وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات، مع أن الحكم عام فيهن تنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة يتخيرها لنطفته، وأن يبتعد عن نكاح الكافرات، والفاسقات، والفاجرات، وأن يستنكف أن يدخل تحت لحاف واحد غير الصالحة، والعفيفة، وما ذكر في سورة (المائدة) رقم [٥] فائدته بيان ما هو جائز غير محرم من نكاح المحصنات من أهل الكتاب.\n ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ أي: فلا يجب لكم عليهن عدة إذا وقع الطلاق قبل الدخول بهن. وانظر العدد في سورة (الطلاق). هذا؛ وإسناد الفاعل إلى الذكور يدل على أن العدة حق للأزواج على النساء، سواء أكانت بالأقراء، أو بالأشهر. هذا؛ ويقرأ الفعل: ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ بتخفيف الدال، وفسر على أنه من الاعتداء، وهو بتشديد الدال بمعنى: تستوفونها وتحسبونها.\n ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن المتعة، وهذه المتعة واجبة على المطلق؛ إذا لم يكن قد سمى لها مهرا، وهي سنة إذا سمى لها مهرا، ولها نصف المهر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] بشأن القدر المالي الذي يعطى للمطلقة. ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ أي: أخرجوهن من بيوتكم من","vol":"7","page":506},{"text":"غير إضرار بهن، ولا منع حق لهن، قال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ وانظر الآية رقم [٢٨] علما بأن طلاق غير المدخول بها، لا يوصف بسني، ولا ببدعي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (أيها) وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١]، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿إِذا:﴾\nظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿نَكَحْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمُؤْمِناتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية ابتدائية هنا لا محل لها، لاقتران جواب ﴿إِذا﴾ بالفاء، ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو ما ذكره ابن هشام في المغني. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جمع الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال.\n ﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون علامة جمع الإناث، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿عِدَّةٍ،﴾ ولا يجيز سيبويه مجيء الحال من المبتدأ، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِدَّةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ صفة ﴿عِدَّةٍ،﴾ و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف مثل الجملة الندائية، لا محل له. ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (متعوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، وما بعدها معطوفة عليها. ﴿سَراحًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿جَمِيلًا:﴾ صفة له.","vol":"7","page":507},{"text":"<span id=\"aya-3583\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾\nالشرح: روى السدي عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب﵂- قالت: خطبني رسول الله ﷺ، فاعتذرت إليه، فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ..﴾.\nإلخ ثم قالت: فلم أكن أحل له؛ لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء. خرجه أبو عيسى الترمذي.\nوقال القرطبي: لما خير رسول الله ﷺ نساءه فاخترنه، حرم عليه التزوج بغيرهن، والاستبدال بهن، مكافأة لهن على فعلهن، وأنزل الآية بعد التالية، ثم نسخ هذا التحريم، فأباح له أن يتزوج بمن شاء من النساء عليهن، وأنزل هذه الآية، وهي وإن كانت متقدمة في التلاوة، فهي متأخرة النزول. ويدل على صحته ما خرجه الترمذي عن عطاء قال: قالت عائشة﵂-: ما مات رسول الله ﷺ، حتى أحل الله تعالى له النساء. قال: هذا حديث حسن صحيح.\n ﴿اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ:﴾ مهورهن؛ لأن المهر مقابل للانتفاع بالبضع بشرط إجراء العقد بين الزوجين بشروطه، وتوفر أركانه. ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي: من السراري. ﴿مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ أي: رده الله عليك من الكفار من النساء بالمأخوذ على وجه القهر، والغلبة، مثل صفية، وريحانة؛ اللتين كانتا من اليهود.\n ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ:﴾ فهذا شرط لحل قريباته له ﷺ بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾. ولا تنس أن الله جلت قدرته قد ذكر العم فردا والعمات جمعا. وكذلك الخال، والخالات؛ لأن العم، والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر، والراجز، وليس كذلك العمة، والخالة، فجاء الكلام بغاية البيان لرفع الإشكال، وهذا معنى دقيق، فتأملوه، قاله ابن العربي. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني.\nوقال الجمل-رحمه الله تعالى-: وقد سئل كثير عن حكمة إفراد العم، والخال دون العمة، والخالة، حتى إن السبكي صنف جزءا فيه، سماه: بذل الهمة في إفراد العم، وجمع العمة. وقد رأيت لهم فيه كلمات كلها ضعيفة، كقول الرازي: إن العم والخال على زنة المصدر، والمصدر يستوي فيه المفرد، والجمع، بخلاف العمة، والخالة. وقيل: إنهما يعمان إذا أضيفا، والعمة والخالة لا يعمان لتاء الوحدة انتهى. نقلا من الشهاب.","vol":"7","page":508},{"text":"﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ:﴾ ولقد اختلف في اسم الواهبة نفسها، فقيل: هي أم شريك الأنصارية، اسمها غزيّة. وقيل: غزيّلة. وقيل: ليلى بنت حكيم. وقيل: هي ميمونة بنت الحارث الهلالية حين خطبها رسول الله ﷺ، فجاءها الخاطب، وهي على بعيرها، فقالت:\nالبعير وما عليه لرسول الله ﷺ. وقيل: هي أم شريك العامرية. وقيل: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين. وقيل: هي خولة بنت حكيم. والله تعالى أعلم. هذا؛ وتقييد الواهبة نفسها بمؤمنة دليل واضح على أن الكافرة لا تحل له، وبهذا يتميز النبي ﷺ علينا، حيث لا يحل له نكاح الكافرة، ويحل لنا؛ لأن ما كان من جانب الفضائل، والكرامة فحظه فيه أوفر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر. انتهى. قرطبي عن إمام الحرمين بتصرف مني.\n ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها:﴾ يطلب نكاحها، ويرغب فيه. وقيل: نكح، واستنكح بمعنى واحد، مثل: أجاب، واستجاب، وعجل، واستعجل. قال النابغة: [الطويل] وهم قتلوا الطائيّ بالحجر عنوة... أبا جابر واستنكحوا أمّ جابر\nوأعاد لفظ (النبي)، فأظهر في مقام الإضمار تفخيما له، وتقريرا لاستحقاقه الكرامة لرسالته. ﴿خالِصَةً لَكَ:﴾ بمعنى خلوصا فهو مصدر مثل: العافية، والعاقبة، والكاذبة، واستعمال الفاعل، والفاعلة في المصادر كثير، ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إيذان بأن الهبة في النكاح من خصوصيات النبي ﷺ، ولا يصح بلفظ الهبة لغيره من أمته، وعليه مذهب الشافعي.\n ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ:﴾ حين إجراء العقد بين الزوجين من شروط، ووجوب المهر بالوطء؛ حيث لم يسم، والقسم بين الزوجات، ووجوب المعاشرة بالمعروف... إلخ. ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ:﴾ من الإيماء، والسراري؛ حيث وسع الله الأمر فيهن. ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أي: ضيق في دينك؛ حيث اختصصناك بالتنزيه، واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات، وزدنا لك الواهبة نفسها.\n ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا:﴾ لما يعسر التحرز عنه. ﴿رَحِيمًا:﴾ بالتوسعة في مظان الحرج، وتفسير الحرج بالضيق هنا، وقد فسرته بالمؤاخذة، والإثم في الآية رقم [٣٨] والأول ذكرته في تفسير قوله تعالى في الآية رقم [٧٨] من سورة (الحج): ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.\nتنبيه: خص الله تعالى رسوله ﷺ في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض، والتحريم، والتحليل مزية على الأمة، وهبت له، ومرتبة خص بها، ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم على غيره، وحللت له أشياء لم تحلل لأحد من أمته، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه.","vol":"7","page":509},{"text":"فأما ما فرض عليه فتسعة: الأول: التهجد في الليل، والمنصوص: أنه كان واجبا عليه، ثم نسخ كما رأيت في الآية رقم [٧٩] من سورة (الإسراء). الثاني: صلاة الضحى. الثالث: صلاة الأضحى. الرابع: الوتر. الخامس: السواك. السادس: قضاء دين من مات معسرا من المسلمين.\nالسابع: مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع. الثامن: تخيير النساء. التاسع: إذا عمل عملا؛ أثبته، وكان يجب عليه إذا رأى منكرا؛ أنكره وأظهره؛ لأن إقراره لغيره على ذلك يدل على جوازه.\nوأما ما حرم الله عليه ﷺ فجملته عشرة: الأول: تحريم الزكاة عليه، وعلى آله. الثاني:\nصدقة التطوع عليه، وفي آله تفصيل باختلاف. الثالث: خائنة الأعين، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر. الرابع: حرم الله عليه إذا لبس لأمته أن يخلعها عنه، أو يحكم الله بينه وبين محاربه، الخامس: الأكل متكئا. السادس: أكل الأطعمة الكريهة الرائحة، مثل: البصل، وغيره.\nالسابع: التبدل بأزواجه، كما ستعرفه في الآية التالية. الثامن: نكاح امرأة تكره صحبته.\nالتاسع: نكاح الحرة الكتابية. العاشر: نكاح الأمة، ولو مسلمة.\nوأما ما أحل له ﷺ فجملته ستة عشر: الأول: صفي المغنم. الثاني: الاستبداد بخمس الخمس، أو الخمس. الثالث: الوصال في الصوم. الرابع: الزيادة على أربع نسوة. الخامس:\nالنكاح بلفظ الهبة. السادس: النكاح بغير ولي. السابع: النكاح بغير صداق. الثامن: نكاحه في حالة الإحرام. التاسع: سقوط القسم عنه بين الزوجات. وسيأتي في الآية التالية. العاشر: إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها، وحل له نكاحها «وهذا ضعيف غير مسلم».\nالحادي عشر: أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها. الثاني عشر: دخوله مكة بغير إحرام.\nالثالث عشر: القتال بمكة. الرابع عشر: أنه لا يورث. وإنما ذكر هذا في قسم التحليل؛ لأن الرجل إذا قارب الموت بالمرض، زال عنه أكثر ملكه، ولم يبق له إلا الثلث خالصا، وبقي ملك النبي ﷺ على ما تقرر بيانه في سورة (مريم). الخامس عشر: بقاء زوجيته من بعد موته.\nالسادس عشر: إذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها، فلا تنكح، وأبيح له عليه الصلاة، والسّلام أخذ الطعام، والشراب من الجائع، والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف الهلاك على نفسه، لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وعلى كل أحد من المسلمين أن يقي النبي ﷺ بنفسه.\nوأبيح له أن يحمي لنفسه، وأكرمه الله بتحليل الغنائم، وجعلت الأرض له مسجدا، وطهورا، وكان من الأنبياء من لا تصح صلاتهم إلا في المسجد، ونصر بالرعب، فكان العدو يخافه من مسيرة شهر، وبعث إلى الخلق كافة، وجعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله، وزيادة. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَحْلَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ). ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَزْواجَكَ:﴾ مفعول به، والكاف","vol":"7","page":510},{"text":"ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة أزواجك. ﴿آتَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿آتَيْتَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ﴿أَزْواجَكَ﴾. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث لا محل لها.\n ﴿يَمِينُكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: والتي ملكتها يمينك. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و(من): بيان لما أبهم في (ما)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: من الذي أفاءه الله عليك.\n ﴿وَبَناتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بنات): معطوف على أزواجك منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، و(بنات) مضاف، و﴿عَمِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ﴾ كل هذا معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿اللاّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿خالاتِكَ﴾.\n ﴿هاجَرْنَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والنون فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَامْرَأَتَ:﴾ معطوف على ﴿أَزْواجَكَ﴾ أيضا. ﴿مُؤْمِنَةً:﴾ صفة: (امرأة). هذا؛ وقيل: إن (امرأة) مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ونحل لك امرأة لأن الكلام بمعنى المستقبل بخلاف الأول.\n ﴿إِنْ وَهَبَتْ..﴾. إلخ: توالى شرطان، ولم يذكر جواب لأحدهما، ومثلها الآية رقم [٣٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهي ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ..﴾. إلخ وخذ ما قاله أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: حكم الشرط إذا دخل على الشرط أن يكون الشرط الثاني والجواب جوابا للشرط الأول، كقولك: إن أتيتني، إن كلّمتني أكرمتك.\nفقولك: إن كلمتني أكرمتك جواب إن أتيتني، وإذا كان كذلك صار الشرط الأول في الذكر مؤخرا في المعنى، حتى لو أتاه، ثم كلمه لم يجب الإكرام، ولكن إن كلمه ثم أتاه؛ وجب إكرامه، وعلة ذلك: أن الجواب صار معوقا للشرط الثاني، وقد جاء في القرآن منه قوله تعالى:\n ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها..﴾. إلخ.\nوأضيف ما قاله سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: وإن زاد على شرطين «أي: حكمه حكم الشرطين» وعلى هذا يترتب الحكم، مثاله: أن يقول لعبده: إن كلمت زيدا، إن دخلت الدار، إن أكلت الخبز، فأنت حرّ، فجواب الثالث: «أنت حرّ» والثالث، وجوابه جواب للثاني،","vol":"7","page":511},{"text":"والثاني، وجوابه جواب للأول. فإن كلم، ثم دخل، ثمّ أكل؛ لم يعتق، لكن إن أكل، ثم دخل، ثم كلم؛ عتق لما ذكر. انتهى.\nأما ابن هشام فقد قال في المغني: ذكروا: أنه إذا اعترض شرط على آخر، نحو «إن أكلت، إن شربت فأنت طالق» فإن الجواب المذكور للسابق منهما، وجواب الثاني مدلول عليه بالشرط الأول، وجوابه، كما قالوا في الجواب المتأخر عن الشرط، والقسم، ولهذا قال محققو الفقهاء في المثال المذكور: إنها لا تطلق حتى تقدم المؤخر وتؤخر المقدم، وذلك لأن التقدير حينئذ: إن شربت، فإن أكلت فأنت طالق. وقد أشار إلى ذلك ابن الوردي-رحمه الله تعالى-في البهجة بقوله: [الرجز]\nوطالق إن كلّمت إن دخلت... إن أوّلا بعد أخير فعلت\nوهذا كله حسن، لكنهم جعلوا منه قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي..﴾. إلخ وفيه نظر؛ إذ لم يتوال شرطان وبعدهما جواب كما في المثال، وكما في قول الشاعر: وهو الشاهد رقم [١٠٤١] من كتابنا فتح القريب المجيب: [البسيط]\nإن تستغيثوا بنا إن تذعروا؛ تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم\nوقول ابن دريد في مقصورته: وهو الشاهد رقم [١٠٤٢] من كتابنا المذكور: [الرجز]\nفإن عثرت بعدها إن وألت... نفسي من هاتا فقولا لا لعا\nإذ الآية الكريمة لم يذكر فيها جواب، وإنما تقدم على الشرطين ما هو جواب في المعنى للشرط الأول، فينبغي أن يقدر إلى جانبه، ويكون الأصل: إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، وأما أن يقدر الجواب بعدهما، ثم يقدر بعد ذلك مقدما إلى جانب الشرط الأول؛ فلا وجه له. والله أعلم. انتهى. أقول: ما قاله أبو البقاء وما قاله ابن هشام مؤداه واحد، وإن اختلف التعبير بينهما. وأخيرا أذكر أنه قرئ بفتح همزة: «(أن وهبت)» وخذ الإعراب على القراءتين.\n (أن): حرف مصدري، ونصب. ﴿وَهَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفعل يعود إلى امرأة مؤمنة. ﴿نَفْسَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿لِلنَّبِيِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(أن) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب بدلا من ﴿(امْرَأَةً مُؤْمِنَةً)﴾. وقيل: في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أحللنا لك امرأة مؤمنة لهبتها نفسها لك، وأما على كسر همزة: ﴿إِنْ﴾ فهي حرف شرط جازم. ﴿وَهَبَتْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن وهبت... فهي حل له، والجملة الشرطية في محل نصب صفة ثانية ل: (امرأة) وإعراب ما بعدها مثلها، التقدير: إن أراد النبي أن يستنكحها؛ فهي خالصة له، والجملة الشرطية هذه في محل نصب حال؛ لأن الحال قيد، كما أن الشرط","vol":"7","page":512},{"text":"الثاني قيد للأول؛ أي: فكأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها؛ وأنت تريد أن تستنكحها؛ لأن إرادته هي قبول الهبة، وما به تتم.\n ﴿خالِصَةً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: خلصت لك خالصة، ومجيء المصدر على هذه الزنة وارد، كالعاقبة، والكاذبة. وفاعله محذوف، التقدير: خالصا لك نكاحها؛ وفي السمين: وفيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على الحال من فاعل: ﴿وَهَبَتْ﴾ المستتر؛ أي: حال كونها خالصة لك دون غيرك. الثاني: أنها حال من امرأة؛ لأنها وصفت، فخصصت، وهو بمعنى الأول، وإليه ذهب الزجاج. الثالث: أنها نعت مصدر مقدر، أي: هبة خالصة، فنصبها ب: ﴿وَهَبَتْ﴾. الرابع: أنها مصدر مؤكد كوعد الله. انتهى. جمل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِصَةً﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بها أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه... إلخ.\n ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة. ﴿فَرَضْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: قد علمنا الذي، أو: شيئا فرضناه. ﴿عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿فِي أَزْواجِهِمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿أَزْواجِهِمْ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: وفي الذي ملكته أيمانهم. وجملة: ﴿قَدْ عَلِمْنا..﴾. إلخ معترضة بين ﴿خالِصَةً﴾ وما يتعلق بها، وهي مقررة لمضمون ما قبلها من خلوص الإحلال له، ببيان أنه قد فرض عليهم من شرائط العقد وحقوقه ما لم يفرض عليه، تكرمة له، وتوسعا عليه ﷺ. ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٣٧]، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خالِصَةً﴾. وقيل: متعلقان ب: ﴿أَحْلَلْنا﴾. وقيل: متعلقان ب: ﴿فَرَضْنا﴾ والمعتمد الأول، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3584\"></span>﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾\nالشرح: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ:﴾ تؤخر. يقرأ بالهمزة وبدونه. ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ:﴾\nتضم. فالمعنى: أنت يا محمد مخير بشأن نسائك، تترك مضاجعة من تشاء منهن، وتضاجع من","vol":"7","page":513},{"text":"تشاء، أو تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء منهن، أو لا تقسم لأيتهن شئت، وتقسم لمن شئت، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوج من شئت. وعن الحسن﵁-: كان النبي ﷺ إذا خطب امرأة؛ لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها، وهذا قسمة جامعة لما هو الغرض؛ لأنه إما أن يطلق، وإما أن يمسك، فإذا أمسك ضاجع، أو ترك، وقسم، أو لم يقسم، وإذا طلق، وعزل، فإما أن يخلي المعزولة، لا يبتغيها، أو يبتغيها.\nروي: أنه أرجى منهن سودة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة، فكان يقسم لهن ما شاء، كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب ﵅.\nأرجى خمسا وآوى أربعا، وكان ﷺ مع أن الله قد أطلق له الحرية في معاملة أزواجه، كان يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن تطييبا لقلوبهن. وكان يقول: اللهم هذه قدرتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا أملك، يعني: قلبه؛ لأنه كان يميل إلى عائشة أكثر من غيرها.\nوروي: أن سودة﵂حين أحست بميله إلى عائشة، وضعف رغبته فيها؛ فإنها وهبت ليلتها لعائشة، وقالت له: أمسكني، ولا تطلقني؛ حتى أحشر في زمرة نسائك.\n ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أي: طلبتها للمبيت معك. ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: هجرتها، وابتعدت عنها مدة.\n ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ أي: لا إثم، ولا مؤاخذة عليك في طلبها، ورجوعك عليها. ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ﴾ أي: ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى رضاهن، وأطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن إذا علمن: أن ذلك من الله تعالى. ﴿وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: بما أعطيتهن من تقريب، وإرجاء، وعزل، وإيواء؛ لأنه حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا، وتكرما منك، وإن رجحت بعضهن على بعض علمن: أنه بحكم الله، لا اعتراض لواحدة منهن عليك، فتطمئن نفوسهن، ويهدأ بالهن.\n ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: من الميل لبعضهن. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا:﴾ بما في ضمائركم. ﴿حَلِيمًا:﴾ لا يعاجل بالعقوبة. هذا؛ وانظر شرح: (شاء) في الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم)، وشرح: (العين) في الآية رقم [١٧] من سورة (السجدة)، وشرح: ﴿قُرَّةِ﴾ في الآية رقم [١٧] منها. هذا؛ والفعل: ﴿يَحْزَنَّ﴾ في هذه الآية من باب: فرح، وطرب فهو لازم، ويأتي من باب: دخل، وقتل، فيكون متعديا. كما يكون متعديا إذا أتى من الرباعي.\nالإعراب: ﴿تُرْجِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، أو ظاهرة على الهمزة، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة ﴿تَشاءُ:﴾ صلته، والعائد محذوف، التقدير: التي تشاؤها. ﴿مِنْهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و(من) بيان لما أبهم في (من) والنون علامة جمع الإناث، وإعراب الجملة التالية مثلها، والعائد والمتعلق","vol":"7","page":514},{"text":"محذوفان، التقدير: وتؤوي إليك التي تشاؤها منهن. والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.\n ﴿وَمَنِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل بعده، أو هو في محل رفع مبتدأ. ﴿اِبْتَغَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، أو من (من)، و(من) بيان لما أبهم في (من). ﴿عَزَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: من التي عزلتها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٣٠]. هذا؛ وإن اعتبرت: (من) موصولة؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، والجملة الاسمية: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ في محل رفع خبره؛ وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَدْنى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ تَقَرَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ ويقرأ بالبناء للمعلوم، وللمجهول. ﴿أَعْيُنُهُنَّ:﴾ فاعل، أو نائب فاعل، ويقرأ: «(تقرّ)» ونصب «(أعينهن)» على أنه مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، و﴿أَنْ تَقَرَّ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إلى إقرار أعينهن، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَدْنى﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَحْزَنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والفعل معطوف على ما قبله، فهو منصوب محلا، و(يرضين): مثله محلا، وإعرابا، لذا فالتقدير: ذلك أقرب إلى إقرار أعينهن، وأقرب إلى قلة حزنهن، وأقرب إلى رضاهن جميعا.\n ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿آتَيْتَهُنَّ:﴾ فعل، وفاعل ومفعوله الأول، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة: (ما)، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير:\nويرضين بالذي آتيتهن إياه. ﴿كُلُّهُنَّ:﴾ توكيد لنون النسوة بقوله: (يرضين)، وقرئ شاذا بنصبه على أنه توكيد ل: (هنّ) والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بِما:﴾ اسم موصول مبني على السكون","vol":"7","page":515},{"text":"في محل نصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3585\"></span>﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ:﴾ يقرأ الفعل بالياء، والتاء؛ لأنه جمع تكسير، يجوز تذكيره، وتأنيثه، وإذا جاز بغير فصل في قوله تعالى: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ كان مع الفصل أجوز. ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد التسع اللاتي اخترنك المذكورات في الآية رقم [٢٩]. ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ﴾ أي: بأن تطلق إحداهن، وتتزوج بدلها، أو تطلقهن جميعا، وتتزوج غيرهن، وهذا تكريم لهن، ومكافأة على اختيارهن الله، ورسوله، كما رأيت في الآية رقم [٢٩] أيضا. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أي: حسن المبتدلات الجدد. أي: فليس لك أن تطلق أحدا من نسائك، وتنكح بدلها أخرى، ولو أعجبك جمالها. قال ابن عباس﵄-: يعني: أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب﵁لما استشهد بمؤتة، أراد رسول الله ﷺ أن يخطبها، فنهي عن ذلك. وقيل: هذا الحجر عليه ﷺ حتى لو ماتت واحدة منهن؛ لا يحل له نكاح أخرى. ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ:﴾ فهي استثناء ممن حرم عليه من النساء بعد اللاتي اخترن الله، ورسوله، والدار الآخرة. قال ابن عباس﵄-: ملك مارية القبطية -﵂بعد نزول هذه الآية، وكانت قد أهداها له المقوقس ملك مصر، وذلك حين بعث إليه الرسول ﷺ حاطب بن أبي بلتعة﵁بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط». و﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٦٤] من سورة (آل عمران)، فلما وصل إليه الكتاب قرأه، ثم جعله في حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم كتاب جوابه في كتاب صورته: «إلى محمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد: فقد قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، وما تدعو إليه، وعلمت: أن نبيا قد بقي، وما كنت أظن أنه يخرج إلا بالشام، وقد أكرمت رسولك (أي: فإنه قد دفع لحاطب مائة دينار، وخمسة أثواب) وبعثت لك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم (أي: وهما مارية، وسيرين﵄-) وبغلة للركوب، وثياب، كذا","vol":"7","page":516},{"text":"وكذا». ولم يسلم، وأهدى إليه جارية ثالثة، وخصيّا، يقال له: مابور، والبغلة هي الدلدل، وكانت شهباء، وفرسا هو: اللزاز، فأسرج، وألجم، وهو فرسه الميمون، وأهدى إليه عسلا من عسل بنها. انتهى. من الجمل نقلا عن السيرة الحلبية بتصرف مني كبير.\nوالمشهور: أنه بعث إليه طبيبا أيضا، ولما وصل إليه الطبيب، قال النبي ﷺ: «لا حاجة لنا به، نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع». وقد ولدت مارية﵂- إبراهيم ﵇، وقد توفي قبل تمام حولين له، وأما سيرين فقد زوجها لأحد أصحابه، فولدت له محمد بن سيرين، وهو من كبار التابعين، وأخيرا: فقد كان كتاب النبي ﷺ إلى المقوقس في السنة السادسة للهجرة، وهي السنة التي راسل فيها الملوك؛ الذين كانوا في حياته ﷺ. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أي: حافظا مهيمنا، فتحفظوا جهدكم، ولا تتخطوا ما حد لكم.\nوهو تهديد، وتحذير عن مجاوزة حدود الله، وتخطي حلاله إلى حرامه. وبقي أن تعرف هل نسخ هذا الحجر على رسول الله ﷺ، أو بقي إلى آخر حياته؟ فقيل: بقي، والأصح: أنه نسخ، فعن عائشة﵂قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء، وروى الطحاوي عن أم سلمة ﵂، قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء من شاء، إلا ذات محرم، وذلك قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ..﴾. إلخ الآية السابقة.\nقال النحاس: وهذا؛ -والله أعلم-أولى ما قيل في الآية، وهو وقول عائشة واحد في النسخ، وقد عارض بعض فقهاء الكوفة، فقال: محال أن تنسخ الآية السابقة هذه الآية، وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. ورجح قول من قال: نسخت بالسّنّة. قال النحاس: وهذه المعارضة لا تلزم، وقائلها غالط؛ لأن القرآن بمنزلة سورة واحدة، ويبين لك أن اعتراض هذا المعترض لا يلزم؛ لأن الآية رقم [٢٤٠] من سورة (البقرة) قد نسخت بالآية رقم [٢٣٤] وهي بعدها، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَحِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿النِّساءُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿مِنْ بَعْدُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿النِّساءُ﴾ وهو أولى، وبني ﴿بَعْدُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا نية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَنْ تَبَدَّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والمصدر المؤول في محل رفع معطوف على ﴿النِّساءُ﴾ التقدير: ولا يحل لك التبدل. ﴿بِهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَزْواجٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.","vol":"7","page":517},{"text":"﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): وصلية. وقيل: شرطية، ولا وجه له؛ لأنها لا جواب لها، وأيضا لا تجتمع الشرطية، والحالية. ﴿أَعْجَبَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به.\n ﴿حُسْنُهُنَّ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَبَدَّلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من: ﴿النِّساءُ،﴾ أو في محل نصب على الاستثناء، والأول هو المختار، وأجيز اعتباره مستثنى من (الأزواج)، أو في محل جر بدلا من لفظه، أو في محل نصب بدلا من: (هنّ) على المحل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير:\nإلا الذي ملكته يمينك. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب على الاستثناء، أو في محل رفع بدلا من النساء على حسب ما رأيت فيما تقدم.\n ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَقِيبًا﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿رَقِيبًا:﴾ خبر:\n (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3586\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي: إلا وقت أن يؤذن لكم، أو: إلا مأذونا لكم. ﴿إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ:﴾ غير منتظرين نضجه وإدراكه. ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ:﴾ إلى الطعام، وأذن لكم في الدخول؛ فادخلوا غير مؤاخذ عليكم. ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا:﴾ فاخرجوا، وتفرقوا، ولا تمكثوا. والآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ، فيدخلون، ويقعدون منتظرين لإدراكه وهذا قبل أن تنزل آية الحجاب كما ستعرفه.\n ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: لحديث بعضكم بعضا، أو لحديث أهل البيت بالتسمع له، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون، فنهوا عن ذلك. ﴿إِنَّ ذلِكُمْ﴾ أي: القعود في البيت للتحدث بعد الطعام. ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ:﴾ لتضييق المنزل عليه، وعلى أهله، واشتغاله فيما لا يعنيه.\n ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي: أن يخرجكم. ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يستحيي من","vol":"7","page":518},{"text":"إخراجكم الذي هو الحق، ولا ينبغي أن يستحيا منه. ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال؛ قيل: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ،﴾ أي لا يمنع منه، ولا يتركه ترك الحيي منكم. هذا أدب أدب الله به الثقلاء، وعن عائشة﵂قالت: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم، وقال: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا:﴾ وإذا سألتم نساء النبي ﷺ شيئا مما ينتفع به. ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء النبي ﷺ منتقبة كانت، أو غير منتقبة.\nهذا؛ وفيما تقدم المطابقة بين قوله: ادخلوا، وانتشروا، وبين الإيجاب والسلب في قوله تعالى: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وهذا من المحسنات البديعية.\n ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ:﴾ من خواطر الشيطان، وعوارض الفتن، وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال، وكان عمر﵁يحب ضرب الحجاب عليهن، ويود أن ينزل فيه، وقال: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت. وذكر أن بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ..﴾. إلخ.\n ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾ أي: ذنبا عظيما، وهذا من إعلام تعظيم الله لرسوله ﷺ، وإيجاب حرمته حيا، وميتا، وإعلامه بذلك مما طيب نفسه، وسر قلبه، واستفرغ شكره، فإن من الناس من تفرط غيرته على حرمته حتى يتمنى لها الموت قبله لئلا تنكح غيره بعده، وانظر شرح:\n ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ في الآية رقم [٣٦].\nوإنما حرمن على غيره ﷺ؛ لأنه حي في قبره، ورعاية لشرفه، ولأنهن أزواجه في الجنة، ولأنهن أمهات المؤمنين، ولأن المرأة في الجنة مع آخر أزواجها، ويرد على قوله: لأنه حي في قبره بقية الأنبياء، فإن أزواجهم يجوز لغيرهم من الأنبياء التزوج بهن مع أنهم أحياء في قبورهم، وكذا الشهداء يجوز لغيرهم التزوج بنسائهم مع أنهم أحياء، فالأولى الاقتصار على التعاليل اللاتي بعده، ونساء باقي الأنبياء يحرمن على غير الأنبياء.\nتنبيه: قال أكثر المفسرين: نزلت الآية الكريمة في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول الله ﷺ. روى الشيخان عن أنس بن مالك﵁قال: كنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في بناء رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش حين أصبح النبي ﷺ بها عروسا، فدعا القوم، فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا، وبقي رهط عند النبي ﷺ، فأطالوا المكث فقام رسول الله ﷺ فخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة﵂ثم ظن: أنهم قد خرجوا، فرجع، ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب؛ فإذا هم جلوس، لم يقوموا، فرجع، ورجعت معه؛","vol":"7","page":519},{"text":"حتى إذا بلغ حجرة عائشة، وظن أنهم قد خرجوا، رجع، ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فدخل النبي ﷺ، وأرخى بيني، وبينه الستر، وأنزل الله آية الحجاب.\nوروى الشيخان عن عائشة﵂أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المواضع الخالية لقضاء الحاجة من البول، والغائط، وكان عمر﵁يقول للنبي ﷺ: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة! حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب، وهذه الآية من جملة الآيات الأربع عشرة التي نزلت موافقة لرأي عمر ﵁، وقد بينتها في محالها.\nهذا؛ والقائل: أننهى أن نكلم بنات عمنا... إلخ هو طلحة بن عبيد الله التيمي قريب أبي بكر، ﵁ وليس هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فحاشاه من هذا القول، وإنما القائل غيره، وقد وافق الاسم الاسم، والنسبة النسبة، واسم الأب اسم الأب موافقة. قال عبد الله بن عباس -﵄-: وندم هذا الرجل على ما حدّث به نفسه، فمشى إلى مكة على رجليه. وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقا، فكفر الله عنه. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ والحياء بالنسبة للإنسان: هو انقباض النفس من الشيء، وتركه خوفا من اللوم، وهو ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل، والحياء خير ما يتحلى به إنسان، فعن عبد الله بن عمر -﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما، رفع الآخر». وإذا ذهب الحياء من الإنسان؛ فقد ذهب منه كل خير، كما قال القائل: [الوافر] إذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستح فاصنع ما تشاء\nفلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء\nهذا؛ والحياء في حق الله تعالى المراد منه: الترك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ:\n «إنّ الله حييّ كريم يستحيي إذا رفع الرجل يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». رواه أبو داود، والترمذي عن سلمان الفارسي، ﵁. فالمراد منه: أنه سبحانه يعطي، ولا يمنع.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ ناهية، جازمة. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بُيُوتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول","vol":"7","page":520},{"text":"به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام». و﴿بُيُوتَ:﴾ مضاف، و﴿النَّبِيِّ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿يُؤْذَنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. ﴿إِلى طَعامٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأن والفعل المضارع في تأويل مصدر، وفيه أوجه:\nأحدها: أنه في محل نصب حال تقديره: إلا مأذونا لكم. الثاني: أنه على إسقاط باء السببية تقديره: إلا بسبب الإذن لكم، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، التقدير: إلا مصحوبين بإذن، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بسببه، الثالث: أنه منصوب على الظرفية؛ أي: إلا وقت الإذن لكم، وهذا يعني: أنه مستثنى من عموم الأحوال، أي: لا تدخلوا بيوت النبي في وقت من الأوقات إلا وقت الإذن لكم. ﴿غَيْرَ:﴾ حال من الكاف، أو من الواو، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿ناظِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿إِناهُ:﴾ مفعول به ل: ﴿ناظِرِينَ؛﴾ لأنه اسم فاعل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقرئ بجر (غير) صفة لطعام، فيكون جاريا على غير من هو له بلا إبراز الضمير، وهو غير جائز عند البصريين؛ إذ من حق ضمير ﴿غَيْرَ﴾ ما هو له عندهم أن يبرز إلى اللفظ، فيقال: إلى طعام غير ناظرين إناه أنتم، كقولك: هند زيد ضاربته هي، وجملة: ﴿لا تَدْخُلُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها.\n ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿دُعِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون. والتاء نائب فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿فَادْخُلُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (ادخلوا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿وَلكِنْ إِذا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ﴿فَإِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، وإعرابه مثله أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿مُسْتَأْنِسِينَ:﴾\nمعطوف على ﴿ناظِرِينَ﴾ فهو مجرور مثله، وأجيز اعتباره معطوفا على ﴿غَيْرَ﴾ فيكون منصوبا، كما أجيز اعتباره حالا مقدرة من محذوف، التقدير: لا تدخلوا، أو: لا تمكثوا مستأنسين، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِحَدِيثٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنْ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض","vol":"7","page":521},{"text":"ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى اسم الإشارة. ﴿يُؤْذِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل، والفاعل يعود إلى اسم الإشارة. ﴿النَّبِيِّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنْ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ زائدة؛ فجملة:\n ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ تكون خبر: ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ ذلِكُمْ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، لا محل لها. ﴿فَيَسْتَحْيِي:﴾ الفاء: حرف عطف. ﴿فَيَسْتَحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، وهو يقرأ بياء واحدة، وبياءين، ومثله ما بعده، والفاعل يعود إلى النبي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والرابط في الأولى رابط في الثانية.\n ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما وهو على تقدير مضاف؛ إذ الأصل: فيستحيي من إخراجكم.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿فَيَسْتَحْيِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل يستحيي الأول، والرابط الضمير فقط.\n ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿سَأَلْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به أول، والنون حرف دال على جماعة الإناث.\n ﴿مَتاعًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فَسْئَلُوهُنَّ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب (إذا). (اسألوهن): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله الأول، والثاني محذوف، التقدير: فاسألوهن إياه، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها. ﴿مِنْ وَراءِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و﴿وَراءِ﴾ مضاف، و﴿حِجابٍ﴾ مضاف إليه، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَطْهَرُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِقُلُوبِكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَطْهَرُ﴾. (قلوبهن):\nمعطوف على ما قبله، والكاف والهاء ضميران متصلان في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُؤْذُوا﴾ في محل رفع اسمها مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿رَسُولَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَنْكِحُوا﴾ معطوف على سابقه، فهو في محل رفع مثله. ﴿أَزْواجَهُ:﴾ مفعول به.","vol":"7","page":522},{"text":"والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَزْواجَهُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة اسم: ﴿أَنْ﴾. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿كانَ﴾ ماض ناقص. واسمه يعود إلى ﴿ذلِكُمْ﴾. ﴿عِنْدَ:﴾\nظرف مكان متعلق ب: ﴿عَظِيمًا﴾ بعده، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمًا:﴾\nخبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿أَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3587\"></span>﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا:﴾ تظهروا، وتجهروا بشيء على ألسنتكم، كنكاح أزواج النبي ﷺ. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدوركم، أي: لا تجهروا به. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ﴾ وكائن وما يزال كائنا أبد الآبدين ﴿عَلِيمًا﴾ بكل شيء. وفحواه: أن الله جلت قدرته، وتعالت حكمته عالم بما بدا، وما خفي، وما كان، وما لم يكن، لا يخفى عليه ماض تقضّى، ولا مستقبل يأتي. وهذا على العموم تمدح به، وهو أهل المدح، والحمد، والمراد به هنا: التوبيخ، والوعيد لمن تقدم التعريض به في الآية السابقة، ممّن أشير إليه بقوله: ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ومن أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ..﴾. إلخ فقيل لهم في هذه الآية:\nإن الله تعالى يعلم ما تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة، وما تبدونه منها، فيجازيكم عليها، ولا تنس المطابقة بين قوله: ﴿تُبْدُوا﴾ (وتخفوا) وهي من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تُخْفُوهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والواو فاعله، والهاء مفعول به. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمًا﴾ بعدهما، و(كل): مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمًا:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، وجملة: (إن...) إلخ في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وعند التأمل يتبين لك أن جواب الشرط محذوف، التقدير: فهو يجازيكم به، وعليه فالجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ تعليلية لا محل لها، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.","vol":"7","page":523},{"text":"<span id=\"aya-3588\"></span>﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاِتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: لا إثم، ولا حرج على أزواج الرسول ﷺ. ﴿فِي آبائِهِنَّ..﴾. إلخ: أي: في رؤية، وكلام آبائهن لهن... إلخ، فالكلام على حذف المضاف.\nروي: أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء، والأبناء، والإخوان: يا رسول الله! أو نكلمهن أيضا من وراء الحجاب؟ فنزل: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ﴾. هذا؛ وقد ذكر تعالى في هذه الآية من يحل للمرأة البروز له، ولم يذكر الأعمام، والأخوال مع كونهم من المحارم، وأولادهم ليسوا من المحارم باتفاق جميع المسلمين؛ لأن مناكحتهم صحيحة لا حرج فيها، لم يذكرهم الله؛ لأنهم يجرون مجرى الوالدين، في معنى الإخوان، أو لأن الأحوط أن يتسترن عنهم حذرا من أن يصفوهن لأولادهم. قال الزجاج: هذا؛ وقد ذكر الله في هذه الآية بعض المحارم وذكر الجميع في الآية رقم [٢٣] من سورة (النساء)، والآية رقم [٣١] من سورة (النور)، فهذه الآية توسطت بين الآيتين.\n ﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ أي: المؤمنات من أهل دينهنّ، المراد أنه يجوز للمرأة المسلمة أن تنظر إلى بدن المرأة المسلمة ما عدا ما بين السرة والركبة، فلا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتعرى من ثيابها عند الذمية، أو الوثنية؛ لأنها ليست من المؤمنات، ولأنها أجنبية في الدين، فكانت أبعد من الرجل الذي يحل نكاحه، وقد كتاب عمر﵁إلى أبي عبيدة بن الجراح﵁أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات، وذلك لئلا تصف الكافرة جسد المسلمة لزوجها الكافر، أو غيره من أقاربها. ولا يفوتني أن أذكر أنه تقدم الطبيبة الكافرة في معالجة المرأة المسلمة على الطبيب المسلم، ولو كان عدلا، ولكن المسلمين في هذه الأيام قد انحرفوا عن الصراط المستقيم، فتراهم يقدمون الطبيب الكافر على الطبيب المسلم؛ بل وعلى الطبيبة المسلمة، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ﴿وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ أي: من العبيد، والإماء، بمعنى: أنه يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف من بدنها ما عدا ما بين السرة والركبة لمن تملكه من العبيد، ولا أطيل الكلام في ذلك؛ لأن الرق لم يعد موجودا في الدنيا.\nوينبغي أن تعلم: أن هذه الأحكام ليست مقصورة على نساء النبي ﷺ؛ بل تعم جميع المسلمات المؤمنات، ولذا عممته كما ترى.\nهذا؛ و(آباء) جمع: أب، وأصله: أبو، فجمعه آباء. و(أبناء) جمع: ابن، وأصله: بنو، فجمعه: أبناء. و(نساء) أصله: نساي، فقل في إعلال الثلاثة: تحركت الواو، والياء، وانفتح ما","vol":"7","page":524},{"text":"قبلهما، فقلبتا ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ ولقد سئلت عما يلي: همزة المصدر استغفار ونحوه همزة وصل، فإذا جمع استغفارات، ونحوه تبقى الهمزة همزة وصل وهمزة «ابن» همزة وصل، فلما جمع «أبناء» صارت همزة قطع فما الفرق بينهما؟ فالجواب: إن همزة المصدر أصلية، وأما همزة «ابن» فليست أصلية إذ أصله «بنو» كما رأيت، فالهمزة فيه بدل من حرف علة أصلي، فلما جمع على «أبناء» فهذه الهمزة همزة أفعال، وليست همزة: ابن، كما قد يتوهم.\nأما ﴿شَيْءٍ﴾ فهو في اللغة عبارة عن كل موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-أن وزنه: شياء وزان: حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت: لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر، وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.\nتنبيه: وقعت «ما» على العبيد والإماء، وهم عاقلون، وهي لغير العاقل، كما هو معروف، وإنما وقعت عليهم؛ لأنهم كانوا يباعون، ويشترون كالبهائم، كما وقعت على النساء الحرائر في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣] من سورة (النساء) لأنهن ناقصات عقل، ولأنهن بسبب دفع المهر لهن يشبهن الإماء، وانظر (اتقى) في الآية رقم [٣٢].\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿جُناحَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا﴾. ﴿فِي آبائِهِنَّ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿جُناحَ؛﴾ لأنه مصدر. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو غير وجيه. هذا؛ وإن علقت عليهن ب: ﴿جُناحَ﴾ فهما متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وما بعده معطوف عليه. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:\nوالذي ملكته أيمانكم. ﴿وَاتَّقِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقين): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فامتثلن ما أمرتن به، واتقين الله في أن يراكن غير هؤلاء. والفاء المقدرة يظهر: أنها الفصيحة، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا؛ فامتثلن... إلخ. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ..﴾.\nإلخ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة، وهي مستأنفة، أو معترضة، لا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿لا جُناحَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":525},{"text":"<span id=\"aya-3589\"></span>﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾\nالشرح: هذه الآية شرّف الله بها رسوله ﷺ في حياته، وبعد موته، وأظهر بها منزلته عنده تعالى، والصلاة من الله عليه ﷺ: رحمته ورضوانه، ومن الملائكة: الدعاء والاستغفار، ومن الأمة: الدعاء، والتعظيم لأمره. انتهى. قرطبي. فإن قيل: إذا صلّى الله، وملائكته عليه فأيّ حاجة به إلى صلاتنا؟ أجيب بأن الصلاة عليه ليست لحاجته إليها، وإلا فلا حاجة به إلى صلاة الملائكة أيضا، وإنما القصد بها تعظيمه ﷺ، وعود فائدتها علينا بالثواب، والقرب منه ﷺ. انتهى. نقلا عن الخطيب.\nقال الإمام: ولم تؤكد الصلاة-أي: بمصدر-كما أكد السّلام؛ لأنها مؤكدة بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ..﴾. إلخ. وقيل: إنه من الاحتباك، فحذف (عليه) من أحدهما، والمصدر من الآخر. هذا؛ وتجوز الصلاة على غيره تبعا له، وتكره استقلالا؛ لأنه في العرف صار شعارا لذكر الرسل، ولذلك كره أن يقال: إن محمدا ﷿، وإن كان عزيزا جليلا.\nهذا؛ وقد اختلف في الصلاة على النبي ﷺ: أواجبة، أو مندوبة؟ ومن قال في الوجوب اختلفوا في حال وجوبها، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره، ومن قول النبي ﷺ: «ألا أخبركم بأبخل الناس؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، فذلك أبخل الناس». رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة عن أبي ذر الغفاريّ، ﵁.\nومنهم من قال: تجب في العمر مرة. ومنهم من قال: تجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، ومنهم من قال: تجب في كل صلاة في التشهد الأخير، وهو مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، ومن قول الشافعي، ﵁: [البسيط] يا آل بيت رسول الله حبكم... فرض من الله في القرآن أنزله\nيكفيكم من عظيم الفخر أنكم... من لم يصلّ عليكم لا صلاة له\nكما اختلف في صفة الصلاة عليه ﷺ. وخذ ما يلي: عن كعب بن عجرة﵁- قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! هذا السّلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: «قل: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».\nوعن عبد الله بن مسعود﵁قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ؛ فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قال، فقالوا له: فعلّمنا! قال: قولوا:","vol":"7","page":526},{"text":"«اللهم اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون، والآخرون. اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».\nأما فضل الصلاة عليه ﷺ، فهو مما لا ريب فيه، وقد ورد في بيانه أحاديث كثيرة، خذ منها ما يلي: فعن أبي بردة بن نيار﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى عليّ من أمتي صلاة مخلصا من قلبه؛ صلّى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتاب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيّئات». رواه النسائي، والطبراني. وعن ابن مسعود -﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ لله ملائكة سيّاحين يبلّغوني عن أمّتي السّلام». رواه النسائي. وعن الحسن بن علي﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «حيثما كنتم فصلّوا عليّ، فإنّ صلاتكم تبلغني». رواه الطبراني. وعن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أولى النّاس بي يوم القيامة أكثرهم صلاة عليّ». رواه الترمذي.\nهذا؛ وقال سهل بن عبد الله: الصلاة على محمد ﷺ أفضل العبادات؛ لأن الله تعالى تولاها هو وملائكته، ثم أمر بها المؤمنين، وسائر العبادات ليس كذلك. وقال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ، ثم يسأل الله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ، فإن الله تعالى يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يرد ما بينهما.\nوروى سعيد بن المسيب عن عمر﵁أنه قال: الدعاء يحجب دون السماء حتى يصلّى على النبي ﷺ، فإذا جاءت الصلاة على النبي ﷺ رفع الدعاء. وقال النبي ﷺ: «من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة يصلّون عليه، ما دام اسمي في ذلك الكتاب». يا رب لك الحمد على نعمتك.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿وَمَلائِكَتَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يُصَلُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. وقيل: الجملة في محل رفع خبر: ﴿وَمَلائِكَتَهُ﴾ على رفعه، وخبر الجلالة محذوف لتغاير الصلاتين، فيكون التقدير:\nإن الله يصلي على النبي، وإن ملائكته يصلون على النبي. ويكون قد حذف متعلق أحد الفعلين.\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [٥٣] والمحال عليها. ﴿صَلُّوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها؛ لأنها مثلها ابتدائية، وجملة: ﴿وَسَلِّمُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها،","vol":"7","page":527},{"text":"وإعرابها مثلها، وانظر ما ذكرته في الشرح من الاحتباك، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة.\nهذا؛ ويقرأ برفع: «(ملائكته)»: فالكسائي يعطفه على اسم: ﴿إِنَّ﴾ باعتباره مبتدأ قبل دخولها عليه، والجمهور على أنه مبتدأ خبره محذوف، أو خبره المذكور بعده، وخبر: ﴿إِنَّ﴾ هو المحذوف، وجملة المبتدأ، والخبر معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ﴾ واسمها، وخبرها، وبعض البصريين يقول بقول الكسائي؛ لأنهم لم يشترطوا المحرز، وهو قول الكوفيين عامة الذين لا يشترطون المحرز أيضا، ولكن شرط الفراء لصحة الرفع قبل مجيء الخبر خفاء إعراب الاسم لئلا يتنافر اللفظ، ولم يشترطه الكسائي. وقول الجمهور هو المعتمد، وهو أن خبر: ﴿إِنَّ﴾ محذوف، وجملة: ﴿يُصَلُّونَ﴾ خبر: (ملائكته). ولا يصح أن تكون خبر: ﴿إِنَّ﴾ لعدم الموافقة بالإفراد، والجمع، ومثل الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل] خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان\nوهو الشاهد رقم [٨٥٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n\n<span id=\"aya-3590\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧)﴾\nالشرح: اختلف العلماء في إذاية الله تعالى بماذا تكون؟ فقال الجمهور من العلماء: معناه بالكفر ونسبة الصاحبة، والولد، والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به، كقول اليهود لعنهم الله:\n ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (المائدة)، وكقول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾. وقول المشركين: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. فقد أخرج البخاري -رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﷿: كذّبني ابن آدم، ولم يكن له، وشتمني، ولم يكن له ذلك؛ فأمّا تكذيبه إيّاي؛ فقوله: لن يعيدني؛ كما بدأني! وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأمّا شتمه إيّاي؛ فقوله: اتّخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: قال الله ﷿: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدّهر، وأنا الدّهر، بيدي الأمر، أقلّب اللّيل والنّهار».\nمعنى هذا الحديث: أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يذموا الدهر، ويسبوه عند النوازل، لاعتقادهم: أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر، فقال الله تعالى: «أنا الدهر» أي: أنا","vol":"7","page":528},{"text":"الذي أحل بهم النوازل، وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه إلى الدهر في زعمكم. وقيل: معنى يؤذون الله: يلحدون في أسمائه، وصفاته. وقيل: هم أصحاب التصاوير. وقد قال رسول الله ﷺ:\n «لعن الله المصوّرين». وعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «قال الله ﷿: ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرّة، أو ليخلقوا حبة، أو شعيرة». متفق عليه. وقيل: هو على حذف مضاف، التقدير: يؤذون أولياء الله. كما روي عن النبي ﷺ، قال: قال الله تعالى: «من آذى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب». وقال تعالى: «من أهان لي وليا؛ فقد بارزني بالمحاربة». ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله تعالى، وارتكاب معاصيه، ذكر ذلك على ما يتعارفه الناس بينهم؛ لأن الله تعالى منزه عن أن يلحقه أذى من أحد.\nوأما إذاية رسول الله ﷺ، فهي كل ما يؤذيه من الأقوال، والأفعال أيضا، أما قولهم:\nفساحر، شاعر، كاهن، مجنون. وأما فعلهم: فكسر رباعيته، وشجّ وجهه يوم أحد، وهذا ما كان منهم في المدينة، وأما فعلهم بمكة؛ فكثير، منه: إلقاء السلى على ظهره ﷺ وهو ساجد، إلى غير ذلك. وفي هذه الأيام كل من يدعي محبة الرسول، ولا يهتدي بهديه، ولا يعمل بسنته؛ فهو مؤذ للرسول ﷺ.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسمها. ﴿يُؤْذُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَنَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الوجهين. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا﴾ معطوفة على جملة: ﴿لَعَنَهُمُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-3591\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾\nالشرح: قيل: إن الآية الكريمة نزلت في علي﵁، وكرم الله وجهه-كان بعض المنافقين يؤذونه، ويسمعونه كلاما يؤذيه. وقيل: نزلت في شأن عائشة، ﵂. وقيل:\nنزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء؛ إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيتبعون المرأة، فإن سكتت تبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة؛ لأن زيّ الكل كان واحدا، تخرج الحرة","vol":"7","page":529},{"text":"والأمة في درع، وخمار، فشكين ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية، ثم نهى الرسول ﷺ الحرائر أن يتشبهن بالإماء، وهو ما في الآية التالية.\nوقد ميز الله تعالى بين أذاه، وأذى الرسول، وأذى المؤمنين، فجعل الأول كفرا، والثاني كبيرة، وأطلق إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأن إيذاء الله، ورسوله لا يكون إلا بغير حق أبدا، وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات، فمنه بحق ومنه بغير حق، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٢]: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته. ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَا:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بإضافة: (غير) إليها، واعتبارها موصولة، أو مصدرية فيه ضعف، والجملة الفعلية بعدها صفتها، والرابط:\nمحذوف؛ إذ التقدير: بغير شيء اكتسبوه. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: زائدة لتحسين اللفظ. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِحْتَمَلُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بُهْتانًا:﴾ مفعول به. ﴿وَإِثْمًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية:\n ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: (الذين...) إلخ معطوفة على الجملة الاسمية (إن...) إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3592\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿قُلْ لِأَزْواجِكَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩].\n ﴿وَبَناتِكَ:﴾ الأربع، وكلهن من خديجة، ﵂. وهن: زينب، ﵂، وهي أكبر بناته ﷺ تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، واسمه: لقيط. وقيل: هاشم. وتوفيت سنة ثمان من الهجرة. ورقية خطبها قبل النبوة عتبة بن أبي لهب، فلما بعث رسول الله ﷺ، وأنزل الله عليه: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ..﴾. إلخ أمره أبوه بالإعراض عنها، فتزوجها عثمان، ﵁، وهاجرت معه إلى الحبشة الهجرتين، وولدت منه غلاما، سماه: عبد الله وبه يكنى، وتوفيت ورسول الله ﷺ كان في غزوة بدر، فلم يشهد دفنها. والثالثة أم كلثوم، ﵂، خطبها قبل النبوة عتيبة أخو عتبة بن أبي لهب، ثم أمره أبوه أن يعرض عنها للسبب","vol":"7","page":530},{"text":"المذكور في أمر رقية، ﵂، فتزوجها عثمان ﵁، بعد وفاة رقية، ﵂. وبذلك سمّي ذا النورين، وتوفيت في حياة أبيها ﷺ في شعبان سنة تسع من الهجرة، والرابعة فاطمة الزهراء ﵂، ولدت؛ وقريش تبني الكعبة قبل النبوة بخمس سنين.\n ﴿وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ هذا تعميم بعد تخصيص. ﴿يُدْنِينَ:﴾ يرخين، ويغطين وجوههن وأبدانهن. ﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ:﴾ جمع: جلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع، والخمار. وقيل: هو الملحفة، وكل ما يستتر به من كساء وغيره. ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: أولى وأجدر بأن يعرفن، فلا يتعرض لهنّ. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا:﴾ لما سلف منهن من التفريط. ﴿رَحِيمًا:﴾ بتعليمهن آداب الإسلام.\nتنبيه: أشارت الآية الكريمة إلى لطيفة دقيقة، وهي أن الدعوة لا تثمر إلا إذا بدأ الداعي بها في نفسه، وأهله، وهذا هو السر في البدء بالحجاب الشرعي بنساء الرسول ﷺ وبناته، قال أبو الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-من قصيدة مشهورة: [الكامل] يا أيّها الرجل المعلّم غيره... هلاّ لنفسك كان ذا التّعليم\nابدأ بنفسك فانهها عن غيّها... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nوقد أجمعت الأمة على أن المراد بما في الآية الكريمة أن تغطي النساء وجوههن، وأبدانهنّ؛ لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه وحده، ولأن الوجه هو موضع الفتنة كما هو معروف لدى كل عاقل. ولا تنس: أن البيئة تختلف بين الريف، والبدو، والمدينة، فلكلّ اعتباره.\nولما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن، كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، أمر الله رسوله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن؛ إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف، فإذا لبسن الجلابيب؛ وقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبا، أو شابا، وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية، تتبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار يظن: أنها أمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ، ونزلت الآية بسبب ذلك، وهذه الآية تسمى: آية الحجاب.\nفي الآية الكريمة أمر الله سبحانه جميع النساء بالستر، وأن ذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها إلا إذا كانت مع زوجها، فلها أن تلبس ما شاءت؛ لأن له أن يستمتع بها كيف شاء.\nثبت: أن النبي ﷺ استيقظ ليلة، فقال: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن من يوقظ صواحب الحجر؟ ربّ كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة.","vol":"7","page":531},{"text":"وذكر أبو هريرة﵁رقة الثياب للنساء، فقال: «الكاسيات العاريات المتنعّمات الشّقيّات». ودخل نسوة من بني تميم على عائشة﵂عليهن ثياب رقاق، فقالت:\nإن كنتنّ مؤمنات؛ فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتنّ غير مؤمنات فتمتعن به.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات، عاريات، مميلات، مائلات، رءوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة، ولا يجدن ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». رواه مسلم وغيره.\nوعن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر﵂دخلت على رسول الله ﷺ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها، وقال: «يا أسماء! إنّ المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه، وكفّيه». رواه أبو داود. وعن أبي موسى﵁عن النبي ﷺ قال: «كلّ عين زانية، والمرأة إذا استعطرت، فمرّت بالمجلس كذا وكذا يعني زانية». رواه أبو داود، والترمذي.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:\n «أنت». ﴿لِأَزْواجِكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَبَناتِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَنِساءِ:﴾ معطوف أيضا، وهو مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿يُدْنِينَ:﴾\nفعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، ومحله الجزم من ثلاثة أوجه: أحدها هو جواب ﴿قُلْ﴾ وتقدير الكلام: إن تقل لهن يدنين، قاله الأخفش، ورده قوم، فقالوا: لأن قول الرسول لهن لا يوجب أن يدنين، وهذا عندي لا يبطل قوله؛ لأنه لم يرد أمر الكافرات؛ بل المؤمنات، كما هو واضح، وإذا قال الرسول ﷺ لهن: ادنين عليكن من جلابيبكن، أدنينها؛ لأنهنّ مأمورات بامتثال أمره، واجتناب نهيه، استجابة لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nوالوجه الثاني حكي عن المبرد-رحمه الله تعالى-وهو: أنّ التقدير: قل لهن: ادنين، يدنين. ف: ﴿يُدْنِينَ﴾ المصرح به جواب ادنين المحذوف. حكاه جماعة، ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد لوجهين: أحدهما: أن جواب الشرط يخالف الشرط، إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما معا، فأما إذا كان مثله في الفعل، والفاعل؛ فهو خطأ، كقولك: قم تقم، والتقدير: على ما ذكر في هذا الوجه: إن يدنين يدنين، والوجه الثاني: أن الأمر المقدر للمواجهة، و﴿يُدْنِينَ﴾ على لفظ الغيبة، وهو خطأ؛ إذا كان الفاعل واحدا.","vol":"7","page":532},{"text":"والوجه الثالث من الأوجه الأولى: أنه مجزوم بلام محذوفة، تقديره: ليدنين، فهو أمر مستأنف، وجاز حذف اللام لدلالة ﴿قُلْ﴾ على الأمر. وهذا الإعراب هو الموافق لما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، بالمقايسة بين ما هنا وهناك، فإن التعبير في الآيتين واحد، ولم يذكر أحد شيئا في إعراب الآية هنا، وما هناك منقول عن أبي البقاء العكبري، وعن مكي بن أبي طالب القيسي، مع الإشارة إلى ما ذكره ابن هشام في مغنيه، رحم الله الجميع رحمة واسعة، وشملنا ببره وإحسانه. ومثل هذه الآية رقم [٣١] من سورة (النور) بلا فارق، والله ولي التوفيق.\n ﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له البتة. والهاء في الثاني ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون فيهما حرف دال على جماعة الإناث، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَدْنى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿يُعْرَفْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مبني على السكون، ونون النسوة نائب فاعله، وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ ومتعلقه محذوف، التقدير: أن يعرفن بأنهن حرائر، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَدْنى؛﴾ إذ المعنى: فأقرب إلى معرفتهن. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (لا):\nنافية. ﴿يُؤْذَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وتأويله بمصدر؛ إذ التقدير: فعدم إيذائهن بالتعرض لهن، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3593\"></span>﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلًا (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ:﴾ عن نفاقهم. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ ضعف إيمان، وقلة ثبات عليه، أو في قلوبهم حب الفجور، والفسوق. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ:﴾ هم أناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله ﷺ؛ الذين كان يرسلهم إلى محاربة الكفار، فيقولون: هزموا، أو قتلوا، وجرى عليهم كذا، وكذا، فيكسرون قلوب المؤمنين. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ:﴾ لنسلطنك عليهم، أو لنأمرنك بقتالهم. ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أي: في المدينة، بمعنى: لا يقيمون فيها. ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ أي: زمانا قصيرا.","vol":"7","page":533},{"text":"تنبيه: يرى أهل التفسير: أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، يعني أنهم جمعوا هذه الأوصاف الثلاثة، فالواو مقحمة، كما قال الشاعر: [المتقارب] إلى الملك القرم وابن الهمام... وليث الكتيبة في المزدحم\nأراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة. وقيل: الموصوف متغاير، ومتعدد، فكان من المنافقين قوم يرجفون، وقوم يتبعون النساء للريبة، وقوم يشككون المسلمين. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-: الإرجاف: التماس الفتنة، والإرجاف: إشاعة الكذب، والباطل للاغتمام به. وقيل: تحريك القلوب. يقال: رجفت الأرض: أي تحركت وتزلزلت، والرجفان:\nالاضطراب الشديد. قال عنترة من قصيدة يتوعد فيها الربيع بن زياد العبسي: وهذا هو الشاهد رقم [١٥٢] من كتابنا فتح رب البرية. [الوافر] متى ما تلقني فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا\nوالإرجاف: واحد أراجيف الأخبار. وقد أرجفوا في الشيء: أي: خاضوا فيه. قال العين المنقري يهجو به العجاج، أو رؤبة ابنه: [البسيط] أبا الأراجيف يا ابن اللؤم توعدني؟ ... وفي الأراجيف خلت اللؤم والخور\nهذا؛ والتعبير ب: ﴿ثُمَّ﴾ -وهي للتراخي-يفيد: أن الجلاء عن الأوطان، كان أعظم عليهم من كل ما أصيبوا به، فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه، انتهى. كشاف. وفي الآية دليل على أن من كان معك ساكنا بالمدينة، فهو جار لك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر شرح (المنافق) في الآية رقم [١٢] وشرح: ﴿ثُمَّ﴾ في [١١] من سورة (الروم).\nالإعراب: ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَنْتَهِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وهو في محل جزم فعل الشرط. ﴿الْمُنافِقُونَ:﴾\nفاعله مرفوع... إلخ، ومتعلقه محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع، معطوف على ما قبله، أو هو صفة له. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف صلة الموصول، فيكون ﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بمتعلقه. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ:﴾ معطوف على ما قبله، أو هو صفة ثانية حسبما رأيت في الشرح حيث قيل بزيادة الواو. ﴿فِي الْمَدِينَةِ:﴾\nمتعلقان ب: (المرجفون). ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (نغرينك): فعل","vol":"7","page":534},{"text":"مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت، فهو ملتزم\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُجاوِرُونَكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها مثله.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له قطعا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق، أو صفة زمان محذوف، التقدير: إلا جوارا قليلا، أو إلا زمانا قليلا. وقال مكي: حال من الواو، أي: لا يجاورونك إلا في حال قلتهم، وذلتهم.\n\n<span id=\"aya-3594\"></span>﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾\nالشرح: ﴿مَلْعُونِينَ:﴾ مطرودين من رحمة الله تعالى. ﴿أَيْنَما ثُقِفُوا:﴾ وجدوا، قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. هذا؛ و(الثقف) في الأصل: الحذق في إدراك شيء علما كان، أو عملا، فهو يتضمن معنى الغلبة. ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا:﴾ هذا خبر، ومعناه الأمر، أي:\nخذوهم، واقتلوهم حيث وجدتموهم؛ إذا كانوا مصرين على النفاق، والإرجاف، قال القرطبي -رحمه الله تعالى-: وقد فعل بهم الطرد، واللعن، فإنه لما نزلت (براءة) جمعوا، فقال النبي ﷺ: يا فلان قم فاخرج، فإنك منافق! يا فلان قم... إلخ، فقام إخوانهم من المسلمين، فأخرجوهم، وطردوهم من المسجد.\nالإعراب: ﴿مَلْعُونِينَ:﴾ منصوب على الذم بفعل محذوف. وقيل: هو حال من واو الجماعة، وهو قول مكي، وأبي البقاء. ورده ابن هشام في المغني بقوله: لأن الصحيح: أنه لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان. وقال الجمل: حال من مقدر حذف هو وعامله، التقدير: ثم يخرجون ملعونين، ثم قال: وفي السمين قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يُجاوِرُونَكَ﴾ قاله ابن عطية، والزمخشري، وأبو البقاء. قال ابن عطية: لأنه بمعنى: ينفون منها ملعونين، وقال الزمخشري: دخل حرف الاستثناء على الحال والظرف معا، كما مر في قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ وجوز الزمخشري أن ينتصب على الذم، وجوز ابن عطية أن يكون بدلا من ﴿قَلِيلًا﴾ على أنه حال كما تقدم تقريره؛ أي: لا يجاورك منهم أحد إلا قليلا ملعونا. ويجوز أن يكون منصوبا ب: ﴿أُخِذُوا﴾ الذي هو جواب الشرط. وهذا عند الكسائي، والفراء، فإنهما يجيزان تقديم معمول الجواب على أداة الشرط، نحو: خيرا إن تأتني","vol":"7","page":535},{"text":"تصب انتهى. ورده ابن هشام بقوله: ويرده: أن الشرط له الصدر. ﴿أَيْنَما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بفعل شرطه على المعتمد، وبعضهم يعلقه بجوابه. وقيل: (ما) زائدة، فيكون مبنيا على الفتح. ﴿ثُقِفُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على تعليق الشرط به، وفي محل جر بإضافة ﴿أَيْنَما﴾ إليها على اعتبار الشرط متعلقا بجوابه. ﴿أُخِذُوا:﴾ جواب الشرط، وإعرابه مثل إعراب سابقه، وجملته لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَقُتِّلُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه ومحله. ﴿تَقْتِيلًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3595\"></span>﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿سُنَّةَ اللهِ..﴾. إلخ: أي سن الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء، حيث وسعوا في وهنهم وإضعافهم بالإرجاف، ونحوه، أينما وجدوا، وأينما حلوا. وعن مقاتل: يعني كما قتل أهل بدر وأسروا. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا:﴾ لأنه لا يبدلها، أو لا يقدر أحد أن يبدلها، وذلك لابتنائها على أساس الحكمة التي يدور عليها فلك التشريع، ومثل هذه الآية في معناها ومغزاها قوله تعالى في الآية رقم [٧٧] من سورة الإسراء، وهاكها: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا،﴾ ومثلها الآية رقم [٤٣] من سورة (فاطر) انظرها فالبحث فيها جيد جدا.\nقال القرطبي: وفي الآية دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد، والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه ﷺ حتى مات، والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم، وتأخير وعيدهم. انتهى. وقد بينات ذلك كثيرا.\nهذا؛ والسنة: الشريعة، والطريقة، وهي تكون حسنة إن كانت في الخير، مثل صلاة التراويح عشرين ركعة. وتكون سيئة إن كانت في الشر. وما أكثر السنن السيئة التي ابتدعها الناس في هذا الزمن. وخذ ما يلي: فعن حذيفة بن اليمان﵁قال: سأل رجل على عهد رسول الله ﷺ، فأمسك القوم، ثم إنّ رجلا أعطاه، فأعطى القوم، فقال رسول الله ﷺ:\n «من سنّ خيرا فاستنّ به، كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا. ومن سنّ شرّا، فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه أحمد، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ورواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ﵁.\nوعن عمرو بن عوف﵁-: أن رسول الله ﷺ قال لبلال بن الحارث يوما: «اعلم يا بلال! قال: ما أعلم يا رسول الله؟! قال: اعلم أنّ من أحيا سنّة من سنتي قد أميتت بعدي؛","vol":"7","page":536},{"text":"كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله، ورسوله؛ كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا». رواه الترمذي وابن ماجة.\nالإعراب: ﴿سُنَّةَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، أي: سن الله ذلك سنة، و﴿سُنَّةَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل المقدر، أو بسنة. ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. وقيل: واو الحال، ولا وجه له قطعا؛ لأنها تناقض معنى (لن). (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِسُنَّةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿تَبْدِيلًا،﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و(سنة) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿تَبْدِيلًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلَنْ تَجِدَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3596\"></span>﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ..﴾. إلخ: كان المشركون يسألون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة، استعجالا على سبيل الهزء، واليهود يسألونه امتحانا؛ لأن الله تعالى عمّى وقتها في التوراة، وفي كل كتاب، فأمر رسول الله ﷺ بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به لم يطلع عليه ملكا، ولا نبيا، ثم بين لرسوله ﷺ: أنها قريبة الوقوع تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين، وهذا السؤال تكرر من المشركين، ومن اليهود، وقوله تعالى في كثير من السور: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ برهان قاطع على ذلك، وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ (النازعات) رقم [٤٢].\n ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ:﴾ لا يطلع عليه ملكا، ولا نبيا؛ لأنه تعالى استأثر به. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧] ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم)، والآية رقم [٢٤] من سورة (لقمان) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿وَما يُدْرِيكَ:﴾ وما يعلمك. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أي: في زمان قريب، وقال ﷺ:\n «بعثت أنا والسّاعة كهاتين». وأشار إلى السبابة، والوسطى. خرجه أصحاب الصحيح. هذا؛","vol":"7","page":537},{"text":"ولم يؤنث: ﴿قَرِيبًا﴾ مع كونه راجعا إلى ﴿السّاعَةِ﴾ وذلك على تأويلها باليوم، كما قيل في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٥٦]: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ذكّر ﴿قَرِيبٌ﴾ على تأويل الرحمة بالعفو. وذكر الفراء: أنهم التزموا التذكير في: ﴿قَرِيبٌ﴾ إذا لم يرد قرب النّسب قصدا للفرق، أي بين المراد بها النّسب، والمراد بها غيره. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٢] من سورة (سبأ) عن قرب الساعة، وبعدها عن الماضي.\nتنبيه: قال المحققون من العلماء: سبب إخفاء علم الساعة، ووقت قيامها عن العباد؛ ليكونوا دائما على خوف، وحذر منها؛ لأنهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت؛ كانوا على وجل، وخوف منها، فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة، والمسارعة إلى التوبة، وأزجر لهم عن المعصية. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لتقومنّ الساعة، وقد نشر الرّجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه. ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرّجل بلبن لقحته فلا يطعمه. ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». متفق عليه. هذا؛ وقد أخفى الله أمورا أخرى مثل ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة الإجابة يوم الجمعة؛ ليجتهد المؤمن، والمؤمنة في ليالي شهر رمضان في العبادة، وليكونا مجتهدين في الدعاء كل يوم الجمعة، وليلته.\nهذا؛ والسؤال في هذه الآية سؤال استفتاء، أو هو سؤال تعنت فيما يظهر و«سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسئول، فيتعدى ب: ﴿عَنِ،﴾ كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين نحو سألت زيدا مالا.\nهذا؛ و﴿يُدْرِيكَ﴾ ماضيه «درى» بمعنى: علم، فهو من أفعال اليقين، فينصب مفعولين كقول الشاعر: وهذا هو الشاهد رقم [٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] دريت الوفيّ العهد يا عمرو فاغتبط... فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد\nوهو قليل؛ إذ الكثير المستعمل فيه أن يتعدى إلى واحد بالباء، نحو دريت بكذا، فإن دخلت همزة النقل؛ تعدى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾. قال شيخ الإسلام: ومحل ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى في سورة (القارعة):\n ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ فالكاف مفعول به أول والجملة الاسمية بعده سدت مسد المفعولين. انتهى.\nوالذي في الهمع، والمغني-قيل: وهو الأوجه-: أن الجملة الاسمية سدت مسد المفعول الثاني المتعدى إليه بالحرف، فتكون في محل نصب بإسقاط الجار، كما في: فكرت: أهذا","vol":"7","page":538},{"text":"صحيح، أم لا؟ أي: فكرت بما ذكر. انتهى. جرجاوي. وينبغي أن تعلم: أن الفعل أدري هنا معلق عن العمل لفظا بوقوع: ﴿لَعَلَّ﴾ بعده، والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق؛ إلا أن النحويين لم يعدّوا لعلّ من المعلقات، والحق مع الكوفيين، وهو ظاهر في هذه الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ من سورة (عبس)، وقوله جل شأنه: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (الشورى). فإن كان درى بمعنى: ختل، أي: خدع، كان متعديا إلى واحد بنفسه، مثل: دريت الصيد، أي: ختلته، وخدعته، أي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: حكّ، مثل: درى رأسه بالمدرى، أي: حك رأسه بالمشط؛ فهي كذلك.\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿النّاسُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَنِ السّاعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿عِلْمُها:﴾\nمبتدأ، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُدْرِيكَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: (ما)، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَعَلَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةِ:﴾ اسم: ﴿لَعَلَّ﴾. ﴿تَكُونُ:﴾\nفعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى ﴿السّاعَةِ﴾ تقديره: «هي». ﴿قَرِيبًا:﴾ خبر (تكون)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) وجملة: ﴿لَعَلَّ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني للفعل: ﴿يُدْرِيكَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3597\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤)﴾\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾ اسمها. ﴿لَعَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَعَدَّ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (أعد): فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَعِيرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.","vol":"7","page":539},{"text":"<span id=\"aya-3598\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي: في السعير، وأنث الضمير؛ لأن السعير بمعنى: النار. ﴿لا يَجِدُونَ وَلِيًّا:﴾ يحفظهم من عذاب السعير. ﴿وَلا نَصِيرًا:﴾ يدفع عنهم العذاب. وفي الآية الكريمة رد على مذهب الجهمية الذين يزعمون: أن الجنة، والنار تفنيان. ومعنى: ﴿خالِدِينَ﴾ مقيمين، لا يخرجون منها. والأبد: الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك؛ أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر.\nتنبيه: قال الإمام الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إن عذاب الله للكافرين منقطع وله نهاية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا،﴾ وبأن معصية الظالم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم. والجواب: أن قوله تعالى: ﴿أَحْقابًا﴾ لا يقتضي: أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به، وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا. انتهى. جمل. في سورة (هود) [١٠٨].\nالإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدرة من الكافرين منصوب... إلخ، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان به. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو هي صلة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من الكافرين، أو هي حال من الضمير المستتر ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ فتكون حالا متداخلة. هذا؛ والحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. وحال محكية، وهي الماضية، نحو جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها، بمعنى أن المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ منه قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾.\nوالحال تنقسم إلى قسمين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة، فالأولى: هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو جاء زيد راكبا، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع، والمؤكدة هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهي ثلاثة أنواع:\n١ - ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول: نحو قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها﴾. ومنه قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾.","vol":"7","page":540},{"text":"٢ - ما يؤتى به لتوكيد صاحبها كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ رقم [٩٩] من سورة (يونس).\n٣ - ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو «هو الحقّ بيّنا، أو: صريحا» وقول سالم بن دارة اليربوعي، وهذا هو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط] أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟!\nوهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٩]: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ لأن البركة لا تفارقه.\n\n<span id=\"aya-3599\"></span>﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ:﴾ تصرف من جهة إلى جهة كاللحم يشوى بالنار، أو:\nمن حال إلى حال، وهذا التقليب تغيير ألوانها بلفح النار، فتسود مرة، وتخضر أخرى، وخصت الوجوه بالذكر؛ لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده، ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن جسم الكافر كله. هذا؛ وقراءة الجمهور ﴿تُقَلَّبُ﴾ بالبناء للمجهول، وقرئ: «(نقلّب)» بنون، وكسر اللام، ونصب «(وجوههم)» وقرئ: «(تقلّب)» بالبناء للمعلوم على اعتبار الفاعل عائدا إلى السعير، وقرأ بعضهم: ﴿(تُقَلَّبُ)﴾ على معنى: تتقلب، أي بحذف إحدى التاءين، أما ﴿النّارِ﴾ فأصلها النّور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ويكنى بها عن جهنم؛ التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين من أبناء المسلمين، والفعل: نار ينور، يستعمل لازما، ومتعديا؛ إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.\n ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا:﴾ يقولون هذا حين تقلب وجوههم في النار، فهم يتمنون: أنهم لم يكفروا، فينجون كما نجا المؤمنون، ولكن لا ينفعهم هذا التمني فتيلا.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَقُولُونَ،﴾ أو هو متعلق بالفعل: ﴿يَجِدُونَ،﴾ أو ب: ﴿نَصِيرًا،﴾ أو هو متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. ﴿تُقَلَّبُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول.\n ﴿وُجُوهُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، وعلى قراءة الفعل: «(تقلّب)» بالبناء للمعلوم ف: ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ فاعله، وعلى قراءته بالنون؛ فالفاعل تقديره: «نحن»، وعلى قراءته «(تقلّب)» فالفاعل يعود إلى السعير، وعلى هذين الوجهين فوجوههم مفعول به، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿وُجُوهُهُمْ﴾. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع","vol":"7","page":541},{"text":"مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهذا على اعتبار الظرف متعلقا به، وهي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو من ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ على الأوجه الأخرى في تعليق الظرف. (يا): حرف تنبيه، واعتبارها أداة نداء؛ والمنادى محذوف ضعيف جدا. (ليتنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿أَطَعْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:\n (ليت)، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية:\n ﴿يا لَيْتَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3600\"></span>﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: الضعفاء الذين اتبعوا الأقوياء، وهو معطوف على: ﴿يَقُولُونَ،﴾ والعدول إلى الماضي، للإشعار بأن قولهم هذا ليس مستمرا، كقولهم السابق؛ بل هو ضرب اعتذار، أرادوا به ضربا من التشفي بمضاعفة عذاب الذين ألقوهم في تلك الورطة. ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا:﴾ يعنون بهم: الذين لقنوهم الكفر، والتعبير عنهم بعنوان السيادة، والكبراء؛ لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير، والإهانة. هذا؛ و(سادة) جمع: سيد، أو: سائد على غير قياس، وقرئ: «(ساداتنا)» على أنه جمع الجمع، وهو غير مقيس.\nأما (السبيل) فهو الطريق يذكر ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا،﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين وقد تسكن الباء، كما في: رسل، وعسر، ويسر. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد.\nفائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن، وعلة ذلك: أن حذف (يا) من نداء الرب تعالى فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك؛ لأن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد! فمعناه: تعال زيد! أدعوك يا زيد! فحذفت (يا) من نداء «الرب» ليزول معنى الأمر وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن، والكلام في نداء الرب لذلك المعنى. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها،","vol":"7","page":542},{"text":"حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَطَعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿سادَتَنا:﴾ مفعول به، وعلى القراءة الثانية فعلامة النصب الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَكُبَراءَنا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَأَضَلُّونَا:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿السَّبِيلا:﴾ منصوب بنزع الخافض؛ إذ الأصل: عن السبيل، فلما حذف الجار؛ وصل الفعل إليه، فنصبه. والإضلال لا يتعدى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ،﴾ والألف فيه وفي: ﴿الرَّسُولا﴾ للإطلاق. هذا؛ والآية: ﴿رَبَّنا..﴾. إلخ كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3601\"></span>﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَاِلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ أي: مثلي ما أوتينا منه؛ لأنهم ضلوا، وأضلوا.\nوقال قتادة: عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة. ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا:﴾ هذا؛ ويقرأ: (كثيرا) بالثاء، واختاره أبو حاتم، وأبو عبيد، والنحاس، لقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ ففيه معنى التكثير. قال محمد بن أبي السري: رأيت في المنام كأني في مسجد عسقلان، وكأن رجلا يناظرني، فيمن يبغض أصحاب محمد ﷺ، فقال: «والعنهم لعنا كثيرا»، ثم كررها حتى غاب عني، لا يقولها إلا بالثاء، وقراءة الباء ترجع في المعنى، إلى الثاء؛ لأن ما كبر كان كثيرا عظيم المقدار. هذا؛ وانظر يضاعف في الآية رقم [٣٠]، وانظر كيف يلعن الكفار بعضهم بعضا في الآية رقم [٢٥] من سورة (العنكبوت).\nهذا؛ واللعن: الطرد من رحمة الله تعالى، ولقد كرر الله لعن الكافرين في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة) كما لعن الظالمين، والكاذبين، والناقضين للعهد، والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره، فقد استحق اللعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين، وأما الأحياء من الكفار، فقد قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله عند الوفاة لا تعلم، فلعله يؤمن، ويموت على الإيمان؛ وقد قيد الله في آية البقرة إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ: «لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله، وهو الصحيح؛ كيف لا؟ وقد لعن حسان بن ثابت﵁أبا سفيان وزوجه هندا قبل أن يسلما في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ، خذ قوله: [الكامل]","vol":"7","page":543},{"text":"لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر\nوقد لعن الفاروق﵁أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، وغيرهم الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشق ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم. فقال: «إني قد أعطيتهم الأمان». فقال الفاروق -﵁-: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك. كيف لا؟ وآية (النور) رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه؛ إن كان من الكاذبين.\nوأما العصاة من المسلمين فلا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات... إلخ، لما روي: أن النبي ﷺ، قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة، والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ: «الواشمة، والمستوشمة وآكل الرّبا، ولعن من غير منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكل هذا في الصحيح من الأحاديث، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ انظر مثله في الآية السابقة. ﴿آتِهِمْ:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿ضِعْفَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾. ﴿وَالْعَنْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (العنهم): فعل دعاء أيضا، والهاء مفعول به. ﴿لَعْنًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة له، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-3602\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾\nالشرح: لما ذكر الله المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله ﷺ والمؤمنين؛ حذر المؤمنين من التعرض للإيذاء، ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في إذايتهم نبيهم موسى. واختلف الناس فيما أوذي به محمد ﷺ، وموسى ﵇، واذكر ما يلي:\nفبنو إسرائيل آذوا موسى كثيرا، وكثيرا، منها: قولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ وقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ،﴾ وقولهم: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ،﴾ وقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾.","vol":"7","page":544},{"text":"ومن إيذائهم له: أنهم اتهموه بقتل أخيه هارون لما مات في التيه، فأمر الله تعالى الملائكة أن تحمله، حتى مروا به على بني إسرائيل، فعرفوا أنه لم يقتله. ومن إيذائهم له أن قارون استأجر بغيا؛ لتقذفه بنفسها على رأس الملأ، فعصمها الله، وبرأ موسى من ذلك، وأهلك قارون. انظر تفصيله في الآية رقم [٨١] من سورة (القصص). ومن إيذائهم له ما رواه أبو هريرة -﵁-: أن رسول ﷺ قال: «كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، قال: فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر بثوبه، قال: فجمح موسى بأثره، يقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فنظروا إليه، وهو من أحسنهم خلقا، وأعدلهم صورة وليس به الذي قالوا، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فو الله إن بالحجر لندبا من أثر الضرب، ثلاثا، أو أربعا، أو خمسا». أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم مع اختلاف بينهما في ألفاظه.\nأما إيذاء المؤمنين لنبيهم ﷺ: منه ما ذكرته لك في الآية رقم [٥٣]، ومنه ما رواه عبد الله بن مسعود﵁قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب، وآثرهم في القسمة، فقال رجل من الأنصار: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله! فقلت: والله لأخبرنّ رسول الله ﷺ، قال: فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه ﷺ حتى كان كالصّرف، ثم قال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟!». ثم قال: «يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر». متفق عليه.\nويجدر بي أن أذكر: أن كثيرا من المسلمين يؤذون النبي ﷺ في هذه الأيام وهو في قبره حي طري، فالذين لا يأخذون بتعاليمه، ولا يتأدبون بآدابه، ولا يتخلقون بأخلاقه، ولا يتمسكون بسنته؛ بل الذين لا يعرفون شيئا من ذلك، وهم أبعد ما يكونون عن سنته، فلعمري لا أدري هل نقول عنهم: إنهم منافقون، أم فاسقون، أم فاسدون، أم كافرون؟ فلا ريب أن الذين لا يأخذون بشرعه، ولا يعملون بالكتاب الذي أنزل عليه هم الكافرون.\n ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا:﴾ ذا قربة، ووجاهة عند الله. والوجيه عند العرب: العظيم القدر، الرفيع المنزلة. ويروى: أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه، فقد كان مستجاب الدعوة.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمها، والألف للتفريق. ﴿كَالَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره.\nهذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول","vol":"7","page":545},{"text":"مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿آذَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدرة على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مُوسى﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية: ﴿لا تَكُونُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. (برأه الله):\nفعل ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها.\n ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء قالوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) التقدير: فبرأه الله من قولهم. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كان):\nفعل ماض ناقص، واسمه مستتر يعود إلى: ﴿مُوسى﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿وَجِيهًا﴾ بعده، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿وَجِيهًا:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3603\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، وراقبوه في كل أعمالكم، وأقوالكم، وحركاتكم، وسكناتكم. ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا:﴾ قاصدا إلى الحق. والسداد: القصد إلى الحق، والقول بالعدل، يقال: سدد السهم نحو الرّميّة: إذا لم يعدل عن سمتها، كما قالوا: سهم قاصد، وهذا بفتح السين. وهو بكسر السين لكل شيء سددت به شيئا، وذلك مثل سداد القارورة، وسداد الثغر. قال العرجي: [الوافر] أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا... ليوم كريهة وسداد ثغر\nوهو على هذا اسم آلة. وهو بضم السين داء في الأنف يمنع تنشم الريح. كذا في القاموس. وقد نظم بعضهم الثلاثة بقوله: [الرجز] والاستقامة هي السّداد... وبلغة من عيش السّداد\nوجمع سدّة أتى سداد... وهي زكام مانع للنّشر\nوالمراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد في القول؛ لأن حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله، والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم، والإثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها. وخذ هذه النبذة من أحاديث سيد الأنام في حفظ اللسان:","vol":"7","page":546},{"text":"فعن عقبة بن عامر﵁قال: قلت: يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». رواه أبو داود، والترمذي، وعن سهل بن سعد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنّة». رواه البخاري وغيره. وعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه». رواه الإمام أحمد. وعن أنس﵁قال: لقي رسول الله ﷺ أبا ذر، فقال: «يا أبا ذرّ! ألا أدلّك على خصلتين هما خفيفتان على الظّهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟». قال: بلى يا رسول الله! قال: «عليك بحسن الخلق، وطول الصّمت، فو الّذي نفسي بيده، ما عمل الخلائق بمثلهما!». رواه الطبراني، وغيره. وعن أبي هريرة -﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبيّن فيها يزلّ بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». رواه الستة إلا أبا داود. وعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّ أبعد النّاس من الله تعالى القلب القاسي». رواه الترمذي والبيهقي، وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٤]: ﴿*لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nهذا؛ وآفات اللسان تزيد عن العشرين: الكلام فيما لا يعني، فضول الكلام، الخوض في الباطل، المراء، والجدال، التقعر في الكلام، الفحش، السب، اللعن، الغناء المشتمل على الفحش، الشعر المذموم، المزاح الممزوج بالكذب، السخرية بالناس، التنبيه على العيوب، إفشاء السر، الوعد الكاذب، اليمين الفاجرة، الغيبة، النميمة، التكلم بلسانين.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٤٩]. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم؛ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها.\n ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿سَدِيدًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-3604\"></span>﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾\nالشرح: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ أي: يوفقكم للأعمال الصالحة، أو يصلحها بالقبول، والإثابة عليها. وقيل: إصلاح الأعمال: التوفيق في المجيء بها صالحة مرضية. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: يجعلها مكفرة، وممحاة بسبب استقامتكم في القول، والعمل. قال الزمخشري: وهذه الآية","vol":"7","page":547},{"text":"مقررة للتي قبلها، بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله ﷺ، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ اللسان؛ ليترادف عليها النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى ﵇، واتباع الأمر الوعد البليغ، فيقوى الصارف عن الأذى، والداعي إلى تركه.\n ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمرا به، وفيما نهيا عنه. ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا:﴾ يعش في الدنيا حميدا، وفي الآخرة سعيدا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (النور) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿يُصْلِحْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تقولوا قولا سديدا يصلح، فلذا الوقف على ﴿سَدِيدًا﴾ غير جيد؛ بل الأحسن الوصل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَعْمالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة: ﴿(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها، والفاعل بالفعل ضمير مستتر تقديره:\n «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُطِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فازَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَوْزًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية:\n ﴿فَقَدْ فازَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [٣٠]، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3605\"></span>﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾\nالشرح: قال عبد الله بن عباس﵄-: أراد بالأمانة: الطاعة والفرائض؛ التي فرضها الله تعالى على عباده، عرضها على السموات، والأرض، والجبال على أنهم إن أدوها؛ أثابهم، وإن ضيعوها؛ عذبهم.\nوقال عبد الله بن مسعود﵁-: الأمانة أداء الصلوات، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكيال. وأشد من هذا كله الودائع. وقيل: هي جميع ما أمروا به، ونهوا عنه. وقيل: هي الصوم، وغسل الجنابة، وما يخفى من الشرائع.","vol":"7","page":548},{"text":"وقال عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-: أول ما خلق الله من الإنسان الفرج، وقال: هذه الأمانة أستودعكها. فالفرج أمانة، والأذنان أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له.\nوفي رواية عن ابن عباس﵄-: هي أمانات الناس، والوفاء بالعهود، فحق على كل مؤمن ألا يغش مؤمنا، ولا معاهدا في شيء، لا في قليل، ولا في كثير. فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السموات، والأرض، والجبال. وهذا قول جماعة من التابعين، وأكثر السلف، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتنّ؛ جوزيتنّ، وإن عصيتنّ؛ عوقبتن. قلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابا، ولا عقابا. وقلن:\nذلك خوفا، وخشية، وتعظيما لدين الله تعالى؛ لئلا يقوموا بها، لا معصية، ولا مخالفة لأمره.\nوكان العرض عليهن تخييرا، لا إلزاما، ولو ألزمهنّ؛ لم يمتنعن من حملها، والجمادات كلها خاضعة لله تعالى، مطيعة لأمره، ساجدة له.\nقال بعض أهل العلم: ركب الله فيهن العقل، والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن، كما حكى الله عنهن قولهن: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (فصلت). وقيل: المراد من العرض على السموات، والأرض، والجبال: هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها. والقول الأول هو الأصح، وهو قول العلماء.\n ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾ أي: خفن من الأمانة ألا يؤدينها، فيلحقهن العقاب. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ يعني: آدم، قال الله ﷿ لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال، فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت؛ جوزيت خيرا، وإن أسأت عوقبت، فحملها آدم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- وقال: بين أذني، وعاتقي، قال الله تعالى: أما إذا تحملت، فسأعينك، وأجعل لبصرك حجابا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل؛ فأرخ عليه حجابه (المراد به: الجفنان) وأجعل للسانك لحيين، وغلافا، فإذا خشيت؛ فأغلقه عليه، وأجعل لفرجك لباسا، فلا تكشفه على ما حرمت عليك. قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر إلى العصر.\nهذا؛ وفي الآية استعارة تمثيلية، مثل للأمانة في ضخامتها، وعظمها، وتفخيم شأنها بأنها من الثقل لو عرضت على السموات، والأرض، والجبال-وهي من القوة، والشدة بأعلى المنازل والمراتب-لأبت عن حملها، وأشفقت منها، وهو تمثيل رائع لتهويل شأن الأمانة.\nهذا؛ والأمانة مصدر، وحق المصادر أن لا تجمع؛ لأنها كالفعل يدل على القليل والكثير من جنسه، ولكن لما اختلف أنواع الأمانة لوقوعها على الصلاة، والزكاة، والتطهر، والحج، وغير ذلك من العبادات؛ جاز جمعها؛ لأنها لما اختلفت أنواعها؛ شابهت المفعول به، فجمعت كما","vol":"7","page":549},{"text":"يجمع المفعول به، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾.\n ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا:﴾ قال ابن عباس﵄-: ﴿ظَلُومًا﴾ لنفسه. ﴿جَهُولًا﴾ بأمر ربه، وما تحمل من الأمانة. وقيل: ﴿ظَلُومًا﴾ حين عصى ربه. ﴿جَهُولًا﴾ لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة؟ وقيل: ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ حيث حمل الأمانة، ولم يف بها، وضمنها، ولم يف بضمانها. انتهى. خازن.\nهذا؛ و(جهول) وصف للجنس باعتبار الأغلب، وكون الإنسان ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية، والشهوية الحيوانية. وخذ ما يلي:\nفعن حذيفة بن اليمان﵁قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: أنّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرّجال، ثمّ نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السّنّة. ثم حدّثنا عن رفع الأمانة، فقال: ينام الرّجل النّومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك، فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء (ثمّ أخذ حصاة فدحرجها على رجله) فيصبح النّاس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدّي الأمانة حتّى يقال: إنّ في بني فلان رجلا أمينا، حتّى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان، ولقد أتى عليّ زمان، وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما؛ ليردّنّه على دينه، ولئن كان نصرانيا، أو يهوديا؛ ليردّنّه على ساعيه. وأمّا اليوم فما كنت لأبايع منكم إلاّ فلانا وفلانا. متفق عليه. انتهى. خازن.\nوروى البخاري عن أبي هريرة﵁قال: «بينما رسول الله ﷺ في مجلس يحدّث القوم، فجاء أعرابيّ، فقال: متى السّاعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدّث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال. وقال بعضهم: لم يسمع. حتّى إذا قضى حديثه، قال: «أين السّائل عن السّاعة؟». قال: ها أنا يا رسول الله، قال: «إذا ضيّعت الأمانة فانتظر السّاعة». قال:\nكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: «إذا وسّد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة».\nوعن علي﵁ وكرم الله وجهه-عن النبي ﷺ قال: «كنّا جلوسا مع رسول الله ﷺ، فطلع علينا رجل من أهل العالية، فقال: يا رسول الله! أخبرني بأشدّ شيء في هذا الدّين، وألينه؟ فقال: «ألينه: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدا عبده ورسوله. وأشدّه يا أخا العالية! الأمانة، إنّه لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة له، ولا زكاة له». رواه البزار.\nهذا؛ و(جهول): صيغة مبالغة اسم الفاعل: جاهل، وهو من يجهل ما يتعلق به من المكروه، والمضرة. ومن حق الحكيم ألاّ يقدم على شيء حتى يعلم كيفيته، وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]","vol":"7","page":550},{"text":"فإن تزعميني كنت أجهل فيكمو... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل\nوإن لم يكن كذلك؛ يصدق عليه: أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر الحكيم: [البسيط] فضل الحمار على الجهول بخلّة... معروفة عند الّذي يدريها\nإنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهّال ما يؤذيها\nحقا إن الحمار أفضل بكثير من الفاسقين الجاهلين: المقامرين، والظالمين، وشاربي الخمر... إلخ، ودليل ذلك: أنك لو وضعت الخمر للحمار، والبغل، ونحوهما لا يشربه، بل ينفر منه، ومع ذلك تجد المئات بل الألوف من البشر يشربونها ليلا، ونهارا.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿عَرَضْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْأَمانَةَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلَى السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ:﴾ معطوفان على ﴿السَّماواتِ،﴾ وجملة: ﴿عَرَضْنَا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَأَبَيْنَ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (أبين): فعل ماض مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿يَحْمِلْنَها:﴾ فعل مضارع مبني على السكون وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ ونون النسوة فاعله.\nو(ها): مفعوله، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة:\n ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها﴾ معطوفة على جملة: ﴿عَرَضْنَا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، والرابط في الأولى رابط في الثانية، وجملة: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾ معطوفة عليها أيضا، وجملة: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: «ولكن عرضناها على الإنسان، فحملها... إلخ» وهذا الكلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿الْأَمانَةَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿ظَلُومًا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿جَهُولًا:﴾\nخبر ثان، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ تعليل لحمل الإنسان للأمانة.\n\n<span id=\"aya-3606\"></span>﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ..﴾. إلخ: تعليل لحمل الأمانة، المعنى: عرضنا الأمانة على جميع المخلوقات، ثم قلدناها الإنسان؛ ليظهر شرك المشرك، ونفاق المنافق؛ ليعذبهم الله نتيجة سوء","vol":"7","page":551},{"text":"أعمالهم، ومعتقداتهم، ويظهر إيمان المؤمن، فيثيبه الله. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا:﴾ للتائبين من ذنوبهم.\n ﴿رَحِيمًا:﴾ بهم؛ حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. وانظر شرح (كان) في الآية رقم [١]. هذا؛ وفي الآية الكريمة من المحسنات البديعية: المقابلة، والطباق بين: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾. وفي ختم السورة الكريمة بهذه الآية من المحسنات البديعية ما يسميه علماء البديع: رد العجز على الصدر؛ لأن السورة الكريمة بدئت في ذم المنافقين، وختمت ببيان سوء عاقبتهم، فحسن الكلام في البدء، والختام. وإنما قدم المنافقين على المشركين هنا وفي سورة (الفتح) رقم [٦] لأن المنافقين كانوا أشد على المؤمنين من المشركين؛ ولأن المشرك يمكن أي يحترز منه، ويجاهد؛ لأنه عدو مبين، والمنافق لا يمكن أن يحترز منه، ولا يجاهد، فلهذا كان شره أكثر من شر المشرك، فكان تقديم المنافق أولى.\nومن المعلوم: أن المنافقين، والمنافقات كانوا في المدينة، وأن المشركين، والمشركات هم من أهل مكة.\nالإعراب: ﴿لِيُعَذِّبَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\n ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْمُنافِقاتِ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ:﴾\nمعطوفان على ما قبلهما منصوبان مثلهما، و«أن» المضمرة والفعل: (يعذب) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (حملها). وقيل: متعلقان بالفعل:\n ﴿عَرَضْنَا﴾. ﴿وَيَتُوبَ:﴾ معطوف على يعذب منصوب مثله. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل: (يتوب). ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مستأنفة، وفيها معنى التوكيد لفحوى الكلام السابق. هذا؛ ويجوز في:\n ﴿رَحِيمًا﴾ أن يكون خبرا ثانيا ل: (كان)، وأجاز مكي اعتباره حالا من الضمير المستتر في ﴿غَفُورًا،﴾ وأجاز اعتباره نعتا له، وهذا غير مسلم له؛ لأنهما اسمان من أسماء الله الحسنى على المعتمد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الأحزاب)، شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله ربّ العالمين","vol":"7","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3381>سورة سبإ</span>\nسورة (سبأ) مكية بالإجماع، وهي أربع وخمسون آية، وثمانمائة، وثلاث وثلاثون كلمة، وألف وخمسمائة واثنا عشر حرفا. انتهى. خازن. وسميت سورة (سبأ) لأن الله تعالى ذكر فيها قصة سبأ، كما ستعرفه مفصلا بعونه تعالى.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3607\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾\nالشرح: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معناه: أن كل نعمة، فهو الحقيق بأن يحمد، ويثنى عليه من أجلها. ولما قال: الحمد لله؛ وصف ملكه، فقال: ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: كما له الحمد في الدنيا؛ إذ النعم في الدارين منه جلت قدرته؛ غير أن الحمد في الدنيا واجب؛ لأنها دار تكليف، وفي الآخرة غير واجب لعدم التكليف، لذا فإن في الكلام حذفا، التقدير: وله الحمد في الدنيا. وهذا الحذف لدلالة الآخرة عليها، وإنما يحمده أهل الجنة سرورا بالنعيم، وتلذذا بما نالوا من الأجر العظيم؛ حيث يقولون بعد دخولهم الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ..﴾. إلخ الآية رقم [٧٤] من سورة (الزمر)، ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآية رقم [٣٤] من سورة (فاطر). هذا؛ والآخرة: الحياة الثانية الأبدية، التي تكون بعد الموت، ثم البعث، والنشور، والحساب، والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن وعمل صالحا، أو في النار لمن كفر، وعمل سيئا. ورحم الله من يقول: [البسيط]\nالموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟\nورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط]\nالدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله، وإن خالفت فالنّار\nهما محلاّن ما للناس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟","vol":"7","page":553},{"text":"﴿الْحَكِيمُ:﴾ بتدبير ما في السماء والأرض، والحكيم في أمره، وتدبير شئون عباده؛ وهو الحكيم في جميع أفعاله. ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بكل ما كان، وما يكون، والخبير بشئون عباده، وما ببواطنهم، وأسرارهم، وأحوالهم. وفي الآية دليل واضح على أنه سبحانه يحب الحمد والمدح لنفسه؛ لأنه حمد نفسه في هذه الآية، وفي غيرها كثير. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، وأن يكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو أمدح. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.\n ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: له الذي يوجد في السموات، والجملة الاسمية هذه صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد وإعرابه مثله، وإن قدرت: وله ما في الأرض؛ فالعطف يكون عطف جملة اسمية على مثلها. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالحمد؛ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه على رأي من يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، واعتبارها حالا من الضمير المجرور محلا باللام غير مستبعد، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3608\"></span>﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾\nالشرح: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يدخل في الأرض من المطر، والكنوز، والأموات، والدفائن. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ أي: من النبات، والشجر، والعيون، والمعادن، والأموات؛ إذا بعثوا يوم القيامة. ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أي: من المطر، والثلج، والبرد، والصواعق والأرزاق، والمقادير، والبركات، والملائكة، والكتاب؛ التي أنزلها على الرسل. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ أي: صعد في السماء من الملائكة، وأعمال العباد، والأبخرة، والأدخنة، والغبار، وغير ذلك. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ:﴾ بعباده حيث خلق من الأرض، أو أنزل من السماء ما يحتاجون إليه في معاشهم، وتأمين حاجياتهم. ﴿الْغَفُورُ:﴾ للمذنبين، والمقصرين في شكر نعمته مع كثرتها، أو: هو يغفر لهم ذنوبهم في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائتة للحصر، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾.","vol":"7","page":554},{"text":"هذا؛ و﴿يَلِجُ﴾ أصله: يولج، وماضيه: ولج، فحذفت الواو من مضارعه لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة في مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: الولوج، وانظر شرح ﴿السَّماءِ﴾ وإعلاله في الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم). والفعل: ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، فلذا اكتفى بمفعول واحد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (الروم) أيضا، وينبغي أن تعلم: أن ﴿ما﴾ في هذه الآية وسابقتها واقعة على العاقل، وغيره، وأصل استعمالها لغير العاقل، ففي استعمالها في الآيتين تغليب غير العاقل على العاقل.\nالإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَلِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من لفظ الجلالة، أو هي في محل رفع خبر ثالث ل: (هو) في الآية السابقة، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وأيضا: ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ معطوفة على ما قبله، وأيضا ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ معطوف على ما قبله، وإعراب ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ مثل إعراب ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ إفرادا، وجملا.\n\n<span id=\"aya-3609\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ المراد: أهل مكة. وقال مقاتل: قال أبو سفيان لكفار مكة:\nواللات، والعزّى! لا تأتينا الساعة أبدا، ولا نبعث. وقيل: استبطئوا ما وعدوه من قيام الساعة على سبيل اللهو، والاستهزاء، والسخرية. ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ فهذا رد لكلامهم، وإثبات لما نفوه من إتيان الساعة. وهذه الآية هي الآية الثالثة التي أمر الله بها رسوله ﷺ أن يقسم بربه على وقوع المعاد، والأولى في سورة (يونس) رقم [٥٣]: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ،﴾ والثانية في سورة (التغابن) رقم [٧]: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾. ﴿عالِمِ الْغَيْبِ:﴾ لا يفوت علمه شيء من الخفيات، وإذا كان كذلك؛ دخل في علمه وقت قيام الساعة، وهي واقعة لا محالة. هذا؛ ويقرأ بجر ﴿عالِمِ﴾ ورفعه. هذا؛ و﴿الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه، قال الشاعر: [الطويل]\nوبالغيب آمنّا، وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد","vol":"7","page":555},{"text":"﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ:﴾ لا يغيب عن علمه، ويقرأ بضم الزاي، وكسرها. ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ:﴾ وزن ذرة، وهي النملة الصغيرة، وتقال لكل جزء من أجزاء الهباء المنتشر في الفضاء، وهي لا ترى إلا في ضوء الشمس الداخل إلى مكان مظلم. ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ﴾ أي: من مثقال ذرة. ﴿وَلا أَكْبَرُ﴾ أي: أكبر منها. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ أي: في اللوح المحفوظ. ﴿مُبِينٍ﴾ أي: واضح، لا خفاء فيه، وإعلاله مثل إعلال ﴿مُهِينٌ﴾ في الآية رقم [٦] من سورة (لقمان)، وانظر شرح ﴿السّاعَةُ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم)، وشرح ﴿السَّماواتِ﴾ في الآية رقم [٢٢] منها.\nأما ﴿بَلى؛﴾ فهي إثبات لما نفوه من إتيان الساعة قطعا، و﴿بَلى:﴾ حرف جواب، كنعم، وجير، وأجل، وإي، إلا أنّ ﴿بَلى﴾ جواب لنفي متقدم؛ أي: إبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام، أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فتقول: بلى.\nأي: قد قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى؛ أي: هو قائم. قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس﵄-: لو قالوا: نعم لكفروا. وخذ ما يلي:\nقال محمد علي الصابوني: ظل الاعتقاد السائد حتى القرن التاسع عشر: أن الذرة هي أصغر جزء يمكن أن يوجد في عنصر من العناصر، وأنها غير قابلة للتجزئة؛ لأنها الجزء الذي لا يتجزأ، وقد مضت قرون على هذا الاعتقاد، ومنذ عشرات السنين الماضية حول العلماء اهتمامهم إلى مشكلة الذرة، فأمكنهم تجزئتها، وتقسيمها، وقد وجدوا أنها تحتوي على الدقائق الآتية: البروتون، النيترون الإلكترون، وبواسطة هذه التجزئة اخترعوا القنبلة الذرية، والقنبلة الهيدروجينية، ونعوذ بالله من قيام الساعة، ومن شر إبليس اللعين، استمع إلى قوله تعالى عند الإخبار عن الذرة: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ..﴾. إلخ.\nفكلمة: ﴿أَصْغَرُ﴾ من الذرة في الآية القرآنية تصريح جلي بإمكان تجزئتها. وفي قوله:\n ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ بيان بأن خواص الذرات في الأرض هي نفس خواص الذرات الموجودة في الشمس، والنجوم، والكواكب فهل درس محمد ﷺ خواصّ الذرة، وأمكنه تجزئتها، والوقوف على خواصها في الأرض، والسماء، إنها لدليل قوي على أن القرآن وحي إلهي.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَأْتِينَا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و(نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول. ﴿وَرَبِّي:﴾\nالواو: حرف قسم وجر. (ربي): مقسم به مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء","vol":"7","page":556},{"text":"المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بربي. ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (تأتينكم):\nمضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿السّاعَةُ﴾ تقديره: «هي»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿عالِمِ:﴾ بالجر صفة: (ربي)، أو بدل منه، ويقرأ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو عالم. أو: هو مبتدأ، خبره الجملة بعده، فعلى هذا يوقف على: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ،﴾ وعلى قراءة الجر لا يوقف، و﴿عالِمِ﴾ مضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْزُبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَنْهُ:﴾ متعلقان به. ﴿مِثْقالُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿عالِمِ﴾ وهذا على قراءته بالجر، وهي في محل رفع خبره على قراءته بالرفع، واعتباره مبتدأ، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر فيه، واعتباره خبرا لمبتدإ محذوف. و﴿مِثْقالُ﴾ مضاف، و﴿ذَرَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذَرَّةٍ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال ولا وجه له. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا:﴾ صلة لتأكيد النفي ﴿الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي أيضا. ﴿أَصْغَرُ:﴾ بالرفع عطفا على:\n ﴿مِثْقالُ،﴾ وبالجر عطفا على ﴿ذَرَّةٍ،﴾ ولم يرتض هذا البيضاوي تبعا للزمخشري؛ بل قال: هو مبتدأ على رفعه، واسم (لا) على اعتبارها نافية للجنس على نصبه. وقال البيضاوي: ولا يجوز عطف المرفوع على ﴿مِثْقالُ﴾ والمفتوح على ﴿ذَرَّةٍ﴾ بأنه فتح في موضع الجر، لامتناع الصرف؛ لأن الاستثناء يمنعه، اللهم إلا أن يجعل الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للغيب، وجعل المثبت في اللوح خارجا عنه لظهوره على المطالعين له، فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطورا في اللوح. هذا؛ ونقل الجمل عن السمين تجويز ما قاله أبو البقاء، وما قاله البيضاوي.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿أَصْغَرُ﴾ على جميع الوجوه المتقدمة في الإعراب، إلا إذا اعتبرناه مبتدأ، أو اسما ل: (لا) فالجار والمجرور يتعلقان بمحذوف خبر للمبتدإ، أو ل: (لا)، وذلك على قول البيضاوي الأول، وحذف مثلها بعد: ﴿أَكْبَرُ﴾. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَكْبَرُ:﴾ معطوف على ﴿أَصْغَرُ﴾ على القراءتين. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَصْغَرُ﴾ و﴿أَكْبَرُ﴾ على اعتبارهما مبتدأ.\nوهما في محل نصب حال على اعتبار ﴿أَصْغَرُ﴾ و﴿أَكْبَرُ﴾ معطوفين على ما قبلهما.\n ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿كِتابٍ﴾.","vol":"7","page":557},{"text":"<span id=\"aya-3610\"></span>﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾\nالشرح: المعنى: إن الساعة آتية لا ريب فيها؛ ليثيب المؤمنين الصادقين، ويجزي الصالحين على أعمالهم التي عملوها في الدنيا. ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة ل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ:﴾ في الجنة، وانظر الآية رقم [٣١] من سورة (الأحزاب) ولا تنس الاحتراس، وانظره في الآية رقم [١٥] من سورة (الروم).\nالإعراب: ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (ربي)، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: (اللام)، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ما يستحقون من مثوبة وأجر. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره:\nآمنوا بالله... إلخ، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ صفة لمفعول محذوف، التقدير: عملوا الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَرِزْقٌ:﴾ معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ،﴾ ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة: (رزق).\n<span id=\"aya-3611\"></span>﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ أي: عملوا جاهدين في إبطال أدلتنا، والتكذيب بآياتنا، وتزهيد الناس فيها. ﴿مُعاجِزِينَ:﴾ مسابقين، يحسبون: أنهم يفوتوننا، وأننا لا نقدر على بعثهم في الآخرة للحساب، والجزاء، وظنوا: أنا نهملهم. وقرئ: «(معجزين)» وفسر بمثبطين عن الإيمان من أراده. هذا؛ وعاجزه: سابقه؛ إذا كان واحد منهما يسعى في طلب إعجاز الآخر عن اللّحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه، وعجّزه؛ ويقرأ «(معجّزين)» بتشديد الجيم، ومعنى: ﴿سَعَوْا:﴾\nاجتهدوا، وعملوا بجد، واجتهاد. ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى: ﴿(الَّذِينَ سَعَوْا...)﴾ إلخ. ﴿لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ:﴾ الرجز: سوء العذاب، وقد قال تعالى في أنواع العذاب الذي حل بفرعون، وقومه: ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ..﴾. إلخ الآية رقم [١٣٤] من سورة (الأعراف). وانظر مقابلة الإيمان بالكفر في الآية رقم [٣٨] الآتية.","vol":"7","page":558},{"text":"الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على مثله في الآية السابقة.\n ﴿سَعَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي آياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿مُعاجِزِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وفاعله مستتر فيه، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: عقابا شديدا، وذلك ليقابل المحذوف في الآية السابقة. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾. ﴿مِنْ رِجْزٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَذابٌ﴾. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ ويقرأ بالجر على أنه صفة ﴿رِجْزٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3612\"></span>﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: يعلم، ويعتقد أولو العلم من الصحابة، ومن تبعهم، وسار على طريقتهم من الأمة، وأيضا من أسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ أي:\nإنه من عند الله. ﴿وَيَهْدِي:﴾ يدل، ويقود. ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: إلى دين الإسلام؛ الذي هو دين الله. هذا؛ والصراط في الأصل: الطريق، استعير لدين الإسلام في كثير من الآيات، وهو يذكر، ويؤنث، والأول أكثر. و﴿الْعَزِيزِ:﴾ القوي الغالب؛ الذي لا يغلب.\nو﴿الْحَمِيدِ:﴾ المحمود بكل لسان، والممجد في كل مكان على كل حال.\nالإعراب: ﴿وَيَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف، والفعل: (يرى) مرفوع. وقيل: بل هو منصوب بالعطف على (يجزي) وعلامة رفعه، أو نصبه ضمة، أو فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة على الاعتبار الأول، لا محل لها، وهي في تأويل مصدر على عطف الفعل على سابقه. ﴿أُوتُوا:﴾\nفعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول للفعل: (يرى). ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى (الذي) وهو العائد. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور","vol":"7","page":559},{"text":"متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به ثان. هذا؛ ويقرأ برفعه، فيكون الضمير مبتدأ، و﴿الْحَقَّ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل (يرى)، والجملة الفعلية: ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَيَهْدِي:﴾ الواو: حرف عطف. (يهدي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ ومفعوله محذوف، التقدير: ويهدي الناس، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿الْحَقَّ،﴾ أو على الجملة الاسمية: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ فهي في محل نصب على الاعتبارين. وقيل: هي مستأنفة. وقيل: هي في محل نصب حال من: ﴿الَّذِي﴾ على تقدير: وهو يهدي. ﴿إِلى صِراطِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿صِراطِ﴾ مضاف، و﴿الْعَزِيزِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَمِيدِ:﴾ بدل من: ﴿الْعَزِيزِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3613\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفار قريش، قال بعضهم لبعض. ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ﴾ أي: هل نرشدكم إلى رجل يخبركم ويقول لكم: إنكم تبعثون بعد البلى في القبور، وتمزيق لحومكم، وتفريق شعوركم، وتقطيع أوصالكم، يريدون بالرجل: رسول الله ﷺ، وهو﵊علم مشهور في قريش، وكان إخباره بالبعث شائعا عندهم، ولكنهم نكّروه بقولهم: ﴿رَجُلٍ﴾ استهزاء، وسخرية، فأخرجوه مخرج التحلّي ببعض الأحاجي، التي يتحاجى بها للضحك، والتلهّي، متجاهلين به، وبأمره. قاتلهم الله أنى يؤفكون! ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي:\nإنكم تخرجون من قبوركم، وتنشئون خلقا جديدا بعد أن تمزّق أجسادكم كل تمزيق، وتفرق عظامكم وأوصالكم كل تفريق، بحيث تصير ترابا، ورفاتا. هذا؛ و﴿جَدِيدٍ﴾ فعيل بمعنى: فاعل عند البصريين، وبمعنى: مفعول عند الكوفيين، من: جددته، أي قطعته. وعلى الأول يقال: جد الشيء، فهو جاد، وجديد. هذا؛ وانظر شرح الكفر في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم).\nالإعراب: (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾\nحرف استفهام. ﴿نَدُلُّكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به.\n ﴿عَلى رَجُلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿يُنَبِّئُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٍ﴾ تقديره: «هو»، والكاف مفعول به","vol":"7","page":560},{"text":"أول، والمفعول الثاني المجرور بالحرف محذوف، التقدير: بأنكم تبعثون إذا مزقتم... إلخ، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿رَجُلٍ﴾.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: «تبعثون» الذي تراه مقدرا. ﴿مُزِّقْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿كُلَّ:﴾\nنائب مفعول مطلق، وأجاز الزمخشري اعتباره ظرف مكان، التقدير: كل مكان تمزيق من القبور، وبطون الوحش، والطير، فهو متعلق بالفعل قبله. و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿مُمَزَّقٍ﴾ مضاف إليه، و«أنّ» المقدرة، واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني.\n ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في خلق):\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿جَدِيدٍ:﴾ صفة ﴿خَلْقٍ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ فيها معنى التأكيد لما قدرته محذوفا، أو هي بدل منه، وكسرت الهمزة بسبب لام الابتداء، التي زحلقت إلى الخبر. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿إِذا﴾ شرطية، وجوابها محذوف، التقدير: إذا مزقتم كل ممزق؛ بعثتم. وعليه فالجملة الشرطية يحتمل أن تكون معمولة ل: ﴿يُنَبِّئُكُمْ؛﴾ لأنه في معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق؛ تبعثون، ثم أكد ذلك بقوله:\n ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. ويحتمل أن يكون: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ معلقا ل: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ سادا مسد المفعولين، ولولا اللام؛ لفتحت (إنّ) وعلى هذا فجملة الشرط اعتراض. وعلى جميع الاعتبارات؛ فجملة: ﴿مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-3614\"></span>﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾\nالشرح: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ:﴾ يحتمل أن يكون هذا من تمام قول الكافرين أولا، أي من كلام القائلين: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ..﴾. إلخ، ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ كأن القائل لما قال له: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أجابه، فقال: هو يفتري على الله كذبا... إلخ، و﴿جِنَّةٌ﴾ بمعنى: جنون؛ أي: خبل، وذهاب عقل. وهو أيضا جمع: جني قال تعالى في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وهو بفتح الجيم: الحديقة، ذات الأشجار، وجمعها: جنات، وهو بضم الجيم: كل ما استترت به، وكل ما وقيت به نفسك من السلاح، والرماح، ومنه: المجن، والمجنة بكسر الميم فيهما، وهو الترس؛ الذي كان يتخذ للوقاية من ضربات السيوف، والرماح، وخذ قوله تعالى في سورة (المجادلة) وسورة (المنافقون) وهو من باب الاستعارة:\n ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.","vol":"7","page":561},{"text":"﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ: هذا جواب عن ترديدهم الوارد على طريقة الاستفهام بالإضراب عن شقيه، وإبطالهما، وإثبات قسم ثالث كاشف عن حقيقة الحال، مناد عليهم بسوء حالهم، وبطلان ما قالوا في حقه. كأنه قيل: ليس الأمر كما زعموا؛ بل هم في كمال اختلال العقل، وغاية الضلال عن الفهم، والإدراك؛ الذي هو الجنون حقيقة، وفيما يؤدي إليه ذلك من العذاب، ولذلك يقولون ما يقولون. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود.\nهذا؛ والضلال: مصدر: ضل الثلاثي، ومصدر الرباعي: الإضلال، فهو مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضلالا، أو هو مجاز عقلي على حد: جد جده؛ لأن البعيد في الحقيقة إنما هو الضال؛ لأنه هو الذي يتباعد الطريق، فوصف به فعله، وانظر الآية رقم [١١] من سورة (لقمان).\nوأخيرا فالهمزة بقوله: ﴿أَفْتَرى﴾ همزة الاستفهام، واستغنى بها عن همزة الوصل، فحذفتها، والأصل «أافترى» فحذفت الألف الثانية؛ لأنها ألف الوصل. فإن قيل: فهلا أتوا بمدة بعد الألف، فقالوا: آفترى، كقوله تعالى: ﴿آللهُ خَيْرٌ،﴾ وقوله جل ذكره: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ..﴾. إلخ قيل له: كان الأصل في هذا «أالله؟» «أالذّكرين» فأبدلوا من الألف الثانية مدة؛ ليفرقوا بين الاستفهام، والخبر، وذلك أنهم لو قالوا: «الله خير؟» بلا مدّ لالتبس الاستفهام بالخبر. ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله: ﴿أَفْتَرى﴾. ﴿أَطَّلَعَ﴾ لأن ألف الاستفهام مفتوحة، وألف الخبر مكسورة، وذلك: أنك تقول في الاستفهام «أطّلع؟ أفترى؟ أصطفى؟ أستغفرت؟» بفتح الألف، وتقول في الخبر: «اطلع، افترى، اصطفى، استغفرت لهم» بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ولم يحتاجوا إلى فرق آخر. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿أَفْتَرى:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (افترى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿رَجُلٍ﴾. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَذِبًا:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿أَفْتَرى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ إن كان من تمام قول الكافرين، ومستأنفة؛ إن كانت من كلام السامع. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جِنَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿بَلِ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿الَّذِينَ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. (الضلال):\nمعطوف على ما قبله. ﴿الْبَعِيدِ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿بَلِ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح.","vol":"7","page":562},{"text":"<span id=\"aya-3615\"></span>﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ: أعلم الله تعالى الكفار: أن الذي قدر على خلق السموات، والأرض، وما فيهن قادر على البعث، وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدل بقدرته عليهم، وأن السموات والأرض ملكه، وأنهما محيطتان بهم من كل جانب؛ فكيف يأمنون الخسف، والكسف، كما فعل بقارون، وأصحاب الأيكة قوم شعيب، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والمعنى: أعموا، فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما حيثما كانوا، وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما، وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله ﷿، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفا؛ لتكذيبهم الآيات، وكفرهم بالرسول ﷺ، وبما جاء به، كما فعل بقارون، وأصحاب الأيكة؟\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: النظر إلى السماء، والأرض، والتفكر فيهما، وما تدلان عليه من قدرة الله تعالى. ﴿لَآيَةً:﴾ لدلالة، وعلامة. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي: راجع إلى ربه، مطيع له؛ إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كل شيء من البعث، والحساب، ومن عقاب من يكفر به. وخص المنيب بالذكر؛ لأنه هو الذي ينتفع بالتفكر في حجج الله، وآياته.\nهذا؛ والتعبير عن الأمام، والخلف بقوله تعالى: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ كثير في القرآن الكريم، وإن اختص كل موضع بتفسير حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها، فمثلا قوله تعالى:\n ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء) يفسر بغير ما في هذه الآية، وكذلك الآية رقم [١١٠] من سورة (طه) وكلتاهما تخالفان معنى قوله تعالى: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nوهكذا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وليعلم: أن الأفعال «نشأ، نخسف، نسقط» تقرأ بالنون، والياء، و﴿كِسَفًا﴾ يقرأ بفتح السين، وسكونها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم).\nالإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والفعل بصري، فلذا اكتفى بالجار والمجرور بعده. ﴿إِلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جرّ ب: ﴿إِلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محلّ نصب مفعوله. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف","vol":"7","page":563},{"text":"مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما):\nمعطوف على ما قبله، وهو في محل جر أيضا. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (ما)، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ﴿السَّماءِ،﴾ وجملة: ﴿أَفَلَمْ..﴾. إلخ معطوفة على محذوف، التقدير: أعموا، فلم ينظروا على رأي الزمخشري، ومستأنفة على رأي غيره.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر، تقديره:\n «نحن»، أو تقديره: «هو» يعود إلى الله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نَخْسِفْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، وفاعله تقديره: «نحن»، أو «هو»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿بِهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضِ:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نُسْقِطْ:﴾ معطوف على ما قبله. وفاعله مستتر أيضا، تقديره: «نحن» أو: «هو».\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كِسَفًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِسَفًا،﴾ والجملة الشرطية: ﴿إِنْ نَشَأْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنْ،﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (آية): اسم ﴿إِنْ﴾ مؤخر. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آية)، وكل مضاف، و﴿عَبْدٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿مُنِيبٍ:﴾ صفة ﴿عَبْدٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3616\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ أي: مزية على سائر الأنبياء، وهو ما ذكر في هاتين الآيتين، أو مزية على سائر الناس، فيدخل فيه النبوة، والزبور، والملك، والصوت الحسن. فقد كان ﵊ ذا صوت حسن، ووجه حسن، وقد أعطي من حسن الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته، وكان الماء الجاري ينقطع عن الجري، وقوفا لصوته. وحسن الصوت هبة من الله تعالى، وتفضل منه. وقال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري -﵁-: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود». قال العلماء: المزمار والمزمور:\nالصوت الحسن، وبه سميت آلة الزمر مزمارا. ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: سبحي معه. قال أبو ميسرة: هو التسبيح بلسان الحبشة، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا، كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح معجزة لداود، على","vol":"7","page":564},{"text":"نبينا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم. وقيل: المعنى سيري معه حيث شاء، من: التأويب الذي هو سير النهار أجمع، وينزل الليل، قال ابن مقبل: [الطويل]\nلحقنا بحيّ أوّبوا السّير بعد ما... دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح\nوقرأ الحسن، وقتادة وغيرهما: (أوبي معه) أي: ارجعي معه، من آب، يؤوب: إذا رجع، أوبا، وأوبة، وإيابا. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوتت معه الجبال، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل. وقال وهب بن منبه:\nالمعنى: نوحي معه، والطير تساعده على ذلك، فكان إذا نادى بالنياحة؛ أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه. وصريح قوله تعالى في الآية رقم [٧٩] من سورة (الأنبياء): ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ،﴾ وصريح قوله تعالى في الآية رقم [١٨] من سورة (ص): ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ يؤيد التسبيح لا غيره. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ أي: كانت تسبح معه، ﵊. قيل: كان إذا وجد فترة في الذكر؛ أمر الجبال، والطير، فسبحت؛ حتى ينشط؛ ويشتاق للتسبيح. وفيه ما فيه من الفخامة، والدلالة على عظم شأنه، وكبرياء سلطانه؛ حيث جعل الله الجبال، والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها. ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ:﴾ أي جعلناه له ليّنا، كالطين والعجين، والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء، من غير نار، ولا ضرب بمطرقة.\nهذا؛ وداود: هو ابن إيشا، وكان في عسكر طالوت، وهو من سبط الملوك، وهو سبط يهوذا بن يعقوب. أما سبط النبوة فهو سبط لاوي بن يعقوب. وقد بارز جالوت، وقتله، كما رأيت في الآية رقم [٢٥١] من سورة (البقرة). فلما قتل جالوت زوجه طالوت بنته، وأشركه معه في الحكم، وقد دام ملك طالوت أربعين سنة، فلما استقل داود بالحكم، وأعطاه الله النبوة، كما قال تعالى: ﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وذلك بعد موت النبي شمويل، وبعد موت طالوت، ولم يجتمع الملك، والنبوة لغير داود، وابنه سليمان، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وكانت مدة ملك داود بعد طالوت سبع سنين، وفي عهد داود وقعت حادثة أهل السبت، التي رأيت تفصيلها في الآية رقم [١٦٣] وما بعدها من سورة (الأعراف) وعاش داود مائة سنة، وبينه وبين موسى خمسمائة وتسع وستون سنة. وقيل: وتسع وسبعون، وعاش سليمان تسعا وخمسين سنة، وبينه وبين مولد نبينا، وحبيبنا عليه، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام نحو ألف وسبعمائة سنة. انتهى. جمل. نقلا من التحبير للسيوطي.\nهذا؛ وقيل: إنه عاش ثلاثا وخمسين سنة، وملك؛ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع سنين من ملكه.\nتنبيه: روي: أن سبب ذلك: أن داود ﵇ لما ملك بني إسرائيل لقي ملكا، وداود يظنه إنسانا، وداود متنكر خرج يسأل الناس عن نفسه، وسيرته في بني إسرائيل في خفاء، فقال","vol":"7","page":565},{"text":"داود لذلك الشخص الذي تمثل له: ما قولك في هذا الملك داود؟ فقال له الملك: نعم العبد لولا خلة فيه! قال داود: وما هي؟ قال: يرتزق من بيت المال، ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله، فرجع، فدعا الله تعالى أن يعلمه صنعة، ويسهلها عليه، فعلمه صنعة الدروع، كما قال تعالى في الآية رقم [٨٠] من سورة (الأنبياء): ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ..﴾. إلخ فألان له الحديد، فصنع الدروع، فكان يصنع الدرع فيما بين يومه، وليلته يساوي ألف درهم؛ حتى ادّخر منها كثيرا، وتوسعت معيشة أهل بيته، وكان يتصدق على الفقراء والمساكين، وكان ينفق ثلث المال في مصالح قومه، وهو أول من اتخذ الدروع، وصنعها، وكانت قبل ذلك صفائح.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم، وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخليّ عن الامتنان، إلا للواحد المنان، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إنّ خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبيّ الله داود كان يأكل من عمل يده». انتهى. هذا؛ وخذه من الترغيب والترهيب، كما يلي: عن المقدام بن معد يكرب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيّ الله داود-عليه الصلاة، والسّلام-كان يأكل من عمل يده». رواه البخاري وغيره.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة). ﴿داوُدَ:﴾ مفعول به أول.\n ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿فَضْلًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿فَضْلًا:﴾ مفعول به ثان، والكلام: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو.\n (جبال): منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿أَوِّبِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية والجملة الندائية بدل من: ﴿آتَيْنا﴾ التقدير: قلنا: يا جبال، أوبي، أو بدل من: ﴿فَضْلًا﴾ التقدير: قلنا: يا جبال، أوبي، انتهى.\nمن الكشاف. وهذا يعني: أن الجملتين في محل نصب مقول القول المقدر، فعلى الأول هو فعل، وعلى الثاني المقدر مصدر، وأرى أن اعتبار الجملتين تفسيرا ل: ﴿فَضْلًا﴾ جيد، ولا بأس به. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَالطَّيْرَ:﴾ يقرأ بالنصب، والرفع، فالنصب فيه أربعة أوجه: الأول: هو معطوف على موضع (جبال). والثاني: هو مفعول معه، والواو واو المعية. والثالث: هو معطوف على","vol":"7","page":566},{"text":"﴿فَضْلًا﴾ على معنى: وآتيناه تسبيح الطير. قاله الكسائي. والرابع: هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: وسخرنا له الطير. وأما الرفع؛ ففيه وجهان: أحدهما هو معطوف على لفظ (جبال).\nوالثاني: هو معطوف على ياء المخاطبة في ﴿أَوِّبِي،﴾ وأغنت (مع) عن توكيد الضمير المتصل بضمير الرفع المنفصل. ﴿وَأَلَنّا:﴾ والواو: حرف عطف. (ألنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَدِيدَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ معطوفة على جملة ﴿آتَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3617\"></span>﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أي: أمرناه بأن اصنع دروعا سابغات؛ أي: كاملات، واسعات طوالا، تسحب في الأرض. هذا؛ ويقرأ: «(صابغات)» بالصاد، ورأيت في الآية السابقة: أنه هو أول من اتخذ الدروع بهذا الشكل. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: وقدر في نسجها بحيث يتناسب حلقها.\nوقال ابن عباس﵄-: التقدير الذي أمر به هو في المسمار؛ أي: لا تجعل مسمار الدرع رقيقا فيقلق، أي لا يستقر في مكانه، ولا غليظا فيفصم الحلق. أو المعنى: اجعل الدرع متوسطة، لا ثقيلة تتعب حاملها، ولا رقيقة خفيفة لا ترد عن صاحبها ضربات السيوف. هذا؛ والسرد: نسج حلق الدروع، ومنه قيل لصانع حلق الدروع: السّراد، والزرّاد بإبدال السين زايا، والسرد: الخرز، ويقال: سرد الحديث، والصوم؛ أي: أتى بهما ولاء في نسق واحد، ومنه: سرد الكلام. قالت عائشة﵂-: لم يكن النبي ﷺ يسرد الحديث كسردكم، وكان يحدّث الحديث لو أراد العادّ أن يعدّه؛ لأحصاه. ﴿وَاعْمَلُوا صالِحًا:﴾ هذا أمر لداود، وأهل بيته. ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فأجازيكم به، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا فشر. وفي الكلام التفات من خطاب الواحد إلى خطاب الجماعة، كما هو ظاهر.\nالإعراب: ﴿أَنِ:﴾ مفسرة، أو مصدرية. ﴿اِعْمَلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:\n «أنت». ﴿سابِغاتٍ:﴾ صفة لمفعول به محذوف، فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿أَنِ اعْمَلْ..﴾. إلخ مفسرة للفعل المقدر ب: أمرنا. وعلى اعتبار ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرناه بعمل سابغات. ﴿وَقَدِّرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قدر): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿فِي السَّرْدِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها. (اعملوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿صالِحًا:﴾\nمفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: اعملوا عملا صالحا، لذا قيل: صفة لمفعول مطلق محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.","vol":"7","page":567},{"text":"﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(يا) المتكلم اسمه. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، و: (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3618\"></span>﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح. ويقرأ برفع الريح. ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ أي: جريها بالغداة، أي في الصباح مسيرة شهر، وجريها بالعشي مسيرة شهر آخر، فكانت تسير به في كل يوم واحد مسيرة شهرين. قيل: كان يغدو من دمشق، فيقيل بإصطخر، وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من إصطخر، فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء) الآية رقم [٨١]: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ..﴾. إلخ وقال في سورة (ص) الآية رقم [٣٦]: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾.\nقال وهب بن منبه: كان سليمان ﵇؛ إذا خرج إلى مجلسه؛ حلقت عليه الطير، وقام له الإنس، والجن؛ حتى يجلس على سريره، وكان امرءا غزاء قلّما يقعد عن الغزو، ولا يسمع بناحية من الأرض بملك إلا أتاه؛ حتى يذله. وكان فيما يزعمون: أنه إذا أراد الغزو؛ أمر بخشب فمدت، ورفع عليها الناس والدواب، وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد؛ أمر العاصف من الريح، فمرت تحت الخشب، فاحتملته حتى إذا استقلت به؛ أمر الرخاء، فمرت به شهرا في روحته، وشهرا في غدوته إلى حيث أراد. انتهى. وهذا يعني: أن العاصف للإقلاع، والرخاء للسير بهدوء؛ لئلا يضطرب الناس الذين هم على بساط الريح. قال أحمد محشي الكشاف: وهذا كما ورد وصف عصا موسى تارة بأنها جان، وتارة بأنها ثعبان، والجان الرقيق من الحيات، والثعبان العظيم الجافي منها، ووجه ذلك: أنها جمعت الوصفين، فكانت في خفتها، وفي سرعة حركتها كالجان، وكانت في عظم خلقها كالثعبان، ففي كل واحد من الريح، والعصا على هذا التقرير معجزتان. والله سبحانه، وتعالى أعلم.\n ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ:﴾ ﴿الْقِطْرِ:﴾ النحاس، فعن ابن عباس، وغيره: أسيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن، ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله، وكان لا يذوب، ومن وقته ذاب، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى لسليمان. قال قتادة:","vol":"7","page":568},{"text":"أسال له الله عينا يستعملها فيما يريد، وقد أسال الله لسليمان النحاس، وأجراه له، كما ألان الحديد لوالده داود، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام، وسبب ذوبانه-والله أعلم-أن الأرض التي فتحت فيها العين مصطهرة بالنار فالنحاس المختلط بصخور تلك الأرض يصهر، ويقذف من فوهة تلك العين سائلا، فيأتي عمّال سليمان، ويأخذونه للانتفاع به في الصناعات، ونحوها مما يحتاج إليه سليمان.\n ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: بأمر ربه. وقال ابن عباس﵄-: سخر الله الجن لسليمان، ﵊، وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا:﴾ ومن يعدل ويخالف الذي أمرناه به من طاعة سليمان. ﴿نُذِقْهُ:﴾ من عذاب السعير: قيل: هذا في الآخرة. وقيل: في الدنيا، وذلك: أن الله تعالى وكل بهم ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ضربه بذلك السوط ضربة أحرقته.\nهذا؛ وقد ذكر في سفر الملوك الأول العمائر التي قام بعملها سليمان، منها: سور أورشليم، وحاصور، ومجد، وجازر، وبيت حوران السفلى، وبعله، وتدمر في البرية، كل ذلك عدا المخازن، ومدن المركبات، ومدن الفرسان، وما بناه في لبنان، وغيرها من سائر مملكته، ومن نظر إلى هذه الأعمال، وفخامتها، وضخامة أحجارها؛ لم يستبعد أن يكون للجن عمل عظيم في ذلك، وخاصة تدمر، وبعض آثارها ماثل إلى اليوم، وقد ذكر النابغة الذبياني تسخير الجن لسليمان في شعره الذي يعتذر به إلى النعمان؛ إذ يقول: [البسيط]\nولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه... ولا أحاشي من الأقوام من أحد\nإلاّ سليمان إذ قال الإله له... قم في البريّة فاحددها عن الفند\nوخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد\nهذا من قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-باختصار. وهذه الأبيات من معلقة النابغة رقم [٢١] وما بعد. انظرها بشرحنا، وإعرابنا لها.\nالإعراب: ﴿وَلِسُلَيْمانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لسليمان): جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وسخرنا لسليمان، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. ﴿الرِّيحَ:﴾ مفعول به للفعل المحذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿آتَيْنا داوُدَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، وعلى قراءة «(الريح)» بالرفع فهو مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿غُدُوُّها:﴾ مبتدأ، والتقدير: مسير غدوها شهر، ومسير رواحها شهر. و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿شَهْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من:","vol":"7","page":569},{"text":"﴿الرِّيحَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَأَسَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أسلنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَيْنَ:﴾ مفعول به، و﴿عَيْنَ﴾ مضاف، و﴿الْقِطْرِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنَ الْجِنِّ)﴾: متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وسخرنا له من الجن. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل المقدر. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور ﴿(مِنَ الْجِنِّ)﴾ متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و﴿مِنَ:﴾ مبتدأ مؤخر على مثال: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَعْمَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِإِذْنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَعْمَلُ،﴾ و(إذن) مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿يَعْمَلُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَزِغْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله مستتر فيه، يعود إلى: (من)، تقديره: «هو».\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَزِغْ﴾ المستتر. و(من) بيان لما أبهم في (من).\n ﴿عَنْ أَمْرِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿نُذِقْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، وفاعله مستتر، تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿عَذابِ:﴾ مضاف، و﴿السَّعِيرِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3619\"></span>﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ أي: مساجد. وقيل: هي الأبنية المرتفعة، والقصور، والمجالس الشريفة، المصونة عن الابتذال، سميت بذلك؛ لأنها يذب عنها، ويحارب عليها، وكان مما عملوا له بيت المقدس، وذلك: أن داود﵇ابتدأه، ورفعه قامة رجل، فأوحى الله إليه: لم أقض ذلك على يدك، ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان، أقضي إتمامه على يديه، فلما توفي داود؛ استخلف سليمان، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، فأراد سليمان إتمام بناء","vol":"7","page":570},{"text":"بيت المقدس، فجمع الجن، والشياطين، وقسم عليهم الأعمال، وخص كل طائفة منهم بعمل، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والبلور من معادنهما، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح، وجعلها اثني عشر ربضا، وأنزل على كل ربض سبطا من الأسباط.\nفلما فرغ من بناء المدينة؛ أخذ في بناء المسجد، فوجه الشياطين فرقا منهم من يستخرج الذهب والفضة من معادنهما، ومنهم من يستخرج الجواهر، واليواقيت، والدر الصافي من أماكنها، ومنهم من يأتيه بالمسك، والعنبر، والطيب من أماكنها، فأتي بشيء كثير، لا يحصيه إلا الله تعالى، ثم أحضر الصناع، وأمرهم بنحت تلك الأحجار، وتصييرها ألواحا، وإصلاح تلك الجواهر، وثقب اليواقيت، واللآلي، فبني المسجد بالرخام الأبيض، والأصفر، والأخضر، وعمده بأساطين البلور الصافي، وسقفه بأنواع الجواهر الثمينة، وقصص سقوفه، وحيطانه باللآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن على وجه الأرض يومئذ أبهى، ولا أنور من ذلك المسجد، فكان يضيء بالظلمة، كالقمر ليلة البدر.\nقال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٨٢]: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ،﴾ وقال في سورة (ص): ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾.\nفلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل، وأعلمهم: أنه بناه لله تعالى، وأن كل شيء فيه خالص له، واتخذ ذلك اليوم عيدا، فعن عبد الله بن عمرو﵁عن رسول الله ﷺ: «أنّ سليمان بن داود لمّا بنى بيت المقدس سأل الله ﷿ حكما يوافق حكمه، فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله ﷿ حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد، لا ينهزه إلا الصلاة فيه، إلا أخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه». أخرجه النسائي.\nوعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الصّلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة بمسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة».\nرواه الطبراني وبقي بيت المقدس على ما بناه سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-حتى غزاه بختنصر، فخرب المدينة، وهدم المسجد، وأخذ ما فيه من الذهب والفضة وسائر أنواع الجواهر، وحمله إلى دار ملكه بالعراق. انظر ذلك مفصلا في الآية رقم [٤] وما بعدها من سورة (الإسراء) تجد أن ذلك كان بسبب فساد بني إسرائيل، وفسقهم، وخروجهم عن طاعة ربهم. و: (تماثيل) جمع: تمثال، قال امرؤ القيس: [الطويل]\nويا ربّ يوم قد لهوت وليلة... بآنسة كأنّها خطّ تمثال\nوالتماثيل: صور للملائكة، والأنبياء على ما اعتادوا من العبادات ليراها الناس، فيعبدوا نحو عبادتهم. وقيل: كانوا يصورون السباع، والطيور، وغيرها. وقيل: كانوا يصورون صور الملائكة، والأنبياء، والصالحين في المساجد ليراها الناس، فيزدادوا عبادة، ويصورون ما ذكر","vol":"7","page":571},{"text":"من نحاس، ورخام، وزجاج. روي: أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط له الأسدان ذراعيهما، وإذا قعد؛ أظله النسران بأجنحتهما، وكان التصوير مباحا يومئذ؛ أما في شريعتنا؛ فالتصوير حرام. وخذ ما يلي: عن عمر﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الذين يصنعون هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم». رواه البخاري. وعن عبد الله بن مسعود﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون». رواه البخاري، ومسلم، وعن أبي هريرة -﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: «ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرّة، وليخلقوا حبّة، وليخلقوا شعيرة». رواه البخاري، ومسلم.\nكما حرم الإسلام اقتناء الصور، فعن ابن عمر﵄قال: واعد رسول الله ﷺ جبريل أن يأتيه، فراث عليه حتّى اشتدّ على رسول الله ﷺ، فخرج فلقيه جبريل ﵇، فشكا إليه، فقال: «إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا صورة». رواه البخاري. وعن علي﵁- أن رسول الله ﷺ، قال: قال جبريل: «إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا صورة». رواه البخاري.\n ﴿وَجِفانٍ:﴾ جمع: جفنة، وهي القصعة؛ التي يوضع فيها الطعام. ﴿كَالْجَوابِ:﴾ جمع:\nجابية، وهي حفيرة، كالحوض، وقال مجاهد: كحياض الإبل، وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل. قال الأعشى: [الطويل]\nتروح على آل المحلّق جفنة... كجابية الشّيخ العراقيّ تفهق\nهذا ﴿وَجِفانٍ﴾ جمع كثرة، وجمع القلة: جفنات، ولذا عيب على حسان﵁- قوله: [الطويل]\nلنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما\nويروى: أن الخنساء﵂قالت: قللت جفناتك، ولو قلت: الجفان؛ لكان أولى. وقلت: الغر، ولو قلت: البيض؛ لكان أولى. وقلت: يلمعن، ولو قلت: يشرقن؛ لكان أولى، وقلت: بالضحى، ولو قلت: بالدجى؛ لكان أولى، وقلت: أسيافنا، ولو قلت: سيوفنا؛ لكان أولى، وقلت: يقطرن، ولو قلت: يسلن؛ لكان أولى، وقلت: دما؛ ولو قلت: دماء لكان أولى.\nهذا؛ وقال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها، تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. هذا؛ وحذفت الياء من الجوابي تخفيفا، وبعضهم يقرأ بإثباتها. ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ أي: ثابتات على أثافيها لا تحمل ولا تحرّك عن أماكنها لعظمها، وكان يصعد إليها بالسلالم، وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان التيمي في الجاهلية.","vol":"7","page":572},{"text":"﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ أي: اعملوا بطاعة الله شكرا على نعمه. روي: أن داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قال: يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك، وإلهامي، وقدرتي على شكرك نعمة لك؟! فقال: يا داود الآن عرفتني. هذا؛ وحقيقة الشكر: الاعتراف بالنعمة للمنعم، واستعمالها في طاعته. والكفران استعمالها في المعصية، وقليل من يفعل ذلك؛ لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية بحسب سابق التقدير. قال ثابت البناني: كان داود نبي الله-على نبينا، وعليه الصلاة والسّلام-: قد جزأ ساعات الليل، والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من ليل، أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. وقد ثبت عن النبي ﷺ: أن داود كان يصوم يوما، ويفطر يوما. ومن المؤكد: أن الصلاة، والصيام، والعبادات كلها هي في نفسها الشكر؛ إذ سدت مسده، ويبين هذا قوله تعالى في الآية رقم [٢٤] من سورة (ص): ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ وهو المراد بقوله الآتي: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وظاهر القرآن، والسنة: أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان.\n ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي: الموفق على أداء الشكر بقلبه، ولسانه، وجوارحه في أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفي حقه؛ لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر، إلى ما لا نهاية له، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر. وسمع الفاروق﵁رجلا يقول: «اللهم اجعلني من القليل»، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ فقال عمر﵁-: كل الناس أعلم منك يا عمر! وانظر مثله في الآية رقم [٢٤] من سورة (ص)، وانظر ما ذكرته بشأن الحمد والشكر في الآية [١٥] من سورة (النمل).\nالإعراب: ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعملون له الذي، أو: شيئا يشاؤه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من ﴿الْجِنِّ،﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مفسرة لجملة (يعمل)، أو هي بدل منها اعتبارات أربعة. ﴿مِنْ مَحارِيبَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. ﴿وَتَماثِيلَ:﴾ معطوف عليه، وهو مجرور مثله... إلخ. ﴿وَجِفانٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كَالْجَوابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (جفان)، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة، أو الثابتة على القراءة","vol":"7","page":573},{"text":"الثانية. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي صفة جفان، وتكون مضافة، و(الجواب) مضاف إليه، ﴿وَقُدُورٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿راسِياتٍ:﴾ صفة (قدور).\n ﴿اِعْمَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آلَ:﴾\nمنادى حذفت منه أداة النداء، أو هو مفعول بفعل محذوف، التقدير: أعني آل، و﴿آلَ﴾ مضاف، و﴿داوُدَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿شُكْرًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو صفة لمفعول مطلق، التقدير:\nاعملوا آل داود عملا شكرا، أو اشكروا شكرا. وقيل: هو حال بمعنى: شاكرين، والكلام:\n ﴿اِعْمَلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا: يا آل داود اعملوا... إلخ. والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: ﴿يَعْمَلُونَ..﴾. إلخ. وقيل: جملة:\n ﴿اِعْمَلُوا..﴾. إلخ مستأنفة، والأول أولى. ﴿وَقَلِيلٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قليل): خبر مقدم.\n ﴿مِنْ عِبادِيَ:﴾ متعلقان ب: (قليل) لأنه صفة مشبهة. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة (قليل) وليس بشيء، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿الشَّكُورُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: ﴿آلَ داوُدَ﴾ فالرابط الواو فقط.\n\n<span id=\"aya-3620\"></span>﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ:﴾ حكمنا عليه بالموت. قال العلماء: كان سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة، والسنتين، والشهر، والشهرين، فيدخل فيه، ومعه طعامه وشرابه، فدخله المرة التي مات فيها، فأعلمه الله بوقت موته، فقال: اللهم أخف عن الجن موتي؛ حتى تعلم الإنس: أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تخبر الإنس بأنهم يعلمونه، فقام في المحراب على عادته يصلي، متكئا على عصاه قائما، وكان للمحراب طاقات من بين يديه، ومن خلفه، فكان الجن ينظرون إليه، ويحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطوله منه قبل ذلك، فمكثوا يعملون حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصاه، فخر ميتا، فعلموا بموته. قال ابن عباس﵄-: فشكرت الجن الأرضة، فهم يأتونها بالماء، والطين في جوف الخشب، وقالوا لها: لو كنت تأكلين الطعام والشراب؛ لأتيناك بهما. انتهى. خازن بتصرف. ومثله في الكشاف، والقرطبي، فذلك قوله تعالى:\n ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ﴾ أي: ما دل الجن، أو ما دل آل سليمان على موته. ﴿إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ أي: الأرضة، وهي دويبة، يقال لها: سرفة، والأرض فعلها، فأضيفت إليه، يقال: أرضت","vol":"7","page":574},{"text":"الخشبة أرضا: إذا أكلتها. ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ:﴾ يقرأ بتسكين الهمزة تخفيفا، قال الشاعر في ترك الهمزة: [البسيط]\nإذا دببت على المنساة من كبر... فقد تباعد عنك اللهو والغزل\nوقال آخر، فهمز، وفتح: [المتقارب]\nضربنا بمنسأة وجهه... فصار بذاك مهينا ذليلا\nهذا؛ والمنسأة: العصا، من: نسأت البعير: إذا طردته؛ لأنه يطرد بها، فهو اسم آلة، كالمكنسة والمكسحة. ﴿فَلَمّا خَرَّ:﴾ سقط على الأرض ميتا لا حراك به. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ:﴾ علمت الجن بعد التباس الأمر عليهم، وجلى لهم، وظهر، وانكشف.\n ﴿أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ أي: لو أنهم كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون؛ لعلموا موت سليمان حيثما وقع ما أقاموا بعد موته حولا في تسخيرهم بالأعمال الشاقة، وذلك: أن الله ﷿ أعلمه بقرب أجله، فأراد أن يعمي على الجن موته، فدعاهم، فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس فيه باب، فقام يصلي متكئا على عصاه، فقبض روحه، وهو متكئ عليها، فبقي عليها حتى أكلتها الأرضة، فخر، ثم فتحوا عنه، وأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت يوما وليلة مقدارا، فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿قَضَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار: (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿دَلَّهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به.\n ﴿عَلى مَوْتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿دَابَّةُ:﴾ فاعل: ﴿دَلَّهُمْ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لما)، لا محل لها، و﴿دَابَّةُ﴾ مضاف، و﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَأْكُلُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى:\n ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ،﴾ تقديره: «هي». ﴿مِنْسَأَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ في محل نصب حال من ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وأجيز اعتبارها مستأنفة، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): مثل سابقتها. ﴿خَرَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود على (سليمان)، والجملة الفعلية يقال فيها ما قيل بسابقتها. ﴿تَبَيَّنَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء","vol":"7","page":575},{"text":"للتأنيث. ﴿الْجِنُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿الْغَيْبَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾.\nإلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿لَبِثُوا:﴾\nماض، وفاعله. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ متعلقان به. ﴿الْمُهِينِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ،﴾ وجملة: ﴿ما لَبِثُوا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع بدلا من: ﴿الْجِنُّ،﴾ وقدر أبو البقاء مضافا محذوفا، وقال: لأن المعنى تبينات الإنس جهل الجن، وقال: ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي تبينات الجن جهلها، وزاد مكي قوله: وقيل: هي في موضع نصب على حذف اللام:\nأي لأن، والمعتمد الأول. والله أعلم، وأجل، وأكرم. و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له أيضا.\n\n<span id=\"aya-3621\"></span>﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ أي: علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقا خلقهم، ثم فسر الآية فقال تعالى: ﴿جَنَّتانِ﴾ أي: بستانان. ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ أي: عن يمين الوادي، وعن شماله، والمراد مجموعتان من البساتين كل واحدة منهما في تقاربها، وتضامها كأنها جنة واحدة، أو المراد: بستانا كل منهم عن يمين مسكنه، وعن شماله. ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أي: من ثمار الجنتين. وقيل: كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها، وتمر بالجنتين، فيمتلئ المكتل من أنواع الفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا. وهذا الأمر للإباحة، وليس للوجوب. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أي: أرض مأرب، وهي سبأ بلدة طيبة فسيحة، ليست بسبخة، قيل: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا حية، ولا عقرب، ولا قملة، ولا غيرها من الهوام، وكان الرجل يمر ببلدتهم، وفي ثيابه القمل، فيموت القمل من طيب الهواء، وقد فسر عبد الرحمن بن زيد-رحمه الله تعالى-الآية التي في مسكنهم بذلك، والجنتان بعض هذه النعم.\n ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ:﴾ قال وهب: أي وربكم إن شكرتم على ما رزقكم غفور لمن شكره.\nهذا؛ ويقرأ: «(مساكنهم)» بالجمع، وهي قراءة العامة؛ لأن لهم مساكن كثيرة، وليس بمسكن واحد، وقرأ حفص موحدا، إلا أنه فتح الكاف. وقرأه يحيى، والأعمش، والكسائي موحدا","vol":"7","page":576},{"text":"كذلك، إلا أنهم كسروا الكاف. قال النحاس: و(مساكن) في هذا أبين؛ لأنه يجمع اللفظ، والمعنى، و(مسكن) بكسر الكاف خارج عن القياس، مثل مسجد، ولا يوجد مثله إلا سماعا.\nأما (سبأ) فقد قرأه الجمهور بالصرف، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح الهمزة، ومنع الصرف، فالأول على أنه اسم رجل، نسب إليه قوم، وعليه قول الشاعر: [البسيط]\nالواردون وتيم في ذرا سبأ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس\nالمعنى: الواردون هم، وتيم في ذرا أرض سبأ مغلولين بأغلال من جلد الجواميس، بحيث يعض أعناقهم. ومن لم يصرفه اعتبره اسما للقبيلة، أو للمدينة، وأنشد للنابغة الجعدي: [المنسرح] من سبأ الحاضرين مأرب إذ... يبنون من دون سيله العرما\nفهو يمدح رجلا، ويقول: هو من قبيلة سبأ الحاضرين مدينة مأرب؛ الذين بنوا السد دون السيل، فالعرم: هو السد، ومأرب: اسم المدينة. وقيل: اسم قصر. هذا؛ وسبأ: اسم رجل، وهو سبأ بن يشجب، بن يعرب، بن قحطان أخي عدنان. فعن فروة بن مسيك المرادي قال: لما أنزل الله في سبأ ما أنزل، قال رجل: يا رسول الله! وما سبأ؟ أرض، أو امرأة؟ قال: «ليس بأرض، ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة. وأما الذين تيامنوا فالأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار». فقال رجل: يا رسول الله! وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم، وبجيلة». أخرجه الترمذي.\nتنبيه: قال الليث: البلد: كل موضع من الأرض، عامر، أو غير عامر، خال، أو مسكون، والطائفة منه: بلدة، والجمع: بلاد، زاد غيره: والمفازة تسمى بلدة؛ لكونها مسكن الوحش، والجن، قال الأعشى: [البسيط]\nوبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ بالليل في حافاتها زجل\nوقال جران العود: [الرجز]\nوبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:\nوالله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِسَبَإٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ،﴾ تقدم على اسمها. ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من ﴿آيَةٌ﴾ ولا وجه له؛ لأن الحال تبين هيئة فاعل، أو مفعول. وقال الجمل: في محل نصب حال من (سبأ) ولا بأس به؛ لأنه علم كما","vol":"7","page":577},{"text":"رأيت، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿آيَةٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر، وجملة: ﴿لَقَدْ كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو جواب القسم المقدر. ﴿جَنَّتانِ:﴾ بدل من ﴿آيَةٌ،﴾ أو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الآية جنتان، والجملة الاسمية مفسرة ل: ﴿آيَةٌ،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها، ويقرأ بالنصب: (جنتين) على المدح بفعل محذوف. ﴿عَنْ يَمِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿جَنَّتانِ﴾. ﴿وَشِمالٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف للتعميم، التقدير: كلوا ما تشاءون. ﴿مِنْ رِزْقِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيه، و﴿رِزْقِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿كُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أي: قيل لهم بلسان الحال، أو بلسان المقال من نبي لهم، أو من ملك، وجملة: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْدَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:\nالبلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة. (رب): خبر لمبتدإ محذوف أيضا، التقدير: وربكم رب ﴿غَفُورٌ:﴾ صفة (رب)، والجملتان الاسميتان مستأنفتان، لا محل لهما.\n\n<span id=\"aya-3622\"></span>﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أي: عن الإيمان، وعن طاعة الله تعالى. قال وهب-رحمه الله تعالى-: أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا، فدعوهم إلى الله تعالى، وذكروهم نعمه عليهم، وأنذروهم عقابه، فكذبوهم، وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة، فقولوا لربكم: فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع. فذلك إعراضهم. انتهى. خازن. وقال القشيري: وكان لهم رئيس يلقب بالحمار، وكانوا في الفترة بين عيسى ومحمد صلّى الله عليهما وسلم. وقيل: كان له ولد، فمات، فرفع رأسه إلى السماء، فبزق، وكفر؛ ولهذا يقال: أكفر من حمار. انتهى. قرطبي.\n ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ:﴾ العرم: الذي لا يطاق. قيل: كان ماء أحمر، أرسله الله تعالى عليهم من حيث شاء. وقيل: العرم: السكر الذي يحبس الماء. وقيل: العرم: الوادي. قال ابن عباس ووهب وغيرهما: كان لهم سد بنته لهم بلقيس، وذلك: أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم، فسد بالصخر والقار بين الجبلين، وجعلت لهم ثلاثة أبواب، بعضها فوق بعض، وبنت دونه بركة عظيمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم، يفتحونها، إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا عنها؛ سدوها، فإذا جاءهم المطر، اجتمع إليهم","vol":"7","page":578},{"text":"ماء أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد، فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه إلى البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الثالث الأسفل، فلا ينفذ الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك.\nفبقوا بعدها مدة، فلما طغوا، وكفروا؛ سلط الله عليهم جرذا يسمى الخلد، فنقب السد من أسفله، فأغرق الله جنانهم، وأخرب أرضهم. وقال وهب: رأوا فيما يزعمون، ويجدون في علمهم: أن الذي يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمان ما أراد الله تعالى بهم من التفريق، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر، فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة، التي كانت عندها، فتوغلت في السد، وحفرت حتى أوهنت المسيل، وهم لا يعلمون بذلك، فلما جاء السيل وجد خللا، فدخل منه حتى اقتلع السد، وفاض الماء حتى علا أموالهم، فأغرقها، ودفن بيوتهم الرمل، فغرقوا، ومزقوا كل ممزق حتى صاروا مثلا عند العرب، يقولون: ذهبوا أيدي سبأ.\nوتفرقوا أيادي سبأ. قال كثير عزة: [الطويل]\nأيادي سبا-يا عزّ-ما كنت بعدكم... فلن يحل للعينين بعدك منظر\nوهذا هو الشاهد رقم [٥٢١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وخذ قول محمد اليمني الملقب بنجم الدين. [الطويل]\nولا تحتقر كيد الضعيف فربّما... تموت الأفاعي من سموم العقارب\nوقد هدّ قدما عرش بلقيس هدهد... وخرّب حفر الفأر سدّ مأرب\n ﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ:﴾ المذكورتين. ﴿جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ:﴾ قيل: هو شجر الأراك، وثمره البرير. وقيل: كل نبت أخذ طعما من المرارة، حتى لا يمكن أكله فهو خمط. وقيل: هو ثمر شجر، يقال له: فسوة الضبع على صورة الخشخاش يتفرك، ولا ينتفع به. ﴿وَأَثْلٍ:﴾ قيل:\nهو الطرفاء. وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا، ومنه اتخذ منبر النّبي ﷺ، وللأثل أصول غليظة، يتخذ منه الأبواب، وورقه كورق الطرفاء، الواحدة: أثلة، والجمع أثلات. وقيل: هو شجر السّمر.\n ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ:﴾ هو شجر معروف ينتفع بورقه في الغسل، وثمره النبق، ولم يكن السدر الذي بدلوه مما ينتفع به؛ بل كان سدرا بريا لا يصلح لشيء. قيل: كان شجرهم من خير الشجر، فصيره الله من شر الشجر بسبب سوء أعمالهم.\nهذا؛ وما أبدلهم الله به من الجنتين لا يسمى جنة، وبستانا، ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الأولى أطلق عليهما لفظ الجنة للمشاكلة، وازدواج الكلام كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وقد مر معنا كثير من ذلك، وقد نبهت عليه في محاله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"7","page":579},{"text":"الإعراب: ﴿فَأَعْرَضُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أعرضوا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أرسلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَيْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْعَرِمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (بدلناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها. ﴿بِجَنَّتَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَنَّتَيْنِ:﴾\nمفعول به. ﴿ذَواتَيْ:﴾ صفة له، وعلامة النصب فيهما الياء... إلخ، وحذفت النون من الثاني للإضافة، و﴿ذَواتَيْ﴾ مضاف، و﴿أُكُلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿خَمْطٍ:﴾ صفة له، وقرئ بالإضافة، وعدم التنوين. ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ:﴾ معطوفان على ﴿أُكُلٍ﴾. ﴿مِنْ سِدْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (شيء). ﴿قَلِيلٍ:﴾ صفة: ﴿سِدْرٍ،﴾ أو هو صفة ثانية ل: ﴿سِدْرٍ،﴾ وإن علقت الجار والمجرور ب: ﴿قَلِيلٍ﴾ فالمعنى يؤيده، ولا يأباه. وقرئ بنصب: «(أثل وشيء)» عطفا على جنتين.\n\n<span id=\"aya-3623\"></span>﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا﴾ أي: فعلنا بهم ما ذكر من تبديل النعمة بنقمة بسبب كفرهم. ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ:﴾ المعنى لا نجازي مثل الجزاء المتقدم إلا من كفر النعمة، ولم يشكرها، وهذا جار مجرى المثل، وهو ما يسمى في علم البلاغة فن التذييل. هذا؛ وقرئ «(وهل يجازى)» بالبناء للمجهول، ورفع «(الكفور)»، وقرئ: «(هل يجزي)»، وقرئ: «(هل يجزي)».\nوانظر شرح الكفر في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم).\nتنبيه: في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشد منه، وهو أن يقال: لم خص الله تعالى المجازاة بالكفور، ولم يذكر أصحاب المعاصي؟ فتكلم العلماء في ذلك، فقال قوم: ليس يجازى بهذا الجزاء الذي هو الإهلاك والاستئصال إلا من كفر. وقال مجاهد: ﴿نُجازِي﴾ بمعنى نعاقب، وذلك: أن المؤمن يكفّر الله عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله، فالمؤمن يجزى، ولا يجازى؛ لأنه يثاب. وقال طاوس: هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب. وقال قطرب: خلاف هذا، فجعلها في أهل المعاصي غير الكفار، وقال:\nالمعنى على من كفر بالنعم، وعمل بالمعاصي والكبائر. قال النحاس: وأولى ما قيل في هذه الآية، وأجلّ ما روي فيها أن الحسن قال: مثلا بمثل. انتهى. قرطبي باختصار.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان مقدم. أي:\nجزيناهم ذلك التبديل لا غيره. ﴿جَزَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول أول. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف","vol":"7","page":580},{"text":"جر. (ما): مصدرية. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهَلْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (هل): حرف استفهام بمعنى النفي. ﴿نُجازِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْكَفُورَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، ومثله قراءة «(نجزي إلا الكفور)»، وأما قراءة «(يجازى)» أو «(يجزى)» فهو مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و«(الكفور)» نائب فاعله، وعلى قراءة: «(يجزي إلا الكفور)» فالفاعل يعود إلى: (الله) و(الكفور) مفعول به، والجملة على جميع القراءات لا محل لها، سواء عطفتها، أو استأنفتها.\n\n<span id=\"aya-3624\"></span>﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها:﴾ المراد بها قرى بلاد الشام وأرضها، والبركة حصلت فيها من كثرة الأنبياء؛ الذين بعثوا فيها، فانتشرت في العالمين شرائعهم، التي هي مبدأ الكمالات، والخيرات الدينية، والدنيوية. وقيل: مباركة لكثرة خصبها، وثمارها، وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء. والبركة: ثبوت الخير، ومنه: برك البعير: إذا لزم مكانه، فلم يبرح. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وهناك أحاديث كثيرة في فضل بلاد الشام، والترغيب في سكناها موجودة في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري-رحمه الله تعالى-.\n ﴿قُرىً ظاهِرَةً﴾ أي: متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها، قيل: كان متجرهم من اليمن إلى الشام، فكانوا يبيتون بقرية، ويقيلون بأخرى، وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد وماء من اليمن إلى الشام. وقيل: كانت القرى أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام.\n ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي: جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سيرا مقدرا من منزل إلى منزل، فكان سيرهم في الغدو، والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه، وأشجار. ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّامًا آمِنِينَ﴾ أي: وقلنا لهم:\nسيروا... إلخ: أي لا تخافون جوعا ولا عطشا، ولا عدوا، فبطروا النعمة، وسئموا الراحة، وطغوا، ولم يشكروا على العافية، فقالوا: لو كانت حياتنا أبعد مما هي لكان أجدر أن نشتهيها، وطلبوا الكد، والتعب في الأسفار، وهو ما في الآية التالية.","vol":"7","page":581},{"text":"هذا؛ وقال الجمل: مجموع ما في الآية والتي بعدها معطوف على مجموع ما قبله عطف قصة على قصة، فذكر أولا ما أنعم به عليهم من الجنتين، ثم تبديلهما بما مر، ثم ذكر هنا ما كان أنعم به عليهم أيضا قبل هلاكهم بالسيل من جعل بلادهم متواصلة، ثم عاقبهم بجعلها متفاصلة. انتهى. نقلا من الشهاب. هذا؛ وانظر شرح (بين) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان) وشرح القرية في الآية رقم [٥٦] من سورة (النمل).\nالإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعله. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. وقيل: متعلق بمحذوف مفعول به ثان ل: (جعلنا) وهو ضعيف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، و(بين) مضاف، و﴿الْقُرَى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿الْقُرَى﴾. ﴿بارَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْقُرَى:﴾ مفعول به ل: (جعلنا) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها.\n ﴿ظاهِرَةً:﴾ صفة: ﴿الْقُرَى،﴾ وجملة: (جعلنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها. ﴿سِيرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَيالِيَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿وَأَيّامًا:﴾ معطوف عليه. ﴿آمِنِينَ:﴾ حال منصوب... إلخ، وجملة: ﴿سِيرُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير:\nوقلنا لهم: سيروا... إلخ، وهذه معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3625\"></span>﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا:﴾ أشروا النعمة، وملوا العافية، كبني إسرائيل، فطلبوا الكد، والتعب، كما طلب بنو إسرائيل الثوم، والبصل مكان المن، والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناننا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز، ليركبوا الرواحل فيها، ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة. هذا؛ ويقرأ الفعل: ﴿باعِدْ﴾ بقراءات كثيرة. ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بكفرهم، وبطرهم، وطغيانهم.\n ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ أي: عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم، وشأنهم تعجبا من أحوالهم، ويقولون: ذهبوا أيدي سبأ، انظر الآية رقم [١٦]. ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: لمّا لحقهم ما","vol":"7","page":582},{"text":"لحقهم من الوبال؛ تفرقوا، وتمزقوا. قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخزاعة بتهامة. انتهى. وكان الذي قدم المدينة عمرو بن عامر، وهو جد الأوس والخزرج، ولحق آل خزيمة بالعراق. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر من قصة سيل العرم.\n ﴿لَآياتٍ﴾ أي: لعبر، ودلالات، وعظات. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ:﴾ عن المعاصي. فهو صيغة مبالغة.\n ﴿شَكُورٍ:﴾ لله على نعمه، فالمؤمن صابر على البلاء، شاكر للنعماء؛ لأن الإيمان نصفان: نصفه صبر، ونصفه شكر، والمؤمن إذا ابتلي؛ صبر، وإذا أعطي؛ شكر. هذا؛ وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم)، و﴿أَحادِيثَ﴾ مفرده: حديث، انظر ما ذكرته في شرح (الباطل) في الآية رقم [٥٢] من سورة (العنكبوت). فهو مثله.\nالإعراب: ﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قالوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿باعِدْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت».\n ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَسْفارِنا﴾ مضاف إليه. و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملتان ﴿رَبَّنا باعِدْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة:\n ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَظَلَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ظلموا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿فَجَعَلْناهُمْ:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (جعلناهم): ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿أَحادِيثَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَمَزَّقْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿كُلَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿مُمَزَّقٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مُمَزَّقٍ﴾ اسم مكان، فيكون: ﴿كُلَّ﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِكُلِّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة (آيات)، و(كل) مضاف، و﴿صَبّارٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَكُورٍ:﴾ صفة ثانية لموصوف محذوف، والصفة الأولى ﴿صَبّارٍ﴾ إذ التقدير: لكل شخص، أو لكل إنسان صبار شكور، وهو يشمل الذكر، والأنثى بإذن الله تعالى. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [٣١] من سورة (لقمان) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"7","page":583},{"text":"<span id=\"aya-3626\"></span>﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ:﴾ فيه أربع قراءات بتخفيف الدال، ورفع ﴿إِبْلِيسُ،﴾ ونصب ﴿ظَنَّهُ،﴾ وقرئ كذلك مع تشديد الدال، وقرئ بتخفيف الدال، ونصب ﴿إِبْلِيسُ،﴾ ورفع «(ظنّه)»، وقرئ بتخفيف الدال ورفع: ﴿إِبْلِيسُ﴾ و«(ظنّه)»، على أن يكون: «(ظنّه)» بدلا من ﴿إِبْلِيسُ﴾ بدل الاشتمال. ثم قيل: إن هذا في أهل سبأ خاصة؛ أي: كفروا، وغيروا، وبدلوا بعد أن كانوا مسلمين، إلا قوما منهم آمنوا برسلهم. وقيل: هذا عام في بني آدم قاطبة؛ أي: صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله تعالى، وذلك ما نطق به اللعين حين أبى أن يسجد لآدم، حيث قال: ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٦] من سورة (الأعراف) وما بعدها، وقال: ﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٩] من سورة (الحجر) وما بعدها. وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الآية رقم [٨٢] من سورة (ص) والآية التي بعدها. وقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا..﴾. إلخ الآية رقم [١١٨] من سورة (النساء).\nوقيل: إنه ظن ذلك عند إخبار الله تعالى الملائكة: أنه يجعل فيها من يفسد، ويسفك الدماء، أو سمع من الملائكة ذلك، حيث قالوا ذلك حينما أخبرهم ربهم بقوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. ﴿إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهؤلاء هم المؤمنون الذين لم يتبعوه، أو المعنى: إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون، وهذا يعني: أن المراد بعض المؤمنين؛ لأن كثيرا من المؤمنين من يذنب، وينقاد لإبليس في بعض المعاصي.\nهذا؛ و﴿إِبْلِيسُ:﴾ اسم مأخوذ من: أبلس، يبلس؛ إبلاسا، بمعنى: سكت غما، وأيس من رحمة الله، وخاب، وخسر. وهو من الملائكة؛ كذا قال علي، وابن عباس، وابن مسعود -﵃ أجمعين-. ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ،﴾ وقال تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ،﴾ وقال:\n ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ أي صار من المغرقين. وقيل: الاستثناء منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة؛ بل كان من الجن بالنص، وهو قول الحسن وقتادة، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأنه أبى وعصى، واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يستكبرون عن عبادته، ولأنه قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولا نسل للملائكة. وعن الجاحظ: إن الجن، والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم؛ فهو ملك، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، ومن كان بين بين؛ فهو جني. انتهى. وقول الجاحظ مردود بما قاله الحسن، وقتادة، -﵄-.","vol":"7","page":584},{"text":"هذا؛ وقال ابن كثير وغيره: لما ذكر الله قصة سبأ، وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى، والشيطان؛ أخبر عنهم، وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس، والهوى، وخالف الرشاد، والهدى، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٠] فعلى قراءة التشديد ف: ﴿إِبْلِيسُ﴾ فاعل ﴿صَدَّقَ،﴾ و﴿ظَنَّهُ﴾ مفعول به، وعلى قراءة التخفيف ف: ﴿ظَنَّهُ﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: صدق إبليس في ظنه، وعلى قراءتهما بالرفع ف ﴿إِبْلِيسُ﴾ فاعل، و: (ظنّه) بدل اشتمال منه. ﴿فَاتَّبَعُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿فَرِيقًا:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿فَرِيقًا﴾.\n\n<span id=\"aya-3627\"></span>﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الذين اتبعوه. ﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: من قوة، وتسلط، وحجة، وبرهان، وإنما كان له الوسوسة، والتزيين. قال الحسن-رحمه الله تعالى-:\nإنه لم يسلّ عليهم سيفا، ولا ضربهم بسوط، وإنما وعدهم، ومنّاهم، فاغتروا. انتهى. وهو صريح قول اللعين لأتباعه يوم القيامة ما أخبرنا به الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر شرح ﴿سُلْطانٍ﴾ في الآية رقم [٣٥] من سورة (الروم).\n ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لنرى، ونميز المؤمن من الكافر، والمراد: علم الوقوع، والظهور؛ لأن كل شيء معلوم عند الله تعالى، فهو عالم الغيب، والشهادة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾.\n ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ﴾ أي: يشك بيوم القيامة، وما فيه من الحساب، والجزاء، والجنة، والنار.\n ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ:﴾ رقيب، وحافظ لأعمال العباد صغيرها، وكبيرها، سرها، وعلانيتها.\n ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقيل: المعنى: ومع حفظه ضل من ضل من أتباع إبليس، وبحفظه، وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال","vol":"7","page":585},{"text":"من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ:﴾ اسم كان مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿كانَ﴾ زائدة، فتكون الجملة اسمية، والجملة سواء أكانت فعلية، أو اسمية معطوفة على جواب القسم، أو مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿لِنَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، يدل عليه الكلام السابق، التقدير: إنما سلطناه عليهم؛ ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة، والحساب، والجزاء فيحسن عبادة ربه في الدنيا ممن هو منها في شك. أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب على الاستثناء؛ إذ المعنى: وما كان له عليهم من سلطان إلا امتحانا للناس، وابتلاء؛ لنعلم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر يعود إلى: ﴿مِنْ،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (نعلم).\n ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَكٍّ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿فِي شَكٍّ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في: ﴿مِنْها﴾ أي: من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ صلة ﴿مِنْ،﴾ لا محل لها، والعائد: الضمير.\nهذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار ﴿مِنْ﴾ اسم استفهام، وجملة: ﴿يُؤْمِنُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره. وعليه فالجملة الاسمية في محل نصب مفعول به للفعل (نعلم) الذي علق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وهو غير مسلم له. ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ربك): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى كُلِّ:﴾\nمتعلقان بحفيظ بعدهما. و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿حَفِيظٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3628\"></span>﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلِ﴾ أي: قل يا محمد للمشركين. ﴿اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: ادعوا الذين ادعيتم: أنهم آلهة ليكشفوا عنكم ضرا، أو ليجلبوا لكم نفعا؛ لعلهم يستجيبون لكم؛ إن","vol":"7","page":586},{"text":"صحت دعواكم: أنهم آلهة من دون الله. ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ:﴾ من خير، أو شر، أو نفع، أو ضر، وانظر الآية رقم [٣]. ﴿فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في أمر ما... وذكرهما للعموم العرفي؛ لأنهما يشملان ما في الدنيا، أو لأن آلهتهم بعضها سماوية، كالملائكة، والكواكب. وبعضها أرضية، كالأصنام. أو لأن الأسباب القريبة للخير، والشر، سماوية، وأرضية. انتهى. بيضاوي. ﴿وَما لَهُمْ﴾ أي: للأصنام، وغيرها من المعبودات الباطلة. ﴿فِيهِما:﴾\nفي السموات، والأرض. ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: من شركة لهم مع الله، لا خلقا، ولا ملكا، ولا تدبيرا؛ بل هو المنفرد بالإيجاد، والتدبير، والإحياء، والإماتة، فهو الذي يستحق العبادة، وهو الجدير بالتقديس، والتعظيم. ﴿وَما لَهُ﴾ أي: لله. ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من المعبودات الباطلة.\n ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: معين يعينه على تدبير أمر السموات، والأرض، وتدبير شئون الخلق.\nهذا؛ وإنما جمع الأصنام، والمعبودات الباطلة جمع المذكر السالم؛ لأن الكفار كانوا يخاطبونها مخاطبة العقلاء، فنزلت منزلتهم في الكلام. وهذا كثير في القرآن الكريم، وقد ذكرته في محاله كثيرا. والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا عاملوه معاملته، وأنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل.\nالإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت». ﴿اُدْعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، لاتصاله بواو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿زَعَمْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون؛ والتاء فاعله، ومفعولاه محذوفان: حذف الأول لطول الموصول بصلته، والثاني لقيام صفته مقامه، التقدير: زعمتموهم آلهة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: «آلهة» الذي رأيت تقديره، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿اُدْعُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِثْقالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿ذَرَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿ذَرَّةٍ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها حالا، وهو ضعيف. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ما): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿شِرْكٍ﴾. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر","vol":"7","page":587},{"text":"صلة. ﴿شِرْكٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها أيضا، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3629\"></span>﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لعظمته، وجلاله، وكبريائه، لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء؛ إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال ﷿:\n ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ،﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى،﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.\nولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺوهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله تعالى-أنه حين يقوم المقام المحمود؛ ليشفع في الخلق كلهم، قال: «فأسجد لله تعالى، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن، ثمّ يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفّع...». الحديث بتمامه موجود في كتاب:\n «الترغيب والترهيب».\n ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة، وهو: أنه تعالى إذا تكلم بالوحي، فسمع أهل السموات كلامه؛ أرعدوا؛ حتى يلحقهم مثل الغشي، قال ابن مسعود﵁- ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: زال الفزع عنها. وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة﵃في قوله ﷿: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ..﴾. إلخ يقول: خلّي عن قلوبهم الفزع، فإذا كان كذلك؛ سأل بعضهم بعضا: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم؛ حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ أي: أخبروا بما قال من غير زيادة، ولا نقصان ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nوقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: المشركين عند الاحتضار، ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا، قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم: الحق، وأخبروا بما كانوا عنه لاهين في الدنيا. قال مجاهد: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ:﴾ كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال الحسن: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما","vol":"7","page":588},{"text":"فيها من الشك، والتكذيب. وقال ابن أسلم: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما فيها من الشك. قال: فزع الشيطان عن قلوبهم، وفارقهم، وأمانيهم، وما كان يضلهم. هذا؛ و(فزع عنه) بالبناء للمعلوم، وبالتشديد: أذهب عنه الفزع، و(الفزع) بفتحتين: الذعر، والمخافة، والإغاثة.\nوفي كتاب اللغة: وفزع عن قلبه: كشف عنه الفزع، فالتضعيف هنا للسلب، كما قال: قردت البعير؛ أي: أزلت عنه قراده.\n ﴿قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: وهذا في بني آدم-هذا عند الموت- أقروا حين لا ينفعهم الإقرار. وقد اختار ابن جرير القول الأول: أن الضمير عائد على الملائكة، وهذا هو الحق، الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه، والآثار.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه: عن سفيان، عن أبي هريرة -﵁-: أن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء؛ ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا﴾ للذي قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض-ووصف سفيان بكفّه، فحرفها، ونشر بين أصابعه-فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر، أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا، وكذا: كذا، وكذا، فيصدّق بتلك الكلمة التي سمع من السماء». أخرجه البخاريّ، ورواه أبو داود، والترمذي. وعن النواس بن سمعان﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله ﵎ أن يوحي بأمره؛ تكلّم بالوحي، فإذا تكلّم؛ أخذت السموات منه رجفة، -أو قال: رعدة-شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات؛ صعقوا، وخرّوا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵊، فيكلّمه من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل-عليه الصلاة، والسّلام-على الملائكة، كلما مرّ بسماء يسأله ملائكتها: ماذا قال ربّنا يا جبريل! فيقول: قال الحقّ، وهو العلي الكبير. فيقولون كلّهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء، والأرض». أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن خزيمة عن النواس بن سمعان مرفوعا. انتهى. مختصر ابن كثير. ومثله في القرطبي، وزاد القرطبي ما يلي:\nوذكر البيهقي عن ابن عباس﵄في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: كان لكل قبيلة من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي؛ سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصّفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم؛ قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير، ثم يقول: يكون العام كذا، ويكون كذا، فتسمعه الجنّ، فيخبرون به الكهنة، والكهنة الناس، يقولون: يكون العام كذا","vol":"7","page":589},{"text":"وكذا، فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمدا ﷺ دحروا بالشهب، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كلّ يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كلّ يوم بقرة، وصاحب الغنم ينحر كلّ يوم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم، فقالت ثقيف، وكانت أعقل العرب: أيها الناس! أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وإن هذا ليس بانتثار، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس، والقمر، والليل، والنهار؟ قال فقال إبليس: لقد حدث اليوم في الأرض حدث، فائتوني من تربة كل أرض، فأتوه بها، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة؛ قال: من هاهنا جاء الحدث، فنصتوا، فإذا رسول الله ﷺ قد بعث. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَنْفَعُ:﴾ مضارع. ﴿الشَّفاعَةُ:﴾\nفاعله، ومفعوله محذوف لفهمه من المقام. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿(لا تَنْفَعُ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَنْفَعُ،﴾ أو ب: ﴿الشَّفاعَةُ﴾ قاله أبو البقاء. قال السمين: وفيه نظر؛ لأنه يلزم عليه أحد أمرين: إمّا زيادة اللام في المفعول في غير موضعها، وإما حذف مفعول ﴿تَنْفَعُ،﴾ وكلاهما خلاف الأصل. والوجه الثالث الذي اعتمده: أنه استثناء مفرغ من مفعول الشفاعة المقدر؛ أي: لا تنفع الشفاعة لأحد إلا لمن أذن له. انتهى. جمل. ﴿أَذِنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول، فيكون الجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفة لها، إن اعتبرتها نكرة موصوفة. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿فُزِّعَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. و(ذا) صلة، لا محل لها، ودليل ذلك نصب ﴿الْحَقَّ﴾ ب: ﴿قالُوا؛﴾ لأنه جواب للسؤال، وكذلك يجب أن يكون السؤال. هذا؛ وعلى قراءة: «(الحقّ)» بالرفع. ف: (ما): اسم استفهام مبتدأ؛ و(ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول ب: ﴿قالُوا،﴾ وجملة: ﴿قالَ رَبُّكُمْ﴾ صلة:\n (ذا)، لا محل لها، والعائد محذوف، وتقدير الكلام: قالوا: ما الذي قاله ربكم؟ وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: قال الحق. وهذه الجملة في محل نصب","vol":"7","page":590},{"text":"مقول القول، وعلى قراءته بالرفع فهو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: قالوا: مقوله الحق.\nوالجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\nهذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿حَتّى﴾ في مثل هذه الآية جارة ل: ﴿إِذا﴾. ورده ابن هشام في المغني. وفحوى كلام الزمخشري يؤيد الأخفش هنا، فإنه قال: فإن قلت: بأي شيء اتصل قوله: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ؟﴾ وأي شيء وقعت ﴿حَتّى﴾ غاية له؟ قلت: بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظارا، وتوقفا، وتمهلا، وفزعا من الراجين للشفاعة، والشفعاء: هل يؤذن لهم، أو لا يؤذن لهم؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان، وطول من التربص. انتهى.\nجمل. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيُّ:﴾ خبر أول. ﴿الْكَبِيرُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3630\"></span>﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ أمره الله تعالى أن يسأل المشركين الذين يأكلون رزق الله، ويعبدون غيره؛ مع أنهم لا يملكون مثقال ذرة مما يقدر عليه الرب القادر القاهر؛ حيث قال: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ﴾ أي: من المطر، والشمس، والقمر، والنجوم، وما فيها من المنافع. و(الأرض) أي: الخارج من الأرض، كالماء والنبات. وهذا تقرير قوله تعالى:\n ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾.\n ﴿قُلِ اللهُ﴾ أي: فإن قالوا: لا ندري، أو إن لم يقولوا: إن رازقنا هو الله، فقل أنت: إن رازقكم هو الله؛ إذا لا جواب سواه. وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا، أو تلعثموا في الجواب مخافة الإلزام؛ فهم مقرّون به في قلوبهم.\n ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ معناه: ما نحن، وأنتم على أمر واحد؛ بل أحد الفريقين مهتد؛ والآخر ضال، وهذا ليس على طريق الشك؛ بل على جهة الإلزام والإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم: أنه صادق، وصاحبه كاذب، فالنبي ﷺ وأصحابه على الهدى بلا شك، ومن خالفه في ضلال مبين، فكذبهم بأحسن من التصريح بالتكذيب، فالمستعار هنا حرف. ويقال في إجرائها: شبّه مطلق ارتباط بين مهدي، وهدى بمطلق ارتباط بين مستعل، ومستعلى عليه، بجامع التمكن في كلّ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات، ثم استعيرت (على) من جزئي من جزئيات المشبه به لجزئي من جزئيات المشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (ن): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وخذ قول الشاعر أيضا: [السريع]","vol":"7","page":591},{"text":"لسنا وإن أحسابنا كرمت... يوما على الأحساب نتّكل\nو«أو» عند البصريين على بابها، وليست للشك؛ لكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين، وهو عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة، والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى، وأنتم في ضلال مبين. انظر شواهد: «أو» في كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nتنبيه: خولف بين حرفي الجر الداخلين على الهدى، والضلال؛ لأن صاحب الهدى متمكن منه، كأنه مستعل على فرس جواد، يركضه حيث شاء، والضال متخبط، كأنه ينغمس في ظلام لا يعرف أين توجه، ولا يهتدي إلى طريق السلامة. وفي الكلام استعارة تصريحية واضحة غير خافية. ومن هذه المشكاة قول حسان﵁يخاطب أبا سفيان قبل إسلامه: [الوافر] أتهجوه ولست له بكفء... فشرّكما لخيركما الفداء\nولذلك لما سمعه الناس؛ قالوا: هذا أنصف بيت قالته العرب.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَرْزُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ تقديره:\n «هو»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنَ السَّماواتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قُلْ:﴾\nفعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الله يرزقكم. أو التقدير: قل: الله الخالق الرازق للعباد. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة (قل الله يرزقكم). مستأنفة، لا محل لها، وهي في المعنى والتقدير في محل جزم جواب الشرط، انظر الشرح. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا):\nاسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿إِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على اسم (إنّ). ﴿لَعَلى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (على هدى): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِيّاكُمْ،﴾ وخبر الأول محذوف لدلالة الثاني عليه، وهذا اختيار المبرد، وسيبويه يرى: أن ﴿لَعَلى هُدىً﴾ خبر للأول، وخبر الثاني محذوف، لدلالة الأول عليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ﴾.\nقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: والكلام على المعنى غير الإعراب؛ لأن المعنى: إنا على هدى من غير شك، وأنتم على ضلال من غير شك، ولكن خلطه في اللفظ على عادتهم في نظائره، كقولهم: أخزى الله الكاذب مني، ومنك!","vol":"7","page":592},{"text":"تنبيه: من حذف الأول لدلالة الثاني عليه قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٨٥٧] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب»: [الطويل] خليليّ، هل طبّ فإنّي وأنتما... وإن لم تبوحا بالهوى-دنفان\nومن حذف الثاني لدلالة الأول عليه قول ضابئ بن الحارث البرجمي، وهو الشاهد رقم [٨٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي وقيّار بها لغريب\n\n<span id=\"aya-3631\"></span>﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا﴾ أي: اكتسبنا من الذنوب، والآثام، ولا تؤاخذون به. (لا تسئل عما تعملون) أي: ولا نؤاخذ، ولا نسأل عن عملكم. ومعنى الآية الكريمة:\nالتبري من المشركين، وقطع وشائج القربى، والصلة معهم. فصار المعنى: لستم منا، ولا نحن منكم؛ بل ندعوكم إلى الله تعالى، وإلى توحيده، وإفراد العبادة له، فإن أجبتم؛ فأنتم منا، ونحن منكم، وإن كذبتم؛ فنحن براء منكم، وأنتم براء منا، كما قال تعالى في الآية رقم [٤١] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ففي الآيتين مهادنة، ومتاركة، وهما منسوختان بآية السيف. والخطاب بقوله: ﴿قُلْ﴾ للنبي ﷺ.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُسْئَلُونَ:﴾\nفعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: لا تسألون عن الذي، أو: عن شيء أجرمناه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: لا تسألون عن إجرامنا، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وما بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n<span id=\"aya-3632\"></span>﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ أي: يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ﴾ أي: يحكم","vol":"7","page":593},{"text":"بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ، وستعلمون يومئذ لمن العزة، والنصرة والسعادة الأبدية. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ الآية رقم [١٤] من سورة (الروم) انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ:﴾ الحاكم العادل، الفيصل في القضايا المنغلقة بأن يدخل أهل الحق الجنة، وأهل الباطل، والظلم، والطغيان النار. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بحقائق الأمور، وخفاياها، وهذه الآية كسابقتها منسوخة بآية السيف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف. انظر الشرح. ﴿يَجْمَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿يَفْتَحُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّنا﴾. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. ﴿وَهُوَ:﴾\nالواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفَتّاحُ:﴾ خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان. والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَفْتَحُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nتنبيه: يقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع. ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. هذا؛ وقال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه، وأصدقاءه، وهذا مبني على قاعدة: «يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، هذا هو الأكثر والمستعمل». وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، قال تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾. انظرها برقم [٦٠] من سورة (طه) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، حيث تجدها مؤولة. وقال تعالى في سورة (يونس) حكاية عن قول نوح على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى يونس، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ وهي مؤولة، فإن التقدير:\nفأجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم.\nتنبيه: قال ابن عباس﵄-: ما كنت أدري ما معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك. تعني: أقاضيك، وهذا قول قتادة، والسدي وابن جريج، وجمهور المفسرين: أن الفاتح هو القاضي، والحاكم، سمي بذلك؛ لأنه يفتح أغلاق الإشكال بين الخصوم، ويفصلها.","vol":"7","page":594},{"text":"<span id=\"aya-3633\"></span>﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ أي:\nعرفوني، واشرحوا لي هذه الأصنام، والأوثان؛ التي جعلتموها آلهة مع الله: هل شاركت في خلق شيء في هذا الكون، فبينوا ما هو؟ وبأي سبب ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة؟ وهو استفسار عن شبههم بعد إلزام الحجة عليهم، زيادة في تبكيتهم. ﴿كَلاّ:﴾ ردع لهم عن المشاركة بعد إبطال المقايسة. والمعنى: ليس له نظير، ولا شريك، ولا نديد، فارتدعوا عن ما تدعون، وارجعوا عن غيكم، وضلالكم. ﴿بَلْ هُوَ اللهُ﴾ أي: المنفرد بالإيجاد، والإعدام، والإحياء، والإماتة... إلخ.\n ﴿الْعَزِيزُ:﴾ القوي، القادر، القاهر، الغالب على أمره. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في صنعه، وتدبير شئون خلقه، فلا شريك له في خلقه، تبارك، وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. هذا؛ ومعنى قوله:\n ﴿أَرُونِيَ﴾ وكان يراهم، أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يطلعهم على حالة الإشراك به. هذا؛ وأطلق على الأصنام اسم الشركاء لأحد أمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس. وثانيهما: أنهم كانوا يشركونها في الأموال، والأنعام، والزروع. انظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها.\nأما القول في ﴿كَلاّ،﴾ فإني أنقله لك بحروفه من مغني اللبيب لابن هشام، طيب الله ثراه؛ لتكون على بصيرة من أمرك. قال-رحمه الله تعالى-: وهي عند سيبويه، والخليل، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الردع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت: ﴿كَلاّ﴾ في سورة؛ فاحكم بأنها مكية؛ لأن فيها معنى التهديد، والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتو كان بها. وفيه نظر؛ لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها، لا عن غلبته؛ ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتو سابق، ثم لا يظهر معنى الزجر في ﴿كَلاّ﴾ المسبوقة بنحو قوله تعالى:\n ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ وقوله جل ذكره:\n ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾.\nوقولهم: المعنى: انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن تعسّف؛ إذ لم يتقدم في الأوليين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين ﴿كَلاّ،﴾ وذكر العجلة، وأيضا فإن أول ما نزل خمس آيات من سورة (العلق)، ثم نزل قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى،﴾ فجاءت في افتتاح الكلام، والوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا، كلها في النصف الأخير، «وذلك في خمس عشرة سورة منه، وكلها مكية».","vol":"7","page":595},{"text":"ويرى الكسائي، وأبو حاتم، ومن وافقهما: أن معنى الردع، والزجر ليس مستمرا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيا، يصح أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها للكسائي ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى: حقّا. والثاني لأبي حاتم، ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى: «ألا» الاستفتاحية. والثالث للنضر بن شميل، والفراء ومن وافقهما، قالوا:\nتكون حرف جواب بمنزلة: إي، ونعم، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ فقالوا: معناه:\nإي والقمر.\nوقول أبي حاتم عندي أولى من قولهما؛ لأنه أكثر اطرادا، فإن قول النضر لا يتأتى في آيتي: (المؤمنون) و(الشعراء) على ما سيأتي، وقول الكسائي لا يتأتّى في نحو قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ،﴾ وقوله: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ،﴾ لأن «إنّ» تكسر بعد ألا الاستفتاحية، ولا تكسر بعد: حقّا، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم. وأما قول مكي: إن ﴿كَلاّ﴾ على رأي الكسائي اسم؛ إذا كانت بمعنى: حقّا؛ فبعيد؛ لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية والحرفية قليل، ومخالف للأصل، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها، وإلاّ فلم لا نوّنت؟.\nوإذا صلح الموضع للردع، ولغيره جاز الوقف عليها، والابتداء بها على اختلاف التقديرين.\nوالأرجح حملها على الردع؛ لأنه الغالب فيها، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ..﴾. إلخ.\nوقد تتعين للردع، أو الاستفتاح، نحو قوله جل شأنه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ﴾ إلخ؛ لأنها لو كانت بمعنى: حقا؛ لما كسرت همزة (إنّ)، ولو كانت بمعنى: نعم لكانت للوعد بالرجوع؛ لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فتقول: نعم، ونحو قوله جل ذكره: ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وذلك لكسر (إنّ) ولأن نعم بعد الخبر للتصديق، وقد يمتنع كونها للزجر، نحو قوله تعالى: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ إذ ليس قبلها ما يصح رده. وقول الطبري، وجماعة: إنه لما نزل في عدد خزنة جهنم قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال بعضهم: اكفوني اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر، فنزل: ﴿كَلاّ﴾ زاجرا له تعسف؛ لأن الآية لم تتضمن ذلك انتهى.\nأقول: ويتلخص من هذا: أن الأكثر في ﴿كَلاّ﴾ أن تكون حرف ردع، وزجر، وذلك إذا سبقها كلام يستدعي ذلك، ولا ردع في سورة (الانفطار)، ولا في سورة (العلق)، ولا في سورة (المطففين) وما جرى مجراهن، وإنما هي للتنبيه، والاستفتاح، وكم هو واضح! وتكون حرف جواب بمعنى: إي، كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ ولا تكون بمعنى: حقّا، كما بينه ابن","vol":"7","page":596},{"text":"هشام لعدم فتح همزة (إنّ) بعدها. ونقل الجمل عن السمين للنحويين فيها ستة مذاهب، والمعتمد ما لخصته لك، والوارد منها في القرآن الكريم ثلاثة وثلاثون موضعا، كلها في النصف الأخير، قال الديربي في تفسيره المنظوم: [الطويل] وما نزلت كلاّ بيثرب فاعلمن... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف. ﴿أَرُونِيَ:﴾\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به ثان. ﴿أَلْحَقْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين ألحقتموهم به. ﴿شُرَكاءَ:﴾ مفعول به ثالث، أو حال من الضمير المحذوف، العائد على: ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\nوجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر، لا محل له. ﴿بَلْ:﴾\nحرف إضراب. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ ثان.\n ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3634\"></span>﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، يقول الله تعالى:\nأرسلناك إلى جميع الخلائق من المكلفين، كقوله تعالى لنبيه ﷺ في الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأعراف): ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ قال محمد بن كعب القرظي:\nيعني إلى الناس عامة. وقال قتادة: أرسل الله محمدا ﷺ إلى العرب، والعجم، فأكرمهم على الله ﵎، أطواعهم لله ﷿. وقال ابن أبي حاتم عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس -﵄يقول: إن الله فضل محمدا ﷺ على أهل السماء، وعلى الأنبياء. قالوا: يا بن عباس! فبم فضله على الأنبياء؟ قال﵁-: إن الله تعالى قال: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال للنبي ﷺ: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ فأرسله الله تعالى إلى الجن، والإنس. وهذا كما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة؛ فليصلّ. وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى","vol":"7","page":597},{"text":"قومه خاصّة، وبعثت إلى الناس عامّة». وفي الصحيح أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت إلى الأحمر، والأسود». قال مجاهد: يعني: الجن، والإنس. وقال غيره: يعني العرب، والعجم.\nوالكل صحيح. ﴿بَشِيرًا﴾ أي: لمن آمن بالجنة. ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: لمن كذب، وكفر بالنار. هذا؛ وبين ﴿بَشِيرًا﴾ و(نذيرا) طباق، وهو من المحسنات البديعية. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾\nانظر الآية رقم [٦] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n (الناس): اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل قوم ورهط... إلخ، واحده: إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله:\nالأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى:\n ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ الآية رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كَافَّةً:﴾ حال من الكاف، قال أبو البقاء: والهاء زائدة للمبالغة. ﴿لِلنّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَافَّةً﴾ أي: وما أرسلناك إلا كافا للناس عن الكفر، والمعاصي. وقيل: هو حال من الناس إلا أنه ضعيف عند الأكثرين؛ لأن صاحب الحال مجرور. ويضعف هنا من وجه آخر، وذلك: أن اللام على هذا تكون بمعنى: إلى؛ إذ المعنى:\nأرسلناك إلى الناس، ويجوز أن يكون التقدير: من أجل الناس. انتهى.، واعتبره الزمخشري في الكشاف صفة لمصدر محذوف، التقدير: إلا إرسالة كافة. وقد رده ابن هشام في المغني أقبح رد. هذا؛ وذكر الجمل الأقوال الثلاثة. ﴿بَشِيرًا:﴾ حال من الكاف. ﴿وَنَذِيرًا:﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية: ﴿أَرْسَلْناكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، و﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3635\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا..﴾. إلخ: يقول الكافرون بطريق الاستهزاء، والسخرية: متى هذا الوعد؟! يعنون به المبشر به، والمنذر عنه، أو الموعود بقوله تعالى: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ﴾","vol":"7","page":598},{"text":"﴿يَفْتَحُ بَيْنَنا..﴾. إلخ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ في ما تبشرون، وفي ما تنذرون. يريدون بذلك النبي ﷺ والمؤمنين، وينبغي أن تعلم: أن هذه الآية تكررت بحروفها في كثير من السور، وفيها تسلية للنبي ﷺ أينما كانت.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة (ما) قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين؛ فمتى يتحقق صدقكم؟! والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3636\"></span>﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الطالبين تعجيل العذاب. ﴿لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ..﴾. إلخ: أي: لكم ميعاد مؤجل، لا يزيد، ولا ينقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة، ولا يقدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ أي: ولا يمكنكم التأخر عنه بالاستمهال، ولا التقدم إليه بالاستعجال. ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم: أنهم سألوا عن ذلك؛ وهم منكرون له تعنتا، لا استرشادا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا للسؤال على الإنكار، والتعنت، وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخرا عنه، ولا تقدما عليه. انتهى. نسفي. هذا؛ وفي سورة (الأعراف) رقم [٣٤] ومثلها في (يونس) رقم [٤٩] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.\nهذا؛ وميعاد أصله: «موعاد» قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، وانظر شرح (الساعة) في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم) ولا تنس المقابلة، والطباق بين. ﴿تَسْتَأْخِرُونَ﴾ و﴿تَسْتَقْدِمُونَ،﴾ وهو من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف، انظر الشرح.\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مِيعادُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر للمفعول فيه. هذا؛ وقرئ برفع «(يوم)» على أنه","vol":"7","page":599},{"text":"بدل مما قبله، وقرئ بنصبه منونا على أنه ظرف له، والجملة الاسمية: ﴿لَكُمْ مِيعادُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَسْتَأْخِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿مِيعادُ،﴾ أو هي في محل جر صفة ﴿يَوْمٍ﴾ وذلك على حسب عود الضمير. ﴿ساعَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3637\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أبو جهل الخبيث، ومن على شاكلته، قالوا للنبي ﷺ:\n ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ﴾ الذي ينزل عليك يا محمد. ﴿وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتاب السابقة:\nالتوراة، والإنجيل، والزبور؛ بل نكفر بالجميع. وقيل: المراد بالذي بين يديه: يوم القيامة، وما يذكر فيه من الحساب، والجزاء. والمعتمد الأول، وليس للقرآن يدان، وإنما هو استعارة لما سبقه من الكتاب السماوية المنزلة من عند الله.\nوسبب ذلك: أن أهل الكتاب قالوا للمشركين: إن صفة محمد في كتبنا كذا، وكذا، فاسألوه! فلما سألوه أجاب بما قال أهل الكتاب موافقا لهم، فقال المشركون عندئذ: لا نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه، وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب، ويستشيرونهم في أمر النبي ﷺ، ويحتجون بقولهم، فظهر بذلك تناقضهم، وسفه عقولهم.\n ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ:﴾ محبوسون في موقف الحساب. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ ينتظرون أمره تعالى فيهم، وهم ذليلون وجلون، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء. والخطاب للنبي ﷺ، ولكل من يتأتّى منه الرؤية. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ:﴾ يتراجعون الكلام فيما بينهم، ويلوم بعضهم بعضا. ويوبخ بعضهم بعضا على ما اقترفوه من كفر، وهذا بعد أن كانوا في الدنيا متعاونين متناصرين. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: الذين كانوا فقراء مستضعفين، والذين تبعوا الرؤساء، وانقادوا لهم في الكفر، ومعاندة الحق، وهذا يكون في الآخرة حينما يعاينون العذاب، وغضب الواحد الجبار. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ وهم القادة والرؤساء. ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لولا أنتم تصدونا عن الإيمان؛ لكنا اتبعنا الرسول، وآمنا بما جاءنا به، ولكنكم أغويتمونا وأضللتمونا.","vol":"7","page":600},{"text":"الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نُؤْمِنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. ﴿بِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور معطوفان على قوله:\n ﴿بِهذَا﴾ واسم الإشارة، والاسم الموصول كلاهما مبنيان على السكون في محل جر بحرف الجر. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء، نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى لفظا، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره:\n «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير: ولو ترى حال الظالمين وقت وقوفهم... إلخ. ﴿إِذِ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ:﴾ مبتدأ وخبر مرفوعان، وعلامة رفعهما الواو نيابة عن الضمة؛ لأنهما جمعا مذكر سالم، والنون فيهما عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَوْقُوفُونَ،﴾ و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:\n ﴿تَرى إِذِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب: (لو) محذوف، التقدير: لرأيت أمرا هائلا وفظيعا، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿يَرْجِعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿مَوْقُوفُونَ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿إِلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَرْجِعُ﴾. ﴿الْقَوْلَ:﴾ مفعول به ل: ﴿يَرْجِعُ﴾. ﴿يَقُولُ:﴾\nهذا الفعل بدل من: ﴿يَرْجِعُ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله. وقيل: الجملة مفسرة لجملة: ﴿يَرْجِعُ..﴾.\nإلخ. ﴿اُسْتُضْعِفُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَقُولُ،﴾ وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع متعلقه المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾\nحرف امتناع لوجود. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف وجوبا، التقدير: لولا أنتم صددتمونا عن الهدى. بدليل ما بعده. ﴿لَكُنّا:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْلا﴾. (كنا): فعل ماض ناقص،","vol":"7","page":601},{"text":"مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ جواب: ﴿لَوْلا﴾ لا محل لها، و﴿لَوْلا﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3638\"></span>﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن الإيمان، وهم الرؤساء، والعظماء، والأشراف.\n ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: الأتباع، الذين تبعوهم، وقلدوهم في الكفر. ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى﴾ أي: منعناكم من الإيمان واتباع الرسل؟! فالاستفهام إنكاري، توبيخي بمعنى النفي. ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ أي: الهدى والإيمان، وذلك بدعوة الرسل إليه، والترغيب فيه. ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أي:\nبل أنتم كفرتم باختياركم بسبب أنكم كنتم مجرمين راسخين في الإجرام.\nتنبيه: الآية الكريمة والتي بعدها تتحدثان عن ما يقع من المحاورة بين الرؤساء والأتباع، وبين الأشراف، والضعفاء يوم القيامة، والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه؛ لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان، ووجد؛ لتحققه، وهو كثير في القرآن الكريم، وهو فن بلاغي.\nتنبيه: المراد ب: ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ الكافرون، وكثيرا ما يعبر القرآن الكريم عن الكافرين بالظالمين والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعّدهم بالعقاب الشديد. وإننا نجد الكثير من المسلمين، يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، لا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\nهذا؛ وصد بمعنى: منع، وصرف، والمضارع: «يصد» بضم الصاد، ويأتي بمعنى: يعرض، ويميل، ومنه قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ويأتي المضارع بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، وهو بكسر الصاد كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ومصدر الأولين: صد، وصدود، ومصدر الأخير: صديد، وقد فك الإدغام هنا على القاعدة: «إذا اتصل بالمضعف ضمير رفع متحرك؛ فك الإدغام».\nأما ﴿كُنْتُمْ﴾ فأصله: «كونتم» فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «كانتم» فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار:\n «كنتم» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: ﴿كُنْتُمْ،﴾ وهناك","vol":"7","page":602},{"text":"إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: «كون» فلما اتصل بضمير رفع متحرك، نقل إلى باب:\nفعل، فصار: «كونت» ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: «كونت» فالتقى ساكنان:\nالعين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائها ساكنة مع النون، فصار: «كنت» وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قلت، وقمنا، وقمن... إلخ.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع متعلقه المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿قالَ﴾. ﴿اُسْتُضْعِفُوا:﴾\nفعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَحْنُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي.\n (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿صَدَدْناكُمْ:﴾ فعل ماض، و(نا):\nفاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿عَنِ الْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿صَدَدْناكُمْ﴾. وقيل: متعلق بمحذوف حال. و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و: ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وإنما وقعت ﴿إِذْ﴾ مضافا إليها، وإن كانت من الظروف الملازمة للظرفية؛ لأنه يتوسع في الزمان ما لا يتوسع في غيره، فأضيف إليه الزمان. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿إِذْ﴾ مصدرية بمعنى «أن»، وعليه فتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدَ﴾ إليه.\n ﴿جاءَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الْهُدى،﴾ تقديره: هو، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ.\nوجملة: ﴿كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول. هذا؛ ومجرمين صفة لموصوف محذوف، التقدير: بل كنتم قوما مجرمين، بدليل التصريح به في كثير من الآيات، وجملة: ﴿قالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3639\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ جاء بالعاطف هنا، ولم يأت به في الآية السابقة لأن الذين استضعفوا ذكر أول كلامهم في الآية رقم [٣١] فجيء بالجواب محذوف","vol":"7","page":603},{"text":"العاطف على طريق الاستئناف، ثم جيء في هذه الآية بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأول. هذا؛ ولا تنس المقابلة، والمطابقة بين ﴿اُسْتُضْعِفُوا﴾ و﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ في هذه الآية، وفي الآيتين السابقتين، وهي من المحسنات البديعية، التي تزيد الكلام حسنا، وجمالا، وروعة، وجلالا.\n ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ المكر أصله في لسان العرب: الاحتيال، والخديعة، وقد مكر به، يمكر فهو ماكر، ومكّار، قال الشاعر: [الطويل] قهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخديعة والمكر\nوقال زياد بن يسار: [الطويل] تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر\nوهذا هو الشاهد رقم [١٠٢١] من كتابنا فتح القريب المجيب. قال الأخفش: هو على تقدير: هذا مكر الليل، والنهار. قال النحاس: والمعنى: -والله أعلم-: بل مكركم في الليل، والنهار. قال قتادة: بل مكركم بالليل والنهار صدنا. فأضيف المكر إلى الليل، والنهار لوقوعه فيهما، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ فأضاف الأجل إلى نفسه، وهذا من قبيل قولك: ليله قائم ونهاره صائم، وقال المبرد مثله، وأنشد لجرير: [الطويل] لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى... ونمت وما ليل المطيّ بنائم\nونظيره قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ إذ المعنى: مبصرا فيه بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر؛ بل يبصر فيه. هذا؛ وقرئ: «(بل مكر الليل والنهار)» بالتنوين ونصب الظرفين، وقرئ: «(بل مكر الليل والنهار)» بنصب (مكر) ورفعه، وتشديد الراء، فهي قراءات ثلاث. وانظر الإعراب لإيضاح المعنى، وروي عن سعيد بن جبير﵄-: أنه قال:\nالمعنى مرّ الليل، والنهار عليهم، فغفلوا. وقيل: طول السلامة فيهما، كقوله تعالى: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾. ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا﴾ أي: أشباها، وأمثالا، قال محمد بن يزيد:\nفلان ند فلان؛ أي: مثله، ويقال: نديد، وأنشد: [الوافر] أيا من تجعلون إليّ ندّا... وما أنتم لذي حسب نديد\nوالمعنى: أن المستكبرين لما أنكروا بقولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى﴾ بأن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا ذلك بقولهم: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ:﴾ أن ذلك بكسبهم، واختيارهم؛ كرّ عليهم المستضعفون بقولهم: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا؛ بل من جهة مكركم لنا دائبا ليلا، ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك، واتخاذ الأنداد.","vol":"7","page":604},{"text":"﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ:﴾ أخفوها فيما بينهم، والمراد: الظالمون المحبوسون يوم القيامة، يندم المستكبرون على ضلالهم، وإضلالهم، ويندم المستضعفون على ضلالهم، واتباعهم المضلين.\nهذا؛ ويفسر (أسروا) بأظهروا الندامة، وجهروا بها، فهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء، والإبداء، قال امرؤ القيس: [الطويل] تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي\nوقيل: المعنى: تبينات الندامة في أسرار وجوههم. وقيل: الندامة لا تظهر، وإنما تكون في القلب، والذي يظهر ما يتولد عنها. هذا؛ والندم: ضرب من الغم، وهو أن تغتم على ما وقع منك، تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام؛ لأنه كلما تذكر المتندّم عليه، راجعه. من: الندام، وهو لزام الشريب، ودوام صحبته. ومن مقلوباته: أدمن الأمر:\nأدامه، ومدن بالمكان: أقام به. ومنه: المدينة. وقد تراهم يجعلون الهم صاحبا، ونجيا، وسميرا، وضجيعا، وموصوفا بأنه لا يفارق صاحبه انتهى. كشاف. ﴿لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ:﴾ لما عاينوا عذاب النار. هذا؛ وإعلال ﴿رَأَوُا﴾ مثل إعلال: ﴿دَعَوْا﴾ في الآية رقم [٣٣] من سورة (الروم). ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ:﴾ جمع: غلّ. يقال: في رقبته غل من حديد. ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله أن الغل كان يتخذ من جلد، وعليه شعر فيقمل. والغل، والغلة:\nحرارة العطش، وكل ذلك بضم الغين، وهو بكسرها بمعنى الحقد، ورحم الله من قال: [البسيط] يا طالب العيش في أمن وفي دعة... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق\nخلّص فؤادك من غلّ ومن حسد... الغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق\n ﴿فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وضعت الأغلال في أعناق الكافرين التابعين والمتبوعين، المستضعفين، والمستكبرين. وانظر شرح الكفر في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم). هذا؛ وإنما صرح ب: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكان مقتضى القياس أن يقول «في أعناقهم» تنويها بذمهم، وإشعارا بموجب إغلالهم. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يجزون إلا بأعمالهم، كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع عذاب بحسبهم. هذا؛ وقال التيمي: لو أن غلاّ من أغلال جهنم وضع على جبل؛ لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿مَكْرُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، وإضافة المكر إليه، وخبره محذوف، التقدير: بل مكركم سبب ذلك. أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: بل سبب ذلك مكركم. وقيل: هو فاعل بفعل محذوف: التقدير: بل صدنا مكركم بنا في الليل والنهار،","vol":"7","page":605},{"text":"وهذه الأقوال الثلاثة تجري في حالة رفع ﴿مَكْرُ،﴾ منونا، وغير منون، وعلى قراءة التنوين يكون ﴿اللَّيْلِ﴾ ظرفا متعلقا ب: ﴿مَكْرُ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلى قراءة: «(مكر)» بالنصب، فهو مفعول به لفعل محذوف، أو هو مفعول مطلق لهذا المحذوف، التقدير: تمكرون الإغواء مكر الليل، والنهار. وقيل: هو مصدر مضاف لمرفوعه، ولا وجه له، والجملة على جميع الاعتبارات في محل نصب مقول القول.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿مَكْرُ﴾ على اعتباره مصدرا ميميا. ﴿تَأْمُرُونَنا:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، و(نا):\nمفعوله الأول. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿نَكْفُرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض، على اعتبار الفعل يتعدى إلى الثاني بحرف الجر.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَنَجْعَلَ:﴾ معطوف على ما قبله، والفاعل تقديره: «نحن».\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿أَنْدادًا:﴾ مفعول به أول.\n ﴿وَأَسَرُّوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أسروا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿النَّدامَةَ:﴾ مفعول به. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿رَأَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، وحركت الواو بالضمة دون غيرها ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قولك: لو اجتهدت؛ لنجحت. وقيل: ضمت لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الواو المحذوفة. وقيل: غير ذلك. والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: (أسروا...) إلخ مستأنفة، أو في محل نصب حال من: ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ و: (الذين استكبروا) والرابط: الواو، والضمير، وعلى الاستئناف لا محل لها.\n ﴿وَجَعَلْنَا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿الْأَغْلالَ:﴾\nمفعول به. ﴿فِي أَعْناقِ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول ثان، أو بمحذوف حال من ﴿الْأَغْلالَ،﴾ و﴿أَعْناقِ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَجَعَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أسروا...) إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى النفي. ﴿يُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَمّا:﴾ تحتمل","vol":"7","page":606},{"text":"الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لا يجزون إلا جزاء الذي، أو: جزاء شيء كانوا يعملونه. وعلى اعتبار: ﴿لَمّا﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: لا يجزون إلا جزاء عملهم، ولا بد من تقدير مضاف محذوف. وفيه ضعف كما ترى. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال. وهو ضعيف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-3640\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ..﴾. إلخ: هذا شروع في تسلية النبي ﷺ وبيان له بأن الله تعالى لم يبعث رسولا في قرية؛ إلا كذبه أغنياؤها، وعظماؤها، واتبعه الفقراء، والمستضعفون؛ سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنته تحويلا، فقد حكى القرآن عن قوم نوح قولهم: ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ سورة (الأنعام) رقم [١٢٣].\n ﴿إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها:﴾ هم أولو النعمة، والثروة، والرئاسة. وقال قتادة: هم جبابرتهم، وقادتهم، ورؤساؤهم في الشر. وترف، يترف: تنعم، وترفعه في دنياه، وتمتّع بملاذها. قال تعالى في سورة (الواقعة) في حق أصحاب الشمال: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾. ﴿إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي: لا نؤمن به، ولا نتبعه. وقد افتخر المترفون بكثرة الأموال، والأولاد.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي قَرْيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَذِيرٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿مُتْرَفُوها:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، وساغ مجيء الحال من النكرة لتقدم النفي عليها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا):\nاسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ،﴾ و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أُرْسِلْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ)","vol":"7","page":607},{"text":"مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا بِما..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3641\"></span>﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾ أي: قال المترفون للرسل، ولأتباعهم الفقراء المستضعفين: فضلنا عليكم بالأموال، والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضيا بما نحن فيه من الدين، والفضل؛ لم يخولنا ذلك. أرادوا: أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم، نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم الله الأموال، والأولاد، والجاه العظيم، والمقام الكريم، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه؛ لما حرمهم متاع الدنيا، ومنعهم من التلذذ بنعيمها، فأبطل الله ظنهم بأن الرزق من فضل الله تعالى يقسمه كيف يشاء، فربما وسّع على العاصي، وضيّق على المطيع، وربما عكس، وربما وسع عليهما، أو ضيق عليهما، فلا ينقاس عليهما أمر الثواب في الآخرة.\nوفي حديث ابن مسعود﵄عن النبي ﷺ قال: «إن الله يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدين إلاّ لمن أحبّ، فمن أعطاه الدين؛ فقد أحبّه». رواه الإمام أحمد، وعن أبي سعيد الخدري﵁-: أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله ﷿ ليحمي عبده المؤمن من الدّنيا، وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام، والشراب». رواه الحاكم.\nوما درى هؤلاء الكافرون، والفاسدون، والمجرمون أن ما يعطيهم الله من نعيم الدنيا إنما هو على سبيل الاستدراج. قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.\nوقال جل ذكره: ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾. وقال جل شأنه، وتعالت حكمته:\n ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ من سورة (المؤمنون)، والأولى من سورة (الأعراف)، والثانية من سورة (مريم)، انظر شرح هذه الآيات في محالها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ:﴾ لأن من أحسن الله إليه في الدنيا فلا يعذبه في الآخرة، وهذا على فرض، وتقدير الآخرة منهم؛ لأنهم ما كانوا يعتقدون بالبعث، والحساب، والجزاء.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْوالًا:﴾ تمييز.\n ﴿وَأَوْلادًا:﴾ معطوف عليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».\n ﴿نَحْنُ:﴾ اسمها. ﴿بِمُعَذَّبِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معذبين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة:\n (قالوا...) إلخ معطوفة على جملة ﴿قالَ مُتْرَفُوها﴾ فهي في محل نصب حال مثلها.","vol":"7","page":608},{"text":"<span id=\"aya-3642\"></span>﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المتفاخرين بكثرة أموالهم، وأولادهم. ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ:﴾ يغني، ويوسع الرزق، ويعطي المال. ﴿لِمَنْ يَشاءُ:﴾ التوسيع عليه.\n ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ يضيق الرزق، ويقلله على من يشاء من عباده، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة، ولذا قال جل شأنه في الآية رقم [٣٠] من سورة (الإسراء): ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: ذو خبرة بعباده، وبمن يصلحه التوسيع في الرزق، ومن يفسده ذلك، وبمن يصلحه الضيق، والإقتار في الرزق، ومن يهلكه ذلك، وهو ذو بصر، ومعرفة بتدبير عباده، وسياستهم، فمن العباد من لا يصلح له إلا الغنى، ولو أفقره الله؛ لفسد، ومنهم من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغناه؛ لفسد. هذا؛ وبين: ﴿يَبْسُطُ﴾ و(يقدر) مقابلة، ومطابقة وهي من المحسنات البديعية. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٦] من سورة (الروم)، ففيها بحث قيم.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به.\n ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَبْسُطُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف؛ إذ التقدير: يبسط الرزق للذي، أو: لشخص يشاؤه. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (يقدر): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ ومتعلقه محذوف، تقديره: له.\nوالجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسم: (لكن)، و﴿أَكْثَرَ:﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ رَبِّي..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له، فهو ضعيف.\nوجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":609},{"text":"<span id=\"aya-3643\"></span>﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ أي: تقربكم عندنا قربى، وترفع مكانتكم عندنا لا في الدنيا، ولا في الآخرة، والزلفى: القربى. والزلفة: القربة. ومعنى الآية:\nلا تزيدكم الأموال، والأولاد عندنا رفعة، ودرجة، ولا تقربكم تقريبا. هذا؛ وأخبر ب: (التي) عن الأموال، والأولاد؛ لأن الجمع المكسر عقلاؤه، وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، والإفراد، والجمع. وقرئ: «(بالذي)». ويجوز في غير القرآن أن تقول: باللتين، وباللاتي، وباللواتي، وباللّذين، وبالذين للأولاد خاصة. هذا؛ وقدم الله ذكر الأموال على الأولاد؛ لأنها أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب.\n ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا:﴾ قال سعيد بن جبير﵄-: المعنى: إلا من آمن وعمل صالحا، فلن يضره ماله، وولده في الدنيا. وروى ليث عن طاوس: أنه كان يقول: اللهم ارزقني الإيمان، والعمل، وجنبني المال، والولد، فإني سمعت فيما أوحيت: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ..﴾. إلخ. ومعنى قول طاوس هذا؛ -والله أعلم-: اللهم جنبني المال، والولد المطغيين، أو: اللذين لا خير فيهما. فأما المال الصالح، والولد الصالح للرجل الصالح، فنعم هذا، وقد قال رسول الله ﷺ لعمرو بن العاص: «نعم المال الصالح للرجل الصّالح». واعتبر الرسول ﷺ الولد الصالح من النعم العظيمة، ومن أسباب الخير للإنسان بعد موته وتكثير حسناته بسبب دعاء الولد الصالح له. هذا؛ وفي عطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها إيحاء بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ:\n «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، وهذا يسمى في علم البديع احتراسا، وينبغي أن تعلم: أن الأموال لا تقرب أحدا إلى الله إلا المؤمن الصالح، الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحدا، ولا تنفعه إلا من علمهم الخير، وفقههم في الدين، ودربهم على الصلاح وطاعة الله ﷿.\n ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا:﴾ فالضعف: الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، أي يضعف الله لهم حسناتهم، فيجزي بالحسنة الواحدة عشرا، إلى سبعين، إلى سبعمائة، وانظر الضعف، والتضعيف في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأحزاب). ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ أي:\nمن عذاب الله، وسخطه، وانتقامه، و﴿الْغُرُفاتِ﴾ جمع: غرفة، ويقرأ بفتح الراء، وضمها، وسكونها، وتجمع غرفة على: غرف أيضا، انظر الآية رقم [٥٨] من سورة (العنكبوت) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. وانظر شرح «المال» في الآية رقم [٢٧] من سورة (الأحزاب). ولا تنس","vol":"7","page":610},{"text":"الالتفات من الغيبة في الآية السابقة، إلى الخطاب في هذه الآية، انظر الالتفات، وفوائده في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم). هذا؛ ولا تنس مراعاة لفظ ﴿مَنْ﴾ بإرجاع الفاعل إليها، ومراعاة معناها باسم الإشارة، وما بعده.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، أو: هي مهملة لا عمل لها. ﴿أَمْوالُكُمْ:﴾ اسم (ما)، أو مبتدأ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِالَّتِي:﴾ الباء: حرف جر صلة. (التي): اسم موصول مبني على السكون في محل جر لفظا، وفي محل نصب محلا على أنه خبر (ما)، أو على أنه خبر المبتدأ على إهمال (ما). هذا؛ وقال الفراء -وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج-: المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني، وأنشد الفراء قول قيس بن الخطيم الأوسي وهو الشاهد رقم [١٠٥٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المنسرح] نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راض والرّأي مختلف\n ﴿تُقَرِّبُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى التي، وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل:\nمتعلق بمحذوف حال. ولا وجه له، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿زُلْفى:﴾\nمفعول مطلق، عامله من غير لفظه، وهو قوله: ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من كاف الخطاب، وقال الزجاج: بدل منه. وهو غير معتمد. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. وجملة: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء حرف تفريع، واستئناف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿جَزاءُ﴾ مضاف، و﴿الضِّعْفِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (أولئك). هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ خبر، (أولئك)، فالجار والمجرور يكونان متعلقين ب: ﴿جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ بعدهما، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ لا محل لها؛ لأنها مفرعة ومستأنفة، وهذا الإعراب يجعل هذه غير مرتبطة بما قبلها، لذا فالوجه اعتبار: ﴿مَنْ﴾ شرطا جازما، و: ﴿آمَنَ﴾ فعل شرطه، وجوابه جملة: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ، وخبره: جملتا الشرط، والجواب على المعتمد عند المعاصرين.\nوهذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا مبتدأ؛ فالجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وتكون الفاء زائدة في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم، وعلى الوجهين،","vol":"7","page":611},{"text":"فمضمون الجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء من مضمون الكلام السابق. هذا؛ وقرئ برفع الاسمين على أن ﴿الضِّعْفِ﴾ بدل من ﴿جَزاءُ﴾ كما قرئ: «(جزاء الضعف)» على اعتبار (جزاء) حالا، من الضمير المستتر في الخبر المحذوف وهو متعلق: ﴿لَهُمْ﴾ و(الضّعف) مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ الخبر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أولئك). ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءُ؛﴾ لأنه مصدر، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء عملوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم):\nضمير منفصل مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿فِي الْغُرُفاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿آمِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3644\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا:﴾ في إبطال أدلتنا، وحجتنا، وكتابنا، وذلك بالرد، والطعن فيها. ﴿مُعاجِزِينَ:﴾ معاندين، يظنون: أنهم يفوتوننا بأنفسهم، وأننا لا نقدر عليهم، ولا على بعثهم في الآخرة للحساب والجزاء، أو ظنوا أنا نهملهم. ﴿أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: في جهنم تحضرهم الزبانية فيها، لا يفلتون منها أبدا.\nتنبيه: لما ذكر الله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أعد لهم من النعيم المقيم، والخير العميم؛ ذكر الذين كفروا، وما أعد لهم من العذاب الأليم، والعقاب الشديد، وتلك سنة الله في كتابه الكريم، حيث اقتضت حكمته ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا. والمراد بعمل الصالحات: الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت درجاتها، ومراتبها.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبتدأ. ﴿يَسْعَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي آياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿مُعاجِزِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب... إلخ، وفاعله ضمير مستتر فيه.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة","vol":"7","page":612},{"text":"رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ والكثير اقتران مثل هذه الجملة بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وقد مر معنا كثير منه، والجملة الاسمية:\n ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3645\"></span>﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ:﴾ تقدم هذا في الآية [٣٦] مستوفى ولكن ما في هذه الآية في شخص واحد باعتبار وقتين، وما سبق في حق شخصين، فلا تكرير، ولا تكرار. وقيل: بل هو توكيد. وقيل: كررت الآية لاختلاف القصد؛ فإن القصد بالأول الكفار، والقصد هنا ترغيب المؤمنين في الإنفاق.\n ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم الله به؛ فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بحسن المثوبة وعظم الجزاء، وكريم الثواب، وما في الدنيا يكون عاجلا، أو آجلا، كما ثبت في الحديث القدسي عن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: «يا عبدي أنفق أنفق عليك». وقال النبي ﷺ: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحّاء بالليل، والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما بيده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض، ويرفع». رواه البخاري ومسلم.\nوعن أسماء بنت أبي بكر﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا توكي فيوكى عليك». وفي رواية: «أنفقي، أو انفحي، أو انضحي، ولا تحصي، فيحصي الله عليك، ولا توعي، فيوعي الله عليك». رواه البخاري، ومسلم. وعن أبي هريرة﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا». أخرجه مسلم. فهذه أحاديث صحيحة صريحة، ترغب في إنفاق المال في وجوه الخير، وخذ ما يلي:\nروى الدارقطني، وأبو أحمد بن عدي عن عبد الحميد الهلالي: عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «كلّ معروف صدقة، ما أنفق الرجل على نفسه، وأهله؛ كتاب له صدقة، وما وقى به الرجل عرضه؛ فهو له صدقة، وما أنفق الرجل من نفقة؛ فعلى الله خلفها، إلا ما كان من نفقة في بنيان، أو معصية». قال عبد الحميد:\nقلت لابن المنكدر: ما وقى الرجل به عرضه؟ قال: يعطي الشاعر وذا اللسان.","vol":"7","page":613},{"text":"قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أما ما أنفق في معصية؛ فلا خلاف: أنه غير مثاب عليه، ولا مخلوف له. وأما البنيان فما كان منه ضروريا، يكنّ الإنسان، ويحفظه؛ فذلك مخلوف عليه، ومأجور ببنيانه، وكذلك حفظ أسرته، وستر عورته، قال النبي ﷺ: «ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء». انتهى.\nقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: من كان عنده من هذا المال؛ فليقتصد، فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه، فينفق جميع ما في يده، ثم يبقى طول عمره في فقر، ولا يتأولنّ ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ فإن هذا في الآخرة، ومعنى الآية: ما كان من خلف؛ فهو منه. انتهى. خازن.\nأقول: المعيار، والميزان القسط قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ الآية رقم [٢٩] من سورة (الإسراء)، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾ الآية رقم [٦٧] من سورة (الفرقان).\n ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي: خير من يعطي، ويرزق؛ لأن كل ما رزق غيره: من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق مملوكه، أو رجل يرزق عياله، فهو من رزق الله، أجراه الله على أيدي هؤلاء، وهو الرزاق الحقيقي، الذي لا رازق سواه، وهو خالق الأسباب التي ينتفع بها المرزوق بالرزق. وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني، وجعلني ممن يشتهي، فكم من مشته لا يجد، وواجد لا يشتهي، فسبحان من خزائنه لا تفنى، ولا تتناهى. ومن أخرج من عدم إلى الوجود؛ فهو الرازق حقيقة، كما قال جل ذكره: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وينبغي أن تعلم: أنّ (الرّزّاق) صيغة مبالغة لم يسم به أحد غيره تعالى، وأما الرازق؛ فقد يطلق على غيره من العباد مجازا؛ كما قدمت آنفا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٣٦] ما عدا قوله: ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾ فهما جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مفعول:\n ﴿يَشاءُ﴾ المحذوف. و(من) بيان لما أيهم في: (من) وما عدا قوله: ﴿لَهُ﴾ فهما جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يقدر)، وجملة: ﴿قُلْ إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَنْفَقْتُمْ:﴾\nفعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (ما)، و﴿لِمَنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُخْلِفُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول:","vol":"7","page":614},{"text":"لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أنفقتموه، ويكون الجار والمجرور: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ متعلقين بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ:﴾ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم، والجملة: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ..﴾. إلخ على جميع الاعتبارات مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو):\nمبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و: ﴿الرّازِقِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿يُخْلِفُهُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.\nوقيل: معطوفة على ما قبلها. وهو ضعيف جدا.\n\n<span id=\"aya-3646\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: المستضعفين، والمستكبرين. ويقرأ الفعل بالياء، والنون. والحشر: الجمع، والمراد: بعثهم للحساب، والجزاء. ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ..﴾.\nإلخ: هذا السؤال للملائكة مضمونه التقريع، والتوبيخ للكفار، وارد على المثل السائر: «إياك أعني، واسمعي يا جارة». ونحوه قوله تعالى في الآية رقم [١١٦] من سورة (المائدة): ﴿يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾.\nتنبيه: قال الزمخشري، -رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فالله قد سبق في علمه المسئول عنه، فما فائدة هذا السؤال؟ قلت: فائدته: أن يجيبوا بما أجابوا به؛ حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فيبهتوا، ويتخذلوا، وتزيد حسرة الكافرين العابدين للملائكة، وغيرهم في الدنيا، ويكون ذلك نوعا مما يلحقهم من غضب الله وعقابه، ويغتبط المؤمنون، ويفرحوا بحالهم، وإيمانهم، ونجاتهم من فضيحة أولئك، وليكون حكاية ذلك في القرآن لطفا للمكلفين، وفيه كسر بيّن لقول من يزعم: أنه يضل عباده على الحقيقة، حيث يقول للمعبودين من دونه:\n ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ بأنفسهم، فيتبرءون من إضلالهم، ويستعيذون بالله أن يكونوا مضلين، ويقولون: أنت تفضلت على هؤلاء وآبائهم من غير سابقة تفضّل جواد كريم، فجعلوا النعمة-التي حقها أن تكون سبب الشكر-سبب الكفر، ونسيان الذكر، وكان ذلك سبب هلاكهم، فإذا برأت الملائكة، والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال؛ الذي هو عمل الشياطين إليهم، واستعاذوا منه، فهم لربهم الغني العدل أشدّ تبرئة، وتنزيها منه، ولقد نزهوه حين أضافوا إليه التفضل بالنعمة، والتمتيع بها، وأسندوا نسيان الذكر، والتسبب به للبوار إلى الكفرة، فشرحوا الإضلال المجازي الذي أسنده الله إلى ذاته في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ ولو كان هو المضل على الحقيقة؛ لكان الجواب العتيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم. انتهى. كشاف","vol":"7","page":615},{"text":"في سورة (الفرقان) رقم [١٧] وهذا مبني على مذهبه في الاعتزال، وهو أن العبد يخلق أفعال نفسه، وأما مذهب أهل السنة، فإن الله خالق للعبد، ولعمله، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨] من سورة (فاطر).\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (يوم): مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف زمان متعلق به. ﴿يَحْشُرُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى (الله) أو تقديره: «نحن» على قراءته بالنون، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿جَمِيعًا:﴾\nحال من الضمير المنصوب، وفيها معنى التوكيد. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله تقديره: «هو»، أو: «نحن». ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿إِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وفيه دليل على جواز تقديم خبر (كان) عليها؛ لأن تقديم معمول الخبر يؤذن بصحة تقديم الخبر. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْبُدُونَ﴾ مع مفعوله المقدم في محل نصب خبر (كان)، وجملة: «كانوا يعبدون إياكم» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَهؤُلاءِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وجملة:\n «اذكر يوم...» إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3647\"></span>﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال الملائكة. ﴿سُبْحانَكَ﴾ أي: تعاليت، وتقدست، وتنزهت عن أن يكون معك إله. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: نحن نتولاك بالعبادة، والتقديس، ولا نتولاهم، فبينوا بإثبات موالاة الله، ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم. ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: الشياطين؛ حيث أطاعوهم في عبادة غير الله. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:\nوفي التفاسير أن حيّا يقال لهم: «بنو مليح» من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون: أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا..﴾.\nإلخ الآية رقم [١٥٨] من سورة (الصافات) انظر شرحها هناك. ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ:﴾ الضمير الأول للإنس، أو للمشركين، والأكثر بمعنى الكل، والثاني للجن.\nقال الخازن: فإن قلت: قد عبدوا الملائكة، فكيف وجه قوله: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ قلت: أراد أن الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة، فأطاعوهم في ذلك، فكانت طاعتهم","vol":"7","page":616},{"text":"للشياطين عبادة لهم. وقيل: صوروا لهم صورا، وقالوا لهم: هذه صور الملائكة، فاعبدوها، فعبدوها. وقيل: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام، فيعبدون بعبادتها. انتهى.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله فيكون الفاعل محذوفا. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿وَلِيُّنا:﴾ خبر المبتدأ، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ دُونِهِمْ:﴾ متعلقان ب: (ولي) وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملتان ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وانتقال.\n ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها بدلا من جملة:\n ﴿يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ فلست مفندا، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-3648\"></span>﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ أي: ففي يوم الحساب، والجزاء. ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا:﴾\nلا ينفع العابدون، ولا المعبودون بعضهم بعضا بشفاعة، ولا بنجاة، ولا بدفع هلاك، وعذاب؛ إذ الأمر كله لله الواحد القهار؛ لأن الدار دار جزاء، وهو المجازي وحده. قال أبو السعود في تفسيره: يخاطبون بذلك على رءوس الأشهاد إظهارا لعجزهم، وقصورهم عن نفع عابديهم، وإظهارا لخيبة رجائهم بالكلية. ونسبة عدم النفع، والضر إلى البعض للمبالغة في المقصود، كأن نفع الملائكة لعبدتهم في الاستحالة، كنفع العبدة لهم. انتهى.\n ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، فأدخلوها العذاب الأليم، وسببوا لها العقاب الشديد. ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ:﴾ قال الجمل: وقع الموصول هنا وصفا للمضاف إليه، وفي (السجدة) رقم [٢٠] وقع وصفا للمضاف، فقيل: لأنهم ثمة كانوا ملابسين للعذاب، كما صرح به في النظم، فوصف لهم ما لابسوه، وما هنا عند رؤية النار عقب الحشر، فوصف لهم ما عاينوه. وكونه هنا وصفا للمضاف على أن تأنيثه مكتسب تكلف. انتهى. نقلا من الشهاب. وانظر ما ذكرته في آية (السجدة).","vol":"7","page":617},{"text":"الإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف عطف لترتيب الأخبار. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، ولو رفع لكان مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز تعليقهما ب: ﴿نَفْعًا﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. ﴿نَفْعًا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿ضَرًّا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، ولا تنس الالتفات من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية. ﴿وَنَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (نقول): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَنَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿لا يَمْلِكُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿النّارِ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3649\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ:﴾ وإذا قرئ القرآن على كفار قريش، وتليت آياته واضحات المعاني، بينات الإعجاز، وسمعوها غضة طرية من لسان رسولنا محمد ﷺ ﴿قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ﴾ يريدون النبي ﷺ. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ أي: يريد أن يصرفكم عن معبودات آبائكم التي هي الحجارة، والأوثان، فاحذروه، وتمسكوا بتلك المعبودات، وعضوا عليها بالنواجذ.\n ﴿وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً:﴾ فهم يريدون أن ما يقرؤه النبي ﷺ من آيات الله البينات، إنما هو مختلق اختلقه النبي من تلقاء نفسه. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ:﴾ المراد بالحق:\nنور الإسلام، أو نور القرآن، أو هو نور محمد سيد الأنام. ﴿إِنْ هذا﴾ أي: الحق الذي جاءهم. ﴿إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ:﴾ فقد تحيروا، فتارة قالوا: سحر، وتارة قالوا: إفك، ويحتمل أن","vol":"7","page":618},{"text":"يكون منهم من قال: شعر، ومنهم من قال: إفك، وفي تكرير الفعل: (قالوا) والتصريح بذكر الكفرة، وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين، والمقول فيه، وما في ﴿لَمّا﴾ من المبادهة إلى البت بهذا القول إنكار عظيم له، وتعجيب بليغ منه، وانظر شرح (السحر) في الآية رقم [٣٤] من سورة (الشعراء). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٢٣]. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿تُتْلى..﴾. إلخ في محل جر بالإضافة: (إذا) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿هذا:﴾\nاسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رَجُلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَصُدَّكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ،﴾ والكاف مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿يُرِيدُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿يَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿آباؤُكُمْ:﴾ تنازعه الفعلان قبله، فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، وعلى المذهبين يضمر في أحدهما، والظاهر للآخر، وجملة: ﴿يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ في محل نصب خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها على الاعتبارين الأولين فيها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو: عن شيء كان يعبده آباؤكم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير:\nيصدكم عن عبادة آبائكم. وجملة: ﴿(قالُوا: ما هذا...)﴾ إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض وفاعله. والألف للتفريق، والجملة الاسمية:\n ﴿ما هذا إِلاّ إِفْكٌ﴾ في محل نصب مقول القول، وإعرابها مثل إعراب سابقتها. ﴿مُفْتَرىً:﴾ صفة:\n ﴿إِفْكٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثلها. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾","vol":"7","page":619},{"text":"مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (قال).\n ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: (قال)، أو هو متعلق بمحذوف حال من (الحق) والمعنى: لا يأباه. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الحق، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي بمعنى:\n «ما». ﴿هذا:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وكذا إن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3650\"></span>﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ أي: وما أعطيناهم كتبا يقرءونها فيها برهان على صحة معتقداتهم، وعبادتهم الحجارة، والأوثان، ولا أرسلنا إليهم قبلك يا محمد نذيرا ينذرهم بالعقاب؛ إن لم يشركوا، كما قال الله ﷿: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ الآية رقم [٣٥] من سورة (الروم)، أو وصفهم الله بأنهم قوم أميون أهل جاهلية، لا ملة لهم، ولا عهد لهم بإنزال كتاب، ولا بعثة رسول، كما قال جل ذكره: ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ الآية رقم [٢١] من سورة (الزخرف) فليس لتكذيبهم وجه، ولا متشبث؛ ولا شبهة يتعلقون بها، كما يقول أهل الكتاب، وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتاب وشرائع، ومستندون إلى رسول من رسل الله. قال الطبري: أي ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد ﷺ، أي: فكيف يحق لهم معاداته؟ وانظر ما ذكرته في سورة (يس) رقم [٦] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿كُتُبٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿يَدْرُسُونَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿كُتُبٍ﴾ على اللفظ، والجملة الفعلية: ﴿وَما آتَيْناهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، وهو وجه ضعيف. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قَبْلَكَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بما بعده، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَذِيرٍ:﴾ مفعول به منصوب مثل: ﴿كُتُبٍ﴾. وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"7","page":620},{"text":"<span id=\"aya-3651\"></span>﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كذب قبل أهل مكة أقوام، كانوا أشد من هؤلاء بطشا، وأكثر أموالا، وأولادا، وأوسع عيشا، فأهلكتهم، كقوم فرعون، والنمرود، وكثمود، وعاد، فما أغنى عنهم قوتهم، ولا أموالهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ الآية رقم [٨] من سورة (الزخرف). ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أي: ما بلغ كفار قريش عشر ما أوتي جبابرة الأمم السابقة من القوة، وعلو المكانة في الدنيا، والنعمة، وطول الأعمار. و(المعشار) كالمرباع، وهما: العشر، والربع.\n ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي:﴾ وإنما قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ وهو مستغنى عنه بقوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ لأنه لما كان معنى قوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ وفعل الذين من قبلهم التكذيب، وأقدموا عليه؛ جعل تكذيب الرسل مسببا عنه، وهو كقول القائل: أقدم فلان على الكفر، فكفر بمحمد ﷺ.\n ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي: عقابي للمكذبين الأولين، فليحذر كفار قريش من مثله! أي: فحين كذبوا رسلهم؛ جاءهم إنكاري بالتدمير، والإهلاك، والاستئصال، ولم تغن عنهم قوتهم، ولا أموالهم، ولا أولادهم شيئا، فما لكفار قريش لا يهتدون، ولا يرتدعون عما هم عليه من الكفر، والعصيان، والطغيان؟! هذا؛ والاستفهام معناه التعجب، ومفاده: التغيير؛ أي: فانظر كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعيم، والرخاء بالعذاب، والهلاك، فكذلك أفعل بالمكذبين من قريش. قال الجوهري: النكير، والإنكار: تغيير المنكر، ولا معنى له هنا. والكلام فيه تهديد، ووعيد.\nالإعراب: ﴿وَكَذَّبَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كذب): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَكَذَّبَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿بَلَغُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِعْشارَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: معشار الذي، أو: شيء آتيناهموه. ﴿فَكَذَّبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كذبوا): فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رُسُلِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة،","vol":"7","page":621},{"text":"والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ،﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ومفاد الاستفهام الإنكار، والتعجب معا.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فأهلكتهم، فكيف كان نكيري؟! وقدر البيضاوي المحذوف بقوله: فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير، فكيف كان نكيري؟!\n\n<span id=\"aya-3652\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ:﴾ أرشدكم، وأنصح لكم بخصلة واحدة، وأحذركم سوء عاقبة ما أنتم عليه. والخصلة الواحدة هي قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى:﴾ ليس المراد بالقيام حقيقته، الذي هو الانتصاب على القدمين؛ بل المراد به النهوض بالهمة، والاعتناء، والاشتغال بالتفكر في أمر محمد ﷺ، وما جاء به، وطلب القرآن من كفار قريش أن يتفكروا في أمره ﷺ مثنى، وفرادى، ففيهما طباق بديع؛ لأن الاثنين يتفكران، ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه لينظر فيه، وأما الواحد فيفكر في نفسه أيضا بعدل ونصفة، فيقول: هل رأينا في هذا الرجل جنونا، أو جربنا عليه كذبا قط؟ وقد علمتم أن محمدا ﷺ ما به من جنون؛ بل علمتموه أرجح قريش عقلا، وأرزنهم حلما، وأحدّهم ذهنا، وأرضاهم رأيا، وأصدقهم قولا، وأزكاهم نفسا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال، ويمدحون به، وإذا علمتم بذلك؛ كفاكم أن تطالبوه بآية، وإذا جاء بها؛ تبين أنه نبي صادق فيما جاء به. انتهى. خازن. وهذا فحوى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ والتعبير ب: (صاحبكم) للإيماء إلى أن حال النبي ﷺ مشهور بينهم؛ لأنه تربى في أحضانهم، وترعرع فيما بينهم، ويعرفون خلقه، وصدقه، وأمانته وعفته... إلخ، ولذلك سماه قومه: الأمين، وانظر شرح: ﴿جِنَّةٍ﴾ في الآية رقم [٨].\n ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ..﴾. إلخ: عن ابن عباس﵄-: أنه قال: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم، فقال: يا صباحاه! فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم: أن العدو يصبحكم، أو يمسيكم، أما كنتم تصدقوني؟!». قالوا: بلى! قال ﷺ: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبا لك! ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله ﷿:\n ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. رواه البخاري. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٤] من سورة (الحجر) و(الشعراء) [٢١٤].","vol":"7","page":622},{"text":"وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه﵁قال: «خرج إلينا رسول الله ﷺ يوما، فنادى ثلاث مرات، فقال: «أيها الناس تدرون ما مثلي ومثلكم؟». قالوا:\nالله ورسوله أعلم، قال ﷺ: «إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك؛ أبصر العدوّ، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدوّ قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه، أيّها الناس! أوتيتم. أيها الناس! أوتيتم». ثلاث مرات. هذا؛ وفي قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ..﴾. إلخ استعارة، حيث استعير لفظ اليدين لما يكون من الأهوال، والشدائد أمام الإنسان يوم القيامة، وفي قوله: ﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ مقابلة، ومطابقة بينهما، وهذا من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أَعِظُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِواحِدَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُومُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بدلا من: (واحدة)، أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي قيامكم، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني قيامكم. ومذهب الزجاج: في محل نصب على نزع الخافض. وأقواها أولها، وقال الزمخشري: عطف بيان على: (واحدة) ورده ابن هشام في المغني بقوله: البيان لا يخالف متبوعه في تعريفه، وتنكيره. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَثْنى وَفُرادى:﴾ حالان من واو الجماعة منصوبان، وعلامة نصبهما فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَتَفَكَّرُوا:﴾ معطوف على: ﴿تَقُومُوا﴾ منصوب مثله.\n ﴿إِنَّما:﴾ نافية، معلقة للفعل: ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾ عن العمل. ﴿بِصاحِبِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿جِنَّةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، علامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل: تتفكروا، وقال أبو حاتم: الوقف على ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: ﴿إِنَّما﴾ استفهامية، والمعنى: ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون، وعليه فالجار والمجرور: ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من:\n (صاحبكم)، وهو ضعيف معنى، وتركيبا كما ترى. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو صفة أخرى له، أو هو متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿لَكُمْ﴾.","vol":"7","page":623},{"text":"و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، و﴿يَدَيْ﴾ مضاف، و﴿عَذابٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة:\n ﴿عَذابٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3653\"></span>﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ:﴾ أيّ شيء سألتكم من أجر على تبليغ الرسالة ﴿فَهُوَ لَكُمْ:﴾ والمراد: نفي السؤال عنه فإنه جعل التنبي مستلزما لأحد الأمرين: إما الجنون، وإما توقع نفع دنيوي عليه؛ لأنه إما أن يكون لغرض، أو لغيره، وأيا ما كان يلزم أحدهما، ثم نفى كلا منهما. وقيل: ﴿ما﴾ موصولة مراد بها:\nما سألهم بقوله: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا،﴾ وقوله تعالى:\n ﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ واتخاذ السبيل ينفعهم، وقرباه قرباهم. انتهى. بيضاوي.\n ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ أي: ما ثوابي، وأجري إلا على الله فهو الذي يثيبني، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ:﴾ حفيظ مهيمن يعلم: أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم، ودعائكم إليه إلا منه، ولا أطمع منكم في شيء.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان مقدم. ﴿سَأَلْتُكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿مِنْ أَجْرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو) مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها. هذا؛ وعلى اعتبار ﴿ما﴾ موصولة، فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير:\nالذي سألتكموه. و﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الاسمية:\n (هو لكم) في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء عليه لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى (ما). ﴿أَجْرِيَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة","vol":"7","page":624},{"text":"الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3654\"></span>﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ:﴾ القذف، والرمي تصويب السهم، ونحوه بدفع، واعتماد، وقوة، ويستعاران من حقيقتهما لمعنى الإلقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. ومعنى ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ:﴾ يلقيه، وينزله إلى أنبيائه، أو يرمي به الباطل فيدفعه، ويزهقه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ وهو قول ابن عباس. أو: يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام، وإفشائه.\nوانظر شرح الحق في الآية رقم [٣٠] من سورة (لقمان)، وانظر شرح ﴿يَقْذِفُ﴾ في الآية رقم [٥٣].\n ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ:﴾ صيغة مبالغة: عالم. و﴿الْغُيُوبِ:﴾ الأمر الذي غاب، وخفي جدا، وهو يقرأ بتثليث الغين، فالضم، كالشعور، والفتح، كالصبور، والكسر، كالبيوت (بكسر الباء).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَقْذِفُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، التقدير: يقذف الباطل بالحق، أي: يدفعه. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بالحق، وأجيز اعتبار الباء زائدة، والحق مفعوله، أو الفعل يضمن معنى: يقضي، ويحكم، فيكون لازما. ﴿عَلاّمُ:﴾ بدل من محل اسم: ﴿إِنَّ،﴾ أو صفة له، أو هو بدل من الضمير المستكن بالفعل: ﴿يَقْذِفُ،﴾ أو هو خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف. وقرئ بالنصب على أنه صفة ل: ﴿رَبِّي،﴾ أو بدل منه، أو هو على إضمار:\nأعني، و﴿عَلاّمُ﴾ مضاف، و﴿الْغُيُوبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿يَقْذِفُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-3655\"></span>﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ﴾ أي: الإسلام، والقرآن، وذهب الباطل، واضمحل، ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة؛ جعل","vol":"7","page":625},{"text":"يطعن الصنم منها بعود كان في يده، ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء). ويقرأ: ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾.\nأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي عن ابن مسعود ﵁. أي: لم يبق للباطل مقالة، ولا رئاسة، ولا كلمة. وزعم قتادة، والسدي: أن المراد بالباطل هنا: إبليس؛ أي: إنه لا يخلق أحدا، ولا يعيده على ذلك. وهذا؛ وإن كان حقا، ولكن ليس هو المراد هاهنا، والله أعلم. انتهى. مختصر ابن كثير. وانظر شرح: ﴿الْباطِلُ﴾ في العنكبوت [٥٢]. وفي البيضاوي تبعا للزمخشري: ﴿الْباطِلُ:﴾ الشرك ذهب بحيث لم يبق له أثر، مأخوذ من هلاك الحي، فإنه إذا هلك لم يبق إبداء ولا إعادة أي: فإنه كناية عن هلاكه، وذهابه، وفي ﴿يُبْدِئُ﴾ و﴿يُعِيدُ﴾ طباق أيضا. ومنه قول عبيد بن الأبرص: [الرجز] أأقفر من أهله عبيد... فاليوم لا يبدي ولا يعيد\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿جاءَ الْحَقُّ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يُبْدِئُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْباطِلُ﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ما يبدئ الباطل لأهله خيرا. ﴿وَما يُعِيدُ:﴾ مثله في حذف المفعول، والفاعل يعود إلى ﴿الْباطِلُ،﴾ التقدير: وما يعيد لأهله خيرا. وقيل: الفعلان منزلان منزلة اللازم، والجملة الفعلية: ﴿وَما يُبْدِئُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول.\nهذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿الْحَقُّ﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الواو فقط.\nهذا؛ وقيل: (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: وأي شيء يبدئ الباطل؟! وهو غير واضح معنى.\n\n<span id=\"aya-3656\"></span>﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿إِنْ ضَلَلْتُ﴾ أي: عن الحق. ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ أي: وبال ضلالي عليها، فإنه بسببها؛ إذ هي الجاهلة بالذات، والأمارة بالسوء.\nوذلك: أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ: تركت دين آبائك، فضللت. وقراءة الجمهور: ﴿ضَلَلْتُ﴾ بفتح اللام، وقرأ يحيى بن وثاب، وغيره بكسر اللام، وفتح الضاد من: «أضلّ». والضلال، والضلالة: ضد الرشاد. وقد ضللت بفتح اللام، أضل بكسرها، وهي قراءة حفص في هذه الآية، فهذه لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون: «ضللت، أضل» بكسر الضاد","vol":"7","page":626},{"text":"فيهما، وانظر شرح (الضلال) في الآية رقم [١١] من سورة (لقمان)، و(السجدة) رقم [١٠].\n ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ أي: إلى الحق، والصواب. ﴿فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي:﴾ من القرآن والحكمة، وإن الاهتداء بهدايته، وتوفيقه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها..﴾. إلخ الآية رقم [١٣] من سورة (السجدة).\nوكان قياس التقابل أن يقال: وإن اهتدت، فإنما أهتدي لها، كقوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء) ولكن هما متقابلان معنى؛ لأن النفس كل ما هو وبال عليها، وضار لها، فهو بها، وبسببها؛ لأنها الأمارة بالسوء، وما لها مما ينفعها؛ فبهداية ربها، وتوفيقه، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة قدره، وسداد طريقته، كان غيره أولى به. انتهى. نسفي. وانظر ما ذكرته في سورة (الشعراء) رقم [٨٠]. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ:﴾ يسمع قول كل ضال، ومهتد. ﴿قَرِيبٌ:﴾ مني، ومنكم يجازيني بعملي، ويجازيكم بأعمالكم.\nهذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم وسلم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿ضَلَلْتُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿أَضِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره:\n «أنا». ﴿عَلى نَفْسِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة: ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تحل محل المفرد عند الدسوقي، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. و(إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول. و(إن) الثانية ومدخولها كلام معطوف عليه فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَبِما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (بما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فاهتدائي بما. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فبسبب الذي، أو: شيء يوحيه... إلخ، وعلى اعتبارها مصدرية، تؤول مع ما بعدها","vol":"7","page":627},{"text":"بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فاهتدائي بسبب إيحاء ربي إليّ، والجملة الاسمية على التقديرين في محل جزم جواب الشرط. ﴿يُوحِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل ﴿يُوحِي﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿سَمِيعٌ:﴾ خبر (إن). ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية تعليل للاهتداء، والجملة الفعلية:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3657\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ تَرى:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ولكل من يتأتّى منه الرؤية، والتبصر، والاعتبار. ﴿إِذْ فَزِعُوا:﴾ عند الموت، أو عند البعث، والخروج من القبور. وقال السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة، فلم يستطيعوا فرارا، ولا رجوعا إلى التوبة. وقال سعيد بن جبير: هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء، فيبقى منهم رجل واحد، فيخبر الناس بما لقي أصحابه. فيفزعون، وذلك أن ثمانين ألفا يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم، كذا قاله ابن عباس﵄-. وهذا يكون في آخر الزمان.\nوالمعتمد الأول، و(لو) و﴿إِذْ﴾ والأفعال التي هي: ﴿فَزِعُوا﴾ و(أخذوا) في هذه الآية، و﴿(حِيلَ بَيْنَهُمْ)﴾ في الآية الأخيرة كلها للمضي، والمراد بها الاستقبال، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢].\n ﴿فَلا فَوْتَ:﴾ فلا مهرب، ولا محيص؛ بل: ولا ملجأ لهم. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ:﴾ من الموقف إلى النار، أو أخرجوا من القبور. وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب، لا يعجزون الله، ولا يفوتونه.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف. تقديره: الكافرين، أو المجرمين، أو حالهم. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿فَزِعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿تَرى..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لرأيت أمرا فظيعا، وهولا عظيما. وأجيز اعتبار: (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب حينئذ، والأول أقوى. و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.","vol":"7","page":628},{"text":"﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف مفيد للاعتراض. (لا): نافية للجنس تعمل عمل: «إنّ».\n ﴿فَوْتَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: لهم، وحذفه هنا واجب عند بني تميم، وعند الطائيين، وجائز عند الحجازيين. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر... إذا المراد مع سقوطه ظهر\nوالجملة الاسمية: «فلا فوت لهم» المقدرة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿وَأُخِذُوا:﴾\nالواو: حرف عطف. (أخذوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿مَكانٍ،﴾ وجملة: ﴿وَأُخِذُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَزِعُوا﴾ فهي في محل جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-3658\"></span>﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: الكفار حين يؤخذون من مكان قريب، ويعاينون العذاب، والانتقام، والسخط، وغضب الواحد القهار. ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بمحمد ﷺ، وذلك لمرور ذكره في قوله تعالى: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي:\nمن أين لهم تناول الإيمان في الآخرة، وقد كفروا به في حال الدنيا. قال ابن عباس، والضحاك: التناوش: الرجعة؛ أي: يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ ليؤمنوا، وهيهات ذلك! ومنه قول الشاعر: [الوافر] تمنّى أن تئوب إليّ ميّ... وليس إلى تناوشها سبيل\nوقيل: التناوش: التناول. قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه، ولحيته: ناشه، ينوشه، نوشا، وأنشد قول ابن حريث: [الرجز] فهي تنوش الحوض نوشا من علا... نوشا به تقطع أجواز الفلا\nأي: تناول ماء الحوض من فوق، وتشرب شربا كثيرا، وتقطع بذلك الشرب فلوات، فلا تحتاج إلى ماء آخر، فهو يصف إبلا. وقال عنترة في معلقته رقم [٥١]: [الكامل] فتركته جزر السّباع ينشنه... ما بين قلّة رأسه والمعصم\nوقرئ: «(وأنّى لهم التّناؤش)» بالهمز، فهو من نأشت: إذا تأخرت، وقد نأشت الأمر، أناشه، نأشا: أخرته، ويقال: فعله نئيشا؛ أي: أخيرا. قال الشاعر: [الطويل] تمنّى نئيشا أنّ يكون أطاعني... وقد حدثت بعد الأمور أمور","vol":"7","page":629},{"text":"يقول: إن صاحبي تمنى أخيرا أن يكون أطاعني فيما نصحته، وأشرت إليه أولا، والحال:\nأنه قد حدثت أمور بعد أمور دلت على رشادي، وصدق رأيي. وقال آخر: [الطويل] قعدت زمانا عن طلابك للعلا... وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخبر\nوقال الفراء: الهمز، وترك الهمز في التناوش متقارب، مثل ذمت الرجل وذأمته أي عبته.\n ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: من الآخرة؛ لأن الإيمان في الدنيا، وقد بعد عنهم، وهو تمثيل حالهم في الاستخلاص بالإيمان بعد ما فات منهم، وبعد عنهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة سهم تناوله من ذراع في الاستحالة، فهو استعارة تمثيلية، أو تشبيه تمثيلي. وما أكثر ما ذكر القرآن عنهم مثل ذلك! كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (السجدة)، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٨]. ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾. وغير ذلك كثير.\nفإن قيل: كيف قال في كثير من المواضع: إن الآخرة من الدنيا قريبة، وسمى الساعة قريبة، فقال: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ..﴾. إلخ، وقال: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ،﴾ وقال: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ؟﴾ الجواب: إن الماضي كالأمس الدابر، وهو أبعد ما يكون؛ إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه، وبين الحاضر سنون؛ فإنه آت، فيوم القيامة؛ الدنيا بعيدة منه؛ لمضيها، ويوم القيامة في الدنيا قريب؛ لإتيانه. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿آمَنّا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و(نا): فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنّى:﴾ الواو: حرف عطف. (أنى):\nاسم استفهام بمعنى: كيف، أو: من أين، فهو مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم.\n ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿التَّناوُشُ:﴾\nمبتدأ مؤخر. هذا؛ وأجيز تعليق ﴿لَهُمُ﴾ بمحذوف خبر: (أنى) على اعتباره مبتدأ. واعتبار ﴿التَّناوُشُ﴾ فاعلا بالجار والمجرور، قال السمين: وفيه بعد، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ المعطوفة بدورها على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿التَّناوُشُ﴾. ﴿بَعِيدٍ﴾ صفة: ﴿مَكانٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-3659\"></span>﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ، أو بالقرآن، أو بالعذاب. بمعنى: لم يصدقوا، ولم يقروا به. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن يعاينوا العذاب، أو في الدنيا، أو في أوان التكليف، وطلب الإيمان منهم، فكيف يقبل منهم الإيمان في الآخرة؟ ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾","vol":"7","page":630},{"text":"أي: ويرجمون بالظن، ويتكلمون بما لم يظهر لهم في الرسول ﷺ من المطاعن، كقولهم:\nشاعر، كاهن، مجنون... إلخ، أو في العذاب من البت على نفيه. ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ:﴾ من جانب بعيد من أمره، وهو الشّبه التي تمحلوها في أمر الرسول ﷺ، وحال الآخرة، كما حكاه من قبل، ولعله تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئا لا يراه. ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ:﴾\nلا مجال للظن في لحوقه. انتهى. بيضاوي. وهذا استعارة تمثيلية تقريرها: أنه شبه حالهم في ذلك؛ أي: في قولهم: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ حيث لا ينفعهم الإيمان بحال من رمى شيئا من مكان بعيد، وهو لا يراه، فإنه لا يتوهم إصابته، ولا لحوقه لخفائه عنه، وغاية بعده. فالباء في ﴿بِالْغَيْبِ﴾ بمعنى: في، أي في محل غائب عن نظرهم، أو للملابسة. انتهى. جمل نقلا من الشهاب، وقوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ مثل قوله تعالى في الآية رقم [٢٢] من سورة (الكهف): ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾. وانظر شرح (كفروا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم). وانظر الآية رقم [٣] ورقم [٤٨] من هذه (السورة).\nالإعراب: ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أو من الضمير المجرور محلا بالباء، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿وَيَقْذِفُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقذفون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ متعلقان به أيضا.\n ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة: ﴿مَكانٍ،﴾ وجملة: ﴿وَيَقْذِفُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، وساغ ذلك؛ لأنه على حكاية الحال الماضية.\n\n<span id=\"aya-3660\"></span>﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ أي: حيل بينهم، وبين النجاة من العذاب. وقيل:\nحيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم، وأهليهم. ومذهب قتادة: أن المعنى: أنهم كانوا يشتهون لما رأوا العذاب أن يقبل منهم أن يطيعوا الله ﷿، وينتهوا إلى ما يأمرهم به الله، فحيل بينهم، وبين ذلك؛ لأن ذلك إنما كان في الدنيا، وقد زالت في ذلك الوقت. انتهى. قرطبي. وقال ابن كثير: الصحيح: أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا، وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه. انتهى. هذا؛ وإعلال (حيل) مثل إعلال (قيل) انظر الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان).","vol":"7","page":631},{"text":"﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كما جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل، لما جاءهم بأس الله؛ تمنوا أن لو آمنوا، فلم يقبل منهم، كما قال الله تعالى في الآية رقم [٨٥] من سورة (غافر): ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ هذا؛ والمراد ب (أشياعهم) أشباههم من كفرة الأمم الماضية، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ أي: في شك، وريبة، أي: من أمر الرسل، والجنة، والنار، والحساب، والجزاء بعد الموت، يقال: أراب الرجل؛ أي: صار ذا ريبة، فهو مريب. ومن قال: هو من الريب الذي هو الشك، والتهمة؛ قال: يقال شك مريب، كما يقال: عجب عجيب، وشعر شاعر في التأكيد. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: إياكم والشك، والريبة، فإنه من مات على شك؛ بعث عليه. ومن مات على يقين؛ بعث عليه، وانظر شرح (الريب) في الآية رقم [٢] من سورة (السجدة) تجد ما يسرك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَحِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (حيل): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، التقدير: وحيل هو؛ أي: الحول، وقال الأخفش: نائب الفاعل هو: (بين) وبني على الفتح لإضافته لمبني، وكان حقه الرفع. ورد ابن هشام عليه في المغني، وأورد قول علقمة الفحل: [الطويل] وقالت متى يبخل عليك ويعتلل... يسوؤك وإن يكشف غرامك تدرب\nوهذا هو الشاهد رقم [٩٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقول صخر أخي الخنساء: [الطويل] أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه... وقد حيل بين العير والنّزوان\nوهذا هو الشاهد رقم [٩١٠] من كتابنا المذكور، ومثله قول طرفة بن العبد البكري: [الطويل] فيا لك من ذي حاجة حيل دونها... وما كلّ ما يهوى امرؤ هو نائله\nومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٢]: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..﴾. إلخ، والآية رقم [١٩] من سورة (الأحزاب). ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (بين): معطوف على ما قبله، و(بين) مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: وبين الذي، أو شيء يشتهونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: وبين مشتهاهم، وجملة: (حيل...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.","vol":"7","page":632},{"text":"﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير:\nوحيل بينهم، وبين الذي يشتهونه حولا كائنا مثل الذي... إلخ، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع معينة، وليس هذا منها. انتهى. جمل نقلا عن السمين في غير هذا الموضع.\n ﴿فُعِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِأَشْياعِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:\n (أشياعهم)، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه على الإضافة لفظا، لا معنى.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مُرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿شَكٍّ،﴾ وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للحيلولة بينهم وبين ما يشتهون.\nانتهت سورة (سبأ) تفسيرا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"7","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3436>سورة فاطر</span>\nسورة (فاطر) وتسمى سورة الملائكة، وهي مكية بالإجماع، وهي خمس وأربعون آية، وتسعمائة وسبعون كلمة، وثلاثة آلاف ومائة وثلاثون حرفا، وسميت سورة (فاطر)، لذكر هذا الاسم الجليل، والنعت الجميل في طليعتها؛ لما في هذا الوصف من الدلالة على الإبداع، والاختراع، والإيجاد لا على مثال سبق، ولما فيه من التصوير الدقيق المشير إلى عظمة ذي الجلال، وباهر قدرته، وعجيب صنعه، فهو الذي خلق الملائكة، والسموات، والأرض، وأبدع خلقهم بهذا الخلق العجيب، وقد ورد هذا اللفظ في كثير من آيات القرآن.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3661\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾\nالشرح: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أي: الثناء الكامل، والذكر الحسن مع التعظيم، والتبجيل لله جل، وعلا، وانظر شرح ﴿الْحَمْدُ﴾ في الآية رقم [١٥] من سورة (النمل). ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي:\nخالقهما، ومبتدعهما على غير مثال سبق. هذا؛ والفطر: الشّق عن الشيء، يقال: فطرته، فانفطر. قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. ومنه فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطّر الشيء: تشقق، وسيف فطار، أي: فيه تشقق، قال عنترة: [الوافر] وسيفي كالعقيقة فهو كمعي... سلاحي لا أفلّ، ولا فطارا\nوالفطر: الابتداء، والاختراع. قال ابن عباس﵄-: كنت لا أدري ما ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها. والفطر: حلب الناقة بالسبابة والإبهام. والمراد بذكر السموات، والأرض العالم كله.\nونبه بهذا على أنّ من قدر على الابتداء قادر على الإعادة، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الروم)، وقد جمع بعضهم معاني هذه المادة على اختلافها، فقال: [الرجز] الابتدا والابتداع فطر... والصدع والغمز وأمّا الفطر\nفترك صوم بعض كمّ فطر... وما بدا من عنب في الشّجر","vol":"7","page":634},{"text":"﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ أي: إلى الأنبياء، والمراد: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ أي: ذوي أجنحة بمعنى: أصحاب.\nو﴿أُولِي:﴾ جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده: «ذو» المضاف إذا كان مرفوعا، و«ذا» المضاف إذا كان منصوبا، و«ذي» المضاف إذا كان مجرورا، ومؤنثه «ذات» انظر الآية رقم [٣٨] الآتية.\n ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ أي: جعل الله الملائكة ذوي أجنحة متعددة متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها، ويعرجون إلى السماء، أو يسرعون بها نحو ما وكّلهم الله عليه، ويتصرفون فيه حسب ما أمرهم به. والمعنى: بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أجنحة لعل الثالث يكون وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة، وبعضهم له أربعة، ولعله لم يرد خصوصية الأعداد، ونفي ما زاد عليها؛ لما روي: أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج، وله ستمائة جناح. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن الأعداد: ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، فكل جنس منفرد بعدد، وليس المراد الجمع بين هذه الأعداد، ومثل هذه الآية الآية رقم [٣] من سورة (النساء) فالواو فيهما ليست لمطلق الجمع، وإنما هي لسرد الجنس، وعطف مثله عليه. وقيل: هي بمعنى: «أو». ورده ابن هشام في المغني.\n ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ أي: إن تفاوتهم في الأجنحة مقتضى مشيئته، ومؤدى حكمته؛ لا أنه أمر تستدعيه ذواتهم. وقيل: الزيادة في الخلق هي: الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن. عزاه في الكشاف للنبي ﷺ. ثم قال الزمخشري: والآية مطلقة، تتناول كل زيادة في الخلق: من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجراءة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف.\n ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مما يريد أن يخلقه من الزيادة، والنقصان. وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض، إنما هو من جهة الإرادة. والمعنى: أن الله تعالى قادر على ما يريد، له الأمر والسلطان، لا يمتنع عليه فعل شيء أراده، ولا يتأبّى عليه خلق شيء أراده، فقد وصف تعالى نفسه في هذه الآية بصفتين جليلتين، تحمل كل منهما صفة القدرة، وكمال الإنعام:\nالأولى: أنه تعالى فاطر السموات، والأرض؛ أي: خالقهما، ومبدعهما من غير مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه. وفي ذلك دلالة على كمال قدرته، وشمول نعمته، فهو الذي رفع السموات بغير عمد، وجعلها مستوية من غير أود، وزينها بالكواكب، والنجوم، وهو الذي بسط الأرض، وأودعها الأرزاق، والأقوات، وشق فيها البحار، والأنهار، وفجر فيها العيون، والآبار، إلى غير ما هنالك من آثار قدرته العظيمة، وآثار صنعته البديعة، وعبر عن ذلك كله بقوله: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾.","vol":"7","page":635},{"text":"والثانية: أنه اختار الملائكة؛ ليكونوا رسلا بينه وبين أنبيائه. وقد أشار إلى طرف من عظمته وكمال قدرته-جل، وعلا-بأن خلق الملائكة بأشكال عجيبة، وصور غريبة، وأجنحة عديدة، فمنهم من له جناحان، ومنهم له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستمائة جناح، ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، كما هو وصف جبريل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومنهم من لا يعلم حقيقة خلقته، وضخامة صورته إلا الله تعالى. انتهى. صفوة التفاسير للصابوني.\nوفي الكشاف-روي: أن النبي ﷺ سأل جبريل﵊أن يتراءى له في صورته، فقال: إنك لن تطيق ذلك. قال: إني أحب أن تفعل. فخرج رسول الله ﷺ في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته، فغشي على النبي ﷺ، ثم أفاق، وجبريل﵇- مسنده، وإحدى يديه على صدره، والأخرى بين كتفيه، فقال: سبحان الله ما كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا! فقال جبريل﵇-: فكيف لو رأيت إسرافيل؛ له اثنا عشر جناحا، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإنّ العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله؛ حتى يعود مثل الوصع؟! وهو العصفور الصغير. انتهى. كشاف.\nهذا؛ ووصف جبريل بأنه له ستمائة جناح أخرجه مسلم عن ابن مسعود﵁عن النبي ﷺ. ووصف إسرافيل أخرجه الزهري. انتهى. قرطبي. هذا؛ وانظر شرح ﴿الْمَلائِكَةِ﴾ في الآية رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب)، وشرح (شيء) في الآية رقم [٥٥] منها. وانظر شرح ﴿الْحَمْدُ﴾ في أول سورة (سبأ). والله الموفق، والمعين، وبه أستعين، وسترى شيئا من ذلك في سورة (النجم) إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محل لها من الإعراب. وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تقديره: قولوا: الحمد لله. وعليه فالجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. ﴿فاطِرِ:﴾ صفة لفظ الجلالة، ويجوز فيه الرفع على إضمار مبتدأ، والنصب على تقدير فعل قبله، ولم يقرأ بغير الجر. وقال الزمخشري: وقرئ: «(الذي فطر السموات، والأرض، وجعل الملائكة)». و﴿فاطِرِ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. واعتبر الإضافة محضة؛ لأن ﴿فاطِرِ﴾ بمعنى الماضي، والماضي لا يعمل. وقيل: الإضافة غير محضة، فتكون الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿جاعِلِ:﴾ يجوز فيه ما جاز ب: ﴿فاطِرِ﴾ من الأوجه، و﴿جاعِلِ﴾ مضاف، و﴿الْمَلائِكَةِ﴾ مضاف إليه مثل سابقه. ﴿رُسُلًا:﴾ مفعول به ثان، على اعتبار ﴿جاعِلِ﴾ عاملا في: ﴿الْمَلائِكَةِ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف على اعتباره غير عامل، وأجيز اعتباره حالا من: ﴿الْمَلائِكَةِ﴾ على اعتبار ﴿جاعِلِ﴾ بمعنى: خالق.","vol":"7","page":636},{"text":"﴿أُولِي:﴾ صفة رسلا، وقال أبو البقاء: بدل من (رسل) أو نعت له، منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولِي﴾ مضاف، و﴿أَجْنِحَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَثْنى:﴾ صفة ل: ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة، والعدل. ﴿وَثُلاثَ وَرُباعَ:﴾ معطوفان على ﴿مَثْنى﴾ مجروران مثله. وقيل: ﴿مَثْنى﴾ بدل من ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ والأول أقوى. ﴿يَزِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والمفعول الأول محذوف اقتصارا، أغنى عنه الجار والمجرور: ﴿فِي الْخَلْقِ﴾ فهما متعلقان به. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿يَزِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للزيادة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3662\"></span>﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾\nالشرح: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ أي: أي شيء يمنحه الله لعباده، ويتفضل به عليهم من خزائن رحمته: من نعمة، وصحة، وأمن، وعلم، وحكمة، ورزق، وإرسال رسل لهداية الخلق، وغير ذلك من صنوف نعمائه، التي لا يحيط بها عدد، فلا يقدر أحد على إمساكه، ومنعه، وحرمان خلق الله منه، فهو المعطي الوهاب، الذي لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: وأيّ شيء يمنعه، ويحبسه عن خلقه من خيري الدنيا والآخرة فلا يقدر أحد على منحه للعباد بعد أن منعه الله تعالى، وهذه الآية مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٧] من سورة (الأنعام): ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومثلها كثير.\nفعن المغيرة بن شعبة﵁-: أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة:\n «لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ». أخرجه البخاري، ومسلم. والجدّ: الغنى، والحظ، وحسن البخت، وهو بفتح الجيم؛ أي: لا ينفع المبخوت، والغني حظه، وغناه؛ لأنهما من الله تعالى، إنما ينفعه الإخلاص، والعمل بطاعته تعالى. وعن","vol":"7","page":637},{"text":"أبي سعيد الخدري﵁قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع يقول:\n «سمع الله لمن حمده، اللهمّ ربّنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلّنا لك عبد، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ».\n ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ الغالب على كل شيء. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في صنعه الذي يمسك، ويرسل، ويعطي، ويمنع حسب ما تقتضيه الحكمة إرسالا، وإمساكا. وخذ ما يلي: فعن معاذ بن جبل -﵁يرفعه إلى النبي ﷺ: «لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم، ويعظّم برّهم فاجرهم، وتعن قرّاؤهم أمراءهم على معصية الله، فإذا فعلوا ذلك؛ نزع الله يده عنهم».\nوأخيرا في قوله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ استعارة تمثيلية شبه فيها إرسال النعم بفتح الخزائن للإعطاء، وكذلك حبس النعم بالإمساك، واستعير الفتح للإطلاق، والإمساك للمنع، وأيضا الطباق، والمقابلة بين ﴿يَفْتَحِ﴾ و: ﴿يُمْسِكْ﴾ وهو من المحسنات البديعية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه. ﴿يَفْتَحِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَحْمَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية بمفردها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿مُمْسِكَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويجوز في غير القرآن رفع الفعل: «يفتح»، واعتبار: «ما» موصولة مبتدأ، والجملة الفعلية صلتها، وجملة: ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ في محل رفع خبرها، وقد مر معنا كثير من هذا.\nوجملة: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو:\nواو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط:\nالواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.","vol":"7","page":638},{"text":"<span id=\"aya-3663\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ قال النسفي: وهي التي تقدمت: من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل لبيان السبيل، دعوة إليه، وزلفة لديه، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق. والمراد من هذا التذكير: طلب الشكر؛ أي: اشكروا ربكم على نعمه؛ التي أنعم بها عليكم، وهي لا تعد، ولا تحصى. قال الزمخشري: ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به، وبالقلب، وحفظها من الكفران، والغمط، وشكرها بمعرفة حقها، والاعتراف بها، وطاعة موليها، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك! يريد: حفظها، وشكرها، والعمل على موجبها. والخطاب عام للجميع؛ لأن جميعهم مغمورون في نعمة الله. وعن ابن عباس﵄-: يريد أهل مكة: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ حيث أسكنكم حرمه، ومنعكم من جميع العالم؛ والناس يتخطفون من حولكم. وعنه أيضا نعمة الله: العافية.\n ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ:﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا خالق غير الله ﷾! لا ما تعبدون من الحجارة، والأوثان. قال حميد الطويل: قلت للحسن: من خلق الشر؟ فقال:\nسبحان الله، هل من خالق غير الله ﷿؟ خلق الخير والشر. ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ:﴾\nيرزقكم مما ينبت من الأرض بسبب ما ينزل من السماء من ماء. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا رب ولا معبود إلا الله الواحد الأحد. ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون بعد هذا البيان، ووضوح البرهان إلى عبادة الحجارة، والأوثان؟ والغرض من ذلك: تذكير الناس بنعم الله تعالى، وإقامة الحجة على المشركين. قال ابن كثير، وغيره: نبه الله تعالى عباده، وأرشدهم إلى الاستدلال على توحيده بوجوب إفراد العبادة له، فكما أنه مستقل بالخلق، والرزق، فكذلك يجب أن يفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام، والأوثان. انتهى. هذا؛ وانظر شرح ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ في الآية رقم [٦١] من سورة (العنكبوت).\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب).\n ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَتَ اللهِ،﴾ أو بمحذوف حال منه، والجملة الندائية، والفعلية كلتاهما ابتدائيتان، لا محل لهما. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام إنكاري توبيخي. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿خالِقٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفي الخبر قولان:\nأحدهما: هو جملة ﴿يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ، والثاني: أنه محذوف، تقديره: لكم، ونحوه. ﴿غَيْرُ:﴾","vol":"7","page":639},{"text":"بالرفع، والجر، والنصب، فالرفع فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر المبتدأ. والثاني: أنه صفة ل: ﴿خالِقٍ﴾ على الموضع، وخبره أحد وجهين ذكرتهما. والثالث: أنه مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية؛ لأن اسم الفاعل قد اعتمد على أداة الاستفهام، فيكون قد سد مسد خبره. وعلى هذا الوجه؛ فجملة ﴿يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ إما صفة، أو مستأنفة، ورجح هذا، وأما الجر؛ فهو صفة:\n ﴿خالِقٍ﴾ على اللفظ، وأما النصب؛ فهو على الاستثناء. وخبر المبتدأ أحد وجهين رأيتهما آنفا.\nو﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿يَرْزُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿خالِقٍ،﴾ والكاف مفعوله الأول. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و(الأرض): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ رأيت ما فيها من أوجه الإعراب فيما قبلها. ﴿لا:﴾ نافية: للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾\nضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم:\n ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: اعتباره بدلا من: ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف. وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ مستأنفة، لا محل لها مسوقة لتقرير النفي المستفاد مما قبلها. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أنى): اسم استفهام مبني على السكون، وفيه معنى التعجب، والإنكار، والتوبيخ في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿تُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء الفصيحة؛ فلا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا فأنى تؤفكون.\n\n<span id=\"aya-3664\"></span>﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: وإن يكذبك هؤلاء المشركون يا محمد؛ فاصبر، وتأسّ بمن سبقك من الرسل. ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: رسل ذوو عدد كثير، وأولو آيات بينات، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر، وعزم، فلك بهم أسوة، فإنهم كذلك جاءوا أقوامهم بالبينات، وأمروهم بالتوحيد، وعبادة الله تعالى، فكذبوهم، وخالفوهم. وتنكير (رسل) للتعظيم، والإشارة إلى كثرتهم المقتضية زيادة التسلية، والحث على المصابرة. وانظر شرح: «الرسول» في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾ فيجازيك على صبرك، ويجازيهم","vol":"7","page":640},{"text":"على تكذيبك، ومعاداتك. هذا؛ والفعل: «رجع» يكون متعديا، ولازما، ويقرأ: ﴿تُرْجَعُ﴾ بالبناء للمجهول من المتعدي، وبالبناء للمعلوم من اللازم.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف: (إن): حرف شرط جازم. ﴿يُكَذِّبُوكَ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فاصبر، فحذف، وأقيم جملة: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ..﴾. إلخ مقامه استغناء عن المسبب بالسبب. و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُذِّبَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿رُسُلٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿رُسُلٌ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلَى:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (إلى الله): متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾ فعل مضارع، ونائب فاعله، أو:\nفاعله والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها، والأول أولى.\n\n<span id=\"aya-3665\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ هذا النداء يشمل المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح، والمحسن، والمسيء. وانظر شرح باقي الكلام في الآية رقم [٣٣] من سورة (لقمان) ففيها الكفاية.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل أن الاسم الواقع بعد: «أي» وبعد اسم الإشارة. إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع؛ أعني «أي» منصوب محلا، وكذا التابع، أعني: (الناس) وأمثاله؛ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية... إلخ، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب).\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. و﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك-أي ما ذكر-حاصلا، وواقعا؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَغُرَّنَّكُمُ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم","vol":"7","page":641},{"text":"ب: (لا) الناهية، والنون حرف لا محل له، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به.\n ﴿الْحَياةُ:﴾ فاعله. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة: ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، ولا خفاء فيه.\n\n<span id=\"aya-3666\"></span>﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ:﴾ بيّن العداوة، وهي قديمة من عهد آدم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فلذا عداوته لا تزول؛ لأنه أخرج أباكم من الجنة. ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا:﴾\nفعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه، وكذبوه فيما يغركم، ويخدعكم به، وإذا فعلتم فعلا؛ فتفطنوا له، فإنه ربما يدخل عليكم فيه الرياء، ويزين لكم القبائح، وكان الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى-يقول: يا كذاب! يا مفتر! اتق الله، ولا تسب الشيطان في العلانية؛ وأنت صديقه في السر. وقال ابن السماك-رحمه الله تعالى-: يا عجبا لمن عصا المحسن بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته!\n ﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ:﴾ أشياعه وأتباعه. وجمع (حزب): أحزاب، وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (الأحزاب). ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي: ليكونوا معه في نار جهنم المعبر عنها بالسعير، وانظر شرح ﴿السَّعِيرِ﴾ في الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان)، وشرح (الشيطان) في البسملة أول سورة (السجدة)، وشرح: «صاحب» في الآية رقم [١٥] من سورة (العنكبوت).\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَاتَّخِذُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتخذوه): فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿عَدُوًّا:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كانت عداوة الشيطان ثابتة، وقديمة؛ فاتخذوه... إلخ.\n ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿يَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الشَّيْطانَ﴾ .. ﴿حِزْبَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿لِيَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب:\n «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ أَصْحابِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (يكونوا)، و﴿أَصْحابِ﴾ مضاف، و﴿السَّعِيرِ﴾ مضاف إليه، و«أن» المضمرة والفعل: (يكونوا) في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَدْعُوا﴾ فهو تعليل من تعليل.","vol":"7","page":642},{"text":"<span id=\"aya-3667\"></span>﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالله، وعادوا نبيه. ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ:﴾ دائم، لا يعرف قدره، ولا يوصف هوله. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ انظر الاحتراس في الآية رقم [٣٧] من سورة (سبأ)، ومقابلة الإيمان بالكفر في الآية رقم [٣٨] منها. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ:﴾ لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ:﴾\nفي الآخرة، وهو الجنة، وما فيها من النعيم المقيم؛ الذي لا ينفد. هذا؛ وفي الآية وعيد لمن أجاب الشيطان، واتبع زخارفه، ووساوسه، ووعد لمن خالفه، وقطع للأماني الفارغة، وبناء الأمر كله على الإيمان والعمل الصالح، وكونهما لا يفترقان.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح، وفي محله ثلاثة أوجه: أحدها: رفعه من وجهين: أقواهما: أن يكون مبتدأ، والجملة الاسمية بعده خبره. والأحسن: أن يكون ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبره، و﴿عَذابٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور، أي بمتعلقهما، والثاني أنه بدل من واو الجماعة في: ﴿لِيَكُونُوا﴾. والثاني: نصبه من أوجه: البدل من ﴿حِزْبَهُ،﴾ أو: النعت له، أو إضمار فعل ك: «أذمّ» ونحوه. والثالث: جره من وجهين: النعت، أو البدلية من ﴿أَصْحابِ﴾ وأحسن الوجوه الأول لمطابقة التقسيم، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَدِيدٌ:﴾\nصفة ﴿عَذابٌ﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر ما ذكرته من أوجه الإعراب السابقة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله على جميع الاعتبارات فيه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. وجملة:\n ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ:﴾ قل فيها ما قلته من أوجه بجملة: ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾. ﴿وَأَجْرٌ:﴾ معطوف على (مغفرة). ﴿كَبِيرٌ:﴾ صفة: (أجر). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n<span id=\"aya-3668\"></span>﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: نزلت الآية في أبي جهل، ومشركي مكة.\nوقيل: نزلت في أصحاب الأهواء، والبدع، ومنهم الخوارج، الذين ظهروا في عهد الإمام علي، ﵁، والذين يستحلون دماء المسلمين، وأموالهم، وليس أصحاب الكبائر من الذنوب منهم؛ لأنهم لا يستحلون ما ذكر، ويعتقدون تحريمها، مع ارتكابهم إياها، ومعنى: ﴿زُيِّنَ لَهُ:﴾\nشبه له، وموه عليه قبيح عمله. انتهى. خازن، وغيره.","vol":"7","page":643},{"text":"﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ أي: أفمن زين له سوء عمله؛ بأن غلب وهمه، وهواه على عقله؛ حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقا، والقبيح حسنا كمن لم يزين له؛ بل وفق؛ حتى عرف الحق، واستحسن الأعمال الحسنة، واستقبح القبيحة منها على ما هي عليه. فحذف خبر المبتدأ لدلالة الكلام الآتي عليه.\n ﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ:﴾ يضل من شاء إضلاله، فلا ينفعه نزول الآيات، وكثرة المعجزات؛ إن لم يهده الله ﷿، وذلك؛ لأن الآيات الباهرة، التي ظهرت على يد الرسول ﷺ بلغت في الكثرة، وقوة الدلالة إلى حالة يستحيل فيها أن تصير مشتبهة على عاقل، فطلب آيات أخرى بعد ذلك لا يفيد شيئا. ويهدي من يشاء هدايته وتوفيقه إلى الإيمان والطاعة.\nهذا؛ ومصدر الفعل ﴿يُضِلُّ:﴾ الإضلال، وهو: خلق فعل الضلال في العبد. والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد. هذا هو الحقيقة عند أهل السنة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، فكيف يعذبه الله؟ والجواب أن معنى خلق الضلال... إلخ: تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه لم يختر سوى الكفر، والضلال، ولذا قدره الله عليه. هذا بالإضافة إلى اختياره الضلال، بعد أن بين الله لكل واحد الخير، والشر، والحسن، والقبيح، كما قال الله ﷿:\n ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بيّنا له طريق الخير، وطريق الشر.\nهذا؛ وقال علماء التوحيد: ليس معنى إضلال الله لفريق من الناس، وهدايته لفريق آخر: أنه تعالى يجبر كلاّ منهما على الضلالة، والهدى، ولا أنه يكرههم على سلوك سبيلي: الخير، والشر، كلاّ فإن هذا الإكراه مناف للعدل الإلهي؛ بل مناف لحكمة التشريع السماوي، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة القاطعة، الدالة على أن العبد له إرادة، واختيار، هما مناط التكليف، والمؤاخذة، وكذلك فهم الصحابة والسلف الصالح. سأل رجل عليا، ﵁، فقال: أكان مسيرك إلى الشام-يعني: لقتال أهلها-بقضاء الله، وقدره؟ فقال له: ويحك، لعلك ظننت قضاء لازما، وقدرا حاتما، ولو كان كذلك؛ لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد، والوعيد. إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، فكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثا، ولا خلق السموات، والأرض وما بينهما باطلا. ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾. انتهى. وعلى ضوء هذا يفهم معنى الهداية، والإضلال. انتهى. صابوني.\n ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ:﴾ والمعنى: فلا تهلك نفسك عليهم للتحسر على كفرهم، وضلالهم، وإصرارهم على تكذيبك، ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [١٧٦] من سورة (آل عمران): ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ،﴾ وفي الآية رقم [٦] من سورة (الكهف):\n ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا،﴾ وفي الآية رقم [٣] من سورة","vol":"7","page":644},{"text":"(الشعراء): ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ:﴾ هذا الفعل أبلغ من قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ من حيث إن الصنع عمل الإنسان، بعد تدرب فيه، وتروّ، وتحري إجادة، ولذلك ذم الله به خواص اليهود في الآية رقم [٦٣] من سورة (المائدة)، بينما ذم عوامهم بقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ رقم [٦٢] منها.\nتنبيه: الفعل ﴿زُيِّنَ﴾ مبني للمجهول، وهو يحتمل أن يكون المزين الله ﷿، ويحتمل أن يكون المزين هو الشيطان، وقد صرحت الآية رقم [٤] من سورة (النمل) أن المزين هو الله تعالى، بينما صرحت الآية رقم [٢٤] منها بأن المزين هو الشيطان، وفي ذلك قال الزمخشري -رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته؛ أي: في الآية رقم [٤] من سورة (النمل) أي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ..﴾. إلخ، وأسنده إلى الشيطان في قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ..﴾. إلخ رقم [٢٤] منها؟ قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله ﷿ مجاز، وله طريقان في علم البيان: أحدهما: أنه من المجاز الذي يسمى استعارة. والثاني: أنه من المجاز الحكمي.\nفالطريق الأول: أنه لما متعهم بطول العمر، وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم، وإيثارهم الراحة، والترف، ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة، والمشاق المتعبة، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإليه أشارت الملائكة -صلوات الله وسلامه عليهم-في قوله تعالى، حكاية عن قولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (الفرقان).\nالطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان، وتخليته؛ حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: إن الأعمال التي وجب عليهم أن يعملوها زينها الله لهم، فعموا عنها، وضلوا. ويعزى إلى الحسن. انتهى. كشاف. هذا؛ وقد بينات في آية (النمل) رقم [٢٤] أن المزين في الحقيقة هو الله تعالى، وهذا مذهب أهل السنة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوب الكافرين، وليس له قدرة أن يضل، أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته سلطه عليه؛ حتى يقبل وسوسته. وهذا مبني على أن العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله تعالى، كما قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ وما قاله الزمخشري مبني على مذهبه في الاعتزال من أن العبد يخلق أفعال نفسه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.\n (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿زُيِّنَ:﴾ ماض مبني للمجهول.\n ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سُوءُ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف، و﴿عَمَلِهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَرَآهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (رآه):","vol":"7","page":645},{"text":"فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والهاء مفعول به. ﴿حَسَنًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: كمن لم يزين له... إلخ، وقد صرح به في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ الآية رقم [١٩] من سورة (الرعد)، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. هذا؛ واعتبر بعضهم (من) اسم شرط، وجواب الشرط محذوف، تقديره: ذهبت نفسك عليهم حسرة. وهو ضعيف، كما ترى.\n ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُضِلُّ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فَمَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يضل الذي، أو: شخصا يشاء إضلاله، وجملة: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وإعرابها مثلها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٥]. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَذْهَبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا). ﴿نَفْسُكَ:﴾ فاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويقرأ بضم التاء وكسر الهاء من الرباعي، ونصب: ﴿نَفْسُكَ﴾ على أنه مفعول به، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حَسَراتٍ:﴾ مفعول لأجله، أو حال.\nوقيل: مفعول مطلق، وهو ضعيف، كما قيل: تمييز، وهو ضعيف أيضا، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿فَلا تَذْهَبْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿فَإِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.\n ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عليم بالذي، أو: بشيء يصنعونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: عليم بصنعهم.\n ﴿يَصْنَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n\n<span id=\"aya-3669\"></span>﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ﴾ أي: والله تعالى بقدرته هو الذي أرسل الرياح مبشرة بنزول المطر، كما قال تعالى في الآية رقم [٦٣] من سورة (النمل): ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ﴾","vol":"7","page":646},{"text":"﴿رَحْمَتِهِ،﴾ ومثلها في الآية رقم [٥٧] من سورة (الأعراف)، و(الفرقان) رقم [٤٨]. وقال في (الروم) رقم [٤٦]: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾. هذا؛ وقرئ: «(الريح)»، ونص الآية هنا مثلها في الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم) أيضا.\n ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا:﴾ انظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم) ففيها الكفاية. ﴿فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي: لا نبات فيه، وانظر شرحه في الآية رقم [١٥] من سورة (سبأ). ﴿فَأَحْيَيْنا بِهِ﴾ أي: بالمطر النازل منه، وذكر السحاب كذكره، أو بالسحاب، فإنه سبب السبب، أو الصائر مطرا. ﴿الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها:﴾ بعد يبسها، فإن الأرض تكون هامدة، لا نبات فيها، فإذا أراد الله إحياءها بالنبات؛ أنزل عليها المطر، بواسطة نقل السحاب له حيث أراد الله تعالى، كما قال جل ذكره في الآية رقم [٥] من سورة (الحج): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.\n ﴿كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: مثل إحياء الأرض الموات نشور الأموات في صحة قدرة الله تعالى.\nروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة عن أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادي أهلك ممحلا، ثمّ مررت به يهتزّ خضرا؟». قلت: نعم يا رسول الله! قال: «فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه».\nهذا؛ وفي هذه الجملة تشبيه التمثيل. ووجه التشبيه من وجوه: أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها، كذلك الأعضاء تقبل الحياة. وثانيها: كما أن الريح تجمع القطع السحابية، كذلك تجمع أجزاء الأعضاء، وأبعاض الأشياء. وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت، كذلك نسوق الروح إلى الجسد الميت. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nتنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم جاء ﴿فَتُثِيرُ﴾ على المضارعة دون ما قبله، وما بعده؟ قلت: ليحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصور البديعة، الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، أو تهمّ المخاطب، أو غير ذلك كما قال تأبط شرّا: [الوافر] فمن ينكر وجود الغول إني... أخبر عن يقين بل عيان\nبأني قد لقيت الغول تهوي... بسهب كالصحيفة صحصحان\nفأضربها بلا دهش فخرّت... صريعا لليدين وللجران\nلأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدة، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر لما كانا من الدلائل","vol":"7","page":647},{"text":"على القدرة الباهرة، قيل: (فسقنا) و(أحيينا) معدولا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص، وأدل عليه. انتهى. وانظر شرح (ميت) في الروم رقم [١٩].\nالإعراب: (الله): مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره.\n ﴿أَرْسَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: (الله الذي...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَتُثِيرُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (تثير): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرِّياحَ﴾ تقديره: «هي». ﴿سَحابًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والعائد في الأولى عائد في هذه بسبب العطف. ﴿فَسُقْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (سقناه):\nفعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِلى بَلَدٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَيِّتٍ:﴾ صفة ﴿بَلَدٍ﴾.\n (أحيينا): فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف حال من الأرض، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: (أحيينا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، وذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿النُّشُورُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3670\"></span>﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ:﴾ الشرف، والمنعة، والمجد، والسيادة. والمعنى: من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها؛ لأن العزة إذا كانت تؤدي إلى ذلة، فإنما هي تعرض للذلة، والعزة التي لا ذل معها لله ﷿. انتهى. قرطبي. ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا:﴾ المعنى: من كان يريد العزة، ويرغب فيها؛ فليتعزز بطاعة الله؛ أي: فليطلب العزة من عند الله بطاعته. وذلك: أن الكفار عبدوا الأصنام، وطلبوا التعزز بها، كما قال جل ذكره: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا،﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فمن أراد العزة؛ فليقصد بالعزة الله سبحانه، والاعتزاز به، فإنه من اعتز بغير الله؛ أذله الله، ومن اعتز بالله أعزه الله. وقال النبي ﷺ: «من أراد عزّ الدّارين فليطع العزيز». ولقد أحسن من قال: [الكامل] وإذا تذلّلت الرّقاب تواضعا... منها إليك فعزّها في ذلّها\nوانظر الآية رقم [١٥] الآتية، وانظر الآية رقم [١٨٠] من سورة (الصافات) ففيها فضل بيان.","vol":"7","page":648},{"text":"﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ:﴾ هذا يتناول الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن. روى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود﵁قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى: إن العبد المسلم إذا قال: «سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله» أخذهن ملك، فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الله، ﷿، ثم قرأ عبد الله -﵁-: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وأنشدوا: [الكامل] لا ترض من رجل حلاوة قوله... حتّى يزيّن ما يقول فعال\nفإذا وزنت فعاله بمقاله... فتوازنا فإخاء ذاك جمال\n ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ:﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وفي الحديث الشريف: «لا يقبل الله قولا إلاّ بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنّة». وقال ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. وفيه قيل: [الخفيف] لا يكون المقال إلاّ بفعل... كلّ قول بلا فعال هباء\nإنّ قولا بلا فعال جميل... ونكاحا بلا وليّ سواء\nهذا؛ وصعود الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله تعالى كناية عن قبولهما عنده، أو المراد: صعود الكتبة بصحيفتهما. قال القرطبي: والظاهر: أن العمل الصالح شرط في قبول القول الطيب، وقد جاء في الآثار: أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله بنية صادقة؛ نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان العمل موافقا لقوله؛ صعدا جميعا، وإن كان عمله مخالفا؛ وقف قوله؛ حتى يتوب من عمله. فعلى هذا العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله، وهذا قول ابن عباس، وشهر بن حوشب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأبي العالية، والضحاك﵃ أجمعين-. وعليه فالعمل الصالح هو السبب في رفع الكلم الطيب. هذا؛ وعلى أن الكلم الطيب هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح؛ لأنه لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد، أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، فالضمير المنصوب يعود على: ﴿(الْعَمَلُ الصّالِحُ)﴾. وروي هذا القول عن شهر بن حوشب. وقيل: الفاعل يعود إلى (الله) أي: إن العمل الصالح يرفعه الله على الكلم الطيب؛ لأن العمل تحقيق الكلم، والعامل أكثر تعبا من القائل. وهذا هو حقيقة الكلام؛ لأن الله هو الرافع، الخافض، والثاني والأول مجاز، ولكنه سائغ جائز.\nقال النحاس: القول الأول أولاها، وأصحها؛ لعلو من قال به، وأنه في العربية أولى؛ لأن القراء على رفع العمل، ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعه، أو العمل الصالح","vol":"7","page":649},{"text":"يرفعه الكلم الطيب؛ لكان الاختيار نصب العمل، ولا نعلم أحدا قرأه منصوبا، إلا شيئا روي عن عيسى بن عمر أنه قال: قرأه أناس: «(والعمل الصالح يرفعه الله)». وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزة، وعلم أنها تطلب من الله تعالى. ذكره القشيري. انتهى.\nقرطبي بتصرف.\nأقول: مضمون القول الأول والثاني هو ما ذكرته من الاحتراس كثيرا؛ لأن الإيمان، والعمل الصالح قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه. والله الموفق والمعين.\n ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ..﴾. إلخ: قال ابن عباس، وشهر بن حوشب الأشعري، ومجاهد، وقتادة﵃ أجمعين-: هم المراءون بأعمالهم؛ أي: يمكرون بالناس، يوهمون:\nأنهم في طاعة الله تعالى، وهم بغضاء إلى الله ﷿، يراءون بأعمالهم، ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾. وقال أبو العالية، وابن أسلم: هم المشركون الذين مكروا بالنبي ﷺ لما اجتمعوا في دار الندوة. والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي: يفسد، ويبطل، ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر، والنهى، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ، فالمرائي لا يروج أمره، ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون، فلا يروج ذلك عليهم؛ بل ينكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية. انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ وقصر الزمخشري القول على أن المراد بالذين يمكرون السيئات هم مشركون قريش؛ ولذا قال: ومكر أولئك الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة يبور، دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة، وقتلهم، وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعا، وحقق فيهم قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ،﴾ وقوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. انتهى. وانظر المكر في الآية رقم [٣٣] من سورة (سبأ).\nهذا؛ ﴿وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ:﴾ يهلك، ويضيع، ويفسد، ويبطل. وقوله تعالى: ﴿وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هلكى، قال ابن عباس﵄-: مأخوذ من البوار، وهو الهلاك. وقال بعضهم: الواحد: بائر، والجمع: بور، كما يقال: عائذ، وعوذ. وقيل: بورا: عميا عن الحق.\nوفي المصباح: بار الشيء، يبور، بورا بالضم: هلك، وبار الشيء، بورا: كسد على الاستعارة؛ لأنه إذا ترك؛ صار غير منتفع به، فأشبه الهالك من هذا الوجه. ورجل بائر: فاسد، لا خير فيه.\nوفي الأساس: «وفلان له نوره، وعليك بوره» أي: هلاكه. ونزلت بوار على الكفار، أي: هلاك.\nومن المجازات: بارت البياعات: كسدت. وسوق بائرة: لا رواج فيها. وبارت الأيّم: إذا لم يرغب فيها أحد. وكان الرسول ﷺ يتعوذ من بوار الأيّم، وبارت الأرض: إذا لم تزرع، وأرض","vol":"7","page":650},{"text":"بوار، وأرضون بوار. ودار البوار: جهنم، قال تعالى في حق زعماء الكفار: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ الآية رقم [٢٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه، تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان. ﴿الْعِزَّةَ:﴾ مفعول به، وجواب الشرط محذوف تقديره: من كان يريد العزة؛ فليطلبها من الله بطاعته، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط.\nوقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان. وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلِلّهِ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿الْعِزَّةَ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من: ﴿الْعِزَّةَ﴾ وجاز ذلك؛ لأن العزة أنواع كثيرة.\nوالجملة الاسمية تعليل للأمر المقدر جوابا للشرط، كما رأيت. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والتقدير أفاد الاختصاص. ﴿يَصْعَدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْكَلِمُ:﴾ فاعله.\n ﴿الطَّيِّبُ:﴾ صفة ﴿الْكَلِمُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والاستئناف أقوى. ﴿وَالْعَمَلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (العمل): مبتدأ.\n ﴿الصُّلْحُ:﴾ صفة له. ﴿يَرْفَعُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ،﴾ أو هو يعود إلى: ﴿(الْعَمَلُ الصّالِحُ)﴾، أو لله تعالى، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَمْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به على اعتباره متعديا بمعنى: يعملون، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يمكرون المكرات السيئات. وقيل: هو مفعول مطلق؛ لأن ﴿يَمْكُرُونَ﴾ بمعنى: يسيئون السيئات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عَذابٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور؛ أي:\nبمتعلقهما، وعلى كل فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَكْرُ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (مكر): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿أُولئِكَ﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له، أو هو مبتدأ، وجملة: ﴿يَبُورُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وعلى اعتبار الضمير فصلا؛ فجملة ﴿يَبُورُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":651},{"text":"<span id=\"aya-3671\"></span>﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ أي: خلق أصلكم (وهو آدم) من تراب، وقد صرحت الآيات بسورة (الحجر) وسورة (الرحمن) وغيرهما بذلك. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ وهو المني؛ الذي يصب في رحم المرأة. هذا؛ وذكرت في سورة (الحج) وغيرها أن هذا الخلق من التراب على تأويلين: أحدهما غير مباشر، والثاني مباشر؛ فالأول خلق أبينا آدم من تراب، كما رأيت في سورة (الحجر) رقم [٢٦]. والثاني: كل واحد منّا خلق من التراب، وذلك إذا نظرنا إلى المادة التي يتخلق منها الإنسان، فإنها من الدم بلا ريب، والدم مصدره من الطعام، والشراب، وأنواع الغذاء، وكل ذلك مخرجه من التراب، كما هو معروف. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ وهو المني سمي نطفة لقلته، وفي آية الحج رقم [٥] زيادة: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾.\n ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا:﴾ ذكرانا، وإناثا لطفا منه، ورحمة أن جعل لكم أزواجا من جنسكم لتسكنوا إليها، وزوج بعضكم من بعض؛ ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضائها، وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الروم). ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٨]: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾.\n ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ أي: وما يطول عمر أحد من الخلق، فيصبح هرما، ولا ينقص من عمر أحد، فيموت وهو صغير، أو شاب، إلا وهو مسجل في اللوح المحفوظ، لا يزاد فيما كتاب الله، ولا ينقص. وروي عن ابن عباس﵄-:\nأنه قال في هذه الجملة: المعنى: ليس أحد قضيت له بطول العمر، والحياة، إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب؛ الذي قدرت، لا يزاد عليه.\nوليس أحد قدرت له بأنه قصير العمر والحياة ببالغ، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يُنْقَصُ..﴾. إلخ. وقد فسر قول ابن عباس هذا بأن للعبد أجلين: أحدهما ثابت، والثاني معلق على فعل شيء، واستدل له بما رواه أنس﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه». رواه البخاري، ومسلم، والنسائي، واللفظ له. وقد مر هذا مفصلا بحمد الله عند قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٩] من سورة (الرعد) فلا حاجة إلى المزيد هنا على ما ذكرته هناك. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ أي: ما ذكر في هذه الآية من دلائل على قدرته. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ:﴾ هين","vol":"7","page":652},{"text":"سهل؛ لأنه تعالى لا يفتقر في فعل ذلك إلى معاون، ولا إلى مساعد؛ لأنه إذا أراد شيئا؛ فإنما يقول له: كن فيكون. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ تُرابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: مبتدئا خلقكم من تراب. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به أول. ﴿أَزْواجًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَحْمِلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿أُنْثى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة المقدرة على الألف للتعذر، ويقال: مجرور لفظا، مرفوع محلا، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر في: ﴿جَعَلَكُمْ﴾ فالرابط يكون الواو، والضمير المتصل ب: (علمه)؛ لأن الجملتين المتعاطفتين كالجملة الواحدة. هذا؛ ومفعول ﴿تَحْمِلُ﴾ محذوف للتعميم.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَضَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿أُنْثى،﴾ ومفعوله محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿بِعِلْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَضَعُ﴾ المستتر، التقدير: إلا معلومة بعلمه.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يُعَمَّرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مُعَمَّرٍ:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُنْقَصُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ويقرأ بالبناء للمعلوم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عُمُرِهِ:﴾ نائب فاعل، أو فاعل مرفوع على الاعتبارين، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على (المعمر) أو على معمّر آخر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من عمره، التقدير: إلا مسجلا ذلك في كتاب. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما. ﴿يَسِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية قبلها مستأنفة أيضا، لا محل لها.","vol":"7","page":653},{"text":"<span id=\"aya-3672\"></span>﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ:﴾ هذا مثل ضربه الله للمؤمن، والكافر. وانظر شرح:\n ﴿يَسْتَوِي﴾ في الآية رقم [١٩] الآتية. ﴿هذا عَذْبٌ:﴾ حلو. ﴿فُراتٌ:﴾ شديد العذوبة، قاطع لحرارة العطش لشدة عذوبته. وفي القاموس: فرت، ككرم، فروتة: عذب. ﴿سائِغٌ شَرابُهُ:﴾ سهل انحداره في الحلقوم لعذوبته. ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ:﴾ شديد الملوحة، ولشدة ملوحته فيه مرارة، وفي القاموس: أج الماء أجوجا بالضم، يأجج، كسمع وضرب، ونصر: إذا اشتدت ملوحته. انتهى.\n ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا..﴾. إلخ: فهو إما استطراد لبيان صفة ﴿الْبَحْرانِ﴾ وما فيهما من النعم، والمنافع، وإما تكملة للتمثيل، على معنى: أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد؛ لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات، فكذلك المؤمن، والكافر، وإن اشتركا في بعض الصفات، كالشجاعة، والسخاوة، ونحوهما؛ لا يتساويان في الخاصية العظمى؛ لبقاء أحدهما على فطرته الأصلية. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود.\nهذا؛ وقد عد هذا الكلام من الاستعارة التمثيلية. وهو تركيب استعمل في غير موضعه لعلاقة المشابهة. هذا؛ وأما الاستطراد؛ فهو أن يبني الشاعر، أو الكاتب كلاما كثيرا على كلام من غير ذلك النوع، يقطع عليه الكلام وهو مراده، دون جميع ما تقدم. ويعود إلى كلامه الأول، وجل ما يأتي تشبيها؛ فقد استطرد في الآية إلى ذكر البحرين: المالح، والعذب، وما علق بهما من نعمته، وعطائه، وهو ما يلي في بقية الآية، واعتبر أحمد محشي الكشاف من الاستطراد البديع، قول الشاعر: [الطويل] إذا ما اتّقى الله الفتى وأطاعه... فليس به بأس، وإن كان من جرم\nوقول حسان﵁في هجاء الحارث بن هشام، وهزيمته يوم بدر: [الكامل] إن كنت كاذبة الّتي حدّثتني... فنجوت منجى الحارث بن هشام\nترك الأحبّة أن يقاتل دونهم... ونجا برأس طمرّة ولجام\n ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها:﴾ كما قال جل ذكره في سورة (الرحمن) رقم [٢٢]: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ لأجل الزينة، والتحلّي بهما، ولبس الحلية بحسبها، فالخاتم يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرّجل. ﴿وَتَرَى:﴾ خطاب لكل من","vol":"7","page":654},{"text":"ينظر، ويبصر، ويتفكر، ويعتبر. ﴿الْفُلْكَ:﴾ السفن، وانظر شرحه في الآية رقم [١١٩] من سورة (الشعراء). ﴿مَواخِرَ:﴾ تمخر الماء؛ أي: تشقه بحيزومها، وهو مقدمها المسنم، الذي يشبه جؤجؤ الطير، وهو صدره. ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: بسبب السفر في البواخر، والسفن، ونقل البضائع على متنها من بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، وذلك في مدة قريبة، وقصيرة، ولو كانت المسافات بعيدة. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ الله على فضله، وإنعامه. وقيل: على ما أنجاكم من هوله؛ إذا كنتم في لجته، وانظر شرح: البر والبحر في الآية رقم [٦٤] من سورة (الشعراء).\nتنبيه: وقد ذكر الله من منافع البحرين الأكل؛ لأنه أعظم المقصود؛ لأن به قوام البدن، وفي ذكر الطري مزيد فائدة دالة على كمال قدرة الله تعالى، وذلك: أن السمك لو كان كله مالحا لما كان فيه فائدة للإنسان، ووصفه بالطري؛ لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع من يصيده إلى أكله.\nوثنى بالصيد من البحر، وإخراج الحلية منه، كاللؤلؤ، والمرجان، ونحوهما. وأسند لبس الحلية للرجال، وهي من زينة النساء؛ لأنهن من جملة الرجال، ولأنهن يتزيّن بها من أجلهم، وثلث بنعمة جريان السفن في البحار؛ لما في ذلك من الفوائد العظيمة، والأرباح الجسيمة، التي يجنيها ابن آدم من ذلك بقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: تطلبوا الأرباح بالتجارة، ثم عقب ذلك بطلب الشكر على إسداء هذه النعم لبني آدم.\nهذا؛ و(الحلية) بكسر الحاء، والجمع: حلى بالقصر، وتضم الحاء، وتكسر، وحلية السيف: زينته. قال ابن فارس: ولا تجمع. وتحلت المرأة: لبست الحلي، أو اتخذته. وحليتها (بالتشديد): ألبستها الحلي، أو اتخذته لها لتلبسه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٤]: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْبَحْرانِ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿عَذْبٌ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿فُراتٌ:﴾ صفة له. ﴿سائِغٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿شَرابُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان. هذا؛ وأجيز اعتبار سائغ خبرا ثانيا، فيكون شرابه فاعلا به، والجملة الاسمية: ﴿هذا..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿الْبَحْرانِ﴾ والرابط: اسم الإشارة، والضمير، وإن كان مفردا، وصاحب الحال مثنى، فعطف جملة:\n ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ يجعله مثنى. تأمل. وإن اعتبرت الجملة الأولى مستأنفة؛ فالمعنى لا يأباه،","vol":"7","page":655},{"text":"وهو سائغ، فالجملة الاسمية لا محل لها، والثانية معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ﴾ مستأنفة، لا محل لها أيضا.\n ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من كلّ): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والتنوين عوض من المضاف إليه. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَحْمًا:﴾\nمفعول به. ﴿طَرِيًّا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿تَلْبَسُونَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿حِلْيَةً﴾. ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْفُلْكَ:﴾ مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما؛ لأنه جمع: ماخرة. ﴿مَواخِرَ:﴾ حال من الفلك، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مَواخِرَ﴾.\n ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والضمير يعود إلى الله تعالى. وقيل: يعود إلى البحر.\n ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة:\n ﴿تَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية معطوفة على ﴿لِتَبْتَغُوا..﴾. إلخ فهي مفيدة للتعليل مثلها.\n\n<span id=\"aya-3673\"></span>﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ ... ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ انظر الآية رقم [٤٥] الآتية، ففيها الكفاية، والله ولي التوفيق. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي: هذا الذي من صنعه ما تقرر هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر، فهو الحقيق بالعبادة، والتنزيه، والتقديس، وهو العظيم الشأن، الذي له الملك، والسلطان، والتصرف الكامل في هذا الكون الواسع المترامي الأطراف. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: والذين تعبدون من دون الله من الأوثان، والأصنام لا يملكون شيئا ولو بمقدار القطمير، وهو القشرة الرقيقة؛ التي تحيط بنواة التمرة. قال المفسرون: وهو مثل يضرب في القلة والحقارة. والأصنام لضعفها، وهوان شأنها، وعجزها عن أي تصرف صارت مضرب المثل في حقارتها بأنها لا تملك فتيلا، ولا قطميرا. ومثل هذه الآية في تحقير الأصنام،","vol":"7","page":656},{"text":"وتصغير شأنها قوله تعالى في الآية رقم [٤١] من سورة (العنكبوت): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٧٣]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ..﴾. إلخ.\nتنبيه: في نواة التمرة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة: الفتيل، وهو الخيط الذي يكون في شق النواة. والنقير، وهو النقرة الموجودة في ظهرها. وكلاهما ذكر في سورة (النساء) مرتين.\nوالقطمير، وهو اللفافة التي تحيط بالنواة. والثفروق، وهو ما بين القمع، والنواة. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿يُولِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿اللَّيْلَ:﴾\nمفعول به. ﴿فِي النَّهارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو من مفعول: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ المحذوف العائد على (الله) فلست مفندا، ويكون الرابط الضمير فقط. وقيل: حال من فاعل:\n ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وهو بعيد، وجملة: ﴿وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَسَخَّرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سخر): ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا.\n ﴿الشَّمْسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وعلى اعتبار الحالية ف: «قد» قبلها مقدرة، ﴿وَالْقَمَرَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كُلٌّ:﴾\nمبتدأ، وجوز الابتداء به الإضافة المقدرة. ﴿يَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلٌّ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿لِأَجَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة: (أجل) مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية:\n ﴿كُلٌّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ والرابط: الضمير المقدر.\n ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ خبر ثان، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وإن اعتبرت ﴿رَبُّكُمْ﴾ بدلا من لفظ الجلالة؛ فلست مفندا. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان، أو ثالث، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: واو الحال، وهو ضعيف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: والذين تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من","vol":"7","page":657},{"text":"الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قِطْمِيرٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها..\n\n<span id=\"aya-3674\"></span>﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: إن تستغيثوا بهم في النوائب، وتطلبوا معونتهم في الشدائد؛ ﴿لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ:﴾ لأنها جمادات لا تبصر، ولا تسمع، ولا تعي ما يقال لها. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا:﴾ على الفرض، والتقدير، والتسليم بأنها تسمع؛ ﴿مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ:﴾ ما أجابوكم بشيء، ولا أعانوكم بشيء قطعا. هذا؛ والسين، والتاء زائدتان في الفعل: (استجاب) لأنه بمعنى: أجاب. قال كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل] وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nأي: فلم يجبه، وعند التأمل تجد الفعل في الآية تعدّى بواسطة حرف الجر، وفي البيت تعدى بنفسه. والفرق بين الآية، والبيت: أن الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه، وإلى الداعي باللام. ويحذف الدعاء إذا عدّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه، أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب الله له دعاءه، وأما البيت فمعناه: لم يستجب دعاءه على حذف المضاف.\nوانظر شرح (يسمع) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم). ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: يجحدون أنكم عبدتموهم، ويتبرءون منكم، كما قال تعالى في الآية رقم [٦] من سورة (الأحقاف): ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. الآيتان من سورة (مريم)، والخطاب لكفار قريش الذين عبدوا الحجارة، والأوثان من دون الله. ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور، ومآلها، وما تصير إليه مثل خبير بها. قال قتادة﵀-:\nيعني نفسه ﵎، فإنه أخبر بالواقع لا محالة، والمخاطب بذلك النبي ﷺ.\nوقال النسفي: ولا ينبئك أيها المفتون بأسباب الغرور، كما ينبئك الله الخبير بخبايا الأمور.\nوتحقيقه: ولا يخبرك بالأمر مخبر، هو مثل خبير عالم به. يريد: أن الخبير بالأمر وحده هو","vol":"7","page":658},{"text":"الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق؛ لأني خبير بما أخبرت به. انتهى.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَدْعُوهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُوا:﴾\nفعل مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله. ﴿دُعاءَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَسْمَعُوا:﴾\nماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِسْتَجابُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف.\n (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و(يوم): مضاف، و﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿بِشِرْكِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ومفعوله محذوف، التقدير: بشرككم إياهم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا):\nنافية. ﴿يُنَبِّئُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿مِثْلُ:﴾ فاعله، و﴿مِثْلُ﴾ مضاف، و﴿خَبِيرٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3675\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ:﴾ الخطاب لجميع البشر؛ لتذكيرهم بنعم الله الجليلة عليهم؛ أي: أنتم المحتاجون إليه تعالى في بقائكم، وكل أحوالكم، وفي جميع حركاتكم، وسكناتكم. ﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:﴾ غني عن عباده، غير محتاج إليهم في شيء، ومحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد، في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات.\nقال النسفي-رحمه الله تعالى-: لم يسمهم بالفقراء للتحقير؛ بل للتعريض على الاستغناء، ولهذا؛ وصف نفسه بالغني، الذي هو مطعم الأغنياء، وذكر الحميد ليدل به على أنه الغني،","vol":"7","page":659},{"text":"النافع بغناه خلقه، والجواد المنعم عليهم؛ إذ ليس كل غني نافعا بغناه، إلا إذا كان الغني جوادا منعما، وإذا جاد، وأنعم؛ حمده المنعم عليهم. قال سهل: لما خلق الله الخلق؛ حكم لنفسه بالغنى، ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى؛ حجب عن الله، ومن أظهر فقره؛ أوصله فقره إليه.\nفينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسر إليه، ومنقطعا عن الغير إليه، حتى تكون عبوديته محضة؛ فالعبودية هي الذل والخضوع، وعلامته ألاّ يسأل من أحد.\nوقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل. وقال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنيا بالله، وكلما ازداد افتقارا إلى الله؛ ازداد غنى. وقال يحيى:\nالفقر خير للعبد من الغنى؛ لأن المذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة، خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال. وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء، وقال الشبلي: الفقر يجر البلاء، وبلاؤه كله عز. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠]، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿أَنْتُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفُقَراءُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية لا محل لها كالجملة الندائية قبلها؛ لأنها ابتدائية مثلها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿الْفُقَراءُ؛﴾ لأنه جمع: فقير، وهو صفة مشبهة. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿اللهِ:﴾ مبتدأ. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له، وأجيز اعتباره توكيدا للفظ الجلالة، وعليه: ﴿الْغَنِيُّ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَمِيدُ:﴾ خبر ثان، وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، وما بعده خبران له؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وهو أقوى من اعتبارها حالية.\n\n<span id=\"aya-3676\"></span><span id=\"aya-3677\"></span>﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي: لو شاء الله تعالى إهلاككم؛ لأهلككم، وأفناكم، وأتى بقوم آخرين غيركم، وفي هذا؛ وعيد، وتهديد. ومثله قوله تعالى في سورة (محمد) ﷺ رقم [٣٨]: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾. ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: وليس ذلك بصعب، أو ممتنع على الله؛ بل هو سهل يسير عليه سبحانه؛ لأن أمره بين الكاف والنون، إذا قال للشيء: كن؛ فيكون، ومثله في سورة (إبراهيم) رقم [٢٠] على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى (الله)، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُذْهِبْكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة","vol":"7","page":660},{"text":"جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَيَأْتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (يأت): فعل مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله يعود إلى (الله) أيضا، ومثل هذا الفعل يجوز رفعه، ونصبه، قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا، أو الواو بتثليث قمن\nولكن لم يقرأ الفعل هنا بغير الجزم. ﴿بِخَلْقٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿جَدِيدٍ:﴾ صفة له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِعَزِيزٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة.\n (عزيز): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا فيه ضعف.\n\n<span id=\"aya-3678\"></span>﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى:﴾ يعني: لا تؤاخذ نفس بإثم أخرى، ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر، وذلك: أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين:\n ﴿اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ،﴾ بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتاب عليكم من الذنوب والسيئات. هذا؛ وأصل: ﴿تَزِرُ:﴾ (توزر) لأن ماضيه: وزر، فحذفت الواو لوقوعها ساكنة بين عدوتيها، وهما الياء، والكسرة في مضارع الغائب: «يزر» وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، والأمر: زر فيما يظهر، ومصدره: وزر، بفتح الواو وكسرها، وهو بمعنى: الإثم، والثقل أيضا، والوزر بفتح الواو، والزاي: الملجأ، والمستغاث، قال تعالى:\n ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾. ومن المعنيين يؤخذ اسم وزير السلطان، فإنه يحمل ثقل دولته، ويلجأ إليه السلطان في المهمات، فيستشيره بذلك. ومعنى الآية: يتبرأ كل واحد من أوزار غيره، حتى إن الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة، فتقول: يا بني ألم يكن حجري لك وطاء؟ ألم يكن ثديي لك سقاء؟ ألم يكن بطني لك وعاء؟ فيقول: بلى يا أمّه! فتقول: يا بني! إن ذنوبي أثقلتني، فاحمل عني منها ذنبا واحدا، فيقول: إليك عني يا أمّه! فإني بذنبي عنك اليوم مشغول.","vol":"7","page":661},{"text":"خذ قوله تعالى في سورة (المعارج): ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ،﴾ وقوله جل ذكره في سورة (عبس):\n ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.\nتنبيه: عن عمر بن الخطاب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الميّت يعذّب في قبره بما نيح عليه». رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجة، والنسائي؛ إلا أنه قال: «بالنياحة عليه».\nفلا تعارض بين الآية، والحديث، فإن الحديث محمول على ما إذا كان النوح من وصية الميت، وسنته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طرفة بن العبد البكري وهو من معلقته: [الطويل] إذا متّ فانعيني بما أنا أهله... وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد\nوذهب جماعة من أهل العلم، -منهم داود الظاهري-إلى الأخذ بظاهر الحديث، وأنه إنما يعذب بنوح النساء؛ لأنه أهمل النهي عنه قبل موته، فيعذب بتفريطه بذلك.\n ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى:﴾ المعنى وإن تطلب نفس مثقلة بالأوزار، وتسأل أحدا ليحمل عنها بعض أوزارها؛ لا يتحمل عنها شيئا، ولو كان المدعو المسئول قريبا لها، كالأم، والأب، والولد، والأخ، والصديق، والزوجة... إلخ، وهو صريح الآيات المذكورة آنفا، وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [٣٣]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما الفرق بين معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وبين معنى قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ..﴾. إلخ؛ قلت: الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه، وأنّه تعالى لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها. والثاني: فإنه لا غياث يومئذ لمن استغاث، حتى إن نفسا قد أثقلتها الأوزار، وبهظتها لو دعت إلى أن يخفف عنها بعض وزرها؛ لم تجب، ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب، أو ولد، أو أخ. انتهى. كشاف.\nوأما قوله تعالى في الآية رقم [١٣] من سورة (العنكبوت): ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ فهذا في حق الضالين المضلين، فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكان ذلك يعد من أوزارهم، ليس فيه شيء من أوزار غيرهم. انظر تفسيرها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ و(حمل) بفتح الحاء وسكون الميم، قال ابن السكيت: ما كان في بطن، أو على رأس شجرة، والحمل بالكسر: ما كان على ظهر، أو رأس، قال الأزهري: وهذا هو الصواب، وهو قول الأصمعي، وقال بعضهم: [الرجز] ما كان في بطن فذاك حمل... وإن على ظهر ورأس حمل","vol":"7","page":662},{"text":"وقال القرطبي: وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر. وقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل المرأة: حمل، وحمل، يشبه مرة لاستبطانه بحمل النخلة، ومرة لبروزه، وظهوره بحمل الدابة. وقال الرازي في مختاره: ويقال: امرأة حامل، وحاملة إذا كانت حبلى، فمن قال:\nحامل قال: هذا نعت لا يكون إلا للإناث، ومن قال: حاملة بناه على: حملت، فهي حاملة، وأنشد: [الوافر] تمخّضت المنون له بيوم... أتى ولكلّ حاملة تمام\nفإذا حملت المرأة شيئا على ظهرها، أو على رأسها، فهي حاملة لا غير؛ لأن الهاء إنما تلحق للفرق، فما لا يكون للمذكر، لا حاجة فيه إلى علامة التأنيث، فإن أتي بها فإنما هو على الأصل، هذا قول أهل الكوفة، وقال أهل البصرة: هذا غير مستمر؛ لأن العرب تقول: رجل أيّم وامرأة أيّم، ورجل عانس وامرأة عانس مع الاشتراك، وقالوا: امرأة مصيبة، وكلبة مجرية مع الاختصاص.\nقالوا: والصواب أن يقال: إن قولهم: حامل، وطالق، وحائض، ونحوها، أوصاف مذكرة وصف بها الإناث، كما أن الرّبعة، والرّاوية، والخجأة، أوصاف مؤنثة وصف بها الذكور. انتهى.\n ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: إنما تخوف الذين يخشون عقاب الله تعالى حالة كونهم غائبين عن عذابه، أو غائبين عن الناس في خلوتهم، أو غائبا عنهم عذاب الله تعالى، فهؤلاء هم الذين ينفعهم الوعظ، والنصح، ويجدي معهم التخويف، والإنذار، فهو كقوله تعالى:\n ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية رقم [١١] من سورة: (يس) والخطاب للنبي ﷺ، ويعم كل واعظ، ومرشد، وانظر شرح الغيب في الآية رقم [٣] من سورة (سبأ).\nقال الزمخشري: فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ بما قبله، قلت: لما غضب الله عليهم في قوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أتبعه الإنذار بيوم القيامة، وذكر أهوالها، ثم قال: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ كأن رسول الله ﷺ أسمعهم ذلك، فلم ينفع، فنزل: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ،﴾ أو أخبره الله تعالى بعلمه فيهم. انتهى. ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم) فهو جيد.\n ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ انظر الآية رقم [٤] من سورة (لقمان). وخصهم بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالإنذار؛ لأن من شأن الصلاة أن تهذب النفوس، وتلين الطبائع، وتصلح العمل، وإذا لم تفعل ذلك؛ فهي غير مقبولة عند الله، انظر الآية رقم [٤٥] من سورة (العنكبوت) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَمَنْ تَزَكّى:﴾ ومن طهر نفسه من أدناس المعاصي. ﴿فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ:﴾ فإن ثمرة تطهير نفسه عائدة عليه، فصلاحه، وتقواه مختص به، لا يتعداه لغيره. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ:﴾ إليه المرجع، والمآب، فهو يجازيه على عمله، ويجازي كل إنسان أيضا من ذكر، أو أنثى، وانظر شرح النفس في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم).","vol":"7","page":663},{"text":"الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَزِرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿وازِرَةٌ:﴾\nفاعل. ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أُخْرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَدْعُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها. ﴿مُثْقَلَةٌ:﴾ فاعل. ﴿إِلى حِمْلِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحْمَلْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، مبني للمجهول. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (شيء) كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿شَيْءٌ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَوْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه مستتر، التقدير: ولو كان المدعو. ﴿ذا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذا﴾ مضاف، و﴿قُرْبى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وقرئ: «(ولو كان ذو قربى)» على اعتبار ﴿كانَ﴾ تامة، أي:\nولو حضر ذو قربى، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قال الزمخشري: ونظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة. قال البيضاوي: وقرئ: «(ذو قربى)» على حذف الخبر، وهو أولى من جعل كان تامة، فإنها لا تلائم نظم الكلام، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون حالا، و﴿كانَ﴾ تامة، ولا وجه له قطعا، وجواب (لو) محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ولو كان المدعو ذا قربى لا يحمل من أوزار قريبه شيئا. ﴿وَلَوْ﴾ ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. وقيل: الواو واو الحال، وهذا لا يصح إلا إذا اعتبرنا (لو) وصلية، ولا جواب لها.\n ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿تُنْذِرُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت».\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير: «قد» قبلها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَزَكّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل","vol":"7","page":664},{"text":"الشرط، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿يَتَزَكّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠] وإن اعتبرت (من) موصولة؛ فالإعراب ظاهر، وقد مر معنا كثير مثله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِلَى:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(إِلَى اللهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3679\"></span><span id=\"aya-3680\"></span><span id=\"aya-3681\"></span>﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: الجاهل، والعالم، والكافر، والمؤمن. فهذا مثل ضربه الله لهما. أي: فكما لا يتساوى الأعمى مع البصير، فكذلك لا يتساوى المؤمن المستنير بنور القرآن، والكافر الذي يتخبط في الظلام. ففي الكلام استعارة تصريحية حيث شبه الله الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير، بجامع ظلام الطريق، وعدم الاهتداء على الكافر، ووضوح الرؤية، والاهتداء للمؤمن، ثم استعار المشبه به، وهو ﴿الْأَعْمى﴾ للكافر، واستعار (البصير) للمؤمن بطريق الاستعارة التصريحية. ﴿وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ﴾ أي: لا يستويان.\nوالمراد ب: ﴿الظُّلُماتُ:﴾ الكفر، والباطل، والجهل. والمراد ب: ﴿النُّورُ:﴾ الإيمان، والحق، والعلم. ففي الكلام استعارة مثل سابقه. وجمع الظلمات؛ لأن طرق الكفر، والباطل، والجهل متعددة، وأفرد النور؛ لأن الإيمان، والحق، والعلم واحد، لا يتعدد.\n ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ أي: لا يستويان أيضا. والمراد ب: ﴿الظِّلُّ﴾ ظل الجنة ونعيمها الدائم، والمراد ب: ﴿الْحَرُورُ﴾ حر نار جهنم؛ أي: فكما لا يستوي في الدنيا الظل المنعش للأرواح، والأجسام مع الحر الشديد المسمى أحيانا بالسموم لشدته؛ لا تستوي نار جهنم مع الجنة. وبالمناسبة خذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁عن رسول الله ﷺ قال: «قالت النار: ربّ أكل بعضي بعضا فائذن لي أتنفّس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشّتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد، أو زمهرير؛ فمن نفس جهنّم، وما وجدتم من حرّ، أو حرور؛ فمن نفس جهنّم». أخرجه مسلم، لذا يسن في حق المسلم أن يقول في يوم الحر: لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حرّ نار جهنم! وفي يوم البرد أن يقول: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم!","vol":"7","page":665},{"text":"وينبغي أن تعلم: أن الفعل: ﴿يَسْتَوِي﴾ من الأفعال التي لا يكتفى فيها بواحد، فلو قلت:\nاستوى زيد لم يصح فمن ثمّ لزم العطف على الفاعل، أو تعدده. هذا؛ ولا تنس المطابقة، والمقابلة بين الضدين في الآيات الأربع، وهي من المحسنات البديعية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (غافر) إن أردت الزيادة.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿الْأَعْمى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): صلة. ﴿الظُّلُماتُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة. ﴿النُّورُ:﴾ معطوف على ما قبله، وأيضا ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ معطوفان على ما قبلهما.\nقال الجلال-رحمه الله تعالى-: وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد. قال الجمل: وقد زيدت في الآيات الثلاث خمس مرات: اثنتين في الأولى، واثنتين في الثانية، وواحدة في الثالثة، والكل لتأكيد نفي الاستواء. وقال ابن هشام في المغني: ف: (لا) الثانية، والرابعة، والخامسة زوائد لأمن اللبس. وقال الزمخشري: فإن قلت: هل من فرق بين هذه الواوات، قلت: بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترا إلى وتر. انتهى.\n\n<span id=\"aya-3682\"></span>﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ:﴾ تمثيل آخر للمؤمنين، والكافرين أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل. وقيل: للعلماء، والجهلاء. ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ:﴾ هدايته، فيوفقه لفهم آياته، والاتعاظ بعظاته. ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي: الكفار شبههم الله بالأموات في القبور؛ لأنهم لا يجيبون إذا دعوا.\nهذا؛ وقد قال ابن كثير: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة، كالأعمى، والبصير لا يستويان؛ بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور، ولا الظلّ، ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء، ولا الأموات. وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين، وهم الأحياء، وللكافرين وهم الأموات، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ الآية رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام)، وقال ﷿: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"7","page":666},{"text":"فالمؤمن سميع بصير في نور، يمشي على صراط مستقيم في الدنيا، والآخرة؛ حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال، والعيون، والكافر أعمى، وأصم في ظلمات يمشي فيها، لا خروج له منها؛ بل هو يتيه في غيه، وضلاله في الدنيا، والآخرة؛ حتى يفضي به ذلك إلى الحرور، والسموم، والحميم. انتهى. بتصرف.\nتنبيه: المراد في الآية الكريمة تشبيه الكفار بالمدفونين في القبور بعدم الانتفاع فيما يقال لهم، لا أنهم لا يسمعون أبدا؛ بل يسمعون، ولكنهم لا يقدرون على الجواب، كيف لا؟ والرسول ﷺ قد خاطب قتلى بدر من المشركين، وناداهم بأسمائهم: «يا فلان بن فلان! ويا فلان بن فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا» فقال عمر بن الخطاب﵁-: يا رسول الله! كيف تكلم أجسادا، لا أرواح فيها؟! فقال: «والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا شيئا». وفي رواية:\n «يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون». وقد ثبت: أن للروح تعلقا بالجسد بعد الدفن، أو بموضع الدفن بعد فناء الجسد، لذا علمنا الرسول ﷺ إذا أتينا المقبرة أن نقول: «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله العفو لنا، ولكم، ولجميع المسلمين». وليقرأ الفاتحة، والأحاديث الصحيحة الواردة في سؤال القبر تؤكد هذه الحقيقة.\nوالله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل الآية رقم [١٩] بلا فارق.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يسمع الذي، أو: شخصا يشاء الله إسماعه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية، تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُسْمِعٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مسمع):\nخبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مهملة تميمية، فالضمير مبتدأ، و(مسمع) خبره، زيدت الباء فيه، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ مفعول به ل: (مسمع). ﴿فِي الْقُبُورِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول ﴿مَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا من لفظ الجلالة لا بأس به، ويكون الرابط: الواو فقط.","vol":"7","page":667},{"text":"<span id=\"aya-3683\"></span><span id=\"aya-3684\"></span>﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ أي: فما عليك يا محمد إلا الإنذار، وأما الإسماع فلا إليك، ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم، وفي الآية قصر موصوف على صفة. ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ:﴾ محقين، أو محقا، أو: إرسالا مصحوبا بالحق. ﴿بَشِيرًا:﴾ بالجنة، والثواب الحسن لمن آمن. ﴿وَنَذِيرًا:﴾ بالنار، والعقاب لمن كفر، وعاند، وخرج عن طاعة ربه، وما بينهما مطابقة، ومقابلة، وهي من المحسنات البديعية. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ:﴾ جماعة من الناس في العصور، والأزمنة الخالية. ﴿إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ أي: جاءها رسول، فأنذرها عقاب الله، وغضبه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ الآية رقم [٣٦] من سورة (النحل)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ رقم [٧] من سورة (الرعد). قال ابن جريج: إلا العرب، فإنه لم يبعث فيهم رسولا. انتهى. وقد صح: أن الله بعث فيهم خالد بن صفوان، ونبيا آخر اسمه: حنظلة.\nهذا؛ و﴿أُمَّةٍ﴾ بمعنى الجماعة، كما رأيت، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ﴾. والأمة: الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وبها فسرت الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنبياء): ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. وقال النابغة الذبياني من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر، ويعتذر له مما وشى به الواشون: [الطويل] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع؟\nوكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ..﴾. إلخ بيان، وتفسير لهذه الجملة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، بقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، انظر الشرح. ﴿بَشِيرًا:﴾ حال من الكاف. ﴿وَنَذِيرًا:﴾\nمعطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ ابتدائية، لا محل لها من الإعراب.","vol":"7","page":668},{"text":"﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف نفي. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أُمَّةٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿خَلا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نَذِيرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، فلا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-3685\"></span>﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: وإن يكذبك قومك يا محمد؛ فاصبر، وتأس بمن سبقك من الرسل. ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كذبوا رسلهم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤] ففيها الكفاية. ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الباهرات، والحجج الدامغات، والبراهين الساطعات، فكذبوهم، وآذوهم أشد الإيذاء، فلك يا محمد أسوة حسنة، وقدوة طيبة بهؤلاء الرسل الكرام. ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ أي: جاءوهم بالزبر، وهي الصحف المنزلة على الأنبياء، كصحف إبراهيم، وهي ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة، وهي عشرة، وكصحف شيث، وهي ستون، وصحف إدريس، وهي عشرة. فجملة الصحف مائة وعشرة، تضم لها الكتاب الأربعة: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن. فجملة الكتاب المنزلة على الأنبياء مائة وأربعة عشر. ﴿وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ أي: الواضح، والمراد ب: (الكتاب) جنس الكتاب؛ إذ المراد:\nالتوراة، والإنجيل، والزبور. وقيل: المراد: الصحف والكتاب السماوية على إرادة التفصيل دون الجمع، ويجوز أن يراد بهما واحد، والعطف لتغاير الوصفين لاختلاف اللفظين. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة في سورة (آل عمران) مع اختلاف في بعض ألفاظها.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يُكَذِّبُوكَ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل.\n ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، تقديره: رسلهم، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت","vol":"7","page":669},{"text":"جواب الشرط محذوفا؛ فالجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها، ويكون التقدير: وإن يكذبوك؛ فلا تحزن؛ لأنه قد كذب... إلخ.\n ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، وهي على إضمار: «قد» قبلها. ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ:﴾ معطوفان على: ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾. ﴿الْمُنِيرِ:﴾ صفة (الكتاب)، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3686\"></span>﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ عاقبتهم عقابا شديدا، كما قال تعالى في سورة (القمر):\n ﴿فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ:﴾ استفهام معناه التعجب؛ أي: فانظر كيف كان عقابي لهؤلاء المكذبين، وكذلك أفعل بكفار قريش، فما لكفار قريش لا يهتدون، ولا يرتدعون عما هم عليه من الكفر، والعصيان، والطغيان؟! هذا؛ وقد قرئ: «(نكيري)» بإثبات الياء أيضا، ومثلها الآية رقم [٤٥] من سورة (سبأ). والآية رقم [٤٤] من سورة (الحج)، وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الروم)، وشرح الكفر في الآية رقم [٣٤] منها أيضا.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَخَذْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿أَخَذْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة.\n<span id=\"aya-3687\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم) ففيها الكفاية. ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها:﴾ أجناسها، أو أصنافها على أن كلاّ منها ذو أصناف","vol":"7","page":670},{"text":"مختلفة هيئاتها من الصفرة، والحمرة، والخضرة، ونحوها، والأجناس مثل: الرمان، والتفاح، والتين، والعنب، والرطب، ونحو ذلك، هذا بالإضافة إلى الطعوم المختلفة أيضا، والروائح المتنوعة، كما قال تعالى في الآية رقم [٤] من سورة (الرعد): ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. وفي قوله: ﴿فَأَخْرَجْنا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم. انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (لقمان) تجد ما يسرك.\n ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ أي: وخلق الله الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضا من بيض، وحمر، وفي بعضها طرائق، وهي الجدد، جمع:\nجدّة مختلفة الألوان أيضا، قال ابن عباس﵄-: الجدد: الطرائق. انتهى. هذا؛ وهو بضم الجيم وفتح الدال الأولى. وقال الأخفش: ولو كان جمع: جديد؛ لقال: جدد (بضم الجيم، والدال) نحو سرير وسرر، قال زهير بن أبي سلمى المزني: [البسيط] كأنّه أسفع الخدّين ذو جدد... طاو ويرتع بعد الصّيف عريانا\nوقرأ الزهري: «(جدد)» بضمتين على أنه جمع: جديدة، وهي الجدة. يقال: جديدة، وجدد، وجدائد. ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ:﴾ قال أبو عبيدة: الغربيب: الشديد السواد، ففي الكلام تقديم، وتأخير. والمعنى: ومن الجبال سود غرابيب، والعرب تقول للشديد السواد؛ الذي لونه كلون الغراب: أسود غربيب. وفي الحديث عن النبي ﷺ: «إنّ الله يبغض الشيخ الغربيب». أي: الذي يخضب بالسواد. قال امرؤ القيس: [البسيط] العين طامحة واليد سابحة... والرّجل لافحة والوجه غربيب\nوقال آخر يصف كرما: [البسيط] ومن تعاجيب خلق الله غاطية... يعصر منه ملاحيّ وغربيب\nالغاطية: الشجرة التي طالت أغصانها، وانبسطت على وجه الأرض. ملاحي:\nأبيض. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وقال الصابوني: يقول شهيد الإسلام في تفسيره «الظلال»: هذه لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب، تبدأ بإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات المختلفات الألوان، ثم تنتقل إلى ألوان الجبال، ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار، وتنوعها، وتعددها. واللفتة إلى ألوان الصخور وتنوعها داخل اللون الواحد تهز القلب هزا، وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي العالي بما يستحق النظر، والالتفات، ثم ألوان الناس، وهي لا تقف عند حد، وكذلك ألوان الدواب، والأنعام. والدابة: كل حيوان.\nوالأنعام: هي الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، ذات الألوان والأصباغ العجيبة، كلها معروضة للأنظار في هذا الكتاب الكوني، الجميل الصفحات، العجيب في التكوين، والتلوين. انتهى.","vol":"7","page":671},{"text":"الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، تقديره: «هو». ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿السَّماءِ:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول (ترى)، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخْرَجْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخرجنا): فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثَمَراتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مُخْتَلِفًا:﴾ صفة ﴿ثَمَراتٍ﴾ وهو نعت سببي، يراعى في تذكيره، وتأنيثه ما بعده، وهو: ﴿أَلْوانُها﴾ الواقع فاعلا له، وإنما كان سببيا؛ لأن الاختلاف في المعنى إنما هو لألوانها، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَخْرَجْنا..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَمِنَ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (من الجبال): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿جُدَدٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿بِيضٌ:﴾ صفة جدد. (حمر): معطوف على ﴿بِيضٌ﴾. ﴿مُخْتَلِفٌ:﴾ صفة ثانية لجدد، وفيها معنى التأكيد ل: ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾. ﴿أَلْوانُها:﴾ فاعل ب: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾. و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَغَرابِيبُ:﴾ معطوف على ﴿جُدَدٌ﴾. ﴿سُودٌ:﴾ صفة له، وانظر الشرح، وما قيل فيه:\nإنه من عكس الصفة. وقيل: هو بدل من: (غرابيب)، واعتبره الزمخشري معطوفا على ﴿بِيضٌ﴾ أو ﴿جُدَدٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ الْجِبالِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3688\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ..﴾. إلخ: أي: وخلق الناس، والدواب، والأنعام مختلفة ألوانها مثل اختلاف ألوان الثمرات، والجبال، كما هو مشاهد، فإنك ترى في الجميع الأبيض، والأحمر، والأسود، والأسمر... إلخ، قال تعالى في سورة (الروم): ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ هذا؛ و(الدواب) جمع: دابة، وهي تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنفال)، والمراد هنا ما لا يعقل خاصة. والمراد بالأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. فهو من ذكر الخاص بعد العام، وانظر شرح: ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (سبأ).","vol":"7","page":672},{"text":"﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ أي: إنما يخافه تعالى العلماء؛ لأنهم عرفوه حق معرفته؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعلي القدير أتم، والعلم به أكمل؛ كان الخوف منه أعظم، وأكثر؛ إذ من دواعي الخوف منه تعالى معرفته، والعلم بصفاته، وأفعاله، فمن كان أعلم به؛ كان أشد خوفا منه، ولذلك قال ﷺ: «أنا أخشاكم لله، وأتقاكم له». ولهذا أتبعه ذكر أفعاله، الدالة على كمال قدرته.\nوعن ابن عباس﵄في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ قال: هم الذين يعلمون: أن الله على كل شيء قدير. وعنه قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن: أنه ملاقيه، ومحاسب بعمله. انتهى. وقال سعيد بن جبير﵁-: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله ﷿. وقال الحسن البصري﵀-: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط لله فيه، ثم تلا الآية الكريمة. وعن ابن مسعود -﵁أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال مالك-رحمه الله تعالى-: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب.\nهذا؛ وقرئ برفع «(الله)» ونصب: «(العلماء)». قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ برفع «(الله)» ونصب «(العلماء)» وهو عمر بن عبد العزيز، ويحكى عن أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى؟ قلت: الخشية في هذه الآية استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده. انتهى. أقول: ومن هذه الزاوية قول نصيب بن رباح، وهو الشاهد رقم [٢١٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] أهابك إجلالا وما بك قدرة... عليّ ولكن ملء عين حبيبها\nهذا؛ والآيات التي تثني على الخائفين من الله، والتي تعدهم بحسن المثوبة، وعظيم الجزاء، ورفيع الدرجات كثيرة، كيف وقد جعل الله هذا الخوف صفة من الصفات الثمانية، التي وصف الله بها أولي الألباب في سورة (الرعد)، وذلك في الآية رقم [٢٠] وما بعدها، والرسول ﷺ رغب في ذلك أيضا، وأثنى على الخائفين، وبشرهم برضا رب العالمين، والنعيم المقيم في جنات النعيم، فعن العباس بن عبد المطلب﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله، تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها».\nرواه البيهقي، وغيره. وعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه جل وعلا: أنه قال: «وعزّتي! لا أجمع على عبدي خوفين، وأمنين؛ إذا خافني في الدّنيا؛ أمّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدّنيا؛ أخفته في الآخرة». رواه ابن حبان. وحديث السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة تحت ظله مشهور.","vol":"7","page":673},{"text":"﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ:﴾ غالب على أمره، لا يخرج شيء عن إرادته، ومشيئته. ﴿غَفُورٌ﴾ أي:\nلمن تاب، وأناب من عباده، وهو صيغة مبالغة بمعنى: كثير الغفران لعباده المؤمنين؛ إن هم لجئوا إليه بالتوبة، والإنابة. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟ قلت: لما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى: ألم تعلم: أن الله أنزل من السماء ماء، وعدد آيات الله، وأعلام قدرته، وآثار صنعته، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه، وعلى صفاته؛ أتبع ذلك: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ..﴾. إلخ، كأنه قال: إنما يخشاه مثلك، ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته، وعلمه كنه علمه. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنَ النّاسِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ:﴾ معطوفان على الناس. ﴿مُخْتَلِفٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، التقدير: خلق مختلف. ﴿أَلْوانُهُ:﴾ فاعل ب: ﴿مُخْتَلِفٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ التقدير: مختلف ألوانه اختلافا مثل اختلاف ألوان الثمرات والجبال، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة، لا محل لها مثلها.\n ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَخْشَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعُلَماءُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْعُلَماءُ:﴾ فاعل: ﴿يَخْشَى،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَزِيزٌ:﴾ خبر أول.\n ﴿غَفُورٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3689\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ:﴾ يداومون على تلاوة القرآن، وهي شأنهم، وديدنهم آناء الليل، وأطراف النهار. وعن مطرف بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: هي آية القراء.\nوأقول: ينبغي لقارئ القرآن أن يتدبر آياته، وأن يعمل بما فيه؛ ليحوز الأجر المترتب على قراءته، وهو عشر حسنات لكل حرف يقرؤه. فعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول:\n ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». رواه الترمذي. وعن جابر بن","vol":"7","page":674},{"text":"عبد الله﵄عن النبي ﷺ، قال: «القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، من جعله أمامه؛ قاده إلى الجنة. ومن جعله خلف ظهره؛ ساقه إلى النّار». رواه ابن حبان. ومعنى جعله أمامه: عمل بما فيه، واهتدى بهديه. ومعنى جعله خلف ظهره: أعرض عن العمل بما فيه، ولم يهتد بنوره. لذا فقد روي من قول النبي ﷺ: «ربّ قارئ للقرآن، والقرآن يستغفر له، وربّ قارئ للقرآن، والقرآن يلعنه». وأكتفي بهذا القدر هنا. وقال الإمام-رحمه الله تعالى-: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه، وقد قال النبي ﷺ: «ومثل المنافق الّذي يقرأ القرآن مثل الرّيحانة ريحها طيّب، وطعمها مرّ». فأخبر أن المنافق يقرؤه، وأخبر الله تعالى: أن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير من الكفار: اليهود، والنصارى يقرءونه في زماننا هذا، ويعلمون ما فيه.\n ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ انظر الآية رقم [٤] من سورة (لقمان). ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أي:\nتصدقوا في وجوه الخير بعض المال؛ الذي رزقناهم إياه. ﴿سِرًّا﴾ أي: في الخفاء. ﴿وَعَلانِيَةً﴾ العلانية: الجهر، ومثله: العلن، والإعلان، وما أكثر ما يتردد هذان اللفظان في القرآن الكريم، قال الشاعر، وهو الشاهد [٦١٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه... ونعم من هو في سرّ وإعلان\n ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن تفسد، ولن تهلك، والمراد بالتجارة ما وعد الله من الثواب على أعمال البر، والخير، قال تعالى في سورة (الصف) رقم [١٠]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ..﴾. إلخ، وانظر شرح ﴿يَبُورُ﴾ في الآية رقم [١٠]. هذا؛ وفي الآية استعارة التجارة للمعاملة مع الله تعالى لنيل ثوابه، وشبهها بالتجارة الدنيوية، وهي معاملة الخلق بعضهم لبعض بالبيع، والشراء لنيل الربح، ثم رشحها بقوله: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن يخشى كسادها، وبوارها.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَقامُوا:﴾\nالواو: حرف عطف. (أقاموا): فعل ماض، وهو بمعنى المضارع، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول به محذوف، التقدير: أنفقوا شيئا كائنا مما... إلخ، و(ما):\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وأنفقوا من الذي، أو: من شيء رزقناهم إياه؛ لأن الفعل: «رزق» ينصب مفعولين، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب «من» التقدير: أنفقوا من رزقنا إياهم المال.","vol":"7","page":675},{"text":"﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً:﴾ حالان من واو الجماعة بمعنى: مسرين، ومعلنين. قال أبو البقاء: هما مصدران في موضع الحال. وقيل: هما منصوبان على نزع الخافض. وجملة: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. وقيل: الخبر الجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ وعليه فالجملة الفعلية المذكورة في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة أيضا، وجملة: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ في محل نصب صفة: ﴿تِجارَةً﴾.\n\n<span id=\"aya-3690\"></span>﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: إن الذين يقرءون القرآن، ويتدبرون آياته، ويعملون بأوامره: من صلاة، وصدقة، وصوم، وبر، وإحسان... إلخ، إنما فعلوا ذلك، ويفعلونه؛ ليعطيهم أجورهم عليها يوم القيامة كاملة غير منقوصة. ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يمنحهم من كرمه، وجوده ورضوانه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\nوفي أبي السعود: أي: يتفضل عليهم بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها، أو بمقاديرها، ولا يخطر ببالهم كيفياتها، ولا كمياتها؛ بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى:\n ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وعن النبي ﷺ قال، يقول الله ﵎: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وغير ذلك من المواعيد الكريمة. انتهى. جمل. خرج الحديث في الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي، ﵁. وهو ما في القرطبي، وأسنده الخازن إلى أبي هريرة، ﵁. ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ:﴾ كثير الغفران لعباده المؤمنين، المطيعين، المخبتين، إن وقع منهم هفوات.\n ﴿شَكُورٌ﴾ لهم على أعمالهم الصالحة، ويفسر في حقه تعالى بالذي يعطي على العمل الصالح في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة.\nالإعراب: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَرْجُونَ،﴾ أو بالفعل ﴿تَبُورَ،﴾ أو بفعل محذوف، التقدير: فعلوا ذلك؛ ليوفيهم. ﴿أُجُورَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَيَزِيدَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: يزيدهم ما يليق بكرمه، وجوده. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ:﴾ خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛","vol":"7","page":676},{"text":"وأجيز اعتبارها خبرا ل: (إن) في الآية السابقة جوزه الزمخشري على حذف العائد، أي: غفور لهم، وعلى هذا؛ فجملة ﴿يَرْجُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير.\n\n<span id=\"aya-3691\"></span>﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ. ﴿مِنَ الْكِتابِ﴾ أي: القرآن الكريم.\n ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الذي لا شك فيه، كما قال تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ وقال تعالى:\n ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ الآية رقم [٤٢] من سورة (فصلت).\n ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما سبقه من الكتاب المنزلة على الرسل، كالتوراة، التي أنزلت على موسى، والإنجيل الذي أنزل على عيسى، والزبور الذي أنزل على داود-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-. وذلك أن كتاب الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد، وتصديق الأنبياء، والإيمان بالمعاد، والحشر، والنشر، وجاء هذا الكتاب-وهو القرآن المنزل على محمد ﷺكذلك. فذلك هو تصديقه لما بين يديه من الكتاب؛ أي: لما تقدمه من الكتاب السماوية. قال أبو حيان: وفي الآية إشارة إلى كون القرآن وحيا؛ لأن النبي ﷺ لم يكن قارئا، ولا كاتبا، وأتى ببيان ما في كتاب الله، ولا يكون ذلك، إلا من عند الله تعالى. ﴿إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ:﴾ عليم بخفايا أمورهم، وظواهرها. ﴿بَصِيرٌ﴾ أي: بهم، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. وانظر شرح الوحي في الآية رقم [٥٠] من سورة (سبأ).\nالإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أوحيناه. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، العائد على (الذي)، و﴿مِنَ﴾ بيان لهذا الموصول. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، والحق خبرا له؛ فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الذي...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مُصَدِّقًا:﴾ حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ وفاعله مستتر فيه، وهو حال مؤكدة. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُصَدِّقًا،﴾ ف: (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام اللام في مثل ذلك زائدة. وسماها: لام التقوية، أي: تقوية عامل ضعيف ضعف عن العمل فيما بعده، وعليه ف: (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلا ب: ﴿مُصَدِّقًا،﴾ وأورد آيات كثيرة شواهد على ذلك، وأورد قول حاتم الطائي. وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري، ﵁: [الطويل]","vol":"7","page":677},{"text":"إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و: ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و: ﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى لفظا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.\n ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان ب (خبير)، أو ب: ﴿بَصِيرٌ﴾ على التنازع، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَخَبِيرٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (خبير): خبر أول. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3692\"></span>﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾\nالشرح: مناسبة الآية لما قبلها: لما أثنى الله تعالى على الذين يتلون كتاب الله؛ ذكر هنا انقسام الأمة الإسلامية أمام هذا الكنز الثمين، والفضل العظيم إلى ثلاثة أقسام: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، ثم ذكر مآل الأبرار، والفجار، ليظل العبد بين الرجاء، والخوف، والرغبة، والرهبة.\n ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا:﴾ أعطينا. ﴿الْكِتابَ:﴾ القرآن. والمعنى: أوحينا إليك القرآن يا محمد، ثم، أورثناه من بعدك لأمتك؛ ليعملوا بما فيه، ويهتدوا بهديه. هذا؛ وفي قوله: ﴿أَوْرَثْنَا﴾ استعارة تبعية، شبه إعطاء الكتاب إياهم من غير كد، وتعب في وصوله إليهم بتوريث الوارث؛ أوليس من لازم وراثة الكتاب مراعاته حق رعايته، لقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ وفي الشهاب: وتوريث الكتاب للجهال كتوريث بعض الورثة السفهاء المضيعين لما ورثوه. انتهى.\nجمل. وأضيف: أن في الآية من المحسنات البديعية فن الجمع مع التقسيم، وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين، أو أكثر في حكم، ثم يقسم ما جمعه، أو يقسم أولا، ثم يجمع، فالأول كالآية المذكورة، ومثلها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ الآية رقم [١٠٥] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والثاني كما في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ الآية رقم [٩٠] من سورة (المائدة) وقال الراجز: [الرجز] إنّ الشّباب والفراغ والجده... مفسدة للمرء أيّ مفسده\n ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ أي: اخترنا، واشتقاقه من الصفو، وهو: الخلوص من شوائب الكدر، وأصل الفعل: (اصتفونا) فأبدلت التاء طاء، والواو ياء. والمراد من عبادنا: أمة محمد ﷺ. قاله ابن عباس، وغيره. قال النسفي: وهم أمته من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم،","vol":"7","page":678},{"text":"ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطا؛ ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله، ثم رتبهم على مراتب، فقال:\n ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ:﴾ وهو المرجأ لأمر الله. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ:﴾ هو الذي خلط عملا صالحا، وآخر سيئا. ﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ:﴾ يضم إلى العمل التعليم، والإرشاد إلى العمل، وهذا التأويل يوافق التنزيل، فإنه تعالى قال في الآية رقم [١٠١] من سورة (التوبة): ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ..﴾. إلخ. وقال بعده في الآية رقم [١٠٣] منها: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا..﴾. إلخ. وقال بعده في الآية رقم [١٠٧] منها: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ..﴾. إلخ.\nويوافق الحديث، فقد روي عن عمر﵁-: أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله ﷺ: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له». وعنه ﷺ: «السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا، ثم يدخل الجنة، وأما الظالم لنفسه فيحبس؛ حتى يظنّ: أنه لا ينجو، ثم تناله الرحمة، فيدخل الجنة». رواه أبو الدرداء.\nويوافق الأثر، فعن ابن عباس﵄-: أنه قال: السابق: المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر بالنعمة غير الجاحد لها؛ لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة.\nويوافق التأويل السابق قول السلف، فقد قال الربيع بن أنس-رحمه الله تعالى-: الظالم:\nصاحب الكبائر. والمقتصد: صاحب الصغائر. والسابق: المجتنب لهما. وقال الحسن البصري: الظالم: من رجحت سيئاته. والسابق: من رجحت حسناته. والمقتصد: من تساوت حسناته، وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية، فقال: كلهم مؤمنون، وأما صفة الكفار فبعد هذا، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ الآية رقم [٣٦] الآتية.\nوأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى الله من عباده، فإنه قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ (ومنهم)، ﴿وَمِنْهُمْ﴾ والكل راجع إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ وهم أهل الإيمان. وعليه الجمهور، وإنما قدم الظالم؛ للإيذان بكثرة الظالمين لأنفسهم بالمعاصي، والسيئات، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل، وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم؛ لئلا ييأس من فضله. وقيل: إنما قدمه؛ ليعرفه: أن ذنبه لا يبعده من ربه، وليس التقديم للتشريف، ولا يقتضيه. قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ الآية رقم [٢٠] من سورة الحشر.\nوقيل: إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر؛ قدموا الأدنى كالآية المذكورة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية رقم [١٦٧] من سورة (الأعراف)، وقوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (الشورى).\nوقيل: إن أول الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة. وقال سهل بن عبد الله: السابق: العالم.\nوالمقتصد: المتعلم. والظالم: الجاهل. وقال أيضا: السابق: الذي اشتغل بمعاده. والمقتصد:","vol":"7","page":679},{"text":"الذي اشتغل بمعاشه، ومعاده، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم: الذي يعبده على الغفلة، والعادة. والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة، والرهبة. والسابق: الذي يعبده على الهيبة، والاستحقاق. وقيل: الظالم: من أخذ الدنيا حلالا، أو حراما، والمقتصد: من يجتهد أن لا يأخذها إلا من حلال. والسابق: من أعرض عنها جملة. وقيل: الظالم: طالب الدنيا.\nوالمقتصد: طالب العقبى. والسابق: طالب المولى. انتهى. نسفي بتصرف بسيط.\nهذا؛ وفي القرطبي عن ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والفراء: أن المقتصد:\nالمؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق، والظالم: الكافر. وقال الحسن: الفاسق.\nقالوا: ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾ وقالوا: بعيد أن يكون ممن يصطفي الله ظالم، وقد روي عن ابن عباس﵄قوله: نجت فرقتان. وقد أطال القرطبي بأكثر مما ذكرته عن النسفي.\n ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بأمر الله، وإرادته، أو بعلمه، وتوفيقه. ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي:\nإيراثهم الكتاب واصطفاؤهم، وتكريمهم فضل من الله عليهم، ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَوْرَثْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به أول، و﴿الْكِتابَ﴾ مفعوله الثاني، وقدم لشرفه؛ إذ لا لبس في ذلك، وجملة: ﴿اِصْطَفَيْنا﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذين اصطفيناهم. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب العائد على الموصول، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَوْرَثْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على وجهين ذكرهما الزمخشري: أحدهما: أن التقدير: إنا أوحينا إليك القرآن، ثم أورثناه من بعدك؛ أي: حكمنا بتوريثه. والوجه الثاني: أنها معطوفة على معنى ما تضمنته الآية رقم [٢٥] وما بعدها.\n ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع، أو حرف استئناف، وتفريع. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ظالِمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ولا أعتمد هذا، وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (الأحزاب) والله ولي التوفيق. ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿ظالِمٌ،﴾ وفاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء، وجملة: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ معطوفة عليها، وأيضا جملة: ﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿سابِقٌ،﴾ و(إذن) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْفَضْلُ:﴾ خبر المبتدأ.\nهذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، والفضل خبره؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر الأول.\n ﴿الْكَبِيرُ:﴾ صفة ﴿الْفَضْلُ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":680},{"text":"<span id=\"aya-3693\"></span>﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ:﴾ جنات إقامة، وخلود، يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به، ومنه:\nالمعدن الموجود في باطن الأرض، وقال النبي ﷺ: «عدن دار الله، الّتي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة: النبيّون والصديقون والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك!». رواه الطبراني عن أبي الدرداء، ﵁. وقال عبد الله بن عمر﵄-: إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، حوله البروج، والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي، أو صدّيق، أو شهيد. والحبرة (بكسر الحاء، وفتحها) ضرب من البرود اليمنية مخطط.\n ﴿يَدْخُلُونَها:﴾ الضمير يعود إلى الثلاثة، أو: ل: ﴿الَّذِينَ﴾ أو: للمقتصد، والسابق. انتهى.\nبيضاوي. وقال القرطبي: جمعهم في الدخول؛ لأنه ميراث، والعاق، والبار في الميراث سواء؛ إذا كانوا معترفين بالنسب، فالعاصي، والمطيع مقرّون بالرب. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وقرئ: «(جنات)» بالنصب، وقرئ: «(جنة)» بالإفراد، ولم يقرأ في سورة (الرعد) رقم [٢٣] وفي سورة (النحل) رقم [٣١] إلا بالرفع، والجمع.\n ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ أي: في تلك الجنات. ﴿مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا:﴾ قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى-: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورق، وواحد من لؤلؤ، وقد نص القرآن هنا على الذهب، واللؤلؤ، ومثل هذه الآية الآية رقم [٢٣] من سورة (الحج). ونص على الذهب في سورة (الكهف) رقم [٣١]. ونص على الفضة في قوله تعالى في الآية [٢١] من سورة (الدهر): ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. وفي الحديث الصحيح قول النبي ﷺ: «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء». رواه ابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁.\nهذا؛ ويقرأ بجر (لؤلؤ) ونصبه، ويقرأ بهمز، وبدونه، وبقلب الهمزتين ياء، وغير ذلك.\n ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ أي: وجميع ما يلبسونه من فرشهم، ولباسهم، وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير. هذا؛ وروى النسائي عن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة. ومن شرب الخمر في الدّنيا؛ لم يشربه في الآخرة. ومن شرب في آنية الذهب، والفضة في الدنيا؛ لم يشرب فيها في الآخرة». ثم قال ﷺ: «لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنّة». هذا؛ وذكر الله في سورة (الكهف) وسورة (الإنسان) أن أهل الجنة يلبسون السندس، والإستبرق أيضا. اللهم اجعلنا من أهل جنات عدن بفضلك، وكرمك ومنّك يا أكرم الأكرمين!.","vol":"7","page":681},{"text":"الإعراب: ﴿جَنّاتُ:﴾ بالرفع يجوز أن يكون خبرا ثانيا للمبتدإ ﴿ذلِكَ،﴾ وأن يكون خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو جنات، أو مبتدأ، والخبر جملة: ﴿يَدْخُلُونَها﴾. هذا؛ وقال الزمخشري: بدل من ﴿الْفَضْلُ﴾ ورده ابن هشام في المغني مع عزوه خطأ لمكيّ؛ حيث قال:\nوالأولى: أنه مبتدأ. هذا؛ وعلى قراءته بالنصب؛ فهو مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿يَدْخُلُونَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، وانظر: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (الأحزاب)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿جَنّاتُ﴾ على اعتباره مبتدأ، وصفة له على اعتباره خبرا ثانيا لما قبله، أو خبرا لمبتدإ محذوف، ومفسرة على نصب (جنات) لا محل لها. ﴿يُحَلَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَساوِرَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به ثان، أي: شيئا كائنا من أساور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب، فيكون أساور مفعولا ثانيا، مجرورا لفظا، منصوب محلا. ﴿مِنْ ذَهَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَساوِرَ،﴾ وجملة: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿جَنّاتُ،﴾ أو في محل صفة لها رفعتها، أو نصبتها، أو في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المنصوب في ﴿يَدْخُلُونَها﴾ والرابط على الاعتبارين الضمير فقط. ﴿وَلُؤْلُؤًا:﴾ بالنصب معطوف على محل: ﴿مِنْ أَساوِرَ،﴾ أو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ويؤتون لؤلؤا. هذا؛ وعلى قراءته بالجر فهو معطوف على ﴿ذَهَبٍ﴾ فيكون المراد: أساور من ذهب مرصعة باللؤلؤ. ﴿وَلِباسُهُمْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لباسهم): مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالمصدر، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له؛ لأنه يقال: يلبسون فيها. ﴿حَرِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3694\"></span>﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ أي: يقول الذين اصطفاهم الله من عباده بعد دخولهم الجنة: الحمد لله... إلخ. قال ابن عباس﵄-: حزن النار. وقيل: حزن الموت. وقيل: حزن الذنوب، والسيئات، ورد الطاعات، وأنهم لا يدرون ما يصنع بهم. وقيل:\nحزن زوال النعم، وتقليب القلوب، وخوف العاقبة. وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقيل غير ذلك. انتهى. خازن. وقريب منه في الكشاف. روى البغوي بسنده عن ابن عمر﵄-","vol":"7","page":682},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلاّ الله يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن رءوسهم، ويقولون:\nالحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن». هذا؛ ويقرأ: (الحزن) بضم الحاء وسكون الزاي. وقراءة حفص بفتحتين. ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠]. ولا تنس: أن التعبير بالماضي بقوله تعالى: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ إنما هو لتحقق وقوعه. وانظر سورة (سبأ) رقم [١].\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة.\n ﴿أَذْهَبَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿عَنَّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْحَزَنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّنا:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (غفور شكور): خبران ل: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿يَدْخُلُونَها..﴾. إلخ، وساغ ذلك؛ لأن الفعل بمعنى: «يقولون»، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا.\n\n<span id=\"aya-3695\"></span>﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا:﴾ أنزلنا. ﴿دارَ الْمُقامَةِ:﴾ الجنة التي جعلها الله لعباده المؤمنين مقرا، ومسكنا لا يتحولون عنها. والمقامة والإقامة، والمقام بمعنى واحد. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ من كرمه، وجوده، ومنّه، وإحسانه، لا بالاستحقاق بالأعمال؛ لأن أعمالنا لا تساوي ذلك. وقد قال النبي ﷺ: «لن يدخل أحدا عمله الجنّة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا؛ إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا... إلخ». أخرجه البخاري بطوله عن أبي هريرة. وهذا الحديث لا يتعارض مع قوله تعالى في الآية رقم [٤٣] من سورة (الأعراف):\n ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ومثلها في (الزخرف) رقم [٧٢] فإن دخول الجنة بفضل الله ورحمته، وانقسام المنازل، والدرجات بالأعمال.\n ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ أي: لا يصيبنا مشقة، ولا تعب. ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ أي: لا ينالنا فيها إعياء، ولا ضعف من التعب، فالله ﷾ يبين في هذه الآية: أن الجنة خالية من تعب الأبدان، وكدّ الأذهان، فهم في راحة، واطمئنان، وسرور، لا يكدره هموم، وأحزان، ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ وانظر سورة (الزمر) رقم [٣٥].","vol":"7","page":683},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون، وفي محله، أوجه: أحدها: الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الذي، أو على أنه خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ أو على أنه بدل من:\n (غفور) أو على أنه بدل من الضمير في ﴿شَكُورٌ﴾. والثاني: النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني، أو أمدح الذي. وأجاز مكي اعتباره نعتا لاسم: ﴿إِنَّ﴾. والثالث:\nالجر على أنه بدل من الموصول قبله. ﴿أَحَلَّنا:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، و(نا): مفعول به أول. ﴿دارَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿دارَ﴾ مضاف، و﴿الْمُقامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿أَحَلَّنا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمَسُّنا:﴾ فعل مضارع، و(نا): مفعول به. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نَصَبٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (نا) أو من: ﴿دارَ الْمُقامَةِ،﴾ والأول أقوى، والرابط: الضمير فقط، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وهي مثلها في محل نصب حال.\n\n<span id=\"aya-3696\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ:﴾ لما ذكر أهل الجنة، وأحوالهم، ومقالتهم؛ ذكر أهل النار، وأحوالهم، ومقالتهم على سبيل المقابلة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨] من سورة (سبأ). ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا:﴾ مثل قوله تعالى في سورة (الأعلى): ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي: لا يحكم عليهم بالموت فيها، فيستريحوا من عذاب النار؛ بل هم أحياء مع أن أسباب الموت محيطة بهم من كل جانب، كما قال تعالى في الآية رقم [١٧] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.\n ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها:﴾ هو مثل قوله تعالى في الآية رقم [٥٦] من سورة (النساء): ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ فهم في عذاب مستمر، لا ينقطع، قال تعالى في الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء): ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾.\n ﴿كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي: مثل ذلك العذاب الشديد الفظيع نجازي، ونعاقب كل مبالغ في الكفر، والإفساد، والعصيان، والعناد. هذا؛ ويقرأ: «(يجزى)»، ويقرأ: «(يجازى)» ورفع (كلّ) كما يقرأ (فيموتون) بالعطف على ﴿لا يُقْضى﴾ مثل قوله تعالى في الآية رقم [٣٦] من سورة المرسلات: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾","vol":"7","page":684},{"text":"جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿نارُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث، أو: والعجمة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ..﴾. إلخ، وما بينهما كلام متعلق بالذين يتلون كتاب الله على مثال ما رأيت. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُقْضى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وأجيز اعتبارها خبرا ثانيا للمبتدإ. ﴿فَيَمُوتُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لم يكن، أو: لم يوجد قضاء عليهم، فموت لهم. هذا؛ وعلى قراءة: «(فيموتون)» فالجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ فتكون في محل نصب حال مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُخَفَّفُ:﴾ مضارع مبني للمجهول.\n ﴿عَنْهُمْ:﴾ في محل رفع نائب فاعل، وعليه ف: ﴿مِنْ عَذابِها﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب مفعول به، كما يجوز اعتبار: ﴿مِنْ عَذابِها﴾ في محل رفع نائب فاعل، واعتبار: ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف مفعول به، وإن اعتبرت: ﴿مِنْ﴾ صلة؛ فيتعين اعتبار: ﴿عَذابِها﴾ نائب فاعل مجرور لفظا مرفوع محلا، وجملة: ﴿وَلا يُخَفَّفُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نجزي كل كفور جزاء مثل ذلك الجزاء الذي جزيناه الذين كفروا. ﴿نَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿كُلَّ:﴾\nمفعول به، وعلى القراءتين الأخريين فالفعل مبني للمجهول، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و﴿كُلَّ﴾ نائب فاعله، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿كَفُورٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معترضة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3697\"></span>﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ أي: يستغيثون في النار بالصوت العالي. والصارخ:\nالمستغيث، والمصرخ: المغيث. قال سلامة بن جندل: [البسيط] كنّا إذا ما أتانا صارخ فزع... كان الصّراخ له قرع الظّنابيب","vol":"7","page":685},{"text":"الظنابيب: جمع ظنبوب، وهو مسمار يكون في جبة السنان. وقرع ظنابيب الأمر:\nذلّله. انتهى. قاموس. ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ أي: يقولون: ربنا أخرجنا من جهنم، وردّنا إلى الدنيا. ﴿نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ:﴾ يسألون الله الرجعة إلى الدنيا؛ ليعملوا غير عملهم الأول. وقد علم الله﵎أنه لو ردهم إلى الدنيا؛ لعادوا أخبث مما كانوا، تحقيقا، وتصديقا لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ رقم [٢٨] من سورة (الأنعام). وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا حينما يشاهدون العذاب كثير في آيات القرآن، ولذا رد عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ المعنى، لقد: عشتم في الدنيا أعمارا، لو كنتم ممن ينتفع بالحق؛ لانتفعتم به في مدة عمركم؟.\nوقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد هنا: قيل: هو عشرون سنة. وقيل: أربعون، وهو سن كمال القوى، والعقل، ومن لم يكمل في الأربعين؛ لم يكمل بعدها. فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من بلغ من العمر أربعين سنة، ولم يغلب خيره على شرّه فليتجهّز إلى النّار».\nورحم الله من يقول: [الطويل] إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكن... له دون ما يأتي حياء ولا ستر\nفدعه ولا تنفس عليه الّذي ارتأى... وإن مدّ أسباب الحياة له الدّهر\nوقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الطويل] وإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده... وإنّ الفتى بعد السفاهة يحلم\nوقيل: المراد: ستون سنة. وهو مروي عن مجاهد، عن ابن عباس﵄-.\nوهي الرواية الصحيحة عنه وفي الأصح في نفس الأمر؛ لما ثبت في ذلك من الحديث عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ: أنه قال: «أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتّى بلغ ستين، أو سبعين سنة، لقد أعذر الله إليه، لقد أعذر الله إليه». أخرجه الإمام أحمد. ومعنى أعذر إليه: أي لم يبق له عذر، ومنه قولهم: أعذر من أنذر. والمعنى، -والله أعلم-: أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر؛ لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع، وترقب المنية، ولقاء الله تعالى. ففيه إعذار بعد إعذار.\nوالستون هي منتهى الكمال، ثم يأخذ ابن آدم في النقص، والهرم، كما قال الشاعر: [الوافر] إذا بلغ الفتى ستين عاما... فقد ذهب المسرّة والفتاء\nولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به، ويزيح به عنهم العلل، والتعلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث عن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «أعمال أمّتي ما بين السّتّين إلى السّبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك».\nأخرجه الترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.","vol":"7","page":686},{"text":"﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ:﴾ روي عن ابن عباس، وعكرمة، وقتادة: أنهم قالوا: يعني: الشيب.\nوقال البوصيري: [البسيط] فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم\nوقال آخر: [الوافر] رأيت الشيب من نذر المنايا... لصاحبه وحسبك من نذير\nوقال آخر: [الوافر]\nفقلت لها: المشيب نذير عمري... ولست مسوّدا وجه النّذير\nوقال السدي، وعبد الرحمن بن زيد: يعني به: رسول الله ﷺ، وقرأ ابن زيد: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (النجم). ﴿فَذُوقُوا﴾ أي: ذوقوا عذاب النار، جزاء على مخالفتكم للأنبياء في حياتكم الدنيا. وانظر الاستعارة في الآية رقم [١٤] من سورة (السجدة). ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي: ما لهم من مانع، ولا مدافع يمنعهم، ويدفع عنهم عذاب الجحيم.\nالإعراب: ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَصْطَرِخُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية: (الذين...) إلخ، أو هي مستأنفة. ﴿رَبَّنا:﴾\nمنادى حذفت منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَخْرِجْنا:﴾ فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل تقديره: «أنت»، و(نا):\nمفعول به. ﴿نَعْمَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف. ﴿صالِحًا غَيْرَ:﴾ يجوز أن يكونا نعتي مفعول مطلق محذوف، التقدير: نعمل عملا صالحا غير، وأن يكونا نعتي مفعول به محذوف، التقدير: نعمل شيئا صالحا غير، وأن يكون ﴿صالِحًا﴾ نعتا لمصدر محذوف، و﴿غَيْرَ﴾ هو المفعول به. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nو﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه، وجملة: ﴿نَعْمَلْ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿كُنّا نَعْمَلُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير:\nالذي كنا نعمله، والكلام ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، إن شئت قدرته فعلا مفسرا ل: ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ أي يقولون في صراخهم: ربنا... إلخ. وإن شئت قدرته حالا من فاعل يصطرخون، التقدير: قائلين ربنا... إلخ.","vol":"7","page":687},{"text":"﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: عاطفة على مقدر، التقدير: ألم نمهلكم، ونؤخركم عمرا يتذكر فيه من تذكر. ﴿نُعَمِّرْكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة، التي رأيت تقديرها. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة بمعنى: وقتا، فهي ظرف متعلق بما قبله، أو بمعنى: تعميرا، فتكون في محل نصب مفعول مطلق. ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿ما﴾. ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والكلام: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، التقدير:\nفيقال لهم: أولم نعمركم... إلخ، والجملة المقدرة هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجاءَكُمُ:﴾ الواو:\nواو الحال. (جاءكم): ماض، والكاف مفعول به. ﴿النَّذِيرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من الكاف، والرابط: الواو، والضمير، و«قد» قبلها مقدرة، وجملة: ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ في محل نصب صفة (ما)، والرابط الضمير المجرور محلا ب (في).\n ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ذوقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا في الدنيا؛ فذوقوا. ﴿فَما:﴾ الفاء:\nحرف تعليل. (ما): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿نَصِيرٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، والكلام:\n ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ من جملة مقول القول المحذوف.\n\n<span id=\"aya-3698\"></span>﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يعلم ما غاب فيهما عن أعين الناس. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه الصدور من الأسرار. وإذا علم ما في الصدور-وهو أخفى ما يكون-فقد علم كل غيب في العالم. وانظر شرح: (ذات) في الآية رقم [٧] من سورة (الزمر).\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عالِمُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿غَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و﴿غَيْبِ﴾ مضاف، و: ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(ذات) مضاف،","vol":"7","page":688},{"text":"و: ﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، ومؤكدة لها.\n\n<span id=\"aya-3699\"></span>﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَسارًا (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ:﴾ الخطاب لأهل مكة، ويعم كل عاقل إلى يوم القيامة. ﴿خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ:﴾ يخلف بعضكم بعضا. أو: خلفاء الله في أرضه، تتصرفون فيها. أو: خلفاء الله في الأرض في تنفيذ أحكامه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. أو المعنى: جعلكم سكانا في الأرض من بعد القرون المهلكة. هذا؛ و﴿خَلائِفَ﴾ جمع: خليفة، مثل: كرائم جمع:\nكريمة، وصحائف جمع: صحيفة. هذا؛ وكل من جاء بعد من مضى؛ فهو خليفة. وفي المصباح:\nوالخليفة: أصله خليف بغير «ها»؛ لأنه بمعنى الفاعل، دخلته الهاء للمبالغة، كعلاّمة، ونسّابة، ويكون وصفا للرجل خاصة. ويقال: خليفة آخر (بالتذكير). ومنهم من يقول: خليفة أخرى (بالتأنيث). ويجمع باعتبار أصله على: خلفاء، مثل: شريف، وشرفاء. وباعتبار اللفظ على:\nخلائف. هذا؛ والخلف: هو التالي للمتقدم، ولذلك قيل لأبي بكر ﵁: يا خليفة الله! فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ﷺ، وأنا راض بذلك.\n ﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: جحد النعمة، وغمطها. ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: عليه وبال كفره، وهو العقاب الشديد، والعذاب الأليم. ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتًا﴾ أي: لا يزيدهم كفرهم إلا طردا من رحمة الله، وبعدا، وبغضا شديدا من الله. ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَسارًا﴾ أي: ولا يزيدهم كفرهم إلا هلاكا، وضلالا، وخسران العمر؛ الذي ما بعده شر، وخسار.\nقال أبو حيان: وفي الآية تنبيه على أنه تعالى استخلفهم بدلا ممن كان قبلهم، فلم يتعظوا بحال من تقدمهم من المكذبين للرسل، وما حل بهم من الهلاك، ولا اعتبروا بمن كفر، ولا اتعظوا بمن تقدم. والمقت: أشد الاحتقار، والبغض. والخسار: خسار العمر، كأن العمر رأس مال الإنسان، فإذا انقضى في غير طاعة الله؛ فقد خسره، واستعاض به بدل الربح سخط الله، وغضبه، بحيث صار إلى النار المؤبدة. انتهى. مختصر ابن كثير.\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به أول. ﴿خَلائِفَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَلائِفَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من): اسم شرط","vol":"7","page":689},{"text":"مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. وفاعله يعود إلى: (من) تقديره: هو، والمتعلق محذوف. ﴿فَعَلَيْهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كُفْرُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: (عليه كفره) في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\nوعلى الاعتبارين؛ فالجملة الاسمية مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، لا محل لها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَزِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كُفْرُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿يَزِيدُ،﴾ وقيل: متعلق بمحذوف حال.\nولا وجه له. و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَقْتًا:﴾ مفعول به ثان، وقيل:\nتمييز. وليس بشيء. وجملة: ﴿وَلا يَزِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح، وكررت للتوكيد، ولزيادة التقرير على رسوخ الكفر في نفوسهم، واقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين الهائلين، وهما: المقت، والخسار.\n\n<span id=\"aya-3700\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاّ غُرُورًا (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني. ﴿شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: تعبدون من دون الله. هذا؛ وأطلق على الأصنام التي كانوا يعبدونها اسم الشركاء لأحد أمرين:\nأحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس. وثانيهما: أنهم كانوا يشركونها في الأموال، والأنعام، والزروع، والثمار، وقد تكفلت سورة (الأنعام) ببيان ذلك. ومعنى ما تقدم: قل يا محمد توبيخا، وتأنيبا لهؤلاء المشركين: أخبروني عن حال الأوثان التي عبدتموها من دون الله، وأشركتموها معه في العبادة، والتعظيم، والتقديس: بأي شيء استحقت ذلك؟!\n ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أروني أي شيء خلقته هذه الأصنام في هذه الدنيا من المخلوقات؛ حتى استحقت العبادة مع الله؟! ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أي: أم شاركوا الله في","vol":"7","page":690},{"text":"خلق السموات، فاستحقوا بذلك الشركة معه في الألوهية؟! ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا﴾ أي: أنزلنا عليهم كتابا من السماء ينطق على أنا اتخذناهم شركاء. ﴿فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ:﴾ على بصيرة، وحجة، وبرهان في عبادة هذه الحجارة، والأوثان.\n ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ..﴾. إلخ: أي ليس لهم حجة على ما هم عليه من الضلال، وإنما عبدوا هذه الحجارة، والأوثان بسبب تغرير الأسلاف للأخلاف، وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم يشفعون لهم عند الله بالتقرب إليه، وهو صريح قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾.\nهذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة، التي هي لجماعة المذكرين العاقلين، مع أنها جمادات لا تعقل؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل، من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها. والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا نزلوه منزلته؟ وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿شُرَكاءَكُمُ:﴾ مفعول به أول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة لما قبله. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. و: ﴿دُونِ﴾ مضاف، و: ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَرُونِي:﴾\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية بدل من جملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ؛﴾ لأنها بمعنى: أخبروني، كما رأيت.\n ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي خلقوه. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا، فهو مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف، مثل ما تقدم، كما يجوز اعتباره في محل نصب مفعول به مقدم، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة: ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ في محل نصب مفعول به ثان ل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من مفعول ﴿خَلَقُوا﴾ على جميع الاعتبارات، و: ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيه، وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، معناه الإضراب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شِرْكٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فهي في محل نصب مثلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول.","vol":"7","page":691},{"text":"﴿كِتابًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا.\nوهذا على اعتبار ﴿أَمْ﴾ متصلة، وإن كانت منقطعة بمعنى: «بل»؛ فالجملة بعدها مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿عَلى بَيِّنَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب تستأنف بعده الجمل. ﴿إِنْ:﴾\nحرف نفي بمعنى: «ما». ﴿يَعِدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ بدل من ﴿الظّالِمُونَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضًا:﴾\nمفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿غُرُورًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ يَعِدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3701\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا:﴾ لما بين الله تعالى أن آلهة المشركين لا تقدر على خلق شيء من السموات، والأرض؛ بين: أن خالقهما، وممسكهما هو الله وحده، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه. وانظر الآية رقم [٦٥] من سورة (الحج).\n ﴿وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: ولو زالتا؛ ما أمسكهما أحد غير الله تعالى. هذا؛ وانظر إعادة الضمير مثنى على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (السجدة). ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا:﴾ حيث لم يعاجل المشركين؛ الذين ينسبون إليه الصاحبة، والولد بالعقاب الأليم، والأخذ الشديد.\nقال الكلبي: لما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله؛ كادت السموات، والأرض أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما الله، وأنزل هذه الآية، وهي كقوله تعالى:\n ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ في سورة (مريم).\nوفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط، ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، وفي رواية: (النار) لو كشفه؛ لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾ اسمها. ﴿يُمْسِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول","vol":"7","page":692},{"text":"به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم.\n ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَزُولا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، و﴿إِنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة مصدر إليه، يقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهة زوالهما. وهذا عند البصريين، وأما الكوفيون؛ فإنهم يعتبرونه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nلئلا تزولا. ومثل الآية قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته المشهورة: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا\nهذا هو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وقيل: المصدر في محل نصب بدل اشتمال من ﴿السَّماواتِ﴾ التقدير: إن الله يمسك زوال السموات، والأرض. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، التقدير: والله. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿زالَتا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين؛ التي هي فاعله، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَمْسَكَهُما:﴾ ماض، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٦٠] من سورة (الأحزاب). ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والكلام: ﴿وَلَئِنْ زالَتا..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى (الله) تقديره: «هو». ﴿حَلِيمًا غَفُورًا:﴾ خبران ل: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3702\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ:﴾ أقسموا: حلفوا، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي،","vol":"7","page":693},{"text":"والأمر، وتحذف من المضارع مع ضم حرف المضارعة، كما رأيته مرارا. هذا؛ وأما «قسم» الثلاثي؛ فإنه بمعنى جزأ، أو فرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل، تسقط في درج الكلام. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها، والجهد: بفتح الجيم المشقة، وبضمها القدرة، والطاقة، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ الآية رقم [٧٩] من سورة (التوبة).\n ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ:﴾ قال النسفي وغيره: بلغ قريشا قبل مبعث النبي ﷺ: أن أهل الكتاب: اليهود، والنصارى كذبوا رسلهم، وعذبوهم؛ بل وقتلوا بعضهم، فقالوا: لعن الله اليهود، والنصارى أتتهم الرسل، فكذبوهم، فو الله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى منهم، ولنتبعنه، ولنكونن معه! وقولهم هذا مثل قوله تعالى عنهم في سورة (الصافات): ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\n ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ:﴾ هو سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ جاءهم بالهدى، ودين الحق. ﴿ما زادَهُمْ:﴾ مجيئه. ﴿إِلاّ نُفُورًا:﴾ إلا تباعدا عن الهدى، والحق، وهربا منه. هذا؛ وقد قال الله تعالى عن كفار مكة في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنعام): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾.\nالإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أقسموا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله: (أقسموا) وهو من معناه، أو هو حال من واو الجماعة بمعنى: جاهدين، و: ﴿جَهْدَ﴾ مضاف، و: ﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿نَذِيرٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَكُونُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يكونن): فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع اسمه. ﴿أَهْدى:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره:\n «هو». ﴿مِنْ إِحْدَى:﴾ متعلقان ب: ﴿أَهْدى،﴾ و: ﴿إِحْدَى﴾ مضاف، و: ﴿الْأُمَمِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَيَكُونُنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، المدلول عليه باللام، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، على نحو ما رأيت في الآية السابقة. هذا؛ والقسم المحذوف وجوابه المذكور، والشرط المذكور، وجوابه المحذوف، كل ذلك جواب لقوله:\n ﴿(أَقْسَمُوا بِاللهِ)﴾. وهذا القسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.","vol":"7","page":694},{"text":"﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٤] من سورة (سبأ). ﴿جاءَهُمْ نَذِيرٌ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿زادَهُمْ:﴾ فعل ماض، ومفعوله الأول، والفاعل يعود إلى ﴿نَذِيرٌ﴾ تقديره: «هو»، وإسناد الزيادة إليه مجاز؛ لأنه سبب في ذلك، وإذا قلنا: الفاعل محذوف، يدل عليه المقام، التقدير: ما زادهم مجيئه، فهو كلام لا غبار عليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نُفُورًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها، وفيه دليل على أن (لمّا) حرف، لا ظرف؛ لأنه لا يعمل ما بعد «ما» النافية فيما قبلها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3703\"></span>﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان، ونفروا من النبي ﷺ بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وبسبب عتوهم، وطغيانهم في الأرض، ومن أجل المكر السّيّئ بالرسول ﷺ وبالمؤمنين؛ ليفتنوا ضعفاء الإيمان عن دين الله، والمكر: الاحتيال، والخديعة.\n ﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: ومكروا مكر العمل السّيّئ، أي القبيح، وانظر الآية رقم [١٠]\n ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ أي: لا ينزل، ولا يحيط وبال المكر السّيّئ إلا بمن مكره، ودبّره، وعن ابن عباس﵄-: أن كعب الأحبار قال له: إني أجد في التوراة: «من حفر لأخيه حفرة وقع فيها». فقال ابن عباس﵄-: فإني أوجدك في القرآن ذلك! قال: وأين؟ قال: فاقرأ: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. وفي أمثال العرب: «من حفر لأخيه جبّا وقع فيه منكبّا». وقال أبو بكر الصديق﵁-: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: المكر، فالله يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. والبغي، فالله يقول: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾. والنكث، فالله يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾. وقال النبي ﷺ: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا. ولا تبغ، ولا تعن باغيا. ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال الشاعر الحكيم: [السريع&amp;\nيا أيها الظالم في فعليه... والظلم مردود على من ظلم\nإلى متى أنت وحتّى متى... تحصى المصائب وتنسى النّعم\nوفي الحديث الشريف: «المكر، والخديعة في النار». أي: تدخل أصحابها في النار يوم القيامة؛ لأنها من أخلاق الكفار، لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، ولهذا قال النبي ﷺ في","vol":"7","page":695},{"text":"سياق هذا الحديث: «وليس من أخلاق المؤمن المكر، والخديعة، والخيانة». وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق الإيمان الكريمة.\n ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فهل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا سنة الله، وعادته في الأمم المتقدمة؟ وهي إهلاكهم، وتعذيبهم بسبب تكذيبهم للرسل.\n ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ أي: فلن تتغير، ولن تتبدل سنته في خلقه، ولا يستطيع أحد أن يحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره، وقال تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (الأحزاب): ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾. وقال تعالى في الآية رقم [٧٧] من سورة (الإسراء): ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾. فأنت ترى: أن الله تعالى أضاف السنة تارة إلى نفسه، وتارة أضافها إلى القوم لتعلق الأمر بالجانبين، وهو كالأجل تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى القوم، قال الله تعالى في الآية رقم [٥] من سورة (العنكبوت): ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ،﴾ وقال في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأعراف)، وغيرها: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾.\nالإعراب: ﴿اِسْتِكْبارًا:﴾ يجوز فيه أن يكون مفعولا لأجله، وأن يكون بدلا من: ﴿نُفُورًا،﴾ وأن يكون حالا، أي: حال كونهم مستكبرين. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَكْرَ:﴾ معطوف على ما قبله، أو هو معطوف على ﴿نُفُورًا﴾ أجازهما السمين، والزمخشري. و(مكر): مضاف، و﴿السَّيِّئِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى صفته؛ إذ الأصل: والمكر السيئ. ﴿وَلا:﴾\nوالواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَحِيقُ:﴾ مضارع. ﴿الْمَكْرُ:﴾ فاعله. ﴿السَّيِّئِ:﴾ صفة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف؛ إذ لا وجه له.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِأَهْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿سُنَّتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ.\nوالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله هنا بخلاف قوله: ﴿لِسُنَّتِ اللهِ﴾ فإن الإضافة فيه من إضافة المصدر لفاعله، وعليه: فهي تضاف أحيانا للفاعل، وأحيانا للمفعول. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها. ولا وجه له. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لن):\nحرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿لِسُنَّتِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، أو هما في محل نصب حال منه، كان صفة له... إلخ، أو هما مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿تَبْدِيلًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.","vol":"7","page":696},{"text":"<span id=\"aya-3704\"></span>﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً:﴾ هذا استشهاد على ما قبله من جريان سنته تعالى على تكذيب المكذبين بما يشاهدونه في سيرهم إلى الشام، واليمن، والعراق من آثار ديارهم الماضية، وانظر الآية رقم [٩] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ليسبقه، ويفوته، وإذا أراد إنزال عذاب بقوم؛ لم يعجزه ذلك. ﴿إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا:﴾ بكل شيء. ﴿قَدِيرًا:﴾ قادر على كل شيء.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها يقتضيها المقام، التقدير: أقعدوا في مساكنهم، ولم يسيروا... إلخ. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾\nفعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، ومنصوب على اعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا؛ فيؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، فيكون التقدير:\nفهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم.\n ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم كان، و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة، -والمعنى: لا يأباه-فيكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ﴾ والعامل (كان)، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: واو الحال. (كانوا) فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَشَدَّ:﴾ خبر كان. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَشَدَّ؛﴾ لأنه أفعل تفضيل، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الموصول، والرابط: الواو، والضمير، و«قد» قبلها مقدرة. هذا؛ ولم تربط بالواو في الآية رقم [٩] من سورة (الروم).","vol":"7","page":697},{"text":"﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾\nاسمها. ﴿لِيُعْجِزَهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ التقدير: وما كان الله مريدا لإعجازه عن شيء. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها، والأول أقوى معنى، وأتم سبكا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى الله. ﴿عَلِيمًا قَدِيرًا:﴾ خبران ل: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل للتقرير المذكور في أول الآية.\n\n<span id=\"aya-3705\"></span>﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا:﴾ من المعاصي، والسيئات، واقتراف المحرمات، والمنكرات، وفي سورة (النحل) آية رقم [٦١] ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ بدل: ﴿بِما كَسَبُوا﴾.\n ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: على ظهر الأرض، والمراد: من دابة كافرة. وقيل:\nالمعنى: أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء، فلم يبق على وجه الأرض أحد، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٨]: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ..﴾. إلخ وفي الكلام استعارة حيث شبه الأرض بدابة تحمل على ظهرها أنواع المخلوقات، ثم حذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الظهر بطريق الاستعارة المكنية، ومثله قول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية... إلخ. ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: يمهلهم كرما، وفضلا، وحلما. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ هو وقت انتهاء آجالهم. وانقضاء أعمارهم. ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: وقت انتهاء آجالهم. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ أي: كان، ولم يزل كائنا خبيرا بأعمال عباده، بصيرا بجميع حركاتهم وسكناتهم، لا تخفى عليه خافية من جميع أحوالهم، بصيرا بمن يستحق العقوبة، والعذاب، ومن يستحق الأجر، والثواب.\nهذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ومثله في سورة (النحل) رقم [٦١] وغيرها كثير، وقال تعالى في هذه السورة رقم [١٣]: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وغيرها أيضا كثير، فإن قلت: أهو من","vol":"7","page":698},{"text":"تعاقب الحرفين؟ قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن، ولكنّ المعنيين -أعني: الانتهاء، والاختصاص-كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأن قولك: يجري إلى أجل مسمى، معناه: يبلغه، وينتهي إليه. وقولك: يجري لأجل مسمى، تريد: لإدراك أجل مسمى، وتجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمّى، ألا ترى: أن جري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر مختص بآخر الشهر، فكلا الموضعين غير ناب به موضعه. انتهى. كشاف.\nتنبيه: في الآية الكريمة بيان: أن الله لو عاجل المذنبين بالعقاب؛ لأهلكهم، وأهلك الناس معهم. قال عبد الله بن مسعود﵁ وقرأ هذه الآية-: لو آخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين؛ لأصاب العذاب جميع الخلائق؛ حتى الجعلان في جحرها، ولأمسك الأمطار من السماء، والنبات من الأرض، فمات الدواب، ولكن الله يأخذ بالعفو، والفضل، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (الشورى)، وأيضا قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ فإن قيل: كيف يعم بالهلاك الناس جميعا مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟ قيل: يجعل هلاك الظالم انتقاما، وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابا؛ أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نيّاتهم». قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٢٥]: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً،﴾ وقال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٦] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ انظر شرح هذه الآية في محالها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿يُؤاخِذُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nبالذي، أو: بشيء كسبوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. (ما): نافية. ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿عَلى ظَهْرِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: (دابة) كان صفة له، فلما قدم عليها؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا قدم عليها؛ صار حالا». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.","vol":"7","page":699},{"text":"﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿يُؤَخِّرُهُمْ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ تقديره: هو، والهاء مفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وجملة: ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَجَلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها، وجواب: (إذا) محذوف، التقدير: لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. الدليل عليه التصريح به في سورة (الأعراف) رقم [٣٤]، وفي سورة (يونس) رقم [٤٩]، وفي سورة (النّحل) رقم [٦١]. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء:\nحرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، وهو يدل على الاستمرار، واسمه يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَصِيرًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (فاطر) بحمد الله وتوفيقه، إعرابا وتفسيرا.\nوالحمد لله رب العالمين","vol":"7","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3478>سورة يس</span>\nسورة (يس) مكية بالإجماع إلا أن فرقة قالت: إن قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول ﷺ على ما يأتي. وهي ثلاث وثمانون آية، وسبعمائة وتسع وعشرون كلمة، وثلاثة آلاف حرف، فعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكلّ شيء قلبا، وقلب القرآن (يس)، ومن قرأ (يس) كتاب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات». أخرجه الترمذي، وقال:\nحديث غريب. وعن معقل بن يسار، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرءوا على موتاكم (يس)». أخرجه أبو داود، وغيره. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ (يس) في ليلة أصبح مغفورا له، ومن قرأ حم التي يذكر فيها الدّخان أصبح مغفورا له». أخرجه الحافظ أبو يعلى.\nولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة: أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى، وكأن قراءتها عند المحتضر، أو الميت لتنزل الرحمة والبركة، وليسهل عليه خروج الروح، والله تعالى أعلم. قال الإمام أحمد﵀-: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت -يعني: (يس) -عند الميت؛ خفف الله عنه بها. وروى البزار عن ابن عباس﵄قال: قال النبي ﷺ: «لوددت أنّها في قلب كلّ إنسان من أمّتي». وعن أنس﵁أن رسول الله ﷺ قال: «من دخل المقابر، فقرأ سورة (يس) خفّف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات». وذكر الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» عن عبد الأعلى، قال:\nحدثنا محمد بن الصلت، عن عمرو بن ثابت، عن محمد بن مروان، عن أبي جعفر قال: من وجد في قلبه قساوة فليكتب (يس) في جام بزعفران، ثم يشربه. حدثني أبي ﵀، قال:\nحدثنا أصرم بن حوشب، عن بقيّة بن الوليد، عن المعتمر بن أشرف، عن محمد بن علي، قال:\nقال رسول الله ﷺ: «القرآن أفضل من كلّ شيء دون الله، وفضل القرآن على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه، فمن وقّر القرآن فقد وقر الله، ومن لم يوقّر القرآن لم يوقر الله، وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد على ولده، القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، فمن شفع له القرآن شفع، ومن محل به القرآن صدّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وحملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله، الملبسون نور الله، المعلّمون كلام الله، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله.","vol":"7","page":701},{"text":"يقول الله تعالى: يا حملة القرآن استجيبوا لربّكم بتوقير كتابه، يزدكم حبّا، ويحبّبكم إلى عباده، يدفع عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، ويدفع عن تالي القرآن بلوى الآخرة، ومن استمع آية من كتاب الله، كان له أفضل ممّا تحت العرش إلى النّجوم، وإنّ في كتاب الله لسورة، تدعى العزيزة، ويدعى صاحبها الشريف يوم القيامة، تشفع لصاحبها في أكثر من ربيعة ومضر، وهي سورة يس». انتهى. قرطبي، والله أعلم.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3706\"></span>﴿يس (١)﴾\nفيه قراءات كثيرة، كما في لفظ (طه) وقد اختلف في معناه، فقيل: معناه: يا رجل! وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: أن معناه يا إنسان. وقالوا في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ رقم [١٣٠] من سورة (الصافات) أي: على آل محمد. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: هو اسم من أسماء محمد ﷺ، ودليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال السيد الحميري: [البسيط] يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة... على المودّة إلاّ آل ياسين\nوقال أبو بكر الوراق: معناه: يا سيد البشر. وقيل: إنه اسم من أسماء الله، قاله مالك.\nهذا؛ وذكر الماوردي عن علي﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء: محمد وأحمد وطه وياسين والمزمّل والمدّثر وعبد الله». قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق: أن المعنى: يا سيد! مخاطبا لنبيه ﷺ. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿يس:﴾ فيه، أوجه: أحدها أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هذه (يس). الثاني: أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اتل (يس). الثالث: أنه مقسم به، وحرف القسم محذوف، التقدير: أقسم ب: (يس).\n<span id=\"aya-3707\"></span><span id=\"aya-3708\"></span><span id=\"aya-3709\"></span>﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ:﴾ قسم أقسم الله بالقرآن: أن محمدا ﷺ مرسل من عنده، وهو رد على كفار قريش؛ حيث قالوا: لست مرسلا. ومعنى الحكيم: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، كما قال تعالى في أول سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة،","vol":"7","page":702},{"text":"وألف سلام. ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ..﴾. إلخ رقم [١] ويقال فيه: ذو الحكمة، يقال: قصيدة حكيمة، أي ذات حكمة، وانظر الكلام على ﴿الْحِكْمَةَ﴾ في سورة (لقمان) رقم [١٢]. وحكم الرجل يحكم؛ أي: صار حكيما، ومنه قول النابغة الذبياني يخاطب النعمان بن المنذر في معلقته رقم [٢٧]: [البسيط] واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت... إلى حمام شراع وارد الثّمد\nوأحكمته التجارب: جعلته حكيما. قال الشاعر: [الكامل] وقصيدة تأتي الملوك حكيمة... قد قلتها ليقال من ذا قالها؟\nوالخطاب بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ للنبي ﷺ. ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على منهج قويم، وشرع مستقيم، كقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ﴾ أي: الطريق الذي أمر الله بالسير عليه، ولا تنس ما في الآية الكريمة من التأكيد بأكثر من مؤكد؛ لأن المرسل إليهم منكرون، فقد أكد ب: «إن» واللام، ويسمى هذا النوع في علم المعاني: إنكارا.\nقال الزمخشري: فإن قلت: أي حاجة إليه، وقد علم: أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟! قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته، وإنما الغرض وصفه، ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ،﴾ الثابتين على طريق ثابت. هذا؛ والصراط: الطريق، وهو مستعار هنا للدين القويم كما في سورة الفاتحة، وسمي الدين طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، فهو طريق إليها، وهو يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، ويذكر، ويؤنث، والأول أكثر.\nهذا؛ وأصل مستقيم (مستقوم)؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله:\nاجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: مستقيم.\nالإعراب: ﴿وَالْقُرْآنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالقرآن.\n ﴿الْحَكِيمِ:﴾ صفة له. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المرسلين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (إنّ). ﴿عَلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان ب: ﴿الْمُرْسَلِينَ،﴾ ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة (صراط). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾.\nإلخ جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مبتدأ لا محل له من الإعراب.","vol":"7","page":703},{"text":"<span id=\"aya-3710\"></span><span id=\"aya-3711\"></span>﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي: أعني: هذا القرآن تنزيل العزيز الرحيم، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: نزل تنزيل، ويقرأ بالرفع، فيكون المعنى: القرآن الكريم الموجود بين أيدينا، المتلو بألسنتنا، المحفوظ في صدورنا تنزيل العزيز الرحيم، كما يقرأ بالجر على البدلية من القرآن. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ المراد: كفار قريش، وغيرهم، والمراد بآبائهم: الأقربون لا الأبعدون، فإنهم قد أنذروا، فآباء العرب الأقدمون أنذروا بإسماعيل ﵇، وآباء غيرهم الأقدمون قد أنذروا بعيسى، ومن قبله. هذا؛ وفي: ﴿قَوْمًا﴾ اختلف المفسرون، فأكثرهم ومنهم قتادة يقولون: إنها نافية. وعليه فالمعنى: لم يأت آباءهم نذير. وقال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة أيضا: هي بمعنى: «الذي» وعليه فالمعنى: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم. وقيل: إن ﴿قَوْمًا﴾ مصدرية، والمعنى: لتنذر قوما إنذار آباءهم، ثم يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء.\nفالمعنى يكون: لم ينذروا برسول من أنفسهم، ويجوز أن يكون بلغهم الخبر، ولكن غفلوا، وأعرضوا، ونسوا. ويجوز أن يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي، وقد قال تعالى في الآية رقم [٤٤] من سورة (سبأ): ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾. وقال تعالى في الآية رقم [٣] من سورة (السجدة): ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: لم يأتهم نذير. وعلى قول من قال: بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك. ويقال للمعرض عن الشيء: إنه متغافل عنه. وقيل المعنى: فهم غافلون عن عقاب الله، وانتقامه. انتهى. قرطبي بتصرف. والزمخشري بمعناه.\nالإعراب: ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر: ﴿تَنْزِيلَ،﴾ أو بمعنى (من المرسلين)، أي: أنت مرسل للإنذار. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به. ﴿قَوْمًا:﴾ نافية. ﴿أُنْذِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول.\n ﴿آباؤُهُمْ:﴾ نائب فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿قَوْمًا،﴾ وعلى اعتبار ﴿قَوْمًا﴾ موصولة، أو نكرة موصوفة، وهو أجود، فالجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، وتكون ﴿قَوْمًا﴾ بدلا من: ﴿قَوْمًا،﴾ ولا يصح أن تكون صفة له؛ لأنه نكرة، وهي معرفة، وعلى اعتبار ﴿قَوْمًا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول مطلق، التقدير: لتنذر قوما إنذارا مثل إنذار آبائهم. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿غافِلُونَ:﴾ خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ على اعتبار (ما) نافية، وعلى الاعتبارين الآخرين فالجملة الاسمية معطوفة على الجملة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقيل: هي تعليلية،","vol":"7","page":704},{"text":"ولا وجه له. هذا؛ وأورد أبو البقاء وجها رابعا، وهو أن تكون زائدة، وتكون جملة: ﴿أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ صفة: ﴿قَوْمًا،﴾ والرابط: الضمير.\n\n<span id=\"aya-3712\"></span>﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ:﴾ لقد وجب العذاب على أكثرهم، واستحقوه، وهو فحوى قوله تعالى في الآية رقم [١٣] من سورة (السجدة): ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ وهذا فيمن سبق في علم الله: أنه يموت على كفره، وذكر الله سبحانه الأكثر؛ لأن بعضهم أدركته العناية الإلهية، وسبق في علم الله الأزلي:\nأنه يموت على الإسلام فأسلم، وهؤلاء الذين سبق في علم الله: أنهم يموتون على الكفر قد أخرج الله من أصلابهم من حمل لواء الإسلام في ربوع الدنيا. والتاريخ الإسلامي وسيرة السلف الصالح شاهد عدل على ما أقول.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم مقدر. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿حَقَّ:﴾ فعل ماض. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿عَلى أَكْثَرِهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل ﴿حَقَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقَدْ حَقَّ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في اللام. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة قبلها، لا محل لها مثلها. وإن اعتبرتها تعليلية؛ فلست مفندا.\n<span id=\"aya-3713\"></span>﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا:﴾ جمع: غل، يقال: في رقبته غل من حديد. ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله: أن الغل كان يتخذ من جلد، وعليه شعر فيقمل، والغل، والغلة: حرارة العطش، وكل ذلك بضم الغين، وهو بكسرها بمعنى: الحقد، والبغض.\nورحم الله من يقول: [البسيط] يا طالب العيش في أمن وفي دعة... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق\nخلّص فؤادك من غلّ ومن حسد... الغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق\nهذا؛ وفي الكلام استعارة تمثيلية، فقد شبه الله تعالى حال الكفار في امتناعهم من الهدى، والإيمان بمن غلت يده إلى عنقه بالسلاسل، والأغلال، فأصبح مرفوعا رأسه، لا يستطيع خفضا له، ولا التفاتا، وبمن سدت الطرق في وجهه، فلم يهتد لمقصوده. وذلك بطريق الاستعارة","vol":"7","page":705},{"text":"التمثيلية، ولا تنس: أنه اكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين؛ وإن كانتا مرادتين، وهذا جيد؛ لأنه لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين إلى العنق؛ اكتفى بذكر العنق عن اليدين، وهذا يعني: أن الضمير يعود إلى اليدين، وإن لم يتقدم لهما ذكر، ورجح الزمخشري عوده على الأغلال.\n ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ:﴾ جمع: ذقن، هو من الإنسان مجمع لحييه. واللّحي (بفتح اللام):\nمنبت اللّحية (بكسر اللام) من الإنسان، وغيره لذا فاللحية: هي الشعر المسترسل من لحي الإنسان. قال هدبة بن خشرم يوصي امرأته حين قتل قودا في ابن عمه زيادة: [الطويل] فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا\nضروبا بلحييه على زور صدره... إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا\n ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي: رافعوا رءوسهم، لا يستطيعون الإطراق؛ لأن من غلّت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه. وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي، قال: يقال أقمحت الدابة: إذا جذبت لجامها لترفع رأسها، وقمح البعير قمحا: إذا رفع رأسه عند الحوض، وامتنع عن الشرب، والجمع:\nقماح على غير قياس، قال بشر بن أبي خازم يصف سفينة: [الوافر] ونحن على جوانبها قعود... نغضّ الطرف كالإبل القماح\nوالإقماح: رفع الرأس، وغض البصر، ولم تذكر هذه المادة في غير هذه السورة. هذا؛ والإقناع المذكور في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بقوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ معناه: رفع الرأس وشخوص البصر إلى السماء. هذا؛ وفي الآية فن القلب؛ إذ أصل الكلام: جعلنا أعناقهم في الأغلال. وهذا باب مشهور في كلام العرب.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي أَعْناقِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَغْلالًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وقيل: الجار والمجرور في محل نصب مفعول: ﴿جَعَلْنا﴾ الثاني تقدم على الأول، وليس بشيء؛ لأن: ﴿جَعَلْنا﴾ بمعنى: وضعنا. ﴿أَغْلالًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل لعدم إيمانهم، لا محل لها. ﴿فَهِيَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هي): مبتدأ. ﴿إِلَى الْأَذْقانِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِنّا جَعَلْنا..﴾. إلخ. لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ معطوفة عليها أيضا، لا محل لها.","vol":"7","page":706},{"text":"<span id=\"aya-3714\"></span>﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا..﴾. إلخ: قال أبو السعود، وغيره: وهذا تتمة للتمثيل، وتكميل له؛ أي: لما في الآية السابقة. انتهى. والمعنى: منعناهم عن الإيمان بموانع، فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان، كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد، فيكون في الكلام استعارة كما في الآية السابقة. ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ:﴾ أي: فأغشينا أبصارهم؛ أي: غطيناها، وجعلنا عليها غشاوة. فهي معنوية مستعارة لعدم الاهتداء، ورؤية طريق الحق والصواب. وقرئ:\n «(فأغشيناهم)» بالعين من: العشاء في العين، وهو ضعف البصر؛ حتى لا تبصر في الليل، قالت عاتكة عمة النبي ﷺ: [مجزوء الكامل] بعكاظ يعشي النّاظري... ن إذا هم لمحوا شعاعه\n ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ أي: طريق الهدى، والحق؛ وإن كانت لهم عيون، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (البقرة).\nهذا؛ وقيل: نزلت الآيتان في أبي جهل، وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل-لعنه الله- حلف: لئن رأى محمدا يصلي ليرضخنّ رأسه بحجر، فلما رآه؛ ذهب، فرفع حجرا ليرميه، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه، والتصق الحجر بيده. قاله ابن عباس، وعكرمة، وغيرهما، فهو على هذا تمثيل، أي هو بمنزلة من غلّت يده إلى عنقه. فلما عاد إلى صاحبيه أخبرهما بما حل به، فقال الرجل الثاني، وهو الوليد بن المغيرة: أنا أرضخ رأسه، فأتاه، وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوته، ولا يراه، فرجع إلى أصحابه، فلم يرهم حتى نادوه، فقال: والله ما رأيته، ولقد سمعت صوته. فقال الثالث: والله لأشدخنّ أنا رأسه، ثم أخذ الحجر، وانطلق، فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه، فقيل له:\nما شأنك؟ قال: شأني عظيم، رأيت الرجل، فلمّا دنوت منه، فإذا فحل من الإبل يخطر بذنبه، ما رأيت قط فحلا أعظم منه، حال بيني وبينه، فو اللات والعزى لو دنوت منه لأكلني! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا..﴾. إلخ. انتهى. قرطبي ومثله في الكشاف، والخازن.\nتنبيه: في ليلة الهجرة المباركة التي تآمرت فيها كفار قريش على قتل النبي ﷺ، وأحاطوا في بيته وأخذوا يرصدونه وترقبوا خروجه ليضربوه ضربة رجل واحد، أمر ابن عمه عليا أن ينام في فراشه، وأخذ كفا من تراب، فرماهم به، وخرج من بيته، وهو يقرأ يس والقرآن الحكيم... إلخ، إلى قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ،﴾ فأعمى الله أبصارهم، فلم يبصروه حين خرج، وهذا شيء مشهور ومسطور.","vol":"7","page":707},{"text":"الإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿بَيْنِ:﴾ مضاف، و:\n ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿سَدًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة:\n ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n (أغشيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿خَلْفِهِمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُبْصِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. وقيل: تعليلية. ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-3715\"></span>﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾\nالشرح: (سواء): مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد. وقيل: هو اسم بمعنى: مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع. قالوا: هما، وهم سواء. فإذا أرادوا لفظ المثنى؛ قالوا: سيان. وإن شئت؛ قلت: سواءان، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر.\nوأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان ومتساوون. هذا؛ ويأتي بمعنى الوسط، كما في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ رقم [٥٥] من سورة (الصافات)، ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ رقم [٥٨] من سورة (الأنفال) وسواء الشيء غيره، قال الأعشى: [الطويل] تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا\nوسواء السبيل: ما استقام منه، وسواء الجبل: ذروته. الإنذار: الإعلام، والتخويف من عذاب الله. ﴿لا يُؤْمِنُونَ:﴾ المعنى: الإجمالي للآية الكريمة إنذارك وعدمه لكفار مكة سواء، فهم لا يؤمنون. والحمد لله قد آمن أولادهم، وأحفادهم.\nالإعراب: (سواء): خبر مقدم، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (سواء). ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتسوية. (أنذرتهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية وهمزة التسوية في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُنْذِرْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية هذه مؤولة أيضا بمصدر معطوف على سابقه، وتقدير الكلام: إنذارك، وعدمه سواء. هذا؛ وجوز اعتبار (سواء) مبتدأ، والمصدر المؤول خبرا عنه. والأول أقوى؛ لأن سواء نكرة لما ترى، ولا مسوغ لوقوعه","vol":"7","page":708},{"text":"مبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها بالواو العاطفة، فهي في محل رفع أيضا، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿لا يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها، ورجحه ابن هشام في المغني.\nهذا؛ وينبغي أن تعلم: أن الآية مذكورة بحروفها في الآية رقم [٦] من سورة (البقرة)، فلذا لم يتكلم عنها أحد من المفسرين، وإنما أحالوا على سورة (البقرة)، والله الموفق، والمعين.\n\n<span id=\"aya-3716\"></span>﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ. ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: إنما ينتفع بإنذارك، وتخويفك يا محمد المؤمنون، من اتبع القرآن، وعمل بما فيه. ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي:\nخاف الله بالغيب؛ حيث لا يراه أحد إلا الله ﵎، فهو يعلم أن الله مطلع عليه، وعالم بما يفعل. هذا؛ والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه، قال الشاعر: [الطويل] وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمد\nهذا؛ وانظر الخوف في الآية رقم [٢٨] من سورة (فاطر). هذا؛ والخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم. هذا؛ والماضي: خشي، والمضارع: يخشى، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا. وهذا المكان أخشى من ذلك؛ أي: أشد خوفا. وقد يأتي الفعل: «خشي» بمعنى: علم القلبية، قال الشاعر: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمد\nقالوا: معناه: علمت. وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الخضر: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ:﴾ لذنوبه، وستر لعيوبه.\n ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: كثير، واسع، حسن، جميل. كما قال تعالى في سورة الملك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. هذا؛ والبشارة عبارة عن الخبر السار؛ الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغيّر بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن، والغم، يظهر أثرهما على الوجه، وهو الكمودة، التي تعلو الوجه عند حصول الغم، والحزن، فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، وعليه قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. ولكن قد تستعمل البشارة بالشر، وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في قوله تعالى:\n ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. وهو كثير في القرآن الكريم.","vol":"7","page":709},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿تُنْذِرُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿اِتَّبَعَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنِ،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿الذِّكْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنِ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ﴾ معطوفة عليها. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو المفعول، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ..﴾. إلخ تعليل لتسوية الإنذار وعدمه للكافرين. ﴿فَبَشِّرْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا ﴿فَبَشِّرْهُ﴾. (بشره): فعل أمر، والفاعل تقديره:\n «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿بِمَغْفِرَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَأَجْرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-3717\"></span>﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى:﴾ يوم القيامة للحشر والنشر والحساب والجزاء، أو المراد:\nنحيي القلوب الميتة بالإيمان، على حد قوله تعالى في الآية رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام): ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ..﴾. إلخ. ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ أي: من الأعمال، خيرها، وشرها، صالحها، وسيئها، فآثار المرء التي تبقى، وتذكر بعد الإنسان من خير، أو شر يجازى عليها: من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو وقف وقفوه، أو بناء بنوه، من مسجد، أو مدرسة، أو قنطرة يعبر الناس فوقها، مما تركوه من بعدهم مما تقدم يجري لهم ثوابه وأجره بعد موتهم. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده». أخرجه مسلم، أما السّيّئ الذي يسجل عليه وزره بعد موته: كوظيفة وظفها بعض الفاسدين المفسدين على المسلمين، أو بناء بناه تجري فيه المفاسد، مثل المقاصف، التي تقع المعاصي فيها من قمار، وشرب الخمور، والكازينات المعدة للرقص، والمخزيات، وما يبنى على شواطئ البحار، والأنهار للدعارة، والخلاعة، وكل ما يغضب الواحد القهار، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (الأحزاب)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وقيل: إن المراد ب: (آثارهم) خطاهم إلى المساجد. قال النحاس: وهذا أولى ما قيل فيه؛ لأنه قال: إن الآية نزلت في ذلك؛ لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة عن المسجد. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في جماعة تضعّف على","vol":"7","page":710},{"text":"صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنّه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلاّ الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلّى لم تزل الملائكة تصلّي عليه ما دام في مصلاّه ما لم يحدث... إلخ». رواه البخاري. وعن ابن عمر﵄أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة». رواه مالك، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي، وهذا هو المفتى به، والمشهور عند المسلمين، وخذ ما يلي:\nفعن جابر بن عبد الله﵄قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال لهم: «إنّه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد». قالوا: نعم يا رسول الله! قد أردنا ذلك، فقال ﷺ: «يا بني سلمة! دياركم تكتاب آثاركم! دياركم تكتاب آثاركم!». أخرجه الإمام مسلم والإمام أحمد. والمعنى: الزموا دياركم. والفعل المضارع مجزوم بهذا المقدر.\nوعن أبي سعيد الخدري﵁قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ فأقاموا في مكانهم، وقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا. رواه الحافظ البزار. هذا؛ وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: لو كان الله -﷿مغفلا شيئا من شأنك يا بن آدم؛ أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره، وعمله كله؛ حتى أحصى هذا الأثر، فيما هو من طاعة الله تعالى، أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى؛ فليفعل. انتهى. من القرطبي ومختصر ابن كثير وغيرهما. هذا؛ والأثر: الأجل، وخذ ما يلي:\nفعن أنس﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسّأ له في أثره؛ فليصل رحمه». رواه البخاري، ومسلم. قال في الفتح: وسمي الأجل أثرا؛ لأنه يتبع العمر. قال زهير بن أبي سلمى: [البسيط] والمرء ما عاش ممدود له أمل... لا ينقضي العمر حتّى ينتهي الأثر\n ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي: حفظنا كل شيء، وعددناه، وأثبتناه في اللوح المحفوظ، فهو مسطور، ومضبوط، لا يطرأ محو، ولا تغيير، ولا تبديل عليه، والإمام: الكتاب الذي يسجل فيه عمل الإنسان، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾. الآية رقم [٧١] من سورة (الإسراء)، أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير، أو شر، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ..﴾. إلخ. الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف)، ويقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء).","vol":"7","page":711},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمه. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل لا محل له.، أو هو تأكيد لاسم (إنّ) على المحل، أو هو مبتدأ. ﴿نُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) على الوجهين الأولين في الضمير، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. (نكتاب): مضارع، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nنكتاب الذي، أو شيئا قدموه. (آثارهم): معطوف على ﴿ما قَدَّمُوا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿وَكُلَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كل): منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، ومثله قوله تعالى في الآية رقم [١٣] من سورة (الإسراء): ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ..﴾. إلخ. ﴿أَحْصَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة لا محل لها؛ لأنها مفسرة لجملة مستأنفة في التقدير. ﴿فِي إِمامٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿إِمامٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-3718\"></span>﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا:﴾ الخطاب لسيد الخلق وحبيب الحق ﷺ، والمضروب لهم كفار مكة. ﴿أَصْحابَ الْقَرْيَةِ:﴾ المراد به أنطاكية في قول جميع المفسرين، فيما ذكر الماوردي.\n ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: الذين أرسلهم عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، إلى:\n «أنطاكية» بكسر الهمزة وفتحها.\nهذا؛ وأصحاب جمع: صاحب، وهو هنا بمعنى: المالك، والصاحب يكون بمعنى الصديق، والزوج، ونحوه. وصاحب رسول الله ﷺ: هو كل من جالسه في حياته، ولو ساعة واحدة بشرط أن يكون مسلما موحدا. ويجمع على أصحاب، وصحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب.\nأما القرية: فهي اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى في قوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام). كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من قريت الماء في المكان: جمعته. وفي القاموس المحيط: القرية: بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها: قرويّ وقرئيّ والفتح أقوى.","vol":"7","page":712},{"text":"وأما المثل في هذه الآية ونحوها، فهو عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر؛ بينهما مشابهة؛ ليتبين أحدهما من الآخر، ويصوره. وقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر. وبالجملة:\nهو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه. أي: هو الحالة الأصلية، التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغير:\nتذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا؛ بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي: أصله. مثل:\n (الصّيف ضيّعت اللّبن). فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.\nالإعراب: ﴿وَاضْرِبْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اضرب): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره:\n «أنت». ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. ﴿مَثَلًا:﴾\nمفعول به أول. ﴿أَصْحابَ:﴾ مفعول به ثان، وصحح «الجمل» العكس. و﴿أَصْحابَ﴾ مضاف، و﴿الْقَرْيَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل من ﴿أَصْحابَ الْقَرْيَةِ﴾. ﴿جاءَهَا:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿الْمُرْسَلُونَ...:﴾ فاعل مرفوع إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَاضْرِبْ..﴾. إلخ معطوفة على ما تضمنته الآيات السابقة من الكلام على كفار قريش، لا محل لها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\nتنبيه: قال مكي-رحمه الله تعالى-: أصح ما يعطي القياس، والنظر في ﴿مَثَلًا أَصْحابَ:﴾\nأنهما مفعولان ل: (اضرب)، دليله: قوله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فلا اختلاف: أن ﴿مَثَلُ﴾ ابتداء، و﴿كَماءٍ﴾ خبره، فهذا ابتداء، وخبر بلا شك، ثم قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٥] من سورة (الكهف)، فدخل (اضرب) على الابتداء، والخبر، فعمل في الابتداء، ونصبه، فلا بد أن يعمل في الخبر أيضا؛ لأن كل فعل دخل على الابتداء، والخبر، فعمل في الابتداء، فلا بد أن يعمل في الخبر؛ إذ هو هو، فقد تعدى (اضرب)؛ الذي هو لتمثيل الأمثال إلى مفعولين بلا اختلاف في هذا، فوجب أن يجري في غير هذا الموضع على ذلك، فيكون قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ،﴾ مفعولين ل: (اضرب)، كما كان في دخوله على الابتداء، والخبر، وقد قيل: إن ﴿أَصْحابَ﴾ بدل من «مثل» وتقديره: واضرب لهم مثلا «مثل» أصحاب، فالمثل الثاني بدل من الأول، ثم حذف المضاف. انتهى. بحروفه.\n\n<span id=\"aya-3719\"></span>﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ:﴾ اسمهما: يوحنا، وبولس. وقيل: غير ذلك. هذا؛ وأسند ﷾ الإرسال إلى نفسه؛ لأن عيسى أرسلهما بأمره، جلت قدرته، وتعالت حكمته.\n ﴿فَكَذَّبُوهُما:﴾ قيل: ضربوهما، وسجنوهما. ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ أي: قوينا، وشددنا أمر الاثنين","vol":"7","page":713},{"text":"برسول ثالث، واسمه: شمعون الصفا بن لاوي. ويقرأ الفعل بالتشديد، والتخفيف، وهما بمعنى واحد. وقيل: التخفيف بمعنى: غلبنا وقهرنا، ومنه قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٣]:\n ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾. والتشديد بمعنى: قوينا، وكثرنا.\nوخذ القصة بما يلي: أرسل عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-رسولين من الحواريين، اسمهما: يوحنا، وبولس إلى مدينة أنطاكية، فلقيا رجلا يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار صاحب: «يس» فدعوه إلى عبادة الله تعالى، وقالا: نحن رسولا عيسى ندعوك إلى عبادة الله تعالى. فطالبهما بالمعجزة، فقالا: نحن نشفي المرضى، وكان له ابن مريض منذ سنتين، فمسحاه، فقام بإذن الله صحيحا، فآمن الرجل بالله تعالى، ففشا أمرهما، وشفيا كثيرا من المرضى، فأرسل الملك إليهما، وكان يعبد الأصنام، فسألهما عن حالهما، وما يريدان، فقالا: نحن رسولا عيسى، فقال: وما آيتكما؟ قالا: نبرئ الأكمه، والأبرص، ونبرئ المريض بإذن الله، وندعوك إلى عبادة الله، وتوحيده. فحسبهما الملك، وجلدهما مائة جلدة، فانتهى الخبر إلى عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فأرسل ثالثا هو شمعون الصفا رأس الحواريين؛ لنصرهما.\nفعاشر حاشية الملك حتى تمكن منهم، واستأنسوا به، ورفعوا حديثه إلى الملك، فأنس به، وأظهر موافقته في دينه، فرضي الملك طريقته، ثم قال يوما للملك: بلغني: أنك حبست رجلين دعواك إلى الله، فلو سألت عنهما ما وراءهما؟ فقال: إن الغضب حال بيني، وبين سؤالهما! قال: فلو أحضرتهما، فأمر بذلك، فقال لهما شمعون: ما برهانكما على ما تدعيان؟ فقالا:\nنبرئ الأكمه، والأبرص، فجيء بغلام ممسوح العينين، موضع عينيه كالجبهة، فدعوا ربهما، فانشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من طين، فوضعاهما في خديه، فصارتا مقلتين يبصر بهما، فعجب الملك، وقال: إن هاهنا غلاما مات منذ سبعة أيام؛ ولم أدفنه حتى يجيء أبوه، فهل يحييه ربكما؟ فدعوا الله علانية، ودعاه شمعون سرا، فقام الميت حيا، فقال للناس: إني مت منذ سبعة أيام فوجدت مشركا، فأدخلت في سبعة أودية من النار، فأحذركم ما أنتم فيه، فآمنوا بالله! ثم فتحت أبواب السماء، فرأيت شابا، حسن الوجه، يشفع لهؤلاء الثلاثة: شمعون، وصاحبيه، حتى أحياني الله، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى رسول الله، وكلمته، وأن هؤلاء هم رسل الله. فقالوا له: وهذا شمعون أيضا معهم؟ فقال: نعم، وهو أفضلهم، فأعلمهم شمعون: أنه رسول المسيح إليهم، فأثر قوله في الملك، فدعاه إلى الله، فآمن الملك في قوم كثير، وكفر آخرون.\nوحكى القشيري: أن الملك آمن، ولم يؤمن قومه، وصاح جبريل صيحة مات كل من بقي من الكفار. وروي: أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية، قالوا: يا نبي الله! إنا لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم، ولغاتهم! فدعا الله لهم، فناموا بمكانهم، فهبوا من نومتهم، وقد","vol":"7","page":714},{"text":"حملتهم الملائكة، فألقتهم بأرض أنطاكية، فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم. فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. انتهى. قرطبي ونحوه في الخازن، والكشاف.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقتها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿إِلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني تقدم على الأول.\n ﴿اِثْنَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بالمثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿فَكَذَّبُوهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (عززنا): فعل، وفاعل، والمفعول محذوف؛ إذ التقدير: فعززناهما. ﴿بِثالِثٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ) حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُرْسَلُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3720\"></span>﴿قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: أهل القرية. ﴿ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا:﴾ تأكلون الطعام مثلنا، وتمشون في الأسواق، لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون. وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، وقد ذكر الله ذلك عنهم في كثير من آيات القرآن. ﴿وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من وحي يأمر به، وينهى. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ:﴾ في دعوى الرسالة، وتفترون شيئا لم يأذن به الله.\nهذا؛ و﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الإنسان ذكرا كان أو أنثى، مفردا كان، أو جمعا، مثل كلمة:\nالفلك تطلق على المفرد، والجمع. وسمّي بنو آدم: بشرا لبدوّ بشرتهم؛ التي هي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ و﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم)، ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾. الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nوأما (مثل) فهو بكسر الميم، وسكون الثاء، ومثله: مثيل، وشبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير، ونحوه من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾. ويوصف به","vol":"7","page":715},{"text":"المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في مواضعه. وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، ونحوها. والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم، حيث قال: المعنى: ليس كذاته شيء. والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي:\nبما آمنتم به.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿مِثْلُنا:﴾ صفة: ﴿بَشَرٌ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿الرَّحْمنُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿الرَّحْمنُ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَنْتُمْ:﴾\nمبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿تَكْذِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3721\"></span>﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الرسل. ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا..﴾. إلخ: أي: قالوا لهم مجيبين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة؛ لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا، وينصرنا عليكم، وستعلمون من تكون له عاقبة الدار، وإنما أكد الكلام هنا باللام بخلافه في قوله: ﴿إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ لأن الأول ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣]. وقولهم: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾ جار مجرى القسم في التوكيد، مثل قولهم: شهد الله، وعلم الله.\n ﴿وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ:﴾ وليس علينا إلا أن نبلغكم رسالة الله بلاغا واضحا جليا، لا غموض فيه، فإن آمنتم؛ فلكم السعادة في جنات عدن، تجري من تحتها الأنهار، وإن كذبتم؛ فلكم الشقاوة في النار، وبئس القرار! وهذا؛ وعيد لهم. قاله أبو حيان، ووصف ﴿الْبَلاغُ﴾ ب: ﴿الْمُبِينُ؛﴾ لأنه الواضح، بالآيات الشاهدة بصحة الإرسال، وهي ما شاهدوه من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الميت، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبُّنا:﴾ مبتدأ. و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع،","vol":"7","page":716},{"text":"والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّنا﴾ وهو معلق عن العمل لفظا بسبب لام الابتداء، ولذا كسرت همزة (إنّ) قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] وكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى\n ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها.\n ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿لَمُرْسَلُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مرسلون):\nخبر (إنّ) مرفوع إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول:\n ﴿يَعْلَمُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3723\"></span>﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ أي: تشاءمنا بكم، وبدعوتكم القبيحة إلى الآن، وترك عبادة الأوثان. قال المفسرون: ووجه تشاؤمهم بالرسل: أنهم دعوهم إلى دين غير ما يدينون به، فاستغربوه، واستقبحوه، ونفرت منه طبائعهم المعوجة، فشاءموا بمن دعا إليه، كأنهم قالوا:\nأعاذنا الله مما تدعوننا إليه! وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه، وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا منه، وكرهوه، فإن أصابهم بلاء، أو نعمة؛ قالوا: بشؤم هذا؛ وبركة ذاك.\nوقيل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين، فقالوا: هذا بشؤمكم. ويقال: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين. هذا؛ وقرئ: ﴿اِطَّيَّرْنا﴾ كما في الآية رقم [٤٧] من سورة (النمل). ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ أي:\nتكفوا عن دعوتكم إيانا إلى ما تعبدون. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي: لنقتلنكم. وقيل: المعنى: لنرجمنكم بالحجارة. وقيل: المعنى: لنشتمنكم بالقبيح من الكلام. ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ:﴾ وليصيبنكم. ﴿مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ عقوبة شديدة. قيل: أرادوا الحرق بالنار.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿تَطَيَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَنْتَهُوا:﴾ مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وهو فعل الشرط،","vol":"7","page":717},{"text":"وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3724\"></span>﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: سبب شؤمكم معكم، وهو سوء عقيدتكم، وخبث أعمالكم، وعصيانكم لربكم. المعنى: أصابكم الشؤم من قبلكم. وقال ابن عباس﵄-: طائرهم: ما قضي لهم، وقدر عليهم من عند الله. هذا؛ وكانت العرب في الجاهلية أكثر الناس طيرة، وكان أحدهم إذا أراد سفرا؛ نفّر الطير صباحا، فإن طار يمنة؛ تيمن، وسار، وإن طار يسرة؛ أي: شمالا؛ رجع، وتشاءم، وإن طار يمنة؛ يسمونه: السانح. وإن طار يسرة؛ يسمونه البارح. والعرب تتيمن بالسانح، وتتشاءم بالبارح. قاله الجوهري. وقال غيره: للعرب في ذلك طريقان، فأهل نجد يتيمنون بالسانح دون البارح، وأهل الحجاز بالعكس. قال الشاعر: [الطويل] على عن يميني مرّت الطّير سنّحا... وكيف سنوح واليمين قطيع؟\nوهذا هو الشاهد رقم (٢٦٦) من كتابنا فتح القريب المجيب، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدح بتركه، قال شاعر منهم: [الطويل] وما عاجلات الطير تدني من الفتى... نجاحا ولا عن ريثهنّ قصور\nوقال آخر، وأظنه: لبيد بن ربيعة العامري الصحابي، ﵁: [الطويل] لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى... ولا زاجرات الطير ما الله صانع؟\nوقد أبطل الإسلام ذلك، فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر». أخرجه البخاري. وعن عبد الله بن مسعود -﵁أن رسول الله ﷺ قال: «الطّيرة شرك، الطّيرة شرك، الطّيرة شرك».","vol":"7","page":718},{"text":"وأخيرا: فطائر الإنسان: عمله الذي قلده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ الآية رقم [١٣] من سورة (الإسراء).\n ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ:﴾ شرط جوابه محذوف لدلالة السياق عليه، التقدير: أإن ذكرناكم، ووعظناكم ودعوناكم إلى توحيد الله؛ تشاءمتم، وتوعدتمونا بالرجم، والتعذيب؟! وفيه تسعة أوجه من القراءات. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي: أنتم قوم عادتكم الإسراف في العصيان، فمن ثمّ جاءكم الشؤم. أو مسرفون في الضلال، ولذلك توعدتم، وتشاءمتم بمن يجب أن يكرم، ويتبرك به. وفي سورة (النمل) رقم [٤٧]: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. وفيها أيضا رقم [٥٥]: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿طائِرُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنّا إِنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿ذُكِّرْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، انظر تقديره في الشرح، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿قَبْلُ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿قَوْمِ:﴾ خبره. ﴿لَمُسْرِفُونَ:﴾ صفة:\n ﴿قَوْمِ﴾. وهذه الصفة وطئ لها بلفظ: ﴿قَوْمِ،﴾ فهي المرادة، لا لفظ: ﴿قَوْمِ؛﴾ لأنهم معلومون بأنهم ﴿قَوْمِ،﴾ ومثل ذلك ما ذكرته في الشرح من سورة (النمل)، والجملة الاسمية مستأنفة، وهي من مقول الرسل. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3725\"></span>﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ:﴾ آخرها؛ أي: من مكان بعيد. ﴿رَجُلٌ يَسْعى:﴾ يسرع في مشيه. ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الذين يدعونكم للإيمان. والمراد: رسل عيسى الذين مر ذكرهم. وينبغي أن تعلم: أن الله تعالى قدم هنا قوله: ﴿مِنْ أَقْصَا﴾ على: ﴿فَرَجُلٌ﴾ لأنه لم يكن من أقصاها، وإنما جاء منها، وفي سورة (القصص) رقم [٢٠] وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان، وقضيتان متباينتان، فما هنا في قصة حبيب النجار، وقضية حواري عيسى، وما هناك في قضية موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nتنبيه: المراد ب: ﴿فَرَجُلٌ﴾ هنا هو حبيب بن مري، وكان نجارا. وقيل: هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، وهو ممن آمن بالنبي ﷺ، وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تبع الأكبر، وورقة بن نوفل، وبحيرا الراهب، وغيرهم، ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره.\nقال وهب: وكان حبيب مجذوما، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان يعكف على","vol":"7","page":719},{"text":"عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوها لعلها ترحمه، وتكشف ضره، فما استجابت له-وهذا يناقض ما ذكرته في الآية رقم [٢٥] الآتية-فلما أبصر الرسل، دعوه إلى عبادة الله تعالى، فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم ندعو ربنا القادر، فيفرج عنك ما بك؟ فقال: إن هذا لعجب لي، أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني، فلم تستطع، فكيف يفرجه ربكم عني في غداة واحدة؟\nقالوا: نعم، ربنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع شيئا، ولا تضر. فآمن، ودعوا ربهم، فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس، فحينئذ أقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدق بنصف كسبه، وأطعم عياله نصفا، فلما هم قومه بقتل الرسل؛ جاءهم ف ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَجاءَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (جاء): فعل ماض. ﴿مِنْ أَقْصَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و﴿أَقْصَا﴾ مضاف، و﴿الْمَدِينَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿رَجُلٌ:﴾ فاعل. ﴿يَسْعى:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿رَجُلٌ،﴾ وجملة: ﴿وَجاءَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو.\n (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا قومي. ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: يا قومي. ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا قوما. ومنهم من يقول: يا قوم بضم الميم، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: يا قوم. ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء إلخ، والجملة الفعلية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (يسعى) المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها.\n\n<span id=\"aya-3726\"></span>﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾\nالشرح: كرر القول ﴿اِتَّبِعُوا﴾ تأكيدا، وبيانا للسبب، والمعنى: اتبعوا هؤلاء الرسل الكرام الصادقين المخلصين، الذين لا يطلبون منكم أجرا على ما يدعونكم إليه من توحيد رب العالمين، وهم على هدى، وبصيرة فيما يدعونكم إليه. قيل: كان يعبد الله في غار، فلما بلغه خبر الرسل؛ أتاهم، وأظهر دينه، وقال لهم: أتسألون على هذا أجرا؟ قالوا: لا! فأقبل على قومه، و﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. قاله قتادة، وهذا يخالف ما ذكرته في إيمانه سابقا.\nوإنما قال: ﴿يا قَوْمِ﴾ تأليفا لقلوبهم، واستمالة لها لقبول النصيحة، وما قاله لهم كلمة جامعة في","vol":"7","page":720},{"text":"الترغيب فيهم. والمعنى: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا، والآخرة.\nالإعراب: ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ قال الجلال ﵀: هو توكيد للأول، ووافقه الجمل على ذلك، وأقول: لا بأس باعتباره بدلا من سابقه على حد الآية رقم [١٣٣] و[٢٢٢] كلتاهما من سورة (الشعراء)، وفي الثانية هنا زيادة إيضاح كما في آيتي (الشعراء). ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قاله الجمل، وذلك بإظهار العامل، أي: إعادته، وعلى اعتبار الفعل بدلا من سابقه فهو مفعول به لهذا الفعل، وهذا هو المتبادر للأفهام. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿يَسْئَلُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به أول. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:\nواو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿مُهْتَدُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، ولا يخفى عليك: أنه روعي لفظ (من) إعادة الفاعل إليها، وروعي معناها في الجملة الاسمية الواقعة حالا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3727\"></span>﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: فلما قال لهم حبيب النجار ما تقدم؛ قالوا له: وأنت مخالف لديننا، ومتابع هؤلاء الرسل، ومؤمن بإلههم؟ فقال: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ..﴾. إلخ. وقيل: أضاف الفطرة إلى نفسه، والرجوع إليهم؛ لأن الفطرة أثر النعمة، وكانت عليه أظهر، والرجوع فيه معنى الزجر، فكان بهم أليق. هذا؛ وفيه تلطف في الإرشاد بإبرازه في معرض المناصحة لنفسه، وإمحاض النصح حيث أراد لهم ما أراد لها، والمراد: تقريعهم، وتوبيخهم على تركهم عبادة خالقهم، ورازقهم إلى عبادة غيره، وفي قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تهديد، أي: فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ومعنى ﴿فَطَرَنِي﴾ خلقني.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِيَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿أَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فَطَرَنِي:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لا أَعْبُدُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الضمير فقط. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿تُرْجَعُونَ...:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية","vol":"7","page":721},{"text":"معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. والجملة الاسمية: ﴿وَما لِيَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، وعلى الاعتبارين فهي في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الرجل؛ الذي هو حبيب النجار.\n\n<span id=\"aya-3728\"></span>﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله. ﴿آلِهَةً:﴾ أصناما. والمعنى: كيف أتخذ من دون الله آلهة لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، ولا تغني عن عابدها شيئا. ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ﴾ أي: بفقر، أو مرض، ونحو ذلك. ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ أي: هي في المهانة، والحقارة؛ بحيث لو أراد الله أن ينزل بي شيئا من الضر، والأذى، وشفعت لي؛ لم تنفع شفاعتهم، ولم يقدروا على إنقاذي مما أنا فيه، ولا يدفعوا عني من عذاب الله شيئا.\nالإعراب: ﴿أَأَتَّخِذُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (أتخذ): مضارع، وفاعله:\n «أنا». ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً،﴾ كان نعتا له على مثل ما رأيت في الآية رقم [٨]. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به. ﴿إِنْ:﴾\nحرف شرط جازم. ﴿يُرِدْنِ:﴾ مضارع فعل الشرط، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله. ﴿بِضُرٍّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها على مثال ما رأيت في الآية رقم [١٩]. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُغْنِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿عَنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَفاعَتُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لا تُغْنِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُنْقِذُونِ:﴾ معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول الرجل المذكور في الآية رقم [٢٠]. وقيل: الجملة الشرطية صفة: ﴿آلِهَةً﴾ وقيل: مستأنفة.\n<span id=\"aya-3729\"></span><span id=\"aya-3730\"></span>﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: إني إن عبدت غير الله، واتخذت الأصنام آلهة؛ لفي خسران ظاهر، وجلي؛ لأن إيثار ما لا ينفع، ولا يدفع ضرا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع، والضر، وإشراكه به ضلال مبين، لا يخفى على عاقل. ولما قال هذا لقومه؛ أخذوا","vol":"7","page":722},{"text":"يرجمونه بالحجارة، فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، وقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ أي: فاشهدوا لي بذلك عند الله. وقيل: الخطاب لقومه، والمعنى: إني آمنت بربكم الذي خلقكم، فاسمعوا قولي، واعملوا بنصيحتي. ولما قال لهم ذلك، وأعلن إيمانه؛ وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه. قال ابن مسعود ﵁: وطئوه بأرجلهم؛ حتى خرج قصبه من دبره.\nوقيل: كانوا يرمونه بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد قومي؛ حتى أهلكوه، وقبره بأنطاكية.\nروي عن النبي ﷺ: أنه قال: «سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: عليّ بن أبي طالب، وصاحب (يس) ومؤمن آل فرعون». وفي رواية ثانية: «ثلاثة ما كفروا بالله قطّ:\nمؤمن آل ياسين، وعلي بن أبي طالب، وآسية امرأة فرعون». وهذا يناقض ما ذكرته في الآية رقم [٢٠] من أنه كان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة. وهذا التناقض موجود في الكشاف، وغيره. اللهم إلا أن يقال: إنه كان موحدا، وكان يخفي إيمانه، وتوحيده، فلما جاء رسل عيسى إلى المدينة، وسمع بهم؛ أظهر إيمانه، وتوحيده. والله أعلم بحقيقة ذلك.\nالإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. هذا؛ واعتباره ظرفا متعلقا ب: ﴿مُبِينٍ،﴾ والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، والتقدير: إني لفي ضلال مبين؛ إذا اتخذت آلهة من دون الله. فالمعنى يؤيد هذا الاعتبار، ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في ضلال): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ).\n ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي إِذًا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿آمَنْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِرَبِّكُمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مؤكدة للجملة قبلها. ﴿فَاسْمَعُونِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اسمعون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنت آمنت بربكم؛ فاشهدوا على ذلك، واسمعوا.\n\n<span id=\"aya-3731\"></span><span id=\"aya-3732\"></span>﴿قِيلَ اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ:﴾ قيل له ذلك لما قتلوه إكراما له بدخولها كسائر الشهداء. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وقال الحسن: لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إليه، وهو في الجنة، ولا يموت إلا بفناء السموات، والأرض. وهذا لم يثبت بسند صحيح. ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ:﴾ تمنى أن يعلم قومه أن الله تعالى غفر له، وأكرمه؛ ليرغبوا في دين الرسل. فلما قتل","vol":"7","page":723},{"text":"غضب الله ﷿ له، فعجل لهم العقوبة، فأمر جبريل ﵊، فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم.\n ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي..﴾. إلخ: انظر الإعراب يتضح لك المعنى. قال عبد الله بن عباس -﵄-: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته بقوله:\n ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما..﴾. إلخ. وقال سفيان الثوري عن أبي مجلز: معنى ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ بإيماني بربي، وتصديقي المرسلين. ومقصوده: أنهم لو اطلعوا على ما حصل له من الثواب، والجزاء، والنعيم المقيم؛ لقادهم ذلك إلى اتباعه. فرحمه الله، ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه. قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا، لما عاين ما عاين من كرامة الله تعالى؛ ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ.\nوقال محمد بن إسحاق عن كعب الأحبار: أنه ذكر له (حبيب بن زيد) الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة، حين جعل يسأله عن رسول الله ﷺ، فجعل يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم، ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فيقول له مسيلمة-لعنه الله-أتسمع هذا؛ ولا تسمع ذاك؟! فيقول: نعم. فجعل يقطعه عضوا عضوا، كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات بين يديه، فقال كعب حين قيل له: اسمه حبيب: وكان والله صاحب يس اسمه: حبيب!.\nوفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار، وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به، والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل، وهم كفرة عبدة أصنام. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اُدْخُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره:\n «أنت». ﴿الْجَنَّةَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي.\nوقل مثل ذلك في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام). والجملة الفعلية: ﴿اُدْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول، (يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه) وهذا لا غبار عليه. هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور المقدر ب: «له» في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني؛ حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو:","vol":"7","page":724},{"text":"(لا حول، ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) ونحو: (زعموا مطية الكذب)، والجملة الفعلية:\n ﴿قِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (رجل) تقديره: «هو». (يا): حرف تنبيه. وقيل:\nأداة النداء، والمنادى محذوف، والمعتمد الأول. (ليت): حرف مشبه بالفعل. ﴿قَوْمِي:﴾ اسم (ليت) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة إلخ، والياء ضمير متصل في محل نصب جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبر: (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ وهما في المعنى مفعوله. ﴿غَفَرَ:﴾ فعل ماض. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: يعلمون بالذي غفره لي ربي. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ التقدير: يعلمون بغفران ربي لي ذنوبي.\nهذا؛ وأجاز الفراء اعتبار (ما) استفهامية فيها معنى التعجب، كأنه قال: ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي. واعترضه الكسائي، فقال: لو صح هذا؛ لقال: «بم» من غير ألف، كقوله تعالى: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. وقال الفراء: يجوز أن يقال: «بما» بالألف، وهو استفهام، وأنشد فيه أبياتا، أقول من ذلك قول حسان ﵁: [الوافر] على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان؟\nوهذا هو الشاهد رقم [٥٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وأيضا قول كعب بن مالك ﵁، وهو الشاهد [٥٥٧] من كتابنا المذكور: [البسيط] أنّا قتلنا بقتلانا سراتكمو... أهل اللّواء ففيما يكثر القيل؟\nوعليه يكون الإعراب كما يلي: الباء: حرف جر، و(ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به، وعليه فالفعل: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ معلق عن العمل لفظا ب: (ما) الاستفهامية. ﴿وَجَعَلَنِي:﴾\nالواو: حرف عطف. (جعلني): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات، التي رأيتها في فعلها. ﴿مِنَ الْمُكْرَمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في المعنى مفعوله الثاني، وأجيز اعتبار الباء زائدة على جميع الاعتبارات. تأمل.","vol":"7","page":725},{"text":"<span id=\"aya-3733\"></span>﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ..﴾. إلخ: الضمير يعود إلى حبيب النجار الذي كان الكلام فيه، يخبر الله تعالى أنه انتقم لحبيب من قومه بعد قتلهم إياه، غضبا منه ﵎ عليهم؛ لأنهم كذبوا رسله، وقتلوا وليه. ويذكر الله ﷿: أنه ما أنزل عليهم، وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم؛ بل الأمر كان أيسر من ذلك.\nقاله ابن مسعود، ﵁. انتهى. مختصر ابن كثير.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر، والخندق؟ فقال: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها،﴾ وقال جل ذكره: ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. وقال تعالت حكمته: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.\nوقال تمت كلمته: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ؟﴾. الأولى من سورة (الأحزاب)، والثانية من سورة (الأنفال)، والثالثة، والرابعة من سورة (آل عمران).\nقلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود، وقوم صالح بصيحة، ولكن الله فضل محمدا ﷺ بكل شيء على سائر الأنبياء، وأولي العزم من الرسل، فضلا عن حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة، والإعزاز ما لم يوله أحدا، فمن ذلك: أنه أنزل له جنودا من السماء، وكأنه تعالى أشار بقوله: ﴿وَما أَنْزَلْنا،﴾ ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهّل لها إلا مثلك، وما كنا نفعل لغيرك يا محمد!. انتهى. بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿قَوْمِهِ﴾ وهو أولى من تعليقهما بالفعل السابق، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿جُنْدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿جُنْدٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَما أَنْزَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿مُنْزِلِينَ:﴾\nخبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأجاز كثيرون اعتبار (ما) الثانية صلة، والمعنى: قد كنا منزلين، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب حال، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: (ما) بمعنى «الذي» معطوفة على: ﴿جُنْدٍ،﴾ وهو ضعيف معنى، وإعرابا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"7","page":726},{"text":"<span id=\"aya-3734\"></span>﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً:﴾ قال المفسرون: أخذ جبريل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بعضادتي باب المدينة، وصاح بهم صيحة واحدة. ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ:﴾\nميتون خمدا كما تخمد النار، فتعود رمادا. ففيه تشبيه بليغ، كما قال لبيد بن ربيعة الصحابي -﵁-: [الطويل] وما المرء إلاّ كالشّهاب وضوئه... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع\nهذا؛ ويقرأ برفع «(صيحة)» أيضا على اعتبار (كان) تامة، ومثلها الآية رقم [٥٣] الآتية، والإعراب يوضح ذلك. ولعلك تدرك معي: أن الله تعالى لم يصرح باسم البلدة، التي حصل فيها ما حصل، ولم يصرح باسم الشخص الذي دعا أهلها إلى عبادة الله تعالى، ولا باسم الرسل الكرام؛ لأن كل ذلك ليس هو الهدف والغاية من القصة؛ لأن القصد منها التذكير، والاعتبار.\nوهذا من محاسن القرآن الكريم، وبلاغته الخارقة في الإيجاز في القصص، والأخبار، والإشارة إلى روح القصة وسرّها. وهذا؛ واضح وجلي في كل ما قص علينا من قصص. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها محذوف، يفهم من المقام. التقدير: ما كانت العقوبة، أو الأخذة النازلة بهم. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿صَيْحَةً:﴾ خبر (كان) وعلى قراءتها بالرفع فهي فاعل: ﴿كانَتْ﴾ على اعتبارها بمعنى: حصلت، ووقعت. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة: ﴿صَيْحَةً﴾ على القراءتين. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب، وخذ ما قاله السيوطي-رحمه الله تعالى-فيها: اختلف في هذه الفاء. فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن «إذا» الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني، وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها.\nواختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع ﴿ثُمَّ﴾ موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ...﴾. وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: فهي للسببية المحضة. وفي مغني اللبيب نحو هذا.\n (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالدخول على الجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت، فإذا الأسد بالباب. وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إن زيدا بالباب) لأن «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري. وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا","vol":"7","page":727},{"text":"لغير الزمخشري. وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: «خرجت فإذا زيد جالس»، أو المقدر في نحو: «فإذا الأسد» أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو:\nاستقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من المغني. وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فهلكوا إذا هم إلخ، وتعليقها ب: ﴿خامِدُونَ﴾ كما رأيت في المثال المتقدم، لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير.\n ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿خامِدُونَ:﴾ خبره مرفوع إلخ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة المقدرة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها؛ لأن الأولى مستأنفة، وعلى تعليقها ب: ﴿خامِدُونَ،﴾ فتبقى الجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها، وأيضا على اعتبار (إذا) حرفا؛ فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3735\"></span>﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ أي: يا ويل العباد. وقال قتادة: المعنى: يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله، وفرطت في جنب الله. قال الخازن: يعني: يا لها حسرة، وندامة، وكآبة على العباد. والحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له؛ حتى يبقى قلبه حسيرا. قيل: تحسروا على أنفسهم لما عاينوا العذاب؛ حيث لم يؤمنوا بالرسل الثلاثة، فتمنّوا الإيمان؛ حيث لم ينفعهم. وقيل: تتحسّر عليهم الملائكة حيث لم يؤمنوا بالرسل. وقيل: يقول الله تعالى: يا حسرة على العباد يوم القيامة حيث لم يؤمنوا بالرسل. انتهى.\nهذا؛ واختلفت الروايات بشأن الرسل، هل قتلوا مع حبيب النجار، أم لا؟ وخذ ما يلي:\nقال المفسرون: بعث الله تعالى إليهم جبريل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون عن آخرهم. لم تبق بهم روح تتردد في جسد. وقد تقدم عن كثير من السلف: أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من قبل المسيح عيسى ابن مريم ﵊. كما نص عليه قتادة، وغيره. وفي ذلك نظر من وجوه:\nأحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ﷿، لا من جهة المسيح ﵇، كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ..﴾. إلخ ولو كان هؤلاء من الحواريين؛ لقالوا عبارة تناسب: أنهم من عند المسيح ﵇، ثم لو كانوا رسل المسيح؛ لما قالوا لهم:\n ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾.\nالثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانت أول مدينة آمنت بالمسيح، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربع اللاتي فيهنّ «بتاركة» وهن: القدس؛ لأنها بلد","vol":"7","page":728},{"text":"المسيح، وأنطاكية؛ لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والاسكندرية؛ لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة، والمطارنة، والأساقفة، والقساوسة، ثم رومية؛ لأنها مدينة الملك قسطنطين؛ الذي نصر دينهم، وأوطده. فإذا تقرر: أن أنطاكية أول مدينة آمنت؛ فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم. والله أعلم.\nالثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر غير واحد من السلف: أن الله ﵎ بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم؛ بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين. ذكروه عند قوله ﵎:\n ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ الآية رقم [٤٣] من سورة (القصص).\nفعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا، أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى، غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف: أنها أهلكت، لا في الملة النصرانية، ولا قبل ذلك، والله ﷾ أعلم. انتهى. مختصر ابن كثير بحروفه.\nالإعراب: (يا): أداة نداء، تنوب مناب: أدعو. (حسرة): منادى، ونداء الحسرة مجاز؛ لأنها لا يتأتى منها الإقبال، وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر، وكأنهم نادوا الحسرة، وقالوا: إن كان لك وقت؛ فهذا أوان حضورك. ومثله: يا ويلتا، ونحوه. وعليه: فالجار والمجرور متعلقان ب: (حسرة) فيكون المنادى شبيها بالمضاف، وبسبب ذلك نون، كما قرئ شاذا: «(يا حسرة العباد)» بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله. هذا؛ ويجوز أن يكون المنادى محذوفا، و: (حسرة) مفعولا مطلقا لفعل محذوف، التقدير: يا هؤلاء ونحوه أتحسر حسرة. هذا؛ ولا يجوز هذا الاعتبار بقوله تعالى حكاية عن قول الكافرين: ﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (الأنعام)، وقوله تعالى في الآية رقم [٥٦] من سورة (الزمر): ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْعِبادِ﴾ والرابط الضمير. وقال أبو البقاء:\nالجملة تفسير سبب الحسرة. وقال الجمل: مستأنفة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «يستهزءون به» في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿رَسُولٍ﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها، وساغ مجيء","vol":"7","page":729},{"text":"الحال من ﴿رَسُولٍ﴾ وهو نكرة لتقدم النفي عليه. وقيل: في محل نصب حال من الضمير المنصوب مستثنى من عموم الأحوال، والكلام: ﴿يا حَسْرَةً..﴾. إلخ كله مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3736\"></span>﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ..﴾. إلخ: أي: ألم يتعظ كفار قريش، ويعتبروا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل؛ كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة؟! وهذا يرد على أهل الزيغ والضلال، الذين يقولون بالرجعة، يحكى عن ابن عباس﵄-: أنه قيل له: إن قوما يزعمون: أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن إذا! نكحنا نساءه، وقسمنا ميراثه.\nهذا؛ و﴿الْقُرُونِ﴾ جمع: قرن بفتح القاف، وسكون الراء مائة سنة على الصحيح. وقيل:\nثمانون. وقيل: ثلاثون. ويقال: القرن في الناس: أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة، ونحوها. وقال الرسول ﷺ: «خير القرون قرني». ومنه قول الشاعر: [الطويل] إذا ذهب القرن، الّذي أنت فيهمو... وخلّفت في قرن فأنت غريب\nوخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي﵁-: [الطويل] فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل\nوالقرن بفتح القاف: الزيادة العظيمة، التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، ومنه:\nإسكندر ذو القرنين. والقرن الجبل الصغير. وذؤابة المرأة من الشعر. والقرن من القوم:\nسيدهم، ومن السيف: حدّه، ونصله، وجمعه في كل ما تقدم قرون. هذا؛ وهو بكسر القاف، وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة، والعلم، ونحوهما، والجمع على هذا: أقران.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَمْ:﴾: خبرية بمعنى كثير مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل:\n ﴿يَرَوْا﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب ﴿كَمْ﴾ الخبرية؛ لأنها مثل الاستفهامية في تعليق الأفعال.\n ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وإن علقتهما بالفعل:\n ﴿أَهْلَكْنا﴾ فالظرف متعلق بمحذوف حال من القرون، وهو قوي معنى. والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار","vol":"7","page":730},{"text":"ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ فعل مضارع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب بدلا من معنى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ بدل اشتمال، أو بدل كل من كل، وأجيز اعتباره في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: قضينا، وحكمنا أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الجمل: ويدل على هذا قراءة ابن عباس، والحسن: (إنهم) بكسر الهمزة على الاستئناف، والاستئناف قطع لهذه الجملة عما قبلها، فهو مقوّ لأن تكون الجملة معمولة لفعل محذوف يقتضي انقطاعها عما قبلها. انتهى.\n\n<span id=\"aya-3737\"></span>﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ كُلٌّ..﴾. إلخ: المعنى: أن كلهم محشورون، مجموعون، محضرون للحساب، والجزاء يوم القيامة. وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ معذبون. وإنما أخبر ب: ﴿جَمِيعٌ﴾ عن ﴿كُلٌّ؛﴾ لأن كلا يفيد معنى الإحاطة، والشمول، فلا ينفلت منهم أحد، والجميع معناه: الاجتماع، وأن المحشر يجمعهم. والجميع: فعيل بمعنى مفعول، يقال: حي جميع، وجاءوا جميعا. هذا؛ وقرئ بتشديد ميم: ﴿لَمّا﴾ وتخفيفها. ومعنى الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كُلٌّ:﴾\nمبتدأ. ﴿لَمّا:﴾ اللام: هي الفارقة بين المهملة، والعاملة، أو الفارقة بين النفي، والإثبات. (ما):\nصلة لا عمل لها. ﴿جَمِيعٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله ب: (نا) التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ صفة ﴿جَمِيعٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو إلخ. وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ خبر ثان للمبتدإ. هذا؛ وعلى قراءة ﴿لَمّا﴾ بالتشديد فهي بمعنى: «إلا» وإن نفي بمعنى: «ما» والمعنى: ما كل إلا جميع محضرون لدينا. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة الطارق: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾.\nوالآية رقم [٣٥] من سورة (الزخرف): ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وخذ قول الشاعر، وهو الشاهد رقم (٥١٥) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز] قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنين\n<span id=\"aya-3738\"></span>﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ:﴾ علامة لأهل مكة على قدرة الله تعالى بأنه يعيد ابن آدم بعد موته يوم القيامة، ويحييه كما يحيي الأرض الميتة بعد موتها بإخراج النبات منها بسبب نزول المطر عليها،","vol":"7","page":731},{"text":"كما قال تعالى في سورة (الحج): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. ﴿وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا:﴾ القمح، والشعير، ونحوهما. ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ:﴾\nقدم الجار والمجرور للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل منه، ويعاش به، وينتفع به الإنس، وإذا قلّ؛ جاء القحط، ووقع الضرر، وإذا فقد؛ حضر الهلاك، ونزل البلاء.\nالإعراب: ﴿وَآيَةٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (آية): خبر مقدم. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية). ﴿الْأَرْضُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمَيْتَةُ:﴾ صفة: ﴿الْأَرْضُ﴾.\n ﴿أَحْيَيْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْأَرْضُ﴾.\nوالرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها، وأجاز الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي وجهين: الأول: الاستئناف. والثاني: اعتبار الجملة صفة ل: ﴿الْأَرْضُ﴾ لأنه أريد بها الجنس لا أرض بعينها، فعوملت معاملة النكرة في وصفها بالأفعال، ومثلها الآية رقم [٣٧] الآتية، وقول رجل من بني سلول: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني\nوهذا هو الشاهد رقم [١٥٢] من كتابنا فتح القريب المجيب. وينبغي أن تفرق معي بين الآية التي نحن بصدد شرحها، والآية الآتية، والبيت، فإن الآية التي نحن بصدد شرحها قد وصفت ﴿الْأَرْضُ﴾ فيها ب: ﴿الْمَيْتَةُ،﴾ والوصف وحده يجيز مجيء الحال من النكرة، كيف؛ و﴿الْأَرْضُ﴾ مقرونة بال، ووصفت ب: ﴿الْمَيْتَةُ﴾. هذا؛ وأجاز مكي، وأبو البقاء اعتبار (آية) مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره. و﴿الْأَرْضُ﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿أَحْيَيْناها﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية برمتها تفسير للجملة الأولى، أو تفسير ل: (آية) وحدها.\n (أخرجنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على جميع الاعتبارات فيها. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَبًّا:﴾ مفعول به. ﴿فَمِنْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (منه): متعلقان بما بعدهما على أنهما مفعوله، وجملة «يأكلون منه» معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3739\"></span>﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ:﴾ بساتين، جمع: جنة بفتح الجيم، سميت بذلك لكثرة أشجارها، ولأنها تستر ما فيها. وسميت جنة عدن لذلك. هذا؛ والجنة بكسر الجيم: الجنون، سمي بذلك؛ لأنه يغطي العقل، ويذهب به، والجنة بكسر الجيم أيضا الجن، سموا بذلك؛ لأنهم يستترون عن أعين الناس. قال تعالى في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾. وهو بضم الجيم كل ما استترت به، وكل","vol":"7","page":732},{"text":"ما وقيت به نفسك من السلاح، وغيره، ومنه: المجن، والمجنة بكسر الميم فيهما، وهو الترس الذي كان يتخذ للوقاية من ضربات السيوف، والرماح. ﴿نَخِيلٍ:﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه اسم جمع، واحده: نخلة. والثاني: أنه جمع: نخل؛ الذي هو اسم جنس. (أعناب): جمع: عنب الذي هو اسم جنس، واحده: عنبة. هذا؛ وإنما خص الله هذين النوعين بالذكر من بين سائر الأشجار تغليبا لهما لشرفهما، وكثرة منافعهما. وذكر النخيل دون التمور ليطابق الحب، والأعناب، لاختصاص شجرها بمزيد النفع، وآثار الصنع.\n ﴿وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ أي: جعلنا في الجنات أنهارا جارية في أمكنة يحتاجون فيها.\nهذا؛ و﴿الْعُيُونِ﴾ جمع: عين، وانظر ما ذكرته في آية (السجدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ و(نا) في قوله تعالى: (جعلنا وفجرنا) ونحوهما فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى- في كتابه: «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»: وقوله تعالى: (جعلنا وهبنا، نحن، إنّا) لفظ يقع في جميع اللغات على من له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك، يقول: فعلنا وإنا، ونحن... إلخ ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل؛ بل له جنود السموات، والأرض. انتهى.\nأقول: و: «نا» هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون، والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، ذكرا كان، أو أنثى، فيقول: أخذنا، وأعطينا إلخ، وليس معه أحد. والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم:\nالأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنْ نَخِيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَأَعْنابٍ:﴾ معطوفة على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيهن. ﴿وَفَجَّرْنا:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمفعول محذوف، التقدير: وفجرنا فيها ينبوعا، أو: ما ينتفعون به. ﴿مِنَ الْعُيُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة على التقدير الأول، وفي محل نصب حال من «ما» على التقدير الثاني، و﴿مِنْ﴾ بيان للإبهام. هذا؛ وأجاز الأخفش اعتبارها زائدة في الإيجاب، وعليه ف: ﴿الْعُيُونِ﴾ هي المفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.","vol":"7","page":733},{"text":"<span id=\"aya-3740\"></span>﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ أي: من ثمر النخيل، والأعناب. وأعاد الضمير عليهما مفردا، لتأويلهما بالمذكور. وقيل: يعود الضمير إلى ماء العيون. و(ثمر) مفرده ثمرة، مثل: شجرة، وشجر، ويجمع (ثمر) بفتحتين على: ثمار، كجبل، وجبال، ويجمع «ثمار» على:\nثمر بضمتين، ككتاب، وكتاب، وجمع ثمر على: أثمار، كعنق، وأعناق. وانظر ما ذكرته في الشاهد رقم (٢٣١) من كتابنا فتح القريب المجيب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ:﴾ أجيز اعتبار (ما) موصولة معطوفة على ﴿ثَمَرِهِ﴾. وأجيز اعتبارها نافية، وعليه يختلف المعنى، فيكون المعنى على الأول: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ والذي عملته أيديهم من الزرع، والغرس الذي تعبوا فيه. وعلى الثاني: لم تعمله أيديهم، وليس من صنيعهم؛ بل وجدوها معمولة، أي: مصنوعة. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ:﴾ الله على نعمه.\nهذا؛ و﴿أَيْدِيهِمْ﴾ جمع: يد، وهي تطلق على الجارحة بداهة، وتطلق، ويراد بها: القوة، والقدرة، كما في قوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: قدرة الله فوق قدرتهم، كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد، أي: نعمة، ومعروف، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال:\nلا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. هذا؛ وأصل يد: (يدي) فحذفت منه الياء، والدليل على ذلك ردها إليه في الجمع، فنقول: الأيدي، كما في الآية الكريمة، وكذلك ترد إليه في التصغير، فنقول: يديو؛ لأن التكسير، والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها.\nالإعراب: ﴿لِيَأْكُلُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ ثَمَرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (جعلنا) على الاعتبار الأول في الضمير، ومتعلقان بالفعل: (فجرنا) على الاعتبار الثاني في عود الضمير. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ما): موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأول والثاني مبنية على السكون في محل جر معطوفة على: ﴿ثَمَرِهِ،﴾ أو في محل نصب معطوفة على محل الجار والمجرور. ﴿عَمِلَتْهُ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير الواقع مفعولا به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر، أو في محل نصب معطوف على ما قبله. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) نافية فالجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"7","page":734},{"text":"﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، الفاء: حرف عطف. (لا): نافية.\n ﴿يَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أيرون هذه النعم، أو يتنعمون بهذه النعم، فلا يشكرونها، والكلام كله مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3741\"></span>﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها:﴾ نزه الله نفسه عن قول الكفار؛ إذ عبدوا غيره مع ما رأوه من نعمه، وآثار قدرته. وفيه معنى الأمر، أي: سبحوه، ونزهوه عما لا يليق به.\nوقيل: فيه معنى التعجب، أي: عجبا لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات! ومن تعجب من شيء قال: سبحان الله! و﴿الْأَزْواجَ﴾ الأنواع، والأصناف، فكل زوج صنف؛ لأنه مختلف في الألوان، والطعوم، والأشكال، والصغر، والكبر، فاختلافها هو ازدواجها. وقال قتادة: يعني: الذكر، والأنثى. انتهى. قرطبي.\n ﴿مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ:﴾ من النبات، وأنواع الشجر. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وخلق منهم أزواجا ذكورا، وإناثا. ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من أصناف خلقه في البر، والبحر، والسماء، والأرض. ثم يجوز أن يكون مما يخلقه لا يعلمه البشر، وتعلمه الملائكة. ويجوز أن لا يعلمه مخلوق. ووجه الاستدلال في هذه الآية: أنه إذا انفرد بالخلق، فلا ينبغي أن يشرك به.\nقال محمد علي الصابوني: سبحان الله ما أعظم قدرة الله، لقد كان السائد: أن الزوجية إنما تكون بين الإنسان، والحيوان فقط، وجاء القرآن بالمعجزة الباهرة المثبتة لما اكتشفه العلم الحديث منذ زمن قريب، وهي: أن الزوجية بين الإنسان، والحيوان، والنبات، والذرة، وسائر الكائنات، فقد ثبت: أن الذرة وهي أصغر أجزاء المادة، مؤلفة من زوجين مختلفين من الإشعاع الكهربائي: سالب، وموجب يتزاوجان، ويتحدان، وأن بين النبات أعضاء مذكرة، وأعضاء مؤنثة. فسبحان العلي القدير القائل: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ..﴾. إلخ انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فهذه الآية الكريمة عممت الزوجية في النبات، والإنسان وفي كل شيء مما نعلمه، ومما لا نعلمه، فسبحان الإله القدير العليم الذي أحاط علمه بكل الأكوان، وأحصى كل شيء عددا. انتهى.\nالإعراب: ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف لم يذكر. و﴿سُبْحانَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض،","vol":"7","page":735},{"text":"والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الْأَزْواجَ:﴾ مفعول به. ﴿كُلَّها:﴾ توكيد، و(ها):\nفي محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والكلام ﴿سُبْحانَ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الأزواج، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من).\n ﴿تُنْبِتُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء تنبته الأرض. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَمِمّا:﴾ جار ومجرور معطوفان على مثلهما.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء لا يعلمونه.\n\n<span id=\"aya-3742\"></span>﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: المعنى: وعلامة ثانية لأهل مكة، ومن لف لفهم من المشركين دالة على قدرة الله، ووحدانيته، وبأنه جلت حكمته قادر على إعادة الأموات بعد فنائها، ويحييها يوم القيامة للحساب، والجزاء كما يسلخ الليل من النهار. والعكس صحيح. هذا؛ والسلخ: الكشط، والنزع. يقال: سلخه الله من دينه. ثم تستعمل بمعنى الإخراج، ففي الكلام استعارة تصريحية، شبه الله إزالة ضوء النهار، وانكشاف ظلمة الليل بسلخ الجلد عن الشاة، ونحوها، واستعارة اسم السلخ للإزالة، والإخراج، واشتق منه: ﴿نَسْلَخُ﴾ بمعنى: نخرج منه النهار بطريق الاستعارة التصريحية. وهذا من بليغ الاستعارة. وبين الليل، والنهار طباق. ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ:﴾ داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا؛ أي: دخلنا في ظلام الليل، وأظهرنا: دخلنا في وقت الظهر، وكذلك: أصبحنا، وأضحينا، وأمسينا.\nهذا؛ والليل واحد بمعنى الجمع، واحده: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على: ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد القولين في اللغة، والقول الآخر: من غروبها إلى طلوعها.\nهذا؛ والنهار: ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر، بضمتين، كسحاب، وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز] لولا الثّريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل، وثريد بالنّهر\nوفي القليل: أنهر. والنهار: من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر-على ما تقدم في نهاية الليل- إلى غروب الشمس. وقد يطلق عليهما: اليوم. هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]","vol":"7","page":736},{"text":"إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\nكما ألغز بعضهم بقصب السكر، فقال: [الطويل] مهفهفة الأعطاف عذب مذاقها... تفوق القنا لكن بغير سنان\nويأخذ كلّ الناس منها منافعا... وتؤكل بعد العصر في رمضان\nهذا؛ ويطلق على الليل والنهار اسم الجديدين، قالت الخنساء ﵂: [البسيط] إنّ الجديدين في طول اختلافهما... لا يفسدان ولكن يفسد النّاس\nأما (آية) فإنها تطلق على معان كثيرة: الدلالة: كما في هذه الآية ونحوها. وتطلق على المعجزة: مثل انشقاق القمر، ونحوه، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها، وهو كثير.\nالإعراب: (آية): خبر مقدم. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية).\n ﴿اللَّيْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٣٣]. ﴿نَسْلَخُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿النَّهارَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿اللَّيْلُ﴾ على اعتبار (ال) فيه للتعريف، والعامل في الحال: (آية) لما فيها من معنى للدلالة، أو في محل رفع صفة: ﴿اللَّيْلُ﴾ على اعتبار (ال) فيه للجنس، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا،﴾ حيث إن جملة ﴿يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ تصلح لأن تكون حالا من الحمار، وأن تكون نعتا له. ومثل الآيتين قول رجل من بني سلول، وهو الشاهد رقم (١٥٢) من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت: لا يعنيني\nفجملة: «يسبني» تصلح لأن تكون نعتا للئيم، وأن تكون حالا منه. ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ:﴾\nإعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ في الآية رقم [٢٩].\n\n<span id=\"aya-3743\"></span>﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أي: وآية أخرى لهم الشمس تسير بقدرة الله في فلك لا تتجاوزه، ولا تتخطاه لزمن تستقر فيه، ولوقت تنتهي إليه، وهو يوم القيامة حيث ينقطع جريانها عند خراب العالم. وقال ابن كثير: وفي قوله تعالى: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قولان:","vol":"7","page":737},{"text":"أحدهما: أن المراد مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب وهي أينما كانت فهي تحت العرش، هي وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث. روي البخاري عن أبي ذرّ﵁قال: كنت مع النبي ﷺ، في المسجد عند غروب الشمس، فقال ﷺ: «يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشمس؟». قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنّها تذهب حتّى تسجد تحت العرش، فتستأذن، فيؤذن لها. ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن، فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها». فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها..﴾. إلخ.\nوالقول الثاني: أن المراد ب: «مستقرها» هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها، وتسكن حركتها، وتكوّر، وينتهي العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أي لوقتها، ولأجل لا تعدوه. هذا؛ وقرأ ابن مسعود وابن عباس ﵃: «(لا مستقرّ لها)» أي: لا قرار لها، ولا سكون؛ بل هي سائرة ليلا نهارا، لا تفتر، ولا تقف، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم)، أي: لا يفتران، ولا يقفان إلى يوم القيامة. انتهى.\n ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: ذلك الجري، وذلك الدوران بانتظام، وبحساب دقيق هو تقدير القوي القادر الغالب على أمره، العليم بكل شيء صغيرا كان، أو كبيرا، سرا كان، أو جهرا.\nهذا؛ وجاء في الظلال للشهيد ما يلي: والشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها، الذي تدور فيه، ولكن عرف أخيرا: أنها غير مستقرة في مكانها، إنما هي تجري فعلا في اتجاه واحد في الفضاء الكوني، الهائل بسرعة، حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في الثانية، والله ربها الخبير بها، وبجريانها يقول: إنها ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ هذا المستقر الذي تنتهي إليه، لا يعلمه إلا هو ﷾، وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء، لا يسندها شيء، ندرك طرفا من هذه القدرة، التي تصرّف هذا الوجود عن قوة، وعن علم. وصدق الله إذ يقول:\n ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. انتهى. صفوة التفاسير للصابوني.\nهذا؛ وجاء في الكشاف ما يلي: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها:﴾ لحد لها مؤقت مقدر، تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق، والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقا مشرقا، ومغربا مغربا، حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع، فذلك حدها، ومستقرها؛ لأنها لا تعدوه. أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا، وهو المغرب. وقيل: مستقرها: أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها، فاستقرت عليه، وهو آخر السنة. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"7","page":738},{"text":"هذا؛ والثابت: أن الشمس إذا غربت في ناحية من الأرض؛ تشرق على ناحية أخرى، مما يدل على أنها لا تقف أبدا، ويؤيد هذا القول ما قاله الفقهاء في باب مواقيت الصلاة من أن الأوقات الخمسة تختلف باختلاف الجهات، والنواحي، فقد يكون المغرب عندنا عصرا عند آخرين، ويكون الظهر عندنا صبحا عند آخرين، وهكذا. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿وَالشَّمْسُ:﴾ يجوز أن يكون معطوفا على ما قبله، فيكون التقدير: وآية لهم الشمس، وعليه فالإعراب مثله في الآية رقم [٣٣]. ويجوز أن يكون (الشمس) مرفوعا بفعل محذوف يفسره الثاني. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء، والجملة الفعلية بعده خبره، التقدير: والشمس جارية.\nاعتبارات ذكرها القرطبي، والثاني ضعيف معنى، تأمل. ﴿لِمُسْتَقَرٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (مستقر)، أو بمحذوف صفة له. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَقْدِيرُ:﴾\nخبر المبتدأ. وهو مضاف، و﴿الْعَزِيزِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْعَلِيمِ:﴾ بدل مما قبله، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3744\"></span>﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ..﴾. إلخ: أي: قدرنا له منازل، أو: قدرنا مسيره في منازل، مثل قوله تعالى في سورة (المطففين): ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ فإن الأصل: كالوا لهم، أو وزنوا لهم. والمنازل ثمانية وعشرون منزلا، ينزل كل ليلة في منزل منها، لا يتعداه يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين، أو ليلة إذا نقص، فإذا كان في آخر منازله رقّ، وتقوّس، كما قال تعالى: ﴿حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وهو العود الذي عليه شماريخ العذق إلى منبته من النخلة، و﴿الْقَدِيمِ﴾ الذي أتى عليه الحول، فإذا قدم؛ عتق، ويبس، وتقوّس، واصفر، فشبه به القمر عند انتهائه إلى آخر منازله، فوجه الشبه فيه مركب، وهو الاصفرار، والدقة، والاعوجاج. وهذا التشبيه يسمى مجملا، فقد أجمل وجه الشبه في العرجون القديم.\nوالعرجون القديم غصن النخل اليابس، وهذا اللفظ لم يذكر في غير هذه السورة.\nقال ابن كثير: جعل الله القمر لمعرفة الشهور، كما جعل الشمس لمعرفة الليل والنهار، وفاوت بين سير الشمس، وسير القمر، فالشمس تطلع كل يوم، وتغرب في آخره، وتنتقل في مطالعها، ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار، ويقصر الليل، ثم يطول الليل، ويقصر النهار، وهو كوكب نهاري: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ،﴾ وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع؛ ازداد نوره، وضياؤه؛ حتى يتكامل","vol":"7","page":739},{"text":"نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم. انتهى.\nتنبيه: قال الله تعالى في الآية رقم [٥] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ وقال ﵎ في الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء): ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾. وقال جل شأنه في الآية رقم [١٨٩] من سورة (البقرة): ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ..﴾. إلخ انظر شرح هذه الآيات في محالّها تجد: أن العبادات الإسلامية والمعاملات كلها مرتبط بحركة القمر الدورانية، لا دخل للعبد في صنع شيء من ذلك.\nفالحمد لله على ما أنعم، وأعطى. وتكرم!\nبقي أن تعرف منازل القمر الثمانية والعشرين بأسمائها، وهي مواقع النجوم؛ التي نسبت إليها العرب الأنواء الماطرة، وهي: (الشّرطان، البطين، الثّريّا، الدّبران، الهقعة، الهنعة، الذّراع، النّثرة، الطّرف، الجبهة، الخراتان، الصّرفة، العوّاء، السّماك، الغفر، الزّبانيان، الإكليل، القلب، الشولة، النّعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلغ، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدّم، الفرغ المؤخّر، بطن الحوت)، فإذا صار القمر في آخرها؛ عاد إلى أولها، وهذه المنازل منقسمة على البروج، لكل برج منزلان، وثلث، انظر الآية رقم [٦١] من سورة (الفرقان) لمعرفة هذه البروج.\nالإعراب: ﴿وَالْقَمَرَ:﴾ يقرأ بالرفع، فتجري فيه الاعتبارات التي ذكرتها في قوله:\n ﴿وَالشَّمْسُ﴾ ويقرأ بالنصب وهي قراءة الكوفيين، وبها قرأ حفص، وهو اختيار أبي عبيد، واختار الفراء الرفع، فعلى النصب فهو مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. ﴿قَدَّرْناهُ:﴾\nفعل، وفاعل، والهاء مفعول به، أو مجرورة بحرف جر، كما رأيت في الشرح. ﴿مَنازِلَ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول ثان ل: (قدرنا) بمعنى: صيرنا. الثاني: أنه حال، ولا بد من تقدير مضاف قبل: ﴿مَنازِلَ،﴾ تقديره: ذا منازل. الثالث: أنه ظرف، أي: قدرنا سيره في منازل.\nالرابع: أنه مفعول به على اعتبار الضمير مجرورا، بحرف جر محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: (القمر)، أو في محل نصب حال منه على رفعه، ومفسرة على نصبه، لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿عادَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى: (القمر). ﴿كَالْعُرْجُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. وإن اعتبرت الفعل ناقصا؛ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، وإن اعتبرت الكاف اسما فالمحل لها على الاعتبارين، وتكون مضافا، و(العرجون) مضاف إليه. ﴿الْقَدِيمِ﴾","vol":"7","page":740},{"text":"صفة: (العرجون)، و«أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿عادَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n\n<span id=\"aya-3745\"></span>﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي..﴾. إلخ: أي: لا يصح للشمس ولا يتسهل لها أن تدرك القمر في سرعة سيره، فإن ذلك يخل بتكوين النبات وبعيش الحيوان، أو في آثاره، ومنافعه، أو مكانه بالنزول إلى محله، أو سلطانه فتطمس نوره. وإيلاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة، لا يتيسر لها إلا ما أريد بها. انتهى. بيضاوي. وفحوى الآية الكريمة: أن الشمس والقمر لا يتوافقان في السير، ولا يجتمعان معا، فأما قوله تعالى في سورة القيامة رقم [٩] ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ فذلك يكون حين تحبس الشمس عن الطلوع من المشرق، وتطلع من المغرب، وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا، وقيام الساعة، فذلك اليوم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ..﴾. إلخ الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأنعام). ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي: كل من الشمس، والقمر، والنجوم. هذا؛ وقال تعالى في الآية رقم [٣٣] من سورة (الأنبياء): ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ والمعنى: كل واحد مما ذكر في فلك يسبحون، أي يجرون، ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. وإنما جمعهن جمع المذكر السالم بالواو والنون، وهو للعقلاء؛ لأنه ﵎ ذكر عنهن فعل العقلاء، وهو السباحة والجري، وجعلهن في الطاعة والانقياد بمنزلة من يعقل، وهذا يتكرر في القرآن الكريم، وقد ذكرته في محالّه.\nهذا؛ والفلك بفتحتين: مدار النجوم الذي يضمها، وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه: أفلاك ويجمع على: فلك، مثل: أسد، وأسد. وقيل: الفلك: السماء الذي فيه الكواكب، فكل كوكب يجري في السماء، الذي قدر له أن يجري فيه. وقيل: الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل، فهو الذي تجري فيه النجوم، وهو مستدير كاستدارة الرحى. وقيل: غير ذلك، وقال أصحاب الهيئة: الأفلاك: أجرام صلبة، لا ثقيلة، ولا خفيفة، غير قابلة للخرق، والالتئام، والنمو، والذبول. والحق: أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات، إلا بإخبار الصادق، فسبحان الخالق، المدبر لخلقه بالحكمة، والقدرة الباهرة غير المتناهية.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿الشَّمْسُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَنْبَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْ تُدْرِكَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿الشَّمْسُ﴾. ﴿الْقَمَرَ:﴾ مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل","vol":"7","page":741},{"text":"مصدر في محل رفع فاعل ﴿يَنْبَغِي،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَنْبَغِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿لا الشَّمْسُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿اللَّيْلُ:﴾ مبتدأ. ﴿سابِقُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿النَّهارِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وقرئ بنصب: ﴿النَّهارِ،﴾ وحذف تنوين ﴿سابِقُ﴾ فيكون ﴿النَّهارِ﴾ مفعولا به صريحا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَكُلٌّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كل): مبتدأ، سوغ الابتداء به الإضافة المقدرة. ﴿فِي فَلَكٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: «يسبحون في فلك» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا لا بأس به.\n\n<span id=\"aya-3746\"></span>﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾\nالشرح: المعنى: وعلامة أخرى واضحة للناس على كمال قدرتنا: أننا حملنا آباءهم الأقدمين (وهم ذرية آدم) في سفينة نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-؛ التي أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. انتهى. صفوة التفاسير. وفي البيضاوي: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أولادهم الذين يبعثونهم في تجاراتهم، أو صبيانهم، ونساءهم؛ الذين يصطحبونهم في أسفارهم.\nفإن الذرية تقع عليهن؛ لأنهن مزارعهما، وتخصيصهم في الذكر؛ لأن استقرارهم في السفن أشق، وتماسكهم فيها أعجب، وقيل: المراد: فلك نوح، وحمل الله ذرياتهم فيها: أنه حمل آباءهم الأقدمين. وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وتخصيص الذرية بالذكر؛ لأنه أبلغ في الامتنان، وأدخل في التعجب مع الإيجاز. انتهى. بتصرف. هذا؛ و﴿الْمَشْحُونِ﴾ المملوء بالبضائع، والناس، والدواب، وغير ذلك من بترول، ونحوه في هذه الأيام. هذا؛ وقد استدل بهذه الآية على أن الذرية تطلق على الآباء كما تطلق على الأولاد، وهو ما في التاج، وتجمع جمع تكسير: ذراري كما تجمع جمع مؤنث سالما: (ذريات). وإطلاق ذرية على الآباء لأن الله ذرأ منهم الأولاد.\nهذا؛ و﴿الْفُلْكِ:﴾ بضم الفاء وسكون اللام، يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فقد أفرد ﷾ في هذه الآية، وذكّر، وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾. فأنث، ويحتمل الإفراد، والجمع، وقال جل شأنه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾. فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى معنى المركب، فتذكر، وإلى معنى السفينة، فتؤنث، وقد ألغز فيها الشاعر حيث قال: [الطويل] مكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو\nفإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل","vol":"7","page":742},{"text":"ولا تنس: أن أول من اخترع السفينة (وهي الفلك) نوح، على نبينا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ وقد كانت السفن في الزمن الماضي تسير بواسطة الرياح، وأما في أيامنا هذه؛ فإنها تسير بواسطة البخار، ففي الزمن الماضي، كان البحارون يلقون العناء إذا اضطرب البحر، أو عاكست الرياح مسير السفينة، وقد عبر المتنبي عن ذلك، بقوله: (وهو جار مجرى المثل): [البسيط] ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه... تأتي الرياح بما لا تشتهي السّفن\nهذا؛ والذرية هي النّسل من بني آدم، وهي تقع على الجمع كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا،﴾ وعلى الواحد كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. قيل:\nهي مشتقة من: «الذّرا» بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، وتحت حمايته. وهو بضم الذال: أعلى الشيء. وقيل: هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وقال تعالى:\n ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. أبدلت همزة الذّرء ياء، ثم شددت الياء، وتبعتها الراء في التشديد.\nالإعراب: ﴿وَآيَةٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (آية): مبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر مقدم. ﴿أَنّا:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿حَمَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْمَشْحُونِ:﴾ صفة، وجملة: ﴿حَمَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. وهذا الإعراب هو فحوى كلام ابن هشام في المغني. وأجاز أبو البقاء اعتبار هذا المصدر خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هي أننا... إلخ.\nوقال مكي: المصدر المؤول مفسر ل: (آية). هذا؛ وأرى أنّ (آية) خبر مقدم، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية). والمصدر المؤول في محل مبتدأ مؤخر، مثله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ..﴾. إلخ، و﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ..﴾. إلخ. ولا حاجة إلى هذه التأويلات. والجملة الاسمية معطوفة على الجملتين المذكورتين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3747\"></span>﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: المعنى: خلقنا لأهل مكة، وللناس أجمعين مثل الفلك المذكورة. ﴿ما يَرْكَبُونَ:﴾\nمن الإبل؛ لأن الله خلقها للركوب، وللحمل مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تشبه الإبل بالسفن، قال طرفة في معلقته رقم [٤]. [الطويل]","vol":"7","page":743},{"text":"كأنّ حدوج المالكيّة غدوة... خلايا سفين بالنّواصف من دد\nهذا قول. والقول الثاني: أن المراد جميع ما يركب من الدواب. والقول الثالث: أن المراد:\nالسفن، وأن المراد في الفلك المشحون: سفينة نوح خاصة على نحو ما رأيت فيما تقدم. قاله ابن عباس﵄-. وهو الأظهر لقوله تعالى في الآية التالية: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾.\nالإعراب: ﴿وَخَلَقْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (خلقنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ مِثْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مِنْ﴾ صلة في الإيجاب على مذهب الأخفش. ومثله حال من: ﴿ما﴾. وقدمت لمناسبة رءوس الآي، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف التقدير: الذي يركبونه. وجملة: ﴿وَخَلَقْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿حَمَلْنا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-3748\"></span>﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ أي: في البحر، ونهلكهم فيه. ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ:﴾ فلا مغيث لهم، ولا معين، ولا منجد فهو فعيل بمعنى فاعل. وفي سورة (إبراهيم) قوله تعالى حكاية عن قول إبليس-أخزاه الله تعالى-: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾. ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ:﴾\nينجون من الموت. قال ابن عباس﵄-: ولا أحد ينقذهم من عذابي.\nهذا؛ وكما يطلق (الصريخ) على المغيث يطلق على الصارخ، وهو المستغيث فهو من الأضداد، كما صرح به أهل اللغة، ويكون مصدرا بمعنى: الإغاثة؛ لأنه في الأصل بمعنى:\nالصراخ، وهو صوت مخصوص، وكل منهما صحيح هنا. انتهى. جمل نقلا من الشهاب، وقد قال الشاعر، -وهو الشاهد رقم [١٠٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل] قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم... ما بين ملجم مهره، أو سافع\nوالصراخ: صوت المستغيث، وصوت المغيث؛ إذا صرخ بقومه للإغاثة. قال سلامة بن جندل: [البسيط] إذا ما أتانا صارخ فزع... كان الصراخ له قرع الظّنابيب\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿نَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، التقدير: وإن نشأ إهلاكهم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نُغْرِقْهُمْ:﴾\nفعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام","vol":"7","page":744},{"text":"معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له. ﴿فَلا:﴾ الفاء: قال أبو البقاء: حرف استئناف، وبه قال ابن عطية. وأرى صحة اعتبارها فصيحة تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا شئنا إغراقهم؛ (فلا...) إلخ. (لا): نافية للجنس تعمل عمل: «إنّ». ﴿صَرِيخَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا). هذا؛ وقال أبو البقاء: وقرئ بالرفع، والتنوين، فتكون: (لا) عاملة عمل: «ليس»، وعلى الاعتبارين:\nلا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية.\n ﴿نُغْرِقْهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْقَذُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع إلخ، والواو نائب فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3749\"></span>﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا..﴾. إلخ: أي لا ينقذهم من الغرق أحد إلا نحن؛ لأجل رحمتنا إياهم، وتمتيعنا لهم إلى انقضاء آجالهم. فقد بين الله تعالى: أن ركوبهم السفن في البحر من الآيات العظيمة الباهرة، فإن سير السفينة بما فيها من الرجال، والأثقال فوق سطح الماء آية باهرة، فقد حملتهم قدرة الله تعالى، ونواميسه التي تحكم، وتصرفه بحكم خواص السفن، وخواص الماء، وخواص الريح، وكلها من أمر الله تعالى، وخلقه وتقديره، والسفينة في البحر الخضم كالريشة في مهب الهواء، وإن لم تدركها رحمة الله؛ فهي هالكة في لحظة من ليل، أو نهار، والذين ركبوا البحار، وشاهدوا الأخطار يدركون هول البحر المخيف، ويحسون معنى رحمة الله ﵎، وأنها وحدها هي المنجي لهم من بين العواصف، والتيارات. انتهى.\nصفوة التفاسير. هذا؛ وانظر ما ذكره الله تعالى عن الكافرين في الآية رقم [٣٢] من سورة (لقمان) حيث يلجئون إلى الله تعالى حين يغشاهم الموج من جميع جهاتهم، ويدركون: أنهم هالكون لا محالة. ومعنى ﴿إِلى حِينٍ:﴾ إلى أجل يموتون فيه، لا بد لهم منه بعد النجاة من موت الغرق، ولقد أحسن أبو الطيب المتنبي؛ إذ يقول: [الوافر] ولم أسلم لكي أبقى ولكن... سلمت من الحمام إلى الحمام\nورحم الله من يقول: [الطويل] ومن لم يمت بالسيف مات بغيره... تنوّعت الأسباب، والموت واحد\n ﴿وَمَتاعًا:﴾ انتفاعا، وتلذذا. وتمتع، واستمتع بكذا: انتفع به، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء، وأمتعه الله، ومتّعه بكذا بمعنى واحد، ومتاع الغرور: أي: ما يغر، ويخدع، ولا يغر إلا ضعفاء الإيمان، وذوي النفوس المريضة. وخاب الفسقة الذين يقولون: إن متاع الغرور","vol":"7","page":745},{"text":"المذكور في كثير من الآيات هو ما تحمله المرأة في أيام حيضها من خرق. فمن أين أتوا بهذا التفسير الذي لا يقره ذوق، فضلا عن عدم وجوده في كتاب اللغة؟ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٨] من سورة (الصافات) تجد ما يسرك، وانظر شرح (الحين) في سورة (ص) رقم [٨٨].\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿رَحْمَةً:﴾ استثناء منقطع؛ لأنه ليس من جنس ما قبله، فهو استثناء من أعم العلل، فهو بمعنى المفعول لأجله. وقيل: هو مفعول مطلق، فعله محذوف. وقيل:\nهو منصوب على نزع الخافض. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَمَتاعًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان ب: (متاعا)، أو بمحذوف صفة له.\n\n<span id=\"aya-3750\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ:﴾ لهؤلاء الكافرين من أهل مكة، وغيرهم. ومثلهم الملحدون، والفاسقون، والمفسدون في هذه الأيام. ﴿اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ أي: الوقائع التي خلت، والعذاب المعد لكم في الآخرة. أو: نوازل السماء، ونوائب الأرض، كقوله تعالى:\n ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ..﴾. إلخ، الآية رقم [٩] من سورة (سبأ) أو المراد: عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، أو عكسه، أو: ما تقدم من الذنوب، وما تأخر.\nهذا؛ والتعبير عن الأمام، والخلف بقوله تعالى: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ ونحوه كثير في القرآن الكريم؛ وإن اختص كل موضع بتفسير، ومعنى حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها، فمثلا قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء) يفسر بغير ما في هذه الآية، وكذلك الآية رقم [١١٠] من سورة (طه) وكلتاهما تخالفان معنى قوله ﵎: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وهكذا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ و﴿قِيلَ﴾ أصلها: (قول) بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب حركتها، فصار: (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار: قيل.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيكُمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والكاف ضمير","vol":"7","page":746},{"text":"متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ معطوفة على سابقتها فهي في محل نصب مثلها.\n ﴿خَلْفَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول إلخ، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّقُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه. هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور ﴿لَهُمُ﴾ في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني؛ حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: (لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنة) ونحو: (زعموا مطية الكذب). وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجواب (إذا) محذوف، تقديره: أعرضوا بدليل الآية التالية. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية فيها معنى التعليل للأمر. و(إذا) ومدخولها، كلام معطوف على (إنّ) ومدخولها لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-3751\"></span>﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: المعنى: وما تأتي هؤلاء المشركين من أهل مكة، وغيرهم علامة من العلامات الواضحة، الدالة على صدق الرسول ﷺ، كالمعجزات الباهرة؛ التي أيده الله بها، إلا أعرضوا عنها على وجه التكذيب، والاستهزاء. قال أبو السعود: وإضافة الآيات إلى اسم الرب جل وعلا؛ لتفخيم شأنها، المستتبع لتهويل ما اجترءوا عليه في حقها، والمراد بالآيات: الآيات التنزيلية، التي من جملتها الآيات الناطقة ببدائع صنع الله وسوابغ آلائه، أو الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات التي من جملتها ما ذكر من شئونه الشاهدة بوحدانيته تعالى، وتفرده بالألوهية. انتهى. صفوة التفاسير. وقال الجمل نقلا من أبي السعود أيضا: الآية وسابقتها بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية؛ التي كانوا يشاهدونها، وعدم تأملهم فيها. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿آيَةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿آيَةٍ،﴾ و﴿آياتِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه. والهاء ضمير متصل في محل جر","vol":"7","page":747},{"text":"بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾\nفعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم.\nوجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وجملة: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) المقدر، أو هي مستأنفة ولا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3752\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين من أهل مكة، ومن على شاكلتهم من مانعي الزكاة على سبيل النصيحة، والإرشاد. ﴿أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ:﴾ أعطوا الفقراء قسما من الأموال التي رزقكم الله إياها، وأنعم عليكم بها. ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالله، وبحكمته، وأحكامه.\n ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قالوا لهم تهكما، وسخرية، واستهزاء بهم. ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ أي: أنعطي ونرزق من لو يشاء الله أعطاه، ورزقه؟! ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: ما أنتم أيها المؤمنون إلا في خطأ ظاهر واضح؛ حيث تأمروننا بأن ننفق أموالنا على من أفقرهم الله، ولو شاء؛ لأغناهم مثلنا. وقيل: إن الجملة الاسمية من قول المؤمنين للكافرين. وقيل: هي من قول الله لهم.\nقال الخازن: نزلت الآية في كفار قريش، وذلك: أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم: أنه لله تعالى من أموالكم. وهو ما جعلوه لله من حروثهم، وأنعامهم. انتهى. وقال القرطبي: قيل: إن أبا بكر الصديق﵁كان يطعم مساكين المسلمين، فلقيه أبو جهل الخبيث، فقال: يا أبا بكر! أتزعم: أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإعطاء. فقال: يا أبا بكر! ما أنت إلا في ضلال، أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء، وهو لا يطعمهم؟ ثم تطعم أنت، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى في سورة الليل: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى..﴾. إلخ. هذا؛ وقد صدقوا في قولهم لو شاء الله أطعمهم، ولكن كذبوا في الاحتجاج، ومثله ما حكى الله عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٨] من سورة (الأنعام)، وقوله تعالى عن المنافقين: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾. انتهى.\nوقال الخازن: ومعنى الآية: أنهم قالوا: لو أراد الله أن يرزقهم؛ لرزقهم، فنحن نوافق مشيئة الله فيهم، فلا نطعم من لم يطعمه. وهذا مما يتمسك به البخلاء، يقولون: لا نعطي من","vol":"7","page":748},{"text":"حرمه الله، وهذا الذي يزعمون باطل؛ لأن الله ﵎ أغنى بعض الخلق، وأفقر بعضهم، ابتلاء، فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا، وأعطى الدنيا للغني لا استحقاقا، وأمر الغني بالإنفاق، لا حاجة إلى ماله، ولكن ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له من مال الغني، ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله تعالى، وحكمته في خلقه، والمؤمن يوافق أمر الله فيما أمر، وينتهي عما نهى عنه. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤٥]. ﴿مِمّا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) التقدير: من رزق الله لكم، وعلى الاعتبارين الأولين فالجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أنفقوا من الذي، أو من شيء رزقكم الله إياه، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على مثله، لا محل له مثله. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿قالَ،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنُطْعِمُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.\n (نطعم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لو يشاء الله إطعامه.\nوالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَطْعَمَهُ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب: ﴿لَوْ،﴾ و﴿لَوْ﴾ ومدخولها صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والجملة الفعلية: ﴿أَنُطْعِمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب: (إذا)، لا محل لها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، إن كانت من مقول الذين كفروا، ومستأنفة إن كانت من قول المؤمنين، أو من قول الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-3753\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨)﴾\nالشرح: لما قيل لهم: ﴿اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ؛﴾ قالوا: متى يكون يوم القيامة الذي تتوعدوننا به؟ ومتى يقع هذا العذاب الذي تخوفوننا به؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم: أن هناك بعثا، أو نشورا، وحسابا شديدا، وعذابا أليما فأتوا بذلك كله. وقولهم هذا على وجه التكذيب،","vol":"7","page":749},{"text":"والاستبعاد، والاستهزاء، وإنما قالوا بلفظ الجمع: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك. أو المعنى إن كنت صادقا أنت، وأتباعك يا محمد! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه، انظر تقديره في الشرح، والكلام كله في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: (يقولون...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3754\"></span>﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿ما يَنْظُرُونَ:﴾ ما ينتظرون. ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً:﴾ هي نفخة إسرافيل الأولى التي يموت بها من كان على وجه الأرض. ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ:﴾ يتخاصمون في متاجرهم، وفي معاملاتهم، وفي بيعهم، وشرائهم، فيموتون في مكانهم. وهذه نفخة الصعق. وفي ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ خمس قراءات: وأصله: يختصمون، فسكنت التاء، وأدغمت في الصاد، ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. فهذه الآية تحدثنا عن أول أهوال يوم القيامة. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «ولتقومنّ الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبا بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». أخرجه البخاري. انتهى. خازن. ولم أجده في التجريد الصريح، أما الحافظ المنذري، فقال: رواه أحمد وابن حبان في صحيحه.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿صَيْحَةً:﴾ مفعول به. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة. ﴿تَأْخُذُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿صَيْحَةً،﴾ والهاء مفعول به. والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿صَيْحَةً،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها ب: ﴿واحِدَةً﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ.\n ﴿يَخِصِّمُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة","vol":"7","page":750},{"text":"الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب. والرابط: الواو، والضمير. والجملة الفعلية: ﴿ما يَنْظُرُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3755\"></span>﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: إذا حصلت الصيحة؛ فلا يقدر الناس أن يوصي بعضهم بعضا بأمر من الأمور، أو بالتوبة إلى الله تعالى، والإقلاع عن المعاصي؛ بل يموت كل واحد في مكانه الذي هو فيه. ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يرجعون إلى منازلهم. بمعنى لا يتمكنون من ذلك. والحديث الذي ذكرته شاهد صدق.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَوْصِيَةً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية. ﴿إِلى أَهْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾\nمضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n<span id=\"aya-3756\"></span>﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ:﴾ الصور كهيئة البوق. قاله مجاهد، ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال:\nما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود والترمذي رحمهما الله تعالى، وقال أبو هريرة ﵁، قال النبي ﷺ: «إنّ الله لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصّور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر بالنفخة». قلت:\nيا رسول الله! ما الصّور؟ قال: «قرن والله عظيم! والذي بعثني بالحقّ إنّ عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض!».\nوعن أبي سعيد الخدري﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ؟!». وكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟! وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله توكّلنا». وربّما قال: «توكلنا على الله». أخرجه الترمذي.\nوينبغي أن تعلم: أن الذي ينفخ في الصور، إنما هو إسرافيل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين، بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى: لإماتة الخلق أجمعين، والثانية: لإحيائهم، وبعثهم للحساب، والجزاء.","vol":"7","page":751},{"text":"والآيات هنا دلت على ذلك. وخذ قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٦٨]: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾.\n ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ أي: القبور، وقرئ بالفاء: «(من الأجداف)» ذكره الزمخشري، يقال:\nجدث، جدف، واللغة الفصيحة الجدث بالثاء، والجمع: أجدث، وأجداث، قال المنتخل الهذلي: [الوافر]\nعرفت بأجدث، فنعاف عرق... علامات كتحبير النّماط\nهذا؛ وقال تعالى في سورة (القمر): ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ،﴾ وقال في سورة (المعارج): ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.\n ﴿إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ:﴾ يخرجون. ومنه قول امرئ القيس في معلقته رقم [٢٧]: [الطويل]\nوإن كنت قد ساءتك منّي خليقة... فسلّي ثيابي من ثيابك تنسلي\nقرئ بضم السين، وكسرها، ومنه قيل للولد: نسل؛ لأنه يخرج من بطن أمه. وقيل:\nالمعنى: يسرعون، والنسلان، والعسلان: الإسراع في السير، ومنه: مشية الذئب، قال لبيد.\nوقيل: هو للنابغة: [الرمل]\nعسلان الذئب أمسى قاربا... برد الليل عليه فنسل\nالإعراب: ﴿وَنُفِخَ:﴾ الواو: حرف عطف. (نفخ): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. ﴿فَإِذا هُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية. ﴿مِنَ الْأَجْداثِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿يَنْسِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿هُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-3757\"></span>﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا﴾ أي: يقول الكافرون حين يخرجون من قبورهم: يا هلاكنا. وهذه القراءة سبعية، وقرأ ابن أبي ليلى: «(يا ويلتنا)» بتاء التأنيث، وعنه أيضا: «(يا ويلتى)» بإبدال الياء ألفا، وتأويل هذا: أن كل واحد منهم يقول: يا ويلتي. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ والتعبير في هذه الآية، ونحوها بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه.\n ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا:﴾ من أخرجنا من قبورنا التي كنا فيها؟ وهذا على اعتبار (مرقد) اسم مكان، وأما على اعتباره مصدرا، فيكون المعنى: من بعثنا من رقادنا؟ أي: من نومنا، وهذا","vol":"7","page":752},{"text":"أحسن؛ لأن المصدر يفرد مطلقا، بخلافه على الأول، فيكون المفرد أقيم مقام الجمع، فإن قيل:\nكيف يقولون هذا، وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب: يكون من ثلاث جهات: الأولى:\nقال أبي بن كعب: ينامون نومة. الثانية: قال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور، وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية، وبينهما أربعون سنة. وهذا قاله ابن عباس، وقتادة﵄الثالثة: قال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب، صار ما عذّبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم.\nأقول: ويؤيد هذا قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾. ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: هذا الذي وعدكم الله به من البعث بعد الموت، والحساب، والجزاء، وصدق رسله الكرام فيما أخبرونا به عن الله تعالى. وهذا من كلامهم. وقيل: هو من كلام الملائكة لهم. وقيل: هو من كلام المؤمنين جوابا لهم عن سؤالهم، معدولا به عن سننه، تذكيرا لكفرهم، وتقريعا لهم عليه، وتنبيها بأن الذي يهمهم هو السؤال عن البعث دون الباعث، كأنهم قالوا: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث، فأرسل إليكم الرسل، فصدقوكم، وليس الأمر كما تظنونه، فإنه ليس بعث النائم، فيهمكم السؤال عن الباعث، وإنما هو البعث الأكبر ذو الأهوال. انتهى. بيضاوي بتصرف.\nهذا؛ وفي الآية استعارة تصريحية أصلية، حيث استعير الرقاد للموت. والجامع بينهما عدم ظهور الفعل منهما. وهذا على اعتبار (مرقد) مصدرا ميميا، وأما على اعتباره اسم مكان؛ فالاستعارة تبعية.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء، والمنادى محذوف.\nكأنهم قالوا لبعضهم: يا هؤلاء ويلا لنا، فلما أضاف حذف اللام الثانية، وعليه ف: (ويلا) مصدر مفعول مطلق فعله محذوف. و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهذا قاله الجلال، وأيده سليمان الجمل، وقول لمكي، وأجيز اعتبار: (ويلنا) منادى مثل: ﴿يا حَسْرَةً﴾ في الآية رقم [٣٠] فيكون المعنى: يقول الكافر يوم القيامة: تعال يا ويل هذا زمانك، وإبانك، وقال الكوفيون: إن (ويل) كلمة برأسها، و«لنا» جار ومجرور متعلقان به. ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد، وهو أن يكون: يا عجب لنا؛ لأن (وي) تفسر بمعنى: أعجب منا. انتهى. جمل. وعليه يكون الكافر قد نادى العجب. تأمل، وتدبر.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَعَثَنا:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول كالجملة التي قبلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"7","page":753},{"text":"هذا؛ وقرئ: «(من بعثنا)» على اعتبارهما جار ومجرور متعلقين بالمصدر: (ويل). ﴿مِنْ مَرْقَدِنا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما على القراءتين. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكره موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: هذا الذي، أو: شيء وعده الرحمن عباده، فيكون قد حذف المفعولين، ويجوز اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع خبر المبتدأ، فيكون التقدير: هذا؛ وعد الرحمن عباده البعث، والجزاء، وصدق المرسلين. وعلى الأول، التقدير: والذي صدقه المرسلون. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر الشرح.\nهذا؛ وأجيز اعتبار اسم الإشارة في محل جر صفة ل: ﴿مَرْقَدِنا،﴾ فيكون الوقف على ﴿مَرْقَدِنا﴾. هذا، وما بعده مستأنف، وفيه ثلاث اعتبارات: الأول: ﴿ما:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو ما وعد الرحمن. الثاني: بمعنى: الحق ما وعد الرحمن. والثالث: أن يكون بمعنى: الذي وعد الرحمن حق. والكلام هذا في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر ما ذكرته في الشرح.\n\n<span id=\"aya-3758\"></span>﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أي: ما كانت النفخة الثانية التي ينفخها إسرافيل على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ ويقرأ برفع صيحة على اعتبار (كان) تامة، ومثلها الآية رقم [٢٩]. وفي القرطبي: يعني: إن بعثهم، وإحياءهم كان بصيحة واحدة، وهي قول إسرافيل: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتقطعة، والشعور المتفرقة، واللحوم المتمزقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهو فحوى قوله تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾. ﴿فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أي: مجموعون عندنا للحساب، والجزاء، وفي ذلك تهوين البعث، والحشر، والنشر، واستغناؤهما عن الأسباب التي ينوطان بها فيما يشاهدونه، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين النفختين أربعون». قيل:\nأربعون يوما؟ قال أبو هريرة: أبيت، قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال:\nأبيت، «ثمّ ينزل من السّماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء، إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذّنب، منه يركّب الخلق يوم القيامة». رواه البخاري، ومسلم.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه محذوف، يفهم من المقام، التقدير: ما كانت الفعلة التي فعلها إسرافيل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿صَيْحَةً:﴾","vol":"7","page":754},{"text":"خبر كان، وعلى قراءتها بالرفع، فهي فاعل: ﴿كانَتْ،﴾ على اعتبارها بمعنى حصلت، ووقعت.\n ﴿واحِدَةً:﴾ صفة: ﴿صَيْحَةً﴾ على القراءتين. ﴿فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية.\n ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء، لاتصاله ب: (نا) التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ صفة ﴿جَمِيعٌ﴾ مرفوع إلخ، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ كانَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3759\"></span>﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: ففي ذلك اليوم يوم القيامة، لا تظلم نفس شيئا بنقص ثوابها، أو بزيادة وزرها، سواء أكانت هذه النفس برة، أو فاجرة. ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ..﴾. إلخ: أي: لا تجزون إلا بأعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذا حكاية لما سيقال لهم في الآخرة حين يرون العذاب المعد لهم، تحقيقا للحق، وتصديقا للوعيد، والوعد، وتقريعا لهم.\nالإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُظْلَمُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿نَفْسٌ:﴾ نائب فاعله. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به ثان، أو هو نائب مفعول مطلق. والجملة الفعلية: ﴿فَالْيَوْمَ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها. والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا الذي، أو:\nشيئا كنتم تعملونه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: إلا عملكم. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ على جميع الوجوه فيها منصوبة بنزع الخافض، التقدير: إلا بما كنتم تعملون، وهو كثير في القرآن الكريم، وجملة:\n ﴿وَلا تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-3760\"></span>﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ أَصْحابَ..﴾. إلخ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي: بما هم فيه من اللذات، والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي، ومصيرهم إلى النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيه أقرباؤهم، وأهلوهم، وقال ابن كيسان: مشغولون في زيارة بعضهم بعضا. وقيل: مشغولون في ضيافة الله تعالى، وروي: أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين عبادي الذين أطاعوني،","vol":"7","page":755},{"text":"وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأن وجوههم البدر، والكوكب الدّرّي ركبانا على نجب من نور، أزمتها الياقوت، تطير بهم على رءوس الخلائق، حتى يقوموا بين يدي العرش، فيقول الله ﷿ لهم: «السّلام على عبادي الذين أطاعوني، وحفظوا عهدي بالغيب، أنا اصطفيتكم، وأنا اجتبيتكم وأنا اخترتكم، اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب، و﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ» فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف، فتفتّح لهم أبوابها، ثم إن الخلق في المحشر موقوفون، فيقول بعضهم لبعض: يا قوم أين فلان وفلان؟ وذلك حين يسأل بعضهم بعضا فينادي مناد: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾. انتهى. قرطبي.\nوقال ابن عباس﵄-: شغلوا بافتضاض الأبكار، وسماع الأوتار عن أهليهم من أهل النار، لا يذكرونهم؛ لئلا يتنغصوا. وقال أبو حيان: والظاهر: أن الشغل هو النعيم؛ الذي قد شغلهم عن كل ما يخطر بالبال، وهذا أولى وأقوى.\nو: ﴿تَفَكَّهُونَ:﴾ مسرورون، ناعمون، فرحون، وقرئ: «(فكهون)» و«(فكهين)» وفي تنكير ﴿شُغُلٍ﴾ وإبهامه، تعظيم لما هم فيه من البهجة، والتلذذ، وتنبيه على أنه مما لا يحيط به الأفهام، ولا يعرب عن كنهه الكلام. هذا؛ وقرئ: ﴿شُغُلٍ﴾ بضم الغين، وسكونها، وهي قاعدة عربية. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله. وذلك مثل: رسل، وعسر، ويسر، وأسد، ورحم... إلخ، ولا تنس: أن الله ﵎ لما أخبر عن حال المجرمين، ومآلهم؛ أخبر عن حال الأبرار المتقين، ومآلهم. وتلك سنة اقتضتها حكمة الحكيم العليم، ورحمته في كتابه الكريم بأن لا يذكر التكذيب من الكافرين والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار، وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا. وهذا ما يسمى بالمقابلة.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَصْحابَ:﴾ اسم (إنّ) وهو مضاف، و﴿الْجَنَّةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾. وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿فِي شُغُلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر أول، وأجيز تعليقهما بما بعدهما.\n ﴿تَفَكَّهُونَ:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ أَصْحابَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3761\"></span>﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ:﴾ في ظلال الجنان الوارفة؛ حيث لا شمس فيها، ولا زمهرير، و﴿ظِلالٍ﴾ جمع: ظلة، مثل: قباب جمع: قبة، أو جمع: ظل، مثل: شعاب","vol":"7","page":756},{"text":"جمع: شعب. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ السرر في الحجال، واحدها أريكة، مثل: سفينة، وسفائن، والمراد بها: نحو قبة تغلق على السرير، وتزين به العروس، قال الشاعر: [الطويل] كأنّ احمرار الورد فوق غصونه... بوقت الضحى في روضة المتضاحك\nخدود عذارى قد خجلن من الحيا... تهادين بالرّيحان فوق الأرائك\nالإعراب: ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿وَأَزْواجُهُمْ:﴾\nمعطوف على الضمير، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ظِلالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُتَّكِؤُنَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي مستأنفة. لا محل لها كالجملة الاسمية السابقة لها. هذا الإعراب هو الظاهر، وهو المعتمد.\nهذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿مُتَّكِؤُنَ﴾ خبر المبتدأ والجارين والمجرورين متعلقين به. كما أجيز اعتبار الضمير توكيدا للمستتر في: ﴿شُغُلٍ،﴾ أو في: ﴿تَفَكَّهُونَ،﴾ و(أزواجهم) معطوفا عليه، واعتبار:\n ﴿فِي ظِلالٍ﴾ متعلقين بمحذوف حال من: (أزواجهم)، واعتبار الجملة الاسمية: ﴿عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ:﴾ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ واعتبارها مستأنفة أيضا، والإعراب الأول أقوى وأوضح.\n\n<span id=\"aya-3762\"></span>﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿لَهُمْ:﴾ لأصحاب الجنة. ﴿فِيها:﴾ في الجنة. ﴿فاكِهَةٌ:﴾ كثيرة من كل أنواع الفواكه. ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ:﴾ ما يتمنون، وما يشتهون، وما يطلبون، فمهما طلبوا من أنواع الملاذ؛ وجدوه، فعن أسامة بن زيد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا هل من مشمّر إلى الجنّة، فإنّ الجنة لا خطر لها. هي وربّ الكعبة نور كلّها يتلألأ، وريحانة تهتزّ، وقصر مشيد، ونهر مطّرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في دار سلامة، وفاكهة خضرة، وخير، ونعمة في محلّة عالية بهيّة». قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها! قال ﷺ: «قولوا: إن شاء الله». فقال القوم: إن شاء الله. أخرجه ابن أبي حاتم، ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد. انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ وأصل ﴿يَدَّعُونَ:﴾ يدتعيون على وزن يفتعلون، فأسكنت الياء؛ لأن الضم فيها ثقيل، وألقيت حركتها على العين بعد أن أزيلت حركة العين، ثم حذفت الياء لسكونها، وسكون الواو بعدها، فصار: يدتعون، ثم قلبت التاء دالا، وأدغمت الدال في الدال، فصار: ﴿يَدَّعُونَ﴾ وقلبت التاء دالا، ولم تقلب الدال تاء؛ لأنّ الدال حرف مجهور، والتاء مهموسة، والمجهور أقوى في اللفظ من المهموس. انتهى. مكي بن أبي طالب القيسي بتصرف.","vol":"7","page":757},{"text":"الإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يعتبرهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿فاكِهَةٌ﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا. وبعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿فاكِهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بالجملة: ﴿عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ من أوجه. ﴿وَلَهُمْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ولهم الذي، أو: شيء يدعونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: ولهم ادعاؤهم. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3763\"></span>﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿سَلامٌ..﴾. إلخ: يعني: سلم الله ﷿ عليهم. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما أهل الجنة في نعيمهم؛ إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم فإذا الرّبّ ﷿ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السّلام عليكم يا أهل الجنة! فذلك قوله ﷿: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم، ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم». أخرجه ابن أبي حاتم، قال ابن كثير: وفي إسناده نظر، ورواه ابن ماجة في كتاب السنة من سننه.\nوقيل: تسلم الملائكة عليهم من ربهم. وقيل: تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب، يقولون: سلام عليكم من ربكم الرحيم، وهذا صريح قوله تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وقال تعالى في الآية رقم [١٠] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾. وقال تعالى في الآية رقم [٤٤] من سورة (الأحزاب): ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾.\nالإعراب: ﴿سَلامٌ:﴾ بدل من ﴿ما﴾ في الآية السابقة، والتقدير: ولهم سلام. ويجوز أن يكون صفة ثانية لها، على اعتبارها موصوفة، التقدير: ولهم شيء يدعونه مسلّم. ويجوز أن يكون خبرا لها، و(لهم) ظرف ملغى. هذا؛ وقرأ ابن مسعود، وأبيّ وغيرهما: (سلاما) بالنصب، وعليه فهو مفعول مطلق، عامله محذوف. أو: هو حال في معنى مسلّما، أو: ذا سلامة، وصاحب: الحال ما، أو «من» العائد عليها المحذوف. هذا؛ وزيد في قراءته بالرفع","vol":"7","page":758},{"text":"اعتباره خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو سلام، واعتباره مبتدأ خبره الناصب ل: ﴿قَوْلًا،﴾ أي ﴿سَلامٌ﴾ يقال لهم ﴿قَوْلًا﴾. وقيل: تقديره: سلام عليكم، واعتباره مبتدأ وخبره: ﴿مِنْ رَبٍّ﴾. انتهى. جمل نقلا عن السمين، وانفرد الجلال باعتباره مبتدأ خبره: ﴿قَوْلًا،﴾ تقديره:\nسلام بالقول، فاعتبر ﴿قَوْلًا﴾ منصوبا ينزع الخافض. ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول مطلق فعله محذوف، التقدير: يقولونه قولا يوم القيامة، أو قال الله تعالى ذلك قولا، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معترضة. ﴿مِنْ رَبٍّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَوْلًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، أو متعلقان بمحذوف خبر سلام على وجه مر ذكره. ﴿رَحِيمٍ:﴾ صفة: ﴿رَبٍّ﴾.\n\n<span id=\"aya-3764\"></span>﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿وَامْتازُوا..﴾. إلخ: أي: يقال لهم: اعتزلوا، وانفردوا، وتميزوا اليوم من المؤمنين الصالحين، وكونوا على حدة. وقيل: إن لكل كافر في النار بيتا، فيدخل ذلك البيت، ويردم بابه، فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى، ولا يرى، فعلى هذا القول يمتاز بعضهم عن بعضهم. انتهى. خازن. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. وقال داود بن الجراح:\nيمتاز المسلمون من الكافرين؛ إلا أصحاب الأهواء، فيكونون مع المجرمين.\nوقد ذكر هذا التمييز، والتفريق بين المؤمنين، والكافرين في كثير من الآيات. خذ قوله تعالى في الآية رقم [٢٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾. وقال تعالى في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم):\n ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾.\nهذا؛ وفي المنجد الناقل عن القاموس قوله: ماز، يميز، وميّز، وأماز الشيء: فرزه عن غيره، والشيء: فضلّه عن سواه. وتميّز، وانماز انميازا، وامتاز امتيازا، واستماز استمازة:\nانفصل عن غيره وانعزل. وتميّز فلان من الغيظ: تقطع، وامتاز القوم: تميّز بعضهم من بعض.\nهذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٧٩] ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. وقال ﷿ في سورة (الأنفال) رقم [٣٧]: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ..﴾. وقال تعالت حكمته في سورة (الملك) رقم [٨]: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ..﴾. إلخ.\nتنبيه: المراد ب: المجرمين في هذه الآية: الكافرون، وكثيرا ما يعبر القرآن الكريم عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، والكاذبين... إلخ، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر،","vol":"7","page":759},{"text":"وهم أحق بذلك؛ لا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم من رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\nالإعراب: ﴿وَامْتازُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (امتازوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿أَيُّهَا:﴾ منادى نكرة مقصودة، حذف منها أداة النداء، مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء المحذوفة، و(ها):\nحرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ صفة: (أيّ) لأنه مشتق. ويجوز اعتباره بدلا من (أيّ)، أو عطف بيان عليه، فهو مرفوع تبعا للفظ، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فيقال للكافرين: امتازوا، وهذه الجملة معطوفة على ما يقال لأصحاب الجنة، وما أعد لهم من النعيم المقيم، والخير العميم، وذلك من باب المقارنة، والمقابلة؛ التي رأيتها في الآية رقم [٥٥].\n\n<span id=\"aya-3765\"></span>﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي..﴾. إلخ: العهد: الوصية، وعهد إليه: إذا وصاه، وعهد الله إليهم: ما ركزه فيهم من الأدلة العقلية، والحجج السمعية، الآمرة بعبادته، الزاجرة عن عبادة غيره. واعتبر طاعة الشيطان عبادة له؛ لأنه الآمر بالكفر، وعبادة غير الله تعالى. هذا؛ وهناك عهد قديم أزلي أخذه على بني آدم؛ وهم في عالم الذر أن يعبدوه، ولا يشركوا به. خذ قوله تعالى في الآية رقم [١٧٢] من سورة (الأعراف): ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ وهذا الكلام من جملة ما يقال للكافرين يوم القيامة على سبيل التقريع، والتوبيخ، والإلزام للحجة.\nهذا؛ و(عدو) ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان من هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوّة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فقد عبر به عن مفرد، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ فقد عبر به عن جمع، ومثل ذلك صديق. وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي «القاموس المحيط»: والعدا (بالضم، والكسر) اسم الجمع. هذا، وسمي العدو عدوا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك، كما سمي الصديق صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبة. هذا؛ والعبادة: غاية التذلّل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى؛ ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى.\nوقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على","vol":"7","page":760},{"text":"المفقود، وعن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: «أنا، والإنس، والجنّ في نبأ عظيم، أخلق؛ ويعبد غيري، وأرزق؛ ويشكر غيري».\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَعْهَدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (يا): أداة نداء، تنوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(بني) مضاف، و: ﴿آدَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير لسبقه بجملة فيها معنى القول دون حروفه، أو هي مصدرية ناصبة. ﴿لا:﴾ ناهية على التفسير، ونافية على اعتبار ﴿أَنْ﴾ ناصبة. ﴿تَعْبُدُوا:﴾\nمجزوم ب: ﴿لا،﴾ أو منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار ﴿أَنْ﴾ مفسرة؛ فالجملة الفعلية لا محل لها، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن لا تعبدوا. والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَعْهَدْ﴾. ﴿الشَّيْطانَ:﴾\nمفعول به. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُبِينٌ،﴾ أو ب: ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر (إن). ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة. والجملة الاسمية تعليل لما قبلها. والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فيقول الله: ألم أعهد... إلخ.\n\n<span id=\"aya-3766\"></span>﴿وَأَنِ اُعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي:﴾ خصوني بالعبادة. ﴿هذا:﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان، وطاعة الرحمن؛ إذ لا صراط أقوم منه. ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ:﴾ ففي التنكير معنى (الصراط) بليغ في بابه؛ بليغ في استقامته، جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه. ويجوز أن يراد: هذا بعض الصراط المستقيمة، توبيخا لهم على العدول عنه، والتفادي عن سلوكه، كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج، الذي يؤدي إلى الضلالة، والتهلكة. انتهى. كشاف بحروفه.\nالإعراب: ﴿وَأَنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿اُعْبُدُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿هذا:﴾ مبتدأ. ﴿صِراطٌ:﴾ خبره. ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ صفة له. والجملة الاسمية مستأنفة، وفيها معنى التعليل، وهي من جملة مقول القول المقدر.","vol":"7","page":761},{"text":"<span id=\"aya-3767\"></span>﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ:﴾ أخرج الشيطان عن طريق الحق، وأغوى ﴿مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا﴾ أي:\nخلقا كثيرا، وجموعا كثيرة، ففيه خمس قراءات. هذا؛ والجبلة: الخليقة. قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٨٤]: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تعرفون عداوته، وتعلمون: أن الواجب طاعة الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه؟، أو المعنى: أفما كان لكم عقل يردعكم عن طاعة الشيطان، ومخالفة أمر ربكم؟! وهو توبيخ، وتقريع آخر للكفرة الفجار.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو أقسم والله، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف. وبعضهم يقول: موطئة للقسم، والموطئة معناها:\nالمؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على: «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر) افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد إن شاء الله تعالى.\nفإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم! فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى:\n ﴿وَالضُّحى﴾. ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ...،﴾ فإنه التقدير: ورب الضحى، ورب السماء إلخ. الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم) وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الشيطان، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية ﴿(لَقَدْ أَضَلَّ...)﴾ إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿مِنْكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جِبِلاًّ:﴾ مفعول به. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة له. ﴿أَفَلَمْ:﴾","vol":"7","page":762},{"text":"الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف عطف على محذوف، أو هي حرف استئناف.\n (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿تَكُونُوا﴾. والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، أو هي مستأنفة، وهي من جملة مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3768\"></span><span id=\"aya-3769\"></span>﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: تقول لهم خزنة جهنم: هذه جهنم التي وعدتم، فكذبتم بها، فذوقوا حرها بسبب كفركم في الدنيا، وهو أمر إهانة وتحقير لهم، وهو كقوله تعالى في سورة الطور: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ،﴾ فقد روي عن أبي هريرة﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله الإنس والجنّ والأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثمّ أشرف عنق من النّار على الخلائق، فأحاط بهم، ثمّ ينادي مناد: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ..﴾. إلخ فحينئذ تجثو الأمم على ركبها، وتضع كلّ ذات حمل حملها، وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد».\nهذا؛ وفي المصباح المنير: صلي بالنار، وصليها صلى من باب: تعب: وجد حرها.\nوالصّلاء وزان كتاب: حر النار. وصليت اللحم أصليه من باب: رمى: شويته. وقال الجوهري:\nيقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها. فإن ألقيته فيها إلقاء، كأنك تريد الإحراق؛ قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية. ويقال: أيضا: صلي بالأمر: إذا قاس حره، وشدته. واصطليت بالنار، وتصلّيت بها: إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق.\nالإعراب: ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول المحذوف. انظر الشرح. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿جَهَنَّمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والثاني محذوف، وهو عائد الموصول، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اِصْلَوْهَا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا.\n ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤول مع","vol":"7","page":763},{"text":"ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: بسبب كفركم. واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة هنا لا يؤيده المعنى. ﴿كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق بينهما.\n\n<span id=\"aya-3770\"></span>﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ:﴾ نمنعها من الكلام ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ﴾ تنطق أيديهم بما عملت من سيئات في الدنيا. ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الأعمال السيئة.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (النور) رقم [٢٤]: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ،﴾ وقال جل ذكره في الآية رقم [٢٠] من سورة (فصلت): ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقد قال ابن كثير: هذا حال الكفار، والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت، فقد روى مسلم﵀في صحيحه عن أنس بن مالك﵁قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون ممّ أضحك؟». قلنا: الله ورسوله أعلم، قال:\n «من مخاطبة العبد ربّه يوم القيامة، يقول: ربّ ألم تجرني من الظّلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز عليّ إلاّ شاهدا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم الله على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ وسحقا! فعنكنّ كنت أناضل». قال تعالى في سورة (فصلت) مبينا ما يقولونه لجوارحهم: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nوفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة، ﵁، وهو حديث القيامة الطويل، وفيه:\nثم يقال له: «الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه، من ذا الّذي يشهد عليه؟ فيختم الله على فيه، ويقال لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي! فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه. وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه». انتهى. قرطبي وابن كثير.\nثم قيل: في سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم قالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم؛ حتى نطقت جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري، ﵁.\nالثاني: ليعرفهم أهل الموقف، فيتميزون منهم. قاله ابن زياد. الثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق، لخروجه مخرج الإعجاز، وإن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز.\nالرابع: ليعلم: أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه، صارت عليه شهودا في حق ربه.","vol":"7","page":764},{"text":"فإن قيل: لم قال: ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ فيجعل ما كان من اليد كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله، والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال، أو فعل، فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل بالشهادة. انتهى. قرطبي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿نَخْتِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن». ﴿عَلى أَفْواهِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (تكلمنا): فعل مضارع، و(نا): مفعول به. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿(تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ)﴾ معطوفة عليها، لا محل لها أيضا.\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء كانوا يكسبونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ في محل نصب خبرها.\n\n<span id=\"aya-3771\"></span>﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ أي: لو نشاء لأعميناهم، فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في منازلهم، ولا غيرها. وقال ابن عباس﵄-: المعنى: لأعميناهم عن الهدى، فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق، انتهى. فيكون في الكلام استعارة. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ:﴾ فاستبقوا الطريق الذي اعتادوا سلوكه؛ ليجوزوا. ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ:﴾ فكيف، أو:\nمن أين يبصرون وجهة السلوك في الطريق، والحال طمسنا أعينهم وأعميناهم عنه؟!\nوقال عطاء، ومقاتل، وقتادة، وروي عن ابن عباس﵃-: ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم، وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فاهتدوا وأبصروا رشدهم، وبادروا إلى طريق الآخرة، ولكننا لم نفعل ذلك بهم، فكيف يهتدون، وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية؟! انتهى. قرطبي.\nوفيه أيضا، ما روي عن عبد الله بن سلام﵁في تأويل هذه الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها في يوم القيامة، وقال: إذا كان يوم القيامة، ومدّ الصراط؛ نادى مناد: ليقم محمد ﷺ وأمته، فيقومون برّهم، وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجارهم، فاستبقوا الصراط، فمن أين يبصرونه، حتى يجاوزوه؟! ثم ينادي مناد، ليقم","vol":"7","page":765},{"text":"عيسى ﷺ وأمته، فيقوم، فيتبعونه برّهم، وفاجرهم، فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء، ﵈. هذا؛ والمطموس، والطميس عند أهل اللغة: الأعمى الذي ليس في عينيه شق، والفعل يأتي من الباب الأول، والثاني. انتهى. وأعتمد القول الأول، فإنه هو الظاهر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿نَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، تقديره: لو نشاء الطمس. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لَطَمَسْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب لو. (طمسنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلى أَعْيُنِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، ولو ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَاسْتَبَقُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (استبقوا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصِّراطَ:﴾ منصوب بنزع الخافض، أو هو مفعول به على تضمين الفعل معنى المبادرة، أفاده ابن هشام في المغني. والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر.\n (أنى): اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يُبْصِرُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا طمسنا أعينهم؛ فكيف يبصرون طريقهم؟! والجملة الشرطية هذه معطوفة على (لو) ومدخولها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3772\"></span>﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ:﴾ المسخ: تبديل الخلقة، وقلبها حجرا، أو جمادا، أو بهيمة، ومسخ أقوام من اليهود قردة وخنازير، كما رأيت في الآية رقم [١٦٢] من سورة (الأعراف) وما بعدها. ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ:﴾ على مكاناتهم. قال الحسن: المعنى: لو نشاء لأقعدناهم، فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم، ولا يرجعوا وراءهم، وكذلك الجماد لا يتقدم، ولا يتأخر. ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا:﴾ ذهابا، وسيرا. ﴿وَلا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يستطيعون رجوعا إلى الوراء بسبب مسخهم بشيء مما ذكر.\nوالمعنى: أنهم بكفرهم، ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن يفعل بهم ذلك، لكنّا لم نفعل لشمول الرحمة لهم، واقتضاء الحكمة إمهالهم. وهذا تهديد، ووعيد لأهل مكة. والمراد به في هذه الدنيا. وانظر ما اعتمدته في الآية الأولى.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ:﴾ الإعراب مثل الآية السابقة بلا فارق. ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ:﴾ متعلقان في محل نصب حال من الضمير المنصوب؛ إذ المعنى لمسخناهم على","vol":"7","page":766},{"text":"حالتهم، فهم ممسوخون في محالهم، وفي منازلهم. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية.\n ﴿اِسْتَطاعُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مُضِيًّا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾\nمضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿مُضِيًّا﴾. انظر التقدير في الشرح. وخذ قول الفرزدق، وهو عكس ما في الآية الكريمة: [الطويل] ألم ترني عاهدت ربّي وإنّني... لبين رتاج قائما ومقام\nعلى حلفة لا أشتم الدهر مسلما... ولا خارجا من فيّ زور كلام\nفإن التقدير: لا شاتما مسلما، ولا خارجا إلخ، وهذا هو الشاهد، رقم (٧٥٥) من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب».\n\n<span id=\"aya-3773\"></span>﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ:﴾ نطل عمره. ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ:﴾ من نكست الشيء، أنكسه نكسا: قلبته على رأسه، فانتكس. قال قتادة: المعنى: أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا. انتهى. ومن المشاهد أن الإنسان إذا طال عمره؛ ردّ إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، والنقص بعد الزيادة، قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٥٤]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾. وقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ الآية رقم [٧٠] من سورة (النحل). وانظر الآية رقم [٥] من سورة (الحج) قال الشاعر الحكيم: [البسيط] من عاش أخلقت الأيام جدّته... وخانه ثقتاه السّمع والبصر\nوالمراد من هذا كله الإخبار عن هذه الدار، بأنها دار زوال، وانتقال، لا دار دوام، واستقرار. ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي: يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم صيرورتهم إلى سنّ الكهولة، ثم إلى سنّ الشيبة، ثم إلى سنّ الشيخوخة، ليعلموا: أنهم خلقوا لدار أخرى، لا زوال لها، ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، هي الدار الآخرة، وفي ذلك دليل أيضا على قدرة الله تعالى؛ الذي لو شاء؛ طمس على أعينهم، أو مسخهم على مكانتهم، وقادر أيضا على أن يعيدهم بعد موتهم من قبورهم. هذا؛ وقرئ: «(ننكسه)»، وقرئ: «(تعقلون)».\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نُعَمِّرْهُ:﴾ فعل مضارع فعل شرط. والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿نُنَكِّسْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول","vol":"7","page":767},{"text":"به، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب.\nوقيل: هو الجملتان، وهو المرجح عند المعاصرين. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية.\n ﴿يَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3774\"></span>﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ:﴾ الضمير منصوب مراد منه النبي ﷺ. وفيه رد على كفار قريش الذين كانوا يقولون: إن محمدا شاعر، وإن القرآن شعر، والمعنى: وما علمنا محمدا ﷺ قول الشعراء، أو وما علمناه بتعليم القرآن الشعر. على معنى: أن القرآن ليس بشعر، فالشعر:\nكلام موزون مقفّى يدل على معنى، فأين الوزن وأين التقفية في القرآن الكريم؟ فلا مناسبة بينه، وبين الشعر في وجه من الوجوه؛ إذا تأملته وحققته.\n ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: وما يليق به، وما يصلح منه، ولا يسهل له ذلك لو أراد نظم الشعر، ولا يتأتى منه له ذلك، كما جعلناه أميا، لا يقرأ، ولا يكتب، لتكون الحجة أثبت، والشبهة أدحض، قال العلماء: ما كان يتزن له ﷺ بيت شعر، وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا، كما روي عن الحسن البصري: أن النبي ﷺ كان يتمثل بقول سحيم بن وثيل الرياحي، فيقول: [الطويل] كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا\nفقال الصديق﵁-: يا نبي الله إنما قال الشاعر: [الطويل] عميرة ودّع إن تجهّزت غازيا... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا\nفأعاد ﷺ الشطر الثاني مثل قوله الأول، ففطن الصديق لذلك، وقال: أشهد أنك رسول الله، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ..﴾. إلخ، وعن عائشة﵂قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة: [الطويل] ... ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد\nأخرجه الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، وهو من معلقته رقم [١١١] وهو بتمامه كما يلي: [الطويل] ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد\nهذا؛ وما ثبت من قوله ﷺ يوم حنين، وهو راكب بغلته يتقدم بها في نحور العدو: [الرجز] أنا النبيّ لا كذب... أنا ابن عبد المطّلب","vol":"7","page":768},{"text":"ومن قوله ﷺ حين أصابه حجر، فنكبت إصبعه: [الرجز] هل أنت إلاّ إصبع دميت... وفي سبيل الله ما لقيت\nأخرجه البخاري، ومسلم من حديث جندب بن عبد الله ﵁، ولهما أيضا من حديث أنس﵁-: أن النبي ﷺ قال: [الرجز] اللهمّ إن العيش عيش الآخرة... فأكرم الأنصار والمهاجرة\nفهذا كله من كلامه ﷺ، الذي نطق به من غير صنعة فيه، ولا تكلف له، إلا أنه اتفق له من غير قصد إليه، وإن جاء موزونا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم، ورسائلهم ومحاوراتهم كلام موزون، يدخل في وزن البحور.\n ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿إِلاّ ذِكْرٌ:﴾ من الله تعالى يعظ به الإنس، والجن، وليس بشعر؛ لأنه ليس على أساليب الشعر، ولا يدخل في بحوره. ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أي: إنه كتاب سماوي يقرأ في المحاريب، ويتلى في المساجد، وأماكن العبادة، وينال بتلاوته الثواب، ورفيع الدرجات، وفيه بيان الحدود، والأحكام، وبيان الحلال والحرام، فكم من فرق بينه وبين الشعر، الذي هو من همزات الشياطين، وأقاويل الشعراء الكذابين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢٥] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿عَلَّمْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿الشِّعْرَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَنْبَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.\nوالفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿الشِّعْرَ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى:\n «ما». ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ذِكْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَقُرْآنٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (قرآن): معطوف على ما قبله. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3775\"></span>﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿لِيُنْذِرَ:﴾ الضمير إلى القرآن. وقيل: إلى الرسول ﷺ، ويؤيده أنه قرئ بالتاء.\n ﴿مَنْ كانَ حَيًّا:﴾ عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنا في علم الله تعالى. فإن الحياة الأبدية بالإيمان، وتخصيص الإنذار به؛ لأنه المنتفع به، والكافر كالميت الذي لا يتدبر، ولا يتفكر، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ..﴾. إلخ رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام). ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾","vol":"7","page":769},{"text":"أي: ويجب كلمة العذاب على الكافرين المصرين على الكفر. و﴿الْقَوْلُ﴾ هو قوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٣]: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\nهذا؛ وقد جعل الله الكافرين في مقابلة من كان حيا إشعارا بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم، وعدم تأملهم أموات في الحقيقة.\nالإعراب: ﴿لِيُنْذِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى القرآن، أو إلى النبي ﷺ، حسب ما رأيت في الشرح، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أنزل عليه الذكر للإنذار. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. واسمه يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، أو الرابط.\n ﴿حَيًّا:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها. ﴿وَيَحِقَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (يحق): فعل مضارع معطوف على (ينذر) منصوب مثله. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n\n<span id=\"aya-3776\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: ويتفكروا، ويعتبروا، والمراد: أهل مكة، وغيرهم. ﴿أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ أي: لأجلهم، وانتفاعهم. ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ أي: مما تولينا خلقه وإحداثه، ولم يقدر على إحداثه غيرنا. وذكر الأيدي، وإسناد العمل إليها استعارة تمثيلية، تفيد مبالغة في الاختصاص، والتفرد بالإحداث. ويجوز أن يكون من المجاز المتفرع على الكناية بأن يكنى عن الإيجاد بعمل الأيدي، فيمن له ذلك، ثم بعد الشيوع يستعمل لغيره. ويجوز أن يكون المعنى: علمناه بقوتنا، وقدرتنا. فعبر عن ذلك بالأيدي. انظر ما ذكرته في سورة (ص) رقم [١٧]، والأنعام واحده النعم، وهو يطلق في الأصل على المأكول من الحيوانات. وقيل: يطلق على الإبل خاصة، فيكون الجمع هنا من باب التغليب، غلب المأكول على غيره، أو غلب الإبل على غيرها من المأكول وغيره، والأنعام تؤنث كما في هذه الآية، فإن الأنعام جمع كما رأيت؛ ولذلك عده سيبويه-رحمه الله تعالى-في المفردات المبنية على أفعال، كأخلاق، وذكّر في قوله تعالى في الآية رقم [٦٦] من سورة (النحل): ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وخص الأنعام بالذكر من بين المخلوقات؛ لأنها أكثر أموال العرب، والنفع بها أعم.\n ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ أي: فهم فيها متصرفون تصرف الملاك بالانتفاع فيها لا يزاحمون، أو فهم لها ضابطون قاهرون. قال الربيع بن منيع الذي عمر طويلا: [المنسرح] أصبحت لا أملك السلاح ولا... أملك رأس البعير إن نفرا","vol":"7","page":770},{"text":"أي: لا أضبط البعير إن نفر. وهذا من جملة النعم الظاهرة، وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليل الله لها وتسخيرها لابن آدم، كما قال «كثير عزة» من قصيدة قالها لعبد الملك بن مروان حينما احتقره، وقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه: [الوافر] وقد عظم البعير بغير لبّ... فلم يستغن بالعظم البعير\nيصرّفه الصبيّ بكلّ وجه... ويحبسه على الخسف الجرير\nوتضربه الوليدة بالهراوي... فلا غير لديه ولا نكير\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الواو: عاطفة على محذوف، التقدير: ألم يتفكروا، أو: ألم يلاحظوا، ولم يروا. وقال الجلال: عاطفة على قوله تعالى:\n ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ الآية رقم [٣١] وفيه بعد لا يخفى. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿أَنْعامًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وما تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول فهي: مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: من الذي عملته أيدينا، وعلى الثاني تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من عمل أيدينا، والأول أقوى معنى، تأمل. ﴿عَمِلَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِينا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وجملة: ﴿خَلَقْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد المفعول به. ﴿أَنْعامًا:﴾ مفعول به ل: ﴿خَلَقْنا﴾. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مالِكُونَ:﴾ خبر المبتدأ.\nوالجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3777\"></span>﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ:﴾ سخرناها لهم؛ حتى يقود الصبي الصغير الجمل العظيم، ويضربه، ويصرفه كيف شاء، لا يخرج عن طاعته. ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ أي: مركوبهم، وقرئ:\n «(مركوبتهم)»، والركوب، والركوبة واحد، مثل: الحلوب، والحلوبة، والحمول، والحمولة،","vol":"7","page":771},{"text":"وحكى الكوفيون: أن العرب تقول: امرأة صبور، وشكور بغير هاء، ويقولون: شاة حلوبة، وناقة ركوبة؛ لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل، وبين ما كان الفعل واقعا عليه، فحذفوا الهاء مما كان فاعلا، وأثبتوها فيما كان مفعولا، كما قال عنترة بن شداد: [الكامل] فيها اثنتان وأربعون حلوبة... سودا كخافية الغراب الأسود\nفيجب أن يكون على هذا: (ركوبتهم). فأما البصريون، فيقولون: حذفت الهاء على النسب.\nوالحجة للقول الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة، قال: الركوبة تكون للواحد، والجماعة، والركوب لا يكون إلا للجماعة، فعلى هذا يكون لتذكير الجميع. وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في (مرضع) في الآية رقم [٢] من سورة (الحج)، وما ذكرته في ﴿عاقِرًا﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ أي: من لحومها.\nالإعراب: ﴿وَذَلَّلْناها:﴾ الواو: حرف عطف. (ذللناها): فعل، وفاعل، ومفعول به.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَمِنْها:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (منها): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رَكُوبُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَمِنْها:﴾ الواو: حرف عطف. (منها): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3778\"></span>﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ:﴾ من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها، وشحومها، ولحومها، وجلودها، والحرث عليها، وغير ذلك. ﴿وَمَشارِبُ﴾ يعني: ألبانها، جمع: مشرب، مصدر، أو اسم مكان. فيكون المراد: ضروعها، التي فيها اللبن. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ:﴾ الله الذي سخر لهم ما ذكر من الحيوانات على اختلاف أجناسها، وتنوع منافعها.\nهذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. انظر شرح هذه الآيات هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بما بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿مَنافِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة","vol":"7","page":772},{"text":"الاسمية معطوفة على ما قبلها. لا محل لها أيضا. ﴿وَمَشارِبُ:﴾ معطوف على ما قبله، ولم يدخلهما التنوين؛ لأنهما صيغتا منتهى الجموع. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ:﴾ مثل: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ في الآية رقم [٦٨].\n\n<span id=\"aya-3779\"></span>﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ أي: بعد أن رأوا هذه الآيات، الدالة على قدرته تعالى اتخذوا آلهة من الحجارة، لا قدرة لها على فعل أي شيء. وفي ذلك توبيخ شديد، وتقريع أليم للكفرة، والمشركين من أهل مكة، ومن لف لفهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لما يرجون من نصرتها لهم إن نزل بهم عذاب، أو أحاط بهم بلاء، وهيهات هيهات أن ينصروا!.\nالإعراب: ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتخذوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً﴾. كان صفة له إلخ. وقيل: هما في محل نصب مفعوله الثاني. و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليل لاتخاذهم آلهة من دون الله. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأنّ الرجاء إنشاء.\n<span id=\"aya-3780\"></span>﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: لا تستطيع الآلهة المزعومة نصرهم بحال من الأحوال، لا بنصرة، ولا بشفاعة؛ بل هي أضعف من ذلك، وأقل، وأذل، وأحقر، وأدحر؛ بل لا تقدر على نصر نفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جمادات لا تسمع، ولا تعقل، وما فعله إبراهيم الخليل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من تكسيرها، وتحطيمها أكبر شاهد على ذلك. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: أي هؤلاء المشركون كالجند، والخدم لأصنامهم في التعصب لها، والذب عنهم، وفدائها بالمال، والروح، وهي لا تسوق لهم خيرا، ولا تدفع عنهما شرا في الدنيا، ولا في الآخرة.\nوقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: يعني: عند الحساب. يريد: أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة محضرة عند الحساب عابديها، ليكون ذلك أبلغ في حزنهم، وخيبتهم، وأدل في إقامة الحجة عليهم. وانظر جمع ما لا يعقل جمع المذكر السالم في الآية رقم [٤٠].","vol":"7","page":773},{"text":"وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطّلع عليهم ربّ العالمين، فيقول: ألا ليتبع كلّ إنسان ما كان يعبد، فيمثّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون... إلخ». الحديث، وأخرجه الترمذي بطوله، ومعناه ثبت في صحيح مسلم. هذا؛ وفي كتاب: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري أحاديث كثيرة من هذا النوع.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿نَصْرَهُمْ:﴾ مفعول به.\nوالهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله، أو من مفعوله حسب ما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\nوقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿جُنْدٌ﴾. ﴿جُنْدٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ صفة له مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو الضمير، وهي حال متداخلة.\n\n<span id=\"aya-3781\"></span>﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي: لا يهمك، ولا يغمك، ولا يخوفك كفرهم، وتهديدهم، ووعيدهم، والخطاب للنبي ﷺ. هذا؛ ويقرأ الفعل بفتح الياء من الثلاثي، وبضمها من الرباعي، والمعنى واحد، والأول من باب: قتل، وهو لغة قريش، والرباعي لغة تميم، وهو متعدّ على اللغتين، مثل: سلكه، وأسلكه. قاله اليزيدي. هذا؛ و(حزن) بكسر الزاي من باب: فرح لازم.\nهذا؛ و﴿قَوْلُهُمْ﴾ هو ما كانوا يصفون به النبي ﷺ: إنك شاعر، أو ساحر، أو كاهن، أو مجنون. وأيضا: استهزاؤهم، وتهكمهم به ﷺ. ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أي: يخفون في صدورهم من الكيد، وعداوتهم، وتكذيبهم. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي: يظهرونه من أقوالهم، وأفعالهم، وعبادة الأصنام، وغير ذلك.\nتنبيه: النهي للنبي ﷺ في هذه الآية ليس على ظاهره، وليس إثباتا لحزنه بذلك، وإنما هو على سبيل الفرض، والتقدير، كما في قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ وقوله ﷿:\n ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ،﴾ وقوله جلت قدرته، وتعالت حكمته: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ..﴾.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إن علمت ما تقدم منهم؛ فلا يحزنك إلخ. (لا): ناهية. ﴿يَحْزُنْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والكاف مفعول به. ﴿قَوْلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من: إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه","vol":"7","page":774},{"text":"بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿نَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: نعلم الذي، أو: شيئا يسرّونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: نعلم سرهم. والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للنهي، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، ولا يتوهم متوهم: أن الجملة من مقول المشركين، فيحصل في الكلام تناقض، ولذا فالوقف على: (قولهم) واجب، ومثل هذه الآية آية سورة (يونس)، رقم [٦٥]. وقد قرئ هناك بفتح همزة (أنّ) وعليه فتؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر تعليل محذوف، وعليه: فلا يجب الوقف على:\n (قولهم). ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-3782\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ﴾ أي: أو لم ينظر الإنسان نظر تبصر، واعتبار. ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: من نطفة قذرة خسيسة مذرة خارجة من الإحليل؛ الذي هو قناة النجاسة. والمراد بالإنسان: الكافر الذي ينكر قدرة الله على بعثه، وحشره للحساب، والجزاء، وهو أبيّ بن خلف الجمحي، كما ستعرفه. ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ:﴾ شديد الخصومة، فهو على مهانة أصله، ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه، وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ الآية رقم [٢٠] من سورة المرسلات. وقال تعالى في سورة (الدهر) رقم [٢]: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ﴾ أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة؛ أليس بقادر على إعادته بعد موته؟! بلى! وأنا على ذلك من الشاهدين.\nروى الإمام أحمد في مسنده عن بشر بن جحاش﵁قال: إن رسول الله ﷺ بصق يوما في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: ابن آدم أنّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سوّيتك، وعدّلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد، فجمعت، ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنّى أوان الصدقة؟!».\nأخرجه الإمام أحمد. ورواه ابن ماجة في سننه.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ:﴾ انظر الآية رقم [٧١]، فالإعراب مثله بلا فارق.\n ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] فالإعراب واحد.","vol":"7","page":775},{"text":"<span id=\"aya-3783\"></span>﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾\nالشرح: قال مجاهد، وعكرمة: جاء أبيّ بن خلف الجمحي-لعنه الله تعالى-إلى رسول الله ﷺ، وفي يده عظم بال، وهو يفته بيده، ويذره في الهواء، وهو يقول: يا محمد! أتزعم أن الله يبعث هذا؟! فقال النبي ﷺ: «نعم يميتك الله تعالى، ثمّ يبعثك، ثمّ يحشرك إلى النّار». فنزل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ..﴾. إلخ إلى آخر السورة.\nفقد استبعد اللعين إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة للأجساد، والعظام الرميمة، ونسي نفسه وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده، وأنكره وجحده. انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ و(الرميم) اسم لما بلي من العظام غير صفة، كالرمة، والرفات، فلا يقال: لم لم يؤنث؟ وقد وقع خبرا لمؤنث، ولا هو فعيل بمعنى فاعل، أو مفعول. ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام، ويقول: إن عظام الميتة نجسة؛ لأن الموت يؤثر فيها من جهة أن الحياة تحلها، وهو قول الشافعية. وأما الحنفية فهي عندهم طاهرة، وكذلك الشعر، والعصب، ويزعمون: أن الحياة لا تحلها، فلا يؤثر فيها الموت، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس. انتهى. كشاف. هذا؛ وقال البيضاوي: والرميم: ما بلي من العظام، ولعله فعيل بمعنى فاعل من: رم الشيء، صار اسما بالغلبة، ولذلك لم يؤنث، أو بمعنى مفعول من رممته. انتهى. والنسفي قال بقول الزمخشري، وكلاهما قد أخذا تفسيرهما من الكشاف. هذا؛ والرميم: الهالك البالي، قال جرير يرثي ابنه: [البسيط] تركتني حين كفّ الدّهر من بصري... وإذ بقيت كعظم الرّمّة البالي\nوأصل الكلمة من: رم العظم: إذا بلي، تقول منه: رم العظم، يرم بالكسر، رمّة، فهو رميم، قال الشاعر: [الكامل] ورأى عواقب خلف ذاك مذمّة... تبقى عليه والعظام رميم\nوخذ قول الآخر، وهو الشاهد رقم [٢١٠] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه... على ما تجلّى يومه لا ابن أمسه\nوما الفخر بالعظم الرميم وإنّما... فخار الّذي يبني الفخار بنفسه\nالإعراب: ﴿وَضَرَبَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ضرب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الإنسان. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَثَلًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية","vol":"7","page":776},{"text":"معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾ أيضا. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿الْعَظْمُ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الاسمية:\n ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ في محل نصب حال من ﴿الْعَظْمُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مفسرة لقوله ﴿مَثَلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-3784\"></span>﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ؛ أي: قل يا محمد لهذا الكافر المعاند الذي ينكر إحياء العظام البالية: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: ابتدأ خلقها، وهي نطفة. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض، وأرجائها: أين ذهبت، وأين تفرقت، وكيف تمزقت؟ وخذ ما يلي:\nقال الإمام أحمد: قال عقبة بن عمرو لحذيفة﵄-: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ؟ فقال: سمعته ﷺ يقول: «إن رجلا حضره الموت، فلما أيس من الحياة؛ أوصى أهله إذا أنا متّ؛ فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا، ثم أوقدوا فيه نارا، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فامتحشت فخذوها فدقوها، فذرّوها في اليم. ففعلوا، فجمعه الله تعالى إليه، ثم قال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك! فغفر الله ﷿ له».\nوفي الصحيحين بأنه أمر بنيه أن يحرقوه، ثم يسحقوه، ثم يذروا نصفه في البرّ، ونصفه في البحر في يوم رائح (أي: كثير الهواء) ففعلوا ذلك، فأمر الله تعالى البحر، فجمع ما فيه، وأمر البر، فجمع ما فيه، ثم قال له: كن؛ فإذا هو رجل قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك؛ وأنت أعلم، فما تلافاه أن غفر له. انتهى. مختصر ابن كثير. وفي «الترغيب والترهيب» بمعناه، وزاد في الحديثين «لئن قدر الله عليّ ليعذّبني عذابا ما عذّبه أحدا».\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يُحْيِيهَا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و(ها): مفعول به. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿أَنْشَأَها:﴾ فعل ماض، و(ها): مفعول به، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿مَرَّةٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ.\n ﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و(كل) مضاف، و﴿خَلْقٍ﴾ مضاف إليه.","vol":"7","page":777},{"text":"﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-3785\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: المعنى: إن الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء، حتى صار خضرا، نضرا، ذا ثمر، وزهر وورد، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا، توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد، لا يمنعه شيء. وقيل: المراد بذلك شجر المرخ، والعفار، ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار، وليس معه زناد، فيقطع منها غصنين مثل السواكين، وهما خضراوان، يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ-وهو ذكر-على العفار. وهو أنثى، فتنقدح النار بإذن الله كالزناد سواء. وفي المثل: في كل شجر نار، واستمجد المرخ، والعفار. ولقد أحسن القائل: [البسيط] جمع النّقيضين من أسرار قدرته... هذا السّحاب به ماء به نار\nهذا؛ ومن غرائب التفسير ما قيل: المراد بالشجر الأخضر: إبراهيم، والمراد بالنار: نور محمد ﷺ. ﴿فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ أي: تقتبسون الدين. وهو تأويل باطل لنصوص القرآن؛ وإن كان سبكه جميلا، وعبارته لطيفة.\nهذا؛ و(جعل) هنا بمعنى: خلق، وأنشأ، وأوجد، والفرق بين: «خلق» و: «جعل» الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل، فقال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق؛ لأن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إيجاد السموات، والأرض بالخلق.\nالإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدلا من الموصول السابق، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى:\n ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: هما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿مِنَ الشَّجَرِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نارًا﴾ كان صفة له. ﴿الْأَخْضَرِ:﴾ صفة: ﴿الشَّجَرِ﴾. ﴿نارًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَإِذا أَنْتُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُوقِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية خبر المبتدأ.","vol":"7","page":778},{"text":"<span id=\"aya-3786\"></span>﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾\nالشرح: يقرر الله عبادة في هذه الآية الكريمة، ويلفت نظرهم إلى خلق السموات، وما فيها من الكواكب السيارة، والثوابت، والأرضين السبع، وما فيها من جبال، ورمال، وبحار، وقفار، وما بين ذلك. ويرشد خلقه إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء، فهو كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ الآية رقم [٥٧] من سورة (غافر)، وفحوى هذه الآية مثل الآية رقم [٣٣] من سورة (الأحقاف): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ..﴾. إلخ و﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ:﴾ صيغتا مبالغة.\nهذا؛ و﴿بَلى﴾ حرف إثبات لما نفوه من إعادة الأجساد بعد فنائها، وإثبات بأن خلق السموات، والأرض أعظم من إعادتها قطعا، و: «بلى» حرف جواب كنعم، وجير، وأجل، وإي، إلا: أن ﴿بَلى﴾ جواب لنفي متقدم، أي إبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فنقول: بلى أي قد قام، وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى، أي هو قائم، قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى،﴾ قال ابن عباس﵄-: لو قالوا: نعم؛ لكفروا.\nالإعراب: ﴿أَوَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ، الواو: حرف استئناف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع اسم (ليس). ﴿خَلَقَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، والجملة الفعلية، صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِقادِرٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة.\n (قادر): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿أَوَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلى:﴾\nحرف جر. ﴿أَنْ يَخْلُقَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ و﴿أَنْ يَخْلُقَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب (قادر).\n ﴿مِثْلَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب مهمل لا عمل له.\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): مبتدأ. ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ. والجملة الاسمية معطوفة على ما يفيده الإيجاب، أي بلى هو قادر على ذلك، ﴿وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ والكلام بعد: ﴿بَلى﴾ كله مستأنف لا محل له.","vol":"7","page":779},{"text":"<span id=\"aya-3787\"></span>﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ:﴾ شأن الله. ﴿إِذا أَرادَ شَيْئًا﴾ أي: من الأشياء. ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: احدث، فيحدث. وليس المراد حقيقة أمر؛ بل هو تمثيل لما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور والمطيع بلا توقف، فهو سبحانه يأمر بالشيء أمرا واحدا، لا يحتاج إلى تكرار، وتأكيد، كما قيل: [الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول له كن قولة فيكون\nفعن أبي ذر الغفاري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول:\nيا عبادي! كلكم مذنب إلاّ من عافيت، فاستغفروني؛ أغفر لكم، وكلكم فقير إلاّ من أغنيت، إني جواد ماجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئا، فإنما أقول له: كن، فيكون». أخرجه أحمد. وانظر الآية رقم [٤٠] من سورة (النحل) ففيها بحث جيد.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أَمْرُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر قبله. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، وهو متضمن معناه، وساغ ذلك؛ لاختلاف متعلقهما على حد قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾. وقال أبو النجم: [الرجز] أنا أبو النّجم، وشعري شعري... لله درّي ما يجنّ صدري\nوهذا هو الشاهد رقم [٦١٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\n ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام بمعنى احدث، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): فعل مضارع تام مرفوع، وفاعله يعود إلى (شيء). والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة تفصح عنها الفاء، وينسحب عليها الكلام، أي: فنقول ذلك، فيكون، كقوله تعالى: ﴿إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وإما جواب لشرط محذوف؛ أي: فإذا قلنا ذلك؛ فهو يكون. انتهى. جمل. من سورة (النحل). وهذا يفيد: أن الفاء الفصيحة. وقال غيره: الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو يكون، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ: «(يكون)» بالنصب عطفا على:","vol":"7","page":780},{"text":"﴿يَقُولَ﴾ وليست الفاء للسببية؛ لأن لفظ ﴿كُنْ﴾ أمر، ومعناه الخبر عن قدرة الله تعالى؛ إذ ليس ثمّ مأمور بأن يفعل شيئا. أفاده مكي بن أبي طالب القيسي. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ..﴾.\nإلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-3788\"></span>﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي..﴾. إلخ: تنزيه له سبحانه وتعالى عما وصفوه به، وتعجيب مما قالوا في شأنه؛ وهو الحي القيوم؛ الذي بيده مقاليد السموات، والأرض، وإليه ترجع العباد يوم المعاد، فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المنعم المتفضل. ومعنى هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ إلخ، فالملك، والملكوت واحد في المعنى، كرحمة، ورحموت، ورهبة، ورهبوت. ومن الناس من يقول: إن الملك هو عالم الأجساد، والملكوت هو عالم الأرواح. والصحيح الأول، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.\nروى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان﵁قال: قمت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقرأ السبع الطوال في ركعات، وكان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع، قال: «سمع الله لمن حمده، ثم قال: الحمد لله ذي الملكوت، والجبروت، والكبرياء، والعظمة». وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فانصرف، وقد كادت تنكسر رجلاي. أخرجه أحمد، ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي بنحوه.\nوعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁، قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فقام، فقرأ سورة (البقرة) لا يمرّ بآية رحمة إلا وقف، وسأل، ولا يمرّ بآية عذاب، إلا وقف، وتعوّذ.\nقال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة». ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام، فقرأ ب: (آل عمران) ثم قرأ سورة. أخرجه أبو داود في سننه، والترمذي في الشمائل، والنسائي عن عوف بن مالك الأشجعي، ﵁. انتهى. مختصر ابن كثير.\nأقول فحوى ما تقدم يفيد: أن النبي ﷺ كان يطيل القيام في صلاة التهجد، وقد روي بالنص: أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة (البقرة) في الركعة الأولى، و(آل عمران) في الثانية، و(النساء) في الثالثة، و(المائدة) في الرابعة، وكان ركوعه ﷺ، بمقدار خمسين آية، وسجوده بمقدار مائة آية، وحديث عائشة ﵂ يوضح هذا، قالت﵂، وعن أبويها، وهي الخبيرة بتهجده ﷺ-: «كان يقوم من الليل حتّى تتفطّر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا؛ وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك، وما تأخّر؟! قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟». رواه البخاري ومسلم.","vol":"7","page":781},{"text":"الإعراب: ﴿فَسُبْحانَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له. (سبحان):\nمفعول مطلق، فعله محذوف، و: (سبحان) مضاف، و: ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو: لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿بِيَدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مَلَكُوتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه. و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول، ف: ﴿مَلَكُوتُ﴾ يكون فاعلا بمتعلقه، والكلام: ﴿فَسُبْحانَ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له.\n ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\nانتهت سورة (يس)، بحمد الله وتوفيقه، تفسيرا وإعرابا والحمد لله على ما أنعم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"7","page":782},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3555>سورة الصّافّات</span>\nسورة (الصافات) مكية، وهي مئة واثنتان وثمانون آية، وثمانمئة وستون كلمة، وثلاثة آلاف وثمانمئة، وستة وعشرون حرفا، وسميت ب: (الصافات) كناية عن الملائكة، تذكيرا للعباد بالملأ الأعلى من الملائكة الأطهار؛ الذين لا ينفكون عن عبادة الله تعالى؛ الذين قال الله في حقهم:\n ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3789\"></span><span id=\"aya-3790\"></span><span id=\"aya-3791\"></span><span id=\"aya-3792\"></span><span id=\"aya-3793\"></span>﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا (١) فَالزّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ المراد: الملائكة، وهو قول ابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وغيرهم. روى مسلم عن جابر بن سمرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّهم؟». قلنا: وكيف تصفّ الملائكة عند ربهم.؟ قال ﷺ: «يتمّون الصفوف المتقدمة، ويتراصّون في الصّفّ». وقيل:\nالمراد: المجاهدون في سبيل الله؛ الذين يقفون أمام أعداء الله صفوفا متراصّين لا يتزحزحون، ولا يتضعضعون. وقيل: المراد المصلون؛ الذين يصطفون صفوفا في الصلاة. وقيل: المراد الطير؛ التي تصف أجنحتها، كقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾. والمعتمد الأول. والله أعلم.\n ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْرًا:﴾ الزجر: الدفع بقوة، وهو قوة الصوت، وشدته، والمراد: الملائكة التي تزجر السحاب، وتسوقه إلى حيث شاء الله. من: الزجر بمعنى: السوق، والحث. وانظر الآية رقم [١٩] الآتية. ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْرًا:﴾ الملائكة تقرأ كتاب الله، أو المراد: تقرأ آيات الله على أنبيائه، وأوليائه مع ما هم عليه من التسبيح، والتقديس، والتحميد، والتمجيد للإله المجيد الحميد.\n ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ:﴾ هو جواب القسم، والخطاب لأهل مكة؛ الذين حكى الله عنهم قولهم:\n ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا﴾. ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما:﴾ مالك السموات، والأرض، وما بينهما، ومتصرف فيهما تصرف الملاك، فإن وجودهما، وانتظامهما على هذا النمط البديع من أوضح الدلائل على وجود الله، ووحدانيته، واستقلاله بملكهما، وتصرفهما. هذا؛ ولم يقل: وما بينهن لأنه أراد بين الصنفين أو النوعين، أو الشيئين، ومثله قول القطامي: [الوافر]","vol":"8","page":5},{"text":"ألم يحزنك أنّ حبال قيس... وتغلب قد تباينت انقطاعا؟\nأراد: وحبال تغلب، فثنّى. والحبال: جمع فثناهما؛؛ لأنه أراد الشيئين، أو النوعين، أو لأنه ثناهما على تأويلهما بالجماعة، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين. قال الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟!\nلأصبح الناس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nفقد ثنّى: «جمال» الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللّبد: المال الكثير. وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصدقات سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموال الناس بغير حق حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف حالنا، أو كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا على الصدقات لسنتين؛ لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان، فيختل أمر الغزوات.\n ﴿وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ أي: ورب المغارب، فاكتفى بذكر الأول عن الثاني؛ لدلالة الكلام عليه.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١١٥]: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فالمراد بهما ناحيتا الأرض؛ إذ له سبحانه الأرض كلها، لا يختص به مكان دون مكان. وقال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٧]: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشتاء، والصيف، ومغربيهما. وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ فقد جمع المشرق، والمغرب، كما ترى باعتبار مشارق الشمس، ومغاربها في السنة، وهي ثلاثمئة وخمس وستون كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع كل يوم في كوّة منها، وتغيب في كوة، لا تطلع، ولا تغرب في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. قال أمية بن أبي الصلت؛ الذي قال الرسول ﷺ فيه: «آمن شعره، وكفر قلبه»: [الطويل] زحل وثور تحت رجل يمينه... والنّسر للأخرى وليث مرصد\nوالشمس تطلع كلّ آخر ليلة... حمراء يصبح لونها يتورّد\nليست بطالعة لهم في رسلها... إلاّ معذّبة وإلا تجلد\nقال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي أتجلد الشمس؟ فقال: إنما اضطره الرّوي إلى الجلد، لكنها تخاف العقاب. انتهى. قرطبي. بقي أن تعرف حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات، كما في هذه الآيات هنا، وفي أوائل (المرسلات) وأوائل (النازعات)، وخذ قول ابن زيابة سلمة بن ذهل، وهو الشاهد رقم (٢٩٦) من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [السريع]","vol":"8","page":6},{"text":"يا لهف زيّابة للحارث الصّ... ابح فالغانم فالآيب\nقيل: إما أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كما في هذا البيت، كأنه قال: الذي صبّح فغنم فآب. وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك، كقول النبي ﷺ: «رحم الله المحلّقين فالمقصّرين». وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل، فالأكمل، واعمل الأحسن، فالأجمل. انتهى. كشاف، وقرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَالصَّافّاتِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، (الصافات): مقسم به، أقسم به وبأمثاله في أوائل السور، إظهارا لعظم شأنها، وكبير فوائدها، وتنبيها للعباد على جلالة قدرها. هذا؛ وقيل: إن المقسم به محذوف، التقدير: ورب الصافات، ونحوه. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، وفاعل (الصافات) مستتر، تقديره: «هو»، ومفعوله محذوف، التقدير: الصافات أجنحتها، ونحوه. ﴿صَفًّا:﴾ مفعول مطلق مؤكد. ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْرًا:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، مع تقدير المفعول المحذوف ب: الزاجرات السحاب زجرا.\n ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْرًا:﴾ معطوف أيضا على ما قبله، مع التصريح بالمفعول به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿إِلهَكُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَواحِدٌ:﴾ خبر:\n ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿رَبُّ:﴾ بالرفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هو بدل من: (واحد)، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب. وحكى الأخفش النصب على وجهين: أحدهما: هو نعت لاسم: ﴿إِنَّ،﴾ وثانيهما: هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني. و﴿رَبُّ﴾ مضاف و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿وَرَبُّ:﴾ معطوف على سابقه، و(رب) مضاف، و﴿الْمَشارِقِ﴾ مضاف إليه... إلخ.\n\n<span id=\"aya-3794\"></span><span id=\"aya-3795\"></span>﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا:﴾ القربى منكم. ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ:﴾ يقرأ بتنوين (زينة) وعدم التنوين، و﴿الْكَواكِبِ:﴾ النجوم. قال قتادة: خلقت النجوم ثلاثا: رجوما للشياطين، ونورا يهتدى بها، وزينة لسماء الدنيا. قال ابن عباس﵄-: بضوء الكواكب؛ لأن الضوء، والنور من أحسن الصفات، وأكملها، ولو لم تحصل هذه الكواكب في السماء، لكانت شديدة الظلمة عند غروب الشمس. وقيل: زينتها: أشكالها المتناسبة، والمختلفة في الشكل، كشكل","vol":"8","page":7},{"text":"الجوزاء، وبنات نعش، وغيرها. وقيل: إن الإنسان إذا نظر في الليلة المظلمة إلى السماء، ورأى هذه الكواكب الزواهر مشرقة متلألئة على سطح أزرق؛ نظر غاية الزينة.\n ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أي: وحفظنا السماء من كل شيطان متمرد عات خارج عن الطاعة يرمى بالشهب وهذه الآية مثل قوله تعالى في سورة (الملك) رقم [٥]: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ وقوله تعالى في سورة الحجر رقم [١٦]: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾.\nهذا ويقال: «مرد» من بابي: نصر، وظرف: إذا عتا، وتجبر، فهو مارد، ومريد، وجمعه:\nمردة، ومرد، وماردون، ومرّاد. ومؤنثه: مرداء. ومرد: استمر على الشيء، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾ رقم [١٠١] من سورة (التوبة).\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿زَيَّنَّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿السَّماءَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِزِينَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْكَواكِبِ:﴾ بالجر، وتنوين: (زينة)، فهو بدل منها. هذا؛ ويقرأ بالنصب على أنه مفعول به ل: (زينة) على اعتبارها مصدرا، أو هو مفعول به بإضمار: أعني، كأنه قال: إنا زيناها بزينة؛ أعني: الكواكب. ويقرأ بالرفع على أنه فاعل ﴿بِزِينَةٍ﴾ على معنى: زينتها الكواكب، أو هي خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي الكواكب، وهذه الجملة تكون في محل جر صفة: (زينة). هذا؛ ويقرأ بالإضافة، وحذف التنوين، وفي هذه الإضافة ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون إضافة أعم إلى أخص، فتكون للبيان، نحو: ثوب خز، وخاتم حديد. الثاني: أن الإضافة من إضافة المصدر لفاعله. الثالث: أن الإضافة من إضافة المصدر لمفعوله. وجملة: ﴿زَيَّنَّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَحِفْظًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: وحفظناها حفظا. والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: ﴿زَيَّنَّا..﴾. إلخ، أو هو مفعول لأجله على اعتبار الواو صلة. والعامل: ﴿زَيَّنَّا﴾ أو العامل محذوف، التقدير: وفعلنا ذلك؛ لأجل الحفظ. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان ب: (حفظا)، أو بمحذوف صفة له، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْطانٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مارِدٍ:﴾ صفة: ﴿شَيْطانٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-3796\"></span><span id=\"aya-3797\"></span>﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩)﴾\nالشرح: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى:﴾ واو الجماعة عائدة إلى ﴿شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ وإنما جمع؛ لأنه في معنى الشياطين، أو في معنى كل شيطان. والملأ الأعلى: الملائكة الكرام، والملأ الأسفل: الإنس، والجن الذين يعيشون في الأرض، وتعدى الفعل ب: ﴿إِلَى؛﴾ لأنه ضمن","vol":"8","page":8},{"text":"معنى: يصغون، ويدركون بخلاف ما إذا عدي بنفسه، فإنه يفيد الإدراك فقط، والمعنى:\nلا يقدرون أن يستمعوا إلى الملائكة الذين هم في العالم العلوي. وقيل المعنى: لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى، فحذفت: «أن» وارتفع الفعل على حد قول طرفة في معلقته رقم [٥٣]: [الطويل] ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟\nواستقبحه الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي؛ لأنه يكون قد جمع فيه بين حذفين: اللام الجارة، و«أن» مع أن حذف واحد منهما على انفراده وارد، ومقبول.\n ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ أي: ويرمون بالشهب من كل جانب من جوانب السماء؛ إذا قصدوا صعوده، وراموا استراق السمع. ﴿دُحُورًا﴾ أي: يدحرون دحورا، بمعنى: يطردون طردا. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ أي: دائم، وموجع، وهذا العذاب يكون لهم في الآخرة.\nقال ابن عباس﵄-: كانت الشياطين، لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها، فيلقونها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى ﵊؛ منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها، فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو: الشعلة من النار، فلا يخطئه أبدا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله، فيصير غولا يضل الناس في الفلوات، والبراري. انتهى. جمل.\n ﴿واصِبٌ:﴾ دائم، ومنه قوله تعالى في سورة النحل رقم [٥٢] ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾.\nوبسبب ذلك بطلت الكهانة، فإن قيل: إن هذا القذف إن كان لأجل النبوة؛ فلم دام بعد النبي ﷺ؟ والجواب: أنه دام بدوام النبوة، فإن النبي ﷺ أخبر ببطلان الكهانة، فقال: «ليس منا من تكهن». فلو لم تحرس بعد موته لعادت الجن إلى تسمعها، وعادت الكهانة، ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة، فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن يظنوا: أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة، فصح: أن الحكمة تقتضي دوام الحراسة في حياة النبي ﷺ، وبعد أن توفاه الله إلى دار كرامته.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسَّمَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيُقْذَفُونَ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (يقذفون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿جانِبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿دُحُورًا:﴾ مفعول مطلق من معنى:\n (يقذفون). أو هو مصدر في موضع الحال بمعنى: مدحورين. أو هو مفعول لأجله. ﴿وَلَهُمْ:﴾\nالواو: حرف استئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿واصِبٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ﴾.","vol":"8","page":9},{"text":"<span id=\"aya-3798\"></span>﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء، فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يأتيه الشهاب، فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما رأيت. هذا؛ والخطف: الأخذ بسرعة، والخطف: الاختلاس. والمراد: اختلاس كلام الملائكة مسارقة، وبسرعة شديدة.\n ﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ بمعنى: تبعه. ﴿شِهابٌ:﴾ هو ما يرى كأنه كوكب ينقض. ﴿ثاقِبٌ:﴾ مضيء، كأنه يثقب الجو بضوئه. وقيل: يثقب الشيطان، أو يحرقه، أو يخبله. والأول أولى. هذا؛ ورجل ثاقب الرأي: إذا كان صحيح التفكير، نافذ البصيرة. ولا يقال: إن الشيطان من النار، فلا يحترق؛ لأنه ليس من النار الصرف، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص، مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها.\nتنبيه: فإن قلت: جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا يقتضي ثبوتها، وبقاءها فيها، وجعلها رجوما للشياطين يقتضي زوالها، وانفصالها عنها؛ فكيف الجمع بين هاتين الحالتين؟ قلت:\nقالوا: إنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن ينفصل من الكوكب شعلة يرمى بها الشيطان، والكوكب باق بحاله، وهذا كمثل القبس الذي يؤخذ من النار، وهي بحالها.\nفإن قلت: إذا كان الشيطان يعلم: أنه يصاب، ولا يصل إلى مقصوده، فكيف يعود مرة أخرى؟ أو كيف يحاول استراق السمع؛ وقد رأى غيره قد احترق؟! قلت: يعود رجاء نيل المقصود، وطمعا في السلامة، كراكب البحر، فإنه يشاهد الغرق أحيانا، لكن يعود إلى ركوبه رجاء السلامة، ونيل المقصود. انتهى. خازن بتصرف. هذا وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] من سورة (الحجر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nقال ابن عباس﵄-: كان للشياطين مقاعد في السماء، فكانوا يسمعون الوحي، وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا ترمى، فإذا سمعوا الوحي؛ نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا، فلما بعث النبي ﷺ جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاءه شهاب، فلم يخطئه؛ حتى يحرقه، فشكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله، فقال: ما هو إلا من أمر حدث، فبعث جنوده يبحثون في الأرض، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي بين جبلي نخلة-قال وكيع: يعني: بطن نخلة-قال: فرجعوا إلى إبليس، فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث! أخرجه ابن جرير. وانظر ما ذكرته في سورة (سبأ) [٢٣] فإنه جيد. وأيضا في سورة (الجن).","vol":"8","page":10},{"text":"الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، أو أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء، أو في محل رفع بدل من واو الجماعة؛ لأن الكلام تام منفي، وما كان من هذا الباب يجوز فيه الوجهان. ﴿خَطِفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو». ﴿الْخَطْفَةَ:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. وهذا الإعراب يجعل الجملة الفعلية الآتية غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع أنها مرتبطة به معنى، لذا فالوجه اعتبار: ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية الآتية في محل رفع خبره، والفاء زائدة لتحسين اللفظ؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء المنقطع من مضمون الكلام السابق. وقول الجمل: «ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ شرطية» لا وجه له ألبتة. ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ:﴾\nماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، أو في محل رفع خبر:\n ﴿مَنْ﴾ وهو المعتمد. ﴿ثاقِبٌ:﴾ صفة: ﴿شِهابٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-3799\"></span>﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: اسأل أهل مكة، والخطاب للنبي ﷺ. ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ أي: أيهم أقوى بنية، وأشد خلقا، هل هم، أم السموات، والأرض وما بينهما من الملائكة، والمخلوقات العظيمة العجيبة؟ فإنهم يقرون: أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم.\nوإذا كان الأمر كذلك؛ فلم ينكرون البعث؛ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما ينكرون؟! كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.\nرقم [٥٧] من سورة غافر. ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ﴾ أي: ابتدأنا خلقهم. ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ:﴾ لاصق، لازق، ومنه قول علي﵁-: [الطويل] تعلّم فإنّ الله زادك بسطة... وأخلاق خير كلّها لك لازب\nوقال النابغة الذبياني: [الطويل] ولا تحسبون الخير لا شرّ بعده... ولا تحسبون الشّرّ ضربة لازب\nفلم تحذف النون من الفعلين حملا ل: «لا» الناهية على النافية، وذلك لضرورة الشعر. وهذا يسمى بتقارض اللفظين. انظر مبحثه في كتابنا فتح القريب المجيب.\nوقال عكرمة: ﴿لازِبٍ:﴾ لزج. وقال سعيد بن جبير: أي: جيد، حر، يلصق باليد. وقال مجاهد: ﴿لازِبٍ:﴾ لازم. والعرب تقول: طين لازم، ولازب، والمراد: خلق آدم ﵇ من الطين، والبشرية نسله، فهم مخلوقون من الطين مثله بالانتساب إليه. وهذا خلق غير مباشر،","vol":"8","page":11},{"text":"وهناك خلق مباشر من الطين؛ إذا فكرنا في أصل كل إنسان بأنه من النطفة المذرة، وهي من الدم، والدم من الطعام والشراب، وهما من الأرض بلا ريب. هذا؛ ويقال: استفتى، استفتاء العالم في مسألة: سأله أن يفتيه فيها. والفتوى والفتوى، والفتيا: اسم ما أفتى به العالم؛ إذا بيّن الحكم، والجمع الفتاوي، والفتاوى، مثل الصحاري، والصحارى، والعذاري، والعذارى.\nالإعراب: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (استفتهم): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿أَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (هم): مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره. ﴿خَلْقًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿خَلَقْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ والعائد محذوف، التقدير: أم الذين خلقناهم. والخبر محذوف، تقديره: أشد. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والجملة الفعلية: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وأفاد الجمل: أن الجملة واقعة في جواب شرط مقدر، وعليه فالفاء هي الفصيحة، ويكون التقدير:\nوإذا كان هؤلاء لا يؤمنون بالله؛ فاسألهم أهم أشد... إلخ. والمعنى: إن شئت أن تقرعهم، وتؤنبهم؛ فاستفتهم... إلخ. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿خَلَقْناهُمْ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ طِينٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لازِبٍ:﴾ صفة: ﴿طِينٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-3800\"></span><span id=\"aya-3801\"></span><span id=\"aya-3802\"></span><span id=\"aya-3803\"></span>﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: بل عجبت يا محمد من تكذيبهم للبعث مع رؤيتهم آثار قدرة الله الباهرة، وهم يسخرون منك، ومما تقول لهم في ذلك. هذا؛ وقرئ بضم التاء على إسناد العجب إلى الله تعالى، وليس هو كالتعجب من الآدميين؛ لأن العجب من الناس محمول على إنكار الشيء، وتعظيمه، والعجب من الله تعالى محمول على تعظيم تلك الحالة، فإن كانت قبيحة؛ يترتب عليها العقاب، وإن كانت حسنة؛ يترتب عليها الثواب. وسئل الجنيد-رحمه الله تعالى-عن هذه الآية، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، ولكن وافق رسوله، ولما عجب رسوله ﷺ قال: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٥] من سورة (الرعد).\n ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ:﴾ وإذا وعظوا بالقرآن، وخوفوا به؛ لا يتعظون، ولا يتدبرون. ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ:﴾ وإذا رأوا آية باهرة، أو معجزة قاهرة، تدل على صدقك، كانشقاق القمر، وتكليم","vol":"8","page":12},{"text":"الشجر، والحجر، يبالغون في السخرية، والاستهزاء، أو يدعون غيرهم، ويحضونهم على ذلك.\nهذا؛ وقيل: يسخر، ويستسخر بمعنى: واحد، والسين والتاء ليستا للطلب على الاعتبارين.\n ﴿وَقالُوا إِنْ هذا﴾ أي: القرآن الذي جاء به محمد ﷺ. ﴿إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ:﴾ وذلك كان منهم وقت أن عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء، أو عجزوا عن معارضة القرآن، قالوا: هذا سحر، وتخييل وخداع.\nهذا؛ والسحر: كل ما لطف، ودق. يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى.\nوقال الغزالي في الإحياء ما نصّه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. هذا؛ والمعتمد: إن تعلمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله؛ بقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد.\nهذا؛ والعجب (بفتح العين، والجيم): انفعال نفساني، يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب: العجب: حيرة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه. وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. وانظره في حق الله تعالى في أول الشرح. هذا؛ والعجب (بضم العين، وسكون الجيم): رؤية النفس، وحقيقته أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما، أو ورعا، أو أدبا، أو غير ذلك، ويعتقد أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم، وبئس المصير!.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال تستأنف بعده الجمل. ﴿عَجِبْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَسْخَرُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (يسخرون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: هي في محل نصب حال، وهذا لا يصح إلا بتقدير مبتدأ، أي: وهم يسخرون، وعليه:\nفالجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المقدر في المتعلق المحذوف، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا)","vol":"8","page":13},{"text":"إليها، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَذْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، وأيضا: ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ:﴾ كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف، (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة: ﴿سِحْرٌ﴾. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله.\n\n<span id=\"aya-3804\"></span>﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿أَإِذا،﴾ ﴿أَإِنّا:﴾ يقرأ هذان اللفظان بقراآت كثيرة، جملتها تسع، وكلها سبعية، وهذه الآية قد ذكرت بحروفها كاملة في الآية رقم [٨٢] من سورة (المؤمنون)، وبمعناها في الآية رقم [٤٩] و[٩٨] من سورة (الإسراء). هذا؛ و﴿مِتْنا﴾ يقرأ بضم الميم، وكسرها، فالأول من باب: نصر، وقتل، ك: قلت وصنت، والثاني من باب: علم، وفهم، ك: خفت، ونمت. وقول المفسرين: من: مات، يمات، كخاف، يخاف، ونام، ينام، وهو بعد الإعلال يعود إلى باب:\nعلم. هذا؛ وقول المشركين في هذه الآية، وأمثالها تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر]\nألا من بلّغ الرحمن عني... بأنّي تارك شهر الصيام\nأيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟!\nأتترك أن تردّ الموت عنّي... وتحييني إذا بليت عظامي؟\nفهو يقصد بابن كبشة النبي ﷺ، وأبو كبشة هي كنية زوج حليمة السعدية، مرضعته ﷺ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم.\nالإعراب: ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ، وهذا عند سيبويه، رحمه الله تعالى. ﴿مِتْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: أئذا متنا... نبعث. ولا يجوز أن يعمل فيها (مبعوثون)؛ لأن ما بعد (إنّ) لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم: أنّ (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية، فإن تقدير الكلام: (أنبعث إذا...) إلخ","vol":"8","page":14},{"text":"وهذا قول غير سيبويه. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه، ﴿تُرابًا:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَعِظامًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنا):\nحرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمَبْعُوثُونَ:﴾\nاللام: هي المزحلقة. (مبعثون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة في الإنكار وبدون الاستفهام فيها حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار، بالأولى إنكار فيها أيضا، ولا تنس:\nأن الآية في محل نصب مقول القول ل: (قالوا) في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-3805\"></span><span id=\"aya-3806\"></span><span id=\"aya-3807\"></span>﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ أي: أو آباؤنا الأولون كذلك سيبعثون؟! وهذا منهم زيادة استبعاد في الحشر، والحساب، والجزاء بعد الموت. يعنون: أنهم أقدم منهم، فبعثهم أبعد، وأبطل. ﴿قُلْ:﴾ أمر للنبي ﷺ. ﴿نَعَمْ﴾ أي: نعم تبعثون بلا شك وبلا ريب ورغم أنوفكم، ﴿وَأَنْتُمْ داخِرُونَ:﴾ صاغرون، أذلاء حقيرون. قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾. الآية رقم [٨٧] من سورة (النمل)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾. الآية رقم [٦٠] من سورة (غافر). ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ:﴾ المراد بها: الصيحة الثانية، وهي صيحة إسرافيل، التي رأيتها في الآية رقم [٤٩] من سورة (يس) وما بعدها، وإنما سميت الصيحة:\nزجرة؛ لأن مقصودها الزجر، أي: يزجر بها كزجر الإبل، والخيل، وغيرهما عند السوق. قال النابغة الجعدي﵁-: [المنسرح] زجر أبي عروة السباع إذا... أشفق أن يختلطن بالغنم\nأبو عروة: هذه كنية العباس عم النبي ﷺ، وكنيته المعروفة في الإسلام أبو الفضل، وكان ممن يضرب به المثل في شدة الصوت، وهم يزعمون: أنه كان يصيح بالسباع، فيفتق مرارة السبع في جوفه. ويروى أنّه صاح يوم حنين: يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدة صوته. انتهى.\nشرح شواهد الكشاف لمحب الدين الخطيب، رحمه الله تعالى.\n ﴿فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضهم إلى بعض. أو المعنى: فإذا هم قيام بين يدي الله ينظرون إلى أهوال القيامة، وينتظرون ما يفعل بهم. هذا؛ و﴿نَعَمْ﴾ حرف جواب، كأجل، وجير، وإي، وبلى. ونقيضها: لا، و﴿نَعَمْ﴾ تكون لتصديق المخبر، أو إعلام المستخبر، أو وعد الطالب.\nوانظر الكلام عليها، وعلى: «لا» و«بلى» في كتابنا: «فتح القريب المجيب».","vol":"8","page":15},{"text":"الإعراب: ﴿أَوَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الواو: حرف عطف. هذا؛ وقرئ بسكون الواو على أنها (أو) العاطفة المقتضية للشك، وأكثرهم قرأ بفتحها، فمن فتح الواو أجاز في: ﴿آباؤُنَا﴾ وجهين: أحدهما أن يكون معطوفا على محل (إنّ) واسمها، والثاني أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في: ﴿لَمَبْعُوثُونَ،﴾ واستغنى عن الفاصل المطلوب بالفصل بهمزة الاستفهام. ومن سكنها تعين فيه الأول دون الثاني على قول الجمهور لعدم الفاصل. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وعلى تسكين الواو يكون ﴿آباؤُنَا﴾ مبتدأ خبره محذوف، ويكون فحوى الكلام عطف جملة على جملة، التقدير: أنحن نبعث، أم آباؤنا يبعثون؟ وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (الواقعة) برقم [٤٨].\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿نَعَمْ:﴾ حرف جواب مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال، والجملة الاسمية:\n (أنتم داخرون) في محل نصب حال، والعامل فيها: ﴿نَعَمْ﴾ بالنظر لمعناها، ولذلك فسرها الجلال، وغيره ب: تبعثون، فالعامل في الحقيقة هو الفعل المقدرة هي به، وصاحب الحال فاعله، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ إذ التقدير: إذا كان الأمر كذلك؛ ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ:﴾ (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿هِيَ:﴾ مبتدأ. ﴿زَجْرَةٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط المقدر ب: «إذا»، والكلام في محل نصب مقول القول. وقيل: الجملة الاسمية تعليل لنهي مقدر، التقدير: لا تستصعبوه لأنها زجرة واحدة، والتعليل والمعلل في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِذا هُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]، من سورة (يس)، وجملة: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: فإذا هم قيام ينظرون. بقرينة الآية رقم [٦٨] من سورة (الزمر)، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ، وهذا هو الظاهر، والمتبادر إلى الأفهام وانظر إعراب آية الزمر، والمفعول محذوف، التقدير: ينظرون ما يفعل بهم. أو هو بمعنى: ينتظرون، وهو ضعيف معنى.\n\n<span id=\"aya-3808\"></span>﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا﴾ أي: يقول الكفرة حين يشاهدون أهوال القيامة: يا هلاكنا! والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه. ﴿هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: يوم الدينونة، والحساب، والجزاء. يقولون ذلك تحسرا، وندامة لما فرط منهم. هذا؛ والدّين بكسر الدال: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى، والدين أيضا: الملة والشريعة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾.\nرقم [٧٦] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. و﴿يَوْمُ الدِّينِ:﴾\nيوم الحساب، والجزاء، وهو ما في الآية الكريمة. ومنه: كما تدين تدان؛ أي: كما تفعل","vol":"8","page":16},{"text":"تجازى. وعن ابن عباس﵄قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشرّ، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره. ثم قال: ألا له الخلق والأمر. هذا؛ والدّين (بفتح الدال) القرض المؤجل. وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب. والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. هذا؛ والدين العادة، والعمل، ومنه قوله: [الوافر]\nتقول إذا أدرت لها وضيني... فهذا دينها أبدا وديني\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n (يا): أداة نداء، والمنادى محذوف، كأنهم قالوا لبعضهم: يا هؤلاء ويلا لنا، فلما أضاف؛ حذف اللام الثانية، وعليه ف: (ويل) مصدر مفعول مطلق فعله محذوف، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وهذا قاله الجلال، وأيده الجمل، وقول لمكي، وأجيز اعتبار: (ويلنا) منادى، فيكون المعنى: يقول الكافر يوم القيامة: تعال يا ويل هذا زمانك، وإبانك. وقال الكوفيون: إن «وي» كلمة برأسها، و(لنا) جار ومجرور متعلقان به. ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد، وهو أن يكون: يا عجب لنا؛ لأن (وي) تفسر بمعنى: أعجب منا، وعليه يكون الكافر قد نادى العجب، والجملة في محل نصب مقول القول. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿يَوْمُ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿يَوْمُ﴾ مضاف، و﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وقال الجلال: وتقول لهم الملائكة: هذا يوم الدين. وعليه فالوقف على قوله: ﴿يا وَيْلَنا،﴾ والمعنى لا يؤيده.\n\n<span id=\"aya-3809\"></span>﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي..﴾. إلخ: أي: هذا يوم القضاء، والفرق بين الهدى، والضلال، وبين المحسن، والمسيء، قال تعالى في سورة (المرسلات): ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْفَصْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿يَوْمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، ﴿تُكَذِّبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ والآية الكريمة تحتمل أن تكون من قول الكفرة لبعضهم، وتحتمل أن تكون من قول الملائكة لهم، وهو الأرجح هنا، ويؤيده ما بعده. وقيل: هو من قول الله تعالى لهم.","vol":"8","page":17},{"text":"<span id=\"aya-3810\"></span>﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ:﴾ هذا خطاب من الله ﷿ للملائكة، وهو المعتمد، يقول: اجمعوا الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وبارتكاب المعاصي. ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي:\nأشباههم، ونظراءهم من العصاة: عابد الصنم مع عبدة الصنم، وعابد الكواكب مع عبدة الكواكب، كقوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾. وقيل: المراد: قرناؤهم من الشياطين. وقيل: نساؤهم اللاتي كن على دينهم. وقال عمر بن الخطاب﵁-:\nيحشر الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة.\n ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ من دون الله؛ أي: من الأصنام، والشياطين، والدالين على الشر والفساد. وفيه زيادة في تحسيرهم، وتخجيلهم، وخزيهم، وفضيحتهم.\nهذا؛ و(أزواج) جمع: زوج، وهو يطلق على الرجل، والمرأة، والقرينة تبين الذكر، والأنثى. ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض؛ فإنها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج: القرين، كما رأيت في هذه الآية. والزوج: الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا، وأنثى الآية رقم [٤٠] من سورة (هود)، وقال تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام) والمعنى: ثمانية أفراد، والزوج: الصنف والنوع، قال تعالى في سورة لقمان رقم [١٠]:\n ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف من النبات، وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]:\n ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.\nالإعراب: ﴿اُحْشُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ظلموا أنفسهم، والجملة الفعلية صلة الموصول.\n (أزواجهم): معطوف على الموصول، أو هو مفعول معه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْبُدُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان). والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي كانوا يعبدونه. هذا؛ والجملة الفعلية: ﴿اُحْشُرُوا..﴾. إلخ هي من قول الله تعالى للملائكة، وهو المعتمد، أي: إنها في محل نصب مقول القول لقول محذوف.","vol":"8","page":18},{"text":"<span id=\"aya-3811\"></span><span id=\"aya-3812\"></span><span id=\"aya-3813\"></span><span id=\"aya-3814\"></span>﴿مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ:﴾ فسوقوهم إلى صراط جهنم، وبئس المصير، وقيل:\nدلّوهم، يقال: هديته إلى الطريق، وهديته الطريق؛ أي: دللته عليه، وفي قوله تعالى: (اهدوهم) تهكم، وسخرية. المعنى: إذا لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى طريق الجحيم. ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ أي: احبسوهم؛ حتى يسألوا عن أعمالهم، وأقوالهم؛ التي صدرت عنهم في الدنيا.\nفعن أبي برزة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه». رواه الترمذي، ورواه البيهقي عن معاذ، ﵁.\nوعن أنس﵁أن رسول الله ﷺ قال: «ما من داع إلى شيء إلا كان موقوفا يوم القيامة لازما به، لا يفارقه، وإن دعا رجل رجلا، ثم قرأ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ»﴾. ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ أي: تقول الخزنة لهم توبيخا، وتقريعا: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا؟! وهذا جواب لأبي جهل الخبيث حيث قال يوم بدر ما قاله الله تعالى على لسانه: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾. ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي: أذلاء منقادون لا حيلة لهم، سواء منهم العابدون، والمعبودون.\nولا تنس الالتفات من الخطاب إلى الملائكة إلى الخطاب للكفرة المعذبين، والفجرة الفاسقين، ثم الالتفات من الخطاب إليهم إلى الغيبة. هذا؛ وذكر أن الصديق﵁- قام من الليل يصلي، فمر بهذه الآية: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ فجعل يكررها حتى طلع الفجر.\nالإعراب: ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَعْبُدُونَ،﴾ و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَاهْدُوهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اهدوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم. انظر تقديره في الشرح. ﴿إِلى صِراطِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و﴿صِراطِ﴾ مضاف، و﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَقِفُوهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ) حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مَسْؤُلُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه... إلخ، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. هذا؛ وقرئ بفتح الهمزة، وعليه فتؤول (أنّ) واسمها وخبرها بمصدر في محل جر بلام محذوفة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَناصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية","vol":"8","page":19},{"text":"في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط الضمير فقط، والعامل: اسم الاستفهام لما فيه من معنى الفعل. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وانتقال. ﴿هُمُ:﴾ مبتدأ. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿مُسْتَسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والكلام: ﴿فَاهْدُوهُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول لقول محذوف، فإنه من قول الله تعالى للملائكة مثل سابقه.\n\n<span id=\"aya-3815\"></span>﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ يعني: الرؤساء، والأتباع، أو الكفرة والقرناء. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾\nيسأل بعضهم بعضا للتوبيخ، ولذلك فسر ب: يتخاصمون. وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (الطور) رقم [٢٥]، وانظرها برقم [٥٠] من هذه السورة أيضا. هذا وقد قال تعالى في الآية رقم [١٠٢] من سورة (المؤمنون): ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾. والجواب عن ذلك: أن آية (الطور) تنص على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب بدليل الآيات؛ التي قبلها، والتي بعدها، والآية هنا تنص على أن التساؤل إنما يكون يوم القيامة بدليل الآيات التي قبلها، وهي تعارض آية (المؤمنون) التي تنفي التساؤل فيما بينهم، وقد قال ابن عباس -﵄في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا، ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون. انتهى. خازن من سورة (المؤمنون). أقول: ومخاصمة الكفار بعضهم بعضا، ولوم بعضهم بعضا يوم القيامة قد ذكر في كثير من آيات القرآن الكريم، انظر الآية رقم [٣١] من سورة (سبأ) وما بعدها. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَقْبَلَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أقبل): فعل ماض. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿بَعْضُهُمْ،﴾ والرابط: الضمير فقط.\n<span id=\"aya-3816\"></span>﴿قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال الأتباع للمتبوعين. ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي: عن أقوى الوجوه وأيمنها، أو عن الدين، أو عن الخير، كأنكم تنفعوننا نفع السانح، فتبعناكم، وهلكنا معكم، مستعار من يمين الإنسان، الذي هو أقوى الجانبين، وأشرفهما، وأنفعهما؛ ولذلك يسمى: يمينا، ويسمى بالسانح. أو: عن القوة، والقهر، فتقسروننا على الضلال. أو: على الحلف، فإنهم كانوا يحلفون لهم: أنهم على الحق. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبي ما يشبهه،","vol":"8","page":20},{"text":"وزاد قوله: وقيل: اليمين بمعنى: القوة، أي: تمنعوننا بقوة، وقهر وغلبة، قال تعالى في هذه السورة: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي: بالقوة، وقوة الرجل في يمينه، وقال الشاعر: [الوافر]\nإذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين\nأي: بالقوة، والقدرة. وهذا قول ابن عباس﵄انتهى. وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [٦٧] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَأْتُونَنا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(نا):\nمفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، فهي حال متداخلة، وفيها معنى التفسير للتساؤل. ﴿عَنِ الْيَمِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-3817\"></span><span id=\"aya-3818\"></span><span id=\"aya-3819\"></span><span id=\"aya-3820\"></span>﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الرؤساء، والمتبوعون. ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ:﴾ وهذا إضراب من المتبوعين، وإبطال لما ادعاه التابعون، أي: لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات، بل كنتم على الكفر، فأقمتم عليه للإلف، والعادة. ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: ما كان لنا عليكم من قوة، وقدرة نقهركم بها على متابعتنا. ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ أي: بل كان فيكم فجور، وطغيان، واستعداد للعصيان، والفساد، فلذلك استجبتم لنا، واتبعتمونا. وهذا مثل قول الشيطان لهم: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه أفضل الصلوات، وأتم التسليم.\n ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا:﴾ وجب وعيده، وتهديده، وهو: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ أي: للعذاب: التابع، والمتبوع، والضال، والمضل؛ أي: جميعا في جهنم لا محالة. ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ أي: زينا لكم الكفر، والباطل، والضلال، والعصيان، ودعوناكم إلى ذلك؛ لأننا كنا على غي، وضلال، فلا عتب علينا في تعرضنا لإغوائكم بتلك الدعوة، لتكونوا مثلنا في الغواية، والضلال.","vol":"8","page":21},{"text":"قال الرازي رحمه الله تعالى: أجاب الرؤساء والمتبوعون بأجوبة خمسة: الأول: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. الثاني: ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾. الثالث: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾. الرابع:\n ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾. الخامس: ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ..﴾. إلخ. انتهى. جمل نقلا عنه.\nهذا و(الرب) يطلق، ويراد به السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: سيدك. وأيضا قوله تعالى حكاية عن قوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: سيده، ومالكه. كما يقال: ربّ الدار، وربّ الأسرة، أي: مالكها، ومتولي شؤونها، كما يراد به المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة، يربها: إذا أصلحها، والله ﷾ مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا، فشيئا، بجعل النطفة علقة، ثم بجعل العلقة مضغة، ثم بجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. ولا يطلق الرب على غيره تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والرب: المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى في سورة (يوسف) حكاية عن قول يوسف لصاحبي السّجن: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]\nهنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا\nوهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر بعد إسكان الأول منهما، وسلب حركته. تأمل. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (ص).\nأما (قوم) فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر... إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا. وهو يذكر، ويؤنث، قال تعالى في سورة (الشعراء): ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فتذكيره باعتبار اللفظ، وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو: أنهم أمة، وطائفة، وجماعة.\nهذا؛ و(سلطان) تسلط، وولاية، ويأتي بمعنى: الحجة، والبرهان، كما هنا، ويأتي بمعنى:\nالكتاب، قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٣٥]: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ،﴾ وقال بعض المحققين: سميت الحجة: سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة","vol":"8","page":22},{"text":"له، كالسلطان يقهر غيره بقوته. وقال الزجاج: السلطان: هو الحجة، وسمّي السلطان: سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه. انتهى. ولا تنس ما قاله عثمان بن عفان﵁-: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أي: يكف عن المعاصي، ويردع، وجمعه بمعنى: الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى: الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء: أن العرب تؤنث السلطان. تقول: قضت به عليك السلطان. أما البصريون؛ فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن الكريم، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى: الحجة. هذا؛ والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة. كما قال تعالى في سورة (النمل) رقم [٢١] حكاية عن قول سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في حقّ الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ منصوب... إلخ. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من: ﴿سُلْطانٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.\n ﴿قَوْمًا:﴾ خبره. ﴿طاغِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمًا﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿فَحَقَّ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (حق): فعل ماض. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْلُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿رَبِّنا﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَذائِقُونَ:﴾ خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ في محل نصب مقول القول. قال ابن هشام في المغني: من الجمل المحكية ما قد يخفى، فمن ذلك بعد القول: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ﴾ والأصل: إنكم لذائقون عذابي، ثم عدل إلى التكلم؛ لأنهم تكلموا بذلك عن أنفسهم. قال الفرزدق: [الطويل]\nألم تر أنّي يوم جوّ سويقة... بكيت فنادتني هنيدة ماليا\nوالأصل: مالك؟ وهذا هو الشاهد رقم (٧٦٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ وحذف مفعول (ذائقون) كما رأيت تقديره. ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أغويناكم): فعل،","vol":"8","page":23},{"text":"وفاعل، ومفعول به. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿غاوِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا غاوِينَ﴾ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ تعليل لما قبلها، والكلام: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3821\"></span><span id=\"aya-3822\"></span>﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: الأتباع، والمتبوعون. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم يتساءلون، ويتحاورون، ويتخاصمون. ﴿فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: كما كانوا مشتركين في الغواية، كما قال تعالى في سورة الزخرف رقم [٣٩]: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي: كما فعلنا بهؤلاء المجرمين من عبدة الأوثان، والنصارى، واليهود نفعل بالملحدين المعاندين المنكرين الحساب، والجزاء، بمعنى: نذيقهم جميعا العذاب الأليم، والعقاب الشديد في نار الجحيم، وانظر ما ذكرته بشأن المجرمين، والظالمين... إلخ في الآية رقم [٥٩] من سورة (يس). ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب فيه عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية، أي: يوم يتساءلون... إلخ، و(إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فإن الأصل: إذ يتساءلون، ويتحاورون. فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما.\nالإعراب: ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة، التقدير: إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والمتبوعين؛ فإنهم، وأراه ضعيفا. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ بعده. وقيل:\nمتعلق بمحذوف حال. ولا وجه له ألبتة. و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ متعلقان بما بعدهما أيضا.\n ﴿مُشْتَرِكُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نفعل بالمجرمين فعلا كائنا مثل الفعل الذي فعلناه من قبلهم. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿نَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر وجوبا تقديره:\n «نحن». ﴿بِالْمُجْرِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: «نفعل","vol":"8","page":24},{"text":"بالمجرمين كذلك» في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، وهي بمنزلة البدل مما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3823\"></span>﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا﴾ أي: كفرة قريش، فالضميران يعودان إليهم. ﴿إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ أي: إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن كلمة التوحيد. أو: على من يدعوهم إليها. يروى: أنه لما قال النبي ﷺ لأبي طالب عند موته، واجتماع قريش: قولوا:\n «لا إله إلا الله؛ تملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم» أبوا، وأنفوا من ذلك.\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس؛ حتى يقولوا:\nلا إله إلاّ الله، فمن قال: لا إله إلاّ الله؛ فقد عصم منّي ماله، ونفسه إلا بحقّه، وحسابه على الله ﷿». أخرجه ابن أبي حاتم. وروى ابن أبي حاتم أيضا عن أبي العلاء﵁- قال: يؤتى باليهود يوم القيامة، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله، وعزيرا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالنصارى. فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله، والمسيح، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالمشركين، فيقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون. ثم يقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون. ثم يقال لهم: لا إله إلاّ الله، فيستكبرون.\nفيقال لهم: خذوا ذات الشمال. قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير. قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله تعالى، فيقال لهم: هل تعرفونه؛ إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم: فكيف تعرفونه، ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عدل له. قال: فيتعرف لهم ﵎، وتقدّس، وينجي الله المؤمنين. أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العلاء موقوفا. انتهى. مختصر ابن كثير.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل:\n «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره: موجود.\n ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف. وهو الأولى، والأقوى. والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول:\n «يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه». وهذا لا غبار عليه. وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر،","vol":"8","page":25},{"text":"تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام، التقدير:\nقيل قول. وقيل: الجار والمجرور: ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني. وجملة: ﴿قِيلَ لَهُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف دل عليه ما بعده، التقدير: فهم يستكبرون. و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام معترض بين الفعل (كان) وخبره. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذا﴾ ظرفا مجردا عن الشرطية متعلقا بالفعل ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فالمعنى لا يأباه. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة؛ فجملة: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة مبينة لسبب استحقاقهم العذاب، والهلاك، لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-3824\"></span>﴿وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: كفار قريش يقولون: أنحن نترك عبادة آلهتنا، وآلهة آبائنا لأجل قول شاعر مجنون؟! يعنون سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، وقد ردّ الله عليهم بما يلي. هذا؛ وجمع (شاعر): شعراء، والأصل في فعلاء أن يكون جمع: فعيل، مثل: ظريف، وظرفاء، وشريف، وشرفاء؛ لأن «فعيلا» إنما يقع لمن قد كمل ما هو فيه، فلما كان (شاعر) إنما يقال لمن عرف بالشعر شبه بفعيل، ودخلت جمعه ألف التأنيث الممدودة لتأنيث الجماعة، كما تدخل الهاء في: صياقلة وزنادقة. وقال الأخفش: (شاعر) مثل: لابن، وتامر، أي: صاحب شعر، وصاحب لبن، وصاحب تمر. وقد سمي الشاعر شاعرا لفطنته، وهو الفقيه أيضا، والشاعر مأخوذ من قولهم: ما شعرت بهذا الأمر؛ أي: ما فطنت له. وقوله تعالى في كثير من الآيات في حق الكافرين، والمنافقين، والفاسقين: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يفطنون، ولا يتدبرون ما يقع بهم من الخزي، والنكال في الدنيا، والآخرة. وانظر ما ذكرته بشأن الشعر والشعراء في الآية رقم [٢٢٤] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك.\nالإعراب: (يقولون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري.\n (إنا): حرف مشبه بالفعل، ونا اسمها. ﴿لَتارِكُوا:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تاركو): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و(تاركو) مضاف، و﴿آلِهَتِنا﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر تقديره:\n «نحن»، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِشاعِرٍ:﴾ متعلقان ب: (تاركو). ﴿مَجْنُونٍ:﴾\nصفة ثانية لموصوف محذوف، والصفة الأولى (شاعر)، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فمحلها مثلها.","vol":"8","page":26},{"text":"<span id=\"aya-3825\"></span><span id=\"aya-3826\"></span><span id=\"aya-3827\"></span><span id=\"aya-3828\"></span>﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ﴾ أي: جاء محمد ﷺ بالحق من عند ربه. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي:\nصدقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله تعالى في شرعه، وأمره، كما أخبروا. ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ أي: بسبب شرككم، وتكذيبكم الرسول، وافترائكم عليه المفتريات، مثل قولكم: شاعر، ساحر، مجنون. قال أبو حيان -رحمه الله تعالى-: جمع المشركون بين إنكار الوحدانية، وإنكار الرسالة، ثم خلطوا في كلامهم بقولهم: شاعر مجنون، فإن الشاعر عنده من الفهم والحذق ما ينظم به المعاني الغريبة، ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ومن كان مجنونا لا يصل إلى شيء من ذلك، فكلامهم تخليط، وهذيان. ﴿وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: لا تعاقبون إلا جزاء مثل عملكم. قال الصاوي: لأن الشر يكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير؛ فجزاؤه بأضعاف مضاعفة.\n ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: لكن عباد الله المخلصين الموحدين، فإنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، ثم أخبر عن جزائهم بما يلي. فهو استثناء منقطع بهذا الاعتبار، فهو مثل قوله تعالى في سورة (المدثر): ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾.\nهذا؛ و(الذوق) يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار. تقول: اركب هذا الفرس، فذقه، أي: اختبره، وانظر فلانا، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل] فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز\nوقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به، كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nفذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم\nوتقول: ذقت ما عند فلان؛ أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها؛ لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه. قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]\nفذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب\nوتذوقته؛ أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق\nوأصله من الذوق بالفم. و(ذوقوا) في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية.","vol":"8","page":27},{"text":"وذكر العذاب في بعض الآيات استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب عن قولهم، وافترائهم. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى النبي ﷺ، الذي وصفوه افتراء بشاعر ومجنون، ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: جاء ملتبسا بالحق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَصَدَّقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (صدق): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الرسول أيضا. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَذائِقُوا:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذائقو): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة. و(ذائقو) مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وقرئ بنصب: ﴿الْعَذابِ﴾ شاذا، على تقدير النون، وحذفت النون استخفافا للّفظ، ومثل هذه الآية قول أبي الأسود الدؤلي: [المتقارب]\nفألفيته غير مستعتب... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا\nبنصب لفظ الجلالة، وتقدير التنوين قبله، وهذا هو الشاهد رقم (٩٦٠) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿الْأَلِيمِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير:\nإلا الذي كنتم تعملونه. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:\n ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿وَما تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، أو من الضمير المستتر في اسم الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عِبادَ:﴾ استثناء منقطعا من الواو، و﴿عِبادَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ،﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء.\n\n<span id=\"aya-3829\"></span><span id=\"aya-3830\"></span><span id=\"aya-3831\"></span><span id=\"aya-3832\"></span><span id=\"aya-3833\"></span><span id=\"aya-3834\"></span><span id=\"aya-3835\"></span>﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: عباد الله المخلصين لهم رزق معلوم، له خصائصه من الدوام، وتمحض اللذة، وهو ما فسره بقوله: ﴿فَواكِهُ﴾ جمع: فاكهة، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ﴾","vol":"8","page":28},{"text":"﴿بِفاكِهَةٍ﴾ أي: جميع أنواع الفواكه؛ لأن التنكير يعم جميع أجناس الفواكه، فإن الفاكهة ما يقصد للتلذذ دون التغذي، والقوت بالعكس، وأهل الجنة لما أعيدوا على خلقة محكمة محفوظة عن التحلل؛ كانت أرزاقهم فواكه خالصة. انتهى. بيضاوي. وهذا فيه قصور، كيف وقد ذكر الله أن لهم ما يشتهون من لحوم الطير، وما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين. وقيل: المعنى معلوم الوقت، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ بيان لحالهم، وإن لم يكن هناك بكرة، ولا عشية، فيكون المراد منه معلوم الوقت، وهو مقدار غدوة، وعشية. هذا؛ والأحسن القول:\nإن الفواكه مساوية للرزق، فتشمل الخبز، واللحم؛ لأنهما يؤكلان في الجنة تلذذا.\n ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ:﴾ في نيل رزقهم، يصل إليهم من غير تعب، وسؤال، كما في رزق الدنيا.\nولهم إكرام من الله﷿برفع الدرجات، وسماع كلامه، ولقائه. ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ:﴾\nحدائق، وبساتين يتنعمون فيها، ليس فيها إلا النعيم المقيم. ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ:﴾ لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلا، وتحاببا، والتقابل أتم للسرور، وآنس. وقيل: الأسرّة تدور كيف شاؤوا، فلا يرى أحد قفا أحد. وقال ابن عباس﵄-: على سرر مكللة بالدر، والياقوت، والزبرجد.\n ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ:﴾ قال الزجاج: أي: من خمر تجري، كما تجري العيون على وجه الأرض، ومعين: ماء جار ظاهر للعيون، يقال: معين ومعن، كما يقال: رغيف، ورغف، فهو فعيل من: معن الماء: إذا جرى، أو من الماعون، وهو المنفعة؛ لأنه نفاع، أو هو مفعول من: عانه؛ إذا أدركه بعينه؛ لأنه لظهوره مدرك بالعيون. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-:\n ﴿مَعِينٍ﴾ اسم فاعل من: معن بضم العين، كشريف من: شرف، أي: من شراب معين، أو نهر معين، ظاهر للعيون، أو خارج من العيون، وهو صفة للماء، من: عان: إذا نبع، وصف الله به خمر الجنة؛ لأنها تجري كالماء.\nهذا؛ ولم يذكر الله تعالى هنا الطائفين عليهم، وذكره بسورة (الواقعة) بقوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. هذا؛ والكأس عند أهل اللغة: اسم شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس بكأس. قال الضحاك، والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر، قالوا: إناء، وقدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام؛ لم يقل له مائدة.\nقال أبو الحسن بن كيسان: ومنه ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. وأضيف أنه لا يقال: ذنوب وسجل إلا وفيه ماء، وإلا؛ فهو دلو. ولا يقال: جراب إلا؛ وهو مدبوغ، وإلا؛ فهو إهاب، ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى، وإلا؛ فهو أنبوب. هذا؛ وقد تسمى الخمر كأسا، تسمية للشيء باسم محله. ﴿بَيْضاءَ:﴾ قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن. ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي:","vol":"8","page":29},{"text":"ذات لذة، فحذف المضاف، وقيل: هو مصدر وصف به للمبالغة، أو لأنها تأنيث «لذ» بمعنى:\nلذيذ، مثل: نبات غض، وغضيض. قال الراعي النميري: [الطويل]\nولذّ كطعم الصّرخديّ تركته... بأرض العدا من خشية الحدثان\n ﴿لا فِيها غَوْلٌ:﴾ غائلة، كما في خمر الدنيا تغتال العقول. قال الشاعر: [المتقارب]\nفما زالت الكأس تغتالنا... وتذهب بالأوّل الأوّل\nأي: تصرعنا واحدا واحدا. قال ابن عباس﵄-: في الخمر أربع خصال:\nالسكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله تعالى خمر الجنة، فنزهها عن هذه الخصال. انتهى. فخمر الجنة طعمها طيب كلونها؛ فلا خمار يصدع الرؤوس، ولا سكر، ولا عربدة يذهب لذة الاستمتاع، كما هي الحال في خمر الدنيا. يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، أي: تذهب بها. ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ أي: لا تذهب عقولهم بشربها.\nيقال: نزف الرجل ينزف، فهو منزوف، ونزيف: إذا سكر، قال الشاعر: [المتقارب] وإذ هي تمشي كمشي النّزي... ف يصرعه بالكثيب البهر\nالبهر: الكلال، وانقطاع النفس. وقال جميل بن معمر-وهذا هو الشاهد رقم (١٥٩) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nفلثمت فاها آخذا بقرونها... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج\nهذا وقرأ حمزة، والكسائي بكسر الزاي، وتابعهما عاصم في سورة (الواقعة): ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ وذلك من: أنزف الشارب: إذا نفد عقله، أو شرابه، وأصله للنفاد، يقال: نزف المطعون:\nإذا خرج دمه كله. ونزحت الركية؛ حتى نزفتها، وهو يفيد أن الفعل يكون لازما، ومتعديا.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِزْقٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ:﴾ صفة له، ونائب فاعله محذوف، التقدير: معلوم وقته، أو معلوم صفاته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَواكِهُ:﴾ بدل، أو عطف بيان ل: ﴿رِزْقٌ،﴾ وأجيز اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير:\nهو ﴿فَواكِهُ،﴾ فتكون الجملة الاسمية هذه في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رِزْقٌ﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:\nواو الحال، (هم مكرمون): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير، والعامل في الحال اسم الإشارة، وهو أولى من اعتبار الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي جَنّاتِ:﴾ جار ومجرور فيهما ثلاثة أوجه:\nالأول: اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر ثان ل: ﴿أُولئِكَ﴾. والثاني: اعتبارهما متعلقين","vol":"8","page":30},{"text":"بمحذوف حال من الضمير المستكن في: ﴿مُكْرَمُونَ﴾. والثالث: اعتبارهما متعلقين ب: ﴿مُكْرَمُونَ﴾.\nو﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلى سُرُرٍ:﴾ يجوز فيهما ما جاز في: ﴿فِي جَنّاتِ﴾ من اعتبارات. ﴿مُتَقابِلِينَ:﴾ حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور: ﴿عَلى سُرُرٍ،﴾ أو حال من الضمير المستتر في: ﴿مُكْرَمُونَ،﴾ وعليه فالجار والمجرور ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: يطوف عليهم طوفانا كائنا بكأس.\n ﴿يُطافُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل.\n ﴿بِكَأْسٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ مَعِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (كأس). والجملة الفعلية: ﴿يُطافُ..﴾. إلخ تحتمل أن تكون مستأنفة، وأن تكون في محل رفع خبر آخر للمبتدأ، وأن تكون في محل نصب حال من الضمير المستكن في: ﴿مُكْرَمُونَ﴾. وقيل: في محل رفع صفة ل: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أيضا. ﴿بَيْضاءَ:﴾ صفة: (كأس) مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة، ووزن: فعلاء، أو منع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿لَذَّةٍ:﴾ صفة ثانية ل: (كأس). ﴿لِلشّارِبِينَ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿لَذَّةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَوْلٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\nوالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل جر صفة ثالثة ل: (كأس)، أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال:\nزائدة. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يُنْزَفُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على ما فيها من اعتبارات.\n\n<span id=\"aya-3836\"></span><span id=\"aya-3837\"></span><span id=\"aya-3838\"></span>﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَعِنْدَهُمْ:﴾ عند عباد الله المخلصين. ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أي: نساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم؛ قاله ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وغيرهم. مأخوذ من قولهم: اقتصر على كذا: إذا اقتنع به، وعدل عن غيره. قال امرؤ القيس: [الطويل]\nمن القاصرات الطّرف لو دبّ محول... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا\nويروى: فوق الخد، والأول أبلغ. والإتب: القميص، والمحول: الصغير من الذر.\n ﴿عِينٌ:﴾ عظام العيون، شديدات بياضها، شديدات سوادها. ومنه قيل لبقر الوحش: عين، والثور","vol":"8","page":31},{"text":"أعين، والبقر عيناء. ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ:﴾ مصون، قال الحسن، وابن زيد: شبهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح، والغبار، فلونها أبيض في صفرة، وهو أحسن ألوان النساء. وقال ابن عباس، وابن جبير، والسدي: شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر، وتمسه الأيدي.\nوفي الحديث عن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشّرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على الله﷿ولا فخر، يطوف عليّ ألف خادم، كأنّهنّ البيض المكنون، أو اللؤلؤ المكنون». أخرجه ابن أبي حاتم، وروى بعضه الترمذي.\nوعن أم سلمة﵂قالت: قلت لرسول الله ﷺ: أخبرني عن قوله تعالى:\n ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ؟﴾ قال: «رقّتهنّ كرقّة الجلد الذي في داخل البيضة، ممّا يلي القشر».\nوالعرب تشبه النساء بالبيض من ثلاثة أوجه: أحدها: بالصحة، والسلامة عن الطمث، أي:\nالجماع، ومنه قول الفرزدق: [الوافر]\nخرجن إليّ لم يطمثن قبلي... وهنّ أصحّ من بيض النّعام\nفبتن بجانبيّ مصرّعات... وبتّ أفضّ أغلاق الختام\nوالثاني: في الصيانة والستر؛ لأن الطائر يصون بيضه، ويحضنه. والثالث: في صفاء اللون، ونقائه؛ لأن البيض يكون صافي اللون نقيه؛ إذا كان تحت الطائر. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢٦] من سورة (الشعراء) بشأن بيتي الفرزدق، وخذ قول امرئ القيس في معلقته رقم [٣١]: [الطويل]\nوبيضة خدر لا يرام خباؤها... تمتّعت من لهو بها غير معجل\nوتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن، والنظافة: كأنه بيض النعام المغطى بالريش.\nوقيل: المكنون: المصون عن الكسر، أي: إنهن عذارى. وقيل: المراد بالبيض: اللؤلؤ، كقوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أي: في أصدافه. قاله ابن عباس﵄أيضا. ومنه قول الشاعر: [الخفيف]\nوهي بيضاء مثل لؤلؤة الغو... واص ميزت من جوهر مكنون\nوإنما أفرد المكنون، وذكّر في الآية الكريمة؛ والبيض جمع؛ لأنه رد النعت إلى اللفظ، لا إلى المعنى. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي: يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا، وهو من تمام الأنس في الجنة. والمعنى: يشربون من خمر الجنة الموصوف بما ذكر، فيتحادثون على الشراب كعادة الشّرّاب. قال بعضهم (ونسب للفرزدق): [الوافر]\nوما بقيت من اللّذّات إلاّ... أحاديث الكرام على المدام","vol":"8","page":32},{"text":"فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم في الدنيا؛ إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله تعالى في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه، وسورة (الطور) شرحت هذا التساؤل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] لترى تساؤل الكافرين، والظالمين فيما بينهم. هذا؛ وانظر شرح ﴿الطَّرْفِ﴾ في الآية رقم [٥٢] من سورة (ص).\nالإعراب: ﴿وَعِنْدَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، (عندهم): ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قاصِراتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو صفة لموصوف محذوف، كما رأيت في الشرح. و﴿قاصِراتُ﴾ مضاف، و﴿الطَّرْفِ﴾ مضاف إليه، وهذه الإضافة تحتمل أن تكون من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، وأن تكون من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية الواقعة خبرا ل: ﴿أُولئِكَ﴾ في الآية رقم [٤١]. ﴿عِينٌ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف. ﴿كَأَنَّهُنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿بَيْضٌ:﴾ خبرها، ﴿مَكْنُونٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثالثة للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿فَأَقْبَلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أقبل): فعل ماض، ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُطافُ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:\n ﴿بَعْضُهُمْ،﴾ وما عطف عليه، والرابط: الضمير فقط.\n\n<span id=\"aya-3839\"></span><span id=\"aya-3840\"></span><span id=\"aya-3841\"></span>﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من الذين يتحادثون فيما بينهم؛ وهم جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم يسعون، ويجيئون بكل خير عظيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ:﴾ صديق ملازم، اختلف في هذا القرين، فقيل: هو الشيطان، وقيل: هو مشرك كان لا يؤمن بالله واليوم الآخر. قال السدي: كان شريكان في بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، ثم افترقا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ وساق قصة مشابهة لما ذكرته في سورة (الكهف) رقم [٣٢] وما بعدها. وصرح القرطبي في ذلك حيث أحال على ما ذكر في سورة (الكهف)، ومثله في الخازن. وقال محمد علي الصابوني:","vol":"8","page":33},{"text":"القائل هو أحد الرجلين اللذين قال الله فيهما: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ و(القرين): هو الرجل الذي دخل جنته، وهو ظالم لنفسه، وقد وردت قصتهما في سورة (الكهف).\nثم قال السدي: فإذا كان يوم القيامة، وأدخل الله تعالى المؤمن الجنة، يمرّ فإذا هو بأرض، ونخل، وثمار، وأنهار، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هذا لك، فيقول: يا سبحان الله، أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم يمرّ، فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك، فيقول: يا سبحان الله، أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال:\nثم يمرّ فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء، مجوفة فيها حوراء عيناء، فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك، فيقول: يا سبحان الله، أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر، فيقول، ﴿إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ..﴾. إلخ انتهى. مختصر ابن كثير بتصرف كبير، كما رأيت.\n ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ أي: أأنت تصدق بالبعث، والنشور، والحساب والجزاء؟! يعني بذلك على وجه التعجب، والتكذيب، والاستبعاد، والكفر، والعناد. هذا؛ وقرئ بتشديد الصاد والدال، فيكون المعنى: أأنت تتصدق بالمال طلبا للثواب؟! ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا:﴾ انظر الآية رقم [١٦] ففيها الكفاية. ﴿لَمَدِينُونَ﴾ أي: مجزيون محاسبون بعد الموت. فهو من الدّين بمعنى: الجزاء، وانظر الآية رقم [٢٠].\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿قائِلٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿قائِلٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر:\n ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿قَرِينٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ قائِلٌ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، فهي حال متداخلة، وفيها معنى التفسير للتساؤل. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿قَرِينٌ﴾. ﴿أَإِنَّكَ:﴾ الهمزة:\nحرف استفهام إنكاري توبيخي. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المصادقين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة: ﴿قَرِينٌ﴾. ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا..﴾. إلخ انظر الإعراب كاملا في الآية رقم [١٦]، مع ملاحظة إبدال ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ بقوله: ﴿لَمَدِينُونَ﴾ وهو لا يخل في الإعراب أبدا، إفرادا وجملا.\n\n<span id=\"aya-3842\"></span><span id=\"aya-3843\"></span>﴿قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ..﴾. إلخ: الله تعالى لأهل الجنة، وقيل: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين؟ وقيل: هو من قول الملائكة،","vol":"8","page":34},{"text":"وهو ضعيف؛ لأن الفاعل مفرد. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ:﴾ إلى النار لأريكم ذلك الكافر، والاستفهام بمعنى: الأمر مثل قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩١]: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. هذا؛ وقرئ «(مطلعون)» «(فأطلع)» بتسكين الطاء فيهما، وضم الألف، وكسر النون، على معنى: هل أنتم مقبلون، فأقبل؟ وأنكر أبو حاتم، وغيره هذه القراءة. وقال النحاس: هذا لحن لا يجوز؛ لأنه جمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافا؛ لكان اللفظ هل أنتم مطلعيّ؛ وإن كان سيبويه، والفراء قد حكيا مثله، وأنشدا: [الطويل]\nهم القائلون الخير والآمرونه... إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما\nوأنشد الفراء وحده: «والفاعلونه» وأنشد سيبويه وحده: [الطويل]\nولم يرتفق والناس محتضرونه... جميعا وأيدي المعتفين رواهقه\nوهذا شاذ خارج عن كلام العرب، وما كان مثل هذا لا يحتج به في كتاب الله ﷿، ولا يدخل في الفصيح، وقد قيل في توجيهه: إنه أجرى اسم الفاعل مجرى المضارع لقربه منه، فجرى: (مطلعون) مجرى يطلعون. ذكره أبو الفتح عثمان بن جني، وأنشد: [الرجز]\nأرأيت إن جئت به أملودا... مرجّلا ويلبس البرودا\nأقائلنّ: أحضري الشّهودا\nفأجرى: «أقائلنّ» مجرى: أتقولون، وهذا هو الشاهد رقم (٦٣٦) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾ أي: رأى قرينه. ﴿فِي سَواءِ الْجَحِيمِ:﴾ في وسط الجحيم، فقد ذكر أن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له كان في الدنيا؛ اطّلع من بعض الكوى. وعن قتادة قال: قال بعض العلماء: لولا أن الله ﷿ عرّفه إياه لما عرفه، لقد تغير حبره وسبره؛ أي: لونه، وهيئته. هذا؛ وانظر (سواء) في الآية رقم [١٠] من سورة (يس).\nهذا؛ واطّلع أصله: تطلع، فأدغمت التاء في الطاء، بعد قلبها طاء، وتسكينها؛ لأنهما من مخرج واحد، ثم اجتلبت همزة الوصل ليمكن النطق بالساكن، ولهذه الكلمة نظائر، مثل: ادّكر، وادّارك، واطّير، وازّيّن، وادّارأتم. وانظر الآية رقم [١٥٣] تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله) أو إلى المؤمن، كما رأيت في الشرح، ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُطَّلِعُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاطَّلَعَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (اطلع):\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى المؤمن، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:","vol":"8","page":35},{"text":"﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَرَآهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (رآه): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى المؤمن، والهاء العائدة إلى القرين مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فِي سَواءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و﴿سَواءِ﴾ مضاف. و﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-3844\"></span><span id=\"aya-3845\"></span>﴿قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: المؤمن لقرينه. ﴿تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أي: أقسم بالله لقد قاربت تهلكني وتوقعني في النار بسبب إغوائك لي، وتزيينك لي الشر، والفساد، وعدم الإيمان بالحساب، والجزاء. وهذا الكلام كأنه شماتة بقرينه الضال، الذي هوى في جهنم وبئس المصير. هذا؛ و﴿تَاللهِ﴾ قسم فيه معنى التعجب، والتاء بدل الباء، وهي مختصة باسم الله تعالى، وربما قالوا: تربي، وترب الكعبة، وتا الرحمن، والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر، ومظهر. ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ أي: فضله، وتوفيقه، وعصمته من إغوائك، وهدايته لي بالاستمساك بعرى الإيمان؛ لكنت من المحضرين معك في النار، ولكنه رحمني، وتفضل عليّ، فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده: ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾. هذا؛ والإحضار عام في كل شيء، لكن غلب استعماله في الإحضار للعذاب.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى المؤمن، تقديره: «هو» ﴿تَاللهِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿إِنْ:﴾ مخففة من الثقيلة مهملة. ﴿كِدْتَ:﴾ فعل ماض ناقص من أفعال المقاربة، مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿لَتُرْدِينِ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات، وهي لازمة هنا، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: []\nوخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل\n (تردين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت» والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، المدلول عليها بكسرة النون مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كادت) وجملة: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ تَاللهِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط.\n ﴿نِعْمَةُ:﴾ مبتدأ. وهو مضاف، و﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وخبر المبتدأ محذوف، التقدير: موجودة، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَكُنْتُ:﴾","vol":"8","page":36},{"text":"اللام: واقعة في جواب (لولا). (كنت): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿لَكُنْتُ..﴾. إلخ جواب (لولا) لا محل لها، و(لولا) ومدخولها معطوفة على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول مثله.\n\n<span id=\"aya-3846\"></span><span id=\"aya-3847\"></span><span id=\"aya-3848\"></span><span id=\"aya-3849\"></span>﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ:﴾ قيل: يقول أهل الجنة هذا للملائكة حين يذبح الموت بين الجنة والنار، وينادي مناد: يا أهل الجنة خلود لا موت! ويا أهل النار خلود لا موت! كما رأيت في سورة (مريم) رقم [٣٩] فتقول الملائكة لهم: لا، فيقولون: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾\nوإنما يقولونه على جهة التحدث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون، ولا يعذبون، ليفرحوا بدوام النعيم، لا على طريق الاستفهام؛ لأنهم قد علموا: أنهم ليسوا بميتين، ولا معذبين، ولكن أعادوا الكلام؛ ليزدادوا سرورا بتكراره. انتهى. خازن.\nوقيل: يقول هذا الكلام المؤمن لقرينه الضال مستهزئا به، وساخرا منه، كما كان ذلك الضال يستهزئ به في الدنيا. والمعنى: هل لا تزال على اعتقادك بأننا لن نموت إلا موتة واحدة، وأنه لا حساب، ولا جزاء، ولا عذاب؟ وهو أسلوب ساحر لاذع يظهر فيه التشفي من ذلك القرين الضال، والتحدث بنعمة الله عليه. انتهى. صفوة التفاسير للصابوني.\n ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ:﴾ والمعنى: أنخلد، ولا نموت. ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ أي: التي ذقنا مرارتها في الدنيا. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ:﴾ والمعنى: أنحن آمنون من العذاب، فلا نعذب؟ ﴿إِنَّ هذا﴾ أي:\nالنعيم المقيم في الجنة. ﴿لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: الفلاح، والنجاح، والربح العظيم؛ الذي لا يعدله شيء. ﴿لِمِثْلِ هذا﴾ أي: النعيم المقيم، والربح العظيم. ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ أي:\nالموجودون في الدنيا، فليعملوا له، فإنه جدير بالاهتمام، وصرف الوقت في تحصيله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَفَما:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسمها. ﴿بِمَيِّتِينَ:﴾ الباء:\nحرف جر صلة. (ميتين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة. إذ التقدير: أنحن مخالدون منعمون، فما نحن بميتين. والكلام في محل نصب مقول القول. وهو يحتمل ما رأيته في الشرح من أن القائل المؤمن، أو أهل الجنة جميعا.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَوْتَتَنَا:﴾ مفعول مطلق، والعامل فيه: (ميتين). وقيل: هو استثناء","vol":"8","page":37},{"text":"منقطع، التقدير: لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا. وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى في سورة (الدخان): ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾. و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْأُولى:﴾ صفة (الموتة) منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما نحن بمعذبين) إعرابها مثل إعراب (ما نحن بميتين) وهي معطوفة عليها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ:﴾\nصفة له. والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن كان الضمير فصلا، لا محل له؛ فخبر: ﴿إِنَّ﴾ هو: ﴿الْفَوْزُ،﴾ ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر؛ فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر. وأصلها أن تدخل على المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ تحتمل أن تكون من قول الله تعالى، وأن تكون من قول المؤمن.\n ﴿لِمِثْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. و(مثل) مضاف، و﴿هذا﴾ مضاف إليه، فهو اسم إشارة مبني على السكون في محل جر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿فَلْيَعْمَلِ:﴾ الفاء:\nهي الفصيحة. اللام: لام الأمر. (يعمل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْعامِلُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط مقدر ب: «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا فليعمل العاملون لمثله. والكلام مثل سابقه يحتمل أن يكون من قول الله تعالى، وأن يكون من قول المؤمن.\n\n<span id=\"aya-3850\"></span><span id=\"aya-3851\"></span><span id=\"aya-3852\"></span><span id=\"aya-3853\"></span>﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥)﴾\nالشرح: لما ذكر الله تعالى ما أعده للأبرار في دار النعيم؛ ذكر ما أعده للأشرار في دار الجحيم، وذلك من باب المقابلة، والمقارنة؛ ليظهر التمييز بين الفريقين.\n ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ..﴾. إلخ: أي: أهذا الذي ذكر من نعيم الجنة، وما فيها من ماكل، ومشارب، ومناكح، وغير ذلك من الملاذ خير ضيافة، وعطاء، أم شجرة الزقوم؛ التي في جهنم؟!. هذا؛ والنزل: ما يهيأ من الطعام، والشراب، والإكرام للنازل، قال أبو السعد الضبي، وقد استعار ما يعد للضيف النازل لما يفعله بالأعداء الهاجمين على قومه وعليه: [الطويل]\nوكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا","vol":"8","page":38},{"text":"و﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها، ونتنها، وهي تحيا بلهب النار، كما تحيا الشجرة في الدنيا بالماء البارد. واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا؛ التي تعرفها العرب، أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل.\nوفي القاموس المحيط: نبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل. القول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا. فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من إفريقية، فسألوه، فقال: هو عندنا الزّبد، والتمر. فقال ابن الزّبعرى: أكثر الله في بيوتنا الزقوم.\nفقال أبو جهل الخبيث لجاريته: هاتي زقّمينا، فأتته بزبد، وتمر، ثم قال لأصحابه: تزقّموا هذا الذي يخوفنا به محمد، يزعم: أن النار تنبت الشجر؛ والنار تحرق الشجر. انتهى. قرطبي.\nهذا وفي ذلك دلالة واضحة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة إنما هو بمنزلة ما يهيأ للضيف النازل على غيره، ولهم فيما وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، لهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وكذلك الزقوم بمنزلة ما يهيأ للضيف النازل، ولأهل النار فيما وراء ذلك من المقت والسخط والعذاب الأليم والعقاب الشديد ما ذكرته الآيات القرآنية في كل موطن من مواطن الكلام على أهل النار.\n ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ:﴾ وذلك: أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، وهي تحرق الشجر؟! والمراد: بالظالمين: المشركين هنا، والفتنة: الاختبار، والابتلاء، وكان هذا القول منهم جهلا؛ إذ لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال، والقيود، والحيات، والعقارب، وخزنة جهنم. ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ:﴾ قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع في دركاتها. ﴿طَلْعُها﴾ أي:\nثمرها، والطلع أصله للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم، من حملها؛ إما استعارة معنوية، أو لفظية، وتشبيهه برؤوس الشياطين، دلالة على تناهيه في الكراهية، وقبح المنظر؛ لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم: أنه شر محض، لا يخالطه خير، فيقولون في قبيح الصورة: كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون؛ جاؤوا بصورته على أقبح ما يقدر، وأهوله، كما أنهم إذا اعتقدوا في الملك الخير المحض، ولا شر فيه فشبهوا به الصورة الحسنة. فقد حكى الله تعالى على النسوة اللاتي قلن في وصف يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وهذا تشبيه تخييلي، روي معناه عن ابن عباس، والقرظي، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]\nأيقتلني والمشرفيّ مضاجعي... ومسنونة زرق كأنياب أغوال\nوإن كانت الغول لا تعرف، ولكن لما تصوّر من قبحها في النفوس، وذلك من باب التمثيل، والتخييل، وذلك: أن كل ما يستقبح في الطباع، والصورة يشبّه بما يتخيله الوهم، وإن لم يره.","vol":"8","page":39},{"text":"والشياطين وإن كانوا موجودين، لكنهم غير مرئيين للعرب، إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات. هذا؛ وإن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية يسمى الأستن، وهو شجر مر، منكر الصورة، سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح، ثم صار أصلا يشبه به، فهو تشبيه حقيقي. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وقد ادعى كثير من العرب رؤية الشياطين، والغيلان. وقال الزجاج، والفراء: الشياطين حيات لها رؤوس، وأعراف، وهي من أقبح الحيات، وأخبثها، وأخفها جسما، قال الراجز، وقد شبه المرأة بحية لها عرف: [الرجز]\nعنجرد تحلف حين أحلف... كمثل شيطان الحماط أعرف\nالحماط: نوع من النبات، الواحدة: حماطة، والأعرف: الذي له عرف، والعنجرد:\nالمرأة السليطة، أو الخبيثة أو السيئة الخلق. انتهى. قاموس. وقال الشاعر يصف ناقته: [الطويل] تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه... تعمّج شيطان بذي خروع قفر\nالتعمّج: الاعوجاج في السير، وسهم عموج: يتلوّى في ذهابه، وتعمجت الحية: إذا تلوت في سيرها. وقال الزمخشري في تفسير الزقوم: هو شجر خشن، منتن، منكر الصورة يسمى ثمره: رؤوس الشياطين. انتهى. قرطبي، وكشاف، وغيرهما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَذلِكَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي لأهل النار. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقائل هو الله، أو الملائكة حسب ما تقدم، وقيل: التقدير قل يا محمد لهؤلاء الكافرين: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ..﴾. إلخ، والمعنى لا يؤيده. ﴿نُزُلًا:﴾ تمييز، وقيل: حال، وهو قول الزمخشري، فإنه قال: ولك أن تجعله حالا، كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا؟ ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿شَجَرَةُ:﴾ معطوف على اسم الإشارة، و﴿شَجَرَةُ﴾ مضاف، و﴿الزَّقُّومِ﴾ مضاف إليه، وحذف ما بعده لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: أم شجرة الزقوم خير نزلا. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْناها فِتْنَةً:﴾ ماض ومفعولاه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية من جملة المقول، وهو يقوي، ويؤيد: أن القائل لأهل النار هذا الكلام إنما هو الله تعالى. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿إِنَّها:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها. ﴿شَجَرَةُ:﴾ خبرها. والجملة الاسمية مستأنفة، ومبينة لحقيقة: ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ،﴾ لا محل لها. ﴿تَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿شَجَرَةُ،﴾ أو في محل رفع خبر ثان ل:\n (إنّ). ﴿فِي أَصْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو هما متعلقان بالفعل: ﴿تَخْرُجُ،﴾ و﴿أَصْلِ﴾ مضاف، و﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه. ﴿طَلْعُها:﴾ مبتدأ، و(ها): ضمير","vol":"8","page":40},{"text":"متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَأَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿رُؤُسُ:﴾ خبر: (كأنّ) وهو مضاف، و﴿الشَّياطِينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية:\n ﴿كَأَنَّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ)، أو في محل نصب حال من فاعل ﴿تَخْرُجُ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط.\n\n<span id=\"aya-3854\"></span><span id=\"aya-3855\"></span><span id=\"aya-3856\"></span>﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها﴾ أي: من شجرة الزقوم. ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ أي: يأكلون منها حتى يملؤوا بطونهم. فقد ذكر الله تعالى أنهم يأكلون من شجرة الزقوم؛ التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من سوء الطعم، ونتن الريح، وخبث الطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها؛ لأنهم لا يجدون إلا إياها، وما هو في معناها، كما قال تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾.\nفقد روي عن ابن عباس﵄أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية، وقال:\n «اتقوا الله حقّ تقاته، فلو أنّ قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدّنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!». أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها﴾ أي: بعد ما شبعوا منها، وغلبهم العطش. ﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: أي: مزجا من حميم. وقال غيره: يعني: يمزج لهم الحميم بصديد، وغساق مما يسيل من فروجهم، وعيونهم. وعن سعيد بن جبير﵄قال: (إذا جاع أهل النار استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارّا مرّ بهم يعرفهم لعرفهم بوجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم أشوى من حره لحوم وجوههم؛ التي سقطت عنها الجلود، ويصهر ما في بطونهم، فيمشون تسيل أمعاؤهم، وتتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالثبور). هذا حديث موقوف على تابعي، أخرجه ابن أبي حاتم. انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ وهو مأخوذ فحواه من قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ،﴾ وقوله تعالى في سورة الحج رقم [٢٠]: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (محمد ﷺ) رقم [١٥]: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ وينبغي أن تعلم أن كل واحد مما ذكر مميت، ومهلك، ولكن لا موت، كما قال","vol":"8","page":41},{"text":"تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٧]: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.\nهذا و(شوبا) بفتح الشين مصدر على أصله، وقيل: يراد به اسم المفعول، ويدل على قراءة بعضهم: «(لشوبا)» بضم الشين. قال الزجاج: المفتوح مصدر، والمضموم اسم بمعنى: المشوب، كالنقض بمعنى: المنقوض، والفعل منه: شابه، يشوبه من باب: قال: إذا خلطه، فهو الخلط.\n ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي: مصيرهم، ومرجعهم إلى دركات الجحيم. قال مقاتل:\nالحميم خارج الجحيم، فهم يوردون الحميم لشربه، ثم يردون إلى الجحيم. وقال أبو السعود:\nالزّقوم، والحميم نزل يقدّم إليهم قبل دخولها. وقال النسفي: أي إنهم يذهب بهم عن مقارّهم، ومنازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون إلى أن يمتلئوا، ويسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم. انتهى. وهو كلام جيد، وجدير بالاعتبار.\nهذا؛ و﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم. والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق «ربّ» و«لا» العاملة عمل ليس، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح.\nهذا؛ و(ثم) هذه غير: «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة فيقال: ثمّة.\nالإعراب: ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿لَآكِلُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (آكلون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْها:﴾\nجار، ومجرور متعلقان بما قبلهما وهما في محل المفعول به، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَمالِؤُنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (مالئون): معطوف على (آكلون) مرفوع مثله. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبُطُونَ:﴾ مفعول (مالئون). ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ تقدم على اسمها. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان. ﴿لَشَوْبًا:﴾ اللام: لام الابتداء. (شوبا): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿مِنْ حَمِيمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (شوبا). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ لَهُمْ..﴾. إلخ. معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَرْجِعَهُمْ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿لَإِلَى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (إلى الجحيم):\nمتعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.","vol":"8","page":42},{"text":"<span id=\"aya-3857\"></span><span id=\"aya-3858\"></span><span id=\"aya-3859\"></span>﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿أَلْفَوْا:﴾ وجدوا. ﴿آباءَهُمْ:﴾ في الضلال فاقتدوا بهم، وساروا على نهجهم. وهو ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾. الآية رقم [١٧٠] من سورة (البقرة). ومثلها في سورة (لقمان) رقم [٢١]. هذا؛ و«ضلّ»: بمعنى: كفر، وأشرك. وهو المراد في هذه الآية وهو ضد: اهتدى، واستقام، ومصدره الضلال، ويأتي: «ضلّ» بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ،﴾ ويأتي بمعنى: خفي، يخفى، وغاب يغيب أيضا. قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ رقم [٥٢]. و﴿ضَلَّ﴾ الشيء: ضاع، وهلك. و«ضلّ» أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب لقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾. وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. و«ضلّ»: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لحبيبه محمد ﷺ في سورة (الضحى): ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. هذا؛ وأضلّ، يضل غيره من الرباعي، ومصدره: الإضلال، فهو متعد، والثلاثي لازم. هذا؛ والضلال:\nالخروج عن جادة الحق، والانحراف عن الصراط المستقيم. وينبغي أن تعلم: أن طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، وأما الضلال؛ فطرقه كثيرة، ومتشعبة، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾. الآية رقم [٣٢] وقال الشاعر الحكيم: [البسيط]\nالطّرق شتّى وطرق الحقّ مفردة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد\nلا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد\nوالناس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد\n ﴿فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أي: فهم يسرعون في اتباع خطاهم من غير دليل، ولا برهان، قال مجاهد: شبهه بالهرولة كمن يسرع إسراعا نحو الشيء، والإهراع: الإسراع برعدة. قاله الفراء. هذا؛ وقيل: هذا الفعل ملازم للبناء للمفعول، مثل: أولع، يولع، والصواب: أنه يأتي بصيغة المبني للفاعل، وبه قرأ جماعة في الآية رقم [٧٨] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ويكون من الباب الثالث، مثل: فتح، يفتح، ولكن الأول أكثر، وأشهر، قال مهلهل: [الوافر]\nفجاؤوا يهرعون وهم أسارى... نقودهم على رغم الأنوف","vol":"8","page":43},{"text":"﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ:﴾ كفر، وأشرك قبل أهل مكة. ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: الأمم الماضية، لذا ما الإيمان بجانب الكفر إلا كشامة بيضاء في جلد ثور أسود. وقد بينته مرارا. هذا؛ و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ جمع: أول، وفيه مسائل:\nالأولى: الصحيح: أنه أصله: (أوأل) بوزن أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت في الأولى، بدليل قولهم في الجمع: أوائل، وقيل: إن أصله: (ووّل) بوزن فوعل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على (أواول) لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.\nالثانية: الصحيح: أن أول لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد لا تكتسب بعده شيئا، وقد تكتسب، وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا، فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره؛ وقع الطلاق على الأول دون الثاني.\nالثالثة: لأول استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة، أي: أفعل تفضيل بمعنى: الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو هذا أوّل هذين، ولقيته عاما أوّل، والثاني: أن يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أولا، ومنه قولهم: ما له أول، ولا آخر، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أوّلة وآخرة بالتنوين. انتهى. جمع الجوامع شرح همع الهوامع للسيوطي.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿أَلْفَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿آباءَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ضالِّينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: تعليل لاستحقاقهم ما ذكر من فنون العذاب. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم):\nمبتدأ. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿يُهْرَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وإن كانت صيغته للمفعول، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم، (قد): حرف تحقيق، يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.\nوالهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَكْثَرُ:﴾ فاعل: ﴿ضَلَّ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف","vol":"8","page":44},{"text":"إليه مجرور... إلخ، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٦٢] من سورة (يس).\n\n<span id=\"aya-3860\"></span><span id=\"aya-3861\"></span><span id=\"aya-3862\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ﴾ أي: في الأولين. ﴿مُنْذِرِينَ﴾ أي: رسلا خوفوهم غضب الله، وعقابه الشديد، وعذابه الأليم في الآخرة، فكذبوهم. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ولكل من يتأتى منه النظر نظر تبصر، واعتبار، فيعتبر العاقل، وينزجر بذلك الاعتبار عن الأعمال القبيحة، والأفعال الخبيثة. ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ:﴾ الذين كذبوا، وأعرضوا عن الإيمان بالله، ورسله، وعاقبة كل شيء: آخره ونتيجته، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، أو لأن: ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسبت التذكير من المضاف إليه. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: لكن عباد الله المخلصين الموحدين؛ الذين استخلصهم الله من الكفر. وانظر تتمة الكلام في الآية رقم [٣٨]. هذا؛ وبين (المنذرين) و﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ جناس ناقص لاختلاف المعنى، واختلاف حركة الذال فيهما.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما مفعول ثان تقدم على الأول. ﴿مُنْذِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة: (لقد...) إلخ، جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ كانَ:﴾ في ﴿كانَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها الناقصة، و﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبرها، تقدم عليها، وعلى اسمها. والثاني: أنها تامة، و﴿عاقِبَةُ:﴾\nفاعلها، و﴿كَيْفَ:﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ﴾ تقدمت على عاملها، وصاحبها.\nو﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ، في محل نصب سدت مسد مفعول: (انظر)، وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nهذا؛ وإن اعتبرت الفاء الفصيحة؛ فالجملة الفعلية تكون جوابا لشرط مقدر ب: «إذا» التقدير:\nوإذا كان ما ذكر واقعا؛ فانظر... إلخ، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عِبادَ:﴾ استثناء منقطع؛ لأن ما قبله وعيد، وهم لم يدخلوا في هذا الوعيد.\nو﴿عِبادَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ.","vol":"8","page":45},{"text":"<span id=\"aya-3863\"></span><span id=\"aya-3864\"></span><span id=\"aya-3865\"></span><span id=\"aya-3866\"></span>﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ أي: ولقد دعانا نوح حين أيس من قومه، فقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ،﴾ وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ أي: دعانا فأجبناه، وأهلكنا قومه، والجمع دليل العظمة، والكبرياء، وانظر (نا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (يس) والمعنى: إنا أجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون.\n ﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: ومن آمن به، وأولاده. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي: من الغم الذي لحق قومه، وهو الغرق. ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال، والنساء إلا ولده، ونساءه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: كان ولد نوح ثلاثة، والناس كلهم من ولد نوح، فسام أبو العرب، وفارس، والروم، واليهود، والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند، والهند، والنوب، والزنج، والحبشة، والقبط، والبربر، وغيرهم.\nويافث أبو الصقالبة، والترك، واللان، والخزر، ويأجوج، ومأجوج، وما هنالك. وقال قوم:\nكان لغير ولد نوح أيضا نسل، بدليل قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾. رقم [٣] من سورة (الإسراء)، وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ..﴾.\nإلخ رقم [٥٨] من سورة (مريم)، وقوله تعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ..﴾. إلخ. رقم [٤٨] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nفعلى هذا معنى الآية: وجعلنا ذريته، وذرية من آمن معه هم الباقين، دون ذرية من كفر، فإنهم أغرقوا بسبب كفرهم.\n ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: تركنا عليه ثناء حسنا في كل أمة، فهو كناية لطيفة عن ذلك، فإنه محبب إلى الجميع، حتى إن في المجوس من يقول: إنه أفريدون، وقيل المراد في الآخرين: أمة محمد ﷺ. وقيل: في الأنبياء؛ إذ لم يبعث بعده نبي إلا أمر بالاقتداء به، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا..﴾. إلخ الآية رقم [١٣] من سورة (الشورى). هذا والذكر الحسن الجميل للإنسان بعد موته عمر ثان له، كما قال أحمد شوقي -رحمه الله تعالى-: [الكامل]\nدقّات قلب المرء قائلة له... إنّ الحياة دقائق وثوان\nفارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان","vol":"8","page":46},{"text":"هذا؛ ونوح اسمه: السكن، وقيل: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: إخسأ يا قبيح! فأوحى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟! وقيل:\nأنطق الله الكلب، فقال له: أتسخر من الخالق، أم من المخلوق؟ وهو أول رسول بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمر ألفا وخمسين سنة. وقيل: أكثر. لم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الآخرة من سورة (نوح). يروى: أن جبريل﵊قال له: يا أطول الأنبياء عمرا، كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار، لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر.\nهذا؛ والأهل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذوو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾. والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ الآية رقم [٦] من سورة (التحريم).\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر الآية رقم [٦٩]. ﴿نادانا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و(نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿نُوحٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم. والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف عطف.\nاللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نعم): فعل ماض جامد لإنشاء المدح. ﴿الْمُجِيبُونَ:﴾\nفاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة... إلخ، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: نحن، وجملة: «لنعم المجيبون نحن» جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف وجوابه كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿وَنَجَّيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها مثله. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، وجوز اعتباره مفعولا معه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْكَرْبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة: ﴿الْكَرْبِ﴾. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿ذُرِّيَّتَهُ:﴾ مفعول به أول. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْباقِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وجملة ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ، معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَتَرَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: تركنا ثناء حسنا. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار","vol":"8","page":47},{"text":"ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية للموصوف المحذوف. ﴿فِي الْآخِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، أو هما المفعول الثاني للفعل: (تركنا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3867\"></span><span id=\"aya-3868\"></span><span id=\"aya-3869\"></span><span id=\"aya-3870\"></span>﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ أي: سلام عاطر من الله تعالى، والخلائق على نوح باق على الدوام بدون انقطاع. قال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: بلغني: أن النبي ﷺ قال:\n «من قال حين يمسي: سلام على نوح في العالمين لم تلدغه عقرب». ذكره أبو عمر في التمهيد.\nوفي الموطأ عن خولة بنت حكيم﵂-: أن رسول الله ﷺ قال: «من نزل منزلا، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق فإنه لا يضرّه شيء حتى يرتحل». ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ:﴾ هذا تعليل لما فعل بنوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من إكرامه بإجابة دعائه، وإبقاء ذريته، وذكره الجميل، وتسليم العالمين عليه، فعلّل ذلك بكونه من زمرة المأمورين بالإحسان، الراسخين فيه، وإن ذلك من قبيل مجازاة الإحسان بالإحسان. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ:﴾ فهذا تعليل لإحسانه بإيمانه، إجلالا لشأن الإيمان وشرفه، وترغيبا في تحصيله، والثبات عليه، والازدياد منه، كما قال تعالى في مدح إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفيه من الدلالة على جلالة قدرهما ما لا يخفى، فلا يرد: كيف مدح نوحا، وإبراهيم، وغيرهما كموسى، وعيسى عليهما الصلاة والسّلام بذلك مع أن مرتبة الرسل فوق مرتبة المؤمنين. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nهذا؛ والإضافة في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا﴾ إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وذكر العبودية مقام عظيم. والعبد: الإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك.\n ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي: أغرقنا الكافرين؛ الذين لم يؤمنوا بنوح عن بكرة أبيهم، فلم تبق منهم عين تطرف، ولا ذكر، ولا أثر. هذا؛ و﴿الْآخَرِينَ﴾ جمع: آخر، ومؤنثه: أخرى، وكلاهما بمعنى: غير، وأخرى تجمع على: أخر، وأخريات، والآخر (بفتح الخاء) يكون ما قبله، وما بعده من جنسه. هذا؛ والآخر (بكسر الخاء) لا يكون بعده شيء غيره، ومؤنثه:\nأخرى، وآخرة أيضا، وجمع الأولى: أخريات، وجمع الثانية: أواخر. هذا؛ والأخرى: دار البقاء، وكلاهما ضد الأول. هذا؛ و﴿ثُمَّ﴾ هنا ليست للتراخي، بل هي لتعداد النعم، والمعنى:\nثم إني أخبركم: أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين أعرضوا عن الإيمان.","vol":"8","page":48},{"text":"الإعراب: ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى نُوحٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وساغ الابتداء بالنكرة؛ لأنه في معنى الدعاء. ﴿فِي الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محلها أوجه: أحدها: مفسرة لمفعول (تركنا) المحذوف. والثاني: هي في محل نصب مفعول به ل: (تركنا). وقيل: ضمن (تركنا) معنى:\n «قلنا». وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف. وقيل: هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده. التقدير: نجزي المحسنين جزاء كائنا مثل الجزاء الذين جزيناه نوحا ﵇، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَجْزِي:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لإكرام نوح. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنْ عِبادِنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادِنَا﴾ مجرور مثله، والجملة الاسمية تعليل لإحسانه، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَغْرَقْنَا:﴾\nفعل، وفاعل، ﴿الْآخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n (نجيناه...) إلخ لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3871\"></span><span id=\"aya-3872\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ﴾ أي: من أهل دينه وسنته ومنهاجه، وإن اختلفت فروع شرائعهما. ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق كلي، أو أكثري؛ وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وستمئة وأربعون سنة، أفاده الجلال، والبيضاوي، وفي جامع الأصول: أن بينهما ألفا ومئة، واثنتين وأربعين سنة، وكان بينهما رسولان: هود، وصالح، وكان قبل نوح ثلاثة: إدريس، وشيث، وآدم، فجملة الرسل قبل إبراهيم ستة، على نبينا، وحبيبنا وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وفي الآيتين مراعاة الفواصل وهو من المحسنات البديعية، وهو من خصائص القرآن الكريم، وفيه من الروعة، والجمال، وحسن الوقع على السمع ما يزيد الكلام روعة وجمالا، وهو كثير في القرآن الكريم مثل سورة (الواقعة) ونحوها، ولا يجوز أن نسمّيه: سجعا.\nهذا؛ وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، ومعنى الشيعة: الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة: هم الذين يتقوى بهم الإنسان. وفي القاموس المحيط: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه، وأنصاره، والفرقة","vol":"8","page":49},{"text":"على حدة، وتقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على من يتولى علي بن أبي طالب، وأهل بيته، رضوان الله عليهم أجمعين، حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت-وهو الشاهد رقم (٤١٢) من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [الطويل]\nومالي إلاّ آل أحمد شيعة... ومالي إلاّ مذهب الحقّ مذهب\nوجمع شيعة: شيع، مثل: سدرة، وسدر، والأشياع: جمع الجمع، فهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد فيه الكبار؛ حتى تستوقد. انتهى. قرطبي. هذا؛ والمشايعة:\nالمناصرة، والمعاونة، أخذت من الشياع أيضا، وهو دقاق الحطب لمعاونته النار على الإيقاد في الحطب الجزل. قال عنترة رقم [١٠١] من معلقته: [الكامل]\nذلل ركابي حيث شئت مشايعي... قلبي وأحفزه بأمر مبرم\n ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من آفات القلوب، أو من العلائق الدنيوية، خالص لله. ومعنى المجيء به ربه: إخلاصه له، كما جاء به متحفا إياه، وحقيقة المجيء بالشيء: نقله من مكانه.\nوهذا المعنى لا يتصور فيما نحن فيه، فكان الظاهر: جاء ربه سليم القلب. ففي ﴿جاءَ﴾ استعارة تصريحية، تبعية، شبه إخلاصه قلبه بمجيئه بتحفة في أنه فاز بما يستجلب رضاه. انتهى. جمل نقلا من الشهاب، وزاده. هذا؛ ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما: عند دعائه إلى توحيده، وطاعته. والثاني: عند إلقائه في النار. وقال عوف: فقلت لمحمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق، وأن الله يبعث من في القبور.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنْ شِيعَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، تقدم على اسمها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَإِبْراهِيمَ:﴾ اللام: لام الابتداء. (إبراهيم): اسم (إنّ) مؤخر. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها؛ لأن الواو عطفت قصة إبراهيم على قصة نوح. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة الاسمية في محل نصب حال من نوح، أو من الضمير العائد عليه؛ فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير، فالمعنى لا يأباه. تأمل. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿شِيعَتِهِ﴾ لما فيه من معنى المتابعة، والمشايعة، أو هو متعلق بمحذوف، أو هو مفعول به لهذا المحذوف المقدر ب: اذكر. وهو قول الزمخشري، وأبي البقاء، وغيرهما. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (إبراهيم).\n ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِقَلْبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَلِيمٍ:﴾ صفة:\n (قلب). وجملة: ﴿جاءَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها.","vol":"8","page":50},{"text":"<span id=\"aya-3873\"></span>﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾\nالشرح: في هذه الآية توبيخ لهم، وإنكار على أبيه، وقومه على عبادة من لا يستحق العبادة. والمعنى: ما هذا الذي تعبدونه من الأوثان، والحجارة، والأصنام؟! وانظر ما ذكرته في شرح (أبيه) في الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنعام) ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل مما قبلها، أو هو متعلق بالفعل ﴿جاءَ،﴾ أو ب: ﴿سَلِيمٍ﴾. والأول أقوى. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). ﴿لِأَبِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمِهِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿ماذا:﴾ (ما) اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي تعبدونه. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مركبا مبنيا على السكون في محل نصب مفعولا مقدما، وعليه:\nفالجملة فعلية، وعلى الأول فهي اسمية. وعلى الاعتبارين فهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n<span id=\"aya-3874\"></span><span id=\"aya-3875\"></span><span id=\"aya-3876\"></span><span id=\"aya-3877\"></span><span id=\"aya-3878\"></span>﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾\nالشرح: ﴿أَإِفْكًا:﴾ الإفك: أسوأ الكذب، والأفاك: كثير الإفك، وهو الكذب، قال تعالى في سورة (الجاثية) الآية رقم [٧]: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾. ﴿دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ أي: غير الله تعبدون من أجل الإفك، والكذب، والزور، والبهتان. ﴿فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: شيء تظنونه بربكم؛ وقد عبدتم غيره، وقد علمتم: أنه المنعم، والمتفضل على الحقيقة، فكان جديرا بالعبادة، ولكنكم عبدتم الحجارة، والأوثان من دونه.\n ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ:﴾ قال ابن عباس﵄-: كان قومه يتعاطون علم النجوم، فعاملهم من حيث كانوا يتعاطون، ويتعاملون به، لئلا ينكروا عليه، وذلك: أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم، ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد، ومجمع، فكانوا يدخلون على أصنامهم، ويقربون لها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، وزعموا التبرك عليه، فإذا انصرفوا من عيدهم؛ أكلوه، فقالوا لإبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم-: ألا تخرج معنا إلى عيدنا؟ فنظر في النجوم، فقال: إني سقيم. قال ابن عباس﵄-: أي: مطعون،","vol":"8","page":51},{"text":"وكانوا يفرون من المطعون فرارا عظيما. وقيل: مريض. وقيل: متساقم. وهو من معاريض الكلام. وقيل: إنه خرج معهم إلى عيدهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. انتهى. خازن.\nهذا؛ ونقل القرطبي عن الضحاك قوله: معنى (سقيم): سأسقم سقم الموت؛ لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب، ثم يموت، وهذا تورية وتعريض. وقال الزمخشري: والذي قاله إبراهيم﵇معراض من الكلام، ولقد نوى به: أن من في عنقه الموت سقيم، ومنه المثل: كفى بالسلامة داء، وقول لبيد﵁-: [الكامل]\nفدعوت ربّي بالسّلامة جاهدا... ليصحّني فإذا السّلامة داء\nفعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ: قال: «لم يكذب إبراهيم النبيّ قطّ إلاّ ثلاث كذبات: ثنتين منهنّ في ذات الله قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ،﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ،﴾ وواحدة في شأن سارّة». رواه مسلم، وغيره. هذا؛ والواحدة في شأن سارّة هي قوله للجبار في مصر حين سأله عنها، فقال له: هذه أختي. هذا؛ وقد سماها الرسول ﷺ كذبات، ومعناه: أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب، وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات، ولما كان مفهوم ظاهرا خلاف باطنها، أشفق إبراهيم-على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-منها بمؤاخذته بها، لذا يعتذر ﵊ عن الشفاعة في الموقف العظيم، يقول: «وإني كذبت ثلاث كذبات». انظر حديث الشفاعة الطويل في كتاب: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، وقد خرجه البخاري، ومسلم.\nقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر، وهي:\nأنه ﵊ قال: لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات: اثنتين ما حل بهما عن دين الله، وهما قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ،﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ ولم يعد قوله: «هذه أختي» في ذات الله تعالى، وإن كان دفع بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم ﵇ فيها حظ من صيانة فراشه، وحماية أهله؛ لم يجعلها في ذات الله، وذلك؛ لأنه لا يجعل في جنب الله، وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين كانت لله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾. وهذا لو صدر منا لكان لله، ولكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا، والله أعلم. انتهى. قرطبي في سورة (الأنبياء). وقال هنا: فإبراهيم صادق، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم، واصطفائهم؛ عد هذا ذنبا، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. الآية رقم [٨٢] من سورة (الشعراء).\nهذا؛ وقد قال النبي ﷺ: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب». أي: إن في التعريض ما يمنع المسلم عن الوقوع في الكذب المحرم. فليس إذا في كلام إبراهيم ما يدل على تعمد","vol":"8","page":52},{"text":"الكذب؛ الذي يخل بعصمة الأنبياء، وإنما هو من التعريض المباح، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.\nالإعراب: ﴿أَإِفْكًا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (إفكا): فيه أوجه: أحدها:\nأنه مفعول من أجله، أي: أتريدون آلهة دون الله إفكا ف: ﴿آلِهَةً﴾ مفعول به، و﴿دُونَ﴾ ظرف ل: ﴿تُرِيدُونَ،﴾ وقدمت معمولات الفعل اهتماما بها، وحسنه كون العامل رأس فاصلة، وقدم المفعول لأجله على المفعول به اهتماما به؛ لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك، وباطل، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري. الثاني: أن يكون مفعولا به ب: ﴿تُرِيدُونَ،﴾ ويكون ﴿آلِهَةً﴾ بدلا منه جعلها نفس الإفك مبالغة، فأبدلها منه، وفسره بها، ولم يذكر ابن عطية غيره. الثالثة: أنه حال من فاعل: ﴿تُرِيدُونَ﴾ أي: أتريدون آلهة آفكين، أو ذوي إفك؟ وإليه نحا الزمخشري. قال الشيخ: وجعل المصدر حالا يطرد إلا مع نحو: أما علما فعالم. انتهى. جمل نقلا عن السمين. و﴿دُونَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة فعلية على جميع وجوه الإعراب، وهي في محل نصب مقول القول.\n ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿ظَنُّكُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿بِرَبِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر، وهما مفعوله في المعنى، و(رب) مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلامة الجر الياء... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة في المعنى، وهي من مقول إبراهيم، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿فَنَظَرَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (نظر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم).\n ﴿نَظْرَةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿فِي النُّجُومِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَظْرَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، وتعليقهما بالفعل جيد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها من قول الله تعالى، وليست من قول إبراهيم. ﴿فَقالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿سَقِيمٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَتَوَلَّوْا:﴾ الفاء: حرف عطف. (تولوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال مؤكدة، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"8","page":53},{"text":"<span id=\"aya-3879\"></span><span id=\"aya-3880\"></span><span id=\"aya-3881\"></span><span id=\"aya-3882\"></span><span id=\"aya-3883\"></span><span id=\"aya-3884\"></span>﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال إليهم سرا. وراغ، يروغ، روغا، وروغانا: إذا مال.\nوطريق رائغ، أي: مائل، قال صالح بن عبد القدوس: [الكامل]\nلا خير في ودّ امرئ متقلّب... حلو اللسان وقلبه يتلهّب\nيلقاك بحلف أنه بك واثق... وإذا توارى عنك فهو العقرب\nيعطيك من طرف اللّسان حلاوة... ويروغ عنك كما يروغ الثعلب\nأي: يميل عنك، كما يميل الثعلب في سيره. ﴿فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ:﴾ يخاطب الأصنام استهزاء بها كما يخاطب العقلاء؛ لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة في دعائهم لها، وعبادتهم إياها، ومثله:\n ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ وقد رأيت أنهم كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام ليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم، وإنما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم. ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ:﴾ خص الضرب باليمين؛ لأنها أقوى، والضرب بها أشد. قاله الضحاك، والربيع بن أنس، والفراء، وانظر الآية رقم [٢٦]. وقيل: المراد باليمين: اليمين التي حلفها حين قال: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ فجعل تلك الأوثان جذاذا، كما صرحت بذلك سورة (الأنبياء). وكانت اثنين وسبعين صنما، بعضها من حجر، وبعضها من خشب، وبعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من نحاس، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وكان كبيرها من ذهب مكللا بالجواهر، وكان في عينيه ياقوتتان تتقدان نورا، وهذا الذي علق الفأس برقبته، وتركه سالما، وعزى إليه تكسير سائر الأصنام؛ حيث قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾.\n ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ:﴾ إلى إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بعد أن رجعوا، ورأوا أصنامهم مكسرة محطمة، وسألوا عن كاسرها. انظر المحاورة بينه وبينهم في سورة (الأنبياء). ﴿يَزِفُّونَ:﴾ يسرعون. قاله ابن زيد. وقال قتادة، والسدي: يمشون. وقال يحيى بن سلاّم: يرعدون غضبا. وقال مجاهد: يختالون، وهو مشي الخيلاء، ومنه: أخذ زفاف العروس إلى زوجها. قال الفرزدق: [الطويل]\nوجاء قريع الشّول قبل إفالها... يزفّ وجاءت خلفه، وهي زفّف\nوالزفيف: عدو النعام؛ إذا أسرع، والدفيف طيران الطائر إذا أسرع في الحال؛ التي يكون فيها قريبا من الأرض، ففي الآية الكريمة استعارة الزفيف لسرعة الرجال، يقال: زف الرجل،","vol":"8","page":54},{"text":"يزف زفيفا: إذا أسرع، وقد استعار الحارث بن حلزة الزفيف لسرعة الناقة بقوله في معلقته رقم [٩ و١٠]: [الخفيف]\nغير أنّي قد أستعين على الهم... م إذا خفّ بالثّويّ النّجاء\nبزفوف كأنّها هقلة أم... م رثال دوّيّة سقفاء\n ﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ:﴾ هذا جواب لقولهم الذي حكاه الله تعالى عنهم في سورة (الأنبياء) رقم [٦٥] ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ والمعنى: أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها بأيديكم؟! والنحت: النجر، والبري. والمنحت: ما ينحت به. ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ:﴾ المعنى:\nخلقكم، وخلق الأصنام؛ التي تصنعونها بأيديكم من الخشب، ونحوه. وهذا على اعتبار (ما) موصولة، والأحسن اعتبارها مصدرية، فيكون التقدير: والله خلقكم وعملكم، وهذا مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلق لله ﷿، واكتساب للعباد، وفي هذا إبطال مذهب القدرية، والجبرية، ومذهب المعتزلة أيضا، فقد روى أبو هريرة﵁عن النبي ﷺ قال:\n «إن الله خالق كلّ صانع وصنعته». ذكره الثعلبي. وخرجه البيهقي من حديث حذيفة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ صنع كلّ صانع وصنعته، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه». انتهى. قرطبي، وللزمخشري كلام طويل في دعم مذهبه الاعتزالي. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] من سورة (غافر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿فَراغَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (راغ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم).\n ﴿إِلى آلِهَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم) أيضا، ﴿أَلا:﴾ حرف تحضيض، أو هو حرف توبيخ، وتأنيب.\nوقيل: الهمزة حرف استفهام، و(لا) نافية. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَنْطِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الاستفهام، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ في محل نصب مقول القول، وقدر بعضهم الكلام كما يلي: فلم ينطقوا، فقال: ما لكم لا تنطقون؟ ﴿فَراغَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (راغ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). تقديره: «هو». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ضَرْبًا:﴾\nحال من الفاعل المستتر. التقدير: فراغ عليهم ضاربا. أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف.","vol":"8","page":55},{"text":"التقدير: يضرب ضربا. والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من فاعل: (راغ) المستتر.\nهذا؛ وأجاز الزمخشري اعتباره مفعولا مطلقا لفعل: (راغ). قال: كأنه قال: فضربهم ضربا؛ لأن «راغ عليهم»، بمعنى: ضربهم، وبقوله قال البيضاوي، والنسفي كعادتهما في اتباعه؛ لأن تفسيريهما مأخوذان من الكشاف بلا ريب. ﴿بِالْيَمِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ضَرْبًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿فَراغَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فلم يجيبوا، فراغ... إلخ. ﴿فَأَقْبَلُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أقبلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَزِفُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿فَأَقْبَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فكسرها، فبلغ قومه من رآه، فأقبلوا... إلخ، والجمل كلها معطوفة على جملة: (راغ...) إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). ﴿أَتَعْبُدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (تعبدون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أتعبدون الذي، أو شيئا تنحتونه بأيديكم. والمصدرية ضعيفة، وأضعف منها اعتبارها استفهامية. والجملة: ﴿أَتَعْبُدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال، (الله): مبتدأ.\n ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): فيها أربعة أوجه: أحدها: أنها بمعنى: الذي، أي: خلق الذي تصنعونه، فالعمل هنا التصوير، والنحت، وعليه ف: (ما) مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الكاف، وعليه يصح اعتبار (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا تعبدونه. الثاني: اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب معطوف على الكاف. التقدير: خلقكم، وأعمالكم، وجعلها الأشعري دليلا على خلق الله تعالى لأفعال العباد، وهو الحق. والثالث: اعتبار (ما) استفهامية للتوبيخ، وعليه فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وهذا لا يؤيده المعنى، ولا المحل الإعرابي؛ لأن التقدير: وأي: شيء تعملون؟ والرابع: اعتبار (ما) نافية، التقدير: إن العمل في الحقيقة ليس لكم، فأنتم لا تعملون شيئا. وهذا كالذي قبله لا يؤيده المعنى، ولا المحل الإعرابي أيضا. والأوجه الأربعة قالها السمين، وأنا توسعت في شرحها وإعرابها، وخذ ما يلي:","vol":"8","page":56},{"text":"قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: (ما): في موضع نصب ب: (خلق)، عطف على الكاف والميم في خلقكم، وهي مع الفعل مصدر، أي: والله خلقكم وعملكم، وهذا أليق بها؛ لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ فأجمع القراء المشهورون وغيرهم على إضافة ﴿شَرِّ﴾ إلى ﴿ما،﴾ وذلك يدل على خلقه للشر ﷿ كما خلق الخير.\nوقد فارق عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة جماعة المسلمين، فقرأ: «(من شرّ ما خلق)» بالتنوين ليثبت أن مع الله خالقا يخلق الشر، تعالى الله عما قاله علوا كبيرا، وقوله إلحاد، والصحيح:\nأن الله جل ذكره أعلمنا: أنه خلق الشر، وأمرنا أن نتعوذ منه، وهو خالق الخير بلا اختلاف بين المسلمين، والملحدين، فدل ذلك: أن الله تعالى خلق أعمال العباد كلها، من خير وشر، فيجب أن تكون ﴿ما﴾ والفعل مصدرا، فيكون معنى الكلام إن الله عمّ جميع الأشياء أنها مخلوقة له، قال جل ذكره: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ أي: وعملكم.\nوقد قالت المعتزلة: إن (ما) بمعنى: الذي؛ فرارا من أن يقروا بعموم الخلق لله، فإنما أخبر على قولهم أنه خلقهم وخلق الأشياء التي نحتت منها الأصنام، وبقيت الأعمال، والحركات غير داخلة في خلق الله، تعالى الله عن ذلك، بل كل شيء خلق لله وحده، لا خالق لشيء إلا هو، وخلق الله لإبليس-الذي هو الشر كله-يدل على خلق الله لجميع الأشياء كلها، وقد قال تعالى ذكره: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾. ويجوز أن تكون (ما) استفهاما في موضع نصب ب: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على التحقير لعملهم، والتصغير له. انتهى. بحروفه.\n\n<span id=\"aya-3885\"></span><span id=\"aya-3886\"></span>﴿قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال قوم إبراهيم ﵇ متشاورين فيما بينهم لما غلبهم بالحجة حسب ما رأيت في سورة (الأنبياء). ﴿اِبْنُوا لَهُ بُنْيانًا:﴾ واملؤوه حطبا، واضرموا فيه النار، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال ابن عباس﵄-: بنوا حائطا من حجارة، طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وملؤوه نارا، ثم طرحوه فيه. قال عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-: فلما صار في البنيان، قال: حسبي الله، ونعم الوكيل. والألف واللام في (الجحيم) بدل من الضمير العائد إلى البنيان، التقدير: فألقوه في جحيمه؛ أي: في ناره المستعرة، فكانت عليه بردا، وسلاما. ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ أي: شرا، وهو أن يحرقوه. والكيد: المكر. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ:﴾ المقهورين المغلوبين؛ لأنه لم ينفذ فيه مكرهم، وكيدهم. وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في سورة (الأنبياء)، فإنك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اِبْنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، ويقال: لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير","vol":"8","page":57},{"text":"متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿بَنَيْنا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بَنَيْنا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿فَأَلْقُوهُ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فِي الْجَحِيمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ التقدير: ألقوه مطروحا في الجحيم.\nوجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَأَرادُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أرادوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر. ﴿كَيْدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة بالفاء العاطفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ:﴾ فعل ماض ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-3887\"></span><span id=\"aya-3888\"></span><span id=\"aya-3889\"></span>﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ:﴾ لما نجاه الله من النار، وخلصه من كيد الكفار؛ هجر قومه، واعتزلهم. والمعنى: إني مهاجر من بلاد قومي إلى حيث أمرني ربي، قال مقاتل -رحمه الله تعالى-: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط ابن أخيه، وسارة زوجته إلى الأرض المقدسة، وهي أرض الشام. وقيل: المعنى: إني ذاهب بعملي، وعبادتي، وقلبي، ونيتي. فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن، والواقع يرد هذا قطعا؛ لأنه هاجر ببدنه محافظة على دينه وعبادته.\nوقيل: قال هذا قبل إلقائه في النار. ولا وجه له ألبتة، وما بعده، يرده. وقوله هذا كان بعد نجاته من النار. ومعنى ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ سير شدني إلى ما فيه صلاحي في ديني، ويوفقني لطاعته وعبادته. والأوجه: أن السين للتأكيد دون التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار.\nوقال ذلك ثقة بالله، وتنبيها لقومه على أن الهداية من الله تعالى.\n ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: ارزقني ولدا من الصالحين يؤنسني في غربتي عن وطني الذي عشت فيه. قال ابن كثير: يعني: أولادا مطيعين، يكونون عوضا من قومه، وعشيرته؛ الذين فارقهم. هذا؛ ولفظ ﴿هَبْ﴾ دليل واضح على أن الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل ﵊: اعطني، وارزقني، وإنما قال: ﴿هَبْ لِي،﴾ وقال علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-لابن عباس﵄حين هنأه بولده علي","vol":"8","page":58},{"text":"أبي الأملاك: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب. ولذلك وقعت التسمية بهبة الله، وبموهوب، ووهب، وموهب. وقال الشاعر الحكيم: [الكامل]\nنعم الإله على العباد كثيرة... وأجلّهنّ نجابة الأولاد\nهذا؛ فإن قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، فقد تمنى إبراهيم ذلك بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ رقم [٨٣] من سورة (الشعراء)، وتمنى ذلك سليمان بقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ رقم [١٩] من سورة (النمل)، وتمنى ذلك يوسف بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ رقم [١٠١] من السورة المسماة باسمه؟ والجواب: أن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية، فإذا كلمة الصلاح ليست بالهيّن.\n ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أي: فاستجبنا دعاءه، وبشرناه بغلام يكون حليما في كبره. قال أبو السعود: جمع الله له فيه بشارات ثلاث: بشارة: أنه غلام، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بذلك، وهذا الغلام هو إسماعيل، على نبينا، وحبيبنا وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم، ﵇، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في كتابهم أن إسماعيل ﵇ ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة، وولد إسحاق، وعمر إبراهيم تسع وتسعون سنة، وعندهم: أن الله ﵎ أمره أن يذبح ابنه الوحيد، وفي نسخة أخرى: بكره، فأقحموا هاهنا كذبا وافتراء إسحاق، ولا يجوز هذا؛ لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق؛ لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب.\nقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: ودليلي على أن الذبيح هو إسماعيل من التوراة نفسها؛ إذ إن الذبيح وصف بأنه ابن إبراهيم الوحيد، الذي ليس له سواه؛ إذ سخاوة نفس إبراهيم بولده الوحيد يذبحه امتثالا لأمر ربه له في المنام أدل على امتثال الأمر ونهاية الطاعة، وهذا هو الإسلام بعينه، وإذا رجعنا إلى إسحاق لم نجده وحيدا لإبراهيم في يوم من الأيام؛ لأن إسحاق ولد وعمر إسماعيل نحو (١٤) سنة، كما هو صريح التوراة، وبقي إسماعيل إلى أن مات إبراهيم، وحضر إسماعيل وفاته، ودفنه، وأيضا فإن ذبح إسحاق يناقض الوعد الذي وعد به إبراهيم: أن إسحاق سيكون له نسل، وكذلك فإن مسألة الذبح وقعت في مكة، وإسماعيل هو الذي ذهب به أبوه إلى مكة رضيعا، لا إسحاق، والله أعلم. انتهى. هذا؛ وذكرت لك في سورة (هود) رقم [٧١] أن إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-. قد تزوج غير هاجر، وسارة، وولد له، أولاد غير إسماعيل، وإسحاق.","vol":"8","page":59},{"text":"وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة﵃-، وليس ذلك في كتاب، أو سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلّما من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾. رقم [٥٣] من سورة (الحجر)، وقال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ رقم [٢٨] من سورة (الذاريات)، وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ رقم [٧١] من سورة (هود)، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، أي: يولد في حياة إبراهيم وزوجته سارّة ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب، ونسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا؟ وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم؛ لأنه مناسب لهذا المقام. انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ وسئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد: [الكامل]\nإنّ الذّبيح هديت إسماعيل... نطق الكتاب بذاك والتنزيل\nشرف به خصّ الإله نبيّنا... وأتى به التفسير والتأويل\nإن كنت أمّته فلا تنكر له... شرفا به قد خصّه التّفضيل\nوقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «أنا ابن الذبيحين» فالأول جده إسماعيل، والآخر أبوه عبد الله، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا؛ إن سهل الله له حفر بئر زمزم، أو بلغ بنوه عشرة من الذكور، فلما تحقق له ذلك؛ همّ بذبح عبد الله، فقام في وجهه زعماء قريش، وكان ذلك بعد أن أقرع بين أولاده، وخرجت القرعة على عبد الله، ففداه بمئة من الإبل، ولذلك ثبتت الدية مئة من الإبل، وانظر تفصيل ذلك في كتب السيرة.\nوروى الحاكم في المستدرك عن معاوية بن أبي سفيان؛ قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله! خلفت البلاد يابسة، والمال عابسا، هلك المال، وضاع العيال، فعد عليّ مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين! قال معاوية: فتبسم رسول الله ﷺ، ولم ينكر عليه.\nوروي فيما ذكره المعافى بن زكريا: أنّ عمر بن عبد العزيز﵁سأل رجلا أسلم من علماء اليهود، أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: يا أمير المؤمنين والله إن اليهود ليعلمون: أنه إسماعيل، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن يكون الذبيح أباكم، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون: أنه إسحاق. انتهى. زيني دحلان بتصرف كبير مني.\nأقول: صريح قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ رقم [١١٠]، أقوى دليل على أن الذبيح إسماعيل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وانظر الكلام فيما يلي. هذا؛","vol":"8","page":60},{"text":"و«غلام» يطلق على الصبي دون البلوغ، وجمعه: غلمان، وغلمة، وأغلمة، كما يطلق على العبد، والأجير؛ وإن كانا كبيرين. هذا؛ وقد يقال للأنثى: غلامة، خذ قول الشاعر: [الطويل]\nفلم أر عاما عوض أكثر هالكا... ووجه غلام يشترى وغلامه\nهذا؛ وانظر شرح البشارة في الآية رقم [١١] من سورة (يس).\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره:\n «هو» يعود إلى إبراهيم. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿ذاهِبٌ:﴾ خبرها وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وقدر الجلال قبلها جملة محذوفة كما يلي: فخرج من النار سالما، وقال... إلخ. وعليه؛ فالكلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ذاهِبٌ،﴾ والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ السين: حرف استقبال يفيد تحقق الوقوع. (يهدين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، وانظر إعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٠] من سورة (يس)، ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا، والكلام: ﴿رَبِّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، ﴿فَبَشَّرْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها.\nوقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فاستجبنا له، فبشرناه. ﴿بِغُلامٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَلِيمٍ:﴾ صفة (غلام).\n\n<span id=\"aya-3890\"></span>﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ (١٠٢)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له الغلام، فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى فيه مع أبيه في أمور دنياه، معينا له على أعماله، قال المفسرون: هو سن الثالثة عشرة، قاله الفراء، وغيره.\n ﴿قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ:﴾ رأى ذلك إبراهيم﵇ثلاث ليال متتابعات. أي: في المنام، وهذا من قبيل الوحي. قال محمد بن كعب القرظي﵁-:","vol":"8","page":61},{"text":"كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى، أيقاظا، ورقودا، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم. وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال ﷺ: «إنّا معاشر الأنبياء تنام عيوننا ولا تنام قلوبنا». ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]\nلا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم\nوقال ابن عباس﵄-: رؤيا الأنبياء وحي، واستدل بهذه الآية، ويقال: إن إبراهيم ﵇، رأى في ليلة التروية كأن قائلا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح روّى في نفسه، أي: فكّر: أهذا الحلم من الله، أم من الشيطان؟ فسمّي يوم التروية، فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضا. وقيل له: الوعد، فلما أصبح؛ عرف: أن ذلك من الله، فسمّي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهمّ بنحره، فسمّي يوم النحر. وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرار الرؤيا.\n ﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى:﴾ من الرأي، وإنما شاوره في ذلك، وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله، فيثبّت قدمه إن جزع، ويأمن عليه إن سلم، وليوطن نفسه عليه، فيهون عليه، ويكتسب المثوبة، بالانقياد له قبل نزوله. هذا؛ وقرئ: ﴿تَرى﴾ بقراآت كثيرة.\n ﴿قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أي: ما تؤمر به، فحذف الجار، كما حذف من قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي﵁وينسب لغيره: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nفوصل الفعل إلى الضمير، فصار: تؤمره، ثم حذفت الهاء، كقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ أي: اصطفاهم. وإنما أجاب إسماعيل ﵇ بهذا الجواب؛ لأنه فهم من كلام أبيه: أنّه رأى: أنه يذبحه مأمورا به. أو علم: أن رؤيا الأنبياء حق، وأن مثل ذلك لا يقدمون عليه إلا بالأمر. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ:﴾ على الذبح، أو على قضاء الله تعالى. والمعنى: امض لما أمرك الله به من ذبحي فستجدني إن شاء الله صابرا على تنفيذ أوامر الله تعالى، وهو جواب من أوتي الحلم، والصبر، وامتثال الأمر، والرضا بقضاء الله تعالى. وقد وفى بذلك، كما بينات الآيات التالية، ولذا مدحه الله بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ سورة (مريم) الآية رقم [٥٤].\n ﴿يا بُنَيَّ:﴾ تصغير: ابن، تصغير إشفاق، وإرفاق، لا تصغير تحقير، وإهانة، فأصل ابن: بنو، فلما صغر صار: (بنيو) فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون؛ قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم ألحقت به ياء المتكلم، فاجتمع ثلاث ياآت، فحذفت الثانية منهن؛ التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتي بها لغرض خاص، ولم","vol":"8","page":62},{"text":"تحذف الثالثة التي هي ياء المتكلم؛ لأنها كلمة برأسها. هذا؛ ويقرأ بإسكان الياء، وكسرها، وفتحها في هذه الآية، وغيرها.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿بَلَغَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الغلام، الذي بشر به.\n ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان، فإن المتبادر تعلقه بالفعل قبله، قال الزمخشري: ولا يتعلق ب: ﴿بَلَغَ﴾ لاقتضائه أنهما بلغا معا حد السعي، ولا ب: ﴿السَّعْيَ؛﴾ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، وإنما هي متعلقة بمحذوف على أن يكونا بيانا؛ أي: حالا، كأنه قيل: فلما بلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي، فقيل: مع من؟ فقيل: مع أعطف الناس عليه، وهو أبوه، أي: أنه لم يستحكم قوته بحيث يسعى مع غير مشفق. انتهى. مغني اللبيب لابن هشام. ﴿السَّعْيَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها من الإعراب، على اعتبار (لما) حرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). (يا):\nأداة نداء تنوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الإدغام، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿فِي الْمَنامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَذْبَحُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿أَرى؛﴾ لأنها منامية، وهي تنصب مفعولين، كما رأيت في سورة (يوسف) وسورة (الأنفال)، وجملة: ﴿أَرى..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ماذا تَرى:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿ماذا تَعْبُدُونَ﴾ في الآية رقم [٨٣] بلا فارق، وهي هنا في محل نصب مفعول به للفعل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف التقدير:\nوإذا كان ذلك واقعا وحاصلا فانظر، والكلام كله في محل نصب مقول القول.","vol":"8","page":63},{"text":"﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الغلام الذي بشر به. ﴿يا أَبَتِ:﴾ من المعروف: أنّ في الاسم المضاف لياء المتكلم إذا كان صحيح الآخر ومنادى ستّ لغات: أحدها: حذف الياء، والاستغناء عنها بالكسرة، مثل: يا عبد، وهذا هو الأكثر. الثاني: إثبات الياء ساكنة، نحو يا عبدي. وهذا دون الأول في الكثرة. الثالث: قلب الياء ألفا، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو: يا عبد. الرابع: قلبها ألفا وإبقاؤها، وقلب الكسرة فتحة، نحو: يا عبدا.\nالخامس: إثبات الياء محركة بالفتحة، نحو: يا عبدي. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nالسادس: ضم الاسم بعد حذفها كالمفرد، اكتفاء بنية الإضافة، وإنما يكون ذلك فيما يكثر نداؤه مضافا للياء كالرب والأبوين والقوم، قرئ قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾. إلخ بضم الباء، وحكي: يا ربّ اغفر لي. هذا؛ ويضاف إلى ذلك إذا كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم أبا، أو أما أربع لغات: إحداها: إبدال الياء تاء مكسورة، وبها قرأ السبعة ما عدا ابن عامر في قوله تعالى: ﴿يا أَبَتِ﴾ من سورة (يوسف) وسورة (مريم)، الثانية: إبدالها تاء مفتوحة، وبها قرأ ابن عامر ما تقدم. الثالثة: «يا أبتا» بالتاء، والألف، وبها قرئ ما تقدم شاذا، وقال رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nتقول بنتي: قد أنى أناكا... يا أبتا علّك، أو عساكا\nوهذا هو الشاهد رقم (٢٧١) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». الرابعة: «يا أبتي» وعليه قول الشاعر: [الطويل]\nأيا أبتي لا زلت فينا فإنّما... لنا أمل في العيش ما دمت عائشا\nقال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر الندى: وهاتان اللغتان قبيحتان، والأخيرة أقبح من التي قبلها، وينبغي ألا تجوز إلا في ضرورة الشعر. وقال الخضري في حاشيته على شرح ابن عقيل: ضرورة لكن الأولى أهون؛ لذهاب صورة الياء المعوض عنها. بل قيل: لا ضرورة فيه؛ لأن هذه الألف لم تنقلب عن الياء، بل هي التي تلحق المنادى البعيد، والمندوب، والمستغاث، فتكون لغة عاشرة. والله أعلم.\n ﴿اِفْعَلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿فَلَمّا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تُؤْمَرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، انظر تقديره في الشرح. وجوز اعتبار ﴿فَلَمّا﴾ مصدرية، ولا وجه له ألبتة. ﴿سَتَجِدُنِي:﴾ السين: حرف استقبال.","vol":"8","page":64},{"text":"(تجدني): فعل مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، والفاعل تقديره: «أنت».\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية لا محل لها، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن شاء الله توفيقي، ومعونتي؛ فستجدني. والجملة الشرطية معترضة بين الفعل (تجد) وبين الجار والمجرور: ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ اللذين هما متعلقان به، وهما مفعوله الثاني. هذا؛ والكلام: ﴿يا أَبَتِ افْعَلْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3891\"></span><span id=\"aya-3892\"></span><span id=\"aya-3893\"></span><span id=\"aya-3894\"></span><span id=\"aya-3895\"></span>﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا أَسْلَما:﴾ استسلما لأمر الله، أو سلم الذبيح نفسه، وإبراهيم سلم ابنه، وهو من: سلم هذا لفلان إذا خلص له، فإنه سلم من أن ينازع فيه. هذا؛ وقرئ: «(سلّما)» أي: فوضا أمرهما إلى الله. ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صرعه، وأسقطه على شقه. وقال قتادة: كبه وحول وجهه إلى القبلة. وقيل: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه.\nقال ابن عباس﵄-: أضجعه على جبينه على الأرض: فلما فعل ذلك، قال له ابنه: اشدد رباطي كيلا أضطرب، واكفف عني ثيابي؛ حتى لا ينتضح عليها شيء من دمي، فينقص أجري، وتراه أمي فتحزن، واستحد شفرتك، وأسرع مر السكين على حلقي، ليكون أهون عليّ، فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي، فاقرأ عليهاالسّلام مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي؛ فافعل، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني. فقال إبراهيم ﵇: نعم العون أنت يا بني على أمر الله! ففعل إبراهيم ما طلبه منه ابنه، ثم أقبل عليه يقبله، وهو يبكي؛ وقد ربطه، والابن يبكي، ثم إنه وضع السكين على حلقه، فلم تقطع شيئا، ثم إنه حدها مرتين، أو ثلاثا بالحجر، كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئا.\nفقال الابن عند ذلك: يا أبت كبّني لوجهي، فإنك إذا نظرت وجهي؛ رحمتني، وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله تعالى، وأنا لا أنظر إلى الشفرة، فأجزع منها، ففعل إبراهيم ﵊ ذلك، ثم وضع السكين، على قفاه، فانقلبت، ونودي: ﴿يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾.\nهذا؛ وروى كعب الأحبار، وابن إسحاق عن رجال قالوا: لما رأى إبراهيم ﵊ ذبح ابنه؛ قال الشيطان: لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم، لا أفتن منهم أحدا أبدا، فتمثل الشيطان في صورة رجل، وأتى أم الغلام، فقال لها. هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به ليحتطبا من هذا الشّعب. قال: لا والله ما ذهب به إلا ليذبحه. قالت: كلا هو","vol":"8","page":65},{"text":"أرحم به، وأشد حبا له من ذلك! قال: إنه يزعم أن الله أمره بذلك. قالت: إن كان ربه أمره بذلك، فقد أحسن أن يطيع ربه. فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن، وهو يمشي على أثر أبيه، فقال: يا غلام! هل تدري أين: يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشعب. قال: لا والله ما يريد إلا أن يذبحك! قال: ولم؟ قال: إن ربه أمره بذلك، قال:\nفليفعل ما أمره به ربه، فسمعا، وطاعة. فلما امتنع الغلام منه أقبل على إبراهيم، فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: هذا الشّعب لحاجة لي فيه، قال: والله إني لأرى الشيطان في منامك، فأمرك بذبح ابنك هذا! فعرفه إبراهيم، ﵊، فقال: إليك عني يا عدو الله، فو الله لأمضين لأمر ربي! فرجع إبليس بغيظه، لم يصب من إبراهيم، وآله شيئا مما أراد، وامتنعوا منه بعون الله تعالى. انتهى. خازن بحروفه.\nوروي عن ابن عباس﵄أن إبراهيم على نبينا، وحبيبنا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، لما أراد أن يذبح ابنه؛ عرض له الشيطان بهذا المشعر، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات؛ حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات؛ حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات؛ حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله ﷿، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ انتهى. خازن، ومثله في القرطبي.\nهذا؛ وفي المصباح المنير: والجبين: ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ.\nوهما جبينان عن يمين الجبهة، وشمالها. قاله الأزهري، وابن فارس، وغيرهما. فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه: جبن بضمتين، مثل: بريد، وبرد، وأجبنة، مثل: أسلحة، انتهى. جمل نقلا عنه. هذا؛ واللام الجارة بمعنى: «على».\n ﴿وَنادَيْناهُ﴾ أي: نودي من الجبل، وهل النداء من الله مباشرة، كما حصل ووقع النداء من الله إلى موسى من الشجرة، أو هو نداء جبريل الأمين بأمر الحكيم الخبير العليم؟ الأظهر: أنه الثاني. ﴿يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أي: حصل المقصود من تلك الرؤيا، حيث ظهر منه كمال الطاعة، والانقياد لأمر الله تعالى منك، ومن الولد. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي:\nنجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا، والآخرة. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ:﴾ الاختبار، والامتحان الواضح؛ الذي لا خفاء فيه، وأي اختبار، وامتحان أعظم من اختبار الإنسان بذبح ولده، ونحر فلذة كبده، وثمرة قلبه، وفؤاده، ولهذا مدح الله إبراهيم بقوله: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ هذا؛ وانفرد القرطبي بتفسير البلاء بالنعمة، وأورد قول زهير بن أبي سلمى: [الطويل]\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو","vol":"8","page":66},{"text":"﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي: بما يذبح بدله، فيتم الفعل، و﴿عَظِيمٍ﴾ بمعنى: عظيم الجثة، سمين، أو عظيم القدر. وهو أولى؛ لأنه فدى الله به نبيا ابن نبي، وما خرج من نسله، وهو سيد المرسلين صلّى الله عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليما. هذا؛ وقال ابن عباس -﵄-: هو الكبش الذي تقرب به هابيل، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل. وقال الحسن البصري: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى هبط عليه من ثبير، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه. وهذا قول عليّ، ﵁. فلما رآه إبراهيم؛ أخذه؛ فذبحه وأعتق ابنه، وقال: يا بني اليوم وهبت لي! وقال أبو إسحاق الزجاج: قد قيل: إنه فدي بوعل، والوعل التيس. والمعتمد هو الأول. وعليه فيكون قد نزعت منه صفة الحيوانية مدة وجوده في الجنة، واتصف بصفة الملائكة الذين لا يأكلون، ولا يشربون، فلما هبط به جبريل إلى الأرض؛ نزعت منه صفة الملائكة وعادت إليه صفة الحيوانية؛ التي رفع فيها.\nقيل: نظر إبراهيم فإذا هو بجبريل الأمين، ومعه كبش أقرن أملح، فقال: هذا فداء ابنك، فاذبحه دونه! فكبر إبراهيم، وكبر ابنه، وكبر جبريل، وكبر الكبش، فأخذه إبراهيم، وأتى به المنحر من منى، فذبحه. هذا؛ والذّبح: بمعنى: المذبوح، وجمعه: ذبوح، كالطحن: بمعنى:\nالمطحون، والذّبح بفتح الذال المصدر. هذا؛ وفي أبي السعود: روي: أنه لما ذبحه؛ قال جبريل ﵇: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، فقال: الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم ﵇: الله أكبر، ولله الحمد، فبقي هذا سنة. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لما): انظر الآية السابقة.\n ﴿أَسْلَما:﴾ فعل ماض، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها، أو لا محل لها حسب ما رأيت. ﴿وَتَلَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (تله): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم)، والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿لِلْجَبِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ إذ التقدير: ألقاه، أو طرحه مطروحا على الجبين. ﴿وَنادَيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ناديناه): فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير، لسبقه بجملة فيها معنى القول دون حروفه. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (إبراهيم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا)، والجملة الندائية لا محل لها؛ لأنها مفسرة لمعنى ما قبلها، وجواب (لما) محذوف، التقدير: فلما أسلما، وتله للجبين؛ فديناه بكبش، وجملة:\n ﴿وَنادَيْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على هذا المحذوف المقدر، وهذا عند البصريين، وقال الكوفيون:\nالجواب جملة (ناديناه...) إلخ، والواو زائدة مقحمة، ومثله ما رأيت بقوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ..﴾. إلخ رقم [٩٧] من سورة (الأنبياء)، وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ رقم [١٥]، من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف","vol":"8","page":67},{"text":"سلام وقال بعض الكوفيين: جواب: (لما) جملة: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ والواو زائدة فيها. هذا؛ وقال امرؤ القيس، في معلقته رقم [٣٧]: [الطويل]\nفلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل\nأي: انتحى، والواو زائدة، وقال آخر: [الكامل]\nحتّى إذا حملت بطونكم... ورأيتم أبناءكم شبّوا\nوقلبتم ظهر المجنّ لنا... إنّ اللئيم الفاجر الخبّ\nأراد: قلبتم. هذا؛ وقال النحاس: الواو من حروف المعاني، لا يجوز أن تزاد. وانظر الشاهد رقم (٦٧٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿صَدَّقْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الرُّؤْيا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (إبراهيم) والرابط: الضمير. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٧٨] فهو مثله إفرادا، وجملا. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ إعراب هذه الآية مثل إعراب الآية رقم [٥٨] بلا فارق بينهما، وهي هنا مبينة لما قبلها. (فديناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (ناديناه).\n ﴿بِذِبْحٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: (ذبح).\n\n<span id=\"aya-3896\"></span><span id=\"aya-3897\"></span><span id=\"aya-3898\"></span><span id=\"aya-3899\"></span>﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾\nشرح هذه الآيات وإعرابها تقدم في الآيات رقم [٧٨] و[٧٩] و[٨٠] و[٨١] على هذا الترتيب فلا حاجة إلى إعادة شيء مما ذكرته هناك، ولا إلى الزيادة عليه.\nهذا؛ وقد عاش سيدنا إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مئة وخمسا وسبعين سنة على أصح الروايات، ولما انتقل إلى جوار ربه دفنه ولده في مغارة المكفيلة؛ التي دفنت فيها سارة من قبل، وهي البلدة التي تسمى الآن: الخليل، وقد ذكرت في سورة (هود) رقم [٧١] أنه تزوج غير سارة، وولد له أولاد من غيرها، وأما إسماعيل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فقد عاش مئة وسبعا وثلاثين سنة، ودفن بمكة قريبا من الحجر الذي بجوار البيت العتيق قرب أمه هاجر صلوات الله عليهم أجمعين. والحمد لله رب العالمين، أما إسحاق، فإنه دفن مع أبيه.\nهذا؛ وولد لإسماعيل اثنا عشر ولدا ذكرا، وهم كلهم رؤساء قبائل، وقد ذكرت أسماؤهم في التوراة، فيكونون بمنزلة الأسباط من أولاد يعقوب، كما ولدت له بنت زوجها لابن أخيه","vol":"8","page":68},{"text":"العيص بن إسحاق. ومن نسل إسماعيل كانت العرب المستعربة، ثم كانت خاتمة المطاف بولادة سيدنا، وحبيبنا محمد ﷺ خاتم النبيين من نسل إسماعيل.\n\n<span id=\"aya-3900\"></span><span id=\"aya-3901\"></span>﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ ذكرت لك أن هذه الآية دليل قاطع على أن الذبيح إنما هو إسماعيل؛ لأن هذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ والعطف يقتضي المغايرة، فدل العطف على أن القصة الماضية في غير إسحاق، وأجاب القائلون بأن الذبيح هو إسحاق: بأن البشارة الأولى كانت بأصل وجوده، والثانية كانت بنبوته. وقال ابن عباس﵄-: بشر بنبوته، وذهب إلى أن البشارة كانت مرتين، فعلى هذا الذبيح هو إسحاق، بشر بنبوته جزاء على صبره، ورضاه بأمر ربه، واستسلامه له.\n ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ﴾ أي: ثنينا عليهما النعمة. وقيل: كثرنا ولدهما؛ أي: باركنا على إبراهيم، وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه، وقد قيل: إن الكناية في: ﴿عَلَيْهِ﴾ تعود على إسماعيل، وأنه هو الذبيح. قال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن: أنه إسماعيل، وذلك أنه قص قصة الذبيح، فلما قال في آخر القصة: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ أي: على إسماعيل، وعلى إسحاق، كنى عنه؛ لأنه قد تقدم ذكره، ثم قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما﴾ فدل على أنها ذرية إسماعيل، وإسحاق، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. انتهى. قرطبي.\n ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ:﴾ لما ذكر الله البركة في الذرية، والكثرة؛ قال: منهم محسن، ومنهم مسيء، وأن المسيء لا تنفعه بنوة النبوة، فاليهود، والنصارى، وإن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بد من الفرق بين المحسن، والمسيء، والمؤمن، والكافر، وقد حكى الله عن اليهود، والنصارى قولهم: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ أي: أبناء رسل الله، فرأوا لأنفسهم فضلا، انظر الآية رقم [١٨] من سورة (المائدة).\nهذا؛ و(محسن) معناه لنفسه بطاعة الله، وامتثال أوامره حيث يدخلها جنات تجري من تحتها الأنهار، ومحسن للناس أيضا، يبرهم، ويساعدهم، ويحسن إليهم بالقول أيضا، يرفق بهم، ويتلطف بهم، وظالم لنفسه بالكفر، أو بتعديه حدود الشرع من إهمال الطاعات، أو من اجتراح السيئات. وفي الآية الكريمة تنبيه على أن الخبيث، والطيب، لا يجري أمرهما على العرق، والعنصر، فقد يلد الفاجر البر، والبر الفاجر، ورحم الله من يقول: [الطويل]","vol":"8","page":69},{"text":"إذا المرء لم يخلق سعيدا تخلّفت... ظنون مربّيه وخاب المؤمّل\nفموسى الّذي ربّاه جبريل كافر... وموسى الذي ربّاه فرعون مرسل\nوهذا مما يهدم أمر الطبائع، والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقاب إسماعيل، وإسحاق لم يعد عليهما بعيب، ولا نقيصة، وأن الإنسان إنما يعاب بسوء فعله، ويعاقب على ما اجترحت يداه، لا على ما وجد من أصله، وفرعه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَبَشَّرْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (بشرناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ لا محل لها مثلها. ﴿بِإِسْحاقَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿نَبِيًّا:﴾ حال من (إسحاق)، وهي حال مقدرة. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نَبِيًّا،﴾ أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، فتكون حالا متداخلة، أو بمحذوف حالا ثانية من: (إسحاق). ﴿وَبارَكْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (باركنا): فعل، وفاعل.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى. ﴿وَعَلى إِسْحاقَ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من ذريتهما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مُحْسِنٌ:﴾\nمبتدأ مؤخر. (ظالم): معطوف على ما قبله. وفيه وفي سابقه ضمير مستتر هو فاعلهما.\n ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (ظالم)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة: (ظالم). هذا؛ و﴿مُحْسِنٌ﴾ و(ظالم) في الحقيقة صفتان لموصوفين محذوفين، التقدير: شخص محسن، وشخص ظالم لنفسه مبين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\nهذا؛ والحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة: وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ وحال مقدرة: وهي مستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وما في الآية الكريمة منه، وحال محكية: وهي الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة لصفة بعدها؛ لأن المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.\nتنبيه: إعراب الجملة الاسمية السابقة المتقدم إنما هو بحسب الظاهر، والأصح أن مضمون الجار والمجرور: (من ذريتهما) مبتدأ. و﴿مُحْسِنٌ﴾ هو الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، التقدير: وبعض ذريتهما محسن، وبعض ذريتهما ظالم لنفسه، وتثنية الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ﴾","vol":"8","page":70},{"text":"الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ من الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران)، فعطف (أكثرهم) على منهم يؤيد: أن معناه بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ: (منهم) بما هو مبتدأ، أعني لفظة: (بعضهم) وهذا مما يدل على أن مضمون (منهم) مبتدأ. هذا؛ وليوث جمع: ليث، وهو الأسد، (لا ترام): لا تقصد. (قمشت):\nجمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الردئ من كل شيء.\n\n<span id=\"aya-3902\"></span><span id=\"aya-3903\"></span><span id=\"aya-3904\"></span><span id=\"aya-3905\"></span><span id=\"aya-3906\"></span>﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ:﴾ أنعمنا عليهما بالنبوة، وغيرها من المنافع الدينية، والدنيوية. ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ:﴾ وهو قهر فرعون لقوم موسى، وما كان يفعل في حقهم من الإساءة العظيمة، من قتل الأبناء، واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس الأشياء، ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم بهلاكهم، وأورثهم أرضهم، وديارهم، وأموالهم. قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾. الآية رقم [١٣٧] من سورة (عمران).\n ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿الْمُسْتَبِينَ:﴾ الواضح الجلي، الذي فيه تبيين الحلال، والحرام، وفيه تفصيل الأحكام، كما قال تعالى في سورة (الأنبياء) [٤٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: دللناهما وثبتناهما على الطريق المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه، وهو دين التوحيد الذي ابتعث به أنبياءه، ورسله، ومنه قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله! والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَنَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وانظر الآية رقم [٦٢] من سورة (يس). ﴿عَلى مُوسى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة المقدرة على الألف للتعذر.\nوهذه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (هارون): معطوف على ﴿مُوسى﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف","vol":"8","page":71},{"text":"للعلمية، والعجمة، ﴿وَنَجَّيْناهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمَهُما:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، وأجيز اعتباره مفعولا معه، والأول أقوى. ﴿مِنَ الْكَرْبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة: (كرب).\n ﴿وَنَصَرْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَكانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿نَصَرْناهُمْ:﴾ توكيد لواو الجماعة، أو هو بدل منه، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿الْغالِبِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَآتَيْناهُمَا:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعوله الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿الْمُسْتَبِينَ:﴾ صفة: ﴿الْكِتابَ،﴾ ﴿وَهَدَيْناهُمَا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿الصِّراطَ:﴾ مفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض. ﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ صفة (الصراط) والجملتان الفعليتان معطوفتان على ما قبلهما، لا محل لهما أيضا.\n\n<span id=\"aya-3907\"></span><span id=\"aya-3908\"></span><span id=\"aya-3909\"></span><span id=\"aya-3910\"></span>﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾\nشرح هذه الآيات وإعرابها تقدم في الآيات رقم [٧٨] و[٧٩] و[٨٠] و[٨١] على هذا الترتيب، فلا حاجة إلى إعادة شيء مما ذكرته هناك، ولا إلى الزيادة عليه.\n<span id=\"aya-3911\"></span><span id=\"aya-3912\"></span><span id=\"aya-3913\"></span><span id=\"aya-3914\"></span><span id=\"aya-3915\"></span><span id=\"aya-3916\"></span>﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾\nالشرح: قال محمد بن إسحاق: إلياس بن بشر، بن فنحاص، بن العيزار، بن هارون، بن عمران، وكان القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع بن نون كالب بن يوقنا، ثم حزقيل، ثم لما قبض الله حزقيل النبي؛ عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا الله، وعبدوا الأوثان من دونه، فبعث الله إليهم إلياس نبيا، وتبعه اليسع، وآمن به، فلما عتا عليه بنو إسرائيل؛ دعا ربه أن يريحه منهم، فقيل له: اخرج يوم كذا، وكذا إلى موضع كذا، وكذا، فما استقبلك من شيء فاركبه، ولا تهبه، فخرج ومعه اليسع حتى إذا كان بالموضع الذي أمر به؛ أقبل فرس من نار.\nوقيل: لونه كالنار حتى وقف بين يدي إلياس، فوثب عليه، فانطلق به الفرس، فناداه اليسع:","vol":"8","page":72},{"text":"يا إلياس ما تأمرني، فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر العهد به، ورفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم، وقطع الله عنه لذة المطعم، والمشرب، وكساه الريش، وألبسه النور، فطار مع الملائكة، وصار إنسيا ملكيا، سماويا أرضيا.\nقال ابن قتيبة: وذلك: أن الله تعالى قال لإلياس: سلني أعطك، قال: ترفعني إليك، وتؤخر عني مذاقة الموت، فصار يطير مع الملائكة. وقال بعضهم: كان قد مرض، وأحس الموت، فبكى، فأوحى الله إليه لم تبك؟ حرصا على الدنيا، أو جزعا من الموت، أو خوفا من النار؟ قال: لا، ولا شيء من هذا؛ وعزتك، إنما جزعي، كيف يحمدك الحامدون بعدي، ولا أحمدك، ويذكرك الذاكرون بعدي، ولا أذكرك، ويصوم الصائمون بعدي، ولا أصوم، ويصلي المصلون بعدي، ولا أصلي. فقيل له: يا إلياس وعزتي لأؤخرنك إلى وقت لا يذكرني فيه ذاكر. يعني: قبل يوم القيامة.\nوقال عبد العزيز بن أبي روّاد: إن إلياس والخضر﵉يصومان شهر رمضان في كل عام ببيت المقدس يوافيان الموسم في كل عام. وذكر ابن أبي الدنيا: إنهما يقولان عند افتراقهما عن الموسم: ما شاء الله! ما شاء الله! لا يسوق الخير إلا الله. ما شاء الله! ما شاء الله! لا يصرف السوء إلا الله. ما شاء الله! ما شاء الله! ما يكون من نعمة فمن الله. ما شاء الله! ما شاء الله! توكلت على الله حسبنا الله، ونعم الوكيل. وقيل: إن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار. وكان الحسن البصري-رحمه الله تعالى-يقول: قد هلك إلياس، والخضر، ولا تقول كما يقول الناس: إنهما حيان. انتهى. قرطبي وخازن، ونسفي بتصرف.\nهذا؛ وذكر القرطبي قصة الله أعلم بصحتها، وفحواها: أن إلياس اجتمع بالنبي بفج الناقة عند الحجر، وهو راجع من غزوة تبوك، ولم أره لغيره، ونقله الجمل من الخصائص الكبرى للسيوطي. والله أعلم. هذا؛ ولم يذكر إلياس-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في غير هذه السورة، وقد ذكر في سورة (الأنعام) رقم [٨٥] في جملة المرسلين فقط. ولم يذكره عبد الوهاب النجار في كتابه، ولم يذكر اليسع أيضا، ولكن الثعلبي قد ذكر قصتهما بإسهاب، والمعروف: أنه ينقل عن الإسرائيليات، وكثيرا ما ينقل الخازن عنه، والله أعلم.\n ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أي: بني إسرائيل: ﴿أَلا تَتَّقُونَ:﴾ ألا تخافون الله ﷿، وتخشون حسابه، وعقابه. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا:﴾ اسم صنم لهم كانوا يعبدونه، وبذلك سميت مدينتهم بعلبك؛ التي هي موجودة في شرقيّ لبنان، وغربي شمالي دمشق. وهذا قاله ثعلب، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس﵄-، ولابن عباس قول آخر؛ قال: ربّا. قال النحاس: والقولان صحيحان، والمعنى: أتدعون صنما عملتموه ربّا، ومنه سمي الزوج بعلا،","vol":"8","page":73},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا..﴾. إلخ رقم [١٢٨] من سورة (النساء) وجمعه:\nبعول. قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ رقم [٢٢٨] من سورة (البقرة)، وقال أبو دؤاد، ونسب في الكامل لعبد الله بن الزّبعرى: [مجزوء الكامل]\nورأيت بعلك في الوغى... متقلّدا سيفا ورمحا\nوقيل: كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وله أربعة أوجه، فتنوا به، وعظموه حتى أخدموه أربعمئة سادن، وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل، ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها، ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام، وبه سميت مدينتهم بعلبك، وكان موضعه يقال له: بكّ، فركب فصار بعلبك، والنسبة إليها، بعليّ، أو بكيّ، كما بالنسبة لعبد شمس، تقول: عبديّ، أو شمسيّ.\n ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ أي: أحسن من يقال له: خالق. وقيل: المعنى أحسن الصانعين؛ لأن الناس يصنعون، ولا يخلقون. فاندفع بذلك ما يتوهم من ثبوت الخلق لغيره تعالى؛ لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه. وأجاب الشهاب بأن خلق الله بمعنى:\nالإيجاد، وخلق العباد كسبهم، وهو على مذهب المعتزلة ظاهر؛ لأن المراد: أحسن من يطلق عليه ذلك بأي: معنى كان، كما قاله الآمدي. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب وهو السمين.\n ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ فلم يؤمنوا، بل بقوا في ضلالهم يعمهون. ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: في العذاب.\n ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: من قومه، فإنهم نجوا من العذاب، وفيه دلالة على أن في قومه من لم يكذبه، فلذلك استثنوا، ولم يذكر أحد نوع العذاب الذي أخذوا به في الدنيا، قال الخازن: ونبأ الله اليسع، وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل، وأوحى إليه وأيده، فآمنت به بنو إسرائيل، وكانوا يعظمونه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: قد حكى سيبويه-رحمه الله تعالى-: أن (تدعون بعلا) بمعنى: أتسمون بعلا إلها. وهذا يفيد: أن الفعل: «دعا» إذا كان بمعنى: سمى فهو ينصب مفعولين، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nدعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن... أخاها ولم أرضع لها بلبان\nدعتني أخاها بعد ما كان بيننا... من الفعل ما لا يفعل الأخوان\nوأيضا قول النمر بن تولب الصحابي﵁-: [الطويل]\nدعاني الغواني عمّهنّ وخلتني... لي اسم فلا أدعى به وهو أوّل\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿إِلْياسَ:﴾ اسمها. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المرسلين): جار ومجرور","vol":"8","page":74},{"text":"متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها؛ لأن الواو عطفت قصة إلياس على ما سبقها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف. تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. وقال السمين: هو ظرف متعلق ب: ﴿الْمُرْسَلِينَ،﴾ وقال أبو البقاء الوجهين. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿إِلْياسَ﴾. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف تحضيض. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿أَتَدْعُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (تدعون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بَعْلًا:﴾ مفعول به، والمفعول الثاني محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، و﴿أَحْسَنَ﴾ مضاف، و﴿الْخالِقِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجوز بعضهم اعتبار الجملة الفعلية: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، ولا يصح هذا إلا على تقدير مبتدأ قبلها؛ لأن الجملة المضارعية المثبتة الواقعة حالا، لا تقترن بالواو. ﴿اللهَ:﴾ بدل من: ﴿أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ وحكى أبو عبيد: أنه على النعت، وليس بشيء؛ لأنه ما فيه معنى المشتق، وأجاز أبو البقاء نصبه ب: «أعني» محذوفا، ﴿رَبَّكُمْ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. هذا؛ ويقرأ برفعهما على أنه خبر لمبتدأ محذوف. التقدير:\nهو الله، وهو قول أبي حاتم، أو هو مبتدأ، خبره: ﴿رَبَّكُمْ،﴾ وهو أوضح معنى، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. (رب): معطوف على ما قبله على القراءتين، و(رب) مضاف، و﴿آبائِكُمُ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾\nصفة: ﴿آبائِكُمُ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: الفصيحة. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَمُحْضَرُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف، التقدير: وإذا حصل هذا منهم فإنهم... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عِبادَ:﴾ مستثنى من واو الجماعة، فهو استثناء متصل، وقيل: مستثنى من الضمير في: (محضرون) على أنه منقطع، والأول أقوى، و﴿عِبادَ﴾ مضاف، و﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ.","vol":"8","page":75},{"text":"<span id=\"aya-3917\"></span><span id=\"aya-3918\"></span><span id=\"aya-3919\"></span><span id=\"aya-3920\"></span>﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾\nشرح هذه الآيات وإعرابها تقدم في الآيات رقم [٧٨] و[٧٩] و[٨٠] و[٨١] على هذا الترتيب فلا حاجة إلى إعادة شيء مما ذكرته هناك، ولا إلى الزيادة عليه. هذا؛ وأما (آل ياسين) بفتح الهمزة ومدها، فهو على الإضافة، ففيه وجهان: أحدهما: أن المراد: إلياس، ومن آمن معه فجمعوا معه تغليبا، كقولهم للمهلب، وقومه: المهلبون، وعليه فهو مجموع جمع السلامة بالياء والنون. والوجه الثاني: أن المراد بآل: إلياس، وبياسين: أبوه. وأما على قراءته بكسر الهمزة، والياء والنون؛ فقد جعلوه جمعا منسوبا إلى إلياسين، وإلياسين جمع إلياس، وهو جمع السلامة لكنّ الياء المشدودة في النسب حذفت منه، وأصله: الياسيّ، وتجمع فتقول: إلياسيّين، فالسلام على من نسب إلى إلياس من أمته، والسّلام في الوجه الأول على أهل ياسين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ في سورة (الشعراء) رقم [١٩٨] وأصله في النسب:\nالأعجميّين بياء مشددة، ولكن حذفت لثقلها، وثقل الجمع. هذا؛ وقال ابن كثير: أي: إلياس، والعرب تلحق النون في أسماء كثيرة، وتبدلها من غيرها، كما تقول إسماعيل وإسماعين، وإسرائيل وإسرائين، وإلياس وإلياسين.\nقال محمد علي الصابوني: وإنما ختم الآيات بعد ذكر كل رسول بالسلام عليه، وبهاتين الآيتين الكريمتين لبيان فضل الإحسان، والإيمان، وأن هؤلاء الرسل الكرام كانوا جميعا من المتصفين بهذه الصفات، فلذلك استحقوا التحية والسّلام، والذكر الحسن بين الأنام، صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين.\n<span id=\"aya-3921\"></span><span id=\"aya-3922\"></span><span id=\"aya-3923\"></span><span id=\"aya-3924\"></span><span id=\"aya-3925\"></span><span id=\"aya-3926\"></span>﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ تقدمت قصة لوط-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) وغيرهما. ﴿إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي:\nأنجى الله لوطا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ومن معه من أهله، ولم يكن معه سوى ابنتيه، فلم يؤمن به أحد لقوله في سورة (هود): ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ فلم يوجد فيهم رجل رشيد يهتدي إلى الحق والصواب، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وانظر شرح (نا) برقم [٣٤] من سورة (يس).","vol":"8","page":76},{"text":"﴿إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ:﴾ وهي امرأته، فإنها كانت تسر الكفر، واسمها: واهلة كانت من الغابرين، أي: الذين بقوا في العذاب. والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾. هذا؛ والغابر: اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، فهو من الأضداد، وبابه: دخل. انتهى. مختار. ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان، وحاضرها، كما يقال: في غابر الأزمان، وماضيها، وقال أبو ذؤيب الهذلي من رثاء أولاده: [الكامل]\nفغبرت بعدهمو بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع\nوانظر الأضداد في الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل) فإنه جيد. هذا؛ وعجوز: امرأة طاعنة في السن، ويقال أيضا: شهلة، وشهربة، وشهبرة، وشمطاء، وشيخة لكل امرأة طاعنة في السنّ.\nقال صاحب مختار الصحاح: ولا تقل: عجوزة، والعامّة تقوله، والجمع عجائز، وعجز، وفي حديث النبي ﷺ: «إنّ الجنة لا يدخلها العجز».\n ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ:﴾ أي: أهلكناهم، وكان الإهلاك بقلب قراهم، وجعل عاليها سافلها، ثم بإرسال حجارة من السماء عليهم. انظر ما ذكرته في سورة (الشعراء) رقم [١٧٠]، وما بعدها.\n ﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ خطاب لقريش وللعرب جميعا. ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ أي: تمرون على منازلهم، وديارهم في ذهابكم، وإيابكم إلى بلاد الشام للتجارة في الليل، والنهار، والصباح، والمساء، وكنت ذكرت لك مرارا: أن قرى قوم لوط كانت في بلاد الأردن، وهي من أرض الشام. هذا؛ وفي الآيات التفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو ظاهر، وواضح، وللالتفات فوائد كثيرة؛ منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصه بالمواجهة.\n ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أتشاهدون ديارهم الخربة، ومنازلهم المدمرة، ثم لا تعتبرون، ولا تخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم. هذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وكثيرا ما يتبجح بعض الناس، فيسأل: أين يوجد العقل؟. فهذا تبجح لا مبرر له، وانظر شرح النفس في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم). وسمي العقل: عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، والقبائح، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، وخذ ما يلي: [البسيط]\nلم يبق من جلّ هذي الناس باقية... ينالها الوهم إلاّ هذه الصّور\nلا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر","vol":"8","page":77},{"text":"يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم، ولله در القائل: [المنسرح]\nلا يدهمنك اللّحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر\nفي شجر السّرو منهم شبه... له رواء، وما له ثمر\nورضي الله عن حسان بن ثابت إذ يقول: [البسيط]\nلا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم الجمال وأحلام العصافير\nفقد ورد: أن رجلا معتوها مرّ على مجلس النبي ﷺ، فقال الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم: (هذا رجل مجنون) فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «هذا مصاب إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله تعالى». هذا؛ والعقل: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي القتيل. والعقال بكسر العين: الحبل الذي تربط به ركبة الجمل عند بروكه، ليمنعه من القيام، والمشي. والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط]\nسعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح الناس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nتنبيه: الهمزة في كلمة: ﴿أَفَلا﴾ ومثلها: أولم، وأولا، ونحوهما للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء، والواو؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثم» تنبيها على أصالتها في التصدير. نحو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله تعالت حكمته: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينهما وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ..﴾. إلخ، ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات... إلخ؟. ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٤]، فالإعراب مثلها لا يتغير.\n ﴿نَجَّيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. (أهله):","vol":"8","page":78},{"text":"معطوف على الضمير المنصوب. وقيل: مفعول معه. والأول أقوى، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد ل: (أهله) منصوب مثله، أو هو توكيد للضمير وما عطف عليه، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وساغ ذلك؛ لأن: «أهل» اسم جمع، كما قد عرفت. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء.\n ﴿عَجُوزًا:﴾ مستثنى من: «أهله». ﴿فِي الْغابِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَجُوزًا﴾.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿دَمَّرْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْآخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿نَجَّيْناهُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها.\n ﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَمُرُّونَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (تمرون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مُصْبِحِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة:\n ﴿لَتَمُرُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿الْآخَرِينَ﴾. والرابط: الواو، والضمير المجرور محلا ب: (على). ﴿وَبِاللَّيْلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بالليل): جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ومعطوفان على: ﴿مُصْبِحِينَ﴾.\n ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الفاء: حرف عطف. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير:\nأتشاهدون ديارهم، ولا تتدبرون، وتعتبرون بما حصل لهم؟! والكلام كله مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3927\"></span><span id=\"aya-3928\"></span><span id=\"aya-3929\"></span><span id=\"aya-3930\"></span><span id=\"aya-3931\"></span><span id=\"aya-3932\"></span>﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ ﴿يُونُسَ﴾ هو ذو النون، وهو ابن متّى. وقالوا: «متى» هي أمه، ولم ينسب إلى أمه من الرسل غير يونس، وعيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام. ويتصل نسبه ببنيامين أحد أولاد يعقوب، وهو أخو يوسف الصديق، أرسله الله إلى أهل نينوى من أرض الموصل في العراق، وكانوا يعبدون الأصنام، ولهم صنم ضخم يسمونه: عشتار، ثم تابوا. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٨] من السورة المسماة باسمه، وما ذكرته في الآية رقم [٨٧] من سورة (الأنبياء) ففيها فضل بيان يسر القلب، ويثلج الصدر. ﴿إِذْ أَبَقَ:﴾ هرب، وأصله الهرب من السيد، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه؛ حسن إطلاقه عليه، فهو من باب المجاز المرسل من استعمال المقيد في المطلق،","vol":"8","page":79},{"text":"أو الاستعارة التصريحية، حيث شبه خروجه بغير إذن ربه بإباق العبد من سيده. ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] من سورة (يس).\n ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلوبين المقهورين في القرعة. قال الفراء: يقال:\nدحضت حجته، وأدحضها الله، وأصله من الزلق، قال الشاعر: [الوافر]\nقتلنا المدحضين بكلّ فجّ... فقد قرّت بقتلهم العيون\nو(ساهم): فقارع أهل السفينة، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة، وقد كنت ذكرت لك في سورة (يونس) وسورة (الأنبياء) أن يونس-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قد برم بقومه لطول ما ذكّرهم، فلم يذّكّروا، وأقاموا على كفرهم، وظن: أن خروجه بدون إذن من الله يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا لله تعالى وأنفة لدينه، وبغضا للكفر وأهله، وكان عليه أن ينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت، فيكون المعنى: غضب على قومه من أجل كفرهم بربه، فخرج عنهم، وتركهم من غير إذن من الله، وخروجه بدون إذن من الله كان ذنبا منه.\nوقال ابن عباس، ووهب: كان يونس قد وعد قومه العذاب، فتأخر عنهم، فخرج كالمستور منهم، فقصد البحر، فركب السفينة، فوقفت. وقيل: تلاعبت بها الأمواج حتى أشرفت على الغرق.\nهذا؛ وذكر الطبري: أن يونس﵇لما ركب في السفينة؛ أصاب أهلها عاصف من الريح، فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم-وكان من عادتهم: أن السفينة إذا كان فيها آبق، أو مذنب لم تسر. وكان ذلك بدجلة. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب-فقال يونس، وقد عرف: أنه هو صاحب الذنب: هذه خطيئتي، فألقوني في البحر، فأبوا عليه؛ حتى أفاضوا بسهامهم. ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ فقال لهم: قد أخبرتكم: أن هذا الأمر بذنبي، فأبوا عليه؛ حتى أفاضوا بسهامهم الثانية، فكان من المدحضين، فأبوا أن يلقوه في البحر؛ حتى أعادوا سهامهم الثالثة، فكان من المدحضين، فلما رأى ذلك؛ ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل، فابتلعه الحوت. انتهى. قرطبي.\n ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ:﴾ ابتلعه الحوت. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: آت بما يلام عليه، أو مليم نفسه، يقال:\nألام فلان: إذا فعل ما يلام عليه، فأوحى الله إلى الحوت: إني لم أجعله لك رزقا، ولكن جعلت بطنك له وعاء. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة. وقيل: ثلاث ليال. وقيل: سبع ليال، وقال مجاهد: التقمه ضحى، ولفظه عشية، وأعتمد الأول، وهو قول السدي، والكلبي، ومقاتل بن سليمان، فنادى في الظلمات: ﴿أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾.\nتنبيه: في شرعنا لا يجوز الاقتراع على إلقاء آدميّ في البحر، وإنما كان ذلك في يونس، وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه، فإنه لا يجوز في شريعة محمد ﷺ لمن كان عاصيا أن يقتل، أو يرمى به في النار، أو في البحر، وإنما تجري عليه الحدود، والتعزير على مقدار جنايته، ومن فعل ذلك بنفسه؛ فقد حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار، وخذ ما يلي:","vol":"8","page":80},{"text":"عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنّم، يتردّى فيها خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا، فقتل نفسه؛ فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا». رواه البخاري ومسلم والترمذي.\n ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي: من الذاكرين الله ﷿ قبل ذلك، وكان كثير الذكر.\nقال الحسن البصري: ما كانت له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا، فشكر الله تعالى له طاعته القديمة، وفي رواية عنه: ولكنه قدم عملا صالحا في حال الرخاء، فذكره الله به في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر؛ وجد متكأ. قال بعضهم: اذكروا الله في الرخاء؛ يذكركم في الشدة، فإن يونس كان عبدا صالحا ذاكرا لله تعالى، فلما وقع في الشدة في بطن الحوت؛ شكر الله تعالى له ذلك، فقال: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. هذا؛ وقد قال النبي ﷺ لابن عباس﵄-: «تعرّف إلى الله في الرّخاء؛ يعرفك في الشّدّة».\n ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ:﴾ قال قتادة: أي: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة.\nهذا؛ وروى الطبري من حديث أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا أراد الله تعالى حبس يونس في بطن الحوت؛ أوحى الله إلى الحوت: أن خذه، ولا تخدش لحما، ولا تكسر عظما، فأخذه، ثم هوى به إلى مسكنه من البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسّا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله ﵎ إليه؛ وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دوابّ البحر. قال: فسبّح، وهو في بطن الحوت، قال: فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، قال: ذلك عبدي يونس، عصاني، فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح، الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟! قال: نعم، فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت بقذفه في الساحل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ وكان سقمه الذي وصفه به الله تعالى: أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس، قد نشر اللحم والعظم». انتهى. قرطبي بتصرف.\nوقال ابن العربي-رحمه الله تعالى-أخبرني غير واحد عن إمام الحرمين-رحمه الله تعالى- أنه سئل عن الباري: في جهة؟ فقال: لا، هو يتعالى عن ذلك، قيل له: ما الدليل عليه؟ قال:\nالدليل عليه قول النبي ﷺ: «لا تفضّلوني على يونس بن متّى». فقيل له: ما وجه الدليل في هذا الخبر؟ فقال: إن يونس بن متّى رمى بنفسه في البحر، فالتقمه الحوت، فصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ كما أخبر الله تعالى عنه، ولم يكن محمد ﷺ حين جلس على الرفوف الأخضر، وارتقى به صعدا حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه، وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله من يونس في بطن الحوت في ظلمة البحر. انتهى. قرطبي بتصرف.","vol":"8","page":81},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٤] ففيها الكفاية؛ إذ الإعراب لا يتغير. ﴿أَبَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿يُونُسَ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلَى الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمَشْحُونِ:﴾ صفة: ﴿الْفُلْكِ﴾. ﴿فَساهَمَ:﴾\nماض، والفاعل يعود إلى ﴿يُونُسَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها، (كان): ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿يُونُسَ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْمُدْحَضِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان). والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَالْتَقَمَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (التقمه): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْحُوتُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها... إلخ. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُلِيمٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿فَلَوْلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿يُونُسَ﴾.\n ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ في محل رفع خبر: (أنّ). هذا؛ وقيل بزيادة: «كان» وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ. والخبر محذوف. التقدير: فلولا تسبيحه موجود، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿لَلَبِثَ:﴾\nاللام: واقعة في جواب: (لولا). (لبث): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿يُونُسَ﴾ أيضا. ﴿فِي بَطْنِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: لبث مستقرا في بطنه. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل (لبث)، أو بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: لبثا كائنا إلى يوم. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، وجملة: ﴿لَلَبِثَ..﴾. إلخ جواب (لولا)، لا محل لها، و(لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3933\"></span><span id=\"aya-3934\"></span><span id=\"aya-3935\"></span><span id=\"aya-3936\"></span>﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)﴾\nالشرح: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ:﴾ طرحناه في المكان الخالي، لا نبات فيه، ولا شجر، ولا ماء.\nوقال أبو عبيدة: العراء: وجه الأرض، وأنشد لرجل من خزاعة: [الكامل]\nورفعت رجلا لا أخاف عثارها... ونبذت بالبلد العراء ثيابي","vol":"8","page":82},{"text":"روي: أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل. قال الخازن: إنما أضاف النبذ إلى نفسه، وإن كان الحوت هو النابذ؛ لأن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى. هذا؛ والنبذ: الطرح، والرمي، والقذف. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ:﴾ عليل مما ناله من التقام الحوت، ومكثه في بطنه المدة التي ذكرتها لك، حتى عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد، أو كالفرخ الممعّط؛ الذي لا ريش له. هذا؛ وجمع سقيم: سقامى، وسقام، وسقمى، وسميت الأرض التي لا نبات فيها بالعراء تشبيها لها بالإنسان العاري، الذي لا ثياب عليه تستره. هذا؛ وقال تعالى في سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ:﴾ ﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ والجواب: أن الله ﷿ أخبر هاهنا: أنه نبذه بالعراء، وهو غير مذموم، ولولا رحمة الله ﷿؛ لنبذ بالعراء؛ وهو مذموم. قاله النحاس.\nهذا؛ وأذكر: أن مكث يونس-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-المدة التي ذكرتها في بطن الحوت؛ وقد جاب به أعماق البحار، وبقي حيا حتى نبذه الحوت إلى الأرض اليابسة، وبطن الحوت مغلق محكم الإغلاق، لا يدخله الهواء إنما هو معجزة باهرة، وعظة بالغة لقوم يتعظون؛ لأن كل واحد منا يدرك: أن كل ذي روح إذا حبس عنه الهواء لحظات يموت، وما أشبه هذه المعجزة بمعجزة موسى ﵇ الذي وضع في تابوت محكم الإغلاق، وبقي حيا حتى التقطه آل فرعون، كما هو معروف لدى كل إنسان.\n ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ:﴾ ﴿عَلَيْهِ﴾ بمعنى: عنده. وقيل: بمعنى: له، وسئل أبو هريرة:\nما اليقطينة؟ قال: شجرة الدّبّاء. وقيل: إنما خص اليقطين بالذكر؛ لأنه لا ينزل عليه ذباب، ولأنه يجمع كبر الورق، وبرد الظل، وجودة تغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئا، ومطبوخا لبه، وقشره أيضا. هذا؛ والدّبّاء نوع من أنواع القرع معروف. وقال الثعلبي: كانت تظله، فرأى خضرتها، فأعجبته، فيبست، فجعل يتحزن عليها، فقيل له: يا يونس أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت تحزن على شجيرة، فأنا الذي خلقت مئة ألف من الناس أو يزيدون، تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس؛ وأنا أرحم الراحمين. وروي عن النبي ﷺ أنه كان يأكل الثريد باللحم، والقرع، وكان يحب القرع، ويقول: «إنها شجرة أخي يونس». وقال أنس﵁-: قدّم للنبي ﷺ مرق فيه دباء، وقديد، فجعل يتبع الدّبّاء حوالي القصعة، قال أنس: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. أخرجه الأئمة. ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ:﴾ قال سعيد بن جبير، ووهب، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم﵃-: إن قوم يونس ﵇ كانوا بقرية نينوى من أرض الموصل، وكانوا أهل شرك وكفر، فأرسل الله ﷾ إليهم يونس﵇- يدعوهم إلى الإيمان بالله، وترك عبادة الأصنام فدعاهم فأبوا عليه، فقيل له: أخبرهم: أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا قطّ، فانظروا فإن بات فيكم الليلة، فليس بشيء، وإن لم يبت؛ فاعلموا: أن العذاب مصبحكم، فلما كان جوف","vol":"8","page":83},{"text":"الليل؛ خرج يونس ﵇ من بين أظهرهم، فلما أصبحوا؛ تغشاهم العذاب، فكان فوق رؤوسهم. قال ابن عباس﵄-: إن العذاب كان قد أهبط على قوم يونس ﵇، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا؛ كشف الله عنهم ذلك.\nوقال مقاتل: قدر ميل، وقال سعيد بن جبير: غشي قوم يونس العذاب، كما يغشى الثوب القبر، وقال وهب: غامت السماء غيما أسود، هائلا يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى غشي مدينتهم، واسودت أسطحتهم، فلما رأوا ذلك؛ أيقنوا بالهلاك، فطلبوا نبيهم يونس ﵇، فلم يجدوه، فقذف الله ﷾ في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم، ونسائهم، وصبيانهم، ودوابّهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا التوبة، والتوحيد، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس، والدوابّ، فحنّ البعض إلى البعض، فحن الأولاد إلى الأمهات، والأمهات إلى الأولاد، وعلت الأصوات، وعجّوا إلى الله، وتضرعوا إليه، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، وتابوا إلى الله، وأخلصوا النية، فرحمهم ربهم، فاستجاب دعاءهم، وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب بعدما أظلهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، وكان يوم الجمعة. وهذا فحوى قوله تعالى في السورة المسماة باسمه رقم [٩٨] ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾.\nهذا؛ وقال الخازن في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فإن قلت: كيف كشف الله العذاب عن قوم يونس بعد ما نزل بهم، وقبل توبتهم، ولم يكشف العذاب عن فرعون حين آمن به، ولم يقبل توبته، قلت: أجاب العلماء عن هذا بأجوبة: أحدها أن ذلك كان خاصّا بقوم يونس، والله يفعل ما يشاء. الجواب الثاني: أن فرعون ما آمن إلا بعد مباشرة العذاب، وهو وقت اليأس من الحياة، وقوم يونس دنا منهم العذاب، ولم ينزل بهم، ولم يباشرهم، فكانوا كالمريض يخاف الموت، ويرجو العافية. والجواب الثالث: أن الله ﷿ علم صدق نيتهم في التوبة، فقبل توبتهم، بخلاف فرعون، فإنه ما صدق في إيمانه، ولا أخلص في توبته، فلم يقبل الله منه إيمانه. انتهى.\nتنبيه: لقد اختلف في معنى «أو» فقال الفراء: هي بمعنى: «بل» وعليه قول جرير من قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك، وهذا هو الشاهد رقم (١٠١) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nماذا ترى في عيال قد برمت بهم؟ ... لم أحص عدّتهم إلاّ بعدّاد\nكانوا ثمانين أو زادوا ثمانية... لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي\nوقال غير الفراء: ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى: الواو لمطلق الجمع، وعليه قول جرير من قصيدة يمدح فيها الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو الشاهد رقم [٩٦] من كتابنا المذكور: [البسيط]","vol":"8","page":84},{"text":"جاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر\nوهذا على قول الكوفيين، ولا يصح هذان القولان عند البصريين، وأنكروا كون: «أو» بمعنى: «بل»، وبمعنى: الواو؛ لأن «بل» للإضراب عن الأول، والإيجاب لما بعده، وتعالى الله عن ذلك، أو خروج من شيء إلى شيء، وليس هذا موضع ذلك، والواو معناه خلاف معنى (أو) فلو كان أحدهما بمعنى الآخر؛ لبطلت المعاني، ولو جاز ذلك؛ لكان: وأرسلناه إلى أكثر من مئتي ألف أخصر. وقال المبرد: المعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم؛ لقلتم: هم مئة ألف، أو أكثر، وإنما خوطب العباد على ما يعرفون. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ وللبصريين فيها أقوال: قيل: هي للإبهام. وقيل: هي للتخيير، بمعنى: إذا رآهم الرائي تخير بين أن يقول: هم مئة ألف، أو يقول: هم أكثر. وقيل: هي للشك مصروفا إلى الرائي. وقيل: هي للإباحة، أي: فأنت مخير بأن تحزرهم، وتقدر عددهم كيف تشاء. وقيل:\nهي للشك بمعنى: أن الرائي يشك في عددهم، هل هم مئة أو يزيدون؟ والمبرد بصري المذهب، وانظر مبحث (أو) وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب»؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وقد نقل الجمل عن العلماء في (أو) المذكورة هنا، وفي قوله تعالى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ رقم [١٩] من سورة (البقرة) جواز إطلاق جميع المعاني؛ التي ذكرها ابن هشام في مغني اللبيب على (أو) في هاتين الآيتين.\nهذا؛ وقال ابن عباس﵄-: زادوا على مئة ألف عشرين ألفا. قال مقاتل بن حيان: زادوا سبعين ألفا على مئة ألف.\nهذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ولعله إنما لم يختم قصة يونس وقصة لوط بما ختم سائر القصص، تفرقة بينهما، وبين أصحاب الشرائع الكبراء، وأولي العزم من الرسل، أو اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة.\nهذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام.\nومتعة المرأة: ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وزاد وملحفة، قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ وأمره ﷾ للكفار في كثير من الآيات بأن يتمتعوا بدنياهم قليلا، أو بعبادتهم الأوثان، أو باتباعهم الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها، وفي التهديد لهم بصيغة الأمر إيذان بأنّ المهدّد عليه كالمطلوب؛ لإفضائه إلى المهدّد به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٤] من سورة (يس).","vol":"8","page":85},{"text":"ومعنى قوله تعالى: ﴿فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ إلى منتهى آجالهم، وانظر شرح (الحين) في الآية رقم [٨٨] من سورة (ص).\nالإعراب: ﴿فَنَبَذْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نبذناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (التقمه الحوت) فهي في محل جر مثلها، وعليه ف: (لولا) ومدخولها كلام معترض بين الجملتين المتعاطفتين. وقيل: الجملة معطوفة على جملة محذوفة، التقدير:\nأمرنا الحوت بنبذه فنبذه ﴿بِالْعَراءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ:﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. (أنبتنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به.\n ﴿شَجَرَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ يَقْطِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَجَرَةً﴾. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَرْسَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿إِلى مِائَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و﴿مِائَةِ﴾ مضاف، و﴿أَلْفٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَزِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهو لازم هنا لم ينصب مفعولا، والمعنى يفيد أن له مفعولا مطلقا محذوفا، التقدير: يزيدون شيئا قليلا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. التقدير: أو هم يزيدون، والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الفعلية قبلها. ﴿فَآمَنُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (آمنوا):\nماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف لدلالة المقام عليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر، فكأن سائلا سأل ماذا فعلوا؟ فقيل:\nآمنوا بالله وصدقوا يونس، وجملة ﴿وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3937\"></span><span id=\"aya-3938\"></span><span id=\"aya-3939\"></span><span id=\"aya-3940\"></span><span id=\"aya-3941\"></span>﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ:﴾ أي: اسأل أهل مكة، والخطاب للنبي ﷺ. ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ:﴾ قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: الكلام معطوف على مثله في أول السورة، وإن تباعدت بينهما المسافة، أمر رسوله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى؛ التي قسموها؛ حيث جعلوا لله الإناث، ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهنّ، ووأدهنّ واستنكافهم من ذكرهنّ.\nولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر: أحدها: التجسيم؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام. والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم حين جعلوا، أوضع الجنسين له، وأرفعهما لهم،","vol":"8","page":86},{"text":"كما قال تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ الزخرف [١٧] و[١٨] والثالث: أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه، وأقربهم إليه؛ حيث أنثوهم، ولو قيل لأقلهم، وأدناهم: فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء؛ للبس لقائله جلد النمر، ولانقلبت حماليقه، وذلك في أهاجيهم بيّن مكشوف، فكرر الله سبحانه الأنواع كلها في كتابه مرات، ودل على فظاعتها في آيات كثيرة، انتهى. هذا؛ والذين زعموا: أن الملائكة بنات الله هم قبيلة جهينة، وخزاعة، وبنو مليح، وبنو سلمة، وبنو عبد الدار.\n ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ أي: حاضرون لخلقنا إياهم إناثا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ سورة الزخرف رقم [١٩] ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ:﴾ من كذبهم، وافترائهم. وانظر الآية رقم [٨٤]. ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ﴾ أي: صدر منه الولد بزعمهم. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ:﴾ فيما يقولون ويفترون على الله. ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ أي: أي شيء يحمله على أن له البنات دون البنين، فهو كقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٤٠]: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾.\nهذا؛ والهمزة في قوله: ﴿أَصْطَفَى﴾ هي همزة الاستفهام؛ التي هي للتوبيخ، دخلت على ألف الوصل، وأصله: (أاصطفى) فحذفت الألف الثانية؛ لأنها ألف وصل. فإن قيل: فهلا أتوا بمدة بعد الألف، فقالوا: آصطفى؟ كقوله تعالى: ﴿اللهِ خَيْرٌ،﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ..﴾. إلخ قيل له: كان الأصل: (أألله) (أألذّكرين)، فأبدلوا من الألف الثانية مدة؛ ليفرقوا بين الاستفهام والخبر، وذلك لو أنهم قالوا: الله خير بلا مدّ، لالتبس الاستفهام بالخبر، ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله: (آصطفى) لأن ألف الاستفهام مفتوحة، وألف الخبر مكسورة، وذلك: أنك تقول في الاستفهام: (أطّلع، أفترى، أصطفى، أستغفرت) بفتح الألف، وتقول في الخبر: (اطّلع، افترى، اصطفى، استغفرت لهم) بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح، والكسر، ولم يحتاجوا إلى فرق آخر. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (استفتهم): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَلِرَبِّكَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي.\n (لربك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْبَناتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلهما المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مفعول به مثلها،","vol":"8","page":87},{"text":"والجملة الفعلية: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٩] وهذا قول الزمخشري، وغيره، واستبعده ابن هشام، فإنه يرى الاستئناف أقوى. والفاء هنا عاطفة تعقيبية بخلافها في المعطوف عليه فإنها الفصيحة، كما رأيت. (أم): حرف عطف. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿إِناثًا:﴾ مفعول به ثان، وهذا على تضمين: ﴿خَلَقْنَا﴾ معنى:\nجعلنا. وقيل: هو حال. ولا وجه له؛ لأنه اسم جامد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والجملة الاسمية: (هم شاهدون) في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لَيَقُولُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلَدَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف يدل عليه المقام. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (كاذبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير. ﴿أَصْطَفَى:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (اصطفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الْبَناتُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿عَلَى الْبَنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿أَصْطَفَى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: لكاذبون في قولهم: اصطفى... إلخ، وقيل: الجملة بدل من قوله: ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ والأول أقوى، والجملة: ﴿وَلَدَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3942\"></span><span id=\"aya-3943\"></span><span id=\"aya-3944\"></span><span id=\"aya-3945\"></span>﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧)﴾\nالشرح: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ:﴾ هذا تسفيه لهم، وتجهيل، أي: أي شيء حصل لكم حتى حكمتم بهذا الحكم الجائر؟! كيف يختار لنفسه أخس الجنسين على زعمكم؟! أي: ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون؟! ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ:﴾ أفلا تتذكرون بطلان ادعائكم ببديهة العقل، فإن كل عاقل يدرك ذلك بداهة، سواء كان ذكيا، أم غبيا. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أي: أم لكم برهان بين، وحجة","vol":"8","page":88},{"text":"واضحة على أن الله تعالى اتخذ الملائكة بنات له. ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: فائتوا بهذا الكتاب الذي يشهد بصحة دعواكم فيما تزعمون! ولا كتاب لهم، والغرض تعجيزهم، وبيان: أنهم لا يستندون في أقوالهم الباطلة على دليل شرعي، ولا منطق عقلي، وإنما هو هراء؛ لا قيمة له، ولا اعتبار. وفيه سخرية بهم، واستهزاء؛ لأن الله يعلم بأنهم لا كتاب لهم. هذا؛ ولا تنس:\nالالتفات من الغيبة في الآيات السابقة إلى الخطاب في هذه الآيات.\nأما: (ائتوا)، فهو أمر من: أتى، يأتي، والأمر بهمزتين: همزة الوصل؛ التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا ابتدأت الكلام قلت: إيتوا بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية، فتقول ائت، ومثل ذلك قل في إعلال: أذن يأذن، إءذن.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ اسم استفهام إنكاري توبيخي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام وتعجب مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿تَحْكُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، لدلالة المقام عليه. هذا؛ وقال الجمل نقلا عن السمين: الجملتان استفهاميتان، ليس لإحداهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب، استفهم أولا عما استقر لهم، وثبت، استفهام إنكار، وثانيا استفهام تعجب من حكمهم بهذا الحكم الجائر، وهو أنهم نسبوا أخس الجنسين، وما يتطيرون به، ويتوارى أحدهم من قومه عند بشارته به إلى ربهم، وأحسن الجنسين إليهم. انتهى. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ في الآية رقم [١٣٨].\n ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُلْطانٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. وجملة: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة فيما أرى، ومن يجيز عطف الإنشاء على الخبر يعتبرها عاطفة، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِكِتابِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"8","page":89},{"text":"<span id=\"aya-3946\"></span><span id=\"aya-3947\"></span><span id=\"aya-3948\"></span>﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: كفار قريش، والعرب. ﴿بَيْنَهُ﴾ أي: بين الله. ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ أي:\nالملائكة، سمّوا جنة لاجتنانهم، أي: لاختفائهم عن الأبصار. ﴿نَسَبًا﴾ أي: مصاهرة، وقرابة؛ حيث قالوا: إنه نكح من الجن، فولدت له الملائكة! ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الملائكة. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: المشركين. ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: في العذاب يوم القيامة، لا يمنعهم مانع من عذاب الله.\n ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ:﴾ تنزه الله، وتقدس، وتعالى عما يصفه به المشركون من اتخاذ الولد من الملائكة، أو غيرهم، فهو أجل، وأعظم. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الخطاب في الآية السابقة إلى الغيبة في هذه الآيات.\nهذا؛ والجنة بكسر الجيم: الملائكة، وهي أيضا الجنّ، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ،﴾ وقال تعالى:\n ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ من سورة (هود) رقم [١١٩]، ومن سورة (السجدة) رقم [١٣] وعلى هذا فهما جنس واحد، ولكن من خبث من الجن، ومرد، وكان شرّا كله؛ فهو شيطان، ومن طهر منهم، ونسك، وكان خيرا كله، فهو ملك، فذكرهم الله في هذا الموضع باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم وضعا منهم، وتقصيرا بهم، وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة؛ التي أضافوها إليهم، انتهى. كشاف. وهذا مردود قطعا؛ لأن الملائكة مخلوقون من نور، والجن مخلوقون من نار، وشتان ما بين المادتين، وما قاله الزمخشري يقال في مؤمني الجن وكافريهم، فمن طهر منهم؛ فهو مؤمن، وكان خيرا كله، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، وكان شرّا كله، ولكن تبقى التسمية جائزة على الملائكة، والجن؛ لعدم رؤيتنا لهم بسبب اجتنانهم، أي: اختفائهم عن الأبصار. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب)؛ إن أردت الزيادة، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وجنة بكسر الجيم أيضا: الجنون، أي: ذهاب العقل، قال تعالى في سورة (الأعراف)، رقم [١٨٤]: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ،﴾ وقال في سورة (المؤمنون) رقم [٧٠]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ..﴾. إلخ. والجنة بفتح الجيم: البستان والحديقة، وأيضا: جنة عدن التي وعد الله عباده المؤمنين، وسميت بذلك لكثرة أشجارها التي تجن، أي: تستر، وتخفي من يدخل فيها. وجنّة بضم الجيم: وقاية وحفظ من الشر، قال الرسول ﷺ من وصيته لمعاذ بن جبل﵁-: «والصيام جنّة». وقال تعالى في الآية رقم [١٦] من سورة (المجادلة)، والآية رقم [٢] من سورة (المنافقون): ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ومن","vol":"8","page":90},{"text":"ذلك: الجنين الذي يكون في بطن المرأة أيام حملها، وجمعه: أجنة، قال تعالى في سورة النجم رقم [٣٢]: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾.\nهذا؛ و(بين) ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، لا يدخل إلا على متعدد لفظا، أو حكما، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى: الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه. ومن استعماله بمعنى: الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير﵁من قصيدته؛ التي مدح بها النبي ﷺ، وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nوما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\nوانظر الأضداد في الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل) فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (جعلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَيْنَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف مفعول ثان تقدم على الأول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، و(بين) مضاف، و﴿الْجِنَّةِ﴾ مضاف إليه. ﴿نَسَبًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر الآية رقم [١١٤] تجد الإعراب وافيا كافيا. ﴿عَلِمَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْجِنَّةِ:﴾ فاعله، وهو معلّق عن العمل لفظا بسبب لام الابتداء، ولذا كسرت همزة (إن) قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، الهاء اسمها. ﴿لَمُحْضَرُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (محضرون): خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد المفعول به، وجملة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول به محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سُبْحانَ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء يصفونه به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: سبحان الله، أي: تنزه الله عن وصفهم له بما ذكر، وهذا الكلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء،","vol":"8","page":91},{"text":"بمعنى: لكن. ﴿عِبادَ:﴾ استثناء منقطع؛ لأنّ ما قبله وعيد، وهم لم يدخلوا في هذا الوعيد، و﴿عِبادَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ﴾ منصوب مثله. هذا؛ وقال أبو السعود: هذا الكلام من هنا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ من كلام الملائكة، وعلى هذا فالاستثناء من واو الجماعة بقوله: ﴿يَصِفُونَ﴾ والمعنى يصفه هؤلاء بذلك، ولكن المخلصون برآء من أن يصفوه به. أو هو استثناء منقطع من المحضرين معناه: ولكن المخلصين ناجون من النار، و﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ اعتراض بين الاستثناء، وبين ما وقع منه. انتهى. نسفي بتصرف. وما قاله أبو السعود، أولى بالاعتبار؛ ليبقى الكلام من قوله: ﴿سُبْحانَ..﴾. إلخ من كلام الملائكة كما رأيت، وقول النسفي مأخوذ من قول الزمخشري، والبيضاوي جاراه في ذلك.\n\n<span id=\"aya-3949\"></span><span id=\"aya-3950\"></span><span id=\"aya-3951\"></span>﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ خطاب لأهل مكة. ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ أي: من الأصنام، والآلهة الباطلة. ﴿ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على الله. ﴿بِفاتِنِينَ﴾ أي: بمضلين أحدا. ومعنى هذه الآية: فإنكم ومعبوديكم ما أنتم، وهم جميعا بفاتنين على الله إلا أصحاب النار؛ الذين سبق في علمه: أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. ومعنى: يفتنونهم على الله: يفسدونهم عليه بإغوائهم، واستهزائهم، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها عليه، وخببها عليه. «إلا من هو صالي الجحيم» أي: إلا من سبق له في علم الله تعالى الأزلي الشقاوة، وأنه سيدخل النار. هذا؛ وقرأ الحسن شاذا برفع صال، وأنا أثبت الياء في الرسم على الأصل. ولا تنس الالتفات من الغيبة في الآيات السابقة إلى الخطاب في هذه الآيات، وانظر الالتفات في الآية رقم [١٣٥].\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية ردّ على القدرية. قال عمرو بن ذر: قدمنا على عمر بن عبد العزيز-رحمه الله تعالى-، فذكر عنده القدر، فقال عمر: لو أراد الله ألاّ يعصى؛ ما خلق إبليس، وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما في كتاب الله ﷿، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ إلا من كتب الله عليه أن يصلى الجحيم. وقال: فصلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني: أن الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي؛ ولو علم الله أنه يهتدي لحال بينه وبينهم، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ رقم [٦٤] من سورة (الإسراء) أي: لست تصل منهم إلى شيء إلا إلى ما في علمي، وقال لبيد﵁في تثبيت القدر، فأحسن: [الرمل]\nإنّ تقوى ربّنا خير نفل... وبإذن الله ريثي وعجل\nأحمد الله فلا ندّ له... بيديه الخير ما شاء فعل","vol":"8","page":92},{"text":"من هداه سبل الخير اهتدى... ناعم البال ومن شاء أضل\nقال الفراء: أهل الحجاز يقولون: فتنت الرجل. وأهل نجد، يقولون: أفتنته. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ والقرآن جاء بلغة أهل الحجاز، وهو كثير لا يعد، ولا يحصى، قال تعالى في سورة (البروج): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾. و(فاتنين): اسم فاعل من الثلاثي، و(صالي): اسم فاعل من: صلي فلان النار بالكسر يصلى صليّا، أي: احترق. وقال الجوهري: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء، كأنك تريد الاحتراق؛ قلت:\nأصليته بالألف، وصلّيته تصلية. ويقال أيضا: صلي بالأمر: إذا قاسى حره، وشدته. واصطليت بالنار، وتصليت بها؛ إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق.\nالإعراب: ﴿فَإِنَّكُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنكم): (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو المعية. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول معه، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إنكم مع الذي، أو:\nالذين تعبدونهم، وإن اعتبرت (ما) مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول معه، التقدير: فإنكم مع معبوديكم، وخبر (إنّ) محذوف لسد المفعول معه مسده، التقدير: فإنكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها، وعلى هذا يحسن السكوت على ﴿تَعْبُدُونَ،﴾ كما يحسن في قولك: كل رجل وضيعته، أي: مقترنان. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) معطوفة على اسم (إنّ)، وعليه فلا يحسن الوقف على ﴿تَعْبُدُونَ،﴾ وعلى هذا فيكون من أسلوب قول الوليد بن عقبة بن أبي معيط، الفاسق بن الفاسق يحض معاوية على حرب عليّ كرم الله وجهه: [الوافر]\nفإنّك والكتاب إلى عليّ... كدابغة وقد حلم الأديم\nأي: فإنك مع كتابتك إليه كدابغة حال حلم الأديم، فلا يمكن الانتفاع به، والحلم بالتحريك:\nأن يفسد الإهاب في العمل، ويقع فيه دود فيتنقب، تقول منه: حلم الأديم بالكسر. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، أو هي مهملة تميمية. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿بِفاتِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة، (فاتنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، أو هو خبر المبتدأ على إهمال ﴿ما﴾ مجرور لفظا مرفوع محلا، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها على الوجه الأول في ﴿ما،﴾ وفي محل رفع خبر (إنّ) وما عطف عليه على الوجه الثاني فيها، وهو عطفها على اسم (إنّ). ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل: (فاتنين)، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وإن اعتبرت المفعول محذوفا، فالموصول في محل نصب على الاستثناء، التقدير: ما أنتم عليه بفاتنين أحدا، إلا من... إلخ. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿صالِ:﴾\nخبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، و﴿صالِ﴾ مضاف، و﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.","vol":"8","page":93},{"text":"<span id=\"aya-3952\"></span><span id=\"aya-3953\"></span><span id=\"aya-3954\"></span>﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ:﴾ ذكرت لك فيما سبق: أن هذا الكلام من قول الملائكة تعظيما لله ﷿، وإنكارا منهم عبادة من عبدهم. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-:\nهذه الثلاث الآيات نزلت؛ ورسول الله ﷺ عند سدرة المنتهى، فتأخر جبريل ﵇، فقال النبي ﷺ: «أهنا تفارقني؟». فقال: ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني. وأنزل الله تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ..﴾. إلخ الآيات.\nقالت عائشة﵂قال رسول الله ﷺ: «ما في السماء موضع قدم إلاّ عليه ملك ساجد، أو قائم». وعن أبي ذر الغفاري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السّماء وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع، إلاّ وملك واضع جبهته ساجدا لله! والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله! لوددت أنّي كنت شجرة تعضد». أخرجه أبو عيسى الترمذي-رحمه الله تعالى-، والجملة الأخيرة مدرجة من كلام الراوي فيما يظهر. هذا؛ والأطيط: أصوات الإبل، وحنينها من ثقل أحمالها. وقيل: أصوات الأقتاب؛ التي على الإبل من ثقل الأحمال. ومعنى الحديث: ما في السماء من الملائكة قد أثقلها، حتى أطت، وهذا مؤذن بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثمّ أطيط. انتهى. خازن. والحديث موجود في القرطبي بكامله.\nوقال قتادة: كان يصلي الرجال، والنساء جميعا حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قال: فتقدم الرجال، وتأخر النساء، وهذا يعني: أن الآيات مدنية، وليس بشيء يعتد به.\n ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ:﴾ قال الكلبي: صفوفهم كصفوف أهل الدنيا في الأرض. وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة﵁قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، ونحن في المسجد، فقال: «ألاّ تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها». فقلنا: يا رسول الله! كيف تصفّ الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمّون الصفوف الأول، ويتراصّون في الصف». وكان عمر﵁- يقول إذا قام للصلاة: أقيموا صفوفكم، واستووا، إنما يريد الله بكم هدي الملائكة عند ربها، ويقرأ: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر.\n ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون. قاله قتادة. وقيل: أي: المنزهون الله عما أضافه إليه المشركون. والمراد: أنهم يخبرون: أنهم يعبدون الله بالتسبيح، والصلاة، وليسوا معبودين، ولا بنات الله. انتهى. قرطبي. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الخطاب في الآيات السابقة إلى التكلم في هذه الآيات.","vol":"8","page":94},{"text":"الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمبتدأ المؤخر محذوف؛ إذ التقدير: وما منّا أحد. أو: وما منّا ملك.\nفحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه. هذا هو المتبادر والمفهوم من أقوال المفسرين الإجمالي، وعند التأمل يتبين لك: أن الجار والمجرور ﴿مِنّا﴾ متعلقان بمحذوف صفة المبتدأ المحذوف، التقدير: وما أحد منا، والخبر الجملة الاسمية الواقعة بعد ﴿إِلاّ﴾ ومثل هذا منقول عن السمين. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٦]: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧١]: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ، وأيضا قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٧]: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ،﴾ وأيضا قوله تعالى في سورة (الجن): ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ؛﴾ إذ التقدير في الآيتين: ومنا ناس دون ذلك، ومن الأبيات الشعرية قول سحيم بن وثيل الرياحي: [الوافر]\nأنا ابن جلا وطلاّع الثّنايا... متى أضع العمامة تعرفوني\nوهذا هو الشاهد رقم [٢٨٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»؛ إذ التقدير: أنا ابن رجل جلا... إلخ، وانظر أيضا الشاهد رقم [٢٩٠] منه، ومثلهما قول تميم بن عقيل: [الطويل]\nوما الدّهر إلاّ تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَقامٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ:﴾ صفة له. والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وهذا عند البصريين، وقال الكوفيون التقدير: وما منا إلا من له مقام، ثم حذف الموصول، وأقيمت الصلة مقامه.\nوهو ضعيف لا يعتد به، والجملة الاسمية: ﴿وَما مِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنّا:﴾\nالواو: حرف عطف. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنَحْنُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿الصَّافُّونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا، لا محل له، فخبر (إنّ) هو: ﴿الصَّافُّونَ،﴾ ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير. والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ معطوفة عليها، والإعراب بحاله لا يتغير.","vol":"8","page":95},{"text":"<span id=\"aya-3955\"></span><span id=\"aya-3956\"></span><span id=\"aya-3957\"></span><span id=\"aya-3958\"></span>﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ:﴾ واو الجماعة عائدة على كفار قريش، وعاد الالتفات من التكلم إلى الغيبة، فقد كانوا إذا عيّروا بالجهل قالوا: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: لو بعث إلينا نبي ببيان الشرائع، وأنزل عليه كتاب مثل موسى، وعيسى؛ لآمنا به، واتبعناه. ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: لكنا أعظم إيمانا منهم، وأكثر عبادة، وأشدّ إخلاصا لله منهم. هذا؛ وقد حكى الله عنهم في سورة (فاطر) رقم [٤٢] حلفهم الكاذب حيث قال جل ذكره: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا،﴾ ومثله قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٠٩]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها..﴾. إلخ.\n ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: جاءهم محمد ﷺ بكتاب، فكفروا به. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: فسوف يرون عاقبة كفرهم بالله، وآياته. فهو وعيد، وتهديد. وهذه الجملة تكرّر وتردّد كثيرا في الآيات القرآنية، كما أن (سوف) تصدرت جملا كثيرا مفادها الوعد بفضل الله الكثير مثل قوله تعالى:\n ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة مهمل، لا عمل له. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَيَقُولُونَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي، والإثبات. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهذا الإعراب إنما هو على مذهب البصريين، وأما الكوفيون؛ فيعتبرون: (إن) نافية، واللام بمعنى: إلاّ. واستدل الكوفيون على ذلك بقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٢٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nأمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان\nوصفوة القول: إن البصريين، والكوفيين متفقون على إهمال إنّ إذا خففت، ولزوم اللام بعدها، وإن اختلفوا في معناها، ومعنى اللام الواقعة بعدها، وتفسيرهما. قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nوخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل\n ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿إِنْ:﴾ تقدم على اسمها. ﴿ذِكْرًا:﴾ اسم ﴿إِنْ﴾ المؤخر. ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذِكْرًا،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛","vol":"8","page":96},{"text":"لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و﴿إِنْ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، تقديره: ولو حصل، أو نزل كون ذلك.\nوهذا الفعل شرط (لو) عند المبرد. وقال سيبويه: هو في محلّ رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو كون ذكر حاصل من الأولين عندنا، وقول المبرد هو المرجح في هذه المسألة؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر، وفاعله المؤول على قول المبرد جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكُنّا:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿عِبادَ:﴾ خبر (كان)، و﴿عِبادَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ اللهِ﴾ منصوب مثله، وجملة: ﴿لَكُنّا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.\n ﴿فَكَفَرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كفروا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح، والكلام كله مستأنف، وقدر الجمل تبعا للخازن الكلام كما يلي:\nفلما أتاهم الكتاب كفروا به، وهو جيد معنى. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف):\nحرف تسويف، واستقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها أيضا. هذا؛ وعاد الجمل فاعتبر الفاء تبعا لأبي السعود الفصيحة، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ الآية رقم [٦٣] من سورة (الشعراء) ولكن بينات لك هناك: أن جملة: ﴿فَانْفَلَقَ﴾ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فضرب البحر، فانفلق، ومثل آية (الشعراء) قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٠]:\n ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٠]:\n ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ إذ التقدير:\nفضرب، فانفجرت، فضرب، فانبجست. وهذا مشهور ومتعارف عليه، فلم يبق لما نقله الجمل عن أبي السعود اعتبار صحيح. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-3959\"></span><span id=\"aya-3960\"></span><span id=\"aya-3961\"></span>﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: تقدم وعدنا لعبادنا المرسلين في قديم الأزل بعلو شأنهم، ونصرهم على عدوهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ كما قال تعالى في","vol":"8","page":97},{"text":"الآية رقم [٢١] من سورة (المجادلة): ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي،﴾ وقال في الآية رقم [٥١] من سورة (غافر): ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي: لهم النصرة في العاقبة. كيف لا؛ وقد أوجبها على نفسه جلت قدرته، وتعالت حكمته حيث قال في سورة (الروم): ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا يفيد حتما:\nأن الله لا ينصر الفاسقين، الذين يحاربونه، ويحاربون تعاليمه، ويعادون هدي نبيه ﷺ. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٧] من سورة (الروم)، وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن عمر﵄قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ-وأعوذ بالله أن تدركوهن-: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المؤونة، وجور السّلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلاّ منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله، إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّروا فيما أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجه، والبيهقي، والبزار.\nهذا؛ وقد عبر الله بقوله: ﴿كَلِمَتُنا﴾ وهي كلمات في الحقيقة؛ لأنها لما انتظمت في معنى واحد، كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج، وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١١]:\n ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾. وقال ابن عباس﵄-: إن لم ينصروا في الدنيا؛ نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه الظفر، والنصرة، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء، والمحنة، كالذي وقع للمسلمين في غزوة أحد، وفي غزوة الخندق، والعبرة للغالب، وقد حقق الله وعده ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده بعد غزوة الأحزاب، وقبل وفاة النبي ﷺ، وما تحقق من انتصارات في عهد الخلفاء الراشدين، أكبر شاهد على ذلك.\nتنبيه: في (كلمة) ثلاث لغات: الأولى: كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم، كنبق. والثانية: كلمة على وزن: سدرة. والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم، كسدر، وجمع الثانية: كلم، كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن: فعل، نحو: كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ، وشهد، وهي في الأصل: قول مفرد، مثل: محمد، ومحمود، وقام، وقعد،","vol":"8","page":98},{"text":"وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في هذه الآية؛ التي نحن بصدد شرحها، وقال النبي ﷺ: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل]\nألا كلّ شيء-ما خلا الله-باطل... وكلّ نعيم-لا محالة-زائل\nالمراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان كلمة. والمراد: بها كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم، والحديث.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمة في الآية رقم [١١٤]. ﴿سَبَقَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَتُنا:﴾ فاعل، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِعِبادِنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ صفة لما قبله مجرور مثله، وجملة: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الآية برقم [١٦٥] فهو مثله بلا فارق، والجملة الاسمية بدل من: ﴿كَلِمَتُنا،﴾ أو هي مفسرة لها. وأجيز اعتبارها مستأنفة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ معطوفة عليها، والإعراب واحد لا يتغير.\nهذا؛ والجند: الأنصار والأعوان، والجمع: أجناد، وجنود، والواحد: جندي، فالياء للوحدة، مثل: روم، ورومي. وجمع ﴿الْغالِبُونَ﴾ على المعنى، ولو كان على اللفظ؛ لكان: هو الغالب، مثل قوله تعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (ص) وقال الشيباني: جاء هاهنا على الجمع من أجل: أنه رأس آية.\n\n<span id=\"aya-3962\"></span><span id=\"aya-3963\"></span><span id=\"aya-3964\"></span>﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾\nالشرح: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ:﴾ أعرض عنهم، والخطاب للنبي ﷺ، أمره بالإعراض عن كفار قريش، والمعنى: اصبر على أذاهم لك، وانتظر إلى وقت مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ أي: انظرهم، وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك، ولذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: سيرون وينظرون ما يحل بهم من العذاب والمقت والنكال. قال قتادة: سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار.\nهذا؛ وسوف من الله للوجوب، وهي هنا للوعيد، وليس للتبعيد؛ إذ ليس المقام مقامه، كما تقول: سوف أنتقم منك وأنت متهيئ للانتقام.\n ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ:﴾ استفهام إنكاري للتهديد، والوعيد، والمعنى: أيستعجلون بعذاب الله؟! فكانوا كلما نزلت آيات تخوفهم العقاب الشديد، والعذاب الأليم، قالوا: «متى هذا الوعد، إن كنتم صادقين؟» بل قد حكى الله قولهم في سورة (الأنفال) رقم [٣٣]: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. هذا؛ ويكثر النهي","vol":"8","page":99},{"text":"في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجه للكافرين، الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا، وقد توجه إلى النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ رقم [١١٤] من سورة (طه) بينما حث الله على المسارعة إلى فعل الطاعات، فقال في (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [١٣٣]، وقال في سورة (الحديد): ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [٢١] كما وصف أنبياءه، ورسله بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض ما روي:\n «العجلة من الشّيطان، والتّأنّي من الرّحمن». لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة من ذلك، كما أن هنالك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداء الصلاة المكتوبة إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ لها، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن علي بن أبي طالب﵁قال: قال رسول الله ﷺ له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». رواه الترمذي.\nالإعراب: ﴿فَتَوَلَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة، (تول): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره:\n «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها، سواء أكانت مستأنفة، أو جوابا لشرط مقدر ب: «إذا».\n ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَتّى حِينٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (عن) و﴿حَتّى﴾ بمعنى:\n «إلى» هنا. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يُبْصِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها تعليل للأمر قبلها. ﴿أَفَبِعَذابِنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري.\nالفاء: حرف استئناف. (بعذابنا): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. ﴿يَسْتَعْجِلُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها مع ما يقدر قبلها.\n\n<span id=\"aya-3965\"></span><span id=\"aya-3966\"></span><span id=\"aya-3967\"></span>﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب. ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ أي: بدارهم. والساحة: الفناء الخالي من الأبنية، وجمعها: سوح، فألفها منقلبة عن واو فتصغر على سويحة. قال أبو ذؤيب الهذلي، وهو الشاهد رقم [٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]","vol":"8","page":100},{"text":"وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما... أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح\nويقال: احمرّ اللّوح، واغبرت السوح: إذا وقع الجدب. ويقال في معرض الدعاء: عمر الله تعالى بك ساحتك. ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب. وخص الصباح بالذكر؛ لأن العذاب كان يأتيهم فيه، ومنه الحديث الذي رواه أنس﵁- قال: لما أتى رسول الله ﷺ خيبر؛ وكانوا خارجين إلى مزارعهم، ومعهم المساحي، فقالوا:\nمحمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم، فقال ﷺ: «الله أكبر خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين». أخرجه البخاري، ومسلم، والمراد: بقولهم: الخميس: الجيش.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تمثيلية: مثّل للعذاب النازل بهم بجيش هجم عليهم، فأناخ بفنائهم بغتة، ونصحهم بعض النصائح، فلم يلتفتوا إلى إنذاره، ولا أخذوا أهبتهم؛ حتى اجتاحهم الجيش، فشنّ عليهم الغارة، وقطع دابرهم. وما فصحت هذه الآية، ولا كانت لها الروعة؛ التي تحس بها، ويروقك موردها، إلا لمجيئها على طريقة التمثيل، انتهى. كشاف، وغيره. وقال البيضاوي: والصباح مستعار من صباح الجيش المبيّت لوقت نزول العذاب.\nولما كثر فيهم الهجوم، والغارات في الصباح؛ سموا الغارة: صباحا؛ وإن وقعت في وقت آخر.\n ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ..﴾. إلخ: أعاد هاتين الآيتين ليكون تسلية على تسلية، وأكيدا لوقوع الميعاد إلى تأكيد، وفيه فائدة زائدة، وهي إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، وأنه يبصر، وهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة، وأنواع المساءة. وقيل: أريد بالأول عذاب الدنيا، وبالآخر عذاب الآخرة. انتهى. كشاف.\nهذا ﴿وَتَوَلَّ:﴾ أعرض. والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور، والاعتقادات اتساعا، ومجازا. هذا؛ ويجوز في الآية الأولى أن يكون (ساء) على بابه من التصرف، والتعدي، ومفعوله محذوف، أي: ساءهم صباح المنذرين، وأن يكون جاريا مجرى بئس، فيحول إلى «فعل» بالضم، ويمتنع تصرفه، ويصير للذم، ويكون المخصوص بالذم محذوفا، كما تقرر غير مرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٣]. ﴿نَزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى العذاب المفهوم من الفعل السابق. ﴿بِساحَتِهِمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَساءَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ساء):\nفعل ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿صَباحُ:﴾ فاعله، و﴿صَباحُ﴾ مضاف، و﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: فساء صباح المنذرين صباحهم هذا.\nوقدر الجلال الكلام كما يلي: فبئس صباحا صباح المنذرين. قال سليمان الجمل﵀","vol":"8","page":101},{"text":"تعالى-: أشار بهذا إلى أن ضمير بئس يعود إلى المخصوص، وأن التمييز محذوف، وأن المذكور مخصوص، لا فاعل. انتهى. وانظر اعتباره تاما متصرفا في الشرح، وجملة: ﴿فَساءَ..﴾.\nإلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لا حاجة إلى إعادة إعراب هاتين الجملتين.\n\n<span id=\"aya-3968\"></span><span id=\"aya-3969\"></span><span id=\"aya-3970\"></span>﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾\nالشرح: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ..﴾. إلخ: ينزه الله ﵎ نفسه الكريمة، ويقدسها، ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون، تعالى، وتنزه، وتقدس عن قولهم علوا كبيرا. ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: من الصاحبة، والولد، وعن كل سوء، وعيب، ونقص. وسئل محمد بن سحنون عن معنى قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ:﴾ لم جاز ذلك، والعزة من صفات الذات، ولا يقال: رب القدرة، ونحوها من صفات ذاته جل وعز؟ فقال: العزة تكون صفة ذات، وصفة فعل، فصفة الذات، نحو قوله تعالى: ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ الآية رقم [١٠] من سورة (فاطر)، وصفة الفعل نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ والمعنى رب العزة التي يتعازّ بها الخلق فيما بينهم، فهي من خلق الله ﷿. وقال الماورديّ: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مالك العزة، والثاني: رب كل شيء متعزّز من ملك، أو متجبّر. انتهى. قرطبي.\n ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الذين بلغوا الرسالة، والتوحيد عن الله تعالى. وقيل: المعنى:\nلهم أمن من الله ﷿ يوم الفزع الأكبر. وقال أنس﵁-: قال رسول الله ﷺ:\n «إذا سلّمتم عليّ؛ فسلّموا على المرسلين، فإنّما أنا رسول من المرسلين». أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم مرسلا، ورواه ابن أبي حاتم مسندا عن أبي طلحة﵁-.\n ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: له الحمد في الأولى، والآخرة على كل حال، والحمد لله على جميع ما أنعم الله به على الخلق أجمعين. وقيل: على هلاك المشركين. دليله قوله تعالى:\n ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ الآية رقم [٤٥] من سورة (الأنعام). وقيل:\nالحمد لله على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. والكل مراد، والحمد يعم. انتهى. قرطبي.\nتنبيه: روى الثعلبي عن أبي سعيد الخدري﵁-: أن رسول الله ﷺ كان يقول قبل أن يسلم: «سبحان ربّك ربّ العزّة... إلخ». وعنه﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ غير مرة، ولا مرتين يقول في آخر صلاته، أو حين ينصرف: «سبحان ربّك... إلخ». وروى ابن أبي حاتم والماوردي عن الشعبي، قال: قال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم:\n ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ..﴾. إلخ». رواه الثعلبي من حديث علي﵁-.","vol":"8","page":102},{"text":"هذا؛ وقد وردت أحاديث كثيرة في كفارة المجلس مذكورة في كتاب: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، أكتفي بما يلي: فعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك، وأتوب إليك؛ إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك». رواه أبو داود والترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن حبان.\nهذا؛ و﴿الْعالَمِينَ﴾ جمع: عالم بفتح اللام، وجمع لاختلاف أنواعه، وهو جواب عما يقال: إنه اسم جنس يصدق على كل ما سوى الله، والجمع لا بد أن يكون له أفراد ثلاثة فأكثر، وجمع بالياء والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قول موسى-على نبينا، وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-لما قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. هذا؛ والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف، في البر، والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال الله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.\nهذا؛ و(سلام) اسم مصدر، لا مصدر؛ لأن المصدر: تسليم؛ لأنه من سلّم، يسلّم بتشديد اللام فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وعذاب، ونبات؛ لأعطى؛ وعذّب، وأنبت.\nأما ﴿سُبْحانَ﴾ فهو اسم مصدر، وقيل: هو مصدر، مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل سبّح بتشديد الباء، والمصدر تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح، بمعنى: التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره: ... سبحان من علقمة الفاخر؟\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾.\nوقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا بجلاله، وعظمته، وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجئ من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء. ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف، والنون، ومعناه: التنزيه والبراءة لله﷿من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، لا يصلح لغيره. وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله-أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين-أنه قال للنبي ﷺ: ما معنى سبحان الله؟ فقال:\n «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر له من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء. فالتقدير عنده: أنزّه الله تنزيها. فوقع (سبحان الله) مكان قولك: تنزيها لله.","vol":"8","page":103},{"text":"الإعراب: ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، و﴿سُبْحانَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر جملة فعلية مستأنفة، لا محل لها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبِّ:﴾ بدل مما قبله، ويجوز في العربية نصبه على المدح بفعل محذوف، ورفعه على إضمار مبتدأ محذوف. و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعِزَّةِ﴾ مضاف إليه... إلخ.\n ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ انظر الإعراب مفصلا في الآية رقم [١٥٩].\n ﴿وَسَلامٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سلام): مبتدأ. ﴿عَلَى الْمُرْسَلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْحَمْدُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الحمد): مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿رَبِّ:﴾ بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، ويجوز في العربية نصبه ورفعه مثل سابقه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه... إلخ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.\nانتهت سورة الصافات، بحمد الله وتوفيقه شرحا وإعرابا، والحمد الله رب العالمين.","vol":"8","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3614>سورة ص</span>\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ويقال لها: سورة داود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهي مكية في قول الجميع، وهي ست. وقيل: ثمان وثمانون آية، وسبعمئة واثنتان وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-3971\"></span>﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾\n ﴿ص:﴾ قراءة العامة (صاد) بجزم الدال على الوقف؛ لأنه حرف من حروف الهجاء مثل:\n ﴿الم﴾ و﴿الر﴾. وقرأ أبيّ بن كعب، وغيره: «(صاد)» بكسر الدال بغير تنوين، ولقراءته مذهبان:\nأحدهما: أنه من: صادى، يصادي: إذا عارض. والمصاداة: المعارضة، ومنه: الصّدى، وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية، فالمعنى صاد القرآن بعملك، أي: عارضه بعملك، وقابله به، فاعمل بأوامره، وانته عن نواهيه، والمذهب الثاني: أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين.\nوقرأ عيسى بن عمر «(صاد)» بفتح الدال، ومثله «(قاف)» و«(نون)» بفتح آخرها، وله في ذلك ثلاثة مذاهب: أحدها: أن يكون بمعنى: أتل صاد. والثاني: أن يكون فتح لالتقاء الساكنين.\nواختار الفتح للإتباع، ولأنه أخف الحركات. والثالث: أن يكون منصوبا على القسم بغير حرف جر، كقولك: الله لأفعلنّ، وقرأ ابن أبي إسحاق «(صاد)» بكسر الدال، والتنوين، على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم، وهذا بعيد؛ وإن كان سيبويه قد أجاز مثله. وقرأ هارون الأعور، ومحمد بن السّميقع: «(صاد)» و«(قاف)» و«(نون)» بضم آخرهن؛ لأنه المعروف بالبناء في غالب الأحوال، نحو منذ وقطّ وبعد. انتهى. قرطبي بتصرف.\nوقال الخازن: قيل: هو قسم. وقيل: اسم للسورة. وقيل: هو مفتاح اسمه: الصمد، وصادق الوعد، والصبور. وقيل: معناه: صدق الله. وعن ابن عباس﵄-: صدق محمد ﷺ.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ<span id=\"aya-3971\"></span>﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾\nقال الضحاك: ذي الشرف؛ أي: من آمن به كان شرفا له في الدارين، كما قال تعالى في الآية رقم [١٠] من سورة (الأنبياء): ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم. وأيضا:","vol":"8","page":105},{"text":"القرآن شريف في نفسه لإعجازه، واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره. وقيل: أي: ذي الموعظة، والذكرى، أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها، كأقاصيص الأنبياء، والوعد، والوعيد.\nهذا؛ والقرآن مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. هذا؛ وهو في اللغة مصدر بمعنى: الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا، أي:\nجمعته، وبمعنى: القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع، المقروء المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، وهو المراد. ويحرم على المحدث حدثا أكبر قراءته، وحمله، ومسه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله، ومسه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب، قال تعالى في تقديسه وتعظيمه: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿ص:﴾ فيه أوجه: أحدها أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذه ﴿ص﴾. الثاني:\nأنه مفعول به لفعل محذوف. التقدير: أتل ﴿ص﴾. الثالث: أنه مقسم به، التقدير: أقسم ب: ﴿ص﴾. ﴿وَالْقُرْآنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم ب: (القرآن).\n ﴿ذِي:﴾ صفة: (القرآن) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾ مضاف، و﴿الذِّكْرِ﴾ مضاف إليه، وجواب القسم محذوف، تقديره: إنه لمعجز، بدليل الثناء عليه بقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ،﴾ أو ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ،﴾ أو: تقديره: ما الأمر كما زعموا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾. وقيل: مذكور، فقال الأخفش: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ وقال الفراء، وثعلب: هو ﴿ص﴾ لأن معناها صدق الله، ويرده: أن الجواب لا يتقدم، فإن أريد: أنه دليل الجواب؛ فقريب. وقيل: هو قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ وحذفت اللام للطول. انتهى. مغني اللبيب بحروفه. والمعتمد: الأول، والثاني من هذه الاعتبارات، والتقديرات.\n\n<span id=\"aya-3972\"></span>﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)﴾\nالشرح: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ أي: في تكبر، وامتناع من قبول الحق، كما قال ﷿: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ والعزة عند العرب: الغلبة، والقهر. يقال: من عزّ بزّ، يعني: من غلب سلب، قالت الخنساء﵂-: [المتقارب]\nكأن لم يكونوا حمى يتّقى... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا\nوهذا هو الشاهد رقم (١٣٤) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب، والاسم: العزة، وهي: القوة، والغلبة، قال الشاعر: [الوافر]","vol":"8","page":106},{"text":"قطاة عزّها شرك فباتت... تجاذبه وقد علق الجناح\nوانظر الآية رقم [٢٣] الآتية.\n ﴿وَشِقاقٍ:﴾ أي: في إظهار خلاف، ومباينة. هذا؛ وللشقاق ثلاثة معان: أحدها: العداوة، كما في قوله تعالى حكاية عن قول شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:\n ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. رقم [٨٩] من سورة (هود). والثاني: الضلال، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ رقم [٥٣] من سورة (الحج). والثالث: الخلاف، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما..﴾. إلخ رقم [٣٥] من سورة (النساء). وأرى: أن المعاني الثلاثة صحيحة في هذه الآية.\nهذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. وكفر الشيء: ستره، وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾.\nوسمي الليل كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في معلقته رقم [٦٥]: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nهذا؛ وأطلق لفظ الكافر على النهر، قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النهر: [الطويل]\nوألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل\nرضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيّار في كلّ جدول\nالإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف عطف وإضراب. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي عِزَّةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ ﴿وَشِقاقٍ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير:\nما كفر به من كفر لخلل وجده فيه؛ بل الذين... إلخ، والكلام كله مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-3973\"></span>﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣)﴾\nالشرح: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ:﴾ هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة أمم قبلهم كانوا مثلهم، أو أشد قوة، وأكثر أموالا، وأولادا، فأهلكهم الله بسبب إعراضهم عن الحق، ومعاداتهم لرسلهم. ﴿فَنادَوْا﴾ أي: فاستغاثوا، واستجاروا عند نزول العذاب بهم طلبا للنجاة.\nهذا؛ والنداء رفع الصوت، قال الشاعر أبو تمام: [الوافر]","vol":"8","page":107},{"text":"لقد أسمعت من ناديت حيّا... ولكن لا حياة لمن تنادي\nومنه قول النبي ﷺ لمن رأى رؤيا الأذان: «ألقه على بلال فإنّه أندى منك صوتا». أي:\nأرفع صوتا منك.\n ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ أي: وليس الوقت وقت فرار، وهرب من العذاب؛ الذي حل بهم، أي:\nفلم ينفعهم نداؤهم، واستغاثتهم حين نزل العذاب بهم، قال الفراء: [الطويل]\nأمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص... فتقصر عنها خطوة وتبوص\nتنوص: تتأخر، وتهرب، وتبوص: تتقدم، يقال: ناص عن قرنه، ينوص نوصا، ومناصا، أي: فر، وزاغ. وقال النحاس: ويقال: ناص ينوص: إذا تقدم. فعلى هذا يكون من الأضداد.\nهذا؛ و﴿وَلاتَ﴾ هي لا النافية زيدت عليها تاء التأنيث الساكنة لتقوي شبهها ب: «ليس» لأنها بتلك التاء تصير على وزنها، وهذه التاء لتأنيث اللفظ عند الجمهور، كتاء: ربّت وثمّت، وإنما حركت بالفتح للتخلص من التقاء الساكنين، وفرقا بينها وبين الداخلة على الفعل.\nوأما الوقف عليها ففيه مذهبان: المشهور عند العرب، وجماهير القراء السبعة بالتاء، والكسائي وحده بالهاء، والأول مذهب الخليل، وسيبويه، والزجاج، والفراء، وابن كيسان. والثاني مذهب المبرد، وأغرب أبو عبيد، فقال: الوقف على «لا» والتاء متصلة ب: ﴿حِينَ﴾. هذا؛ وخصت بلزوم دخولها على الأحيان، وحذف أحد المعمولين. وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى- في ألفيته: [الرجز]\nوما للات في سوى حين عمل... وحذف ذي الرّفع فشا والعكس قل\nهذا؛ وقرئ بجر (حين) ومثله قول أبي زبيد الطائي، وهو الشاهد رقم (٤٥٧) من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]\nطلبوا صلحنا ولات أوان... فأجبنا أن لات حين بقاء\nوهو على أحد توجيهين: إما؛ لأن «لات» تجر الأحيان، كما أن «لولا» تجر الضمائر، كقول عمر بن أبي ربيعة: [السريع]\nأومت بعينيها من الهودج... لولاك في ذا العام لم أحجج\nأو لأن «أوان» شبه ب: «إذ» لأنه مقطوع عن الإضافة؛ إذ أصله: أوان صلح، ثم حمل عليه (مناص) تنزيلا لمّا أضيف إليه الظرف منزلته لما بينهما من الاتحاد؛ إذ أصله حين مناصهم، ثم بني الحين لإضافته إلى غير متمكن. انتهى. بيضاوي، ويمكن التمثيل أيضا بقول المتنبي-وهو الشاهد رقم (٢٦٣) من كتابنا: «فتح رب البرية» إعراب شواهد جامع الدروس العربية-: [البسيط]\nلقد تصبّرت حتّى لات مصطبر... والآن أقحم حتّى لات مقتحم","vol":"8","page":108},{"text":"وما أحراك أن تنظر بحثها وشواهدها في كتابيّ: «فتح القريب المجيب» و«فتح رب البرية» وانظر شرح «قرن» في الآية رقم [٣١] من سورة (يس).\nأما (نادوا) فقل في إعلاله: أصله قبل دخول واو الجماعة: نادي، فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار: «ناداوا» فالتقى ساكنان:\nألف العلة وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على الدال، دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا: ردّت الألف لأصلها، عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: «ناديوا» فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، كما يقال أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: (ناديوا) فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: ياء العلة، وواو الجماعة، فحذفت ياء العلة... إلخ. وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا... إلخ، تنبه لذلك واحفظه.\nهذا؛ وتحرك واو الجماعة بالضمة إذا التقى ساكنان، مثل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ وإنما حركت بالضمة دون غيرها؛ ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ..﴾. إلخ. وقيل: ضمت؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: غير ذلك.\nالإعراب: ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى: «كثير» مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم.\n ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْنٍ:﴾ تمييز ل: ﴿كَمْ،﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الصلة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَنادَوْا:﴾ الفاء: حرف عطف. (نادوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَلاتَ:﴾\nالواو: واو الحال. (لات): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، واسمها محذوف. ﴿حِينَ:﴾\nخبرها، وهو مضاف، و﴿مَناصٍ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وعلى قراءة: ﴿حِينَ﴾ بالرفع فهو اسمها، والخبر محذوف، والتقدير على الأول: ولات الحين حين مناص لهم. وعلى الثاني: ولات حين مناص حاصلا لهم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير؛ الذي ظهر في التقديرين.","vol":"8","page":109},{"text":"<span id=\"aya-3974\"></span>﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَعَجِبُوا﴾ أي: تعجب كفار قريش. ﴿أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ:﴾ تعجبوا من مجيء رسول من البشر مثلهم، أو أمي من أمثالهم. ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ هذا﴾ أي: محمد. ﴿ساحِرٌ:﴾\nفيما يظهره معجزة. ﴿كَذّابٌ:﴾ فيما يقوله على الله تعالى. وقد وضع الظاهر، وهو ﴿الْكافِرُونَ﴾ موضع الضمير غضبا عليهم، وذما لهم، ودلالة على أن هذا القول لا يقوله، ولا يجرؤ عليه إلا الكافرون المتوغلون في الكفر، المنهمكون في الغي والضلال؛ إذ لا كفر أبلغ من أن يسموا من صدقه الله كاذبا ساحرا، ويتعجبوا من التوحيد؛ وهو الحق الأبلج، ولا يتعجبوا من الشرك؛ وهو باطل لجلج، وانظر العجب في الآية رقم [١١] من سورة (الصافات). هذا؛ ويريدون ب: ﴿ساحِرٌ:﴾ يجيء بالكلام المموه الذي يخدع به الناس.\nالإعراب: ﴿وَعَجِبُوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (عجبوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعوله. ﴿مُنْذِرٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُنْذِرٌ،﴾ و﴿أَنْ﴾ والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. انظر الشرح. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: ﴿أَنْ﴾ بمعنى: إذ، أي: هي للتعليل، وأورد قول الفرزدق: [الطويل]\nأتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا، ولم تغضب لقتل ابن خازم؟\nوهذا هو الشاهد رقم (٤٧) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وجملة ﴿وَعَجِبُوا..﴾. إلخ، لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ساحِرٌ:﴾ خبر أول. ﴿كَذّابٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-3975\"></span>﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)﴾\nالشرح: روي: أنه لما أسلم عمر﵁شق على قريش إسلامه، فاجتمعوا إلى أبي طالب، وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك! فأرسل أبو طالب إلى النبي ﷺ، فقال: يا بن أخي! إن قومك هؤلاء يسألونك السواء (أي: الحق، والإنصاف)، فلا تمل كل الميل على قومك! قال: وما يسألونني؟ قالوا: ارفضنا، وارفض ذكر آلهتنا، وندعك، وإلهك! فقال","vol":"8","page":110},{"text":"النبي ﷺ: «أتعطونني كلمة واحدة، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم؟». فقال أبو جهل: لله أبوك! لنعطينكها، وعشر أمثالها! فقال النبي ﷺ: «قولوا: لا إله إلاّ الله». فنفروا من ذلك، وقاموا، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا﴾ فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟. هذا؛ وكان لهم ثلاثمئة وستون صنما منصوبة حول الكعبة المعظمة، فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. و﴿عُجابٌ﴾ أي: بليغ في العجب، وقد فرق الخليل بين عجاب، وعجيب، فقال: العجيب: العجب، والعجاب: الذي قد تجاوز حدّ العجب، والطويل: الذي فيه طول، والطّوال: الذي قد تجاوز حد الطول.\nالإعراب: ﴿أَجَعَلَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (جعل): فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى النبي؛ الذي عبروا عنه ب: ﴿ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ والفعل من أفعال التحويل، وقد نصب مفعولين: ﴿الْآلِهَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿واحِدًا:﴾ صفة.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم:\n ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَشَيْءٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾. واللام هي المزحلقة. ﴿عُجابٌ:﴾\nصفة (شيء). والآية بكاملها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-3976\"></span>﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ أي: خرجوا من عند أبي طالب بعد أن طلب منهم الرسول ﷺ كلمة التوحيد. هذا؛ و﴿الْمَلَأُ:﴾ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملؤون العيون بكبريائهم، وعظمتهم وزينتهم، وبما يحاطون به من هيبة وعظمة، وهو اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ونحوه. هذا؛ وكان الملأ الذين أتوا إلى أبي طالب خمسة وعشرين رجلا، أعظمهم الوليد بن المغيرة.\n ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أي: انطلقوا. يقول بعضهم لبعض: اثبتوا على عبادة آلهتكم، واصبروا عليها، لا تحيدوا عنها. ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ أي: إن الذي جاء به محمد، ويدعونا إليه إنما يريد به الانقياد له؛ ليعلو علينا، ونكون له أتباعا، فيتحكم بما يريد فينا، فهذا قصده، ومراده منا. فهو تحذير لبعضهم بعضا. وقال الزمخشري: أي: يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، وما أراد الله كونه؛ فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر. أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه. أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم، وتغلبوا عليه. والأول أقوى، وأولى بالاعتبار؛ لأنه الموافق للمقام.\nالإعراب: ﴿وَانْطَلَقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (انطلق الملأ): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:","vol":"8","page":111},{"text":"﴿الْمَلَأُ﴾. ﴿أَنِ:﴾ فيها اعتبارات: الأول: أنها صلة، والجملة بعدها مقولة الحال محذوفة؛ أي:\nقائلين: ﴿اِمْشُوا﴾. والثاني: أنها مفسرة لجملة محذوفة في محل نصب حال، تقديره: وانطلقوا يتحاورون أن امشوا. والثالث: أنها مصدرية معمولة لهذا المقدر. وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والكلام، نحو: انطلق لسانه، ف: ﴿أَنِ﴾ مفسرة له من غير تضمين، ولا حذف. انتهى.\nجمل، وسمين بتصرف. واعتبار الصلة مني، ودليله: أنه قرئ بإسقاطها، وجملة: ﴿اِمْشُوا﴾ في محل نصب مقول القول على الاعتبار الأول، ومفسرة لا محل لها على الاعتبار الثاني، وتسبك بمصدر مع ﴿أَنِ﴾ على الاعتبار الثالث فيها.\n ﴿وَاصْبِرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، ويقال:\nلاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق بين واو الجماعة، وواو العلة، هذا هو الإعراب المشهور في مثل هذا الفعل، والأصل أن تقول في مثله: فعل أمر مبني على سكون مقدر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضمة لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كل فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل: اصبرا، وقد حرك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة، مثل: اصبري، وقد حرك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها. ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب سابقتها بلا فارق. ﴿يُرادُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى: (شيء)، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: (شيء).\nتأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم..\n\n<span id=\"aya-3977\"></span>﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا﴾ أي: الذي يقوله محمد ﷺ. ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ:﴾ يريدون الملة النصرانية التي هي آخر الملل، فإن النصارى يقولون بالتثليث، لا بالتوحيد. وهو قول ابن عباس -﵄-. وقال مجاهد، وقتادة: يعنون: دين قريش، أي: ليس هذا في الدين الذي أدركنا عليه آباءنا. ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ أي: الذي يقوله محمد ما هو إلا كذب، وافتراء. هذا؛ والملة: الطريقة، والديانة، والشريعة، قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٧٨]: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾. وهي بفتح الميم: الرماد الحار. هذا؛ وخلق الشيء، واختلقه: ابتدعه، وافتراه.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، و(نا):\nضمير متصل في محل رفع فاعل. وهذا هو المتعارف عليه في إعراب مثل هذا الفعل، والإعراب","vol":"8","page":112},{"text":"الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات، فيما هو كالكلمة الواحدة. وهكذا قل في إعراب كل فعل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: سمعت، وسمعن، وسمعنا... إلخ.\n ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء المقحمة حرف تنبيه، لا محل له. ﴿فِي الْمِلَّةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من اسم الإشارة؛ أي: موجودا في الملة. ﴿الْآخِرَةِ:﴾ صفة: ﴿الْمِلَّةِ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿بِهذا:﴾\nمبتدأ. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اِخْتِلاقٌ:﴾ خبر المبتدأ، والآية كلها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الكافرين.\n\n<span id=\"aya-3978\"></span>﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨)﴾\nالشرح: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ:﴾ على محمد ﷺ. ﴿الذِّكْرُ:﴾ الوحي، أو القرآن؛ الذي يتلوه. ﴿مِنْ بَيْنِنا:﴾ فهم ينكرون اختصاص النبي ﷺ بالوحي من بينهم، وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف، والسيادة، والرياسة. وقد صرح الله بقولهم هذا في سورة (الزخرف) رقم [٣١]: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وهذا هو صريح الحسد، والحقد، الذي يغلي في صدورهم. وقولهم هذا شبيه بقول قوم صالح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ سورة القمر [٢٥] و[٢٦].\n ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي:﴾ من وحيي، وقرآني؛ الذي أنزلته عليك يا محمد. وهذا يعني: أنهم قد علموا: أنك لم تزل صدوقا فيما بينهم، أمينا عندهم، وإنما شكّوا فيما أنزلته عليك، هل هو من عندي أم لا؟ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أي: لم يذوقوا عذابي بعد، وذوقهم له متوقع، فإذا ذاقوه؛ زال عنهم الشك، وصدقوا، وتصديقهم لا ينفعهم حيئذ؛ لأنهم صدقوا مضطرين، وإنما المضطر تصديقه لا ينفعه، كما لم ينفع فرعون حين أدركه الغرق، فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. هذا؛ وانظر استعارة ذوق العذاب في الآية رقم [٣٨] من سورة (الصافات).\nالإعراب: ﴿أَأُنْزِلَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أنزل): فعل ماض مبني للمجهول.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّكْرُ:﴾ نائب فاعل. ﴿مِنْ بَيْنِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الذِّكْرُ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿أَأُنْزِلَ..﴾. إلخ من مقول الكافرين أيضا. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.\nوالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ ذِكْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شَكٍّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال","vol":"8","page":113},{"text":"المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿لَمّا:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَذُوقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمّا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابِ:﴾ مفعول به منصوب. وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة. والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3979\"></span>﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ (٩)﴾\nالشرح: المعنى: بل أعندهم خزائن رحمة الله، وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، فيتخيروا للنبوة من شاؤوا من صناديدهم، وزعمائهم؟! لا شيء لهم من ذلك، فالله هو المتصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، ينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، لا مانع لما شاء، ولما يشاء، فهو الغالب على أمره، لا يغلب، وهو الوهاب الذي له أن يهب ما يشاء لمن يشاء، وهو العلي القدير، الفعال لما يريده. ثم رشح ذلك بقوله الآتي.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿عِنْدَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿خَزائِنُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف إليه، و﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْعَزِيزِ:﴾ بدل من:\n ﴿رَبِّكَ،﴾ أو صفة له. ﴿الْوَهّابِ:﴾ بدل ثان، أو صفة ثانية، والجملة الاسمية: ﴿عِنْدَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-3980\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ..﴾. إلخ: قال البيضاوي: كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته؛ التي لا نهاية لها؛ أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني، الذي هو جزء يسير من خزائنه، فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها؟ انتهى. ومن أين لهم حتى يتكلموا في الأمور الربانية، والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء؟ انتهى. كشاف، وانظر شرح: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (السجدة).\n ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ أي: إن كان لهم شيء من ذلك؛ فليصعدوا في المراقي؛ التي توصلهم إلى السماء، وليدبروا شؤون هذا الكون! وهو تهكم بهم، واستهزاء. قال الزمخشري:\nتهكم بهم غاية التهكم، فقال: إن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق، والتصرف في قسمة الرحمة،","vol":"8","page":114},{"text":"وكان عندهم من الحكمة ما يميزون بها بين من هو حقيق بالنبوة من غيره، فليصعدوا في المعارج؛ التي يتوصلون بها إلى العرش؛ حتى يستووا عليه، ويدبروا أمر العالم، وينزلوا الوحي على من يختارون!! وهو غاية التهكم بهم. انتهى. صفوة التفاسير. منقولا من الكشاف بتصرف.\nولا تنس: أن الأمر للتوبيخ، والتقريع، والتعجيز.\nهذا؛ ويقال: رقى، يرقى، وارتقى: إذا صعد، ورقى، يرقي رقيا، مثل: رمى، يرمي رميا من الرقبة. قال الربيع بن أنس: الأسباب أرق من الشّعر، وأشد من الحديد، ولكن لا ترى، والسبب في اللغة: كل ما يتوصل به إلى المطلوب من حبل، أو غيره. وقيل: الأسباب: أبواب السموات؛ التي تنزل الملائكة منها. قاله مجاهد، وقتادة. وقال زهير بن أبي سلمى المزني في معلقته رقم [٥٠]: [الطويل]\nومن هاب أسباب المنايا ينلنه... ولو رام أسباب السّماء بسلّم\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. وهي هنا بمعنى: همزة الإنكار، وقدرها البيضاوي هنا، وفي الآية السابقة ب: بل، والهمزة. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿مُلْكُ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، و(الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على السموات والأرض. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿فَلْيَرْتَقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. اللام: لام الأمر. (يرتقوا): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَسْبابِ:﴾\nمتعلقان به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب شرط محذوف. التقدير: إن كان لهم ملك السموات... إلخ؛ ﴿فَلْيَرْتَقُوا..﴾. إلخ، وهذا الكلام مرتبط بما قبله، لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-3981\"></span>﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)﴾\nالشرح: ﴿جُنْدٌ..﴾. إلخ: أي: هؤلاء جند، والمعنى: ما أهل مكة المعاندون لك المعرضون عن الحق الذي جئت به يا محمد إلا جند من الكفار المتحزبين على الرسل، وهم مهزومون عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث لما به يهذون، فقد أخبر الله نبيه ﷺ، وهو بمكة قبل الهجرة، أنه سيهزم جند المشركين، وهو كقوله تعالى في سورة (القمر): ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وكلتا الآيتين من المغيبات التي أخبر بها الله قبل وقوعها، وفيهما بشارة للنبي ﷺ، ولأصحابه-ولا سيما المستضعفون منهم-بعزهم، ونصرهم، وقوة شوكتهم، وذل","vol":"8","page":115},{"text":"الكافرين، ودحرهم، وقد حقق الله وعده، ونصر المسلمين على الكافرين في غزوة بدر الكبرى؛ لذا يروى: أن عمر بن الخطاب﵁أخذ يقرأ في أدبار المنهزمين يوم بدر من المشركين: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فيا لها من بشارة، ويا لها من تسلية للنبي ﷺ!\nهذا؛ وأفرد ﴿مَهْزُومٌ﴾ تبعا للفظ ﴿جُنْدٌ﴾ ولو كان على المعنى لجمعه، وقال: جند مهزومون. انظر الآية رقم [١٧٣] من سورة (الصافات) ففيها فضل بيان. هذا؛ والأحزاب، جمع: حزب، وهو في اللغة: أصحاب الرجل؛ الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم (يعني: أهمهم) وكل قوم تشاكلت قلوبهم، وأعمالهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضا، وحزب الشيطان: هم المتبعون وساوسه، وزخارفه، ودعوته إلى الشر، والفساد. وحزب الله: هم المتبعون أوامره، المنتهون عن مناهيه. قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٥٣] وفي سورة (الروم) رقم [٣٢]: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.\nالإعراب: في إعراب هذه الآية أوجه، واختلافات كثيرة، وها أنذا أنقل لك من الجمل ما نقله عن السمين، فقال-رحمه الله تعالى-: ﴿جُنْدٌ:﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما وهو الظاهر: أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم جند. والثاني: أنه مبتدأ، خبره ما بعده، و﴿ما:﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة ل: ﴿جُنْدٌ﴾ على سبيل التعظيم للهزء بهم، أو للتحقير، فإن «ما» إذا كانت صفة، تستعمل لهذين المعنيين. ﴿هُنالِكَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها أن يكون خبرا ل: ﴿جُنْدٌ،﴾ و﴿ما:﴾ مزيدة، و﴿مَهْزُومٌ:﴾ نعت ل: ﴿جُنْدٌ﴾ ذكره مكي.\nالثاني: أن تكون صفة ل: ﴿جُنْدٌ﴾. الثالث: أن يكون منصوبا ب: ﴿مَهْزُومٌ﴾. و﴿مَهْزُومٌ﴾ يجوز فيه وجهان أيضا: أحدهما أنه خبر ثان لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة ل: ﴿جُنْدٌ،﴾ إلا أن الأحسن على هذا الوجه ألا يجعل: ﴿هُنالِكَ﴾ صفة بل متعلقا به؛ لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الوصف الصريح. انتهى. بتصرف.\nهذا؛ ولم يوضح إعراب: ﴿هُنالِكَ﴾ وأنا أوضحه، فخذه، وبالله التوفيق: (هنا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف على جميع الوجوه المعتبرة فيه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. والجملة الاسمية:\n ﴿جُنْدٌ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3982\"></span><span id=\"aya-3983\"></span><span id=\"aya-3984\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)﴾\nالشرح: ذكر الله هؤلاء الأقوام، الذين كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعزية للنبي ﷺ، وتسلية له، والمعنى: إن قومك يا محمد جند من هؤلاء الأحزاب المتقدمين؛ الذين تحزبوا على","vol":"8","page":116},{"text":"رسلهم، وقد كانوا أقوى من قومك، وأكثر أموالا، وأولادا. وانظر ما ذكرته في شرح قوم في الآية رقم [٣٠] من سورة (الصافات)، وما أحراك أن تنظر شرح أحوال تلك الأقوام في سورة (الشعراء) بالتفصيل، وكذلك في سورة (الأعراف) وسورة (هود). وأصحاب الأيكة: هم قوم شعيب المذكورون في آخر سورة (الشعراء)، وثمود: هم قوم صالح، وعاد: هم قوم هود.\n ﴿أُولئِكَ الْأَحْزابُ:﴾ الذين تحزبوا على رسلهم. ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ أي: ما كل أمة. ﴿إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي: كل أمة كذبت رسولها. وجمع ﴿الرُّسُلَ﴾ لأن في تكذيب الواحد منهم تكذيب للجميع، لاتحاد دعوتهم، وهي: طلب التوحيد، ونبذ الشرك وعبادة الأوثان، على اختلاف أنواعها، وانظر شرح الرسل مفصلا في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أي:\nفاستحقوا عقابي، أو: وجب عليهم عقابي لسوء أعمالهم، وخبث نياتهم.\nهذا؛ وقال الزمخشري في كشافه: وفي تكرير التكذيب، وإيضاحه بعد إبهامه، والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولا، وبالاستثنائية ثانيا، وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد، والتخصيص أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العقاب، وأبلغه.\nهذا؛ و﴿ذُو الْأَوْتادِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: ذو البناء المحكم. وقيل: ذو الملك الشديد الثابت. والعرب تقول: هو في عز ثابت الأوتاد. يريدون بذلك: أنه دائم شديد.\nقال الأسود بن يعفر: [الكامل]\nولقد غنوا فيها بأنعم عيشة... في ظلّ ملك ثابت الأوتاد\nوأصله من ثبات البيت المطنّب بأوتاده. قال الراقدة الأودي: [البسيط]\nوالبيت لا يبتنى إلاّ على عمد... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\nفاستعير لثبات العز، والملك، واستقامة الأمر، وهي استعارة بليغة، فقد شبه الملك بخيمة عظيمة شدت أطنابها بالأوتاد؛ لتثبت، وترسخ، ولا تقتلعها الرياح. ففيه استعارة مكنية. وذكر الأوتاد تخييل. وقيل: ذو الأوتاد: ذو القوة، والبطش. وقال الكلبي، ومقاتل: كان فرعون يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد؛ مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب، والحيات؛ حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيها وتد من حديد، ويتركه حتى يموت. وقيل: ذو الأوتاد، أي: ذو الجنود الكثيرة، فسميت الجنود أوتادا؛ لأنهم يقوون أمره، كما يقوي الوتد البيت. هذا؛ وذكر هذا اللفظ في سورة (الفجر) فقط. هذا؛ ومفرده: وتد، وهو ما رزّ في الأرض، أو في الحائط من خشب، وغيره، وهو بكسر التاء، وفتحها لغة قال الشاعر: [البسيط]\nولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن عير الحيّ والوتد\nهذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد","vol":"8","page":117},{"text":"الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه، والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ:﴾\nمعطوفان على ما قبلهما. ﴿ذُو:﴾ صفة (فرعون) مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿الْأَوْتادِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على: ﴿قَوْمُ نُوحٍ،﴾ ولا تنس الإضافة ل: ﴿لُوطٍ﴾ و﴿الْأَيْكَةِ﴾. والجملة الفعلية: ﴿كَذَّبَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع، وفيه أوجه: أحدها: أنه بدل من الطوائف المذكورة. والثاني: أنه مبتدأ خبره: ﴿الْأَحْزابُ،﴾ أو الجملة الاسمية: ﴿إِنْ كُلٌّ..﴾. إلخ.\nوالثالث: أنه خبر، والمبتدأ من قوله: ﴿وَعادٌ،﴾ أو من قوله: ﴿وَثَمُودُ،﴾ أو من قوله تعالى: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ انتهى. عكبري. والأول والثاني منقولان عن السمين. ﴿الْأَحْزابُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو خبر عنه، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل رفع خبر، كما رأيت. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي.\n ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ. والمضاف إليه محذوف. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلٌّ﴾. ﴿الرُّسُلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ كُلٌّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار: ﴿الْأَحْزابُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، أو هي مستأنفة على اعتبار: ﴿الْأَحْزابُ﴾ خبرا عنه. ﴿فَحَقَّ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (حق): فعل ماض. ﴿عِقابِ:﴾ فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، ولأنه رأس آية، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. والرابط محذوف، التقدير: فحق عقابي عليهم.\n\n<span id=\"aya-3985\"></span>﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما يَنْظُرُ﴾ أي: ما ينتظر. ﴿هؤُلاءِ﴾ أي: كفار قريش. ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً:﴾ هي صيحة إسرافيل، ﵇، وهي النفخة الأولى في الصور، فيصعقون، كما قال تعالى في سورة (يس) رقم [٤٩]: ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾.\n ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ:﴾ ما لها من رجوع، ومالها توقف، ومالها من تأخر مقدار فواق ناقة، وهو ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب، ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تحلب. يقال:\nما أقام عنده إلا فواقا، وفي الحديث: «العيادة قدر فواق الناقة» أي: ينبغي أن تكون عبادة المريض قصيرة بمقدار ما بين الحلبتين من الوقت. هذا؛ و﴿فَواقٍ﴾ يقرأ بفتح الفاء، وضمها، فقيل معناه بالفتح: الإفاقة، والاستراحة، كالجواب من: أجاب، قاله من المؤرخين: السدوسي، والفراء،","vol":"8","page":118},{"text":"ومن المفسرين: ابن زيد والسدي، وأما المضموم فاسم لا مصدر، والمشهور: أنها بمعنى: واحد كقصاص الشعر وقصاصة. انتهى. جمل نقلا من السمين. هذا؛ والفيقة بالكسر: اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها، قال الأعشى يصف بقرة: [البسيط]\nحتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت... جاءت لترضع شقّ النّفس لو رضعا\nوالجمع: فيق، ثم: أفواق، مثل: شبر وأشبار، ثم: أفاويق، قال ابن همام السلولي: [الطويل] وذمّوا لنا الدّنيا وهم يرضعونها... أفاويق حتى ما يدرّ لها ثعل\nالبيت في ذم علماء الدنيا، والثعل زيادة في أطباء الناقة والبقرة والشاة، وهو لا يدر، وإنما ذكره للمبالغة، والأفاويق أيضا: ما اجتمع في السحاب من ماء، فهو يمطر ساعة بعد ساعة. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَنْظُرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿هؤُلاءِ:﴾\nالهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿صَيْحَةً:﴾ مفعول به. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿فَواقٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿فَواقٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور قبله، وهذا يعني إضمار فعل: التقدير: ما يثبت لها من ﴿فَواقٍ،﴾ وهذا يعني: أن الجملة فعلية، وسواء أكانت الجملة اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب صفة ثانية لصيحة، ولا يجوز اعتبارها في محل نصب حال منها بعد وصفها ب: ﴿واحِدَةً؛﴾ لأن المعنى على الاستقبال، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَنْظُرُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3986\"></span>﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أي: نصيبنا، وحظنا من العذاب، قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: سألوا تعجيل العذاب، كما قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة، إن كانت موجودة، ليلقوا ذلك في الدنيا.\nوإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد، والتكذيب. وهذا كثير مثله في آيات القرآن الكريم، قال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير، أو الشر في الدنيا، وهذا الذي قاله جيد، ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء، والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرا له بالصبر على أذاهم، ومبشرا على صبره بالعاقبة، والنصر، والظفر. انتهى. مختصر ابن كثير.","vol":"8","page":119},{"text":"هذا؛ وقال القرطبي: ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب: قطّ، وللكتاب المكتوب بالجائزة: قطّ، والجمع: القطوط، قال الأعشى: [الطويل]\nولا الملك النعمان يوم لقيته... بغبطته يعطي القطوط ويأفق\nيعني: كتب الجوائز. ويروى: بأمته بدل بغبطته، أي: بنعمته، وحاله الجليلة، ويأفق:\nيصلح. هذا؛ وأصل القط: القط وهو القطع، ومنه: قطّ القلم، فالقط اسم للقطعة من الشيء، كالقسم، والقسم، فأطلق على النصيب، والكتاب، والرزق لقطعه عن غيره، إلا أنه في الكتاب أكثر استعمالا، وأقوى حقيقة، قال أمية بن أبي الصلت: [المنسرح]\nقوم لهم ساحة العراق وما... يجبى إليه والقطّ والقلم\nتنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب، فيه معنى التعظيم له والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد. فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام العربي في نداء الرب لذلك المعنى. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (الصافات) ففيها كبير فائدة.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو. ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿رَبَّنا:﴾\nمنادى حذف منه أداة النداء، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَجِّلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قِطَّنا:﴾ مفعول به. و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. و﴿قَبْلَ:﴾ مضاف، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، والجملتان: الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3987\"></span>﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ (١٧)﴾\nالشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله من أخبار الكفار، وشقاقهم، وتقريعهم، بإهلاك القرون من قبلهم؛ أمر نبيه ﷺ بالصبر على أذاهم، وسلاه بكل ما تقدم، ثم","vol":"8","page":120},{"text":"أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء؛ ليتسلى بصبر من صبر منهم، وليعلم: أن له في الآخرة أضعاف ما أعطيه داود، وغيره من الأنبياء. انتهى. وانظر ما ذكرته بشأنه في الآية رقم [١٠] من سورة (سبأ)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ:﴾ انظر ﴿عِبادِنَا﴾ برقم [٨١] من سورة (الصافات). ﴿ذَا الْأَيْدِ:﴾ ذا القوة في العبادة، وهو قول ابن عباس﵄-. وقرأ ابن زيد-رحمه الله تعالى-في سورة (الذاريات): ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ وقد كان ﵊ يصوم يوما، ويفطر يوما، وذلك أشد الصوم، وأفضله، وكان يصلي نصف الليل، وكان لا يفر إذا لاقى العدو، وكان قويا في الدعاء إلى الله تعالى، وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «أحبّ الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحبّ الصيام إلى الله ﷿ صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما، ولا يفرّ إذا لاقى العدوّ».\nأخرجه البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة﵁-. هذا؛ ومنه: رجل أيد، أي:\nقوي، وتأيّد الشيء: تقوّى. قال الشاعر: [المتقارب]\nإذا القوس وتّرها أيّد... رمى فأصاب الكلى والذّرا\nيقول: إذا وتر الله القوس التي في السحاب رمى كلى الإبل، وأسمنها بالشحم. يعني: من النبات الذي يكون من المطر. هذا؛ واليد تستعمل في الأصل للجارحة، وتطلق، ويراد بها:\nالقوة، والقدرة، كما رأيت في هذه الآية، وكما في الآية رقم [٧٥] الآتية. وخذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nوحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧١] من سورة (يس)، كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان يد عندي، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال:\nلا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. وينبغي أن تعلم: أن الأيد في هذه الآية مفرد، وليس بجمع يد.\n ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ أي: رجاع إلى الله ﷿ في جميع أموره، وشؤونه، قال الضحاك: أي:\nتواب. وعن غيره: أنه كان كلما ذكر ذنبه، أو خطر على باله؛ استغفر منه. ويقال: آب، يؤوب: إذا رجع، كما قال عبيد بن الأبرص من معلقته رقم [١٦]: [مخلع البسيط]\nوكلّ ذي غيبة يؤوب... وغائب الموت لا يؤوب\nتنبيه: قال الزمخشري في كشافه: فإن قلت: كيف تطابق قوله تعالى: ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ حتى عطف أحدهما على صاحبه؟ قلت: كأنه قال لنبيه ﷺ:","vol":"8","page":121},{"text":"اصبر على ما يقولون، وعظم معصية الله في أعينهم بذكر قصة داود ﵇، وهو أنّه نبي من أنبياء الله تعالى، قد أولاه الله ما أولاه من النبوة والملك لكرامته عليه، وزلفته لديه، ثم زل زلة، فبعث الله إليه الملائكة، ووبخه عليها على طريق التمثيل، والتعريض؛ حتى فطن لما وقع فيه، فاستغفر، وأناب، ووجد منه ما يحكى من بكائه الدائم، وغمه الواصب، ونقش جنايته في بطن كفه، حتى لا يزال يجدد النظر إليها، والندم عليها، فما الظن بكم مع كفركم، ومعاصيكم؟! انتهى.\nالإعراب: ﴿اِصْبِرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: اصبر على الذي، أو على شيء يقولونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: اصبر على قولهم: هو شاعر، هو ساحر... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها من الإعراب، وجملة: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا..﴾. معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿داوُدَ:﴾ بدل، أو عطف بيان على ما قبله. ﴿ذَا:﴾ صفة: ﴿داوُدَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذَا﴾ مضاف، و﴿الْأَيْدِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3988\"></span><span id=\"aya-3989\"></span>﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ:﴾ قال مقاتل: كان داود﵇إذا ذكر الله تعالى؛ ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال. وانظر ما ذكرته في سورة (سبأ) رقم [١٠].\n ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ أي: إن الله سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس، وآخر النهار، كما قال تعالى في سورة (سبأ) رقم [١٠]: ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾. كذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه، وترجع بترجيعه، فكان إذا مر به الطير، وهو سابح في الهواء، فسمعه، وهو يترنم بقراءة الزبور؛ لا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء، ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات، ترجع معه، وتسبح تبعا له. هذا؛ ولا تنس: الطباق بين: العشي، والإشراق.\nهذا؛ والعشي: من قبيل العصر إلى المغرب، وقد قوبل بالإشراق هنا، وهو بياض الشمس بعد طلوعها، ويقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً:﴾ مجموعة إليه من كل جانب تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَهُ:﴾ لداود ﴿أَوّابٌ﴾ أي: رجاع إلى طاعته، مطيع له، بالتسبيح معه، فعن ابن عباس﵄قال: كان إذا سبح؛ جاوبته الجبال بالتسبيح،","vol":"8","page":122},{"text":"واجتمعت إليه الطير، فسبحت؛ فذلك حشرها. وقيل: الضمير في: ﴿لَهُ﴾ لله، فيكون المعنى:\nكلّ من داود، والجبال والطير لله أواب، أي: مسبح مرجع للتسبيح.\nتنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم اختار ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ على: مسبحات، وأيهما وقع كان حالا؟ فأجاب بأن اختيارها لمعنى، وهو الدلالة على حدوث التسبيح شيئا بعد شيء؛ وكأن السامع محاضر لها، فيسمعها تسبح، ومنه قول الأعشى: [الطويل]\nلعمري لقد لاحت عيون كثيرة... إلى ضوء نار في يفاع تحرّق\nولو قال: محرقة لم يكن شيئا، وقوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ إلا أنه لما لم يكن في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئا بعد شيء؛ جيء به اسما، لا فعلا، وذلك: أنه لو قيل: وسخرنا الطير يحشرون على أن الحشر يوجد من حاشرها شيئا بعد شيء، والحاشر هو الله ﷿؛ لكان خلفا؛ لأن حشرها جملة واحدة أدل على القدرة. انتهى.\nهذا؛ وفسر التسبيح في الإشراق بصلاة الضحى، فقد روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس﵄في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ قال: كنت أمر بهذه الآية؛ لا أدري ما هي؟ حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب﵂أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فدعا بوضوء، فتوضأ، ثم صلى الضحى، فقال: «يا أمّ هانئ هذه صلاة الإشراق».\nقلت: والذي في الصحيحين من حديث أم هانئ﵂في صلاة الضحى، قالت:\nذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة بنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: «من هذه؟» قلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: «مرحبا يا أم هانئ!». فلما فرغ من غسله؛ قام، وصلى ثماني ركعات ملتحفا بثوب. قالت أم هانئ﵂-: وذلك ضحى. انتهى. خازن بحروفه. ومثله بل أكثر منه في الكشاف، والقرطبي.\nأقول: وصفوة القول: أنه وردت أحاديث صحيحة ترغب في صلاة الضحى، وهي كثيرة مذكورة في كتاب «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، وفي غيره، وأكتفي هنا بذكر حديثين هما: فعن أبي هريرة﵁قال:، أوصاني خليلي ﷺ: «بصيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وركعتي الضّحى، وأن أوتر قبل أن أرقد». رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهما. وعن أبي ذر﵁عن النبي ﷺ قال: «يصبح على كلّ سلامى من أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضّحى». رواه مسلم.\nهذا؛ وأكثر صلاة الضحى ثمان ركعات، وأقلها ركعتان، والسلامى في الأصل: عظام الأصابع، والأرجل، والأكف، ثم استعمل في سائر عظام الجسد، ومفاصله، والمعنى: كل عضو من أعضاء المسلم إذا أصبح في عافية، وصحة فعليه صدقة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"8","page":123},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿سَخَّرْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْجِبالَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ﴾ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل بعده، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُسَبِّحْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والمفعول محذوف، تقديره: يسبحن الله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْجِبالَ﴾ والرابط: نون النسوة. ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْإِشْراقِ:﴾ معطوف على ما قبله. (الطير): معطوف على: ﴿الْجِبالَ﴾. ﴿مَحْشُورَةً:﴾\nمعطوف على محل ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ الواقعة حالا. هذا؛ وقال الجمل: وقعت الجملة الفعلية حالا دون اسم فاعل لتدل على التجدد والحدوث شيئا بعد شيء، وأتى بالحال اسما ﴿مَحْشُورَةً؛﴾ لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئا فشيئا؛ لأن حشرها دفعة واحدة أدل على القدرة، والحاشر هو الله تعالى، وقرأ بعضهم برفع الاسمين، على أنهما مبتدأ، وخبر، وجملة مستقلة. انتهى. نقلا من السمين. وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والحالية ضعيفة. تأمل. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، والإضافة فيه مقدرة. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿أَوّابٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-3990\"></span>﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ:﴾ قويناه؛ حتى ثبت. قيل: بالهيبة، وإلقاء الرعب منه في القلوب.\nوقيل: بكثرة الجنود. وقيل: بالتأييد، والنصر. وهذا اختيار ابن العربي. فلا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور، وغير معان. وقال ابن عباس﵄-: كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا، كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل، فإن أصبح، قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبيكم. والملك عبارة عن كثرة الملك، فقد يكون للرجل ملك، ولكن لا يكون ملكا حتى يكثر ذلك، فلو ملك الرجل دارا وامرأة لم يكن ملكا؛ حتى يكون له خادم يكفيه مؤنة التصرف في المنافع التي يفتقر إليها لضرورته الآدمية. انتهى. قرطبي.\n ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ:﴾ بالنسبة لداود، وأمثاله من الأنبياء هي النبوة، والرسالة، والعلم، والفقه. وبالنسبة لغيرهم: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٨]: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾. وقال في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾. ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ:﴾ فصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل، أو هو الكلام الملخّص، الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعى فيه مظان الفصل،","vol":"8","page":124},{"text":"والوصل، والعطف، والاستئناف، والإضمار، والإظهار، والحذف، والتكرار، ونحوها، وإنما سمّي به: أما بعد؛ لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد، والصلاة على النبي ﷺ. وقيل: هو الخطاب القصد، الذي ليس فيه اختصار مخل، ولا إشباع ممل، كما جاء في صفة كلام النبي ﷺ: «فصل لا نذر ولا هذر». انتهى. بيضاوي. وعن علي بن أبي طالب -﵁هو قوله ﵇: «البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر».\nتنبيه: روي عن ابن عباس﵄-: أن رجلا من بني إسرائيل ادعى على رجل من عظمائهم عند داود ﵇ فقال: إن هذا غصبني بقرة، فسأله داود، فجحده، فسأله الآخر البينة، فلم يكن له بينة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل المدّعى عليه، فقال: هذه رؤيا، ولست أعجل عليه حتى أثبت فيها، فأوحى إليه مرة أخرى، فلم يفعل، فأوحى إليه الثالثة أن يقتله، أو تأتيه العقوبة، فقال له: إن الله أوحى إلى أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟! فقال: نعم والله لأنفذن أمر الله فيك، فلما عرف الرجل: أنه قاتله، قال: لا تعجل حتى أخبرك، إني والله ما أخذت بهذا الذنب، ولكني كنت اغتلت والد هذا، فبذلك أخذت، فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾. انتهى. خازن بحروفه.\nالإعراب: ﴿وَشَدَدْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (شددنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿سَخَّرْنَا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿مُلْكَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (آتيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿الْحِكْمَةَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَفَصْلَ:﴾\nمعطوف عليه، و(فصل) مضاف، و﴿الْخِطابِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-3991\"></span>﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، والاستفهام ليس على حقيقته، وإنما هو للتعجب، والتشويق للسامع إلى ما يلقى إليه، كما تقول لجليسك: هل تعلم ما وقع اليوم؟ تريد تشويقه لسماع كلامك. والمعنى: هل أتاك يا محمد خبر الجماعة المتنازعين، الذين تسوروا على داود سور محرابه، ومسجده في وقت اشتغاله بالعبادة والطاعة؟ والخصم في الأصل مصدر، ولذلك أطلق على الجمع. والسور: الحائط المرتفع. والمحراب: الغرفة، أو المسجد، أو صدر المسجد، والمحراب: محل العبادة، سمي بذلك؛ لأنه محل محاربة الشيطان لأن المتعبد فيه يحاربه، وهو الآن المحل الذي يقف فيه الإمام حين أداء الصلوات المفروضة.","vol":"8","page":125},{"text":"هذا؛ والفعل: «أتى» يستعمل لازما؛ إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا؛ إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، ومنه هذه الآية، ومن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ..﴾. إلخ، ومثله فعل: جاء بالمعنيين، فمن مجيئه لازما قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ،﴾ ومن مجيئه متعديا قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ..﴾. إلخ. أما النبأ؛ فهو الخبر وزنا، ومعنى، ويقال:\nالنبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن. ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ، حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى: أعلم، فيتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في قوله تعالى:\n ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ رقم [١٤] من سورة (المائدة).\nتنبيه: لقد اختلف بشأن الخصمين، وكيف جمعا بواو الجماعة بالأفعال الثلاثة: (تسوروا، دخلوا، قالوا). فجمعا؛ لأن الخصم مصدر يدل على الجمع، فجمع على المعنى، وتقديره:\nذوو الخصم. وأما شأنهما، فقيل: هما إنسيّان. وقيل: هما ملكان، قاله جماعة، وعيّنهما جماعة، فقالوا: إنهما جبريل، وميكائيل، عليهما الصلاة والسّلام. وقيل: هما ملكان في صورة إنسيين، بعثهما الله إليه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس الدخول، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسان. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَهَلْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، وتعجيب، وتشويق.\n ﴿أَتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والكاف مفعول به. ﴿نَبَأُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و﴿نَبَأُ﴾ مضاف، و﴿الْخَصْمِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف، التقدير:\nهل أتاك نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم نفسه. واستبعدوا تعليقه بالفعل: أتى، أو ب: ﴿نَبَأُ﴾ إلا على تأويل بعيد. ﴿تَسَوَّرُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الْمِحْرابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-3992\"></span>﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ:﴾ لأنهما أتياه ليلا في غير وقت دخول الخصوم.\nوقيل: لدخولهم عليه بغير إذنه. وقيل: لأنهم تسوروا عليه المحراب، ولم يأتوه من الباب.\nوكان المحراب من الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرتقي عليه آدمي إلا بجهد شديد، وتعاون كبير بين عدد كثير من الناس. فقال: ما أدخلكما علي؟ قالا: ﴿لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾","vol":"8","page":126},{"text":"فجئناك لتقضي بيننا. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ:﴾ ولا تجر من الشطط، وهو مجاوزة الحد، وتخطي الحق. ﴿وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ:﴾ أرشدنا إلى وسط الطريق الحق، والصواب.\nفإن قيل: لم فزع داود وهو نبي، وقد قويت نفسه بالنبوة، واطمأنت بالوحي، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟ والجواب: ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والإذاية، ومنهما كان يخاف، ألا ترى إلى موسى وهارون على نبينا-وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-. كيف قالا: ﴿إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ فقال الله ﷿: ﴿لا تَخافا﴾. وقالت الرسل للوط﵇-: ﴿لا تَخَفْ﴾ ﴿إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وكذا قال الملكان هنا: ﴿لا تَخَفْ﴾ لذا فقد خاب الكذبة الفجرة، الذي يصفون أبا بكر الصديق بالجبن ليلة الهجرة، وذلك حين خاف على النبي ﷺ، فطمأنه صاحبه بقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾.\nهذا؛ وإنما قال هنا: ﴿خَصْمانِ﴾ بعد قوله في الآية السابقة: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ على تأويل خصمان بفريقان. وقيل: لأن الاثنين جمع. قال الخليل: كما تقول: نحن فعلنا؛ إذا كنتما اثنين.\nوقال الكسائي: جمع لما كان خبرا، فلما انقضى الخبر، وجاءت المخاطبة؛ خبّر الاثنان عن أنفسهما، فقالا: خصمان. وقال الزجاج: المعنى: نحن خصمان. انتهى. قرطبي. وهناك تأويلات كثيرة، فقال داود ﵇ لهما: تكلما، فقال أحدهما: إن هذا.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقتها، أو هي متعلقة بالفعل ﴿تَسَوَّرُوا﴾. ﴿دَخَلُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿عَلى داوُدَ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿فَفَزِعَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (فزع): فعل ماض، والفاعل يعود إلى داود. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لا تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿خَصْمانِ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: نحن خصمان، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل للنهي، وهي من جملة مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿بَغى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بَعْضُنا:﴾ فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿خَصْمانِ،﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المستتر فيه، والرابط على الاعتبارين الضمير فقط.\n ﴿فَاحْكُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (احكم): فعل أمر والتماس، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. و(نا): في","vol":"8","page":127},{"text":"محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ أي: احكم بيننا ملتبسا بالحق. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنا قد جئناك لتحكم بيننا؛ فاحكم... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاهْدِنا:﴾ فعل أمر والتماس مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت» و(نا) مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِلى سَواءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَواءِ﴾ مضاف، و﴿الصِّراطِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-3993\"></span>﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هذا أَخِي﴾ أي: بالدّين، أو الصحبة، أو الرفقة، لا بالنسب، أو هي أخوة الشركة، والخلطة، لقول داود فيما يأتي: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ..﴾. إلخ. ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ:﴾ فقد كنى بالنعجة عن المرأة، والعرب تكني عنها بالنعجة والشاة؛ لما هي عليه من السكون، والضعف، وقد يكنى عنها بالبقرة، والحجرة، والناقة؛ لأن الكلّ مركوب، قال العجاج، وهو الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nبيض ثلاث كنعاج جمّ... يضحكن عن كالبرد المنهم\nوقال عنترة، وهو الشاهد رقم [٦١٥] منه: [الكامل]\nيا شاة من قنص لمن حلّت له... حرمت عليّ وليتها لم تحرم\nكما كنى عنها الأحوص بالنخلة، وهو الشاهد رقم [٦٦٧] منه: [الوافر]\nألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام\nوكنى عنها حميد بن ثور الهلالي بالسرحة، وهي الشجرة، بالشاهد رقم (٢٣٥) منه: [الطويل]\nأبى الله إلاّ أنّ سرحة مالك... على كلّ أفنان العضاه تروق\n ﴿فَقالَ أَكْفِلْنِيها:﴾ ملكنيها، أو أعطنيها، أو تحول لي عنها، أو اجعلها كفلي ونصيبي، أو ضمها إلي حتى أكفلها، أقوال مروية عن السلف الصالح. ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ:﴾ وغلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر رده. وقال الضحاك: إن تكلم؛ كان أفصح مني، وان حارب؛ كان أبطش مني. وقرئ: «(وعازني في الخطاب)» أي: غالبني. وانظر الآية رقم [٢].","vol":"8","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3636>فائدة:</span>\nقال القرطبي في غير هذه الآية: عشرون، وثلاثون، وأربعون... إلخ، كل واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد، فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين، وفتح، أول ثلاثين وما بعده إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه-رحمه الله تعالى-: أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين كما كسر أول اثنين، والدليل على هذا قولهم: ستون، وتسعون، كما قيل: ستة، وتسعة. انتهى. احفظه فإنه جيد. والله ولي التوفيق.\nهذا؛ وقال صاحب مختار الصحاح: وإذا أضفته-أي: لفظ العقود-أسقطت النون. فقلت:\nهذه عشروك، وعشريّ.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَخِي:﴾ يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون بدلا من ﴿هذا﴾ فيكون منصوبا، والثاني أن يكون خبرا، فيكون مرفوعا، والفتحة على الأول، والضمة على الثاني كلتاهما مقدرتان على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿تِسْعٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. (تسعون): معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نَعْجَةً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان على اعتبار: ﴿أَخِي﴾ خبرا، وهي الخبر على اعتباره بدلا. انتهى. شذور الذهب. ﴿وَلِيَ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لي): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نَعْجَةً:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿واحِدَةٌ:﴾ صفة. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\nوالجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ بينات لك في آخر شرح الآية السابقة: أنها مقولة لقول محذوف. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَخِي،﴾ تقديره: «هو». ﴿أَكْفِلْنِيها:﴾ فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، و(ها) مفعول به ثان، ويجوز فصل ضمير الغيبة، ووصله، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوصل أو افصل هاء سلنيه وما... أشبهه في كنته الخلف انتمى\nوجملة: ﴿أَكْفِلْنِيها..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة المقدرة في آخر شرح الآية السابقة. ﴿وَعَزَّنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (عزني): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَخِي﴾ أيضا، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْخِطابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"8","page":129},{"text":"<span id=\"aya-3994\"></span>﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ:﴾ قال النحاس-رحمه الله تعالى-: فيقال:\nهذه كانت خطيئة داود ﵇؛ لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبت ببينة، ولا إقرار من الخصم، هل كان هذا كذا، أو لم يكن فهذا قول. وقال-رحمه الله تعالى-: فأما قول العلماء الذين لا يدفع قولهم؛ منهم: عبد الله بن مسعود، وابن عباس﵃فإنهم قالوا:\nما زاد داود-صلّى الله عليه نبينا، وعليه، وسلم-على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله ﷿ على ذلك، ونبهه عليه، وليس هذا بكبير معصية، ومن تخطى إلى غير هذا، فإنه يأتي بما لا يصح عن عالم، ويلحقه فيه إثم عظيم، وإنما عاتبه الله عليه؛ لأنه نبي، وكان له تسع وتسعون امرأة، فأنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا بالتزيد منها، فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه. وقد قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف﵄لما آخى رسول الله ﷺ بينهما: إن لي زوجتين أنزل لك عن إحداهما.؟ وفي رواية عن أحسنهما، فقال له عبد الرحمن:\nبارك الله لك في أهلك. وما يجوز فعله ابتداء؛ يجوز طلبه، وليس في القرآن: أن ذلك كان، ولا أنه تزوجها بعد زوال عصمة الرجل عنها، ولا ولادتها لسليمان، فعمن يروى هذا؛ ويسند، وعلى من في نقله يعتمد.؟!. انتهى.\nهذا؛ وذكر الطبري-رحمه الله تعالى-في أحكامه في قول الله ﷿: ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ..﴾. إلخ قوله: ذكر المحققون الذين يرون تنزيه الأنبياء﵈عن الكبائر أن داود ﵇ كان قد أقدم على خطبة امرأة قد خطبها غيره، يقال: هو أوريا، فمال القوم إلى تزويجها من داود راغبين فيه، وزاهدين في الخاطب الأول، ولم يكن داود عارفا، وقد كان يمكنه أن يعرف ذلك، فيعدل عن هذه الرغبة، وعن الخطبة بها، فلم يفعل ذلك من حيث أعجب بها، إما وصفا، أو مشاهدة على غير تعمد، وقد كان لداود ﵇ من النساء العدد الكثير، وذلك الخاطب لا امرأة له، فنبهه الله تعالى على ما فعل بما كان من تسور الملكين، وما أورداه من التمثيل على وجه التعريض؛ لكي يفهم من ذلك موقع العتب، فيعدل عن هذه الطريقة، ويستغفر ربه من هذه الصغيرة. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ:﴾ الشركاء الذين خلطوا أموالهم، جمع: خليط ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ:﴾ ليتعدى ويظلم، وقرئ بفتح الغين على تقدير النون الخفيفة وحذفها، ومثله قول طرفة بن العبد وهو الشاهد رقم [١٠٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المنسرح]\nاضرب عنك الهموم طارقها... ضربك بالسّيف قونس الفرس","vol":"8","page":130},{"text":"﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: فإنهم لا يظلمون أحدا. ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين لا يظلمون أحدا غيرهم قليل. وروي: أن عمر﵁- سمع رجلا يقول في دعائه: اللهم اجعلني من عبادك القليل. فقال له عمر﵁-:\nما هذا الدعاء؟! فقال: أردت قول الله ﷿ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ، فقال: كل الناس أفقه منك يا عمر، وتقدم مثله في الآية رقم [١٣] من سورة (سبأ).\n ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ أي: ابتليناه واختبرناه بتلك الحكومة، هل يتنبه بها، وظن هنا بمعنى: أيقن، لا يحتمل غير اليقين. وقال ابن عباس﵄-: إن داود لما دخل عليه الملكان وحكم بما تقدم؛ تحولا في صورتهما، وعرجا، وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه، فعلم داود ﵇ إنما عني به. وذكر النسفي: أن داود سأل الآخر عن ما ادعى به الأول فاعترف، ولكنه لم يحك في القرآن؛ لأنه معلوم، ويروى: أنه قال: أنا أريد أن آخذها منه، وأكمل نعاجي مئة، فقال له داود: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا، وهذا (وأشار إلى طرف الأنف والجبهة) فقال: يا داود! أنت أحق أن يضرب منك هذا، وهذا، وأنت فعلت كيت، كيت، ثم نظر، فلم ير أحدا، فعرف ما وقع فيه. ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ:﴾ من ذنبه ﴿وَخَرَّ راكِعًا:﴾ ساجدا على تسمية السجود ركوعا؛ لأنه مبدؤه، أو: خر للسجود راكعا؛ أي: مصليا كأنه أحرم بركعتي الاستغفار، أي: بركعتي التوبة، وهذا عند الشافعي، فإن سجود التلاوة عنده، ولو كان في الصلاة، لا يؤدى في الركوع. وقال السادة الحنفية: وفيه دليل على أن الركوع يقوم مقام السجود في الصلاة؛ إذا نوي؛ لأن المراد مجرد ما يصلح تواضعا عند هذه التلاوة، والركوع في الصلاة يعمل هذا العمل، بخلاف الركوع في غير الصلاة. هذا؛ والتعبير عن السجود بالركوع موجود في اللغة العربية، قال الشاعر: [المتقارب]\nفخرّ على وجهه راكعا... وتاب إلى الله من كلّ ذنب\n ﴿وَأَنابَ:﴾ ورجع إلى الله بالتوبة. وقيل: إنه بقي ساجدا أربعين يوما وليلة، لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة، أو ما لا بد منه، ولا يرقأ دمعه؛ حتى نبت العشب من دمعه، ولم يشرب ماء، إلا وثلثاه دمع.\nتنبيه: اختلف العلماء في سجدة سورة (ص)، هل هي من عزائم السجود؟ فذهب الشافعي -رحمه الله تعالى-إلى أنها ليست من عزائم سجود التلاوة، قال: لأنها توبة نبي، فلا توجب سجدة التلاوة. وقال أبو حنيفة ﵀: هي من عزائم سجود التلاوة، واستدل بهذه الآية على أن الركوع يقوم مقام السجود في سجود التلاوة. وعند الشافعي تبطل الصلاة إذا سجد فيها لتلاوة آية (ص)، وذكرت لك في سورة (الحج) رقم [٧٧] أن الشافعي يعتبر تلك الآية آية سجدة، وعن أحمد-رحمه الله تعالى-في سجدة (ص) روايتان، وقد ثبت: أن النبي ﷺ سجد فيها.","vol":"8","page":131},{"text":"فعن ابن عباس﵄قال: سجدة (ص) ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها. رواه البخاري. قال مجاهد: قلت لابن عباس: أسجد في (ص)، فقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ حتى أتى على قوله تعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فقال: نبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، فسجدها داود؛ فسجدها رسول الله ﷺ. وللنسائي عن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ سجد في (ص)، وقال: سجدها داود توبة، فنسجدها شكرا. انتهى. خازن بتصرف.\nتنبيه: نسجد لها خارج الصلاة، ولا نسجد لها في الصلاة، وإذا سجدت لتلاوتها أيها القارئ الكريم فقل بعد تسبيحات السجود ثلاثا: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع بها عني وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. هذا؛ ويسن سجود الشكر عند هجوم نعمة، أو اندفاع نقمة، ولرؤية فاسق متظاهر، ويظهرها للمتظاهر، ولرؤية مبتلى ويسرها؛ لما صح عن النبي ﷺ: أنه كان إذا جاءه أمر يسرّ به؛ خر ساجدا شاكرا لله.\nرواه أبو داود، والترمذي. هذا؛ وسجود التلاوة، وسجدة الشكر يشترط لهما شروط الصلاة من الطهارة، واستقبال القبلة، وتكبيرة الإحرام، والسّلام. والأفضل أن يصلي لله تعالى ركعتين تامتين للشكر، قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى -﵁أن رسول الله ﷺ صلّى يوم بشّر برأس أبي جهل ركعتين. وخرّج من حديث أبي بكرة﵁أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره خر ساجدا شكرا لله، وهذا دليل الشافعي، وغيره على: أنه يكتفى بسجدة واحدة للشكر.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى داود. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ظَلَمَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى أحد الخصمين، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به، والجملة جواب القسم المقدر، لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ لَقَدْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِسُؤالِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(سؤال) مضاف، و﴿نَعْجَتِكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: بسؤاله نعجتك، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى نِعاجِهِ:﴾ متعلقان بالمصدر، أو بمحذوف حال، التقدير: مضمومة إلى نعاجه. وقيل: التقدير: ليضمها إلى نعاجه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال، (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيرًا:﴾ اسم (إنّ). ﴿مِنَ الْخُلَطاءِ:﴾ متعلقان ب: ﴿كَثِيرًا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة له. ﴿لَيَبْغِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يبغي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر (إنّ). والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الغيبة العائد إلى أحد الخصمين، والرابط: الواو فقط. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مستثنى من: ﴿بَعْضُهُمْ﴾.","vol":"8","page":132},{"text":"وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَقَلِيلٌ:﴾ الواو: واو الحال، (قليل): خبر مقدم. ﴿ما:﴾\nصفة. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. وقيل: ﴿ما﴾ بمعنى:\nالذين، وتقديره: وقليل الذين هم، ولا وجه له ألبتة. والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة.\n ﴿وَظَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (ظن): فعل ماض. ﴿داوُدُ:﴾ فاعله. ﴿أَنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿فَتَنّاهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، و﴿أَنَّما فَتَنّاهُ:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظن). والجملة الفعلية هذه معطوفة على جمل محذوفة مقدرة، انظر الشرح، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿فَاسْتَغْفَرَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿داوُدُ﴾. ﴿رَبَّهُ:﴾\nمفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿وَظَنَّ..﴾. إلخ. ﴿وَخَرَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿داوُدُ﴾ أيضا. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿راكِعًا:﴾ حال. ﴿وَأَنابَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿داوُدُ﴾ أيضا، والمتعلق محذوف، تقديره: أناب إلى الله، والجملة الفعلية معطوفة أيضا على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-3995\"></span>﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ﴾ أي: غفرنا لداود ذنبه، وخطيئته. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى:﴾ له قربة، ومكانة عند الله يوم القيامة. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ:﴾ حسن مرجع، ومنقلب، وهو الجنة. هذا؛ وقد ذكر الكثير من بكاء داود على خطيئته. وخذ من قوله ما يلي: إلهي إذا ذكرت خطيئتي؛ حزنت وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وإذا ذكرت رحمتك؛ فرحت، وعادت إلي روحي، إلهي أتيت أطباء عبادك لمداواة علتي، وخطيئتي؛ كلهم دلوني عليك.\nفأوحى الله إليه: يا داود! لو يعلم المدبرون عني تعداد انتظاري لهم، وشوقي إليهم، ورفقي بهم؛ لتركوا المعاصي، ولتقطعت أوصالهم لمحبتي، ولماتوا شوقا إليّ، يا داود! هذه إرادتي للمدبرين عني، فكيف تكون إرادتي للمقبلين عليّ، يا داود! بكاء التائبين أحب إليّ من صراخ العابدين، يا داود! أطعتنا، فأطعناك، وسألتنا، فأعطيناك، فإن عصيتنا؛ أمهلناك، وإن عدت إلينا على ما كان منك؛ قبلناك.\nالإعراب: ﴿فَغَفَرْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (غفرنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام","vol":"8","page":133},{"text":"للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾\nالواو: واو الحال، (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) مقدم. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَزُلْفى:﴾\nاللام: لام ابتداء. (زلفى): اسم (إنّ) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط:\nالواو، والضمير. (حسن): معطوف على: (زلفى)، وهو مضاف، و﴿مَآبٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها.\n\n<span id=\"aya-3996\"></span>﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: المعنى: إن ترافع إليك الخصمان، فكان لك في أحدهما قرابة، أو نحوها؛ فلا تشته في نفسك الحق له ليفلج على صاحبه، فإن فعلت؛ محوت اسمك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي، ولا أهل كرامتي، فدل هذا على بيان وجوب الحكم بالحق، وألا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة، أو رجاء نفع، أو سبب يقتضي الميل من صحبة، أو صداقة، أو غيرهما.\nروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي زرعة، وكان قد قرأ الكتاب الأول: أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة، فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن، وفقهت فيه؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله، أو داود ﵊؟ إن الله جمع له النبوة، والخلافة، ثم توعده في كتابه، فقال تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً..﴾. إلخ.\n ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً:﴾ استخلفناك على الملك في هذه الدنيا، أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بحكم الله. ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى﴾ أي: لا تمل مع ما تشتهي؛ إذا خالف أمر الله تعالى. ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: فيضلك، ويبعدك الهوى عن دين الله، وطريقه المستقيم، ونهجه القويم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: يحيدون عن الحق، ويزيغون عن الصراط المستقيم. ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: في الآخرة.\n ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ:﴾ بسبب نسيانهم، وهو ضلالهم عن السبيل، أو بسبب ترك الإيمان بيوم الحساب. وقيل: بتركهم العمل لذلك اليوم. وقيل: بترك العدل في الحكم، والقضاء.","vol":"8","page":134},{"text":"الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (داود): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْناكَ خَلِيفَةً:﴾ ماض، وفاعله، ومفعولاه. والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). والجملة الاسمية، والجملة الندائية جملتان ابتدائيتان، لا محلّ لهما. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَلِيفَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فَاحْكُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة.\n (احكم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي:\nملتبسا ﴿بِالْحَقِّ،﴾ وجملة: ﴿فَاحْكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم. التقدير:\nوإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا فاحكم... إلخ، (لا تتبع): فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿الْهَوى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَيُضِلَّكَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية، والفاعل يعود إلى: ﴿الْهَوى،﴾ والكاف مفعول به؛ و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق. التقدير: لا يكن منك اتباع للهوى، فإضلال. هذا؛ وقيل:\nالفعل معطوف على ما قبله، فهو مجزوم، وفتحت اللام لالتقاء الساكنين، وهو ضعيف. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها. ﴿يَضِلُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\nو﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر وللنهي السابقين. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية.\n ﴿نَسُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿عَذابٌ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو غير وجيه، انظر تقديره في الشرح، واعتبار (ما) موصولة ضعيف.\nتنبيه: لقد ذكر بعض المفسرين حول هذه الآيات المتعلقة بداود ﵊ قصة تحط من كرامة الأنبياء، وهذه القصة من القصص الإسرائيليات، وفحواها: أن داود علق امرأة جندي من جنوده، وأخذ يحتال على قتله حتى تم له ذلك، وتزوج امرأته. وهي كذب، وافتراء، وبالإضافة لما ذكرته فيما سبق أنقل لك ما كتبه الخازن-رحمه الله تعالى-في هذا الصدد، فخذه بحروفه:","vol":"8","page":135},{"text":"اعلم: أن من اختصه الله تعالى بنبوته، وأكرمه برسالته، وشرفه على كثير من خلقه، وائتمنه على وحيه، وجعله واسطة بينه وبين خلقه لا يليق أن ينسب إليه ما لو نسب إلى آحاد الناس؛ لاستنكف أن يحدث به عنه؛ فكيف يجوز أن ينسب إلى بعض أعلام الأنبياء، والصفوة الأمناء ذلك.\nروى سعيد بن المسيب، والحارث الأعور عن علي بن أبي طالب﵁أنه قال:\n (من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مئة وستين جلدة، وهو حد الفرية على الأنبياء). وقال القاضي عياض: لا يجوز أن يلتفت إلى ما سطره الإخباريون من أهل الكتاب؛ الذين بدلوا، وغيروا، ونقله بعض المفسرين، ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نص عليه الله في قصة داود ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم، هذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه من أمر داود ﵇.\nقال الإمام فخر الدين: حاصل القصة يرجع إلى السعي في قتل مسلم بغير حق، وإلى الطمع في زوجته، وكلاهما منكر عظيم، فلا يليق بعاقل أن يظن بداود ﵇ هذا. وقال غيره:\nإن الله أثنى على داود قبل هذه القصة، وبعدها، وذلك يدل على استحالة ما نقلوه من القصة، فكيف يتوهم عاقل أن يقع بين مدحين ذم، ولو جرى ذلك من بعض الناس في كلامه؛ لاستهجنه العقلاء، ولقالوا: أنت في مدح شخص كيف تجري ذمه في أثناء مدحك، والله منزه عن مثل هذا في كلامه القديم.\nفإن قلت: في الآية ما يدل على صدور الذنب منه، وهو قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَأَنابَ﴾ وقوله: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ﴾ قلت: ليس في هذه الألفاظ شيء مما يدل على ذلك، وذلك لأن مقام النبوة أشرف المقامات، وأعلاها، فيطالبون بأكمل الأخلاق، والأوصاف، وأسناها، فإذا نزلوا من ذلك إلى طبع البشرية، عاتبهم الله تعالى على ذلك، وغفره لهم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.\nفإن قلت: فعلى هذا القول، والاحتمال، فما معنى الامتحان في الآية؟ قلت: ذهب المحققون من علماء التفسير، وغيرهم في هذه القصة إلى أن داود ﵇ ما زاد على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأكفلنيها، فعاتبه الله تعالى على ذلك، ونبهه عليه، وأنكر عليه شغله في الدنيا.\nوقيل: تمنى داود أن تكون امرأة أوريا له، فاتفق أن أوريا هلك في الحرب، فلما بلغه قتله لم يجزع عليه، كما جزع على غيره من جنده، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله تعالى على ذلك؛ لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت، فهي عظيمة عند الله تعالى. وقيل: إن أوريا قد خطب تلك المرأة، ووطن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود، فزوجت نفسها منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا،","vol":"8","page":136},{"text":"فعاتبه الله تعالى على ذلك؛ حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها، وعنده تسع وتسعون امرأة، ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ فدل هذا على أن الكلام كان بينهما في الخطبة، ولم يكن قد تقدم تزوج أوريا لها، فعوتب داود بسببين: أحدهما: خطبته على أخيه، والثاني:\nإظهار الحرص على التزوج مع كثرة نسائه. وقيل: إن ذنب داود الذي استغفر منه ليس هو بسبب أوريا، والمرأة، وإنما هو بسبب الخصمين، وكونه قضى لأحدهما قبل سماع كلام الآخر. وقيل:\nهو قوله لأحد الخصمين: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ﴾ فحكم على خصمه بكونه ظالما بمجرد الدعوى، فلما كان هذا الحكم مخالفا للصواب؛ اشتغل داود بالاستغفار، والتوبة، فثبت بهذه الوجوه نزاهة داود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nوينبغي أن تعلم: أن اليهود، والنصارى يعدون داود، وسليمان ملكين، وليسا بنبيّين. هذا؛ وقد عاش داود مئة عام، وقد دام ملكه أربعين سنة.\n\n<span id=\"aya-3997\"></span>﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما:﴾ من الخلق. ﴿باطِلًا﴾ أي: خلقا باطلا، لا لحكمة بالغة. أو: مبطلين عابثين، كقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [١٦]: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ وتقديره: ذوي باطل، أو عبثا، فوضع باطلا موضعه، أي:\nما خلقناهما، وما بينهما للعبث، واللعب، ولكن للحق المبين، وهو أنا خلقنا نفوسا، أودعناها العقل، ومنحناها التمكين، وأزحنا عللها، ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف، وأعددنا لها عاقبة، وجزاء حسب أعمالهم، وانظر سورة (الدخان) رقم [٣٨].\n ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى خلق السموات والأرض باطلا. ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ الظن بمعنى:\nالمظنون، أي: خلق السماء والأرض للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا، وإنما جعلوا ظانين: أنه خلقها للعبث، لا للحكمة مع إقرارهم بأنه خالق السموات والأرض وما بينهما لقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ أي: بسبب ذلك الظن، فهو تهديد، ووعيد لهم. والمعنى: ويل لهم يوم معادهم، ونشورهم من النار المعدة لهم.\nهذا؛ والباطل ضد الحق، والباطل بمعنى: الفاسد، وجاء هنا بمعنى: العبث، والبطلان؛ عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل والكذب، والبطالة: التعطل والتفرغ","vol":"8","page":137},{"text":"من العمل. ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل: اسم فاعل من أبطل الرباعي، وانظر شرح (الحق) في الآية رقم [٨٤] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به. (الأرض): معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ﴿السَّماءَ وَالْأَرْضَ﴾. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿باطِلًا:﴾ يجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، التقدير: خلقا باطلا، أو هو حال من فاعل: ﴿خَلَقْنَا﴾ أي: مبطلين، أو ذوي باطل، ويجوز أن يكون مفعولا لأجله، أي: للباطل، وهو العبث، وجملة: ﴿وَما خَلَقْنَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿ظَنُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَوَيْلٌ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ويل): مبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿مِنَ النّارِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر ثان، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3998\"></span>﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ (٢٨)﴾\nالشرح: قيل: إن كفار قريش قالوا للمؤمنين: إنما نعطى في الآخرة من الخير ما تعطون.\nوهذا على فرض وتقدير الآخرة في زعمهم؛ إن كان هناك آخرة، بل إنهم يرون: أنهم يكونون في الآخرة على فرض وجودها أسعد حظا، وأوفر نصيبا من الفقراء المؤمنين، وهذا على زعمهم أن السعيد في الدنيا يكون سعيدا في الآخرة، وهذا الادعاء رده الله على العاصي بن وائل، وأمثاله في الآيات رقم [٧٧ - ٧٩] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ هذا؛ والمراد: بالذين آمنوا، والمتقين أصحاب النبي ﷺ، والمراد بالمفسدين، والفجار: كفار قريش، وهو يشمل كل مؤمن، وفاجر، ومفسد إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، كما قررته مرارا، وتكرارا. هذا؛ ولا تنس: الاحتراس، وهو ذكر العمل الصالح مقرونا بالإيمان، وقد نبهت عليه مرارا.","vol":"8","page":138},{"text":"ولا تنس: المقابلة بين المؤمنين، والمفسدين، وبين المتقين، والفجار، وهذه المقابلة من ألطف أنواع البديع، وبعضهم يسميها مطابقة.\nومعنى الآيتين هنا: النفي، والإنكار؛ أي: لا نفعل، ولا نسوي بين المؤمنين، والمفسدين، ولا بين المتقين، والفاجرين، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها المطيع، ويعاقب فيها الفاجر. وتدل العقول السليمة، والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد، وجزاء، فإنا نرى الظالم الباغي في هذه الدنيا يزداد ماله، وولده، ونعيمه، ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلا بد من حكمة الحكيم العليم العادل، الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعين أن هناك دارا أخرى لهذا الجزاء، وهذه المواساة. انتهى. مختصر ابن كثير، ومثل هاتين الآيتين في الإنكار على الكافرين الزاعمين التسوية بين الصالح والطالح، والنافع، والضار، والمحسن، والمسيء قوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة (ن): ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل»؛ التي هي للإضراب الانتقالي. ﴿نَجْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿كَالْمُفْسِدِينَ:﴾ الكاف: اسم بمعنى: مثل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به ثان، والكاف مضاف، و(المفسدين) مضاف إليه، وهذا أولى من اعتبارهما جارا ومجرورا، والجملة الفعلية: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها.\n\n<span id=\"aya-3999\"></span>﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ أي: هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك يا محمد، عظيم جليل، كثير الخيرات، والمنافع الدينية، والدنيوية. ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ أي: أنزلناه؛ ليتدبروا آياته، ويتفكروا بما فيها من الأسرار العجيبة، والحكم الجليلة. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي: وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة.\nقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: والله ما تدبّره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفا؛ وقد أسقطه والله كله! ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق، ولا عمل! رواه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري.\nهذا؛ وقال الزمخشري في كشافه: وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة، والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتلو؛","vol":"8","page":139},{"text":"لم يحل منه بكثير طائل، وكان مثله كمثل من له لقحة درور، لا يحلبها، ومهرة نثور لا يستولدها. انتهى. هذا؛ وقد استدل بهذه الآية من يجيز التفسير بالرأي، والاجتهاد. قالوا:\nوالتدبر، والتذكر لا يكون إلا بالغوص عن أسرار القرآن، والاجتهاد في فهم معانيه، فهل يعقل أن يكون تأويل ما لم يستأثر الله بعلمه محظورا على العلماء مع أنه طريق العلم، وسبيل المعرفة؟. انتهى. علوم القرآن للصابوني.\nهذا؛ و﴿أُولُوا﴾ بمعنى: أصحاب، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده: ذو المضاف، إن كان مرفوعا، و: ذا المضاف إن كان منصوبا، و: ذي المضاف إن كان مجرورا، والألباب: العقول، واحده: لبّ، وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك لأحد وجهين:\nإما لبنائه من: لبّ بالمكان: أقام به، أو هو من اللباب، وهو الخالص من كل شيء. هذا؛ واللبيب: العاقل الفاهم، والجمع: ألباء، والأنثى: لبيبة وجمعها: لبيبات، ولبائب، واللب:\nخالص كل شيء. هذا؛ والملاحظ: أنه لم يرد في القرآن الكريم منه صيغة المفرد، وإنما يستعمل مرادفها مكانها، وهو القلب، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ رقم [٣٧] من سورة (ق)، وذلك؛ لأن لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه إلا من اللام الشديدة المسترخية، فلما لم تحسن اللفظة؛ أسقطها من نظمه ألبتة، وقد جمع: «لبّ» على: «ألبّ»، كما جمع: بؤس على: أبؤس، و: نعم على: أنعم. قال أبو طالب: [الرجز]\nقلبي إليه مشرف الألبّ\nوربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر، قال الكميت: [الطويل]\nإليكم ذوي آل النبيّ تطلّعت... نوازع من قلبي ظماء وألبب\nالإعراب: ﴿كِتابٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذا كتاب. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿كِتابٌ﴾.\n ﴿مُبارَكٌ:﴾ خبر ثان للمبتدأ المقدر، أو هو خبر لمبتدأ محذوف آخر، ولا يجوز أن يكون نعتا ثانيا ل: ﴿كِتابٌ؛﴾ لأنه لا يتقدم عند الجمهور غير الصريح على الصريح، ومن يرى ذلك استدل بظاهرها، وهو تعلق: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ ب: ﴿أَنْزَلْناهُ،﴾ وقرئ: «(مباركا)» بالنصب على الحال اللازمة؛ لأن البركة لا تفارقه. انتهى. جمل نقلا عن السمين. والجملة الاسمية: «هذا كتاب...» إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِيَدَّبَّرُوا:﴾ فعل مضارع منصوب، ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان","vol":"8","page":140},{"text":"بالفعل: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ:﴾ إعرابه مثل سابقه، وبعد التأويل فالجار والمجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿أُولُوا:﴾ فاعله مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولُوا﴾ مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-4000\"></span>﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ:﴾ ابنه. قال الجمل: أي: من المرأة التي أخذها من أوريا، ولم يقل به غيره. وقد خصه الله بالذكر مع كونه كان له أولاد كثيرون؛ لأنه كان تحته مئة امرأة حرائر ما عدا السراري؛ لأنه هو الذي ورث النبوة، كما قال تعالى في سورة (النمل) رقم [١٦]:\n ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ..﴾. إلخ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٠] من سورة (الصافات) بشأن لفظ الهبة. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ أي: نعم العبد سليمان، فإنه كان كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة، وفيه ثناء على سليمان كبير.\nالإعراب: ﴿وَوَهَبْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (وهبنا): فعل، وفاعل. ﴿لِداوُدَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿سُلَيْمانَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَوَهَبْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿نِعْمَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء المدح. ﴿الْعَبْدُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: هو ﴿سُلَيْمانَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، ولا يجوز اعتبارها حالا؛ لأنها إنشائية، وبعضهم يجيز اعتبارها حالا من: ﴿سُلَيْمانَ﴾. ﴿إِنَّهُ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿أَوّابٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية تعليل للمدح، لا محل لها.\n<span id=\"aya-4001\"></span>﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ:﴾ على سليمان. ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ هو الوقت مساء. وقال الأزهري:\n (العشي) ما بين زوال الشمس، وغروبها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] من سورة (الروم).\n ﴿الصَّافّاتِ:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن صفونها قيامها. قال القتبي، والفراء: الصافن في كلام العرب: الواقف من الخيل، أو غيرها. ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من سرّه أن يقوم له الرّجال صفونا، فليتبوّأ مقعده من النّار». أي: يديمون له القيام. حكاه قطرب أيضا، وأنشد قول النابغة: [الطويل]\nلنا قبّة مضروبة بفنائها... عتاق المهارى والجياد الصّوافن","vol":"8","page":141},{"text":"وهذا قول قتادة أيضا. الثاني: أن صفونها: رفع إحدى اليدين، أو الرجلين-وهو أولى- على طرف الحافر، حتى يقوم على ثلاث، كما قال الشاعر، وهو الشاهد رقم (٦٠٠) من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب»: [الكامل]\nألف الصّفون فما يزال كأنّه... ممّا يقوم على الثّلاث كسيرا\n ﴿الْجِيادُ﴾ أي: الخيل، جمع جواد للفرس، وهو يطلق على الذكر، والأنثى، كما يقال للإنسان: جواد: إذا كان كثير العطية غزيرها، ويقال: قوم أجواد، وخيل جياد. وقيل: إنها الطويلة الأعناق، مأخوذ من الجيد، وهو العنق؛ لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فراهتها. وقال الجلال: جمع جواد، وهو السابق. المعنى: أنها إذا استوقفت سكنت، وإن ركضت؛ سبقت.\nهذا؛ واختلف في هذه الخيل التي عرضت عليه، فقال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق، ونصيبين، فأصاب منهم ألف فرس. وقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، وكان أبوه أصابها من العمالقة. وقال الحسن: بلغني: أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة.\nوقاله الضحّاك؛ وأنها كانت خيلا أخرجت لسليمان من البحر منقوشة ذات أجنحة. وقال ابن زيد:\nأخرج الشيطان لسليمان الخيل من البحر من مروج البحر، وكانت لها أجنحة. وقيل: كانت مئة فرس. وفي الخبر عن إبراهيم التيمي: أنها كانت عشرين ألفا. فالله أعلم. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره:\nاذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر، وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون ظرفا ل: ﴿أَوّابٌ﴾. وأن يكون العامل فيه ﴿نِعْمَ﴾. ﴿عُرِضَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ متعلقان به أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من العرض المفهوم من ﴿عُرِضَ﴾. ﴿الصّافِناتُ:﴾ نائب فاعل، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿الْجِيادُ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف. وجملة: ﴿عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها.\n\n<span id=\"aya-4002\"></span>﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي..﴾. إلخ: المعنى: آثرت حب الخير. وفسر بالخيل التي رأيتها في الآية السابقة، فقد روي: أنه قعد يوما بعدما صلى الظهر على كرسيه، واستعرضها، فلم تزل تعرض عليه؛ حتى غربت الشمس، وغفل عن صلاة العصر، وكانت فرضا عليه، فاغتم لما فاته، فاستردها، وعقرها تقربا لله تعالى، فبقي مئة منها، فما بقي في أيدي الناس من الجياد، فمن نسلها. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيرا منها، وهي الريح تجري بأمره، ومن المؤكد: أنه لم يتركها عمدا، بل نسيانا، كما شغل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر،","vol":"8","page":142},{"text":"حتى صلاها بعد الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين عن جابر﵄قال: جاء عمر﵁يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، ويقول:\nيا رسول الله! والله ما كدت أصلي العصر؛ حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ: «وأنا والله ما صليتها!». قال: فقمنا إلى بطحان، فتوضأ نبي الله ﷺ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.\nهذا؛ والتعبير بالخير عن الخيل؛ لأنها معقود بنواصيها الخير: الأجر، والغنيمة. وقيل:\nحب الخير حب المال، ومنه الخيل التي عرضت عليه، والمراد: ب: ﴿ذِكْرِ رَبِّي﴾ الصلاة التي مر ذكرها. وقيل: كان له ورد خاص. ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أي: غابت الشمس. ﴿بِالْحِجابِ:﴾ المراد به الليل، سمي بذلك؛ لأنه يستر ما فيه، وما قيل: إنه جبل لم يثبت. هذا؛ والضمير في قوله تعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ يعود إلى غير مذكور، فإن المراد: الشمس، وهو مفهوم يدل عليه المقام، والحال المشاهدة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (هود): ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ إذ المراد: السفينة، وقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ أي: بلغت الروح التراقي، وقوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: بلغت الروح الحلقوم، ومثل هذه الآيات قول سوار بن المضرب السعدي، وهو الشاهد رقم [١٩١] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nإذا كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا\nوأيضا قول حاتم الطائي: [الطويل]\nلعمرك ما يغني الثّراء عن امرئ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر\nومثل الآية الكريمة في إضمار الشمس على غير مذكور قول لبيد﵁في معلقته رقم [٦٥]: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nالإعراب: ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿سُلَيْمانَ﴾. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿أَحْبَبْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿حُبَّ:﴾ مفعول به على اعتبار: ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: آثرت، و«عن» بمعنى: «على»، أو هو مفعول مطلق على أنه مصدر محذوف الزوائد، والناصب له ﴿أَحْبَبْتُ،﴾ أو هو مصدر تشبيهي، التقدير:\nأحببت حبا مثل حب الخير، أو هو مفعول لأجله، على اعتبار ﴿أَحْبَبْتُ﴾ من أحب البعير: إذ","vol":"8","page":143},{"text":"أسقط، وبرك من الإعياء، فيكون المعنى: قعدت عن ذكر ربي لأجل حبي الخير. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وقد تصرفت فيه تصرفا كبيرا. و﴿حُبَّ﴾ مضاف، و﴿الْخَيْرِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله محذوف، التقدير: حبي الخير. ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بالمصدر، أو بالفعل ﴿أَحْبَبْتُ،﴾ و﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، على معنى: عن أن أذكر ربي. فيكون الفاعل محذوفا. أو من إضافة المصدر لفاعله على معنى: عن أن يذكرني ربي. فيكون المفعول محذوفا. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر، بعدها: «أن» مقدرة.\n ﴿تَوارَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الشمس المفهومة من المقام، كما رأيت في الشرح، والتاء للتأنيث. ﴿بِالْحِجابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و«أن» المقدرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفعل:\n ﴿تَوارَتْ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل، أو بالمصدر. هذا؛ وبعضهم، يعتبر ﴿حَتّى﴾ في مثل هذا الموضع حرف ابتداء، والجملة بعدها مستأنفة، والمعنى على الأول أقوى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم\n\n<span id=\"aya-4003\"></span>﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ أي: ردوا الخيل علي. ﴿فَطَفِقَ﴾ أي: شرع. ﴿مَسْحًا﴾ أي: يمسح مسحا. ﴿بِالسُّوقِ:﴾ جمع ساق، وهو ما بين الكعب، والركبة من الإنسان، والحيوان، و«الساق» مؤنثة، وتجمع على: سوق، وسيقان، وأسوق، وساق الشجرة: جذعها. ﴿وَالْأَعْناقِ﴾ أي:\nأعناق الخيل جمع: عنق، أي: كان يضرب سوق الخيل، وأعناقها بالسيف. هذا قول ابن عباس، وأكثر المفسرين، وكان ذلك مباحا له؛ لأن نبي الله سليمان لم يكن ليقدم على محرم، ولم يكن ليتوب عن ذنب-وهو ترك الصلاة-بذنب آخر، وهو عقر الخيل. هذا؛ وقد كنى عن العقر، والذبح بالمسح، وهي كناية بليغة.\nوقال محمد بن إسحاق: لم يعنفه الله على عقره الخيل؛ إذ كان ذلك أسفا على ما فاته من فريضة ربه، ﷿. وقيل: إنه ذبحها، وتصدق بلحومها. وقيل: معناه: أنه حبسها في سبيل الله تعالى، وكوى سوقها، وأعناقها بكيّ الصدقة. وحكي عن علي﵁-: أنه قال: معنى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ يقول بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس: ردوها عليّ، فردوها عليه، فصلى العصر في وقتها.\nقال الإمام فخر الدين: بل التفسير الحق المطابق لألفاظ القرآن أن نقول: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم، كما أنه في ديننا كذلك، ثم إن سليمان﵊احتاج إلى غزو، فجلس، وأمر بإحضار الخيل، وأمر بإجرائها، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا، ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله، وتقوية دينه، وهو المراد بقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي،﴾ ثم إنه ﵊ أمر بإعدائها، وإجرائها حتى توارت بالحجاب، أي: غابت عن بصره، ثم","vol":"8","page":144},{"text":"أمر برد الخيل إليه، وهو قوله: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها، وأعناقها.\nوالغرض من ذلك المسح أمور:\nالأول: تشريفا لها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. الثاني: أنه أراد أن يظهر: أنه في ضبط السياسة، والمملكة يبلغ أن يباشر الأمور بنفسه. الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل، وأمراضها، وعيوبها من غيره، فكان يمسح سوقها، وأعناقها حتى يعلم: هل فيها ما يدل على المرض؟ فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن، ولا يلزمنا شيء من تلك المنكرات، والمحظورات، والعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة؟!\nفإن قيل: فالجمهور قد فسروا الآية بتلك الوجوه، فما قولك فيه؟ فنقول: لنا ههنا مقامان:\nالمقام الأول: أن يدّعى: أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه؛ التي ذكروها، وقد ظهر، والحمد لله أن الأمر كما ذكرنا ظهورا، لا يرتاب عاقل فيه. المقام الثاني: أن يقال: هب أن لفظ الآية يدل عليه إلا أنه كلام ذكره الناس وإن الدلائل الكثيرة قد قامت على عصمة الأنبياء، ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات. انتهى. خازن.\nهذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ومن قال: إن الهاء في ﴿رُدُّوها﴾ ترجع للشمس، فذلك من معجزاته؛ أي: سليمان، وقد اتفق مثل ذلك لنبينا، وحبيبنا، وشفيعنا ﷺ. خرّج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس﵂من طريقين: أن النبي ﷺ كان يوحى إليه، ورأسه في حجر عليّ﵁فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله ﷺ:\n «أصليت العصر يا علي؟» قال: لا. فقال ﷺ: «اللهمّ إنّه كان في طاعتك، وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس». قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها بعدما غربت طلعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر. قال الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات.\nقال القرطبي: وضعف أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث، فقال: وغلو الرافضة في حب علي﵁حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله، منها: أن الشمس غابت، ففاتت عليا ﵇ العصر، فردّت له الشمس. وهذا من حيث النقل محال، ومن حيث المعنى؛ فإن الوقت قد فات، وعودها طلوع متجدد لا يردّ الوقت. انتهى. بتصرف مني.\nوأنا أقول من جانبي: إن هذا الحديث مردود من جهتين: الأولى: إن أسماء بنت عميس -﵂لم تكن عند علي، في حياة النبي ﷺ، بل كانت عند أبي بكر، فإنه هو الذي تزوجها بعد زوجها الأول جعفر بن أبي طالب﵁-. وولدت منه محمد بن أبي بكر، ثم بعد وفاة أبي بكر تزوجها علي. والجهة الثانية لم يكن معقولا أن النبي ﷺ يصلي العصر، ولا يصليها علي، ثم هو ﷺ يضع رأسه في حجر عليّ، وهل كان علي﵁يتخلف عن صلاة الجماعة مع النبي ﷺ؟!.","vol":"8","page":145},{"text":"الإعراب: ﴿رُدُّوها:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. التقدير: قال: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ فأضمر، وأضمر ما هو جواب له، كأن قائلا قال: فماذا قال سليمان؟ قال: ردوها علي... إلخ.\n ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَطَفِقَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (طفق): فعل ماض ناقص من أفعال الشروع، واسمه يعود إلى (سليمان). ﴿مَسْحًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يمسح مسحا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (طفق)، وجملة: «طفق يمسح مسحا» معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فردوها عليه، ﴿فَطَفِقَ..﴾. إلخ. ﴿بِالسُّوقِ:﴾\nمتعلقان بالفعل المحذوف. ﴿وَالْأَعْناقِ:﴾ معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-4004\"></span>﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤)﴾\nالشرح: لقد نقل كثير من المفسرين في فتنة سليمان﵊من الإسرائيليات مثل ما نقلوه من فتنة أبيه داود من الافتراآت، والأباطيل، وقد قال أبو حيان -رحمه الله تعالى-في تفسيره: نقل المفسرون في هذه الفتنة، وإلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الأنبياء منها، يوقف عليها في كتبهم، وهي مما لا يحل نقلها، وهي إما من وضع اليهود، أو الزنادقة، ولم يبين الله الفتنة، ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان. إلى أن قال: لم يكن ليذكر من يتأسى به ممن نسب المفسرون إليه ما يعظم أن يتفوّه به، ويستحيل عقلا وجود ما ذكروه، كتمثل الشيطان بصورة نبي، حتى يلتبس أمره على الناس، ويعتقدوا: أن ذلك المتصور هو النبي، ولو أمكن وجود هذا لم يوثق برسالة نبي، وإنما هذه مقالة مسترقة من زنادقة السوفسطائية. نسأل الله سلامة أذهاننا، وعقولنا منها. انتهى. حاشية القرطبي، والتعليق عليها.\nومن الغريب: أن الجلال على جلالة قدره واختصار تفسيره قال بهذا، وقال: وكان ملكه في خاتمه... إلخ، قال سليمان الجمل معلقا عليه، ومجاريا له: أي: كان مرتبا على لبسه؛ فإذا لبسه سخرت له الجن، والإنس، والرياح، وغيرها، وإذا نزعه؛ زال عنه الملك، وكان خاتمه من الجنة نزل به آدم، كما نزل بعصا موسى، والحجر الأسود المسمى باليمين، ويعود البخور، وبأوراق التين، ساترا عورته بها، وقد نظم الخمسة بعضهم في قوله: [الطويل]\nوآدم معه أنزل العود والعصا... لموسى من الآس النّبات المكرّم\nوأوراق تين واليمين بمكّة... وختم سليمان النبيّ المعظّم\nهذا؛ وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: والذي ذهب إليه المحققون: أن سبب فتنته ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «قال سليمان: لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة، كلّهنّ تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى، فقال","vol":"8","page":146},{"text":"له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهنّ جميعا، فلم تحمل منهنّ إلاّ امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل، وايم الله الّذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون». وفي رواية: لأطوفن بمئة امرأة. فأجمعون توكيد لواو الجماعة، وبالنصب توكيد لفرسانا.\nقال العلماء: والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه، وهي عقوبته، ومحنته؛ لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص، وغلب عليه من التمني. وقيل: نسي أن يستثني كما صح في الحديث لينفذ أمر الله، ومراده فيه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٤] من سورة (الكهف) بشأن هذا الاستثناء. وقيل: إن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه: أنه ولد له ولد، فاجتمعت الشياطين، وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء، فسبيلنا أن نقتل ولده، أو نخبله، فعلم بذلك سليمان﵇فأمر السحاب، فحمله، فكان يربيه في السحاب خوفا من الشياطين، فبينما هو مشتغل في بعض مهماته؛ إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه، فعاتبه الله على خوفه من الشياطين، ولم يتوكل عليه في ذلك، فتنبه لخطئه، فاستغفر ربه، وأناب؛ أي:\nرجع إليه بالتوبة، والاستغفار. انتهى. خازن.\nهذا؛ وقد نقل القرطبي عن ابن عباس في وصف الكرسي الشيء الكثير، وهو مما يدهش العقول، ويحير الألباب، وقال في آخر وصفه: فلما توفي سليمان بعث بختنصّر، فأخذ الكرسي، فحمله إلى أنطاكية، فأراد أن يصعد إليه، ولم يكن له علم كيف يصعد إليه، فلما وضع رجله ضرب الأسد رجله فكسرها، وكان سليمان إذا صعد وضع قدميه جميعا، ومات بختنصر، وحمل الكرسي إلى بيت المقدس، فلم يستطع قط ملك أن يجلس عليه، ولكن لم يدر أحد عاقبة أمره، ولعله رفع. انتهى. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nهذا؛ وقال محمد علي الصابوني في كتابه (صفوة التفاسير): واختار الإمام الفخر: أن الفتنة المذكورة في الآية الكريمة يقصد بها فتنته في جسده؛ حيث إن سليمان ابتلي بمرض شديد، نحل منه، وضعف، حتى صار لشدة المرض كأنه جسد ملقى على كرسي. قال: والعرب تقول في الضعيف: إنه لحم على وضم، وجسم بلا روح. ﴿ثُمَّ أَنابَ﴾ أي: رجع إلى حالة الصحة. ولم أره لغيره، وعليه فالفعل يتعدى إلى مفعولين، حذف الأول، و﴿جَسَدًا﴾ هو المفعول الثاني، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿جَسَدًا﴾ كان صفة له... إلخ، والتقدير: جسدا ملقى، أو مطروحا على كرسيه.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فَتَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. وهو يتضمن عطف قصة سليمان على","vol":"8","page":147},{"text":"قصة أبيه داود، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وانظر إعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ في سورة (يس) رقم [٦٢]. ﴿سُلَيْمانَ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَلْقَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (ألقينا): فعل، وفاعل. ﴿عَلى كُرْسِيِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿جَسَدًا:﴾ مفعول به. وانظر الشرح لاعتبار الفعل متعديا لمفعولين، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿سُلَيْمانَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4005\"></span>﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أي: ذنبي. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي:﴾ يقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا، مع ذم الله تعالى لها، وبغضه لها، وحقارتها لديه؟ فالجواب: أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى، وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وحاشا سليمان ﵇ أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا؛ لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح ﵊ دمارها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك. وقيل: سأل الله ذلك ليكون علما، وآية لنبوته، ومعجزة دالة على رسالته، ودلالة على قبول توبته؛ حيث أجاب الله تعالى دعاءه، وأحب أن يخص بخاصية، كما خص داود بإلانة الحديد، وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، فسأله شيئا يختص به، كما روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة﵁- عن النبي ﷺ قال: «إنّ عفريتا من الجنّ تفلّت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني الله ﵎ منه، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتّى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي..﴾. إلخ فرددته خاسئا».\nوروى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء﵁قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: «أعوذ بالله منك». ثم قال: «ألعنك بلعنة الله». (ثلاثا) وبسط يده كأنه يتناول شيئا، فلما فرغ من الصلاة؛ قلنا: يا رسول الله! سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك! قال ﷺ: «إنّ عدوّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك (ثلاث مرّات) ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامّة، فلم يستأخر (ثلاث مرّات) ثمّ أردت أن آخذه، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة». انتهى. مختصر ابن كثير.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿سُلَيْمانَ﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة. وانظر الآية","vol":"8","page":148},{"text":"رقم [١٠٠] من سورة (الصافات). ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ومفعوله محذوف. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿وَهَبْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هب): فعل دعاء. وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُلْكًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْبَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود ل: ﴿مُلْكًا،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة له.\n ﴿لِأَحَدٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (أحد)، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد لاسم (إنّ) على المحل، أو هو ضمير فصل لا محل له. وعليهما ف: ﴿الْوَهّابُ:﴾\nخبر (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ، و﴿الْوَهّابُ﴾ خبرا له، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للدعاء، لا محل لها. هذا؛ وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4006\"></span>﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً﴾ أي: لينة مع قوتها، وشدتها؛ حتى لا تضر أحدا، وتحمله بعسكره، وجنوده، وموكبه، وكان موكبه فيما روي فرسخا في فرسخ، مئة درجة بعضها فوق بعض، في كل درجة صنف من المخلوقات، وهو في أعلى درجة مع جواريه، وحشمه، وخدمه، صلوات الله، وسلامه عليه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢] و[١٣] من سورة (سبأ).\n ﴿حَيْثُ أَصابَ:﴾ حيث قصد، وأراد. هذا معناه هنا، قال الشاعر: [المتقارب]\nأصاب الكلام فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصل\nوهو يحتمل معاني أخر، تقول: أصاب السهم، يصيب: لم يخطئ هدفه. وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب. وأصاب فلانا البلاء، يصيبه: وقع عليه. وأصابهم المطر:\nنزل عليهم. قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٤٨]: ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وانظر شرح الريح في الآية رقم [١٦] من سورة (فصّلت).\nالإعراب: ﴿فَسَخَّرْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: عاطفة على محذوف، التقدير:\nفاستجبنا له دعاءه، وأعدنا له ملكه السليب، وسخرنا. وهو ضعيف كما رأيت في الشرح.\n (سخرنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الرِّيحَ:﴾ مفعول به، والجملة","vol":"8","page":149},{"text":"الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر، تقديره: «هي»، يعود إلى: ﴿الرِّيحَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الرِّيحَ،﴾ أو في محل نصب صفة لها على حد قوله تعالى في الآية رقم [٣٧] من سورة (يس): ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿رُخاءً:﴾ حال من: ﴿الرِّيحَ﴾.\n ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿تَجْرِي﴾. ﴿أَصابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿سُلَيْمانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حَيْثُ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-4007\"></span><span id=\"aya-4008\"></span>﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ أي: وسخرنا له الشياطين، وما سخرت لأحد قبله، منهم من يبني له ما يشاء من محاريب، وتماثيل، كما رأيت في الآية رقم [١٣] من سورة (سبأ).\nومنهم من يغوص في أعماق البحار؛ ليستخرج له اللآلئ الثمينة، وهو أول من استخرج له اللؤلؤ من البحر، كما قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٨٢]: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ..﴾.\nإلخ. ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ أي: وسخرنا له مردة الشياطين حتى قرنهم في سلاسل الحديد، وقيود الحديد. قال عمرو بن كلثوم التغلبي من معلقته رقم [٧٧]: [الوافر]\nفآبوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مصفّدينا\nومعنى ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ مشدودين في الأصفاد، وهي الأغلال، والقيود، واحدها: صفد، وصفد، ويقال: صفدته صفدا، أي: قيدته، والاسم الصّفد، فإذا أردت التكثير؛ قلت: صفّدته تصفيدا. وأصفدته إصفادا: أعطيته. وقيل: صفدته، وأصفدته جاريان في القيد، والإعطاء جميعا، فالصفد: العطاء؛ لأنه يقيّد ويعبد، قال أبو الطيب: [الطويل]\nوقيّدت نفسي في ذراك محبّة... ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا\nقال يحيى بن سلاّم: ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا؛ أطلقهم، ولم يسخرهم.\nأو يقيد من تمرد، وعصى، وامتنع من العمل، وأبى. أو قد أساء في صنيعه، واعتدى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالشَّياطِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الشياطين): معطوف على ﴿الرِّيحَ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف. التقدير: وسخرنا له الشياطين، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿كُلَّ:﴾ بدل من الشياطين بدل بعض من كل، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿بَنّاءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَغَوّاصٍ:﴾ معطوف على ما قبله. (آخرين): معطوف على ﴿كُلَّ،﴾ فهو","vol":"8","page":150},{"text":"مثله بدل منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ صفة لما قبله منصوب مثله. وفيه، وفي سابقه ضمائر مستترة؛ لأن الثلاثة الأول اسم فاعل، وهذا اسم مفعول. ﴿فِي الْأَصْفادِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n\n<span id=\"aya-4009\"></span><span id=\"aya-4010\"></span>﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿هذا عَطاؤُنا﴾ أي: هذا الذي أعطيناك من الملك والبسطة، والتسلط على ما لم يتسلط عليه غيرك عطاؤنا. ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ أعط من شئت، أو امنع من شئت، لا حساب عليك. قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان ﵇، فإن الله تعالى يقول: ﴿هذا عَطاؤُنا..﴾. إلخ. وقيل: الإشارة إلى تسخير الشياطين. والمراد: بالمن والإمساك: إطلاقهم، أو إبقاؤهم في القيد. وقال قتادة: الإشارة إلى ما أعطيه من القوة، والجماع، وعلى هذا ﴿فَامْنُنْ﴾ من المنيّ، هذا قول مضروب به عرض الحائط، والنقل عن ابن عباس مكذوب عليه. قال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: ولعله لم يصح عن ابن عباس﵄لأنه لم يجر هنا ذكر النساء، ولا ما أوتي من القدرة على ذلك.\n ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى:﴾ له قربة في الدنيا، ومكانة عند الله يوم القيامة. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ:﴾ حسن مرجع ومنقلب وهو الجنة. وانظر الآية رقم [٢٥]. ولا تنس: المطابقة، والمقابلة بين: امنن، وأمسك، وهي من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿عَطاؤُنا:﴾ خبره. و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقلنا له هذا عطاؤنا.\n ﴿فَامْنُنْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (امنن): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَمْسِكْ:﴾ فعل أمر. وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\nومتعلق الفعلين محذوف. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير:\nوإذا كان ذلك حاصلا لك؛ فامنن، أو أمسك. ﴿بِغَيْرِ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهما متعلقان ب: ﴿عَطاؤُنا﴾ أي: أعطيناك بغير حساب ولا تقدير. وهذا دلالة على كثرة الإعطاء. الثاني:\nأنهما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿عَطاؤُنا﴾ أي: في حال كونه غير محاسب عليه؛ لأنه كثير يعسر على الحساب ضبطه. الثالث: أنه متعلق ب: (امنن) أو ﴿أَمْسِكْ،﴾ ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من فاعلهما؛ أي: حال كونك غير محاسب عليه. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ انظر الآية رقم [٢٥] ففيها الكفاية. والجملة الاسمية هنا في محل نصب حال من (نا) في (سخرنا)، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"8","page":151},{"text":"<span id=\"aya-4011\"></span>﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ:﴾ عطف على: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ وعدم تصدير قصة سليمان بهذا العنوان لكمال الاتصال بينه، وبين أبيه داود، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. حتى إن قصتيهما قصة واحدة، وأيوب هو ابن أموص، بن رعبل، بن عيص، بن إسحاق. وأمه بنت لوط. حكاه ابن كثير عن ابن عساكر، وعاش ثلاثا وستين سنة، وكانت مدة بلائه سبع سنين. انتهى. جمل نقلا من التحبير للسيوطي. وقيل: كانت مدة بلائه ثماني عشرة سنة. وذكر البيضاوي هنا: أن امرأته اسمها: ليّا بنت يعقوب، وذكرت في سورة (الأنبياء) أن اسمها: رحمة بنت إفرائيم بن يوسف الصديق، وهو المعتمد، ومن نسبته إلى عيص بن إسحاق يعلم: أنه ليس من بني إسرائيل؛ لأن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، وأولاده هم الذين ينسبون إليه. وقيل: إن أمه بنت لوط، وليس بشيء. هذا؛ وقد ذكر اسمه في القرآن الكريم أربع مرات في الآية رقم [١٦٣] من سورة (النساء)، وفي الآية رقم [٨٤] من سورة (الأنعام)، وفي الآية رقم [٨٣] من سورة (الأنبياء)، وفي هذه السورة، كما ترى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3653>فائدة:</span>\nإنما أسند ما مسه من نصب وعذاب إلى الشيطان مع أنه من البدائه الأولية: أن الشيطان لا يسلط على الأنبياء تأدبا مع الله تعالى، ولأن الشيطان كان يوسوس له، ويغريه على الكراهة، والجزع. هذا؛ وإنك لتجد هذا الأدب في قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ رقم [٨٠] من سورة (الشعراء) وقال الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ رقم [٧٩] من سورة (الكهف) مع أن المعافي، والمشافي، والممرض هو الله تعالى، والمريد للعيب، هو الله تعالى. هذا؛ وقرئ (نصب) بقراآت كثيرة، ومعناه: التعب، والإعياء.\nوقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله وولده. وقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: إن الناس يروون في بلاء أيوب أقوالا يوردونها تدل على أنه مرض مرضا مشوها، ومنفرا للناس من قربائه والدنو منه، وهذا يتنافى مع منصب النبوة، وقد قرر علماء التوحيد: أن الأنبياء منزهون من الأمراض المنفرة، فكيف يتفق ذلك مع منصب النبوة؟! والجواب على ذلك من وجهين:\nالأول: أن الابتلاء على الوجه الذي يقولون كان قبل النبوة، وأن منحة النبوة إنما كانت لما بدا منه من الصبر، والرضا بما أصابه من مكروه، وملازمته جانب الرضا عن الله تعالى.\nالثاني: أن المبالغين في ضر أيوب ﵇ إنما اعتمدوا فيما يقولون على ما جاء عند أهل الكتاب في السفر المسمى سفر أيوب، وإذا ثبت: أن هذا السفر حقيقي، فعبارته مؤولة بالمبالغة، فالذين قرؤوا ذلك السفر حسبوا ما جاء فيه من الوصف حقيقيا، ولو تدبروا؛ لعلموا:","vol":"8","page":152},{"text":"أن سفر أيوب يشبه قصائد شعرية، قيلت في وصف ضره، وصبره، والشعر في كل لغة ميدان المبالغة، انظروا إلى قول عمر بن الفارض﵁-: [الطويل]\nفطوفان نوح عند نوحي كأدمعي... وإيقاد نيران الخليل كلوعتي\nفلولا زفيري أغرقتني مدامعي... ولولا دموعي أحرقتني زفرتي\nوهذا المتنبي يقول: [البسيط]\nكفى بجسمي نحولا أنّني رجل... لولا مخاطبتي إياك لم ترني\nهذا هو الشاهد رقم (١٧٠) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وله أيضا: [الطويل]\nولو أنّ ما بي من جوى وصبابة... على جمل لم يدخل النار كافر\nأي: إن الجمل يلج حينئذ في سم الخياط لشدة ضعفه، وهزاله لو حمل ما يحمل الشاعر، ويحصل المعلق عليه في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤٠]: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ وخذ قول المتنبي أيضا: [الطويل]\nولو قلم ألقيت في شقّ رأسه... من السّقم ما غيّرت من خطّ كاتب\nوهذا هو الشاهد رقم [٤٨٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». انتهى. بتصرف.\nوقال القاضي أبو بكر بن العربي في الرد على الذين يذكرون ما يحط من قدر أيوب ﵇: والذي جرأهم على ذلك، وتذرعوا به إلى ذكر هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي..﴾.\nإلخ فلما رأوه قد شكا مسّ الشيطان؛ أضافوا إليه من رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال.\nوليس الأمر كما زعموا، والأفعال كلها، خيرها، وشرها، وإيمانها، وكفرها، طاعتها، وعصيانها، خالقها هو الله لا شريك له في خلقه، ولا في خلق شيء غيرها، ولكن الشر لا ينسب إليه ذكرا، وإن كان موجودا منه خلقا؛ أدبا أدّبنا به، وتحميدا علمناه، وكان من ذكر محمد ﷺ لربه به قوله من جملته: «والخير في يديك، والشّر ليس إليك». على هذا المعنى، ومنه قول إبراهيم-على نبينا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم-: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. وقال الفتى للكليم: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ﴾.\nوقال: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله في كتابه في آيتين: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ رقم [٨٣] من سورة (الأنبياء)، والثانية في سورة (ص) رقم [٤١] وأما النبي ﷺ، فلم يصح: أنه ذكره بحرف واحد، إلا قوله: «بينما أيّوب يغتسل إذ خرّ عليه رجل من جراد من ذهب...». الحديث، وإذا لم يصح عنه فيه قرآن، ولا سنّة إلا ما ذكرناه؛ فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟.","vol":"8","page":153},{"text":"والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض عن سطورها بصرك، وأصمم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا. وفي الصحيح واللفظ للبخاري: أن ابن عباس﵄قال: يا معشر المسلمين! تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه محضا لم يشب، وقد حدثكم: أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله، وغيّروا، وكتبوا بأيديهم الكتب، فقالوا: ﴿هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿عَبْدَنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أَيُّوبَ:﴾ بدل، أو عطف بيان على: ﴿عَبْدَنا﴾. ﴿إِذْ:﴾ بدل اشتمال من: ﴿عَبْدَنا﴾ مبني على السكون في محل نصب. وقيل:\nهو ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل (اذكر). ﴿نادى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿أَيُّوبَ﴾. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿مَسَّنِيَ:﴾ فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: بأني... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿نادى،﴾ ويقال: في محل نصب بنزع الخافض، والناصب له عند الكوفيين النزع، وعند البصريين الفعل. ﴿بِنُصْبٍ:﴾ متعلقان بالفعل:\n ﴿مَسَّنِيَ﴾. ﴿وَعَذابٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-4012\"></span>﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ أي: قلنا له: اضرب الأرض برجلك، وهذا كان بواسطة جبريل الأمين، لا مباشرة من الله إليه. ﴿هذا مُغْتَسَلٌ..﴾. إلخ: قال قتادة: هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها: الجابية، فاغتسل من إحداهما، فأذهب الله تعالى ظاهر دائه، وشرب من الأخرى، فأذهب الله تعالى باطن دائه. وقال مقاتل: نبعت عين حارة، واغتسل منها، فخرج صحيحا، ثم نبعت عين أخرى فشرب منها ماء عذبا. وقيل: أمر بالركض بالرجل ليتناثر عنه كل داء في جسده، وال: ﴿مُغْتَسَلٌ﴾ الماء الذي يغتسل به، وظاهر الكلام يدل على أنها عين واحدة.\nالإعراب: ﴿اُرْكُضْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير:\nاركض الأرض، وهذا على تضمينه معنى: اضرب، والجملة في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر تقديره في الشرح. ﴿بِرِجْلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في","vol":"8","page":154},{"text":"محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿مُغْتَسَلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول للقول المحذوف، وفيها معنى التعليل للأمر. ﴿بارِدٌ:﴾ صفة: ﴿مُغْتَسَلٌ،﴾ وعند التأمل يظهر لك: أنه صفة ل: (شراب) مقدم عليه. ﴿وَشَرابٌ:﴾ معطوف على: ﴿مُغْتَسَلٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-4013\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ..﴾. إلخ: قال الحسن، وقتادة: أحيا الله له أولاده الذين ماتوا جميعا بأعيانهم، وزاده مثلهم معهم من زوجته التي صبرت على بلائه، فرد الله إليها شبابها، أو: زيد في شبابها. ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي: تكرما، وتفضلا، ونعمة من عندنا. ﴿وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ:﴾\nوعظة نافعة لأولي العقول السليمة، وأصحاب الفطر المستقيمة، وانظر الآية رقم [٨٤] من سورة (الأنبياء). تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَوَهَبْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (وهبنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على مقدر، يترتب على مقدر يقتضيه المقام، كأنه قيل: فاغتسل، وشرب، فكشفنا بذلك ما به من ضر، كما في سورة (الأنبياء)، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَهْلَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وما بعده مثله. ﴿وَمِثْلَهُمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من: (مثلهم). أي: مضافين، أو مجموعين معهم. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول لأجله، وقال مكي: مصدر، أي: مفعول مطلق، عامله محذوف. وانظر مثله في سورة (الكهف) رقم [٦٥]، وسورة (الأنبياء) رقم [٨٤]. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾\nمتعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له. (ذكرى): معطوف على ﴿رَحْمَةً﴾ منصوب مثله.\nوعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِأُولِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة. و(أولي) مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه.\n<span id=\"aya-4014\"></span>﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٤٤)﴾\nالشرح: ذكر الله تعالى في هذه الآيات أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- وما ابتلاه الله تعالى من الضر في جسده، وماله، وولده، حتى لم يبق من جسده مغرز إبرة سليما سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به على مرضه، وما هو فيه غير زوجته حفظت وده لإيمانها بالله ورسوله، فكانت تخدم الناس بالأجرة، وتطعمه، وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة، وقد كان قبل ذلك في مال جزيل، وأولاد، وسعة طائلة من الدنيا، فسلب جميع ذلك حتى رفضه القريب، والبعيد سوى زوجته﵂-، فإنها كانت لا تفارقه صباحا، ومساء","vol":"8","page":155},{"text":"إلا بسبب خدمة الناس، ثم تعود إليه قريبا، فلما طال المطال، واشتد الحال، ونفذ القدر، وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين، وإله المرسلين، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾. ويروى: أنه قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يهبني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان، ولا كاسيا، ومعي جائع، أو عريان.\nفعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين دعاءه، وأمره أن يقوم مقامه، وأن يضرب الأرض برجله، ففعل، وأذهب الله عنه جميع آلامه، وتكاملت عافيته ظاهرا، وباطنا، وأنزل الله عليه من السماء ثوبين أبيضين، فائتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، ثم أقبل يمشي إلى منزله، وقد استبطأته زوجته، فالتفتت تنظر، فأقبل عليها، وهو على أحسن ما كان، فأقبلت عليه، وهي لا تعرفه فسلمت عليه، وقالت: يرحمك الله هل رأيت هذا الرجل المبتلى؟ قال: ومن هو؟ قالت: نبي الله أيوب، أما والله ما رأيت أحدا قطّ أشبه به منك إذا كان صحيحا، فقال: إني أنا أيوب، ورد الله إليه أهله، ومثلهم معهم، ثم أقبلت سحابة فصبت على الموضع الذي يدرس فيه القمح ذهبا حتى امتلأ، وأقبلت سحابة أخرى على الموضع الذي يدرس فيه شعيره، فصبت عليه ورقا حتى امتلأ، فجعل أيوب يحثو في ثوبه، فناداه الله ﷿: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ فقال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك. أخرجه البخاري، والإمام أحمد عن أبي هريرة﵁مرفوعا.\nهذا؛ وكان أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قد حلف في مرضه ليضربنّ امرأته مئة جلدة إذا هو برأ، واختلفوا في سبب ذلك على أربعة أقوال: أحدها: ما حكاه ابن عباس -﵄-: أن إبليس لقيها في صورة طبيب، فدعته لمداواة أيوب، فقال: أداويه على أنه إذا برئ؛ قال: أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه، قالت: نعم، فأشارت على أيوب بذلك، فحلف ليضربنها! وقال: ويحك ذلك الشيطان! الثاني: ما حكاه سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-:\nأنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه من الخبز، فخاف خيانتها، فحلف ليضربنها! الثالث: ما حكاه يحيي بن سلاّم، وغيره: أن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا إليه، وأنه يبرأ، فذكرت ذلك له، فحلف ليضربنها إن عوفي مئة، والرابع: قيل: إنها باعت ذوائبها برغيفين؛ إذ لم تجد شيئا تحمله إلى أيوب، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها!.\nهذا؛ وقال الصابوني في كتابه «النبوة والأنبياء»: وكانت له امرأة صالحة مؤمنة اسمها رحمة من أحفاد يوسف ﵇، وقد رافقت هذه المرأة حياة نعمته، وصحته، وزمن بؤسه، وبلائه، فكانت في الحالين مع زوجها شاكرة صابرة، ثم إن الشيطان حاول أن يدخل على أيوب في زمن بلائه، فلم يؤثر فيه، فحاول أن يدخل إليه عن طريق امرأته، فوسوس لها: إلى متى","vol":"8","page":156},{"text":"تصبرين؟! فجاءت أيوب وفي نفسها اليأس، والضجر مما أصابه، فقالت له: إلى متى هذا البلاء؟! فغضب أيوب، وقال لها: كم لبثت في الرخاء؟ قالت: ثمانين سنة، قال: كم لبثت في البلاء؟ قالت: سبع سنين، قال: أما أستحيي أن أطلب من الله رفع بلائي، وما قضيت مدة ر؟! ثم قال: والله لئن برئت لأضربنك مئة سوط، وحرم على نفسه أن تخدمه بعد ذلك.\nانتهى. وهذا ظاهر عليه الضعف، والركاكة.\nوربنا جلت قدرته، وتعالت حكمته شكر لها عملها، وخدمتها لأيوب، فلذا أمره تنفيذا لما حلف له أن يأخذ ضغثا، ويضربها بها، والضغث قبضة حشيش مختلط الرطب باليابس، وقال ابن عباس﵄-: إنه إثكال النخل الجامع بشماريخه. هذا؛ وقد تضمنت الآية الكريمة جواز ضرب الرجل امرأته للتأديب، وذلك أن امرأة أيوب أخطأت، فحلف ليضربنها مئة، فأمره الله تنفيذا ليمينه، ورحمة بامرأته أن يضربها بعثكول من عثاكيل النخل.\nهذا؛ وقد أباح الله في الإسلام ضرب المرأة للتأديب، كما رأيت في سورة (النساء) رقم [٣٤].\nواختلف العلماء في هذا الحكم، هل هو عام، أو خاص بأيوب وحده؟ المعتمد: أنه عام، ومعمول به في شريعتنا، وأخذ به الشافعي، واحتج بما رواه أبو أمامة بن سهل بن حنيف: أنه أخبره بعض أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهش لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه، أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ فإني قد وقعت على جارية دخلت عليّ، فذكروا لرسول الله ﷺ ذلك، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك؛ لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مئة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة.\nقال ابن كثير: وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله، وأطاعه، ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة، المكابدة الصديقة، البارة الرشيدة﵂-. ولهذا عقّب الله هذه الرخصة، وعللها بقوله: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ ثم قال: وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الأيمان، والنذور، وتوسع فيها آخرون؛ حتى وضعوا الحيل في الخلاص من الأيمان، وصدروه بهذه الآية الكريمة، وأتوا فيه بأشياء من العجائب، والغرائب. انتهى. صابوني. أقول: وكثير من الدجالين في هذه الأيام يستعملون هذه الحيل في فتاوى الطلاق لقاء دريهمات.\nهذا؛ وقد عاش أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ثلاثا وتسعين سنة، ورزقه الله المال، والبنين، وقد ولد له ستة وعشرون ولدا ذكرا، منهم واحد يسمى: بشرا، الذي يقول فيه بعض المؤرخين: إنه ذو الكفل، الذي ذكره الله في القرآن ضمن الرسل الكرام، وقد","vol":"8","page":157},{"text":"كانت رسالة أيوب إلى أمة الروم، ولهذا يقولون: إنه من أمة الروم، وكان مقامه في دمشق، وأطرافها على ما ذكره بعض المؤرخين. انتهى. صابوني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3657>فائدة:</span>\nسئل سفيان الثوري عن عبدين: ابتلي أحدهما، فصبر، وأنعم الله على الآخر، فشكر، فقال: كلاهما سواء؛ لأن الله أثنى على عبدين: أحدهما صابر، والآخر شاكر ثناء واحدا، فقال في وصف أيوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ وقال في وصف سليمان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ ولكن المنقول: أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، والفقير الصابر يدخل الجنة قبله بنصف يوم، ومقداره: خمسمئة سنة؛ لأن الغني الشاكر يوقف ليحاسب على ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟.\nانتهى. ما تقدم من الكشاف، والقرطبي، وغيرهما. وانفرد القرطبي بذكر ما يلي:\nاستدل بعض جهال المتزهدة، وطغام المتصوفة بقوله تعالى لأيوب: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ على جواز الرقص. قال أبو الفرج الجوزي: وهذا احتجاج بارد؛ لأنه لو كان أمر بضرب الرّجل فرحا كان لهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرّجل لينبع الماء. وقال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض؛ لينبع الماء إعجازا من الرقص؟! ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الإسلام، جاز أن يجعل قوله لموسى: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ دلالة على ضرب المحادّ بالقضبان. نعوذ بالله من التلاعب بالشرع، وقد احتج بعض قاصريهم بأن رسول الله ﷺ قال لعلي﵁-: «أنت مني وأنا منك». فحجل، وقال لجعفر ابن عمه: «أشبهت خلقي وخلقي». فحجل، وقال لزيد بن حارثة: «أنت أخونا». فحجل، ومنهم من احتج بأن الحبشة زفنت؛ ورسول الله ﷺ ينظر إليهم. والجواب: أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح، فأين هو والرقص؟ وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي يفعل عند اللقاء للحرب. انتهى. وزفن، يزفن، زفنا: رقص، يرقص، رقصا. وأضيف: أنه يتعلق بذلك من الخزعبلات ما يحدث من ضرب الشيش ونحوه مما لا علاقة له بالدين، بل الدين منه براء.\nهذا؛ وقد تكلم العز بن عبد السّلام-رحمه الله تعالى-في كتابه: «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» عن البدع وأنواعها إلى أن قال في صفحة [٢٣٠ ج ٢] ما يلي:\nوأما الرقص، والتصفيق؛ فخفة، ورعونة مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا راعن، أو متصنع كذاب، وكيف يتأتى الرقص المتزن، بأوزان الغناء من طاش لبه، وذهب عقله، وقد قال ﵊: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم». ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدى بهم يفعل شيئا من ذلك.\nوإنما استحوذ الشيطان على قوم يظنون: أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق بالله، ﷿، ولقد مانوا فيما قالوا، وكذبوا فيما ادعوا من جهة: أنهم عند سماع المطربات؛ وجدوا لذتين اثنتين: إحداهما: لذة المعارف والأحوال المتعلقة بذي الجلال، والثانية: لذة","vol":"8","page":158},{"text":"الأصوات، والنغمات، والكلمات الموزونات الموجبات للذات النفس؛ التي ليست من الدين، ولا متعلقة بأمور الدين، فلما عظمت عندهم اللذتان؛ غلطوا، فظنوا: أن مجموع اللّذة إنما حصل بالمعارف، والأحوال، وليس كذلك؛ بل الأغلب عليهم حصول لذات النفوس؛ التي ليست من الدين بشيء. وقد حرم بعض العلماء التصفيق لقوله ﷺ: «إنما التصفيق للنساء» ولعن ﵊ «المتشبّهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء». ومن هاب الإله، وأدرك شيئا من تعظيمه؛ لم يتصور منه رقص، ولا تصفيق، ولا يصدر التصفيق، والرقص إلا من غبي جاهل، ولا يصدران من عاقل فاضل، ويدل على جهالة فاعلهما: أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب، ولا سنة، ولم يفعل ذلك أحد من الأنبياء، ولا معتبر من أتباع الأنبياء، وإنما يفعل ذلك الجهلة السفهاء؛ الذين ألتبست عليهم الحقائق بالأهواء، وقد قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.\nوقد مضى السلف، وأفاضل الخلف؛ ولم يلابسوا شيئا من ذلك، ومن فعل ذلك، أو اعتقد: أنه غرض من أغراض نفسه، وليس بقربة إلى ربه، فإن كان ممن يقتدى به، ويعتقد: أنه ما فعل ذلك إلا لكونه قربة؛ فبئس ما صنع لإيهامه: أن هذا من الطاعات، وإنما هو من أقبح الرعونات، وأما الصياح، والتغاشي، والتباكي تصنعا، ورياء، فإن كان من حال لا تقتضيه؛ فقد أثم من وجهين:\nأحدهما: إيهامه الحال التامة الموجبة لذلك.\nوالثاني: تصنعه به، ورياؤه، وإن كان عن حال تقتضيه أثم إثم ريائه لا غير، وكذلك نتف الشعور، وضرب الصدور، وتمزيق الثياب محرم لما فيه من إضاعة المال، وأي: ثمرة لضرب الصدور، ونتف الشعور، وشق الجيوبات إلا رعونات صادرة عن النفوس.\nفإذا رأيت إنسانا يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، أو يخبر بالمغيبات، ويخالف الشرع بارتكاب المحرمات بغير سبب محلّل، أو يترك الواجبات بغير سبب مجوّز؛ فاعلم أنه شيطان، نصبه الله فتنة للجهلة، وليس ذلك ببعيد من الأسباب؛ التي وضعها الله للضلال، فإن الدجال يحيي ويميت فتنة لأهل الضلال، وكذلك يأتي الخربة، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وكذلك يظهر للناس: أنه معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار، وكذلك من يأكل الحيات، ويدخل النيران، فإنه مرتكب للحرام بأكل الحيات، وفاتن للناس بدخول النيران، ليقتدوا به في ضلالته، ويتابعوه على جهالته. انتهى. وما أحسن ما أنشده الشيخ ابن الحاج في كتابه المدخل: [البسيط] ليس التصوف لبس الصوف ترقعه... ولا بكاؤك إن غنّى المغنّونا\nولا صياح ولا رقص ولا طرب... ولا اختباط كأن قد صرت مجنونا\nبل التصوف أن تصفو بلا كدر... وتتبع الحقّ والقرآن والدّينا\nوأن ترى خاشعا لله مكتئبا... على ذنوبك طول الدّهر محزونا","vol":"8","page":159},{"text":"الإعراب: ﴿وَخُذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (خذ): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اُرْكُضْ..﴾. إلخ. قاله الزمخشري، وغيره. وقال الجمل:\nمعطوفة على مقدر تقديره: وكان قد حلف ليضربن امرأته مئة ضربة لسبب حصل منها، وكانت محسنة، فجعل الله له خلاصا من يمينه بقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ..﴾. إلخ. ﴿بِيَدِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ضِغْثًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ معطوفة على ما قبلها، والمفعول به محذوف، تقديره: اضرب به امرأتك، (لا تحنث):\nفعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». والمتعلق محذوف، التقدير: ولا تحنث في يمينك، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿وَجَدْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول.\n ﴿صابِرًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾.\nإلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠] ففيها الكفاية.\n\n<span id=\"aya-4015\"></span><span id=\"aya-4016\"></span><span id=\"aya-4017\"></span>﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ..﴾. إلخ: الأمر والخطاب للنبي ﷺ، والمعنى: اذكر صبرهم، واقتد بهم، فإبراهيم ألقي في النار فصبر، وإسحاق أضجع للذبح (في قول) فصبر، ويعقوب ابتلي بفقد ولده، وذهاب بصره (في قول) فصبر، وقد مرّت سيرهم، وقصصهم في كثير من السور. ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ:﴾ أولي القوة في العبادة، والطاعة، والبصيرة في الدين. أو:\nأولي الأعمال الجليلة، والعلوم الشريفة. فعبر بالأيدي عن الأعمال؛ لأن أكثرها بمباشرتها، وبالأبصار عن المعارف؛ لأنها أقوى مبادئها. وانظر الآية رقم [١٧]. ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ﴾ أي:\nاصطفيناهم، وجعلناهم خالصين لنا. ﴿بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ:﴾ قيل: معناه: أخلصناهم بحب الآخرة، وذكراها. وقال مجاهد: أي: جعلناهم يعملون للآخرة لا همّ لهم غيرها. وقال مالك بن دينار: نزع الله من قلوبهم حب الدنيا، وذكرها، وأخلصهم بحب الآخرة، وذكرها.\n ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾ أي: المختارين من بين أبناء جنسهم، فاختارهم الله تعالى، واتخذهم صفوة، وصفّاهم، وطهرهم من الأدناس، والأكدار، والأرجاس. والإضافة في قوله:\n ﴿عِبادَنا﴾ إضافة تعظيم، وتبجيل، والعندية عندية تكريم وتعظيم. هذا؛ ولا تنس: استعارة الأيدي للقوة في العبادة، واستعارة الأبصار للبصيرة في الدين.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت».\n ﴿عِبادَنا:﴾ مفعول به، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ وما بعده بدل من:\n ﴿عِبادَنا،﴾ أو عطف بيان، وقرئ: «(عبدنا)» فيكون ﴿إِبْراهِيمَ﴾ بدلا منه، و(إسحاق) معطوفا على","vol":"8","page":160},{"text":"﴿إِبْراهِيمَ،﴾ و(يعقوب) معطوفا على (إسحاق)، وشرح هذا من العربية: أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا، وعمرا، وخالدا، فزيد، وعمرو، وخالد بدل، وهم الأصحاب، وإذا قلت: رأيت صاحبنا زيدا، وعمرا، وخالدا، ف: «زيد» وحده بدل، وهو صاحبنا، وعمرو، وخالد عطف على «صاحبنا» وليسا داخلين في المصاحبة إلا بدليل غير هذا، غير أنه قد علم أنّ قوله: ﴿وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ داخلان في العبودية، وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، ولا وجه له.\n ﴿أُولِي:﴾ صفة للأسماء السابقة، أو هو حال منها، وهو أولى، فهو منصوب على الاعتبارين، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وخذفت النون للإضافة، و﴿أُولِي﴾ مضاف، و﴿الْأَيْدِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل.\n (الأبصار): معطوف على ما قبله. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿أَخْلَصْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿بِخالِصَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(خالصة) صفة موصوف محذوف، التقدير: بخصلة خالصة، وقرئ بدون تنوين على الإضافة وفيها أوجه: أحدها: أن تكون إضافة خالصة إلى ذكرى للبيان؛ لأن الخالصة قد تكون ذكرى، وغير ذكرى، كما في قوله تعالى: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ لأن الشهاب يكون قبسا وغيره. الثاني: أن (خالصة) مصدر بمعنى: إخلاص، فيكون مصدرا مضافا لمفعوله، والفاعل محذوف، وأجيز أن تكون الإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وقد جاء المصدر على «فاعلة» كالعاقبة، وقراءة الجمهور بالتنوين، وعدم الإضافة، وفيها أوجه:\nأحدها: أنها مصدر بمعنى: الإخلاص، فيكون (ذكرى) منصوبا به، وأن يكون بمعنى:\nالخلوص، فيكون (ذكرى) مرفوعا، كما تقدم ذلك، والمصدر يعمل منونا، كما يعمل مضافا، أو يكون (خالصة) اسم فاعل على بابه، و(ذكرى) بدل، أو بيان لها، أو منصوب بإضمار: أعني، أو هو مرفوع بإضمار مبتدأ، و﴿الدّارِ﴾ يجوز أن يكون مفعولا به ب: ﴿ذِكْرَى﴾ وأن يكون ظرفا، إما على الاتساع، وإما على إسقاط الخافض، و(خالصة) إن كانت صفة فهي صفة لمحذوف، أي:\nبسبب صفة خالصة. انتهى. جمل نقلا من السمين بتصرف. ولأبي البقاء العكبري ما يشبهه.\n ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال، (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده. و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: لام الابتداء. (من المصطفين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الْأَخْيارِ:﴾ صفة لما قبله، أو هو بدل منه على اعتبار الأول صفة لموصوف محذوف، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب العائد على إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَاذْكُرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها عطف قصة على قصة أيوب، وما تقدم قبلها.","vol":"8","page":161},{"text":"<span id=\"aya-4018\"></span>﴿وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿إِسْماعِيلَ:﴾ هو ابن إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، فصل سبحانه ذكره عن ذكر أبيه، وأخيه للإشعار بعراقته في الصبر، الذي هو المقصود بالتذكير، وهو الذبيح على المعتمد، كما رأيت في الآيات رقم [١٠٠] وما بعدها من سورة (الصافات)، والقرآن الكريم أكثر من ذكره العطر، وسيرته الحميدة، وأثنى عليه ثناء حسنا عظيما، لا خفاء فيه في كثير من السور. (اليسع): هو ابن أخطوب بن العجوز استخلفه إلياس على بني إسرائيل، كما رأيت في الآية رقم [١٢٣] من سورة (الصافات) وما بعدها، ثم استنبئ، وأيده الله بمثل ما أيد به إلياس، فآمنت به بنو إسرائيل، وكانوا يعظمونه، وينتهون إلى أمره ونهيه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع، ﵊. وينبغي أن تعلم أن الله لم يذكر اسم اليسع، في غير هذه الآية، والآية رقم [٨٦] من سورة (الأنعام)، ذكره في جملة الرسل هنا، وهناك ذكرا بدون ذكر شيء من أعماله، وسيرته. ويذكر بعض المؤرخين: أن دعوته ظهرت في مدينة تسمى بانياس، إحدى مدن سورية، ولا تزال حتى الآن موجودة، وهي قريبة من بلدة اللاذقية، والله أعلم. انتهى. صابوني.\nوينبغي أن تعلم أيضا: أنه قد دخلت عليه أل التعريف، كما دخلت في العباس، والفضل، والوليد، واليزيد، ونحو ذلك. خذ قول ابن ميادة في مدح الوليد بن يزيد بن عبد الملك: [الطويل] رأيت الوليد بن اليزيد مباركا... شديدا بأعباء الخلافة كاهله\nوهذا هو الشاهد رقم (٧٤) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وخذ قول ابن مالك في ألفيته: [الرجز]\nوبعض الأعلام عليه دخلا... للمح ما قد كان عنه نقلا\nكالفضل والحارث والنّعمان... فذكر ذا وحذفه سيّان\nأما (ذو الكفل): فكاليسع لم يذكر في غير هذه الآية، وفي الآية رقم [٨٥] من سورة (الأنبياء) ذكره الله في جملة الرسل هنا، وهناك ذكرا من غير ذكر شيء من أعماله، وسيرته، والفارق بينه وبين اليسع أن اليسع متفق على نبوته، ورسالته، أما ذو الكفل فمختلف فيه هل هو نبي، أو لا؟ فقد روى الحاكم عن وهب بن منبه: أن الله بعث بعد أيوب ابنه بشرا، وسماه ذا الكفل، وكان مقيما بالشام حتى مات، وعمره خمس وسبعون سنة. انتهى. التحبير للسيوطي.\nوعبارة أبي السعود: هو ابن عم اليسع، أو هو بشر بن أيوب، واختلف في نبوته، ولقبه. انتهى.\nجمل. ولم يذكر عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء اسم اليسع، ولا اسم ذي الكفل،","vol":"8","page":162},{"text":"وها أنذا أنقل لك أيها القارئ الكريم ما ذكره الثعلبي في قصص الأنبياء، وقد نقله عنه الخازن في سورة (الأنبياء)، وهو ما يلي:\nقال مجاهد: لما كبر اليسع؛ قال: إني أستخلف رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي؛ حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس، ثم قال: من يتكفل لي بثلاث استخلفته: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب، فقام إليه شاب تزدريه العيون، فقال: أنا، فرده ذلك اليوم، وقال في اليوم الثاني مثلها، فسكت الناس، فقال ذلك الرجل: أنا أعمل ذلك، فاستخلفه. قال: فلما رأى إبليس ذلك جعل يقول: عليكم بفلان، وأعياهم، فقال: دعوني وإياه، فأتاه بصورة شيخ كبير فقير حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة، فدق إبليس الباب عليه، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم، ففتح له الباب فجعل يقص عليه القصة، ويقول: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا، وفعلوا، وجعل يطول عليه حتى حضر وقت الرواح، وذهبت القائلة، فقال له: إذا رحت فإني آخذ لك بحقك، فانطلق، وراح إلى مجلسه، فلما جلس جعل ليرى الشيخ، فلم يره، وقام، فلم يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس، وينظره، فلم يره، فلما رجع إلى القائلة، وأخذ مضجعه؛ أتاه، فدق الباب عليه، فقال: من هذا، فقال: أنا الشيخ المظلوم، ففتح له، وقال له: ألم أقل لك: إذا قعدت؛ فائتني. فقال: إنهم قوم إذا عرفوا أنك قاعد، يقولون: نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق، فإذا رحت فائتني. وفاتته القائلة، فراح فلما جلس جعل ينظر، فلا يراه، وشق عليه النعاس، فلما كان اليوم الثالث، قال لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب؛ حتى أنام، فإنه قد شق عليّ النعاس، فلما كانت تلك الساعة؛ نام، فجاء الخبيث، فلم يأذن له الرجل، فلما أعياه؛ نظر، فرأى كوة في البيت، فتسور منها، فإذا هو في البيت، فدق الباب عليه من داخل، فاستيقظ، فقال: يا فلان ألم آمرك ألاّ تأذن لأحد علي، قال: أما من قبلي فلم تؤت، فانظر من أين أتيت؟ فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فقال: أتنام؛ والخصوم ببابك؟ فنظر إليه فعرفه، فقال: أعدوّ الله.؟ قال: نعم أعييتني، وفعلت ما فعلت؛ لأغضبك، فعصمك الله مني! فسمي ذا الكفل؛ لأنه تكفل بأمر، فوفى به. وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيا، وإنما كان عبدا صالحا، تكفل بعمل رجل صالح، وكان يصلي لله تعالى في كل ليلة مئة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء. وقيل: هو إلياس. وقيل: هو زكريا. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. انتهى. هذا؛ وذو الكفل المذكور في الآية الكريمة غير الكفل الذي جاء في الحديث الشريف، وخذه بحروفه: عن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يحدث حديثا، لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين حتى عدّ سبع مرات، ولكن سمعته أكثر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كان الكفل من بني إسرائيل، لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة، فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت، وبكت،","vol":"8","page":163},{"text":"قال: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكنه عمل ما عملته قطّ، وما حملني عليه إلاّ الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا، وما فعلته، اذهبي فهي لك. وقال: لا والله، لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه، إنّ الله قد غفر للكفل». رواه الترمذي، وحسنه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿إِسْماعِيلَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْيَسَعَ:﴾ معطوف عليه. ﴿وَذَا:﴾ الواو: حرف عطف. (ذا): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذا) مضاف، و﴿الْكِفْلِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ ولم يذكر لفظ: (عبادنا) كما ذكر قبل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، اكتفاء به. ﴿وَكُلٌّ:﴾ الواو: واو الحال. (كل): مبتدأ، سوغ الابتداء به الإضافة المقدرة؛ إذ التقدير: وكلهم. ﴿مِنَ الْأَخْيارِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿إِسْماعِيلَ﴾ وما عطف عليه، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الفعلية: ﴿وَاذْكُرْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4019\"></span><span id=\"aya-4020\"></span><span id=\"aya-4021\"></span>﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿هذا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا ذكر جميل في الدنيا، وشرف عظيم يذكرون به فيها أبدا بعد موتهم، ولحوقهم بالرفيق الأعلى. والإشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم، كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٥٠]: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا،﴾ وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه قد سأل الله ذلك، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ رقم [٨٤] من سورة (الشعراء). هذا؛ وقد روى أشهب عن مالك أنه قال: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا، ويرى في عمل الصالحين؛ إذا قصد به وجه الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ رقم [٣٩] من سورة (طه)، وقال جل ذكره في سورة (مريم): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ أي: حبا في قلوب عباده، وثناء حسنا، فنبه الله تعالى بآية (الشعراء) على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل، وهي الحياة الثانية؛ التي قال فيها أحمد شوقي-رحمه الله تعالى-: [الكامل]\nدقّات قلب المرء قائلة له... إنّ الحياة دقائق وثوان\nفارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان\nهذا؛ وقيل: المراد ب: ﴿ذِكْرٌ﴾ القرآن الكريم، ولا وجه له هنا.","vol":"8","page":164},{"text":"﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع، والمنقلب في الآخرة. ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ:﴾ جنات إقامة وخلود، يقال: عدن بالمكان أقام فيه، ومنه:\nالمعدن الموجود في باطن الأرض، وقال النبي ﷺ: «عدن دار الله؛ التي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة: النبيون، والصديقون، والشهداء، يقول الله تعالى:\nطوبى لمن دخلك!». رواه الطبراني عن أبي الدرداء﵁-.\nوقال عبد الله بن عمر﵄-: إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، حوله البروج، والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد. والحبرة بكسر الحاء وفتحها: ضرب من البرود اليمنية مخطط. وروي: أن عمر الفاروق﵁قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون، والصديقون، والشهداء، وأئمة العدل.\n ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ أي: مفتوحة لهم أبوابها، وإنما قال: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ولم يقل: مفتوحة؛ لأنها تفتح لهم بالأمر، لا بالمس. قال الحسن البصري: تكلّم: انفتحي، فتنفتح، انغلقي، فتنغلق. وقال الرازي: إن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا المؤمنين؛ فتحوا لهم أبوابها، وحيّوهم بالسلام، فيدخلونها كذلك، محفوفين بالملائكة على أعز حال، وأحسن هيئة. انتهى.\nصفوة التفاسير، وقد تقدم هذا المعنى في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد)، ورقم [٤٤] من سورة (الأحزاب)، وانظر سورة (الزمر) رقم [٧٣].\n ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ أي: متكئين في الجنة على الأرائك، وهي السرر الوثيرة، والوطاآت الناعمة. هذا؛ والاتكاء على السرر من صفات المنعمين المترفين. ﴿يَدْعُونَ فِيها:﴾ في الجنة.\n ﴿بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ﴾ أي: وهم متكئون على الأسرة يطلبون أنواع الفواكه، وألوان الشراب، كعادة الملوك في الدنيا. قال ابن كثير: أي: مهما طلبوا؛ وجدوا، ومن أي أنواعه شاؤوا؛ أتتهم به الخدام. قال الصابوني: والاقتصار على طلب الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه، والتلذذ دون التغذي؛ لأنه لا جوع في الجنة. انتهى. صفوة التفاسير. هذا؛ وما في هذه الآيات مقابلة لما في الآيات الآتية.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ذِكْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معترضة، جيء بها للفصل بين ما قبلها وما بعدها، فيؤتى بها للانتقال من غرض إلى آخر. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها للحصر. ﴿لَحُسْنَ:﴾ اللام: لام الابتداء. (حسن):\nاسم (إنّ) مؤخر، و(حسن) مضاف، و﴿مَآبٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿إِبْراهِيمَ﴾ وما عطف عليه، والرابط: الواو، ولفظ المتقين المعبر به عنهم، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿جَنّاتِ:﴾ بدل من:","vol":"8","page":165},{"text":"(حسن ماب)، أو عطف بيان عليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. و﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُفَتَّحَةً:﴾ حال من: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ لأنها معرفة بالإضافة إلى ﴿عَدْنٍ،﴾ كما قالوا: جنة الخلد، وجنة المأوى، والعامل في الحال ما في (المتقين) من معنى الفعل. هذا؛ وقيل: هي نكرة، والمعنى: جنات إقامة، فتكون ﴿مُفَتَّحَةً﴾ وصفا ل: ﴿جَنّاتِ﴾. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَبْوابُ:﴾ نائب فاعل ب: ﴿مُفَتَّحَةً﴾.\nهذا؛ وقرئ برفع الاسمين على أن: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ خبر مقدم، و﴿الْأَبْوابُ﴾ مبتدأ مؤخر، أو هما خبران لمبتدأ محذوف، والأول أقوى. وقيل: ﴿الْأَبْوابُ﴾ بدل من الضمير المستتر في:\n ﴿مُفَتَّحَةً،﴾ وهو ضعيف، وعلى رفع الاسمين فالجملة الاسمية صالحة للحالية من: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ،﴾ وللوصفية لها، والرابط على الاعتبارين محذوف، التقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾\nحال من الضمير المجرور في: ﴿لَهُمُ،﴾ والعامل فيها: ﴿مُفَتَّحَةً،﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل. وقيل: العامل في الحال: ﴿يَدْعُونَ،﴾ وصاحب الحال واو الجماعة، وهو ضعيف. وعلى الأول فالحال مقدرة؛ لأن الاتكاء، وما بعده ليس في حال تفتح الأبواب، بل هو بعده. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾.\n ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهو يؤيد اعتباره عاملا في ﴿مُتَّكِئِينَ،﴾ أو الجملة في محل نصب حال من الضمير في:\n ﴿لَهُمُ،﴾ فتكون حالا متعددة؛، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿مُتَّكِئِينَ،﴾ فتكون حالا متداخلة. ﴿فِيها بِفاكِهَةٍ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل: ﴿يَدْعُونَ﴾. ﴿كَثِيرَةٍ:﴾ صفة:\n (فاكهة). ﴿وَشَرابٍ:﴾ معطوف على (فاكهة).\n\n<span id=\"aya-4022\"></span><span id=\"aya-4023\"></span><span id=\"aya-4024\"></span>﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ:﴾ انظر شرح: ﴿قاصِراتُ﴾ في الآية رقم [٤٨] من سورة (الصافات). وأما ﴿الطَّرْفِ﴾ فهو تحريك جفن العين إذا نظرت، فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قول الشاعر: [الطويل]\nوكنت إذا أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتعبتك المناظر\nرأيت الّذي لا كلّه أنت قادر... عليه ولا عن بعضه أنت صابر\nوقد وصف آصف سليمان بردّ الطرف، ووصف الطرف بالارتداد، بقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (النمل)، وقد يراد بالطرف الجفن خاصة، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]","vol":"8","page":166},{"text":"أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أن الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nهذا؛ وفي المختار: الطرف: العين، ولا يجمع؛ لأنه في الأصل مصدر، فيكون واحدا جمعا، قال تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ من سورة (إبراهيم) رقم [٤٣]. ﴿أَتْرابٌ:﴾\nمتساويات في السن، والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة، واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد. وقيل: متآخيات، لا يتباغضن، ولا يتغايرن، ولا يتحاسدن، ومثلهن أزواجهن في السن؛ لأن التحاب بين الأقران أثبت، قال تعالى في وصفهن، بسورة (الواقعة): ﴿عُرُبًا أَتْرابًا﴾ ومعناه: متحببات إلى أزواجهن، وهن مثلهم في سن واحدة. هذا؛ وأتراب جمع: ترب، بكسر التاء وسكون الراء، كحمل، وأحمال، وهو المساوي لك في العمر، قال الشاعر: [البسيط]\nلولا توقّع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب\nوهذا هو الشاهد رقم (١٣٩) من كتابنا: «فتح رب البرية». ﴿هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ أي: هذا الجزاء المذكور هو الذي وعدكم الله به أيها المؤمنون يوم القيامة لأجل الحساب، فعملتم به حتى فزتم بالنعيم المقيم، والخير العميم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ﴾ أي: ما له انقطاع، بل هو دائم مستمر، كقوله تعالى في سورة (هود) رقم [١٠٨]: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غير مقطوع، وكقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي:\nغير مقطوع، وكقوله تعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ الآية رقم [٣٥] من سورة (الرعد)، والآيات في ذلك كثيرة.\nوقال الصابوني: أي: هذا النعيم عطاؤنا لأهل الجنة، لا زوال له، ولا انقطاع، ولا انتهاء أبدا، قال في الظلال: يبدأ هذا المشهد بمنظرين متقابلين تمام التقابل في المجموع والأجزاء، وفي السمات، والهيئات، منظر المتقين لهم حسن ماب، ومنظر الطاغين لهم شر ماب، فأما الأولون فلهم جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، ولهم فيها راحة الاتكاء، ومتعة الطعام والشراب، ولهم كذلك متعة الحوريات الشواب؛ وهن في شبابهن قاصرات الطّرف، لا يتطلعن، ولا يمددن بأبصارهن، وكلّهنّ شوابّ أتراب، وهو متاع دائم، ورزق من عند الله ما له من نفاد. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَعِنْدَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (عندهم): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قاصِراتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: وعندهم حور، أو: نساء قاصرات، و﴿قاصِراتُ﴾ مضاف، و﴿الطَّرْفِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، أو من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَتْرابٌ:﴾","vol":"8","page":167},{"text":"صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية: (إن للمتقين...) إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والثاني محذوف، وهو العائد، والجملة صلة الموصول لا محل لها، التقدير:\nهذا الذي توعدونه. ﴿لِيَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(يوم) مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقيل لهم، أو: ويقال لهم: هذا ما توعدون... إلخ.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسمها. ﴿لَرِزْقُنا:﴾ اللام: هي المزحلقة. (رزقنا):\nخبر ﴿إِنَّ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول للقول المحذوف، الذي رأيت تقديره. ﴿ما:﴾\nنافية. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَفادٍ:﴾\nمبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو في محل نصب حال من (رزقنا)، والرابط: الضمير المجرور محلا باللام على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4025\"></span><span id=\"aya-4026\"></span><span id=\"aya-4027\"></span><span id=\"aya-4028\"></span>﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿هذا﴾ أي: الأمر هذا، أو: خذ هذا الذي مر ذكره، وهو ما أعده الله للمتقين.\nوهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام، كقوله تعالى في سورة محمد ﷺ رقم [٤]: ﴿ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾. ﴿وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي: وإن للكافرين الذين كذبوا الرسل، وعاثوا في الأرض فسادا لشر منقلب يصيرون إليه في الآخرة. ثم فسره بقوله:\n ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ أي: يحترقون فيها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦٣] من سورة (الصافات) ﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ أي: المهد المفترش، مستعار من فراش النائم، وهو كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ الآية رقم [٤١] من سورة (الأعراف). والمعنى: إن جهنم محيطة بهم من تحتهم، ومن فوقهم، كالفراش، واللحاف، استعيرت جهنم لهما. هذا؛ وفي هذه الآيات مقابلة لما في الآيات [٤٩] وما بعدها. ﴿هذا﴾ أي: الأمر والشأن هذا. ﴿فَلْيَذُوقُوهُ:﴾ انظر مثل هذا الذوق في الآية رقم [٣٨] من سورة (الصافات). ﴿حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ:﴾ الحميم: هو الماء الحار المحرق. والغساق: هو ما يسيل من جلود أهل النار من الصديد، والدم. وقيل: الحميم: الحار","vol":"8","page":168},{"text":"الذي قد انتهى حره، والغساق ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم، ولهذا قال ﷿: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بهما، فعن أبي سعيد الخدري﵁عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «لو أنّ دلوا من غسّاق يهراق في الدنيا؛ لأنتن أهل الدنيا». أخرجه الإمام أحمد، ورواه الترمذي وابن جرير أيضا.\nوقال ابن عباس﵄-: الغساق هو الزمهرير يخوفهم الله ببرده. وقال مجاهد، ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما: إنه يحرق ببرده، كما يحرق الحميم بحره. وقال عبد الله بن عمرو﵁-: هو قيح غليظ، لو وقع منه شيء بالمشرق؛ لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شيء بالمغرب؛ لأنتن من في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة، ومن نتن لحوم الكفرة، وجلودهم من الصديد، والقيح، والنتن. وقال محمد بن كعب القرظي: هو عصارة أهل النار، وهذا القول أشبه باللغة، يقال: غسق الجرح، يغسق غسقا: إذا خرج منه ماء أصفر، قال الشاعر: [الطويل]\nإذا ما تذكّرت الحياة وطيبها... إليّ جرى دمع من العين غاسق\n ﴿وَآخَرُ﴾ أي: وعذاب آخر سوى الحميم والغساق. ﴿مِنْ شَكْلِهِ:﴾ من مثله، ونحوه، أي: المذوق، أو العذاب في الشدّة. ﴿أَزْواجٌ:﴾ أنواع، وألوان، وأصناف من العذاب كالزمهرير، والسموم، وأكل الزقوم، والصعود، والهوي، والحيات، والعقارب، إلى غير ذلك من الأشياء المتضادة المختلفة، وخذ قوله تعالى في سورة (إبراهيم): ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ رقم [١٧]. هذا؛ ويقرأ: «(آخر)» بالمد على أنه مفرد، وبالقصر على أنه جمع.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: خذ هذا. ﴿وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب رقم [٤٩] بلا فارق. ﴿يَصْلَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿جَهَنَّمَ،﴾ والعامل في الحال الاستقرار في قوله تعالى: ﴿لِلطّاغِينَ﴾ أي:\nالمتعلق المحذوف. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿جَهَنَّمَ﴾ مفعولا به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، وعليه فالجملة الفعلية مفسرة لهذا المحذوف، ويكون التقدير: يصلون جهنم يصلونها، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿فَبِئْسَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بئس): فعل جامد لإنشاء الذم. ﴿الْمِهادُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: فبئس المهاد هو جهنم. وانظر الآية رقم [٦٠] الآتية. ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ﴾ في إعراب هذه الآية أوجه كثيرة، فأولا:\nيجوز في هذا أن يكون في محل نصب من وجهين: أن يكون الناصب له محذوفا، تقديره:","vol":"8","page":169},{"text":"خذ هذا، وأن يكون محذوفا، يفسره الفعل المذكور بعده، وعلى الأول يوقف على هذا، وعلى الثاني لا يوقف عليه. وثانيا: يجوز أن يكون في محل رفع، وفيه أوجه:\nيجوز أن يكون مبتدأ، و﴿حَمِيمٌ﴾ خبره، وعليه فالجملة الفعلية معترضة بين المبتدأ، والخبر، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في:\n ﴿هذا،﴾ فيوقف على ﴿فَلْيَذُوقُوهُ،﴾ فيكون الإعراب كما في الآية رقم [٢] من سورة (النور)، ورقم [٣٨] من سورة (المائدة). وقال قوم: هذا ضعيف هنا؛ من أجل الفاء، فليست في معنى الجواب هنا كما في آية (النور)، وآية (المائدة)، وعليه يكون ﴿حَمِيمٌ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا حميم، وهذا غساق، أو هو حميم، وهو غساق، والفراء يرفعهما بمعنى: منه حميم، ومنه غساق، وأنشد: [البسيط]\nحتّى إذا ما أضاء الصّبح في غلس... وغودر البقل، ملويّ ومحصود\nأي: منه ملوي، ومنه محصود، وقول زهير بن أبي سلمى في وصف ناقة يستقي عليها: [البسيط] لها متاع وأعوان غدون به... قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا\nأي: منه قتب، ومنه غرب، والقتب: أداة السانية، والغرب: الدلو العظيمة. ﴿فَلْيَذُوقُوهُ:﴾\nالفاء: صلة على جميع وجوه الإعراب. (ليذوقوه): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة، أو معترضة، أو في محل رفع حسب ما رأيت من أوجه الإعراب المتقدمة.\nهذا؛ وقال الجمل: ﴿هذا﴾ مبتدأ، و﴿حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ﴾ الثلاثة خبر عن المبتدأ، وجملة: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ اعتراض، وقوله: ﴿مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ صفتان ل: (آخر) على كل من القراءتين. انتهى. شيخنا. وفي السمين قوله: ﴿وَآخَرُ﴾ قرأ أبو عمرو بضم الهمزة على أنه جمع، وارتفاعه من أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، و﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ خبره، و﴿أَزْواجٌ﴾ فاعل به، أي:\nبالجار، والمجرور. الثاني: أن يكون مبتدأ أيضا، و﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ خبر مقدم، و﴿أَزْواجٌ﴾ مبتدأ مؤخر؛ والجملة الاسمية خبره. وعلى هذين الوجهين، فيقال: كيف يصح من غير عود ضمير يعود على (آخر)، فإن الضمير في ﴿شَكْلِهِ﴾ يعود على ما تقدم؛ أي: من شكل المذوق؟ والجواب: أن الضمير عائد على مبتدأ، وإنما أفرد، وذكّر؛ لأن المعنى من شكل ما ذكرنا. ذكر هذا التأويل أبو البقاء، وقد منع ذلك مكي لأجل الخلو من الضمير، وجوابه ما ذكرت لك.\nالثالث: أن يكون ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ نعتا ل: (أخر)، و﴿أَزْواجٌ﴾ خبر المبتدأ؛ أي: وأخر من شكل المذوق أزواج. الرابع: أن يكون ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ نعتا أيضا، و﴿أَزْواجٌ﴾ فاعل به، والضمير عائد على: (أخر) بالتأويل المتقدم، وعلى هذا فيرتفع: (أخر) على الابتداء، والخبر مقدر","vol":"8","page":170},{"text":"مقدم؛ أي: ولهم أنواع أخر استقر من شكلها أزواج. الخامس: أن يكون الخبر مقدرا كما تقدم؛ أي: ولهم أنواع أخر، و﴿مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ صفتان ل: (آخر). انتهى. بتصرف.\n\n<span id=\"aya-4029\"></span>﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هو أن قادة الضلال في الدنيا إذا دخلوا النار، ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة: ﴿هذا فَوْجٌ﴾ يعني: الأتباع.\nهذا؛ والفوج: الجماعة، والجمع: أفواج، قال تعالى في سورة (النبأ): ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا﴾ وقال في سورة (النصر): ﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا﴾ ويجمع أيضا على:\nفؤوج، وجمع الجمع: أفاوج، وأفايج، وأفاويج، وأفاييج بصيغة منتهى الجموع. هذا؛ والاقتحام:\nالدخول، والإلقاء بشدة، فإنهم يضربون بمقامع من حديد؛ حتى يقتحموها بأنفسهم خوفا من تلك المقامع. قال أبو الطيب المتنبي، وهو الشاهد رقم [٢٦٣] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط]\nلقد تصبّرت حتّى لات مصطبر... والآن أقحم حتّى لات مقتحم\n ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ:﴾ هذا من قول الرؤساء المتبوعين في الدنيا في حق الضعفاء التابعين لهم في الدنيا، ومعنى ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ:﴾ لا اتسعت منازلهم في النار. والرحب: السعة، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [١١٨]: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ وفي الآية معنى الدعاء، فلذلك نصب. قال النابغة الذبياني: [الكامل]\nلا مرحبا بغد ولا أهلا به... إن كان تفريق الأحبّة في غد\nقال أبو عبيدة: العرب تقول: لا مرحبا بك؛ أي: لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت.\n ﴿إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ:﴾ قيل: هو من قول القادة؛ أي: إنهم صالوا النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة، متصل بأول الآية.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ مبتدأ. ﴿فَوْجٌ:﴾ خبره. ﴿مُقْتَحِمٌ:﴾ صفة: ﴿فَوْجٌ﴾. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الضمير في: ﴿مُقْتَحِمٌ،﴾ أو من ﴿فَوْجٌ؛﴾ لأنه قد وصف، أو هو متعلق بمحذوف صفة ثانية، ولا يجوز أن يكون متعلقا ب: ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ لفساد المعنى، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول الملائكة، كما رأيت. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿مَرْحَبًا:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول به لفعل مقدر؛ أي:\nلا أتيتم مرحبا. والثاني: أنه مفعول مطلق. قاله أبو البقاء. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بالمصدر الميمي، والجملة على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، سيقت للدعاء عليهم بضيق المكان، أو هي في محل نصب حال، وقد يعترض عليه بأنه دعاء، والدعاء لا يقع حالا، والجواب: أنه على","vol":"8","page":171},{"text":"إضمار القول؛ أي: مقولا لهم: لا مرحبا بهم. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿صالُوا:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وحذفت النون للإضافة، و﴿صالُوا﴾ مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وانظر مثله في الآية رقم [١٦٣] من سورة (الصافات).\n\n<span id=\"aya-4030\"></span>﴿قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ:﴾ هذا من قول الضعفاء التابعين للأقوياء المتبوعين؛ أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحقّ به. ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ أي: دعوتمونا إليه، وشرعتموه لنا، ورغبتمونا فيه. والمراد: الكفر الذي كان سببا لإدخالهم الجحيم، والعذاب الأليم. ﴿فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ أي: بئس المستقر، والمأوى نار جهنم! وهذه المحاورات بين الأتباع والمتبوعين في نار جهنم ذكرها الله تعالى في كثير من الآيات القرآنية، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٦] من سورة (الأحزاب) وما بعدها، والآية من سورة (إبراهيم) رقم [٢١]؛ كيف لا وقد قال الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٨]: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها..﴾. إلخ. وهذا على حد قول القائل: تحية بينهم ضرب وجيع، وسب شنيع، فكذلك أهل النار يتلقون بعضهم باللعنات، والشتائم بدل التحيات والسّلام، والمؤمنون بعكس ذلك، فقد قال الله عنهم:\n ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ الآية رقم [١٠] من سورة (يونس) ﵇.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وانتقال.\n ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ في محل رفع خبره. وقيل: الجملة مقول قول محذوف هو الخبر؛ أي: يقال لكم. ولا وجه له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿قَدَّمْتُمُوهُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم؛ لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول وهي تعليل للنفي في المعنى، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَبِئْسَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْقَرارُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: فبئس القرار المذمومة النار، والجملة الفعلية: ﴿فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء فصيحة فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فبئس القرار، ويبقى الكلام كله مستأنفا، لا محل له.","vol":"8","page":172},{"text":"<span id=\"aya-4031\"></span>﴿قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النّارِ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الأتباع الضعفاء. ﴿رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا:﴾ من زين لنا الكفر، والمعاصي، وسوغه، وسنه لنا. ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النّارِ:﴾ مضاعفا، ذا ضعف، وذلك بأن يزيد على عذابه مثله، فيصير ضعفين، كقوله تعالى حكاية عن قول المستضعفين في سورة (الأحزاب) رقم [٦٨]: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ وأيضا في سورة (الأعراف) رقم [٣٧]:\n ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾.\nهذا؛ والمضاعفة المكاثرة، وضعف الشيء بكسر الضاد وسكون العين مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا؛ أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا، ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته فمعناه ضممت إليه مثله فصاعدا، وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في الأحزاب رقم [٣٠]: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وفي رقم [٦٩] من سورة (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وفي النساء رقم [٤٠]: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء.\nو(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قَدَّمَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هذا:﴾ مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿فَزِدْهُ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط، (زده): فعل دعاء، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿ضِعْفًا:﴾ صفة: ﴿عَذابًا﴾. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿عَذابًا،﴾ وجملة: ﴿فَزِدْهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو فعل الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ واعتبر بعضهم ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا مبتدأ، والجملة الفعلية: (قدم لنا هذا) صلته، وجملة: ﴿فَزِدْهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره؛ وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. والأول أولى، وأقوى.\n<span id=\"aya-4032\"></span>﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: يقول أكابر المشركين، وعظماؤهم، وهم يعذبون في النار. والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وهذا كثير، ومستعمل في القرآن الكريم. ﴿ما لَنا﴾","vol":"8","page":173},{"text":"لا نَرى رِجالًا... إلخ: هذا إخبار الله عن الكفار في النار: أنهم يفتقدون رجالا كانوا في الدنيا يعتقدون: أنهم على الضلالة، وهم المؤمنون في زعمهم، قالوا: ما لنا لا نراهم معنا في النار؟ قال ابن عباس، ومجاهد﵄-: يقول أبو جهل: أين بلال، أين صهيب، أين عمار؟ أولئك في الفردوس! واعجبا لأبي جهل! مسكين، أسلم ابنه عكرمة، وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو، ورحم الله الشاعر الذي يقول: [الطويل]\nونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا... وموضع رجلي منه أسود مظلم\nقال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: وهذا ضرب مثل، وإلا فكل الكفار هذا حالهم، يعتقدون: أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار؛ افتقدوهم، فلم يجدوهم، فقالوا:\n ﴿ما لَنا لا نَرى..﴾. إلخ انتهى.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَرى:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والعامل الاستفهام. ﴿رِجالًا:﴾ مفعول به. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿نَعُدُّهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿مِنَ الْأَشْرارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة: ﴿كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾ في محل نصب صفة: ﴿رِجالًا،﴾ وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4033\"></span>﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: يؤنبون أنفسهم قائلين: أجعلنا هؤلاء المؤمنين في الدنيا هزآ، وسخرية؟ أم هم معنا في النار، ولكن لا نراهم. قال البيضاوي: إنكار على أنفسهم، وتأنيب لها في الاستسخار من المؤمنين، كأنهم قالوا: ليسوا هاهنا في النار، أم مالت عنهم أبصارنا فلا نراهم؟. انتهى. صفوة التفاسير. وقيل: معنى ﴿زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ أي:\nاحتقرناهم في الدنيا، فلم نأبه لهم؛ ولذا قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: كل ذلك فعلوا، اتخذوهم سخريا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم.\nهذا؛ ويقرأ بهمزة الوصل، وعليه فلا يوقف على ﴿الْأَشْرارِ،﴾ وتكون الجملة الفعلية حالا من: ﴿الْأَشْرارِ﴾. وقال النحاس، والسجستاني: هي نعت ل: ﴿رِجالًا،﴾ أقول: ويجوز اعتبارها حالا أيضا منه لوصفه بما تقدم، ويقرأ بقطع الهمزة، وعليه فيوقف على ﴿الْأَشْرارِ﴾. وانظر","vol":"8","page":174},{"text":"الكلام على (اطّلع) في الآية رقم [٥٥] من سورة (الصافات) فإنه جيد، كما قرئ بكسر السين، وضمها.\nقال النحاس: وفرق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة التهزّؤ، والمضمومة من جهة السّخرة، ولا يعرف هذا التفريق الخليل، ولا سيبويه، ولا الكسائي، ولا الفراء. وقال الكسائي:\nهما لغتان بمعنى: واحد، كما يقال: عصي، وعصي، ولجي، ولجي، وحكى الثعلبي عن الكسائي، والفراء الفرق الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر بمعنى: الاستهزاء، والسخرية بالقول، والضم بمعنى: التسخير، والاستعباد بالفعل، وقال المبرد: إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما التأويل؛ فلا يكون، والكسر في «سخري» في المعنيين جميعا؛ لأن الضمة تستثقل في مثل هذا. انتهى. قرطبي. هذا؛ و﴿سِخْرِيًّا﴾ على اللغتين مصدر: سخر، زيدت فيهما ياء النسبة للمبالغة.\nالإعراب: ﴿أَتَّخَذْناهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتأنيب على القطع. (اتخذناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿سِخْرِيًّا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال، أو في محل نصب صفة على اعتبار الهمزة للوصل، كما رأيت في الشرح، وهي في محل نصب مقول القول على قطع الهمزة. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي متصلة، أو منقطعة على اعتبار الهمزة للوصل، أو للقطع، كما تقدم. ﴿زاغَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَنْهُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الْأَبْصارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-4034\"></span>﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ أي: الذي ذكر عن الكافرين ومحاورتهم بعضهم في نار جهنم، ولعن بعضهم بعضا. ﴿لَحَقٌّ:﴾ لا بد أن يتكلموا به، ويقع فيما بينهم، وهو قوله تعالى: ﴿تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ:﴾ وهو ما تقدم من قول الرؤساء: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ،﴾ وقول الأتباع لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾. قال النسفي-رحمه الله تعالى-: ولما شبه تقاولهم، وما يجري بينهم من السؤال، والجواب بما يجري بين المتخاصمين؛ سماه تخاصما، ولأن قول الرؤساء: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ،﴾ وقول أتباعهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ من باب الخصومة، فسمى التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك، والمعنى: إن الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض لحق، لا مرية فيه، ولا شك، بل واقع لا محالة.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَحَقٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (حق): خبر: ﴿إِنَّ﴾ مرفوع. ﴿تَخاصُمُ:﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو تخاصم، والجملة الاسمية هذه في محل رفع صفة (حق)، ويجوز اعتبار: ﴿تَخاصُمُ﴾ بدلا من: (حق)، ويجوز أن","vol":"8","page":175},{"text":"يكون خبرا ثانيا ل: ﴿إِنَّ،﴾ ويجوز أن يكون بدلا من اسم: ﴿إِنَّ﴾ على المحل. هذا؛ وقرئ بنصبه على أنه بدل من: ﴿ذلِكَ،﴾ وقال الزمخشري: نعت لاسم الإشارة، ورده ابن هشام في المغني، و﴿تَخاصُمُ﴾ مضاف، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4035\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. والمعنى: قل يا محمد لأهل مكة: إنما أنا منذر:\nأي: ما أنا إلا رسول منذر، أنذركم عذاب الله، وغضبه، وعقابه، لا ساحر، ولا شاعر، ولا كاهن، كما ادعيتم، وافتريتم. ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ﴾ أي: لا يوجد في هذا الكون إله يستحق العبادة إلا الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، القهار لعباده الطاغين.\nهذا؛ و(الله) علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى: الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين، وثلاثمئة وستين موضعا.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَنَا مُنْذِرٌ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به النفي قبله، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْواحِدُ الْقَهّارُ:﴾ بدل من لفظ الجلالة.\nوقيل: صفة له، والجملة الاسمية: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، والحالية ممكنة. تأمل.\n<span id=\"aya-4036\"></span>﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٦٦)﴾\nالشرح: انظر الآية رقم [٥] من سورة (الصافات). ومعنى ﴿الْعَزِيزُ:﴾ القوي الغالب على أمره؛ الذي لا يغلبه شيء في الأرض، ولا في السماء. ﴿الْغَفّارُ:﴾ لذنوب عباده، الستار لعيوبهم؛ الذي يغفر ما يشاء لمن يشاء. وفي هذه الأوصاف تقرير للتوحيد، ووعد، ووعيد للموحدين، والمشركين، وعظة نافعة للمؤمنين، وما يتذكر إلا أولو الألباب فكونه ربّا يشعر بالتربية، والإحسان، والكرم، والجود، وكونه غفارا يشعر بأنه يغفر الذنوب؛ وإن عظمت،","vol":"8","page":176},{"text":"ويرحم عباده الضعفاء. هذا؛ وفي الآيات المتقدمة مراعاة الفواصل، وهي من خصائص القرآن الكريم؛ التي تعطي الكلام روعة في القلوب، وحلاوة للسان، ولذة في الأسماع.\nالإعراب: ﴿رَبُّ:﴾ بدل من لفظ الجلالة، أو هو صفة له، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب، أو هو مبتدأ خبره ﴿الْعَزِيزُ،﴾ قاله أبو البقاء، ويجوز في مثله النصب بفعل محذوف على القطع، التقدير: أعني. و﴿رَبُّ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُمَا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.\n ﴿الْعَزِيزُ:﴾ يجوز فيه ما جاز ب: ﴿رَبُّ،﴾ ومثله: ﴿الْغَفّارُ﴾.\n\n<span id=\"aya-4037\"></span><span id=\"aya-4038\"></span><span id=\"aya-4039\"></span><span id=\"aya-4040\"></span>﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: إن ما أنذركم به من الحساب، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار خبر عظيم القدر، فلا ينبغي أن يستخف به، ولا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ:﴾ غافلون لا تتفكرون فيه فتعلمون صدقي في نبوتي، وأن ما جئت به لم أعلمه إلا بوحي من الله تعالى. هذا؛ وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني: القرآن الذي أنبئكم به خبر جليل. وقيل: عظيم المنفعة.\n ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ:﴾ الملأ الأعلى: هم الملائكة في قول ابن عباس، والسدي، اختصموا في أمر آدم حين خلقه الله تعالى، ف: ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ آية رقم [٣٠] من سورة (البقرة) وقال: إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ وفي هذا بيان: أن محمدا ﷺ أخبر عن قصة آدم، وغيره، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهي، فقد قامت المعجزة على صدقه، فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه؟\n ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ما يوحى إلي من ربي إلا أني رسول أنذر الناس وأخوفهم عقاب الله، وغضبه إن عصوه، وأبشرهم برحمته، ورضوانه إن أطاعوه. أو المعنى:\nإنما علمت هذه المخاصمة بوحي الله إليّ، وإنما أنا نذير لكم أبين لكم ما ينبغي أن تأتوا به، وما ينبغي أن تجتنبوه. وخذ ما يلي:\nفعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني الليلة آت من ربي رؤيا صادقة كفلق الصبح (وفي رواية: ربّي في أحسن صورة) فقال لي: يا محمد، قلت: لبّيك","vol":"8","page":177},{"text":"ربّي، وسعديك! قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أعلم، فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثدييّ، (أو قال: في نحري) فعلمت ما في السموات، وما في الأرض، (أو قال: ما بين المشرق، والمغرب) قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم في الدرجات، والكفّارات، وفي نقل الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهنّ عاش بخير، ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمّه». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وفي رواية أخرى: «قال:\nيا محمد إذا صلّيت فقل: اللهمّ إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة؛ فاقبضني إليك غير مفتون».\nهذا؛ والكفارات فسرها حديث أنس﵁- «إسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصّلاة بعد الصلاة، ونقل الأقدام إلى الجماعات». والدرجات: «إطعام الطعام، وإفشاء السّلام، والصلاة بالليل، والناس نيام».\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿نَبَأٌ:﴾ خبره. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿نَبَأٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه، بعد وصفه بما تقدم، والرابط على الاعتبارين الضمير المجرور محلا ب: (عن). ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿عِلْمٍ:﴾ اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿بِالْمَلَإِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر ﴿عِلْمٍ﴾.\n ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة (الملأ) مجرور مثله، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِذْ:﴾\nمتعلق بالمصدر، أو بمحذوف مضاف مقدر، التقدير: ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت يختصمون. ﴿يَخْتَصِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها، والجملة: ﴿ما كانَ لِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿يُوحى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنَّما:﴾\nكافة ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبره.\n ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة، والجملة الاسمية تسبك مع ﴿أَنَّما﴾ بمصدر في محل رفع نائب فاعل، التقدير:\nما يوحى إلي إلا كوني نذيرا مبينا، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:","vol":"8","page":178},{"text":"﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقيل: المصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأنما، أو لأنما، والجار والمجرور: ﴿إِلَيَّ﴾ في محل رفع نائب فاعل ل: ﴿يُوحى،﴾ والأول أجود. انتهى. مكي.\n\n<span id=\"aya-4041\"></span>﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)﴾\nالشرح: جاء في مختصر ابن كثير ما يلي: هذه القصة ذكرها الله ﵎ في سورة (البقرة) وفي أول سورة (الأعراف) وفي سورة (الحجر) و(الإسراء) و(الكهف) وهاهنا؛ وهي أن الله ﷾ أعلم الملائكة قبل خلق آدم﵊بأنه سيخلق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، وقد تقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه، وتسويته، فليسجدوا له إكراما، وإعظاما، واحتراما، وامتثالا لأمر الله ﷿، فامتثل الملائكة كلهم سوى إبليس، ولم يكن منهم جنسا، كان من الجن، فخانه طبعه، وجبلته، فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه ﷿ فيه، وادعى: أنه خير من آدم، فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك، وخالف أمر الله تعالى، وكفر بذلك، فأبعده الله ﷿، وأرغم أنفه، وطرده عن باب رحمته، ومحلّ أنسه، وحضرة قدسه، وسماه: إبليس إعلاما له بأنه أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموما، مدحورا إلى الأرض.\nفسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم، الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة؛ تمرد وطغى، وقال في هذه السورة: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كما قال تعالى حكاية عن قوله: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا﴾ وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا،﴾ وقوله تعالى في هذه السورة أيضا: ﴿قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال السدي: هو قسم أقسم الله به، كقوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٣]: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ،﴾ وكقوله ﷿ في سورة (الإسراء): ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا﴾ انتهى.\nوما أحراك أن تنظر تفصيل الآيات وشرحها في السور المشار إليها في أول هذا الكلام.\nلقد علمت نقلا، وعقلا، وواقعيا: أن الله خلق كل مخلوق من أبوين بطريق التزاوج إلا آدم على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فقد خلقه الله بيده من طين، ثم نفخ فيه من روحه، فآدم لم يخلق من أبوين إنما جاء نموذجا فردا، كما صرحت الآيات التي نحن بصدد شرحها، وقد صرحت الآيات القرآنية: أنه أبو البشر، فقد قال تعالى في أول سورة (النساء):\n ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (الأعراف) [١٨٩]:","vol":"8","page":179},{"text":"﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها..﴾. إلخ، وقال في ثلاث آيات من سورة (الأعراف) أيضا: ﴿يا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ، وفي حديث الشفاعة المروي في الصحيحين: أن الناس يأتون آدم، فيقولون له: «يا آدم أنت أبو البشر...». إلخ.\nهذا؛ وما قاله داروين من أن أصل البشر بدأ بجرثومة صغيرة، ظهرت على سطح الماء، ثم تحولت إلى حيوان صغير، ثم تدرج هذا الحيوان، فأصبح ضفدعا، فسمكة، فقردا، ثم ترقّى هذا القرد وتمدّن فصار إنسانا، فالإنسان بنظره قرد متمدّن، وهذه النظرية تناقض المنقول، والمعقول، والواقع، فليكن داروين، وأتباعه المقتنعون بنظريته، المتحمسون لها القردة، وأولاد القردة، أما نحن المؤمنون بالقرآن، والمصدقون بما جاءت به الرسل الكرام؛ فلا نرضى إلا أن نكون من نسل آدم ﵇. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٠]: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وإذا كانت نظرية داروين صحيحة؛ فلماذا لم يتطور سائر القردة، ويتمدنوا؟ ونحن نعيش في عصر التطور، والتمدن؟!.\nهذا؛ وإذا عرفنا أن داروين يهودي الأصل، وأنه دهري ملحد يعتقد بألا خالق لهذا الوجود، ولا صانع لهذا العالم، فهو كافر بكل القيم الروحية التي جاءت بها الشرائع السماوية إذا عرفنا هذا نضرب به وبنظريته وبأتباعه عرض الحائط. هذا؛ وقد قال المرحوم عبد الوهاب النجار بعد أن ناقش هذه النظرية في كتابه قصص الأنبياء: أقول إني كلما فكرت في ذلك جزمت بأن ذلك محال، وقطعت بأن القرد لا بد أن يبقى قردا مدى الدهر، وأن القردة لا تلد إلا قردة.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من سابقتها، قال الجمل: وليس من ضرورة البدلية دخولها على نفس الاختصام، بل يكفي اشتمال ما في حيزها عليه ناطقة بذلك تفصيلا. انتهى. أبو السعود، وعبارة السمين قوله: ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ،﴾ يجوز أن يكون بدلا من ﴿إِذْ﴾ الأولى، وأن يكون منصوبا ب: «اذكر» مقدرا، قال الأول الزمخشري، وأطلق، وقال أبو البقاء الثاني، وأطلق، وأما الشيخ ففصل، وقال: بدل من: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. هذا إذا كانت الخصومة في شأن من يستخلف في الأرض، وعلى غيره من الأقوال يكون منصوبا ب: «اذكر» مقدرا. انتهى. قلت: وتلك الأقوال: أن التخاصم إما بين الملأ الأعلى، أو بين قريش. انتهى. جمل بتصرف. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿خالِقٌ:﴾ خبرها، وفاعله مستتر فيه. ﴿بَشَرًا:﴾ مفعول به ل: ﴿خالِقٌ﴾. ﴿مِنْ طِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بَشَرًا،﴾ أو هما متعلقان ب: ﴿خالِقٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.","vol":"8","page":180},{"text":"<span id=\"aya-4042\"></span>﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ:﴾ فإذا أتممت خلقه، وعدلته. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ أي:\nوأحييته بنفخ الروح فيه، وإضافته إلى نفسه لشرفه، وطهارته. وقال الخازن: أضاف الروح إلى نفسه إضافة ملك على سبيل التشريف، كبيت الله، وناقة الله، ولأن الروح جوهر شريف قدسي يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في الفضاء، وكسريان النار في الفحم. وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (الروم). ﴿فَقَعُوا:﴾ أمر من: وقع، يقع، بمعنى: سقط، يسقط، اسقطوا. ﴿لَهُ ساجِدِينَ:﴾ سجود تحية بالانحناء على وجه التكرمة والتبجيل، لا على وجه العبادة، فإنها لا تنبغي إلا لله الواحد القهار.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿سَوَّيْتُهُ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح هنا؛ إذ الراجح تعليق (إذا) هنا بالفعل بعدها، ولا تتعلق بالجواب؛ لاقترانه بالفاء، ولا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها، وعليه فالجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. (نفخت): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رُوحِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿فَقَعُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (قعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان ب: ﴿ساجِدِينَ﴾. ﴿ساجِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿فَقَعُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها في محل نصب مقول القول.\n<span id=\"aya-4043\"></span><span id=\"aya-4044\"></span>﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ أي: امتثلوا الأمر، وسجدوا له خضوعا له، وتعظيما لله بتعظيمه، وفي المواهب عن جعفر الصادق: أنه قال: أول من سجد لآدم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم الملائكة المقربون، وكان السجود يوم الجمعة، من وقت الزوال إلى العصر. وقال الزمخشري: (كلّ) للإحاطة، و﴿أَجْمَعُونَ﴾ للاجتماع. فأفادا معا: أنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات. ونوقش في الثاني بأنه باطل بدليل قوله تعالى في سورة (الحجر): ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ،﴾ وبقوله تعالى حكاية عن قول إبليس بعد","vol":"8","page":181},{"text":"قليل: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لأن دخولهم جهنم وإغواءهم ليس في وقت واحد، فدل ذلك على: أن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ لا تعرض فيه لاتحاد الوقت. انتهى. جمل.\n ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ:﴾ تعاظم، وأنف من السجود لآدم جهلا منه بأن السجود له طاعة لله، والأنفة من طاعة الله استكبارا كفر. ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي: صار من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى، واستنكافه عن طاعته، أو كان منهم في علم الله تعالى بأنه سيكفر فيما لا يزال، وكان مسلما عابدا من أهل الجنة، وطاف بالبيت أربعة عشر ألف عام، وعبد الله ثمانين ألف عام. انتهى. جمل. وانظر ما ذكرته بشأن إبليس في الآية رقم [٢٠] من سورة (سبأ).\nهذا؛ والسجود في الأصل: تذلل مع تطامن. وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة، والمأمور به إما المعنى الشرعي؛ فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم، تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، فمعنى اسجدوا له؛ أي: إليه. وإما المعنى اللغوي؛ فهو التواضع لآدم تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض، وإنما كان بالانحناء، فلما جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسلام، ولقد كان الأمر الإلهي بالسجود لآدم احتفالا بتمام تكوينه، وفي هذا إظهار لعلو شأنه، كما أن فيه تكريما لهذا النوع البشري حيث أسجد الملائكة لأبيهم آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: (سجد): فعل ماض. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله. ﴿كُلُّهُمْ:﴾ توكيد أول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعُونَ:﴾ توكيد ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فخلقه الله، فسواه، فنفخ فيه الروح، فسجد له الملائكة... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى، وهل هو متصل، أو منقطع.\nخلاف. ﴿اِسْتَكْبَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿إِبْلِيسَ،﴾ ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿إِبْلِيسَ،﴾ والرابط رجوع الفاعل إليه. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كان): فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-4045\"></span>﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ:﴾ القائل هو الله تعالى. ﴿يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ أي: أي شيء منعك من السجود في الوقت الذي أمرتك به. ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أي: خلقته بنفسي من غير توسط كأب، وأم. قال القرطبي: أضاف خلقه إلى نفسه تكريما له، وإن كان خالق كل شيء، وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح، والبيت، والناقة، والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن","vol":"8","page":182},{"text":"الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام، والتكرم. وقيل: أراد باليد:\nالقدرة، ويدل عليه: أن الخلق لا يقع إلا بالقدرة بالإجماع، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من هذه السورة. وفي الواقع تغليب اليدين على غيرهما من الجوارح؛ التي تباشر بها الأعمال؛ لأن صاحب اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه؛ حتى قيل في عمل القلب: هو مما عملت يداك على المجاز، وحتى قيل في المثل: يداك أوكتا، وفوك نفخ.\n ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ أي: استكبرت، وتعظمت بنفسك حين أبيت السجود لآدم، أم كنت من القوم الذين يتكبرون، فتكبرت لهذا؟ وهو تقرير، وتوبيخ، وتقريع، وانظر شرح ﴿أَصْطَفَى﴾ في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الصافات).\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). (يا): أداة نداء تنوب مناب:\nأدعو. (إبليس): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مَنَعَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَسْجُدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». و﴿أَنْ تَسْجُدَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من السجود لآدم، أو هو في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لِما:﴾ اللام: حرف جر. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ولا تنس: أنه استعمل (ما) للعاقل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: للذي خلقته. ﴿بِيَدَيَّ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَسْتَكْبَرْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (استكبرت): فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف.\n ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْعالِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4046\"></span>﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: إبليس. ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ:﴾ وهي جوهر نوراني لطيف.\n ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ:﴾ وهو جسم كثيف ظلماني، وقد أخطأ الخبيث، بل الطين أفضل لرزانته، ووقاره، ومنه: الحلم، والحياء، والصبر، وذلك داع إلى التوبة، والاستغفار، وفي النار:\nالطيش، والحدّة، والترفع، وذلك داع إلى الاستكبار، والتراب عدة الممالك، والنار عدة","vol":"8","page":183},{"text":"المهالك، والنار مظنّة الخيانة، والإفناء، والتراب مئنّة الأمانة، والإنماء، والطين يطفئ النار، ويتلفها، والنار لا تتلفه، وهذه فضائل غفل عنها إبليس، حتى زل بفاسد من المقاييس. انتهى.\nنسفي في سورة (الأعراف)، وقد عبر بشار بن برد الأعمى عن هذه الأفضلية بقوله: [الكامل]\nإبليس أفضل من أبيكم آدم... فتبيّنوا يا معشر الأشرار\nالنار عنصره وآدم طينة... والطّين لا يسمو سموّ النار\nوقال الخازن هنا: وأخطأ إبليس في القياس؛ لأن مال النار إلى الرماد الذي لا ينتفع به، والطين أصل كل ما هو نام ثابت، كالإنسان، والشجرة المثمرة، ومعلوم: أن الإنسان، والشجرة المثمرة خير من الرماد، وأفضل. وقيل: هب: أن النار خير من الطين بخاصية، فالطين خير منها وأفضل بخواص، وذلك مثل رجل شريف نسيب عار عن كل فضيلة، فإن نسبه يوجب رجحانه بوجه واحد، ورجل ليس بنسيب، ولكنه فاضل عالم. فيكون أفضل من ذلك النسيب بدرجات كثيرة. انتهى.\nظاهر النصوص الكريمة يشير إلى أن إبليس كان من الملائكة بدليل الاستثناء في قوله تعالى:\n ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ وإلى هذا الرأي: ذهب بعض العلماء، وذهب المحققون من العلماء: أنه لم يكن من الملائكة، واستدلوا ببضعة أدلة، نوجزها فيما يلي:\nأولا: لو كان إبليس من الملائكة لما عصى الله؛ لأن الملائكة لا يعصون الله، قال تعالى في حقهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ سورة (التحريم) رقم [٦].\nثانيا: الملائكة من نور، وإبليس من نار، وهو يقول عن نفسه بصريح الآية التي نحن بصدد شرحها، فلو كان من الملائكة لقال: خلقتني من نور، وخلقته من طين، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قوله: «خلق الملائكة من نور، وخلقت الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم ممّا وصف لكم».\nثالثا: ورد النص في سورة (الكهف) وهو يدل على أن إبليس كان من الجن، وأنه امتنع من السجود لفسقه وضلاله قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ رقم [٥١].\nرابعا: أن الملائكة لا تتناكح، ولا تتناسل، والله أخبر عن إبليس بأن له ذرية فقال تعالى:\n ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾ آية (الكهف) المذكورة، ولو كان من الملائكة لما كان له ذرية، ونسل.\nهذا؛ و﴿خَيْرٌ﴾ أفعل تفضيل أصله: أخير، نقلت حركة الياء للخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في حب، وشر، اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى","vol":"8","page":184},{"text":"ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الخاء والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر): (سيعملون غدا من الكذاب الأشرّ) بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nيا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\nوخير، وشر، وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنها بمعنى: أفعل كما رأيت. ﴿نارٍ:﴾ أصله: نور تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين والفاسقين، والفعل: نار، ينور، يستعمل لازما، ومتعديا؛ إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى إبليس. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿خَلَقْتَنِي:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والنون للوقاية، والجملة الفعلية تعليل للخيرية، أو تفسير لها. ﴿مِنْ نارٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ياء المتكلم؛ أي: كائنا من نار، وجملة: ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-4047\"></span><span id=\"aya-4048\"></span>﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: قال الله له. ﴿فَاخْرُجْ مِنْها﴾ أي: من السماء، أو من الجنة، أو من زمر الملائكة. وفي الكرخي: وقيل: اخرج من الخلقة التي كنت عليها أولا، وانسلخ منها؛ لأنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعد ما كان أبيض، وقبح بعد ما كان حسنا، وأظلم بعد ما كان نورانيا، وهذا يدل على أنه لم يكن كافرا حين كان بين الملائكة؛ لأن الله تعالى لم يحك عنه إلا الاستكبار عن السجود. فهذا دليل على: أنه صار كافرا حين لم يسجد. ذكره الطيبي.\nوفي «تحفة العارفين» ما نصه: وكان إبليس رئيسا على اثني عشر ألف ملك، وكان له جناحان من زمرد أخضر، فلما طرد؛ غيرت صورته، وجعله الله منكوسا على مثال الخنازير، ووجهه كالقردة، وهو شيخ أعور كوسج، وفي لحيته سبع شعرات مثل شعر الفرس، وعيناه مشقوقتان في طول وجهه، وأنيابه خارجة كأنياب الخنازير، ورأسه كرأس البعير، وصدره كصدر الجمل الكبير، وشفتاه كشفتي الثور، ومنخراه مفتوحتان مثل كوز الحجام، والله أعلم. انتهى.\nجمل بحروفه.","vol":"8","page":185},{"text":"﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ:﴾ قال الخازن: فإن قلت: إذا كان الرجم بمعنى: الطرد، وكذلك اللعنة لزم التكرار؛ فما الفرق؟ قلت: الفرق: يحصل بحمل الرجم على الطرد من الجنة، أو السماء، وتحمل اللعنة على معنى الطرد من الرحمة، فيكون أبلغ ويحصل الفرق، ويزول التكرار. انتهى.\nفإن قلت: كلمة ﴿إِلى﴾ لانتهاء الغاية، وقوله: ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقتضي انقطاع اللعنة عند مجيء يوم القيامة. قلت: معناه: أن اللعنة باقية عليه في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة زيد له مع اللعنة من أنواع العذاب ما ينسى بذلك اللعنة، فكأنها انقطعت عنه. انتهى.\nهذا؛ وظاهر الآيات الكريمة يدل على: أن الجنة التي أسكن الله فيها آدم، وحواء؛ حيث قال له في كثير من الآيات: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ هي جنة الخلد التي في السماء، وهذا رأي الجمهور من علماء أهل السنة، وذهبت المعتزلة، والقدرية إلى أن الجنة ليست جنة الخلد، وإنما هي جنة في الأرض، وهي أرض عدن، وشبهتهم: أنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس، ولما وقعت فيها معصية آدم؛ لأنها جنة القدس، وباختصار فقد حكى القرطبي: أن أهل السنة مجمعون على أنها جنة الخلد؛ التي أهبط منها آدم ﵇. قال المرحوم عبد الوهاب النجار: وحاصل الخلاف فيها على أربعة أقوال: إنها جنة المأوى. إنها جنة سوى جنة المأوى، اخترعها الله لآدم، وحواء، إنها جنة من جنات الأرض. التوقف في أمرها. انتهى. والذي ندين به ونعتقده: أنها جنة المأوى، وجنة الخلد للأدلة الكثيرة.\nتنبيه: من المقطوع به: أن آدم ﵇ من الأنبياء، وهو رأي: جمهور العلماء لم يخالف فيه أحد وإنما الخلاف هل هو رسول أم لا؟ ولمن أرسل؟ فيرى بعض العلماء: أنه رسول، وأنه أرسل إلى ذريته. ويرى الآخرون: أنه لم يكن رسولا، وإنما كان نبيا، ويستدل هؤلاء بحديث الشفاعة الوارد في صحيح مسلم: أن الناس يذهبون إلى نوح، ويقولون له: أنت أول رسل الله إلى الأرض. فلو كان آدم رسولا؛ لما ساغ هذا القول. والقائلون برسالة آدم، يؤولون ذلك بأنه أول رسول قبل الطوفان، والله أعلم بحقيقة الأمر، والرأي الأرجح: أنه من الرسل.\nهذا؛ وقد عاش آدم ﵇ على ما ورد في بعض الآثار ألف عام، ثم مات بعد ذلك، ودفن على المشهور في الهند عند الجبل الذي أهبط فيه. وقيل بجبل أبي قبيس في مكة المكرمة، ولما حضرته الوفاة؛ جاءته الملائكة بكفن، وحنوط من الجنة، وبعد أن غسلوه، وكفنوه حفروا له، وألحدوه، وصلّوا عليه، ثم أدخلوه قبره، فوضعوه فيه ثم حثوا عليه التراب، وقالوا: يا بني آدم! هذه سنتكم. رحم الله آدم، وأسكنه فسيح جنته، وجمعنا معه في دار الخلد آمين. والحمد لله رب العالمين. النبوة والأنبياء للصابوني، جزاه الله خيرا.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿فَاخْرُجْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، أو هي صلة لتحسين اللفظ. (اخرج): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛","vol":"8","page":186},{"text":"فاخرج. والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنَّكَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنك):\nحرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها. ﴿رَجِيمٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للخروج، لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿لَعْنَتِي:﴾ اسم (إنّ) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿لَعْنَتِي،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿لَعْنَتِي﴾ أي: مستمرة ودائمة إلى يوم الدين، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ضمير المخاطب، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والآيتان مذكورتان بحروفهما في سورة (الحجر) برقم [٣٤] و[٣٥].\n\n<span id=\"aya-4049\"></span><span id=\"aya-4050\"></span><span id=\"aya-4051\"></span>﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ أي: قال إبليس: رب أمهلني فلا تمتني، أو لا تعجل عقوبتي.\n ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ:﴾ المراد به: يوم القيامة، وهو اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء بعد النفخة الثانية. ﴿قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أي: قال الله تعالى لإبليس لما سأل الإمهال:\n ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أي: الممهلين المؤخرين، وقد قيد الله هذا الإمهال هنا وفي سورة (الحجر) بقوله: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ وهو النفخة الأولى التي يموت بسببها من في السموات والأرض إلا من شاء الله، وأطلق هذا الإمهال في سورة (الأعراف) ويحمل المطلق على المقيد، فقد كره اللعين أن يذوق مرارة الموت، وطلب البقاء والخلود إلى النفخة الثانية، وحينئذ لا موت؛ لأن الموت قد تم عند النفخة الأولى، فلم يعط سؤاله، وإنما أجيب طلبه، وهو الإمهال مع أنه إنما طلبه ليفسد أحوال العباد، لما في ذلك من ابتلاء العباد، ولما في مخالفته من عظيم الثواب. انتهى. جمل بتصرف من سورة (الأعراف).\nأقول: وإنما أمهله ليكون سببا في وفاء وعد الله جهنم الآتي بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ إذ لولاه لكان الناس جميعا مهتدين. هذا؛ وقد ذكر الله في سورة (الكهف) أن له ذرية، وذلك ليكون لكل واحد من بني آدم قرين، وشيطان.\nويجوز أن يراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات، فعبر عنه أولا بيوم الجزاء؛ لما عرفت، وثانيا بيوم البعث؛ إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف،","vol":"8","page":187},{"text":"واليأس من التضليل، وثالثا بالمعلوم لوقوعه في الكلامين، ولا يلزم من ذلك أن لا يموت، فلعله يموت أول اليوم، ويبعث الخلائق في تضاعيفه. وهذه المخاطبة لإبليس، وإن لم تكن بواسطة لم تدل على علو منصبه؛ لأن خطاب الله تعالى له على سبيل الإهانة، والإذلال له. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى إبليس. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، وانظر إعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٠] من سورة (يس) فهو مثله، أو إعراب ﴿يا أَبَتِ﴾ في الآية رقم [١٠٢] من سورة (الصافات). ﴿فَأَنْظِرْنِي:﴾ الفاء: هي الفصيحة، أو هي صلة زيدت لتحسين اللفظ.\n (أنظرني): فعل دعاء، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية قل فيها ما قلته بجملة (اخرج) في الآية السابقة. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، والآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿فَإِنَّكَ:﴾ الفاء: حرف صلة زيدت لتحسين اللفظ.\n (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالمنظرين؛ لأنه اسم مفعول، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْوَقْتِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمَعْلُومِ:﴾ صفة الوقت.\n\n<span id=\"aya-4052\"></span><span id=\"aya-4053\"></span>﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: أقسم اللعين بعزة الله، وهي: سلطانه، وقهره.\nهذا؛ وقال في سورة (الأعراف): ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال الزمخشري:\nالآيتان بمعنى واحد في أنهما إقسام، إلا أن أحدهما إقسام بصفته، والثاني إقسام بفعله، وقد فرق الفقهاء بينهما. ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذين أخلصهم الله لطاعته، وعصمهم من الضلالة. وهذا على قراءة فتح اللام. أو: الذين أخلصوا قلوبهم لله تعالى. وهذا على قراءة كسر اللام. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الحجر) بعد هذه الآية: ﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ رقم [٤١] و[٤٢]، وانظر سورة (الأعراف) وسورة (الحجر)، إن أردت زيادة الاطلاع.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْلِيسُ﴾. ﴿فَبِعِزَّتِكَ:﴾ الفاء: يقال فيها ما قيل فيما قبلها. (بعزتك): جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، والكاف","vol":"8","page":188},{"text":"ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (أغوينهم):\nفعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والهاء مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب، فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾\nأداة استثناء. ﴿عِبادَكَ:﴾ مستثنى، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة:\n ﴿عِبادَكَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-4054\"></span><span id=\"aya-4055\"></span>﴿قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ:﴾ في هذه الجملة قراآت كثيرة، قال السمين: قرأهما العامة منصوبين، وفي نصب الأول أوجه: أحدها: أنه مقسم به حذف منه حرف القسم، فانتصب، وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب القسم. قال أبو البقاء: إلا أن سيبويه يدفعه؛ لأنه لا يجوز حذف حرف القسم إلا مع اسم الله، ويكون قوله: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ معترضا بين القسم وجوابه، قال الزمخشري: كأنه قيل: ولا أقول إلا الحق. يعني: أن تقديم المفعول أفاد الحصر. والمراد: بالحق: نقيض الباطل. الثاني: أنه منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا الحق.\nالثالث: أنه مصدر مؤكد لمضمون قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ قال الفراء: هو على معنى قولك: حقا لا شكا. ووجود الألف واللام، وطرحهما سواء؛ أي: لأملأن جهنم حقا. وجوز الزمخشري أن يكون منصوبا على التكرير بمعنى: أن الأول، والثاني كليهما منصوبان ب: ﴿أَقُولُ،﴾ وسيأتي إيضاح ذلك في عبارته.\nوقرأ عاصم، وحمزة برفع الأول، ونصب الثاني، فرفع الأول من أوجه: أحدها: أنه مبتدأ وخبره مضمر، تقديره: فالحق مني، أو فالحق أنا. الثاني: أنه مبتدأ خبره: ﴿لَأَمْلَأَنَّ،﴾ قاله ابن عطية، قال: لأن المعنى إني أملأ. الثالث: أنه مبتدأ خبره مضمر، تقديره: فالحق قسمي، و﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب القسم، كقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ولكن حذف الخبر هنا ليس بواجب؛ لأنه غير نص في اليمين بخلاف: لعمرك، وأما نصب الثاني؛ فبالفعل بعده.\nهذا؛ وقرئا منصوبين، الأصل: أقسم بالحق لأملأن، وأقول الحق، فانتصب الحق الأول بعد إسقاط الخافض بأقسم محذوفا، والحق الثاني ب: ﴿أَقُولُ،﴾ واعترض بجملة: «أقول الحق» وقدم معمولها للاختصاص وهذا من أبي السعود، وهو تكرار للأول. وقرئا مجرورين على أن الأول","vol":"8","page":189},{"text":"مقسم به قد أضمر حرف قسمه، كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: لأملأن. و﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ على حكاية لفظ المقسم به على تقدير كونه نقيض الباطل، ومعناه التأكيد، والتشديد، وقال ابن هشام في «المغني»: وقرئ بجرهما على تقدير واو القسم في الأول، والثاني توكيدا، كقولك: والله، والله لأفعلنّ! وقرئ بجر الأول على إضمار حرف القسم، ونصب الثاني على المفعولية. انتهى.\nوقرئ برفعهما بتقدير. فالحق قسمي، والحق أقوله، فحذف الرابط من الخبر، ومن ذلك قول أبي النجم، وهو الشاهد رقم (٣٦٥) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nقد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع\n ﴿لَأَمْلَأَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (أملأن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب قسم محذوف، أو هي جواب المقدر كما رأيت في الكلام السابق. ﴿مِنْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (ممن): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿تَبِعَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في (من). ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المجرور محلا ب: (من) مجرور مثله. وقيل: هو توكيد للضمير في: ﴿مِنْكَ،﴾ وللضمير المجرور في ﴿مِنْهُمْ،﴾ ولا بأس به، وعلامة جره الياء... إلخ. هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nالشرح: ومما تقدم يتلخص المعنى: أن الله تعالى قال: أقسم بالحق، ولا أقول إلا الحق لأملأن جهنم منك ومن أتباعك يا إبليس! وقال تعالى في سورة (السجدة): ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٣]، وقال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ أي: ثبت ذلك لما أخبر الله، وقدر في أزله، وتمام الكلمة: امتناعها عن قبول التغيير، والتبديل: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..﴾. إلخ، وهذا صريح بأن الله ﷾ خلق أقواما للجنة، وللرحمة، فهداهم، ووفقهم لأعمال أهل الجنة، وخلق أقواما للنار، فخذلهم، ومنعهم من الهداية. وآية السجدة رقم [١٣] تصرح بهذا أتم تصريح. وخذ ما يلي.\nفعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ قال: «احتجّت الجنة والنار، فقالت النار: فيّ الجبارون، والمتكبرون، وقالت الجنة: فيّ ضعفاء المسلمين، ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النّار عذابي أعذّب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها». رواه مسلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٠] من سورة (الزمر).","vol":"8","page":190},{"text":"هذا؛ والحق ضد الباطل، قال الراغب: أصل الحق المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، والحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحقّ. وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حقّ، نحو: الموت، والحساب، والميزان، والصراط... إلخ. وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق. ويقال: أحققته؛ أي: أثبتّه حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى. بغدادي. وانظر شرح الباطل في الآية رقم [٢٧].\n\n<span id=\"aya-4056\"></span><span id=\"aya-4057\"></span><span id=\"aya-4058\"></span>﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ؛ أي: قل يا محمد لأهل مكة. ﴿ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لا أطلب منكم أجرا على القرآن الذي أتلوه عليكم، أو على التبليغ الذي أسديه إليكم، وإنما أبتغي بذلك وجه الله﷿والدار الآخرة. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي: من الذين يتصنعون، أو ينتحلون، أو يتحلّون بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعا، ولا مدعيا بما ليس عندي؛ حتى أنتحل النبوة، وأتقوّل القرآن. وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه؛ فقد تكلف.\nعن مسروق-رحمه الله تعالى-قال: «دخلنا على عبد الله بن مسعود﵁فقال:\nأيها الناس! من علم شيئا؛ فليقل به، ومن لم يعلم؛ فليقل: الله أعلم، فإنّ من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ»﴾.\nأخرجاه في الصحيحين، وعن النبي ﷺ: «للمتكلّف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم».\n ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ:﴾ عظة بالغة للعالمين: الإنس، والجن العقلاء دون الملائكة؛ لأنهم يخافون ربهم، ويفعلون ما يؤمرون، ولا يعصونه أبدا. هذا؛ والضمائر الثلاثة بقوله: (عليه، إن هو، نبأه) المراد بها القرآن، وهي عائدة على غير مذكور، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢] بهذا الصدد.\n ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ:﴾ خبره. ﴿بَعْدَ حِينٍ:﴾ قال قتادة: بعد الموت، وقاله الزجاج. وقال ابن عباس، وعكرمة، وابن زيد﵃ أجمعين-: يعني: يوم القيامة. وكان الحسن البصري -رحمه الله تعالى-يقول: يا بن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وسئل عكرمة عمن حلف ليصنعن كذا إلى حين. قال: إن من الحين ما لا تدركه، كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ ومنه ما تدركه، كقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ من صرام النخل إلى طلوعه ستة أشهر،","vol":"8","page":191},{"text":"وهذا كما قيل: الحين: الوقت قليلا كان، أو كثيرا، والمدة من الزمن قصيرة كانت، أو طويلة، وجمعه: أحيان، وجمع أحايين. هذا؛ والحين بفتح الحاء: الهلاك، والموت.\nهذا؛ وأصل: (لتعلمن): (تعلم) فاتصلت به واو الجماعة، فصار: (تعلمون) فاتصلت به نون التوكيد الثقيلة، فصار: (تعلموننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار: (تعلمونّ) فالتقى ساكنان: واو الجماعة، والنون الأولى الساكنة من نون التوكيد، فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على الميم لتدل عليها. وهو هنا من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nلعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر. وأيضا: فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب بخلاف العلم فإن متعلقه المعاني والنّسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد: أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإن أردت هذا لم يتجاوز مفعولا واحدا؛ لأن العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3682>خاتمة:</span>\nروى الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر﵄قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فسار ليلا، فمروا على رجل جالس على مقراة له (حوض يجتمع فيه الماء) فقال له عمر﵁-: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له ﷺ: «يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا متكلّف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب طهور». وفي الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عمر بن الخطاب﵁خرج في ركب، فيهم عمرو بن العاص؛ حتى وردوا حوضا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر﵁-:\nيا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع، وترد علينا. انتهى. قرطبي. وعليه، فعمر -﵁أخذه من نهي النبي ﷺ له السابق.\nهذا؛ ويؤخذ مما تقدم حكم فقهي: وهو أن الأصل في الأشياء الطهارة ما لم نر نجاسة عينية فيها، لذا لا يسأل الإنسان عن طهارة مكان، ولا عن طهارة ماء، ولا عن طهارة ثوب، ومتاع لا يظهر فيه نجاسة. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"8","page":192},{"text":"بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَجْرٍ﴾ كان صفة له. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿أَجْرٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو:\nحرف عطف. (ما): نافية حجازية، أو مهملة. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، أو في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ما)، أو بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإن اعتبرتها حالا من الفاعل المستتر؛ فلست مفندا، وعليه فالرابط:\nالواو، والضمير.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ذِكْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ذِكْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (تعلمن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿نَبَأَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿حِينٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب قسم مقدر، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nانتهت سورة (ص) بحمد الله وتوفيقه، تفسيرا وإعرابا والحمد لله رب العالمين","vol":"8","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3683>سورة الزّمر</span>\nسورة (الزمر) ويقال: سورة الغرف. قال وهب بن منبه: من أحب أن يعرف قضاء الله ﷿ في خلقه؛ فليقرأ سورة الغرف. وهي مكية في قول الحسن، وعكرمة، وجابر بن زيد﵃-. وقال ابن عباس﵄-: إلا آيتين نزلتا بالمدينة، إحداهما: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ..﴾. إلخ رقم [٢٣]، والأخرى من قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ..﴾. إلخ. روى الترمذي عن عائشة﵂قالت: كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ الزمر، وبني إسرائيل.\nوهي خمس وسبعون. وقيل: اثنتان وسبعون آية، وهي ألف ومئة واثنتان وسبعون كلمة، وأربعة آلاف وتسعمئة وثمانية أحرف. انتهى. قرطبي، وخازن بتصرف. هذا؛ وسميت سورة (الزمر)؛ لأن الله تعالى ذكر فيها زمرة السعداء من أهل الجنة، وزمرة الأشقياء من أهل النار، أولئك مع الإجلال، والإكبار، وهؤلاء مع الهوان، والصغار. وسميت سورة الغرف لقوله تعالى في الآية رقم [٢٠] ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ..﴾. إلخ.\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4059\"></span>﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾\nالشرح: قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: يخبر الله تعالى: أن تنزيل هذا الكتاب، وهو القرآن العظيم من عنده ﵎، فهو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك كما قال ﷿:\n ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ،﴾ وقال هاهنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: المنيع الجناب. ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: في أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره. انتهى. هذا؛ و﴿الْعَزِيزِ﴾ يفسر بالغالب: القوي القاهر، الذي لا يغلب. و﴿الْحَكِيمِ﴾ يفسر بالذي يفعل كل شيء بحكمة، وتقدير، وتدبير.\nأما ﴿الْكِتابِ﴾ فهو في اللغة: الضم، والجمع. وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطة واحدة، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه. وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (الأحقاف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"8","page":194},{"text":"الإعراب: ﴿تَنْزِيلُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا تنزيل. أو هو مبتدأ، خبره الجار والمجرور: ﴿مِنَ اللهِ،﴾ وعلى الأول فهما متعلقان ب: ﴿تَنْزِيلُ؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿تَنْزِيلُ،﴾ والعامل فيها معنى الإشارة المقدرة، أو التنزيل نفسه، والظاهر: أن الكتاب على الأول: السورة بكاملها، وعلى الثاني:\nالقرآن بكامله، وهو الأولى. هذا؛ ويقرأ: ﴿تَنْزِيلُ﴾ بالنصب على تقدير فعل، نحو: اقرأ، أو الزم، ونحوه. و﴿تَنْزِيلُ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، دل عليه لفظ الجلالة. ﴿الْعَزِيزِ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. ﴿الْحَكِيمِ:﴾ بدل ثان، وبعضهم يعتبرهما صفتين للفظ الجلالة، ولا أسلمه؛ لأنهما اسمان، وليسا صفتين.\n\n<span id=\"aya-4060\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق، وليس بباطل، وهزل، وليس فيه شك. قال النسفي: هذا ليس بتكرار؛ لأن الأول كالعنوان للكتاب، والثاني لبيان ما في الكتاب. وانظر شرح (نا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (يس). هذا؛ و﴿أَنْزَلْنا﴾ بمعنى: نزّلنا، والفرق بينهما: أن أنزل يفيد: أن القرآن، أو السورة نزل دفعة واحدة، وأما نزل فيفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر، والخطابة. وهذا ما يريب قريشا، كما حكى القرآن عنهم ذلك: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين الله الحكمة من نزوله مفرقا بقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الفرقان).\n ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا﴾ أي: موحدا لا تشرك به شيئا. ﴿لَهُ الدِّينَ:﴾ قرئ بالرفع، ويلزم عليه قراءة: «(مخلصا)» بفتح اللام، ويكون معنى ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ وانظر شرح العبادة في الآية رقم [٦٠] من سورة (يس).\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾\nمفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، التقدير: ملتبسين، أو ملتبسا بالحق. ﴿فَاعْبُدِ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجوز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة. (اعبد):\nفعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مُخْلِصًا:﴾ حال من الفاعل المستتر، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُخْلِصًا﴾. ﴿الدِّينَ:﴾","vol":"8","page":195},{"text":"مفعوله، وعلى قراءة الرفع، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و﴿الدِّينَ﴾ مبتدأ مؤخر، والتقديم أفاد الاختصاص، والجملة الاسمية مستأنفة. كذا قال الفراء، وبه قال البيضاوي، وأرى صحة اعتبار ﴿الدِّينَ﴾ نائب فاعل ل: ﴿مُخْلِصًا،﴾ وجملة: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فاعبد.\n\n<span id=\"aya-4061\"></span>﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ (٣)﴾\nالشرح: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة من كل شائبة كدر؛ لاطلاعه جلت قدرته، وتعالت حكمته على الغيوب، والأسرار، ولأنه الحقيقي بذلك؛ لخلوص نعمته عن استجرار المنفعة بها. وعن قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. وعن الحسن: الإسلام! أمر الله بالإخلاص؛ لأنه رأس العبادات في التوحيد، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي.\nكيف لا والرسول ﷺ قال: «من فارق الدّنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة؛ فارقها؛ والله عنه راض». رواه ابن ماجه، والحاكم عن أنس بن مالك، -﵁-. وعن ابن عباس﵄قال: قال رجل: يا رسول الله! إني أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. رواه الحاكم، والبيهقي. وعن ثوبان -﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «طوبى للمخلصين، أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم كلّ فتنة ظلماء». رواه البيهقي.\nوقد اعتبر الإسلام الرياء وحب السمعة والمحمدة شركا، فعن ابن مسعود﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحسن الصّلاة: حيث يراه النّاس، وأساءها حيث يخلو، فتلكم استهانة استهان بها ربّه ﵎». رواه أبو يعلى. وعن شداد بن أوس﵁أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي فقد أشرك، ومن صلّى يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك». رواه البيهقي.\n ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي: وهؤلاء المشركون الذين عبدوا من دون الله الحجارة، والأوثان. يقولون: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ أي: قربى؛ أي: فهي تقربنا عند الله، وتشفع لنا عنده؛ ولذا كانوا إذا قيل لهم: من خلقكم؟ من يرزقكم؟ من خلق السموات","vol":"8","page":196},{"text":"والأرض؟ من ربكم ورب آبائكم الأولين؟ فيقولون: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأصنام؟ فيقولون: نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى، وتشفع لنا. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبّيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه، وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر، وحديثه، وجاءتهم الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا الذي اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه، ونهى عنه في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ وغير ذلك كثير.\n ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: يحكم الله بين الخلائق يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، فيدخل المؤمنين الطائعين الجنة، ويدخل الكافرين، والفاجرين، والمفسدين النار. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي﴾ أي: لا يوفق، ولا يرشد إلى الهدى. ﴿مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أي: من قصده الكذب، والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر بآياته، وحججه، وبراهينه؛ لأنه فاقد للبصيرة، غير قابل للاهتداء، لتغييره الفطرة الأصلية بالتمرن على الضلال، والتمادي في الغي، والخسران، وقد علم الله في قديم الأزل: أنه يختار الكفر، وفي هذا رد على القدرية وغيرهم، والمراد: ب: ﴿أَوْلِياءَ﴾ ما يعبده الكافرون من حجارة، وأوثان، وشمس، وقمر، وأيضا: عيسى، وعزير، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا..﴾. إلخ يحتمل المتّخذين وهم الكفرة، والمتّخذين، وهم: الملائكة، وعيسى، واللاّت، والعزّى. وعن ابن عباس﵄قوله: فالضمير في اتخذوا على الأول راجع إلى (الذين)، وعلى الثاني إلى المشركين، ولم يجر ذكرهم لكونه مفهوما، والراجع إلى: (الذين) محذوف، والمعنى، والذين اتخذهم المشركون أولياء. انتهى. وانظر الإعراب لتوضيح المعنى. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الخطاب في الآية السابقة إلى الغيبة في هذه الآية.\nالإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.\n ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الدِّينُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْخالِصُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها","vol":"8","page":197},{"text":"صار حالا» وقيل: هما في محل نصب مفعول به ثان تقدم على الأول، وهو ضعيف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَعْبُدُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به.\n ﴿أَلا:﴾ حرف حصر. ﴿لِيُقَرِّبُونا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(نا): مفعول به.\n ﴿زُلْفى:﴾ مفعول مطلق، عامله من غير لفظه، وجوز أبو البقاء اعتباره حالا، فهو منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قالوا، أو يقولون: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ..﴾. إلخ، والجملة الفعلية المقدرة:\n (قالوا...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ؛ الذي هو الموصول.\nقال ابن هشام في مغنيه ذلك، وقال: ويحتمل: أن الخبر هنا ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ، فالقول المحذوف نصب على الحال، أو رفع خبرا أول، أو لا موضع له؛ لأنه بدل من الصلة. هذا كله إن كان (الذين) للكفار، والعائد: الواو. فإن كان للمعبودين: عيسى، والملائكة، والأصنام، والعائد محذوف؛ أي: اتخذوهم؛ فالخبر: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ﴾ وجملة القول حال، أو بدل؛ أي:\nمن جملة الصلة، انتهى. بتصرف. ومثله في البيضاوي. هذا؛ وانفرد مكي بقوله: وقيل:\n ﴿وَالَّذِينَ﴾ رفع بفعل مضمر، تقديره: وقال الذين اتخذوا، وعليه فجملة: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لهذا المقدر.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿نَعْبُدُهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية:\n «يختلفون فيه» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: «هم يختلفون فيه» صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تقدمت الأقوال التي قالها ابن هشام فيها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿أَلا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كاذِبٌ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَفّارٌ:﴾ خبر ثان،","vol":"8","page":198},{"text":"وفاعله مستتر فيه؛ لأنه صيغة مبالغة اسم الفاعل، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل لما ذكر من حكم الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-4062\"></span>﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٤)﴾\nالشرح: ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا:﴾ كما زعموا. ﴿لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ:﴾ إذ لا موجود سواه؛ إلا وهو مخلوقه لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين، ووجوب استناد ما عدا الوجوب إليه، ومن البين: أن المخلوق لا يماثل الخالق، فيقوم مقام الوالد له. انتهى.\nبيضاوي. وقال ابن كثير: أي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه، ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه، وزعموه، كما قال ﷿: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ رقم [١٧] من سورة (الأنبياء)، فهذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم. انتهى.\n ﴿سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي: تنزه جل وعلا، وتقدس عن الشريك، والولد؛ لأنه هو الإله الواحد الأحد، المنزه على النظير، والمثيل، القاهر لعباده بعظمته، وجلاله، قال في التسهيل: نزه الله تعالى نفسه من اتخاذ الولد، ثم وصف نفسه بالواحد لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد؛ لأنه لو كان له ولد؛ لكان من جنسه، ولا جنس له؛ لأنه واحد، ووصف نفسه بالقهار؛ ليدل على نفي الشركاء، والأنداد؛ لأن كل شيء مقهور تحت قهره تعالى، فكيف يكون شريكا له؟!. انتهى. صفوة التفاسير.\nهذا؛ و﴿يَشاءُ﴾ ماضيه: شاء، فلم يرد له أمر، ولا ل: أراد فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف. وأصل شاء: شيء على فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول: ﴿أَرادَ،﴾ حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل الآية؛ التي نحن بصدد شرحها، وآية (الأنبياء) المذكورة في الشرح، وقال الشاعر الخريمي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nهذا؛ والإرادة نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته ﷾، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره.\nولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على","vol":"8","page":199},{"text":"النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر.\nالإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَرادَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿لاصْطَفى:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (اصطفى):\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها من الإعراب، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَخْلُقُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة، والعائد محذوف، التقدير: من الذي يخلقه. ﴿مِمّا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل: (اصطفى)، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، وتقدير الكلام: لاصطفى من الذي يخلقه الذي يشاؤه.\n ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والأسماء بعده أخبار له متعددة. وقيل: ﴿اللهُ﴾ مبتدأ، والاسمان بعده صفتان له. ولا أسلمه. والجملة الاسمية مستأنفة كالتي قبلها لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4063\"></span>﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٥)﴾\nالشرح: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: هو الخالق للسموات والأرض، ولما بينهما من الأشياء، وهو مالك الملك، المتصرف فيه كيف يشاء، القادر على الكمال، المتصف بالعظمة والكبرياء، المستغني عن الصاحبة والولد، ومن كان هكذا؛ فحقه أن يفرد بالعبادة، لا أنه يشرك به. ونبه بهذا على أن له أن يتعبد العباد بما شاء، وقد فعل.\n ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ..﴾. إلخ: يغشي، ويغطي كل واحد منهما الآخر، كأنه يلف عليه لف اللباس باللابس، أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة، أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة. انتهى. بيضاوي. وقد روي عن ابن عباس في معنى الآية؛ قال: ما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل، وهو معنى قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة","vol":"8","page":200},{"text":"(الأعراف) رقم [٥٤]: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ:﴾ ذللهما بالطلوع والغروب لمنافع العباد، ولمعرفة الشهور، والفصول، والأعوام.\nهذا؛ وذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته أمرين: أحدهما: إشارة إلى اتحاد الذات.\nوالثاني: إشارة إلى اتحاد الصفات، وهي الحركة في الشمس، والقمر، وذكر في السموات، والأرض الخلق، وفي الشمس، والقمر التسخير؛ لأن مجرد خلق الشمس، والقمر ليس حكمة، فإن الشمس لو كانت مخلوقة، بحيث تكون في موضع واحد لا تتحرك؛ ما حصل الليل، والنهار، ولا الصيف، والشتاء، وكذلك القمر لولا زيادته، ونقصانه، ونوره، ومحاقه؛ لما أمكن معرفة الشهور، وعددها، لذا فالحكمة حينئذ إنما هي في تحريكهما، وتسخيرهما. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يجري في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا، وهو يوم القيامة؛ لأن جريان الشمس، والقمر لا ينقطع إلا حينئذ، ودل أيضا بالليل، والنهار، وتعاقبهما، وزيادتهما، ونقصانهما، وجري النيرين في فلكيهما، كل ذلك يدل على تقدير، وحساب، وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على قدرته، وحكمته.\nفإن قلت: ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى،﴾ و(يجري إلى أجل مسمى)، أهو من تعاقب الحرفين؟ قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن؛ لأن قولك: (يجري إلى أجل مسمى) معناه يبلغه، وينتهي إليه، وقولك: ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ تريد يجري لإدراك أجل مسمى، تجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمى، ألا ترى: أن جري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر مختص بآخر الشهر، فكلا المعنيين غير ناب به موضعه. انتهى. كشاف في غير هذا الموضع.\n ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ أي: هو جل وعلا كامل القدرة، لا يغلبه شيء، عظيم الرحمة والمغفرة، والإحسان. قال الصاوي: صدرت الجملة الاسمية بحرف التنبيه ب: ﴿أَلا﴾ للدلالة على كمال الاعتناء بمضمونها، كأنه قال: تنبهوا يا عبادي، فإني أنا الغالب على أمري، الستار لذنوب خلقي، فأخلصوا عبادتكم، ولا تشركوا بي أحدا. انتهى. صفوة التفاسير.\nالإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله تقديره: «هو». ﴿السَّماواتِ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم.\n ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملتبسا بالحق، أو من المفعول، التقدير: ملتبسين بالحق، وأجيز تعليقهما بالفعل قبلهما. وهو قول الجلال. ﴿يُكَوِّرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله.\n ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلَى النَّهارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يُكَوِّرُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال، من فاعل ﴿خَلَقَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط،","vol":"8","page":201},{"text":"وجملة ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ معطوفة عليها، على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة:\n ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وكذلك جملة: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معطوفة عليها، وانظر ما ذكرته في الآية التالية من أوجه.\n ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به الإضافة المقدرة؛ إذ التقدير: كلهم. ﴿يَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلٌّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِأَجَلٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة: (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿أَلا:﴾ انظر مثلها في الآية رقم [٣]، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ مستأنفة، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4064\"></span>﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ وهو آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ أي: حواء عليهاالسّلام كقوله تعالى في الآية الأولى من سورة (النساء):\n ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: نوع استدلال آخر بما أوجده في العالم السفلي مبدوآ من خلق الإنسان؛ لأنه أقرب، وأكثر دلالة، وأعجب، وفيه على ما ذكره ثلاث دلالات: خلق آدم﵇أولا من غير أب وأم، ثم خلق حواء من قصيراه، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما. انتهى. هذا؛ والمشهور: أن خلق حواء كان من ضلع من أضلاع آدم اليسرى، وهو ما يحكيه المفسرون، وتؤيده الأحاديث الشريفة، من ذلك ما يلي:\nعن سمرة بن جندب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المرأة خلقت من ضلع، فإن أقمتها كسرتها، فدارها تعش بها». رواه ابن حبان في صحيحه، وعن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «استوصوا بالنساء، فإنّ المرأة خلقت من ضلع؛ وإنّ أعوج ما في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء». رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وخذ قول الشاعر: [الطويل]\nهي الضّلع العوجاء لست تقيمها... ألا إنّ تقويم الضلوع انكسارها\nأتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها؟","vol":"8","page":202},{"text":"ولكن هناك من يتبجح، ويقول: إن الله خلقها بدون واسطة، وهذا يعني: أن الله خلقها من تراب كما خلق آدم، ولهذا يقدرون مضافا محذوفا، فيقولون: الأصل من جنسها؛ أي: من البشر. وهذا مردود عليهم بما ذكرت، وانظر ما ذكرته في سورة (غافر) رقم [٢٥] بشأن حواء أم البشر، وانظر أيضا سورة (الشورى) رقم [١١].\nهذا؛ وقال سليمان الجمل: إن قلت: كيف عطف ب: ﴿ثُمَّ﴾ مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه؟ أجيب بأن ﴿ثُمَّ﴾ هنا للترتيب في الأخبار لا في الإيجاد، أو المعطوف متعلق بمعنى: ﴿واحِدَةٍ،﴾ ف: ﴿ثُمَّ﴾ عاطفة عليه لا على: ﴿خَلَقَكُمْ،﴾ فمعناه: ﴿خَلَقَكُمْ،﴾ من نفس واحدة أفردت بالإيجاد، ثم شفعت بزوج. أو هو معطوف على: ﴿خَلَقَكُمْ،﴾ لكن المراد بخلقهم خلقهم يوم أخذ الميثاق عليهم دفعة، لا على هذا الخلق، الذي هم فيه الآن بالتوالد، والتناسل، وذلك؛ لأن الله خلق آدم ﵇، ثم أخرج أولاده من ظهره كالذّر، وأخذ عليهم الميثاق، ثم ردهم إلى ظهره، ثم خلق منه حواء. انتهى. نقلا من كرخي.\nوقال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ وما يعطيه من معنى التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالا على وحدانيته، وقدرته، وتشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، وخلق حواء من قصيراه؛ إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرة، والأخرى لم تجر بها العادة، ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيري رجل، فكانت أدخل في كونها آية، وأجلب لعجب السامع فعطفها ب: ﴿ثُمَّ﴾ على الآية الأولى للدلالة على مباينتها لها فضلا، ومزية، وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية، فهو من التراخي في الحال، والمنزلة، لا من التراخي في الوجود.\nوقال غيره: المعطوف متعلق بمعنى: ﴿واحِدَةٍ،﴾ ف: ﴿ثُمَّ﴾ عاطفة عليه، لا على:\n ﴿خَلَقَكُمْ﴾. فمعناه ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أفردت بالإيجاد، ثم شفعت بزوج، فكانت هاهنا على بابها لتراخي الوجود.\nوقد أوردها ابن هشام شاهدا على أن قوما خالفوا في معناها، وهو الترتيب تمسكا بها، فقال:\nوالجواب على الآية من خمسة أوجه: أحدها: أن العطف على محذوف؛ أي: من نفس واحدة، أنشأها، ثم جعل منها زوجها. الثاني: أن العطف على واحدة على تأويلها بالفعل؛ أي: من نفس توحدت؛ أي: انفردت ثم جعل منها زوجها. الثالث: أن الذرية أخرجت من ظهر آدم﵊كالذر، ثم خلقت حواء من قصيراه. الرابع: أن خلق حواء من آدم لما لم تجر عادة بمثله؛ جيء ب: ﴿ثُمَّ﴾ إيذانا بترتبه، وتراخيه في الإعجاب، وظهور القدرة، لا لترتيب الزمن، وتراخيه. الخامس: أن ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الأخبار، لا لترتيب الحكم، وأنه يقال: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب؛ أي: ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب.","vol":"8","page":203},{"text":"﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أي: وخلق، وأوجد لكم من الأنعام المأكولة، وهي:\nالإبل والبقر والغنم والماعز، ثمانية أزواج من كل نوع ذكرا، وأنثى. قال قتادة: من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، كل واحد زوج. انتهى. وهذا ذكره الله في الآيتين رقم [١٤٣] و[١٤٤] من سورة (الأنعام) مفصلا. هذا؛ والزوج ما معه آخر من جنسه لا ينفك عنه، ويحصل منهما التناسل، وكذا يطلق على الاثنين، فهو مشترك، والمراد هنا:\nالإطلاق الأول، وسميت أزواجا؛ لأن الذكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر. هذا؛ وقال البيضاوي في معنى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ:﴾ وقضى، أو قسم لكم، فإن قضاياه، وقسمه توصف بالنزول من السماء؛ حيث كتب في اللوح المحفوظ، أو أحدث لكم بأسباب نازلة، كأشعة الكواكب، والأمطار. انتهى.\n ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ:﴾ بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسيّ والأنعام، وإظهار لما فيها من عجائب القدرة، غير أنه غلّب أولي العقل، وخصّهم بالخطاب؛ لأنهم المقصودون بالتذكير، والعظة، والاعتبار، وما يتذكر إلا أولو الألباب، ومعنى ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ:﴾ يخلقكم في بطون أمهاتكم أطوارا، كما قال تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٤]: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا﴾ فإن الإنسان يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن يتم خلقه، ثم ينفخ فيه الروح، فيصير خلقا آخر. وهذا صريح قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ رقم [١٢] و[١٣] و[١٤].\n ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ:﴾ ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك﵃ أجمعين-. وقال أبو عبيدة: ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم. يقول سيد قطب﵀في الظلال: هي ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين، وظلمة الرحم الذي يستقر فيه الجنين، وظلمة البطن الذي يستقر فيه الرحم، ويد الله تخلق هذه الخلية الصغيرة، وعين الله ترعى هذه الخليقة، وتودعها القدرة على النمو، والقدرة على التطور، والقدرة على الارتقاء، كما قدر لها بارئها.\nهذا؛ وقد ذهب الصابوني مذهبا بعيدا، وذلك بقوله: ثبت علميا: أن الجنين في بطن أمه محاط بثلاثة أغشية، وهذه الأغشية لا تظهر إلا بالتشريح الدقيق، وتظهر بالعين المجردة كأنها غشاء واحد، وهذه الأغشية هي التي تسمى: الغشاء المنباري، والخوربون، واللفائفي، هذا ما أثبته الطب الحديث، وقد جاء القرآن الكريم مؤيدا هذه الحقيقة العلمية، وذلك في سورة (الزمر) في قوله جل وعلا: ﴿يَخْلُقُكُمْ..﴾. إلخ.","vol":"8","page":204},{"text":"ففي هذه الآية معجزة علمية للقرآن، فقد أخبر: أن الجنين له ثلاثة أغشية أسماها ظلمات؛ لأن الغشاء حاجز، وحجاب يحجز عنه النور، والضياء، وهي في العلم الحديث ثلاثة أغشية.\nأقول: لا حاجة إلى هذا المذهب البعيد الذي ذهبه بعدما ذكرت لك من الأقوال في تفسير الظلمات.\n ﴿ذلِكُمُ﴾ أي: الذي هذه أفعاله، فهو الخالق المبدع المصور، هو الله رب العالمين، ربكم ورب آبائكم الأولين، وهو الذي يستحق العبادة والتقديس والإجلال والتعظيم، لا ما تعبدونه من دونه من حجارة، وأوثان. ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي: له الملك، والتصرف التام في الإيجاد، والإعدام.\nواللام مفيدة للملك الحقيقي، الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا رب لكم سواه. ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: كيف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة ما لا يخلق، ولا يضر، ولا ينفع، بل ولا يبصر، ولا يسمع... إلخ. هذا؛ وانظر شرح: ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (الأحزاب)، وشرح: (زوج) في الآية رقم [١٠] من سورة (لقمان)، وشرح: «النفس» في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم).\nالإعراب: ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: ﴿الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ فلست مفندا، وتكون «قد» قبلها مقدرة، كما تصلح أن تكون في محل خبر ثالث للضمير، وهذان الاعتباران يصحان إذا أردت اتصال الكلام بسابقه، وإن أردت انقطاعه؛ فالاستئناف أولى، وقل مثله في الآية السابقة. ﴿مِنْ نَفْسٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿واحِدَةٍ:﴾ صفة، وجملة: ﴿جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَنْزَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْأَنْعامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال مما بعدهما، كان صفة له... إلخ. ﴿ثَمانِيَةَ:﴾ مفعول به. و﴿ثَمانِيَةَ﴾ مضاف، و﴿أَزْواجٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿يَخْلُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به. ﴿فِي بُطُونِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و﴿بُطُونِ﴾ مضاف، و﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿خَلْقًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَلْقًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وأجاز السمين تعليقهما بالفعل قبلهما. ﴿فِي ظُلُماتٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَلْقٍ﴾ قبلهما، ولا يجوز تعليقهما ب: ﴿خَلْقًا﴾ المنصوب؛ لأنه مصدر مؤكد، فلا يعمل، ولا يجوز تعلقه بالفعل قبله؛ لأنه قد تعلق به حرف مثله، ولا يتعلق حرفان متحدان لفظا، ومعنى إلا بالبدلية، أو العطف، فإن جعلت: ﴿فِي ظُلُماتٍ﴾ بدلا من: ﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ بدل الاشتمال-لأن البطون مشتملة عليها، ويكون بدلا بإعادة العامل-جاز ذلك، أعني تعلق الجارين ب: ﴿يَخْلُقُكُمْ،﴾","vol":"8","page":205},{"text":"ولا يضر الفصل بين البدل، والمبدل منه بالمصدر؛ لأنه من تتمة العامل، فليس بأجنبي. انتهى.\nجمل نقلا من السمين. هذا؛ و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿خَلْقٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ثَلاثٍ:﴾ صفة:\n ﴿ظُلُماتٍ﴾. وجملة: ﴿يَخْلُقُكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعلين، فهي حال متداخلة، أو هي مستأنفة مبينة لكيفية خلق ما ذكر.\n ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ خبر أول. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ خبر ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثالث. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل (إن). ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم: ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: اعتباره بدلا من: ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل رفع خبر للمبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار: ﴿رَبُّكُمْ﴾ نعتا، أو بدلا من لفظ الجلالة، واعتبار لفظ الجلالة بدلا من: ﴿ذلِكُمُ،﴾ والخبر الجملة الاسمية: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾. والإعراب الأول هو قول السمين.\n ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير:\nوإذا كان ذلك حاصلا وواقعا... إلخ. (أنى): اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال؛ عامله ما بعده. ﴿تُصْرَفُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.\n\n<span id=\"aya-4065\"></span>﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أي: إن تكفروا أيها الناس بعدما شاهدتم من آثار قدرته، وفنون نعمائه؛ فإن الله مستغن عنكم، وعن عبادتكم، كما حكى القرآن من قول موسى -﵇لقومه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ رقم [٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٩٧]: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾. وفي الحديث القدسي: «يا عبادي لو أنّ أوّلكم،","vol":"8","page":206},{"text":"وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا». أخرج الحديث القدسي بطوله مسلم عن أبي ذر الغفاري﵁-.\n ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ:﴾ يعني: أن الله تعالى، وإن كان لا ينفعه إيمان، ولا يضره كفر، إلا أنه لا يرضى لعباده الكفر. قال ابن عباس﵄-: لا يرضى لعباده المؤمنين بالكفر، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فعلى هذا يكون عامّا في اللفظ، خاصّا في المعنى، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ يريد، بعض عباد الله، وأجراه قوم على العموم، وقال: لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ومعنى الآية لا يرضى الله لعباده أن يكفروا به، وهو قول السلف. قالوا: كفر الكافر غير مرضيّ لله تعالى، وإن كان بإرادته؛ لأن الرضا عبارة عن مدح الشيء، والثناء عليه بفعله، والله لا يمدح الكفر، ولا يثني عليه، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد، وقد لا يرضى به، ولا يمدح عليه، وقد بان الفرق بين الإرادة، والرضا. انتهى. خازن. وخذ قول اللّقاني في جوهرته: [الرجز]\nوقدرة إرادة وغايرت... أمرا وعلما والرّضا كما ثبت\nقال الباجوري في شرح جوهرة التوحيد: فإن الإرادة قد تتعلق بما لا يرضى به الله تعالى، كالكفر الواقع من الكفار، فإنه تعالى أراده، ولا يرضى به. انتهى. ولقد سفه الزمخشري هنا سفاهة واضحة، فقال: ولقد تمحل بعض الغواة؛ ليثبت لله تعالى ما نفاه الله عن ذاته من الرضا لعباده الكفر، فقال: هذا من العام الذي أريد به الخاص، وما أراد إلا عباده الذين عناهم في قوله: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ يريد المعصومين، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾. تعالى الله عما يقول الظالمون. وابتدأ قوله: أي: يرضى لكم الشكر؛ لأنه سبب فوزكم، وفلاحكم، فإذا ما كره كفركم، ولا رضي شكركم إلا لكم، ولصلاحكم، لا لأن المنفعة ترجع إليه؛ لأنه الغني؛ الذي لا يجوز عليه الحاجة. انتهى. بتصرف.\n ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي: وإن تشكروا ربكم؛ يرض هذا الشكر منكم. بمعنى: يتقبله، ويثيبكم عليه؛ لأجل منفعتكم، لا لانتفاعه بطاعتكم. قال أبو السعود: عدم رضاه بكفر عباده لأجل منفعتهم، ودفع مضرتهم، رحمة بهم لا لتضرره تعالى بذلك، ورضاه بشكرهم لأجلهم، ومنفعتهم؛ لأنه سبب فوزهم بسعادة الدارين، ولهذا فرق بين اللفظين، فقال: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ وقال هنا: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لأن المراد بالأول تعميم الحكم، ثم تعليله بكونهم عباده. انتهى. صفوة التفاسير. هذا؛ والفعل: «شكر» يتعدى بنفسه وبحرف الجر، تقول:\nشكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له، وانظر (الشكر) في الآية رقم [١٣] من سورة (سبأ) والمحال عليها في سورة (لقمان)، وسورة (النمل)، ولا تنس الطباق، والمقابلة بين: تكفروا وتشكروا.","vol":"8","page":207},{"text":"﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى:﴾ انظر الآية رقم [١٨] من سورة (فاطر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ:﴾ فيخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا، ويجازيكم عليها. وخذ قول أبي العتاهية الصوفي-رحمه الله تعالى-: [الوافر]\nفلو أنّا إذا متنا تركنا... لكان الموت راحة كلّ حي\nولكنّا إذا متنا بعثنا... ونسأل بعد ذا عن كلّ شي\n ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ:﴾ إن الله عليم بما في صدور عباده من نية حسنة، أو نية خبيثة، فيفعل بهم على حسب ما تكنه صدورهم من غدر، وخيانة، وتبييت للشر، وغير ذلك. وانظر شرح (النبأ) في الآية رقم [٢١] من سورة (ص).\nهذا؛ و(ذات) بمعنى: صاحبة، فجعلت صاحبة الصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ و﴿أَصْحابِ النّارِ﴾. هذا؛ وذات: مؤنث: «ذو» الذي بمعنى:\nصاحب، وقد يثنى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي، كذا من غير رد لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنى: «ذو» ب: ذوا، أو: ذوي على لفظه، ويجوز فيها: (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهي الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ رقم [٤٨] من سورة (الرحمن)، وقال تعالى: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ رقم [١٦] من سورة (سبأ).\nهذا؛ والتاء في: (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء: (ثمّت، وربّت، ولات) ولكنها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى:\n ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ رقم [١١] من سورة (الرحمن)، والنصب جاء في قوله تعالى:\n ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ سورة (تبت)، وكل معانيها في القرآن الكريم: صاحبة إلا في موضعين، فإنها جاءت بمعنى: الجهة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ وقد رأيت تثنيتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى: الجمع. هذا؛ ولم يتعرض النحويون لها بهذا المعنى مع كثرة تعرضهم ل: (ذي) بمعنى: صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا (ذات) بمعنى: التي، و(ذوات) بمعنى: اللواتي، وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات\nقال الأشموني: أي: عند طيئ ألحقوا ب: «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم، حكى الفراء: «بالفضل ذو فضلكم الله به والكرامة ذات أكرمكم الله به». وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة: [الرجز]\nجمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق","vol":"8","page":208},{"text":"والفرق بين الأولى، والثانية: أن الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها كما رأيت، بخلاف الثانية؛ فإنها لا تضاف؛ لأنها معرفة بالصلة؛ التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة. تنبه لهذا؛ وافهمه، فإنه معنى دقيق. واسأل الله لي المزيد من التوفيق. هذا؛ وأضيف: أن جمع ذات:\nذوات من لفظه، كما يجمع: أولات من غير لفظه، قال تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ رقم [٤] من سورة (الطلاق)، كما يجمع المذكر (ذو) بمعنى: صاحب: (أولو) من غير لفظه، وهو كثير في القرآن الكريم.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَكْفُرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: بالله. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَنِيٌّ:﴾ خبرها. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿غَنِيٌّ؛﴾ لأنه صفة مشبهة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وجملة: «تكفروا بالله» لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَرْضى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿لِعِبادِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط، واعتبارها حالا من لفظ الجلالة جائز، والرابط:\nالواو، والضمير؛ لأن الجملة الفعلية المنفية ب: «لا» يجوز وقوعها حالا.\n ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا:﴾ إعرابه مثل سابقه، والمفعول محذوف. ﴿يَرْضَهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَزِرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿وازِرَةٌ:﴾\nفاعله. ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أُخْرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ينبئكم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"8","page":209},{"text":"بما قبلهما، وهما مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فينبئكم بالذي، أو: بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فينبئكم بعملكم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾. و(ذات) مضاف، و﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4066\"></span>﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ﴾ أي: الكافر. ﴿ضُرٌّ:﴾ شدة، وبلاء، من فقر، أو مرض، ونحو ذلك. ﴿دَعا رَبَّهُ:﴾ لجأ إليه بالدعاء، والتضرع. ﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ:﴾ مقبلا عليه، مخبتا، مطيعا، معرضا عن الآلهة الفاسدة؛ لعلمه: أن لا قدرة لها على دفع الضر، ولا قدرة لها على جلب المنفعة. ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ أي: أعطاه وملّكه، وفرج كربته، يقال: خولك الشيء؛ أي: ملكك إياه، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد قول زهير بن أبي سلمى: [الطويل]\nهنالك إن يستخولوا المال يخولوا... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا\nمعنى ييسروا يغلوا: أي: إذا قامروا بالميسر يأخذون سمان الإبل، فيقامرون عليها. وخول الرجل: خدمه وحشمه، قال أبو النجم العجلي: [الرجز]\nأعطى فلم يبخل، ولم يبخّل... كوم الذّرى من خول المخوّل\n ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: نسي ربه الذي كان يدعوه من قبل في كشف الضر عنه، ف: ﴿ما﴾ على هذا الوجه لله ﷿، وهي بمعنى: الذي، كما في قوله تعالى ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ وقيل: بل المراد نسي الضر الذي كان يدعو ربه لكشفه، وتمرد، وطغى. وقيل: المعنى:\nنسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله ﷿، ف: ﴿ما﴾ على هذا مصدرية. ومعنى هذه الآية متكرر في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى في سورة (يونس) رقم [١٢]: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ وقوله تعالى في سورة (لقمان) [٣٢]: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..﴾. إلخ وغير ذلك كثير.","vol":"8","page":210},{"text":"﴿وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْدادًا﴾ أي: شركاء في العبادة، جمع ند، وهو المقاوم المضاهي، سواء كان مثلا، أو ضدا، أو خلافا. وقيل: هو الضد. وقيل: هو الكفء، والمثل. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ:﴾\nيقرأ بضم الياء من الرباعي، فمفعوله محذوف، ويقرأ بفتح الياء من الثلاثي، فيكون لازما، وانظر الآية رقم [٧١] من سورة (الصافات)، والمراد بسبيله: دينه الذي ارتضاه الله لنفسه كما صرح به في قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾. هذا؛ والسبيل: الطريق يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في رسل وعسر ويسر، قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد. انتهى.\n ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ أي: قل يا محمد لمن هذه حالته، وطريقته، ومسلكه: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾. هذا؛ والتمتع:\nالتلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالحلال! وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام! هذا؛ والمتعة بكسر الميم، وضمها اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، واللباس، والشراب، ومتعة المرأة:\nما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وإزار، وملحفة، قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ والمراد: من الآية الأمر للكافر بأن يتمتع بدنياه قليلا، أو بعبادته الأوثان، أو باتباعه الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات؛ التي يتمتع بها.\nوفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر الآية رقم [١٣٧] من سورة (الصافات).\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّ:﴾ فعل ماض. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿ضُرٌّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿دَعا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُنِيبًا:﴾ حال من فاعل: ﴿دَعا﴾ المستتر، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه اسم فاعل. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُنِيبًا،﴾ وجملة:\n ﴿دَعا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.","vol":"8","page":211},{"text":"﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ مثل سابقتها. ﴿خَوَّلَهُ نِعْمَةً:﴾ ماض، ومفعولاه، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَوَّلَهُ،﴾ أو بمحذوف صفة: ﴿نِعْمَةً﴾.\n ﴿نَسِيَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿يَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَدْعُوا﴾.\n ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يَدْعُوا﴾ أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿كانَ يَدْعُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلا ب: (إلى). هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، و(إذا) ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.\n ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾.\n ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَنْدادًا،﴾ كان صفة له... إلخ، أو هما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿أَنْدادًا:﴾ مفعول به.\n ﴿لِيُضِلَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى:\n ﴿الْإِنْسانَ،﴾ و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (جعل). ﴿عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَجَعَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها مثله.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿تَمَتَّعْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت» أيضا، الأول خطاب للنبي ﷺ، والثاني خطاب للإنسان الكافر. ﴿بِكُفْرِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: تمتع تمتيعا قليلا، أو صفة زمان محذوف، التقدير: تمتع زمانا قليلا، وجملة: ﴿تَمَتَّعْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿مِنْ أَصْحابِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، و﴿أَصْحابِ﴾ مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها، وهي من جملة مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4067\"></span>﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)﴾\nالشرح: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ:﴾ خاضع مطيع لله خاشع له، و﴿قانِتٌ﴾ قائم بوجائب الطاعات، ووظائفها، ومنه قول النبي ﷺ: «أفضل الصلاة طول القنوت». وهو القيام فيها، ومنه: القنوت","vol":"8","page":212},{"text":"في الوتر؛ لأنه دعاء المصلي قائما، ويقرأ بتخفيف الميم وتشديدها، ففي الأول وجهان انظرهما في الإعراب، وفي الثاني، التقدير: أم من. وفي (أم) وجهان: متصلة، أو منقطعة.\n ﴿آناءَ اللَّيْلِ:﴾ ساعات الليل، وأوقاته، وواحد ﴿آناءَ:﴾ أنى بفتح الهمزة، والنون، أو: إنى بكسر الهمزة وفتح النون، أو: أني بالفتح والسكون، وإني بالكسر والسكون. ﴿ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ:﴾ فيه دليل على ترجيح قيام الليل على النهار وأنه أفضل منه، وذلك؛ لأن الليل أستر، فيكون أبعد عن الرياء، ولأن ظلمة الليل تجمع الهم، وتمنع البصر عن النظر إلى الأشياء، وإذا صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال الخارجية؛ رجع إلى المطلوب الأصلي، وهو الخشوع في الصلاة، ومراقبة من يصلي له. وقيل: لأن الليل وقت النوم، ومظنّة الراحة، فيكون قيامه أشق على النفس، فيكون الثواب فيه أكثر.\nهذا؛ وفي هذا الكلام فائدة، وهي: أنه قال في مقام الخوف: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ فلم يضف الحذر إليه تعالى، وقال في مقام الرجاء: ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل، وأولى أن ينسب إلى الله تعالى. ويعضد هذا ما روي عن أنس﵁أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت، فقال له: «كيف تجدك؟» قال: أرجو الله يا رسول الله! وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلاّ أعطاه الله تعالى ما يرجوه منه، وآمنه ممّا يخاف». أخرجه الترمذي. انتهى. خازن. هذا؛ ولا تنس الطباق، والمقابلة بين ﴿يَحْذَرُ﴾ و(يرجو).\n ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: ما عند الله من الثواب، والعقاب. ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ:﴾\nذلك، فحذف مفعولي الفعلين للتعميم. وقيل: ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ عمار، وأصحابه. ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أبو حذيفة المخزومي ومن على شاكلته. وقيل: افتتح الله الآية بالعمل، وختمها بالعلم؛ لأن العمل من باب المجاهدات، والعلم من باب المكاشفات، وهو النهاية، فإذا حصلا للإنسان، دل ذلك على كماله، وفضله.\n ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي: إنما يعتبر، ويتعظ أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (ص). هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-:\nالكلام نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيها باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم. وقيل: هو تقرير للأول على وجه التشبيه؛ أي: كما لا يستوي العالمون، والجاهلون؛ ولا يستوي القانتون، والعاصون. انتهى.\nهذا؛ واختلف في تعيين القانت هاهنا. فذكر يحيى بن سلام: أنه رسول الله ﷺ. وقال ابن عباس﵄في رواية الضحاك عنه: هو أبو بكر، وعمر﵄-. وقال ابن عمر﵄-: هو عثمان﵁-. وقال مقاتل: إنه عمار بن ياسر. وقال الكلبي:","vol":"8","page":213},{"text":"صهيب، وأبو ذر وابن مسعود. وعن الكلبي أيضا أنه مرسل فيمن كان على هذه الحال. انتهى.\nقرطبي، أقول: والأخير عن الكلبي هو المعتمد إن شاء الله؛ ليعم المؤمنين إلى يوم القيامة.\nوينبغي أن تعلم: أن الفعل: «يستوي» من الأفعال التي لا يكتفى فيها بواحد، فلو قلت:\nاستوى زيد لم يصح، فمن ثم لزم العطف على الفاعل، أو تعدده. هذا؛ ولا تنس المقابلة بين:\n ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ و(الذين لا يعلمون)، وهي من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿أَمَّنْ:﴾ قال السمين: يقرأ بتخفيف الميم، وتشديدها، فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما أنها همزة الاستفهام دخلت على من بمعنى: الذي، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف، تقديره: أمن هو قانت كمن جعل لله أندادا؟! أو: أمن هو قانت كغيره؟! أو التقدير: أهذا القانت خير أم الكافر المخاطب بقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا؟!﴾ ويدل عليه:\n ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فحذف خبر المبتدأ، أو ما يعادل المستفهم عنه، والتقديران الأولان أولى لقلة الحذف.\nوالثاني: أن تكون الهمزة للنداء، و(من) منادى، ويكون المنادى هو النبي ﷺ، وهو المأمور بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ كأنه قال: يا من هو قانت قل: كيت، وكيت. وأما القراءة الثانية؛ فهي (أم) داخلة على (من) موصولة أيضا، فأدغمت الميم في الميم، وفي (أم) حينئذ قولان: أحدهما: أنها متصلة، ومعاد لها محذوف، تقديره: الكافر خير أم الذي هو قانت؟! والثاني: أنها منقطعة، فتقدر ب «بل» والهمزة؛ أي: بل أمن هو قانت كغيره، أو الكافر المقول له:\nتمتع بكفرك. انتهى. جمل.\n ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿قانِتٌ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر تقديره: «هو». ﴿آناءَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿قانِتٌ،﴾ والجملة الاسمية صلة الموصول على جميع الاعتبارات السابقة، و﴿آناءَ﴾ مضاف، و﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿ساجِدًا:﴾ حال من الضمير المستتر ب: ﴿قانِتٌ،﴾ ﴿وَقائِمًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿يَحْذَرُ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى: ﴿قانِتٌ﴾. ﴿الْآخِرَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿قانِتٌ﴾. فهي حال متكررة، وأجيز اعتبارها مستأنفة كما أجيز اعتبارها حالا ثانية، والأول أقوى، وجملة: ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ معطوفة عليها. هذا؛ وقرئ (ساجد) و(قائم) بالرفع على اعتبارهما خبرين لمبتدأين محذوفين، التقدير: هو ساجد، وهو قائم، والجملة الاسمية على هذا في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿قانِتٌ﴾.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة بعده صلته، والمفعول محذوف للتعميم، ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿هَلْ يَسْتَوِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ هَلْ..﴾. إلخ","vol":"8","page":214},{"text":"مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولُوا﴾ مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\nتنبيه: قال ابن هشام في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنوي كالثابت، ويسمى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ،﴾ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا،﴾ ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ إذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم، وأوقعوا الأكل والشرب، وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك، ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة القصص الآية رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي..﴾. ألا ترى: أنه ﵊ إنما رحمهما؛ إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السقي، لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولها: (نسقي) السقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل؛ قدّر: يسقون إبلهم، تذودان غنمهما، ولا نسقي غنمنا. انتهى.\n\n<span id=\"aya-4068\"></span>﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ الإيمان الصحيح، وهو:\nالإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان.\nقال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة هي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى: الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر.\n ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ:﴾ خافوه، واعبدوه، فهو أمر من التقوى، وهي: حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من: الوقاية، وهي: الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة) وأصل: «اتقوا»: اوتقوا، قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء مثل: اتصل،","vol":"8","page":215},{"text":"أصله: اوتصل. هذا؛ وقال ابن عباس﵄المراد بهذا الأمر جعفر بن أبي طالب، والذين خرجوا معه إلى الحبشة. والأولى التعميم. وإن كان السبب خاصا؛ فقد كان الغرض منها التأنيس لهم، والتنشيط للهجرة. هذا؛ وانظر: (قهم) في الآية رقم [٩] من سورة (غافر) وخذ ما يلي، وهو قول الشاعر: [الطويل]\nإذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى... تقلّب عريانا ولو كان كاسيا\nوخير لباس المرء طاعة ربّه... ولا خير فيمن كان لله عاصيا\nولأبي الدرداء﵁-: [الوافر]\nيودّ المرء أن يعطى مناه... ويأبى الله إلاّ ما أرادا\nيقول المرء فائدتي ومالي... وتقوى الله أكبر ما استفادا\n ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أي: للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة. وقيل: المعنى للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا، تكون زيادة على ثواب الآخرة، والحسنة الزائدة في الدنيا: الصحة، والعافية، والعز، والرفعة، ينالها المؤمن إذا شكر تلك النعم، وقد تكون الحسنة في الدنيا: الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجزاء. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٨] من سورة (الصافات) فهو جيد.\n ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يعني: ارتحلوا من مكة. وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي. وقيل: المراد: من أمر بالمعاصي في بلد؛ فليهرب منه. وقيل: المراد: أرض الجنة؛ رغبهم في سعتها، وسعة نعيمها، كما قال تعالى:\n ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ رقم [١٣٣] من سورة (آل عمران)، والجنة قد تسمى أرضا، قال تعالى: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ رقم [٧٤] الآتية. والأول أظهر، فهو أمر بالهجرة. انتهى. قرطبي.\n ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ:﴾ على البلاء، والطاعات، وعن المعاصي. وقيل: المراد هنا:\nالصائمون بدليل الحديث القدسي عن رب العزة: «كلّ عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به». ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ بغير وزن، ولا كيل، ولا عدد، ولا مقياس، وإنما يحثى حثوا، ويغرف غرفا. وقال قتادة: لا والله ما هناك مكيال، ولا ميزان، حدثني أنس بن مالك -﵁أن رسول الله ﷺ قال: «تنصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصدقة، فيوفّون أجورهم بالموازين، وكذلك الصلاة والحجّ، ويؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصبّ عليهم الأجر بغير حساب، قال تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حتى يتمنى أهل العافية في الدّنيا أنّ أجسادهم تقرض بالمقاريض، ممّا يذهب به أهل","vol":"8","page":216},{"text":"البلاء من الفضل». هذا، وعن ابن عباس﵄عن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالشهيد يوم القيامة فيوقف للحساب، ثم يؤتى بالمتصدّق، فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينصب لهم ديوان، فيصبّ عليهم الأجر صبّا؛ حتّى إنّ أهل العافية ليتمنّون في الموقف: أنّ أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله». رواه الطبراني في الكبير، وانظر ما ذكرته في آية (السجدة) رقم [٢٤].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف، تقديره:\nلهم. (يا): أداة نداء، تنوب مناب: أدعو. (عبادي): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقول المقدر، ومقوله في محل نصب مقول القول لقول آخر محذوف، وتقدير الكلام: قل لهم: ربكم يقول: يا عبادي، وهذا التقدير يرفع اللبس والإبهام المترتبين على هذا التركيب. ﴿الَّذِينَ:﴾\nاسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة، أو بدل من (عبادي)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَحْسَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، التقدير: أحسنوا العمل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي هذِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أن حسنة هي الجنة، والجزاء في الآخرة، أو هما متعلقان ب: ﴿حَسَنَةٌ﴾ على القول بأنها في الدنيا.\n ﴿الدُّنْيا:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للأمر، وهي من جملة مقول القول. ﴿وَأَرْضُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أرض): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿واسِعَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول على الوجهين المعتبرين في الواو.\n ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُوَفَّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الصّابِرُونَ:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿أَجْرَهُمْ،﴾ و(غير) مضاف، و﴿حِسابٍ﴾ مضاف إليه؛ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"8","page":217},{"text":"<span id=\"aya-4069\"></span><span id=\"aya-4070\"></span>﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ..﴾. إلخ: أي: قل يا محمد: أمرت بإخلاص العبادة لله وحده، لا شريك له. وإنما خص الله الرسول ﷺ بهذا الأمر؛ لينبه على أن غيره بذلك أحق، فهو كالترغيب للغير، وانظر الإخلاص في الآية رقم [٣]. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ..﴾. إلخ أي: وأمرت أيضا بأن أكون أول المسلمين من هذه الأمة. قال القرطبي: وكذلك كان، فإنه أول من خالف دين آبائه، وخلع عبادة الأصنام، ثم حطمها، وأسلم وجهه لله، وآمن به، ودعا إليه. انتهى. قال الزمخشري -رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف عطف (أمرت) على ﴿أُمِرْتُ﴾ وهما واحد؟ قلت: ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما، وذلك: أن الأمر بالإخلاص، وتكليفه شيء، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء، وإذا اختلف وجها الشيء؛ ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين.\nهذا؛ والفعل «أمر» من الأفعال التي تنصب مفعولين، الثاني منهما مجرور بحرف جر في الغالب، وجاء منصوبا في الشعر، كقول عمرو بن معدي كرب الزبيدي: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وزوّج، وكال، ووزن، قال الشاعر: [البسيط] أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد، إليه الوجه والقبل\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أُمِرْتُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، و﴿أَنْ أَعْبُدَ اللهَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان للفعل أمر، أو هو منصوب بنزع الخافض، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرت بعبادة الله، هذه الاعتبارات تجوز في الأفعال التي ذكرتها في الشرح، وهي منقولة عن سيبويه، وغيره من العلماء، وجملة:\n ﴿أُمِرْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مُخْلِصًا:﴾ حال من الفاعل المستتر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: أنا. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان به؛ لأنه اسم فاعل. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعول به.\n ﴿وَأُمِرْتُ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿أُمِرْتُ:﴾ ماض، ونائب فاعله. ﴿لِأَنْ:﴾ اللام: صلة مقحمة للتوكيد. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿أَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: أن، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنا». ﴿أَوَّلَ:﴾ خبره، و﴿أَوَّلَ﴾ مضاف، و﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، و(أن) والفعل في تأويل مصدر، قل فيه مثل الأول على اعتبار اللام زائدة، وطرحها من الكلام، وجملة: ﴿وَأُمِرْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ ولا يجوز","vol":"8","page":218},{"text":"اعتبار اللام أصلية جارة؛ لأن المعنى لا يؤيده. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٧١]: ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ ورقم [٢٦] من سورة (النساء): ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ..﴾.\nإلخ، ورقم [٣٣] من سورة (الأحزاب): ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ..﴾. إلخ، وقد أجيز في هذه الآيات اعتبار اللام جارة، واعتبارها زائدة، انظرها في محالها، ومثل هذه الآيات قول كثير عزة، وهو الشاهد رقم (٣٩٤) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nأريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل\n\n<span id=\"aya-4071\"></span><span id=\"aya-4072\"></span>﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي:﴾ بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك، والرياء، وذلك: أن كفار قريش قالوا له ﷺ: ما حملك على هذا الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك، وجدك، وقومك، فتأخذ بها؟ فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: زجر الغير عن المعاصي؛ لأنه ﷺ مع جلالة قدره، وشرف طهارته، ونزاهته، ومنصب نبوته؛ إذا كان خائفا حذرا من المعاصي؛ فغيره أولى. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ:﴾ المراد به يوم القيامة، وصف بالعظم لعظمة ما فيه. ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ..﴾. إلخ: ليس هذا بتكرار؛ لأن الأول الإخبار بأنه مأمور من جهة الله تعالى بالإتيان بالعبادة والإخلاص، والثاني: أنه إخبار بأنه أمر بأن يخص الله تعالى وحده بالعبادة، ولا يعبد أحدا غيره، مخلصا له دينه؛ لأنّ قوله: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ﴾ لا يفيد الحصر، وقوله:\n ﴿اللهَ أَعْبُدُ﴾ يفيد الحصر، والمعنى الله أعبد، ولا أعبد أحدا غيره، ثم أتبعه بما يلي:\nهذا؛ وقال الجمل نقلا عن أبي السعود: أمر رسول الله ﷺ أولا بأن يخبرهم بأنه مأمور بالعبادة، والإخلاص فيها، وثانيا بأن يخبرهم بأنه مأمور بأن يكون أول من أطاع، وانقاد وأسلم، وثالثا بأن يخبرهم بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ورابعا بأن يخبرهم بأنه امتثل الأمر، وانقاد، وعبد الله تعالى، وأخلص له الدين على أبلغ وجه، وأوكده، إظهارا لتصلبه في الدين، وحسما لأطماعهم الفارغة، وتمهيدا لتهديدهم، بقوله: ﴿فَاعْبُدُوا..﴾. إلخ. انتهى.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿عَصَيْتُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿رَبِّي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛","vol":"8","page":219},{"text":"لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، دل على ما قبله، والجملة الشرطية معترضة بين الفعل، ومفعوله، وهو: ﴿عَذابَ،﴾ وهو مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿يَوْمٍ﴾. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في (الأنعام) برقم [١٥].\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿اللهَ:﴾ مفعول مقدم. ﴿أَعْبُدُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿مُخْلِصًا:﴾ حال من الفاعل المستتر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنا». ﴿اللهَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دِينِي:﴾ مفعول به ل: ﴿مُخْلِصًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4073\"></span>﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ:﴾ ليس هذا أمرا، بل المراد منه: الزجر والتهديد والتوبيخ، مثل قوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ رقم [٤٠] من سورة (فصلت)، والآية رقم [٣٩] الآتية، وقوله:\n ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ﴾ رقم [١٣٥] من سورة (الأنعام)، و[٩٣] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والمعنى للكل: اعملوا، واعبدوا ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام، فسوف ترون عاقبة كفركم، وعبادتكم الباطلة! وقيل: الآية منسوخة بآية السيف، وليس وجيها، فإن حكمها عام إلى يوم القيامة بالنسبة للفاجرين، والفاسقين، والظالمين.\n ﴿قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ..﴾. إلخ: قال ميمون بن مهران عن ابن عباس﵄-: ليس من أحد إلا وقد خلق الله له زوجة في الجنة، فإذا دخل النار؛ خسر نفسه، وأهليه. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: فمن عمل بطاعة الله؛ كان له ذلك المنزل، والأهل إلا ما كان له قبل ذلك.\nهذا؛ وقد قيل في تفسير ﴿الْخُسْرانُ:﴾ إنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة؛ جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران؛ وأي خسران أعظم من هذا الخسران؟! هذا؛ ولقد وصف الله خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله: ﴿أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ حيث صدر الجملة ب: ﴿أَلا﴾ التي هي للتنبيه، ووسط الفصل بين المبتدأ، والخبر، وعرف الخسران، ونعته بالمبين؛ لأنهم استبدلوا بالجنة نارا، وبالدرجات دركات. انتهى. نسفي. وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النّار، فإذا مات، فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى:\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ»﴾.","vol":"8","page":220},{"text":"الإعراب: ﴿فَاعْبُدُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له قطعا. (اعبدوا):\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\nوقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\nوالعائد الضمير المجرور محلا بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿فَاعْبُدُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْخاسِرِينَ:﴾\nاسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿خَسِرُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَهْلِيهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أَلا:﴾ انظر الآية رقم [٣]. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو بدل من اسم الإشارة، وعليهما فالخسران خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ، و﴿الْخُسْرانُ﴾ خبره، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة: ﴿الْخُسْرانُ﴾.\n\n<span id=\"aya-4074\"></span>﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿لَهُمْ:﴾ للخاسرين. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ:﴾ أطباق، وسرادقات، جمع ظلة، بمعنى: المظلة، وهي ما يوضع فوق الرأس وقاية من الشمس، أو المطر. ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي: فرش، ومهاد؛ أي: تحيط بهم النار من جميع الجهات، والجوانب، وفي توجيه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أقوال: الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر.\nالثاني: أن الذي تحته من النار، يكون ظلة لآخر تحته في النار؛ لأنها دركات. الثالث: أن الظلة التحتانية، لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الإيذاء، والحرارة؛ سميت باسمها لأجل المماثلة، والمشابهة. انتهى. خازن بتصرف. هذا؛ وإطلاق الظلة على النار تهكم؛ لأنها محرقة، والظلة تقي من الحر.","vol":"8","page":221},{"text":"هذا؛ وهذه الآية مثل قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤١]: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٥٥]: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. هذا؛ ولا تنس الطباق بين: ﴿فَوْقِهِمْ﴾ و﴿تَحْتِهِمْ﴾.\n ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ:﴾ المؤمنين؛ لأنهم إذا سمعوا حال الكفار في الآخرة؛ خافوا، فأخلصوا التوحيد، والطاعة لله. ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ:﴾ ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، خوفهم بالنار، ثم حذرهم نفسه. والإضافة ب: ﴿عِبادَهُ﴾ و(عبادي) إضافة تشريف، وتكريم للمؤمنين الصادقين، وانظر الآية رقم [٨١] من سورة (الصافات).\nالإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من: ﴿ظُلَلٌ،﴾ على أن بعضهم يمنع مجيء الحال من المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ظُلَلٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ظُلَلٌ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وحذف متعلق ﴿ظُلَلٌ﴾ لدلالة ما قبله عليه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يُخَوِّفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿عِبادَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿يا عِبادِ:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (عباد): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وياء المتكلم المحذوفة في محل جر بالإضافة، والجملة الندائية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: بقوله، أو يقول: يا عبادي فلست مفندا، والمعنى: يؤيده. ﴿فَاتَّقُونِ:﴾ الفاء:\nهي الفصيحة. (اتقون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير:\nوإذا كان ذلك واقعا؛ فاتقون، والكلام في محل نصب مقول القول، كما رأيت.\n\n<span id=\"aya-4075\"></span>﴿وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها:﴾ ابتعدوا عن عبادة الطاغوت. قال الأخفش:\nالطاغوت: جمع، ويجوز أن يكون واحدة مؤنثة؛ أي: تباعدوا من الطاغوت، وكانوا منها على جانب، فلم يعبدوها. قال مجاهد، وابن زيد: هو الشيطان. وقال الضحاك، والسدي: هي","vol":"8","page":222},{"text":"الأوثان. وقيل: إنه الكاهن. وقيل: إنه اسم أعجمي، مثل: طالوت، وجالوت، وهاروت، وماروت. وقيل: إنه اسم عربي مشتق من الطغيان، انتهى. قرطبي. هذا؛ والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله تعالى، وهو يطلق على المفرد والجمع والمذكر، والمؤنث، واشتقاقه من طغى يطغى، أو من طغا يطغو. ﴿وَأَنابُوا إِلَى اللهِ:﴾ رجعوا إلى الله بالتوبة والإنابة، ورجعوا إلى طاعته وعبادته.\n ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ أي: في الدنيا، وفي الآخرة، أما في الدنيا؛ فالثناء عليهم بصالح أعمالهم، وعند الموت، وعند النزول في القبر. وأما في الآخرة؛ فعند الخروج من القبر، وعند الوقوف للحساب، وعند جواز الصراط، وعند دخول الجنة، وفي الجنة. ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع من الخير، والراحة، والرحمة، والروح، والريحان. انتهى.\nخازن. وقد تقدم هذا المعنى كثيرا، قال تعالى في سورة (النحل): ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ رقم [٣٢]، وقال في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ رقم [٦٤]. ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ أي: المؤمنين، الذين وصفهم الله في الآية التالية.\nهذا؛ وقال زيد بن أسلم: نزلت الآية الكريمة في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي. وروي: أنها نزلت في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير﵃سألوا أبا بكر﵁فأخبرهم بإيمانه، فآمنوا، والصحيح أنها شاملة لهم، ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ في محل نصب بدل اشتمال من الطاغوت، وجملة: ﴿وَأَنابُوا إِلَى اللهِ:﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿الْبُشْرى:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَبَشِّرْ:﴾\nالفاء: الفصيحة، وانظر الآية رقم [٢]. (بشر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿عِبادِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للفاصلة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: إذا كان ذلك واقعا، وحاصلا؛ فبشر عبادي المؤمنين بجنات النعيم، والرضا، والرضوان، والعفو، والغفران، وكان مقتضى القياس الإضمار، وقد أظهر في موضع الإضمار للتعظيم، والتفخيم.","vol":"8","page":223},{"text":"<span id=\"aya-4076\"></span>﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ..﴾. إلخ: هم الذين اجتنبوا الطاغوت، وأنابوا إلى الله، وأراد الله منهم أن يكونوا مع الاجتناب، والإنابة على هذه الصفة، فوضع الظاهر موضع الضمير، أراد الله منهم أن يكونوا نقّادا في الدين، يميزون بين الحسن، والأحسن، والفاضل، والأفضل، فإذا اعترضهم أمران: واجب، وندب؛ اختاروا الواجب، وكذا المباح، والندب، حرصا على ما هو أقرب عند الله، وأكثر ثوابا، ويدخل تحته المذاهب، واختيار أثبتها على السبك، وأقواها عند السبر، وأبينها دليلا، أو أمارة، وأن لا تكون في مذهبك، كما قال القائل: [البسيط]\nشمّر وكن في أمور الدّين مجتهدا... ولا تكن مثل عير قيد فانقادا\n ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ:﴾ وفقهم لدينه، واتباع أوامره، واجتناب زواجره. ﴿وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ:﴾ أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة عن منازعة الهوى، والوهم، والعادة، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الهداية تحصل بفعل الله، وقبول النفس لها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. انتهى. كشاف، أو يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن. أو يستمعون أوامر الله، فيتبعون أحسنها، نحو القصاص، والعفو، ونحو ذلك. أو يستمعون الحديث مع القوم، فيه محاسن، ومساوئ، فيحدث أحدهم بأحسن ما سمع، ويكف عما سواه. وهذا من ثناء الله تعالى عليهم بنفوذ بصائرهم، وتمييزهم الأحسن من الكلام، فإذا سمعوا قولا؛ تبصّروه، وعملوا بما فيه، وأحسن الكلام كلام الله، وخير الهدى هدي محمد ﷺ. هذا؛ وقال تعالى في الآية رقم [٥٥]: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: في محل جر على أنه بدل من: ﴿عِبادِ﴾. والثاني: في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. والثالث: في محل نصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح الذين، وجملة: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿هَداهُمُ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به، وهي العائد. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هَداهُمُ:﴾ بدل من اسم الإشارة،","vol":"8","page":224},{"text":"أو هو ضمير فصل لا محل له، وعليهما ف: ﴿أُولُوا﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولُوا﴾ مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و﴿أُولُوا﴾ خبره؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4077\"></span>﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ..﴾. إلخ: هذه الآية مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٨٤]، [٨٥] والمعنى هنا: أفمن وجبت له الشقاوة من الله تعالى، هل تقدر على هدايته، وسعادته؟ قال القرطبي: كان النبي ﷺ يحرص على إيمان قومه، وقد سبقت لهم من الله الشقاوة، فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس﵄-: يريد أبا لهب، وولده، ومن تخلف من عشيرة النبي ﷺ عن الإيمان. انتهى. هذا؛ وكرر الاستفهام لطول الكلام.\nقال الزمخشري: نزّل استحقاقهم العذاب؛ وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار؛ حتى نزّل اجتهاد رسول الله ﷺ، وكدّه نفسه في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار. انتهى. وقال ابن هشام في المغني: وقال الزمخشري: إنهم جعلوا في النار الآن لتحقق الموعود به، ولا يلزم ما ذكره؛ لأنه لا يمتنع تقدير المستقبل، ولكن ما ذكره أبلغ، وأحسن. هذا، وقوله: ﴿أَفَمَنْ﴾ و﴿أَفَأَنْتَ﴾ مثل (أفلا) في الآية رقم [١٥٥] من سورة (الصافات).\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (من): فيها وجهان: أظهرهما: أنها موصولة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: كمن نجا، ونحوه، حذف لدلالة الجملة التالية عليه. والثاني:\nأنها شرطية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وجوابها الجملة الاسمية التالية. ﴿حَقَّ:﴾\nفعل ماض. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَلِمَةُ:﴾ فاعله، و﴿كَلِمَةُ﴾ مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة: ﴿فَمَنْ﴾ على اعتبارها موصولة، وفي محل جزم فعل شرطها على أنها شرطية. ﴿أَفَأَنْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام مؤكد للأول، والجملة الفعلية على اعتبار الفاء عاطفة معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أأنت تملك أمرهم فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه؟!. الفاء: حرف استئناف على اعتبار ﴿فَمَنْ﴾ موصولة، وواقعة في جوابها على اعتبارها شرطية. (أنت): مبتدأ. ﴿تُنْقِذُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿فَمَنْ:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: يلقى في النار، والجملة الاسمية مستأنفة على اعتبار ﴿فَمَنْ﴾ موصولة، وفي","vol":"8","page":225},{"text":"محل جزم جوابها على اعتبارها شرطية، وخبرها جملتا الشرط والجواب كما قد رأيته مرارا.\nوجملة: ﴿تُنْقِذُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ.\n\n<span id=\"aya-4078\"></span>﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ أي: لكن المؤمنون الأبرار، المتقون لله في الدنيا، المتمسكون بشريعته، وطاعته ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ﴾ أي: لهم في الجنة درجات عالية، وقصور شاهقة، بعضها فوق بعض، مبنية من زبرجد، وياقوت. هذا قول ابن عباس﵄-. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: تجري من تحت قصورها، وأشجارها أنهار الجنة من غير أخاديد. ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ أي: وعدهم الله بذلك وعدا مؤكدا، لا يمكن أن يتخلف؛ لأنه وعد العزيز القدير. هذا؛ وما في هذه الآية مقابل لما في الآية رقم [١٦] وانظر ما ذكرته في سورة (يس) رقم [٥٥]، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (العنكبوت) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿لكِنِ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» إضراب عن قصة إلى قصة مخالفة للأولى، كقولك: جاءني زيد؛ لكن عمرو لم يأت. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غُرَفٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿لكِنِ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿مِنْ فَوْقِها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿غُرَفٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة: ﴿غُرَفٌ،﴾ وأجاز ابن هشام، بل ورجح اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة:\n ﴿غُرَفٌ،﴾ و﴿غُرَفٌ﴾ الثاني فاعلا بمتعلق الجار والمجرور؛ لأن الأصل عدم التقديم والتأخير، ولأن الجار والمجرور معتمدان على الموصوف. ﴿مَبْنِيَّةٌ:﴾ صفة: ﴿غُرَفٌ﴾.\n ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿غُرَفٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَعْدَ:﴾\nمفعول مطلق، عامله معنى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ؛﴾ لأنه بمعنى: الوعد، و﴿وَعْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾","vol":"8","page":226},{"text":"مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخْلِفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهِ:﴾ فاعل.\n ﴿الْمِيعادَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4079\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ ألم تنظر أيها العاقل، وتعتبر؟! ﴿أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي: مطرا.\n ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ:﴾ أدخله عيونا، ومجاري كائنة فيها، أو مياها نابعات فيها. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٨]: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ،﴾ وقال في سورة (الحجر) رقم [٢٢]: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ و﴿يَنابِيعَ﴾ جمع: ينبوع، وفي سورة (الإسراء) رقم [٩٠]:\n ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ وهو: «يفعول» من نبع، ينبع بتثليث عين المضارع. ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ﴾ أي: زروعا شتى لها ألوان مختلفة: حمرة، وصفرة، وزرقة، وخضرة. وقال البيضاوي: أصناف الزرع من بر، وشعير، وذرة، وعدس... إلخ. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ:﴾ يتم جفافه؛ لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منبته. ﴿فَتَراهُ﴾ أيها الناظر إليه. ﴿مُصْفَرًّا:﴾ من شدة يبسه.\n ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ أي: فتاتا متكسرا، من: تحطم العود: إذا تفتت من اليبس، والعدول إلى المضارع في هذه الأفعال عن الماضي، كما يقتضيه أسلوب العطف لاستحضار الصور البديعة.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: المذكور من الأفعال الخمسة في هذه الآية أولها: ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿الْآياتِ:﴾ لعبر، وعظات. ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ:﴾ لأصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة.\nقال الزمخشري: يجوز أن يكون مثلا للدنيا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا..﴾. إلخ الآية رقم [٢٤] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقوله تعالى:\n ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا..﴾. إلخ الآية رقم [٤٥] من سورة (الكهف). قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي: الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن هذه الدنيا هكذا، تكون خضرة ناضرة حسناء، ثم تعود عجوزا شوهاء، والشاب يعود شيخا هرما، كبيرا ضعيفا، وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير. هذا؛ وانظر شرح ثم في الآية رقم [٦٥] من سورة (الصافات).\nهذا؛ وأغرب القرطبي-رحمه الله تعالى-حيث قال: وقيل: هو مثل ضربه الله للقرآن، ولصدور من في الأرض؛ أي: نزله من السماء قرآنا، فسلكه في قلوب المؤمنين، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾","vol":"8","page":227},{"text":"مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ أي: دينا مختلفا بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن؛ فيزداد إيمانا، ويقينا، وأما الذي في قلبه مرض؛ فإنه يهيج كما يهيج الزرع. انتهى. وهذا لا يتفق مع صريح الآية أبدا.\nهذا؛ وصريح قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يدل دلالة واضحة على أن المطر إنما هو من خزائن الله في السماء، وكان العرب في الجاهلية، ومثلهم العصريون في هذا الزمن يعتقدون: أن الغيوم تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة فتمتد منها خراطيم عظيمة كخراطيم الفيلة، فتشرب من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء الله تعالى. خذ قول أبي ذؤيب الهذلي يصف السحاب على اعتقاد العرب، وهو الشاهد (٤٧٢) من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nشربن بماء البحر، ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج\nهذا؛ وأصل ماء: (موه) بفتح الميم، والواو، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار (ماه) فلما اجتمعت الألف، والهاء-وكلاهما خفي-قلبت الهاء همزة. ودليل ذلك: أن جمع ماء: أمواه ومياه، وتصغيره: مويه، وأصل ياء مياه: واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار، وديار، وقيمة، وقيم، ومثله قولهم: سوط، وسياط، وحوض، وحياض، وثوب، وثياب، وثور، وثيرة، ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام. وقيل في حدّه: جوهر سيال به قوام الأرواح.\nهذا؛ والسماء يذكر، ويؤنث، والسماء كل ما علاك، فأظلك، ومنه قليل لسقف البيت: سماء، والسماء يطلق على المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك: [الوافر]\nإذا نزل السماء بأرض قوم... رعيناه، وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء: المطر، ثم أعاد عليه الضمير في: رعيناه بمعنى: النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾\nاسمها. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (ماء) كان صفة له.. إلخ. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في","vol":"8","page":228},{"text":"محل نصب سد مسد مفعول الفعل: (ترى)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَسَلَكَهُ:﴾\nالفاء: حرف عطف. (سلكه): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿يَنابِيعَ:﴾ حال من الضمير المنصوب، أو هو ظرف مكان متعلق بما قبله. وقول البيضاوي: فنصبها على المصدر، لا وجه له إلا إذا اعتبرناه ظرفا للمصدر المحذوف؛ أي: سلكه سلوكا في ينابيع، فلما حذف المصدر، انتصب انتصابه. وقيل: تمييز. وقيل: منصوب بنزع الخافض. وهذان ضعيفان. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿يَنابِيعَ﴾ على جميع الاعتبارات فيه.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُخْرِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿زَرْعًا:﴾ مفعول به. ﴿مُخْتَلِفًا:﴾ صفة: ﴿زَرْعًا﴾. ﴿أَلْوانُهُ:﴾ فاعل به؛ لأنه اسم فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وجملة: ﴿يَهِيجُ﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها. ﴿فَتَراهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿مُصْفَرًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿يَجْعَلُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿حُطامًا:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة أيضا.\n ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَذِكْرى:﴾ اللام: لام الابتداء.\n (ذكرى): اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِأُولِي:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: (ذكرى)، أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و(أولي) مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4080\"></span>﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ:﴾ وسعه للإسلام، فاهتدى، وقبل الحق؛ الذي جاء به محمد ﷺ، كمن طبع الله تعالى على قبله، فلم يهتد، ولم يقبل الحق؟!. ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على يقين، وبيان، وهداية من ربه بتنوير الحق في قلبه. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن عبد الله بن مسعود﵁قال: تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ قلنا: يا رسول الله! كيف انشراح صدره؟ قال: «إذا","vol":"8","page":229},{"text":"دخل النور القلب انشرح، وانفسح». قلنا: يا رسول الله! فما علامات ذلك؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتّجافي عن دار الغرور، والتأهّب للموت قبل نزول الموت».\n ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: من ترك ذكر الله، أو من أجل ذكر الله؛ أي: إذا ذكر الله عندهم، أو آياته؛ ازدادت قلوبهم قسوة، كقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٢٥] ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ فإنهم كلما تلي ذكر الله على الذين يكذبون به؛ قست قلوبهم عن الإيمان به. وقيل: إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر، كدرة العنصر، بعيدة عن قبول الحق؛ فإن سماعها لذكر الله لا يزيدها إلا قسوة، وكدورة، كحر الشمس يلين الشمع، ويعقد الملح، فكذلك القرآن يلين قلوب المؤمنين عند سماعه، ولا يزيد الكافرين، والملحدين، والفاجرين إلا قسوة. قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع الرّحمة منهم. انتهى. خازن.\nوعن أبي سعيد الخدري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: اطلبوا الحوائج من السّمحاء، فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم، فإني جعلت فيهم سخطي». انتهى. قرطبي. وعن عبد الله بن عمر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّ أبعد النّاس من الله تعالى القلب القاسي». رواه الترمذي. وعن أبي هريرة﵁قال: سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم ﷺ يقول: «لا تنزع الرّحمة إلاّ من شقيّ». رواه أبو داود والترمذي.\nأما أسباب قسوة القلب؛ فإني أوجزها لك بما يلي: منها: أكل الحرام، فإن الشخص الذي لا يبالي من أين أكل من الحلال، أم من حرام، تخبث نفسه، ويقسو قلبه، وتفحش أعماله، وتسوء أخلاقه. ومنها: اتباع الهوى، والانقياد للشيطان الرجيم، فإن الشخص الذي يسلسل لنفسه قيادها؛ تجره إلى المهالك، والذي ينقاد إلى شيطانه؛ يأمره بكل شر، وينهاه عن كل خير.\nومنها: كثرة الشغف بالمجادلة، والمخاصمة بالباطل. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا»﴾. رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال أنس بن مالك﵁-: المراء يقسي القلوب، ويورث الضغائن. ومنها: الغفلة عن ذكر الله تعالى، وعدم مراقبته في السر والعلن، والإعراض عن أداء واجبات الله تعالى، كالصلاة، وغيرها، فإن الشخص الذي يعرض عن الله؛ يعرض الله عنه، ويكله إلى شيطانه. مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. ورحم الله ابن المبارك؛ إذ يقول: [المتقارب]\nرأيت الذّنوب تميت القلوب... وقد يورث الذّلّ إدمانها\nوترك الذنوب حياة القلوب... وخير لنفسك عصيانها","vol":"8","page":230},{"text":"ومنها: الانغماس في الشهوات، واللذات، والإغراق في الترف، والنعيم، وكثرة الأكل، والشراب. قال بعض العلماء: من كثر أكله؛ كثر شربه، ومن كثر شربه؛ كثر نومه، ومن كثر نومه، كثر تخمه، ومن كثر تخمه؛ قسا قلبه، ومن قسا قلبه؛ غرق في الآثام، ومن غرق في الآثام؛ فالنار أولى به! ورحم الله من يقول: [الطويل]\nيميت الطعام القلب إن زاد كثرة... كزرع إذا بالماء قد زاد سقيه\nوإنّ لبيبا يرتضي نقص عقله... بأكل لقيمات لقد ضلّ سعيه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3704>خاتمه:</span>\nقيل: نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق﵁وأبيّ بن خلف. وقيل:\nنزلت في علي، وحمزة﵄وفي أبي لهب، وولده. وقيل: نزلت في رسول الله ﷺ وفي أبي جهل. والأولى التعميم. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٢]: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾.\nالإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: أكل الناس سواء، فمن... إلخ. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. خبره محذوف، انظر تقديره في الشرح، وبعضهم يعتبر (من) شرطية مبتدأ، خبرها جملة الشرط، أو الجواب، أو هما معا، كما ذكرته مرارا. ﴿شَرَحَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، أو هي شرط (من) على اعتبارها شرطية.\n ﴿صَدْرَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلْإِسْلامِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى نُورٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نُورٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف. والثانية بالإتباع.\n ﴿فَوَيْلٌ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ويل): مبتدأ، ساغ الابتداء به؛ لأن فيه معنى الدعاء.\n ﴿لِلْقاسِيَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعل ب: (القاسية)؛ لأنه اسم الفاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، وإن اعتبرت:\n ﴿لِلْقاسِيَةِ﴾ متعلقين ب: (ويل)؛ ف: ﴿مِنْ ذِكْرِ﴾ هما الخبر لا غير، و﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"8","page":231},{"text":"<span id=\"aya-4081\"></span>﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ:﴾ روي: أن الصحابة رضوان الله عليهم ملّوا ملّة، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا حديثا حسنا. فنزلت. والمعنى: أن فيه مندوحة عن سائر الأحاديث، وإنما كان القرآن أحسن الحديث لوجهين: أحدهما من جهة اللفظ، والآخر من جهة المعنى، أما الأول؛ فلأن القرآن من أفصح الكلام، وأجزله وأبلغه، وليس هو من جنس الشعر، ولا من جنس الخطب والرسائل، بل هو نوع يخالف الكل في أسلوبه، وأما الوجه الثاني، وهو كون القرآن من أحسن الحديث لأجل المعنى؛ فلأنه كتاب منزه عن التناقض والاختلاف، مشتمل على أخبار الماضين، وقصص الأولين، وعلى أخبار الغيوب الكثيرة، وعلى الوعد والوعيد والجنة والنار. انتهى. خازن.\nقال أبو حيان: والابتداء باسم الله، وإسناد ﴿نَزَّلَ﴾ لضميره، فيه تفخيم للمنزل ورفع من قدره، كما تقول: الملك أكرم فلانا، فإنه أفخم من أكرم الملك فلانا، وحكمة ذلك البداءة بالأشرف. انتهى. صفوة التفاسير.\n ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ أي: قرآنا متشابها، يشبه بعضه بعضا في الفصاحة والبلاغة، والتناسب بدون تعارض، ولا تناقض، وفي تركيب النظم، وصحة المعنى، والدلالة على المنافع العامة.\n ﴿مَثانِيَ﴾ أي: تثنى فيه وتكرر المواعظ والأحكام، والحلال والحرام، والوعد والوعيد، وتردّد فيه القصص والأخبار، والأحكام والحجج دون سأم، أو ملل، وإنما وصف الكتاب، وهو مفرد ب: ﴿مَثانِيَ﴾ وهو جمع؛ لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس، وسور وآيات فكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات. ونظيره قولك: الإنسان عروق وعظام وأعصاب، إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة، وأصله كتابا متشابها فصولا مثاني. قاله في الكشاف.\n ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ..﴾. إلخ: اقشعرّ جلده: إذا تقبض، وتجمع من الخوف، ووقف شعره.\nوالمصدر: الاقشعرار، والقشعريرة أيضا، ووزن اقشعرّ: افعللّ، ووزن القشعريرة: فعلليلة، وإنما ذكرت الجلود وحدها أولا، ثم قرنت بالقلوب ثانيا؛ لأن ذكر الخشية التي محلها القلوب مستلزم لذكر القلوب، فكأنه قيل: تقشعر جلودهم، وتخشى قلوبهم في أول الأمر، فإذا ذكروا الله، وذكروا رحمته، وسعتها، استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة لينا في جلودهم. انتهى. جمل نقلا من كرخي.","vol":"8","page":232},{"text":"وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال؛ طاشوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال؛ عاشوا. قال ابن كثير: هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار؛ إذا قرؤوا آيات الوعد، والوعيد، والتخويف، والتهديد؛ تقشعرّ جلودهم من الخشية والخوف، وإذا قرؤوا آيات الرحمة؛ لانت جلودهم، وقلوبهم؛ لما يرجون من رحمته، ولطفه. انتهى. وخذ ما يلي: عن العباس بن عبد المطلب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله؛ تحاتّت عنه ذنوبه، كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها». رواه أبو الشيخ في كتاب «الثواب»، والبيهقي.\nهذا؛ وقال قتادة﵁-: هذا نعت أولياء الله، الذين نعتهم الله به: أنهم تقشعر جلودهم، وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان. وروي عن عبد الله بن عروة بن الزبير﵃قال:\nقلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر﵄-: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: كما نعتهم الله﷿تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم. قال عبد الله: فقلت لها: إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خرّ أحدهم مغشيا عليه، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.\nوروي: أن عبد الله بن عمر﵄مرّ برجل من أهل العراق ساقط، قال:\nما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن، أو سمع ذكر الله؛ سقط، فقال: إنا لنخشى الله، وما نسقط. وقال ابن عمر: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب رسول الله ﷺ! وذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه؛ فهو صادق. وقال أبو عمران الجوني: وعظ موسى ﵇ بني إسرائيل ذات يوم، فشق رجل قميصه، فأوحى الله إلى موسى: قل لصاحب القميص: لا يشق قميصه؛ فإني لا أحب المبذرين؛ يشرح لي عن قلبه.\nوعن ثابت البناني؛ قال: قال فلان: إني لأعلم متى يستجاب لي! قالوا: ومن أين تعلم ذلك؟ قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي. وعن شهر بن حوشب عن أم الدرداء﵂قالت: إنما الوجل في قلب الرجل كاحتراق السعفة، أما تجد إلا قشعريرة؟ قلت: بلى! قالت: فادع الله، فإن الدعاء عند ذلك مستجاب.\nقال سعد بن أبي وقاص﵁-: قال أصحاب رسول الله ﷺ: لو حدثتنا! فأنزل الله ﷿: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ..﴾. إلخ. فقالوا: لو قصصت علينا! فأنزل ﵎: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. فقالوا: لو ذكرتنا! فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾. ﴿ذلِكَ﴾ أي: القرآن؛ الذي هو أحسن الحديث. ﴿هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ﴾","vol":"8","page":233},{"text":"﴿مَنْ يَشاءُ﴾ أي: من عباده، وهو من علم منهم اختيار الاهتداء في الأزل. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ أي: يجعل الله قلبه قاسيا منافيا لقبول الهداية، فما له من هاد يهديه إلى الحق، والصواب. وفي هذه الآية رد على المعتزلة القائلين: إن العبد يخلق أفعال نفسه.\nهذا؛ وهاد أصله: «هادي» بضمة على الياء علامة للرفع، أو بكسرة على الياء علامة للجر، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الضمة، أو الكسرة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الدال مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: هاد بالكسرة، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للدال، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من: أل، والإضافة، سواء أكان ثلاثيا، أم رباعيا؟\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى:\n ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَحْسَنَ:﴾ مفعول به. وهو مضاف، و﴿الْحَدِيثِ﴾ مضاف إليه. ﴿كِتابًا:﴾ بدل من: ﴿أَحْسَنَ،﴾ أو هو حال منه، والأول أقوى.\n ﴿مُتَشابِهًا:﴾ صفة: ﴿كِتابًا﴾. ﴿مَثانِيَ:﴾ صفة ثانية، أو حال منه بعد وصفه لما تقدم.\n ﴿تَقْشَعِرُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جُلُودُ:﴾ فاعله، و﴿جُلُودُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.\n ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿تَقْشَعِرُّ..﴾. إلخ تصلح للحالية، والوصفية ل: ﴿كِتابًا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَلِينُ:﴾ فعل مضارع. ﴿جُلُودُهُمْ:﴾ فاعله. ﴿وَقُلُوبُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى ذِكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿إِلى﴾ بمعنى: «عند» و﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿تَلِينُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُدَى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿هُدَى﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهُ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو","vol":"8","page":234},{"text":"الرابط محذوف، التقدير: يهدي به الذي، أو: شخصا يشاء الله هدايته، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: هدى الله، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، والرابط: الضمير المجرور محلا بالياء، والعامل في الحال اسم الإشارة.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿يُضْلِلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، ومفعوله محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (ما): نافية. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿هادٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان. وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الشرطية على الوجهين المعتبرين في ﴿مَنْ﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4082\"></span>﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ:﴾ شدته. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ قيل: يجر على وجهه في النار. وقيل: يرمى به في النار منكوسا. فأول شيء تمسه النار منه وجهه. وقيل: هو الكافر يرمى به منكوسا في النار، مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة من كبريت مثل الجبل العظيم، فتشتعل النار في تلك الصخرة، وهي في عنقه، فحرها، ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يديه، وعنقه. ومعنى الآية: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب، كمن هو آمن من العذاب؟ انتهى. خازن، وخذ قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٠]: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ،﴾ وقال تعالى في سورة (الملك) رقم [٢٢]: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أي: تقول لهم الخزنة. فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم، وإشعارا بالموجب لما يقال لهم. ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: ذوقوا وبال، ونتيجة ما كسبتم في الحياة الدنيا من المعاصي. هذا؛ وقد راعى لفظ (من) بقوله: ﴿يَتَّقِي﴾ ومعناها بقوله: ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ. وانظر إذاقة العذاب في الآية رقم [٣٨] من سورة (الصافات)، وانظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [٥٩] من سورة (يس).","vol":"8","page":235},{"text":"الإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف استئناف. وقيل: عاطفة على محذوف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: كمن هو آمن من العذاب. ﴿يَتَّقِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿بِوَجْهِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿سُوءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَتَّقِي،﴾ و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: (من يتقي...) إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.\n ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): ماض مبني للمجهول. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر للإهانة مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهي في الأصل مضاف إليه، التقدير: ذوقوا جزاء ما، فلما حذف المضاف؛ أقيم المضاف إليه مقامه.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْسِبُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: جزاء الذي، أو: جزاء شيء كنتم تكسبونه. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير: ذوقوا جزاء كسبكم، وجملة: ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل:\n (قيل)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٥] من سورة (يس)، ففيها فضل بيان، وجملة: ﴿وَقِيلَ..﴾.\nإلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. وقيل: هي في محل نصب حال من فاعل:\n ﴿يَتَّقِي﴾ المستتر، و«قد» قبلها مقدرة، والرابط: وضع الظاهر موضع الضمير، والواو أيضا.\n\n<span id=\"aya-4083\"></span>﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ قبل كفار مكة، كذبوا رسلهم، وذلك مثل قوم هود، وصالح، وشعيب، ولوط، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: من الجهة التي لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، وهم غافلون، ساهون، لاهون. هذا؛ والشعور: إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. هذا؛ و﴿حَيْثُ﴾ ظرف مكان اتفاقا مبني على الضم؛ لأنه لا يدل على موضع بعينه، وفيه ست لغات: بالياء مع الضم، والفتح، والكسر، وبالواو مع الضم والفتح والكسر، وهي: حيث، وحيث، وحيث، وحوث، وحوث، وحوث. انظر بحثها وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nالإعراب: ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة","vol":"8","page":236},{"text":"الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية، معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من ﴿الْعَذابُ﴾ ضعيف، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-4084\"></span>﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ:﴾ الذل، والصغار، والإهانة. كالمسخ، والخسف، والقتل، والجلاء، والغرق، والهلاك، والدمار، ونحو ذلك من أنواع العذاب مما قصه علينا القرآن الكريم. فليحذر كفار قريش غضب الله، وسخطه عليهم، فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل، وخاتم الأنبياء ﷺ. ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا؛ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول: [الكامل]\nيا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nأو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيّا، أما الآخرة؛ فهي الحياة الثانية؛ التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها، و﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المعد لهم. ﴿أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم، وأشد؛ لشدته ودوامه. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا من أهل العلم، والمعرفة، والنظر؛ لعلموا ذلك، واعتبروا به، وانظر: «خزي» في الآية رقم [٤٠] الآتية.\nالإعراب: ﴿فَأَذاقَهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أذاقهم): فعل ماض، والهاء مفعول به أول.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْخِزْيَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْخِزْيَ﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة (الحياة) مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿وَلَعَذابُ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ. وهو مضاف. و﴿الْآخِرَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لظرفه. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في","vol":"8","page":237},{"text":"محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، انظر تقديره في الشرح، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف كالجملة الاسمية قبله لا محل له مثلها، فهو تذييل لها مفاده بيان شدة العذاب في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-4085\"></span>﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ:﴾ يحتاج إليه الناظر المتبصر المعتبر. والمعنى: ولقد وصفنا لهم كل صفة غريبة، كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن، كصفة المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون، وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم، ومج أسماعهم حديث الآخرة لا يتذكرون، ولا يتعظون. انتهى. كشاف في سورة (الروم). وانظر شرح: (مثل) في الآية رقم [١٥] من سورة (يس).\nهذا؛ والناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط.. إلخ، واحده: إنسان من غير لفظه. وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله على الإنس، قال تعالى في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها.\nو(قرآن) مشتق من قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طريق الرشاد، وهو في اللغة مصدر بمعنى: الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته.\nوبمعنى: القراءة، ويقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء، المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، وهو المراد هنا. ويحرم على المحدث حدثا أكبر قراءته، وحمله ومسّه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله ومسّه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب، قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾\nيتعظون، فينتفعون بذلك. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترجّ، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (لقد): اللام: واقعة في جواب القسم.","vol":"8","page":238},{"text":"(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَرَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (يس). ﴿لِلنّاسِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي هذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿ضَرَبْنا﴾ أيضا. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. والهاء حرف تنبيه لا محل له، واسم الإشارة مبني على السكون في محل جر. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿ضَرَبْنا﴾ أيضا. وهما في محل المفعول به، وعند التأمل يتبين لك:\nأنهما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول ﴿ضَرَبْنا﴾ المحذوف؛ إذ التقدير: ضربنا للناس مثلا كائنا من كل مثل، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿مَثَلٍ﴾ مضاف إليه. هذا؛ والجملة القسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة:\n ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4086\"></span>﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا:﴾ هذا؛ وقال تعالى في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: بلغتكم؛ لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه، ويؤخذ من هذه الآية: أنه يجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه؛ لأن سورة (يوسف) بعض القرآن، ولأنه اسم جنس يقع على الكل، والبعض، واختلف هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء بغير العربية، فأنكر أبو عبيدة على من يقول ذلك أشد النكير، وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة﵃-: أن فيه من غير العربية مثل: (سجّيل، والمشكاة، واليمّ، وإستبرق، وسندس) ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح المختار؛ لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيدة بلسان العرب، وكلا القولين صواب؛ إن شاء الله تعالى، ووجه الجمع بينهما: أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم بسهولة؛ صارت عربية فصيحة؛ وإن كانت غير عربية في الأصل.\n ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي: لا اختلال فيه بوجه من الوجوه. وقيل: غير ذي شك. قاله السدي فيما ذكره الماوردي، وأنشد: [البسيط]\nوقد أتاك يقين غير ذي عوج... من الإله وقول غير مكذوب\nوقيل: المعنى مستقيما بريئا من التناقض، والاختلاف. قال الزمخشري: فإن قلت:\nفهلا قيل: مستقيما، أو: غير معوج؛ قلت: فيه فائدتان: إحداهما: نفى أن يكون فيه عوج قط، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ رقم [١] من سورة (الكهف). والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان. وقيل: المراد بالعوج: الشك، واللبس، وأنشد البيت. هذا؛","vol":"8","page":239},{"text":"والعوج بكسر العين، وفتحها، وقد فرق العرب بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول: في دينه عوج (بكسر العين)، وفي الجدار عوج (بالفتح).\nهذا؛ و﴿غَيْرَ﴾ اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها؛ فلذا وصفت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ رقم [٣٨] من سورة (القصص)، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها؛ إن فهم المعنى، وتقدمت كلمة:\n «ليس» عليها، تقول: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو على الفتح خلاف.\n ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ علة لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فالأول سبب في الثاني. وعبارة البيضاوي:\nعلة أخرى مرتبة على الأولى؛ أي: لأن العلل يفهم منها التعليل، فعلل ضرب الأمثال أولا بالتذكر، والاتعاظ، ثم علل التذكر بالاتقاء؛ لأنه المقصود منه، فليس من تعليل معلول واحد بعلتين. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب. هذا؛ وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت:\nما الحكمة في تقديم التذكر في الآية الأولى على التقوى في هذه الآية؟ قلت: سبب تقديم التذكر: أن الإنسان إذا تذكر، وعرف، ووقف على فحوى الشيء، واختلط بمعناه؛ اتقاه، واحترز منه. انتهى. أقول: والحكمة من تقديم التعقل على التذكر، وتقديم التذكر على التقوى، انظرها في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام).\nالإعراب: ﴿قُرْآنًا:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون منصوبا على المدح؛ أي: بفعل محذوف؛ لأنه لما كان نكرة امتنع إتباعه ل: (القرآن). الثاني: أن ينتصب ب: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي:\nيتذكرون قرآنا. الثالث: أن ينتصب على الحال من (القرآن) على أنها حال مؤكدة، وتسمى حالا موطئة؛ لأن الحال في الحقيقة ﴿عَرَبِيًّا﴾ و﴿قُرْآنًا﴾ توطئة له، نحو جاء زيد رجلا صالحا. انتهى.\nجمل نقلا من السمين. والحالية هي التي قالها جميع المفسرين، وانظر أنواع الحال في الآية رقم [٧٣] الآتية. ﴿عَرَبِيًّا:﴾ صفة. ﴿غَيْرَ:﴾ صفة ثانية، ويجوز أن يكون حالا منه بعد وصفه ب: ﴿عَرَبِيًّا،﴾ و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿ذِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾ مضاف، و﴿عِوَجٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ تعليل للتذكير، كما رأيت في الشرح، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-4087\"></span>﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ أي: مختلفون، سيئة أخلاقهم.\nوالشكس: السّيّئ الخلق، المخالف للناس، لا يرضى بالحق، والإنصاف. ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أي: خالصا له، لا شريك له فيه، ولا منازع. والمعنى: واضرب يا محمد لقومك مثلا، وقل","vol":"8","page":240},{"text":"لهم: ما تقولون في رجل مملوك، قد اشترك فيه شركاء، بينهم اختلاف وتنازع، كل واحد يدعي: أنه عبده، وهم يتجاذبونه في مهن شتّى، فإذا عنّت لهم حاجة؛ يتدافعونه، فهو متحير في أمره لا يدري أيهم يرضي بخدمته؟، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته؟ وفي رجل آخر مملوك، قد سلم لمالك واحد، يخدمه على سبيل الإخلاص، وذلك السيد يعين خادمه في حاجاته، فأي هذين أحسن حالا وأحمد شأنا؟!\nوهذا مثل ضربه الله تعالى للكافر الذي يعبد آلهة شتّى، والمؤمن الذي يعبد الله تعالى وحده، فكان حال المؤمن الذي يعبد إلها واحدا أحسن وأصلح من حال الكافر الذي يعبد آلهة شتّى. ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ أي: لا يستويان في الحال، والصفة، والجواب: لا يستويان.\nفالاستفهام للإنكار، والنفي. انتهى. خازن.\n ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ الواحد الأحد، الذي لا شريك له دون كل معبود سواه؛ أي: يجب أن يكون الحمد متوجها إليه وحده، والعبادة خالصة لوجهه الكريم. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. وذكر الأكثر إما؛ لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقوم مقام الكل. وخذ قول الشاعر: [البسيط]\nلم يبق من جلّ هذا الناس باقية... ينالها الوهم إلاّ هذه الصور\nلا يدهمنك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر\nدهمه: غشيه، يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم، ولله در القائل: [المنسرح]\nلا يدهمنك اللّحاء والصور... تسعة أعشار من ترى بقر\nفي شجر السّرو منهم شبه... له رواء ما له ثمر\nورضي الله عن حسان بن ثابت إذ يقول: [البسيط]\nلا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم الجمال وأحلام العصافير\nوخذ قوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾.\nهذا؛ وقال الزمخشري: التشاكس، والتشاخس: الاختلاف، تقول: تشاكست أحواله، وتشاخست أسنانه. انتهى. وقرئ ﴿سَلَمًا﴾ بقراآت كثيرة. هذا؛ وتخصيص الرجل بالذكر؛ لأنه أفطن للضر، والنفع من المرأة، والصبي؛ لأنهما قد يغفلان. هذا؛ والرجل مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشهامة وغيرهما من الصفات النبيلة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"8","page":241},{"text":"الإعراب: ﴿ضَرَبَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مَثَلًا:﴾ مفعول به. ﴿رَجُلًا:﴾ بدل من: ﴿مَثَلًا﴾. وقيل: منصوب بنزع الخافض، التقدير: ضرب الله مثلا برجل، والأول أقوى.\n ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شُرَكاءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿رَجُلًا﴾. ﴿مُتَشاكِسُونَ:﴾ صفة مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة... إلخ.\n ﴿وَرَجُلًا:﴾ معطوف على مثله. ﴿سَلَمًا:﴾ صفة له. ﴿لِرَجُلٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَلَمًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿ضَرَبَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَسْتَوِيانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله. ﴿مَثَلًا:﴾ تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقيل: الجملة الاسمية معترضة؛ لأن قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ مرتبط بقوله ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-4088\"></span>﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، أخبره بموته، وموتهم، وهو يحتمل خمسة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك تحذيرا من الآخرة. الثاني: أن يكون حثا على العمل.\nالثالث: أن يذكره توطئة للموت. الرابع: لئلا يختلف المسلمون في موته، كما اختلفت الأمم في غيره؛ حتى إن عمر﵁لما أنكر موته، واحتج أبو بكر﵁بهذه الآية فأمسك. الخامس: ليعلمه أن الله تعالى قد سوّى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره، لتكثر فيه السلوة، وتقل فيه الحسرة، انتهى. قرطبي. هذا؛ وقرئ: «(مائت)» و«(مائتون)» والفرق بين الميت، والمائت: أن الميت صفة لازمة كالسيد، وأما المائت؛ فصفة حادثة، تقول زيد مائت غدا؛ كما تقول: سائد غدا؛ أي: سيموت، وسيسود. وإذا قلت: زيد ميت، فكما تقول: حي في نقيضه فيما يرجع إلى اللزوم، والثبوت.\nهذا؛ ونزلت الآية ردا على كفار قريش الذين كانوا يتربصون برسول الله ﷺ موته، فأخبر الله تعالى: أن الموت يعمهم جميعا، فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني. انتهى. خازن.\nهذا؛ والميت، والميتة (بفتح الميم وسكون الياء فيهما) هو من فارقت روحه جسده.\nوجمعه: أموات، وأما المشدد فهو الحي الذي سيموت، وعليه الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها. وجمعه موتى، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل]","vol":"8","page":242},{"text":"أيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل\nفمن كان ذا روح، فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل\nهذا هو الأصل الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان، كما في قول عديّ بن الرّعلاء الغساني: [الخفيف]\nليس من مات فاستراح بميت... إنما الميت ميّت الأحياء\nإنّما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرجاء\nأقول: ومن هذا قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٥]: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ،﴾ وقوله جل ذكره في الآية رقم [٢٧] من سورة (آل عمران): ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. حيث استعمل المشدد فيهما لفاقد الحياة، والروح، كما هو واضح فيهما. هذا؛ ولا تنس: أن أصل المشدد: (ميوت)؛ لأنه من: مات، يموت، فقل في إعلاله: اجتمع الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وقل مثله في إعلال سيّد، وهيّن، وصيّب، ونحو ذلك، وقال الشاعر في تخفيف هيّن، وليّن: [البسيط]\nهينون لينون أيسار بنو يسر... سوّاس مكرمة أبناء أيسار\nالإعراب: ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مَيِّتٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مَيِّتُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4089\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ أي: إنك، وإياهم، فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغائب، قال ابن عباس﵄-: يعني: المحق، والمبطل، والظالم، والمظلوم. وقال الزبير: لما نزلت هذه الآية؛ قلنا: يا رسول الله! أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: «نعم ليكررن عليكم؛ حتى يؤدّى إلى كل ذي حق حقه». فقال الزبير﵁-: والله إن الأمر لشديد. أخرجه الترمذي.\nوقال ابن عمر﵄-: عشنا برهة من الدهر، وكنا نرى: أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين، فقلنا: وكيف نختصم؛ ونبينا واحد، وديننا واحد، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت: أنها فينا نزلت. وعن أبي سعيد الخدري﵁-","vol":"8","page":243},{"text":"في هذه الآية قال: كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟! فلما كان يوم صفين، وشد بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁أن النبي ﷺ قال: «من كان عنده مظلمة لأخيه من عرض، أو مال فليتحلّله اليوم من قبل أن لا يكون دينار، ولا درهم. إن كان له عمل صالح؛ أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات؛ أخذ من سيئات صاحبه، فحملت عليه». أخرجه البخاري. وعنه أيضا﵁أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟». قالوا:\nالمفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، قال: «إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه؛ أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار». متفق عليه. انتهى. خازن وقرطبي.\nوروي عن ابن عباس﵄قال: يختصم الناس يوم القيامة؛ حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، ويقول الجسد للروح: أنت أمرت، وأنت سوّلت، فيبعث الله ملكا، يفصل بينهما، فيقول لهما: مثلكما كمثل رجل مقعد بصير، والآخر ضرير، دخلا بستانا، فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثمارا، ولكن لا أصل إليها، فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه، فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما، فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما. يعني: أن الجسد للروح كالمطية، وهو راكبه.\nرواه ابن منده في كتاب الروح. انتهى. مختصر ابن كثير.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿يَوْمَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده أيضا. وقيل: متعلق بمحذوف حال من واو الجماعة. ولا يؤيده المعنى، وهو مضاف، و﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تَخْتَصِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.\n\n<span id=\"aya-4090\"></span>﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ أي: لا أحد أكذب ممن افترى على الله الكذب، وادّعى أن له ولدا، وأن له شريكا في الألوهية. ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ:﴾ وهو ما جاء به","vol":"8","page":244},{"text":"محمد ﷺ من الهدى، والفرقان. ﴿إِذْ جاءَهُ﴾ أي: جاء به؛ أي: القرآن. وقيل: بالرسالة إليه.\n ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ أي: مقام ومقر، وذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم، وهو مشتق من: ثوى بالمكان: إذا أقام به، يثوي ثواء، وثويّا، مثل مضى، يمضي مضاء، ومضيّا، ولو كان من: أثوى؛ لكان: مثوى، وهذا يدل على أن ثوى هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيدة:\nأثوى، وأنشد قول الأعشى: [الكامل]\nأثوى وقصّر ليلة ليزوّدا... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا\nوالأصمعي لا يعرف إلا «ثوى»، ويروى البيت: (أثوى) على الاستفهام، وأثويت غيري يتعدى، ولا يتعدى. هذا؛ ومثوى بمعنى: مأوى، والفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو مؤقتا، وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ رقم [١٥١] من سورة (آل عمران)؛ لأنه على الترتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي.\nالإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مفيد للنفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ﴾. ﴿كَذَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها؛ إن اعتبرتها نكرة موصوفة. ﴿عَلَى اللهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله.\n ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الصدق)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تقريري توبيخي. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿مَثْوىً:﴾ اسم (ليس) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَثْوىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4091\"></span>﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: والذي صدق به. قال ابن عباس﵄-: الذي جاء بالصدق هو رسول الله ﷺ جاء ب: «لا إله إلا الله». ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هو","vol":"8","page":245},{"text":"رسول الله ﷺ أيضا، بلغه إلى الخلق. وقيل: الذي جاء بالصدق هو جبريل، عليه الصلاة، والسّلام جاء بالقرآن، وصدق به محمد ﷺ. وقيل: الذي جاء بالصدق: رسول الله ﷺ، وصدق به: أبو بكر الصديق﵁-. وقيل: الذي جاء بالصدق: الأنبياء، والذي صدق به: الأتباع. وقيل:\nالذي جاء بالصدق: أهل القرآن، وهو الصدق، يجيئون يوم القيامة، وقد أدّوا حقه، فيقولون: هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا. وهذا القول يشمل كل المؤمنين. فإن المؤمنين يقولون الحق، ويعملون به، والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية، فإنه جاء بالصدق وصدق به المرسلين. وعلى هذا؛ وسابقه ف: (الذي) يكون بمعنى: الجمع: الذين، ويكون قد روعي لفظها بإرجاع الضميرين بالفعلين، وروعي معناها بقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ..﴾. إلخ، وتكون الآية مثل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧]: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٩]: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ ومثل هذه الآيات قول الأشهب بن زميلة النهشلي، وهو الشاهد رقم (٣٤٦) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nوإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد\nالإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (الذي)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالصِّدْقِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، أو هي صلة لموصول محذوف، معطوف على ما قبله، على حسب ما رأيت في الشرح. هذا؛ وقرأ عبد الله بن مسعود﵁- «(والّذين جاؤوا بالصّدق وصدّقوا به)» وهي قراءة على التفسير. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا و﴿الْمُتَّقُونَ﴾ خبره، فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (أولئك) والجملة الاسمية على الوجهين في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِي..﴾. لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو.\n\n<span id=\"aya-4092\"></span>﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿لَهُمْ:﴾ للمتقين المذكورين في الآية السابقة. ﴿ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: كل ما يشتهون في الجنة من الحور العين، والقصور الشامخة، وجميع أنواع الملاذ، والنعيم المقيم، والخير العميم. هذا؛ والعندية عندية تكريم، وتشريف، وتعظيم. وقال الجمل: أي: لهم ما يشاؤونه من جلب المنافع، ودفع المضار في الآخرة، لا في الجنة فقط، كما أن بعض","vol":"8","page":246},{"text":"ما يشاؤونه من تكفير السيئات، والأمن من الفزع الأكبر، وسائر أهوال يوم القيامة إنما يقع قبل دخوله الجنة. انتهى. نقلا عن الكرخي. ﴿ذلِكَ﴾ أي: المذكور من الفضل الكبير. ﴿جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الذين أحسنوا القول، وأحسنوا العمل. هذا؛ ووصف الله المحسنين في سورة (الذاريات) بقوله: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. لذا فالقول: إن المحسنين هم الذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ووصفهم بآية (لقمان) رقم [٤] بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ لفضل اعتداد بهذه الأمور الثلاثة، وفي قول الرسول ﷺ لجبريل ﵇: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». هذا؛ والجزاء: المجازاة، والمكافأة على عمل ما وتكون في الخير، كما في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ وتكون في الشر، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ ونحوه كثير، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا؛ والفعل: «جزى» ينصب مفعولين، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ رقم [٢٩] من سورة (الأنبياء)، وأيضا الآية التالية.\nالإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: الجملة في محل رفع خبر ثان للمبتدأ في الآية السابقة، وهو (الذي)، والأول أقوى معنى.\n ﴿يَشاؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\nوقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-4093\"></span>﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: فإن قلت: ما معنى إضافة الأسوأ، والأحسن إلى ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾ وما معنى التفضيل فيهما؟ قلت: أما الإضافة؛ فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة؛ التي يفضل عليها، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، كقولك: الأشج أعدل بني مروان، وأما التفضيل فإيذان بأن السّيّئ الذي يفرط منهم من الصغائر، والزلات المكفرة هو عندهم","vol":"8","page":247},{"text":"الأسوأ؛ لاستعظامهم المعصية، والحسن الذي يعملونه هو عند الله الأحسن؛ لحسن إخلاصهم فيه، فلذلك ذكر سيئهم بالأسوأ، وحسنهم بالأحسن. انتهى.\nهذا؛ وقال الجلال: أسوأ وأحسن بمعنى: السّيّئ والحسن، فقال الجمل معلقا: أي:\nفأفعل التفضيل ليس على بابه، فبهذا الاعتبار عم الأسوأ جميع معاصيهم، والأحسن جميع حسناتهم، ولولا هذا التأويل لاقتضى النظم: أنه يكفر عنهم أقبح السيئات فقط، ويجزيهم على أفضل الحسنات فقط هذا مراده. انتهى. هذا؛ ومن هذا الباب قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الكامل]\nإنّ الّذي سمك السماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول\nالإعراب: ﴿لِيُكَفِّرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: يسر لهم ذلك؛ ليكفر، كأنه قيل: الذين أحسنوا لأجل التكفير، واللام للعاقبة. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿أَسْوَأَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي عملوه. ﴿وَيَجْزِيَهُمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به أول.\n ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِأَحْسَنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(أحسن): مضاف، و﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، ومفعوله محذوف، وهو عائد الموصول، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، التقدير: بالذي كانوا يعملونه.\n\n<span id=\"aya-4094\"></span>﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أي: رسوله محمدا ﷺ؛ أي: مانعه، وحافظه من كيد أعدائه، وقرئ «(عباده)» يعني: الأنبياء، عليهم ألف صلاة، وألف سلام، قصدهم قومهم بالسوء، فكفاهم الله شر من عاداهم. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله، وهي الأصنام، وذلك: أن قريشا قالوا للنبي ﷺ: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا بعيبك إياها. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: مشى خالد بن الوليد﵁إلى العزى ليكسرها بالفأس، فقال له سادنها:","vol":"8","page":248},{"text":"أحذّركها يا خالد! فإن لها شدة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العزى، فهشم أنفها، حتى كسرها بالفأس. وهذا كان يوم فتح مكة، وتخويفهم لخالد﵁تخويف للنبي ﷺ؛ لأنه هو الذي وجه خالدا. ويدخل في الآية تخويفهم النبي ﷺ بكثرة جمعهم وقوتهم، كما قال تعالى في سورة (القمر): ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾.\nالإعراب: ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تقريري. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾\nاسمها. ﴿بِكافٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (كاف): خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر، تقديره: «هو». ﴿عَبْدَهُ:﴾ مفعول لاسم الفاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يخوفونك): فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وقال الجمل نقلا عن السمين: يجوز أن تكون الجملة حالا؛ إذ المعنى: أليس الله كافيك حال تخويفهم إياك بكذا، وكان المعنى: كافيه في كل حال؛ حتى في هذه الحال. ويجوز أن تكون مستأنفة. انتهى.\nأقول: وفي الوجه الأول مانع من الحالية، وهو الواو لأن الجملة المضارعية المثبتة الواقعة حالا، لا تقترن بالواو، إلا أن يقال بالزيادة، أو على إضمار مبتدأ. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ انظر الآية رقم [٢٣] فالإعراب لا يختلف.\n\n<span id=\"aya-4095\"></span>﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقامٍ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ أي: للإيمان. ﴿فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أي: ومن أراد الله سعادته، فهداه إلى الهدى، والحق، ووفقه لسلوك طريق المهتدين؛ فلن يقدر أحد على إضلاله. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ أي: هو تعالى منيع الجناب، لا يضام من لجأ إليه، ووقف ببابه، وهو القادر على أن ينتقم من أعدائه لأوليائه؛ لأنه غالب لا يغلب، ذو انتقام من أعدائه. وفي الآية وعيد للمشركين، ووعد المؤمنين. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٧]: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿يَهْدِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والمفعول محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ انظر: ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ في الآية رقم [٢٣] وبقية الإعراب فيها كذلك. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ﴾ انظر مثلها في","vol":"8","page":249},{"text":"الآية السابقة. ﴿ذِي:﴾ صفة (عزيز) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾ مضاف، و﴿اِنْتِقامٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة كالجملة الاسمية، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4096\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمسؤول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته خلق السموات، والأرض، وخصهما بالذكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار والحركات، وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها؛ لأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية، كما في الأرض، وأيضا: لأنها بمنزلة الذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في رحم الأنثى؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر. ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ:﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود، بمعنى: إن هؤلاء المشركين مقرون وجودهم بوجود الإله القادر، العالم الحكيم، وذلك متفق عليه عند جمهور الخلائق، فإن فطرة الخلق شاهدة بذلك: أنها من ابتداع قادر حكيم، وانظر الإرادة في الآية رقم [٤].\n ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: أخبروني بعدما تحققتم: أن الخالق لهذا العالم هو الله وحده، أخبروني عن حال هذه الآلهة؛ التي تعبدونها من دون الله. ﴿إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ:﴾ أخبروني: لو أراد الله أن يصيبني بشدة وبلاء؛ هل تستطيع هذه الأصنام أن تدفع عني ذلك السوء، والضر؟! ﴿أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ أي: ولو أراد الله بي نفعا من نعمة، وصحة، وسعة في الرزق ورخاء في المعيشة؛ هل تستطيع أن تمنع عني هذه الرحمة؟! والجواب محذوف لدلالة الكلام عليه، يعني فسيقولون: لا، لا تكشف السوء، ولا تمنع الرحمة. قال مقاتل: سألهم النبي ﷺ فسكتوا. وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئا قدّره الله، ولكنها تشفع، وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن عباس﵄قال: كنت خلف النبي ﷺ يوما (راكبا خلفه).\nفقال: «يا غلام إنّي أعلمك كلمات، احفظ الله؛ يحفظك، احفظ الله؛ تجده تجاهك. إذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله. واعلم: أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك","vol":"8","page":250},{"text":"بشيء؛ لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضرّوك بشيء؛ لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام، وجفّت الصّحف». أخرجه الترمذي.\n ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ:﴾ الله كافيّ، وثقتي، فمنه عزي، ونصري. ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ:﴾\nيعتمد المعتمدون عليه في جميع أعمالهم، وتصرفاتهم، وحركاتهم، وسكناتهم، كما قال هود -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [٥٦] من سورة (هود). وعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحبّ أن يكون أقوى الناس؛ فليتوكّل على الله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أغنى الناس؛ فليكن بما في يد الله﷿أوثق منه بما في يديه، ومن أحبّ أن يكون أكرم الناس؛ فليتّق الله ﷿».\nأخرجه ابن أبي حاتم.\nهذا؛ والتوكل: تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره.\nوقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول رفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nفعن عمر بن الخطاب﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذي. هذا؛ وقوله ﷺ «تغدو، وتروح». إشارة إلى السعي، وطلب الرزق، فإنه الله ﷿ لم يرزقها؛ وهي في أعشاشها، وأوكارها، بل بسبب خروجها، وسعيها وبحثها عن الرزق. والله أعلم، وأجل، وأعظم.\nهذا؛ وهناك توكل، وتسليم، وتفويض. والفرق بين الثلاثة أن يقال: التوكل: أن تسكن إلى وعد الله تعالى. والتسليم: أن تكتفي بعلم الله تعالى. والتفويض: أن ترضى بحكم الله تعالى.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن): حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾\nفعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: هو، يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ خَلَقَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل:\n (سأل). ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولنّ): فعل مضارع مرفوع،","vol":"8","page":251},{"text":"وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، ونون التوكيد حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: الله خلقهنّ. أو هو فاعل لفعل محذوف التقدير: خلقهن الله، ويرجحه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٩]: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما. والكلام: ﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَفَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري تعجبي. الفاء: أراها صلة للتوكيد. وقال الجمل: الظاهر: أن الفاء جواب شرط مقدر؛ أي: إذا لم يكن خالق سواه، فهل يمكن غيره كشف ما أراد من الضر، أو منع ما أراد من النفع، أو هي عاطفة على مقدر؛ أي: أتفكرتم بعد ما أقررتم به، فرأيتم. انتهى. ولعلك تدرك معي: أن اعتبارها زائدة أسهل وأفهم، ولا حاجة إلى هذا التقدير، والتكلف. (رأيتم): فعل، وفاعل.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، فعلى قول أبي السعود يكتفي الفعل به، وعلى قول الكازروني يتطلب الفعل مفعولين على مثال ما رأيت في سورة (الأنعام) رقم [٤٠]، وفي سورة (يونس) رقم [٥٠] الأول الاسم الموصول، والثاني جملة استفهامية غير موجودة هنا. ويقدر الكلام: أخبروني ما تدعون من دون الله، هل هو حقيق بالعبادة، أو لا؟ انتهى. جمل من سورة (الشعراء). ولكنه هنا اعتبر المفعول الثاني موجودا. وهي قوله: ﴿هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ وعليه؛ فجملة الشرط معترضة وجوابها محذوف. انتهى. بتصرف.\n ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\nوالعائد محذوف. إذ التقدير: الذي تدعونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف. و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرادَنِيَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِضُرٍّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة الجملة الآتية عليه، والجملة الشرطية معترضة، كما رأيت فيما تقدم.\n ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿هُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿كاشِفاتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿ضُرِّهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ ويقرأ بالتنوين ونصب ﴿ضُرِّهِ﴾ على أنه مفعول صريح، ومثله ﴿مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ والجملة الاسمية: ﴿هَلْ هُنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان","vol":"8","page":252},{"text":"ل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ وهي دليل جواب الشرط. ﴿أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ معطوف هذا الكلام على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، مبني على السكون، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿حَسْبِيَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ. وهو فاعل بالمعنى، ويجوز اعتبار: ﴿حَسْبِيَ﴾ خبرا مقدما، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخرا. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والتقديم: يفيد الاختصاص، والحرص. ﴿يَتَوَكَّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُتَوَكِّلُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية، والجملة الاسمية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4097\"></span>﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَع؟؟؟؟؟؟؟؟ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: على غاية تمكنكم، واستطاعتكم. يقال: مكن مكانة: إذا تمكن أبلغ التمكين. أو المعنى: على ناحيتكم، وجهتكم، وحالتكم؛ التي أنتم عليها، من قولهم: مكان، ومكانة كمقام، ومقامة، ويقرأ: «(مكاناتكم)» بالجمع في كل القرآن. وهو أمر تهديد، ووعيد؛ أي: اثبتوا على كفركم، وعداوتكم. انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥]. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ أي: ثابت على ما كنت عليه من المصابرة، والتوحيد، والإيمان. فحذف هذا الكلام للاختصار، أو المبالغة في الوعيد، والإشعار بأن حاله لا تقف، فإن الله يزيده على مر الشهور، والأعوام قوة، ونصرا، ولذلك توعدهم بكونه منصورا عليهم في الدارين، فقال: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فهو تهديد ووعيد بصيغة المضارع؛ الذي هو للمستقبل بعد التهديد، والوعيد بصيغة الأمر. هذا؛ وقال البيضاوي: بتفسير ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على حالكم اسم مكان استعير للحال، كما استعير: هنا، وحيث من المكان إلى الزمان؛ أي: في كثير من الآيات.\nهذا؛ وقد ذكرت الآية بحروفها في (الأنعام) برقم [١٣٥]، وذكرت في سورة (هود) برقم [٩٣] بدون اقتران سوف بالفاء، والسبب في ذلك: أن الفاء في السورتين للتصريح بأن الإصرار، والتمكن فيما هم عليه سبب لذلك، وحذفت في سورة (هود)؛ لأنه جواب سائل. قال: فماذا يكون بعد ذلك، فهو أبلغ في التهويل. انتهى. بيضاوي.\nوقال النسفي: وإدخال الفاء في (سوف) وصل ظاهري بحرف وضع للوصل، ونزعها وصل تقديري بالاستئناف؛ الذي هو جواب لسؤال مقدر. كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون. والإتيان بالوجهين للتفنن في البلاغة.\nوأبلغهما الاستئناف. انتهى. وهذا الاستئناف يسمى في علم البيان بالاستئناف البياني.","vol":"8","page":253},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يا قَوْمِ:﴾ منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ، وانظر رقم [٢٠] من سورة (يس). ﴿اِعْمَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. التقدير: اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ تعليل للأمر، وهي من مقول القول. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف تعليل، أو استئناف. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، ولكنها تعود في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4098\"></span>﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ:﴾ يذله، ويدينه، والمراد به: عذاب الدنيا، وذلك بالجوع، والسيف، وقد عذبهم الله، وأخزاهم يوم بدر. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر، لا محيد له عنه، وذلك يوم القيامة، أعاذنا الله منه. هذا؛ والفعل (يخزيه) من الإخزاء، وهو الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي: [البسيط]\nلاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني\nوهذا هو الشاهد رقم (٢٦٠) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ومنه قول حسان بن ثابت -﵁يخاطب به من شج وجه النبي ﷺ في غزوة أحد: [الطويل]\nفأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك... ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق\nمددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق\nوهو على هذا من الرباعي من: أخزى؛ يخزي، وهو من الثلاثي: خزي، يخزى خزاية بمعنى: استحيا، وخجل، قال نهشل بن حريّ الدارميّ من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل بصفين مع الإمام علي، كرم الله وجهه: [الطويل]\nأخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٢٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقال ذو الرمة: [البسيط]\nخزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب","vol":"8","page":254},{"text":"الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل:\n ﴿تَعْلَمُونَ،﴾ وتحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ. التقدير: أينا يأتيه العذاب. ﴿يَأْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل نصب مفعول به.\n ﴿عَذابٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (من) على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية مبتدأ. وعليه يكون الفعل: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ معلقا عن العمل. والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعوله، إن كان من المعرفة، أو سدت سد مفعوليه إن كان من العلم، واعتباره من المعرفة هنا أولى. تأمل. وجملة: ﴿يُخْزِيهِ﴾ في محل رفع صفة:\n ﴿عَذابٌ،﴾ ﴿وَيَحِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعل. ﴿مُقِيمٌ:﴾ صفة:\n ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة بحروفها في سورة (هود) برقم [٣٩]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4099\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اِهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ:﴾ القرآن. ﴿لِلنّاسِ:﴾ لأجلهم، ولأجل حاجاتهم، فإنه مناط مصالحهم في معاشهم، ومعادهم، ولينذروا، وليبشروا، فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: ملتبسا ﴿بِالْحَقِّ﴾ الواضح، الذي لا خفاء فيه. ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فمن اهتدى بالإيمان به، والعمل بما فيه من الشرائع، والأحكام، فنفع اهتدائه عائد إليه لا إلى غيره. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن طريق الإيمان، وأخطأ طريق الهدى؛ ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أي: إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، لا على غيره. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ تحفظ أعمالهم، وليس أمرهم موكولا إليك، وإنما أنت رسول بشير ونذير، وقد أعذرت حين أنذرت، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾. ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾.\nوانظر (نا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (يس).\nهذا؛ وقال الجمل نقلا عن الخطيب: أي: لست مأمورا بأن تحملهم على الإيمان على سبيل القهر، بل القبول وعدمه مفوض إليهم. وذلك تسلية لرسول الله ﷺ، أو لأن الهداية والضلال من العبد لا يحصلان إلا من الله تعالى؛ لأن الهداية تشبه الحياة، واليقظة والضلال يشبهان الموت، والنوم، فكما أن الحياة، واليقظة لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى، كذلك الضلال، لا يحصل إلا من الله تعالى، ومن عرف هذه الدقيقة؛ فقد عرف سر الله في القدر، ومن عرف سرّ الله تعالى في القدر؛ هانت عليه المصائب. انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. هذا؛ والآيات التي من هذا النوع منسوخة بآية القتال. هذا؛ ولا تنس: الطباق، والمقابلة بين: اهتدى، وضل.","vol":"8","page":255},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، وأجيز تعليقهما بالفعل (أنزل) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِهْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط. والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿فَلِنَفْسِهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (لنفسه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهدايته لنفسه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه.\nكما رأيت في الآية رقم [٢٣]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، وجملة:\n ﴿اِهْتَدى﴾ صلته، والجملة الاسمية التي رأيتها في محل رفع خبره، واقترنت بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنِ اهْتَدى..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين؛ لأنها مفرعة عما قبلها، ومستأنفة. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق.\n ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَضِلُّ:﴾ فعل مضارع.\nوالفاعل يعود إلى (من). ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم: (ما). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿بِوَكِيلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (وكيل): خبر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية مهملة؛ فالضمير مبتدأ. وتكون الباء زائدة في خبره، والأول أقوى. والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4100\"></span>﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أي: يقبضها عند فناء آجالها، وانقطاع رزقها من الدنيا، وتوفي الأنفس على هذا النحو مذكور في كثير من الآيات القرآنية. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي﴾","vol":"8","page":256},{"text":"مَنامِها أي: يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٠]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾. انظر تفسيرها هناك، ففيه كبير فائدة. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ أي: لا يردها إلى أجسادها. ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ أي: النائمة يردها إلى بدنها عند اليقظة، إلى أجل مسمى. أي: الوقت المضروب لموت صاحبها. وهو غاية وقت الإرسال.\nهذا؛ وقال ابن عباس﵄وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء، والأموات تلتقي في المنام، فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد، أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وقال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى-أيضا: إن الله يقبض أرواح الأموات؛ إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ أي: يعيدها.\nوقال علي-كرم الله وجهه-: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها؛ فهي الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها؛ تلقيها الشياطين، وتخيل إليها الأباطيل، فهي الرؤيا الكاذبة.\nوقال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: النوم وفاة والموت وفاة. وعن النبي ﷺ قال: «لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون». وقال عمر﵁-: النوم أخو الموت. ومن حديث جابر بن عبد الله﵄قيل: يا رسول الله! أينام أهل الجنة؟ قال: «لا، النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها».\nهذا؛ واختلف الناس من هذه الآية في النفس، والروح: هل هما شيء واحد، أو شيئان على ما ذكرنا؟ والأظهر: أنهما شيء واحد، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح، من ذلك حديث أم سلمة﵂قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شقّ بصره، فأغمضه، ثم قال: «إنّ الرّوح إذا قبض تبعه البصر». وحديث أبي هريرة﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه». خرجهما مسلم. انتهى. كله من القرطبي بتصرف. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم) في شرح النفس. وانظر ﴿لِأَجَلٍ﴾ برقم [٥].\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: المذكور من التوفي، والإمساك، والإرسال. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي:\nفي كيفية تعلقها بالأبدان، وتوفيها عنها بالكلية حين الموت، وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها، وما يعتريها من السعادة، والشقاوة، وفي الحكمة في توفيها عن ظواهرها، وإرسالها حينا بعد حين إلى توفي آجالها. انتهى. بيضاوي. وانظر (التفكر) في الآية رقم [٢١] من سورة (الروم) أيضا؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"8","page":257},{"text":"تنبيه: أخرج البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره، فلينفض بها فراشه، وليسمّ الله فإنّه لا يعلم ما خلفه بعد على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع؛ فليضطجع على شقّه الأيمن، وليقل: سبحانك ربّي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي؛ فارحمها، وإن أرسلتها؛ فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصّالحين». زاد الترمذي: «وإذا استيقظ؛ فليقل: الحمد لله الّذي عافاني في جسدي، وردّ عليّ روحي وأذن لي بذكره».\nوخرج البخاري عن حذيفة﵁قال: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل؛ وضع يده تحت خدّه، ثم يقول: «اللهمّ باسمك أموت؛ وأحيا». وإذا استيقظ قال:\n «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور». هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (السجدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَتَوَفَّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْأَنْفُسَ:﴾ مفعول به. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. و﴿حِينَ﴾ مضاف، و﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه. و(ها): في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَالَّتِي:﴾ الواو: حرف عطف. (التي): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على: ﴿الْأَنْفُسَ﴾. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَمُتْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَنْفُسَ﴾. ﴿فِي مَنامِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿فَيُمْسِكُ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: حرف عطف، وليس بقوي. (يمسك): فعل مضارع. والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿الَّتِي:﴾ مفعول به. ﴿قَضى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى:\n ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به. والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. وجملة: ﴿فَيُمْسِكُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (يرسل):\nمضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿الْأُخْرى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها وليست عينها، وجملة: ﴿وَيُرْسِلُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع","vol":"8","page":258},{"text":"مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، وجملة: ﴿يَتَفَكَّرُونَ:﴾ في محل جر صفة (قوم). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4101\"></span>﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ أي: بل اتخذ كفار قريش الأصنام شفعاء تشفع لهم عند الله حين قالوا: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ رقم [١٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿قُلْ أَوَلَوْ كانُوا..﴾. إلخ: أي: أيشفعون؛ ولو كانوا على هذه الصفة، كما تشاهدونهم جمادات لا يملكون شيئا من أمرهم، ولا يقدرون على دفع ضر، أو على جلب نفع لأنفسهم؟ ﴿وَلا يَعْقِلُونَ:﴾ لا يفهمون ما يقال لهم.\nهذا؛ وإنما جمع الأصنام، والمعبودات الباطلة جمع المذكر السالم؛ لأن الكفار كانوا يخاطبونها مخاطبة العقلاء، فنزلت منزلتهم في الكلام، وهذا كثير في القرآن الكريم، وقد ذكرته في محاله مرارا، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا عاملوه معاملته، وأنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، كما يستعملون له «من» التي هي للعاقل لما ذكر من السبب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ رقم [٥] من سورة (الأحقاف)، وقال امرؤ القيس وهو الشاهد رقم (٨٥) من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي... وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟\nالإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: بل، فهي منقطعة عما قبلها. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿شُفَعاءَ﴾ بعدهما؛ لأنه جمع: شفيع. وقيل:\nهما مفعول ﴿اِتَّخَذُوا﴾ الثاني تقدم على الأول، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿شُفَعاءَ:﴾ مفعول به. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة:\nحرف استفهام إنكاري توبيخي، داخلة على محذوف، كما رأيت. الواو: واو الحال، (لو):\nوصلية هنا. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل الفعل المقدر بعد الهمزة، التقدير: أيشفعون في حالة تقدير عدم ملكهم، وعدم عقلهم؟ وقيل: (لو) شرطية، وليس بشيء. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية.","vol":"8","page":259},{"text":"﴿يَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والجملة المقدرة: أيشفعون... إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nتنبيه: مثل هذه الآية في تركيبها، وإعرابها الآية رقم [١٧٠] من سورة (البقرة)، ورقم [١٠٤] من سورة (المائدة)، ورقم [٢١] من سورة (لقمان).\n\n<span id=\"aya-4102\"></span>﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وخطاب للنبي ﷺ. ﴿لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ أي: مالك الشفاعة كلها، ولا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه، ولا يستقل بها أحد، وهو جواب لمن يقول، ويعترض:\nكيف قال: ﴿لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ مع ما جاء في الأخبار، أن للأنبياء، وللعلماء، والشهداء والأطفال شفاعات؟ وإيضاحه: أنه تعالى مختص بها، لا يملكها أحد إلا بتمليكه له، كما قال تعالى في آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ،﴾ وقال في سورة (الأنبياء) رقم [٢٨]:\n ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ لكن الذي هو مشروط في الآية شيئان: الملك، والعقل، والشرطان مفقودان في الأصنام التي يعبدونها من دون الله تعالى.\n ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ فهو المتصرف في هذا الكون: فهو المالك له كله، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه، ورضاه. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:﴾ يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا؛ وإنما قال: ﴿جَمِيعًا﴾ وهو للاثنين فصاعدا؛ والشفاعة واحدة؛ لأن الشفاعة مصدر، والمصدر يؤدي عن الاثنين والجميع. هذا؛ وشفعاء جمع شفيع، والشفاعة: التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى الشفيع، والشفاعة في الدنيا تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الله. والسيئة هي ما كانت بخلاف ذلك.\nوقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها بمعنى: الشفاعة إلى الله تعالى، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك». فذلك هو النصيب الذي ذكره الله بقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ رقم [٨٥] من سورة (النساء).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الشَّفاعَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الشفاعة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"8","page":260},{"text":"بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿مُلْكُ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿ثُمَّ:﴾\nحرف عطف. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا.\nتنبيه: لقد اختلف في مجيء الحال من المبتدأ، فمنعه قوم، ومنهم ابن القواس، فإنه قال في درة الغواص: مجيء الحال من المبتدأ يلزم منه المحال من وجهين: الأول: أنه لا يصدق عليه حد الحال؛ لكونه هيئة للمبتدأ، والحال يجب أن يكون هيئة فاعل، أو مفعول. والثاني:\nأنه يؤدي إلى أن يكون المبتدأ عاملا في الحال، لوجوب كون العامل في الحال عاملا في صاحبها، وهو محال، وإنما يصح أن تجعل حالا على قول من يرفع الشفاعة بالجار والمجرور من غير أن يعتمد على نفي، أو شبهه، وهو مذهب الأخفش، والكوفيين، وقول ابن القواس هو قول الجمهور، وخرجه على أن الحال إنما هي من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور.\nواختلف النقل عن سيبويه، فبعضهم يجعله موافقا للجمهور، وبعضهم يجعله موافقا لما استشهد به ابن هشام في قول كثير عزة، وهو الشاهد رقم [١٣٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nلعزّة موحشا طلل... يلوح كأنّه خلل\nويعد ذلك من الماخذ عليه. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة النحل [٥٢]: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا،﴾ وأيضا قوله الشاعر وهو الشاهد رقم [٣٧٨] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nوهلاّ أعدّوني لمثلي تفاقدوا... وفي الأرض مبثوثا شجاع وعقرب\nالشاهد ب: موحشا حيث وقع حالا من: (طلل)، وواصبا وقع حالا من (الدين)، و(مبثوثا) وقع حالا من: (شجاع وعقرب). وأيضا قول الشاعر، وهو الشاهد رقم (٣٧٢) من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nوفي الجسم منّي بيّنا لو علمته... شحوب، وإن تستشهدي العين تشهد\n\n<span id=\"aya-4103\"></span>﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ أي: إذا أفرد الله بالذكر، ولم تذكر آلهتهم، مثل قول المؤمن: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ؛﴾ ﴿اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ..﴾. إلخ: قال ابن عباس، ومجاهد، والمبرد:","vol":"8","page":261},{"text":"انقبضت. وقال قتادة: نفرت، واستكبرت، وكفرت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ رقم [٣٥] من سورة (الصافات). هذا؛ وأصل الاشمئزاز النفور، والازورار. قال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [٦٠] و[٦١]: [الوافر]\nفإنّ قناتنا يا عمرو أعيت... على الأعداء قبلك أن تلينا\nإذا عضّ الثّقاف بها اشمأزّت... وولّتهم عشوزنة زبونا\n ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ:﴾ يعني الأوثان، ومعبوداتهم الباطلة. ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي:\nيفرحون، ويظهر البشر، والسرور على وجوههم لفرط افتتانهم بها، ونسيان حق الله عليهم، ولقد بالغ في الأمرين؛ حتى بلغ الغاية فيهما، فإن الاستبشار: أن يمتلئ قلبه سرورا؛ حتى تنبسط له بشرة وجهه، والاشمئزاز: أن يمتلئ غما؛ حتى ينقبض أديم وجهه، انتهى. بيضاوي. هذا؛ وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: الأوثان، حين ألقى الشيطان في أمنية النبي ﷺ عند قراءته سورة (النجم): «تلك الغرانيق العلا...» إلخ قاله جماعة من المفسرين. هذا؛ ولقد بينات في سورة (الحج) رقم [٥١] بطلان هذه الحكاية، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. هذا؛ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [١٢]: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ وفي الآية الكريمة من المقابلة الرائعة ما لا يخفى؛ حيث قابل بين الله، والأصنام، وبين السرور، والاشمئزاز، والمقابلة أن يؤتى بمعنيين، أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، وهو من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف، وقيل: عاطفة. وفيه ضعف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ذُكِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اللهُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿وَحْدَهُ:﴾ قال القرطبي: نصب على المصدر عند الخليل، وسيبويه، وعلى الحال عند يونس. انتهى. أقول: وهو المعتمد، وهو مؤول ب: «منفردا» كما هو مقرر في كتب النحو. ﴿اِشْمَأَزَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿قُلُوبُ:﴾\nفاعله، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. وجملة:\n ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿اِشْمَأَزَّتْ..﴾. إلخ جواب: (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (إذا): مثل سابقتها. ﴿ذُكِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعله. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة واقعة في جواب ﴿إِذا﴾ الشرطية، وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (يس)، فالبحث فيها واف كاف.","vol":"8","page":262},{"text":"﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وجملة: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، وواقعة جوابا ل: (إذا) الظرفية على اعتبارها حرفا، و﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-4104\"></span>﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وخطاب للنبي ﷺ، وينبغي لكل مؤمن أن يقرأ هذه الآية في مقدمة سؤاله الله شيئا من أمور الدنيا، والآخرة. قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ..﴾. إلخ. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: سألت عائشة﵂-: بأي شيء كان النبيّ ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته، قال: «اللهم ربّ جبريل، وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». أخرجه مسلم.\n ﴿اللهُمَّ:﴾ أصله: يا الله، فحذفت أداة النداء، وعوض عنها الميم المشددة في الآخر، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه إلا في ضرورة الشعر، كما في قول أمية بن أبي الصلت، انظر الشاهد رقم [٤٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nإنّي إذا ما حدث ألمّا... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا\nوهذا الحذف والتعويض من خصائص الاسم الكريم، كدخول «يا» عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وتاء القسم. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما، ومبتدعهما على غير مثال سبق. هذا؛ والفطر: الشق عن الشيء، يقال: فطرته، فانفطر، قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ومنه: فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطّر الشيء: تشقّق، وسيف فطار؛ أي: فيه تشقق، قال عنترة: [الوافر]\nوسيفي كالعقيقة فهو كمعي... سلاحي لا أفلّ، ولا فطارا\nوكمعي: ضجيعي، والفطر: الاختراع، والابتداع، والابتداء. قال ابن عباس﵄-: كنت لا أدري ما ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها. أي: أنا ابتدأتها. والفطر: حلب الناقة بالسبابة، والإبهام. والمراد:\nبذكر السموات والأرض: العالم كله، ويستدل بهذا على أن من قدر على الابتداء قادر على","vol":"8","page":263},{"text":"الإعادة. ﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: السر، والعلانية. هذا؛ والشهادة: الحضور، والغيب:\nما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه قال الشاعر المسلم: [الطويل]\nوبالغيب آمنّا، وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمد\n ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في دنياهم، وستفصل بينهم يوم معادهم، ونشورهم، وقيامهم من قبورهم. هذا؛ وعن سعيد بن المسيب﵁قال:\nلا أعرف آية قرئت فدعي عندها، إلا أجيب سواها. وعن الربيع بن خثيم (وكان قليل الكلام) أنه أخبر بمقتل الحسين﵁وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد أن قال: آه! وقد فعلوا؟! وقرأ هذه الآية. وروي: أنه قال على أثره: قتل من كان ﷺ يجلسه في حجره، ويضع فاه على فيه. انتهى. وخذ ما يلي:\nوعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال: اللهمّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إنّي أعهد إليك في هذه الحياة الدّنيا: أنّي أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك، ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي؛ تقرّبني من الشرّ، وتباعدني من الخير، وإنّي لا أثق إلاّ برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد؛ إلا قال الله ﷿ لملائكته يوم القيامة: إنّ عبدي قد عهد إليّ عهدا، فأوفوه إيّاه، فيدخله الله الجنة». أخرجه الإمام أحمد.\nالإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿اللهُمَّ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: «يا» المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر.\n ﴿فاطِرَ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من ﴿اللهُمَّ﴾. الثاني: أنه عطف بيان عليه. الثالث: أنه منادى ثان، حذف منه أداة النداء؛ أي: يا فاطر... إلخ. الرابع: أنه نعت ل: ﴿اللهُمَّ﴾ على الموضع، فلذلك نصب، وهذا ليس مذهب سيبويه، فإنه لا يجيز نعت هذه اللفظة لوجود الميم المشددة في آخرها؛ لأنها أخرجتها عن نظائرها من الأسماء، وأجاز المبرد ذلك، واختاره الزجاج. قالا: لأن الميم بدل من «يا»، والمنادى مع «يا» لا يمتنع وصفه، فكذا ما هو عوض منها، وأيضا: فإن الاسم لم يتغير عن حكمه، ألا ترى إلى بقائه مبنيا على الضم، كما كان مبنيا مع «يا». انتهى. جمل. نقلا من السمين.\nو﴿فاطِرَ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عالِمَ:﴾ يجوز فيه ما جاز ب: ﴿فاطِرَ﴾ من أوجه، و﴿عالِمَ﴾ مضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه... إلخ، ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على: ﴿الْغَيْبِ﴾.\n ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه تقديره: «أنت». والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان","vol":"8","page":264},{"text":"متعلق بالفعل قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿عِبادِكَ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَحْكُمُ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في). ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: «يختلفون فيه» في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (في). هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4105\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات. ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: صنوف الأموال كلها، وملكوا مثل ذلك معه. ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: من العقاب الشديد، والعذاب الأليم، ولكنه لا يقبل منهم، كما صرح به ﷾ في الآية رقم [٩١] من سورة (آل عمران)، ورقم [٣٦] من سورة (المائدة)، ورقم [١٨] من سورة (الرعد). وهذا؛ وعيد لهم شديد، وإقناط لهم من الخلاص.\n ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: من أجلّ ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا أعمالا توهموا: أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقاله السدّي.\nوقيل: عملوا أعمالا توهموا: أنهم يتوبون منها قبل الموت، فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا: أنهم ينجون بالتوبة. وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم، وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعا شديدا، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب الله: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ، فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. وهذه الآية غاية في الوعيد لا غاية وراءها. ونظيره في الوعد قوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٧]: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ..﴾. إلخ.\nهذا؛ والأكثرية الساحقة من المسلمين في هذه الأيام يتمنون الأماني الكاذبة، فتراهم يهملون واجبات الله تعالى، ويرتكبون المعاصي، والمنكرات، وهم مع ذلك يؤملون جنة عرضها السموات، والأرض، أعدت للمتقين، يقولون: الله غفور رحيم، النبي الكريم يشفع لنا، فتح لهم الشيطان باب هذه الأماني الكاذبة، وغرّهم بالله الغرور، فهم يجدون الله يوم القيامة قد أعد لهم العقاب الشديد، والعذاب الأليم، وقد بين النبي ﷺ، هذا بصريح قوله: «ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل، إنّ قوما ألهتهم الأمانيّ حتى خرجوا من","vol":"8","page":265},{"text":"الدنيا، ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظّنّ بالله؛ كذبوا! لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل».\nوانظر رقم [٢٣] من سورة (فصلت) وهذا الحديث يروى موقوفا عن الحسن البصري.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من: ﴿ما،﴾ أو من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور. ﴿وَمِثْلَهُ:﴾ معطوف على: ﴿ما،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُ:﴾\nظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (مثله). و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط: (لو) عند المبرد، التقدير: ولو ثبت ظلمهم، أو: حصل، ونحوه. وقال سيبويه: المصدر المؤول في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو ظلمهم ثابت، أو حاصل. وقول المبرد هو المرجح؛ لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لافْتَدَوْا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (افتدوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها من الإعراب. ﴿بِهِ مِنْ سُوءِ:﴾\nكلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سُوءِ﴾ مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا. وقيل: متعلق بمحذوف حال من واو الجماعة. و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَبَدا:﴾ الواو: حرف عطف. (بدا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿لَهُمْ مِنَ اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل: (بدا). ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَحْتَسِبُونَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿يَكُونُوا،﴾ وجملة: ﴿لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: لم يكونوا يحتسبونه، وجملة: ﴿وَبَدا..﴾. إلخ معطوفة على (لو) ومدخولها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4106\"></span>﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَبَدا لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: وظهر لهم في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه -وهو يوم القيامة-مساوئ أعمالهم من الشرك، والكفر، والظلم، والطغيان، والاعتداء على","vol":"8","page":266},{"text":"حقوق العباد، أو ظهر لهم عقاب ما ذكر، وجزاؤه؛ حيث رأوه بأعينهم. ﴿وَحاقَ بِهِمْ..﴾. إلخ:\nأي: أحاط بهم العذاب، ونزل بهم من كل الجهات جزاء ما كانوا به يستهزئون، فهو على حد الآية رقم [١٦]: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ..﴾. إلخ، هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، والمبالغة في التهديد والوعيد. هذا؛ ومثل هذه الآية في نصها، ومغزاها، ومعناها رقم [٣٣] من سورة (الجاثية)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (فصلت).\nالإعراب: ﴿وَبَدا:﴾ الواو: حرف عطف. (بدا): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سيئات الذي كسبوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: سيئات كسبهم. وجملة:\n ﴿وَبَدا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَحاقَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (حاق): فعل ماض. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مثل سابقتها تحتمل الوجوه الثلاثة، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم. هذا؛ والجار والمجرور: ﴿بِهِمْ﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وتفصيل الإعراب لا يخفى عليك بعد هذا؛ وجملة: ﴿وَحاقَ بِهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4107\"></span>﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ:﴾ بلاء في جسمه، أو في ماله، أو في ولده. والمراد:\nبالإنسان هنا: الكافر، والفاسق، والفاجر. ﴿دَعانا:﴾ تضرع إلينا ولجأ يطلب كشف ذلك الضر.\n ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ﴾ أي: كشفنا عنه ضره، وأعطيناه، وأنعمنا عليه تفضلا منا بنعمة من نعم الدنيا:\nصحة في جسمه، أو غنى في ماله، أو زيادة في ولده؛ ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أي: مني:\nأني سأعطاه لما فيّ من فضل، واستحقاق. أو: على علم مني بوجود الكسب، كما قال قارون:\n ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ رقم [٧٨] من سورة (القصص)، وإنما ذكّر الضمير في: ﴿أُوتِيتُهُ﴾ وهو للنعمة نظرا إلى المعنى؛ لأن قوله ﴿نِعْمَةً مِنّا﴾ شيئا من النعمة وقسما منها. وقيل: (ما)","vol":"8","page":267},{"text":"في: ﴿إِنَّما﴾ موصولة، لا كافة، فيرجع الضمير إليها؛ أي: إن الذي، أوتيته على علم.\n ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ:﴾ إنكار لذلك الإنسان، ورد عليه، كأنه قال: ما خولناك من النعمة لما تقول؛ ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء، واختبار، وامتحان لك: أتشكر أيها الإنسان، أم تكفر؟ ولما كان الخبر مؤنثا، أعني: ﴿فِتْنَةٌ﴾ ساغ تأنيث المبتدأ لأجله، وقرئ: «(بل هو فتنة)» على وفق ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أنها فتنة. وانظر الآية رقم [٢٩]. هذا؛ ومعنى هذه الآية تكرر كثيرا في كتاب الله.\nهذا؛ والسبب في عطف هذه الآية بالفاء، وعطف مثلها في أول السورة رقم [٨] بالواو: أن هذه وقعت مسببة عن قوله تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ رقم [٤٥] على معنى: أنهم يشمئزون من ذكر الله، ويستبشرون بذكر الآلهة، وإذا مس أحدهم ضرّ دعا من اشمأز بذكره، دون من استبشر بذكره وما بينهما من الآي اعتراض.\nفإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه؛ قلت: ما في الاعتراض من دعاء الرسول ﷺ ربه بأمر الله، وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ ثم ما عقبه من الوعيد العظيم تأكيد لإنكار اشمئزازهم، واستبشارهم، ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم، كأنه قيل: قل: يا رب! لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة إلا أنت. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ متناول لهم، ولكل ظالم؛ إن جعل عاما، أو إياهم خاصة؛ إن عنيتهم به، كأنه قيل: ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعا، ومثله معه؛ لافتدوا به حين حكم عليهم بسوء العذاب.\nوأما الآية الأولى فلم تقع مسببة، وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها، فعطفت عليها بالواو، نحو قام زيد، وقعد عمرو، وبيان وقوعها مسببة أنك تقول: زيد يؤمن بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه، فهذا تسبب ظاهر، ثم تقول: زيد كافر بالله، فإذا مسه ضر التجأ إليه، فتجيء بالفاء مجيئك بها ثمة كأن الكافر حين التجأ إلى الله التجأ المؤمن إليه، مقيما كفره مقام الإيمان في جعله سببا في الالتجاء. انتهى. نسفي بتصرف.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٤٥]. والجملة الفعلية:\n ﴿مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿دَعانا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾ تقديره: «هو»، (نا): مفعول به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها معطوف على مثله في الآية رقم [٨] وانظر الشرح لتوضيح ذلك. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿فَإِذا:﴾ مثل سابقتها. ﴿خَوَّلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿نِعْمَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿فَإِذا﴾ إليها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أُوتِيتُهُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول","vol":"8","page":268},{"text":"مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾\nمتعلقين بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل. هذا؛ وأجيز اعتبار (إنّ) غير مكفوفة، فتكون (ما) اسمها، والجملة الفعلية صلة (ما)، والجار، والمجرور: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ متعلقين بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿فَإِذا،﴾ لا محل لها، و﴿فَإِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وإنكار، وانتقال. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِتْنَةٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم (لكن)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وقيل: الجملة في محل نصب حال، ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-4108\"></span>﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قال الكلمة: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ قارون، وقومه راضون بها، فكأنهم قالوها. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها، وفي زمننا كثير من المسلمين يقولونها، ويعتقدون: أنهم بدهائهم، وكذبهم، ولفهم، ودورانهم يجمعون المال، ويعدّون ذلك شطارة، ومهارة، ولا يبالون من أين اكتسبوا المال، من حلال، أم من حرام؟! ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ..﴾. إلخ: فما أجدى، ولا نفعهم ما جمعوه من حطام الدنيا حينما نزل بهم غضب الله وعقابه الشديد، وعذابه الأليم، والقرآن أصدق شاهد على ذلك، وأدل دليل عليه.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قائِلُها:﴾ فعل ماض، و(ها):\nمفعول به، ونصب القول الضمير لتفسيره بالكلمة التي رأيتها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فما أغنى عنهم الذي، أو: شيء كانوا يكسبونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: فما أغنى عنهم كسبهم. هذا؛ وقيل: (ما) الأولى استفهامية، التقدير: أي شيء أغنى عنهم ما كانوا... إلخ؟ وهو ضعيف،","vol":"8","page":269},{"text":"والجملة الفعلية: ﴿فَما أَغْنى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4109\"></span>﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي: جزاء سيئات أعمالهم، أو: جزاء أعمالهم، وسمى الله الجزاء سيئة؛ لأنه في مقابلة أعمالهم السيئة، كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ الآية رقم [٤٠] من سورة (الشورى)، وقال في آخر سورة (النحل) الآية [١٢٦]: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ،﴾ وهذا ما يسمى في فن البديع بالمشاكلة، وقد ذكرته لك مرارا في محالّه، ومنه قول الشاعر وهو ابن الرقعمق: [الكامل]\nأصحابنا قصدوا الصّبوح بسحرة... وأتى رسولهم إليّ خصيصا\nقالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه... قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا\n ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، ومخالفة الواحد القهار. والمراد بهم: كفار قريش. ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا:﴾ كما أصاب أولئك السابقين، وقد أصابهم البلاء بأنواعه، فإنهم قحطوا سبع سنين؛ حتى أكلوا الجيف، وقتل ببدر صناديدهم، ونزل بهم من الذل، والخزي، والعار ما هو مسطور، ومشهور. ﴿وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: وليسوا بفائتين من عذابنا، لا يعجزوننا هربا، ولا يفوتوننا طلبا. هذا؛ وانظر شرح ﴿أَصابَ﴾ في الآية رقم [٣٦] من سورة (ص). هذا؛ وقال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٢]: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾. واقتصر في سورة (الشورى) رقم [٣١] على (الأرض) وقد حذفا هنا معا للاختصار. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَصابَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أصابهم): فعل ماض، والهاء مفعول به.\n ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعله، و﴿سَيِّئاتُ﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سيئات الذي، أو:\nشيء كسبوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: سيئات كسبهم في الدنيا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه، لا محل له. (أولاء):\nاسم إشارة مبني على السكر في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. ﴿سَيُصِيبُهُمْ:﴾ السين: حرف استقبال.","vol":"8","page":270},{"text":"(يصيبهم): فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، و﴿سَيِّئاتُ﴾ مضاف، و﴿ما كَسَبُوا﴾ مضاف إليه. وانظر توضيح الإعراب في الآية رقم [٤٨].\nوالجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿فَأَصابَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما).\n ﴿بِمُعْجِزِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4110\"></span>﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ أي: ألم يعلم، ويوقن كفار قريش، وغيرهم من الفجار، والكفار:\n ﴿أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ:﴾ يغني، ويوسع الرزق، ويعطي المال لمن يشاء التوسيع عليه. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾\nيضيق الرزق، ويقلله على من يشاء من عباده، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة، ولذا قال جل شأنه في الآية رقم [٣٠] من سورة (الإسراء): ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: ذو خبرة بعباده، وبمن يصلحه التوسيع في الرزق، ومن يفسده ذلك، وبمن يصلحه الضيق، والإقتار في الرزق، ومن يهلكه ذلك، وهو ذو بصر، ومعرفة بتدبير عباده، وسياستهم، فمن العباد من لا يصلح له إلا الغنى، ولو أفقره الله؛ لفسد، ومنهم من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغناه؛ لفسد. هذا؛ وبين ﴿يَبْسُطُ﴾ و(يقدر) مقابلة، ومطابقة، وهي من المحسنات البديعية.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في البسط، والتضييق في الرزق. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات على قدرة الله، وكمال حكمته، وأنه هو الفاعل المختار، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾\nخصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالتذكير، ويعلمون: أن سعة الرزق قد تكون مكرا، واستدراجا، وتقتيره رفعة، وإعظاما، ويوقنون: أن المال هو إعطاء الله للعبد، لا علاقة له بقوة الأجسام، ولا بشدة الفهم، وحدة الذكاء. ورحم الله من يقول: [البسيط]\nكم من قويّ قويّ في تقلّبه... مهذّب الرّأي عنه الرّزق منحرف\nكم من ضعيف ضعيف في تقلّبه... كأنه من خليج البحر يغترف\nهذا دليل على أنّ الإله له... في الخلق سرّ خفيّ ليس ينكشف\nوفي كثير من الآيات ﴿لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ،﴾ وهذه الآية مذكورة في سورة (الروم) برقم [٣٧] بحروفها بإبدال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ ب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"8","page":271},{"text":"الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: أقالوا الكلمة المذكورة في الآية رقم [٤٩] ولم يعلموا؟ أو:\nأغفلوا، ولم يعلموا؟ (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْلَمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾.\n ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والمتعلق محذوف، تقديره: من عباده، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو: لشخص يشاؤه الله من عباده. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ ومتعلقه محذوف، تقديره: له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾. و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل: ﴿يَعْلَمُوا،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.\n ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء.\n (آيات): اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.\n ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4111\"></span>﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ. ﴿يا عِبادِيَ..﴾. إلخ: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما شدد على الكفار، وذكر ما أعد لهم من العذاب، وأنهم لو كان لأحدهم ما في الأرض، ومثله معه لافتدى به من عذاب الله، ذكر هنا ما في إحسانه من غفران الذنوب، أنه إذا آمن العبد، ورجع إلى الله تعالى؛ فإنّه يغفر له الذنوب جميعا. وكثيرا ما تأتي آيات الرحمة بعد آيات النقمة ليرجو العبد ويخاف، وهذه الآية عامة في كل كافر يؤمن، ومؤمن عاص يتوب، فتمحو توبته ذنبه، وقال عبد الله بن عمر﵄-: وهذه أرجى آية في القرآن، فرد عليه ابن عباس﵄-. قال: أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ..﴾. إلخ رقم [٦] من سورة (الرعد)، ومن قول ابن عمر أخذ القاضي عياض المعنى، وقال: [الوافر]","vol":"8","page":272},{"text":"وممّا زادني شرفا وتيها... وكدت بأخمصي أطأ الثّريّا\nدخولي تحت قولك: يا عبادي... وأن صيّرت أحمد لي نبيّا\nوقال حرب بن شريح: سمعت جعفر بن محمد، بن علي، يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: أرجى آية في كتاب الله: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا..﴾. إلخ، وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ من سورة (الضحى) وقال بعضهم في هذا المعنى: [الوافر] قرأنا في الضحى ولسوف يعطي... فسرّ قلوبنا ذاك العطاء\nوحاشا يا رسول الله ترضى... وفينا من يعذّب أو يساء\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: حمل هذه الآية على ظاهرها يكون إغراء بالمعاصي، وإطلاقا في الإقدام عليها، وذلك لا يمكن. قلت: المراد منها التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي: أنه لا مخلص له من العذاب، فإنّ من اعتقد ذلك؛ فهو قانط من رحمة الله؛ إذ لا أحد من العصاة إلا ومتى تاب زال عقابه، وصار من أهل المغفرة، والرحمة، فمعنى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أي: إذا تاب، وصحت توبته، غفرت ذنوبه، ومن مات قبل أن يتوب، فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فإن شاء؛ غفر له، وعفا عنه، وإن شاء؛ عذبه بقدر ذنوبه، ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل واحد، وخوف العقاب مطلوب، فلعل الله يغفر مطلقا، ولعله يعذب، ثم يعفو عنه بعد ذلك. والله أعلم. انتهى.\nبحروفه، وخذ قول اللقاني في جوهرة التوحيد، فهو موافق لما قاله: [الرجز]\nومن يمت ولم يتب من ذنبه... فأمره مفوّض لربّه\nثم ذكر الخازن جملة ممتازة من أحاديث النبي ﷺ الشريفة: أكتفي بذكر الحديث القدسي، الذي يرويه أنس﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﷿: «يا بن آدم! إنك ما دعوتني، ورجوتني؛ غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي! يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني؛ غفرت لك، ولا أبالي! يا بن آدم! لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة». أخرجه الترمذي.\nقال الجمل: وعبارة النهر: ولما كانت هذه الآية فسحة عظيمة للمسرف؛ أتبعها بأن الإنابة-وهي الرجوع-مطلوبة، مأمور بها. ثم توعد من لم يتب بالعذاب؛ حتى لا يبقى المرء كالمهمل من الطاعة، والمتكل على الغفران دون إنابة. انتهى. وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء حسنة، منها:\nإقباله عليهم، ونداؤهم. ومنها: إضافتهم إليه إضافة تشريف. ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾. ومنها: إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى. ومنها: إعادة الظاهر بلفظه في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ﴾. ومنها: إبراز الجملة من قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ مؤكدة ب: ﴿إِنَّ،﴾","vol":"8","page":273},{"text":"والفصل، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة، انتهى. نقلا عن السمين.\nهذا؛ وأقول: إن لقبول التوبة شروطا، فإن كانت من حق الله؛ فلها ثلاثة شروط: الندم بالجنان، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالأركان. وإن كانت من حق العبد؛ فلا بد من رجوع الحق لصاحبه بقدر الإمكان. قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ الآية رقم [٨] من سورة (التحريم).\nتنبيه: اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وذكروا أسبابا كثيرة، وأعتمد:\nأنها نزلت في وحشي قاتل الحمزة، وأصحابه، وذلك: أنه لما قتل الحمزة﵁- ورجع إلى مكة؛ ندم هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ: إنا قد ندمنا على ما صنعنا، وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا قد سمعناك بمكة تقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ..﴾. إلخ رقم [٦٨] من سورة (الفرقان) وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه الآية؛ لاتبعناك، فنزل قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا..﴾. إلخ رقم [٧٠] و[٧١] من سورة (الفرقان) فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم، فلما قرؤوها كتبوا إليه: هذا شرط شديد، ونخاف أن لا نعمل صالحا، فنزلت: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٨] من سورة (النساء). فبعث بها إليهم. فبعثوا إليه: إنا نخاف ألا نكون من أهل المشيئة، فنزلت الآية التي نحن بصدد شرحها، فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام، ورجعوا إلى النبي ﷺ، فقبل منهم، ثم قال لوحشي: أخبرني كيف قتلت الحمزة؟ فلما أخبره، قال: ويحك غيب وجهك عني! فلحق بالشام، فكان به إلى أن مات. انتهى. خازن.\nأقول: والمشهور: أن هذا كان بعد فتح مكة، بعد أن أهدر الرسول ﷺ دم وحشي فيمن أهدر، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فتوسل ببعض أصحابه فأدخله على النبي الكريم، فعفا عنه، وحصل ما حصل من المناقشة شفاها، ونزلت الآية التي ذكرتها متفرقات.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». (يا): أداة نداء تنوب مناب:\nأدعو. (عبادي): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾\nاسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة: (عبادي)، أو هو عطف بيان عليه، ولا تجوز البدلية؛ لأن البدلية على نية تكرار العامل، ولا يصح أن تقول: «يا» الذين بدون «أي»: قبله، وهذه إحدى مسألتين تمتنع فيهما البدلية، ويتعين فيهما عطف البيان، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوصالحا لبدلية يرى... في غير نحو يا غلام يعمرا","vol":"8","page":274},{"text":"ونحو بشر تابع البكريّ... وليس أن يبدل بالمرضيّ\nوجملة: ﴿أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَقْنَطُوا:﴾\nفعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ رَحْمَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهِ﴾. ﴿الذُّنُوبَ:﴾ مفعول به. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من: ﴿الذُّنُوبَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو هو توكيد لاسم (إنّ) على المحل، وعليهما ف: ﴿الْغَفُورُ﴾ خبر أول ل: (إنّ)، و﴿الرَّحِيمُ﴾ خبر ثان هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ خبرين له، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل آخر للنهي، أو هي تعليل للتعليل، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4112\"></span>﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أي: ارجعوا إلى الله بالتوبة، واستسلموا له بالطاعة، والخضوع، والعمل الصالح. لما بين الله أن من تاب من الشرك يغفر له؛ أمر بالتوبة، والرجوع إليه، والإنابة: الرجوع إلى الله بالإخلاص. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ:﴾ في الدنيا. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يوجد ناصر ينصركم، ويمنعكم من عذابه، وعقابه. هذا؛ وروي من حديث جابر بن عبد الله﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «من السّعادة أن يطيل الله عمر المرء في الطاعة، ويرزقه الإنابة، وإنّ من الشقاوة أن يعمل المرء، ويعجب بعمله». هذا؛ ورفع الفعل:\n ﴿تُنْصَرُونَ﴾ ولم يعطف على ما قبله؛ للإشعار بأنهم لا ينصرون ما داموا مصرين على كفرهم.\nالإعراب: ﴿وَأَنِيبُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنيبوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (صبروا) في سورة (ص) رقم [٦]. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تَقْنَطُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له قطعا. ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ:﴾\nفعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعله، والمصدر المؤول من","vol":"8","page":275},{"text":"﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿تُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-4113\"></span>﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ..﴾. إلخ: المراد به: القرآن الكريم، وكله حسن. والمعنى:\nكما قاله الحسن البصري: التزموا طاعته، واجتنبوا معصيته، فإنه أنزل في القرآن ذكر القبيح؛ ليجتنب، وذكر الأدون؛ لئلا يرغب فيه، وذكر الأحسن؛ لتؤثره، وتأخذ به. وقيل: الأحسن:\nاتباع الناسخ، وترك العمل بالمنسوخ. وقيل: الأخذ بالعزائم دون الرخص. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] فهو جيد، وينسجم مع هذه الآية في معناها. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة من غير إنذار، ولا يؤخر إذا نزل. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ:﴾ انظر (الشعور) في الآية رقم [٢٥] والمراد هنا: يفجؤكم العذاب؛ وأنتم غافلون، كأنكم لا تخشون شيئا؛ لفرط غفلتكم.\nالإعراب: ﴿وَاتَّبِعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتبعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَحْسَنَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها.\n ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل: (اتبعوا). وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له قطعا. وانظر بقية الإعراب في الآية السابقة. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من: ﴿الْعَذابُ﴾ بمعنى: باغتا، أو مباغتا، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يبغتهم بغتة، وتكون الجملة هذه في محل نصب حال من: ﴿الْعَذابُ،﴾ وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل (يأتي) من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"8","page":276},{"text":"<span id=\"aya-4114\"></span>﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ أي: لئلا تقول، أو حذر أن تقول نفس. وإنما نكرت؛ لأن المراد بها بعض الأنفس، وهي نفس الكافر، ويجوز أن يراد بها نفس متميزة من الأنفس، إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعذاب أليم. ويجوز أن يراد التكثير، كما قال الأعشى: [الطويل] وربّ بقيع لو هتفت بجوّه... أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا\nوهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه، لا كريما واحدا. ﴿يا حَسْرَتى﴾ أي: يا ندمي، ويا حزني، والتحسر: الاغتمام، والحزن على ما فات. ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ:﴾ على ما ضيعت، أو:\nعلى ما قاصرات. ﴿فِي جَنْبِ اللهِ:﴾ أمر الله، أو في طاعة الله، أو في ذاته، أو في حق الله. هذا؛ والجنب: الجانب، يقال: أنا في جنب فلان، وجانبه، وناحيته، وفلان لين الجنب، والجانب، ثم قالوا: فرط في جنبه وفي جانبه، يريدون: في حقه، قال جميل بثينة: [الطويل]\nأما تتّقين الله في جنب وامق... له كبد حرّى عليك تقطّع\nوهذا من باب الكناية؛ لأنك إذا أثبت الأمر في جانب الرجل، وحيزه؛ فقد أثبته فيه، ألا ترى إلى زياد الأعجم يقول في عبد الله بن الحشرج أمير نيسابور: [الكامل]\nإنّ السّماحة والمروءة والندى... في قبّة ضربت على ابن الحشرج\nفعن عائشة﵂-: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ساعة تمرّ بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير إلا تحسّر عليها يوم القيامة». رواه البيهقي، وغيره. وقال إبراهيم التيمي:\nمن الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي أتاه الله في الدنيا يوم القيامة في ميزان غيره، قد ورثه وعمل فيه بالحق، كان له أجره، وعلى الآخر وزره، ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوّله الله إياه في الدنيا أقرب منزلة منه عند الله ﷿، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة؛ وعمي هو.\n ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أي: المستهزئين بدين الله، وبكتابه، وبرسوله، وبالمؤمنين. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله؛ حتى سخر من أهلها. هذا؛ وبين سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ: أن كل إنسان سيندم بعد الموت، ويتحسر، سواء أكان محسنا، أم مسيئا. وخذ ما يلي، فعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «ما من أحد يموت إلاّ ندم».\nقالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا؛ ندم ألاّ يكون ازداد، وإن كان مسيئا؛ ندم ألاّ يكون نزع». رواه الترمذي، والبيهقي في الزهد، ومعنى نزع: كف عن المعاصي والشهوات.","vol":"8","page":277},{"text":"الإعراب: ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَقُولَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ في محل جر بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: حذر أن تقول، وعامله الفعل: (اتبعوا) أو (أنيبوا)، وقدر كثيرون عاملا محذوفا، ولا حاجة لذلك مع وجود عامل، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تقول، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (اتبعوا). هذا؛ وقيل: إن التقدير: ومن قبل أن تقول. والأول قول البصريين، والثاني قول الكوفيين. ومثل هذه الآية قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته. وهو الشاهد رقم (٤٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nنزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا\nوابن هشام أيد البصريين. قال: وقول الكوفيين فيه تعسف من جهة حذف شيئين، وهما: لام العلة، ولا النافية مع إمكان حذف شيء واحد، وهو لفظ: حذر، ونحوه. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (حسرتا): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وقلبت ياء المتكلم ألفا، فقلبت الكسرة فتحة لمناسبتها. هذا؛ وقرئ: «(يا حسرتي)» على الأصل، وقرئ: «(يا حسرتاي)» بإلحاق ألف الندبة، وهي شاذة بعيدة، وقد وجهت هذه القراءة على أن الياء زيدت بعد الألف المنقلبة. وقال آخرون:\nبل الألف زائدة. وهي أبعد لما فيه من الفصل بين المضاف، والمضاف إليه. انتهى. أبو البقاء.\nوالجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿فَرَّطْتُ:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿فِي جَنْبِ:﴾ متعلقان به، و﴿جَنْبِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. و﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ التقدير: على تفريطي. والجار والمجرور متعلقان ب: (حسرتي)؛ لأنه مصدر. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة عند البصريين، ونافية عند الكوفيين. ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.\n ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين المخففة، والنافية عند البصريين، وهي بمعنى: إلا عند الكوفيين.\n (من الساخرين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل. والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ ومثل الآية في وجهي إعرابها قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٢٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nأمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان\n\n<span id=\"aya-4115\"></span>﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ أي: النفس. ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي:﴾ أرشدني إلى دينه، وطاعته.\n ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الشرك، والمعاصي. وهذا القول قول صدق، وهو قريب من","vol":"8","page":278},{"text":"احتجاج المشركين فيما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا..﴾.\nإلخ رقم [١٤٨] من سورة (الأنعام) فهي كلمة حق أريد بها باطل، كما قال علي-كرم الله وجهه- لمن قال من الخوارج: لا حكم إلا الله.\nقال الشيخ الإمام أبو منصور-رحمه الله تعالى-: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم: ﴿لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ يقولون: لو وفقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى؛ لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة، والغواية، فخذلنا، ولم يوفقنا. والمعتزلة يقولون: بل هداهم الله، وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا. والحاصل: أن عند الله لطفا؛ من أعطي ذلك؛ اهتدى، وهو التوفيق، والعصمة، ومن لم يعطه؛ ضل، وغوى، وكان استحبابه العذاب، وتضييعه الحق بعدما مكن من تحصيله لذلك. انتهى. نسفي.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَقُولَ:﴾ معطوف على سابقه، وداخل في تأويله على الاعتبارين، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى النفس. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هَدانِي:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ وانظر محل المصدر المؤول من (أن) واسمها وخبرها في الآية رقم [٤٧]. ﴿لَكُنْتُ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾.\n (كنت): فعل ماض ناقص، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4116\"></span>﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ أي: النفس المفرطة في طاعة الله. ﴿حِينَ تَرَى الْعَذابَ:﴾ تشاهد العذاب عيانا يوم القيامة. ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ أي: رجعة إلى الدنيا. تمنوا حين لا ينفعهم التمني، والفعل: كر، يكر من باب: دخل. والكرة في الأصل مصدر، والكر، والكرة: الرجوع، والرجعة، والمراد به هنا: المرة من ذلك. ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ الموحدين لله، الطائعين له.\nوانظر شرح ﴿حِينَ﴾ في الآية رقم [٤٤] من سورة (يس)، أو رقم [٨٨] من سورة (ص).\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَقُولَ:﴾ معطوف على ما قبله، وداخل في تأويله على الاعتبارين. والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى النفس. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿تَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى النفس أيضا. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حِينَ﴾ إليها.\n ﴿لَوْ:﴾ حرف تمنّ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف","vol":"8","page":279},{"text":"خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿كَرَّةً:﴾ اسمها المؤخر، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: فلو حصل لنا وقوع كرة. ﴿فَأَكُونَ:﴾\nالفاء: للسببية. (أكون): فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر «أكون»، و«أن» المضمرة، والفعل (أكون) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على: ﴿كَرَّةً﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿لَوْ﴾ شرطية فيكون جوابها محذوفا دل عليه: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ويقدر: لكنا محسنين، والكلام على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، ولهذا نفى ابن هشام أن يكون: (أكون) نصب جوابا ل: ﴿لَوْ؛﴾ ولذا قال: ولا دليل في هذا لجواز أن يكون النصب في: (أكون) مثله في قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ..﴾. إلخ رقم [٥١] من سورة (الشورى)، وقول ميسون: وهو الشاهد رقم [٤٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف\nوأنشد الفراء قول الآخر: [الطويل] فمالك منها غير ذكرى وخشية... وتسأل عن ركبانها أين يمّموا؟\nفنصب «تسأل» على موضع الذكرى؛ لأن معنى الكلام فما لك منها إلا أن تذكر.\n\n<span id=\"aya-4117\"></span>﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاِسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي:﴾ قال الزجاج: ﴿بَلى﴾ جواب النفي، وليس في الكلام لفظ النفي، ولكن معنى ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي:﴾ ما هداني، وكأن هذا القائل قال: ما هديت، فقيل:\nبلى قد بين لك طريق الهدى، فكنت بحيث لو أردت أن تؤمن أمكنك أن تؤمن. والمراد:\nب: ﴿آياتِي﴾ آيات القرآن. وقيل: عنى بالآيات المعجزات؛ أي: وضح الدليل، فأنكرته، وكذبته. ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ أي: عن الإيمان، وكنت من الجاحدين. قال الصاوي: إن الكافر أولا يتحسر، ثم يحتج بحجج واهية، ثم يتمنى الرجوع إلى الدنيا، ولو ردّ لعاد إلى ضلاله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾. ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ حيث لم تصدق النبي ﷺ فيما جاء به، ولم تهتد بهديه، ولم تأخذ بتعاليمه.\nهذا؛ وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: هؤلاء أصناف، صنف منهم قال: ﴿يا حَسْرَتى..﴾. إلخ، وصنف منهم قال: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي..﴾. إلخ، وقال آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً..﴾. إلخ، فقال الله ردّا لكلامهم: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ﴾.\nوقال النسفي: كأن الله يقول: بلى قد جاءتك آياتي، وبينات لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، ومكنتك من اختيار الهداية على الغواية، واختيار الحق على الباطل، ولكن","vol":"8","page":280},{"text":"تركت ذلك، وضيعته، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرتك به، فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك. انتهى.\nهذا؛ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ﴾ بالخطاب للمذكر؛ لأن النفس تقع على الذكر، والأنثى. يقال: ثلاثة أنفس. وقال المبرد: تقول العرب: نفس واحد؛ أي: إنسان واحد.\nوروى الربيع بن أنس عن أم سلمة عن النبي ﷺ قرأ: «(قد جاءتك آياتي، فكذّبت بها، واستكبرت، وكنت من الكافرين)». وقرأ الأعمش: «بلى قد جاءته» وهذا يدل على التذكير. انتهى. قرطبي. والقراءتان غير سبعيتين.\nالإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿جاءَتْكَ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿آياتِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿فَكَذَّبْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأيضا: جملة: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، وكذلك جملة:\n ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ معطوفة أيضا عليها. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\n\n<span id=\"aya-4118\"></span>﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ أي: نسبوا له الشريك، والولد، والصاحبة، ووصفوه بما لا يليق به. هذا؛ والزمخشري ذكر هنا كلاما نابعا من مذهبه في الاعتزال، وقد رد عليه الإمام ناصر الدين المالكي أفظع رد. ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ:﴾ مما أحاط بهم من غضب الله ونقمته، قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٢]: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا،﴾ وقال تعالى في سورة (عبس): ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: عن الإيمان، والعبادة لله تعالى. وانظر شرح (المثوى) في الآية رقم [٣٢]. هذا؛ وقد بين الرسول ﷺ: أن الكبر بطر الحق، وغمط الناس؛ أي: احتقارهم، وازدراؤهم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥] من سورة (ص)، وخذ ما يلي:\nفعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده﵁عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الرجال، يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يساقون إلى","vol":"8","page":281},{"text":"سجن في جهنم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النّار، طينة الخبال». رواه النسائي والترمذي.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و(يوم) مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية:\n ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وُجُوهُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْوَدَّةٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان على اعتبار:\n ﴿تَرَى﴾ علمية، أو في محل نصب حال من الموصول على اعتبارها بصرية، والرابط: الضمير فقط. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣٢] فالإعراب لا يتغير إفرادا، وجملا.\n\n<span id=\"aya-4119\"></span>﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ أي: بفلاحهم، وفوزهم بسعادتهم، وتحصيل مطلوبهم، وهو الجنة دار القرار. يقال: فاز بكذا: إذا أفلح به، وظفر بمراده. أو المعنى:\nينجيهم بسبب منجاتهم من عذاب الله، وسخطه، ونقمته من قوله تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ رقم [١٨٨] سورة (آل عمران) أي: منجاة منه؛ لأن النجاة من أعظم الفلاح. وسبب منجاتهم العمل الصالح؛ لهذا فسر ابن عباس﵄المفازة بالأعمال الحسنة، ويجوز بسبب فلاحهم؛ لأن العمل الصالح سبب الفلاح، وهو دخول الجنة.\nهذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: عن النبي ﷺ في تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة﵁قال: «يحشر الله مع كلّ امرئ عمله، فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة، وأطيب ريح، فكلّما كان رعب، أو خوف، قال له: لا ترع؛ فما أنت بالمراد به، ولا أنت بالمعنيّ به، فإذا كثر ذلك عليه، قال: فما أحسنك، فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي، فو الله لأحملنّك، ولأدفعنّ عنك! فهي التي قال الله: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ..﴾. إلخ». ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ:﴾ المكروه. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: يوم القيامة من هول، أو مكروه يصيبهم. هذا؛ ولا تنس: أن الله ذكر ما للمتقين من النجاة، والفوز برضاه بعد ما ذكر ما للكاذبين، والمغترين من سواد الوجوه، والاستقرار في جهنم، وبئس المصير. وهذا من باب المقابلة التي ذكرتها مرارا. هذا؛ والفعل ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في هذه الآية من باب: فرح، وطرب فهو لازم، ويأتي من باب: دخل، وقتل، فيكون متعديا، كما يكون متعديا إذا أتى من الرباعي.","vol":"8","page":282},{"text":"الإعراب: ﴿وَيُنَجِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (ينجي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِمَفازَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (ينجي)، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، وجملة:\n ﴿وَيُنَجِّي..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿يَمَسُّهُمُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿السُّوءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية تفسير للمفازة على التفسير الأول فيها، وفي محل نصب حال من الموصول على التفسير الثاني فيها، وأجاز الزمخشري اعتبارها مستأنفة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿بِمَفازَتِهِمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المنصوب؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة من وجه.\n\n<span id=\"aya-4120\"></span>﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: مما هو كائن، أو يكون في الدنيا، والآخرة، وهو على كل شيء وكيل: حفيظ، ومتولي جميع أمور خلقه، فأنتم يا بني آدم من جملة هذه المخلوقات، ففوضوا أموركم إليه، واعتمدوا في كل شؤونكم عليه، واعبدوه حق العبادة ما استطعتم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿خالِقُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، و﴿خالِقُ﴾ مضاف، و﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿وَكِيلٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَكِيلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-4121\"></span>﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مفاتيح خزائن السموات، والأرض، واحدها: مقلاد، مثل: مفتاح. وقيل: جمع: إقليد على غير قياس. قيل: هو فارسي معرب، قال الراجز: [الرجز]\nلم يؤذها الدّيك بصوت تغريد... ولم يعالج علقها بإقليد","vol":"8","page":283},{"text":"أو هو جمع: مقليد، مثل: منديل، ومناديل، وعلى جميع الاعتبارات في الكلام استعارة بديعية. نحو ذلك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر. وليس ثمّ مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء. والمعنى: أن الله تعالى مالكهما، وحافظهما، ومدبر شؤونهما. وعن عثمان بن عفان﵁أنه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: «يا عثمان! ما سألني عنها أحد قبلك! تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير». والمعنى: على هذا: أنّ لله هذه الكلمات يوحد بها، ويمجد، وهي مفاتيح خير السموات، والأرض، من تكلم بها؛ فقد أصابه.\nهذا؛ وقيل: مقاليد السموات: خزائن الرحمة، والرزق، والمطر، ومقاليد الأرض: ما يخرج منها من نبات.\n ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بآيات القرآن الظاهرة، والمعجزات الباهرة. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: خسروا دنياهم، وآخرتهم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥].\nالإعراب: ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَقالِيدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معترضة كما ستعرفه، و﴿مَقالِيدُ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه.\n (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٣٣]. والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾.\nإلخ معطوفة على جملة: (ينجي...) إلخ فهي من عطف أحد المتقابلين على الآخر، وإن كان المعطوف جملة اسمية، والمعطوف عليه جملة فعلية، فهذا لا يمتنع. غايته: أنه خال عن حسنه. انتهى. جمل. وبه قال ابن هشام في المغني، وهذا يعني: أن ما بينهما معترض لا محل له.\n\n<span id=\"aya-4122\"></span>﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي..﴾. إلخ: أي: أبعد مشاهدة الآيات الدالة على انفراده بالألوهية أعبد غيره؟! ثم وصفهم بالجهل، وهو شر ما يوصف به إنسان، وذلك أن كفار قريش دعوا النبي ﷺ إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو دين آبائك، فوصفهم بالجهل؛ لأن الدليل القاطع قد قام بأن الله هو المستحق للعبادة، فمن عبد غيره فهو جاهل.\nهذا؛ وقرئ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ بتشديد النون، وتخفيفها، فعلى الأولى تكون نون الوقاية قد أدغمت في نون الرفع بعد تسكينها، وعلى الثاني تكون قد حذفت إحدى النونين على اختلاف في","vol":"8","page":284},{"text":"المحذوف منهما، انظر الكلام على الشاهد رقم [١٠٤٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nهذا؛ ويجري في: (تحاجوني) من سورة (الأنعام) رقم [٨٠] ما يجري في ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ قراءة، وحذفا. هذا؛ وانظر شرح: «أمر» في الآية رقم [١٢]، وشرح: «العبادة» في الآية رقم [٦٠] من سورة (يس)، وشرح: «الجهل» و«الجاهل» في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأحزاب). تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿أَفَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: صلة. (غير). في إعرابه أوجه: أحدها: هو منصوب ب: ﴿أَعْبُدُ﴾ مقدما عليه، وقد ضعف هذا الوجه ابن هشام من حيث كان التقدير: أن أعبد، فعند ذلك يفضي إلى تقديم الصلة على الموصول. وليس بشيء؛ لأن «أن» ليست في اللفظ، فلا يبقى عملها، فلو قدرنا بقاء حكمها؛ لأفضى إلى حذف الموصول، وبقاء صلته، وذلك لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. والوجه الثاني: أن يكون منصوبا بالفعل بعده، و﴿أَعْبُدُ﴾ بدلا منه، بدل اشتمال، وهو الذي أيده ابن هشام، والتقدير: أتأمروني بعبادة غير الله؟! وقدره ابن هشام: أتأمروني بغير الله عبادته. والثالث: أن (غير) منصوب بفعل محذوف؛ أي: أفتلزموني غير الله، وفسره ما بعده؟ وقيل: لا موضع ل: ﴿أَعْبُدُ﴾ من إعراب. وقيل: هو حال، والعمل على الوجهين الأولين. انتهى. أبو البقاء. وينبغي أن تعلم: أن الفعل: ﴿أَعْبُدُ﴾ على الوجهين الأولين مؤول بالمصدر بعد حذف «أن» على مثال ما رأيت في الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم): ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ..﴾. إلخ هذا؛ وقرئ بنصب: ﴿أَعْبُدُ،﴾ ومثل الآية الكريمة في كل شيء قول طرفة بن العبد، وهو الشاهد رقم (٧١٤) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهو من معلقته رقم [٦٠]: [الطويل]\nألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟\nو(غير) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَأْمُرُونِّي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.\n ﴿أَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا» وانظر محل الفعل بمفرده، ومحله مع فاعله فيما تقدم. ﴿أَيُّهَا:﴾ منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء المحذوفة، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه.\n ﴿الْجاهِلُونَ:﴾ نعت ل: (أي): هنا؛ لأنه مشتق، فهو مرفوع تبعا للفظه، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"8","page":285},{"text":"<span id=\"aya-4123\"></span>﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ:﴾ يا محمد. ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: من الرسل. ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أي: لئن أشركت يا محمد ليبطلن ويفسدن عملك الصالح. ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي: ولتكونن في الآخرة من جملة الخاسرين بسبب ذلك. وهذا على سبيل الفرض، والتقدير، وإلا فالرسول ﷺ قد عصمه الله، وحاشا له أن يشرك بالله، وهو الذي جاء لإقامة صرح الإيمان، والتوحيد. والكلام وارد على طريقة الفرض لتهييج سيد الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية شناعة الإشراك، وقبحه. انتهى. صفوة التفاسير. وقال النسفي: وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون؛ لأن الخطاب للنبي ﷺ والمراد: به غيره، ولأنه على سبيل الفرض، والمحالات يصح فرضها. انتهى.\nهذا؛ وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب حبطا بالسكون، وحبوطا:\nفسد، وهدر. وحبط، يحبط من باب: ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ، وحبط دم فلان من باب: تعب: هدر. وأحبطت العمل، والدم (بالألف) أهدرته. انتهى. جمل. وفي مختار الصحاح: والحبط (بفتحتين): أن تأكل الماشية، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها. وقيل: هو أن ينتفخ بطنها عن أكل الذرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الداء: حباط، و«حبط» لازم، ويتعدى بالهمزة.\nهذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم وسلم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام.\nوالوحي إلى أم موسى إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (النحل)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nقال القشيري: فمن ارتد عن الإسلام لم تنفعه طاعاته السابقة، ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر، ولهذا قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٧]: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ..﴾. إلخ فالمطلق ها هنا محمول على المقيد، ولهذا قلنا: من حج ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج. قلت: هذا مذهب الشافعي، وعند مالك تجب عليه الإعادة. انتهى. قرطبي.","vol":"8","page":286},{"text":"أقول: لا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فأكثر المسلمين يعتبرون مرتدين بهذا المعنى في هذه الأيام، فالذي يشتم الخالق الرازق، والذي يستحل الحرام، والذي ينكر ما عرف من الدين في الضرورة، والذي، والذي... إلخ وحدث ولا حرج.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُوحِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور في محل نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل محذوف، يدل عليه السياق، التقدير:، أوحي إليك التوحيد. وقيل: نائب الفاعل جملة القسم، وجوابه الآتي، ويكون جاريا على القاعدة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا يصح على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، وقد أشرت إليه مرارا فيما تقدم. ﴿وَإِلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والكلام: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.\n ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَشْرَكْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَحْبَطَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يحبطن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له. ﴿عَمَلُكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم، المدلول عليه باللام. والقسم وجوابه في محل رفع نائب فاعل: ﴿أُوحِيَ،﴾ أو في محل نصب مفعول به حسب ما رأيت فيما تقدم. ﴿وَلَتَكُونَنَّ:﴾ معطوف على ما قبله مبني على الفتح مثله، وهو ناقص، فاسمه مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره.\nهذا؛ وحذف جواب الشرط لدلالة القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\n\n<span id=\"aya-4124\"></span>﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ:﴾ هذا رد لما طلبوا منه، وأمروه به من عبادة آلهتهم، كأنه قال له: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إن عبدت؛ فاعبد الله. فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عوضا عنه. انتهى. نسفي تبعا للزمخشري. وانظر الإعراب. ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ الله على ما أنعم به عليك؛ حيث جعلك سيد ولد آدم، وختم بك المرسلين، وجعلك رحمة للناس أجمعين. والمخاطب بذلك النبي ﷺ، وهو يعم كل عاقل من بني آدم.","vol":"8","page":287},{"text":"الإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم بفعل محذوف، أو بالفعل المذكور بعده. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: مسألة الفاء في نحو ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ جواب ل: «أمّا» مقدرة عند بعضهم، وفيه إجحاف. وزائدة عند الفارسي، وجماعة، وفيه بعد. وعاطفة عند غيره، والأصل: تنبه، فاعبد الله، ثم حذف تنبه، وقدم المنصوب على الفاء إصلاحا للفظ، كيلا تقع صدرا، كما قال الجميع في الفاء في نحو: «أما زيدا فاضرب» إذ الأصل: مهما يكن من شيء؛ فاضرب زيدا. (اعبد): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة التي رأيت تقديرها، والكلام كله مستأنف، لا محل له. ﴿وَكُنْ:﴾ فعل أمر ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (كن)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4125\"></span>﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ:﴾ قال المبرد: ما عظموه حق عظمته، من قولك: فلان عظيم القدر. قال النحاس: والمعنى: على هذا: وما عظموه حق عظمته؛ إذا عبدوا معه غيره، وهو خالق الأشياء، ومالكها. هذا؛ والفعل: «قدر» يأتي من باب: ضرب، ونصر، وفرح، ولا تنس: أن هذه الجملة وردت في سورة (الأنعام) برقم [٩١]، ووردت في سورة (الحج) برقم [٧٤]، ووردت هنا كما ترى، وأذكر: أن آية (الأنعام) نزلت ردّا على اليهود الذين قالوا:\n ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والآيتان الأخريان نزلتا ردّا على كفار قريش الذين عبدوا مع الله أحقر خلقه. انظر شرح الآيتين في سورة (الأنعام) وسورة (الحج) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ قبض الأرض عبارة عن قدرته، وإحاطته بجميع مخلوقاته. يقال: ما فلان إلا في قبضتي، بمعنى: ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون:\nالأشياء في قبضته، يريدون: في ملكه، وقدرته. وقد يكون معنى القبض، والطي إفناء الشيء، وإذهابه، فيحتمل أن يكون المعنى هنا: والأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة، والمراد:\nبالأرض: الأرضون السبع، يشهد لذلك شاهدان: قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ ولأن الموضع موضع تفخيم، وهو مقتض للمبالغة.\n ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ:﴾ ليس يريد به طيّا بعلاج، وانتصاب، وإنما المراد بذلك:\nالفناء، والذهاب. يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره، وانطوى عنا دهر بمعنى: المضي، والذهاب. واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى: القدرة، والملك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ ما﴾","vol":"8","page":288},{"text":"﴿مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ يريد به الملك، وقال تعالى سورة (الحاقة) الآية رقم [٤٥]: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي:\nلأخذنا قوته وقدرته. وقال الفراء والمبرد: اليمين القوة والقدرة، قال الشاعر: [الطويل]\nولما رأيت الشّمس أشرق نورها... تناولت منها حاجتي بيميني\nقتلت شنيفا، ثمّ فاران بعده... وكانا على الآيات غير أمين\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة (الصافات). وإنما خص يوم القيامة بالذكر، وإن كانت قدرته شاملة لكل شيء في كل زمان، ومكان؛ لأن الدعاوى تنقطع في ذلك اليوم، كما قال تعالى في سورة الانفطار: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ،﴾ وقال في سورة الفاتحة: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [١٦]: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾.\nوإنما قدم الأرض بالذكر لمباشرة الخلق لها، ومعرفتهم بحقيقتها، ولما كان في دار الدنيا من يدعي الملك، والقهر، والعظمة، والقدرة دون الآخرة؛ فالأمر فيها لله وحده ظاهرا، وباطنا.\nقال في يوم القيامة: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁قال: جاء جبريل﵇إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا محمد! إن الله يضع السماء على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك! فضحك رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ»﴾. وفي رواية «والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن». وفيه أن رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه تعجبا، وتصديقا له. ثم قرأ: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. متفق عليه، وعن ابن عمر﵄قال: رسول الله ﷺ: «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثمّ يأخذهنّ بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟». متفق عليه أيضا.\n ﴿سُبْحانَهُ:﴾ تنزه، وتقدس، وتعاظم عن الذي يشركونه معه من الحجارة، والأوثان. هذا؛ وفي الجامع الصغير عن أبي يعلى، وابن السني، عن الحسين السّبط﵄عن النبي ﷺ قال: «أمان لأمّتي من الغرق؛ إذا ركبوا البحر أن يقولوا: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها..﴾. إلخ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ..﴾. إلخ. انتهى. وآخر الآية الأولى: ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ وآخر الثانية ﴿يُشْرِكُونَ»﴾. وقال ابن عباس﵄-: من قرأ هاتين الآيتين، فعطب، أو غرق فعليّ ذلك. انتهى. جمل نقلا عن المناوي.\nهذا؛ وفي الآية استعارة تمثيلية مثل لعظمته، وكمال قدرته، وحقارة الأجرام العظام؛ التي تتحير فيها الأوهام بالنسبة لقدرته تعالى بمن قبض شيئا عظيما بكفه، وطوى السموات بيمينه بطريق","vol":"8","page":289},{"text":"الاستعارة التمثيلية. هذا؛ وما قدمته من تأويل هو مذهب الخلف، وأما السلف؛ فيقولون: لله يمين، وله شمال، وله إصبع، وله عين، وله يد تليق به، فهم يأخذون بظاهر النص.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿قَدَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم. ﴿حَقَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، و﴿حَقَّ﴾ مضاف، و﴿قَدْرِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَالْأَرْضُ:﴾ الواو: واو الحال. (الأرض) مبتدأ. ﴿جَمِيعًا:﴾\nحال من: (الأرض)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٤]. ﴿قَبْضَتُهُ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: «قبضة»؛ لأنها بمعنى: مقبوضة، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ ويقرأ بنصب (قبضته) على أنه منصوب بنزع الخافض، على معنى: في قبضته، وهو متعلق خبر محذوف، وهي قراءة شاذة. «(السموات)»: مبتدأ.\n ﴿مَطْوِيّاتٌ:﴾ خبره. ﴿بِيَمِينِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَطْوِيّاتٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز أن يكون الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر، وأن يكونا متعلقين بمحذوف خبر ثان. هذا؛ وقرئ شاذا بكسر التاء على أنه حال متوسطة بين عاملها الظرفي الواقع خبرا، وهو (بيمينه) وبين مبتدئه، وهو: (السموات)؛ أي:\n ﴿وَالسَّماواتُ﴾ كائنة بيمينه حال كونها ﴿مَطْوِيّاتٌ﴾. وصاحب الحال إما (السموات)، أو ضميرها في الخبر، ورد المانعون ذلك بأن السموات عطف على الضمير المستتر في: ﴿قَبْضَتُهُ؛﴾ لأنها بمعنى: مقبوضة، و﴿مَطْوِيّاتٌ﴾ حال من: (السموات)، و﴿بِيَمِينِهِ﴾ ظرف متعلق ب: ﴿مَطْوِيّاتٌ،﴾ والتقدير: الأرض جميعا مقبوضة حال السموات كونها مطويات بيمينه، والفصل المشروط للعطف على الضمير المستتر حاصل هنا بقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾. انتهى.\nحاشية الخضري على شرح ابن عقيل.\n ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. والفعل المقدر، والمصدر جملة فعلية مستأنفة، لا محل لها. (تعالى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى: ﴿اللهَ﴾.\n ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء يشركونه معه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير:\nتعالى عن شركهم. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"8","page":290},{"text":"<span id=\"aya-4126\"></span>﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾\nالشرح: لا أرى حاجة إلى المزيد عما ذكرته في سورة (النمل) رقم [٨٧] بشأن الصور، وما يتعلق بهذه الآية من الاستثناء، وغيره، وأيضا ما ذكرته في سورة (يس) رقم [٤٩] وما بعدها.\nهذا؛ و(صعق) مات وهو مأخوذ من قولهم: صعقتهم الصاعقة، يقال: صعقه الله، فصعق.\n ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ:﴾ يقلبون وجوههم، وأبصارهم في جميع الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينتظرون أمر الله فيهم، وقال تعالى في سورة (ن): ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ مما يدل على أن الناس تكون لهم حالات يوم الفزع الأكبر، وقد دلت هذه الآية على أن النفخة اثنتان: الأولى للموت، والثانية للبعث، والنشور. والجمهور على أنها ثلاث: الأولى للفزع، كما قال تعالى في سورة (النمل) الآية [٨٧]: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ..﴾. إلخ، والثانية للموت، والثالثة للإعادة، وبين الثانية، والثالثة أربعون سنة على الصحيح.\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين النفختين أربعون-قالوا:\nأربعون يوما؟ قال أبو هريرة: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت-ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظم واحد، وهو عجب الذنب، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة». متفق عليه.\nالإعراب: ﴿وَنُفِخَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نفخ): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (صعق): فعل ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، وفيه تغليب من يعقل على من لا يعقل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: صعق الذي يوجد في السموات. ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو مثله في الإعراب. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مستثنى من ﴿مَنْ﴾ قبلها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إلا من شاء الله بقاءه حيا. وصح الاستثناء؛ لأن ﴿مَنْ﴾ الأولى بمعنى: الجمع، والثانية بمعنى:\nالبعض. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. (نفخ): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أُخْرى:﴾ نائب فاعل، أو هو صفة مفعول مطلق، والنائب: الجار والمجرور، ويؤيد الأول قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾. ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ:﴾ إعراب هذا التركيب مثل إعراب: ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ في سورة (يس) [٢٩].","vol":"8","page":291},{"text":"<span id=\"aya-4127\"></span>﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أي: أضاءت بعدل ربها. قاله الحسن، وغيره. وقال الضحاك: بحكم ربها. والمعنى واحد؛ أي: أنارت وأضاءت بعدل الله، وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات، والعدل نور. وقيل: إن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض، فتشرق الأرض به. وقال ابن عباس﵄-: النور المذكور هاهنا ليس من نور الشمس، والقمر، بل هو نور يخلقه الله، فيضيء به الأرض. انتهى. قرطبي. هذا؛ وليس المراد بالأرض أرض الدنيا؛ لقوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ حيث تبدل أرض الدنيا بأرض جديدة يوجدها الله في ذلك الوقت؛ لتحشر عليها الناس.\n ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: يريد: الكتب، والصحف؛ التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله. وقال ابن عباس﵄-: يريد اللوح المحفوظ. وأعتمد الأول، لقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾. ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ أي: ليدعي الأنبياء على أممهم: أنهم بلغوهم الرسالة، وذلك: أن الله تعالى يجمع الخلائق الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم الماضية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ فينكرون، ويقولون: ﴿ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ فيسأل الله الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا! قد بلغناهم، فيسألهم البينة، وهو أعلم بهم إقامة للحجة، فيقولون: أمة محمد تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد ﷺ، فيشهدون لهم: أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا ذلك؛ وإنما كانوا بعدنا؟ فيسأل الله هذه الأمة، فيقولون:\nأرسلت لنا رسولا، وأنزلت عليه كتابا مبينا، أخبرتنا فيه، بتبليغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت. ثم يؤتى بمحمد ﷺ فيسأله الله عن أمته، فيزكيهم، ويشهد بصدقهم. انتهى.\nجمل. وهذا فحوى قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.\nوقال القرطبي: وقيل: المراد بالشهداء: الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله. قاله السدي. قال ابن زيد: هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ فالسائق يسوقها إلى الحساب، والشهيد يشهد عليها، وهو الملك الموكل بالإنسان على ما يأتي بيانه في سورة (ق) رقم [٢١] إن شاء الله تعالى.","vol":"8","page":292},{"text":"﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ:﴾ بالعدل، والصدق. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ:﴾ قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد في سيئاتهم. انتهى. كيف لا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٧]: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٣٩]:\n ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..﴾. إلخ. هذا؛ ولا تنس: أن التعبير عن المستقبل بالأفعال الماضية إنما هو لتحقق وقوعه، وهو كثير في القرآن الكريم، وهو فن بلاغي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَشْرَقَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أشرقت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِنُورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(نور) مضاف، و﴿رَبِّها﴾ مضاف إليه، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، (جيء): ماض مبني للمجهول. ﴿بِالنَّبِيِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نائب فاعله، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿وَالشُّهَداءِ:﴾ معطوف على ما قبله. (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو نائب الفاعل أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر العائد، إلى المصدر المفهوم من الفعل، وهذا وجه آخر، التقدير: وقضي القضاء بينهم ملتبسا بالحق. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (سبأ) ففي الآيتين شبه شديد، والله ولي التوفيق. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:\nواو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4128\"></span>﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أي: يجازى كل إنسان بما عمل من خير، أو شر، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أي: في الدنيا. ولا حاجة به ﷿ إلى كتاب ولا إلى شاهد؛ ومع ذلك فتشهد الكتب، والملائكة، والرسل، كما رأيت في الآية السابقة إلزاما للحجة، وقطعا للمعذرة.","vol":"8","page":293},{"text":"الإعراب: ﴿وَوُفِّيَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَوُفِّيَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول. و﴿كُلُّ﴾ مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿عَمِلَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿نَفْسٍ﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا عملته، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: عملها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو:\nواو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والرابط: الواو، والضمير الذي ترى تقديره؛ لأن المعنى كل إنسان يوفى جزاء عمله.\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و(ما) تحتمل الوجوه الثلاثة المذكورة في سابقتها، فعلى الأولين: التقدير: أعلم بالذي، أو: بشيء يفعلونه. وعلى الثالث: التقدير: أعلم بفعلهم.\n\n<span id=\"aya-4129\"></span>﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: يخبر الله تعالى عن حال الأشقياء كيف يساقون إلى النار سوقا عنيفا، بزجر وتهديد ووعيد، كما قال تعالى في سورة (الطور): ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: يدفعون إليها دفعا شديدا، وهم عطاش، كما قال تعالى في سورة (مريم): ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ رقم [٨٦ و٨٧] وهم في تلك الحال صم، بكم، عمي، كما قال جل ذكره: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ رقم [٩٧] من سورة (الإسراء). هذا؛ والزمر: الجماعات، واحدتها: زمرة، كظلمة، وغرفة. وقال الأخفش، وأبو عبيدة: ﴿زُمَرًا﴾ جماعات متفرقة بعضها إثر بعض، قال الشاعر: [الرمل]\nوترى الناس إلى منزله... زمرا تنتابه بعد زمر\nوقال آخر: [الرجز]\nإنّ العفاة بالسّيوب قد غمر... حتّى احزألّت زمر بعد زمر\n ﴿حَتّى إِذا جاؤُها﴾ أي: اقتربوا منها؛ ليدخلوا فيها؛ ﴿فُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أي: السبعة، وكانت مغلقة قبل ذلك، وهي التي يطلق عليها لقب: الدركات، بينما يطلق على الجنة، ومنازلها لقب:","vol":"8","page":294},{"text":"الدرجات، فالدرك ما كان إلى أسفل، والدرج ما كان إلى أعلى، ودركات النار: طبقاتها، وهي سبع؛ العليا لعصاة المؤمنين، وهي جهنم، تكون بعد خروجهم منها خرابا يبابا، لا نار فيها.\nوالثانية: لظى للنصارى، والثالثة: الحطمة لليهود، والرابعة: السعير للصابئين، والخامسة: سقر للمجوس، والسادسة: الجحيم لأهل الشرك، والسابعة: الهاوية، وهي الدرك الأسفل للمنافقين. هذا؛ وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، كما هو وارد في آيات القرآن، كما يطلق لفظ جهنم على كلّ منها. ويكثر استعمال لفظ: «ويل» في التهديد، والوعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الهمزة): ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ،﴾ وقوله في سورة (الماعون): ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ويفسر بالهلاك، والوبال، كما يفسر بأنه واد من أودية جهنم، وهو يفيد: أنه يطلق على جميع دركات النار. وانظر الدرجات في الآية التالية رقم [٧٣].\n ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ أي: حفظة جهنم، وهم الملائكة الموكلون بتعذيب أهلها، جمع:\nخازن، مثل: سدنة، وسادن، ويجمع أيضا على: خزّان، وخزّن، يقولون لهم ما يلي توبيخا وتقريعا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ:﴾ بشر من جنسكم. وانظر تفصيل ذلك في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: الكتب المنزلة عليهم من ربكم. ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي: يخوفونكم يوم القيامة؛ الذي تلاقون فيه ربكم؛ ليحاسبكم على أعمالكم.\n ﴿قالُوا بَلى﴾ أي: قد جاءتنا رسل ربنا، وخوفونا هذا اليوم، وما فيه من أهوال! وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم. ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي: ولكن وجبت علينا كلمة الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بسوء أعمالنا، كما قالوا: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ رقم [١٠٧] من سورة (المؤمنون)، فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال.\nالإعراب: ﴿وَسِيقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سيق): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلى جَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (سيق)، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿زُمَرًا:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾\nانظر الآية رقم [٤٥]. ﴿جاؤُها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فُتِحَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿أَبْوابُها:﴾ نائب فاعله، و(ها):\nفي محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش: (إذا) في مثل هذه الآية مجرورة ب: ﴿حَتّى،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى كل، فهي غاية لمحذوف، التقدير: سيقوا؛ حتى إذا جاؤوها.","vol":"8","page":295},{"text":"﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خَزَنَتُها:﴾ فاعل، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به.\n ﴿رُسُلٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلٌ﴾. ﴿يَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿آياتِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿يَتْلُونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رُسُلٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله. (ينذرونكم): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿يَوْمِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة يومكم، أو بدل منه، والأول أقوى، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة (ينذرونكم.. إلخ) معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب متضمن معنى الجملة في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿حَقَّتْ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَةُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ..﴾. إلخ معطوفة على كلمة ﴿بَلى،﴾ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4130\"></span>﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ:﴾ والقائل هو الله تعالى، أو الملائكة، وهو الأظهر.\n ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين فيها مخلدين لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها. قال وهب:\nتستقبلهم الزبانية بمقامع من نار، فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع في الدفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعة، ومضر. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ:﴾ بئس المصير وبئس المقيل لكم بسبب تكبركم في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحق! وانظر الآية رقم [٦٠].\nالإعراب: ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَبْوابَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة،","vol":"8","page":296},{"text":"وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي. و﴿أَبْوابَ﴾ مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة:\n ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ﴾. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٥] من سورة (يس) إن أردت الزيادة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدرة من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وانظر أنواع الحال في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأحزاب) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فِيها:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَبِئْسَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير:\nوإذا كان ذلك حاصلا لكم، وواقعا؛ فبئس. (بئس): فعل ماض جامد دال على إنشاء الذم.\n ﴿مَثْوَى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للتعذر، و﴿مَثْوَى﴾ مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: فبئس مثوى المتكبرين جهنم! والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.\nتنبيه: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: اللام في: ﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ للجنس، والمخصوص بالذم محذوف سبق ذكره، ولا ينافي إشعاره بأن مثواهم في النار لتكبرهم عن الحق أن يكون دخولهم فيها؛ لأن كلمة العذاب حقت عليهم، فإن تكبرهم، وسائر مقابحهم مسببة عنه، كما قال ﵊: «إنّ الله تعالى إذا خلق العبد للجنة؛ استعمله بعمل أهل الجنة؛ حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار؛ استعمله بعمل أهل النار؛ حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخل به النّار». انتهى.\n\n<span id=\"aya-4131\"></span>﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣)﴾\nالشرح: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا..﴾. إلخ: يعني: جماعات من الشهداء، والزهاد، والعلماء، والقراء وغيرهم ممن اتقى الله، وعمل بطاعته. وقال تعالى في حق الفريقين: (سيق) بلفظ واحد، فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي، والهوان، كما يفعل بالأسارى، والخارجين على السلطان؛ إذا سيقوا إلى حبس، أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان؛ لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، كما يفعل بمن يشرف، ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين!. انتهى. قرطبي وشبيه به في الكشاف.","vol":"8","page":297},{"text":"﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أي: الثمانية، وهي التي يطلق عليها اسم الدرجات، وهي:\nدار الجلال، ودار السّلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، ودار الكرامة، وهي المعبّر عنها بدار المقامة بقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٥] حكاية عن قول المؤمنين: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ. وانظر دركات النار في الآية السابقة. هذا؛ واقترنت جملة: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ بالواو هنا، ولم تقترن بحق أهل النار، وقد اختلف في هذه الواو، فقيل: هي عاطفة على جملة محذوفة هي جواب ﴿إِذا﴾ التقدير: سعدوا، وفتحت. قاله المبرد، وغيره. وحذف الجواب بليغ في كلام العرب. قال امرؤ القيس: [الطويل]\nفلو أنّها نفس تموت جميعة... ولكنها نفس تساقط أنفسا\nفحذف جواب (لو)؛ إذ التقدير: لكان أروح. وقيل: الواو زائدة عند الكوفيين، وهو خطأ عند البصريين، وانظر رقم [١٠٤] من سورة (الصافات). وقيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله تعالى، والتقدير: حتى إذا جاؤوها وأبوابها مفتحة بدليل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٥٠]: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ وحذفت الواو في قصة أهل النار؛ لأنهم وقفوا على النار، وفتحت أبوابها بعد وقوفهم إذلالا، وترويعا لهم، ذكره المهدوي، وحكى معناه النحاس قبله. انتهى. قرطبي. أقول: وهذا يعني: أن الواو واو الحال، و«قد» بعدها مقدرة، والمعنى يؤيده، بل لا محيص عنه.\nهذا؛ وقيل: إن الواو واو الثمانية، وذلك من عادة قريش: أنهم يعدون من الواحد، فيقولون: خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، فإذا بلغوا السبعة؛ قالوا: وثمانية، قاله أبو بكر بن عياش. قال الله تعالى في سورة (الحاقة) رقم [٧]: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا﴾ وقال في سورة (التوبة) رقم [١١٢]: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ ثم قال في الثامن: ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ،﴾ وقال في سورة (الكهف) رقم [٢٢]: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ،﴾ وقال في سورة (التحريم) رقم [٥] ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾. انتهى. قرطبي.\nثم قال: قلت: وقد استدل بهذا من قال: إن أبواب الجنة ثمانية، وذكروا حديث عمر بن الخطاب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد يتوضّأ، فيبلّغ، أو يسبغ الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنّة الثمانية يدخل من أيّها شاء». خرجه مسلم وغيره. انتهى.\nهذا؛ وقد ذكر ابن هشام هذه الواو في أقسام الواو؛ حيث قال: والتاسع: واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا: أن العرب إذا عدوا؛ قالوا: ستة، سبعة، وثمانية، إيذانا بأن السبعة عدد تام، وأن ما بعدها عدد مستأنف، واستدلوا على ذلك بآيات، وسرد الآيات التي ذكرتها لك","vol":"8","page":298},{"text":"آنفا، وفنّد دعواهم فيها، وقال في هذه الآية: وأقول لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها؛ إذ ليس فيها عدد ألبتّة، وإنما ذكر فيها الأبواب، وهي جمع لا يدل على عدد خاص، ثم الواو ليست داخلة عليه، بل على جملة هو فيها، وقد مر: أن الواو مقحمة في: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ عند قوم، وعاطفة عند آخرين. وقيل. هي واو الحال؛ أي: جاؤوها مفتّحة أبوابها، كما صرح ب:\n ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالا في ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ وهذا قول المبرد، والفارسي، وجماعة. قيل:\nوإنما فتحت لهم قبل مجيئهم إكراما لهم عن أن يقفوا حتى تفتح لهم. انتهى. مغني اللبيب بتصرف.\n ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ: تقول لهم خزنة الجنة هذا بعد وصولهم إلى أبواب الجنة، وبعد مجاوزة الصراط، وحبسهم على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص ما كان بينهم من مظالم الدنيا؛ حتى إذا هذّبوا، ونقّوا؛ أذن لهم في دخول الجنة، وإن أحدهم لأعرف بمنزله في الجنة منه بمنزله الذي كان له في الدنيا. ﴿طِبْتُمْ﴾ أي: طابت أعمالكم، وأقوالكم، وسعيكم، وطاب جزاؤكم. ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ:﴾ ماكثين مقيمين، لا تبغون عنها حولا. وفي سوقهم إلى الجنة زمرا، وفي دخولهم زمرا، خذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أوّل زمرة يدخلون الجنّة على صورة القمر ليلة البدر، والّذين يلونهم على أشدّ كوكب درّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوّة، أزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء».\nوفي رواية قال رسول الله ﷺ: «أوّل زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوّطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذّهب والفضة، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، لكلّ واحد منهم زوجتان، يرى مخّ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبّحون الله بكرة وعشيّا». رواه البخاري ومسلم، واللفظ لهما، والترمذي، وابن ماجه، وإن أردت الزيادة؛ فانظر: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري في وصف الجنة، والنار.\nالإعراب: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿حَتّى إِذا جاؤُها:﴾ انظرها أيضا، فالإعراب واحد، لا يتغير، وجملة ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ في محل نصب حال من: ﴿الْجَنَّةِ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، و«قد» قبلها مقدرة، وعليه فالجواب محذوف، تقديره: سروا وفرحوا، وإن اعتبرت الواو زائدة فهي في جواب ﴿إِذا﴾ انظر الكلام على الواو، وجملة: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ معطوفة عليها، على جميع الوجوه المعتبرة بالواو. هذا؛ وأجاز","vol":"8","page":299},{"text":"مكي اعتبارها جواب (إذا)، والواو زائدة فيها، فيتلخص: أن في جواب (إذا) ثلاثة أوجه.\n ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿طِبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَادْخُلُوها:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا لكم فادخلوها. (ادخلوها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والشرط المقدر ومدخوله في محل نصب مقول القول.\n ﴿خالِدِينَ:﴾ حال منصوب... إلخ.\n\n<span id=\"aya-4132\"></span>﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: المتقون الذين أنعم الله عليهم بدخول الجنة، وفازوا برضا ربهم.\n ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام، كما دعوا في الدنيا: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ،﴾ وانظر ما يقوله الذين اصطفاهم الله من عباده في الآية رقم [٣٤] و[٣٥] من سورة (فاطر). ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ:﴾\nأرض الجنة قد أورثوها؛ أي: ملكوها وجعلوا ملوكها، وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤون.\nتشبيها بحال الوارث، وتصرفه فيما يرث. انتهى. نسفي.\nوقال القرطبي: قيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار لو كانوا مؤمنين، قاله أبو العالية، وأبو صالح، وقتادة، والسدي، وأكثر المفسرين. انتهى. وانظر خسران الكافرين في الآية رقم [١٥]. ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ:﴾ ننزل في الجنة حيث نشاء، ونريد. يقال:\nبوأت زيدا مكانا، وبوأت لزيد مكانا، فالأول بمعنى: أنزلت زيدا مكانا كما في هذه الآية، والثاني كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ رقم [٨٧] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ والمبؤّأ المنزل الملزوم، ومنه بوّأه الله منزلا أي: ألزمه إياه وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة﵁-.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت فما معنى قوله: ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلت: يكون لكل واحد منهم جنة، لا توصف سعة، وحسنا، وزيادة على الحاجة، فيتبوأ من جنته حيث يشاء، ولا يحتاج إلى غيره. وقيل: إن أمة محمد ﷺ يدخلون الجنة قبل الأمم، فينزلون فيها حيث شاؤوا، ثم تنزل الأمم بعدهم فيما فضل منها. ولا تنس ما ذكرته من التعبير عن المستقبل بالماضي. ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ أي: بطاعة الله، وأوامره، واجتناب","vol":"8","page":300},{"text":"نواهيه، وزواجره. هذا؛ و(نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح، وضدها: «بئس» لإنشاء الذم، قال في المختار: نعم منقول من: نعم فلان (بفتح النون، وكسر العين): إذا أصاب النعمة، وبئس منقول من: بئس فلان (بفتح الباء، وكسر الهمزة): إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس (بكسر فسكون) وهي أفصحهن، وهي لغة القرآن. ثم نعم، وبئس (بكسر أولهما، وثانيهما) غير أن الغالب في نعم أن يجيء بعدها «ما» كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وبئس جاءت بعدها «ما» على اللغة الفصحى، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾. واللغة الثالثة: نعم، وبئس (بفتح فسكون) والرابعة:\nنعم، وبئس (بفتح فكسر) وهي الأصل فيهما.\nولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، ويشترط في الفاعل أن يكون مقرونا بأل، كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ،﴾ أو مضافا لمقترن بها، كما في قوله تعالى:\n ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وكما في الآية التي الكلام فيها، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ: «من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي؛ وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة) وقول غيره: (نعم السّير على بئس العير) وأوله البصريون على حذف كلام مقدر؛ إذ التقدير: (والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد) و(نعم السير على عير مقول فيه: بئس العير) والمعتمد في ذلك قول البصريين، ويلزم على قول الكوفيين جر الولد، والعير بسبب الإضافة، والرواية فيهما بالرفع لا غير.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة.\n ﴿صَدَقَنا:﴾ فعل ماض، و(نا): مفعوله الأول، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد.\n ﴿وَعْدَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وهي مثلها في إعرابها. ﴿نَتَبَوَّأُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الضمير فقط. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\nوقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب على الظرفية متعلق بالفعل قبله، وأجيز اعتباره مفعولا به، وجملة: ﴿نَشاءُ﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة (حيث) إليها، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (نعم): فعل ماض جامد لإنشاء المدح.","vol":"8","page":301},{"text":"﴿أَجْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْعامِلِينَ﴾ مضاف إليه، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: هو الجنة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ إذ هي من كلام الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-4133\"></span>﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ..﴾. إلخ: قال الجمل: لما ذكر ﷾ ما أعطيه المؤمنون من الدرجات؛ أتبعه بذكر أهل الكرامات، الذين لا شاغل لهم عن العبادات، وبيان مستقرهم في الجنة، وهم الملائكة، فقال صارفا الخطاب لأشرف الخلق؛ لأنه لا يقول بحق هذه الرؤية غيره؛ أي: وترى يا محمد في ذلك اليوم الملائكة؛ أي: القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق. انتهى. ﴿حَافِّينَ﴾ أي: محدقين محيطين بالعرش، مصطفين بحافته، وجوانبه. قال رسول الله ﷺ: «حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النّار بالشهوات». وقال الفراء وتبعه الزمخشري:\nلا واحد ل: ﴿حَافِّينَ﴾ من لفظه، وكأنهما رأيا: أن الواحد لا يكون حافا؛ إذ الحفوف هو الإحداق بالشيء، والإحاطة به. وهذا لا يتحقق إلا في جمع. ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ:﴾ انظر شرح ﴿الْعَرْشِ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (السجدة). أما ﴿حَوْلِ﴾ فهو ظرف مكان لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله، وحواله، وحوليه. وحواليه ولا تقل: حواليه (بكسر اللام) وقعد بحياله وحياله؛ أي: بإزائه، وإزاءه.\n ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يقولون: سبحان الله وبحمده. تلذذا بذلك، لا تعبدا، وتكليفا؛ لأن التكليف يزول في ذلك اليوم. وذلك يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح، وأفهم أن منتهى درجات العليين ولذاتهم الاستغراق في صفاته تعالى، وتسبيحه، وتقديسه. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بين الخلائق بإدخال بعضهم الجنة، وإدخال بعضهم النار بالحق، والعدل، ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: على ما قضى بيننا بالحق، والقائلون هم المؤمنون المقضي لهم، أو الملائكة، وطيّ ذكرهم؛ لتعينهم، وتعظيمهم.\nهذا؛ والحمد في الآية الأولى على الصدق بالوعد، وإيراث الجنة، وهذا على القضاء بالحق، قال الطيبي: الحمد الأول للتفرقة بين الفريقين بحسب الوعد، والوعيد من السخط والرضوان، والثاني للتفرقة بينهما بحسب الأبدان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فتكون الآية الثانية كالتتميم بالنسبة للأولى في إتمام القضاء، وعلى الثاني كالتكميل؛ لأن ذلك القضاء في حق بني آدم، وهذا في حق الملائكة. ويؤيد التأويل الثاني تكرير الحمد في الآيتين، والأول هو الظاهر. والله أعلم بمراده، فلا يرد: ما وجه تكرار حمد المؤمنين؟. انتهى. جمل نقلا من كرخي.","vol":"8","page":302},{"text":"الإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به. ﴿حَافِّينَ:﴾ حال من ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ حَوْلِ:﴾\nمتعلقان به، و﴿حَوْلِ﴾ مضاف، و﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾\nفعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من: ﴿الْمَلائِكَةَ﴾. ﴿بِحَمْدِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: ملتبسين ﴿بِحَمْدِ﴾. قال الثعلبي:\nوالعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح، وتحذفها أحيانا، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ و(حمد) مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَقُضِيَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (قضي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله على أنه نائب فاعله، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩]، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال. ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْحَمْدُ:﴾\nمبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل (قيل)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٢]. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:\n ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الزمر) بحمد الله وتوفيقه، تفسيرا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"8","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3758>سورة غافر</span>\nسورة (غافر): وتسمى سورة (المؤمن) وسورة (الطّول) وهي مكية، وكذا بقية الحواميم مكيات غير آيتين، وهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ رقم [٥٦] و[٥٧]، وعن الحسن إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. إلخ رقم [٥٥] وهي خمس وثمانون آية، وألف ومئة، وتسع وتسعون كلمة، وأربعة آلاف وتسعمئة وستون حرفا. انتهى. خازن. وقال القرطبي: وفي مسند الدارمي عن سعد بن إبراهيم، قال: كانت الحواميم تسمى: العرائس. وروي من حديث أنس -﵁أن رسول الله ﷺ قال: «الحواميم ديباج القرآن». وعن ابن مسعود﵁-:\n (آل حم ديباج القرآن). وقال الجوهري، وأبو عبيدة: وآل حاميم سور في القرآن. وقال الفراء:\nإنما هو كقولك: آل فلان، وآل فلان كأنه نسب السورة كلها إلى حم، قال الكميت: [الطويل]\nوجدنا لكم في آل حاميم آية... تأوّلها منّا تقيّ ومعزب\nقال أبو عبيدة: هكذا رواها الأموي بالزاي، وكان أبو عمرو يرويها بالراء. فأما قول العامة: الحواميم فليس من كلام العرب، وقال أبو عبيدة: الحواميم سور في القرآن على غير قياس، وأنشد: [الرجز]\nوبالطّواسين الّتي قد ثلّثت... وبالحواميم الّتي قد سبّعت\nقال: والأولى أن تجمع ب: ذوات حم، وروي: أن النبي ﷺ قال: «لكلّ شيء ثمرة، وإن ثمرة القرآن ذوات حم، هنّ روضات حسان، مخضبات متجاورات، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم». وقال النبي ﷺ: «مثل الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب». ذكرهما الثعلبي، والقرطبي.\nوقال ﷺ: «الحواميم سبع، وأبواب النار سبع-انظر الآية رقم [٧٢] من سورة (الزمر) - تجيء كلّ حم منهنّ يوم القيامة على باب من هذه الأبواب، فتقول: لا يدخل النار من كان يؤمن بي، ويقرأني». وقال أبو عبيدة: وحدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال: رأى رجل سبع جوار حسان مزيّنات في النوم، فقال: لمن أنتنّ بارك الله فيكنّ؟! فقلن:\nنحن لمن قرأنا نحن الحواميم. فتلخص من مجموع هذه الأخبار: أن هذه السور السبع تسمى الحواميم، وتسمى آل حاميم، وتسمى ذوات حاميم، فلها جموع ثلاثة خلافا لمن أنكر الأول منها. تأمل. انتهى. جمل وقرطبي بتصرف.\nوهذا؛ وسميت سورة (غافر) لأن الله تعالى ذكر هذا الوصف الجليل، الذي هو من صفات الله الحسنى في مطلع السورة الكريمة؛ حيث قال: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ..﴾. إلخ، وكرر ذكر","vol":"8","page":304},{"text":"المغفرة في دعوة الرجل المؤمن. قال: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ﴾. وسميت سورة (المؤمن) لذكر قصة مؤمن آل فرعون، كما ستقف عليها-إن شاء الله-مشروحة مبسوطة.\nوسميت سورة الطّول؛ لأنها أطول السور المسماة بالحواميم، بل هي أطول السور التي بعدها إلى آخر سور القرآن، ولا يقاربها سورة قط في الطول. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، أو سميت ب: (الطّول)، وهو الغنى لذكره في الآية رقم [٣].\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4134\"></span>﴿حم (١)﴾\nالشرح: اختلف في معناه، فقال عكرمة: قال النبي ﷺ: «﴿حم﴾ اسم من أسماء الله تعالى، وهي مفاتيح خزائن ربك». وقال ابن عباس﵄- ﴿حم:﴾ اسم الله الأعظم. وعنه:\n ﴿الر﴾ و﴿حم﴾ و﴿ن﴾ حروف الرحمن مقطعة. وعنه أيضا: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به.\nوقال عطاء الخراساني: الحاء: افتتاح اسمه: حميد، وحنان، وحليم، وحكيم، والميم افتتاح اسمه: ملك، ومجيد، ومنان، ومتكبر، ومصوّر. يدل عليه ما روى أنس﵁-: أن أعرابيا سأل النبي ﷺ: ما ﴿حم﴾ فإنا لا نعرفها في لساننا؟ فقال النبي ﷺ: «بدء أسماء وفواتح سور». وقال الضحاك، والكسائي: معناه قضي ما هو كائن. كأنه أراد الإشارة إلى تهجّي ﴿حم؛﴾ لأنها تصير:\nحمّ (بضم الحاء وتشديد الميم) أي: قضي، ووقع، قال كعب بن مالك﵁-: [الطويل]\nفلمّا تلاقينا، ودارت بنا الرّحى... وليس لأمر حمّه الله مدفع\nوعنه أيضا: إن المعنى حمّ أمر الله؛ أي: قرب، كما قال الشاعر: [مخلع البسيط]\nقد حمّ يومي فسرّ قوم... قوم بهم غفلة ونوم\nوالمعنى: قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر، وإذا سميت سورة بشيء من هذه الحروف؛ أعربت، فتقول: قرأت ﴿حم،﴾ فتنصب. قال شريح بن أوفى العبسي، قاتل محمد بن طلحة يوم الجمل: [الطويل]\nيذكّرني حاميم والرمح شاجر... فهلاّ تلا حاميم قبل التّقدّم\nالإعراب: ﴿حم:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذه حم، أو هو مبتدأ خبره ما بعده، أو هو في محل نصب من وجهين: الأول أنه في محل نصب لفعل محذوف، تقديره: أقرأ، أو: اتل ﴿حم﴾ والثاني: أنه منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ! والناصب","vol":"8","page":305},{"text":"فعل محذوف، التقدير: التزمت الله؛ أي: اليمين به. أو هو في محل جر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا:\nأقسم، وأحلف ب: ﴿حم﴾ وضعف هذا سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك؛ أي: حذف الجار، وإبقاء عمله، من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها، ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء.\n\n<span id=\"aya-4135\"></span>﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾\nالشرح: انظر الآية رقم [١] من سورة (الزمر) ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿تَنْزِيلُ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه خبر عن ﴿حم؛﴾ لأن ﴿حم﴾ يراد به السورة وبعض القرآن، وتنزيل بمعنى: منزل. والثاني: أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾ مبتدأ، والخبر متعلق الجار والمجرور: ﴿مِنَ اللهِ﴾. والثالث: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا تنزيل، أو المتلوّ تنزيل، أو: هذه الحروف تنزيل، ودلت ﴿حم﴾ على ذكر الحروف، و﴿تَنْزِيلُ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿تَنْزِيلُ،﴾ أو بمحذوف خبره. ﴿الْعَزِيزِ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. ﴿الْعَلِيمِ:﴾ بدل ثان، وبعضهم يعتبرهما صفتين للفظ الجلالة، ولا أسلمه؛ لأنهما اسمان، وليسا بصفتين.\n<span id=\"aya-4136\"></span>﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾\nالشرح: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ أي: للمؤمنين، و﴿الذَّنْبِ﴾ يطلق على مخالفة الله فيما أمر، أو فيما نهى عنه، وهو على درجات، منها الصغائر، ومنها الكبائر، وتفصيلها معروف في محالها، وجمعه: ذنوب بضم الذال، وهو بفتحها بمعنى: النصيب. قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٥٩]: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾. و(الذنوب) بفتح الذال أيضا:\nالدلو العظيمة قال الراجز: [الرجز]\nإنّا إذا شاربنا شريب... له ذنوب ولنا ذنوب\nفإن أبى كان له القليب\n ﴿وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ أيضا للمؤمنين؛ إن تابوا عن ذنوبهم، وإدخال الواو في هذا الوصف لإفادة الجمع للمذنب التائب بين قبول توبته، ومحو ذنبه. انتهى. عمادي. وعبارة البيضاوي: وتوسيط الواو بين الأولين؛ لإفادة الجمع بين محو الذنوب، وقبول التوبة، أو لتغاير الوصفين؛ إذ ربما يتوهم الاتحاد. انتهى. جمل. ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ أي: لمن تمرد، وطغى، وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله تعالى، وبغى. وهذه كقوله تعالى في سورة (الحجر) رقم [٤٩ و٥٠]:","vol":"8","page":306},{"text":"﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ يقرن الله هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء، والخوف.\n ﴿ذِي الطَّوْلِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يعنى: السعة، والغنى. وهو قول مجاهد، وقتادة. وقال زيد الأصم: يعني: الخير الكثير. وقال عكرمة: ذي المن. وقال محمد بن كعب: ذي التفضل. قال الماوردي: والفرق بين المن، والتفضل: أن المن عفو عن ذنب، والتفضل إحسان غير مستحق، والطّول مأخوذ من الطّول كأنه طال بإنعامه على غيره.\n ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا رب غيره، ولا معبود سواه. ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، والماب، فيجازي كل عامل بعمله.\nتنبيه: عن يزيد الأصم-رحمه الله تعالى-قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب﵁ففقده عمر، فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين! تتابع في هذا الشراب! قال: فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه، ويتوب الله عليه. فلما بلغ الرجل كتاب عمر﵁جعل يقرؤه، ويردده، ويقول:\nغافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع. فلما بلغ عمر خبره؛ قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة، فسددّوه، ووثقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه. أخرجه ابن أبي حاتم، والحافظ أبو نعيم. انتهى. مختصر ابن كثير، وغيره.\nالإعراب: ﴿غافِرِ..﴾. إلخ: في هذه الصفات ثلاثة أوجه: أحدها: أنها كلها صفات الجلالة.\nالثاني: أنها كلها أبدال؛ لأن إضافتها غير محضة. الثالث: أن ﴿غافِرِ﴾ و(قابل) نعتان، و﴿شَدِيدِ الْعِقابِ:﴾ بدل. انتهى. باختصار عن الجمل نقلا عن السمين. وللزمخشري كلام طويل في هذه الصفات. هذا؛ والإضافة ب: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وفي: ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها. ﴿ذِي:﴾ صفة، أو بدل مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾ مضاف، و﴿الطَّوْلِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم: ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع بالابتداء. والثاني:\nاعتباره بدلا من: ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره","vol":"8","page":307},{"text":"بدلا من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالا لازمة. وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون صفة، ورد هذا لأن الجملة لا تكون صفة للمعارف، ويمكن أن تكون صفة ل: ﴿شَدِيدِ﴾. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بسابقتها، ويجوز فيها أن تكون حالا من الجملة قبلها، وهي حال مؤكدة، مثل: أنت ابني حقا.\n\n<span id=\"aya-4137\"></span>﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ: أي: ما يخاصم فيها بالتكذيب بها، والإنكار لها. وقد دل على ذلك قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٦]: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، واستنباط معانيها، ورد أهل الزيغ بها؛ فأعظم جهاد في سبيل الله. انتهى. نسفي. ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أي:\nبالتجارات النافقة، والمكاسب المربحة، سالمين غانمين، فإن عاقبة أمرهم إلى العذاب. هذا؛ وفي سورة (آل عمران) رقم [١٩٦]: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾.\nقال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٦]: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾. وعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إن جدالا في القرآن كفر». أخرجه أبو داود. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ قال: سمع رسول الله ﷺ قوما يتمارون، فقال: «إنّما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما الكتاب يصدّق بعضه بعضا، فلا تكذّبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه؛ فقولوه، وما جهلتم منه؛ فكلوه إلى عالمه». أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁قال: هاجرت إلى رسول الله ﷺ يوما، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: «إنما هلك من قبلكم باختلافهم في الكتاب». انتهى. خازن. وعن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل، ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا»﴾. رواه الترمذي، وابن ماجه. هذا؛ ويبقى ما نقلته عن النسفي صحيحا، ومعمولا به. والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُجادِلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿فِي آياتِ:﴾ متعلقان به، و﴿آياتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿ما يُجادِلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي:","vol":"8","page":308},{"text":"من يجوز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها وأمثالها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَغْرُرْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وقد فك المضعف، ويجوز عدم فكه؛ وقد قرئ به، ولكن الفك أفصح، والكاف مفعول به. ﴿تَقَلُّبُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بالمصدر، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.\n\n<span id=\"aya-4138\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل قريش. ﴿قَوْمُ نُوحٍ:﴾ مرت قصة نوح مع قومه مفصلة في كثير من السور. ﴿وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: مثل: قوم هود، وقوم صالح، وقوم إبراهيم... إلخ، وانظر شرح ﴿الْأَحْزابُ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (ص). ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: ليقتلوه، ويهلكوه. وقيل: ليأسروه، والأخذ يرد بمعنى: الإهلاك، كقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٢٦]: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ والعرب تسمي الأسير: الأخيذ؛ لأنه مأسور للقتل، وأنشد قطرب قول الشاعر: [الوافر]\nفإمّا تأخذوني تقتلوني... وكم من واحد يهوى خلودي\nوفي وقت أخذهم لرسولهم قولان: أحدهما: عند دعائه لهم. الثاني: عند نزول العذاب بهم. ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: ليزيلوا. ومنه: مكان دحض؛ أي: مزلقة، والباطل داحض؛ لأنه يزلق ويزل فلا يستقر. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي: فأهلكتهم إهلاكا مريعا. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أي: عقابي، وإهلاكي لهؤلاء المكذبين، أليس وجدوه حقا، وعاينوه في ذهابهم، وإيابهم إلى بلاد الشام؟!\nالإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله.\nوقيل: متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و﴿قَوْمُ﴾ مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه، والمفعول محذوف، التقدير: كذبت قوم نوح نوحا. ﴿وَالْأَحْزابُ:﴾ معطوف على: ﴿قَوْمُ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (الأحزاب)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهَمَّتْ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، و﴿كُلُّ﴾ مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِرَسُولِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.","vol":"8","page":309},{"text":"﴿لِيَأْخُذُوهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (همت).\n (جادلوا): فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (همت...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لِيُدْحِضُوا:﴾ مثل: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ في إعرابه، وتأويله، والجار والمجرور متعلقان مع ما قبلهما بالفعل (جادلوا). ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عِقابِ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة ف: ﴿عِقابِ﴾ فاعلها، و(كيف) في محل نصب حال، تقدمت عليها، وعلى فاعلها، والجملة فعلية على الاعتبارين، وهي مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4139\"></span>﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ:﴾ وجبت، ولزمت؛ مأخوذ من الحق؛ لأنه اللازم. والمعنى:\nكما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك، وخالفوك يا محمد بطريق الأولى؛ لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك. والله أعلم. انتهى مختصر ابن كثير. ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ..﴾. إلخ: فقد قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أي: من الكافرين المخالفين أوامر الله من كل أمة في كل عصر، وفي كل مكان. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١٧١] من سورة (الصافات) والتي بعدها، وما هنا بمنزلة المقابلة لما هناك.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ محذوف، التقدير: والأمر كذلك، ثم أخبر بأنه حقت عليهم كلمة الله بالعذاب.\nويحتمل أن يكونا متعلقين بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير:\nوجبت كلمة ربك على الذين كفروا من قومك وجوبا كائنا مثل وجوبها على من تقدمهم من الأمم. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿حَقَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَةُ:﴾ فاعل، و﴿كَلِمَةُ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور","vol":"8","page":310},{"text":"متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر (أنّ) وهو مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع بدلا من ﴿كَلِمَةُ﴾ بدل كل من كل، أو بدل الاشتمال على إرادة اللفظ، أو المعنى. انتهى.\nبيضاوي. هذا؛ ويجوز اعتبار المصدر مجرورا في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنهم أصحاب. كما يجوز اعتبار المصدر في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو أنهم أصحاب النار، وقال الفراء: يجوز: (إنّهم) بالكسر على الاسئناف، ولم أر قراءة بالكسر.\nهذا؛ ومثل هذه الآية في إعرابها، الآية رقم [٣٣] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وما يشبهها في الآيتين رقم [١٧١ و١٧٢] من سورة (الصافات).\n\n<span id=\"aya-4140\"></span>﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ أي: حاملين العرش، والحافين حوله، وهم الكروبيون سادة الملائكة، وأولهم وجودا. وحملهم إياه، وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم له، وتدبيرهم شؤونه. أو كناية عن قربهم من ذي العرش، ومكانتهم عنده، وتوسطهم في نفاذ أمره.\nوروي: أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم. آمنت وصدقت بكل ما يذكر بشأن الملائكة الكرام.\nوفي الحديث: إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا، ويروحوا بالسلام على حملة العرش، تفضيلا لهم على سائر الملائكة. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة، يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف من الملائكة قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، يهللون ويكبرون، ومن ورائهم مئة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. انتهى. نسفي.\n ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ:﴾ يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال والإكرام. وجعل التسبيح أصلا، والحمد حالا؛ لأن الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح. ومعنى ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾\nينزهون الله تعالى عما لا يليق بجلاله. والتحميد: هو الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق.\n ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يصدقون بأنه واحد، لا شريك له، ولا مثل له، ولا نظير له. انتهى.\nخازن. وقال: فإن قلت: قدم قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ على قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولا يكون","vol":"8","page":311},{"text":"التسبيح إلا بعد الإيمان. فما فائدة قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ؟﴾ قلت: فائدته التنبيه على شرف الإيمان، وفضله، والترغيب فيه، ولما كان الله ﷿ محتجبا عنهم بحجب جلاله، وجماله، وكماله؛ وصفهم بالإيمان به.\nقال شهر بن حوشب﵁-: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك. وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: رحمتك تسع ذنوبهم، وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم، وأقوالهم، وحركاتهم وسكناتهم. هذا؛ وقال المفسرون: وفي وصف الله تعالى بالرحمة، والعلم -وهو ثناء قبل الدعاء-تعليم العباد أدب السؤال، والدعاء، فهم يبدؤون دعاءهم بأدب، ويستمطرون إحسانه، وفضله، وإنعامه. وتقديم الرحمة؛ لأنها المقصودة بالذات هاهنا.\n ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا، وأنابوا، وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخير، وترك المنكرات. ﴿وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ أي:\nواحفظهم من عذاب الجحيم، وهو العذاب الموجع المؤلم.\nوالمعنى: اجعل بينهم، وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة في أمورهم، وتتم نعمتك عليهم بتوفيقهم لعبادتك، وطاعتك فإنك وعدت من كان كذلك بذلك، ولا يبدل القول لديك. وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء، وإن الخلق عبيدك. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. ولا تنس: أنّ في الكلام تغليبا؛ لأن دعاء الملائكة للذكور يشمل الإناث المؤمنات بلا ريب، وهذا التغليب تجده في كثير من الآيات، والألفاظ، مثل: ﴿يُؤْمِنُونَ،﴾ ﴿يَعْمَلُونَ،﴾ ﴿يَدْخُلُونَ..﴾. إلخ.\nقال إبراهيم النخعي: كان أصحاب عبد الله يقولون: الملائكة خير من ابن الكوّاء، هم يستغفرون لمن في الأرض، وابن الكوّاء يشهد عليهم بالكفر. قال إبراهيم: وكانوا يقولون لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال مطرّف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان، وتلا هذه الآية. وقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: افهموها فما في العالم جنّة أرجى منها، إن ملكا واحدا لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين؛ لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة، وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين؟ وقال خلف بن هشام البزار القارئ: كنت أقرأ على سليم بن عيسى، فلما بلغت:\n ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكى، ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله؛ نائما على فراشه؛ والملائكة يستغفرون له!. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ وابن الكوّاء من الخوارج، وهم كفروا معاوية، وعمرو بن العاص، وأخيرا كفروا عليّا -﵁وتاريخهم، وقصصهم، وحكاياهم في التاريخ الإسلامي مشهورة مسطورة.","vol":"8","page":312},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على: ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (من)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٧٥] من سورة (الزمر)، وجملة: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء منصوب، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَسِعْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿رَحْمَةً:﴾ تمييز محول عن الفاعل؛ إذ التقدير:\nوسعت رحمتك وعلمك كل شيء. وقيل: مفعول مطلق عامله «وسع»؛ لأن معناه: رحم، وعلم. والأول أولى، وأقوى، والكلام: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: «يقولون: ربنا...» إلخ، والجملة هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، أو هي مفسرة ل: (يستغفرون) والمعنى: لا يأباه. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، انظر الآية رقم [٤]. (اغفر): فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، تقديره: ذنوبهم. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، أو حاصلا؛ فاغفر... إلخ، وجملة: ﴿تابُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقِهِمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قهم): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَقِهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اغفر...) إلخ.\n\n<span id=\"aya-4141\"></span>﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: تكرم، وتفضل عليهم بدخول جنات عدن بسبب ما ذكر في الآية السابقة. وانظر شرح: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ في الآية رقم [٥٠] من سورة (ص). ﴿وَمَنْ﴾","vol":"8","page":313},{"text":"﴿صَلَحَ..﴾. إلخ: أي: وأدخل من صلح من آبائهم... إلخ: بالإيمان والعمل الصالح، وذلك ليتم سرورهم، وتزول أحزانهم. ومثل هذه الآية في المعنى قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢٣]:\n ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾ فأنت ترى: أن الصلاح مشروط لإدخال الآباء، والأزواج، والذرية في الآيتين الكريمتين، ولكن هناك من يقول: إن الصلاح غير مشروط، فقد قال سعيد بن جبير﵁-: يدخل الرجل الجنة، فيقول:\nيا رب أين أبي، وجدي، وأمي؟ وأين ولدي، وولد ولدي؟ وأين زوجاتي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا كعملك، فيقول: يا رب! كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ..﴾. إلخ إلى: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nهذا؛ وأرى: أن هذه الآيات لا ترد الاعتراض باشتراط الصلاح، ولا تحله، وإنما الذي يحله قوله تعالى في سورة (الطور) [٢١]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ..﴾.\nإلخ فهذه الآية تشترط الإيمان ولا تشترط الصلاح. والمعنى: ساوينا بين الكل في المنزلة، والدرجة لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل، فساويناه بكثير العمل، تفضلا منا، ومنة. هذا؛ وقرئ: «(صلح)» بضم اللام، و«(ذريتهم)» بالإفراد.\n ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ:﴾ الغالب، القاهر، القادر، المقتدر؛ الذي لا يمتنع عليه مقدور.\n ﴿الْحَكِيمُ:﴾ الذي لا يفعل إلا ما تقضيه الحكمة، ومن ذلك الوفاء بالوعد: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ سورة (التوبة) رقم [١١١].\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى مثل سابقه. (أدخلهم): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿جَنّاتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾. ﴿وَعَدْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: التي وعدتهم إياها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على أحد الضميرين المنصوبين. والأول أولى، وأقوى.\n ﴿صَلَحَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (من)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة له. ﴿مِنْ آبائِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل العائد على: (من)، ومن بيان لما أبهم فيها.\n ﴿وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والآية بكاملها في محل نصب مقول للقول المحذوف، الذي رأيت تقديره.\n ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع","vol":"8","page":314},{"text":"خبر (إنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير فصلا لا محل له، واعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل.\nوعليهما فالاسمان العظيمان خبران ل: (إنّ)، وجملة: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للدعاء، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4142\"></span>﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أي: احفظهم من العذاب الذي يتسبب عن السيئات، وذلك بالتوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والسيئات على اختلاف أنواعها، ودرجاتها. ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ:﴾ ومن تحفظه من السيئات في الدنيا، وتوفقه للطاعات؛ ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. فكأنهم طلبوا السبب بعد ما سألوا المسبب. ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾\nالإشارة إلى ما ذكر من الرحمة، ووقاية السيئات، وكان ذلك فوزا عظيما؛ حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيما لا ينقطع، وبأفعال حقيرة ملكا لا تصل العقول إلى كنه جلالته. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ وانظر (التقوى) في الآية رقم [١٠] من سورة (الزمر).\nهذا؛ وانظر شرح ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآية رقم [٣٣] من سورة (الصافات). أما (قهم) فهو فعل دعاء، وصيغته صيغة أمر، فهو من: وقى، يقي اللفيف المفروق، فتحذف فاؤه من المضارع، مثل كل فعل مثال، مثل: وعد، يعد، ووزن، يزن... إلخ، وتحذف لامه في الأمر مع فائه لبنائه على حذف حرف العلة، مثل كل فعل ناقص معتل الآخر، مثل: اسع، وارم... إلخ، فيبقى فعل أمر باللفظ حرفا واحدا (ق) ومثله: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطي، يطي، ط، وإذا لم يتصل به ضمير تلحقه هاء السكت، فتقول: فه، له، عه... إلخ.\nالإعراب: ﴿وَقِهِمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (قهم): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله الأول. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وفي الكلام حذف مضاف، التقدير: وقهم عقاب السيئات. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من):\nاسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، أو هو في محل رفع مبتدأ.\n ﴿تَقِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب... إلخ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بما قبله، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَحِمْتَهُ:﴾ فعل، وفاعل،","vol":"8","page":315},{"text":"ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر (من) على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح عند المعاصرين، والجملة الشرطية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول للقول المحذوف، الذي رأيت تقديره.\n ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو بدل من اسم الإشارة، وعليهما ف: ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ و﴿الْفَوْزُ﴾ خبره، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة التذييل للكلام السابق. ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة: ﴿الْفَوْزُ﴾.\n\n<span id=\"aya-4143\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ أي: تناديهم الملائكة حين يدخلون النار، ويرون ما يحل بهم من العذاب الأليم، والعقاب الشديد، ويمقتون أنفسهم، ويبغضونها غاية البغض بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة؛ التي كانت سبب دخولهم النار، فتخبرهم الملائكة عند ذلك بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض عليهم الإيمان، فيكافرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم في هذه الحالة.\nقال قتادة، والحسن البصري، ومجاهد، والسدي: المعنى: لمقت أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا، فتركوه، وأبوا أن يقبلوه أكبر مما مقتوا أنفسهم حين يرون عذاب الله يوم القيامة. انتهى مختصر ابن كثير. ونداء الملائكة لهم إنما هو على سبيل التوبيخ، والتأنيب، والتقريع.\nوقيل: المعنى: لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض، كقوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٥]: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وقال الكلبي-نسبة إلى قبيلة بني كلب قبيلة مشهورة، منها زيد بن حارثة الكلبي ﵁ حبّ رسول الله ﷺ: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه: مقتك يا نفسي! فتقول الملائكة لهم؛ وهم في النار: لمقت الله إياكم إذ أنتم في الدنيا، وقد بعث إليكم الرسل، فلم تؤمنوا أشد من مقتكم اليوم أنفسكم. وقال الحسن البصري: يعطون كتبهم، فإذا نظروا في سيئاتهم؛ مقتوا أنفسهم.\nفينادون لمقت الله إياكم في الدنيا؛ إذ تدعون إلى الإيمان، فتكافرون أكبر من مقتكم أنفسكم؛ إذا عاينتم النار. انتهى. جمل. هذا؛ والمقت: أشد البغض، وهو في حق الله تعالى محال، فالمراد منه هنا لازمه، وهو الغضب عليهم، وتعذيبهم، وانظر الآية رقم [٣٥].","vol":"8","page":316},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: كفروا بالله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿يُنادَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿لَمَقْتُ:﴾ اللام: لام الابتداء. (مقت): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لمقت الله أنفسكم، فحذف لدلالة ما بعده عليه.\n ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَكْبَرُ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به للمصدر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿لَمَقْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ل: ﴿يُنادَوْنَ؛﴾ لأنه بمعنى: يقال لهم، والنداء قول. قاله الأخفش. وقال غيره: المعنى: يقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا.\nوهذا يعني: أن الجملة في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وهذه الجملة مفسرة للفعل:\n ﴿يُنادَوْنَ﴾. ﴿إِذْ:﴾ ظرف مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكروا، أو احذروا. وقيل: متعلق بأحد المصدرين السابقين. ورده ابن هشام في المغني، وفنده. ﴿تُدْعَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلَى الْإِيمانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿إِذْ﴾ للتعليل. ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-4144\"></span>﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ:﴾ اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية، فقال ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والضحاك﵃-: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا، ثم أحياهم للبعث والقيامة، فهاتان حياتان، وموتتان، وهو قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨]: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وقال السدي وغيره: أميتوا في الدنيا، ثم أحياهم في القبور للسؤال، ثم أميتوا، ثم أحيوا في الآخرة. وإنما صار إلى هذا؛ لأن لفظ الميت، لا ينطلق في العرف على النطفة. واستدل العلماء من هذا في إثبات سؤال القبر، ولو كان الثواب، والعقاب للروح دون الجسد، فما معنى الإحياء والإماتة؟ والروح-عند","vol":"8","page":317},{"text":"من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح-لا تموت، ولا تتغير، ولا تفسد، وهو حي لنفسه لا يتطرق إليه موت، ولا غشية ولا فناء. انتهى. قرطبي.\nوقال ابن زيد في هذه الآية: خلقهم في ظهر آدم، وأخرجهم، وأحياهم، وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم. ﴿فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا:﴾ اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف، وندموا؛ حيث لا ينفعهم الندم.\n ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: فهل أنت محيينا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا؟ فإنك قادر على ذلك؛ لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا فإنا ظالمون، فأجيبوا: أن لا سبيل إلى عودكم إلى الدار الدنيا. ثم علل ذلك المنع بأن سجاياكم لا تقبل الحق، ولا تقتضيه، بل تمجه، وتنفيه، وهذا المعنى تكرر في سورة (السجدة) رقم [١٢]، وفي سورة (الأنعام) رقم [٢٧]، وفي سورة (المؤمنون) رقم [١٠٧]، وفي سورة (فاطر) رقم [٣٧] انظر شرحها، وتفصيلها في محالها. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿أَمَتَّنَا﴾ و(أحييتنا) وهو من المحسنات البديعية.\nهذا؛ وفي الاستفهام يأس، وقنوط، واستحالة مفرطة، كأنهم لفرط ما يكابدونه يتمنون الخروج من هذا الأسى المطبق من الهول المستحكم، ولكن أي تمن هذا؟! إنه تمني من غلب عليه اليأس، والقنوط، وإنما يقولون ذلك تعللا، وتحيرا، ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك، وهو ما في الآية التالية.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء منصوب، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَمَتَّنَا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، و(نا) مفعوله. ﴿اِثْنَتَيْنِ:﴾ نائب مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. (اعترفنا): فعل، وفاعل. ﴿بِذُنُوبِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا):\nفي محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿إِلى خُرُوجٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿سَبِيلٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول على الاعتبارين، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"8","page":318},{"text":"<span id=\"aya-4145\"></span>﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: الذي أنتم فيه من العذاب. ﴿بِأَنَّهُ﴾ أي: بسبب أنه؛ أي: الحال والشأن. ﴿إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي: أنكرتم أن تكون الألوهية لله وحده. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا:﴾ وإن دعيتم إلى اللات، والعزى، وأمثالهما من الأصنام؛ آمنتم، وصدقتم بألوهيتها.\n ﴿فَالْحُكْمُ لِلّهِ﴾ أي: الأمر لله، والحكم له، والعبادة خاصة له؛ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي، والعقاب الأبدي. ﴿الْعَلِيِّ:﴾ المتعالي، والمنزه عن أن يشرك به، ويسوى بغيره.\n ﴿الْكَبِيرِ:﴾ العظيم على من أشرك، وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاقه العبادة، والمعنى الإجمالي: فالقضاء لله وحده، لا للأوثان، والأصنام، ولا سبيل إلى نجاتكم؛ لأن الله تعالى هو المتعالي على خلقه، العظيم في ملكه؛ الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. هذا؛ ومضمون الآية ردّ، ونفي لما طلبوه من الإعادة إلى الدنيا.\nهذا؛ وقيل: إن الخوارج إنما أخذوا قولهم: لا حكم إلا لله من هذه الآية. وقال قتادة -رحمه الله تعالى-: لما خرج أهل حروراء؛ قال الإمام علي﵁-: من هؤلاء؟ قيل: المحكمون. أي: الذين يقولون: لا حكم إلا لله، فقال كرم الله وجهه: كلمة حق أريد بها باطل. انتهى. نسفي بتصرف. هذا؛ ولا تنس المقابلة في هذه الآية؛ حيث قابل بين التوحيد، والإشراك، والكفر، والإيمان.\nالإعراب: ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام، للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِأَنَّهُ:﴾ الباء: حرف جر. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿دُعِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اللهُ:﴾\nنائب فاعله. ﴿وَحْدَهُ:﴾ قال القرطبي: نصب على المصدر عند الخليل، وسيبويه، وعلى الحال عند يونس. انتهى. أقول: وهو المعتمد، وهو مؤول ب: منفردا، كما هو مقرر في كتب النحو.\nوالجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المرجوح المشهور. ﴿كَفَرْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يُشْرَكْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وهو مبني للمجهول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها","vol":"8","page":319},{"text":"ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها معطوف على (إذا) ومدخولها فهو في محل رفع مثله. ﴿فَالْحُكْمُ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (الحكم): مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها استئنافية، أو تعليلية. ﴿الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة، وبعضهم يعتبرهما صفتين، ولا أسلمه؛ لأنهما من الأسماء الحسنى، وليسا من صفات الله، كما هو مقرر في علم التوحيد.\n\n<span id=\"aya-4146\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ أي: دلائل توحيده، وقدرته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ أي: وينزل لكم من السماء المطر، الذي تسبب عنه الرزق من الزروع، والثمار، فهو من إطلاق المسبب وإرادة السبب. جمع الله في هذه الآية بين إظهار الآيات، وإنزال الرزق؛ لأن بالآيات قوام الأديان، وبالرزق قوام الأبدان، وهذه الآيات هي السموات، والأرضون، وما فيهما، وما بينهما من الشمس، والقمر، والنجوم، والرياح، والسحاب، والبحار، والأنهار، والعيون، والجبال، والأشجار، وآثار قوم هلكوا.\n ﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾ أي: ما يتعظ بهذه الآيات، فيوحد الله، ويعبده. ﴿إِلاّ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي:\nيرجع إلى طاعة الله وتوحيده، يرجع عن الإنكار بالإقبال عليها، والتفكير فيها، فإن المعاند لا يتذكر، ولا يتعظ.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُرِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به أول. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَيُنَزِّلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ينزل): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿الَّذِي﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿رِزْقًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو:\nحرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنَ:﴾ اسم","vol":"8","page":320},{"text":"موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله. ﴿يُنِيبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿مِنَ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَما يَتَذَكَّرُ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والعائد في الأولى عائد في الثانية. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من كاف الخطاب فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو فقط. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\n<span id=\"aya-4147\"></span>﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: فاعبدوا الله أيها المؤمنون مخلصين له العبادة، والطاعة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] و[٣] من سورة (الزمر). ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي:\nولو غاظ الكافرين عبادتكم، وإخلاصكم لله العبادة، والطاعة، فأخلصوا له تعالى العبادة، وخالفوا الكافرين في مسلكهم، ومذهبهم في حياتهم.\nالإعراب: ﴿فَادْعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا كان الأمر كما ذكر من اختصاص التذكر بمن ينيب؛ فاعبدوه أيها المؤمنون مخلصين له دينكم بموجب إنابتكم إليه، وإيمانكم به. انتهى. (ادعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، كما رأيت تقديره، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعول به ل: ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): وصلية.\n ﴿كَرِهَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط. وهذا أقوى من اعتبار (لو) شرطية محذوفة الجواب لدلالة ما قبله عليه.\n<span id=\"aya-4148\"></span>﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ:﴾ عظيم الصفات، بمعنى: مرتفع بعظمته في صفات جلاله، وكماله، ووحدانيته، المستغني عن كل ما سواه، وكل الخلق فقراء إليه. فهو على هذا صفة مشبهة، أو المعنى: رافع درجات الأنبياء، والأولياء والعلماء في الجنة. وهو على هذا صيغة مبالغة محولة عن اسم الفاعل. ﴿ذُو الْعَرْشِ:﴾ صاحبه، وخالقه، ومالكه، ومتصرف فيه.\nوتخصيصه بالذكر؛ لأنه أعظم الأجسام المخلوقة فيما يرى العباد. والمقصود: كمال التنبيه على كمال القدرة، فكل ما كان أعظم؛ كانت دلالته على كمال القدرة أقوى، وأدل.","vol":"8","page":321},{"text":"﴿يُلْقِي الرُّوحَ:﴾ الوحي، والنبوة، وسمي ذلك روحا؛ لأن الناس يحيون بها؛ أي: يحيون من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: ﴿الرُّوحَ﴾ القرآن، قال تعالى:\n ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾. وعلى هذين الوجهين في الكلام استعارة تصريحية، وهو ما أفاده كلام الزمخشري. وقيل: ﴿الرُّوحَ﴾ جبريل ﵇، قال تعالى في سورة (الشعراء):\n ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ﴾. ﴿مِنْ أَمْرِهِ:﴾ بأمره وقضائه. ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ:﴾ وهم الأنبياء، يشاء هو أن يكونوا أنبياء، وليس لأحد فيهم مشيئة، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٧٤]: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ:﴾ لينذر الله، أو الملقى عليه الوحي، وهو النبي ﷺ، ويدل عليه قراءة:\n «(لتنذر)»، و﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ هو يوم القيامة، يلتقي فيه الخلق، والخالق، والعابد، والمعبود، والظالم، والمظلوم. وقيل: يلتقي فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، وكله صحيح المعنى.\nالإعراب: ﴿رَفِيعُ:﴾ خبر ثان للمبتدأ المذكور في الآية رقم [١٣]، أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رفيع. وقرئ بالنصب على الحال، أو على المدح بفعل محذوف، و﴿رَفِيعُ﴾ مضاف، و﴿الدَّرَجاتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، أو من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذُو:﴾ يجوز فيه ما جاز ب: ﴿رَفِيعُ﴾ من أوجه، فهو مرفوع، أو منصوب، وعلى الرفع الواو، وعلامة النصب الألف؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه. ﴿يُلْقِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز ب: ﴿رَفِيعُ﴾. هذا؛ وأرى جواز اعتبارها حالا من: ﴿ذُو الْعَرْشِ،﴾ وعليه يكون الفاعل عائدا إليه، وهو الرابط. ﴿الرُّوحَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الرُّوحَ،﴾ على اعتبار «أل» للتعريف، أو بمحذوف صفة له على اعتبارها للجنس، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلى مَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: على الذي، أو: على شخص يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مِنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لِيُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، أو إلى الموحى إليه، والمفعول الأول محذوف، التقدير: لينذر الناس. ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿التَّلاقِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يُلْقِي﴾ أيضا.","vol":"8","page":322},{"text":"<span id=\"aya-4149\"></span>﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ﴾ أي: خارجون من قبورهم، ظاهرون، لا يسترهم شيء من جبل، أو أكمة، أو بناء؛ لكون الأرض يومئذ قاعا صفصفا، ولا ثياب عليهم، وإنما هم عراة مكشوفون، كما جاء في قول النبي ﷺ: «يحشر الناس حفاة عراة غرلا». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة﵂-.\n ﴿لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أي: من ذواتهم، وأعمالهم، وأحوالهم. فإن قلت: الله لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام فما وجه تخصيص هذا اليوم؟ قلت: كانوا يتوهمون في الدنيا: أنهم إذا استتروا بالحيطان، والحجب؛ لا يراهم الله، وتخفى عليه أعمالهم، وهم في ذلك اليوم لا يتوهمون هذا التوهم. انتهى. خازن. ولذا قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [٢٢ و٢٣]:\n ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾. فهذا يقال لهم يوم القيامة حين تشهد عليهم جوارحهم بسوء أعمالهم. وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٠٨]: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.\n ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ:﴾ وذلك عند فناء الخلق. وقال الحسن: الله السائل، وهو المجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه، فيقول: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾. وقال النحاس:\nوأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود﵁قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله ﷿ عليها، فيؤمر مناد ينادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا، وتلذذا، ويقوله الكافرون غمّا، وانقيادا، وخضوعا. فأما أن يكون هذا؛ والخلق غير موجودين؛ فبعيد؛ لأنه لا فائدة فيه. والقول صحيح عن ابن مسعود﵁وليس هو مما يؤخذ بالقياس، ولا بالتأويل.\nقلت: والقول الأول ظاهر جدا؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل متكبر وجبروته، وانقطعت دعاويهم، وأنسابهم، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض، والأرواح، وطي السماء: أنا الملك؛ أين ملوك الأرض؟ كما تقدم في حديث ابن عمر﵄-. ثم يطوي الأرض بشماله، والسموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟! وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [٦٧]. وعند قوله ﷾: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يكون انقطاع زمن الدنيا، وبعده يكون البعث، والنشر. قال محمد بن كعب القرظي﵁-: قوله سبحانه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يكون بين النفختين حين فني الخلق، وبقي الخالق، فلا يرى غير","vol":"8","page":323},{"text":"نفسه مالكا، ولا مملوكا، فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد؛ لأن الخلق أموات فيجيب نفسه، فيقول: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ لأنه بقي وحده، وقهر خلقه. انتهى. قرطبي بتصرف بسيط.\nأقول: والمعتمد أن ما ذكر إنما يكون بعد النفخة الأولى، وسكون الحركات، وخمود الأصوات، وخلو الأرض من أهلها، والسموات، فلا تحس منهم من أحد، أو تسمع لهم ركزا، ثم يطلع الملك القهار إلى الدنيا، فيقول، وهو أعلم: يا دنيا! أين أنهارك؟ وأين أشجارك؟ وأين أحبابك؟ وأين عمارك؟ أين الملوك، وأبناء الملوك؟ أين الجبابرة وأبناء الجبابرة؟ أين الذين أكلوا رزقي، وتقلبوا في نعمتي، ثم عبدوا غيري؟. ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد، فيقول:\n ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾.\nهذا؛ و﴿الْواحِدِ﴾ قال الخطابي في شرحه: هو الفرد الذي لم يزل وحده. وقيل: هو المنقطع عن القرين، والشريك، والنظير، وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة؛ لأن ذلك يكثر بانضمام بعضها إلى بعض، والواحد ليس كذلك، فهو الله الواحد؛ الذي لا مثل له، ولا يشبهه شيء في خلقه. ﴿الْقَهّارِ﴾ قال الخطابي: هو الذي قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة، وقهر العباد كلهم بالموت. وقال غيره: هو الذي قهر كل شيء، وذلله، فاستسلم، وانقاد له، ولا تنس أن القهار صيغة مبالغة «قاهر»، وانظر قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٨]: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وأجاز ابن هشام اعتباره ظرفا متعلقا بالفعل: ﴿لا يَخْفى﴾. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بارِزُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْفى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَى اللهِ مِنْهُمْ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْءٌ:﴾ فاعل ﴿يَخْفى،﴾ والجملة الفعلية يجوز فيها أن تكون خبرا آخر للمبتدأ، وأن تكون في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿بارِزُونَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وأن تكون مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿الْمُلْكُ،﴾ وقال أبو البقاء: العامل فيه ﴿لِمَنِ﴾ أو ما يتعلق به الجار. وقيل: هو ظرف ل: ﴿الْمُلْكُ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، كما رأيت في الشرح، والقول ومقوله كلام مستأنف، لا محل له. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو كائن لله. ﴿الْواحِدِ الْقَهّارِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢]. هذا؛ وقال أبو البقاء أيضا: وقيل: الوقف على الملك، ثم استأنف، فقال: هو اليوم لله الواحد؛ أي: استقر اليوم لله. انتهى. والأول هو المعتمد.","vol":"8","page":324},{"text":"<span id=\"aya-4150\"></span>﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ..﴾. إلخ: قال النسفي-رحمه الله تعالى-:\nلما قرر: أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك، وهي أن كل نفس تجزى بما كسبت، وعملت في الدنيا من خير، أو شر، وأن الظلم مأمون منه تعالى؛ لأنه جلت قدرته، وتعالت حكمته ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ؛ لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد، وهو أسرع الحاسبين. انتهى. وفي الكشاف: وعن ابن عباس -﵄-: إذا أخذ في حسابهم؛ لم يقل أهل الجنة إلا فيها، ولا أهل النار إلا فيها.\nهذا؛ ويقيل من القيلولة، وهي الاستراحة وقت الظهيرة. وفي القرطبي: وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. انتهى. هذا؛ وقال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ رقم [٢٨] من سورة (لقمان).\nالإعراب: ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ﴿تُجْزى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، و﴿كُلُّ﴾ مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء كسبته، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: تجزى كل نفس بكسبها، والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إنّ».\n ﴿ظُلْمَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: تعليلية. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها أيضا.\n<span id=\"aya-4151\"></span>﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ:﴾ خوفهم، الخطاب للنبي ﷺ، والضمير المنصوب لقومه. ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ:﴾ يوم القيامة، سميت بذلك لقرب وقتها؛ إذ كل ما هو آت قريب، قال تعالى في سورة (النجم): ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (القمر): ﴿اِقْتَرَبَتِ﴾","vol":"8","page":325},{"text":"السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ هذا؛ وتقول: أزف فلان؛ أي: قرب، قال النابغة الذبياني (وهو الشاهد رقم [٣١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»): [الكامل]\nأزف الترحّل غير أنّ ركابنا... لمّا تزل برحالنا، وكأن قد\nوكان بعضهم يتمثل، ويقول معترفا بتقصيره بطاعة الله تعالى: [الكامل]\nأزف الرّحيل، وليس لي من زاد... غير الذّنوب لشقوتي ونكادي\n ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ:﴾ وقت تكون القلوب عند الحناجر من شدة الخوف، فإنها ترتفع عن أماكنها، فتلتصق بحلوقهم، فلا تعود، فيستريحوا بالنفس، ولا تخرج، فيستريحوا بالموت، كما قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [١٠] مبينا حالة المؤمنين حينما دوهمت المدينة من جميع جهاتها: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾. انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك. وانظر شرح (القلب) في الآية رقم [٤] منها أيضا.\n ﴿كاظِمِينَ:﴾ ساكتين، مهمومين، محزونين، ممتلئين غمّا، وحسرة شأن المكروب. ومعنى الآية: أن القلوب تصعد من الصدور لشدة الخوف؛ حتى تبلغ الحناجر، ويحتمل أن يكون ذلك حقيقة، أو مجازا عبر به عن شدة الخوف يوم القيامة، بل هو استعارة تمثيلية لتجسيد الهول في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه. هذا؛ وجمع كاظمين جمع المذكر السالم؛ لأنه من صفات العقلاء مثل: عالمين، وكاتبين.\n ﴿ما لِلظّالِمِينَ﴾ أي: الكافرين الظالمين أنفسهم بالكفر ومخالفة الله تعالى، وانظر التعبير عن الكافرين بالمجرمين، ونحوه في الآية رقم [٥٩] من سورة (يس). ﴿مِنْ حَمِيمٍ:﴾ من صديق، أو قريب مشفق. ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ:﴾ أي: تقبل شفاعته فيهم. وانظر (الشفاعة) في الآية رقم [٤٤] من سورة (الزمر). هذا؛ وانظر شرح (لدى) في الآية رقم [٣٢] من سورة (الروم).\nالإعراب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أنذرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْآزِفَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِذِ﴾ أصل استعماله للماضي، ولكن جاء هنا للمستقبل، فهو مبني على السكون في محل نصب بدلا من: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. ﴿الْقُلُوبُ:﴾ مبتدأ. ﴿لَدَى:﴾ ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. و﴿لَدَى﴾ مضاف، و﴿الْحَناجِرِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها.\n ﴿كاظِمِينَ:﴾ حال من القلوب منصوب... إلخ، أو من أصحاب القلوب، وهو أولى، والجملة الفعلية: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿ما:﴾ نافية.","vol":"8","page":326},{"text":"﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿حَمِيمٍ:﴾\nمبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال من أصحاب القلوب، ولا وجه له. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي ﴿شَفِيعٍ:﴾\nمعطوف على ما قبله على لفظه. ﴿يُطاعُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿شَفِيعٍ،﴾ والجملة الفعلية صفة: ﴿شَفِيعٍ﴾ في محل جر على اللفظ، أو في محل رفع على المحل، وإن اعتبرت ﴿شَفِيعٍ﴾ صفة لموصوف محذوف، فالجملة الفعلية صفة ثانية لهذا المحذوف.\n\n<span id=\"aya-4152\"></span>﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾\nالشرح: يخبر الله ﷿ عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها، وحقيرها، صغيرها، وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس ربهم، فيتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، فإنه ﷿ يعلم العين الخائنة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر، والسرائر. قال ابن عباس﵄في شرح ﴿خائِنَةَ الْأَعْيُنِ:﴾ هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به، وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا؛ لحظ إليها، فإذا فطنوا؛ غض بصره عنها، فإذا غفلوا؛ لحظ، فإذا فطنوا؛ غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ودّ لو اطلع على فرجها. انتهى. مختصر ابن كثير. أقول: والمرأة مثل الرجل، لذا فقد أمرها الله بغض بصرها كما أمر الرجل. انظر الآية رقم [٣١] من سورة (النور).\n ﴿وَما تُخْفِي الصُّدُورُ:﴾ وما تسره من أمانة، وخيانة، أو من الوسوسة. وقيل في شرح ﴿خائِنَةَ الْأَعْيُنِ:﴾ هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوة سارقة، ثم يتفكر بقلبه في جمالها، ولا يعلم بنظرته، وفكرته من بحضرته، والله يعلم ذلك كله، ويود لو اختلى بها. والمرأة مثل الرجل في كل ما ذكرته من مسارقة النظر، وتمنّي الخلوة بالرجل، بل إن نظرها إلى الرجل أعمق، وأشفى، وشهوتها أشد، وأقوى، وأية امرأة تنظر إلى الرجل مسارقة إذا دخل دارها مع زوجها، أو أخيها، أو أبيها من شقوق الباب وغيره؟! والواقع يؤيد ذلك. هذا؛ وقال مجاهد: الخيانة هي مسارقة نظر الأعين إلى ما قد نهى الله عنه. وقال الضحاك: هي قول الإنسان: ما رأيت؛ وقد رأى. وقال السدي: إنها الرمز بالعين. وقيل: غير ذلك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3778>فائدة:</span>\nلما جيء بعبد الله بن أبي سرح إلى رسول الله ﷺ بعد ما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان﵁صمت رسول الله ﷺ طويلا، ثم قال: «نعم» فلما انصرف قال ﷺ لمن حوله: «ما صمتّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه». فقال رجل من الأنصار:\nفهلا أومأت إليّ يا رسول الله، فقال: «إن النبي لا تكون له خائنة الأعين». وعبد الله بن أبي سرح","vol":"8","page":327},{"text":"كان من كتبة الوحي لرسول الله ﷺ، ثم ارتد، ولحق بالمشركين، فأهدر الرسول دمه فيمن أهدر يوم فتح مكة، وقد كان السبب في الفتنة العمياء التي تسببت عن مقتل عثمان﵁-.\nالإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿خائِنَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْأَعْيُنِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على: ﴿خائِنَةَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: والذي، أو: وشيئا تخفيه الصدور، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ فيها أربعة أوجه: أحدها: وهو الظاهر أنها خبر آخر عن ﴿هُوَ﴾ في قوله ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ﴾. الثاني: أنها تعليل لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ..﴾. إلخ.\nالثالث: أنها في محل نصب حال من الضمير المستتر، أو المقدر في: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾.\nالرابع: أنها في محل نصب حال من لفظ الجلالة، بقوله: ﴿لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾. وأجيز على الوجهين الأخيرين أن تكون تعليلية لا محل لها. انتهى. جمل باختصار كبير. وعلى هذا فالكلام بينها، وبين ما هي مرتبطة به معترض لا محل له. هذا؛ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا حاجة إلى هذه التكلفات، والتعسفات. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4153\"></span>﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ:﴾ يحكم بالعدل؛ لأنه المالك الحقيقي، فلا يقضي بشيء إلا وهو حقه. قال ابن عباس﵄-: الله قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة. انتهى. وهو فحوى قوله تعالى في سورة (النجم) رقم [٣١]: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.\n ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أي: إن الأصنام، والحجارة؛ التي يعبدها كفار قريش لا حكم لها، ولا قضاء. هذا على سبيل التهكم بالأصنام، وعابديها؛ إذ الجمادات، لا يقال في حقها: تقضي أولا تقضي.\n ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوالهم. (بصير): بأعمالهم، وتصرفاتهم. وهذا تقرير لما في الآية السابقة، ووعيد للكافرين، والفاسقين، والظالمين بأنه تعالى يسمع ما يقولون، ويبصر ما يعملون، وأنه يحاسبهم على أعمالهم؛ إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ، فيجازي من غض بصره عن المحارم خيرا، ويعاقب من نظر إليها، ومن يضمر السوء في قلبه، ويعزم على مواقعة الفواحش؛ لو قدر عليها.","vol":"8","page":328},{"text":"الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَقْضِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملتبسا بالحق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَدْعُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: يدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهُ:﴾ اسمها. هو ضمير فصل لا محل له. ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ خبرين عنه؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي تعليلية، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4154\"></span>﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ: أي: أو لم يمش كفار مكة في نواحي الأرض، وجهاتها؛ ليروا مصارع الأمم؛ التي كذبت رسلها، وما حل بها من الهلاك، والدمار، فيعتبروا بهم؟ وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذبين، وللفاسقين الظالمين بأن الله سيهلكهم كما أهلك من قبلهم، فهو حض لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم، وآثارهم، كيف أهلكهم بذنوبهم، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١] وغيرها كثير: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.\nهذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، وماله، ولم يؤنث الفعل ﴿كانَ﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث للفعل، أو لأن (عاقبة) اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهذا باب من أبواب النحو، انظر الشاهد رقم (٩٠١) وما بعده من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: في الأبدان، كقوم هود وصالح وغيرهم، فإنهم كانوا طوال الأجسام، أقوياء الأبدان، كما هو معروف عنهم. ﴿وَآثارًا فِي الْأَرْضِ:﴾ يريد حصونهم، وقصورهم، وقلاعهم، وعددهم، وما يوصف بالشدة من آثارهم. أو أراد أكثر آثارا. ومنه قول الراعي النميري، وهو الشاهد رقم [٦٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]","vol":"8","page":329},{"text":"إذا ما الغانيات برزن يوما... وزجّجن الحواجب والعيونا\nهذا؛ وفي سورة (الروم) رقم [٩]: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أهلكهم الله إهلاكا فظيعا بسبب كفرهم، ومخالفة أوامر ربهم، وإجرامهم.\n ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ:﴾ وما كان لهم أحد يدفع عنهم عذاب الله، ولا يقيهم من عقابه، وانتقامه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف على محذوف مقدر. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة مقدرة قبلها يقتضيها المقام؛ أي: أقعدوا في أماكنهم، ولم يسيروا؟! لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، أو منصوب على إضمار: «أن» على اعتبار الفاء للسببية، وعلامة جزمه، أو نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا يؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، ويكون التقدير:\nفهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم؟!. هذا؛ ومثل هذه الآية في جواز اعتبار الفعل مجزوما، أو منصوبا بعد الفاء قول زهير بن أبي سلمى المزني، وهو الشاهد رقم [١٦٧] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nومن لا يقدّم رجله مطمئنّة... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق\n ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ﴾ اسمها، و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والهاء في محل جر بالإضافة.\nوجملة: ﴿كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت (كان) تامة فالمعنى لا يأباه، ويكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل: ﴿كانَ﴾ وهي بمعنى: حدث، وعلى الاعتبارين: فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. هذا؛ وأجاز مكي الوجهين في (كانوا) في الجملتين التاليتين. ولا وجه له.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَبْلِهِمْ:﴾\nضمير فصل لا محل له. ﴿أَشَدَّ:﴾ خبر (كان)، وضمير الفصل لا يقع إلا بين معرفتين، وهنا وقع بين معرفة، ونكرة، والذي سوغ ذلك كون النكرة هنا مشابهة للمعرفة من حيث امتناع","vol":"8","page":330},{"text":"دخول: «أل» عليها؛ لأن أفعل التفضيل المقرون ب: «من» لا تدخل عليه أل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأشد. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز. ﴿وَأَثارُوا:﴾ معطوف على (قوة) وانظر تقدير الفعل في الشرح. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: (آثارا)، أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ..﴾.\nإلخ بدل من سابقتها. ﴿فَأَخَذَهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِذُنُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿واقٍ﴾ بعدهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿واقٍ:﴾ اسم (كان) مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4155\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ: أي: ذلك العذاب الذي وقع بهم، وأصابهم بسبب:\nأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالمعجزات الساطعات الواضحات، والآيات الباهرات.\n ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: بالله مع هذا البيان، والبرهان. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ﴾ أي: فدمرهم، وأهلكهم.\n ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ﴾ أي: إنه تعالى قوي لا يقهر. ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي: عقابه شديد لمن عصاه، وعذابه أليم وجيع لمن خالفه.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ تنازعه كل من الفعلين السابقين، فكان تطلبه اسما لها، وتأتيهم يطلبه فاعلا له، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، وإذا أعملت أحدهما يجب الإضمار للثاني، قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nإن عاملان اقتضيا في اسم عمل... قبل فللواحد منهما العمل\nوالثاني أولى عند أهل البصره... واختار عكسا غيرهم ذا أسره","vol":"8","page":331},{"text":"وأعمل المهمل في ضمير ما... تنازعاه والتزم ما التزما\nكيحسنان ويسيء ابناكا... وقد بغى واعتديا عبداكا\n ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كانت)، والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَكَفَرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف، وجملة (كفروا) مع المتعلق المحذوف معطوفة على جملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قَوِيٌّ:﴾ خبر أول. ﴿شَدِيدُ:﴾ خبر ثان، وهو مضاف، و﴿الْعِقابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليلية، لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-4156\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ أي: بالمعجزات الباهرات، وهي التسع المذكورة في قوله تعالى من سورة (الإسراء) رقم [١٠١]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ..﴾. إلخ.\n ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ:﴾ وحجة ظاهرة قاهرة. والعطف لتغاير الوصفين، أو للأفراد بين المعجزات، وتفريقها كالعصا تفخيما لشأنها. وقيل: أراد بالسلطان: التوراة. ولا وجه له.\nويجوز أن يراد به: العصا، وإفرادها؛ لأنها أول المعجزات، وأمها، وتعلقت بها معجزات شتّى، كانقلابها حية، وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر عند ضربه بها، وانفجار العيون من الحجر كلما ضربه بها، وحراستها له، ومصيرها شمعة تضيء بالليل المظلم، وشجرة خضراء، ورشاء ودلوا وغير ذلك، ويجوز أن يراد ب: (سلطان مبين): المعجزات، وبالآيات: الحجج الدامغات، وأن يراد بهما المعجزات جميعا، فإنها آيات للنبوة، وحجة بينة على ما يدعيه النبي.\nقال الصابوني: لما ذكر الله تعالى ما حل بالكفار من العذاب، والدمار؛ أردفه بذكر قصة موسى مع فرعون تسلية لرسول الله ﷺ عما يلقاه من الأذى، والتكذيب، وبيانا لسنة الله تعالى في إهلاك الظالمين، ثم ذكر موقف مؤمن آل فرعون، ونصيحته لقومه، وهي مواقف بطولية، مشرفة في وجه الطغيان. هذا؛ وانظر شرح (سلطان) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الصافات).\nهذا؛ وأصل ﴿مُبِينٍ:﴾ (مبين) فهو اسم فاعل من: أبان، يبين الرباعي، فقل في إعلاله:\nنقلت كسرة الياء، إلى الباء قبلها بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ومثله قل في إعلال (مهين). هذا؛ واسم الفاعل من: بان الثلاثي: بائن.","vol":"8","page":332},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله.\nوالجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (يس). ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿مُوسى﴾ التقدير: ملتبسا بآياتنا، و(نا): في محل جر بالإضافة. (سلطان): معطوف على (آياتنا). ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-4157\"></span>﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ (٢٤)﴾\nالشرح: خص الله هؤلاء بالذكر؛ لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم، ففرعون الملك الذي ادعى الألوهية، وهامان كان وزيرا له، وهو الذي يدبر له شؤونه، وقارون صاحب الأموال والكنوز، فجمعه الله معهما؛ لأن عمله في التكذيب والكفر كأعمالهما. ﴿ساحِرٌ﴾ أي:\nفيما أظهره من المعجزات. ﴿كَذّابٌ﴾ أي: فيما يدعيه من النبوة، والرسالة. هذا؛ وفرعون، وهامان كانا من القبط، وقد مرت قصة فرعون مع موسى مفصلة في كثير من السور. أما قارون؛ فكان من بني إسرائيل، فآمن بموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ثم ارتد عن دينه، وكان ممن نجا مع موسى من الغرق، وعبر البحر معه. وانظر قصته مفصلة في الآية رقم [٧٦] من سورة (القصص) وما بعدها.\nالإعراب: ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿وَهامانَ وَقارُونَ:﴾\nمعطوفان على فرعون، وعلامة الجر في الثلاثة الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنها ممنوعة من الصرف للعلمية، والعجمة. (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿ساحِرٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو ساحر. ﴿كَذّابٌ:﴾ خبر ثان للمبتدأ المحذوف، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-4158\"></span>﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاِسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا﴾ أي: جاءهم موسى-عليه الصلاة، والسّلام-بالنبوة المؤيدة بالمعجزات الظاهرة؛ ﴿قالُوا﴾ أي: فرعون، وحاشيته. ﴿اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ:﴾\nقال قتادة﵁-: هذا قتل غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان","vol":"8","page":333},{"text":"الذكور بعد ولادة موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فلما بعث الله موسى؛ أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم، فيمتنع الناس من الإيمان، ولئلا يكثر جمعهم، فيعتضدوا بالذكور من أولادهم، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع، والقمل، والدم، والجراد، والطوفان، كما رأيت في سورة (الأعراف) رقم [١٣٣] ذلك مفصلا.\n ﴿وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ أي: اتركوا بناتهم أحياء. ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ:﴾ وضع الظاهر فيه موضع الضمير لتعميم الحكم على كل الكافرين، والمتجبرين. ﴿إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي: في ضياع؛ يعني: أنهم قتلوا الصبيان أولا، فما أغنى عنهم شيئا، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه، فما يغني عنهم القتل الثاني شيئا، كما لم يغنهم الأول، فضاع كيدهم في الكرتين.\nهذا؛ و(نساء) اسم جمع، لا واحد من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر... إلخ؛ لأن مفرده: امرأة، وجمعها في القلة: نسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا. ويقال لكل واحد من هذه الجموع: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وأما المرأة؛ فهي مأخوذة من المرء، وهو الرجل، فلذا سميت بذلك؛ والأم الأولى حواء سميت بذلك؛ لأنها مأخوذة من حي، وهو آدم، على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3785>فائدة:</span>\nآباء: جمع أب، وأصله: أبو، وأبناء: جمع ابن، وأصله بنو. وجمع الأول: آباو، وجمع الثاني أبناء، ونساء: أصله: نساي، فقل في إعلال الثلاثة: تحركت الواو، أو الياء، وانفتح ما قبلهما، فقلبتا ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. وقل مثل ذلك في: صحراء، وحمراء، وزرقاء، وبيداء... إلخ.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب وهي ظرف زمان بمعنى: حين عند ابن السراج والفارسي وابن جني، وجماعة تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى،﴾ والهاء مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملتبسا بالحق. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (الحق)؛ أي: كائنا من عندنا، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿جاءَهُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها، على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا؛ لأنها ابتدائية، ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.","vol":"8","page":334},{"text":"﴿اُقْتُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَبْناءَ:﴾ مفعول به، و﴿أَبْناءَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اُقْتُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:\n ﴿قالُوا اقْتُلُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كَيْدُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. وقيل:\nفي محل نصب حال، وهو ضعيف، وعليه يكون الرابط: الواو فقط.\n\n<span id=\"aya-4159\"></span>﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾ أي: لملئه، وحاشيته. ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ أي: اتركوني أقتل موسى، فقد قيل: إنه كان إذا هم بقتله كفوه عنه، وقالوا له: ليس بالذي تخافه، وهو أقل من ذلك، وما هو إلا ساحر، وإذا قتلته؛ دخلت الشبهة على الناس، واعتقدوا: أنك عجزت عن معارضته بالحجة. والظاهر: أن فرعون-لعنه الله-قد استيقن: أنه نبي، وأن ما جاء به آيات، وما هو بسحر، ولكن كان قتلا سفاكا للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحسّ بأنه هو الذي يهدم ملكه؟! ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك. هذا؛ وقيل: إنما منعوه من قتله؛ لأنه كان فيهم من يعتقد بقلبه: أنه كان صادقا. هذا، وانظر (دع) في سورة (الأحزاب) [٤٨].\n ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي: وليدع موسى ربه الذي يزعم: أنه أرسله إلينا، فيمنعه منا. وقيل: هذا شاهد صدق على فرط خوفه منه، ومن دعوته ربه، وكان قوله: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ تمويها على قومه، وإيهاما: أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه في الحقيقة إلا ما في نفسه من هول الفزع. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أي: يغير ما أنتم عليه من الدين، وكانوا يعبدونه، ويعبدون الأصنام. ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ أي: أو أن يثير الفتن، والقلاقل في بلدكم، ويكثر بسببه الهرج، والمرج، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكرا. يعني: واعظا، يشفق على الناس من موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nقال في الظلال: هل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال عن موسى تلك المقالة؟ أليست بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي كلمة الباطل الكالح في","vol":"8","page":335},{"text":"وجه الحق الجميل؟! أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث؛ لإثارة الشبهات في وجه الإيمان الهادئ؟! إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق، والباطل، والإيمان، والكفر، والصلاح، والطغيان على توالي الزمان، واختلاف المكان، والقصة قديمة تعرض بين الحين، والحين. انتهى. «صفوة التفاسير» للصابوني.\nالإعراب: (قال فرعون): ماض، وفاعله. ﴿ذَرُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿أَقْتُلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تذروني أقتل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والطلب وجوابه في محل نصب مقول القول. (ليدع): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى موسى، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ذَرُونِي،﴾ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، وهي من جملة مقول القول. ﴿أَنْ يُبَدِّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى،﴾ والفعل المضارع و(أن) في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿دِينَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْ يُظْهِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾ أيضا. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْفَسادَ:﴾ مفعول به. هذا؛ ويقرأ «(يظهر)» بفتح الياء من الثلاثي ورفع «(الفساد)» على أنه فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُظْهِرَ﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله، وجملة:\n ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4160\"></span>﴿وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ مُوسى﴾ لما سمع-عليه الصلاة، والسّلام-بما أجراه فرعون من حديث قتله لقومه: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي..﴾. إلخ: وفي قوله لقومه، وغيرهم: ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ بعث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه. وقال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ فتشمل استعاذته فرعون، وغيره من الجبابرة، وليكون على طريقة التعريض، فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر: الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار، وأدل على دناءة صاحبه، وعلى فرط ظلمه، وقال: ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ؛﴾ لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر، والتكذيب بالجزاء، وقلة المبالاة بالعاقبة؛","vol":"8","page":336},{"text":"فقد استكمل أسباب القسوة، والجراءة على الله، وعلى عباده، ولم يترك كبيرة إلا ارتكبها. انتهى.\nنسفي.\nالإعراب: (قال موسى): ماض، وفاعله. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿عُذْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بِرَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. ﴿وَرَبِّكُمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والكاف وياء المتكلم كلاهما في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿عُذْتُ،﴾ و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلِّ مُتَكَبِّرٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة له. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ صفة لموصوف محذوف، فالجملة تصلح لأن تكون صفة ثانية للموصوف المحذوف، وأن تكون في محل نصب حال منه بعد وصفه. ﴿بِيَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(يوم) مضاف، و﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَقالَ مُوسى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4161\"></span>﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ..﴾. إلخ: المعتمد: أنه كان من القبط، وابن عم فرعون، واسمه: شمعان بالشين، أو بالسين. وقيل: حزقيل. وقيل اسمه: حبيب، وليس بشيء؛ لأن حبيب النجار ذكرته في سورة (يس)، ولم يكن من آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. قال ابن عباس -﵄-: وهو الذي نجا مع موسى، ﵇. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-:\nهو نفسه الذي أنذر موسى، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى..﴾. إلخ رقم [٢٠] من سورة (القصص). ﴿يَكْتُمُ إِيمانَهُ:﴾ يخفي إيمانه. هذا؛ و«كتم» من باب: نصر، وربما عدي إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، وتزاد «من» جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وكتم الشيء: بالغ في كتمانه، واكتتم الشيء: اصفرّ. هذا؛ والكتم، والكتمان: نبت يخضب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة. ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]\nفإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم","vol":"8","page":337},{"text":"ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم\nلو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم\nروي عن النبي ﷺ أنه قال: «الصديقون: حبيب النّجار مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون الّذي قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ والثالث: أبو بكر الصّدّيق، وهو أفضلهم». وانظر ما ذكرته في سورة (يس) رقم [٢٥] فإنه جيد جدا.\n ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بالمعجزات الظاهرات، يعني الآيات التسع إن كان هذا في آخر الأمر، ولكن الظاهر: أن تهديد فرعون، ووعيده بقتل موسى إنما كان في أول الأمر حينما رأى معجزة العصا، وانقلابها حية. وعليه: فالمراد ب: (البينات) معجزة العصا وحدها، وجمعها تعظيما لها، ورفعة لشأنها، أو المراد غيرها معها؛ لأنه اعتقد: أن موسى﵇سيجيء بمعجزات كثيرة غيرها.\nعن عروة بن الزبير﵄قال لعبد الله بن عمرو بن العاص﵁-:\nأخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله ﷺ؟ قال: بينا رسول الله ﷺ بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أبي معيط لعنه الله، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر﵁فأخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله ﷺ، وقال:\n ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أخرجه البخاري، ومسلم.\nوخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي -﵁قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث، فأرادوا قتل رسول الله ﷺ، فأقبل هذا يجؤه، وهذا يتلتله، فاستغاث النبي ﷺ يومئذ، فلم يغثه أحد إلا أبو بكر﵁وله ضفيرتان، فأقبل يجأ هذا، ويتلتل ذا، ويقول بأعلى صوته: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ!﴾ والله إنه لرسول الله! فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ، فقال علي كرم الله وجهه: والله ليوم أبي بكر، خير من مؤمن آل فرعون! إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه، وبذل ماله ودمه لله ﷿.\n ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ:﴾ لم يكن هذا منه لشك منه في رسالة موسى، وصدقه، ولكن تلطفا في الاستكفاف، واستنزالا عن الأذى. والمعنى: إن كان كاذبا عن دعوى الرسالة؛ فضرر كذبه لا يتعداه. ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: وإن كان صادقا في دعواه؛ أصابكم بعض ما وعدكم به من العذاب. إذا من العقل، والرأي الحازم أن تتركوه؛ ونفسه، فلا تؤذوه، ولا تتعرضوا له بسوء، بل اتركوه؛ وشأنه.\n ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ أي: لا يوفق إلى طريق الخير من هو متجاوز الحد؛ الذي رسمه له الله تعالى و﴿كَذّابٌ﴾ يفتري، ويختلق ما لا أصل له، ولو كان موسى كاذبا","vol":"8","page":338},{"text":"كما تزعمون؛ لكان أمره بينا، يظهر لكل أحد في أقواله، وأفعاله، وهذا نرى أمره سديدا، ومنهجه مستقيما، ولو كان من المسرفين الكذابين؛ لما هداه الله، وسدد خطاه، وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره، وفعله. انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ وقال في البحر: هذا نوع من أنواع علم البيان، يسميه علماؤنا: استدراج المخاطب، وذلك: أنه لما رأى فرعون قد عزم على قتل موسى، وقومه على تكذيبه، أراد الانتصار له بطريق يخفى عليهم بها: أنه متعصب له، وأنه من أتباعه، فجاءهم بطريق النصح، والملاطفة، فقال:\n ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ ولم يذكر اسمه، بل قال: رجلا ليوهمهم: أنه لا يعرفه، ثم قال: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ ولم يقل: رجلا مؤمنا بالله، أو هو نبي الله؛ إذ لو قال ذلك؛ لعلموا: أنه متعصب له، ولم يقبلوا قوله، ثم أتبعه بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِبًا﴾ فقدم الكذب على الصدق موافقة لرأيهم فيه، ثم تلاه بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقًا﴾ ولم يقل: هو صادق، وكذلك قال: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ولم يقل: كل ما يعدكم، ولو قال ذلك؛ لعلموا: أنه متعصب له، وأنه يصدقه، وأنه يزعم نبوته، ثم أتبعه بكلام يفهم منه: أنه ليس بمصدق له، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ وفيه تعريض بفرعون؛ إذ هو في غاية الإسراف والكذب على الله؛ إذ ادّعى الألوهية، والربوبية. انتهى. صفوة التفاسير.\nهذا؛ و﴿يَكُ﴾ أصله: يكون، فلما دخل الجازم صار: (إن يكون) فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار: (إن يكن) ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز، وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من: «كان»، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، وألا يتصل به ضمير كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢٤٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nإذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم\nوقال الخنجر بن صخر الأسدي، وهو الشاهد رقم [٢٤٣] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم\nهذا؛ وقرئ شاذا قوله تعالى في سورة (البينة): «(لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب)» ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-لجريانه على القاعدة: [الطويل]\nدع الخمر تشربها الغواة فإنني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها\nفإلاّ يكنها، أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها","vol":"8","page":339},{"text":"هذا؛ وأما (آل) فأصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار: (أأل) ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة، والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى»، وذلك مثل: آدم، وإيمان، وأومن، فإن الأصل: أأدم، وإإمان، وأؤمن، وقلب الهمزة سائغ مستعمل لغة في:\nأراق، فإن أصله: هراق، وهو كثير مستعمل في الشعر العربي وغيره، وهذا مذهب سيبويه، وقال الكسائي: أصله: (أول) كجمل من: آل، يؤول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا؛ وقد صغروه على (أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى (أويل) وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر، وشأن، بخلاف: أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن أهله، ولا ينتقض بآل فرعون، فإن له شرفا باعتبار الدنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ: [مجزوء الكامل]\nلا همّ إنّ المرء يم... نع رحله فامنع رحالك\nوانصر على آل الصّلي... ب وعابديه اليوم آلك\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال رجل): ماض، وفاعله. ﴿مُؤْمِنٌ:﴾ صفة:\n ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿مِنْ آلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿رَجُلٌ﴾ إن كان قبطيا، ومتعلقان بالفعل بعدهما إن كان إسرائيليا، و﴿آلِ﴾ مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿يَكْتُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿إِيمانَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿يَكْتُمُ إِيمانَهُ﴾ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رَجُلٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿وَقالَ رَجُلٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَتَقْتُلُونَ:﴾\nالهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (تقتلون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله.\n ﴿رَجُلًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْ يَقُولَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿رَبِّيَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، و﴿أَنْ يَقُولَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لقوله: ربي الله؛ أي: وربكم.\n ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلًا،﴾ والكاف مفعول به. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل","vol":"8","page":340},{"text":"قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَقُولَ﴾ المستتر، أو من: ﴿رَجُلًا،﴾ وساغ ذلك لتقدم الاستفهام عليه، وعلى الوجهين فالرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل (جاء)، وتعليقهما بمحذوف حال من (البينات) جيد، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم؛ لأنه فعل شرط، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه يعود إلى: ﴿رَجُلًا﴾. ﴿كاذِبًا:﴾ خبر: ﴿يَكُ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعَلَيْهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كَذِبُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول ل: (قال). ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ﴾ هذا الكلام معطوف على ما قبله، فهو مثله في إعرابه ومحله، و﴿بَعْضُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعِدُكُمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد رجوع الفاعل إليه.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿أَنْ﴾. ﴿رَجُلًا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. ﴿مُؤْمِنٌ:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول الرجل.\n\n<span id=\"aya-4162\"></span>﴿يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: غالبين في الأرض أرض مصر.\nوهذا دليل قطعي على أن الرجل كان قبطيا، ولذلك أضافهم إلى نفسه بقوله: ﴿يا قَوْمِ﴾ ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه، ونصحه، وهو يريد منهم أن يشكروا الله على نعمته عليهم بالإيمان به، وعبادته، وتصديقه رسوله فيما يدعوهم إليه.\n ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ:﴾ من عذابه، وانتقامه. ﴿إِنْ جاءَنا:﴾ وحينئذ لا تغني عنكم هذه الجنود، وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بعذابه، وانتقامه. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾","vol":"8","page":341},{"text":"لقومه ردا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد: ﴿ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى﴾ أي: ما أقول لكم، وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد كذب فرعون، فإنه كان يتحقق صدق موسى﵇فيما جاء به من الرسالة، كما قال تعالى في سورة (النمل) رقم [١٤]: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ فقد كذب فرعون، وافترى، وخان رعيته فغشهم، وما نصحهم.\n ﴿وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق، والصدق، والرشد، وقد كذب أيضا في ذلك. وإن كان قومه قد أطاعوه، واتبعوه. قال الله ﵎ في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٩٧]: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.\nوقال جلت عظمته، وتعالت حكمته في سورة (طه) رقم [٧٩]: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾.\nوخذ ما يلي: عن معقل بن يسار﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يسترعيه الله ﷿ رعية يموت يوم يموت، وهو غاشّ رعيّته إلا حرّم الله تعالى عليه الجنة». وفي رواية «فلم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنّة». رواه البخاري ومسلم.\nالإعراب: ﴿يا قَوْمِ:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: (أدعو). (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي). ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: (يا قومي) ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قوما) ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: (يا قوم). قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nويزاد سادسة، وهي لغة القطع: (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف: «يقول:\nيا ربّ! يا ربّ!» وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾. إلخ. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمُلْكُ:﴾\nمبتدأ مؤخر. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿الْمُلْكُ﴾. وقيل: متعلق بالخبر المحذوف، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦] عن أبي البقاء. ﴿ظاهِرِينَ:﴾ حال من كاف الخطاب منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: ﴿ظاهِرِينَ﴾. ﴿فَمَنْ:﴾\nالفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة ولا وجه له. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْصُرُنا:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، و(نا): مفعول به. ﴿مِنْ بَأْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَأْسِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿جاءَنا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، و(نا): مفعوله، والفاعل يعود","vol":"8","page":342},{"text":"إلى: ﴿بَأْسِ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن جاءنا بأس الله؛ فمن ينصرنا منه؟ هذا؛ والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول الرجل المؤمن.\n ﴿قالَ فِرْعَوْنُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أُرِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿أَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، وهو العائد، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه بصري، والأول مثله إلا أنه تعدى إلى اثنين بواسطة همزة التعدية، وقال أبو البقاء: وهو من الرأي: الذي بمعنى:\nالاعتقاد. ولا وجه له، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، التقدير: إلا الذي، أو: إلا شيئا أراه. وجملة: ﴿ما أُرِيكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وإعرابها مثلها بلا فارق، وجملة: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4163\"></span>﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠)﴾\nالشرح: هذا إخبار من الله﷿عن هذا الرجل الصالح: «مؤمن آل فرعون»: أنه حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا، والآخرة، فقال: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ أراد بالأحزاب: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر؛ كيف حل بهم بأس الله، وعقابه، وما رده عنهم راد، ولا صده عنهم صاد، وأراد بيوم الأحزاب: مثل أيامهم، وإنما أفرده؛ لأنه لما أضافه إلى الأحزاب، وفسرهم بما يلي، ولم يلتبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار؛ اقتصر على الواحد من الجمع، وانظر شرح ﴿الْأَحْزابِ﴾ في سورة (ص) رقم [١١].\nالإعراب: (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿آمَنَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والمتعلق محذوف، تقديره:\nبالله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنِّي:﴾\nحرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنا.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به، و﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْأَحْزابِ﴾ مضاف إليه، وجملة:\n ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.","vol":"8","page":343},{"text":"<span id=\"aya-4164\"></span>﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿مِثْلَ..﴾. إلخ: أي: إني أخاف عليكم مثل جزاء، وعقوبة قوم نوح، وعاد، وثمود؛ حيث أهلكهم الله بذنوبهم في الدنيا. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: مثل قوم إبراهيم، ولوط، وشعيب وغيرهم. هذا؛ وعاد هم: قوم هود، وثمود هم: قوم صالح، على نبينا، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ..﴾. إلخ: أي: فلا يعاقبهم بغير ذنب، ولا يترك الظالم منهم بغير انتقام. والمعنى: أن تدميرهم، وإهلاكهم كان عدلا منه تعالى؛ لأنهم استحقوه بسبب أعمالهم الخبيثة، وهو أبلغ من قوله تعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ حيث جعل المنفي إرادة ظلم منكّر، ومن بعد عن إرادة ظلم ما لعباده؛ كان عن الظلم أبعد، وأبعد. وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن يظلموا بعيد؛ لأن أهل اللغة قالوا: إذا قال الرجل لآخر: لا أريد ظلما لك؛ معناه: لا أريد أن أظلمك.\nهذا؛ وانظر الإرادة في الآية رقم [٤] من سورة (الزمر). أما (الدأب) فهو: العادة، والشأن، والحال، وهو أيضا مصدر: دأب في العمل من باب قطع؛ إذا جد واستمر فيه، وهو بمعانيه كلها تفتح الهمزة وتسكن، قال تعالى في سورة (آل عمران) وسورة (الأنفال): ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا..﴾. إلخ، وانظر شرح (مثل) في سورة (يس) رقم [١٥]، وشرح ﴿قَوْمِ﴾ في سورة (الصافات) رقم [٣٠]، وشرح لفظ الجلالة في سورة (ص) رقم [٦٥].\nالإعراب: ﴿مِثْلَ:﴾ بدل من سابقه، أو عطف بيان عليه، و﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و﴿دَأْبِ﴾ مضاف إليه، و﴿قَوْمِ﴾ مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعادٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿وَثَمُودَ:﴾ معطوف أيضا مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ما قبله.\n ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَا:﴾ الواو:\nواو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، أو هي مهملة. ﴿اللهُ:﴾ اسم (ما)، أو مبتدأ. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿ظُلْمًا:﴾ مفعول به. ﴿لِلْعِبادِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿ظُلْمًا؛﴾ لأنه مصدر، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (ما)، أو في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما بعده، والرابط: الواو فقط. وقيل: معطوفة على ما قبلها، وعليه فلا محل لها.\n<span id=\"aya-4165\"></span>﴿وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَيا قَوْمِ..﴾. إلخ: أي: وقال الرجل المؤمن أيضا. فخوفهم بالعذاب الأخروي بعد أن خوفهم بالعذاب الدنيوي. و﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ هو يوم القيامة، يكثر فيه نداء أصحاب الجنة","vol":"8","page":344},{"text":"أصحاب النار، وبالعكس. والنداء بالسعادة لأهلها، وبالشقاوة لأهلها، فينادي مناد: ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا! وفلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا. وينادي مناد حين يذبح الموت في صورة كبش على الصراط: يا أهل الجنة! خلود لا موت، ويا أهل النار! خلود لا موت. وينادي المؤمن في ذلك اليوم: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ وينادي الكافر، والفاجر، والظالم: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ وينادي بعض الظالمين بعضا بالويل، والثبور، وعظائم الأمور، فيقولون: يا ويلنا هذا يوم الدين. ومنه أن تدعى كل أمة بكتابها، وكل أناس بإمامهم. ومنه أن تنادي الملائكة أصحاب الجنة: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال أمية بن أبي الصلت: [الوافر]\nوبثّ الخلق فيها إذ دحاها... فهم سكّانها حتّى التّناد\nهذا؛ وقال القرطبي: زاد في الوعظ، والتخويف، وأفصح عن إيمانه، إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، أو واثقا بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا..﴾. إلخ رقم [٤٥] الآتية.\nالإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠] ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿التَّنادِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للفاصلة، والآية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-4166\"></span>﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أي: تولون منهزمين من هول عذاب جهنم. قال المفسرون: إن الكفار، والفجار إذا سمعوا زفير النار؛ أدبروا هاربين، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة يتلقونهم، فيضربون وجوههم، فيرجعون إلى مكانهم، فتتلقفهم جهنم. وهذا معنى قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾. ﴿ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ أي: من مانع يمنعكم من عذاب الله. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الزمر) تجد فيها الشرح، والإعلال وافيين.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾. ﴿تُوَلُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها.\n ﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة مؤكدة؛ لأنها من معنى الفعل منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿عاصِمٍ﴾ بعدهما. ﴿مِنَ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿عاصِمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال","vol":"8","page":345},{"text":"المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿عاصِمٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ لاعتماده على النفي، ويكون المعنى والتقدير: ما يوجد لكم عاصم من الله، وعليه: فالجملة فعلية، وهي في محل نصب حال، كما في الوجه الأول، وجملة: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول الرجل المؤمن. وقيل: هي من قول موسى، والأول أقوى وأولى بالاعتبار.\n ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ...:﴾ إلخ: انظر الإعراب في الآية رقم [٢٣] من سورة (الزمر).\n\n<span id=\"aya-4167\"></span>﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ..﴾. إلخ: قيل: إن هذا من قول موسى، على نبينا، وعليه ألف سلام وألف صلاة، والمعتمد: أنه من تمام وعظ مؤمن آل فرعون، ذكّرهم قديم عتوهم على الأنبياء، والمراد: بيوسف: الصديق بن يعقوب، فإن فرعونه عاش إلى زمن موسى. قال ابن جريج: هو يوسف بن يعقوب بعثه الله تعالى رسولا إلى القبط بعد موت الملك من قبل موسى بالبينات، وهي الرؤيا. وقال ابن عباس﵄-: هو يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبيا عشرين سنة. والمعتمد: أن يوسف هو ابن يعقوب، وأن فرعون موسى هو فرعون آخر غير فرعون يوسف. والكلام إنما هو من خطاب الأبناء بما فعل الآباء، كما خاطب اليهود الموجودين في عصر نبينا بما فعل آباؤهم كثيرا وكثيرا. والمراد بالبينات: المعجزات التي ظهرت على يد يوسف الصديق.\nوقيل: المراد بها الرؤيا التي رآها يوسف في منامه. وانظر تفصيل ذلك في السورة المسماة باسمه.\n ﴿فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ﴾ أي: من أمر الدين؛ أي: أسلافكم كانوا في شك؛ لأنهم أطاعوا يوسف لما منحه الله من التمكين في مصر بسبب الوزارة التي أسندت إليه، والجاه العظيم الذي أعطاه الله إياه. ﴿حَتّى إِذا هَلَكَ:﴾ مات. ﴿قُلْتُمْ:﴾ لن يبعث الله من بعده رسولا:\nضموا إلى تكذيب رسالة الصديق تكذيبا في رسالة من يأتي بعده، أو جزموا بأن لا يبعث الله بعده رسولا مع الشك في رسالته. وإنما قالوا ذلك على سبيل التشهي، والتمني من غير حجة، ولا برهان عليه، بل قالوا ذلك ليكون لهم أساسا في تكذيب الرسل؛ الذين يأتون بعده.\n ﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإضلال. ﴿يُضِلُّ اللهُ﴾ أي: في الكفر، والعصيان، ومخالفة، أوامره. ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ أي: متجاوز في الحد؛ الذي رسمه الله تعالى. ﴿مُرْتابٌ:﴾ شاك فيما تشهد به البينات؛ لغلبة الوهم، والانهماك في الكفر، والمعاصي.","vol":"8","page":346},{"text":"هذا؛ والإضلال: خلق فعل الضلال في العبد. والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد. هذا هو الحقيقة عند أهل السنة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول:\nإذا لا مؤاخذة على العبد! والجواب: أن معنى خلق... إلخ تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن العبد لو ترك وشأنه؛ لم يختر سوى الكفر والضلال، ولذا قدره الله عليه، هذا بالإضافة إلى اختياره الضلال بعد أن بين الله للناس الخير والشر، والحسن والقبيح، كما قال تعالى في سورة البلد: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير، والشر. وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه؛ ضلّ». أخرجه الترمذي. وهذا فحوى قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٩]: ﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقسم، واللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿يُوسُفُ:﴾\nفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٢] من سورة (يس). ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿يُوسُفُ،﴾ التقدير: مصحوبا بالبينات. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿زِلْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (زال)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شَكٍّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿هَلَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿يُوسُفُ﴾. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يَبْعَثَ اللهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ وفاعله. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولًا،﴾ كان صفة له، انظر الآية رقم [١٣]. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَنْ يَبْعَثَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتُمْ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، والأخفش يعتبر ﴿حَتّى﴾ جارة هنا والمقام يؤيده؛ إذ المعنى: استمر الشك في قلوبكم إلى أن هلك يوسف قلتم... إلخ.","vol":"8","page":347},{"text":"﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يضل الله... إضلالا مثل هذا الضلال.\n ﴿يُضِلُّ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿مُسْرِفٌ:﴾ خبر أول. ﴿مُرْتابٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ والآية بكاملها من مقول الرجل المؤمن، والجملة الأخيرة تحتمل أن تكون من مقول الله تعالى، فتكون مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام. والأول أولى.\n\n<span id=\"aya-4168\"></span>﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ﴾ أي: الذين يدفعون الحق بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليل، وحجة معهم من الله تعالى. والمراد: فرعون، ومن على شاكلته من الضالين الفاسدين المفسدين في كل زمان، ومكان. ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ:﴾ مقت الله تعالى ذمه لهم، ولعنه إياهم، وإحلال العذاب بهم. وانظر الآية رقم [١٠]. ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: والمؤمنون يبغضون من هذه صفته. هذا؛ والفعل ﴿كَبُرَ﴾ محول إلى صيغة فعل التي هي للذم هنا، وتكون للمدح أيضا، كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وانظر رقم [٥٥].\n ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: كما ختم الله على قلوب هؤلاء المجادلين، كذلك يختم بالضلال على قلب كل متكبر عن الإيمان، متجبر على العباد، حتى لا يعقل الرشاد، ولا يقبل الحق. وإنما وصف القلب بالتكبر، والجبروت؛ لكونه مركزهما، ومحلهما، وهو سلطان الجوارح، والأعضاء، فمتى فسد؛ فسدت كلها، ومتى صلح؛ صلحت كلها، ولهذا قال النبي ﷺ: «ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت؛ صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه؛ ألا وهي القلب». أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي عن النعمان بن بشير﵄-. وهذا الشرح لا يصح إلا على قراءة: «(قلب)» واعتبار (متكبر) صفة له، وهو على هذا يحتاج إلى تقدير محذوف، التقدير: على كل ذي قلب متكبّر، فتجعل الصفة لصاحب القلب. أو التقدير: يطبع الله على كلّ قلب على كلّ متكبر، فحذفت كل الثانية لتقدم ما يدل عليها، وإذا لم يقدر كل لم يستقم المعنى؛ لأنه يصير معناه: أنه يطبع على جميع قلبه، وليس المعنى عليه، وإنما المعنى: أنه يطبع على قلوب المتكبرين الجبارين قلبا قلبا، ومنه قول جارية بن الحجاج الإيادي: [المتقارب]\nأكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد باللّيل نارا","vol":"8","page":348},{"text":"يريد: وكل نار. انتهى. قرطبي. هذا؛ والطبع: الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، وإذا طبع على قلب إنسان؛ فلا تؤثر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾. والطبع: السجية، والخلق؛ الذي طبع عليه الإنسان، والطبيعة مثله، وجمع الأول:\nطباع، وجمع الثاني: طبائع. هذا؛ والطبع: تدنس العرض، وتلطخه، يقال: طبع السيف: إذا دخله الجرب من شدة الصدأ، وطبع الرجل، فهو طبع: إذا أتى عيبا. يقال: نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع؛ أي: إلى دنس. قال ثابت بن قطنة: [البسيط]\nلا خير في طمع يدني إلى طبع... وعفّة من قوام العيش تكفيني\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿مِنْ؛﴾ لأنه بمعنى: الجمع. أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم، أو أعني. أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. أو هو في محل رفع مبتدأ خبره ما بعده.\n ﴿يُجادِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي آياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿آياتِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(غير) مضاف، و﴿سُلْطانٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَتاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿سُلْطانٍ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿سُلْطانٍ﴾.\n ﴿كَبُرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير المصدر المفهوم من: ﴿يُجادِلُونَ،﴾ أو هو ضمير يعود على ما بعده، وهو التمييز، نحو: نعم رجلا زيد، وبئس غلاما عمرو. ﴿مَقْتًا:﴾ تمييز.\n ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَقْتًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿عِنْدَ:﴾ معطوف على ما قبله، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿كَبُرَ مَقْتًا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه مر ذكره، ومستأنفة على اعتباره تابعا لما بعده، أو منصوبا بفعل محذوف.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف، خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله بعده، التقدير: يطبع الله... طبعا مثل الطبع الذي يطبعه الله على قلوب الذين يجادلون في آيات الله... إلخ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يَطْبَعُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿قَلْبِ﴾ مضاف إليه، و﴿قَلْبِ﴾ مضاف، و﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ مضاف إليه، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، التقدير: على كل قلب شخص متكبر.","vol":"8","page":349},{"text":"﴿جَبّارٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف. هذا؛ وعلى تنوين (قلب) ف: ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ و﴿جَبّارٍ﴾ صفتان له. هذا؛ والجملة الفعلية: ﴿يَطْبَعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه قاله أبو البقاء، وعليه فالجملة الاسمية: «الأمر كذلك» معترضة بين المبتدأ، والخبر، وعلى الوجه الثاني في تعليق: ﴿كَذلِكَ﴾ فالجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4169\"></span>﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦)﴾\nالشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فرعون أن يتمكن كلام هذا المؤمن في قلوب القوم؛ أوهم: أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن بان له صوابه؛ لم يخفه عنهم، وإن لم يصح؛ ثبتهم على دينهم، فأمر وزيره هامان ببناء الصرح. انتهى. فإسناد البناء، إلى هامان مجاز عقلي؛ لأنه سبب، فهو آمر يأمر، ولا يبني بنفسه، والباني هم الفعلة من العمال.\nقال أهل التفسير: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح؛ جمع هامان العمال، والفعلة؛ حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء، سوى الأتباع، والأجراء، وطبخ الأجر، والجص، ونجر الخشب، وضرب المسامير، وأمر بالبناء فبنوه، ورفعوه، وشيدوه؛ حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، وأراد الله أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه، ارتقى فرعون فوقه، وأخذ نشابة، ورمى بها نحو السماء، فردت إليه، وهي ملطخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعند مقالته هذه؛ بعث الله جبريل، ﵇، فضرب الصرح بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، فوقعت منه قطعة على عسكر فرعون، فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة منه في البحر، وقطعة في المغرب، فلم يبق أحد عمل شيئا فيه إلا هلك. هذا؛ والصرح: القصر الشامخ. ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠] من سورة (ص)، ففيها الكفاية.\nهذا؛ وأصل الترجي: طلب المحبوب المتوقع حصوله، كقولك: لعل الغائب يقدم. أو للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ سورة (طه) رقم [٤٤]. وأما التمني؛ فهو طلب المستحيل، أو ما فيه العسر، فالأول كقول أبي العتاهية الصوفي: [الوافر]\nألا ليت الشباب يعود يوما... فأخبره بما فعل المشيب\nوأما الثاني؛ فهو كقول المعسر الآيس: ليت لي قنطارا من الذهب فأزكّيه. هذا؛ والصرح: بيت واحد يبنى مفردا طولا عاليا شامخا ضخما. وقال في الكشاف: الصرح البناء الظاهر، الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعد، اشتقوه من: صرح الشيء: إذا ظهر، وصرّح بما في نفسه: أظهره، وبينه.\nالإعراب: (قال): فعل ماض. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو.\n (هامان): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿اِبْنِ:﴾ فعل أمر مبني على","vol":"8","page":350},{"text":"حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره:\n «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿صَرْحًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول. ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿أَبْلُغُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْأَسْبابَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، وجملة:\n ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4170\"></span>﴿أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ:﴾ أبوابها، وطرقها. وقيل: الأمور التي تستمسك بها السموات. وفائدة التكرار: أن الثاني بدل من الأول، والشيء إذا أبهم، ثم أوضح؛ كان تفخيما لشأنه، فلما أراد ما أمل بلوغه من أسباب السموات، أبهمها، ثم أوضحها. وما في سورة الفاتحة ليس منك ببعيد. ﴿فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى:﴾ فأنظر إليه نظر مشرف عليه، توهم اللعين:\nأن الله جسم تحويه الأماكن، وكان اللعين يدعي الألوهية، ويرى تحقيقها بالجلوس في مكان مشرف. هذا؛ و﴿أَسْبابَ﴾ جمع: سبب، و﴿أَسْبابَ السَّماواتِ:﴾ مراقيها، أو نواحيها، أو أبوابها. والسبب أيضا: الحبل، وما يتوصل به، إلى غيره. وقد جمع زهير بن أبي سلمى بينهما بقوله في معلقته رقم [٥٠]: [الطويل]\nومن هاب أسباب المنايا ينلنه... وإن يرق أسباب السماء بسلّم\n ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا:﴾ في دعوى الرسالة، أو في ادعائه إلها دوني، والظن هنا بمعنى:\nاليقين؛ أي: وأنا أتيقن: أنه كاذب، وإنما أقول ما أقوله؛ لإزالة الشبهة عمن لا يتيقن ما أتيقنه.\n ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ:﴾ ادعاؤه الألوهية، وتعاليه في الأرض، وتمرده على ربه، وطغيانه، وفساده في الأرض. ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: ومنع عن الطريق المستقيم، وهو الهدى، والإيمان بسبب سوء عمله. ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: تدبير الكيد لموسى، وقومه، ومكره الذي اتخذه؛ ليدفع ما جاء به موسى من الحق المبين. ﴿إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ أي: في خسران، وضلال، وضياع، وهلاك، ومنه قوله تعالى في سورة (المسد): ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٠٣]: ﴿وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.\nتنبيه: قرئ «(زيّن)» بالبناء للفاعل على أن الفاعل هو الله، وقرئ بالبناء للمجهول، على أن المزين هو الشيطان، ومن الأول قوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٤]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. ومن الثاني قوله تعالى في سورة (النمل) أيضا رقم [٢٤]:","vol":"8","page":351},{"text":"﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وقد قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته؛ أي: في الآية الأولى. وقد أسنده إلى الشيطان؛ أي:\nفي الآية الثانية؟! قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك: أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله تعالى مجاز، وله طريقان في علم البيان:\nأحدهما: أنه من المجاز الذي يسمى استعارة. والثاني أن يكون من المجاز الحكمي.\nفالطريق الأول: أنه لما متعهم بطول العمر، وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم، وإيثار الراحة، والترفه، ونفارهم مما يلزمهم فيه من التكاليف الصعبة، والمشاق المتعبة؛ فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم. وإليه أشارت الملائكة -صلوات الله وسلامه عليهم-في قولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾.\nوالطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان، وتخليته؛ حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها زينها الله لهم، فعموا عنها، وضلوا. ويعزى إلى الحسن. انتهى. كشاف. وهذا مبني على مذهبه في الاعتزال.\nوأما عند أهل السنة فالمزين في الحقيقة هو الله تعالى، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل، أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته؛ سلطه عليه؛ حتى يقبل وسوسته، وهذا مبني عند أهل السنة على أن العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله فيه كما قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [٩٦]:\n ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾. وانظر ما ذكرته في شرح هذه الآية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَسْبابَ:﴾ بدل من ﴿الْأَسْبابَ﴾ بدل كل من كل، و﴿أَسْبابَ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَأَطَّلِعَ:﴾ الفاء: للسببية. (أطلع) فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء في جواب الأمر، أو هو منصوب على التوهم، وهو تقدير الفعل ﴿أَبْلُغُ﴾ منصوبا ب: «أن»؛ لأن خبر «لعل» كثيرا جاء مقرونا ب: «أن» والعطف على التوهم كثير، وإن كان لا ينقاس. أو هو منصوب في جواب الترجي، وهو مذهب الكوفيين. والبصريون لا يجيزونه، وإلى قول الكوفيين نحا الزمخشري، قال: تشبيها للترجي بالتمني. و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لعل بلوغ الأسباب واطلاعا إلى إله موسى حاصلان مني. هذا؛ وأجاز ابن هشام عطفه على الأسباب، وذكر بيت ميسون، وهو الشاهد رقم (٨٦٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». [الوافر]\nللبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف\nوما ذكرته من العطف على التوهم، لا يجوز أدبا مع القرآن الكريم، فالأحسن أن يقال: هو منصوب على المعنى. انظر ما ذكرته في سورة (المنافقون) عند قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ﴾","vol":"8","page":352},{"text":"الصّالِحِينَ. هذا؛ ويقرأ الفعل بالرفع عطفا على ﴿أَبْلُغُ﴾ ومعنى النصب خلاف معنى الرفع؛ لأن معنى النصب: متى بلغت الأسباب اطلعت. ومعنى الرفع: لعلي أبلغ الأسباب، ثم لعلي أطلع بعد ذلك، إلا أن ثم أشد تراخيا من الفاء. انتهى. قرطبي. وفاعل (أطلع) مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿إِلى إِلهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿إِلهِ﴾ مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَأَظُنُّهُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (أظنه): فعل مضارع، والفاعل تقديره:\n «أنا»، والهاء مفعول به أول. ﴿كاذِبًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (أطلع) المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: زين لفرعون سوء عمله تزيينا مثل تزيين القول المذكور له. ﴿زُيِّنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِفِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سُوءُ:﴾\nنائب فاعله، وهو مضاف، و﴿عَمَلِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالبناء للمعلوم فالفاعل يعود إلى (الله)، و﴿سُوءُ﴾ مفعول به. (صد): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿لِفِرْعَوْنَ﴾. ﴿عَنِ السَّبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. هذا؛ وقرئ: «(وصدّ)» على أنه مصدر معطوف على: ﴿سُوءُ﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما):\nنافية. ﴿كَيْدُ:﴾ مبتدأ، و﴿كَيْدُ﴾ مضاف، و﴿لِفِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي تَبابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: ﴿لِفِرْعَوْنَ،﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو. وإعادة فرعون بلفظه زيادة في التشنيع عليه.\n\n<span id=\"aya-4171\"></span>﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ:﴾ هو مؤمن آل فرعون: وقيل: هو موسى. وليس بشيء.\n ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ:﴾ طريق الهدى، والخير، لا كما قال فرعون في الآية رقم [٢٩] فإنه كاذب في دعواه.\nقال الزمخشري: أجمل لهم، ثم فسر، فافتتح بذم الدنيا، وتصغير شأنها؛ لأن الإخلاد إليها هو أصل الشر كله، ومنه يتشعب جميع ما يؤدي إلى سخط الله، ويجلب الشقاوة في العاقبة،","vol":"8","page":353},{"text":"وثنى بتعظيم الآخرة، والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الوطن المستقر، وذكر الأعمال سيئها وحسنها، وعاقبة كل منهما ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، ثم وازن بين الدعوتين: دعوته إلى دين الله، الذي ثمرته النجاة، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد، الذي عاقبته النار، وحذر، وأنذر، واجتهد في ذلك، واحتشد. لا جرم أن الله استثناه من آل فرعون، وجعله حجة عليهم، وعبرة للمعتبرين، وهو قوله تعالى في آخر هذه الآيات: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ﴾.\nالإعراب: ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] و[٣٠]. ﴿اِتَّبِعُونِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وبعضهم قرأ بإثباتها مفعول به. ﴿أَهْدِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وعند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تتبعون؛ أهدكم، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والكاف مفعول به أول. ﴿سَبِيلَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿سَبِيلَ﴾ مضاف، و﴿الرَّشادِ﴾ مضاف إليه، والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4172\"></span>﴿يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ أي: يتمتع بها قليلا، ثم تنقطع، وتزول، وانظر الآية رقم [١٤٨] من سورة (الصافات). ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ أي: الاستقرار، والخلود، ومراده بالدار الآخرة: الجنة، والنار؛ لأنهما لا يفنيان. والمعنى: أن الدنيا فانية منقرضة، لا منفعة فيها، وأن الآخرة باقية دائمة، والباقي خير من الفاني. قال بعض العارفين:\nلو كانت الدنيا ذهبا فانيا، والآخرة خزفا باقيا؛ لكانت الآخرة خيرا من الدنيا، فكيف والدنيا خزف، والآخرة ذهب باق؟!\nالإعراب: ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على السكر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿الْحَياةُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مَتاعٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْآخِرَةَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿دارُ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿دارُ﴾ مضاف، و﴿الْقَرارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا؛ ف: ﴿دارُ الْقَرارِ﴾ خبر (إنّ)، والآية الكريمة بكاملها من مقول الرجل المؤمن.","vol":"8","page":354},{"text":"<span id=\"aya-4173\"></span>﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها:﴾ وهذا من فضله تعالى؛ حيث لا يعاقب في الآخرة إلا بمقدار السيئة التي يعملها العبد عدلا منه تعالى، وفيه دليل على أن الجنايات تغرم بمثلها. والمراد: بالسيئة: الشرك، وغيره من المعاصي والمنكرات؛ التي يرتكبها العبد، وتقييد القرطبي لها بالشرك لا وجه له. وأصل ﴿سَيِّئَةً﴾ (سيوئة) فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا..﴾. إلخ: فهذا تصريح من العلي القدير: أن الأنثى مثل الذكر بالمجازاة على عمل الخير، وكذلك بالمجازاة على عمل الشر، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ تصريح بأن العمل الصالح بدون إيمان غير مقبول عند الله، وهذا يسمى في فن البديع احتراسا، والعكس هو الصحيح أيضا بأن الإيمان بدون عمل قد لا يجدي؛ لأن الله تعالى لم يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر العمل الصالح معطوفا عليه، وهو كثير في الآيات القرآنية، لا يعد، ولا يحصى.\n ﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ أي: أولئك المحسنون العمل يدخلون جنات النعيم، ويعطون جزاءهم بغير تقدير، بل أضعافا مضاعفة فضلا من الله وكرما، لا يتقدر بجزاء، بل يثيبه الله ثوابا كثيرا لا انقضاء له، ولا نفاد، وبغير ميزان، وبغير مكيال. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠]: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو».\n ﴿سَيِّئَةً:﴾ مفعول به. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿يُجْزى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِثْلَها:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فالجملة بعدها صلتها، وخبرها جملة: ﴿فَلا يُجْزى..﴾. إلخ، واقترنت بالفاء لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الوجهين مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا:﴾ إعرابه مثل سابقه بلا فارق. ﴿مِنْ ذَكَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في (من). ﴿أُنْثى:﴾ معطوف على: ﴿ذَكَرٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾","vol":"8","page":355},{"text":"في محل نصب حال من فاعل ﴿عَمِلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا محل لها. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْجَنَّةَ:﴾\nمفعول به، وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (يس)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وباقي الكلام مثل سابقه. ﴿يُرْزَقُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالضمير فقط. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(غير) مضاف، و﴿حِسابٍ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-4174\"></span>﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ﴾ أي: إلى طريق الإيمان الموصل إلى النجاة من النار. ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ﴾ أي: تدعونني إلى الكفر المؤدي إلى النار. والاستفهام للتعجب، كأنه يقول: أتعجب من حالكم هذه، أدعوكم إلى النجاة، والخير، وتدعونني إلى النار، والشر؟! فقد كرر نداءهم في هذه الآيات إيقاظا لهم عن سنة الغفلة، واهتماما بالمنادى له، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه، كما كرر إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كلمة: ﴿يا أَبَتِ﴾.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟ قلت: فلأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو، وأما الثالث؛ فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. وانظر شرح (قوم) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الصافات).\nالإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿أَدْعُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال الاستفهام. ﴿إِلَى النَّجاةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (تدعونني): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿إِلَى النّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الظاهر، وهذا لا يصح، إلا بتقدير:\nومالكم تدعونني إلى النار؟ ويضعف أن تكون الجملة حالا بسبب العطف؛ أي: مالي أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلى النار؟! لذا فالمرجح اعتبار الجملة مستأنفة. انتهى. جمل بتصرف كبير.","vol":"8","page":356},{"text":"<span id=\"aya-4175\"></span>﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ..﴾. إلخ: أي: تدعونني للكفر بالله، وأن أعبد ما ليس لي علم بربوبيته، وما ليس بإله حقّ، كفرعون، وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكا للإله الحق؟! ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر، والشرك بين: أنه يدعوهم إلى الإيمان بالإله الحق، فقال:\n ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ﴾ أي: القوي الغالب على أمره القاهر فوق عباده، الغفار لذنوب عباده المؤمنين التائبين المنيبين. هذا؛ وأتى في قوله: ﴿تَدْعُونَنِي﴾ بجملة فعلية ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ﴾ بجملة اسمية ليدل على ثبوت دعوته، وتقويتها. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nالإعراب: ﴿تَدْعُونَنِي:﴾ هذه الجملة بدل مما قبلها، وبيان لها، فمحلها مثلها. ﴿لِأَكْفُرَ:﴾\nفعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل تقديره: «أنا»، و«أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِاللهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. و(أشرك): معطوف على: (أكفر) وفاعله تقديره: «أنا» فهو داخل معه في تقدير المصدرية. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد الضمير المجرور محلا بالباء، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ نكرة موصوفة؛ فالجملة الفعلية صفتها.\n ﴿وَأَنَا:﴾ الواو: واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿أَدْعُوكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿إِلَى الْعَزِيزِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْغَفّارِ:﴾ بدل مما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا..﴾. إلخ في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-4176\"></span>﴿لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿لا جَرَمَ:﴾ انظر الإعراب يتضح لك معناها. ﴿أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي: الذي","vol":"8","page":357},{"text":"تدعونني إلى عبادته، وتقديسه، وتعظيمه من عبادة الأصنام، وألوهية فرعون. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: ليست له استجابة دعوة لأحد في الدنيا، ولا في الآخرة. وقيل:\nليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لأن الأصنام لا تدّعي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها، ولكن فرعون ادّعى الربوبية؛ حيث قال في سورة (القصص) رقم [٣٨]: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾. ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ:﴾\nمرجعنا، ومصيرنا إلى الله بالموت، فيجازي كلاّ بعمله؛ إن خيرا؛ فخير، وإن شرا فشر.\n ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ:﴾ المتجاوزين حدود الله بالكفر، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات، وانتهاك المحرمات. ﴿هُمْ أَصْحابُ النّارِ:﴾ ملازموها، وملاكها لا يخرجون منها، ولا يغادرونها، ومثلهم: أصحاب الجنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: لفظ ﴿لا جَرَمَ﴾ ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع متلوّ ب: (أنّ) واسمها، ولم يجيء بعدها فعل: أحدها: في هذه السورة، وثلاثة في سورة (النحل) برقم [٢٣] و[٦٢] و[١٠٩] والخامس في سورة (هود) رقم [٢٢] وفي إعرابه أربعة أقوال:\nأحدها: وهو مذهب الخليل وسيبويه: أنهما مركبتان من (لا) النافية، و(جرم) وبنيتا على تركيبهما تركيب خمسة عشر، وصار معناهما بمعنى: فعل، وهو: (حقّ) فعلى هذا فالمصدر المؤول من «أنّ» واسمها، وخبرها في محل رفع فاعل، فقوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّما..﴾. إلخ:\nأي: وثبت كون الذي تدعونني إليه. هذا ما نقله السمين عن الخليل، وسيبويه، ونقل مكي عنهما: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى: حقّ في موضع رفع بالابتداء، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها في محل رفع خبر، فاختلف النقل عن الخليل، وسيبويه. رحم الله الجميع برحمته الواسعة، ورحمنا معهم.\nالثاني: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمنزلة: (لا رجل) في كون ﴿لا﴾ نافية للجنس. و﴿جَرَمَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح، وهي واسمها في محل رفع بالابتداء، وما بعدهما خبر: ﴿لا﴾ النافية، وصار معناها: لا محالة أنما تدعونني... إلخ؛ أي: كون دعوتكم إياي، وهذا الوجه عزاه مكي إلى الخليل أيضا.\nالوجه الثالث: أن ﴿لا﴾ نافية لكلام متقدم، تكلم به فرعون، وأشياعه، فرد الرجل المؤمن عليهم بقوله: ﴿لا﴾ كما ترد ﴿لا﴾ هذه قبل القسم في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي جرم أن ما تدعونني... إلخ، و﴿جَرَمَ﴾ فعل ماض معناه كسب، وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، و(أنّ) وما في حيزها في موضع المفعول به؛ لأن ﴿جَرَمَ﴾ يتعدى إذا كان بمعنى: كسب، وعلى هذا فالوقف على قوله ﴿لا﴾ ثم يبتدأ ب: ﴿جَرَمَ﴾ بخلاف ما تقدم. انتهى. جمل. وهذا القول عزاه مكي للزجاج.","vol":"8","page":358},{"text":"الوجه الرابع: أن معنى: ﴿لا جَرَمَ﴾ لا حدّ، ولا منع، ولا صدّ، ويكون: ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى:\nالقطع، تقول: جرمت كذا؛ أي: قطعته، فيكون ﴿جَرَمَ﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني معها على الفتح كما تقدم، وخبرها (أنّ) وما في حيزها على حذف حرف الجر؛ أي: لا منع من دعوتكم إياي إليه، فيعود فيه الخلاف المشهور. انتهى. جمل. وهذا القول عزاه مكي للكسائي.\n (أنّ): حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد الضمير المجرور محلا ب: (إلى). ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿دَعْوَةٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿دَعْوَةٌ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة:\n ﴿لَيْسَ لَهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر، انظر الإعراب المتقدم لترى محل هذا المصدر.\nهذا؛ والمصدر المؤول من: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ﴾ معطوف على ما قبله. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُسْرِفِينَ:﴾ اسم (أنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، و﴿أَصْحابُ﴾ مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ) والمصدر المؤول معطوف على ما قبله على جميع الاعتبارات فيه، والآية بكاملها من مقول الرجل المؤمن. هذا؛ وأجيز اعتبار الضمير فصلا، وهو غير وجيه.\n\n<span id=\"aya-4177\"></span>﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به، وما نهيتكم عنه، ونصحتكم، فتتذكرون حين لا ينفعكم التذكر، وتندمون حيث لا يفيدكم الندم. ففيه وعيد، وتهديد لهم. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ:﴾ أتوكل على الله، وأعتمد عليه، وأستعينه، وأستهديه.\nوانظر شرح ﴿يَتَوَكَّلُ،﴾ و(التوكل) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الزمر). ﴿إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي: عليم وخبير بأحوال العباد، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ، والحكم الصائب.\nالإعراب: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له ألبتة. السين:\nحرف استقبال. (تذكرون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿ما:﴾\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَقُولُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"8","page":359},{"text":"بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nفستذكرون الذي، أو: شيئا أقوله لكم، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: قولي لكم. ﴿وَأُفَوِّضُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أفوض): فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿أَمْرِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبرها. ﴿بِالْعِبادِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَصِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية تعليل لما قبلها. والآية بكاملها من مقول الرجل المؤمن.\n\n<span id=\"aya-4178\"></span>﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا:﴾ فحفظه الله من مكر فرعون، وقومه، وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب به، نجا مع موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nوهذا في الدنيا، وفي الآخرة يكون في أعلى عليين مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ:﴾ وهو الغرق في البحر، ثم النقلة إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا، ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة؛ اجتمعت أرواحهم، وأجسادهم في النار. وانظر الآية التالية.\nتنبيه: لما نصح الرجل المؤمن فرعون، وقومه؛ توعدوه بالقتل، ففر هاربا من بينهم، فأرسل فرعون خلفه ألفا من جنوده؛ ليأتوا به، أو ليقتلوه، فأكلت السباع بعضهم، ورجع بعضهم هاربا، فقتل فرعون من رجع عقوبة لهم على عدم قتلهم لذلك الرجل. وفي البيضاوي: أن ذلك الرجل فر منهم إلى جبل، فأتبعه فرعون طائفة من جنوده، فوجدوه يصلي، والوحوش صفوف حوله، فرجعوا رعبا، فقتلهم فرعون. انتهى. هذا؛ والمكر أصله في لسان العرب: الاحتيال، والخديعة، وقد مكر به، يمكر، فهو ماكر، ومكّار. قال الشاعر: [الطويل]\nقهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخديعة والمكر\nوقال زياد بن يسار، وهو الشاهد رقم (١٠٢١) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر\nهذا؛ ونسب المكر إلى الله تعالى في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٤٢]: ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ وهو بمعنى: المجازاة، والعقاب، والانتقام. انظره في محاله تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"8","page":360},{"text":"الإعراب: ﴿فَوَقاهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (وقاه): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿سَيِّئاتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وهو على حذف مضاف، التقدير:\nفوقاه الله عقاب ﴿سَيِّئاتِ﴾. و﴿سَيِّئاتِ﴾ مضاف، و﴿ما﴾ والفعل بعدها تؤولان بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: سيئات مكرهم. ﴿مَكَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية: (وقاه.. إلخ) مستأنفة، لا محل لها، وقبلها كلام كثير مقدر، انظره في الشرح، لذا فالقول: الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق جيد. (حاق):\nفعل ماض. ﴿بِآلِ:﴾ متعلقان به، و(آل) مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿سُوءُ:﴾ فاعل (حاق)، و﴿سُوءُ﴾ مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَحاقَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4179\"></span>﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا:﴾ يعني صباحا ومساء. قال ابن مسعود -﵁-: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود، يعرضون على النار في كل يوم مرتين، تغدو، وتروح إلى النار، ويقال: يا آل فرعون! هذه منازلكم؛ حتى تقوم الساعة. وقيل:\nتعرض روح كل كافر على النار بكرة، وعشيا ما دامت الدنيا، ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، أعاذنا الله منه بمنه وكرمه.\nفعن عبد الله بن عمر﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ؛ إن كان من أهل الجنة؛ فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النّار فمن أهل النّار، يقال: هذا مقعدك؛ حتى يبعثك الله تعالى إليه يوم القيامة». متفق عليه.\n ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا..﴾. إلخ: قال ابن عباس﵄-: ألوان من العذاب غير الذي كانوا يعذبون بها منذ أغرقوا. وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود﵁عن النبي ﷺ قال: «ما أحسن محسن من مسلم، أو كافر إلا أثابه الله تعالى!». قال: قلنا: يا رسول الله! ما إثابة الله الكافر؟ فقال: «إن كان قد وصل رحما، أو تصدّق بصدقة، أو عمل حسنة؛ أثابه الله ﵎ المال، والولد، والصحّة، وأشباه ذلك». أخرجه ابن أبي حاتم والبزار.\nهذا؛ ويقرأ بنصب (النّار) وقرئ: «(ادخلوا)» بوصل الهمزة. هذا؛ وقال الجوهري: العشي، والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشية أمس... إلخ وانظر ما ذكرته في الآية","vol":"8","page":361},{"text":"رقم [١٨] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر شرح ﴿السّاعَةُ﴾ برقم [١٤] منها أيضا، وانظر ما أذكره في الآية رقم [٢٠] من سورة (الأحقاف) بشأن القلب فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿النّارُ:﴾ بالرفع فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من: ﴿سُوءُ الْعَذابِ﴾. الثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو؛ أي: سوء العذاب النار؛ لأنه جواب لسؤال مقدر، و﴿يُعْرَضُونَ﴾ على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالا من ﴿النّارُ،﴾ ويجوز أن يكون حالا من: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾. الثالث: أن ﴿النّارُ﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يُعْرَضُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره. وقرئ «(النّار)» منصوبا، وفيها وجهان: أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر، يفسره الفعل بعده من حيث المعنى؛ أي: يصلون النار يعرضون عليها كقوله تعالى في آخر سورة الدهر: ﴿وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾. والثاني: أن ينتصب (النّار) على الاختصاص. قاله الزمخشري، فعلى الأول: لا محل ل: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ لكونه مفسرا، وعلى الثاني: هو حال، كما تقدم. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n ﴿يُعْرَضُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿عَلَيْها:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر محل الجملة فيما ذكر آنفا. ﴿غُدُوًّا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿وَعَشِيًّا:﴾ معطوف عليه. (يوم): فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه متعلق بفعل محذوف، مقدر ب: «يقال». الثاني: أنه متعلق ب: ﴿أَدْخِلُوا﴾ أي: أدخلوا يوم تقوم الساعة.\nوعلى هذين الوجهين فالوقف تام على قوله (عشيا). والثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون متعلقا ب: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ مثلهما، والوقف على هذا على قوله: ﴿السّاعَةُ،﴾ و(أدخلوا) معمول لقول مقدر؛ أي: يقال لهم: كذا وكذا. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وجملة:\n ﴿تَقُومُ السّاعَةُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿أَدْخِلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آلَ:﴾ مفعول به أول، و﴿آلَ﴾ مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه. ﴿أَشَدَّ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، وهذا على قراءة قطع الهمزة واعتبار الفعل من الرباعي، وأما على وصل الهمزة، واعتبار الفعل من الثلاثي؛ ف: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ منادى بأداة نداء محذوفة، و﴿أَشَدَّ﴾ مفعول به، وعلى الوجهين فالجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره فيما تقدم.\n\n<span id=\"aya-4180\"></span>﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ﴾ أي: يتخاصم أهل النار فيما بينهم، ومنهم فرعون، وأتباعه. ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ﴾ وهم الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ وهم القادة، والسادة، والكبراء في الدنيا. ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر، والضلال.","vol":"8","page":362},{"text":"﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ:﴾ دافعون، أو متحملون عنا قسطا وجزآ من العذاب. والتبع يكون واحدا، ويكون جمعا في قول البصريين، واحده: تابع، وقال الكوفيون: هو جمع، لا واحد له كالمصدر، فلذلك لم يجمع، ولو جمع؛ لقيل: أتباع. ومثل هذه الآية، وتاليتها في المخاصمة، والملاومة الآية رقم [٢١] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nقال الرازي: علم الضعفاء: أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل الرؤساء، وإيلام قلوبهم؛ لأنهم سعوا في إيقاعهم في أنواع الضلالات. هذا؛ و﴿مُغْنُونَ﴾ اسم فاعل أصله: مغنيون؛ لأنه من: أغنى، يغني الرباعي، فقل في إعلاله: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، ثم قلبت كسرة النون ضمة لمناسبة الواو. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): ظرف لما يستقبل من الزمان هنا مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بهذا الفعل المقدر. وقال البيضاوي: ويحتمل عطفه على ﴿غُدُوًّا﴾. ﴿يَتَحاجُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿فَيَقُولُ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (يقول الضعفاء): مضارع وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وفيها تفسير معنى المحاجة. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿تَبَعًا﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما تقدم عليه؛ صار حالا على القاعدة التي رأيتها في الآية رقم [١٣]. ﴿تَبَعًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُغْنُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُغْنُونَ﴾. ﴿نَصِيبًا:﴾\nمفعول به ل: ﴿مُغْنُونَ﴾ على تضمينه معنى: دافعون. وقيل: منصوب بمحذوف يدل عليه:\n ﴿مُغْنُونَ﴾ أي: حاملون. وقيل: هو مصدر ل: ﴿شَيْئًا﴾ في قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أي: هو نائب مفعول مطلق ف: «شيئا» مرادف ل: «غنى» فكذلك ﴿نَصِيبًا﴾ مرادف له. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَصِيبًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، أو","vol":"8","page":363},{"text":"هما متعلقان ب: ﴿مُغْنُونَ﴾ على اعتبار ﴿نَصِيبًا﴾ مصدرا، والجملة الاسمية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ..﴾.\nإلخ استئنافية لا محل لها. وجملة: ﴿إِنّا كُنّا...:﴾ إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4181\"></span>﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ عن الإيمان، وعن متابعة الرسل، والانقياد لهم، وهم القادة والرؤساء والعظماء في الدنيا. ﴿إِنّا كُلٌّ فِيها﴾ أي: نحن، وأنتم فيها؛ فكيف نغني عنكم؟! ولو قدرنا؛ لأغنينا عن أنفسنا. هذا؛ وقرئ: «(كلا)» على التأكيد لاسم (إن). وأجاز ذلك الكسائي، والفراء، ومنع ذلك سيبويه، والمبرد؛ لأنه لا يجوز عندهما أن يبدل من المضمر هنا؛ لأنه مخاطب، ولا يبدل الظاهر من المخاطب، ولا من المتكلم؛ لأنهما لا يشكلان، فيبدل منهما. هذا نص كلام المبرد، والقراءة ليست سبعية. ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ:﴾\nبأن أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، لا معقب لحكمه. وقسم العذاب بين الأتباع، والمتبوعين، والحاكمين، والمحكومين بقدر ما يستحقه كل منهم، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٨]: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾\nحرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، والتنوين عوض من المضاف إليه؛ إذ التقدير: كلنا. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كل)، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿حَكَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿الْعِبادِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليلية، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-4182\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ﴾ أي: الأتباع، والمتبوعون؛ الذين أودعوا في جهنم بعد أن تحاجوا فيما بينهم، وتلاوموا، بل ولعن بعضهم بعضا، قالوا لخزنة جهنم مستغيثين بهم، ومستنجدين، ومستناصرين: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ..﴾. إلخ؛ أي: اسألوا ربكم، وتوسلوا إليه أن يخفف عنا العذاب ولو يوما واحدا! هذا؛ ووضع ﴿جَهَنَّمَ﴾ موضع الضمير للتهويل، أو لبيان محلهم فيها. وهذا بعد أن ضاقت حيلهم، وعييت بهم عللهم، والمراد: ب: ﴿يَوْمًا؛﴾ أي:","vol":"8","page":364},{"text":"مقدار يوم من أيام الدنيا؛ لأنه ليس في الآخرة ليل، ولا نهار، وانظر دركات النار في الآية رقم [٧١] من سورة (الزمر). هذا؛ والتعبير في الماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه.\nالإعراب: (قال الذين): ماض، وفاعله. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول.\n ﴿لِخَزَنَةِ:﴾ متعلقان ب: (قال)، و(خزنة) مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿اُدْعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يُخَفِّفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف مقدر، والفاعل يعود إلى:\n ﴿رَبَّكُمْ،﴾ تقديره: «هو». ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْمًا:﴾ ظرف زمان، متعلق بالفعل قبله، والمفعول محذوف، التقدير: يخفف عنا شيئا من العذاب في يوم، ويجوز أن يكون الجار والمجرور ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ في محل المفعول به، و﴿مِنَ﴾ تبعيضية، ويجوز اعتبار:\n ﴿يَوْمًا﴾ مفعولا به، الأصل: يخفف عنا عذاب يوم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، على حد قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا..﴾. إلخ وعلى هذا: فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿يَوْمًا،﴾ والكلام: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة:\n ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4183\"></span>﴿قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة؛ الذين هم خزنة جهنم، قالوا للكافرين الذين استغاثوا بهم، وطلبوا منهم الدعاء على سبيل التوبيخ، والتقريع: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي:\nبالحجج الواضحة والبراهين الساطعة، ومثله في سورة (الزمر) رقم [٧١] قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ وفي سورة (الملك) قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ..﴾. إلخ رقم [٨].\n ﴿قالُوا بَلى﴾ أي: قال الكفار: جاءتنا رسلنا بالبينات، ولكن كذبنا. ﴿وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ رقم [٩] من سورة (الملك)، وانظر شرح ﴿بَلى﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (يس). ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة مجيبين لأهل النار. ﴿فَادْعُوا﴾ أي: أنتم ادعوا، فنحن لا نجترئ على الدعاء؛ إذ لم يؤذن لنا فيه لأمثالكم. وفيه إقناط لهم من الإجابة، ودلالة على الخيبة، وليس فيه رجاء للمنفعة؛ لأن الملائكة المقربين إذا لم يسمع دعاؤهم، فكيف يسمع دعاء الكفار، والظالمين، والمفسدين، والمعتدين؟! ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي: في ضياع، وخسار، وتبار.","vol":"8","page":365},{"text":"فعندئذ يقول بعضهم لبعض: دعونا من الخلق، تعالوا ندع ربنا، فلا أحد أكرم من ربنا! يقولون: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ فالجواب يكون بما يلي: ﴿قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ الآيات من سورة (المؤمنون) رقم [١٠٧ و١٠٨ و١٠٩] وانظر ما أذكره في سورة (الزخرف) رقم [٧٧] وخذ ما يلي:\nفعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يلقى على أهل النار الجوع؛ حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه، فيغاثون بالضريع؛ الذي لا يسمن، ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئا، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، فيغصّون به، فيذكرون:\nأنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم، وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ...»﴾. إلخ أخرجه الترمذي، وغيره. انتهى. قرطبي.\nأقول: وكله مأخوذ من الآيات القرآنية، قال تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ،﴾ وقال تعالى في سورة (المزمل): ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا،﴾ وقال في سورة (محمد) ﷺ الآية رقم [٥١]: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: عاطفة على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، كما رأيت في الآية رقم [٢٨]. ﴿تَأْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به. ﴿رُسُلُكُمْ:﴾ تنازعه الفعلان قبله: ﴿تَكُ﴾ يطلبه اسما له، و﴿تَأْتِيكُمْ﴾ يطلبه فاعلا له. انظر تفصيل ذلك وشرحه في الآية رقم [٢٢]، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَأْتِيكُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: ألم تنتهوا، ولم تك تأتيكم... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول، وهو قائم مقام كلام كثير. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿فَادْعُوا:﴾ الفاء: زائدة، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير:\nوإذا كان ذلك حصل؛ فادعوا، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وإنما كانت الجمل الثلاث مستأنفة؛ لأن كل واحدة منهن بمنزلة جواب لسؤال مقدر. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿دُعاءُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْكافِرِينَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة","vol":"8","page":366},{"text":"المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي محتملة لأن تكون من كلام الخزنة، وأن تكون من كلام الله تعالى إخبارا لنبيه ﷺ، وهو الأنسب لما بعده، وهو قول الجلال؛ أي: إنها في محل نصب مقول القول لقول محذوف. وقيل في محل نصب حال، ولا يؤيده المعنى البتة.\n\n<span id=\"aya-4184\"></span>﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ أي: بالحجة، والظفر، والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال، والقتل، وغير ذلك من العقوبات. ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق لهم من صورة الغلبة امتحانا، فإن العبرة إنما هي بالعواقب، وغالب الأمر، وقد نصرهم الله بالقهر على من عاداهم، وأهلك أعداءهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل، فإنه قتل به سبعون ألفا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧٢] من سورة (الصافات)، وفي سورة (الروم) رقم [٤٧]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: كذلك منصورون بعون الله وفاء بوعده، جلت قدرته، وتعالت حكمته. ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ:﴾ المراد بهم من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس من الملائكة، والأنبياء، والعلماء، والمؤمنين، يشهدون للأنبياء بالإبلاغ، وعلى الأمم بالتكذيب. ثم ﴿الْأَشْهادُ﴾ جمع:\nشهيد، مثل: شريف، وأشراف. وقال الزجاج: جمع: شاهد، مثل: صاحب، وأصحاب. وقال النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال، ولا يقاس عليه، ولكن ما جاء منه مسموعا أدّي كما سمع، وكان على حذف الزوائد. انتهى. قرطبي. هذا؛ والكثير أن يجمع شاهد على:\nشهداء، ولم يجمع على أشهاد إلا في هذه السورة، وفي الآية رقم [١٨] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وقد عدّ محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-في كتابه: (التبيان في علوم القرآن) من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم الوفاء بالوعد في كل ما أخبر عنه، وكل ما وعد الله به عباده، قال: وهذا الوعد ينقسم إلى قسمين: وعد مطلق، ووعد مقيد، فالوعد المطلق كوعده بنصر رسوله، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، ونصر المؤمنين على الكافرين. وقد تحقق ذلك كله، وذكر مطلع سورة (الفتح) وسورة (النصر) بكاملها، والآية التي نحن بصدد شرحها، ثم قال: ومن الوعد المطلق قوله جل ثناؤه في سورة (الروم) رقم [٤٧]: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد تحقق نصر المؤمنين في مواطن عديدة: في بدر، والأحزاب، وحنين، وغير ذلك من المعارك العظيمة؛ التي شهدها تاريخ الإسلام. وذكر آيات (الأنفال) ثم قال: ومن الوعد المطلق أيضا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ..﴾. رقم [٣٣] من سورة (التوبة) ورقم [٢٨] من سورة (الفتح)، ورقم [٩] من سورة (الصف).","vol":"8","page":367},{"text":"أما الوعد المقيد فهو ما كان فيه شرط، كشرط التقوى، أو شرط الصبر، أو شرط نصرة دين الله، وما شابه ذلك، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ رقم [٧] من سورة محمد ﷺ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ رقم [٢ و٣] من سورة (الطلاق) وبعدها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. وقد وعد المؤمنين بالنصر بشرط الصبر، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٥]: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..﴾. إلخ. انتهى. بتصرف كبير مني.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿لَنَنْصُرُ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (ننصر) فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿رُسُلَنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على: ﴿رُسُلَنا،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل (ننصر). ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَيَوْمَ:﴾ ظرف زمان معطوف على الجار والمجرور قبله، التقدير: لننصر رسلنا في الحياة الدنيا وفي يوم القيامة، وجملة: ﴿يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها، وجملة: ﴿لَنَنْصُرُ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقائل هو الله تعالى، كما رأيت في الجملة السابقة.\n\n<span id=\"aya-4185\"></span>﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: عذرهم لو اعتذروا. وهذا جواب عما يقال:\nإن ما في هذه الآية يدل على أنهم يذكرون الأعذار؛ إلا أنها لا تنفعهم، وقال في سورة (المرسلات) رقم [٣٦]: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فما وجه الجمع بين ما هنا، وهناك؟ وتقرير الجواب: أن ما هناك لا يدل إلا على أنهم ليس عندهم عذر مقبول نافع، وهذا يصدق بأن لا يتعذروا أصلا، فلا منافاة بينهما، إن كان سلب النفع لانتفاء أصل المعذرة، وأما إن كان سلب النفع مبنيا على أنهم يذكرون الأعذار، ولكنها لا تنفعهم؛ فيحتاج في دفع التناقض إلى اعتبار تعدد الأوقات، فإن يوم القيامة يوم طويل، فجاز أن يعتذروا في وقت، ولا يعتذروا في وقت آخر بأن يمنعوا من الكلام بأن يقال لهم: اخسؤوا فيها، ولا تكلمون! انتهى. زاده. وعبارة الكرخي قوله: (معذرتهم): عذرهم أشار إلى أن المعذرة، والعذر معناهما واحد، وعدم نفع المعذرة؛ لأنها باطلة، أو لأنه لا يؤذن لهم، فيعتذرون، فالآية من نفي المقيد، والقيد. انتهى.\nجمل بتصرف. وانظر ما أذكره في سورة (فصلت) رقم [٢٤].\nهذا؛ ويقرأ الفعل: ﴿لا يَنْفَعُ﴾ بالتاء؛ لأن الفاعل هو (معذرة) وهو مؤنث مجازي، وما كان منه؛ يجوز تأنيث فعله، وتذكيره، والمعذرة: الاعتذار، فهي مصدر ميمي من: عذره: رفع عنه","vol":"8","page":368},{"text":"اللوم، والمؤاخذة، والذنب، أو: قبل عذره. وانظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [٥٩] من سورة (يس). ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: الطرد، والإبعاد من رحمة الله تعالى.\n ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي: جهنم يصلونها وبئس المصير، وسوء العاقبة! وانظر (اللعن) في الآية رقم [٦٨] من سورة (الأحزاب).\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من سابقه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الظّالِمِينَ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء. ﴿مَعْذِرَتُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَلَهُمُ:﴾\nالواو: واو الحال. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿اللَّعْنَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الظّالِمِينَ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وما بعدها معطوف عليها. وقيل: الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ولا وجه له قطعا.\n\n<span id=\"aya-4186\"></span><span id=\"aya-4187\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى:﴾ ما يهتدي به في الدين من المعجزات، والصحف، والشرائع، والأحكام. ﴿وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ:﴾ التوراة، والزبور، والإنجيل؛ إذ الكتاب جنس يشمل الكل. ﴿هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي: في الكتاب الذي، أورثهم الله إياه هداية لهم من الضلالة، وفيه تذكير لهم؛ إن كانوا من ذوي العقول السليمة والفطر المستقيمة، وخص أولي الألباب بالذكر؛ لأنهم هم الذين إذا ذكروا؛ يتذكرون، وإذا وعظوا؛ يتعظون. وانظر شرح (أولي الألباب) في الآية رقم [٢٩] من سورة (ص).\nهذا؛ و﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو نبي الله يعقوب، ومعناه بالعبرانية: صفوة الله، أو عبد الله، ف: «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و«إيل» هو الله، ويعقوب هو ابن إسحاق بن إبراهيم، وقد ولد يعقوب في حياة جده إبراهيم، وحياة جدته سارة، قال تعالى في سورة (هود) في الآية رقم [٧١]:\n ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وهو النافلة التي امتن الله بها على إبراهيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ ولقد وجدت في كثير من المراجع الموجودة لديّ: أن يعقوب كان توأما مع أخ له اسمه عيصو في بطن واحد، فعند خروجهما من بطن أمهما تزاحما، وأراد كل منهما أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيصو ليعقوب: إن لم تدعني أخرج قبلك؛ وإلا خرجت من جنبها! فتأخر يعقوب شفقة على أمه، فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين. والله أعلم بحقيقة ذلك.","vol":"8","page":369},{"text":"أما ﴿هُدىً﴾ فأصله: هديا، أو: هدي، بضم الهاء، وفتح الدال. وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار: ﴿هُدىً،﴾ وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء الأصلية المحذوفة بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: هدا فلا يوجد ما يدل عليها، وقل مثل هذا في كل اسم مقصور جرد من أل، والإضافة ونون. هذا؛ وانظر شرح: (نا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (يس).\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى﴾ انظر الآية رقم [٢٣] فالإعراب واحد. ﴿الْهُدى:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَأَوْرَثْنا:﴾ الواو: حرف عطف.\n ﴿وَأَوْرَثْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم لا محل لها. والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿هُدىً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. هذا؛ وقال القرطبي. ﴿هُدىً﴾ بدل من: ﴿الْكِتابَ﴾ ويجوز بمعنى: هو ﴿هُدىً،﴾ وليسا بشيء يعتد به. (ذكرى): معطوف على ما قبله. ﴿لِأُولِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بأحد الاسمين قبلهما على التنازع، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لإحداهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و(أولي) مضاف، و﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-4188\"></span>﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)﴾\nالشرح: لما بين الله تعالى: أنه ينصر رسله، وينصر المؤمنين في الدنيا، والآخرة، وضرب المثل في ذلك بحال موسى؛ خاطب بعد ذلك محمدا ﷺ بقوله: فاصبر. أي: على أذى قومك كما صبر موسى﵇على أذى فرعون. قال الكلبي: نسخت آية القتال آية الصبر. انتهى. جمل. نقلا من تفسير الخطيب.\n ﴿فَاصْبِرْ﴾ أي: يا محمد على أذى قومك، كما صبر من قبلك. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي:\nبالنصر، والعزة، والسيادة، كما نصر موسى، وغيره من الرسل على أقوامهم، والله سبحانه لا يخلف وعده. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أي: وأقبل على أمر دينك، وتدارك فرطاتك، كترك الأولى، والاهتمام بأمر العدى بالاستغفار، فإنه تعالى كافيك في النصر، وإظهار الأمر. انتهى.","vol":"8","page":370},{"text":"بيضاوي. وقال القرطبي: قيل: واستغفر لذنب أمتك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك. على رأي: من يجوز الصغائر على الأنبياء، ومن قال: لا تجوز؛ قال: هذا تعبد للنبي ﷺ بالدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَآتِنا ما وَعَدْتَنا﴾ والفائدة: زيادة الدرجات، وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. انتهى.\nوهذا الأخير لا وجه له؛ لأن النبي ﷺ معصوم قبل النبوة، وبعدها.\nوجملة القول: قد تمسك بهذه الآية، وأمثالها من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء، وقالوا: لو لم يقع من الرسول ﷺ ذنب؛ لما أمر بالاستغفار، والجواب: أن درجة الرسول ﷺ أعلى الدرجات، ومنصبه أشرف المناصب، فلعلو درجته، وشرف منصبه، وكمال معرفته بالله ﷿، فما وقع منه على وجه التأويل، أو الاجتهاد، كما في أسرى بدر، وإذنه في التخلف للمنافقين عن غزوة تبوك، وغير ذلك من أمور الدنيا، فإنه ذنب بالنسبة إلى منصبه العظيم، وجاهه الكريم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وذلك بالنسبة إلى منازلهم العالية، ودرجاتهم الرفيعة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. إلخ: أي: داوم على التسبيح، والتحميد لربك في جميع الأوقات.\nوالمراد منه: الأمر بالمواظبة على ذكر الله، وألا يفتر اللسان عنه؛ حتى يصبح في زمرة الملائكة الأبرار؛ الذين ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء) والمراد بالتسبيح: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به. هذا؛ والخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، ويدخل فيه غيره من أمته؛ لأنه عام لسائر المكلفين. وإنما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم، الذي هو أخو الموت، فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم-وهو وقت الحياة من موت النوم-بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله ﷿، وأما وقت العشي، وهو آخر النهار، فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت، فيستحب له أن يستقبله بالذكر؛ لأنه حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله ﷿. هذا؛ وقيل: إن المراد بالتسبيح في هذين الوقتين الصلوات الخمس، أقول: وهن من أعظم التسبيح.\nهذا؛ والإبكار من طلوع الشمس إلى الضحوة الكبرى، ومثله: بكرة (بضم الباء، وسكون الكاف). هذا؛ ويقابل العشي بالغدو كما في الآية رقم [٤٦] كما يقابل بالغداة: كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٨]: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ كما يقابل الغدو بالآصال، وهو جمع: أصيل، قال تعالى في سورة (النور) رقم [٣٦]: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ ومثله في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٥] وسورة (الرعد) رقم [١٥] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"8","page":371},{"text":"الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك قد وقع للأنبياء قبلك؛ فاصبر على أذى قومك، وتأس بهم.\n (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف، كما رأيت تقديره، والكلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَاسْتَغْفِرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِذَنْبِكَ:﴾ متعلقان به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (سبح): أمر، وفاعله أنت. ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملتبسا بحمد، وانظر الآية الأخيرة من سورة (الزمر)، و(حمد) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ متعلقان بالفعل سبح.\n ﴿وَالْإِبْكارِ:﴾ معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-4189\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ..﴾. إلخ: عام في كل مجادل مبطل؛ وإن نزلت في مشركي مكة؛ الذين كانوا يجادلون بالباطل؛ ليدحضوا به الحق. وقيل: هم اليهود، كانوا يقولون للنبي ﷺ: لست صاحبنا، بل هو المسيح بن داود (يريدون الأعور الدجال) يبلغ سلطانه البر، والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، فيرجع إلينا الملك، فهم ينتظرونه كما ينتظر المسلمون المهدي، وعيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر الآية رقم [٣٥] السابقة.\n ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ﴾ أي: لا يوجد في صدورهم، وقلوبهم إلا كبر، وتكبر عن الإيمان بك، والانقياد لك، فهم يريدون الرياسة، والزعامة، وأن لا يكون أحد فوقهم، ولذلك عادوك يا محمد! ودفعوا آياتك؛ خيفة أن تتقدمهم، وأن تترأس عليهم، وأن يكونوا تحت يدك، وأمرك، ونهيك؛ لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة. أو أرادوا أن تكون لهم النبوة دونك حسدا، وبغيا. ويدل عليه ما حكاه الله من قولهم: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (الأحقاف).\n ﴿ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ أي: ببالغي مرادهم من الرياسة، أو النبوة، أو دفع آيات الحق بالباطل، بل ما يرومونه من ذلك ليس بحاصل لهم، بل الحق الذي جئت به هو المرفوع، وقولهم، وقصدهم، ومرادهم هو الموضوع. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ..﴾. إلخ: أي: فالتجئ وتحصن بالله من","vol":"8","page":372},{"text":"كيدهم، ولا تعبأ بهم، فإن الله يدفع عنك شرهم، وينصرك عليهم، ويعلي دينك، ويرفع شأنك.\nوقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهو السميع لأقوال العباد، البصير بأفعالهم، وأحوالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، لا يعزب عنه شيء من ذلك.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وانظر الآية رقم [٣٥] فالإعراب واحد في الباقي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى:\n «ما». ﴿فِي صُدُورِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كِبْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَتاهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿بِبالِغِيهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (بالغيه): خبر ﴿ما﴾ مجرور لفظا، منصوب محلا. وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مهملة؛ فالضمير مبتدأ، و(بالغيه) خبره، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد، وحذفت النون على الاعتبارين للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿كِبْرٌ﴾ وهو أولى من اعتبارها حالا من الضمير المجرور محلا بالإضافة. والرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر رقم [٤]. (استعذ): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منهم؛ فاستعذ بالله من كيدهم، وشرهم. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٨] فهو مثله بلا فارق إفرادا وجملة.\n\n<span id=\"aya-4190\"></span>﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ:﴾ أي: لخلق الله للسموات، والأرض، وإنشاؤهما وابتداعهما على غير مثال سبق أعظم من خلق الناس أجمعين، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما كيف يعجز عن خلق ما هو أحقر، وأهون؟! والغرض من ذلك الاستدلال على البعث؛ لأن الإله الذي خلق السموات، والأرض مع عظمهما قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها. فمن قدر على خلق السموات والأرض، فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى، قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٣٣]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾","vol":"8","page":373},{"text":"﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾.\nوقوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم، وأشق بحسب عادة الناس في مزاولة الأعمال من أن علاج الشيء الكبير أشق من علاج الصغير، وإن كان بالنسبة إلى الله تعالى لا تفاوت بين الصغير، والكبير، وقال تعالى في سورة (الروم) رقم [٢٧]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الزمر) ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿لَخَلْقُ:﴾ اللام: لام الابتداء. (خلق): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ خَلْقِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَكْبَرُ،﴾ و﴿لَخَلْقُ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف أيضا. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، و﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له قطعا.\n\n<span id=\"aya-4191\"></span>﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: الجاهل، والعالم، والكافر، والمؤمن.\nفهذا مثل ضربه الله لهما؛ أي: فكما لا يتساوى الأعمى مع البصير؛ فكذلك لا يتساوى المؤمن المستنير بنور القرآن، والكافر الذي يتخبط في الظلام. ففي الكلام استعارة تصريحية؛ حيث شبه الله الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير بجامع ظلام الطريق، وعدم الاهتداء على الكافر، واستعار البصير للمؤمن بطريق الاستعارة التصريحية.\n ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ أي: لا يستوي المحسن، والمسيء، فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت، وهي فيما بعد البعث، وزيادة (لا) في المسيء؛ لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل، والكرامة.\n ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: إن الذين يتذكرون إذا ذكروا، ويتعظون إذا وعظوا قليلون. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء بالغيبة لمناسبة ما قبله، ويقرأ بالتاء على الخطاب التفاتا من الغيبة إلى الخطاب في مقام التوبيخ، وإظهار العنف الشديد، والإنكار البليغ. وانظر فوائد الالتفات في سورة (الصافات) رقم [١٣٧].","vol":"8","page":374},{"text":"هذا؛ والفعل ﴿يَسْتَوِي﴾ من الأفعال التي لا تكتفي بواحد، فلو قلت: استوى زيد؛ لم يصح فمن ثمّ لزم العطف على الفاعل، أو تعدده. ولا تنس المطابقة، والمقابلة بين الضدين في هذه الآية، وهي من المحسنات البديعية. وقال الجمل نقلا عن السمين: واعلم: أن التقابل يجيء على ثلاث طرق: إحداها: أن يجاور المناسب ما يناسبه، كهذه الآية. والثانية: أن يتأخر المتقابلان، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾. رقم [٢٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والثالثة: أن يقدم مقابل الأول، ويؤخر مقابل الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ..﴾. إلخ رقم [١٩] وما بعدها من سورة (فاطر)، وكل ذلك تفنن في البلاغة، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْأَعْمى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ما قبله.\nوجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿الْمُسِيءُ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال: ﴿ما﴾ محتملة لثلاثة أوجه:\nأحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، و﴿قَلِيلًا﴾ بمعنى:\nالنفي، وإما لإفادة التقليل، مثلها في: (أكلت أكلا مّا) وعلى هذا يكون تقليلا بعد تقليل.\nالثاني: النفي، و﴿قَلِيلًا﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف؛ أي: تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا.\nالثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: (قليل)، و﴿قَلِيلًا﴾ حال معمول لمحذوف، وعليه المعنى: أي: ذكروا فأخروا قليلا تذكرهم. أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير.\nولم يذكر إعراب ﴿قَلِيلًا﴾ على الوجه الأول، وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر ﴿قَلِيلًا﴾ نعتا لمصدر محذوف مثل اعتباره في الوجه الثاني، وذكر أبو البقاء الوجه الثاني، وقال: التقدير: فما يتذكّرون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: ﴿قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ مستأنفة، أو","vol":"8","page":375},{"text":"تعليلية، لا محل لها على الاعتبارين. وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى:\n ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة).\n\n<span id=\"aya-4192\"></span>﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها:﴾ لا شك في مجيئها لوضوح الدلالة على جوازها، وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها؛ لأنه لا بد من جزاء؛ لئلا يكون خلق الخلق للفناء خاصة. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ لا يصدقون بها، ولا يعترفون، ولا يقرون بوقوعها لقصور نظرهم على ظاهر ما يحسون به، كما قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾. قال الفخر الرازي: والمراد بأكثر الناس: الكفار الذين ينكرون البعث، والقيامة. انتهى. صفوة التفاسير. أقول: والأكثرية الساحقة من المسلمين في هذه الأيام لا يصدقون بيوم القيامة، ولا يقرون بوقوعه، وأكبر شاهد على ذلك أعمالهم الخبيثة، وأفعالهم الشنيعة؛ التي قد لا يقدم عليها كثير من الكفار. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] من سورة (الزمر). هذا؛ و(الريب): الشك، تقول: رابني هذا الأمر: أوقعني في شك، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها. قال الرسول ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». خرجه الترمذي، والنسائي، عن الحسن بن علي﵄-.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةَ:﴾ اسمها. ﴿لَآتِيَةٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (آتية): خبر ﴿إِنَّ،﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل ﴿إِنَّ﴾.\n ﴿رَيْبَ:﴾ اسم مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿لا﴾. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ واعتبارها في محل نصب حال من الضمير المستتر في: (آتية) غير مستبعد. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسم (لكنّ)، و﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-4193\"></span>﴿وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ:﴾ وحدوني، واعبدوني؛ أتقبل عبادتكم، وأغفر لكم ذنوبكم. وقيل: هو الذكر، والدعاء، والسؤال. وهو الموافق لصريح اللفظ، ولما روى النعمان بن بشير﵄قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الدّعاء هو","vol":"8","page":376},{"text":"العبادة، ثم قرأ: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..﴾. إلخ». وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أيضا، أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وعن عبادة بن الصامت -﵁أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أعطيت أمتي ثلاثا، لم تعط إلا للأنبياء:\nكان الله تعالى إذا بعث النبيّ، قال: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمّة: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. وكان الله إذا بعث النبيّ قال: ما جعل عليك في الدّين من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وكان الله إذا بعث النبيّ جعله شهيدا على قومه، وجعل هذه الأمة شهداء على النّاس». ذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول».\nوكان خالد الربعي يقول: عجيب لهذه الأمة! قيل لها: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أمرهم بالدعاء، ووعدهم الاستجابة، وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ قال مثل قوله تعالى:\n ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فها هنا شرط. انتهى. قرطبي بتصرف. وجملة القول:\nأمرنا الله بالدعاء، ووعدنا الإجابة، كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨٦]:\n ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾. وقال جل شأنه في سورة (الأعراف) رقم [٥٥]: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ والنبي ﷺ حثنا على الدعاء، ورغبنا فيه حتى جعله رأس العبادة، ومخ الطاعة. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدّين، ونور السموات والأرض». رواه الحاكم. وعن عائشة﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع ممّا نزل، وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل، فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة». رواه الطبراني، والحاكم.\nوعن أنس﵁-: أن رسول الله ﷺ، قال: «الدعاء مخّ العبادة». رواه الترمذي.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «سلوا الله من فضله، فإنّ الله يحبّ أن يسأل. وأفضل العبادة انتظار الفرج». رواه الترمذي.\nهذا؛ وإن للدعاء شروطا، وآدابا، وأركانا يجب توافرها لتحقيق الإجابة. وخذ ما يلي: مرّ إبراهيم بن أدهم-رحمه الله تعالى-بسوق البصرة، فاجتمع إليه الناس، وقالوا: يا أبا إسحاق! ما لنا ندعو، فلا يستجاب لنا؟! قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله، فلم تؤدوا حقه. زعمتم أنكم تحبون رسول الله، وتركتم سنته. قرأتم القرآن، فلم تعملوا به. أكلتم نعم الله، فلم تؤدوا شكرها. قلتم: الشيطان عدوكم، فلم تخالفوه. قلتم: الجنة حق، فلم تعملوا لها.\nقلتم: النار حق، ولم تهربوا منها. قلتم: الموت حق، ولم تستعدوا له. انتبهتم من النوم، فاشتغلتم بعيوب الناس، ونسيتم عيوبكم. ودفنتم موتاكم، ولم تعتبروا.\nهذا؛ وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف قال الله تعالى: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقد يدعو الإنسان كثيرا، فلا يستجاب له؟! قلت: للدعاء شروط: منها: الإخلاص في الدعاء،","vol":"8","page":377},{"text":"وأن لا يدعو؛ وقلبه لاه مشغول بغير الدعاء، وأن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة للإنسان، وأن لا يكون فيه قطيعة رحم. فإن كان الدعاء بهذه الشروط؛ كان حقيقا بالإجابة، فإما أن يعجلها له، وإما أن يؤخرها له إلى الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. يدل عليه ما روي عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من رجل يدعو الله بدعاء إلاّ استجيب له، فإمّا أن يعجّل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعاه؛ ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، أو يستعجل». قالوا: يا رسول! وكيف يستعجل؟ قال: يقول:\n «دعوت ربّي فما استجاب لي». أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب. انتهى. بتصرف.\nوعن أبي سعيد الخدري﵁أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث، إمّا أن يعجّل له دعوته، وإمّا أن يدّخرها له في الآخرة، وإمّا أن يصرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذا نكثر! قال: «الله أكثر».\nرواه أحمد، والحاكم، وغيرهما. هذا؛ لا تنس: أن لفظ رجل يشمل المرأة، ولفظ مسلم يشمل المسلمة، فالمرأة مثل الرجل في كل مأمور به، ومنهي عنه.\nهذا؛ وقال الغزالي-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟ فاعلم: أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم، فيتدافعان، فكذلك الدعاء، والبلاء. قال الرسول ﷺ: «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع ممّا نزل، وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل، فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة». أخرجه الطبراني، والحاكم عن عائشة﵂-. وليس من شرط الاعتراف بالقضاء ألا يحمل السلاح، وألا يسقي الأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ رقم [١٠١] من سورة (النساء)، فقدر الله تعالى الأمر، وقدر سببه. انتهى. بتصرف.\nهذا؛ وقد تعدى الفعل: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ باللام، وقد عدّي بنفسه في قول كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل]\nوداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\nوالفرق بين الآية والبيت: أن هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه، وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عدّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه، أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت؛ فمعناه: لم يستجب دعاءه (على حذف المضاف). هذا؛ والسين والتاء زائدتان؛ لأن (استجاب) بمعنى: أجاب.\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي:﴾ انظر الكبر، والتكبر في الآية رقم [٦٠] من سورة (الزمر)، وانظر شرح العبادة في الآية رقم [٦٠] من سورة (يس). ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ:﴾ هذا وعيد، لا بد أن ينفذ","vol":"8","page":378},{"text":"في حق المتكبرين عن عبادة الله، وطاعته، والإعراض عن دعاء الله، وسؤال العبد حوائجه من الله إعراض عن طاعته، وعبادته؛ لأن الدعاء رأس العبادات، وروح الطاعات، كما رأيته سابقا.\n ﴿داخِرِينَ:﴾ صاغرين، حقيرين، ذليلين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] من سورة (الصافات).\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿رَبُّكُمُ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\nوالجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿اُدْعُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿أَسْتَجِبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وهو عند الجمهور جواب شرط محذوف، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا».\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾.\n ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿عَنْ عِبادَتِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿سَيَدْخُلُونَ:﴾ السين:\nحرف استقبال. (يدخلون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به. ﴿داخِرِينَ:﴾\nحال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿سَيَدْخُلُونَ..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4194\"></span>﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: جعله للهدوء، والاستقرار بالنوم، والراحة مع أزواجكم، وأولادكم؛ ليزول التعب، والكلال، والسكون، والهدوء بعد اضطراب، واستقرار بعد حركة. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أي: مضيئا؛ لتهتدوا به في قضاء حوائجكم. أو: جعلنا شمسه مضيئة للإبصار، فيكون المعنى مبصرا فيه بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر، بل يبصر فيه، فهو من إسناد الحدث إلى زمانه، فهو مجاز عقلي، مثل: ليله قائم، ونهاره صائم. هذا؛ وفي الكلام حذف، وتقدير؛ إذ التقدير: الله الذي جعل لكم الليل مظلما؛ لتسكنوا فيه، وجعل لكم النهار مبصرا؛ لتتحركوا فيه، وتسعوا إلى معايشكم. فحذف من أحدهما ما أثبته في الآخر، ويسمى هذا احتباكا في الكلام. هذا؛ ولا تنس: أن ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: خلق، فلذا تعدى إلى مفعول واحد فقط، والفرق بين: خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين. وانظر شرح ﴿اللَّيْلَ﴾ و﴿النَّهارَ﴾ في الآية رقم [٣٧] من سورة (يس).","vol":"8","page":379},{"text":"﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ:﴾ لم يقل: المفضّل، أو المتفضّل؛ لأن المراد: تنكير الفضل، وأن يجعل فضلا، لا يوازيه فضل، وذلك إنما يكون بالإضافة. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ:﴾ لم يقل: ولكن أكثرهم؛ حتى يتكرر ذكر الناس؛ لأن في هذا التكرير تخصيصا لكفران النعمة بهم، وأنهم هم الذين يكافرون فضل الله، ولا يشكرونه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [٢٧] من سورة (الزمر). هذا؛ والفضل، والفاضلة، والإفضال، وجمعهما: فضول وفواضل.\nهذا؛ والفعل: شكر، يشكر يتعدى بنفسه، وبحرف الجر. تقول: شكرت الله، وشكرت له، كما تقول: نصحت زيدا، ونصحت له، وقوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ مثل قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [١٣]: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. والشكر: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. ومن أسماء الله تعالى: الشكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره.\n ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿لِتَسْكُنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ،﴾ أو هما متعلقان ب: «مظلما» الذي رأيت تقديره في الشرح. ﴿فِيهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿مُبْصِرًا:﴾ معطوف على «مظلما» الذي رأيت تقديره، ومتعلقه محذوف، وهذا يفيد: أن مظلما و﴿مُبْصِرًا﴾ مفعول ثان، أو هما حال من الليل، والنهار. وجملة: ﴿جَعَلَ لَكُمُ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لَذُو:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذو):\nخبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذو) مضاف، و﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَضْلٍ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٥٩]. هذا؛ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ..﴾. إلخ مذكورة في كثير من السور بحروفها.","vol":"8","page":380},{"text":"<span id=\"aya-4195\"></span>﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكُمُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: ذلكم الله المميز بالأفعال التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم، فاعبدوه، وأخلصوا له العبادة، والتوحيد. ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ في هذه الدنيا، لم يشركه أحد في خلق أي شيء. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ المتفرد بالإيجاد، والإعدام، والإحياء، والإماتة، والإعزاز، والإذلال، والإغناء، والإفقار، الجامع لهذه الصفات من الإلهية، والربوبية، وخلق الأشياء كلها.\n ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن الحق إلى الباطل، وعن عبادته، وتوحيده إلى عبادة غيره مما لا ينفع، ولا يضر؟! هذا؛ وأصل الإفك: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب:\nأفاك؛ لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل، وهو بهذا المعنى من الباب الرابع، ومصدره: إفك، كعلم، ويغلب مجيء فعله بالبناء للمجهول، ويكون بمعنى: الصرف كما في هذه الآية وغيرها كثير، وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ومصدره: أفك كضرب، وهو من الباب الثاني. وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى من سورة (الشعراء) رقم [٤٥]: ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٢٢] من سورة (الأحقاف): ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ و﴿يَأْفِكُونَ﴾ في سورة (الشعراء) بمعنى: الكذب، و(تأفكنا) في سورة (الأحقاف) بمعنى: الصرف.\nالإعراب: ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ خبر أول. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ خبر ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خالِقُ:﴾ خبر ثالث، و﴿خالِقُ﴾ مضاف، و﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣]، والجملة الاسمية في محل رفع خبر رابع. خذ هذا الإعراب: وقد جوز اعتبار لفظ الجلالة خبرا واحدا، وما بعده بدل منه، كما جوز اعتبار لفظ الجلالة بدلا من اسم الإشارة، والخبر ما بعده. هذا، وهذا الكلام مذكور بحروفه في سورة (الأنعام) رقم [١٠٢]. والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (أنى): اسم استفهام بمعنى: كيف، مبني على السكون في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرتها للمكان كما هو أصل معناها فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بالفعل بعدها، ويكون المعنى: فإلى أين تؤفكون.","vol":"8","page":381},{"text":"﴿تُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، ومتعلقه محذوف. انظر تقديره في الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وثابتا؛ فأين تذهبون، وتصرفون عن الحق؟! والكلام كله مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-4196\"></span>﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ..﴾. إلخ: المعنى: كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل، كذلك يؤفك... إلخ، أو المعنى: كل من جحد بآيات الله، ولم يتأملها، ولم يطلب الحق أفك، كما أفكوا؛ أي: كما صرفوا عن الحق. وهذه تسلية للنبي ﷺ. والمعنى: لا تحزن يا محمد على إنكار قومك؛ فإن من قبلهم فعل ذلك. هذا؛ والجحد: الإنكار، والتكذيب، والكفر، وقلة الخير. وجحده حقه، وجحده بحقه، وبابه: قطع.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون إفكا كائنا مثل إفك قومك يا محمد! لأن المضارع بمعنى: الماضي. ﴿يُؤْفَكُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وآيات مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: «يجحدون بآيات الله» في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-4197\"></span>﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا﴾ أي: جعل لكم الأرض مستقرا في حياتكم وبعد مماتكم. أو المعنى: جعلها ثابتة مستقرة غير متحركة مضطربة، قال تعالى في سورة (النمل) رقم [٦١]: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا..﴾. إلخ.\n ﴿وَالسَّماءَ بِناءً:﴾ سقفا مرفوعا كالقبة، وفي سورة (البقرة) رقم [٢٢]: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً﴾. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ:﴾ بأن خلقكم منتصبي القامة، بادي البشرة، متناسبي الأعضاء، والتخطيطات، متهيئين لمزاولة الصنائع، واكتساب الكمالات. قال","vol":"8","page":382},{"text":"الزمخشري: لم يخلق الله حيوانا أحسن صورة من الإنسان. انتهى. وصدق الله إذ يقول في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي: من أنواع اللذائذ، والمستلذات، والمشتهيات من الماكل، والمشارب والملابس. والطيبات: ما يستلذ من المباحات. وقيل: الحلال الصافي القوام، فالحلال: ما لا يعصى الله فيه، والصافي:\nما لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك النفس، ويحفظ العقل.\n ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: ذلكم ربكم الذي فضلكم على كثير من المخلوقات، وميزكم عليهم، وأكرمكم بأشياء كثيرة. ﴿فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي: تنزه الله عن كل ما لا يليق به. وقال الخازن: تمجد، وتعظم، وارتفع. وفي سورة (الفرقان): تكاثر خيره من البركة، وهي كثرة الخير وزيادته، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تقديس وتعظيم، لم تستعمل إلا لله وحده، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر، قال الطّرمّاح: [الطويل]\nتباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع\nهذا؛ ونقل الجمل عن الخطيب في شرح الآية ما يلي: لما كانت دلائل وجوده تعالى، إما أن تكون من الآفاق، وهي أقسام، وذكر منها أحوال الليل، والنهار، كما تقدم؛ بين منها أيضا هنا الأرض، والسماء، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا..﴾. إلخ مع كونها في غاية الثقل، ولا ممسك لها سوى قدرة الله، والسماء على علوها وسعتها مع كونها أفلاكا دائرة بنجوم طول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل، والنهار، والإظلام، والإضاءة. ثم ذكر دلائل النفوس، وهي دلائل أحوال البدن على وجود الصانع القادر الحكيم، فقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ..﴾. إلخ. انتهى.\nالإعراب: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً:﴾ الإعراب مثل الآية رقم [٦١] بلا فارق. ﴿وَصَوَّرَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿وَرَزَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به.\n ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ انظر الآية رقم [٦٢]. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. (تبارك): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿رَبُّ:﴾ صفة، أو بدل من لفظ الجلالة، و﴿رَبُّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها أيضا.","vol":"8","page":383},{"text":"<span id=\"aya-4198\"></span>﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ أي: الباقي الذي لا يموت، الحي الحياة الحقيقية التي لا انقضاء لها، والحي هو المدرك الفعال لما يريد، وهذه إشارة إلى العلم التام، والقدرة التامة. ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ:﴾ انظر الآية رقم [٣] من سورة (الزمر) ففيها الكفاية. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ وعن ابن عباس﵄-: من قال: لا إله إلاّ الله؛ فليقل على أثرها:\nالحمد لله ربّ العالمين.\nالإعراب: ﴿هُوَ الْحَيُّ:﴾ مبتدأ، وخبر، وجملة: ﴿إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل رفع خبر ثان، وانظر إعرابها في الآية رقم [٣]. والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَادْعُوهُ:﴾ الفاء: أراها الفصيحة. (ادعوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا فادعوه. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل. ﴿إِلهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الدِّينَ:﴾\nمفعوله، والكلام بجملته معطوف على ما قبله. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.\n<span id=\"aya-4199\"></span>﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي:\nقل يا محمد لقومك: إن الله تعالى نهاني أن أعبد هذه الآلهة؛ التي تعبدونها من دون الله. وكانوا قد دعوه إلى عبادتهم، وإلى آلهتهم التي يقدسونها، ويعظمونها. وفي ذلك زجر لهم، وقطع لآمالهم في أن يعود الرسول ﷺ لتقديس آلهتهم، وتعظيمها؛ مع أنه لم يعترف بها منذ نشأته.\n ﴿لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي﴾ أي: حين جاءتني الآيات الواضحات من عند ربي. والبينات هي:","vol":"8","page":384},{"text":"أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفا بصفات الجلال، والعظمة، وصريح العقل يشهد: أن العبادة لا تليق إلا به، وأن جعل الحجارة المنحوتة، والأخشاب المصورة شركاء له في المعبودية مستنكر في بديهة العقل. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: أن أخضع، وأذل، وأنقاد لله وحده، وأن أخلص له ديني، وأن أطهر نفسي من عبدة غيره. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢] من سورة (الزمر)، وانظر جمع ما لا يعقل في رقم [٤٣] منها.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها: ﴿نُهِيتُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿أَعْبُدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذين تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَمّا:﴾ حرف بمعنى: حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿نُهِيتُ﴾. ﴿جاءَنِي:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.\n ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿مِنْ رَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل (جاء)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْبَيِّناتُ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\nهذا؛ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: نهيت عن عبادة الذين... إلخ، أو هو مفعول ثان على التوسع بإجراء المتعدي إلى واحد، إلى مفعولين، وجملة: ﴿نُهِيتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأُمِرْتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أمرت): ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (أمر)، أو هو منصوب بنزع الخافض، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرت بالإسلام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢] من سورة (الزمر) تجد ما يسرك. ﴿لِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(رب) مضاف، و: ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه... إلخ، وجملة: ﴿وَأُمِرْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها: ﴿نُهِيتُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع خبر مثلها. هذا؛ ومفعول ﴿أُسْلِمَ﴾ محذوف، التقدير: أسلم أمري له، أو: أسلم، وأخلص توحيدي له.","vol":"8","page":385},{"text":"<span id=\"aya-4200\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: لما استدل على ثبوت الإله بأربع من دلائل الآفاق، وهي: الليل، والنهار، والأرض، والسماء، وبثلاث من دلائل الأنفس، وهي: التصوير، وحسن الصورة، ورزق الطيبات؛ ذكر من دلائل الأنفس كيفية تكون البدن من ابتداء كونه نطفة إلى آخر الشيخوخة، والموت، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ..﴾. إلخ. انتهى. جمل نقلا من زاده. وفي مختصر ابن كثير: أي: هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها وحده لا شريك له، وعن أمره، وتدبيره، وتقديره يكون ذلك كله.\n ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ أي: خلق أباكم آدم، أو خلق أصلكم من تراب على تقدير مضاف، وهو خلق غير مباشر، وهناك خلق مباشر؛ أي: إن كل إنسان خلق من تراب، وذلك إذا عرفنا: أنه خلق من النطفة، والنطفة منشؤها من الدم، والدم مستمد من الأغذية، والأشربة على اختلافها، وتنوعها، وكلها مستخرجة من الأرض، والتراب، وكل ذلك معلوم، ومعروف.\n ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ مني، من النطف، وهو الصب، وأصلها: الماء القليل، ويكون من الرجل، والمرأة، والجمع نطاف، ونطف. والنطفة: الماء الصافي قلّ، أو كثر. ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ:﴾ قطعة من الدم جامدة، وذلك: أن النطفة تصير بعد أربعين يوما من استقرارها في الرحم دما غليظا، والعلقة دويبة سوداء تعيش في الأرض الرطبة، والجمع: علق، وفي سورة (الحج) رقم [٥]:\n ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن مسعود﵁قال: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق: «أنّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يبعث الله ملكا، فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، وسعيد، ثمّ ينفخ فيه الرّوح، فو الذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة؛ حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار؛ حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها». أخرجه البخاري ومسلم.\n ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا:﴾ وفي سورة (الحج): ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ و﴿طِفْلًا﴾ بمعنى: أطفالا، والتوحيد لإرادة الجنس، أو على تأويل كل واحد منكم، وأيضا:\nفإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد، قال الشاعر: [الكامل]","vol":"8","page":386},{"text":"يا عاذلاتي لا تردن ملامتي... إنّ العواذل لسن لي بأمير\nلم يقل: بأمراء. وقال المبرد: هو اسم يستعمل مصدرا، كالرضا، والعدل، فيقع على الواحد، وعلى الجمع. قال الله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ هذا؛ والطفل: ولد كل وحشية، والمطفل: ذات الطفل من الإنسان، والحيوان، والوحش، والجمع:\nمطافل، ومطافيل، والآية من سورة (النور) رقم [٣١] انظر شرحها هناك.\n ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ:﴾ منتهى الشباب، وشدته، وقوته، وهو ثلاث وثلاثون سنة على المعتمد. وقيل: الأشد ما بين ثمانية عشر عاما، إلى ثلاثين، وهو ما يفسر به في حق اليتيم في كثير من الآيات: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ الآية رقم [٣٤] من سورة (الإسراء). ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أي: يبقيكم؛ لتصيروا شيوخا. هذا؛ والأشد عند سيبويه جمع، واحده شدّة. وقال الكسائي: واحده شدّ، وزعم أبو عبيد: أنه لا واحد له من لفظه عند العرب. وفي القاموس: وهو جمع لا واحد له، أو هو واحد جاء على بناء الجمع.\n ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ:﴾ من قبل بلوغ الشيخوخة، أو بلوغ الأشد. ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ أي: الأجل المحتوم لانقضاء آجالكم، وأعماركم. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: ولكي تعقلوا، وتفهموا دلائل قدرته تعالى، وتؤمنوا بأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، وانظر شرح:\n ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٦٧] من سورة (الصافات).\nقال الإمام الفخر: رتب الله تعالى عمر الإنسان على ثلاث مراتب: الطفولة، وبلوغ الأشد، والشيخوخة، وهذا ترتيب مطابق للعقل، فإن الإنسان في أول عمره يكون في النماء، والنشوء، وهو المسمى بالطفولة، إلى أن يبلغ إلى كمال النشوء من غير أن يحصل له ضعف، وهذا بلوغ الأشد، ثم يبدأ بالتراجع، ويبدأ فيه الضعف والنقص، وهذه مرتبة الشيخوخة. هذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (يس) رقم [٦٨]: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٥٤]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾. انظر شرح الآيتين في محالهما. هذا؛ وانظر شرح «الشيخ» في الآية رقم [٢٣] من سورة (القصص).\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ تُرابٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، تقديره: مبتدئا، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ،﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿يُخْرِجُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به. ﴿طِفْلًا:﴾ حال من الكاف، وهو مؤول بالجمع كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة","vol":"8","page":387},{"text":"الصلة، لا محل لها مثلها، والمضارع مؤول بالماضي للمناسبة. ﴿لِتَبْلُغُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَشُدَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: يبقيكم؛ لتبلغوا أشدكم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿لِتَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب مثل سابقه، والواو اسمه. ﴿شُيُوخًا:﴾ خبره، و﴿لِتَكُونُوا﴾ بعد التأويل معطوف على ما قبله، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف، التقدير:\nويبقيكم لتكونوا شيوخا، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَمِنْكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (منكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (الأحزاب)، فهو يشبه ما هنا. ﴿يُتَوَفّى:﴾\nفعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، والجملة الاسمية معترضة على اعتبار ما بعدها معطوفا على ما قبله، ومستأنفة على اعتباره متعلقا بمحذوف، التقدير: ويبقيكم؛ لتبلغوا أجلا، وهو معطوف على محذوف، التقدير: ويبقيكم؛ لتعيشوا؛ ولتبلغوا. ﴿أَجَلًا:﴾ مفعول به. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وهو يفيد أن (لعل) للتعليل.\n\n<span id=\"aya-4201\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: الله هو القادر على الإحياء، والإماتة، والإيجاد، والإعدام. ﴿فَإِذا قَضى أَمْرًا﴾ أي: أراد أمرا من الأمور. ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: احدث، فيحدث من غير كلفة، ولا معاناة مشقة، ولا تعب. وكل ذلك من كمال قدرته على الإحياء، والإماتة، والإيجاد والإعدام، وسائر ما ذكر من الأفعال الدالة على قدرته. وهذا تمثيل لكمال قدرته، وتصوير لسرعة وجودها من غير أن يكون هناك أمر ومأمور، فلا يحتاج في تكوين ما يريد إلى عدة، وتجشم كلفة. والفاء الأولى للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق، من حيث: إنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد، والمواد. ولا تنس الطباق بين ﴿يُحْيِي﴾ و(يميت).","vol":"8","page":388},{"text":"تنبيه: قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغنيه: قد يعبر بالفعل عن إرادته، وأكثر ما يكون بعد أداة الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ رقم [٩٨] من سورة (النحل)، و﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ رقم [٦] من سورة (المائدة)، ﴿وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ذكرت هذه الآية في كثير من السور، و﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ رقم [٤٢] من سورة (المائدة)، و﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ رقم [١٢٦] من سورة (النحل)، ﴿إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ رقم [٩] من سورة (المجادلة)، و﴿إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا..﴾. إلخ رقم [١٢] من سورة (المجادلة)، وفي الحديث الصحيح قال الرسول ﷺ: «إذا أتى أحدكم الجمعة؛ فليغتسل». فهو يريد-رحمه الله تعالى-أن المعنى: إذا أردت القراءة؛ إذا أردتم القيام إلى الصلاة؛ إذا أراد قضاء أمر، إن أردت الحكم، إن أردتم العقاب؛ فعاقبوا؛ إذا أردتم المناجاة؛ فلا؛ إذا أردتم مناجاة الرسول؛ إذا أردتم الطلاق؛ إذا أراد أحدكم إتيان الجمعة؛ فليغتسل.\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿يُحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف للتعميم، التقدير: يحيي الأموات، ويميت الأحياء. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إذا): انظر الآية رقم [١٢]. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الموصول. ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَقُولُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية (إنما) ... إلخ جواب (إذا) لا محل لها من الإعراب، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على الجمل الاسمية قبله، لا محل له مثلها. ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (يكون) تام، وفاعله يعود إلى: ﴿أَمْرًا،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو يكون، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، وهذا القول يعزى لسيبويه.\nوقيل: إنّ (يكون) معطوف على ﴿يَقُولُ﴾ وهو يعزى للزجاج، والطبري. وقيل: هو معطوف على (كن) من حيث المعنى، وهو قول الفارسي. انتهى. جمل من سورة (البقرة). هذا؛ وقرأ ابن عامر بالنصب على أن الفعل منصوب، ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية. وضعّفه أبو البقاء.\nوأقول: لا يمكن سبك مصدر من: «أن» المضمرة، والفعل المضارع، وعطفه على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ لا يقال: يقول له: ليكن حدوث فحدوث. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\nوهذا التركيب ذكر في سورة (البقرة) رقم [١١٧]، وفي سورة (آل عمران) رقم [٤٧]، وفي سورة (مريم) رقم [٣٥]، وفي سورة (النحل) رقم [٤٠].","vol":"8","page":389},{"text":"<span id=\"aya-4202\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ ألم تنظر نظر تبصر واعتبار. ﴿إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ:﴾ في القرآن ﴿أَنّى يُصْرَفُونَ﴾ كيف يجادلون فيه، ويصرفون عنه، فلم يهتدوا به؟! فهو تعجيب من أحوالهم الشنيعة، وآرائهم الركيكة، وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل القرآن، وبسائر الكتب، والشرائع، وترتيب الوعيد على ذلك، كما أن ما سبق من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ بيان لابتناء جدالهم على معنى فاسد، لا يكاد يدخل تحت الوجود، فلا تكرار فيه؛ أي: انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آيات الله الواضحة الموجبة للإيمان بها، الزاجرة عن الجدال فيها؛ كيف يصرفون عنها بالكلية. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود.\nوقال النسفي: ذكر الجدال في هذه السورة في ثلاثة مواضع، فجاز أن يكون في ثلاثة أقوام، أو ثلاثة أصناف، أو للتأكيد. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وانظر تقدير المصدر في الشرح. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يُجادِلُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام بمعنى: «كيف؟» مبني على السكون في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرتها للمكان-كما هو أصل معناها-فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بما بعدها، ويكون المعنى: فأين تصرفون؟ ﴿يُصْرَفُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-4203\"></span>﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ﴾ أي: بالقرآن، أو بجنس الكتب السماوية. ﴿وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا:﴾ من سائر الكتب، أو الوحي، أو الشرائع. وانظر شرح (الرسل) في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ:﴾ فيه تهديد شديد ووعيد أكيد من الله تعالى لهؤلاء المكذبين، كما قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. هذا؛ وصيغة الماضي للدلالة على التحقق، كما أن صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على تجدد المجادلة، وتكرارها.","vol":"8","page":390},{"text":"تنبيه: قال أكثر المفسرين: نزلت الآية في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية؛ فلا أدري فيمن نزلت؟! وقال أبو قبيل: لا أحسب المكذبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر﵁-: قال النبي ﷺ: «نزلت هذه الآية في القدرية». ذكره المهدوي. انتهى. قرطبي. وهل وجدت طائفة القدرية في عهد النبي ﷺ؟ وهذا مما يضعف هذا الحديث، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدلا من الموصول قبله، أو عطف بيان عليه، أو نعتا له، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، وعلى هذه الأوجه فجملة: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ مستأنفة سيقت للتمهيد، ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِالْكِتابِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَبِما:﴾ جار ومجرور معطوفان على قوله: ﴿بِالْكِتابِ﴾ و(ما):\nاسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (سوف): حرف تسويف واستقبال، وهي للتأكيد. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، وانظر محل الجملة فيما سبق.\n\n<span id=\"aya-4204\"></span><span id=\"aya-4205\"></span>﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ:﴾ ف: ﴿إِذِ﴾ بمعنى: «إذا» وهذا جواب عن اعتراض، حاصله: أن (سوف) للاستقبال، و﴿إِذِ﴾ للماضي، فهو مثل قولك: سوف أصوم أمس. ومحصل الجواب أن ﴿إِذِ﴾ هنا مستعملة في الاستقبال، مكان: «إذا»، وسوغ استعمالها أن هذا لما كان من أخبار الله تعالى، وهي مقطوع بوقوعها، فكأنها وقعت، فعبر فيها بما هو للماضي مع كون المعنى على الاستقبال، واستعمال ﴿إِذِ﴾ بمعنى: إذا هنا نظير عكسه في قوله تعالى في سورة (الجمعة):\n ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً..﴾. إلخ انتهى. من الخطيب. وهذا على اعتبار ﴿إِذِ﴾ ظرفا متعلقة بالفعل السابق، وأجاز السمين اعتباره مفعولا له. كما جوز أن تكون منصوبة ب: اذكر مقدرا؛ أي: اذكر لهم وقت ﴿الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ ليخافوا وينزجروا، فهذه ثلاثة أوجه، خيرها أوسطها. انتهى.\nجمل بتصرف. هذا؛ و﴿الْأَغْلالُ﴾ جمع غل، يقال: في رقبته غل من حديد، ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله: أن الغل كان يتخذ من جلد، وعليه شعر، فيقمل، والغل والغلة: حرارة العطش، وكل ذلك بضم الغين، وهو بكسرها بمعنى: الحقد، ورحم الله من يقول: [البسيط]","vol":"8","page":391},{"text":"يا طالب العيش في أمن وفي دعة... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق\nخلّص فؤادك من غلّ ومن حسد... الغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق\nهذا؛ وقال التيمي: لو أن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل؛ لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود. هذا؛ و(السلاسل) جمع: سلسلة، وهي معروفة. قال الراغب: وتسلسل الشيء:\nاضطرب، كأنه تصور منه تسلسل متردد فتردّد لفظه تنبيه على تردّد معناه. وماء سلسل: متردد في مقره. انتهى. وخذ قوله تعالى في سورة (الحاقة) في حقّ من يأخذ كتابه بشماله بعد أن يدعو بالثبور وعظائم الأمور: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ ﴿يُسْحَبُونَ:﴾\nيجرون بها في الحميم أي: في جهنم، قاله الجلال. وقال الخطيب: أي: الماء الحار، الذي يكسب الوجوه سوادا، والأعراض عارا، والأرواح عذابا، والأجسام نارا. وقال القرطبي: الحميم:\nالمتناهي في الحر. ﴿ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ أي: يطرحون فيها، فيكونون وقودا لها؛ قاله مجاهد.\nيقال: سجرت التنور، أي: أوقدته، وسجرته: ملأته، ومنه قوله تعالى في سورة (الطور): ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ أي: المملوء. فالمعنى على هذا: تملأ بهم النار. وقال الشاعر يصف وعلا: [المتقارب]\nإذا شاء طالع مسجورة... ترى حولها النّبع والسّمسما\nأي: عينا مملوءة. والمراد: أنه يعذبون بأنواع من العذاب، وينقلون من بعضها إلى بعض، كما قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ،﴾ وقال في سورة (الدخان):\n ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.\nالإعراب: ﴿إِذِ:﴾ ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ أو هو مفعول به ل: ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بهذا المقدر. ﴿الْأَغْلالُ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي أَعْناقِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذ) إليها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَالسَّلاسِلُ:﴾ معطوف على: ﴿الْأَغْلالُ﴾ عطف مفرد على مفرد، أو هو مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: السلاسل في أرجلهم، فيكون العطف عطف جملة على جملة مثلها. ﴿يُسْحَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية فيها ثلاثة أوجه:\nأحدها: الاستئناف. الثاني: أنها في محل رفع خبر: (السلاسل). الثالث: أنها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والتقدير على الأول: يسحبون بها. وعلى الثاني:\nمسحوبين بها. هذا؛ ويقرأ بنصب السلاسل، وفتح ياء يسحبون على أن: (السلاسل) مفعول به مقدم، وعليه: فالجملة الفعلية في محل نصب حال، لا غير.","vol":"8","page":392},{"text":"هذا؛ وقرئ بجر: (السلاسل). وهي قراءة شاذة، ووجهه: أنه محمول على المعنى؛ لأن المعنى: أعناقهم في الأغلال، والسلاسل، فيكون في الكلام قلب؛ لأن الأعناق هي التي توضع في الأغلال. ومثله: قولهم: عرضت الناقة على الحوض. وانظر رقم [٣٤] من سورة (الأحقاف) للكلام على القلب. وقال الزجاج: المعنى: وفي السلاسل يسحبون، وهذا يعني: أنه معطوف على الحميم. قال ابن الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير جائز. قال مكي: وهو لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض لا يتقدم على المعطوف عليه، لا يجوز: مررت؛ وزيد بعمرو، ويجوز في المرفوع، تقول: قام وزيد عمرو، ويبعد في المنصوب، لا يحسن: رأيت وزيدا عمرا، أقول: خذ قول حسان بن ثابت﵁في هجاء هند وزوجها أبي سفيان، وهو يؤيد العطف في المنصوب: [الكامل]\nلعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر\n ﴿فِي الْحَمِيمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: «يسجرون في النار» معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها.\n\n<span id=\"aya-4206\"></span><span id=\"aya-4207\"></span>﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: يقال لهم، ويقولون: ضلوا، والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وقد ذكرته لك مرارا. وانظر إعلال ﴿قِيلَ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (يس). ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ﴾. وهذا تقريع، وتوبيخ، والمراد: أين الأصنام، والمعبودات الباطلة التي كنتم تعبدونها من دون الله؟! ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أي: غابوا عنا فلم نرهم، وانظر شرح: (ضل) في الآية رقم [٧١] من سورة (الصافات). ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: بل تبين لنا: أنا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم، فإنهم ليسوا شيئا يعتد به، كقولك:\nحسبته شيئا فلم يكن، وليس هذا إنكارا لعبادة الأصنام، بل هو اعتراف بأنّ عبادتهم الأصنام كانت باطلة، فلم تغن عنهم شيئا. وقال بعض المفسرين: جحدوا عبادة الأصنام، وإنما فعلوا ذلك لحيرتهم واضطرابهم، وخذ قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٢٣]: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾. ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ:﴾ حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة، أو يضلهم عن آلهتهم؛ حتى لو تطالبوا؛ لم يتصادفوا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على","vol":"8","page":393},{"text":"الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُشْرِكُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: أين الذي كنتم تشركون به، والجملة الاسمية هذه في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ﴾. وانظر ما ذكرته في سورة (الصافات) رقم [٣٥] ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف؛ الذي رأيت تقديره، و(من) بيان لما أبهم في الموصول. و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، واسمه ضمير مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿نَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل تقديره:\n «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿نَكُنْ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَمْ نَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يضل الله الكافرين إضلالا مثل إضلال قومك. ﴿يُضِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿الْكافِرِينَ:﴾\nمفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من قول الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-4208\"></span>﴿ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ: أي: تقول لهم الملائكة: ذلكم العذاب بما كنتم تفرحون بالمعاصي. يقال لهم ذلك توبيخا؛ أي: إنما نزل بكم من العذاب ما نزل بسبب: أنكم كنتم تظهرون في الدنيا السرور بالمعصية، وكثرة المال، وكثرة الأولاد، والصحة، والمنصب، والجاه. وقيل: إن فرحهم بما عندهم: أنهم قالوا للرسل: نحن نعلم: أنا لا نبعث، ولا نعذب. وكذا قال مجاهد في قوله ﷿: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. رقم [٨٣] الآتية. ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ:﴾ قال مجاهد وغيره: أي:\nبما تبطرون، وتأشرون. هذا؛ وروى خالد عن ثور، عن معاذ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يبغض البذخين الفرحين، ويحبّ كلّ قلب حزين، ويبغض أهل بيت لحمين، ويبغض كل حبر سمين». فأما أهل بيت لحمين فالذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة، وأما الحبر السمين: فالمتحبر بعلمه، ولا يخبر بعلمه الناس، يعني: المستكثر من علمه،","vol":"8","page":394},{"text":"ولا ينتفع به الناس. ذكره الماوردي، وقد قيل في اللّحمين: إنهم الذين يكثرون أكل اللحم، ومنه قول عمر﵁-: اتقوا هذه المجازر، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر، ذكره المهدوي، والأول قول سفيان الثوري. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب، وأكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذم الله الفرح في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ سورة (القصص) رقم [٧٦]، وقوله جلت قدرته: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ رقم [١٠] من سورة (هود)، ولكنه مطلق فإذا قيد الفرح لم يكن ذمّا؛ لقوله تعالى في حق الشهداء رقم [١٧٠] من سورة (آل عمران):\n ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ، وقال سبحانه في سورة (يونس) رقم [٥٨]: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: برحمته، وجوده، وإحسانه. وقال تعالى في سورة (الروم) رقم [٤]: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾.\nالإعراب: ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي في الأصل في محل نصب مقول القول للقول الذي رأيت تقديره في الشرح. وإعراب ﴿كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ مثل إعراب: ﴿كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ بلا فارق بينهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(غير) مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه. ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في الإعراب، والتأويل، والتعليق، والتقدير بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-4209\"></span>﴿اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾\nتنبيه: لا أرى مزيدا للكلام في هذه الآية على ما ذكرته في الآية رقم [٧٢] من (الزمر) شرحا، وإعرابا، وهي في محل نصب مقول القول للقول الذي رأيت تقديره قبل الآية السابقة.\n<span id=\"aya-4210\"></span>﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أي: فاصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، فإن وعد الله بتعذيبهم كائن لا محالة، وهذا تسلية من الله لنبيه ﷺ، ووعد له بالنصر على أعدائه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥]. ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: من القتل، أو الأسر. وقد وقع ذلك في حياته ﷺ،","vol":"8","page":395},{"text":"فإن الله تعالى قد أقر عينه يوم بدر، ثم فتح الله عليه مكة، وسائر جزيرة العرب في حياته، ووعد أصحابه ملك كسرى، وقيصر على لسانه، وقد حقق الله ﷿ ذلك لأصحابه بعد وفاته ﷺ.\n ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ:﴾ قبل أن ترى تحقيق ذلك. ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ:﴾ يوم القيامة؛ أي: فننتقم منهم أشد الانتقام، ونحوه قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٤١]: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾.\nتنبيه: (إمّا): أصلها: إن ما «إن» الشرطية، و«ما» الزائدة، فأفادت التوكيد؛ لأن معنى «إن» في الأصل: الشك، فزال هذا المعنى بسبب «ما»؛ ولذا أكد الفعل بعدها بنون التوكيد الثقيلة.\nوذكر ابن هشام في المغني أن توكيد الفعل بعدها قريب من الواجب، وذكر آيات كثيرة؛ الفعل المضارع مؤكد فيها بنون التوكيد. وأضيف: أنه قرئ قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٢٦]:\n ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ بدون تأكيد الفعل بنون التوكيد.\nالإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا للكافرين في الآخرة؛ فاصبر على أذى قومك، وتأسّ بمن سلف قبلك من الأنبياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، والكلام مستأنف لا محل له على الوجهين المعتبرين بالفاء.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها. ﴿فَإِمّا:﴾\nالفاء: حرف عطف، وتفريع. (إمّا): (إن): حرف شرط جازم، و(ما): صلة. ﴿نُرِيَنَّكَ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿بَعْضَ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿نَعِدُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف وهو العائد؛ إذ التقدير: نعدهم إياه، والجملة هذه صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿نُرِيَنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فذاك حاصل، ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ:﴾\nمعطوف على نرينك، فهو مثله في إعرابه. ﴿فَإِلَيْنا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط المقدر قبل:\n ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. (إلينا): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية جواب للشرط المقدر قبل: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾.\nوهذا الكلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه لله تعالى-:\nويجوز أن يكون-أي: جملة (إلينا يرجعون) -جوابا لهما؛ أي: للشرطين: المذكور والمقدر،","vol":"8","page":396},{"text":"بمعنى: إن نعذبهم؛ في حياتك، أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب. ويدل على شدته الاقتصار بذكر الرجوع في هذا المعرض. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4211\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ:﴾ انظر تفصيل ذلك في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ أي: ذكرنا قصصهم، وأخبارهم في القرآن، وهم خمسة وعشرون، والباقي لم نقصهم عليك فيه. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٦٤]:\n ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾. ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ﴾ أي: ما صح وما استقام لرسول. وهذا التعبير: ﴿وَما يَنْبَغِي﴾ ﴿وَما كانَ﴾ ونحوهما معناه: الحظر، والمنع، لحظر الشيء، والحكم بأنه لا يجوز، كما في هذه الآية، وربما كان لامتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٦٠]: ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ وربما كان لامتناع العلم بامتناعه شرعا، كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٧٩]: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥١]: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ..﴾. إلخ. وربما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الفجر في الجماعة، ونحو ذلك.\n ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: أن يأتي بمعجزة إلا بأمر الله، وتقديره، فإن المعجزات عطايا قسمها بينهم على ما اقتضته حكمته، وإرادته كسائر القسم، ليس لأحد منهم اختيار في إيثار بعضها، والاستبداد بإتيان المقترح بها.\n ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي: قضاؤه وحكمه بنزول العذاب. ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: حكم بإنجاء المحق المطيع لربه، وتعذيب المبطل العاصي لخالقه، ورازقه. ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ:﴾\nالمعاندون للحق، السادرون في شهوات الغي بعد ظهور الآيات، الذين يجادلون بالباطل، ويقترحون المعجزات على سبيل التعنت، وكانوا طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن يفجر لهم في أرض مكة عيونا، وأنهارا. هذا؛ وختم الله هذه الآية بقوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ وختم آخر السورة بقوله: ﴿الْكافِرُونَ﴾ لأن الأول متصل بقوله: ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ ونقيض الحق، هو الباطل، والثاني متصل بإيمان غير نافع، ونقيض الإيمان الكفر.\nالمعنى الإجمالي للآية: إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: أنت كالرسل من قبلك، وقد ذكرنا حال بعضهم لك، ولم نذكر حال الباقين، وليس منهم أحد أعطاه الله آيات معجزات؛ إلا وقد جادله","vol":"8","page":397},{"text":"قومه، وكذبوه فيها، فصبروا. وكانوا أبدا يقترحون على أنبيائهم إظهار المعجزات الزائدة على ما أتوا به عنادا، وعبثا، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، والله سبحانه علم الصلاح في إظهار ما أظهروه دون غيره، ولم يقدح في نبوتهم، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة على ما أتيت به لمّا لم يكن إظهارها حاصلا؛ لا جرم لم تظهرها. انتهى.\nجمل نقلا من الخطيب.\nهذا؛ والقصص: تتبع الأثر، يقال: قص فلان أثر فلان؛ أي: تتبعه ليعرف أين ذهب؟ ومنه قوله تعالى حكاية عن قول أم موسى في سورة (القصص) رقم [١١]: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره، وإنما سميت الحكاية قصة؛ لأن الذي يقص الحديث، يذكر تلك القصة شيئا فشيئا. قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ رقم [١٠٠].\nتنبيه: لقد قص الله علينا من قصص الأنبياء، والمرسلين في كتابه المبين ما فيه عظة، وعبرة للمؤمنين، وأرشدنا إلى مواطن العظة، والعبرة في حياة كل رسول؛ لنقتدي بهم في سيرتهم العطرة، وأخلاقهم الطاهرة، وليكونوا مصابيح تضيء للناس طرق السعادة، والفلاح. قال تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ رقم [١١١] وقد ذكرت قصص الأنبياء في سور عديدة، فجاءت مكررة بحسب الظاهر، ولكن هذا التكرار له حكمته البالغة، وإشارته الدقيقة، فإنه يدل على إعجاز القرآن الكريم، وعلى أنه حقا كتاب منزل من عند الله.\nفإن أبلغ البلغاء، وأفصح الفصحاء يستحيل عليه إذا كتب قصة مرة واحدة أن يكتبها مرة أخرى بألفاظ غير الأولى مع المحافظة على متانة الأسلوب، وفصاحة الألفاظ، وبلاغة التعبير، ولا بد أن يرى الفرق بين الأسلوبين واضحا كل الوضوح، أما القرآن الكريم فقد تفنن في سرد القصص بنفس تلك الفصاحة، والبيان، والروعة، والإتقان، فجاءت القصة فيه مكررة معبرة عن معنى واحد، ولكن بألفاظ أخرى، وعبارات مختلفة، فسبحان القادر على كل شيء، الذي أنزل كتابه المعجز تبيانا لكل شيء، وهدى، ورحمة لقوم يؤمنون. انتهى. «النبوة والأنبياء» للصابوني. بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا:﴾ انظر الآية رقم [٣٤] فالإعراب لا يتغير. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة رسلا، والكاف في محل جر بالإضافة، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب الظاهر، والمتعارف عليه في مثل هذا التركيب، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور: ﴿مِنْهُمْ﴾","vol":"8","page":398},{"text":"مبتدأ، و﴿مِنْ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: فبعض الرسل من قصصنا، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ رقم [١١٠] من سورة (آل عمران) فعطف (أكثرهم) على (منهم) يؤيد أن معناه: بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني: لفظة: «بعضهم» وهذا ممّا يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث جمع: ليث، وهو السبع. لا ترام: لا تقصد. قمشت:\nجمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. هذا؛ وقد قال أبو البقاء: هذا الإعراب في هذه الآية فقط، وأجاز الوجه الأول، ولكنه اعتبر ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة ﴿رُسُلًا﴾ و﴿مِنْ﴾ فاعلا بالجار والمجرور، وبه قال الجمل نقلا من كرخي، والجملة الاسمية على ما قدمته من الإعراب في محل نصب صفة ﴿رُسُلًا،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قَصَصْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو: شخص قصصنا عليك ذكره. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: حرف عطف. (ما) نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِرَسُولٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ في محل رفع اسم كان، التقدير: وما كان لرسول الإتيان. ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ و(إذن:) مضاف. و(الله) مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وانظر سورة (الشورى) الآية رقم [٥١]. هذا؛ وقيل: الجار والمجرور:\n ﴿لِرَسُولٍ﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول في محل رفع اسمها المؤخر، والجار والمجرور: ﴿بِإِذْنِ﴾ استثناء من أعم الأحوال. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف.\n (إذا): انظر الآية رقم [١٢]. وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿قُضِيَ:﴾\nفعل ماض مبني للمجهول. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. وقيل: نائب الفاعل مستتر، تقديره: «هو» أي: الأمر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، ﴿وَخَسِرَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية وهو مستعار للزمانية هنا، وقال السمين: لا يحتاج لهذا؛ بل يصح إبقاؤه على أصله. انتهى. متعلق بالفعل قبله، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْمُبْطِلُونَ:﴾ فاعل: (خسر) مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها مثله.","vol":"8","page":399},{"text":"<span id=\"aya-4212\"></span>﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ:﴾ خلق، وسخر، وانظر الآية رقم [٦١]. و﴿الْأَنْعامَ:﴾ المراد بها ما يؤكل من الحيوانات، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، فمنها ما يركب، ومنها ما يؤكل، فالإبل تركب، وتؤكل، ويحمل عليها الأثقال في الأسفار، والترحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة. والبقر تؤكل، ويشرب لبنها، وتحرث عليها الأرض. والغنم تؤكل، ويشرب لبنها.\nوالجميع تجز أصوافها، وأشعارها، وأوبارها، فيتخذ منها الأثاث، والثياب، والأمتعة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧١] من سورة (يس) وما بعدها، فالبحث هناك ضاف كاف.\nالإعراب: ﴿اللهُ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾.\n ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَنْعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِتَرْكَبُوا:﴾\nفعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. (منها): متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، التقدير: «جعل لكم الأنعام مسخرة للركوب». ﴿وَمِنْها:﴾\nالواو: حرف عطف. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهو في المعنى معطوف على قوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها﴾ إذ المعنى جعل الأنعام للركوب، وللأكل منها. وخذ ما يلي:\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم قال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها﴾ ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها﴾ ولم يقل: لتأكلوا منها، ولتصلوا إلى منافع؟ أو: هلا قال: منها تركبون، ومنها تأكلون، وتبلغون عليها حاجة في صدوركم؟ قلت: في الركوب في الحج، والغزو، وفي بلوغ الحاجة الهجرة من بلد إلى بلد؛ لإقامة دين، أو طلب علم، وهذه أغراض دينية، إما واجبة، أو مندوب إليها، مما يتعلق به إرادة الحكيم، وأما الأكل، وإصابة المنافع؛ فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به إرادته. انتهى.\nوقد رد على الزمخشري المعلق على الكشاف بقوله: والجواب الصحيح: أن المقصود المهم من الأنعام، والمنفعة المشهورة فيها إنما هي الركوب، وبلوغ الحوائج عليها بواسطة الأسفار، والانتقال في ابتغاء الأوطار، فلذلك ذكرهما هنا مقرونين باللام، الدالة على التعليل والغرض، وأما الأكل، وبقية المنافع، كالأصواف، والأوبار، والألبان، وما يجري مجراها؛ فهي؛ وإن كانت حاصلة منها؛ فغير خاصة بها خصوص الركوب، والحمل، وتوابع ذلك، بل","vol":"8","page":400},{"text":"الأكل بالغنم خصوصا الضأن أشهر، فلذلك اختيرت الضحايا منها على الغنم، فلذلك جردت هذه المنافع بالإخبار عن وجودها فيها غير مقرونة بما يدل على أنها المقصود. انتهى.\n\n<span id=\"aya-4213\"></span>﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ أي: في الأنعام منافع، وهو ما ذكر من الأصواف، والأشعار، والألبان، والنسل، وغير ذلك. ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: ما ذكر من حمل الأثقال، والتنقل في الأسفار. هذا؛ و﴿حاجَةً﴾ هي ما يحتاج إليه. وتجمع على: حاج، وحوج (بوزن عنب) وحوائج على غير قياس، وحاجات، قال الشاعر: [الطويل]\nأرى الدّهر إلاّ منجنونا بأهله... وما صاحب الحاجات إلاّ معذّبا\nوهذا هو الشاهد رقم [١١٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» و«المنجنون» الدولاب الذي يستقى عليه. و: «الدهر»: الزمان. ﴿وَعَلَيْها:﴾ على الأنعام. ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ:﴾ الحمل على الأنعام في البر، والحمل على الفلك في البحر، وإنما قال (على الفلك) ولم يقل: في الفلك؛ للمزاوجة؛ أي: للمشاكلة، وتغيير النظم في الأكل؛ لأنه في حيز الضرورة. وقيل: لأنه يقصد به التعيش، والتلّذذ. والركوب، والمسافرة عليها قد يكونان لأغراض دينية واجبة ومندوبة، أو للفرق بين العين والمنفعة. انتهى. بيضاوي. وقال الجمل نقلا من أبي السعود:\nفالجواب: أن كلمة (على) للاستعلاء، والشيء الذي يوضع على الفلك، كما يصح أن يقال:\nوضع فيه؛ صح أن يقال: وضع عليه. ولما صح الوجهان، كانت لفظة: (على) أولى، حتى تتم المزاوجة في قوله: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو هما متعلقان ب: ﴿مَنافِعُ﴾ بعدهما. ﴿مَنافِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في المعنى؛ إذ المعنى: ولتنتفعوا بها.\n ﴿وَلِتَبْلُغُوا:﴾ معطوف على ﴿لِتَرْكَبُوا﴾ وهو مثله في الإعراب، والتأويل، والتقدير. ﴿عَلَيْها:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حاجَةً:﴾ مفعول به. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حاجَةً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. (عليها): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿تُحْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو في المعنى معطوف على ما قبله؛ إذ المعنى: ولتبلغوا عليها... ولتحملوا عليها وعلى الفلك.","vol":"8","page":401},{"text":"<span id=\"aya-4214\"></span>﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾\nالشرح: ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ:﴾ دلائله الدالة على كمال قدرته، وفرط رحمته، والمراد: ما ذكر في الأرض، والسماء، وفي الأنفس من دلائل قدرته. ﴿فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ أي: فأي آية من تلك الآيات تنكرون؟ فإنها لظهورها، ووضوح أمرها لا تقبل الإنكار. هذا؛ وقال الجلال:\nوتذكير (أي): أشهر من تأنيثه. انتهى. فلذلك لم يقل: فأية آيات الله؟ لأن التفرقة بين المذكر، والمؤنث في الأسماء الجامدة نحو: حمار، وحمارة غريب، وهي في: (أي) أغرب لإبهامها. انتهى. نقلا من أبي السعود. هذا؛ وقد ورد تأنيثها كثيرا، ومنه قول الكميت وهو الشاهد رقم [١] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nبأيّ كتاب، أم بأيّة سنة... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب\nالإعراب: ﴿وَيُرِيكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يريكم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول، والفعل معطوف على ما قبله في المعنى؛ إذ المعنى: وليريكم. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَيَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أيّ): مفعول به مقدم، و(أيّ): مضاف، و﴿آياتِ:﴾ مضاف إليه، و﴿آياتِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿تُنْكِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-4215\"></span>﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: لا أرى حاجة ماسة للمزيد من الكلام على هذه الآية بأكثر مما ذكرته في الآية رقم [٢١] من هذه السورة. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: فلم ينفعهم ما جمعوه من الأموال، وما شيدوه من الدور، والقصور، والقلاع، والحصون شيئا، ولا دفع عنهم العذاب فتيلا.\nالإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على مقدر. أي: أعجزوا فلم... إلخ، (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، أو هو منصوب على اعتبارها","vol":"8","page":402},{"text":"للسببية، و«أن» مضمرة بعدها، وعلامة جزمه، أو نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا يؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، ويكون التقدير: فهلاّ حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم؟! هذا؛ ومثل هذه الآية في جواز اعتبار الفعل مجزوما، أو منصوبا بعد الفاء قول زهير بن أبي سلمى المزني، وهو الشاهد رقم (١٦٧) من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nومن لا يقدّم رجله مطمئنّة... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق\n ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل ﴿كانَ﴾ وهي بمعنى: حدث، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَكْثَرَ:﴾\nخبر (كان). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَكْثَرَ،﴾ وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَشَدَّ:﴾ معطوف على: ﴿أَكْثَرَ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز. (آثارا): معطوف على ﴿قُوَّةً﴾ أو هو على تقدير: أكثر آثارا، والمعنى: يؤيده. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آثارا). ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين: مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ما أغنى عنهم الذي، أو:\nشيء كانوا يكسبونه. وعلى اعتبار ﴿فَما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ما أغنى عنهم كسبهم. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿فَما﴾ استفهامية في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: أي شيء أغنى... إلخ؟ ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، وجملة:\n ﴿يَكْسِبُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان).\n\n<span id=\"aya-4216\"></span>﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ:﴾ بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات.\n ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ:﴾ يريد الله علمهم بأمور الدنيا، ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى","vol":"8","page":403},{"text":"في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات، وهي أبعد شيء من علمهم، لبعثها على رفض الدنيا، والظلف عن الملاذ، والشهوات؛ لم يلتفتوا إليها، وصغروها، واستهزؤوا بها، واعتقدوا: أنه لا علم أنفع، وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به. أو علم الفلاسفة، والدهريين، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله؛ دفعوه، وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم، وعن سقراط: أنه سمع بموسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل له: لو هاجرت إليه، فقال: نحن قوم مهذبون، فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. أو المراد: فرحوا بما عند الرسل من العلم، فرح ضحك منه، واستهزاء به، كأنه قال: استهزؤوا بالبينات، وبما جاؤوا به من علم الوحي فرحين مرحين، ويدل عليه قوله: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾. أو الفرح للرسل؛ أي: الرسل لما رأوا جهلهم، واستهزائهم بالحق، وعلموا سوء عاقبتهم، وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم فرحوا بما أوتوا من العلم، وشكروا الله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم، واستهزائهم. انتهى. نسفي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥] الآتية.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة فن التهكم، وهو في اصطلاح البيانيين: الاستهزاء، والسخرية من المتكبرين لمخاطبتهم بلفظ الإجلال في موضع التحقير، والبشارة في موضع التحذير، والوعد في موضع الوعيد، والعلم في موضع الجهل، تهاونا من القائل بالمقول له، واستهزاء به، قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ الآية رقم [٦٦] من سورة (النمل)، وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون:\nلا نبعث، ولا نعذب، وفي قوله تعالى حكاية عن قول الكافر المنكر للحساب، والجزاء، والبعث رقم [٥٠] من سورة (فصلت): ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى،﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ رقم [٣٦] من سورة (الكهف). وكانوا يفرحون بذلك، ويدفعون به البينات، وعلم الأنبياء، وهذا صريح قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ رقم [٥٣] من سورة (المؤمنون)، وما أحسن قول الحماسي: [الوافر]\nأتاني من أبي أنس وعيد... فثلّ تغيّظ الضّحاك جسمي\nثل: أهلك، والتغيظ: الغيظ، والحنق، والغضب، وكنى عن أبي أنس بالضحاك، الذي كان ملكا قصدا للسخرية، والاستهزاء به.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُهُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة","vol":"8","page":404},{"text":"(لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿فَرِحُوا:﴾\nماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عِنْدَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على ما قبله. (حاق): فعل ماض ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَلَمّا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما: ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان).\n\n<span id=\"aya-4217\"></span>﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا رَأَوْا﴾ أي: أبصر، ورأى الأقوام الذين كذبوا الرسل. ﴿بَأْسَنا﴾ أي:\nالعذاب الشديد، وعاينوا أهواله، ومقدماته، كالذي حصل من قوم صالح، وهود، والذي حصل من فرعون عند معاينة الغرق. ﴿قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ:﴾ لا شريك له. ﴿وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ:﴾ مع الله، والمراد: كفرهم بالأصنام التي عبدوها طوال حياتهم؛ حيث تبين: أنها لم تنفعهم شيئا. ولم تغن عنهم من الله شيئا. هذا؛ وإعلال: ﴿رَأَوْا﴾ مثل إعلال (نادوا) من سورة (ص) رقم [٣].\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿رَأَوْا:﴾ ماض مبني على الفتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، وقل في الجملة الفعلية ما رأيته في الآية السابقة قبلها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿وَحْدَهُ:﴾ حال من لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، وساغ ذلك لتأويله ب: «منفردا»، وجملة: ﴿آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على ما قبله. (كفرنا): فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على","vol":"8","page":405},{"text":"السكون، و(نا): اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُشْرِكِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا بِهِ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَكَفَرْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-4218\"></span>﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ: أي: فلم يكن ينفعهم الإيمان حين شاهدوا العذاب، أو شاهدوا مقدماته، وأهواله. ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ أي: إن سنة الله قد جرت في الأمم الخالية بعدم قبول الإيمان عند معاينة العذاب. ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ:﴾ الكافرون خاسرون في كل وقت، ولكن خسارتهم أكبر، وندامتهم أعظم، وخيبتهم أشد عند معاينة العذاب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٨]. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٢]: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا،﴾ وقال في سورة (الإسراء) رقم [٧٧]: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾. هذا؛ والبأس: العذاب الشديد. والبأس: شدة الحرب. قال تعالى في حق المنافقين في سورة (الأحزاب) رقم [١٨]: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ ومؤنثه: البأساء. وتفسر بالجوع، والفقر. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٧]: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. هذا؛ والبؤس (بضم الباء) المكروه، والضيق، ومؤنثه البؤسى. هذا؛ وضد البأساء: النعماء، وضد البؤسى:\nالنعمى، وضد البأس: الخير بأنواعه. و﴿خَلَتْ:﴾ أصله: خلا، فلما اتصلت به تاء التأنيث، صار خلات، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. وانظر شرح (السنة) في الآية رقم [٦٢]: من سورة (الأحزاب).\nتنبيه: وفائدة ترادف الفاآت في هذه الآيات: أن ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ نتيجة قوله: (كانوا أكثر منهم)، و﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ كالبيان، والتفسير لقوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ كقولك: رزق زيد المال، فمنع المعروف، فلما يحسن إلى الفقراء. ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ تابع لقوله: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ﴾ كأنه قال: فكفروا ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ آمنوا. وكذلك ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ﴾ تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله. والله أعلم. انتهى. نسفي.\nوقال الجمل نقلا من أبي السعود: الأولى لبيان عاقبة كثرتهم، وشدة قوتهم؛ أي: إن عاقبتها خلاف وضد ما كانوا يؤملونه منها، وهو نفعها، فلم يترتب عليها، بل ترتب عدمه، كقولك: وعظته، فلم يتعظ. والثانية تفسير وتفصيل ما أجمل وأبهم من عدم الإغناء. والثالثة لمجرد التعقيب، وجعل ما بعدها تابعا لما قبلها، واقعا عقيبه؛ لأن مضمون قوله: ﴿فَلَمّا﴾","vol":"8","page":406},{"text":"جاءَتْهُمْ... إلخ: أنهم كفروا، فكأنه قيل: فكفروا، ثم لما رأوا بأسنا؛ آمنوا. والرابعة للعطف على «آمنوا» كأنه قيل: فآمنوا، فلم ينفعهم؛ لأن النافع هو الإيمان الاختياري. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو الفاآت كلها للعطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة، كما رأيت في الآية رقم [٢٨]. ﴿يَنْفَعُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به.\n ﴿إِيمانُهُمْ:﴾ يجوز أن يكون اسما ل: (كان)، وفاعل ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ ضمير مستتر يعود إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿يَكُ﴾ تقدم عليه. ويجوز أن يرتفع بأنه فاعل ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ وفي (كان) ضمير الشأن، وأنه لا يكون من باب التنازع. انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول: ما المانع من اعتباره من باب التنازع؟ كما رأيت في الآية رقم [٢٢]؟ هذا؛ وقد أحال الجمل على قوله تعالى: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ،﴾ رقم [١٣٧] من سورة (الأعراف)، والذي ذكره في هذه الآية أربعة أوجه:\nأحدها: ما ذكرته من التنازع. الثاني: أن اسم (كان) ضمير عائد على (ما) الموصولة، و(يصنع) مسند لفرعون، والجملة خبر (كان) والعائد محذوف، التقدير: ودمرنا الذي كان هو يصنعه فرعون. الثالث: أن تكون (كان) زائدة، و(ما) مصدرية. والتقدير: ما يصنع فرعون؛ أي: صنعه. قال الجمل: وينبغي أن يجيء هذا الوجه أيضا وإن كانت (ما) موصولة اسمية على أن العائد محذوف، تقديره: ودمرنا الذي يصنعه فرعون. الرابع: أن (ما) مصدرية أيضا، و(كان) ليست زائدة، بل ناقصة، واسمها ضمير الشأن والأمر، والجملة من قوله: ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ خبر (كان)، فهي مفسرة للضمير. انتهى. جمل هناك.\nهذا؛ وأرى: أن الآية هنا وفي رقم [٢٢] لا تشاكلان آية (الأعراف) ألبتة؛ لأنها ذكر فيها (ما) قبل الفعل، وهي موصولة، أو مصدرية، كما هو ظاهر، ولم تذكر في الآيتين في هذه السورة وهذا بون جدير بالاعتبار للتفريق بين ما هنا، وهناك. هذا؛ والهاء مع الفعل في محل نصب مفعول به، ومع الاسم في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: (ينفع). ﴿رَأَوْا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها.\n ﴿سُنَّتَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف؛ أي: سن الله ذلك سنة، و﴿سُنَّتَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في","vol":"8","page":407},{"text":"محل نصب صفة ﴿سُنَّتَ اللهِ﴾. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿الَّتِي﴾ هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي عِبادِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والكلام:\n ﴿سُنَّتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل له. ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ في الآية رقم [٧٨] وهي هنا مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من ﴿عِبادِهِ﴾ والرابط: الواو فقط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (غافر) بحمد الله وتوفيقه\nتفسيرا وإعرابا.","vol":"8","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3843>سورة فصّلت</span>\nسورة (فصلت) أو سورة: (حم السجدة)، والأول أولى؛ لتتميّز عن السورة المسماة ب: (السجدة) فقط، كما تسمى سورة (المصابيح) وهي مكية في قول الجميع، وهي أربع وخمسون آية، وسبعمئة وست وتسعون كلمة، وثلاثة آلاف، وثلاثمئة وخمسون حرفا، وانظر الكلام على الحواميم في أول سورة (غافر)، ففيه الكفاية.\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4219\"></span><span id=\"aya-4220\"></span>﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾\nالشرح: ﴿حم:﴾ انظر شرحه في أول سورة (غافر). وانظر شرح ﴿تَنْزِيلٌ﴾ في الزمر رقم [١]. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ إنما خصّ هذان الوصفان بالذكر؛ لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى المحتاجين للدواء، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النفع من الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشئ عن رحمته، واللطف بخلقه. انتهى. جمل نقلا من الخطيب.\nأقول: وإطلاق لفظ الوصف على الاسمين الكريمين ليس مسلما؛ لأنهما من الأسماء الحسنى بلا ريب، وهما في حقه ﷾ بمعنى: المحسن، أو مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى: المحسن بجلائل النعم، والثاني: بمعنى: المحسن بدقائق النعم، وإنما جمع بينهما هنا وفي البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم الجليلة، وقد يوصف بالرحيم: المخلوقون، وأما الرحمن؛ فلا يسمى به إلا الله تعالى، ومن أطلقه على مسيلمة الكذاب فقد تعنت حيث قال فيه: [البسيط]\nوأنت غيث الورى لا زلت رحمانا\nالإعراب: ﴿حم:﴾ انظر ما ذكرته من أوجه إعرابه في الآية رقم [١] من سورة (غافر).\n ﴿تَنْزِيلٌ:﴾ مبتدأ. وخبره ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ..﴾. إلخ، وهذا عند البصريين، وساغ الابتداء به لوصفه بما بعده. وقال الفراء: يجوز أن يكون رفعه على إضمار: هذا؛ أي: إنه خبر لمبتدأ محذوف.\nوقيل: هو مبتدأ آخر، و﴿كِتابٌ﴾ خبره، وسوغ الابتداء به، وهو نكرة وصفه بما بعده، أو هو","vol":"8","page":409},{"text":"خبر عن ﴿حم؛﴾ لأنه يراد به السورة وبعض القرآن، و﴿تَنْزِيلٌ﴾ بمعنى: منزل. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ﴾ متعلقان ب: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿الرَّحِيمِ:﴾ بدل مما قبله.\n\n<span id=\"aya-4221\"></span>﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿كِتابٌ:﴾ المراد به: القرآن العظيم، وانظر شرحه في أول سورة (الزمر). ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ:﴾ بينات، وفسرت. وقال البيضاوي: ميزت باعتبار اللفظ، والمعنى، وفي الخطيب: فصلت آياته؛ أي: ميزت، وجعلت تفاصيل في معان مختلفة، فبعضها وصف ذات الله تعالى، وصفات التنزيه، والتقديس، وشرح كمال قدرته، وعلمه، وحكمته، ورحمته، وعجائب أحوال خلقه من السموات، والكواكب، وتعاقب الليل، والنهار، وعجائب أحوال النبات، والحيوان، والإنسان.\nوبعضها في المواعظ، والنصائح، وبعضها في تهذيب الأخلاق، ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، وتواريخ الماضين، وبالجملة فمن أنصف؛ علم: أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل ما في القرآن. انتهى. جمل.\n ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا:﴾ اختلف هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء بغير العربية، فأنكر أبو عبيدة على من يقول ذلك أشد النكير، وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة: أن فيه من غير العربية، مثل: (سجّيل، والمشكاة، واليمّ، وإستبرق)، ونحو ذلك. وهذا هو الصحيح المختار؛ لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيدة بلسان العرب، وكلا القولين صواب، إن شاء الله تعالى. وجه الجمع بينهما: أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم بسهولة؛ صارت عربية فصيحة، وإن كانت غير عربية في الأصل، وانظر شرح القرآن في سورة (الزمر) رقم [٢٧]. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي:\nأن القرآن منزل من عند الله، أو يعلمون: أن الله إله واحد في التوارة، والإنجيل، أو يعلمون العربية، فيعجزون عن مثله، ولو كان غير عربي؛ لما علموه. انتهى. قرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿كِتابٌ:﴾ بدل من: ﴿تَنْزِيلٌ،﴾ أو خبر بعد خبر، أو خبر عن ﴿تَنْزِيلٌ،﴾ أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا كتاب. ﴿فُصِّلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿آياتُهُ:﴾ نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿كِتابٌ﴾. ﴿قُرْآنًا:﴾ حال من: ﴿كِتابٌ﴾ وساغ ذلك لوصفه بالجملة الفعلية، أو حال من: ﴿آياتُهُ،﴾ وهي حال إما مقصودة و﴿عَرَبِيًّا﴾ صفة لها، أو حال منها، أو حال أخرى من:\n ﴿كِتابٌ﴾ أو هو حال موطئة، و﴿عَرَبِيًّا﴾ هي الحال المقصودة. انتهى. جمل. وقال القرطبي:\nفي نصبه وجوه. قال الأخفش: هو نصب على المدح. وقيل: هو على إضمار فعل؛ أي: اذكر قرآنا عربيا. وقيل: على إعادة الفعل؛ أي: فصلنا قرآنا عربيا. وقيل: على حال؛ أي: فصّلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا. انتهى. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فُصِّلَتْ،﴾ أو","vol":"8","page":410},{"text":"ب: ﴿تَنْزِيلٌ﴾. وقال الزمخشري: والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده. انتهى. وجملة:\n ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر صفة: ل: (قوم)، وانظر تقدير المفعول في الشرح.\n\n<span id=\"aya-4222\"></span>﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿بَشِيرًا:﴾ للمؤمنين العاملين بطاعة الله. ﴿وَنَذِيرًا:﴾ للكافرين، والفاسقين المخالفين لأوامر الله، المنتهكين حرماته. ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أعرض أكثر قريش عن تدبر القرآن، وقبوله. ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ:﴾ سماع تأمل وطاعة، وسماع قبول، وانتفاع. هذا؛ والفعل:\n ﴿يَسْمَعُونَ﴾ من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك:\nسمعت رجلا يقول كذا. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿بَشِيرًا﴾ و(نذيرا).\nالإعراب: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا:﴾ حالان من ﴿آياتُهُ﴾. وقيل: من ﴿كِتابٌ﴾. وقيل: من الضمير المنوي في ﴿قُرْآنًا﴾ والعامل فيه: ﴿فُصِّلَتْ﴾. وقيل: هما نعتان ل: ﴿قُرْآنًا﴾. هذا؛ وقرأ زيد بن علي برفعهما على النعت ل: ﴿كِتابٌ،﴾ أو على أنه خبر ابتداء مضمر؛ أي: هو بشير، ونذير، وهي قراءة شاذة بلا ريب. ﴿فَأَعْرَضَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أعرض): فعل ماض.\n ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فُصِّلَتْ..﴾. إلخ. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومتسببة عنها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأكرم.\n<span id=\"aya-4223\"></span>﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ:﴾ ﴿أَكِنَّةٍ﴾ جمع كنان وهو الغطاء، وهو الوعاء الجامع المحيط بالشيء، وهو غير الكن (بكسر الكاف) فإنه يجمع على:\nأكنان، كما في قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٨١]: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا﴾. والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ يعود إلى التوحيد المفهوم من المقام. وقال الجمل:\nقالوا ذلك عند دعوته إياهم إلى القرآن، والعمل بما فيه. انتهى. فيكون الضمير قد عاد إلى مذكور.","vol":"8","page":411},{"text":"﴿وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ أي: صمم، وأصله: الثقل، وقرئ بكسر الواو. هذا؛ وفي سورة (الأنعام) رقم [٢٥] وأيضا في سورة (الإسراء) رقم [٤٦] قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾. وفي سورة (الكهف) رقم [٥٧]: ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾.\n ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ:﴾ مانع يمنع من قبول ما تدعونا إليه، وهذا المانع هو الخلاف في الدين. وقيل: إن أبا جهل-لعنه الله-غطى رأسه بثوب، وقال: يا محمد! بيننا وبينك حجاب.\nاستهزاء منه بالنبي ﷺ، و(من) للدلالة على أن الحجاب مبتدأ منهم، ومنه بحيث استوعب المسافة المتوسطة بين الفريقين، ولم يبق فراغ. والمقصود المبالغة بالتباين المفرط، فلذلك جيء ب: (من) وهذا كله تمثيل لنبو قلوبهم عن تقبل الحق، واعتقاده، كأنها في غلف، وأغطية، تمنع من نفوذه فيها، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما عنه، ولتباعد المذهبين، والدينين، كأن بينهم وما هم عليه وبين رسول الله ﷺ، وما هو عليه حجابا ساترا، وحاجزا منيعا من جبل، ونحوه، فلا تلاقي، ولا ترائي. هذا؛ وفي كل ذلك استعارة تصريحية، ليس هناك على الحقيقة شيء مما قالوه، وإنما أخرجوا هذا الكلام مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه من قوارع القرآن، وجوامع البيان، فكأنهم من شدة الكراهية له قد صمّت أسماعهم عن فهمه، وقلوبهم عن علمه.\n ﴿فَاعْمَلْ﴾ أي: على طريقتك، واستمر على دينك. ﴿إِنَّنا عامِلُونَ:﴾ ثابتون على طريقتنا مستمرون على ديننا. وقيل: المعنى: اعمل في هلاكنا، فإنا عاملون في هلاكك. وقيل:\nالمعنى: فاعمل في إبطال أمرنا، فإننا عاملون في إبطال أمرك. وهو تهديد منهم للنبي ﷺ.\nوانظر تهديد الله، ووعيده لهم في الآية رقم [٣٩] من سورة (الزمر) وما يشار إليه فيها.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿قُلُوبُنا:﴾ مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فِي أَكِنَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَكِنَّةٍ﴾ حملا على المعنى؛ لأن معنى ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾ محجوبة عن سماع ما تدعونا إليه، ولا يجوز أن يكون نعتا ل: ﴿أَكِنَّةٍ﴾ فإن الأكنة الأغشية، وليست الأغشية مما تدعونا إليه. انتهى. أبو البقاء. وفي زاده: في الكلام حذف. تقديره: قلوبنا في أكنة تمنعنا من فهم ما تدعونا إليه. فحذف المضاف. انتهى. جمل. ﴿تَدْعُونا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعوله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور ب: (إلى)، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أعرض...) إلخ.\n ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (في آذاننا): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَقْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. (من بيننا): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(نا):\nفي محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة.","vol":"8","page":412},{"text":"﴿حِجابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَاعْمَلْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اعمل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فاعمل... إلخ. ﴿آذانِنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها ﴿عامِلُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية، تعليل للأمر، والكلام كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4224\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاِسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾\nالشرح: أي: قل يا محمد لأولئك المشركين: لست إلا بشرا مثلكم خصني الله بالرسالة، والوحي، وأنا داع لكم إلى توحيد خالقكم، وموجدكم؛ الذي قامت الأدلة العقلية والشرعية على وحدانيته، ووجوده، فلا داعي إلى تكذيبي. هذا؛ وفي النسفي تبعا للزمخشري: هذا جواب لقولهم: قلوبنا في أكنة، ووجهه: أنه قال لهم: إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم، وقد أوحي إلي دونكم، فصحت نبوتي بالوحي إليّ، وأنا بشر، وإذا صحت نبوتي؛ وجب عليكم اتباعي. وفيما يوحى إليّ: أن إلهكم إله واحد. وهذا الكلام مذكور بحروفه في آخر سورة (الكهف).\n ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ أي: توجهوا إلى الله بالتوحيد، وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا، ولا شمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من اتخاذ الأولياء، والشفعاء، واطلبوا حوائجكم منه وحده، وتوجهوا بالدعاء له، وانظر الاستقامة في الآية رقم [٣٠] الآتية.\n ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: من ذنوبكم، وشرككم. ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ:﴾ من فرط جهالتهم، واستخفافهم بالله؛ حيث اتخذوا له ندا من الحجارة، ونحوها.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة.\n ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة ﴿بَشَرٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وهذه الإضافة لم تفده تعريفا، فلذا نعتت النكرة به. ﴿يُوحى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿إِلهُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره.\n ﴿واحِدٌ:﴾ صفة له. هذا؛ والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل","vol":"8","page":413},{"text":"﴿يُوحى،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَاسْتَقِيمُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (استقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم على مثال ما رأيت في الآية السابقة. (استغفروه): أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَوَيْلٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ويل): مبتدأ، وساغ الابتداء به؛ لأنه بمعنى: الدعاء.\n ﴿لِلْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4225\"></span>﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أي: لا يفعلون الخير، ولا يتصدقون، ولا ينفقون في طاعة الله، ولا يعطون الزكاة لمستحقيها، ولا يقرون بوجوبها. قال القرطبي: قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء. وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه. انتهى. وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي: كفروا بالبعث، والنشور، وكذبوا بالحساب، والجزاء. قال الصاوي: وإنما خص منع الزكاة، وقرنه بالكفر بالآخرة؛ لأن المال شقيق الروح، فإذا بذله الإنسان في سبيل الله، كان دليلا على قوته، وثباته في الدين، واستقامته، وصدق نيته، ألا ترى إلى قوله ﷿ في سورة (البقرة) رقم [٢٦٥]: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يثبتون أنفسهم على الإيمان، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا، فقويت عصبيتهم، ولانت شكيمتهم، وأهل الردة بعد رسول الله ﷺ ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم الحروب، وجوهدوا من قبل الصديق﵁وفي هذه الأيام يبيع المسلم دينه، وشرفه، وكرامته في سبيل جمع المال من أي طريق كان! وفي الآية بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها؛ حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة. وهذه الآية هي التي احتج بها الصديق على الفاروق﵄حينما اعترض عليه في عزمه على محاربة مانعي الزكاة مع المرتدين، وسوّاهم فيهم.\nوعن أنس بن مالك﵁قال: أتى رجل من تميم إلى النبي ﷺ فقال:\nيا رسول الله! إني ذو مال كثير، وذو أهل، وحاضرة، فأخبرني كيف أصنع؟ وكيف أنفق؟ فقال له رسول الله ﷺ: «تخرج زكاة مالك، فإنها طهرة تطهّرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حقّ المسكين، والجار، والسائل».","vol":"8","page":414},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدلا من المشركين، أو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، تقديره: أذم الذين، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿الزَّكاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أفاد التوكيد ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ واعتبار الضمير الثاني مبتدأ ثانيا ضعيف جدا جدا، ولا يؤيده المعنى.\n\n<span id=\"aya-4226\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾\nالشرح: لما ذكر الله حال الكفار، وما أعد لهم من المقت، والنكال؛ أردفه بذكر حال المؤمنين الصادقين، وما أعد لهم من الخير العميم، والفضل الكبير، وهذا من باب المقابلة؛ التي ذكرتها لك في الآية رقم [٥٥] من سورة (يس). هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان يسمى: احتراسا، انظر سورة (غافر) [٤٠].\n ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: غير مقطوع، مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته. ومنه قول ذي الإصبع العدواني: [البسيط]\nإنّي لعمرك ما بابي بذي غلق... على الصديق، ولا زادي بممنون\nوعنه أيضا، ومقاتل: غير منقوص. ومنه: المنون؛ أي: الموت؛ لأنها تنقص منة الإنسان؛ أي: قوته وعمره، وقاله قطرب، وأنشد قول زهير من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان: [البسيط]\nفضل الجياد على الخيل البطاء فلا... يعطي بذلك ممنونا، ولا نزقا\nوقال مجاهد: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير محسوب. وقيل: غير ممنون عليهم به؛ أي: ممتن به عليهم. قال السدي: نزلت الآية في الزمنى، والمرضى، والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة؛ كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه، وخذ في تأييد ذلك ما يلي:\nفعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مرض العبد، أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا». رواه البخاري وأبو داود، وعن عبد الله بن عمر -﵄عن النبي ﷺ قال: «إنّ العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض؛ قيل للملك الموكّل به: اكتب له مثل عمله؛ إذا كان طليقا، حتى أطلقه، أو أكفته إليّ». رواه الإمام أحمد.","vol":"8","page":415},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها. وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وعند التأمل يتبين لك:\nأن ﴿الصّالِحاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: عملوا الأعمال الصالحات. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة له. و﴿غَيْرُ﴾ مضاف. و﴿مَمْنُونٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4227\"></span>﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: في مقدار يومين، أو بنوبتين، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون. ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا:﴾ شركاء في العبادة، فكيف يجوز جعل هذه الحجارة الحقيرة أندادا له مع أنه تعالى هو الذي خلق الأرض في مقدار يومين؟! ﴿ذلِكَ﴾ أي: الذي خلق الأرض في يومين. ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي: هو رب العالمين، خالقهم، ورازقهم، وهو المستحق للعبادة، لا الأصنام المنحوتة من الخشب، والحجر، وغير ذلك.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَإِنَّكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَتَكْفُرُونَ:﴾ اللام:\nهي المزحلقة. (تكافرون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي يَوْمَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والجملة الاسمية:\n ﴿أَإِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. (تجعلون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿لَهُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْدادًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿لَتَكْفُرُونَ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿رَبُّ:﴾ خبر المبتدأ، و(رب) مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين","vol":"8","page":416},{"text":"في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4228\"></span>﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ:﴾ جبالا ثوابت، وفي غيرها من الآيات: ﴿رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ و﴿رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾. ﴿مِنْ فَوْقِها:﴾ مرتفعة عليها، ليظهر للنظار ما فيها من وجوب الاستبصار، وتكون منافعها معرضة للطلاب. فإن قيل: ما الفائدة في قوله: ﴿مِنْ فَوْقِها؟﴾ أجيب بأنه تعالى لو جعل لها رواسي من تحتها لتوهم: أنها التي أمسكتها عن النزول، ولكنه تعالى جعل هذه الجبال الثقال فوقها ليرى الإنسان بعينه: أن الأرض، والجبال الثقال مفتقرة إلى ممسك، وحافظ، وما هو إلا الله الفاعل القادر، المختار.\n ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ أي: في الأرض بكثرة الخيرات الحاصلة فيها، وهو ما خلق فيها من البحار، والأنهار، والأشجار، والثمار، والزروع، وخلق جميع أصناف الحيوانات، وكل ما يحتاج إليه.\n ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها:﴾ قال محمد بن كعب القرظي: قدر الأقوات قبل أن يخلق الخلق، والأبدان؛ أي: أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من الأقطار، فأضاف القوت إلى الأرض، لكونه متولدا من تلك الأرض حادثا فيها، وذلك؛ لأن الله تعالى جعل كل بلدة معدة لنوع من الأشياء المطلوبة، حتى إن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة، وبالعكس، فصار هذا المعنى سببا لرغبة الناس في التجارات، واكتساب الأموال، لتنتظم عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم إلى بعض، فكان جميع ما تقدم من إبداعها، وإيداعها ما ذكر من متاعها دفعة واحدة على مقدار لا يتعداه، ومنهاج بديع دبّره في الأزل، وارتضاه، وقدره، فأمضاه، لا ينقص عن حاجة المحتاجين أصلا، وإنما ينقص توصلهم، أو توصل بعضهم إليه، فلا يجد حينئذ ما يكفيه، وفي الأرض أضعاف كفايته. انتهى. نقلا من الخطيب.\n ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾ أي: في تمام أربعة أيام؛ أي: باليومين اللذين خلق فيهما الأرض، ولولا هذا التقدير لكانت الأيام ثمانية: يومان في الأول. وهو خلق الأرض في يومين، ويومان في الأخير، وهو قوله: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وأربعة في الوسط. ﴿سَواءً﴾ أي: استوت الأيام الأربعة استواء، لا تزيد، ولا تنقص. ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ أي: هذا الحصر في أربعة أيام تامة للسائلين عن مدة خلق الأرض، وما فيها. أو الجار والمجرور متعلقان ب: (قدّر)؛ أي: قدر فيها الأقوات للطالبين لها.","vol":"8","page":417},{"text":"تنبيه: فإن قيل: لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها ضعف خلق السموات مع كون السماء أكبر من الأرض، وأكثر مخلوقات، وعجائب؟ قلت: للتنبيه على أن الأرض هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين، ومن كثرة المنافع، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل في المنة على ساكنيها، والاعتناء بشأنهم، وشأنها، وأيضا زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمتاعب، والمجاهدات، والمجادلات، والمعالجات. وقال أبو البقاء: لعل زيادة مدة الأرض على مدة السماء جريا على ما يتعارف من أن بناء السقف أخف من بناء البيت. فإن قيل: الله تعالى قادر على خلق الكل في قدر لمحة البصر، فما الحكمة في تقدير هذه المدة؟ أجيب بأن هذا تعليم لعباده كيفية التأني في الأمور، وتدريبا لهم على السكينة، والبعد عن العجلة في الأمور. انتهى.\nجمل. وأنا أقول: الله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به. وقيل: الجار، والمجرور: ﴿فِيها﴾ في محل المفعول الثاني تقدم على الأول، ولا وجه له. ﴿مِنْ فَوْقِها:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَواسِيَ،﴾ وهو أولى من تعليقهما بالفعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ولا يجوز عطفها على جملة: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ..﴾. إلخ للفاصل بأجنبي عن جملة الصلة، وهو جملة: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ..﴾. إلخ، كلهم قالوا هذا، ويجاب عن هذا بأن اعتبار الجملة:\n ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ..﴾. إلخ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين لا يمنع؛ لأن الاعتراض كثيرا ما يقع بين المتعاطفات، وهو معروف ومشهور، وجملة: ﴿وَبارَكَ فِيها:﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، وكذا جملة: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي أَرْبَعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل: (قدر)، و﴿أَرْبَعَةِ﴾ مضاف، و﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿سَواءً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: استوت سواء؛ أي: استواء، والجملة هذه في محل جر صفة: ﴿أَيّامٍ،﴾ وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: في محل نصب حال من الضمير في ﴿أَقْواتَها،﴾ وفي شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: ﴿سَواءً﴾ حال من: ﴿أَرْبَعَةِ،﴾ وساغ ذلك لتخصصه بإضافته ل: ﴿أَيّامٍ،﴾ قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nولم ينكّر غالبا ذو الحال إن... لم يتأخّر أو يخصّص أو يبن\nمن بعد نفي أو مضاهيه كلا... يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا\nهذا؛ وقرئ ﴿سَواءً﴾ بالجر على أنه صفة صريحة، كما قرئ بالرفع، على تقدير: «هي سواء».\nوتعود الجملة الاسمية إلى اعتبارها صفة: ﴿أَيّامٍ﴾ وهما قراءتان شاذتان. ﴿لِلسّائِلِينَ:﴾ متعلقان بالفعل (قدر)، أو هما متعلقان ب: ﴿سَواءً،﴾ أو بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا","vol":"8","page":418},{"text":"الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض، وما فيها. والجملة الاسمية على هذا التقدير مستأنفة، لا محل لها. وقال مكي: ومن رفع ﴿سَواءً﴾ ف: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ الخبر، وليس بشيء يعتد به.\n\n<span id=\"aya-4229\"></span>﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ أي: عمد إلى خلقها، وقصد لتسويتها، والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال، يدل عليه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٩]: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ،﴾ أو هو من صفات الذات، من قولهم: استوى إلى مكان كذا؛ إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره، ومعناه هنا، وفي سورة (البقرة) غير معناه في سورة (الرعد) رقم [٢] وفي سورة (السجدة) رقم [٤] وفي سورة (طه) رقم [٥]. انظر شرح هذه الآيات في محالها. ﴿وَهِيَ دُخانٌ:﴾ ذلك الدخان كان بخار الماء. قيل: كان العرش قبل خلق السموات، والأرض على الماء، فلما أراد الله تعالى أن يخلق السموات، والأرض؛ أمر الريح، فضربت الماء، فارتفع منه بخار كالدخان، فخلق منه السماء، ثم أيبس الماء، فخلقه أرضا واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبعا، قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٠]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾. هذا؛ والدخان: ما ارتفع من لهب النار، ويستعار لما يرى من بخار الأرض عند جدبها، وقياس جمعه في القلة: أدخنة، وفي الكثرة: دخيان، مثل: غراب، وأغربة، وغربان، وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ من باب التشبيه الصوري؛ لأن صورتها صورة الدخان في رأي العين. هذا؛ وما في هذه الآية يؤيد ما اكتشف في هذا العصر من أن مادة الكون بدأت غازا منتشرا خلال الفضاء بانتظام، وأن المجموعات الفلكية خلقت من تكاثف الغاز، فالقرآن صور مصدر خلق هذا الكون بالدخان، وهو الشيء الذي يفهمه العرب من الأشياء الملموسة، أيكون في مقدور أميّ منذ أربعة عشر قرنا أن يدرك هذا في وقت كان الناس لا يعرفون شيئا عن هذا الكون، وخفاياه؟!\nوكذلك قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٠]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا..﴾. إلخ يؤيد العلم الحديث الذي قرر أن الكون كان شيئا واحدا متصلا من غاز، ثم انقسم إلى سدائم، وعالمنا الشمسي كان نتيجة تلك الانقسامات. وانظر ما ذكرته هناك في تفسير هذه الآيات عن ابن عباس وغيره، وصدق الله رب العالمين؛ إذ يقول: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ كل ذلك دليل قوي على أن القرآن وحي إلهي مصداقا لقوله تعالى في سورة (النجم): ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾.\nقال الخازن: فإن قلت: هذه الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل خلق السماء، وقوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ رقم [٣٠] مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق","vol":"8","page":419},{"text":"السماء، فكيف الجمع بينهما؟ قلت: الجواب المشهور: أنه تعالى خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء بعدها، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض، ومدها. وجواب آخر: وهو أن يقال: إن خلق السماء مقدم على خلق الأرض. فعلى هذا يكون معنى الآية: خلق الأرض في يومين، وليس الخلق عبارة عن الإيجاد، والتكوين فقط، بل هو عبارة عن التقدير أيضا، فيكون المعنى: قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد إحداث السماء، فعلى هذا يزول الإشكال. والله أعلم بالحقيقة. انتهى. هذا؛ وقال البيضاوي: والظاهر: أن ﴿ثُمَّ﴾ لتفاوت ما بين الخلقين، لا للتراخي في المدة، لقوله في سورة (النازعات) الآية رقم [٣٠]: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها. انتهى.\n ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: بسبب ما خلقت فيكما من التأثير، والتأثر، وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة، والكائنات المتنوعة. أو المعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل، والوصف، ائتي يا أرض قرارا، ومهادا لأهلك، وائتي يا سماء مقبية سقفا لهم، ومعنى الإتيان: الحصول، والوقوع، كما تقول: أتى عمله مرضيا، وقوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ لبيان تأثير قدرته فيهما، وإن امتناعهما من تأثير قدرته محال، كما تقول لمن تحت يدك:\nلتفعلنّ هذا؛ إن شئت، أو أبيت، ولتفعلنّه طوعا، أو كرها، ولم يقل: طائعتين على اللفظ، أو طائعات على المعنى؛ لأنهما سموات، وأرضون؛ لأنهن لما جعلن مخاطبات، ومجيبات، ووصفهن بالطوع، والكره؛ قيل: ﴿طائِعِينَ﴾ في موضع طائعات، كقوله تعالى: ﴿السّاجِدِينَ﴾ ولا تنس: الطباق بين ﴿طَوْعًا﴾ و﴿كَرْهًا﴾.\nهذا؛ وفي قوله تعالى لهما وجهان: أحدهما: أنه قول تكلم به تعالى حقيقة. الثاني: أنها قدرة ظهرت منه لهما، فقامت مقام الكلام في بلوغ المراد. وفي قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ وجهان أيضا: أحدهما: أنه ظهور الطاعة منهما؛ حيث انقادا، وأجابا، فقام مقام قولهما. وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد الله تعالى. هذا؛ وانظر عرض الأمانة على السموات، والأرض، والجبال، وردها في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأحزاب).\nهذا؛ وفي الكلام استعارة تمثيلية، ويجوز أن يكون من الاستعارة التخييلية بعد أن تكون الاستعارة في ذاتهما مكنية، كما تقول: نطقت الحال بدل: دلّت، فيجعل الحال كالإنسان الذي يتكلم في الدلالة، والبرهان، ثم يتخيل له النطق الذي هو من لازم المشبه به، وينسب إليه. انتهى. جمل بتصرف.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (جعل فيها...) إلخ. ﴿إِلَى السَّماءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَهِيَ:﴾ والواو: واو الحال، والجملة الاسمية: (هي دخان) في","vol":"8","page":420},{"text":"محل نصب حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلِلْأَرْضِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿اِئْتِيا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿طَوْعًا:﴾ حال من ألف الاثنين. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كَرْهًا:﴾ معطوف على ما قبله، فهما مصدران في موضع الحال، وجملة: ﴿فَقالَ لَها..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿قالَتا:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين؛ التي هي الفاعل.\n ﴿أَتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿طائِعِينَ:﴾ حال من: (نا) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4230\"></span>﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ:﴾ فخلقهن خلقا إبداعيا، وأتقن أمرهن حسبما تقتضيه الحكمة. والضمير المنصوب يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه. ﴿فِي يَوْمَيْنِ:﴾\nغير الأيام الأربعة؛ التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السموات، والأرض، وما بينهما في ستة أيام، كما قال تعالى في سورة (السجدة) رقم [٤]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: في ستة أوقات، أو في مقدار ستة أيام، فإن اليوم المتعارف عليه زمان طلوع الشمس إلى غروبها لم يكن حينئذ، وما نقله القرطبي عن مجاهد: «ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون» لا أراه قويا. هذا؛ وفي خلق الأشياء مدرّجا مع القدرة على خلقها دفعة واحدة: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ دليل للاختيار، واعتبار للنظار، وحث على التأني في الأمور. هذا؛ وما ذكر من أن الله تعالى ابتدأ الخلق يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة عصرا، فخلق الأرض في يومين: الأحد، والاثنين، وقدّر فيها أقواتها في يومين: الثلاثاء والأربعاء، والسموات في يومين: الخميس والجمعة، كل ذلك لم يثبت وإن أسنده القرطبي إلى عبد الله بن سلام﵁وقاتل الله اليهود، فإنهم يقولون: استراح ربنا يوم السبت. فلذا اختاروه للراحة، والعبادة.\n ﴿وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها:﴾ قال قتادة والسدي: خلق فيها شمسها، وقمرها، ونجومها، وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار، وجبال البرد، والثلوج. وهو قول ابن عباس﵄وقال: ولله في كل سماء بيت تحج إليه، وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور. وقيل: أوحى الله في كل سماء ما أراده، وما أمره به فيها. انتهى. قرطبي.","vol":"8","page":421},{"text":"﴿وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أي: بالكواكب تضيء في الليل، كأنها مصابيح كهربائية تتلألأ. ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: وحفظناها حفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] و[٧] من سورة (الصافات). ﴿ذلِكَ﴾ أي: الذي ذكر من صنعه، وخلقه. ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ:﴾ القوي القاهر الغالب على أمره. ﴿الْعَلِيمِ:﴾ البليغ في العلم، والعليم بمواقع الأمور.\nهذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم. انظر الالتفات في سورة (الصافات) رقم [١٣٧].\nتنبيه: قال الشيخ أبو المنصور-رحمه الله تعالى-: القضاء يحتمل الحكم، كقوله تعالى:\n ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه، فهو مفعول لا محالة. انتهى. والماضي: قضى، والمصدر: قضاء بالمد؛ لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه (قضي) بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ومصدره: (قضيا) بالتحريك، كطلب طلبا، فتحركت الياء فيه أيضا، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار: قضاء ممدودا، وجمع القضاء: أقضية، كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في قول الشاعر -وهو الشاهد (١٧٩) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرمل]\nوجهك البدر لا بل الشمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أقول\nويكون بمعنى: الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا،﴾ وبمعنى: العلم، تقول: قضيت بكذا؛ أي: أعلمتك به. وبمعنى: الإتمام، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ،﴾ وبمعنى: الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون:\n ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ،﴾ وبمعنى: الإرادة، وهو كثير، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وبمعنى: الموت كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧)﴾. وبمعنى: الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ، وبمعنى: الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وبمعنى:\nالخلق، كما في الآية التي نحن بصدد شرحها. وبمعنى: بلوغ المراد، والأرب، قال تعالى:\n ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾. وبمعنى: وفاء الدين، تقول: قضى فلان ما عليه: إذا أوفى ذمته، وأبرأها مما عليه من ديون. انتهى. قسطلاني شرح البخاري بتصرف، وأضيف: أنه يكون بمعنى: أوحينا، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ..﴾. إلخ.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر، فلا خلاف: أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء، وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك قد عصيت ربك، وبانت منك. فقال الرجل:","vol":"8","page":422},{"text":"قضى الله ذلك عليّ. فقال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر الله به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾.\nالإعراب: ﴿فَقَضاهُنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قضاهن): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به ثان على اعتبار قضاهن بمعنى: صيرهن، وهو قول الجلال، وحال على التفسير الذي رأيته. وقال الزمخشري: تمييز على اعتبار الضمير مبهما مفسرا ب: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وقال مكي: بدل من الضمير المنصوب، والمعتمد الحالية، و﴿سَبْعَ﴾ مضاف، و﴿سَماواتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي يَوْمَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَوْحى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله.\n ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿سَماءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَمْرَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَزَيَّنَّا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة لها مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِمَصابِيحَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، على الالتفات من الغيبة إلى التكلم كما رأيت. ﴿وَحِفْظًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: وحفظناها حفظا.\nوقيل: مفعول لأجله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿تَقْدِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْعَزِيزِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿الْعَلِيمِ:﴾ بدل من: ﴿الْعَزِيزِ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4231\"></span>﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي: كفار قريش عن الإيمان بالله بعد هذا البيان. ﴿فَقُلْ:﴾ يا محمد:\n ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً..﴾. إلخ أي: أخوفكم، وأحذركم عذابا شديدا، وهلاكا مستأصلا لكم مثل العذاب؛ الذي وقع بعاد قوم هود، وثمود قوم صالح. والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، وقد ذكرته لك مرارا، وتكرارا، وانظر الكلام على هاتين القبيلتين مفصلا في سورة (الأعراف) و(هود) و(الشعراء).\nتنبيه: قال محمد بن كعب القرظي﵁: حدثت: أن عتبة بن ربيعة كان سيدا حليما، قال يوما، وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد:\nيا معشر قريش! ألا أقوم إلى محمد، فأكلمه، وأعرض عليه أمورا، لعله يقبل منا بعضها،","vol":"8","page":423},{"text":"فنعطيه، ويكف عنا-وذلك حين أسلم حمزة﵁ورأوا أصحاب النبي ﷺ يزيدون، ويكثرون-قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقم إليه، وكلمه. فقام عتبة؛ حتى جلس إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا بن أخي! إنك منا حيث قد علمت من البسطة في العشيرة، والنسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاستمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها.\nفقال ﷺ: «قل يا أبا الوليد!». فقال: يا بن أخي! إن كنت تريد بما جئت به مالا؛ جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا؛ سودناك علينا، وإن كان الذي بك رئيا تراه، لا تستطيع رده؛ طلبنا لك الطب، أو لعل هذا شعر جاش به صدرك، فنعذرك، فإنكم يا بني عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا يقدر عليه أحد، حتى إذا فرغ؛ قال له رسول الله ﷺ: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟!». قال نعم، قال: «فاستمع مني». قال: فافعل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم مضى فيها يقرأ، فلما سمعها عتبة؛ أنصت، وألقى يده خلف ظهره، معتمدا عليها، يستمع منه؛ حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة، فسجد، ثم قال: أسمعت يا أبا الوليد؟! فأنت وذاك.\nوفي رواية البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله﵄-: قرأ رسول الله ﷺ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ..﴾. إلخ فأمسك عتبة على في النبي ﷺ، وناشده الرحم أن يكف... إلخ ما جاء فيها، ولم يرجع إليهم، وذهب إلى أهله... إلخ. وفي هذه الرواية:\nرجع عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به! فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟! قال: ورائي: أني سمعت قولا، والله ما سمعت بمثله قط، ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بكهانة! يا معشر قريش أطيعوني، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه. فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب؛ فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب؛ فملكه ملككم، وعزه عزكم، وأنتم أسعد الناس به! قالوا: سحرك والله محمد يا أبا الوليد بلسانه! قال: هذا رأيي، فاصنعوا ما بدا لكم. انتهى. خازن. وهذه القصة تروى بروايات أخرى مع اختلاف في بعض العبارات، والمغزى واحد، والنتيجة واحدة لا تتغير، وانظر ما يشبه هذا مما ذكرته بشأن الوليد بن المغيرة في سورة (المدثر) إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَعْرَضُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف كما رأيت تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْذَرْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿صاعِقَةً:﴾ مفعول به ثان،","vol":"8","page":424},{"text":"والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِثْلَ:﴾ صفة ﴿صاعِقَةً،﴾ و﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و﴿صاعِقَةً﴾ مضاف إليه، و﴿صاعِقَةً:﴾ مضاف، و﴿عادٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَثَمُودَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث؛ لأن المراد به القبيلة، وهي مؤنثة.\n\n<span id=\"aya-4232\"></span>﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ:﴾ الضمير المنصوب واقع على: ﴿عادٍ وَثَمُودَ﴾ والجمع باعتبار الجمعية التي في القبيلتين من حيث الأفراد، والمراد بالرسل: هود، وصالح، ومن قبلهما من الرسل، لكن مجيء هود، وصالح لهاتين القبيلتين حقيقي، ومجيء من قبلهما لهاتين القبيلتين على ضرب من التسمح، على تنزيل مجيء كلامهم، ودعوتهم إلى الحق منزلة مجيء أنفسهم، فإن هودا، وصالحا كانا داعيين لهاتين القبيلتين إلى الإيمان بهما، وبجميع الرسل ممن جاء قبلهما. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود.\n ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ أتوهم من جميع جوانبهم، واجتهدوا بهم من كل جهة، أو من جهة الزمن الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة، وكل من اللفظين يحتملهما، أو من قبلهم، ومن بعدهم؛ إذ قد بلغهم خبر المتقدمين، وأخبرهم هود، وصالح عن المتأخرين، داعين، إلى الإيمان بهم أجمعين، ويحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة، كقوله تعالى في سورة (النحل) [١١٢]: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾. انتهى. بيضاوي بحروفه.\nهذا؛ والتعبير عن الأمام والخلف بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ كثير في القرآن الكريم وإن اختص كل موضع بتفسير حسب مقتضيات الأحوال، وإختلافها، فمثلا قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء)، ومثلها في سورة (سبأ) رقم [٩] يفسر بغير ما في آية (طه) رقم [١١٠] وكلتاهما تخالفان معنى قوله تعالى: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وهكذا، وكله يخرج على الاستعارة.\n ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا:﴾ إرسال الرسل، أو لو شاء ربنا إنزال ملائكة بالرسل إلى الإنس؛ لأنزل إليهم بها ملائكة. ﴿فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ:﴾ فيه تغليب المخاطب على الغائب، فغلبوا هودا","vol":"8","page":425},{"text":"وصالحا على من قبلهما من الرسل، فكأنهم قالوا: فإنا كافرون بكما، وبمن دعوتمونا إلى الإيمان به قبلكما من الرسل.\nهذا؛ وقوله تعالى حكاية عن قول الكفرة: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾. انتهى. نسفي.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (أنذرتكم) كما تقول: لقيتك إذا كان كذا، ويجوز أن يكون صفة ل: ﴿صاعِقَةً﴾ أو حالا من ﴿صاعِقَةً﴾ الثانية. انتهى. أبو البقاء. وقال الجمل نقلا عن السمين: ظرف ل: ﴿صاعِقَةً﴾ الثانية، فهو منصوب بها؛ لأنها بمعنى: العذاب. انتهى. وقال البيضاوي: حال من ﴿صاعِقَةِ عادٍ﴾ ولا يجوز جعله صفة ل: ﴿صاعِقَةً﴾ أو ظرفا ل: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ لفساد المعنى. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾\nماض ومفعوله. ﴿الرُّسُلُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الرُّسُلُ﴾ وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): يجوز فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون هي المخففة من الثقيلة، التقدير: أنه؛ أي: الحال، والشأن، و(لا) ناهية. الثاني: أنها هي المصدرية التي تنصب المضارع، و(لا) نافية. الثالث:\nأن تكون مفسرة؛ لأن مجيء الرسل يتضمن قولا بالمعنى، و(لا) ناهية. ﴿تَعْبُدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بعدم عبادة أحد إلا الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿جاءَتْهُمُ،﴾ وعلى الوجه الأول، والثالث فالفعل مجزوم ب:\n (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، وعلى الوجه الأول فالجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن) المخففة من الثقيلة، و(أن) واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف على مثال ما رأيت في الوجه الثاني. وعلى الوجه الثالث؛ فالجملة الفعلية مفسرة للفعل: (جاء) لا محل لها. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به، وانظر سورة (الأحقاف) رقم [٢١].\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعله، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والمفعول محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لَأَنْزَلَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (أنزل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّنا﴾.","vol":"8","page":426},{"text":"﴿مَلائِكَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب. وقيل: هي الفصيحة. وليس بشيء. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أُرْسِلْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة، ومفرعة عما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-4233\"></span>﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: فتعظموا فيها على أهلها، أو استعلوا فيها، واستولوا على أهلها بغير استحقاق للاستعلاء، والاستيلاء. هذا؛ وجمع الضمير باعتبار أفراد القبيلة. ﴿وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً:﴾ اغتروا بقوة أجسامهم، وشوكتهم، وذلك: أنهم كانوا ذوي أجسام طوال: وخلق عظيم. فعن ابن عباس﵄-: أن أطولهم كان مئة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعا، وبلغ من قوتهم: أن الرجل منهم كان ينزع الصخرة، فيقلعها بيده. وانظر ما ذكرته في سورة (الأعراف) وغيرها. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً:﴾ قدرة؛ فإنه قادر بالذات، مقتدر على ما لا يتناهى، قوي على ما لا يقدر عليه غيره، وإنما يقدر العبد بإقدار الله، فالله إذا أقدر. ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أي: وكانوا يجحدون آيات القرآن، أو يجحدون المعجزات الباهرة، والحجج الساطعة. قال الرازي: إنهم كانوا يعرفون:\nأنها حق، ولكنهم جحدوها، كما يجحد المودع الوديعة. هذا؛ والجحد: الإنكار والتكذيب، والكفر، وهو أيضا قلة الخير، وجحده حقه، وجحده بحقه، وبابه: قطع.\nالإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد.\nأما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام الشرط، وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل:\nمهما يك من شيء؛ فعاد... إلخ، فأنيبت (أما) مناب (مهما يك من شيء) فصار فأما عاد فاستكبروا. وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لأنها علقته على أمر متيقن.","vol":"8","page":427},{"text":"﴿عادٌ:﴾ مبتدأ. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (استكبروا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(غير) مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه. (قالوا): ماض، وفاعله. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَقالُوا..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار. الواو: في مثل ذلك عاطفة على محذوف، التقدير: أنسوا، ولم ينظروا نظرة تفكر واعتبار. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾\nفعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿خَلَقَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُوَ أَشَدُّ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول: ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال الله: أولم يروا... إلخ، والجملة هذه معترضة بين الجمل المتعاطفة.\n ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-4234\"></span>﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي: ريحا باردة شديدة البرد، أو شديدة الصوت، والهبوب، فمن الأول قول الحطيئة: [البسيط]\nالمطعمون إذا هبّت بصرصرة... والحاملون إذا استودوا على النّاس\nاستودوا: سئلوا الدية. ومن الثاني؛ (أي: شدة الصوت) قوله تعالى في سورة (الذاريات)","vol":"8","page":428},{"text":"[٢٩]: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ..﴾. إلخ ﴿فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ:﴾ مشؤومات من النحس بمعنى: الشؤم، وهو ضد السعد. قال الشاعر: [الطويل]\nسواء عليه أيّ حين أتيته... أساعة نحس تتّقى أم بأسعد؟\nوقيل: متتابعات، كقوله تعالى في سورة (القمر) الآية رقم [١٩]: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ كنّ آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء، وذلك قوله تعالى في سورة (الحاقة) الآية رقم [٧]: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ قال ابن عباس﵄-: ما عذّب قوم إلا في يوم الأربعاء.\nهذا؛ وفي يوم الأربعاء أرسل الله الرياح العاتية على جيش قريش يوم الأحزاب، وكان الرسول ﷺ قد دعا، وسأل الله من فضله في ذلك اليوم بقوله: «يا صريخ المكروبين! يا مجيب المضطرّين! اكشف همّي، وغمّي، وكربي، فإنّك ترى ما نزل بي، وبأصحابي!». وكان ذلك بين الظهر، والعصر، فاستجيب له ﷺ. ومن ثمّ كان جابر بن عبد الله﵄يدعو في مهماته في ذلك اليوم، في ذلك الوقت، كان يتحرى ذلك اليوم. وأما الأحاديث التي جاءت بذم يوم الأربعاء، فمحمولة على آخر أربعاء في الشهر، فإن في ذلك اليوم ولد فرعون، وادعى الربوبية، وأهلكه الله فيه، وهو اليوم الذي أصيب فيه أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-. انتهى. زيني دحلان بتصرف، وانظر ما ذكرته في سورة (الأعراف) رقم [٧١].\nهذا؛ وكان هلاكهم في أواخر فصل الشتاء، ولا تزال هذه الأيام إلى عصرنا هذا موسما للمطر، ويطلق عليها: «أيام العجوز» وانظر سورة (القمر) رقم [١٩].\n ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ:﴾ الذل، والهوان، وهو مقابل لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: إن ما نزل بهم من الخزي، والهوان كان في الحياة الدنيا. وانظر شرح ﴿يُخْزِيهِ﴾ في سورة (الزمر) رقم [٤٠]، وشرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ برقم [٢٦] منها. ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى..﴾. إلخ أي: ولعذابهم في الآخرة أعظم خزيا، وأشد إهانة من عذاب الدنيا؛ لأنه دائم مستمر، لا غاية له ينتهي عندها، بخلاف عذاب الدنيا؛ فإنه ينقطع، وليس لهم ناصر يدفع عنهم عذاب الآخرة، كما لم ينصروا في الدنيا.\nهذا؛ وأضاف (العذاب) إلى ﴿الْخِزْيِ﴾ وهو الذي على قصد وصفه به؛ لقوله: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى﴾ وهو في الأصل صفة المعذب، وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة. هذا؛ وانظر شرح (الريح) في سورة (الروم) رقم [٤٦]، وانظر إذاقة العذاب في سورة (الصافات) رقم [٣٨].\nالإعراب: ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أرسلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رِيحًا:﴾ مفعول به. ﴿صَرْصَرًا:﴾ صفة ﴿رِيحًا﴾. ﴿فِي أَيّامٍ:﴾ متعلقان بالفعل","vol":"8","page":429},{"text":"قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِيحًا،﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم.\n ﴿نَحِساتٍ:﴾ صفة: ﴿أَيّامٍ،﴾ وجملة: ﴿فَأَرْسَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على الجمل السابقة، فهي في محل رفع مثلها. ﴿لِنُذِيقَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان. وهو مضاف، و﴿الْخِزْيِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (أرسلنا). ﴿وَلَعَذابُ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. اللام: لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿أَخْزى:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير في الجملة المعطوفة عليها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-4235\"></span>﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ﴾ أي: قبيلة ثمود. هذا؛ ويقرأ بالرفع، والنصب، ومنونا، وعدمه في الحالين، والتنوين على إرادة «الحي»، وعدمه على إرادة «القبيلة». ﴿فَهَدَيْناهُمْ:﴾ قال ابن عباس -﵄-: بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير، والشر، وذلك بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى:﴾\nفاختاروا الضلالة على الإيمان، والمعاصي على الطاعات فاستعار ﴿الْعَمى﴾ للضلالة بجامع عدم الاهتداء في كل منهما، واستعار الإيمان إلى ﴿الْهُدى﴾ بجامع الاهتداء في كل منهما. ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ:﴾ الذل، والصغار، والهوان، وكان ذلك بالصيحة، والرجفة؛ التي رأيت شرحها في سورة (الأعراف) رقم [٧٨]. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من شركهم، وتكذيبهم صالحا. فإن قيل: كيف يجوز للرسول ﷺ أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد، وثمود مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمته ﷺ، وقد صرح الله تعالى بذلك في سورة (الأنفال) رقم [٣٣]: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ وقد جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الأنواع المذكورة. فالجواب: أنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد، وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة، وأن السبب الموجب للعذاب واحد؛ فربّما يكون العذاب النازل بهم من جنس","vol":"8","page":430},{"text":"ذلك العذاب، وإن كان أقل درجة، وهذا القدر يكفي في التخويف. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nأقول: قد حذر الرسول ﷺ أمته، وأنذرها من وقوع جميع أنواع البلاء التي نزلت في الأمم السابقة في آخر الزمان؛ إذا خرجت عن طاعة الله، وارتكبت المعاصي، والمنكرات، واتبعت وحي الشيطان. وخذ ما يلي:\nفعن أبي أمامة﵁عن النبي ﷺ قال: «يبيت قوم من هذه الأمّة على طعم، وشرب، ولهو، ولعب، فيصبحوا قد مسخوا قردة، وخنازير، وليصيبهم خسف، وقذف؛ حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليلة ببني فلان، وخسف الليلة بدار فلان خواصّ، ولترسلنّ عليهم حجارة من السّماء، كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها، وعلى دور، ولترسلنّ عليهم الريح العقيم، الّتي أهلكت عادا على قبائل فيها، وعلى دور بشريهم الخمر، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الرّبا، وقطيعتهم الرحم، (وخصلة نسيها جعفر)». رواه أحمد مختصرا، وابن أبي الدنيا، والبيهقي.\nوروي عن علي بن أبي طالب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة؛ حلّ بها البلاء». قيل: ما هنّ يا رسول الله؟! قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعقّ أمّه، وبرّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شرّه، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتّخذت القينات، والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أوّلها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا، أو مسخا». رواه الترمذي، والحديثان موجودان في «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري.\nالإعراب: ﴿وَأَمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أما): معطوفة على ما قبلها وإعرابها مثلها بلا فارق بينهما. ﴿ثَمُودُ:﴾ مبتدأ، وعلى قراءته بالنصب فهو منصوب على الاشتغال بفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿فَهَدَيْناهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (هديناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، على قراءة ثمود بالرفع، ومفسرة لا محل لها على قراءته بالنصب. (استحبوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَمى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿عَلَى الْهُدى:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَأَخَذَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿صاعِقَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. و﴿صاعِقَةُ﴾ مضاف.\n ﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْهُونِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ﴾. وقيل: بدل منه، وليس بشيء. ﴿بِما:﴾","vol":"8","page":431},{"text":"جار ومجرور متعلقان بالفعل: (أخذ)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء كانوا يكسبونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْسِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والكلام: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-4236\"></span>﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ مع صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- أي: من تلك الصاعقة التي نزلت بثمود، وكانوا أربعة آلاف، خرج بهم صالح﵊بعد هلاك قومه من فلسطين إلى حضر موت. وانظر ما ذكرته في سورة (الأعراف) رقم [٧٧] إن أردت الزيادة، وأيضا ما ذكرته في سورة (هود) رقم [٦٧] ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أي:\nيخافون عقاب الله، وغضبه، ويرجون رحمته وثوابه.\nالإعراب: ﴿وَنَجَّيْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ:﴾\nمعطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَنَجَّيْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، واعتبارها مستأنفة أقوى معنى.\n<span id=\"aya-4237\"></span>﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ..﴾. إلخ: يحبس أولهم على آخرهم؛ لئلا يتفرقوا، ثم يساقون، ويدفعون إلى النار. هذا؛ والحشر: الجمع، والمراد: بأعداء الله: الكفار مطلقا الأولين، والآخرين. هذا؛ ويقرأ الفعل: «(نحشر)» بالنون ونصب «(أعداء)» أيضا. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي:\nيدفعون ويساقون إلى موضع الحساب. قال الشماخ: [الرجز]\nوكم وزعنا من خميس جحفل... وكم حبونا من رئيس مسحل\nوقال قتادة: ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يرد أولهم على آخرهم. انتهى. هذا؛ والوازع في الحرب:\nالموكل بالصفوف، يزع من تقدم منهم، والوازع: الرادع، والزاجر. قال الشاعر: [الطويل]\nولا يزع النّفس اللجوج عن الهوى... من النّاس إلاّ وافر العقل كامله","vol":"8","page":432},{"text":"ومن هذا قول النابغة الذبياني-وهو الشاهد رقم [٩١٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nعلى حين عاتبت المشيب على الصّبا... وقلت: ألمّا أصح والشّيب وازع\nوقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: لا بد للناس من وازع. أي: من سلطان يكفهم، ويردعهم. وذكر ابن القاسم، قال: حدثنا مالك: أن عثمان بن عفان﵁قال:\nما يزع الإمام أكثر ممّا يزع القرآن. والمحفوظ: إن الله ليزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن.\nوشرح الجملتين واضح إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان مفعول به لفعل محذوف، أو هو ظرف متعلق بذلك المحذوف، التقدير: اذكر لقومك المعاندين حال الكفار في القيامة لعلهم يرتدعون، ويزجرون. ﴿يُحْشَرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿أَعْداءُ:﴾ نائب فاعله، وعلى قراءته بالنون فالفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و(أعداء) مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلَى النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها.\n ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿يُوزَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محلّ جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-4238\"></span>﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها﴾ أي: النار، والمراد: بها: موقف الحساب، والتعبير عنه بالنار، إما للإيذان بأنها عاقبة حشرهم، وأنهم على شرف دخولها، وإما؛ لأن حسابهم يكون على شفيرها. وإنما كان هذا هو المراد؛ لأن الشهادة المذكورة إنما تكون عند الحساب، لا بعد تمام السؤال، والجواب، وسوقهم إلى النار نفسها. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود.\nهذا؛ ومناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله تعالى لما ذكر قصة عاد، وثمود، وما أصابهم من العقوبة في الدنيا بطغيانهم، وإجرامهم؛ ذكر هنا ما يصيب الكفار عامة في الآخرة من العذاب، والدمار؛ ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر، والتحذير عن ارتكاب المعاصي، والكفر بنعم الله. انتهى. صفوة التفاسير.\n ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ..﴾. إلخ: وحد الله السمع في هذه الآية، وأمثالها دون الأبصار، والجلود؛ لأمن اللبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء سماعا، وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع. وقيل: وحد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات غيره مختلفة.","vol":"8","page":433},{"text":"فإن قيل: ما السبب في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر مع أن الحواس خمسة:\nوهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس؟ أجيب بأن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه؛ لأن إدراك الذوق إنما يتأتى حينما يصير طرف اللسان مماسا لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى يصير الأنف مماسا لجرم المشموم، فكانا داخلين في جنس اللمس. انتهى. جمل. وقال ابن عباس﵄-: المراد من شهادة الجلود: شهادة الفروج، وهو من باب الكنايات.\nهذا؛ وفي كيفية هذه الشهادة ثلاثة أقوال: أولها: أن الله تعالى يخلق الفهم، والقدرة، والنطق في هذه الجوارح، فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه. ثانيها: أن الله تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات، والحروف الدالة على تلك المعاني. ثالثها: أن يظهر في تلك الأعضاء أحوال تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان. وتلك الأمارات تسمى: شهادات، كما يقال: العالم يشهد بتغيرات أحواله على حدوثه. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. ثم قال:\nوفي الكرخي: بأن ينطقها الله تعالى كإنطاق اللسان، فتشهد، وليس نطقها بأغرب من نطق اللسان عقلا، وإيضاحه: أن البنية ليست شرطا للحياة، والعلم، والقدرة، فالله تعالى قادر على خلق العقل، والقدرة، والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء. انتهى. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ما:﴾ صلة.\n ﴿جاؤُها:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المرجوح المشهور. ﴿شَهِدَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿سَمْعُهُمْ:﴾ فاعله، وما بعده معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿شَهِدَ﴾ وباقي الإعراب مثل: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في الآية رقم [١٧].\nوجملة: ﴿شَهِدَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿إِذا﴾ في مثل هذه الآية مجرورة ب: ﴿حَتّى،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى كلّ، فهي غاية لمحذوف، التقدير: حشروا حتى إذا جاؤوها.\n\n<span id=\"aya-4239\"></span>﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ:﴾ المراد جميع الأعضاء؛ التي تشهد عليهم، فالمراد: المعنى الأعم، والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وقد ذكرته لك مرارا. ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ هذا سؤال توبيخ، وتعجيب من هذا الأمر الغريب؛ لكونها ليست مما ينطق،","vol":"8","page":434},{"text":"ولكونها كانت في الدنيا مساعدة لهم على المعاصي، فكيف تشهد الآن عليهم، فلذلك استغربوا شهادتها، وخاطبوها بصيغة خطاب العقلاء؛ لصدور ما يصدر من العقلاء عنها، وهو الشهادة المذكورة. انتهى. جمل.\n ﴿قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي..﴾. إلخ: أي: من الحيوان، والمعنى: أن نطقنا ليس بعجيب من قدرة الله؛ الذي قدر على إنطاق كل حيوان. ولا تنس: أن جمع ضمائر هذه الأعضاء جمع المذكر السالم إنما هو لمخاطبتها، وجوابها مثل العقلاء. ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: ركب فيكم الحياة بعد أن كنتم نطفا في الأصلاب، فمن قدر على ذلك؛ قدر على أن ينطق الجلود وغيرها من الأعضاء. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: وإليه وحده تردون بعد موتكم بالبعث، والحشر، والنشور.\nهذا؛ وقد قال ابن كثير: هذا حال الكفار، والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت، فقد روى مسلم﵀في صحيحه عن أنس بن مالك﵁قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون ممّ أضحك؟». قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مخاطبة العبد ربّه يوم القيامة، يقول: ربّ ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إنّي لا أجيز عليّ إلاّ شاهدا من نفسي! فيقول الله ﵎: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم الله على فيه، ويقول لأركانه: انطقي! فتنطق بأعماله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ، وسحقا! فعنكنّ كنت أناضل».\nوفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة﵁وهو حديث يوم القيامة الطويل، وفيه: ثمّ يقال له: «الآن نبعث عليك شاهدنا، ويتفكّر في نفسه من ذا الذي يشهد عليه؟ فيختم الله على فيه، ويقول لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي، فينطق فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله؟ وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه». انتهى. قرطبي، وابن كثير.\nثم قيل في سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم يقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ رقم [٢٣] من سورة (الأنعام) فختم الله على أفواههم؛ حتى تنطق جوارحهم. قاله أبو موسى الأشعري﵁-. الثاني: ليعرفهم أهل الموقف، فيتميزون منهم. قاله ابن زياد.\nالثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق؛ لخروجه مخرج الإعجاز؛ وإن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع: ليعلم: أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حقه، صارت عليه شهودا في حق ربه، انتهى.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِجُلُودِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لِمَ﴾ اللام: حرف جر. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، والاستفهام للتوبيخ، والتأنيب، وحذفت ألف","vol":"8","page":435},{"text":"(ما) فرقا بين الخبر، والاستخبار، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿شَهِدْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿أَنْطَقَنَا:﴾ ماض، و(نا): مفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة لفظ الجلالة، وجملة: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. و﴿أَوَّلَ﴾ مضاف، و﴿مَرَّةٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. وهذا على اعتباره من تمام كلام الجلود، ومستأنفة، لا محل لها، إن لم تكن كذلك أي: من كلام الله، أو كلام الملائكة. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه):\nجار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي معطوفة على الجملة الفعلية وحدها. فتكون في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-4240\"></span>﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ..﴾. إلخ أي: تستخفون عن جوارحكم عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة، وما ظننتم: أن أعضاءكم تشهد عليكم أمام الله يوم القيامة. وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق ألاّ يمر عليه لحظة إلا وعليه رقيب. ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: من أعمالكم، فلذلك جادلتم على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم، قال عبد الله بن عبد الأعلى الشامي، فأحسن: [الكامل]\nالعمر ينقص والذنوب تزيد... وتقال عثرات الفتى فيعود\nهل يستطيع جحود ذنب واحد... رجل جوارحه عليه شهود؟\nوالمرء يسأل عن سنيه، فيشتهي... تقليلها وعن الممات يحيد\nفعن عبد الله بن مسعود﵁قال: كنت مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم: قريشيّ، وختناه ثقفيان، أو ثقفيّ، وختناه قرشيان،","vol":"8","page":436},{"text":"فتكلموا بكلام لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا؛ سمعه، وإذا لم نرفع أصواتنا؛ لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا؛ سمعه كله. فقال عبد الله: فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلى قوله:\n ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾. قال: هذا حديث حسن صحيح، قال الثعلبي: والثقفي: عبد يا ليل، وختناه: ربيعة، وصفوان بن أمية.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. و(ما): نافية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَسْتَتِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية: (هو خلقكم...) إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿أَنْ يَشْهَدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والمصدر المؤول منهما في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من أن يشهد، ويسمى مثل ذلك في محل نصب بنزع الخافض؛ لأن الفعل قبله لا يتعدى بنفسه. والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، أو المصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله؛ أي: لأجل أن يشهد. أو مخافة أن يشهد. وقيل: هو في محل نصب مفعول به على تضمين الفعل قبله معنى الظن. وفيه بعد.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَمْعُكُمْ:﴾ فاعل ﴿يَشْهَدَ﴾ وما بعده معطوف عليه، والكاف في محل جر بالإضافة، ولا صلة للتوكيد.\n ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿ظَنَنْتُمْ:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. ﴿كَثِيرًا:﴾\nمفعول به. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيرًا،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف صفة له، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لا يعلم كثيرا من الذي، أو من شيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) التقدير: من عملكم، و﴿أَنْ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظن)، والجملة الفعلية:\n ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.\n\n<span id=\"aya-4241\"></span>﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ..﴾. إلخ أي: ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون. ﴿أَرْداكُمْ:﴾\nأهلككم، وأدخلكم جهنم. وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن ألاّ يذهب عنه، ولا يزل عن","vol":"8","page":437},{"text":"ذهنه: أن عليه من الله عينا كالئة، ورقيبا مهيمنا؛ حتى يكون في أوقات خلواته من ربه أهيب، وأحسن احتشاما، وأوفر تحفظا، وتصونا منه مع الملأ، ولا يتبسط في سره مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين. انتهى. كشاف. ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي: فخسرتم سعادتكم، وأنفسكم؛ حيث دخلتم النار. وانظر ﴿الْخُسْرانُ﴾ في سورة (الزمر) رقم [١٥]. هذا؛ والفعل (أصبحتم) بمعنى: صرتم، وليس المراد التوقيت بالصبح. وانظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الزمر).\nهذا؛ وقال النبي ﷺ: «لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله، فإن قوما أساؤوا الظنّ بربهم، فأهلكهم». فذلك قوله تعالى: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ..﴾. إلخ هذا؛ وفي الحديث القدسي الطويل الذي يرويه أبو هريرة﵁عن النبي ﷺ، عن رب العزة، وخرجه الستة ما عدا أبا داود: «أنا عند ظنّ عبدي بي...» إلخ.\nهذا؛ والظن نوعان: ظن ينجي، وظن يردي، فالأول: هو أن يظن العبد بربه خيرا، ويحسن ظنّه به، ويقرن ذلك بالعمل الصالح، والخوف منه تعالى، ومراقبته، والوقوف على حدوده، فيحل ما أحل الله، ويحرم ما حرم. والثاني: هو أن يظن العبد بربه خيرا، ولكنه لا يؤدي لله حقا، ولا يعرف للرسول ﷺ واجبا، فهذا هو الظن الكاذب، الذي يقول الله فيه: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ..﴾. إلخ. وقال الحسن البصري ﵀: إن قوما ألهتهم الأمانيّ حتى خرجوا من الدّنيا؛ وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي. وكذب! ولو أحسن الظن؛ لأحسن العمل، وتلا الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها. وقال عمر بن الخطاب﵁في هذه الآية: هؤلاء قوم كانوا يدمنون المعاصيّ، ولا يتوبون منها، ويتكلون على المغفرة؛ حيث خرجوا من الدنيا مفاليس، ثم قرأ الآية. انتهى. قرطبي. وخذ ما يلي بمناسبة هذه الآية منه أيضا:\nفعن معقل بن يسار﵁عن النبي ﷺ قال: «ليس من يوم يأتي على ابن آدم، إلا ينادي فيه: يا بن آدم! أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل غدا عليك شهيد، فاعمل فيّ خيرا؛ أشهد لك به غدا، فإني لو قد مضيت؛ لم ترني أبدا. ويقول الليل مثل ذلك». ذكره أبو نعيم الحافظ، وقال محمد بن بشير، فأحسن: [الطويل]\nمضى أمسك الأدنى شهيدا معدّلا... ويومك هذا بالفعال شهيد\nفإن تك بالأمس اقترفت إساءة... فثنّ بإحسان وأنت حميد\nولا ترج فعل الخير منك إلى غد... لعلّ غدا يأتي وأنت فقيد\nالإعراب: ﴿وَذلِكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (ذلكم): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿ظَنُّكُمُ:﴾ خبر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع","vol":"8","page":438},{"text":"بدلا من: ﴿ظَنُّكُمُ،﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿أَرْداكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى: ﴿ظَنُّكُمُ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿ظَنُّكُمُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، و«قد» مقدرة، التقدير:\nذلكم ظنكم مرديا إياكم. هذا وجه، والوجه الثاني: اعتبار: (ذلكم) مبتدأ، و﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدلا منه، و﴿الَّذِي﴾ نعت له، والخبر جملة: ﴿أَرْداكُمْ﴾. والوجه الثالث: اعتبار اسم الإشارة مبتدأ، وما بعده أخبارا عنه متتالية. انتهى. جمل. وقال أبو البقاء العكبري: (ذلكم) مبتدأ، و﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبره، و﴿الَّذِي﴾ نعت للخبر، أو خبر بعد خبر، و﴿أَرْداكُمْ﴾ خبر آخر. ويجوز أن يكون الجميع صفة، أو بدلا، و﴿أَرْداكُمْ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون: ﴿أَرْداكُمْ﴾ حالا، و«قد» معه مرادة. انتهى.\n ﴿ظَنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي ظننتموه. ﴿بِرَبِّكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَأَصْبَحْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (أصبح)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.\n\n<span id=\"aya-4242\"></span>﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ:﴾ قال الجمل: من المعلوم: أنه لا خلاص لهم من النار؛ صبروا، أو لم يصبروا؛ فما وجه التقييد؟ وأجيب بأن فيه إضمارا، تقديره: فإن يصبروا، أو لا يصبروا؛ فالنار مثوى لهم على كل حال. انتهى. نقلا من كرخي. وقال البيضاوي: ونظيره قوله تعالى في سورة (إبراهيم) الآية رقم [٢١] حكاية أهل النار: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾.\nوقول القرطبي: فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار؛ فالنار مثوى لهم، نظيره:\n ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ رقم [١٧٥] من سورة (البقرة). وإن يستعتبوا في الدنيا، وهم مقيمون على كفرهم، فما هم من المعتبين، لم يقل به أحد من المفسرين، ولا وجه له؛ لأن هذا الكلام متعلق بأحوال الآخرة.\n ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي: إن يسألوا أن يرضوا ربهم؛ فما هم فاعلون لفوات الوقت، والفرصة؛ لأنهم دعوا إليه في الدنيا؛ حيث ندبهم الله في كثير من الآيات إلى التوبة، والطاعة، وحثهم في كثير من الآيات على الاستغفار، والإيمان به. من قولهم: استعتبني فلان، فأعتبته؛ أي: استرضاني، فأرضيته. وجملة القول، لا يقال لهم يوم القيامة: ارضوا ربكم بتوبة، وطاعة. ومثله في سورة (الجاثية) رقم [٣٥]: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. وقال تعالى في سورة (النحل) الآية رقم [٨٤]: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقال تعالى في","vol":"8","page":439},{"text":"سورة (الروم) الآية رقم [٧٥]: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وخذ قول أبي الأسود الدؤلي، وهو الشاهد رقم [٩٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب]\nفألفيته غير مستعتب... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا\nهذا؛ والاستعتاب طلب العتاب، والمعتبة: هي الغلظة والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب من خصمه العتاب دل ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني: [الطويل]\nفإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته... وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥٢]: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ وفي المصباح المنير: عتب عليه عتبا من باب: ضرب، وقتل، ومعتبا أيضا:\nلامه في سخط، فهو عاتب. وعتّاب مبالغة، وبه سمّي، ومنه عتّاب بن أسيد الصحابي﵁-. وعاتبه معاتبة، وعتابا. قال الخليل-رحمه الله تعالى-: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة. وأعتبني: الهمزة للسلب؛ أي: أزال الشكوى، والعتاب، واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبى: الاسم من الإعتاب. انتهى. جمل من سورة (الروم). وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنّ أحدكم الموت، إمّا محسنا فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا فلعلّه يستعتب». رواه البخاري ومسلم.\nقال الزمخشري في سورة (الروم): فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين؛ فهذا معناه؛ أي: ما تقدم، وأما كونهم غير معتبين فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت حالهم بحال قوم جني عليهم، فهم عاتبون على الجاني، غير راضين عنه، فإن يستعتبوا الله؛ أي: يسألوه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته. انتهى. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَالنّارُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (النار):\nمبتدأ. ﴿مَثْوىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَثْوىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"8","page":440},{"text":"﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ مثل سابقه في إعرابه. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما):\nنافية. ﴿لَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (ما) على اعتبارها حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو في محل نصب خبر (ما) والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-4243\"></span>﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ أي: هيأنا. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي:\nقدرنا لمشركي مكة. يقال: هذان ثوبان قيضان: إذا كانا متكافئين، والمقايضة: المعاوضة، وأرى: أن المعنى الأول أولى بالاعتبار، ومثله قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٦]: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. قال ابن كثير: يذكر الله تعالى: أنه هو الذي أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته، وكونه، وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس، والجن.\n ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ:﴾ من أمر الدنيا، فحسنوه لهم؛ حتى آثروه على الآخرة، واتبعوا الشهوات. ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي: من أمر الآخرة، حسنوا لهم ما بعد مماتهم، ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة: أن لا بعث، ولا حساب، ولا جزاء. وانظر ما ذكرته في سورة (غافر) رقم [٣٤] و[٣٧].\nوقال الزجاج: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا بعث، ولا جنة، ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا، بأن الدنيا قديمة، ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك. قال القشيري: إذا أراد الله بعبد سوآ؛ قيض الله له إخوان سوء، وقرناء سوء يحملونه على المخالفات، ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وأشر منه النفس، وبئس القرين يدعوه اليوم إلى ما فيه الهلاك، ويشهد عليه غدا. وإذا أراد الله بعبد خيرا؛ قيض له قرناء خير، يعينونه على الطاعة، ويحملونه عليها، ويدعونه إليها.\nوروي عن أنس﵁أن النبي ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبده شرا، قيّض له قبل موته شيطانا، فلا يرى حسنا إلاّ قبّحه عنده، ولا قبيحا إلاّ حسّنه عنده». وعن عائشة﵂- «إذا أراد الله بالوالي خيرا؛ جعل له وزير صدق؛ إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يعنه».","vol":"8","page":441},{"text":"وعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله من نبيّ، ولا استخلف من خليفة؛ إلاّ كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ وتحضّه عليه، والمعصوم من عصمه الله». هذا؛ ولا تنس المرأة السوء، والولد السوء، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى في سورة التغابن رقم [١٤] و[١٥].\n ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: كلمة العذاب. انظر ما ذكرته في سورة (ص) رقم [٨٤ و٨٥].\n ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ في بمعنى: «مع» فالمعنى: هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه.\nوقيل: المعنى: في جملة أمم. ومثله قول عروة بن أذينة: [المنسرح]\nإن تك عن أحسن الصّنيعة مأ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا\nيريد: فأنت في جملة آخرين لست في ذلك بأوحد، ومعنى البيت: إن لم توفق للإحسان، فأنت في قوم قد صرفوا عن ذلك أيضا. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: مضت قبل أهل مكة. ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ حيث كفروا بربهم، وعملوا مثل أعمالهم، فأهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق يقيهم نزول العذاب بهم. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ:﴾ أعمالهم في الدنيا، وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة.\nالإعراب: ﴿وَقَيَّضْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قيضنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قُرَناءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فَزَيَّنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوف على ما قبله. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَحَقَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (حق): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور في: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أي: حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والفاعل يعود إلى: ﴿أُمَمٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:","vol":"8","page":442},{"text":"﴿أُمَمٍ﴾ بعد وصفه بما تقدم، أو بمحذوف صفة ثانية له. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿خاسِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا خاسِرِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليلية.\n\n<span id=\"aya-4244\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من أهل مكة. ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ:﴾ لا تنصتوا، ولا تصغوا له. ﴿وَالْغَوْا فِيهِ:﴾ اللغو: الساقط من الكلام، الذي لا طائل تحته. قال العجاج: [الرجز]\nأستغفر الرحمن ذا التّعظم... من اللّغا ورفث التّكلّم\nوالمعنى: لا تسمعوا له إذا قرئ، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات، والهذيان. كان بعضهم يوصي بعضا إذا رأيتم محمدا يقرأ؛ فعارضوه بالرجز، والشعر، وما أشبه ذلك؛ حتى يختلط عليه ما يقول، وتشوشوا عليه، وتغلبوه على قراءته. ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ أي:\nتغلبونه على قراءته فلا يفهم ما يقول. هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن من الفجار، والفساق في هذه الأيام؛ الذين يجلسون في المقاهي على موائد الملاهي، والمشروبات، وشرب الدخان، وكذلك الذين يجلسون في المجتمعات، ويخوضون في أعراض الناس، ويتكلمون بالغيبة، والنميمة، والهذر والنذر من الكلام ومن هذا ما يحصل في المأتم، حيث تفتح المسجلات على باب المتوفى، والصوت يدوي في الطريق وفي دار المتوفى، والمعزون مشغولون بما ذكرت، فلا حول، ولا قوة إلا بالله، والله يقول في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٣]: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\nهذا؛ و(الغوا فيه): هذه قراءة الجماعة، وهي من: لغي يلغى؛ أي: فهو يائي، وقرئ شاذا: «(والغوا فيه)» بضم الغين، وهي من: لغا يلغو؛ أي: فهو واوي. هذا؛ واللغو: ما ينبغي أن يلغى، ويطرح. خذ قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٧٢] في مدح عباد الرحمن: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا،﴾ وقوله تعالى في مدح مؤمني أهل الكتاب من سورة (القصص) رقم [٥٥]: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا تَسْمَعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛","vol":"8","page":443},{"text":"لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿لِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى، والهاء مقحمة بين الجار والمجرور حرف لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.\n ﴿وَالْغَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (الغوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تَغْلِبُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، وجملة:\n ﴿وَقالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4245\"></span>﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا:﴾ يجوز أن يراد بالذين كفروا هؤلاء اللاغون، والآمرون لهم باللغو خاصة، ويجوز أن يراد بهم جميع الكفار، وهو الأولى. وانظر إذاقة العذاب في الآية رقم [٣١] من سورة (الصافات). ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ:﴾ ولنعاقبنهم. ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ والمعنى: لنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم؛ التي عملوها في الدنيا، وأسوأ الأعمال الشرك.\nوفي الجمل نقلا عن كرخي: ولنجزينهم أقبح جزاء عملهم، وهو الشرك، وذكروا: أن إضافة ﴿أَسْوَأَ﴾ ليست إضافة أفعل إلى ما أضيف إليه، لقصد الزيادة عليه، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، فالمراد: سيئه؛ إذ لا يختص جزاؤهم بأسوأ عملهم.\nوحاصله: أن الإضافة للتخصيص، والمضاف للزيادة المطلقة.\nوفي هذا تعريض بمن لا يكون عند كلام الله المجيد خاضعا، خاشعا، متفكرا، متدبرا، وتهديد، ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ، ويخلط عليه القراءة، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد، وتأمل في هذا التغليظ، والتشديد، واشهد لمن عظّمه، وأجلّ قدره، وألقى إليه السمع؛ وهو شهيد بالفوز العظيم. انتهى. بحروفه.\nالإعراب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إن استمروا على ذلك؛ فلنذيقن. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.\n (نذيقن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف، لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَذابًا:﴾","vol":"8","page":444},{"text":"مفعول به ثان. ﴿شَدِيدًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (لنجزينهم): إعرابه مثل سابقه، والهاء مفعول به أول. ﴿أَسْوَأَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي كانوا يعملونه. والإعراب واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-4246\"></span>﴿ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى العذاب الشديد، وأسوأ الجزاء. ﴿أَعْداءِ اللهِ﴾ أي: وأعداء رسوله من الكافرين، والفاجرين، والفاسدين المفسدين. ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾ أي: لهم في جهنم دار الإقامة، لا يخرجون منها أبدا، قال الجمل نقلا من أبي السعود: جملة مستقلة مقررة لما قبلها، والمعنى: أن النار نفسها دار الخلد، فيكون في الكلام تجريد، وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمرا آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكماله فيها، فقد انتزع من النار دارا أخرى سماها دار الخلد. وقيل: ليس في الكلام تجريد، بل المراد: أن الدار تشتمل على دركات، فمنها واحدة بخصوصها تسمى دار الخلد، وهي في وسط النار، وهم خالدون فيها. انتهى.\n ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ:﴾ ينكرون الحق، أو يلغون. وذكر الجحود الذي هو سبب اللغو. قال الرازي: وسمى لغوهم بالقرآن جحودا؛ لأنهم لما علموا: أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز خافوا إن سمعه الناس أن يؤمنوا به، فاخترعوا تلك الطريق الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزا، إلا أنهم جحدوه حسدا. انتهى. صفوة التفاسير.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿أَعْداءِ:﴾ مضاف إليه، و﴿أَعْداءِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿النّارُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من: ﴿جَزاءُ،﴾ وفيه نظر؛ إذ البدل يحل محل المبدل منه، فيصير التقدير: ذلك النار. الثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر.\nالثالث: أنها مبتدأ، والجملة الاسمية بعدها الخبر. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ومثله في العكبري. هذا؛ وعلى الوجه الثاني فالجملة مفسرة لما قبلها، ومبينة لها. وعلى الوجه الثالث فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر آخر، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿دارُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿دارُ﴾ مضاف، و﴿الْخُلْدِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿النّارُ﴾ على اعتبارها مبتدأ، ومستأنفة، أو في محل نصب حال من:\n ﴿النّارُ﴾ على الوجه الأول والثاني فيها. والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"8","page":445},{"text":"﴿جَزاءُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب بفعل مقدر، وهو مصدر مؤكد؛ أي: يجزون جزاء. الثاني: أن يكون منصوبا بالمصدر الذي قبله، والمصدر ينصب بمثله، كقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٦٣]: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا﴾. الثالث: أن ينتصب على الحال من: ﴿النّارُ،﴾ أو من ضميرها المجرور ب: (في). ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءُ﴾ الثاني، إن لم يكن مؤكدا، وبالأول إن كان مؤكدا، و(ما) موصولة، أو مصدرية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: بالذي كانوا يجحدونه بآياتنا، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب جحدهم آياتنا. تأمل.\n\n<span id=\"aya-4247\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وصاروا إلى النار، والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع. ﴿رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ لأن الشيطان المضل يكون من الجن ويكون من الإنس، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (الناس): ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وقيل: هما إبليس، وقابيل بن آدم؛ الذي قتل أخاه؛ لأن الكفر سنة إبليس، والقتل بغير حق سنة قابيل، فهما سنّا المعصية. ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع: «ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل من ذنبه؛ لأنّه أول من سنّ القتل». أخرجه الترمذي. وانظر ما ذكرته في سورة (المائدة) رقم [٣٠]. ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا﴾ أي: ليكونا مباشرين للنار، وليكونا وقاية بيننا وبينها، فتخف عنا حرارتها نوع خفة. وقال القرطبي: سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن يجعلوهم تحت أقدامهم. ﴿لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ:﴾ قال مقاتل: أي:\nأسفل منا في النار، وقال الزجاج: ليكونا في الدرك الأسفل؛ أي: من أهل الدرك الأسفل، وممن هو دوننا، كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال باتباعنا لهما. انتهى. جمل. والله أعلم.\nالإعراب: (قال الذين): فعل، وفاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآيتين السابقتين، لا محل لها مثلهما. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وانظر ما ذكرته في سورة (ص) رقم [١٦] نقلا من قول مكي. ﴿أَرِنَا:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل","vol":"8","page":446},{"text":"عليها، والفاعل مستتر فيه تقديره: «أنت»، و(نا): مفعوله الأول، وهو بصري. لكن الهمزة عدته إلى المفعول الثاني. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وبعضهم يعتبره مبنيا على الياء مثل مفرده. ﴿أَضَلاّنا:﴾ فعل ماض، والألف فاعله، و(نا):\nمفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد ألف التثنية. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من ألف الاثنين، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿نَجْعَلْهُما:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وعند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعوله، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿تَحْتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو مفعوله الثاني، و﴿تَحْتَ﴾ مضاف، و﴿أَقْدامِنا﴾ مضاف إليه، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لِيَكُونا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، وألف الاثنين اسمه. ﴿مِنَ الْأَسْفَلِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (يكونا)، و«أن» المضمرة والفعل (يكونا) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (نجعل). هذا؛ والكلام: ﴿رَبَّنا أَرِنَا..﴾.\nإلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4248\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ:﴾ اعترافا بربوبيته، وإقرارا بوحدانيته؛ أي: لا رب، ولا معبود لنا إلا الله. وهذا شروع في بيان حسن أحوال المؤمنين في الدارين بعد بيان سوء حال الكفرة فيهما، وهذا من باب المقابلة؛ التي ذكرتها لك في سورة (يس) رقم [٥٥].\n ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا:﴾ قال الخازن-رحمه الله تعالى-: قال أهل التحقيق: كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته؛ لأجل العمل به، ورأس المعرفة اليقينية معرفة الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ ورأس الأعمال الصالحة أن يكون الإنسان مستقيما في الوسط، غير مائل إلى طرفي الإفراط، والتفريط، فتكون الاستقامة في أمر الدين، والتوحيد، فتكون في الأعمال الصالحة. سئل أبو بكر الصديق﵁عن الاستقامة، فقال: ألاّ تشرك بالله شيئا. وقال عمر﵁-: الاستقامة: أن تستقيم على الأمر، والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان﵁-: استقاموا: أخلصوا في العمل. وقال علي بن أبي طالب﵁-:\nأدوا الفرائض، واجتنبوا النواهي. وهو قول ابن عباس﵄-. انتهى. وقال الفضيل بن عياض-رحمه الله تعالى-: زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية. وخلاصة الاستقامة:\nالعمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.","vol":"8","page":447},{"text":"هذا؛ والاستقامة توبة بلا إصرار، وعمل بلا فتور، وإخلاص بلا التفات، ويقين بلا تردد، وتفويض بلا تدبير، وتوكل بلا توهم. والاستقامة درجة بها كمال الأمور، وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات، ونظامها، ومن لم يستقم؛ ضاع سعيه، وخاب أمله، والاستقامة أثر من آثار الدين، وثمرة من ثمار الإيمان الصادق، ونتيجة التقوى، ونظام الأمر، وعنوان التوفيق، وأساس الهداية، وأصل النجاح، وسر الفلاح، ومن لم يستقم في جميع أحواله، ويؤد ما عليه من الواجب نحو ربه، ونبيه، ونحو دينه، ونفسه، وأهله، ووطنه، وجيرانه، وأصدقائه، والناس أجمعين؛ فقد ضل سعيه، وخاب أمله، واضطرب نظام سيره، واختل ميزان تصرفه، وتقلب في أسباب الشقاء. وانظر ما ذكرته في سورة (هود) رقم [١١٢].\n ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا..﴾. إلخ: قال ابن زيد، ومجاهد: هذا يكون عند الموت، وهو قول ابن عباس﵄-. وقال مقاتل، وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقيل: تكون في القبر، وقال وكيع، وابن زيد: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث. وخذ قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ رقم [٦٤].\n ﴿أَلاّ تَخافُوا﴾ أي: من الموت، وما بعده من أهوال. ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ أي: على ما خلفتم من أهل، وولد، فنحن نخلفكم فيهم. وقيل: المعنى: لا تخافوا من ذنوبكم، ولا تحزنوا لأجلها، فالله يغفرها لكم. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها على ألسنة الرسل. وفي النسفي:\nوقال محمد بن علي الصابوني: تتنزل عليهم ملائكة الرحمة عند مفارقة الأرواح الأبدان: أن لا تخافوا سلب الإيمان، ولا تحزنوا على ما كان من العصيان، وأبشروا بدخول الجنان؛ التي كنتم توعدون في سالف الزمان. انتهى.\nهذا؛ والخوف: غم يلحق لتوقع مكروه، والحزن: غم يلحق لوقوعه من فوات نافع، أو حصول ضار، وأما التخوف؛ فإنه يأتي بمعنى: التنقص، كما في قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٤٧]:\n ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾. يروى: أن الفاروق﵁قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص.\nقال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]\nتخوّف الرحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السفن\nفقال عمر﵁-: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى: العلم، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا..﴾. إلخ سورة (البقرة) [١٨٢] وقوله تعالى رقم [٢٢٩] منها: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ ومعنى البيت: أضعف الرحل الناقة،","vol":"8","page":448},{"text":"وأهزلها، وأنقص سنامها، كما أضعف عود النبعة، وهو القوس، الذي يتخذ من شجر النبع، والسفن كل ما ينحت به من سكين ونحوها.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿رَبُّنَا:﴾ مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَقامُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿تَتَنَزَّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.\n ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تَخافُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق؛ و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ب: ﴿أَلاّ تَخافُوا،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمَلائِكَةُ،﴾ التقدير: قائلين بألا تخافوا. هذا؛ وأجيز اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، و(لا) ناهية، والفعل مجزوم بها، وتؤول (أن) المخففة من الثقيلة مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، مثل الأول. كما أجيز اعتبار (أن) مفسرة، و(لا) ناهية، والفعل مجزوم بها، والجملة الفعلية مفسرة لمعنى التنزيل لا محل لها. ﴿وَلا تَحْزَنُوا:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿وَأَبْشِرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿بِالْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: (الجنة). ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: التي كنتم توعدونها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4249\"></span><span id=\"aya-4250\"></span>﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: تقول لهم الملائكة الذين يتنزلون عليهم بالبشارة. قال مجاهد: أي: نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا. فإذا كان يوم","vol":"8","page":449},{"text":"القيامة؛ قالوا: لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة. وقال السدي: أي: نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة. انتهى. قرطبي. وقال البيضاوي: نلهمكم الحق في الدنيا، ونحملكم على الخير بدل ما كان الشيطان يفعل بالكفرة الفجرة.\n ﴿وَلَكُمْ فِيها﴾ أي: في الجنة. ﴿ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ أي: من الملاذ، والكرامات، والدرجات، والنعيم المقيم، والخير العميم. ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ:﴾ ما تطلبون، وتتمنون، وانظر إعلال ﴿تَدَّعُونَ﴾ في سورة (يس) رقم [٥٧] فإنه جيد. وشرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ و﴿الْآخِرَةِ﴾ في سورة (الزمر) رقم [٢٦]. ﴿نُزُلًا:﴾ هو ما يعد للنازل؛ أي: للضيف، ونحوه من طعام، وشراب، وإكرام. قال أبو السعد الضبي: [الطويل]\nوكنّا إذا الجبار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا\nهذا؛ وذكر أبو البقاء: أنه يجوز أن يكون جمع: نازل، كما قال الأعشى في معلقته رقم [٦٧]. [البسيط]\nإن تركبوا فركوب الخيل عادتنا... أو تنزلون فإنّا معشر نزل\nالإعراب: ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْلِياؤُكُمْ:﴾ خبره، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي من كلام الملائكة. ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿تَشْتَهِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿أَنْفُسُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ولكم فيها الذي تشتهيه أنفسكم، والجملة الاسمية ﴿وَلَكُمْ فِيها..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعراب:\n ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ مثلها بلا فارق، وهي معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿نُزُلًا:﴾ حال من قوله: ﴿ما تَدَّعُونَ،﴾ وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: أنزلناه نزلا. وقال الجلال: منصوب ب «جعل» مقدرا، والمعتمد الأول. ﴿مِنْ غَفُورٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿نُزُلًا،﴾ وأجيز تعليقهما بالفعل ﴿تَدَّعُونَ،﴾ التقدير: تطلبونه من جهة غفور رحيم، كما أجيز تعليقهما بما تعلق به الظرف في (لكم) من الاستقرار؛ أي: استقر لكم من جهة غفور رحيم. قال أبو البقاء: فيكون حالا من ﴿ما﴾. انتهى. جمل. ﴿رَحِيمٍ:﴾ بدل من سابقه.","vol":"8","page":450},{"text":"<span id=\"aya-4251\"></span>﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ﴾ أي: دعا إلى توحيد الله، وطاعته، بقوله، وفعله، وحاله، وعمل الصالحات، وجعل الإسلام دينه، ومذهبه. قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد. وقال الزمخشري: والآية عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون مؤمنا معتقدا لدين الإسلام، عاملا بالخير، داعيا إليه، وما هم إلا طبقة العلماء العاملين. انتهى. صفوة التفاسير. ﴿وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي:\nوهو في نفسه مهتد، فنفعه لنفسه، ولغيره، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف، ولا يأتونه، بل يأتمر، ويترك الشر. وهذه عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد. وقيل: هو رسول الله ﷺ دعا الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: هو المؤمن أجاب الله تعالى فيما دعاه إليه، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه.\nوقيل: إن كل من دعا إلى الله تعالى بطريق من الطرق؛ فهو داخل في هذه الآية. وللدعوة إلى الله تعالى مراتب: الأولى: دعوة الأنبياء-عليهم الصلاة والسّلام-إلى الله تعالى بالمعجزات، وبالحجج والبراهين، وبالسيف، وهذه المرتبة لم تتفق لغير الأنبياء. المرتبة الثانية:\nدعوة العلماء إلى الله تعالى بالحجج، والبراهين فقط. والعلماء أقسام: علماء بالله، وعلماء بصفات الله، وعلماء بأحكام الله. المرتبة الثالثة: دعوة المجاهدين إلى الله تعالى بالسيف، فهم يجاهدون الكفار؛ حتى يدخلوا في دين الله، وطاعته. المرتبة الرابعة: دعوة المؤذنين إلى الصلاة، فهم أيضا دعاة إلى الله تعالى، وإلى طاعته، وانظر سورة (النحل) رقم [١٢٥].\nهذا؛ والعمل الصالح على قسمين: قسم يكون من أعمال القلوب، وهو معرفة الله تعالى.\nوقسم يكون بالجوارح، وهو سائر الطاعات. وقيل: ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ صلى ركعتين بين الأذان، والإقامة. فعن عبد الله بن مغفل﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «بين كلّ أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاة، وقال في الثالثة لمن شاء». متفق عليه. انتهى. من الخازن. ولا تنس: أن الاستفهام بمعنى: أي: لا أحد أحسن! فهو بمعنى: النفي.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿قَوْلًا:﴾ تمييز. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَحْسَنُ﴾. ﴿دَعا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر يعود إلى (من). ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَعَمِلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿صالِحًا:﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: عمل عملا صالحا. وقيل: لمفعول مطلق محذوف. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها","vol":"8","page":451},{"text":"مثلها، واعتبرها أبو حيان في محل نصب حال من فاعل: ﴿دَعا﴾ المستتر، وعليه يكون الرابط:\nالواو، والضمير، و«قد» قبلها مقدرة. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا.\n ﴿إِنَّنِي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4252\"></span>﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ أي: في الجزاء؛ أي: إن الحسنة، والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها؛ إذا اعترضتك حسنتان، فادفع بها السيئة؛ التي ترد عليك من بعض أعدائك، كما لو أساء إليك رجل إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك، فتمدحه، أو يقتل ولدك، فتفتدي ولده من يد عدوّه. انتهى. نسفي. وقال الخازن: يعني الصبر، والغضب، والحلم، والجهل، والعفو، والإساءة.\nهذا؛ والحسنة: ما يحمد فاعلها شرعا، وسميت حسنة؛ لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها يوم القيامة. والمراد: بالحسنة المقبولة الأصلية المعمولة للعبد، أو ما في حكمها، كما لو تصدق عنه غيره. وأما السيئة؛ فهي ما يذم فاعلها شرعا، صغيرة كانت، أو كبيرة، وسميت سيئة؛ لأن فاعلها يساء بها عند المجازاة عليها في الدنيا، أو في الآخرة، وأصلها:\nسيوئة، فقل في إعلالها: اجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.\n ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: أمره بالصبر عند الغضب، وبالحلم عند الجهل، وبالعفو عند الإساءة. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أي:\nصديق قريب. والمعنى: فإنك إذا فعلت ذلك؛ انقلب عدوك المشاق لك مثل الصديق القريب مصافاة لك. قال مقاتل: نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب، كان مؤذيا للنبي ﷺ، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة؛ التي وقعت بينه، وبين النبي ﷺ، ثم أسلم، فصار وليا في الإسلام حميما في القرابة، وانظر ما ذكرته في سورة (المؤمنون) رقم [٩٧].\nتنبيه: روي: أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب، فناداه علي: يا قنبر! دع شاتمك، واله عنه؛ ترض الرحمن، وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا: [الطويل]","vol":"8","page":452},{"text":"وللكفّ عن شتم اللّئيم تكرّما... أضرّ له من شتمه حين يشتم\nوقال آخر: [الوافر]\nوما شيء أحبّ إلى سفيه... إذا سبّ الكريم من الجواب\nمتاركة السّفيه بلا جواب... أشدّ على السّفيه من السّباب\nوقال محمود الوراق. وقيل: الخليل بن أحمد: [الطويل]\nسألزم نفسي الصّفح عن كلّ مذنب... وإن كثرت منه لديّ الجرائم\nفما النّاس إلا واحد من ثلاثة... شريف ومشروف ومثل مقاوم\nفأمّا الّذي فوقي فأعرف قدره... وأتبع فيه الحقّ والحقّ لازم\nوأمّا الّذي دوني فإن قال صنت عن... إجابته عرضي وإن لام لائم\nوأمّا الّذي مثلي، فإن زلّ أو هفا... تفضّلت إن الفضل بالحلم حاكم\nهذا؛ وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد) وانظر: ﴿يَسْتَوِي﴾ في الآية رقم [٥٨] من سورة (غافر). هذا؛ وبين ﴿الْحَسَنَةُ﴾ و﴿السَّيِّئَةُ﴾ مطابقة. انظر الآية المذكورة من سورة (غافر).\nهذا؛ وقال لبيد بن ربيعة﵁من معلقته رقم [٢١]: [الكامل]\nواحب المجامل بالجزيل وصرمه... باق إذا ضلعت وزاغ قوامها\nالمعنى يقول: لا تعاجل صديقك بقطع الذي بينك وبينه، واخصصه بالمودة ما ثبت لك، فإن مال عن طريق الاستقامة؛ فأنت قادر على قطيعته كل وقت، كما قال النمر بن تولب الصحابي﵁-: [المتقارب]\nفأحبب حبيبك حبّا رويدا... فليس يعولك أن تصرما\nوأبغض بغيضك بغضا رويدا... إذا أنت حاولت أن تحكما\nوقد ذكروا: أنه مأخوذ من قول النبي ﷺ والأصح: أنه من قول علي﵁-:\nأحبب حبيبك هونا ما؛ عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْحَسَنَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية في الآية السابقة، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. قاله الفراء، وأنشد قول الشاعر: [البسيط]","vol":"8","page":453},{"text":"ما كان يرضى رسول الله فعلهم... والطّيّبان أبو بكر ولا عمر\n ﴿السَّيِّئَةُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿اِدْفَعْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت».\n ﴿بِالَّتِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(التي) صفة لموصوف محذوف؛ أي: بالخصلة التي... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿اِدْفَعْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإنما لم يقل: فادفع بالتي هي أحسن؛ أي: بقرن الجملة الفعلية بالفاء الفصيحة؛ لأنه على تقدير قائل قال: فكيف أصنع؟ فقال: ادفع بالتي هي أحسن. ﴿فَإِذَا الَّذِي:﴾\n (إذا) هي الفجائية. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (يس) ففيها الكفاية. ﴿بَيْنَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَداوَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كَأَنَّهُ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿وَلِيٌّ:﴾ خبر: (كأن). ﴿حَمِيمٌ:﴾ صفة:\n ﴿وَلِيٌّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وهو: ﴿الَّذِي﴾.\nهذا؛ وقال أبو البقاء: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو أي: الجملة في محل نصب حال من ﴿الَّذِي﴾ بصلته، و﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، و(إذا) للمفاجأة. وهي خبر المبتدأ؛ والفائدة تحصل من الحال. والثاني أن يكون ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ خبر المبتدأ، و(إذا) ظرف لمعنى التشبيه، والظرف يتقدم على العامل المعنوي. انتهى. ونقل الجمل عن الكرخي ما يشبهه، وهو يخالف ما نقلته من مغني اللبيب لابن هشام في إعراب مثل هذه الجملة في محاله.\n\n<span id=\"aya-4253\"></span>﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما يُلَقّاها﴾ أي: هذه الفعلة الكريمة، والخصلة الشريفة، والسجية العالية، وهي: مقابلة الإساءة بالإحسان. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: طبعهم، وسجيتهم، وشأنهم الصبر، وكظم الغيظ، واحتمال الأذى، وتحمل المكاره، وتجرع الشدائد. وفي سورة (القصص) رقم [٨٠]: ﴿وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾. ﴿وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: صاحب حظ، والحظ: الجدّ، وهو البخت، والدولة. يقال: فلان ذو حظ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ، وجدود، ورحم الله من يقول وهو أبو العلاء المعري: [الكامل]\nلا تطلبنّ بغير حظّ رتبة... قلم الأديب بغير حظّ مغزل\nسكن السّما كان السماء كلاهما... هذا له رمح وهذا أعزل\nالسما كان: كوكبان، يقال لأحدهما: الأعزل، وهو من منازل القمر، وهو الذي له النوء، وسمي أعزل؛ لأنه لا شيء من الكواكب بين يديه، ويقال للآخر: الرامح، وسمي رامحا بكوكب","vol":"8","page":454},{"text":"يتقدمه. ومعنى البيتين: أنهما مع استوائهما في وجود كل منهما في السماء امتاز أحدهما عن الآخر، فلهذا حظ، ولا حظ لذاك، فالمدار على القضاء الأزلي، والسعد الأولي. اللهم اجعلنا من السعداء، ولا تجعلنا من الأشقياء! وما أحسن قول من قال في بيان حظوظ الرجال: [الرمل] خلق الحظّ جمانا وحصى... خالق الإنسان من ماء وطين\nفوليد تسجد الدّنيا له... ووليد في زوايا المهملين\nوقال المتنبي: [الطويل]\nهو الحظّ حتى تفضل العين أختها... وحتى يصير اليوم لليوم سيّدا\nهذا؛ والحظ: النصيب. قال تعالى في سورة (النساء) في آية المواريث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وقال في سورة (المائدة) في ذم اليهود اللؤماء: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ رقم [١٤] وقيل: الحظ العظيم: الجنة. ولا وجه له في جميع ما ذكرت من الآيات.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يُلَقّاها:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها): مفعول به ثان. ﴿إِلاَّ:﴾\nحرف حصر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول، وجملة: ﴿صَبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الخصلة التي رأيت تقديرها؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ:﴾ مثل سابقه. ﴿ذُو:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة وهو المفعول الأول مثل سابقه، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿حَظٍّ﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿حَظٍّ،﴾ والجمل الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4254\"></span>﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ أي: ينخسك من الشيطان نخس. المعنى: وإن يوسوس لك الشيطان بترك مقابلة الإساءة بالإحسان، ويحملك على خلاف ما أمرت به، كغضب، وتفكير بشيء غير حسن؛ فاستعذ بالله من شره، ولا تطعه. هذا، والنخس، والنزغ، والنسغ، والنغز، والهمز، والوسوسة ألفاظ مترادفة، وأصل النزغ: الفساد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد. فقد شبه ﷾ وسوسة الشيطان، وإغواءه للناس بنخس السائق الدابة بشيء لتسير. وفي الجمل: وعبر عن وسوسة الشيطان بالنزغ على سبيل المجاز","vol":"8","page":455},{"text":"العقلي على حد: جدّ جدّه، ففي الكلام مجازان، والأصل: وإن يوسوس لك الشيطان بترك ما أمرت به؛ فاستعذ بالله. انتهى.\n ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ أي: استجر، وتحصن، واطلب النجاة من ذلك بالله. فأمر سبحانه العبد المؤمن أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه، والاستعاذة به. ولله المثل الأعلى، فلا يستعاذ من الكلاب إلا بصاحب الكلاب.\n ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ أي: لاستعاذتك، وأقوالك. ﴿الْعَلِيمُ﴾ أي: بأحوالك، وأفعالك، وجميع تصرفاتك، فيجازيك عليها، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تبعية؛ حيث شبه الإغراء على المعاصي بالنزغ، واستعير النزغ للإغراء، ثم اشتق منه:\nينزغنك. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة بحروفها في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٠] بزيادة ﴿هُوَ﴾ و(أل) هنا؛ لأن ما هنا متصل بمؤكد بالتكرار، وبالحصر، فناسب التأكيد بما ذكر، وما في (الأعراف) خليّ عن ذلك، فجرى على القياس من كون المسند إليه معرفة، والمسند نكرة.\nانتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nالإعراب: ﴿وَإِمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إما): هي (إن) الشرطية، مدغمة في: (ما) الزائدة، لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى (إن) في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما)، ولذا أكد الفعل بعدها بنون التوكيد الثقيلة. وذكر ابن هشام في المغني: أن توكيد الفعل بعدها قريب من الواجب، وذكر آيات كثيرة الفعل المضارع مؤكد فيها بنون التوكيد. وأضيف: أنه قرئ قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٢٦]: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ من غير توكيد الفعل بنون التوكيد. ﴿يَنْزَغَنَّكَ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَزْغٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿نَزْغٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (استعذ):\nفعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وجواب الأمر محذوف؛ أي: يدفعه عنك.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير فصلا، لا محل له، واعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على","vol":"8","page":456},{"text":"المحل. وعليهما: فالاسمان العظيمان خبران ل: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4255\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: ومن علاماته الدالة على قدرته، وتوحيده. ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي: إنه تعالى خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، وخلق الشمس، ونورها، وإشراقها، والقمر، وضياءه، وتقدير منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف باختلاف سيره، وسير الشمس مقادير الليل، والنهار، والشهور، والأعوام، ويتبين بذلك حلول، أوقات العبادات، والمعاملات، ثم لما كان الشمس، والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي، والسفلي؛ نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، وهما تحت قهره، وتسخيره، فقال: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾. انتهى. مختصر ابن كثير.\n ﴿وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ وصورهن، وسخرهن. هذا رد على من يعبد الشمس، والقمر، وإنما تعرض للأربعة مع أن الناس لم يعبدوا الليل، والنهار؛ للإيذان بكمال سقوط الشمس، والقمر عن رتبة السجودية لهما بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض؛ التي لا قيام لها بذاتها، وهذا هو السر في نظم الكل في سلك آياته، وإنما عبر عن الأربع بضمير الإناث مع أن فيها ثلاثة مذكرة، والعادة تغليب المذكر على المؤنث؛ لأنه لما قال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ فنظم الأربعة في سلك الآيات، صار كل واحد منها آية، فعبر عنها بضمير الإناث في قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ انتهى.\nجمل نقلا من السمين وغيره، وقال النسفي تبعا للزمخشري: لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى، أو الإناث، تقول: الأقلام بريتها، وبريتهن. انتهى. وهذا لا غبار عليه.\n ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: فاسجدوا له وحده. والسبب: أن ناسا كانوا يسجدون للشمس، والقمر، والكواكب، كالصابئين، ويزعمون: أن سجودهم لهذه الكواكب هو سجود لله ﷿، فنهوا عن السجود لهذه الوسائط، وأمروا بالسجود لله الذي خلق هذه الأشياء كلها. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من آياته): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿اللَّيْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على: ﴿اللَّيْلُ﴾. ﴿لا تَسْجُدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.","vol":"8","page":457},{"text":"﴿لِلشَّمْسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإنما لم يقل:\nفلا تسجدوا... إلخ؛ أي: بقرن الجملة الفعلية بالفاء الفصيحة؛ لأنه على تقدير قائل قال:\nفكيف نصنع؟ فقال: لا تسجدوا... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿لِلْقَمَرِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَاسْجُدُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اسجدوا):\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ل: (الله)، أو هو بدل منه. ﴿خَلَقَهُنَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف انظر تقديره في الشرح، والجملة الشرطية متعلقة بما قبلها، فهي مستأنفة مثله.\n\n<span id=\"aya-4256\"></span>﴿فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: الكفار، ومن على شاكلتهم من الملحدين، والفاسقين، والفاسدين، والمفسدين عن السجود لله تعالى. وامتثال أوامره. ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ:﴾ المراد بهم الملائكة. ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ:﴾ وهم لا يملون تسبيح الله، وعبادته. قال زهير في معلقته رقم [٥٨]: [الطويل]\nسئمت تكاليف الحياة ومن يعش... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم\nومعنى الآية الكريمة: فإن استكبروا، ولم يمتثلوا ما أمروا به، وأبوا إلا الواسطة-مع أنهم أمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصا-فدعهم، وشأنهم، فإن الله تعالى لا يعدم عابدا، وساجدا بالإخلاص، وله العباد المقربون؛ الذين ينزهونه بالليل، والنهار عن الأنداد. و﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة، فهي عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان.\nهذا؛ وفي الآيتين سجدة من عزائم السجود، يسن للقارئ، والسامع، والمستمع السجود عند تلاوتها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥] من سورة (السجدة) ففيها كبير فائدة. وفي موضع السجود فيها قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب الشافعي: أحدهما: أنه عند قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وهو قول ابن مسعود، والحسن، وحكاه الرافعي عن أبي حنيفة، وأحمد؛ لأن ذكر","vol":"8","page":458},{"text":"السجدة قبله. والثاني وهو الأصح عند أصحاب الشافعي، وكذلك نقله الرافعي: أنه عند قوله تعالى:\n ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة؛ لأن عنده تمام الكلام. انتهى. خازن بحروفه. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فدعهم، وشأنهم، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (الذين):\nاسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل لجواب الشرط المحذوف، الذي رأيت تقديره. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ المنفية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4257\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: ومن العلامات الدالة على قدرة الله، وعظمته، والباعثة على توحيده، وعبادته. ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً:﴾ يابسة متطامنة. مستعار من الخشوع بمعنى: التذلل لحال الأرض؛ إذا كانت قحطة، لا نبات فيها. وفي القرطبي: الخطاب لكل عاقل؛ أي: ومن آياته الدالة على أنه يحيي الموتى: ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً﴾ أي: يابسة جدبة. هذا وصف الأرض بالخشوع، قال النابغة: [الطويل]\nرماد ككحل العين لأيا أبينه... ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع\nوالأرض الخاشعة: الغبراء؛ التي لا تنبت، وبلدة خاشعة مغبرة لا ينزل بها مطر. ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ﴾ أي: بالنبات. قاله مجاهد. يقال: اهتز الإنسان؛ أي: تحرك. ﴿وَرَبَتْ﴾ أي:\nانتفخت، وعلت قبل أن تنبت. قاله مجاهد. أي: تصدعت عن النبات بعد موتها، وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم، وتأخير، وتقديره: ربت، واهتزت. والاهتزاز، والربو قد يكونان","vol":"8","page":459},{"text":"قبل الخروج من الأرض، وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض، فربوها: ارتفاعها، ويقال للموضع المرتفع: ربوة، ورابية، فالنبات يتحرك للبروز، ثم يزداد في جسمه بالكبر، طولا، وعرضا. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.\nهذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً﴾ استعارة مكنية، فقد استعير الخشوع، وهو التذلّل، والتقاصر لحال الأرض عند قحطها، وجفافها، كما استعير الهمود في آية (الحج) وكذلك يقال في الاهتزاز، والربو.\n ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْياها﴾ أي: أحيا الأرض بعد موتها بنزول المطر عليها. ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ أي:\nلقادر على إحياء الأموات، وإخراجهم من قبورهم للبعث، والحساب والجزاء. ﴿إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يعجزه-جل وعلا-شيء، فكما أخرج النبات من زروع، وثمار من الأرض المجدبة؛ فإنه قادر على إحياء الموتى.\nقال الصابوني نقلا من «مناهل العرفان» للزرقاني: ومن خصائص أسلوب القرآن العظيم: أنه يخاطب العقل، والقلب معا، ويجمع الحق، والجمال معا. انظر إليه، وهو في معمعان إقامة الدليل العقلي على البعث، والنشور في مواجهة المنكرين المكذبين كيف يسوق استدلاله سوقا يهز القلوب هزا، ويمتع العاطفة إمتاعا بما جاء في طيّ هذه الأدلة المسكتة المقنعة؟! إذ قال سبحانه في سورة (فصلت): ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ..﴾. إلخ، تأمل هذا الأسلوب البارع؛ الذي أقنع العقل، وأمتع العاطفة في آن واحد، حتى في الجملة التي هي بمثابة النتيجة من مقدمات الدليل؛ إذ قال: ﴿الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ يا للجمال الساحر! ويا للإعجاز الباهر؛ الذي يستقبل عقل الإنسان وقلبه معا بأنصع الأدلة، وأجمل البيان في هذه الكلمات المعدودات. انتهى.\nالإعراب: (من آياته): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿خاشِعَةً:﴾ حال من: ﴿الْأَرْضَ؛﴾ لأن الفعل بصري، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إذا): انظر رقم [٢٠]. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿عَلَيْهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْماءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿اِهْتَزَّتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَرْضَ،﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَرَبَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء","vol":"8","page":460},{"text":"التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَرْضَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿أَحْياها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و(ها): مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿لَمُحْيِ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (محي): خبر: ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و﴿الْمَوْتى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي للتعليل لا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مؤكدة لما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4258\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا:﴾ يميلون عن الحق في أدلتنا بالطعن. يقال: ألحد الحافر في الأرض، ولحد: إذا مال عن الاستقامة، فحفر في شق. والإلحاد: الميل، والعدول، ومنه: اللحد في القبر؛ لأنه أميل إلى ناحية منه، فاستعير لحال الأرض إذا كانت ملحودة، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة، والاستقامة. هذا؛ والمراد:\nب: ﴿آياتِنا﴾ القرآن. والإلحاد فيه: قولهم: شعر، أو كهانة، أو سحر. وقيل: باللغو عند تلاوة القرآن بالمكاء، والتصدية، واللغو، والغناء. وقيل: المراد ب: ﴿آياتِنا﴾ المعجزات. وهو يرجع إلى الأول، فإن القرآن معجز. هذا؛ ومن الإلحاد في القرآن ما يدعيه الباطنيون الملحدون، فإنهم يقولون: القرآن فيه ظاهر، وباطن، وإن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن.\nوقصدهم من وراء هذا الكلام نفي الشريعة، وإبطال الأحكام. وهذا بلا شك إلحاد في الدين، فمثلا يقولون في قوله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٩]: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ البحران علي وفاطمة. ويقولون في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ هما الحسن، والحسين، والحاجز بينهما محمد ﷺ. ويتأولون قوله تعالى في سورة (الحديد): ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ بأن الدين فيه باطن، وظاهر، ويفسرونه تفسيرات باطلة.\nلا يقرها لغة، ولا عقل، ولا دين! ولا حول، ولا قوة إلا بالله!.\n ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا:﴾ فنجازيهم على إلحادهم، وهو وعيد، وتهديد لهم. ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ:﴾\nعلى وجهه، وهو أبو جهل في قول ابن عباس﵄-. ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ﴾","vol":"8","page":461},{"text":"الْقِيامَةِ: قيل: هو الحمزة. وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ياسر. والأولى التعميم بحق كل كافر، والتعميم في حق كل مؤمن يعمل صالحا، فالذي يلقى في النار الكافر، والذي يأتي آمنا يوم القيامة المؤمن. ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ:﴾ تهديد شديد، فالأمر ليس على حقيقته، وذلك كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ..﴾. إلخ.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله بالكفر، وبأن يعمل العصاة ما شاؤوا، وهو ناه عنه، ومتوعد عليه؟! قلت: هو مجاز عن الخذلان، والتخلية، وأن ذلك الأمر متسخط إلى غاية. ومثاله: أن ترى الرجل قد عزم على أمر، وعندك: أن ذلك الأمر خطأ، وأنه يؤدي إلى ضرر عظيم، فتبالغ في نصحه، واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تر منه إلا الإباء، والتصميم؛ حردت عليه، وقلت: أنت؛ وشأنك، وافعل ما شئت! فلا تريد بهذا حقيقة الأمر، وكيف والآمر بالشيء مريد له؟! وأنت شديد الكراهة متحسر، ولكن كأنك تقول له: فإذ قد أبيت النصيحة؛ فأنت أهل لأن يقال لك: افعل ما شئت، وتبعث عليه؛ ليتبين لك إذا فعلت صحة رأي الناصح، وفساد رأيك. انتهى. بحروفه من سورة (العنكبوت) الآية رقم [٦٦].\n ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ وعيد بتهديد وتوعد بالمجازاة.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يُلْحِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي آياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْفَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. وقيل: وتقرير. الفاء: حرف استئناف. (من):\nاسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُلْقى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمْ:﴾\nحرف عطف معادل لهمزة الاستفهام. ﴿فَمَنْ:﴾ مبتدأ. ﴿يَأْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى: ﴿فَمَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿آمِنًا:﴾ حال من فاعل: ﴿يَأْتِي﴾ المستتر. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو ب: ﴿آمِنًا،﴾ و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، وخبر المبتدأ محذوف، لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿اِعْمَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل،","vol":"8","page":462},{"text":"وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا شئتموه. وإن اعتبرتها مصدرية؛ تؤول مع ما بعدها بمصدر، فيكون التقدير: اعملوا مشيئتكم. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه. وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة: ﴿اِعْمَلُوا..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4259\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿بِالذِّكْرِ﴾ أي: بالقرآن في قول الجميع. ﴿لَمّا جاءَهُمْ:﴾ جاءهم به محمد ﷺ من عند الله. وانظر الإعراب يظهر لك المعنى أكثر. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ أي: عزيز على الله. أو: كريم على الله تعالى. وقيل: العزيز: العديم النظير، وذلك: أن الخلق عجزوا عن معارضته. وقيل: أعزه الله بمعنى: منعه، فلا يجد الباطل إليه سبيلا، وهو ما في الآية التالية.\nالإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والموصول اسمه، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بما قبله. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (الذكر)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، وخبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، التقدير:\nمعاندون، أو هالكون، أو هو جملة: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٤٤] وما بينهما اعتراض.\nوهناك أقوال ضعيفة ذكرها ابن هشام في المغني، والجمل أيضا ذكرها. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكِتابٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿عَزِيزٌ:﴾ صفة (كتاب)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وأجاز الزمخشري، والبيضاوي اعتبارها بدلا من: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ..﴾. إلخ.\n<span id=\"aya-4260\"></span>﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل، ولا ينزل من بعده كتاب يبطله، وينسخه. قاله الكلبي. وقيل: معناه: أن الباطل لا يتطرق","vol":"8","page":463},{"text":"إليه، ولا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات؛ حتى يصل إليه. وقيل: لا يأتيه الباطل عما أخبر فيما تقدم من الزمان، ولا فيما تأخر. وقال السدي، وقتادة: الباطل: الشيطان، لا يستطيع أن يغير فيه، ولا يزيد، ولا ينقص منه. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ:﴾ في أقواله، وأفعاله. ﴿حَمِيدٍ:﴾ بمعنى:\nمحمود؛ أي: في جميع ما يأمر به، وينهى عنه. أو: يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون، وتأوله المبطلون؟ قلت: بلى، ولكن الله قد تقدم في حمايته عن تعلق الباطل به، بأن قيض قوما عارضوهم بإبطال تأويلهم، وإفساد أقاويلهم، فلم يخلّوا طعن طاعن إلا ممحوقا، ولا قول مبطل إلا مضمحلا.\nونحوه قوله تعالى في سورة (الحجر): ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ولا يبعد أن يريد بكلامه هذا مذهبه الاعتزالي، وما قاله بشأن القرآن هو، ومن على شاكلته. ومبحث ذلك في كتب علم الكلام، والعقيدة.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿الْباطِلُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (كتاب) بعد وصفه بما تقدم، أو هي في محل رفع صفة ثانية ل: (كتاب). وقيل: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء لأن لفظه مثنى، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية. وقيل: صلة للتوكيد. ﴿مِنْ خَلْفِهِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿تَنْزِيلٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو تنزيل. والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ حَكِيمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿تَنْزِيلٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له.\n\n<span id=\"aya-4261\"></span>﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿ما يُقالُ لَكَ﴾ أي: ما يقول لك كفار قومك من الأذى، والتكذيب. ﴿إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: إلا مثل ما قال لهم كفار قومهم، أو ما يقول الله لك إلا مثل ما قال لهم، وأمرهم به من التوحيد، والإخلاص له؛ لأنه لا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد، وإخلاص العبادة له، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ رقم [٦٥] من سورة (الزمر). ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ:﴾ ورحمة لمن تاب، وأناب، وآمن به. ﴿وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: لمن أصر على التكذيب، ومعاداتك يا محمد. ويكون كقوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٦]: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾.\nهذا؛ وقيل: إن قوله: ﴿ما يُقالُ لَكَ..﴾. إلخ استفهام؛ أي: أي: شيء يقال لك؟ والله أعلم.","vol":"8","page":464},{"text":"الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُقالُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق، يقرب الماضي من الحال. ﴿قِيلَ:﴾\nماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿لِلرُّسُلِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (الرسل)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. هذا؛ وعلى الاستفهام ف: ﴿ما﴾ مبتدأ، ونائب الفاعل يعود إليها، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، و﴿ما﴾ الثانية في محل رفع بدل من الأولى، ولكن المعنى ركيك على الاستفهام، والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ في الآية السابقة. وهو ضعيف.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَذُو:﴾ اللام: المزحلقة. (ذو): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذو) مضاف، و﴿مَغْفِرَةٍ﴾ مضاف إليه، و(ذو عقاب): معطوف على ما قبله. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة: ﴿عِقابٍ﴾. هذا؛ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ بدل من: ﴿ما﴾ وصلتها، وجاز إسناد ﴿يُقالُ﴾ إلى الجملة، كما جاز في: ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها﴾ رقم [٣٢] من سورة (الجاثية). هذا كله إن كان المعنى: ما يقول الله لك إلا ما قد قيل، فأما إن كان المعنى: ما يقول لك كفار قومك من الكلمات المؤذية إلا مثل ما قد قال الكفار الماضون لأنبيائهم-وهو الوجه الذي بدأ به الزمخشري-فالجملة استئناف. انتهى. مغني اللبيب بتصرف.\n\n<span id=\"aya-4262\"></span>﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ أي: ولو جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه يا محمد على الناس، وعلى قومك أعجميا بغير لغة العرب. ويظهر: أن هذا جواب لقولهم: هلا نزل القرآن بلغة العجم؟! ﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أي: بينات بلغتنا، فإننا عرب، لا نفهم الأعجمية! فبين:\nأنه أنزله بلسانهم؛ ليتقرر به معنى الإعجاز؛ إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما، ونثرا، وإذا عجزوا عن معارضته؛ كان من أدل الدليل على أنه من عند الله. ولو كان بلسان العجم؛ لقالوا:\nلا علم لنا بهذا اللسان. وإذا ثبت هذا؛ ففيه دليل على أن القرآن عربي، وأنه نزل بلغة العرب، وأنه ليس أعجميا، وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنا. انتهى. قرطبي.","vol":"8","page":465},{"text":"﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: لقالوا: أقرآن أعجمي، ونبي عربي؟! هذا؛ والأعجمي: هو الذي لا يفصح في كلامه، والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم، ولا يتكلم بكلامهم: أعجميا.\nوقال الفراء: الأعجم: هو الذي في لسانه عجمة؛ وإن كان عربيا، ومنه سمي زياد الأعجم؛ لأنه كان في لسانه عجمة؛ أي: لكنة مع كونه من العرب. والأعجمي، والعجمي: الذي أصله من العجم، فهو منسوب إليه. هذا؛ والأعرابي: هو الذي يسكن في البادية، والعربي: هو الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب، وهو منسوب إلى العرب، وجمع الأول: الأعراب، كما في الآية رقم [٩٠] من سورة (التوبة)، وجمع الثاني: العرب، والعرب والعرب واحد، كالعجم، والعجم، فبينهما طباق التضاد. هذا؛ وقال أبو حيان: الياء في أعجمي للمبالغة في الوصف، وليس النسب فيه حقيقا، وقال الرازي في لوامحه: فهي ك: (ياء) كرسي.\nهذا؛ وروى سعيد بن جبير﵁قال: قالت قريش: لولا أنزل القرآن عربيا، وعجميا، فيكون بعض آياته عجميا يفهمها العجم، وبعض آياته عربيا، يفهمها العرب، فنزلت الآية. وأنزل في القرآن من كل لغة، فمنه: «السجّيل» وهي فارسية، وأصلها: سنك كيل، أي:\nطين، وحجر، ومنه: «الفردوس» رومية، وكذلك «القسطاس». انتهى. قرطبي، وأيضا:\n «السندس»، و«الإستبرق». وانظره في محاله.\n ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ أي: يا محمد! قل: إن هذا القرآن هدى للمؤمنين من الضلالة، وشفاء لهم من الجهل، والشك، والريب. ففيه من التشبيه البليغ ما لا يخفى.\n ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالله، وبما أنزل على محمد ﷺ. ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: صمم عن سماع آياته، وتفهم معانيه. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ أي: كما أن هذا القرآن رحمة للمؤمنين، وشفاء لما في صدورهم، هو شقاء، وتعاسة على الكافرين، كما قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٨٢]: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾.\nقال «زاده» في حاشيته على «البيضاوي»: إن القرآن لوضوح آياته، وسطوع براهينه هاد إلى الحق، ومزيل للريب، والشك، وشفاء من داء الجهل، والكفر، والارتياب. ومن ارتاب فيه، ولم يؤمن به؛ فارتيابه إنما نشأ عن توغله في اتباع الشهوات، وتقاعده عن تفقده ما يسعده، وينجيه. انتهى. صفوة التفاسير. وانظر ما ذكرته في سورة (السجدة) رقم [٢] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر شرح آية الإسراء المذكورة.\n ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: أولئك الكافرون بالقرآن هم شبيهون بمن ينادى من مكان بعيد، فإنه لا يسمع، ولا يفهم ما ينادى به. وهذا على سبيل التمثيل. قال ابن عباس -﵄-: يريد مثل البهيمة؛ التي لا تفهم إلا دعاء، ونداء. انتهى. صفوة التفاسير.\nوقد عده بعضهم من الاستعارة التمثيلية. وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة بأقبح أسمائهم من","vol":"8","page":466},{"text":"مكان بعيد، فيكون ذلك أشدّ لتوبيخهم، وفضيحتهم. هذا؛ وإعلال: ﴿عَمًى﴾ مثل إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [٥٤] من سورة (غافر).\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿جَعَلْناهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿قُرْآنًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿أَعْجَمِيًّا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَقالُوا:﴾ اللام:\nواقعة في جواب لو. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْلا:﴾\nحرف تحضيض. ﴿فُصِّلَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿آياتُهُ:﴾\nنائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿لَقالُوا..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أعجمي): فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: أأعجمي، وعربي يستويان؟! وساغ الابتداء بالنكرة لاعتماده على الاستفهام. والثاني: أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أهو أعجمي، والمرسل به عربي؟! والثالث: أنه فاعل بفعل محذوف، التقدير: أيستوي أعجمي وعربي؟! وهذا ضعيف؛ إذ لا يحذف الفعل إلا في مواضع معروفة. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ والجملة مستأنفة، لا محل لها، على الوجوه الثلاثة.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿هُدىً وَشِفاءٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، أو هما متعلقان ب: (شفاء)؛ لأنه مصدر، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُدىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي آذانِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.\n ﴿وَقْرٌ:﴾ فاعل بمتعلق الجار، والمجرور؛ أي: وجد، أو استقر في آذانهم وقر. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و﴿وَقْرٌ﴾ مبتدأ مؤخرا، وتكون الجملة الاسمية، في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب مقول القول. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿عَمًى﴾ على مثال ما تقدم. ﴿عَمًى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، مثل ﴿هُدىً﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.","vol":"8","page":467},{"text":"﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُنادَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة: ﴿مَكانٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبارها خبرا ل: ﴿إِنَّ﴾ في الآية رقم [٤١] وهو أحد الأوجه الضعيفة التي قيلت في خبرها هناك.\n\n<span id=\"aya-4263\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ:﴾ فآمن به قوم، وعملوا بتعاليمه، وكفر به قوم؛ حيث حرفوا، وبدلوا، وغيروا فيه، ولم يعملوا بتعاليمه، كما اختلف قومك يا محمد في هذا القرآن بين مصدق ومكذب. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ:﴾ وهي كلمة الإنظار، والإمهال بتأخير العذاب للمجرمين إلى يوم القيامة، فإنه يوم الفصل، والجزاء.\n ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بإنزال ما يستحقه المجرم، والمكذب من العذاب؛ ليتميز به عن المحق.\n ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: وإن قومك لفي شك من القرآن موقع في الريبة؛ لتبلد عقولهم، وعمى أبصارهم. هذا؛ وقيل: الكلمة التي سبقت هي قوله تعالى في الحديث القدسي:\n «سبقت رحمتي غضبي». وانظر (الريب) في سورة (غافر) رقم [٥٩]، وانظر ما ذكره الرسول ﷺ من وقوع أنواع العذاب في هذه الأمة في آخر الزمان في الآية رقم [١٨].\nهذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهو تسلية للنبي ﷺ؛ أي: لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم. وأضيف: أن الآية مذكورة بحروفها في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام برقم [١١٠].\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله.\nوالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول.\n ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٢] من سورة (يس) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَاخْتُلِفَ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (اختلف): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل رفع نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل مستتر فيه، ولا وجه له ألبتة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. والجملة القسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو:","vol":"8","page":468},{"text":"حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿كَلِمَةٌ:﴾ مبتدأ. ﴿سَبَقَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى: ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿كَلِمَةٌ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف، التقدير:\nموجودة. ﴿لَقُضِيَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (قضي): ماض مبني للمجهول.\n ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة.\nهذا؛ ويجوز أن يكون نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، التقدير: وقضي هو؛ أي: القضاء. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (سبأ) فبين الآيتين شبه قوي. وجملة: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ جواب (لولا) لا محل لها، و(لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وقيل: معطوف على ما قبله، والأول أولى. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في شك): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شَكٍّ؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له. ﴿مُرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿شَكٍّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-4264\"></span>﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ:﴾ فصلاحه لنفسه؛ لأنه يعود عليها بالثواب، وجزيل الأجر. ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ أي: أساء العمل، فإساءته عائدة على نفسه بالضرر. ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ﴾ أي: بذي ظلم؛ أي: فظلام صيغة نسب كتمّار، وخبّاز، وبقّال، لا صيغة مبالغة، فالمراد نفي نسبة الظلم، لا نفي المبالغة؛ لأن نفيها يثبت بعض الظلم، والله منزه عنه قطعا، قال تعالى: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ ومثل الآية الكريمة ما رواه عبد الله بن مسعود﵁- عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يكون المؤمن لعّانا». أخرجه الترمذي، ومن هذا الباب قول امرئ القيس، وهو الشاهد رقم [١٧٥] من كتابنا: فتح القريب المجيب: [الطويل]\nوليس بذي رمح فيطعنني به... وليس بذي سيف وليس بنبّال\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿صالِحًا:﴾ صفة لمفعول به محذوف، أو لمفعول مطلق محذوف. ﴿فَلِنَفْسِهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (لنفسه): جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعمل لنفسه، أو هما متعلقان بمحذوف","vol":"8","page":469},{"text":"خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فعمله لنفسه، وهو قول ابن هشام في المغني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة سواء أكانت فعلية أم اسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، والمعتمد أنه جملتا الشرط والجواب. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فجملة: ﴿عَمِلَ صالِحًا:﴾ صلته، والجملة الثانية خبره، ودخلت الفاء في الخبر لشبه الموصول بالشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها:﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وهذه الآية مذكورة في سورة (الجاثية) برقم [١٤] هذا؛ ولا تنس المطابقة بين الجملتين المتعاطفتين.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما) نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿رَبُّكَ:﴾ اسم (ما)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِظَلاّمٍ:﴾\nالباء: حرف جر صلة. (ظلاّم) خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وفاعله مستتر فيه. ﴿لِلْعَبِيدِ:﴾ متعلقان بظلام، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل في محل نصب حال وضعفه ظاهر.\n\n<span id=\"aya-4265\"></span>﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿إِلَيْهِ:﴾ إلى الله تعالى. ﴿يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي: علم قيامها، ووقوعها؛ بمعنى:\nإذا سأل عنها سائل؛ قيل له: لا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله تعالى، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك، كما قال سيد البشر ﷺ لجبريل ﵇ حين سأله عن الساعة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل» وكما قال تعالى: ﴿إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ سورة (النازعات)، وكما قال في آخر سورة (لقمان): ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ..﴾. إلخ.\n ﴿وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها﴾ أي: من أوعيتها، فالأكمام: أوعية الثمرة، واحدها: كمة، وهي كل ظرف لمال، أو غيره. وضبطه الزمخشري بكسر الكاف، وهو ما يغطي الثمرة من الزهر، وقال الراغب: الكم ما يغطي اليد من القميص، وما يغطي الثمرة، وجمعه: أكمام، فهذا يدلّ على أنّه مضموم الكاف؛ إذ جعله مشتركا بين كمّ القميص، وكمّ الثمرة، ولا خلاف في كمّ القميص أنّه بالضم، فيجوز أن يكون في وعاء الثمرة لغتان دون كمّ القميص جمعا بين قوليهما. انتهى. جمل.\n ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ أي: إلاّ مقرونا بعلمه، واقعا حسب تعلّقه به.\nانتهى. بيضاوي. وفي الخازن: أي: يعلم قدر أيام الحمل، وساعاته، ومتى يكون الوضع، وذكر الحمل هو أم أنثى، ولونه. ومعنى الآية: كما يرد إليه علم الساعة؛ فكذلك يرد إليه علم ما يحدث من شيء، كالثمار، والنتاج. وخذ قوله تعالى من سورة (الرعد) رقم [٨]: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما﴾","vol":"8","page":470},{"text":"تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ وقوله تعالى في سورة (الأنعام) [٥٩]: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ انظر شرحها هناك تجد ما يسرّك.\n ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي﴾ أي: ينادي الله المشركين يوم القيامة: أين شركائي الذين زعمتموهم؟ هذا؛ وأطلق على الأصنام اسم الشركاء لأحد أمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس. وثانيهما: أنّهم يشركونها في الأموال، والأنعام، والزروع. انظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها. ﴿قالُوا﴾ أي: الأصنام المعبودة من دون الله تعالى. وقيل: المشركون، ويحتمل أن يريدهم جميعا العابد، والمعبود.\n ﴿آذَنّاكَ:﴾ أعلمناك؟ وأخبرناك الآن بالحقيقة. ﴿ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي: من يشهد اليوم بأن لك شريكا. قال المفسرون: لما عاينوا القيامة؛ تبرؤوا من الأصنام. وتبرأت الأصنام منهم، وأعلنوا إيمانهم وتوحيدهم في وقت لا ينفع فيه إيمان، وتوحيد.\nتنبيه: جاء في الظلال ما يلي: ويذهب القلب يتتبع الثمرات في أكمامها، والأجنة في أرحامها، ويطوف في جنبات الأرض يرقب الأكمام التي لا تحصى، ويتصور الأجنة التي لا يحصرها خيال، وترتسم في الضمير صورة رائعة لعلم الله، بقدر ما يطيق القلب البشري أن يتصور من الحقيقة التي ليس لها حدود.\nتنبيه: جاء في الخازن ما يلي: فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح من أصحاب الكشف قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان، والمنجمون! قلت: أما أصحاب الكشف إذا قالوا قولا؛ فهو من إلهام الله تعالى، وإطلاعه إياهم عليه، فكان من علمه الذي يردّ إليه. وأمّا الكهان، والمنجّمون فلا يمكنهم القطع، والجزم بشيء مما يقولونه ألبتة، وإنّما غايته ادّعاء ظنّ ضعيف قد لا يصيب، وعلم الله تعالى هو العلم اليقين المقطوع به، الذي لا يشركه فيه أحد.\nهذا؛ وأقول: وما اخترع من أشياء، وما اكتشف من أمور في هذا العصر، وما يتحدّثون عنه من مغيّبات مثل نزول المطر، وعن وصف الجنين في الرحم، وغير ذلك، إنما هو قائم على التجربة، والحدس، والتخمين، وكثيرا ما يخطئ، وقد يصيب، فيبقى من علم الله تعالى.\nالإعراب: ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُرَدُّ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عِلْمُ:﴾ نائب فاعله، و﴿عِلْمُ﴾ مضاف، و﴿السّاعَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، وقدّم الجار والمجرور للاختصاص. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما) نافية. ﴿تَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ثَمَراتٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ أَكْمامِها:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿ثَمَراتٍ﴾. وقيل: متعلقان بالفعل: ﴿تَخْرُجُ،﴾ والمعنى على الأول أقوى، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما","vol":"8","page":471},{"text":"قبلها، لا محلّ لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا ب: (إلى) فلا بأس به، ويكون الرابط: الواو، والضمير المجرور محلا بالإضافة بقوله: ﴿بِعِلْمِهِ﴾ لأنّ الجمل المتعاطفة كالجملة الواحدة. هذا؛ وقيل: (ما) موصولة في محل جر عطف على:\n ﴿السّاعَةِ﴾ التقدير: علم الساعة، وعلم التي تخرج. والمعنى: لا يؤيده.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿تَحْمِلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ﴾ حرف جر صلة. ﴿أُنْثى:﴾ فاعله مجرور لفظا منصوب محلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَضَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n ﴿أُنْثى،﴾ ومفعوله محذوف، التقدير: ولا تضعه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِعِلْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ أي: إلاّ مقرونا بعلمه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. (يوم): ظرف زمان: مفعول به، أو هو متعلّق بفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم، أو هو ظرف لمضمر قد ترك إيذانا بقصور البيان عنه، أو هو متعلّق بما بعده. ﴿يُنادِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبِّكَ﴾ في الآية السابقة، والهاء مفعول به. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلّق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿شُرَكائِي:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلّم في محلّ جر بالإضافة، من إضافة جمع اسم الفاعل لفاعله، أو لمفعوله، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (ينادي)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها، وجملة: (اذكر يوم يناديهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آذَنّاكَ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعول به أول، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. (من): حرف جر صلة. ﴿شَهِيدٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: (آذن) لأنّه يتعدّى لثلاثة ك:\n «أعلم»، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4266\"></span>﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: غاب عن الكافرين. والتعبير بالماضي عن المستقبل في هذه الآيات إنّما هو لتحقق الوقوع يوم القيامة. وانظر شرح ﴿ضَلَّ﴾ في سورة (الصافات) رقم [٧١].\n ﴿ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: يعبدون من دون الله، والمراد: الأصنام التي كانوا يعبدونها في","vol":"8","page":472},{"text":"الدنيا. ﴿وَظَنُّوا﴾ أي: وأيقنوا، وعلموا. ﴿ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: مهرب، وملجأ يلجؤون إليه، من: حاص، يحيص حيصا: إذا هرب.\nالإعراب: ﴿وَضَلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (ضلّ): فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ رفع فاعل. ﴿كانُوا:﴾\nماض مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَدْعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية في محلّ نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على الموصول، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، وجملة: ﴿وَضَلَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. (ظنوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية معلقة للفعل (ظنوا) عن العمل. ﴿لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ بلا فارق، وهي في محلّ نصب سدّت مسدّ مفعولي (ظنّ)، وجملة: ﴿وَظَنُّوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4267\"></span>﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ:﴾ لا يمل، وانظر الآية رقم [٣٨]. ﴿مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: من سؤاله، وطلبه الخير؛ الذي هو: المال، والصحة، والعز، والجاه، والسلطان. والمراد بالإنسان هنا: الكافر، بدليل قوله الآتي: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾. ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾ أصابه ما يكره في نفسه، أو ماله، أو ولده. ﴿فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ أي: شديد اليأس من روح الله تعالى، شديد القنوط من رحمة الله تعالى، وهذه صفة الكافر بدليل قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام الآية رقم [٨٧]: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾.\nهذا؛ واليأس من صفات القلب، وهو: قطع الرجاء من رحمة الله تعالى. والقنوط تبدو آثاره على ظاهر البدن. وفي البيضاوي: وقد بولغ في يأسه من جهة البنية والتكرير، وما في القنوط من ظهور أثر اليأس. انتهى. والمراد: بالبنية الصيغة لأن فعولا من صيغ المبالغة، والتكرير لأن اليأس والقنوط كالمترادفين. وفي المختار: اليأس: القنوط، وقد يئس من باب:\nفهم. وفيه لغة أخرى: يئس، ييئس بالكسر فيهما، وهي شاذة، ورجل يئوس، ويئيس أيضا، وبمعنى: «علم» في لغة النخع، ومنه قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾. وآيسه من كذا، فاستيأس منه، بمعنى: أيس. انتهى.\nجمل بتصرف. هذا؛ ومن مجيء ييأس بمعنى: يعلم قول سحيم بن وثيل اليربوعي، وقال القرطبي: هو لمالك بن عوف النصري: [الطويل]","vol":"8","page":473},{"text":"أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم\nزهدم: اسم فرس والد سحيم. وقال رباح بن عدي: [الطويل]\nألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا؟\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْأَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ دُعاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿دُعاءِ﴾ مضاف، و﴿الْخَيْرِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله. وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: من دعائه الخير. ﴿وَإِنْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿مَسَّهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿الشَّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَيَؤُسٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (يئوس): خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو يئوس. ﴿قَنُوطٌ:﴾ خبر ثان للمحذوف، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد. و(إن) ومدخولها معطوف على ما قبله لا محلّ له مثله.\n\n<span id=\"aya-4268\"></span>﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ﴾ أي: أذقنا الإنسان. ﴿رَحْمَةً مِنّا:﴾ عافية، وراحة بال، وغنى، وأولادا، ومنصبا، وجاها. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ أي: بعد شدة وبلاء أصابه. ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ أي: هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي، فيرى النعمة حتما واجبا على الله تعالى، ولم يعلم: أنّ الله ابتلاه بالنعمة، والمحنة ليتبين شكره، أو كفره. ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً:﴾ فهو ينكر الساعة؛ أي: يوم القيامة وما فيه من جزاء، وحساب، وإثابة، وعقاب. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي﴾ أي: على سبيل الفرض، والتقدير. ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ أي: الجنة، أو الحالة الحسنة من الكرامة، والنعمة. قايسا أمر الدنيا على أمر الآخرة، فهو يتمنى على الله الأماني الكاذبة.\nوقوله هنا كقول صاحب الجنتين في سورة (الكهف) رقم [٣٦]: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ وكما حكى الله عن العاص بن وائل قوله في سورة (مريم) رقم [٧٧]: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾.\n ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أي: فلنخبرنهم يوم القيامة بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب، ولنرينهم عكس ما اعتقدوا فيها من النفع، والنجاة من غضب الله، وسخطه،","vol":"8","page":474},{"text":"وأنّها لا تفيد شيئا، ولا تغني فتيلا، كما قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٣]: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ:﴾ شديد، لا يفتر عنهم. فالله يتهدد من كان هذا عمله، واعتقاده بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم. هذا؛ والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد: الشدة، والثقل على المعذب، وانظر استعارة (الذوق) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الصافات).\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَذَقْناهُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا):\nفاعله، والهاء مفعول به أول. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعوله الثاني. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف صفة:\n ﴿رَحْمَةً،﴾ و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿ضَرّاءَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علّتين من موانع الصرف. ﴿مَسَّتْهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ضَرّاءَ،﴾ تقديره: «هي»، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿ضَرّاءَ﴾.\n ﴿لَيَقُولَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ جواب القسم، المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nهذا؛ والكلام: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محلّ له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو، الحال. (ما): نافية. ﴿أَظُنُّ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿السّاعَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿قائِمَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط:\nالواو، والضمير. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ:﴾ إعرابه مثل سابقه مع ملاحظة بناء الفعل للبناء للمجهول، والتاء نائب فاعله. ﴿إِلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر:","vol":"8","page":475},{"text":"﴿إِنَّ،﴾ تقدّم على اسمها. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالخبر المحذوف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَلْحُسْنى:﴾ اللام: لام الابتداء. (الحسنى): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المقصورة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ لِي..﴾. إلخ جواب القسم، لا محلّ لها، وانظر ما ذكرته سابقا.\n ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (ننبئن): فعل مضارع مبني على الفتح، والنون للتوكيد حرف لا محلّ له. والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو:\nبشيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبعملهم، والجملة الفعلية: (لننبئن...) إلخ جواب القسم المقدر، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني. ﴿غَلِيظٍ:﴾ صفة (عذاب).\n\n<span id=\"aya-4269\"></span>﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ أي: الكافر؛ أي: الجنس من حيث هو. ﴿أَعْرَضَ﴾ أي:\nعن الإيمان، والتوحيد. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: ترفع، وتباعد عن الانقياد إلى الحق، وتكبر على أنبياء الله، والداعين إلى الهدى والصلاح في كل زمان ومكان. وهذا شأن المتكبرين أينما وجدوا. والجانب: مجاز عن النفس، كالجنب في قوله تعالى حكاية عن قول الفاجر يوم القيامة: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ رقم [٥٦] من سورة (الزمر). ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾\nأصابه بلاء في جسمه، أو في ولده، أو في ماله، أو ما يغمّه ويحزنه. ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي:\nكثير، والعرب تستعمل الطول، والعرض في الكثرة. يقال: أطال فلان الكلام، وأعرض في الدعاء: إذا أكثر، فهو مستعار مما له عرض متسع للإشعار بكثرته، فإن العريض يكون ذا أجزاء كثيرة. والاستعارة تخييلية، شبه الدعاء بأمر يوصف بالامتداد، ثم أثبت له العرض، فإن قلت:\nكيف يدعو دعاء طويلا عريضا، ينافي وصفه قبل هذا بأنه يؤوس قنوط؛ لأنّ الدعاء فرع الطمع والرجاء، وقد اعتبر في القنوط ظهور أثر اليأس، فظهور ما يدلّ على الرجاء يأباه؟! قلت: يمكن","vol":"8","page":476},{"text":"دفع المنافاة بحمله على عدم اتحاد الأوقات، والأهوال. انتهى. جمل نقلا من الشهاب. بعد هذا خذ قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٨٣]: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا﴾ وقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٩]: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو استئنافية، (إذا): انظر الآية رقم [٢٠]. ﴿أَنْعَمْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿عَلَى الْإِنْسانِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها.\n ﴿أَعْرَضَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانِ،﴾ والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَنَأى:﴾ الواو: حرف عطف. (نأى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِجانِبِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾ إعرابه مثل سابقه بلا فارق. ﴿فَذُو:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا).\n (ذو): خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو ذو، مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذو) مضاف، و﴿دُعاءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَرِيضٍ:﴾ صفة: ﴿دُعاءٍ،﴾ والجملة الاسمية جواب (إذا)، لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.\n\n<span id=\"aya-4270\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ؛ أي: قل يا محمد لقومك. ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، وأعلموني. ﴿إِنْ كانَ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: حقا كما أخبر النبي ﷺ.\n ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: أنكرتموه، وجحدتموه. ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ..﴾. إلخ أي: فأي الناس أضل؟! أي: لا أحد أضل منكم لفرط شقاوتكم، وعداوتكم. ﴿فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في خلاف، وعصيان، ومشاقة لله ﷿، ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، ومعنى: ﴿بَعِيدٍ:﴾ شديد.\nوانظر شرح: ﴿شِقاقٍ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (ص).\nهذا؛ وقال الجمل: واستعمال: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى: الإخبار مجاز، ووجه المجاز: أنّه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، أو إبصاره به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه؛ استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، لاشتراكهما في الطلب، ففيه مجازان: استعمال «رأى» التي بمعنى: «علم» أو «أبصر» في الإخبار، واستعمال الهمزة؛ التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار. انتهى. جمل نقلا من الشهاب.","vol":"8","page":477},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (رأيتم): فعل، وفاعل، ومفعوله الأول محذوف، التقدير: أرأيتم أنفسكم، والثاني:\nالجملة الاستفهامية الآتية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ و﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية... إلخ. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كَفَرْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فلا أحد أضلّ منكم! ﴿مِنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان. وعليه:\nفالجملة الشرطية معترضة بين المفعولين. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَضَلُّ﴾. ﴿هُوَ:﴾\nمبتدأ. ﴿فِي شِقاقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة: ﴿شِقاقٍ﴾.\nهذا؛ وقد ارتأيت في سورة (الأنعام) رقم [٤٠] أنّ الجملة الاستفهامية سدّت مسدّ مفعولي الفعل على اعتباره معلقا عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وعليه فالجملة الشرطية معترضة بين الفعل وبين ما سدّ مسدّ مفعوليه. وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4271\"></span>﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ:﴾ يعني ما أخبرهم به النبي ﷺ به من الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله له، ولخلفائه من الفتوح، والظهور على ممالك الشرق، والغرب على وجه خارق للعادة. انتهى. بيضاوي. هذا؛ والآيات: العلامات الدالة على قدرة الله، وعظمته، وهي تبعث على عبادته، وتوحيده. هذا؛ والآفاق: النواحي، والجهات، واحدة: أفق، وأفق، مثل: عسر وعسر، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء إذا كان من آفاق الأرض، وبعضهم يقول: أفقي بضمهما، وهو القياس، وأنشد غير الجوهري قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٦٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nأخذنا بآفاق السّماء عليكم... لنا قمراها والنجوم الطوالع\n ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من لطيف الصنعة، وبديع الحكمة؛ حتى سبيل البول، والغائط، فإن الإنسان يأكل، ويشرب في مكان واحد، ويتميز ذلك من مكانين. وبديع صنعته، وحكمته في","vol":"8","page":478},{"text":"عينيه؛ اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمئة عام. وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه. وقيل: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم، كما تقدّم بيانه في سورة (المؤمنون).\nانتهى. قرطبي. لذا فقد قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾.\n ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ:﴾ الضمير للقرآن، أو للرسول ﷺ، أو للتوحيد، أو لله. هذا؛ ويقال: تبين الشيء، وبان، وأبان، واستبان كله بمعنى واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا.\n ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ أي: أولم يحصل الكفاية بربك. ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المعنى:\nأولم يكفك: أنّه تعالى على كل شيء شهيد محقق له، فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة، كما حقق سائر الأشياء. أو المعنى: مطلع، فيعلم حالك، وحالهم، ويستوي عنده تعالى الغيب، والشهادة، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض. هذا؛ والفعل:\n «كفى» في قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ونحوه بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم، لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله، كما في هذه الآية التي نحن بصدد شرحها، وأمّا إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى، فيكون متعديا لواحد، وإذا كان بمعنى: وقى، فإنّه يكون متعديا لمفعولين. كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ رقم [٢٥] من سورة (الأحزاب).\nهذا؛ واعتبر بعض العلماء في الآية الكريمة إشارة دقيقة إلى بعض العلوم الكونية؛ التي سبق إليها القرآن قبل أن يكتشفها العلم الحديث، ثم عدم تعارضه مع ما يكتشفه العلم من نظريات علمية حديثة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الناحية من نواحي الإعجاز بقوله جلّ شأنه:\n ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا..﴾. إلخ. قال محمد علي الصابوني: ومع اعتقادنا بأن القرآن العظيم ليس كتاب طبيعة، أو هندسة، أو فيزياء، وإنما هو كتاب هداية، وإرشاد، وكتاب تشريع، وإصلاح، ولكن مع ذلك لم تخل آياته من الإشارات الدقيقة، والحقائق الخفية إلى بعض المسائل الطبيعية والطبية، والجغرافية مما يدل على إعجاز القرآن، وكونه وحيا من عند الله، فمن المقطوع به: أن محمدا ﷺ كان أميا، لا يقرأ، ولا يكتب، وأنه نشأ في بيئة بعيدة عن مظاهر الحياة؛ حيث لم تكن علوم، ولا معارف، ولا مدارس تقرأ فيها العلوم الكونية؛ لأنّ قومه، وعشيرته كانوا أميين، ومع ذلك فإن النظريات العلمية التي أشار إليها القرآن لم تكن معلومة في عصره، ولم يكتشف العلم أسرارها، إلا منذ زمن قريب، وذلك من أصدق البراهين على أنّ هذا القرآن ليس من تأليف محمد ﷺ كما يزعم بعض المستشرقين، إنما هو وحي من الله أنزله على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين. انتهى.","vol":"8","page":479},{"text":"الإعراب: ﴿سَنُرِيهِمْ:﴾ السين: حرف تسويف، واستقبال. (نريهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء في محل نصب مفعول به أول. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْآفاقِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿آياتِنا﴾. ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَتَبَيَّنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبرها، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾. و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (نريهم) وهما مفعوله الثالث.\n ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: عاطفة على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكْفِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿بِرَبِّكَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ربك):\nفاعل: ﴿يَكْفِ﴾ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ألم يغنهم، ولم يكفهم ربك. والباء مزيدة للتوكيد، ولا تكاد تزاد بالفاعل إلا مع كفى. والكلام كله مستأنف لا محلّ له. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ:﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر. وفيه وجهان: أحدهما: أنّه بدل من: (ربك)، بدل كل من كل. وفي الشهاب: إنه بدل اشتمال، فيكون مرفوع المحل مجرور اللفظ كمتبوعه. والثاني: أن الأصل: بأنه، ثم حذف الجار، فجرى الخلاف. هذا؛ وأجيز أن يكون هذا المصدر هو الفاعل، وأن ﴿بِرَبِّكَ﴾ هو المفعول. انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول: وهذا الأخير ضعيف، وغير مشهور. هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إنه)» على إضمار قول قبلها، أو على الاستئناف. وهذا أرجح، وأقوى.\n\n<span id=\"aya-4272\"></span>﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿أَلا إِنَّهُمْ﴾ أي: كفار قريش. ﴿فِي مِرْيَةٍ:﴾ في شك. ﴿مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة؛ أي: أنهم يشكون في يوم القيامة الذي يلاقون فيه ربهم، ويجازيهم فيه على أعمالهم؛ التي اقترفوها في الدنيا، ولهذا لا يتفكرون فيه، ولا يعملون له، وهو كائن لا محالة، وواقع لا","vol":"8","page":480},{"text":"ريب فيه. ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ:﴾ عالم بمجمل الأشياء، وتفاصيلها، مقتدر عليها، لا يفوته شيء منها. وقال الخطابي: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته:\nالإحاطة بكل شيء، واستئصال المحاط به، وأصله: (محيط)، نقلت حركة الياء إلى الحاء قبلها؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة. هذا؛ وإذا كان يائيا فسكنت الياء؛ يقال: أحاط، يحيط إحاطة، وحيطة، ومن ذلك حائط الدار، وأحاطت الخيل بفلان: إذا أخذ مأخذا حاصرا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾. والله أعلم بصواب ذلك.\nانتهى. قرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿فِي مِرْيَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة الاسمية ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿مِنْ لِقاءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مِرْيَةٍ،﴾ و﴿لِقاءِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَلا:﴾ مثل سابقتها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُحِيطٌ﴾ بعدهما، و(كل): مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُحِيطٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محلّ لها مثل سابقتها. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (فصلت السجدة) بحمد الله وتوفيقه، تفسيرا وإعرابا.\nوالحمد لله ربّ العالمين.","vol":"8","page":481},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3896>سورة الشّورى</span>\nسورة (الشورى) وتسمى سورة (عسق) وسورة (حم عسق) وهي مكية في قول ابن عباس، والجمهور، وحكي عن ابن عباس﵄-: إلاّ أربع آيات نزلت بالمدينة أولها: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى..﴾. وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمئة وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمئة، وثمانية وثمانون حرفا. والله أعلم. انتهى. خازن بحروفه.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4273\"></span><span id=\"aya-4274\"></span>﴿حم (١) عسق (٢)﴾\nالشرح: قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل: لم قطع حروف ﴿حم﴾ من:\n ﴿عسق﴾ ولم تقطع ﴿كهيعص﴾ و﴿المر﴾ و﴿المص؟﴾ فقال: لأنّها بين سور أوائلها ﴿حم﴾ فجرت مجرى نظائرها، قبلها، وبعدها، فكأنّ ﴿حم﴾ مبتدأ، و﴿عسق﴾ خبره، ولأنها عدت آيتين، وعدت أخواتها التي لم تقطع آية واحدة. وقيل: لأنّ أهل التأويل لم يختلفوا في ﴿كهيعص﴾ وأخواتها: أنّها حروف التهجي. وقيل: كتبت ﴿حم (١) عسق﴾ منفصلا، و﴿كهيعص﴾ متصلا؛ لأنّه قيل: معنى ﴿حم﴾ فعل؛ أي: حمّ ما هو كائن، ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل، وبين ما لا يقدر، ثم لو فصل هذا، ووصل ذا؛ لجاز.\nوقال ابن عباس﵄-: ح: حلمه، م: مجده، ع: علمه، س: سناه، ق:\nقدرته؛ أقسم الله ﷿ بها. وقيل: هذا في شأن محمد ﷺ، فالحاء: حوضه المورود، والميم:\nملكه الممدود، والعين: عزه الموجود، والسين: سناه المشهود، والقاف: قيامه في المقام المحمود، وقربه في الكرامة من الملك المعبود. وقال ابن عباس﵄-: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه: ﴿حم (١) عسق﴾ فلذلك قال تعالى: ﴿كَذلِكَ يُوحِي..﴾. إلخ.\nهذا؛ وذكر القشيري-واللفظ للثعلبي-: أنّ النبي ﷺ، لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه، فقيل له: يا رسول الله! ما أحزنك؟ قال: «أخبرت ببلايا تنزل بأمتي من خسف، وقذف، ونار تحشرهم، وريح تقذفهم في البحر، وآيات متتابعات متصلات بنزول عيسى، وخروج الدجال». والله أعلم. انتهى. ما تقدم من الخازن، والقرطبي. هذا؛ وانظر ما ذكرته في أول سورة (غافر) بشأن الحواميم. هذا؛ ومن الضلال المبين ما قيل في تفسير ﴿حم (١) عسق﴾","vol":"8","page":482},{"text":"حيث قيل: الحاء: حرب عليّ، ومعاوية، والميم: ولاية بني مروان، والعين: ولاية العباسيين، والسين: ولاية السفيانيين، والقاف: القدوة بالمهدي إلى غير ذلك من الضلال.\nالإعراب: ﴿حم:﴾ مبتدأ. ﴿عسق:﴾ خبره، وإن اعتبرتهما اسما مركبا، فقل في إعرابه ما رأيته في أول سورة (غافر) والله ولي التوفيق.\n\n<span id=\"aya-4275\"></span>﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾\nالشرح: أي: كما أنزل إليك هذا القرآن؛ كذلك أنزل على الأنبياء قبلك مثله. ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: وإلى الرسل الذين كانوا قبلك. وقيل: معناه: كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى الذين من قبلك. ﴿اللهُ الْعَزِيزُ:﴾ في ملكه، القوي في سلطانه، ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في صنعه.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف أيضا، عامله ما بعده، التقدير: يوحي إليك، وإلى الذين من قبلك إيحاء كائنا مثل ذلك الإيحاء.\nهذا؛ وقيل: إن ﴿كَذلِكَ﴾ مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، وهذا يعني: أنّ الكاف اسما بمعنى: مثل، فهو مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وهو مضاف، و(ذا) في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿يُوحِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَإِلَى الَّذِينَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿اللهُ:﴾ فاعل: ﴿يُوحِي،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، أو في محل رفع خبر المبتدأ على نحو ما رأيت سابقا. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ بدل ثان. وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة، والأول أقوى.\nهذا؛ ويقرأ: «(يوحى)» بفتح الحاء، وعليه فالجار والمجرور: ﴿إِلَيْكَ﴾ في محل رفع نائب فاعله، ويجوز أن يكون نائب الفاعل ضميرا مستترا التقدير: يوحى إليك القرآن، الذي تضمنته هذه السورة، ويكون لفظ الجلالة مرفوعا بفعل محذوف، التقدير: يوحيه الله إليك، على مثال ما رأيت في سورة (النور) رقم [٣٦]. وأنشد سيبويه قول الحارث بن ضرار النهشلي، وهو الشاهد رقم [١٠٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nليبك يزيد ضارع لخصومة... ومختبط ممّا تطيح الطّوائح\nفقال: ليبك يزيد، ثم بين من ينبغي أن يبكيه، فالمعنى يبكيه ضارع. ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوفا، كأنّه قال: الله يوحيه. وضعفه ابن هشام في المغني. أو على تقدير إضمار","vol":"8","page":483},{"text":"مبتدأ؛ أي: الموحي الله. وقواه ابن هشام في المغني. أو يكون مبتدأ، والخبر ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nانتهى. قرطبي. وجوّز مكي اعتبار الاسمين الكريمين صفتين للفظ الجلالة، والخبر الجملة الاسمية في الآية التالية. وهذا كلّه على تقدير سؤال سائل. تأمّل.\n\n<span id=\"aya-4276\"></span>﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾\nالشرح أي: إنّ جميع الموجودات في السموات، والأرض من أفلاك، وكواكب في السموات، وما على الأرض من جبال، وأنهار، وبحار؛ فكل ذلك ملك لله تعالى، وفي تصرفه، وعنه نشأ، ومنه بدأ، لا يشركه فيه أحد. وما يملكه العبد في هذه الدنيا الفانية؛ فإنّما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة، فويل لمن قصّر في الوكالة، وخان في الأمانة. وقيل: معناه: إنّ خزائنه المطر، والرزق بيد الله، ولا يملكها أحد سواه.\n ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:﴾ هو كقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ،﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nالإعراب: ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها عطف مفرد على مفرد، وإن اعتبرتها مبتدأ، والخبر محذوفا، لدلالة ما قبله عليه؛ فالعطف يكون عطف جملة على جملة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول.\n ﴿وَهُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:﴾ خبران للضمير، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام؛ فلست مفندا، ويكون الرابط:\nالواو، والضمير.\n<span id=\"aya-4277\"></span>﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾\nالشرح: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ:﴾ قال ابن عباس﵄-: أي:\nتكاد كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها من قول المشركين: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ رقم [١١٦] من سورة (البقرة)، وسورة (مريم) [٩٠ و٩١]: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾. وقال الضحاك، والسّدي: أي: يتشققن من عظمة الله، وجلاله فوقهن. وقيل: ﴿فَوْقِهِنَّ﴾ فوق الأرضين من خشية الله؛ لو كنّ مما يعقل. هذا؛ وقرئ:","vol":"8","page":484},{"text":"﴿تَكادُ﴾ بالتاء، والياء، و﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ بالنون من الانفطار، وهو التشقق، كقوله تعالى في سورة (الانفطار) الآية رقم [١]: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ،﴾ وقال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ سورة (المزمل) الآية رقم [١٨].\nهذا؛ ومعنى: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي: يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية، وكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها كلمة الكفر؛ لأنّها جاءت من الذين تحت السموات، ولكنه بولغ في ذلك، فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن؛ دع الجهة التي تحتهن. وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ من فوق الأرض، فالكناية راجعة إلى الأرض؛ لأنّه بمعنى: الأرضين. وقيل: يتشققن لكثرة ما على السموات من الملائكة، قال ﵊: «أطّت السماء أطّا، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع قدم؛ إلاّ وعليه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد». انتهى. نسفي. وقال الجمل نقلا عن السمين: في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه عائد على السموات؛ أي: يبتدأ انفطارهن من هذه الجهة.\nوالثاني: أنّه عائد على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض قبل ذلك. الثالث: أنّه عائد على فرق الكفار، والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. انتهى.\n ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: ينزهونه عمّا لا يليق بجلاله، ويذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال، والإكرام، وجعل التسبيح أصلا، والحمد حالا؛ لأنّ الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح، والتحميد: هو الاعتراف بأنّه هو المنعم على الإطلاق.\n ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من المؤمنين دون الكافرين بدليل قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٧]: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ إذا فالآية هنا عموم يراد به الخصوص؛ لأنّ الكافر لا يستحق أن تستغفر له الملائكة. وقيل: يحتمل أن يكون لجميع من في الأرض، أما في حق الكافرين، فبواسطة طلب الإيمان لهم، ويحتمل أن يكون المراد من الاستغفار ألاّ يعاجلهم بالعقاب، وأمّا في حق المؤمنين؛ فبالتجاوز عن سيئاتهم. وقيل: استغفارهم لمن في الأرض هو سؤال الرزق لهم، فيدخل فيه المؤمن، والكافر. وقال مطرف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين.\n ﴿أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ:﴾ يعني: أنّه تعالى يعطي المغفرة؛ التي سألوها، ويضم إليها بمنّه، وكرمه الرحمة العامة الشاملة. وانظر شرح الملائكة في الآية رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب).\nالإعراب: ﴿تَكادُ:﴾ فعل مضارع ناقص يرفع الاسم، وينصب الخبر. ﴿السَّماواتُ:﴾ اسم ﴿تَكادُ﴾. ﴿يَتَفَطَّرْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكادُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾","vol":"8","page":485},{"text":"الواو: حرف استئناف. (الملائكة): مبتدأ. ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿بِحَمْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: ملتبسين بحمد. قال الثعلبي: والعرب تدخل الباء أحيانا على التسبيح، وتحذفها أحيانا، قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ وقال في سورة (الأعلى): ﴿*سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و(حمد): مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالْمَلائِكَةُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: يستغفرون للذي يوجد في الأرض، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾\nضمير فصل لا محل له، أو هو مبتدأ. ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ﴾ على اعتبار الضمير فصلا، وخبران للضمير على اعتباره مبتدأ، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، أو مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-4278\"></span>﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ:﴾ جعلوا لله شركاء، وأندادا في العبادة، وهي الأصنام؛ التي اتخذوها آلهة، وعبدوها. ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: رقيب على أحوالهم، وأعمالهم، لا يفوته منها شيء، وهو محاسبهم، ومجازيهم عليها، لا رقيب عليهم إلاّ هو وحده. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: يا محمد بموكل بهم، ولا مفوض إليك أمرهم، ولا قسرهم على الإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ رقم [٧] من سورة (الرعد). وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ رقم [٤٠] منها.\nو﴿اللهُ﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنّما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلّف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمئة وستين موضعا.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق،","vol":"8","page":486},{"text":"والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءَ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان، والأول محذوف، التقدير: اتخذوا الأصنام أولياء من دونه. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿حَفِيظٌ:﴾ خبره. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿حَفِيظٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس».\n ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسمها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿بِوَكِيلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (وكيل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4279\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: وكما أوحينا إليك، وإلى من قبلك هذه المعاني، كذلك أوحينا إليك قرانا عربيا بيناه بلغة العرب. وقيل: أي: أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه، والمعنى واحد. انتهى. القرطبي. وانظر سورة (الزمر) رقم [٢٨] ففيها بحث جيد. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ أي: أهل مكة. فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، و﴿أُمَّ الْقُرى:﴾ أصل القرى، وهي مكة. وسميت بهذا الاسم إجلالا لها؛ لأنّ فيها البيت، ومقام إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والعرب تسمي أصل كل شيء: أمه، حتى يقال: هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان. انتهى. صفوة التفاسير نقلا من الفخر.\nوفي مختصر ابن كثير: وسميت مكة: أم القرى؛ لأنّها أشرف من سائر البلاد، لأدلة كثيرة، منها: قول رسول الله ﷺ: «والله إنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أنّي أخرجت منك ما خرجت». أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. انتهى.\n ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي: جميع القرى التي هي متفرعة من مكة، والمراد: جميع الأمصار، والقرى الموجودة في الدنيا.\n ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ أي: تخوف الناس يوم القيامة؛ الذي يجمع الله فيه الأولين، والآخرين للحساب، والجزاء، أو يجمع فيه الأرواح، والأشباح، أو الأعمال، والعمال. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾","vol":"8","page":487},{"text":"لا شك في يوم الجمع بل هو متحقق الوقوع، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ رقم [٩] من سورة (التغابن). ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ أي: بعد جمعهم في الموقف للحساب، والجزاء يفرقون، فمنهم فريق يدخل الجنة، ومنهم فريق يدخل النار، كما قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ رقم [١٠٥] وما بعدها. وانظر سورة (الدخان) رقم [٤٠].\nهذا؛ وقرئ: «(فريقا في الجنة وفريقا في السعير)» والفريق: الطائفة من الناس. والفريق:\nأكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كقوم، ومعشر، ونفر... إلخ. هذا؛ والسعير: النار الشديدة الاستعار؛ أي: الاحتراق، وهي واد من أودية جهنم، أو دركة من دركاتها، وطبقاتها. والسعير كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة، قال رشيد بن رميض العنزي: [الوافر]\nحلفت بمائرات حول عوض... وأنصاب تركن لدى السّعير\nفعوض عندهم صنم صغير، والسّعير صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنيزة، فنفرت ناقته من الصنم فأنشأ يقول: [الكامل] نفرت قلوصي من عثائر صرّعت... حول السّعير يزوره ابنا يقدم\nوجموع يذكر مهطعين جنابه... ما إن يحير إليهم بتكلّم\nقال أبو المنذر: يقدم، ويذكر ابنا عنزة، فرأى هؤلاء يطوفون حول السّعير. انتهى.\nبغدادي. هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي أيضا: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم وسلّم أجمعين، والوحي أيضا:\nالكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى أم موسى إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، وانظر ما ذكرته في سورة (النحل) رقم [٦٨] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، وخذ ما يلي:\nفعن عائشة﵂قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ، فقال:\nيا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس-وهو أشدّه عليّ- فيفصم عني؛ وقد وعيت ما قال، وأحيانا يأتيني الملك رجلا، فيكلّمني، فأعي ما يقول» قالت عائشة﵂-: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ﷺ ليتفصّد عرقا. أخرجه البخاري، ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو﵁- قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! هل تحسّ بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ:\n «أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلاّ ظننت أنّ نفسي تقبض».\nأخرجه الإمام أحمد. وخذ ما يلي:","vol":"8","page":488},{"text":"فعن عبد الله بن عمرو﵄قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم قابضا على كفه، ومعه كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» قلنا: لا يا رسول الله! فقال للّذي في يده اليمين: «هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وعشائرهم، وعدتهم، قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام؛ إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة». ثم قال للذي في يساره: «هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وعشائرهم، وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام؛ إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة». فقال عبد الله بن عمرو﵁-: ففيم العمل إذا؟ قال: «اعملوا، وسدّدوا، وقاربوا، فإنّ صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيّ عمل» ثمّ قال: «فريق في الجنة، وفريق في السّعير، عدل من الله تعالى». أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. انتهى. خازن بحروفه.\nوفي مختصر ابن كثير زيادة: «وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار؛ وإن عمل أي عمل». ثم قال ﷺ بيده، فقبضها، ثم قال: «فرغ ربكم من العباد» ثم قال باليمنى، فنبذ بها فقال: «فريق في الجنة» ونبذ باليسرى، وقال: «فريق في السعير» أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي. هذا؛ وأقول: انظر قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٠]: ﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. الكاف: اسم بمعنى: مثل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدّم للفعل بعد، وهذا على اعتبار الإشارة عائدة إلى معنى الآية المتقدمة، أو الكاف في محل نصب مفعول مطلق للفعل بعده على اعتبار الإشارة عائدة إلى مصدر: ﴿أَوْحَيْنا،﴾ والكاف مضاف، واسم الإشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قُرْآنًا:﴾ حال من المفعول به؛ أي: أوحيناه إليك، وهو قرآن عربي، وهذا على اعتبار الكاف مفعولا، وأمّا على اعتبارها مفعولا مطلقا، ف:\n ﴿قُرْآنًا﴾ مفعول به. ﴿عَرَبِيًّا:﴾ صفة: ﴿قُرْآنًا﴾. ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أُمَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْقُرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على: ﴿أُمَّ الْقُرى،﴾ وانظر تقدير المضاف في الشرح. ﴿حَوْلَها:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صلة الموصول.\nو(ها): في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر","vol":"8","page":489},{"text":"باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَوْحَيْنا،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين بالواو. ﴿وَتُنْذِرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تنذر): معطوف على سابقه منصوب مثله، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَوْمَ:﴾ هذا هو المفعول الثاني، والأول محذوف، التقدير:\nوتنذر الناس عذاب يوم الجمع، فحذف المفعول الأول من الإنذار الثاني، كما حذف المفعول الثاني من الإنذار الأول، تقديره: لتنذر أهل أم القرى العذاب. انتهى. جمل نقلا من السمين.\nو﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و﴿الْجَمْعِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وأجيز اعتبارها مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به التفصيل، والتقسيم. ﴿فِي الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار الخبر محذوفا، التقدير: منهم فريق، كما أجيز اعتبار: ﴿فَرِيقٌ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هم-أي: المجموعون-فريق، وعلى هذين الوجهين يكون الجار والمجرور: ﴿فِي الْجَنَّةِ﴾ متعلقين بمحذوف صفة: ﴿فَرِيقٌ﴾. هذا؛ وعلى قراءته بالنصب فهو حال. هذا؛ وعلى قراءة النصب، فالكسائي قال: التقدير: لتنذر فريقا في الجنة، وفريقا في السعير. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي: منصوب على الحال من:\n «هم» أي: وتنذر يوم جمعهم متفرقين بمعنى: مشارفين للتفرق، أو متفرقين في داري الثواب، والعقاب. انتهى. بيضاوي. وقول الكسائي أحق بالاعتبار، وهو قول الفراء أيضا، وعلى قراءة الرفع فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4280\"></span>﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: أهل دين واحد، إما على الهداية، أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم، فهدى من يشاء إلى الحق، وأضلّ من يشاء عنه، وله الحكمة البالغة، والحجة الواضحة، لا يسأل عمّا يفعل، وهم يسألون. هذا؛ وقال تعالى في سورة (هود) رقم [١١٨ و١١٩]: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وهو فحوى قوله تعالى هنا: ﴿وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي: بالهداية للإيمان، والتوفيق للطاعة.\n ﴿وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي: يدعهم بغير ولي يتولى أمورهم، وشؤونهم، وليس لهم نصير ينصرهم من عذاب الله تعالى، بل يكلهم إلى شياطينهم يتلاعبون بهم.\nهذا؛ و﴿شاءَ﴾ مضارعه: يشاء، لم يرد له أمر، ولا ل: «أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل شاء: شيء على وزن فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا","vol":"8","page":490},{"text":"لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول: «أراد» حتى لا يكاد ينطق به إلاّ في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد: «لو» وليس كذلك. أما ﴿أُمَّةً﴾ فهي بمعنى:\nالجماعة، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ﴾ والأمة: الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين:\n ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ الآية رقم [٢٢] من سورة (الزخرف) وبها فسرت الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنبياء): ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ وقال النابغة الذبياني من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر، ويعتذر له مما وشى به الواشون: [الطويل]\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع؟\nوكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين.\nهذا؛ والولي: من يتولى شؤون غيره. والنصير: المعين، والمساعد. والفرق بينهما: أنّ الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات. وفيه وجهان: أحدهما: أنّه فعيل بمعنى: مفعول، كقتيل بمعنى: مقتول، وجريح بمعنى: مجروح، فعلى هذا هو: من يتولى الله رعايته، وحفظه، فلا يكله إلى غيره، ونفسه لحظة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. والوجه الثاني: أنّه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا هو: من يتولى عبادة الله تعالى من غير أن يتخللها عصيان، أو فتور، وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أنّ من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فليس بولي، بل هو مغرور مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمة الطريقة، رحمهم الله تعالى. انتهى. من شرح ألفاظ: «الزبد» للشيخ أحمد بن حجازي الفشني، -رحمه الله تعالى-هذا؛ وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب».\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعوله الأول. ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة: ﴿أُمَّةً،﴾","vol":"8","page":491},{"text":"والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلكِنْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿يُدْخِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: يدخل الذي يشاؤه. ﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يُدْخِلُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ يُدْخِلُ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لو) لا محلّ لها مثله. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له. ﴿وَالظّالِمُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (الظالمون): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَجَعَلَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالظّالِمُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-4281\"></span>﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾\nالشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي: بل اتخذ الكفار من دون الله أعوانا، وأنصارا، هي الحجارة؛ التي يعبدونها، ويقدسونها، ويعظمونها. ﴿فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي: وليك يا محمد، وولي من اتبعك، واهتدى بهديك، لا ولي سواه، وكفى بالله وليا، وناصرا، ومعينا. ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى:﴾ يوم القيامة. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ وغيره من الأولياء لا يقدر على شيء. فهو كالتقرير لكونه حقيقا بالولاية.\nهذا؛ و(دون) بمعنى: «غير» و«سوى» هنا، وأصله من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنّه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، وعلو المنزلة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد.\nهذا؛ ويأتي «دون» بمعنى: «قدّام» قال الشاعر: [الطويل]\nتريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق\nهذا؛ ومثله: «أدنى» وألفه منقلبة عن واو؛ لأنّه من: دنا، يدنو: إذا قرب. وله معنيان:\nأحدهما: أنّ المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني أن يكون بمعنى:\nالقريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله تعالى؛ لأنّ نفعه","vol":"8","page":492},{"text":"متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ رقم [٦١] من سورة (البقرة). وقيل: الألف مبدلة من: همزة؛ لأنّه مأخوذ من: دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر:\nالدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري في غير هذا الموضع.\nالإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» الانتقالية. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا. انظر الآية رقم [٦]. وقيل: الجار والمجرور في محلّ المفعول الثاني. وهو ضعيف. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَاللهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿هُوَ:﴾\nمبتدأ ثان. ﴿الْوَلِيُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الضمير فصلا، فالولي خبر لفظ الجلالة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\nنقله الجمل عن كرخي. هذا؛ واعتبر الزمخشري الفاء الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إن أرادوا أولياء بحق؛ فالله هو الولي، وهو قول ابن هشام في المغني. قال أبو حيان:\nلا حاجة إلى هذا التقدير لتمام الكلام بدونه. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): مبتدأ.\n ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الضمير. ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4282\"></span>﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ:﴾ قال القرطبي: هذا حكاية قول الرسول ﷺ للمؤمنين؛ أي: وما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب، والمشركين من أمر الدين؛ فقولوا لهم: حكمه إلى الله لا إليكم، وقد حكم: أن الدين هو الإسلام لا غيره. وأمور الشرائع إنّما تتلقّى من بيان الله، وبيان الرسول ﷺ. فهو كقوله جلّ وعلا: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾.\n ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي﴾ أي: الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده يحيي الموتى، ويحكم بين","vol":"8","page":493},{"text":"المختلفين في أمور الدين، فيثيب المطيع يوم القيامة، ويعاقب المسيء. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي:\nاعتمدت عليه في جميع أموري، وأحوالي. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ:﴾ أرجع في أموري كلها إلى الله.\nهذا؛ والتوكل: تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره. وقالوا:\nالمتوكل: من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حدّ التوكل؛ لأنّه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصيته الله تعالى، وإنّما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِخْتَلَفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان به. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (في) والعائد على (ما)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَحُكْمُهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (حكمه): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) اسما موصولا مبتدأ؛ فالجملة الفعلية: ﴿اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ خبرها، واقترن الخبر بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿اللهِ:﴾ عطف بيان، أو بدل من اسم الإشارة. ﴿رَبِّي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ ويجوز أن يكون ﴿اللهِ﴾ الخبر، و﴿رَبِّي:﴾ خبر ثان، أو بدل، أو يكون صفة لله تعالى، و﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الخبر. انتهى. عكبري. هذا، وقال الجمل: ﴿ذلِكُمُ:﴾ مبتدأ. ﴿اللهِ:﴾ خبر أول. ﴿رَبِّي:﴾ خبر ثان. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ:﴾ ثالث. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ:﴾ رابع. ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خامس. ﴿جَعَلَ لَكُمْ:﴾ سادس. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ:﴾ سابع. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:﴾ ثامن. ﴿لَهُ مَقالِيدُ..﴾.\nإلخ: تاسع. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ..﴾. إلخ: عاشر. ﴿شَرَعَ لَكُمْ..﴾. إلخ: حادي عشر. انتهى. نقلا عن شيخه، وهذا يتناقض مع حرف العطف في بعض الجمل لفظا، وإن سلم معنى. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿أُنِيبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.","vol":"8","page":494},{"text":"<span id=\"aya-4283\"></span>﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾\nالشرح: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما، ومبتدعهما على غير مثال سبق. هذا؛ والفطر: الشق عن الشيء، يقال: فطرته، فانفطر، قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ومنه فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر. وتفطر الشيء: تشقق، وسيف فطار؛ أي: فيه تشقق. قال عنترة: [الوافر]\nوسيفي كالعقيقة فهو كمعي... سلاحي لا أفلّ ولا فطارا\nوكمعي: ضجيعي. العقيقة: شعاع البرق الذي يبدو كالسيف. والفطر: الاختراع، والابتداع، والابتداء. قال ابن عباس﵄-: كنت لا أدري ما ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي: أنا ابتدأتها.\nوالفطر: حلب الناقة بالسبابة والإبهام، وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الملك). والمراد بذكر السموات والأرض: العالم كله، ويستدل بهذا على أنّ من قدر على الابتداء؛ قدر على الإعادة.\nوقرئ ﴿فاطِرُ﴾ بالرفع، والجر، ويجوز نصبه في العربية. وانظر الإعراب.\n ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا:﴾ قال القرطبي: قيل معناه: إناثا، وإنّما قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ لأنّه خلق حواء من ضلع آدم. وقال مجاهد: نسلا بعد نسل. انتهى. وقال الجمل: روي عن جعفر الصادق-رحمه الله تعالى-: أنّه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم الملائكة المقربون. وعن ابن عباس﵄قال: كان السجود يوم الجمعة من الزوال إلى العصر، ثم خلق له حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو نائم، وسميت حواء؛ لأنّها خلقت من حي، فلما استيقظ، ورآها؛ سكن، ومال إليها، ومدّ يده لها، فقالت الملائكة: مه يا آدم! قال: ولم؛ وقد خلقها الله لي؟ فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: حتى تصلي على محمد ثلاث مرات. وذكر ابن الجوزي: أنّه لما رام آدم القرب منها؛ طلبت منه المهر، فقال: يا رب! وماذا أعطيها؟ فقال: يا آدم! صلّ على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة. ففعل. انتهى. مواهب. فلما فعل آدم ما أمر به خطب الله خطبة النكاح، ثم قال: اشهدوا يا ملائكتي، وحملة عرشي: أنّي زوجت أمتي حواء من عبدي آدم، انتهى. شارحها. وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [٦] ففيها فضل زيادة.\n ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا﴾ أي: وخلق للأنعام من جنسها أزواجا، أو خلق لكم من الأنعام أصنافا، أو: ذكورا، وإناثا، والمراد: الثمانية؛ التي ذكرها الله في سورة (الأنعام) رقم [١٤٣] و[١٤٤] أي: ذكور الإبل، والبقر، والضأن، والمعز، وإناثها. وأزواج: جمع: زوج، وهو يطلق","vol":"8","page":495},{"text":"على الرجل، والمرأة. والقرينة تبين الذكر، والأنثى. ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلاّ في الفرائض، فإنّها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج: القرين. قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: وقرناءهم، الآية رقم [٢٢] من سورة (الصافات) والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا وأنثى، الآية رقم [٤٠] من سورة (هود)، وقال تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾.\nإلخ الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام). والمعنى: ثمانية أفراد، والزوج الصنف والنوع، قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٠]: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف من النبات.\nوقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. هذا؛ والأنعام: جمع: نعم، وهو يشمل المأكول من الإبل، والبقر، والغنم، والماعز.\n ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي: يخلقكم وينشئكم في الرحم، ولم يتقدم له ذكر، وقال البيضاوي:\nأي: في هذا التدبير، وهو جعل الناس، والأنعام أزواجا، يكون بينهم التوالد، وقال أيضا:\n ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يكثركم، من: الذرء، وهو البث، وفي معناه الذر، وضمير الخطاب للناس، والأنعام على تغليب المخاطبين العقلاء، وهو قول ابن هشام في المغني. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ:﴾ قيل: إن الكاف زائدة للتوكيد؛ أي: ليس مثله شيء، ومثله قول خطام المجاشعي وهو الشاهد رقم [٣٢٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nوغير ودّ جاذل أو ودّين... وصاليات ككما يؤثفين\nفأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه. وقيل: المثل: زائدة للتوكيد. وهو قول ثعلب:\nأي: ليس كهو شيء، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ رقم [١٣٧] من سورة (البقرة) قال أوس بن حجر: [المتقارب]\nوقتلى كمثل جذوع النخي... ل يغشاهم مطر منهمر\nأي: كجذوع. والذي يعتقد في هذا الباب: أنّ الله جلّ اسمه في عظمته، وكبريائه، وملكوته، وحسنى أسمائه، وعليّ صفاته لا يشبه شيئا من مخلوقاته، ولا يشبّه به، وإنّما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي؛ إذ صفات القديم جلّ وعزّ بخلاف صفات المخلوق؛ إذ صفاتهم لا تنفكّ عن الأغراض، والأعراض، وهو تعالى منزه عن ذلك، بل لم يزل بأسمائه، وبصفاته. وقد قال بعض العلماء المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة من الصفات. وزاد الواسطي-رحمه الله تعالى-بيانا، فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلاّ من جهة موافقة","vol":"8","page":496},{"text":"اللفظ، وجلّت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة، كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة، وهذا كله مذهب أهل الحق، والسنة، والجماعة﵃. انتهى. قرطبي.\n ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوال العباد. ﴿الْبَصِيرُ:﴾ بأعمالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [١٥] من سورة (يس).\nالإعراب: ﴿فاطِرُ:﴾ بالرفع: خبر آخر لاسم الإشارة: ﴿ذلِكُمُ،﴾ أو مبتدأ خبره ما بعده. وقال مكي: هو نعت لله جلّ ذكره، أو على إضمار مبتدأ؛ أي: هو فاطر. ويقرأ بالجر على أنّه بدل من الضمير المجرور ب: (إلى) و(على). وقال مكي: وأجاز الكسائي: (فاطر السموات) بالنصب على النداء. وقال غيره: على المدح. انتهى. أي: هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أمدح فاطر، و﴿فاطِرُ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر فيه، تقديره: «هو» يعود إلى الله، وهو متعدّ لواحد فقط؛ لأنّه بمعنى: خلق. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَزْواجًا،﴾ كان صفة له، على مثال ما رأيت في الآية رقم [٦]، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر سادس ل: ﴿ذلِكُمُ﴾ على وجه مرّ ذكره، أو في محلّ رفع خبر ﴿فاطِرُ﴾ على اعتباره مبتدأ، أو هي مستأنفة على نصب: ﴿فاطِرُ﴾ وجره.\n ﴿يَذْرَؤُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (جعل) المستتر، والرابط: الضمير فقط. وقيل: الجملة في محل نصب صفة: ﴿أَزْواجًا﴾ وضعفه ظاهر. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿كَمِثْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ مقدم، وانظر الشرح، وما قيل في الكاف، و(مثل): مضاف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْءٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية، يقال فيها ما قيل بجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال، ﴿وَهُوَ:﴾\nضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4284\"></span>﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مفاتيح خزائن السموات والأرض، واحدها:\nمقلاد، مثل: مفتاح. وقيل: جمع: إقليد على غير قياس. وقيل: هو فارسي معرب، قال الراجز: [الرجز]","vol":"8","page":497},{"text":"لم يؤذها الدّيك بصوت تغريد... ولم يعالج غلقها بإقليد\nأو هو جمع: مقليد، مثل: منديل، ومناديل. وعلى جميع الاعتبارات في الكلام استعارة بديعة، نحو قولك: بيد فلان مفتاح الأمر، وليس ثمّ مفتاح، وإنّما هو عبارة عن شدّة تمكّنه من ذلك الشيء. والمعنى: أنّ الله تعالى مالك أمر السموات، والأرض، وحافظها، ومدبّر أمرها. وعن عثمان بن عفان﵁أنّه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: «يا عثمان! ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها: لا إله إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير». والمعنى على هذا: أنّ لله هذه الكلمات يوحّد بها، ويمجّد، وهي مفاتيح خير السموات والأرض، من تكلّم بها؛ فقد أصابه، هذا؛ وقيل: مقاليد السموات: خزائن الرحمة، والرزق، والمطر، ومقاليد الأرض: ما يخرج منها من نبات.\n ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ:﴾ يغني، ويوسع الرزق، ويعطي المال من يشاء التوسيع عليه. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾\nيضيق الرزق، ويقلّله على من يشاء من عباده، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة، ولذا قال جلّ ذكره في سورة (الإسراء) رقم [٣٠]: ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: ذو خبرة بعباده، وبمن يصلحه التوسيع في الرزق، ومن يفسده ذلك، وبمن يصلحه الضيق والإقتار في الرزق، ومن يهلكه ذلك، وهو ذو بصر ومعرفة بتدبير عباده، وسياستهم، فمن العباد من لا يصلح له إلاّ الغنى، ولو أفقره؛ لفسد، ومنهم من لا يصلح له إلاّ الفقر، ولو أغناه؛ لفسد.\nقال الله تعالى في الحديث القدسي: «إن من عبادي من لا يصلحه إلاّ الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلاّ الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه». كذا ذكره ابن كثير عن أنس مرفوعا. هذا؛ وبين: ﴿يَبْسُطُ﴾ و(يقدر) مقابلة، ومطابقة، وهي من المحسنات البديعية، وانظر الآية [٢٧].\nوينبغي لكل عاقل أن يعلم: أنّ سعة الرزق قد تكون مكرا، واستدراجا، وتقتيره رفعة، وإعظاما، ويوقن: أنّ المال هو إعطاء الله للعبد، لا علاقة له بقوة الأجسام، ولا بشدة الفهم، وحدة الذكاء، ورحم الله الإمام الشافعي؛ إذ يقول: [الوافر]\nتموت الأسد في الغابات جوعا... ولحم الضّأن تأكله الكلاب\nوقال: [البسيط]\nكم من قويّ قويّ في تقلّبه... مهذّب الرأي: عنه الرزق منحرف\nكم من ضعيف ضعيف في تقلبه... كأنّه من خليج البحر يغترف\nهذا دليل على أنّ الإله له... في الخلق سرّ خفيّ ليس ينكشف","vol":"8","page":498},{"text":"وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: تلقى ضعيف القوة، قليل الحيلة، عيي اللسان؛ وهو موسع عليه في الرزق، وتلقى شديد الحيلة، بسيط اللسان، وهو مقتر عليه في الرزق، ورحم الله الشافعي إذ يقول: [الكامل]\nومن الدليل على القضاء وكونه... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق\n ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: علمه تعالى محيط بكل شيء، فهو واسع العلم، يعلم إذا كان الغنى خيرا للعبد، أو الفقر خيرا له، سبحانه لا يعزب عن علمه شيء في السموات والأرض.\nالإعراب: ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَقالِيدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بجملة: ﴿جَعَلَ لَكُمْ..﴾. إلخ. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الضمير فقط، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من اعتبارها خبرا ل: ﴿ذلِكُمُ﴾. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nللذي، أو: لشخص يشاء التوسيع عليه. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(كل): مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للبسط، والتقتير.\n\n<span id=\"aya-4285\"></span>﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿شَرَعَ لَكُمْ:﴾ بيّن، وأظهر لكم الذي له مقاليد السموات والأرض. ﴿مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى:﴾ إنّما خصّ هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر؛ لأنّهم أكابر الأنبياء، وأصحاب الشرائع المعظمة، والأتباع الكثيرة، وأولو العزم. ثم فسر المشروع الذي اشترك فيه هؤلاء الأعلام، من رسله بقوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. والمراد: بإقامة الدين: هو توحيد الله، والإيمان به، وبكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وطاعة الله في أوامره، ونواهيه، وسائر ما يكون به الرجل مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنّها مختلفة متفاوتة. قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ رقم [٤٨] من سورة (المائدة). وقيل: أراد تحليل الحلال، وتحريم الحرام.","vol":"8","page":499},{"text":"وقيل: تحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، فإنّه مجمع على تحريمهن. وقيل: لم يبعث الله نبيا إلاّ وصاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإقرار لله تعالى بالوحدانية، والطاعة.\nفكان المعنى:، أوصيناك يا محمد بما أوصينا به نوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى في الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع، وهي: التوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، والطاعات التي تهذب القلب، والجوارح، والصدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وتحريم الكفر، والقتل، والزنى، والإذاية للخلق، فهذا كله مشروع دينا واحدا، وملة واحدة، لم تختلف على ألسنة الأنبياء، وإن اختلفت أعدادهم، وأزمانهم، وأماكنهم.\nواختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله مما اقتضت المصلحة، وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم. والمراد: فروع الشرائع، وهو فحوى قول الرسول ﷺ:\n «الأنبياء بنو علاّت» وفي رواية أخرى: «نحن معشر الأنبياء، أولاد علاّت ديننا واحد». وفحوى هذا: أنّ الأصل، وهو الأب واحد، واختلاف الأمهات يعني: اختلاف فروع الشرائع. وفي الحديث استعارة ظاهرة لا خفاء فيها. وانظر الإعراب يظهر المعنى، أوضح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3909>فائدة:</span>\nالرسل الخمسة المذكورون في هذه الآية هم أصحاب الشرائع المعظمة المستقلة المتجددة، فكل واحد منهم له شرع جديد، ومن عداهم من الرسل إنّما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله، فشيث، وإدريس بعثا بتبليغ شرع آدم. ومن بين نوح وإبراهيم، وهما هود وصالح بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم. ومن بين موسى، وعيسى بعثوا بتبليغ شرع موسى.\nوأمّا آدم فكان شرعه تنبيها على بعض الأمور، واقتصارا على ضرورات المعاش، وأخذا بوظائف الحياة، والبقاء، واستمرّ ذلك إلى نوح، فبعثه الله بتحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، ووظّف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب، والديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل، ويتناصر بالأنبياء-صلوات الله، وسلامه عليهم-واحدا بعد واحد، وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا، على لسان أكرم الرسل نبينا محمد ﷺ. انتهى. جمل. والرسل المذكورون في هذه الآية هم أولو العزم، وسموا بذلك؛ لأنّهم تحمّلوا المشاق أكثر من غيرهم، وصبروا على ما نالهم من إيذاء قومهم بعد أن تصدّوا لهدايتهم. وقد جمعهم بعضهم بقوله: [الطويل]\nمحمد إبراهيم موسى كليمه... فعيسى فنوح هم أولو العزم والعلم\n ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: عظم، وشقّ عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد، وعبادة الله تعالى، ورفض عبادة الأوثان. ﴿اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: يصطفي، ويختار لدينه، وتوحيده وعبادته من يشاء من عباده. ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي: يوفق لما ذكر من","vol":"8","page":500},{"text":"رجع إلى الله بالتوبة والإنابة، وأقبل عليه بالعبادة والطاعة. هذا؛ وانظر شرح ﴿الدِّينِ﴾ في سورة (الصافات) رقم [٢٠]، وانظر التعبير ب: (أوصينا) ونحوه في سورة (يس) رقم [٥٠]. وفي الآية الكريمة التفات من الغيبة إلى التكلم. انظر الالتفات في سورة (الصافات) رقم [١٣٧] فإنّه جيد.\nوانظر (الوحي) في الآية رقم [٧].\nالإعراب: ﴿شَرَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ تقديره: «هو». ﴿لَكُمْ مِنَ الدِّينِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿مِنَ الدِّينِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. وقد رأيت فيما سبق جواز اعتبارها خبرا عاشرا لقوله: ﴿ذلِكُمُ﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. هذا؛ وإن علقت: ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ بمحذوف مفعول به؛ التقدير: بين الله لكم، وسنّ طريقا واضحا من الدين؛ فتكون ﴿ما﴾ مفسرة للمفعول المحذوف، و(من) بيان للمفسّر، والمفسّر جميعا. ﴿وَصّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نُوحًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على: ﴿ما﴾. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي أوحيناه إليك.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير؛ لأنّها سبقت بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وأجيز اعتبارها مصدرية. ﴿أَقِيمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها على اعتبار: ﴿أَنْ﴾ تفسيرية، وتؤول مع: ﴿أَنْ﴾ بمصدر على اعتبارها مصدرية، وهذا المصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو إقامة الدين، وتكون هذه الجملة مفسرة لجملة: ﴿وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ..﴾. إلخ. وأجيز اعتبار المصدر المؤول بدلا من الموصول، فيكون في محل نصب، أو بدلا من: ﴿الدِّينِ﴾ فيكون في محل جر. وفي أبي السعود: ومحل: ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ إمّا النصب على أنّه بدل من مفعول ﴿شَرَعَ،﴾ والمعطوفين عليه، أو الرفع على أنّه جواب عن سؤال نشأ من إبهام المشروع، كأنّه قيل: وما ذاك؟ فقيل: هو إقامة الدين. وقيل: هو بدل من ضمير: ﴿بِهِ﴾ وليس بذاك؛ لأنّه مع إفضائه إلى خروجه من حيّز الإيحاء إلى النبي ﷺ، مستلزم لكون الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ للأنبياء المذكورين، عليهم الصلاة، والسّلام، وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ظاهر، مع أنّ الظاهر: أنّه متوجه إلى أمته ﷺ، وأنهم المتفرقون، كما ستحيط به خبرا. انتهى. جمل. ﴿الدِّينِ:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَفَرَّقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)","vol":"8","page":501},{"text":"الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها.\n ﴿كَبُرَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَى الْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل: ﴿كَبُرَ﴾. ﴿تَدْعُوهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (إلى).\n ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَجْتَبِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبره. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف. التقدير: يجتبي إليه الذي، أو شخصا يشاء اجتباءه. ﴿وَيَهْدِي:﴾ الواو: حرف عطف. (يهدي): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾.\n ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان به. ﴿مِنَ:﴾ مفعول به. ﴿يُنِيبُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة له، أو صفة له، وجملة: ﴿وَيَهْدِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4286\"></span>﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ..﴾. إلخ: هذا شروع في بيان حال أهل الكتاب عقيب الإشارة الإجمالية إلى أحوال أهل الشرك، وقال القرطبي: قال ابن عباس﵄-:\nيعني قريشا. ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: محمد ﷺ، وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي.\nدليله: قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٤٢]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ..﴾. إلخ يريد نبيا. وقيل: أمم الأنبياء المتقدمين، فإنّهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم، وكفر قوم. وقال ابن عباس أيضا: يعني: أهل الكتاب، دليله في سورة (البينة) قوله تعالى:\n ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فالمشركون قالوا: لم خصّ بالنبوة؟! واليهود حسدوه لما بعث، وكذا النصارى.\n ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بغيا من بعضهم على بعض طلبا للرياسة، فليس تفرقهم لقصور في البيان، والحجج، ولكن للبغي، والظلم، والاشتغال بالدنيا. انتهى. قرطبي. وأيضا: البغي: الظلم، والعدوان، والحسد، والعناد، والطغيان.","vol":"8","page":502},{"text":"﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: في تأخير عذاب الاستئصال عن هؤلاء، وهي كلمة الإنظار، والإمهال بتأخير تعذيب المجرمين إلى يوم القيامة، فإنّه يوم الفصل والجزاء. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ هو يوم القيامة، أو آخر أعمارهم المقدرة لهم في الدنيا. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بإنزال ما يستحقه المجرم والمكذب من العذاب ليتميز به عن المحق. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: وإن قومك يا محمد لفي شك من القرآن موقع في الريبة، لتبلد عقولهم، وعمى أبصارهم.\nهذا؛ وقيل: إن الكلمة التي سبقت هي قوله تعالى في الحديث القدسي: «سبقت رحمتي غضبي». ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ﴾ أي: التوراة، والإنجيل، وهم اليهود، والنصارى؛ أي:\nالذين كانوا في عهد النبي ﷺ. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ من بعد المختلفين الأولين في الحق، أو المراد:\nكفار قريش الذين أورثوا القرآن من بعد اليهود، والنصارى. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي: من محمد ﷺ، أو من القرآن، وعلى كلا الوجهين فالشك هنا ليس على معناه المشهور من اعتدال النقيضين، وتساويهما في الذهن، بل المراد به ما هو أعم؛ أي: مطلق التردد. انتهى. جمل نقلا من كرخي.\nأمّا الريب فهو: الشك، تقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في شك، وحقيقة الريبة قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».\nتنبيه: في (كلمة) ثلاث لغات: الأولى: كلمة على وزن: نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبه نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم، كنبق. والثانية: كلمة على وزن: سدرة، وجمعها: كلم كسدر. والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وجمعها: كلم، كتمر.\nوهما لغتا تميم. وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو كبد، وكتف، فإنّه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ وشهد، وهي في الأصل: قول مفرد، مثل: محمد، ومحمود، وقام، وقعد، وفي ولن.\nوقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥]: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ وقال النبي ﷺ: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل]\nألا كلّ شيء ما خلا الله باطل... وكلّ نعيم لا محالة زائل\nالمراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله. وتقول: قال فلان كلمة، والمراد: بها: كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم، والحديث، وانظر شرح (قضي) في سورة (فصلت) [١٢].\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَفَرَّقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في المعنى في محل نصب على الاستثناء في أعم الأحوال. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿جاءَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْعِلْمُ:﴾ فاعله.","vol":"8","page":503},{"text":"﴿بَغْيًا:﴾ مفعول لأجله، وقيل: حال بمعنى: باغين. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالمصدر بغيا، والهاء في محل جر بالإضافة، و﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: إلاّ من بعد مجيء العلم إليهم.\n ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط.\n ﴿كَلِمَةٌ:﴾ مبتدأ. ﴿سَبَقَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿كَلِمَةٌ،﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿سَبَقَتْ؛﴾ أي: ممتدة إلى أجل. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وخبر المبتدأ محذوف، التقدير: موجودة، والجملة الاسمية: «كلمة... موجودة» لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿لَقُضِيَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (قضي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، على أنّه نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، التقدير: قضي القضاء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (سبأ)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والشبه بينهما شديد وقوي، وجملة: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ جواب (لولا)، لا محلّ لها، و(لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.\n ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿أُورِثُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في شك): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَكٍّ﴾ لأنّه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفته.\n ﴿مُرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿شَكٍّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4287\"></span>﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلِذلِكَ:﴾ فلأجل ذلك التفرق، أو لأجل ذلك الكتاب، أو لأجل ذلك العلم، الذي أوتيته يا محمد! ﴿فَادْعُ﴾ أي: إلى الاتفاق على الملة الحنيفية؛ التي بعثك الله بها،","vol":"8","page":504},{"text":"وأيّدك، ونصرك من أجلها، أو الاتباع لما أوتيته. وعلى هذا يجوز أن تكون اللام في موضع «إلى» لإفادة الصلة، والتعليل. انتهى. بيضاوي بتصرف.\n ﴿وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ:﴾ لما بيّن الله أمر المختلفين في التوحيد، والنبوة، وأطنب في شرح الوعد، والوعيد؛ أمر رسوله ﷺ بالاستقامة مثل ما أمر بها، بلا إفراط، ولا تفريط، وهي تشمل العقائد، والأعمال، والأخلاق، فإنّها في العقائد: اجتناب التشبيه، والتعطيل. وفي الأعمال:\nالاحتراز عن الزيادة، والنقصان، والتغيير، والتبديل. وفي الأخلاق: التباعد عن طرفي الإفراط، والتفريط. وهذا في غاية العسر، ولذلك قال الرسول ﷺ: «شيّبتني سورة هود». لأنّ هذه الجملة مذكورة فيها برقم [١١٢]. وانظر (الاستقامة) في سورة (فصلت) رقم [٣٠].\n ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ:﴾ الباطلة المختلفة، وما اختلقوه، وكذبوه، وافتروه من عبادة الأوثان.\nوقل يا محمد: ﴿آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ﴾ أي: بجميع الكتب السماوية؛ التي أنزلها الله على رسله، لا كالكافرين الذين آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، كما حكى الله عنهم قولهم في سورة (النساء) رقم [١٥٠]: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾.\n ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: أمرني ربي بأن أعدل بينكم في الحكم؛ إذا تحاكمتم إليّ، وتخاصمتم في شيء من الأشياء، فأنا مأمور بأن أحكم بينكم في العدل في جميع الأحوال، والأعمال، والشؤون، ولا أحيف على أحد منكم بأكثر مما يستحق. ﴿اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ:﴾\nخالقنا، وخالقكم، ورازقنا، ورازقكم، ويتولى جميع أمورنا، وأموركم، فيجب أن نخصه بالعبادة، والطاعة، والإنابة. ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي: لنا جزاء أعمالنا، ولكم جزاء أعمالكم من خير، وشر، لا نستفيد من حسناتكم، ولا نتضرر من سيئاتكم. قال ابن كثير: هذا تبرؤ منهم؛ أي: نحن براء منكم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ رقم [٤١] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقوله تعالى في سورة (الكافرون): ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.\n ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ:﴾ لا حجاج بمعنى: لا خصومة بيننا، وبينكم؛ إذا الحق ظهر، ولم يبق للمحاجة مجال، ولا للخلاف مبدأ سوى العناد. ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا:﴾ يوم القيامة، فيفصل بيننا، وينتقم لنا منكم، وهذه محاجزة ومتاركة بعد ظهور الحق، وقيام الحجة، والإلزام، قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف حوجزوا؟ وقد فعل بهم بعد ذلك ما فعل من القتل، وتخريب البيوت، وقطع النخيل، والإجلاء؟! قلت: المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة. انتهى. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ:﴾ المرجع والماب، فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ.","vol":"8","page":505},{"text":"الإعراب: ﴿فَلِذلِكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لذلك) جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿فَادْعُ:﴾ الفاء: زائدة، وقيل: تأكيد للأولى. وليس بشيء.\n (ادع): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء الفصيحة، والجملة لا محلّ لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الشك واقعا منهم، وجزاء كل من الفريقين: المؤمن، والصالح لا بد منه؛ فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية... إلخ؛ فلست مفندا. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية.\n ﴿أُمِرْتَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، و(ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، والتقدير: استقم استقامة كائنة مثل أمر الله لك بها، أو التقدير: مثل التي أمرت بها. فتكون (ما) موصولة اسمية. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنّما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال، من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنّما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلاّ في مواضع محصورة، وليس هذا منها.\nوجملة: ﴿وَاسْتَقِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿آمَنْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nبالذي، أو بشيء أنزله الله. ﴿مِنْ كُتُبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: (ما)، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَأُمِرْتُ:﴾ الواو: واو الحال. (أمرت): ماض ونائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل ب: ﴿آمَنْتُ،﴾ والرابط: الضمير، والواو معا. ﴿لِأَعْدِلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وإن اعتبرت اللام صلة بدلا من: «أن» فحينئذ تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: أمرت أن أعدل. ﴿بَيْنَكُمُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿رَبُّنا:﴾ خبره. ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ معطوف عليه. و(نا) والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا","vol":"8","page":506},{"text":"محلّ لها. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَعْمالُنا:﴾ مبتدأ مؤخر، و(نا):\nفي محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَلَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَعْمالُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿حُجَّةَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿لا﴾. ﴿وَبَيْنَكُمُ:﴾ معطوف على ما قبله، و(نا)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿لا حُجَّةَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَجْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَجْمَعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\nتنبيه: جاء في مختصر ابن كثير ما يلي: اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، حكم برأسها. قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي فإنّها أيضا عشرة فصول كهذه. انظرها برقم [٢٥٥] من سورة (البقرة).\n\n<span id=\"aya-4288\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اُسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ:﴾ المراد بهم: المشركون. ﴿بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ:﴾ قال مجاهد: من بعد ما أسلم الناس. قال: وهؤلاء قد توهموا: أنّ الجاهلية تعود. وقال قتادة:\nالذين يحاجون في الله هم اليهود، والنصارى. ومحاجتهم قولهم: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب، وأنهم أولاد الأنبياء. هذا؛ والضمير راجع إلى الرسول ﷺ المعلوم من السياق الدال عليه الفعل. وفي البيضاوي: من بعدما استجاب له الناس، ودخلوا في دين الله، أو من بعدما استجاب الله لنبيه، فأظهر دينه، وأيده بنصره في غزوة بدر. انتهى. بتصرف.\n ﴿حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: لا ثبات لها كالشيء الذي يزلّ عن موضعه، يقال: دحضت حجته دحوضا: بطلت، وأدحضها الله. والإدحاض: الإزلاق. ومكان دحض ودحض: أي:\nزلق، ودحضت رجله، تدحض دحضا: زلقت، ودحضت الشمس عن كبد السماء: زالت. هذا؛ وسماها الله حجة، وإن كانت شبهة؛ لزعمهم أنّها حجة، وفيها استعارة واضحة. ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ:﴾ شديد من ربهم. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: موجع في الآخرة.","vol":"8","page":507},{"text":"عن أبي أسماء: أنّه دخل على أبي ذر﵁وهو بالربذة، وعند امرأة سوداء مسغبة ليس عليها أثر المحاسن، ولا الخلوق، فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا عليّ بدنياهم، وإن خليلي ﷺ عهد إليّ أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض، ومزلّة، وإنا إن نأت عليه، وفي أحمالنا اقتدار، واضطهار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه؛ ونحن مواقير؛ أي: مثقلون خائفون. أخرجه الإمام أحمد.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿يُحَاجُّونَ فِي اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿اُسْتُجِيبَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿اللهِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعله، و﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة:\n ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد استجابة الله له، واعتبار ﴿ما﴾ موصولة ضعيف. ﴿حُجَّتُهُمْ:﴾\nمبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿داحِضَةٌ:﴾ خبره. وأغرب مكي، فقال: ﴿حُجَّتُهُمْ﴾ بدل من الذين، وهو بدل اشتمال، و﴿داحِضَةٌ﴾ الخبر. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿داحِضَةٌ،﴾ و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿حُجَّتُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَعَلَيْهِمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (عليهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَضَبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة؛ فلست مفندا ويكون الرابط: الواو، والضمير، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ معطوفة عليها، على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-4289\"></span>﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ أي: القرآن، وسائر الكتب المنزلة من عنده على رسله؛ حيث فيها التشريع، وتبيين الحلال، والحرام، وتفصيل الأحكام. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: ملتبسا بالحق بعيدا عن الباطل، والعبث. ﴿وَالْمِيزانَ﴾ أي: العدل، والإنصاف، سمي العدل ميزانا؛ لأنّ الميزان آلة العدل، والتسوية، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ سورة (الحديد) رقم [٢٥]. ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ:﴾ لعلّ إتيانها قريب منك، وأنت لا تدري، لذا فاعمل بالشرع، واتبع الكتاب، وواظب على العدل قبل أن يفجأك اليوم الذي توزن فيه أعمالك، وتوفى جزاءك، وقال في سورة (الأحزاب) رقم [٦٣]: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.","vol":"8","page":508},{"text":"وسبب نزول الآية: أنّ النبي ﷺ ذكر الساعة، وعنده قوم من المشركين، فقالوا تكذيبا، واستبعادا، وكفرا، وعنادا: متى تكون الساعة؟! ووجه مناسبة اقتراب الساعة مع إنزال الكتب، والميزان: أنّ الساعة يوم الحساب، ووضع الموازين بالقسط، فكأنه قيل: أمركم بالعدل، والتسوية، والعمل الصالح، فاعملوا بالكتاب، والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم، ووزن أعمالكم. هذا؛ وقد قال النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين». وأشار إلى السبابة، والوسطى. خرجه أصحاب السنن. هذا؛ ولم يؤنث ﴿قَرِيبٌ﴾ مع كونه راجعا إلى الساعة، وذلك على تأويلها باليوم، أو بالبعث، كما قيل في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٥٦]: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ذكّر ﴿قَرِيبٌ﴾ على تأويل الرحمة بالعفو. وذكر الفراء: أنّهم التزموا التذكير في: ﴿قَرِيبٌ﴾ إذا لم يرد قرب النسب قصدا للفرق؛ أي: بين المراد بها قرب النسب، والمراد بها غيره.\nوقال الكسائي: ﴿قَرِيبٌ﴾ نعت ينعت به المذكر، والمؤنث، والجمع بمعنى، ولفظ واحد.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال الشاعر: [الطويل]\nوكنّا قريبا والديار بعيدة... فلمّا وصلنا نصب أعينهم غبنا\nأقول: وهذا يخضع لقاعدة، وهي أنّ «فعيلا» يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع، كما في قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ومثله قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٣٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفلو أنك في يوم الرّخاء سألتني... طلاقك لم أبخل وأنت صديق\nفإن قيل: كيف قال في كثير من المواضع: إن الآخرة من الدنيا قريبة، وسمى الساعة قريبة، فقال: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ..﴾. إلخ، وقال: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ،﴾ وقال هنا: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فالجواب: أنّ الماضي كالأمس الدابر، وهو أبعد ما يكون؛ إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه، وبين الحاضر سنين؛ فإنّه آت، فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيها، ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه. انتهى. نقلا عن كرخي.\nهذا؛ و(ميزان) أصلها: موزان، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها. ومثله: ميعاد، وميثاق، وميراث، وميقات. هذا؛ و﴿يُدْرِيكَ﴾ ماضيه: درى بمعنى: علم، فهو من أفعال اليقين، فينصب مفعولين، كقول الشاعر وهو الشاهد رقم [٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nدريت الوفيّ العهد يا عمرو فاغتبط... فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد\nوهو قليل؛ إذ الكثير المستعمل فيه أن يتعدّى إلى واحد بالباء، نحو: دريت بكذا، فإن دخلت همزة النقل عليه؛ تعدّى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾. قال شيخ الإسلام: ومحلّ ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلاّ تعدّى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى في سورة (القارعة): ﴿وَما أَدْراكَ﴾","vol":"8","page":509},{"text":"﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ فالكاف مفعول به أول، والجملة الاسمية بعده سدّت مسدّ المفعولين. انتهى. والذي في الهمع، والمغني، قيل: وهو الأوجه: أن الجملة الاسمية سدّت مسدّ المفعول الثاني المتعدى إليه بالحرف، فتكون في محلّ نصب بإسقاط الجار، كما في: فكرت: أهذا صحيح أم لا؟ أي: فكرت بما ذكره. انتهى. جرجاوي.\nوينبغي أن تعلم: أنّ الفعل «أدرى» هنا معلق عن العمل لفظا بوقوع ﴿لَعَلَّ﴾ بعده.\nوالكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق، إلاّ أن النحويين لم يعدوا لعلّ من المعلقات، والحق مع الكوفيين، وهو ظاهر في هذه الآية، وكقوله تعالى في سورة (عبس):\n ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.\nفإن كان (درى) بمعنى: ختل؛ أي: خدع كان متعديا إلى واحد بنفسه، مثل دريت الصيد؛ أي: ختلته وخدعته، قال الأخطل التغلبي: [الطويل]\nفإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد ولا يدري\nأي: يصيد، ولا يختل. ومثله قول الآخر: [الطويل]\nفإن كنت لا أدري الظباء فإنني... أدسّ لهاتحت التّراب الدّواهيا\nأي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: حكّ، مثل: درى رأسه بالمدرى؛ أي: حكّ رأسه بالمشط، فهي كذلك. هذا؛ و﴿السّاعَةَ:﴾ القيامة سميت بذلك؛ لأنّها تفجأ الإنسان بغتة في ساعة، لا يعلمها إلاّ الله ﵎. وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأنّ حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (الزخرف).\nتنبيه: قال المحققون من العلماء: سبب إخفاء الساعة، ووقت قيامها عن العباد؛ ليكونوا دائما على خوف، وحذر منها؛ لأنّهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت؛ كانوا على وجل، وخوف منها فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة، والمسارعة إلى التوبة، وأزجر لهم عن المعصية، فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها». متفق عليه. هذا؛ وقد أخفى الله أمورا أخرى، مثل: ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة؛ ليجتهد المؤمن، والمؤمنة في ليالي شهر رمضان في العبادة، وليكونا مجتهدين في الدعاء كل يوم الجمعة، وليلته، كما أخفى رضاه في الطاعة، وغضبه في المعصية، ليعمل العبد جميع الطاعات، ويكف عن جميع المعاصي. وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (الزخرف) فهو جيد.","vol":"8","page":510},{"text":"الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾. ﴿وَالْمِيزانَ﴾ معطوف على: ﴿الْكِتابَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُدْرِيكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (ما)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَعَلَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةَ:﴾ اسمها. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب سدّت مسدّ المفعول الثاني للفعل يدريك.\n\n<span id=\"aya-4290\"></span>﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أي: بالساعة، يستعجلونها؛ أي: يطلبون وقوعها عاجلا على طريق الاستهزاء، ظنّا منهم: أنّها غير آتية، أو إيهاما للضعفة: أنّها لا تكون. وما أكثر ما حكى القرآن عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾.\nهذا؛ وقال الجمل: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أي: فلا يشفقون منها. وقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها﴾ أي: فلا يستعجلونها، ففي الآية احتباك؛ حيث ذكر الاستعجال أولا، وحذف الإشفاق، وذكر الإشفاق ثانيا، وحذف الاستعجال. انتهى. نقلا من كرخي.\n ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها﴾ أي: خائفون وجلون من وقوعها لاستقصارهم أنفسهم مع الجهد في الطاعة، كما قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٦٠]: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي: ويعتقدون: أنّها كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها، عاملون من أجلها؛ لذا كانوا يسألون عنها خوفا من مفاجأتها؛ فعن أنس﵁أنّ رجلا سأل رسول الله ﷺ: متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟». قال: لا شيء؛ إلاّ أني أحبّ الله، ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ «أنت مع من أحببت». قال أنس ﵁: (فأنا أحبّ النبيّ ﷺ، وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إيّاهم). رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.\n ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ:﴾ يشكون، ويخاصمون في قيام الساعة، ويجادلون في وجودها.\n ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: عن الحق، وطريق الاعتبار. و(الضلال) مصدر: «ضل» الثلاثي، والإضلال مصدر الرباعي، والأول مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضلالا، أو هو مجاز","vol":"8","page":511},{"text":"عقلي، على حدّ: جدّ جدّه؛ لأنّ البعيد في الحقيقة إنّما هو الضال؛ لأنّه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، وانظر (الأحقاف) [٢٨]. هذا؛ و﴿يُمارُونَ﴾ من المماراة، وهي المجادلة، والمخاصمة. وهي مذمومة إلاّ عند الضرورة القصوى، فعن أبي هريرة﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا﴾. رواه الترمذي، وابن ماجه.\nالإعراب: ﴿يَسْتَعْجِلُ:﴾ مضارع. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِينَ:﴾\nاسم موصول، مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد: واو الجماعة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: واو الحال. ﴿الَّذِينَ:﴾\nمبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة له. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان به، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالباء، والرابط: الواو، والضمير، ومن يجيز عطف الجملة الاسمية على الفعلية يعطفها على ما قبلها. ﴿وَيَعْلَمُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿أَنَّهَا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(ها):\nاسمها. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبرها، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (يعلمون)، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿مُشْفِقُونَ﴾ فهي في محل رفع مثله.\n ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة:\n ﴿يُمارُونَ فِي السّاعَةِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها من الإعراب. ﴿لَفِي:﴾ اللام: المزحلقة.\n (في ضلال): متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿أَلا إِنَّ..﴾. إلخ، لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، أو مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-4291\"></span>﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ:﴾ في إيصال المنافع، وصرف البلاء من وجه يلطف إدراكه، أو: هو بر بليغ البر بهم، وقد توصل بره إلى جميعهم. وقيل: هو من لطف بالغوامض علمه، وعظم عن الجرائم حلمه. أو هو من ينشر المناقب، ويستر المثالب. أو يعفو عمّن يهفو. أو يعطي العبد فوق الكفاية، ويكلّفه الطاعة دون الطاقة، وعن الجنيد: لطف بأوليائه فعرفوه، ولو لطف بأعدائه ما جحدوه. وقيل: لطيف بالبر والفاجر؛ حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: إن الإحسان، والبر إنعام في حق كل العباد، وهو إعطاء ما لا بدّ منه. فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن، وكافر، وذي روح، فهو ممن يشاء الله أن يرزقه.","vol":"8","page":512},{"text":"وفي القرطبي: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: ويحرم من يشاء. وفي تفضيل قوم بالمال حكمة؛ ليحتاج البعض إلى البعض، كما قال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٢]: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ وكان هذا لطفا بالعباد، وأيضا ليمتحن الغني بالفقير، والفقير بالغني، كما قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٠]: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. انتهى. انظر شرحها هناك فإنّه جيد. ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ:﴾ الباهر القدرة، الغالب على كل شيء. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ المنيع الذي لا يغلب، القاهر فوق عباده.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لَطِيفٌ:﴾ خبره. ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿لَطِيفٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَرْزُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يرزق الذي، أو شخصا يشاء رزقه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، وفيها معنى التفسير ل: ﴿لَطِيفٌ﴾. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ، وما بعده خبران عنه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل:\n ﴿يَرْزُقُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4292\"></span>﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أي: كسب الآخرة، والمعنى: من كان يريد بعمله الآخرة، فأدّى حقوق الله، وأنفق في سبيل الله. ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي: فإنّما نعطيه ثواب ذلك مضاعفا، للواحد عشرا إلى سبعمئة فأكثر، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠]: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقيل: المعنى: نوفقه للعبادة، ونسهلها عليه. ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا﴾ أي: المال، والسيادة، ورياسة الدنيا، والتمتع بالمستلذات، والشهوات المباحة، والمحظورة. ﴿نُؤْتِهِ مِنْها:﴾ فإنّا لا نحرمه منها. ﴿وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي: لا حظّ له في الآخرة؛ أي: لا ثواب له، ولا يدخل الجنة، قال تعالى في سورة (هود) رقم [١٥]:\n ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾.\nفأنت ترى: أنّ ما هنا، وما في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، قد أطلق هذا الوعد بينما هو مقيد بمشيئة الله في الآية رقم [١٨] من سورة (الإسراء): ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ..﴾. إلخ. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: والصحيح: أنّه من باب الإطلاق، والتقييد، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ﴾","vol":"8","page":513},{"text":"﴿الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال، وليس كذلك لقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾.\nوقال قتادة: إن الله تعالى يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلاّ الدنيا، وقال أيضا: يقول الله تعالى: «من عمل لآخرته؛ زدناه في عمله، وأعطيناه من الدنيا ما كتبناه له، ومن آثر دنياه على آخرته؛ لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلاّ النار، ولم يصب من الدنيا إلاّ رزقا قد قسمناه له، لا بدّ أن كان يؤتاه مع إيثار، أو غير إيثار». قرطبي.\nتنبيه: (الحرث) في الأصل: إلقاء البذر في الأرض، ويطلق على الزرع الحاصل منه، ويستعمل في ثمرات الأعمال، ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة، من البذور، المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور. انتهى. نقلا من أبي السعود.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذه الآية تبطل مذهب أبي حنيفة في قوله: إنّه من توضأ تبردا: أنّه يجزيه عن فريضة الوضوء الموظف عليه، فإن فريضة الوضوء من حرث الآخرة، والتبرد من حرث الدنيا، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا تجزي نيته عنه بظاهر هذه الآية.\nقاله ابن العربي.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى:\n ﴿مَنْ﴾. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿حَرْثَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿نَزِدْ:﴾\nمضارع جواب الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي حَرْثِهِ:﴾ متعلقان به أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠]. ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا﴾ إعرابه مثل سابقه. ﴿نُؤْتِهِ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، وخبر المبتدأ مثل سابقه بلا فارق. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والكلام كلّه مستأنف لا محلّ له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يجيز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿نَصِيبٍ﴾ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٦]. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَصِيبٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"8","page":514},{"text":"<span id=\"aya-4293\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا﴾ المراد بالشركاء: الشياطين؛ الذين زينوا لهم الكفر وإنكار البعث، والمعاصي، والمعاندة. أو المراد الأصنام، وأطلق عليها اسم الشركاء لأحد أمرين: أحدهما: أنّ المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس. وثانيهما:\nأنّهم يشركونها في الأموال، والأنعام، والزروع، كما رأيت في سورة (الأنعام) رقم [١٣٨] وما بعدها. وجمع الضمير العائد عليهم بواو الجماعة؛ لأنهم كانوا يخاطبون الأصنام كما يخاطبون الذكور العقلاء، وهذا كثير ومستعمل في القرآن الكريم. وإضافتها إليهم؛ لأنّهم اتخذوها شركاء. وإسناد الشرع إليها؛ لأنّها سبب ضلالتهم، وافتتانهم بما تدينوا به. وقال الشيخ زاده:\nوإسناد الشرع إلى الأوثان، وهي جمادات إسناد مجازي: من إسناد الفعل إلى السبب، وسماه دينا للمشاكلة، والتهكم.\nوعلى القول الأول؛ فالشياطين هم الذين شرعوا لهم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة، والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات، والجهالات الباطلة. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لولا أن الله حكم، وقضى في سابق أزله: أنّ الثواب، والعقاب إنّما يكونان يوم القيامة؛ لحكم بين الكفار، والمؤمنين بتعجيل العقوبة للظالم، وإثابة المؤمن المطيع. ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ:﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، وجرهم ذلك على ظلم غيرهم. ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع في الآخرة، دائم غير منقطع.\nهذا؛ و﴿عَذابٌ﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأنّ المصدر: تعذيب؛ لأنّه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وسلام، ونبات ل:\nأعطى، وسلم، وأنبت.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» الانتقالية. وقيل: التقدير: ألهم، فالهمزة للتقرير، والتقريع. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شُرَكاءُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَرَعُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُمْ مِنَ الدِّينِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْذَنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾.\n ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿شَرَعُوا..﴾. إلخ في محل رفع صفة: ﴿شُرَكاءُ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ شُرَكاءُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"8","page":515},{"text":"﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط.\n ﴿كَلِمَةُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و(الفصل) مضاف إليه، والخبر محذوف، التقدير: موجودة.\n ﴿لَقُضِيَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل على أنّه نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل يعود إلى المصدر المفهوم، من الفعل السابق، التقدير: قضي القضاء بينهم. وانظر ما ذكرته في سورة (سبأ) رقم [٥٤]، والجملة الفعلية جواب (لولا) لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل.\n ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسم (إن) منصوب... إلخ. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿عَذابٌ:﴾\nفاعل بمتعلق الجار والمجرور. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، واعتبار: ﴿عَذابٌ﴾ مبتدأ مؤخرا، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ﴿وَإِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ﴾. هذا؛ وقرئ بفتح همزة (أن) على اعتبار المصدر المؤول منها ومن اسمها وخبرها معطوفا على: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ..﴾. إلخ والفصل بين المعطوف، والمعطوف عليه بجواب (لولا) جائز، ويجوز أن يكون المصدر المؤول في محل رفع على تقدير: (وجب أن الظالمين...) إلخ، فيكون منقطعا عمّا قبله، كقراءة الكسر، فاعلمه. انتهى. قرطبي بتصرف.\n\n<span id=\"aya-4294\"></span>﴿تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿تَرَى الظّالِمِينَ:﴾ هذا خطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، وهذه الرؤية إنّما تكون في يوم القيامة. ﴿مُشْفِقِينَ:﴾ خائفين. ﴿مِمّا كَسَبُوا:﴾ في الدنيا من السيئات أن يجازوا عليها.\n ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: الجزاء واقع بهم لا محالة؛ أشفقوا، أو لم يشفقوا. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.\n ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ:﴾ لأنّ هذه الروضات أطيب بقاع الجنة، فلذلك خصّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات بها. وفيه تنبيه على أنّ في الجنة منازل غير الروضات هي لمن دون هؤلاء الذين عملوا الصالحات من أهل القبلة. هذا؛ والروضة: كل أرض ذات نبات، وماء، ورونق، ونضارة. وقال أبو عبيد: الروضة: ما كان في سفل من الأرض، فإذا كانت مرتفعة فهي ترعة. وقال غيره: أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في موضع مرتفع غليظ، كما قال الأعشى في معلقته رقم [١٢] وما بعده: [البسيط]","vol":"8","page":516},{"text":"ما روضة من رياض الحزن معشبة... خضراء جاد عليها مسبل هطل\nيضاحك الشمس منها كوكب شرق... مؤزّر بعميم النّبت مكتهل\nيوما بأطيب منها نشر رائحة... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل\nانظر شرح هذه الأبيات، وإعرابها في كتابنا: «إعراب المعلقات العشر» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. وقال القشيري: والروضة عند العرب: ما ينبت حول الغدير من البقول، ولم يكن عند العرب شيء أحسن منه. هذا؛ وجمع روضة: روض، ورياض، وروضات، كما هنا، وأصل رياض: رواض، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، مثل حوض، وحياض، وثوب، وثياب. ونحو ذلك.\n ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم. والعندية مجاز عن الكرامة التي أعدها الله لهم عنده في الآخرة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥] من سورة (الروم). ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما أعده الله للمؤمنين. ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي: لا يوصف، ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته؛ لأنّ العلي القدير إذا قال: (كبير) فمن ذا الذي يقدر قدره؟!\nهذا؛ و﴿تَرَى﴾ ماضيه: رأى، وقياس المضارع: ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي، وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nأري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات\nوربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و﴿إِذا رَأَيْتَ﴾ «(أرايتكم)» «(أرايت)» بدون همز وقال الشاعر: [الخفيف]\nصاح هل ريت أو سمعت براع... ردّ في الضرع ما قرى في الحلاب؟\nوإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء. وعلى الحذف ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله ترأي قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.\nالإعراب: ﴿تَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به. ﴿مُشْفِقِينَ:﴾ حال من: ﴿الظّالِمِينَ﴾ منصوب مثله، وعلامة النصب الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّهما جمعا مذكر سالمان، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُشْفِقِينَ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: مشفقين من","vol":"8","page":517},{"text":"الذي، أو من شيء كسبوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: مشفقين من جزاء، أو: من عقوبة كسبهم. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وهو العائد على المضاف المحذوف؛ الذي رأيت تقديره. ﴿واقِعٌ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه، وهو على حذف مضاف، التقدير: وعقابه واقع بهم. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿واقِعٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من المضاف المحذوف، والرابط: الواو، والضمير. والجملة: ﴿تَرَى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. ﴿فِي رَوْضاتِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿رَوْضاتِ:﴾ مضاف، و﴿الْجَنّاتِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَهُمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِمّا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nلهم الذي، أو: شيء يشاؤونه. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، أو هي في محل رفع خبر ثان، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْفَضْلُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْكَبِيرُ:﴾\nصفة: ﴿الْفَضْلُ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ، و﴿الْفَضْلُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية حينئذ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة: ﴿ذلِكَ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4295\"></span>﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ..﴾. إلخ: ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به، فحذف الجار ثم حذف العائد، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده حاصل لهم كائن لا محالة؛ لأنّه ببشارة الله تعالى لهم. ﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ، والنصح مالا، وإنّما أطلب أن تذروني أبلغ رسالات ربي، فلا تؤذوني بما بيني، وبينكم من القرابة. روى البخاري عن ابن عباس-رضي","vol":"8","page":518},{"text":"الله عنهما-أنّه سئل عن قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ فقال سعيد بن جبير﵄-: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت! إنّ النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلاّ كان له فيهم قرابة، فقال: إلاّ أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، أخرجه البخاري. وبقول ابن عباس قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي. وروى الحافظ الطبراني عن ابن عباس قال:\nقال لهم رسول الله ﷺ: «لا أسألكم عليه أجرا إلاّ أن تودّوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة بيني وبينكم». وروى الإمام أحمد عن مجاهد، عن ابن عباس: «لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا، إلاّ أن تودّوا الله تعالى، وأن تقرّبوا إليه بطاعته».\nوهذا كأنه تفسير بقول ثان، كأنّه يقول: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أي: إلا أن تعملوا بالطاعة؛ التي تقربكم عند الله زلفى. وقول ثالث، وهو ما حكاه البخاري عن سعيد بن جبير: أنه قال: معنى ذلك أن تودوني في قرابتي؛ أي: تحسنوا إليهم، وتبروهم. والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس﵄كما رواه عنه البخاري، ولا ننكر الوصية بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم، وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرا، وحسبا، ونسبا. انتهى. مختصر ابن كثير.\nوقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بغدير خمّ: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض». وفي الصحيح: أنّ الصديق﵁قال لعليّ﵁-: «والله لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي». وقال عمر بن الخطاب للعباس﵄-: «والله لإسلامك يوم أسلمت أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأنّ إسلامك كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب». وروى الإمام أحمد عن يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا، والحصين بن ميسرة، وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم﵁-، فلما جلسنا إليه قال حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت معه، لقد رأيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ، فقال: يا بن أخي، لقد كبر سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ، فما حدثتكم؛ فاقبلوه، ومالا؛ فلا تكلفونيه، ثم قال﵁-: قام رسول الله ﷺ يوما خطيبا فينا بماء يدعى خما بين مكة، والمدينة، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال ﷺ: «أمّا بعد أيّها الناس! إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله تعالى، فيه الهدى، والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به».\nفحثّ على كتاب الله ورغب فيه، وقال ﷺ: «وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي! أذكّركم الله في أهل بيتي!». فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟! أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه لسن من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم عليهم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم","vol":"8","page":519},{"text":"آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس﵃-. قال: كل هؤلاء حرم الله عليهم الصدقة؟ قال: نعم. أخرجه أحمد ومسلم والنسائي.\nوروى الترمذي عن زيد بن أرقم﵁-، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». وروى الترمذي أيضا عن جابر بن عبد الله﵄قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: «يا أيّها النّاس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به، لن تضلّوا كتاب الله، وعترتي أهل بيتي». انتهى. مختصر ابن كثير.\nوالمشهور: أنّ النبيّ ﷺ، أوصى بالتمسك في القرآن وسنته، وخذ ما يلي: عن ابن عباس -﵄أنّ النبي ﷺ خطب بالناس في حجة الوداع، فقال: «إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك ممّا تحاقرون من أعمالكم فاحذروا! إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلّوا أبدا، كتاب الله، وسنة نبيّه». رواه الحاكم، وقال:\nصحيح الإسناد، وعن العرباض بن سارية﵁أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلاّ هالك». رواه ابن أبي عاصم في كتاب «السنة»، والأحاديث التي تحث على التمسك بالسنة كثيرة مشهورة، وانظر فائدة في آخر سورة (الفتح) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ مجاز مرسل، علاقته المحلية، فقد جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها، كقولك: لي في آل فلان مودة، ولي فيهم هوى شديد، تريد: أحبهم، وهم مكان حبي، ومحله. ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي: يكتسب، وأصل القرف: الكسب، يقال: فلان يقرف لعياله؛ أي: يكسب. والاقتراف: الاكتساب، وهو يشمل عمل الخير، وعمل الشر، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٣]: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. ﴿نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ أي: تضاعف له الحسنة بعشر فصاعدا، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠]: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ أي:\nيغفر الكثير من السيئات. ﴿شَكُورٌ:﴾ يكثر القليل من الحسنات، فيستر، ويغفر، ويضاعف فيشكر. هذا؛ وغفور، وشكور صيغتا مبالغة. هذا؛ والشكور معناه: هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب؛ لا محلّ له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿يُبَشِّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عِبادَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني: فأما وقوع ﴿الَّذِي﴾ مصدرية، فقال به يونس،","vol":"8","page":520},{"text":"والفراء، والفارسي، وارتضاه ابن خروف، وابن مالك، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٩]: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا،﴾ وأورد قول جميل بثينة، وهو الشاهد رقم [٩٥١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nأتقرح أكباد المحبين كالّذي... أرى كبدي من حبّ مية يقرح؟\nوقد ذكرت لك في سورة (التوبة) أنّ هذا مذهب ضعيف لبعض النحاة لا يعتدّ به. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة:\n ﴿عِبادَهُ،﴾ أو هو بدل منه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَعَمِلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (عملوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الْمَوَدَّةَ:﴾ مستثنى، قيل: متصل. وقيل: منقطع.\n ﴿فِي الْقُرْبى:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَوَدَّةَ﴾ التقدير: ثابتة في القربى، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَقْتَرِفْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿حَسَنَةً:﴾ مفعول به. ﴿نَزِدْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُ فِيها:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل ﴿نَزِدْ﴾. ﴿حُسْنًا:﴾ مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠]، والجملة الاسمية (من...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4296\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ أي: يقول كفار قريش: اختلاق محمد القرآن، ونسبه إلى الله كذبا وافتراء. قال الخازن: فيه توبيخ لهم، معناه: أيقع في قلوبهم، ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الكذب، وأنه افترى على الله كذبا، وهو أقبح أنواع الكذب؟. انتهى.","vol":"8","page":521},{"text":"﴿فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أي: لو افتريت على الله الكذب كما يزعم هؤلاء المجرمون؛ لختم الله على قلبك، فأنساك هذا القرآن، وسلبه من صدرك، ولكنك لم تفتر على الله كذبا، ولهذا أيدك، وسدّد خطاك. قال ابن كثير: وهذا كقوله جل وعلا في سورة (الحاقة): ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾. وقال أبو السعود: والآية استشهاد على بطلان ما قالوا ببيان: أنّه ﵇ لو افترى على الله تعالى؛ لمنعه من ذلك قطعا بالختم على قلبه؛ بحيث لا يخطر بباله معنى من معانيه، ولم ينطق بحرف من حروفه. انتهى. صفوة التفاسير. هذا؛ وقال مجاهد، ومقاتل: إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم؛ حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم.\n ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ أي: لو كان ما أتى به محمد ﷺ باطلا؛ لمحاه الله، كما جرت سنته في المغترين. فهو كلام مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنّه تعالى يمحو الباطل مطلقا، وسقطت الواو منه لفظا لالتقاء الساكنين، وخطا حملا له على اللفظ، كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ انتهى.\nسمين. ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ أي: ويثبت الله الحق، ويوضحه بكلامه المنزل، وقضائه المبرم.\nوقال الخازن: أي: يحق الإسلام بما أنزل من كتابه، وقد فعل الله تعالى ذلك، فمحا باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام. ولا تنس المقابلة بين: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ و﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾.\n ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: عالم بما في القلوب، يعلم ما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر. قال ابن عباس﵄-: لما نزلت: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾. وقع في قلوب قوم منها شيء. وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل ﵊، فأخبره: أنهم اتهموه، وأنزل الله هذه الآية، فقال القوم: يا رسول الله! فإنا نشهد أنك صادق! فنزلت الآية التالية، وانظر شرح (ذات) في سورة (الزمر) رقم [٧].\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» الانتقالية. وقيل: التقدير: أيقولون. فالهمزة للتقرير، والتقريع. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.\n ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَذِبًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على كلام سابق، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَشَإِ:﴾\nمضارع فعل الشرط. ﴿اللهِ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَخْتِمْ:﴾ جواب الشرط، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهِ،﴾ تقديره: «هو». ﴿عَلى قَلْبِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف","vol":"8","page":522},{"text":"لا محلّ له. ﴿وَيَمْحُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يمحو): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿الْباطِلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَيُحِقُّ:﴾ الواو: حرف عطف. (يحق): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾.\n ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به. ﴿بِكَلِماتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبره. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(ذات): مضاف، و﴿الصُّدُورِ:﴾\nمضاف إليه، والجملة الاسمية تعليل لما قبلها، لا محلّ لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4297\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يريد:\nأولياءه، وأهل طاعته. قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين الله تعالى وبين العبد، لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها. والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبدا. فإذا حصلت هذه الشروط؛ صحّت التوبة، وإن فقد أحد الثلاثة؛ لم تصحّ توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي؛ فشروطها أربعة، هذه الثلاثة، والشرط الرابع: أن يبرأ من حق صاحبها. فهذه شروط التوبة، وهذه هي التوبة النصوح التي ذكرها الله في سورة (التحريم). وقيل: التوبة الانتقال عن المعاصي نية، وفعلا، والإقبال على الطاعات نية، وفعلا. وقال سهل بن عبد الله التستري: التوبة:\nالانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة.\nوقد رغّب الرسول ﷺ في التوبة، وذكر تعليما لأمته، وتشجيعا لهم وترغيبا في التوبة: أنّه يتوب، ويستغفر في اليوم مئة مرة، وخذ ما يلي: عن عبد الله بن مسعود﵁-، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دويّة مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه، وشرابه، فوضع رأسه، فنام نومة، فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، فطلبها؛ حتى إذا اشتد عليه الحر، والعطش، أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام؛ حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها طعامه، وشرابه. فالله أشدّ فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده!». متفق عليه. انتهى.\nخازن.\nهذا؛ و﴿عَنْ﴾ بمعنى: «من» وقال البيضاوي: والقبول يعدى إلى مفعول ثان ب: «من»، أو «عن» لتضمنه معنى الأخذ، والإبانة، وقد عرفت حقيقة التوبة، فلتضمنه معنى الأخذ يعدّى بمن، يقال: قبلته منه؛ أي: أخذته، ولتضمنه معنى الإبانة والتفريق يعدّى بعن، يقال: قبلته عنه؛ أي:\nأزلته، وأبنته عنه.","vol":"8","page":523},{"text":"روى جابر بن عبد الله﵄أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله ﷺ، وقال:\nاللهم إنّي أستغفرك، وأتوب إليك، وكبّر، فلما فرغ من صلاته، قال له علي-كرّم الله وجهه، ورضي الله عنه-: يا هذا! إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: التوبة: اسم يقع على ستة معان: الندم على الماضي من الذنوب، واستدراك ما ضيع، وأهمل من الفروض بقضائه، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة، كما ربيتها في المعصية، وإذاقتها مرارة الطاعة، كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. انتهى. كشاف بتصرف.\n ﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ:﴾ صغيرها، وكبيرها، دقّها، وجلّها، هزلها وجدها لمن شاء، هذا إذا تيب عن الكبائر، وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. ﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ فيجازي ويتجاوز عن إتقان وحكمة؛ أي: يجازي التائب، ويتجاوز عن غير التائب، وصدورهما عنه ﷿ عن إتقان منه وحكمة، وإن لم ندرك ذلك بعقولنا، فلا اعتراض لأحد عليه. انتهى. جمل. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿تَفْعَلُونَ﴾ بالتاء، وعليه يكون في الكلام التفات، ويقرأ بالياء، وعليه فلا التفات.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ الَّذِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو الذي): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿يَقْبَلُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿التَّوْبَةَ:﴾\nمفعول به. ﴿عَنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَيَعْفُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (يعفو): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عَنِ السَّيِّئاتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، (يعلم): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تفعلونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم فعلكم. تأمّل وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4298\"></span>﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ..﴾. إلخ أي: يستجيب الله لهم، فحذف اللام، كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ والمراد: إجابة الدعاء، والإثابة على الطاعة، فإنها كدعاء.\nوطلب لما يترتب عليه، ومنه قول النبي ﷺ: «أفضل الدعاء الحمد لله»، أو المعنى: يستجيبون","vol":"8","page":524},{"text":"لله بالطاعة؛ إذا دعاهم إليها. هذا؛ وأجاب، واستجاب بمعنى واحد. هذا؛ ولا تنس الاحتراس بعطف العمل الصالح على الإيمان، وقد ذكرته مرارا فيما مضى.\n ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: على ما استحقوا، واستوجبوا له بالاستجابة. أو المعنى: يزيدهم ثوابا سوى ثواب أعمالهم تفضلا منه. وقال ابن عباس﵄-: يشفعهم في إخوانهم، ويزيدهم من فضله بأن يشفعهم في إخوان إخوانهم. ﴿وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ:﴾ بدل ما للمؤمنين من الثواب، والتفضل. وفيه من المقابلة بين إثابة المؤمنين، وعقاب الكافرين ما لا يخفى.\nالإعراب: ﴿وَيَسْتَجِيبُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يستجيب): فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، أو الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهِ﴾ و﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به، أو هو في محل نصب على نزع الخافض، كما رأيت في الشرح، وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَيَزِيدُهُمْ:﴾ الواو حرف عطف. (يزيدهم): فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَالْكافِرُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الكافرون): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنّه جمع مذكر سالم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعل بمتعلق الجار والمجرور. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و﴿عَذابٌ﴾ مبتدأ مؤخرا، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: (الكافرون...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4299\"></span>﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ﴾ أي: لو وسّع الله عليهم في الرزق ورغد العيش؛ ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لتكبروا، وأفسدوا فيها بطرا، أو: لبغى بعضهم على بعض استيلاء، واستعلاء. وهذا على الغالب. وأصل البغي: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى كمية، أو كيفية. انتهى. بيضاوي.\nهذا؛ وذكروا في كون بسط الرزق موجبا للطغيان وجوها: الأول: أنّ الله لو سوى في الرزق بين الكل، امتنع كون البعض محتاجا إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم، وتعطيل المصالح.\nثانيها: أنّ هذه الآية مختصة بالعرب، فإنّهم كلّما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم، ومن العشب والكلأ ما يشبعهم؛ قدموا على النهب والغارة. ثالثها: أنّ الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى، والقدرة؛ عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية، وهو التكبر. وإذا وقع في شدة وبلية","vol":"8","page":525},{"text":"ومكروه انكسر، وعاد إلى التواضع والطاعة. وقال ابن عباس﵄-: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة، ومركبا بعد مركب، وملبسا بعد ملبس. انتهى. جمل نقلا من الخطيب.\n ﴿وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ أي: ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم. ﴿إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ:﴾ لو أغناهم جميعا؛ لبغوا، ولو أفقرهم؛ لهلكوا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢].\nهذا؛ والإضافة بقوله (عباده) إضافة تشريف، وتكريم بالنسبة للمؤمنين، وإضافة قهر، وإذلال بالنسبة للكافرين، والملحدين، والفاسدين المفسدين. وعباد جمع: عبد، وهو الإنسان من بني آدم حرا كان، أو عبدا رقيقا، ويقال للمملوك: قن، وله جموع كثيرة، وأشهرها: عبيد، وعباد. قيل:\nنزلت الآية الكريمة في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق، وقال خباب بن الأرت﵁-: فينا نزلت، نظرنا إلى أموال بني النضير، وقريظة، وبني قينقاع، فتمنيناها، فنزلت.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال:\nلأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لِعِبادِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لَبَغَوْا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (بغوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محلّ لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿يُنَزِّلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِقَدَرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلهما، لا محلّ لها أيضا. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ينزل بقدر الذي، أو: شيئا يشاء تنزيله. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ:﴾ خبران ل: (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لما قبلها، ولا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4300\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أي: يئس الناس منه، وذلك أدعى لهم إلى الشكر. قيل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر، فذكرهم بنعمته؛ لأنّ الفرح بحصول النعمة بعد الشدة أتم. وهو قول مقاتل. وقيل: نزلت في الأعرابي سأل رسول الله ﷺ عن المطر يوم الجمعة في خبر الاستسقاء. ذكره القشيري.","vol":"8","page":526},{"text":"هذا؛ ويقرأ: ﴿يُنَزِّلُ﴾ بالتشديد والتخفيف، و: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: المطر في وقته المقدر له، والمكان المعين له، لا يتجاوزه، ومن غير تقديم، ولا تأخير. وسمي المطر غيثا؛ لأنّه يغيث الناس، فيزيل همّهم، ويفرّج كربهم. ويطلق مجازا على الجواد الكريم، قال ذو الرمّة في مدح بلال بن أبي بردة الأشعري: [الوافر]\nسمعت النّاس ينتجعون غيثا... فقلت لصيدح انتجعي بلالا\nفقد جعله أجود من الغيث، وأنفع و: صيدح: اسم ناقته، وللزمخشري قوله: [البسيط]\nلا تحسبوا أنّ في سرباله رجلا... ففيه غيث وليث مسبل مشبل\nهذا؛ والقنوط من صفات الكافر، وأمّا المؤمن فإنه يشكر ربه عند النعمة، ويصبر، ويرجوه عند الشدة. والفعل: قنط، يقنط يأتي من الباب الرابع، والثاني، وبهما قرئ في هذه الآية. وقرأ الأعمش أيضا: قنط يقنط من الباب السادس. ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي: المطر في كل شيء من السهل، والجبل، والنبات، والحيوان. ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ:﴾ الذي يتولى عباده بإحسانه، ونشر رحمته.\n ﴿الْحَمِيدُ:﴾ المحمود بكل لسان على ما أسدى لعباده من النعماء.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو الذي): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، وجملة: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿ما:﴾ مصدرية.\n ﴿قَنَطُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿ما﴾ والفعل ﴿قَنَطُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه. التقدير: من بعد قنوطهم.\n ﴿وَيَنْشُرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ينشر): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾.\n ﴿رَحْمَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4301\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ومن دلائل قدرته، وعجائب حكمته الدالة على وحدانيته خلق السموات، والأرض بهذا الشكل البديع، فإنّها بذاتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم. ﴿وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ﴾ أي: وما نشر، وفرق في السموات، والأرض من مخلوقات. قال ابن كثير: وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن، وسائر الحيوانات على","vol":"8","page":527},{"text":"اختلاف أشكالهم، وألوانهم، وأجناسهم وأنواعهم، وأطلق على الملائكة لفظ الدابة؛ لأنّ الدبيب في اللغة المشي الخفيف على الأرض، فيحتمل أن يكون للملائكة مشي مع الطيران، فيوصفون بالدبيب، كما يوصف الإنسان.\nهذا؛ وقال بعض العلماء: لا يستبعد أن يكون في الكواكب السيارة، والعوالم العلوية مخلوقات غير الملائكة تشبه مخلوقات الأرض، وأن يكون فيها حيوانات تشبه الحيوانات؛ التي على أرضنا، كما تدل الدلائل الفلكية على وجود حياة في المريخ، واستدلوا بهذه الآية. أقول:\nيحتمل أن يوجد في هذا الفضاء الواسع مخلوقات حية غير الإنسان، أمّا الإنسان فإننا نقطع بأنه لا يوجد إلاّ فوق سطح هذا الكوكب الأرضي، لقوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ الأعراف [٢٤]. انتهى. صفوة التفاسير للصابوني بتصرف.\nهذا؛ ولم يقل: وما بثّ فيهن؛ لأنّه أراد ما بين الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين، كقول القطامي: [الوافر]\nألم يحزنك أنّ حبال قيس... وتغلب قد تباينت انقطاعا\nأراد: وحبال تغلب، فثنى، والحبال جمع فثناهما؛ لأنّه أراد الشيئين، أو النوعين، أو لأنّه ثناهما على تأويلهما بالجماعة، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين. قال الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط]\nسعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس، أوبادا ولم يجدوا... عند التفرّق في الهيجا جمالين\nفقد ثنى: «جمال» الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللبد: المال الكثير، وأوبادا هلكى جمع وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصدقات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموال الناس بغير حق؛ حتى لم يبق لنا إلاّ شيء قليل من المال، فكيف تكون حالنا، أو كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟ ثم يقسم، فقال: والله لو صار عاملا سنتين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان، فيختل أمر الغزوات.\n ﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ أي: وهو تعالى قادر على جمع الخلائق للحشر، والحساب، والجزاء في أي وقت شاء. هذا؛ وفي الضمير تغليب العاقل على غيره، ولولا التغليب لكان يقال:\nعلى جمعها؛ لأنّ الضمير عائد على: ﴿دابَّةٍ،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من آياته): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خَلْقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة","vol":"8","page":528},{"text":"المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: خلقه السموات. وقال الجمل: من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: السموات المخلوقة، والأرض المخلوقة. ولا أراه قويا. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على: ﴿خَلْقُ،﴾ أو في محل جر معطوف على لفظ:\n ﴿السَّماواتِ﴾. ﴿بَثَّ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي بثه فيهما. ﴿مِنْ دابَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، العائد على (ما): و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى جَمْعِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر، وجملة: ﴿يَشاءُ﴾ مع الفاعل المستتر، والمفعول المحذوف في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (بثّ) المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4302\"></span>﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ:﴾ المراد بهذه المصائب: الأحوال المكروهة، نحو الأوجاع، والأسقام، والقحط، والغلاء، والغرق، والصواعق، وغير ذلك من المصائب. وقيل:\nالمصيبة هنا: الحدود على المعاصي. ﴿فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: كسبتم من الذنوب والمعاصي. وعبر بالأيدي؛ لأنّ أكثر الأفعال تزاول بها. ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: إنّ الذنوب قسمان: قسم يعجل العقوبة عليه في الدنيا بالمصائب، وقسم يعفو عنه، فلا يعاقب عليها، وما يعفو عنه أكثر. وقال علي﵁-: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله ﷿، وإذا كان يكفر عني بالمصائب، ويعفو عن كثير، فما يبقى بعد كفارته وعفوه شيء.\nقال ابن عباس﵄-: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: «والّذي نفسي بيده ما من خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر».\nوروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سخيلة﵁قال: قال علي بن أبي طالب -﵁-: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدّثنا بها رسول الله ﷺ: ﴿وَما أَصابَكُمْ..﴾. إلخ وسأفسرها لكم، فقال: «يا عليّ! (ما أصابكم من مصيبة) أي: من مرض، أو عقوبة، أو بلاء في الدنيا، ﴿فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه».","vol":"8","page":529},{"text":"وقال عكرمة-رحمه الله تعالى-: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلاّ بذنب؛ لم يكن الله ليغفره له إلاّ بها، أو لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلاّ بها. وروي: أنّ رجلا قال لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: يا موسى! سل الله لي في حاجة يقضيها لي، هو أعلم بها، ففعل موسى، فلما نزل إذ هو بالرجل، قد مزق السبع لحمه، وقتله، فقال موسى: ما بال هذا يا رب؟ فقال الله ﵎ له: يا موسى إنّه سألني درجة علمت أنّه لم يبلغها بعمله، فأصبته بما ترى؛ لأجعلها وسيلة له في نيل تلك الدرجة. فكان أبو سليمان الداراني إذا ذكر هذا الحديث يقول: سبحان من كان قادرا على أن ينيله تلك الدرجة بلا بلوى، ولكنه يفعل ما يشاء.\nهذا؛ وروي: أنّ الله ﷿ ابتلى يعقوب-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بفقد ولديه: يوسف، وبنيامين، الثاني تلو الأول؛ ليصبر فيلحقه بدرجة أبيه إسحاق وجده إبراهيم، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلّغه إيّاها». رواه أبو يعلى، وابن حبان. وعن محمد بن خالد عن أبيه عن جده-وكانت له صحبة من رسول الله ﷺقال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ العبد إذا سبقت له من الله منزلة، فلم يبلغها بعمل؛ ابتلاه الله في جسده، أو ماله، أو ولده، ثمّ صبر على ذلك حتى يبلّغه المنزلة التي سبقت له من الله ﷿».\nرواه أحمد، وأبو داود، وأبو يعلى، والطبراني، والمرأة مثل الرجل في ذلك، والحمد لله.\nوقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: دخلنا على عمران بن حصين﵁- فقال رجل له: لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع، فقال عمران﵁-: يا أخي لا تفعل، فو الله إني لأحب الوجع، ومن أحبه كان أحب الناس إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ..﴾. إلخ فهذا مما كسبت يدي، وعفو ربي عما بقي أكثر. والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة، وأكتفي بما يلي: عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة﵄عن النبي ﷺ قال: «ما يصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ؛ حتى الشوكة يشاكها إلاّ كفّر الله بها من خطاياه». رواه البخاري، ومسلم. ولا تنس: أن هذا في حق المؤمنين، وأمّا الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة، ومهما أصابه بلاء في الدنيا، فإن ذلك لا يخفف عقوبة الآخرة، والخلود في جهنم، وأما من لا جرم له كالأنبياء؛ فما أصابهم من بلاء، فإنه لرفع درجاتهم، وعلوّ مقامهم. ومن لا ذنب له كالأطفال، والمجانين فما أصابهم من بلاء فإنه يكون سببا لتطهير آبائهم، وأمهاتهم من ذنوبهم، وسيئاتهم. هذا؛ ولا تنس قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٤٥]: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى،﴾ وقوله جلّ ذكره في سورة (النحل) رقم [٦١]: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.","vol":"8","page":530},{"text":"الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصابَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، وعود الفاعل إلى الله لم يقل به أحد.\n ﴿فَبِما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (بما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو بسبب الذي. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيكُمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والجملة الاسمية المقدرة: «هو بسبب... إلخ» في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو (ما) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠]. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) اسما موصولا، فهي مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿أَصابَكُمْ..﴾.\nإلخ صلتها، والجار والمجرور (بما...) إلخ متعلقان بمحذوف خبره، ودخلت الفاء في الخبر لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، علما بأنه قرئ بإسقاط الفاء. ﴿وَيَعْفُوا:﴾ الواو: واو الحال. (يعفو): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: والله يعفو، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أَيْدِيكُمْ،﴾ والرابط: الواو فقط. ﴿عَنْ كَثِيرٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَصابَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-4303\"></span>﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا تعجزون ربكم عن إدراككم. بمعنى: لا تفوتونه؛ إن هربتم من حكمه، وقضائه. هذا؛ واقتصر هنا على ذكر الأرض، وقال في سورة (العنكبوت) رقم [٢٢]: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ لأنّ الخطاب هنا لأهل مكة، ولغيرهم من الناس، وهم يعيشون على وجه الأرض بخلاف الخطاب في سورة (العنكبوت)، فإنّه لقوم فيهم النمرود، الذي حاول الصعود إلى السماء؛ بينما حذفا معا للاختصار في الآية رقم [٥١] من سورة (الزمر). ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ:﴾ ليس لكم من دون الله ولي يتولى أموركم، وشؤونكم، وليس لكم نصير ينصركم من عذاب الله تعالى؛ إن أراد تعذيبكم. وانظر الآيتين رقم [٨] و[٩].\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس».\n ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُعْجِزِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. والجملة الاسمية معطوفة","vol":"8","page":531},{"text":"على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ما): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: (معجزين) فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-4304\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢)﴾\nالشرح: ومن علامات قدرته الدالة على توحيده، وتعظيمه، وتقديسه: السفن؛ التي تسير في البحر، كأنّها الجبال الراسيات، أو القصور الشامخات. وكل شيء مرتفع عند العرب فهو علم، قالت الخنساء، -﵂ترثي أخاها صخرا: [البسيط]\nوإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به... كأنّه علم في رأسه نار\nهذا؛ وواحد الجواري: جارية، قال تعالى في سورة (الحاقة) رقم [١١]: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ سميت جارية؛ لأنّها تجري في الماء، والجارية: المرأة الشابة، سميت بذلك؛ لأنّها يجري فيها ماء الشباب. هذا؛ والجوار بحذف الياء في الخط؛ لأنّها من ياآت الزوائد، وبإثباتها، وحذفها في اللفظ في كلّ من الوصل، والوقف قراآت سبعية. هذا؛ وكثيرا ما أطلق لفظ الفلك على السفينة مفردا، وجمعا، وانظر سورة (الرحمن) رقم [٢٤].\nقال محمد علي الصابوني: لما ذكر الله تعالى بعض الدلائل على وحدانيته في خلق السموات والأرض، وما بث فيها من مخلوقات لا تحصى؛ أتبعه بذكر آية أخرى تدل على وجود الإله القادر الحكيم، وهي السفن الضخمة؛ التي تشبه الجبال تسير بقدرته تعالى فوق سطح البحر، محملة بالأقوات، والأرزاق. وختم السورة الكريمة ببيان إثبات الوحي، وصدق القرآن.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ آياتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. و﴿الْجَوارِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء الثابتة، أو المحذوفة للتخفيف، وهو نعت لمحذوف، التقدير: السفن الجواري. هذا؛ وأجيز اعتبار الجواري فاعلا بالجار والمجرور؛ أي:\nبالاستقرار؛ الذي يتعلقان به، التقدير: ثبت من آياته الجواري. وعلى هذا فالجار والمجرور ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ متعلقان بمحذوف حال (من الجواري) وعلى الأول متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿كَالْأَعْلامِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال ثانية، والجملة الاسمية:\n ﴿وَمِنْ آياتِهِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"8","page":532},{"text":"<span id=\"aya-4305\"></span>﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ أي: لو شاء الله لأسكن الرياح، وأوقفها، فتبقى السفن سواكن، وثوابت على ظهر البحر لا تجري. ومن المعلوم: أنّ هذا كان في الأيام الخالية يوم كانت السفن تعتمد على الهواء في سيرها، وجريها، أما في أيامنا هذه، فإن السفن تعتمد على البخار في جميع حركاتها. هذا؛ وركد الماء ركودا: سكن، وكذلك الريح، والسفينة، والشمس إذا قام قائم الظهيرة، وكل ثابت في مكان فهو راكد. هذا؛ والمراد:\nب: (يظللن) الاستمرار، كما في قوله تعالى في سورة (الشعراء) حكاية عن قول قوم إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾. هذا؛ وقد تحذف إحدى اللامين؛ إذا اتصل الفعل بضمير رفع متحرك، مثل قوله تعالى حكاية عن قول موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ وانظر سورة (الحجر) رقم [١٤].\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في تسيير السفن بواسطة الريح. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات على قدرة الله تعالى، وتوحيده. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ:﴾ كثير الصبر على البلاء، وعلى الطاعات، وعن المعاصي، والمنكرات. ﴿شَكُورٍ:﴾ كثير الشكر لله على نعمه، وآلائه. قال قطرب: نعم العبد الصبار الشكور؛ الذي إذا أعطي؛ شكر وإذا ابتلي؛ صبر. قال عون بن عبد الله: فكم من منعم عليه غير شاكر، وكم من مبتلى غير صابر.\nوقال أبو حيان: وإنّما ذكر السفن الجارية في البحر، لما فيها من عظيم دلائل القدرة، من جهة: أنّ الماء جسم لطيف شفاف، يغوص فيه الثقيل، والسفن تحمل الأجسام الثقيلة الكثيفة، ومع ذلك جعل الله تعالى في الماء قوة يحملها بها، ويمنعها من الغوص، ثم جعل الرياح سببا لسيرها، فإذا أراد أن ترسو؛ أسكن الرياح، فلا تبرح عن مكانها. انتهى. صفوة التفاسير.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى الله، والمفعول محذوف: تقديره: إن يشأ الله إيقاف السفن. والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُسْكِنِ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى الله.\n ﴿الرِّيحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَيَظْلَلْنَ:﴾\nالفاء: حرف عطف، وسبب. (يظللن): فعل مضارع ناقص مبني على السكون، ونون النسوة اسمه. ﴿رَواكِدَ:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثله. ﴿عَلى ظَهْرِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَواكِدَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.","vol":"8","page":533},{"text":"﴿إِنْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنْ﴾ مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء.\n (آيات): اسم: ﴿إِنْ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، و(كل): مضاف، و﴿صَبّارٍ:﴾\nمضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: لكل إنسان صبار. ﴿شَكُورٍ:﴾ صفة ثانية، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4306\"></span>﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ أي: يغرقهن بعصف الريح بأهلهن. ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أي: من الذنوب.\nوالمعنى: إن يشأ يسكن الريح، فيركدن، أو يعصفها، فيغرقن بعصفها. ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ:﴾ من أهلها فلا يغرقهم معها. حكاه الماوردي. وقيل: المعنى: ويتجاوز عن كثير من الذنوب، فينجيهم الله من الهلاك. و﴿وَيَعْفُ:﴾ معطوف على جواب الشرط، واستشكله القشيري، وقال:\nلأنّ المعنى: إن يشأ يسكن الريح، فتبقى تلك السفن رواكد، أو يهلكها بذنوب أهلها. فلا يحسن عطف ﴿وَيَعْفُ﴾ على هذا؛ لأنّ المعنى يصير: إن يشأ يعف، وليس المعنى على ذلك، بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة، فهو عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. وقد قرأ قوم: «(ويعفو)» بالرفع، وهي جيدة في المعنى، كما قرئ بالنصب بإضمار أنّ بعد الواو كما قرئ: (يعلم) الآتي بالأوجه الثلاثة. ويكون قد عطف هذا المصدر المؤول من: «أن» المضمرة والفعل المضارع على مصدر متوهم من الفعل قبله، تقديره: أو يقع إيباق، وعفو عن كثير. فقراءة النصب كقراءة الجزم في المعنى؛ إلاّ أنّ في هذه عطف مصدر مؤول على مصدر متوهم، وفي تيك عطف فعل على مثله. انتهى. جمل نقلا من السمين.\nهذا؛ ويعفو: يصفح، ويتجاوز، وهو كثير في القرآن بهذا المعنى كما يأتي: «عفا» بمعنى:\nالكثرة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ سورة (الأعراف) رقم [٩٥] أي:\nحتى كثروا ونموا في أنفسهم، وأموالهم، من قولهم: عفا النبات، وعفا الشحم، والوبر: إذا كثر، قال الحطيئة: [الطويل]\nبمستأسد الغربان عاف نباته... بأسوق عافيات الشّحم كوم\nوعفا المنزل، يعفو عفاء؛ إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه. قال الشاعر-وهذا هو الشاهد رقم [٤٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nوبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد","vol":"8","page":534},{"text":"وعفو المال: ما يفضل عن النفقة، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي:\nالفاضل عن الحاجة، والعافي: طالب المعروف، والإحسان. قال عروة بن الورد: [الطويل]\nوإني امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد\nوجمع العافي: عفاة. قال الأعشى: [المتقارب]\nتطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُوبِقْهُنَّ:﴾ مضارع معطوف على جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿بِما:﴾ الباء:\nحرف جر. (ما): مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبكسبهم، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَيَعْفُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعف):\nمعطوف على ما قبله، فهو مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ وعلى قراءته: (يعفو) فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، وانظر قراءة النصب في الشرح. ﴿عَنْ كَثِيرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] فالكلام يشبه بعضه بعضا.\n\n<span id=\"aya-4307\"></span>﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ..﴾. إلخ: أي: يعلم الكفار الذين يجادلون في آيات القرآن، ويقولون: هو سحر، أو كهانة... إلخ إذا توسطوا البحر، وغشيتهم الرياح من كل مكان، أو بقيت السفن رواكد؛ علموا: أنّه لا ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع لهم؛ إن أراد الله إهلاكهم، فيخلصون له العبادة. ﴿مِنْ مَحِيصٍ:﴾ من ملجأ، وهو مأخوذ من قولهم: حاص به البعير حيصة: إذا رمى به، ومنه قولهم: فلان يحيص عن الحق؛ أي: يميل عنه. انتهى. قرطبي. وقال الخازن وغيره: يعني يعلم الذين يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله تعالى ما لهم من مهرب من عذابه. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَيَعْلَمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعلم): هذا الفعل يقرأ بالنصب، والجزم، والرفع، فالنصب على إضمار: «أن» بعد الواو، والجزم بالعطف على جواب الشرط، والرفع على الاستئناف؛ أي: على اعتبار الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير:\nوهو يعلم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محلّ لها من الإعراب، وما ذكرته في هذه الآية من وجوه الإعراب مقرّر في القواعد النحوية كما يلي: «إذا عطف مضارع بالواو، أو بالفاء على فعل الشرط، يجوز جزمه ونصبه، وإذا عطف على الجواب مضارع بالواو، أو بالفاء يجوز نصبه، وجزمه، ورفعه». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]","vol":"8","page":535},{"text":"والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن\nوجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو أن بالجملتين اكتنفا\nوانظر آية البقرة رقم [٢٨٣]. وعلى قراءة النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل المضارع بمصدر معطوف على مصدر متوهم من الفعل السابق، التقدير: أو يقع إيباق، وعفو، وعلم.\nوعلى رفع (يعلم) فالفاعل يعود إلى المبتدأ المقدر، والموصول مفعول به. وعلى النصب، والجزم فالموصول فاعل به. وجملة: ﴿يُجادِلُونَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فِي آياتِنا:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مَحِيصٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة على قراءة الرفع، واعتبار الفاعل عائدا على المبتدأ، وفي محل نصب مفعول به على اعتبار الموصول فاعلا، ويكون الفعل معلقا على العمل بسبب (ما) النافية، وعلى الاعتبارين فالفعل من المعرفة، لا من العلم.\n\n<span id=\"aya-4308\"></span>﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من منافع الدنيا، كالمأكل، والمشرب، والملبس، والمنكح، والمسكن، والمركب. ﴿فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ فإنما هو متاع في أيام قليلة تنقضي، وتذهب، فلا ينبغي أن يتفاخر به؛ لأنّه ظل زائل، وعرض حائل، وعارية مستردة. ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي: وما عند الله من الثواب، والنعيم خير من الدنيا وما فيها؛ لأنّ نعيم الآخرة دائم مستمر، فلا تقدموا الفاني على الباقي. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: للذين صدقوا الله ورسوله، وصبروا على ترك الملاذ في الدنيا. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: توكلوا، واعتمدوا على الله وحده في جميع أمورهم، وهو كقوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٥٧]: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾. هذا؛ وقال القرطبي وغيره: نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق﵁حين أنفق جميع ماله في طاعة الله تعالى، فلامه الناس على ذلك، وجاء في الحديث: أنّه أنفق ثمانين ألفا.\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، تقدم على الفعل ومفعوله الأول؛ لأنّ الشرط له صدر الكلام. ﴿أُوتِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾","vol":"8","page":536},{"text":"متعلقان بمحذوف حال من (ما)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَمَتاعُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (متاع): خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو متاع، و(متاع) مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية المقدرة: «فهو متاع... إلخ». في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول:\nلا محلّ لها. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: فالذي أوتيتموه، والخبر: (متاع الحياة)، والجملة: ﴿فَما أُوتِيتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها على جميع الاعتبارات. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿فَمَتاعُ الْحَياةِ﴾ والرابط: الواو فقط، وهو أقوى من اعتبارها معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة. ﴿وَأَبْقى:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بأحد الاسمين السابقين على التنازع، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَتَوَكَّلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4309\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ يعني: كل ذنب تعظم عقوبته، كالقتل، ونحوه. قال الرسول ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات». قيل: يا رسول الله! ما هنّ؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة﵁-. ﴿وَالْفَواحِشَ:﴾ جمع: فاحشة، وهي الزنى. وقال الخازن: ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال. وقيل: الفواحش، والكبائر بمعنى واحد، فكرر لتعدد اللفظ؛ أي:\nيجتنبون المعاصي؛ لأنها كبائر وفواحش.\n ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: يتجاوزون، ويحلمون عمن ظلمهم. وهذا من محاسن الأخلاق، فهم يشفقون على ظالمهم، ويصفحون عمن جهل عليهم، يطلبون بذلك ثواب الله تعالى، وعفوه، لقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٣٤]: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وعن علي﵁قال: اجتمع لأبي بكر مال مرة، فتصدق به كله في سبيل الخير، فلامه المسلمون، وخطأه الكافرون، فنزل قوله تعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ﴾","vol":"8","page":537},{"text":"﴿مِنْ شَيْءٍ..﴾. إلى ﴿... وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. وقال ابن عباس﵄-: شتم رجل من المشركين أبا بكر، فلم يرد عليه شيئا. فنزلت الآية. وأنشد بعضهم: [الكامل]\nإني عفوت لظالمي ظلمي... ووهبت ذاك له على علمي\nما زال يظلمني وأرحمه... حتى بكيت له من الظّلم\nفعن معاذ بن أنس﵁أنّ رسول الله ﷺ قال: «من كظم غيظا، وهو قادر على أن ينفّذه؛ دعاه الله سبحانه على رؤوس الخلائق؛ حتّى يخيّره من الحور العين ما شاء». رواه أبو داود والترمذي. وفي رواية لأحمد وأبي داود: «من كظم غيظا، وهو يقدر على إنفاذه؛ ملأ الله قلبه أمنا، وإيمانا». وعن أبي هريرة﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «ليس الشّديد بالصّرعة، إنّما الشديد الّذي يملك نفسه عند الغضب». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ما قبله. وتوهم أبو البقاء: أنّ التلاوة بغير واو. ﴿يَجْتَنِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿كَبائِرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْإِثْمِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْفَواحِشَ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ما:﴾ صلة. ﴿غَضِبُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وجملة: ﴿يَغْفِرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على جملة الصلة، لا محلّ له مثلها، ويكون قد حذف الفاء من جواب: (إذا) والواجب اقترانه بها في مثل ذلك، انتهى. أبو البقاء. ولم يرتضه الجمل، بل قال: (إذا) هذه منصوبة ب:\n ﴿يَغْفِرُونَ،﴾ و﴿يَغْفِرُونَ﴾ خبر ل: ﴿هُمْ﴾ والجملة بأسرها عطف على الصلة، وهي: ﴿يَجْتَنِبُونَ﴾ فيكون قد عطف جملة اسمية على فعلية. ويجوز أن يكون ﴿هُمْ﴾ توكيدا للفاعل في قوله:\n ﴿غَضِبُوا،﴾ وعلى هذا ف: ﴿يَغْفِرُونَ﴾ جواب الشرط. وقيل: ﴿هُمْ﴾ مرفوع بفعل مقدر يفسره:\n ﴿يَغْفِرُونَ﴾ بعده، ولما حذف الفعل؛ انفصل الضمير.\n\n<span id=\"aya-4310\"></span>﴿وَالَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ:﴾ قال عبد الرحمن بن زيد: هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالله، ورسوله حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيبا منهم قبل الهجرة. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ:﴾","vol":"8","page":538},{"text":"أدوها في أوقاتها مع المحافظة على شروطها، وأركانها، وسننها، وآدابها. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أي: يتشاورون في جميع أمورهم الدينية، والدنيوية، والشورى مصدر شاورته مثل: البشرى، والذكرى، ونحوهن، فكانت الأنصار قبل قدوم النبي ﷺ إليهم إذا أرادوا أمرا؛ تشاوروا فيه، ثم عملوا عليه، فمدحهم الله تعالى به، وأعظم ما تشاوروا فيه حين اجتمعوا لإنهاء حرب بعاث، واتفق رأيهم على تنصيب عبد الله بن أبي عليهم ملكا، ولولا نور الإسلام الذي بزغ في المدينة؛ لتم له ذلك، وهذا هو السبب في نفاقه، وكيده للإسلام والمسلمين في الخفاء، ولا تنس تشاورهم حين سمعوا بظهور النبي ﷺ، ومجيء النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به، والنصرة له. انظر (استجاب) في سورة (فاطر) رقم [١٤]. وقال ابن العربي:\nالشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط؛ إلاّ هدوا لأرشد أمورهم. قال بشار بن برد: [الطويل]\nإذا بلغ الرأي المشورة فاستعن... برأي لبيب أو مشورة حازم\nولا تجعل الشورى عليك غضاضة... فإن الخوافي قوة للقوادم\nالخوافي: ريشات إذا ضمّ الطائر جناحيه خفيت. والقوادم: عشر ريشات في مقدم جناح الطائر، وهي كبار الريش، وقد كان النبي ﷺ يشاور أصحابه في الأمور المتعلقة بمصالح الحروب، كالذي كان منه في غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وقد قال الله له في سورة (آل عمران) رقم [١٥٩]: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فأمره الله ﷿ باستشارة أصحابه، وهو أرجحهم عقلا، وأقومهم رأيا، وأنضجهم فكرا، ليلفت نظر الأمة إلى ما في المشورة من آثار طيبة، ونتائج حميدة، وليكون لهم فيه أسوة حسنة، فكان ﷺ لا يكاد يبرم أمرا من الأمور الدنيوية، أو التي لم ينزل عليه فيها وحي إلاّ بعد أن يعرضه على ذوي العقول الراجحة، والأفئدة النيرة من أصحابه، حتى إذا محصته المشورة، وأقرته الجمهرة، نزل الجميع على ما رأته الأغلبية بحيث لا يخرجون عنه، ولا يخالفونه، احتراما للجماعة، وتقديرا لذوي الرأي، والمكانة، وجمعا للكلمة، وتوحيدا للصف.\nوليس أدل على ما للشورى من أهمية كبرى في الإسلام من أنّ الله تعالى قد قرنها بهذه الآية الكريمة بركنين عظيمين من أركانه، وهما إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فالآية الكريمة هادية إلى أنّ الشورى يجب أن تكون بين المسلمين على اختلاف طبقاتهم، وهيئاتهم، بين المسلمين عامة، وبين أبناء القطر الواحد، وبين أبناء البلد الواحد، وبين أبناء القرية الواحدة، وهي من أسس الإسلام القويمة، ومبادئه الحقة، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nعقل الفتى ليس يغني عن مشاورة... كعفّة الخود لا تغني عن الرجل\nإن المشاور إما صائب غرضا... أو مخطئ غير منسوب إلى الخطل","vol":"8","page":539},{"text":"لا تحقر الرأي: قد يأتي الحقير به... فالنحل وهو ذباب طيب العسل\nولقد سار النبي ﷺ بالمسلمين هذه السيرة؛ التي أوجبها عليه القرآن الكريم؛ تطييبا لنفوسهم، ورفعا لأقدارهم، وتألفا على دينهم، وتركيزا لمبادئ الشورى بينهم، حتى يسير على ضوئها من يأتي بعده من الرؤساء، والزعماء، وذوي الرأي: من أهل الحل، والعقد. ورحم الله من يقول: [الكامل]\nشاور صديقك في الخفيّ المشكل... واقبل نصيحة ناصح متفضّل\nفالله قد أوصى بذاك نبيّه... في قوله: شاورهم وتوكّل\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية بعده صلته. ﴿لِرَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَأَمْرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿شُورى:﴾\nخبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿شُورى،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿يُنْفِقُونَ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب:\n (من). ﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ينفقون من الذي، أو من شيء رزقناهم إياه، أو رزقناهموه، والجملة: ﴿يُنْفِقُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4311\"></span>﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عمّن ظلمهم، فبدأ بذكرهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. وصنف ينتصرون من ظالمهم، وهو الذي ذكر في هذه الآية. وقال ابن العربي: ذكر الله الانتصار في البغي في معرض","vol":"8","page":540},{"text":"المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين: إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور، وقحا في الجمهور، مؤذيا للصغير، والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل. وفي مثله قال إبراهيم النخعي-رحمه الله تعالى-: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فتجترئ عليهم الفساق.\nالثانية: أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزلت: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ سورة (البقرة) رقم [٢٣٧]. ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ وقال أبو السعود: وهو وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر الفضائل، وهذا لا ينافي وصفهم بالغفران، فإن كلا في موضعه محمود.\nهذا؛ وقيل العفو، والتسامح إغراء للسفيه. وقال الصاوي: من مكارم الأخلاق التجاوز، والحلم عند حصول الغضب، ولكن يشترط أن يكون الحلم غير مخلّ بالمروءة، ولا واجبا، كما إذا انتهكت حرمات الله؛ فالواجب حينئذ الغضب لا الحلم، وعليه قول الشافعي-رحمه الله تعالى-: «من استغضب، ولم يغضب؛ فهو حمار». وقال الشاعر: [الطويل]\nمن الحلم أن تستعمل الجهل دونه... إذا اتّسعت في الحلم طرق المظالم\nوقال آخر: [الطويل]\nوحلم الفتى في غير موضعه جهل\nوقال عنترة بن شداد العبسي: [الكامل]\nوإذا بليت بظالم كن ظالما... وإذا رأيت ذوي الجهالة فاجهل\nوقال عمرو بن كلثوم التغلبي: [الوافر]\nألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nوصفوة القول: إن للحلم، والعفو، والصفح محالّ، وللجهل، والانتقام من المسيء محالّ، فقد انتقم الرسول ﷺ من أبي عزّة الجمحي، ومن النضر بن الحارث؛ حيث أمر بقتلهما، وعفا ﷺ عن غورث بن الحارث، الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه، وهو نائم، وعفا ﷺ عن لبيد بن الأعصم، الذي سحره، وعفا عن المرأة التي وضعت له السم في ذراع الشاة على الأصح. وينبغي أن تتفهم ما يلي: وفد النابغة الجعدي﵁على النبي ﷺ، ومدحه بقصيدة طويلة، وفيها حكم، ومواعظ، ومن أبياتها ما يلي: [الطويل]\nولا خير في حلم إذا لم يكن له... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا\nولا خير في جهل إذا لم يكن له... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا","vol":"8","page":541},{"text":"فأعجب النبي المعظم ﷺ بهذين البيتين كل الإعجاب، وقال له: «لا يفضض الله فاك»، فعاش مئة وعشرين سنة، لم تسقط له سن ببركة دعاء النبي ﷺ.\nهذا؛ والبغي: هو الظلم، والاعتداء على حق غيرك. وعواقبه ذميمة، ومال الباغي وخيم، وعقباه أليمة؛ ولو أنّ له جنودا بعدد الحصى، والرمل، والتراب. ورحم الله من يقول: [البسيط] لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل\nوعن النبي ﷺ: أنّه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ وقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾. وقال أبو بكر الصديق﵁-:\n «ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه». وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ: أنّه قال: «أسرع الخير صلة الرحم، وأعجل الشرّ البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس﵄أنّه قال:\n «لو بغى جبل على جبل؛ لدكّ الباغي». ورحم الله من يقول: [البسيط]\nيا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير فعال المرء أعدله\nفلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله\nوكان المأمون العباسي يتمثل بهذين البيتين في أخيه الأمين، حين ابتدأ بالبغي عليه، قال الشاعر الحكيم: [مجزوء الكامل]\nوالبغي يصرع أهله... والظلم مرتعه وخيم\nهذا؛ وانظر أنواع الظلم في رسالة: «الحج والحجاج في هذا الزمن» وأقبح أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بارتكاب المعاصي، والسيئات، فيسبب لها الخلود في نار جهنم.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٣٧]. ﴿أَصابَهُمُ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿الْبَغْيُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:\n ﴿إِذا﴾ إليها، ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ انظر رقم [٣٧] فالإعراب لا يختلف. و﴿إِذا﴾ ومدخولها صلة الموصول.\n\n<span id=\"aya-4312\"></span>﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها:﴾ فهذا مثل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٤]:\n ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ،﴾ وقوله في سورة (النحل) رقم [١٢٦]: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ سمى الجزاء سيئة؛ وإن لم يكن سيئة؛ لتشابههما في","vol":"8","page":542},{"text":"الصورة. وقيل: لأنّ الجزاء يسوء من ينزل به. وما في الآيات الثلاث يسمى مشاكلة؛ أي:\nأطلق على المجازاة ما يشبه السيئة المبدوء بها، والاعتداء المبدوء به. هذا؛ والمراد: مقابلة القبيح بمثله؛ إذا قال: أخزاك الله؛ فقل له: أخزاك الله. وإذا شتمك؛ فاشتمه بمثلها، ولا تعتد.\nوقيل: هو في القصاص في الجراحات، والدماء يقتص بمثلها ما جني عليه. وبالجملة فالانتقام من المعتدي، والظالم مشروع. هذا؛ وخذ قول ابن الرقعمق في المشاكلة: [الكامل]\nأصحابنا قصدوا الصّبوح بسحرة... وأتى رسولهم إلي خصيصا\nقالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه... قلت: اطبخوا لي جبّة وقميصا\nوقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته رقم [١١٤]: [الوافر]\nألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nفسمى جزاء الجهل جهلا لازدواج الكلام، وحسن تجانس اللفظ، فالجملة الثانية على مثل لفظ الأولى، وهي تخالفها في المعنى؛ لأنّ ذلك أخف على اللسان، ومن ذلك قول الرسول ﷺ: «فإنّ الله لا يملّ حتّى تملّوا». فمعناه: أنّ الله تعالى لا يقطع عنكم فضله؛ حتى تملوا من مسألته، وتزهدوا فيها؛ لأنّ الله لا يملّ في الحقيقة، وإنّما نسب الملل إليه؛ لازدواج اللفظين.\nوقال السدّي: إنّما مدح الله من انتصر ممن بغى عليه من غير اعتداء بالزيادة على مقدار ما فعل به؛ أي: كما كانت العرب تفعله. وتأول الشافعي-رحمه الله تعالى-في هذه الآية: أنّ للإنسان أن يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه، واستشهد على ذلك بقول النبي ﷺ لهند زوج أبي سفيان: «خذي ما يكفيك، وبنيك بالمعروف». فأجاز لها أخذ ذلك من غير علمه.\nأقول: وقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٣]: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا﴾ دليل واضح، وجلي على جواز الانتقام، والأخذ بالثأر بشرط عدم مجاوزة الحق.\n ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: من ترك القصاص، وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو؛ ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي: إن الله يثيبه، ويأجره على عفوه، وتجاوزه عن حقه.\nقال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة. هذا؛ وذكر أبو نعيم الحافظ عن علي بن الحسين -﵃قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيكم أهل الفضل؟ فيقوم ناس من الناس، فيقال: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: قبل الحساب؟ يقولون: نعم، يقولون: من أنتم؟ يقولون: نحن أهل الفضل، يقولون:\nوما كان فضلكم؟ يقولون: كنا إذا جهل علينا؛ حلمنا، وإذا ظلمنا؛ صبرنا، وإذا أسيء إلينا؛ عفونا، يقولون: ادخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين. انتهى. قرطبي بتصرف.","vol":"8","page":543},{"text":"﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي: من بدأ بالظلم. قاله سعيد بن جبير. وقيل: لا يحب من يتعدى في الاقتصاص، ويجاوز الحد. قاله ابن عيسى. انتهى. قرطبي، ومعنى عدم حب الله الظالمين:\nسخطه عليهم، وطردهم من رحمته، وحرمانهم من جوده، وكرمه، وإحسانه. ومعنى حب الله المتقين من المؤمنين: رضاه عنهم، وتقريبهم من رحمته، وإغداق جوده وكرمه عليهم؛ لأنّ الله منزّه عن الحب، والبغض المتعارفين بين الناس.\nالإعراب: ﴿وَجَزاءُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (جزاء): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿سَيِّئَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿سَيِّئَةٍ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِثْلُها:﴾ صفة:\n ﴿سَيِّئَةٍ،﴾ و«ها»: في محل جر بالإضافة. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَفا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿وَأَصْلَحَ:﴾\nمعطوف على ما قبله، وفاعله يعود إلى (من). ﴿فَأَجْرُهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (أجره): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٠]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ خبره، واقترن الخبر بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4313\"></span>﴿وَلَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾\nالشرح: المعنى: إنّ المسلم إذا انتقم من الكافر، وأخذ بالثأر منه؛ فلا سبيل إلى لومه، بل يحمد على ذلك مع الكافر، ولا لوم إن انتصر الظالم من المسلم، فالانتصار من الكافر حتم، ومن المسلم مباح، والعفو مندوب. ﴿فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: ليس عليهم إثم، ومؤاخذة في الانتصار ممن ظلمهم، وخذ ما يلي:\nفعن عروة بن الزبير﵄قال: قالت عائشة﵂-: (ما علمت حتى دخلت عليّ زينب بغير إذن، وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله ﷺ: حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكر درعها! ثم أقبلت عليّ، فأعرضت عنها؛ حتى قال النبي ﷺ: «دونك فانتصري!».","vol":"8","page":544},{"text":"فأقبلت عليها؛ حتى رأيت ريقها قد يبس في فمها، ما ترد عليّ شيئا، فرأيت النبي ﷺ يتهلّل وجهه). أخرجه النسائي، وابن ماجه. وعن عائشة﵂قالت، قال رسول الله ﷺ:\n «من دعا على من ظلمه، فقد انتصر». أخرجه الترمذي، والبزار.\nتنبيه: قال بعض العلماء: إن من ظلم، وأخذ له مال، فإن له ثواب ما احتبس عنه إلى موته، ثم يرجع الثواب إلى ورثته، ثم كذلك إلى آخرهم؛ لأنّ المال يصير بعد الموت للوارث.\nقال أبو جعفر الداودي المالكي: وهذا صحيح في النظر، وعلى هذا القول: إذا مات الظالم قبل المظلوم، ولم يترك شيئا، أو ترك مالا لم يعلمه وارثه لم تنتقل تباعة المظلوم إلى ورثة الظالم؛ لأنّه لم يبق للظالم ما يستوجبه ورثة المظلوم. انتهى. جمل. وأقول: ومن برّ الوالدين بعد موتهما أن يعمل أولادهما على تبرئة الوالدين من مظالم الناس وتبعاتهم، ولكن البعض يرثون مال مورثهم، ثم إن طالبهم أصحاب الحقوق؛ يقولون لهم: اذهبوا، وانبشوا قبره، وخذوا حقكم. وهذا هو العقوق، وأي: عقوق بعد هذا؟!\nالإعراب: ﴿وَلَمَنِ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِنْتَصَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿ظُلْمِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ظلم الظالم إياه. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿لَمَنِ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سَبِيلٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿سَبِيلٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بالاستقرار المحذوف، التقدير: ما يقع عليهم سبيل فلست مفندا، وتكون الجملة فعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وبقية الكلام، كما في الآية السابقة، ولا تنس اعتبار (من) اسما موصولا كما في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-4314\"></span>﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي: الإثم، والمؤاخذة. ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أي: يعتدون على أعراضهم، وأموالهم، ويستبيحون حرماتهم، ويستحلون دماءهم... إلخ. ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: يتكبرون، ويتجبرون، ويفسدون في الأرض، والتقييد ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ لأنّ البغي قد","vol":"8","page":545},{"text":"يكون مصحوبا بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المعتدون بغير الحق.\n ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة.\nهذا؛ والسبيل في الأصل: الطريق، يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٦]: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. ومن التأنيث قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:\n ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ رقم [١٠٨]. والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في: رسل، وعسر، ويسر. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد... إلخ.\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿السَّبِيلُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة، لا محلّ لها، وجملة: ﴿يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَيَبْغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محلّ لها مثلها. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(غير) مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\nوالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ ف: ﴿عَذابٌ﴾ يكون فاعلا بالاستقرار المحذوف. ﴿أَلِيمٌ:﴾\nصفة: ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4315\"></span>﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ أي: على الأذى. ﴿وَغَفَرَ﴾ أي: ترك الانتصار لوجه الله تعالى.\nوهذا فيمن ظلمه مسلم. ويحكى أن رجلا سبّ رجلا في مجلس الحسن ﵀، فكان المسبوب يكظم غيظه، ويعرق، فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها؛ والله! وفهمها؛ إذ ضيعها الجاهلون. وبالجملة: العفو مندوب إليه، ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال، فيرجع ترك العفو مندوبا إليه كما أوضحته فيما سبق، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤١] من قول النبي ﷺ لعائشة -﵂-: «دونك فانتصري».\n ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: لمن الأمور المشكورة عند الله، والأفعال الحميدة عند الناس؛ التي يثاب عليها فاعلها ثوابا جزيلا. وقال الفضيل بن عياض-رحمه الله تعالى-: إذا","vol":"8","page":546},{"text":"أتاك رجل يشكو إليك رجلا، فقل: يا أخي اعف عنه، فإن العفو أقرب للتقوى! فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني ربي ﷿، فقل له: إن كنت تقدر أن تنتصر؛ وإلاّ فارجع إلى باب العفو، فإنّه باب واسع، فإنّه ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور. انتهى. أقول: عند العجز على الانتصار لا يعد هذا من باب العفو، وإنّما هو من باب المظلوم، الذي يكل أمره إلى الله آناء الليل، وأطراف النهار، وخذ ما يلي:\nروى الإمام أحمد عن أبي هريرة﵁قال: إنّ رجلا شتم أبا بكر﵁-، والنبي ﷺ جالس، وجعل يعجب، ويبتسم، فلمّا أكثر الرجل؛ ردّ عليه الصديق بعض قوله، فغضب النبي، ﷺ، وقام من مجلسه، فلحقه الصديق﵁-، فقال: يا رسول الله! إنّه كان يشتمني؛ وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله؛ غضبت، وقمت! قال: «إنّه كان معك ملك يردّ عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان (أي: وذهب الملك) فلم أكن لأقعد مع الشيطان». ثم قال: «يا أبا بكر! ثلاث كلّهنّ حقّ: ما من عبد ظلم بمظلمة، فيغضي عنها لله؛ إلاّ أعزّه الله تعالى بها، ونصره. وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة؛ إلاّ زاده الله بها كثرة. وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة؛ إلاّ زاده الله ﷿ بها قلة». وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى، وهو مناسب للصديق﵁-. انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ والإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ راجعة إلى الصبر، والغفران. ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: مما عزمه الله، وأمر به، وقطعه قطع إيجاب، وإلزام. ومنه قول النبي ﷺ: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل». أي: لم يقطعه، ويجزم به بالنية. ومنه قول الرسول ﷺ: «إنّ الله يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه». وقولهم: عزمة من عزمات ربنا. ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لمن تحت يده: عزمت عليك إلاّ فعلت كذا! إذا قال ذلك؛ لم يكن للمعزوم عليه بدّ من فعله، ولا مندوحة في تركه، وحقيقته أنّه من تسمية المفعول بالمصدر، وأصله من معزومات الأمور؛ أي: مقطوعاتها، ومفروضاتها، ويجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل، أصله من عازمات الأمور من قوله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ كقولك:\nجدّ الأمر، وصدق القتال.\nهذا؛ ودخلت لام الابتداء هنا، وهي للتوكيد، ولم تدخل في سورة (لقمان) رقم [١٧] ولا في (آل عمران) رقم [١٨٦] لأنّ الصبر على مكروه حدث بظلم، كقتل أشد من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم، كموت ولد. كما أن العزم على الأول آكد منه على الثاني، وما هنا من القبيل الأول، فكان أنسب بالتوكيد، وما في (لقمان) و(آل عمران) من القبيل الثاني، فكان أنسب بعدمه. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.","vol":"8","page":547},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء، (من صبر): انظر الآية رقم [٤١] فالإعراب واحد. ﴿وَغَفَرَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾\nاسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لَمَنْ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من عزم): متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ و﴿عَزْمِ:﴾ مضاف، و﴿الْأُمُورِ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وعلى اعتبار (من) شرطية فالجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ ذلِكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وكان الواجب اقترانها بالفاء، ولكنها حذفت، كما حذفت في قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري-وهو الشاهد رقم [٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nمن يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشرّ عند الله مثلان\nوإن كانت موصولة؛ فجملة: ﴿صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ صلتها، وجملة: ﴿إِنَّ ذلِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، والرابط اسم الإشارة؛ لأنّه عائد على الصبر، والغفران المفهومين من الفعلين السابقين، وهو أولى من اعتبار الرابط محذوفا. والكثير اقترانها بالفاء لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم. واعتبار الحوفي وابن عطية اللام هنا، وفي الآية رقم [٤١] للقسم ليس بجيّد، ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-4316\"></span>﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ أي: يخذله، ويتخلى عنه. ﴿فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ:﴾ فما له من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله إياه. ﴿وَتَرَى الظّالِمِينَ﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي والسيئات. ﴿لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ:﴾ عاينوا العذاب عند الموت، أو في يوم القيامة. والتعبير في الماضي؛ لتحقق وقوعه. ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: من رجوع إلى الدنيا! فيطلبون ذلك ليؤمنوا، ويعملوا بطاعة الله، فلا يجابون إلى ذلك. وهذا التمني منهم كثير في آيات القرآن الكريم. هذا؛ وإعلال ﴿رَأَوُا﴾ مثل إعلال (نادوا) في الآية رقم [٣] من سورة (ص).\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿يُضْلِلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، ومفعوله محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿وَلِيٍّ،﴾ والهاء في","vol":"8","page":548},{"text":"محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿فَما لَهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠]، والجملة الاسمية على اعتبار (من) مبتدأ، أو الفعلية على اعتباره مفعولا به مقدما. (من يضلال...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَتَرَى:﴾\nالواو: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿رَأَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين. والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿إِلى مَرَدٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سَبِيلٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿الظّالِمِينَ﴾.\nوالرابط: الضمير فقط، وجملة: (ترى...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها فيما يظهر.\n\n<span id=\"aya-4317\"></span>﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أي: على النار؛ لأنّها عذابهم، فكنّى عن العذاب المذكور في الآية السابقة بحرف التأنيث؛ لأنّ ذلك العذاب هو النار، ولو راعى اللفظ؛ لقال:\nعليه. وقد اختلف في هذا العرض، هل هو في القبور؟ أو هل هو يوم القيامة؟ وانظر هذا العرض في سورة (الأحقاف) رقم [٢٠]. ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ:﴾ متذللين، صاغرين، حقيرين، مما يلحقهم من الذل عند معاينة العذاب، والخشوع، والانكسار، والتذلل، والتواضع.\n ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي: لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعا تاما؛ لأنّهم ناكسو الرؤوس، والعرب تصف الذليل بغض الطرف، كما يستعملون في ضده: حديد النظر؛ إذا لم يتهم بريبة، فيكون عليه منها غضاضة. وقال الجلال: ضعيف النظر مسارقة؛ أي: يسارقون النظر إليها خوفا منها، وذلا في أنفسهم، كما ينظر المقتول إلى السيف، فلا يقدر أن يملأ عينه منه، ولا يفتحها فيه، وإنّما ينظر ببعضها. انتهى. نقلا من الخطيب.\n ﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ..﴾. إلخ: أي: يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حلّ بالكفار: إنّ الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء، فإنّهم خسروا أنفسهم؛ لأنّهم في العذاب","vol":"8","page":549},{"text":"المخلد، وخسروا أهليهم؛ لأنّ الأهل إن كانوا في النار، فلا انتفاع بهم، وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينهم، وبينهم.\nهذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران: أنّه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأي: خسران أعظم من هذا الخسران؟! وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلاّ له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات، فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله»، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾.\n ﴿أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ:﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿فِي عَذابٍ مُقِيمٍ:﴾\nدائم لا ينقطع، وأصله: مؤقوم؛ لأنّه من أقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار مقيم وقد حذفت الهمزة منه حملا على المضارع المبدوء بالهمزة: أؤقوم، وقد ذكرت ذلك مرارا.\nوأما الطرف؛ فهو تحريك جفن العين إذا نظرت. فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قول الشاعر: [الطويل]\nوكنت إذا أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتعبتك المناظر\nرأيت الّذي لا كلّه أنت قادر... عليه ولا عن بعضه أنت صابر\nوقد وصف آصف سليمان بردّ الطّرف، ووصف الطرف بالارتداد. بقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (النمل) وقد يراد بالطرف: الجفن خاصة، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون، ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nهذا؛ وفي المختار: الطرف: العين، ولا يجمع؛ لأنّه في الأصل مصدر، فيكون واحدا جمعا، قال تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ وانظر سورة (ص) رقم [٥٢] تجد ما يسرّك.\nالإعراب: ﴿وَتَراهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (تراهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿يُعْرَضُونَ:﴾\nفعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله. ﴿عَلَيْها:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير","vol":"8","page":550},{"text":"المنصوب، والرابط: الضمير فقط. ﴿خاشِعِينَ:﴾ حال من واو الجماعة-وهي حال متداخلة- منصوب... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنَ الذُّلِّ:﴾ متعلقان به. وقيل متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة. ﴿مِنْ طَرْفٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿مِنَ﴾ بمعنى: الباء. ﴿خَفِيٍّ:﴾ صفة: ﴿طَرْفٍ،﴾ وجملة:\n ﴿وَتَراهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قال الذين): ماض، وفاعله، وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الْخاسِرِينَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ صلة الموصول. ﴿وَأَهْلِيهِمْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (أهليهم): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿خَسِرُوا﴾ وعليه؛ فالقول في الدنيا، أو هو متعلق ب: (قال) وعليه؛ فالقول يكون في القيامة، ويكون عبر عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه. و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي عَذابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُقِيمٍ:﴾ صفة: ﴿عَذابٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ..﴾. إلخ يجوز أن تكون من قول المؤمنين، ويجوز أن تكون مبتدأة من الله تعالى لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4318\"></span>﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما كانَ لَهُمْ﴾ أي: الخاسرين الذين خسروا أنفسهم. ﴿مِنْ أَوْلِياءَ:﴾ من أعوان، وأنصار. ﴿يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: من عذاب الله، وسخطه. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ أي: يخذله، ويتخلّى عنه. ﴿فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: طريق يصل به إلى الحق في الدنيا، والنجاة في الآخرة؛ لأنّه قد سدت عليه جميع طرق النجاة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿أَوْلِياءَ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، مجرور لفظا، مرفوع محلا. ﴿يَنْصُرُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع","vol":"8","page":551},{"text":"مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر على اللفظ، أو في محل رفع على المحل صفة: ﴿أَوْلِياءَ﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ﴾ في الآية رقم [٤٤] بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-4319\"></span>﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أي: أجيبوا داعي الله-يعني: محمدا ﷺإلى ما دعاكم إليه من الإيمان بالله، والطاعة له. واستجاب، وأجاب بمعنى واحد. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ:﴾ المراد به يوم القيامة. ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ أي: لا يرده الله بعد ما حكم به. أو المعنى: من قبل أن يأتي يوم من الله لا يمكن رده، ولا يقدر أحد على دفعه. ﴿ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ:﴾ من مخلص ومهرب ومفرّ يوم القيامة. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي: إنكار لما اقترفتموه؛ لأنّه مدوّن في صحائفكم، وتشهد عليه ألسنتكم، وجوارحكم؛ إن أنكرتموه. وقيل: المعنى ليس لكم إنكار ما ينزل بكم من العذاب، وليس لكم حصن تتحصنون فيه، ولا مكان يستركم، وتتنكرون فيه، فتغيبون عن بصره ﵎. قال تعالى في سورة (القيامة): ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾.\nالإعراب: ﴿اِسْتَجِيبُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿لِرَبِّكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَأْتِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿يَوْمٌ:﴾ فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة قبل إليه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿مَرَدَّ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبنى على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ في محل رفع صفة: ﴿يَوْمٌ﴾. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمرد لأنّه مصدر ميمي، والجملة الفعلية: ﴿اِسْتَجِيبُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مَلْجَإٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة:","vol":"8","page":552},{"text":"﴿مَلْجَإٍ،﴾ و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وتنوينه ينوب عن جملة محذوفة دلّت عليها الغاية، التقدير: يوم إذ تحشرون، أو تعاقبون، ونحوه، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-4320\"></span>﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا:﴾ عن الإيمان، ولم يقبلوا هداية الرحمن. ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظا لأعمالهم حتى تحاسبهم عليها. وقيل: موكلا بهم لا تفارقهم دون أن يؤمنوا؛ أي: ليس لك إكراههم على الإيمان. ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ:﴾ أي: ليس عليك إلاّ البلاغ يا محمد وقد فعلت. قال أبو حيان: والآية تسلية للنبي ﷺ، وتأنيس له، وإزالة لهمّه، وهي منسوخة بآية القتال.\n ﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً:﴾ نعمة من صحة، وعافية، وغنى، وخصب، ورخاء، وراحة بال، وهناءة ضمير ﴿فَرِحَ بِها﴾ أي: فرح بها فرح بطر، وكبر. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ:﴾\nشدة من مرض، وفقر، وقحط، وغير ذلك مما يسوءهم. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الكفر، والظلم، وارتكاب المعاصي. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي؛ نسبت الأعمال كلها إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب والأرجل، والعيون، والآذان تغليبا للأكثر على الأقل.\n ﴿فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ:﴾ بليغ الكفران؛ أي: الجحود ينسى النعمة رأسا، ويذكر البلية، ويعظمها، ولا يتأمل سببها، وهذا؛ وإن اختصّ بالمجرمين؛ جاز إسناده إلى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه، وتصدير الشرطية الأولى ب: ﴿إِذا﴾ والثانية ب: (إن) لأنّ إذاقة النعمة محققة من حيث إنّها مقضية بالذات، بخلاف إصابة البلية. وإقامة علة الجزاء مقامه، ووضع الظاهر موضع المضمر في الثانية للدلالة على أنّ هذا الجنس موسوم بكفران النعمة. انتهى. بيضاوي.\nوقال الإمام الفخر الرازي: نعم الله في الدنيا وإن كانت عظيمة إلاّ أنها بالنسبة لسعادة الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلذلك سماها: ذوقا، فبين الله تعالى: أنّ الإنسان إذا فاز بهذا القدر الحقير في الدنيا؛ فإنّه يفرح بها، ويعظم غروره بسببها، ويقع في العجب، والكبر، ويظن: أنّه فاز بكل المنى، وذلك لجهله بحال الدنيا وحال الآخرة. انتهى. صفوة التفاسير.\nهذا؛ و(أل) في ﴿الْإِنْسانَ﴾ للجنس الذي يدخل تحته أفراد كثيرة، ولذا جمع الضمير الواقع بين اللفظين. وما ذكر في الآية الكريمة ليس حال المؤمن، وإنّما حاله ما ذكره الرسول ﷺ","vol":"8","page":553},{"text":"بقوله: «عجبا لأمر المؤمن! إنّ أمره له كلّه خير، وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن: إن أصابته سرّاء؛ شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء؛ صبر، فكان خيرا له». أخرجه مسلم عن صهيب الرومي﵁-.\nهذا؛ والفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب، وأكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذمّ الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ سورة (القصص) رقم [٧٦]، وقوله جلّت قدرته: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ رقم [١٠] من سورة (هود)، ولكنه مطلق، فإذا قيد الفرح لم يكن ذما لقوله تعالى في حق الشهداء رقم [١٧٠] من سورة (آل عمران):\n ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ، وقال سبحانه في سورة (يونس) رقم [٥٨]: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: برحمته، وجوده، وإحسانه. وقال تعالى في سورة (الروم): رقم [٤]: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾.\nالإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَعْرَضُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَفِيظًا:﴾ مفعول به ثان. وقيل: حال. والمعتمد الأول. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد. وقيل: جواب الشرط محذوف، التقدير: فلا تحزن، ولا تبتئس. وعليه فجملة: ﴿فَما أَرْسَلْناكَ..﴾. إلخ تعليل للجواب المحذوف. و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿فَإِنْ:﴾\nحرف نفي بمعنى: «ما». ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للنفي، لا محلّ لها.\n ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٣٧]. ﴿أَذَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾\nمفعول به أول. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف حال منها، كان صفة لها، فلما قدم عليها؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة... إلخ». ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿أَذَقْنَا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿فَرِحَ بِها﴾ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، واعتبارها حالا ينافي الاستقبال؛ الذي تفيده: ﴿إِذا﴾. وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا بأس به.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿سَيِّئَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ. ﴿بِما:﴾ جار","vol":"8","page":554},{"text":"ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما). تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء قدمته أيديهم.\nوالجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وأجيز اعتبار الجواب محذوفا، وعليه فالجملة الاسمية تعليل لهذا المحذوف، وقدر أبو البقاء ضميرا محذوفا. فقال:\nفإن الإنسان منهم كفور، و(إن) ومدخولها معطوف على (إن) السابقة ومدخولها، لا محلّ له مثله.\n\n<span id=\"aya-4321\"></span>﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ وما فيها من عبيد، ومال، وخلق، وأفلاك، وكواكب في السماء، وما على ظهر الأرض من جبال، وأنهار وبحار... إلخ، فكل ذلك ملك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد، وما يملكه الإنسان في هذه الدنيا الفانية؛ فإنّما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة، وويل لمن قصر في الوكالة، وخان في الأمانة! فاللام مفيدة للملك الحقيقي؛ الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور.\n ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي: من الخلق من غير لزوم عليه، ولا مجال للاعتراض. هذا؛ والملك بالضم: الاستيلاء على الشيء، والتمكن من التصرف فيه. وفي المصباح: وملك على الناس أمرهم ملكا من باب ضرب: إذا تولى السلطنة، فهو ملك، والاسم: الملك بضم الميم.\n ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا:﴾ فلا يولد له ذكر. ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ:﴾ فلا يولد له أنثى، وأدخل الألف واللام على ﴿الذُّكُورَ﴾ دون الإناث؛ لأنهم أشرف منهن، فميزهم بسمة التعريف، وقال واثلة بن الأسقع الصحابي﵁-: إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أنّ الله تعالى قال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا..﴾. إلخ فبدأ بالإناث. انتهى. قرطبي. وقال البيضاوي: ولعلّ تقديم الإناث؛ لأنّهنّ أكثر لتكثير النسل، أو لأنّ مساق الآية للدلالة على أنّ الواقع ما يتعلّق به مشيئة الله، لا مشيئة الإنسان، والإناث كذلك، أو لأنّ الكلام في البلاء، والعرب تعدهن بلاء، أو لتطييب قلوب آبائهن، أو للمحافظة على الفواصل، ولذلك عرف الذكور، أو لجبر التأخير. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. و﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿يَخْلُقُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يخلق الذي، أو شيئا يشاء خلقه، والجملة الفعلية في","vol":"8","page":555},{"text":"محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. ﴿يَهَبُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهب للذي، أو: لشخص يشاؤه. ﴿إِناثًا:﴾ مفعول به، وجملة:\n ﴿يَهَبُ..﴾. إلخ بدل من جملة: ﴿يَخْلُقُ..﴾. إلخ بدل البعض، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-4322\"></span>﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾\nالشرح: قال ابن عباس، وغيره: الآيتان نزلتا في الأنبياء خصوصا، وإن عمّ الحكم في الواقع، وهب للوط، ولشعيب الإناث ليس معهن ذكر، ووهب لإبراهيم ثمانية ذكور، ليس معهم أنثى، ووهب لإسماعيل، وإسحاق الذكور، والإناث. ووهب لسيدنا وحبيبنا الذكور، والإناث، وجعل عيسى، ويحيى عقيمين. وقال بعضهم المراد بقوله: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ..﴾. إلخ أولاد آدم، كانت حواء تلد لآدم في كل بطن توأمين: ذكرا، وأنثى، وكان يزوج الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، حتى أحكم الله التشريع في شرع نوح ﵊.\n ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا:﴾ لا ولد له، وهذا قد يكون في بعض الذكور، ويكون في بعض الإناث، يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم، يستوي فيه المذكر، والمؤنث، وعقمت المرأة تعقم عقما، مثل: حمد يحمد، وعقمت تعقم مثل: عظم يعظم، وأصله القطع، ومنه الملك العقيم؛ أي: تقطع فيه الأرحام بالقتل، والعقوق خوفا على الملك. وريح عقيم؛ أي: لا تلقح سحابا، ولا شجرا. ويوم القيامة يوم عقيم؛ لأنّه لا يوم بعده، ويقال: نساء عقم، وعقم، قال أبو دهبل يمدح عبد الله بن الأزرق المخزومي: [الكامل]\nعقم النساء، فما يلدن شبيهه... إنّ النّساء بمثله عقم\nوانظر ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ في سورة (الحج) رقم [٥٥]. ومما يتعلّق بذلك فخذ ما يلي: قال النبي ﷺ: «إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا». وكذلك في الصحيح أيضا: «إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله». وقد جاء في حديث ثوبان﵁خرجه مسلم أيضا: أنّ النبي ﷺ قال لليهودي: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذ علا منيّ المرأة منيّ الرجل آنثا بإذن الله».\nانتهى. قرطبي. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ:﴾ فيفعل ما يفعل بحكمة، واختيار. هذا؛ وفي هذه الآية، وسابقتها فن التقسم، وهو من المحسنات البديعية.","vol":"8","page":556},{"text":"الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُزَوِّجُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به. ﴿ذُكْرانًا:﴾ حال من الضمير. وقيل: مفعول ثان، ولا وجه له. ﴿وَإِناثًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَيَجْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿مَنْ:﴾ مفعول به أول، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يجعل الذي، أو شخصا يشاؤه. ﴿عَقِيمًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ تعليل للكلام السابق لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4323\"></span>﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾\nالشرح: سبب نزول الآية: أنّ اليهود قالوا للنبي ﷺ: ألا تكلم الله، وتنظر إليه؛ إن كنت نبيا، كما كلّمه موسى ﵇، ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فقال النبي ﷺ:\nإنّ موسى لم ينظر إليه، فنزل قوله: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ..﴾. إلخ ذكره النقاش، والواحدي والثعلبي.\n ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ﴾ أي: ما صح، وهذا التعبير و﴿وَما يَنْبَغِي﴾ ونحوهما معناه:\nالحظر، والمنع، فتجيء لحظر الشيء، والحكم بأنه لا يجوز، كما في هذه الآية، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النمل): ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ رقم [٦٠] وربما كان العلم بامتناعه شرعا، كقوله تعالى في هذه السورة، ومثلها في (آل عمران) رقم [٧٩]: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ وربما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح والعشاء في الجماعة ونحو ذلك.\n ﴿إِلاّ وَحْيًا:﴾ قال مجاهد: نفث ينفث في قلبه، فيكون إلهاما، ومنه قوله ﷺ: «إنّ روح القدس نفث في روعي: إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب خذوا ما حلّ، ودعوا ما حرم». وانظر شرح (الوحي) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الزمر). ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ:﴾ كما كلم موسى. ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا:﴾ كإرساله جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ وإلى غيره من الرسل. ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ:﴾ وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقا، ويرونه عيانا، وهكذا كانت حال جبريل ﵇ إذا نزل بالوحي على النبي ﷺ.\nقال ابن عباس﵄-: نزل جبريل﵇على كل نبي، فلم يره منهم إلاّ محمد، وعيسى، وموسى، وزكريا، ﵈، فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما في المنام.","vol":"8","page":557},{"text":"انتهى. قرطبي. هذا؛ وجاء في التسهيل: بين الله تعالى في الآية: أنّ كلامه لعباده على ثلاثة أوجه: أحدها: الوحي بطريق الإلهام، أو المنام. والآخر أن يسمعه كلامه من وراء حجاب.\nوالثالث: الوحي بواسطة الملك. وهذا خاص بالأنبياء، والثاني خاص بموسى، وبمحمد؛ إذ كلّمه الله ليلة الإسراء. وأمّا الأول فيكون للأنبياء، والأولياء. وقال الصاوي: وقد يقع الإلهام لغير الأنبياء، كالأولياء، غير أنّ إلهام الأولياء قد يختلط به الشيطان؛ لأنّهم غير معصومين، بخلاف الأنبياء، فإلهامهم محفوظ منه. انتهى. صفوة التفاسير. ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ أي: متعال عن صفات المخلوقين. ﴿حَكِيمٌ:﴾ يفعل ما تقتضيه حكمته، فيكلم تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، إما عيانا، أو من وراء حجاب.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ قال ابن هشام في المغني: تحتمل الأوجه الثلاثة؛ أي: النقصان، والتمام، والزيادة، فعلى اعتبارها ناقصة: الخبر إما: ﴿لِبَشَرٍ،﴾ و﴿وَحْيًا﴾ استثناء مفرغ من الأحوال، فمعناه: موحيا، أو موحى، أو ﴿مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ بتقدير: أو موصّلا ذلك من وراء حجاب، أو ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ بتقدير: أو إرسالا، أي: أو ذا إرسال. وإما ﴿وَحْيًا﴾ والتفريغ في الأخبار؛ أي: ما كان تكليمهم إلاّ إيحاء، أو إيصالا من وراء حجاب، أو إرسالا. وجعل ذلك تكليما على حذف مضاف، و﴿لِبَشَرٍ﴾ على هذا تبيين.\nوعلى التمام والزيادة فالتفريغ في الأحوال المقدرة في الضمير المستتر في لبشر. انتهى. مغني.\nومثل هذا يقال في آية غافر رقم [٧٨]: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ وفي آية (الأحزاب) رقم [٣٦]: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ..﴾. إلخ.\n ﴿لِبَشَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ مقدم على نقصانها، ومتعلقان بها على تمامها، ومتعلقان بمحذوف خبر مقدم للمبتدأ المؤخر على زيادتها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ﴾ اسم ﴿كانَ﴾ أو هو فاعلها، أو هو مبتدأ مؤخر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَحْيًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: إلا أن يوحي وحيا، والفعل المقدر مع: ﴿كانَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب حال، وهذا يعود إلى قول مكي، والزمخشري: وحيا مصدر في موضع الحال، وقال أبو البقاء: استثناء منقطع؛ لأنّ الوحي ليس بتكليم. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مِنْ وَراءِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف معطوف على المقدر العامل في ﴿وَحْيًا،﴾ أي: أو إلاّ أن يكلمه من وراء حجاب، وقال الزمخشري: ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ ظرف واقع موقع الحال أيضا كقوله تعالى:\n ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ والتقدير: وما صحّ أن يكلّم أحدا إلاّ موحيا، أو مسمعا من وراء حجاب، أو مرسلا، و﴿وَراءِ:﴾ مضاف، و﴿حِجابٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُرْسِلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة جوازا بعد الواو المسبوقة باسم خالص من التقدير بالفعل، والفاعل يعود إلى الله. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر","vol":"8","page":558},{"text":"معطوف على: ﴿وَحْيًا،﴾ كما رأيت تقديره. هذا؛ ومثل هذه الآية قول ميسون بنت بحدل الكلبية: [الوافر]\nولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشفوف\nوهذا هو الشاهد رقم [٤٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وأيضا قول الآخر، وهو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» إعراب شواهد جامع الدروس العربية: [البسيط]\nلولا توقّع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب\nوأيضا قول أنس بن مدركة الخثعمي، وهو الشاهد رقم [١٤٠] من الكتاب المذكور: [البسيط] إني وقتلي سليكا ثمّ أعقله... كالثّور يضرب لمّا عافت البقر\nانظر إعراب هذه الأبيات في محالها تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿يُرْسِلَ﴾ بالرفع، على أنّه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أو هو يرسل، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ﴿وَحْيًا﴾ أي: فتكون في محل نصب حال مثله، أو الفعل ﴿يُرْسِلَ﴾ ينزل منزلة المصدر، كما في المثل العربي: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» فهو إذا معطوف على:\n ﴿وَحْيًا﴾. انظر تقدير الكلام سابقا. (يوحي): معطوف على: ﴿يُرْسِلَ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيه قراءة، وإعرابا. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فيوحي بإذنه الذي، أو شيئا يشاؤه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿عَلِيٌّ حَكِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية تعليل للكلام السابق، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4324\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي: وكالذي أوحينا إلى الأنبياء من قبلك، أوحينا إليك، والخطاب للنبي ﷺ. ﴿رُوحًا﴾ أي: نبوة. قاله ابن عباس﵄-. وقال الربيع: هو جبريل. وقال الضحاك: هو القرآن، وهو قول مالك بن دينار، وسماه روحا؛ لأنّ فيه حياة من موت الجهل، وجعله من أمره، بمعنى: أنزله كما شاء على من يشاء من النظم المعجز، والتأليف المعجب، وكان مالك بن دينار يقول: يا أهل القرآن! ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب، كما أنّ الغيث ربيع الأرض. ويمكن أن يحمل قوله تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ..﴾. إلخ على القرآن أيضا ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: يسألونك من أين لك هذا القرآن؟ قل: إنه من أمر الله أنزله عليّ معجزا. ذكره القشيري.","vol":"8","page":559},{"text":"﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ المراد بالكتاب: القرآن، والمراد: بالإيمان: شرائعه، ومعالمه، كالصلاة، والصوم، والزكاة، والختان، وإيقاع الطلاق، والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة، والصهر. وهذا هو الحق، وبه اندفع ما يقال: كيف قال: ﴿وَلا الْإِيمانُ﴾ والأنبياء كلهم كانوا مؤمنين قبل الوحي إليهم بأدلة عقولهم، وكان نبينا ﷺ يتعبّد على دين إبراهيم ﵊، ويحج، ويعتمر، ويتبع شريعة إبراهيم على ما مرّت الإشارة إليه؟\nوقال الكواشي: ويجوز أن يراد بالإيمان نفس الكتاب، وهو القرآن، وعطف عليه لاختلاف لفظيهما؛ أي: ما كنت تعرف القرآن، وما فيه من الأحكام. ويدلّ على هذا التأويل توحيد الضمير في: ﴿جَعَلْناهُ﴾. وقيل: المراد بالإيمان: الكلمة التي بها دعوة الإيمان، والتوحيد، وهي: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. والإيمان بهذا التفسير، إنّما علمه بالوحي، لا بالعقل.\nانتهى. نقلا من كرخي.\n ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أي: الإيمان، أو القرآن، أو الوحي. ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ أي: من نختاره للنبوة، كقوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ أي: لتدعو الناس. ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ إلى دين الإسلام. هذا؛ وانظر شرح ﴿يُدْرِيكَ﴾ في الآية رقم [١٧]. وإعلال ﴿مُقِيمٍ﴾ في الآية رقم [٤٥] فإعلال ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ مثله.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أوحينا إليك إيحاء كائنا مثل إيحائنا لمن كان قبلك من المرسلين. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رُوحًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَمْرِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُوحًا﴾. وقال الجمل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له؛ لأنّ ﴿رُوحًا﴾ نكرة. و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر «كان»، وجملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط:\nالضمير فقط.\n ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْكِتابُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب سدّت مسدّ مفعولي الفعل ﴿تَدْرِي﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿الْإِيمانُ:﴾ معطوف على: ﴿الْكِتابُ﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف.","vol":"8","page":560},{"text":"(لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿جَعَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿نُورًا:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿نَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نهدي به الذي، أو: شخصا نشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: واو الحال. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَتَهْدِي:﴾\nاللام: هي المزحلقة. (تهدي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير: لتهدي الناس، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة: ﴿صِراطٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿تَدْرِي﴾ المستتر، والرابط:\nالواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة فلست مفندا.\n\n<span id=\"aya-4325\"></span>﴿صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿صِراطِ اللهِ:﴾ هو الإسلام، رواه النواس بن سمعان عن النبي ﷺ. ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا. ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ:﴾ المراد بهذا المضارع الديمومة كقولك: زيد يعطي، ويمنع؛ أي: من شأنه ذلك، وليس المراد به حقيقة المستقبل؛ لأنّ الأمور منوطة به تعالى كل وقت، وهذا؛ وعد للمطيعين، ووعيد للمجرمين، فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب، وعقاب. انتهى. خطيب. وعبارة البيضاوي: ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ترجع بارتفاع الوسائط، والمتعلقات. وفيه وعد ووعيد للمطيعين، والمجرمين. انتهى.\nوفي الخازن: ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي: أمور الخلائق في الآخرة، فيثاب المحسن، ويعاقب المسيء. انتهى. وعلى هذا يكون المضارع على ظاهره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3950>فائدة:</span>\nقال سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف، ولم يبق منه إلاّ قوله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ وغرق مصحف، فانمحى كله إلاّ قوله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ والله أعلم. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿صِراطِ:﴾ بدل مما قبله بدل المعرفة من النكرة. وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة. ﴿اللهِ:﴾ جار","vol":"8","page":561},{"text":"ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة: ﴿الَّذِي﴾ لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿تَصِيرُ:﴾ مضارع. ﴿الْأُمُورُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. تأمّل وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nبعون الله وتوفيقه انتهت سورة (الشورى) شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"8","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3951>سورة الزّخرف</span>\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة (الزخرف)، وهي مكية بإجماع. وقال مقاتل: إلا قوله: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا..﴾. إلخ رقم [٤٥] وهي تسع وثمانون آية، وألف وثلاث وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف وأربعمئة حرف. انتهى. خازن، وسميت سورة (الزخرف) لما فيها من التمثيل الرائع لمتاع الدنيا الزائل، وبريقها الخادع بالزخرف اللامع، الذي ينخدع به الكثيرون، مع أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولهذا يعطيها الله للأبرار والفجار، وينالها الأخيار، والأشرار. أمّا الآخرة فلا يمنحها الله إلاّ لعباده المتقين، فالدنيا دار الفناء، والآخرة دار البقاء. انتهى. صفوة التفاسير.\nهذا؛ وقال الرسول ﷺ: «وإنّ الله ﷿ يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلاّ لمن أحبّ، فمن أعطاه الدّين؛ فقد أحبّه». من حديث ابن مسعود﵁-.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4326\"></span><span id=\"aya-4327\"></span>﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)﴾\nالشرح: ﴿حم:﴾ انظر أول سورة (غافر). ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي: المبيّن الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والنافع من الضار، فأقسم الله بالكتاب، وهو القرآن الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلال، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة. وقيل: معنى ﴿الْمُبِينِ﴾ الواضح للمتدبرين.\nالإعراب: ﴿حم:﴾ انظر سورة (غافر) لإعرابه، وأضيف هنا: أنّه قيل: ﴿حم:﴾ قسم.\n ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ:﴾ قسم ثان، ولله أن يقسم بما شاء، والجواب: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾. وقال ابن الأنباري: من جعل جواب ﴿وَالْكِتابِ﴾ ﴿حم﴾ -كما تقول: نزل والله، وجب والله-وقف على: ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾. ومن جعل جواب القسم: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ لم يقف على: ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾. انتهى. قرطبي.\nوقال البيضاوي: أقسم بالقرآن على أنّه جعله قرآنا عربيا، وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم، والمقسم عليه، ولعلّ إقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وبالقرآن من حيث إنّه معجز عظيم، مبيّن طرق الهدى، وما يحتاج إليه في الديانة، أو بيّن للعرب يدلّ على أنّه تعالى صبّره كذلك. انتهى. بتصرف.","vol":"8","page":563},{"text":"<span id=\"aya-4328\"></span>﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾\nالشرح: هذه الآية مذكورة في سورة (يوسف) رقم [٢] بحروفها مع إبدال ﴿جَعَلْناهُ﴾ هنا بأنزلناه هناك. هذا؛ و(قرآن) مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. وهو في اللغة مصدر بمعنى: الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته. وبمعنى: القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة (الناس). وهذا التعريف متفق عليه بين العلماء، والأصوليين، أنزله الله ﵎ ليكون دستورا للأمة، وهداية للخلق، وليكون آية على صدق الرسول، وبرهانا ساطعا على نبوته، ورسالته، وحجة قائمة إلى يوم الدين، تشهد بأنه تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة؛ التي تتحدى الأجيال والأمم على كرّ الأزمان، ومرّ الدهور، ولله درّ شوقي إذ يقول: [البسيط]\nجاء النبيون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بكتاب غير منصرم\nآياته كلما طال المدى جدد... يزينهنّ جمال العتق والقدم\nوللقرآن أسماء عديدة كلها تدل على رفعة شأنه، وعلو مكانته، وعلى أنه أشرف كتاب سماوي على الإطلاق، فيسمى: القرآن، والفرقان، والتنزيل، والذكر، والكتاب... إلخ. كما وصفه الله ﵎ بأوصاف جليلة عديدة، منها: نور، وهدى، ورحمة، وشفاء، وموعظة، وعزيز، ومبارك، وبشير، ونذير إلى غير ذلك من الأوصاف التي تشعر بعظمته، وقدسيته. ويحرم على المحدث حدثا أكبر قراءته وحمله، ومسه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله، ومسه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.\nهذا؛ وقال تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ .. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: بلغتكم يا معشر قريش لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه، فعلى هذا يكون خاصا للعرب دون العجم. قاله ابن عيسى.\nوقال ابن زيد: المعنى: لعلكم تتفكرون، فعلى هذا يكون خطابا عاما للعرب، والعجم. ويؤخذ من هذه الآية أنّه يجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه؛ لأنّ سورة (الزخرف) وسورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بعض القرآن، ولأنه اسم جنس يقع على الكل، والبعض. واختلف: هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء بغير العربية، فأنكر أبو عبيدة على من يقول ذلك أشد النكير، وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة﵃أنّ فيه من","vol":"8","page":564},{"text":"غير العربية، مثل: (سجّيل، والمشكاة، واليمّ، وإستبرق، وسندس) ونحو ذلك. وهذا هو الصحيح المختار؛ لأنّ هؤلاء أعلم من أبي عبيدة بلغة العرب، ولسانهم، وكلا القولين صواب، إن شاء الله تعالى، ووجه الجمع بينهما: أنّ هذه الألفاظ لما تكلّمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم بسهولة صارت عربية فصيحة، وإن كانت غير عربية في الأصل.\nهذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها إنّما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْناهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿قُرْآنًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَرَبِيًّا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية جواب القسم، لا محلّ لها.\n ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية تعليل للجعل، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4329\"></span>﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ أي: مسجل في اللوح المحفوظ قديم الأزل. ﴿لَدَيْنا:﴾ عندنا. ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أي: رفيع محكم، لا يوجد فيه اختلاف، ولا تناقض. قال تعالى في سورة (البروج): ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٢] ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. وقال ابن جريج: المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: أعمال الخلق من إيمان، وكفر، وطاعة، ومعصية. وقال ابن عباس﵄-: أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق، فالكتاب عنده، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ..﴾. إلخ انتهى. قرطبي.\nهذا؛ وفي لفظ ﴿أُمِّ﴾ استعارة تصريحية، فقد استعير لفظ الأم للأصل.\nهذا؛ و﴿لَدَيْنا﴾ ظرف مكان بمعنى: «عند» وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف لدى إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلاّ بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف على، وإلى، ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر]\nإلا كم يا خناعة لا إلانا... عزا النّاس الضراعة والهوانا\nفلو برأت عقولكم بصرتم... بأنّ دواء دائكم لدانا\nوذلكم إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكم علانا","vol":"8","page":565},{"text":"ثم اعلم: أنّ «عند» أمكن من: «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في لدى، ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلاّ إذا كان حاضرا. قاله جماعة، منهم: الحريري، وأبو هلال العسكري، وابن الشجري، وزعم المعري: أنّه لا فرق بينهما، وقول غيره أصح. انتهى. «فتح القريب المجيب».\nالإعراب: ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِي أُمِّ:﴾ متعلقان ب: (عليّ) بعدهما، واللام لا تمنع ذلك، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها، صار حالا».\nو﴿أُمِّ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان بدل من ﴿فِي أُمِّ،﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابِ،﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء، لاتصاله ب: (نا)؛ التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلِيٌّ:﴾ اللام:\nهي المزحلقة. (علي حكيم): خبران ل: (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الواقعة جوابا للقسم، لا محلّ لها مثلها. هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور: ﴿فِي أُمِّ﴾ خبرا ل: (إنّ) وعليه فيكون قوله: ﴿لَعَلِيٌّ﴾ خبرا ثانيا، وهو معترض من حيث ما يلزم عليه من تقديم الخبر الغير مقرون باللام على المقرون بها، وهو ممتنع عند بعضهم. انتهى. جمل نقلا عن شيخه.\n\n<span id=\"aya-4330\"></span>﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا:﴾ الخطاب لأهل مكة، والمعنى: أفنترك عنكم الوحي، ونمسك عن إنزال القرآن، فلا نأمركم، ولا ننهاكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم، وتركتم الإيمان، فنعتبركم كالبهائم، فلا نعظكم ولا نذكركم بالقرآن؟! ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أي: لأجل أنكم مسرفون في التكذيب، والعصيان. لا، بل نذكركم، ونعظكم به إلى أن ترجعوا إلى طريق الحق. وقيل: المعنى أفنضرب عنكم بذكرنا إياكم صافحين؟! أي:\nمعرضين عنكم. وقيل: معناه: أفنطوي الذكر عنكم طيا، فلا تدعون، ولا توعظون؟! وقيل:\nأفنترككم، فلا نعاقبكم على كفركم؟!.\nوقال قتادة-رحمه الله تعالى-: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة؛ لهلكوا، ولكن الله ﷿ عاد بعائدته، وكرمه، ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة، أو ما شاء الله. قال ابن كثير: وقول قتادة لطيف المعنى جدا، وحاصله: أنّه تعالى من لطفه، ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر به ليهتدي به من قدّر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته. انتهى.","vol":"8","page":566},{"text":"الإعراب: ﴿أَفَنَضْرِبُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: عاطفة على محذوف، التقدير: أنهملكم، فنضرب. (نضرب) فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره:\n «نحن». ﴿عَنْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّكْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام كله مستأنف، لا محلّ له. ﴿صَفْحًا:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنّه مفعول مطلق، عامله من معناه، وهو نضرب؛ لأنّه بمعنى: نصفح. الثاني: أنّه حال بمعنى:\nصافحين. الثالث: أنّه مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة، فيكون عامله محذوفا، نحو قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ قاله ابن عطية. الرابع: أن يكون مفعولا من أجله. انتهى. جمل نقلا من السمين. وقيل: منصوب على الظرف أيضا. ولا وجه له. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿قَوْمًا:﴾ خبره. ﴿مُسْرِفِينَ:﴾\nصفة: ﴿قَوْمًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿كُنْتُمْ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن كنتم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (نضرب) التقدير: لكونكم قوما مسرفين. هذا؛ وقرئ بكسر همزة (إن) على اعتبارها شرطية، وعليه ف: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ فعل شرطها، وجوابها محذوف، دلّ عليه ما قبلها، التقدير: إن كنتم فنحن نضرب. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4331\"></span>﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَكَمْ:﴾ خبرية بمعنى: كثير هنا، وتأتي استفهامية، ويستعمل الأولى من يريد الافتخار، والتكثير، والثانية بمعنى: أي عدد، ويستعملها من يسأل عن كمية الشيء ومقداره، ويشتركان في خمسة أمور: الاسمية، والإبهام، والافتقار إلى التمييز، والبناء، ولزوم التصدير، ويفترقان في خمسة أمور.\nأحدها: أنّ الكلام مع الخبرية محتمل للتصديق والتكذيب، بخلافه مع الاستفهامية.\nالثاني: أن المتكلم بالخبرية لا يستدعي من مخاطبه جوابا؛ لأنه مخبر، والمتكلم بالاستفهامية يستدعيه، لأنه مستخبر.\nالثالث: أنّ الاسم المبدل من الخبرية لا يقترن بالهمزة، بخلاف المبدل من الاستفهامية، يقال في الخبرية: كم عبيد لي، خمسون بل ستون! وفي الاستفهامية يقال: كم مالك أعشرون أم ثلاثون؟\nالرابع: أنّ تمييز الخبرية مفرد، أو مجموع، ولا يكون تمييز الاستفهامية إلاّ مفردا خلافا للكوفيين.","vol":"8","page":567},{"text":"الخامس: أنّ تمييز الخبرية واجب الخفض، وتمييز الاستفهامية منصوب، ولا يجوز جرّه مطلقا، خلافا للفراء، والزجاج، وابن السراج وآخرين، بل يشترط أن تجر «كم» بحرف جر، فحينئذ يجوز في التمييز وجهان: النصب، وهو الكثير، والجر خلافا لبعضهم، وهو ب: «من» مضمرة وجوبا، لا بالإضافة، خلافا للزجاج.\nوتلخص: أن في جر تمييزها أقوالا، الجواز، والمنع، والتفصيل، فإن جرت هي بحرف جر، نحو (بكم درهم اشتريت؟) جاز وإلاّ فلا. انتهى. «فتح القريب المجيب».\nالإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿نَبِيٍّ:﴾ تمييز منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي الْأَوَّلِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نَبِيٍّ﴾.\n\n<span id=\"aya-4332\"></span>﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ أي: ما أتاهم، فالمضارع بمعنى: الماضي، والمعنى: ما أتى الأمم السابقة نبي ولا رسول إلاّ استهزؤوا به، كاستهزاء قومك بك. ففي الآية الكريمة تعزية، وتسلية للنبي ﷺ من استهزاء قومه به، والآية مذكورة بحروفها في سورة (الحجر) رقم [١١] وفي سورة (يس) رقم [٣٠]، مع إبدال ﴿نَبِيٍّ﴾ هنا ب: ﴿رَسُولٍ﴾ فيهما.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَبِيٍّ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية: ﴿كانُوا..﴾. في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال.\n<span id=\"aya-4333\"></span>﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: أشد بطشا من القوم المسرفين؛ أي: قومك، فكنى عنهم بعد أن خاطبهم في الآية رقم [٥] والبطش: الأخذ بشدة، وقسوة، وغلظة. ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: وسبق في كثير من السور أحاديث إهلاكهم، مثل قوم صالح، وهود، ونوح،","vol":"8","page":568},{"text":"وغيرهم؛ ليكونوا عظة، وعبرة لمن بعدهم من المكذبين. قال الإمام الفخر الرازي: إن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك، فقد ضربنا لهم مثلهم. انتهى. صفوة التفاسير. وفي الآية وعد للرسول ﷺ بالنصر، والظفر بأولئك المشركين، ووعيد، وتهديد لأولئك المعاندين.\nالإعراب: ﴿فَأَهْلَكْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أهلكنا): فعل، وفاعل. ﴿أَشَدَّ:﴾ مفعول به.\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿بَطْشًا:﴾ تمييز. وقيل: حال. ولا وجه له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَمَضى:﴾ الواو: حرف عطف.\n (مضى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿مَثَلُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4334\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمسؤول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته خلق السموات والأرض، وخصهما بالذكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأنّ طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات. وقدمها؛ لشرفها، وعلوّ مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنّها كالذكر، فنزول المطر من السماء على الأرض، كنزول المنيّ من الذكر في رحم المرأة؛ لأنّ الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.\n ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي: ليقولن: خلقهن الله وحده، العزيز في ملكه، العليم بخلقه. قال القرطبي: أقروا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم، وسفها.\nانتهى. وإنّما اعترفوا بذلك لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود. هذا؛ وأصل: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ (يقول) فاتصلت به واو الجماعة، فصار (يقولون) فاتصلت به نون التوكيد الثقيلة، فصار: (ليقولوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار: (ليقولونّ) فالتقى ساكنان: واو الجماعة والنون الأولى الساكنة من نون التوكيد، فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على اللام لتدلّ عليها.\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة","vol":"8","page":569},{"text":"شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿السَّماواتِ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المؤنث.\n ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب سدّت مسدّ المفعول الثاني. ل: (سأل) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولنّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون حرف لا محلّ له. ﴿خَلَقَهُنَّ:﴾\nفعل ماض، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ فاعله.\n ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بدل منه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:\n ﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت، فهو ملتزم\nوالكلام: ﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ مستأنف لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-4335\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا:﴾ هذا؛ ويقرأ: «(مهادا)» مثل قوله تعالى في سورة (النبأ): ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا﴾ فقيل: هما لغتان لما يبسط، ويفرش. وقيل: ﴿مَهْدًا﴾ مصدر و﴿مَهْدًا﴾ جمع له، والمعنى: جعلها فراشا، وقرارا تستقرون عليها، ولو شاء لجعلها مزلة، لا يثبت فيها شيء، كما ترون من بعض الجبال، ولو شاء لجعلها متحركة، فلا يمكن الانتفاع بها في الزراعة، والأبنية، فالانتفاع بها إنّما حصل لكونها مسطحة قارة ساكنة. وهذا ابتداء كلام من الله جلّت قدرته وصف نفسه بكمال القدرة، ولو كان هذا إخبارا عن قول الكفار؛ لقال: الذي جعل لنا.\n ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا﴾ أي: طرقا بين الجبال، والأودية، والبراري، تسلكونها من أرض إلى أرض؛ لتبلغوا منافعها. وفي سورة (طه) رقم [٥٣]: ﴿وَسَلَكَ﴾ بدل ﴿وَجَعَلَ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ:﴾ لكي تهتدوا إلى مقاصدكم، أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك، فتستدلون بمقدوراته على قدرته. وقيل: لعلكم تعرفون نعمة الله عليكم. قاله سعيد بن جبير﵁-.\nوانظر الترجي برقم [٣].","vol":"8","page":570},{"text":"قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وما سرد من الأوصاف عقيبه، إن كان من قولهم، فما تصنع بقوله: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وإن كان من قول الله؛ فما وجهه؟ قلت: هو من قول الله، لا من قولهم، ومعنى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ:﴾ الذي من صفته كيت وكيت؛ لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه، وليسندنه إليه. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بدلا من الاسم الكريم قبله، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني، أو أمدح، ونحوهما. وعليهما يوقف على: ﴿الْعَلِيمُ﴾. وعلى الأول لا يوقف. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَهْدًا:﴾ مفعول به ثان على اعتبار الفعل من أفعال التصيير، وحال على اعتباره بمعنى: «خلق». والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿سُبُلًا:﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤]. ﴿سُبُلًا:﴾ مفعول به. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ:﴾ الجملة الاسمية تعليل للجعل، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٣].\n\n<span id=\"aya-4336\"></span>﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار ينفع، ولا يضر. قال ابن عباس -﵄-: أي: لا كالذي أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم، بل هو بقدر، لا طوفان مغرق، ولا قاصر عن الحاجة حتى يكون معاشا لكم، ولأنعامكم. قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٢١]: ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: أحيينا بالماء أرضا ميتة لا نبات فيها، كما قال تعالى في سورة (الحج): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ رقم [٥]. ﴿كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: من قبوركم بعد دفنكم فيها. والمعنى: أنّ هذا الكلام كما دلّ على قدرة الله، وحكمته، ووحدانيته فكذلك يدلّ على قدرته على الحشر، والنشر للحساب، والجزاء يوم القيامة، ووجه التشبيه: أن جعلهم أحياء بعد الإماتة، كهذه الأرض التي انتشرت بعد ما كانت ميتة. وكذلك شبه الأرض قبل نزول المطر بالإنسان الميت، ثم أنشرها الله؛ أي: أحياها بالمطر. ففيه استعارة تبعية.\nهذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم، وهو ظاهر، وواضح، وللالتفات فوائد كثيرة: منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضّجر، والملال. لما جعلت عليه النفوس من","vol":"8","page":571},{"text":"حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.\nهذا؛ ووصف ﴿بَلْدَةً﴾ ب: ﴿مَيْتًا﴾ وهو مذكر؛ لأنّ البلدة بمعنى: البلد، والمكان. وقال الليث: البلد كل موضع من الأرض عامر، أو غير عامر، خال، أو مسكون. والطائفة منه:\nبلدة، والجمع بلاد. زاد غيره: والمفازة تسمى بلدة؛ لكونها مسكن الوحش، والجن. قال الأعشى في معلقته: [البسيط]\nوبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ في اللّيل في حافاتها زجل\nوقال جران العود: وهو الشاهد رقم [٤١٨] من كتابنا: «فتح رب البرية». [الرجز]\nوبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير، وإلاّ العيس\nوتذكّر البلدة، قال تعالى: ﴿*لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ وقال رؤبة بن العجاج، وهو الشاهد رقم [١٧٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]\nبل بلد مثل الفجاج قتمه... لا يشترى كتّانه وجهرمه\nالإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف. (الذي): معطوف على ما قبله. ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الذي)، وهو العائد. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤].\n ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به. ﴿بِقَدَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿نَزَّلَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَأَنْشَرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بَلْدَةً:﴾ مفعول به.\n ﴿مَيْتًا:﴾ صفة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف:\nحرف تشبيه وجر، و«ذا»: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: تخرجون من قبوركم خروجا مثل خروج النبات من البلدة الميتة. ﴿تُخْرَجُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، ويقرأ: «(يخرجون)» بالبناء للمعلوم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4337\"></span>﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها:﴾ أصناف المخلوقات من الإنسان، والحيوان، والنبات. وقيل: ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر، وإيمان وكفر، ونفع وضر، وفقر وغنى،","vol":"8","page":572},{"text":"وصحة وسقم. وقال بعض المحققين: كل ما سوى الله تعالى، فهو زوج، كالفوق، والتحت، واليمين، واليسار، والقدام، والخلف، والماضي، والمستقبل، والذوات، والصفات، والصيف، والشتاء، والربيع، والخريف، وكونها أزواجا يدلّ على أنّها ممكنة الوجود، محدثة مسبوقة بالعدم، فأمّا الحق تعالى، فهو الفرد المنزّه عن الضد، والند، والمقابل، والمعاضد.\nانتهى. جمل نقلا من الخطيب.\n ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ أي: السفن التي تمخر عباب البحار. ﴿وَالْأَنْعامِ﴾ أي: الإبل التي تجوب الصحراء. والمعنى: سخر لكم السفن، والإبل، وذللها لكم؛ لتستفيدوا من النقل، والحمل، والركوب في البر والبحر. هذا؛ ومن المعلوم: أنّه لا يركب من الأنعام إلاّ الإبل؛ إذ الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، فحينئذ في (الأنعام) هنا تغليب، فأريد بها ما يركب من الحيوان، وهو: الإبل، والخيل، والبغال، والحمير. وقرينة هذا قوله في سورة (النحل) رقم [٨]: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n (الذي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْأَزْواجَ:﴾ مفعول به.\n ﴿كُلَّها:﴾ توكيد، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الذي). ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَرْكَبُونَ،﴾ أو في محل نصب حال. و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾.\n ﴿وَالْأَنْعامِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: وجعل لكم الذي تركبونه من الفلك والأنعام.\n\n<span id=\"aya-4338\"></span>﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: على ظهور الفلك، والأنعام. ذكّر الضمير، وأفرده نظرا للفظ (ما). وجمع (الظهر) وهو المضاف، نظرا لمعناها. وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد؛ لأنّ المراد به الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجيش، والجند، فلذلك ذكّر، وجمع الظهور؛ أي: على ظهور هذا الجنس، والمراد: ظهور الإبل؛ لأنّ الفلك إنّما تركب بطونها، ولكنه ذكّرهما جميعا في أول الآية، وعطف آخرها على أحدهما، ويحتمل أن يجعل ظاهرهما باطنهما؛ لأنّ الماء غمره وستره، وباطنهما ظاهرهما؛ لأنّه انكشف للظاهرين، وظهر للمبصرين. انتهى. قرطبي بتصرف.","vol":"8","page":573},{"text":"﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: إذا ركبتم عليه، وذكر النعمة هو الحمد لله على تسخير ذلك لنا في البر، والبحر. ﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا﴾ أي: ذلّل لنا هذا المركب. وفي قراءة: «(سبحان من سخّر لنا هذا)». والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ والإشارة فيهما مراعاة للفظ (ما) أيضا. ﴿وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: مطيقين في قول ابن عباس، والكلبي. وقال الأخفش، وأبو عبيدة: ضابطين. وقيل: مماثلين في الأيد، والقوة؛ من قولهم: هو قرن فلان:\nإذا كان مثله في القوة. ويقال: فلا مقرن لفلان؛ أي: ضابط له، ومن مجيئه بمعنى: مطيقين ما أنشده قطرب من قول عمرو بن معديكرب الزبيدي﵁-: [الوافر]\nلقد علم القبائل ما عقيل... لنا في النائبات بمقرنينا\nوقال آخر: [الوافر]\nركبتم صعبتي أشرا وحيفا... ولستم للصعاب بمقرنينا\nهذا؛ ويقال: أقرن الشيء: إذا أطاقه. قال ابن هرمة: [الطويل]\nوأقرنت ما حملتني ولقلّما... يطاق احتمال الصّدّ يادعد والهجر\nهذا؛ و﴿مُقْرِنِينَ﴾ بتشديد الراء بمعنى: مقيدين بالسلاسل، والأغلال.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: علمنا الله ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ما نقول إذا ركبنا السفن، وهي قوله تعالى في سورة (هود): ﴿*وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ،﴾ فكم من راكب دابة عثرت به، أو شمست، أو تقحمت، أو طاح من ظهرها فهلك، وكم من راكبين سفينة انكسرت بهم، فغرقوا، فلما كان الركوب مباشرة أمر محظور، واتصالا بأسباب من أسباب التلف أمر ألاّ ينسى عند اتصاله به موته، وأنّه هالك لا محالة، فمنقلب إلى الله ﷿، غير منفلت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه، ولسانه حتى يكون مستعدا للقاء الله بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله، وهو غافل عنه.\nقال ابن العربي: وما ينبغي لعبد أن يدع قول هذا، وليس بواجب ذكره باللسان، فيقول متى ركب-وخاصة في السفر-إذا تذكر: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، وسوء المنظر في الأهل، والمال. يعني بالحور بعد الكور: تشتت أمر الرجل بعد اجتماعه.\nوذكر الثعلبي عن علي﵁- «أنّ النبيّ ﷺ كان إذا وضع رجله في الركاب قال:\n (بسم الله) فإذا استوى قال: الحمد لله على كلّ حال. ﴿سُبْحانَ الَّذِي﴾ إلى قوله ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وإذا نزلتم من الفلك والأنعام، فقولوا: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ»﴾.","vol":"8","page":574},{"text":"الإعراب: ﴿لِتَسْتَوُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (جعل).\nوجوز ابن عطية اعتبار اللام للأمر، وفيه بعد؛ لقلة دخولها على أمر المخاطب. ﴿عَلى ظُهُورِهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَذْكُرُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والواو فاعله. ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِذَا:﴾\nظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وهو مجرد عن الشرطية، على المعتمد. وقيل: شرطية، والجواب محذوف، وهو ضعيف. ﴿اِسْتَوَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذَا﴾ إليها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَتَقُولُوا:﴾ معطوف على ما قبلها، منصوب مثله، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سُبْحانَ:﴾\nمفعول مطلق لفعل محذوف، وهو مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر جملة فعلية في محل نصب مقول القول. ﴿سَخَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿لَهُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُقْرِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4339\"></span>﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾\nالشرح: هذه الآية من تتمة الكلام، الذي يسن أن يقوله المسلم عند ركوبه الفلك، والأنعام. ومعنى ﴿لَمُنْقَلِبُونَ:﴾ لراجعون إلى الله تعالى، والمنصرفون من هذه الدنيا، ومراكبها إلى دار الاستقرار، والبقاء، ويتذكر المسلم بالحمل على السفينة، والدابة الحمل على الجنازة.\nوهذا الرجوع، وهذا الانصراف لا رجوع بعده إلى هذه الدار الفانية، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير الأخروي. وفيه إشارة إلى الرد على المشركين في إنكارهم البعث، والحساب، والجزاء بعد الموت. انتهى. بتصرف كبير.\nوعن ابن عمر﵄-: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا للسفر حمد الله تعالى، وسبّح، وكبر ثلاثا، ثم قال: «﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا..﴾. إلخ اللهمّ إنا نسألك في","vol":"8","page":575},{"text":"سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى! اللهمّ هوّن علينا سفرنا هذا، واطو عنّا بعده! اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل! اللهمّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في الأهل، والمال، والولد!» وإذا رجع قالهنّ، وزاد فيهن: «آيبون، تائبون عابدون لربّنا حامدون». أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، والإمام أحمد.\nوعن علي بن ربيعة: قال: شهدت علي بن أبي طالب﵁-، وقد أتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب؛ قال: بسم الله. فلما استوى على ظهرها؛ قال:\nالحمد لله، سبحان الذي سخر...) إلخ ثم قال: الحمد لله (ثلاث مرّات) ثم قال: الله أكبر (ثلاث مرات) ثم قال: سبحانك إنّي ظلمات نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، ثم ضحك، فقلت: يا أمير المؤمنين! ممّ ضحكك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلت فقلت: يا رسول الله! من أيّ شيء ضحكت؟ قال: «إنّ ربّك يعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب غيرك». أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.\nالإعراب: ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِلى رَبِّنا:﴾ متعلقان بما بعدهما، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمُنْقَلِبُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (منقلبون): خبر «إن» مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4340\"></span>﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا:﴾ هذه الآية متصلة بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي:\nولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض؛ ليعترفنّ به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزآ، فوصفوه بصفات المخلوقين. ومعنى: ﴿مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا﴾ أن قالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزآ له، وبعضا منه، كما يكون الولد بضعة من والده، وجزآ له. انتهى. كشاف.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: عجّب الله المؤمنين من جهلهم؛ إذ أقروا بأن خالق السموات والأرض هو الله، ثم جعلوا له شريكا، أو ولدا، ولم يعلموا: أن من قدر على خلق السموات والأرض، لا يحتاج إلى شيء يعتضد به، أو يستأنس به؛ لأنّ هذا من صفات النقص. انتهى.\n ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ أي: الكافر، والملحد. ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ:﴾ لجحود للنعم بيّن ظاهر الجحود.\nهذا؛ و﴿مُبِينٌ﴾ اسم فاعل من: أبان الرباعي، أصله: مبين بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة. ولا تنس: أنّ اسم الفاعل من بان الثلاثي: بائن، أصله: باين، وإعلاله مثل إعلال: قائل.","vol":"8","page":576},{"text":"الإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ الواو: واو الحال. (جعلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة بقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ في الآية رقم [٩]، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. وقيل: مستأنفة. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول ثان تقدم على الأول. ﴿جُزْءًا:﴾ مفعول به أول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَكَفُورٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (كفور): خبر: ﴿إِنَّ﴾.\n ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ..﴾. إلخ تعليل لجعلهم لله جزآ.\n\n<span id=\"aya-4341\"></span>﴿أَمِ اِتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ..﴾. إلخ: أي: بل اتخذ، والهمزة للإنكار تجهيلا لهم، وتعجبا من شأنهم حيث ادعوا: أنّه اختار لنفسه المنزلة الأدنى، ولهم الأعلى. ﴿وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ أي: اختصكم بالذكور، وأخلصكم بهم. يقال: أصفيته بكذا؛ أي: آثرته به. وأصفيته الود:\nأخلصته له، وصافيته وتصافينا: تخالصنا. عجب من إضافتهم إلى الله اختيار البنات مع اختيارهم لأنفسهم البنين، وهو مقدس عن أن يكون له ولد؛ إن توهم جاهل أنّه اتخذ لنفسه ولدا؛ فهلاّ أضاف إليه أرفع الجنسين؟! ولم جعل هؤلاء لأنفسهم أشرف الجنسين، وله الأخس؟! وهذا كما قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٥٧]: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ وقال فيها أيضا رقم [٦٢]: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ،﴾ وقال في سورة (الإسراء) رقم [٤٠] موبخا لهم: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الصافات) رقم [١٥٣]: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ،﴾ وقال تعالت حكمته في سورة (الطور) رقم [٣٩]: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها. هذا؛ وتقديم البنات على البنين، وتنكيرهن وتعريف البنين في هذه الآية انظر مثله في الآية رقم [٤٩] من سورة (الشورى).\nالإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» التي للإضراب. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما). اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أم اتخذ من الذي، أو من شيء يخلقه. ﴿بَناتٍ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنّه ملحق بجمع المؤنث السالم، والمفعول الثاني الجار والمجرور تقدّم عليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، وقال الجلال: ﴿أَمِ﴾ بمعنى: همزة الإنكار،","vol":"8","page":577},{"text":"والتقريع، والتوبيخ، والقول مقدر؛ أي: أتقولون: اتخذ... إلخ. ﴿وَأَصْفاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِالْبَنِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-4342\"></span>﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا﴾ أي: بالجنس الذي جعله له مثلا؛ أي:\nشبها؛ لأنه إذا جعل الملائكة جزآ لله وبعضا منه، فقد جعله من جنسه، ومماثلا له؛ لأنّ الولد لا يكون إلاّ من جنس الوالد، والمعنى: أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم: أن أحدهم إذا قيل له: قد ولدت لك بنت؛ اغتم واربدّ وجهه غيظا، وتأسفا، وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب: أن امرأته وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت: [الرجز]\nما لأبي حمزة لا يأتينا؟ ... وإنما نأخذ ما أعطينا\nحكمة ربّ ذي اقتدار فينا\n ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا:﴾ صار وجهه أسود في الغاية؛ لما يعتريه من الكآبة. هذا؛ وقرئ «(مسودّ)» و«(مسوادّ)» برفعهما. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ:﴾ ممتلئ غيظا، وغما من سوء ما بشر به. قال الإمام الفخر الرازي: والمقصود من الآية التنبيه على قلة عقولهم، وسخافة تفكيرهم، فإن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد، كيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى. هذا؛ وانظر الآيتين [٥٨] و[٥٩] من سورة (النحل) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ و(أحد) أصله: وحد؛ لأنّه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جلّ علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد. والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون. وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلاّ في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد. وقولهم: ما في الدار أحد هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد والمثنى والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الحاقة): ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.","vol":"8","page":578},{"text":"هذا؛ و(أحد) أكمل من الواحد، ألا ترى أنّك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد، جاز في المعنى أن يقوم له اثنان، فأكثر. بخلاف قولك: لا يقوم له أحد. وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار أحد، فيجوز أن يكون فيها من الدواب، والطير، والوحش والإنس، فيعمّ الناس، وغيرهم، بخلاف ليس في الدار واحد، فإنّه مخصوص بالآدميين.\nويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى: الواحد، فيستعمل في النفي، والإثبات، نحو قوله تعالى في سورة (الإخلاص): ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أي: واحد، وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: واحدا منكم، وبغير معنى الواحد فلا يستعمل إلاّ في النفي، تقول: ما جاءني من أحد، ومنه قوله تعالى في سورة (البلد): ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ وواحد يستعمل فيهما مطلقا، وأحد يستعمل في المذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، كما رأيته، بخلاف الواحد، فلا يقال:\nكواحد من النساء بل كواحدة. والأحد له جمع من لفظه، وهو: الأحدون، والآحاد، وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال: واحدون، بل يقال: اثنان، وثلاثة. والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب، بخلاف الواحد، فتلخص من ذلك سبعة فروق. ولا تنس الالتفات في الآيات.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿بُشِّرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿أَحَدُهُمْ:﴾ نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿ضَرَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿أَحَدُهُمْ﴾. وهو بمعنى: «جعل» ينصب مفعولين، الأول محذوف، وهو عائد الصلة؛ إذ التقدير: بالذي ضربه. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بالفعل:\n ﴿ضَرَبَ﴾. ﴿مَثَلًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿ظَلَّ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿وَجْهُهُ:﴾ اسم: ﴿ظَلَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْوَدًّا:﴾ خبر: ﴿ظَلَّ﴾. هذا؛ وأجاز أبو البقاء، ومكي اعتبار اسم: ﴿ظَلَّ﴾ مستترا فيه. ﴿وَجْهُهُ:﴾ بدلا من الضمير المستتر. وعلى قراءة «(مسودّ)» بالرفع؛ فاسم ﴿ظَلَّ﴾ مستتر فيه، و﴿وَجْهُهُ:﴾ مبتدأ، و«(مسود)» خبره، والجملة الاسمية في محل نصب خبر: ﴿ظَلَّ،﴾ وجملة: ﴿ظَلَّ..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَظِيمٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وأجاز مجيء الحال من المضاف إليه لأنّ المضاف جزؤه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا","vol":"8","page":579},{"text":"<span id=\"aya-4343\"></span>﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا﴾ أي: يربّى، ويشب. والنشوء: التربية؛ يقال: نشأت في بني فلان نشئا، ونشوآ: إذا شببت فيهم. ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ أي: في الزينة. ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي:\nوهو في الجدال، والمخاصمة غير مظهر لضعف رأيه، وسقم تفكيره، والمعنى: أنّ الأنثى إذا خاصمت، أو تكلّمت؛ لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها، وقلّما تجد امرأة إلا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله من يتصف بهذه النقائص. وقال ابن كثير: فالأنثى ناقصة الظاهر، والباطن في الصورة، والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها بلبس الحلي؛ ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض الشّعراء: [الطويل]\nوما الحلي إلاّ زينة من نقيصة... يتمّم من حسن إذا الحسن قصّرا\nوأمّا إذا كان الجمال موفّرا... كحسنك لم يحتج إلى أن يزوّرا\nوأمّا نقص معناها؛ فإنّها ضعيفة عاجزة عن الانتصار، كما قال بعض العرب، وقد بشر ببنت: «والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة». قال مقاتل: لا تتكلّم المرأة إلاّ وتأتي الحجة عليها، وفيه: أنّه جعل النشأة في الزينة، والنعومة من المعايب، والمذام، وأنّه من صفات ربات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك، ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر﵁-: اخشوشنوا، واخشوشبوا، وتمعددوا. وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى. هذا؛ وقد جمع كفرة العرب في كفرهم ثلاث كفرات، وذلك: أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخس النوعين، وجعلوه من الملائكة المكرمين، فاستخفوا بهم. انتهى. كشاف، ونسفي، وغيرهما.\nوقيل: المنشأ في الحلية: أصنامهم؛ التي صاغوها من ذهب، وفضة، وحلوها. قاله ابن زيد، والضحاك، ويكون معنى: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي: ساكت عن الجواب. انتهى.\nقرطبي. أقول: هذا قول ضعيف لا يعوّل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3969>فائدة:</span>\nقال الرسول ﷺ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلاّ ثلاث: خديجة بنت خويلد، ومريم، وآسية امرأة فرعون». وللشعراء في وصف النساء بقلة العقل الشيء الكثير.\nالإعراب: ﴿أَوَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الواو: حرف عطف.\n (من): اسم موصول مبني على السكون وفيه وجهان: أحدهما: أنّه في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وجعلوا، أو ويجعلون له من ينشأ في الحلية ولدا. والثاني: أنّه في محل رفع مبتدأ خبره محذوف. التقدير: أو الذي ينشأ في الحلية ولد لله؟! تعالى عن ذلك علوا","vol":"8","page":580},{"text":"كبيرا. ﴿يُنَشَّؤُا:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْحِلْيَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكلام كله مستأنف، أو معطوف على مقدر، لا محلّ له مثله، التقدير: أيجترئون، ويجعلون لله من ينشأ...؟! ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿فِي الْخِصامِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُبِينٍ﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف يدلّ عليه ﴿مُبِينٍ،﴾ التقدير: هو لا يبين في الخصام، وهذا يعني: أنّ الجملة خبر أول للمبتدأ. ﴿غَيْرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿مُبِينٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\nتنبيه: تعليق الجار والمجرور: ﴿فِي الْخِصامِ﴾ ب: ﴿مُبِينٍ﴾ على الوجه الأول، وهو معمول للمضاف إليه، وتقدم على المضاف. استدلّ ابن هشام في هذه الآية على جواز هذه المسألة، وجعل منه قوله تعالى في سورة (المدثر): ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وقول الشاعر: وهو الشاهد رقم [١١٤٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفتى هو حقا غير ملغ تولّه... ولا تتخذ يوما سواه بديلا\nوأيضا قول أبي زيد الطائي، وهو الشاهد رقم [١١٤١] من الكتاب المذكور: [البسيط]\nإنّ امرأ خصّني يوما مودّته... على التنائي لعندي غير مكفور\n\n<span id=\"aya-4344\"></span>﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا:﴾ هذا كفر آخر، تضمنه مقالهم، شنع به عليهم، وهو جعلهم أكمل العباد، وأكرمهم على الله أنقصهم رأيا، وأخسّهم صنفا. ومعنى (جعلوا): حكموا، وأثبتوا. قال الكلبي، ومقاتل: لما قالوا هذا القول سألهم النبي ﷺ، فقال:\n «ما يدريكم أنهم إناث؟». قالوا: سمعنا من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال تعالى:\n ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ أي: عنها في الآخرة. وهذا وعيد، وتهديد؛ إذ ستأمر الملائكة بكتابة شهادتهم الكاذبة في ديوان أعمالهم.\nقال البقاعي-رحمه الله تعالى-: يجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ما قالوا، ولا علم لهم به، فإنه قد روى أبو أمامة﵁أنّ النبي ﷺ قال: «كاتب الحسنات على يمين الرّجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب اليسار: دعه ستّ ساعات، لعلّه يسبّح الله، أو يستغفر». انتهى. جمل.","vol":"8","page":581},{"text":"الإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (جعلوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة:\n ﴿الْمَلائِكَةَ﴾. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿عِبادُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الرَّحْمنِ﴾ مضاف إليه. والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِناثًا:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَشَهِدُوا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (شهدوا): ماض، وفاعله.\n ﴿خَلْقَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿سَتُكْتَبُ:﴾ السين: حرف استقبال. (تكتب): فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿شَهادَتُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيُسْئَلُونَ:﴾\nالواو: حرف عطف. (يسألون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4345\"></span>﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ..﴾. إلخ: يعني: قال المشركون على طريق الاستهزاء، والسخرية: لو شاء الرحمن على زعمكم ما عبدنا هؤلاء الملائكة. وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل، وكل شيء بإرادة الله، وإرادته تجب، وكذا علمه، فلا يمكن الاحتجاج بها.\n ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ:﴾ هذا رد من الله على الكافرين في قولهم. ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي: يكذبون بقولهم. تعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أنّ الله تعالى لم يشأ الكفر من الكافرين، وإنما شاء الإيمان منهم، فإن الكفار ادعوا: أنّ الله شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام حيث قالوا: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أي: لو شاء منا ترك عبادة الأصنام؛ لمنعنا من عبادتها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله تعالى رد عليهم قولهم واعتقادهم بقوله:\n ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ..﴾. إلخ. انتهى. نسفي.\nهذا؛ وخذ ما قاله محشي الكشاف أحمد جزاه الله خيرا؛ حيث قال: نحن معاشر أهل السنة نقول: إن كل شيء بمشيئة الله تعالى، حتى الضلالة، والهدى اتباعا لدليل العقل، وتصديقا لنص النقل في أمثال قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ وآية (الزخرف) هذه لا تزيد هذا المعتقد الصحيح إلاّ تمهيدا، ولا تفيده إلاّ تصويبا، وتسديدا، فنقول: إذا قال الكافر: لو شاء الله ما كفرت، فهذه كلمة حق أراد بها باطلا، أما كونها كلمة حق، فلما مهدناه، وأما كونه أراد بها باطلا، فمراد الكافر بذلك أن يكون له الحجة على الله، توهما أنّه يلزم من مشيئة الله تعالى لضلالة من ضلّ ألاّ يعاقبه على ذلك؛ لأنّه إنّما فعل مقتضى مشيئته. كما توهم القدرية إخوان","vol":"8","page":582},{"text":"الوثنية ذلك، فأشركوا بربهم، واعتقدوا: أنّ الضلالة وقعت بمشيئة الخلق على خلاف مشيئة الخالق، فالذين أشركوا بالملائكة أرفع منهم درجة؛ لأنّ هؤلاء أشركوا أنفسهم الدنية في ملك ربهم المتوحد بالربانية، جلّ، وعلا، فإذا وضح ما قلناه، فإنّما رد الله عليهم مقالتهم هذه؛ لأنّهم توهموا: أنها حجة على الله، فدحض الله حجتهم، وأكذب أمنيتهم، وبين: أن مقالتهم صادرة عن ظن كاذب، وتخرص محض، فقال: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ و﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾.\nوقد أفصحت أخت هذه الآية مع هذه الآية عن هذا التقدير، وذلك قوله في سورة (الأنعام): ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ رقم [١٤٨].\nفبين الله تعالى: أنّ الحامل لهؤلاء على التكذيب بالرسل، والإشراك بالله اغترارهم بأن لهم الحجة على الله بقولهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ فشبه تعالى حالهم في الاعتماد على هذا الخيال بحال أوائلهم، ثم بين: أنّه معتقد نشأ عن ظن خلب، وخيال مكذب، فقال: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾. ثم لما أبطل أن يكون لهم في مقالتهم حجة على الله، أثبت تعالى الحجة له عليهم بقوله: ﴿فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾ رقم [١٤٩] من سورة (الأنعام)، ثم أوضح: أنّ الردّ عليهم ليس إلاّ في احتجاجهم على الله بذلك، لا لأن المقالة في نفسها كذب، فقال: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تتمة الآية، وهو معنى قولهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ من حيث أن ﴿لَوْ﴾ مقتضاها امتناع الهداية لامتناع المشيئة، فدلّت الآية الأخيرة على أنّ الله تعالى لم يشأ هدايتهم، بل شاء ضلالتهم، ولو شاء هدايتهم؛ لما ضلّوا.\nفهذا هو الدين القويم، والصراط المستقيم، والنور اللائح، والمنهج الواضح، والذي يدحض به حجة هؤلاء مع اعتقاد: أنّ الله تعالى شاء وقوع الضلالة منهم، هو أنه تعالى جعل للعبد تأتيا، وتيسرا للهداية، وغيرها من الأفعال الكسبية، حتى صارت الأفعال الصادرة منه مناط التكليف؛ لأنّها اختيارية، يفرق بالضرورة بينهما وبين العوارض القسرية. فهذه الآية أقامت الحجة، ووضحت لمن اصطفاه الله للمعتقدات الصحيحة المحجة، ولما كانت تفرقة دقيقة، لم تنتظم في سلك الأفهام الكثيفة، فلا جرم أنّ أفهامهم تبددت، وأفكارهم تبدلت، فغلت طائفة القدرية، واعتقدت: أنّ العبد فعّال لما يريد على خلاف مشيئة ربه.\nوحارت الجبرية، فاعتقدت أن لا قدرة للعبد البتة، ولا اختيار، وأنّ جميع الأفعال صادرة منه على سبيل الاضطرار. أما أهل الحق، فمنحهم الله من هدايته قسطا، وأرشدهم إلى الطريق الوسطى، فانتهجوا سبل السّلام، وساروا، ورائد التوفيق لهم إمام، مستضيئين بأنوار العقول","vol":"8","page":583},{"text":"المرشدة إلى أنّ جميع الكائنات بقدرة الله تعالى، ومشيئته، ولم يغب عن أفهامهم أن يكون بعض الأفعال للعبد مقدورة لما وجدوه من التفرقة بين الاختيارية، والقسرية بالضرورة، لكنها قدرة تقارن بلا تأثير، وتميز بين الضروري، والاختياري في التصوير، فهذا هو التحقيق، والله ولي التوفيق. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ ماض. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لو شاء الرحمن عدم عبادتنا للأصنام. والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَبَدْناهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.\nوقيل: مستأنفة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿بِذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عِلْمٍ﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. وقيل: في محل نصب حال منه، والأول أقوى، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي.\n ﴿عَبَدْناهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿يَخْرُصُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4346\"></span>﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾\nالشرح: هذا رد آخر على المشركين، والمعنى: أم آتيناهم كتابا من قبل القرآن، فهم بذلك الكتاب متمسكون يعملون بتوجيهاته؟! قال الإمام الفخر: والمعنى: هل وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزل قبل القرآن حتى يعولوا عليه، ويتمسكوا به؟ انتهى. صفوة التفاسير. وقيل: الضمير عائد على النبي ﷺ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. وهي بمعنى: همزة الاستفهام الإنكاري التوبيخي.\n ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿كِتابًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِتابًا﴾. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء:\nحرف تعليل. (هم): مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُسْتَمْسِكُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية تعليل لإتيانهم الكتاب.","vol":"8","page":584},{"text":"<span id=\"aya-4347\"></span>﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا..﴾. إلخ: أي: لم يأتوا بحجة عقلية، ولا نقلية، بل اعترفوا بأنهم لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود. وانظر شرح ﴿أُمَّةٍ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الشورى). ﴿وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ،﴾ وفي الآية التالية:\n ﴿مُقْتَدُونَ﴾ والمعنى واحد؛ أي: نهتدي بهديهم، ونسير على طريقهم. ثم بيّن الله في الآية التالية: أنّ مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم، ونظراؤهم من الأمم السابقة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم.\nهذا، وحكى الله عنهم قولهم: ﴿مُهْتَدُونَ﴾ وحكى عنهم في الآية التالية قولهم: ﴿مُقْتَدُونَ﴾ لأنّ الأول وقع في محاجتهم النبي ﷺ، وادعائهم: أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون كآبائهم، فناسبه مهتدون. والثاني وقع حكاية عن قوم ادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء، فناسبه مقتدون. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.\n ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آباءَنا:﴾ مفعول به أول، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى أُمَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر أول ل: (إنّ)، أو هما متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُهْتَدُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-4348\"></span>﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية تسلية لرسول الله ﷺ، ودلالة على أنّ التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن مقدميهم أيضا لم يكن لهم سند منظور إليه.\nوتخصيص المترفين بالذكر إشعار بأن التنعم وحب البطالة، صرفهم عن النظر إلى التقليد.\nوالمترفون جمع مترف، وهم الذين أترفتهم النعمة؛ أي: أبطرتهم، فلا يحبون إلاّ الشهوات والملاهي، والملذات، ويعافون مشاق الدين، وتكاليفه، ويعرضون عن الحق. هذا؛ ومقالتهم","vol":"8","page":585},{"text":"هذه شبيهة بمقالة من سبقهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم، قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٣]: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وقد قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٥٢] ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾.\nالإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: إلا قال مترفوها قولا مشابها لقول قومك.\nهذا؛ وقدر الجمل الكلام: والأمر كما ذكر من عجزهم. وهذا يعني: أنّ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما مفعوله الثاني، تقدم على الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نَذِيرٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، كما رأيت في الآية رقم [٤]، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي قَرْيَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿فِي قَرْيَةٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿نَذِيرٍ﴾. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَذِيرٍ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة: ﴿ما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿مُتْرَفُوها:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا وَجَدْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وإعرابها كما في الآية السابقة، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهي على تقدير: «قد» قبلها.\n\n<span id=\"aya-4349\"></span>﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: قال كل نذير من أولئك المنذرين لأممهم. ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ:﴾ التقدير:\nأتقتدون بآبائكم ولو جئتكم بدين أهدى، وأرشد، وأحق مما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة؛ التي ليست من الهداية في شيء؟! وإنما عبر عنها بذلك مجاراة لهم على مسلك الإنصاف. هذا؛ وقرئ: «(قل)» و﴿قالَ﴾ و﴿جِئْتُكُمْ﴾ و(جئناكم). ﴿قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ..﴾. إلخ: أي: إنا ثابتون على دين آبائنا، لا ننفك عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى، وأصوب، فهذا منهم إقناط للنذير من أن ينظروا، ويتفكروا فيما جاءهم به.","vol":"8","page":586},{"text":"هذا؛ و(جاء) يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى:\nوصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى في سورة (النّصر): ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ ومن الثاني ما في هذه الآية، و«أتى» مثله يستعمل لازما، ومتعديا فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ومن الثاني قوله تعالى في سورة (الغاشية): ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (النذير).\nوعلى قراءة: «(قل)» ففاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، داخلة على فعل محذوف، كما رأيت في الشرح. الواو: واو الحال. (لو): وصلية.\n ﴿جِئْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل الفعل المحذوف، والرابط: الواو، والضمير، واعتبار (لو) شرطية ضعيف معنى، وهو يحوج إلى تقدير جواب لها. ﴿بِأَهْدى:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿مِمّا:﴾ متعلقان ب: (أهدى) و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿وَجَدْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿آباءَكُمْ:﴾ مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا ب: (على)، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ بالباء. ﴿أُرْسِلْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4350\"></span>﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ:﴾ فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم، وذلك باستئصالهم.\nوأصل الانتقام في اللغة: سلب النعمة بالعذاب. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ولكل من يتأتى منه النظر، نظر تبصر واعتبار، فيعتبر العاقل، وينزجر بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة، والأعمال الخبيثة. ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ:﴾ عاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ولم يؤنث","vol":"8","page":587},{"text":"الفعل ﴿كانَ﴾ لأنّ ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث. أو لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه.\nالإعراب: ﴿فَانْتَقَمْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انتقمنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء:\nحرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان الانتقام حاصلا منهم؛ فانظر.\n (انظر): أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام.\n ﴿كَيْفَ كانَ:﴾ أجاز ابن هشام في المغني في: ﴿كانَ﴾ ثلاثة أوجه: نقصانها وتمامها وزيادتها، وقال: إلاّ أن الناقصة لا تكون شأنية لأجل الاستفهام، ولتقدم الخبر، و(كيف) حال على التمام، وخبر ل: ﴿كانَ﴾ على النقصان، وللمبتدأ على الزيادة. و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب سدّت مسدّ مفعول (انظر)، وجملة: (انظر...) إلخ لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء.\n\n<span id=\"aya-4351\"></span>﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ:﴾ ما أحراك أن تنظر قصته مع أبيه، وقومه في سورة (الأنبياء) وفي سورة (الأنعام) وفي سورة (الشعراء) وغير ذلك. ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ:﴾ بريء من عبادتكم، أو من معبودكم، فهو مصدر يستعمل للواحد فما فوقه، فلا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، ولا يقال: البراآن، والبراؤون؛ لأنّ المعنى ذو البراء، وذوو البراء. قال الجوهري: وتبرأت من كذا، وأنا منه براء، وخلاء منه، لا يثنى، ولا يجمع؛ لأنّه مصدر في الأصل، مثل: سمع سماعا.\nانتهى. قرطبي. هذا؛ وقرئ: «(برئ)» و«(براء)» ككريم، وكرام. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الممتحنة) حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وقال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته رقم [٤٧]: [الخفيف]\nأم جنايا بني عتيق فمن يغ... در فإنّا من حربهم براء\nوالمعنى: واذكر يا محمد لقومك؛ إذ قال إبراهيم؛ الذي هو أعظم آبائهم ومحطّ فخرهم، والجمع على محبّته، وحقية دينه منهم، ومن غيرهم، قال لأبيه؛ أي: من غير أن يقلده، كما قلدتم أنتم آباءكم، وقومه الذين كانوا هم القوم بالحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض، قال: ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ،﴾ فتبرأ مما هم عليه، وتمسك بالبرهان، ليسلكوا مسلكه في الاستدلال. انتهى. جمل. وبينه وبين ما تقدم من المقارنة بين الهدى، والضلال، وبين منطق العقل السديد، ومنطق الهوى والتقليد ما لا يخفى.","vol":"8","page":588},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت... إلخ، أو هو متعلق بهذا المقدر؛ إن اعتبرته باقيا على ظرفيته، وجملة: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها.\n ﴿لِأَبِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمِهِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّنِي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿بُرَآؤُا:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بُرَآؤُا،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: براء من الذي، أو من شيء تعبدونه. وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (من): التقدير: براء من عبادتكم.\n\n<span id=\"aya-4352\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي:﴾ خلقني، وأنشأني من العدم. وانظر ﴿فاطِرُ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الشورى). ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ:﴾ فإنه سيرشدني إلى الدين الحق، ويهديني إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة. أو سيثبتني على الهداية. قال ذلك ثقة بالله، وتنبيها لقومه على أنّ الهداية من الله تعالى، والأوجه: أنّ السين للتأكيد دون التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع بناء على أنهم كانوا يعبدون الأصنام فقط، أو هو متصل بناء على أنهم كانوا يشركون مع الله الأصنام. وأجيز اعتباره بدلا من (ما) كما أجيز اعتبار: ﴿إِلاَّ﴾ صفة ل: (ما) بمعنى: «غير» على اعتبار (ما) نكرة موصوفة ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية لكونها على صورة الحرف. و﴿إِلاَّ﴾ مضاف، و﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه. ﴿فَطَرَنِي:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: حرف تعليل لبراءته مما تعبدون. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ السين: حرف استقبال. (يهدين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها تعليلية.\nتنبيه: وقوع ﴿إِلاَّ﴾ اسما بمعنى: «غير» مستعمل في العربية، من ذلك قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٢٢]: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ ولهذه المسألة نظائر في الشعر العربي مثل قول ذي الرمة: [الطويل]","vol":"8","page":589},{"text":"أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة... قليل بها الأصوات إلاّ بغامها\nوقول لبيد بن ربيعة العامري الصحابي﵁-: [البسيط]\nلو كان غيري-سليمى-الدهر غيّره... وقع الحوادث إلاّ الصّارم الذّكر\nوهذان هما الشاهدان رقم [١١٣] و[١١٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» ف: «إلاّ» فيهما اسم بمعنى: «غير» صفة لما قبلها، ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية؛ لكونها على صورة الحرف وهو مضاف، وبغامها، والصارم مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المنقولة إليه من: «إلا».\n\n<span id=\"aya-4353\"></span>﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي: وجعل إبراهيم هذه الكلمة كلمة التوحيد باقية في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله. هذا؛ والمراد: بكلمة هي: (لا إله إلاّ الله). وقيل: هي ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ والأول أولى، كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ رقم [١٣٢] من سورة (البقرة). هذا؛ والعقب: الذرية من الأولاد، والأحفاد ذكورا، وإناثا، والعقب مؤخر الرجل، والجمع فيهما: أعقاب، قال الرسول ﷺ في وعيد الذين لا يغسلون أعقابهم في الوضوء: «ويل للأعقاب من النّار». هذا؛ والعقب في اللغة: عبارة عن شيء بعد شيء، كان من جنسه، أو من غير جنسه، يقال: أعقب الله بخير؛ أي: جاء بعد الشدة بالرخاء، وأعقب الشيب السواد. وقيل: الضمير يعود إلى الله تعالى، والضمير المجرور محلا بالإضافة يعود إلى إبراهيم بلا شك. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٣] وانظر شرح ﴿كَلِمَةً﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الشورى).\nالإعراب: ﴿وَجَعَلَها:﴾ الواو: واو الحال. (جعلها): فعل ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم، والهاء مفعول به أول. ﴿كَلِمَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿باقِيَةً:﴾ صفة: ﴿كَلِمَةً﴾. ﴿فِي عَقِبِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿باقِيَةً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَجَعَلَها..﴾.\nإلخ في محل نصب حال من: ﴿إِبْراهِيمُ﴾ على اعتبار الفاعل عائدا عليه، أو من فاعل:\n ﴿سَيَهْدِينِ﴾ على اعتبار الفاعل عائدا إلى الله، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. و«قد» قبلها مقدرة لتقرب الماضي من الحال. وقيل: الجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية تعليل للأمر المقدر؛ لذا فهي من مقول الله تعالى، وليست من مقول إبراهيم. وقيل: هي تعليل ل: «الجعل» فتكون من مقول إبراهيم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"8","page":590},{"text":"<span id=\"aya-4354\"></span>﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ:﴾ عبارة البيضاوي: هؤلاء المعاصرين للرسول ﷺ من قريش، وآباءهم بالمد في العمر، والنعمة، فاغتروا بذلك، وانهمكوا في الشهوات. انتهى. وقال الإمام الفخر: وجه نظم الآية: أنهم لما عولوا على تقليد الآباء، ولم يتفكروا في الحجة؛ اغتروا بطول الإمهال، وإمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا، فأعرضوا عن الحق. انتهى. صفوة التفاسير.\n ﴿حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: القرآن، أو الإسلام. و﴿وَرَسُولٌ:﴾ هو محمد ﷺ. ﴿مُبِينٌ﴾ أي:\nيبين لهم الأحكام. وقيل: بين الرسالة، وأوضحها بما معه من الآيات، والمعجزات، وكان من حق الإنعام أن يطيعوه، فلم يفعلوا بل كذّبوا، وعصوا، وسمّوه ساحرا. وفي هذه الغاية خفاء بيّنه صاحب الكشاف بقوله: وهو أنّ ما ذكر ليس غاية للتمتيع؛ إذ لا مناسبة بينهما، مع أنّ مخالفة ما بعدها لما قبلها غير مرعي فيها. والجواب: أنّ المراد بالتمتيع ما هو سببه من اشتغالهم به عن شكر المنعم، فكأنه قال: اشتغلوا به؛ حتى جاءهم الحق، وهو غاية له في نفس الأمر؛ لأنّه مما ينبههم ويزجرهم لكنهم لطغيانهم عكسوا، فهو كقوله تعالى في سورة (البينة):\n ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. انتهى. جمل.\nهذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، وأمتعه الله، ومتّعه بمعنى:\nواحد، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء. فهنيئا لمن تمتع واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، ومتعة المرأة: ما وصلت به بعد الطلاق من نحو إزار، وقميص، وملحفة. قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ وأمره ﷾ للكفار في كثير من الآيات بأن يتمتعوا بدنياهم قليلا، أو بعبادتهم الأوثان، أو باتباعهم الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها، وفي التهديد لهم بصيغة الأمر إيذان بأن المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب عن الكلام السابق. ﴿مَتَّعْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾\nالهاء: حرف تنبيه. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَآباءَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر، وبعدها «أن» مضمرة. ﴿جاءَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْحَقُّ:﴾ فاعله، و«أن» المضمرة والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَرَسُولٌ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له.","vol":"8","page":591},{"text":"<span id=\"aya-4355\"></span>﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ﴾ أي: ولما جاءهم القرآن لينبههم من غفلتهم، ويرشدهم إلى الهدى والتوحيد؛ ازدادوا عتوا، وضلالا، فقالوا عن القرآن: ﴿هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أي: ونحن له جاحدون، لا نصدق: أنّه كلام الله. قال أبو السعود: سمّوا القرآن سحرا، وكفروا به، واستحقروا الرسول ﷺ، فضموا إلى كفرهم السابق معاندة الحق، والاستهانة به.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف زمان بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه.\nوصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. وجملة: ﴿جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبارها حرفا؛ لأنّها حينئذ ابتدائية. ﴿قالُوا:﴾\nماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الاسمية: ﴿هذا سِحْرٌ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-4356\"></span>﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾\nالشرح: المعنى: أنهم قالوا: منصب النبوة منصب عظيم شريف، لا يليق إلاّ برجل شريف عظيم، كثير المال والجاه من إحدى القريتين، وهما: مكة، والطائف، واختلفوا في هذا الرجل العظيم، قيل: الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف. وقيل: عتبة بن ربيعة بمكة، وكنانة بن عبد يا ليل من الطائف. وقال ابن عباس﵄-: الوليد بن المغيرة من مكة، وحبيب بن عمير الثقفي من الطائف. انتهى. خازن. وانظر الآية رقم [١١] من سورة (الأحقاف).\nوقال الصابوني: استبعدت قريش نزول القرآن على محمد، وهو فقير يتيم، واقترحوا أن ينزل على أحد الرؤساء، والعظماء، ظنا منهم: أنّ العظيم هو الذي يكون له مال، وجاه، وفاتهم: أنّ العظيم هو الذي يكون عند الله عظيما، وهم يعتبرون مقياس العظمة، الجاه والمال، وهذا رأي الجاهلين في كل زمان، ومكان. أما مقياس العظمة عند الله تعالى، وعند العقلاء؛ فإنما هو عظمة النفس، وسمو الروح؛ ومن أعظم نفسا، وأسمى روحا من محمد ﷺ، الذي رعاه الله، ورباه، وأدبه، وكمله؟!. انتهى.","vol":"8","page":592},{"text":"الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل ﴿نُزِّلَ﴾ المبني للمجهول ﴿الْقُرْآنُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿عَلى رَجُلٍ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَجُلٍ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَظِيمٍ:﴾\nصفة ثانية ل ﴿رَجُلٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿لَوْلا نُزِّلَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لمّا)، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4357\"></span>﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: الآية رد لما تمنّاه الجاهلون في الآية السابقة. ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي: أهم يمنحون النبوة، ويخصون بها من شاؤوا من العباد، حتى يقترحوا أن تكون لفلان الغني، أو لفلان العظيم من الناس. ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: نحن بحكمتنا، وتدبيرنا جعلنا هذا غنيا، وهذا فقيرا، وفاوتنا بينهم في الأموال، والأرزاق، وإذا كان أمر المعيشة، وهو تافه حقير لم نتركه لهم، بل تولينا قسمته بأنفسنا؛ فكيف نترك أمر النبوة-وهو عظيم خطير- لأهوائهم، وشهواتهم، ومشتهياتهم؟! قال في التسهيل: كما قسمنا المعايش في الدنيا؛ كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ الفانية؛ فأولى وأحرى ألاّ نهمل الحظوظ الشريفة الباقية. انتهى. صفوة التفاسير، وبالجملة: فالمعنى كما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا. كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-:\nوإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها، وحرامها من الله تعالى، وهذا مذهب أهل السنة، قال اللقاني-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nوالرزق عند القوم ما به انتفع... وقيل لا بل ما ملك وما اتّبع\nفيرزق الله الحلال فاعلما... ويرزق المكروه والمحرّما\nهذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-وهو معتزلي-: الله تعالى قسم لكل عبد معيشته، وهي مطاعمه، ومشاربه، وما يصلحهم من المنافع، وأذن لهم في تناولها، ولكن شرط عليه، وكلفه أن يسلك في تناولها الطريق التي شرعها، فإذا سلكها؛ فقد تناول قسمته من المعيشة حلالا، وسماها رزق الله، وإذا لم يسلكها؛ تناولها حراما، وليس له أن يسميها رزق الله، فالله","vol":"8","page":593},{"text":"تعالى قاسم المعايش والمنافع، ولكن العباد هم الذين يكسونها صفة الحرمة بسوء تناولهم، وهو عدولهم فيه عمّا شرعه الله إلى ما لم يشرعه. انتهى. كشاف.\nأقول: رحم الله الزمخشري، فقد أصاب بقوله: «يكسونها صفة...» إلخ. وتجاوز الحد بقوله (وليس له أن يسميها...) إلخ قال أحمد محشي الكشاف: الرزق عند أهل السنة يطلق على ما يقوم الله به حال العبد حلالا، كان، أو حراما، وهذه الآية معضدة، والزمخشري بنى على أصله.\n ﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أي: فاضلنا بينهم، فمن فاضل، ومفضول، ورئيس، ومرؤوس، وخادم، ومخدوم، وضعيف، وقوي، وغني، وفقير... إلخ. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أي: ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم، فيحصل بينهم تأليف، وتضام، ينتظم بذلك نظام العالم، لا لكمال في الموسّع عليه، ولا لنقص في المقتّر عليه، ثم إنهم لا اعتراض لهم علينا في ذلك، ولا تصرف، فكيف يكون فيما هو أعلى منه. انتهى. بيضاوي. وفي الخازن:\nيعني: لو سوينا بينهم في كل الأحوال، لم يخدم أحد أحدا، ولم يصر أحد منهم مسخرا لغيره، وحينئذ يفضي إلى خراب العالم، وفساد حال الدنيا، ولكن فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا، فسخّر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض، هذا بماله، وهذا بعمله، فيلتئم قوام العالم. انتهى.\nهذا؛ والياء في ﴿سُخْرِيًّا﴾ للنسب؛ أي: نسبته للسخرة؛ التي هي العمل بلا أجرة، كما في كتب اللغة، وبهذا الاعتبار لا يصح التعليل في قوله: ﴿لِيَتَّخِذَ﴾ فإنه ليس القصد من تفاوت الناس في الرزق، أن يقهر الغني الفقير على العمل له. والحاصل: أنّه إذا نظر لصحة التعليل، واستقامته استقام التقييد المذكور، وإن نظر للأمر اللغوي في السخرة لم تستقم النسبة إليها، ولا يصح الكلام معها، ولا التقييد بالأجرة.\nوقرئ بكسر السين شاذا، بخلافه في سورة (ص) رقم [٦٣]: ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ وسورة (المؤمنون) رقم [١١٠]: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ فالقراءة بكسر السين فيهما سبعية. انظر ما ذكرته فيهما هناك. وفي القرطبي: وقيل: هو هنا من السخرية التي هي بمعنى: الاستهزاء؛ أي:\nليستهزئ الغني بالفقير. قال الأخفش: سخرت به، وسخرت منه، وضحكت به، وضحكت منه، وهزئت به، وهزئت منه. انتهى. وعلى هذا القول، تكون اللام للصيرورة والعاقبة، لا للعلة، والسببية. أقول: والمعتمد الأول، وفي سورة (المؤمنون) وسورة (ص) من الاستهزاء.\n ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: أفضل مما يجمعون من الدنيا، ثم قيل: الرحمة:\nالنبوة، وقيل: الجنة، والعظيم من أعطيها، وحازها، وهو النبي ﷺ، لا من حاز الكثير مما يجمعون، كعروة بن مسعود، ونحوه. وللصابوني قوله: وإذا كانت النبوة أعظم شأنا من المال،","vol":"8","page":594},{"text":"والجاه، والسلطان، وكانت حكمة الله العلية قد حددت لكل إنسان رزقه، ولكل مخلوق حظّه من الرزق، والمال، والمال بالنسبة للنبوة أمر حقير، فكيف يترك الأمر الجليل العظيم، وهو (الرسالة والنبوة) إلى أهواء الناس ورغباتهم؟! فإذا لم يشأ الله تعالى أن يترك أمر الرزق لأهل الأرض، بل قسم، ووزع، وحدد لكل نصيبه، فكيف يترك أمر النبوة إلى أهواء الناس؟ وهذا هو السر الدقيق في التعبير بقوله جلّ وعلا: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فالذي وهب الرزق هو الذي وهب النبوة. انتهى.\nالإعراب: ﴿أَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَقْسِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿رَحْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿قَسَمْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَعِيشَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة:\n ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية:\n ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَرَفَعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قَسَمْنا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من:\n ﴿بَعْضَهُمْ،﴾ و﴿فَوْقَ:﴾ مضاف، و﴿بَعْضٍ﴾ مضاف إليه. ﴿دَرَجاتٍ:﴾ مفعول به ثان. وقيل: تمييز منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. ﴿لِيَتَّخِذَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، أو لام الصيرورة. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ فاعله.\n ﴿بَعْضًا:﴾ مفعول به. ﴿سُخْرِيًّا:﴾ مفعول به ثان، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿وَرَفَعْنا﴾. ﴿وَرَحْمَتُ:﴾ الواو:\nواو الحال. (رحمة): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ و(ما). تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خير من الذي، أو من شيء يجمعونه، والجملة الاسمية: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿بَعْضَهُمْ﴾.\nوالرابط: الواو، والضمير.","vol":"8","page":595},{"text":"<span id=\"aya-4358\"></span><span id=\"aya-4359\"></span>﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: ولولا أن يصيروا كلهم كفارا، فيجتمعون على الكفر، ويرغبون فيه إذا رأوا الكفار في سعة من الخير أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال. ﴿لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ﴾ أي: مصاعد، ودرجات من فضة، ومعارج جمع معرج، وقرئ معاريج على أنه جمع معراج، وهو الدرج إلى الطوابق العليا، كما نرى في هذا الزمن. ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أي: يصعدون، ويرتقون. يقال: ظهرت على البيت؛ أي: علوت على سطحه، وهذا لأنّ من علا شيئا، وارتفع عليه ظهر للناظرين. ويقال: ظهرت على الشيء؛ أي:\nعلمته. وظهرت على العدو؛ أي: غلبته، وأنشد النابغة الجعدي﵁رسول الله ﷺ قصيدة منها قوله: [الطويل]\nعلونا السماء عزة ومهابة... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا\nأي: مصعدا، فغضب النبي ﷺ، وقال: «إلى أين؟» قال: إلى الجنة، قال: «أجل إن شاء الله». ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا﴾ أيضا من فضة. ﴿عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ:﴾ الاتكاء، والتوكؤ: التحامل على الشيء. ومنه قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- في سورة (طه): ﴿هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ والمتكأ: ما يتوكأ عليه، قال تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في حق زليخا: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ هذا؛ وسميت المصاعد من الدرج، والسلم: معارج؛ لأنّ المشي عليها مثل مشي الأعرج.\nالإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص، منصوب ب: ﴿أَنْ﴾.\n ﴿النّاسُ:﴾ اسم ﴿يَكُونَ﴾. ﴿أُمَّةً:﴾ خبر: ﴿يَكُونَ﴾. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة: ﴿أُمَّةً﴾. و﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، وهو على تقدير مضاف محذوف؛ أي: كراهة كون الناس... إلخ، أو التقدير: لولا صيرورتهم أمة واحدة. وخبر المبتدأ محذوف، دلّ عليه جواب (لولا). ﴿لَجَعَلْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما وهما في محل المفعول الثاني. وجملة: ﴿يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لِبُيُوتِهِمْ:﴾ الجار والمجرور بدل من قوله ﴿لِمَنْ﴾ بدل اشتمال بإعادة الجار، التقدير: لبيوت من كفر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿سُقُفًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ فِضَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿سُقُفًا﴾. ﴿وَمَعارِجَ:﴾ معطوف على: ﴿سُقُفًا﴾. ﴿عَلَيْها:﴾","vol":"8","page":596},{"text":"جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ في محل نصب صفة: (معارج) هذا هو المتبادر، وعند التأمل يتبين لك: أنّها حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، وقد راعى لفظ (من) بقوله: ﴿يَكْفُرُ﴾ حيث عاد الضمير عليها مفردا، وراعى معناها فيما بعده حيث أعاد الضمير عليها جمعا. وجملة: ﴿لَجَعَلْنا..﴾. إلخ جواب «لولا»، لا محلّ لها، و«لولا».\nومدخولها كلام لا محلّ له على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿لِبُيُوتِهِمْ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿أَبْوابًا:﴾ معطوف على ﴿سُقُفًا﴾ و(معارج). و﴿وَسُرُرًا:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وجعلنا لهم سررا، وليس معطوفا على: ﴿أَبْوابًا﴾ لاقتضاء العطف أن السرر للبيوت مع أنها لا تضاف لها، ولا تختص بها. وقل في جملة: ﴿عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ﴾ ما رأيته في جملة: ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4360\"></span>﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي: وذهبا. قاله ابن عباس، وغيره، كما في قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٩٣] حكاية عن قول الكافرين: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾. وقال ابن زيد: هو ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة، والأثاث. وقال الحسن البصري: النقوش. وأصله الزينة، يقال: زخرفت الدار؛ أي: زينتها، وتزخرف فلان: أي: تزين. ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ﴾ أي: ما تقدم ذكره. ﴿لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: ما يتمتع به الكافر في هذه الحياة الدنيا، ثم يزول، ويفنى.\nهذا؛ وقرئ بتشديد ميم ﴿لَمّا﴾ وتخفيفها، كما قرئ بفتح اللام، وكسرها؛ لكن مع تخفيف الميم.\n ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني: الجنة خاصة للمتقين، الذين زهدوا في الدنيا، وأعرضوا عن شهواتها. قال كعب الأحبار: إني لأجد في بعض كتب الله المنزلة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن؛ لكلّلت رأس عبدي الكافر بالإكليل، ولا يتصدع، ولا ينبض منه عرق بوجع.\nوفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». وعن سهل بن سعد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء». وأنشدوا: [الطويل]\nفلو كانت الدنيا جزاء لمحسن... إذا لم يكن فيها معاش لظالم\nلقد جاع فيها الأنبياء كرامة... وقد شبعت فيها بطون البهائم\nوقال آخر: [الطويل]\nتمتّع من الأيام إن كنت حازما... فإنك فيها بين ناه وآمر","vol":"8","page":597},{"text":"إذا بقت الدنيا على المرء دينه... فما فاته منها فليس بضائر\nفلا تزن الدنيا جناح بعوضة... ولا وزن رقّ من جناح لطائر\nفلم يرض بالدنيا ثوابا لمحسن... ولا رضي الدنيا عقابا لكافر\nفإن قيل: لما بيّن الله تعالى: أنّه لو فتح على الكافر أبواب النعم لصار ذلك سببا لاجتماع الناس على الكفر، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك لاجتماع الناس على الإسلام؟ فالجواب: لأنّ الناس على هذا التقرير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا، وهذا الإيمان إيمان المنافقين، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين؛ حتى إن كل من دخل في الإسلام، فإنّما يدخل لمتابعة الدليل، ولطلب رضوان الله تعالى، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب.\nوقال الزمخشري: فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة؛ التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا، وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام، قلت: التوسعة عليهم مفسدة أيضا؛ لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر؛ حيث جعل في الفريقين أغنياء، وفقراء، وغلب الفقر على الغنى. انتهى. جمل.\nبعد هذا أقول: إن الله بيّن في كتابه العزيز: أنّه قد يعطي بعض الكافرين، والظالمين، والفاجرين، والفاسدين، والمفسدين ما يحبون من حطام الدنيا، وملذاتها، وشهواتها على سبيل الاستدراج، ولكن أخذه لهم يكون شديدا بعد ذلك، وعقابه لهم يكون أليما، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٢]: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وقال في سورة (مريم) رقم [٧٥]: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ وقال في سورة (القلم) رقم [٤٤]: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.\nوبيّن الرسول ﷺ في أحاديثه الشريفة: «إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلاّ لمن أحبّ». وبيّن: أنّ الله قد يحرم عبده المؤمن من ملذّات الدنيا، ومشتهياتها؛ وهو يحبه حماية له من الافتتان بها، فعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ الله ﷿ ليحمي عبده المؤمن من الدّنيا؛ وهو يحبّه كما تحمون مريضكم الطعام، والشراب». رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁قال: دخلت على النبي ﷺ؛ وهو في غرفة كأنها بيت حمام، وهو نائم على حصير قد أثر في جنبه، فبكيت، فقال: «ما يبكيك، يا عبد الله؟!».\nقلت: يا رسول الله كسرى وقيصر يطؤون على الخز، والديباج، والحرير، وأنت نائم على حصير","vol":"8","page":598},{"text":"قد أثّر في جنبك؟ قال: «لا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدنيا، ولنا الآخرة، وما أنا والدنيا (أو) ما مثلي ومثل الدنيا إلا كمثل راكب نزل تحت شجرة ثم سار وتركها». رواه الطبراني.\nالإعراب: ﴿وَزُخْرُفًا:﴾ معطوف على: ﴿وَسُرُرًا﴾ المعمول للمقدر؛ أي: وجعلنا لهم زخرفا ليجعلوه في السقف، والمعارج، والأبواب، والسرر. وجوز الزمخشري عطفه على محل: ﴿مِنْ فِضَّةٍ،﴾ وأجيز اعتباره منصوبا بنزع الخافض. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لَمّا:﴾ حرف حصر بمعنى: «إلا». ﴿مَتاعُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة. هذا؛ وعلى قراءة: «(لما)» بفتح اللام وتخفيف الميم، ف: (إن) مخففة من الثقيلة. و(ما):\nصلة، و﴿مَتاعُ﴾ خبر ﴿كُلُّ،﴾ وأجيز اعتبار (ما). موصولة خبر: ﴿كُلُّ﴾. وعلى الوجهين فاللام هي الفارقة بين النفي، والإثبات، وعلى اعتبار (ما). موصولة ف: ﴿مَتاعُ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: للذي هو متاع، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. هذا؛ وعلى قراءة كسر اللام، فهي جارة (ما). على اعتبارها موصولة، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: «هو متاع... إلخ» المقدرة. صلة الموصول، لا محلّ لها، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ كُلُّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الأسماء المتعاطفة؛ فلا بأس به، والواو مجوزة للحالية، مانعة من الوصفية، كما رأيت في آية (البقرة) رقم [٢١٥] ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ﴿وَالْآخِرَةُ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (الآخرة): مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال ولا وجه له و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿وَالْآخِرَةُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4361\"></span>﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ أي: يعرض، ويتعام عن ذكر الرحمن بفرط اشتغاله بحطام الدنيا، وانهماكه بشهواتها. والعشا في العين: ضعف بصرها، وهو من الرباعي. قالت عاتكة عمة النبي ﷺ: [مجزوء الكامل]\nبعكاظ يعشي النّاظرين... إذا هم لمحوا شعاعه\nوقال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته رقم [٤١]: [الخفيف] فاتركوا البغي والتّعدّي وإمّا... تتعاشوا ففي التّعاشي الدّاء","vol":"8","page":599},{"text":"وأما عشا، يعشو من الثلاثي، فهو من: عشا إلى النار: إذا رآها من بعيد، فقصدها مستضيئا، أو راجيا: أنها نار قرى على حد قول الحطيئة، وهو الشاهد رقم [١٥١] من كتابنا:\n «فتح رب البرية». [الطويل]\nمتى تأته تعشو إلى ضوء ناره... تجد خير نار عندها خير موقد\nوالآية الكريمة بمعنى: يصدّ، ويتعامى. ومثلها في المعنى قول حاتم الطائي: [السريع]\nأعشو إذا ما جارتي برزت... حتّى يواري جارتي الخدر\nهذا؛ وقرئ: «(ومن يعش)» بفتح الشين، ومعناه: يعمى. يقال: عشي، يعشى عشا: إذا عمي، ورجل أعشى، وامرأة عشواء؛ إذا كانا لا يبصران، ومنه قول الأعشى في معلقته رقم [٢٠]. [البسيط] أأن رأت رجلا أعشى أضرّ به... ريب المنون ودهر مفند خبل\nوالمراد: ب: ﴿ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ القرآن. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا:﴾ نهيئ له، ونسلط عليه شيطانا يتلاعب به كيفما يشاء. ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ:﴾ ملازم له، لا يفارقه، يزين له العمى، ويخيل إليه: أنّه على الهدى. وفي الآية تحذير من سلوك طرق الشر. ومن سلك طريق الشر؛ فالله يكله إلى شيطانه، يتلاعب به كيف يشاء، بخلاف من اهتدى، وسلك طريق الخير؛ فإنه يجد توفيقا من الله إلى الخير، وعونا عليه، قال تعالى في سورة (محمد ﷺ) الآية رقم [١٧]: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (فصلت) رقم [٢٥]. وقال القرطبي، وغيره:\nهذه الآية متصلة بقوله أول السورة: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أي: لا نضربه، بل نواصله لكم، فمن يعش عن ذلك الذكر بالإعراض عنه إلى تأويل المضلين، وأباطيلهم ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ أي: نسبب له شيطانا جزاء له على كفره ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ في الدنيا يمنعه عن الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية. وهو معنى قول ابن عباس﵄-. انتهى. هذا؛ وقال الزمخشري: وقرئ «(يعشو)» على أن (من) موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارئ أن يرفع «(نقيّض)». انتهى. أقول: وهذه قراءة شاذة. ولا تنس استعارة العشا للضلال.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْشُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، أو الواو، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و﴿الرَّحْمنِ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿نُقَيِّضْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْطانًا:﴾ مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه،","vol":"8","page":600},{"text":"فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وعلى اعتبار (من) موصولة، فجملة: ﴿يَعْشُ..﴾. إلخ صلة الموصول، وهي مبتدأ، وجملة: ﴿نُقَيِّضْ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وقلت لك: القراءة شاذة. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له.\n ﴿قَرِينٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جواب الشرط، فهي في محل جزم مثله، أو هي معطوفة على خبر المبتدأ على اعتبار (من) موصولة.\n\n<span id=\"aya-4362\"></span>﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي: الشياطين. ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: ليصدون المعرضين عن ذكر الرحمن، وهم (العاشون). ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي: ويحسب كفار بني آدم: أنهم على الهدى. وقيل: الضميران: الثاني، والثالث يعودان إلى (الشياطين)، والأول يعود إلى (العاشين). هذا؛ وإنما جمع الضمير العائد إلى (من) والضمير العائد إلى (الشيطان) لأنّ (من) مبهم يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع. وقد قيض له شيطان مبهم أيضا من جنسه، فجاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعا.\nهذا؛ و«يصد» يأتي بمعنى: يمنع، ويصرف، وهو ما في هذه الآية، وهو بضم الصاد، ويأتي بمعنى: يعرض، ويميل، ومنه قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ وهو بهذا المعنى يأتي بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، ومنه الآية رقم [٥٧] الآتية، ومصدر الأولين: صد، وصدود، ومصدر الأخير: صديد.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يصدونهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿عَنِ السَّبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿شَيْطانًا،﴾ أو من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين، وقد عرفت أنّ (من) و﴿شَيْطانًا﴾ بمعنى: الجمع. ﴿وَيَحْسَبُونَ:﴾ الواو: واو الحال. (يحسبون): فعل مضارع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُهْتَدُونَ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنّه جمع مذكر سالم، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿وَيَحْسَبُونَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وهم يحسبون، والجملة الاسمية في","vol":"8","page":601},{"text":"محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير، وإنما قدرت الضمير مبتدأ؛ لأنّ الجملة المضارعية الواقعة حالا لا تقترن بالواو. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى- في ألفيته: [الرجز]\nوذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت\nوذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا\n\n<span id=\"aya-4363\"></span>﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا:﴾ يعني الكافر وحده، وقرئ: «(جاآنا)» على التثنية يعني: الكافر العاشي، وقرينه الشيطان، وقد جعلا في سلسلة واحدة. ﴿قالَ:﴾ أي: العاشي الكافر لقرينه الشيطان: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، كما قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٧]: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة إلى مشرق أقصر يوم في السنة، ولذلك قال: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ وقال الفراء: أراد المشرق، والمغرب، فغلب اسم أحدهما، كما يقال: القمران:\nللشمس، والقمر، والعمران: لأبي بكر، وعمر، والبصرتان: للكوفة، والبصرة، والعصران:\nللغداة، والعصر، والأبوان، والوالدان: للأب، والأم وهو كثير مستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي. وأنشد أبو عبيدة لجرير: [البسيط]\nما كان يرضى رسول الله فعلهم... والعمران: أبو بكر، ولا عمر\nوقال الفرزدق من قصيدة يهجو جريرا، ويفخر بها عليه: [الطويل]\nأخذنا بآفاق السماء عليكم... لنا قمراها والنجوم الطّوالع\n ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أي: فبئس الصاحب أنت؛ لأنّه يورده إلى النار. قال أبو سعيد الخدري -﵁-: إذا بعث الكافر زوّج بقرينه من الشياطين، فلا يفارقه؛ حتى يصير به إلى النار.\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، وعند الأخفش حرف جر. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿جاءَنا:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (العاشي) المفهوم من: «يعشو» وعلى قراءة التثنية، فألف الاثنين فاعله، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى العاشي أيضا. ﴿يا لَيْتَ:﴾ (يا):\nحرف تنبيه، وأجيز اعتبارها أداة نداء؛ والمنادى محذوف، تقديره: يا هذا مثلا. (ليت): حرف مشبه بالفعل. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: (ليت) تقدم على اسمها، فهو","vol":"8","page":602},{"text":"منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بُعْدَ:﴾ اسم: (ليت) مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى لفظا، والجملة الاسمية: ﴿يا لَيْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له على رأي الجمهور. قال الجمل: فإن ﴿حَتّى﴾ وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد كما مر مرارا. انتهى. أبو السعود. ﴿فَبِئْسَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بئس القرين):\nماض، وفاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: فبئس القرين أنت! والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فبئس القرين.\n\n<span id=\"aya-4364\"></span>﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ..﴾. إلخ: أي: لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنفسكم بالشرك في الدنيا، وارتكاب المعاصي اشتراككم في العذاب في الآخرة، ولا يخفف عنكم شيئا، لكل واحد من الكفار، والشياطين الغاوين لهم له الحظ الأوفر، والنصيب الأوفى من العذاب.\nوقيل: المعنى: لن ينفعكم الاعتذار، والندم اليوم، فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب، كما كنتم مشتركين في الكفر. انتهى. خازن. وقال القرطبي: أعلم الله تعالى: أنه منع أهل النار التأسي، كما يتأسى أهل المصائب في الدنيا، وذلك أنّ التأسي يستروحه أهل الدنيا، فيقول أحدهم: لي في البلاء، والمصيبة أسوة، فيسكّن ذلك من حزنه، كما قالت الخنساء: [الوافر]\nفلولا كثرة الباكين حولي... على إخوانهم لقتلت نفسي\nوما يبكون مثل أخي ولكن... أعزّي النفس عنه بالتّأسّي\nتنبيه: روعي في هذه الآيات معنى (من) ولفظها، فقد روعي معناها في مواضع ثلاثة: الهاء في قوله: ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ،﴾ والثاني: الواو في قوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ،﴾ والثالث: الهاء في قوله:\n ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وروعي لفظها في ثلاثة مواضع أيضا: الأول: الضمير المستتر في ﴿يَعْشُ﴾. والثاني، والثالث: المجروران باللام في ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ و﴿فَهُوَ لَهُ﴾ ثم روعي لفظها في موضعين: المستتر في: (جاء) والمستتر في ﴿قالَ﴾ ثم روعي معناها في ثلاثة مواضع في ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ﴾ وصيغة المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجددي لقوله تعالى:\n ﴿حَتّى إِذا جاءَنا﴾ فإنّ ﴿حَتّى﴾ وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد كما مرّ مرارا. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود وغيره.","vol":"8","page":603},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال.\n ﴿يَنْفَعَكُمُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن)، والكاف مفعول به. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدلا مما قبله. ﴿ظَلَمْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿أَنَّكُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُشْتَرِكُونَ:﴾ خبر (أنّ). مرفوع... إلخ، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل:\n ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾. انظر الشرح، وقال بعضهم: الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى التمني المدلول عليه بقوله: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ التقدير: ولن ينفعكم تمنيكم البعد. وعليه فالمصدر المؤول في محل جر بلام تعليل محذوفة، ويؤيده: أنه قرئ بكسر همزة (إنّ).\nتنبيه: ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف للحال، و﴿إِذْ﴾ ظرف للماضي، وفيه إبدال الماضي من الحال، وفي تجويز ذلك أقوال كثيرة أصحّها: أنّ الدنيا والآخرة متصلتان، وهما سواء في حكم الله تعالى، وعلمه. قال أبو الفتح بن جني في مساءلته أبا علي الفارسي: راجعته فيها مرارا، فآخر ما حصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان، وهما في حكم الله تعالى، وعلمه سواء.\nهذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ إذ التقدير: ويقول الله للكافرين: (لن ينفعكم...) إلخ.\n\n<span id=\"aya-4365\"></span>﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ..﴾. إلخ؛ استفهام نفي، وإنكار؛ أي: أتقدر يا محمد على إسماعهم، أو تقدر على هدايتهم، وهداية من كان في ضلال مبين؟! أي: ليس لك ذلك، فلا يضق صدرك؛ إن كفروا. ففيه تسلية للنبي ﷺ. وفيه رد على القدرية وغيرهم، وأن الهدى، والرشاد، والخذلان، والضلال في القلب خلق الله تعالى، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وهو العليم الخبير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠]. هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة، فقد شبه الكفار بالصم، والعمي بطريق الاستعارة التمثيلية، وهذا شيء يكثر في القرآن الكريم؛ الذي أسكت القرشيين، وأخرسهم ببلاغته، وفصاحته. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَفَأَنْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري مفيد للنفي. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصُّمَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها مستأنفة على المعتمد. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.\n ﴿تَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر","vol":"8","page":604},{"text":"تقديره: «أنت». ﴿الْعُمْيَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على: ﴿الْعُمْيَ﴾. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص واسمه مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿كانَ﴾. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها.\n\n<span id=\"aya-4366\"></span>﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أي: فإن قبضناك قبل أن ننصرك عليهم، أو: قبل أن نعذبهم، ونشفي صدرك، وصدور المؤمنين بتعذيبهم. وقال القرطبي: يريد: نخرجك من مكة، ونخلصك من أذى قريش. ﴿فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ:﴾ بعدك في الدنيا بالقتل، والأسر، وفي الآخرة بعذاب النار.\nقال الزمخشري: كان رسول الله ﷺ يجد، ويجتهد، ويكد روحه في دعاء قومه إلى الإيمان؛ وهم لا يزيدون على دعائه إلاّ تصميما على الكفر، وتماديا في الغي، فأنكر عليه بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ..﴾. إلخ. الآيات؛ التي نحن بصدد شرحها. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٧]: ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾.\nتنبيه: (إما): أصلها: (إن ما) «إن» الشرطية و«ما» الزائدة، فأفادت التوكيد؛ لأنّ معنى «إن» في الأصل الشك. فزال هذا المعنى بسبب «ما»؛ ولذا أكد الفعل بعدها بنون التوكيد الثقيلة.\nوذكر ابن هشام في المغني: أن توكيد الفعل بعدها قريب من الواجب، وذكر آيات كثيرة الفعل المضارع مؤكد فيها بنون التوكيد. وأضيف: أنه قرئ قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٢٦]:\n ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ بدون تأكيد الفعل بنون التوكيد.\nالإعراب: ﴿فَإِمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إمّا): (إن): حرف شرط جازم. و«ما»: صلة.\n ﴿نَذْهَبَنَّ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محلّ له، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿بِكَ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنّا:﴾\nالفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مُنْتَقِمُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.","vol":"8","page":605},{"text":"<span id=\"aya-4367\"></span>﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ:﴾ أو إن أردنا أن ننجز في حياتك، ونريك ما وعدناهم من العذاب النازل بهم، وهو يوم بدر. ﴿فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ:﴾ فإنهم تحت ملكنا، وقهرنا، وقدرتنا لا يفوتوننا. انتهى. كشاف.\nهذا؛ وقال الحسن، وقتادة: هي في أهل الإسلام، يريد ما كان بعد النبي ﷺ من الفتن، و﴿نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ على هذا بمعنى: نتوفينك. وقد كان بعد النبي ﷺ نقمة شديدة، فأكرم الله نبيه ﷺ وذهب به، فلم يره في أمته إلاّ ما تقرّ به عينه، وأبقى النقمة بعده، وليس من نبي إلاّ وقد أري النقمة في أمته. وروي: أنّ النبي ﷺ أري (في المنام) ما لقيت أمته من بعده، فما زال منقبضا، ما انبسط ضاحكا؛ حتى لقي الله ﷿. وعن ابن مسعود﵁أنّ النبي ﷺ قال:\n «إذا أراد الله بأمة خيرا؛ قبض نبيّها قبلها، فجعله لها فرطا، وسلفا. وإذا أراد الله بأمة عذابا؛ عذّبها؛ ونبيّها حيّ؛ لتقرّ عينه لما كذبوه، وعصوا أمره». انتهى. قرطبي.\nأقول: جاء في حديث تميم الداري﵁حديث البعير حينما قال له النبي ﷺ:\n «يا أيها البعير انطلق فأنت حرّ لوجه الله تعالى». فرغا على هامة رسول الله ﷺ، فقال ﵊: «آمين». ثم رغا، فقال: «آمين». ثمّ رغا، فقال: «آمين». ثم رغا الرابعة، فبكى ﵊، فقلنا: يا رسول الله! ما يقول هذا البعير؟ قال: «قال: جزاك الله أيّها النبيّ عن الإسلام، والقرآن خيرا! فقلت: آمين، ثم قال: سكّن الله رعب أمّتك يوم القيامة، كما سكّنت رعبي، فقلت: آمين، ثم قال: حقن الله دماء أمّتك من أعدائها كما حقنت دمي، فقلت: آمين، ثم قال: لا جعل الله بأسها بينها، فبكيت، فإن هذه الخصال سألت ربي فأعطانيها، ومنعني هذه، وأخبرني جبريل عن الله تعالى أنّ فناء أمّتي بالسيف، جرى القلم بما هو كائن». رواه ابن ماجه؛ أي: بالحرب، والشقاق، والنزاع، بين المسلمين. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٥]: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نُرِيَنَّكَ:﴾ معطوف على: ﴿نَذْهَبَنَّ﴾ فهو مثله في إعرابه.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿وَعَدْناهُمْ:﴾ ماض، وفاعله ومفعوله الأول، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي وعدناهم إياه. ﴿فَإِنّا عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ مثل ما قبله في الآية السابقة.\n<span id=\"aya-4368\"></span>﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي: من الآيات القرآنية، والشريعة السماوية. وقال الزمخشري: والمعنى: وسواء عجلنا لك الظفر، والغلبة، أو أخرنا ذلك إلى اليوم الآخر، فكن","vol":"8","page":606},{"text":"مستمسكا بما أوحينا إليك، وبالعمل به، فإنّه الصراط المستقيم؛ الذي لا يحيد عنه إلاّ ضال شقي، وزد كل يوم صلابة في المحاماة، والدفاع عن دين الله، ولا يخرجك الضجر بأمرهم إلى شيء من اللين، والرخاوة في أمرك، ولكن كما يفعل الثابت؛ الذي لا ينشطه تعجيل ظفر، ولا يثبطه تأخيره.\nالإعراب: ﴿فَاسْتَمْسِكْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر؛ أي: وإذا كان ما ذكر واقعا بهم؛ فاستمسك. (استمسك): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدر ب: «إذا». ﴿أُوحِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل، يعود إلى «الذي»، وهو العائد. هذا؛ وقرئ بالبناء للمعلوم على أنّ الفاعل يعود إلى الله فيكون العائد محذوفا، التقدير:\nبالذي أوحاه الله، والجملة الفعلية على القراءتين صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿عَلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة:\n ﴿صِراطٍ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4369\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ:﴾ يعني القرآن شرف لك، ولقومك من قريش؛ إذ نزل بلغتهم، وعلى رجل منهم، نظيره قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [١٠]: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم، وفخركم، فالقرآن نزل بلغة قريش، وإياهم خاطب، فاحتاج أهل اللغات كلها إلى لسانهم، كل من آمن بالله، ورسوله، فصاروا عيالا عليهم؛ لأنّ أهل كل لغة احتاجوا إلى أن يأخذوه من لغتهم؛ حتى يقفوا على المعنى الذي عني به من الأمر والنهي، وجميع ما فيه من الأحكام، والأنباء، والمواعظ، فشرفوا بذلك على سائر أهل اللغات، ولذلك سمي عربيا.\nهذا؛ والصحيح: أنه شرف لمن عمل به، ولو كان عبدا حبشيا، وسواء أكان من قريش، أو من غيرهم. انتهى. قرطبي. ﴿وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ:﴾ عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه، وعن تعظيمكم له، وشكركم على أن رزقتموه، وخصصتم به من بين العالمين. انتهى. كشاف.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.\n ﴿لَذِكْرٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذكر): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الموصول، والرابط: الواو، والضمير. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (ذكر)، أو بمحذوف صفة له. (لقومك): معطوفان على: ﴿لَكَ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَسَوْفَ:﴾\nالواو: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال معناه التحقيق، والتأكيد هنا. ﴿تُسْئَلُونَ:﴾ فعل","vol":"8","page":607},{"text":"مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. وانظر تقدير المفعول الثاني في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4370\"></span>﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اختلف العلماء من هؤلاء المسؤولون؟ فروي عن ابن عباس﵄في رواية عنه لما أسري بالنبي ﷺ؛ بعث الله ﷿ له آدم، وولده من المرسلين، فأذّن جبريل ﵇، ثم أقام الصلاة، وقال: يا محمد تقدم، فصلّ بهم. فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل ﵇: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا... إلخ، فقال النبي ﷺ: «لا أسأل قد اكتفيت!». وهذا قول الزهري، وسعيد بن جبير، وابن زيد، قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به، وأمر أن يسألهم، فلم يشكّ، ولم يسأل، فعلى هذا القول قال بعضهم: هذه الآية نزلت ببيت المقدس ليلة أسري بالنبي ﷺ.\nوقال أكثر المفسرين: معناه: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء-عليهم الصلاة، والسّلام-: هل جاءتهم الرسل إلاّ بالتوحيد. وهو قول ابن عباس﵄- في أكثر الروايات عنه، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، والحسن، ومقاتل، ومعنى الأمر بالسؤال: التقرير لمشركي قريش أنّه لم يأت رسول، ولا كتاب بعبادة غير الله ﷿.\nانتهى. بحروفه من الخازن، ومثله في الكشاف والقرطبي الذي صحح الرواية الأولى عن ابن عباس، ثم قال:\nوسبب هذا الأمر بالسؤال: أن اليهود والمشركين قالوا للنبي ﷺ: إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك من الرسل، فأمره الله بسؤال الأنبياء على جهة التوقيف والتقرير، لا لأنه كان في شك منه. واختلف في سؤال النبي ﷺ لهم على قولين: أحدهما: أنّه سألهم، فقالت الرسل:\nبعثنا بالتوحيد. قاله الواقدي. الثاني: أنّه لم يسألهم ليقينه بالله ﷿، حتى حكى ابن زيد:\nأنّ ميكائيل قال لجبريل: هل سألك محمد عن ذلك؟ فقال جبريل: هو أشد إيمانا، وأعظم يقينا من أن يسأل عن ذلك. انتهى. وعلى ما تقدم هل الآية مكية، أو مدنية؟\nالإعراب: ﴿وَسْئَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اسأل): فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: اسأل الذين أرسلناهم. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر","vol":"8","page":608},{"text":"بالإضافة. ﴿مِنْ رُسُلِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، و﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أَجَعَلْنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و﴿دُونِ:﴾ مضاف.\nو﴿الرَّحْمنِ﴾ مضاف إليه. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به. ﴿يُعْبَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿آلِهَةً،﴾ والجملة: ﴿أَجَعَلْنا..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل (اسأل). وجملة: ﴿وَسْئَلْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (استمسك...) إلخ لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4371\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: لما أعلم الله النبي ﷺ أنه منتقم له من عدوه، وأقام الحجة باستشهاد الأنبياء، واتفاق الكل على التوحيد، أكّد ذلك بقصة موسى: أنه ابتعثه إلى فرعون، وشيعته من الأمراء، والوزراء، والقادة، والأتباع من القبط، وبني إسرائيل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنه بعث معه آيات عظاما، كيده، وعصاه، وما أيده الله به من المعجزات كالطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، ومن نقص الزروع، والأنفس والثمرات كما رأيت تفصيله في سورة (الأعراف) رقم [١٣٢].\nهذا؛ وموسى أصله: (موشى) مركبا من اسمين: الماء، والشجر. فالماء يقال له في العبرانية (مو) والشجر يقال له: (شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر لما ألقته أمه فيه، كما رأيت في سورة (طه) وفي سورة (القصص).\n ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي: دهاء، ومكر، وفرعون: لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر، وكسرى لملكي الروم والفرس. وكان فرعون موسى مصعب بن الريان. وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد. وفرعون يوسف-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمئة سنة، وكان ملك فرعون موسى أربعمئة سنة، وعاش ستمئة سنة وعشرين، ولم ير مكروها قطّ، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو وجع يوم، أو حمى يوم؛ لما ادعى الربوبية، ولا تنس أن فرعون هذه الأمة هو أبو جهل الخبيث.","vol":"8","page":609},{"text":"(الملأ): الأشراف، والسادة، والعظماء، ولا يقال لغيرهم؛ لأنّهم يملؤون العيون بكبريائهم، وعظمتهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه. مثل: معشر، ورهط، ونحوهما. هذا؛ و﴿الْعالَمِينَ﴾ جمع: عالم بفتح اللام، وجمع لاختلاف أنواعه، وهو جواب عما يقال: إنه اسم جنس يصدق على كل ما سوى الله، والجمع لا بدّ أن يكون له أفراد ثلاثة فأكثر. وجمع بالياء والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدلّ له قوله موسى-على نبينا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم-لما قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (الشعراء) هذا؛ والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات، يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنّه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو أقسم والله.\nواللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنّما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة الحشر. افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد، إن شاء الله تعالى.\nفإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم! فالجواب:\nأنّه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ فإن التقدير: وربّ الضحى، وربّ السماء... إلخ، الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم) وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب. اللام:\nواقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلّ لها. ﴿مُوسى:﴾ مفعول به. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مُوسى،﴾ و(نا):\nفي محل جر بالإضافة. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة","vol":"8","page":610},{"text":"نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَمَلائِهِ:﴾ معطوف على:\n ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. فقال: الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿رَسُولُ:﴾\nخبرها، وهو مضاف، و﴿رَبِّ﴾ مضاف إليه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على جواب القسم، لا محل لها مثلها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.\n\n<span id=\"aya-4372\"></span>﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: موسى. ﴿بِآياتِنا﴾ أي: المعجزات؛ التي ذكرتها في الآية السابقة. ﴿إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ:﴾ يستهزئون، ويسخرون، يوهمون أتباعهم: أن تلك الآيات سحر، وتخييل، وأنهم قادرون على مقاومتها، ودحضها، وذلك بدعوة السحرة، كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (طه) و(الشعراء).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة سادة مسد جواب (لما) هنا، وهي تختص بالدخول على الجمل، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب. وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إن زيدا بالباب) لأنّ «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج والزمخشري، وزعم هذا الأخير: أنّ عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: (خرجت فإذا زيد جالس)، أو المقدر في نحو: فإذا الأسد؛ أي: حاضر، وإذا قدرت أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر في القرآن معها إلاّ مصرحا به. انتهى. ملخصا من المغني.\nقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يجاب (لمّا) بإذا الفجائية؟ قلت: لأنّ فعل المفاجأة معها مقدر، وهو عامل النصب في محلها، كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا، فاجؤوا وقت ضحكهم. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور","vol":"8","page":611},{"text":"متعلقان بما بعدهما. ﴿يَضْحَكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محلّ لها على اعتبار: ﴿إِذا﴾ حرفا، وفي محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا.\nتنبيه: قال الجمل: ولا نعلم نحويا ذهب إلى ما ذهب إليه الزمخشري من أن (إذا) الفجائية تكون منصوبة بفعل مقدر، تقديره: فاجأ، بل المذاهب فيها ثلاثة: إما حرف فلا تحتاج إلى عامل، أو ظرف مكان، أو ظرف زمان، فإن ذكر بعد الاسم الواقع بعدها خبر (كانت) منصوبة على الظرف، والعامل فيها ذلك الخبر، نحو خرجت فإذا زيد قائم، وإن لم يذكر بعد الاسم خبر، أو ذكر اسم منصوب على الحال، فإن كان الاسم جثة، وقلنا: إنها ظرف مكان؛ كان الأمر واضحا، نحو خرجت فإذا الأسد؛ أي: ففي الحضرة الأسد، أو فإذا الأسد رابضا، وإن قلنا: إنها زمان؛ كان على حذف مضاف، لئلا يخبر بالزمان عن الجثة، نحو خرجت فإذا الأسد؛ أي: ففي الزمان حضور الأسد، وإن كان الاسم حدثا جاز أن تكون مكانا، أو زمانا، ولا حاجة إلى تقدير مضاف، نحو خرجت؛ فإذا القتال، إن شئت قدرت فبالحضرة القتال، أو ففي الزمان القتال، وفيه تلخيص، وزيادة كثيرة في الأمثلة رأيت تركها مخلا. انتهى. سمين.\n\n<span id=\"aya-4373\"></span>﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما نُرِيهِمْ﴾ أي: فرعون وأتباعه. ﴿مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها﴾ أي: وما نريهم آية من آيات العذاب، كالطوفان، والجراد، والقمل... إلخ. إلاّ وهي بالغة أقصى درجات الإعجاز؛ بحيث يظن الناظر إليها: أنّها أكبر مما يقاس إليها من الآيات. والمراد:\nوصف الكل بالكبر، والعظم، كقولك: رأيت رجالا أفضل من بعض، وكقول عبيد بن العرندس، وهو من أبيات الحماسة: [البسيط]\nمن تلق منهم تقل: لاقيت سيّدهم... مثل النجوم التي يسري بها السّاري\nوهذا كما فاضلت فاطمة بنت الخرشب الأنمارية بين الكلمة من بنيها، ثم قالت لما أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل! هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؟ وعلى العكس من هذا قول الآخر: [الطويل]\nولم أر أمثال الرجال تفاوتا... لدى الفضل حتّى عدّ ألف بواحد\n ﴿وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ﴾ أي: عاقبناهم بأنواع العذاب الشديد، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٣٠]: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وقال أيضا في الآية [١٣٣] منها:","vol":"8","page":612},{"text":"﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ..﴾. إلخ، وكانت هذه الآيات الأخيرة عذابا لهم، ومعجزات لموسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ عما هم عليه من الكفر، والتكذيب. وانظر مثل هذه الترجي في الآية رقم [٣]. وقال الزمخشري: إرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان. فإن قلت: لو أراد رجوعهم؛ لكان، قلت: إرادته فعل غيره ليس أن يأمره به، ويطلب منه إيجاده، فإن كان ذلك على سبيل القسر؛ وجد، وإلاّ دار بين أن يوجد، وبين أن لا يوجد على حسب اختيار المكلف، وإنما لم يكن الرجوع؛ لأنّ الإرادة لم تكن قسرا، ولم يختاروه. انتهى. كشاف.\nقال أحمد المحشي على الكشاف: تقدم في غير موضع: أنّ لعلّ حيثما وردت في سياق كلام الله تعالى، فالمراد صرف الرجاء إلى المخلوقين؛ أي: ليكونوا بحيث يرجى منهم ذلك.\nهذا هو الحق، وعليه تأول سيبويه ما ورد. وأما الزمخشري، فيحمل لعل على الإرادة؛ لأنّه لا يتحاشى من اعتقاد أن الله يريد شيئا، ويريد العبد خلافه، فيقع مراد العبد، ولا يقع مراد الرب.\nتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فما أشنعها زلة، وأبشعها خلة، ولقد أساء الأدب في هذا الموضع حتى أنه لولا تعين الرد عليه، لما جرى القلم بنقل ما هذى به، وما اهتدى، وقد جرى على سنن أوائله في جعل حقيقة الأمر هو الإرادة، وأضاف إلى ذلك اعتقاد: أنّ العبد يوجد فعله، ويخلقه، وأن مراد العبد يقع، ومراد الرب لا يقع، فهذه ظلمات ثلاث بعضها فوق بعض، نعوذ بالله من هذه الغواية ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نُرِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿آيَةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هِيَ أَكْبَرُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية صفة: ﴿آيَةٍ﴾ على اللفظ، أو على المحل. ﴿مِنْ أُخْتِها:﴾ متعلقان بأكبر، و(ها): في محل جر بالإضافة، وقدر ابن هشام في المغني صفة محذوفة؛ أي: أختها السابقة، وجملة: ﴿وَما نُرِيهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. وقيل:\nمعطوفة، وهو ضعيف، ولو قيل: حال من واو الجماعة؛ لا بأس به. ﴿وَأَخَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط:\nالواو، والضمير، وهي على تقدير: «قد» قبلها. وقيل: معطوفة على ما قبلها وهو ضعيف.\n ﴿بِالْعَذابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة:\n ﴿يَرْجِعُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل لما يريهم الله من آيات.","vol":"8","page":613},{"text":"<span id=\"aya-4374\"></span>﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ..﴾. إلخ: لما وقع العذاب بهم وعاينوه؛ قالوا: يا أيها الساحر ادع لنا ربك؛ ليكشف عنّا هذا البلاء، والعذاب. ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: بالعهد الذي أعطاك إياه من استجابة دعائك، أو بعهده عندك من النبوة. ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ أي: لنؤمنن بك، إن كشفت عنّا العذاب بدعائك. قال المفسّرون: ليس قولهم: ﴿يا أَيُّهَا السّاحِرُ﴾ على سبيل الانتقاص، وإنّما هو تعظيم في زعمهم؛ لأنّ السحر كان علم زمانهم، ولم يكن مذموما، فنادوه بذلك على سبيل التعظيم. قال ابن عباس﵄-: معناه يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما يوقرونه.\nتنبيه: قرأ الجمهور: (أيّه) بفتح الهاء، وبدون ألف، وقرأ ابن عامر بضمها، ووجهه: أن تجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها، وضعف أبو علي الفارسي ذلك جدا، وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من أي، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز ضمّ الهاء ها هنا لاقترانها بالكلمة؛ لجاز ضم الميم في (اللهم) لاقترانها بالكلمة في كلام طويل.\nوالصحيح: أنّه إذا ثبت عن النبي ﷺ قراءة، فليس إلاّ اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة، وأنشد الفراء: [الرجز]\nيا أيّه القلب اللجوج النفس... أفق عن البيض الحسان اللّعس\nوبعضهم يقف (أيه) وبعضهم يقف (أيها) بالألف؛ لأنّ علة حذفها في الوصل، إنما هو سكونها، وسكون اللام، فإذا كان الوقف ذهبت العلة، فرجعت الألف، وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في الآية رقم [٣١] من سورة (النور)، وأيضا في الآية رقم [٣١] من سورة (الرحمن) في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ وقد رسمت الهاء في هذه المواضع الثلاثة بدون ألف، وثبتت في غير هذه المواضع حملا لها على الأصل، كما تراه في جميع آيات القرآن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (أيه):\nنكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء. والهاء: حرف تنبيه، لا محلّ له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿السّاحِرُ:﴾ نعت ل: (أيّ). ﴿اُدْعُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"8","page":614},{"text":"بالفعل ﴿اُدْعُ،﴾ و(ما). تحتمل الموصولة والمصدرية. ﴿عَهِدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبَّكَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:\nبالذي عهده، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبعهده. ﴿عِنْدَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. ﴿إِنَّنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): في محل نصب اسمها. ﴿لَمُهْتَدُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مهتدون): خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ مرتبة على مقدر؛ أي: إن كشفت عنّا العذاب فإنّا مؤمنون، يدلّ عليه قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٣٣]: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.\n\n<span id=\"aya-4375\"></span>﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ﴾ أي: الذي طلبوا من موسى أن يسأل الله أن يرفعه عنهم، وكانوا ينقضون عهدهم، ويخلفون وعدهم في كل مرة من مرات العذاب المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ..﴾. إلخ رقم [١٣٣] من سورة (الأعراف) فكانوا في كل مرة يعدون موسى ﵇ إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا به، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فإذا انكشف عنهم رجعوا إلى خبثهم ومكرهم، كما قال تعالى عنهم في سورة (الأعراف) رقم [١٣٣]: ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ وأصل النكث من: نكث الصوف، ونحوه؛ ليغزله ثانيا، فاستعير لنقض العهد بعد إحكامه، وإبرامه وانظر ما ذكرته في سورة (الفتح) رقم [١٠].\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقبلها كلام مقدر، التقدير: فدعا موسى ربه، فلما كشفنا. (لمّا): انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿كَشَفْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَنْهُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٤٧].\n<span id=\"aya-4376\"></span>﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ:﴾ نادى بنفسه عظماء القبط، أو أمر مناديا فنادى. ﴿قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ:﴾ لا ينازعني فيه أحد. ﴿وَهذِهِ الْأَنْهارُ:﴾ أنهار النيل، وأعظمها","vol":"8","page":615},{"text":"أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنّيس. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي:﴾ تحت قصري، أو تحت أمري، أو بين يدي في جناتي. وقيل: أراد بالأنهار: الأموال، وعبّر عنها بالأنهار لكثرتها وظهورها. ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أي: ترون عظمتي، وكبريائي.\nقال الزمخشري: وليت شعري كيف ارتقت إلى دعوة الربوبية همة من تعظم بملك مصر، وعجب الناس من مدى عظمته، وأمر فنودي بها في أسواق مصر وأزقتها، لئلا تخفى تلك الأبهة، والجلالة على صغير، ولا كبير، وحتى يتربع في صدور الدهماء مقدار عزّته، وملكوته، وعن الرشيد: أنه لما قرأها؛ قال: لأولينّها أخسّ عبيدي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه.\nوعن عبد الله بن طاهر: أنّه وليها، فخرج إليها، فلما شارفها، ووقع بصره عليها، قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون، حتى قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ والله لهي أقلّ عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه؟. انتهى. ومثله في القرطبي.\nتنبيه: الهمزة في كلمة ﴿أَفَلا﴾ ومثلها: أولم وأولا، ونحوهما للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء، والواو؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على ثم تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله جلّ شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله تعالت حكمته: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة أولهم الزمخشري، فزعموا: أنّ الهمزة في الآيات المتقدمة في محلّها الأصلي، وأنّ العطف على جملة مقدرة بينها، وبين العاطف، فيقولون: التقدير في ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ..﴾. إلخ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات... إلخ؟ ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنّه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَنادى:﴾ الواو: حرف عطف. (نادى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله. ﴿فِي قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على (لمّا) ومدخولها، لا محل لها مثله. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنُ﴾. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنّه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي) ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: (يا قومي)، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قوما) ومنهم من يحذف الياء بعد","vol":"8","page":616},{"text":"قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: (يا قوم). قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nويزاد سادسة، وهي لغة القطع: «يا قوم» بضم الميم، ففي الحديث الشريف، يقول: «يا ربّ يا ربّ» وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾. إلخ. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (ليس): فعل ماض ناقص.\n ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها. ﴿مُلْكُ:﴾ اسم (ليس) مؤخر، وهو مضاف، و﴿مِصْرَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n ﴿وَهذِهِ:﴾ الواو: واو الحال. (هذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ بدل من اسم الإشارة. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَنْهارُ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿الْأَنْهارُ﴾ خبرا للمبتدأ، فتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْأَنْهارُ،﴾ وهي حال متداخلة، والرابط: رجوع الفاعل على: ﴿الْأَنْهارُ،﴾ كما أجيز اعتبار اسم الإشارة معطوفا على:\n ﴿مُلْكُ﴾. وتبقى الجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْأَنْهارُ،﴾ و﴿الْأَنْهارُ﴾ بدل من اسم الإشارة. ﴿مِنْ تَحْتِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَفَلا:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لا): نافية. ﴿تُبْصِرُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف. هذا؛ والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ تفسير لقوله: ﴿وَنادى..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-4377\"></span>﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ..﴾. إلخ: قال النسفي: ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى: بل، والهمزة، كأنه قال: أثبت عندكم، واستقر: أني أنا خير، وهذه حالي؟ وقال البيضاوي: و﴿أَمْ﴾ إما منقطعة، والهمزة فيها للتقرير لما تقدم من أسباب فضله. أو متصلة على إقامة المسبب مقام السبب.\nوالمعنى: أفلا تبصرون، أم تبصرون، فتعلمون أني خير منه؟ وقال القرطبي، والخازن: ﴿أَمْ﴾ بمعنى: «بل» على قول أكثر المفسرين، والمعنى: قال فرعون لقومه: بل أنا خير. ويريد","vol":"8","page":617},{"text":"ب: ﴿مَهِينٌ﴾ موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، يريد: حقير ضعيف لا عزّ له، فهو يمتهن نفسه في حاجاته؛ لحقارته وضعفه.\n ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ أي: يفصح بكلامه للّثغة؛ التي كانت في لسانه. وإنما عابه بذلك لما كان عليه أولا، واللثغة التي كانت في لسانه حصلت من الجمرة التي التقمها، وذلك: أن موسى ربّي في حجر فرعون، فكان يلاعبه ذات يوم، فلطم موسى فرعون لطمة على وجهه، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لامرأته آسية بنت مزاحم-وهي بنت عم موسى-: إن هذا عدوي. وأراد قتله، فقالت له آسية-عليهاالسّلام-: إنه صبي لا يعقل، جربه؛ إن شئت، فجاءت بطستين، في أحدهما جمرة، وفي الآخر جوهرة. وقيل: تمر، فوضعتهما بين يدي موسى؛ وفرعون ينظر، فأراد أن يأخذ الجوهرة، فأخذ جبريل ﵇ يد موسى، فوضعها على الجمر، فأخذ جمرة، فوضعها في فمه، فاحترق لسانه، وصارت فيه عقدة، وقد سأل الله تعالى أن يحل هذه العقدة؛ حيث قال في سورة (طه): ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ انظر الآية رقم [٢٨] هناك تجد ما يسرّك.\nتنبيه: كاد، يكاد: فعل يدل على وقوع مقاربة الفعل بعدها، ولذا لم تدخل عليه «أن» لأنها تخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليه حرف النفي؛ دلّ على أن الفعل بعده وقع، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٧١]: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإذا لم يدخل عليه حرف نفي لم يكن الفعل بعده واقعا، ولكنه قارب الوقوع. وفعله واوي العين، فيكاد وزنه: يكود، كيعلم، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، فصار: يكاد، بوزن: يخاف. و«كاد» أصله: كود بكسر الواو، كخوف، ومصدره الكود، كالخوف، وهذا في كاد يكاد الناقصة وأما «كاد» التامة، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي كباع، ومصدره:\nالكيد، كالبيع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول قوله تعالى في سورة (النور):\n ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ..﴾. إلخ، والآية التي نحن بصدد شرحها، ومن الثاني قوله تعالى في سورة (يوسف): ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ وقوله جلّ ذكره في سورة الطارق: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ومعنى الأول المقاربة، ومعنى الثاني المكر، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تام التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4003>فائدة:</span>\nقد تأتي «كاد» بمعنى: أراد، قاله محب الدين الخطيب، شارح شواهد الكشاف، وجعل منه قول الراقدة الأودي: [البسيط]\nوالبيت لا يبتنى إلاّ بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\nفإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا","vol":"8","page":618},{"text":"أي: الذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [الكامل]\nكدنا وكدت وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى\nأي: أردنا وأردت، دليله: «خير إرادة»\nتنبيه: شاع على الألسن أن نفي «كاد». إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعري بقوله: [الطويل] أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة؟ ... جرت في لساني جرهم وثمود\nإذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود\nفأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك، صاحب الألفية بقوله: [الطويل] نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود\nوفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها فالعلم غير بعيد\nوقد اتفقت كلمة النحاة على أنّ (كاد، يكاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن، ومتشابه. انظر الشاهد [١١٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والأشموني وغيرهما، وها أنذا أسوق لك ما ذكره السيوطي رحمه تعالى في كتابه (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك. قال-رحمه الله تعالى-: والتحقيق: أنّها كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلاّ أنّ معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أنّ من لم يقارب الفعل، لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: (كاد زيد يقوم) معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة، إلاّ أنه لم يضيء، وقولك: (لم يكد زيد يقوم) معناه: لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي:\nلا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه، وعلى هذا الزجاجي وغيره، وذهب قوم منهم ابن جني إلى أنّ نفيها يدلّ على وقوع الفعل ببطء لآية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإنهم فعلوا بعد بطء. والجواب:\nأنّها محمولة على وقتين؛ أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾. انتهى.\nوقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنّه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا بعداء عن ذبحها، بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ هذَا:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾ والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بدلا من","vol":"8","page":619},{"text":"اسم الإشارة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ مَهِينٌ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَكادُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿يُبِينُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿يَكادُ﴾. والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وأجيز اعتبارها مستأنفة. ولا تنس: أنّ الآية بكاملها من مقول فرعون.\n\n<span id=\"aya-4378\"></span>﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿فَلَوْلا:﴾ هلا. ﴿أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ:﴾ إنما قال ذلك؛ لأنه كان عادة الوقت وزي أهل الشرف. قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: كانوا إذا سووا رجلا؛ سوروه بسوارين، وطوقوه بطوق من ذهب علامة لسيادته. فقال فرعون: هلا ألقى رب موسى عليه أساورة من ذهب إن كان صادقا؟! ﴿أَوْ جاءَ مَعَهُ..﴾. إلخ؛ متتابعين، يعاونونه على من خالفه؟! والمعنى: هلا ضمّ إليه الملائكة التي يزعم أنها من عند ربه، حتى يتكثر بهم، ويصرفهم على أمره ونهيه، فيكون ذلك أهيب في القلوب؟! فأوهم قومه: أنّ رسل الله ينبغي أن يكونوا كرسل الملوك في الشاهد، ولم يعلم أنّ رسل الله إنما أيدوا بالجنود السماوية، وكل عاقل يعلم: أنّ حفظ الله موسى مع تفرده، ووحدته من فرعون مع كثرة أتباعه، وإمداد موسى بالعصا واليد البيضاء أبلغ من أن يكون له أسورة، أو ملائكة يكونون معه أعوانا. وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى؛ لأنّه لا يؤمن بالملائكة من لا يعرف خالقهم. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وأسورة: جمع: سوار، كخمار، وأخمرة، وقرأ أبي: «(أساور)» جمع: إسوار، وابن مسعود:\n «(أساوير)» وقرأ الباقون «(أساورة)» جمع: أسورة، فهو جمع الجمع.\nالإعراب: ﴿فَلَوْلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض. ﴿أُلْقِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَسْوِرَةٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مِنْ ذَهَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذَهَبٍ﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعل:\n ﴿جاءَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مُقْتَرِنِينَ:﴾ حال من: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء. والآية بكاملها من مقول فرعون.\n<span id=\"aya-4379\"></span>﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ:﴾ فاستجهل قومه. ﴿فَأَطاعُوهُ:﴾ انقادوا له لخفة أحلامهم، وقلة عقولهم، يقال: استخفه الفرح؛ أي: أزعجه، واستخفه: أي: حمله على الجهل، ومنه قوله","vol":"8","page":620},{"text":"تعالى في سورة (الروم) رقم [٦٠]: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ:﴾ كافرين، خارجين عن طاعة الله.\nهذا؛ وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها. والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها. فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولا بس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك، فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتصديق، الذي هو مسمى الإيمان.\nهذا؛ وقال الزمخشري: الفسوق: الخروج من الشيء، والانسلاخ منه. يقال: فسقت الرطبة عن قشرها. ومن مقلوبه: فقست البيضة إذا كسرتها، وأخرجت ما فيها. ومن مقلوبه أيضا: فقست الشيء: إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصبا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد، والانسلاخ من الحق. قال رؤبة: [الرجز]\nفواسقا عن قصدها جوائرا\nالإعراب: ﴿فَاسْتَخَفَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (استخف)؛ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿فِرْعَوْنُ،﴾ تقديره: «هو». ﴿قَوْمَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَأَطاعُوهُ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمًا:﴾ خبر (كان). ﴿فاسِقِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمًا،﴾ وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّهُمْ،﴾ والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها تعليلية.\n\n<span id=\"aya-4380\"></span>﴿فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا آسَفُونا:﴾ أسخطونا، وأغضبونا بالإفراط في العناد، والعصيان، منقول من: أسف: إذا اشتد. والمراد: بغضب الله، وأسفه: إرادة الانتقام، وهو قوله: ﴿اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾. وقال عمر بن ذر: يا أهل المعاصي لا تغتروا بطول حلم الله عنكم، واحذروا أسفه، فإنه قال: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ:﴾ وكان ذلك في البحر الأحمر حين لحقوا ببني إسرائيل، كما رأيت في سورة (الشعراء).\nقال المفسرون: اغترّ فرعون بالعظمة، والسلطان، والأنهار التي تجري من تحته، فأهلكه الله بجنس ما تكبر به هو، وقومه، وذلك بالغرق بماء البحر. وفيه إشارة إلى أنّ من تعزز بشيء","vol":"8","page":621},{"text":"أهلكه الله به. وقد رأينا من تعزز بأولاده فكانوا وبالا عليه بعقوقهم له، ومن تعزز بما له كان هلاكه بسببه.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿آسَفُونا:﴾\nماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿اِنْتَقَمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها جواب (لما)، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة: ﴿اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ ومفسرة لها. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب مع الميم، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-4381\"></span>﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يعني: جعلنا المتقدمين الماضين من فرعون، وقومه عبرة، وموعظة لمن يجيء بعدهم، ومثلا يضرب بهم الأمثال، ويقال: مثلكم مثل قوم فرعون.\nالإعراب: ﴿فَجَعَلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله الأول. ﴿سَلَفًا:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لا محلّ لها مثلها. ﴿وَمَثَلًا:﴾ معطوف على:\n ﴿سَلَفًا﴾. ﴿لِلْآخِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ل: (مثلا) وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n<span id=\"aya-4382\"></span>﴿وَلَمّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾\nالشرح: لما قرأ رسول الله ﷺ على قريش قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٩٨]:\n ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ امتعضوا امتعاضا شديدا، فقال عبد الله بن الزّبعرى: يا محمد! أخاصة لنا، ولآلهتنا، أم لجميع الأمم، فقال النبي ﷺ: «هو لكم، ولآلهتكم، ولجميع الأمم». فقال: خصمتك ورب الكعبة! ألست تزعم: أنّ عيسى ابن مريم نبي، وتثني عليه خيرا، وعلى أمه، وقد علمت: أن النصارى يعبدونهما، وعزير يعبد، والملائكة يعبدون؛ فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن، وآلهتنا معهم! ففرحوا، وضحكوا، وسكت النبي ﷺ فأنزل الله تعالى في سورة (الأنبياء) الآية رقم [١٠١]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزّبعرى عيسى ابن مريم مثلا، وجادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى إياه ﴿إِذا قَوْمُكَ﴾ قريش من هذا المثل ﴿يَصِدُّونَ﴾ ترتفع لهم جلبة، وضجيج فرحا، وجذلا، وضحكا بما سمعوا منه من إسكات","vol":"8","page":622},{"text":"رسول الله ﷺ بجدله، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعيّوا بحجة، ثم فتحت عليهم. وأما من قرأ: «(يصدون)» بالضم، فمن الصدود؛ أي: من أجل هذا المثل يصدون عن الحق، ويعرضون عنه. وقيل: من الصديد، وهو الجلبة، وأنهما لغتان، نحو: يعكف، ويعكف، ولهما نظائر.\nانتهى. كشاف بتصرف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧]. هذا؛ ولو عقل ابن الزبعرى آية الأنبياء السابقة لما فرح؛ لأن (ما) لغير العاقل. وروي: أنّ النبي ﷺ قال له: «ما أجهلك بلغة قومك أما تعلم: أن «من» للعاقل و«ما» لغيره».\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿ضُرِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اِبْنُ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، و﴿اِبْنُ﴾ مضاف، و﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي. ﴿مَثَلًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة «لما» إليها، على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبار (لمّا) حرفا؛ لأنها ابتدائية. ﴿إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ انظر: ﴿إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ في الآية رقم [٤٧] فالإعراب لا يتغير.\n\n<span id=\"aya-4383\"></span>﴿وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون: محمدا ﷺ، فنعبده، ونطيعه، ونترك آلهتنا. وقيل: معنى ﴿أَمْ هُوَ﴾ يعني: عيسى، فهم يعنون: أنّ آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، وإذا كان عيسى من حصب النار؛ كان أمر آلهتنا هينا. ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا﴾ أي: إلاّ لأجل الجدل، والغلبة في القول، لا لطلب التمييز بين الحق، والباطل. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ:﴾ لدّ شدّاد الخصومة، دأبهم اللجاج، والجدال بالباطل، كقوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٩٧]: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. فعن أبي أمامة الباهلي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه، إلاّ أوتوا الجدل». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. أخرجه الترمذي.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿أَآلِهَتُنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (آلهتنا): مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿خَيْرٌ:﴾\nخبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل للهمزة.\n ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: أم هو خير، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وقيل:\nالضمير معطوف على: (آلهتنا) عطف مفرد على مفرد، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على (لما)، ومدخولها لا محلّ لها مثله.","vol":"8","page":623},{"text":"(ما): نافية. ﴿ضَرَبُوهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿جَدَلًا:﴾ مفعول لأجله. وقيل: هو مصدر في موضع الحال؛ أي:\nمجادلين. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿خَصِمُونَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-4384\"></span>﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩)﴾\nالشرح أي: ما عيسى إلاّ عبد أنعم الله عليه بالنبوة، وجعله مثلا لبني إسرائيل؛ أي: آية، وعبرة يستدل بها على قدرة الله تعالى، فإن عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- خلق من غير أب، ثم أيده الله بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، والأسقام كلها ما لم يجعل لغيره في زمانه، مع أن بني إسرائيل كانوا يومئذ خير الخلق، وأحبهم إلى الله ﷿، والناس دونهم، ليس أحد عند الله ﷿ مثلهم. وقد برع الناس في الطب في عهده، ولكنهم لم يقدروا على مثل ما أيده الله به.\nهذا؛ وخذ حياة عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فإنه لما بلغ من العمر ثمانية أيام حملته أمه إلى الهيكل فختن، وسمته: يسوع-يعني عيسى-كما أمرها جبريل حين بشّرها به. والختان من سنن الأنبياء، وهو من الفطرة، وهو شريعة سائر الأنبياء والمرسلين من عهد إبراهيم، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد جاء في إنجيل برنابا ما يدلّ على ختان عيسى، فلما تمت الأيام الثمانية حسب شريعة الرب، كما هو مكتوب في كتاب موسى؛ أخذا الطفل، واحتملاه إلى الهيكل؛ ليختناه، فختنا الطفل، وسمياه: يسوع، كما تسمّى من الملاك قبل أن حبل به في الرحم.\nونشأ عيسى ﵇ في كنف أمه بعيدين عن بيت لحم في ربوة مرتفعة، ذات استقرار، وأمن، وماء معين، كما قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٥٠]: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾. انتهى. «النبوة والأنبياء» للصابوني. هذا؛ والضمير في:\n «أخذا» وما بعده أرى أنه يعود إلى مريم، ويوسف النجار، الذي لزمها منذ ظهر حملها كما ذكر ذلك الصابوني نفسه.\nهذا؛ و﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو نبي الله يعقوب، ومعناه بالعبرانية: صفوة الله، أو عبد الله، ف: «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و«إيل» هو الله، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وقد ولد يعقوب في حياة جده إبراهيم، وهو النافلة؛ التي امتنّ الله بها على إبراهيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ رقم [٧٢] من سورة","vol":"8","page":624},{"text":"(الأنبياء)، ولقد وجدت في كثير من المراجع الموجودة عندي: أن يعقوب كان توأما مع أخ له، اسمه: عيصو في بطن واحد، فعند خروجهما من بطن أمهما تزاحما، وأراد كل منهما أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيصو ليعقوب: إن لم تدعني أخرج قبلك، وإلاّ خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه على أمه، فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين، والله أعلم بحقيقة ذلك.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿عَبْدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَنْعَمْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿عَبْدٌ﴾. ﴿وَجَعَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿مَثَلًا:﴾\nمفعول به ثان. ﴿لِبَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مَثَلًا،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(بني) مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n\n<span id=\"aya-4385\"></span>﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ:﴾ خطاب لقريش؛ أي: فنحن أغنياء عنكم، وعن عبادتكم، بل لو نشاء؛ لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم في الأرض ملائكة مكرمين يعمرونها، ويعبدوننا. فهذا تهديد، وتخويف لقريش. هذا؛ وفي (من) أقوال: أحدها: أنها بمعنى: بدل؛ أي: لجعلنا بدلكم، ومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٨]: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ والثاني: وهو المشهور: أنها تبعيضية. قال أبو البقاء: وقيل: المعنى: لحولنا بعضكم ملائكة. وقال ابن عطية: لجعلنا بدلا منكم.\nوقيل المعنى: لو نشاء لجعلنا من الإنس ملائكة، وإن لم تجر العادة بذلك، وجملة القول:\nلو نشاء لأسكنا الأرض الملائكة، وليس في إسكاننا إياهم السماء شرف حتى يعبدوا، أو يقال لهم: بنات الله، ومعنى ﴿يَخْلُفُونَ﴾ يخلف بعضهم بعضا. قاله ابن عباس﵄-.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿نَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، على أنهما مفعوله الأول، وقد رأيت: أن (من) بمعنى: بدل، أو بعض. ﴿مَلائِكَةً:﴾ مفعوله الثاني، والجملة","vol":"8","page":625},{"text":"الفعلية جواب (لو)، لا محلّ لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿يَخْلُفُونَ﴾ في محل نصب صفة: ﴿مَلائِكَةً﴾.\n\n<span id=\"aya-4386\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاِتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ:﴾ قال الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير: يريد: القرآن؛ لأنّه يدل على قرب مجيء الساعة، أو به تعلم الساعة، وأهوالها، وأحوالها. وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وقتادة في قول له آخر: إنه خروج عيسى ﵇، وذلك من أعلام الساعة؛ لأنّ الله ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، كما أنّ خروج الدجال من أعلام الساعة. هذا؛ وقرئ: «(لعلم للساعة)» بفتح اللام، والعين؛ أي: أمارة، وعلامة. ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها:﴾ فلا تشكن فيها، وإعلاله مثل إعلال: (ليقولن) في الآية رقم [٩]. ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ أي:\nواتبعوا هداي، أو شرعي، أو رسولي. وقيل: هو قول الرسول ﷺ أمر أن يقوله. ﴿هذا صِراطٌ:﴾ طريق. ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ قويم إلى الله لا اعوجاج فيه، لا يضل سالكه، وإعلاله مثل إعلال (مقيم) في الآية رقم [٤٥] من سورة (الشورى).\nتنبيه: (الساعة): القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلاّ الله ﵎. وقيل: سميت: ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأنّ حساب الخلائق يوم القيامة، يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾.\nولا تنس: أن ساعة كل إنسان، وقيامته وقت مقدمات موته، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ: «من مات فقد قامت قيامته». وقيل: سميت الساعة بذلك؛ لأنّها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، وقد ثبت أن لقيام الساعة علامات، وهي صغرى وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك ما هو واقع، ومشاهد الآن.\nأمّا العلامات الكبرى فخذها بما يلي: فعن حذيفة بن أسيد الغفاري﵁قال:\nطلع علينا رسول الله ﷺ، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نتذاكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم». أخرجه مسلم.\nأقول: ما ذكر في الحديث الشريف، بعضه من علاماتها، وبعضه من مبادئها، كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك يغلق باب التوبة، ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن","vol":"8","page":626},{"text":"آمنت من قبل. انظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأنعام). وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧ و١٨] من سورة (الشورى) فإنه جيد.\nتنبيه: وردت أحاديث كثيرة بشأن عيسى ﵇، أكتفي منها بما يلي: فعن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لينزلنّ عيسى ابن مريم حكما عادلا، فليكسرنّ الصليب، وليقتلنّ الخنزير، وليضعنّ الجزية، ولتتركنّ القلاص، فلا يسعى عليها أحد، ولتذهبنّ الشحناء، والتباغض، والتحاسد، وليدعونّ إلى المال، فلا يقبله أحد». أخرجه مسلم، وابن ماجه.\nوذكر الثعلبي، والزمخشري، وغيرهما من حديث أبي هريرة﵁أنّ النبي ﷺ، قال: «ينزل عيسى ابن مريم ﵇ من السماء على ثنية من الأرض المقدسة، يقال لها:\nأفيق بين ممصّرتين، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة، يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس، والناس في صلاة العصر، والإمام يؤمّ بهم، فيتأخر الإمام، فيقدمه عيسى، ويصلي خلفه على شريعة محمد ﷺ، ثم يقتل الخنازير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع، والكنائس، ويقتل النصارى؛ إلاّ من آمن به».\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد». متفق عليه، وفي رواية لأبي داود: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس بيني وبين عيسى نبيّ، وإنه نازل فيكم، فإذا رأيتموه؛ فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة، والبياض، ينزل بين ممصّرتين، كأنّ رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل النّاس على الإسلام، فيدقّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله تعالى في زمانه الملل كلّها إلاّ الإسلام، ويهلك الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفّى، ويصلّي عليه المسلمون». وروي أنّه يتزوج ويولد له ولدان، يسمي أحدهما: موسى، والآخر: محمدا.\nوفي صحيح مسلم: «فبينما هو-يعني المسيح الدجال-إذ بعث الله عيسى ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق بين مهرودتين-شقتين، أو حلتين-واضعا كفيه على أجنحة ملكين؛ إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلاّ مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لدّ، فيقتله». وروى خالد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «الأنبياء إخوة لعلاّت، أمهاتهم شتّى، ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي، وإنه أول نازل، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام».\nأما الدجّال؛ فهو بشر من بني آدم، يخرج في آخر الزمان عند غلاء الأسعار، وكثرة الفجور، وسفك الدماء، يبتلي الله به عباده، ويقدره على أشياء تدهش العقول، وتحيّر الألباب،","vol":"8","page":627},{"text":"يعثر بها بعض العباد، ويثبت الله من سبقت له السعادة، كإحياء الميت الذي يقتله، ومعه جبل من خبز، وجبل من أنواع الفواكه، وأرباب الملاهي يضربون بين يديه بالطبول، والعيدان، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ومعه جنة، ونار، فناره جنة، وجنته نار، ويظهر الخصب على يديه، فيقول للسماء: أمطري، فتمطر، وللأرض أنبتي، فتنبت، ويقود وراءه نهرين من ماء، فيطعم، ويسقي من آمن به، وإلاّ قتله، وقال: أنا ربكم.\nوهو مطموس العين كأن عينه عنبة طافية، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن، فيخرج على حمار، ويتناول السماء بيده، ويخوض البحر إلى كعبيه، ويستظل بإذن حماره خلق كثير.\nويمكث في الأرض أربعين يوما، كما ورد في حديث شريف عن النواس بن سمعان، قال:\nذكر رسول الله ﷺ الدجال، ولبثه في الأرض أربعين يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فيتبعه اليهود، ويصدقونه، فهم ينتظرون الدجال، كما ينتظر المؤمنون المهدي، فإذا أراد الله هلاكه، وهلاك من معه؛ دفع به إلى ناحية دمشق، فيلتقي به المهدي بعسكره، فيقتل من أصحابه ثلاثين ألفا، فينهزم الدجال، ثم يهبط عيسى ﵇ إلى الأرض، وهو متعمم بعمامة خضراء، متقلّد بسيف، راكب على فرس، وبيده حربة، فيأتي إليه، فيطعنه بها، فيقتله، وينهزم اليهود الذين معه، ويقتلون قتلا عظيما. ويروى: أن المسلم يطلب اليهودي، فيستتر بحجر، أو شجرة، فيناديه الحجر، والشجرة: يا ولي الله! هلمّ هذا عدوّ الله مستتر بي تعال، فاقتله! وهذا يشير إلى أنّ القتال يكون في السيف يومئذ.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿لَعِلْمٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (علم): خبر (إنّ). ﴿لِلسّاعَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (علم)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب بقوله (جعلناه) والرابط: الواو، والضمير، وعليه فالآية: ﴿وَلَوْ نَشاءُ..﴾. إلخ معترضة بين الحال، وصاحبها.\nهذا؛ والحالية أقوى من الاستئناف. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَمْتَرُنَّ:﴾\nفعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، أو واقعا؛ فلا تمترن. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَاتَّبِعُونِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محلّ له. ﴿صِراطٌ:﴾ خبره. ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليلية، لا محلّ لها.\nهذا؛ وجملة: ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقل لهم:\nاتبعون، وهذا على الوجه الثاني في الشرح.","vol":"8","page":628},{"text":"<span id=\"aya-4387\"></span>﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ:﴾ ولا يصرفنكم الشيطان عن توحيد الله، وعبادته بأن تغتروا بوساوسه، وزخارفه. والخطاب في هذه الآية وسابقتها يشمل الكافرين، والمؤمنين، بل هو بالمؤمنين أليق؛ لأنهم يعلمون عداوة الشيطان لهم أكثر من الكافرين. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ:﴾\nعداوته لكم ثابتة من قديم الأزل؛ حيث أخرجكم من الجنة، وعرّضكم للبلية؛ بسبب إخراجه أباكم من الجنة.\nهذا؛ و﴿عَدُوٌّ﴾ ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى: فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن في سورة (الشعراء) يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلاّ لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فقد عبّر به عن مفرد، وقال تعالى في سورة (الشعراء) حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ فقد عبّر به عن جمع، كما هو واضح، ومثل ذلك صديق، كما في قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٦١]: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وأيضا ﴿ظَهِيرٌ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (التحريم): ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾.\nوجمع عدو: أعداء وأعاد، وعدات وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع.\nوفي القاموس المحيط: والعدا بالضم، والكسر: اسم الجمع. هذا؛ وسمي العدو عدوا لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك، كما سمي الصديق صديقا لصدقه فيما يدعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبة.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف- (لا): ناهية. ﴿يَصُدَّنَّكُمُ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محلّ له، وهو في محل جزم ب: (لا) الناهية، والكاف مفعوله. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَدُوٌّ﴾ أو ب: ﴿مُبِينٌ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر: (إن). ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4388\"></span>﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، وخلق الطير، والمائدة، وغيرها، والإخبار بكثير من الغيوب. ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: بالنبوة، أو بالإنجيل، أو بالشريعة. والحكمة علم ما يؤدي إلى الجميل، ويكف","vol":"8","page":629},{"text":"عن القبيح، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٩]: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ،﴾ وقال في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾. ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ:﴾ قال مقاتل: هو كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٥٠]: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ما أحلّ في الإنجيل مما كان محرما في التوراة، كلحم الإبل، والشحم من كل حيوان، وصيد السمك يوم السبت. وقال البيضاوي تبعا للزمخشري: هو ما يكون من أمر الدين، لا ما يتعلق بأمر الدنيا، فإن الأنبياء، لم تبعث لبيانه، ولذلك قال النبي ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». انتهى.\nوالمراد: ما يتعلق بالزراعة، والحرف، والصناعات. أما ما يتعلق بالسياسة، وتنظيم الجيوش، وإعداد القوة التي ترهب أعداء الله، وأعداءنا؛ فإن هذا من الأمور الدينية الأخروية بلا شك.\n ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: اتقوا الشرك، واعبدوا الله وحده، مخلصين له الدين، وإذا كان هذا قول عيسى، فكيف يكون إلها، أو ابن إله، ألا ساء ما يأفكون. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ فيما أدعوكم إليه من التوحيد، وعبادة الله. هذا؛ وعيسى بالعبرية: يسوع، وقال أبو البقاء: مأخوذ من العيس، وهو بياض يخالطه شقرة، ومنه قيل للإبل البيض: عيس، واحدها: بعير أعيس، وناقة عيساء. قال امرؤ القيس: [الطويل]\nيرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه... كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا\nالعيط: جمع عيطاء، وهي الناقة الفتية؛ التي لم تحمل.\nالإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [٣٠]. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿عِيسى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿عِيسى﴾.\n ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق. ﴿جِئْتُكُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله ومفعوله. ﴿بِالْحِكْمَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محلّ لها. ﴿وَلِأُبَيِّنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لأبين):\nفعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على ما قبلهما، وإن شئت قدر: وجئتكم للتبيين. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿تَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِيهِ:﴾\nمتعلقان به. ﴿فَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير:","vol":"8","page":630},{"text":"وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا فاتقوا. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والجملة الشرطية المقدرة مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4389\"></span>﴿إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ:﴾ خالقي، وخالقكم، ورازقي، ورازقكم، المستحق للعبادة، والطاعة. ﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾ وحده، بل وأفردوه في العبادة، لا تشركوا معه أحدا. ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق لا اعوجاج فيه، ولا انحراف، وما سواه معوج لا يؤدي سالكه إلى الحق. قال البيضاوي: الإشارة إلى مجموع الأمرين، وهو تتمة كلام عيسى، صلّى الله على نبينا، وعليه وسلم، أو استئناف من الله يدل على ما هو المقتضي للطاعة، والعبادة. هذا؛ والآية مذكورة في سورة (آل عمران) برقم [٥١]، وفي سورة (مريم) برقم [٣٦].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبِّي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول؛ إن كانت من تتمة كلام عيسى، ومستأنفة على اعتبارها مبتدأة من كلام الله تعالى، والأول هو الأرجح عندي بدلالة الكلام السابق، وبقرينة الآيتين اللتين ذكرتهما في (آل عمران) وسورة (مريم). ﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اعبدوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا؛ فاعبدوه. ﴿هذا:﴾ مبتدأ.\n ﴿صِراطٌ:﴾ خبره. ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ صفة: ﴿صِراطٌ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n<span id=\"aya-4390\"></span>﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فاليهود قالوا: هو ساحر وابن زنى، والنصارى ثلاث فرق: قالت النسطورية منهم: هو ابن الله. وقالت الملكانية: ثالث ثلاثة. وقالت","vol":"8","page":631},{"text":"اليعقوبية: هو الله. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (التوبة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. فأفرطت النصارى، وغلت، وفرطت اليهود، وقصّرت، أما المسلمون؛ فقد قالوا الحق: إنما هو عبد الله، وكلمته.\nهذا؛ و﴿الْأَحْزابُ﴾ جمع: حزب، وهو في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم، يعني: أهمهم، وكل قوم تشاكلت قلوبهم، وأعمالهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضا. وحزب الشيطان: هم المتبعون وساوسه، وزخارفه، ودعوته إلى الشر والفساد. وحزب الله: هم المتبعون أوامره، المنتهون عن مناهيه. قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٥٣]، وفي سورة (الروم) رقم [٣٢]: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.\n ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا، وظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي. ﴿مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي: أليم عذابه، ومثله: ليل نائم؛ أي: ينام فيه. هذا؛ و(ويل) كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة: العذاب، والهلاك. وقال ابن عباس﵄-:\nالويل: شدّة العذاب. يقال: ويله، وويلك، وويلي. وفي الندبة: ويلاه. وتقول: ويل لزيد، وويلا لعمرو، فالرفع على الابتداء، والنصب على إضمار الفعل، هذا إذا لم تضفه، وأمّا إذا أضفته؛ فليس إلاّ النصب؛ لأنّك لو رفعته؛ لم يكن له خبر بخلافه في قول الأعشى، وهو البيت رقم [٢١] من معلقته: [البسيط]\nقالت هريرة لمّا جئت زائرها... ويلي عليك وويلي منك يا رجل\nوقال واصل بن عطاء-رحمه الله تعالى-: الويل: واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال؛ لماعت من شدة حره. وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذي. هذا؛ والويل مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأنّ فاءه، وعينه معتلتان، ومثله: ويح، وويس، وويب، وهو لا يثنى، ولا يجمع. وقيل: يجمع على: ويلات بدليل قول امرئ القيس في معلّقته رقم [١٨]: [الطويل]\nويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت لك الويلات إنّك مرجلي\nوإذا أضيفت هذه الأسماء؛ فالأحسن النصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف؛ فالأحسن فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وساغ ذلك لتضمنها معنى خاصا.\nهذا؛ وويل نقيض: وأل، وهو النجاة. وقد ينادى الويل إذا أضيف لياء المتكلم، أو نا، وسبقته أداة النداء مثل قوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:\n ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ رقم [٧٢]، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الكافرين يوم القيامة: ﴿يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ رقم [٤٩]. ولا تنس: أنه","vol":"8","page":632},{"text":"قد أنّث الويل في الآيتين المذكورتين، وأيضا في الآية رقم [٣١] سورة (المائدة) ورقم [٢٨] من سورة (الفرقان)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَاخْتَلَفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اختلف): فعل ماض. ﴿الْأَحْزابُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿بَيْنِهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من: ﴿الْأَحْزابُ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَوَيْلٌ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ويل): مبتدأ سوغ الابتداء به، وهو نكرة الدعاء؛ لأنّه من المسوغات، سواء أكان له، أو عليه... إلخ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (ويل) بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلقا ب: (ويل) لأجل الفصل. انتهى. عكبري. وقال أبو السعود: متعلقان به على معنى: يولولون، ويضجون منه. والأول أولى. انتهى. من سورة (مريم). وقال الجمل هنا:\nالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو حال؛ أي: حال كونه كائنا من عذاب يوم القيامة، لا من عذاب الدنيا. و﴿عَذابِ:﴾ مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة:\n ﴿عَذابِ،﴾ والجملة الاسمية: (ويل...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4391\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ﴾ أي: ما ينتظرون، يعني: أهل مكة، أو ما ينتظر الأحزاب إلاّ إتيان الساعة، وهم ما كانوا منتظرين لذلك، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر؛ شبهوا بالمنتظرين. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وهم غافلون؛ لاشتغالهم بأمر دنياهم، كقوله تعالى في سورة (يس): ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ هذا؛ والشعور: إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته.\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿السّاعَةَ:﴾ مفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَأْتِيَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿السّاعَةَ،﴾ و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بدل من: ﴿السّاعَةَ﴾ بدل اشتمال. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال بمعنى: باغتة. هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وذهب الأخفش، والمبرد إلى أنه منصوب على المصدرية، والعامل فيه محذوف، والتقدير: تبغتهم بغتة، فالجملة الفعلية عندهما هي الحال من فاعل: ﴿تَأْتِيَهُمْ،﴾ لا ﴿بَغْتَةً﴾ وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب","vol":"8","page":633},{"text":"على المصدرية، كما ذهبا إليه، لكن الناصب له عندهم الفعل المذكور، وهو: ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ لتأوله بفعل من لفظ المصدر، والتقدير: تأتيهم آتية. انتهى. شرح ابن عقيل. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nومصدر منكّر حالا يقع... بكثرة كبغتة زيد طلع\nوهو تعبير عن مذهب سيبويه، والجمهور. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ.\n ﴿إِلاَّ:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: لا يشعرون بإتيانها.\nوالجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4392\"></span>﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾\nالشرح: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم القيامة، و﴿الْأَخِلاّءُ:﴾ جمع خليل، وهو الصديق الذي صفت مودته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضبي: [الوافر]\nأخوك أخوك من يدنو وترجو... مودّته وإن دعي استجابا\nإذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا\nوهو معدوم في هذا الزمن، الذي فسد أهله، وصاروا خلاّ ودودا، كما قال القائل: [الوافر]\nسألت الناس عن خلّ ودود... فقالوا الناس من خلّ ودود\nفقلت أليس فيهم ذو وفاء؟ ... فقالوا كان ذلك في الجدود\nاحفظ البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التام، لذا فإنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال القائل، وهو صفي الدين الحلّي: [الكامل]\nقد قيل إن المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي\n ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ أي: أعداء، يعادي بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، وذلك لانقطاع العلق الدنيوية التي كانت بينهم على معصية الله، ومحاربة الله ورسوله؛ لأنّ كل صداقة ومحبة مبنية على ذلك نتيجتها العداوة، والبغضاء في الدنيا، وفي الآخرة، وكل صداقة مبنية على طاعة الله وطاعة رسوله، فإنها تدوم، وتصفو، كما قال علي﵁-: [الوافر]\nوكلّ محبة لله تصفو... ولا يصفو على الفسق الإخاء","vol":"8","page":634},{"text":"هذا؛ وقد قال الرسول ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة﵁-: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وقال: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». ورحم الله من يقول في ذلك: [البسيط]\nإن القلوب لأجناد مجندة... قول الرسول فمن ذا فيه يختلف؟\nفما تعارف منها، فهو مؤتلف... وما تناكر منها، فهو مختلف\nوفي معنى الحديث الأول يقول طرفة بن العبد في معلقته رقم [١١٥]: [الطويل]\nعن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي\nإذا كنت في قوم فصاحب خيارهم... ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدي\n ﴿إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: فإن خلتهم، وصداقتهم لما كانت في الله تبقى نافعة أبد الآبدين.\nهذا؛ وذكر الإمام علي﵁، وكرّم الله وجهه-في هذه الآية، فقال: كان خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين، فقال: يا رب! إنّ فلانا كان يأمرني بطاعتك، وطاعة رسولك، وكان يأمرني بالخير، وينهاني عن الشر، ويخبرني: أنّي ملاقيك، يا رب! فلا تضله بعدي، واهده كما هديتني، وأكرمه كما أكرمتني، فإذا مات خليله المؤمن جمع الله بينهما، فيقول الله تعالى: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول: يا رب! إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير، وينهاني عن الشر، ويخبرني: أني ملاقيك، فيقول الله تعالى:\nنعم الخليل، ونعم الأخ، ونعم الصاحب كان!.\nويموت أحد الكافرين، فيقول: يا رب! إنّ فلانا كان ينهاني عن طاعتك، وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر، وينهاني عن الخير، ويخبرني: أني غير ملاقيك، فأسألك: يا رب أن لا تهديه بعدي، وأن تضله كما أضللتني، وأن تهينه كما أهنتني، فإذا مات خليله الكافر؛ قال الله تعالى لهما: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول: يا رب! إنه كان يأمرني بمعصيتك، ومعصية رسولك، ويأمرني بالشرّ، وينهاني عن الخير، ويخبرني: أني غير ملاقيك، فأسألك أن تضاعف له العذاب، فيقول الله تعالى: بئس الصاحب، والأخ، والخليل كنت! فيلعن كل واحد منهما صاحبه. انتهى. قرطبي، وخازن. أقول: وهو كقوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٥] حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] وما بعدها من سورة (الفرقان) فهناك بحث جيد يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿الْأَخِلاّءُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿عَدُوٌّ،﴾ و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة؛","vol":"8","page":635},{"text":"إذ التقدير: يوم إذ تأتيهم الساعة... إلخ. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَدُوٌّ﴾ أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال منه، والأول أقوى، وأولى. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿الْأَخِلاّءُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾\nمستثنى بإلا منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n\n<span id=\"aya-4393\"></span>﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾\nالشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قال مقاتل، ورواه المعتمر بن سليمان عن أبيه:\nينادي مناد في العرصات-أي: عرصات يوم القيامة حين يبعث الناس ويفزعون-: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ،﴾ فيرفع أهل العرصة-أهل الموقف-رؤوسهم، فيقول المنادي: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فينكس أهل الأديان رؤوسهم غير المسلمين. وذكر المحاسبي في الرعاية، وقد روي في هذا الحديث: أنّ المنادي ينادي يوم القيامة: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ..﴾. إلخ فيرفع الخلائق رؤوسهم، يقولون: نحن عباد الله. ثم ينادي الثانية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا..﴾. إلخ فينكس الكفار رؤوسهم، ويبقى الموحدون رافعي رؤوسهم. ثم ينادي الثالثة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فينكس أهل الكبائر رؤوسهم، ويبقى أهل التقوى رافعي رؤوسهم، قد أزال عنهم الخوف والحزن، كما وعدهم؛ لأنّه أكرم الأكرمين، لا يخذل وليه، ولا يسلمه عند الهلكة. انتهى. وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة:\nأين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلّهم في ظلّي، يوم لا ظلّ إلاّ ظلّي». رواه مسلم. وعن عبادة بن الصامت﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يأثر عن ربه ﵎ يقول: «حقت محبّتي للمتحابّين فيّ، وحقّت محبّتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبّتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبّتي للمتباذلين فيّ». رواه الإمام أحمد.\nوعن عمر بن الخطاب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء، والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله». قالوا:\nيا رسول الله! فخبرنا من هم؟ قال: «هم قوم تحابّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فو الله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ»﴾. رواه أبو داود. هذا؛ والفعل: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في هذه الآية من باب: فرح، وطرب، فهو لازم. ويأتي من باب: دخل، وقتل، فيكون متعديا، كما يكون متعديا إذا أتى من الرباعي.","vol":"8","page":636},{"text":"الإعراب: ﴿يا عِبادِ:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (عباد): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقرئ بإثبات الياء: «(يا عبادي)». ﴿لا:﴾\nنافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال «ليس»؛ لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ وقيل: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿الْيَوْمَ:﴾ متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له؛ لأنّ صاحب الحال لا يكون الكاف؛ إذ المعنى لا يؤيده. وأيضا:\nفالخبر ما تتمّ به الفائدة، والفائدة لا تتم بالجار والمجرور كما هو واضح. هذا؛ وقراءة الجمهور برفع ﴿خَوْفٌ﴾ وتنوينه، وقرأ ابن محيصن بالرفع دون تنوين على حذف مضاف، وانتظاره، تقديره: لا خوف شيء، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق بالفتح على اعتبار: ﴿لا﴾ نافية للجنس، عاملة عمل «إنّ» وهي عندهم أبلغ. انتهى. سمين. أقول: والمعتمد الأول، وهي قراءة سبعية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف.\n\n<span id=\"aya-4394\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾\nالشرح: أي: هم الذين صدقوا بالقرآن، وآمنوا بمحمد ﷺ، واستسلموا لحكم الله وأمره، وانقادوا لطاعته، وآمنت ألسنتهم، وجوارحهم، وظواهرهم وبواطنهم، وانقادت لشرع الله جوارحهم، وظواهرهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة: (عبادي) أو بدل منه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذين آمنوا، يقال لهم: ادخلوا... إلخ، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير:\nأعني، أو أمدح الذين... إلخ. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: واو الحال. (كانوا): ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، و«قد» قبلها مقدرة، وإن عطفتها على جملة الصلة؛ فلست مفندا، ولكن الحال آكد، وأبلغ، فإن كلمة: (كان) تدلّ على الاستمرار.","vol":"8","page":637},{"text":"<span id=\"aya-4395\"></span>﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة. ﴿أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ:﴾ نساؤكم المؤمنات. وقيل: قرناؤكم من المؤمنين. وقيل: زوجاتكم من الحور العين، والأول أصحّ، وأقوى. ﴿تُحْبَرُونَ:﴾ تكرمون، وتنعمون. وقيل: تسرون سرورا تهلل له وجوهكم. والحبر، والحبور هو السرور. وقيل: هو من التحبير، وهو التحسين، يقال: هو حسن الحبر، والسبر بكسر الحاء والسين، وفتحهما. وفي الحديث: «يخرج من النّار رجل ذهب حبره وسبره».\nفالمفتوح مصدر، والمكسور اسم.\nروي: أنّ في الجنة أشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش، فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا. وقال الأوزاعي: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم، وتسبيحهم. زاد غير الأوزاعي، ولم تبق شجرة في الجنة، إلاّ وردّت، ولم يبق ستر، ولا باب إلاّ أرتج، وانفتح، ولم تبق حلقة إلاّ وطنّت بألوان طنينها، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلاّ وقع أهبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جواري الحور العين إلاّ غنّت بأغانيها، والطير بألحانها.\nويوحي الله إلى الملائكة أن جاوبوهم، وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان فيجاوبون بألحان وأصوات روحانيين، فتختلط هذه الأصوات، فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله ﷿: يا داود قم عند ساق عرشي، فمجدني! فيندفع داود﵇بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات، ويحليها، وتتضاعف اللذة، فذلك قوله تعالى في سورة (الروم) رقم [١٥]: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. ذكره الترمذي الحكيم-رحمه الله تعالى-. انتهى. قرطبي.\nثم قال-رحمه الله تعالى-: وهذا كلّه من النعيم، والسرور الدائم، والإكرام السرمدي، فلا تعارض بين هذه الأقوال. وأين هذا من قوله الحق: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ على ما يأتي؛ أي: في سورة (السجدة)، وقول النبي ﷺ: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». انتهى. قرطبي في سورة (الروم).\nهذا؛ ومن الملح الطريفة ما حكي: أنّ أحد القراء، كان يقرأ في المصحف، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ وضع المصحف على كرسيه، وقال: اللهم لا تفعل! وجعل يكررها بصوت عال؛ لأن زوجته كانت نكدا عليه في دنياه. فقالت له زوجته: ما الذي دهاك يا رجل؟! ولماذا تقسم على الله هذا القسم، فقال: وكيف لا أقسم، والله تعالى يقول:\n ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ وأنا صابر على إيذائك في هذه العاجلة، فكيف تكون دار","vol":"8","page":638},{"text":"الخلود، فقالت: بحق الله لا تدع عليّ، وقد تبت إلى الله، ومن الآن أنا في طاعتك، فادع الله أن أكون معك في الجنة! فقال الرجل: اللهم آمين؛ إن كانت صادقة! وخذ ما يلي: [الطويل] أرى صاحب النسوان يحسب أنّها... سواء وبون بينهنّ بعيد\nفمنهنّ جنات يفيء ظلالها... ومنهنّ نيران لهن وقود\nوأنشد أبو العيناء عن أبي زيد: [البسيط]\nإنّ النساء كأشجار نبتن معا... منهن مرّ وبعض المرّ مأكول\nإنّ النّساء ولو صوّرن من ذهب... فيهن من هفوات الجهل تخييل\nإنّ النساء متى ينهين عن خلق... فإنه واجب لا بدّ مفعول\nوما وعدنك من شرّ وفين به... وما وعدنك من خير فممطول\nالإعراب: ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿الْجَنَّةَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، وقل مثل ذلك في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام) وحكى الفراء في معاني القرآن: أنّ الحرف يحذف أيضا مع: انطلق، وخرج، تقول: انطلقت الشام، وخرجت السوق. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿وَأَزْواجُكُمْ:﴾ معطوف على الضمير، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تُحْبَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا إعراب الجلال-رحمه الله تعالى-. هذا؛ وأرى اعتبار الضمير توكيدا لواو الجماعة، واعتبار: ﴿وَأَزْواجُكُمْ﴾ معطوفا على واو الجماعة أولى، وعليه فجملة: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، وإلاّ فماذا نقول في الجملة الاسمية على رأي الجلال، ولعلّه يرى اعتبارها حالا من واو الجماعة، والمعنى:\nلا يؤيده. والآية الكريمة بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف.\n\n<span id=\"aya-4396\"></span>﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١)﴾\nالشرح: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ﴾ أي: لهم في الجنة أطعمة، وأشربة، يطاف بها عليهم في صحاف من ذهب، وأكواب. ولم يذكر الأطعمة، والأشربة؛ لأنه يعلم: أنّه","vol":"8","page":639},{"text":"لا معنى للإطافة بالصحاف والأكواب عليهم من غير أن يكون فيها شيء. وذكر الذهب في الصحاف واستغنى به عن الإعادة في الأكواب، كقوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٣٥]:\n ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾ وفي الصحيحين عن حذيفة﵁أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير، ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». عاد الضمير على الفضة مفردا، ويلزم حكم الذهب بطريق الأولى على حدّ قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٥]: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ﴾.\nوفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أهل الجنة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون». قالوا: فما بال الطّعام؟ قال: «جشاء، ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح، والتحميد، والتكبير، كما يلهمون النّفس». وروى الأئمة من حديث أم سلمة عن النبي ﷺ، قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها». وهذا يقتضي التحريم، ولا خلاف في ذلك، ويقاس على الأكل، والشرب سائر الاستعمال، وأيضا الاقتناء، لقوله ﷺ في الذهب، والحرير: «هذان حرام لذكور أمتي، حلّ لإناثها».\nهذا؛ و(الصحاف) جمع: صحفة، كالقصعة، قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المئكلة تشبع الرجلين، والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. والصحيفة: الكتاب، والجمع: صحف، وصحائف. ﴿وَأَكْوابٍ:﴾ جمع:\nكوب، وهو وعاء مدور، لا أذن له، ولا عروة بخلاف الإبريق فإن له ذلك. هذا؛ وأتى بالأكواب جمع قلة، وبالصحاف جمع كثرة؛ لأنّ المعهود قلة أواني الشرب بالنسبة إلى أواني الأكل.\n ﴿وَفِيها﴾ أي: الجنة. ﴿ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ:﴾ من الأشياء المعقولة، والمسموعة، والملموسة جزاء لهم بما منعوا أنفسهم عنه من الشهوات في الدنيا. ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ:﴾ من الأشياء المبصرة؛ التي أعلاها النظر إلى وجهه الكريم جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق. وروى الترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن رجلا قال: يا رسول الله! هل في الجنة من خيل، فإني أحب الخيل، قال: «إن الله أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت». قال: وسأله رجل، فقال: يا رسول الله! هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له مثل ما قال لصاحبه، فقال: «إن يدخلك الله الجنة؛ يكن لك فيها ما اشتهت نفسك، ولذّت عينك».\nانتهى. قرطبي، وخازن. ﴿وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ مقيمون لا تبرحون منها؛ لأنها لو انقطعت لتبغضت. وينبغي أن تعلم أنّ اللذة المذكورة شهوة لذة، لا شهوة جوع، أو عطش.\nتنبيه: قال الصابوني في معرض كلامه على إعجاز القرآن: ثم انظر إلى الجزالة، والإيجاز في أسلوب القرآن، وقارنها بأروع أسلوب نطق به عربي، وهو أسلوب أفصح من نطق بالضاد،","vol":"8","page":640},{"text":"سيد المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ، الذي شهد ببلاغته، وفصاحته أعداؤه قبل أنصاره، قارن بين القرآن والسّنّة؛ تجد الفرق شاسعا، والبون بعيدا، كطرق ما بين السماء والأرض. فبلاغة القرآن ونضارته، وإشراقته في أعلى طبقات الإحسان، وأرفع درجات الإيجاز، والبيان. تأمّل قوله ﷺ في صفة الجنة، وما فيها من نعيم، وخلود: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وقارن بين هذه الألفاظ على روعتها وبين قوله تعالى في وصف نعيم أهل الجنة: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ وقوله تعالى في سورة (السجدة): ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ فهذا أعدل وزنا، وأحسن تركيبا، وأعذب لفظا، وأجزل عبارة، وأقلّ حروفا، ووازن بين قوله ﷺ: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته، الرّجل راع...» إلخ الحديث، وبين قوله تعالى في سورة (الحجر): ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ،﴾ وقوله في سورة (الأعراف): ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ تجد أن كلام الرسول ﷺ على بلاغته لا يخرج عن كونه كلام بشر في الذروة العليا من الكلام، أمّا كلام الله تعالى فلا يشبهه كلام؛ لأنه كلام خالق البشر.\nالإعراب: ﴿يُطافُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿بِصِحافٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ ذَهَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (صحاف). ﴿وَأَكْوابٍ:﴾ معطوف على:\n (صحاف)، ومتعلقه محذوف، وجملة: ﴿يُطافُ..﴾. إلخ قبلها كلام محذوف، التقدير: فإذا دخلوها؛ يطاف عليهم فيها... إلخ. ﴿وَفِيها:﴾ الواو: واو الحال، أو هي حرف عطف.\n (فيها): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿تَشْتَهِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿الْأَنْفُسُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المنصوب، وجملة: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ معطوفة عليها، وإن اعتبرتها معطوفة على جملة: ﴿يُطافُ..﴾. إلخ فلست مفندا، والاستئناف أيضا ممكن، ولكن الحالية أقوى. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.\n\n<span id=\"aya-4397\"></span>﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾\nالشرح: أي: يقال لهم: هذه تلك الجنة التي كانت توصف لكم في الدنيا. وقال ابن خالويه: أشار تعالى إلى الجنة بتلك، وإلى جهنم بهذه، ليخوف بجهنم، ويؤكد التحذير منها،","vol":"8","page":641},{"text":"وجعلها بالإشارة القريبة كالحاضرة التي ينظر إليها. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤٢]: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nفعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة﵄-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنّة الجنة نادى مناد: إنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإنّ لكم أن تصحّوا، فلا تسقموا أبدا، وإنّ لكم أن تشبّوا، فلا تهرموا أبدا، وإنّ لكم أن تنعموا، فلا تيأسوا أبدا». فذلك قوله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ..﴾. إلخ. وروى أبو هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النّار، فأمّا الكافر؛ فإنّه يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة، فذلك قوله تعالى: أورثتموها بما كنتم تعملون». انتهى. ولا تنس قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠ و١١]: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٩]: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بسبب أعمالهم، وليس المراد السبب الحقيقي حتى يخالف نص الحديث الشريف، وفحوى هذا: أنّ نص الآيات يفيد أنّ دخول الجنة مسبب عن الأعمال الصالحة، والرسول ﷺ يقول: «لن يدخل أحدا عمله الجنة! قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا». أخرجه البخاري عن أبي هريرة﵁-.\nوالجمع بين هذه الآيات والحديث الشريف بأن محمل الآيات على أنّ منازل الجنة إنّما تنال بالأعمال؛ لأنّ درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن محمل الحديث الشريف على أصل دخول الجنة، فإن قيل: آية السجدة صريحة في أنّ دخول الجنة أيضا بالأعمال، أجيب بأنه لفظ مجمل بيّنه الحديث الشريف، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد أصل الدخول، أو المراد ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله، وتفضله عليكم؛ لأنّ اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخولها حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته، وفضله، لا إله إلاّ هو، له الملك، وله الحمد. انتهى. حاشية الشنواني على مختصر ابن أبي جمرة. بعد ما تقدم لا تنس الالتفات من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية. انظر الالتفات في الآية رقم [١١]. هذا؛ وفي الآية استعارة؛ حيث شبه الجنة بالمال الموروث، ثم استعار له الإرث على طريق الاستعارة المكنية.\nالإعراب: ﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿الْجَنَّةُ﴾. ﴿أُورِثْتُمُوها:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والميم علامة جمع الذكور، وحركت","vol":"8","page":642},{"text":"بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و(ها): مفعوله الثاني، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أورثتموها بعملكم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبرها. هذا؛ وأجيز اعتبار الجنة صفة: (تلك)، أو بدلا منها، واعتبار ﴿الَّتِي﴾ خبر المبتدأ، كما أجيز اعتبار ﴿الَّتِي﴾ صفة ل: ﴿الْجَنَّةُ،﴾ واعتبار ﴿بِما..﴾. إلخ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة الاسمية: ﴿وَتِلْكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4398\"></span>﴿لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾\nالشرح: الفاكهة المعروفة، وأجناسها الفواكه، والفاكهاني هو الذي يبيعها. وقال ابن عباس﵄-: هي الثمار كلها، رطبها، ويابسها. أي: لكم في الجنة سوى الطعام، والشراب فاكهة كثيرة تأكلون منها. هذا؛ و(من) تفيد التبعيض. قال المفسرون: يأكل أهل الجنة من بعض الثمار، وأما الباقي فعلى الأشجار على الدوام، لا ترى في الجنة شجرة تخلو من ثمرها لحظة، فهي مزينة بالثمار أبدا؛ لأنّ ما يؤكل يخلف بدله، وقد قال الرسول ﷺ:\n «لا ينزع أحد في الجنة من ثمرها ثمرة إلاّ نبت مكانها مثلاها». وذلك؛ لأنها على صفة الماء النابع، لا يؤخذ منه شيء إلاّ خلف مكانه مثله في الحال. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿فاكِهَةٌ،﴾ كان نعتا له، كما رأيت في الآية رقم [٤] وكثير من النحاة لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ؛ لأنّ الحال هيئة فاعل، أو مفعول. ﴿فاكِهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿كَثِيرَةٌ:﴾ صفة له. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿فاكِهَةٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لَكُمْ فِيها..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4399\"></span>﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤)﴾\nالشرح: لما ذكر الله ﷿ أحوال أهل الجنة؛ ذكر أحوال أهل النار، وذلك من باب المقابلة، وتلك سنة اقتضتها حكمة العليم الخبير ورحمته في كتابه بأن لا يذكر التكذيب من","vol":"8","page":643},{"text":"الكافرين، والمنافقين؛ إلاّ ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان؛ إلاّ ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة ونعيمها؛ إلاّ ويذكر النار وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلاّ ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا. هذا؛ والمراد: بالمجرمين في هذه الآية:\nالكافرون، وكثيرا ما يعبر القرآن الكريم عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، والكاذبين، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإنا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، لا سيما من قرأ القرآن منهم، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكّل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلاّ أولو الألباب.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ اسم (إنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي عَذابِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدُونَ﴾ بعدهما، و﴿عَذابِ:﴾ مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿خالِدُونَ:﴾\nخبر «إن». مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4400\"></span>﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾\nالشرح: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ:﴾ لا يخفف عنهم العذاب، من: فترت الحمى: إذا سكنت قليلا.\n ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ:﴾ آيسون من كل خير، لا يدرون ماذا يصنعون؟ هذا؛ وقد قال الفراء: المبلس:\nاليائس المنقطع رجاؤه، وذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون له جواب: أبلس.\nأقول: وسمي إبليس من هذا؛ لأنه أفلس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه من سعة فضل الله. وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت من نار، ثم يردم عليه، فيبقى فيه خالدا، لا يرى، ولا يرى.\nولا يشكل على هذا قوله تعالى في الآية التالية: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ..﴾. إلخ الدال على طلبهم الفرج بالموت، فالجواب: أن تلك أزمنة متطاولة، وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون تارة لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم: أنّه لا فرج، ويشتد عليهم العذاب تارة، فيستغيثون.\nانتهى. جمل نقلا من كرخي.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُفَتَّرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى «العذاب»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو في محل نصب حال من ﴿عَذابِ جَهَنَّمَ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.","vol":"8","page":644},{"text":"﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُبْلِسُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4401\"></span>﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ (٧٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ أي: بالعذاب الأليم، والعقاب الشديد. ﴿وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ أي: لأنفسهم بالشرك، وارتكاب المعاصي، والمنكرات. وهذه الآية قد ذكرت مرات فيما مضى، والقراءة السبعية: ﴿الظّالِمِينَ﴾ بالياء. وقرأ عبد الله، وأبو زيد النحويان: «(الظالمون)».\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿ظَلَمْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا ب: (عن) فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن):\nحرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿ظَلَمْناهُمْ:﴾ ضمير فصل لا محلّ له، أو هو توكيد لواو الجماعة. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وعلى قراءته بالواو فالضمير مبتدأ، و(الظالمون) خبره، والجملة الاسمية في محل نصب خبر: (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n<span id=\"aya-4402\"></span>﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧)﴾\nالشرح: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ:﴾ يستغيثون بمالك ﵇، وهو خازن النار، خلقه الله لغضبه؛ إذا زجر النار زجرة؛ أكل بعضها بعضا، ومجلسه في وسط النار، وفيها جسور تمر عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها. ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أي: ليمتنا ربك، من: قضى عليه: إذا أماته. ﴿قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ:﴾ مقيمون لا تبرحون. قال الأعمش: نبئت: أن بين دعائهم، وبين إجابة مالك إياهم ألف عام. وقيل: مئة سنة. وقيل: أربعون سنة.\nقال الزمخشري في كشافه: وعن ابن عباس﵄قال: «إنّ لهم ست دعوات إذا دخلوا النار، قالوا ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ فيجابون بما يلي:\n ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ سورة (السجدة)، فينادون ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ فيجابون:\n ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ سورة (غافر)، فينادون ألف سنة: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ فيجابون: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ فينادون ألف سنة: ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ فينادون ألف سنة:","vol":"8","page":645},{"text":"﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ سورة (فاطر)، فينادون ألف سنة: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ فيجابون: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ سورة (المؤمنون). ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: في رفع العذاب، وتخفيفه، فإني لا أرفعه عنكم، فعند ذلك ييأس المساكين من الفرج. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلمون بعد ذلك، ما هو إلا الزفير والشهيق، وعواء كعواء الكلاب، لا يفهمون، ولا يفهمون. وينبغي أن تعلم: أنّه لا يوجد في الآخرة ليل، ولا نهار، ولا شهور، ولا أعوام، وإن ما ذكر من الآلاف إنما هو بالتقدير، وقد يعترض بعض الناس، فيقول: هذا العذاب الشديد، والمكث الطويل في جهنم، هذا كله من أجل كفر الكافر في أيام معدودة في الدنيا، وكثير من الكفار لا يعيشون في الدنيا عشرين عاما، ومنهم من يعيش أكثر، أو أقل، ولماذا استحقوا هذا العذاب الشديد، الذي لا انتهاء له، ولا انقطاع؟ والجواب عن ذلك أنهم استحقوا العذاب لإصرارهم على الكفر، ونيتهم البقاء عليه، ولو عاشوا آلاف السنين في الدنيا، فمن أجل هذا جوزوا بالخلود في نار الجحيم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وقرئ: «(يا مال)»: بحذف الكاف على الترخيم، والترخيم: حذف، أواخر الكلم في النداء خاصة. وقيل لابن عباس﵄-: إن ابن مسعود﵁قرأ:\n «(ونادوا يا مال)» فقال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم، وعن بعضهم: حسّن الترخيم: أنهم يقتطعون بعض الاسم؛ لضعفهم، وعظم ما هم فيه. وقد قرئ: «(يا مال)» بضم اللام على لغة من لا ينتظر، وقرئ بكسر اللام على لغة من ينتظر.\nهذا؛ والمكث في الأصل مصدر: مكث، يمكث، بمعنى: أقام، يقيم. قال الكميت يذم ولاة السوء في عهد بني أمية، وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفتلك ولاة السوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟!\nوالمكث: بضم الميم وتكسر، وهذا على أنه اسم، وأمّا المصدر؛ فإن كان فعله من باب:\nنصر فهو بضم الميم أيضا، وإن كان من باب: كرم فهو بفتح الميم. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المضارع إنما هو لتحقق الوقوع.\nالإعراب: ﴿وَنادَوْا:﴾ الواو: حرف استئناف. (نادوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق: ﴿يا مالِكُ:﴾ (يا):\nأداة نداء تنوب مناب أدعو. (مالك): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا).\n ﴿لِيَقْضِ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الدعاء وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والكلام: ﴿يا مالِكُ﴾","vol":"8","page":646},{"text":"لِيَقْضِ... إلخ في محل نصب مفعول به، وهو مفسر لمعنى: (نادوا). ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الله. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿ماكِثُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4403\"></span>﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بإنزال الكتب، وإرسال الرسل. يحتمل أن يكون هذا من تتمة كلام مالك، ﵇؛ الذي أجابهم به. ويحتمل أن يكون من كلام الله مقررا لجواب مالك، ومبينا لسبب مكثهم. وهذا الخطاب للتوبيخ، والتقريع على الاحتمالين. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ:﴾ لا تتقبلونه، وتنفرون، وتشمئزون منه؛ لأنّ مع الباطل الدعة، والراحة، ومع الحق التعب، والجهد في عبادة الله، وطاعته، والمراد بالأكثر: الكل. وقيل: أراد بالكثرة الرؤساء، والقادة منهم، وأما الأتباع فما كان لهم أثر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:\nوالله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في اللام. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (نا) أي: ملتبسين بالحق، والكلام في محل نصب مقول القول لقول محذوف، إن كان من قول الله تعالى، أو من مقول مالك حسبما رأيت في الشرح. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، أو هي واو حال. ﴿وَلكِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿أَكْثَرَكُمْ:﴾ اسم (لكنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِلْحَقِّ:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿كارِهُونَ:﴾ خبر (لكنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف، والرابط: الواو، والضمير، وإن عطفتها على ما قبلها؛ فحكمها حكم سابقتها.\n<span id=\"aya-4404\"></span>﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾\nالشرح: قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي ﷺ في دار الندوة، حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل الخبيث عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل؛ ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبة بدمه، فنزلت هذه الآية، وقتل الله جميعهم يوم بدر. انتهى. قرطبي.\nأقول: انظر تفصيل ذلك في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال) والمعنى: أم أحكموا كيدا؛ فإنا محكمون لهم كيدا. قاله ابن زيد، ومجاهد، فهو كقوله تعالى في سورة (الطور) رقم [٤٢]:\n ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾. هذا؛ واستعمال العقاب، والجزاء بلفظ الإبرام والكيد من قبل الله تعالى للكافرين إنما هو من باب المشاكلة، وقد مرّ معنا كثير من هذا. هذا؛ والإبرام:","vol":"8","page":647},{"text":"الإحكام، يقال: أبرمت الشيء؛ أي: أحكمته، وأبرم الفتّال الخيط ونحوه إذا أحكم فتله، وهو الفتل الثاني، والأول يسمى: سحيلا، قال زهير بن أبي سلمى في معلقته رقم [١٩]: [الطويل]\nيمينا لنعم السّيّدان وجدتما... على كلّ حال من سحيل ومبرم\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف بمعنى: «بل» التي للإضراب. ﴿أَبْرَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة. وقيل:\nمعطوفة على قوله: ﴿أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ رقم [٤٥]. ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: هي الفصيحة فيما يظهر. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُبْرِمُونَ:﴾ خبر «إن» مرفوع، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا حصل ذلك منهم فإنا مبرمون.\n\n<span id=\"aya-4405\"></span>﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ أي: أيظن الكافرون: أنا لا نسمع ما حدثوا به أنفسهم، وما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي؟ ﴿بَلى﴾ أي: بلى نسمع سرهم، وعلانيتهم.\n ﴿وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: وملائكتنا الحفظة الموكلون بهم يكتبون أعمالهم سرها، وجهرها.\nروي: أنّ هذا نزل في ثلاثة نفر كانوا بين الكعبة، وأستارها، فقال أحدهم: أترون أنّ الله يسمع كلامنا؟ فقال الثاني: إذا جهرتم؛ سمع، وإذا أسررتم؛ لم يسمع. وقال الثالث: إن كان يسمع إذا أعلنتم، فهو يسمع إذا أسررتم. قاله محمد بن كعب القرظي. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ وحسب، يحسب من باب: تعب في لغة جميع العرب إلاّ بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء. وحسبت المال حسبا من باب: قتل، بمعنى: أحصيته عددا.\nوانظر شرح (لدينا) في الآية رقم [٤].\nهذا؛ و﴿بَلى﴾ حرف إثبات لما نفوه من سماع الله ما يقولونه في السرّ، والنجوى، و(بلى).\nحرف جواب، كنعم، وجير، وأجل، وإي، إلاّ أنّ بلى جواب لنفي متقدم؛ أي: إبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فتقول: بلى؛ أي: قد قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى؛ أي: هو قائم. قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس﵄-: لو قالوا: نعم؛ لكفروا.\nأما النجوى فهو حديث السر بين اثنين، أو أكثر، قال تعالى في سورة (المجادلة): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾. وقال الرسول ﷺ: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث، فإنّ ذلك يحزنه». هذا؛ وقيل: إن النجوى","vol":"8","page":648},{"text":"القوم الذين يتناجون. وبه قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء).\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف انتقال بمعنى: بل. ﴿يَحْسَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا):\nاسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَسْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿سِرَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ). ﴿وَنَجْواهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: ﴿يَحْسَبُونَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب لا محلّ له، وبعدها جملة مقدّرة كما رأيت في الشرح تقديرها.\n ﴿وَرُسُلُنا:﴾ الواو: واو الحال. (رسلنا): مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لاتصاله بالضمير، الذي هو في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَرُسُلُنا..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل الفعل المقدر بعد ﴿بَلى،﴾ والرابط: الواو، والضمير، والكلام المقدر: «بلى نسمع...» إلخ. مستأنف لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-4406\"></span>﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١)﴾\nالشرح: معنى الآية: إن كان للرحمن ولد في قولكم، وعلى زعمكم؛ فأنا أول من عبد الرحمن، فإنه لا شريك له، ولا ولد له. وقال ابن عباس﵄-: أي: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين؛ أي: الشاهدين له بذلك، أو الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له. وقيل: معناه: لو كان للرحمن ولد؛ فأنا أول من عبده بذلك، ولكن لا ولد له! وقيل: العابدين بمعنى: الآنفين، أي: أنا أول الجاحدين المنكرين لما قلتم، وأنا أول من غضب للرحمن أن يقال له: ولد، قال الفرزدق: [الطويل]\nأولئك ناس إن هجوني هجوتهم... وأعبد أن يهجى كليب بدارم\n «أعبد»: بمعنى: آنف، وقال الزمخشري في معنى الآية: إن كان للرحمن ولد، وصحّ، وثبت ببرهان صحيح توردونه، وحجة واضحة تدلون بها، فأنا أول من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه. وهذا كلام وارد على سبيل الفرض، والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد، والإطناب فيه، مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك: أنه علّق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلّق عليها محالا مثلها. انتهى. خازن بحروفه.","vol":"8","page":649},{"text":"هذا؛ وقد شنع أحمد محشي الكشاف على الزمخشري حيث قال: لقد اجترأ عظيما واقتحم مهلكة في تمثيله ذلك، ثم قال أحمد: وإذا ثبتت هذه المقدمة عقلا، ونقلا؛ لزمه فرك أذنه، وغلّ عنقه؛ إذ يلحد في الله إلحادا لم يسبقه إليه أحد من عباده الكفرة، ولا تجرّأ عليه مارد من مردة الفجرة، ومن خالف في كفر القدرية؛ فقد وافق على كفر من تجرّأ. فقال: هذه المقالة، واقتحم هذه الضلالة بلا محالة، فإنّه قد صرّح بكلمة الكفر على أقبح وجوهها، وأشنع أنحائها.\nأقول: وهذا تجنّ ظاهر على الزمخشري، والله المسؤول أن يعصمنا من الزلل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير. هذا؛ وأذكر: أن الجمل قد نقل من حاشية زاده على البيضاوي ما يشبه كلام الزمخشري، وهذا يعني: أنه لا غضاضة على الزمخشري.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدّم على اسمها. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وعليه ف: ﴿الْعابِدِينَ﴾ من العبادة. هذا؛ وقيل: (إنّ) شرطية، و﴿كانَ﴾ مبني على الفتح في محل جزم فعل شرطها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَأَنَا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أنا):\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوَّلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْعابِدِينَ:﴾\nمضاف إليه مجرور، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، ويكون معنى: ﴿الْعابِدِينَ﴾ الجاحدين لقولكم: إن له ولدا. والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4407\"></span>﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: نزّه الله نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث من نسبة الولد إليه تنزيها لائقا بجلاله وعظمته، وكبريائه. وانظر شرح: ﴿سُبْحانَ﴾ في آخر سورة (الصافات)، وشرح ﴿الْعَرْشِ﴾ في سورة (السجدة) رقم [٤].\nالإعراب: ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يسبح سبحان، وهو مضاف، و﴿رَبِّ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على: ﴿رَبِّ﴾. ﴿رَبِّ﴾ بدل من سابقه، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سُبْحانَ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن","vol":"8","page":650},{"text":"الذي، أو عن شيء يصفونه به، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: تنزه، وتقدّس عن وصفهم، والكلام مستأنف كلّه لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-4408\"></span>﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾\nالشرح: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، وأعرض عنهم. وهذا الفعل ناقص التصرف، لا يأتي منه غير المضارع، والأمر. انظر ما ذكرته في سورة (الأحزاب) رقم [٤٨]، أو سورة (الطور) رقم [٤٥] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿يَخُوضُوا:﴾ في باطلهم. ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ أي: في دنياهم، والخطاب للنبي ﷺ، والمراد: أهل مكة. ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: يوعدون يوم القيامة، وهو دليل واضح على أنّ قولهم محض جهل، واتباع هوى، وأنهم مطبوع على قلوبهم، معذبون في الآخرة، فما لهم من شفيع، ولا ناصر ينصرهم. قيل: هذا منسوخ بآية السيف، وقيل: هو محكم، وإنما أخرج مخرج التهديد. هذه والآية مذكورة بحروفها في سورة (المعارج) برقم [٤٢] وما يشبهها في سورة (الطور) رقم [٤٥].\nالإعراب: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف واعتبارها فصيحة لا بأس به. (ذرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿يَخُوضُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية، لا محلّ لها. ﴿وَيَلْعَبُوا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة.\n ﴿يُلْقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله.\n ﴿يَوْمَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿يَوْمَهُمُ﴾. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، وهو العائد؛ إذ التقدير: الذي يوعدونه، و«أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: «حتى» والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال المتقدمة على التنازع؛ لأنّ كل واحد يصلح للتعليق به.\n<span id=\"aya-4409\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾\nالشرح: في هذه الآية تكذيب للمشركين في أنّ الله اتخذ شريكا، أو ولدا؛ أي: هو المستحق للعبادة في السماء، والأرض. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ:﴾ في تدبير خلقه. ﴿الْعَلِيمُ:﴾\nبمصالحهم، والآية كقوله تعالى في سورة الأنعام الآية رقم [٣]: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾.","vol":"8","page":651},{"text":"الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ خبره. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان ب: ﴿إِلهٌ﴾ بعدهما، على تأويله ب: «معبود» وهذا مستعمل لغة، كما تقول: هو حاتم في طيء على تضمين الجواد الذي شهر به، قال الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٩٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nوإنّ لساني شهدة يشتفى بها... وهوّ على من صبّه الله علقم\n ﴿إِلهٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو إله في السماء، والجملة الاسمية هذه صلة الموصول، لا محلّ لها. هذا؛ ولا يجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و﴿إِلهٌ﴾ مبتدأ مؤخر، لخلو الجملة حينئذ من العائد. هذا؛ وحذف العائد على الوجه الأول لطول الصلة. ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ مثل سابقه، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة: لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ تحتمل العطف على ما قبلها، والاستئناف، والحالية من الموصول، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4410\"></span>﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾\nالشرح: ﴿وَتَبارَكَ الَّذِي:﴾ تكاثر خيره، من: البركة، وهي كثرة الخير، وزيادته، ومعنى تبارك الله: تزايد خيره، وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تقديس، وتعظيم، لم تستعمل إلاّ لله وحده، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر. قال الطرماح: [الطويل]\nتباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع\nوقال آخر: [الطويل]\nتباركت ما تقدر يقع، ولك الشكر\n ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ أي: هو خالقهما، ومالكهما، والمتصرف فيهما بلا مدافعة، ولا ممانعة، فتنزّه تعالى عن الولد، والشريك. فاللام مفيدة للملك الحقيقي، الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي: القيامة، لقد اختصّ الله بعلمها، ولم يطلع أحدا من الناس، كما قال تعالى في آخر سورة (لقمان): ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾.\n ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: بعد الموت، فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ. وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، والفعل يقرأ بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم، و«رجع» يستعمل لازما، ومتعديا، فعلى قراءته بالبناء للمجهول يكون من المتعدي، وعلى قراءته بالبناء للمعلوم يكون من اللازم.","vol":"8","page":652},{"text":"الإعراب: ﴿وَتَبارَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تبارك): فعل ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿وَعِنْدَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السّاعَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4411\"></span>﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ..﴾. إلخ: المراد: عيسى، وعزير، والملائكة؛ الذين عبدوا من دون الله. وعليه ف: ﴿مِنْ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والمعنى عليه: ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلاّ للذي شهد بالحق، وآمن على علم وبصيرة، قاله سعيد بن جبير وغيره. قال: وشهادة الحق: لا إله إلاّ الله. وقيل: المعنى: إنّ عزيرا، وعيسى، والملائكة هم الذين يشفعون؛ لأنهم يشهدون بالحق والوحدانية لله، وأما الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، فإنها لا تشفع لعابديها.\n ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ حقيقة ما شهدوا به. وقيل: إنها نزلت بسبب: أنّ النضر بن الحارث، ونفرا من قريش قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا؛ فنحن نتولّى الملائكة، وهم أحقّ بالشفاعة لنا منه، فأنزل الله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ..﴾. إلخ؛ أي: اعتقدوا: أنّ الملائكة، أو الأصنام، أو الجن، أو الشياطين تشفع لهم، ولا شفاعة لأحد يوم القيامة. هذا؛ وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ يدلّ على معنيين:\nأحدهما: أنّ الشفاعة بالحق غير نافعة إلاّ مع العلم، وأنّ التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. الثاني: أنّ من شرط سائر الشهادات في الحقوق، وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها، ونحوه ما روي عن النبي ﷺ: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلاّ فدع». انتهى. قرطبي وانظر الشفاعة في سورة (الزمر) رقم [٤٤].","vol":"8","page":653},{"text":"الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف، (لا): نافية. ﴿يَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذين يدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الشَّفاعَةَ:﴾ مفعول به ل: ﴿يَمْلِكُ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لمن، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، أو الموصول في محل رفع بدلا من: ﴿الَّذِينَ﴾ انظر الشرح. ﴿شَهِدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محلّ رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿مِنْ﴾ لأنها بمعنى: الجمع، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4412\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمسؤول منهم أهل مكة.\n ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ أي: لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد، واجب الوجود.\n ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف يصرفون عن توحيد الله وعبادته، مع إقرارهم بذلك، واعترافهم: أنه هو الصانع الحكيم.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف عنه من صرف، فهو من باب ضرب، ومصدره أفكا كضربا. هذا؛ وهو من الباب الرابع بمعنى: كذب، ومصدره إفكا كعلما، ويغلب مجيء الأول بالبناء للمجهول، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ سورة (الأحقاف) رقم [٢٢]، ومن مجيئه بمعنى:\nالكذب قوله تعالى: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ رقم [٤٥] من سورة (الشعراء).\nانظر شرحها هناك تجد ما يسرك. والأفاك كثير الكذب، كما في سورة (الجاثية) رقم [٧].\nالإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَهُمْ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب سدّت مسدّ المفعول الثاني. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في","vol":"8","page":654},{"text":"جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة: فاعل، والنون حرف لا محلّ له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: الله خلقهن، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير:\nخلقهم الله، ويرجحه التصريح به في الآية رقم [٩] من هذه السورة. والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محلّ له. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كانوا يعترفون بأن الله خلقهم، فكيف يصرفون عن توحيده، وعبادته؟! (أنى): اسم استفهام، وتعجب، وتوبيخ مبني على السكون في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4413\"></span>﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾\nالشرح: ﴿وَقِيلِهِ﴾ أي: وقول الرسول ﷺ. وقيل: التقدير: وقول عيسى ﵇. والأول أصح لقوله تعالى للنبي ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ وقرئ: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالنصب، والجر، والرفع، وهو مصدر، ومثله: القول، والقال، والمقالة، والآية معناها: الشكوى إلى الله.\nقال ابن عباس﵄-: شكا رسول الله ﷺ إلى الله تعالى تخلف قومه عن الإيمان. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه. هذا؛ وفحوى الآية مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٣٠]: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.\nالإعراب: ﴿وَقِيلِهِ:﴾ بالجر على معنى: وعنده علم الساعة، وعلم قيله. وبالنصب على معنى: وعنده علم الساعة، ويعلم قيله. وهذا اختيار الزجاج. وقال الفراء والأخفش: يجوز أن يكون ﴿وَقِيلِهِ﴾ عطفا على قوله: ﴿أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾. وأجاز الفراء، والأخفش أيضا أن يكون مفعولا مطلقا، كأنه قال: وقال قيله، وشكا شكواه إلى الله ﷿، كما قال كعب بن زهير من قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ: [البسيط]\nتمشي الوشاة جنابيها وقيلهم... إنك يابن أبي سلمى لمقتول\nأراد: ويقولون قيلهم. وبالرفع على تقدير: وعنده قيله، أو قيله مسموع. والذي قالوه ليس بقوي","vol":"8","page":655},{"text":"في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر النظم.\nوأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم، وحذفه، والرفع على قولهم: أيمن الله، وأمانة الله، ويمين الله، ولعمرك، ويكون قوله: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم. انتهى. قرطبي. بتصرف كبير. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (رب): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة. وانظر ما ذكرته من أوجه في ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥١] فهو مثله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب اسم (إنّ)، والهاء للتنبيه حرف لا محلّ له. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر «إن». ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿قَوْمٌ،﴾ والكلام: ﴿يا رَبِّ إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول للمصدر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو هي جواب له على اعتبار الواو حرف قسم، وجر، و(قيله) مقسم به.\n\n<span id=\"aya-4414\"></span>﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾\nالشرح: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ:﴾ فأعرض عن دعوتهم إلى الإيمان آيسا من إيمانهم، واتركهم وشأنهم. ﴿وَقُلْ سَلامٌ:﴾ هذا سلام متاركة، وتوديع، لا سلام تحيّة. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ:﴾ عاقبة كفرهم، وعنادهم. وفيه تهديد، ووعيد لهم. وقيل: معناه: فسوف يعلمون: أنك صادق. قال مقاتل، وغيره: نسختها آية السيف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَاصْفَحْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اصفح): فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سَلامٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أمري سلام. وقال الفراء: التقدير: سلام عليكم. وهذا مردود؛ لأنّ النهي قد أتى ألاّ يبدؤوا بالسلام، وأيضا ف: ﴿سَلامٌ﴾ نكرة، ولا يبدأ به هنا؛ لأنه لم يرد به الدعاء. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء حرف استئناف. (سوف): حرف تسويف واستقبال، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف تعليلية، أو مستأنفة، لا محلّ لها. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nبعون الله وتوفيقه انتهت سورة (الزخرف) شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"8","page":656},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4041>سورة الدّخان</span>\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة (الدخان)، وهي مكية بالإجماع إلاّ قوله تعالى: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ وهي سبع. وقيل: تسع وخمسون آية، وثلاثمئة وست وأربعون كلمة، وألف وأربعمئة وواحد وثلاثون حرفا. انتهى. خازن، وسميت سورة (الدخان) لأنّ الله تعالى جعله آية لتخويف الكفار؛ حيث أصيبوا بالقحط والمجاعة بسبب تكذيبهم لرسول الله، وبعث الله عليهم الدخان؛ حتى كادوا يهلكون، ثم نجاهم الله ببركة دعاء النبي ﷺ. قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾.\nهذا؛ وقد ورد في فضلها، والحثّ على قراءتها، ولا سيما في ليلة الجمعة أحاديث كثيرة، منها ما يلي: عن أبي رافع﵁قال: «من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له، وزوّج من الحور العين»، رواه الدارمي، ورفعه الثعلبي عن أبي هريرة﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له». وفي لفظ له آخر عن أبي هريرة أنّ النبي ﷺ قال: «من قرأ الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك». وعن أبي أمامة الباهلي﵁قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة». انتهى. قرطبي.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4417\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ أي: أنزلنا القرآن. ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ:﴾ في ليلة القدر، ابتدئ فيها إنزال القرآن، وأنزل فيها من اللوح المحفوظ جملة إلى سماء الدنيا، ووضع في مكان اسمه بيت العزة، ثم أنزله الله على نبيه ﷺ في الليالي، والأيام في ثلاث وعشرين سنة، وبركتها لذلك، فإن نزول القرآن سبب للمنافع الدينية، والدنيوية، ولما فيها من نزول الملائكة، والرحمة، وإجابة الدعوة، وقسم النعمة، وفصل الأقضية. ومعنى إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا: أنّ","vol":"8","page":657},{"text":"جبريل ﵇ أملاه منه على ملائكة السماء الدنيا، فكتبوه في صحف، وكانت عندهم في محل من تلك السماء يسمى بيت العزة، ثم نجّمته الملائكة المذكورون على جبريل في ثلاث وعشرين سنة، ينزل بها على النبي ﷺ بحسب الوقائع، والأحداث، ومقتضيات الأحوال.\nهذا؛ وقيل: إن المراد بالليلة المباركة: ليلة النصف من شعبان، والقول الأول هو الأكثر، بل والمعتمد، لقوله تعالى في سورة (القدر): ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ولمطابقة قوله هنا: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ولقوله تعالى في سورة (القدر) أيضا: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وليلة القدر في شهر رمضان على أصح الأقوال، وأقواها. ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ أي: مخوفين، والمعنى: لتنذر به الخلق؛ لأنّ من شأننا، وعادتنا ألا نترك الناس دون إنذار، وتخويف وتحذير من العقاب؛ لتقوم الحجة عليهم.\nهذا؛ و(نا): في قوله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا﴾ و﴿أَنْزَلْناهُ﴾ ونحو ذلك فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: «الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح»: وقوله تعالى: (جعلنا) (وهبنا).\n (نحن) و(إنا) لفظ يقع في جميع اللغات على من له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك. فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له تعالى شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات، والأرض. انتهى.\nأقول: و(نا): هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم به العبد، ذكرا كان، أم أنثى، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم:\nالأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فِي لَيْلَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُبارَكَةٍ:﴾ صفة: ﴿لَيْلَةٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ..﴾.\nإلخ جواب القسم. وقيل: الجملة الثانية جواب القسم، وهذه معترضة. وقيل: الثانية خبر ثان.\nوقيل: هي مستأنفة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿مُنْذِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن","vol":"8","page":658},{"text":"الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية:\n ﴿كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا كُنّا..﴾. إلخ قد رأيت الأقوال السابقة فيها. وقيل: مستأنفة، وتفسيرية.\n\n<span id=\"aya-4418\"></span>﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر، ما كان من حياة، أو موت، أو رزق. وروى حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ربيعة بن كلثوم، قال: سأل رجل الحسن، وأنا عنده، فقال: يا أبا سعيد! أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: إي والذي لا إله إلاّ هو، إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل خلق، وأجل، ورزق وعمل إلى مثلها. وقال ابن عباس أيضا: يكتب من أمّ الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت، وحياة، ورزق، ومطر؛ حتى الحج، يقال: يحج فلان ويحج فلان. وقال في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق؛ وقد وقع اسمه في الموتى. وهذه الإبانة لأحكام السنة إنما هي للملائكة الموكلين بأسباب الخلق، ولم يزد ذلك في علم الله ﷿. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان، وقد بينات ضعفه في الآية السابقة.\nوقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة النصف من شعبان، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل، والصواعق، والخسف. ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم. ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم يعطى كل عامل بركات أعماله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته. انتهى. قرطبي وزمخشري.\nالإعراب: ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يُفْرَقُ:﴾ مضارع مبني للمجهول.\n ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعل، وهو مضاف، و﴿أَمْرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿حَكِيمٍ:﴾ صفة: ﴿أَمْرٍ﴾. والجملة الفعلية يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون صفة ل: ﴿لَيْلَةٍ﴾ وما بينهما اعتراض. وقال الزمخشري:\nفإن قلت: ما موقع هاتين الجملتين: ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ و﴿فِيها يُفْرَقُ..﴾. إلخ؟ قلت: هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم، الذي هو: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾.\n<span id=\"aya-4419\"></span>﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾\nالشرح: أي: جميع ما نقدره في تلك الليلة، وما نوحي به إلى الملائكة من شؤون العباد هو أمر حاصل من جهتنا بعلمنا، وتقديرنا، وإنا نرسل الأنبياء إلى الخلق بالشرائع، والأحكام","vol":"8","page":659},{"text":"الإلهية؛ لهدايتهم، وإرشادهم. وقال النقاش: الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده. والأول أقوى، وأصح.\nالإعراب: ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا، وسماه الزمخشري منصوبا على الاختصاص، أو هو حال من كل أمر؛ أي بمعنى:\nآمرين، أو من آمر لتخصيصه بالصفة، أو من ضميره المستتر في ﴿حَكِيمٍ﴾. وقيل: هو مفعول مطلق، والتقدير: أنزلناه إنزالا. وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، وناصبه إما: ﴿أَنْزَلْناهُ،﴾ وإما:\n ﴿مُنْذِرِينَ،﴾ وإما: ﴿يُفْرَقُ،﴾ وهذا أضعف الأقوال، وأضعف منه تجويز أبي البقاء اعتباره بدلا من الهاء من: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَمْرًا،﴾ و(نا):\nفي محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ وهي هنا مستأنفة، أو للتعليل، فلا محلّ لها على الاعتبارين. وقال النسفي: هي بدل من قوله: ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾. هذا؛ وقرئ برفع (أمر) على تقدير: هو أمر.\n\n<span id=\"aya-4420\"></span>﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄في معنى الآية: رأفة مني بخلقي، ونعمة عليهم بعثت إليهم من الرسل. هذا؛ أو المراد إنزال القرآن في ليلة مباركة كان فيه رحمة للعباد. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوال العباد جميعها سرها، وجهرها. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بأفعالهم صغيرها، وكبيرها، وظاهرها، وخافيها. ولا تنس الالتفات من التكلم إلى الغيبة، ولو جرى الكلام على منوال ما تقدم؛ لقال: رحمة منا.\nالإعراب: ﴿رَحْمَةً:﴾ فيه خمسة أوجه: مفعول لأجله، والعامل فيه، إما: ﴿أَنْزَلْناهُ،﴾ وإما:\n ﴿أَمْرًا،﴾ وإما: ﴿يُفْرَقُ،﴾ وإما: ﴿مُنْذِرِينَ﴾. الثاني: أنه مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير:\nرحمنا رحمة. الثالث: أنه مفعول به لمرسلين. الرابع: أنه حال من ضمير: ﴿مُرْسِلِينَ؛﴾ أي: ذوي رحمة. الخامس: أنه بدل من: ﴿أَمْرًا﴾. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محلّ له، أو هو توكيد لاسم (إنّ) على المحل. ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبران ل: (إنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ، و﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبران عنه، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لما قبلها.\n<span id=\"aya-4421\"></span>﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما:﴾ مالك السموات، والأرض، وما بينهما، ومتصرف فيها تصرف الملاك، فإن وجودهما، وانتظامهما على هذا النمط البديع الصنع، من","vol":"8","page":660},{"text":"أوضح الدلائل على وجود الله، ووحدانيته واستقلاله بملكهما، وتصرفهما. هذا؛ ولم يقل: وما بينهن؛ لأنّ المراد بين الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين. وانظر ما ذكرته في (الشورى) رقم [٢٩].\n ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: إن كنتم موقنين بأن الله رب السموات والأرض، والمتصرف فيهما وحده؛ فآمنوا به، ووحّدوه، واعلموا: أنه يرسل الرسل، وينزل الكتب السماوية لهداية الناس أجمعين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.\nالإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ بالجر هو بدل من: ﴿رَبِّكَ،﴾ والجملة الاسمية معترضة بين البدل، والمبدل منه، ويقرأ بالرفع على أنه خبر ثالث ل: (إنّ)، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب، أو هو مبتدأ خبره الجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾. وعليه فالجملة الشرطية معترضة بين المبتدأ، وخبره، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. «ما»: اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.\n ﴿مُوقِنِينَ:﴾ خبره منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف. انظر تقديره في الشرح.\n\n<span id=\"aya-4422\"></span>﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا رب غيره، ولا معبود سواه؛ لأنه المتصف بصفات الجلال، والكمال، ومتصف بالقدرة، والانتقام، قادر على الإماتة، والإحياء، فهو تقرير لوحدانيته تعالى. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: مالككم، ومالك من تقدّم منكم، فأنتم مربوبون له تعالى، ومقهورون. هذا؛ وبين ﴿يُحْيِي﴾ و(يميت) طباق.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع بالابتداء. والثاني:\nاعتباره بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ في الآية رقم [٦]، أو هي خبر: ﴿رَبُّ﴾ في الآية السابقة على رفعه. ﴿يُحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنفصل، أو من الضمير المستتر في الخبر المحذوف،","vol":"8","page":661},{"text":"وكلاهما عائد على ﴿رَبِّ السَّماواتِ،﴾ والرابط في الجملة الحالية: الضمير فقط. وجملة:\n ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة عليها. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ بدل، أو بيان، أو صفة ل: ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ على قراءتي:\nالجر، والرفع. وقال أبو البقاء: أي: هو ربكم. أي: أنه خبر لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون خبرا آخر، وأن يكون فاعل: ﴿وَيُمِيتُ،﴾ وفي ﴿يُحْيِي﴾ ضمير يرجع إلى ما قبله، أو على شريطة التفسير، وفي اعتباره فاعلا ضعف ظاهر. ﴿وَرَبُّ:﴾ معطوف على ما قبله، و(ربّ) مضاف، و﴿آبائِكُمُ﴾ مضاف إليه. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة: ﴿آبائِكُمُ﴾ مجرور... إلخ.\n\n<span id=\"aya-4423\"></span>﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾\nالشرح: المعنى ليسوا موقنين فيما يظهرونه من الإيمان في قولهم: الله خالقنا، وخالق السموات والأرض، بل هم في شك كبير من أمر البعث بعد الموت، فهم يلعبون، ويسخرون.\nقال شيخ زاده: التفات من الخطاب إلى الغيبة، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ تحقيرا لشأنهم، وإبعادا لهم عن موقف الخطاب، لكونهم من أهل الشك، والامتراء، وكون أفعالهم الهزء واللعب لعدم التفاتهم إلى البراهين القاطعة، وعدم تمييزهم بين الحق، والباطل، والضار، والنافع. ويقال لمن أعرض عن المواعظ: لاعب، وهو كالصبي الذي يلعب، فيفعل ما لا يدري عاقبته.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ في محل رفع خبر ثان، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4424\"></span>﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾\nالشرح: المعنى: انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان ظاهر حاله، لا يشك أحد في أنه دخان. وفي هذا الدخان أقوال ثلاثة: الأول: أنه من أشراط الساعة لم يجيء بعد، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما، يملأ ما بين السماء والأرض، فأمّا المؤمن فيصيبه منه مثل الزكام، وأما الكافر، والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم، ويضيق أنفاسهم، وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وممن قال: إن الدخان لم يأت بعد: علي، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وزيد بن علي، والحسن، وابن أبي مليكة، وغيرهم﵃ أجمعين-.\nوفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع النبي ﷺ علينا، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نتذاكر الساعة. قال: «إنّها لن تقوم","vol":"8","page":662},{"text":"حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجّال، والدابّة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم».\nوانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١] من سورة (الزخرف).\nالقول الثاني: أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي ﷺ؛ حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا. قاله ابن مسعود﵁-. قال: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم، فقال: إنما كان هذا؛ لأنّ قريشا لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، ﵇، فأصابهم قحط، وجهد؛ حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى:\n ﴿فَارْتَقِبْ﴾ ... ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: فأتي رسول الله ﷺ، فقيل: يا رسول الله استسق لمضر؛ فإنّها قد هلكت، قال: «لمضر؟ إنك لجريء!» فاستسقى، فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ فلما أصابتهم الرفاهية؛ عادوا إلى حالهم من العصيان، والطغيان، فأنزل الله ﷿: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر. قال أبو عبيدة: والدخان: الجدب. قال القتبي: سمي دخانا ليبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان، والذي أتى رسول الله ﷺ، وطلب منه أن يدعو الله هو: أبو سفيان، وهو ما في السيرة الحلبية، وزيني دحلان.\nالقول الثالث: إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة. قاله عبد الرحمن الأعرج.\nانتهى. قرطبي بتصرف، واختصار مني، والقول الثالث ضعيف جدا، والقول الأول اعتمده ابن عباس﵄-.\nهذا؛ وعد ما ذكر الله في هذه الآيات من الإخبار عن المغيبات التي تقع في المستقبل، قال الزرقاني-رحمه الله تعالى-: وفي هذه الآيات عند التأمل خمسة تنبؤات: أولها: الإخبار بما يغشاهم من القحط وشدة الجوع، حتى يرى الرجل بينه وبين السماء كهيئة الدخان. الثاني:\nالإخبار بأنهم سيضرعون إلى الله حين تحلّ بهم هذه الأزمة. الثالث: الإخبار بأنّ الله سيكشف عنهم ذلك العذاب قليلا. الرابع: الإخبار بأنهم سيعودون إلى كفرهم، وعتوهم. الخامس:\nالإخبار بأنّ الله سينتقم منهم يوم البطشة، وهو يوم بدر. ثم قال: ولقد حقق الله ذلك كله، ما انخرم منه ولا نبوءة واحدة، فأصيبوا بالقحط حتى أكلوا العظام، وجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من شدة جوعه، وجهده، ثم قالوا متضرعين: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ ثم كشف الله عنهم العذاب قليلا، ثم عادوا إلى كفرهم، وعتوهم، فانتقم الله منهم يوم بدر، فبطش الله بهم البطشة الكبرى؛ حيث قتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وأديل للمسلمين منهم. أرأيت ذلك كله؛ هل يمكن أن يصدر مثله من مخلوق؟! كلا بل هو الله العزيز الحكيم. انتهى. علوم القرآن للصابوني.","vol":"8","page":663},{"text":"الإعراب: ﴿فَارْتَقِبْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة. (ارتقب): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿تَأْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها.\n ﴿بِدُخانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: (دخان)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الشك حاصلا منهم، وواقعا فارتقب... إلخ، والكلام كله مستأنف لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-4425\"></span>﴿يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿يَغْشَى النّاسَ:﴾ يحيط بهم، ويشملهم، ويلبسهم. ﴿هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي:\nيقول الله لهم. وقيل: هم يقولون: هذا عذاب أليم. فمن قال: إنّ الدخان قد مضى؛ فهو حكاية حال ماضية، ومن جعله مستقبلا؛ فهو حكاية حال آتية.\nالإعراب: ﴿يَغْشَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى (دخان). ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (دخان)، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿عَذابٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر الشرح.\n<span id=\"aya-4426\"></span>﴿رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾\nالشرح أي: يقولون: ربنا اكشف عنّا العذاب؛ أي: فهم يستغيثون بالله ﷿ أن يرفع عنهم العذاب. ﴿إِنّا مُؤْمِنُونَ:﴾ قال البيضاوي: وهذا؛ وعد بالإيمان إن كشف عنهم العذاب، وقد رأيت القولين في هذا العذاب، وهو الدخان، هل وقع لقريش، أو يكون من أمارات الساعة؟ قال ابن كثير: أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وانتقامه، سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله جلّت عظمته: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رقم [٢٧] من سورة (الأنعام)، وكذا قوله جلّ وعلا: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ رقم [٤٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿رَبَّنَا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اِكْشِفْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر، تقديره: أنت. ﴿عَنَّا:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبّه بالفعل. و(نا): اسمها.","vol":"8","page":664},{"text":"﴿مُؤْمِنُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب شرط محذوف، التقدير: إن تكشف عنا العذاب؛ فإنا مؤمنون. والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقولون: ربنا... إلخ، والجملة على هذا التقدير في محل نصب حال من ﴿النّاسَ﴾ والرابط: الضمير فقط، وعليه فالجملة الفعلية المقدرة في الآية السابقة يقول الله لهم: ﴿هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معترضة بين الحال، وعاملها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-4427\"></span>﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾\nالشرح: المعنى: كيف يتذكرون، ويتعظون بهذه الحالة التي هم فيها؛ وقد جاءهم ما هو أعظم، وأدخل في وجوب الطاعة، وهو ما ظهر على يد رسول الله ﷺ من المعجزات الظاهرات، والآيات البينات الباهرات، ومع ذلك لم يؤمنوا به، ولم يتبعوه؟!\nالإعراب: ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. وقيل: بمعنى:\n «كيف» في محل نصب على الظرفية في محل رفع خبر مقدم. ولا وجه له، ولو قيل: هو بمعنى:\n «من أين» لكان أوجه. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان. ﴿الذِّكْرى:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول لقول محذوف، التقدير: يقول الله: أنى لهم الذكرى. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿رَسُولٌ:﴾ فاعله.\n ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-4428\"></span>﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ:﴾ أعرضوا عن الرسول ﷺ. قال ابن عباس﵄-:\nمتى يتعظون، والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد توليهم عن محمد ﷺ، وتكذيبهم إياه؟! ﴿وَقالُوا:﴾ أي: كفار قريش. ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أي: يعلمه بشر هو عدّاس غلام أعجمي لبعض ثقيف، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٠٣]: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿مَجْنُونٌ﴾ أي: تلقي إليه الجن هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشى.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَقالُوا:﴾","vol":"8","page":665},{"text":"فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُعَلَّمٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو معلم. ﴿مَجْنُونٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4429\"></span>﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا﴾ أي: وقتا قليلا، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا؛ أي: في زمان قليل؛ ليعلم: أنهم لا يفون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه عنهم. قاله ابن مسعود﵁-. فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي ﷺ عادوا إلى تكذيبه. ومن قال: إن الدخان منتظر؛ قال: أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية، وآية من آيات قيام الساعة. انتهى. قرطبي.\nوقال البيضاوي: ومن فسّر الدخان بما هو من أشراط الساعة؛ قال: إذا جاء الدخان غوّث الكفار بالدعاء، فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يوما، فريثما يكشفه عنهم يرتدون، ولا يتمهلون.\n ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ:﴾ فعلى قول ابن مسعود: المعنى: إنكم مبعوثون بعد الموت، وعلى قول ابن عباس: إنكم عائدون إلى نار جهنم بعد هذا الدخان.\nوقال ابن كثير: يحتمل معنيين: أحدهما: أنّ المعنى: ولو كشفنا عنكم العذاب، ورجعناكم إلى الدار الدنيا؛ لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر، والتكذيب، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾. والثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا، بعد انفقاد أسبابه ووصوله إليكم؛ وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان، والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون قد باشرهم. كقوله تعالى في سورة (يونس) [٩٨]: ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ ولم يكن العذاب باشرهم، واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم، ثم عادوا إليه. انتهى. بحروفه.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبّه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿كاشِفُوا:﴾ خبر «إن» مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: كشفا قليلا، أو صفة زمان محذوف، التقدير: زمانا قليلا، فهو متعلق ب: ﴿كاشِفُوا،﴾ والجملة الاسمية جواب من جهته تعالى عن قولهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ بطريق الالتفات لمزيد التهديد، والتوبيخ، وما بينهما اعتراض. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿عائِدُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، والجملة الاسمية مستأنفة مبينة أنهم مطبوعون على الكفر والعناد، ومخالفة رب العباد.","vol":"8","page":666},{"text":"<span id=\"aya-4430\"></span>﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ..﴾. إلخ: البطش الأخذ بقوة، وعنف. وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة، قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [١٠٧]: [الوافر]\nلنا الدّنيا ومن أضحى عليها... ونبطش حين نبطش قادرينا\nوالبطشة الكبرى المراد بها: يوم بدر في قول ابن مسعود، وهو قول ابن عباس، وأبي بن كعب، ومجاهد، والضحاك. وقيل: عذاب جهنم يوم القيامة، قاله الحسن، وعكرمة، وابن عباس أيضا. وقال الرازي: القول الثاني أصح؛ لأنّ يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ، الذي يوصف به هذا الوصف العظيم، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة، ولما وصف بكونها كبرى؛ وجب أن تكون أعظم أنواع البطش على الإطلاق، وذلك إنما يكون في القيامة. انتهى. صفوة التفاسير.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف لهذا المقدر، أو هو مفعول به لفعل محذوف دلّ عليه: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾. وقيل: هو بدل من ﴿يَوْمَ تَأْتِي،﴾ والأول أقوى. ﴿نَبْطِشُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿الْبَطْشَةَ:﴾ مفعول به. وقيل: مفعول مطلق. ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة:\n ﴿الْبَطْشَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ:﴾ تقدّم مثلها، والجملة مستأنفة، ومبنية لقدرة الله تعالى على الانتقام.\n<span id=\"aya-4431\"></span>﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ:﴾ امتحناهم، واختبرناهم بإرسال موسى، وأخيه هارون إليهم. قال الجمل: أي: فعلنا بهم فعل الممتحن، وهو المختبر الذي يريد أن يعلم بحقيقة الشيء، وذلك الامتحان كان بزيادة الرزق، والتمكين في الأرض، وإرسال الرسل، فقوله: ﴿وَجاءَهُمْ..﴾. إلخ من جملة ما امتحنوا به. انتهى. نقلا من الخطيب. وقوله: قبلهم؛ أي:\nقبل هؤلاء؛ ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم، و﴿كَرِيمٌ﴾ أي: على الله تعالى، أو على المؤمنين، أو في نفسه لشرف نسبه، وفضل حسبه.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف) ففيها الإعراب واف كاف. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمَ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَجاءَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.","vol":"8","page":667},{"text":"(جاءهم): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿رَسُولٌ:﴾ فاعل. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير: «قد» قبلها.\n\n<span id=\"aya-4432\"></span>﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: المعنى: جاءهم، فقال: اتبعوني. ف: ﴿عِبادَ اللهِ﴾ منادى، وعليه ابن هشام في المغني. وقال مجاهد: المعنى أرسلوا معي عباد الله، وأطلقوهم من العذاب. ف: ﴿عِبادَ اللهِ﴾ على هذا: مفعول: مفعول. وقيل:\nالمعنى: أدوا إليّ سمعكم؛ حتى أبلغكم رسالة ربي. وعلى القول الثاني ففي الكلام استعارة، بمعنى: إطلاقهم وإرسالهم معه، وإليه الإشارة بقوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ:﴾ غير متهم؛ لدلالة المعجزات على صدقي، أو لائتمان الله إياي على وحيه.\nالإعراب: ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: «أنه».\n ﴿أَدُّوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، التقدير: أدوهم، أو أدوا حق الله، وعليه ف: ﴿عِبادَ﴾ منادى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ ويضعفه: أنّ الجملة الطلبية لا تقع خبرا للحرف المشبه بالفعل. وأجيز اعتبار (أن) مصدرية، وعلى الوجهين ف: ﴿أَنْ﴾ ومدخولها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأداء حق الله. هذا؛ وأجيز اعتبار (أن) حرف تفسير؛ لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وهي جملة: (جاءهم)، وعليه فالجملة مفسرة لا محلّ لها. ﴿عِبادَ:﴾ منادى، أو هو مفعول به حسب ما رأيت في الشرح، و﴿عِبادَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا».\n ﴿رَسُولٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿أَمِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4433\"></span>﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ﴾ أي: ولا تتكبروا عليه بالاستهانة بوحيه، ورسوله، ولا ترتفعوا عن عبادته، وطاعته. وقال قتادة: لا تبغوا على الله. وقال ابن عباس﵄-:\nلا تفتروا على الله. والفرق بين البغي، والافتراء: أنّ البغي بالفعل، والافتراء بالقول، وقال ابن جريج: لا تعظموا على الله. وقال يحيى بن سلام: لا تستكبروا على عبادة الله. والفرق بين","vol":"8","page":668},{"text":"التعظيم، والاستكبار: أنّ التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر. ذكره الماوردي انتهى. قرطبي. ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجة ظاهرة واضحة، وهي ما أرسلني به الله من الآيات البينات، والأدلة القاطعات. وانظر سورة (القصص) [٣٢] شرح البرهان والسلطان.\nالإعراب: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): معطوفة على ما قبلها، ويجوز في هذه ما جاز في تلك من أوجه، فعلى اعتبارها ناصبة؛ فالفعل منصوب بها، و(لا): نافية، وعلى اعتبارها مفسرة، أو مخففة؛ ف (لا) ناهية، والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية يقال فيها ما قيل بقوله ب: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ﴾. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿آتِيكُمْ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وإن اعتبرته فعلا مضارعا؛ فهو مرفوع أيضا، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محلّ لها. هذا؛ وقرئ بفتح همزة «(أنّ)»، وعليه ف: «(أنّ)» واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لكوني آتيكم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿آتِيكُمْ﴾ على الاعتبارين. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (سلطان).\n\n<span id=\"aya-4434\"></span>﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ:﴾ التجأت إليه، وتوكّلت عليه. ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ:﴾ أن تؤذوني ضربا، أو شتما، أو قتلا، ومعناه: أنه مستجير، ومستعين بربه، متكل عليه أن يعصمه منهم، ومن كيدهم، فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونه به من القتل، أو الرجم. صلّى الله على سيدنا محمد، وعلى موسى، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين، وسلم تسليما كثيرا.\nالإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها.\n ﴿عُذْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿آتِيكُمْ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿بِرَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَبِّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَرْجُمُونِ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء","vol":"8","page":669},{"text":"المتكلم المحذوفة مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من رجمكم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿عُذْتُ﴾.\n\n<span id=\"aya-4435\"></span>﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾\nالشرح: المعنى إن لم تصدقوني، ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، ودليلي؛ فابتعدوا عني، ودعوني كفافا، لا لي، ولا عليّ، وكفّوا عن أذاي، وخلّوا سبيلي. فلمّا طال مقامه بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، كل ذلك، وما زادهم إلاّ كفرا، وعنادا، وطغيانا، واستكبارا؛ دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال ﵎: ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ رقم [٨٨ و٨٩] من سورة (يونس) على نبينا وحبيبنا، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4062>فائدة:</span>\nقال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-في مثل هذا التركيب: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي:﴾ دخلت (إن) على: ﴿لَمْ﴾ ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ ﴿لَمْ﴾ ترد الفعل المستقبل إلى معنى المضي، و(إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت ﴿لَمْ﴾ ولفظ المستقبل بعدها بمعنى: الماضي ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأنّ (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَاعْتَزِلُونِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعتزلون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو مستأنف لا محلّ له.\n<span id=\"aya-4436\"></span>﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ أي: بعد أن كذّبوه دعا الله تعالى، وشكا إليه طغيانهم، وعنادهم، وتكبرهم. ﴿أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ:﴾ هذا تعريض بالدعاء، فكأنه قال: هؤلاء قوم مجرمون، فافعل بهم ما يليق بهم من العذاب، والانتقام.","vol":"8","page":670},{"text":"الإعراب: ﴿فَدَعا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (دعا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ،﴾ وهو موسى ﵇. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فكفروا، ولم يتركوه. والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب اسم (أنّ). ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر (أنّ). ﴿مُجْرِمُونَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nبكونهم قوما مجرمين. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (دعا). هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إنّ)».\nعلى إضمار القول عند البصريين. التقدير: قال: إن هؤلاء... إلخ، وهذه الجملة مفسرة لجملة (دعا...) إلخ لا محلّ لها مثلها. والكوفيون يجرون (دعا) مجرى القول؛ أي: فإنها في محل نصب مفعول به ل: (دعا).\n\n<span id=\"aya-4437\"></span>﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: هذا الأمر بالسير كان بعد ثلاثين سنة أقامها موسى بينهم يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، فلم يزدادوا إلاّ عتوا، وعنادا على كثرة المعجزات التي رأوها على يد موسى على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد فصل ذلك في سورة (البقرة) و(الأعراف) و(طه) و(الشعراء) و(يونس) كما تقدم خروج فرعون وراء موسى في هذه السّور. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ:﴾\nيتبعكم فرعون، وجنوده، والمعنى: أسر بهم؛ حتى إذا اتبعكم فرعون بجنوده مصبحين؛ كان لكم تقدم عليهم؛ بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر، فيدخلون مدخلكم، فأطبقه عليهم، فأغرقهم، وتنجون أنتم.\nهذا؛ وأسرى فيه لغتان: سرى، وأسرى، وقرئ هنا وفي (الشعراء) بقطع الهمزة، ووصلها، فالأول من الرباعي، والثاني من الثلاثي، وقد جمع حسان بن ثابت﵁بين اللغتين في بيت واحد؛ حيث قال: [الكامل]\nحيّ النّضيرة ربّة الخدر... أسرت إليّ ولم تكن تسري\nوسرى، وأسرى بمعنى واحد. وهو قول أبي عبيد. والثانية لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم هنا، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث، وأما سار فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى: مشى.\nهذا؛ والسرى، والإسراء: السير في الليل، يقال؛ سرى، يسري سرى، ومسرى، وسرية، وسراية، وأسرى إسراء. هذا؛ والسرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلاّ التأنيث،","vol":"8","page":671},{"text":"وكأنهم جعلوه جمع: سرية. ﴿بِعِبادِي:﴾ الإضافة إضافة تشريف، وتكريم، وتبجيل، وتعظيم، وذكر العبودية مقام عظيم، وكثيرا ما ذكر الله حبيبه محمدا ﷺ بلفظ عبده. هذا؛ والعبد: الإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك.\nهذا؛ وأمر الله إلى موسى ﵇ بالخروج ليلا، وسير الليل في الغالب إنّما يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو، فيتخذ الليل سترا مسدلا، فهو من أستار الله تعالى. وإما من خوف المشقة على الأبدان، والدواب بحرّ، أو جدب، فيتخذ السّرى مصلحة من ذلك، وكان النبي ﷺ يسري، ويدلج، ويترفق، ويستعجل بحسب الحاجة، وما تقتضيه المصلحة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «إذا سافرتم في الخصب؛ فأعطوا الإبل حظّها من الأرض، وإذا سافرتم في السّنة؛ فبادروا بها نقيها». انتهى. قرطبي. المراد بالسّنة: القحط، وانعدام نبات الأرض من يبسها. والنقي: بكسر النون وسكون القاف: هو المخ، ومعناه أسرعوا في السير الإبل لتصلوا إلى المقصد؛ وفيها بقية من قوتها.\nالإعراب: ﴿فَأَسْرِ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة، والتقدير: فقال: أسر، أو قال: إن كان الأمر كذلك؛ فأسر. (أسر): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة في محل نصب مقول القول، أو هي في محل جزم جواب الشرط، والكلام في محل نصب مقول القول لقول محذوف، كما رأيت تقديره، والكلام كله مستأنف، لا محلّ له. هذا؛ وقدر القرطبي الكلام كما يلي: فأجبنا دعاءه، وأوحينا إليه: أن أسر بعبادي. ولا بأس به! دليله قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٥٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. ﴿بِعِبادِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْلًا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مُتَّبَعُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4438\"></span>﴿وَاُتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي: ساكنا. قال القطامي في قصيدة يمدح فيها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان: [البسيط]\nيمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة... ولا الصّدور على الأعجاز تتّكل\nأي: يمشين مشيا ساكنا على هينة. أراد موسى ﵇ لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه، فينطبق كما ضربه، فانفلق، فأمر أن يتركه على هيئته قارا على حاله من انتصاب الماء،","vol":"8","page":672},{"text":"وكون الطريق يبسا لا يضربه بعصاه، ولا يغير منه شيئا، ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه؛ أطبقه الله عليهم. هذا؛ والرهو: الفجوة الواسعة، وعن بعض العرب: أنّه رأى جملا فالجا، فقال:\nسبحان الله وهو بين سنامين، فيكون المعنى: اترك البحر مفتوحا على حاله منفرجا ليدخله القبط. هذا؛ والرهو والرهوة: المكان المرتفع، والمنخفض أيضا، يجتمع فيه الماء، فهو من الأضداد، والرهو: المرأة الواسعة الهن. حكاه النضر بن شميل، والرهو: ضرب من الطير، ويطلق على غير ذلك. انظر القاموس المحيط.\nوالمعنى: إذا سرت يا موسى بقومك ليلا، وتبعك العدو، ووصلت إلى البحر، وأمرناك بضربه، وانفتح، ودخلت أنت، وقومك فيه، ونجوتم منه؛ فاتركه بحاله، ولا تضربه بعصاك ليلتئم، بل أبقه على حاله؛ ليدخله فرعون، وقومه، فينطبق عليهم. ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ:﴾ هذا إخبار من الله تعالى لموسى بإغراقهم؛ ليطمئن قلبه في تركه البحر كما هو، وبأنهم لن يدركوا من قبل بني إسرائيل وقد صرحت: آية سورة (طه) رقم [٧٧] بذلك: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى﴾.\nالإعراب: ﴿وَاتْرُكِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اترك): فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به أول. ﴿رَهْوًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من البحر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي..﴾. إلخ. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿جُنْدٌ:﴾ خبرها. ﴿مُغْرَقُونَ:﴾ صفة: ﴿جُنْدٌ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة «(أنّ)» في هذه الآية وسابقتها، وعليه فتؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بلام تعليل مقدرة، التقدير: لكونهم جندا مغرقين.\n\n<span id=\"aya-4439\"></span><span id=\"aya-4440\"></span><span id=\"aya-4441\"></span>﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ أي: تركوا أمورا كثيرة، والمراد: فرعون، وقومه. ﴿مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ:﴾ قيل: كانت البساتين ممتدة في حافتي النيل، فيها عيون، وأنهار جارية. ﴿وَزُرُوعٍ﴾ أي:\nأنواع الزروع، وفي سورة (الشعراء) رقم [٥٨] زيادة: ﴿وَكُنُوزٍ﴾. ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أي: حسن، وجميل، وهو ما كان لهم من المجالس، والمنازل الحسنة. قيل: المراد: مجالس الأمراء، والرؤساء؛ التي كانت لهم. وقيل: إن فرعون كان إذ قعد على سريره، وضع بين يديه ثلاثمئة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف من قومه، والأمراء، وعليهم أقبية الذهب، مخوصة بالذهب. والمعنى: تركوا بساتينهم الغنّاء؛ التي فيها العيون الجارية، وأموالهم، ومجالسهم الحسنة.","vol":"8","page":673},{"text":"هذا؛ والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضي في بابه، يقال: وجه كريم؛ أي: مرضي بحسنه، وجماله. وكتاب كريم: مرضي في معانيه، وفوائده. ونبات كريم:\nمرضي فيما يتعلق به من المنافع، قال تعالى: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ رقم [٧] من سورة (الشعراء) وقس على ذلك الإنسان، والحيوان، والمكان، ومثله لفظ: عبقري المذكور في سورة (الرحمن) في الآية [٧٦].\n ﴿وَنَعْمَةٍ:﴾ بفتح النون من التنعّم، وهو الترفه. يقال: نعّمه الله، وناعمه، فتنعّم، وامرأة منعّمة، ومناعمة بمعنى: مرفهة، والنعمة بالكسر: اليد، والصنيعة، والمنة، وما أنعم به عليك، وهي من عطف العام على الخاص. والنعمة بضم النون: المسرة، وقد تقصر، فيقال: نعمى.\n ﴿فَكِهِينَ:﴾ متنعمين، ناعمين، لاهين، مازحين. يقال: إنه لفاكه؛ أي: مزّاح، وفيه فكاهة؛ أي: مزاح، وقرئ: «(فكهين)» بمعنى: بطرين أشرين.\nهذا؛ و(مقام) اسم مكان ميمي، وأصله (مقوم) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.\nوانظر الآية رقم [٥١]. وانظر شرح (كم) برقم [٦] من سورة (الزخرف).\nالإعراب: ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم.\n ﴿تَرَكُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ جَنّاتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كَمْ،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة: (مقام). ﴿وَنَعْمَةٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿فَكِهِينَ:﴾\nخبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: (نعمة).\n\n<span id=\"aya-4442\"></span>﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾\nالشرح: المراد ب: ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ بنو إسرائيل، ملّكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين، لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث، وهو مثل قوله تعالى:\n ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾ رقم [١٣٧] من سورة (الأعراف) ومعنى ﴿آخَرِينَ:﴾ ليسوا منهم في شيء من قرابة، ولا دين، ولا ولاء.\nهذا؛ وآخرين: مفرده آخر بفتح الخاء، ومؤنثه: أخرى، وكلاهما بمعنى: غير، وأخرى:\nتجمع على: أخر، وأخريات، والآخر بفتح الخاء، يكون ما قبله، وما بعده من جنسه. هذا؛ والآخر بكسر الخاء، لا يكون بعده شيء غيره، ومؤنثه: أخرى، وآخرة أيضا، وجمع الأولى:","vol":"8","page":674},{"text":"أخريات، وجمع الثانية: أواخر. هذا؛ والأخرى: دار البقاء، والنسبة إليها أخروي، وكلام آخر وأخر: ضد الأول.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كذلك، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: نفعل فعلا مثل ذلك بمن نريد إهلاكه، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فالمحل لها، وهي مضاف، واسم الإشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. وعلى هذا: فالوقف على: ﴿كَذلِكَ،﴾ والجملة معترضة بين الجملة اللاحقة، والسابقة المتعاطفتين.\nوقال الزمخشري: الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها. ﴿وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ليسوا منهم، فعلى هذا يكون: ﴿وَأَوْرَثْناها﴾ معطوفا على تلك الجملة الناصبة للكاف، فلا يجوز الوقف على ﴿كَذلِكَ﴾ حينئذ. انتهى. جمل. ﴿وَأَوْرَثْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-4443\"></span>﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ:﴾ مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم، والاعتداد بوجودهم، كقولهم: بكت عليهم السماء، وكسفت لمهلكهم الشمس في نقيض ذلك، ومنه ما روي في الأخبار: أنّ المؤمن ليبكي عليه مصلاه، ومحل عبادته، ومصعد عمله، ومهبط رزقه.\nفقد روى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مؤمن إلاّ وله في السماء بابان: باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل منه كلامه، وعمله، فإذا مات؛ فقداه، فبكيا عليه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ»﴾.\nوقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: إن السماء، والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله، فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه، وتكبيره فيها دوي كدوي النحل! وقال شريح الحضرمي: قال النبي ﷺ: «إنّ الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء يوم القيامة!» قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: «هم الذين إذا فسد النّاس؛ صلحوا». ثم قال: «ألا لا غربة على مؤمن، وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه؛ إلاّ بكت عليه السماء والأرض». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ ثم قال: «ألا إنّهما لا يبكيان على الكافر».\nقال السدي: لما قتل الحسين بن علي﵄-: بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتها. وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد؛ قال: لما قتل الحسين بن علي﵄-:\nاحمرّ له آفاق السماء أربعة أشهر. وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء","vol":"8","page":675},{"text":"والأرض؛ أي: عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء، والأرض، والريح، والبرق، وبكته الليالي الشاتيات. قال جرير يبكي عمر بن عبد العزيز﵁-: [البسيط]\nتنعي النّعاة أمير المؤمنين لنا... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا\nحمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا\nفالشّمس طالعة ليست بكاسفة... تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا\nوهذا هو الشاهد رقم [٧٠١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقالت ليلى بنت طريف الشيباني ترثي أخاها الوليد، وهو الشاهد، رقم [٦٥] من «فتح القريب المجيب» أيضا: [الطويل] أيا شجر الخابور مالك مورقا... كأنّك لم تجزع على ابن طريف\n ﴿وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أي: مهملين إلى وقت آخر، بل أخذوا فجأة. هذا؛ وفي قوله: ﴿بَكَتْ﴾ استعارة مكنية تخييلية حيث شبه السماء والأرض بمن يصح منه الاكتراث، ثم حذف المشبه به، وهو من يصح منه الاكتراث، واستعار له شيئا من لوازمه، وهو البكاء. وجعله بعضهم مجازا مرسلا عن الاكتراث بهلاك الهالك، والعلاقة السببية، ذكر المسبب، وأراد السبب، فإن الاكتراث المذكور سبب يؤدي إلى البقاء عادة. قال أبو حيان: في: ﴿بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ،﴾ استعارة لتحقير أمرهم، وأنّه لم يتغير عن هلاكهم شيء.\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿بَكَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث؛ التي هي حرف لا محلّ له.\n ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَالْأَرْضُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها، والألف للتفريق. ﴿مُنْظَرِينَ:﴾ خبر (كان). والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4444\"></span>﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠)﴾\nالشرح: المعنى: نجينا بني إسرائيل مما كانت القبط تفعله بهم بأمر فرعون، من قتل الأبناء، واستخدام النساء، واستعبادهم إياهم، وتكليفهم الأعمال الشاقة. وفيه تذكير، وامتنان على اليهود؛ الذين كانوا في عصر النبي ﷺ بما أنعم الله على آبائهم الأولين.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا﴾ انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف) ففيها الكفاية. ﴿بَنِي:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرّه الفتحة","vol":"8","page":676},{"text":"نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُهِينِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ،﴾ والكلام: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-4445\"></span>﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: جبارا من المشركين، وليس هذا علو مدح، بل هو علوّ في الإسراف، كقوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٤]: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ..﴾.\nإلخ.\nالإعراب: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ:﴾ بدل مما قبلهما؛ أي: ﴿مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ كأنه في نفسه كان عذابا مهينا لإفراطه في تعذيبهم، وإهانتهم. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعَذابِ﴾ أي:\nواقعا من جهة فرعون. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿عالِيًا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب: ﴿عالِيًا﴾ وجملة:\n ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لنجاة بني إسرائيل من العذاب المهين.\n<span id=\"aya-4446\"></span>﴿وَلَقَدِ اِخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾ أي: اصطفينا بني إسرائيل وفضلناهم. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي: على علم منا بهم لكثرة الأنبياء منهم. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانهم، فهو كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٣٣]: ﴿*إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ وكقوله تعالى في (آل عمران) أيضا رقم [٤٢]: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ أي: نساء زمنها، فإن خديجة أفضل منها، أو مساوية لها في الفضل، وكذا آسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.\nوانظر شرح الآيتين في سورة (آل عمران)، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف). ﴿اِخْتَرْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب القسم. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (نا) التقدير: عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء أن يختاروا. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.","vol":"8","page":677},{"text":"<span id=\"aya-4447\"></span>﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ:﴾ من المعجزات الباهرات من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات العظام؛ التي لم يظهر الله في غيرهم مثلها. وقيل:\nإنها العصا، واليد، فيكون الكلام مقصودا به فرعون، وقومه. وليس بشيء؛ لأنّ الكلام مع بني إسرائيل بعد إهلاك فرعون. ﴿ما فِيهِ بَلؤُا:﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: نعمة ظاهرة، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٧]: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ وقال زهير: [الطويل]\nرأى الله بالإحسان ما فعلا بكم... فأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو\nوهذا قاله الحسن، وقتادة. الثاني: عذاب شديد. قاله الفراء. الثالث: اختبار يتميز به المؤمن من الكافر؛ لينظر كيف تعلمون كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٩]: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قاله عبد الرحمن بن زيد، وقال: ابتلاهم بالرخاء، والشدة. وقرأ قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.\nالإعراب: ﴿وَآتَيْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنَ الْآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿بَلؤُا:﴾ فاعل بمتعلق الجار والمجرور.\n ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة: ﴿بَلؤُا﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و﴿بَلؤُا﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.\n<span id=\"aya-4448\"></span><span id=\"aya-4449\"></span><span id=\"aya-4450\"></span>﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ أي: كفار قريش؛ لأنّ الكلام فيهم، وقصة فرعون، وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة، والإنذار عن مثل ما حلّ بهم. ﴿لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى:﴾ في هذا الكلام إشكال، وهو: أنّ الكلام وقع في الحياة الثانية، لا في الموت، فهلا قيل: (إن هي إلاّ حياتنا الدنيا الأولى، وما نحن بمنشرين)، كما قيل: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ رقم [٢٩] من سورة (الأنعام)، وما معنى ذكر الأولى؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى، حتى جحدوها، وأثبتوا الأولى، والجواب: أنه قيل لهم: إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة، كما تقدمتكم موتة تعقبتها حياة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ﴾","vol":"8","page":678},{"text":"﴿يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ رقم [٢٨] من سورة (البقرة) فقالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾ يريدون ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلاّ الموتة الأولى، وهي كونهم نطفا ميتة في الأصلاب، أو الأرحام، فلا فرق إذا بين هذه الآية، وبين آية الأنعام في المعنى. انتهى. الكشاف بتصرف.\n ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أي: مبعوثين بعد موتتنا هذه. ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ أي: الذين ماتوا قبل؛ أي: ردوهم إلى الحياة الدنيا بعد موتهم، ليكون ذلك شاهدا على صدقكم، والخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين على وجه التعجيز. قال القرطبي: قائل هذا أبو جهل، قال: يا محمد! إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا، أحدهما قصي بن كلاب، فإنه كان رجلا صادقا، لنسأله عما يكون بعد الموت.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم «إن». والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَيَقُولُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يقولون):\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر «إن»، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَوْتَتُنَا:﴾ خبر المبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿الْأُولى:﴾ صفة: ﴿مَوْتَتُنَا﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو هي حرف عطف. (ما):\nنافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُنْشَرِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (منشرين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معطوفة على (ما) قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: إذا كنتم صادقين فيما تقولون؛ فأتوا... إلخ. (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿بِآبائِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين فائتوا، والكلام كله في محل نصب مقول القول.","vol":"8","page":679},{"text":"<span id=\"aya-4451\"></span>﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تبع الحميري، الذي سار بالجيوش، وبنى الحيرة، وبنى سمرقند. وقيل: هدمها، وكان مؤمنا، وكان قومه كافرين؛ ولذلك ذمهم الله دونه، وقال ﷺ:\n «ما أدري أكان تبع نبيا، أو غير نبي؟». وأسلم، وآمن بالنبي ﷺ قبل ولادته بتسعمئة سنة لما أخبرته اليهود بخبره على حسب ما هو في كتابهم، وهذا هو تبع الأكبر أبو كرب، واسمه:\nأسعد، وإليه تنسب الأنصار، ولحفظهم وصيته عن آبائهم بادروا إلى الإسلام، وهو أول من كسا الكعبة، بعد ما أراد غزو مكة، وبعدما غزا المدينة المنورة، وأراد خرابها، ثم انصرف عنها لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد، وقال شعرا أودعه عند أهلها، وكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى أن هاجر النبي ﷺ، فدفعوه إليه، ويقال: كان الشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري -﵁وفيه: [المتقارب]\nشهدت على أحمد أنه... رسول من الله باري النّسم\nفلو مدّ عمري إلى عمره... لكنت وزيرا له وابن عم\nوروى ابن إسحاق، وغيره: أنه كان في الكتاب الذي كتبه: أما بعد: فإني آمنت بك، وبكتابك الذي ينزل عليك، وأنا على دينك، وعلى سنتك، وآمنت بربك، ورب كل شيء، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام، فإن أدركتك؛ فبها ونعمت، وإن لم أدركك؛ فاشفع لي، ولا تنسني يوم القيامة، فإني من أمتك الأولين، وبايعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك، وملة أبيك إبراهيم ﵇. ثم ختم الكتاب، ونقش عليه: لله الأمر من قبل ومن بعد، وكتب على عنوانه: إلى محمد بن عبد الله، نبي الله، ورسوله، خاتم النبيين، ورسول رب العالمين ﷺ من تبّع الأول.\nوكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي ﷺ ألف سنة، لا يزيد ولا ينقص. واختلف هل كان نبيا، أو ملكا صالحا، فقال ابن عباس﵄-: كان تبع نبيا. وقال كعب: كان تبع ملكا من الملوك، وكان قومه كهانا، وكان معهم قوم من اليهود، فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا، ففعلوا، فتقبل قربان أهل الكتاب، فأسلم. وقالت عائشة﵂-: لا تسبّوا تبعا، فإنه كان رجلا صالحا. وقال كعب: ذم الله قومه، ولم يذمه، وضرب لقريش بهم مثلا لقربهم من دارهم، وعظمهم في نفوسهم. فلما أهلكهم الله تعالى ومن قبلهم؛ لأنهم كانوا مجرمين؛ كان من أجرم مع ضعف اليد، وقلة العدد أحرى بالهلاك.\nوافتخر أهل اليمن بهذه الآية؛ إذ جعل قوم تبع خيرا من قريش. وقيل: سمي أولهم تبعا؛ لأنه اتبع قرن الشمس، وسافر في المشرق مع العساكر.","vol":"8","page":680},{"text":"هذا؛ وتبع ليس رجلا واحدا، بل المراد به ملوك اليمن، فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة، ف: «تبع» لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم. وقال أبو عبيدة: سمي كل واحد منهم تبعا؛ لأنه يتبع صاحبه. انتهى. من هنا، وهناك.\nهذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ..﴾. إلخ، ولا خير في الفريقين؟ قلت: معناه أهم خير في القوة، والمنعة، كقوله تعالى في سورة (القمر) رقم [٤٣]:\n ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾ بعد ذكر آل فرعون. وفي تفسير ابن عباس﵄-: أهم أشد أم قوم تبع؟. انتهى.\nوهذا يعني: أن ﴿خَيْرٌ﴾ جاء بمعنى: قوة، كما جاء بمعنى: الطعام في قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٤] حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وجاء بمعنى: المال، كما في سورة العاديات: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. وجاء بمعنى: العبادة في سورة (الأنبياء) رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾.\n ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ قبل قوم تبع، كقوم هود، وصالح، ونوح، وغيرهم من الأمم الكافرة.\n ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: جميعا مع ما كانوا عليه من غاية الشدة والقوة، فإهلاك كفار قريش أولى.\n ﴿إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أي: كافرين. وانظر التعبير بالمجرمين، ونحوه عن الكافرين في الآية رقم [٧٤] من سورة (الزخرف).\nالإعراب: ﴿أَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَمْ:﴾\nحرف عطف معادل للهمزة. ﴿قَوْمُ:﴾ معطوف على الضمير، وهو مضاف، و﴿تُبَّعٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على: ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ،﴾ وأجيز عطفه على: ﴿تُبَّعٍ،﴾ فيكون في محل جر. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المعطوف والمعطوف عليه، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، ويجوز أن تكون مستأنفة، لا محلّ لها.\nوفي السمين: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معطوفا على:\n ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. الثاني: أن يكون مبتدأ، خبره ما بعده من: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾. وأما على الأول ف: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ إما مستأنف، وإما حال من الضمير الذي استكن في الصلة. الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مقدر يفسره: ﴿أَهْلَكْناهُمْ،﴾ ولا محل ل: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ حينئذ. انتهى. جمل.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للإهلاك، لا محل لها.","vol":"8","page":681},{"text":"<span id=\"aya-4452\"></span>﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨)﴾\nالشرح: هذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (الأنبياء) برقم [١٦]. وقال البيضاوي في شرحها هناك: وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع، تبصرة للنظار، وتذكرة لذوي الاعتبار، وتسبيبا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش، والمعاد، فينبغي أن يتسلقوا بها إلى تحصيل الكمال، ولا يغترّوا بزخارفها، فإنّها سريعة الزوال. وقال الخازن: معناها ما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، وما بينهما للهو واللّعب، وإنما سويناهما لفوائد، منها: التفكر في خلقهما، وما فيهما من العجائب، والمنافع؛ التي لا تعدّ، ولا تحصى.\nوقال الجمل نقلا من زاده: الآية دليل على صحة الحشر، ووقوعه، ووجه الدلالة: أنه لو لم يحصل البعث، والجزاء؛ لكان هذا الخلق عبثا؛ لأنه تعالى خلق نوع الإنسان، وخلق ما ينتظم به أسباب معاشهم من السقف المرفوع، والمهاد المفروش، وما بينهما من عجائب المصنوعات، وبدائع الأحوال، ثم كلفهم بالإيمان، والطاعة، فاقتضى ذلك أن يتميز المطيع من العاصي بأن يكون المطيع متعلق فضله، وإحسانه، والعاصي متعلق عدله وعقابه، وذلك لا يكون في الدنيا لقصر زمانها، وعدم الاعتداد بمنافعها؛ لكونها مشوبة بأنواع الآفات، والمحن، فلا بدّ من البعث لتجزى كل نفس بما كسبت. فظهر بهذا وجه اتصال الآية بما قبلها، وهو أنّه لما حكى مقالة منكري البعث والجزاء، وهدّدهم ببيان مال المجرمين؛ الذين مضوا؛ ذكر الدليل القاطع على صحة البعث، والجزاء، فقال: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ..﴾. إلخ انتهى. وانظر سورة (ص) رقم [٢٧].\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿لاعِبِينَ:﴾ حال من (نا) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿وَما خَلَقْنَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4453\"></span>﴿ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات إلا بالعدل، والحق المبين؛ الذي اقتضاه الدليل من الإيمان، والطاعة، والبعث، والجزاء. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ الحق. وذكر الأكثر، إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في","vol":"8","page":682},{"text":"النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حدّ التكليف، أو لأنه يقوم مقام الكل، وخذ قول الشاعر: [البسيط]\nلم يبق من جلّ هذا الناس باقية... ينالها الوهم إلاّ هذه الصور\nلا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر\nدهمه: غشيه. يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، أو نصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم. ولله درّ القائل: [المنسرح]\nلا يدهمنك اللحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر\nفي شجر السّرو منهم شبه... له رواء، وماله ثمر\nورضي الله عن حسان بن ثابت إذ يقول: [البسيط]\nلا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم البغال، وأحلام العصافير\nوخذ قوله تعالى في سورة الروم الآية رقم [٦]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلَقْناهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (نا)، أي: إلاّ ملتبسين بالحق. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. وقيل: مفسرة لما قبلها، وهو وجه ضعيف.\n ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم (لكنّ)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الحق، والرابط: الواو، وإعادة (الحق) بلفظه لو ذكر.\n\n<span id=\"aya-4454\"></span>﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ:﴾ هو يوم القيامة، وسمي بذلك؛ لأنّ الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، وبين الحق، والباطل، وبين المحق، والمبطل، وبين المظلوم، والظالم، دليله قوله تعالى في سورة الممتحنة رقم [٣]: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ ونظيره قوله تعالى في سورة (الروم) رقم [١٤]: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ويوم الفصل ميقات الناس أجمعين، كما قال تعالى في سورة (النبأ) رقم [١٧]: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ أي: الوقت المجعول لتمييز المسيء من المحسن، والفصل بينهما ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ رقم [٧] من سورة (الشورى) وهذا غاية في التحذير، والوعيد، والتهديد.","vol":"8","page":683},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿يَوْمَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و﴿الْفَصْلِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿مِيقاتُهُمْ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المجرور محلا بالإضافة مجرور مثله، وعلامة جره الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. هذا؛ وأجاز الكسائي والفراء نصب: ﴿مِيقاتُهُمْ﴾ على أنه اسم ﴿إِنَّ،﴾ والظرف: ﴿يَوْمَ﴾ يكون متعلقا بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4455\"></span>﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي:﴾ لا ينفع، ولا يدفع. ﴿مَوْلًى:﴾ يطلق في الأصل على الإله المعبود بحق، ومن أسماء الله الحسنى: المولى، ويطلق على العبد، والسيد، والأمير، وابن العم، والحليف، والناصر، والمعين، وهو المراد في هذه الآية، وفي آخر سورة (الحج): ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ،﴾ وأيضا الآية رقم [١١] من سورة محمد ﷺ. انظر شرحهما في محلهما. كما يطلق على مولى العتاقة، والمحالفة، وكلّ منهما لا يكون متصل النسب في القبيلة، ولكنه لصيق بها، والموالي في نظر العرب من الخسة، والضعة بحيث لا يرونهم في مصافهم. والمعنى: لا ينفع ابن عم ابن عمه، ولا قريب قريبه، ولا صديق صديقه. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته، بل ولا ينفع المؤمن أخاه المؤمن. خذ قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٨]: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا،﴾ وقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ في الآية السابقة. وقيل: صفة ل: ﴿مِيقاتُهُمْ﴾ أو هو ظرف متعلق لما دلّ عليه الفصل، ولا يتعلق بالفصل نفسه للفاصل بينهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُغْنِي:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿مَوْلًى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿عَنْ مَوْلًى:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة... إلخ. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، أو هو نائب مفعول مطلق. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n<span id=\"aya-4456\"></span>﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ﴾ أي: بالعفو عنه، وقبول الشفاعة فيه؛ أي: فيأذن الله لبعض المؤمنين أن يشفعوا لأقربائهم، وأحبائهم. قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٩]: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ﴾","vol":"8","page":684},{"text":"﴿الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: القوي الغالب، المنتقم من أعدائه، اللطيف، الرؤوف، الرحيم بأوليائه، كما قال تعالى في أول سورة (غافر) رقم [٣]: ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فقرن الوعد بالوعيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء المتصل من ﴿مَوْلًى﴾. وقال الكسائي: في محل نصب على الاستثناء المنقطع، التقدير: لكن من... إلخ، أو هو في محل رفع على البدلية من واو الجماعة، أو هو في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف، التقدير: إلاّ من رحم الله فمغفور له، وعليه: فالجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿رَحِمَ اللهُ:﴾\nماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا الذي، أو شخصا ﵀. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٦]، والجملة الاسمية، تعليل لما قبلها، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4457\"></span><span id=\"aya-4458\"></span><span id=\"aya-4459\"></span><span id=\"aya-4460\"></span>﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ:﴾ مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها، ونتنها، وهي تحيا بلهب النار، كما تحيا الشجرة في الدنيا بالماء البارد، واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا.\nومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: إنها شجرة مرّة، تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. القول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا، فلما نزلت هذه الآية، قالت قريش: ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من أفريقية، فسألوه، فقال: هو عندنا الزّبد، والتمر، فقال ابن الزّبعرى: أكثر الله في بيوتنا الزقوم، فقال أبو جهل الخبيث لجاريته:\nهاتي زقمينا، فأتته بزبد، وتمر، ثم قال لأصحابه: تزقموا، هذا الذي يخوفنا به محمد، يزعم:\nأنّ النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر. هذا؛ وانظر الآيات وشرحها في سورة (الصافات) رقم [٦٢] إلى [٦٨] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\n ﴿طَعامُ الْأَثِيمِ:﴾ الكثير الآثام، وهو أبو جهل، ومن لف لفه من الكفار، والفجار المعاندين. هذا؛ و﴿طَعامُ﴾ اسم مصدر مثل: سلام، وعذاب، وعطاء. ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ:﴾ الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، وذلك في سورة (الإسراء) رقم [٦٠] فإذا جاع أهل النار؛ التجؤوا إليها، فأكلوا منها، فغلت في بطونهم كما يغلي الماء الحار، وشبه ما يصير منها إلى بطونهم بالمهل، وهو النحاس المذاب، والمهل له معان","vol":"8","page":685},{"text":"غير هذا تليق بالمقام أكثر من هذا، منها الصديد، والقيح، وعكر الزيت المغلي، وعكر القطران المغلي أيضا وغير ذلك. ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ أي: كما يغلي الماء الحار الشديد الحرارة.\nفعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قال:\n «كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجهه؛ سقطت فروة وجهه فيه». أخرجه الترمذي. وعن ابن عباس -﵄أنّ رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [١٠٢] من سورة (آل عمران)، ثم قال رسول الله ﷺ: «لو أنّ قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا، لأفسدت على الناس معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!». أخرجه الترمذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4081>خاتمة:</span>\nوفي القاموس المحيط: الزّقم: اللّقم، والتّزقّم: التّلقّم، وأزقمه، فازدقمه: أبلعه، فابتلعه، والزّقّوم كتنّور، الزّبد بالتمر، وشجرة بجهنم، ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل، وطعام أهل النار، وشجرة بأريحاء من الغور، لها ثمر كالتمر، حلو عفص، ولنواه دهن عظيم المنافع، عجيب الفعل في تحليل الرياح الباردة، وأمراض البلغم، وأوجاع المفاصل، والنّقرس، وعرق النّسا، والريح اللاحجة في حقّ الورك، يشرب منه زنة سبعة دراهم، ثلاثة أيام، أو خمسة أيام، وربما أقام الزّمنى، والمقعدين، ويقال: أصله الإهليلج الكابليّ، نقلته بنو أمية، وزرعته بأريحاء، ولما تمادى الزمن غيرته أريحاء عن طبع الإهليلج والزّقمة، والطاعون. انتهى. بحروفه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿شَجَرَةَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿الزَّقُّومِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿طَعامُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وهو مضاف، و﴿الْأَثِيمِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿كَالْمُهْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو كالمهل، وتعود الجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فالمحل لها على الاعتبارين، وتكون مضافة، و(المهل): مضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الحالية من: ﴿طَعامُ﴾ لأنه لا عامل فيها إذا ذاك. ﴿يَغْلِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: (الطعام)، أو ﴿الزَّقُّومِ،﴾ لا (المهل)؛ إذ الأظهر: أنّ الجملة حال من أحدهما، ويؤيد رجوع الفاعل إلى:\n ﴿الزَّقُّومِ،﴾ قراءة الفعل بالتاء. ﴿فِي الْبُطُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَغَلْيِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يغلي غليا مثل غلي الحميم، و(غلي) مضاف، و﴿الْحَمِيمِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.\n\n<span id=\"aya-4461\"></span>﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿خُذُوهُ:﴾ يقال للزبانية: خذوا الأثيم. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: جروه وسوقوه. والعتل:\nأن تأخذ بتلابيب الرجل، فتعتله؛ أي: تجره إليك لتذهب به إلى حبس، أو بلية. يقال: عتلت","vol":"8","page":686},{"text":"الرجل، أعتله، واعتله عتلا: إذا جذبته جذبا عنيفا. ﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ:﴾ إلى وسط الجحيم، قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ الصافات رقم [٥٥]. هذا وقال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿خُذُوهُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر تقديره في الشرح، وجملة:\n ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ معطوفة عليها فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿إِلى سَواءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَواءِ:﴾ مضاف، و﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-4462\"></span>﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ أي: ليكون المصبوب محيطا بكل جسده. ﴿مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ:﴾ فإذا صب عليه الحميم، فقد صب عليه عذابه، وشدته، فهو أبلغ مما في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [١٩]: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ فإن صب العذاب طريقه الاستعارة، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٠]: ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ فقد شبه العذاب بالمائع، ثم خيل له بالصب. قال الزمخشري: فذكر العذاب معلقا به الصب مستعارا له، ليكون أهول، وأهيب، ومن الاستعارة أيضا قول فاطمة الزهراء﵂ترثي أباها المصطفى ﷺ بعد وفاته: [الكامل]\nماذا على من شمّ تربة أحمد... أن لا يشمّ مدى الزّمان غواليا\nصبّت عليّ مصائب لو أنها... صبّت على الأيام عدن لياليا\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿صُبُّوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و﴿فَوْقَ﴾ مضاف، و﴿رَأْسِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. و(من) معناها بعض، وإن اعتبرتها صلة؛ ف: ﴿عَذابِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و﴿عَذابِ﴾ مضاف، و﴿الْحَمِيمِ﴾ مضاف إليه.\n<span id=\"aya-4463\"></span>﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾\nالشرح: قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: يضرب مالك خازن النار ضربة على رأس أبي جهل لعنه الله بمقمع من حديد، فيتفتت رأسه عن دماغه، فيجري دماغه على جسده، ثم يصب الملك فيه ماء حميما، قد انتهى حره، فيقع في بطنه، فيقول الملك له: ذق العذاب... إلخ.","vol":"8","page":687},{"text":"وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: نزلت في أبي جهل الخبيث، وكان يقول: ما فيها أعزّ مني، ولا أكرم! فلذلك يقال له يوم القيامة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ..﴾. إلخ. وقال عكرمة﵀-: التقى النبي ﷺ وأبو جهل، فقال النبي ﷺ: «إن الله أمرني أن أقول لك: أولى لك فأولى!». فقال: بأي:\nشيء تهددني؟! والله ما تستطيع أنت، ولا ربك أن تفعلا بي شيئا! إني لمن أعز هذا الوادي، وأكرمه على قومه! فقتله الله يوم بدر، وأذله، ونزلت الآية الكريمة تخبر بما يقال له يوم القيامة.\nهذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس، فذقه؛ أي: اختبره. وانظر فلانا، فذق ما عنده، قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل] فذاق، فأعطته من اللين جانبا... كفى ولها أن يغرق السهم حاجز\nوقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس؛ وإن لم يكن مطعوما؛ لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nفذق هجرها إن كنت تزعم أنها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم\nوتقول: ذقت ما عند فلان. أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت، وترها لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب\nوتذوقته. أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر]\nوعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستنذاق\nوأصله من الذوق بالفم. و﴿فَذُوقُوا﴾ في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وذكر العذاب في بعض الآيات استعارة مكنية؛ حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.\nالإعراب: ﴿ذُقْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، تقديره: ذق العذاب. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر الشرح. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٦]، والآية تعليل للأمر، ويقرأ بفتح الهمزة، وعليه فالمصدر المؤول في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لأنك، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿ذُقْ﴾.\n\n<span id=\"aya-4464\"></span>﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هذا﴾ أي: العذاب. ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي: تشكون في وقوعه، يوم كنتم في الدنيا، فذوقوه اليوم. والجمع في الآية باعتبار المعنى؛ لأنّ المراد جنس الأثيم. هذا؛","vol":"8","page":688},{"text":"و﴿كُنْتُمْ﴾ أصله: «كونتم» فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار:\n «كانتم» فالتقى ساكنان: الألف، وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار «كنتم» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: «كنتم». وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل (كون) فلما اتصل بضمير رفع متحرك، نقل إلى باب فعل، فصار (كونتم) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: «كونت» فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائها ساكنة مع النون، فصار: «كنت» وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسندا إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قلت، وقمنا، وقعدن... إلخ.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَمْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول للقول المقدر.\n\n<span id=\"aya-4465\"></span><span id=\"aya-4466\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾\nالشرح: لما ذكر مستقر الكافرين، وعذابهم ذكر نزل المؤمنين، ونعيمهم. وهذا من المقابلة التي ذكرتها في الآية رقم [٧٤] من سورة (الزخرف)، و﴿مَقامٍ﴾ بفتح الميم وضمها، وقال الكسائي: المقام: المكان، والمقام: الإقامة. وقال الجوهري: وأما المقام، والمقام فقد يكون كل واحد منهما بمعنى: الإقامة، وقد يكون بمعنى: موضع القيام؛ لأنك إن جعلته من الثلاثي؛ فمفتوح، وإن جعلته من الرباعي؛ فمضموم، ويمكن أن يكون مصدرا ميميا، ويقدر فيه المضاف؛ أي: في موضع إقامة. وانظر إعلاله في الآية رقم [٢٦]. ﴿أَمِينٍ:﴾ يؤمن فيه من الآفات على جميع أنواعها، فالإسناد مجاز عقلي، وأصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، والأمن، والأمان، والأمانة في الأصل مصادر. ويستعمل الأمان تارة اسما للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤتمن عليه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ أي: ما ائتمنتم عليه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿فِي مَقامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمِينٍ:﴾ صفة:\n ﴿مَقامٍ﴾. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ بدل مما قبلهما. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"8","page":689},{"text":"<span id=\"aya-4467\"></span>﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ:﴾ هو ما رقّ من الحرير، والديباج. ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ:﴾ هو ما غلظ منه، وهو فارسي اللفظ، أصله: استبره. واللفظ إذا عرب خرج من أن يكون عربيا أعجميا؛ لأنّ معنى التعريب: أن يجعل عربيا بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب، فساغ أن يقع في القرآن العربي. ﴿مُتَقابِلِينَ:﴾ لا يرى بعضهم قفا بعض، متواجهين يدور بهم مجلسهم حيث داروا.\nفإن قيل: كيف وعد الله أهل الجنة بلبس الإستبرق، وهو غليظ الديباج كما قرره في كثير من السور، مع أنه عند أغنياء الدنيا عيب، ونقص؟ والجواب أن غليظ الديباج في الجنة، لا يساويه غليظ ديباج الدنيا حتى يعاب، كما أن سندس الجنة، وهو رقيق الديباج، لا يساويه سندس الدنيا.\nالإعراب: ﴿يَلْبَسُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف. ﴿مِنْ سُندُسٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة المفعول المحذوف، دليله قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٣١]: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُتَقابِلِينَ:﴾\nحال من واو الجماعة، وجملة: ﴿يَلْبَسُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4468\"></span>﴿كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾\nالشرح: ﴿كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ:﴾ وقرنّاهم؛ أي: وقرنّا بينهم وبين الحور كالقرن بين الزوجين في الدنيا، وليس هو من عقد التزويج، كما في الدنيا. قال يونس بن حبيب: تقول العرب: زوجته امرأة، وتزوجت امرأة، وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة. و(حور): بيض جمع: حوراء، وهي التي يرى ساقها من وراء ثيابها، ويرى الناظر وجهه في كفيها كالمرآة من دقة الجلد، وبضاضة البشرة، وصفاء اللون. وفي القاموس: الحور بالتحريك: أن يشتد بياض العين، ويشتد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها، وتبيضّ ما حواليها. ﴿عِينٍ:﴾ عظام العيون، شديدات بياضها، شديدات سوادها، ومنه قيل لبقر الوحش: عين، والثور أعين، والبقرة عيناء، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «مهور الحور العين قبصات التمر وفلق الخبز». أي: التصدق بذلك على الفقراء والمساكين. وعن أبي قرصافة (جندرة بن خيشنة الكناني) -﵁-، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إخراج القمامة من المسجد","vol":"8","page":690},{"text":"مهور الحور العين». وعن أنس﵁قال: «كنس المساجد مهور الحور العين».\nذكره الثعلبي-رحمه الله تعالى-.\nواختلف أيّما أفضل في الجنة، نساء الآدميات، أم الحور العين؟ فقيل: إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضّلن على الحور العين بما عملن في الدنيا. وقيل: إن الحور العين أفضل؛ لقوله ﷺ: «وأبدله زوجا خيرا من زوجه». انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير:\nالأمر كذلك، وعليه فالجملة الاسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: كما أدخلناهم الجنة، وفعلنا بهم ما تقدم ذكره؛ كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم حورا عينا. ومثلها الآية رقم [٢٨]. ﴿وَزَوَّجْناهُمْ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَلْبَسُونَ..﴾. إلخ (بحور):\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿عِينٍ:﴾ صفة: (حور).\n\n<span id=\"aya-4469\"></span>﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ أي: في الجنة؛ أي: يطلبون الخدم بأن يحضروا لهم أنواع الفواكه، وأنواع المشارب؛ وهم متكئون على الأسرة كعادة الملوك في الدنيا. خذ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٥١]: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ﴾. قال ابن كثير: أي: مهما طلبوا؛ وجدوا، ومن أي أنواعه شاؤوا؛ أتتهم به الخدام. قال الصاوي: والاقتصار على طلب الفاكهة للإيذان بأنّ مطاعمهم لمحض التفكه، والتلذذ، دون التغذي؛ لأنه لا جوع في الجنة.\n ﴿آمِنِينَ:﴾ من الضرر، والخوف، والهم، والحزن، والتعب، والكدر، والشيطان... إلخ.\nالإعراب: ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط. ﴿فِيها بِكُلِّ:﴾ كلاهما متعلق بالفعل قبلهما، و(كل) مضاف، و﴿فاكِهَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿آمِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال متداخلة.\n<span id=\"aya-4470\"></span>﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا:﴾ في الجنة. ﴿الْمَوْتَ:﴾ لا يذوقونه فيها ألبتة؛ لأنهم خالدون فيها. ثم قال: ﴿إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ على الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا. وقيل: ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: بعد، كقولك: ما كلمت رجلا اليوم إلاّ رجلا","vol":"8","page":691},{"text":"عندك؛ أي: بعد رجل عندك. وقيل: ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: سوى؛ أي: سوى الموتة التي ماتوها في الدنيا، ولم يذكر ابن هشام في مغنيه هذين المعنيين ل: «إلا» وذكر ابن هشام، والمرادي في جناه أن (إلاّ) تأتي بمعنى: «غير»، وغير، وسوى بمعنى واحد، وقال المرادي: ومن أغرب ما قيل في «إلا» أنها قد تكون بمعنى: بعد، وجعل هذا القائل من ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ سورة (النساء) رقم [٢٢]، وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ سورة (الدخان) رقم [٥٦].\nوقال القتبي: ﴿إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ معناه: أن المؤمن إذا أشرف على الموت؛ استقبلته ملائكة الرحمة، ويلقى الروح، والريحان، وكان موته في الجنة لاتصافه بأسبابها، فهو استثناء صحيح، والموت عرض لا يذاق، ولكن جعل كالطعام الذي يكره ذوقه، فاستعير فيه لفظ الذوق.\nوقال الزمخشري: فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه فيها، قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت ألبتة. فوضع قوله: ﴿إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ موضع ذلك؛ لأنّ الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل؛ فإنهم يذوقونها.\n ﴿وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ:﴾ حفظهم الله من عذاب جهنم، وفي سورة (الطور) رقم [١٨]:\n ﴿وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾. هذا؛ والفعل: (وقى) من اللفيف المفروق، فتحذف فاؤه من المضارع مثل كل فعل مثال، مثل: وعد، يعد، ووزن، يزن... إلخ. وتحذف لامه في الأمر مع فائه لبنائه على حذف حرف العلة، مثل كل فعل ناقص معتل الآخر، مثل: اسع، ارم، ادع، فيبقى فعل الأمر حرفا واحدا (ق) ومثله: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطي، يطي، ط، وإذا لم يتصل به ضمير تلحقه هاء السكت، فتقول: قه، له، فه، عه... إلخ.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَذُوقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المستتر في: ﴿آمِنِينَ،﴾ فهي حال متداخلة على الوجهين. ﴿فِيهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء، أو حرف حصر. ﴿الْمَوْتَةَ:﴾ منصوب على الاستثناء المتصل، أو المنقطع حسبما رأيت في الشرح، وعلى اعتبار (إلا) بمعنى: (سوى) فهي صفة: ﴿الْمَوْتَ﴾ ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، وتكون مضافة، و﴿الْمَوْتَةَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ﴿إِلاَّ؛﴾ التي هي على صورة الحرف.\n ﴿الْأُولى:﴾ صفة: ﴿الْمَوْتَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ويشبه هذه الآية الآية رقم [٥٩] من سورة (الصافات) فانظرها هناك. ﴿وَوَقاهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (وقاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول،","vol":"8","page":692},{"text":"والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى غير مذكور، وهو الله لفهمه من المقام، مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٣٢]: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (هود): ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ،﴾ وقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ وفي سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الآيات في محالها.\n ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير: «قد» قبلها.\n\n<span id=\"aya-4472\"></span>﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: إن كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص من عذاب النار، والفوز بالجنة، إنما حصل لهم ذلك بفضل الله تعالى، وفعل ذلك بهم تفضلا منه. وانظر الآية رقم [٧٢] من سورة (الزخرف). ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: لأنّ ما ذكر خلاص من المكاره، وظفر بالمطالب، ولا فوز بعده، ووراءه.\nالإعراب: ﴿فَضْلًا:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف: تفضل فضلا. وقيل: مفعول لأجله، عامله: ﴿يَدْعُونَ فِيها،﴾ وقيل: العامل: ﴿وَوَقاهُمْ،﴾ وقيل: العامل ﴿آمِنِينَ﴾. وعليه مكي.\n ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَضْلًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا لا محل له، ف: ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ، وكذلك إن اعتبرته بدلا من اسم الإشارة.\n<span id=\"aya-4472\"></span>﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أي: بينا القرآن بلسانك؛ أي: بلغتك العربية، وجعلناه سهلا على من تدبره، وتأمله. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ أن يتفهموا، ويعملوا. ثم لما كان مع هذا الوضوح، والبيان من الناس من كفر، وخالف، وعاند. قال الله تعالى لرسوله ﷺ مسليا له، وواعدا له بالنصر، ومتوعدا لمن كذبه بالهلاك، والوبال، فقال له: ﴿فَارْتَقِبْ..﴾. إلخ. هذا؛ وقد قال في سورة (مريم) رقم [٩٧]: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ وقد كرر قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ وقال جلّت قدرته، وتعالت حكمته في سورة (القدر): ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وانظر شرح اللسان في الآية رقم [١٢] من سورة (الأحقاف).","vol":"8","page":693},{"text":"الإعراب: ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له قطعا. (إنما):\nكافة ومكفوفة. ﴿يَسَّرْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿بِلِسانِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4473\"></span>﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿فَارْتَقِبْ:﴾ فانتظر هلاكهم. ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ:﴾ منتظرون هلاكك. وقيل: ارتقب ما وعدتك من الثواب، فإنهم كالمنتظرين لما وعدتهم من العقاب. ومعنى الآية تكرر في سورة (السجدة) رقم [٣٠]، وفي (الأنعام) رقم [١٥٨]، وفي الأعراف رقم [٧١]، وفي سورة (يونس) رقم [٢٠]، ورقم [١٠٢]، وفي سورة (هود) رقم [١٢٢]، وإن اختلف المقام من سورة إلى سورة.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَارْتَقِبْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا بقوا مصرين على كفرهم، وعنادهم؛ فارتقب. (ارتقب): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب الشرط مقدر ب: «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُرْتَقِبُونَ:﴾ خبر «إن» مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، ومفعوله محذوف. انظر تقديره في الشرح، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الدخان) شرحا وإعرابا، بعون الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"8","page":694},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4094>سورة الجاثية</span>\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة (الجاثية) وتسمى سورة (الشريعة) كلها مكية في قول الحسن، وجابر، وعكرمة. وقال ابن عباس، وقتادة﵃ أجمعين-: إلاّ آية، هي: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ رقم [١٤] نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب﵁-. ذكره الماورديّ.\nوقال المهدويّ، والنحاس عن ابن عباس﵄-: إنها نزلت في عمر﵁حين شتمه رجل من المشركين في مكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ..﴾.\nإلخ رقم [٥] من سورة (التوبة). فالسورة كلها مكية على هذا من غير خلاف، وهي سبع وثلاثون آية. وقيل: ست وثلاثون آية، وأربعمئة، وثمان وثمانون كلمة، وألفان ومئة وواحد وتسعون حرفا. انتهى. قرطبي، وخازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4476\"></span>﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: في خلق السموات، والأرض، وهما خلقان عظيمان يدلاّن على قدرة القادر المختار لما فيهما من الصفات العجيبة، والأحوال الغريبة، والأمور البديعة. ﴿لَآياتٍ:﴾ لعلامات واضحة، ودلالات باهرة على كمال قدرة الله، وحكمته.\n ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ الذين يصدقون بوجود الله، ووحدانيته. وخصّهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون في صنع الله، فيتعظون، ويتذكرون، ولذا وصفهم الله بالآيتين التاليتين بالإيقان، والتعقل، وآية البقرة رقم [١٦٤] قد جمعت ما في الآيات الثلاث من دلالات على وجود الله ووحدانيته، وكمال قدرته، وحكمته. هذا؛ والتأكيد ب: ﴿إِنَّ﴾ واللام؛ لأنّ المخاطبين منكرون لوحدانية الله ﷿.","vol":"8","page":695},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. مقدم. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾. مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.\n ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4477\"></span>﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾\nالشرح: أي: وفي خلقكم أيها الناس من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، متقلبة في أطوار مختلفة إلى تمام الخلق، وفيما ينشره الله تعالى، ويفرقه من أنواع المخلوقات؛ التي تدب على وجه الأرض آيات باهرة، ودلالات واضحة أيضا لقوم يصدقون عن إذعان، ويقين بقدرة رب العالمين.\nهذا؛ و﴿دابَّةٍ﴾ تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وطير، وهوام، وجمعها: دوابّ. هذا؛ وقال الجمل: وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة على ثلاث فواصل، الأولى: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ،﴾ الثانية: ﴿يُوقِنُونَ،﴾ الثالثة: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ووجه التغاير بينها: أن المنصف من نفسه إذا نظر في السموات، والأرض، وأنه لا بد لهما من صانع؛ آمن، وإذا نظر في خلق نفسه، ونحوها؛ ازداد إيمانا، فأيقن، وإذا نظر في سائر الحوادث؛ عقل، واستحكم علمه. وفي البيضاوي: ولعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة، والظهور. انتهى.\nفأظهرها السموات، والأرض، والنظر الصحيح فيها يفيد العلم بأنها مصنوعة لا بدّ لها من صانع، فيؤدي إلى الإيمان بالله، وأدق منها خلق الإنسان، وانتقاله من حال إلى حال، وخلق ما على الأرض من صنوف الحيوانات، من حيث إن التفكر فيها، وأحوالها يستلزم ملاحظة السموات والأرض، لكونها من أسباب تكون الحيوانات، وانتظام أحوالهم، ولما كانت هذه الآية أدق بالنسبة إلى الأولى، كان التفكر فيها مؤديا إلى مرتبة اليقين، وأدق منها سائر الحوادث المتجددة في كل وقت من نزول المطر، وحياة الأرض بعد موتها، وغير ذلك من حيث استقصاء النظر في أحوال هذه الحوادث يتوقف على ملاحظة السموات والأرض لكونها من أسباب هذه الحوادث ومحالها، وعلى ملاحظة الحيوانات المبثوثة على الأرض من حيث إن تجدد هذه الحوادث إنما هو لانتظام أحوالها، وتحقق أسباب معاشها، ولما كانت هذه أدق بالنسبة إلى الأوليين وكانت متجددة حينا فحينا بحيث تبعث على النظر والاعتبار كلما تجددت؛ كان النظر فيها مؤديا إلى استحكام العلم، وقوة اليقين، وذلك لا يكون إلاّ بالعقل الكامل. فظهر بهذا التقرير: أنّ المراد بالمؤمنين، والموقنين، والعاقلين من يؤول حالهم إلى هذه الأوصاف. انتهى.\nجمل نقلا من زاده على البيضاوي.","vol":"8","page":696},{"text":"الإعراب: ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (في خلقكم): معطوفان على: ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير:\nوفي خلقه إياكم. (ما): فيه وجهان: أظهرهما: أنه معطوف على: ﴿خَلْقِكُمْ﴾ المجرور ب: (في) على تقدير: خلق ما. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق، وهو الكاف على مذهب من يجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار. انتهى. من السمين، وعلى الوجهين فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿يَبُثُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف، التقدير: والذي يبثه. ﴿مِنْ دابَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿آياتٌ:﴾ فيه وجهان:\nأحدهما: أنه مبتدأ مؤخر، و﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ فالمعطوف غير مؤكد، والمعطوف عليه مؤكد ب: ﴿إِنَّ﴾ الثاني: أن يكون ﴿آياتٌ﴾ معطوفا على (آيات) الأولى باعتبار المحل قبل دخول الناسخ عند من يجوز ذلك. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ وجملة: ﴿يُوقِنُونَ﴾ صفة: (قوم).\nوالجملة الاسمية: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4478\"></span>﴿وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي: بالظلام، والضياء، والطول، والقصر، والاعتدال، وتعاقبهما دائبين لا يفتران. ﴿وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ:﴾ من مطر فيه حياة البشر في معاشهم، وأرزاقهم، وسماه الله رزقا؛ لأنّه سبب الرزق. ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها:﴾ بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها، ولا حياة، كما قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. و﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أي:\nجنوبا، وشمالا، وشرقا، وغربا، برية، وبحرية، ليلية، ونهارية، ومنها ما هو لتلقيح السحاب، ومنها ما هو لتلقيح النبات، ومنها ما هو غذاء للأرواح، ومنها ما هو عقيم، لا ينتج، ولا ينبت، ولا ينعش، ومنها الحارة، والباردة. ل: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:﴾ لقوم لهم عقول نيرة، وبصائر مشرقة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاخْتِلافِ:﴾ مجرور ب: «في» مقدرة؛ أي: وفي اختلاف، فحذفت «في» لتقدم ذكرها، وأنشد سيبويه في الحذف قول أبي دؤاد الإيادي-وهو الشاهد [٥٣٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]\nأكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد في اللّيل نارا","vol":"8","page":697},{"text":"وحسّن حذف «في» تقدمها في قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ وهذا ما جرى عليه أبو حيان، وعلي. فالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَاخْتِلافِ:﴾ مضاف، و﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوفة على: ﴿اللَّيْلِ﴾. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: والذي أنزله الله. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رِزْقٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ﴿مِنْ رِزْقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ على الوجه الأول في تعليقهما، أو بمحذوف حال من الضمير المحذوف على الوجه الثاني في تعليق: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾.\n ﴿فَأَحْيا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: (أحيا)، وهو مضاف، و﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه. و«ها» في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَتَصْرِيفِ:﴾\nمعطوف على: ﴿وَاخْتِلافِ،﴾ وهو مضاف، و﴿الرِّياحِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله، وهو أقوى، وفاعله محذوف، التقدير: وتصريفه الرياح. ﴿آياتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ وجملة: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ صفة (قوم).\nتنبيه: قال النسفي تبعا للزمخشري رحمهما الله تعالى: قرئ: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بالنصب، وبالرفع. وهذا من العطف على عاملين، سواء نصبت، أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت: ﴿إِنَّ﴾ و﴿فِي﴾ أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ والنصب في ﴿آياتٌ﴾. وإذا رفعت فالعاملان: «الابتداء» وحرف: ﴿فِي﴾ عملت الواو الرفع في: ﴿آياتٌ﴾ والجر في ﴿وَاخْتِلافِ﴾ هذا مذهب الأخفش؛ لأنه يجوّز العطف على عاملين، وأما سيبويه فإنه لا يجيزه، وتخريج الآية عنده أن يكون على إضمار «في» والذي حسنه تقديم ذكر ﴿فِي﴾ في الآيتين قبل هذه الآية، ويؤيده قراءة ابن مسعود﵁-: «(وفي اختلاف الليل والنهار)» ويجوز أن ينتصب ﴿آياتٌ﴾ على الاختصاص، بعد انقضاء المجرور معطوفا على ما قبله، أو على التكرير توكيدا ل: ﴿آياتٌ﴾ في الأولى، كأنه قيل: آيات آيات، ورفعها بإضمار: «هي». انتهى.\n\n<span id=\"aya-4479\"></span>﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿تِلْكَ:﴾ إشارة إلى الآيات المتقدمة؛ أي: تلك الآيات آيات الله؛ أي: حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته، وقدرته. ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ:﴾ نقرؤها عليك يا محمد بالصدق، الذي لا باطل فيه، ولا كذب. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ..﴾. إلخ أي: إذا لم يصدق كفار مكة بهذا","vol":"8","page":698},{"text":"القرآن، ولم يؤمنوا بحججه وبراهينه، فبأي: كلام يؤمنون، ويصدقون؟ والغرض استعظام تكذيبهم للقرآن بعد وضوح بيانه، وإعجازه.\nالإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ لها. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿نَتْلُوها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آياتُ اللهِ﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل اسم الإشارة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ أي: ملتبسين بالحق، أو من المفعول به؛ أي: ملتبسة بالحق.\n ﴿فَبِأَيِّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. انظر تقديره في الشرح.\n (بأي): متعلقان بالفعل بعدهما، و(أي). مضاف، و﴿حَدِيثٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة: ﴿حَدِيثٍ،﴾ و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَآياتِهِ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا».\n\n<span id=\"aya-4480\"></span><span id=\"aya-4481\"></span>﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيْلٌ:﴾ انظر سورة (الزخرف) رقم [٦٥]. ﴿أَفّاكٍ:﴾ شديد الإفك، وهو الكذب.\nوانظر سورة (الزخرف) رقم [٨٧]. ﴿أَثِيمٍ:﴾ كثير الآثام؛ أي: الذنوب، والمعاصي، والمراد: به النضر بن الحارث. وقيل: المراد به أبو جهل الخبيث كما في الآية رقم [٤٤] من سورة (الدخان). ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ:﴾ آيات القرآن. ﴿تُتْلى عَلَيْهِ:﴾ يقرأها الرسول ﷺ. ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾ أي: يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد. مأخوذ من: صرّ الصرة: إذا شدها. وفي القاموس: صرّ الفرس والحمار بأذنه، وأصر بها: سوّاها، ونصبها للاستماع. وفي سورة (لقمان) رقم [٧]: ﴿وَلّى مُسْتَكْبِرًا﴾ بمعنى: أعرض عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن الإصغاء لآيات القرآن. ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها:﴾ يشبه حاله في ذلك من لم يسمعها، وهو سامع، وفي سورة (لقمان) زيادة: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ أي: صمما.\n ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ؛﴾ أعلمه: أنّ العذاب يحيق به لا محالة. هذا؛ والبشارة: عبارة عن الخبر السار، الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان","vol":"8","page":699},{"text":"تغير بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن، والغم يظهر أثرهما على الوجه، وهو الكمودة؛ التي تعلو الوجه عند حصول الغم، والحزن، فثبت بهذا: أنّ البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، فصحّ قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر، وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في هذه الآية، وهو كثير في القرآن الكريم.\nهذا؛ والفعل: «يسمع» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.\nالإعراب: ﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، و(كل): مضاف، و﴿أَفّاكٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: لكل شخص أفاك. ﴿أَثِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف. ﴿يَسْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: شخص أفاك، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهو أقوى. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿آياتِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿آياتِ اللهِ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آياتِ اللهِ﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُصِرُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:\n (كل أفّاك) والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَسْمَعُ..﴾. إلخ. ﴿مُسْتَكْبِرًا:﴾ حال من الفاعل المستتر. ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفّف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير:\nكأنه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْمَعْها:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ والفاعل يعود إلى: (كل أفاك)، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من فاعل: ﴿يُصِرُّ﴾ المستتر، والرابط: ضمير الشأن المحذوف. ﴿فَبَشِّرْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يرى جواز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير:\nوإذا كان ذلك حاصلا منه فبشره. (بشّره): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان به. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة: (عذاب)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا».","vol":"8","page":700},{"text":"<span id=\"aya-4482\"></span>﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اِتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا﴾ أي: بلغه شيء من آياتنا، وعلم أنه منها، نحو قوله في الزقوم: إنه الزّبد والتمر. وقوله في خزنة جهنم: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي.\n ﴿اِتَّخَذَها:﴾ اتخذ الآيات، ولم يقل: اتخذه للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويجوز أن يرجع الضمير إلى (شيء)؛ لأنه في معنى الآية، كقول أبي العتاهية الصوفي: [البسيط]\nنفسي بشيء من الدنيا معلقة... الله والقائم المهدي يكفيها\nحيث أراد عتبة جارية المهدي العباسي وكنّى عنها بشيء. ﴿هُزُوًا:﴾ يقرأ بسكون الزاي والهمز، وبضم الزاي والهمز، وبضم الزاي بلا همز، وهو بجميع قراآته مصدر: هزأ، يهزأ هزآ من باب: فتح، ويأتي من باب: تعب. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي: شديد يهينهم لإهانتهم الحق باستئثارهم الباطل. هذا؛ وجمع اسم الإشارة العائد إلى: (كل أفاك) وهو مفرد لشموله كل الأفاكين.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿عَلِمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿أَفّاكٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿مِنْ آياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به. ﴿اِتَّخَذَها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿أَفّاكٍ،﴾ و(ها): مفعول به أول.\n ﴿هُزُوًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنها مستأنفة.\n<span id=\"aya-4483\"></span>﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا، والتكبر عن الحق جهنم. هذا؛ و(الوراء) يأتي بمعنى: ما خلف الظهر، ويأتي بمعنى: قدام، وأمام، فهو من الأضداد، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٧٩]: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أي:","vol":"8","page":701},{"text":"أمامهم وقال جلّ شأنه في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٠]: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وقال عبيد بن الأبرص: [الطويل]\nأليس ورائي إن تراخت منيّتي... أدبّ مع الولدان أزحف كالنّسر\nوخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي﵁-: [الطويل]\nأليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع\nأخبّر أخبار القرون التي مضت... أدبّ كأنّي كلّما قمت راكع\nالمعنى: أليس أمامي، وقدامي. هذا؛ واللغة العربية غنية بالكلمات التي تعني الضدين، وتحتمل معنيين متقابلين منه ما رأيته من لفظ (وراء)، ومنها: الغابر في كثير من الآيات ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ فإنه يحتمل من الباقين ومن الهالكين، ومنها لفظ جلل للعظيم، والحقير، فمن الأول قول الحارث بن وعلة بن ذهل بن شيبان الذهلي-وهو الشاهد رقم [١٩٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nفلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي\nومن الثاني قول امرئ القيس لما قتل أبوه وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب] بقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل\nأي: هين، وحقير لا قيمة له. ومنه: الجون للأبيض، والأسود، والبين: للقرب والبعد، والصريم: لليل والنهار، وبهما فسر قوله تعالى في سورة (ن): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ فمن قال: الصريم:\nالليل يكون المعنى: احترقت فاسودّت. ومن قال النهار يكون المعنى: يبست، وذهبت خضرتها.\nوالناصع: للأبيض، والأسود، والناهل: للرّيّان، والظمان، والسليم: للديغ، والصحيح، وشعبت الشيء: أصلحته، وشققته، والصارخ: للمغيث، والمستغيث، والهاجد: للمصلي في الليل، والنائم، والوهدة: للانحدار، والارتفاع، والتعزيز: للإكرام، والإهانة، والتقريظ: للمدح، والذم، وترب: للغني، والفقير، والإهماد: للسرعة في السير، والإقامة، وعسعس: إذا أقبل، وإذا أدبر، قال تعالى في سورة التكوير: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ والقرء: للحيض، والطهر.\nومنه قيل في قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٦٢] وفي سورة (الأنبياء) رقم [٣]: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى:﴾ إن أسروا يحتمل أن يكون بمعنى: أظهروا، وأن يكون بمعنى: أخفوا، فهو من الأضداد، وأيضا قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:\n ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ كما قيل به في قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٧٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهو من معلقته رقم [٣٢] -: [الطويل]","vol":"8","page":702},{"text":"تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي\n ﴿وَلا يُغْنِي:﴾ لا ينفع، ولا يدفع. ﴿عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أي: من الأموال، والأولاد. قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٠]: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾. ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ أي: لم تنفعهم الأصنام التي اتخذوها آلهة من دون الله.\nالإعراب: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال. (لا): نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.\n ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ولا يغني عنهم الذي، أو شيء كسبوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ولا يغني عنهم كسبهم. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول: ﴿يُغْنِي﴾. ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا:﴾ معطوف على: ﴿ما كَسَبُوا﴾ فهو مثله إعرابا، وتأويلا. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، وهو العائد، أو الرابط، والمفعول الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أقوى وأولى من العطف على الجملة الاسمية. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال، وهو أقوى من الاستئناف.\n\n<span id=\"aya-4484\"></span>﴿هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿هذا هُدىً﴾ أي: القرآن، وكل ما جاء به النبي ﷺ هدى، ونور، وضياء للناس.\n ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ:﴾ جحدوا القرآن، وأنكروه، وقالوا: سحر، أو كهانة. ﴿لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ:﴾ الرجز: هو العذاب الشديد، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٩]: ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿هُدىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"8","page":703},{"text":"﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات): مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾\nمضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر «الذين»، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْ رِجْزٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَذابٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ ويقرأ بالجر على أنه صفة: ﴿رِجْزٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-4485\"></span>﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ:﴾ ذلّله لكم بأن جعله أملس السطح، يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب، ولا يمنع الغوص فيه على ضخامته، وعظمه. ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ أي:\nلتسير السفن على سطحه بمشيئة الله، وإرادته، وقدرته. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ولتطلبوا من فضل الله تعالى بسبب التجارة والغوص في البحر على اللؤلؤ، والمرجان، وصيد الأسماك وغيرها. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: ولأجل أن تشكروا الله على ما أنعم به عليكم، وتفضل. قال القرطبي: ذكر الله كمال قدرته، وتمام نعمته على عباده، وبيّن: أنه خلق ما خلق لمنافعهم، وكل ذلك من فعله، وخلقه، وإحسان منه، وإنعام.\nهذا؛ والفعل: شكر، يشكر يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له، والشكر: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله، ومن أسماء الله تعالى: الشكور، ومعناه هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة، والشاكر يستحق المزيد من النعم، والجاحد يستوجب سلب النعم، والعقاب الشديد، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٧]: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾.\nهذا؛ والفلك بضم الفاء، وسكون اللام، يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فقد أفرد ﷾ في هذه الآية، وذكّر، وقال تعالى في سورة (البقرة) [١٦٤]: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنّث، ويحتمل الإفراد، والجمع، وقال جلّ وعلا شأنه في سورة (يونس) رقم [٢٢]: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى معنى المركب، فتذكر، وإلى معنى السفينة، فتؤنث، وقد ألغز فيها الشاعر؛ حيث قال: [الطويل]","vol":"8","page":704},{"text":"مكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو\nفإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل\nولا تنس أنّ، أوّل من اخترع السفينة-وهي الفلك-نوح، على نبينا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومن تصميمها، وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ وقد كانت السفن في الزمن الماضي تسير بواسطة الرياح، وأمّا في أيامنا هذه، فإنها تسير بواسطة البخار، ففي الزمن الماضي كان البحارون يلقون العناء الشديد إذا اضطرب البحر، أو عاكست الرياح مسير السفينة، وقد عبّر المتنبي عن ذلك بقوله-وهو جار مجرى المثل-: [البسيط]\nما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه... تأتي الرياح بما لا تشتهي السّفن\nهذا؛ والفلك بفتحتين: مدار النجوم الذي يضمها، وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه: أفلاك ويجمع على فلك أيضا مثل: أسد، وأسد. وقيل: الفلك: السماء الذي فيه الكواكب، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر له أن يجري فيه. وقيل: الفلك: طاحونة كهيئة فلك المغزل، فهو الذي تجري فيه النجوم، وهو مستدير كاستدارة الرحى. وقيل غير ذلك.\nوقال أصحاب الهيئة: الأفلاك: أجرام صلبة، لا ثقيلة، ولا خفيفة، غير قابلة للخرق، والالتئام، والنمو، والذبول. والحق: أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات إلاّ بإخبار الصادق، فسبحان الخالق، المدبر لخلقه بالحكمة، والقدرة الباهرة غير المتناهية.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿سَخَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِتَجْرِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿الْفُلْكُ:﴾ فاعله، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿سَخَّرَ﴾. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْفُلْكُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَلِتَبْتَغُوا:﴾ معطوف على: ﴿لِتَجْرِيَ،﴾ وهو مثله في الإعراب. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية معطوفة على التعليلين السابقين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"8","page":705},{"text":"<span id=\"aya-4486\"></span>﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ..﴾. إلخ: أي: وذلل لكم كل ما في هذا الكون من كواكب، وجبال، وبحار، وأنهار، ونبات، وأشجار، الجميع من فضله، وإحسانه، وامتنانه، من عنده وحده جلّ وعلا، ولذا قال: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ كقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٥٣]: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾.\n ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ:﴾ الإشارة عائدة إلى ما ذكره الله في هاتين الآيتين، وسخره لبني آدم، وإذا تفكروا؛ اتعظوا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا. والتفكر في صنع الله أعظم عبادة يقوم بها العبد. وقد ورد: لتفكر ساعة في صنع الله أفضل من عبادة ستين سنة. وورد: تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله، فإنه لا تحيط به الفكرة. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا عبادة كالتفكر»؛ لأنه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه ﷺ أنه قال: «بينما رجل مستلق على فراشه؛ إذ رفع رأسه، فنظر إلى السماء، والنجوم. فقال:\nأشهد أنّ لك ربا، وخالقا، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه، فغفر له». هذا؛ والفكر: تصرف القلب في طلب الأشياء، وقال صاحب المفردات: الفكرة: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلاّ فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب. انتهى. والفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس، والتجانس بين الأشياء كالزوجين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4106>فائدة:</span>\nيحكى: أنّ طبيبا نصرانيا حاذقا جاء للرشيد، فناظر علي بن الحسين الواقدي ذات يوم، فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أنّ عيسى جزء من الله تعالى، وتلا قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٤٥]: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٧١]: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فقرأ عليه الواقدي قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وقال له: إذا يلزم أن تكون جميع الأشياء جزآ منه سبحانه! فانقطع النصراني، وأسلم. وفرح الرشيد فرحا شديدا، وأعطى الواقدي صلة فاخرة.\nالإعراب: ﴿وَسَخَّرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سخر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿الَّذِي،﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿ما:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فِي﴾","vol":"8","page":706},{"text":"﴿الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من (ما)، أو توكيد له. قال الجلال:\nوهو ضعيف. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿جَمِيعًا،﴾ أو متعلقان بمحذوف حال من (ما)، التقدير: جميعا كائنا منه تعالى، أو سخر لكم هذه الأشياء كائنة منه مخلوقة.\nوقيل: متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي جميعا منّه، ويقرأ: «(منّة)» على أنه مفعول لأجله، وقرئ: «(منّه)» على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ذلك منّه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. (آيات): اسم: ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، وجملة:\n ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، وجملة: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4487\"></span>﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾\nالشرح: اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس﵄-: نزلت في عمر بن الخطاب﵁وذلك: أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر، يقال له:\nالمريسيع، فأرسل عبد الله بن أبي غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه، قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على طرف البئر، فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي ﷺ، وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه. فقال عبد الله الخبيث: ما مثلنا، ومثل هؤلاء، إلاّ كما قيل:\nسمّن كلبك يأكلك! فبلغ عمر﵁قوله، فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه ليقتله، فأنزل الله هذه الآية. فعلى هذا تكون الآية مدنية، كما ذكرته في مقدمة السورة الكريمة. وانظر ما أذكره في سورة (المنافقون) بشأن هذا الخبيث.\nوقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: إنّ رجلا من بني غفار-وفي القرطبي (من قريش) -شتم عمر بمكة، فهمّ عمر﵁أن يبطش به، فنزلت بالغفر، والتجاوز، وعلى هذا تكون الآية مكية. قال ابن العربي: وهذا لم يصح.\nوروى ميمون بن مهران عن ابن عباس أيضا، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ رقم [٢٤٥] من سورة (البقرة) قال فنحاص اليهودي: احتاج رب محمد! فسمع ذلك عمر، فاشتمل سيفه، وخرج في طلبه، فبعث النبي ﷺ إليه فرده، ونزلت الآية الكريمة، فقرأها عليه، وعلى المؤمنين. وعلى ما تقدم ينبغي أن تعلم أنّ الآية الكريمة إن كانت بمكة، فهي منسوخة بآية القتال، وإن كانت نزلت في المدينة، أو في غزوة بني المصطلق فليست منسوخة، بل هي محكمة. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.","vol":"8","page":707},{"text":"هذا؛ و﴿أَيّامَ اللهِ﴾ وقائعه بأعدائه الكافرين من قولهم: أيام العرب وقائعهم، واستعمال الأيام بمعنى الوقائع مجاز مشهور، ومعنى: ﴿لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ:﴾ لا يرجون ثوابه. وقيل:\nالمعنى: لا يخافون بأسه، ونقمه، وهو أولى هنا. ومثل الآية قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢١]: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا..﴾. إلخ وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال؛ أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل]\nإذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل\nوقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى: الخوف إلاّ مع الجحد؛ أي: النفي كقوله تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة وسلام: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دلّ عليه المعنى. وهو المعتمد. هذا؛ وأصل الرجاء: الأمل في الشيء، والطماعية فيه. قال الشاعر: [الوافر]\nأترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب؟!\nوالرجاء يكون بمعنى: الأمل، قال خبيب بن عدي﵁-: [الطويل]\nلعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي\nهذا؛ وقرئ «(لنجزي)» كما قرئ «(ليجزى)» بالبناء للمجهول، ونصب ﴿قَوْمًا،﴾ ورفعه. وانظر الإعراب.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿يَغْفِرُوا:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو جواب: ﴿قُلْ،﴾ وتقدير الكلام: إن تقل لهم؛ يغفروا.\nقاله الأخفش، ورده قوم، قالوا: لأن قول الرسول لهم لا يوجب أن يغفروا، أو يتجاوزوا، أو يعفوا، وهذا عندي لا يبطل قول الأخفش؛ لأنه لم يرد أمر الكفار، بل المؤمنين الصادقين كما هو واضح، وإذا قال لهم الرسول ﷺ: اغفروا، وتجاوزوا؛ عن الكافرين غفروا وتجاوزوا؛ لأنهم مأمورون بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، استجابة لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nوالوجه الثاني: وحكي عن المبرد، وهو: أنّ التقدير: قل لهم: اغفروا؛ يغفروا، فيغفروا المصرح به جواب اغفروا المحذوف. حكاه جماعة عنه، ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد لوجهين: أحدهما: أنّ جواب الشرط يخالف الشرط، إما في الفعل، وإما في الفاعل، وإما فيهما، فأما إذا كان مثله في الفعل والفاعل فهو خطأ، كقولك: قم تقم، والتقدير على ما ذكر في هذا الوجه: إن يغفروا يغفروا. والوجه الثاني: أنّ الأمر للمواجهة، ويغفروا على لفظ الغيبة، وهو خطأ؛ إذ كان الفاعل واحدا.","vol":"8","page":708},{"text":"والوجه الثالث من الأوجه الأولى: أنه مجزوم بلام محذوفة، التقدير: ليغفروا، فهو أمر مستأنف، وجاز حذف اللام لدلالة ﴿قُلْ﴾ على الأمر. وهذه التوجيهات أخذتها من إعراب الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، بالمقايسة بين ما هنا وهناك فإن التعبير في الآيتين واحد، ولم يذكر أحد شيئا في إعراب الآية هنا، وما هنا منقول عن أبي البقاء العكبري، ومكي بن أبي طالب القيسي مع الإشارة إلى ما ذكره ابن هشام في مغنيه، رحم الله الجميع رحمة واسعة، وشملنا معهم ببره وإحسانه، وفضله، وكرمه، وجوده!\nهذا؛ و﴿يَغْفِرُوا﴾ مجزوم على جميع الوجوه المذكورة، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل نصب مقول القول على حسب الوجوه المعتبرة فيها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَيّامَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل تقديره:\n «هو»، أو نحن، وعلى قراءته بالبناء للمجهول ورفع (قوم) فهو نائب فاعله، وعلى قراءته بالنصب، فهو مفعول به، والجار والمجرور (بما) نائب فاعله، وهذا على مذهب الكوفيين الذين يجيزون إقامة غير المفعول مقام الفاعل مع وجود المفعول، واستدلوا بهذه القراءة وهي قراءة أبي جعفر، وهي ليست من السبعة. وقال الكسائي: معناه: ليجزي الجزاء قوما، وهذا يعني: أنّ نائب الفاعل مصدر الفعل المقدر. هذا؛ و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿قُلْ﴾. هذا؛ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْسِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر:\n ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كانوا يكسبونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم، والجار والمجرور متعلقان بالقول، أو بقول محذوف مقدّر دال عليه الأمر. هذا؛ والقوم هم المؤمنون، أو الكافرون، أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم، أو التحقير، أو التنويع. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-4488\"></span>﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾\nالشرح: لما ذكر الله إجمالا: أنّ المرء يجزى بكسبه؛ بيّن أن من كسب صالحا، كالعفو عن المسيء؛ فإنه يثاب، وأنه هو المنتفع بكسبه، ومن كسب الإساءة؛ يعاقب، ويتضرر به. ثم بين: أنّ ذلك النفع، والضرر إنما يكون يوم الرجوع إلى الله. انتهى. جمل نقلا من زاده.","vol":"8","page":709},{"text":"والجملة الشرطية مذكورة في سورة (فصلت) برقم [٤٦]. هذا؛ ولا تنس الطباق بين الجملتين الاسميتين المتعاطفتين.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو».\n ﴿صالِحًا:﴾ صفة لمفعول به محذوف، أو لمفعول مطلق محذوف؛ إذ التقدير: عمل عملا صالحا.\n ﴿فَلِنَفْسِهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لنفسه): جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعمل لنفسه، أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فعمله لنفسه، وهو قول ابن هشام في المغني، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية: في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل:\nهو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فجملة: ﴿عَمِلَ صالِحًا﴾ صلته، والجملة الثانية خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثله.\n\n<span id=\"aya-4489\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ أعطيناهم، ومنحناهم. ﴿الْكِتابَ:﴾ التوراة. ﴿وَالْحُكْمَ﴾ أي: الحكمة، وهي ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام والأخلاق. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة. وقيل: الحكم:\nالفهم في الكتاب. وقيل: الفصل في الحكومات؛ لأنهم كانوا ملوكا. ﴿وَالنُّبُوَّةَ:﴾ الرسالة؛ إذ كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثر في غيرهم، والنبوة: ما يمنحه الله للأنبياء، والمرسلين من العلوم، والمعارف، والفيوضات الإلهية. مأخوذة من: النبأة، وهي الارتفاع، والظهور، أو من: النبأ، وهو الخبر؛ لأنّ النبي يخبر عن ربه ما يوحي إليه من الشرائع، والأحكام. ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي: الحلالات من الأقوات والثمار والأطعمة؛ التي كانت في بلاد الشام. وقيل: يعني به:\nالمنّ والسلوى في التيه. هذا؛ والطيبات: ما يستلذ من المباحات. وقيل: الحلال الصافي القوام، فالحلال: ما لا يعصى الله فيه، والصافي: ما لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك","vol":"8","page":710},{"text":"النفس، ويحفظ العقل. ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ على عالمي زمانهم كما رأيت في الآية رقم [٣٢] من سورة (الدخان).\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف). ﴿بَنِي:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَرَزَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَفَضَّلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-4490\"></span>﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يعني: أمر النبي ﷺ، وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، وينصره أهل يثرب. وقيل: بينات الأمر:\nشرائع واضحات في الحلال، والحرام، ومعجزات باهرات. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ..﴾. إلخ:\nأي: اليهود، والنصارى، أو أرباب الكتب المتقدمة، اختلفوا في أمر الإسلام، فقال قوم: إنه حق، وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقا، أو اختلفوا في التوحيد، فثلثت النصارى، وقالت اليهود: عزير ابن الله. وقيل: هم قوم موسى اختلفوا بعده. وقيل: هم النصارى اختلفوا في أمر عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي:\nبعد ما علموا حقيقة الأمر، وتمكنوا من العلم بها؛ أي: بالحجج الدامغات، والآيات البينات.\n ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ:﴾ حسدا، وظلما وطلبا للرياسة، وقتلوا الأنبياء، فكذا مشركو عصرك يا محمد قد جاءتهم البينات، ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ..﴾.\nإلخ: أي: يحكم، ويفصل بينهم، فيثيب الطائع، ويعاقب العاصي، فيدخل من آمن بمحمد ﷺ الجنة، ويدخل من كفر به، وجحد نبوته النار.\nهذا؛ و(بين) ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، لا يدخل إلا بين متعدد لفظا وحكما، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق،","vol":"8","page":711},{"text":"والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض. ومن استعماله بمعنى: الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه. ومن استعماله بمعنى: الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير﵁من قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ: -وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط] وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\nالإعراب: ﴿وَآتَيْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَيِّناتٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿اِخْتَلَفُوا؛﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿فَمَا:﴾ مصدرية. ﴿جاءَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعوله. ﴿الْعِلْمُ:﴾ فاعله و﴿فَمَا﴾ المصدرية والفعل الماضي في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه.\n ﴿بَغْيًا:﴾ مفعول لأجله، وجوزت الحالية بمعنى: باغين، والأول أقوى. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿بَغْيًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَقْضِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبَّكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَقْضِي﴾ أيضا، و﴿فَمَا﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿فَمَا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (في).\n\n<span id=\"aya-4491\"></span>﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق. هذا؛ والشريعة في اللغة المذهب، والملة، ويقال لمشرعة الماء-وهي مورد","vol":"8","page":712},{"text":"الشاربة-: شريعة، ومنه الشارع؛ لأنه طريق إلى المقصد، فالشريعة ما شرعه الله لعباده من الدين، والجمع: الشرائع. والشرائع في الدين: المذاهب؛ التي شرعها الله لخلقه. هذا؛ والشريعة في الأصل ما يرده الناس من المياه، والأنهار، فاستعير ذلك للدين، والعبادة؛ لأنّ العباد يردون ما تحيا به نفوسهم من العلم، وأمور العبادة والدين. ﴿فَاتَّبِعْها:﴾ فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج الدامغة. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش؛ حيث قالوا له: ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا أفضل منك.\nهذا؛ و﴿أَهْواءَ﴾ جمع: هوى يقصر، ويمد، والمراد: بالأول الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا: محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه. قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٣]:\n ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ..﴾. إلخ، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى،﴾ ومدح من يخافه ويخشاه بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض. وقد جاء الهوى بمعنى: العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق\nوإليك هذين البيتين فإنهما من النكت الحسان: [الكامل]\nجمع الهواء مع الهوى في مهجتي\nوقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: لم نجد الهوى يوضع إلاّ موضع الشر؛ لأنه لا يقال:\nفلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، وجمعه: أهواء، وجمع الممدود: أهوية. وانظر الآية رقم [٢٣]. هذا؛ و﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ هنا من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nلعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات، دون النسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى: أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا؛ لم يتجاوز مفعولا واحدا؛ لأنّ المعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أنّ العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.","vol":"8","page":713},{"text":"الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. وقيل: حرف استئناف. ﴿جَعَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿عَلى شَرِيعَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بشريعة. ﴿فَاتَّبِعْها:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يرى جواز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اتبعها): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، والتقدير على اعتبار الفاء الفصيحة، وإذا كان ما ذكر حاصلا؛ فاتبعها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية.\n ﴿تَتَّبِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَهْواءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته، والمفعول محذوف، التقدير: لا يعلمون الحق.\n\n<span id=\"aya-4492\"></span>﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أي: إن اتبعت أهواءهم؛ لا يدفعون عنك من عذاب الله شيئا. ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ:﴾ يعني: إنّ الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا، ولا ولي لهم في الآخرة. ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: ناصرهم في الدنيا، ووليهم في الآخرة، والمتقون: هم الذين اتقوا الشرك، والمعاصي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يُغْنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ).\n ﴿عَنْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسم (إنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿بَعْضٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ.","vol":"8","page":714},{"text":"﴿وَلِيُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4493\"></span>﴿هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿هذا﴾ أي: القرآن. ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ:﴾ جمع بصيرة، وهي الدلالة الواضحة، فيهتدى بها، فأطلق على القرآن لفظ البصيرة تسمية للسبب باسم المسبب، والبصيرة للنفس كالبصر للبدن، سميت بها الدلالة؛ لأنها تجلي لها الحق، وتبصرها به. وقال النسفي: جعل ما فيه من معالم الدين، والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل روحا، وحياة. ﴿وَهُدىً:﴾\nمن الضلالة. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ من العذاب. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ:﴾ لمن آمن، وأيقن بالبعث.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَصائِرُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَصائِرُ،﴾ أو بمحذوف صفة له.\n ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على: ﴿بَصائِرُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوفة على ما قبله. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب: (رحمة)، أو بمحذوف صفة لها، وجملة: ﴿يُوقِنُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿هذا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4494\"></span>﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ حَسِبَ:﴾ أم ظن وأمل. ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: اكتسبوا الكفر، والمعاصي. والاجتراح: الاكتساب، والجوارح من الطيور: الكواسب. وفلان جارحة أهله:\nأي: كاسبهم. ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ:﴾ أن نصيرهم. ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ: المعنى:\nإنكار أن يستوي المسيئون، والمحسنون محيا، وأن يستووا مماتا، لافتراق أحوالهم أحياء؛ حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعة، وأولئك على اليأس من الرحمة، والندامة. وقيل: معناه:\nإنكار أن يستووا في الممات، كما استووا في الحياة في الرزق، والصحة.\nوعن تميم الداري﵁-: أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي، ويرددها إلى الصباح. وعن الفضيل أنه بلغها، فجعل يرددها، ويبكي، ويقول: يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت؟ وعن الربيع بن خثيم: أنه قام يصلي ذات ليلة، فمرّ بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد. وكانت هذه الآية تسمى مبكاة","vol":"8","page":715},{"text":"العابدين؛ لأنها محكمة. هذا؛ ومثل هذه الآية في الإنكار على الكافرين الزاعمين التسوية بين الصالح والطالح، والنافع، والضار، قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٨]: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ن): ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل»، أو بمعنى: همزة الإنكار. وقيل: منقطعة بمعنى: الهمزة، وبل. ﴿حَسِبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿اِجْتَرَحُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿نَجْعَلَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿كَالَّذِينَ:﴾ الكاف: في محل نصب مفعول به ثان، وهي مضاف، و(الذين):\nاسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي حسب. (عملوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿سَواءً:﴾ حال من مفعولي:\n (نجعل). ﴿مَحْياهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿سَواءً﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَماتُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله. هذا؛ وقرئ برفع: «(سواء)» على أنه خبر مقدم، و﴿مَحْياهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب بدلا من الكاف بدل اشتمال، أو بدل كل من كل. ﴿ساءَ:﴾ ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة:\n ﴿يَحْكُمُونَ﴾ في محل نصب صفة: ﴿ما،﴾ والتقدير: ساء الشيء شيئا محكوما به. ورابط هذه الصفة محذوف، التقدير: يحكمونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا التقدير: هو حكمهم.\nهذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار الفعل ﴿ساءَ﴾ متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجاز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة، وموصوفة، ومصدرية فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nساء الذي، أو شيء يحكمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم حكمهم، والجملة الفعلية: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"8","page":716},{"text":"<span id=\"aya-4495\"></span>﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ:﴾ قال البيضاوي: كأنه دليل على الحكم السابق من حيث إنّ خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المحسن، والمسيء، وإذا لم يكن ذلك في المحيا؛ كان بعد الممات. ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ:﴾ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: بنقص ثواب المحسن، وزيادة عقاب المسيء. وقال الخازن: ومعنى الآية: أنّ المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل، والرحمة، وذلك لا يتم إلاّ في القيامة؛ ليحصل التفاوت بين المحقين، والمبطلين في الدرجات والدركات.\nهذا؛ و(الحق) ضد الباطل. قال الراغب: أصل الحق المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة. والحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق. وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حق، نحو الموت، والحساب... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق ما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو قولك حق، وفعلك حق. ويقال: أحققت ذا؛ أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى. بغدادي.\nالإعراب: ﴿وَخَلَقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (خلق): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو المفعول. ﴿وَلِتُجْزى:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لتجزى): فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعل، وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على علة مقدرة؛ إذ التقدير: خلق السموات والأرض بالحق؛ ليدل على قدرته، ووحدانيته. ولتجزى... إلخ. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل: (تجزى)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كسبته، وعلى اعتبار «ما» مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء،","vol":"8","page":717},{"text":"التقدير: بكسبها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من:\n ﴿كُلُّ نَفْسٍ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. وجمع الضمير؛ لأن معنى ﴿كُلُّ﴾ الجمع، والتعميم.\n\n<span id=\"aya-4496\"></span>﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه؛ لأنه لا يؤمن بالله، ولا يخافه، ولا يحرم ما حرم الله. وقال سعيد بن جبير﵄-: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه؛ رمى به، وعبد الآخر، وهذا ذكره السيوطي في أسباب النزول. وقيل: المعنى: أفرأيت من ينقاد لهواه، ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل. أو المعنى: أخبرني يا محمد عن حال من ترك عبادة الله، وعبد هواه.\nوقال الشعبي: إنما سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال ابن عباس -﵄-: ما ذكر الله هوى في القرآن إلاّ ذمّه، وذكر آيات كثيرة. وقال عبد الله بن عمرو﵁عن النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به».\nوقال أبو أمامة﵁-: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى». وقال شداد بن أوس﵁عن النبي ﷺ: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله». وقال النبي ﷺ: «إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصّة نفسك، ودع عنك أمر العامّة». من حديث طويل أخرجه ابن ماجه، والترمذي عن أبي أمية الشيباني، عن أبي ثعلبة الخشني﵃ أجمعين-. وقال أنس بن مالك﵁من حديث طويل عن النبي ﷺ: «وثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه». رواه البيهقي، وغيره، وقال الأصمعي سمعت رجلا يقول: [الكامل]\nإنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nوسئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر فنظمه فقال: [الكامل] نون الهوان من الهوى مسروقة... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nولابن دريد قوله: [الطويل]","vol":"8","page":718},{"text":"إذا طالبتك النّفس يوما بشهوة... وكان إليها للخلاف طريق\nفدعها وخالف ما هويت فإنّما... هواك عدوّ، والخلاف صديق\nولأبي عبيد الطّوسي قوله: [الرجز]\nوالنفس إن أعطيتها مناها... فاغرة نحو هواها فاها\nوقال سهل بن عبد الله التّستريّ: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى، ومخالفته كتب، وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، وحسبك بقوله تعالى في سورة (النازعات) الآيتان رقم [٤٠ و٤١]: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾. انتهى. قرطبي بتصرف. وانظر الآية رقم [١٨].\n ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أي: على علم قد علمه منه. وقيل: أضله عن الثواب على علم منه: أنه لا يستحقه. وقال ابن عباس﵄-: أي: على علم قد سبق عنده تعالى أنه سيضل.\n ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: طبع على سمعه، حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه، حتى لا يفقه الهدى. ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أي: غطاء؛ حتى لا يبصر الرشد. ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ﴾ أي:\nلا يهديه أحد بعد أن أضله الله. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون، وتعرفون: أنه قادر على ما يشاء.\nوهذه الآية ترد على القدرية، والمعتزلة، والإماميّة، ومن لف لفهم، وسلك طريقتهم في الاعتقاد؛ إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٧]:\n ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-:\nنزلت الآية في أبي جهل، وذلك: أنه طاف في البيت ذات ليلة، ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي ﷺ، فقال أبو جهل: والله إني لأعلم أنه لصادق! فقال له الوليد: مه، وما دلك على ذلك؟ قال: يا أبا عبد شمس! كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تمّ عقله، وكمل رشده، نسميه الكذاب الخائن؟! والله إني لأعلم أنه لصادق! قال: فما يمنعك أن تصدقه، وتؤمن به؟! قال: تتحدث عني بنات قريش: أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات، والعزى إن اتبعته أبدا، فنزلت: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾. انتهى. قرطبي بتصرف. وقيل: نزلت في غير أبي جهل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: أراها زائدة. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، يقدر بعد الجمل الأربع المتعاطفة: «أيهتدي». وقال الجمل: ودعوى الحذف غير لازمة؛ إذ لا مانع من جعل كلمة: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ﴾ هي المفعول الثاني. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنِ﴾. ﴿إِلهَهُ:﴾ مفعول به أول. ﴿هَواهُ:﴾ مفعول به ثان منصوب،","vol":"8","page":719},{"text":"وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعول، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول.\n ﴿وَخَتَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلى سَمْعِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَقَلْبِهِ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة.\n ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ معطوفة على جملة الصلة أيضا لا محل لها مثلها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف على اعتبار المفعول الثاني ل: (رأيت) محذوفا، وصلة على اعتبار الجملة الاسمية الآتية مفعولا ثانيا. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَهْدِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل نصب مفعول به ثان حسبما رأيت. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه.\n ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، وقرئ: «(تتذكرون)».\n\n<span id=\"aya-4497\"></span>﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش، وهو قول الكفار، والملحدين في كل زمان، ومكان.\n ﴿ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا:﴾ هذا إنكار منهم للآخرة، وتكذيب للبعث، وإبطال للجزاء والحساب.\n ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ أي: نموت نحن، وتحيا أولادنا. أو المعنى: يموت بعضنا، ويحيا بعضنا. أو يصيبنا الموت، والحياة في الحياة الدنيا، وليس وراء ذلك حياة. أو أرادوا: أنكون أمواتا نطفا، وما قبلها، ونحيا بعد ذلك؟! ويحتمل أنهم أرادوا به تناسخ الأرواح، فإنه أكثر عقيدة الوثنيين، وفي مغني اللبيب: ليست الواو لمطلق الجمع، ولا للترتيب، بل هو عكس الترتيب في هذه الآية، ولو كانت للترتيب؛ لكان اعترافا بالحياة بعد الموت، وهم لا يعترفون بالآخرة قطعا.\nهذا؛ وقيل: فيه تقديم، وتأخير؛ أي: نحيا، ونموت. وهي قراءة ابن مسعود﵁-.\nانتهى. قرطبي. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿نَمُوتُ﴾ و(نحيا).\n ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ أي: مرور الزمان، وتوالي الأيام، وتقلب الليل، والنهار. ﴿وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: لم يقولوا ذلك عن علم علموه، وما يقولونه عن حق ويقين، ولكن عن ظنّ وتخمين. وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (الزخرف). هذا؛ وقال السيوطي في أسباب النزول:\nكان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، فأنزل الله الآية الكريمة.","vol":"8","page":720},{"text":"فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله﷿-: «يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدّهر، وأنا الدّهر، أقلّب اللّيل والنّهار». وفي رواية: «يؤذيني ابن آدم، ويقول:\nيا خيبة الدّهر! فلا يقولنّ أحدكم: يا خيبة الدّهر، فإني أنا الدّهر بيدي الليل والنهار». وهذه الأحاديث مروية في البخاري وغيره من كتب الأحاديث. ومعنى هذه الأحاديث: أنّ العرب كان من شأنها ذم الدهر، وسبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إلى الدهر ما يصيبهم من المصائب، والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، كما أخبر الله﷿عنهم بقوله: ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، وسبوا فاعلها، كان مرجع سبهم إلى الدهر، فنهوا عن سب الدهر. وقيل لهم: لا تسبوا فاعل ذلك، فإنه هو الله ﷿، والدهر متصرّف فيه، يقع به التأثير، كما يقع بكم، والله أعلم. انتهى. خازن.\nهذا؛ وكثيرا ما نسمع في أيامنا هذه من يلعن، ويسب الساعة، واليوم الذي رأى فيه فلانا، أو باع، أو اشترى كذا، أو عامل فيه فلانا، أو الساعة التي جرى فيها قرانه بزوجته، وهي بزوجها ليبوؤوا بغضب الله، وسخطه، وقد يكونون من المصلين الصائمين، ولا حول، ولا قوة إلاّ بالله! ولقد أحسن أبو علي الثقفي-رحمه الله تعالى-إذ يقول: [السريع]\nيا عاتب الدّهر إذا نابه... لا تلم الدّهر على غدره\nالدهر مأمور، له آمر... وينتهي الدهر إلى أمره\nكم كافر أمواله جمّة... تزداد أضعافا على كفره\nومؤمن ليس له درهم... يزداد إيمانا على فقره\nوروي: أنّ سالم بن عبد الله بن عمر﵃كان كثيرا ما يذكر الدهر، فزجره أبوه، وقال: إياك يا بني وذكر الدهر، وأنشد: [الطويل]\nفما الدهر بالجاني لشيء لحينه... ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا\nولكن متى ما يبعث الله باعثا... على معشر يجعل مياسيرهم عسرا\nهذا؛ والدهر: هو الزمان قلّ، أو كثر، ولكن قال بعضهم: إطلاقه على الزمن القليل مجاز، واتساع، ويطلق على الأبد، ويقع على مدة الدنيا كلها، وجمعه: دهور، ودهر الإنسان: الزمن الذي يعيش فيه، والدّهريّ بضم الدال: المسن، وبالفتح الملحد؛ الذي لا يعتقد بوجود الخالق، جلّ وعلا.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿حَياتُنَا:﴾ خبر المبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في","vol":"8","page":721},{"text":"محل نصب مقول القول. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿حَياتُنَا﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف.\n ﴿نَمُوتُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَنَحْيا:﴾ معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال مثلها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يُهْلِكُنا:﴾ فعل مضارع، و(نا): مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿الدَّهْرُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محلّ نصب حال مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما) نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عِلْمٍ﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿لَهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، وجملة:\n ﴿يَظُنُّونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4498\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أي: آيات القرآن يقرؤها محمد ﷺ على كفار قريش.\n ﴿بَيِّناتٍ:﴾ واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم من إنكار البعث، والحساب، والجزاء.\n ﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾ أي: ما كان لهم متشبثا يعارضون، ويحتجون به. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا﴾ أي:\nأحيوهم، وأعيدوهم إلى هذه الدنيا ليشهدوا لنا بصحة البعث، والحساب، والجزاء بعد الموت.\n ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في قولكم: إن هناك حسابا، وجزاء بعد الموت، فائتوا بآبائنا.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم سمي قولهم حجة، وليس بحجة؟ قلت:\nلأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسبانهم، وتقديرهم حجة، أو لأنه في أسلوب قول عمرو بن معدي كرب: [الوافر]\nوخيل قد دلفت لها بخيل... تحيّة بينهم ضرب وجيع\nيقول: إذا تلاقوا في الحرب جعلوا بدلا من تحية بعضهم لبعض الضرب الوجيع.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان","vol":"8","page":722},{"text":"بما قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من:\n ﴿آياتُنا:﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿حُجَّتَهُمْ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و﴿كانَ﴾ والفعل: ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا؛ ويقرأ برفع: «(حجّتهم)» على أنه اسم ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها. ﴿اِئْتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿كانَ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-4499\"></span>﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: هذه الآية رد وجواب لقولهم: ﴿اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. قلت: لما أنكروا البعث، وكذبوا الرسل، وحسبوا: أن ما قالوه قول مبكّت؛ ألزموا ما هم مقرّون به من أن الله ﷿ هو الذي يحييهم، ثم يميتهم، وضمّ إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به؛ إن أنصفوا، وأصغوا إلى داعي الحق، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، ومن كان قادرا على ذلك، كان قادرا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه.\n ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه. وانظر شرح (الريب) في الآية رقم [١٤] من سورة (الشورى) ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ لقلة تفكرهم، وقصور نظرهم على ما يحسبونه. وانظر الآية رقم [٣٩] من سورة (الدخان)، فالبحث فيها جيد. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨]:\n ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولا تنس الطباق بين ﴿فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ وبين ﴿يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾.\nهذا؛ و﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (ربّ) و(لا) العاملة عمل «ليس» فيقال؛ ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح، وثم","vol":"8","page":723},{"text":"هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.\nالإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُحْيِيكُمْ:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملتا ﴿يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ﴾ معطوفتان على ما قبلهما، فهما في محل رفع مثلها. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب.\n ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-4500\"></span>﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ تعميم للقدرة بعد تخصيصها. واللام مفيدة للملك الحقيقي، الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٦١] من سورة (الزخرف). ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب فيه عن جملة محذوفة، دلّت عليها الغاية؛ أي:\nيوم تقوم الساعة، و(إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوّض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما. ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما. ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: الكافرون، والملحدون، والمجرمون في كل زمان، ومكان. وانظر هذا الخسران في الآية رقم [٤٥] من سورة (الشورى). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾\nمبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ؛﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَخْسَرُ﴾ بعده، وعليه ف: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل منه، والتنوين عوض عن جملة مقدرة كما","vol":"8","page":724},{"text":"رأيت في الشرح، وعليه فالبدل بدل توكيدي. هذا؛ ويجوز أن يعلق (يوم) بفعل محذوف، تقديره: اذكر. قالوا: لأنّ يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسماء، والأرض؛ لأنهما يتبدلان، فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض، وملك يوم تقوم الساعة، ويكون ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ متعلقا بالفعل: ﴿يَخْسَرُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة من حيث اللفظ، وإن كان لها تعلق بما قبلها من حيث المعنى. انتهى. بتصرف كبير من الجمل نقلا عن السمين. هذا؛ وجملة: ﴿تَقُومُ السّاعَةُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها.\n\n<span id=\"aya-4501\"></span>﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أي: باركة على الرّكب، وهي جلسة المخاصم بين يدي الحاكم ينتظر القضاء. قال سلمان الفارسي﵁-: إن في يوم القيامة ساعة، هي عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على الركب؛ حتى إبراهيم ﵇ ينادي ربه: لا أسألك إلا نفسي. هذا؛ وفسر: ﴿جاثِيَةً﴾ بخاضعة وذليلة ومجتمعة، ومتميزة، أقوال، وفي سورة (مريم) رقم [٧٢]: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد. هذا؛ والخطاب للنبي ﷺ، ويعمّ كل من تتأتى منه الرؤية. هذا؛ والجثو: الجلوس على الركب، يقال: جثا على ركبتيه، يجثو، ويجثى جثوا، وجثيا على وزن فعول فيهما. ومن قول النبي ﷺ: «أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة». و«صار فلان جثوة من تراب». أي: كومة من تراب، قال طرفة بن العبد في معلقته رقم [٧٠]. [الطويل]\nترى جثوتين من تراب عليهما... صفائح صمّ من صفيح منضّد\n ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا:﴾ قال يحيى بن سلام: إلى حسابها. وقيل: إلى كتابها؛ الذي سجلت فيه الملائكة أعمالها من خير، أو شر. وقيل: كتابها المنزل عليها لينظر هل عملوا بما فيه؟ هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ..﴾. إلخ.\n ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: يقول الله لهم. أو هو من مقول الملائكة لهم. هذا؛ وانظر شرح:\n ﴿أُمَّةٍ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الشورى)، وشرح ﴿تَرى﴾ في الآية رقم [٢٢] منها.\nالإعراب: ﴿وَتَرى:﴾ الواو: حرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره أنت. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿جاثِيَةً:﴾ مفعول به ثان، أو حال من: ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾ لتخصيصه بالإضافة. وقيل:\nصفة، وجملة: ﴿وَتَرى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿كُلَّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تُدْعى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿كُلَّ﴾","vol":"8","page":725},{"text":"﴿أُمَّةٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويقرأ بنصب: ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾ على أنه بدل مما قبله، وعليه فجملة: ﴿تُدْعى﴾ يجوز فيها ما جاز ب: ﴿جاثِيَةً﴾. ﴿إِلى كِتابِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة.\n ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والجملة الفعلية في محل نصب خبره، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو مفعول ﴿تَعْمَلُونَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال لهم... إلخ، وهذه الجملة مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4502\"></span>﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ:﴾ يشهد عليكم بما عملتم بالحق بلا زيادة، ولا نقصان. وهذا يحتمل أن يكون من قول الله تعالى للمبطلين يوم القيامة، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة لهم. والأول أقوى. ولفظ ﴿يَنْطِقُ﴾ استعارة تصريحية بالفعل، والاستعارة هنا أبلغ من الحقيقة؛ لأنّ شهادة الكتاب ببيانه أقوى من شهادة الإنسان بلسانه. وفي سورة (المؤمنون) رقم [٦٢] قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. وقيل: إنهم يقرؤونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم، دليله قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٤]: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ لذا يقولون ما حكى الله عنهم في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف أضيف الكتاب إليهم، وإلى الله ﷿؟ قلت: الإضافة تكون للملابسة، وقد لابسهم، ولابسه، أما ملابسته إياهم؛ فلأن أعمالهم مثبتة فيه، وأما ملابسته إياه؛ فلأنه مالكه، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده.\n ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ..﴾. إلخ: أي: نأمر بنسخ ما كنتم تعملون.\nقال علي-كرّم الله وجهه-: إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم.\nوقال ابن عباس﵄-: إن الله وكّل ملائكة مطهرين، فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل يوم ما يكون من أعمال بني آدم، فيعارضون حفظة الله على العبّاد كل خميس، فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقا لما في كتابهم الذي استنسخوه من ذلك الكتاب، لا زيادة فيه، ولا نقصان. قال ابن عباس﵄-: وهل يكون النسخ إلاّ","vol":"8","page":726},{"text":"من كتاب؟ وقال الحسن البصري: نستنسخ ما كتبته الحفظة على بني آدم؛ لأنّ الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال. انتهى. قرطبي بتصرف. ولا تنس: أنّ معنى الفعل: نثبت، ونحفظ.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿كِتابُنا:﴾ خبر المبتدأ. و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿يَنْطِقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿كِتابُنا﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَنْطِقُ﴾ المستتر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿كِتابُنا،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة؛ لما فيه من معنى الفعل. هذا؛ ويجوز أن تكون الجملة في محل رفع خبر ثان، وأن يكون ﴿كِتابُنا﴾ بدلا من اسم الإشارة، وجملة: ﴿يَنْطِقُ..﴾. إلخ خبرا وحده. انتهى.\nجمل نقلا عن السمين. أقول: والأول أقوى، دليله قوله تعالى حكاية عن قول سارة: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾.\n ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿نَسْتَنْسِخُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر «كان»، وجملة:\n ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل لما قبلها. ﴿ما:﴾\nتحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:\nالذي، أو شيئا كنتم تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: نستنسخ عملكم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء اسمه، وجملة:\n ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره.\n\n<span id=\"aya-4503\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: هذا تفصيل للمجمل المفهوم من قوله تعالى: ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، وهو احتراس بأن الإيمان بدون عمل صالح قد لا يجدي، ولا يغني صاحبه شيئا، وقد ذكرته مرارا. وانظر العكس في سورة (غافر) رقم [٤٠]. ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ:﴾ انظر الآية [٧٠] من سورة (الزخرف). ﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾ التي من جملتها الجنة، وهو قول البيضاوي، وفسرها الزمخشري، والقرطبي بالجنة نفسها، وهذه الجملة مقولة لمحذوف. ﴿ذلِكَ﴾ أي: الدخول في رحمة الله. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي: النجاح العظيم، والربح الكبير؛ لخلوصه من المتاعب، والأكدار، والهموم، والأحزان. هذا؛ وفي","vol":"8","page":727},{"text":"قوله: ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ مجاز مرسل، علاقته الحالية؛ أي: جنته؛ لأنّ الرحمة لا يحل فيها الإنسان؛ لأنها معنى من المعاني، وإنما يحل في مكانها، فاستعمال الرحمة مجاز أطلق فيه الحال، وأريد المحل.\nالإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد.\nأما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء فأما الذين... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب: «مهما يك من شيء» فصار: أما الذين آمنوا... إلخ، وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها، وأما كونها أداة توكيد، فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لأنها علقته على أمر متيقن.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَيُدْخِلُهُمْ:﴾\nالفاء: واقعة في جواب (أما). (يدخلهم): مضارع، والهاء مفعول به. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (يدخلهم...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، لا محل لها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ ثان. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبره. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر ﴿ذلِكَ،﴾ وعلى الوجهين فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4504\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو من باب المقابلة بين الفريقين:\nفريق الإيمان والمؤمنين، وفريق الكفر والكافرين. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٤] من سورة (الزخرف) وإنك لتجد مثل هذه المقابلة، وبنصها في سورة (آل عمران) رقم [٥٦] و[٥٧] وفي سورة (النساء) رقم [١٧٣]. ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي..﴾. إلخ: أي: فيقال لهم: ألم تأتكم رسلي، فلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف القول والمعطوف عليه اكتفاء بالمقصود، واستغناء بالقرينة.\nانتهى. بيضاوي وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥١] من سورة (الزخرف) في شرح: (أفلا).\n ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أي: عن الإيمان بالله، ورسوله، وآياته. ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي: كافرين، منكرين،","vol":"8","page":728},{"text":"عادتكم الإجرام. وانظر التعبير عن الكافرين بالمجرمين في الآية رقم [٧٤] من سورة (الزخرف).\nالإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ انظر الآية السابقة فالإعراب لا يتغير. ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة:\nحرف استفهام وتقرير. الفاء: حرف عطف على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿آياتِي:﴾ اسم ﴿تَكُنْ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿آياتِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر:\n ﴿تَكُنْ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (لم تكن...) إلخ معطوفة على جملة محذوفة مع القول المحذوف. انظر الشرح. وجملة: «يقال لهم...» إلخ المقدرة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (استكبرتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها. ﴿وَكُنْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (كنتم): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿قَوْمًا:﴾ خبر (كان). ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمًا،﴾ وهي صفة موطئة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4505\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ أي: بالبعث، والحساب، والجزاء يوم القيامة. ﴿حَقٌّ:﴾\nثابت وواقع لا محالة. ﴿وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها:﴾ لا شك في وقوع الساعة؛ أي: يوم القيامة. ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ﴾ أي: أي شيء الساعة؟! استغرابا لها. والمعنى: أنكرتم وجودها، ووقوعها، والخطاب لكفار قريش كما هو ظاهر. ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا﴾ أي: لا نعلم ذلك إلاّ حدسا، وتوهما. ومعناه: إثبات الظن فحسب، فأدخل حرف النفي، والاستثناء؛ ليفاد إثبات الظن مع نفي ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن توكيدا بقوله: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أي: بمتحققين، ومتأكدين؛ أي: من إمكانه، ووقوعه. ولعل ذلك قول بعضهم، تحيروا بين ما سمعوا من آبائهم، وما تليت عليهم من الآيات في أمر الساعة، فكانوا في شك، وريب، وحيرة فما كانوا ليهتدوا سبيلا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ و﴿قِيلَ:﴾ أصله: قول بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، بعد سلب حركتها فصار: (قول) بكسر القاف، وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء؛ لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار ﴿قِيلَ﴾.","vol":"8","page":729},{"text":"الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل:\n ﴿قِيلَ﴾. أفاده ابن هشام في مغنيه، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك فيما مضى مرارا: أنّ بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدلّ عليه المقام؛ أي: وقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور (لهم) المقدر هنا، والمذكور في غير هذه الآية في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني حيث قال: إنّ الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات؛ ولهذا تقع مبتدأ، نحو «لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنة». ونحو: «زعموا مطيّة الكذب»، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿وَالسّاعَةُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الساعة): يقرأ بالنصب عطفا على: ﴿وَعْدَ اللهِ،﴾ ويقرأ بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: الابتداء، وما بعدها من الجملة المنفية خبرها.\nالثاني: العطف على محل اسم ﴿إِنَّ؛﴾ لأنه قبل دخولها مرفوع بالابتداء. الثالث: أنه عطف على محل ﴿إِنَّ﴾ واسمها معا؛ لأن بعضهم كالفارسي، والزمخشري يرون: أن ل: ﴿إِنَّ﴾ واسمها موضعا، وهو الرفع بالابتداء. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٦] وهي في محل رفع خبر (الساعة) على رفعها، ويكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها، وهي معطوفة على كلمة: ﴿حَقٌّ﴾ على نصب «الساعة»، على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. وقيل: معطوف على ما قبله؛ لأنه من جملة ما يقال لهم، ولا بأس به. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو خبر مقدم. ﴿السّاعَةُ:﴾ خبر المبتدأ، أو مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية في محل نصب سدّت مسدّ مفعولي: ﴿نَدْرِي،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل نصب مقول القول.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿نَظُنُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن».\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ظَنًّا:﴾ مفعول مطلق، قال الفارسي، التقدير: إن نحن إلاّ نظن ظنا؛ لأن الاستثناء المفرغ لا يكون في المفعول المطلق التوكيدي، لعدم الفائدة فيه، قال ابن هشام في الرد عليه: وأجيب بأن المصدر في الآية نوعي، على حذف الصفة؛ أي: إلاّ ظنا ضعيفا.\nانظر الشاهد رقم [٥٤٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ وعلى تقدير الفارسي؛ فالجملة","vol":"8","page":730},{"text":"الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، رأيت تقديره. وعلى كل فالجملة في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾\nضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُسْتَيْقِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة.\n (مستيقنين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿نَظُنُّ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4506\"></span>﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَبَدا لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: وظهر للكافرين، والمجرمين، والفاسدين المفسدين في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه، القريب أوانه-وهو يوم القيامة-مساوئ أعمالهم من الشرك، والظلم، والطغيان، والإفساد، والفساد، والاعتداء على حقوق العباد، أو ظهر لهم عقاب ما ذكر، وجزاؤه؛ حيث عاينوه بأعينهم. ﴿وَحاقَ بِهِمْ..﴾. إلخ: أي: أحاط بهم العذاب، ونزل بهم من كل الجهات جزاء ما كانوا به يستهزئون. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، والمبالغة في التهديد، والوعيد. هذا؛ ومثل الآية في نصها ومغزاها رقم [٤٨] من سورة (الزمر).\nالإعراب: ﴿وَبَدا:﴾ الواو: حرف استئناف. (بدا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سيئات الذي، أو شيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم. هذا؛ والجار والمجرور ﴿بِهِ﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وتفصيل الإعراب لا يخفى عليك بعد هذا، وجملة: ﴿وَحاقَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n<span id=\"aya-4507\"></span>﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ﴾ أي: نترككم في العذاب، ونعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي: كما تركتم عدته، ولم تبالوا به، فلم تعملوا له؛ لأنكم لم تصدقوا به. ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ:﴾ مقركم، وملجأكم النار. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ يمنعونكم، ويخلصونكم من العذاب. وقد ثبت في الحديث الصحيح: أنّ الله ﵎ يقول لبعض بني آدم يوم القيامة: «ألم أزوّجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخّر لك الخيل، والإبل، وأذرك ترأس،","vol":"8","page":731},{"text":"وتربع؟! فيقول: بلى يا ربّ، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا! فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني!».\nهذا؛ وقوله تعالى: ﴿نَنْساكُمْ﴾ معناه: نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم. معناه:\nجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه، ورحمته، فخرج على مزاوجة الكلام، فهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ رقم [٤٠] من سورة (الشورى)، وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٤]: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٣٠]: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ ومثل هذا يسمى في فن البديع:\nمشاكلة، وهو يخرج على الاستعارة أيضا بتشبيههم بالأمر المنسي؛ حيث مثل تركهم في العذاب بمن حبس في مكان، ثم نسيه السجان من الطعام، والشراب؛ حتى هلك، وذلك بطريق الاستعارة التمثيلية.\nالإعراب: ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْيَوْمَ:﴾\nظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿نَنْساكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: (قيل). وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢]. والجملة الفعلية: ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية.\n ﴿نَسِيتُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، و(ما) والفعل (نسي) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: ننساكم نسيانا كائنا مثل نسيانكم لقاء يومكم. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلاّ في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿يَوْمِكُمْ:﴾ مضاف إليه، فيه توسع في الظرف حيث أضيف إليه ما هو واقع فيه على حد قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ رقم [٣٣] فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، وإضافة (مكر) و﴿لِقاءَ﴾ إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿يَوْمِكُمْ،﴾ وبعضهم يعتبره بدلا منه، والأول أقوى، والهاء حرف تنبيه لا محل له.\n ﴿وَمَأْواكُمُ:﴾ الواو: واو الحال. (مأواكم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والميم. والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ما): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.","vol":"8","page":732},{"text":"﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر، مجرور لفظا، مرفوع محلا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.\n\n<span id=\"aya-4508\"></span>﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اِتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: العذاب، أو الجزاء الذي لقيتموه. ﴿بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ..﴾. إلخ: بسبب أنكم اتخذتم آيات الله هزوا، وسخرية، ولعبا. ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ بزينتها، وزخرفها، وغرتكم أموالكم، وجاهكم، ومناصبكم في هذه الدنيا. ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها﴾ أي: من جهنم، فالفعل يقرأ بالبناء للمجهول من الرباعي المتعدي، ويقرأ بالبناء للمعلوم من الثلاثي اللازم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فالبناء للمعلوم لقوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [٢٠]: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها،﴾ والبناء للمجهول لقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٧]:\n ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم؛ أي: يرضوه بالعتبى لفوات أوانه، وقد دعوا إليه في الدنيا؛ حيث ندبهم الله في كثير من الآيات إلى التوبة، والطاعة، وحثّهم في كثير من الآيات على الإنابة، والاستغفار، والإيمان به.\nمن قولهم: استعتبني فلان، فأعتبته؛ أي: استرضاني، فأرضيته. وجملة القول: لا يقال لهم يوم القيامة: ارضوا ربكم بتوبة، وطاعة. ومثله في سورة (فصلت) رقم [٢٤]: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٨٤]: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ،﴾ وقوله جلّ ثناؤه في سورة (الروم) رقم [٥٧]: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.\nهذا؛ والاستعتاب: طلب العتاب. والمعتبة: هي الغلظة، والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة، والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب من خصمه العتاب؛ دلّ ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني يعتذر إلى النعمان بن المنذر مما وشي إليه عنه: [الطويل]\nفإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته... وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب\nهذا؛ وقال جلّ شأنه في سورة (المرسلات): ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ وفي «المصباح المنير»: عتب عليه عتبا من باب: ضرب، وقتل، ومعتبا أيضا: لامه في سخط، فهو عاتب، وعتّاب مبالغة، وبه سمّي، ومنه: عتاب بن أسيد الصحابي﵁-. وعاتبه معاتبة، وعتابا. قال الخليل-رحمه الله تعالى-: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة","vol":"8","page":733},{"text":"الموجدة. وأعتبني الهمزة للسلب؛ أي: أزال الشكوى، والعتاب، واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبى: الاسم من الإعتاب. انتهى. جمل من سورة (الروم). وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنّ أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا؛ فلعلّه يستعتب». رواه البخاري، ومسلم.\nقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين؛ فهذا معناه. أي: ما تقدم. وأما كونهم غير معتبين؛ فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه؛ أي: يسألونه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته. انتهى. هذا؛ وفي قوله: ﴿لا يُخْرَجُونَ..﴾. إلخ التفات من الخطاب في أول الآية إلى الغيبة في آخرها. انظر الالتفات في الآية رقم [١١] من سورة (الزخرف).\nالإعراب: ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِأَنَّكُمُ:﴾ الباء: حرف جر. (أنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿اِتَّخَذْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿هُزُوًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَغَرَّتْكُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿الْحَياةُ:﴾ فاعله. ﴿الدُّنْيا:﴾\nصفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له قطعا. (اليوم): ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخْرَجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي.\n ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4509\"></span>﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ:﴾ قال الزمخشري: فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء في السموات، والأرض، والعالمين؛ فإن مثل هذه الربوبية العامة يوجب الحمد، والثناء على كل مربوب. انتهى.","vol":"8","page":734},{"text":"هذا؛ والحمد في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل، والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا؟ فالأول كمن يحسن إليك، والثاني كمن يجيد صلاته. وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث منعما على الحامد، أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان؛ التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل]\nأفادتكم النّعماء مني ثلاثة... يدي ولساني والضمير المحجّبا\nومما هو جدير بالذكر: أنّ معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح؛ فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ وقد حثنا النبي ﷺ على حمد الله باللسان، والإكثار منه، ورغبنا فيه، وذكر لنا أحاديث ترغبنا فيه، وصيغا مفضلة على غيرها لما فيها من المعاني القوية، وخذ نبذة من ذلك، فعن عبد الله بن عمر -﵄-: أنّ رسول الله ﷺ حدّثهم: «أنّ عبدا من عباد الله قال: يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها؟ فصعدا إلى السماء، فقالا: يا ربّنا إنّ عبدك قد قال مقالة، لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله-وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربّ إنه قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي؛ حتّى يلقاني، فأجزيه بها». رواه أحمد، وابن ماجه.\nوعن أبي أيوب﵁قال: قال رجل عند رسول الله ﷺ: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فقال رسول الله ﷺ: «من صاحب الكلمة؟». فسكت الرجل، وظنّ: أنه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه، فقال رسول الله ﷺ: «من هو؟ فإنه لم يقل إلاّ صوابا!». فقال الرجل: أنا قلتها يا رسول الله أرجو بها الخير! فقال: «والّذي نفسي بيده لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك، أيّهم يرفعها إلى الله تعالى!». رواه الطبراني، والبيهقي.\nهذا؛ والرب يطلق ويراد به السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ، وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا..﴾. إلخ. وقال الأعشى: [الكامل]\nربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا\nكما يقال: رب الدار، ورب الأسرة؛ أي: مالكها، ومتولي شؤونها، كما يراد به المربي، والمصلح. يقال: ربّ فلان الضيعة، يربّها إذا أصلحها. والله ﷾ مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، بجعل النطفة علقة، ثم بجعل العلقة مضغة، ثم","vol":"8","page":735},{"text":"بجعل المضغة عظما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. هذا؛ ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلاّ مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والربّ المعبود بحق، والمراد منه: الله تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]\nهنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا\nوهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر. وانظر شرح ﴿الْعالَمِينَ﴾ في الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف).\nالإعراب: ﴿فَلِلّهِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿رَبِّ:﴾ بدل، أو عطف بيان، أو صفة لفظ الجلالة. انتهى. سمين. و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وما بعده معطوف عليه، وإعرابه مثله بلا فارق. هذا؛ وقال القرطبي: قرأ مجاهد، وحميد، وابن محيصن بالرفع فيها كلها على معنى:\nهو رب. انتهى. وهي قراءة شاذة فوق السبعة لم يقل بها غير القرطبي.\n\n<span id=\"aya-4510\"></span>﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ﴾ أي: العظمة، والجلال، والبقاء، والسلطان، والقدرة، والكمال.\n ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر؛ الذي لا يغلب. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ فيما قدر، وقضى، فاحمدوه، وكبروه، وأطيعوا له. وخذ ما يلي:\nفعن أبي سعيد، وأبي هريرة﵄قالا: قال رسول الله ﷺ: «العزّ إزاره، والكبرياء رداؤه»، قال الله تعالى: «فمن ينازعني عذّبته». أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وأخرجه البرقاني وأبو مسعود﵄يقول الله ﷿: «العزّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئا منهما؛ عذّبت». ولأبي داود عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما؛ قذفته في النار».\nشرح غريب ألفاظ الحديث: قيل هذا الكلام خرج على ما تعتاده العرب في بديع استعاراتهم، وذلك: أنهم يكنون عن الصفة اللازمة بالثياب، يقولون: شعار فلان الزهد، ولباسه","vol":"8","page":736},{"text":"التقوى، فضرب الله ﷿ الإزار، والرداء؛ مثلا له في انفراده ﷾ بصفات الكبرياء، والعظمة، والمعنى: أنهما ليسا كسائر الصفات؛ التي يتصف بها بعض المخلوقين مجازا، كالرحمة، والكرم، وغيرهما، وشبههما بالإزار، والرداء؛ لأنّ المتصف بهما يشملانه، كما يشمل الرداء الإنسان، ولأنه لا يشاركه في إزاره، وردائه أحد؛ فكذلك الله تعالى، لا ينبغي أن يشاركه أحد؛ لأنهما من صفاته اللازمة له، المختصة به؛ التي لا تليق لغيره، والله أعلم.\nانتهى. خازن بحروفه. وانظر تحريم الكبر على المخلوقين في الآية رقم [٦٠] من سورة (الزمر)، ورقم [٨٥] من سورة (ص).\nالإعراب: ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿الْكِبْرِياءُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْكِبْرِياءُ﴾ والذين لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ يعتبرون الحال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. انظر الشاهد رقم [١٣٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. لا محل لها مثلها. ﴿وَهُوَ:﴾\nالواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها أيضا.\nتأمل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الجاثية) شرحا وإعرابا، والله الموفق والمعين.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"8","page":737},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4131>سورة الأحقاف</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الأحقاف) وهي مكية بالإجماع، وقال الخازن: قيل: غير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ..﴾. إلخ رقم [١٠]، وقيل: وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ..﴾. إلخ رقم [٣٥] فإنهما نزلتا بالمدينة. وهي خمس وثلاثون آية، وستمئة وأربع وأربعون كلمة، وألفان وخمسمئة، وخمسة وتسعون حرفا. انتهى. خازن. وسميت سورة (الأحقاف)؛ لأنها مساكن قوم عاد؛ الذين أهلكهم الله بطغيانهم، وجبروتهم، وكانت مساكنهم بالأحقاف من أرض اليمن، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ﴾ الاية رقم [٢١].\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4511\"></span><span id=\"aya-4512\"></span>﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾\nالشرح: ﴿*حم:﴾ انظر شرحه في أول سورة (غافر) ففيه الكفاية. قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: يخبر الله تعالى أن تنزيل هذا الكتاب، وهو القرآن العظيم من عنده ﵎، فهو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك، كما قال ﷿ في سورة (الشعراء): ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وقال هاهنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: المنيع الجناب، ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: في أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره. انتهى. هذا؛ و﴿الْعَزِيزِ﴾ يفسر ب: الغالب القوي القاهر؛ الذي لا يغلب، و﴿الْحَكِيمِ﴾ يفسر ب: الذي يفعل كل شيء بحكمة، وتقدير، وتدبير.\nأما ﴿الْكِتابِ﴾ فهو في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطة واحدة، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب وفصول، ومسائل غالبا، ورحم الله من يقول: [الطويل] لنا جلساء ما يملّ حديثهم... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا\nيفيدوننا من علمهم علم ما مضى... وعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا\nفإن قلت أحياء فما أنت كاذب... وإن قلت أموات فلست مفنّدا","vol":"9","page":5},{"text":"وإني أتمثّل بقول الاخر: [الخفيف] ما تطعّمت لذّة العيش حتّى... صرت للبيت والكتاب جليسا\nليس عندي شيء ألذّ من ال... علم فلم أبتغ سواه أنيسا\nإنّما الذّلّ في مخالطة النا... س فدعهم وعش عزيرا رئيسا\nورحم الله من يقول:\nوقائلة أتلفت في الكتب ما حوت... يمينك من مال فقلت دعيني\nلعلّي أرى فيها كتابا يدلّني... لأخذ كتابي في غد بيميني\nورحم الله من يقول: [الوافر] كتابي فيه بستاني وروحي... وفيه سمير نفسي والنديم\nيسالمني وكلّ الناس حرب... ويسليني إذا عرت الهموم\nويحيي لي تصفّح صفحتيه... كرام الناس إن فقد الكريم\nإذا اعوجّت عليّ طريق قومي... فلي فيه طريق مستقيم\nوبالجملة: فالكتاب هو نعم الذخر، والعدة، والشغل، والحرفة، جليس لا يضرك، ورفيق لا يملّك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر، إن ألفته؛ خلّد على الأيام ذكرك. وإن درسته؛ رفع بين الخلائق قدرك.\nالإعراب: ﴿*حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ..﴾. إلخ: انظر سورة (غافر) فالإعراب واحد لا يتغير في الايتين.\n\n<span id=\"aya-4513\"></span>﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي: إلا خلقا ملتبسا بالحق، وهو ما تقتضيه الحكمة، والمعدلة، وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم، وفيه دلالة على البعث، والحساب، والمجازاة. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [١٦]: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ وأيضا رقم [٣٨] من سورة (الدخان)، وقال تعالى في سورة (ص) رقم [٢٧]: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ انظر شرح الايات في محالها، وهي مذكورة بحروفها في سورة (الحجر) رقم [٨٥] وانظر شرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الاية رقم [٩] من سورة (الزخرف)","vol":"9","page":6},{"text":"وشرح: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ في الاية رقم [٧] من سورة (الدخان). ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ يعني يوم القيامة في قول ابن عباس، وغيره، وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات، والأرض. وقيل: إنه هو الأجل المقدور لكل مخلوق. انتهى. قرطبي. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالله، وكتابه، ورسوله. ﴿عَمّا أُنْذِرُوا﴾ أي: خوفوا به في القرآن من البعث، والحساب، والجزاء. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ لا يتفكرون فيه، ولا يستعدون لحلوله ووقوعه.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، والجملة مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و(ها): في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: إلاّ خلقا ملتبسا بالحق.\n ﴿وَأَجَلٍ:﴾ معطوف على (الحق). ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة: (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾\nالواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ بعدهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو: عن شيء أنذروه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: عن إنذارهم. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4514\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني، والخطاب للنبي ﷺ. ﴿ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: ما تعبدون من دون الله، أي: الأصنام. ﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أيّ شيء خلقوا في الأرض؛ إن كانوا آلهة؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أي: شركة مع الله في خلق السموات، والأرض. والمعنى:\nأخبروني عن حال آلهتكم بعد التأمل فيها، هل يعقل أن يكون لها مدخل في أنفسها، أو في خلق شيء من أجزاء العالم، فتستحق به العبادة، والتعظيم، والتقديس؟ وتخصيص الشرك بالسموات احتراز عما يتوهم: أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية. انتهى. بيضاوي بتصرف.","vol":"9","page":7},{"text":"﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي: من قبل هذا الكتاب، يعني: القرآن، فإنه ناطق بالتوحيد.\nهذا؛ و﴿اِئْتُونِي﴾ أمر من: أتى، يأتي، والأمر بهمزتين: همزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا ابتدأت الكلام قلت: إيت بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية، فتقول: إئت، ومثل ذلك قل في إعلال: أذن، يأذن، إئذن.\n ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ:﴾ أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين؛ هل فيها ما يدلّ على استحقاق الأصنام العبادة، أو الأمر به؟ أو هل لله شريك في السموات؟ أو هل هذه الأصنام تقربكم إلى الله زلفى، كما تزعمون، وتدعون؟ هذا؛ ويقرأ: «(أثرة)» وبقراآت مختلفة.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (رأيتم): فعل وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي تدعونه.\n ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَرُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و(ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿خَلَقُوا:﴾\nصلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي خلقوه. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا ففيه وجهان: اعتباره مبتدأ، وجملة: ﴿خَلَقُوا:﴾ خبره، والرابط محذوف، كما رأيت، واعتباره مفعولا مقدما للفعل ﴿خَلَقُوا،﴾ وهذا الوجه أقوى على جميع الاعتبارات. بقي أن تعرف أن جملة: ﴿أَرُونِي﴾ يجوز فيها وجهان: الأول: اعتبارها تأكيدا ل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ لأنها بمعنى:\nأخبروني، وعلى هذا يكون المفعول الثاني ل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هو جملة: ﴿ماذا خَلَقُوا﴾. والوجه الثاني: أن لا تكون مؤكدة لها، وعلى هذا تكون المسألة من باب التنازع؛ لأن ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يطلب ثانيا، و﴿أَرُونِي﴾ كذلك، وقوله: ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ هو المتنازع فيه، وتكون المسألة من إعمال الثاني، والحذف من الأول. هذا؛ وجوز ابن عطية في ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أن لا يتعدى إلى اثنين، حيث قال:\nو﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ لفظ موضوع للسؤال، والاستفهام لا يقتضي مفعولا ثانيا، وجعل ﴿ما تَدْعُونَ﴾ استفهاما، معناه التوبيخ، قال: و﴿تَدْعُونَ﴾ معناه: تعبدون. قلت: وهذا رأي الأخفش، وقد قال بذلك في قوله تعالى: ﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ..﴾. إلخ الاية رقم [٦٣] من سورة (الكهف). انتهى. جمل نقلا عن السمين. وقد تصرفت فيه بعض التصرف.\n ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في:\n ﴿ماذا﴾. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى همزة الإنكار، وبل الإضرابية، فهي منقطعة. ﴿لَهُمْ:﴾","vol":"9","page":8},{"text":"متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شِرْكٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿شِرْكٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿اِئْتُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿بِكِتابٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة «كتاب»، و﴿قَبْلِ﴾ مضاف، و﴿هذا﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿أَثارَةٍ:﴾ معطوف على «كتاب». ﴿مِنْ عِلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿أَثارَةٍ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر: (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. هذا؛ والاية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4515\"></span>﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي: لا أحد أضل، وأجهل. ﴿مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: قال البيضاوي: إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين؛ حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم فضلا أن يعلم سرائرهم، ويراعي مصالحهم. ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ إلى انتهاء الدنيا، وقيام الساعة، وهو اليوم الذي يحاسب الله الناس فيه على أعمالهم. ﴿وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ:﴾ لا يستجيبون لهم؛ لأنهم إما جمادات، وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم. هذا؛ وقد روعي لفظ (من) برجوع الفاعل إليها، ومعناها بجمع الضمير بقوله: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ. هذا؛ ووصفهم بترك الاستجابة، والغفلة طريقه طريق التهكم بها، وبعبدتها. ونحوه قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [١٤]: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ انتهى.\nكشاف، وانظر تبرؤ إبليس من أتباعه في سورة (إبراهيم)، وسورة (ق) إن كنت من أهل القرآن.\nهذا؛ وإنما جمع الأصنام، والمعبودات الباطلة جمع المذكر السالم؛ لأن الكفار كانوا يخاطبونها مخاطبة العقلاء، فنزلت منزلتهم في الكلام، وهذا كثير في القرآن، وقد ذكرته في محاله مرارا. والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا عاملوه معاملته، وأنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، كما يستعمل له «من» التي هي للعاقل؛ لما ذكر من السبب، قال تعالى في سورة (الزمر) رقم [٤٣]: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ وهو كثير في الشعر العربي.","vol":"9","page":9},{"text":"الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَضَلُّ﴾ قبلهما. ﴿يَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف. و﴿دُونِ:﴾\nمضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿مَنْ:﴾ مفعول به ل: ﴿يَدْعُوا،﴾ وجملة: ﴿لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ والعائد: رجوع الفاعل إليها، ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. وهو ضعيف، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنْ دُعائِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غافِلُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من ﴿مَنْ﴾ الأولى أو الثانية، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4516\"></span>﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ:﴾ حبس أولهم على آخرهم لئلا يتفرقوا، ثم يساقون، ويدفعون إلى النار. هذا؛ والحشر: الجمع. ﴿كانُوا﴾ أي: الأصنام. ﴿لَهُمْ أَعْداءً﴾ أي: لعبدتهم. ﴿وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ:﴾ جاحدين. والمعنى: أنّ المعبودات الباطلة تتبرأ من عابديها يوم القيامة، كما قال تعالى في سورة (يونس) ﵇: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ رقم [٢٨]، وقال تعالى في سورة (مريم) رقم [٨٣]: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا،﴾ وقال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٥]: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿حُشِرَ:﴾\nماض مبني للمجهول. ﴿النّاسُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَعْداءً،﴾ كان صفة له، فلمّا قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿أَعْداءً:﴾ خبر «كان»، والجملة الفعلية جواب «إذا» لا محلّ لها من الإعراب، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿بِعِبادَتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿كافِرِينَ:﴾ خبر (كان...) إلخ.","vol":"9","page":10},{"text":"<span id=\"aya-4517\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ: أي آيات القرآن يقرؤها محمد ﷺ على كفار قريش.\n ﴿بَيِّناتٍ:﴾ واضحات الدلالة على ما يخالف معتقداتهم من إنكار البعث، والحساب، والجزاء.\n ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ..﴾. إلخ: أي: لأجله، وفي شأنه، والمراد به: الايات، ووضع موضع ضميرها، ووضع: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق، وعليهم بالكفر، والانهماك في الضلالة. ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: حينما جاءهم من غير نظر، وتأمل. ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٠]: ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ انظر شرحها هناك.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، (إذا): مثل سابقتها. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾\nنائب فاعل، و«نا»: في محل جر بالإضافة. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿تُتْلى عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لِلْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿قالَ﴾. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان بمعنى:\n «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿قالَ﴾ أيضا. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الحق)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾\nصفة: ﴿سِحْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.\n<span id=\"aya-4518\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أي: أيقول المشركون: افترى محمد ﷺ القرآن، واختلقه من تلقاء نفسه. وقال البيضاوي: إضراب عن ذكر تسميتهم القرآن سحرا إلى ذكر ما هو أشنع منه، وإنكار له، وتعجيب. ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ:﴾ على سبيل الفرض. ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أي:\nإن عاجلني الله بالعقوبة، فلا تقدرون على دفع شيء منها، فكيف أجترئ عليه، وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع، ولا دفع ضر من قبلكم. ومثله قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٧]: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي﴾","vol":"9","page":11},{"text":"﴿الْأَرْضِ جَمِيعًا،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) أيضا رقم [٤١]: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تقولونه، وقيل: تخوضون فيه من التكذيب. والإفاضة في الشيء: الخوض فيه، والاندفاع، ومنه: أفاضوا في الحديث، أي:\nاندفعوا فيه، وأفاض الناس من عرفات إلى منى: أي دفعوا، وكل دفعة إفاضة، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٨]: ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ..﴾. إلخ، ثم قال في الاية التي بعدها:\n ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ وكله مستعار من: فاض الماء، وأفاضه: إذا سال للأخذ في الشيء قولا كان، أو فعلا.\n ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ:﴾ يشهد لي بالصدق، والبلاغ، وعليكم بالكذب، والإنكار. وهو وعيد بجزاء إفاضتهم. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ:﴾ فهذا وعد بالمغفرة، والرحمة لمن تاب، وأناب، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم جرمهم. هذا؛ والضمائر عائدة على (الحق)، والمراد به (الايات) أي: القرآن المنزل على الرسول ﷺ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nقال أحمد المعلق على الكشاف: فيحتمل في إجراء الاية على مذهب أهل السنة أن يكون إسناد الفعل: ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي..﴾. إلخ لهم على معنى التنبيه بالشيء على مقابله بطريق المفهوم.\nفالمعنى إذا: إن كنت مفتريا؛ فالعقوبة واقعة بي، لا تدفعونها عني. فمفهوم، وإن كنت محقا، وأنتم مفترون؛ فالعقوبة واقعة بكم لا أقدر على دفعها عنكم. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٣٥]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ وأمثاله كثيرة. والله أعلم. انتهى.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» وهمزة الإنكار. قاله الجلال، وأيّده الجمل.\nوقال القرطبي: الميم صلة، التقدير: أيقولون: افتراه. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿اِفْتَراهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الرسول ﷺ ولم يتقدم له ذكر، ولكنه مفهوم من المقام، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿اِفْتَرَيْتُهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿تَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْئًا،﴾ كان نعتا له... إلخ، و﴿إِنِ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به. ﴿هُوَ:﴾\nضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور","vol":"9","page":12},{"text":"متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿تُفِيضُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، واعتبارها مصدرية ضعيف، والجملة الاسمية:\n ﴿هُوَ أَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿كَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة، والضمير فاعل ﴿كَفى،﴾ فهو مجرور لفظا، مرفوع محلا. ﴿شَهِيدًا:﴾ تمييز، ويقال:\nحال. والمعتمد الأول. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿شَهِيدًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. (بينكم): ظرف مكان معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4519\"></span>﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: ما كنت أول الرسل، بل جاء رسل قبلي كثيرون، وعن ابن عباس﵄-: البدع: الأول. وقيل: هو على حذف مضاف، التقدير: ذا بدع؛ أي: أبتدع ما لا يبتدعون، وأدعو ما لا يدعون، وأفعل ما لا يفعلون، وإنما أسير على طريقتهم، وأنهج نهجهم من الدعوة إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له. فقد كانوا يقترحون عليه ﷺ الايات، ويسألونه عمّا لم يوح به إليه من الغيوب، فقيل له: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ فآتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات، فإن الرسل لم يكونوا يأتون إلاّ بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلاّ بما أوحي إليهم.\n ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ:﴾ لأنه لا علم لي بالغيب ما يفعل الله بي، وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقدر لي، ولكم من قضاياه. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: وما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومن الغالب منا والمغلوب. وعن الكلبي قال له أصحابه، وقد ضجروا من أذى المشركين: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: ما أدري ما يفعل بي، ولا بكم، أأترك بمكة، أم أؤمر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي، ورأيتها-يعني في منامه-ذات نخيل وشجر؟\nهذا؛ وقال القرطبي: يريد يوم القيامة. ولما نزلت فرح المشركون، واليهود، والمنافقون، وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به، ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا؟ ولولا أنه ابتدع","vol":"9","page":13},{"text":"الذي يقوله من تلقاء نفسه؛ لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فنزلت الاية من أول سورة (الفتح):\n ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ فنسخت هذه الاية، وأرغم الله أنف الكفار. وقالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله! لقد بيّن الله لك ما يفعل بك يا رسول الله! فليت شعرنا ما هو فاعل بنا؟! فنزلت الاية رقم [٥] من سورة (الفتح): ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ ونزلت الاية رقم [٤٧] من سورة (الأحزاب): ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ قاله أنس، وابن عباس، وقتادة، والحسن، وعكرمة، والضحاك. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ والصحيح في الاية قول الحسن السابق. قال أبو جعفر: وهذا أصح قول، وأحسنه، لا يدري ﷺ ما يلحقه في الدنيا، وإياهم من مرض، وصحة، ورخص، وغلاء، وغنى، وفقر.\nومثله قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٨]: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾. قال القشيري: فعلى هذا لا نسخ في الاية. واختار الطبري أن يكون المعنى: ما أدري ما يصير إليه أمري، وأمركم في الدنيا، أتؤمنون، أم تكفرون، أتعاجلون بالعذاب أم تؤخرون؟ وهذا هو الصحيح؛ لأنّ الرسول ﷺ يعلم علم اليقين: أنه في الاخرة من المقربين، ويكون في الفردوس الأعلى بلا ريب، ولا شك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي: لا أتبع إلاّ الذي يوحيه إليّ ربي بواسطة جبريل، فأنا وقّاف على ذلك، ولست بمختلق للايات، ولا بمخترع لها. وقد تكرر هذا المعنى في كثير من الايات في سورة (الأنعام) رقم [٥٠] وفي سورة (الأعراف) رقم [٢٠٣] وفي سورة (يونس) رقم [١٥].\n ﴿وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ:﴾ أخوّف من عقاب الله، وغضبه في الدنيا، والاخرة، وإنذاري واضح لا خفاء فيه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ نافية.\n ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِدْعًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنَ الرُّسُلِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿بِدْعًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿أَدْرِي:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ما:﴾\nاستفهامية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُفْعَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما﴾. وقرئ الفعل بالبناء للمعلوم، فيكون الفاعل عائدا إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وعليه فالرابط محذوف، وهو مفعول الفعل، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل: ﴿أَدْرِي﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام.\nهذا؛ وأجيز اعتبار «ما» موصولة، فهي مفعول: ﴿أَدْرِي،﴾ على أنه بمعنى: لا أعرف، والجملة","vol":"9","page":14},{"text":"الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: لا أدري الذي يفعل، أو: يفعله الله. ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿بِكُمْ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وما يفعل بكم، وإلاّ كان حرف النفي دخيلا في غير موضعه.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَتَّبِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿يُوحى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَتَّبِعُ﴾ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4520\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، والخطاب لليهود المعاصرين للرسول ﷺ. ﴿إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ الضمير يعود إلى القرآن المفهوم من قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾. ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أيها المشركون. وشهد شاهد... إلخ: هو عبد الله بن سلام ﵁.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نظر إلى وجهه، فعلم:\nأنه ليس بوجه كذاب، وتأمّله، فتحقق: أنه هو النبي المنتظر، وقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلاّ نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه، أو إلى أمه؟ فقال النبي ﷺ: «أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأمّا الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته» فقال: أشهد أنك رسول الله. هذا؛ ومعنى النزع: الميل، والشبه بالأب، أو بالأم خلقا، وخلقا، قال الشاعر: [الوافر] وإن يشبههما خلقا وخلقا... فقد تسري إلى الشّبه العروق\nثم قال عبد الله بن سلام﵁-: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني؛ بهتوني عندك. فجاءت يهود، فقال لهم النبي ﷺ: «أي رجل عبد الله فيكم؟». فقالوا: خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا، وابن أعلمنا! قال:","vol":"9","page":15},{"text":"«أرأيتم إن أسلم عبد الله؛ تسلموا؟». قالوا: أعاذه الله من ذلك! فخرج إليهم عبد الله، فقال:\nأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمدا رسول الله! فقالوا: هو شرّنا، وابن شرّنا. وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله، وأحذر! قال سعد بن أبي وقاص﵁-: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾. متفق عليه. وهذا يؤيد ما ذكرته في مقدمة السورة من أنّ الاية الكريمة مدنية.\nهذا؛ وقيل: الشاهد هو موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وشهادته ما في التوراة من نعت رسول الله ﷺ. ولا أعتمده ألبتة. هذا؛ وقد قال تعالى في آخر سورة (الرعد): ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ انظر شرحها هناك. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٦]: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ..﴾. إلخ انظر شرحها هناك فهو جيّد، وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن سلام﵁قال: أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه، واستبنته عرفت: أن وجهه ليس بوجه كذاب. قال:\nفكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: «أيّها الناس! أفشوا السّلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل؛ والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعولاه محذوفان، التقدير: أرأيتم ماذا حالكم؟ هذا تقدير الجلال، ووافقه الجمل عليه، وقال ابن عطية: «أرأيتم» لفظ موضوع للسؤال والاستفهام، لا يقتضي مفعولا. وإلى هذا القول ذهب القرطبي، ويحتمل أن تكون الجملة من: ﴿إِنْ كانَ..﴾. إلخ سادة مسد المفعولين. وهذا خلاف ما قرّره النحاة. انتهى. جمل باختصار. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن المفهوم مما تقدم. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ و﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، واختلف في تقديره اختلافا كبيرا، فأحسن تقدير قدره الخازن: (قل: أرأيتم إن كان من عند الله، ثم كفرتم به، فإنكم لا تكونون مهتدين، بل تكونون ضالين) وهذا التقدير أخذ من الجملة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.\n ﴿وَكَفَرْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (كفرتم): فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من اسم ﴿كانَ﴾ المستتر، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير، و«قد» قبلها مقدرة. هذا؛ وبعضهم يعتبرها معطوفة على جملة: ﴿كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وما بعدها معطوف عليها على","vol":"9","page":16},{"text":"الاعتبارين فيها. ﴿وَشَهِدَ:﴾ الواو: حرف عطف. (شهد): فعل ماض. ﴿شاهِدٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ بَنِي:﴾ متعلقان ب: ﴿شاهِدٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. و﴿عَلى مِثْلِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقيل: (مثل) صلة، والتقدير: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه؛ أي: على أنه من عند الله. وانظر الشرح.\nوقيل: ليست (مثل) صلة، وكيفية شهادته على نزول مثله أن يقال: إن مثله قد نزل على موسى، فلا تنكروا نزوله على رجل مثله في كونه مصدقا بالمعجزات، فإن التوراة مثل القرآن من حيث الدلالة على أصول الشرع، كالتوحيد، والبعث، والحساب، والجزاء، والثواب، والعقاب، وإن اختلفا في بعض الفروع. انتهى. جمل نقلا من زاده. هذا؛ وجملة: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ..﴾. إلخ. انتهى. نسفي.\n ﴿فَآمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الشاهد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير: عن الإيمان، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر «إن». ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معترضة بين المتعاطفتين، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4521\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾\nالشرح: ذكر القرطبي: أنّ المفسرين اختلفوا في سبب نزول هذه الاية على ستة أقوال، وسردها الزمخشري سردا؛ حيث قال: وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامة من يتبع محمدا السّقّاط -يعنون الفقراء مثل: عمار، وصهيب، وابن مسعود-فلو كان ما جاء به خيرا؛ ما سبقنا إليه هؤلاء. وقيل: لما أسلمت جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار؛ قالت بنو عامر، وغطفان، وأسد، وأشجع: لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاة البهم. وقيل: إن أمة لعمر﵁أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر، ثم يقول: لولا أني فترت؛ لزدتك ضربا. وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقا؛ ما سبقتنا إليه فلانة. وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه. انتهى.","vol":"9","page":17},{"text":"قال الجمل-رحمه الله تعالى-: قالوا ذلك زعما منهم: أن الرياسة الدينية مما تنال بأسباب دنيوية، كما قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ رقم [٣١] من سورة (الزخرف) لأنّ معالي الأمور بنظرهم لا تنالها أيدي الأراذل، وهم سقاط عامتهم فقراء، وموال، ورعاة. وزل عنهم: أنها منوطة بكمالات نفسانية، وملكات روحانية، مبناها الإعراض عن زخارف الدنيا الدنية، والإقبال على الاخرة بالكلية، وأنّ من فاز بها؛ فقد حازها بحذافيرها، ومن حرمها؛ فماله منها من خلاق. انتهى.\nأقول: وهذه مقالة الطغاة الفاسدين في كل زمان، ومكان، فقوم نوح قالوا له: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ..﴾. إلخ رقم [٢٧] من سورة (هود) وقالوا له في سورة (الشعراء) رقم [١١١]: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾. ومثل الاية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ رقم [٥٣] من سورة (الأنعام)، انظر شرحها هناك.\n ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بمحمد ﷺ. والأول أقوى. ﴿فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: من قول الأقدمين، فهو على حد قولهم في كثير من الايات: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ فلما لم يصيبوا الهدى بالقرآن، ولا بمن جاء به؛ عادوه، ونسبوه إلى الكذب، وقالوا: هذا إفك قديم. هذا؛ وقد قيل لبعضهم: هل في القرآن: من جهل شيئا عاداه؟ فقال: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ،﴾ ومثله قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٣٩]: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (قال)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الإيمان المفهوم مما سبق. ﴿خَيْرًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾\nنافية. ﴿سَبَقُونا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ: معطوفة على جملة: ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب يتعلق بفعل محذوف، التقدير: وإذ لم يهتدوا به؛ ظهر عنادهم، ولا يعلق بقوله:\n ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لأنه مستقبل يتعارض مع المضي المفهوم من الظرف. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَهْتَدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال","vol":"9","page":18},{"text":"الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة الظرف إليها.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَسَيَقُولُونَ:﴾\nالفاء: حرف عطف وسبب. و«السين» حرف يفيد الاستقبال ويقال لها: سين التنفيس. (يقولون):\nفعل مضارع والواو فاعله. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِفْكٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿قَدِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وفيها معنى التفسير لما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4522\"></span>﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ:﴾ قبل القرآن. ﴿كِتابُ مُوسى﴾ أي: التوراة. ﴿إِمامًا﴾ أي: جعلناه إماما يقتدى به، ويؤتم به في دين الله، وشرائعه كما يؤتم بالإمام. ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: من الله لمن آمن به، واهتدى بهديه. وفي الكلام حذف؛ أي: فلم تهتدوا به، ولم تعملوا بتعاليمه. وذلك:\nأنه كان في التوراة نعت النبي ﷺ، والحث على اتباعه، والإيمان به، كما ستعرفه في آخر سورة (الفتح) فتركوا ذلك. ﴿وَهذا﴾ أي: القرآن. ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ يعني: للتوراة، ولما قبله من الكتب. وفي كثير من الايات: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما تقدمه من الكتب السماوية.\n ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا:﴾ وفي سورة (النحل) رقم [١٠٣] قوله تعالى: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي:\nبين الفصاحة، والبلاغة، وقد أطلق الله كلمة (لسان) على القرآن بكامله، كما أطلقه العرب على كلمة السوء، وعلى القصيدة من الشعر، فمن الأول قول الشاعر: [الوافر] لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» ومن الثاني قول الشاعر: [المتقارب] أتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر\nوقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه:\n «المنتشر»: [البسيط]\nإنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر\nقال الجوهري: يروى: من علو (بضم الواو، وفتحها، وكسرها) أي: أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة، وقد أطلقه الله على القرآن بكامله، كما رأيت، كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلّت قدرته: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الاية رقم [٥٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ واللسان يؤنث فيجمع: ألسن،","vol":"9","page":19},{"text":"كذراع، وأذرع، ويذكر، فيجمع على: ألسنة، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة.\n ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، ومخالفة الله الواحد القهار.\n ﴿وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الذين أحسنوا العمل؛ أي: يبشرهم القرآن بالجنة، والرضا، والرضوان، والعفو، والغفران. هذا؛ وانظر وصف المحسنين في أول سورة (الذاريات): ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ..﴾. إلخ ووصفهم بآية (لقمان) رقم [٤] بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ لفضل اعتداد بهذه الأمور الثلاثة، وفي قول الرسول ﷺ لجبريل ﵇:\n «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنّه يراك». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من قبله): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كِتابُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِمامًا:﴾ حال من: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ والعامل في الحال معنوي، وهو الابتداء، وهذا لا يسوغ إلا على اعتباره فاعلا بالظرف على مذهب الأخفش، ومن يوافقه على عدم اشتراط الاعتماد على نفي، أو شبهه لعمله، وأما على اعتباره مبتدأ، فلا يصح مجيء الحال منه؛ لأنّ الحال تبين هيئة فاعل، أو مفعول، وانظر الشاهد رقم [١٣٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ ومثل هذه الاية رقم [٥٢] من سورة (النحل).\n ﴿وَرَحْمَةً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَهذا:﴾ الواو: حرف عطف. (هذا كتاب): مبتدأ، وخبر. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة: ﴿كِتابُ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لِسانًا:﴾ حال من ضمير (الكتاب) المستتر في: ﴿مُصَدِّقٌ،﴾ والعامل فيه: ﴿مُصَدِّقٌ،﴾ ويجوز أن يكون حالا من: ﴿كِتابُ﴾ لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة، وجوز أن يكون مفعولا ل: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أي: يصدق ذا لسان عربي، وهو الرسول، و﴿لِسانًا﴾ حال موطئة؛ لأن المقصود الصفة، وهو ﴿عَرَبِيًّا﴾.\n ﴿لِيُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى:\n ﴿كِتابُ،﴾ و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُصَدِّقٌ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَبُشْرى:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وهو بشرى، وهذا أحد الأوجه في الاية، والثاني: أنه معطوف على: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ فهو في موضع رفع أيضا. والثالث: أنه في محل نصب معطوفا على محل: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ لأنه مفعول له، قاله الزمخشري، وتبعه أبو البقاء، وتقديره: للإنذار، والبشرى. ولما اختلفت العلة والمعلول؛ توصل العامل إليه باللام. انتهى. جمل نقلا من كرخي. هذا؛ وأجاز القرطبي أن يكون منصوبا","vol":"9","page":20},{"text":"بنزع الخافض؛ أي: لينذر الذين ظلموا، وللبشرى، فلما جعل مكان وتبشر بشرى، أو بشارة؛ نصب، كما تقول: أتيتك لأزورك، وكرامة لك، وقضاء لحقك؛ يعني: لأزورك وأكرمك، وأقضي حقك، فنصب الكرامة بفعل مضمر. انتهى قرطبي. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ:﴾ متعلقان ب: (بشرى).\n\n<span id=\"aya-4523\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا:﴾ لا أرى حاجة إلى المزيد على ما ذكرته في الاية رقم [٣٠] من سورة (فصلت) وأضيف هنا ما ذكره البيضاوي-رحمه الله تعالى-حيث قال: جمعوا بين التوحيد؛ الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في الأمور؛ التي هي منتهى العمل، و(ثم) للدلالة على تأخر رتبة العمل، وتوقف اعتباره على التوحيد. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ:﴾ من لحوق مكروه. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ:﴾ على فوات محبوب. انتهى. وانظر شرح ﴿رَبُّنَا﴾ في سورة الجاثية رقم [٣٦].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبُّنَا:﴾ مبتدأ، و(نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿ثُمَّ:﴾\nحرف عطف. ﴿اِسْتَقامُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ. (لا): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال «ليس» لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز تعليقهما ب: ﴿خَوْفٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، أو موجود، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وزيدت الفاء في خبر الموصول، لما فيه من معنى الشرط، ولم تمنع ﴿إِنَّ﴾ من ذلك لبقاء معنى الابتداء، بخلاف: «ليت» و«لعل» و«كأن». انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وهذه الجملة ذكرت في سورة (البقرة) بآيات كثيرة، وفي غيرها من السور.\n<span id=\"aya-4524\"></span>﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى: (الذين استقاموا). ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ:﴾ جعلوا أصحاب الجنة، بمعنى مالكيها لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب النار. هذا؛","vol":"9","page":21},{"text":"وأصحاب جمع صاحب، ويكون بمعنى: المالك كما هنا، ويكون بمعنى: الصديق، ويجمع أيضا على صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب. هذا؛ والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنا، ولو مدة قصيرة.\n ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي: في الجنة، لا يخرجون، ولا يبرحون، ولا يهرمون، ولا يموتون، سنّهم واحدة: ثلاث وثلاثون سنة. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: كان دخول الجنة، وخلودهم فيها مكافأة لهم على ما قدموا في الدنيا من الأعمال الصالحة. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-: نزلت الاية في أبي بكر﵁والصحيح: أنها تعمّ كل من قال: ربنا الله، ثم استقام.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْجَنَّةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: اسم الإشارة، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿جَزاءً:﴾\nمفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: جوزوا جزاء. وقيل: هو مصدر بمعنى الحال. ﴿بِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً﴾. و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: جزاء بالذي، أو: بشيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: جزاء بعملهم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره.\n\n<span id=\"aya-4525\"></span>﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: بيّن اختلاف حال الإنسان مع أبويه، فقد يطيعهما، وقد يخالفهما؛ أي: فلا يبعد مثل هذا في حق النبي ﷺ وقومه حتى يستجيب له البعض، ويكفر البعض، فهذا وجه اتصال الكلام بعضه ببعض. قاله القشيري.","vol":"9","page":22},{"text":"تنبيه: ذكرت لك في سورة (العنكبوت) رقم [٨] أن الاية هناك، والاية في سورة (لقمان) رقم [١٤] والاية هنا نزلن في سعد بن أبي وقاص﵁أحد العشرة المبشرين بالجنة، -﵃ أجمعين-وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، لما أسلم﵁وكان من السابقين إلى الإسلام، وكان بارا بأمه، فلما أسلم، قالت له أمه: ما هذا الذي أحدثت؟ والله لا آكل، ولا أشرب، ولا يظلني سقف بيت من الحر، والريح حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت، فتعيّر بذلك أبد الدهر! ويقال: يا قاتل أمه! ثم إنها مكثت يوما وليلة، لم تأكل، ولم تشرب، ولم تستظل، فأصبحت وقد جهدت، ثم إنها مكثت يوما وليلة كذلك، فجاءها، وقال: يا أماه! والله لو كان لك مئة نفس، فخرجت نفسا نفسا؛ ما تركت ديني، فكلي واشربي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي، ولا تشربي! فلما أيست منه؛ أكلت وشربت، واستظلت.\nوالأصح: أنها نزلت في أبي بكر الصديق﵁وهو قول علي، وابن عباس -﵄نزلت فيه، وفي أبيه أبي قحافة، وأمه أم الخير، وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم، فإنه آمن بالنبي ﷺ، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة، ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو، ووالده، وبنوه، وبناته غير أبي بكر﵃-.\nهذا؛ والفعل: (وصى) حكمه حكم الأمر في معناه، وتصرفه. يقال: وصيت زيدا بأن يفعل كذا: كما تقول: أمرته بأن يفعل كذا، ومنه قول الشاعر: [الوافر] وذبيانيّة وصّت بنيها... بأن كذب القراطق والقروف\nيصف امرأة وصت بنيها بحفظ القراطق، جمع: القرطق، وهي القطعة المخملة. والقروف:\nأوعية من أدم. ومنه: قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي:\nوصاهم بكلمة التوحيد، وأمرهم بها. هذا؛ وأما ﴿الْإِنْسانَ﴾ فإنه يطلق على الذكر والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة (شخص) قال تعالى في سورة (العصر): ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أنّ الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الايات الكثيرة الدالة على أنّ المراد الذكر، والأنثى. واللام في ﴿الْإِنْسانَ﴾ إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صحّ الاستثناء من الإنسان في سورة (العصر). هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء، التي ترى لامعة وسط السواد، قال ذو الرمة-وهو الشاهد رقم [٨٨٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] وإنسان عيني يحسر الماء تارة... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق\nهذا؛ وجمع الإنسان: الناس. والإنس: البشر، الواحد: إنسي بكسر الهمزة فيهما، وهما ضد الجن، والجني، وجمع الإنسي: أناس، كما في قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]:","vol":"9","page":23},{"text":"﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ ويجمع أيضا على: أناسي، كما في الاية رقم [٤٩] من سورة (الفرقان). هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿بِوالِدَيْهِ﴾ تغليب الوالد على الوالدة، وفي أبويه تغليب الأب على الأم.\n ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي: بكره، ومشقة. فالأول المراد به حين أثقلت، وثقل الولد في بطنها. والمراد بالثاني ما تلاقيه من عناء الطلق، والولادة، و﴿كُرْهًا﴾ بضم الكاف، ويقرأ بفتحها، قيل: هما لغتان مثل: الضّعف، والضّعف، والفقر، والفقر، والشّهد، والشّهد.\nقاله الكسائي، وكذلك هو عند البصريين، وقال الكسائي أيضا والفراء في الفرق بينهما: إن الكره (بالضم) ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل عليه غيره، قهرا، وغصبا، ولهذا قال بعض أهل العربية: إن كرها (بفتح الكاف) لحن.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٤]: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ،﴾ وفي هاتين الايتين تنويه بشأن الأم، وأن حقها أعظم من حق الأب، وأنها تستحق من الطاعة، والإكرام، والخدمة، والاحترام أكثر مما يستحق الأب؛ وذلك لما قاسته من الالام بسبب الولد، ولما هي مجبولة عليه من الضعف الخلقي، والجسدي، والمعنوي، ولا سيما إذا بلغت من العمر عتيا، وقد لفت النبي ﷺ نظر المسلم إلى هذا، وذلك فيما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال: «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال:\n «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال: «أبوك» رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وعن أنس بن مالك -﵁قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: إني أشتهي الجهاد، ولا أقدر عليه! قال: «هل بقي من والديك أحد؟» قال: أمّي، قال: «قابل الله في برّها، فإذا فعلت ذلك؛ فأنت حاجّ، ومعتمر، ومجاهد». رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وأبو يعلى. فالرسول ﷺ قد جعل للأم ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وهو ما يفهم من الايتين الكريمتين، وما يذكر إلاّ أولو الألباب. وخذ هذه الطرفة:\nفقد روى القالي في أماليه عن أبي عبيدة قال: جرى بين أبي الأسود الدؤلي وامرأته كلام في ابن لها منه، وأراد أخذه منها فصارا إلى زياد ابن أبيه، وهو والي البصرة، فقالت المرأة: أصلح الله الأمير هذا ابني كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتى إذا استوى فصاله، وكملت خصاله، واستوعكت أوصاله، وأملت نفعه، ورجوت خيره، أراد أن يأخذه مني كرها، فآوني أيها الأمير، فقد رام قهري، وأراد قسري! فقال أبو الأسود: أصلحك الله! هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي؛ حتى يكمل عقله،","vol":"9","page":24},{"text":"ويستحكم فتله. فقالت المرأة: أصلحك الله! حمله خفا، وحملته ثقلا، وضعه شهوة، ووضعته كرها. فقال زياد: اردد على المرأة ولدها، فهي أحق به منك، ودعني من سجعك.\nحجري فناءه: شبهت حجرها بفناء الدار لكونه مقر الطفل وملعبه، كما يلعب الصبيان بفناء الدار. أكلؤه: أحفظه. حملته قبل أن تحمله: يريد أنه كان نطفة في صلبه قبل أن تحملها في رحمها. وضعته: أي نطفة في رحمها قبل أن تضعه بالولادة. الأود: العوج. فتله: أراد استكمال قوته. استوعكت: اشتدت. آوني: قوّني وأعني عليه. خفا: خفيفا لا يستشعر به في صلبه، تعني: أنه وإن حمله، ووضعه، لكن شتان ما بين حمله، وحملها، ووضعه ووضعها! وهذا معلوم لدى كل عاقل.\n ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا:﴾ الفصال: الفطام. هذا؛ وقد استدلّ بهذه الاية مع التي في سورة (لقمان) رقم [١٤]: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي، وصحيح. روى محمد بن إسحاق، عن معمر بن عبد الله الجهني، قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت لتمام ستة أشهر من زواجها، فانطلق زوجها إلى عثمان﵁-، فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها؛ بكت أختها، فقالت: ما يبكيك؟ فو الله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله ﷾ فيّ ما شاء، فلما أتي بها عثمان﵁-؛ أمر برجمها، فبلغ ذلك عليا﵁فأتاه، فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له علي﵁-: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: أما سمعت الله﷿يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال في سورة (البقرة) رقم [٢٣٣]: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ وقال في سورة (لقمان):\n ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، قال: فقال عثمان﵁-: والله ما فطنت بهذا! عليّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها. قال: فقال معمر﵁-: فو الله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه؛ قال: ابني والله لا أشك فيه! قال: وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الاكلة، فما زالت تأكله؛ حتى مات. أخرجه ابن أبي حاتم. انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ وقوله (فوجدوها قد فرغ منها) يفيد: أنها أقيم عليها حد الرجم، وانتهى أمرها. وذكر القرطبي-رحمه الله تعالى-: أنّ عثمان﵁رجع عن قوله، ولم يحدها. والمروي في موطأ مالك: أنها رجمت، وفي تيسير الوصول، فأمر عثمان بردها، فوجدت قد رجمت.\nوهذا هو المعتمد. هذا؛ وقال ابن عباس﵄-: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر؛ كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ هذا؛ وأصل الكلام: وأمد حمله، وفصاله ثلاثون شهرا. ولا يصح المعنى إلاّ بهذا التقدير.","vol":"9","page":25},{"text":"﴿حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: قوي، وشب، وارتجل. هذا؛ واختلف في (الأشد) على أقوال كثيرة، والأرجح: أنه ثلاث وثلاثون سنة، كما ذكرته في شأن يوسف، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً:﴾ المراد به: الصديق﵁على المعتمد.\n ﴿قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني ووفقني. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ أي:\nبالإيمان، والهداية، والتوفيق للعمل الصالح، وهو ما ذكره بقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ:﴾\nقال ابن عباس﵄-: فأجابه الله، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله، منهم:\nبلال، وعامر بن فهيرة، ولم يدع شيئا من الخير إلاّ أعانه الله عليه. وفي الصحيح عن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم اليوم صائما؟». قال أبو بكر: أنا.\nقال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟».\nقال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا؟». قال أبو بكر: أنا. قال رسول الله ﷺ:\n «ما اجتمعن في امرئ إلاّ دخل الجنّة». انتهى.\n ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعل لي الصلاح ساريا في ذريتي راسخا فيهم. وقد حقّق الله له ذلك، فلم يبق له ولد، ولا والد، ولا والدة إلاّ آمنوا بالله وحده، ولم يجتمع ذلك لغيره من الصحابة كما قدمته آنفا. هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (النمل) رقم [١٩] فهو مثله. ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ:﴾ عما لا ترضاه، أو يشغل عنك. ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ:﴾ الموحدين لك المخلصين.\nوهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة، والإنابة إلى الله ﷿، ويعزم عليها.\nوقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود﵁-: أنّ رسول الله ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: «اللهمّ ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السّلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها، وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرّيّاتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا». انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ و«أصلح» في الاية الكريمة متعد، وإنما جاء لازما لتضمنه معنى: بارك لي في ذريتي، ومنه قول ذي الرمة-وهو الشاهد رقم [٩٢٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -. [الطويل] وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها... إلى الضّيف يجرح في عراقيبها نصلي\nفإن الفعل: «يجرح» متعد، وقد جاء لازما؛ لأنه بمعنى يفسد. هذا؛ وقال مالك بن مغول:\nاشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن معرّف، فقال: استعن عليه بهذه الاية، وتلا ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿وَوَصَّيْنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (وصينا): فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿بِوالِدَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (وصينا). ﴿إِحْسانًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: وصينا الإنسان أن يحسن إليهما إحسانا. وقيل: بل هو مفعول به على تضمين","vol":"9","page":26},{"text":"(وصينا) معنى: ألزمنا، فيكون مفعولا ثانيا، ومثله المصدر المؤول من «أن يحسن إليهما»، وقيل: بل هو منصوب على المفعول له؛ أي: وصينا بهما إحسانا منا إليهما. وقيل: هو منصوب على المصدر؛ لأنّ معنى (وصينا): أحسنّا، فهو مصدر صريح، والمفعول الثاني هو المجرور بالباء. هذا؛ ويقرأ: «(حسنا)» على أنه صفة مصدر محذوف مع حذف مضاف؛ إذ التقدير: وصينا الإنسان بوالديه أيضا ذا حسن. وقيل: هو منصوب بفعل مضمر على تقدير قول مفسر للتوصية؛ أي: قل لهما، أو: افعل بهما حسنا، وهو أوفق لما بعده. وقال مكي: التقدير: وصينا الإنسان بوالديه أمرا ذا حسن، ثم أقام الصفة مقام الموصوف، وهو الأمر، ثم حذف المضاف، وهو:\n «ذا» وأقام المضاف إليه مقامه، وهو: حسن. انتهى. وهذا يعني: أن الفعل قد نصب مفعولين، كما ذكرته سابقا. وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: وصينا الإنسان بوالديه بحسن، وانظر ما ذكرته في سورة (العنكبوت) رقم [٨]. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.\n ﴿حَمَلَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿أُمُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كُرْهًا:﴾ حال من: ﴿أُمُّهُ﴾ أي: ذات كره، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تكره كرها، وهذه الجملة في محل نصب حال، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: حملا كرها، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: على كره، أو بكره، والجملة الفعلية فيها معنى التعليل للوصية، وجملة: ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: وحملها إياه، وفصالها إياه. ﴿ثَلاثُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿شَهْرًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية: ﴿حَمَلَتْهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿الْإِنْسانَ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها معطوفة؛ فلا محل لها، وانظر الاية رقم [١٤] من سورة (لقمان) فالإعراب متقارب من بعضه، ولا تنس تقدير المضاف في الشرح لتصحيح المعنى.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل ذلك جارة ل: ﴿إِذا﴾. ﴿إِذا:﴾ انظر الاية رقم [٦]. ﴿بَلَغَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿أَشُدَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿سَنَةً:﴾ تمييز. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وفيه ست لغات، انظر إعراب «يا قوم» في الاية رقم [٥١] من سورة (الزخرف) فهو مثله. ﴿أَوْزِعْنِي:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به أول. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿أَشْكُرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿الْإِنْسانَ،﴾ والفاعل تقديره: «أنا»، و﴿الْإِنْسانَ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان. ﴿نِعْمَتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل","vol":"9","page":27},{"text":"جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿نِعْمَتَكَ﴾.\n ﴿أَنْعَمْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: التي أنعمتها. ﴿عَلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَعَلى والِدَيَّ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، و﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا﴾ معطوف على ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ فهو مثله في الإعراب، والتأويل، والمحل. ﴿تَرْضاهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية للموصوف المحذوف؛ إذ التقدير: وأن أعمل عملا صالحا مرضيا لك.\n ﴿وَأَصْلِحْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿عَلَيَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي ذُرِّيَّتِي:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال، انظر تقدير الكلام في الشرح، وإن علقتهما بالفعل: ﴿وَأَصْلِحْ﴾ فلست مفندا. هذا؛ والكلام: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له خلافا للأخفش الذي يعتبر ﴿حَتّى﴾ جارة ل: ﴿إِذا،﴾ وهو غير مسلم له.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿تُبْتُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليل للدعاء، لا محلّ لها. ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: «إن» والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4526\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ أي: هؤلاء المتصفون بما ذكر، التائبون إلى الله، المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة، والاستغفار هم الذين ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ،﴾ فنغفر لهم الكثير من الزلل، ونتقبل منهم اليسير من العمل. هذا؛ وجمع اسم الإشارة وإن كان عائدا على الإنسان المذكور في الاية السابقة للتعظيم والتبجيل، وقيل: نزلت في أبي بكر﵁وأبيه أبي قحافة، وأمه أم الخير، وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم. ولا بأس به. هذا؛ وقرئ الفعلان ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ و(نتجاوز) بياء المضارعة مفتوحة ومضمومة أيضا.\n ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ:﴾ مع أصحاب الجنة، ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ أي: وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق. ﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي: في الدنيا على لسان الرسول ﷺ والايات التي تنصّ على ذلك كثيرة.","vol":"9","page":28},{"text":"تنبيه: روى ابن أبي حاتم عن محمد بن حاطب، قال: لقد شهدت أمير المؤمنين عليا -﵁وعنده عمار، وصعصعة، والأشتر، ومحمد بن أبي بكر﵃- فذكروا عثمان، فنالوا منه، فكان علي على السرير، ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم، فسألوه، فقال علي﵁-: كان عثمان﵁من الذين قال الله فيهم: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ؛ قال: والله عثمان، وأصحاب عثمان﵃قالها ثلاثا، قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: الله لسمعت هذا من علي﵁-؟ قال: الله لسمعت هذا من علي﵁-!. انتهى. مختصر ابن كثير للصابوني.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ.\n ﴿نَتَقَبَّلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» وعلى قراءته بالياء فالفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو». ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَحْسَنَ:﴾ مفعول به. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بإضافة: ﴿أَحْسَنَ﴾ إليها، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أحسن الذي، أو: شيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: أحسن عملهم، وجملة: ﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها، وإعرابها لا خفاء فيه. ﴿فِي أَصْحابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا ب: ﴿عَنْهُمْ،﴾ وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى «مع» وعليه فهي متعلقة بالفعل قبلها، وأجاز السمين تعليقهما بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هم في أصحاب الجنة، وتعود الجملة في محل نصب حال، و﴿أَصْحابِ﴾ مضاف، و﴿الْجَنَّةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعْدَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، انظر تقديره في الشرح. و﴿وَعْدَ﴾ مضاف، و﴿الصِّدْقِ﴾ مضاف إليه من إضافة الموصوف لصفته. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ،﴾ والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي كانوا يوعدونه، والجملة: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها، مثل: أنت أخي حقا.\n\n<span id=\"aya-4527\"></span>﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما:﴾ جميع المفسرين أحال على سورة (الإسراء) رقم [٢٣] وأنا أعيد ما ذكرته هناك، وأقول: معناها الإجمالي العام: التضجر والتبرم. وعن أبي رجاء","vol":"9","page":29},{"text":"العطارديّ قال: الأف: الكلام القذع، الرديء، الخفي. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-:\nمعناه: إذا رأيت من الوالدين في حال الشيخوخة الغائط، والبول؛ الذي رأيا منك في الصغر؛ فلا تقذرهما، وتقول: أف. وقال بعضهم: معنى ﴿أُفٍّ﴾ الاحتقار، والاستقلال، أخذ من «الأفف» وهو القليل. وروي من حديث علي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لو علم الله من العقوق شيئا أردأ من ﴿أُفٍّ﴾ لذكره، فليعمل البارّ ما شاء أن يعمل؛ فلن يدخل النّار، وليعمل العاقّ ما شاء أن يعمل؛ فلن يدخل الجنة».\nهذا؛ وقرئ ﴿أُفٍّ﴾ بقراآت كثيرة، قال أبو البقاء العكبري-رحمه الله تعالى-: فمن كسر؛ بناه على الأصل، ومن فتح؛ طلب التخفيف، مثل: ربّ، ومن ضم؛ فقد أتبع، ومن نون؛ أراد التنكير، ومن لم ينون؛ أراد التعريف، ومن خفف الفاء؛ حذف أحد المثلين. انتهى. وينبغي أن تعلم: أن هذا اللفظ قد ذكر في سورة (الإسراء) رقم [٢٣]، وفي سورة (الأنبياء) رقم [٦٧] وذكر هنا. هذا؛ وعبارة السيوطي في سورة (الإسراء): و﴿أُفٍّ﴾ مصدر، وكتب عليه الكرخي هناك:\nوهو مصدر أفّ، يؤفّ أفّا، بمعنى تبا، وقبحا، أو صوت يدلّ على تضجر، أو اسم الفعل، الذي هو أتضجر، فجعل فيه احتمالات ثلاثة: مصدر، واسم صوت، واسم فعل. انتهى. جمل.\n ﴿أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: أبعث من القبر بعد موتي، وأحاسب، وأجازى. ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي: الناس الذين كانوا قبلي في القرون الخالية، فلم يرجع منهم أحد. ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ أي: يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام، واستنكار لقوله؛ فلذا يقولان له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ:﴾ هو دعاء عليه بالثبور، والمراد به: الحث، والتحريض على الإيمان، لا حقيقة الهلاك، فإنهما لم يريداه له. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي: صدق لا خلف فيه. ﴿فَيَقُولُ ما هذا﴾ أي: الذي تدعونني إليه. ﴿إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: أحاديثهم، وما سطروه مما لا أصل له. هذا؛ واستغاث يتعدى بنفسه تارة، وبالباء أخرى، وإن كان ابن مالك زعم: أنّه يتعدى بنفسه فقط، وعاب قول النحاة مستغاث به، قلت: لكنه لم يرد في القرآن إلاّ متعديا بنفسه، قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٩]: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (القصص) رقم [١٥]: ﴿فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ..﴾. إلخ، وقال في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ..﴾. إلخ. انتهى. جمل نقلا عن السمين. تأمل غلطه في آية (الكهف) كيف استدلّ بها فغلط، فسبحان من لا يسهو، ولا يغفل.\nهذا، وانظر ﴿وَيْلَكَ﴾ في سورة (الزخرف) رقم [٦٥]. أما ﴿الْقُرُونُ﴾ فهو جمع: قرن بفتح القاف وسكون الراء مئة سنة على الصحيح، وقيل: ثمانون، وقيل: ثلاثون. ويقال: القرن في الناس أهل زمان واحد، وهو المراد في الاية الكريمة، ونحوها، وقال الرسول ﷺ: «خير القرون قرني» ومنه قول الشاعر: [الطويل]","vol":"9","page":30},{"text":"إذا ذهب القرن الّذي أنت فيهم... وخلّفت في قرن، فأنت غريب\nوخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي﵁-: [الطويل] فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل\nوالقرن (بفتح القاف) أيضا: الزيادة العظمية، التي تنبت في رؤوس بعض الحيوانات، ومنه إسكندر ذو القرنين. والقرن: الجبل الصغير، وذؤابة المرأة من الشعر. والقرن من القوم:\nسيدهم، ومن السيف: حده، ونصله، وجمعه في كل ما تقدم: قرون. هذا؛ وهو بكسر القاف، وسكون الراء: الكفء في الشجاعة، والعلم، ونحوهما، والجمع على هذا: أقران.\nهذا؛ و﴿أَساطِيرُ﴾ جمع: أسطورة، وإسطارة بضم الهمزة في الأول وكسرها في الثاني، فالأول مثل: أحدوثة، وأضحوكة، وأعجوبة، وجمعها: أحاديث، وأضاحيك، وأعاجيب.\nوقيل: واحدها: سطر بفتح السين والطاء. وأسطار: جمع، وأساطير: جمع الجمع، مثل:\nأقوال، وأقاويل. هذا؛ وسطر الكتابة جمعه في القلة: أسطر، وفي الكثرة: سطور، مثل: فلس، وأفلس، وفلوس. هذا؛ وقد قيل في معنى ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:﴾ إنها الترهات، وهي عند العرب غامضة، ومسالك وعرة مشكلة، يقول قائلهم: أخذنا في الترهات، بمعنى عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق المشكل؛ الذي لا يعرف، فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف، ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة التي لا أصل لها.\nبعد هذا لقد اختلف فيمن نزلت فيه الاية الكريمة، فقد قال ابن عباس، والسدي، وأبو العالية، ومجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر﵄وكان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، فيجيبهما بما أخبر الله، ﷿. وقال قتادة، والسدي أيضا: هو عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، وكان أبوه، وأمه أم رومان يدعوانه إلى الإسلام، ويعدانه بالبعث، فيرد عليهما بما حكاه الله ﷿ عنه، وكان هذا منه قبل إسلامه، وروي: أن عائشة﵂أنكرت أن تكون نزلت في عبد الرحمن. وقال الحسن، وقتادة أيضا: هي نعت عبد كافر عاق لوالديه. وقال الزجاج: كيف يقال: نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه، والله ﷿ يقول: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾ أي: العذاب، ومن ضرورته عدم الإيمان، وعبد الرحمن من أفاضل المؤمنين؟! فالصحيح: أنها نزلت في عبد كافر عاق لوالديه. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ وجاء في مختصر ابن كثير قوله: وهذا عام في كل من قال هذا. ومن زعم: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، فقوله ضعيف؛ لأنه أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه، وإنما هذا عام في كل من عقّ والديه، وكذّب بالحق، فقال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُما..﴾. إلخ. روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المديني؛ قال: إني لفي المسجد حين خطب","vol":"9","page":31},{"text":"مروان بن الحكم، فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين معاوية في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه؛ فقد استخلف أبو بكر عمر﵄-. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر﵄-: أهرقلية؟! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا في أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلاّ رحمة، وكرامة لولده! فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: أف لكما؟ فقال عبد الرحمن﵁-: ألست ابن اللعين، الذي لعن رسول الله ﷺ أباك، قال: وسمعتها عائشة﵂فقالت: يا مروان! أنت القائل لعبد الرحمن كذا، وكذا؟ كذبت، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان، ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر، حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها؛ حتى انصرف.\nوروى النسائي عن محمد بن زياد؛ قال: لما بايع معاوية لابنه يزيد؛ قال مروان: سنة أبي بكر، وعمر﵄-. فقال عبد الرحمن: سنة هرقل، وقيصر. فقال مروان: هذا الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما..﴾. إلخ. فبلغ ذلك عائشة﵂فقالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان، ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله؛ أي: قطعة من لعنة الله. انتهى. بتصرف بسيط، وفي الكشاف. نحوه. وفي السيرة الحلبية وزيني دحلان أحاديث كثيرة في ذم مروان وأبيه الحكم وذريتهما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، خبره في الاية التالية. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (الذي)، وهو العائد. ﴿لِوالِدَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أُفٍّ:﴾ اسم فعل مضارع، انظر الشرح لبنائه وما ذكرته فيه، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿لَكُما:﴾ متعلقان ب: ﴿أُفٍّ﴾. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال. والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿أَتَعِدانِنِي:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (تعدانني): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿أُخْرَجَ:﴾ مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن»، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: «يعد»، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: بالخروج، والأول أقوى. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿خَلَتِ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث، التي هي حرف، لا محلّ له. ﴿الْقُرُونُ:﴾\nفاعله. ﴿مِنْ قَبْلِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم،","vol":"9","page":32},{"text":"منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَهُما:﴾ الواو: واو الحال. (هما): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يَسْتَغِيثانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والألف فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (والديه)، والرابط:\nالواو، والضمير. هذا؛ والكلام: ﴿أُفٍّ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَيْلَكَ:﴾ مفعول مطلق لم يذكر فعله أبدا، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ألزمك الله ويلك، وعلى كلا التقديرين: فالجملة في محل نصب مقول القول لقول مقدر؛ أي: يقولان: ويلك آمن، والجملة الفعلية على هذا التقدير في محل نصب حال من ألف الاثنين؛ أي: يستغيثان الله قائلين: ويلك. ﴿آمِنْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة مقولة للمحذوف. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾\nاسمها، وهو مضاف، و﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، وهي من جملة المقول. ﴿فَيَقُولُ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (يقول): مضارع، والفاعل يعود إلى «الذي». ﴿لَكُما:﴾ نافية. ﴿هذا:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر، وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية هذه معطوفة على المقدرة قبلها.\n\n<span id=\"aya-4528\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: بأنهم أهل النار، ومعنى ﴿حَقَّ:﴾ وجب عليهم العذاب، وهي قوله تعالى في سورة (السجدة): ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقوله تعالى في الحديث القدسي: «هؤلاء في الجنّة ولا أبالي، وهؤلاء في النّار ولا أبالي». هذا؛ وجمع الإشارة العائدة إلى الموصول دليل واضح على أن المراد به الجنس، وليس مرادا فردا واحدا كما ذكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر﵄الذي هو مع أبيه من أفاضل المؤمنين الصادقين. ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ مع أمم، وهو جمع: أمة، انظر الاية رقم [٨] من سورة (الشورى). ﴿قَدْ خَلَتْ:﴾ مضت، وتقدمت، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ..﴾. إلخ، المراد بهم الكافرون من الثقلين. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: تلك الأمم الخالية. ﴿كانُوا خاسِرِينَ﴾ أي: لأعمالهم؛ التي عملوها في الدنيا، بمعنى: ضاع سعيهم، وخسروا الجنة. وانظر ما ذكرته في سورة (الشورى) رقم [٤٥] بشأن هذا الخسران.","vol":"9","page":33},{"text":"الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (الذي). ﴿حَقَّ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا ب: (على). ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى: ﴿أُمَمٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الأمم؛ لأنّها وصفت بالجملة الفعلية، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿خاسِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية فيها معنى التأكيد لقوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ وقول الجمل: تعليل. وقال البيضاوي: «تعليل للحكم على الاستئناف» لا أراه قويا.\n\n<span id=\"aya-4529\"></span>﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ أي: ولكل واحد من الفريقين: المؤمنين، والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم من الخير، والشر. قال ابن زيد: درجات أهل النار في هذه الاية تذهب سفالا، ودرجات أهل الجنة تذهب علوا. هذا؛ ومقتضاه: أنّ مراتب أهل النار يقال لها درجات بالجيم، والذي في الحديث: «أنها دركات». وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾.\nوأجيب بوجوه: أحدها: أنّ ذلك على جهة التغليب. ثانيا: أنّ المراد بالدرجات المراتب مطلقا؛ أي: سواء أكانت إلى علو، وهي مراتب أهل الجنة، أو إلى سفل، وهي مراتب أهل النار. ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ أي: من أجل ما عملوا. ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم. وقرئ الفعل بالياء، والنون. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ؛﴾ أي: لا يزاد على مسيء سيئة، ولا ينقص من محسن حسنة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلِكُلٍّ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لكلّ): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دَرَجاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿دَرَجاتٌ،﴾ وانظر إعراب: ﴿أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ في الاية رقم [١٦]، فالإعراب واحد على جميع الاعتبارات، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة. ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ليوفيهم): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره:","vol":"9","page":34},{"text":"«هو» أو تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وجازاهم بذلك ليوفيهم. وهذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿عَمِلُوا﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها. والأول أقوى.\n\n<span id=\"aya-4530\"></span>﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاِسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ﴾ أي: ذكرهم يا محمد يوم يعرض. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾ أي:\nيكشف الغطاء فيقربون من النار، وينظرون إليها. عرضهم على النار: تعذيبهم بها؛ من قولهم:\nعرض بنو فلان على السيف: إذا قتلوا به. وقيل: المراد: عرض النار عليهم من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون عرض الحوض عليها، فقلبوا. ويدل عليه تفسير ابن عباس﵄-: يجاء بهم إليها، فيكشف لهم عنها. ولقد قال بهذا القلب الجوهري، وجماعة، منهم: السكاكي، والزمخشري، قالوا: فالأصل: ويوم تعرض النار على الذين كفروا؛ لأن المعروض عليه ما له ميل، فيختار المعروض، أو خلافه. وقيل: لا قلب. واختاره أبو حيان، ورد على قول الزمخشري في الاية بأن عرض الكفار على النار ليس بمقلوب؛ لأنّ الكفار مقهورون، فكأنهم لا اختيار لهم، والنار متصرفة فيهم كالمتاع، الذي يتصرف فيه من يعرض عليه، كما قالوا: عرضت الجارية على البيع، وعرضت القاتل على السيف، والزاني على السوط. هذا؛ وانظر الشاهد رقم [١١٩٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وهو من قول القطامي من أبيات في وصف ناقة، وهاك نصه: [الوافر] فلمّا أن جرى سمن عليها... كما طيّنت بالفدن السّياعا\nهذا؛ وقد اختلف في هذا العرض، متى يكون؟ هل هو في القبور، أو هو يوم القيامة؟ انظر الاية رقم [٤٥] من سورة (الشورى). ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ..﴾. إلخ: أي يقال لهم: إن كل ما قدر لكم من الطيبات، واللذات فقد أفنيتموه في الدنيا، وتمتعتم به، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم منها شيء. ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ﴾ أي: الذي فيه ذل، وخزي. ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ..﴾. إلخ: علق هذا العذاب بأمرين: أحدهما: الاستكبار، وهو الترفع، ويحتمل أن يكون عن الإيمان.","vol":"9","page":35},{"text":"والثاني: الفسق، وهو المعاصي، والأول من عمل القلوب، والثاني من عمل الجوارح، وقدّم الأول على الثاني؛ لأنّ أحوال القلب أعظم وقعا من أعمال الجوارح.\nهذا؛ وقال القرطبي: ومعنى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ أي: تمتعتم بالطيبات في الدنيا، واتبعتم الشهوات، واللذات؛ يعني: المعاصي. وقيل: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ أي: أفنيتم شبابكم في الكفر، والمعاصي. قال ابن بحر: الطيبات: الشباب، والقوة، مأخوذ من قولهم: ذهبت أطيباه؛ أي:\nشبابه، وقوته. قال الماوردي: ووجدت الضحاك قاله أيضا. قلت: القول الأول أظهر. انتهى.\nهذا؛ وخذ قول الربيع بن ضبع الفزاري أحد الشعراء المعمرين، وهو الشاهد رقم [٤٠٢] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الوافر] إذا عاش الفتى مئتين عاما... فقد ذهب المسرّة والفتاء\nهذا؛ وأما في أيامنا هذه إذا عاش الإنسان ستين عاما؛ فقد ذهب الهناء، والسرور، وحلّت الأوجاع، والأكدار، والهموم، والأحزان. هذا؛ وانظر شرح ﴿الطَّيِّباتِ﴾ في الاية رقم [١٦] من سورة (الجاثية).\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما وبّخ الله تعالى الكافرين بالتمتع بالطيبات؛ آثر النبي ﷺ، وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الاخرة، فعن عمر -﵁قال: دخلت على رسول الله ﷺ، فإذا هو متكئ على حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أستأنس يا رسول الله؟! قال: «نعم». فجلست، فرفعت رأسي في البيت، فو الله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلاّ أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله أن يوسّع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم، ولا يعبدون الله، فاستوى جالسا، ثم قال: «أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا». فقلت: استغفر لي يا رسول الله! متفق عليه. انتهى.\nوأهبة: جمع: إهاب، وهو الجلد.\nهذا؛ وفي: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري مثل هذا عن عبد الله بن مسعود﵁-. وقال جابر بن عبد الله﵄-: اشتهى أهلي لحما، فاشتريته لهم، فمررت بعمر، -﵁-، فقال: ما هذا يا جابر؟! فأخبرته، فقال: أو كلّما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه، أما يخشى أن يكون من أهل هذه الاية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾. وهذا كان بعد وفاة الرسول ﷺ.\nقال ابن العربي-رحمه الله تعالى-: وهذا عتاب منه له على التوسع بابتياع اللحم، والخروج عن جلف الخبز، والماء، فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره لها الطباع، وتستمرئها العادة، فإذا فقدتها؛ استسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض، بغلبة العادة، واستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء، فأخذ عمر﵁الأمر من أوله، وحماه","vol":"9","page":36},{"text":"من ابتدائه، كما يفعله مثله. والذي يضبط هذا الباب، ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيبا كان، أو قفارا (خشنا)، ولا يتكلف الطيب، ويتخذه عادة، وقد كان النبي ﷺ يشبع؛ إذا وجد، ويصبر؛ إذا عدم، ويأكل الحلوى؛ إذا قدر عليها، ويشرب العسل؛ إذا اتفق له، ويأكل اللحم؛ إذا تيسر، ولا يعتمده أصلا، ولا يجعله ديدنا. ومعيشة النبي ﷺ معلومة، وطريقة الصحابة منقولة، فأما اليوم عند استيلاء الحرام، وفساد الحطام، فالخلاص عسير، والله يهب الإخلاص، ويعين على الخلاص برحمته! وقيل: إن التوبيخ واقع على ترك الشكر، لا على تناول الطيبات المحللة. وهو حسن، فإن تناول الطيب الحلال مأذون فيه، فإذا ترك الشكر عليه، واستعان به على ما لا يحل له؛ فقد أذهبه. والله أعلم. انتهى. قرطبي بحروفه. أقول: وهذا القول الأخير هو الذي يعتمد، ويؤخذ به، فالله يقول في سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ..﴾. إلخ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: يقال لهم يوم... إلخ. ﴿يُعْرَضُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿عَلَى النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يُعْرَضُ﴾. ﴿أَذْهَبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿طَيِّباتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي حَياتِكُمُ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة لما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿أَذْهَبْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول ل: «يقال... إلخ» الذي رأيت تقديره، والجملة المقدرة: «يقال لهم يوم... إلخ» معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِها:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول.\n ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (اليوم): ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿الْهُونِ﴾ مضاف إليه من إضافة الموصوف لصفته، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما):\nمصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَسْتَكْبِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿تُجْزَوْنَ﴾ التقدير: بسبب استكباركم، وبسبب فسقكم. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة،","vol":"9","page":37},{"text":"و«غير» مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وأجاز الجلال اعتبار (ما) في الموضعين موصولة، واعتبارها مصدرية أقوى. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-4531\"></span>﴿وَاُذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ:﴾ هو هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كان أخاهم في النسب، لا في الدين، وقد مضت قصته مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (الشعراء) وفي السورة المسماة باسمه، فلا حاجة إلى المزيد على ما ذكرته في تلك السور. ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ:﴾ خوفهم عقاب الله، وغضبه. والمعنى: اذكر لهؤلاء المشركين قصة هود مع قومه؛ ليعتبروا بها. وقيل: أمره بأن يتذكر في نفسه قصة هود؛ ليقتدي به، ويهون عليه تكذيب قومه له.\nو(الأحقاف) ديار قوم عاد، وهي الرمال العظام في قول الخليل، وغيره، وكانوا قهروا أهل الأرض بفضل قوتهم. و(الأحقاف) جمع: حقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم، واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلا، والجمع: حقاف، وأحقاف، واحقوقف الرمل، والهلال؛ أي: اعوج.\nوقال قتادة: هي جبال مشرفة بالشّحر، والشّحر قريب من عدن. وعنه أيضا: ذكر لنا: أنّ عادا كانوا أحياء باليمن، أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشّحر. وقال مقاتل:\nكانت منازل عاد باليمن في حضرموت، بموضع يقال له: مهرة، وإليه تنسب الإبل المهرية، فيقال: إبل مهرية، ومهاري، وهو المعتمد. والله أعلم. هذا؛ وقال صاحب القاموس:\n (الأحقاف) جمع: الحقف بالكسر: المعوج من الرمل، والجمع: أحقاف، وحقاف، وحقوف، وجمع الجمع: حقائف، وحقفة. والحقف: رمل مستطيل مرتفع، فيه اعوجاج، وانحناء، ومنه:\nاحقوقف الشيء: اعوج، قال امرؤ القيس في معلّقته رقم [٢٨]: [الطويل] فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل\n ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ:﴾ مضت الرسل. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي: قبل هود ﵇، فالذين قبله أربعة: آدم، وشيث، وإدريس، ونوح. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: جاؤوا بعد هود، كصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وكذا سائر أنبياء، ورسل بني إسرائيل. ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ والمعنى: قال لهم هود: اعبدوا الله، ولا تعبدوا غيره أبدا. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: قال لهم هود ذلك. هذا، وقد قال تعالى في سورة (فصلت): ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ والمراد ب: ﴿يَوْمٍ﴾ يوم القيامة، وما بعده. هذا؛ والتعبير عن الأمام، والخلف بقوله تعالى: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾","vol":"9","page":38},{"text":"كثير في القرآن الكريم، وإن اختص كل موضع بتفسير حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها؛ فمثلا قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ في الاية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء) يفسر بغير ما في هذه الاية هنا، وكذلك الاية رقم [١١٠] من سورة (طه). وكلتاهما تخالفان معنى الاية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nتنبيه: ﴿عادٍ﴾ المذكورة هنا باختصار هي التي تسمى عادا الأولى، وأما عاد الثانية فمتأخره، قال تعالى في سورة (النجم) رقم [٥٠ و٥١]: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ وتسمى عاد إرم لقوله تعالى في سورة (الفجر): ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ..﴾. إلخ وقد كانت هذه القبيلة من العمالقة أشداء أقوياء. وقد زادهم الله بسطة في الجسم، وكانوا مترفين في الحياة، يبنون القصور الشامخة، ويقيمون القلاع، والحصون، وعندهم البساتين النضرة، والعيون الجارية، وقد غرقوا في النعيم، وانغمسوا في البذخ، والترف، وقد قصّ القرآن الكريم علينا ما كانوا عليه من مظاهر النعمة، والترف في سورة (الشعراء) حيث قال تعالى في الاية رقم [١٢٨]:\n ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ..﴾. إلخ وكانت أجسامهم قوية، وبنيتهم ضخمة متينة، وكانوا إذا مشوا على الأرض؛ تهتز الأرض تحت أقدامهم لثقلهم، كأنهم الجبال لفرط طولهم، وضخامة أجسامهم، فاغتروا بقوتهم، واستكبروا على الله، وعتوا عن أمر رسله، وتمادوا في طغيانهم، فأهلكهم الله بالريح العاتية، كما قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١٥]: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ. هذا؛ و﴿عادٍ﴾ اسم للحي، ولذلك صرف، ومنهم من جعله اسما للقبيلة، ولذلك منعه، وعاد في الأصل: اسم الأب الكبير، وهو عاد بن عوص بن إرم، بن سام، بن نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام فسميت به القبيلة، أو الحي، وكذلك ما أشبهه من نحو (ثمود) إن جعلته اسما لمذكر؛ صرفته، وإن جعلته اسما لمؤنث؛ منعته.\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:\n «أنت». ﴿أَخا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿أَخا﴾ مضاف، و﴿عادٍ﴾ مضاف إليه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل اشتمال من: ﴿أَخا عادٍ﴾. ﴿أَنْذَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿أَخا عادٍ﴾. ﴿قَوْمَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة: ﴿بِالْأَحْقافِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿قَوْمَهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَقَدْ:﴾\nالواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتِ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، التي هي حرف لا محل له. ﴿النُّذُرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿أَخا عادٍ،﴾ والرابط:\nالواو، والضمير. أو هي معترضة بين الفعل: ﴿أَنْذَرَ﴾ ومتعلقه، فلا محلّ لها حينئذ. ﴿مِنْ﴾","vol":"9","page":39},{"text":"﴿بَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿خَلَتِ﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال. وهو ضعيف. و﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما... إلخ.\n ﴿أَلاّ:﴾ (أن): يجوز فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون هي المخففة من الثقيلة، التقدير:\nأنه؛ أي: الحال والشأن، و(لا) ناهية. والثاني: أنها هي المصدرية، التي تنصب المضارع، و(لا) نافية. الثالث: أن تكون مفسرة؛ لأن ﴿أَنْذَرَ﴾ يتضمن قولا بالمعنى، و(لا) ناهية.\n ﴿تَعْبُدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nبعدم عبادة أحد إلاّ الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَنْذَرَ،﴾ وعلى الوجه الأول، والثالث؛ فالفعل مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، وعلى الوجه الأول، فالجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، علما بأن الجلال قدر الكلام بأن قال: وهذا يعني: أنّ الجملة في محل نصب مقول القول، وجملة: «قال: لا تعبدوا... إلخ» المقدرة في محل رفع خبر (أن) المخففة من الثقيلة، وعلى الوجه الثالث؛ فالجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: «قال: لا تعبدوا... إلخ» مفسرة للفعل: ﴿أَنْذَرَ﴾. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم. هذا؛ ومثل هذه الاية في إعرابها الاية رقم [١٤] من سورة (فصلت).\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿يَوْمٍ،﴾ وجملة: ﴿أَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ تعليل لعبادة الله، والنهي عن ضدها، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4532\"></span>﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قوم هود له: ﴿أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنّ المعنى: لتزيلنا عن عبادتها بالإفك. الثاني: أنّ المعنى: لتصرفنا عن آلهتنا بالمنع، قاله الضحاك. قال عروة بن أذينة: [المنسرح] إن تك عن أحسن الصّنيعة مأ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا\nوانظر ما ذكرته في الاية رقم [٨٧] من سورة (الزخرف) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، وفي سورة (غافر) رقم [٦٢]. ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا:﴾ هذا يدل على أنّ الوعد قد يوضع موضع الوعيد.\n ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ أنك نبي، وصادق في وعدك.","vol":"9","page":40},{"text":"هذا؛ وكان قوم هود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أصحاب أوثان، يعبدونها من دون الله تعالى، وهم أول من عبد الأصنام بعد الطوفان. وقال ابن كثير: وكانت لهم أصنام ثلاثة: صدا، وصمودا، وهرا، وكانوا عربا جفاة، عتاة كافرين متمرّدين على الله، وكان هود ﵇ ينذرهم، ويحذّرهم عذاب الله، ويضرب لهم المثل بقوم نوح، ويذكرهم بنعم الله تعالى عليهم، ويبين لهم أنه لا يطلب على نصيحته أجرا منهم، ولا يبتغي جزاء، ولا شكورا، وكان ناس منهم قد عتوا عتوا كبيرا، فقد قاوموا دعوته، وسفّهوا رأيه، وعزموا الفتك به، ورمؤه بالسفه والجنون، واتهموه بأنّ آلهتهم قد أصابته بسوء، وأنّ ما يهذي به إنما هو بسبب مسّ الالهة له، كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ..﴾. إلخ رقم [٥٣] وما بعدها من السورة المسماة باسمه. انتهى. النبوة والأنبياء للصابوني. هذا؛ وقد طلبوا تعجيل عذاب الله، وعقوبته في هذه الاية ونحوها استبعادا منهم وقوعه، كقوله تعالى جلّت عظمته في سورة (الشورى) رقم [١٨]: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها..﴾. إلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَجِئْتَنا:﴾\nالهمزة: حرف استفهام إنكاري. (جئتنا): فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿لِتَأْفِكَنا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَنْ آلِهَتِنا:﴾ متعلقان بالفعل (جاء)، و(نا) في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَأْتِنا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ائتنا): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب شرط يقدر ب: «إذا». هذا؛ وبعضهم يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها في مثل ذلك للسببية المحضة، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿تَعِدُنا:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: بالذي تعدنا به، أو إياه. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والكلام في محل نصب مقول القول.","vol":"9","page":41},{"text":"<span id=\"aya-4533\"></span>﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: هود ﵇. ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب، فسيفعل ذلك بكم. أو المعنى: العلم بمجيء العذاب عند الله، لا عندي. ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ:﴾ وأما أنا فمن شأني أبلغكم ما أرسلت به، وأمرني الله بتبليغه إياكم. ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي: لا تعلمون: أنّ الرسل بعثوا مبلّغين منذرين، لا معذبين مقترحين، أو المعنى تجهلون عقاب الله، وقدره.\nهذا؛ والجاهل من يجهل ما يتعلق به من المكروه، والمضرة، ومن حق الحكيم ألاّ يقدم على شيء؛ حتى يعلم كيفيته، وحاله، ولا يشتري الحلم بالجهل، ولا الأناة بالطيش، ولا الرفق بالخرق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:\nفإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل\nوإن لم يكن كذلك يصدق عليه أنه من أكبر الجهال، والحمار أفضل منه، كما قال الشاعر الحكيم: [البسيط] فضل الحمار على الجهول بخلّة... معروفة عند الّذي يدريها\nإنّ الحمار إذا توهّم لم يسر... وتعاود الجهّال ما يؤذيها\nوالدليل على ذلك من يرتكب الفواحش، والمنكرات، ويفعل المعاصي، والسيئات، مثل لاعب القمار، وشارب الخمر... إلخ، فالحمار لا يلقي نفسه بتهلكة، والجاهل يفعل ذلك، والحمار لا يشرب الخمر، والجاهل يشربها إلى غير ذلك!\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى هود ﵇.\n ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْعِلْمُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ:﴾\nالواو: حرف عطف. (أبلغكم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به أول. ﴿إِنَّمَا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿أُرْسِلْتُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، ويبعد اعتبارها حالا. ﴿وَلكِنِّي:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لكني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَراكُمْ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»","vol":"9","page":42},{"text":"والكاف مفعول به أول. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿تَجْهَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿قَوْمًا،﴾ وهي المرادة هنا؛ لأنهم معروفون: أنهم قوم. والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، واعتبارها حالا من فاعل: (أبلغكم) لا بأس به، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4534\"></span>﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ:﴾ قال المبرد: الضمير يعود إلى غير مذكور، وبيّنه قوله: ﴿عارِضًا﴾ فالضمير يعود إلى السحاب. أي: فلما رأوا السحاب عارضا. وقيل: يرجع الضمير إلى قوله:\n ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾. والعارض: السحاب الذي يعترض في أفق السماء. وقال أبو حيان:\nوالعارض: المعترض في الجو من السحاب الممطر، ومنه قول الفرزدق وهو الشاهد رقم [٧١٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المنسرح] يا من رأى عارضا أسرّ به... بين ذراعي وجبهة الأسد\nوقال الأعشى، في معلقته رقم [٣٨]: [البسيط] يا من رأى عارضا قد بتّ أرمقه... كأنّه البرق في حافاته الشّعل\n ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ:﴾ وذلك: أنه خرجت عليهم سحابة سوداء من ناحية واد، يقال له:\nالمغيث، وكان قد حبس عنهم المطر مدة طويلة، فلما رأوا تلك السحابة؛ فرحوا بها، واستبشروا، وقالوا: ﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أي: يأتينا بالمطر. ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ:\nهذا يحتمل أن يكون من قول الله تعالى، ويحتمل أن يكون من قول هود لهم.\nهذا؛ وعن عائشة أم المؤمنين﵂-: أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم، وكان إذا رأى غيما، أو ريحا؛ عرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم؛ فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية، فقال: «يا عائشة! ما يؤمّنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: ﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا»﴾. أخرجه الشيخان، وأحمد، والترمذي، وقال فيه: حديث حسن، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس﵄عن النبي ﷺ أنه قال: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». الصبا (بفتح الصاد) الاتية من جهة المشرق والدبور عكسها.","vol":"9","page":43},{"text":"وعن عائشة﵂قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح، قال: اللهمّ إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها، وشرّ ما فيها، وشرّ ما أرسلت به، وقالت: وإذا تخيّلت السماء؛ تغيّر لونه، وخرج، ودخل، وأقبل وأدبر، وإذا أمطرت؛ سرّي عنه. فعرفت ذلك عائشة﵂فسألته، فقال: لعلّه يا عائشة كما قال الله عن قوم عاد: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا..﴾. إلخ» أخرجه مسلم. انتهى. مختصر ابن كثير، والقرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف زمان بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿رَأَوْهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والهاء مفعوله. ﴿عارِضًا:﴾ حال، أو تمييز.\n ﴿مُسْتَقْبِلَ:﴾ قال السمين: صفة: ﴿عارِضًا،﴾ وهو مضاف، و﴿أَوْدِيَتِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة لمفعولها، وفاعلها مستتر، لذا فالإضافة لفظية، فساغ وصف النكرة به على حدّ قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ رقم [٩٥] من سورة (المائدة)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿رَأَوْهُ..﴾. إلخ لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿هذا عارِضٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مُمْطِرُنا:﴾ صفة: ﴿عارِضٌ،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة الوصف لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وقل فيه مثل سابقه، والجملة الاسمية: ﴿هذا عارِضٌ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿مُسْتَقْبِلَ:﴾ حرف إضراب. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فَلَمّا:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿اِسْتَعْجَلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية:\n ﴿هُوَ مَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر الشرح. ﴿رِيحٌ:﴾ بدل من (ما)، أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي ريح، أو هو ريح، وهذه الجملة في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، أو هي مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة: ﴿رِيحٌ﴾. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-4535\"></span>﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾ أي: تهلك كل شيء مرّت به من رجال عاد،","vol":"9","page":44},{"text":"ومواشيهم، وأموالهم بإذن الله لها في ذلك، كقوله ﷾ في سورة (الذاريات) رقم [٤٢]: ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي كالشيء البالي. ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾ أي: قد هلكوا عن بكرة أبيهم، ولم تبق لهم باقية؛ لأنّ الريح لم تبق منهم إلاّ الاثار، والمساكن معطلة. هذا؛ وقرئ: «(فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم)» بفتح التاء على أنه خطاب للنبي ﷺ، والمعنى: ما ترى يا محمد إلاّ مساكنهم خاوية عاطلة من السكان ليس فيها أحد. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي..﴾. إلخ؛ أي: نجزي، ونعاقب كل من أجرم مثل جرمهم عقابا مثل عقابهم، وانظر التعبير ب: ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ في الزخرف رقم [٧٤].\nتنبيه: لما طغت قبيلة عاد، وتمرّدت على نبي الله هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ولم ينفعها التذكير، والإنذار، حبس الله عنهم المطر ثلاث سنين، حتى اشتدّ عليهم الجهد، والبلاء، فاستغاثوا، واستنجدوا، فأرسل الله عليهم سحابا كثيفا من السماء، فلما رأوا السحاب؛ فرحوا، واستبشروا، وظنّوا: أنه مطر غزير، فلما أظلتهم السحابة؛ رأوها سوداء قاتمة، ففزعوا، ثم هبّت عليهم الريح، وكانت ريحا عقيما، وسلّطها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فأهلكهم الله وأبادهم، وصارت أجسامهم لضخامتها كأنها أعجاز نخل خاوية، ونجّى الله هودا، والذين آمنوا معه برحمته من ذلك العقاب الشديد.\nيقال: إن تلك الريح كانت تحمل الفسطاط، وتحمل الظعينة؛ حتى ترى كأنها جرادة، فلما رأوا ذلك دخلوا بيوتهم، وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح، فقلعت الأبواب، وصرعتهم، وأمر الله الريح، فأهالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام، لهم أنين، ثم أمر الله الريح، فكشفت عنهم الرمل، واحتملتهم، فرمت بهم في البحر. وقيل: إن هودا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لما أحس بالريح خطّ على نفسه، وعلى من معه من المؤمنين خطا، فكانت الريح تمر بهم لينة باردة طيبة، والريح التي تصيب قومه شديدة عاصفة مهلكة، وهذه معجزة عظيمة ل: «هود» على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: إن الله تعالى أمر خازن الريح أن يرسل عليهم مثل مقدار الخاتم، فأهلكهم الله بهذا القدر. وفي هذا إظهار كمال القدرة.\nهذا؛ وقد سكن هود ﵇ بلاد حضرموت بعد هلاك قبيلة عاد إلى أن مات، ودفن في شرقي حضرموت على بعد مرحلتين من مدينة: «تريم» وقد روي عن علي بن أبي طالب -﵁-: أنه مدفون في كثيب أحمر، وعند رأسه سمرة في حضرموت. وكان بين هود وبين نوح ثمانمئة سنة، وعاش أربعمئة وأربعا وستين سنة، وذكر القرطبي: أنه عمّر في قومه بعدهم مئة وخمسين سنة.\nالإعراب: ﴿تُدَمِّرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الريح). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، وله صفة محذوفة، تقدر: بسلطت عليه، وانظر الشاهد رقم","vol":"9","page":45},{"text":"[١٠٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿بِأَمْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و«أمر» مضاف، و﴿رَبِّها﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و«ها»: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿تُدَمِّرُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رِيحٌ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، أو هي مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿فَأَصْبَحُوا:﴾ الفاء: حرف عطف، وقيل: الفصيحة ولا وجه له قطعا، (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وليس المراد التوقيت في الصبح؛ لأنّ الفعل بمعنى: صاروا، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُرى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَسْكَنِهِمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالتاء، فالفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و﴿مَسْكَنِهِمْ:﴾ بالنصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير:\nفأهلكت رجالهم، ونساءهم، وصغارهم، وأموالهم فأصبحوا... إلخ، والجملة المقدرة معطوفة على جملة: ﴿تُدَمِّرُ..﴾. إلخ وهي في معنى الماضي أيضا.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا مطلقا، عامله الفعل بعده، التقدير: نجزي القوم المجرمين جزاء كائنا مثل الجزاء؛ الذي حلّ بقوم هود، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿نَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ صفة:\n ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4536\"></span>﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾ أي: قوم هود. ﴿فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ:﴾ الخطاب لكفار قريش، قيل:\nإنّ «إن» زائدة، تقديره: ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه. وهذا قول القتبي، وأنشد الأخفش قول جابر ابن رألان الطائي الجاهلي، وهو الشاهد رقم [٢٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] يرجّي المرء ما إن لا يراه... وتعرض دون أدناه الخطوب\nوقول فروة بن مسيك المرادي، وهو الشاهد رقم [٢٤] من كتابنا المذكور: [الوافر] فما إن طبّنا جبن، ولكن... منايانا ودولة آخرينا","vol":"9","page":46},{"text":"وقيل: إنّ (ما) بمعنى الذي، و﴿إِنْ﴾ بمعنى «ما» والتقدير: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه. قاله المبرد. وقيل: ﴿إِنْ﴾ شرطية، وجوابها مضمر محذوف، والتقدير: ولقد مكناهم في ما إن مكناكم فيه؛ كان بغيكم أكثر، وعنادكم أشد. وتمّ الكلام، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ.\nانتهى. قرطبي. ورجح الزمخشري النفي، ولم يذكر الشرطية، وبقوله قال النسفي، ووافقهما البيضاوي، وزاد الشرطية، ونقل الجمل عن السمين الأوجه الثلاثة، وصحّح النفي عنه، ونقل عن كرخي ضعف الزيادة، حيث قال: يكون المعنى: مكناهم في مثل ما مكناكم فيه، فيلزم تفضيل تمكين قريش على تمكين عاد؛ لأنّ المشبه به أقوى في وجه الشبه غالبا، والمعنى عليه: ولقد مكناهم في أمور عظيمة لم نمكنكم فيها، وهذا أبلغ في الإنذار، والموعظة.\n ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً:﴾ ليعرفوا تلك النعم، ويستدلوا بها على معطيها، ومانحها، ويواظبوا على شكرها، كما جعلنا لكم ذلك، فما استعملوها إلا في طلب الدنيا، ولذاتها، فلا جرم، ومخالفة الله تعالى. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ..﴾. إلخ: فما نفعهم ولا أجداهم ما منحوا من الجوارح؛ لأنهم لم يستعملوها فيما خلقت له، وأنتم مثلهم في عدم الانتفاع بجوارحكم.\nهذا؛ ووحد السمع، وجمع ما بعده؛ لأنه لا يدرك به إلا الصوت، وما يتبعه بخلاف البصر؛ حيث يدرك به أشياء كثيرة، بعضها بالذات، وبعضها بالواسطة، والفؤاد يعمّ إدراكه كل شيء.\nوقيل: وحد السمع؛ لأنه مصدر، والمصدر لا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج إلى تثنية، أو جمع.\n ﴿إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ:﴾ يكفرون، وينكرون ما أنزل الله من آيات على رسله. ﴿وَحاقَ بِهِمْ:﴾\nأحاط بهم. ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي: أهلكهم استهزاؤهم بالرسل، وبما جاؤوا به من آيات الله البينات.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف). اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿مَكَّنّاهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في). ﴿إِنْ:﴾ انظر ما قيل فيها في الشرح. ﴿مَكَّنّاكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، على اعتبار «إن» زائدة، أو نافية، ولا محلّ لها لأنّها ابتدائية على اعتبار «إن» شرطية، وقد رأيت تقدير جوابها، وعليه فإن ومدخولها صلة «ما»، أو صفتها، وجملة: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ..﴾.\nإلخ جواب القسم، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.","vol":"9","page":47},{"text":"﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَمْعًا:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَمْعُهُمْ:﴾ فاعل ﴿أَغْنى،﴾ وما بعده معطوف عليه، و(لا) نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول مطلق، أو هو مفعول به، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) اسم استفهام مبنيا على السكون في محل نصب مفعول به مقدما، ولكن دخول ﴿مِنْ﴾ للتأكيد يدلّ على أنّ (ما) للنفي، والجملة الفعلية: ﴿فَما أَغْنى..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل:\n ﴿أَغْنى﴾ وأشربت معنى التعليل. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿يَجْحَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(آيات) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبار: ﴿إِذْ﴾ تعليلا. ﴿وَحاقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (حاق): فعل ماض. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿فِيما:﴾\nمصدرية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ و(ما) والفعل ﴿كانُوا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: (حاق)، وفي الكلام حذف مضاف؛ إذ التقدير؛ وحاق بهم عقاب استهزائهم. لأن الاستهزاء لا يحلّ عليهم يوم القيامة، وإنما يحلّ عليهم عقابه.\n\n<span id=\"aya-4537\"></span>﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى:﴾ الخطاب لأهل مكة، والمراد: قرى ديار ثمود، وقرى لوط، ونحوهما مما يجاور بلاد الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم، ولا سيّما قرى قوم عاد باليمن. ﴿وَصَرَّفْنَا الْآياتِ﴾ أي: كررنا، وأكثرنا ذكر الحجج، والدلالات، وأنواع البينات، والعظات. وقيل: صرّفنا آيات القرآن في الوعد، والوعيد، والقصص، والإعجاز، وتبيين الحلال، والحرام... إلخ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ عن كفرهم، فلم يرجعوا. وهذا الترجي بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله لا يقع منه ترج لعباده.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية السابقة. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿حَوْلَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة","vol":"9","page":48},{"text":"الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقُرى:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما،﴾ و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿وَصَرَّفْنَا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿يَرْجِعُونَ﴾ في محل خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل لما قبلها، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4538\"></span>﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ..﴾. إلخ؛ أي: فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقربون بهم إلى الله حيث قالوا: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾. قال الكسائي: القربان: كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من طاعة، ونسيكة، والجمع: قرابين، كالرهبان، والرهابين. ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ:﴾ غابوا عن نصرهم، فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم آلهتهم، التي كانوا يعبدونها من دون الله.\n ﴿وَذلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم، وافتراؤهم الذي كانوا يقولون: إنها تقربهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم عنده. هذا؛ وقرئ: ﴿إِفْكُهُمْ﴾ بكسر الهمزة، وسكون الفاء مصدر: أفك يأفك إفكا؛ أي: كذبهم. وقرئ بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وهو مصدر أيضا، وقرئ بثلاث فتحات على أنه فعل ماض، وقرئ بغير ذلك، وانظر شرح: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ في الاية رقم [٨٧] من سورة (الزخرف). ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ:﴾ يكذبون، ويختلقون بقولهم: إنها آلهة، وإنها تشفع لهم.\nهذا؛ و(ضل) بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضد: اهتدى، واستقام، ومصدره: الضلال، ويأتي (ضلّ) بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وما في هذه الاية منه: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ..﴾. إلخ، ويأتي بمعنى خفي، يخفى. قال تعالى في سورة (طه) رقم [٥٢] حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾\nوضلّ الشيء: ضاع، وهلك، وضلّ: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضلّ: تحيّر، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لحبيبه محمد ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ هذا؛ وأضل، يضل غيره من الرباعي ومصدره: الإضلال، فهو متعد، والثلاثي لازم.\nوانظر سورة (الشورى) رقم [١٨]. هذا؛ والضلال: الخروج عن جادة الحق، والانحراف عن الصراط المستقيم. وينبغي أن تعلم أن طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، وأمّا الضلال فطرقه كثيرة، ومتشعبة. قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف","vol":"9","page":49},{"text":"صلاة، وألف سلام: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ الاية رقم [٣٢] وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٥٣]: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وقال الشاعر الحكيم: [البسيط] الطّرق شتّى وطرق الحقّ مفردة... والسالكون طريق الحقّ أفراد\nلا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد\nوالناس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقاد\nالإعراب: ﴿فَلَوْلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف تحضيض. ﴿نَصَرَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:\n ﴿اِتَّخَذُوا..﴾. إلخ، صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:\n ﴿قُرْبانًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة. انظر الاية رقم [٦]. و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ ومفعول ﴿اِتَّخَذُوا﴾ الأول العائد إلى الموصول محذوف، والثاني آلهة، و﴿قُرْبانًا﴾ حال من الأول، والتقدير: اتخذوهم قربانا من دون الله آلهة، ولا يصح أن يكون: ﴿قُرْبانًا﴾ مفعولا ثانيا، و﴿آلِهَةً﴾ بدلا منه لفساد المعنى. انتهى. كشاف. قال ابن هشام: ووجه فساده: أنهم ذمّوا على اتخاذهم قربانا من دون الله، اقتضى مفهومه الحث على أن يتخذوا الله سبحانه قربانا، كما أنك إذا قلت: أتتخذ فلانا معلما دوني؟ كنت آمرا له أن يتخذك معلما له دونه، والله تعالى يتقرب إليه بغيره، ولا يتقرب به إلى غيره سبحانه. انتهى.\nهذا؛ وقال سليمان الجمل: عبارة السمين قوله: ﴿قُرْبانًا آلِهَةً﴾ فيه أوجه: أوجهها: أنّ المفعول الأول ل: ﴿اِتَّخَذُوا﴾ محذوف، هو عائد الموصول، و﴿قُرْبانًا﴾ نصب على الحال، و﴿آلِهَةً﴾ هو المفعول الثاني للاتخاذ، والتقدير: فهلاّ نصرهم الذين اتخذوهم متقربا بهم آلهة.\nالثاني: أن المفعول الأول محذوف أيضا، كما تقدم تقديره، و﴿قُرْبانًا﴾ مفعول ثان، و﴿آلِهَةً﴾ بدل منه. وإليه نحا ابن عطية، والحوفي، وأبو البقاء. الثالث: أنّ ﴿قُرْبانًا﴾ مفعول من أجله.\nوعزاه الشيخ للحوفي. قلت: وإليه ذهب أبو البقاء أيضا، وعلى هذا ف: ﴿آلِهَةً﴾ مفعول ثان، والأول محذوف، كما تقدم. هذا؛ والكلام: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ..﴾. إلخ، مستأنف، لا محل له.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿ضَلُّوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿إِفْكُهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وعلى اعتباره فعلا ماضيا؛ ففاعله يعود إلى اسم","vol":"9","page":50},{"text":"الإشارة، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على: ﴿إِفْكُهُمْ،﴾ وعلى اعتبار: ﴿إِفْكُهُمْ﴾ فعلا ماضيا، فهو معطوف على ذلك. وقيل: على المضمر المرفوع في الفعل: (أفكهم)، ويحسن ذلك للتفرقة بالمضمر المنصوب بينهما، فقام مقام التأكيد. انتهى. مكي. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل نصب خبر: (كان). والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: وذلك إفكهم والذي كانوا يفترونه.\nهذا؛ وأجاز الجلال اعتبار (ما) مصدرية، وموصولة، ورجح سليمان الجمل المصدرية؛ ليعطف مصدر على مثله، ويكون التقدير: وذلك إفكهم، وافتراؤهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4539\"></span>﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا..﴾. إلخ، قال القرطبي: هذا توبيخ لمشركي قريش؛ أي: إن الجن سمعوا القرآن، فآمنوا به، وعلموا: أنه من عند الله، وأنتم معرضوان مصرون على الكفر!! ومعنى ﴿صَرَفْنا:﴾ وجهنا إليك، وبعثنا. قال المفسرون: ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهم: لما مات أبو طالب خرج النبي ﷺ إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة، فقصد عبد ياليل، ومسعودا، وحبيبا، وهم إخوة ثلاثة (بنو عمرو بن عمير) وعندهم امرأة من قريش، من بني جمح، فدعاهم إلى الإسلام، وسألهم أن ينصروه على قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال الاخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟! وقال الثالث:\nوالله لا أكلمك كلمة أبدا، إن كان الله أرسلك كما تقول، فأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، وإن كنت تكذب، فما ينبغي لي أن أكلمك.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: «إذ فعلتم ما فعلتم؛ فاكتموا عليّ» (وكره أن يبلغ قومه، فيزيد ذلك في تجرؤهم عليه) فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم، وعبيدهم، فجعلوا يسبونه، ويصيحون به، ويرجمونه بالحجارة، حتى اجتمع الناس عليه، وألجؤوه إلى حائط (بستان) لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما فيه ينظران إليه، وقد لقي رسول الله ﷺ تلك المرأة، التي من بني جمح، فقال لها:\n «ماذا لقينا من أحمائك؟». ثم قال: «اللهمّ إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين! أنت ربّ المستضعفين، وأنت ناصر المظلومين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني؟! أو إلى عدوّ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا","vol":"9","page":51},{"text":"أبالي! ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا، والاخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك! لك العتبى حتّى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاّ بك» وقد روي: أنه نزل عليه في تلك الساعة ملك الجبال، وقال له: يا محمد! إن الله أمرني أن أطيعك فيما تأمر به؛ إن أردت أن أطبق عليه الأخشبين (الجبلين) لفعلت! فقال: «لا، إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون!». فقال الملك: صدق من سمّاك الرؤوف الرحيم.\nفلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحرّكت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له:\nعدّاس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، وضعه في هذا الطبق، ثم ضعه بين يدي هذا الرجل. فلما وضعه بين يدي رسول الله ﷺ، قال النبي ﷺ: «باسم الله». ثم أكل، فنظر عدّاس إلى وجهه، ثم قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له النبي ﷺ: «من أي البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك؟». قال: أنا نصرانيّ من أهل نينوى، فقال له النبي ﷺ: «أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟» فقال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال: «ذاك أخي، كان نبيا، وأنا نبيّ». فانكبّ عدّاس يقبّل رأس النبي ﷺ، ويديه، ورجليه، فقال أحد ابني ربيعة: أما غلامك فقد أفسده عليك! فلما جاءهما عداس؛ قالا له: ويلك يا عدّاس مالك تقبّل رأس هذا الرجل، ويديه، وقدميه؟! فقال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا، أخبرني بكلام ما يعلمه إلاّ نبي! فقالا له: ويحك يا عدّاس! لا يصرفك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.\nثم إنّ رسول الله ﷺ انصرف راجعا من الطائف إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان ببطن نخلة قام من الليل يصلي، فمرّ به نفر من جنّ نصيبين، كانوا قاصدين اليمن، وذلك حين منعوا من استراق السمع من السماء، ورموا بالشهب، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته؛ ولّوا إلى قومهم منذرين، وقد آمنوا، وأجابوا لمّا سمعوا القرآن، فقصّ الله خبرهم عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا..﴾. إلخ. وفي الاية قول آخر سيأتي في سورة (الجن) وهو حديث مخرج في الصحيحين من حديث ابن عباس﵄-.\nهذا؛ وروي: أنّ الجن لما رجموا بالشهب؛ بعث إبليس سراياه؛ ليعرف الخبر، فكان أول بعث بعثه من أهل نصيبين، وهم أشراف الجن، وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، وقال أبو حمزة:\nبلغنا: أنهم من بني الشيصبان، وهم أكثر الجن عددا، وهم عامة جنود إبليس، فلما رجعوا إلى قومهم؛ قالوا: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾.\nوقال جماعة: بل أمر رسول الله ﷺ أن ينذر الجن، ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفرا من الجن، وهم من أهل نينوى، وجمعهم له، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن الليلة، فأيكم يتبعني؟». فأطرقوا، ثم استتبعهم،","vol":"9","page":52},{"text":"فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة، فتبعه عبد الله بن مسعود﵁-. قال عبد الله: لم يحضر معه أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنّا بأعلى مكة دخل نبي الله ﷺ شعبا، يقال له:\nشعب الحجون، وخطّ لي خطا، وأمرني أن أجلس فيه، وقال: «لا تخرج منه؛ حتى أعود إليك». فانطلق حتى قام عليهم، فافتتح القرآن.\nفجعلت أرى مثل النسور تهوي، وتمشي في رفرفها، وسمعت لغطا شديدا؛ حتى خفت على النبي ﷺ، وغشيته أسودة كثيرة (جماعة) حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ رسول الله ﷺ منهم مع الفجر، فانطلق إليّ، فقال لي: «أنمت؟».\nفقلت: لا والله يا رسول الله! ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس؛ حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول لهم: اجلسوا، فقال: «لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم». ثم قال: «هل رأيت شيئا؟». قلت: نعم يا رسول الله! رأيت رجالا سودا عليهم ثياب بيض قال: «أولئك جن نصيبين (والأصح: جن نينوى) سألوني المتاع (والمتاع: الزاد) فمتعتهم بكل عظم حائل، وروثة، وبعرة».\nفقالوا: يا رسول الله يقذرها الناس علينا، فنهى رسول الله ﷺ أن يستنجى بالعظم، والروث.\nفقلت: يا رسول الله! وما يغني عنهم ذلك؟ فقال: «إنهم لا يجدون عظما إلاّ وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلاّ وجدوا فيها حبها يوم أكلت». فقلت: يا رسول الله سمعت لغطا شديدا. فقال:\n «إنّ الجن تدارأت في قتيل قتل بينهم، فتحاكموا إليّ، فقضيت بينهم بالحق».\nثم تبرز رسول الله ﷺ وأتاني، فقال: «هل معك ماء؟». قلت: يا رسول الله! معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر، فاستدعاه، فصببت على يديه، فتوضأ، وقال: «ثمرة طيبة، وماء طهور». قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزّط، فأفزعوه حين رآهم، ثم قال: اظهروا، فقيل له: إنّ هؤلاء قوم من الزّط، فقال: ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى رسول الله ﷺ ليلة الجن. قلت: حديث الوضوء بنبيذ التمر ضعيف ذكره البيهقي في كتابه «الخلافيات» بأسانيده، وأجاب عنها كلها.\nهذا؛ واختلف في عدد أولئك الجن، قال ابن عباس﵄كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم، وقال آخرون: كانوا تسعة، وروي عن زر بن حبيش قال: كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. وروي: أنّ الجن ثلاثة أصناف: صنف منهم لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف على صور الحيات، والكلاب، وصنف يحلون، ويظعنون. ونقل بعضهم أنّ أولئك الجن كانوا يهودا، فأسلموا. قالوا: وفي الجن ملل كثيرة مثل الإنس، ففيهم اليهود، والنصارى، والمجوس، وعبدة الأصنام، وفي مسلميهم مبتدعة، ومن يقول بالقدر، وخلق القرآن، ونحو ذلك من البدع، والمذاهب. وأطبق المحققون على أنّ الكل مكلفون. سئل ابن عباس﵄-: هل للجن ثواب؟ قال: نعم لهم ثواب، وعليهم عقاب. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف.","vol":"9","page":53},{"text":"وهذا هو المؤكد، والمحقق: أن مؤمنهم يدخل الجنة، وكافرهم، ومجرمهم يدخل النار، ولكن يكونون في الجنة على عكس حالهم في الدنيا، حيث نراهم في الجنة، ولا يروننا. هذا؛ ونصيبين بلدة في اليمن، ونينوى بلدة في العراق قرب الموصل.\nهذا؛ والنفر يطلق على ما دون العشرة، مثل: معشر، ورهط، وجمعه: أنفار. ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ:﴾ الضمير يعود إلى القرآن، يعني: فلما حضروا القرآن. وقيل: يحتمل أنه يعود على الرسول ﷺ، ويكون المعنى فلما حضروا رسول الله ﷺ لأجل استماع القرآن. ﴿قالُوا أَنْصِتُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: اسكتوا لنسمع إلى قراءته، ولا يحول بيننا وبين سماعه شيء، وهذا أدب منهم، ولكن الناس في هذه الأيام لا يعرفون آدابا للقرآن، ولا ينصتون لتلاوته، فالقهوة، والشاي، والسيجارات، واللغو عند تلاوة القرآن، ولا سيما في الماتم، هذا ما يجري، ويقع، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله! فأنصتوا، واستمعوا القرآن؛ حتى كاد يقع بعضهم على بعض من شدة حرصهم على سماعه. ﴿إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ:﴾ يعني داعين لهم إلى الإيمان، مخوفين لهم من المخالفة، وذلك بأمر رسول الله ﷺ لهم، وذلك بعد إيمانهم؛ لأنهم لا يدعون غيرهم إلى سماع القرآن، والتصديق إلاّ بعد إيمانهم، وتصديقهم له.\nهذا؛ ومن تعدد الروايات يتبين لنا: أنّ النفر الذين سمعوا من النبي ببطن نخلة كانوا نفرا قليلين، لم يظهروا للنبي ﷺ، ولم يكلموه، ولكنهم لما عادوا إلى أقوامهم منذرين؛ وفد عليه ﷺ عدد كبير منهم، فخرج إليهم، واصطحب عبد الله بن مسعود معه، وكان ما تقدم من الحديث معهم وإليهم، وانظر ما أذكره في سورة (الجن) بعون الله، وتوفيقه.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف زمان متعلق بمحذوف، تقديره:\nاذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. ﴿صَرَفْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَفَرًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نَفَرًا﴾. ﴿يَسْتَمِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿نَفَرًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حدّ قوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ﴾ وجمع الضمير على معنى نفر، ولو أفرد على لفظه لجاز، والكلام: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا..﴾.\nإلخ، مستأنف، لا محلّ له. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لمّا): انظر الاية رقم [٢٤].\n ﴿حَضَرُوهُ:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿قالُوا:﴾\nماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْصِتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب","vol":"9","page":54},{"text":"(لمّا)، لا محلّ لها، و(لمّا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله. ﴿فَلَمّا:﴾\nالفاء: حرف عطف. (لمّا): مثل سابقتها. ﴿قُضِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿الْقُرْآنَ،﴾ وقل في هذه الجملة مثل ما تقدم. ﴿وَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى قَوْمِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُنْذِرِينَ:﴾ حال منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محلّ لها، و(لما) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-4540\"></span>﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا﴾ ... ﴿مُوسى:﴾ قال عطاء-رحمه الله تعالى-: كان دينهم اليهودية، ولذلك قالوا: ﴿إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ:﴾ يعني من الكتب الإلهية المنزلة من السماء، وذلك: أن كتب الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد، وتصديق الأنبياء، والإيمان بالمعاد، والحشر، والنشر، وجاء هذا الكتاب-وهو القرآن المنزل على محمد ﷺكذلك، فذلك هو تصديقه لما بين يديه من الكتب؛ أي: لما تقدم من الكتب السماوية. ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ:﴾ يهدي إلى دين الحق، وهو دين الإسلام، وهو دين العقيدة الصحيحة. ﴿وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ هو طريق الإيمان، والعمل الصالح المؤدي إلى الجنة. هذا؛ وإعلال ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ مثل إعلال ﴿مُقِيمٍ﴾ في الاية رقم [٤٥] من سورة (الشورى).\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو.\n (قومنا): منادى، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿كِتابًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ). ﴿أُنْزِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى: ﴿كِتابًا،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿كِتابًا﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر؛ أي:\nمنزلا من، و﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مُصَدِّقًا:﴾ صفة ثانية ل: ﴿كِتابًا،﴾ أو هو حال منه بعد وصفه بما تقدم، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُصَدِّقًا،﴾ و(ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام اللام في مثل ذلك زائدة، وسماها لام التقوية؛ أي: تقوية عامل ضعيف ضعف عن العمل فيما بعده، وعليه ف: (ما) مجرورة لفظا،","vol":"9","page":55},{"text":"منصوبة محلا ب: ﴿مُصَدِّقًا﴾. وأورد ابن هشام آيات كثيرة شواهد على ذلك، وأورد قول حاتم الطائي. وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري﵁-: [الطويل] إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإني لست آكله وحدي\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿كِتابًا﴾. ﴿إِلَى الْحَقِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز ب: ﴿مُصَدِّقًا،﴾ أو هي في محل نصب حال من الفاعل المستتر فيه. ﴿وَإِلى طَرِيقٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة:\n ﴿طَرِيقٍ﴾. هذا؛ والكلام ﴿يا قَوْمَنا..﴾. إلخ، كله في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قالُوا..﴾.\nإلخ، مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4541\"></span>﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ:﴾ يعني محمدا ﷺ، وهذا يدل على أنه كان مبعوثا إلى الجن، والإنس. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد ﷺ. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قلت: يدل على قوله ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي، كان كلّ نبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى كلّ أحمر وأسود، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيّبة طهورا ومسجدا، فأيّما رجل أدركته الصلاة؛ صلّى حيث كان، ونصرت بالرّعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشّفاعة». قال مجاهد:\nالأحمر والأسود: الجن والإنس، وفي رواية من حديث أبي هريرة﵁-: «وبعثت إلى الخلق كافّة، وختم بي النبيّون».\n ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ أي: بالداعي، وهو محمد ﷺ. وقيل: أي بالله؛ لقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾. وعلى الأول إنما أعاد الإيمان مع أنه داخل في إجابته؛ لأن الإيمان أهم أقسام المأمور به، وأشرفها، فلذلك ذكره على التعيين، فهو من باب ذكر العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه.\n ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ:﴾ قال بعضهم: لفظة ﴿مِنْ﴾ هنا زائدة، والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم. وقيل: هي على أصلها، وذلك: أنّ الله يغفر من الذنوب ما كان قبل الإسلام، فإذا","vol":"9","page":56},{"text":"أسلموا؛ جرت عليهم أحكام الإسلام، فمن أتى بذنب؛ أخذ به ما لم يتب منه، أو يبقى تحت خطر المشيئة إن شاء الله غفر له، وإن شاء آخذه بذنبه، أقول: القاعدة النحوية لا تزاد «من» في الإيجاب إلا على مذهب الأخفش، وهو قول ضعيف، لا يقره جمهرة النحاة، ومثل هذه الاية الاية رقم [٤] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والقول الأصح أن ﴿مِنْ﴾ على بابها من التبعيض. وأن الغفران بالإيمان إنما يكون للذنوب الخاصة والتي هي بين العبد وربه، أما حقوق العباد؛ فلا يمكن غفرانها إلا بعد أن يرضى أصحابها، فإن الله تعالى لا يغفر بالإيمان حقوق العباد.\nتنبيه: هذه الاية تدل على أنّ الجن كالإنس في الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب. وقال الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ..﴾. إلخ، وبه قال أبو حنيفة. قال: ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم. وقال آخرون: إنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون في الإحسان مثل الإنس، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى. وقد قال الضحاك: الجن يدخلون الجنة، ويأكلون، ويشربون. قال القشيري: والصحيح: أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء، والعلم عند الله. انتهى. قرطبي.\nثم قال: قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٣٢]: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ يدلّ على أنهم يثابون، ويدخلون الجنة؛ لأنه قال في أول الاية: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ..﴾. إلى أن قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ والله أعلم. انتهى. بحروفه، والصحيح: أنهم يثابون، ويعاقبون. قال أرطأة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ قال: نعم، وقرأ قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ قال: فالإنسيات للإنس، والجنيات للجن. وقال عمر بن عبد العزيز﵁-: إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض، ورحاب ليسوا فيها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا قَوْمَنا:﴾ منادى. و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أَجِيبُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿داعِيَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَآمِنُوا:﴾ فعل أمر معطوف على ما قبله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَغْفِرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تجيبوا؛ يغفر، وفاعله يعود إلى الله. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَغْفِرْ﴾ أيضا، وهما مفعوله؛ لأن ﴿مِنْ﴾ بمعنى بعض، وانظر الشرح على القول بزيادة: ﴿مِنْ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. (يجركم): معطوف على: ﴿يَغْفِرْ،﴾ والفاعل يعود إلى الله","vol":"9","page":57},{"text":"أيضا، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة: ﴿عَذابٍ﴾. هذا؛ والاية بكاملها في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4542\"></span>﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ أي: الذي يدعو إلى الإيمان بالله، ورسوله، واليوم الاخر. ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ:﴾ بمعنى لا يعجز ربه عن إدراكه. بمعنى: لا يفوته إن هرب من حكمه، وقضائه. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٣١] من سورة (الشورى). ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ﴾ أي: أنصار يمنعونه من عذاب الله. ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ حيث أعرضوا عن إجابة الداعي إلى الله.\nهذا؛ وقد اجتمع بقوله تعالى: ﴿أَوْلِياءُ أُولئِكَ﴾ همزتان مضمومتان من كلمتين، وليس لهما نظير في القرآن؛ أي: لا وجود لهما في محل منه غير هذا، كما اجتمع في الاية رقم [١٢٤] من سورة (الأنعام) بقوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ لفظا الجلالة بدون فاصل ما، وليس لهما نظير في القرآن أيضا.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (من) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُجِبْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿داعِيَ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فَلَيْسَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليس): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِمُعْجِزٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجز): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾\nمتعلقان ب: (معجز)، وجملة: (ليس بمعجز في الأرض) في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، وهي من مقول الجن الذين سمعوا القرآن. ﴿وَلَيْسَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءُ﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الاية رقم [٦]، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءُ:﴾ اسم: (ليس) مؤخر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"9","page":58},{"text":"<span id=\"aya-4543\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: الكفار، والمشركون المنكرون للبعث بعد الموت، والحساب، والجزاء. ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي: ولم يتعب ولم يعجز بخلقهن، بل قال لها: كوني، فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة، مجيبة، خائفة، وجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟! قال الله ﷿ في سورة (غافر) رقم [٥٧]: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾. هذا؛ ويقال: عيّ بأمره، وعيي:\nإذا لم يهتد لوجهه، ومعناهما: العجز، والضعف، قال تعالى في سورة (ق): ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو مستحيل في حقه تعالى، وهو مجاز مرسل علاقته السببية.\n ﴿بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى:﴾ دخلت الباء في خبر: ﴿أَنَّ﴾ لتقدم النفي، والاستفهام، فهو بمعنى: أو ليس. قال الكسائي، والفراء، والزجاج: الباء فيه خلف الاستفهام، والجحد في أول الكلام. وقال الزجاج: والعرب تدخلها مع الجحد، تقول: ما ظننت أن زيدا بقائم، ولا تقول:\nظننت أن زيدا بقائم. ﴿بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: هذا تقرير للقدرة على وجه عام، يكون كالبرهان على المقصود، كأنه لما صدّر السورة بتحقيق المبدأ، ختمها بإثبات المعاد. انتهى. بمعنى: أنه قادر على إماتة الخلق، وإحيائهم؛ لأنه قادر على كل شيء. هذا؛ وانظر شرح ﴿بَلى﴾ في (الزخرف) رقم [٨٠].\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والفعل هنا بمعنى اليقين، فهو قلبي. ﴿أَنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة للفظ الجلالة. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلَمْ:﴾\nالواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْيَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿خَلَقَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِخَلْقِهِنَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث.","vol":"9","page":59},{"text":"﴿بِقادِرٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (قادر): خبر: ﴿أَنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وذكرت لك: أن الباء زيدت في خبر: ﴿أَنَّ﴾ لأنه بمعنى: أوليس الله بقادر. قال ابن هشام في المغني: والذي سهل ذلك التقدير تباعد ما بينهما، ولهذا لم تدخل في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ الاية رقم [٩٩] من سورة (الإسراء). ﴿عَلى:﴾ حرف جر.\n ﴿أَنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُحْيِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنَّ،﴾ والفاعل يعود إلى:\n ﴿الَّذِي﴾ أيضا، و﴿أَنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: (قادر)، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿بَلى:﴾ حرف جواب، بعده جملة مقدرة، التقدير: بلى: إنه قادر على أن يحيي الموتى! وهذه الجملة مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للجملة المقدرة بعد ﴿بَلى﴾.\n\n<span id=\"aya-4544\"></span>﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ:﴾ انظر الاية رقم [٢٠] ففيها الكفاية. ﴿أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ أي: هذا العذاب هو الذي وعدكم به الرسل، وهو الحق، كما يقال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ سورة (الطور). ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا:﴾ وهذا اعتراف منهم على أنفسهم بعد ما كانوا منكرين لذلك، وفيه توبيخ، وتقريع لهم. ﴿قالَ:﴾ أي الله لهم. ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ:﴾ هذه الجملة يكثر ذكرها في القرآن، والأمر للإهانة، كما ذكرته مرارا، وتكرارا، وانظر ﴿ذُقْ﴾ في الاية رقم [٤٩] من سورة الدخان.\nالإعراب: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ:﴾ انظر الاية رقم [٢٠]. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم: (ليس)، والهاء حرف تنبيه، لا محلّ له. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الحق):\nخبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول للقول المقدر ب: «يقال».\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب","vol":"9","page":60},{"text":"بعده جملة مقدرة؛ أي: بلى هو الحق الذي وعدنا به رسل الله. ﴿وَرَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم بربنا، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: صلة، أو هي الفصيحة، أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا بكم؛ فذوقوا... إلخ. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.\n ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْفُرُونَ﴾ في محل نصب خبره، و(ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (ذوقوا)، وهذه الجملة على الوجهين المعتبرين في الفاء في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.\nإلخ، مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4545\"></span>﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، أمره الله تعالى بالاقتداء بأولي العزم من الرسل في الصبر على أذى قومه. قال ابن عباس﵄-:\nذوو الحزم. وقال الضحاك-رحمه الله تعالى-: ذوو الجد، والصبر. واختلفوا في أولي العزم من الرسل من هم؟ فذكر الخازن، والقرطبي أقوالا كثيرة، والمعتمد ما قاله ابن عباس، وقتادة -﵄-: هم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع محمد ﷺ أجمعين خمسة، وقد ذكرهم الله على التخصيص، والتعيين في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ الاية رقم [٧] من سورة (الأحزاب)، وفي قوله جلّ ذكره في سورة (الشورى) رقم [١٣]: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.\nروى البغوي بسنده عن عائشة﵂قالت، قال لي رسول الله ﷺ: «يا عائشة! إنّ الدنيا لا تنبغي لمحمّد، ولا لال محمّد، يا عائشة! إن الله لم يرض من أولي العزم إلاّ بالصّبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها، ولم يرض إلاّ أن كلّفني ما كلّفهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنّي والله، ولا بدّ لي من طاعته، والله لأصبرنّ كما صبروا! ولأجهدنّ! ولا قوّة إلاّ بالله!». ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ:﴾ يعني: اصبر على أذاهم، ولا تستعجل بنزول العذاب عليهم، فإنه نازل بهم لا محالة. كأنه ﷺ ضجر بعض الضجر، فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى","vol":"9","page":61},{"text":"منهم، فأمره الله بالصبر، وترك الاستعجال. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب في الاخرة. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا:﴾ في الدنيا، أو في القبور. ﴿إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ يعني: أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا، أو في القبور كأنه قدر ساعة من نهار؛ لأنّ ما مضى، وإن كان طويلا؛ فهو يسير إلى ما يدوم عليهم من العذاب، وهو أبد الابدين بلا انقطاع، ولا فناء.\nوانظر ما ذكرته في سورة (الروم) [٥٥] فإنه جيد جدا. ﴿بَلاغٌ﴾ أي: هذا القرآن، وما فيه من البينات، والهدى بلاغ من الله إليكم. والبلاغ بمعنى: التبليغ. ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ أي: لا يهلك بالعذاب. ﴿إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن الإيمان بالله وطاعته. قال الزجاج: تأويله لا يهلك مع رحمة الله، وفضله إلاّ القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الاية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا فقد نهى الله رسوله ﷺ عن استعجال العذاب لقومه، وقد قال تعالى في سورة (المزمل): ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الطارق): ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ ومثل الاية قوله جلّ وعلا في سورة (يونس) رقم [٤٥]: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ وقال في آخر سورة (النازعات): ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾.\nفائدة: قال ابن عباس﵄-: إذا عسر على المرأة ولدها، تكتب هاتين الايتين والكلمتين في صحيفة، ثم تغسل، وتسقى منها، وهي: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلاّ الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله ربّ السموات، وربّ الأرض، وربّ العرش العظيم» ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ..﴾. إلخ. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):\nمصدرية. ﴿فَاصْبِرْ:﴾ ماض. ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولُوا﴾ مضاف، و﴿الْعَزْمِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿مِنَ الرُّسُلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُولُوا الْعَزْمِ،﴾ و(ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق، التقدير: اصبر صبرا مثل صبر أولي العزم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، وجملة: (اصبر...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها، وعند التأمل يتبين لك: أنّ الجملة جواب شرط يقدر ب: «إذا»؛ أي: إذا كان عاقبة الكفار ما ذكر؛ فاصبر على أذاهم... إلخ، والكلام كله مستأنف، لا محلّ له.","vol":"9","page":62},{"text":"﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَسْتَعْجِلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها على الوجهين المعتبرين فيها، والمفعول محذوف؛ إذ التقدير: ولا تستعجل لقومك نزول العذاب. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ الاتي. ﴿يَرَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿كَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير:\nالذي يوعدونه، والجملة الفعلية: ﴿يَرَوْنَ..﴾. إلخ، في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها.\n ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَلْبَثُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ساعَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنَّهُمْ،﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محلّ لها، وفيها معنى التعليل للنهي، واعتبارها في محل نصب حال لا بأس به. ﴿مِنْ نَهارٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ساعَةً﴾. ﴿بَلاغٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذا بلاغ، ويؤيده قوله تعالى في آخر سورة (إبراهيم): ﴿هذا بَلاغٌ،﴾ وقيل: مبتدأ خبره محذوف، وهو ضعيف جدا. هذا؛ وقرئ بنصبه شاذا على اعتباره صفة: ﴿ساعَةً،﴾ أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. التقدير: بلغ بلاغا، وقرئ أيضا شاذا بجره على أنه صفة: ﴿نَهارٍ﴾. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل):\nحرف استفهام معناه النفي. ﴿يُهْلَكُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿الْقَوْمُ:﴾ نائب فاعل، وقرئ الفعل بالبناء للمعلوم، ونصب «(القوم)»، وعليه فالفاعل يعود إلى (الله)، ويقرأ «(الفاسقين)» تبعا لنصب «(القوم)». تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.\nانتهت بحمد الله وتوفيقه سورة (الأحقاف) شرحا وإعرابا والحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4166>سورة محمّد ﷺ</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (محمد ﷺ) وتسمى سورة (القتال) وهي مدنية في قول ابن عباس﵄- إلا آية منها نزلت بعد حجة الوداع حين خرج ﷺ من مكة، وجعل ينظر إلى البيت، وهو يبكي حزنا على فراقه. والاية نصها: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ..﴾. إلخ رقم [١٣]. وانظر ما اعتمدته في شرح الاية هناك. وهي ثمان وثلاثون آية.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4546\"></span>﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ بالله ورسوله، وباليوم الاخر، وما فيه. ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي:\nفلم يكتفوا بكفرهم، بل صدوا الناس، ومنعوهم من الدخول في دين الإسلام. ﴿أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ:﴾\nأبطلها، وأحبطها، وحقيقته: جعلها ضائعة ليس لها من يتقبلها، ويثيب عليها. وأراد بالأعمال:\nما كانوا يفعلون من أعمال البر من إطعام الطعام، وصلة الأرحام، وفكّ العاني (وهو الأسير) وإجارة المستجير، وقرى الضيف، ونحو ذلك.\nقال بعضهم: أول هذه السورة متعلق بآخر سورة الأحقاف المتقدمة، كأنّ قائلا قال: كيف يهلك القوم الفاسقون؛ ولهم أعمالهم الصالحة كإطعام الطعام، ونحوه من الأعمال، والله لا يضيع لعامل عمله، ولو كان مثقال ذرة من خير؟ فأخبر الله بأنّ الفاسقين هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم، يعني: أبطلها؛ لأنها لم تكن لله ولا بأمره، إنما فعلوها من عند أنفسهم ليقال عنهم ذلك، فلهذا السبب أبطلها الله تعالى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٣]: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾. وانظر سورة (النور) رقم [٣٩]:\n ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وقد يقال: إن الله لا يظلم الناس شيئا، فكيف يضيع أعمالهم الصالحة النافعة؟ والجواب: أنّ الله يجزيهم بها في الدنيا قبل أن يخرجوا منها، بأن يوسع في أرزاقهم، ويرزقهم الصحة، والعافية، ويقر أعينهم فيما حولهم، ويدفع عنهم المكاره. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٥٥] من سورة (التوبة)، والاية رقم [١٥] من سورة (هود)، والاية رقم [٢٠] من سورة (الشورى)، وانظر شرح هذه الايات في محالها تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.","vol":"9","page":64},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿أَضَلَّ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ تقديره: «هو». ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ، لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. هذا؛ وقد أغرب أبو البقاء-رحمه الله تعالى-حيث قال: ويجوز أن ينتصب أي: ﴿الَّذِينَ﴾ بفعل دلّ عليه المذكور؛ أي: أضل الذين كفروا، ومثله: (الذين آمنوا).\n\n<span id=\"aya-4547\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ فهذا يعمّ المهاجرين، والأنصار، والذين آمنوا من أهل الكتاب، ومن آمن، وعمل الصالحات إلى يومنا هذا؛ وإلى يوم القيامة، وهو أولى من قصره على المهاجرين، أو على الأنصار في عصر النبي ﷺ، كما أنّ الكفر لا يقتصر على عصر النبوة.\nوفي الايتين مقابلة بين الإيمان، والكفر. انظر ما ذكرته في الاية رقم [٧٤] من (الزخرف) والمراد ب: ﴿الصّالِحاتِ﴾ الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. وفي ذلك احتراس، وقد ذكرته مرارا. ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ يعني: القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ، وإنما ذكره بلفظ الاختصاص مع ما يجب من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ عن الله تعظيما لشأن القرآن الكريم، وتنبيها على أنه لا يتم الإيمان إلاّ به، ولذلك أكّده بقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. وقيل: حقيقته بكونه ناسخا لجميع الكتب السماوية قبله، ولا يرد عليه نسخ، وإن كان هناك نسخ لبعض الايات ببعض. هذا؛ و﴿نُزِّلَ﴾ يقرأ بقراآت كثيرة.\n ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أي: ستر الله بإيمانهم، وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي؛ لرجوعهم وتوبتهم منها، فغفر لهم بذلك ما كان منهم. ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ يعني:\nحالهم، وشأنهم، وأمرهم بالتوفيق في أمور الدين، والتسليط على أمور الدنيا، بما أعطاهم من النصر على أعدائهم. وقيل: (أصلح بالهم) يعني: قلوبهم؛ لأنّ القلب إذا صلح؛ صلح سائر الجسد. وقال ابن عباس﵄-: عصمهم الله أيام حياتهم. يعني: أنّ الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم؛ حتى لا يعصوا.\nهذا؛ والبال كالمصدر، ولا يعرف منه فعل، ولا تجمعه العرب إلاّ في ضرورة الشعر، فيقولون فيه: بالات. هذا؛ وقال الرازي في مختاره: البال: القلب، يقال: ما يخطر فلان","vol":"9","page":65},{"text":"ببالي؛ أي: بقلبي، والبال: رخاء النفس. يقال: فلان رخيّ البال. والبال: الحال، يقال: ما بالك؟ أي: ما حالك؟ والبال: الشأن، يقال: ما باله لا يفعل كذا؟ انتهى. وقد كان النبي ﷺ كثيرا ما كان يعرض بمن ينكر عليهم بعض أعمالهم، فيقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا، وكذا؟» وقال القرطبي: والبال: الحوت العظيم من حيتان البحر. وفي القاموس: لا زعنفة له على ظهره، وقد يبلغ طوله [٥٠ - ٦٠] قدما، والكلمة غير عربية، والبالة: القارورة وعاء الطيب.\nوالبالة: حزمة المنسوجات.\nهذا؛ وقد قال البغدادي-رحمه الله تعالى-: وقد التزم بعده ذكر حال يفسره غالبا، وقد يأتي بدونها، كقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥١]: ﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ وقد تتبعت استعمال هذه الحال في كلام العرب، ولم أر من سبقني إليه، فرأيتهم يستعملونها على وجوه شتى، منها: أنها ماضوية مقرونة ب: «قد»، وماضوية بدون «قد»، ومضارعية مثبتة، ومضارعية منفية، وتكون مفردة، وتكون اسمية غير مقترنة بواو، ومقترنة بالواو. وأورد لكل وجه مثالا شعريا، وانظر الشاهدين [٥٣٧] و[٦٧٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nهذا؛ و﴿مُحَمَّدٍ﴾ اسم عربي، وهو مفعل من الحمد، والتكرير فيه للتكثير، كما تقول: كرّمته، فهو مكرم، وعظّمته فهو معظم؛ إذا فعلت ذلك مرة بعد مرة، وهو منقول من الصفة على سبيل التفاؤل: أنه سيكثر حمد الناس له، وكان كذلك ﷺ. روي: أنّ النبي ﷺ لما ولد أمر عبد المطلب بجزور، فنحرت، ودعا رجال قريش، وكانت سنتهم في المولود إذا ولد في استقبال الليل، كفؤوا عليه قدرا حتى يصبح، ففعلوا ذلك بالنبي ﷺ، فأصبحوا وقد انشقت عنه القدر، وهو شاخص إلى السماء، فلما حضرت رجال قريش، وطعموا؛ قالوا لعبد المطلب: ما سميت ابنك هذا؟ قال:\nسميته محمدا، قالوا: ما هذا من أسماء آبائك، قال: أردت أن يحمد في السموات، والأرض.\nوقد حقق الله رجاءه. قال الأعشى في قصيدته التي نظمها في مدح النبي ﷺ: [الطويل] إليك أبيت اللعن كان كلالها... إلى الواحد الفرد الجواد المحمّد\nوقد سمى جماعات من العرب أولادهم محمدا بلغوا سبعة، منهم محمد بن حمران الجعفي الشاعر، وكان في عصر امرئ القيس، وسماه: شويعرا، ومحمد بن خولي الهمداني، ومحمد بن بلال بن أحيحة. وكان زوج سلمى بنت عمرو جدة رسول الله ﷺ أم جده، ومحمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأبو محمد بن أوس بن زيد شهد بدرا، وقال في «السيرة الحلبية»: وقد عدّ بعضهم من سمّي بمحمد ستة عشر، ونظمهم في قوله: [الكامل] إن الذين سموا بإسم محمّد... من قبل خير الخلق ضعف ثمان\nابن البراء مجاشع بن ربيعة... ثمّ ابن مسلم يحمدي حرماني","vol":"9","page":66},{"text":"ليثي السّليمي وابن أسامة... سعدى وابن سواءة همداني\nوابن الجلاح مع الأسيدي يا فتى... ثمّ الفقيمي هكذا الحمراني\nقال بعضهم: وفاته آخران، لم يذكرهما، وهما محمد بن الحارث، ومحمد بن عمر بن مغفل بضم أوله، وسكون المعجمة، وكسر الفاء، ثم لام. ووقع النزاع الكثير، والخلاف الشهير في أول من سمي بذلك الاسم منهم، وسبب كثرة التسمية بمحمد ما ذكر بعضهم؛ قال: سمعت محمد بن عدي، وقد قيل له: كيف سماك أبوك في الجاهلية محمدا؟ قال: سألت أبي عما سألتني عنه، فقال: خرجت رابع أربعة من تميم نريد الشام، فنزلنا عند غدير عند دير، فأشرف علينا الديراني، وقال: إن هذه للغة قوم ما هي لغة أهل هذه البلد، فقلنا له: نحن قوم من مضر، فقال لنا: إن الله سيبعث فيكم نبيا وشيكا، فسارعوا إليه، وخذوا حظكم، ترشدوا، فإنه خاتم النبيين، فقلنا له: ما اسمه؟ قال: محمد، ثم دخل ديره فو الله ما بقي أحد منا إلا زرع قوله في قلبه، فأضمر كل واحد منا إن رزقه الله غلاما سماه محمدا رغبة فيما قاله، قال: فلما انصرفنا ولد لكل واحد منا غلام. فسماه محمدا رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته. انتهى. السيرة الحلبية بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿نُزِّلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: «هو» يعود إلى (ما)، وهو العائد، أو الرابط. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالبناء للمعلوم (نزّل) فالفاعل يعود إلى الله، والعائد محذوف، التقدير: بالذي أنزله الله. ﴿عَلى مُحَمَّدٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا..﴾. إلخ، معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَهُوَ:﴾\nالواو: واو الاعتراض. (هو): مبتدأ. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبره. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الحق، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معترضة بين المبتدأ والخبر مؤكدة لإيجاب الإيمان، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول؛ فيظهر فيها معنى التأكيد أيضا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n ﴿كَفَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، وهو يؤكد بناء (نزّل) للمعلوم. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَّرَ..﴾. إلخ، في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.","vol":"9","page":67},{"text":"<span id=\"aya-4548\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما ذكر من الإضلال بالنسبة للكافرين، وتكفير السيئات، وإصلاح العمل بالنسبة للمؤمنين. ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: أي بسبب اتباع هؤلاء الباطل، واتباع هؤلاء الحق، وهو تصريح بما أشعر به ما قبلها، ولذلك تسمى هذه الاية تفسيرا.\n ﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب ﴿يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ:﴾ يبيّن لهم أحوال الفريقين، أو أحوال الناس، أو يضرب أمثالهم بأن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، والإضلال مثلا لخيبتهم، واتباع الحق مثلا للمؤمنين، وتكفير السيئات مثلا لفوزهم.\nهذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها وأخفاها، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ رقم [٧]. وكفر الشيء: ستره، وغطّاه، وسمي الكافر: كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ رقم [٢٠] من سورة (الحديد). وسمّي الليل: كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁- في معلقته رقم [٦٥]. [الكامل] حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nهذا؛ وأطلق لفظ الكافر على النهر، قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النهر: [الطويل] وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل\nرضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التيّار في كلّ جدول\n ﴿الْباطِلَ:﴾ ضد الحق، والباطل: الفاسد، والمراد به هنا: الشرك. وقيل: الشيطان. وجاء بمعنى العبث في سورة (ص) رقم [٢٧]، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ والبطلان: عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، وإما بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل، والكذب، والبطالة:\nالتعطل، والتفرغ من العمل، ويجمع باطل على: أباطيل شذوذا، كما شذّ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل: اسم فاعل من: أبطل الرباعي. وانظر شرح ﴿الْحَقَّ﴾ في الاية رقم [٢٢] من سورة (الجاثية).","vol":"9","page":68},{"text":"هذا؛ والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الاخر، والقدر، خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الاية رقم [٢] من سورة (الأنفال)، وله شعب كثيرة، وهي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلاّ الله... إلخ، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو اسم من أسمائه. قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ واليمين أيضا اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر.\nهذا؛ و﴿أَمْثَلُهُمْ﴾ في هذه الاية جمع: مثل بفتحتين، والمثل: عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ليتبيّن أحدهما من الاخر، ويصوره. وقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر، وبالجملة: هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه؛ أي: هو الحالة الأصلية، التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية! علما بأن الأمثال لا تغير، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل؛ أي: أصله، مثل: (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته. وانظر (مثل) بكسر الميم وسكون الثاء في الاية رقم [١٠] الاتية.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (أنّ). وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿اِتَّبَعُوا الْباطِلَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في الإعراب، والتأويل. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْحَقَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يضرب الله للناس أمثالهم ضربا كائنا مثل الضرب الذي يضربه الله لقريش، وأمثالهم من الكفار. ﴿يَضْرِبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِلنّاسِ:﴾\nمتعلقان به، ﴿أَمْثَلُهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"9","page":69},{"text":"<span id=\"aya-4549\"></span>﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في المحاربة، والمقاتلة، وإنما قال: ﴿لَقِيتُمُ..﴾. إلخ ولم يقل: إذا لقيكم الذين كفروا، وهو أبين في الكلام؛ لأنّ ما لقيك فقد لقيته، وما لقيته فقد لقيك، قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قرئ برفع ﴿آدَمُ﴾ ونصب ﴿كَلِماتٍ،﴾ وقرئ بالعكس، والمعنى لا يتغير، فمعنى القراءتين واحد، كما قرئ قوله تعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قرئ بالواو والياء، قال الفراء: معنى القراءتين واحد؛ لأنّ ما نلته فقد نالك، وما نالك فقد نلته.\n ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ:﴾ أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل، وقدم المصدر، وأنيب منابه مضافا إلى المفعول ضمّا إلى تأكيد الاختصار، والتعبير به عن القتل، إشعار بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقبة حيث أمكن، وتصوير له بأبشع صورة وأشنعها، وهو حزّ العنق، وإطارة العضو، الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه، ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٢]: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾.\nهذا؛ وفي قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ مجاز مرسل، علاقته ذكر الجزء، وإرادة الكل؛ لأنّ ضرب الرقاب كناية عن القتل، وبما أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب الرقبة؛ وقع عبارة عن القتل.\n ﴿حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي: أكثرتم القتل فيهم، وأغلظتموه. من: الثخين، وهو الغليظ. قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٧]: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. أو المعنى: أثقلتموهم بالقتل، والجراح؛ حتى أضعفتموهم عن النهوض إلى القتال. ﴿فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ أي: أؤسروهم وشدّوا وثاقهم حتى لا يفلتوا منكم، والوثاق بفتح الواو، وكسرها: اسم لما يوثق به؛ أي: يربط به من حبل، ونحوه. والجمع: وثق، مثل: رباط، وربط، وعناق، وعنق.\n ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً:﴾ والمعنى التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم، فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم، فإن قلت: كيف حكم أسارى المشركين؟ قلت: أما عند أبي حنيفة-رحمه الله تعالى- وأصحابه؛ فأحد أمرين: إما قتلهم، وإما استرقاقهم؛ أيهما رأى الإمام، ويقولون في المنّ، والفداء المذكورين في الاية: نزل ذلك في يوم بدر، ثم نسخ. وعن مجاهد: ليس اليوم منّ، ولا فداء، وإنما هو الإسلام، أو ضرب العنق. ويجوز أن يراد بالمن، أن يمنّ عليهم بترك القتل، ويسترقوا، أو يمنّ عليهم فيخلّوا لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمة، وبالفداء أن يفادى","vol":"9","page":70},{"text":"بأسراهم أسارى المشركين، فقد رواه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة، والمشهور: أنه لا يرى فداءهم لا بمال، ولا بغيره خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين.\nوأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين، وهي: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ويحتج بأن النبي ﷺ منّ على أبي عزة الجمحي، وعلى ثمامة بن أثال الحنفي، وفادى رجلا برجلين من المشركين، وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن، وعطاء، وأكثر الصحابة، والعلماء، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قال ابن عباس﵄-: لما كثر المسلمون، واشتدّ سلطانهم أنزل الله ﷿ في الأسارى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ وهذا القول هو الصحيح؛ ولأنه به عمل النبي ﷺ والخلفاء بعده. وقال أبو حنيفة ومن وافقه من العلماء: هذه الاية منسوخ حكمها بقوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٧]: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ،﴾ وبقوله ﷿ في سورة (التوبة) رقم [٥]: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ..﴾. إلخ.\n ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها:﴾ يعني أثقالها، وأحمالها، والمراد: أهل الحرب، يعني: حتى يضعوا أسلحتهم، ويمسكوا عن القتال، وأصل الوزر: ما يحمله الإنسان، فسمى الأسلحة وزرا؛ لأنها تحمل. قال الأعشى: [المتقارب] وأعددت للحرب أوزارها... رماحا طوالا وخيلا ذكورا\nوسميت أوزارها؛ لأنه لمّا لم يكن لها بد من جرها، فكأنها تحملها، وتستقل بها، فإذا انقضت، فكأنها وضعتها، كما قال الاخر: [الطويل] فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى... كما قرّ عينا بالإياب المسافر\nوفي الجملة استعارة تصريحية ظاهرة.\nطرفة: روي عن بعضهم: أنه قال: كنت واقفا على رأس الحجاج حين أتي بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث، وهم أربعة آلاف، وثمانمئة، فقتل منهم نحوا من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل من كندة، فقال: يا حجاج لا جازاك الله عن السنة، والكرم خيرا، قال: ولم ذاك؟ قال: لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ، في حق الذين كفروا، فو الله ما مننت، ولا فديت، وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق: [الطويل] ولا نقتل الأسرى، ولكن نفكّهم... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم\nفقال الحجاج: أفّ لهذه الجيف! أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام؟ خلوا سبيل من بقي، فخلّي عن بقية الأسرى، وهم زهاء ألفين بقول ذلك الرجل. هذا؛ وقد أغرب مجاهد، وسعيد بن جبير﵄حيث قالا: هو خروج عيسى على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"9","page":71},{"text":"﴿ذلِكَ﴾ أي: الأمر فيهم ما ذكر من القتل، أو الأسر، وما بعده من المن، والفداء. وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام، كقوله تعالى في سورة (ص) رقم [٥٥]:\n ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾. ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ:﴾ لانتقم منهم بالاستئصال، وأهلكهم بغير قتال ببعض أسباب: من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق، أو موت جارف. وقال ابن عباس﵄-: لأهلكهم بجند من الملائكة. ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ:﴾\nولكن أمركم بالحرب؛ ليختبر المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم، ويقاتلوهم، فيستحقوا الثواب العظيم، والمقام الكريم، ويمتحن الكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم؛ كي يرتدع بعضهم عن الكفر.\n ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ يريد قتلى أحد من المؤمنين. ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ:﴾ فلن يضيعها، بل يوفيهم ثواب أعمالهم، التي عملوها في الدنيا. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: ذكر لنا: أن هذه الاية نزلت يوم أحد، ورسول الله في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات، والقتل، وقد نادى المشركون: اعل هبل! ونادى المسلمون: الله أعلى، وأجلّ! وقال المشركون: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فقال النبي ﷺ: «قولوا: لا سواء، قتلانا في الجنة أحياء عند ربهم يرزقون، وقتلاكم في النار يعذبون». فقال المشركون: لنا العزّى، ولا عزّى لكم. فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم، وقد تقدّم ذكر هذا في سورة (آل عمران). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقِيتُمُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَضَرْبَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا).\n (ضرب): مفعول مطلق نائب عن فعله؛ إذ أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه مضافا إلى المفعول، لذا ففاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة جواب (إذا)، لا محلّ لها.\n ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل ذلك جارة ل: ﴿فَإِذا﴾. ﴿فَإِذا:﴾ مثل سابقتها. ﴿أَثْخَنْتُمُوهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿فَإِذا﴾ إليها. ﴿فَشُدُّوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿فَإِذا﴾. (شدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿فَإِذا،﴾ لا محل لها. ﴿الْوَثاقَ:﴾ مفعول به، و﴿فَإِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له، وعلى قول الأخفش، ف: ﴿حَتّى﴾ ومجرورها متعلقان بالمصدر: (ضرب).","vol":"9","page":72},{"text":"﴿فَإِمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع، (إما): أداة شرط وتفصيل، وهي هنا مفيدة للتخيير.\n ﴿مَنًّا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تمنون منا. ﴿بَعْدُ:﴾ ظرف زمان مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى في محل نصب متعلق بالمصدر قبله. ﴿وَإِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إمّا): معطوفة على ما قبلها. وقيل: عاطفة. ﴿فِداءً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تفادون فداء. هذا؛ والفعل المقدر يؤول بمصدر في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، وإذا قدرت: إما أن تمنوا منا، وإما أن تفادوا فداء؛ وضح الأمر، وزال الخفاء، ويكون التقدير:\nفإمّا منّكم موجود منكم، وإما فداؤهم. أو وإما فداؤكم موجود منكم أيضا، والجملة الاسمية الحاصلة من هذا التقدير مستأنفة لا محلّ لها، أو هي معطوفة على جملة: (شدوا...) إلخ، لا محلّ لها أيضا. هذا؛ وقد قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وما لتفصيل كإمّا منّا... عامله يحذف حيث عنّا\nقال ابن عقيل﵀-: يحذف عامل المصدر وجوبا إذا وقع تفصيلا لعاقبة ما تقدمه، وذكر الاية التي نحن بصدد شرحها. وأجاز أبو البقاء أن يكونا مفعولين لفعل محذوف، التقدير:\nأولوهم منا، واقبلوا منهم فداء، وهو ضعيف جدا. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة.\n ﴿تَضَعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الْحَرْبُ:﴾ فاعله. ﴿أَوْزارَها:﴾\nمفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، وأن المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل المقدر، أو بالمصدر المذكور.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أي: الأمر ذلك، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: افعلوا ذلك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له، والجملة على الاعتبارين مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَشاءُ اللهُ:﴾\nمضارع وفاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لانْتَصَرَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (انتصر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى:\n ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محلّ لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿لِيَبْلُوَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ولكن أمركم بالقتال؛ ليبلو... إلخ، والجملة هذه معطوفة على جواب (لو)، لا محل لها مثلها.","vol":"9","page":73},{"text":"﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، ﴿قُتِلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف صلة. (لن): حرف ناصب. ﴿يُضِلَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن) والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4550\"></span><span id=\"aya-4551\"></span>﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦)﴾\nالشرح: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ:﴾ الضمير يعود إلى الذين قتلوا في سبيل الله، ومن المعلوم: أن المقتول لا يوصف بذلك، وفي ذلك أجوبة، فقال بعضهم: سيهدي من بقي منهم؛ أي: يحقق لهم الهداية، وهذا ضعيف. وقال ابن زياد: سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر؛ أي: بمعنى يوفقهم للجواب حينما يسألون في القبر. وقال أبو المعالي: وقد ترد الهداية، والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان، والطرق المفضية إليها، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين:\n ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ومنه قوله تعالى في الكافرين، والفاسدين المفسدين:\n ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ وهو فحوى قوله تعالى: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ وخذ ما يلي:\nقال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم، ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا. وقال محمد بن كعب القرظي: يعرفون بيوتهم؛ إذا دخلوا الجنة، كما تعرفون بيوتكم؛ إذا انصرفتم من الجمعة. وقال مقاتل: بلغنا: أن الملك الذي كان وكّل بحفظ عمله في الدنيا، يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرّفه كلّ شيء أعطاه الله تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة؛ دخل إلى منزله، وأزواجه، وانصرف الملك عنه، وقد ورد الحديث الصحيح بذلك:\nفعن أبي سعيد الخدري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا خلص المؤمنون من النار؛ حبسوا بقنطرة بين الجنّة والنار، يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتّى إذا هذّبوا، ونقّوا؛ أذن لهم في دخول الجنّة، والّذي نفسي بيده، إنّ أحدهم بمنزله في الجنة، أهدى منه بمنزله الّذي كان في الدّنيا» أخرجه البخاري.\nوقال ابن عباس﵄-: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أي: طيّبها لهم بأنواع الملاذ. مأخوذ من العرف، وهو الرائحة الطيبة. وطعام معرّف؛ أي: مطيّب، ورحم الله أبا تمام؛ إذ يقول: [الكامل] وإذا أراد الله نشر فضيلة... طويت أتاح لها لسان حسود\nلولا اشتعال النار فيما جاورت... ما كان يعرف طيب عرف العود","vol":"9","page":74},{"text":"الإعراب: ﴿سَيَهْدِيهِمْ:﴾ السين: حرف استقبال، وتسويف، وهي في حق الله تعالى تفيد تحقيق الوقوع، وتنفيذ الموعود. (يهديهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به ثان، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٧٠] من سورة (الزخرف). ﴿عَرَّفَها:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله يعود إلى (الله) أيضا. ﴿يُدْخِلُهُمُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، أو من الجنة، والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط، و«قد» قبلها مقدرة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4552\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: هذا وعد من العزيز الحكيم بأنه ينصر عباده المؤمنين؛ إن هم نصروا دينه، ونصروا نبيه بالأموال، والأرواح، والله لا يخلف وعده، فقد شرط ﷾ لنصره عباده المؤمنين ذلك، وإذا لم ينصروا دين الله؛ فكيف ينصرهم على أعدائهم؟! ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ أي: في الميدان؛ إذا التحم القتال، والتقى السنان بالسنان. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٥١] من سورة (غافر) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٤٠]: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. هذا؛ والمراد ب: (الأقدام) الذوات بتمامها، وعبّر بذلك؛ لأنّ الثبات، والتزلزل يظهران فيها، فهو من التعبير بالجزء عن الكل مجازا.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محلّ له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من (أيها)، وانظر الاية رقم [١٣] من سورة (الحجرات)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَنْصُرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَنْصُرْكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنه مبتدأ مثل الجملة الندائية قبله. ﴿وَيُثَبِّتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يثبت): مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وانظر الاية رقم [٣٦] الاتية، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿أَقْدامَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.","vol":"9","page":75},{"text":"<span id=\"aya-4553\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ:﴾ فهلاكا، وعثارا، وانحطاطا. وهو نقيض لعا له، قال الأعشى: [البسيط] كلّفت مجهولها نفسي وشايعني... همّي عليها إذا ما آلها لمعا\nبذات لوث عفرناة إذا عثرت... فالتّعس أولى لها من أن يقال: لعا\nوقال ابن دريد في مقصورته-وهو الشاهد رقم [١٠٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] فإن عثرت بعدها إن وألت... نفسي من هاتا فقولا: لا لعا\nيقول الأعشى: كلفت نفسي سير المجهول من المفازة، وعاودني عزمي على سيرها وقت لمعان آلها، وهو السراب، الذي يرى عند شدة الحر، كأنه ماء، مع أن سير الهاجرة أشد من سير الليل، ثم قال: مع ناقة صاحبة قوة، ويطلق اللوث على الضعف أيضا، فهو من الأضداد.\nوعفرناة: غليظة، ويقال للعاثر: «لعا لك» دعاء له بالسلامة، والانتعاش، و«تعسا له» دعاء عليه بالسقوط يريد: أنها لا تعثر، ولو عثرت، فالدعاء عليها أحقّ بها من الدعاء لها، و«لعا» اسم فعل ماض. هذا؛ وقد تعس بفتح العين يتعس تعسا، وأتعسه الله. قال مجمّع بن هلال: [الطويل] تقول وقد أفردتها من خليلها... تعست كما أتعستني با مجمّع\nومنه حديث أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «تعس عبد الدينار، والدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي؛ رضي، وإن لم يعط؛ سخط، تعس، وانتكس، وإذا شيك؛ فلا انتقش... إلخ». رواه البخاري. هذا؛ والخميصة: ثوب خز، ونحوه. شيك: أصابته شوكة. فلا انتقش: فلا خرجت الشوكة من رجله، ونحوها بالمنقاش. هذا؛ وفي قوله تعالى:\n (أضل أعمالهم) استعارة مكنية. فقد شبه أعمالهم الصالحة بالشيء الضائع في الأرض الفلاة، لا صاحب يحفظه، ويعتني به. أو بالماء الذي يضل في اللبن ويستهلك فيه، والمعنى: أنّ الكفار ضلت أعمالهم الصالحة في جملة أعمالهم السيئة من الكفر، والمعاصي، وحتى صار صالحهم مستهلكا في غمار سيئهم، ومقابله في المؤمنين: ستر الله لأعمالهم السيئة في كنف أعمالهم الصالحة من الإيمان، والطاعة؛ حتى صار سيئهم مكفرا ممحقا في جنب صالح أعمالهم.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذين): مبتدأ. وجوز القرطبي نصبه على الاشتغال بفعل محذوف. ورده ابن هشام بقوله: لأنّ ﴿لَهُمْ﴾ ليس متعلقا بالمصدر، وقال مكي: ويجوز في الكلام الرفع على الابتداء، و﴿لَهُمْ﴾ الخبر، والجملة خبر عن","vol":"9","page":76},{"text":"(الذين). انتهى. ولكن لم يقرأ بالرفع، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَتَعْسًا:﴾ الفاء: حرف صلة. (تعسا): مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير:\nفتعسوا تعسا. وهذه الجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (تعسا)، مثل: سقيا لك.\n ﴿وَأَضَلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أضل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾\nمفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ لا محلّ لها على الاعتبارين في الواو.\n\n<span id=\"aya-4554\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ﴾ أي: ذلك الإضلال، والإتعاس. ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: القرآن وما فيه من التكاليف، والأحكام؛ لأنهم ألفوا الإهمال، وإطلاق العنان في الشهوات، والملاذ، فشقّ عليهم ذلك، وتعاظمهم. ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: أبطل ثواب أعمالهم؛ التي عملوها من عمارة مسجد، وقرى ضيف، وصلة رحم؛ لأنّ عمل الخير لا يقبل إلاّ إذا قرن بالإيمان.\nهذا؛ و«حبط» الثلاثي لازم، و«أحبط» الرباعي متعد بالهمزة. وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب حبطا بالسكون، وحبوطا: فسد، وهدر. وحبط، يحبط من باب:\nضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ. وحبط دم فلان حبطا من باب: تعب: هدر، وأحبطت العمل، والدم بالألف: أهدرته. وفي مختار الصحاح: والحبط بفتحتين أن تأكل الماشية، فتكثر، حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها. وقيل: هو أن ينتفخ بطنها عن أكل الذرق، وهو الحندقوق، وفي الحديث الشريف: «إنّ ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ».\nانتهى. واسم هذا الداء: حباط.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير:\nفعل الله بهم ذلك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كَرِهُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: كرهوا الذي، أو شيئا أنزله الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ على الوجه الأول في ذلك، أو هما متعلقان بالفعل المحذوف، على الوجه الثالث فيه، أو متعلقان بمحذوف حال","vol":"9","page":77},{"text":"من ذلك على الوجه الثاني فيه، وجملة: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ معطوفة على جملة: ﴿كَرِهُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-4555\"></span>﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ أي: أفلم يمش كفار مكة في نواحي الأرض، وجهاتها؛ ليروا مصارع الأمم؛ التي كذبت رسلها، وما حلّ بها من الهلاك، والدمار، فيعتبروا بهم؟! وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذبين، وللفاسقين الظالمين بأن الله سيهلكهم كما أهلك من قبلهم، فهو حض؛ لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم، وآثارهم: كيف أهلكهم الله بذنوبهم، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١] وغيرها كثير: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. هذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، وماله، ولم يؤنث الفعل ﴿كانَ﴾ لأنّ (عاقبة) مؤنث مجازي وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث للفعل، أو لأن (عاقبة) اكتسب التذكير من المضاف إليه. وهذا باب من أبواب النحو. انظر الشاهد رقم [٩٠١] وما بعده من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: دمر الله عليهم ما اختصّ بهم من أنفسهم، وأموالهم، وأولادهم، وكل ما كان لهم. هذا؛ ودمّره: أهلكه، ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به. ﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها:﴾\nالضمير يعود إلى العاقبة المذكورة، أو للهلكة؛ لأنّ التدمير يدلّ عليها، أو للسنة لقوله ﷿:\n ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾. هذا؛ و﴿أَمْثالُها﴾ جمع: مثل بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله: مثيل، وشبه، وشبيه. وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير ونحوه من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى في سورة (المؤمنون) حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في مواضعه، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في الاية الكريمة، ونحوها. والثاني: بمعنى نفس الشيء وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم؛ حيث قال: المعنى ليس كذاته شيء. الثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي بما آمنتم به، وانظر شرح: (مثل) برقم [٣].\nالإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على مقدر؛ أي: أعجزوا فلم... إلخ؟. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾\nفعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها على","vol":"9","page":78},{"text":"الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، وهو منصوب على اعتبار الفاء للسببية، و«أن» مضمرة بعدها، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا يؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر، معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، ويكون التقدير: فهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم؟! هذا؛ ومثل هذه الاية في جواز اعتبار الفعل مجزوما، أو منصوبا بعد الفاء قول زهير بن أبي سلمى المزني-وهو الشاهد رقم [١٦٧] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] ومن لا يقدّم رجله مطمئنّة... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق\n ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرت:\n ﴿كانَ﴾ تامة فالمعنى لا يأباه، ويكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من:\n ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل ﴿كانَ،﴾ وهي بمعنى: حدث، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدّت مسدّ مفعول الفعل قبلها. ﴿دَمَّرَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر، أو ل: ﴿كَيْفَ﴾ المذكورة. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلِلْكافِرِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (للكافرين):\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَمْثالُها:﴾ مبتدأ مؤخر، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال؛ فلست مفندا.\n\n<span id=\"aya-4556\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ﴾ أي: الإهلاك، والذل، والهوان. ﴿بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ وليهم وناصرهم، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤] شرح: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ففيها الكفاية. ﴿وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أي: لا ناصر لهم، ولا معين لهم، يدفع عنهم العذاب، وهذا لا يخالف قوله تعالى في الاية رقم [٦٢] من سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ..﴾. إلخ فإن المولى فيه بمعنى: المالك، كما يأتي المولى بمعنى: الحليف، والصديق، وابن العم. وانظر ما ذكرته في سورة (الدخان) رقم [٤١].\nالإعراب: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ:﴾ هو مثل الاية رقم [٩] إعرابا، وتأويلا. ﴿مَوْلَى:﴾ خبر: (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿مَوْلَى﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول","vol":"9","page":79},{"text":"مبني على الفتح في محل جر بالإضافة وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ اسم:\n (أنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿مَوْلَى:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ما قبله، فهو في محل جر مثله.\n\n<span id=\"aya-4557\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ يعني: في الدنيا بشهواتها ولذاتها. ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ﴾ يعني: ليس لهم همة إلا بطونهم، وفروجهم، وهم مع ذلك لاهون ساهون عما يراد بهم في غدهم، ولهذا شبههم بالأنعام؛ لأن الأنعام لا عقل لها، ولا تمييز، وكذلك الكافر لا عقل له، ولا تمييز؛ لأنه لو كان له عقل ما عبد ما يضره، ولا ينفعه. قيل: المؤمن في الدنيا يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع، وإنما وصف الكافر بالتمتع؛ لأنها جنته، وهي سجن المؤمن بالنسبة إلى ما أعده الله له في الاخرة من النعيم العظيم الدائم. ﴿وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ أي: مقام، ومنزل. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «المسلم يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». رواه مالك، والبخاري، ومسلم، وغيرهم.\nهذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتع واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام! هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وإزار، وملحفة، قال تعالى في سورة (البقرة):\n ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ والأنعام: ما يؤكل من البهائم من بقر، وغنم، وما عز، وإبل.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُدْخِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وانظر الاية رقم [٧٠] من سورة (الزخرف). وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿جَنّاتٍ:﴾\nمفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة:","vol":"9","page":80},{"text":"﴿يُدْخِلُ..﴾. إلخ، في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية هذه لا محلّ لها؛ لأنها مستأنفة، أو ابتدائية. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.\n ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل: ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يَتَمَتَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿وَيَأْكُلُونَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية.\n ﴿تَأْكُلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأَنْعامُ:﴾ فاعل، و(ما) المصدرية، والفعل: ﴿تَأْكُلُ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، يقع مفعولا مطلقا، التقدير: يأكلون أكلا مثل أكل الأنعام، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٣٥] من سورة (الأحقاف)، والجملة الاسمية: (الذين كفروا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n (النار): مبتدأ. ﴿مَثْوىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَثْوىً﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4558\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾\nالشرح: قال قتادة، وابن عباس﵄-: لما خرج النبي ﷺ من مكة إلى الغار في ليلة الهجرة؛ التفت إلى مكة، وقال: «اللهمّ أنت أحبّ البلاد إلى الله، وأنت أحبّ البلاد إليّ، ولولا المشركون أهلك أخرجوني؛ لما خرجت منك» فنزلت الاية. ذكره الثعلبي. وهو حديث صحيح. انتهى. قرطبي. وهذا ينفي ما ذكرته في المقدمة من أنّ الاية نزلت بعد حجة الوداع، وهو المعتمد، وذكره السيوطي في أسباب النزول.\n ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية، فلذا جمع الضمير فيما يأتي. ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمراد ب: ﴿قَرْيَتِكَ﴾ مكة المكرمة. ﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ:﴾ أخرجك أهلها منها، وكان ذلك بالهجرة منها إلى المدينة المنورة. ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: بأنواع البلاء والهلاك الذي نزل بالأمم السابقة؛ التي كذبت رسلها. ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ أي: من العذاب، والهلاك، وهذه الجملة جارية مجرى الحال المحكية، كأنه قال: أهلكناهم، فهم لا ينصرون.\nهذا؛ و(كأيّن) أصلها: أيّ الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم، مثل: كم، وكذا، وفيها خمس لغات، كلها قرئ","vol":"9","page":81},{"text":"بها: إحداها: كأيّن، وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلاّ ابن كثير. والثانية: كائن بوزن كاعن، وبها قرأ ابن كثير، وجماعة، وهي أكثر استعمالا من (كأين) وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشعر العربي. والثالثة: (كئين) بوزن: كريم. الرابعة: (كيئن) بياء ساكنة وهمزة مكسورة.\nالخامسة: (كأن) بوزن: كفن. هذا؛ والجلال المحلي اعتبر كأيّن بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ-رحمه الله تعالى-سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كأين): اسم كناية بمعنى: كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز السمين اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز ل: (كأيّن) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل جر على اللفظ، أو في محل نصب على المحل صفة: ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز. ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿قَرْيَتِكَ﴾. ﴿أَخْرَجَتْكَ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: (كأين)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. هذا؛ وعلى اعتبار (كأين) مفعولا به فالجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها مفسرة، وعليه تكون جملة «أهلكنا كأين» المقدرة فعلية لا اسمية. ﴿فَلا:﴾\nالفاء: حرف تعليل. (لا ناصر لهم) إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿لا مَوْلى لَهُمْ﴾ في الاية رقم [١١] وهي هنا تعليلية، أو معطوفة، لا محلّ لها من الإعراب\n\n<span id=\"aya-4559\"></span>﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على ثبات، ويقين، وهدى، ونور من دينه، وهو محمد ﷺ والمؤمنون معه. ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ:﴾ وهذا هو الكافر أبو جهل، ومن حذا حذوه من الضالين المضلين من يومه إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة. والمزين في الحقيقة هو الله تعالى عند أهل السنة، والجماعة، وليس للشيطان إلاّ الوسوسة، وهذا بخلاف رأي المعتزلة. انظر ما ذكرته في سورة (غافر) رقم [٣٧] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي: ما تزينه لهم نفوسهم من الكفر، والمعاصي، والسيئات. هذا؛ وقد روعي لفظ (من) في: ﴿رَبِّهِ﴾ ﴿لَهُ﴾ ﴿عَمَلِهِ،﴾ وروعي معناها بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ وانظر الاية رقم [١٨] من سورة (الجاثية).","vol":"9","page":82},{"text":"الإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام داخلة على مقدر محذوف، يقتضيه المقام، التقدير: أليس الأمر كما ذكر فمن كان مستقرا على حجة ظاهرة، وبرهان بيّن كمن زيّن له... إلخ. الفاء: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: (من)، وهو العائد. ﴿عَلى بَيِّنَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و(من): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.\n ﴿زُيِّنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سُوءُ:﴾ نائب فاعل:\n ﴿زُيِّنَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، و﴿سُوءُ﴾ مضاف، و﴿عَمَلِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والكلام ﴿أَفَمَنْ..﴾. إلخ، مستأنف، لا محل له. ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾\nالواو: حرف عطف. (اتبعوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. هذا؛ ومثل الاية في إعرابها الاية رقم [١٩] من سورة (الرعد).\n\n<span id=\"aya-4560\"></span>﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفة الجنة، التي هي مثل في الغرابة. ووقوع المثل بمعنى الصفة موجود في قوله تعالى في آخر سورة (الفتح): ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ وأنكر أبو علي الفارسي المثل بمعنى الصفة، وقال: إنما معناه: الشبه، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه، ومتصرفاته، كقولك: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شبهك.\nوقال الفراء: المثل مقحم للتوكيد. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ جمع: متق، وهو من لم يفعل كبيرة، ولم يصرّ على صغيرة. هذا؛ ولما بين الله ﷿ حال الفريقين في الاهتداء، والضلال؛ بين في هذه الاية ما أعدّ لكل واحد من الفريقين من الجزاء؛ الذي يستحقه في الاخرة.\n ﴿فِيها أَنْهارٌ:﴾ جمع نهر، وقد قسمها العلي القدير، وبينها أربعة أنواع:\nالنوع الأول: ﴿أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي: غير متغير، ولا منتن، يقال: أسن الماء، وأجن:\nإذا تغير طعمه، وريحه، ولونه، وقرئ: «(أسن)» بالقصر، وأنشدوا ليزيد بن معاوية. [البسيط] لقد سقتني رضابا غير ذي أسن... كالمسك فتّ على ماء العناقيد","vol":"9","page":83},{"text":"النوع الثاني: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي: لم يحمض بطول المقام، كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة، فلا يعود قارصا، ولا حاذرا، ولا ما يكره من الطعوم.\nالنوع الثالث: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي: لم تدنسها الأرجل ولم ترنّقها الأيدي، كخمر الدنيا، فهي لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا يتكرّهها الشاربون. والمعنى: ما فيها إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل، ولا خمار، ولا صراع، ولا آفة من آفات الخمر الموجودة في الدنيا. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ رقم [٤٧].\nالنوع الرابع: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أي: من الشمع، والقذى، خلقه الله كذلك، لم يطبخ على نار ولا دنسه النحل، بل هو خالص صاف من جميع شوائب عسل الدنيا. هذا؛ و(العسل) يذكر، ويؤنث. انظر كتب اللغة.\nفعن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «إنّ في الجنّة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللّبن، وبحر الخمر، ثمّ تشّقّق الأنهار بعد». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة﵁قال، قال رسول الله ﷺ: «سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، كلّ من أنهار الجنّة». رواه مسلم. قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم: فأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة ففيه تأويلان: أحدهما: أن الإيمان عم بلادها، أو الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة. الثاني-وهو الصحيح-: أنها على ظاهرها، وأن لها مادة من الجنة، فالجنة مخلوقة موجودة اليوم. هذا مذهب أهل السنة. انتهى. خازن بتصرف، وقريب منه في القرطبي، أما الزمخشري فلم يذكر في كشافه شيئا من ذلك؛ لأنه معتزلي.\nفإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في الخمر: ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ولم يقل في اللبن: لم يتغير طعمه للطاعمين، ولا قال في العسل: مصفى للناظرين؟ أجاب الرازي بأنّ اللذة تختلف باختلاف الأشخاص، فرب طعام يلتذ به شخص، ويعافه الاخر، فلذلك قال: لذة للشاربين بأسرهم، ولأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا، فقال: لذة؛ أي: لا يكون في خمر الاخرة كراهة طعم، وأمّا الطعم، واللون؛ فلا يختلفان باختلاف الناس، فإن الحلو، والحامض، وغيرهما يدركه كل أحد، لكن قد يعافه بعض الناس، ويلتذ به البعض مع اتفاقهم: أن له طعما واحدا، وكذلك اللبن، فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة. انتهى. جمل.\n ﴿وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ:﴾ في ذكر الثمرات بعد المشروب إشارة إلى أن مأكول أهل الجنة للذة، لا لحاجة، فلهذا ذكر الثمار بعد المشروب؛ لأنها للتفكه، واللذة. ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ:﴾\nفإن قلت: المؤمن المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة، فكيف يكون لهم فيها المغفرة، قلت:\nليس بلازم أن يكون المعنى: ولهم مغفرة فيها؛ لأنّ الواو لا تقتضي الترتيب، فيكون المعنى:\nولهم فيها من كل الثمرات، ولهم مغفرة قبل دخولهم إليها، وجواب آخر وهو أن المعنى: ولهم","vol":"9","page":84},{"text":"مغفرة فيها برفع التكاليف عنهم فيما يأكلون، ويشربون بخلاف الدنيا، فإن مأكولها يترتب عليه حساب، وعقاب، ونعيم الجنة لا حساب عليه، ولا عقاب فيه. انتهى. من الخازن.\n ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ﴾ يعني: من هو في هذا النعيم المقيم الدائم كمن هو في النار خالد فيها، يتجرع من حميمها، ويصلى سعيرها؟! وقال ابن كيسان: مثل هذه الجنة التي فيها الثمار، والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم؟! ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم؟!\n ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا:﴾ شديد الحر، قد استعرت عليه جهنم منذ خلقت؛ إذا دنا منهم؛ شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم (ف): إذا شربوه (قطع أمعاءهم) يعني: فخرجت من أدبارهم.\nوالأمعاء جمع: معى، وتثنيته: معيان، وهو جميع ما في البطن من الحوايا. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ الحميم ليصبّ على رؤوسهم، فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه؛ حتّى يمرق من قدميه، وهو الصّهر، ثمّ يعاد كما كان». أخرجه الترمذي، والبيهقي. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [١٩ و٢٠]: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. عن أبي أمامة﵁عن النبي ﷺ في قوله تعالى من سورة (إبراهيم) رقم [١٧]: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: يقرّب إلى فيه، فيكرهه، فإذا أدني منه؛ شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه؛ قطّع أمعاءه؛ حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾. رواه أحمد، والترمذي، وقال: حديث غريب. وهذه الاية من سورة (الكهف) رقم [٢٩] انظر شرح الايات في محالها تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْجَنَّةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿الْجَنَّةِ﴾. ﴿وُعِدَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾\nنائب فاعل مرفوع... إلخ، وهو المفعول الأول. والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: التي وعدها المتقون. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿أَنْهارٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَنْهارٌ﴾. ﴿غَيْرِ:﴾ صفة: ﴿ماءٍ،﴾ وهو مضاف، و﴿آسِنٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿فِيها..﴾. إلخ، في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَثَلُ﴾. واعترض هذا الإعراب بأن الخبر جملة، ولا رابط فيها يعود على المبتدأ، ويمكن أن يجاب بأن الخبر عين المبتدأ؛ لأن اشتمالها على أنها من كذا، وكذا صفة لها.\nوفي السمين: قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره مقدر، قدره النضر بن شميل: مثل الجنة ما تسمعون، ف: «ما تسمعون خبره» و﴿فِيها أَنْهارٌ﴾ مفسر له، وقدره","vol":"9","page":85},{"text":"سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، والجملة بعدها أيضا مفسرة للمثل. الثاني: أن ﴿مَثَلُ﴾ زائدة، تقديره: الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار. الثالث: أنّ ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ، والخبر قوله: ﴿فِيها أَنْهارٌ﴾ وهذا ينبغي أن يمتنع؛ إذ لا عائد من الجملة إلى المبتدأ، ولا ينفع كون الضمير عائدا إلى ما أضيف إليه المبتدأ. الرابع: أنّ ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ﴾ فقدره ابن عطية: أمثل أهل الجنة، كمن هو خالد؟! فقدّر حرف الإنكار، ومضافا؛ ليصح. وقدّره الزمخشري: كمثل جزاء من هو خالد؟! والجملة من قوله: ﴿فِيها أَنْهارٌ..﴾. إلخ، على هذا فيها ثلاثة أوجه: أحدها: هي حال من ﴿الْجَنَّةِ﴾ أي: مستقرة فيها أنهار. الثاني: أنها خبر لمبتدأ مضمر؛ أي: هي فيها أنهار. كأنّ قائلا قال: ما مثلها، فقيل: فيها أنهار. الثالث:\nأن يكون من تكرير الصلة؛ لأنها في حكمها. ألا ترى أنه يصح قولك: التي فيها أنهار، وإنما عرّي من حرف الإنكار. انتهى. جمل بحروفه. وأنت ترى أن الإعراب الأول أسهل، وأخصر.\n ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ:﴾ معطوف على سابقه، وهو مثله في إعرابه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتَغَيَّرْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿طَعْمُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿لَبَنٍ﴾. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ:﴾ معطوف أيضا على سابقه. ﴿لَذَّةٍ:﴾\nقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي: قرئ بالحركات الثلاث، فالجر على أنه صفة (الخمر)، والرفع على أنه صفة (الأنهار)، والنصب على أنه مفعول لأجله. ﴿لِلشّارِبِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿لَذَّةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.\n ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مبتدأ محذوف، التقدير: ولهم فيها أصناف من كل الثمرات. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مِنْ﴾ صلة، و﴿كُلِّ﴾ مبتدأ مؤخرا، فهو مجرور لفظا مرفوع محلا، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. وإن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها؛ فلا محلّ لها. ﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ معطوف على المبتدأ في الجملة السابقة على الاعتبارين فيه؛ أي: المقدار، أو المذكور. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب: (مغفرة)، أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\nهذا؛ وأجيز اعتبار (مغفرة) مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: ولهم مغفرة، فيكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها.\n ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أيضا، التقدير: أمن هو في هذا النعيم كمن... إلخ. انتهى. جلال. وقدره الكواشي: أمثل هذا الجزاء الموصوف كمثل جزاء من هو خالد في النار؟! وهو مأخوذ من اللفظ فهو أحسن. وقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ خبره: ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ﴾ وما بينهما اعتراض. وقال أبو البقاء: الكاف في موضع رفع؛ أي: حالهم كحال من","vol":"9","page":86},{"text":"هو خالد في الإقامة الدائمة. وقيل: هو في موضع نصب؛ أي: يشبهون من هو خالد فيما ذكرناه.\nوكلا القولين لم يقل بهما أحد، وقد أغرب القرطبي حيث قال: ﴿كَمَنْ﴾ بدل من قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾. ولو قال: بدل من قوله: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ لكان أقرب إلى الصواب.\n ﴿هُوَ خالِدٌ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿فِي النّارِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿خالِدٌ﴾ لأنه اسم فاعل؛ لذا فاعله مستتر فيه. ﴿وَسُقُوا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (سقوا): فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ماءٍ:﴾ مفعول به ثان. ﴿حَمِيمًا:﴾ صفة: ﴿ماءٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَقَطَّعَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قطع): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ماءٍ﴾.\n ﴿أَمْعاءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة الصلة، فهو عطف صلة فعلية على صلة اسمية، وفي المعطوف مراعاة معنى (من) وفي المعطوفة عليه مراعاة لفظها.\n\n<span id=\"aya-4561\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ أي: من هؤلاء الذين يتمتعون، ويأكلون، كما تأكل الأنعام، وزين لهم سوء عملهم قوم يستمعون إليك، وهم المنافقون، كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة، فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها؛ أعرضوا عنه، فإذا خرجوا؛ سألوا عنه. قاله الكلبي، ومقاتل. وقيل: كانوا يحضرون عند رسول الله ﷺ مع المؤمنين، فيستمعون منه ما يقول، فيعيه المؤمن، ولا يعيه الكافر. انتهى. قرطبي. والخطاب للنبي ﷺ.\n ﴿حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: إذا فارقوا مجلسك. ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: لعلماء الصحابة-منهم: ابن مسعود، وابن عباس-استهزاء، وسخرية. ﴿ماذا قالَ﴾ أي: الرسول ﷺ؟ ﴿آنِفًا:﴾ يقرأ بمد الهمزة، وقصرها لغتان بمعنى واحد، وهما اسما فاعل، كحاذر وحذر، وآسن، وأسن؛ إلاّ أنه لم يستعمل لهما فعل مجرد، بل المستعمل: ائتنف، يأتنف، واستأنف، يستأنف. والائتناف، والاستئناف: الابتداء، قال الزجاج: هو من: استأنفت الشيء: إذا ابتدرته، ومعنى: ﴿آنِفًا:﴾ سالفا. أو المعنى: ماذا قال في أول وقت يقرب منا.\nهذا؛ وأنف الثلاثي بمعنى: كره الشيء، وأنف من العار: ترفع، وتنزه عنه. ومنه: أمر أنف، وروضة أنف؛ أي: لم يرعها أحد. وكأس أنف؛ إذا لم يشرب منها شيء. قال لقيط بن زرارة: [الرجز] إنّ الشّواء والنشيل والرّغف... والقينة الحسناء والكأس الأنف","vol":"9","page":87},{"text":"وأنف كل شيء: أوله، بل وأعلاه، قال الحطيئة في مدح آل بغيض بن شماس: [البسيط] قوم هم الأنف والأذناب غيرهم... ومن يساوي بأنف النّاقة الذّنبا؟!\n ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر، وهم المنافقون. ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ المعنى:\nختم عليها؛ إذا الطبع الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، وإذا طبع على قلب إنسان؛ فلا تؤثر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة.\nقال تعالى في كثير من الايات: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ والطبع: السجية، والخلق الذي طبع عليه الإنسان، والطبيعة مثله، وجمع الأول: طباع، وجمع الثاني: طبائع. هذا؛ والطبع: تدنس العرض، وتلطخه. يقال: طبع السيف: إذا دخله الجرب من شدة الصدأ، وطبع الرجل، فهو طبع: إذا أتى عيبا، يقال: نعوذ بالله من طمع؛ يدني إلى طبع؛ أي: إلى دنس. قال ثابت بن قطنة: [البسيط] لا خير في طمع يدني إلى طبع... وغفّة من قوام العيش تكفيني\nهذا؛ وقال قتادة في هؤلاء المنافقين: الناس رجلان: رجل عقل عن الله، فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل، ولم ينتفع بما سمع. وكان يقال: الناس ثلاثة: فسامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [١٢]. هذا؛ وقد روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ في فاعل يستمع ومعناها في الضمائر الباقية في الاية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب الظاهر، والمتعارف عليه في مثل هذا التركيب، والأصح: أنّ مضمون الجار والمجرور: (منهم) مبتدأ، و﴿مَنْ﴾ هي الخبر؛ لأنّ (من) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: فبعض المنافقين يستمع إليك، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف: (أكثرهم) على ﴿مِنْهُمْ﴾ يؤيد: أن معناه: بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضم حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث: جمع ليث، وهو السبع. لا ترام: لا تقصد، قمشت: جمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. ﴿يَسْتَمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها على اعتبارها نكرة موصوفة. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ، مستأنفة لا محلّ لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش جارة ل: ﴿إِذا﴾ وهو ضعيف. ﴿إِذا:﴾","vol":"9","page":88},{"text":"انظر الاية رقم [٤]. ﴿خَرَجُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿مِنْ عِنْدِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى النبي ﷺ. ﴿آنِفًا:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الحال، فقدره أبو البقاء: ماذا قال موئنفا؟ وقدره غيره مبتدئا. والثاني: أنه منصوب على الظرف؛ أي: ماذا قال الساعة؟ قاله الزمخشري، وأنكره الشيخ. قال: لأنا لم نعلم أحدا عدّه من الظروف. انتهى. جمل. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي قاله آنفا؟ والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، جواب: ﴿إِذا،﴾ لا محلّ لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿طَبَعَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (اتبعوا): ماض، وفاعله. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4562\"></span>﴿وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ أي: والذين قصدوا الهداية؛ وفقهم الله تعالى لها، فهداهم إليها، وثبتهم عليها، وزادهم منها. ﴿وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ أي: ألهمهم رشدهم، وأعطاهم ثواب أعمالهم الصالحة. قال الخازن: -رحمه الله تعالى-: لما بين الله: أن المنافق يسمع، ولا ينتفع، بل هو مصر على متابعة الهوى؛ بيّن حال المؤمن المهتدي؛ الذي ينتفع بما يسمع، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ بهداية الله إياهم إلى الإيمان.\nهذا؛ والفعل «زاد» ضد نقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في هذه الاية، وقولك: زاد الله خالدا خيرا بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك:\nزاد المال درهما، والبر مدا، فدرهما، ومدا تمييز، ومثله قل في: نقص، فمن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.","vol":"9","page":89},{"text":"أما ﴿هُدىً﴾ فأصله: هديا، أو هدي بضم الهاء وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿هُدىً﴾ وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء الأصلية المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: هدا فلا يوجد ما يدلّ عليها، وقل مثل هذا في كل اسم مقصور جرّد من: «أل» والإضافة، ونون.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ. ﴿اِهْتَدَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿زادَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به أول، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى (الله). ﴿هُدىً:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَآتاهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتاهم):\nفعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله أيضا، والهاء مفعول به أول، ﴿تَقْواهُمْ:﴾ مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-4563\"></span>﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني: الكافرين، والمنافقين الذين قعدوا عن الإيمان بالله، ورسوله، وكتابه، فلم يؤمنوا، فالساعة تأتيهم بغتة تفجؤهم، وهم على كفرهم، ونفاقهم. فيه وعيد، وتهديد، والمعنى: لا ينتظرون إلاّ الساعة، والساعة آتية لا محالة. وسميت القيامة ساعة لسرعة قيامها. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٦١ و٦٦] من سورة (الزخرف) وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «بادروا بالأعمال سبعا: فهل تنتظرون إلاّ فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مقعدا، أو موتا مجهزا، أو الدجّال؛ فشرّ غائب ينتظر، أو الساعة؛ والساعة أدهى وأمرّ». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. هذا؛ والبغت: الفجأة، قال الشاعر: [الطويل] ولكنّهم بانوا ولم أدر بغتة... وأعظم شيء حين يفجؤك البغت\n ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ أي: أماراتها، وعلاماتها، واحدها: شرط، وأصله: الأعلام، ومنه قيل: الشّرط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، ومنه الشّرط في البيع، وغيره، قال أبو الأسود الدؤلي: [الطويل]","vol":"9","page":90},{"text":"فإن كنت قد أزمعت بالصّرم بيننا... فقد جعلت أشراط أوّله تبدو\nولما كان قيام الساعة أمرا مستبطأ في النفوس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ فكأن قائلا قال: متى يكون قيام الساعة؟ فقال تعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ ومن أشراط الساعة: انشقاق القمر، وبعثة الرسول ﷺ، كما رأيت في الاية رقم [١٧] من سورة (الشورى) وخذ ما يلي:\nفعن أنس﵁قال عند قرب وفاته: ألا أحدثكم حديثا عن النبي ﷺ؛ لا يحدثكم به أحد غيري، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم السّاعة، أو قال: من أشراط السّاعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنى، ويذهب الرجال، ويبقى النساء حتّى يكون لخمسين امرأة قيّم». متفق عليه. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ من أشراط السّاعة أن يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويبقى الشحّ، ويكثر الهرج». قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل». متفق عليه.\nوعن أبي هريرة﵁قال: بينا رسول الله ﷺ في مجلس يحدّث القوم؛ إذ جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه؛ قال: «أين السائل عن السّاعة؟». قال:\nها أنذا يا رسول الله قال: «إذا ضيّعت الأمانة؛ فانتظر السّاعة». قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسّد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة». رواه البخاري. هذا؛ ويروى عن الكلبي: أنه قال: كثرة المال، والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام.\n ﴿فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ يعني: فمن أين لهم التذكر، والاتعاظ، والتوبة إذا جاءتهم الساعة بغتة؟! وقيل: معناه كيف يكون حالهم إذا جاءتهم الساعة بغتة؟! فلا تنفعهم الذكرى، ولا تقبل منهم التوبة، ولا يعتدّ بالإيمان في ذلك الوقت. انتهى. خازن، ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (الفجر): ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾. هذا؛ وقرئ: «(إن)» بكسر الهمزة أيضا على اعتبارها شرطية، وعليه فالوقف على (الساعة) تام. وانظر الإعراب. والله الموفق للحق، والصواب.\nالإعراب: ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام بمعنى النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿السّاعَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَأْتِيَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن»، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿السّاعَةَ،﴾ و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بدل اشتمال من: ﴿السّاعَةَ﴾. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال بمعنى: باغتة، أو هو مفعول مطلق، وانظر تفصيل ذلك في الاية رقم [٦٦] من سورة (الزخرف). هذا؛ وعلى اعتبار","vol":"9","page":91},{"text":"(إن) شرطية، فالفعل: ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ شرطها، وهو مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وعليه؛ فالجملة لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿أَشْراطُها:﴾ فاعله، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها تعليلية.\n ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: حرف استئناف على اعتبار (أن) مصدرية، وواقعة في جواب: (إن) على اعتبارها شرطية. (أنّى): اسم استفهام بمعنى: كيف، أو بمعنى: من أين، فهو مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر: ﴿ذِكْراهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿ذِكْراهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وأجيز تعليق: ﴿لَهُمْ﴾ بمحذوف خبر (أنّى) على اعتباره مبتدأ، واعتبار (أن) مصدرية، وفي محل جزم جوابها على اعتبارها شرطية. هذا؛ وقال السمين: ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفا؛ أي: أنّى لهم الخلاص؟ ويكون ذكراهم فاعلا ب: ﴿جاءَتْهُمْ﴾ ولا تنس أنّ (إذا)، ومدخولها كلام معترض، وجوابها محذوف، التقدير: كيف لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؛ فكيف يتذكرون؟\n\n<span id=\"aya-4564\"></span>﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وأورد على هذا: أنه ﷺ كان عالما بالله، وأنه لا إله إلا هو؛ فما فائدة هذا الأمر؟ وأجيب عنه: بأن معناه: دم على ما أنت عليه من العلم. فهو كقول القائل للجالس: اجلس؛ أي: دم على ما أنت عليه من الجلوس، أو يكون معناه: ازدد علما إلى علمك. وقيل: إن هذا الخطاب، وإن كان للنبي ﷺ، فالمراد به غيره من أمته. انتهى. خازن.\n ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: يحتمل وجهين: أحدهما: يعني:\nاستغفر الله أن يقع منك ذنب. الثاني: استغفر الله ليعصمك من الذنوب. انتهى. أقول: وعليه فالمعنى عليها استعذ بالله، واعتصم به، والتجئ إليه. وقيل: لما ذكر له حال الكافرين، والمؤمنين أمره بالثبات على الإيمان؛ أي: اثبت على ما أنت عليه من التوحيد، والإخلاص، والحذر عمّا تحتاج معه إلى استغفار. وقيل: كان ﷺ يضيق صدره من كفر الكافرين، والمنافقين، فنزلت الاية: أي فاعلم: أنه لا كاشف يكشف ما بك إلاّ الله، فلا تعلق قلبك بأحد سواه. وقيل: أمر بالاستغفار؛ لتقتدي به الأمة. وقيل: الخطاب له، والمراد به الأمة. انظر ما","vol":"9","page":92},{"text":"ذكرته في الاية رقم [١٠٦] من سورة (النساء)، وفي الاية رقم [٤٣] من سورة (التوبة) من جواب للرد على من يرى جواز صدور الذنب من النبي ﷺ، وانظر أول سورة (الفتح) الاتية.\nولا يفوتني أن أذكر: أن الرسول ﷺ كان يكثر من الاستغفار تعليما لأمته، فعن أبي هريرة -﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّي لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم سبعين مرّة». رواه البخاري، وفي رواية: «أكثر من سبعين مرة». وفي الصحيح أيضا: أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي! اللهمّ اغفر لي هزلي، وجدّي، وخطئي، وعمدي! وكل ذلك عندي»، وفي الصحيح أيضا أنه كان يقول في آخر الصلاة: «اللهمّ اغفر لي ما قدّمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي، لا إله إلاّ أنت». ولا تنس أن في أمر النبي ﷺ بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم.\nوكان ﷺ يحثّ أصحابه على الاستغفار، وهو تعليم لأمته إلى يوم القيامة، فعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إنّ داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار». رواه البيهقي. وعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وغير ذلك كثير.\n ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ أي: يعلم تصرفكم في نهاركم، ومستقركم في ليلكم، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٠]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٦]: ﴿*وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وعن ابن عباس﵄-: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الدنيا والاخرة. وقال السدي: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم.\nوقيل: متقلبكم من أصلاب الاباء إلى أرحام الأمهات، وبطونهن، ومثواكم في الدنيا، وفي القبور. والمعنى: أنه تعالى عالم بجميع أحوالكم، فلا يخفى عليه شيء منها، وإن دقّ وخفي.\nهذا؛ و(مثواكم) بمعنى: مقركم، ومقامكم، وهو مشتق من ثوى بالمكان: إذا أقام به، يثوي ثواء، وثويا، مثل مضى، يمضي، مضاء، ومضيّا، ولو كان من: أثوى؛ لكان: مثوى، وهذا يدلّ على أن ثوى هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد أثوى، وأنشد قول الأعشى من قصيدته التي نظمها في مدح النبي ﷺ: [الكامل] أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا\nوالأصمعي لا يعرف إلا ثوى، ويروي البيت (أثوى) على الاستفهام. وأثويت غيري يتعدى، ولا يتعدى. هذا؛ ومثوى بمعنى مأوى، والفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة","vol":"9","page":93},{"text":"عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو مؤقتا، وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٥١]: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ؛﴾ لأنه على الترتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي.\nالإعراب: ﴿فَاعْلَمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (اعلم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ انظر إعرابها في الاية رقم [٨] من سورة الدخان، والجملة الاسمية في محل خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (اعلم)، وجملة:\n (اعلم...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَاسْتَغْفِرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لِذَنْبِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من كاف الخطاب، وما عطف عليه؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ:﴾ مفعول به.\n ﴿وَمَثْواكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة.\n\n<span id=\"aya-4565\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: يقول المؤمنون الصادقون المخلصون:\nهلا... إلخ، وذلك أن المؤمنين كانوا حراصا على الجهاد في سبيل الله، فقالوا: هلاّ أنزلت سورة تأمرنا بالجهاد لكي نجاهد. ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ أي: لا نسخ فيها. قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد، فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين. وقيل لها: محكمة؛ لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال قد نسخ ما كان من الصفح، والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ﴾ أي: فرض فيها الجهاد، وشجعت عليه، ووعدت بالثواب العظيم للمجاهدين الصابرين. ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم؛ أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت واستعير هنا لما في","vol":"9","page":94},{"text":"قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: نظر مغموصين مغتاظين بتحديد، وتحديق، كمن يشخص بصره عند الموت، وذلك لجبنهم عن القتال جزعا، وهلعا ولميلهم في السرّ إلى الكفار. ﴿فَأَوْلى لَهُمْ:﴾ فيه وعيد، وتهديد، وهو معنى قولهم في التهديد: ويلك! وقاربك ما تكره! قال الشاعر: [الوافر] فأولى ثمّ أولى ثمّ أولى... وهل للدّرّ يحلب من مردّ؟!\nقال الأصمعي: معناه: قاربه ما يهلكه؛ أي: نزل به، وأنشد: [الوافر] فعادى بين هاديتين منها... وأولى أن يزيد على الثّلاث\nوانظر الشاهد رقم [٦٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وما يتعلق به. وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٣٤]. هذا؛ والمراد ب: ﴿سُورَةٌ﴾ في هذه الاية: الطائفة من القرآن؛ التي أقلها ثلاث آيات، منقولة من: سور المدينة؛ لأنها محيطة بطائفة من القرآن، محتوية على أنواع من العلم، احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة؛ لأنّ السور كالمراتب، والمنازل، يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول، والقصر، والفضل، والشرف، وثواب القراءة. قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل] ألم تر أنّ الله أعطاك سورة... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب\nوالحكمة في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة: منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف؛ كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا. ومنها أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى كان أنشط له، وأبعث على القراءة منه، لو استمرّ على القرآن بطوله، ومن ثمّ جزّئ القرآن أسباعا، وأجزاء، وعشورا، وأخماسا. ومنها: أن الحافظ إذا حفظ سورة، اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، لها فاتحة، وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجلّ في نفسه، ومنه حديث أنس﵁-: «كان الرجل إذا قرأ البقرة، وآل عمران جلّ فينا» أي: عظم. ولذا أنزل الله التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السور، وبوب المصنّفون في كل فنّ من كتبهم أبوابا موشحة الصّدور بالتراجم. انتهى.\nنسفي في غير هذه السورة بتصرف كبير مني.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقول): فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض، بمعنى هلاّ. ﴿نُزِّلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له. ﴿سُورَةٌ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ مستأنفة. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا):","vol":"9","page":95},{"text":"انظر الاية رقم [٤]. ﴿أُنْزِلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿سُورَةٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مُحْكَمَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿وَذُكِرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ذكر): ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف صلة الموصول، و﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا متعلق الجار والمجرور؛ فهو وجه صحيح، لا غبار عليه.\n ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الاسم الموصول، والرابط: الضمير فقط. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿رَأَيْتَ..﴾. إلخ، جواب (إذا)، لا محلّ لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿نَظَرَ:﴾ مفعول مطلق مبيّن للنوع، وهو مضاف، و﴿الْمَغْشِيِّ﴾ مضاف إليه، وهناك محذوفان؛ إذ التقدير: ينظرون نظرا مثل نظر المغشي. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (المغشيّ)، أو هما في محل رفع نائب فاعله؛ لأنه اسم مفعول. ﴿مِنَ الْمَوْتِ:﴾ متعلقان ب: (المغشيّ).\n ﴿فَأَوْلى:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (أولى): فعل ماض، أو اسم فعل ماض. قاله الأصمعي، والمبرد، معناه: قربه ما يهلكه، وفاعله مضمر يدل عليه السياق، كأنه قيل: فأولى هو. وقد ارتضى هذا الرأي ثعلب، فقال: لم يقل أحد في (أولى) أحسن مما قاله الأصمعي.\nوالأكثرون: أنها اسم، وعليه في إعرابه أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، خبره الجار والمجرور، التقدير: فالهلاك لهم. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: العقاب، أو الهلاك أولى لهم.\nوالثالث: أنه مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾ متعلقان به، واللام بمعنى الباء، و(طاعة) خبره، والتقدير: فأولى بهم طاعة دون غيرها. انتهى. سمين والجملة على الاعتبارين: الفعلية، والاسمية معطوفة على جواب: (إذا)، لا محلّ لها مثله.\n\n<span id=\"aya-4566\"></span>﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿طاعَةٌ﴾ أي: الطاعة، والامتثال لما يأمر الله به، والانصياع لما يطلب منهم خير لهم، وأجمل بهم، وأليق من المخالفة لأمر الله تعالى، وعدم الانصياع لأوامر الرسول ﷺ. ﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: كلام جميل، ولطيف، واعتذار مقبول كذلك خير لهم، وأولى","vol":"9","page":96},{"text":"بهم. ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جدّ القتال، أو وجب فرض القتال؛ كرهوه، وأمر الله ورسوله به؛ تبرموا به وأعرضوا عنه. وانظر ﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ في الاية رقم [٤٣] من سورة (الشورى).\n ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ﴾ أي: فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو: فلو صدقوا في إيمانهم، ووافقت قلوبهم فيه ألسنتهم. ومعنى الاية، وسابقتها: أن المؤمنين تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله، وأمر به، نكل عنه كثير من الناس، وهم المنافقون؛ الذين يجبنون عند ملاقاة الأعداء، فهو كقوله ﷿ في سورة (النساء) رقم [٧٧]: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿طاعَةٌ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه خبر: (أولى) على ما تقدم، الثاني: أنه صفة ل: ﴿سُورَةٌ﴾ ذكره مكي، وأبو البقاء. وفيه بعد لكثرة الفواصل. الثالث: أنه مبتدأ، و(قول) عطف عليه، والخبر محذوف، تقديره: أمثل بكم من غيرهما. وقدره مكي: منّا طاعة، فقدره مقدما. الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أمرنا طاعة. الخامس: أن ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، و﴿طاعَةٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والوقف، والابتداء يعرفان مما قدمته، فتأمل. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿مَعْرُوفٌ:﴾ صفة: (قول). ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الاية رقم [٤]. ﴿عَزَمَ الْأَمْرُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجوابها محذوف، قدره القرطبي: فكرهوه، وقدره أبو البقاء: فإذا عزم الأمر؛ فاصدق. وقيل: جوابها قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا﴾ نحو قولك: إذا جاءني طعام فلو جئتني؛ أطعمتك.\n ﴿فَلَوْ:﴾ الفاء: حرف عطف على تقدير جواب (إذا) محذوفا، وواقعة في جواب: (إذا) على اعتبار (لو) ومدخولها جوابا لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿صَدَقُوا:﴾\nماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو).\n (كان): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الصدق المفهوم من:\n ﴿صَدَقُوا﴾. ﴿خَيْرًا:﴾ خبر (كان). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرًا،﴾ وجملة: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ جواب (لو)، لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام لا محلّ له على الوجهين المعتبرين في الفاء. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-4567\"></span>﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ:﴾ يقرأ هنا وفي سورة (البقرة) رقم [٢٤٦] بكسر السين، وفتحها، والاستفهام ب: (هل) هنا للتقرير. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: «عسى» طمع،","vol":"9","page":97},{"text":"وترج، وتوقع، وذلك على الله محال؛ لأنه تعالى عالم بكل شيء، فما معناه؟ قلت: قال بعضهم: معناه: يفعل بكم فعل المترجي المبتلي. وقال بعضهم: معناه كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك. هذا؛ ولعل، وعسى، وسوف في مواعيد الملوك البشرية كالجزم بها، وإنما يطلقونها إظهارا لوقارهم، وإشعارا بأن الرمزة منهم كالتصريح من غيرهم، وعليه يجري وعد الله، ووعيده، بل هو أولى، وآكد إن شاء الله تعالى. ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: أعرضتم عن سماع القرآن، وفارقتم أحكامه ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وتعودوا إلى جاهليتكم. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-:\nكيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن؟! وقيل: هو من الولاية، وعليه فالمعنى: فهل عسيتم إن توليتم الحكم، فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا، والظلم، والمعاصي، وقطع الأرحام. وعن يعقوب:\n ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: إن تولاكم ظلمة؛ خرجتم معهم، وساعدتموهم في الإفساد، وقطيعة الرحم، وهذا على قراءة الفعل بالبناء للمجهول، وقد قرأ بها علي﵁-.\nهذا؛ و(الأرحام) جمع: رحم، وهو كل من يمتّ إليك بصلة القرابة من جهة الأب، أو الأم، وقد أكد الله حقها بهاتين الايتين، والرسول ﷺ رغّب في صلة الرحم، وحذّر من قطعها، فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله خلق الخلق؛ حتى إذا فرغ منهم قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى! قال: فذاك لك! ثمّ قال رسول الله ﷺ: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ..﴾. إلخ الايتين». رواه البخاري ومسلم.\nوالمعنى والله أعلم: أنّ الرحم لو كانت إنسانا يتكلم؛ لقال: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة! كما أنه لا يبعد أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة تعلق بالعرش، وتكلم على لسانها بذلك أمر الله تعالى. وسواء أكانت الرحم تستجير بالله من قطيعتها على لسان الملائكة أو بلسان الحال الذي هو أبلغ من لسان المقال في كثير من الأحوال، فإن المراد توجيه النفوس إلى مكانة ذوي الأرحام، والقيام بواجبها من البر، والصلة، والود، والوفاء، والحب، والمعاونة، وأنها عند الله تعالى بمكان عظيم؛ حيث استجارت به من القطيعة؛ التي يترتب عليها الحقد، والحسد، والعداوة، والبغضاء، والفساد في الأرض، كما هو مشاهد في بعض الأسر؛ التي مزّقت فيها أواصر الرحم المقدسة.\nالإعراب: ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿عَسَيْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومتعلقه محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب","vol":"9","page":98},{"text":"الشرط محذوف، لدلالة ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ عليه، أو هو نفس: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ عند من يرى تقديمه، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُفْسِدُوا﴾ في محل نصب خبر (عسى)، ولا بدّ من تحويل المصدر إلى اسم فاعل «مفسدين»؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، والجملة الشرطية معترضة بين اسم: (عسى) وخبرها، ومثل هذه الاية في إعرابها الاية رقم [٢٤٦] من سورة (البقرة). ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَتُقَطِّعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (تقطعوا): معطوف على:\n ﴿تُفْسِدُوا،﴾ فهو منصوب مثله، وعلامة نصبهما حذف النون؛ لأنهما من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿أَرْحامَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿عَسَيْتُمْ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4568\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى الذين قطعوا أرحامهم. ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ:﴾ طردهم من رحمته، وحرمهم من جوده، وفضله، وإحسانه. ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ أي: أذهب سمعهم. فلم يقل جلّت قدرته: فأصم آذانهم، كما قال: وأعمى أبصارهم، ولم يقل: وأعماهم؛ لأنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السماع، فلم يتعرض لها، والأعين يلزم من ذهابها ذهاب الأبصار، ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ أي: عن الحق. ﴿وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ أي: عن الحق، وأبعدهم عن الخير، فأتبع الله الأخبار بأن من فعل ذلك؛ حقّت عليه لعنته، وسلبه الانتفاع بسمعه، وبصره؛ حتى لا ينقاد للحق، وإن سمعه بأذنه، ورآه بعينه، فجعله كالبهيمة؛ التي لا تعقل، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨]: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الأعراف) رقم [١٧٩]: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وعن عبد الرحمن بن عوف﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﷿: «أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرّحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها؛ وصلته، ومن قطعها؛ قطعته، أو قال: بتتّه». رواه أبو داود، والترمذي. وعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه». رواه البخاري. وعن عائشة﵂عن النبي ﷺ قال: «الرّحم معلّقة بالعرش، تقول: من وصلني؛ وصله الله، ومن قطعني؛ قطعه الله». رواه البخاري، ومسلم. واللفظ له. وعن أبي بكرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدّنيا مع ما يدّخره له في الاخرة من البغي، وقطيعة الرّحم». رواه ابن ماجه، والترمذي؛ وقال: حديث حسن صحيح، والأحاديث في «الترغيب والترهيب» في ذلك كثيرة مشهورة ومسطورة.","vol":"9","page":99},{"text":"هذا؛ ولقد كرّر الله لعن الكافرين في الاية رقم [١٦١] من سورة (البقرة)، كما لعن الظالمين، والكاذبين، والناقضين للعهد، والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره، فقد استحق اللعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين، وأمّا الأحياء من الكفار؛ فقد قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعله يؤمن، ويموت على الإيمان، وقد قيد الله في آية البقرة إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشحوم، فجمّلوها، وباعوها».\nوذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله، وهو الصحيح، كيف لا؟ وقد لعن حسان بن ثابت﵁أبا سفيان وزوجه هندا قبل أن يسلما في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ خذ قوله: [الكامل] لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر\nوقد لعن الفاروق﵁أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، وغيرهم؛ الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك! فشق ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال: «إني أعطيتهم الأمان!». فقال الفاروق﵁-: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، كيف لا؟ وآية النور رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين، والرسول ﷺ لعن عبد الله بن أبي ابن سلول وبني قينقاع لمّا تشفع فيهم، وألحّ عليه، فقال ﷺ: «خلّوهم لعنهم الله، ولعنه معهم»؛ وقال له:\n «خذهم لا بارك الله لك فيهم». زيني دحلان. هذا؛ وقال بكر المزني: نزلت الايتان في الحرورية، والخوارج؛ وفيه بعد. وقال ابن حيان: نزلت في قريش. ونحوه قال المسيب بن شريك، والفراء؛ قالا: نزلت في بني أمية وبني هاشم. ودليل هذا التأويل ما روى عبد الله بن مغفل، قال سمعت النبي ﷺ يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ..﴾. إلخ ثم قال: «هم الحيّ من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس؛ ألاّ يفسدوا في الأرض، ولا يقطعوا أرحامهم». انتهى. قرطبي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ:﴾ انظر الاية رقم [١٦] فالإعراب لا يتغير. ﴿لَعَنَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَأَصَمَّهُمْ:﴾\nالفاء: حرف عطف. (أصمهم): فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها أيضا.","vol":"9","page":100},{"text":"<span id=\"aya-4569\"></span>﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي: يتفهمونه، فيعلمون ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام. أو المعنى: يتفكرون فيه، وفي مواعظه، وزواجره، وأصل التدبر: التفكر في عاقبة الشيء، وما يؤول إليه أمره. وتدبر القرآن لا يكون إلاّ مع حضور القلب، وجمع الهمّ وقت تلاوته. ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف، وخلوص النية. ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ أي: بل على قلوب أقفالها، أقفلها الله ﷿ عليهم، فهم لا يعقلون. وهذا يرد على القدرية، والإمامية، والمعتزلة مذهبهم، وفي حديث مرفوع: أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ عليها أقفالا كأقفال الحديد حتّى يكون الله يفتحها». وقال أبو معاذ: الرّين أن يسودّ القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرّين، والأقفال أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب.\nفإن قيل: قد أخبر الله تعالى بأنه أصمهم، وأعمى أبصارهم، فكيف يوبخهم على ترك التدبر، فهذا كقولك للأعمى: أبصر، وللأصم: اسمع؟! وقد أجيب بوجوه: الأول: أنّ التكليف بما لا يطاق جائز، وقد أمر الله من علم: أنّه لا يؤمن بالإيمان، فلذلك وبّخهم على ترك التدبر مع كونه أصمّهم، وأعمى أبصارهم، والله يفعل ما يريد.\nالثاني: أنّ قوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ راجع للناس، لا بقيد كونه أعماهم، وأصمّهم. الثالث:\nأن يقال: إنّ هذه الاية وردت محققة لمعنى الاية المتقدمة، كأنه تعالى قال: أولئك الذين لعنهم الله؛ أي: أبعدهم عنه، أو عن الصدق، أو الخير، أو غير ذلك من الأمور الحسنة، فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام، وأعماهم لا يبصرون طريقة الإسلام، فإذا هم بين أمرين: إما لا يتدبرون القرآن، فيبعدون عنه؛ لأنّ الله لعنهم وأبعدهم عن الخير، والصدق-والقرآن منهما، بل أشرف، وأعلى منهما-وإما يتدبرون، ولكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. هذا؛ وانظر شرح: ﴿أَفَلا﴾ في الاية رقم [٥١] من سورة (الزخرف).\nهذا؛ وتدبر القرآن: التأمل في معانيه، والتبصر بما فيه، وأصل التدبر: النظر في عواقب الأمور، والتفكر في أدبارها، ثم استعمل في كل تدبر، وتأمل. والتفكر: تصرف القلب بالنظر في الدلائل. وهذا يرد قول من زعم من الروافض: أنّ القرآن لا يفهم معناه إلاّ بتفسير الرسول ﷺ، والإمام المعصوم. هذا؛ وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: والله ما تدبّره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن، فما أسقطت منه حرفا، وقد أسقطه، والله كله! ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق، ولا عمل! وقال الزمخشري في كشافه:\nوتدبر الايات القرآنية: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات","vol":"9","page":101},{"text":"الصحيحة، والمعاني الحسنة؛ لأنّ من اقتنع بظاهر المتلو؛ لم يحل منه بكثير طائل، وكان مثله كمثل من له لقحة درور، لا يحلبها، ومهرة نثور، لا يستولدها. انتهى.\nهذا؛ وقد استدلّ بهذه الاية وأمثالها من يجيز التفسير بالرأي، والاجتهاد. قالوا: والتدبر، والتفكر، والتذكر لا يكون إلاّ بالغوص عن أسرار القرآن، والاجتهاد في فهم معانيه، فهل يعقل أن يكون تأويل ما لم يستأثر الله بعلمه محظورا على العلماء مع أنه طريق العلم، وسبيل المعرفة؟!. انتهى. علوم القرآن للصابوني.\nهذا؛ ولا تنس الاستعارة بقوله: ﴿عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ حيث شبّه قلوبهم بالصناديق المغلقة، واستعار لها شيئا من لوازمها، وهي الأقفال المختصة بها، لاستبعاد فتحها، واستمرار انغلاقها.\nالإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (لا): نافية، ﴿يَتَدَبَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿أَمْ:﴾\nحرف عطف بمعنى (بل). ﴿عَلى قُلُوبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَقْفالُها:﴾ مبتدأ مؤخر، و(ها): في محلّ جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4570\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ..﴾. إلخ: قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب، كفروا بالنبي ﷺ بعد ما عرفوا نعته عندهم، قاله ابن جريج. وقال ابن عباس، والضحاك، والسدي:\nهم المنافقون قعدوا عن القتال بعد ما علموه من القرآن. انتهى. أقول: وهو يعمّ كل من تبيّن له الهدى، ووضح الحق له، ثم هو ينحرف إلى الباطل، ولا سيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه العلوم، وظهرت فيه الدلائل على أحقية الإسلام، ولا سيما المسلمون؛ الذين ارتدوا عن الإسلام، ودخل الإلحاد في قلوبهم، وعشّش فيها، ولا يخلو بيت مسلم من هذا في هذا الزمن.\n ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي: زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وإلحادهم، وضلالهم. ﴿وَأَمْلى لَهُمْ:﴾ قرئ الفعل بضم الهمزة، وكسر اللام، وفتح الياء بالبناء للمجهول، بمعنى: أمهلوا، ومدّ لهم في العمر. وقراءة العامة بفتح الهمزة واللام، بمعنى: أملى لهم الشيطان بأن مدّ لهم في الأمل، قال الخازن-رحمه الله تعالى-:\nفإن قلت: الإملاء، والإمهال لا يكونان إلاّ من الله تعالى؛ لأنّه الفاعل المطلق، وليس للشيطان فعل قطّ على مذهب أهل السنة فما معنى القراءة؟ قلت: إن المسوّل، والمحلي هو الله","vol":"9","page":102},{"text":"تعالى في الحقيقة وليس للشيطان فعل، وإنما أسند ذلك إليه من حيث إن الله تعالى قدر ذلك على لسانه ويده، فالشيطان يمنّيهم، ويزين لهم القبيح، ويقول لهم: في آجالكم فسحة، فتمتعوا بدنياكم، ورياستكم إلى آخر العمر. انتهى. بحروفه. هذا؛ وقرئ الفعل بضم الهمزة وسكون الياء على أنه مضارع. هذا؛ واختار أبو عبيد قراءة العامة؛ قال: لأنّ المعنى معلوم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الإعراب يتضح لك المعنى.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿اِرْتَدُّوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿عَلى أَدْبارِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وليس بالوجه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْهُدَى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿ما﴾ المصدرية، والفعل: ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه.\n ﴿الشَّيْطانُ:﴾ مبتدأ. ﴿سَوَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الشَّيْطانُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ، لا محلّ لها لأنّها ابتدائية، أو مستأنفة.\n ﴿وَأَمْلى:﴾ الواو: حرف عطف. (أملى): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾.\n ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وهذه هي قراءة العامة، وعلى قراءة الفعل بالبناء للمجهول؛ فالجار والمجرور في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا لا محلّ لها. هذا؛ وعلى اعتباره مضارعا؛ فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وأنا أملي لهم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محلّ لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4571\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى التسويل، والإملاء. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بأن أهل الكتاب، أو المنافقين. ﴿قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ﴾ أي: وهم مشركو قريش، ومن حالفهم من قبائل العرب على الكفر، والضلال. ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ يعني: من التعاون على عداوة محمد","vol":"9","page":103},{"text":"ﷺ، وترك الجهاد معه، والقعود عنه، وكانوا يقولون ذلك سرا، فأخبر الله نبيه محمدا ﷺ خبرهم. هذا؛ وجزم أبو السعود بأن الكارهين ما نزل الله هم اليهود مع علمهم بأنه من عند الله تعالى حسدا وطمعا في نزوله عليهم وأنّ القائلين: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ هم المنافقون، كما حكى الله عنهم في سورة (الحشر): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا..﴾. إلخ، كما ستعرفه هناك إن شاء الله تعالى. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ:﴾ يقرأ بفتح الهمزة على أنه جمع سر، وبكسرها على أنه مصدر مثل قوله تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له... إلخ، وانظر باقي الإعراب في الاية رقم [٩] فهو مثله بلا فارق. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿قالُوا،﴾ وجملة: ﴿كَرِهُوا..﴾. إلخ، صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: كرهوا الذي نزّله الله. ﴿سَنُطِيعُكُمْ:﴾ السين: حرف استقبال. (نطيعكم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ... إلخ. ﴿فِي بَعْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿بَعْضِ﴾ مضاف، و﴿الْأَمْرِ﴾ مضاف إليه. والكلام: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ، مستأنف، لا محلّ له. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِسْرارَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الله...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿قالُوا﴾ فالمعنى لا يأباه، وعليه؛ فالرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4572\"></span>﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿فَكَيْفَ..﴾. إلخ أي: فكيف حالهم، أو كيف يعملون إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم، وتعاصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف، والقهر، والضرب؟! كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٠]: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٣]: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ..﴾.\nإلخ انظر شرح الايتين في محلهما.","vol":"9","page":104},{"text":"الإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فكيف حالهم، أو هو في محل نصب حال عامله فعل محذوف، التقدير: فكيف يصنع هؤلاء، أو كيف يعملون؟. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بمضمون المبتدأ، والخبر من هول الأمر وتعظيم الشأن، على الوجه الأول في: (كيف)، أو هو متعلق بالفعل المقدر على الوجه الثاني في: (كيف). ﴿تَوَفَّتْهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة؛ التي هي حرف لا محلّ له، والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿يَضْرِبُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿وُجُوهَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَدْبارَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أدبارهم): معطوف على ما قبله، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة، والكلام ﴿فَكَيْفَ..﴾. إلخ، مستأنف، لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-4573\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ﴾ أي: ذلك الضرب، والتوفي المذكور في الاية السابقة. ﴿بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هو كتمانهم ما في التوراة من نعت محمد ﷺ، وإن حملت على المنافقين فهو إشارة إلى ما أضمروا عليه من الكفر. ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ يعني: كرهوا ما فيه رضوان الله، ﷿، وهو الإيمان والطاعة، والجهاد مع رسول الله ﷺ.\n ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: إنّ اتباعهم ما أسخط الله، وكراهيتهم رضوانه أحبط أعمالهم؛ التي عملوها من أعمال البر؛ لأنها لم تكن لله، ولا لمرضاته.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا:﴾ انظر الإعراب في الاية رقم [٩] فهو مثله بلا فارق.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَسْخَطَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.\n ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملتان: ﴿وَكَرِهُوا..﴾. إلخ معطوفتان على جملة الصلة لا محلّ لهما مثلها، وإعرابهما واضح إن شاء الله تعالى.\n<span id=\"aya-4574\"></span>﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك، ونفاق، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٠]. ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ أي: يظهر أحقادهم على المؤمنين، فيبديها حتى يعرف","vol":"9","page":105},{"text":"المؤمنون نفاقهم، واحدها: ضغن، وهو الحقد الشديد. وقال ابن عباس﵄-:\nحسدهم. وقال قطرب: عداوتهم. وأنشد قول الشاعر: [الكامل] قل لابن هند ما أردت بمنطق... ساء الصّديق وشيّد الأضغانا\nوقيل: أحقادهم. واحدها: ضغن، قال عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [٣٧]: [الوافر] وأنّ الضّغن بعد الضّغن يفشو... عليك ويخرج الداء الدّفينا\nوقال الجوهري: الضغن، والضغينة: الحقد. ولا تنس: أنّ الله ﷿ قد أخرج أضغان المنافقين، وكشف سترهم، وفضح سرائرهم في سورة (التوبة) وفي سورة (الأحزاب) وفي سورة (المنافقون) المسمّاة باسمهم، ولا سيما في سورة (النور) حيث قذفوا عائشة﵂- بالزنى، وبرّأها الله وطهّرها تطهيرا مما قالوا، وافتروا.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف بمعنى «بل» والهمزة، فهي منقطعة عمّا قبلها. ﴿حَسِبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله مبني على الفتح في محل رفع. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول، و﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بمتعلقهما؛ فهو وجه صحيح، لا غبار عليه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفّف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يُخْرِجَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة من الثقيلة، و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿حَسِبَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة بعد ﴿أَمْ﴾ المنقطعة، لا محلّ لها. ﴿أَضْغانَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n\n<span id=\"aya-4575\"></span>﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ:﴾ قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ فكأنّ قائلا قال: لم لم يخرج أضغانهم، ويظهرها، فأخبر تعالى: أنه إنما أخّر ذلك لمحض المشيئة، لا لخوف منهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ لا مانع لنا من ذلك، والإرادة بمعنى التعريف، والعلم. انتهى.\nهذا؛ ولكن الله لم يفعل ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة، وردا للسرائر إلى عالمها. هذا؛ والسيما: العلامة.","vol":"9","page":106},{"text":"قال أنس﵁-: ما خفي على النبي ﷺ بعد هذه الاية أحد من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم. وقد كنّا في غزاة، وفيها سبعة من المنافقين يشكّ فيهم الناس، فأصبحوا ذات ليلة، وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق، فذلك سيماهم. ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي: في معنى القول وفحواه ومقصده، ولحن القول أسلوبه وإمالته إلى جهة تعريض، وتورية عن التصريح إلى المعنى، قال الشاعر: [الكامل] ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا... واللحن يعرفه ذوو الألباب\nوهذا محمود من حيث البلاغة، ومنه قوله ﷺ: «فلعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض» وإليه قصد بقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وأمّا اللحن المذموم؛ فظاهر، وهو صرف الكلام عن الصواب إلى الخطأ بإزالة الإعراب، أو التصحيف، ومعنى الاية: وإنك يا محمد لتعرفن المنافقين فيما يعرّضون به من القول، من تهجين أمرك، وأمر المسلمين، وتقبيحه، والاستهزاء به. فكان بعد هذا لا يتكلّم منافق عند النبي ﷺ إلا عرفه بقوله، ويستدلّ بفحوى كلامه على فساد باطنه، ونفاقه. هذا؛ ولحنت بفتح الحاء ألحن لحنا: إذا قلت له قولا يفهمه عنك، ويخفى على غيره. ولحنه هو عنّي بكسر الحاء يلحنه لحنا؛ أي: فهمه، وألحنته أنا إياه، ولا حنت الناس فاطنتهم، قال الفزاري: [الخفيف] وحديث ألذّه هو ممّا... ينعت النّاعتون يوزن وزنا\nمنطق رائع وتلحن أحيا... نا وخير الحديث ما كان لحنا\nيريد أنها تتكلم بشيء، وهي تريد غيره، وتعرّض في حديثها، فتزيله عن جهته من فطنتها، وذكائها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وقال القتّال الكلابي: [الكامل] ولقد وحيت لكم لكي تتفهّموا... ولحنت لحنا ليس بالمرتاب\nوقال مرار الأسدي، وكله من القرطبي: [الطويل] لحنت بلحن فيه غشّ ورابني... صدودك ترضين الوشاة الأعاديا\nوقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين، قال عقبة بن عامر﵁-:\nخطبنا رسول الله ﷺ خطبة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «إنّ منكم منافقين، فمن سمّيت؛ فليقم» ثم قال: «قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان» حتى سمّى ستّة وثلاثين رجلا ثم قال:\n «إنّ فيكم، أو منكم منافقين، فاتّقوا الله». قال: فمرّ عمر﵁برجل ممن سمّى مقنّع قد كان يعرفه، فقال: مالك؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ، فقال: بعدا لك سائر اليوم! ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ:﴾ فيجازيكم على حسب قصدكم؛ إذ الأعمال بالنيات، ولا يخفى عليه شيء منها.","vol":"9","page":107},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿نَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَرَيْناكَهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو).\n (أريناكهم): فعل، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محلّ لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف. ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب (لو) تقديرا. (عرفتهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو)، لا محلّ لها مثلها. وكررت اللام للتأكيد. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\nاللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (تعرفنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام معطوف على (لو) ومدخولها لا محل له مثله. ﴿فِي لَحْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال؛ أي: حال كونهم لاحنين. و﴿لَحْنِ﴾ مضاف، و﴿الْقَوْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، ﴿أَعْمالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المنصوب؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو فقط.\n\n<span id=\"aya-4576\"></span>﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: ولنختبرنكم بالأمر بالجهاد، وسائر التكاليف الشّاقّة. وقال الخازن: يعني: ولنعاملنكم معاملة المختبر، فإن الله تعالى عالم بجميع الأشياء قبل كونها، ووجودها. ﴿حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ﴾ أي: نأمركم بالجهاد؛ حتى يظهر المجاهد، ويتبين من يبادر منكم، ويصبر عليه من غيره؛ لأنّ المراد من قوله: ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ أي: علم الوجود، والظهور؛ أي: علما شهوديا يشهده غيرنا مطابقا لما كنا نعلمه علما غيبيا في قديم الأزل. ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ يعني: نظهرها، ونكشفها؛ ليتبين من يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد. هذا؛ وتقرأ الأفعال الثلاثة بالنون والياء، ويقرأ: «(نبلو)» بسكون الواو على تقدير: ونحن نبلو. وعن الفضيل بن عياض: أنه كان إذا قرأ هذه الاية بكى، وقال: اللهم لا تبتلينا، فإنك إذا بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا.\nالإعراب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، أو نقسم. (نبلونكم):","vol":"9","page":108},{"text":"فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿نَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل تقديره: «نحن»، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة (لنبلونكم) جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه معطوف على ما قبله، لا محلّ له أيضا. ﴿الْمُجاهِدِينَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بالمجاهدين. ﴿وَالصّابِرِينَ:﴾\nمعطوف على: ﴿الْمُجاهِدِينَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبهما الياء لأنهما جمعا مذكر سالمان، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَنَبْلُوَا:﴾ فعل مضارع معطوف على ﴿نَعْلَمَ﴾ منصوب مثله، والفاعل تقديره: «نحن». هذا؛ وعلى قراءة الأفعال الثلاثة بالياء؛ فالفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله)، ويبقى التأويل، والتقدير، والعطف كما هو، وعلى قراءة تسكين واو «(نبلو)» فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ونحن نبلو، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من الفاعل المستتر في الفعلين السابقين، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَخْبارَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n\n<span id=\"aya-4577\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ بالله، ورسوله، ودين الإسلام، وتعاليمه. ﴿وَصَدُّوا﴾ أي:\nمنعوا الناس. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ:﴾ عن دين الإسلام. ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ:﴾ خالفوه، وعاندوه، وآذوه وحاربوه. قيل: هم المنافقون. وقيل: هم اليهود: قريظة، والنضير. وقال ابن عباس﵄-: هم المطعمون يوم بدر، نظيرها قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٣٦]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.\nأقول: وخصوص السبب لا يمنع التعميم، فهو عام إلى يوم القيامة، وانظر ما أذكره في الاية التالية. ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى:﴾ يعني من بعد ما ظهر لهم أدلة الهدى، وصدق الرسول ﷺ، وأحقية الإسلام. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا:﴾ بكفرهم، ومخالفتهم الرسول ﷺ بعد أن عرفوا صدقه، وإنما يضرون أنفسهم بذلك، والله منزّه عن ذلك. ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: سيبطل ثواب أعمالهم، التي يرون: أنها صالحة، من صلة رحم، وبر والدين، وحسن جوار، كما رأيت في سورة (النور) رقم [٣٩] وسورة (الفرقان) رقم [٢٣]. هذا؛ وتبيّن الشيء، وبان، وأبان، واستبان كله واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا.","vol":"9","page":109},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ انظر مثل هذه الكلمات في الاية رقم [٢٥]. ﴿وَصَدُّوا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (صدوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محلّ لها مثلها، وجملة: ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ:﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْهُدى:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و﴿ما﴾ والفعل: ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد تبيّن الهدى لهم. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يَضُرُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿اللهِ:﴾\nمنصوب على التعظيم. ﴿شَيْئًا:﴾ نائب مفعول مطلق، التقدير: ضرا شيئا، أو هو صفة له كما ترى. ﴿وَسَيُحْبِطُ:﴾ الواو: حرف عطف. السين: حرف استقبال. (يحبط): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-4578\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: فيما يأمران به، وينهيان عنه.\nهذا؛ وقد قرن الله طاعته بطاعة رسوله ﷺ، كما هو معلوم في كثير من الايات، من ذلك قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٠]: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾. ومن القرطبي: وفي حديث: أن النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال:\nأطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،﴾ ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله ﷿ يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾. انتهى. وينبغي أن تعلم:\nأنّه لما ذكر الله﷿الكفار بسبب مشاقتهم لرسول الله ﷺ؛ أمر الله المؤمنين بطاعته، وطاعة رسوله ﷺ.\n ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ:﴾ قال عطاء: يعني: بالشرك، والنفاق. والمعنى: داوموا على ما أنتم عليه من الإيمان، والطاعة، ولا تشركوا، فتبطل أعمالكم. وقيل: لا تبطلوا أعمالكم بترك طاعة رسول الله ﷺ، كما أبطل أهل الكتاب أعمالهم بتكذيب رسول الله ﷺ، وعصيانه. وقال الكلبي: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، والسمعة؛ لأن الله لا يقبل من الأعمال إلاّ ما كان خالصا لوجهه الكريم. وقال الحسن: لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي، والكبائر.","vol":"9","page":110},{"text":"قال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون: أنّه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الاية، فخافوا من الكبائر أن تحبط أعمالهم، واستدلّ بهذه الاية من يرى إحباط الطاعات بالمعاصي (وهم: المعتزلة، والخوارج) ولا حجة لهم فيها، وذلك لأن الله تعالى يقول في سورة (الزلزلة): ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠]: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ بعد أن قال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ فالله تعالى أعدل وأكرم من أن يبطل طاعات سنين عديدة بمعصية واحدة.\nوروي عن ابن عمر﵄أنه قال: كنا نرى أنه لا شيء من حسناتنا إلاّ مقبولا حتى نزل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر، والفواحش؛ حتى نزل: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ الاية رقم [٤٨ و١١٦] من سورة (النساء)، فكففنا عن ذلك القول، وكنا نخاف على من أصاب الكبيرة، ونرجو لمن لم يصبها.\nواستدلّ بهذه الاية من لا يرى إبطال النوافل (وهم الحنفية، والمالكية) حتى لو دخل في صلاة تطوع، أو صوم تطوع، لا يجوز له إبطال ذلك العمل، والخروج منه، ولا دليل لهم في الاية، ولا حجة؛ لأنّ السنة مبيّنة للكتاب، وقد ثبت في الصحيحين: أنّ النبي ﷺ أصبح صائما، فلمّا رجع إلى البيت وجد حيسا، فقال لعائشة﵂-: «قرّبيه فلقد أصبحت صائما». فأكل، وهذا معنى الحديث، وليس بلفظه، وفي الصحيحين أيضا: أنّ سلمان الفارسي زار أبا الدرداء﵄-، فصنع له طعاما، فلما قرّبه إليه، قال: كل فإني صائم، قال:\nلست بآكل؛ حتى تأكل! فأكل معه. أقول: والحديث: «المتطوع أمير نفسه مشهور» انتهى. إلا في الحج لا يجوز له إبطاله؛ ولو كان تطوعا. خازن.\nوقال مقاتل في معنى الاية: لا تمنوا على رسول الله ﷺ، فتبطل أعمالكم. نزلت في بني أسد، وسنذكر القصة في سورة (الحجرات) إن شاء الله تعالى. انتهى. خازن بتصرف مني. هذا؛ وقد ذكر الزمخشري في كشافه أدلة تدعم مذهبه في الاعتزال وهو أنّ الكبيرة تحبط العمل، وقد فندها له محشي الكشاف الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري المالكي.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية رقم [٧]. ﴿أَطِيعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، لا محلّ لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُبْطِلُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَعْمالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.","vol":"9","page":111},{"text":"<span id=\"aya-4579\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤)﴾\nالشرح: قيل: نزلت هذه الاية في أهل القليب، وهم: أبو جهل، وأصحابه الذين قتلوا ببدر، وألقوا في قليب بدر. وحكمها عام في كل كافر مات على كفره، فإن الله لا يغفر له لقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٨]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ ويدلّ بمفهومه على أنه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ:﴾ انظر الاية رقم [٣٢] والمحال عليها برقم [٢٥] فإن الإعراب لا يتغير. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿ماتُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿كُفّارٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف صلة. (لن): حرف ناصب. ﴿يَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن). ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:\n ﴿إِنَّ،﴾ وزيدت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ، ابتدائية، أو مستأنفة لا محلّ لها.\nتنبيه: زيدت الفاء في الخبر في هذه الاية، ولم تزد في الاية رقم [٣٢]؛ لأن عدم المغفرة في هذه الاية مسبب عن كفرهم بالله، وصدهم الناس عن سبيل الله، وموتهم على الكفر، بخلاف الاية السابقة فإنهم لم يضروا الله في حال من الأحوال، ومهما صنعوا من الكفر، وغيره؛ فإنهم لم، ولن يضروا الله مثقال ذرة، كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا». والعكس مثله، وهو ما أفادته الجملة السابقة في الحديث: «يا عبادي لو أنّ أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئا».\n<span id=\"aya-4580\"></span>﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أي: فلا تضعفوا عن القتال، والجهاد، وفي (آل عمران) رقم [١٣٩]:\n ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ والوهن: الضعف، والخور، وقد وهن الإنسان، ووهنه غيره، يتعدى، ولا يتعدى، فهو من باب: وعد، وهي اللغة الفصحى، ومن باب: ورث، يرث لغة فيه، ومن باب: فرح، يفرح لغة شاذة، وقد حذفت الواو من مضارعه في: جميع اللغات، كما في وعد، يعد، ووجد، يجد... إلخ.","vol":"9","page":112},{"text":"﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي: المسالمة، والمهادنة، قرئ بفتح السين، وكسرها، كما في الاية رقم [٢٠٧] من سورة (البقرة)، والاية رقم [٦١] من سورة (الأنفال) وإن كانت آية (البقرة) بمعنى الإسلام. هذا؛ وأنّث الضمير العائد إلى السلم في آية (الأنفال) بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها..﴾. إلخ لحملها على نقيضها، وهو الحرب، والعداوة. قال العباس بن مرداس السلمي الصحابي من أبيات يخاطب بها أبا خراشة خفاف بن ندبة الصحابي أيضا -﵄-: [البسيط] السّلم تأخذ منها ما رضيت به... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع\n ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي: أنتم أعلى منهم شأنا، فإنكم على الحق، وهم على الباطل، وقتالكم لله، وقتالهم للشيطان، وقتلاكم في الجنة، وقتلاهم في النار. أو: أنتم الأعلون في العاقبة، فيكون بشارة لهم بالنصر، والغلبة؛ لأنهم مؤمنون، وإن غلبوا في الظاهر في بعض الأحوال.\nهذا؛ و﴿الْأَعْلَوْنَ﴾ جمع: الأعلى، فحذفت الألف عند الجمع لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، وبقيت الفتحة على اللام لتدلّ عليها. هذا في حالة الرفع، وخذ في حالة النصب قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٤٧]: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾. وأصل الأول: الأعلوون (بواوين) الأولى لام الكلمة، والثانية واو جمع المذكر السالم، والتي تقلب ياء في حالتي النصب، والجر، فيقال: تحركت الواو الأولى، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان، فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين.\n ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ أي: بالنصر والمعونة، والتأييد، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي كثير من الايات: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾. ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ أي: لن ينقصكم أعمالكم؛ أي: ينقص ثوابها، بل يوفيكم ثوابها كاملا، ومنه الموتور الذي قتل له قتيل، فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتره، يتره وترا، وترة.\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيهم؛ إلاّ كان عليهم ترة، فإن شاء؛ عذبهم، وإن شاء؛ غفر لهم». رواه أبو داود، والترمذي، واللفظ له، وقال: حديث حسن. وقال ﷺ: «من فاتته صلاة العصر؛ فكأنّما وتر أهله، وماله».\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: أي: إذا تبين لكم ما تلي عليكم، فلا تهنوا، فإن من كان الله عليه لا يفلح. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَهِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَتَدْعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. وقيل: هي واو المعية بعدها","vol":"9","page":113},{"text":"«أن» مضمرة. (تدعوا): مضارع مجزوم، أو منصوب، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون... إلخ، والواو فاعله، فعلى الجزم فالجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وعلى النصب، فتؤول «أن» المضمرة والفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم وهن، ودعوة. ﴿إِلَى السَّلْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنْتُمُ:﴾ الواو: واو الحال.\n (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْأَعْلَوْنَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف ناصب. ﴿يَتِرَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن) والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به أول. ﴿أَعْمالَكُمْ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وإن كانت (لن) للاستقبال؛ فساغ ذلك بسبب العطف.\n\n<span id=\"aya-4581\"></span>﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ في هذا الحصر إشارة إلى تحقير الدنيا، كيف لا؟ وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى الكافر منها جرعة ماء، ولقد وصف الله تعالى في هذه الاية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا؛ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري إذ يقول: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nأو: هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيا.\n ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: كما يلعب، ويلهو به الصبيان، ويجتمعون عليه، ويبتهجون به ساعة، ثم يتفرقون متعبين، واللعب: العبث، واللهو: الاستمتاع بلذات الدنيا. وقيل: هو الاشتغال بما لا يعني الإنسان، وما لا يهمه. والمعنى: ليس ما أعطاه الله الأغنياء من حطام الدنيا، إلاّ وهو يضمحل، ويزول كاللعب، واللهو؛ الذي لا حقيقة له، ولا ثبات. وقال الخازن: واللعب: ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال، ولا في المال، ثم إذا استعمله الإنسان، ولم يشغله","vol":"9","page":114},{"text":"عن غيره، ولم ينسه أشغاله المهمة؛ فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه؛ فهو اللهو، وقال بعضهم: إن بقيت لك الدنيا؛ لم تبق لها، وأنشد: [الطويل] تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت... وتحدث من بعد الأمور أمور\nوتجري الليالي باجتماع وفرقة... وتطلع فيها أنجم وتغور\nفمن ظنّ أنّ الدهر باق سروره... فذاك محال لا يدوم سرور\nعفا الله عمّن صيّر الهمّ واحدا... وأيقن أنّ الدائرات تدور\nوما أحسن قول الشافعي﵁-: [الطويل] وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها\nفإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها\n ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا:﴾ بالله، ورسوله، وتنقادوا لأوامرهما. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ أي: يوفكم أجور أعمالكم، وثوابها في الاخرة. ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ أي: لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة، بل أمر بإخراج البعض، وهو ربع العشر من أموالكم، وهو زكاة أموالكم، ثم ترد عليكم، ليس لله، ورسوله فيها حاجة، إنما فرضها الله تعالى في أموال الأغنياء، وردها على الفقراء، فطيبوا بإخراج الزكاة بأنفسكم. وإلى هذا القول ذهب سفيان بن عيينة.\nوقيل: المعنى: لا يسألكم أموالكم لنفسه، أو لحاجة منه إليها، إنما يأمركم بالإنفاق في سبيله؛ ليرجع ثوابه إليكم. وقيل: لا يسألكم أموالكم، إنما يسألكم أموالكم، إنما يسألكم أمواله؛ لأنه المالك لها، وهو المنعم بإعطائها. وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة، كما قال تعالى في كثير من الايات: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. انتهى. خازن، وقرطبي. بتصرف كبير.\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿الْحَياةُ:﴾ مبتدأ. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لَعِبٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَلَهْوٌ:﴾ معطوف عليه، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (تتقوا): فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، أو هو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد واو المعية، وعليه يؤول الفعل مع «أن» المضمرة بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: وإن يحصل منكم إيمان، وتقاة. ومثل الاية قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٦٦] من كتابنا: «فتح رب البرية-: [الطويل]","vol":"9","page":115},{"text":"ومن يقترب منّا ويخضع نؤوه... ولا يخش ظلما ما أقام ولا هضما\n ﴿يُؤْتِكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به أول. ﴿أُجُورَكُمْ:﴾\nمفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية.\n ﴿يَسْئَلْكُمْ:﴾ مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، والكاف مفعول به أول، والفاعل يعود إلى الله، أو إلى الرسول ﷺ. ﴿أَمْوالَكُمْ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة.\nهذا؛ ويجوز في العربية نصب الفعل: ﴿يَسْئَلْكُمْ﴾ ورفعه، ولكن لم أجد من قرأ هنا بهما وقد قرئ بالأوجه الثلاثة: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ في الاية رقم [٢٨٤] من سورة (البقرة) وهي قوله تعالى: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وما ذكرته في الاية الكريمة من وجوه الإعراب مقرر في القواعد النحوية، كما يلي: إذا عطف مضارع بالواو، أو بالفاء على فعل الشرط يجوز جزمه ونصبه، وإذا عطف على الجواب مضارع بالواو، أو بالفاء، يجوز جزمه ونصبه ورفعه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن\nوجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو إن بالجملتين اكتنفا\nومن شواهد المسألة الأولى في قول ابن مالك قول الشاعر: [الوافر] فإن يهلك أبو قابوس يهلك... ربيع الناس والشّهر الحرام\nونأخذ بعده بذناب عيش... أجبّ الظّهر ليس له سنام\nحيث روي «نأخذ» بالأوجه الثلاثة؛ أي: الرفع، والنصب، والجزم.\n\n<span id=\"aya-4582\"></span>﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها﴾ أي: يسألكم الأموال كلها، ويدعوكم إلى إنفاقها كلها.\n ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أي: يجهدكم، ويشق عليكم، ويطلبها كلها، والإحفاء: المبالغة، وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله.\nهذا؛ وأحفى بالمسألة، وألحف، وألحّ بمعنى واحد. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧]: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وفي سورة (مريم) رقم [٤٧]: قوله تعالى حكاية من قول إبراهيم لأبيه: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾. ﴿تَبْخَلُوا:﴾ يعني:","vol":"9","page":116},{"text":"بالمال، فلا تعطوه. ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ:﴾ يعني بغضكم، وعداوتكم لشدة محبتكم للمال. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: علم الله: أنّ الإحفاء بمسألة الأموال مخرج للأضغان. انتهى. وهذا من حيث محبة الأموال بالجبلة، والطبيعة، ومن نوزع في حبيبه ظهرت طويته؛ التي كان يسرها، ولا يصرف المال إلاّ فيما هو أحب إلى الشخص منه. هذا؛ والفعل يقرأ بالياء، والتاء، والنون، وانظر شرح (الضغن) في الاية رقم [٢٩] ولم يذكر في غير هذه السورة.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَسْئَلْكُمُوها:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله) أو إلى (الرسول)، والكاف مفعول به أول، والميم علامة جمع الذكور، فحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و(ها): مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَيُحْفِكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (يحفكم): مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «هو» مثل سابقه، والكاف مفعول به. ﴿تَبْخَلُوا:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَيُخْرِجْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يخرج): معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ما عاد إليه ما قبله، أو إلى البخل المفهوم من تبخلوا ولعله أرجح.\nوعلى قراءته بالنون؛ فالفاعل تقديره: «نحن»، و﴿أَضْغانَكُمْ:﴾ مفعول به، وعلى قراءته بالتاء؛ فالفاعل: ﴿أَضْغانَكُمْ﴾. هذا؛ ويجوز في هذه الاية ما جاز في الاية السابقة من أوجه الإعراب.\nبقي أن تعرف: أنّه اتصل بالفعل (يسأل) ضميران منصوبان: ضمير خطاب، وضمير غيبة، والأول أعرف، فيجوز في مثل ذلك الفصل، والوصل أرجح، ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (هود) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ رقم [٢٨]. وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ رقم [١٣٧] قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] صل أو افصل هاء سلنيه وما... أشبهه في كنته الخلف انتمى\n\n<span id=\"aya-4583\"></span>﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ﴾ أي: أنتم يا هؤلاء المخاطبون الموصوفون بما يذكر. ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: يطلب منكم أن تبذلوا المال في وجوه الخير، كلما دعاكم داع إلى","vol":"9","page":117},{"text":"ذلك. ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ:﴾ بعض منكم يبخل بما فرض الله عليه إخراجه من الزكاة، أو ندب إلى إنفاقه في وجوه البر؛ أي: ومنكم من يجود، فحذف هذا المقابل؛ لأنّ المراد الاستدلال على البخل. ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ:﴾ يعني بالصدقة، وأداء الفريضة؛ فلا يتعداه ضر بخله. ﴿فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: على نفسه؛ أي: يحرمها الأجر والثواب، ومرضاة رب العالمين. ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن صدقاتكم، وطاعاتكم؛ لأنه الغني المطلق؛ الذي له ملك السموات، والأرض.\n ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ أي: إليه وإلى ما عنده من الخيرات، والثواب في الدنيا، والاخرة. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أي: تعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، وعن القيام بما أمركم به، وألزمكم إياه.\n ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ:﴾ يكونون أطوع لله، ولرسوله ﷺ منكم. قال الكلبي: هم كندة، والنخع من عرب اليمن. وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: هم فارس، والروم، فعن أبي هريرة﵁قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الاية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا..﴾. إلخ، قالوا: ومن يستبدل بنا؟ قال: فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان الفارسي﵁ثم قال:\n «هذا وأصحابه». أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وفي إسناده مقال، وله رواية أخرى عن أبي هريرة﵁قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله! من هؤلاء الذين ذكر الله ﷿ إن تولينا؛ استبدلوا منا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول الله ﷺ، فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان، فقال: «هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا؛ لتناوله رجال من فارس!». ولهذا الحديث طرق في الصحيح.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ..﴾. إلخ، انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وفي الجملة: هذا إخبار عن القدرة، وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب رسول الله ﷺ.\n ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ أي: في البخل بالإنفاق في سبيل الله، وحكي عن أبي موسى الأشعري﵁أنه لما نزلت هذه الاية فرح بها رسول الله ﷺ، وقال: «هي أحبّ إليّ من الدنيا». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وخذ ما يلي:\nعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الله جنة عدن بيده، ودلّى فيها أثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها، فقال لها: تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال: وعزّتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط بإسنادين، أحدهما جيد. وعن الحسن﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بقوم خيرا؛ ولّى أمرهم الحكماء، وجعل المال عند السّمحاء. وإذا أراد الله بقوم شرّا؛ ولّى أمرهم السفهاء، وجعل المال عند البخلاء». رواه أبو داود في مراسيله.","vol":"9","page":118},{"text":"الإعراب: ﴿ها أَنْتُمْ:﴾ (ها): حرف تنبيه لا محلّ له. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه أيضا. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿تُدْعَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة مقررة لما قبلها. هذا؛ ويعتبر الكوفيون ﴿هؤُلاءِ﴾ اسما موصولا خبر المبتدأ، والجملة الفعلية صلة له، لا محل لها، ولم يجزه البصريون؛ لأنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم إشارة، ولا يكون بمعنى: «الذين» هذا؛ وجه للإعراب.\nالوجه الثاني: الضمير مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، و﴿هؤُلاءِ﴾ منادى بأداة نداء محذوفة، والجملة الندائية معترضة بين المبتدأ والخبر، وهذا عند الكوفيين، واستدلّوا بقول ذي الرمّة، -وهو الشاهد رقم [١٠٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] إذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك هذا لوعة وغرام\nفإنه أراد: (يا هذا) والبصريون يعتبرون حذف حرف النداء من اسمي الجنس، والإشارة شاذا، وابن هشام يقول بقولهم، أما ابن مالك فلم يعتبره شاذا لوروده في الشعر العربي خذ قوله: [الرجز] وغير مندوب ومضمر وما... جا مستغاثا قد يعرّى فاعلما\nوذاك في اسم الجنس والمشار له... قلّ ومن يمنعه فانصر عاذله\nالوجه الثالث: اعتبار ﴿هؤُلاءِ﴾ مفعولا به لفعل محذوف، أعني: ﴿هؤُلاءِ،﴾ والجملة الفعلية معترضة بين المبتدأ، والخبر.\nالوجه الرابع: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ﴾ مبتدأ، وخبر على تقدير مضاف محذوف، التقدير: ها أنتم مثل هؤلاء، كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، فعلى هذا جملة: ﴿تُدْعَوْنَ﴾ في محل نصب حال من ﴿هؤُلاءِ﴾ والعامل في الحال معنى التشبيه.\nالوجه الخامس اعتبار هؤلاء مبتدأ ثانيا، والجملة الفعلية خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وهو الضمير. ﴿لِتُنْفِقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و«أن» المضمرة، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف. و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿فَمِنْكُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (منكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَبْخَلُ:﴾ مضارع،","vol":"9","page":119},{"text":"والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [١٦]، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَبْخَلُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\n (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَبْخَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿عَنْ نَفْسِهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وجملتا الشرط، والجواب في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله الغني): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير في الجملة الثانية. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَتَوَلَّوْا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ. ﴿يَسْتَبْدِلْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿قَوْمًا:﴾\nمفعول به. ﴿غَيْرَكُمْ:﴾ صفة: ﴿قَوْمًا،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، و(إن) ومدخولها معطوف على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا..﴾. إلخ، وما بينهما كلام معترض. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف النون، والواو اسمه. ﴿أَمْثالَكُمْ:﴾ خبر: ﴿يَكُونُوا،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. تأمل وتدبر، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (محمد ﷺ)، شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4204>سورة الفتح</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الفتح) وهي مدنية بالإجماع، وآياتها تسع وعشرون آية نزلت ليلا بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها. وفي البخاري: عن أسلم﵁أنّ رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب﵁كان يسير معه ليلا، فسأله عمر﵁عن شيء، فلم يجبه، ثم سأله، فلم يجبه، ثم سأله، فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر! كررت على رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك! قال عمر﵁-: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما لبثت أن سمعت صارخا يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، فجئت رسول الله ﷺ، فسلّمت عليه، فقال: «لقد أنزل عليّ اللّيلة سورة لهي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس» ثمّ قرأ: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ..﴾. إلخ. وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب وزاد فيه: وكان في بعض أسفاره بالحديبية.\nوعن أنس﵁قال: لما نزلت: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ..﴾. إلى قوله تعالى: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ مرجعه من الحديبية، وهم مخالطهم الحزن، والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية. قال رسول الله ﷺ: «لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعا» فقال أصحاب رسول الله ﷺ: هنيئا مريئا، فما لنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٩] من سورة (الأحقاف). هذا؛ وقال المسعودي: بلغني أنه من قرأ سورة (الفتح) في أول ليلة من رمضان في صلاة التطوع؛ حفظه الله ذلك العام.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4584\"></span>﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾\nالشرح: الخطاب للنبي ﷺ وحده، والمعنى: إنا قضينا لك فتحا مبينا ظاهرا بغير قتال، ولا تعب. واختلفوا في هذا الفتح، فروى قتادة عن أنس﵁-: إنه فتح مكة، وقال مجاهد: إنه فتح خيبر. وقيل: هو فتح فارس، والروم، وسائر بلاد الإسلام، التي يفتحها الله له. والتعبير بلفظ الماضي عن المستقبل جريا على عادة الله تعالى في أخباره؛ لأنها في تحققها، وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، كأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك في حكمنا، وتقديرنا، وما قدره،","vol":"9","page":121},{"text":"وحكم به؛ فهو كائن لا محالة. وقال أكثر المفسرين، والمحدثين: إن المراد بهذا الفتح صلح الحديبية، وهو الأصح، وهو رواية عن أنس﵁-. ومعنى الفتح: فتح المغلق المستصعب، وكان الصلح مع المشركين يوم الحديبية مستصعبا متعذرا؛ حتى فتحه الله﷿- ويسره، وسهله بقدرته، ولطفه.\nفعن البراء بن عازب﵁قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، ولقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مئة، والحديبية بئر، فنزحناها، ولم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم تمضمض، ودعا، ثم صبّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا، وماشيتنا، وركابنا.\nوقال الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: فتح الحديبية، وغفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية. وذلك: أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم، فأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، فعزّ الإسلام بذلك، وأكرم الله ﷿ رسوله ﷺ.\nانتهى. خازن. أقول: أسلم بسبب هذا الصلح خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة الحجبي، وغيرهم من رجالات قريش المعدودين، فرجحت بذلك كفة المسلمين على كفة المشركين، وقال الرسول ﷺ: «رمتكم مكة بأفلاذ كبدها».\nالإعراب: ﴿إِنّا﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿فَتَحْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَتْحًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿مُبِينًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محلّ لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-4585\"></span><span id=\"aya-4586\"></span>﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾\nالشرح: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ..﴾. إلخ،: قيل: اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾ لام «كي» والمعنى فتحنا لك فتحا مبينا؛ لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة بالفتح. وقال الحسن بن الفضل:\nهو مردود إلى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ،﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ و﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ..﴾. إلخ.","vol":"9","page":122},{"text":"وقال ابن جرير: هو راجع إلى قوله في سورة (النصر): ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾. وقيل: إن الفتح لم يجعل سببا للمغفرة، ولكن لاجتماع ما قدر له من الأمور الأربعة المذكورة، وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قال: يسّرنا لك الفتح، ونصرناك على عدوك، وغفرنا لك ذنبك، وهديناك صراطا مستقيما؛ ليجتمع لك عزّ الدارين، وأغراض العاجل، والاجل.\nوقيل: يجوز أن يكون الفتح سببا للغفران؛ لأنه جهاد للعدو، وفيه الثواب، والمغفرة مع الظفر بالعدو، والفوز بالفتح. وقيل: لما كان هذا الفتح سببا لدخول مكة، والطواف بالبيت؛ كان ذلك سببا للمغفرة. ومعنى الاية: ليغفر لك الله جميع ما فرط منك ما تقدم من ذنبك.\nيعني: قبل النبوة، ﴿وَما تَأَخَّرَ﴾ يعني: بعدها، وهذا على قول من يجوّز الصغائر على الأنبياء.\nوقال عطاء الخراساني: ﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ يعني: من ذنب أبويك: آدم، وحواء ببركتك.\n ﴿وَما تَأَخَّرَ﴾ من ذنوب أمتك بدعائك لهم. أقول: وهذا لا وجه له ألبتّة. وقال سفيان الثوري: ﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ ما كان منك قبل النبوة. ﴿وَما تَأَخَّرَ﴾ يعني: كل شيء لم تعمله. ويذكر مثل هذا على طريق التأكيد، كما تقول: أعط من تراه، ومن لم تره، واضرب من لقيت، ومن لم تلقه. فيكون المعنى: ما وقع لك من ذنب، وما لم يقع فهو مغفور لك. وهذا مثل سابقه لا وجه له.\nوقيل: المراد منه: ما كان من سهو، وغفلة، وتأول؛ لأنّ النبي ﷺ لم يكن له ذنب كذنوب غيره، فالمراد بذكر الذنب هنا ما عسى أن يكون وقع منه من سهو، ونحو ذلك؛ لأنّ حسنات الأبرار سيئات المقربين، فسماه ذنبا، فما كان من هذا القبيل وغيره فهو مغفور له، فأعلمه الله ﷿ بذلك، وأنه مغفور له؛ ليتم نعمته عليه. انتهى. خازن.\nأقول: وهذا هو المعتمد، وبالله التوفيق، وقد يكون من باب الأولى كالذي صدر منه ﷺ في الإذن للمنافقين في التخلف في غزوة تبوك، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وهمه قطع يد اليهودي في قصة طعمة بن أبيرق، انظر الاية رقم [١٠٦] من سورة (النساء) ورقم [٤٣] من سورة (التوبة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ:﴾ بالنبوة والحكمة، وما أعطاك من الفتح المبين، والنصر، والتمكين، وخضوع من استكبر، وطاعة من تجبّر. ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: يثبتك الله على الصراط المستقيم، وهو الإسلام، والمعنى: ليجمع لك الله مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة، والهداية إلى دين الإسلام. ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي: قويا غالبا منيعا، لا يتبعه ذل، واستكانة. وقد حقّق الله وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده. ومعنى:\n ﴿عَزِيزًا:﴾ ذا عزّ لا ذلّ معه. وهذا جواب عمّا يقال: كيف أسند العزيز إلى ضمير النصر؟! مع أنّ العزيز من له النصر، وتقرير الجواب: أنّ صيغة فعيل هنا للنسبة، فالعزيز بمعنى: ذي العزة، فالمعنى نصرا ذا عزة، ومنعة لا ذل فيه، وكونه ذا منعة يمنعه عن أن يصيبه مكروه، فإسناده العزيز بهذا المعنى إلى ضمير النصر حقيقة. انتهى. جمل نقلا من زاده. وخذ ما يلي:","vol":"9","page":123},{"text":"فعن المغيرة بن شعبة﵁قال: قام النبي ﷺ حتى تورّمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك، وما تأخّر! قال: «أفلا أكون عبدا شكورا». أخرجه الشيخان.\nالإعراب: ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يغفر). ﴿اللهُ:﴾ فاعله، و«أن» المضمرة والفعل: (يغفر) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر ﴿فَتْحًا،﴾ أو بالفعل: ﴿فَتَحْنا﴾.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَقَدَّمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ ذَنْبِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿تَقَدَّمَ،﴾ العائد إلى: ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها. ﴿تَأَخَّرَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (ما).\n ﴿وَيُتِمَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (يتم): معطوف على (يغفر) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله. ﴿نِعْمَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَيَهْدِيَكَ:﴾ معطوف على: (يغفر) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿صِراطًا:﴾ منصوب بنزع الخافض. وقيل: هو مفعول به ثان للفعل قبله، ومثلها الاية رقم [٦٨] من سورة (النساء). ﴿مُسْتَقِيمًا:﴾ صفة: ﴿صِراطًا﴾.\n ﴿وَيَنْصُرَكَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿نَصْرًا:﴾\nمفعول مطلق. ﴿عَزِيزًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-4587\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الطمأنينة، والوقار، والرحمة، والهدوء في قلوب المؤمنين لئلا تنزعج نفوسهم. قال ابن عباس﵄-: كل سكينة في القرآن طمأنينة إلا التي في سورة (البقرة) رقم [٢٤٨]. وقد تقدّم تفسيرها في موضعها. وقد ذكرت في سورة (التوبة) برقم [٢٦ و٤٠] بمعنى الطمأنينة، كما هنا. ﴿لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ أي: يقينا مع يقينهم، وذلك بما فرض الله من فروع الشريعة مقرونا بالتوحيد، والإيمان، والإخلاص. فعن ابن عباس﵄-: إن أول ما أتاهم به النبي ﷺ التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده، وصدقوه؛ زادهم الصلاة، ثم الصوم، ثم الزكاة، ثم الحج، ثم الجهاد؛ حتى أكمل لهم دينهم، فكلما أمروا بشيء، وصدقوه؛ ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم، هذا بالإضافة إلى تصديقهم بالبعث والحشر بعد الموت، والجنة، والنار، والميزان والحساب والصراط مما يتعلق بأمور الاخرة،","vol":"9","page":124},{"text":"وهو من لوازم العقيدة الصحيحة، وهذا يدل على أنّ الإيمان يزيد، وينقص، كما ذكرت في الاية رقم [٢] من سورة (الأنفال)، انظرها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ لما قال الله ﷿: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وكان المؤمنون في قلة من العدد والعدد؛ فكأنّ قائلا قال: كيف ينصره؟ فأخبر الله ﷿ أنّ له جنود السموات والأرض، وهو قادر على نصر رسوله ﷺ ببعض جنوده، بل هو قادر على أن يهلك عدوه بصيحة، ورجفة، وصاعقة، ونحو ذلك، فلم يفعل، بل أنزل سكينة في قلوبكم أيها المؤمنون؛ ليكون نصر رسول الله ﷺ، وإهلاك أعدائه على أيديكم، فيكون لكم الثواب، ولهم العقاب. وفي جنود السموات، والأرض وجوه: الأول: أنهم ملائكة السموات، والأرض.\nالثاني: أنّ جنود السموات: الملائكة، وجنود الأرض: الحيوانات. الثالث: أن جنود السموات: مثل الصاعقة، والصيحة، والحجارة. وجنود الأرض: مثل الزلازل، والخسف، والغرق، ونحو ذلك.\nوفي الكشاف، وتبعه البيضاوي، والنسفي في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدبر أمرها، فيسلّط بعضها على بعض تارة، ويوقع فيما بينهم السلم أخرى، كما تقتضيه حكمته، ولذا قال: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بمصالح عباده. ﴿حَكِيمًا:﴾ فيما قدر، ودبر.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها، وجملة: ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿قُلُوبِ:﴾ مضاف. و﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿لِيَزْدادُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلَ﴾ أيضا. ﴿إِيمانًا:﴾ مفعول به. وقيل: تمييز جملة. ولا بأس به. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: ﴿إِيمانًا،﴾ و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿إِيمانِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف، وقيل: عاطفة. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿جُنُودُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿جُنُودُ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: واو الحال. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمًا:﴾ خبر أول. ﴿حَكِيمًا:﴾ خبر ثان لكان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم وإن كان الموضع موضع إضمار للتفخيم، والتعظيم.","vol":"9","page":125},{"text":"<span id=\"aya-4588\"></span>﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿لِيُدْخِلَ..﴾. إلخ: هذا يستدعي محذوفا مقدرا، قدره الجلال: أمر بالجهاد؛ ليدخل. وقدره الخازن: هو الذي أنزل السكينة على قلوب المؤمنين؛ ليدخلهم. وقيل: تقديره:\nإن من علمه، وحكمته أن سكّن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية، ووعدهم الفتح، والنصر؛ ليشكروه على نعمه، فيثيبهم، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار. وقد تقدم ما روي عن أنس﵁أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا..﴾. إلخ قال الصحابة -رضوان الله عليهم-: هنيئا مريئا لك يا رسول الله! قد بيّن الله لك ما يفعل بك، فما لنا؟ فأنزل الله ﷿ هذه الاية تطمينا لقلوبهم.\n ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ في الجنات. ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ:﴾ يمحوها، ويغطيها، فلم يظهرها لهم لا عقابا، ولا عتابا. وتقديم الإدخال في الذكر على التكفير، مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى. ﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ أي: الإدخال، والتكفير.\n ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: في علمه الأزلي، وقضائه الأبدي.\nهذا؛ و(كان) في القرآن الكريم تأتي على أوجه: تأتي بمعنى: الأزل، والأبد، وبمعنى:\nالمضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى: صار، وبمعنى: حضر، وحصل، ووجد. وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي هنا بمعنى الاستمرار، فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الابدين في الدنيا، والاخرة.\nالإعراب: ﴿لِيُدْخِلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، و«أن» المضمرة والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.\n ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله، منصوب مثله. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب مثل (المؤمنات)، وعلامة النصب فيهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، وانظر:\n ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ في الاية رقم [٧٠] من سورة (الزخرف). ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل: ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾.\n ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من: ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. (يكفر): معطوف على: (يدخل) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه","vol":"9","page":126},{"text":"الكسرة... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم: (كان)، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من: ﴿فَوْزًا،﴾ كان صفة له... إلخ، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَوْزًا:﴾ خبر (كان). ﴿عَظِيمًا:﴾\nصفة له، وجملة: (كان...) إلخ معترضة بين الفعلين المتعاطفين. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الإدخال والتكفير المفهومين؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4589\"></span>﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ: يريد المنافقين، والمنافقات من أهل المدينة، والمشركين، والمشركات من أهل مكة. وإنما قدم المنافقين على المشركين في هذه الاية، وفي آخر سورة (الأحزاب) وغيرهما من المواضع؛ لأن المنافقين كانوا أشد على المؤمنين من الكافرين؛ لأن الكافر يمكن أن يحترز منه، ويجاهد؛ لأنه عدو مبين، والمنافق لا يمكن أن يحترز منه، ولا يجاهد، فلهذا كان شرّه أكثر من شرّ الكافر، فكان تقديم المنافق بالذكر أولى.\n ﴿الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ:﴾ والمراد ظنهم: أن الله لا ينصر الرسول ﷺ والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظاهرين فاتحيها عنوة، وقهرا. وقال القرطبي: يعني: ظنهم: أن النبي ﷺ لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم، كما قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ الاية رقم [١٢] الاتية.\nوهو أقوى. ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: عليهم دائرة الهلاك، والوبال في الدنيا بالقتل، والسبي، والأسر، وفي الاخرة بجهنم. والدائرة في الأصل: عبارة عن الخط المحيط بالمركز، ثم استعملت في الحادثة المحيطة بمن وقعت عليه. وقرئ بضم السين، وفتحها لغتان: كالكره، والكره والضّعف، والضّعف؛ إلاّ أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمّه من كل شيء، وأنّ المضموم جرى مجرى الشر، وكلاهما في الأصل مصدر. انتهى. بيضاوي، ونسفي. هذا؛ و﴿السَّوْءِ:﴾ الشر، والفساد، والجمع أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. وتأنيثه:\nالسوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾ رقم [١٠] من سورة (الروم).\n ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ:﴾ زيادة في تعذيبهم، وهلاكهم. ﴿وَلَعَنَهُمْ:﴾ أبعدهم وطردهم من رحمته. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ أي: هيأها لهم في الاخرة، وهذا يفيد أنها مخلوقة الان ومعدة لمن","vol":"9","page":127},{"text":"يدخلها من المنافقين والكافرين، وكذلك الجنة موجودة الان، لقوله تعالى في كثير من الايات ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي..﴾. إلخ.\nهذا؛ والمنافق سمي منافقا أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الاخر، وكذلك المنافق: يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفّار بقوله: أنا معكم. هذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب، ويخلف الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة، وما أكثرهم في هذا الزمن! فهذا يقال له: نفاق العمل، وأما الأول فيقال له: نفاق العقيدة؛ لأنه يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشد منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وقد حذّر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به؛ لأنّه يجرّ إلى نفاق العقيدة، فعن أبي هريرة -﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وإن صام، وصلى، وحجّ، واعتمر، وقال: إني مسلم». أخرج بعضه البخاري، وبعضه مسلم، وآخره أبو يعلى من حديث أنس﵁-.\nالإعراب: ﴿وَيُعَذِّبَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعذب): معطوف على (يدخل) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمُنْفِقِينَ:﴾ مفعول به. (المنافقات): معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿الظّانِّينَ:﴾ صفة للجميع منصوب مثلهن، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الظّانِّينَ﴾. ﴿ظَنَّ:﴾ مفعول مطلق.\nوهو مضاف، و﴿السَّوْءِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دائِرَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿دائِرَةُ﴾ مضاف، و﴿السَّوْءِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها وهي دعائية. ﴿وَغَضِبَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (لعنهم): ماض ومفعوله، وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، وما بعدها معطوفة أيضا. ﴿وَساءَتْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ساءت): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر فسره التمييز، وهو: ﴿مَصِيرًا﴾ والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: هي جهنم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4590\"></span>﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾\nالشرح: تقدّم تفسيرها في الاية رقم [٤]. بقي أن تعلم ما فائدة التكرير، ولم قدم ذكر جنود السموات والأرض على إدخال المؤمنين والمؤمنات الجنة؟ ولم أخّر ذكر جنود السموات","vol":"9","page":128},{"text":"والأرض هنا بعد تعذيب المنافقين والكافرين؟ فنقول: فائدة التكرار للتأكيد، وجنود السموات والأرض منهم من هو للرحمة، ومنهم من هو للعذاب، فقدّم ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ليكون مع المؤمنين جنود الرحمة، فيثبتوهم على الصراط، وعند الميزان، فإذا دخلوا الجنة؛ أفضوا إلى جوار الله تعالى، ورحمته، والقرب منه، فلا حاجة لهم بعد ذلك إلى شيء. وأخّر ذكر جنود السموات والأرض بعد تعذيب الكافرين، والمنافقين ليكون معهم جنود السخط، فلا يفارقوهم أبدا.\nفإن قلت: قال في الاية الأولى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وقال في هذه الاية: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فما معناه؟ قلت: لما كان في جنود السموات والأرض من هو للرحمة، ومن هو للعذاب، وعلم الله ضعف المؤمنين؛ ناسب أن تكون خاتمة الأولى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ولما بالغ في وصف تعذيب الكافر، والمنافق، وشدته؛ ناسب أن تكون خاتمة الاية الثانية: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فهو كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ؟﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ انتهى. بحروفه من الخازن، والمراد في الموضعين: التخويف، والتهديد، فلو أراد الله إهلاك المنافقين، والمشركين؛ لم يعجزه ذلك، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الإعراب في الاية رقم [٤] ففيها الكفاية.\n\n<span id=\"aya-4591\"></span>﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)﴾\nالشرح: الخطاب في هذه الاية للنبي ﷺ ذكره في معرض الامتنان عليه؛ حيث شرّفه بالرسالة، وبعثه إلى الناس كافة، شاهدا على أعمال أمته، ومبشرا لمن آمن به، وأطاعه بالثواب، ونذيرا لمن خالفه، وعصى أمره بالعقاب. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]:\n ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿شاهِدًا:﴾ حال، وما بعده معطوف عليه، وهذه الحال مقدرة. وخذ ما يلي:\nالحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-عليه، وعلى نبينا ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾.\nوحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وكما في هذه الاية. وحال محكية، وهي الماضية، نحو جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة","vol":"9","page":129},{"text":"للصفة بعدها، بمعنى أنّ المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى:\n ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وقوله جلّ شأنه: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. ثم الحال تنقسم إلى قسمين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة، فالأولى: هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو: جاء زيد راكبا، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع، والمؤكدة: هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهي ثلاثة أنواع:\n١ - ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى ولفظا. فالأول، نحو قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها،﴾ ومنه قوله تعالى في كثير من الايات: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والثاني، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾.\n٢ - ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة مقصودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو: «هو الحقّ بيّنا، أو صريحا». وقول سالم بن دارة اليربوعي، وهذا هو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط] أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟\n٣ - ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ وهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٩]: ﴿(كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ)﴾ لأنّ البركة لا تفارقه.\n\n<span id=\"aya-4592\"></span>﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ولأمته. وتقرأ الأفعال كلها بالتاء، والياء، وانظر (الإيمان) في الاية رقم [٢] من سورة (محمد ﷺ). ﴿وَتُعَزِّرُوهُ:﴾ وتقووه بتقوية دينه، وتنصروه على أعدائه. والتعزير: نصر عظيم. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ:﴾ تعظموه، وتفخموه، والتوقير:\nالتعظيم. قال القرطبي: والهاء فيهما للنبي ﷺ، وهنا وقف تام، ثم تبتدئ: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي:\nتسبحوا الله. وقيل: الضمائر كلها لله تعالى، فعلى هذا يكون تأويل: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي:\nتثبتوا له صحة الربوبية، وتنفوا عنه أن يكون له ولد، أو شريك. واختار هذا القول القشيري، وهو اختيار الزمخشري في الكشاف أيضا.\nهذا؛ والتعزير: التوقير، والتعظيم، وهو أيضا: التأديب، ومنه: التعزير؛ الذي هو دون الحد، فهو من الأضداد. وانظر الأضداد في الاية رقم [١٠] من سورة (الجاثية). هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٢]: ﴿*وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾","vol":"9","page":130},{"text":"﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ..﴾. إلخ. وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧] في مدح وبيان أتباع محمد ﷺ:\n ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ..﴾. إلخ. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ:﴾ معناه: إذا ذكرتموه ينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم، والتقديس، والتنزيه عن كل سوء. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أول النهار، وآخره. وخصّا بالذكر؛ لأنّ ملائكة الليل، وملائكة النهار يجتمعون في هذين الوقتين، كما في الحديث الشريف الصحيح: «يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنّهار... إلخ».\nوإنّما اختصّ التسبيح بالذكر من بين أنواع الذكر لبيان فضله على سائر الأذكار، كما اختص جبريل، وميكائيل بالذكر من بين الملائكة لبيان فضلهما؛ لأن معنى التسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات، ويجوز أن يراد بالذكر، والتسبيح، والإكثار منهما تكثير الطاعات، والعبادات، فإنها من جملة الذكر، ثم خصّ من ذلك التسبيح بكرة، وهي صلاة الفجر، وأصيلا وهي صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء لمزيد الاهتمام بشأن الصلاة. هذا؛ والتسبيح يأتي بمعنى الدعاء، قال جرير: [الطويل] فلا تنس تسبيح الضّحى إنّ يوسفا... دعا ربّه فاختاره حين سبّحا\nوإنّما خصّ هذين الوقتين بالذكر؛ لأنّ الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت، فاستحبّ له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم، وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر؛ ليكون أول أعماله ذكر الله ﷿، وأمّا وقت الأصيل، وهو آخر النهار، فإنّ الإنسان يريد أن يستقبل النوم، الذي هو أخو الموت، فيستحب له أن يستقبله بالذكر؛ لأنه حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله ﷿.\nهذا؛ وقد جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى، استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع:\nالمصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة، قد عدّي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلّت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ..﴾. إلخ، وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى شأنه في هذه الاية: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ،﴾ وفي سورة (الأحزاب) رقم [٤٢]:\n ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا،﴾ وقوله جلّت قدرته في آخر سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأنّ معنى سبّحته بعدته من السوء، منقول من سبح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إمّا أن تكون مثل: نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد يسبح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا.\nهذا؛ والبكرة بمعنى: الغدوة، يقال: بكّر بالتشديد، وابتكر، وأبكر، وباكر، وبكر بالتخفيف خرج في وقت البكرة، قال زهير في معلّقته رقم [١٣]: [الطويل] بكرن بكورا واستحرن بسحرة... فهنّ ووادي الرّسّ كاليد في الفم","vol":"9","page":131},{"text":"بمعنى خرجت النسوة في وقت البكرة. وقيل: بكر بالتخفيف: جاء بكرة، وبكّر بالتشديد فإنه للمبادرة؛ أيّ وقت كان، ومنه: بكّروا لصلاة المغرب؛ أي: صلّوها عند قرص الشمس.\nانتهى. مختار.\nهذا؛ والبكرة، والغداة، والغدو: النصف الأول من النهار، والأصيل والعشي: النصف الاخر من النهار، مع الاختلاف في تحديد كل منهما. والأصيل: الوقت بين العصر، والمغرب على الراجح، ويجمع على: آصال، وعلى أصائل، وأصل، وأصلان. وقيل: الاصال جمع:\nأصل، والأصل جمع: أصيل، ثم أصائل جمع الجمع، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل] لعمري لأنت البيت أكرم أهله... وأجلس في أفيائه بالأصائل\nهذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس إلى الماء مثل الحبال، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب. هذا؛ وأضيف: أنّ من جمع الأصيل على: أصل قول الأعشى في معلّقته رقم [١٤]: [البسيط] يوما بأطيب منها نشر رائحة... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل\nالإعراب: ﴿لِتُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلْناكَ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. (رسوله): معطوف على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، والأفعال الثلاثة: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ معطوفة على (تؤمنوا) منصوبة مثله، والواو فاعله، والهاء مفعول به. ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. (أصيلا): معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-4593\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمراد بيعة الرضوان، التي تعرفها في الاية رقم [١٨]. ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ:﴾ لأنهم باعوا أنفسهم من الله ﷿ بالجنة، وأصل البيعة: العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام، والوفاء بالعهد الذي التزمه له. والمراد بهذه البيعة: بيعة الرضوان بالحديبية. وهي قرية ليست بكبيرة، بينها وبين مكة مرحلة، سميت ببئر هناك، وانظر الاية رقم [١٨].\n ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ:﴾ قيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء. ويده عليهم بالمنة، والهداية فوق أيديهم في الطاعة. وقال الكلبي: معناه: نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة.","vol":"9","page":132},{"text":"وقال ابن كيسان: قوة الله، ونصرته فوق قوتهم، ونصرتهم. هذا؛ وقال الخازن: لمّا بين الله تعالى: أن النبي ﷺ مرسل؛ بيّن أن منزلته، وقدره عند الله بحيث يكون من بايعه صورة؛ فقد بايع الله ﷿ حقيقة؛ لأن من بايعه ﷺ على أن لا يفر من موضع القتال إلى أن يقتل، أو يفتح الله لهم، وإن كان يقصد ببيعته رضا الرسول ﷺ ظاهرا، لكن إنما يقصد بها حقيقة رضا الرحمن، وثوابه، وجنته. سميت المعاهدة المذكورة بالمبايعة، التي هي مبادلة المال بالمال تشبيها لها بالمبايعة في اشتمال كل واحدة منهما على معنى المبادلة؛ لأنّ المعاهدة أيضا مشتملة على المبادلة بين التزام الثبات في محاربة الكافرين، وبين ضمانه ﵇ لمرضاة الله تعالى عنهم، وإثابته إياهم بجنات النعيم في مقابلة ذلك الثبات، فأطلق اسم المبايعة على هذه المعاهدة على سبيل الاستعارة، ثم إنه لما كان ثواب ثباتهم في الحرب إنما يصل إليهم من قبله تعالى؛ كان المقصود من المبايعة معه ﵇ المبايعة مع الله، فإنه ﵇ سفير، ولما جعلت المبايعة مع الرسول ﷺ مبايعة مع الله، وشبه الله بالمبايع؛ أثبت له ما هو من لوازم المبايع حقيقة، وهو اليد على طريق الاستعارة التخييلية، يعني: أن في اسم الله استعارة بالكناية، واليد تخييل مع أن فيها أيضا مشاكلة لذكرها مع أيدي الناس. فتلخص: أنّ في هذا التركيب استعارة تصريحية تبعية في الفعل، ومكنية في الاسم الكريم، وتخييلية في إثبات اليد له، وفيه مشاكلة في مقابلة يده بأيديهم. انتهى. جمل نقلا من هنا، وهناك.\nوقال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله ﷺ، ويبايعونه، ويد الله فوق أيديهم في المبايعة، وذلك؛ لأن المتبايعين إذا مدّ أحدهما يده إلى الاخر في البيع، وبينهما ثالث يضع يده على يديهما، ويحفظهما إلى أن يتم العقد، ولا يترك أحدهما يد الاخر، حتى يلزم، ولا يتفاسخان، فصار وضع اليد فوق الأيدي سببا لحفظ البيعة، فقال: يد الله فوق أيديهم؛ أي:\nيحفظهم على البيعة، كما يحفظ المتوسط أيدي المتبايعين، وانظر ما ذكرته في سورة (ص) [٧٥] وفي سورة (الذاريات) [٤٧].\n ﴿فَمَنْ نَكَثَ:﴾ نقض العهد بعد البيعة. ﴿فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أي: يرجع ضرر نكثه عليه؛ لأنه حرم نفسه الثواب، وألزمها العقاب. قال أبو بكر الصديق﵁-: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه، وقرأ هذه الاية وقوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ رقم [٢٣]، وقوله تعالى في سورة (فاطر): ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ رقم [٤٣]، وانظر ما ذكرته في سورة (الزخرف) رقم [٥٠].\n ﴿وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ:﴾ يقرأ بضم هاء الجلالة وجرها في هذه الاية، والمراد في هذه الاية معاهدة بيعة الحديبية للنبي ﷺ. هذا؛ وعهد بني آدم لله قديم أزلي، وحديث يتجدد في كل وقت وحين، فالقديم يتجلّى في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ﴾","vol":"9","page":133},{"text":"﴿بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ والحديث الذي يتجدد في كل وقت وحين، وذلك إذا قال المسلم: «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله» وإذا قال: «رضيت بالله تعالى ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا وشفيعا». ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا:﴾ وذلك في الاخرة، وهو الجنة. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء والنون، قراءتان سبعيتان.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يُبايِعُونَكَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُبايِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَدُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهَ﴾ مضاف إليه. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿فَوْقَ:﴾\nمضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محلّ لها، اعتبارات ثلاثة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ، مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَكَثَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، ومفعوله محذوف. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَنْكُثُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) أيضا ومفعوله محذوف أيضا. ﴿عَلى نَفْسِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الاية رقم [١٠] من سورة (الشورى). هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، فجملة: ﴿نَكَثَ﴾ مع مفعوله المحذوف صلته، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَنْكُثُ..﴾. إلخ، في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم.\n ﴿وَمَنْ أَوْفى:﴾ مثل سابقه محلا، وإعرابا. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿عاهَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿عَلَيْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، وجملة: ﴿عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَسَيُؤْتِيهِ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط، أو زائدة في خبر الموصول. السين: حرف استقبال وتنفيس. (يؤتيه):\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: (سيؤتيه...) إلخ قل فيها ما قلته بجملة: (إنما ينكث...) إلخ، وتتمة الكلام مثل سابقه على الاعتبارين.","vol":"9","page":134},{"text":"<span id=\"aya-4594\"></span>﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿سَيَقُولُ لَكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ بلا ريب. ﴿الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ:﴾ قال مجاهد، وابن عباس﵄-: يعني: أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، والنخع، وأسلم، والديل، وذلك: أنّ النبي ﷺ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا، استنفر من حول المدينة من الأعراب، وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأحرم بالعمرة، وساق الهدي، ليعلم الناس: أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وتخلفوا، واعتلوا بالشغل، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الاية، وكانوا قالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، يعنون: غزوة أحد، والأحزاب. هذا؛ وقبيلتا غفار، وأسلم صلحت نياتهم فيما بعد، وحسنت أعمالهم، فرضي الله، ورسوله عن هاتين القبيلتين، وقد قال الرسول ﷺ فيما بعد: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله».\n ﴿شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا:﴾ يعني: النساء، والذراري، لم يكن لنا من يخلفنا فيهم في غيبتنا عنهم، فلذا تخلفنا عنك. ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ أي: إنا مع عذرنا معترفون بالإساءة، والتقصير، فاستغفر لنا بسبب تخلفنا عنك. فكذبهم الله بقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ المعنى:\nإنهم في طلب الاستغفار كاذبون، لا يبالون استغفر لهم النبي ﷺ أم لا؟ وهذا هو النفاق. ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا:﴾ فمن يمنعكم من مشيئته، وقضائه، وإرادة شيء فيكم؟\n ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ أي: سوآ من قتل، أو هزيمة، وهلاك مال، وهلاك أنفس. هذا؛ ويقرأ بفتح الضاد، وضمها، فالأول شائع في كل ضرر، ومصيبة، والثاني خاص بما في النفس، كمرض وهزال، وقد نظم بعضهم الفرق بينهما، كما أورد معاني أخر لهما، فقال: [الرجز] وضدّ نفع قيل فيه ضرّ... وجود ضرّة لعرس ضرّ\nوسوء حال المرء ذاك ضرّ... كذا هزال مرض أو كبر\nوفي القاموس المحيط: الضّر، والضّر، والضرر: ضدّ النفع، والشدة والضيق، وسوء الحال، والنقصان يدخل في الشيء، والجمع: أضرار. ﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: نصرا، وغنيمة، وذلك: أنهم ظنّوا أنّ تخلفهم عن النبي ﷺ يدفع عنهم الضر، أو يجلب لهم النفع بالسلامة لهم في أنفسهم، وأموالهم، فأخبرهم الله ﷿: أنه إن أراد شيئا من ذلك؛ لم يقدر أحد على","vol":"9","page":135},{"text":"دفعه. ﴿بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا:﴾ يعني من إظهاركم الاعتذار، وطلب الاستغفار، وإخفائكم النفاق. ولا تنس الطباق، والمقابلة بين: ضرا، ونفعا.\nهذا؛ و(أهلونا) جمع: أهل، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: نفر، ومعشر، ورهط. والأهل: العشيرة، وذو القربى، ويطلق على الزوجة، والأولاد، والأتباع، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ سورة (هود) رقم [٤٠] والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ هذا؛ والاية الكريمة إخبار عما يستقبل، فهو من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، انظر الاية رقم [٥١] من سورة (غافر).\nالإعراب: ﴿سَيَقُولُ:﴾ السين: حرف استقبال، وتنفيس. (يقول): مضارع. ﴿لَكَ:﴾ متعلقان به. ﴿الْمُخَلَّفُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنَ الْأَعْرابِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُخَلَّفُونَ؛﴾ لأنه اسم مفعول. وقيل: متعلقان بمحذوف حال.\nولا يصح إلاّ من الضمير المستتر في: ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾. وهو نائب فاعله. ﴿شَغَلَتْنا:﴾ ماض، والتاء للتأنيث، و(نا): مفعول به. ﴿أَمْوالُنا:﴾ فاعل. ﴿وَأَهْلُونا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَأَهْلُونا:﴾\nمعطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿شَغَلَتْنا..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿سَيَقُولُ..﴾. إلخ، مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَاسْتَغْفِرْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا فاستغفر.\n (استغفر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب الشرط المقدر، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿أَمْوالُنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ:﴾ متعلقان به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر:\n ﴿لَيْسَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ، في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محلّ لها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: صلة، أو هي الفصيحة لأنها تفصح عن شرط مقدر. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يَمْلِكُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَكُمْ﴾","vol":"9","page":136},{"text":"﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَمْلِكُ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ضَرًّا:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف. ﴿أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا:﴾ معطوف على ما قبله، ومحله مثله.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرًا﴾ بعدهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه. ﴿خَبِيرًا:﴾ خبر: ﴿كانَ﴾.\nهذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبعملكم، وجملة: ﴿كانَ اللهُ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4595\"></span>﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ:﴾ الخطاب للمنافقين، وللكافرين على السواء. ﴿أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ..﴾.\nإلخ: أي: أن لن يرجع الرسول... إلخ إلى المدينة المنورة حين خرجوا قاصدين مكة المكرمة للعمرة، بل يستأصلهم كفار قريش، وقالوا: إن محمدا، وأصحابه أكلة رأس لا يرجعون. ﴿وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ:﴾ يعني: زين الشيطان ذلك الظن عندكم حتى قطعتم به؛ حتى صار الظنّ يقينا عندكم، وذلك: أنّ الشيطان قد يوسوس في قلب الإنسان بالشيء، ويزينه له حتى يقطع به، ولا تنس: أنّ الله هو الفاعل، وليس للشيطان إلاّ الوسوسة، وقد ذكرته لك مرارا. ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ:﴾ أنّ الله يخلف وعده من نصر محمد ﷺ وإعزاز دينه. وانظر الاية رقم [٦].\n ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا:﴾ هلكى. قاله مجاهد. وقال قتادة: فاسدين، لا يصلحون لشيء من الخير. قال عبد الله بن الزبعرى السهمي القرشي: [الخفيف] يا رسول المليك إنّ لساني... راتق ما فتقت إذ أنا بور\nوالبوار: الهلاك، وفي سورة (إبراهيم) رقم [٢٨] قوله تعالى: ﴿*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ،﴾ وفي المصباح: بار الشيء يبور بورا بالضم: هلك، وبار الشيء بوارا: كسد على الاستعارة؛ لأنه إذا ترك صار غير منتفع به، فأشبه الهالك من هذا","vol":"9","page":137},{"text":"الوجه. وأرض بور: لم تزرع، وبور: جمع بائر، كما في هذه الاية، والاية رقم [١٨] من سورة (الفرقان) ورجل بائر: فاسد، لا خير فيه. وفي الأساس: «فلان له نوره، وعليك بوره» أي:\nهلاكه، ونزلت بوار على الكفار؛ أي: هلاك. ومن المجازات: بارت البياعات: كسدت.\nوسوق بائرة: كاسدة. وبارت الأيم: إذا لم يرغب فيها. وكان الرسول ﷺ يتعوذ من بوار الأيم.\nوبارت الأرض: إذا لم تزرع. وأرض بور، وأرضوان بوار.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿ظَنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَنْقَلِبَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾. ﴿الرَّسُولُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنْ﴾ المخففة من الثقيلة، و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿ظَنَنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾ معطوف على ﴿الرَّسُولُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿إِلى أَهْلِيهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل: ﴿يَنْقَلِبَ﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر، وحذفت النون للإضافة. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَنْقَلِبَ﴾ أيضا. ﴿وَزُيِّنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (زين): ماض مبني للمجهول. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ظَنَنْتُمْ..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَظَنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿ظَنَّ:﴾ مفعول مطلق مبيّن للنوع، و﴿ظَنَّ﴾ مضاف، و﴿السَّوْءِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف لصفته، وجملة: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-4596\"></span>﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ..﴾. إلخ: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لمّا بيّن الله تعالى حال المخلّفين عن رسول الله ﷺ، وبيّن حال ظنهم الفاسد، وأن ذلك يفضي بصاحبه إلى الكفر؛ حرّضهم على الإيمان، والتوبة من ذلك الظن الفاسد، فقال تعالى: ومن لم يؤمن بالله ورسوله، وظن أن الله يخلف وعده؛ فإنه كفر، وأنّ الله أعد له جهنّم يصلاها، ويحترق بنارها.\nانتهى. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٦] من الدليل على وجود جهنم.\nهذا؛ وقد أقيم الظاهر مقام الضمير؛ إذ القياس: «فإنا أعتدنا لهم سعيرا» للتهويل، وللإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمانين: الإيمان بالله، والإيمان برسوله؛ فهو كافر، ونكّر ﴿سَعِيرًا﴾ لأنها","vol":"9","page":138},{"text":"نار مخصوصة كما نكّر ﴿نارًا تَلَظّى﴾. هذا؛ وانظر شرح ﴿السَّعِيرِ﴾ في الاية رقم [٧] من سورة (الشورى). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُؤْمِنْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فلا يحزنك عدم إيمانه. أو فلا يهمك شأنه. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في سورة (الشورى) رقم [١٠]، وإن اعتبرت (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، صلتها الجملة الفعلية بعدها، والخبر الجملة التي رأيت تقديرها... إلخ. ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: حرف تعليل.\n (إنا): حرف مشبّه بالفعل، و(نا) اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَعِيرًا﴾ بعدهما، الذي هو مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنها تعليلية، أو هي في محل جزم جواب الشرط، إن اعتبرت الشرط عاملا فيها، أو هي خبر (من) على اعتبارها موصولة، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم.\n\n<span id=\"aya-4597\"></span>﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ملكا، وخلقا، وعبيدا، وفي كثير من الايات زيادة: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ أي: الموجود بين السموات والأرض من أفلاك، وكواكب في السموات، وما على الأرض من جبال، وأنهار، وبحار... إلخ، فكل ذلك ملك لله تعالى لا يشركه فيه أحد، وما يملكه الإنسان في هذه الدنيا؛ فإنما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة، وويل لمن قصّر في الوكالة، وخان الأمانة! وانظر الاية رقم [٩] من سورة (الزخرف). هذا؛ واللام مفيدة للملك الحقيقي؛ الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور.\n ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ لمن يستحق المغفرة بسبب توبة، أو طاعة. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ:﴾ من يستحق العذاب بسبب كفره، أو إدمانه المعاصي. وانظر شرح ﴿شاءَ﴾ في الاية رقم [٨] من سورة (الشورى). هذا؛ وقال الخازن: لما ذكر الله حال المؤمنين المبايعين لرسول الله ﷺ، وحال الظانين ظنّ السوء أخبر: أن له ملك السموات والأرض، ومن كان كذلك؛ فهو يغفر لمن يشاء بمشيئته، ويعذب من يشاء، ولكن غفرانه، ورحمته أعمّ، وأشمل، وأتمّ، وأكمل. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. انتهى.","vol":"9","page":139},{"text":"الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، و﴿مُلْكُ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿يَغْفِرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿لِمَنْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و(من) تحتمل الموصوفة، والموصولة. فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو لشخص يشاؤه الله، وجملة: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها مستأنفة، لا محلّ لها، وإعرابها واضح، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ فلست مفندا. وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَغْفِرُ﴾ و(يعذب) والرابط: الواو، وإعادة لفظ الجلالة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4598\"></span>﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٥)﴾\nالشرح: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ أي: الذين تخلفوا عن الحديبية حين خرج الرسول ﷺ معتمرا، وحصل ما حصل في ذلك الخروج. ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ﴾ أي: خرجتم من المدينة، وتوجهتم إلى مكة أيها المؤمنون. ﴿إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها:﴾ يعني: غنائم خيبر. وذلك: أنّ المؤمنين لما انصرفوا من الحديبية على صلح من غير قتال، ولم يصيبوا شيئا من الغنائم، وعدهم الله ﷿ فتح خيبر، وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل مكة؛ حيث انصرفوا عنهم، ولم يصيبوا منهم شيئا.\n ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ يعني: إلى خيبر، فنشهد معكم قتال أهلها. وفي هذا بيان كذب المتخلفين عن الحديبية؛ حيث قالوا: ﴿شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا﴾ إذ لم يكن لهم هناك طمع في غنيمة، وهنا قالوا: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ يعني: إلى خيبر، فنشهد معكم قتال أهلها.\n ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ يعني: يريدون أن يغيروا، ويبدلوا مواعيد الله لأهل الحديبية حيث وعدهم غنيمة خيبر لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر، ولم يغب منهم عن خيبر غير جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله كسهم من حضر. قال ابن إسحاق: وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر الأنصاري من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار، كانا حاسبين، قاسمين.\n ﴿قُلْ﴾ أي: قل لهم يا محمد ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ أي: إلى خيبر. ﴿كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: من قبل مرجعنا إليكم: إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب. هذا؛","vol":"9","page":140},{"text":"ولا تنس: أن النفي ب: «لن» في معنى النهي للمبالغة. ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أي: يمنعكم الحسد أن نصيب معكم شيئا من الغنائم، ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئا، بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية تسبب عن قولهم ذلك قوله تعالى تنبيها على جلافتهم، وفساد ظنونهم، فسيقولون: ليس الأمر كما ذكرت مما ادعيت: أنه قول الله تعالى، بل إنما قلتم ذلك لأنكم تحسدوننا. ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ يعني: لا يعلمون، ولا يفهمون ما لهم، وما عليهم من الدين إلا قليلا منهم، وهو من تاب منهم، وصدق الله، ورسوله.\nتنبيه: لما رجع ﷺ من الحديبية في ذي الحجة سنة ست؛ أقام بالمدينة بقيته، وأوائل المحرم من سنة سبع، ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية، ففتحها، وغنم أموالا كثيرة، فخصّها بهم حسبما أمره الله تعالى. ولا تنس: أنّ قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ﴾ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ إنما هو كلام مستقبل أخبر الله به قبل وقوعه، وهذا من وجوه إعجاز القرآن الكريم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿سَيَقُولُ:﴾ السين: حرف استقبال وتسويف. (يقول): مضارع. ﴿الْمُخَلَّفُونَ:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِذَا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية متعلق بالفعل قبله، مبني على السكون في محل نصب. ﴿اِنْطَلَقْتُمْ:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها. ﴿إِلى مَغانِمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿لِتَأْخُذُوها:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿اِنْطَلَقْتُمْ﴾. ﴿ذَرُونا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و(نا): مفعوله.\n ﴿نَتَّبِعْكُمْ:﴾ مضارع مجزوم بجواب الأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف مقدر، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والكلام كله في محل نصب مقول القول.\n ﴿يُرِيدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة: ﴿يُرِيدُونَ..﴾. إلخ، في محل نصب حال من:\n ﴿الْمُخَلَّفُونَ،﴾ أو من: (نا)، والرابط على الاعتبارين الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَتَّبِعُونا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿كَذلِكُمْ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما","vol":"9","page":141},{"text":"بعده، التقدير: قال الله من قبل قولا مثل هذا القول، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿قالَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم؛ لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿فَسَيَقُولُونَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. السين: حرف استقبال. (يقولون): مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿قَبْلُ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿تَحْسُدُونَنا:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فسيقولون: لم يأمركم الله بذلك، بل تحسدوننا، والكلام كله في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: (سيقولون...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَبْلُ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا فقها قليلا. هذا؛ وإن رددته إلى واو الجماعة، فهو مستثنى منه، ويكون التقدير: إلا قليلا منهم، وبعضهم يعتبره صفة ظرف زمان محذوف، التقدير: إلا وقتا قليلا.\n\n<span id=\"aya-4599\"></span>﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ:﴾ كرر ذكرهم بهذا الاسم، مبالغة في الذم، وإشعارا بشناعة التخلف. ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يعني: بني حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، وأهل الردة، الذين حاربهم أبو بكر الصديق﵁-. لأنّ مشركي العرب، والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام، أو السيف عند أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-، ومن عداهم من مشركي العجم، وأهل الكتاب، والمجوس تقبل منهم الجزية. وعند الشافعي-رحمه الله تعالى-لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم، والعرب. وهذا دليل على صحة إمامة أبي بكر﵁-، فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله ﷺ، وكيف يدعوهم رسول الله ﷺ مع قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٨٤]: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾.\nوقيل: هم فارس والروم، ومعنى ﴿يُسْلِمُونَ:﴾ ينقادون؛ لأن الروم نصارى، وفارس مجوس، يقبل منهم إعطاء الجزية، فإن قلت: عن قتادة: أنهم ثقيف، وهوازن، وكان ذلك، في أيام رسول الله ﷺ. قلت: إن صح ذلك؛ فالمعنى: لن تخرجوا معي أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب، والاضطراب في الدين. أو على قول مجاهد كان المعنى: أنهم لا","vol":"9","page":142},{"text":"يتبعون رسول الله ﷺ، إلا متطوعين، لا نصيب لهم في المغنم. انتهى. كشاف. هذا؛ ويقرأ:\n «(يسلموا)» كما تقول: كل، أو تشبع؛ أي: حتى تشبع، قال امرؤ القيس: [الطويل] فقلت له لا تبك عينك إنّما... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا\n ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي: تستجيبوا، وتنفروا في الجهاد، وتؤدوا الذي عليكم فيه. ﴿يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي: يثبكم ثوابا حسنا، وهو الجنة. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أي: تعرضوا عن الجهاد. ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ:﴾ يعني عام الحديبية. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا:﴾ هو عذاب النار، وبئس القرار.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلْمُخَلَّفِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْأَعْرابِ:﴾ متعلقان ب: (المخلفين)؛ لأنه اسم مفعول، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وعليه فهما حال من نائب الفاعل المستتر ب: (المخلفين).\n ﴿سَتُدْعَوْنَ:﴾ السين: حرف استقبال، وتنفيس. (تدعون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قُلْ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أُولِي:﴾ صفة: ﴿قَوْمٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولِي﴾ مضاف، و﴿بَأْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة: ﴿بَأْسٍ﴾. ﴿تُقاتِلُونَهُمْ:﴾\nمضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة. قال الجلال:\nحال مقدرة، هي المدعو إليها في المعنى، انظر أنواع الحال في الاية رقم [٨]. هذا؛ وأجاز أبو البقاء الاستئناف. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُسْلِمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وأجاز السمين اعتبارها مستأنفة على تقدير: أو هم يسلمون. هذا؛ وعلى قراءة: «(يسلموا)» فهو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿أَوْ،﴾ بمعنى: حتى يسلموا، وتؤول: «أن» والفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُطِيعُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُؤْتِكُمُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وإن ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.\n ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا:﴾ مثل سابقه. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾\nفعل، وفاعل، و(ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور","vol":"9","page":143},{"text":"متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: وإن تتولوا توليا مثل توليكم الأول. وهذا ليس مذهب سيبويه. وانظر الاية رقم [٣٥] من سورة (الأحقاف). ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يُعَذِّبْكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به.\n ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة له، وباقي الإعراب واضح إن شاء الله تعالى، و(إن) ومدخولها معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-4600\"></span>﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا (١٧)﴾\nالشرح: نزلت هذه الاية حين نزلت الأولى، وقال أهل الزمانة، والأعذار: كيف حالنا يا رسول الله؟! والمعنى: ليس على هؤلاء إثم، ومؤاخذة في التخلف عن الجهاد؛ لأنهم لا يقدرون على الكرّ والفرّ، فالأعمى لا يمكنه الإقدام على العدو، والطلب، ولا يمكنه الاحتراز منه، والهرب، وكذلك الأعرج، والمريض. وفي معنى الأعرج الزمن المقعد، والأقطع. وفي معنى المريض صاحب السعال الشديد، والطحال الكبير، والذين لا يقدرون على الكرّ والفرّ.\nفهذه أعذار مانعة من الجهاد ظاهرة، ومن وراء ذلك أعذار أخر دون ما ذكر، وهي: الفقر الذي لا يمكّن صاحبه أن يستصحب معه ما يحتاجه إليه من مصالح الجهاد، والأشغال التي تعوق عن الجهاد، كتمريض المريض الذي ليس له من يقوم مقامه عليه ونحو ذلك. وإنما قدّم الأعمى على الأعرج؛ لأنّ عذر الأعمى مستمر، لا يمكن الانتفاع به في حرس، ولا غيره، بخلاف الأعرج؛ لأنه يمكن الانتفاع به في الحراسة، ونحوها، وقدّم الأعرج على المريض؛ لأنّ عذره أشد من عذر المريض لإمكان زوال المرض عن قريب. انتهى. خازن. هذا؛ وهذه الأعذار تعفي من الجندية في هذه الأيام.\n ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في أمر الجهاد، وغيره. ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ..﴾. إلخ أي: يعرض عن الطاعة، ويستمر على الكفر، والنفاق. ﴿يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا:﴾ وهذا يكون في الاخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلاّ من أتى الله بقلب سليم. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٦١] من سورة (النور) بشأن أصحاب هذه الأعذار.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى الْأَعْمى:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ مقدم، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَرَجٌ:﴾ اسم: ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي، ولا يجوز إعمالها إعمال: ﴿لَيْسَ﴾ لأنها تكررت. ﴿عَلَى الْأَعْرَجِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿حَرَجٌ:﴾ معطوف على مثله، والعامل في الأولين، والمعطوفين عليهما عامل واحد، وهو:","vol":"9","page":144},{"text":"﴿لَيْسَ،﴾ ومثل الاية الكريمة قول الأعور الشني، وهو الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب] هوّن عليك فإنّ الأمو... ر بكفّ الإله مقاديرها\nفليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها\nهذا وجه للإعراب، والوجه الثاني اعتبار (لا) نافية، والجار والمجرور: ﴿عَلَى الْأَعْرَجِ﴾ متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و﴿حَرَجٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها، و(قل) في الجملة الثانية مثل هذه الجملة. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى (من). ﴿يُعَذِّبْهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والهاء مفعول به. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة:\n ﴿عَذابًا،﴾ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ ولا يمكن اعتبار (من) اسما موصولا لظهور الجزم في الفعلين. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، وإعراب الأولى واضح إن شاء الله تعالى لظهور الجزم في الفعلين، وما يشبه الباقي في الاية رقم [٥].\n\n<span id=\"aya-4601\"></span>﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الراسخين في الإيمان؛ أي: فعل فيهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح، وما قدّر لهم من الثواب، وأفهم ذلك: أنه لم يرض عن الكافرين، فخذلهم في الدنيا مع ما أعدّ لهم في الاخرة من الخزي والنكال، والعاصون من المسلمين الفاسدون المفسدون سيلقون جزاءهم في الاخرة أيضا. ﴿إِذْ يُبايِعُونَكَ:﴾ بيعة الرضوان بالحديبية. ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ:﴾ هي من شجر السّمر حصلت البيعة تحتها. ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ من الصدق، والوفاء، كما علم ما في قلوب المنافقين من الشك، والنفاق. ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أنزل الطمأنينة في قلوب المؤمنين. وانظر الاية رقم [٤]. ﴿وَأَثابَهُمْ:﴾ جازاهم، ومنحهم.\n ﴿فَتْحًا قَرِيبًا:﴾ هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: الفاء في: (علم) للتعقيب، وعلم الله قبل الرضا؛ لأنه تعالى علم ما في قلوبهم من الصدق، والإيمان، فرضي عنهم، فكيف يفهم التعقيب","vol":"9","page":145},{"text":"في قوله: ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ؟﴾ قلت: قوله: ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿إِذْ يُبايِعُونَكَ﴾ فيكون تقديره: لقد رضي الله عن المؤمنين؛ إذ يبايعونك فعلم ما في قلوبهم من الصدق إشارة إلى أنّ الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب، بل عند المبايعة التي عندها علم الله بصدقهم، والفاء في قوله: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ للتعقيب؛ لأنه تعالى لما علم ما في قلوبهم؛ رضي عنهم، فأنزل السكينة عليهم.\nهذا؛ وكان سبب هذه البيعة على ما ذكر محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم: أنّ رسول الله ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعي حين نزل الحديبية، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على جمله ﷺ ليبلغ أشرافهم: أنّه ﷺ جاء معتمرا، ولم يجيء محاربا، فعقروا جمل رسول الله ﷺ، وأرادوا قتله، فمنعتهم الأحابيش، فخلّوا سبيله، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب﵁-؛ ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله! إني أخاف على نفسي قريشا، وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد. وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز بها منّي لوجود عشيرته فيها، وهو عثمان بن عفان، فدعا رسول الله ﷺ عثمان﵁فبعثه إلى أبي سفيان، وأشراف قريش يخبرهم: أنّه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت، معظما لحرمته، وكتب له كتابا بعثه معه، وأمره أن يبشر المستضعفين بمكة بالفتح قريبا، وأن الله سيظهر دينه.\nفتوجه عثمان﵁فوجد قريشا قد اتفقوا على منعه ﷺ من دخول مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فنزل عن فرسه، وحمله بين يديه، وأجاره؛ حتى بلّغ رسالة رسول الله ﷺ، وقرأ عليهم الكتاب واحدا واحدا. فصمّموا على أنه لا يدخلها هذا العام، وقالوا لعثمان﵁-: إن شئت أن تطوف بالبيت؛ فطف به، قال:\nما كنت لأفعل؛ حتى يطوف به رسول الله ﷺ، وقد كان المسلمون قالوا: هنيئا لعثمان خلص إلى البيت وطاف به دوننا، فقال ﷺ: «إن ظني به أن لا يطوف حتى نطوف معا». وبشر عثمان -﵁المستضعفين بالفتح القريب، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال رسول الله ﷺ: «لا نبرح حتى نناجز القوم». ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة.\nووضع النبي ﷺ شماله في يمينه، وقال: «هذه عن عثمان» وهذا قد يشعر بأنه ﷺ علم بنور النبوة: أن عثمان﵁لم يقتل حتى بايع عنه، فيكون هذا من معجزاته ﷺ ويؤيده ما جاء: أنه لما بايع الناس؛ قال: «اللهم إن عثمان في حاجتك، وحاجة رسولك». وضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يده لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم، ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا، وبعثوا بعثمان ومن معه، وكانوا عشرة. انتهى. جمل. نقلا من الخازن، والمواهب.","vol":"9","page":146},{"text":"هذا؛ والذين حضروا بيعة الرضوان كانوا ألفا وأربعمئة رجل، بايعوا رسول الله ﷺ على الموت وعلى أن لا يفروا، كلهم بايعوا رسول الله ﷺ ما عدا جدّ بن قيس أخا بني سلمة، قال جابر بن عبد الله﵄-: فكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، يستتر بها من الناس.\nثم جرت السفراء بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وطال التراجع، والتنازع إلى أن جاءه سهيل بن عمرو العامري، فوقع الصلح، والمهادنة على أن يرجع الرسول ﷺ عامه ذلك، فإذا كان من قابل أتى معتمرا، ودخل مكة هو، وأصحابه بغير سلاح، حاشا السيوف في قربها، فيقيم بها ثلاثا، ويخرج. وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس، ويأمن بعضهم بعضا، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما من رجل، أو امرأة؛ ردّ إلى الكفار، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا؛ لم يردوه إلى المسلمين، فعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام، وخذ ما يلي:\nجاء عمر بن الخطاب﵁إلى النبي ﷺ، وقال: يا رسول الله! ألسنا على حق؛ وهم على باطل؟ قال: «بلى!» قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال:\n «بلى». قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع؛ ولما يحكم الله بيننا، وبينهم؟! فقال: يا بن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا. قال: فانطلق عمر، ولم يصبر متغيظا، فأتى أبا بكر﵁-، فقال: يا أبا بكر! ألسنا على حق؛ وهم على باطل، قال: بلى! قال:\nأليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: بلى! قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا، ولمّا يحكم الله بيننا، وبينهم؟! فقال: يا بن الخطاب! إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبدا! وفي رواية قال له: الزم غرزه. فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسل إلى عمر، فأقرأه إيّاه. فقال:\nيا رسول الله! أو فتح هو؟ قال: «نعم». فطابت نفسه، فرجع.\nبقي أن تعلم نتيجة الشجرة التي جرت تحتها البيعة، فهناك روايات تقول: إن الله أخفى مكانها، حتى إن بعض الصحابة أتوا الحديبية في العام القابل، فلم يهتدوا إليها. من ذلك ما روي: أن عمر﵁مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هاهنا، وبعضهم يقول: هاهنا، فلما كثر اختلافهم؛ قال: سيروا ذهبت الشجرة. والمشهور: أن عمر﵁هو الذي قطعها، وأزال معالمها، وقال: خشيت أن تعبد في الأرض، كما عبدت اللات، والعزّى.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَضِيَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها. ﴿عَنِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿رَضِيَ﴾. ﴿يُبايِعُونَكَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿تَحْتَ:﴾","vol":"9","page":147},{"text":"ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والمقام للماضي، وأتي بصيغة المضارع لاستحضار صورة المبايعة، و﴿تَحْتَ﴾ مضاف، و﴿الشَّجَرَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَعَلِمَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (علم):\nماض، والفاعل يعود إلى الله تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب القسم، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَنْزَلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنزل): ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿السَّكِينَةَ:﴾ مفعول به. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها أيضا. ﴿وَأَثابَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أثابهم): ماض، ومفعوله الأول، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿فَتْحًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿قَرِيبًا:﴾ صفة: ﴿فَتْحًا،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4602\"></span>﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها:﴾ يعني من أموال أهل خيبر، وكانت خيبر ذات نخيل، وعقار، وأموال، فقسمه رسول الله ﷺ بينهم، وذلك: أنّ رسول الله ﷺ لما رجع من الحديبية؛ أقام بالمدينة بقية ذي الحجة، وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم سنة سبع. انظر غزوة خيبر مفصلة في كتب السيرة. وإني أكتفي منها هنا بأمرين:\nالأول: زواج النبي ﷺ بأم المؤمنين صفية﵂-، فقد كانت﵂قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق: أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلاّ أنك تتمنين ملك الحجاز محمدا، ثم لطم وجهها لطمة اخضرت منها عينها. فأتي بها رسول الله ﷺ، وبها أثر منها، فسألها عن ذلك، ما هو؟ فأخبرته الخبر، وأتي رسول الله ﷺ بزوجها كنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله، فجحد أن يكون يعلم مكانه، فأتي رسول الله ﷺ برجل من اليهود، فقال لرسول الله ﷺ: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله ﷺ لكنانة: «أرأيت إن وجدناه عندك، أنقتلك؟» قال: نعم، فأمر رسول الله ﷺ بالخربة، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله ما بقي، فأبى أن يؤديه إليه، فأمر به رسول الله ﷺ إلى الزبير بن العوام﵁أن يعذبه حتى يستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزنده على صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه إلى محمد بن مسلمة﵁-، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة الذي ألقت عليه اليهود حجرا، فقتله. هذا؛ وإن النبي ﷺ أعتق صفية﵂وجعل عتقها صداقها.\nالأمر الثاني: ما فعلته اليهودية من سم النبي ﷺ، وكان ذلك منها بعد فتح خيبر، واستلام النبي ﷺ مفاتيح أبواب حصونها المنيعة. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فلما اطمأن رسول","vol":"9","page":148},{"text":"الله ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم اليهودية شاة مشوية، وسألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السمّ وسمّت سائر الشاة، ثم جاءت بها على سبيل الهدية، فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ تناول الذراع، فأخذها، فلاك منها قطعة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، فأخذ منها، كما أخذ رسول الله ﷺ، فأما بشر فأساغها-أي: ابتلعها-، وأما رسول الله ﷺ فلفظها، وقال: إن هذا العظم ليخبرني: أنه مسموم، ثم دعا بالمرأة، فاعترفت، فقال: «ما حملك على ذلك؟».\nفقالت: بلغت من قومي ما لا يخفى عليك، فقلت: إن كان ملكا؛ استرحنا منه، وإن كان نبيا يخبره ربه. فتجاوز عنها رسول الله ﷺ، ومات بشر﵁-.\nهذا؛ وفي زيني دحلان روايتان: إحداهما تقول: إن المرأة أسلمت، وعفا عنها رسول الله ﷺ، والثانية تقول: إنّ النبي ﷺ دفع المرأة لأولياء بشر، ﵁، فقتلوها به قصاصا، والرواية الأولى أولى بالاعتبار؛ لأنّ إسلامها يحقن دمها، والإسلام يجبّ ما قبله.\nويروي: أنّ النبي ﷺ كان يقول لأم بشر: «يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر؛ التي أكلت مع ابنك تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري». فكان المسلمون يرون: أن رسول الله ﷺ مات شهيدا مع ما أكرمه الله تعالى به من النبوة.\nثم قسم رسول الله ﷺ غنائم خيبر، فأعطى الراجل سهما، والفارس ثلاثة أسهم، بعد أن خمسها خمسة أجزاء، كما فعل بغنائم بدر، انظر الاية رقم [٤١] من سورة (الأنفال) والغنائم تشمل المنقول، والأموال، والعبيد، أما الأرض فتركها لأهلها يعملون فيها بشطر ما يخرج منها من ثمر، أو زرع، وقال لهم: «إنا إذا شئنا أن نخرجكم منها؛ أخرجناكم». ثم استمروا على ذلك إلى خلافة عمر﵁-، فوقعت منهم خيانة وغدر ببعض المسلمين، فأجلاهم إلى الشام بعد أن استشار الصحابة﵃في ذلك، والله أعلم.\nالإعراب: ﴿وَمَغانِمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (مغانم): معطوف على: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾. وقال أبو البقاء: مفعول به لفعل محذوف دلّ عليه ما قبله، وقال القرطبي: بدل من: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا،﴾ والواو مقحمة، وليس بشيء. ﴿كَثِيرَةً:﴾ صفة: (مغانم). ﴿يَأْخُذُونَها:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، و(ها): مفعوله، والجملة الفعلية صفة (مغانم)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، وجملة: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ مستأنفة، وإعرابها واضح لا خفاء به.\n\n<span id=\"aya-4603\"></span>﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها:﴾ هي المغانم التي تغنمونها من الفتوحات؛ التي تفتح لكم إلى يوم القيامة. وهذا وعد من العزيز العليم، وقد حقق وعده، وأنجز عهده حين","vol":"9","page":149},{"text":"كان المسلمون مسلمين صادقين؛ حيث فتحوا بلاد فارس، والروم في أقل من ثلاثين سنة، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، وإنجاز الوعد. ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ:﴾ يعني مغانم خيبر، وفيه إشارة إلى كثرة الفتوحات، والغنائم التي يعطيهم الله ﷿ إياها في المستقبل، وإنما عجل لهم هذه كعجالة الراكب عجلها الله لهم. وهي في جنب ما وعدهم الله به من الغنائم كالقليل من الكثير.\n ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ:﴾ وذلك: أن النبي ﷺ لما قصد خيبر، وحاصر أهلها؛ همّت قبائل من بني أسد، وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين، وذراريهم بالمدينة، فكفّ الله ﷿ أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. وقيل: المعنى: إن الله ﷿ كفّ أيدي أهل مكة بالصلح عنكم لتمام المنة عليكم. ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ولتحصل لمن بعدكم آية تدلهم على أن ما وهبكم الله يحصل مثله لهم. وقيل: ولتكون آية للمؤمنين دالة على صدق الرسول ﷺ في إخباره عن الغيوب، فيزدادوا يقينا إلى يقينهم، ويعلموا: أن الله هو المتولي حياطتهم، وحراستهم في مشهدهم، ومغيبهم. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: ويهديكم إلى دين الإسلام، ويثبتكم عليه، ويزيدكم بصيرة، ويقينا بما أنعم عليكم من صلح الحديبية، وفتح خيبر، ونحوهما، بسبب انقيادكم لأمر الله، واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله ﷺ.\nالإعراب: ﴿وَعَدَكُمُ:﴾ ماض، ومفعوله الأول. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿مَغانِمَ:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿كَثِيرَةً:﴾ صفة: ﴿مَغانِمَ﴾. ﴿تَأْخُذُونَها:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية صفة: ﴿مَغانِمَ،﴾ أو حال منها، كما في الاية السابقة، وجملة: ﴿وَعَدَكُمُ..﴾.\nإلخ، مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَعَجَّلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (عجل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب مفعوله الأول، والهاء حرف تنبيه، لا محلّ له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَكَفَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كف): ماض، وفاعله يعود إلى (الله) أيضا. ﴿أَيْدِيَ:﴾ مفعول به أول، وهو مضاف، و﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَلِتَكُونَ:﴾ الواو: مقحمة عند الكوفيين، وعاطفة عند البصريين. (لتكون): فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، واسمها ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الكلام السابق، التقدير: ولتكون المعجلة، أو لتكون هزيمتهم، وسلامتكم. ﴿آيَةً:﴾ خبر (تكون). ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةً،﴾ و«أن» المضمرة والفعل (تكون) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (عجل)، أو: (كف) عند الكوفيين، والواو زائدة، والجار والمجرور معطوفان على محذوف عند البصريين، التقدير: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ لتشكروه، ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا:﴾ انظر الاية رقم [٢].","vol":"9","page":150},{"text":"<span id=\"aya-4604\"></span>﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها:﴾ وعدكم الله فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها. ﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ يعني: حفظها لكم؛ حتى تفتحوها، ومنعها من غيركم؛ حتى تأخذوها. وقال ابن عباس﵄-: علم الله: أنه يفتحها لكم. واختلفوا فيها، فقال ابن عباس: هي فارس، والروم، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس، والروم، بل كانوا خولا لهم؛ حتى أقدرهم الله عليهم بشرف الإسلام وعزّته. وقيل: هي خيبر، وعدها الله نبيه ﷺ، قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يرجونها، ففتحها الله لهم. وقيل: هي مكة، وقيل: هوازن. وقيل: هو كل فتح فتحه المسلمون، أو يفتحونه إلى آخر الزمان. ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا:﴾ لأن قدرته ذاتية، لا تختصّ بشيء دون شيء، فهو القادر أن يمنح المسلمين الصادقين فتح القرى، والبلدان، والعزة والكرامة، وعلو الشأن ما لا يقدر عليه غيره. ولا تنس: أنّ (كان) للاستمرار، انظر الاية رقم [٥] وانظر شرح ﴿أُخْرى﴾ في سورة (النجم) الاية رقم [١٣].\nالإعراب: (أخرى): يجوز فيها أوجه: أحدها: أن تكون مرفوعة بالابتداء، و﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ صفتها، و﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ خبرها. الثاني: أنّ الخبر محذوف مقدّر قبلها؛ أي: وثمّ أخرى، وعليه فالجملتان بعدها صفتان لها. الثالث: أن تكون منصوبة بفعل مضمر على شريطة التفسير، فيقدر الفعل من معنى المتأخر، وهو: ﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ أي: وقضى الله أخرى، وعليه فالجملة بعدها صفتها، والثانية لا محلّ لها؛ لأنها مفسرة. الرابع: أن تكون منصوبة بفعل مضمر، لا على شريطة التفسير، بل لدلالة السياق؛ أي: ووعدكم أخرى، أو وآتاكم أخرى، وعليه فالجملتان بعدها صفتان لها. الخامس: أن تكون مجرورة ب: «ربّ» مقدرة، وتكون الواو واو ربّ ذكره الزمخشري. وتكون الجملة بعدها صفتها، والثانية خبرها، أو صفة ثانية لها، والخبر محذوف. انتهى. جمل. نقلا عن السمين. بتصرف كبير مني. وفي القرطبي: (أخرى) معطوفة على ﴿هذِهِ﴾ أي: فعجّل لكم هذه المغانم، ومغانم أخرى... إلخ. وكلام أبي البقاء، ومكي داخل في الوجوه المتقدمة. هذا؛ وقال الجلال-رحمه الله تعالى-: ﴿وَأُخْرى:﴾ صفة:\n ﴿مَغانِمَ﴾ مقدرا مبتدأ، وعليه تكون الجملة بعدها صفتها، والثانية خبرا.\n ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَقْدِرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قَدْ:﴾\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَحاطَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وانظر محل الجملتين فيما تقدم. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): ماض ناقص.\n ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرًا﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾","vol":"9","page":151},{"text":"مضاف إليه. ﴿قَدِيرًا:﴾ خبر: (كان)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو وإعادة لفظ الجلالة.\n\n<span id=\"aya-4605\"></span>﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ من أهل مكة، ولم يصالحوا في الحديبية. وقيل: هم غطفان، وأسد، الذين أرادوا نصرة أهل خيبر، ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ﴾ أي: لانهزموا، ولكانت الدائرة عليهم. ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا:﴾ يلي أمرهم. ﴿وَلا نَصِيرًا:﴾ ينصرهم. والمعنى: من تولى الله خذلانه؛ فلا ناصر له، ولا مساعد.\nالإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿قاتَلَكُمُ:﴾ ماض، والكاف مفعوله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَوَلَّوُا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (ولوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْأَدْبارَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب: (لو)، لا محلّ لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب: (لو)، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): صلة لتأكيد النفي، ﴿نَصِيرًا:﴾ معطوف على ما قبله.\n<span id=\"aya-4606\"></span>﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿سُنَّةَ اللهِ..﴾. إلخ: يعني: طريقة الله، وعادته السالفة نصر أوليائه على أعدائه.\nهذا؛ والسنة: الطريقة، والشريعة، والمذهب. قال خالد بن زهير الهذلي-وهو الشاهد رقم [٩٢٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] فلا تجز عن من سيرة أنت سرتها... فأوّل راض سنّة من يسيرها\nهذا؛ والسنة تكون حسنة، إن كانت في الخير كصلاة التراويح عشرين ركعة، وتكون سيئة إن كانت في الشر. وما أكثر السنن السيئة التي ابتدعها الناس في هذا الزمن. هذا؛ والاية مذكورة في سورة (الأحزاب) رقم [٦٢] انظرها وانظر الاية رقم [٤٣] من سورة (فاطر) ففيهما الكفاية.","vol":"9","page":152},{"text":"الإعراب: ﴿سُنَّةَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: سنّ الله ذلك سنة. و﴿سُنَّةَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿سُنَّةَ﴾. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة؛ التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّتِي:﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِسُنَّةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿تَبْدِيلًا﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و(سنة) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿تَبْدِيلًا:﴾ مفعول به، وجملة:\n (لن تجد...) إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4607\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ أي: الله هو الذي كفّ أيدي المشركين عنكم أيها المؤمنون، فلم يوقعوا فيكم. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ:﴾ فلم توقعوا فيهم قتالا؛ بمعنى: حجز الله بين الفريقين بقدرته، وحكمته. ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ:﴾ فيه قولان: أحدهما: يريد مكة. الثاني: يريد الحديبية لأنّ بعضها مضاف إلى الحرم. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أقدركم، وسلطكم عليهم، وأمكنكم من رقابهم. وخذ ما يلي:\nقال الخازن، ومثله في «أسباب النزول» للسيوطي: سبب نزول هذه الاية ما روي عن أنس بن مالك﵁أنّ ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غدرا بالنبي ﷺ وأصحابه، فأخذوا أسرى، فاستحياهم النبي ﷺ وعفا عنهم، فأنزل الله تعالى الاية الكريمة. تفرد بإخراجه مسلم.\nوقال عبد الله بن مغفل المزني: كنا مع النبي ﷺ في أصل الشجرة، التي قال الله في القرآن وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة، فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبي طالب﵁بين يديه، يكتب كتاب الصلح، فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم نبي الله ﷺ، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «هل جئتم في عهد، أو هل جعل لكم أحد أمانا؟». قالوا: اللهم لا، فخلّى سبيلهم. ومعنى الاية: أنّ الله ﷿ ذكر منّته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلوا، وحتى وقع الصلح بينهم الذي كان أعظم من الفتح. انتهى. خازن بتصرف. فهاتان روايتان بسبب نزول","vol":"9","page":153},{"text":"الاية، والأولى أقوى، فإنها من رواية مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وأما الثانية؛ فإنها من رواية أحمد، والنسائي.\nالإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿كَفَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَنْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿كَفَّ﴾. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، المفعول على المفعول، والمجرور على المجرور. ﴿بِبَطْنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿كَفَّ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من المصدر المفهوم من: ﴿كَفَّ،﴾ التقدير: حالة كون الكف كان ببطن، و(بطن) مضاف، و﴿مَكَّةَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما تعلق به ما قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿أَظْفَرَكُمْ:﴾ فعل ماض في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل الماضي في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الاية رقم [١١] وهي هنا مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4608\"></span>﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: قريشا. ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي: منعوكم من دخول المسجد الحرام عام الحديبية حين أحرم النبي ﷺ مع أصحابه بعمرة، ومنعوا الهدي، وحبسوه عن أن يبلغ محله. وهذا كانوا لا يعتقدونه، ولكنه حملتهم الأنفة، ودعتهم حمية الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه دينا، فوبخهم الله على ذلك، وتوعدهم عليه، وأدخل الأنس على رسول الله ﷺ ببيانه، ووعده.\n ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا:﴾ محبوسا، وكان النبي ﷺ قد ساق سبعين بدنة؛ ليذبحها في الحرم. ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ:﴾ بكسر الحاء: مكانه الذي يحل فيه نحره؛ أي: يجب، وهو الحرم، وهو بفتح الحاء الموضع الذي يحله الناس. هذا؛ وما حصل للنبي ﷺ وللمسلمين في هذه العمرة من صدّ قريش","vol":"9","page":154},{"text":"لهم عن الحرم يسمى: إحصارا، وذكرت في آية البقرة رقم [١٩٦] أن الإحصار من إتمام الحج، أو العمرة يكون بسبب عدو، أو مرض، ونحو ذلك، والمحصر يتحلل في مكانه بذبح شاة في مكان الإحصار عند الشافعي، وعند أبي حنيفة: محل الهدي الحرم، انظر آية (البقرة).\nهذا؛ وإن النبي ﷺ أمر المسلمين بالتحلل حينما منع من دخول مكة، وتمّ عقد الهدنة، والمصالحة بينه وبين قريش، ومن تلك الشروط أن يرجع عامه ذلك بدون عمرة، فعظم ذلك على المسلمين، وثقل عليهم، وتوقفوا عن التحلل، حتى غضب النبي ﷺ، فقالت له زوجه أم سلمة -﵂-: لو نحرت؛ لنحروا، ولو حلقت؛ لحلقوا، فنحر ﷺ بدنه، وحلق رأسه.\nقيل: إن الذي حلق له رأسه يومئذ خراش بن أمية بن أبي العيص الخزاعي، عندئذ تحلّل المسلمون بنحر هديهم، وحلق رؤوسهم، ودعا ﷺ للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين مرة واحدة.\n ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ يعني: المستضعفين من المسلمين المقيمين في مكة، الذين لم يتمكنوا من العمرة، كسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل، وأشباههم.\n ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ:﴾ لم تعرفوهم. ﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ أي: بالقتل، والإيقاع بهم. يقال: وطئت القوم، أي: أوقعت بهم. ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ:﴾ المعرة: العيب. أي: يقول المشركون:\nقد قتلوا أهل دينهم. وقيل: المعنى يصيبكم من قتلهم ما يلزمكم من أجله كفارة قتل الخطأ؛ لأن الله تعالى إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب؛ إذا لم يكن هاجر منها، ولم يعلم بإيمانه الكفارة دون الدية في قوله: ﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الاية رقم [٩٢] من سورة (النساء). والمعرة: الإثم والشدة.\nوقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ تفضيل للصحابة، وإخبار عن صفتهم الكريمة من العفة عن المعصية، والعصمة عن التعدي، حتى لو أنهم أصابوا من ذلك أحدا لكان من غير قصد، وهذا كما وصفت النملة جند سليمان-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في قولها: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ وهذا يسمى: احتراسا. ﴿لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ:﴾ قيل: المعنى: لم يأذن الله لكم في قتال المشركين؛ ليسلم بعد الصلح من قدر الله له أن يسلم من أهل مكة، وقد حصل ذلك حيث أسلم الكثير منهم وحسن إسلامهم، ودخلوا في رحمته؛ أي: جنته، كأمثال خالد﵁-.\n ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: تميز المؤمنون المستضعفون في مكة عن المشركين، وابتعدوا عنهم.\n ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا:﴾ بالقتل، والسبي بأيديكم، قال قتادة في الاية: إن الله تعالى يدفع بالمؤمنين عن الكفار، كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة، وقال علي﵁-: سألت النبي ﷺ عن هذه الاية: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا..﴾. إلخ، فقال: «هم المشركون من أجداد نبي الله، ومن كان بعدهم، وفي عصرهم كان في أصلابهم قوم مؤمنون،","vol":"9","page":155},{"text":"فلو تزيل المؤمنون عن أصلاب الكافرين لعذّب الله الكافرين عذابا أليما». وهذا الحديث يضعفه ما ذكرته في الاية رقم [٢١٩] من سورة (الشعراء)، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤٠] من سورة (الحج)، والاية رقم [٢٥١] من سورة (البقرة).\nهذا؛ وفي المصباح: زاله، يزاله، وزان: ناله، يناله زيالا: نحاه، وأزاله مثله، ومنه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ بافتراق، ولو كان من الزوال-وهو الذهاب-لظهرت الواو فيه، وزيّلت بينهم: فرقت، وزايلته: فارقته. انتهى جمل. وانظر شرح المسجد الحرام في الاية رقم [٢٥] من سورة (الحج).\nالإعراب: ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة:\n ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَصَدُّوكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (صدوكم): ماض، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْحَرامِ:﴾ صفة: ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿وَالْهَدْيَ:﴾\nمعطوف على الكاف، التقدير: وصدوا الهدي. وقيل: مفعول معه، ولا وجه لإمكان العطف من غير ضعف. وقرئ بجره عطفا على: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ ولا بدّ من تقدير مضاف محذوف؛ أي:\nوعن نحر الهدي، وقرئ برفعه على أنه مرفوع بفعل مقدر، لم يسمّ فاعله؛ أي: وصدّ الهدي.\n ﴿مَعْكُوفًا:﴾ حال من: (الهدى). ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَبْلُغَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الهدي). ﴿مَحِلَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وأن يبلغ في تأويل مصدر في محل نصب بدلا من: (الهدي)، والخبر محذوف، التقدير: موجودون.\nهذا وجه لمحل هذا المصدر، والوجه الثاني هو في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: عن أن يبلغ، أو من أن يبلغ، وهذا الجار المقدر يتعلق ب: (صدوكم)، أو يتعلق ب: ﴿مَعْكُوفًا﴾. والوجه الثالث أنه في محل نصب مفعول لأجله، وهو عند البصريين على تقدير: صدوا الهدي كراهة بلوغه محله، وعند الكوفيين التقدير: لئلا يبلغ محله. ومثل الاية الكريمة قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [٩٧] وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجلنا القرى أن تشتمونا\n ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿رِجالٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾\nصفة له مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿وَنِساءٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (نساء) معطوف على ما قبله. ﴿مُؤْمِناتٌ:﴾ صفة (نساء)، والخبر محذوف، التقدير: موجودون. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَعْلَمُوهُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة لما قبلها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَطَؤُهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله،","vol":"9","page":156},{"text":"والهاء مفعول به، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بدلا من الضمير المنصوب، ويجوز أن يكون بدلا من (رجال) و(نساء) التقدير: لم تعلموا وطأهم، والتقدير على الثاني: ولولا وطء رجال ونساء غير معلومين، وهو في الوجهين بدل الاشتمال، وفي جواب (لولا) ثلاثة أوجه: أحدها: أنه محذوف لدلالة جواب (لو) عليه، التقدير: لولا رجال\nإلخ لأذن لكم في قتالهم، لكن لم يأذن فيه. الثاني: أنه مذكور، وهو: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ وجواب (لو) هو المحذوف، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، ومن الثاني لدلالة الأول عليه. والثالث: أن قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا،﴾ جوابهما معا. وهو بعيد إن أراد حقيقة ذلك. وقال الزمخشري قريبا من هذا، فإنه قال: ويجوز أن يكون: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير ل: (لولا) رجال مؤمنون؛ لمرجعهما لمعنى واحد، ويكون: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ هو الجواب. ومنع الشيخ رجوعهما لمعنى واحد، قال: لأن ما تعلّق به الأول غير ما تعلق به الثاني. انتهى. جمل. ﴿فَتُصِيبَكُمْ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، والكاف مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَعَرَّةٌ:﴾ فاعله. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ يعني: أن تطؤوهم غير عالمين بهم. انتهى. كشاف. وأجاز السمين تعليقهما بمحذوف على أنه صفة ل: ﴿مَعَرَّةٌ﴾ وأن يكونا متعلقين بمحذوف حال من مفعول: (تصيبكم). و(غير):\nمضاف، و﴿عِلْمٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿لِيُدْخِلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، و«أن» المضمرة بعد لام التعليل، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، التقدير: كان الكف، ومنع التعذيب؛ ليدخل. ﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي يشاؤه.\n ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجملة: ﴿تَزَيَّلُوا﴾ لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ رأيت ما قيل فيها من أوجه. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في الموصول، ﴿عَذابًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-4609\"></span>﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾\nالشرح: قال الزمخشري في كشافه: والمراد بحمية الذين كفروا، وسكينته المؤمنين -والحمية: الأنفة. والسكينة: الوقار-ما روي: أن رسول الله ﷺ لما نزل بالحديبية؛ بعثت","vol":"9","page":157},{"text":"قريش سهيل بن عمرو القرشي، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأخيف على أن يعرضوا على النبي ﷺ أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلّي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك، وكتبوا بينهم كتابا، فقال النبي ﷺ لعليّ﵁-: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. ثم قال:\n «اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله ﷺ أهل مكة».\nفقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله؛ ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة. فقال النبي ﷺ: «اكتب ما يريدون، فأنا أشهد أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله». فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك، ويشمئزوا منه، فأنزل الله على رسوله وعلى المؤمنين السكينة، فتوقروا، وتحلموا.\nو﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ بسم الله الرحمن الرحيم، ومحمد رسول الله قد اختارها الله لنبيه ﷺ وللذين معه من أهل الخير، ومستحقيه، ومن هم أولى بالهداية من غيرهم. وقيل: هي كلمة الشهادة. وعن الحسن﵁كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد، ومعنى إضافتها إلى التقوى: أنها سبب التقوى، وأساسها. وقيل: كلمة أهل التقوى. انتهى.\nومعنى (ألزمهم): اختار لهم كلمة الإيمان، والثبات عليها، فهو إلزام إكرام، وتشريف.\n ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها:﴾ من غيرهم أي في علم الله؛ لأنّ الله تعالى اختارهم لدينه. و(أهلها) عطف تفسيري ل: ﴿أَحَقَّ بِها،﴾ أو الضمير في ﴿بِها﴾ لكلمة التوحيد، وفي (أهلها) للتقوى فلا تكرار، فلا يرد: ما فائدة قوله: ﴿وَأَهْلَها﴾ بعد قوله ﴿أَحَقَّ بِها﴾. انتهى. جمل. ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يعني: من أمر الكفار، وما كانوا يستحقونه من العقوبة، وأمر المؤمنين، وما يستحقونه من المثوبة، والأجر، والفضل. وانظر شرح ﴿السَّكِينَةَ﴾ في الاية رقم [٤].\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: (عذبنا)، أو بالفعل: (صدوكم)، أو ب: «اذكر» محذوفا. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي قُلُوبِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جَعَلَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف مفعول ثان تقدم على الأول على اعتباره بمعنى: «صير» وتعدى إلى مفعولين، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْحَمِيَّةَ:﴾\nمفعول به. ﴿الْحَمِيَّةَ:﴾ بدل مطابق، و﴿الْحَمِيَّةَ﴾ مضاف، و﴿الْجاهِلِيَّةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ:﴾\nماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ، فهي في محل جر مثلها.\nوعند التأمل يتبين لك: أن الجملة معطوفة على شيء مقدر؛ أي: فهمّ المسلمون أن يخالفوا كلام الرسول في الصلح، وكادوا أن يهلكوا... فأنزل الله... إلخ. ﴿سَكِينَتَهُ:﴾ مفعول به،","vol":"9","page":158},{"text":"والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى رَسُولِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: (أنزل)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ألزمهم): ماض، ومفعوله الأول، والفاعل يعود إلى الله. ﴿كَلِمَةَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. و﴿كَلِمَةَ﴾ مضاف، و﴿التَّقْوى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (كانوا): ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَحَقَّ:﴾ خبر (كان).\n ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَحَقَّ﴾. ﴿وَأَهْلَها:﴾ الواو: حرف عطف. (أهلها): معطوف على ﴿أَحَقَّ،﴾ و(ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٢١].\n\n<span id=\"aya-4610\"></span>﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: سبب نزول هذه الاية: أن رسول الله ﷺ رأى في المنام؛ وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية: أنه يدخل المسجد الحرام، هو وأصحابه آمنين، ويحلقون رؤوسهم، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا، وحسبوا: أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، فلما انصرفوا، ولم يدخلوا؛ شق عليهم ذلك، وقال عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نفيل، ورفاعة بن الحارث-وهم منافقون-: والله ما حلقنا، ولا قصرنا، ولا رأينا المسجد الحرام! فنزلت الاية الكريمة، ودخل في العام المقبل.\nوروي عن مجمع بن حارثة الأنصاري﵁-، قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ، فلما انصرفنا عنها، إذ الناس يهزون الأباعر، فقال بعضهم: ما بال الناس؟! قال: أوحي إلى رسول الله ﷺ. قال: فخرجنا نرجف، فوجدنا النبي ﷺ واقفا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع الناس؛ قرأ: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فقال عمر﵁-: أهو فتح يا رسول الله؟! قال: نعم والذي نفسي بيده! ففيه دليل على أن المراد من الفتح: هو صلح الحديبية، وتحقيق الرؤيا كان في العام المقبل.\nهذا؛ وقوله تعالى: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ ليس استثناء، وإنما هو للتأكيد. ﴿آمِنِينَ﴾ أي: من العدو. ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ:﴾ التحليق، والتقصير جميعا للرجال، والحلق أفضل للرجال؛ لأنّ النبي ﷺ دعا للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين في الرابعة، وليس للنساء إلاّ التقصير. ﴿لا﴾","vol":"9","page":159},{"text":"﴿تَخافُونَ:﴾ عدوكم. ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أي: علم ما في التأخير الدخول من الخير والصلاح الذي لم تعلموه أنتم، وذلك أنه ﷺ لما رجع مضى منها إلى خيبر، فافتتحها، ورجع بأموال خيبر، وأخذ من العدة والقوة أضعاف ما كان فيه في ذلك العام، وأقبل على مكة بأهبة، وقوة، وعدة بأضعاف ذلك. ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي: دخول الحرم الذي رآه النبي ﷺ في المنام.\n ﴿فَتْحًا قَرِيبًا:﴾ هو صلح الحديبية قاله أكثر المفسرين. وقيل: هو فتح مكة. وقيل: هو فتح خيبر، والمعتمد الأول.\nهذا؛ ولما كان في ذي القعدة من سنة سبع خرج النبي ﷺ إلى مكة معتمرا عمرة القضاء هو، وأهل الحديبية الذين كانوا معه حين صدّوا، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي، وكان ستين بدنة، فلبّى، وصار الناس يلبّون، فلما كان ﷺ قريبا من مرّ الظهران بعث محمد بن مسلمة﵁بالخيل، والسلاح أمامه، فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا، وظنّوا:\nأن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد؛ الذي بينه، وبينهم من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا، فأخبروا أهل مكة، فبعثت قريش مكرز بن حفص، فقال: يا محمد! ما عرفناك تنقض العهد! فقال: وما ذاك؟ قال: دخلت علينا بالسلاح، والقسيّ، والرماح، فقال: لم يكن ذلك، وقد بعثنا به إلى يأجج، فقال: بهذا عرفناك بالبر، والوفاء.\nولما دخل رسول الله ﷺ مكة، خرجت رؤوس قريش من مكة؛ لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه﵃غيظا، وحنقا، وأما بقية أهل مكة من الرجال، والنساء، والولدان، فجلسوا في الطرق، وعلى البيوت ينظرون إليهم، فدخلها ﷺ وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى، وهو راكب ناقته القصواء، التي كان ركبها في الحديبية، وعبد الله بن رواحة﵁آخذ بزمامها، يقودها، وهو يقول: [الرجز] خلّوا بني الكفار عن سبيله... إنّي شهيد أنّه رسوله\nخلّوا فكلّ الخير في رسوله... يا ربّ إني مؤمن بقيله\nنحن قتلناكم على تأويله... كما قتلناكم على تنزيله\nضربا يزيل الهام عن مقيله... ويذهل الخليل عن خليله\nروى الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-عن ابن عباس﵄قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمّى يثرب، ولقوا منها سوآ، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا، وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله تعالى نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة؛ ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين","vol":"9","page":160},{"text":"حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلاّ إبقاء عليهم، فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم: أن الحمّى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا، وكذا. أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، ثم رجع ﷺ وأصحابه إلى المدينة بعد أن أقاموا ثلاثة أيام في مكة المكرمة، وبقيت سنّة الرّمل إلى يوم القيامة.\nهذا؛ وفي تعليق الوعد بالمشيئة مع أنّ الله تعالى خالق للأشياء كلها، وعالم بها قبل وقوعها أقوال كثيرة.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:\nوالله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿صَدَقَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله.\n ﴿رَسُولَهُ:﴾ مفعوله الأول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الرُّؤْيا:﴾ مفعوله الثاني منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين باللام. هذا؛ وإن الفعل ﴿صَدَقَ﴾ نصب مفعولين حملا على نقيضه: «كذب» بالتخفيف، وهذا غريب؛ لأنه لم يعهد تعدّي المخفف إلى مفعولين، والمشدد إلى واحد، بل المعروف: أن التضعيف يعدي اللازم إلى واحد، والمتعدي لواحد إلى مفعولين.\n ﴿بِالْحَقِّ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أن يتعلقا ب: (صدق). الثاني: أن يكونا متعلقين بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف؛ أي: صدقا ملتبسا بالحق. الثالث: أن يتعلقا بمحذوف حال من الرؤيا؛ أي: ملتبسة بالحق. الرابع: أنهما متعلقان بمحذوف، تقديره: أقسم، على أنّ الباء حرف قسم وجر، وجملة: ﴿لَتَدْخُلُنَّ..﴾. إلخ، جواب هذا القسم، وعلى هذا يوقف على ﴿الرُّؤْيا﴾ ويبتدأ بما بعدها. انتهى. جمل نقلا من السمين بتصرف كبير مني. ﴿لَتَدْخُلُنَّ:﴾ اللام:\nواقعة في جواب القسم المحذوف، أو المذكور، أعني: ﴿بِالْحَقِّ﴾. ﴿لَتَدْخُلُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية جواب قسم محذوف على الوجوه الثلاثة في تعليق ﴿بِالْحَقِّ،﴾ وجواب ﴿بِالْحَقِّ﴾ على الوجه الرابع فيه. وعلى جميع الوجوه؛ فهذا القسم مؤكد للقسم السابق. وقال أبو البقاء: تفسير للرؤيا. ﴿الْمَسْجِدَ:﴾ مفعول به، وانظر الاية رقم [٧٠] من سورة (الزخرف). ﴿الْحَرامَ:﴾ صفة: ﴿الْمَسْجِدَ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة المقام عليه.\nوالجملة الشرطية معترضة بين الحال، وعاملها. والغرض منها التأكيد، والتبرك لا الاستثناء، وفيه أيضا تعليم للعباد أن يقولوا مثل ذلك في جميع شؤونهم.","vol":"9","page":161},{"text":"﴿آمِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة في ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾. ﴿مُحَلِّقِينَ:﴾ حال ثانية من واو الجماعة، أو من الضمير المستتر ب: ﴿آمِنِينَ﴾ فهي حال متداخلة، وحال مقدرة. انظر أنواع الحال في الاية رقم [٨] وفاعل الحالين ضمير مستتر تقديره: «أنتم». ﴿رُؤُسَكُمْ:﴾ مفعول به ل: ﴿مُحَلِّقِينَ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَمُقَصِّرِينَ:﴾ معطوف على ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ منصوب مثله، وعلامة النصب في الثلاثة الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنها جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعل: (مقصرين) مستتر فيه، ومفعوله محذوف لدلالة المقام عليه. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿تَخافُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿لَتَدْخُلُنَّ،﴾ أو من الضمير المستتر في: ﴿آمِنِينَ،﴾ أو في: ﴿مُحَلِّقِينَ،﴾ أو في:\n (مقصرين)، فإن كانت حالا من فاعل ﴿لَتَدْخُلُنَّ،﴾ أو من الضمير في: ﴿آمِنِينَ،﴾ فهي حال مؤكدة، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿فَعَلِمَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (علم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فَعَلِمَ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَعْلَمُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿فَعَلِمَ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: علم الذي، أو شيئا لم تعلموه، وجملة: (علم...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. (جعل): ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا.\n ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿فَتْحًا:﴾ مفعول به.\n ﴿قَرِيبًا:﴾ صفة له، وجملة: (جعل...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4611\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ..﴾. إلخ: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: هذا لبيان صدق الرؤيا، وذلك أن الله لا يري رسوله ﷺ ما لا يكون، فيحدث الناس، فيقع خلافه، فيكون سببا للضلال، فحقق الله أمر الرؤيا بقوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ﴾ وبقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. وفيه بيان وقوع الفتح ودخول مكة. انتهى. والمعنى: أن الله ﷿ هو الذي بعث محمدا ﷺ بالنور، والقرآن. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: دين الإسلام؛ ليعليه على جميع الأديان بالحجج الدامغات، والبراهين الساطعات، فتصير الأديان كلها دونه. ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ أي: في أن محمدا ﷺ رسول الله. وفيه تسلية لقلوب المؤمنين","vol":"9","page":162},{"text":"حينما تأذوا من قول المشركين: لو نعلم أنه رسول الله ما صددناه عن البيت. هذا؛ وفي الاية الكريمة وعد من الله لرسوله ﷺ بإعلاء دينه. وقد حقق الله وعده، ونصر عبده. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٥١] من سورة (غافر) عن الصابوني.\nتنبيه: قال أبو هريرة، والضحاك: هذا (أي: ما ذكر في الاية الكريمة) عند نزول عيسى ﵇. وقال السدي: ذاك عند خروج المهدي، ولا يبقى أحد إلاّ دخل في الإسلام. وأيد ذلك القرطبي، وذكره الزمخشري بلفظ: قيل. ولا تنس: أن الاية مذكورة في سورة (التوبة) برقم [٣٣] وفي سورة (الصف) برقم [٩].\nهذا؛ والفعل (كفى) في هذه الاية ونحوها هو بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ الاية رقم [٥٣] من سورة (فصلت)، وقد يأتي بمعنى حسب، وهو في هذه الصيغة، وهو يكون قاصرا، لا يتعدى بنفسه إلى المفعول به، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول سحيم بن وثيل الرياحي عبد بني الحسحاس، وهذا هو الشاهد رقم [١٦٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] عميرة ودّع إن تجهزت غازيا... كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا\nهذا وقد يأتي الفعل متصرفا بمعنى: يجزي، ويغني، فيتعدى لواحد، ولا تزاد الباء في فاعله، كما هو في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٦٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر] قليل منك يكفيني ولكن... قليلك لا يقال له قليل\nوإذا كان بمعنى: وقى، أو: قام بكفايته في شأن من الشؤون فإنه يكون متعديا لمفعولين، كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ رقم [٢٥] من سورة (الأحزاب).\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿أَرْسَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿رَسُولَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْهُدى:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولَهُ﴾. (دين): معطوف على ما قبله، و(دين): مضاف. ﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِيُظْهِرَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:\n ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿عَلَى الدِّينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُلِّهِ:﴾ توكيد ل: (دين) لأنه بمعنى جميع الأديان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: حرف استئناف. (كفى): فعل ماض","vol":"9","page":163},{"text":"مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الصلة.\n ﴿شَهِيدًا:﴾ تمييز. وقيل: حال، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4612\"></span>﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ أي: حقا، وصدقا. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [١٥٧] من سورة (الأعراف)، من ذكره في التوراة، والإنجيل. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ:﴾ المراد بهم: الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم. ﴿أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ﴾ أي: غلاظ أقوياء. ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي:\nمتعاطفون، متوادون بعضهم لبعض، كالوالد مع الولد، كما قال تعالى في حقهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ الاية رقم [٥٤] من سورة (المائدة). وعن أبي الحسن﵁- أنه قال: بلغ من تشددهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من تراحمهم فيما بينهم: أنهم كانوا لا يرى مؤمن مؤمنا إلاّ صافحه، وعانقه. ومن حق المسلمين في كل زمان، ومكان أن يراعوا هذا التشدد، وهذا التعطف، فيتشددوا على من ليس على ملتهم، ودينهم، ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر، والصلة، وكف الأذى، والمعونة، والاحتمال، والأخلاق السجية. انتهى. من الكشاف. وخذ قول النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمّى، والسّهر». أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير﵄-. وفي الحديث الصحيح: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا».\n ﴿تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أي: هم مشغولون بالصلاة في أكثر أوقاتهم. ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ يطلبون.\n ﴿فَضْلًا مِنَ اللهِ﴾ يعني: الجنة. ﴿وَرِضْوانًا﴾ أي: أن يرضى الله عنهم. وفيه لطيفة، وهو أنّ المخلص بعمله لله يطلب أجره من الله تعالى، والمرائي لا يبتغي له أجرا، ولا يطلب من الله رضوانا. ﴿سِيماهُمْ﴾ أي: علامتهم. ﴿فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ:﴾ اختلفوا في هذه العلامة على وجهين: أحدهما: أنّ المراد في يوم القيامة. قيل: هي نور، وبياض في وجوههم يعرفون به يوم القيامة: أنهم سجدوا لله في الدنيا. وهي رواية عن ابن عباس﵄-. وقيل: تكون","vol":"9","page":164},{"text":"مواضع السجود في وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقيل: يبعثون غرا محجلين يوم القيامة يعرفون بذلك.\nوالقول الثاني: أنّ ذلك في الدنيا، وذلك: أنهم استنارت وجوههم بالنهار من كثرة الصلاة بالليل. وقيل: هو السمت الحسن، والخشوع، والتواضع. قال ابن عباس﵄-:\nليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام، وسجيته، وسمته، وخشوعه. والمعنى: أنّ السجود أورثهم الخشوع، والسمت الحسن يعرفون به. وقيل: هو صفرة الوجه من سهر الليل، ويعرف ذلك في رجلين: أحدهما سهر الليل في الصلاة، والعبادة، والاخر في اللهو، واللعب، فإذا أصبحا ظهر الفرق بينهما، فيظهر في وجه المصلي نور وضياء، وعلى وجه الذي سهر في اللهو، واللعب ظلمة. قال عطاء الخراساني: دخل في هذه الاية من حافظ على الصلوات الخمس.\nوقال بعضهم: إنّ للحسنة نورا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق. وللسيئة ظلمة في القلب، وسواد في الوجه، وضيق في الرزق، وكراهية في قلوب الخلق. وقال عثمان﵁-: ما أسر أحد سريرة إلاّ أبداها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. وقال عمر﵁-: من أصلح سريرته؛ أصلح الله علانيته. وقال النبي ﷺ: «ما أسرّ أحد سريرة إلاّ ألبسه الله تعالى رداءها، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ».\nأخرجه الطبراني عن جندب بن سفيان البجلي﵁-.\nفالصحابة الكرام﵃خلصت نياتهم، وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم، وهديهم. قال الإمام مالك﵁-: بلغني: أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا! وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها، وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ، ولذا قال تعالى هنا: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾ ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾.\nهذا؛ وجاء في التوراة في صفة أمة محمد ﷺ: دويهم في مساجدهم كدوي النحل. وفي رواية: أصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وإذا همّ أحدهم بحسنة فلم يعملها؛ كتبت له حسنة واحدة، فإن عملها؛ كتبت له عشرا، وإذا همّ بسيئة، فلم يعملها، كتبت له حسنة، وإن عملها؛ كتبت عليه سيئة واحدة، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالكتاب الأول (أي: بجنس الكتب السابقة) والكتاب الاخر. وهو القرآن.\nهذا؛ وروى الإمام أحمد، وغيره بإسناد صحيح: أن الله تعالى قال لعيسى ﵇: «يا عيسى! إني باعث بعدك أمة، إن أصابهم ما يحبون؛ حمدوا، وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون؛ صبروا، واحتسبوا، ولا حلم، ولا علم. قال: كيف يكون لهم هذا، ولا حلم، ولا علم؟! قال: أعطيهم من حلمي، وعلمي». انتهى. زيني دحلان ج ١ ص ١٤٧. هذا؛ وفي","vol":"9","page":165},{"text":"«الترغيب والترهيب» أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء﵁-. قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إن الله ﷿، قال: يا عيسى...». ثم قال: صحيح على شرط البخاري.\nهذا؛ وفي المختار: شطء الزرع والنبات: فراخه. وقال الأخفش: طرفه. وأشطأ الزرع:\nخرج شطؤه. وفي القاموس: الشطء: فراخ النخل، والزرع، أو ورقه. وشطأ، كمنع، وشطئا، وشطوآ: أخرجها. ومن الشجر ما خرج حول أصله، والجمع: أشطاء. وقال زاده: يقال:\nأفرخ الزرع، وفرخ إذا تشقق وخرج منه فرعه، فأول ما ينبت يكون بمنزلة الأم، وما تفرع منه بمنزلة أولاده، وأفراخه، والفرخ في الأصل: ولد الطائر.\n ﴿فَآزَرَهُ:﴾ فقواه، وأعانه. ﴿فَاسْتَغْلَظَ:﴾ غلظ، وقوي. ﴿فَاسْتَوى:﴾ قوي، واستقام. ﴿عَلى سُوقِهِ:﴾ على أصوله، جمع: ساق. ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ أي: زرّاعه لحسنه. وفي الكشاف: هذا مثل ضربه الله لبدء الإسلام، وترقيه في الزيادة إلى أن قوي، واستحكم؛ لأن النبي ﷺ قام وحده، ثم قواه الله بمن معه، كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها.\nقال قتادة-رحمه الله تعالى-: مثل أصحاب محمد ﷺ في الإنجيل مكتوب: إنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر.\n ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ المعنى: قواهم الله، وكثرهم، ورفع شأنهم؛ ليغيظ بهم الكفار. قال مالك بن أنس﵁-: من أصبح؛ وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله ﷺ، فقد أصابته هذه الاية. فهو يعني: أنه كافر. وجاء في مختصر ابن كثير ما يلي: ومن هذه الاية انتزع الإمام مالك ﵀ تكفير الروافض؛ الذين يبغضون الصحابة﵃قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الاية. ووافقه طائفة من العلماء﵃- على ذلك.\nوالأحاديث في فضل الصحابة﵃-، والنهي عن التعرض لهم بمساويهم كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم، كيف لا؟ والله يقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ﴾ (من) هذه لبيان الجنس، وليست للتبعيض. ﴿مَغْفِرَةً:﴾ لذنوبهم. ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابا جزيلا، ورزقا كريما، ووعد الله حقّ وصدق، لا يخلف، ولا يبدل. وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم، ولهم الفضل، والسبق، والكمال؛ الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمّة. وخذ ما يلي: عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي فو الّذي نفسي بيده، لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا؛ ما أدرك مدّ أحدهم، ولا نصيفه». أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا من بعدي، فمن أحبّهم، فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني؛ فقد آذى الله، ومن آذى الله؛ فيوشك أن يأخذه» أخرجه الترمذي.","vol":"9","page":166},{"text":"فائدة: من الطرائف ما حكي عن بعض المذكّرين قال: إنّ النبي ﷺ قال: «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها هلك»، وقال: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم». ونحن في بحر التكليف، وتضربنا أمواج الشبهات، والشهوات، وراكب البحر يحتاج إلى أمرين: أحدهما السفينة الخالية من العيوب، وثانيهما الكواكب الطالعة النيرة، فإذا ركب المرء تلك السفينة، ووضع بصره على تلك الكواكب؛ كان رجاء السلامة غالبا، فلذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ﷺ، ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة يرجون السلامة في الدنيا، والاخرة، وهذا ما نؤمله من فضله تعالى، وكرمه، وجوده، وإنعامه.\nالإعراب: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ:﴾ مبتدأ، وخبر، و﴿رَسُولُ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَشِدّاءُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿عَلَى الْكُفّارِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَشِدّاءُ﴾.\n ﴿رُحَماءُ:﴾ خبر ثان. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿رُحَماءُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.\nهذا؛ وجه للإعراب، والوجه الثاني اعتبار ﴿مُحَمَّدٌ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هو ﴿مُحَمَّدٌ،﴾ و﴿رَسُولُ﴾ نعت له، وعلى هذين الوجهين يوقف على لفظ الجلالة، ويبتدأ بما بعده، ويكون الإخبار بالصفات الاتية عن الموصول؛ أي: الذين مع النبي ﷺ، والنبي أرفع درجة منهم؛ لأنهم إنما أدركوا هذه الدرجة به وعلى يديه ﷺ. والوجه الثالث: اعتبار ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مبتدأ، و﴿رَسُولُ﴾ نعت له، و(الذين) معطوف عليه، و﴿أَشِدّاءُ﴾ خبر الابتداء عن الجميع، و﴿رُحَماءُ:﴾\nخبر ثان عنهم، فيكون النبي ﷺ داخلا معهم في جميع ما أخبره عنهم من الشدة، والرحمة، والركوع، والسجود، وضرب الأمثال المذكورة. هذا؛ وقال أبو البقاء: ويقرأ: «(أشداء)» و«(رحماء)» بالنصب عطفا على الحال من الضمير المرفوع في الظرف، وهو معه. وبه قال القرطبي، وعزا القراءة للحسن.\n ﴿تَراهُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثالث ل: (الذين)، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿أَشِدّاءُ﴾ و﴿رُحَماءُ،﴾ أو هي مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا:﴾ حالان من الضمير المنصوب. ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز بسابقتها. ﴿فَضْلًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَضْلًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. (رضوانا): معطوف على ما قبله.\n ﴿سِيماهُمْ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي وُجُوهِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صالحة لما صلح","vol":"9","page":167},{"text":"قبلها من جمل. ﴿مِنْ أَثَرِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، و﴿أَثَرِ﴾ مضاف، و﴿السُّجُودِ﴾ مضاف إليه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿مَثَلُهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي التَّوْراةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَثَلُهُمْ﴾ والعامل اسم الإشارة. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿مَثَلُهُمْ﴾ مبتدأ ثانيا، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿وَمَثَلُهُمْ:﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره الجار، والمجرور ﴿كَزَرْعٍ،﴾ فيوقف على قوله: ﴿فِي التَّوْراةِ﴾ فهما مثلان، وإليه ذهب ابن عباس﵄-.\nوالثاني: أنه معطوف على: ﴿مَثَلُهُمْ﴾ الأول، فيكون مثلا واحدا في الكتابين، ويوقف حينئذ على: ﴿فِي الْإِنْجِيلِ،﴾ وإليه نحا مجاهد، والفراء، ويكون قوله: ﴿كَزَرْعٍ﴾ على هذا فيه أوجه:\nأحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر؛ أي: مثلهم كزرع، فسر به لمثل المذكور في الإنجيل.\nالثاني: أنه حال من الضمير في (مثلهم) أي مماثلين زرعا هذه صفته. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف؛ أي: تمثيلا كزرع. ذكره أبو البقاء. ﴿أَخْرَجَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الزرع)، والجملة الفعلية صفة (زرع). ﴿شَطْأَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿فَآزَرَهُ:﴾\nالفاء: حرف عطف. (آزره): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الزرع)، والهاء مفعول به، وهي عائدة إلى: ﴿شَطْأَهُ﴾. قاله السمين. وعكس النسفي، فجعل المستتر للشطء، والبارز للزرع، ولعله أقوى، وأنسب، فإن العادة: أن الأصل يتقوى بفروعه، فهي تعينه، وتقويه. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وأيضا جملة (استغلظ) و(استوى على سوقه) معطوفتان عليها، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعل (استوى) أي: قائما على سوقه. ﴿يُعْجِبُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: (زرع). ﴿الزُّرّاعَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (زرع) بعد وصفه بما تقدم، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿لِيَغِيظَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ و«أن» المضمرة، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: إنما قواهم، وكثرهم؛ ليغيظ. وقيل: تقديره: شبهوا بذلك؛ ليغيظ. وقيل:\nمتعلقان بالفعل: ﴿وَعَدَ﴾ بعدهما؛ لأن الكفار إذا سمعوا بعز المؤمنين في الدنيا، وما أعدّ لهم في الاخرة؛ غاظهم ذلك. وقيل: متعلقان بما يدلّ عليه قوله: ﴿أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ..﴾. إلخ؛ أي:\nجعلهم الله بهذه الصفات؛ ليغيظ... إلخ. انتهى. جمل. وقدره القرطبي بقوله: فعل الله هذا لمحمد، وأصحابه؛ ليغيظ بهم. ﴿بِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكُفّارِ:﴾ مفعول به.","vol":"9","page":168},{"text":"﴿وَعَدَ:﴾ ماض. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَعَمِلُوا:﴾\nماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿مَغْفِرَةً:﴾ مفعول به. (أجرا): معطوف على ما قبله. ﴿عَظِيمًا:﴾ صفة (أجرا). تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.\nخاتمة: قد جمعت هذه الاية، وهي ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ..﴾. إلخ، جميع حروف المعجم، وفي ذلك بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم، وعلو نصرهم﵃-، وحشرنا معهم نحن، ووالدينا، ومحبينا، وجميع المسلمين بمنه، وكرمه.\nوهذا آخر القسم الأول من القرآن، وهو المطول وقد ختم كما ترى بسورتين هما في الحقيقة للنبي ﷺ، وحاصلهما الفتح بالسيف، والنصر على من قاتله ظاهرا، كما ختم القسم الثاني بسورتين هما نصره له ﷺ بالحال على من قصده بالضر باطنا. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب.\nانتهت سورة (الفتح) شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4233>سورة الحجرات</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الحجرات) وهي مدنية بالإجماع، وهي ثماني عشرة آية، وثلاثمئة، وثلاث وأربعون كلمة، وألف وأربعمئة، وسبعون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4613\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ ذكر هذا اللفظ في هذه السورة خمس مرات، والمخاطب فيها المؤمنون، والمخاطب به أمر، أو نهي، وذكر فيها: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ مرة، والخطاب فيها يعم المؤمنين، والكافرين، كما أنّ المخاطب به، وهو قوله: ﴿إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ يعمهما؛ فناسب فيها ذكر الناس. انتهى. جمل.\n ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ من: قدم بمعنى: تقدم، وجرت هذه العبارة هنا على سنن من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلا؛ أي: استعارة تمثيلية، شبه تعجل الصحابة في إقدامهم على قطع الحكم في أمر من أمور الدين بغير إذن الله، ورسوله بحالة من تقدم بين يدي متبوعه؛ إذا سار في طريق فإنه في العادة مستهجن، ثم استعمل في جانب المشبه ما كان مستعملا في جانب المشبه به من الألفاظ، والغرض تصوير كمال الهجنة، وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله. انتهى. جمل.\nوفيه أيضا نقلا عن الخطيب: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ معناه: بحضرتهما؛ لأن ما يحضره الإنسان، فهو بين يديه، ناظر إليه. وحقيقة قولهم: جلست بين يدي فلان أن تجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره، وداناه في غير موضع. انتهى.\nواختلف في أسباب نزول الاية على أقوال كثيرة: عن جابر بن عبد الله﵄أنها نزلت في الذبح يوم الأضحى؛ أي: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي ﷺ. وذلك أن ناسا ذبحوا قبل أن يصلي النبي ﷺ، فأمروا أن يعيدوا الذبح. فعن البراء بن عازب﵁قال: قال رسول الله","vol":"9","page":170},{"text":"ﷺ: «إنّ أوّل ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي، ثمّ نرجع، فننحر، فمن فعل ذلك؛ فقد أصاب سنّتنا، ومن ذبح قبل أن يصلّي؛ فإنّما هو لحم عجّله لأهله ليس من النّسك في شيء». متفق عليه.\nوروي عن عائشة﵂-: أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك؛ أي: لا تصوموا قبل نبيكم. فعن عمار بن ياسر﵁قال: (من صام في اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ). أخرجه أبو داود، والترمذي. وقيل: نزلت الاية في ناس كانوا يقولون: لو نزل فيّ كذا، أو صنع كذا، وكذا، فكره الله ذلك منهم.\nوقيل في سبب نزول هذه الاية: ما روي عن عبد الله بن الزبير﵄أنه قدم وفد بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر﵁أمّر القعقاع بن معبد، وقال عمر﵁-: بل أمّر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا؛ حتى ارتفعت أصواتهما. أخرجه البخاري، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء. و(ها): حرف تنبيه لا محلّ له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من: (أيها)، وانظر الاية رقم [١٣] وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿لا:﴾\nناهية. ﴿تُقَدِّمُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، اقتصارا، أو اختصارا، مثل قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وقولهم: هو يعطي، ويمنع، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿يَدَيِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، ﴿يَدَيِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف عليه. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿سَمِيعٌ:﴾ خبر أول. ﴿عَلِيمٌ:﴾\nخبر ثان، والجملة الاسمية تعليل لما قبلها، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4614\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ..﴾. إلخ: نادى الله المؤمنين الصادقين ثانية؛ استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتحريك منهم؛ لئلا يغفلوا عن تأملهم. والمعنى: لا تجعلوا","vol":"9","page":171},{"text":"كلامكم مرتفعا على كلام النبي ﷺ في الخطاب، وذلك؛ لأن رفع الصوت دليل على قلة الاحتشام، وترك الاحترام. وقوله تعالى في الاية السابقة: ﴿لا تُقَدِّمُوا..﴾. إلخ نهي عن فعل، وقوله هنا: ﴿لا تَرْفَعُوا..﴾. إلخ نهي عن قول.\n ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ..﴾. إلخ، أمرهم الله أن يبجلوه، ويفخموه، ويعظموه، ولا يرفعوا أصواتهم عنده، ولا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا، فيقول: يا محمد، بل يقولون: يا رسول الله! يا نبي الله! قال تعالى في سورة (النور) رقم [٦٣]: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ انظر شرحها هناك. ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ﴾ أي: مخافة أن تحبط أعمالكم. انظر شرح:\n (حبط) في الاية رقم [٩] من سورة (محمد ﷺ). ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ:﴾ وأنتم لا تعلمون.\nقال ابن عباس﵄-: لما نزلت هذه الاية؛ قال أبو بكر﵁-:\nيا رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار، أو أخا السرار، حتى ألقى الله! وعن عمر﵁-: أنه كان يكلم النبي ﷺ بعد ذلك كأخي السرار، لا يسمعه حتى يستفهمه، وروي أيضا:\nلما نزلت الاية الكريمة قعد ثابت بن قيس بن شماس في بيته، وكان جهوري الصوت، وقال: أنا من أهل الاية، واحتبس عن النبي ﷺ، فسأل عنه النبي ﷺ سعد بن معاذ﵁فقال:\nيا أبا عمرو ما شأن ثابت؛ أيشتكي؟ فقال سعد﵁-: إنه لجاري، وما علمت له شكوى! قال، فأتاه سعد، فذكر له قول الرسول ﷺ، فقال ثابت﵁-: نزلت هذه الاية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار! فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «بل هو من أهل الجنّة». متفق عليه، زاد في رواية «فكنّا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة». وفي رواية أخرى: فقال رسول الله ﷺ: «ما يبكيك يا ثابت؟» فقال: أنا صيّت، وأتخوف أن تكون هذه الاية نزلت فيّ! فقال رسول الله ﷺ: «أما ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة» فقال: رضيت ببشرى الله، ورسوله، لا أرفع صوتي على رسول الله ﷺ أبدا، فنزلت الاية التالية.\nفقال أنس﵁-: فكنّا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة؛ رأى ثابت﵁من المسلمين بعض انكسار، وانهزمت طائفة منهم، فقال: أفّ لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله ﷺ مثل هذا، ثم ثبتا، وقاتلا؛ حتى قتلا، واستشهد ثابت، وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام، فقال له: اعلم أنّ درعي عند فلان رجل من المسلمين نزعه مني، فذهب به، وهو في ناحية من العسكر عند فرس يستن في طوله، فأت خالد ابن الوليد، فأخبره حتى يسترد درعي، وائت أبا بكر، وقل له: إن عليّ دينا حتى يقضيه عني، وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالدا، فوجد الدرع، والفرس على ما وصفه، فاسترد","vol":"9","page":172},{"text":"الدرع، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر﵁وصيته. قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف مني.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ مثل الاية السابقة بلا فارق. ﴿أَصْواتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿فَوْقَ﴾ مضاف، و﴿صَوْتِ:﴾ مضاف إليه، و﴿صَوْتِ:﴾ مضاف، و﴿النَّبِيِّ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا تَجْهَرُوا:﴾ مثل سابقه في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لَهُ بِالْقَوْلِ:﴾\nكلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَجَهْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: جهرا كائنا كجهر... إلخ، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلاّ في مواضع محصورة، وليس هذا منها، و(جهر): مضاف، و﴿بَعْضِكُمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالمصدر قبلهما، والمصدر المؤول من:\n ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ﴾ في محل جر بإضافته لمفعول لأجله محذوف عند البصريين، التقدير:\nكراهية إحباط أعمالكم، وهو على تقدير: لئلا تحبط عند الكوفيين. قال الزمخشري: وفي متعلقه وجهان: أحدهما أن يتعلق بمعنى النهي، فيكون المعنى: انتهوا عمّا نهيتم عنه لحبوط أعمالكم؛ أي: لخشية حبوطها. والثاني أن يتعلق بنفس الفعل، ويكون المعنى: إنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف الواقعة في محل جر بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4615\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ:﴾ نزلت هذه الاية الكريمة في مدح المسلمين الذين أدبتهم الايتان السابقتان، وعلى رأسهم الصديق، والفاروق، وثابت بن قيس، كما رأيت فيما سبق. ومعنى غض الصوت: خفضه، وعدم الجهر به. ﴿اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ أي: اختبرها، وأخلصها للتقوى، كما يمتحن الذهب بالنار؛ ليخرج خالصه. وحقيقته:\nعاملها معاملة المختبر، فوجدها مخلصة. وقال عمر﵁-: أذهب عن قلوبهم الشهوات. والامتحان: افتعال من: محنت الأديم محنا؛ حتى أوسعته. قال أبو عمرو: كل شيء جهدته؛ فقد محنته، وأنشد: [الرجز]","vol":"9","page":173},{"text":"أتت رذايا باديا كلالها... قد محنت واضطربت آطالها\nأي: أتت النوق الرذايا المهزولة من السير جمع: رذية. والأطل: الخاصرة، وجمعها:\nآطال. هذا؛ والتقوى: حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأنّ أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والاخرة. وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة)، وانظر الاية رقم [١٣] الاتية.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَغُضُّونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَصْواتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾\nظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَسُولِ﴾ مضاف إليه، و﴿رَسُولِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِينَ:﴾\nاسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر:\n ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لِلتَّقْوى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية:\n ﴿إِنَّ..﴾. إلخ، ابتدائية، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿وَأَجْرٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة: (أجر) والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿الَّذِينَ﴾ بدلا من: ﴿أُولئِكَ،﴾ أو صفة له؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر: ﴿أُولئِكَ﴾. وهو وجه صحيح لا غبار عليه.\n\n<span id=\"aya-4616\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤)﴾\nالشرح: نزلت الاية الكريمة في وفد بني تميم أتوا رسول الله ﷺ وقت الظهيرة، وهو راقد؛ وفيهم الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، ونادوا النبي ﷺ من وراء حجراته، وقالوا: اخرج إلينا يا محمد! فإن مدحنا زين، وذمّنا شين! فاستيقظ، وخرج إليهم، وقال: «ذاك الله ﷿» ذكره الترمذي والإمام أحمد، والوراء: الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف، أو قدام، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [١٠] من سورة (الجاثية)، وإن المناداة نشأت من ذلك المكان.\nوالحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وحظيرة الإبل تسمى:\nالحجرة، وهي: «فعلة» بمعنى مفعولة، كالقبضة بمعنى مقبوضة، وجمعها: الحجرات، والمراد:\nحجرات نساء رسول الله ﷺ، وكانت لكل منهن حجرة، ومناداتهم من ورائها لعلهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له، أو نادوه من وراء الحجرة، التي كان ﷺ فيها، ولكنها جمعت إجلالا لرسول الله ﷺ، والفعل وإن كان مسندا إلى جميعهم، فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان","vol":"9","page":174},{"text":"الباقون راضين، فكأنهم تولوه جميعا، وسميت الغرفة: حجرة؛ لامتناع فيها، فلا يدخلها أجنبي إلاّ بإذن، واستئذان. وانظر ما ذكرته في سورة (الحجر) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nوورود الاية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محلّ رسول الله ﷺ، منها: التسجيل على الصائحين به بالسفه، والجهل. ومنها: إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته، ومقيله مع بعض نسائه. ومنها: التعريف باللام دون الإضافة. ولو تأمل متأمل من أول السورة إلى آخر الاية لوجدها كذلك، فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت، والجهر، كأن الأول بساط للثاني، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدلّ على عظم موقعه عند الله، ثم عقبه بما هو أطم، وهجنته أتم من الصياح برسول الله ﷺ في حال خلوته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرا؛ لينبه على فظاعة ما جسر عليه؛ لأنّ من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول؛ كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ في التفاحش مبلغا عظيما. انتهى. نسفي. ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ:﴾ انظر سورة (الدخان) رقم [٣٩].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يُنادُونَكَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ وَراءِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. و﴿وَراءِ:﴾ مضاف، و﴿الْحُجُراتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْقِلُونَ:﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ، لا محلّ لها؛ لأنّها مبتدأة، أو مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-4617\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\nالشرح: معنى الاية: لو انتظروا خروجك يا محمد؛ لكان أصلح لهم في دينهم، ودنياهم، وكان ﷺ لا يحتجب عن الناس إلاّ في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه، فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ بليغ الغفران، والرحمة، واسعهما، فلن يضيق غفرانه، ورحمته عن هؤلاء؛ إن تابوا، وأنابوا.\nهذا؛ وعن زيد بن أرقم﵁قال: اجتمع ناس من العرب، فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبيا؛ فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكا؛ نعش بجناحه، قال: فأتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته بما قالوا، فجاؤوا إلى حجرة النبي ﷺ، فجعلوا ينادونه، وهو في حجرته: يا محمد! يا محمد! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ..﴾. إلخ، فأخذ رسول الله ﷺ بأذني فمدها، فجعل يقول: «لقد صدّق الله تعالى قولك يا زيد! لقد صدّق الله قولك يا زيد!» أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير.","vol":"9","page":175},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّهُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والجملة الفعلية: ﴿صَبَرُوا..﴾. إلخ، في محل رفع خبرها، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط (لو) عند المبرّد، التقدير: ولو ثبت صبرهم، أو حصل، ونحوه، وقال سيبويه: المصدر المؤول في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو صبرهم ثابت، أو حاصل. وقول المبرد هو المرجح؛ لأنّ (لو) لا يليها إلاّ فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَخْرُجَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿صَبَرُوا﴾. ﴿لَكانَ:﴾ اللام:\nواقعة في جواب (لو). (كان): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى مصدر الفعل السابق، التقدير: كان الصبر. ﴿خَيْرًا:﴾ خبر: (كان). ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرًا،﴾ والجملة الفعلية جواب: (لو)، لا محلّ لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محلّ لها. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4618\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)﴾\nالشرح: قال أكثر المفسرين: إن الاية الكريمة نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان بن عفان﵁لأمه (وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص﵁فصلى بالناس؛ وهو سكران صلاة الفجر أربعا، ثم قال: هل أزيدكم؟ فعزله عثمان عنهم. كشاف) بعثه الرسول ﷺ إلى بني المصطلق عاملا على الزكاة، يأخذ منهم زكاة أموالهم، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم خرجوا لاستقباله، تعظيما لأمر الله ﷺ، فحدّثه شيطانه أنهم يريدون قتله، فخافهم، فرجع من بعض الطريق إلى رسول الله ﷺ، وقال: إنهم منعوا الزكاة، وأرادوا قتله، فغضب الرسول ﷺ، وهمّ أن يغزوهم.\nفبلغ القوم رجوعه، فأتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله! سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقاه، ونكرمه، ونؤدي إليه ما عندنا من حقّ الله ﷿، فبدا له في الرجوع، فخشينا أنه إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك، وإنا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله! فاتّهمهم رسول الله ﷺ، وبعث خالد بن الوليد﵁خفية في جيش. وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال: انظر، فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم؛ فخذ زكاة أموالهم، وإن لم تر منهم ذلك فافعل فيهم ما تفعله في","vol":"9","page":176},{"text":"الكفار، ففعل ذلك، ووافاهم عند الغروب، فسمع منهم أذان صلاتي: المغرب، والعشاء، ووجدهم باذلين وسعهم، ومجهودهم في امتثال أمر الله، فأخذ منهم زكاة أموالهم، ولم ير منهم إلاّ الطاعة، والخير، وانصرف إلى رسول الله ﷺ، وأخبره الخبر، فنزلت الاية الكريمة.\nوقال الرازي-رحمه الله تعالى-: هذا ضعيف؛ لأنّ الله تعالى لم يقل: إني أنزلتها لكذا، والنبي ﷺ لم ينقل عنه: أنه قال: وردت الاية لبيان ذلك فقط. غاية ما في الباب: أنها نزلت في ذلك الوقت، وهو مثل تاريخ نزول الاية. انتهى. جمل نقلا من الخطيب وغيره. وقال الخازن:\nوقيل: هو عام، نزلت لبيان التثبت، وترك الاعتماد على قول الفاسق. وهذا أولى من حمل الاية على رجل بعينه. انتهى.\nرحم الله تعالى الرازي لم يقل الله تعالى في بيان نزول آية من آيات القرآن نزلت في كذا صراحة، ورحم الله الخازن أيضا من المعلوم: أنّ خصوص السبب لا يمنع التعميم، وقد ذكرت هذا مرارا، وتكرارا، وما نقلته من الكشاف يؤكد أن الاية نزلت فيه، وبسببه، وحكمها عام إلى يوم القيامة بلا ريب. وبعد: فهذا أمر عجيب حقا رجل من الصحابة الذين تشرّفوا بصحبة النبي، وتمتعوا بمجالسته، ومحادثته يكذب مرة واحدة، فيحكم الله عليه بأنه أصبح فاسقا؛ أي: خارجا عن الحق، بعيدا عن الدين، ضالا عن الصراط المستقيم، فما بالك بمن لا يتكلم إلاّ بالكذب، وقد لا يكتفي به، فيؤكد بيمين، أو أكثر؟! وما بالك بمن يختلق الأقوال الكاذبة، والأخبار المصطنعة، والأنباء الملفقة؟! وهل هذا يكون من المؤمنين؟ كلاّ، ثمّ كلاّ!\nهذا؛ وانظر شرح: الفاسق، والفسوق في الاية رقم [٥٤] من سورة (الزخرف)، وشرح:\n «الجهل» في الاية رقم [٢٣] من سورة (الأحقاف). أما الندم فهو ضرب من الغم، وهو أن تغتم على ما وقع منك، تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام، ولزام؛ لأنه كلما تذكر المتندّم عليه راجعه، من: الندام، وهو لزام الشريب ودوام صحبته. ومن مقلوباته:\nأدمن الأمر: أدامه. ومدن بالمكان: أقام به، ومنه: المدينة، وقد تراهم يجعلون الهمّ صاحبا، ونجيا، وسميرا، وضجيعا، وموصوفا بأنه لا يفارق صاحبه. انتهى. كشاف.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية رقم [١]. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿جاءَكُمْ:﴾\nفعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿فاسِقٌ:﴾ فاعله. ﴿بِنَبَإٍ:﴾ متعلقان بالفعل (جاء)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تبينوا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿تُصِيبُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و﴿إِنْ﴾","vol":"9","page":177},{"text":"والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة مفعول لأجله إليه محذوف، التقدير:\nكراهة، أو مخافة إصابتكم، وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين على تقدير: لئلا تصيبوا. كما في الاية رقم [٢]. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به. ﴿بِجَهالَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: جاهلين. ﴿فَتُصْبِحُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لئلا تكون منكم إصابة قوم بجهالة، فندامة على فعلكم. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان ب: ﴿نادِمِينَ﴾ و﴿قَوْمًا﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجملة: ﴿فَعَلْتُمْ﴾ صلة ﴿قَوْمًا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nعلى الذي، أو شيء فعلتموه، وعلى اعتبار ﴿قَوْمًا﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ التقدير: على فعلكم. ﴿نادِمِينَ:﴾ خبر: (تصبحوا) منصوب... إلخ.\n\n<span id=\"aya-4619\"></span>﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ:﴾ فلا تكذبوا، فإن الله يعلمه أنباءكم، ويكشف أسراركم، فتفتضحون؛ لذا يجب عليكم أن تعظّموه وتوقّروه، وتنقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتمّ من رأيكم لأنفسكم. ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي: لو يسارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر لنالكم مشقة وإثم، فإنه لو قتل القوم الذين سعى بهم الوليد بن عقبة إليه؛ لكان خطأ، وهذا يدل على أنّ بعض المؤمنين زينوا لرسول الله ﷺ الإيقاع ببني المصطلق، وتصديق قول الوليد، وأن بعضهم كانوا يتصونون، ويزعهم جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك. والتعبير بالمضارع دليل على أنه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه، وأنّه كلما عنّ لهم رأي في أمر كان معمولا به بدليل قوله:\n ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾. هذا؛ والعنت: الإثم والمشقة، والعناء، كما في قوله تعالى في آخر سورة (براءة): ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ والعنت أيضا: الفجور، والزنى كما في سورة (النساء) رقم [٢٥]: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. هذا؛ والعنت في الأصل: انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة، وضرر.\n ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ:﴾ هذا خطاب للمؤمنين الصادقين المخلصين؛ الذين لا يكذبون النبي ﷺ، ولا يخبرونه بالباطل. ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: حسّنه إليكم؛ حتى اخترتموه.","vol":"9","page":178},{"text":"وفي هذا رد على المعتزلة، والقدرية، والإمامية، وغيرهم حسب ما تقدم كثيرا. فالله سبحانه هو المتفرّد بخلق ذوات الخلق، وخلق أفعالهم، وصفاتهم، واختلاف ألسنتهم، وألوانهم لا شريك له في ملكه، ولا مناوئ له في سلطانه، فمنه الهداية للإيمان، والتوفيق للطاعة.\n ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يريد الكذب خاصة.\n ﴿وَالْعِصْيانَ:﴾ جميع المعاصي على جميع أنواعها، وتفاوت مراتبها، ودرجاتها. قال الخازن:\nوفي هذه لطيفة، وهو أنّ الله تعالى ذكر هذه الثلاثة الأشياء في مقابلة الإيمان الكامل المزيّن في القلب، المحبّب إليه. والإيمان الكامل ما اجتمع فيه ثلاثة أمور: تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، فقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ في مقابلة: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ﴾ وهو التصديق بالجنان. وقوله: ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ وهو الكذب في مقابلة الإقرار باللسان. وقوله:\n ﴿وَالْعِصْيانَ﴾ في مقابلة العمل بالأركان، فكره للمؤمنين الصادقين العصيان، وحبّب إليهم العمل الصالح بالأركان، وهذا من فضله، وكرمه، وجوده، وإنعامه، كما قال تعالى: ﴿فَضْلًا..﴾. إلخ.\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ:﴾ إشارة إلى المؤمنين المحبّب إليهم الإيمان، المزيّن في قلوبهم؛ أي: أولئك هم المهتدون إلى محاسن الأعمال، ومكارم الأخلاق. والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. من: الرشادة، وهي الصخرة. قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة، وأنشد: [الوافر] وغير مقلّد وموشّمات... صلين الضّوء من صمّ الرّشاد\nفهو يصف صلابة النوق، وقوتها على السير بحيث يظهر شرر من الأحجار في سيرها، وأنها اليعملات غير المولدات والموشمات المنحر. ولا تنس الطباق بين (حبّب) و(كرّه).\nالإعراب: ﴿وَاعْلَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اعلموا): فعل أمر مبني على حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِيكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿رَسُولَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر، و﴿رَسُولَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، و﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي (اعلموا)، والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: (تبينوا...) إلخ فهي في محل جزم مثلها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يُطِيعُكُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولَ اللهِ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِي كَثِيرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿كَثِيرٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَعَنِتُّمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (عنتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ،﴾ لا محلّ لها، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب حال من الضمير المجرور في: ﴿فِيكُمْ،﴾ أو من الضمير المستتر فيه، والمعنى: أنه فيكم كائنا على حالة","vol":"9","page":179},{"text":"يجب تغييرها، أو كائنين على حالة كذلك. ويجوز أن يكون هذا الكلام مستأنفا، إلاّ أنّ الزمخشري منع هذا الاحتمال لأدائه إلى تناقض النظم. ولا يظهر ما قاله، بل الاستئناف واضح أيضا. انتهى. جمل.\nوقال أبو البقاء: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ..﴾. إلخ، مستأنف، ويجوز أن يكون في موضع الحال، والعامل فيه الاستقرار، وإنما جاز ذلك من حيث جاز أن يقع صفة للنكرة، كقولك: مررت برجل لو كلّمته؛ لكلّمني؛ أي: متهيئ لذلك. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل مفيد للاستدراك. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿حَبَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿إِلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْإِيمانَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، فهما في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: (لكن...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي استدراك من حيث المعنى دون اللفظ؛ لأنّ من حبّب إليه الإيمان... إلخ، غايرت صفته صفة من تقدّم ذكره. ويوضحه قول الكشاف: فإن قلت: كيف موقع (لكنّ) وشرطيتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا، وإثباتا؟ قلت: هي مفقودة من حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى؛ لأنّ الذين حبّب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدم ذكرهم، فوقعت (لكنّ) في موقعها من الاستدراك.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محلّ له من الإعراب. ﴿الرّاشِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيا، و﴿الرّاشِدُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين؛ فالجملة الاسمية:\n ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ مستأنفة معترضة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4620\"></span>﴿فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾\nالشرح: ﴿فَضْلًا..﴾. إلخ: أي فعل الله ذلك بكم فضلا منه، ونعمة عليكم. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي:\nعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في أقواله، وأفعاله، وشرعه، وأحكامه.\nالإعراب: ﴿فَضْلًا:﴾ مفعول لأجله، عامله: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ..﴾. إلخ، فقد اتحد الفاعل في الفعل والمصدر خلافا للمعتزلة الذين يؤولون تأويلات شاذة. وانظر الكشاف لتأويلات الزمخشري، وعلى هذا فما بينهما اعتراض، وهو الجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ والثاني أنّ عامله: ﴿الرّاشِدُونَ﴾. أو هو مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة السابقة؛ لأنها فضلة أيضا. واعتبره ابن عطية من المصدر المؤكد لنفسه. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَضْلًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَنِعْمَةً:﴾ معطوف على: ﴿فَضْلًا،﴾ وحذف متعلقه لدلالة ما قبله عليه.","vol":"9","page":180},{"text":"﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4621\"></span>﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾\nالشرح: ذكر في نزول الاية الكريمة ثلاثة أسباب: الأول: روى المعتمر بن سليمان عن أنس﵁قال: قلت: يا نبي الله! لو أتيت عبد الله بن أبيّ؟! فانطلق إليه النبي ﷺ، فركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عني! فو الله لقد آذاني نتن حمارك! فقال رجل من الأنصار (عبد الله بن رواحة): والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك! فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم حرب بالأيدي، والجريد، والنعال، فبلغنا: أنه أنزل فيهم هذه الاية.\nأخرجه الإمام أحمد.\nالثاني: ذكر سعيد بن جبير﵁-: أنّ الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف، والنعال، فأنزل الله تعالى هذه الاية فأمر بالصلح بينهما. ومثله عن مجاهد-رحمه الله تعالى-.\nالثالث: قال السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أم زيد تحت رجل من غير الأنصار يقال له: عمران، فتخاصمت مع زوجها، أرادت أن تزور أهلها، فحبسها زوجها، وجعلها في علّيّة لا يدخل عليها أحد من أهلها، وإن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها، فأنزلوها؛ لينطلقوا بها، فخرج الرجل فاستغاث بأهله، فخرج بنو عمه؛ ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا، وتجالدوا بالنعال، فنزلت الاية الكريمة فيهم، فبعث إليهم رسول الله ﷺ، وأصلح بينهم، وفاؤوا إلى أمر الله تعالى.\nهذا؛ والطائفة تتناول الواحد، والمثنى، والجمع، فهو مما حمل على المعنى دون اللفظ؛ لأن الطائفة في معنى الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل: نفر، ومعشر، ورهط... إلخ وجمعها: طائفات، وطوائف. وفي «القاموس»: والطائفة من الشيء القطعة منه، أو الواحد فصاعدا. ﴿اِقْتَتَلُوا:﴾ جمع الضمير نظرا إلى المعنى؛ لأنّ كل طائفة جماعة، كما رأيت. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ:﴾ ثني نظرا إلى اللفظ.\n ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى﴾ أي: تعدّت إحداهما على الأخرى؛ إذ لم تتأثر بالنصيحة، وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى. ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ أي: ترجع إلى","vol":"9","page":181},{"text":"أمر الله؛ أي: إلى كتابه الذي جعله حكما بين خلقه. ﴿فَإِنْ فاءَتْ﴾ أي: رجعت إلى الحق.\n ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ﴾ أي: الذي يحملهما على الإنصاف، والرضا بحكم الله. ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أي:\nاعدلوا. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: العادلين. هذا؛ وأقسط رباعي معناه: العدل، واسم الفاعل منه: مقسط بمعنى العادل، أو العدل، بخلاف: «قسط» الثلاثي، فمعناه: الجور، والظلم. يقال: قسط الرجل: إذا جار، وأقسط إذا عدل، قال تعالى في سورة الجن رقم [١٥]:\n ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وهذا هو المشهور خلافا للزجّاج في جعلهما سواء. انتهى.\nجمل. وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن عمرو﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم وما ولوا». رواه مسلم، والنسائي. وعنه أيضا: أن النبي ﷺ قال: «إنّ المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن ﷿ بما أقسطوا في الدّنيا». أخرجه ابن أبي حاتم، والنسائي، وخذ قول الحارث بن حلزة في معلقته: [الخفيف] ملك مقسط، وأكمل من يم... شي ومن دون ما لديه الثّناء\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿طائِفَتانِ:﴾ فاعل لفعل محذوف، يفسّره المذكور بعده مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿طائِفَتانِ﴾. ﴿اِقْتَتَلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها مفسرة للفعل المحذوف على المعنى، كما رأيت على حدّ قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [١٩]: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ والجملة المحذوفة لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَأَصْلِحُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أصلحوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ لها.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿بَغَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، التي هي حرف لا محلّ لها. ﴿إِحْداهُما:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالاّن على التثنية، والجملة الفعلية لا محلّ لها حسبما رأيت في سابقتها. ﴿عَلَى الْأُخْرى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَقاتِلُوا..﴾. إلخ:","vol":"9","page":182},{"text":"في محل جزم جواب الشرط... إلخ. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَبْغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة، وهي بمعنى: إلى، أو لام التعليل. ﴿تَفِيءَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿الَّتِي﴾ أيضا. ﴿إِلى أَمْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿أَمْرِ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، و«أن» المضمرة، والفعل: ﴿تَفِيءَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى﴾. والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَفِيءَ﴾.\n ﴿فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما:﴾ الإعراب مثل سابقه بلا فارق. ﴿بِالْعَدْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال، وجملة: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ معطوفة على جملة: (أصلحوا...) إلخ، فهي في محل جزم مثلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمُقْسِطِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:\n ﴿إِنْ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4622\"></span>﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أي: في الدين، والحرمة، لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب؛ فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب، وفي الصحيحين عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا».\nوانظر ما ذكرته في آخر سورة (الفتح)، وانظر الاية التالية.\n ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ أي: بين كل مسلمين تخاصما. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، وراقبوه في جميع أموركم، وأحوالكم، وشؤونكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ:﴾ الترجي في هذه الاية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا في هذه الاية، والتي قبلها دليل على أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأنّ الله تعالى سمّاهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين، قال الحارث الأعور: سئل علي﵁وهو القدوة عن قتال أهل البغي من أهل الجمل، وصفّين: أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فروا! فقيل: أمنافقون؟ قال: لا؛ لأنّ المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلا، قيل: فما حالهم؟ قال:\nإخواننا بغوا علينا. وبها استدلّ البخاري، وغيره على أنّه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية، وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج، والمعتزلة، ولأنه ثبت: أنّ رسول الله ﷺ خطب يوما، ومعه على المنبر الحسن بن علي﵄فجعل ينظر إليه مرة، وفي الناس أخرى، ويقول:","vol":"9","page":183},{"text":"«إن ابني هذا سيّد، ولعلّ الله تعالى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». أخرجه البخاري عن أبي بكرة﵁-، فكان كما قال ﷺ أصلح الله تعالى به بين أهل الشام، وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة، والواقعات المهولة.\nفائدة: خصّ الاثنين بالذكر بقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ دون الجمع؛ لأنّ أقل من يقع منهم الشقاق اثنان، فإذا التزمت المصالحة بين الأقل؛ كانت بين الأكثر ألزم؛ لأنّ الفساد، والشر المترتبين على شقاق الجمع أكثر منهما في شقاق الاثنين.\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ.\n ﴿إِخْوَةٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَأَصْلِحُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فأصلحوا.\n (أصلحوا بين): تقدّم مثلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.\nو﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَخَوَيْكُمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾\nمضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليلية، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4623\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: نزلت هذه الاية في ثابت بن قيس بن شماس، الذي ذكرته لك في أول هذه السورة، وذلك: أنه كان في أذنيه صمم، فكان إذا أتى رسول الله ﷺ، وقد سبقوه، أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم، وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر، فلما انتهى النبي ﷺ من الصلاة، أخذ أصحابه مجالسهم حوله؛ ليسمعوا منه، فلما فرغ ثابت﵁من الصلاة؛ أقبل نحو رسول الله ﷺ يتخطّى رقاب الناس، وهو يقول: تفسّحوا، تفسّحوا. فجعلوا يتفسّحون له حتى انتهى إلى النبي ﷺ، وبينه وبينه رجل، فقال له: تفسح، فقال له الرجل: أصبت مجلسا؛ فاجلس، فجلس ثابت خلفه مغضبا، ثم غمز ثابت الرجل، فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان، قال ثابت: ابن فلانة؟ وذكر أما له كان يعيّر بها في","vol":"9","page":184},{"text":"الجاهلية، فنكس الرجل رأسه، واستحيا، فنزلت الاية الكريمة. هذا قول ابن عباس﵄-، ونزلت آية المجادلة رقم [١١].\nوقال الضحاك﵁-: نزلت في وفد بني تميم الذين تقدم ذكرهم في أول السورة، استهزؤوا بفقراء الصحابة، مثل: عمار، وخباب، وبلال... إلخ لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت في الذين آمنوا منهم. والمعنى: لا يستهزئ غني بفقير، ولا مستور عليه بذنب بمن لم يستر، ولا ذو حسب بلئيم، وأشباه ذلك مما ينتقصه به، ولعلّه عند الله خير منه، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. وخذ ما يلي:\nعن حارثة بن وهب﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنّة؟! كلّ ضعيف مستضعف لو يقسم على الله؛ لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النّار؟! كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر». رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجه. وعن حذيفة﵁قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: «ألا أخبركم بشرّ عباد الله؟! الفظّ المستكبر. ألا أخبركم بخير عباد الله؟! الضعيف المستضعف ذو الطّمرين، لا يؤبه له، لو أقسم على الله؛ لأبرّه». رواه أحمد، والأحاديث في ذلك كثيرة مستفيضة.\n ﴿وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ﴾ أي: لا يستهزئ نساء من نساء: روي: أن هذه الجملة نزلت في نساء النبي ﷺ عيّرن أم سلمة﵂بالقصر. وعن ابن عباس﵄أنها نزلت في صفية زوج النبي ﷺ، قال لها بعض نساء النبي ﷺ: يهودية بنت يهوديين. وعن أنس -﵁-، بلغ صفية﵂-: أنّ حفصة بنت عمر﵄قالت:\nبنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ، وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهوديّ، فقال النبي ﷺ: «وإنّك لابنة نبي، وعمّك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفتخر عليك؟!». ثم قال: «اتّقي الله يا حفصة». أخرجه الترمذي وفي رواية أخرى: «هلاّ قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد» فأنزل الله هذه الاية. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أفرد الله النساء بالذكر؛ لأن السخرية منهن أكثر. وبالإضافة لما ذكرته من أحاديث، فخذ ما يلي: وهو يشمل الرجال، والنساء:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم». أخرجه الإمام مسلم، وفحوى ما تقدم وجوب أن يعتقد كل واحد: أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر؛ إذ لا إطلاع للناس إلا على الظواهر، ولا علم لهم بالسرائر، والذي يزن عند الله خلوص الضمائر، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رثّ الحال، أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعلّه أخلص ضميرا، وأتقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير","vol":"9","page":185},{"text":"من وقره الله تعالى. فعن ابن مسعود﵁-: البلاء موكّل بالقول، لو سخرت من كلب؛ لخشيت أن أحوّل كلبا. وخذ ما يلي:\nفعن الحسن﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الاخرة باب من الجنة، فيقال له: هلمّ، فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر، فيقال له: هلمّ هلمّ، فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه أغلق دونه، فما يزال كذلك؛ حتّى إنّ أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة، فيقال له: هلمّ، فما يأتيه من الإياس». رواه البيهقي مرسلا.\nفائدة جليلة: لم يقل الله: لا يسخر رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة إيذانا بإقدام غير واحد من رجالهم، وغير واحدة من نسائهم على السخرية، واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه، ولأن مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى، ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار الواجب على المسلم السامع، فيكون شريك الساخر في تحمل الوزر، وكذلك كل من يستطيبه، ويضحك منه، فيؤدي ذلك وإن أوجده واحد إلى تكثير السخرة، وانقلاب الواحد جماعة، وقوما.\n ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يعب بعضكم بعضا، ولا يطعن بعضكم في بعض، والمراد بالأنفس: الإخوان هنا، والمعنى: لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين؛ لأنهم كأنفسكم، فإذا عاب عائب أحدا بعيب؛ فكأنه عاب نفسه، فهو كقوله تعالى في سورة (النساء) [٢٩]: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضا؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه بقتل أخيه قاتل نفسه.\nوكقوله تعالى في سورة (النور) رقم [٦١]: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾. واللمز: العيب، والطعن. قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥٨]: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ..﴾. إلخ وقال في رقم [٧٩] منها: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ..﴾. إلخ.\n ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ:﴾ فعن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري، أخو ثابت بن الضحاك -﵄-، قال: فينا نزلت هذه الاية في بني سلمة، قدم علينا رسول الله ﷺ، وليس من رجل، إلا وله اسمان، أو ثلاثة، فجعل رسول الله ﷺ، يقول: يا فلان! فيقولون: مه يا رسول الله، إنه يغضب من هذا الاسم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ..﴾. إلخ. أخرجه أبو داود. وقال ابن عباس﵄-: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات، ثم تاب عنها، فنهي أن يعير بما سلف من عمله. وقيل: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق! يا منافق! يا كافر! وقيل: هو أن تقول لأخيك: يا كلب! يا حمار! يا خنزير! ومعنى ﴿تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ:﴾ لقّب بعضهم بعضا، والنبز (بفتحتين) مختص بلقب السوء عرفا.\nهذا؛ واللقب على نوعين: لقب ذم، ولقب مدح، فالأول ما أشعر بضعة، كالجاحظ، والأعرج، والأعمش، والأقرع... إلخ، وهذا الذي يحرم التنابز به إلا إذا عرف به، فيجوز","vol":"9","page":186},{"text":"النداء له، والتعريف به من غير أن يقصد احتقار الملقب، فهناك علماء أجلاء عرفوا بمثل هذه الألفاظ، كالأخفش، والأعمش... إلخ، والثاني ما أشعر برفعة، وقد لقب النبي ﷺ كثيرا من أصحابه، فلقب أبا بكر بالصدّيق، وعمر بالفاروق، وعثمان بذي النورين، وعليا بأبي تراب، وخالدا بسيف الله... إلخ.\n ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ﴾ أي: بئس الاسم أن تلقبوا إخوانكم بألقاب الذم. روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «من حقّ المؤمن على المؤمن أن يسميه بأحبّ أسمائه إليه». ولهذا كانت التكنية من السنة، والأدب الحسن. قال عمر﵁-: أشيعوا الكنى، فإنها منبهة. ومعنى التكنية أن تقول: يا أبا فلان! يا أم فلان! وبنسب لبعض بني فزارة، وهو الشاهد رقم [٣٣٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط] أكنيه حين أناديه لأكرمه... ولا ألقّبه والسوأة اللّقب\nكذاك أدّبت حتى صار من خلقي... أني وجدت ملاك الشيمة الأدب\n ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي: عن هذه الألقاب التي يتأذّى بها السامعون. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ:﴾\nلأنفسهم بارتكاب هذه المناهي، ومعصيتهم، ومخالفتهم لصريح الكتاب، والسنة؛ التي تنهى عن ذلك.\nبقي أن تعرف: أن ﴿قَوْمٌ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر... إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل الاية الكريمة، التي نحن بصدد شرحها، وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ ﴿قَوْمٌ﴾ في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، وهو يذكر، ويؤنث، قال تعالى في سورة (الشعراء): ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو أنهم أمة، وطائفة، وجماعة، وسمّوا: قوما؛ لأنهم يقومون مع داعيهم بالشدائد، والمتاعب، إما بالمعاونة معه على كشفها، وإما بالإيذاء، والمضايقة إن عارضوه، وهذا حال أعداء الخير، والإصلاح في كل زمان، ومكان.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية رقم [١]. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿يَسْخَرْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية. ﴿قَوْمٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿مِنْ قَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض تام هنا مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص منصوب ب: «أن» وعلامة","vol":"9","page":187},{"text":"نصبه حذف النون... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿خَيْرًا:﴾ خبره. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب:\n ﴿خَيْرًا،﴾ و﴿أَنْ يَكُونُوا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع فاعل ﴿عَسى،﴾ والجملة الفعلية تعليل للنهي لا محلّ لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية داخلة على فعل مقدر محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿نِساءٌ:﴾ معطوف على: ﴿قَوْمٌ،﴾ وهو في المعنى فاعل للفعل المحذوف. ﴿مِنْ نِساءٍ:﴾ متعلقان بالفعل المقدر. ﴿عَسى:﴾ ماض تام. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكُنَّ:﴾\nمضارع ناقص مبني على السكون، ونون النسوة اسمه، وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ ﴿خَيْرًا:﴾\nخبره. ﴿مِنْهُنَّ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرًا﴾ والنون حرف دال على جماعة الإناث، و﴿أَنْ يَكُنَّ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: ﴿عَسى﴾. والجملة الفعلية تعليلية مثل سابقتها لا محلّ لها مثلها. هذا؛ واختصّت «عسى» و«اخلولق» و«أوشك» من بين أفعال المقاربة بجواز إسنادهن إلى: «أن» والفعل المضارع، حال كونه مستغنى به عن الخبر، فتكون تامة، فتكتفي بالفاعل الذي هو المصدر المؤول. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد... غنى بأن يفعل عن ثان فقد\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَلْمِزُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا يَسْخَرْ..﴾. إلخ، لا محلّ لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ معطوفة عليها لا محلّ لها مثلها. ﴿بِئْسَ:﴾ فعل ماض جامد دالّ على إنشاء الذم.\n ﴿الاِسْمُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿الْفُسُوقُ:﴾ بدل من: ﴿الاِسْمُ﴾. قاله الجلال. وعلى هذا فالمخصوص بالذم محذوف، تقديره: هو، ولو أعربه مخصوصا بالذم لكان أحسن. انتهى. جمل نقلا من شيخه. وفي محله وجهان: أولهما: هو مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مقدم. والثاني: هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الفسوق.\n ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف حال من: ﴿الْفُسُوقُ،﴾ و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿الْإِيمانِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتُبْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وهو فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو»، وقد راعى لفظ (من) بإعادة الضمير إليه، وراعى معناها في الإشارة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، والجملة الاسمية:\n (أولئك هم الظالمون) في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها. وانظر إعراب مثلها في الاية رقم [٧] وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ؛ فالجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (أولئك","vol":"9","page":188},{"text":"هم الظالمون) في محل رفع خبره، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4624\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾\nالشرح: قيل: نزلت الاية الكريمة في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك: أن النبي ﷺ، كان إذا سافر، أو غزا ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما، ويتقدمهما إلى المنزل فيهيئ لهما ما يصلحهما من الطعام، والشراب، فضمّ سلمان الفارسي﵁إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدّم سلمان﵁إلى المنزل، فغلبته عيناه، فنام، ولم يهيئ لهما شيئا، فجاآ، فلم يجدا طعاما، وإداما، فقالا له: انطلق، فاطلب لنا من النبي ﷺ طعاما.\nفذهب، فقال له النبي ﷺ: اذهب إلى أسامة بن زيد، فقل له: «إن كان عنده فضل طعام؛ فليعطك». وكان أسامة﵁خازن النبي ﷺ، فذهب إليه، فقال أسامة: ما عندي شيء! فرجع إليهما، فأخبرهما، فقالا: كان عند أسامة، ولكنه بخل. ثم بعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة، فلم يجد عندهم شيئا، فلما رجع، قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة (بئر قديمة بالمدينة غزيرة الماء) لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة شيء؟ فرآهما النبي ﷺ، فقال: «ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟» فقالا: يا نبي الله! والله ما أكلنا في يومنا هذا لحما، ولا غيره! فقال: «ولكنّكما ظللتما تأكلان لحم أسامة، وسلمان». ونزلت الاية الكريمة.\nذكره الثعلبي. والمعنى: لا تظنوا بأهل الخير سوآ إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير.\nانتهى. خازن، وقرطبي.\nهذا؛ وإن الظن في الشريعة قسمان: محمود، ومذموم، فالمحمود منه ما سلم معه دين الظانّ، والمظنون به عند بلوغه، والمذموم ضده بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ،﴾ وقوله تعالى في سورة (النور) رقم [١٢]: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الفتح) رقم [١٢]: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. هذا؛ وينبغي للإنسان أن يحسن ظنه بالناس، ولا يسيء ظنه بهم استجابة لأمر الله تعالى في هذه الاية، ولا يسيء الظن بهم إلاّ الذي أعماله سيئة. قال الشاعر: [الطويل] إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه... وصدّق ما يعتاده من توهّم\nوكذلك ينبغي له أن يحسن ظنّه بالله تعالى بأن الله يرحمه، ويعفو عنه، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي... إلخ» ولكن ينبغي أن يقرن حسن ظنّه بالله بحسن","vol":"9","page":189},{"text":"العمل، وإلاّ فهو ظنّ خاطئ، وزعم فاسد، ففي الحديث الشريف يقول الرسول ﷺ: «ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل، إنّ قوما ألهتهم الأمانيّ حتّى خرجوا من الدّنيا؛ ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ بالله، كذبوا! لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل».\n ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أي: لا تبحثوا عن عيوب الناس. نهى الله عن البحث عن المستور من أمور الناس، وتتبع عوراتهم؛ حتى لا يظهر على ما ستره الله منها. فعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، كما أمركم. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام، دمه، وعرضه، وماله. إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم». متفق عليه. هذا؛ والتجسس بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر، ومنه الجاسوس، وهو بالحاء: الاستماع إلى حديث الغير. وقيل: إن التحسس يكون في الخير، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يعقوب على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: فتعرفوا منهما وتطلبوا خبرهما. علما بأنه قرئ في الايتين بالجيم، والحاء. وكذلك يروى قول عنترة بالجيم، والحاء، وهو من معلقته رقم [٧٧]. [الكامل] فبعثت جاريتي فقلت لها: اذهبي... فتجسّسي أخبارها لي واعلمي\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر، فنادى بصوت رفيع، سمعته العواتق في البيوت، فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه؛ ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيّروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنّه من تتبع عورة أخيه المسلم؛ تتبع الله عورته! ومن تتبع الله عورته يفضحه، ولو في جوف رحله». انتهى. خازن، وهو في القرطبي عن أبي برزة الأسلمي﵁وخذ قول الشاعر الحكيم: [المنسرح] المرء إن كان عاقلا ورعا... أشغله عن عيوب النّاس ورعه\nكما السقيم المريض يشغله... عن وجع النّاس كلّهم وجعه\nوقال آخر: [البسيط] لا تكشفنّ مساوي النّاس ما ستروا... فيهتك الله سترا عن مساويكا\nواذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا","vol":"9","page":190},{"text":"﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا:﴾ فهذا نهي عن الغيبة، وهي أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه؛ فهو البهتان. ثبت معناه في صحيح مسلم: عن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذكرك أخاك بما يكره»، قيل:\nأفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول؛ فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه؛ فقد بهتّه». وعن عائشة﵂-: قالت: قلت للنبي ﷺ: (حسبك من صفيّة كذا، وكذا)، قال بعض الرواة: تعني: قصيرة، فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر؛ لمزجته».\nقالت: وحكيت له إنسانا، فقال: «ما أحبّ أن حكيت لي إنسانا، وإنّ لي كذا وكذا». رواه أبو داود، والترمذي.\nوبالجملة: فالغيبة من الكبائر، التي تحتاج إلى توبة صادقة بشروطها المعروفة بدليل ما رواه أبو داود عن سعيد بن زيد﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ من أربى الرّبا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقّ». والأحاديث المنفرة من الغيبة كثيرة مسطورة في: «الترغيب والترهيب» وغيره. أما عقوبة صاحب الغيبة في الاخرة؛ فقد بيّنها رسول الله ﷺ بقوله: «من أكل لحم أخيه في الدنيا قرّب إليه يوم القيامة، فيقال له: كله ميّتا، كما أكلته حيّا، فيأكله، ويكلح، ويضجّ».\nرواه أبو يعلى، والطبراني عن أبي هريرة﵁-. وعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا عرج بي؛ مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم». رواه أبو داود.\nممّا تقدّم يتبيّن لنا: أن الغيبة حرام، حرّمها الله، ورسوله، وشدّد النكير على مقترفيها إلاّ لغرض صحيح مشروع لا يتحقق إلاّ بها؛ كمصلحة شرعية يتوقف تحقيقها على ذكر أحد بعيوبه، وقبيح أفعاله، مثل أن يقول المظلوم لمن له ولاية كالقاضي: فلان ظلمني؛ كي ينصفه منه. ومنها:\nالاستفتاء، كما يقول للمفتي: فلان يفعل بي كذا، وكذا. فقد ورد: أن هندا زوج أبي سفيان قالت للنبي ﷺ: إن أبا سفيان رجل شحيح، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». ومنها:\nالاستعانة على تغيير المنكر، مثل أن يقول لمن يرجو قدرته على تغيير المنكر: فلان يشرب الخمر، أو يلعب بالقمار، ونحو ذلك. ومنها: الاستشارة في نكاح فاسق، أو مشاركته في تجارة، أو زراعة، ومنها: أن يكون معروفا بلقب يعرب عن عيبه، كالأعرج، والأخفش... إلخ، من غير أن يقصد احتقار الملقب بذلك، ومنها: أن يكون إنسان مجاهرا بالفسق، والفجور، والظلم، والتعدي على حرمات الناس، وحقوقهم. وهذا معنى قول النبي ﷺ: «أتورّعون عن ذكر الفاجر أن تذكروه؟ اذكروه يعرفه النّاس». وقوله ﷺ: «اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس». وكقوله ﷺ لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة هو». وكقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس","vol":"9","page":191},{"text":"-﵂-، وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: «أمّا معاوية، فصعلوك، وأمّا أبو الجهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه». ورحم الله من يقول: [الكامل] القدح ليس بغيبة في ستّة... متظلّم ومعرف ومحذّر\nولمظهر فسقا ومستفت ومن... طلب الإعانة في إزالة منكر\nولكن يجب أن تكون الحكمة رائد العقل؛ حتى يعرف كيف يذكر هذا الفاجر، ويتوصل إلى درء خطره، ومنع أذاه، وإلاّ كان السكوت أسلم، وانتظار الفرص أفضل، وأحكم.\n ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ..﴾. إلخ: مثل الله الغيبة بأكل الميتة؛ لأنّ الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أنّ الحيّ لا يعلم بغيبة من اغتابه. وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه، ودمه؛ لأنّ الإنسان يتألم قلبه إذا ذكر بسوء، كما يتألم جسده؛ إذا قطع لحمه، والعرض أشرف من اللحم، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحم الناس؛ فترك أعراضهم أولى. وقوله تعالى: ﴿لَحْمَ أَخِيهِ﴾ آكد في المنع؛ لأن العدو قد يحمله الغضب على أكل لحم عدوه، وقوله تعالى: ﴿مَيْتًا﴾ أبلغ في الزجر، والردع، ولا تنس التمثيل، والتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه، وأفحش صورة.\n ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ:﴾ فيه وجهان: أحدهما: فكرهتم أكل الميتة، فكذلك فاكرهوا الغيبة. روي معناه عن مجاهد. الثاني: فكرهتم أن يغتابكم الناس، فاكرهوا غيبة الناس. وقيل: لفظه خبر، ومعناه أمر؛ أي: اكرهوه. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: في أمر الغيبة، واجتناب نواهيه، وانظر الاية رقم [١٠]. ﴿إِنَّ اللهَ تَوّابٌ﴾ أي: بليغ في قبول التوبة. بمعنى: أنه يقبل توبة التائب. ﴿رَحِيمٌ:﴾ كثير الرحمة بعباده المؤمنين التائبين.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا:﴾ انظر الاية رقم [١] فالإعراب مثله. ﴿مِنَ الظَّنِّ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿كَثِيرًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بَعْضَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿الظَّنِّ﴾ مضاف إليه. ﴿إِثْمٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَجَسَّسُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِجْتَنِبُوا..﴾. إلخ، لا محلّ لها مثلها، والتي بعدها: ﴿وَلا يَغْتَبْ..﴾. إلخ معطوفة أيضا عليها.\n ﴿أَيُحِبُّ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (يحب): مضارع. ﴿أَحَدُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، والمصدر المؤول من:\n ﴿أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ﴾ في محل نصب مفعول به، و﴿لَحْمَ﴾ مضاف، و﴿أَخِيهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة.","vol":"9","page":192},{"text":"﴿مَيْتًا:﴾ حال من: ﴿لَحْمَ أَخِيهِ،﴾ أو من: ﴿أَخِيهِ﴾ نفسه. ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، التقدير: إن صحّ ما ذكر؛ فاكرهوا. (كرهتموه): فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها مع الشرط المقدر، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفة على جملة (اجتنبوا) و(لا تجسسوا) لا محلّ لها مثلهما، وما بينهما اعتراض. وقيل: معطوفة على ما قبلها على تأويلها؛ بالأمر كما رأيت، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل للأمر، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4625\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ يعني: آدم، وحواء. أو خلقنا كل واحد منكم من أب، وأم. قال ابن عباس﵄-: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وقوله في الرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال النبي ﷺ: «من الذاكر فلانة». قال ثابت:\nأنا يا رسول الله! قال: «انظر في وجوه القوم». فنظر، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟!». قال: رأيت أبيض، وأحمر وأسود، قال: «فإنك لا تفضلهم إلا بالدّين والتقوى». فنزلت في ثابت، ونزل في الذي لم يفسح له: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ..﴾. إلخ، الاية رقم [١١] من سورة (المجادلة).\nوقيل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله ﷺ بلالا؛ حتى علا على ظهر الكعبة، وأذن.\nفقال عتّاب بن أسيد بن العيص: الحمد لله الذي قبض أبي، ولم ير هذا اليوم! وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟! وقال سهيل بن عمرو: إن يكره الله شيئا يغيّره! وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا، أخاف أن يخبره ربّ السماء! فنزل جبريل ﵇، فأخبر رسول الله ﷺ بما قالوا، وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله هذه الاية، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء. انتهى. خازن، وقرطبي.\nوزاد القرطبي سببا ثالثا لنزول الاية، قال: أمر رسول الله ﷺ بني بياضة أن يزوجوا أبا هند (مولى لهم) امرأة منهم، فقالوا: نزوج بناتنا موالينا؟! فأنزل الله ﷿ الاية، وذكر هذا السبب السيوطي في أسباب النزول، وخذ ما يلي:\nفعن جابر بن عبد الله﵄قال: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى في وسط أيام التشريق فقال: «أيّها النّاس إنّ ربّكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجمي على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتّقوى، إن أكرمكم","vol":"9","page":193},{"text":"عند الله أتقاكم، ألا هل بلّغت؟! قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فليبلّغ الشاهد الغائب». رواه البيهقي. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي: ألا إني جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلاّ أن تقولوا:\nفلان بن فلان خير من فلان بن فلان، فاليوم أرفع نسبي، وأضع نسبكم». رواه الطبراني والبيهقي.\nوعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ: «إنّ الله أذهب عنكم عبّيّة الجاهليّة، وفخرها بالاباء، الناس بنو آدم، وآدم من تراب: مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، لينتهينّ أقوام يفتخرون برجال، إنما هو فحم من فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجعلان، التي تدفع النتن بأنفها». رواه أبو داود، والترمذي. وخذ قول علي﵁وهو مشهور من شعره: [البسيط] النّاس من جهة التمثيل أكفاء... أبوهم آدم والأمّ حوّاء\nفإن يكن لهم من أصلهم حسب... يفاخرون به فالطين والماء\nما الفضل إلاّ لأهل العلم إنهم... على الهدى لمن استهدى أدلاّء\nوقدر كلّ امرئ ما كان يحسنه... وللرجال على الأفعال سيماء\nوضدّ كلّ امرئ ما كان يجهله... والجاهلون لأهل العلم أعداء\nوخذ هذين البيتين وهما الشاهد رقم [٢١٠] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه... على ما تجلّى يومه، لا ابن أمسه\nوما الفخر بالعظم الرميم وإنّما... فخار الّذي يبغي الفخار بنفسه\nوخذ بيتين آخرين: [المنسرح] كن ابن من شئت واكتسب أدبا... يغنيك محموده عن النّسب\nإنّ الفتى من قال ها أنا ذا... ليس الفتى من قال كان أبي\n ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا:﴾ ليعرف بعضكم بعضا، لا للتفاخر بالاباء، والقبائل، والأنساب هذا؛ وطبقات الناس عند العرب سبع، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، والعشيرة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب. واستحدث اسم الأسرة والعائلة لما يشمل الزوج، والزوجة، وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة، وقد نظم بعض الأدباء طبقات العرب بقوله: [الخفيف]","vol":"9","page":194},{"text":"اقصد الشعب فهو أكثر حيّ... عددا في الحواء ثمّ القبيلة\nثم تتلوها العمارة ثم ال... بطن والفخذ بعدها والفصيله\nثمّ من بعدها العشيرة لكن... هي في جنب ما ذكرناه قليله\nهذا؛ والشّعب بمعنى ما تقدم هو بفتح الشين، وهو بكسرها الطريق في الجبل، أو ما انفرج بين الجبلين، والناحية أيضا، وجمعه: شعاب، وجمع الأول: شعوب، كما في الاية.\n ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ:﴾ فإن التقوى تكمل بها النفوس، وتتفاضل بها الأشخاص، وترتفع بها الدرجات في أعلى الجنات، فمن أراد شرفا، وعزا، وكرامة فليلتمس ذلك منها، قال النبي ﷺ: «من سرّه أن يكون أكرم الناس؛ فليتّق الله». وعن ابن عباس﵄-: (كرم الدنيا الغنى، وكرم الاخرة التقوى) وقيل: (أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور). وخلاصة التقوى: العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والاستعداد ليوم الرحيل. قال ميمون بن مهران:\nلا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبته شريكه. وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين؛ حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام. قال الشاعر: [البسيط] لم يجدك الحسب العالي بغير تقى... مولاك شيئا فحاذر واتق الله\nوابغ الكرامة في نيل الفخار به... فأكرم النّاس عند الله أتقاها\nوقال الأعشى: [الطويل] إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا\nندمت على ألاّ تكون كمثله... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا\nهذا؛ ويظن كثير من الناس أنّ تقوى الله بكثرة الصلاة، والصيام، وأداء فريضة الحج، ثم هم لا يأتمرون بمعروف، ولا ينتهون عن منكر، يؤذون الناس، ويعتدون على حرماتهم، ثم هم لا يتورّعون عن أكل أموال الناس بالباطل، وهذا ظن خاطئ، وزعم فاسد. قال عمر بن عبد العزيز﵁-: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرّم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا؛ فهو خير إلى خير. هذا؛ وعن عطية بن عروة السعدي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس». رواه الترمذي.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الاية رقم [١] هذا؛ وبعضهم يعرب ﴿النّاسُ﴾ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد أي وبعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني: «أيّ» منصوب","vol":"9","page":195},{"text":"محلا، وكذا التابع أعني «الناس» وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أنّ ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو: يدعى. وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع. وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأنّ المنادى في الحقيقة هو المحلّى بأل، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصلوا إلى ندائه ب: «أي» أي: مع قرنها بحرف التنبيه. ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له. والإعراب السائد الان أن تقول: مرفوع تبعا للفظ. انتهى. جرجاوي. هذا؛ والأخفش يعتبر: (أيّ) في مثل هذه الاية موصولة، و﴿النّاسُ﴾ خبرا لمحذوف، والجملة الاسمية صلة، وعائد. التقدير: يا من هم الناس؛ على أنه قد حذف العائد حذفا لازما، كما في قول امرئ القيس، وهو في معلقته رقم [١٣]: [الطويل] ألا ربّ صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل\nوهذا هو الشاهد رقم [٢٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وما قاله الأخفش لا يعتدّ به عند جمهرة النحاة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿مِنْ ذَكَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكاف. (أنثى): معطوف على ما قبله مجرور مثله.\n ﴿وَجَعَلْناكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلناكم): فعل، وفاعله، ومفعول به أول. ﴿شُعُوبًا:﴾\nمفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَقَبائِلَ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿لِتَعارَفُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (جعلناكم).\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْرَمَكُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: (أكرم)، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَتْقاكُمْ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية تعليلية لا محلّ لها. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة (أنّ)، وعليه فتؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل قبلهما أيضا، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ مستأنفة، لا محلّ لها.","vol":"9","page":196},{"text":"<span id=\"aya-4626\"></span>﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾\nالشرح: قال المفسرون: نزلت الاية الكريمة في نفر من بني أسد بن خزيمة، قدموا على رسول الله ﷺ في سنة مجدبة، فأظهروا الإسلام، ولم يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون إلى رسول الله ﷺ، ويقولون:\nأتتك العرب بأنفسهم على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال، والعيال، والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان. يمنون على رسول الله ﷺ بذلك، ويريدون الصدقة، ويقولون:\nأعطنا. فأنزل الله فيهم هذه الاية.\nوقيل: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة (الفتح)، وهم: جهينة، ومزينة... إلخ، كانوا يقولون: آمنا؛ ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلما استنفروا للحديبية؛ تخلفوا عنها، فأنزل الله ﷿ الاية الكريمة. انظر الاية رقم [١١] من سورة (الفتح).\n ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أي: لم تصدقوا بقلوبكم، ولم يدخلها الإيمان. ﴿وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ أي:\nاستسلمنا، وانقدنا مخافة القتل، والأسر، والسبي. وهذه صفة المنافقين؛ لأنهم أسلموا في الظاهر؛ ولم تؤمن قلوبهم. قال الحميدي-رحمه الله تعالى-: اعلم: أنّ الإسلام هو الدخول في السلم، وهو الانقياد والطاعة، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان، والأبدان، والجنان لقوله ﷿ لإبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- «أسلم، قال:\nأسلمت لربّ العالمين». ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا..﴾. إلخ.\nفإن قلت: المؤمن، والمسلم واحد عند أهل السنة، فكيف يفهم ذلك مع هذا القول؟ قلت:\nبين العام، والخاص فرق، فالإيمان لا يحصل إلاّ بالقلب، والانقياد قد يحصل بالقلب، وقد يحصل باللسان، فالإسلام أعم، والإيمان أخص، لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص، ولا يكون أمرا غيره، فالعام والخاص مختلفان في العموم والخصوص، متحدان في الوجود، فذلك المؤمن، والمسلم. انتهى. خازن. أقول: ومن تعريف الإيمان، والإسلام يتضح لك فحوى ما تقدم، فقد عرفوا الإيمان بأنه التصديق بالقلب مع الثقة، وطمأنينة النفس عليه، والإسلام هو الدخول في السلم، والخروج من أن يكون حربا للمسلمين مع إظهار الشهادتين، وهو مقتضى حديث جبريل ﵇ حين سأل الرسول ﷺ عن الإسلام، والإيمان، وهو في","vol":"9","page":197},{"text":"صحيح مسلم، وغيره. ولا تنس أنّ الله ﷿ قد جمع الإيمان، والإسلام لأهل بيت لوط، كما ستعرفه في سورة (الذاريات).\n ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ظاهرا، وباطنا، سرا، وعلانية. وقال ابن عباس﵄-: تخلصوا له الإيمان. ﴿لا يَلِتْكُمْ:﴾ لا ينقصكم، يقال: لاته، يليته ليتا، ويلوته: نقصه، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ أبو عمرو: «(لا يألتكم)» بالهمزة من: ألت يألت ألتا اعتبارا بقوله تعالى في سورة الطور رقم [٢١]: ﴿وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. وهذه لغة غطفان، وأسد.\nبقي أن تعرف: أن ﴿الْأَعْرابُ﴾ جمع أعرابي، وهو من يسكن البادية. وقيل: الأعراب: اسم جنس، وأعرابي نسبة إلى الأعراب. هذا؛ والعرب أهل الأمصار، وهو أيضا اسم جنس، والنسبة إليهم عربي، فالأعرابي على الأول مفرد الأعراب، ونسبة إليهم، والعربي على الثاني مفرد العرب، ونسبة إليهم. هذا؛ وقد وصف الله الأعراب في الاية رقم [٩٧] من سورة (التوبة) بأنهم أشد كفرا، ونفاقا، انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿قالَتِ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَعْرابُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿قُلْ:﴾\nفعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿قُولُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿أَسْلَمْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلَمّا:﴾ الواو:\nواو الحال. (لما): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَدْخُلِ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لمّا).\n ﴿الْإِيمانُ:﴾ فاعله. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُطِيعُوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَلِتْكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿مِنْ أَعْمالِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان","vol":"9","page":198},{"text":"بمحذوف حال من: ﴿شَيْئًا،﴾ كان صفة له... إلخ، ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به ثان ل: (يلت) لأنه بمعنى: ينقص، و﴿الْإِيمانُ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليلية، أو مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4627\"></span>﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ أي: المؤمنون الصادقون في إيمانهم هم الذين آمنوا بالله إيمانا صحيحا، وصدقوا رسوله، وانقادوا لأوامرهما، وأذعنوا لحكمهما إذعانا كاملا مقرونا بالرضا. ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ أي: لم يشكوا في دينهم وكل ما يأتيهم من ربهم، بل يعتبرونه حقا وصدقا. هذا؛ و«ارتاب» مطاوع: رابه: إذا أوقعه في الشك مع التهمة، وجيء ب: ﴿ثُمَّ﴾ التي للتراخي للإشارة إلى أن نفي الريب عنهم ليس وقت حصول الإيمان فيهم وإنشائه فقط، بل هو مستمر بعد ذلك فيما يتطاول من الأزمنة. فكأنه قيل: ثم داموا على ذلك. ﴿وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: في طاعته. والمجاهدة بالأموال، والأنفس تشمل العبادات المالية، والبدنية بأسرها، فالمجاهدة بالأموال عبارة عن العبادات المالية، كالزكاة، والكفارات على جميع أنواعها، وما ينفقه المؤمن تبرعا للمجاهدين. وقدم الأموال بالذكر لحرص الإنسان عليه، فإن المال شقيق الروح، وقد يبذل الإنسان روحه في سبيل ماله، بل قد يبذل الرجل شرفه، وكرامته، ومروءته في سبيل تحصيل المال، وما أكثرهم في هذا الزمن، الذي رقّ فيه دين الناس. ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ:﴾ في إيمانهم؛ لا الذين قالوا: آمنا؛ ولم يوجد منهم غير الإسلام؛ أي: نطق الشهادتين باللسان فقط. ولما نزلت الايتان؛ أتت الأعراب رسول الله ﷺ يحلفون بالله بأنهم مؤمنون صادقون في السرّ، والعلانية، وعرف الله منهم غير ذلك، فأنزل الاية التالية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل خبر المبتدأ، أو هو في محل رفع صفة: ﴿الْمُؤْمِنُونَ،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ثُمَّ:﴾\nحرف عطف. ﴿لَمْ:﴾ حرف جازم. ﴿يَرْتابُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، وأيضا جملة: ﴿وَجاهَدُوا﴾ معطوفة عليها. ﴿بِأَمْوالِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَأَنْفُسِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل: (جاهدوا) و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿بِاللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ انظر","vol":"9","page":199},{"text":"إعراب مثل هذه الجملة في الاية رقم [٧] وهي مستأنفة على اعتبار الموصول خبر المبتدأ، وفي محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار الموصول صفة: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4628\"></span>﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي: تخبرون الله بدينكم؛ الذي أنتم عليه، وهو قولكم: ﴿آمَنّا﴾. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا تخفى عليه تعالى خافية فيهما. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ يعلم كل شيء من النفاق، والإخلاص، وغير ذلك فلا يحتاج إلى إخباركم.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَتُعَلِّمُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي تقريعي. (تعلّمون): مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿بِدِينِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو:\nواو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة لفظ الجلالة. وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محلّ لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله):\nمبتدأ. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.\n<span id=\"aya-4629\"></span>﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا:﴾ هو قولهم: أسلمنا، ولم نحاربك، يمنون بذلك على رسول الله ﷺ، فبيّن بذلك أن إسلامهم لم يكن خالصا. ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ أي: لا تعتدّوا عليّ بإسلامكم. ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ أي: لله المنة عليكم أن أرشدكم وأمدّكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم، وادّعيتم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ أنكم مؤمنون.","vol":"9","page":200},{"text":"هذا؛ والمنّ: ذكر الصنيعة، وتعداد النعمة، والمنّان من بني آدم: هو الذي يعطي العطاء، ثم يذكّر به من أعطاه. ويعدّد له ما فعله من المعروف، مثل أن يقول له: أعطيتك كذا، وفعلت لك كذا، وصنعت معك كذا، وهو تعيير، وتكدير تنكسر منه القلوب؛ لذا كان مذموما يمحق الثواب، ويبطله، بل ويغضب الله تعالى. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ وقال الشاعر الحكيم: [الطويل] وإنّ امرأ أسدى إليّ صنيعة... وذكّرنيها مرّة للئيم\nوقال آخر يذمّ المنّان بالعطاء مخاطبا له: [الطويل] أتيت قليلا ثمّ أسرعت منة... فنيلك ممنون لذاك قليل\nوفي نوابغ الكلم: صنوان من منح سائله ومنّ، ومن منع نائله وضنّ، وفيها طعم الالاء أحلى من المن، وهو أمرّ من اللأواء مع المنّ. والمن لا يليق إلاّ في جانب الله تعالى؛ لأنه المتفضل بما يملكه حقيقة، وغيره لا ملك له حقيقة، فلا يليق به المنّ، كيف لا؛ وقد سمّى نفسه سبحانه: المنان؟!\nالإعراب: ﴿يَمُنُّونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿عَلَيْكَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿أَسْلَمُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل نصب ب: ﴿أَنْ﴾ والواو فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: لأن، أو بأن أسلموا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قُلْ:﴾\nأمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَمُنُّوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَيَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِسْلامَكُمْ:﴾\nمفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا تَمُنُّوا..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بَلِ:﴾ حرف عطف، وإضراب.\n ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَمُنُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ هَداكُمْ﴾ منصوب بنزع الخافض مثل سابقه، والكاف مفعول به. ﴿لِلْإِيمانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.\n ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. التقدير: إن كنتم","vol":"9","page":201},{"text":"صادقين في ادّعائكم الإيمان بالله، فلله المنة عليكم، والكلام كله في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-4630\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ المعنى: أن الله ﷿ لا يخفى عليه شيء في السموات، والأرض؛ فكيف يخفى عليه حالكم؟! بل يعلم سركم، وعلانيتكم. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: بصير بأعمالكم الظاهرة، والخفية، وعليم بجوارحكم الظاهرة، والباطنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿غَيْبَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ، مستأنفة، أو مبتدأة، لا محلّ لها. (الله): مبتدأ.\n ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبره. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿بَصِيرٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بصير بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿بَصِيرٌ﴾ التقدير: بصير بعملكم، والجملة الاسمية: (الله...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.\nتأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيّدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الحجرات) بحمد الله وتوفيقه شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4252>سورة ق</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (ق) وهي مكية بالإجماع، وهي خمس وأربعون آية، وثلاثمئة، وسبع وخمسون كلمة، وألف وأربعمئة، وأربعة وتسعون حرفا. انتهى. خازن.\nفعن عمر بن الخطاب﵁أنه سأل أبا واقد الليثي: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في الأضحى، والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما ب: (ق) و(اقتربت). أخرجه مسلم، وأصحاب السنن. وعن أم هشام بنت حارثة﵂قالت: لقد كان تنورنا، وتنور النبي ﷺ واحدا سنتين، أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلاّ على لسان رسول الله ﷺ، كان يقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس، أخرجه مسلم، وأبو داود، وأحمد.\nوالقصد: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار، كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث، والنشور، والمعاد، والقيامة، والحساب، والجنة، والنار، والثواب، والعقاب، والترغيب، والترهيب. انتهى. صابوني.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4631\"></span><span id=\"aya-4632\"></span>﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾\nالشرح: ﴿ق:﴾ قال ابن عباس﵁-: هو قسم. وقيل: هو اسم للسورة.\nوقيل: اسم من أسماء الله. وقيل: اسم من أسماء القرآن. وقيل: هو مفتاح اسمه: القدير، والقادر، والقاهر، والقريب، والقابض، والقدوس، والقيوم. وقيل: معناه: قضي الأمر، أو قضي ما هو كائن. وقال أبو بكر الوراق: معناه: قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما، ويجوز فيه ما جاز ب: (ص) من قراآت، انظرها هناك. ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي: الشريف الكريم على الله، الكثير الخير والبركة؛ لأنّه المهيمن على سائر الكتب، أو لأنه كلام الله المجيد، أو لأن من علم معانيه، وامتثل أحكامه؛ عظم ومجد عند الله، وعند الناس. ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ أي: كفار مكة.\n ﴿أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: محمد ﷺ. فهو إنكار لتعجبهم مما ليس بعجيب، وهو أن ينذرهم غضب الله، وعقابه رجل منهم قد عرفوا صدقه، وعدالته، وأمانته، ومن كان كذلك لم يكن إلاّ","vol":"9","page":203},{"text":"ناصحا لقومه، خائفا أن ينالهم مكروه. ﴿فَقالَ الْكافِرُونَ﴾ من أهل مكة. ﴿هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أي:\nمعجب، وغريب كل الغرابة. وفي الحقيقة والواقع ليس هذا بعجيب، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا، ومن الناس، لا اعتراض عليه فيمن يصطفيه.\nالإعراب: ﴿ق:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذه ﴿ق﴾. الثاني:\nأنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اتل ﴿ق﴾. الثالث: أنه مقسم به، التقدير: أقسم ب: ﴿ق﴾ .. ﴿وَالْقُرْآنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالقرآن.\n ﴿الْمَجِيدِ:﴾ صفة (القرآن)، وعلى اعتبار ﴿ق﴾ مقسما به ف: (القرآن) معطوف عليه، وقد اختلف في الجواب، فقال الأخفش: هو جملة: ﴿لَقَدْ عَلِمْنَا﴾ على حذف اللام؛ أي: لقد علمنا، وقال الزجاج: الجواب محذوف، تقديره: والقرآن المجيد لتبعثنّ؛ لأنهم أنكروا البعث في الاية بعده، وقال ابن هشام: التقدير: لنهلكن، أو إنك لمنذر، وقال الكوفيون: الجواب: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ والمعنى: لقد عجبوا، وقدر الجلال الجواب: ما آمن كفار مكة بمحمد ﷺ. وقيل: الجواب قوله تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وقيل: غير ذلك.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال. ﴿عَجِبُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها مستأنفة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض مبني على الفتح في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿مُنْذِرٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُنْذِرٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿أَنْ﴾ والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بل عجبوا من مجيء منذر منهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَقالَ:﴾\nالفاء: حرف عطف. (قال): ماض. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعل مرفوع... إلخ. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محلّ له. ﴿شَيْءٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:\n ﴿عَجِبُوا..﴾. إلخ، لا محلّ لها مثلها، وإظهار: ﴿الْكافِرُونَ﴾ في محل الإضمار للإشعار بتعنّتهم في هذا المقام، ثم التسجيل على كفرهم بهذا المقال.\n\n<span id=\"aya-4633\"></span>﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾\nالشرح: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا﴾ أي: أنبعث حين نموت ونبلى؟! وترك البعث لدلالة الكلام عليه. ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: بعيد الوقوع، فهم يعتقدون استحالة الرجوع بعد الموت والفناء إلى هذه البنية والتركيب الموجودين قبل الموت، وما أكثر ما ذكر القرآن مثل هذا عنهم في آياته، وآية (يس) رقم [٧٨]: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ من أكبر الشواهد على تعنّتهم. انظر شرحها هناك.","vol":"9","page":204},{"text":"الإعراب: ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، التقدير: أنبعث إذا. ﴿مِتْنا:﴾ فعل، وفاعل، وهو في المعنى فعل، ونائب فاعله؛ لأننا لا نموت، بل الله يميتنا. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿تُرابًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿رَجْعٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿بَعِيدٌ:﴾ صفة له، والاية بكاملها في محل نصب مقول القول المذكور في الاية السابقة.\n\n<span id=\"aya-4634\"></span>﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من لحومهم، وأبشارهم، وعظامهم، وأشعارهم؛ أي: نعلم ذلك، ولا يخفى علينا كيف تفرقت الأبدان، وأين ذهبت، وإلى أين صارت، فلا يغيب عنا شيء من ذلك، فكيف تتعذر الإعادة؟! قال تعالى في سورة (طه) رقم [٥١ و٥٢] حكاية عن قول موسى في جواب فرعون: ﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ وفي الصحيح: «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق، وفيه ركّب». وثبت: أنّ الأنبياء، والأولياء، والشهداء لا تأكل الأرض أجسادهم، وقال السدي: النقص هنا: الموت، يقول: قد علمنا منهم من يموت، ومن يبقى؛ لأن من مات دفن فكأن الأرض تنقص من الناس. ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ:﴾ بمعنى محفوظ من التبديل، والتغيير.\nوقيل: ﴿حَفِيظٌ﴾ بمعنى حافظ لعددهم، وأسمائهم، ولما تنقص الأرض منهم، وهو اللوح المحفوظ، وقد أثبت فيه ما يكون. وأيضا: حفيظ لأعمال العباد. أو هو كتاب الأعمال، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم على وجه مرّ ذكره، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على اعتبار جواب القسم محذوفا. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَنْقُصُ الْأَرْضُ:﴾\nمضارع، وفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: قد علمنا الذي تنقصه الأرض. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والمفعول الأول الضمير الذي رأيت تقديره. ﴿وَعِنْدَنا:﴾ الواو: واو الحال. (عندنا): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿كِتابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿حَفِيظٌ:﴾ صفة: ﴿كُتِبَ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا) الواقعة فاعلا، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"9","page":205},{"text":"<span id=\"aya-4635\"></span>﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ:﴾ بالقرآن. ﴿لَمّا جاءَهُمْ:﴾ قيل: معناه: كذبوا به لما جاءهم.\nوقيل: كذبوا المنذر، وهو محمد ﷺ لما جاءهم. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس، قيل: معنى اختلاط أمرهم: قولهم للنبي ﷺ مرة شاعر، ومرة ساحر، ومرة معلّم مجنون، ومرة كاهن، ويقولون في القرآن: مرة سحر، ومرة رجز، ومرة مفترى، ومرة كهانة، فهو كقوله تعالى في سورة (الذاريات) مخاطبا لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ فكان أمرهم مختلطا ملتبسا عليهم. وقيل في هذه الاية: من ترك الحق مرج عليه أمره، والتبس عليه دينه، قال أبو دؤاد الإيادي: [الرمل] مرج الدّين فأعددت له... مشرف الحارك محبوك الكتد\nوقال الرسول ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص﵁-: «كيف بك يا عبد الله إذا كنت في قوم قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، فكانوا هكذا، وهكذا (وشبّك بين أصابعه)» أخرجه أبو داود. هذا؛ والفعل بمعنى ما تقدم من الباب الرابع، كفرح، يفرح، وهو من الباب الأول بمعنى: أرسل الدابة، تركها ترعى. قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٩]:\n ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ وقال في سورة (الفرقان) رقم [٥٣]: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وانتقال مما هو شنيع إلى ما هو أشنع، وأقبح، وهو تكذيب النبوة بعد إنكار البعث. ﴿كَذَّبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها مستأنفة. وقيل: معطوفة على جملة ﴿بَلْ عَجِبُوا..﴾. إلخ. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بما قبله.\nهذا؛ وقرئ: «(لما)» بكسر اللام على أن (ما) مصدرية، فتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير: لمجيئهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى (الحق)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي أَمْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مَرِيجٍ:﴾ صفة: ﴿أَمْرٍ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n<span id=\"aya-4636\"></span>﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ:﴾ نظر تفكر واعتبار، وأن القادر على إيجادها قادر على الإعادة. ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ أي: رفعناها بلا عمد. ﴿وَزَيَّنّاها:﴾ بالنجوم، والكواكب. ﴿وَما لَها﴾","vol":"9","page":206},{"text":"﴿مِنْ فُرُوجٍ:﴾ جمع: فرج، وهو: الشق، بمعنى: أنها سليمة من العيوب، لا صدع فيها، ولا فتق، ولا خلل. هذا؛ وشرح ﴿أَفَلَمْ﴾ مثل شرح: ﴿أَفَلا﴾ في الاية رقم [٥١] من سورة (الزخرف).\nالإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف. (لم):\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَنْظُرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، أو هي معطوفة على محذوف، التقدير: أغفلوا، وعموا، فلم ينظروا... إلخ. ﴿إِلَى السَّماءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿بَنَيْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بدلا من:\n ﴿السَّماءِ،﴾ التقدير: أفلم ينظروا إلى السماء كيفية بنائها. ومثل الاية الكريمة قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [٣٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] إلى الله أشكو بالمدينة حاجة... وبالشام أخرى كيف يلتقيان؟!\n ﴿وَزَيَّنّاها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وداخلة معها في التأويل. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿فُرُوجٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، العائد إلى: ﴿السَّماءِ،﴾ والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4637\"></span>﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها:﴾ بسطناها، وفرشناها. ﴿وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ:﴾ ثوابت، وهي الجبال؛ لئلا تميد بأهلها، وتضطرب، كما قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٥]: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ جمع: راسية؛ لأنّ الأرض ترسو بها؛ أي: تثبت، وتستقر.\nوانظر ما ذكرته في الاية رقم [٣] من سورة (الرعد) والذاريات [٤٨]. ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ:﴾\nمن كل صنف من أصناف النبات. ﴿بَهِيجٍ:﴾ حسن جميل، والبهيج: هو الشيء المبهج المشرق النضير، وفي سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.\nالإعراب: ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على محل قوله: ﴿إِلَى السَّماءِ﴾ المنصوب ب: (ينظر) فهو منصوب بذلك؛ أي: أفلم ينظروا الأرض؟ ويجوز أن يكون منصوبا على الاشتغال بفعل","vol":"9","page":207},{"text":"محذوف، يفسّره المذكور بعده، التقدير: ومددنا الأرض مددناها. ﴿مَدَدْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (الأرض) على الوجه الأول فيها، ولا محلّ لها على الوجه الثاني فيها لأنها مفسرة. ﴿وَأَلْقَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به، ولم ينون؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. ﴿وَأَنْبَتْنا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (أنبتنا): فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا، وهما في محل نصب مفعول به، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿زَوْجٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿بَهِيجٍ:﴾ صفة: ﴿زَوْجٍ،﴾ والجملة الفعلية (أنبتنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4638\"></span>﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾\nالشرح: ﴿تَبْصِرَةً﴾ أي: جعلنا ذلك تبصرة؛ لندل به على كمال قدرتنا. وقال أبو حاتم:\nنصب على المصدر، يعني: جعلنا ذلك تبصيرا، وتنبيها على كمال قدرتنا. ﴿وَذِكْرى﴾ أي:\nتذكرة. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ:﴾ رجاع إلى الله ﷿، خائف، خاضع، متذلل له تعالى، والفرق بين التذكرة، والتبصرة: هو أنّ في السموات والأرض آيات مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر، وآيات متجددة مذكرة عند التناسي.\nالإعراب: ﴿تَبْصِرَةً:﴾ مفعول لأجله، والعامل فيه: ﴿كَيْفَ بَنَيْناها..﴾. إلخ، وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: بصرناهم تبصرة، وذكرناهم تذكرة. وقيل: حال، بمعنى مبصرين ومذكرين حال من (نا). وقيل من المفعول به. هذا؛ وقرئ: «(تبصرة)» بالرفع على تقدير: هي تبصرة وتذكرة. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بكل من المصدرين على التنازع، و(كل) مضاف، و﴿عَبْدٍ﴾ مضاف إليه، ﴿مُنِيبٍ:﴾ صفة: ﴿عَبْدٍ﴾.\n<span id=\"aya-4639\"></span><span id=\"aya-4640\"></span>﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أي: كثير الخير والبركة، فيه حياة كل نام، وهو المطر. ﴿فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ:﴾ حدائق، وبساتين، ورياضا. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ:﴾ حب الزرع الذي من شأنه أن يحصد، كالبر، والشعير، ونحوهما مما يقتات به الإنسان، والحيوان، ويدخر.\nهذا؛ والتقدير: وحب النبت الحصيد. هذا قول البصريين، وقول ابن هشام في المغني. وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأول، وحق اليقين، وحبل الوريد، ونحوها، قاله الفراء. والأصل: الحب الحصيد، فحذفت الألف واللام،","vol":"9","page":208},{"text":"وأضيف المنعوت إلى النعت. ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ:﴾ طوالا. وقيل: مستويات. وقال عبد الله بن شداد: بسوقها: استقامتها في الطول، يقال: بسق النخل بسوقا: إذا طال. قال الشاعر: [الوافر] لنا خمر، وليست خمر كرم... ولكن من نتاج الباسقات\nكرام في السّماء ذهبن طولا... وفات ثمارها أيدي الجناة\nوقرئ: «(باصقات)» بالصاد لأجل القاف، قال قطبة بن مالك﵁-: صليت وصلى بنا رسول الله ﷺ، فقرأ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ حتى قرأ: ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ قال: فجعلت أرددها، ولا أدري ما قال، إلا أنه لا يجوز إبدال الصاد من السين لأجل القاف. أخرجه مسلم في صحيحه. ويجمع على بواسق أيضا. ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ:﴾ الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل، وهو ما يكون منه وفيه التلقيح؛ حيث يؤخذ من طلع الذكر، ويوضع في طلع النخل الأنثى بعد شقه، ثم الربط عليهما. وقد أفردها الله جلّ ذكره بالذكر لفرط ارتفاعها، وكثرة منافعها؛ ولذلك شبه النبي ﷺ المسلم بها. انظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿نَضِيدٌ:﴾\nمتراكب بعضه على بعض لكثرته، وتراكمه.\nفائدة: عن علي-كرّم الله وجهه-قوله: (إذا اشتكى أحدكم شيئا، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، ثم ليشتر به عسلا، فليشربه بماء السماء، فيجمع الله له هنيئا، ومريئا، وشفاء، ومباركا) أخذه﵁من هذه الاية، ومن آية النساء رقم [٤] ومن آية (النحل) رقم [٦٩].\nالإعراب: ﴿وَنَزَّلْنا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (نزلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا... إلخ. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به. ﴿مُبارَكًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. (أنبتنا): فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَحَبَّ:﴾ معطوف على:\n ﴿جَنّاتٍ،﴾ و(حب) مضاف، و(الحصيد): مضاف إليه، وانظر الشرح. ﴿وَالنَّخْلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (النخل): معطوف على ما قبله. ﴿باسِقاتٍ:﴾ حال من (النخل) منصوب... إلخ.\n ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿طَلْعٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿نَضِيدٌ:﴾ صفة:\n ﴿طَلْعٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من: (النخل الباسقات) بطريق الترادف، أو من الضمير في ﴿باسِقاتٍ﴾ على التداخل. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور: ﴿لَها﴾ متعلقين بمحذوف حال من: (النخل)، و﴿طَلْعٌ﴾ مرتفع به على الفاعلية؛ أي: بمتعلقهما.","vol":"9","page":209},{"text":"<span id=\"aya-4641\"></span>﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾\nالشرح: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ أي: رزقناهم رزقا، أو على معنى: أنبتناها رزقا؛ لأن الإنبات في معنى الرزق، والرزق: ما كان مهيأ للانتفاع به. ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ:﴾ بالمطر. ﴿بَلْدَةً مَيْتًا:﴾ لا نبات فيها، ولا حياة، فإذا نزل عليها المطر اهتزت، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، وذكّر:\n ﴿مَيْتًا﴾ باعتبار البلدة بلدا، أو مكانا. ﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ أي: من القبور، والمعنى: كما أحيا الله الأرض الميتة بالماء، فأخرج منها النبات بعد ما انهضم، وتفتت في الأرض، وصار ترابا كما كان من بين أصفره، وأبيضه، وأحمره، وأزرقه إلى غير ذلك، كذلك يعيدكم من الأرض بعد ما تفتتت عظامكم، وتمزّقت لحومكم، وتفرّقت شعوركم.\nوهذا من خصائص أسلوب القرآن العظيم: أنه يخاطب العقل، والقلب معا، ويجمع بين الحق، والجمال معا، وأنه يسوق الاستدلال سوقا يهزّ القلوب هزا، ويمتع العاطفة إمتاعا بما جاء في طيّ هذه الايات من إقامة الدليل العقلي على البعث، والنشور في مواجهة المنكرين المكذبين. تأمل هذا الأسلوب البارع الذي أقنع العقل، وأمتع العاطفة في آن واحد، حتى في الجملة التي هي بمثابة النتيجة من مقدمات الدليل، حيث قال في آخر الايات: ﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ أي: الخروج من القبور للبعث، والحساب، والجزاء، والثواب، والعقاب.\nالإعراب: ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول لأجله؛ أي: أنبتنا ما تقدم لرزقهم، أو هو مفعول مطلق عامله:\n (أنبتنا) لأنه بمعنى رزقناهم رزقا. أو هو حال، بمعنى: مرزوقا للعباد، أو ذا رزق. ﴿لِلْعِبادِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿رِزْقًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَأَحْيَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أحيينا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بَلْدَةً:﴾ مفعول به. ﴿مَيْتًا:﴾ صفة: ﴿بَلْدَةً﴾. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿الْخُرُوجُ:﴾ مبتدأ مؤخر.\nهذا؛ وأجيز اعتبار الكاف اسما مبتدأ و﴿الْخُرُوجُ﴾ خبره، وعليه تكون الكاف مضافة، واسم الإشارة مضافا إليه، وعلى الوجهين؛ فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4642\"></span><span id=\"aya-4643\"></span><span id=\"aya-4644\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ:﴾ قبل كفار قريش، والمفعول محذوف؛ أي: كذبوا رسلهم. قوم نوح، وثمود، وعاد، وفرعون، وإخوان لوط ذكرت هذه الأقوام بالتفصيل في سورة (الأعراف)","vol":"9","page":210},{"text":"وفي سورة (هود) وفي سورة (الشعراء)، وذكر أصحاب الأيكة في سورة (الشعراء) الاية رقم [١٧٦] وما بعدها، وذكر أصحاب الرس اسما فقط في الاية رقم [٣٨] من سورة (الفرقان) وقد توسعت في الكلام عليهم. انظره هناك؛ فإنه جيد؛ والحمد لله! وانظر شرح ﴿تُبَّعٍ﴾ في سورة (الدخان) رقم [٣٧]. هذا؛ وذم الله قوم تبع، ولم يذمه، وذم فرعون لأنه هو المكذب المستخف لقومه، فلهذا خصّ بالذكر دونهم. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي: كل هؤلاء المذكورين كذبوا رسلهم.\n ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي: وجب عذابي لهم. وفيه تسلية لرسول الله ﷺ، وتهديد، ووعيد لأهل مكة.\nهذا؛ وإن لوطا هو ابن أخي إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، وتقدم معنا: أنه هاجر معه من العراق إلى الشام، فنزل إبراهيم بفلسطين، ونزل لوط بسدوم من الأردن، وأرسله الله إلى أهلها. فهو أجنبي منهم، لكن الله عبّر عنهم بإخوانه من حيث: أنه صاهرهم، وتزوج منهم. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل: ﴿كَذَّبَتْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، و﴿قَوْمُ﴾ مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَصْحابُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أصحاب): معطوف على: ﴿قَوْمُ،﴾ وهو مضاف، و﴿الرَّسِّ﴾ مضاف إليه. ﴿وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ:﴾ معطوفان على: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ:﴾ معطوفان أيضا، و﴿الْأَيْكَةِ﴾ و﴿تُبَّعٍ:﴾ مضاف إليهما. ﴿كُلٌّ،﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به الإضافة المقدرة. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلٌّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿الرُّسُلَ:﴾ مفعول به.\n ﴿فَحَقَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (حق): فعل ماض. ﴿وَعِيدِ:﴾ فاعل: (حق) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة مراعاة لرؤوس الاي، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-4645\"></span>﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ:﴾ هذا جواب لقولهم: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ والمعنى: أعجزنا حين خلقناهم أولا، فنعيا بالإعادة ثانيا؟! وذلك لأنهم اعترفوا بالخلق الأول، وأنكروا البعث.\nهذا؛ و«عيي بالأمر»: إذا لم يهتد لوجه عمله. وفي المختار: العيّ ضد البيان، وقد عيّ في منطقه فهو عيّ، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ:﴾ في خلط، وشبهة، قد لبس عليهم الشيطان، وحيّرهم، وذلك تسويله إليهم: أنّ إحياء الموتى خارج عن العادة، فتركوا لذلك الاستدلال الصحيح، وهو: أنّ من قدر على الإنشاء؛ كان على الإعادة أقدر، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. ﴿مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: من إعادة الأجسام بعد فنائها، وتفتت أوصالها، وأجزائها.","vol":"9","page":211},{"text":"الإعراب: ﴿أَفَعَيِينا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي تقريعي. الفاء: حرف استئناف. (عيينا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. وقيل: معطوفة على جملة محذوفة مقدرة، ولا داعي له. ﴿بِالْخَلْقِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَوَّلِ:﴾ صفة:\n (الخلق). ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي لَبْسٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿مِنْ خَلْقٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿لَبْسٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿جَدِيدٍ:﴾ صفة: ﴿بِالْخَلْقِ﴾. هذا؛ وقال الجمل: الجملة الاسمية معطوفة على مقدر يقتضيه السياق، يدلّ عليه ما قبله، كأنه قيل: هم غير منكرين لقدرتنا عن الخلق الأول، بل هم في خلط، وشبهة من خلق جديد مستأنف؛ لما فيه من مخالفة العادة. وتنكير: ﴿بِالْخَلْقِ﴾ لتفخيم شأنه، والإشعار بخروجه عن حدود العادات، والإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه، ويهتمّ بمعرفته. انتهى. نقلا من أبي السعود.\n\n<span id=\"aya-4646\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ آدم، وكل واحد من ذريته. ﴿وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي:\nما يختلج في سرّه، وقلبه، وضميره. وفي هذا زجر عن المعاصي؛ التي يستخفى بها.\nوالوسوسة: حديث النفس بمنزلة الكلام الخفي، ومنه: وسواس الحلي. قال الأعشى: [البسيط] تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت... كما استعان بريح عشرق زجل\nانظر شرح هذا البيت وإعرابه في كتابنا: «إعراب المعلّقات العشر» ورقمه [٤] من معلقة الأعشى. هذا؛ ومن فضل الله وكرمه أنه تجاوز عن وسوسة القلب، وحديث النفس، فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «إنّ الله تعالى تجاوز لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تقل، أو تعمل» وانظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [٢٨٤] و[٢٨٦].\n ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ:﴾ هذا بيان لكمال علمه؛ أي: نحن أعلم به منه، و﴿الْوَرِيدِ:﴾\nالعرق الذي يجري منه الدم، ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن، وهو بين الحلقوم، والعلباوين. ومعنى الاية: أنّ أجزاء الإنسان، وأبعاضه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب عن علم الله شيء، وحبل الوريد مثل في فرط القرب، كقولهم: هو مني مقعد القابلة، ومعقد الإزار، قال ذو الرّمّة: [الرجز] هل أغدون في عيشة رغيد؟ ... والموت أدنى لي من الوريد\nوقيل: يحتمل أن يكون المعنى: ونحن أقرب إليه بنفوذ قدرتنا فيه، ويجري أمرنا فيه كما يجري الدم في عروقه. كما قيل: إن المراد ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده","vol":"9","page":212},{"text":"إليه، كما قال تعالى في المحتضر في سورة (الواقعة): ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ فإن المراد الملائكة بلا ريب، كما ستعرفه في سورة (الواقعة) إن شاء الله تعالى. قال القشيري: في هذه الاية هيبة، وفزع، وخوف لقوم، وروح، وأنس، وسكون قلب لقوم.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الاية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف). ﴿وَنَعْلَمُ:﴾ الواو: واو الحال. (نعلم): مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ونحن نعلم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الواو، والضمير، ولا يصح اعتبار الجملة الفعلية بمفردها حالا؛ لأنها اقترنت بالواو، وفعلها مضارع مثبت. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة مستأنفة؛ فلا حاجة إلى تقدير مبتدأ قبلها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ونعلم وسوسة نفسه إياه؛ على اعتبار الباء زائدة، أو وسوسة نفسه له؛ على كونها للتعدية، وهي أصلية. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: (نعلم)، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة. ﴿إِلَيْهِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿أَقْرَبُ﴾. ﴿مِنْ حَبْلِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَقْرَبُ﴾ أيضا، و﴿حَبْلِ﴾ مضاف، و﴿الْوَرِيدِ﴾ مضاف إليه، وانظر ما ذكرته في مثل هذه الإضافة في الاية رقم [٩].\n\n<span id=\"aya-4647\"></span><span id=\"aya-4648\"></span>﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ﴾ أي: يأخذ، ويثبت الملكان الموكلان بالإنسان ما يعمله، وما يقوله في صحيفتي الحسنات، والسيئات. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ:﴾ قال مجاهد: وكّل الله بالإنسان مع علمه بأحواله ملكين بالليل، وملكين بالنهار، يحفظان عمله، ويكتبان أثره إلزاما للحجة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والاخر عن شماله يكتب السيئات. فذلك قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾. وعن أبي أمامة﵁قال: قال النبي ﷺ: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يساره، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السّيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشّمال: دعه سبع ساعات؛ لعلّه يسبّح! أو يستغفر». وروي من حديث علي﵁أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن مقعد ملكيك على ثنيّتك. لسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك فلا تستح من الله ولا منهما!». وإنما قال: ﴿قَعِيدٌ،﴾ ولم يقل:","vol":"9","page":213},{"text":"قعيدان؛ وهما اثنان؛ لأنّ المراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. ومنه قول قيس بن الخطيم الأوسي-وهو الشاهد رقم [١٠٥٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المنسرح] نحن بما عندنا، وأنت بما... عندك راض والرّأي مختلف\nالتقدير: نحن بما عندنا راضون، وقال الجوهري: فعيل، وفعول مما يستوي فيه الواحد، والاثنان، والجمع، كقوله تعالى: ﴿إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ رقم [١٦] من سورة (الشعراء) انظر شرحها هناك؛ فإنه جيد. ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ:﴾ عنده. ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي: حافظ حاضر أينما كان سوى وقت الغائط، وعند جماعه، فإنهما يتأخران عنه، فلا يجوز للإنسان أن يتكلم في هاتين الحالتين؛ حتى لا يؤذي الملائكة بدنوهما منه، وهو على تلك الحالة؛ حتى يكتبا ما يتكلم به. قيل: إنهما يكتبان عليه كل شيء يتكلّم به حتى أنينه في مرضه. وقيل: لا يكتبان إلا ما له أجر، وثواب، أو عليه وزر، وعقاب.\nهذا؛ وتفسير ﴿عَتِيدٌ﴾ بحاضر يجعله صفة: ﴿رَقِيبٌ،﴾ والمعروف والمشهور: أنهما ملكان:\nالأول: رقيب، وهو كاتب الحسنات، والثاني: عتيد وهو كاتب السيئات، وهما من الملائكة المقربين العشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنكر، ونكير، ورقيب، وعتيد، وخازن الجنة رضوان، وخازن النار مالك﵃-. وقد أزاح هذه الشبهة الجلال بقوله: وكلّ منهما بمعنى المثنى.\nقال الجمل معلقا: أي: الرقيب، والعتيد بمعنى المثنى، فالمعنى: إلا لديه ملكان موصوفان بأنهما رقيبان، وعتيدان، فكل منهما موصوف بأنه ﴿رَقِيبٌ﴾ أي: حافظ للأعمال، و﴿عَتِيدٌ﴾ أي:\nحاضر عند العبد، لا يفارقه في نوم، ولا في يقظة، فالكاتبان اثنان فقط، وإن كانا يتبدلان ليلا، ونهارا. ولا حاجة إلى هذا كله، بل الأولى جعل الوصفين لشيء واحد؛ أي: إلا لديه ملك موصوف بأنه رقيب، وعتيد؛ أي: حافظ حاضر، والمراد بذلك الملك اثنان: كاتب الحسنات، وكاتب السيئات، فكل منهما يقال له: رقيب عتيد. انتهى. وخذ ما يلي:\nعن أنس﵁-: أنّ نبي الله ﷺ قال: «إنّ الله وكّل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات؛ قالا: ربنا قد مات فلان فائذن لنا أن نصعد إلى السماء! فيقول الله تعالى: إنّ سمواتي مملوءة من ملائكتي يسبحونني، فيقولان: ربّنا نقيم في الأرض، فيقول الله تعالى: إن أرضي مملوءة من خلق يسبحونني، فيقولان: يا ربّ فأين نكون؟ فيقول الله تعالى: كونا على قبر عبدي فكبّراني، وهلّلاني، وسبّحاني، واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة». أقول: وهذا إن كان العبد الموكل به الملكان مؤمنا، وأما إن كان كافرا، وفاجرا، وفاسدا في حياته؛ فلا شك: أنّ الله تعالى يقول لملكيه: قفا على قبره، والعناه؛ حتى يبعث من قبره! والله أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على الهادي، وسلّم. وانظر ما ذكرته بشأن الحفظة في الاية رقم [١١] من سورة (الرعد).","vol":"9","page":214},{"text":"الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو متعلق ب: ﴿أَقْرَبُ﴾. ﴿يَتَلَقَّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الْمُتَلَقِّيانِ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ومفعوله محذوف، التقدير: يتلقى المتلقيان ما يعمله العبد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿عَنِ الْيَمِينِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿وَعَنِ الشِّمالِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿قَعِيدٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْمُتَلَقِّيانِ﴾. (عن الشمال): متعلقان بمحذوف خبر، والمبتدأ محذوف لدلالة: ﴿قَعِيدٌ﴾ عليه، فهذا من حذف الثاني لدلالة الأول عليه، وإن اعتبرت:\n ﴿قَعِيدٌ﴾ مبتدأ لقوله: (عن الشمال) فيكون المبتدأ محذوفا من الأول لدلالة الثاني عليه، وعلى اعتبار ﴿قَعِيدٌ﴾ بمعنى المثنى؛ فلا حذف، وكذلك إن كان صالحا للمفرد، والمثنى، والجمع؛ فلا حذف أيضا، كذلك عطفت (عن الشمال) على ما قبلهما.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَلْفِظُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْإِنْسانَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ لا محلّ لها.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَوْلٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَدَيْهِ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿رَقِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَتِيدٌ:﴾ بدل مما قبله، أو عطف بيان عليه، وإن اعتبرتهما اثنين؛ فهو معطوف عليه بواو محذوفة، والجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال.\n\n<span id=\"aya-4649\"></span>﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: غمرته، وشدته؛ التي تغشى الإنسان، وتغلب على عقله. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بحقيقة الموت. وقيل: بالحق من أمر الاخرة حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعيان. وقيل: بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة، والشقاوة. ﴿ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي:\nيقال لمن جاءته سكرة الموت: ذلك الذي كنت عنه تميل، وقيل: تهرب. وقال ابن عباس﵄-: تكره. يقال: حاد عن الشيء يحيد: مال عنه، وعدل، قال طرفة بن العبد: [الطويل] أبا منذر رمت الوفاء فهبته... وحدت كما حاد البعير عن الدّحض\nوالمخاطب بذلك الإنسان من حيث هو. وقيل: هو الكافر. وعن بعضهم: أنّه سأل زيد بن أسلم عن ذلك، فقال الخطاب للنبي ﷺ. فحكاه لصالح بن كيسان. فقال: والله ما سنّ عالية،","vol":"9","page":215},{"text":"ولا لسان فصيح، ولا معرفة بكلام العرب! هو للكافر. ثم حكاهما للحسين بن عبد الله، بن عبيد الله، بن عباس، فقال: أخالفهما جميعا، هو للبر، والفاجر. روي: أنه لما ثقل أبو بكر -﵁جاءت عائشة﵂فتمثلت بقول حاتم الطائي: [الطويل] لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى... إذا حشرجت يوما، وضاق بها الصّدر\nفكشف عن وجهه، وقال﵁-: ليس كذلك، ولكن قولي: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ..﴾. إلخ. وروي أنه لما حضرت الوفاة سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، كان عنده قدح ماء، فجعل يدخل يده فيه، ويمسح وجهه، ويقول: «لا إله إلاّ الله، إنّ للموت لسكرات! اللهم هوّن عليّ سكرات الموت!». وفاطمة﵂تقول: (واكرباه لكربك يا أبتاه) فيقول:\n «لا كرب على أبيك بعد الموت». وقال شداد بن أوس﵁-: الموت أفظع هولا في الدنيا والاخرة على المؤمنين، وهو أشدّ ألما من نشر المناشير، وقرض المقاريض، وغليان القدور ولو أن الميت بعث، فأخبر أهل الدنيا بألم الموت؛ لما انتفعوا بعيش، ولا التذوا بنوم.\nوكان عمرو بن العاص﵁يقول: من لي برجل عاقل يصف لي سكرات الموت؟ فلما حضرته الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه! إنك كنت تقول: من لي برجل عاقل يصف لي سكرات الموت؟ وأنت ذلك الرجل، فصف لي الموت، فقال: يا بني! والله كأن السماء قد أطبقت على الأرض، وكأني بينهما، وكأني أتنفس من سمّ إبرة، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي! ثم أنشد يقول: [الخفيف] كلّ حيّ وإن تطاول دهرا... آيل أمره إلى أن يزولا\nليتني كنت قبل ما قد بدا لي... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا\nالإعراب: ﴿وَجاءَتْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (جاءت): فعل ماض، والتاء للتأنيث.\n ﴿سَكْرَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و﴿سَكْرَةُ:﴾ مضاف، و﴿الْمَوْتِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ،﴾ التقدير: ملتبسة بالحق. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، فيكون المعنى: ذلك الذي كنت منه تبتعد، وتفرّ منه قد حلّ بك، ونزل بساحتك، أو هي نافية فيكون المعنى ذلك ما كنت تقدر على الهرب، والفرار منه. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿تَحِيدُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ صلة: ﴿ما﴾ على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبر المبتدأ على اعتبارها نافية، والجملة","vol":"9","page":216},{"text":"الاسمية: ﴿ذلِكَ ما كُنْتَ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها، أو معترضة بين الجمل المتعاطفة، أو هي في محل نصب مقول القول، التقدير: أي: ويقال له عند الموت: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ.\n\n<span id=\"aya-4650\"></span><span id=\"aya-4651\"></span>﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ:﴾ انظر الاية رقم [٦٨] من (الزمر) وخذ ما يلي: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم؛ وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له؟!» قالوا: يا رسول الله! كيف نقول؟ قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل!» فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل!. ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ أي: وقت ذلك يوم تحقق الوعيد، وإنجازه، وهو تعذيب الكفار، والفاسدين المفسدين.\n ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أي: ملك يسوقه إلى الحشر، وملك يشهد عليه بأعماله.\nهذا هو الظاهر من الاية الكريمة، وهو اختيار ابن جرير، وغيره؛ لما روي عن يحيى بن رافع؛ قال: سمعت عثمان بن عفّان﵁يخطب، فقرأ هذه الاية، فقال: سائق يسوقها إلى الله تعالى، وشاهد يشهد عليها بما عملت. وكذا قال مجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة﵁-: السائق: الملك، والشهيد: العمل. وكذا قال الضحاك، والسّدّي. وقال ابن عباس -﵄-: السائق من الملائكة، والشهيد الإنسان نفسه. يشهد على نفسه، وبه قال الضحاك أيضا. هذا؛ والمراد بنفسه: جوارحه؛ التي بين جنبيه. ويؤيده قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٢٤]: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٢٠]: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. انظر شرح هذه الايات في محالها. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع.\nالإعراب: ﴿وَنُفِخَ:﴾ الواو: حرف عطف. (نفخ): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾\nفي محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (جاءت...) إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿ذلِكَ:﴾ مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿يَوْمُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْوَعِيدِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، أو معترضة بين الجمل المتعاطفة، وجملة: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ معطوفة على ما قبلها أيضا، لا محلّ لها. ﴿مَعَها﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿سائِقٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿وَشَهِيدٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (شهيد): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿كُلُّ نَفْسٍ،﴾ وأجيز اعتبار الظرف متعلقا بمحذوف حال من: ﴿كُلُّ نَفْسٍ،﴾ فيكون ﴿سائِقٌ﴾ فاعلا بمتعلق الظرف؛ وقال مكي: والجملة في موضع نصب على الصفة للنفس، أو لكل، فهي في محل رفع، أو في محل جر؛ لأنّ ﴿كُلُّ﴾ مرفوعة، و﴿نَفْسٍ﴾ مجرورة،","vol":"9","page":217},{"text":"والأصح في محل نصب حال كما قدمت، و﴿كُلُّ﴾ تخصصت بالإضافة ل: ﴿نَفْسٍ﴾ فصحّ مجيء الحال منها.\n\n<span id=\"aya-4652\"></span>﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا:﴾ قال ابن زيد: المراد به النبي ﷺ؛ أي: لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة في قريش في جاهليتهم. وهذا لا أرتضيه، ولا تؤيده الايات قبله، وبعده. وقال ابن عباس، والضحاك: إنّ المراد به المشركون؛ أي: كانوا في غفلة من عواقب أمورهم. وقال أكثر المفسرين: إنّ المراد به البرّ، والفاجر. وهو اختيار الطبري. انتهى. قرطبي.\nأقول: وهو المعتمد؛ لأنّ الاخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام، قال الإمام علي﵁-: الناس نيام؛ إذا ماتوا؛ انتبهوا. أقول: ويؤيده قوله تعالى في سورة (الروم): ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾. ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ أي: الذي كان على قلبك وسمعك وبصرك في الدنيا، والمراد: ما كان من أثر الغفلة، فهو استعارة؛ إذ الغطاء الحاجب لأمور المعاد الناتج من الغفلة، والانهماك في المحسوسات، والإلف بها، وقصور النظر عليها. ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ:﴾ قوي ثابت نافذ، فقد جعلت الغفلة كأنها غطاء غطّى بها جسده كله، أو غشاوة غطّى بها عينيه، فهو لا يبصر، فإذا كان يوم القيامة؛ تيقّظ، وزالت عنه الغفلة، وغطاؤها، فيبصر ما لم يبصره من الحق، ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديدا لتيقظه. هذا؛ وقرئ بكسر تاء الفاعل، والكافات، وذلك على خطاب النفس، وهو يرجح: أن المراد البر، والفاجر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:\nوالله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُنْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِي غَفْلَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مِنْ هذا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان ل: (كان) وهو أقوى من تعليقهما بمحذوف صفة: ﴿غَفْلَةٍ،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في اللام، والكلام في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال له: لقد، أو والله لقد... إلخ، والكلام كلّه مستأنف، لا محلّ له. (كشفنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَنْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿غِطاءَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. (بصرك): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْيَوْمَ:﴾\nظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿حَدِيدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وفيها معنى التعليل. هذا؛ وجاز تعليق الظرف ب: ﴿حَدِيدٌ﴾. وهو جامد؛ لأنه بمعنى قوي ثابت، ومثل هذه الاية قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٧٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٩٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]","vol":"9","page":218},{"text":"وإنّ لساني شهدة يشتفى بها... وهوّ على من صبّه الله علقم\nفالجار والمجرور: «على من» متعلقان بقوله: «علقم» لأنه بمعنى مرّ، وأيضا قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٣]: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ فالجار والمجرور: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ متعلقان بلفظ الجلالة؛ لأنه بمعنى المعبود، أو المسمّى بهذا الاسم.\n\n<span id=\"aya-4653\"></span><span id=\"aya-4654\"></span><span id=\"aya-4655\"></span>﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ﴾ أي: الملك الموكل به في الدنيا لكتابة أعماله، وهو الرقيب السابق ذكره، وتقدّم: أنه كاتب الحسنات والسيئات، وأن للإنسان رقيبين، وهما العتيدان. فإفراده لتأويله كما مرّ في الرقيب، وقال الزمخشري: هو الشيطان الذي قيض له في قوله تعالى في سورة (الزخرف) الاية رقم [٣٦]: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ويشهد له قوله تعالى: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾. ﴿هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ:﴾ هذا شيء لديّ، في ملكتي عتيد لجهنم، والمعنى: أن ملكا يسوقه، وآخر يشهد عليه، وشيطانا مقرونا به يقول: قد أعتدته لجهنم وهيئته لها بإغوائي، وإضلالي.\n ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ:﴾ معاند للحق، والعنيد: المعرض عن الحق، يقال: عند يعند بالكسر عنودا؛ أي: خالف، ورد الحق، وهو يعرفه، فهو عنيد، وعاند، وجمع العنيد: عند، مثل رغيف، ورغف. هذا؛ والعنيد: الطاغي؛ الذي لا يقبل الحق، ولا يذعن له. قال أبو عبيد:\nالعنيد، والعنود، والعاند، والمعاند: المعارض بالخلاف، وعند، يعند من الباب الأول، وعند، يعند من الباب الرابع، وعند، يعند من الباب الخامس، والمصدر: عندا، وعنودا، وعندا.\nهذا؛ وألقيا خطاب من الله تعالى للملكين السابقين: السائق، والشهيد، ويجوز أن يكون خطابا للواحد من وجهين: أحدهما قول المبرد: إن تثنية الفاعل نزلت منزلة تثنية الفعل لاتحادهما، كأنه قيل: ألق ألق للتأكيد. والثاني: أنّ العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان، فكثر على ألسنتهم أن يقولوا: خليليّ، ونحوه، ويجوز أن تكون الألف في ﴿أَلْقِيا﴾ بدلا من النون إجراء للوصل مجرى الوقف، ويؤيده قراءة الحسن البصري، وهي ليست سبعية: «(ألقين)» ومن هذا الباب قول امرئ القيس في أول معلقته رقم [١]: [الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل\nومن خطاب الاثنين، والمراد الواحد قول سويد بن كراع العكلي: [الطويل] فإن تزجراني يا بن عفّان أنزجر... وإن تدعاني أحم عرضا ممنّعا","vol":"9","page":219},{"text":"﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي: للزكاة المفروضة وكل حق وجب عليه في ماله، وقد يراد به الصد عن الدخول في الإسلام، وكثيرا ما ذكر الله تعالى عنهم ذلك بقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ،﴾ ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.\n ﴿مُعْتَدٍ:﴾ متجاوز حدّه في منطقه، وسيرته، ظالم لا يقر بتوحيد. ﴿مُرِيبٍ:﴾ واقع في شك من أمر التوحيد، والإسلام.\nالإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): ماض. ﴿قَرِينُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ما:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَدَيَّ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿عَتِيدٌ﴾ بعده، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله بياء المتكلم؛ التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَتِيدٌ:﴾ صفة: ﴿ما،﴾ التقدير: هذا شيء حاضر عندي، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿لَدَيَّ﴾ متعلقا بمحذوف صفة: ﴿ما،﴾ واعتبار ﴿عَتِيدٌ﴾ صفة ثانية لما، أو خبر لمبتدأ؛ أي: هو عتيد، وعليه فالجملة الاسمية صفة ثانية ل: ﴿ما،﴾ أو هي حال منها بعد وصفها بالظرف، والعامل في الحال اسم الإشارة. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ موصولة بمعنى «الذي» مبتدأ، و﴿لَدَيَّ﴾ صلتها، و﴿عَتِيدٌ﴾ خبر الموصول، والجملة الاسمية خبر اسم الإشارة. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ بدلا من ﴿هذا﴾ موصولة كانت، أو موصوفة ب:\n ﴿لَدَيَّ﴾ و﴿عَتِيدٌ:﴾ خبر ﴿هذا،﴾ وجوّز الزمخشري في: ﴿عَتِيدٌ﴾ أن يكون بدلا، أو خبرا بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. انتهى. جمل نقلا من السمين. وعن مكي، وأبي البقاء ما يقرب من هذا؛ وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على جملة: (جاءت...) إلخ لا محلّ لها مثلها.\n ﴿أَلْقِيا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، وألف الاثنين فاعله، أو هو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا في الوقف، كما رأيت في الشرح، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿كَفّارٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَنِيدٍ:﴾ صفة أولى ل: ﴿كَفّارٍ﴾. ﴿مَنّاعٍ:﴾ صفة ثانية. ﴿لِلْخَيْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَنّاعٍ﴾.\n ﴿مُعْتَدٍ مُرِيبٍ:﴾ صفتان ل: ﴿كَفّارٍ﴾ وفيه، وفي جميع صفاته ضمير مستتر هو فاعل بهنّ، وجملة: ﴿أَلْقِيا..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4656\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ أي: أشرك بالله، فعبد معه غيره. ﴿فَأَلْقِياهُ:﴾ قل فيه: ما قلته بسابقه. ﴿فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ:﴾ فعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ","vol":"9","page":220},{"text":"قال: «يخرج عنق من النّار يتكلّم: يقول: وكّلت اليوم بثلاثة: بكلّ جبّار عنيد، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير حقّ، فينطوي عليهم، فيقذفهم في حمراء جهنّم». رواه الإمام أحمد في مسنده.\nالإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الذم بفعل محذوف، أو على البدل من: ﴿كُلَّ﴾. أو في محل جر بدلا من: ﴿كَفّارٍ﴾. أو في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿فَأَلْقِياهُ﴾ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿جَعَلَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿إِلهًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ، صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَأَلْقِياهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة على الاعتبارات الأولى في الموصول، وزائدة على اعتبار الموصول مبتدأ. (ألقياه): إعرابه مثل سابقه، والهاء مفعول به. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الشَّدِيدِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها على اعتبار الفاء الفصيحة، وفي محل رفع خبر الموصول على اعتباره مبتدأ.\n\n<span id=\"aya-4657\"></span>﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ يعني: الشيطان الذي قيض لهذا الكافر. ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ أي: ما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى، واختار الضلالة على الهدى. وقيل: هذا جواب لكلام مقدر، وهو: أن الكافر حين يلقى في النار يقول: ربي أطغاني شيطاني، فيقول الشيطان: ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ،﴾ وما أضللته، وما أغويته! وقرينه هنا هو شيطانه بغير اختلاف، حكاه المهدوي. وحكى الثعلبي: قال ابن عباس، ومقاتل: قرينه: الملك، وذلك أنّ الوليد بن المغيرة-الذي قيل: إنّ الايات نزلت فيه- يقول للملك الذي كان يكتب سيئاته: رب إنه أعجلني، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته-أي: ما أعجلته. وقال سعيد بن جبير: يقول الكافر: ربي إنه زاد عليّ في الكتابة. فيقول الملك: ربنا ما أطغيته؛ أي: ما زدت عليه في الكتابة، والمعتمد الأول. والله ولي التوفيق، ويوضحه الاية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: عن الرشد، والحق، والصواب. والضلال مصدر «ضل» الثلاثي، والإضلال مصدر الرباعي، فهو مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضلالا. أو هو مجاز عقلي، على حد جدّ جدّه؛ لأن البعيد في الحقيقة إنما هو الضال؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به قوله. هذا؛ وإنما أخليت هذه الجملة عن الواو دون الأولى؛ لأنّ","vol":"9","page":221},{"text":"الأولى واجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها، ومعنى ما قبلها في الحصول، أعني:\nمجيء كل نفس مع الملكين، وقول قرينه ما قاله له، وأمّا هذه؛ فهي مستأنفة كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول، كما في مقاولة موسى، وفرعون في سورة (طه) وفي سورة (الشعراء)، فكأنّ الكافر قال: رب هو أطغاني، فقال قرينه: ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ..﴾. إلخ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ قَرِينُهُ:﴾ ماض، وفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. و(نا) في محل جر بالإضافة؛ من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَطْغَيْتُهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه تقديره: «هو» يعود إلى قرينه الأول. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة:\n ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-4658\"></span>﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: الله. ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي: لا تعتذروا عندي بغير عذر، ولا تختصموا مع بعضكم في دار الجزاء، وموقف الحساب، فلا فائدة في اختصامكم، ولا طائل تحته. ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ:﴾ وعدتكم بعذابي، وأنذرتكم عقابي في كتبي، وعلى ألسنة رسلي، فما تركت لكم حجة تحتجّون بها.\nوقال الجمل: يرد عليه: أن قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ واقع موقع الحال من: ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ والتقديم بالوعيد في الدنيا، والخصومة في الاخرة، واجتماعهما في زمان واحد واجب.\nوإيضاح الجواب: أنّ معناه: لا تختصموا؛ وقد صحّ عندكم: أني قدمت إليكم بالوعيد. وصحة ذلك عندهم في الدار الاخرة.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَخْتَصِمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَدَيَّ:﴾\nظرف مكان متعلق بما قبله، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله بياء المتكلم والتي هي في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قَدَّمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿بِالْوَعِيدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: الباء صلة، و(الوعيد) مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿قالَ﴾ المستتر، والرابط:","vol":"9","page":222},{"text":"الواو، والضمير. هذا؛ وأجيز أن يكون ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ حالا من الفاعل، أو من المفعول، والمعنى:\nقدمت إليكم موعدا لكم به، أو قدمت إليكم هذا ملتبسا بالوعيد، مقترنا به.\n\n<span id=\"aya-4659\"></span>﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ:﴾ قيل: هو قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٦٠]: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وقيل: هو قوله في سورة (السجدة) رقم [١٣]: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وقال الفراء: ما يكذب عندي؛ أي: ما يزاد في القول، ولا ينقص لعلمي بالغيب، وأعلم كيف ضلوا. وهذا القول هو الأولى، يدل عليه: أنه قال: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ ولم يقل: ما يبدل قولي.\n ﴿وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: ما أنا بمعذّب من لم يجرم. وقيل: فأزيد إساءة المسيء، أو أنقص من إحسان المحسن. وليس المراد ب: (ظلاّم) المبالغة حتى تنتفي المبالغة، ويبقى أصل الظلم. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما المراد نفي نسبة الظلم إليه تعالى؛ إذ المراد ليس يظلم. ومثل الاية في ذلك قول امرئ القيس، وهو الشاهد رقم [١٧٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] وليس بذي رمح فيطعنني به... وليس بذي سيف وليس بنبّال\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُبَدَّلُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿الْقَوْلُ:﴾ نائب فاعل. ﴿لَدَيَّ:﴾\nظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مثل ما قبله في إعرابه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس».\n ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِظَلاّمٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ظلام): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنا»، ﴿لِلْعَبِيدِ:﴾ متعلقان ب: (ظلام)، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنَا..﴾. إلخ في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط:\nالواو، والضمير.\n<span id=\"aya-4660\"></span>﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ وهذا استفهام على سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع عباده. وفي هذا رد على من قال كالزمخشري: سؤال جهنم، وجوابها من باب التخييل، الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب، وتبيينه، وجعله هذا من باب المجاز مردود، لما ورد: تحاجّت الجنة، والنار، واشتكت النار إلى ربها، ولا مانع من","vol":"9","page":223},{"text":"ذلك، فقد سبح الحصى، وسلّم الحجر على النبي ﷺ، ولو فتح باب المجاز فيه لاتسع الخرق بخلاف الايات الواردة في الصفات، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه. انتهى. جمل نقلا من كرخي.\n ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: ما بقي فيّ موضع للزيادة، كقوله ﷺ: «هل ترك لنا عقيل من ربع، أو منزل؟» أي: ما ترك. فمعنى الكلام الجحد، ويحتمل أن يكون الكلام استفهاما بمعنى الاستزادة؛ أي: هل من مزيد، فأزداد؟ وقيل: ليس ثمّ قول، وإنما هو على طريق المثل؛ أي:\nإنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك، كما قال الشاعر: [الرجز] امتلأ الحوض وقال قطني... مهلا رويدا قد ملأت بطني\nوهذا تفسير مجاهد وغيره. وقيل: ينطق الله النار حتى تقول هذا كما تنطق الجوارح. وهذا هو الأصح فعن أنس بن مالك﵁عن النبي ﷺ قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها.\nوتقول: هل من مزيد حتّى يضع ربّ العزة فيها قدمه؟ فينزوي بعضها على بعض، وتقول: قط، قط، بعزتك، وكرمك! ولا يزال في الجنة فضل؛ حتى ينشئ الله لها خلقا، فيسكنهم فضل الجنّة». متفق عليه، وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة﵁-: «وأمّا النار فلا تمتلئ حتّى يضع الله عليها رجله، يقول لها: قط، قط! فهنالك تمتلئ، وينزوي بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدا، وأمّا الجنة فإنّ الله ينشئ لها خلقا». قال علماؤنا-رحمهم الله تعالى-: أما معنى القدم هنا، فهم قوم يقدّمهم الله إلى النار، وقد سبق في علمه: أنهم من أهل النار، وكذلك الرّجل، وهو العدد الكثير من الناس، وغيرهم، يقال: رأيت رجلا من الناس، ورجلا من جراد، قال الشاعر: [الطويل] فمرّ بنا رجل من الناس وانزوى... إليهم من الحيّ اليمانين أرجل\nقبائل من لخم وعكل وحمير... على ابني نزار بالعداوة أحفل\n «ينزوي بعضها إلى بعض» أي: تنقبض على من فيها، وتشتغل بعذابهم، وتكف عن سؤال:\nهل من مزيد؟ انتهى. قرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (ظلاّم)، أو متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر.\n ﴿تَقُولُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن». ﴿لِجَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿هَلِ:﴾ حرف استفهام. ﴿اِمْتَلَأْتِ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَتَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (تقول): مضارع، والفاعل يعود إلى (جهنم). ﴿هَلِ:﴾ حرف استفهام. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مَزِيدٍ:﴾ مبتدأ، وخبره مرفوع، تقديره: هل من مزيد فيّ، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير: أو هل بقي","vol":"9","page":224},{"text":"مزيد؟ فهو مرفوع على الاعتبارين وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَتَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-4661\"></span>﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَأُزْلِفَتِ..﴾. إلخ: أي قربت منهم، قيل: هذا قبل الدخول في الدنيا؛ أي: قربت من قلوبهم حين قيل لهم: اجتنبوا المعاصي. وقيل: بعد الدخول قربت لهم مواضعهم فيها، فلا تبعد. انتهى. قرطبي. وقال الحسن البصري: إنهم يقربون منها، لا أنها تزول عن مواضعها.\nانتهى. أقول: فيكون هذا من باب القلب. انظر سورة (الأحقاف) رقم [٢٠]. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي:\nالذين اتقوا الشرك. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ:﴾ يعني: أنها جعلت عن يمين العرش بحيث يراها أهل الموقف قبل أن يدخلوها. انتهى. خازن. وفائدة قوله: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ بعد قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ التأكيد، كقولهم: هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل. ولم يقل: غير بعيدة لكونه وصفا للجنة، وإيضاحه: أنه صفة لمذكر محذوف، أو لأن فعيلا يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأُزْلِفَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أزلفت): ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْجَنَّةُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا، والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿غَيْرَ:﴾\nظرف مكان متعلق بالفعل قبله؛ أي: مكانا غير بعيد، أو هو منصوب على الحال من الجنة. قاله الزمخشري، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿بَعِيدٍ﴾ مضاف إليه.\n<span id=\"aya-4662\"></span><span id=\"aya-4663\"></span>﴿هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿هذا ما تُوعَدُونَ﴾ أي: يقال لهم: هذا الجزاء الذي وعدتم به على ألسنة الرسل في الدنيا. ﴿لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ﴾ أي: رجاع عن المعصية إلى الله. قال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: هو الذي يذنب، ثم يتوب، ثم يذنب، ثم يتوب. وقال عبيد بن عمير: هو الذي لا يجلس مجلسا؛ حتى يستغفر الله تعالى فيه. وعنه قال: كنا نحدث: أنّ الأواب الحفيظ الذي إذا قام من مجلسه، قال: سبحان الله، وبحمده، اللهم إني أستغفرك مما أصبت في مجلسي هذا. أقول:\nوهذا صريح قول النبي ﷺ: «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك:\nسبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك، وأتوب إليك؛ إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك». رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة﵁-.","vol":"9","page":225},{"text":"﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: خاف الرحمن، وأطاعه؛ ولم يره. وقيل: خافه في الخلوة بحيث لا يراه أحد؛ إذا ألقى الستر، وأغلق الباب. و﴿وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: مخلص لله، مقبل على طاعته، وعبادته. وقال أبو بكر الوراق: علامة المنيب أن يكون عارفا لحرمته، مواليا له، متواضعا لجلاله، تاركا لهوى نفسه.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه، لا محلّ له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: هذا الذي، أو شيء توعدونه. ﴿لِكُلِّ:﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بإعادة الجار، كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٧٥]: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ وعليه فالجملة الاسمية: ﴿هذا ما تُوعَدُونَ﴾ معترضة بين البدل، والمبدل منه، لا محلّ لها، و(كل) مضاف، و﴿أَوّابٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: لكل عبد أواب.\n ﴿حَفِيظٍ:﴾ صفة ثانية للمحذوف. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بدل من (كل)، أو هو في محل رفع مبتدأ، والخبر جملة: ﴿اُدْخُلُوها﴾ على اعتباره اسم شرط جازم، فيكون الجواب محذوفا، التقدير: فيقال لهم: ادخلوها، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم من، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني من، وأجاز الزمخشري أن يكون منادى، كقولهم: يا من لا يزال محسنا أحسن إليّ، وحذف حرف النداء للتقريب. ﴿خَشِيَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط على اعتباره شرطا، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها موصولة. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الرَّحْمنَ﴾ أي: خشيه؛ وهو غائب لم يشاهده. ﴿وَجاءَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جاء): ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿بِقَلْبٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُنِيبٍ:﴾ صفة (قلب).\n\n<span id=\"aya-4664\"></span><span id=\"aya-4665\"></span>﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ أي: يقال لأهل الصفات المتقدمة: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ:﴾ بسلامة من العذاب، والهموم، والأحزان. وقيل: بسلام من الله، وملائكته عليهم. وقيل: بسلامة من زوال النعم. هذا؛ ولا تنس: أنه أفرد الضمير في الاية السابقة مراعاة للفظها، وجمعه هنا مراعاة لمعناها. ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أي: يخالدون في الجنة، فلا يموتون، ولا يظعنون أبدا، ولا يبغون عنها حولا.","vol":"9","page":226},{"text":"﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها﴾ أي: أي شيء اختاروا؛ واشتهوا؛ وجدوا. قال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٧١]: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ انظر شرحها هناك، ففيه الكفاية. ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ:﴾ هو كقوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ رقم [٢٦] انظر شرحها هناك، ففيها الكفاية؛ حيث تجد: أن المزيد هو النظر إلى وجهه الكريم. قيل: يتجلى الرب ﵎ لأهل الجنة في كل جمعة في دار كرامته، فهذا هو المزيد على نعيم الجنة، وعلى ما يشاؤون، ويشتهون، ولكن ينبغي أن تعلم: أنّ هذه الرؤية بلا كيف. والمعتزلة ينكرون هذه الرؤية في الاخرة، كما ستقف عليه إن شاء الله في سورة (القيامة) و(المطففين).\nالإعراب: ﴿اُدْخُلُوها:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٧٠] من سورة (الزخرف). ﴿بِسَلامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر الشرح.\n ﴿ذلِكَ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْخُلُودِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، وانظر تفصيل إعرابها في الاية رقم [٣]. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيء يشاؤونه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما،﴾ أو من العائد إليها، والأول أقوى. ﴿وَلَدَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (لدينا):\nظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله بنا؛ التي هي في محل جر بالإضافة. ﴿مَزِيدٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.\n\n<span id=\"aya-4666\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل كفار قريش، ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من القرون الذين كذبوا رسلهم، كعاد، وفرعون، وثمود... إلخ. ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ:﴾ من قومك يا محمد.\n ﴿بَطْشًا:﴾ قوة، وسطوة. والبطش: الأخذ بصولة، وعنف. وانظر الاية رقم [١٦] من سورة (الدخان). ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ أي: ساروا فيها، وتقلّبوا، وسلكوا كل طريق. والتنقيب: التنقير عن الشيء، والبحث، والطلب، ومنه قول امرئ القيس: [الوافر]","vol":"9","page":227},{"text":"وقد نقّبت في الافاق حتّى... رضيت من الغنيمة بالإياب\nوقرئ الفعل بالتخفيف، وقرئ بصيغة الأمر على التهديد، والوعيد، والمعنى: طوفوا البلاد، وسيروا فيها؛ فانظروا: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: مهرب، ومفرّ من الموت. وقرئ:\n «(فنقبوا)» بكسر القاف مع التخفيف. أي: أكثروا السير في البلاد حتى نقبت أقدامهم، أو أخفاف دوابهم، قال أعرابي: وهو الشاهد رقم [٥١٢] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الرجز] أقسم بالله أبو حفص عمر... ما مسّها من نقب ولا دبر\nالإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. وقيل: متعلق بمحذوف، ولا وجه له. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿قَرْنٍ:﴾ تمييز منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿هُمْ أَشَدُّ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿قَرْنٍ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿بَطْشًا:﴾ تمييز. ﴿فَنَقَّبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (نقبوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وقال أبو البقاء: عطف على المعنى؛ أي: بطشوا، فنقبوا. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مَحِيصٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والخبر محذوف، التقدير: هل محيص لهم، أو لغيرهم؟! والجملة الاسمية إما على إضمار قول هو حال من واو:\n (نقبوا)؛ أي: فنقبوا في البلاد قائلين: هل من محيص، أو على إجراء التنقيب لما فيه من معنى التتبع، والتفتيش مجرى القول. أو هو كلام مستأنف وارد لنفي أن يكون لهم محيص. انتهى.\nجمل، نقلا من أبي السعود.\n\n<span id=\"aya-4667\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكرناه في هذه السورة. ﴿لَذِكْرى:﴾ لموعظة، وعبرة، وتذكرة. ﴿لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: عقل يتدبر به، فكنى بالقلب عن العقل؛ لأنه موضعه. وقيل: له قلب حاضر مع الله، واع عن الله. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي: أصغى إلى المواعظ، وانتفع بها. أو استمع القرآن، واتعظ بما فيه. وأو ليست لأحد الشيئين هنا، فهي مانعة خلو، لا مانعة جمع، فإن إلقاء السمع لا يجدي بدون سلامة القلب، كما يلوح به قوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لَذِكْرى:﴾ اللام: لام","vol":"9","page":228},{"text":"الابتداء. (ذكرى): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو ابتدائية لا محلّ لها. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (ذكرى). ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿قَلْبٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، وأجيز اعتبار ﴿كانَ﴾ تامة، وعليه ف: ﴿قَلْبٌ﴾ فاعلها، والجار والمجرور متعلقان بها، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها على اعتبارها موصوفة، وأجيز اعتبار: ﴿كانَ﴾ زائدة وعليه، فالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و﴿قَلْبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة صلة:\n (من)، واعتبر ابن هشام زيادتها ضعيفا. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَلْقَى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (من). ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وهو مما يؤكد ضعف القول بزيادة: ﴿كانَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ في محل نصب حال من فاعل:\n ﴿أَلْقَى﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4668\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾\nالشرح: قال المفسرون: نزلت الاية في اليهود؛ حيث قالوا: خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة، ثم استراح يوم السبت، واستلقى على العرش، فلذلك تركوا العمل فيه، فأنزل الله تعالى هذه الاية ردا عليهم، وتكذيبا لهم في قولهم:\nاستراح يوم السبت، بقوله تعالى: ﴿وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي: إعياء، وتعب. وانظر ما أذكره في سورة (الحديد) رقم [٤] إن شاء الله تعالى. وانظر شرح ﴿بَيْنَهُما﴾ في سورة (الدخان) رقم [٧] هذا؛ و(اللغوب) بضم اللام وفتحها، ومثله لغب بفتح اللام مع فتح الغين وسكونها بمعنى واحد، وفعله يأتي من باب قتل كذا في «المصباح». وفي «القاموس»: أنه من باب: منع، وكرم، ومن باب: تعب لغة ضعيفة.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا:﴾ انظر الاية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف). ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم.\n ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فِي سِتَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿خَلَقْنَا،﴾ و﴿سِتَّةِ﴾ مضاف، و﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو:\nواو الحال، أو واو الاستئناف. (ما): نافية. ﴿مَسَّنا:﴾ فعل ماض، و(نا): مفعول به. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة. ﴿لُغُوبٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها","vol":"9","page":229},{"text":"اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها، والكلام: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا..﴾.\nإلخ، مستأنف، لا محلّ له.\n\n<span id=\"aya-4669\"></span><span id=\"aya-4670\"></span>﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أي: ما يقوله اليهود، كما رأيت في الاية السابقة، وأيضا ما ينكره كفار قريش من إعادة الأجسام بعد فنائها. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ:﴾\nانظر ما ذكرته في الاية رقم [٩] من سورة (الفتح). ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاة الصبح. ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ صلاة العصر. ورواه جرير بن عبد الله مرفوعا، قال: كنّا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألاّ تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها» يعني: العصر، والفجر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ..﴾. إلخ، متفق عليه، واللفظ لمسلم. وقال ابن عباس﵄-: (قبل الغروب): الظهر، والعصر. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ يعني: صلاة العشاءين. وقيل: المراد: تسبيحه بالقول تنزيها قبل طلوع الشمس، وقبل الغروب. قاله عطاء الخراساني، وأبو الأحوص. وقال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ:﴾ ركعتي الفجر، ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ الركعتين قبل المغرب. وقال ثمامة بن عبد الله بن أنس: كان ذوو الألباب من أصحاب محمد ﷺ يصلّون الركعتين قبل المغرب، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك﵁-، قال: كنّا بالمدينة، فإذا أذّن المؤذن لصلاة المغرب؛ ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب: أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما. وقال قتادة: ما أدركت أحدا يصلي الركعتين إلاّ أنسا، وأبا برزة الأسلمي. انتهى. قرطبي. أقول: وهاتان الركعتان سنة عند الشافعي﵁وأنا أواظب عليهما من يوم طلبت العلم، والحمد لله!.\n ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ:﴾ يعني صلاة المغرب، والعشاء. وقيل: صلاة الليل؛ أيّ وقت صلى.\n ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وفي آخر سورة (الطور): ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾. قال عمر، وعلي﵄-: (أدبار السجود) الركعتان بعد المغرب، و(أدبار النجوم) الركعتان قبل صلاة الفجر، وهي رواية عن ابن عباس﵄-. وعن عائشة﵄-: أنّ النبي ﷺ قال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». رواه مسلم، وعن ابن مسعود﵁- قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب، والركعتين قبل صلاة الفجر ب: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ،﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. أخرجه الترمذي. وأخرج البخاري عن","vol":"9","page":230},{"text":"ابن عباس﵄قال: أمر رسول الله ﷺ أن يسبّح في أدبار الصلوات كلها.\nوأخرج مسلم عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من سبّح في دبر كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبّر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر». وبالإضافة لما ذكرته في سورة (الفتح) رقم [٩] بشأن مادة التسبيح أذكر هنا: أنّ في هذه الاية الكريمة دليلا على عدم ما قاله بعض أهل المعاني والبيان: أن الجمع بين الحاء والهاء في كلمة واحدة، يخرجها عن فصاحتها، وجعلوا من ذلك قول أبي تمام: [الطويل] كريم متى أمدحه أمدحه والورى... معي وإذا ما لمته لمته وحدي\nويمكن أن يفرق بين البيت وبين الاية الكريمة بأنّ التكرار في البيت هو المخرج له عن الفصاحة بخلاف الاية، فإنه لا تكرار فيها. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nالإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا من قول اليهود، والمشركين؛ ﴿فَاصْبِرْ﴾. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الفاء، وجملة: ﴿يَقُولُونَ:﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: على الذي يقولونه. ﴿وَسَبِّحْ:﴾ الواو: حرف عطف. (سبح): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِحَمْدِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من فاعل: (سبح) المستتر، و(حمد) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: (سبح)، و﴿قَبْلَ﴾ مضاف، و﴿طُلُوعِ﴾ مضاف إليه، و﴿طُلُوعِ﴾ مضاف، و﴿الشَّمْسِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (من الليل): متعلقان بما بعدهما. ﴿فَسَبِّحْهُ:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ إلا إذا قدرت فعلا محذوفا قبل: (من الليل) فتكون حرف عطف، والفعلان: المحذوف، والمذكور معطوفان على: (سبح) السابق. (سبحه): أمر، وفاعله: أنت، والهاء مفعول به. (أدبار): معطوف على محل: ﴿اللَّيْلِ﴾ فهو منصوب بنزع الخافض، و(أدبار) مضاف، و﴿السُّجُودِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-4671\"></span>﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ﴾ أي: استمع يا محمد! أو التقدير: استمع يا مخاطب حديث يوم ينادي المنادي، وهو إسرافيل ﵇، يقف على صخرة بيت المقدس، فينادي","vol":"9","page":231},{"text":"بالحشر، فيقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء! ﴿مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ:﴾ وهو صخرة بيت المقدس، قيل: إنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقيل: هي في وسط الأرض.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَاسْتَمِعْ:﴾ الواو: حرف عطف. (استمع): فعل أمر، وفاعله: أنت، والمفعول محذوف، انظر الشرح. و﴿يَوْمَ﴾ متعلق بما قبله. وقيل: تقدير الكلام استمع ما أقول لك، فعلى هذا يكون ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾ متعلقا ب: «يخرجون» مقدرا مدلولا عليه بقوله: ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ وقيل:\nمعنى (استمع): انتظر، وعليه ف: ﴿يَوْمَ﴾ مفعول به له. ﴿يُنادِ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿الْمُنادِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَرِيبٍ:﴾ صفة:\n ﴿مَكانٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-4672\"></span>﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ أي: صيحة البعث، وهي الصيحة الثانية، وأما الصيحة الأولى فهي لإماتة الخلق، كما قال تعالى في سورة (الزمر) رقم [٦٨]: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ. ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ أي: من القبور. ولا تنس: أنّ الواو عائدة إلى غير مذكور.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من: ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ مضارع، والواو فاعله. ﴿الصَّيْحَةَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أو من: ﴿الصَّيْحَةَ،﴾ التقدير: ملتبسين بالحق، أو ملتبسة بالحق.\n ﴿ذلِكَ:﴾ مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿يَوْمَ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْخُرُوجِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4673\"></span>﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِي﴾ أي: الخلق في الدنيا بالتوالد، والتناسل. ﴿وَنُمِيتُ:﴾ الخلق عند انقضاء الاجال، فهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ أي:\nمصير الخلائق، فنجازي كلا بعمله، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. وقيل: هو على التقديم، والتأخير، تقديره: نميت في الدنيا، ونحيي للحساب، والجزاء. ولا تنس الطباق بين ﴿نُحْيِي﴾ و(نميت) وحذف المفعول في الفعلين للاختصار.","vol":"9","page":232},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَحْنُ:﴾ مبتدأ. ﴿نُحْيِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير فصلا، أو توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ). ﴿وَنُمِيتُ:﴾ معطوف على ما قبله، وفاعله مستتر أيضا. ﴿وَإِلَيْنَا:﴾ الواو: حرف عطف. (إلينا): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ له مثلها.\n\n<span id=\"aya-4674\"></span>﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ:﴾ أصله: تتشقق الأرض، فحذفت إحدى التاءين. ﴿عَنْهُمْ:﴾\nعن الناس جميعا، والضمير عائد إلى غير مذكور. ﴿سِراعًا:﴾ مسرعين إلى المنادي، وهو صاحب الصور المذكور فيما سبق، وذلك: أن الله تعالى ينزل مطرا من السماء بعد النفخة الأولى، ينبت به أجساد الخلائق في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله تعالى إسرافيل ﵇، فينفخ في الصور النفخة الثانية، فإذا نفخ فيه؛ خرجت الأرواح تتوهج بين السماء والأرض، فيقول الله ﷿: وعزّتي وجلالي لترجعن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره! فترجع كل روح إلى جسدها، فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ، وتنشق الأرض عنهم، فيقومون إلى موقف الحساب سراعا مبادرين إلى الله ﷿، كما قال تعالى في سورة القمر: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.\n ﴿ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ أي: هيّن سهل، كما قال تعالى في سورة (القمر) الاية رقم [٥٠]:\n ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ وقال جلّ ذكره: «أنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض». هذا؛ ومثل الاية في معناها ومغزاها قوله جلّ ذكره في سورة (المعارج) رقم [٤٣]: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.\nفعن عائشة﵂قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر النّاس حفاة عراة غرلا». قالت عائشة، فقلت: الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: «الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذلك». وفي رواية: «من أن ينظر بعضهم إلى بعض». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وتقديم الجار والمجرور يدلّ على الاختصاص؛ أي: لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم؛ إلا على القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ،﴾ وما بينهما اعتراض، وأجيز تعليقه ب: ﴿الْمَصِيرُ﴾ وقيل: متعلق ب: ﴿الْخُرُوجِ﴾. وقيل: متعلق ب: «يخرجون» محذوفا مقدرا، وجملة: ﴿تَشَقَّقُ﴾","vol":"9","page":233},{"text":"﴿الْأَرْضُ﴾ في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سِراعًا:﴾ حال من الضمير المجرور في: ﴿عَنْهُمْ؛﴾ أي: مسرعين. وقيل: حال من «يخرجون» المقدر على اعتبار الظرف متعلقا به. ﴿ذلِكَ:﴾ مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿حَشْرٌ:﴾\nخبر المبتدأ. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يَسِيرٌ:﴾ صفة: ﴿حَشْرٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4675\"></span>﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ أي: يقول كفار قومك من تكذيبك، وشتمك، فهو كقوله تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩٧]: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ وفيه تسلية لرسول الله ﷺ، وتهديد لهم. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ:﴾ تجبرهم على الإيمان، فهو كقوله تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. وقال مجاهد، والضحاك: المعنى: لا تتجبر عليهم.\nوالأول أولى، وأحق بالاعتبار، فهو صيغة مبالغة من: «جبر» الثلاثي، فإن فعالا إنما يبنى من الثلاثي، وفي المصباح، وأجبرته على كذا بالألف: حملته عليه قهرا، وغلبته، فهو مجبر. هذه لغة عامة العرب. وفي لغة لبني تميم، وكثير من أهل الحجاز: جبرته جبرا من باب: قتل.\nحكاها الأزهري، ثم قال: جبرته، وأجبرته: لغتان جيدتان. وقال الخطابي: الجبار: الذي جبر خلقه على ما أراده من أمره، ونهيه. يقال: جبره السلطان، وأجبره بمعنى. ورأيت في بعض التفاسير عند قوله تعالى: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أنّ الثلاثي لغة حكاها الفراء، وغيره، واستشهد لصحتها بما معناه: أنه لا يبنى فعّال إلاّ من فعل ثلاثي، نحو: الفتاح، والعلام، ولم يجئ من أفعل بالألف إلا «دراك» فإن حمل (جبّار) على هذا المعنى؛ فهو وجيه، قال الفراء: وقد سمعت العرب تقول: جبرته على الأمر، وأجبرته؛ وإذا ثبت ذلك؛ فلا يعول على قول من ضعفها.\nانتهى. جمل بحروفه.\n ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ:﴾ فهو كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ (الرعد) [٤٠]، وقوله جلّ ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ البقرة [٢٧٢]، وقوله تعالى شأنه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ القصص [٥٦].\nالإعراب: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ وخبر. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِما:﴾\nمتعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أعلم بالذي، أو بشيء يقولونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أعلم بقولهم. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب:","vol":"9","page":234},{"text":"﴿وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وهي في محل نصب حال مثلها هنا من الواو، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿فَذَكِّرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ذكّر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان الأمر كما ذكر؛ فذكّر. ﴿بِالْقُرْآنِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، ﴿مَنْ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿يَخافُ﴾ صلته. ﴿وَعِيدِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمناسبة رؤوس الاي، وقد قرئ بإثباتها. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.\nانتهت سورة (ق) بحمد الله وتوفيقه شرحا وإعرابا.","vol":"9","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4287>سورة الذّاريات</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الذاريات)، وهي مكية، وهي ستون آية، وثلاثمئة وستون كلمة، وألف ومئتان وتسعة وثلاثون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4676\"></span><span id=\"aya-4677\"></span><span id=\"aya-4678\"></span><span id=\"aya-4679\"></span><span id=\"aya-4680\"></span><span id=\"aya-4681\"></span>﴿وَالذّارِياتِ ذَرْوًا (١) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجارِياتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْوًا:﴾ هي الرياح التي تذرو التراب، وغيره. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٥]: ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾. ﴿فَالْحامِلاتِ وِقْرًا:﴾ هي السحب؛ التي تحمل المطر من مكان إلى آخر بأمر الله تعالى، ومعنى ﴿وِقْرًا:﴾ ثقلا، ﴿فَالْجارِياتِ يُسْرًا:﴾ هي السفن التي تسير على وجه الماء بقدرة الله تعالى. ﴿فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا:﴾ هم الملائكة؛ لأنهم يقسمون الأمور من الأمطار، والأرزاق، وغيرها حسب أوامر الله تعالى لهم، فجبريل ﵇ صاحب الوحي إلى الأنبياء الأمين عليه، وصاحب الغلظة على الكافرين، والفاسدين، والمفسدين، وميكائيل ﵇ صاحب الرزق، والرحمة. وإسرافيل ﵇ صاحب الصور، واللوح.\nوعزرائيل ﵇ صاحب قبض الأرواح. وقيل: هذه الأوصاف الأربعة في الرياح؛ لأنها تنشئ السحاب، وتسيره، ثم تحمله، وتقله، ثم تجري به جريا سهلا، ثم تقسم الأمطار بتصريف السحاب. والمعتمد الأول، وهو المروي عن علي، وعمر﵄ وأرضاهما-.\nفقد روي عن سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب﵁-، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن: ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ فقال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن الجاريات يسرا؟ قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. رواه الحافظ البزار، وهكذا فسّرها ابن عباس، وابن عمر، وغير واحد. وقد أغرب البيضاوي حيث جوز تفسير (الذاريات) و(الحاملات) بالنساء، فهذا لم يقل به أحد غيره.\n ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ أي: الذي توعدونه من الخير، والشر، والثواب، والعقاب. ﴿لَصادِقٌ:﴾\nلا كذب فيه. ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ أي: الجزاء بعد الحساب لا بدّ أن يقع لا محالة. هذا؛ وإنما","vol":"9","page":236},{"text":"أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعه، وقدرته.\nوالمعنى: أقسم بالذاريات، وبهذه الأشياء. ومثل هذا كثير في أوائل السور، وأثنائها. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: أقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما يظهر فيها من عجائب صنع الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: فيه مضمر، تقديره:\nورب الذاريات... إلخ. هذا؛ ووقع جواب القسم في سورة (المرسلات) قوله: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ وهو يشبه الجواب هنا.\nبقي أن تعرف حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات، كما في هذه الايات، وفي أوائل (الصافات) وأوائل (المرسلات) و(النازعات) ومنه قول ابن زيابة، وهو الشاهد رقم [٢٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [السريع] يا لهف زيّابة للحارث الصّ... ابح فالغانم فالايب\nقيل: إما أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود، كما في هذا البيت، كأنه قال: الذي صبح، فغنم، فآب. وإما أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، كقول النبي ﷺ: «رحم الله المحلّقين، فالمقصّرين» وإما على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل، فالأكمل، واعمل الأحسن، فالأجمل. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَالذّارِياتِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. (الذاريات): مقسم به مجرور، أو المقسم به محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، والجار والمجرور على الاعتبارين متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، وفاعل (الذاريات) مستتر فيه، ومفعوله محذوف، التقدير: الذاريات التراب ونحوه.\n ﴿ذَرْوًا:﴾ مفعول مطلق، عامله: (الذاريات)، والجملة القسمية ابتدائية، لا محلّ لها. ﴿فَالْحامِلاتِ:﴾\nمعطوف على (الذاريات)، وفاعله مستتر فيه أيضا. ﴿وِقْرًا:﴾ مفعول به له. (الجاريات): معطوف على ما قبله أيضا، وفاعله مستتر فيه. ﴿يُسْرًا:﴾ صفة مفعول مطلق، التقدير: جريا ذا يسر، أو هو مصدر في موضع الحال؛ أي: ميسرة. ﴿فَالْمُقَسِّماتِ:﴾ معطوف على ما قبله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به. وقيل: هو حال بمعنى مأمورة، والأول أقوى. ﴿إِنَّما:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (إنّ). ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، وهو العائد؛ إذ التقدير: إن الذي توعدونه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية؛ فتؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب اسم (إنّ)، التقدير: إن وعد الله لكم لصادق.\n ﴿لَصادِقٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (صادق): خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية جواب القسم، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.","vol":"9","page":237},{"text":"<span id=\"aya-4682\"></span><span id=\"aya-4683\"></span><span id=\"aya-4684\"></span>﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ:﴾ لقد فسر ﴿الْحُبُكِ﴾ بعدة تفاسير، وكلّها ترجع إلى شيء واحد، وهو: الحسن، والبهاء، كما قال ابن عباس﵄فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت، والسيارات، موشحة بالكواكب الزاهرات. هذا؛ وفي المختار: الحباك، والحبيكة: الطريقة في الرمل، ونحوه، وجمع الحباك:\nحبك، وجمع الحبيكة: حبائك، ويقرأ (الحبك) بقراآت كثيرة، وانظر شرح ﴿ذاتِ﴾ في (الحديد) [٦]. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ الخطاب لأهل مكة. ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ يعني: في القرآن، وفي محمد ﷺ: أنه ساحر، وشاعر، وكاهن، ومجنون، فهو كقوله تعالى في سورة (ق) رقم [٥]: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾.\n ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ:﴾ يصرف عن الإيمان بالقرآن، أو بمحمد ﷺ من صرف حتى يكذبه، وهو من حرمه الله الإيمان. وهذا الصرف لا صرف أشد منه، وأعظم، وإنه لا يصرف عن الإيمان إلا من سبق في علم الله أنه مأفوك عن الحق لا يهتدي ولا يرعوي، وهو بهذا المعنى من باب ضرب، ومصدره أفكا كضربا، وهو من الباب الرابع بمعنى كذب، ومصدره إفكا كعلما، ويغلب مجيء الأول بالبناء للمجهول وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ سورة (الأحقاف) رقم [٢٢] ومن مجيئه بمعنى الكذب قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٤٥]: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، والأفاك كثير الكذب، كما في سورة (الجاثية) رقم [٧]: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾.\nالإعراب: ﴿وَالسَّماءِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، فهذا قسم ثان، وانظر تفصيل إعراب ﴿وَالذّارِياتِ﴾ فهو مثله. ﴿ذاتِ:﴾ صفة (السماء)، وهو مضاف، و﴿الْحُبُكِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في قول):\nمتعلقان بمحذوف خبر (إن). ﴿مُخْتَلِفٍ:﴾ صفة: ﴿قَوْلٍ،﴾ والجملة الاسمية جواب القسم لا محلّ لها والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿يُؤْفَكُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿عَنْهُ:﴾\nمتعلقان به. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿أُفِكَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿يُؤْفَكُ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها.\n<span id=\"aya-4685\"></span><span id=\"aya-4686\"></span><span id=\"aya-4687\"></span><span id=\"aya-4688\"></span><span id=\"aya-4689\"></span>﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ:﴾ هو دعاء عليهم، كقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما﴾","vol":"9","page":238},{"text":"﴿أَكْفَرَهُ﴾ وأصله: الدعاء بالقتل، والهلاك، ثم جرى مجرى: لعن، وقبح. و﴿الْخَرّاصُونَ:﴾ الكذابون المقدّرون ما لا يصح، وهم أصحاب القول المختلف، و﴿الْخَرّاصُونَ﴾ جمع: خراص مبالغة:\nخارص. وقد خرص، يخرص بضم الراء؛ أي: كذب. يقال: خرص، واخترص، وخلق، واختلاق، وبشك، وابتشك، وسرج، واسترج، ومان، بمعنى: كذب حكاه النحاس. والخرص أيضا: حزر ما على النخل، والكرم من الرطب تمرا، ومن العنب زبيبا.\n ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: في غفلة، وعمى، وجهالة مطبقة. ﴿ساهُونَ:﴾ غافلون لاهون عن أمر الاخرة. والغمرة: ما ستر الشيء، وغطّاه، ومنه: نهر غمر؛ أي: يغمر من دخله، والغمرة هنا مراد بها: الحيرة، والغفلة، والضلالة، والجهالة، والغمرة في الأصل ما يغمرك، ويعلوك من ماء، ونحوه، فهي مستعارة لما في قلوبهم من كفر، ونحوه، ومنه: الغمر: الحقد؛ لأنه يغطي القلب. وهو بكسر الغين، وبفتحها: الماء الكثير؛ لأنه يغطي الأرض، وبضم الغين لمن لم يجرب الأمور؛ أي: فيه غباء، أو غباوة. وغمر الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء، قال الشاعر في ممدوحه: [الكامل] غمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا... غلقت لضحكته رقاب المال\n ﴿يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: يقولون: متى يوم الجزاء؟ استهزاء، وشكا في القيامة، والحساب، والجزاء. والكلام على حذف مضاف، التقدير: أيان وقوع يوم الدين؛ لأنّ الأحيان إنما تقع ظروفا للحدثان. ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ﴾ أي: في النار. ﴿يُفْتَنُونَ:﴾ يحرقون، وهو من قولهم: فتنت الذهب؛ أي: أحرقته لتختبره، وأصل الفتنة: الامتحان، والاختبار، وهي بهذا المعنى كثيرة في القرآن الكريم، قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ وفي سورة (البروج) رقم [١٠] فضل زيادة.\n ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أي: يقال لهم: ذوقوا عذابكم. أو المعنى: ذوقوا جزاء تكذيبكم، وهو التحريق في نار الجحيم. ﴿هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: هذا العذاب الذي كنتم تطلبون استعجاله استهزاء، وسخرية، وهو فحوى قوله تعالى في سورة (يس): ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وكذا في كثير من السّور.\nهذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس، فذقه؛ أي: اختبره، وانظر فلانا، فذق ما عنده، قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل] فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز\nوقد يعبر بالذوق عمّا يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به، كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم","vol":"9","page":239},{"text":"وتقول: ذقت ما عند فلان؛ أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها؛ لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره: أي: عقوبة كفره، ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب\nوتذوقته؛ أي: ذقته شيئا فشيئا، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق\nوأصله: الذوق بالفم، و(ذوقوا) في كثير من الايات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وفي ذكر العذاب في كثير من الايات استعارة مكنية، حيث شبّه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبّه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.\nالإعراب: ﴿قُتِلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْخَرّاصُونَ:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من: ﴿الْخَرّاصُونَ،﴾ أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني: ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي غَمْرَةٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿ساهُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يَسْئَلُونَ:﴾\nمضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿يَوْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وانظر الشرح لحذف المضاف، و﴿يَوْمُ﴾ مضاف، و﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب سدّت مسدّ مفعولي: ﴿يَسْئَلُونَ﴾. وقال ابن هشام: الجملة في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: يسألون عن يوم الدين متى هو؟ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْخَرّاصُونَ،﴾ أو هي مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿يَوْمَ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو يوم، فهو مبني على الفتح في محل رفع، وقرئ برفعه، فهو يوضح ذلك الاعتبار. وقيل: هو ظرف زمان منصوب متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا الجزاء يوم، أو هو متعلق بفعل محذوف، التقدير: يقع الجزاء يوم.\n ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى النّارِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يُفْتَنُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: «هم يفتنون على النار» في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها.\n ﴿ذُوقُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال لهم: ذوقوا. ﴿فِتْنَتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (ذا): اسم إشارة مبني","vol":"9","page":240},{"text":"على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل للأمر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في محل نصب خبر:\n (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ، صلة الموصول، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4690\"></span><span id=\"aya-4691\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي: هم في بساتين، وحدائق، فيها عيون جارية على غاية ما يسر القلب، ويشرح الصدر، ويقرّ العين من ماء، وعسل، ولبن، وخمر. انظر الاية رقم [١٥] من سورة (محمد ﷺ). وهذا بعد أن ذكر الله حال الكفار ذكر حال المؤمنين ومصيرهم في الاخرة، وذلك من باب المقابلة، وتلك سنة اقتضتها حكمة العليم الخبير ورحمته في كتابه بأن لا يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلاّ ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار، وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط، ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا. ﴿آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: ما أعطاهم من الثواب، وأنواع الكرامات، والنعيم المقيم، والخير العميم.\n ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ﴾ أي: قبل دخول الجنة في الدنيا. ﴿مُحْسِنِينَ:﴾ قد أحسنوا العمل في الدنيا، وبين إحسانهم فيما يأتي. هذا؛ ويقال لهم في الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾. هذا؛ وقوله تعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ المعنى: وتكون العيون، وهي الأنهار الجارية بحيث يرونها، وتقع عليها أبصارهم، لا أنهم فيها، وفي كثير من الايات: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ و﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت القصور؛ التي يسكنونها، ويقيمون فيها.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (عيون): معطوف على ما قبله. ﴿آخِذِينَ:﴾ حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف منصوب... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل: ﴿آخِذِينَ﴾. ﴿آتاهُمْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء في محل نصب مفعول به أول. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل مرفوع، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير:\nآخذين الذي آتاهم ربهم إياه. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُحْسِنِينَ﴾ بعده، و﴿قَبْلَ﴾","vol":"9","page":241},{"text":"مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿مُحْسِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ، في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ، تعليل لما أنعم الله به عليهم.\n\n<span id=\"aya-4692\"></span><span id=\"aya-4693\"></span><span id=\"aya-4694\"></span>﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿كانُوا﴾ أي: المتقون، الذين استحقوا نعيم الجنة. ﴿قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ أي:\nينامون. يقال: هجع، يهجع هجوعا؛ أي: نام، ينام نوما. قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي -﵁يتشوق أخته، وكان أسرها الصمة أبو دريد بن الصّمّة في الجاهلية: [الوافر] أمن ريحانة الدّاعي السّميع... يؤرّقني وأصحابي هجوع؟\nهذا؛ وباب الفعل فتح يفتح، والهجعة النومة الخفيفة، ويقال: أتيت فلانا بعد هجعة؛ أي:\nبعد نومة خفيفة، قال الشاعر: [السريع] قد حصّت البيضة رأسي فما... أطعم نوما غير تهجاع\nأسعى على جلّ بني مالك... كلّ امرئ في شأنه ساع\nواختلف في ﴿ما﴾ فقيل: صلة زائدة. قاله إبراهيم النخعي، والتقدير: كانوا قليلا من الليل يهجعون؛ أي: ينامون قليلا من الليل، ويصلّون أكثره. وقيل: ليست ﴿ما﴾ صلة، بل الوقف عند قوله: ﴿قَلِيلًا﴾ ثم يبتدئ بما بعدها. ف: ﴿ما﴾ للنفي، وهو نفي النوم عنهم البتة، وهذا يفيد: أنّ المعنى: كان عددهم يسيرا. وهو فاسد معنى؛ لأن الاية تدل على قلة نومهم، لا على قلة عددهم. وقيل: ﴿ما﴾ مصدرية، والتقدير: كانوا قليلا من الليل هجوعهم، ونومهم.\n ﴿وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: ربما مدّوا عبادتهم إلى وقت السحر، ثم أخذوا بالاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. وقيل: يستغفرون من تقصيرهم في العبادة. وقيل: يستغفرون من ذلك القدر القليل الذي كانوا ينامونه من الليل.\n ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ:﴾ الحق هنا: الزكاة المفروضة. وقيل: إنه حق سوى الزكاة، يصل به رحما، أو يقري به ضيفا، أو يحمل به كلاّ، أو يغني به محروما. قاله ابن عباس﵄-؛ لأنّ السورة مكية، وفرضت الزكاة بالمدينة. والأقوى في هذه الاية:\nأنها الزكاة، لقوله تعالى في سورة (المعارج): ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ والحق المعلوم هو الزكاة؛ التي بيّن الشرع قدرها وجنسها، ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم؛ لأنه غير مقدر، ولا مجنس، ولا موقت.","vol":"9","page":242},{"text":"أما السائل؛ فهو الذي يسأل الناس لفاقته. والمحروم هو الذي حرم المال لسبب من الأسباب، وأظهر الأقوال فيه: أنه المتعفف؛ لأنه قرن بالسائل، والمتعفف لا يسأل، ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل، وإنما يفطن له متيقظ، فعن أبي هريرة﵁أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الذي تردّه اللّقمة، واللّقمتان، والتمرة، والتمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس». أخرجه البخاري ومسلم. وأصله في اللغة: الممنوع، من: الحرمان، وهو المنع، قال علقمة: [البسيط] ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه... أنّى توجّه والمحروم محروم\nوعن أنس﵁-: أنّ النبي ﷺ قال: «ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا التي وضعت لنا عليهم. فيقول الله تعالى: وعزّتي وجلالي لأقربنكم، ولأبعدنّهم!» ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. رواه الطبراني، والثعلبي.\nهذا؛ وقد حثّ الرسول ﷺ على إعطاء السائل، وبذل المال له مهما كان قليلا، ومهما كانت هيئة السائل، وحالته، فقال ﷺ: «لا تردّوا السائل ولو بظلف محرق». وقال: «أعطوا السّائل ولو جاء على ظهر فرس». وفي الوقت نفسه حذّر الرسول ﷺ من السؤال، والمسألة، وشدّد النكير على الذين يتسوّلون. وخذ ما يلي: فعن عبد الله بن عمر﵄أنّ النبي ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتّى يأتي الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم».\nأخرجه البخاري، ومسلم. وعنه أيضا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسألة كلوح في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء استبقى على وجهه». رواه الإمام أحمد.\nفالرسول ﷺ يريد من المسلم أن يكون عزيز النفس، مرفوع الرأس، لذا نفر من السؤال، والمسألة، ورغب في العمل، فعن الزبير بن العوام﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره، فيبيعها، فيكفّ بها وجهه خير له من أن يسأل الناس، أعطوه، أم منعوه» وغير ذلك كثير. وخذ ما يلي عن الأصمعي-رحمه الله تعالى-، قال: مررت في بعض سكك الكوفة، فإذا برجل قد خرج من حش على كتفه جرة، وهو يقول: [الطويل] وأكرم نفسي إنني إن أهنتها... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي\nفقلت له: أتكرمها بمثل هذا؟ قال: نعم، وأستغني عن سفلة مثلك؛ إذا سألته، ثم قال:\nصنع الله بك، وترك! فقلت: تراه عرفني، فأسرعت، فصاح بي وأنشد: [الوافر] لنقل الصخر من قلل الجبال... أحبّ إليّ من منن الرّجال\nيقول الناس: كسب فيه عار... وكلّ العار في ذلّ السّؤال","vol":"9","page":243},{"text":"أما الصلاة في الليل بالإضافة لما ذكرته في سورة (الإسراء) [٧٩] وفي سورة (الفرقان) رقم [٦٤] فخذ ما يلي: عن عبد الله بن سلام﵁قال: أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأمّلت وجهه، واستبنته عرفت: أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب، قال: فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: «أيّها النّاس! أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا باللّيل؛ والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام». رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم.\nوعن سلمان الفارسي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسّيّئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للدّاء عن الجسد». رواه الطبراني في الكبير.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلّى، وأيقظ امرأته، فإن أبت؛ نضح في وجهها الماء». رواه أبو داود، والنسائي، وغيرهما. وقد ذكر أن أبا ذر﵁وقف يوما عند الكعبة في حجة حجها، أو عمرة اعتمرها، فاكتنفه الناس، فقال لهم: لو أنّ أحدكم أراد سفرا أليس يعد زادا؟ فقالوا: بلى! فقال: سفر القيامة أبعد مما تريدون، فخذوا ما يصلحكم، فقالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يوما شديدا حرّه ليوم النشور، وصلوا في الليل لوحشة القبور. وروي أنّ الإمام الجنيد-رحمه الله تعالى-رؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وذهبت تلك العبارات، ودرست تلك العلوم، وفنيت تلك الرسوم، وما نفعنا إلاّ ركيعات كنا نركعها وقت السحر. وروي عن بعض المتهجدين: أنه أتاه آت في منامه فأنشده: [الطويل] وكيف تنام اللّيل عين قريرة... ولم تدر في أيّ المجالس تنزل؟\nويروى عن أبي خلاد: أنه قال: حدثني صاحب لي قال: فبينا أنا نائم ذات ليلة؛ إذ مثلت لي القيامة، فنظرت إلى أقوام من إخواني قد أضاءت وجوههم، وأشرقت ألوانهم، وعليهم الحلل من دون الخلائق، فقلت: ما بال هؤلاء مكتسون؛ والناس عراة، ووجوههم مشرقة، ووجوه الناس مغبرة؟ فقال لي قائل: الذين رأيتهم مكتسون فهم المصلون بين الأذان، والإقامة، والذين وجوههم مشرقة فأصحاب السهر، والتهجد. قال: ورأيت أقواما على نجائب، فقلت: ما بال هؤلاء ركبانا، والناس مشاة حفاة؟ فقال لي: هؤلاء الذين قاموا على أقدامهم تقربا لله تعالى، فأعطاهم الله بذلك خير الثواب. قال: فصحت في منامي: واها للعابدين ما أشرف مقامهم! ثم استيقظت من منامي وأنا خائف. انتهى. قرطبي. ورحم الله القائل: [الطويل] أراني بعيد الدار لا أقرب الحمى... وقد نصبت للسّاهرين خيام\nعلامة طردي طول ليلي نائم... وغيري يرى أنّ المنام حرام","vol":"9","page":244},{"text":"الإعراب: ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة مفعول مطلق عامله ما بعده، التقدير: يهجعون هجوعا قليلا، أو هو صفة ظرف محذوف، التقدير:\nيهجعون وقتا قليلا. ﴿مِنَ اللَّيْلِ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَلِيلًا،﴾ و﴿يَهْجَعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وعلى هذا ف: ﴿ما﴾ صلة، وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول بمصدر في محل رفع فاعل ب: ﴿قَلِيلًا،﴾ و﴿قَلِيلًا﴾ خبر (كان)، التقدير: كانوا قليلا من الليل هجوعهم، وعلى هذين الوجهين فالجار والمجرور متعلقان ب: ﴿قَلِيلًا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة له. هذا؛ وقيل: الوقف على: ﴿قَلِيلًا،﴾ ويبتدأ بما بعدها. و﴿ما﴾ نافية، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما. وبينات فساده في الشرح. هذا؛ وجملة: ﴿كانُوا قَلِيلًا..﴾. إلخ، بدل من سابقتها، أو هي تفسير لها.\n (بالأسحار): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿يَسْتَغْفِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿يَهْجَعُونَ﴾ على جميع الوجوه فيها. (في أموالهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿حَقٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿لِلسّائِلِ:﴾ متعلقان ب: ﴿حَقٌّ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَالْمَحْرُومِ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4695\"></span><span id=\"aya-4696\"></span><span id=\"aya-4697\"></span>﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ:﴾ لما ذكر أمر الفريقين؛ أي: الكافرين، والمؤمنين؛ بيّن سبحانه: أنّ في الأرض علامات تدلّ على قدرته على البعث والنشور، فمنها عود النبات بعد أن صار هشيما، ومنها: أنه قدر الأقوات فيها للحيوانات، ومنها: سيرهم في البلدان التي يشاهدون فيها آثار الهلاك النازل بالأمم المكذبة. والموقنون: هم العارفون المحققون واحدانية ربهم، وصدق نبوة نبيهم، وخصّهم بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بتلك الايات، وتدبرها. انتهى. قرطبي.\nوفي النسفي: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ:﴾ تدل على الصانع، وقدرته، وحكمته، وتدبيره؛ حيث هي مدحوة كالبساط لما فوقها، وفيها المسالك، والفجاج للمتقلبين فيها، وهي مجزأة، فمن سهل، ومن جبل، وصلبة ورخوة، وعذبة وسبخة، وفيها عيون متفجرة، ومعادن مبثوثة، ودواب منبثة، مختلفة الصور، والأشكال، متباينة الهيئات، والأفعال. ﴿لِلْمُوقِنِينَ:﴾ للموحدين؛ الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل إلى المعرفة: فهم نظارون بعيون باصرة، وأفهام نافذة، كلّما رأوا آية؛ عرفوا وجه تأمّلها، فازدادوا إيقانا مع إيقانهم.","vol":"9","page":245},{"text":"﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: آيات، ودلالات على قدرة الصانع الحكيم؛ إذ كنتم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما إلى أن تنفخ الروح. وقال ابن عباس﵄-: يريد اختلاف الألسنة، والصور، والألوان والطبائع. وقيل: يريد سبيل الغائط، والبول، يأكل، ويشرب من مدخل واحد، ويخرج من سبيلين. وقيل: يعني تقويم الأعضاء: السمع، والبصر، والنطق، والعقل إلى غير ذلك من العجائب المودعة في ابن آدم. ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ كيف خلقكم، فتعرفوا قدرته؛ ولذا قيل: من عرف نفسه؛ عرف ربه؛ أي: عرف نفسه بالضعف، والعجز، عرف ربه بالقدرة، والعظمة.\n ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ:﴾ قال سعيد بن جبير، والضحاك: الرزق هنا: ما ينزل من السماء من مطر، وثلج ينبت به الزرع، ويحيا به الخلق. وعن الحسن البصري: أنه كان إذا رأى السحاب، قال لأصحابه: فيه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه بخطاياكم. وقال أهل المعاني: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ:﴾ معناه: وفي المطر رزقكم، سمّي المطر سماء؛ لأنه من السماء ينزل. قال معوّد الحكماء معاوية بن مالك: [الوافر] إذا نزل السماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا\n ﴿وَما تُوعَدُونَ:﴾ يعني من الجنة والنار. وقيل: من الثواب، والعقاب. وقيل: من الخير، والشر. أو أراد ما ترزقونه في الدنيا، وما توعدونه في العقبى، كله مقدر ومكتوب في السماء.\nالإعراب: ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (في الأرض): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿آياتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿لِلْمُوقِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (في أنفسكم): متعلقان بمحذوف خبر، والمبتدأ محذوف، التقدير: وفي أنفسكم آيات، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف استئناف.\n (لا): نافية. ﴿تُبْصِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَفِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِزْقُكُمْ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع معطوفة على: ﴿رِزْقُكُمْ﴾. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو شيء توعدونه.\n\n<span id=\"aya-4698\"></span>﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ:﴾ الضمير يعود إلى (الرزق)، أو إلى: (ما توعدون).\n ﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ أي: مثل نطقكم، كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون؛ ينبغي ألاّ تشكوا","vol":"9","page":246},{"text":"في تحقق ذلك، ففيه تشبيه تحقق ما أخبر الله عنه، ووعد به من الرزق بتحقق نطق الادمي. وخذ ما يلي:\nعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لو فرّ أحدكم من رزقه؛ أدركه، كما يدركه الموت». رواه الطبراني، وعن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيّها النّاس اتقوا الله، وأجملوا في الطلب، فإنّ نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطّلب، خذوا ما حلّ، ودعوا ما حرم». رواه ابن ماجه، والحاكم.\nروي أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا، فأصابته جائحة، فحزنوا لأجله، فخرجت عليهم أعرابية، فقالت: ما لي أراكم قد نكستم رؤوسكم، وضاقت صدوركم؟! هو ربنا والعالم بنا، رزقنا عليه، يأتينا به من حيث شاء، ثم أنشأت تقول: [البسيط] لو كان في صخرة في البحر راسية... صما ململمة ملسا نواحيها\nرزق لنفس يراه الله لانفلقت... حتّى تؤدّي إليها كلّ ما فيها\nأو كان بين طباق السبع مسلكها... لسهّل الله في المرقى مراقيها\nحتى تنال الّذي في اللّوح خطّ لها... إن لم تنله وإلا سوف يأتيها\nولكن الناس في هذه الأيام لا يؤمنون بهذا، ويعتبرون جمع المال من أي طريق كان شطارة، ويعتبرون اللف، والدوران، والغش، والتدليس حذقا، ومهارة، فلا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وخذ ما يلي: فعن الأصمعي-رحمه الله تعالى-أنه قال: أقبلت من جامع البصرة، فطلع أعرابي على قعود له، فقال: ممن الرجل؟ فقلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، قال: اتل عليّ، فتلوت: ﴿وَالذّارِياتِ﴾ فلما بلغت: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها، ووزعها على من أقبل، وأدبر، وعمد إلى سيفه، وقوسه، فكسرهما، وولّى، فلما حججت مع الرشيد، وطفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت؛ فإذا أنا بالأعرابي قد نحل، واصفر، فسلام عليّ، واستقرأ السورة، فلما بلغت الاية صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ فصاح، وقال: يا سبحان الله! من ذا الذي أغضب الجليل؛ حتى حلف؟ لم يصدقوه بقوله حتى حلف! قالها ثلاثا، وخرجت معها نفسه. انتهى. كشاف، وقرطبي، ونسفي.\nفائدة: القسم أمران: أحدهما: أن العادة جارية بتأكيد الخبر في اليمين. والثاني: أنّ في إقسام الله تعالى باسمه مضافا إلى السماء، والأرض رفعا منه لشأنهما، كما رفع من شأن الرسول ﷺ في قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٦٨]: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ..﴾. إلخ ومثلها في سورة (النساء) رقم [٦٥]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"9","page":247},{"text":"الإعراب: ﴿فَوَ رَبِّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (وربّ): جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. و(ربّ): مضاف، و﴿السَّماءِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّهُ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَحَقٌّ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (حق): خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية جواب القسم، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿مِثْلَ:﴾ يقرأ بالرفع صفة: (حق)، أو خبر ثان، أو على أنهما خبر واحد، مثل: حلو حامض، و﴿ما﴾ زائدة على الأوجه الثلاثة. انتهى. عكبري. ويقرأ بالفتح وفيه وجهان:\nأحدهما: هو معرب، ثم في نصبه على هذا أوجه: إما هو حال من النكرة؛ أي: حق، أو من الضمير فيها، أو على إضمار: أعني، أو على أنه مرفوع الموضع، ولكنه فتح كما فتح الظرف في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ الاية رقم [٩٤] من سورة (الأنعام) على قول الأخفش، و﴿ما﴾ على هذه الأوجه زائدة أيضا. والوجه الثاني: هو مبني، وفي كيفية بنائه وجهان: أحدهما: أنه ركب مع (ما) كخمسة عشر، و﴿ما﴾ على هذا يجوز أن تكون زائدة، وأن تكون نكرة موصوفة. والثاني: أن تكون بنيت؛ لأنها أضيفت إلى مبهم، وفيها نفسها إبهام. وقد ذكر مثله في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ رقم [٦٦] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فتكون ﴿ما﴾ على هذا أيضا، إما زائدة، وإما بمعنى شيء، وأما المصدر المؤول من: ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فيجوز أن يكون في محل جر بإضافة: ﴿مِثْلَ﴾ إليه؛ إذا جعلت ﴿ما﴾ زائدة، وأن يكون بدلا منها؛ إذا كانت بمعنى شيء، ويجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار: أعني، أو في موضع رفع على تقدير: هو أنكم تنطقون. انتهى. عكبري بتصرف.\nهذا؛ والتركيب الذي ذكره تركيب مزج، مثل: كلما، وطالما، وأينما، وقلما، فيقال في إعرابه: (مثلما) مبني على السكون في محل رفع على أنه صفة ل: (حق) و(مثلما) مضاف، والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ في محل جر بالإضافة. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ ونقل القرطبيّ عن الزّجّاج، والفرّاء جواز اعتبار ﴿مِثْلَ﴾ صفة مصدر محذوف. التقدير: لحق حقا مثل نطقكم، و﴿ما﴾ زائدة للتوكيد، ونقل عن بعض الكوفيين صحة اعتبار ﴿مِثْلَ﴾ منصوبا على نزع الخافض، التقدير: كمثل نطقكم، و﴿ما﴾ زائدة. انتهى. هذا؛ وجملة: ﴿تَنْطِقُونَ﴾ في محل رفع خبر (أن).\n\n<span id=\"aya-4699\"></span>﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: ذكر الله قصة إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ليبين بها: أنه أهلك المكذب بآياته، كما فعل بقوم لوط، وقد مضى الكلام في ضيف إبراهيم، وما جرى لهم","vol":"9","page":248},{"text":"مع قوم لوط في سورة (هود) وسورة (الحجر) وغيرهما. هذا؛ و«ضيف» يقع للواحد، والاثنين، والجمع بلفظ الواحد، كما في الاية الكريمة؛ لأنه في الأصل مصدر، قال الشاعر: [الرجز] لا تعدمي الدّهر شفار الجازر... للضيف والضيف أحقّ زائر\nوقد يثنى، فيقال: ضيفان؛ وقد يجمع على: أضياف وضيوف، وضيفان، وضياف. والأول أكثر استعمالا، كقولك: رجال صوم، وفطر، وزور، وأصل الضيف: الميل، يقال: ضفت إلى كذا: إذا ملت إليه، والضيف: من مال إليك نزولا بك. هذا؛ والضيفن: من يجيء من غير دعوة مع الضيف متطفلا، قال الشاعر: [الطويل] كلا الضّيفن المشنوء والضّيف واجد... لديّ المنى والأمن في العسر واليسر\n ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: عند الله تعالى، أو عند إبراهيم؛ إذ خدمهم بنفسه.\nقال عبد الوهاب، قال لي علي بن عياض: عندي هريسة ما رأيك فيها؟ قلت: ما أحسن رأيي فيها، قال: امض بنا، فدخلت الدار، فنادى الغلام، فإذا هو غائب، فما راعني إلا به، ومعه القمقمة، والطست، وعلى عاتقه المنديل، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، لو علمت يا أبا الحسن: أن الأمر هكذا! قال: هوّن عليك، فإنك عندنا مكرم، والمكرم إنما يخدم بالنفس، انظر إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ..﴾. إلخ. انتهى. قرطبي. وخذ قول حاتم الطائي. وقيل:\nهو لقيس بن عاصم المنقري الصحابي﵁-: [الطويل] وإنّي لعبد الضيف ما دام ثاويا... وما فيّ إلاّ تلك من شيم العبد\nوقد حثّ النبي ﷺ على إكرام الضيف، فعن أبي هريرة﵁-: عن النبي ﷺ قال:\n «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر، فليكرم ضيفه... إلخ». رواه البخاري، ومثله من رواية أبي شريح خويلد بن عمرو العدوي﵁-. هذا؛ واختلف في عدد ضيوف إبراهيم، فقيل:\nكانوا اثني عشر ملكا. وقيل: كانوا ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وهو المعتمد. قاله ابن عباس﵄-. هذا؛ وقيل: ﴿هَلْ﴾ هنا بمعنى: قد، كقوله تعالى في أول سورة (الدّهر): ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ هذا؛ ويجمع: «حديث» على:\nأحاديث شذوذا، كما شذّ: أباطيل، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: باطل، وعريض، وفظيع.\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتنبيه، وتفخيم، وتعظيم. ﴿أَتاكَ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿ضَيْفِ﴾ مضاف إليه، و﴿ضَيْفِ﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿الْمُكْرَمِينَ:﴾ صفة: ﴿ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء... إلخ، وجملة: ﴿هَلْ أَتاكَ..﴾. إلخ، مستأنفة.","vol":"9","page":249},{"text":"<span id=\"aya-4700\"></span>﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا﴾ أي: نسلم عليكم سلاما. ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي:\nعليكم سلام، أنتم قوم منكرون؛ أي: غرباء لا نعرفكم، وذلك لأنهم قدموا عليه في صورة شبان حسان، عليهم مهابة عظيمة. وقيل: أنكرهم؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان، وفي تلك الأرض. وقيل: أنكرهم؛ لأنه ظن أنهم بنو آدم، ولم يعرفهم، أو لأنّ السّلام لم يكن تحيتهم، فإنه علم الإسلام. وقيل: أنكرهم: خافهم، يقال: أنكرته: إذا خفته، ومثله: نكر، واستنكر، فالكل بمعنى واحد. قال الأعشى، وقد جمع بين لغتين: [البسيط]\nفأنكرتني وما كان الّذي نكرت... من الحوادث إلاّ الشّيب والصّلعا\nأقول: وهو فحوى قوله تعالى في سورة (الحجر) رقم [٥٢]: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون. هذا؛ وقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: قال الله تعالى في سورة (هود): ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ فدلّ ذلك على أن إنكاره ﵇ حصل بعد تقريب العجل إليهم، وقال هاهنا: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ثم قال: ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ﴾ بفاء التعقيب، وذلك يدلّ على أن تقريب الطعام إليهم كان بعد حصول إنكاره، فما وجه التوفيق؟ فالجواب: أن الإنكار الذي كان قبل تقريب العجل غير الإنكار الحاصل بعده، فإن الإنكار الحاصل قبله، بمعنى عدم العلم بأنهم من أي بلدة؟ والإنكار الحاصل بعده بمعنى عدم العلم بأنهم دخلوا عليه لقصد الخير، أو الشر، فإن من امتنع من تناول الطعام يخاف من شره. انتهى. نقلا عن زاده. وفي البيضاوي، والنسفي تبعا للزمخشري: والعدول إلى الرفع للدلالة على إثبات السّلام، كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به أخذا بأدب الله، وهذا أيضا من إكرامه لهم. انتهى.\nالإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أربعة أوجه: أحدها: أنه ﴿حَدِيثُ﴾ أي: هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه.\nالثاني: أنه منصوب بما في ﴿ضَيْفِ﴾ من معنى الفعل؛ لأنه في الأصل مصدر، ولذلك يستوي فيه الواحد المذكر، وغيره، كأنه قيل: الذين ضافوه في وقت دخولهم عليه. الثالث: أنه منصوب ب: ﴿الْمُكْرَمِينَ،﴾ إن أريد بإكرامهم: أن إبراهيم أكرمهم بخدمته لهم. الرابع: أنه منصوب بإضمار: اذكر، ولا يجوز نصبه ب: ﴿أَتاكَ﴾ لاختلاف الزمانين. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n ﴿دَخَلُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (قالوا): ماض، وفاعله.\n ﴿سَلامًا:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف، كما رأيت في الشرح تقديره، والجملة الفعلية: «نسلم","vol":"9","page":250},{"text":"سلاما» في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿قالَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ تقديره: «هو». ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: سلام عليكم، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أنتم قوم. ﴿مُنْكَرُونَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ﴾ مستأنفة، لا محلّ لها.\n\n<span id=\"aya-4701\"></span><span id=\"aya-4702\"></span>﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ:﴾ مال إليهم سرا. ويقال: راغ، وأراغ لغتان بمعنى واحد.\nوراغ، يروغ روغا، وروغانا: مال سرا، وحاد، وطريق رائغ؛ أي: مائل، قال صالح بن عبد القدوس: [الكمال]\nلا خير في ودّ امرئ متقلّب... حلو اللسان وقلبه يتلهّب\nيلقاك يحلف أنه بك واثق... وإذا توارى عنك فهو العقرب\nيعطيك من طرف اللّسان حلاوة... ويروغ عنك كما يروغ الثعلب\nأي: يميل عنك كما يميل الثعلب في سيره. وفي المصباح: وراغ الثعلب روغا من باب:\nقال، وروغانا، ذهب يمنة، ويسرة في سرعة، وخديعة، فهو لا يستقر في جهة، وراغ فلان إلى كذا: مال إليه سرا. انتهى. وفي القرطبي: ويقال: إن إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام. انتهى. وفي البيضاوي: فإن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى حذرا من أن يكفه الضيف، أو يصير منتظرا. انتهى.\n ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ:﴾ لأن عامة ماله كانت من البقر، وكان قد شوى العجل، وجاءهم به كما في سورة (هود) رقم [٦٩]: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ وفي الصحاح: العجل: ولد البقرة، والعجّول مثله، والجمع: العجاجيل، والأنثى: عجلة، وبقرة معجل: ذات عجل، وعجل: قبيلة من ربيعة. ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ:﴾ بأن وضعه بين أيديهم. ﴿قالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ أي: عرض عليهم الأكل، فلم يجيبوا.\nوفي مختصر ابن كثير للصابوني: وفي الاية انتظمت آداب الضيافة، فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتيّ، سمين، مشويّ، فقربه إليهم ولم يضعه، وقال اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة","vol":"9","page":251},{"text":"الجزم: بل قال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ على سبيل العرض، والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل، وتتكرم، فافعل. انتهى.\nالإعراب: ﴿فَراغَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (راغ): ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ. ﴿إِلى أَهْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَجاءَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جاء): ماض، وفاعله يعود إلى:\n ﴿إِبْراهِيمَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿بِعِجْلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَمِينٍ:﴾ صفة: (عجل). ﴿فَقَرَّبَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قربه): ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ أيضا، ﴿أَلا:﴾ حرف عرض، أو تحضيض. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ أَلا..﴾. إلخ، في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الضمير فقط.\n\n<span id=\"aya-4703\"></span>﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أضمر. وقيل: أحس من الملائكة خوفا، وفزعا لمّا لم يتحرموا بطعامه، ومن أخلاق الناس أن من تحرّم بطعام إنسان أمنه. قال الشاعر: [البسيط]\nجاء البريد بقرطاس يخبّ به... فأوجس القلب من قرطاسه جزعا\nقال عمرو بن دينار: قالت الملائكة: لا نأكل إلا بالثمن، قال: كلوا، وأدوا ثمنه. قالوا: وما ثمنه؟ قال: تسمون الله إذا أكلتم، وتحمدونه إذا فرغتم. فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: لهذا اتخذك الله خليلا. ﴿قالُوا لا تَخَفْ:﴾ إنا رسل الله، لا نأكل، ولا نشرب، وإنا مرسلون لإهلاك قوم لوط. وفي البيضاوي: قيل مسح جبريل ﵇ العجل بجناحه، فقام يدرج حتى لحق بأمه، فعرفهم، وأمن منهم. ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ:﴾ هو إسحاق، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ومعنى ﴿عَلِيمٍ:﴾ يكمل علمه إذا بلغ؛ أي: باعتبار ما يؤول إليه أمره، فهو مجاز مرسل. هذا؛ والبشارة لإبراهيم بشارة لزوجه؛ لأن الولد منهما، فكل منهما بشر به.\nهذا؛ و«غلام» يطلق على الصبي دون البلوغ، وجمعه: غلمان، وغلمة، وأغلمة، كما يطلق على العبد، والأجير اسم الغلام، وإن كانا كبيرين. هذا؛ وقد يقال للأنثى: غلامة. خذ قول الشاعر: [الطويل] فلم أر عاما عوض أكثر هالكا... ووجه غلام يشترى وغلامه","vol":"9","page":252},{"text":"الإعراب: ﴿فَأَوْجَسَ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أوجس): ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿خِيفَةً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿خِيفَةً:﴾ مفعول به، وجملة: (أوجس...) إلخ لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لا تَخَفْ:﴾\nمضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا﴾ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَبَشَّرُوهُ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (بشروه): ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا﴾ لا محلّ لها مثلها. ﴿بِغُلامٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عَلِيمٍ:﴾ صفة: (غلام). تأمّل، وتدبّر.\n\n<span id=\"aya-4704\"></span>﴿فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ:﴾ لما سمعت زوجة إبراهيم-واسمها سارة-البشارة المذكورة وكانت في زاوية من زوايا البيت، فجاءت عند الضيوف، وقالت ما ذكر. هذا؛ و(الصرة): الضجة، والصيحة، و(الصرة): الجماعة، و(الصرة): الشدة من كرب، وغيره. قال امرؤ القيس في معلّقته رقم [٧٦]: [الطويل] فألحقه بالهاديات ودونه... جواحرها في صرّة لم تزيّل\nيحتمل هذا البيت الوجوه الثلاثة. وصرة القيظ: شدة حره. وصرة الشتاء: شدة برده. هذا؛ وإن سارة عليهاالسّلام لما بشرت بالولد؛ جاءت صائحة؛ لأنها وجدت حرارة دم الحيض، الذي فاجأها وقت البشارة، كما قال تعالى في سورة (هود) رقم [٧١]: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.\n ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَها:﴾ اختلف في هذا الصك، فقيل: هو الضرب باليد مبسوطة. وقيل: هو ضرب الوجه بأطراف الأصابع مثل التعجب، وهي عجوز عقيم. وقيل: وجدت حرارة دم الحيض الذي فاجأها بعد اليأس، فلطمت وجهها من الحياء، والأول أقوى. ﴿وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أي: أنا عجوز عاقر، فكيف ألد؟! وفي سورة (هود) رقم [٧٢]: ﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.\n ﴿عَجُوزٌ:﴾ هي الطاعنة في السن، ويقال لها أيضا، شهلة، وشهبرة، وشهربة، وشمطاء، وشيخة. قال صاحب مختار الصحاح: ولا تقل عجوزة، والعامة تقوله. والجمع: عجائز، وعجز، وفي حديث النبي ﷺ: «إنّ الجنّة لا يدخلها العجز». وأيام العجوز عند العرب خمسة","vol":"9","page":253},{"text":"أيام: هي صنّ، وصنّبر، وأخيّهما وبر، ومطفئ الجمر، ومكفئ الظعن. وقال أبو الغوث: هي سبعة أيام، وأنشد لابن أحمر: [الكامل] كسع الشتاء بسبعة غبر... أيام شهلتنا من الشّهر\nفإذا انقضت أيامها ومضت... صنّ وصنّبر مع الوبر\nوبآمر وأخيه مؤتمر... ومعلّل وبمطفئ الجمر\nذهب الشتاء مولّيا عجلا... وأتتك واقدة من النجر\nقلت: ترتيبها هو الترتيب في الشعر، إلا في مطفئ الجمر فإنه السادس، ومكفئ الظعن فإنه السابع، وهو الذي ذكر: «معلّل» مكانه، أقول: وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الأيام، وهي التي أهلك الله فيها قوم عاد، وهي في سورة (الحاقة) قال تعالى: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ كما ستقف عليه هناك إن شاء الله تعالى. وخذ هذه الطرفة من قول رؤية بن العجاج: [الرجز] إذا العجوز غضبت فطلّق... ولا ترضّاها ولا تملّق\nواعمد لأخرى ذات دلّ مونق... ليّنة المسّ كمسّ الخرنق\n ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أي: لا تلد، قال تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥٠]: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا﴾ وهذا قد يكون في بعض الذكور، ويكون في بعض الإناث. يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم. يستوي فيه المذكر، والمؤنث. وعقمت المرأة، تعقم عقما، مثل: حمد، يحمد، وعقمت تعقم مثل عظم، يعظم. وأصله: القطع. ومنه: الملك العقيم؛ أي: تقطع فيه الأرحام بالقتل، والعقوق خوفا على الملك. وريح عقيم؛ أي: لا تلقح سحابا، ولا شجرا. وانظر الاية رقم [٤١] الاتية. ويوم القيامة يوم عقيم؛ لأنه لا يوم بعده. ويقال: نساء عقم، وعقم بسكون القاف، وضمها، قال أبو دهبل يمدح عبد الله بن الأزرق المخزومي: [الكامل] عقم النساء فما يلدن شبيهه... إنّ النساء بمثله عقم\nالإعراب: ﴿فَأَقْبَلَتِ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أقبلت): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿اِمْرَأَتُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿فِي صَرَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من امرأته أي: صارة.\n ﴿فَصَكَّتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (صكت): ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى امرأته.\n ﴿وَجْهَها:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَقالَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قالت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عَجُوزٌ:﴾ خبر لمبتدأ","vol":"9","page":254},{"text":"محذوف، التقدير: أنا عجوز، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير: أتلد عجوز، والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول. ﴿عَقِيمٌ:﴾ صفة: ﴿عَجُوزٌ،﴾ وجملة: (قالت...) إلخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4705\"></span>﴿قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة. ﴿كَذلِكَ:﴾ مثل ذلك الذي بشرناكما به. ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ أي: قضى، وحكم في الأزل: أنه من جهته تعالى، فلا تعجبي منه، ولا تشكي فيه، فإنه حاصل، وواقع لا محالة. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ:﴾ بصنعه، وقوله. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بخلقه، لا يكون قوله إلاّ حقا، ولا يكون فعله إلاّ محكما. هذا؛ وكان بين البشارة والولادة سنة، وكانت سارة عليهاالسّلام عقيما كما ذكرت فولدت، وهي بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم كان عمره مئة وعشرين سنة، ولا تنس: أن سارة بشرت بالحفيد يعقوب أيضا، كما بشرت بإسحاق. خذ قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٧١]: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وذلك ليتم سرورها وفرحها بالحفيد كما يتم بالوليد.\nفائدة: عاش إبراهيم من العمر مئة وخمسا وسبعين سنة، وبينه وبين نوح ألف وستمئة وأربعون سنة، وعاش إسحاق مئة وثمانين سنة، وعاش يعقوب مئة وخمسا وأربعين سنة، وعاش يوسف الصديق مئة وعشرين سنة، وعاش إسماعيل مئة وسبعا وثلاثين سنة، وأمه هاجر القبطية، وتزوج إبراهيم غير سارة، وهاجر امرأة، اسمها: قطورة، فولدت له: زمران، ويقشان، ومدان، ومديان، ويشباق، وشوما، فيكون جملة أولاده من صلبه ثمانية، وهم ذكور، ولم يذكر له بنات، فألف صلاة، وألف سلام على حبيبنا، وشفيعنا، وعلى إبراهيم، وعلى آله وذريته الطيبين الطاهرين، ارحمنا، واحشرنا معهم؛ برحمتك يا أرحم الراحمين!.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مصدر محذوف، عامله ما بعده، التقدير: قال ربك قولا مثل ذلك القول؛ الذي أخبرناك به. وقيل: متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الأمر كذلك. والجملة الاسمية تصلح أن تكون مقولا ل: (قال) الأولى، ومقولا للثانية، وهو الأرجح، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، لا محلّ لها؛ لأنها مستأنفة. ﴿قالَ رَبُّكِ:﴾ ماض، وفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول للأولى، أو هي مستأنفة. وفيها معنى التأكيد لما قبلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا","vol":"9","page":255},{"text":"محلّ له من الإعراب، أو هو توكيد لاسم: (إنّ)، وعليهما ف: ﴿الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ خبران ل:\n (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و﴿الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ خبرين عنه؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر: (إنّ). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول ل:\n (قال) الأولى، وفيها معنى التعليل.\n\n<span id=\"aya-4706\"></span><span id=\"aya-4707\"></span><span id=\"aya-4708\"></span><span id=\"aya-4709\"></span>﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿*قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ:﴾ فلما تيقن إبراهيم ﵇: أنهم ملائكة بإحياء العجل، والبشارة بالولد؛ قال: فما شأنكم، وقصتكم، وفيم جئتم أيها المرسلون؟ والخطب: الأمر العظيم. قال البيضاوي: ولعله علم: أن كمال المقصود ليس البشارة؛ لأنهم كانوا عددا، والبشارة لا تحتاج إلى عدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا، ومريم ﵉، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال؛ لإزالة الوجل، ولو كانت البشارة تمام المقصود لابتدؤوه بها. انتهى.\n ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة، ﴿إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أي: كافرين لإهلاكهم، وهم يعنون قوم لوط. ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾ أي: لنرجمهم بها. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي: معلمة، من السيما، وهي العلامة، قيل: كانت مخططة بسواد، وبياض. وقيل: مكتوب على كل حجر منها اسم من رمي بها، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: عند الله، وقد أعدها لرجم من قضى برجمه. ثم قيل: كانت مطبوخة طبخ الاجر. قاله ابن زيد، وهو معنى قوله تعالى: ﴿حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. هذا، ولا تنس أن هذه الحجارة إنما أرسلت عليهم بعد قلب قرى قوم لوط، وهذه الحجارة إنما أرسلت على من كان خارج هذه القرى من مسافريهم، قيل: إن الحجارة اتبعت شذاذ قوم لوط؛ حتى إن واحدا منهم دخل الحرم، فبقي الحجر معلقا في السماء أربعين يوما حتى خرج ذلك الرجل من الحرم، فسقط عليه الحجر، فأهلكه. خذ قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٨٣]: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ ومعنى المسرفين: المجاوزين الحد في الفجور، وهو ما عرف عنهم من إتيان الذكور في أدبارهم.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ أي: إن كنتم ملائكة كما تقولون ﴿فَما خَطْبُكُمْ:﴾\n (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَطْبُكُمْ:﴾ خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَيُّهَا:﴾ منادى نكرة مقصودة، حذف منه أداة النداء، مبني على الضم في محل نصب ب: «يا» المحذوفة، و(ها): حرف تنبيه لا","vol":"9","page":256},{"text":"محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْمُرْسَلُونَ:﴾ بدل من: (أي)، أو عطف بيان عليه، أو صفة، فهو مرفوع تبعا للفظه، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أُرْسِلْنا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و(نا): نائب فاعله. ﴿إِلى قَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني.\n ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمٍ﴾ مجرور... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها. هذا؛ والايتان مذكورتان بحروفهما في سورة (الحجر) رقم [٥٧] و[٥٨].\n ﴿لِنُرْسِلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: «نحن»، و«أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أُرْسِلْنا﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿حِجارَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ طِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حِجارَةً﴾. ﴿مُسَوَّمَةً:﴾ صفة ثانية للحجارة، أو حال منها بعد وصفها بما تقدم، وهي اسم مفعول، فنائب فاعله يعود إلى:\n ﴿حِجارَةً﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مُسَوَّمَةً،﴾ و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِلْمُسْرِفِينَ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيضا. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4710\"></span><span id=\"aya-4711\"></span><span id=\"aya-4712\"></span>﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها﴾ أي: لما أردنا إهلاك قوم لوط؛ أخرجنا من كان في قومه من المؤمنين؛ لئلا يهلك المؤمنون. والضمير في قوله: ﴿فِيها﴾ يعود إلى قرى قوم لوط، ولم يجر لها ذكر لكونها معلومة. ﴿فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ﴾ أي: غير أهل بيت، وهم لوط، وابنتاه.\nوقيل: كان لوط، وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ:﴾ وصفوا بالإيمان، والإسلام؛ أي هم مصدقون بقلوبهم، عاملون بجوارحهم الطاعات. هذا؛ وقال الخطابي وغيره: إن المسلم قد يكون مؤمنا وقد لا يكون، والمؤمن مسلم دائما، فهو أخصّ، وبهذا يستقيم تأويل الايات، والأحاديث وقوله تعالى في سورة (الحجرات) رقم [١٤]: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا..﴾. إلخ، يدلّ على الفرق بين الإيمان، والإسلام، وهو مقتضى حديث جبريل ﵇ في صحيح مسلم، وغيره.","vol":"9","page":257},{"text":"﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً﴾ أي: تركنا في قرى قوم لوط عبرة، وعلامة لأهل ذلك الزمان، ومن بعدهم، كما في قوله تعالى في سورة (العنكبوت) الاية رقم [٣٥]: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ:﴾ فإنهم هم المنتفعون بالايات، دون القاسية قلوبهم، التي لا تتأثر، ولا تتعظ بالايات، والعبر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَخْرَجْنا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أخرجنا): فعل، وفاعل. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، و﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، والجملة الفعلية: (أخرجنا...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية.\n ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿بَيْتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بَيْتٍ،﴾ والجملة الفعلية: (ما وجدنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَتَرَكْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (تركنا): فعل، وفاعل.\n ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:\n ﴿آيَةً،﴾ وجملة: ﴿يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: (تركنا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ، صلة الموصول.\n\n<span id=\"aya-4713\"></span><span id=\"aya-4714\"></span><span id=\"aya-4715\"></span>﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ:﴾ التقدير: وتركنا أيضا في قصة موسى آية. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ:﴾ بحجة ظاهرة، وبرهان واضح، وهي معجزة اليد، والعصا. ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ أي:\nأعرض عن الإيمان بجموعه، وجنوده؛ الذين كان يتقوى، ويعتز بهم. ومنه قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٨٠]: ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. وقال ابن عباس، وقتادة: أي بقوته، ومنه قول عنترة: [الوافر] فما أوهى مراس الحرب ركني... ولكن ما تقدم من زماني\n ﴿ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي: لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرا، أو مجنونا.\nوقال القرطبي: ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو؛ لأنهم قالوها جميعا، قاله المؤرج، والفراء، وأنشدا بيت جرير: [الوافر] أثعلبة الفوارس أو رياحا... عدلت بهم طهيّة والخشابا","vol":"9","page":258},{"text":"أقول: ومن شواهده أيضا قول جرير. وهو الشاهد رقم [٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] جاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر\n ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ:﴾ فأغرقناهم في البحر. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ:﴾ آت بما يلام عليه، من كفره، وعناده، وإنما وصف يونس على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في سورة (الصافات) رقم [١٤٢] بقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ لأنّ موجبات اللوم تختلف، وعلى حسب اختلافها، تختلف مقادير اللوم، فراكب الكفر ملوم على مقداره، وراكب الكبيرة، أو الصغيرة على مقدارها؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ وقوله جلّ ذكره: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ لأنّ الكبيرة، والصغيرة يجمعهما اسم العصيان، كما يجمعهما اسم القبيح، والسيئة.\nهذا؛ و(سلطان): تسلط، وولاية، ويأتي بمعنى: الحجة، والبرهان، كما هنا، ويأتي بمعنى: الكتاب. قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٣٥]: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. وقال بعض المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة له، كالسلطان يقهر غيره بقوته. وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمّي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه. انتهى. ولا تنس ما قاله عثمان بن عفان﵁-:\n (إنّ الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أي: يكف عن المعاصي، ويردع، وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء:\nأن العرب تؤنث السلطان، تقول: قضت به عليك السلطان، أما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن الكريم، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى الحجة. هذا؛ والسلطان ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى حكاية عن قول سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في حق الهدهد في سورة (النمل) رقم [٢١]: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾.\nأما ﴿مُبِينٍ﴾ فهو اسم فاعل من: أبان الرباعي، أصله مبين بسكون الباء، وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة.\nولا تنس: أن اسم الفاعل من «بان» الثلاثي بائن أصله باين، وإعلاله مثل إعلال قائل.\nالإعراب: ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (في موسى): قال الزمخشري، ووافقه النسفي، والبيضاوي: معطوفان على قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ﴾ رقم [٢٠]، ورده ابن هشام بقوله:\nوفيه بعد، وإنما هما معطوفان على: ﴿فِيها﴾ من قوله: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً..﴾. إلخ. وقال الزمخشري أيضا: أو هما معطوفان على قوله: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً﴾ على معنى: وجعلنا في موسى آية، كقول الشاعر: وهذا هو الشاهد رقم [١٠٧٤] من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [الرجز]","vol":"9","page":259},{"text":"علفتها تبنا وماء باردا... حتّى غدت همّالة عيناها\nونقل الجمل عن السمين هذا القول عن الزمخشري، وقول ابن هشام أيضا. ﴿إِذْ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق ب: ﴿آيَةً﴾ على قول ابن هشام المتقدم: أي تركنا في قصة موسى علامة في وقت إرسالنا إياه. والثاني: متعلق بمحذوف نعت ل: ﴿آيَةً﴾ أي: آية في وقت إرسالنا. الثالث: أنه متعلق ب: (تركنا). ﴿أَرْسَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مُوسى،﴾ أو من ضميره. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (سلطان). ﴿فَتَوَلّى:﴾ الفاء: حرف عطف. (تولى): فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿أَرْسَلْناهُ..﴾. إلخ، فهي في محل جر مثلها. ﴿بِرُكْنِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (قال): ماض، وفاعله يعود إلى: (فرعون) أيضا. ﴿ساحِرٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو ساحر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مَجْنُونٌ:﴾ معطوف على: ﴿ساحِرٌ﴾ عطف مفرد على مفرد. وإن اعتبرته خبر لمبتدأ محذوف؛ فالعطف يكون عطف جملة على جملة، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَأَخَذْناهُ:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَجُنُودَهُ:﴾ معطوف على الضمير، فهو منصوب مثله. وقيل: مفعول معه، وهو ضعيف لإمكان العطف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَبَذْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿فِي الْيَمِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال.\n (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط:\nالواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4716\"></span><span id=\"aya-4717\"></span>﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَفِي عادٍ﴾ أي: وتركنا في عاد آية لمن تأمل. ﴿إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ:﴾ وهي التي لا تلقح سحابا، ولا شجرا، وليس فيها رحمة، ولا بركة، ولا منفعة. ومنه: امرأة عقيم لا تحمل، ولا تلد، كما رأيت في الاية رقم [٢٩]، ثم قيل: هي الجنوب، والأصح: أنها ريح غربية وهي المسماة بالدّبور، كما في الصحيح عن النبي ﷺ: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد","vol":"9","page":260},{"text":"بالدّبور». وقال عبيد بن عمير: مسكنها الأرض الرابعة، وما فتح الله على عاد منها إلا كقدر منخر الثور. وفي الكلام استعارة مكنية، حيث شبه الريح التي لا منفعة فيها من إنشاء مطر، أو تلقيح شجر بالمرأة العاقر؛ التي لا تحمل. ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ:﴾ من أنفسهم، وأموالهم، وأنعامهم. ﴿إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي: كالشيء الهالك البالي، وهو يابس، وديس من نبات الأرض، يقال للنبت إذا يبس، وتفتت: رميم، وهشيم. قال جرير يرثي ابنه: [البسيط] تركتني حين كفّ الدهر من بصري... وإذ بقيت كعظم الرّمّة البالي\nأي: الهالك البالي، وأصل الكلمة من: رمّ العظم إذا بلي. وفي سورة (يس) قوله تعالى حكاية عن قول الكافر: ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. نقول: رمّ العظم، يرم بالكسر رمّة، فهو رميم، قال الشاعر: [الكامل] ورأى عواقب خلف ذاك مذمّة... تبقى عليه والعظام رميم\nهذا؛ و﴿عادٍ﴾ اسم للحي، ولذلك صرف، ومنهم من جعله اسما للقبيلة، ولذلك منعه، و(عاد) في الأصل اسم الأب الكبير، وهو عاد بن عوص بن إرم، بن سام، بن نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فسميت به القبيلة، أو الحي، وكذلك ما أشبهه من نحو (ثمود) إن جعلته اسما لمذكر صرفته، وإن جعلته اسما لمؤنث منعته، ورسول قوم عاد هو هود بن عبد الله، ابن رباح، بن الخلود، بن عاد بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح. وقال ابن إسحاق: هو هود ابن شامخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح. هذا؛ وكان بين هود، ونوح ثمانمئة سنة، وعاش عاد أربعمئة وأربعا وستين سنة، وقبيلة عاد كانت تسكن الأحقاف من أرض اليمن.\nالإعراب: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا:﴾ هذا كلام معطوف على قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ..﴾.\nإلخ، وهو مثله في إعرابه في كل ما تقدم. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الرِّيحَ:﴾ مفعول به. ﴿الْعَقِيمَ:﴾ صفة: ﴿الرِّيحَ﴾. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تَذَرُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الرِّيحَ،﴾ تقديره هي. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.\n ﴿أَتَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة؛ لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة؛ التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة شيء على اللفظ. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿جَعَلَتْهُ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الرِّيحَ﴾ أيضا، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به أول. ﴿كَالرَّمِيمِ:﴾ الكاف: اسم بمعنى مثل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به ثان، والكاف مضاف، و(الرميم) مضاف إليه، وجملة: ﴿جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ في محل نصب مفعول به ثان ل: ﴿تَذَرُ،﴾ وجملة: ﴿ما تَذَرُ..﴾. إلخ، في محل نصب حال من: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾.","vol":"9","page":261},{"text":"<span id=\"aya-4718\"></span><span id=\"aya-4719\"></span><span id=\"aya-4720\"></span>﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اِسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا﴾ أي: وفيهم أيضا عبرة، وآية حين قيل لهم: عيشوا متمتعين بالدنيا. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت الهلاك، وهو ثلاثة أيام، كما قال في سورة (هود) رقم [٦٥]: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي:\nخالفوا أمر الله، وعقروا الناقة. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ:﴾ العذاب، وقال صاحب المختار: الصاعقة:\nنار تسقط من السماء في رعد شديد، يقال: صعقتهم السماء من باب: قطع: إذا ألقت عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضا صيحة العذاب. وكل عذاب مهلك صاعقة. هذا؛ وقال تعالى في سورة (هود) رقم [٦٧]: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٧٨]: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وقال تعالى في سورة (القمر) رقم [٣١]: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً..﴾. إلخ، والمراد فيها بكل معانيها صيحة جبريل ﵇. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظرون العذاب؛ لأنه نزل بهم نهارا، أو هو من الانتظار؛ أي:\nينتظرون ما وعدوه من العذاب. ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ﴾ أي: فما قدروا على الهرب من العذاب، أو ما قدروا على النهوض بعد نزول العذاب بهم، أو ما قدروا على دفعه عن أنفسهم. وقيل: ما أطاقوه، تقول: لا أقوم لهذا الأمر؛ أي: لا أطيقه. ﴿وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي: ما كانوا ممتنعين من العذاب، بمعنى لم تكن لهم قوة يدفعون العذاب بها، ولم يكن لهم ناصر يمنعهم منه.\nهذا؛ و(ثمود) قبيلة أخرى من العرب ك: (عاد)، سموا باسم أبيهم الأكبر، ثمود بن غابر، بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر. وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز، والشام إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد:\nالماء القليل، والأول هو المعتمد، وانظر صرفه، وعدمه في الاية رقم [٤١] وقرئ بصرفه شاذا، ورسول قبيلة ثمود هو صالح بن عبيد، بن آسف، بن ماسح، بن عبيد، بن حاذر، بن ثمود، وليس من أنبياء بني إسرائيل ك: (هود) وكان بينهما مئة سنة، وعاش صالح مئتين وثمانين سنة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ:﴾ هو مثل ﴿وَفِي مُوسى إِذْ﴾ رقم [٣٨]. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَمَتَّعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿حَتّى حِينٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ﴾. أفاده ابن هشام في مغنيه، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك مرارا: أن بعضهم يعتبر نائب","vol":"9","page":262},{"text":"الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدلّ عليه المقام؛ أي: وقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في «المغني» حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنّة» ونحو:\n «زعموا مطيّة الكذب». وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿فَعَتَوْا:﴾ الفاء: حرف عطف. (عتوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ، فهي في محل جر مثلها. ﴿عَنْ أَمْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿أَمْرِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (أخذتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الصّاعِقَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: «هم ينظرون» في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط:\nالواو، والضمير.\n ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: عاطفة، والأول أقوى. (ما): نافية. ﴿اِسْتَطاعُوا:﴾\nماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قِيامٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانُوا:﴾\nماض ناقص، والواو اسمه. ﴿مُنْتَصِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4721\"></span>﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: (قوم): اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر... إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ..﴾. إلخ، الاية رقم [١١] من سورة (الحجرات).\nوقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟","vol":"9","page":263},{"text":"وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، وهو يذكر، ويؤنث، قال تعالى في سورة (الشعراء) الاية [١٠٥]: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو أنهم أمة وطائفة وجماعة سمّوا قوما؛ لأنهم يقومون مع داعيهم بالشدائد، والمتاعب، إما بالمعاونة معه على كشفها، وإما بالإيذاء، والمضايقة؛ إن عارضوه، وهذا شأن أعداء الخير، والإصلاح في كل زمان، ومكان.\nهذا؛ و﴿نُوحٍ﴾ اسمه: السكن. وقيل: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربّه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مرّ بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح! فأوحى الله إليه: أعبتني، أم عبت الكلب؟! وقيل:\nأنطق الله الكلب، فقال له: أتسخر من الخالق، أم من المخلوق؟ ونوح أول رسول بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف.\nوهو أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة. وقيل: عمر ألفا ومئتين وخمسين سنة، ولم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على إيذاء قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الاية الأخيرة من السورة المسماة باسمه، ويروى: أنّ جبريل ﵇ قال له: يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الاخر. وبشريعته غيرت بعض أحكام شريعة آدم، ولا سيما تحريم زواج الأخوات.\nهذا؛ و﴿فاسِقِينَ﴾ جمع: فاسق، وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع:\nالخارج عن أمر الله بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها. والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة:\nالجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها. فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر. وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك؛ فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتصديق، الذي هو مسمى الإيمان.\nهذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: الفسوق: الخروج من الشيء، والانسلاخ منه، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها. ومن مقلوبه: فقست البيضة: إذا كسرتها، وأخرجت ما فيها، ومن مقلوبه أيضا: قفست الشيء إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصبا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد، والانسلاخ من الحق، قال رؤية: [الرجز] فواسقا عن قصدها جوائرا","vol":"9","page":264},{"text":"الإعراب: ﴿وَقَوْمَ:﴾ يقرأ بالجر عطفا على ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ أو على: ﴿وَفِي مُوسى،﴾ أو على:\n ﴿وَفِي عادٍ،﴾ أو على: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ وهذا هو الظاهر لقربه وبعد غيره، ولم يذكر الزمخشري غيره، فإنه قال: قرئ بالجر على معنى: وفي قوم نوح، ويقويه قراءة عبد الله «(وفي قوم نوح)» ولم يذكر أبو البقاء غير الوجه الأخير لوضوحه، وهو العطف على: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾.\nهذا؛ ويقرأ بالنصب، وفيه ستة أوجه: أحدها: أنه منصوب بفعل مضمر؛ أي: وأهلكنا قوم نوح لأنّ ما قبله يدلّ عليه، الثاني منصوب ب: «اذكر» مقدرا، ولم يذكر الزمخشري غيرها.\nالثالث: أنه منصوب عطفا على مفعول (أخذناه). الرابع: أنه معطوف على مفعول ﴿فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ وناسب ذلك أن قوم نوح مغرقون من قبل، لكن يشكل بأنهم لم يغرقوا في اليم، وأصل العطف يقتضي التشريك في المتعلقات. الخامس: أنه معطوف على مفعول: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ وفيه إشكال؛ لأنهم لم تأخذهم الصاعقة، وإنما أهلكوا بالطوفان، إلا أن يراد بالصاعقة:\nالداهية، والنازلة العظيمة من أي نوع كانت، فيقرب ذلك. السادس: أنه معطوف على محل:\n ﴿وَفِي مُوسى﴾ نقله أبو البقاء، وهو ضعيف.\nكما يقرأ بالرفع على أنه مبتدأ، والخبر مقدر؛ أي: أهلكناهم، وقال أبو البقاء: والخبر ما بعده، يعني قوله: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف كبير.\nو(قوم) مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بأحد الأفعال المقدرة التي رأيتها، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَوْمًا:﴾ خبر (كان). ﴿فاسِقِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمًا﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ، في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، لا محلّ لها على الاعتبارين، وفي محل رفع خبر على قول رأيته لأبي البقاء.\n\n<span id=\"aya-4722\"></span><span id=\"aya-4723\"></span><span id=\"aya-4724\"></span>﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها﴾ أي: جعلناها بناء محكما، وسقفا محفوظا رفيعا، قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٢]: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾. ﴿بِأَيْدٍ:﴾ هذه الاية من المتشابهات، ومثلها الاية في سورة (ص) رقم [٧٥]: ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وأيضا الاية رقم [١٠] من سورة (الفتح): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ﴾","vol":"9","page":265},{"text":"﴿فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وفي ذلك مذهبان: مذهب السلف: التفويض، يقولون: لله يد تليق به لا نعلمها.\nومذهب الخلف: التأويل، يقولون: اليد بمعنى القدرة، والقوة، والإرادة. انظر تفسير الايتين في محلهما من سورة (ص) وسورة (الفتح) ففيهما بحث كاف ضاف والحمد لله.\nهذا؛ واليد تستعمل في الأصل للجارحة، وتطلق، ويراد بها القوة، والقدرة كما رأيت آنفا، وخذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان\nقال تعالى في سورة (يس) رقم [٧١]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف؛ يقال: لفلان يد عندي؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة، والتدبير، يقال: لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. وينبغي أن تعلم أن (الأيد) في هذه الاية مفرد، وليس بجمع، ومثلها قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾.\n ﴿وَإِنّا لَمُوسِعُونَ:﴾ لقادرون. قاله ابن عباس﵄-. والمعنى: إنا لذو سعة بخلقها، وخلق غيرها لا يضيق، ولا يصعب علينا شيء نريده. وقيل: المعنى: قد وسعنا أرجاءها، ورفعناها بغير عمد؛ حتى استقلت كما هي، وكما ترونها. ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها﴾ أي:\nبسطناها كالفرش على وجه الماء، ومددناها؛ لتستقروا، وهذا لا ينافي ما قيل في العصر الحديث: إنها كروية الشكل، فإنها لعظمها ترى في العين مثل الفراش المبسوط: قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [١٩] وسورة (ق) رقم [٧]: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾. وفي الخازن: ويمكن أن يقال: إن الكرة إذا كانت كبيرة عظيمة، فكل قطعة منها تشاهد ممدودة كالسطح الكبير العظيم، فحصل الجمع بين القول بكرويتها، والقول ببسطها، ومع ذلك فالله تعالى أخبر: أنه مدّ الأرض، وأنه دحاها، وبسطها، وكل ذلك يدل على التسطيح، والله تعالى أصدق قيلا، وأبين دليلا من أصحاب الهيئة. هذا؛ وقد أثبت كروية الأرض الالوسي، والفخر الرازي، كما ستقف عليه في سورة (النبأ) و(النازعات) إن شاء الله تعالى.\n ﴿فَنِعْمَ الْماهِدُونَ:﴾ يقال: مهدت الفرش مهدا: بسطته، ووطأته. وتمهيد الأمور: تسويتها، وإصلاحها. وتمهيد العذر: بسطه وقبوله. هذا؛ و(نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح، وضدها «بئس» لإنشاء الذم. قال في المختار: «نعم» منقول من نعم فلان (بفتح النون وكسر العين): إذا أصابه النعمة، و«بئس» منقول من بئس فلان (بفتح الباء وكسر الهمزة): إذا أصابه بؤس. فنقلا إلى المدح والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم وبئس، بكسر فسكون، وهي لغة القرآن. ثم نعم وبئس، بكسر أولهما، وثانيهما، غير أنّ الغالب في نعم أن يجيء بعدها (ما) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ سورة (النساء) رقم [٥٨]، وقوله تعالى:","vol":"9","page":266},{"text":"﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ سورة (البقرة) رقم [٢٧١]. وبئس جاءت بعدها (ما) على اللغة الفصحى كقوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم) وقد تكرر هذا التركيب في القرآن كثيرا، واللغة الثالثة: نعم، وبئس بفتح، فسكون، والرابعة: نعم، وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما.\nولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، ويشترط في الفاعل أن يكون مقرونا ب: «أل»، كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ،﴾ أو مضافا لمقترن بها. كما في قوله تعالى:\n (نعم عقبى الدّار). والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ: «من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل».\nوقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة). وقول غيره:\n (نعم السير على بئس العير). وأوله البصريون على حذف كلام مقدر؛ إذ التقدير: (والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد) و(نعم السير على عير مقول فيه: بئس العير). والمعتمد في ذلك قول البصريين، ويلزم الكوفيين جر الولد والعير بسبب الإضافة، والرواية بالرفع لا غير.\n ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أي: صنفين، ونوعين مختلفين. قال ابن زيد: أي: ذكرا، وأنثى، وحلوا، وحامضا، ونحو ذلك. وقال مجاهد: يعني الذكر، والأنثى من كل شيء، من السماء، والأرض، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، والنور، والظلمة، والسهل، والجبل، والجن، والإنس، والخير، والشر، والبكرة، والعشي، وكالأشياء المختلفة الألوان من الطعوم، والأراييح، والأصوات؛ أي: جعلنا هذا كهذا دلالة على قدرتنا، ومن قدر على هذا فإنه يقدر على الإعادة. انتهى. قرطبي، ويضاف زوجية بين الإيمان والكفر، والجنة والنار، والسعادة والشقاوة، حتى الحيوانات والنباتات.\nهذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (يس) رقم [٣٦]: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ قال محمد علي الصابوني: سبحان الله ما أعظم قدرة الله، لقد كان السائد: أن الزوجية إنما تكون بين الإنسان، والحيوان فقط، وجاء القرآن بالمعجزة الباهرة المثبتة لما اكتشفه العلم الحديث منذ زمن قريب، وهي أن الزوجية بين الإنسان والحيوان، والنبات، والذّرّة، وسائر الكائنات، فقد ثبت: أن الذرّة، وهي أصغر أجزاء المادة، مؤلفة من زوجين مختلفين من الإشعاع الكهربائي، سالب، وموجب، يتزاوجان، فيتحدان. وإن بين النبات أعضاء مذكرة، وأعضاء مؤنثة، فسبحان العلي القدير القائل: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ..﴾. إلخ انتهى. هذا؛ وقوله تعالى هنا: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ عمّم الزوجية في النبات، والإنسان، وفي كل شيء مما نعلمه، ومما لا نعلمه، فسبحان الإله العلي القدير العليم، الذي أحاط علمه بكل الأكوان، وأحصى كل شيء عددا.","vol":"9","page":267},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ:﴾ أصل الفعل: تتذكرون، حذفت إحدى التاءين للتخفيف، وهذا الحذف تجده في كثير من الايات. هذا؛ والترجي في هذه الاية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nالإعراب: ﴿وَالسَّماءَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (السماء): منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسّره المذكور بعده، وقدّر أبو البقاء المحذوف بقوله: «رفعنا السماء» والأول أقوى، وأولى؛ لأنّ تقديره يصار إليه عند تعذّر الموافق لفظا، نحو زيدا مررت به، وزيدا ضربت غلامه.\nوالجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بَنَيْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها مفسّرة للجملة المقدرة قبلها. ﴿بِأَيْدٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (نا)، أو من (ها)؛ أي: ملتبسين، أو ملتبسة بقوة، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل.\nو(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمُوسِعُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة، (موسعون): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. والجملة الاسمية: (إنا لموسعون) في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف يفسره المذكور بعده مثل سابقه. هذا؛ وقرأ أبو السمال، وابن مقسم برفعهما على الابتداء، والخبر ما بعدهما، والنصب أرجح لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها، لذا فالقراءة فوق السبعة. ﴿فَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نعم):\nماض جامد لإنشاء المدح. ﴿الْماهِدُونَ:﴾ فاعل (نعم) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: نحن، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من كل): متعلقان بما بعدها، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من: ﴿زَوْجَيْنِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. والأول أقوى معنى. ﴿زَوْجَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة لا محلّ لها؛ لأنها تعليلية.\n\n<span id=\"aya-4725\"></span><span id=\"aya-4726\"></span>﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ أي: قل يا محمد للناس أجمعين: اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان، والطاعة له، وقال ابن عباس﵄-. فروا منه إليه، واعملوا بطاعته.","vol":"9","page":268},{"text":"وقال أبو بكر الوراق: فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن. ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي: من عذابه، وعقابه المعد لمن أشرك، أو عصى. ﴿نَذِيرٌ:﴾ مخوف. ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بين الرسالة بالحجة الظاهرة، والمعجزة الباهرة، والبرهان القاطع. ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ أي:\nوحّدوه، ولا تشركوا به شيئا. ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ:﴾ قيل: إنما كرر هذه الجملة عند الأمر بالطاعة، والنهي عن الشرك ليعلم: أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل، كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز برضا الله، ودخول الجنة إلا الجامع بينهما، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٥٨]: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾. انتهى. خازن بتصرف. وهذا ذكرته مرارا، وسميته بالاحتراس. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَفِرُّوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا علمتم:\nأن الله فرد لا نظير له؛ ففروا إليه، ووحدوه، ولا تشركوا به شيئا. والكلام كله في محل نصب مقول القول لقول مقدّر، كأنه قيل: قل لهم: إذا كان الأمر كذلك؛ ففروا... إلخ، (فروا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم: اسمها. ﴿لَكُمْ مِنْهُ:﴾ جار ومجرور كلاهما متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ﴾ بعدهما.\n ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر (إن). ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي،﴾ تعليل للأمر، وهي من جملة مقول القول المقدر.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا تجعلوا): مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. وقيل: مفعول به ثان مقدم على الأول، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿إِلهًا:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة له، والجملة: (لا تجعلوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-4727\"></span>﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿كَذلِكَ:﴾ الإشارة إلى تكذيب قريش النبي ﷺ، وتسميتهم إياه ساحرا، أو مجنونا، وفيه تسلية له ﷺ؛ أي: كما كذبك قومك، وقالوا: ساحر، أو مجنون؛ كذب من قبلهم، وقالوا مثل قولهم. ﴿ما أَتَى الَّذِينَ..﴾. إلخ: فهذا تفسير لفحوى الإشارة المذكورة.\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: الأمر، والشأن، والقصة مثل ذلك. وإن اعتبرت المحل للكاف فلست مفندا، وتكون مضافة، واسم الإشارة في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. هذا؛ وأجيز","vol":"9","page":269},{"text":"اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف مع عامله، التقدير: أنذركم إنذارا مثل إنذار من تقدمني من الرسل؛ الذين أنذروا قومهم. ولا يجوز أن يكون العامل: ﴿أَتَى﴾ لأنّ ما بعد ﴿ما﴾ النافية، لا يعمل فيما قبلها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَتَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به.\n ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ فاعل: ﴿أَتَى﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿ما أَتَى..﴾. إلخ مفسرة لمفهوم اسم الإشارة، لا محلّ لها مثله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ:﴾ ماض، وفاعله.\n ﴿ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ:﴾ هو مثل الاية رقم [٣٩] بلا فارق، وجملة: ﴿قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال.\n\n<span id=\"aya-4728\"></span><span id=\"aya-4729\"></span><span id=\"aya-4730\"></span>﴿أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿أَتَواصَوْا بِهِ﴾ أي: هل أوصى أولهم آخرهم، وبعضهم بعضا بالتكذيب، وتواطؤوا عليه؟! وفيه توبيخ لهم. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أي: لم يتواصوا بهذا القول؛ لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد، بل جمعتهم على ذلك علّة واحدة، هي الطغيان، وهو الحامل لهم على ذلك.\n ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة، فلم يجيبوا عنادا، واستكبارا. ﴿فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي: فلا لوم عليك في إعراضك عنهم بعد ما بلغت الرسالة، وبذلت مجهودك في التبليغ، والدعوة، وما قاصرات فيما أمرت به.\n ﴿وَذَكِّرْ:﴾ الناس بالقرآن، وعظهم به. ﴿فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ خصّ المؤمنين بالمنفعة؛ لأنهم هم المنتفعون بالذكرى، ولكن في هذه الأيام قليلا ما تجدي الذكرى، وتنفع الموعظة، والنصيحة، وذلك بسبب كثرة المعاصي، وأكل الحرام. قال تعالى في سورة (المطففين): ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾. روي أنه لما نزلت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ حزن رسول الله ﷺ، واشتدّ ذلك على أصحابه، ورأوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، فأنزل الله: ﴿وَذَكِّرْ..﴾.\nإلخ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور المعنوية، والاعتقادات اتساعا، ومجازا، أما الطغيان؛ فهو مجاوزة الحد. يقال: طغى، يطغى، وطغا، يطغو: إذا جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغ، وكل مسرف في الظلم، والمعاصي طاغ، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وطغى السيل: جاء بماء كثير. قال تعالى في سورة (الحاقة) رقم [١١]: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.","vol":"9","page":270},{"text":"الإعراب: ﴿أَتَواصَوْا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (تواصوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿هُمْ قَوْمٌ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿طاغُونَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿فَتَوَلَّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (تول): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منهم وواقعا؛ فتول. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف تعليل. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمَلُومٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ملوم): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنها تعليل للأمر. ﴿وَذَكِّرْ:﴾ الواو: حرف عطف، (ذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (تول...) إلخ لا محلّ لها مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الذِّكْرى:﴾ اسم (إنّ) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿تَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره هي، يعود إلى الذكرى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: (إن...) إلخ تعليل للأمر، لا محلّ لها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ.\n\n<span id=\"aya-4731\"></span><span id=\"aya-4732\"></span><span id=\"aya-4733\"></span>﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما خَلَقْتُ..﴾. إلخ: قيل: هذا خاص بأهل طاعته من الفريقين، يدلّ عليه قراءة ابن عباس﵄-: «(وما خلقت الجنّ والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون)». وقيل:\nمعناه: وما خلقت السعداء من الجن، والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي، وهو ما جبلوا عليه من الشقاوة، والسعادة. وقال علي بن أبي طالب﵁-: ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا لامرهم أن يعبدوني، وأدعوهم إلى عبادتي. وقيل: معناه: إلا ليعرفوني. وهذا حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده، وتوحيده. وقيل: معناه: إلا ليخضعوا لي، ويتذللوا؛ لأنّ معنى العبادة في اللغة: التذلل، والانقياد، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله،","vol":"9","page":271},{"text":"متذلل للمشيئة، لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق له. وقيل: معناه: إلا ليوحّدوني، فأما المؤمن؛ فيوحده اختيارا في الشدّة والرخاء، وأما الكافر؛ فيوحده اضطرارا في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء. انتهى. خازن بحروفه.\nوقال سليمان الجمل: إن معنى ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا مهيئين، ومستعدين ليعبدون، بأن خلقت فيهم العقل، والحواس، والقدرة، التي تتحصل بها العبادة، وهذا لا ينافي تخلف العبادة بالفعل من بعضهم؛ لأن هذا البعض، وإن لم يعبد الله، لكن فيه التهيؤ، والاستعداد الذي هو الغاية بالحقيقة. انتهى. نقلا عن شيخه.\n ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ أي: ما أريد منهم أن يرزقوا أحدا من خلقي، ولا أن يرزقوا أنفسهم؛ لأني أنا الرزاق، المتكفل لعبادي بالرزق القائم لكل نفس بما يقيمها من قوتها. ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ أي: أن يطعموا أحدا من خلقي، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه؛ لأنّ الخلق كلّهم عيال الله. أو من أطعم عيال أحد؛ فقد أطعمه. لما صحّ من حديث أبي هريرة﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: يقول الله ﷿ يوم القيامة: «يا بن آدم مرضت، فلم تعدني! قال: يا رب كيف أعودك؛ وأنت ربّ العالمين؟! قال: أما علمت: أن عبدي فلانا مرض، فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته؛ لوجدتني عنده؟! يا بن آدم استطعمتك، فلم تطعمني! قال: يا رب كيف أطعمك؛ وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت: أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه؟! أما علمت أنك لو أطعمته؛ لوجدت ذلك عندي؟! يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك؛ وأنت ربّ العالمين؟! قال: أما علمت: أنه استسقاك عبدي فلان، فلم تسقه؟! أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي». أخرجه مسلم.\n ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ:﴾ الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق: من إنسان، أو حيوان، أو هوام... إلخ، قال تعالى في سورة (هود) رقم [٦]: ﴿*وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾. وقال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٠]:\n ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وفي الكشاف: يريد إن شأني مع عبادي: ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإن ملاك العبيد إنما يملكونهم؛ ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، وأرزاقهم، فإما مجهز في تجارة؛ ليفيء ربحا، أو مرتب في فلاحة؛ ليغتل أرضا، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته، أو محتطب، أو محتش، أو مستق، أو طابخ، أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال، والمهن؛ التي هي تصرف في أسباب المعيشة، وأبواب الرزق، فأما مالك ملك العبيد، فقد قال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي، ولا رزقكم، وأنا غني عنكم، وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم، وبما يصلحكم، ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي. انتهى. بحروفه.","vol":"9","page":272},{"text":"هذا؛ وجاء في حديث قدسي، يقول الله ﷿: «يا عبادي! ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستكثر بكم من قلة، ولا لأعتزّ بكم من ذلة، ولكني خلقتكم لتعبدوني طويلا، وتسبّحوني كثيرا، وتذكروني بكرة وأصيلا». بعد هذا لعلّك تدرك معي: أنه حصل التفات من الخطاب في الايات السابقة إلى التكلم في هذه الايات، ثم منه إلى الغيبة في الاية الأخيرة.\nوللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه: حثّ السامع، وبعثه على الاستماع، حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصّصه بالمواجهة.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿خَلَقْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْجِنَّ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَالْإِنْسَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾\nحرف حصر. ﴿لِيَعْبُدُونِ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام العاقبة، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿خَلَقْتُ﴾. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أُرِيدُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الضمير فقط. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رِزْقٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أُرِيدُ:﴾ مضارع، وفاعله تقديره: «أنا». ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُطْعِمُونِ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: (ما أريد...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الرَّزّاقُ:﴾ خبره. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه من الأسماء الخمسة. و﴿ذُو:﴾ مضاف، و﴿الْقُوَّةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿الْمَتِينُ:﴾ برفعه وفيه أوجه: إما النعت ل: ﴿الرَّزّاقُ،﴾ وإما النعت ل: ﴿ذُو﴾ وإما النعت لاسم ﴿إِنَّ﴾ على الموضع، وهو مذهب الجرمي، والفراء، وغيرهما، وإما خبر بعد خبر، وإما خبر مبتدأ مضمر وعلى كل تقدير فهو تأكيد؛ لأن ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ يفيد فائدته. وقرئ بالجر على أنه صفة ل: ﴿الْقُوَّةِ،﴾ وإنما ذكر وصفها لكون تأنيثها غير حقيقي. انتهى. جمل. نقلا.","vol":"9","page":273},{"text":"<span id=\"aya-4734\"></span>﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾\nالشرح: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا:﴾ رسول الله ﷺوهم أهل مكة-بالإيذاء، والتكذيب. ﴿ذَنُوبًا﴾ أي: نصيبا من العذاب. ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ﴾ أي: مثل نصيب أصحابهم، ونظائرهم؛ الذين هلكوا قبلهم، مثل قوم نوح، وثمود، وعاد، وغيرهم. قال ابن الأعرابي: يقال: يوم ذنوب؛ أي: طويل الشر لا ينقضي، وأصل الذنوب في اللغة: الدلو العظيمة، فاستعير للنصيب من (العذاب)، وكانوا يستقون الماء، فيقسمون ذلك على الأنصباء، فقيل للذنوب: نصيبا من هذا، قال الراجز: [الرجز] إنّا إذا شاربنا شريب... له ذنوب ولنا ذنوب\nفإن أبى كان له القليب\nوقال علقمة بن عبدة من قصيدة مدح بها الحارث بن أبي شمر الغساني، وكان أخوه شاس أسيرا عنده: [الطويل] وأنت الّذي آثاره في عدوّه... من البؤس والنعمى لهنّ ندوب\nوفي كلّ حيّ قد خبطت بنعمة... فحقّ لشأس من نداك ذنوب\nوالذنوب: الدلو الملأى ماء، تؤنث، وتذكر، ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب، والجمع في القليل: أذنبة، والكثير: ذنائب: مثل: قلوص، وقلائص. انظر ما ذكرته تبعا لشرح (كأس) في الاية رقم [٢٣] من سورة (الطور). ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي: فلا يستعجلون نزول العذاب بهم؛ لأنهم قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ رقم [٣٢] من سورة (الأنفال)، فنزل بهم يوم بدر ما حقق به وعده، وعجل بهم انتقامه، ثم لهم في الاخرة العذاب الدائم، والخزي القائم؛ الذي لا انقطاع له، ولا نفاد، ولا غاية، ولا آباد، وانظر شرح العجلة في الاية رقم [١٦] من سورة (القيامة).\nالإعراب: ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبّه بالفعل، ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) مقدم. ﴿ظَلَمُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ذَنُوبًا:﴾ اسم: (إنّ) مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِثْلَ:﴾ صفة: ﴿ذَنُوبًا،﴾ وهو مضاف، و﴿ذَنُوبِ﴾ مضاف إليه. و﴿ذَنُوبِ:﴾ مضاف، و﴿أَصْحابِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر","vol":"9","page":274},{"text":"حاصلا، وواقعا؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية. ﴿يَسْتَعْجِلُونِ:﴾ مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، المدلول عليها بكسرة النون مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء.\n\n<span id=\"aya-4735\"></span>﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾\nالشرح: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ المراد به: يوم القيامة. وقيل: يوم بدر. والأول أولى، وأقوى وقد وضع الموصول موضع الضمير تسجيلا عليهم بالكفر، وإشعارا بعلة الحكم، والفاء لترتيب ثبوت الويل لهم، على أن لهم عذابا عظيما، كما أن الفاء الأولى لترتيب النهي عن الاستعجال على ذلك. هذا؛ وانظر شرح: (ويل) في الاية رقم [٦٥] من سورة (الزخرف).\nالإعراب: ﴿فَوَيْلٌ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ويل): مبتدأ، وساغ الابتداء به؛ لأنه متضمن معنى الدعاء. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ يَوْمِهِمُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان. هذا؛ وإن علّقت: ﴿لِلَّذِينَ﴾ ب: (ويل)؛ فهما متعلقان بمحذوف خبر واحد لا تعدد فيه. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿يَوْمِهِمُ﴾.\n ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي يوعدونه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم، والحمد لله رب العالمين.\nانتهت سورة (الذاريات)، بحمد الله وتوفيقه.\nشرحا وإعرابا.","vol":"9","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4314>سورة الطّور</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الطور) وهي مكية، وهي تسع وأربعون آية، وثلاثمئة واثنتا عشرة كلمة، وألف وخمسمئة حرف. انتهى. خازن. وروى الأئمة عن جبير بن مطعم﵁-. قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقرأ ب: (الطور) في المغرب. متفق عليه. انتهى. قرطبي.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4736\"></span><span id=\"aya-4737\"></span><span id=\"aya-4738\"></span><span id=\"aya-4739\"></span><span id=\"aya-4740\"></span><span id=\"aya-4741\"></span><span id=\"aya-4742\"></span><span id=\"aya-4743\"></span>﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨)﴾\nالشرح: في مطلع هذه السورة الكريمة أقسام خمسة، جوابها قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ والواو الأولى للقسم، والواوات بعدها للعطف، كما قال الخليل. انتهى. خطيب، أو كل واحد منها للقسم، كما قاله السمين. أقول: والأول أقوى؛ لأن الثاني يحوج إلى تقدير جواب لكل قسم، وقد بينات ذلك في الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وخذه وهو من قول أبي صخر الهذلي: [الطويل] أما والّذي أبكى وأضحك والّذي... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر\nلقد تركتني أحسد الوحش أن أرى... ألفين منها لا يروعهما الذّعر\n ﴿وَالطُّورِ:﴾ اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، أقسم الله به تشريفا له، وتكريما، وتذكيرا لما فيه من الايات، وهو أحد جبال الجنة، والمراد به طور سينا. وقيل: هو بمدين، وهو ضعيف. ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أي: مكتوب، يعني:\nالقرآن يقرؤه المؤمنون من المصاحف، ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ، كما قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ وقيل: المراد به: التوراة؛ التي كتبها الله لموسى. وموسى يسمع صرير الأقلام. وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: هو ما تسجله الحفظة، والكتبة من أعمال بني آدم، يخرج إليهم يوم القيامة منشورا، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله. ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ:﴾ والرق: كل ما يكتب عليه جلدا كان، أو غيره. قاله الراغب.\n ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ أي: معمور بكثرة من يطوفون فيه، وهو بيت في السماء السابعة، قدام العرش بحيال الكعبة، يقال له: الضّراح، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض. وصح في","vol":"9","page":276},{"text":"حديث المعراج من أفراد مسلم عن أنس﵁أن رسول الله ﷺ رأى البيت المعمور في السماء السابعة، قال: «فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه». وفي رواية أخرى: «قال: فانتهيت إلى بناء، فقلت للملك: ما هذا؟ قال: بناء بناه الله للملائكة، يدخل فيه سبعون ألف ملك، لا يعودون، يسبحون الله، ويقدسونه». وفي أفراد البخاري عن أبي هريرة﵁-. عن النبي ﷺ: أنه رأى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف.\n ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ:﴾ المراد به: السماء سماها سقفا؛ لأنها للأرض كالسقف للبيت. وانظر الاية رقم [٤٧] من سورة (الذاريات). ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ أي: الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور، وهو قول ابن عباس﵄وذلك ما روي: أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة، فيزاد بها في نار جهنم، ودليل هذا قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ وقيل:\nالمسجور: المملوء، وأنشد النحويون للنمر بن تولب الصحابي﵁-: [المتقارب] إذا شاء طالع مسجورة... ترى حولها النّبع والسّاسما\nيريد وعلا يطالع عينا مسجورة مملوءة ماء. وقيل: المسجور: اليابس؛ الذي ذهب ماؤه، ونضب. وقيل: هو المختلط العذب بالملح. والمعتمد الأول، وانظر سورة (التكوير).\n ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أي: إنه لحق، ونازل بالمشركين في الدنيا وفي الاخرة، قال جبير بن مطعم﵁-: قدمت المدينة لأسأل رسول الله ﷺ في أسارى بدر، فوافيته يقرأ في صلاة المغرب: ﴿وَالطُّورِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ فكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفا من نزول العذاب، وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. وجبير -﵁لم يدخل المسجد وقتئذ، وإنما سمع القراءة، وهو خارج المسجد؛ لأن صوت النبي ﷺ يخرج من المسجد. وقال هشام بن حسان: انطلقت أنا، ومالك بن دينار إلى الحسن، وعنده رجل يقرأ: ﴿وَالطُّورِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ..﴾. إلخ فبكى الحسن، وبكى أصحابه، فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه، ولما ولّي بكّار القضاء جاء إليه رجلان يختصمان، فتوجهت على أحدهما اليمين، فرغب في الصلح بينهما، وأنه يعطي خصمه من عنده عوضا من يمينه فأبى إلا اليمين، فأحلفه بأول ﴿وَالطُّورِ﴾ إلى أن قال له قل: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ إن كنت كاذبا، فقالها، فخرج فكسر من حينه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالطُّورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. وقد اختلف في المقسم به، فقيل: هو على ظاهره، وإنما أقسم الله بهذه الأشياء وأمثالها تنويها بشأنها، ورفعا لقدرها. وقيل: المقسم به محذوف، التقدير: ورب الطور، ورب كتاب... إلخ، انظر الذاريات وذكرت لك ما قيل عن الخليل، وعن السمين، وأنني رجحت الأول، الذي لا تقدير فيه، وكل","vol":"9","page":277},{"text":"الأسماء المتعاطفة فيها صفة، وموصوفة. ﴿فِي رَقٍّ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَسْطُورٍ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَواقِعٌ:﴾ (اللام): هي المزحلقة.\n (واقع): خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية جواب القسم الأول وما عطف على المعتمد. ﴿ما:﴾\nنافية. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دافِعٍ:﴾\nمبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة، والجملة الاسمية، قيل: مستأنفة. وقيل: صفة ل: (واقع) والأجود القول بأنها مفسرة ل: (واقع). وقيل: مفعول به ل: (واقع) وهو ضعيف جدا. وقيل: خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾. ولا بأس به.\n\n<span id=\"aya-4744\"></span><span id=\"aya-4745\"></span><span id=\"aya-4746\"></span><span id=\"aya-4747\"></span><span id=\"aya-4748\"></span>﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا:﴾ المراد به يوم القيامة، وتمور: تدور كدوران الرحى، وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قاله أبو عبيدة، والأخفش، وأنشد للأعشى من معلقته رقم [٣]: [البسيط] كأنّ مشيتها من بيت جارتها... مرّ السّحابة، لا ريث ولا عجل\nوقيل: تتحرك، وتختلف أجزاؤها بعضها من بعض، وتضطرب. وانظر سورة (الملك) رقم [١٦]. ﴿وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا﴾ أي: تزول عن أماكنها، وتصير هباء منثورا، قال تعالى في سورة (القارعة): ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ،﴾ وقال تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا..﴾. إلخ. قال الخازن: والحكمة في مور السماء، وتسيير الجبال، الإنذار والإعلام بأن لا رجوع، ولا عود إلى الدنيا، وذلك؛ لأن الأرض والسماء وما بينهما من الجبال، والبحار، وغير ذلك إنما خلقت لعمارة الدنيا، وانتفاع بنى آدم بذلك، فلما لم يبق لهم عود إليها، أزالها الله تعالى، وذلك لخراب الدنيا، وعمارة الاخرة. ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ المعنى: الويل، والعذاب الشديد في يوم القيامة لمن يكذب الرسول ﷺ، ولا يعتقد بالإسلام، وتعاليمه.\n ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ﴾ أي: يخوضون في الباطل، ففيه استعارة لا تخفى؛ لأن الأصل في الخوض أن يكون في الماء. ﴿يَلْعَبُونَ:﴾ غافلون لاهون مما يراد بهم، ولكنهم يندمون، ويتحسرون، كما ذكر الله عنهم في سورة (المدثر) قولهم: ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ وهذا يكون منهم ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء). ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: يدفعون دفعا بعنف، وجفوة في جهنم، وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيدي الكفار إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعون بهم دفعا إلى النار على","vol":"9","page":278},{"text":"وجوههم، وزخا في أقفيتهم حتى يردوا إلى النار، قال تعالى في سورة (الماعون): ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾.\nهذا؛ والخوض من المعاني الغالبة، فإنه يصلح في كل شيء، إلا أنه غلب في الخوض في الباطل، كالإحضار، فإنه عام في كل شيء، ثم غلب استعماله في الإحضار للعذاب، قال تعالى في سورة (الصافات) حكاية عن قول المؤمن: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (واقع). ﴿تَمُورُ:﴾ مضارع. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿مَوْرًا:﴾ مفعول مطلق، وجملة: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها، وإعرابها مثلها. ﴿فَوَيْلٌ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (ويل): مبتدأ، وساغ الابتداء به؛ لأنه بمعنى الدعاء. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (ويل)، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر.\n ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\nهذا؛ وقال مكي: والفاء جواب الجملة المتقدمة، وحسن ذلك؛ أي: دخول الفاء في (ويل) لأن الكلام في معنى الشرط؛ لأن المعنى؛ إذا كان ما ذكر واقعا، وصحيحا؛ فويل يومئذ للمكذبين.\nانتهى. بتصرف. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة (المكذبين)، أو هو بدل منه، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. التقدير: أعني الذين، أو هو مبتدأ خبره ما بعده. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي خَوْضٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَلْعَبُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الموصول على الوجهين الأولين المعتبرين فيه، وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه. ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. وقيل: بدل من ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ والأول أقوى؛ لأن الجملة الاسمية (ويل...) إلخ مستأنفة. ﴿يُدَعُّونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿إِلى نارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿نارِ﴾ مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿دَعًّا:﴾ مفعول مطلق.\n\n<span id=\"aya-4749\"></span><span id=\"aya-4750\"></span><span id=\"aya-4751\"></span>﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أي: في الدنيا، وهذا الكلام مقول لقول محذوف.\n ﴿أَفَسِحْرٌ هذا﴾ أي: يقال لهم على جهة التوبيخ، والتقريع: أهذا سحر؟! لأنهم كانوا يقولون في","vol":"9","page":279},{"text":"الدنيا: إن ما يأتيهم به النبي ﷺ سحر، وإنه يموه عليهم، ويغطي أبصارهم، فوبخوا بذلك. ﴿أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ:﴾ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا؛ أي: أم أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر. ﴿اِصْلَوْها:﴾ قاسوا حر نار جهنم. ﴿فَاصْبِرُوا﴾ على شدة حرها. ﴿أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ عليه. ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: الصبر، وعدمه. ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: من الكفر، والتكذيب.\nالمعنى: تقول لهم خزنة جهنم: هذه النار، التي وعدتم، فكذبتم بها، فذوقوا حرها بسبب كفركم في الدنيا! وهو أمر بإهانة، وتحقير لهم، وهو كقوله تعالى في سورة (يس): ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الرحمن):\n ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.\nفقد روي عن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله الإنس، والجنّ، والأوّلين، والاخرين في صعيد واحد، ثم أشرف عنق من النار على الخلائق، فأحاط بهم، ثم ينادي مناد: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ..﴾. إلخ فحينئذ تجثو الأمم على ركبها، وتضع كلّ ذات حمل حملها، وتذهل كلّ مرضعة عما أرضعت، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد».\nهذا وفي «المصباح المنير»: صلي بالنار، وصليها صلى من باب: تعب: وجد حرها، والصلاء وزان كتاب: حرّ النار، وصليت اللحم، أصليه من باب رمى: شويته. وقال الجوهري: يقال:\nصليت الرجل نارا: إذ أدخلته النار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق، قلت: أصليته، وصلّيته تصلية. ويقال أيضا: صلي بالأمر: إذا قاسى حره وشدته، واصطليت بالنار، وتصلّيت بها: إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا، لا يطاق.\nهذا؛ و﴿سَواءٌ﴾ مصدر بمعنى الاستواء؛ فلذا صح الإخبار به عن متعدد. وقيل: هو اسم بمعنى مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هما هم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا:\nسيان، وإن شئت قلت: سواآن، وفي الجمع: هما سواء، وهذا كله ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية؛ أي: متساويان، ومتساوون. هذا؛ ويأتي بمعنى الوسط، كما في قوله تعالى في سورة (الصافات) الاية رقم [٥٥]: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ ويأتي بمعنى العدل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ رقم [٥٨] من سورة (الأنفال) وسواء الشيء: غيره، قال الأعشى: [الطويل] تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا\nوسواء السبيل: ما استقام منه، وسواء الجبل: ذروته.\nالإعراب: ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿النّارُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة","vol":"9","page":280},{"text":"النار. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون والتاء اسمه. ﴿بِها:﴾ متعلقان بما بعدهما، ﴿تُكَذِّبُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ: صلة الموصول، لا محل لها، والاية بكاملها في محل نصب مقول القول للقول المحذوف، التقدير: فيقال لهم: هذه\nإلخ. ﴿أَفَسِحْرٌ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام وتوبيخ، وتبكيت. (الفاء): حرف عطف. (سحر):\nخبر مقدم. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. وقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: كنتم تقولون للوحي هذا سحر أفسحر... إلخ، والكلام في محل نصب مقول القول.\n ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُبْصِرُونَ:﴾\nمضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿اِصْلَوْها:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. (وها): مفعول به. ﴿فَاصْبِرُوا:﴾\n (الفاء): حرف عطف، وفيها معنى الفصيحة. (اصبروا): أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾\nناهية جازمة. ﴿تَصْبِرُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة معطوفة على ما قبلها.\n ﴿سَواءٌ:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: صبركم، وعدمه سواء.\nوالثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: سواء الصبر والجزع، والأول أولى، وأحسن؛ لأن جعل النكرة خبرا أولى من جعلها مبتدأ، وجعل المعرفة خبرا. ونحا الزمخشري إلى الوجه الثاني، فقال: سواء خبره محذوف؛ أي: سواء عليكم الأمران: الصبر وعدمه. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة، ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ.\nوالواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِنَّما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إنما تجزون الذي، أو شيئا كنتم تعملونه، والجملة: ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، وهي من جملة مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-4752\"></span><span id=\"aya-4753\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ﴾ أي: في أية جنات! ﴿وَنَعِيمٍ﴾ أي: وأي نعيم! بمعنى","vol":"9","page":281},{"text":"الكمال في الصفة، أو في جنات، ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت لهم خاصة. هذا؛ و﴿الْمُتَّقِينَ﴾ اسم فاعل من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والاخرة. وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة)، وأيضا في سورة (الذاريات)، وبين ما أعد الله لهم في الاخرة في هذه الايات، وأصل المتقين: «المؤتقين» قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء. مثل: متصل من اتصل، أصلهما: مؤتصل، أوتصل. ولا تنس: أن الله جلت قدرته لما ذكر حال الكفار في الايات السابقة؛ ذكر حال المؤمنين المتقين في هذه الايات، وهذا من باب المقابلة، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [١٥] من سورة (الذاريات).\n ﴿فَكِهِينَ:﴾ ناعمين متلذذين. ﴿بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: منحهم، وأعطاهم من الخير، والكرامة، وأصناف الملاذ من ماكل، ومشارب، وملابس، ومساكن، ومراكب، وغير ذلك.\n ﴿وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ:﴾ وحفظهم ربهم من عذاب جهنم، وتلك نعمة مستقلة بذاتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة؛ التي فيها من السرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، ويجوز أن تكون من جملة المقول للكفار زيادة في غمهم، وتحسرهم. ﴿وَنَعِيمٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَكِهِينَ:﴾ حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور؛ أي: في الخبر المحذوف. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقين بفاكهين، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالياء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء آتاهم ربهم إياه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بإيتاء ربهم.\n ﴿آتاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعوله الأول، والثاني محذوف، كما رأيت تقديره. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَوَقاهُمْ:﴾ معطوف على آتاهم فيكون مؤولا معه بمصدر.\nالتقدير: فاكهين بإيتاء ربهم وبوقايته لهم عذاب الجحيم. هذا وجه له. والثاني: أن الجملة:\n ﴿وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير العائد على ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ والرابط: الواو، والضمير، و«قد» مقدرة بعد الواو. والثالث: أن الجملة الفعلية معطوفة على: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾. قاله الزمخشري، فيكون مخبرا به عن ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ أيضا. انتهى. جمل. وإعراب الجملة التفصيلي مثل ما قبلها بلا فارق، فهو واضح إن شاء الله تعالى.","vol":"9","page":282},{"text":"<span id=\"aya-4754\"></span><span id=\"aya-4755\"></span>﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤٣]: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الزخرف) رقم [٧٢]: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٩]: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بسبب أعمالهم، وليس المراد السبب الحقيقي؛ حتى يخالف نص الحديث الشريف، وفحوى هذا: أن نص الايات جميعا يفيد أن دخول الجنة مسبب عن الأعمال الصالحة، والرسول ﷺ يقول: «لن يدخل أحدا عمله الجنة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «لا، ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله بفضله، ورحمته! فسدّدوا وقاربوا». أخرجه البخاري عن أبي هريرة﵁-.\nوالجمع بين هذه الايات والحديث الشريف بأن مجمل الايات على أن منازل الجنة إنما تنال بالأعمال؛ لأن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن محمل الحديث الشريف على أصل دخول الجنة. فإن قيل: آية السجدة صريحة في أن دخول الجنة أيضا بالأعمال، أجيب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث الشريف، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة، وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد أصل الدخول، أو المراد ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله، وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخولها، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته، وفضله، لا إله إلا هو له الملك وله الحمد. انتهى. حاشية الشنواني على مختصر ابن أبي جمرة.\nومعنى ﴿هَنِيئًا:﴾ لا كدر، ولا تنغيص فيه. وقيل: مأمون العاقبة من التخمة، والسقم. وقيل:\nلا أذية فيه، ولا غائلة. وفي سورة (الحاقة): ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ:﴾ جمع: سرير. ﴿مَصْفُوفَةٍ:﴾ موضوعة بعضها إلى بعض؛ حتى تصير صفا. وفي الأخبار:\nأنها تصف في السماء بطول كذا، وكذا، فإن أراد المؤمن أن يجلس عليها تواضعت له، فإذا جلس عليها عادت إلى حالها. قال ابن عباس﵄-: هي سرر من ذهب مكللة بالزبرجد، والدر والياقوت. ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: قرناهم بهنّ. قال يونس بن حبيب: تقول العرب:\nزوجته امرأة، وتزوجت امرأة، وليس من كلام العرب: تزوجت بامرأة. قال: وقول الله ﷿ ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: قرناهم بهن. وقال الفراء: تزوجت بامرأة لغة في أزد شنوءة.\nبعد هذا خذ ما يلي: عن زيد بن أرقم﵁-، قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ، فقال: يا أبا القاسم! تزعم: أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون! قال: «نعم والّذي","vol":"9","page":283},{"text":"نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مئة رجل في الأكل والشرب والجماع!». قال: فإن الذي يأكل ويشرب، تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى! قال: «تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك، فيضمر بطنه». رواه أحمد والنسائي. هذا؛ وانظر شرح: (حور عين) في سورة (الواقعة).\nالإعراب: ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال لهم: كلوا، واشربوا.\n ﴿هَنِيئًا:﴾ حال من واو الجماعة بمعنى: مهنئين، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير:\nكلوا، واشربوا أكلا هنيئا، وشربا هنيئا. وفاعله محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: هنيئا الأكل، والشرب. وقيل الفاعل (ما) المجرورة بالباء، وعليه يكون مثله قول كثير عزة: [الطويل] هنيئا مريئا غير داء مخامر... لعزة من أعراضنا ما استحلّت\nفيكون مثل «ما» يرتفع بالفعل؛ أي: كما تقول، هنأكم ما كنتم تعملون، أو هنأكم الأكل والشرب، فعلى الأول الباء زائدة في الفاعل، وعلى الثاني الباء أصلية، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿هَنِيئًا،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها على الاعتبارين، والعائد محذوف، التقدير:\nبالذي كنتم تعملونه، وإعراب الجملة واضح إن شاء الله تعالى. ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال من الضمير المستتر بقوله: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أي: من الضمير المستتر في الخبر المقدر، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى سُرُرٍ:﴾ متعلقان به. ﴿مَصْفُوفَةٍ:﴾ صفة: ﴿سُرُرٍ﴾.\n ﴿وَزَوَّجْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على قوله: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أي:\nعطف على الخبر، فهو خبر آخر في المعنى. ﴿بِحُورٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عِينٍ:﴾ صفة:\n (حور)، وساغ ذلك؛ لأنه جمع بمعنى: عظام العيون.\n\n<span id=\"aya-4756\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ اِمْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ﴾ أي: آمنت الذرية كما آمن الاباء، والأمهات.\nويقرأ: «(وأتبعناهم ذريتهم بإيمان)» أي: ألحقنا أولادهم الصغار، والكبار بإيمانهم، فالكبار البالغون بإيمانهم بأنفسهم، والصغار بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد أبويه؛ إذا كان مسلما. ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يعني: المؤمنين في الجنات بدرجات آبائهم، وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم تكرمة لابائهم، لتقر بذلك أعينهم. هذه رواية عن ابن عباس -﵄وفي رواية أخرى عنه: أن معنى الاية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ يعني:","vol":"9","page":284},{"text":"البالغين (بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم) الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم. أخبر الله تعالى: أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة، كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه، فيدخلهم الجنة بفضله، ويلحقهم بدرجته بعمله من غير أن ينقص الاباء من أعمالهم شيئا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: وما نقصنا الاباء من أعمالهم شيئا.\nفعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى يرفع ذرية المؤمن معه في درجته، وإن كانوا دونه في العمل؛ لتقرّ بهم عينه». ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ..﴾. إلخ. وعن علي﵁قال: سألت خديجة النبي ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: «هما في النار» فلما رأى الكراهية في وجهها؛ قال: «لو رأيت مكانهما؛ لأبغضتهما!» قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: «في الجنة». ثم قال رسول الله ﷺ: «إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإنّ المشركين وأولادهم في النار» ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. أخرج هذين الحديثين البغوي بإسناد الثعلبي. هذا؛ وحديث خديجة﵂كان قبل قوله ﷺ: «سألت ربي فأعطاني أولاد المشركين خدما لأهل الجنة» هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (الرعد) رقم [٢٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ والذرية: النسل من بني آدم، وهي تقع على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ رقم [٩] من سورة (النساء). وتطلق على الواحد، كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ رقم [٣٨] من سورة (آل عمران) قيل: هي مشتقة من الذّر بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه؛ أي: في كنفه، وستره، وتحت حمايته، وهي بضم الذال: أعلى الشيء. وقيل: هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى في سورة (الملك) رقم [٢٤]: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ رقم [١١] من سورة (الشورى) أبدلت همزة الذرء ياء، ثم شددت الياء، وتبعتها الراء في التشديد.\nهذا؛ وقرأ ابن كثير: «(وما ألتناهم)» بكسر اللام، وفتح الباقون، وعن أبي هريرة﵁- (آلتناهم) بالمد، قال ابن الأعرابي: آلته، يألته، ألتا، وآلته، يؤلته، إيلاتا، ولاته، يليته، ليتا، كلها إذا نقصه. وفي الصحاح: ولاته عن وجهه، يلوته، ويليته؛ أي: حبسه عن وجهه، وصرفه، وكذلك: ألاته عن وجهه فعل وأفعل بمعنى، ويقال أيضا: ما ألاته من عمله شيئا؛ أي: ما نقصه، مثل: ألته. هذا؛ ومن الأول قول الشاعر: [البسيط] أبلغ بني ثعل عني مغلغلة... جهد الرّسالة لا ألتا ولا كذبا\nأي: لا نقصا، ولا كذبا. ومن الثاني قول رؤبة: [الرجز]","vol":"9","page":285},{"text":"وليلة ذات ندى سريت... ولم يلتني عن سراها كيت\nأي: لم يمنعني عن سراها مانع. ومن الأخير قول عدي بن زيد: [الطويل] ويأكلن ما أعنى الوليّ فلم يلت... كأنّ بحافات النّهاء المزارعا\nفلم يلت: فلم ينقص منه شيئا، و«أعنى» بمعنى: أنبت، والولي: المطر بعد الوسميّ. وانظر سورة (الحجرات).\n ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: مرهون بعمله، فإن عمل صالحا؛ فلها، وإلا؛ أهلكها.\nوقيل: يرجع إلى أهل النار. قال ابن عباس﵄-: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم، وصار أهل الجنة إلى نعيمهم؛ ولهذا قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ وقيل: هو عام لكل إنسان مرتهن بعمله، فلا ينقص أحد من ثواب عمله، فأما الزيادة على ثواب العمل؛ فهي تفضل من الله تعالى، وهو ما أعتمده إن شاء الله تعالى.\n ﴿اِمْرِئٍ:﴾ أصل هذه الكلمة: المرء، ولما كثر استعمالهم لها؛ أصبحت تستعمل للدلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازا، وكان الهمز في آخرها ثقيلا بعد السكون خففوها بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الراء، فقالوا: المر، وبذلك أشبهت الراء منها النون من (ابن) في تلقي حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرا بحذف الهمز شبهوها بما حذف آخره، نحو (اسم، ابن، است) فجبروها بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردوا إليها الهمزة، فقالوا: امرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الراء، والهمزة، فتقول:\nهذا امرؤ، ورأيت امرآ، ومررت بامرئ، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ،﴾ ﴿ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ،﴾ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾.\nهذا؛ ومثل كلمة (امرئ) كلمة (ابن) إذا زيدت في آخرها (ما) فإن حركة الإعراب تظهر على النون والميم، فتقول: حضر ابنم، ورأيت ابنما، ومررت بابنم، ولا ثالث لهما في اللغة العربية فاحفظه، فإنه جيد. والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، والخبر الجملة الفعلية:\n (ألحقنا...) إلخ. والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، قال أبو البقاء على تقدير: وأكرمنا الذين.\nوالثالث: أنه معطوف على: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾. قاله الزمخشري، وتبعه البيضاوي. وأعتمد الأول، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (اتبعتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها. ﴿بِإِيمانٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول. ﴿أَلْحَقْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما","vol":"9","page":286},{"text":"قبلهما. ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار الموصول مبتدأ، وفي محل نصب حال من الضمير الغائب على الوجهين الاخرين في الموصول، والرابط: الضمير فقط، و«قد» قبلها مقدرة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية، ﴿أَلَتْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. وهي حال متداخلة. ﴿مِنْ عَمَلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾\nحرف جر صلة، ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿اِمْرِئٍ:﴾\nمضاف إليه. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿رَهِينٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كسبه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبها. ﴿كَسَبَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾. ﴿رَهِينٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿كُلُّ امْرِئٍ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية، ولا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-4757\"></span><span id=\"aya-4758\"></span>﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ﴾ أي: زدناهم في وقت بعد وقت. من الإمداد. وفي سورة (الواقعة):\n ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ بمعنى يأخذون خيارهم. ﴿وَلَحْمٍ:﴾ وفي سورة (الواقعة): ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ انظر شرحهما هناك. ﴿يَشْتَهُونَ:﴾ يتمنون من أنواع اللحوم. هذا؛ ويجمع لحم على: لحوم، ولحام، قال لبيد بن ربيعة﵁في معلقته رقم [٧٤]: [الكامل] أدعو بهنّ لعاقر أو مطفل... بذلت لجيران الجميع لحامها\nهذا؛ ويقال: لحم، وألحم، ولحمان، ولحام، ورجل لحيم شحيم: إذا كان قرما إلى اللحم، والشحم. ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها﴾ أي: يتناول بعضهم من بعض الكأس، وهو المؤمن، وزوجاته، وخدمه في الجنة، وهذا من يد هذا. هذا؛ والكأس عند أهل اللغة: اسم شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس بكأس، قال الضحاك، والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا: إناء، وقدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان، ومنه:\nظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. وأضيف: أنه لا يقال: ذنوب، وسجل إلا وفيه ماء، وإلا فهو","vol":"9","page":287},{"text":"دلو. ولا يقال: جراب إلا وهو مدبوغ، وإلا فهو إهاب. ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى، وإلا فهو أنبوب. هذا؛ وشاهد التنازع، والكأس في اللغة قول الأخطل النصراني: [البسيط] وشارب مريح بالكأس نادمني... لا بالحصور ولا فيها بسوّار\nنازعته طيّب الرّاح الشمول وقد... صاح الدجاج وحانت وقعة السّاري\nوقال امرؤ القيس: [الطويل] فلمّا تنازعنا الحديث وأسمحت... هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال\n ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ أي: لا يتكلمون بلغو الحديث في أثناء شربها، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله كما هو عادة الشاربين في الدنيا، وذلك مثل قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٤٧]:\n ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ والغول: أن تغتال عقول شاربيها، وهذه موجودة في خمر الدنيا. قال الشاعر: [المتقارب] فما زالت الكأس تغتالنا... وتذهب بالأوّل الأوّل\nأي: تصرعنا واحدا واحدا. قال ابن عباس﵄-: في الخمر أربع خصال:\nالسكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله خمر الجنة. فنزهها عن هذه الخصال. انتهى.\nفخمر الجنة طعمها طيب كلونها، فلا خمار يصدع الرؤوس، ولا سكر، ولا عربدة يذهب لذة الاستمتاع، كما هي الحال في خمر الدنيا. يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس؛ أي: تذهب بها. كيف لا؛ وقد قال تعالى في سورة (محمد ﷺ): ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾! قال ابن عطاء-رحمه الله تعالى-: أيّ لغو يكون في مجلس محله جنة عدن، وسقاتهم الملائكة، وشربهم على ذكر الله، وريحانهم وتحيتهم من عند الله، والقوم أضياف الله ﴿وَلا تَأْثِيمٌ:﴾ أي لا يكون فيها ما يؤثمهم، ولا يكذب بعضهم بعضا. وقيل: لا يأثمون بشربها.\nهذا؛ والكأس تذكر، وتؤنث؛ لأنها من المؤنث المجازي، فمن التأنيث الاية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٤٥ و٤٦]: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ومن التذكير قولك: هذا كأس، والجمع كؤوس، وأكؤس، وكأسات، وكئاس.\nالإعراب: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أمددناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ﴾ على الوجهين المعتبرين فيها، وعليه: فالجملة الاسمية: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ معترضة بين المتعاطفتين. ﴿بِفاكِهَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَلَحْمٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (لحم).\n ﴿يَشْتَهُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء يشتهونه.","vol":"9","page":288},{"text":"﴿يَتَنازَعُونَ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالضمير فقط. وقيل: مستأنفة. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كَأْسًا:﴾ مفعول به.\n ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ:﴾ يقرأ الاسمان بالرفع، والتنوين، وبالبناء على الفتح، فالرفع على أن ﴿لا﴾ عاملة عمل: «ليس» ولغو: اسمها. أو مهملة و﴿لَغْوٌ﴾ مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ أو بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا):\nصلة لتأكيد النفي. ﴿تَأْثِيمٌ:﴾ معطوف على ﴿لَغْوٌ،﴾ أو هو مبتدأ خبره محذوف، أو اسم ﴿لا﴾ وخبرها محذوف، لدلالة الأول عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب صفة مثلها؛ لأن الأولى صفة ﴿كَأْسًا﴾ وعلى البناء ف: ﴿لا﴾ عاملة عمل: «إنّ»، و﴿لَغْوٌ﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب اسمها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها.\n ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): مثل سابقتها، وخبرها محذوف، والجملة معطوفة على سابقتها، ومحل الجملتين في محل نصب صفة ﴿كَأْسًا﴾ مثل حالة الرفع، ولا يفوتني أن أذكر:\nأن ابن مالك-رحمه الله تعالى-ذكر هذه المسألة في ألفيته بأوسع من هذا. خذ قوله: [الرجز] وركّب المفرد فاتحا كلا... حول، ولا قوة، والثّاني اجعلا\nمرفوعا، أو منصوبا، أو مركّبا... وإن رفعت أوّلا لا تنصبا\nقال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-: وأشار-أي: ابن مالك-بقوله: «والثاني اجعلا» إلى أنه إذا أتى بعد «لا» والاسم الواقع بعدها بعاطف ونكرة مفردة، وتكررت لا، نحو (لا حول ولا قوة إلا بالله) يجوز فيه خمسة أوجه، وذلك لأن المعطوف عليه، إما أن يبنى مع «لا» على الفتح، أو ينصب، أو يرفع، فإن بني مع «لا» على الفتح؛ جاز في الثاني ثلاثة أوجه: الأول: البناء على الفتح؛ لتركبه مع «لا» الثانية، وتكون «لا» الثانية عاملة عمل «إنّ» نحو: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). الثاني: النصب عطفا على محل اسم «لا»، وتكون «لا» الثانية زائدة بين العاطف والمعطوف، نحو: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، ومنه قول أنس بن العباس بن مرداس، وهو الشاهد رقم [٣٠٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»، ورقم [٤١٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [السريع] لا نسب اليوم ولا خلة... اتسع الخرق على الرّاقع\nالثالث: الرفع، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون معطوفا على محل «لا» واسمها؛ لأنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، وحينئذ تكون «لا» زائدة، الثاني: أن تكون «لا» الثانية عملت عمل: «ليس». الثالث: أن يكون مرفوعا بالابتداء، وليس ل: «لا» عمل فيه، وذلك نحو: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ومنه قول ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، وهو الشاهد رقم [٣٠٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» والشاهد رقم [١٠١٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل]","vol":"9","page":289},{"text":"هذا-وجدّكم-الصّغار بعينه... لا أمّ لي-إن كان ذاك-ولا أب\nوإن نصب المعطوف عليه؛ جاز في المعطوف الأوجه الثلاثة المذكورة، أعني: البناء، والنصب، والرفع، نحو (لا غلام رجل، ولا امرأة، ولا امرأة، ولا امرأة) وإن رفع المعطوف عليه؛ جاز في الثاني وجهان: الأول: البناء على الفتح، نحو لا رجل، ولا امرأة، ولا غلام رجل، ولا امرأة، ومنه قول أمية بن أبي الصلت وهو الشاهد رقم [٣٠٣] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الوافر] فلا لغو ولا تأثيم فيها... ولا حين ولا فيها مليم\nوفيها لحم ساحرة وبحر... وما فاهوا به أبدا مقيم\nوالثاني: الرفع، نحو لا رجل، ولا امرأة، ولا غلام رجل، ولا امرأة، ولا يجوز النصب للثاني؛ لأنه إنما جاز فيما تقدم للعطف على محل اسم «لا»، و«لا» هنا ليست بناصبة، فيسقط النصب. ولهذا قال المصنف: (وإن رفعت أوّلا لا تنصبا). انتهى. بحروفه.\n\n<span id=\"aya-4759\"></span><span id=\"aya-4760\"></span>﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ:﴾ على المتقين بالفواكه، والتحف، والطعام، والشراب. دليله قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٧١]: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٤٥]: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ أي: مماليك مخصوصون بهم. وقيل: هم أولادهم الذين سبقوهم. وقيل: إنهم من أخدمهم الله تعالى إياهم من أولاد غيرهم، قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾. ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: في الحسن، والبياض، والجمال. ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ:﴾ مصون في الصدف الذي لم تمسه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشد ما يكون صفاء، وتلألأ، كما قال الشاعر: [البسيط] كأنّما خلقت في قشر لؤلؤة... وكلّ أكنافها وجه لمرصاد\nوعن الحسن﵁أنهم قالوا: يا رسول الله! إذا كان الخادم كاللؤلؤ؛ فكيف يكون المخدوم؟ فقال: «ما بينهما كما بين القمر ليلة البدر وبين أصغر الكواكب». فإن قيل:\nالجنة التي وعد المتقون لا تعب فيها، ولا نصب، فلا حاجة إلى الخدم! فيجاب بأن هذا تمام النعمة، ونهاية النعيم، ودوام السرور، وانظر تشبيه هؤلاء الخدم باللؤلؤ المنشور في سورة (الدهر) رقم [١٩] وما قيل فيهم: من هم، وما أصلهم.","vol":"9","page":290},{"text":"هذا؛ وقال الكسائي: كننت الشيء: سترته، وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي:\nأسررته. وقال أبو زيد: كننته، وأكننته بمعنى في الكن، وفي النفس جميعا، تقول: كننت العلم، وأكننته فهو مكنون، ومكنّ، وكننت الجارية، وأكننتها، فهي مكنونة، ومكنّة. وما يحفظ به هذا الشيء المصون المكنون يسمى: كنانا، وجمعه: أكنة بمعنى أغطية، وفي كثير من الايات:\n ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ،﴾ والكن أيضا: ما يحيط بالشيء، ويحفظه، وجمعه: أكنان، قال تعالى في سورة (النحل) فقط: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا﴾. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي: يسأل بعضهم بعضا عن أحواله، وأعماله، وما توجب به نيل ما عند الله، ويتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا، وهو من تمام السرور، والأنس في الجنة. والمعنى: يشربون من خمر الجنة الموصوف بما ذكر، ويطوف عليهم الغلمان الموصوفون بما ذكر، فيتحادثون على الشراب كعادة الشرّاب. قال بعضهم: [الوافر] وما بقيت من اللّذّات إلاّ... أحاديث الكرام على المدام\nفيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم، وعليهم في الدنيا، ويحمدون الله على ما أنعم عليهم، وعلى زوال الخوف عنهم، ويقول بعضهم لبعض: بم نلت هذه المنزلة الرفيعة؟! وقد جيء بالفعل ماضيا على سنة الله تعالى في التعبير عن المستقبل بالماضي؛ لتحقق وقوعه.\nهذا؛ وتساؤل المؤمنين في الجنة غير تساؤل الكافرين، والظالمين في النار، فإن تساءلهم توبيخ لبعضهم بعضا. انظر ما ذكرته في سورة (الصافات) رقم [٢٧] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَيَطُوفُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يطوف): مضارع. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿غِلْمانٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿غِلْمانٌ﴾. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لُؤْلُؤٌ:﴾ خبر (كأن). ﴿مَكْنُونٌ:﴾ صفة ﴿لُؤْلُؤٌ،﴾ والجملة الاسمية:\n ﴿كَأَنَّهُمْ..﴾. إلخ صالحة للوصفية، والحالية من ﴿غِلْمانٌ﴾. ﴿وَأَقْبَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أقبل):\nماض. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ في محل نصب حال من: ﴿بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ،﴾ فهي حال متداخلة، والرابط: الضمير فقط.\n\n<span id=\"aya-4761\"></span><span id=\"aya-4762\"></span><span id=\"aya-4763\"></span>﴿قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال كل مسؤول منهم لسائله. ﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا. ﴿فِي أَهْلِنا:﴾ بين أهلنا. ﴿مُشْفِقِينَ:﴾ خائفين من عذاب الله، أو خائفين من نزع الإيمان، وفوت","vol":"9","page":291},{"text":"الأمان، أو من رد الحسنات، والأخذ بالسيئات. ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا:﴾ بالتوفيق للإيمان، والعمل الصالح؛ حتى نلنا هذا النعيم. ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ:﴾ وحفظنا من عذاب السموم. قال الحسن: السموم: اسم من أسماء النار، وطبقة من طبقات جهنم. والسموم: الريح الحارة التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم؛ لأنها بهذه الصفة، وقد تستعمل السموم في لفح البرد، وهي في لفح الحر، والشمس أكثر. قال الراجز: [الرجز] اليوم يوم بارد سمومه... من جزع اليوم فلا ألومه\n ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ:﴾ في الدنيا. ﴿نَدْعُوهُ:﴾ نسأله، ونضرع إليه أن يوفقنا إلى الهداية؛ التي هي طريق الجنة، وأن يجنبنا المعاصي؛ التي هي سبب جهنم، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ:﴾ المحسن الجواد اللطيف الكريم. ﴿الرَّحِيمُ:﴾ الواسع الرحمة، الذي إذا عبد؛ أثاب، وإذا سئل؛ أجاب، وخذ ما يلي:\nعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا؛ حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدثان، فيتكئ هذا، ويتكئ هذا، فيتحدثان بما كان في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان! أتدري أيّ يوم غفر لنا؟ يوم كنا في موضع كذا، وكذا، فدعونا الله ﷿ فغفر لنا». أخرجه الحافظ البزار. وعن مسروق عن عائشة: أنها قرأت هذه الاية: ﴿فَمَنَّ اللهُ..﴾. إلخ فقالت: اللهم منّ علينا وقنا عذاب السموم، إنك أنت البر الرحيم! قيل للأعمش: في الصلاة؟ قال: نعم. أخرجه ابن أبي حاتم.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ):\nحرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿قَبْلُ:﴾ ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿فِي أَهْلِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n (ونا): في محل جر بالإضافة. ﴿مُشْفِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنَّ:﴾ (الفاء):\nحرف عطف. (منّ الله): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَوَقانا:﴾ الواو: حرف عطف. (وقانا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، (ونا):\nمفعول به أول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿السَّمُومِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنّا كُنّا:﴾ مثل سابقه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿نَدْعُوهُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة","vol":"9","page":292},{"text":"الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وفيها معنى البدلية من سابقتها. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الاية رقم [٣٠] من سورة (الذاريات)، وهي تعليلية لا محل لها، ويقرأ بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل، والمعنى لا يتغير، ولكن يحتاج إلى تأويل مصدر، وجره بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نَدْعُوهُ﴾.\n\n<span id=\"aya-4764\"></span>﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي: فذكر يا محمد قومك بالقرآن، واثبت على التذكير، ولا تكترث بقولهم: كاهن، أو مجنون، فإنه قول باطل متناقض؛ لأن الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة، ودقة نظر، وقد يخلطه بالكذب، وهو يوهم: أنه يعلم الغيب، ويخبر بما في غد من غير وحي.\nوالمجنون مغطّى على عقله، وما أنت بحمد الله، وإنعامه عليك بصدق النبوة، ورجاحة العقل أحد هذين الوصفين. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذا رد لقولهم في النبي ﷺ؛ فعقبة بن أبي معيط قال: إنه مجنون، وشيبة بن ربيعة قال: إنه ساحر، وغيرهما قال: كاهن، فأكذبهم الله، وردّ عليهم، فهو كقوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ ومثل هذه الاية رقم [٢] من سورة (ن).\nالإعراب: ﴿فَذَكِّرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (ذكّر): فعل أمر، فاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف تعليل. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِنِعْمَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالنفي الذي أفادته (ما)، و(نعمة) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِكاهِنٍ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (كاهن): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿مَجْنُونٍ:﴾ معطوف على لفظ كاهن، والجملة الاسمية: ﴿فَما أَنْتَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها.\nهذا؛ وفي السمين: قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مقسم به متوسط بين اسم (ما) وخبرها ويكون الجواب حينئذ محذوفا لدلالة هذا المذكور عليه، والتقدير: ونعمة ربك ما أنت بكاهن، ولا مجنون. الثاني: أن الباء في موضع نصب على الحال، والعامل فيها ﴿بِكاهِنٍ﴾ أو ﴿مَجْنُونٍ﴾ والتقدير: ما أنت كاهنا، ولا مجنونا حال كونك ملتبسا بنعمة ربك. قاله أبو البقاء. وعلى هذا فهي حال لازمة؛ لأنه ﵇، لم يفارق هذه الحال. الثالث: أن","vol":"9","page":293},{"text":"الباء سببية، وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية، وهذا هو مقصود الاية الكريمة، والمعنى:\nانتفى عنك الكهانة، والجنون بسبب نعمة ربك عليك، كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله وغناه.\nانتهى. جمل نقلا عن السمين. وأعتمد ما جريت عليه في الأول من الإعراب، وهو الموافق لما في المغني لابن هشام.\n\n<span id=\"aya-4765\"></span><span id=\"aya-4766\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾ أي: بل يقول الكفار: محمد شاعر. ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ:﴾\nقال قتادة: قال قوم من الكفار: تربصوا بمحمد الموت يكفيكموه، كما كفى شاعر بني فلان.\nقال الضحاك: هؤلاء بنو عبد الدار نسبوه إلى أنه شاعر؛ أي: يهلك عن قريب، كما هلك من قبله من الشعراء، وإن أباه مات شابا، فربما يموت كما مات أبوه. هذا؛ والمنون: الموت في قول ابن عباس﵄-، قال أبو الغول الطهوي: [الوافر] هم منعوا حمى الوقبى بضرب... يؤلّف بين أشتات المنون\nأي: المنايا، يقول الشاعر: إن الضرب يجمع بين قوم متفرقي الأمكنة لو أتتهم مناياهم في أماكنهم؛ لأتتهم متفرقة، فاجتمعوا في موضع واحد، فأتتهم المنايا مجتمعة، وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس﵄-: (ريب) في القرآن شك إلا مكانا واحدا في الطور:\n ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ يعني: حوادث الأمور. قال الشاعر: [الطويل] تربّص بها ريب المنون لعلّها... تطلّق يوما، أو يموت حليلها\nوقال مجاهد: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ حوادث الدهر، و﴿الْمَنُونِ﴾ هو الدهر، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الكامل] أمن المنون وريبه تتوجّع... والدّهر ليس بمعتب من يجزع\nوقال الأعشى في معلقته رقم [٢٠]: [البسيط] أأن رأت رجلا أعشى أضرّ به... ريب المنون ودهر متبل خبل\nهذا؛ وإطلاق «الريب» على الحوادث استعارة تصريحية، شبهت بالريب؛ أي: الشك؛ لأنها لا تدوم. ولا تبقى على حال، كما أنه كذلك. قال الأصمعي: المنون: الليل، والنهار، وسمّيا بذلك؛ لأنهما ينقصان الأعمار، ويقطعان الاجال. قال الفراء: والمنون مؤنثة، وتكون واحدا؛ وجمعا. وقال الأصمعي: المنون واحد لا جماعة له. وقال الأخفش: هو جماعة لا","vol":"9","page":294},{"text":"واحد له، والمنون يذكر، ويؤنث، فمن ذكره؛ جعله الدهر، أو الموت، ومن أنثه؛ فعلى الحمل على المعنى، كأنه أراد المنية. ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أي: انتظروا، فهو تهديد. ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ:﴾ من المنتظرين بكم العذاب، فعذبوا يوم بدر بالسيف، وفي آخر سورة (طه) قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾.\nهذا؛ وذكرت ﴿أَمْ﴾ هنا خمس عشرة مرة، وكلها إلزامات، ليس للمخاطبين بها عنها جواب، لكن قال الثعلبي نقلا عن الخليل: إن كل ما في سورة (الطور) من ﴿أَمْ﴾ فهو استفهام، وليس بعطف، وإنما استفهم تعالى مع علمه بهم تقبيحا عليهم، وتوبيخا لهم، كقول الشخص لغيره: أجاهل أنت مع علمه بجهله. انتهى. جمل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، بمعنى: «بل» فهي منقطعة. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ لأن ﴿أَمْ﴾ منقطعة كما رأيت. ﴿شاعِرٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو شاعر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿نَتَرَبَّصُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن»، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿شاعِرٌ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَيْبَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْمَنُونِ﴾ مضاف إليه. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿تَرَبَّصُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَإِنِّي:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿مَعَكُمْ:﴾\nظرف مكان متعلق بما بعده، وبعضهم لا يجيزه، بل يعلقهما بمحذوف يدل عليه ما بعده؛ لأنه لا يعمل ما بعد (أل) الموصولة فيما قبلهما، ولكن إن اعتبرتها للتعريف فهو جائز لا غبار عليه.\nوقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر (إن)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، وهي من جملة مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4767\"></span><span id=\"aya-4768\"></span>﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ﴾ أي: عقولهم. ﴿بِهذا﴾ أي: بالكذب والافتراء عليك. وفي البيضاوي: أي: بهذا التناقض في القول، فإن الكاهن يكون ذا فطنة، ودقة نظر، والمجنون مغطى عقله، والشاعر يكون ذا كلام موزون مقفى متسق، ولا يتأتى ذلك من المجنون، وأمر الأحلام بها مجاز عن أدائها إليه، فهو مجاز عقلي، حيث أسند الأمر إلى الأحلام، وقد كان العرب يتفاخرون بعقولهم، فأزرى الله بها، وحقرها؛ حيث لم تثمر لهم معرفة الحق، والباطل.\n ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أي: أم طغوا بغير عقول. ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أي: اختلقه، وافتراه؛ أي:","vol":"9","page":295},{"text":"القرآن. ولم يتقدم له ذكر لفهمه من المقام، والتقول: تكلف القول، وإنما يستعمل في الكذب في غالب الأمر. ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: جحدا، واستكبارا.\nهذا؛ وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا؛ وقد وصفهم الله بالعقل؟ فقال: تلك عقول كادها الله. أي: لم يصحبها بالتوفيق. وقيل: ﴿أَحْلامُهُمْ:﴾ أذهانهم؛ لأن العقل لا يعطى للكافر، ولو كان له عقل؛ لامن. وإنما يعطى الكافر الذهن، فصار حجة عليه، والذهن يقبل العلم جملة، والعقل يميز العلم، ويقدر المقادير لحدود الأمر، والنهي. وروي عن النبي ﷺ: أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أعقل فلانا النصراني! فقال: «مه إنّ الكافر لا عقل له، أما سمعت قول الله تعالى-في سورة (الملك) -: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ»﴾.\nوفي حديث ابن عمر﵄-، فزجره النبي ﷺ، ثم قال: «مه، فإن العاقل من يعمل بطاعة الله». ذكره الترمذي الحكيم. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ و«أمر» يتعدى لمفعولين تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدق، وزوّج، وكان، ووزن، فمثال: «استغفر» وقد نصب مفعولين صريحين قول الشاعر: [البسيط] أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل\nومثال «أمر» وقد نصب مفعولين صريحين قول عمرو بن معدي كرب، وينسب لغيره، وهو الشاهد رقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nهذا؛ والأمر من أمر: مر، وأصله: أؤمر، لكن لم يستعمل في الأصل، وحذفت الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وهذا الحذف واقع في الأمر المأخوذ من: أخذ، وأكل، فيقال: خذ، وكل، وقد قالوا: أؤمر، واؤخذ، فاستعملا على الأصل، ومنه: (اؤمر) في الاية رقم [١٤٥] و[١٩٩] من سورة (الأعراف)، ورقم [١٣٢] من سورة (طه)، والاية رقم [١٧] من سورة (لقمان).\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَأْمُرُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿أَحْلامُهُمْ:﴾\nفاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معناه الإضراب. ﴿هُمْ قَوْمٌ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿طاغُونَ:﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة... إلخ. ﴿أَمْ:﴾ حرف","vol":"9","page":296},{"text":"عطف. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿تَقَوَّلَهُ:﴾ ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى الرسول ﷺ، ولم يتقدم له ذكر لعلمه من المقام، وسترى مزيدا من ذلك في سورة (الواقعة) رقم [٨٣] إن شاء الله تعالى. والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.\n ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4769\"></span>﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي: بقرآن يشبهه من تلقاء أنفسهم. ﴿إِنْ كانُوا صادِقِينَ:﴾\nفي أن محمدا ﷺ اختلقه، وافتراه، واصطنعه من عند نفسه، وهم فرسان البلاغة، ورجال الفصاحة. قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: مراتب تحدي رسول الله ﷺ الناس عامة، وقريشا خاصة بالقرآن أربعة:\nأولها: أنه تحداهم بكل القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ..﴾. إلخ الاية رقم [٨٨] من سورة (الإسراء).\nثانيها: أنه تحداهم بعشر سور، قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ..﴾. إلخ الاية رقم [١٣] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ..﴾. إلخ الاية رقم [٢٣] من سورة (البقرة)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ..﴾. إلخ الاية رقم [٣٨] من سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nرابعها: أنه تحداهم بحديث مثله. قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ..﴾. إلخ الاية التي نحن بصدد شرحها، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات: أن القرآن معجز. انتهى.\nهذا؛ واعتبر محمد علي الصابوني الأول من التحدي العام لجميع الخلائق، والثلاثة بعده من التحدي الخاص؛ الذي جاء للعرب خاصة، وعلى الأخص منهم كفار قريش، كما تحداهم بالقرآن كله في سورة (القصص) في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ رقم [٤٩].\nالإعراب: ﴿فَلْيَأْتُوا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: فإن قالوا: اختلقه؛ فليأتوا... إلخ. (اللام): لام الأمر. (يأتوا): مضارع مجزوم بلام الأمر،","vol":"9","page":297},{"text":"وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب للشرط الذي رأيت تقديره. ﴿بِحَدِيثٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِثْلِهِ:﴾ صفة (حديث)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانُوا:﴾\nماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه.\n\n<span id=\"aya-4770\"></span><span id=\"aya-4771\"></span>﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أي: وجدوا في هذه الدنيا من غير موجد؛ فلذلك لا يعبدونه، ولا يقرون بواحدانيته! أو خلقوا من غير تكليف بعبادة، ولا مجازاة على عمل ما! وقيل: المعنى: أخلقوا من غير أب، ولا أم، فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم لله عليهم حجة؟! لا، أليس قد خلقوا من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. ﴿أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ﴾ أي: أيدعون:\nأنهم خلقوا أنفسهم، فهم لا يأتمرون لأمر الله، وهم لا يقولون ذلك، وإذا أقروا، واعترفوا بأن لهم خالقا، ورازقا؛ فما الذي يمنعهم من الإقرار له بالعبادة، والتوحيد دون الأصنام، وما الذي يمنعهم من الإقرار بأن الله قادر على بعثهم، كما أوجدهم من العدم.\n ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني: ليس الأمر كذلك قطعا، فإنهم لم يخلقوا شيئا من ذلك. ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ أي: بالحق، وهو: توحيد الله، وقدرته على البعث، والحساب، والجزاء، وأن الله هو خالقهم، وخالق السموات، والأرض فليؤمنوا به، وليوقنوا: أنه ربهم، وخالقهم، ورازقهم، ومحييهم، ومميتهم.\nهذا؛ وأصل يوقنون: (يؤيقنون)؛ لأنه من: (أيقن) الرباعي، فحذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل (أأيقنون) الذي حذفت همزته للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار (ييقنون) ثم قلبت الياء الثانية واوا لسكونها، وانضمام ما قبلها. وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي، مزيدة الهمزة في أوله، مثل: أجاب يجيب، وأكرم، يكرم... إلخ. وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: فإنّه أهل لأن يؤكرما.\nولا تنس: أن هذه الهمزة المزيدة تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس مؤكرم، ومؤكرم. وقس على ذلك. هذا؛ و«غير» اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، وهو ملازم","vol":"9","page":298},{"text":"للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها؛ إن فهم المعنى، أو تقدمت عليها كلمة ليس، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو على الفتح خلاف.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، وهي بمعنى همزة الاستفهام. ﴿خُلِقُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿مِنْ غَيْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وغير مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿هُمُ الْخالِقُونَ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿خُلِقُوا:﴾\nماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n\n<span id=\"aya-4772\"></span>﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ:﴾ عند كفار قريش، ومن على شاكلتهم من الملاحدة، والفجرة.\n ﴿خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ يعني: النبوة، ومفاتيح الرسالة، فيضعونها حيث شاؤوا، ويمنحونها لمن أرادوا.\nوقيل: المراد خزائن الرزق، والمطر. ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ:﴾ المسلطون الجبارون. وقيل:\nالأرباب القاهرون، فلا يكونون تحت أمر، ولا نهي، ويفعلون ما شاؤوا، ويشاؤون، والمسيطر: القاهر الغالب، من: سيطر عليه: إذا راقبه، وحفظه، أو قهره، ولم يأت على مفيعل إلا خمسة ألفاظ، أربعة صفة اسم فاعل، وهي: مهيمن، ومبيقر، ومبيسط، ومبيطر، وواحد اسم جبل، وهو: المجيمر، قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٧٩]: [الطويل] كأنّ ذرا رأس المجيمر غدوة... من السّيل والأغثاء فلكة مغزل\nهذا؛ ويقرأ ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ بالصاد، وبالسين. هذا؛ وفي الصحاح المسيطر، والمصيطر:\nالمسلط على الشيء ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأقواله. وفي سورة (الغاشية) قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ولم يرد المسيطرون في غير هذه السورة، ولم يرد مصيطر في غير سورة (الغاشية). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿عِنْدَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿خَزائِنُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ:﴾ مبتدأ، وخبر الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.","vol":"9","page":299},{"text":"<span id=\"aya-4773\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ أي: أيدعون: أن لهم مرتقى إلى السماء، ومصعدا. ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ:﴾ كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم، وظفرهم في العاقبة دونه، كما يزعمون. أو المعنى: يعلمون أن ما هم عليه حق فهم مستمسكون به. ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن ادّعوا ذلك؛ فليأت المستمع منهم بحجة ظاهرة على ذلك. هذا؛ وقال الزجاج، وغيره: ﴿فِيهِ﴾ بمعنى: عليه. كقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٧١] حكاية عن قول فرعون للسحرة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. وقال سويد ابن أبي كاهل اليشكري، وهو الشاهد رقم [٣٠٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] هم صلبوا العبدي في جذع نخلة... فلا عطست شيبان إلاّ بأجدعا\nهذا؛ والسلم: الدرج يصعد عليه إلى الأعلى، وهو مشتق من السلامة، قالوا: لأنه يسلم به إلى المكان الذي يريد الارتقاء إليه، وربما سمي الغرز بذلك مجازا، أو استعارة. قال أبو الرّبيس الثعلبي يصف ناقته: [الطويل] مطارة قلب إن ثنى الرجل ربّها... بسلّم غرز في مناخ يعاجله\nوقال زهير بن أبي سلمى المزني في معلقته رقم [٥٠]: [الطويل] ومن هاب أسباب المنايا ينلنه... ولو رام أسباب السّماء بسلّم\nوقال آخر: [الطويل] تجنّيت لي ذنبا وما إن جنيته... لتتّخذي عذرا إلى الهجر سلّما\nوجمعه: السلالم، قال ابن مقبل، وقد أشبع كسرة اللام: [البسيط] لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا... يبنى له في السموات السّلاليم\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُلَّمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَسْتَمِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح. والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿سُلَّمٌ﴾. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وقال الزمخشري: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: صاعدين فيه. ﴿فَلْيَأْتِ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان لهم سلم يستمعون فيه، فليأت. (اللام): لام الأمر.\n (يأت): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿مُسْتَمِعُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم","vol":"9","page":300},{"text":"الفاعل لفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، كما رأيت، والجملة الشرطية المقدرة معطوفة بواو محذوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (سلطان).\n\n<span id=\"aya-4774\"></span><span id=\"aya-4775\"></span><span id=\"aya-4776\"></span><span id=\"aya-4777\"></span>﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ:﴾ فيه توبيخ، وتسفيه لأحلامهم. والمعنى: أتنسبون إلى الله البنات، مع أنفتكم منهن، فهو كقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٦٢]: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ وانظر سورة (النجم) رقم [٢١]. ومن كان هذا عقله وشأنه فلا يستبعد منه إنكار الإعادة بعد الموت. هذا؛ وفي سورة (الصافات) رقم [١٤٩] قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أمر الله رسوله ﷺ باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى؛ التي قسموها حيث جعلوا لله الإناث، ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن، ووأدهن، واستنكافهم من ذكرهن.\nولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر: أحدها: التجسيم؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام. والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم حيث جعلوا أوضع الجنسين له، وأرفعها لهم، كما قال تعالى في سورة (الزخرف) [١٧ - ١٨]: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. والثالث: أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه، وأقربهم إليه؛ حيث أنثوهم، ولو قيل لأدناهم، وأقلهم: فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء؛ للبس لقائله جلد النمر، ولا نقلبت حماليقه، وذلك في أهاجيهم بيّن مكشوف، فكرر الله سبحانه الأنواع في كتابه مرات، ودل على فظاعتها في آيات كثيرة.\nانتهى. هذا؛ والذين زعموا: أن الملائكة بنات الله هم قبيلة جهينة، وخزاعة، وبنو مليح، وبنو سلمة، وبنو عبد الدار.\n ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا﴾ أي: جعلا، وجائزة على ما جئتهم به من النبوة، ودعوتهم إليه من الدين، أو على التبليغ والإنذار. وهو استفهام إنكاري على معنى نفي الحصول من أصله. ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ يعني: أثقلهم ذلك المغرم الذي سألتهم، فمنعهم من الإيمان، والمغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه. والمعنى: ألزمهم مغرم ثقيل فدحهم، فزهدهم ذلك في اتباعك. ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي: علم الغيب، وهو ما غاب عنهم حتى علموا: أن ما يخبرهم به الرسول ﷺ","vol":"9","page":301},{"text":"من أمر القيامة، والبعث بعد الموت باطل. وقيل: هو جواب لقولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ والمعنى: أعلموا: أن محمدا ﷺ يموت قبلهم. ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه، ويخبرون الناس به. ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أي: يريد أهل مكة بك يا محمد مكرا، وحيلة، وغدرا في دار الندوة ليهلكوك، وهو ما عزموا عليه في ليلة الهجرة الشريفة من الأمور الثلاثة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ..﴾. إلخ رقم [٣٠] من سورة (الأنفال). ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي: المجزيون بكيدهم، والمعنى: أن ضرر كيدهم يعود عليهم ويحيق مكرهم بهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ رقم [٤٣] من سورة (فاطر)، وقد انتقم الله منهم؛ حيث قتلوا في غزوة بدر، فكانوا عبرة لمن يعتبر، وما يعتبر إلا أولو الألباب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿الْبَناتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَكُمُ:﴾\nالواو: حرف عطف. (لكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْبَنُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَسْئَلُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول.\n ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَهُمْ:﴾ (الفاء): حرف عطف.\n (هم): مبتدأ. ﴿مِنْ مَغْرَمٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُثْقَلُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿عِنْدَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْغَيْبُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿يَكْتُبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿كَيْدًا:﴾\nمفعول به، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف.\n (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:\n ﴿فَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها، والأول أقوى.","vol":"9","page":302},{"text":"<span id=\"aya-4778\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ:﴾ يخلق، ويرزق، ويعطي، ويمنع، يرفع، ويضع، يعز، ويذل... إلخ. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ نزه الله نفسه أن يكون له شريك. قال الخليل-رحمه الله تعالى-: كل ما في سورة (الطور) من ذكر ﴿أَمْ﴾ فكلمة استفهام، وليس بعطف. وأقول:\nفهذا في المعنى، وهو مفيد للإنكار، والتوبيخ، والتقريع، ولكن في الإعراب لا بد من اعتبارها عاطفة صناعة.\nهذا؛ و﴿سُبْحانَ﴾ اسم مصدر. وقيل: هو مصدر، مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل «سبّح» بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلاّ مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل:\nمعاذ الله. وقد أجري علما على التسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهد بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقد قال الله تعالى، حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:\n ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ،﴾ وقد نزه الله ذاته في كثير من الايات بنفسه تنزيها يليق بجلاله وعظمته. وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجئ من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف والنون، ومعناه: التنزيه والبراءة لله ﷿ من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، لا يصلح لغيره. وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة﵃ أجمعين-أنه قال للنبي ﷺ: ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه على مذهب سيبويه، الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر له من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله مكان قولك: تنزيها لله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿إِلهٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ﴿إِلهٌ﴾ وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف كما رأيت في الشرح، و﴿سُبْحانَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر جملة فعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سُبْحانَ،﴾ و(ما) تحتمل","vol":"9","page":303},{"text":"الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء يشركونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: عن شركهم.\n\n<span id=\"aya-4779\"></span>﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا:﴾ هذا جواب لما حكى الله من قولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ الاية رقم [١٨٧] من سورة (الشعراء)، وأيضا قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ رقم [٩٢] من سورة (الإسراء). هذا؛ و﴿كِسْفًا﴾ يقرأ هنا وفي غير هذه الاية بفتح السين، وسكونها. قال الأخفش: من قرأ بالسكون جعله واحدا، ومن قرأه بالفتح جعله جمعا، وقال المهدوي: ومن أسكن السين جاز أن يكون كسفة، وجاز أن يكون مصدرا، من: كسفت الشيء: إذا غطيته، فكأنهم قالوا حين طلبوا ذلك: أسقطها علينا طبقا واحدا. وفي القاموس المحيط: الكسفة بالكسر: القطعة من الشيء، والجمع كسف وكسف وجمع الجمع:\nأكساف، وكسوف. وفي القرطبي: و«الكسف» جمع: كسفة، وهي القطعة من الشيء.\n ﴿يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ أي: بعضه فوق بعض سقط علينا، وليس سماء. وهذا فعل المعاند، أو فعل من استولى عليه التقليد، وكان في المشركين القسمان. هذا؛ والسحاب: الغيوم التي تراها العيون في السماء، وهو واحد في اللفظ، ولكن معناه الجمع. وقيل: السحاب: اسم جنس، واحده: سحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو ﴿الثِّقالَ﴾ في آية (الرعد) رقم [١٢]، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ وأيضا في سورة (الأعراف) رقم [٥٦]: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾. هذا؛ وتجمع السحابة على: سحاب، وسحائب، وسحب، وهو غربال الماء، قال تعالى في سورة (النور) رقم [٤٣]: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ قاله علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه. هذا؛ وقيل: السحاب: الغيم فيه ماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل: سحاب جهام، وهو الخالي من الماء. وأصل السحب: الجر، وسمي السحاب سحابا، إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لانجراره في سيره. ووصفه الله ب: ﴿الثِّقالَ﴾ في آية (الرعد) وآية (الأعراف) لثقله بالماء؛ الذي يحمله إلى حيث شاء الله الخلاق العظيم.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كِسْفًا:﴾ مفعول به، واكتفى الفعل به؛ لأنه بصري. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾","vol":"9","page":304},{"text":"جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿كِسْفًا﴾. ﴿ساقِطًا:﴾ صفة ثانية ل: ﴿كِسْفًا﴾ أو حال منه، بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿يَرَوْا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَقُولُوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب شرط جازم، ولم تقترن بالفاء، أو ب: «إذا» الفجائية. ﴿سَحابٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا سحاب. ﴿مَرْكُومٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وإن ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-4780\"></span>﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، وأعرض عنهم، والخطاب للنبي ﷺ، وهذا كان في مكة قبل الهجرة، وقبل الأمر بالقتال. ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: يموتون، ويهلكون، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصاعقة، وهي المذكورة في الاية رقم [٦٨] من سورة (الزمر)، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ..﴾. إلخ. وقيل:\nالمراد: يوم بدر. وهو ضعيف.\nهذا؛ و(ذر) بمعنى: اترك، وأعرض، والمستعمل من هذه المادة المضارع، والأمر بكثرة في القرآن الكريم، وفي الكلام العربي، ومثله: (دع) ومضارعه: «يدع» فكلا المادتين ناقص التصرف، وهما بمعنى الترك، وقد سمع الماضي منهما سماعا نادرا، فقالوا: وذر، وودع، بوزن: وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم قد أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى أنهم لم يتكلموا به ألبتة، بل تكلموا به دهرا طويلا، ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا إلا ما سمع منه سماعا نادرا.\nهذا؛ وقال قطة العدوي-رحمه الله تعالى-: قال بعض المتقدمين: زعم النحاة: أن العرب أماتت ماضي (ودع) ومصدره، واسم فاعله، واسم مفعوله، مع أنه قد قرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام﵄قوله تعالى في سورة (الضحى): ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ بتخفيف الدال، بمعنى ما تركك، وكذا قرأ مقاتل، وابن أبي عبلة، وقال الرسول ﷺ: «شرّ الناس من ودعه الناس اتقاء شرّه» وقال ﷺ: «دعوا الحبشة ما ودعوكم» ورواه الجمل: (ذروا الحبشة ما وذرتكم) وقال أبو العتاهية الصوفي: [المنسرح] أثروا فلم يدخلوا قبورهم... شيئا من الثروة التي جمعوا\nوكان ما قدّموا لأنفسهم... أعظم نفعا من الذي ودعوا","vol":"9","page":305},{"text":"وقال آخر: [الطويل] وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراء المثقفة السّمر\nوقال أنس بن رؤيم: [الرمل] ليت شعري عن خليلي ما الّذي... غاله في الحب حتّى ودعه؟\nفها هو الماضي قد ورد عن أفصح العرب قراءة، وحديثا، وكذا في شعر العرب، وورد المصدر أيضا في قول النبي ﷺ: «لينتهينّ قوم عن ودعهم الجمعات» وفي رواية: (الجماعات)، «أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين». أخرجه مسلم وغيره، وورد اسم المفعول، واسم الفاعل من: «ودع» في قول خفاف بن ندبة﵁-: [الطويل] إذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودوع ووادع مصدق\nفكيف يقال: إن العرب أماتته، فالصواب القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة. انتهى. بتصرف كبير. وقريب منه ما ذكره محب الدين الخطيب شارح شواهد الكشاف. هذا؛ وما قيل في:\n «وذر» ومضارعه: «يذر»، وما قيل في: «ودع» ومضارعه: «يدع»، يقال في: «وعم»، ومضارعه «يعم»، وأمره: «عم» وانظر الشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (ذرهم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط يقدر ب: «إذا» التقدير: إذا بلغوا في الكفر والعناد إلى هذا الحد، وتبين: أنهم لا يرجعون عن الكفر؛ فدعهم حتى يموتوا عليه. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها: «أن» مضمرة.\n ﴿يُلْقُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل ﴿يُلْقُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَوْمَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿يَوْمَهُمُ﴾.\n ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُصْعَقُونَ:﴾ مضارع يقرأ بالبناء للفاعل، وللمفعول، والواو فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4781\"></span>﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ:﴾ لا ينفعهم. ﴿كَيْدُهُمْ﴾ أي: ما كادوا به النبي ﷺ في الدنيا.\n ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ:﴾ يمنعون من عذاب الله تعالى.","vol":"9","page":306},{"text":"الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾ بدل كل من كل، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني يوم. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَيْدُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة: ﴿لا يُغْنِي..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها.\n ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿عَنْهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-4782\"></span>﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا، والكفر أقسى أنواع الظلم، وأقبحه، وأشنعه.\n ﴿عَذابًا دُونَ ذلِكَ﴾ أي: قبل موتهم. قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: مصائب الدنيا من الأوجاع، والأسقام، والبلايا، وذهاب الأموال، والأولاد. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: هو الجوع، والجهد سبع سنين. وقال ابن عباس﵄-: هو القتل يوم بدر. وعنه أيضا: عذاب القبر. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن العذاب نازل بهم. وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقوم مقام الكل.\nهذا؛ و﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ هنا من المعرفة لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر. وأيضا: فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النسب بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنسب. وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا؛ فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد: أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا لم يتجاوز مفعولا واحدا؛ لأن العلم، والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما؛ لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها. وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَذابًا:﴾ اسم (إنّ) مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان","vol":"9","page":307},{"text":"متعلق بمحذوف صفة ﴿عَذابًا،﴾ و﴿دُونَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَلكِنَّ:﴾ (الواو): حرف عطف.\n (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم (لكنّ) والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4783\"></span>﴿وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ:﴾ لقضاء ربك فيما حمّلك من الرسالة. وقيل: لبلائه فيما ابتلاك به من قومك مع إمهالهم حتى يقع بهم ما يستحقون من العقاب الشديد، والعذاب الأليم.\n ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ أي: بمرأى منا، نرى، ونسمع ما تقول، وتفعل. وقيل: معناه: إنك بحيث نراك، ونحفظك، ونحوطك، ونحرسك، ونرعاك، فلا يصلون إليك بمكروه. وهذه الاية من المتشابهات، وفي ذلك مذهبان: مذهب السلف: التفويض، يقولون: لله عين تليق به، لا نعلمها. ومذهب الخلف: التأويل، يؤولونها بما ذكرته، وانظر الاية رقم [٤٧] من سورة (الذاريات)، والمحال عليهما بسورة (الفتح) وسورة (ص)، والله ولي التوفيق.\n ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ:﴾ اختلف في تأويله، فقال عبد الله بن مسعود﵁- وغيره: يسبح الله حين يقوم من مجلسه، فيقول: سبحان الله، وبحمده، أو سبحانك اللهم، وبحمدك، فإن كان المجلس خيرا؛ ازددت ثناء حسنا، وإن كان غير ذلك؛ كان كفارة له. ودليل هذا التأويل ما خرجه الترمذي عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من جلس مجلسا، فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك؛ إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك».\nوقال أبو الجوزاء، وحسان بن عطية: المعنى: حين تقوم من منامك. قال حسان: ليكون مفتتحا لعمله بذكر الله. وعن ابن عباس﵄قال: كان النبيّ ﷺ إذا قام من الليل يتهجّد قال: «اللهمّ لك الحمد، أنت نور السموات والأرض، ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض، ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت ربّ السموات والأرض، ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، وقولك الحقّ، ولقاؤك الحقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ، والنبيون حقّ، ومحمد حقّ. اللهمّ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك». متفق عليه.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"9","page":308},{"text":"الإعراب: ﴿وَاصْبِرْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿لِحُكْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(حكم) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَإِنَّكَ:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، ﴿بِأَعْيُنِنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة:\n ﴿وَاصْبِرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَسَبِّحْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (سبح): فعل أمر، وفاعله: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر التقدير: ملتبسا بحمد ربك. و(حمد) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿تَقُومُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-4784\"></span>﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾\nالشرح: لا أرى حاجة إلى المزيد على ما ذكرته في آخر سورة (ق) غير أني أضيف هنا ما يلي: عن عائشة﵂قالت: لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدّ معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح. أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وعن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تدعوا ركعتي الفجر، ولو طردتكم الخيل». رواه أبو داود. وعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن». وكان يقرؤهما في ركعتي الفجر، وقال: «هاتان الركعتان فيهما رغب الدّهر». رواه الطبراني في الكبير، وأبو يعلى بإسناد حسن.\nهذا؛ و(إدبار النجوم) أي: جنوحها للغيبوبة. هذا؛ ويقرأ ﴿وَإِدْبارَ﴾ بكسر الهمزة على أنه مصدر، وهي قراءة السبعة، وقرأ سالم بن أبي الجعد، ومحمد بن السميقع بفتح الهمزة على أنه جمع دبر، ودبر الأمر، ودبره: آخره وانظر شرح التسبيح، وما قيل في الاية رقم [٩] من سورة (الفتح) وما ذكرته في آخر سورة (ق) جيد جدا جدا. وأما في الترغيب في التسبيح؛ فخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وعن ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي، فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السّلام، وأخبرهم: أنّ الجنة طيبة","vol":"9","page":309},{"text":"التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» رواه الترمذي، والطبراني، وزاد: «ولا حول ولا قوة إلاّ بالله».\nالإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (من الليل): متعلقان بما بعدهما. ﴿فَسَبِّحْهُ:﴾\n (الفاء): صلة لتحسين اللفظ إلا إذا قدرت فعلا محذوفا قبل: (من الليل) فتكون حرف عطف، والفعلان: المحذوف والمذكور معطوفان على (سبح) السابق. (سبحه): أمر، وفاعله: أنت، والهاء مفعول به، ﴿وَإِدْبارَ:﴾ معطوف على محل (من الليل) فهو منصوب بنزع الخافض، و(إدبار) مضاف، و﴿النُّجُومِ﴾ مضاف إليه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الطور) بحمد الله وتوفيقه، شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4339>سورة النجم</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (النجم) وهي مكية. وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية منها، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ..﴾. إلخ وهي اثنتان وستون آية، وثلاثمئة وستون كلمة، وألف وأربعمئة وخمسة أحرف. انتهى. خازن.\nوفي البخاري: عن ابن عباس﵄أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس. وعن عبد الله بن عمر﵄أن النبي ﷺ قرأ سورة (النجم) فسجد لها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفا من حصباء أو من تراب، فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. متفق عليه. الرجل يقال له: أمية بن خلف. انتهى. قرطبي.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4785\"></span><span id=\"aya-4786\"></span><span id=\"aya-4787\"></span><span id=\"aya-4788\"></span><span id=\"aya-4789\"></span><span id=\"aya-4790\"></span><span id=\"aya-4791\"></span>﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ أي: مال، وسقط، وغاب. والهوي: النزول، والسقوط.\nيقال: هوى، يهوي هويا، مثل مضى، يمضي مضيا. قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة: [الخفيف] بينما نحن بالبلاكث فالقا... ع سراعا والعيس تهوي هويا\nخطرت خطرة على القلب من ذك... راك، وهنا، فما استطعت مضيّا\nكان هذا الشاعر متوجها إلى الشام، فلما كان بالبلاكث (مكان) تذكر زوجته، وكان شغوفا بها، فكرّ راجعا، وقال الأبيات التي منها هذان البيتان. هذا؛ وقال الأصمعي: هوى بالفتح، يهوي هويا؛ أي: سقط إلى أسفل. قال: وكذلك انهوى في السير: إذا مضى فيه، وهوى، وانهوى فيه، لغتان بمعنى، وقد جمعهما يزيد بن الحكم الثقفي في قوله: [الطويل]","vol":"9","page":311},{"text":"وكم موطن لولاي طحت كما هوى... بأجرامه من قلّة النّيق منهوي\nوالمراد ب: (النجم) هنا الثريا، والعرب تسمي الثريا نجما، وإن كانت في العدد نجوما، يقال:\nإنها سبعة أنجم. وهذا قول ابن عباس، وقتادة﵄-. وعن مجاهد-رحمه الله تعالى- أن المعنى: والقرآن إذا نزل؛ لأنه كان ينزل نجوما؛ أي: مفرقا على حسب مقتضيات الأحوال.\nوقيل: المراد: نجوم السماء كلها حين تغرب. وهو قول الحسن؛ قال: أقسم الله بالنجوم إذا غابت. ولا يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد، ومعناه جمع كقول الراعي النميري: [الطويل] فباتت تعدّ النجم في مستحيرة... سريع بأيدي الاكلين جمودها\nوقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الخفيف] أحسن النّجم في السماء الثريّا... والثّريّا في الأرض زين النّساء\nوقيل: أراد ب: (النجم) النبات، الذي ليس له ساق، و﴿هَوى﴾ سقط على الأرض، وقال جعفر الصادق: يعني بالنجم محمدا ﷺ، ومعنى ﴿إِذا هَوى:﴾ إذا نزل من السماء ليلة المعراج.\nوالمعتمد الأول. ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ أي: ما ضل محمد ﷺ عن الحق، وما حاد عنه. ﴿وَما غَوى﴾ أي: ما صار غاويا. والغي: ضد الرشد، والفرق بين الضلال والغي: أن الضلال هو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقا أصلا، والغواية أن يكون له إلى مقصده طريق مستقيم، ولكن يحيد عنه، ويتركه، والمعنى: إن محمدا ﷺ مهتد راشد، وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال، والغي.\n ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ أي: ما يقول محمد ﷺ قولا عن هوى، وغرض. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ أي: إن ما يقوله محمد ﷺ وحي من الله لا زيادة فيه، ولا نقصان، كما روى الإمام أحمد﵁عن عبد الله بن عمرو﵁-، قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب، والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ. فقال: «اكتب فو الّذي نفسي بيده ما خرج مني إلاّ الحقّ». أخرجه أحمد وأبو داود، وقال ﷺ: «ما أخبرتكم أنه من عند الله، فهو الذي لا شك فيه». وعن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لا أقول إلاّ حقا» قال بعض أصحابه: إنك تداعينا يا رسول الله! قال: «إنّي لا أقول إلا حقا». أخرجه الإمام أحمد.\n ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى﴾ يعني: جبريل ﵇ في قول سائر المفسرين، وهو الذي كان ينقل القرآن إلى النبي ﷺ، وكونه شديد القوى: لأنه اقتلع قرى قوم لوط، وحملها على جناحه حتى بلغ بها السماء، ثم قلبها، وصاح صيحة بقوم ثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه بالوحي","vol":"9","page":312},{"text":"على الأنبياء أسرع من رجعة الطرف. ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: ذو قوة شديدة. وقال ابن عباس﵄-: ذو منظر حسن.\nوفي البيضاوي: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: حصافة في عقله، ورأيه، والحصافة بمعنى الاستحكام، وهي مخصوصة بالعقل، والتدبير، وهو بيان لما وضع له اللفظ؛ لأن العرب تقول لكل قوي العقل والرأي: ذو مرة، من أمررت الحبل: إذا أحكمت فتله، وفي السمين: والمرة بالكسر:\nمزاج من أمزجة البدن، وقوة الخلق، وشدته، والعقل، والأصالة، والإحكام، والقوة، وطاقة الحبل. انتهى. جمل. هذا؛ ورجل مرير؛ أي: قوي، قال العباس بن مرداس، وينسب لكثير عزة: [الوافر] ترى الرجل النحيف فتزدريه... وحشو ثيابه أسد مرير\nوقال لقيط: [البسيط] حتى استمرّت على شذر مريرته... مرّ العزيمة لا قحما ولا ضرعا\nومنه قول خفاف بن ندبة﵁-: [الكامل] إنّي امرؤ ذو مرّة فاستبقني... فيما ينوب من الخطوب صليب\nهذا؛ وقال تعالى في وصفه في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. ﴿فَاسْتَوى﴾ أي: فاستقام جبريل على صورته الحقيقية، دون الصورة؛ التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وكان ينزل في صورة دحية الكلبي، وذلك: أن رسول الله ﷺ أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها، فاستوى له في الأفق الأعلى، وهو أفق الشمس، فملأ الأفق. وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام في صورته الحقيقية، سوى محمد ﷺ رآه مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء، أما التي في الأرض؛ فإن النبي ﷺ سأل جبريل ﵇ أن يراه في صورته، فسد الأفق، فذلك قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وأما التي في السماء كانت ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى، كما تراه في الايات التالية.\nروى الإمام أحمد عن عبد الله﵁أنه قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمئة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، فخر رسول الله ﷺ مغشيا عليه، فنزل جبريل ﵇ في صورة الادميين، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾. هذا؛ وانظر شرح (صاحب) في الاية رقم [١٤] من سورة (الأحقاف)، وانظر سورة (التكوير) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿وَالنَّجْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، وانظر ما ذكرته في أول سورة (الذاريات) بهذا الصدد. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على","vol":"9","page":313},{"text":"السكون في محل نصب وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالنجم وقت هويه. قاله أبو البقاء، وغيره، وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و﴿إِذا﴾ لما يستقبل من الزمان، فكيف يتلاقيان؟!.\nالثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من (النجم) أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان هويه، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن النجم جثة، والزمان لا يكون حالا منها، كما لا يكون خبرا عنها. والثاني: أن ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا؟! وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالنجم القطعة من القرآن، والقرآن قد نزل منجما في عشرين سنة، وهذا على تفسير ابن عباس، وغيره، وعن الثاني بأنها حال مقدرة.\nالثالث: أن العامل نفس النجم؛ إذا أريد به القرآن. قاله أبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن القرآن لا يعمل في الظرف إذا أريد به أنه اسم لهذا الكتاب المخصوص. وقد يقال: إن النجم بمعنى المنجّم، كأنه قيل: والقرآن المنجّم في هذا الوقت. انتهى. جمل. ﴿هَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى النجم، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض. ﴿صاحِبُكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): نافية. ﴿غَوى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿صاحِبُكُمْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَنْطِقُ:﴾\nمضارع والفاعل يعود إلى ﴿صاحِبُكُمْ﴾ أيضا. ﴿عَنِ الْهَوى:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَحْيٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿يُوحى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿وَحْيٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿وَحْيٌ﴾. ﴿عَلَّمَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿شَدِيدُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و(القوى) مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿عَلَّمَهُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿وَحْيٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط على الاعتبارين محذوف، التقدير: علمه إياه، و﴿شَدِيدُ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: علمه إياه ملك ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾.\n ﴿ذُو:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿مِرَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَاسْتَوى:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (استوى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾","vol":"9","page":314},{"text":"والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع، أو نصب مثلها. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو):\nواو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿بِالْأُفُقِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة (الأفق) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (استوى) المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-4792\"></span><span id=\"aya-4793\"></span><span id=\"aya-4794\"></span><span id=\"aya-4795\"></span><span id=\"aya-4796\"></span>﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ أي: دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض. ﴿فَتَدَلّى﴾ فنزل على النبي ﷺ بالوحي، والمعنى: أنه لما رأى النبي ﷺ من عظمة جبريل ما رأى، وهاله ذلك؛ رده الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبي ﷺ بالوحي. وعن ابن عباس﵄أن معناه: أن الله ﵎ دنا من محمد ﷺ فتدلى. وروى نحوه أنس﵁عن النبي ﷺ، والمعنى: دنا منه أمره، وحكمه. وهذا يعني: أن في الكلام تقديما، وتأخيرا. وبه قال القرطبي. وأصل التدلي: النزول إلى الشيء؛ حتى يقرب منه، فوضع موضع القرب، قال لبيد﵁-: [الرمل] فتدلّيت عليه قافلا... وعلى الأرض غيايات الطّفل\n ﴿فَكانَ قابَ﴾ أي: مقدار. ﴿قَوْسَيْنِ:﴾ تثنية قوس، وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: (القاب) صدر القوس العربية، حيث يشدّ عليه السير، الذي يتنكبه صاحبه، ولكل قوس قاب واحد. فأخبر الله: أن جبريل قرب من محمد كقرب قاب قوسين. وقال سعيد بن جبير، وعطاء، وأبو إسحاق الهمداني، وغيرهم: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾ أي: قدر ذراعين، والقوس:\nالذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض الحجازيين. والقوس يذكر، ويؤنث، فمن أنث قال في تصغيرها: قويسة، ومن ذكر قال: قويس، والجمع: قسيّ، وأقواس، وقياس، والقوس أيضا: بقية التمر في الوعاء. والقوس برج في السماء. هذا؛ وقال الزمخشري: وقد جاء التقدير بالقوس، والرمح، والسوط، والذراع، والباع، والخطوة، والشبر، والفتر، والأصبع. ﴿أَوْ أَدْنى:﴾ أو أقل من قاب قوسين.\nهذا؛ وقال القاضي عياض: فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى، لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمد ﷺ، وعبارة عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب، وهذه الاية كقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٤٣]: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ لأن المعنى: فكان بأحد هذين المقدارين في","vol":"9","page":315},{"text":"رأي الرائي؛ أي: لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ذلك. هذا؛ وتقدير الكلام: فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين. فحذفت هذه المتضايفات، كما قال أبو علي الفارسي في قول كلحبة العرني اليربوعي وهو الشاهد رقم [١٠٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فأدرك إرقال العرادة ظلعها... وقد جعلتني من حزيمة إصبعا\nهذا؛ وقال الكسائي، ونقله عنه الجوهري: أن المراد قوس واحد، فقلبت التثنية بالإفراد، فكان أصله (قابي قوس) ومثل الاية قول الشاعر، وهو الشاهد [١١٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] إذا أحسن ابن العمّ بعد إساءة... فلست لشرّي فعله بحمول\nفأصل الكلام (فلست لشر فعليه).\n ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى:﴾ الضمير المجرور بالإضافة يرجع إلى الرسول ﷺ. وقيل: إلى جبريل، ﵇. هذا؛ وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: أوحى الله إلى جبريل، وأوحى جبريل إلى محمد ﷺ. ثم قيل: هذا الوحي، هل هو مبهم؟ لا نطلع عليه نحن، وتعبدنا بالإيمان به على الجملة، أو هو معلوم مفسر؟ قولان، وبالثاني قال سعيد بن جبير﵁قال:\nأوحى الله إلى محمد ﷺ: «ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالاّ فهديتك؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟» ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ..﴾. إلخ\nوقيل: أوحى الله إليه: أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد! وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. وهذا الإبهام كثير في الايات القرآنية، مثل قوله تعالى في سورة (طه): ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾.\n ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ﴾ أي: قلب محمد ﷺ، ويقرأ الفعل بالتخفيف، والتشديد. قال الأخطل التغلبي، وهو الشاهد رقم [٦١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] كذبتك عينك أم رأيت بواسط... غلس الظلام من الرّباب خيالا\nورحم الله من قال للجاحظ في مرضه الذي توفي فيه: [الوافر] أترجو أن تكون وأنت شيخ... كما قد كنت أيّام الشّباب؟\nلقد كذبتك نفسك ليس ثوب... جديد كالدّريس من الثّياب\n ﴿ما رَأى﴾ أي: بعينه تلك الليلة، بل صدقه، وحققه. واختلفوا في الذي رآه. فقيل: رأى جبريل على صورته الحقيقية؛ التي ذكرتها لك فيما سبق. وهو قول ابن عباس، وابن مسعود، وعائشة. وقيل: هو الله ﷿، ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقيل: جعل بصره في فؤاده،","vol":"9","page":316},{"text":"وهو قول ابن عباس﵄قال: رآه بفؤاده مرتين، وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه حقيقة، وهو قول أنس بن مالك والحسن وعكرمة.\nوكانت عائشة﵂تقول: لم ير رسول الله ﷺ ربه، وتحمل الاية على رؤية جبريل ﵇، فعن مسروق﵁قال: قلت لعائشة: يا أماه! هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قفّ شعري مما قلت؛ أين أنت من ثلاث؟ من حدثكهن فقد كذب، من حدثك أن محمدا رأى ربه؛ فقد كذب، ثم قرأت الاية: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ..﴾. إلخ رقم [١٠٣] من سورة (الأنعام)، وقرأت: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا..﴾. إلخ الاية رقم [٥١] من سورة (الشورى)، ومن حدثك: أن محمدا يعلم ما في غد؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا..﴾. إلخ آخر آية في سورة (لقمان)، ومن حدثك أن محمدا كتم أمرا؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ..﴾. إلخ الاية رقم [٦٧] من سورة (المائدة)، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. أخرجه البخاري، ومسلم.\nهذا؛ وفي صحيح مسلم عن أبي ذر﵁قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنّى أراه؟». المعنى: غلبني من النور، وبهرني منه ما منعني من رؤيته. وروى أبو العالية قال: سئل رسول الله ﷺ، هل رأيت ربك؟ قال: «رأيت نهرا، ورأيت وراء النهر حجابا، ورأيت وراء الحجاب نورا، لم أر غير ذلك».\n ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أي: أتجادلونه على ما يرى، وذلك: أنهم جادلوه حين أسري به، وقالوا له: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به.\nهذا؛ وقرأ حمزة، والكسائي: «(أفتمرونه)» بفتح التاء من غير ألف على معنى: أفتجحدونه؟ يقال:\nمراه حقه؛ أي: جحده، ومريته أنا، قال الشاعر: [البسيط] لئن هجرت أخا صدق ومكرمة... لقد مريت أخا ما كان يمريكا\nهذا؛ والمماراة، والمراء: الملاحاة، والمخاصمة، والمجادلة. قال تعالى لنبيه ﷺ في سورة (الكهف) رقم [٢٣]: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا﴾.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿دَنا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى جبريل ﵇، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَتَدَلّى:﴾\n (الفاء): حرف عطف. (تدلى): فعل ماض، والفاعل يعود إلى جبريل أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَكانَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (كان): ماض ناقص، واسمه يعود إلى جبريل. ﴿قابَ:﴾ خبر (كان). وانظر ما قدرته في الشرح، و﴿قابَ﴾ مضاف، و﴿قَوْسَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد،","vol":"9","page":317},{"text":"وجملة: (كان...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَدْنى:﴾ معطوف على ﴿قابَ﴾ فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَأَوْحى:﴾ (الفاء):\nحرف عطف. (أوحى): فعل ماض، والفاعل يعود مثل سابقه. ﴿إِلى عَبْدِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أوحاه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كَذَبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْفُؤادُ:﴾ فاعله.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على نزع الخافض التقدير في الذي رآه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: مفعول به صريح. وقيل: إن الفعل: «كذب» بالتخفيف ينصب مفعولين: فيقال: كذبه الحديث؛ إذا نقل الكذب، فإذا شددت الذال ينصب مفعولا واحدا، وهذا من عكس التعدية. والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير:\nالذي رآه، وجملة: ﴿ما كَذَبَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَتُمارُونَهُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام. (الفاء): حرف عطف، أو استئناف. (تمارونه): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة ﴿يَرى﴾ صلة ﴿ما﴾ والعائد محذوف، التقدير: على الذي يراه. وقيل: (ما) مصدرية، وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-4797\"></span><span id=\"aya-4798\"></span><span id=\"aya-4799\"></span><span id=\"aya-4800\"></span><span id=\"aya-4801\"></span><span id=\"aya-4802\"></span>﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ:﴾ الفاعل يعود إلى النبي ﷺ، واختلف في عود الضمير المنصوب مثل سابقه، قال ابن عباس﵄-: رأى محمد ﷺ ربه مرة أخرى بقلبه، فإنه كان له صعود، ونزول مرارا بحسب أعداد الصلوات المفروضة، فلكلّ عرجة نزلة. وقال ابن مسعود، وأبو هريرة﵄-: إنه جبريل ﵇ رآه مرة في الأفق، والثانية عند سدرة المنتهى. وقال ابن مسعود﵁-: قال رسول الله ﷺ: «رأيت جبريل بالأفق الأعلى، له ستمئة جناح، يتناثر من ريشه الدرّ والياقوت». وسدرة المنتهى في السماء السادسة، وجاء:\nأنها في السابعة، والحديث بهذا في صحيح مسلم.\nالأول: ما رواه مرّة عن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات","vol":"9","page":318},{"text":"الخمس، وأعطي خواتيم سورة (البقرة)، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات.\n (المقحمات: الذنوب العظام؛ التي تقحم أصحابها في النار؛ أي: تلقيهم فيها.\nوالثاني: رواه قتادة عن أنس﵁أن النبي ﷺ قال: «لما رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة. نبتها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان، قلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: أمّا الباطنان ففي الجنة، وأمّا الظاهران فالنيل والفرات». روى الحديثين مسلم في صحيحه. هذا؛ والسدر: شجر النبق، والنبق ثمر السدر واحده: نبقة.\n ﴿عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى:﴾ الإضافة تعريف بموضع جنة المأوى، وأنها عند سدرة المنتهى. قال الحسن: هي التي يصير إليها المتقون. وقيل: إنها الجنة التي يصير إليها أرواح الشهداء. قاله ابن عباس﵁وهي عن يمين العرش. هذا؛ وانظر ما ذكرته بشأن الجنات في الاية رقم [٧٣] من سورة (الزمر).\n ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى:﴾ في هذه الاية تفخيم جنة المأوى، وتفخيم سدرة المنتهى. قال القشيري: وسئل رسول الله ﷺ ما غشيها؟ قال: فراش من ذهب. وفي خبر آخر: «غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد أن ينظر إليها». وقيل غير ذلك. هذا؛ وفي إبهام الموصول تعظيم الأمر، ومثله: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾. وقال الماوردي في معاني القرآن: فإن قيل: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا، وعملا، ونية. انتهى.\nقرطبي بتصرف كبير.\nهذا؛ وسدرة المنتهى هي شجرة طوبى المذكورة في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.\n ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ أي: ما مال بصر النبي ﷺ في ذلك المقام، وفي تلك الحضرة المقدسة الشريفة يمينا، وشمالا، ولا جاوز ما رأى. وقيل: ما أمر به. وهذا؛ وصف أدبه ﷺ في ذلك المقام الشريف؛ إذ لم يلتفت إلى شيء سوى ما أمر به. هذا وجه لتأويل الاية، والوجه الثاني: ما زاغ البصر بصعقة، ولا غشية، كما أخبر الله ﷿ عن موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بقوله في سورة (الأعراف) رقم [١٤٣]: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ وذلك أنه لما تجلى رب العزة، وظهر نوره على الجبل، قطع نظره، وغشي عليه، ونبينا ﷺ ثبت في ذلك المقام العظيم؛ الذي تحار فيه العقول، وتزل فيه الأقدام، وتزيغ فيه الأبصار. فوصف الله ﷿ قوة نبينا، وثباته في ذلك المقام العظيم بقوله: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ وما أحسن قول القائل: [الطويل]","vol":"9","page":319},{"text":"رأى جنة المأوى وما فوقها ولو... رأى غيره ما قد رآه لتاها\n ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى:﴾ قال ابن عباس﵄-: رأى رفرفا سد الأفق، فقد خرج الترمذي عن عبد الله﵁قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في حلّة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض. وقال: حديث حسن صحيح، وقد تقدم: أنه رآه في صورته له ستمئة جناح.\nتنبيه: هذه الايات صريحة في أن النبي ﷺ عرج به إلى السموات العلى، ورأى ما رأى في ملكوت السموات من الايات العظام، فلم يبق مجال للقول: إن الإسراء ثبت بآية (الإسراء) وهي قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. إلخ، وإن المعراج ثبت بالأحاديث، بل كلاهما قد ثبت بالايات القرآنية، وصار الحكم على منكر واحد منهما بالكفر حقيقة لا شك فيها، والله الموفق والمعين. والحمد لله رب العالمين.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ (الواو): حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف. وبعضهم يعتبر الواو واو الحال، ويعتبرون الجملة الاتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو وأقسم والله، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الاتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ الاية رقم [١٢] من سورة (الحشر) افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد. والله ولي التوفيق.\nفإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب:\nأنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ فإن التقدير: ورب النجم، ورب الشمس... إلخ، الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى:\n ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الاية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات)، وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ الاية رقم [٧١] من سورة (مريم)، وأظهر منه في قوله تعالى:\n ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الاية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الايتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَآهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى الرسول ﷺ، والهاء مفعول به. ﴿نَزْلَةً:﴾\nفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها منصوبة على الظرف. قال الزمخشري نصب الظرف الذي هو","vol":"9","page":320},{"text":"مرة؛ لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل، فكانت في حكمها. قلت: وهذا ليس مذهب البصريين، وإنما هو مذهب الفراء، نقله عنه مكي. الثاني: أنها منصوبة نصب المصدر الواقع موقع الحال، قال مكي: أي رآه نازلا نزلة أخرى، وإليه ذهب الحوفي، وابن عطية. والثالث: أنه منصوب على المصدر المؤكد، فقدره أبو البقاء: مرة أخرى، أو رؤية أخرى. قلت: وفي تأويل نزلة برؤية نظر، و﴿أُخْرى﴾ تدل على سبق رؤية قبلها. انتهى. جمل نقلا من السمين.\n ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿نَزْلَةً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿نَزْلَةً،﴾ أو بالفعل رأى، أو بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول به، أو منهما معا، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿سِدْرَةِ﴾ مضاف إليه، و﴿سِدْرَةِ﴾ مضاف، و﴿الْمُنْتَهى:﴾ مضاف إليه. ﴿عِنْدَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿جَنَّةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْمَأْوى﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهى،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿إِذْ:﴾\nظرف لما مضى من الزمان بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل رأى.\n ﴿يَغْشَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿السِّدْرَةَ:﴾ مفعول به. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿يَغْشَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿زاغَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْبَصَرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): نافية. ﴿طَغى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿الْبَصَرُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَقَدْ:﴾ (اللام): واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزتي وجلالي. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَأى:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ جار ومجرور في محل نصب مفعول به، وقدر أبو البقاء المفعول محذوفا شيئا، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة له، وهذا لا يجوز عند سيبويه؛ لأنه لا يجوز حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه إلا في مواضع معينة، وليس هذا منها، و﴿آياتِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة ﴿آياتِ رَبِّهِ﴾ فهو مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وأجيز اعتباره مفعولا به، واعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من ﴿الْكُبْرى،﴾ تقدمت الحال عليها. انتهى. جمل نقلا عن السمين.","vol":"9","page":321},{"text":"<span id=\"aya-4803\"></span><span id=\"aya-4804\"></span><span id=\"aya-4805\"></span><span id=\"aya-4806\"></span>﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى:﴾ لما ذكر الله الوحي إلى النبي ﷺ، وذكر من آثار قدرته ما ذكر؛ وبخ المشركين، وقرعهم بهذه الايات؛ إذ عبدوا ما لا يعقل، فقال: أفرأيتم هذه الالهة التي تعبدونها، أوحين إليكم شيئا، كما أوحي إلى محمد ﷺ. وكانت اللات لبني ثقيف بالطائف، والعزى لقريش، وبني كنانة، ومناة لبني هلال. وقال هشام: فكانت مناة لهذيل، وخزاعة، وكانت اللات صخرة بيضاء مربعة، وكان سدنتها من ثقيف، وكانوا قد سووا عليها بناء، له أستار، وسدنة، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، فكانت قريش وجميع العرب تعظمها، وبها كانت العرب تسمي: زيد اللات، وتيم اللات، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فهدمها، وحرقها بالنار، وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله، فقالوا: اللات، يعنون مؤنثة منه. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا! وعن ابن عباس﵄قال: كان اللات رجلا يلتّ السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه، تعظيما له ولعمله. قال شداد بن عارض الجشمي من أبيات قالها حين هدمت اللات، وحرقت، ينهي ثقيفا عن العود إليها والغضب لها. [البسيط] لا تنصروا اللاّت إنّ الله مهلكها... وكيف ينصركم من ليس ينتصر؟\nأما العزى؛ فكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة، والطائف، كانت قريش تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى، ولا عزى لكم! فقال رسول الله ﷺ: «قولوا:\nالله مولانا، ولا مولى لكم». وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم العزيز، فقالوا: العّزى، يعنون مؤنثة منه، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٠]: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾. انظر شرحها هناك تجد ما يسرك ويثلج صدرك، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد -﵁إلى العزى، فقطعها، وحطمها، وجعل يضربها بالفأس، ويقول: [الرجز] يا عزّ كفرانك لا سبحانك... إنّي رأيت الله قد أهانك\nفخرجت منها شيطانة، ناشرة شعرها، داعية بويلها، واضعة يدها على رأسها، ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة، ثم أتى النبي ﷺ، فأخبره فقال: «تلك العزى، ولن تعبد أبدا».\nوكانوا يسمون عبد العزّى، فأبو لهب عم النبي ﷺ كان اسمه: عبد العزى. أما مناة فهي اسم صنم لهذيل، وخزاعة بقديد بين مكة، والمدينة، وكذلك قريش تعظمها أيضا، وسميت بذلك؛ لأنهم كانوا يريقون عندها الدماء، يتقربون بذلك إليه، وبذلك سميت منى في الجاهلية","vol":"9","page":322},{"text":"يعظمونها، ويهلون منها للحج إلى الكعبة. وكان للعرب أصنام كثيرة، وإنما أفردت هذه بالذكر؛ لأنها أشهر من غيرها، فلما دخل الرسول ﷺ مكة فاتحا كان حول الكعبة ثلاثمئة وستون صنما.\nهذا؛ والعرب لا تقول للثالثة أخرى، وإنما ﴿الْأُخْرى﴾ نعت للثانية، واختلفوا في وجهها، فقال الخليل-رحمه الله تعالى-: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الاي؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ولم يقل: أخر. وقال الحسين بن الفضل: في الاية تقديم، وتأخير، مجازها:\nأفرأيتم اللات والعزى الأخرى، ومناة الثالثة. وقيل: إنما قال: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللات، والعزى، فالكلام على نسقه. وقيل: هي صفة ذم كأنه تعالى قال: ومناة الثالثة المتأخرة الذليلة، فعلى هذا فالأصنام ترتب مراتب، وذلك؛ لأن اللات كان صنما على صورة آدمي، والعزى شجرة، فهي نبات، ومناة صخرة، فهي جماد، فهي في أخريات المراتب. انتهى. خازن.\n ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى:﴾ استفهام توبيخي تقريعي، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله، مع أنهم يكرهون الإناث، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٦٢]:\n ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٣] موبخا ومؤنبا لهم:\n ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ،﴾ وقال في سورة (الطور): ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾.\n ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أي: جائرة عن العدل، خارجة عن الصواب، مائلة عن الحق، حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم، يقال: ضاز في الحكم؛ أي: جار، وضازه حقه، يضيزه ضيزا؛ أي: نقصه وبخسه. قال امرؤ القيس: [الرجز] ضازت بنو أسد في حكمهم... إذ يجعلون الرأس كالذنب\nهذا؛ ويقرأ: «(ضئزى)» بهمزة ساكنة، ومعنى ضأزه، يضأزه: نقصه حقه ظلما، وجورا، وهو بمعنى الأول، وفي المختار: ضاز في الحكم: جار، وضازه فيه: نقصه، وبخسه، وبابهما: باع.\nقال محمد علي الصابوني: وفي القرآن لفظة غريبة، هي أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها فيه، وهي كلمة: ﴿ضِيزى﴾ ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن، ومن أعجبه، ولو أردت اللغة العربية ما صلح لهذا الموضع غيرها، فإن السورة التي هي منها، وهي سورة (النجم) مفصلة كلها على الياء، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل، ثم هي في معرض الإنكار على العرب؛ إذ وردت في ذكر الأصنام، وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة، والأصنام بنات لله، مع وأدهم للبنات، فقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة؛ التي أنكرها، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها، الإنكار في الأولى، والتهكم في","vol":"9","page":323},{"text":"الأخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل. انتهى. علوم القرآن.\nهذا؛ ولابن الأثير كلام جيد في الرد على من أنكر استعمال لفظة ﴿ضِيزى﴾ في القرآن، فقال: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة، قلنا: قسمة جائرة، أو ظالمة، لا شك أن جائرة، أو ظالمة أحسن من ضيزى، إلا أننا إذا نظمنا الكلام، فقلنا (ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ظالمة) لم يكن النظم كالنظم الأول، وصار الكلام كالشيء المعوز، الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على من له ذوق، ومعرفة بنظم الكلام، فلما سمع ذلك الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحاما، ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد.\nهذا ما قاله ابن الأثير، وهو جيد يدل على ذوق، وفهم، ولكنه لا يخرج عن الحدود اللفظية، وسنذكر ما سنح للخاطر من أمر معنوي يتعلق بهذا الكلام، فنقول: لما كان الغرض تهجين قولهم، وتفنيد قسمتهم، والتشنيع عليها، اختيرت لها لفظة مناسبة للتهجين، والتشنيع، كأنما أشارت خساسة اللفظة إلى خساسة أفهامهم، وهذا من أعجب ما ورد في القرآن الكريم من مطابقة الألفاظ لمقتضى الحال. انتهى. باختصار من الدرويش.\nالإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتوبيخ. (الفاء): حرف استئناف، وقيل:\nعاطفة على كلام محذوف، انظر الشرح لتقدير هذا المحذوف. (رأيتم): فعل، وفاعل.\n ﴿اللاّتَ:﴾ مفعوله الأول. (العزى): معطوف عليه منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. (مناة): معطوف أيضا على ما قبله. ﴿الثّالِثَةَ:﴾ صفة (مناة). ﴿الْأُخْرى:﴾ صفة (العزى) وانظر الشرح، والمفعول الثاني محذوف، قدره الجلال، كما يلي: ألهذه الأصنام قدرة على شيء، فتعبدونها دون الله القادر على ما تقدم ذكره. وقيل: إن الثاني هو المذكور بقوله:\n ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾. ﴿أَلَكُمُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الذَّكَرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة على اعتبار المفعول الثاني محذوفا، أو هي في محل نصب مفعوله الثاني كما رأيت، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل، لا عمل له، ﴿قِسْمَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿ضِيزى:﴾ صفة ﴿قِسْمَةٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة.\nتنبيه: فإن قيل: ما فائدة الفاء في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ وقد وردت في مواضع بغير فاء، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ..﴾. إلخ رقم [٤] من سورة (الأحقاف)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ..﴾. إلخ الاية رقم [٤٠] من سورة (فاطر)؟ فالجواب: أنه لما تقدم عظمة الله في ملكوته، وأن رسوله إلى الرسل يسد الافاق ببعض أجنحته، ويهلك المدائن بشدته وقوته، ولا","vol":"9","page":324},{"text":"يمكنه مع هذا أن يتعدى السدرة في مقام جلال الله، وعزته؛ قال: أفرأيتم هذه الأصنام مع ذلتها، وحقارتها شركاء لله مع ما تقدم، فقال بالفاء؛ أي: عقيب ما سمعتم من عظمة آيات الله الكبرى، ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وما تحت الثرى، انظروا إلى اللات والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه. انتهى. جمل نقلا من كرخي.\n\n<span id=\"aya-4807\"></span>﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: ما هذه الأصنام ﴿إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ والمعنى: أنكم سميتموها آلهة، وليست بآلهة حقيقة، ولا بمعبودة حقيقة. وقيل: المعنى: قلتم لبعضها: عزى، ولا عزة لها فلا يكون لها مسمى حقيقة. ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [٤٠]: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٧١]:\n ﴿أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾. وانظر شرح ﴿سُلْطانٍ﴾ في سورة (الذاريات) رقم [٣٨]. هذا؛ وأسماء جمع: اسم، أصله: أسماو، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين.\n ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ:﴾ إلا توهم أن ما هم عليه حق، تقليدا، أو توهما باطلا. ﴿وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ:﴾ وما تشتهيه أنفسهم، وتزينه لهم شياطينهم. وفي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، انظر الالتفات في سورة (الذاريات) رقم [٥٦]. ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ أي: البيان المنزل، والنبي المرسل: أن الحجارة، والأوثان ليست بآلهة، وأن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار، فتركوا الدليل الواضح إلى الشيء المتوهم؛ الذي لا حقيقة له، وليس له أي مستند، وانظر الظن في سورة (الحجرات) رقم [١٢] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَسْماءٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿سَمَّيْتُمُوها:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع. و(ها): مفعوله الأول، والثاني محذوف، تقديره:\nآلهة. وقيل بالعكس. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لتاء الفاعل المتحركة. ﴿وَآباؤُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آباؤكم): معطوف على تاء الفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿أَسْماءٌ﴾. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره،","vol":"9","page":325},{"text":"منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل:\n ﴿أَسْماءٌ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿الظَّنَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على (الظن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: والذي تهواه الأنفس. ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣]. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، والهاء مفعوله. ﴿مِنْ رَبِّهِمُ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْهُدى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، أو هو معترض بين المتعاطفات، وقيل: في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-4808\"></span><span id=\"aya-4809\"></span>﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى (٢٤) فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ..﴾. إلخ: معناه: أيظن الإنسان الكافر أن ينال ما يتمنى من شفاعة الأصنام. وقيل: ما يتمنى من البنين. وقيل: ما يتمنى من النبوة. والمعنى: ليس كل من تمنى خيرا يحصل له، قال تعالى: ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾ أي: إن الأمر كله لله، مالك الدنيا، والاخرة، والمتصرف فيهما، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا راد لعطائه، ولا معطي لما منعه. هذا؛ والمراد بالأولى: الحياة الدنيا الحاضرة؛ التي يحياها الإنسان، وهو حي، والمراد بالاخرة:\nالحياة التي تكون بعد الموت، وما فيها من عذاب، أو نعيم، و﴿الْآخِرَةُ﴾ الحياة الثانية الأبدية؛ التي تكون بعد الموت، ثم البعث والنشور، والحساب والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن وعمل صالحا، أو في النار لمن كفر، وعمل سيئا، ورحم الله من يقول: [البسيط] الموت باب وكلّ الناس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟!\nورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط] الدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار\nهما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف بمعنى: «بل» والهمزة، وفيها إنكار، وتوبيخ. ﴿لِلْإِنْسانِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿تَمَنّى:﴾\nفعل ماض، أو فعل مضارع حذفت منه تاء المضارعة، والفاعل على الاعتبارين يعود إلى الإنسان،","vol":"9","page":326},{"text":"والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي تمناه، أو الذي يتمناه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿فَلِلّهِ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿وَالْأُولى:﴾ الواو: حرف عطف. (الأولى): معطوف على ما قبله فهو مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4810\"></span>﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ﴾ أي: ممن يعبدهم هؤلاء، ويرجون شفاعتهم عند الله.\n ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ المعنى: أن الملائكة مع علو منزلتهم، وكرامتهم على ربهم لا تنفع شفاعتهم شيئا؛ فكيف تقبل شفاعة الأصنام مع حقارتها، وصغارها؟! لأنها جمادات، لا تبصر، ولا تسمع، ولا تعقل شيئا. ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ:﴾ في الشفاعة ﴿لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ أي: من أهل الإيمان، والتوحيد. قال ابن عباس﵄-: يريد: لا تشفع الملائكة إلا لمن ﵁. وقيل: المعنى إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الملائكة في الشفاعة لمن شاء له الشفاعة. هذا؛ والاية هنا مثلها قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٩]: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ هذا؛ والقول المرضي عند الله قول لا إله إلا الله مقرونا بالعمل الصالح، كما قد نبهت عنه مرارا. وقال في سورة (الأنبياء) رقم [٢٨]: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾.\nهذا؛ والشفاعة العظمى ثابتة للنبي ﷺ في الموقف العظيم، وبعده، وشفاعة المؤمنين ثابتة بعد الحساب والجزاء، وإدخالهم الجنة في ذويهم وأصحابهم في الدنيا؛ الذين دخلوا النار لشؤم معاصيهم، وسوء أعمالهم. هذا؛ والشفاعة معناها: التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى: الشفيع، والشفاعة في الاخرة لا تكون إلا حسنة؛ لأنها لطلب الخير الخالص، وأما في الدنيا، فتكون حسنة، وأكثرها سيئة، فالشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم، أو دفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس، والسيئة كانت بخلاف ذلك، والدستور في ذلك قول الله ﷿ في سورة (النساء) رقم [٨٥]: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾.\nتنبيه: «كم» اسم كناية يكنى به عن الكثير، والقليل، يعبر به عن كل معدود كثيرا كان، أو قليلا، وسواء في ذلك: المذكر، والمؤنث، فيجرى في ذلك مجرى كل، وأي، ومن، وما في","vol":"9","page":327},{"text":"أنّ كل واحد منها يقع على التثنية، والجمع، وكثيرا ما يعود الضمير عليه مفردا نظرا للفظه، وكثيرا ما يعود عليه الضمير نظرا لمعناه مذكرا، أو مؤنثا، مفردا، أو مثنى، أو مجموعا، مثل الألفاظ: كل، وأي، ومن، وما. و«كم» تكون خبرية، واستفهامية، انظر أوجه الاتفاق، والافتراق بينهما في كتابنا: «فتح القريب المجيب» موجز الكلام على «كم» والله ولي التوفيق.\nالإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مَلَكٍ:﴾ تمييز منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَلَكٍ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُغْنِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿شَفاعَتُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿أَنْ يَأْذَنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة بعد إليه. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿يَشاءُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للذي، أو لشخص يشاء الإذن له، ويرضاه له أيضا. ﴿وَيَرْضى:﴾\nالواو: حرف عطف. (يرضى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4811\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يعني: الكفار الذين أنكروا البعث، والحساب، والجزاء. ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ أي: بتسمية الأنثى، حيث قالوا: إنهم بنات الله، وهم بنو مليح، وكانوا يعبدون الملائكة، قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٠] موبخا، ومؤنبا لهم:\n ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (الطور) رقم [٣٩].\nفإن قيل: كيف يصح أن يقال: إنهم لا يؤمنون بالاخرة، مع أنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوب الميت على قبره زعما منهم أنه يحشر عليه؟! أجيب بأنهم ما كانوا يجزمون، بل كانوا يقولون: لا حشر، ثم يقولون: وإن كان؛ فلنا شفعاء. بدليل أنه تعالى حكى عنهم: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ رقم [٥٠] من سورة (فصلت)، وحكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ رقم [٣٧] من سورة (الكهف). وأيضا كانوا لا يؤمنون","vol":"9","page":328},{"text":"بالاخرة على الوجه الذي بينه الرسل، فهم لا يؤمنون بالاخرة؛ بل بما يزعمونه آخرة. انتهى.\nجمل.\nهذا؛ والملائكة أجسام نورانية، لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة حسنة، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة؛ فسق، ومن وصفهم بأنوثة؛ كفر، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى؛ حيث قال تعالى في سورة (المدثر) رقم [٣١]: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال، رؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، عليهم ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿لَيُسَمُّونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (يسمون): مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به. ﴿تَسْمِيَةَ:﴾ مفعول مطلق مبين للنوع، وهو مضاف، و﴿الْأُنْثى﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4812\"></span>﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بما قالوه: إن الملائكة بنات. ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: إنهم لم يشاهدوا خلق الله الملائكة، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله ﷺ، ولم يروه في كتاب يعتد به، بل هو كذب، وزور، وكفر شنيع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ:﴾ فهو كقوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٢٠]: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾. ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي: لا يجدي شيئا، ولا يقوم مقام الحق أبدا، وقد ثبت في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث». هذا؛ وأصل الظن: إدراك الطرف الراجح، ولكن ظنهم إدراك الطرف المرجوح، بل الظن الباطل، وانظر شرح ﴿الْحَقِّ﴾ في الاية رقم [٢٢] من سورة (الجاثية).\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. وقيل: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عِلْمٍ﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع،","vol":"9","page":329},{"text":"وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الظَّنَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ (الواو): واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿الظَّنَّ:﴾ اسم (إنّ). ﴿إِلاَّ:﴾\nنافية. ﴿يُغْنِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الظن، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الظَّنَّ،﴾ والرابط: الواو، وإعادة ﴿الظَّنَّ﴾ بلفظه. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به، وله صفة محذوفة، التقدير: شيئا نافعا، ومثله قول العباس بن مرداس السلمي، وهو الشاهد رقم [١٠٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب] وقد كنت في الحرب ذا تدرأ... فلم أعط شيئا، ولم أمنع\n\n<span id=\"aya-4813\"></span>﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ أي: أعرض عن القرآن، والإيمان بمحمد ﷺ. ومن كان كذلك فأعرض أنت يا محمد عنه، فإن من تولى عن الله، وأعرض عن ذكره، وانهمك في الدنيا، بحيث كانت منتهى همه، ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عنادا، وإصرارا على الباطل.\nوهذا قبل الأمر بالجهاد، وقبل الهجرة. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: إن همته مقصورة على الدنيا، وجمع حطامها الفاني، أما الاخرة؛ فليست في حسابه؛ لأنه لا يعتقد بها، ولا يعمل لها. وانظر شرح ﴿تَوَلّى﴾ في الاية رقم [٥٤] من سورة (الطور).\nالإعراب: ﴿فَأَعْرِضْ:﴾ (الفاء): حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (أعرض):\nفعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿عَنْ مَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَنْ ذِكْرِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية: ﴿فَأَعْرِضْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿وَلَمْ:﴾\n (الواو): واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُرِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (من)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.","vol":"9","page":330},{"text":"<span id=\"aya-4814\"></span>﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: ذلك نهاية علمهم، وقلة عقولهم أن آثروا الدنيا على الاخرة، فيكون كقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾. وقيل: معناه: أنهم لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم: أن الملائكة بنات الله، وأنهم يشفعون لهم، فاعتمدوا على ذلك، وأعرضوا عن القرآن، والإيمان. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: حاد عن دينه، وخالف أوامره، ونواهيه. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أي: هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وإرادته وعلمه وحكمته، فلا تتعب نفسك يا محمد في دعوتهم؛ إذ ما عليك إلا البلاغ؛ وقد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة.\nوقد روي عن عائشة﵂أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدّنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له». رواه الشيخان، والإمام أحمد. وفي الدعاء المأثور: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا». هذا؛ ومثل هذه الاية رقم [٧] من سورة (القلم).\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿مَبْلَغُهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (مبلغ)؛ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ أَعْلَمُ:﴾\nمبتدأ، وخبر، والجملة في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ فهو بمعنى عالم، وليس على بابه، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿أَعْلَمُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وإن عطفتها على ما قبلها؛ فهي في محل رفع مثلها، وهو الأقوى. ﴿بِمَنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿اِهْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها.","vol":"9","page":331},{"text":"<span id=\"aya-4815\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا. وفيه تغليب غير العاقل على العاقل؛ لأنه أكثر كما هو مشاهد، وفيه إشارة إلى كمال قدرته، وسعة سلطانه.\n ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا:﴾ بعقاب ما عملوا من السوء، أو بمثله، أو بسبب ما عملوا من السوء. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، و(الحسنى) مؤنث:\n «الأحسن» الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث «أحسن» المقابل لامرأة حسناء، و(الحسنى) بالضم ضد «السوأى» والجمع: الحسن، والحسنيات، ولا يجوز النطق به إلا معرفا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (لله): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد، وإن قدرت: «لله» قبله محذوفا، فيكون العطف عطف جملة على جملة. ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله)، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما دل عليه معنى الملك في قوله: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ. وقيل: متعلقان بما دل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾ وعليه فالجملة الاسمية: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ﴾ معترضة مقررة لما قبلها، فإن كون الكل مخلوقا لله تعالى يقرر علمه بأحوالهم، كأنه قيل: فيعلم ضلال من ضل، واهتداء من اهتدى، فيحفظهما؛ ليجزي... إلخ. هذا؛ واعتبر الزمخشري اللام للصيرورة والعاقبة؛ أي: عاقبة أمرهم جميعا للجزاء بما عملوا. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿أَساؤُا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يجزي)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم. ﴿وَيَجْزِيَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (يجزي): معطوف على ما قبله فهو منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَحْسَنُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْحُسْنَى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (يجزي) وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر.","vol":"9","page":332},{"text":"<span id=\"aya-4816\"></span>﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ:﴾ هذا نعت للمحسنين؛ أي: هم لا يرتكبون الإثم، وهو الشرك؛ لأنه أكبر الاثام. ﴿وَالْفَواحِشَ:﴾ الزنى، وقال مقاتل: ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ كل ذنب ختم بالنار،. ﴿وَالْفَواحِشَ﴾ كل ذنب فيه الحد، وجمع الإثم آثام. هذا؛ والإثم اسم من أسماء الخمرة، قاله الحسن وعطاء. قال الجوهري: وقد تسمى الخمر إثما، واستدل عليه بقول بعض الجاهليين: [الوافر] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول\nوبه فسر في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٣]: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فيكون في ذلك إلقام حجر في فم كل من يقول: لم تذكر مادة حرم في تحريم الخمر.\n ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ أي: إلا ما قل، وصغر من الذنوب. وقيل: هي مقاربة المعصية، من قولك:\nألممت بكذا: إذا قاربته من غير مواقعة. ومعنى الاية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة، ثم يتوب، أو يقع الوقعة، ثم ينتهي. وهو قول أبي هريرة، ومجاهد، والحسن. وهو رواية عن ابن عباس -﵃ أجمعين-. وقال أبو صالح: سئلت عن قول الله ﷿: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ فقلت:\nهو الرجل يلم بالذنب، ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس﵄فقال:\nأعانك عليها ملك كريم. وعن ابن عباس أيضا: هو الرجل يلمّ بذنب، ثم يتوب. قال: ألم تسمع النبي ﷺ كان يقول؟: [الرجز] إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا... وأيّ عبد لك لا ألمّا؟!\nأخرجه الترمذي بهذا الإسناد، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، والبيت لأمية بن أبي الصلت، قاله عند احتضاره، وتمثل به النبي ﷺ تمثلا، وهذا هو الشاهد رقم [٤٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ واللمم: صغار الذنوب، كالنظرة، والغمزة، والقبلة، ونحو ذلك مما هو دون الزنى. وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي.\nوالرواية الأخرى عن ابن عباس﵃ أجمعين-فقد قال ابن عباس: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله﷿كتب على ابن آدم حظّه من الزّنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك، أو يكذبه». متفق عليه.","vol":"9","page":333},{"text":"ولمسلم، قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزّنى، مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرّجل زناها الخطا، والقلب يهوى، ويتمنّى، ويصدق ذلك الفرج، أو يكذّبه». وقيل: اللمم على وجهين:\nأحدهما: أنه كل ذنب لم يذكر الله تعالى عليه حدا في الدنيا، ولا عذابا في الاخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ما لم يبلغ الكبائر، والفواحش، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ رقم [١١٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقال تعالى في سورة (النساء) الاية رقم [٣١]: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ انظر شرحهما في محالهما. والوجه الثاني: هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة، فيتوب منه إذا قام بشروط التوبة؛ التي ذكرتها لك مرارا، وسأعيدها في سورة (التحريم) إن شاء الله تعالى.\nتنبيه: قال العلماء: أكبر الكبائر الشرك بالله، وهو ظاهر لا خفاء فيه لقوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٣]: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ويليه القتل بغير حق، فأما ما سواهما من الزنى واللواط، وشرب الخمر، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم بغير حق، والسحر وقذف المحصنات الغافلات، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وغير ذلك من الكبائر التي ورد بها النص، فلها تفاصيل، وأحكام تعرف بها مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال، والمفاسد المترتبة عليها، فعلى هذا يقال في كل واحدة منها: هي من أكبر الكبائر بالنسبة إلى ما دونها، وقد جاء عن ابن عباس﵄-: أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ قال: بل هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية إلى سبعمئة أقرب.\nوقد عرف ابن الصلاح الكبيرة في فتاويه: الكبيرة: كل ذنب كبر، وعظم بحيث يصح معه:\nأنه أطلق عليه اسم الكبيرة، ويوصف بكونه عظيما على الإطلاق، فهذا حد الكبيرة، ولها أمارات، منها: الحد. ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها في الكتاب، أو السنة.\nومنها: ما وصف فاعلها بالفسق، أو يضاف إليها اللعن كلعن الله من غيّر منار الأرض، ونحو ذلك، والله أعلم.\nهذا؛ واللمم: طرف من الجنون، ورجل ملموم؛ أي: به لمم. ويقال أيضا: أصابت فلانا لمة من الجن، وهي المسّ، والشيء القليل، قال ابن مقبل: [الكامل] فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن... إلاّ كلمّة حالم بخيال\nهذا؛ واللمم: القليل من: ألمّ بالمكان: إذا قل فيه لبثه، قال الشاعر: [الطويل] أراك إذا أيسرت خيّمت عندنا... زمانا وإن أعسرت زرت لماما\nفما أنت إلا البدر إن قلّ ضوءه... أغبّ وإن زاد الضياء أقاما","vol":"9","page":334},{"text":"وقال جرير من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك: [الوافر] فريشي منكم وهواي معكم... وإن كانت زيارتكم لماما\n ﴿إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: لمن فعل ذلك لمن تاب، وأناب. وروي عن عمر بن الخطاب﵁قال: لا كبيرة في الإسلام؛ أي: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. والمعنى: أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والتوبة، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار عليها. وقيل في حد الإصرار: هو أن يتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بذنبه. وخذ ما يلي.\nعن عبد الله بن مسعود﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّهنّ يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإنّ رسول الله ﷺ ضرب لهنّ مثلا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود؛ حتى جمعوا سوادا، وأجّجوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها». رواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي. وفي رواية: «إنّ الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب، ولكنّه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقّرات، وهي الموبقات يوم القيامة». وعن عائشة﵂-: أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة! إياك ومحقّرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا».\nرواه النسائي، وابن ماجه، وانظر آخر سورة (الزلزلة).\n ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أي: أعلم بأحوالكم منكم. ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر، ثم قسمهم فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أي: وقت كنتم في بطون أمهاتكم؛ حيث كتب الملك الموكل بكل واحد منكم رزقه، وأجله، وعمله، وشقي، أو سعيد. هذا؛ و﴿أَجِنَّةٌ﴾ جمع: جنين، وهو الولد ما دام في بطن أمه، سمي جنينا؛ لاجتنانه، واستتاره، قال عمرو بن كلثوم التغلبي من معلقته رقم [١٧]: [الوافر] ذراعي حرّة أدماء بكر... هجان اللّون لم تقرأ جنينا\n ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ فلا تثنوا عليها بصلاح العمل، وزيادة الخير، فإنه أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ فلا تبرئوها من الاثام، ولا تمدحوها بحسن الأعمال، وقد ذم الله اليهود الذين كانوا يزكون أنفسهم، ورد عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الاية رقم [٤٩] من سورة (النساء)، فقد نزلت الاية الكريمة في ناس كانوا يعملون أعمالا حسنة، ثم يقولون: صلاتنا، وصيامنا، وحجنا. وهذا النهي إذا كان على سبيل","vol":"9","page":335},{"text":"الإعجاب، أو الرياء، لا على سبيل الاعتراف بالنعمة، فإنه جائز؛ لأن المسرة بالطاعة طاعة، والتحدث بها شكر، قال تعالى مخاطبا نبيه: ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ من سورة (الضحى).\n ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ أي: أخلص النية في العمل، وخاف عقاب الله، وعمل لنجاته يوم القيامة من الحساب الشديد، والعذاب الأليم. وعلم الله بمن اتقى قديم أزلي قبل أن يخرجنا من صلب آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وكما نهى الله أن يمدح العبد نفسه؛ نهاه أن يمدح غيره، ولا سيما إذا كان تزلفا، وتقربا، ورياء، وخداعا، فقد روي عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان﵁-، فأثنى عليه بوجهه، قال: فجعل المقداد بن الأسود﵁يحثو في وجهه التراب، ويقول: أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب. أخرجه مسلم، وأبو داود، وأحمد. وكذلك نهى النبي ﷺ أن يمدح الرجل الرجل في غيبته، فعن أبي بكر﵁-، قال: مدح رجل رجلا عند النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ «ويلك قطعت عنق صاحبك-مرارا-إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة؛ فليقل: أحسب فلانا، والله حسيبه، ولا أزكّي على الله أحدا، أحسبه كذا، وكذا؛ إن كان يعلم ذلك». أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأحمد، وابن ماجه.\nخاتمة: جاء في أسباب النزول للسيوطي ما يلي: روى ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد، عن ثابت بن الحارث الأنصاري الصحابي﵁قال: كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هذا صدّيق، شقيّ، أو سعيد، فأنزل الله ﷿ عند ذلك قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ..﴾. إلخ. ونحوه عن عائشة﵂وانظر شرح (أمهاتكم) في الاية رقم [٢] من سورة (المجادلة) إن شاء الله.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من سابقه، أو عطف بيان، أو هو نعت له، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني الذين، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. وهذان الوجهان على القطع. ﴿يَجْتَنِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كَبائِرَ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف، والإثم مضاف إليه. ﴿وَالْفَواحِشَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الفواحش):\nمعطوف على ما قبله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللَّمَمَ:﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع، وهو بمعنى: لكن اللمم. وقال الزمخشري: ولا يخلو قوله تعالى: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ من أن يكون استثناء منقطعا، أو صفة كقوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ﴾ الاية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء)، وعليه يكون الإعراب كما يلي: ﴿إِلاَّ:﴾ اسم بمعنى: «غير» ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، لكونه على صورة الحرف، و﴿إِلاَّ﴾ مضاف، و﴿اللَّمَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ﴿إِلاَّ﴾ التي على صورة الحرف.","vol":"9","page":336},{"text":"﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿واسِعُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و﴿الْمَغْفِرَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعله، التقدير: واسعة مغفرته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل لاستثناء اللمم، لا محل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وهو بمعنى: عالم، ففاعله مستتر فيه، تقديره:\n «هو». ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ أيضا. ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: مخرجين من الأرض. ﴿وَإِذْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إذ):\nمعطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿فِي بُطُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَجِنَّةٌ،﴾ و﴿بُطُونِ﴾ مضاف، و﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَلا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة كما رأيت في الاية رقم [٢٩]. (لا): ناهية، ﴿تُزَكُّوا:﴾\nمضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.\n ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هُوَ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿بِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، والمفعول محذوف للفاصلة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، التقدير:\nبالذي اتقاه.\n\n<span id=\"aya-4817\"></span><span id=\"aya-4818\"></span><span id=\"aya-4819\"></span>﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى:﴾ قال مجاهد، وابن زيد، ومقاتل: نزلت الاية في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله ﷺ على دينه، فعيره بعض المشركين، وقال: لم تركت دين الأشياخ، وضللتهم، وزعمت: أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل، ومنعه، فأنزل الله هذه الاية. وهذه الرواية ذكرها السيوطي من غير","vol":"9","page":337},{"text":"تعيين للذي أسلم، وقال مقاتل: كان الوليد قد مدح القرآن، ثم أمسك عنه، فأنزل الله: ﴿وَأَعْطى قَلِيلًا﴾ أي: من الخير بلسانه ﴿وَأَكْدى﴾ أي: قطع ذلك، وأمسك عنه. وهذا الذي أعتمده، كما ستقف عليه في سورة (المدثر) إن شاء الله تعالى فإنه سمع القرآن من النبي ﷺ، ثم أتى مجلس قومه من بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه. هذا؛ وذكر السيوطي روايتين في أسباب النزول لا أعتمدهما. وذكر الزمخشري، والقرطبي: أنها نزلت في عثمان بن عفان﵁كان يتصدق، وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوبا، وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه! فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها. فأعطاه، وأشهد عليه، وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة، فأنزل الله تعالى الايتين، فعاد عثمان إلى أحسن ذلك، وأجمله. فهذه الرواية باد عليها الضعف.\nهذا؛ ومعنى (أرأيت) أخبرني، ومعنى ﴿تَوَلّى:﴾ أعرض عن الإيمان بعد أن شارفه، وقاربه، ومعنى (أكدى): قطع، ومنع، وأصله من الكدية، يقال لمن حفر بئرا، ثم بلغ إلى حجر، لا يتهيأ له فيه حفر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى، ولم يتمم، ولمن طلب شيئا، ولم يبلغ آخره، قال الحطيئة: [الطويل] فأعطى قليلا ثمّ أكدى عطاءه... ومن يبذل المعروف في الناس يحمد\nقال الكسائي، وغيره: أكدى الحافر، وأجبل: إذا بلغ في حفره كدية، أو جبلا، فلا يمكنه أن يحفر. قال الزمخشري: ثم استعير، فقيل: أجبل الشاعر: إذا أفحم. ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ أي: أعند هذا المكدي علم ما غاب عنه من أمر العذاب؟! ﴿فَهُوَ يَرى﴾ أي: يعلم ما غاب عنه من أمر الاخرة، وما يكون من أمره؛ حتى يضمن حمل العذاب عن غيره. وفي الكلام استعارة تصريحية؛ لأنه استعير الإعراض، والإدبار لعدم الدخول في الإيمان، وهو في الأصل يكون في الأجسام. وأيضا يوجد استعارة بقوله: (أكدى).\nالإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (الفاء): حرف استئناف. وقيل:\nعاطفة على محذوف. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الذي، وهو العائد، والمتعلق محذوف، التقدير: تولى عن الإيمان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَأَعْطى:﴾ الواو: حرف عطف.\n (أعطى): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿قَلِيلًا:﴾ مفعول به، وقيل: صفة مفعول مطلق","vol":"9","page":338},{"text":"محذوف، وعليه فقد حذف المفعولان، وعلى الأول حذف المفعول الأول فقط. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَكْدى﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَعِنْدَهُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي إنكاري. (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان ل: (رأيت)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و﴿عِلْمُ﴾ مضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَهُوَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (هو): مبتدأ.\n ﴿يَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ما قبله، والمفعول به محذوف، التقدير: يرى أن غيره يتحمل عنه عذاب الاخرة. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، قال أبو البقاء: (فهو يرى) جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، والأصل: «أعنده علم الغيب فيرى» ولو جاء على ذلك لكان نصبا في جواب الاستفهام. قال الجمل: ولا ضرورة إلى دعوى وضع هذه الجملة موضع الفعلية، بل هي معطوفة على قوله: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ فهي داخلة في خبر الاستفهام، وتكون استفهامية خرجت مخرج الإنكار. قاله السفاقسي. انتهى.\n\n<span id=\"aya-4820\"></span><span id=\"aya-4821\"></span><span id=\"aya-4822\"></span><span id=\"aya-4823\"></span><span id=\"aya-4824\"></span><span id=\"aya-4825\"></span>﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى (٣٧) أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ:﴾ يخبر. ﴿بِما فِي صُحُفِ مُوسى﴾ أي: أسفار التوراة. ﴿وَإِبْراهِيمَ﴾ أي:\nويخبر بما في صحف إبراهيم بدليل قوله تعالى في سورة (الأعلى): ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾. ﴿الَّذِي وَفّى﴾ أي: كمل، وتمم ما أمر به. وقيل: عمل بما أمر به، وبلغ رسالات ربه إلى خلقه، ويشهد له قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ رقم [١٢٤] انظر شرحها هناك، فإنه جيد يسرك، ويثلج صدرك. فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون إماما، يقتدى به، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٢٣]: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nروى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة﵁قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الاية ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ قال: أتدري ما وفّى؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «وفّى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار». وعن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه﵄عن رسول الله ﷺ: أنه قال:\n «ألا أخبركم لم سمّى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفّى؟» إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى:\n ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ حتى ختم الاية من سورة (الروم) رقم [١٧].","vol":"9","page":339},{"text":"﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي: كل نفس ظلمت نفسها بكفر، أو شيء من الذنوب، فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، كما قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١٨]: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ والمعنى: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة: أنه يحمل عنه الإثم، وانظر شرح الاية في سورة (فاطر).\nوقال ابن عباس﵄-: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون الولي بالولي في القتل، والجراحة، فيقتل الرجل بأبيه، وابنه وأخيه، وعمه وخاله، وابن عمه، وقريبه، وزوجته، وزوجها وعبده، حتى كان إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله تعالى: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾.\n ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ أي: إلا ما عمل، وهذا في صحف إبراهيم، وموسى أيضا.\nقال ابن عباس﵄-: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله تعالى في سورة (الطور) رقم [٢١]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الاباء. وقيل: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة؛ فلها ما سعوا، وما سعى لهم غيرهم، لما روي عن ابن عباس﵄أن امرأة رفعت صبيّا لها، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجرا». أخرجه مسلم. وعنه: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: إن أمي توفّيت؛ أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم». وعن عائشة﵂- قالت: إن رجلا قال لرسول الله ﷺ: إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم». أخرجاه في الصحيحين.\nوفي حديث ابن عباس﵄دليل لمذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه، وإن كان لا يجزيه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعا. وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: لا يصح حجه، وإنما يكون ذلك تمرينا للعبادة. وفي الحديثين الاخرين دليل على أن الصدقة عن الميت، تنفع الميت ويصله ثوابها، وهو إجماع العلماء، وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء، وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك، ويصح الحج عن الميت حجة الإسلام، وكذا لو أوصى بحج تطوع على الأصح عند الشافعي.\nواختلف العلماء في الصوم إذا مات، وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه للأحاديث الصحيحة فيه، والمشهور من مذهب الشافعي: أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها. وقال جماعة من أصحابه:\nيصله ثوابها، وبه قال الإمام أحمد، وأرجو من الله أن يصله ثوابها، وأما الصلوات وسائر التطوعات؛ فلا يصله عند الشافعي، والجمهور. وقال أحمد: يصله ثواب الجميع. والله أعلم.\nانتهى. خازن.","vol":"9","page":340},{"text":"هذا؛ وقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد: أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله؛ فقد خرق الإجماع، وذلك من وجوه كثيرة، وسردها الجمل واحدا وعشرين وجها، ثم قال في آخرها: ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن نتأول الاية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟!.\n ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى:﴾ أن يريه الله تعالى جزاءه يوم القيامة، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٥]: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: فيجزيكم عليه أتم الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهكذا قال هاهنا: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾. قال الأخفش: يقال:\nجزيته سعيه، وجزيته بسعيه، لا فرق بينهما، قال الشاعر-وقد جمع بين اللغتين-: [الكامل] إن أجز علقمة بن سعد سعيه... لم أجزه ببلاء يوم واحد\nهذا فإن قيل: كيف يرى العمل؟ أجيب بأنه يرى على صورة جميلة إن كان صالحا، فيريه الله أعماله الصالحة؛ ليفرح بها، ويريه الله أعماله الخبيثة قبيحة سوداء، فيزداد هما، وغما، وبلاء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» والهمزة. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿يُنَبَّأْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ ونائب فاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:\n «هو». ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما وهما في محل نصب مفعول ثان له. ﴿فِي صُحُفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و﴿صُحُفِ﴾ مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَإِبْراهِيمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إبراهيم): معطوف على ﴿مُوسى﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (إبراهيم)، أو هو بدل منه، أو عطف بيان عليه، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره أعني، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي. ﴿وَفّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. (لا): نافية. ﴿تَزِرُ:﴾ فعل مضارع.\n ﴿وازِرَةٌ:﴾ فاعله، ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أُخْرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و(أن) المخففة، واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بدلا من (ما)، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني أن لا تزر... إلخ، والجملة على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من (ما).","vol":"9","page":341},{"text":"﴿وَأَنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أن): مخففة من الثقيلة أيضا، واسمها ضمير الشأن محذوف أيضا. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِلْإِنْسانِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿سَعى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الإنسان، و﴿ما﴾ والفعل ﴿سَعى﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ موصولا؛ فهي الاسم، والجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إلا الذي سعاه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، والمصدر المؤول من (أن) المخففة، واسمها، وخبرها معطوف على سابقه على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿وَأَنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أنّ):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿سَعْيَهُ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف تسويف، واستقبال. ﴿يُرى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿سَعْيَهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق.\nهذا؛ وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف. وكذا ما بعدها، فلا يكون مضمون الجمل في الصحف على الثاني. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُجْزاهُ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، ونائب الفاعل يعود ل: (الإنسان) أيضا، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني. ﴿الْجَزاءَ:﴾\nقال أبو البقاء: هو مفعول: ﴿يُجْزاهُ،﴾ وليس بمصدر؛ لأنه وصف ب: ﴿الْأَوْفى﴾ وذلك من صفة المجزي به، لا من صفة الفعل. قال السفاقسي: لا يمنع ذلك من بقائه مصدرا؛ لأن الفعل قد يوصف بذلك مبالغة. هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿الْجَزاءَ﴾ مفسر للضمير العائد على مصدر الفعل (يجزى)، أو هو بدل منه كقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. وهذا الذي أرتضيه، وأعتمده، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.\n\n<span id=\"aya-4826\"></span><span id=\"aya-4827\"></span><span id=\"aya-4828\"></span><span id=\"aya-4829\"></span><span id=\"aya-4830\"></span>﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ أي: المرجع، والمرد، والمصير، فيعاقب، ويثيب. وقيل:\nمنه ابتداء المنة، وإليه انتهاء الأمان. وعن أبي بن كعب﵁قال: قال النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ قال: «لا فكرة في الرّبّ». وعن أنس﵁قال:\nقال النبي ﷺ: «وإذا ذكر الله فانته». ومثله ما روي عن أبي هريرة﵁مرفوعا:\n «تفكّروا في الخلق، ولا تفكّروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة». ومعناه: لا فكرة في","vol":"9","page":342},{"text":"الرب؛ أي: انتهى الأمر إليه؛ لأنك إذا نظرت إلى سائر الموجودات الممكنة؛ علمت: أنه لا بد لها من موجد، وإذا علمت: أن موجدها هو الله تعالى، فقد انتهى الأمر إليه، ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربّك؟! فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله، ولينته» أخرجه مسلم عن أبي هريرة﵁- ولقد أحسن من قال: [الطويل] ولا تفكرن في ذي العلا عزّ وجهه... فإنّك تردى إن فعلت وتخذل\nودونك مصنوعاته فاعتبر بها... وقل مثل ما قال الخليل المبجّل\n ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ أي: إن الله هو القادر على إيجاد الضدين في محل واحد:\nالضحك والبكاء، ففيه دليل على أن جميع ما يعمله الإنسان، فبقضاء الله وقدره وخلقه حتى الضحك والبكاء، قيل: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقيل:\nأضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. وقيل: أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء. فعن جابر بن سمرة﵁قال: جالست النبي ﷺ أكثر من مئة مرة، وكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت، وربما تبسم معهم إذا ضحكوا، أخرجه الترمذي. وسئل ابن عمر﵄-، هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون، قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل.\nوقال ذو النون: أضحك قلوب المؤمنين، والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين، والعاصين بظلمة مخالفته، ومعصيته. وقال بسام بن عبد الله: أضحك أسنانهم، وأبكى قلوبهم، وأنشد: [البسيط] السّنّ تضحك والأحشاء تحترق... وإنما ضحكها زور ومختلق\nيا ربّ باك بعين لا دموع لها... وربّ ضاحك سنّ ما به رمق\nوقيل: إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك، والبكاء من بين سائر الحيوان. وقد قيل:\nالقرد وحده يضحك، ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي، ولا تضحك. وقال يوسف بن الحسين: سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا، ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم.\nهذا؛ والبكا بالقصر إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد (البكاء) إسالة الدمع مع رفعه.\nقال الخليل-رحمه الله تعالى-: من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مده ذهب به إلى معنى الصوت، قال كعب بن مالك الأنصاري﵁-: [الوافر] بكت عيني وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء ولا العويل","vol":"9","page":343},{"text":"هذا؛ وكما يكون البكاء من الحزن، يكون كذلك من الفرح، فقد بكى الصديق﵁- حينما سأل الرسول ﷺ الصحبة، والرفقة في الهجرة. فقال له ﷺ: «نعم». قالت عائشة﵂-: وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر، ورحم الله من قال: [الكامل] ورد الكتاب من الحبيب بأنّه... سيزورني فاستعبرت أجفاني\nغلب السرور عليّ حتى إنني... من فرط ما قد سرني أبكاني\nيا عين صار الدمع عندك عادة... تبكين من فرح ومن أحزان\nوكذلك لما قال الرسول ﷺ لأبي بن كعب﵁-: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾. إلخ». بكى من الفرح. وقال: وسماني؟! قال:\n «نعم». وفي سفر السعادة قال العلماء: البكاء على عشرة أنواع: بكاء فرح، وبكاء حزن لما فات، وبكاء رحمة، وبكاء خوف لما يحصل، وبكاء كذب، كبكاء النائحة، فإنها تبكي بشجو غيرها، وبكاء موافقة بأن يرى جماعة يبكون، فيبكي مع عدم علمه بالسبب، وبكاء المحبة، والشوق، وبكاء الجزع من حصول ألم لا يحتمله، وبكاء الخور والضعف، وبكاء النفاق، وهو أن تدمع العين؛ والقلب قاس.\nوأما التباكي، فهو: تكلف البكاء، وهو نوعان: محمود، ومذموم، فالأول: ما يكون لاستجلاب رقة القلب، وهو المراد بقول سيدنا عمر﵁لما رأى المصطفى ﷺ وأبا بكر﵁يبكيان في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يبكيك يا رسول الله، فإن وجدت بكاء بكيت، وإلا تباكيت؟ ومن ثم لم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك. والثاني: ما يكون لأجل الرياء، والسمعة. انتهى. السيرة الحلبية.\nفإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ ولم يقل: وأنه هو خلق الزوجين؟ كما قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ،﴾ ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ فالجواب: أن الضحك، والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان، وكذا الإماتة، والإحياء، وإن كان ذلك التوهم فيهما أبعد، لكن ربما يقول به جاهل، كما قال من حاج إبراهيم: (أنا أحيي وأميت) فأكد ذلك بالفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة؛ فلا يتوهم أحد: أنه بفعل أحد من الناس، فلم يؤكد بالفصل. انتهى. جمل نقلا من كرخي.\n ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ أي: قضى أسباب الموت، والحياة. وقيل: خلق الموت، والحياة، كما قال تعالى في سورة (الملك): ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾. وقيل: أمات الكافر بالكفر، وأحيا المؤمن بالإيمان، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٢]: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا..﴾.\nإلخ، وقال تعالى في سورة (الأنعام) أيضا رقم [٣٦]: ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ﴾","vol":"9","page":344},{"text":"﴿اللهُ﴾. وقيل: أمات في الدنيا، وأحيا للبعث. وقيل: أمات الاباء، وأحيا الأبناء. وهذان ضعيفان. ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ أي: من كل حيوان، وهو أيضا من جملة المتضادات التي تتوارد على النطفة، فيخلق بعضها ذكرا، وبعضها أنثى. وهذا شيء لا يصل إليه فهم العقلاء، ولا يعلمونه، وإنما هو بقدرة الله تعالى، وخلقه لا بفعل الطبيعة. وانظر ما ذكرته في سورة (الذاريات) رقم [٤٩]. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ أي: تصب في الرحم، وتراق. يقال: منى الرجل، وأمنى، من المني، وسميت منى-موضع بمكة-بهذا الاسم لما يمنى فيها من الدماء؛ أي: يراق. وقيل: تقدّر، قاله أبو عبيدة. يقال: منيت الشيء: إذا قدرته، ومني له؛ أي: قدر له. قال أبو قلابة الهذلي: [البسيط] ولا تقولن لشيء سوف أفعله... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني\nأي: ما يقدر لك القادر. وفي هذا تنبيه على كمال قدرته جل شأنه؛ لأن النطفة شيء واحد، خلق الله منها أعضاء مختلفة، وطباعا متباينة، وخلق منها الذكر، والأنثى. وهذا من عجيب صنعته، وكمال قدرته. هذا؛ ولا تنس الطباق، بل المقابلة بين: أضحك، وأبكى، وبين: أمات، وأحيا، وبين الذكر، والأنثى. وخذ قوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾.\nالإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أنّ) تقدم على اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْمُنْتَهى:﴾ اسم (أنّ) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على سابقه على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿وَأَنَّهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضْحَكَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن)، والمصدر المؤول معطوف على سابقه. ﴿وَأَبْكى:﴾ الواو:\nحرف عطف. (أبكى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا لا محل له، أو اعتبرته توكيدا لاسم (أنّ) على المحل؛ فالجملة: ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وتأويله. ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ﴾ معطوف أيضا على ما قبله. ﴿الزَّوْجَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الذَّكَرَ:﴾ بدل من ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ منصوب مثله. ﴿وَالْأُنْثى:﴾ الواو: حرف عطف. (الأنثى): معطوف عليه منصوب مثله، وعلامة نصبه","vol":"9","page":345},{"text":"فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ﴾. ﴿إِذا:﴾ ظرف متعلق بالفعل ﴿خَلَقَ﴾ أيضا مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُمْنى:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿نُطْفَةٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-4831\"></span><span id=\"aya-4832\"></span><span id=\"aya-4833\"></span><span id=\"aya-4834\"></span><span id=\"aya-4835\"></span>﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى﴾ أي: إعادة الأرواح في الأشباح للبعث، والحشر، والحساب. هذا؛ وقال الزمخشري: وقال: ﴿عَلَيْهِ﴾ لأنها واجبة عليه في الحكمة؛ ليجازي على الإحسان، والإساءة. قال أحمد محشي الكشاف: هذا من فساد اعتقاد المعتزلة، الذين يسمونه مراعاة للصلاح، والحكمة. وأي فساد أعظم مما يؤدي إلى اعتقاد الإيجاب على رب الأرباب، تعالى الله عن ذلك. ومثل هذه القاعدة-التي عفت البراهين القاطعة رسمها، وأبطلت حكمها- لا يكفي فيها كلمة محتملة هي لو كانت ظاهرة؛ لوجب تنزيلها على ما يوفق بينها، وبين القواطع. والذي حملت عليه لفظة: ﴿عَلَيْهِ﴾ غير هذا المعنى، وهو: أنّ المراد أن أمر النشأة الأخرى يدور على قدرته ﷿ وإرادته، كما يقال: دارت قضية فلان على يدي، وقول المحدثين: على يدي دار الحديث؛ أي: هو الأصل فيه، والسند. والله أعلم. انتهى. هذا؛ وقال البيضاوي: المراد: الإحياء بعد الموت وفاء بوعده.\nهذا؛ وقال أحمد محشي الكشاف: ﴿الْأُخْرى﴾ تأنيث الاخر، ولا شك: أنه في الأصل مشتق من التأخير الوجودي، إلا أن العرب عدلت به عن الاستعمال في التأخير الوجودي إلى الاستعمال حيث يتقدم ذكر مغاير لا غير؛ حتى سلبته دلالته على المعنى الأصلي بخلاف: آخر.\nوآخرة على وزن: فاعل، وفاعلة، فإن إشعارهما بالتأخير الوجودي ثابت، لم يغير، ومن ثم عدلوا عن أن يقولوا: ربيع الاخر على وزن الأفعل، وجمادى الأخرى، إلى ربيع الاخر على وزن فاعل، وجمادى الاخرة على وزن فاعلة؛ لأنهم أرادوا أن يفهموا التأخير الوجودي؛ لأن الأفعل، والفعلى من هذا الاشتقاق مسلوب الدلالة على غرضهم، فعدلوا عنهما إلى الاخر، والاخرة، والتزموا ذلك فيهما، وهذا البحث مما كان الشيخ أبو عمرو بن الحاجب-رحمه الله تعالى-قد حرره آخر مدته، وهو الحق إن شاء الله تعالى، وحينئذ يكون المراد الإشعار بتقدم مغاير في الذكر مع ما نعتقده في الوفاء بفاصلة رأس الاية. والله أعلم. انظره في حاشية الكشاف عند الاية رقم [٢٠] من هذه السورة.\nهذا؛ وفي القاموس المحيط: والاخر خلاف الأول، والمؤنثة آخرة، وبفتح الخاء بمعنى غير، والجمع بالواو والنون، وأخر، والأنثى: أخرى، وأخراة، والجمع أخريات وأخر. وفي المختار ما يشبهه وانظر سورة (الصافات) رقم [٨٢] إن أردت الزيادة.","vol":"9","page":346},{"text":"﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ أي: ملّك عباده المال، وجعله قنية لهم، مقيما عندهم، لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليهم. وقال ابن زيد: أغنى من شاء، وأفقر من شاء، ثم قرأ:\n ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ وفي الكشاف: أقنى: أعطى القنية، وهي المال الذي تأثلته، وعزمت أن لا تخرجه من يدك. انتهى. وقال سفيان: أغنى بالقناعة، وأقنى بالرضا.\nوالفصل بالضمير للتأكيد على أن المعطي، والمانع هو الله سبحانه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.\n ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى:﴾ وهي الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، وهما الشعريان: العبور، والأخرى: الغميصاء سميت بذلك لأنها أخفى من العبور، والمجرة بينهما، وتزعم العرب: أنهما أختا سهيل، وإنما ذكر: أنه رب الشعرى، وإن كان ربا لغيره؛ لأن العرب كانت تعبده، فأعلمهم الله ﷿ أن الشعرى مربوب، وليس برب.\nواختلف فيمن كان يعبده، فقال السدي: كانت تعبده حمير، وخزاعة. وقال غيره: أول من عبده أبو كبشة أحد أجداد النبي ﷺ، من قبل أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي ﷺ ابن أبي كبشة، وقد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها، ويعتقد تأثيرها في العالم، قال الشاعر: [الوافر] مضى أيلول وارتفع الحرور... وأخبت نارها الشّعرى العبور\nوهذا يفيد: أن العرب كانوا يعرفون تسمية الأشهر الميلادية، وهو غير موافق للحقيقة، وإنما كانوا لا يعرفون إلا الأشهر القمرية، والتسمية العربية المعروفة الان. ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى:﴾ وهم قوم هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، أهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، فكانوا عادا أخرى. وقيل: الأخرى إرم المذكورة في سورة (الفجر)، وقال ابن زيد: قيل لها عادا الأولى؛ لأنها أول أمة أهلكت بعد نوح ﵇. وقال ابن إسحاق: هما عادان: فالأولى أهلكت بالريح الصرصر، ثم كانت الأخرى، فأهلكت بالصيحة. ﴿وَثَمُودَ فَما أَبْقى:﴾ ثمود هم قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، أهلكهم الله بالصيحة فما أبقى منهم أحدا، وقد تقدمت قصة قوم عاد، وقوم ثمود مبسوطة في كثير من السور، مثل (الأعراف) وسورة (هود) وسورة (الشعراء) وغير ذلك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أنّ)، تقدم على اسمها. ﴿النَّشْأَةَ:﴾ اسم (أنّ) مؤخر.\n ﴿الْأُخْرى:﴾ صفة ﴿النَّشْأَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ إعراب هذه الاية مثل إعراب: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ بلا فارق بينهما. ﴿وَأَنَّهُ:﴾ (الواو): حرف عطف، (أنه):","vol":"9","page":347},{"text":"حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.\n ﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الشِّعْرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿رَبُّ﴾ هو خبر (أنّ) وعلى الاعتبارين فالمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله، وكذلك المصدر المؤول من (أنه أهلك عادا) معطوف أيضا على ما قبله. ﴿الْأُولى:﴾ صفة ﴿عادًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَثَمُودَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ثمود): معطوف على ﴿عادًا﴾. وقيل: مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وأهلك ثمود.\n ﴿فَما:﴾ (الفاء): حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَبْقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكَ،﴾ والمفعول محذوف للفاصلة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَهْلَكَ عادًا﴾ فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-4836\"></span><span id=\"aya-4837\"></span><span id=\"aya-4838\"></span><span id=\"aya-4839\"></span>﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشّاها ما غَشّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وأهلك قوم نوح من قبل عاد، وثمود بالغرق. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ أي: أظلم وأفسد من قوم عاد، وثمود، وذلك لطول مدة نوح فيهم، حتى كان الرجل منهم يأخذ بيد ابنه، فينطلق به إلى نوح ﵇، فيقول: احذر هذا، فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا، وقال لي مثل ما قلت لك؛ ليموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه. وقيل: إن الكناية ترجع إلى كل من ذكر من عاد، وثمود، وقوم نوح؛ أي:\nكانوا أكفر من مشركي العرب، وأطغى، فيكون فيه تسلية، وتعزية للنبي ﷺ، فكأنه يقول له:\nفاصبر أنت؛ فالعاقبة الحميدة لك.\n ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ يعني: مدائن قوم لوط﵇ائتفكت بهم؛ أي: انقلبت بهم، وصار عاليها سافلها، وذلك: أن جبريل ﵇، رفعها إلى السماء، ثم أهوى بها.\n ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ أي: ألبسها ما ألبسها من الحجارة، قال تعالى في سورة (هود): ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ رقم [٨٢]، ومثلها في الاية رقم [٤] من سورة (الحجر). ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ أي: فبأي نعم ربك تشك أيها الإنسان المكذب؛ ونعم الله كثيرة لا تعد، ولا تحصى. وقيل: أراد بآلائه ما عدّد في هذه السورة، وغيرها من النعم، والنقم، وسماها الله نعما؛ وإن كانت نعما، ونقما؛ لأن النعمة ظاهرة، وأما النقمة ففيها من العبر، والمواعظ للمعتبرين، والانتقام من الكافرين للأنبياء، والمؤمنين، وانظر رقم [١٣] من سورة (الرحمن).","vol":"9","page":348},{"text":"الإعراب: ﴿وَقَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قوم) معطوف على ﴿عادًا﴾ و(ثمود) وهو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وأهلك قوم، فيكون العطف عطف جملة فعلية على مثلها، و(قوم) مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل المقدر، والأولى على تأويل الجماعة لمراعاة الفواصل، وإلا فكان مقتضى الظاهر أن يقال: الأول. وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ ضمير منفصل لا محل له من الإعراب، أو هو توكيد لواو الجماعة. ﴿أَظْلَمَ:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل لإهلاكهم. (أطغى): معطوف على ﴿أَظْلَمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ:﴾ الواو: حرف عطف. (المؤتفكة): مفعول به مقدم. ﴿أَهْوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ربك، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَهْلَكَ عادًا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَغَشّاها:﴾ الفاء: حرف عطف. (غشاها): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. (وها): مفعول به أول. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ﴿غَشّى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ والمفعولان محذوفان، التقدير: الذي غشاها إياه. ﴿فَبِأَيِّ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فبأي... إلخ. (بأي): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(أي) مضاف، و﴿آلاءِ:﴾ مضاف إليه، و﴿آلاءِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿تَتَمارى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4840\"></span><span id=\"aya-4841\"></span><span id=\"aya-4842\"></span>﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ (٥٨)﴾\nالشرح: ﴿هذا نَذِيرٌ..﴾. إلخ: قال ابن جريج، ومحمد بن كعب: يريد: أن محمدا ﷺ نذير بالحق، الذي أنذر به الأنبياء قبله، فإن أطعتموه؛ أفلحتم، وإلا؛ حل بكم ما حل بمكذبي الرسل السالفة. هذا؛ وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ..﴾. إلخ رقم [٩] من سورة (الأحقاف)، وقال قتادة: يريد القرآن، وأنه نذير بما أنذرت به الكتب الأولى. هذا؛ و﴿النُّذُرِ﴾ في قول العرب بمعنى: الإنذار كالنكر بمعنى الإنكار؛ أي: هذا إنذار لكم. وقيل: متعلقان بمحذوف","vol":"9","page":349},{"text":"حال، وهو ضعيف. ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أي: قربت الساعة، ودنت القيامة، وسماها الله آزفة لقرب قيامها عنده، كما قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ وقيل: سماها: آزفة؛ لدنوها من الناس، وقربها منهم؛ ليستعدوا لها؛ لأن كل ما هو آت قريب. قال النابغة الذبياني: [الكامل] أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا... لمّا تزل برحالنا وكأن قد\nوهذا هو الشاهد رقم [٣١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وكان بعضهم يتمثل، ويقول معترفا بتقصيره بطاعة الله تعالى: [الكامل] أزف الرّحيل وليس لي من زاد... غير الذّنوب لشقوتي ونكادي\nهذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (غافر) رقم [١٨]: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ،﴾ وقال تعالى في أول سورة (النحل): ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ،﴾ وقال في أول سورة (الأنبياء): ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ أي: ليس لها من دون الله من يؤخرها، أو يقدمها. وقيل: كاشفة؛ أي: انكشاف؛ أي: لا يكشف عنها، ولا يبديها إلا الله تعالى، فالكاشفة على هذا اسم بمعنى المصدر، مثل: العاقبة، والعافية، والداهية، والباقية، قال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ،﴾ أو المعنى: ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله، لكنه لا يكشفها، أو المعنى: ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله؛ إذ لا يطلع عليها أحد سواه. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧]: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾.\nهذا؛ و﴿دُونِ﴾ بمعنى: غير، وسوى هنا، وأصله من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض. ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، وعلو المنزلة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد.\nهذا؛ ويأتي «دون» بمعنى: قدام، قال الشاعر: [الطويل] تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق\nهذا؛ ومثله: «أدنى» وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان:\nأحدهما: أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني: أن يكون بمعنى القريب منكم؛ لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله تعالى؛ لأن نفعه متأخر إلى الاخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء، حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ من سورة (البقرة) رقم [٦١].\nوقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من: دنؤ يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الان: أفلع. انتهى. عكبري في إعراب الاية [٦١] من سورة (البقرة).","vol":"9","page":350},{"text":"الإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنَ النُّذُرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، ﴿الْأُولى:﴾ صفة ﴿النُّذُرِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَزِفَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْآزِفَةُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف، وتعليقهما ب: ﴿كاشِفَةٌ﴾ لا بأس به، و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿كاشِفَةٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة. وقيل: في محل نصب حال من ﴿الْآزِفَةُ﴾.\n\n<span id=\"aya-4843\"></span><span id=\"aya-4844\"></span><span id=\"aya-4845\"></span><span id=\"aya-4846\"></span>﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاُعْبُدُوا (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، وانظر ما ذكرته في سورة (الذاريات) رقم [٢٤] ورقم [٣٤] من سورة (الطور). ﴿تَعْجَبُونَ﴾ أي: تتعجبون إنكارا من أن يكون صحيحا أنزله الله على رجل فقير، لا يملك شيئا من عرض الدنيا. هذا؛ والعجب (بفتح العين، والجيم): انفعال نفساني، يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب:\nالعجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. هذا؛ والعجب، والتعجّب في حق الله تعالى ليس هو كالتعجب من الادميين؛ لأن العجب من الناس محمول على إنكار الشيء، وتعظيمه، والعجب، والتعجب في حق الله تعالى محمول على تعظيم تلك الحالة، فإن كانت قبيحة يترتب عليها العقاب، وإن كانت حسنة يترتب عليها الثواب. هذا؛ وقد ورد العجب، والتعجب من الله تعالى في بعض الايات القرآنية مثل قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٥٠]: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾. وفي بعض الأحاديث الشريفة، مثل قول الرسول ﷺ لمن أقرى الضيف المجهود: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما». رواه مسلم، وغيره عن أبي هريرة﵁-، وقوله ﷺ: «يعجب ربّك من راعي غنم في رأس شظيّة للجبل يؤذّن بالصّلاة، ويصلّي». رواه أبو داود، والنسائي عن عقبة بن عامر﵁-. هذا؛ وسئل الجنيد-رحمه الله تعالى-عن آية (الصافات) رقم [١٢]:\n ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ حيث قرئ بضم التاء، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، ولكن وافق رسوله، ولما عجب رسوله ﷺ، قال: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾.","vol":"9","page":351},{"text":"هذا؛ والعجب (بضم العين، وسكون الجيم): رؤية النفس، وحقيقته أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما، أو ورعا، أو أدبا، أو غير ذلك، ويعتقد أن له منزلة لا يدانيه فيها أحد سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم، وبئس المصير! وقد عده الرسول ﷺ من المهلكات في الحديث الذي رواه أنس﵁- «وأمّا المهلكات؛ فشحّ مطاع، وهو متّبع، وإعجاب المرء بنفسه».\n ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ منه سخرية، واستهزاء، ﴿وَلا تَبْكُونَ:﴾ خوفا من الوعيد، والعقاب الشديد.\nروي: أن النبي ﷺ ما رؤي بعد نزول هذه الاية ضاحكا إلا تبسما. وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الاية قال أهل الصفة: إنا لله، وإنا إليه راجعون، ثم بكوا؛ حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع النبي ﷺ بكاءهم؛ بكى معهم، فبكينا لبكائه، فقال رسول الله ﷺ: «لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصرّ على معصية، ولو لم تذنبوا؛ لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم، ويرحمهم، إنه هو الغفور الرحيم». رواه البيهقي.\nوقال أبو حازم﵁-: نزل جبريل على النبي ﷺ، وعنده رجل يبكي، فقال له: من هذا؟ قال: هذا فلان، فقال جبريل ﵇: «إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، فإن الله تعالى ليطفئ بالدمعة الواحدة بحورا من جهنم». وانظر سورة (الرحمن) رقم [٤٦]، وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الطارق) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك بعد الإعراب.\n ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ أي: لاهون معرضوان. وقيل: هو الغناء بالغة حمير، يقال: سمد له؛ أي:\nغنى له، فكانوا إذا سمعوا القرآن يتلى غنوا، ولعبوا؛ حتى لا يسمعوا. وقيل: ﴿سامِدُونَ:﴾\nشامخون متكبرون. وفي الصحاح: سمد سمودا: إذا رفع رأسه تكبرا، وكل رافع رأسه فهو سامد، قال رؤبة بن العجاج يصف إبلا: [الرجز] سوامد الليل، خفاف الأوراد\nوقال المبرد: ﴿سامِدُونَ:﴾ خامدون. قال عبد الله بن الزّبير-بكسر الباء-وهذا هو الشاهد رقم [١٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» إعراب شواهد جامع الدروس العربية-: [الوافر] رمى الحدثان نسوة آل حرب... بمقدار سمدن له سمودا\nفردّ شعورهنّ السّود بيضا... وردّ وجوههنّ البيض سودا\n ﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا:﴾ المراد به سجود تلاوة القرآن، وهو قول ابن مسعود﵁- وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، رحمهما الله تعالى، وقد تقدم أول هذه السورة من حديث ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ سجد فيها، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس. وقيل: إنما سجد معه المشركون؛ لأنهم سمعوا صوت الشيطان في أثناء قراءة","vol":"9","page":352},{"text":"رسول الله ﷺ، عند قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ وأنه قال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، كذا في رواية سعيد بن جبير﵁-: ترتجى، وفي رواية أبي العالية، وإن شفاعتهن ترتضى، ومثلهن لا ينسى.\nففرح المشركون، وظنوا: أنه من قول النبي ﷺ، انظر ما ذكرته في سورة (الحج) رقم [٥٢] و[٥٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، فلما بلغ الخبر من كان بالحبشة من أصحاب النبي ﷺ رجعوا إلى مكة ظنا منهم أن أهل مكة آمنوا، فكان أهل مكة أشد عليهم، وأخذوا في تعذيبهم إلى أن كشف الله عنهم البلاء، وذلك بالهجرة إلى المدينة المنورة.\nوقيل: المراد: سجود الصلاة، وهو قول ابن عمر﵄كان لا يراها من عزائم السجود، وبه قال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-. وروى أبيّ بن كعب﵁-:\nكان آخر فعل النبي ﷺ ترك السجود في المفصل. والأول أصح. وسجود التلاوة يسن للقارئ، والسامع، والمستمع. والدليل على ذلك سجود النبي ﷺ، فعن عبد الله بن عمر﵄-: أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة، متفق عليه. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول:\nيا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» رواه مسلم.\nهذا؛ وشروط سجود التلاوة هي شروط الصلاة، وتزيد عند الشافعي بأنها تحتاج إلى نية كنية الصلاة، وسلام كسلام الصلاة، وهي فورية عند الشافعي، وعلى التراخي عند أبي حنيفة.\nلذا إذا كان القارئ، أو السامع لا يستطيع السجود لعدم طهارته، أو لعدم قدرته على السجود لمانع يمنعه منه يكفيه أن يقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) أربع مرات، وهذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة، فيقضيها بعد التمكن من فعلها ولو بعد أيام، وإذا كانت في الصلاة؛ فلا تؤدى إلا بالسجود لها عند الشافعي، وعند أبي حنيفة تؤدى بركوع الصلاة إذا نواها معه.\nالإعراب: ﴿أَفَمِنْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي إنكاري. (الفاء): حرف استئناف.\n (من هذا): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء مقحمة بينهما. ﴿الْحَدِيثِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعربه صفة. ﴿تَعْجَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ (الواو): واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿سامِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين","vol":"9","page":353},{"text":"في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿فَاسْجُدُوا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة، وانظر الاية رقم [٢٩]. (اسجدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو هي جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا منكم؛ ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَاعْبُدُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اعبدوا): فعل أمر مثل سابقه، ومفعوله محذوف، التقدير: اعبدوا لله دون الحجارة، وما أشبهها من المعبودات الباطلة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.\nانتهت سورة (النجم) شرحا وإعرابا، بحمد الله وبتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4360>سورة القمر</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (القمر)، وهي مكية في قول الجمهور، وهي خمس وخمسون آية، وثلاثمئة واثنتان وأربعون كلمة، وألف وأربعمئة، وثلاثة وعشرون حرفا. انتهى. خازن، وذكرت لك في أول سورة (ق) أن عمر بن الخطاب﵁سأل أبا واقد الليثي ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في الأضحى والفطر، فقال: كان يقرأ فيهما ب: (ق) و(اقتربت). أخرجه مسلم وأصحاب السنن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4847\"></span><span id=\"aya-4848\"></span>﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾\nالشرح: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أي: دنت وقربت مثل ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ في سورة (النجم) رقم [٥٧]. أي: فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة؛ لأنه قد مضى أكثر الدنيا، كما روى قتادة عن أنس -﵁قال: خطب رسول الله ﷺ، وقد كادت الشمس تغيب، فقال: «ما بقي من دنياكم فيما مضى إلاّ مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى». وما نرى من الشمس إلا يسيرا.\nهذا؛ وانظر شرح ﴿السّاعَةُ﴾ في الاية رقم [٦١] من سورة (الزخرف). هذا؛ وقال تعالى في أول سورة (النحل): ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ،﴾ وقال تعالى في أول سورة (الأنبياء): ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. هذا؛ وقيل: في اقترب زيادة مبالغة في قرب.\n ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ:﴾ انشقاق القمر آية من آيات رسول الله ﷺ الظاهرة، ومعجزاته الباهرة، يدل عليه ما روي عن أنس﵁-: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين. أخرجه البخاري ومسلم، وزاد الترمذي، فنزلت: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ..﴾. إلخ. ولهما عن ابن مسعود﵁-، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، فقال رسول الله ﷺ: «اشهدوا». وفي رواية أخرى؛ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى؛ إذ انفلق القمر فلقتين: فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ:\n «اشهدوا!». وعن جبير بن مطعم﵁قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ، فصار فرقتين، فقالت قريش: سحر محمد أعيننا. فقال بعضهم: لئن كان سحرنا؛ ما يستطيع أن","vol":"9","page":355},{"text":"يسحر الناس كلهم. أخرجه الترمذي. وزاد غيره: فكانوا يتلقّون الركبان، فيخبرونهم بأنهم قد رأوه، فيكذبونهم.\nفهذه الأحاديث الصحيحة قد وردت بهذه المعجزة العظيمة مع شهادة القرآن المجيد بذلك، فإنه أدل دليل، وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه مؤمن؛ وقد أخبر عنه الصادق، فيجب الإيمان به، واعتقاد وقوعه.\nوقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين لمخالفي الملة، وذلك لما أعمى الله قلوبهم، ولا إنكار للعقل فيها؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى، يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه، ويكوره في آخر أمره، فأما قول بعض الملاحدة:\nلو وقع هذا؛ لنقل متواترا، واشترك أهل الأرض كلهم في رؤيتهم له، ومعرفته، ولم يختص بها أهل مكة. فأجاب العلماء عن هذا بأن الانشقاق حصل في الليل، ومعظم الناس نيام غافلون، والأبواب مغلقة، وهم مغطون بثيابهم، فقل من يتفكر في السماء، أو ينظر إليها إلا الشاذ النادر ومما هو مشاهد معتاد: أن كسوف القمر وغيره مما يحدث في السماء بالليل من العجائب، والأنوار الطوالع، والشهب العظام، ونحو ذلك مما يقع، ولا يتحدث به إلا آحاد الناس، ولا علم عند غيرهم بذلك، لما ذكرناه من غفلة الناس به، وكان هذا الانشقاق آية عظيمة، حصلت في الليل لقوم سألوها، والتزموا رؤيتها، فلم يتأهب غيرهم لها. انتهى. خازن بتصرف بسيط.\n ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا:﴾ دليل على وجود هذه الاية العظيمة، وقد كان ذلك في زمن رسول الله ﷺ. والمعنى: وإن يروا آية تدل على صدق رسول الله ﷺ، ومعنى ﴿يُعْرِضُوا﴾ أي: عن الإيمان، والتصديق بما جاء به رسول الله ﷺ. قال ابن عباس﵄-: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ، وقالوا: إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين: نصفا على أبي قبيس، ونصفا على قعيقعان. فقال رسول الله ﷺ: «إن فعلت؛ تؤمنوا؟». قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله ﷺ ينادي المشركين: «يا فلان! يا فلان! اشهدوا!».\n ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ:﴾ أي دائم مطرد، وكل شيء دام حاله قيل فيه: مستمر، وذلك لما رأوا تتابع المعجزات، وترادف الايات، فقالوا: هذا سحر مستمر. وقيل: مستمر؛ أي: قوي محكم شديد بعلوه، يعلو كل سحر. قال البحتري في وصف الذئب: [الطويل] طواه الطّوى حتّى استمرّ مريره... فما فيه إلاّ الروح والعظم والجلد\nوانظر ما ذكرته في الاية رقم [٦] من سورة (النجم). وقيل: معناه: مرّ من المرارة، يقال:\nأمرّ الشيء صار مرا، وكذلك مرّ الشيء. وإنما قالوا ذلك تمنية لأنفسهم وتعليلا. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ تقديم، وتأخير، وبه قال القرطبي-رحمه الله تعالى-.","vol":"9","page":356},{"text":"الإعراب: ﴿اِقْتَرَبَتِ:﴾ فعل ماض: والتاء للتأنيث. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَانْشَقَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (انشق القمر): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن):\nحرف شرط جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُعْرِضُوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها معطوف على ما قبله لا محل له أيضا.\n ﴿وَيَقُولُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (يقولوا): معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله.\nويجوز في القواعد النحوية اعتباره منصوبا، ومرفوعا أيضا، لكن لم يقرأ بالرفع. وهذا على القاعدة التي قررها ابن مالك-رحمه الله تعالى-بقوله: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن\nوقد قرئ بالأوجه الثلاثة قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٤]: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ﴾ حيث قرئ (فيغفر) برفعه، ونصبه، وجزمه.\n ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا سحر. ﴿مُسْتَمِرٌّ:﴾ صفة ﴿سِحْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4849\"></span>﴿وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ أي: النبيّ ﷺ، وما عاينوا من قدرة الله. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي:\nاتبعوا ما تزينه لهم نفوسهم، وتزينه لهم شياطينهم من الباطل، ودفع الحق بعد ظهوره. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: لكل أمر حقيقة، فما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الاخرة فسيعرف. وقيل: (كل أمر مستقر) فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار.\nوقيل: يستقر قول المصدقين، والمكذبين حين يعرفون حقيقته بالثواب، أو العقاب. وقيل: هو جواب قولهم: سحر مستمر، يعني: ليس أمره بذاهب كما زعمتم، بل كل أمر من أموره مستقر، وإن أمر محمد رسول الله ﷺ، سيظهر إلى غاية يتبين فيها: أنه حق. هذا؛ وقرئ بفتح القاف، فيكون المعنى: كل أمر ذو مستقر؛ أي: ذو استقرار، أو ذو موضع استقرار، أو زمان استقرار.\nهذا؛ وانظر شرح (الهوى) في الاية رقم [١٨] من سورة (الجاثية).","vol":"9","page":357},{"text":"الإعراب: ﴿وَكَذَّبُوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (كذبوا): ماض مبني على الفتح لاتصاله بواو الجماعة. والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَكُلُّ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (كل): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿أَمْرٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُسْتَقِرٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لإقناطهم مما علقوا به أمانيهم الفارغة من عدم استقرار أمره ﷺ، حيث قالوا: سحر مستمر ببيان ثباته، ورسوخه.\n\n<span id=\"aya-4850\"></span><span id=\"aya-4851\"></span>﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ أي: جاء أهل مكة في القرآن. ﴿مِنَ الْأَنْباءِ﴾ أي: أخبار الأمم السابقة؛ التي أهلكها بكفرها وسيّئ أعمالها. أو المراد: أخبار الاخرة، وما وصف القرآن من عذاب الكفار، والعصاة. ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي: ما فيه واعظ، وزاجر عن الكفر، وارتكاب المعاصي، فهو مصدر ميمي، أو اسم مكان. يقال: زجره، وازدجره، فانزجر، وازدجر، وزجرته أنا فانزجر؛ أي: كففته، فكف، كما قال الشاعر: [المتقارب] فأصبح ما يطلب الغانيا... ت مزدجرا عن هواه ازدجارا\n ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ أي: القرآن حكمة بالغة عالية، لا خلل فيها، فيه نهاية الصواب والحق والحكمة. ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ:﴾ إذا كذبوا، وعصوا، وأعرضوا، كما قال تعالى في الاية رقم [١٠١] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾. و﴿النُّذُرُ﴾ يجوز أن يكون جمع: نذير بمعنى المنذر، أو المنذر منه، أو هو مصدر بمعنى الإنذار.\nهذا؛ وجاء يجيء لازما، ومتعديا، فإن كان بمعنى: حضر، وأقبل فهو لازم مثل قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ ومثلها كثير، وإن كان بمعنى: بلغ، أو وصل فهو متعد، كما في هذه الاية، ومثلها كثير، أما (النبأ): فهو الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء، وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى أعلم، فيتعدى لواحد بنفسه، وللاخر بحرف الجر، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما﴾","vol":"9","page":358},{"text":"﴿كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ رقم [١٤] من سورة (المائدة)، والاية رقم [٦] من سورة (المجادلة) وانظر الاية رقم [٣] من سورة (التحريم) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. وهو كثير في كتاب الله تعالى.\n ﴿مُزْدَجَرٌ:﴾ الدال بدل من تاء، وهو مفتعل من الزجر، وإنما أبدلت الدال من التاء؛ لأن التاء مهموسة، والزاي مجهورة، ومخرجهما قريب من الاخر، فأبدلوا من التاء حرفا هو من مخرجها، يوافق الزاي في الجهر، وهي الدال. هذا؛ وقرئ: «(مزّجر)» بقلب تاء الأفعال زايا، وإدغامها في مثلها.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم) ففيها الكفاية. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿مِنَ الْأَنْباءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وعلقهما الجمل بمحذوف حال من ﴿ما﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل فاعل، والجملة الفعلية (لقد جاءهم...) إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف.\nهذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها؛ ف: ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ يكون فاعلا بالمتعلق المحذوف. ﴿حِكْمَةٌ:﴾ بدل من ﴿ما،﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو حكمة، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من ﴿ما﴾. هذا؛ وقرئ: «(حكمة)» بالنصب على أنه حال من ﴿ما﴾. ﴿بالِغَةٌ:﴾ صفة ﴿حِكْمَةٌ﴾.\n ﴿فَما:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تُغْنِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿النُّذُرُ:﴾ فاعله. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) استفهامية، فهي في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: فأي شيء من الأشياء النافعة تغني النذر، أو هي في محل نصب مفعول مطلق، التقدير: فأي إغناء تغني النذر، والجملة الفعلية على جميع وجوه الإعراب لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو معطوفة على جواب القسم.\nتنبيه: حذفت الياء من ﴿فَما تُغْنِ﴾ إتباعا لرسم المصحف، ووجهه: إتباع الرسم للفظ، وهي في اللفظ قد حذفت لالتقاء الساكنين، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾ لا ترسم في العين (واو) إتباعا لخط المصحف الإمام، وقوله: ﴿الدّاعِ﴾ لا يرسم في العين ياء، لأنها من ياآت الزوائد، وهي لا تثبت في الخط وإن كان في اللفظ يصح إثباتها، وحذفها، كما قرئ بهما في السبع، وكذا قوله فيما يأتي: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ لا ترسم فيه الياء لما ذكر. انتهى. جمل. هذا؛ وأما أنا فقد أثبت الواو والياء فيما ذكر ليتضح الإعراب، وعلل مكي هذا الحذف بقوله: لأن المصحف كتب بلفظ الإدراج، ووصل الكلام، ولم يكتب على حكم الأصل، والوقف.\n\n<span id=\"aya-4852\"></span>﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾\nالشرح: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: أعرض عنهم. قيل: هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو تمام الكلام؛ أي: أعرض عنهم لعلمك: أن الإنذار لا يغني فيهم، ولا يجدي فتيلا. ﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾","vol":"9","page":359},{"text":"﴿الدّاعِ:﴾ هو إسرافيل ﵇، ينفخ في الصور قائما على صخرة بيت المقدس، ينادي: أيتها العظام البالية! أيتها اللحوم المتمزقة! أيتها الشعور المتفرقة! أيتها الأوصال المتقطعة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾. ﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ:﴾ منكر فظيع، تنكره النفوس؛ لأنها لم تعهد بمثله، وهو هول يوم القيامة، وما فيه من المتاعب والمصاعب.\nالإعراب: ﴿فَتَوَلَّ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة. (تول): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت».\n ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: إذا لم يستجيبوا لك؛ فتول عنهم. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: اذكر، وأجيز تعليقه ب: ﴿خُشَّعًا،﴾ أو ب: (يخرجون) والأول قاله الرماني والزمخشري، والثاني قاله الزمخشري أيضا، وأجيز تعليقه ب: ﴿فَما تُغْنِ﴾ أيضا. ﴿يَدْعُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو. ﴿الدّاعِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿إِلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نُكُرٍ:﴾ صفة ﴿شَيْءٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-4853\"></span>﴿خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ:﴾ الخشوع في البصر: الخضوع، والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار؛ لأن أثر العز، والذل يتبين في ناظر الإنسان، قال تعالى في سورة (القلم) وسورة (المعارج): ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ وقال في سورة (النازعات): ﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ ويقال:\nخشع، واختشع: إذا ذل. وخشع ببصرة؛ أي: غضه، وخشع جمع: خاشع. ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ أي: القبور جمع جدث، وقرئ «(من الأجداف)». ذكره الزمخشري، يقال: جدث، وجدف، واللغة الفصيحة: جدث بالثاء، والجمع: أجدث، وأجداث، قال المتنخل الهذلي: [الوافر] عرفت بأجدث فنعاف عرق... علامات كتحبير النّماط\n ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ:﴾ هذا؛ وفي سورة (القارعة): ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ فهما صفتان في وقتين مختلفين: أحدهما: عند الخروج من القبور، يخرجون فزعين، لا يهتدون أين يتوجهون؟ فيدخل بعضهم في بعض، فهم حينئذ كالفراش المبثوث، بعضه في بعض، لا جهة له يقصدها. الثاني: فإذا سمعوا المنادي؛ قصدوه، فصاروا كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد له جهة يقصدها. هذا؛ والجراد مثل في الكثرة، والتموج، يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاؤوا كالجراد. ففيه تشبيه مرسل متصل؛ لأن الأركان الأربعة موجودة فيه. هذا،","vol":"9","page":360},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مُنْتَشِرٌ﴾ جاء به مفردا؛ لأن اسم الجنس الذي يفرق بينه وبين مفرده بالتاء مثل:\nالجراد، والحمام يجوز معاملته معاملة المفرد، ويجوز معاملته معاملة الجمع، وقد راعى الوجهين في الاية الكريمة. ومثل الاية قوله تعالى في الاية [٢٠] الاتية: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وقال النابغة الذبياني: [البسيط] واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت... إلى حمام سراع وارد الثّمد\nالإعراب: ﴿خُشَّعًا:﴾ حال من واو الجماعة بقوله: ﴿يَخْرُجُونَ﴾. وقيل: من الضمير في:\n ﴿عَنْهُمْ﴾. وقيل: من الضمير المحذوف الواقع مفعول: «يدعوهم» المقدر. واعتبار الحال من الضمير في ﴿عَنْهُمْ﴾ ضعيف جدا. ﴿أَبْصارُهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿خُشَّعًا،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿يَخْرُجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنَ الْأَجْداثِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة بقوله: ﴿أَبْصارُهُمْ﴾ وهذا على اعتبار: ﴿خُشَّعًا﴾ حالا من الضمير قبله، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأوكان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\nوأما على اعتبار ﴿خُشَّعًا﴾ حالا من واو الجماعة؛ فالجملة الفعلية في محل نصب مفعول:\n ﴿يَدْعُ﴾ المحذوف. وقيل: مستأنفة، لا محل لها. وهو ضعيف. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿جَرادٌ:﴾ خبر: (كأنّ). ﴿مُنْتَشِرٌ:﴾ صفة ﴿جَرادٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة.\n\n<span id=\"aya-4854\"></span>﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾\nالشرح: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ:﴾ مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل ﵇، قال الشاعر: [الوافر] بدجلة دارهم ولقد أراهم... بدجلة مهطعين إلى السّماع\nقال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ الاية رقم [٤٣] فعلى هذا المعنى: أن الغالب من حال من بقي بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا باهتا. فبين الله في الايتين: أن أحوال أهل الموقف يوم القيامة بخلاف الحال المعتادة، فأخبر الله﷾-: أنهم مع شخوص الأبصار يكونون مهطعين نحو الداعي. ﴿يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ يعني: يوم القيامة؛ لما ينالهم فيه من الشدة، فهو كقوله","vol":"9","page":361},{"text":"تعالى في سورة (المدثر): ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ هذا؛ والمراد ب: ﴿يَوْمٌ﴾ في الاية الكريمة: يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من سني الدنيا، كما في الاية رقم [٤٧] من سورة (الحج)، وأما اليوم في الدنيا فهو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي؛ فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، كما يراد في الاية رقم [٦] من سورة (الحديد) وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول:\nذخرتك لهذا اليوم؛ أي: لهذا الوقت، والجمع أيّام، وأصله أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع أياويم. وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ رقم [٥]. ويقال: فلان ابن الأيام؛ أي: العارف بأحوالها. ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه.\nالإعراب: ﴿مُهْطِعِينَ:﴾ حال أخرى من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿إِلَى الدّاعِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء؛ لأنه اسم منقوص. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿هذا:﴾\nاسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿يَوْمٌ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿عَسِرٌ:﴾ صفة ﴿يَوْمٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: فما يكون حينئذ، فقيل:\nيقول الكافرون... إلخ. وجوز بعضهم أن تكون الجملة حالا من فاعل يخرجون، وتعقب بأنها خالية من الرابط. ويجاب بأن الرابط يقدر: يقول الكافرون منهم. فعلى هذا فالأحوال الواو في:\n ﴿يَخْرُجُونَ﴾ أربعة واحد مقدم، وثلاثة مؤخرة. تأمل، وتدبر، وربك أجلّ، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-4855\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ:﴾ قبل قومك يا محمد. ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ أي: نوحا، والإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان لنبينا، وحبيبنا محمد ﷺ أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية، وهي ليلة الإسراء، والمعراج، وفي معناه أنشدوا: [السريع] يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السامع والرّائي\nلا تدعني إلا بيا عبدها... فإنه أشرف أسمائي\n ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ أي: زجروه على دعوته بالشتم والإيذاء، والوعيد بقولهم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-. فإن قلت: ما معنى","vol":"9","page":362},{"text":"قوله: ﴿فَكَذَّبُوا﴾ بعد قوله: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قلت: معناه كذبوا، فكذبوا عبدنا؛ أي: كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب؛ تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا؛ أي: لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا؛ كذبوا نوحا؛ لأنه من جملة الرسل. انتهى. هذا؛ وقيل: معنى (ازدجر) ازدجرته الجن، وتخبطته. هذا؛ وانظر شرح ﴿قَوْمُ﴾ في (الذاريات) رقم [٤٦].\nالإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل ﴿كَذَّبَتْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و﴿قَوْمُ﴾ مضاف، و﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَكَذَّبُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (كذبوا):\nفعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة. ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿عَبْدَنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَذَّبُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقالُوا:﴾\nالواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مَجْنُونٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا مجنون. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَازْدُجِرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ازدجر): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى نوح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وقيل:\nمعطوفة على الجملة الاسمية، فهي من جملة مقول القول. وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-4856\"></span><span id=\"aya-4857\"></span>﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَدَعا﴾ أي: نوح. ﴿رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ:﴾ مقهور غلبني قومي بتمردهم. ﴿فَانْتَصِرْ﴾ أي:\nفانتصر لي منهم. بمعنى: انتقم لي منهم. وهذا بعد صبره عليهم غاية الصبر؛ حيث مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، فلم يجد فيهم شيئا، فكان الواحد منهم يلقاه، فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه، ثم يقول بعد إفاقته: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.\n ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ:﴾ قيل: هو على ظاهره، وللسماء أبواب تفتح، وتغلق، ولا يستبعد ذلك؛ لأنه قد صح في الحديث أن للسماء أبوابا. وقيل: هو على الاستعارة، فإن الظاهر أن يكون المطر من السحاب. والمعنى: فأجبنا دعاءه، وأمرناه باتخاذ السفينة، وفتحنا أبواب السماء ﴿بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أي: كثير منصب انصبابا شديدا، لم ينقطع أربعين صباحا. قال الشاعر: [الطويل] أعينيّ جودا بالدّموع الهوامر... على خير باد من معدّ وحاضر","vol":"9","page":363},{"text":"وقيل: المنهمر: الغزير المتدفق، قال امرؤ القيس يصف غيثا: [الرمل] راح تمريه الصّبا ثمّ انتحى... فيه شؤبوب جنوب منهمر\nالإعراب: ﴿فَدَعا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (دعا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿نُوحٍ﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿مَغْلُوبٌ:﴾ خبر (أنّ)، ونائب فاعله تقديره: «أنا»، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (دعا). هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة على إضمار القول؛ أي: فقال: إني مغلوب، أو هو على إجراء الدعاء مجرى القول، وهو مذهب الكوفيين.\n ﴿فَانْتَصِرْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة. (انتصر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فانتصر لي. ﴿فَفَتَحْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، و(نا) ضمير متصل في محل رفع فاعل، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة. وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل فتحت وفتحن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿أَبْوابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿السَّماءِ﴾ مضاف إليه، ﴿بِماءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿مُنْهَمِرٍ:﴾ صفة (ماء)، وجملة: ﴿فَفَتَحْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-4858\"></span><span id=\"aya-4859\"></span>﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ أي: وجعلنا الأرض كلها عيونا تسيل بالماء، فقد أوحى الله إلى الأرض، أن تخرج ماءها، فتفجرت بالعيون. ﴿فَالْتَقَى الْماءُ﴾ أي: ماء السماء، وماء الأرض. ﴿عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: على مقدار لم يزد أحدهما على الاخر، حكاه ابن قتيبة.\nوقيل: المعنى قضي عليهم. قال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. هذا؛ والالتقاء إنما يكون بين اثنين فصاعدا، وساغ ذلك في الاية الكريمة؛ لأن الماء يكون جمعا، وواحدا. وقيل:\nلأنهما لما اجتمعا صارا ماء واحدا، وقرأ الجحدري: «(الماآن)» وهي قراءة غير سبعية. وقيل:\nكان ماء السماء باردا مثل الثلج، وماء الأرض كان حارا مثل الحميم.","vol":"9","page":364},{"text":"﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ﴾ أي: على سفينة ذات ألواح من خشب عريض. ﴿وَدُسُرٍ:﴾ قال قتادة: يعني: المسامير؛ التي دسرت بها ألواح السفينة؛ أي: شدت. وقيل: الدسر صدر السفينة. وقيل: هي عوارض السفينة، وأضلاعها. وقيل: الألواح: جانبا السفينة، والدسر:\nأصلها، وطرفاها. وقال ابن عباس﵄-: الدّسر كلكل السفينة. والمتعمد الأول من هذه الأقوال، وهو الذي اقتصر عليه الجلال. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-:\nأراد بذات ألواح ودسر: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات، فتنوب منابها، وتؤدي مؤداها بحيث لا يفصل بينها وبينها، ونحوه قول الشاعر: [الخفيف] مفرشي صهوة الحصان ولك... نّ قميصي مسرودة من حديد\nأراد: ولكن: قميصي درع، ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة لم يصح، وهذا من فصيح الكلام، وبديعه. هذا؛ والدسر: جمع دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره:\nإذا دفعه؛ لأنه يدسر به منفذه. انتهى. كشاف بتصرف.\nتنبيه: قال العلماء بالسير: أرسل الله المطر أربعين يوما وليلة، بالإضافة لما خرج من الأرض، كما بينته هذه الايات. يعني: صار الماء نصفين: نصفا من السماء، ونصفا من الأرض، وارتفع الماء على أعلى جبل، وأطوله أربعين ذراعا. وقيل: خمسة عشر ذراعا حتى أغرق كل شيء. وهذا يعني: أنه عمّ جميع الأرض، وأضيف أنه ذكر في الأثر أن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في عام، أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان، فإنه نزل منه ما لا يحفظه الملك، وذلك قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.\nقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: ويقول بعض علماء الجيولوجيا: إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الأحياء التي لا تعيش إلا في الماء، وهذا يشير إلى أن الطوفان عم جميع الأرض، ويستأنس لذلك بقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٧٧]:\n ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ ويميل فريق إلى أن الطوفان لم يكن عامّا، بل طغيان الماء كان على الجهة التي كان يسكنها نوح، وقومه، ومال على ترجيح الثاني. وأرجح الأول، والله أعلم بمراده، وأسراره في كتابه.\nتنبيه: قد يرد سؤال: كيف اقتضت الحكمة الإلهية إغراق من لم يبلغوا الحلم من الأطفال، ولم يدخلوا تحت التكليف بذنوب غيرهم، وكذلك إغراق البهائم، والهوام، والطير وغير ذلك من الحيوان، وإهلاك أطفال الأمم الكافرة مع آبائهم غير قوم نوح؟! والجواب الشافي عن هذا كله: أن الله ﷾ متصرف في خلقه، وهو المالك المطلق يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. انتهى. خازن بتصرف كبير.","vol":"9","page":365},{"text":"هذا؛ و(نا) في قوله تعالى: (فتحنا) (فجرنا) (إنا) ونحو ذلك، فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: وقوله تعالى: (جعلنا، وهبنا، نحن، إنا) لفظ يقع في جميع اللغات على من له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول:\nفعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له تعالى شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى.\nأقول: و(نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون، والكافرون، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد ذكرا كان، أو أنثى، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم بهذه الألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع.\nالإعراب: ﴿وَفَجَّرْنَا:﴾ الواو: حرف عطف. (فجرنا): فعل، وفاعل. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به.\n ﴿عُيُونًا:﴾ تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَالْتَقَى:﴾ (الفاء):\nحرف عطف. (التقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الْماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى أَمْرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْماءُ﴾. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قُدِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَمْرٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿أَمْرٍ﴾. ﴿وَحَمَلْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (حملناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى ذاتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿ذاتِ﴾ مضاف، و﴿أَلْواحٍ:﴾\nمضاف إليه. ﴿وَدُسُرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (دسر): معطوف على ﴿أَلْواحٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-4860\"></span><span id=\"aya-4861\"></span>﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿تَجْرِي﴾ أي: تسير السفينة على وجه الماء. ﴿بِأَعْيُنِنا:﴾ بحفظنا، ورعايتنا. وقيل:\nبمرأى منا. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤٨] من سورة (الطور) ففيها الكفاية. ﴿جَزاءً﴾ أي:\nفعلنا ذلك بنوح، وفعلنا بهم من العقاب ما فعلنا مجازاة، وثوابا لنوح ﵇؛ لأنه كفر به وجحد أمره، و﴿كُفِرَ﴾ بمعنى: جحد سعيه، ودعوته، ورسالته، وجعله الله مكفورا؛ لأن كل","vol":"9","page":366},{"text":"رسول نعمة من الله ورحمة لمن أرسل إليهم، قال تعالى لنبينا ﷺ في سورة (الأنبياء): ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فكان نوح نعمة مكفورة. هذا؛ وقرئ بفتح الكاف، والفاء بمعنى:\nكان الغرق جزاء، وعقابا لمن كفر.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته. وسبب نجاته: أن نوحا ﵇ احتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة، فلم يمكنه حملها، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. انتهى. وفي قصص الأنبياء للثعالبي أنه عاش أربعة آلاف سنة، وفيه حكايات عن: «عوج» لا يقبلها العقل.\n ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ أي: الفعلة التي فعلها الله بقوم نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله تعالى بأرض الجزيرة عبرة، نظر إليها أوائل هذه الأمة. انتهى. خازن. هذا؛ وقال لي بعضهم: شاهدت آثار السفينة بعيني فوق جبل الجودي بأرض العراق. ﴿آيَةً:﴾ عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتعظ، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\n ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: متذكر، معتبر، متعظ خائف من مثل عقوبتهم. هذا؛ وأصله: مذتكر (مفتعل) من الذكر، لكن الذال حرف مجهور قوي، والتاء مهموسة ضعيفة، فأبدلوا من التاء حرفا من مخرجها، مما يوافق الدال في الجهر، وهو الدال، ثم أدغمت الدال في الدال. ويجوز «مذّكر» بالذال على إدغام الثاني في الأول، وبذلك قرأ قتادة، كما قرأ مذتكر على الأصل، وهما قراءتان شاذتان، عن ابن مسعود﵁-، قال: قرأت على رسول الله ﷺ «(مذّكر)» فردها عليّ، وفي رواية أخرى سمعته يقول: (مدّكر) دالا، متفق عليه.\nالإعراب: ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿بِأَعْيُنِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَجْرِي﴾ المستتر، التقدير: محفوظة، ونحوه، (ونا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿جَزاءً:﴾ مفعول لأجله، عامله محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً؛﴾ لأنه مصدر، ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من). ﴿كُفِرَ:﴾\nماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. وجملة: ﴿كانَ كُفِرَ:﴾ صلة (من) لا محل لها.\n ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم) ففيها الكفاية. ﴿تَرَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فَهَلْ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، أو هي الفصيحة. (هل):\nحرف استفهام. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مُدَّكِرٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على","vol":"9","page":367},{"text":"آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وخبره محذوف، التقدير:\nموجود، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.\n\n<span id=\"aya-4862\"></span><span id=\"aya-4863\"></span>﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي، وكذب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم، وأخذت لهم بالثأر ممن عاداهم، وآذاهم؟! والاستفهام بكيف للتعظيم، والتهويل، والتخويف، والوعيد. هذا؛ وقال الفراء: الإنذار، والنذر مصدران. وقيل: (نذر) جمع: نذير، ونذير بمعنى: الإنذار، كنكير بمعنى: الإنكار.\n ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي: سهلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن. وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلا نظرا غير موسى، وهارون، ويوشع بن نون، وعزير، صلوات الله على نبينا، وحبيبنا، وعليهم أجمعين. وبذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة على ما تقدم بيانه في الاية رقم [٣٠] من سورة (التوبة)، والاية رقم [٢٥٨] من سورة (البقرة). هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الدخان) رقم [٥٨]: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (مريم) رقم [٨٧]: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ انظر شرح هاتين الايتين في محلهما.\n ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: متعظ بمواعظه. وفيه الحث على تعليم القرآن، والاشتغال به؛ لأن الله قد يسر حفظه، وسهله على من يشاء من عباده؛ بحيث يسهل حفظه على الصغير، والكبير، والعربي، والعجمي، وغيرهم.\nالإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. وقيل الفصيحة، وليس بشيء. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، ﴿عَذابِي:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة؛ ف: (كيف) تكون في محل نصب حال من ﴿عَذابِي﴾. ﴿وَنُذُرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (نذر): معطوف على ﴿عَذابِي﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمناسبة رؤوس الاي.\n ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم) ففيها الكفاية. ﴿يَسَّرْنَا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.","vol":"9","page":368},{"text":"﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. ﴿لِلذِّكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-4864\"></span>﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ:﴾ هم قوم هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انظر الاية رقم [٥٠] من سورة (النجم). هذا؛ وقال الجمل: لم يتعرض لكيفية تعذيبه لهم مسارعة إلى بيان ما نزل بهم من العذاب، فإن قيل: لم لم يقل: فكذبوا هودا، كما قال في قصة نوح:\n ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا؟﴾ أجيب بأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم، وكثرة عنادهم. وإما لأن قصة عاد ذكرت مختصرة. انتهى. من هنا وهناك.\nالإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عادٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وتقدم إعراب: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ،﴾ فلا حاجة إلى إعادته.\n<span id=\"aya-4865\"></span>﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي: ريحا باردة شديدة البرد، أو شديدة الصوت والهبوب، فمن الأول قول الحطيئة: [البسيط] المطعمون إذا هبّت بصرصرة... والحاملون إذا استودوا على النّاس\nاستودوا: سئلوا الدية. ومن الثاني (أي شدة الصوت) قوله تعالى في سورة (الذاريات) [٢٩]: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ..﴾. إلخ وقال مكي: أصله: (صرّرا) من صرّ الشيء إذا صوت، لكنهم أبدلوا من الراء الثانية صادا. ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ أي: مشؤوم من الشؤم، وهو ضد السعد، قال الشاعر: [الطويل] سواء عليه أيّ حين أتيته... أساعة نحس تتّقى أم بأسعد؟\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١٦]: ﴿فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ﴾ حيث فسر بمتتابعات، ومعنى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ:﴾ دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه، واستمر عليهم فيه العذاب والهلاك، وكان يوم الأربعاء آخر الشهر. ويوم الأربعاء أرسل الله الرياح العاتية على جيش قريش يوم الأحزاب، وكان الرسول ﷺ قد دعا، وسأل الله من فضله في ذلك اليوم بقوله:\n «يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرّين، اكشف همّي، وغمّي، وكربي، فإنك ترى ما نزل بي، وبأصحابي». وكان ذلك بين الظهر، والعصر، فاستجيب له ﷺ. ومن ثمّ كان جابر بن عبد الله﵄يدعو في مهماته في ذلك اليوم، في ذلك الوقت، وكان يتحرّى ذلك","vol":"9","page":369},{"text":"اليوم، وأما الأحاديث التي جاءت بذم يوم الأربعاء محمولة على آخر أربعاء في الشهر، فإنه في ذلك اليوم ولد فرعون، وادعى الربوبية، وأهلكه الله فيه، وهو اليوم الذي أصيب فيه أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-. انتهى. زيني دحلان بتصرف. هذا؛ وكان هلاكهم في أواخر فصل الشتاء، ولا تزال هذه الأيام إلى عصرنا هذا موسما للمطر والبرد الشديد ويطلق عليها أيام العجوز.\nفإن قيل: فإذا كان يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، فكيف يستجاب فيه الدعاء؟ وقد جاء: أن النبي ﷺ استجيب له فيما بين الظهر، والعصر، كما رأيت في حديث جابر﵄- والجواب-والله أعلم-ما جاء في خبر يرويه مسروق﵁عن النبي ﷺ: أنه قال:\n «أتاني جبريل، فقال: إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد، وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمرّ». ومعلوم: أنه لم يرد بذلك: أنه نحس على الصالحين، بل أراد: أنه نحس على الفجار، والمفسدين كما كانت الأيام النحسات المذكورة في سورة (فصلت) نحسات على الكفار من قوم عاد، لا على نبيهم، والمؤمنين منهم، وإذا كان كذلك لم يبعد أن يمهل الظالم من أول يوم الأربعاء إلى أن تزول الشمس، فإذا أدبر النهار، ولم يحدث رجعة، وتوبة استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على الظالم، ودعاء النبي ﷺ إنما كان على الكفار. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ وقوله: «إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد» معناه: أن المدعي مطالب بالبينة لإثبات حقه وهي شاهدان مسلمان عدلان، فإن لم يكن له إلا شاهد واحد، فيحلف، فاليمين تقوم مقام الشاهد الثاني. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والريح في الأصل: الهواء المسخر بين السماء، والأرض، وهو جسم لطيف متحرك، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للمس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وهو حياة كل نام، من إنسان، وحيوان، ونبات مثل الماء، بل الحاجة إليه أشد، وأصله الرّوح، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل به كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ وقد تذكر على معنى الهواء. والرياح الأصول أربع: إحداها: الشمال، وتأتي من ناحية الشمال وهي يسار من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء. والثانية: الجنوب، وهي مقابلتها؛ أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس. وهي اليمانية. والثالثة: الصّبا بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى: القبول أيضا. والرابعة: الدّبور، وتأتي من مغرب الشمس.\nوما أتى منها من بين تلك الجهات يقال لها: النّكباء، ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق؛ قيل لها: أزيب، بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الياء، وإن خرجت من بين","vol":"9","page":370},{"text":"الشمال والغرب، قيل لها: جربيا، بكسر الجيم، وسكون الراء، وكسر الباء. وإن خرجت من بين الشمال والشرق؛ قيل لها: صابية. وإن خرجت من بين الجنوب والغرب، قيل لها: هيف، بفتح الهاء، وسكون الياء. وقد جمع النواجي الثمانية بقوله: [الطويل] صبا ودبور والجنوب وشمال... بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ\nومن بينها النّكباء أزيب جربيا... وصابية والهيف خاتمة العدّ\nهذا؛ وأضيف أن ريح الصبا نصر الله بها نبينا ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، كما رأيت في سورة (الأحزاب)، وأن ريح الدبور أهلك الله بها قوم عاد. ونبيّهم هود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما رأيت في سورة (الأعراف) وغيرها.\nهذا؛ ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة، والقوة، قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الاية رقم [٤٦] من سورة (الأنفال)، والمعنى: تذهب دولتكم، وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح وهبوبها، ويقال: هبت رياح بني فلان: إذا كانت الدولة، والغلبة لهم، ونفذ أمرهم، وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر. قال الشاعر: [الوافر] إذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون\nولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السكون متى يكون؟!\nفعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وعن عبد الله بن عمر﵄قال: «إن الرّياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي: القاصف، والعاصف، والصّرصر، والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات».\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿رِيحًا:﴾ مفعول به، ﴿صَرْصَرًا:﴾ صفة له. ﴿فِي يَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿رِيحًا،﴾ و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿نَحْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُسْتَمِرٍّ:﴾ صفة ﴿نَحْسٍ﴾. وقيل: صفة ﴿يَوْمِ،﴾ وجملة:\n ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.","vol":"9","page":371},{"text":"<span id=\"aya-4866\"></span><span id=\"aya-4867\"></span><span id=\"aya-4868\"></span>﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ:﴾ تقلعهم من مواضعهم. قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصولها. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتندق أعناقهم، وتبين رؤوسهم عن أجسادهم. وقيل: حفروا حفرا، ودخلوها، فكانت الريح تنزعهم منها، وتكسرهم، وتبقى تلك الحفر كأنها أصول نخل هلك ما كان فيها، فتبقى مواضعها منقعرة. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ:﴾ جمع: عجز، وهو مؤخر الشيء. هذا؛ والعجوز:\nالمرأة الطاعنة في السن، وجمعها: عجائز، وعجز. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٩] من سورة (الذاريات) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ:﴾ منقلع، ومنقطع من أصله. يقال:\nقعرت الشجرة قعرا: قلعتها من أصلها، فانقعرت. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٧]. هذا؛ ويقال هنا أيضا: أجرى (منقعر) على لفظ ﴿نَخْلٍ﴾ وهو من الجمع الذي يذكر، ويؤنث. هذا؛ وقال الجلال: ذكّر هنا، وأنّث في (الحاقة) مراعاة للفواصل في الموضعين، ولا تنس التشبيه التمثيلي في الاية الكريمة حيث شبههم بأعجاز النخل المنقعر. وقال أبو بكر بن الأنباري: سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، فقيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ رقم [٨١] من سورة (الأنبياء)، وبين قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ رقم [٢٢] من سورة (يونس)، وما الفرق بين قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (القمر): ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ؟﴾ فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب، فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا، أو إلى المعنى تأنيثا. هذا؛ و﴿نَخْلٍ:﴾ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهو: نخلة، كتمر وتمرة. وفي مختار الصحاح:\nالنخل، والنخيل بمعنى واحد، والواحدة: نخلة. وما ألطف قول الشاعر في التورية: [الوافر] رأيت بها قضيبا فوق دعص... عليه النّخل أينع والكروم\nفقد ورّى عن المرأة بالقضيب، وعن الحلي بالنخل، وعن قلائدها بالكروم، والدعص بكسر الدال: قطعة من الرمل مستديرة. هذا؛ وفائدة التكرير في هاتين الايتين ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أن يجدد الكفار، والفجار عند سماع كل نبأ اتعاظا، وهذا حكم التكرير بقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ عند كل نعمة عدها، وقوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في القرآن، مثل قصة (عاد) و(ثمود) ونحوهما، لتكون العبرة حاضرة، مصورة للأذهان، غير منسية في كل أوان. انتهى. جمل بتصرف مني.","vol":"9","page":372},{"text":"هذا؛ و﴿النّاسَ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى:\n ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها.\nالإعراب: ﴿تَنْزِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الريح). ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿رِيحًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفة بما ذكر، والرابط على الاعتبارين: الضمير. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿أَعْجازُ:﴾ خبر (كأنّ)، و﴿أَعْجازُ﴾ مضاف، و﴿نَخْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُنْقَعِرٍ:﴾ صفة ﴿أَعْجازُ،﴾ وانظر ما ذكرته في الشرح، أو صفة ل: ﴿نَخْلٍ﴾ وهو الظاهر، والأقوى، وجملة: ﴿كَأَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿تَنْزِعُ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وتقدم إعراب الايتين التاليتين فيما تقدم.\n\n<span id=\"aya-4869\"></span><span id=\"aya-4870\"></span>﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ:﴾ هم قوم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- كذبوا الرسل، ونبيّهم، أو كذبوا بالايات التي هي النذر. هذا؛ وقد تقدمت قصة صالح مع قومه في كثير من السور. ﴿فَقالُوا أَبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ:﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف أنكروا أن يتبعوا بشرا منهم واحدا؟ قلت: قالوا: ﴿أَبَشَرًا﴾ إنكارا؛ لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة، وقالوا: ﴿مِنّا؛﴾ لأنه إذا كان منهم؛ كانت المماثلة أقوى، وقالوا: ﴿واحِدًا﴾ إنكارا؛ لأن تتبع الأمة رجلا واحدا، أو أرادوا واحدا من أفنائهم، ليس بأشرافهم، وأفضلهم، ويدل عليه قولهم: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا﴾.\n ﴿إِنّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ أي: ذهاب عن الصواب. ﴿وَسُعُرٍ﴾ أي: جنون: من قولهم: ناقة مسعورة؛ أي: كأنها من شدة نشاطها مجنونة. ذكره ابن عباس﵄-، قال الشاعر: [الطويل] تخال بها سعرا إذا السّفر هزّها... ذميل، وإيقاع من السّير متعب\nوقال ابن عباس﵄-: أيضا: السّعر: العذاب، وقاله الفراء. وقال مجاهد:\nبعد الحق. وقال السّدّي: في احتراق، قال طرفة بن العبد: [الرمل] أضحوت اليوم أم شاقتك هرّ... ومن الحبّ جنون مستعر","vol":"9","page":373},{"text":"هذا؛ وبشر يطلق على الإنسان ذكرا، كان أو أنثى، مفردا كان، أو جمعا، مثل كلمة الفلك، تطلق على المفرد والجمع، وسمّي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم؛ التي هي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ وبشر يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ الاية رقم [١٧] من سورة (مريم)؛ ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الاية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، كما يطلق على الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ الاية رقم [٢٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وقوله تعالى في سورة (المدثر) حكاية عن قول الوليد الخبيث: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾.\nالإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء حرف للتأنيث، لا محل له. ﴿ثَمُودُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِالنُّذُرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿فَقالُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَبَشَرًا:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (بشرا): منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، وهو الراجح لتقدم أداة هي بالفعل أولى. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (بشرا). ﴿واحِدًا:﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل: (بشرا) إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة على الصريحة، ويجاب: بأن ﴿مِنّا﴾ حينئذ ليس وصفا، بل حالا من ﴿واحِدًا﴾ قدم عليه، والثاني: أن ﴿واحِدًا﴾ حال من هاء ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ وهو مخلص من الإعراب المتقدم إلا أن المرجح لكونه صفة قراءتهما مرفوعين: (أبشر منا واحد نتبعه) أي: على المبتدأ، والخبر. فهذا يرجح كون ﴿واحِدًا﴾ نعتا ل: (بشرا) لا حالا. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿نَتَّبِعُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل: نحن، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة على قراءة النصب، وفي محل رفع خبر: (بشر) على قراءة الرفع.\n ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِذًا:﴾ حرف جواب، وجزاء، أو هو ظرف متعلق بما بعده، والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، وأصل الكلام إنا لفي ضلال إذا اتبعناه. ﴿لَفِي:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (في ضلال): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿وَسُعُرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (سعر): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول مثل الكلام الذي قبلها، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4871\"></span><span id=\"aya-4872\"></span>﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا﴾ أي: خص صالح بالوحي، والرسالة من بين آل ثمود؛","vol":"9","page":374},{"text":"وفيهم من هو أكثر مالا، وأحسن حالا؟! ﴿بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ أي: ليس كما يدعي، وإنما يريد أن يتعاظم، ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق. والأشر: بفتح العين: المرح والتجبر، والنشاط، يقال: فرس أشر: إذا كان مرحا نشيطا. وقيل: ﴿أَشِرٌ﴾ بطر، والأشر: البطر، قال الشاعر: [الطويل]\nأشرتم بلبس الخزّ لمّا لبستم... ومن قبل ما تدرون من فتح القرى\nوقد أشر بالكسر، يأشر أشرا، فهو أشر، وأشران، وقوم أشارى مثل: سكران، وسكارى.\nقالت مية بنت ضرار الضبي ترثي أخاها: [المتقارب]\nتراه على الخيل ذا قدمة... إذا سربل الدّم أكفالها\nوخلّت وعولا أشارى بها... وقد أزهف الطّعن أبطالها\nوقرأ أبو جعفر، وأبو قلابة «(أشرّ)» بفتح الشين وتشديد الراء يعني به: أشرنا، وأخبثنا. ومثله في الاية التالية، وهو الأصل، كما ستقف عليه في الاية رقم [٤٣] الاتية. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأشرّ والأخير إلا في ضرورة الشعر، كقول رؤية: [الرجز]\nيا قاسم الخيرات، وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\n ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ أي: سيرون العذاب في الدنيا، والاخرة. ففيه تهديد، ووعيد، والسين لتقريب مضمون الجملة، وتأكيده، و«غدا» يفيد التقريب أيضا على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غدا. قال الشاعر: [البسيط]\nللموت فيها سهام غير مخطئة... من لم يكن ميّتا في اليوم مات غدا\nوالمراد ب: (غد) على الأكثر اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي﵁في قوله: [الطويل]\nوما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها... بها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع\nالإعراب: ﴿أَأُلْقِيَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (ألقي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الذِّكْرُ:﴾ نائب فاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ بَيْنِنا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا ب: (على). (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَذّابٌ:﴾ صفة لموصوف محذوف هو خبر المبتدأ. ﴿أَشِرٌ:﴾ صفة ثانية، والجملة الاسمية معطوفة على ما","vol":"9","page":375},{"text":"قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿سَيَعْلَمُونَ:﴾ (السين): حرف استقبال.\n (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿غَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿مِنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْكَذّابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو صفة لموصوف محذوف أيضا، وأل فيه للعهد الذكري، مثل قوله تعالى في سورة (المزمل): ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..﴾. إلخ. ﴿الْأَشِرُ:﴾ صفة ثانية للموصوف، والجملة الاسمية: ﴿مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول (يعلمون) وهو من المعرفة، وليس قلبيا. وقيل: بل هو قلبي، والمعنى: سيعلمون غدا أيّ فريق هو الكذاب الأشر. أهو هم، أم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؟! والجملة الفعلية: ﴿سَيَعْلَمُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ هي من قول الله تعالى، وليست من مقولهم.\n\n<span id=\"aya-4873\"></span>﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاِصْطَبِرْ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ﴾ أي: باعثوها، ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك: أنهم تعنتوا على صالح، ﵇. فقالوا له: نريد أن نعرف المحق منا بأن ندعو آلهتنا، وتدعو إلهك، فمن أجابه إلهه علمنا: أنه المحق، فدعوا أوثانهم، فلم تجبهم، فقالوا: ادع أنت، فقال: فما تريدون؟ قالوا: تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وبراء! فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك، وأكدوا، فكذبوا بعد ما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم، وصدق هو ﵇ في كل ما قال، فأخبره ربه ﷾: أنه يجيبهم إلى إخراجها، ﴿فِتْنَةً لَهُمْ:﴾\nاختبارا، وامتحانا. ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ أي: انتظر ما يصنعون. وفي آخر سورة (الدخان) قوله تعالى:\n ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾. ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أي: اصبر على أذاهم، وأصل الطاء في اصطبر تاء، فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها، ﴿مُرْسِلُوا:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و﴿النّاقَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره: «نحن»، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا.\n ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول لأجله. وقيل: حال. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له، ﴿فَارْتَقِبْهُمْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فارتقبهم. وهذا فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا تقديره: «أنت»، والهاء","vol":"9","page":376},{"text":"مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، وجملة:\n ﴿وَاصْطَبِرْ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-4874\"></span><span id=\"aya-4875\"></span>﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَنَبِّئْهُمْ:﴾ أخبرهم. ﴿أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين آل ثمود، وبين الناقة، لها يوم، ولهم يوم، كما قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٥٥]: ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. قال ابن عباس﵄- «كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء، وتسقيهم لبنا، وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله، فلم تبق لهم شيئا». وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤٩] من سورة (النمل) وفي سورة (الشعراء) تجد ما يسرك.\nوإنما قال تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ؛﴾ لأن العرب إذا أخبروا عن بني آدم مع البهائم غلّبوا بني آدم. ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ:﴾ الشرب بالكسر: الحظ، والنصيب من الماء، وهو بمعنى المشروب، كالطحن بمعنى المطحون. ومعنى «محتضر»: يحضره من هو له، فالناقة تحضر الماء يوم وردها، وتغيب عنهم يوم وردهم، قاله مقاتل. وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غبها، فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وردها، فيحتلبون.\n ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ هو قدار بن سالف، قال الأفوه الأودي: [البسيط]\nأو قبله كقدار حين تابعه... على الغواية أقوام فقد بادوا\nوالعرب تسمّي الجزار قدارا، تشبيها بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود، قال مهلهل بن ربيعة: [الكامل]\nإنّا لنضرب بالسيوف رؤوسهم... ضرب القدار نقيعة القدّام\n ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ:﴾ فاجترأ على تعاطي عقرها، فقتلها، أو فتعاطى السيف، فقتلها، والتعاطي:\nتناول الشيء بتكلف، من قولهم: عطوت؛ أي: تناولت، ومنه قول حسان﵁-: [الكامل]\nكلتاهما حلب العصير فعاطني... بزجاجة أرخاهما للمفصل\nوقال بعض بني يشكر-وهو الشاهد رقم [٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nويوما توافينا بوجه مقسّم... كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم\nهذا؛ واسم الفاعل من: تعاطى: معاط، قال أوس بن حجر التميمي الجاهلي، وهو الشاهد رقم [٤٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفأمهله حتّى إذا أن كأنّه... معاطي يد في لجّة الماء غامر","vol":"9","page":377},{"text":"هذا؛ وروى أبو الزبير عن جابر﵄قال: لما نزلنا الحجر في مغزى رسول الله ﷺ تبوك، قال: «أيها الناس! لا تسألوا في هذه الايات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم ناقة، فبعث الله إليهم الناقة، فكانت ترد من ذلك الفج، فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون يوم غبها». وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ،﴾ ومعنى قوله في سورة (الشعراء): ﴿لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.\nالإعراب: ﴿وَنَبِّئْهُمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (نبئهم): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْماءَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿قِسْمَةٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿قِسْمَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (نبئ) الثاني، والثالث. ﴿كُلُّ:﴾\nمبتدأ، وهو مضاف، و﴿شِرْبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُحْتَضَرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَنادَوْا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (نادوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فتماروا على ذلك.\nو«زاده» اعتبر الفاء فصيحة، وقدر قبلها كلاما كثيرا. ﴿صاحِبَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَتَعاطى:﴾ الفاء: حرف عطف. (تعاطى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى صاحبهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَعَقَرَ:﴾\nالفاء: حرف عطف. (عقر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى صاحبهم أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4876\"></span><span id=\"aya-4877\"></span><span id=\"aya-4878\"></span>﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ:﴾ انظر الاية رقم [١٦]. ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً:﴾ يريد صيحة جبريل ﵇. فكانت في اليوم الرابع من عقر الناقة؛ لأنه كان في يوم الثلاثاء، ونزول العذاب بهم كان في يوم السبت. ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ:﴾ يقرأ بكسر الظاء على أنه اسم الفاعل، وبفتحها على أنه اسم المفعول. قال ابن عباس﵄-: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر، والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك، فداسته الغنم فهو الهشيم.\nوقيل: هو الشجر البالي الذي يهشم، حين تذروه الرياح. والمعنى: أنهم صاروا كيبيس الشجر إذا بلي، وتحطم. وقيل: كالعظام النخرة المحترقة.","vol":"9","page":378},{"text":"تنبيه: أذكر أنّ الناقة ولدت ولدا مثلها، ومكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج، فيحلبون ما شاؤوا؛ حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون، ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه، فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم، وزينت لهم عقرها عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار، فعقروها، واقتسموا لحمها. فرقى ولدها جبلا اسمه قارة، فرغا ثلاثا، فقال لهم صالح: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه؛ إذ انفرجت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات؛ طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كانت صحوة اليوم الرابع تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة جبريل ﵇، فتقطعت قلوبهم، فهلكوا. انتهى. بيضاوي في غير هذا الموضع.\nوعن ابن عمر﵄قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر، قال: «لا تدخلوا مساكن الّذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلاّ أن تكونوا باكين، ثم قنّع رأسه، وأسرع السّير حتى جاوز الوادي». متفق عليه، والحجر هي بلاد ثمود، قال تعالى في سورة (الحجر):\n ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾. وعن ابن عمر أيضا: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوه، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر؛ التي كانت تردها الناقة، رواه الشيخان.\nهذا؛ وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف، خرج بهم صالح ﵊ بعد هلاك قومه من فلسطين إلى حضرموت، فلما دخلوها؛ مات صالح، فسمّي حضرموت، ثم بنوا فيها أربعة آلاف مدينة، وسمّوها حاضوراء. وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. انتهى. خازن في غير هذا الموضع.\nالإعراب: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ:﴾ انظر الاية رقم [١٦] فالإعراب فيها كاف واف. ﴿إِنّا:﴾\n (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿صَيْحَةً:﴾ مفعول به. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كَهَشِيمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فهي الخبر، و(الكاف) مضاف، و(هشيم) مضاف إليه، و(هشيم) مضاف، و﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا..﴾. إلخ إعراب هذه الجملة موجود في الاية رقم [١٧] وما يحال عليها.","vol":"9","page":379},{"text":"<span id=\"aya-4879\"></span><span id=\"aya-4880\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ:﴾ هو مثل الاية رقم [٢٣]. هذا؛ ولوط هو ابن أخي إبراهيم ﵇ آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق إلى فلسطين، قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٦]: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي..﴾. إلخ؛ فأقام إبراهيم ﵇ في فلسطين، وأقام لوط﵇في الأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وهو إتيان الرجال في أدبارهم، وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سور باختلاف يسير، وبعضها يكمل بعضا، وتتلخص: أن قوم لوط كانوا من الشر بمكان، وأنهم كانوا يقطعون السبيل على المارة، وقد ذهب الحياء من وجوههم، فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسن، كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ وكانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله، وذلك: أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، يستعلنون بذلك، ولا يستسرّون، ولا يرون ذلك سوآ، أو قبيحا، وإن لوطا ﵇ قد وعظهم، ونصحهم، ونهاهم، وخوفهم بأس الله تعالى، فلم يأبهوا، ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات، والإنذار؛ هددوه، وتوعدوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم إلى أن جاء لوطا الملائكة؛ الذين ذكرهم الله في سورة (الحجر) وسورة (العنكبوت) وغيرها، وقد جاؤوا إلى لوط بهيئة غلمان مرد حسان الوجوه، فجاء أهل القرية إلى بيت لوط طالبين ضيوفه الكرام، ليفعلوا فيهم الفاحشة؛ التي اعتادوها، وقد جهد لوط في ردهم، وبالغ في ذلك حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته بدل ضيوفه، فلم يصغوا إليه.\nحينئذ التفت لوط إلى ضيوفه الكرام، وقال لهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: لجاهدتهم بكم، وأوقعت بهم ما يستحقون، وكان لا يعلم: أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاؤوا للتنكيل بأولئك القوم الخبثاء، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط؛ طمس الله أعينهم، فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه على لوط، وعلى من معه، كما ذكر الله في الاية التالية.\nوأخرج الملائكة لوطا، وابنتيه، وزوجه من القرية، وأمروهم أن لا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون، فامتثلوا الأمر إلا امرأته، فقد التفتت إلى القرية لترى ما يحل بها، وكانت خبيثة هواها مع أهل القرية دون لوط فحل بها من السخط والعذاب ما حل بهم، وكانت كافرة غير مؤمنة، فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، قال تعالى في سورة (هود) الاية رقم [٨٢]: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾. انتهى. من قصص الأنبياء للنجار بتصرف.","vol":"9","page":380},{"text":"ثم قال-رحمه الله تعالى-: وأعتقد: أن البحر الميت المعروف الان ببحر لوط، أو بحيرة لوط لم يكن موجودا قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمئة متر، وقد جاءت الأخبار في السنتين الماضيتين بأنهم اكتشفوا آثار مدن لوط على حافة البحر الميت. انتهى.\nيا سبحان الله! كيف زل النجار حيث عزا ما وقع في قرى قوم لوط إلى الزلزال؟! وإنما حصل ذلك بفعل جبريل ﵇ حيث وضع جناحه تحت القرى، ورفعها إلى السماء، ثم جعل عاليها سافلها، ولا زلزال، ولا بحر، ولا بحيرة، وكان هذا العمل الجبار الذي كان من قدرة الواحد القهار، فاعتبروا يا أولي الأبصار!.\nهذا؛ ويقول ابن كثير-رحمه الله تعالى-في تفسيره: وجعل الله تعالى مكان تلك البلاد بحرة منتنة، لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها لردائتها، ودناءتها، فصارت عبرة، ومثلة، وعظة، وآية على قدرة الله تعالى، وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، وعصى مولاه. انتهى. النبوة والأنبياء للصابوني.\n ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ يعني: الحصباء، وهي الحجارة التي هي دون ملء الكف. وقد يكون (الحاصب) الرامي، فعلى هذا يكون المعنى: إنا أرسلنا عليهم عذابا يحصبهم؛ أي: يرميهم بالحجارة. انتهى. خازن. وفي القرطبي، والكشاف: ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى، قال النضر: الحاصب: الحصباء في الريح. والحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء، وكذلك الحصبة، قال لبيد﵁-: [الرجز] جرّت عليها أن خوت من أهلها... أذيالها كلّ عصوف حاصبه\n ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ﴾ يعني: من تبعه على دينه، ولم يكن معه إلا ابنتاه. ﴿نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ:﴾ السحر هو ما بين آخر الليل، وطلوع الفجر، وهو مفاد قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٨١]: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. هذا؛ وصرف (سحر) لأنه نكرة، ولو أراد سحر يوم بعينه لما أجراه، ونظيره قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا﴾ لمّا نكره؛ صرفه، فلما عرّفه بقوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام الاية رقم [٩٩]:\n ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ منعه من الصرف.\nقال مكي: إنما انصرف؛ لأنه نكرة، ولو كان معرفة لم ينصرف؛ لأنه إذا كان معرفة فهو معدول عن الألف، واللام؛ إذ تعرف بغيرهما، وحق هذا الصنف أن يتعرف بهما، فلما لم يتعرف بهما صار معدولا عنهما، فثقل مع ثقل التعريف، فلم ينصرف، فإن نكر انصرف. انتهى.\nخذ قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] والعدل والتعريف مانعا سحر... إذا به التعيين قصدا يعتبر","vol":"9","page":381},{"text":"هذا؛ وأما ﴿آلَ﴾ فأصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار (أأل) ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى» وذلك مثل آدم، وإيمان، وأومن، فإن الأصل أأدم، وإإمان، وأؤمن. وقلب الهمزة سائغ مستعمل في أراق، فإن أصله:\nهراق، وهو كثير في الشعر العربي وغيره. وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله: (أول) كجلّ من يؤول تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على: (أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى: (أويل) وهو يشهد للثاني. ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر، وشأن، بخلاف أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن: أهله، ولا ينتقض ب: آل فرعون، فإن له شرفا في الدنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام. والصحيح: جوازه كما في قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ: [مجزوء الكامل] لا همّ إنّ المرء يم... نع رحله، فامنع رحالك\nوانصر على آل الصلي... ب وعابديه اليوم آلك\nالإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿لُوطٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِالنُّذُرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿كَذَّبَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حاصِبًا:﴾\nمفعول به، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء.\n ﴿آلَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾ وهو مضاف، و﴿لُوطٍ﴾ مضاف إليه. ﴿نَجَّيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿آلَ لُوطٍ﴾ والرابط: الضمير فقط، و«قد» قبلها مقدرة. ﴿بِسَحَرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، التقدير: حال كونهم ملتبسين بسحر.\n\n<span id=\"aya-4881\"></span><span id=\"aya-4882\"></span>﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي: إنعاما على لوط، وابنتيه. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أي: من آمن بالله، وأطاعه. ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ:﴾ خوفهم لوط. ﴿بَطْشَتَنا:﴾ عقوبتنا، وأخذنا إياهم بالعذاب الأليم. هذا؛ والبطش: الأخذ بقوة، وعنف، وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة. قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [١٠٧]. [الوافر]","vol":"9","page":382},{"text":"لنا الدّنيا ومن أضحى عليها... ونبطش حين نبطش قادرينا\nقال تعالى في سورة (الدخان) رقم [١٦]: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾. ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ أي: شكوا فيما أنذرهم، وخوفهم به لوط، ولم يصدقوه، وهو تفاعل من المرية. هذا؛ والفعل: «شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له.\nالإعراب: ﴿نِعْمَةً:﴾ مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق، عامله ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ لأن الإنجاء من العذاب من أجلّ النعم، ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له. (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق عامله ما بعده، التقدير: نجزي من شكر جزاء مثل ذلك الجزاء الذي جزينا به آل لوط، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿نَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿شَكَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:\n ﴿نَجْزِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿أَنْذَرَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به أول، والفاعل ضمير. ﴿بَطْشَتَنا:﴾ مفعول به ثان. (ونا): في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿فَتَمارَوْا:﴾ الفاء: حرف عطف. (تماروا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالنُّذُرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4883\"></span>﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أي: أرادوا من لوط﵇أن يمكنهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلبا للفاحشة؛ التي عرفوا بها، وانظر شرح (ضيف) في الاية رقم [٢٤] من سورة (الذاريات). ﴿فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ:﴾ يروى: أن جبريل ﵇ ضربهم بجناحه فعموا. وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه، لا يرى لها شق، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب، وذلك: أنهم لما قصدوا دار لوط؛ عالجوا الباب؛ ليدخلوا عليهم، فقالت الرسل للوط: خلّ بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار، فصفقهم جبريل بجناحه، فتركهم عميا بإذن الله يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب،","vol":"9","page":383},{"text":"وأخرجهم لوط ﵇ عميا لا يبصرون. وقيل: طمس الله على أبصارهم، فلم يروا الرسل، فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا، فأين ذهبوا؟ فرجعوا ولم يروهم. وهذا قول ضعيف.\n ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي: فقلنا لهم: ذوقوا... إلخ والمراد من هذا الأمر الخبر؛ أي: فأذقتهم عذابي، الذي أنذرهم به لوط. وانظر ذوقوا في الاية رقم [١٤] من سورة (الذاريات).\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿راوَدُوهُ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿عَنْ ضَيْفِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَطَمَسْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (طمسنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَعْيُنَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَذُوقُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله. ﴿وَنُذُرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (نذر): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ.\nوجملة: (ذوقوا...) إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فقلنا لهم:\nذوقوا... إلخ، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4884\"></span><span id=\"aya-4885\"></span><span id=\"aya-4886\"></span>﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ﴾ أي: نزل بقوم لوط العذاب في الصباح الباكر، ومعنى (مستقر):\nدائم عام، استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الاخرة، وذلك العذاب كان قلب قريتهم عليهم، وجعل أعلاها أسفلها، يضاف إلى ذلك الحجارة التي أرسلها الله على مسافريهم، والذين لم يكونوا في القرية التي جعل عاليها سافلها، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٨٢] من سورة (هود)، والاية رقم [٧٤] من سورة (الحجر). ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا..﴾. إلخ انظر شرح هاتين الايتين برقم [١٦] و[١٧] وانظر فائدة التكرير في الاية رقم [٢١] و[٢٢].\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿صَبَّحَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿مُسْتَقِرٌّ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ﴾. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الاية رقم [٣٧]. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذه الاية في الاية رقم [١٧]، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.","vol":"9","page":384},{"text":"<span id=\"aya-4887\"></span><span id=\"aya-4888\"></span>﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ:﴾ فرعون وقومه. ﴿النُّذُرُ﴾ أي: موسى وهارون، وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. وقيل: النذر الايات التي أنذرهم بها موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها:﴾ معجزاتنا الدالة على واحدانيتنا، ونبوة أنبيائنا، وهي:\nالعصا، واليد، والسنون، والطمسة، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. انظر (الأعراف) رقم [١٣٠] وما بعدها. ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ أي: انتقمنا منهم بالعذاب. ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ:﴾ قوي غالب في أخذه، وانتقامه. ﴿مُقْتَدِرٍ:﴾ قادر على ما أراد، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿آلَ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿النُّذُرُ:﴾ فاعل ﴿جاءَ،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كُلِّها:﴾ توكيد معنوي، و(ها): في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَخْذَ:﴾ مفعول مطلق. وهو مضاف، و﴿عَزِيزٍ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مُقْتَدِرٍ:﴾ بدل من ﴿عَزِيزٍ﴾. وقيل: صفة ﴿عَزِيزٍ﴾. والأول أقوى، وأولى.\n<span id=\"aya-4889\"></span><span id=\"aya-4890\"></span>﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿أَكُفّارُكُمْ:﴾ هذا خطاب لكفار قريش. ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ:﴾ الإشارة إلى الأمم السابقة الذين أهلكهم الله بذنوبهم، والمعنى: لستم أقوى، وأشد من الذين أحللت بهم نقمتي، مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون. ﴿أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ:﴾ أم نزلت إليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم، وكذب الرسل كان آمنا من عذاب الله، فآمنتم بتلك البراءة. هذا؛ و﴿الزُّبُرِ:﴾ الكتب جمع: زبور. ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ:﴾\nالمعنى: هل يقول أهل مكة: نحن جماعة أمرنا واحد، وكلمتنا واحدة، فلا نغلب، ولا نقهر، ولا نضام، ولم يقل: «منتصرون» لموافقة رؤوس الاي. وقيل: معناه: نحن كل واحد منا منتصر، كما يقال: كلهم عالم؛ أي: كل واحد منهم عالم.","vol":"9","page":385},{"text":"هذا؛ و﴿خَيْرٌ﴾ أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في: «حبّ» و«شر» اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلها، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الحاء والشين، وقد يستعمل خير وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى: «(سيعلمون غدا من الكذاب الأشرّ)» بفتح الشين رقم [٢٦] ونحو قول رؤية بن العجاج: [الرجز] يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\nوخير، وشرّ، وحبّ يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنهن بمعنى أفعل كما رأيت.\nالإعراب: ﴿أَكُفّارُكُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (كفاركم): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ أُولئِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بَراءَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿فِي الزُّبُرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَراءَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، يقوم مقام: «بل، والهمزة». ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿جَمِيعٌ:﴾ خبره. ﴿مُنْتَصِرٌ:﴾ صفة: ﴿جَمِيعٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4891\"></span><span id=\"aya-4892\"></span>﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ أي: جمع كفار مكة. ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي: الأدبار، فوحد لأجل رؤوس الاي. وقيل: في الإفراد إشارة إلى أنهم في التولية كنفس واحدة، فلا يتخلف أحد عن الهزيمة، ولا يثبت أحد للزحف، فهم في ذلك كرجل واحد. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: سمعت عمر بن الخطاب﵁يقول: لما نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في درعه، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعلمت تأويلها. وروى سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-عن سعد بن أبي وقاص﵁مثله. وقد روي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: كان بين نزول هذه الاية وبين بدر سبع سنين، وهذا يعد من الأمور المغيبة؛ التي أخبر عنها القرآن قبل","vol":"9","page":386},{"text":"وقوعها، وما أكثر ذلك! مثل الايات في أول سورة (الروم). قال الزمخشري: وهذه الاية من الايات البينة الشاهدة على صحة النبوة، وأن القرآن من عند الله؛ لأنها إنباء عن علم الغيب؛ الذي لا يعلمه إلا الله. هذا؛ ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١١]: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ فكلتا الايتين من المغيبات التي أخبر الله بها قبل وقوعها، وفيهما بشارة للنبي ﷺ ولأصحابه-ولا سيما المستضعفون منهم-بعزهم، ونصرهم، وقوة شوكتهم، وذل الكافرين، ودحرهم، وقد حقق الله وعده، ونصر المسلمين على الكافرين في غزوة بدر الكبرى، فيا لها من بشارة! ويا لها من تسلية للنبي ﷺ وأصحابه!.\n ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ:﴾ موعد عذابهم الحقيقي، وما يحيق بهم في الدنيا من مقدماته، وطلائعه. ﴿وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ أي: أعظم داهية وأشد مرارة من القتل، والأسر يوم بدر. هذا؛ و﴿أَدْهى﴾ من الداهية، وهي الأمر العظيم، يقال: دهاه أمر كذا؛ أي: أصابه دهوا، ودهيا، وقال ابن السكيت: دهته داهية دهواء، ودهياء.\nالإعراب: ﴿سَيُهْزَمُ:﴾ (السين): حرف استقبال. (يهزم): مضارع مبني للمجهول. ﴿الْجَمْعُ:﴾\nنائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيُوَلُّونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يولون):\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله.\n ﴿الدُّبُرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بَلِ:﴾ حرف عطف، وإضراب، ﴿السّاعَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَوْعِدُهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿وَالسّاعَةُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الساعة): مبتدأ. ﴿أَدْهى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَمَرُّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أمرّ): معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-4893\"></span><span id=\"aya-4894\"></span><span id=\"aya-4895\"></span>﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: الكافرين. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ في بعد عن الحق. ﴿وَسُعُرٍ﴾ أي:\nنار تسعر عليهم؛ أي: يحترقون بها، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٤]: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ أي: يوم يجرون على النار على وجوههم، تقول لهم الملائكة: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي:\nعذاب سقر، ومسّها: ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها، والخطاب يكون في سقر لمن كان يكذب بآيات الله في الدنيا، ولا ينقاد لأوامر رسول الله. هذا؛ و﴿سَقَرَ﴾ إحدى دركات النار، وهي سبع، وهي منازل أهلها، والجنة درجات، فالدرك إلى أسفل، والدرج إلى أعلى، فالعليا","vol":"9","page":387},{"text":"من طبقات، أو دركات النار لعصاة المسلمين، وهي: جهنم، تكون بعد خروجهم منها خرابا، لا نار فيها، والثانية: لظى للنصارى، والثالثة: الحطمة لليهود، والرابعة: السعير للصابئين، والخامسة: سقر للمجوس، والسادسة: الجحيم لأهل الشرك، والسابعة: الهاوية، (وهي الدرك الأسفل) للمنافقين، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٥]: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وإنما كان عقابهم كذلك؛ لأنهم أخبث من الكفرة؛ لأنهم ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام، وخداعا للمؤمنين. هذا؛ وبالمقابل انظر درجات الجنان في الاية رقم [٧٣] من سورة (الزمر). هذا؛ وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة﵁قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ هذا؛ وانظر (ذوقوا) في الاية رقم [١٤] من سورة (الذاريات).\n ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أي: مقدور مكتوب في اللوح المحفوظ. وقيل: معناه قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له. وقال ابن عباس﵄-: كل شيء بقدر؛ حتى وضعك يدك على خدك.\nهذا؛ والذي عليه أهل السنة: أن الله ﷿ قدر الأشياء؛ أي: علم مقاديرها، وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي، والسفلي، إلا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب، ومحاولة، ونسبة، وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى، وبقدرته، وتوفيقه، وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره، كما نص عليه القرآن، والسنة، لا كما قالت القدرية، وغيرهم من أن الأعمال إلينا، والاجال بيد غيرنا، فنزلت هذه الاية إلى قوله: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فقالوا: يا محمد! يكتب علينا الذنب، ويعذبنا، فقال: أنتم خصماء الله يوم القيامة. انتهى. قرطبي بتصرف. وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السّموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وعرشه على الماء». أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ «كلّ شيء بقدر حتى العجز، والكيس». أخرجه مسلم. وعن علي بن أبي طالب﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق. ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر». أخرجه الترمذي. وله عن جابر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره، وشرّه، وحتى يعلم: أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه». وقال: حديث غريب. وفي حديث جبريل المتفق عليه: «وتؤمن بالقدر خيره، وشرّه. قال: صدقت». ففيه ذم","vol":"9","page":388},{"text":"القدرية، وما قاله الرسول ﷺ لعمر﵁في ابن صياد: «إن يكنه؛ فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه؛ فلا خير لك في قتله» يثبت: أن ما قدره الله نافذ لا مرد له، ولا محيص عنه.\nوعن حذيفة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. من مات منهم؛ فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم؛ فلا تعودوه، وهم من شيعة الدّجّال، وحقّ على الله أن يلحقهم بالدّجّال». أخرجه أبو داود. وله عن أبي هريرة﵁مثله، وزاد: «فلا تجالسوهم، ولا تفاتحوهم في الكلام».\nوروى ابن الجوزي في تفسيره عن عمر بن الخطاب﵁عن رسول الله ﷺ:\nقال: «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة؛ أمر مناديا، فينادي نداء يسمعه الأولون، والاخرون:\nأين خصماء الله؟ فتقوم القدريّة، فيأمر بهم إلى النار: يقول الله: ﴿ذُوقُوا مَسَّ..﴾. إلخ» قال ابن الجوزي: وإنما قيل: خصماء الله؛ لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد، ثم يعذبه عليها. وروي عن الحسن-رحمه الله تعالى-، قال: والله لو أن قدريّا صام؛ حتى يصير كالحبل، وصلى حتى يصير كالوتر، ثم أخذ ظلما؛ حتى يذبح بين الركن، والمقام؛ لكبّه الله على وجهه في سقر، ثم قيل له: ذق مس سقر، إنا كل شيء خلقناه بقدر.\nقال الشيخ محيي الدين النووي-رحمه الله تعالى-: اعلم: أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه: أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه، وتعالى: أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه، وتعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها الله تعالى.\nوأنكرت القدرية هذا، وزعمت: أنه ﷾ لم يقدرها، ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم؛ أي: إنما يعلمها الله ﷿ بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه، وتعالى عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا. وسميت هذه الفرقة قدرية، لإنكارها القدر. انتهى. خازن.\nوفي صحيح مسلم: أن ابن عمر تبرأ منهم، ولا يتبرأ إلا من كافر، ثم أكد هذا بقوله:\nوالذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه؛ ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. وهذا مثل قوله تعالى في المنافقين: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ رقم [٥٤] من سورة (التوبة)، وهذا واضح. وقال أبو هريرة﵁قال النبي ﷺ: «الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن». انتهى. قرطبي. وأخيرا أقول: ما أكثر الذين يقولون في هذه الأيام: إذا كان قدر الله علينا المعاصي، والذنوب؛ فكيف يعذبنا؟! فهؤلاء خصماء الله في هذه الأيام، انظر ما ذكرته آنفا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها على","vol":"9","page":389},{"text":"الاعتبارين. ﴿وَسُعُرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (سعر): معطوف على ما قبله، ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، انظر تقديره فيما يأتي. ﴿يُسْحَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿مَسَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿سَقَرَ﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. وقيل: للعلمية والتأنيث. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: ويقال لهم يوم يسحبون...: ذوقوا مس سقر؛ أي: عذاب سقر.\n ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، والجملة الفعلية المقدرة في محل رفع خبر (إنّ)، و﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَلَقْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة، لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، وأرجحه هنا، وعليه: فهي في محل رفع مثل التي تفسرها. ﴿بِقَدَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الهاء، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو مبتدأة.\nتنبيه: قراءة ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالنصب هي قراءة الجمهور، وقرأ أبو السّمّال بالرفع، وهي قراءة شاذة، وقد رجح الناس النصب، بل أوجبه بعضهم. قال: لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، وذلك: أنه إذا رفع: «كلّ شيء» كان مبتدأ، و﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة ل: «كلّ» أو ل: «شيء»، و: «بقدر» خبره، وحينئذ يكون له مفهوم لا يخفى على متأوله، فيلزم أن يكون هناك شيء ليس مخلوقا لله تعالى، وليس بقدر. كذا قرره بعضهم. وقال أبو البقاء: وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق، والرفع لا يدل على عمومه، بل يفيد: أن كل شيء مخلوق، فهو بقدر وإنما دل نصب ﴿كُلَّ﴾ على العموم؛ لأن التقدير: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فخلقناه تأكيد، وتفسير ل: «خلقنا» المضمر الناصب ل: ﴿كُلَّ شَيْءٍ،﴾ فهذا لفظ عام يعم جميع المخلوقات، ولا يجوز أن يكون ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة ل: ﴿شَيْءٍ؛﴾ لأن الصفة والصلة، لا يعملان فيما قبل الموصول ولا الموصوف، ولا تكون تفسيرا لما يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق: ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة، لم يبق إلا أنه تأكيد، وتفسير للمضمر الناصب، وذلك يدل على العموم.\nوأيضا فإن النصب هو الاختيار؛ لأن ﴿إِنّا﴾ عندهم تطلب الفعل، فهي أولى به، فالنصب عندهم في: ﴿كُلَّ﴾ هو الاختيار، فإذا انضم إليه معنى العموم، والخروج عن الإيهام؛ كان","vol":"9","page":390},{"text":"النصب أولى من الرفع. وقال قوم: إذا كان الفعل يتوهم فيه الوصف، وأن ما بعده يصلح للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر؛ اختير النصب في الاسم الأول؛ حتى يتضح: أن الفعل ليس بوصف، ومنه هذا الموضع؛ لأن قراءة الرفع تخيل: أن الفعل وصف، وأن الخبر: ﴿بِقَدَرٍ﴾ و﴿بِقَدَرٍ﴾ على قراءة النصب متعلق بالفعل الناصب، وفي قراءة الرفع في محل رفع؛ لأنه خبر ل: (كلّ)، و(كل) وخبرها في محل رفع خبر ل: (إنّ) وسيأتي قريبا عكس هذا من اختيار الرفع في قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ فإنه لم يختلف في رفعه، قالوا: لأن نصبه يؤدي إلى فساد المعنى؛ لأن الواقع خلافه. وذلك: أنك لو نصبته؛ لكان التقدير: فعلوا كل شيء في الزبر، وهو خلاف الواقع؛ إذ في الزبر أشياء كثيرة جدا، لم يفعلوها، وأما قراءة الرفع فتؤدي إلى أن كل شيء فعلوه هو ثابت في الزبر، وهو المقصود، ولذلك اتفق على رفعه، وهذان الموضعان من نكت المسائل العربية؛ التي اتفق مجيئها في سورة واحدة في مكانين متقاربين. انتهى. جمل نقلا من السمين.\n\n<span id=\"aya-4896\"></span><span id=\"aya-4897\"></span>﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ﴾ أي: وما أمرنا إلا مرّة واحدة. وقيل: معناه: وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا بكلمة واحدة: كن فيكون، لا مراجعة فيه، فعلى هذا: إذا أراد الله -﷾شيئا؛ قال له: كن، فيكون، فهنا بان فرق بين الإرادة، والقول، فالإرادة قدر، والقول قضاء، وقوله: ﴿واحِدَةٌ﴾ فيه بيان: أنه لا حاجة إلى تكرير القول، بل هو إشارة إلى نفاذ الأمر. انتهى. خازن. ﴿إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يريد: أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر؛ أي: لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن قول الشاعر: [الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول له: كن-قولة-فيكون\nوفي سورة (النحل) رقم [٧٧]: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ والمعنى:\n ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ﴾ أي: وما أمر قيام القيامة في سرعته، وسهولته إلا كلمح البصر؛ أي: كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، واللمح: النظر بالعجلة.\n ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ﴾ يعني: أمثالكم، وأشباهكم، وأسلافكم من الأمم السابقة المكذبة بالرسل، فهو كقوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٥٤]: ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك الأقوام، فيعرف: أن ذلك حق، فيخاف، ويعتبر. وانظر إعلال (مدّكر) فيما تقدم. هذا؛ و(أشياع) جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر، فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشييع، وهو التحزب، ومعنى الشيعة: الجماعة الذين يتبع","vol":"9","page":391},{"text":"بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان. وفي «القاموس المحيط»: وشيعة الرجل (بالكسر): أتباعه، وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليّ بن أبي طالب وأهل بيته، -﵃ أجمعين-، حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت: [الطويل] وما لي إلاّ آل أحمد شيعة... وما لي إلاّ مذهب الحقّ مذهب\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): واو الحال. (ما): نافية. ﴿أَمْرُنا:﴾ مبتدأ، و(نا): في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿واحِدَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿كَلَمْحٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من متعلق الأمر، وهو الشيء المأمور بالوجود؛ أي: حال كونه يوجد سريعا بالمرة من الأمر، ولا يتراخى عنها. ﴿بِالْبَصَرِ:﴾ متعلقان ب: (لمح)؛ لأنه مصدر.\n ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر إعرابه في الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿أَشْياعَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ:﴾ انظر الاية رقم [١٥] فالإعراب مثله هناك.\n\n<span id=\"aya-4898\"></span><span id=\"aya-4899\"></span><span id=\"aya-4900\"></span><span id=\"aya-4901\"></span>﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ أي: جميع ما فعلته الأمم قبلهم من خير، أو شر كان مكتوبا عليهم. وهذا بيان قوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ والمراد ب: (الزبر) اللوح المحفوظ. وقيل: المراد: ما عملوه مسجل في كتب الحفظة؛ الذين يحفظون أعمالهم. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ:﴾ من الأعمال التي يعملها العبد. ﴿مُسْتَطَرٌ:﴾ مسجل على عامله قبل أن يفعله، فيجازى به، ومسجل عليه إذا فعله؛ ليحاسب عليه، قال تعالى في سورة (ق): ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ:﴾ الذين آمنوا وعملوا الصالحات على اختلاف درجاتها وتفاوت مراتبها. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ في حدائق، وبساتين، ﴿وَنَهَرٍ﴾ أي: أنهار. وإنما وحده لموافقة رؤوس الاي، وأراد: أنهار الجنة من الماء، والخمر، واللبن، والعسل المذكورة في سورة (محمد ﷺ) رقم [١٥]. وقيل: معناه: في ضياء وسعة، ومنه: النهار. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي:\nمجلس حق، وكرامة، لا لغو فيه، ولا تأثيم، وهو الجنة، بخلاف مجالس الدنيا؛ التي فيها الهذر، والنذر، والخوض في الباطل. ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ:﴾ مبالغة ملك؛ أي: عند عزيز الملك واسعه ﴿مُقْتَدِرٍ،﴾ قادر لا يعجزه شيء وهو الله تعالى، و﴿عِنْدَ﴾ هاهنا عندية القربة، والزلفة،","vol":"9","page":392},{"text":"والمكانة، والرتبة، والكرامة، والمنزلة، قال جعفر الصادق: مدح الله المكان الصدق، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَكُلُّ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (كلّ): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَعَلُوهُ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿شَيْءٍ،﴾ أو في محل رفع صفة (كلّ). ﴿فِي الزُّبُرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكُلُّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كل): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿صَغِيرٍ﴾ مضاف إليه، ﴿وَكَبِيرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (كبير): معطوف على:\n (صغير). ﴿مُسْتَطَرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَنَهَرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (نهر): معطوف على ما قبله. ﴿فِي مَقْعَدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما بدل من قوله: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ و﴿مَقْعَدِ﴾ مضاف، و﴿صِدْقٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى صفته. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ثالث ل: ﴿إِنَّ،﴾ و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿مَلِيكٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿مُقْتَدِرٍ:﴾ بدل من ﴿مَلِيكٍ﴾ ويقال: صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو مبتدأة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم، والحمد لله رب العالمين.\nانتهت سورة (القمر) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4390>سورة الرّحمن</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الرحمن) علا، وعزّ، وجل، وهي مكية في قول الحسن، وعروة بن الزبير، وعكرمة، وعطاء، وجابر﵃ أجمعين-. وقال ابن عباس﵄-: إلا آية منها هي قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ رقم [٢٩]. وقال ابن مسعود، ومقاتل: هي مدنية كلها. والقول الأول أصح لما روى عروة بن الزبير﵁قال: أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي ﷺ ابن مسعود﵁-.\nوذلك: أن الصحابة قالوا: ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قطّ، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال ابن مسعود: أنا، فقالوا: إنا نخشى عليك، وإنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه، فأبى، ثم قام عند المقام، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ثم تمادى رافعا بها صوته، وقريش في أنديتها، فتأملوا، وقالوا: ما يقول ابن أم عبد؟ قالوا: هو يقول الذي يزعم محمد: أنه أنزل عليه، ثم ضربوه؛ حتى أثروا في وجهه. انتهى. قرطبي. أقول: وهذا ينفي نفيا قاطعا ما نسب إلى ابن مسعود آنفا.\nوصح: أنه ﷺ قام يصلي الصبح بنخلة، فقرأ سورة ﴿الرَّحْمنُ﴾ ومر النفر من الجن فآمنوا به، انظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٩] من سورة (الأحقاف). وفي الترمذي عن جابر﵁قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة (الرحمن) من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «لقد قرأتها على الجنّ ليلة الجنّ، فكانوا أحسن ردا منكم، كنت كلّما أتيت على قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربّنا نكذب، فلك الحمد». قال: هذا حديث غريب، وفي هذا دليل على أنها مكية. والله أعلم.\n\nوروي: أن قيس بن عاصم المنقري﵁قال للنبي ﷺ: اتل عليّ مما أنزل عليك، فقرأ عليه سورة (الرحمن) فقال: أعدها، فأعادها ثلاثا، فقال: والله إن له لطلاوة، وإن عليه لحلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. وروي عن علي﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لكلّ شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن». انتهى. قرطبي. هذا؛ وطلاوة بتثليث الطاء.","vol":"9","page":394},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4902\"></span><span id=\"aya-4903\"></span><span id=\"aya-4904\"></span><span id=\"aya-4905\"></span>﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿الرَّحْمنُ:﴾ قال سعيد بن جبير، وعامر الشعبي: ﴿الرَّحْمنُ﴾ فاتحة ثلاث سور؛ إذا جمعن كنّ اسما من أسماء الله تعالى (الر) و(حم) و(ن) فيكون مجموع هذه (الرحمن). هذا؛ وقد يوصف بالرحيم المخلوقون، وأما الرحمن فلا يوصف به إلا الله تعالى، ومن وصف به مسيلمة الكذاب؛ فقد تعنّت، حيث قال فيه: [البسيط] وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا\n ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ أي: علمه نبيه ﷺ حتى أدّاه إلى جميع الناس، وأنزلت حين قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ﴾ وقيل: نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ وهو رحمن اليمامة:\nيعنون: مسيلمة الكذاب، وهذه هفوة من القرطبي-رحمه الله تعالى-انظر شرح الاية رقم [١٠٣] من سورة (النحل) تجد: أنه لا ذكر لمسيلمة الكذاب هناك. وقال الزجاج: معنى ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ سهله؛ لأن يذكر، ويقرأ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾. ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ:﴾ يعني آدم ﵊. قاله ابن عباس﵄-. وقيل: المراد: جنس الإنسان؛ أي: جميع الناس. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيانَ:﴾ أسماء كل شيء. وقيل: علمه اللغات كلها، فكان آدم يتكلم بسبعمئة لغة أفضلها العربية. وقيل: أراد بالإنسان محمدا ﷺ، و﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ يعني: بيان ما كان، وما يكون؛ لأنه ﷺ ينبئ عن خبر الأولين؛ والاخرين، وعن يوم الدين. وقيل: علمه بيان الأحكام من الحلال، والحرام، والحدود، والأحكام، وبيان النافع، والضار.\nهذا؛ والبيان في اللغة: المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير. وفي الاصطلاح: أحد فنون البلاغة الثلاثة، وهو يبحث في التشبيه، والاستعارة، والمجاز، والكناية. وقد مر معنا كثير من ذلك في هذا الكتاب.\nتنبيه: عدد الله ﷿ في أول هذه السورة آلاءه، ونعمه، فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه، وصنوف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدم من نعمة الدين ما هو سنام في أعلى مراتبها، وأقصى مراقيها، وهو إنعامه بالقرآن، وتنزيله، وتعليمه؛ لأنه أعظم وحي الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثرا، وهو سنام الكتب السماوية، ومصداقها، والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه؛ ليعلم: أنه إنما خلقه للدين، وليحيط علما بوحيه، وكتبه، وقدم ما خلق الإنسان من أجله عليه، ثم ذكر ما يميزه عن سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير. انتهى. نسفي والكشاف.\nالإعراب: ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، التقدير: الله الرحمن. الثاني: أنه مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: الرحمن ربنا، وهذان الوجهان عند من يرى:","vol":"9","page":395},{"text":"أن الرحمن آية مع هذا المضمر، فإنهم عدوا ﴿الرَّحْمنُ﴾ آية، ولا يتصور ذلك إلا بانضمام خبر، أو مخبر عنه إليه؛ إذ الاية لا بد أن تكون مفيدة. الثالث: أنه ليس بآية، وأنه مع ما بعده كلام واحد، وهو مبتدأ خبره: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾. انتهى. جمل نقلا من السمين.\n ﴿عَلَّمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الرحمن) وهو متعد لاثنين، الأول محذوف تقديره: علم جبريل، أو علم محمدا، أو علم الإنسان. وهذا أولى لعمومه، والمفعول الثاني هو القرآن. وقيل: ﴿عَلَّمَ﴾ من العلامة، فلا ينصب مفعولين، والجملة الفعلية مستأنفة على الوجهين في ﴿الرَّحْمنُ،﴾ وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه، والجملتان: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ مستأنفتان أيضا، أو هما من تعدد الخبر، وهو جملة. قال النسفي تبعا للزمخشري:\nوهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟. انتهى. وهو مفاد كلام ابن هشام في المغني.\n\n<span id=\"aya-4906\"></span><span id=\"aya-4907\"></span><span id=\"aya-4908\"></span><span id=\"aya-4909\"></span>﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨)﴾\nالشرح: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يجريان بحسبان ومنازل لا يتعديانها. وقيل: يعني بهما حساب الأوقات، والاجال، ولولا الليل والنهار، والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب ما يريد، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد، والحمد لله، وانظر شرح الاية رقم [٣٨] من سورة (يس) وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ ويجوز في (حسبان) وجهان: أحدهما: أنه مصدر مفرد بمعنى الحساب، فيكون كالغفران والكفران. والثاني: أنه جمع حساب، كشهاب، وشهبان، ورغيف، ورغفان. انتهى. سمين.\n ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ:﴾ قال ابن عباس، وغيره: النجم: ما لا ساق له، والشجر: ما له ساق، وأنشد ابن عباس﵄قول صفوان بن أسد التميمي: [الطويل] لقد أنجم القاع الكبير عضاهه... وتمّ به حيّا تميم ووائل\nوقال زهير بن أبي سلمى المزني: [البسيط] مكلّل بأصول النجم تنسجه... ريح الجنوب لضاحي مائه حبك\nواشتقاق النجم من: نجم الشيء، ينجم بالضم نجوما: ظهر وطلع، وسجودهما بسجود ظلالهما. وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما، كما قال تعالى: ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ﴾","vol":"9","page":396},{"text":"﴿الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾. وقيل: النجم: هو الكوكب، وسجوده: طلوعه. والقول الأول أظهر؛ لأنه ذكره مع الشجر في مقابلة الشمس، والقمر، ولأنهما أرضيان في مقابلة سمائيين.\nومعنى ﴿يَسْجُدانِ﴾ ينقادان لله تعالى فيما خلقا له تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده، واتصلت هاتان الجملتان ب: ﴿الرَّحْمنُ﴾ بالوصل المعنوي، لما علم: أن الحسبان حسبانه، والسجود له، لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له، ولم يذكر العاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؛ لأن الأول وردت على سبيل التعديد تبكيتا لمن أنكر آلاءه، كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال المذكور، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب، والتقارب بالعطف، وبيان التناسب: أن الشمس، والقمر سماويان، والنجم، والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، وأن السماء، والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جري الشمس، والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله تعالى، فهو مناسب لسجود الشمس، والقمر.\n ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها:﴾ خلقها مرفوعة محلا، ومرتبة، فإنها منشأ أقضيته، ومتنزل أحكامه، ومحل ملائكته، الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على كبرياء شأنه، وملكه، وسلطانه. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ أي: كل ما توزن به الأشياء، وتعرف مقاديرها من ميزان، ومكيال ومقياس؛ أي: خلقه موضوعا على الأرض، حيث علق به أحكام عباده من التسوية، والتعديل في أخذهم، وإعطائهم. ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ أي: لا تجاوزوا العدل، ولئلا تميلوا، وتظلموا، وتجوروا بأكل أموال الناس بالباطل. هذا؛ والطغيان في كل شيء مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿الشَّمْسُ:﴾ مبتدأ. ﴿وَالْقَمَرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (القمر): معطوف على ما قبله. ﴿بِحُسْبانٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: يجريان بحسبان، قال ابن هشام في المغني: فإن قدرت الكون قدرت مضافا؛ أي: جريان الشمس والقمر كائن بحسبان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالنَّجْمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (النجم):\nمبتدأ. ﴿وَالشَّجَرُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿يَسْجُدانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والألف فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَالسَّماءَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور، وهو ما يسمى بالاشتغال، وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ. ﴿رَفَعَها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ،﴾ (وها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة على نصب (السماء)، وفي محل رفع خبره على رفعه، وعلى الاعتبارين فالجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها. ﴿أَلاّ تَطْغَوْا:﴾ فالفعل منصوب ب: «أن» على اعتبارها مصدرية، و(لا) نافية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال","vol":"9","page":397},{"text":"الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أي: لئلا تطغوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (وضع).\nهذا؛ وقيل: (أن) مفسرة، و(لا) ناهية جازمة، والفعل مجزوم ب: (لا) منصوب. وردّ بأن شرط المفسرة تقدم جملة عليها فيها معنى القول دون حروفه، ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ ليس فيها معنى القول. وقد يجاب عنه بتوهم: أنّ وضع الميزان يستدعي كلاما في الأمر بالعدل فيه، فجاءت (أن) مفسرة بهذا الاعتبار. انتهى. جمل نقلا من كرخي. ﴿فِي الْمِيزانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n\n<span id=\"aya-4910\"></span><span id=\"aya-4911\"></span><span id=\"aya-4912\"></span><span id=\"aya-4913\"></span>﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ،﴾ قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٥]: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ أي: لا تنقصوا الميزان، ولا تبخسوا الكيل، والوزن. وهذا كقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾ رقم [٨٤]. أمر الله بالتسوية، وإقامة الحق والعدل، ونهى عن الطغيان؛ الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران، الذي هو تطفيف، ونقصان، وكرر لفظ الميزان تشديدا للوصية به، وتقوية للأمر باستعماله، والحث عليه. هذا؛ وأصل ميزان: موزان، فقلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، ومثله: ميعاد، وميراث، ونحوهما. ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ أي: بسط الأرض، وأرساها بالجبال الشامخات؛ لتستقر بما على وجهها من الأنام، وهم الخلائق المختلفة أنواعهم، وأشكالهم وألوانهم في سائر أقطارها، وأرجائها، وتشمل الخلائق الإنس، والجن. وقيل: تشمل كل ما ظهر على ظهرها من دابة. ﴿فِيها:﴾ في الأرض. ﴿فاكِهَةٌ﴾ أي: كل ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار. ﴿وَالنَّخْلُ:﴾ انظر الاية رقم [٢٠] من سورة (القمر). ﴿ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ أي: صاحبة الأكمام. و﴿الْأَكْمامِ﴾ جمع: كم بكسر الكاف. قال الجوهري: والكمّة، والكمامة بكسر الكاف فيهما: وعاء الطلع، وغطاء النّور، والجمع: كمام، وأكمّة، وأكمام، والأكاميم أيضا. هذا؛ وكل شيء ستر شيئا فهو كم. واقتصر على ذكر النخل من بين سائر الشجر؛ لأنه أعظمها وأكثرها بركة. ﴿وَالْحَبُّ﴾ أي: جميع الحبوب؛ التي يقتات بها، كالحنطة، والشعير، ونحوهما، وإنما أخر ذكر الحب على سبيل الارتقاء إلى الأعلى؛ لأن الحب أنفع من النخل، وأعم وجودا في الأماكن. ﴿ذُو الْعَصْفِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يعني: التبن، وعنه: أنه ورق الزرع الأخضر؛ إذا قطع رؤوسه، ويبس. وقيل: هو ورق كل شيء يخرج منه الحب. ﴿وَالرَّيْحانُ﴾ يعني: الورق. وقيل:\nالعصف: الورق أول ما ينبت الزرع بقلا، والريحان: الورق؛ يعني: إذا أدجن، وانعقد فيه الحب، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة: [الطويل]","vol":"9","page":398},{"text":"وقولا له: من ينبت الحبّ في الثّرى؟ ... فيصبح منه البقل يهتزّ رابيا\nويخرج منه حبّه في رؤوسه... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا\nالإعراب: ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (أقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو المشهور، والأصل أن يقال في مثل هذا الفعل: فعل أمر مبني على سكون مقدر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضمة لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كل فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل أقيما، وقد حرك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة، مثل اعبدي، وقد حرك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة. ﴿الْوَزْنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على اعتبار (لا) ناهية، وهي مستأنفة على اعتبار (لا) نافية، و(أن) ناصبة الفعل المضارع، ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُخْسِرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْمِيزانَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، ولم يقرأ بالرفع مثل السماء في الاية رقم [٧]. ﴿وَضَعَها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ،﴾ (وها): مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة للمحذوفة، لا محل لها. ﴿لِلْأَنامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهو المعتمد.\n ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فاكِهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجوز اعتبارها حالا من (الأرض) والرابط: الضمير، كما جوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من (الأرض)، واعتبار (فاكهة) فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بمتعلقهما. ﴿وَالنَّخْلُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (النخل): معطوف على فاكهة. ﴿ذاتُ:﴾ صفة (النخل) وهو مضاف، و﴿الْأَكْمامِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْحَبُّ:﴾ معطوف على ﴿فاكِهَةٌ﴾ أيضا. ﴿ذُو:﴾ صفة (الحب) مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿الْعَصْفِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَالرَّيْحانُ:﴾ معطوف على ما قبله. هذا؛ وقرئ بنصب الثلاثة على تقدير: خلق الحب... إلخ.\n\n<span id=\"aya-4914\"></span><span id=\"aya-4915\"></span><span id=\"aya-4916\"></span>﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ خطاب للإنس والجن؛ لأن الأنام واقع عليهما، وهذا قول الجمهور. وقيل: لما قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ،﴾ ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ دل ذلك على أن ما تقدم،","vol":"9","page":399},{"text":"وما تأخر لهما. وأيضا قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ وهو خطاب للإنس، والجن، وقد قال في هذه السورة: ﴿\\يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. هذا؛ والالاء: النعم، واحدها: إلى، وألى، وإلي، وألي.\nأربع لغات حكاها النحاس. قال: وفي واحد ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف، المسكّنة اللام. وقال ابن زيد: إنها القدرة، وتقدير الكلام: فبأي قدرة... إلخ؟\n ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ:﴾ لما ذكر الله سبحانه خلق العالم الكبير من السماء، والأرض، وما فيهما من الدلالات على واحدانيته، وقدرته؛ ذكر خلق العالم الصغير، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ والمراد به آدم باتفاق أهل العلم. ﴿مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ يعني: من طين يابس له صلصلة، وهو الصوت منه إذا نقر. ﴿كَالْفَخّارِ:﴾ يعني الطين المطبوخ بالنار، وهو الخزف. هذا؛ واختلفت العبارات في صفة خلق الإنسان، الذي هو آدم، فقال في كثير من الايات: ﴿مِنْ تُرابٍ،﴾ وقال في سورة (الحجر): ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ،﴾ وقال في سورة (الصافات): ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ وقال هنا: ﴿مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ وعند التأمل يظهر لك: أنه لا يوجد بين هذه العبارات اختلاف، ولكن مرّ خلق آدم بأدوار، وذلك أن الله خلقه أولا من تراب، ثم جعله طينا لازبا لما اختلط بالماء، ثم حمأ مسنونا، وهو الطين الأسود المنتن، فلما يبس صار صلصالا كالفخار. وكل دور من هذه الأدوار، بل وكل طور من هذه الأطوار يقدر بأربعين عاما.\nتنبيه: وأما صفة خلق آدم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فإني أنقلها لك من الخازن بحروفه، وذلك من سورة (البقرة) فقد قال وهب بن منبه-رحمه الله تعالى-: لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم؛ أوحى إلى الأرض: أني خالق منك خليقة، منهم من يطيعني، ومنهم من يعصيني، فبكت الأرض، فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، فبعث الله إليها جبريل ﵇ ليأتيه بقبضة منها، من أحمرها، وأسودها، وطيبها، وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها، قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك إليّ ألاّ تأخذ مني شيئا يكون للنار فيه نصيب، فرجع إلى مكانه، وقال: يا رب استعاذت بك مني، فكرهت أن أقدم عليها، فقال الله لميكائيل﵇-: انطلق فائتني بقبضة منها، فلما أتاها ليأخذ منها، قالت له: مثل ما قالت لجبريل، فرجع إلى ربه، فقال: ما قالت له. فقال لعزرائيل﵇-: انطلق فائتني بقبضة من الأرض، فلما أتاها؛ ليقبض منها، قالت له مثل ما قالت لجبريل، وميكائيل، فقال: وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا، فقبض منها قبضة من جميع بقاعها، من عذبها، ومالحها، وحلوها، ومرها، وأبيضها، وأسودها، وطيبها، وخبيثها، وصعد بها إلى السماء.\nفسأله ربه ﷿وهو أعلم بما صنع-فأخبره بما قالت الأرض، وبما رد عليها. فقال الله -﷿-: وعزتي وجلالي لأخلقن مما جئت به خلقا، ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك، ثم جعل الله تلك القبضة، نصفها في الجنة، ونصفها في النار، ثم تركها ما شاء الله، ثم","vol":"9","page":400},{"text":"أخرجها، فعجنها طينا لازبا مدة، ثم حمأ مسنونا مدة، ثم صلصالا مدة، ثم جسدا هامدا، وألقاه على باب الجنة، فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته؛ لأنهم لم يكونوا رأوا مثله، وكان إبليس يمر عليه، ويقول: لأمر ما خلق هذا، ونظر إليه فإذا هو أجوف، فقال: هذا خلق لا يتمالك، وقال يوما للملائكة: إن فضل هذا عليكم فما تصنعون؟ فقالوا: نطيع ربنا، ولا نعصيه.\nفقال إبليس في نفسه: لئن فضل علي؛ لأعصينه، ولئن فضلت عليه؛ لأهلكنه، فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل في جسد آدم، فنظرت، فرأت مدخلا ضيقا، فقالت: يا رب كيف أدخل هذا الجسد؟ قال الله ﷿: ادخليه كرها، وستخرجين منه كرها، فدخلت في يافوخه، فوصلت إلى عينيه، فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا، فسارت إلى أن وصلت إلى منخريه، فعطس، فلما بلغت لسانه؛ قال: الحمد لله رب العالمين، وهي أول كلمة قالها، فناداه الله تعالى: رحمك الله يا أبا محمد! ولهذا خلقتك، ولما بلغت الروح الركبتين؛ هم ليقوم، قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾.\nفلما بلغت إلى الساقين، والقدمين؛ استوى قائما بشرا سويا، لحما، ودما، وعظاما، وعروقا، وعصبا، وأحشاء، وكسي لباسا من ظفر، يزداد جسده جمالا، وحسنا كل يوم، وجعل في جسده تسعة أبواب، سبعة في رأسه، وهما الأذنان يسمع بهما، والعينان يبصر بهما، والمنخران يشم بهما، والفم فيه اللسان يتكلم به، والأسنان يطحن بها ما يأكله، ويجد لذة المطعومات بها، وبابين في أسفله، وهما: القبل والدبر، يخرج منهما ثفل طعامه، وشرابه، وجعل عقله في دماغه، وفكره، وصرامته في قلبه، وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه، وحزنه في وجهه، فسبحان من جعله يسمع بعظم، ويبصر بشحم، وينطق بلحم ويعرف بدم! وركب فيه الشهوة، وحجزه بالحياء.\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الله آدم ﵇، وطوله ستون ذراعا، ثم قال: اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك، وتحية ذريتك، فقال: السّلام عليكم، فقالوا: السّلام عليك ورحمة الله، فزادوه رحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الان». متفق عليه.\nوعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا صوّر الله آدم تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به ينظر ما هو؟ فلما رآه أجوف عرف: أنه لا يتمالك».\nرواه مسلم. وعن أبي موسى الأشعري﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض. منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيّب» أخرجه الترمذي وأبو داود. انتهى. خازن.","vol":"9","page":401},{"text":"تنبيه: من المقطوع به أن آدم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من الأنبياء، وهو رأي جمهور العلماء، لم يخالف فيه أحد، وإنما الخلاف فيه، هل هو رسول، أم لا؟ ولمن أرسل؟ فيرى بعض العلماء: أنه رسول، وأنه أرسل إلى ذريته. ويرى الاخرون: أنه لم يكن رسولا، وإنما كان نبيا، ويستدل هؤلاء بحديث الشفاعة، الوارد في صحيح مسلم: أن الناس يذهبون إلى نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ويقولون له: أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض، فلو كان آدم رسولا؛ لما ساغ هذا القول، والقائلون برسالة آدم يؤولون ذلك بأنه أول رسول بعد الطوفان. والله أعلم بحقيقة الأمر، والرأي الأرجح: أنه من الرسل.\nهذا؛ وقد عاش آدم ﵇ على ما ورد في بعض الاثار ألف عام، ثم مات بعد ذلك، ودفن على المشهور في الهند عند الجبل الذي أهبط فيه. وقيل: دفن بجبل أبي قبيس في مكة المكرمة، ولما حضرته الوفاة جاءته الملائكة بكفن، وحنوط من الجنة، وبعد أن غسلوه، وكفنوه، وحنطوه؛ حفروا له، وألحدوه، وصلوا عليه، ثم أدخلوه قبره، فوضعوه فيه، ثم حثوا عليه التراب، وقالوا: يا بني آدم هذه سنتكم. رحم الله آدم، وأسكنه فسيح جنته، وجمعنا معه في دار الخلد. آمين. والحمد لله رب العالمين. انتهى. النبوة والأنبياء للصابوني.\nهذا؛ وقد قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-في كتابه (قصص الأنبياء). هل آدم هذا أول البشر ولم يكن أحد قبله من جنسه؟\nوالجواب: أن العقل لا يجعل من المحال أن يكون الله خلق آدم غير آدم هذا، ولكن الله لم يذكر سوى آدم الذي نعرفه أبا البشر، فالقول بوجود غيره مجازفة بلا برهان، وقد وجد من البشر في الأزمان الغابرة، والحاضرة من يدعون: أن عمران بلادهم أقدم من خلق آدم، كأهل الهند، وقد كانوا في الزمان السابق يدّعون: أن آدم كان عبدا من عبيدهم هرب إلى الغرب، وجاء بأولاده، وإلى هذا يشير المعري بقوله: [الوافر] تقول الهند آدم كان قنّا... لنا فسعى إليه مخبّبوه\nوإلى القول بوجود أوادم سوى آدم يشير بقوله: [الخفيف] جائز أن يكون آدم هذا... قبله آدم على إثر آدم\nوقوله: [الطويل] وما آدم في مذهب العقل واحدا... ولكنّه عند القياس أوادم\nوهناك فريق من الناس يرجح: أنه ليس أول نوعه، ويستأنسون لذلك بقول الملائكة:\n ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ الاية رقم [٣٠] من سورة (البقرة) ويقول: إن الملائكة لم يقولوا ذلك إلا لرؤيتهم من تقدموا قبل آدم من الخلق الذين على صورته قد فعلوا ذلك، وأن","vol":"9","page":402},{"text":"آدم ﵇ كان خليفة عن بشر كانوا من جنسه، وبادوا. وكل هذه الأقوال لا تستند إلى نص قطعي الثبوت، والدلالة. انتهى. بحروفه. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (ص) فإنه جيد، والحمد لله.\n ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ:﴾ المارج: اللهب. وقال الليث: المارج: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد. وعن ابن عباس﵄أنه اللهب الذي يعلو النار، فيختلط بعضه ببعض، أحمر، وأصفر، وأخضر، ونحوه عن مجاهد. هذا؛ وفي سورة (الحجر) رقم [٢٧] قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ وأصل المرج: الإهمال، كما تمرج الدابة في المرعى، والمرج: أرض ذات نبات، ومرعى، والجمع مروج. هذا؛ والجان: أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر. وقال قتادة: هو إبليس. وقيل: الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، وفي الجن مسلمون، وكافرون يأكلون، ويشربون، ويحيون، ويموتون، ويتوالدون كبني آدم، وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون، ولا يموتون إلا إذا مات إبليس أبوهم، والأصح: أن الشياطين نوع من الجن لاشتراكهم في الاستتار، سمّوا جنا لتواريهم، واستتارهم عن الأعين، من قولهم: جن الليل: إذا ستر بظلمته كل شيء. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٧]:\n ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾. وانظر ما ذكرته في سورة (الجن) وفي سورة (الأحقاف). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَبِأَيِّ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فبأي... إلخ. (بأي): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(أي) مضاف، و﴿آلاءِ﴾ مضاف إليه، و﴿آلاءِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّكُما﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿تُكَذِّبانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكُما﴾. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ صَلْصالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿كَالْفَخّارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿صَلْصالٍ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما فهي الصفة، وتكون الكاف مضافة، و(الفخار) مضاف إليه. ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ:﴾ مثل سابقتها في إعرابها، وهي معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ نارٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿مارِجٍ﴾.","vol":"9","page":403},{"text":"<span id=\"aya-4917\"></span><span id=\"aya-4918\"></span>﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ: ذكرت هذه الاية في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق، ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الالاء عقبها؛ لأن من جملة الالاء رفع البلاء، وتأخير العذاب، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما بعدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ فمن اعتقد الثمانية الأولى، وعمل بموجبها استحق هاتين الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة. انتهى. جمل عن شيخ الإسلام في متشابه القرآن.\nهذا؛ وفي الخازن قوله: وكرر هذه الاية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعا، تقريرا للنعمة، وتأكيدا في التذكير بها، ثم عدد على الخلق آلاءه، وفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها، ليفهمهم النعم، وليقررهم بها، كقول الرجل لمن أحسن إليه، وتابع إليه بالأيادي، وهو ينكرها، ويكفرها: ألم تكن فقيرا، فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب، حسن تقريرا؛ وذلك؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة ما يدل على واحدانيته، من خلق الإنسان، وتعليمه، والبيان، وخلق الشمس والقمر، والسماء والأرض إلى غير ذلك مما أنعم الله به على خلقه، وخاطب الجن والإنس، فقال: فبأي آلاء... إلخ من الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها منعم بها عليكم. انتهى. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢١] و[٢٢] من سورة (القمر). هذا؛ ومعنى ﴿تُكَذِّبانِ﴾ تكفران، والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب؛ لما أن دلالة الالاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها بذلك، فكفرهم بها تكذيب بها لا محالة؛ أي: فإذا كان الأمر كما فصل، فبأي فرد من أفراد آلاء مالككما ومربيكما بتلك الالاء تكذبان؟ مع أن كلا منها ناطق بالحق شاهد بالصدق. هذا؛ والاستفهام للتقرير بالنسبة للمؤمنين، وللتوبيخ، والتقريع بالنسبة للكافرين، والفاسقين من الإنس، والجن.\n ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ:﴾ فينبغي أن تعلم: أن الله تعالى قال في سورة (البقرة) رقم [١١٥] ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فالمراد بهما ناحيتا الأرض، له سبحانه الأرض كلها، لا يختص به مكان دون مكان، وقال هنا: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي مشرقي الشتاء والصيف، ومغربيهما، وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ فقد جمع المشرق والمغرب كما ترى باعتبار مشارق الشمس ومغاربها في السنة، وهي ثلاثمئة وخمس وستون كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع كل يوم من كوة منها، وتغيب في","vol":"9","page":404},{"text":"كوة، لا تطلع، ولا تغرب في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. قال أمية بن أبي الصلت، الذي قال فيه الرسول ﷺ: «آمن شعره وكفر قلبه». [الطويل] زحل وثور تحت رجل يمينه... والنّسر للأخرى وليث مرصد\nوالشمس تطلع كلّ آخر ليلة... حمراء يصبح لونها يتورّد\nليست بطالعة لهم في رسلها... إلاّ معذّبة وإلاّ تجلد\nقال عكرمة-رحمه الله تعالى-قلت لابن عباس﵄-: يا مولاي! أتجلد الشمس؟ فقال: إنما اضطره الروي إلى الجلد، لكنها تخاف العقاب.\nهذا؛ وكان من حق المشرق، والمغرب فتح العين، وهي الراء؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان؛ إذا أخذ أحدهما من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها. وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب النحو، واللغة، من ذلك: المسجد، والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر، والتحقيق: أنها أسماء نوعية غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح. ولا تنس: أنه يقرأ: ﴿مَطْلِعَ﴾ بفتح اللام وكسرها.\nالإعراب: ﴿رَبُّ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب، و﴿رَبُّ﴾ مضاف، و﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ:﴾ معطوف على ما قبله. هذا؛ ويقرأ: ﴿رَبُّ﴾ بالجر على أنه بدل من ﴿رَبِّكُما﴾.\n\n<span id=\"aya-4919\"></span><span id=\"aya-4920\"></span><span id=\"aya-4921\"></span>﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ أي: أرسل البحرين: العذب، والملح متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين؛ لأن من شأنهما الاختلاط، وهو قوله: ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ لكن الله تعالى منعهما عما في طبعهما بالبرزخ، وهو قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ أي: حاجز من قدرة الله تعالى. ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ أي: لا يبغي أحدهما على صاحبه. وقيل: لا يختلطان، ولا يتغيران. وقيل: لا يطغيان على الناس بالغرق. وقيل: (مرج البحرين) يعني بحر الروم وبحر الهند، وأنتم الحاجز بينهما أي بلاد العرب. وقيل: بحر فارس، وبحر الروم بينهما برزخ، يعني: الجزائر. وقيل: بحر السماء، وبحر الأرض يلتقيان في كل عام. قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير﵃ أجمعين-وخذ قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٥٣] ﴿*وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾.","vol":"9","page":405},{"text":"الإعراب: ﴿مَرَجَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكُما﴾. ﴿الْبَحْرَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَلْتَقِيانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْبَحْرَيْنِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿بَرْزَخٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من ألف الاثنين. والرابط:\nالضمير فقط. ويجوز أن يكون الظرف متعلقا بمحذوف حال. و﴿بَرْزَخٌ﴾ فاعلا به، وهو أحسن لقربه من المفرد. وجملة: ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ في محل نصب حال أخرى كالتي قبلها؛ أي: مرجهما غير باغيين، أو يلتقيان غير باغيين، أو بينهما برزخ في عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل؛ إذ المعنى لئلا يبغيا. وقد تمحل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا، ثم حذف حرف العلة، وهو مطرد مع: «أن» و«أنّ» ثم حذفت «أن» أيضا وهو حذف مطرد، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ..﴾. إلخ الاية رقم [٢٤] من سورة (الروم)، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع إلا أنه يتكرر فيه الحذف، ولك أن تقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا كما تقدم في: ﴿قابَ قَوْسَيْنِ،﴾ وكما سيأتي في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ..﴾. إلخ الاية رقم [٨٢] من سورة (الواقعة) انتهى. جمل نقلا من السمين.\n\n<span id=\"aya-4922\"></span><span id=\"aya-4923\"></span><span id=\"aya-4924\"></span><span id=\"aya-4925\"></span>﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ أي: من البحرين؛ أي: يخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان، كما يخرج من التراب الحب، والعصف، والريحان. قيل: إنما تخرج المعادن الثمينة من البحر الملح دون العذب، فهو كقوله تعالى في سورة (نوح): ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ وقيل: أراد يخرج من أحدهما، فحذف المضاف. وقيل: لما التقى البحران، فصارا كالشيء الواحد؛ جاز أن يقال: يخرج منهما، كما يقال: يخرج من البحر، ولا يخرج من جميع البحر، ولكن من بعضه. وقيل: يخرج من ماء السماء وماء البحر، قيل: إذا أمطرت السماء، تفتح الأصداف أفواهها، فحيثما وقعت قطرة صارت لؤلؤة على قدر القطرة، و﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ هو ما عظم من الدر، والمرجان صغاره. وقيل: بعكس ذلك. وقيل: (المرجان) هو الخرز الأحمر. وانظر ما ذكرته في سورة (فصلت) رقم [٣٩] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ ومن التفسير الشاذ الذي لا يقبله عقل، ولا يقره ذوق، فضلا عن عدم وجوده في كتب اللغة، حيث يقول ناس: البحران","vol":"9","page":406},{"text":"هما: فاطمة، وعلي﵄والبرزخ (أي: الحاجز): محمد ﷺ، و(اللؤلؤ):\nالحسن، و(المرجان): الحسين﵄-. هذا؛ وخروج اللؤلؤ والمرجان مجاز عقلي؛ لأنه لا يخرج بنفسه، بل لا بد له من مخرج، كما هو معروف. وقال: ﴿مِنْهُمَا﴾ ولم يقل من أحدهما؛ لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد ساغ أن يقول: منهما. ﴿وَلَهُ الْجَوارِ:﴾\nالسفن، الكبار. ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ أي: المرفوعات؛ التي يرفع خشبها بعضه على بعض. وقيل: هي ما رفع قلعها من السفن، أما ما لم يرفع قلعها، فليست من المنشآت المحدثات المخلوقات المسخرات. ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ أي: كالجبال في كبرها وما فيها من المتاجر، والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر، ومن إقليم إلى إقليم. مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وانظر (الشورى) رقم [٣٢].\nعن عمر بن سويد؛ قال: كنت مع علي﵁على شاطئ الفرات؛ إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها، فبسط علي﵁يديه، ثم قال: يقول الله ﷿: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله.\nأخرجه ابن أبي حاتم. هذا؛ و(الأعلام) جمع علم وهو الجبل الطويل. قال جرير: [الرجز] إذا قطعن علما بدا علم... حتّى تناهين بنا إلى الحكم\nهذا؛ ولا تنس تشبيه السفن؛ وهي تمخر عباب البحر رائحة جائية بالجبال.\nالإعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ:﴾ انظر الاية رقم [١٣]. ﴿يَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْهُمَا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿اللُّؤْلُؤُ:﴾ فاعل ﴿يَخْرُجُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من ألف الاثنين، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَالْمَرْجانُ:﴾ الواو: حرف عطف. (المرجان): معطوف على ما قبله.\n ﴿وَلَهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْجَوارِ:﴾\nمبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْمُنْشَآتُ:﴾ صفة ﴿الْجَوارِ﴾. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾. ونائب فاعله يعود إلى:\n ﴿الْجَوارِ﴾. ﴿كَالْأَعْلامِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿الْمُنْشَآتُ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما، فالمحل لها، وهي مضافة و(الأعلام) مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-4926\"></span><span id=\"aya-4927\"></span><span id=\"aya-4928\"></span><span id=\"aya-4929\"></span>﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ أي: على الأرض، والضمير عائد على ذكرها في الاية رقم [١٠] والمراد ب: ﴿مَنْ﴾ كل من على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وهوام، وغير ذلك. وإنما","vol":"9","page":407},{"text":"ذكره بلفظة ﴿مَنْ﴾ تغليبا للعقلاء على غيرهم. ﴿فانٍ:﴾ هالك. قال ابن عباس﵄-: لما نزلت هذه الاية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ رقم [٨٨] من سورة (القصص) فأيقنت الملائكة بالهلاك. ووجه النعمة في فناء الخلق:\nالتسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. وقيل: وجه النعمة: أن الموت سبب النقل من دار الفناء إلى دار الجزاء، والثواب. ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ويبقى الله؛ فالوجه عبارة عن وجوده وذاته، قال الشاعر: [مخلع البسيط] قضى على خلقه المنايا... فكلّ شيء سواه فاني\nوفي المخاطب وجهان: أحدهما: أنه كل واحد، والمعنى: ويبقى وجه ربك أيها الإنسان السامع. والوجه الثاني: أنه يحتمل: أن الخطاب مع النبي ﷺ. ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ أي: صاحب العظمة، والكبرياء، الحقيق بصفات المدح، يقال: جلّ الشيء؛ أي: عظم، وأجللته؛ أي:\nعظمته، و﴿الْجَلالِ﴾ اسم من: جلّ، ومعناه: الذي يجله الموحدون عن التشبيه. ﴿وَالْإِكْرامِ﴾ أي:\nهو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك، كما تقول: أنا أكرمك عن هذا، وهو المكرم لأنبيائه، وأوليائه، وجميع خلقه بلطفه، وإحسانه إليهم مع جلاله، وعظمته، وروى أنس﵁أن النبي ﷺ قال: «ألظّوا بياذا الجلال والإكرام». أخرجه الترمذي، ومعناه الزموا ذلك في الدعاء. وعن سعيد المقبري: أن رجلا ألحّ، فجعل يقول: اللهم يا ذا الجلال، والإكرام! اللهم يا ذا الجلال والإكرام! فنودي: إني قد سمعت؛ فما حاجتك؟\nهذا؛ و﴿فانٍ﴾ أصله: فاني بضمة على الياء علامة للرفع وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت النون مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: (فان) بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للدال، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص، مثل: مهتد، وهاد، ونحوهما.\nالإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿فانٍ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَبْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (يبقى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَجْهُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، وربك مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذُو:﴾\nصفة وجه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو:﴾\nمضاف، و﴿الْجَلالِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْإِكْرامِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الإكرام): معطوف على ما قبله، وجملة: (يبقى...) إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها.","vol":"9","page":408},{"text":"<span id=\"aya-4930\"></span>﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: من ملك، وإنس، وجن، فلا يستغني عن فضله أهل السموات، والأرض. قال ابن عباس﵄-: فأهل السموات يسألونه المغفرة، وأهل الأرض يسألونه المغفرة والرزق. وقيل: كل أحد يسأله الرحمة، وما يحتاجه في دينه أو دنياه. وفيه إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى، وأن كل مخلوق وإن جل وعظم؛ فهو عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه، مفتقر إلى الله تعالى. انتهى. خازن. هذا؛ ومن أهم ما ينبغي أن يسأل المؤمن ربه التوفيق للطاعة، والمعونة على العبادة، وتسديد الخطى على الصراط المستقيم.\n ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ:﴾ في أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل، من إحياء، وإماتة وإعزاز، وإذلال، وإغناء، وإفقار، وإجابة داع، وإعطاء سائل، وغير ذلك. وروى أبو الدرداء -﵁عن النبي ﷺ، قال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: «من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين». وعن ابن عمر﵄عن النبي ﷺ في قول الله ﷿: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: «يغفر ذنبا، ويكشف كربا، ويجيب داعيا».\nوروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس﵄أنه قال: إن مما خلق الله ﷿ لوحا من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة، يخلق، ويرزق، يحيي، ويميت، يعز، ويذل، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. وقال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت، ومعناه: أن الله﷿كتب ما يكون في كل يوم، وقدر ما هو كائن، فإذا جاء ذلك الوقت، فعلقت إرادته بالفعل، فيوجده في ذلك الوقت. هذا؛ وقيل: نزلت الاية ردا على اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شأنا أو شيئا.\nفائدة: يروى أن ابن الشجري كان في مجلس وعظه، وإرشاده، والناس حوله يستمعون إليه، فرفع أحد الحاضرين يده، وقال: سؤال يا فضيلة الشيخ، فقال له: ما السؤال؟ فقال: الله يقول: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ما شأن ربك الان؟ فقال: غدا آتيك بالجواب إن شاء الله، فذهب إلى بيته فلم يهتد إلى الجواب، فنام مهموما مكروبا، فرأى النبي ﷺ في المنام، فقال:\nيا رسول الله! عرض عليّ سؤال، فلم أهتد إلى جوابه، وذكر السؤال. فقال النبي ﷺ: السائل لك الخضر، والجواب: شأن ربك الان أمور يبديها، ولا يبتديها، يرفع أقواما، ويضع آخرين.\nوفي اليوم الثاني جلس الشيخ في مجلس وعظه، فرفع السائل يده، وقال: الجواب يا أستاذ! فقال له: شأن ربك الان أمور يبديها... إلخ. فقال له: صل وسلم على من علمك. انتهى.\nباجوري على جوهرة التوحيد. والله أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"9","page":409},{"text":"هذا؛ وسأل بعض الملوك وزيره عن معنى الاية، فاستمهله إلى الغد، وذهب كئيبا يفكر فيها، فقال له غلام أسود: يا مولاي! أخبرني ما أصابك؛ لعل الله يسهل لك على يدي؟! فأخبره، فقال:\nأنا أفسرها للملك، فأعلمه. فقال: أيها الملك شأن الله أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا، فقال الملك:\nأحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة. فقال: يا مولاي هذا من شأن الله!.\nوقيل: إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ رقم [٣١] من سورة (المائدة) وقد صح أن الندم توبة. وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وقد صح: أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله تعالى في سورة (النجم) الاية رقم [٣٩]: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى،﴾ فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله. وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شؤون يبديها، لا شؤون يبتديها. وأما قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا. فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه. انتهى. قرطبي، وكشاف، ونسفي.\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف للتعميم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض):\nمعطوف على ما قبله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها في محل نصب حال من ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾. ﴿كُلَّ:﴾ قال ابن الأنباري: منصوب على الظرفية، وهو معمول الظرف الذي هو ﴿فِي شَأْنٍ﴾. وقال الجمل: ﴿كُلَّ﴾ منصوب بالاستقرار، الذي تضمنه الخبر. وقال أبو البقاء: هو ظرف لما دل عليه: ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. هذا؛ ويجوز تعليقه بالفعل ﴿يَسْئَلُهُ﴾ فيكون الوقف على ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ وما بعده جملة مستأنفة، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ.\n ﴿فِي شَأْنٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره.\n\n<span id=\"aya-4931\"></span><span id=\"aya-4932\"></span><span id=\"aya-4933\"></span>﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿فَبِأَيِّ..﴾. إلخ: انظر الاية رقم [١٣]. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ:﴾ قيل: هذا وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، وليس هو فراغا عن شغل؛ لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن. فهو كقول القائل: لمن يريد تهديده: لأتفرغن لك؛ وما به شغل. وهذا قول ابن عباس","vol":"9","page":410},{"text":"-﵄-، وإنما حسن ذكر هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن. وقيل: معناه سنقصدكم بعد الترك، والإمهال، ونأخذ في أمركم، فهو كقول القائل الذي لا شغل له: قد فرغت لك. وقيل:\nمعناه: إن الله وعد أهل التقوى، وأوعد أهل الفجور، فقال: سنفرغ لكم مما وعدناكم، وأخبرناكم، فنحاسبكم، ونجازيكم، فننجز لكم ما وعدناكم، فنتم ذلك، ونفرغ منه، فهو على طريق المثل، والاستعارة، مثل قول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني. وأراد بالثقلين: الإنس، والجن، سمّيا ثقلين؛ لأنهما ثقلا على الأرض أحياء، وأمواتا. وقيل: كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه، فهو ثقل، ومنه قول النبي ﷺ: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي» فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما. وقال جعفر بن محمد الصادق: سمّي الإنس، والجن ثقلين؛ لأنهما مثقلان بالذنوب. هذا؛ وقال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ فجمع، ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وكذا قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل: إن استطعتما؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ الاية رقم [٤٥] من سورة (النمل)، وقوله تعالى: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الاية رقم [١٩] من سورة (الحج).\nتنبيه: قرأ الجمهور ﴿أَيُّهَ﴾ بفتح الهاء، وبدون ألف، وقرأ ابن عامر بضمها، ووجهه: أن تجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها. وضعف أبو علي الفارسي ذلك جدا، وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من (أيّ) فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز ضم الهاء هاهنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في: (اللهم) لاقترانها بالكلمة في كلام طويل.\nوالصحيح: أنه إذا ثبت عن النبي ﷺ قراءة، فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة، وأنشد الفراء: [الرجز] يا أيّه القلب اللجوج النّفس... أفق من البيض الحسان اللّعس\nوبعضهم يقف: ﴿أَيُّهَ﴾ وبعضهم يقف: (أيها) بالألف؛ لأن علة حذفها في الوصل، إنما هو سكونها وسكون اللام، فإذا كان الوقف ذهبت العلة، فرجعت الألف، وهذا الاختلاف الذي ذكرته، كذلك هو في الاية رقم [٣١] من سورة (النور): ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وأيضا الاية رقم [٤٩] من سورة (الزخرف) وهي: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ ادْعُ..﴾.\nإلخ، وقد رسمت الهاء في هذه المواضع الثلاثة بدون ألف، وثبتت في غير هذه المواضع حملا على الأصل، كما تراه في جميع آيات القرآن.\nالإعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ:﴾ انظر الاية رقم [١٣]. ﴿سَنَفْرُغُ:﴾ (السين): حرف استقبال. (نفرغ): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيُّهَ:﴾ نكرة مقصودة مبنية","vol":"9","page":411},{"text":"على الضم في محل نصب بأداة النداء المحذوفة والهاء حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الثَّقَلانِ:﴾ نعت ل: (أيّ) أو بدل منه مرفوع تبعا للفظ (أيّ) وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الندائية مستأنفة مثل التي قبلها.\n\n<span id=\"aya-4934\"></span><span id=\"aya-4935\"></span>﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ..﴾. إلخ: أي: إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات، والأرض هاربين من الله، فارين من قضائه، وتخرجوا من ملكه؛ فافعلوا، وقدم الجن على الإنس في هذه الاية؛ لأنهم أقدر على النفوذ، والهرب من الإنس، وأقوى على ذلك، فعلى هذا يكون في الدنيا. وذكر ابن المبارك؛ قال: وأخبرنا جويبر عن الضحاك؛ قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا، فتشققت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب، فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك، فينزلون صفا من خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فينزل الملك الأعلى في بهائه، وملكه، ومجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها، وشهيقها، فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فذلك قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ..﴾. إلخ فعلى هذا يكون في الاخرة. انتهى. قرطبي.\nأقول: ويؤيده قوله تعالى في سورة (الفجر) الاية رقم [٢٢]: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وعلى القول الأول فهو مثل قوله تعالى في سورة (العنكبوت) الاية رقم [٢٢]: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ الاية رقم [٢٢] ويؤيد الأول الايات التالية. وقال ابن عباس﵄-: المعنى إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض؛ فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان؛ أي: ببينة من الله تعالى نصبها لكم، فتعرجون عليها بأفكاركم، وعقولكم.\n ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي: من التنبيه، والتحذير، والمساهلة، والعفو مع كمال القدرة، أو مما نصب من المصاعد العقلية، والمعارج النقلية، فتنفذون بها إلى ما فوق السموات العلى.\nانتهى. بيضاوي. أقول: والذي رفع السموات، وبسط الأرضين بقدرته ما جاب الناس الفضاء في هذه الأيام إلا بهداية الله لهم، وتعليمه إياهم.\nبعد هذا ف: (معشر) اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: رهط، ونفر، وأهل... إلخ.\nوقال الزمخشري: إن كل ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج، والذهاب، مثل: نفق، ونفذ، ونفخ... إلخ، وانظر شرح (سلطان) في الاية رقم [٣٨] من الذاريات.","vol":"9","page":412},{"text":"فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ﴾ الاية رقم [٨٨] من سورة (الإسراء)؟! أجيب: بأن النفوذ من أقطار السموات، والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن، فقدم في كل موضع ما يناسبه. فإن قيل: لم جمع الضمير هنا. وثني في الاية التالية؟ قلت: جمع هنا نظرا إلى معنى الثقلين؛ لأن كلاّ منهما تحته أفراد كثيرة، وثني في ذاك نظرا إلى اللفظ. انتهى. جمل نقلا من كرخي.\nتنبيه: ما ذكر في هذه السورة، وفي سورة (الأحقاف)، وسورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ..﴾. إلخ يدل على أن الجن مخاطبون، مكلفون، مأمورون، منهيون، مثابون، معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا، وبينهم في شيء من ذلك. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (معشر): منادى، وهو مضاف، و(الجن) مضاف إليه. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الإنس): معطوف على ما قبله، والجملة الندائية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿اِسْتَطَعْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِنِ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَنْفُذُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ أَقْطارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و﴿أَقْطارِ:﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَانْفُذُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (انفذوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و﴿إِنِ﴾ الشرطية ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿لا:﴾ نافية.\n ﴿تَنْفُذُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية تعليل للأمر، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال.\n\n<span id=\"aya-4936\"></span><span id=\"aya-4937\"></span>﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ..﴾. إلخ: أي: لو خرجتم أرسل عليكم شواظ من نار، وأخذكم العذاب المانع من النفوذ. وقيل: ليس هذا متعلقا بالنفوذ بل أخبر: أنه يعاقب العصاة عذابا","vol":"9","page":413},{"text":"بالنار. وقيل: يحاط على الخلائق بالملائكة، وبلسان من نار، ثم ينادون: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ فتلك النار قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ﴾ و(الشواظ) في قول ابن عباس، وغيره:\nاللهب الذي لا دخان له. و(النحاس): الدخان الذي لا لهب فيه، والعرب تسمي الدخان نحاسا. روى الطبراني عن الضحاك: أن نافع بن الأزرق، سأل ابن عباس﵄- عن الشواظ، فقال: هو اللهب الذي لا دخان معه، فسأله شاهدا على ذلك من اللغة، فأنشده قول أمية بن أبي الصلت في حسان﵁قال القرطبي: كذا وقع في تفسير الثعلبي والماوردي: بن أبي الصلت، وفي الصحاح والوقف والابتداء لابن الأنباري: أمية بن خلف.\nقال: [الوافر] ألا من مبلع حسّان عني... مغلغلة تدبّ إلى عكاظ؟\nأليس أبوك فينا كان قينا... لدى القينات فسلا في الحفاظ؟\nيمانيّا يظلّ يشدّ كيرا... وينفخ دائبا لهب الشّواظ\nفأجابه حسان﵁فقال: [الوافر] هجوتك فاختضعت لها بذلّ... بقافية تأجّج كالشّواظ\nقال نافع: صدقت؛ فما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له، قال: فهل تعرفه العرب؟ قال: نعم أما سمعت قول النابغة الجعدي﵁يقول: [المتقارب] يضيء كضوء سراج السّلي... ط لم يجعل الله فيه نحاسا\nهذا؛ والمغلغلة: الرسالة. وقين: عبد، وفسل: ضعيف عابر. والسليط: الزيت، الذي يوضع في السراج. هذا؛ والنحاس يقرأ بضم النون، وكسرها، وهو أيضا: الطبيعة، والأصل، يقال: فلان كريم النّحاس والنّحاس؛ أي: كريم النّجار والأصل، كما يقرأ شواظ بضم الشين، وكسرها، وهما لغتان. ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ:﴾ فلا تمتنعان؛ أي: لا ينصر بعضكم بعضا. والمخاطب:\nالجن، والإنس. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ:﴾ انظر الشرح والإعراب في الاية رقم [١٣] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يُرْسَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَلَيْكُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.\n ﴿شُواظٌ:﴾ نائب فاعل ﴿يُرْسَلُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ نارٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿شُواظٌ﴾. ﴿وَنُحاسٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (نحاس): معطوف على ﴿شُواظٌ﴾ ويقرأ بالجر عطفا على ﴿نارٍ﴾. ﴿فَلا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (لا): نافية.","vol":"9","page":414},{"text":"﴿تَنْتَصِرانِ﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4938\"></span><span id=\"aya-4939\"></span>﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أي: تصدعت يوم القيامة، فصارت أبوابا لنزول الملائكة، ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الفرقان): ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقال جل وعلا: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ،﴾ وقال ﵎ في سورة (الانفطار): ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾.\n ﴿فَكانَتْ وَرْدَةً:﴾ فصارت كلون الورد الأحمر. وقيل: أصل لون السماء الحمرة، ولكن ترى الان زرقاء لبعدها، وكثرة الحواجز بيننا، وبينها. ﴿كَالدِّهانِ﴾ أي: تذوب كما يذوب الدّردي، والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء، وتارة صفراء، وتارة زرقاء، وتارة خضراء، وذلك من شدة الأمر، وعظيم هول يوم القيامة، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء كحمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحا، فإن السماء لقربها من النواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنه أصل لونها، وعلى كل حال فالاية فيها تشبيه تمثيلي لا يخفى.\nالإعراب: ﴿فَإِذَا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿اِنْشَقَّتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها.\n ﴿فَكانَتْ:﴾ (الفاء): حرف عطف، (كانت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿وَرْدَةً:﴾ خبر (كانت) واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى (السماء)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجوابها محذوف التقدير: فما أعظم الهول! وقيل: الجواب قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ..﴾. إلخ. ﴿كَالدِّهانِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف صفة ﴿وَرْدَةً،﴾ أو بمحذوف حال من اسم (كانت) المستتر، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فالمحل لها على جميع الوجوه، وتكون مضافة، و(الدهان) مضاف إليه.\n<span id=\"aya-4940\"></span><span id=\"aya-4941\"></span>﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: فيوم تنشق السماء. ﴿لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ:﴾ قيل: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لتعلم من جهتهم؛ لأن الله تعالى قد علمها منهم، وكتبتها الحفظة عليهم.\nوهذه رواية عن ابن عباس﵄-. وعنه أيضا: لا تسأل الملائكة المجرمين؛ لأنهم","vol":"9","page":415},{"text":"يعرفون بسيماهم. دليله ما بعده. وعنه أيضا في الجمع بين هذه الاية، وبين قوله تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩٢]: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٢٤]: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ قال: لا يسألهم: هل عملتم كذا، وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكنه يسألهم: لم عملتم كذا، وكذا؟ وعنه أيضا قال: لا يسألون سؤال رحمة، وشفقة، وإنما يسألون سؤال تقريع، وتوبيخ. وقيل: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.\nوقيل: إنها مواطن، فيسأل في بعضها، ولا يسأل في بعضها. وانظر شرح الايتين في محلهما.\nهذا؛ ومفرد إنس: إنسي، ومفرد جان: جني، مثل: زنج زنجي، وقال الزمخشري: فوضع الجانّ الذي هو أبو الجن موضع الجن، كما يقال: هاشم ويراد ولده. انتهى.\nهذا؛ وقال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون. انتهى. وانظر الاية رقم [٢٢] من سورة (فصلت). وفي حديث أبي هريرة -﵁عن النبي ﷺ. وفيه قال: «فيلقى العبد، فيقول: أي فل! ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل، والإبل، وأذرك ترأس، وتربع؟ فيقول: بلى! فيقول:\nأفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فيقول له: مثل ذلك بعينه، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا ربّ آمنت بك، وبكتابك، وبرسولك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذا، ثم يقال له: الان نبعث شاهدنا عليك، فيتفكر في نفسه من هذا الذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه». انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿فَيَوْمَئِذٍ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، أو هي واقعة في جواب الشرط، كما رأيت والأول أقوى. (يومئذ): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، (وإذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة والتنوين عوض عن جملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُسْئَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَنْ ذَنْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْسٌ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي، والجملة الفعلية حسب ما ذكرته في الفاء. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ انظر الاية رقم [١٣].\n\n<span id=\"aya-4942\"></span><span id=\"aya-4943\"></span>﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ:﴾ قال الحسن: هي سواد الوجوه، وزرقة الأعين. قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٢]: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا،﴾ وقال جل وعلا في سورة","vol":"9","page":416},{"text":"(آل عمران) رقم [١٠٦]: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. هذا؛ ويعرف المؤمنون يوم القيامة بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء. ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ أي: تأخذ الملائكة بنواصيهم؛ أي:\nبشعور مقدم رؤوسهم، وأقدامهم، فيقذفونهم في النار. والنواصي: جمع ناصية. وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته، وقدميه في سلسلة من وراء ظهره. وعنه: يؤخذ برجلي الرجل، فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ظهره، ثم يلقى في النار. وقيل: يفعل ذلك به ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه. وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار، تارة تأخذ بناصيته، وتجره على وجهه، وتارة تأخذ بقدميه، وتسحبه على وجهه.\nهذا؛ والمراد بالمجرمين في هذه الاية: الكافرون، وكثيرا ما يعبر القرآن الكريم عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين ونحو ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يُعْرَفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:\n ﴿يُعْرَفُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَيُؤْخَذُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يؤخذ): فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِالنَّواصِي:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء. ﴿وَالْأَقْدامِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأقدام): معطوف على ما قبله. والجملة الفعلية: (يؤخذ...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-4944\"></span><span id=\"aya-4945\"></span><span id=\"aya-4946\"></span>﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي..﴾. إلخ أي: يقال لهم: هذه النار التي أخبرتم بها، فكذبتم بوجودها، فها هي حاضرة تشاهدونها عيانا. يقال لهم ذلك تقريعا، وتوبيخا، وتحقيرا. ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (الطور): ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (يس) رقم [٦٢]: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.\n ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: تارة يعذبون في الجحيم، وتارة يسقون من الحميم، وهو","vol":"9","page":417},{"text":"الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء، والأحشاء، قال تعالى في سورة (محمد ﷺ):\n ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ ومعنى ﴿آنٍ﴾ شديد الحرارة، والمعنى: أنهم يسعون بين الحميم، وبين الجحيم فإذا استغاثوا من النار جعل عذابهم الحميم الاني، الذي صار كالمهل، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾. هذا؛ وإعلال ﴿آنٍ﴾ مثل إعلال ﴿فانٍ﴾ في الاية رقم [٢٦].\nفإن قلت: هذه الأمور المذكورة في هذه الايات من قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ إلى هنا ليست نعما، فكيف عقبها بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟﴾ قلت: المذكور في هذه الايات مواعظ، وزواجر، وتخويف، وكل ذلك نعمة من الله تعالى، لأنها تزجر العبد عن المعاصي، فصارت نعما، فحسن ختم كل آية منها بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ. انتهى. خازن.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ومعلوم: أن النبي ﷺ بعث بشيرا لمن آمن، ونذيرا لمن كفر، فجعل الإنذار رحمة، كما جعل التبشير رحمة.\nوالايات التي نحن بصدد شرحها من هذا القبيل، كما جعل سبحانه، وتعالى التحذير رأفة، فقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ الاية رقم [٣٠] من سورة (آل عمران).\nهذا؛ و(بين) ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، لا يقع إلا بين متعدد لفظا، وحكما تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا: الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض. ومن استعماله بمعنى الوصل، ما قرئ به في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير﵁من قصيدته؛ التي مدح بها النبي ﷺ وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول\nالإعراب: ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فيقال لهم: هذه جهنم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُعْرَفُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿جَهَنَّمُ﴾. ﴿يُكَذِّبُ:﴾\nفعل مضارع. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَطُوفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمُجْرِمُونَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿بَيْنَها:﴾ ظرف مكان","vol":"9","page":418},{"text":"متعلق بالفعل قبله، (وها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (بين): معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿حَمِيمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿آنٍ:﴾ صفة ﴿حَمِيمٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾.\nإلخ: انظر إعرابها في الاية رقم [١٣].\n\n<span id=\"aya-4947\"></span><span id=\"aya-4948\"></span><span id=\"aya-4949\"></span><span id=\"aya-4950\"></span>﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ يعني: جنة عدن، وجنة النعيم. وقيل: جنة بخوفه ربه، وجنة بتركه شهوته. وقيل: إن الجنتين جنته التي خلقت له وجنة يرثها من الكافر. وقيل: إحدى الجنتين منزله، والأخرى منزل أزواجه، كما يفعله رؤساء الدنيا. وقيل: إحدى الجنتين مسكنه، والأخرى بستانه. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين، والمعنى لكل خائفين منكما، أو لكل واحد جنة لعقيدته، وأخرى لعمله. أو جنة لفعل الطاعات، وأخرى لترك المعاصي. أو جنة يثاب بها، والأخرى يتفضل بها عليه. أو روحانية، وجسمانية، وكذا ما جاء مثنى بعد.\nهذا؛ وجاء في أسباب النزول للسيوطي عن عطاء: أن أبا بكر﵁ذكر ذات يوم القيامة، والموازين، والجنة، والنار، فقال: وددت أني كنت خضراء من هذه الخضر، تأتي عليّ بهيمة، وتأكلني، وأني لم أخلق، فنزلت: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾.\n ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ أي: أغصان، واحدها: فنن، وهو الغصن المستقيم طولا. قال النابغة: [الوافر] بكاء حمامة تدعو هديلا... مفجّعة على فنن تغنّي\nوقال شاعر آخر: [البسيط] ما هاج شوقك من هديل حمامة... تدعو على فنن الغصون حماما\nتدعو أبا فرخين صادف طائرا... ذا مخلبين من الصّقور قطاما\nوقال آخر يصف طائرين: [البسيط] باتا على غصن بان في ذرى فنن... يردّدان لحونا ذات ألوان\nوخص الأفنان بالذكر؛ لأنها هي التي تورق وتثمر، ومنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار.\nوالفنن: جمعه أفنان، ثم أفانين. وقيل: المعنى: ذواتا ظلال، وهو ظل الأغصان على الحيطان. وقال ابن عباس﵄-: ذواتا ألوان، يعني: ألوان الفاكهة؛ أي: له فيهما ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين. قال الشاعر: [الطويل]","vol":"9","page":419},{"text":"ومن كلّ أفنان اللذاذة والصّبا... لهوت به والعيش أخضر ناضر\nوجمع عطاء بين القولين: فقال: في كل غصن فنون من الفاكهة. ومعنى ﴿مَقامَ رَبِّهِ:﴾ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب. أو المعنى: وقوف العبد بين يدي الله تعالى في يوم القيامة لعلمه بأنه راجع إليه تعالى في ذلك اليوم الذي يفر المرء فيه من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه؛ لأن المقام للعبد، لا لله؛ لتنزهه عن المكان، وأضيف إليه تعالى؛ لملابسته له تعالى من حيث كونه بين يديه، ومقاما لحسابه.\nهذا؛ و﴿مَقامَ﴾ قرئ به في سورة (الدخان) بفتح الميم، وضمها. وقال الكسائي: المقام:\nالمكان. والمقام: الإقامة. وقال الجوهري: وأما المقام، والمقام؛ فقد يكون كل واحد منهما بمعنى: الإقامة، وقد يكون بمعنى: موضع القيام؛ لأنك إن جعلته من الثلاثي؛ فمفتوح، وإن جعلته من الرباعي؛ فمضموم، ويمكن أن يكون مصدرا ميميا، ويقدر فيه المضاف؛ أي: في موضع إقامة. هذا؛ وأصله (مقوم) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها.\nثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الان، فقلبت ألفا.\nهذا؛ والخوف من الله شعار المقربين، وقرين المهتدين الصالحين، وهو بشير النجاة، والأمان الأكبر عند الله، وهو طريق لهداية القلوب النافرة، وسبيل لسلوك النفوس الحائرة، من استضاء بنوره؛ وصل، ومن تمسك بحبله؛ رشد، ومن أخذ نفسه به؛ هدي إلى صراط مستقيم، من خاف؛ سلم، ومن أطاع مولاه؛ غنم، ومن خاف ربه، وخشي ذنبه؛ استقام، واهتدى؛ لأنه علم: أن العمل اليوم، وأن الحساب غدا، لذلك كان الخوف من الله طريق الأنبياء، وحلية الأصفياء من الأتقياء، وكان رسول الله ﷺ أشدّ الناس خوفا من ربه مع شدة قربه من خالقه، فكان يختلي وحده، ويقول: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذّذتم بطعام، ولا بشراب، ولا جلستم إلى نساء في فراش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون، وتدعون إلى الله حتى تلقوه». وكان يجمع أصحابه، ويخوفهم في الله، ويقول لهم: «لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، ولا بكم غدا». وانظر ما ذكرته في سورة: (النجم) رقم [٦٠] وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه-جل وعلا-: أنه قال:\n «وعزّتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين، وأمنين! إذا خافني في الدّنيا؛ أمّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدّنيا؛ أخفته في الاخرة». رواه ابن حبان في صحيحه. وعن واثلة بن الأسقع﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من خاف الله ﷿ خوّف الله منه كلّ شيء، ومن لم يخف الله؛ خوّفه الله من كلّ شيء». رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب. ولا تنس قوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى﴾","vol":"9","page":420},{"text":"﴿النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ هذا؛ ولما ذكر الله أحوال أهل النار؛ ذكر ما أعده للأبرار، وهذا من باب المقابلة. انظر ما ذكرته في الاية رقم [١٥] من سورة (الذاريات).\nالإعراب: ﴿وَلِمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (لمن): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿خافَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد. ﴿مَقامَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و(ربه) مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿جَنَّتانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذَواتا:﴾ صفة ﴿جَنَّتانِ،﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هما ذواتا، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و﴿ذَواتا﴾ مضاف، و﴿أَفْنانٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية المقدرة: «هما ذواتا أفنان» في محل رفع صفة ﴿جَنَّتانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ: انظر الإعراب في الاية رقم [١٣].\n\n<span id=\"aya-4951\"></span><span id=\"aya-4952\"></span><span id=\"aya-4953\"></span><span id=\"aya-4954\"></span>﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ أي: في الجنتين المذكورتين عينان تجريان بالماء الزلال إحداهما: التسنيم، والأخرى: السلسبيل. قاله ابن عباس، والحسن. وعن ابن عباس﵄-: عينان مثل الدنيا أضعافا مضاعفة، حصباؤهما الياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، وترابهما الكافور، وحمأتهما المسك الأذفر، وحافتاهما الزعفران. وانظر أنواع الأنهار وماءها في الاية رقم [١٥] من سورة (محمد ﷺ). وقال أبو بكر الوراق: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ،﴾ لمن كانت عيناه تجريان في الدنيا من مخافة الله ﷿، وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كلّ عين باكية يوم القيامة إلاّ عين غضّت عن محارم الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين خرج منها مثل الذباب من خشية الله ﷿». رواه الأصبهاني.\n ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ أي: صنفان، وكلاهما حلو يستلذ به. قال ابن عباس﵄-: ما في الدنيا شجرة حلوة، ولا مرة، إلا وهي في الجنة؛ حتى الحنظل إلا أنه حلو.\nوقيل: ضربان: رطب، ويابس، لا يقصر هذا عن ذلك في الفضل، والطيب. وقيل: أراد تفضيل هاتين الجنتين على الجنتين اللتين دونهما، فإنه ذكرها هنا عينين جاريتين، وذكر هناك عينين تنضخان بالماء، والنضخ دون الجري، فكأنه قال: في تينك الجنتين من كل فاكهة نوع، وفي هذه الجنة من كل فاكهة نوعان.","vol":"9","page":421},{"text":"هذا؛ و﴿عَيْنانِ﴾ تثنية: عين، وتطلق على الماء الجاري، أو النابع من الأرض، كما رأيت، وجمعها في القلة: أعين، وفي الكثرة: عيون. قال تعالى في سورة (الذاريات) وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع أيضا في الكثرة: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال، كما تطلق العين على العين الباصرة، وهو أشهر، وأكثر ما تستعمل في ذلك، كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة؛ أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه. وتطلق على الشمس، وعين الشيء: خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط] واستخدموا العين مني وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهم\nفالمراد بالعين نفسه وذاته، والمراد ب: «جارية» عينه الباصرة التي تجري بالدمع، والمراد بقوله (بها) نقد الذهب، وهذا يسمى في فن البديع: استخداما. وتطلق العين على أشياء كثيرة، وعلى المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة في معلقته رقم [٢٩] وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم\nهذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين.\nالإعراب: ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿عَيْنانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿تَجْرِيانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿عَيْنانِ﴾. ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من ﴿زَوْجانِ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿فاكِهَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿زَوْجانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-4955\"></span><span id=\"aya-4956\"></span>﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥)﴾\nالشرح: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أي: مضطجعين، أو متربعين، وفي القاموس: توكأ عليه: تحامل، واعتمد. واتكأ: جعل له متّكأ، وقوله ﷺ: «أمّا أنا فلا آكل متّكئا» أي: جالسا جلوس المتمكن","vol":"9","page":422},{"text":"المتربع، ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل، بل كان جلوسه ﷺ للأكل مستوفزا، مقعيا غير متربع، ولا متمكن، وليس المراد الميل على شق، كما يظنه عوام الطلبة.\n ﴿عَلى فُرُشٍ:﴾ جمع فراش. ﴿بَطائِنُها:﴾ جمع بطانة، وهي التي تحت الظهارة. هذا؛ وبطانة الرجل: هو الذي يطلعه الرجل على أسراره ثقة به، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٨]:\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ..﴾. إلخ. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ:﴾ هو ما غلظ من الديباج، والسندس هو الرقيق من الديباج، واحده: سندسة، والإستبرق موشى بالذهب، واحده:\nإستبرقة. وهل هو عربي الأصل مشتق من البريق، أو هو معرب، أصله: إستبره؟ خلاف بين اللغويين، وفي سورة (الكهف) رقم [٣١]: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.\nهذا؛ وقال ابن مسعود، وأبو هريرة﵄-: إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا، فما ظنك بالظهارة؟ وقيل لسعيد بن جبير﵁-: البطائن من إستبرق؛ فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وقال ابن عباس﵄-: إنما وصف لكم بطائنها؛ لتهتدي إليه قلوبكم، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله. وفي الخبر عن النبي ﷺ: أنه قال «ظواهرها نور يتلألأ». وهذا يدل على نهاية شرف هذه الفرش؛ لأنه ذكر: أن بطائنها من إستبرق، ولا بد أن تكون الظهائر خيرا من البطائن، فهو مما لا يعلمه البشر.\n ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ:﴾ الجنى: ما يجتنى من الشجر. يقال: «أتانا بجناة طيبة» لكل ما يجتنى، وثمر جنيّ (على فعيل) حين جني. قال عمرو بن عدي اللخمي ابن أخت جذيمة الأبرش: [الرجز] هذا جناي وخياره فيه... إذ كلّ جان يده إلى فيه\nو﴿دانٍ﴾ قريب. قال ابن عباس﵄-: تدنو الشجرة؛ حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما، وإن شاء قاعدا، وإن شاء مضطجعا، لا يرد يده بعد، ولا شوك. وخذ قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ،﴾ وفي سورة (الدهر): ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾.\nهذا؛ وإعلال ﴿دانٍ﴾ مثل إعلال ﴿فانٍ﴾ في الاية رقم [٢٦] مع العلم: أن أصله: (دانو)؛ لأنه من: دنا، يدنو، فهو واوي بخلاف ﴿فانٍ﴾ فإنه يائي من: فنى، يفنى.\nالإعراب: ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال عامله محذوف، التقدير: يتنعمون، فهو حال من واو الجماعة، أو هو حال من: الخائفين؛ لأنّ: (من خاف) في معنى الجمع. وقيل: هو منصوب على المدح للخائفين بفعل محذوف. وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع: متكئ. ﴿عَلى فُرُشٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. ﴿بَطائِنُها:﴾ مبتدأ، و(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿فُرُشٍ﴾.\n ﴿وَجَنَى:﴾ (الواو): حرف استئناف. (جنى): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف","vol":"9","page":423},{"text":"للتعذر، و(جنى) مضاف، و﴿الْجَنَّتَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿دانٍ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال؛ ففيه ضعف ظاهر. وقيل: معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-4957\"></span><span id=\"aya-4958\"></span>﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧)﴾\nالشرح: ﴿فِيهِنَّ:﴾ في الجنتين المذكورتين. قال الزجاج: وإنما قال: ﴿فِيهِنَّ﴾ ولم يقل:\nفيهما؛ لأنه عنى الجنتين، وما أعد لصاحبهما من النعيم. وقيل: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود على الفرش التي بطائنها من إستبرق؛ أي: في هذه الفرش.\n ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ:﴾ قصرن أعينهن على أزواجهن لا يرين ولا ينظرن غيرهم. قال ابن زيد -رحمه الله تعالى-: تقول الواحدة منهن لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي، وجعلني زوجتك. فقاصرات اسم فاعل من قولهم: اقتصر على كذا إذا اقتنع به، وعدل عن غيره. قال امرؤ القيس: [الطويل] من القاصرات الطّرف لو دبّ محول... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا\nويروى (فوق الخدّ) والأول أبلغ، والإتب القميص، والمحول الصغير من الذر، وأما الطرف فهو تحريك جفن العين؛ إذا نظرت، فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قول الشاعر: [الطويل] وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتعبتك المناظر\nرأيت الذي لا كلّه أنت قادر... عليه ولا عن بعضه أنت صابر\nوقد وصف آصف سليمان برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد بقوله تعالى حكاية عن قول آصف: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ في الاية رقم [٤٠] من سورة (النمل) وقد يراد بالطرف الجفن خاصة كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nهذا؛ وفي المختار: الطرف: العين، ولا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه في الأصل مصدر، فيكون واحدا جمعا، قال تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ الاية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومثله قولهم: قوم عدل وصوم.","vol":"9","page":424},{"text":"﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أي: لم يجامعهن قبل أزواجهن هؤلاء أحد. والطمث:\nالافتضاض، وهو النكاح بالتّدمية، وطمث، يطمث من الباب الأول، والثاني طمثا إذا افتضها، ومنه قيل: امرأة طامث؛ أي: حائض، والطمث: الحيض، ومن الأول قول الفرزدق: [الوافر] خرجن إليّ لم يطمثن قبلي... وهنّ أصحّ من بيض النعام\nفبتن بجانبيّ مصرّعات... وبتّ أفضّ أغلاق الختام\nوعن الفرزدق: أن سليمان بن عبد الملك لما سمع البيتين، قال له: قد وجب عليك الحد يا فرزدق! قال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عنّي الحد بقوله: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ الايات من آخر سورة (الشعراء). وفي هذه الاية دليل على أن الجني يجامع الإنسي، وتدخل الجنّ الجنة. وسئل ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ فقال: نعم، وقرأ هذه الاية، ثم قال الإنسيات للإنس، والجنيات للجن. وقال مجاهد في هذه الاية: إذا جامع الرجل المسلم، ولم يسم انطوى الجني على إحليله، فجامع معه، أقول: وقد بينات هذا في سورة (الإسراء) رقم [٦٤].\nواختلف في هؤلاء اللواتي لم يطمثن، فقيل: هن الحور العين؛ لأنهن خلقن في الجنة لم يمسهن أحد قبل أزواجهن. وقيل: إنهن من نساء الدنيا، أنشئن خلقا آخر أبكارا، كما وصفهن لم يمسهن منذ أنشئن خلقا آخر أحد. وقيل: هن الادميات اللاتي متن أبكارا. ومعنى الاية المبالغة في نفي الطمث عنهن؛ لأن ذلك أقر لأعين أزواجهن إذا لم يغشهن أحد غيرهم. وانظر ما أذكره في سورة (الواقعة). هذا؛ وقد ذكرت فيما مضى: أن أبا حنيفة-رحمه الله تعالى-يقول: إن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإن جزاءهم على طاعاتهم عدم دخول النار فبعد حضورهم الموقف يوم القيامة، ومحاسبتهم يصيرون ترابا كالبهائم. والمعتمد الأول. وبالله التوفيق وبه أستعين.\nهذا؛ والإنس: البشر، الواحد: إنسي بكسر الهمزة فيهما، وجمع الإنسي: أناس، كما في قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ..﴾. إلخ، وأناسيّ، كما في قوله تعالى في سورة (الفرقان): ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا﴾ ويقال: أناسية، مثل: صيارفة وصياقلة. هذا؛ وسمي بنو آدم إنسا لظهورهم، وأنهم يؤنسون؛ أي: يبصرون، كما سمي الجن جنا لاجتنانهم؛ أي: لاختفائهم عن أعين البشر، وسمّي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم، كما رأيت في الاية رقم [٢٤] من سورة (القمر)، وانظر شرح ﴿النّاسَ﴾ في الاية رقم [٢٤] من سورة (الحديد). والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿قاصِراتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الطَّرْفِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم","vol":"9","page":425},{"text":"الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَطْمِثْهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿إِنْسٌ﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المحذوف الموصوف ب: ﴿قاصِراتُ،﴾ أو في محل رفع صفة ثانية للموصوف المحذوف؛ إذ أصل الكلام: فيهن نساء قاصرات... إلخ.\n ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ (الواو):\nحرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿جَانٌّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ: انظر إعرابها في الاية رقم [١٣].\n\n<span id=\"aya-4959\"></span><span id=\"aya-4960\"></span><span id=\"aya-4961\"></span><span id=\"aya-4962\"></span>﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)﴾\nالشرح: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ:﴾ أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان، وهو صغار اللؤلؤ وأشده بياضا. وقيل: شبه لونهن ببياض اللؤلؤ مع حمرة الياقوت؛ لأن أحسن الألوان البياض المشوب بحمرة، والأصح: أنه شبههن بالياقوت لصفائه؛ لأنه حجر لو أدخلت فيه سلكا، ثم استصفيته؛ لرأيت السلك من ظاهره لصفائه. وقال عمرو بن ميمون: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة، فيرى مخ ساقها من وراء الحلل، كما يرى الشراب الأحمر من الزجاجة البيضاء. يدل على صحة ذلك ما روي عن ابن مسعود﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ المرأة من نساء أهل الجنّة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلّة حتّى يرى مخّها، وذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ فأما الياقوت؛ فإنّه حجر لو أدخلت فيه سلكا، ثمّ استصفيته لأريته من ورائه». أخرجه الترمذي. وقد روي عن ابن مسعود بمعناه، ولم يرفعه، وهو أصح. انتهى. خازن. والياقوت جوهر نفيس أحمر اللون، يقال: إن النار لا تؤثر فيه، قال بعضهم: [الخفيف] ألقني في لظى فإن غيّرتني... فتيقّن أن لست بالياقوت\nومن خواصه: أنه يقطع جميع الحجارة إلا الماس، فإنه يقطعه لصلابته، وقلة مائه، وشدة الشعاع، والثقل والصبر على النار. ففي الاية الكريمة تشبيه مرسل لوجود الأداة، أما وجه الشبه؛ فهو الصفاء، والبريق، واللمعان.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر». زاد في رواية: «ثمّ الذين يلونهم على أشدّ كوكب درّي في السماء إضاءة، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، ولكلّ واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من","vol":"9","page":426},{"text":"وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا». متفق عليه. وللبخاري: قلوبهم على قلب رجل واحد. وزاد فيه: «ولا يسقمون».\nمجامرهم الألوة يعني: بخورهم العود. هذا؛ والياقوت جوهر نفيس، يقال: إن النار لا تؤثر فيه، ومن المعلوم: أن الياقوت أحمر اللون. فهذا التشبيه يقتضي: أن لون أهل الجنة البياض المشرب بحمرة، فبينا في المقرر المعلوم من أنه البياض المشرب بصفرة. وعن أم سلمة﵂قالت: قلت لرسول الله ﷺ: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال:\n «صفاؤهن كصفاء الدرّ، الذي في الأصداف، الذي لا تمسّه الأيدي».\n ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ أي: ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلا أن يحسن الله إليه في الاخرة بدخول الجنة، والرضا عنه، كما قال تعالى في سورة (يونس) رقم [٢٦]: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ،﴾ وقال في سورة (النجم) رقم [٣١]: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. وعن ابن عباس﵄أن النبي ﷺ قرأ هذه الاية فقال: «يقول الله: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي، وحظيرة قدسي برحمتي».\nوقال محمد بن الحنفية، والحسن البصري﵄-: هي مسجلة للبر، والفاجر؛ أي: مرسلة، يعني أن كل من أحسن أحسن الله إليه، وكل من أساء أسيء إليه، وخذ قول النبي ﷺ وهو من شواهد النحو على حذف كان مع اسمها، أو على حذفها مع خبرها فمن الأول:\n «الناس مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير وإن شرا فشرّ». أي: إن كان عملهم خيرا؛ فجزاؤهم خير، وإن كان عملهم شرا؛ فجزاؤهم شرّ. ومن الثاني وهي رواية أخرى: «إن خير فخيرا، وإن شرّ فشرا». أي: إن كان في عملهم خير فسيجزون خيرا. وإن كان في عملهم شر فسيجزون شرا. ولا تنس جواب الرسول ﷺ لجبريل ﵇ لما سأله عن الإحسان، فقال له:\n «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».\nبعد هذا ف: «هل» تأتي على أوجه: تكون بمعنى قد، كما في قوله تعالى في سورة (الإنسان) رقم [١]: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ..﴾. إلخ، وتكون بمعنى الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا..﴾. إلخ رقم [٤٤] من سورة (الأعراف)، وتكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى:\n ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ رقم [٩١] من سورة (المائدة)، وتكون بمعنى التمني، كما في قوله تعالى:\n ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ رقم [٥٣] من سورة (الأعراف)، وتكون بمعنى النفي كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ رقم [٣٥] من سورة (النحل)، والنفي في الاية التي نحن بصدد شرحها لا يخفى، وانظر مبحث ﴿هَلْ﴾ وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».\nالإعراب: ﴿كَأَنَّهُنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْياقُوتُ:﴾ خبر (كأنّ)، والجملة الاسمية في محل رفع صفة للموصوف ب: ﴿قاصِراتُ﴾","vol":"9","page":427},{"text":"وهو محذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، التقدير: مشبهات الياقوت\nإلخ. ﴿وَالْمَرْجانُ:﴾ الواو: حرف عطف. (المرجان): معطوف على ما قبله. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى (ما) النافية. ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْإِحْسانِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْإِحْسانِ:﴾ خبر المبتدأ، وهو في المعنى فاعل بالمصدر ﴿جَزاءُ﴾. تأمل. وانظر إعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ في الاية رقم [١٣]. والجملة:\n ﴿هَلْ جَزاءُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-4963\"></span><span id=\"aya-4964\"></span><span id=\"aya-4965\"></span><span id=\"aya-4966\"></span>﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥)﴾\nالشرح: ﴿وَمِنْ دُونِهِما﴾ أي: ومن دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. وقال ابن عباس -﵄-: ومن دونهما في الدّرج. وقال ابن زيد: ومن دونهما في الفضل. وقال أبو موسى الأشعري﵁-: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين. وقال ابن جريج: هن أربع جنان: جنتان للمقربين السابقين، فيهما من كل فاكهة زوجان. وجنتان لأصحاب اليمين، والتابعين فيهما فاكهة، ونخل، ورمان. وعن أبي موسى الأشعري﵁أن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما، وما فيهما، وما بين القوم، وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن».\nوقال الكناني: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ يعني: أمامهما وقبلهما، يدل عليه قول الضحاك:\nالجنتان الأوليان من ذهب، وفضة، والجنتان الأخريان من ياقوت، وزبرجد، وهما أفضل من الأوليين، انتهى. خازن وغيره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أي: خضراوان، أو سوداوان من ريهما، وشدة خضرتهما؛ لأن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، والدهمة في اللغة السواد، يقال: فرس أدهم، وبعير أدهم، وناقة دهماء؛ أي: اشتدت زرقته حتى ذهب البياض الذي فيه، والعرب تقول لكل أخضر: أسود، قال لبيد﵁يرثي قتلى هوازن: [الطويل] وجاؤوا به في هودج ووراءه... كتائب خضر في نسيج السّنوّر\nويعني (به) قتادة بن مسلمة الحنفي، والسنور: لبوس من قدّ كالدرع. وسميت قرى العراق سوادا لكثرة خضرتها، ويقال للّيل المظلم: أخضر، ويقال: أباد الله خضراءهم؛ أي: سوادهم.\nهذا؛ والجنة في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت بذلك؛ لأنها تجن؛ أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها، قال أبو عمر الداني: ولا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿مُدْهامَّتانِ﴾.","vol":"9","page":428},{"text":"الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (من دونهما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿جَنَّتانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿مُدْهامَّتانِ:﴾ صفة ﴿جَنَّتانِ﴾ مرفوع مثله... إلخ، وانظر إعراب قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ في الاية [١٣].\n\n<span id=\"aya-4967\"></span><span id=\"aya-4968\"></span><span id=\"aya-4969\"></span><span id=\"aya-4970\"></span>﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩)﴾\nالشرح: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أي: فوارتان بالماء، قاله ابن عباس﵄-.\nوالنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء، والجري أقوى من النضخ، وقال ابن عباس، والضحاك:\nتنضخان بالخير والبركة على أهل الجنة. وقال ابن مسعود، وابن عباس وأنس﵃-:\nتنضخان بالمسك، والكافور، والعنبر على أولياء الله في دور الجنة كطش المطر. وقيل: المعنى:\nممتلئتان، ولا تنقطعان. ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ:﴾ أفردهما بالذكر لشرفهما على غيرهما، كقوله تعالى في التنويه بشأن الصلاة الوسطى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ رقم [٢٣٨] من سورة (البقرة)، وكقوله في التنويه بشأن جبريل وميكائيل: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ الاية رقم [٩٧] من سورة (البقرة). وقال بعض العلماء: ليس الرمان، والنخل من الفاكهة؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وإنما يعطف على غيره، وهذا ظاهر الكلام. وقيل: إنما أفردهما بالذكر؛ لأن النخل، والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا؛ لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، فإنما ذكر الفاكهة، ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة، إلى ما والاها من أرض اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه، وأفرد الفواكه على حدتها. وقيل: أفردا بالذكر؛ لأن النخل ثمرة فاكهة، وطعام، والرمان فاكهة، ودواء، فلم يخلصا للتفكه، ولذا قال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: إذا حلف أن لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا، أو رطبا؛ لم يحنث. وخالفه صاحباه، والناس في ذلك.\nهذا؛ وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري﵁أن رسول الله ﷺ قال:\n «نظرت إلى الجنّة فإذا الرّمّانة من رمّانها كالبعير المقتّب» وفي بعض الأخبار: نخل الجنة نضيد، من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وإن ماءها ليجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعا.","vol":"9","page":429},{"text":"وعن عمر بن الخطاب﵁قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد! أفي الجنة فاكهة؟ قال: «نعم فيها فاكهة ونخل ورمّان» قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: «نعم وأضعاف». قالوا: فيقضون الحوائج؟ قال: «لا؛ ولكنّهم يعرقون، ويرشحون فيذهب ما في بطونهم من أذى» أخرجه عبد بن حميد في مسنده. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿عَيْنانِ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿نَضّاخَتانِ:﴾ صفة ﴿عَيْنانِ﴾ مرفوع مثله، وعلامة الرفع فيهما الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فاكِهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وما بعده معطوف عليه، والجملة الاسمية مستأنفة مثل التي قبلها، لا محل لها، وانظر إعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ في الاية رقم [١٣].\n\n<span id=\"aya-4971\"></span><span id=\"aya-4972\"></span><span id=\"aya-4973\"></span><span id=\"aya-4974\"></span><span id=\"aya-4975\"></span>﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في الجنان الأربع. ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ:﴾ عن أم سلمة﵂- قالت قلت: لرسول الله ﷺ: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ قال: «خيرات الأخلاق حسان الوجوه». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وإذا كان الله قد وصفهن بكرم الأخلاق وحسن الوجوه؛ فمن هذا الذي يعرف مقدار ذلك.\nوفي الحديث: «إن الحور يأخذ بعضهن بأيدي بعض، ويتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بأحسن منها، ولا بمثلها: نحن الراضيات، فلا نسخط أبدا، ونحن المقيمات، فلا نظعن أبدا، ونحن الخالدات، فلا نموت أبدا، ونحن الناعمات، فلا نبؤس أبدا، ونحن خيرات حسان حبيبات لأزواج كرام». خرجه الترمذي بمعناه من حديث علي﵁-. وقالت عائشة -﵂-: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا:\nنحن المصليات، وما صليتنّ، ونحن الصائمات، وما صمتنّ، ونحن المتوضئات، وما توضأتنّ، ونحن المتصدقات، وما تصدقتنّ. فقالت عائشة﵂-: فغلبنهنّ والله!.\n ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ:﴾ ﴿مَقْصُوراتٌ:﴾ محبوسات، مستورات، ﴿فِي الْخِيامِ:﴾ في الحجال لسن بالطوافات في الطرق. هذا؛ وقد قال تعالى في الأوليين: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أي قصرن طرفهن على الأزواج، ولم يذكر: أنهن مقصورات، فدل على أن المقصورات أعلى،","vol":"9","page":430},{"text":"وأفضل. وفي الصحاح: وقاصرات الشيء، أقصره قصرا: حبسته، وامرأة قصيرة، وقصورة؛ أي:\nمقصورة في البيت بمعنى: مخدرة لا تترك أن تخرج، قال كثير عزة يخاطبها: [الطويل] وأنت التي حبّبت كلّ قصيرة... إليّ وما تدري بذاك القصائر\nعنيت قصيرات الحجال ولم أرد... قصار الخطى شرّ النّساء البحاتر\n ﴿فِي الْخِيامِ:﴾ جمع: خيمة، قيل: خيام الجنة من درّ ولؤلؤ، وزبرجد، مجوف، تضاف إلى القصور في الجنة. وعن أبي موسى الأشعري﵁أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوّفة، طولها في السماء ستّون ميلا، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضا». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي.\n ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ..﴾. إلخ: انظر الاية رقم [٥٦].\nالإعراب: ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿خَيْراتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿حِسانٌ:﴾ صفة ﴿خَيْراتٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿حُورٌ:﴾ بدل من ﴿خَيْراتٌ،﴾ أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فيهن حور، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة مثل سابقتها، لا محل لها. ﴿مَقْصُوراتٌ:﴾ صفة ﴿حُورٌ﴾. ﴿فِي الْخِيامِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَقْصُوراتٌ﴾. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ..﴾. إلخ انظر إعرابها في الاية رقم [٥٦].\nوالجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿حُورٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه، بما تقدم، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا.\n\n<span id=\"aya-4976\"></span><span id=\"aya-4977\"></span><span id=\"aya-4978\"></span><span id=\"aya-4979\"></span>﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)﴾\nالشرح: ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ انظر الاية رقم [٥٤]. ﴿عَلى رَفْرَفٍ:﴾ الرفرف: رياض الجنة. ﴿خُضْرٍ:﴾\nمخصبة، ويروى هذا عن ابن عباس﵄-. وقيل: إن الرفرف البسط. وقيل: الفرش المرتفعة. وقيل: كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف، قال ابن مقبل: [الطويل] وإنا لنزّالون تغشى نعالنا... سواقط من أصناف ريط ورفرف\nوقال عاصم الجحدري: الرفرف: الوسائد، وهو قول الحسن البصري. هذا؛ وقال الترمذي:\nفالرفرف أعظم خطرا من الفرش، فذكر في الأوليين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وقال هنا: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فالرفرف هو شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به؛ أي: طار به هكذا وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح. هذا؛ ورفرف اسم للجمع، فلذلك نعت ب: ﴿خُضْرٍ﴾ وهو جمع: أخضر، فهو كقولك: رهط كرام، وقوم لئام. وقيل: هو جمع، واحده: رفرفة.","vol":"9","page":431},{"text":"﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ:﴾ قيل: هي الزرابي، والطنافس الثخان. وقيل: هي الطنافس الرقاق.\nوقيل: كل ثوب موشى عند العرب، فهو عبقري. قاله العتبي. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل وشي حبك، قال ذو الرمة: [البسيط] حتّى كأنّ رياض القفّ ألبسها... من وشي عبقر تجليل وتنجيد\nوقال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم فهو عبقري عند العرب، ومنه قول النبي ﷺ في عمر: «فلم أر عبقريّا يفري فريّه» وأصل هذا فيما قيل: إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن، فصار مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع عجيب، وذلك: أن العرب تعتقد في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كانت عبقر معروفة بسكنى الجن؛ نسبوا إليها كل شيء عجيب. هذا؛ وقد قال أبو عمرو بن العلاء، وقد سئل عن قول النبي ﷺ في عمر﵁-: «فلم أر عبقريّا يفري فريّه» فقال: العبقري رئيس قوم وجليلهم.\nوالحديث بتمامه كما يلي، قال النبي ﷺ: «بينا أنا نائم رأيتني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبا، أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربا؛ فأخذها ابن الخطاب فاستحالت في يده غربا، فلم أر عبقريّا من الناس يفري فريّه؛ فنزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن». (القليب): البئر.\n (الذنوب): الدلو العظيمة. (غربا): دلوا كبيرا. وفي نزعه ضعف: إشارة إلى مدة خلافته، وهي سنتان. (ضرب الناس بعطن): حتى اتخذ الناس حولها بركا لإبلهم لغزارة مائها. أخرج الحديث البخاري من حديث عبد الله بن عمر﵄-، وقال زهير بن أبي سلمى: [الطويل] بخيل عليها جنّة عبقرية... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا\nأقول: وبالجملة فالعبقري من كل نوع، ومن أي شيء ما يجمع فضائل ذلك النوع، وفضائل ذلك الشيء مثل لفظ: (كريم) فإنه صفة جليلة لكل ما يرضي في بابه. انظر الاية رقم [١١] من سورة (الحديد). وقال الجوهري: العبقري: موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن، قال لبيد -﵁-: [الطويل] ومن ساد من إخوانهم وبنيهم... كهول وشبّان كجنّة عبقر\nوقال آخر: [المتقارب] فوارس ذبيان تحت الحدي... د كالجنّ يوفضن من عبقر\nثم نسبوا إليه كل شيء يعجبون من حذقه، وجودة صنعته، وقوته، فقالوا: عبقري، وهو واحد وجمع. هذا؛ وروى أبو بكر﵁أن رسول الله ﷺ قرأ: «(متكئين على رفارف خضر وعباقر حسان)».","vol":"9","page":432},{"text":"تنبيه بل فائدة: يقول الغربيون، والشرقيون عن النبي ﷺ: عبقري، ولا يقولون: نبي، ورسول؛ لأنهم لا يعترفون بنبوته، ورسالته، ويريدون أن يلفتوا أنظار الناس عن الغرض الأسمى، والغاية العظمى من اتباعه والاهتداء بهديه. ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ..﴾. إلخ: تكاثر خيره من البركة، وهي كثرة الخير، وزيادته، ومعنى «تبارك الله»: تزايد خيره، وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تعظيم، وتقديس، لم تستعمل إلا لله وحده، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر، قال الطّرمّاح: [الطويل] تباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع\nوقال آخر: [الطويل] تباركت ما تقدر يقع ولك الشّكر\nأي ما تقدّر من القضاء، والقدر. والمعنى: تعالى اسمه من حيث إنه مطلق على ذاته، فما بالك بذاته؟ وقيل: ﴿اِسْمُ﴾ بمعنى الصفة، أو هو مقحم، قال لبيد بن ربيعة العامري﵁من أبيات قالها لابنتيه قرب وفاته: [الطويل] إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر\nهذا؛ وقال القرطبي: أي: هذا الاسم، الذي افتتح به هذه السورة، كأنه يعلمهم أن هذا كله خرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم، وخلقت لكم السماء، والأرض، والخلق، والخليقة، والجنة، والنار، فهذا كله لكم من اسم الرحمن، فمدح اسمه، ثم قال: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ أي: جليل في ذاته، كريم في أفعاله. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٧]. هذا؛ وقيل:\nلما ختم الله نعم الدنيا بقوله: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وفيه إشارة إلى أن الباقي هو الله تعالى وأن الدنيا فانية؛ ختم نعمة الاخرة بهذه الاية، وهو إشارة إلى تمجيده، وتحميده.\nهذا؛ وعن ثوبان﵁قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته؛ استغفر ثلاثا، وقال: «اللهمّ أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال، والإكرام». أخرجه مسلم. وعن عائشة﵂قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم من الصلاة؛ لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهمّ أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». أخرجه أبو داود، والنسائي.\nالإعراب: ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال عامله محذوف على مثال ما رأيت في الاية رقم [٥٤] إذ التقدير:\nيتنعمون متكئين، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى رَفْرَفٍ:﴾ متعلقان بمتكئين. ﴿خُضْرٍ:﴾ صفة ﴿رَفْرَفٍ﴾.\n ﴿وَعَبْقَرِيٍّ:﴾ الواو: حرف عطف. (عبقري): معطوف على ﴿رَفْرَفٍ﴾. ﴿حِسانٍ:﴾ صفة (عبقري). ﴿تَبارَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿اِسْمُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف","vol":"9","page":433},{"text":"في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذِي:﴾ صفة ﴿رَبِّكَ﴾ مجرور مثله، وقرأ ابن عامر: «(ذو)» بالواو صفة للاسم، وعلامة الجر الياء، أو علامة الرفع الواو نيابة عن الكسرة، أو الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾ مضاف، و﴿الْجَلالِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْإِكْرامِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الإكرام): معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\nخاتمة: ذكرت لك في مقدمة هذه السورة الحديث الذي رواه جابر عن النبي ﷺ، وذكرت لك: أن الاية ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ كررت في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة، وتفصيلها هنا: أن ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق، ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار، وشدائدها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى، وعمل بموجبها، فتحت له أبواب الجنة، وأغلقت عنه أبواب جهنم، نعوذ بالله منها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.\nانتهت سورة (الرحمن) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4416>سورة الواقعة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الواقعة) وهي مكية في قول الحسن، وعكرمة، وجابر، وعطاء. وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. وهي سبع وتسعون آية، وثلاثمئة وثمان وسبعون كلمة، وألف وسبعمئة وثلاثة أحرف.\nقال مسروق-رحمه الله تعالى-: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، والاخرين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ أهل الدنيا، ونبأ أهل الاخرة؛ فليقرأ سورة (الواقعة). وذكر أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: أن عثمان﵁دخل على ابن مسعود﵁-، يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه، حبسته عني في حياتي، وتدفعه لي عند مماتي، قال: يكون لبناتك من بعدك، قال:\nأتخشى على بناتي الفاقة من بعدي، إني أمرتهن أن يقرأن سورة (الواقعة) كل ليلة، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة كلّ ليلة لم تصبه فاقة أبدا». أخرجه البغوي.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-4980\"></span><span id=\"aya-4981\"></span><span id=\"aya-4982\"></span><span id=\"aya-4983\"></span><span id=\"aya-4984\"></span><span id=\"aya-4985\"></span>﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦)﴾\nالشرح: ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ أي: إذا قامت القيامة، والواقعة: اسم للقيامة، مثل الازفة، وسميت بذلك لتحقق وجودها، ووقوعها، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ وسميت بذلك لكثرة ما يقع فيها من الشدائد، والمراد: النفخة الأخيرة؛ التي يخرج الناس فيها من قبورهم للحساب، والجزاء.\n ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ أي: نفس كاذبة؛ أي: لا تكون حين تقع القيامة نفس تكذب على الله، وتكذب في تكذيب الغيب؛ لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، فهي كقوله تعالى في سورة (غافر): ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ رقم [٨٤] وقوله تعالى:\n ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ رقم [٥٥] من سورة (الحج).","vol":"9","page":435},{"text":"﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أي: تخفض المتكبرين، وترفع المستضعفين. وقال عمر بن الخطاب﵁-: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله في الجنة. وقال محمد بن كعب القرظي:\nخفضت أقواما كانوا في الدنيا مرفوعين ورفعت أقواما كانوا في الدنيا مخفوضين. والخفض، والرفع يستعملان عند العرب في المكان، والمكانة، والعز، والمهانة، ونسب سبحانه الخفض، والرفع للقيامة، توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل، والزمان، وغيرهما مما لم يكن منه الفعل، يقولون: ليل نائم، ونهار صائم. قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ رقم [٣٣] من سورة (سبأ) والخافض، والرافع على الحقيقة إنما هو الله تعالى وحده، فرفع أولياءه في أعلى الدرجات، وخفض أعداءه في أسفل الدركات، وبينهما مطابقة.\n ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ أي: إذا حركت، وزلزلت زلزالا، قال تعالى في سورة (الزلزلة): ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها..﴾. إلخ، وذلك: أن الله ﷿ إذا أوحى إليها اضطربت فرقا، ووجلا. قال المفسرون: ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال، وغيرها. وعن ابن عباس﵄-: الرجة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت.\n ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾ أي: فتتت حتى صارت كالدقيق المبسوس، والبسيسة: السويق، أو الدقيق يلتّ بالسمن، أو بالزيت، ثم يؤكل، ولا يطبخ، وقد يتخذ زادا. قال الراجز: [الرجز] لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا... ولا تطيلا بمناخ حبسا\nوقال الحسن: ﴿وَبُسَّتِ﴾ قلعت من أصلها، فذهبت. نظيره قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٥]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾.\n ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ أي: غبارا متفرقا منتشرا كالذي يرى في شعاع الشمس من كوة في بيت مظلم، قال تعالى في حق أعمال الكفار الصالحة ونتيجتها يوم القيامة الاية رقم [٢٣] من سورة (الفرقان): ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر ما ذكرته في سورة (النمل) رقم [٨٨] تجد ما يسرك ويثلج صدرك، وقد أعدته في سورة (النبأ).\nالإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت وقعت الواقعة. وقيل: هي ظرف مجرد عن الشرطية مثل سابقه متعلق ب: ﴿لَيْسَ﴾ من حيث ما فيها من معنى النفي. وقيل: هي شرطية، وجوابها محذوف، التقدير: إذا وقعت الواقعة؛ كان كيت، وكيت. وقيل: هي شرطية، والعامل فيها الفعل الذي بعدها، ويليها. وقيل: هي في محل رفع مبتدأ، وخبرها: ﴿إِذا رُجَّتِ﴾. وقيل: هي ظرفية مجردة عن الشرطية متعلقة ب: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ وقيل: متعلقة ب: ﴿رُجَّتِ﴾. وقيل: متعلقة بما دل عليها: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. وقيل: متعلقة","vol":"9","page":436},{"text":"بقوله: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ هذا؛ وقال الجرجاني: (إذا) صلة؛ أي: وقعت الواقعة، مثل:\n ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ و﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾. انتهى. جمل نقلا من هنا، وهناك، وقد تصرفت فيه كثيرا.\n ﴿وَقَعَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْواقِعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على بعض الأقوال المتقدمة، وهو المشهور المرجوح، وابتدائية لا محل لها على بعض الأقوال، ولا سيما قول الجرجاني. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿لِوَقْعَتِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿كاذِبَةٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ على بعض الأقوال المتقدمة، ومستأنفة على بعضها الاخر. ﴿خافِضَةٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي خافضة.\n ﴿رافِعَةٌ:﴾ خبر ثان للمبتدأ المحذوف، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْواقِعَةُ،﴾ ويقرأ بنصب الاسمين على أنهما حالان من ﴿الْواقِعَةُ﴾ أيضا، والفراء قدر: «وقعت خافضة رافعة». واستبعد مكي الأول؛ لأن الحال في أكثر أحوالها إنما تكون لما يمكن أن يكون، ويمكن ألا يكون، والقيامة لا شك في أنها ترفع قوما إلى الجنة، وتخفض آخرين إلى النار، لا بد من ذلك، فلا فائدة في الحال، أقول: وهو فحوى قول ابن مالك في ألفيته: [الرجز] وكونه منتقلا مشتقّا... يغلب لكن ليس مستحقا\n ﴿إِذا:﴾ بدل من قوله: ﴿إِذا وَقَعَتِ﴾ وقيل: تأكيد لها، أو خبر لها على أنها مبتدأ، ويجوز أن تكون متعلقة ب: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أي: تخفض، وترفع وقت رج الأرض، وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض. وقيل: أي: وقعت الواقعة إذا رجت الأرض.\nقاله الزجاج، والجرجاني، وهذا يعني: أن ﴿إِذا﴾ متعلقة بالفعل ﴿وَقَعَتِ﴾. وقيل: متعلقة بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت رجت الأرض. ﴿رُجَّتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿رَجًّا:﴾\nمفعول مطلق، وإعراب: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾ مثل سابقتها بلا فارق، وهي معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَكانَتْ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (كانت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى ﴿الْجِبالُ﴾. ﴿هَباءً:﴾ خبر (كان). ﴿مُنْبَثًّا:﴾\nصفة ﴿هَباءً﴾. وجملة: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. تأمل.\n\n<span id=\"aya-4986\"></span><span id=\"aya-4987\"></span><span id=\"aya-4988\"></span><span id=\"aya-4989\"></span><span id=\"aya-4990\"></span><span id=\"aya-4991\"></span>﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾ أي: أصنافا ثلاثة، كل صنف يشاكل ما هو منه، كما يشاكل الزوج الزوجة، وكل صنف يكون، أو يذكر مع صنف آخر فهو زوج، وانظر ما ذكرته في سورة","vol":"9","page":437},{"text":"(الذاريات) رقم [٤٩]. هذا؛ و(كان) في القرآن الكريم تأتي على أوجه: تأتي بمعنى الأزل، والأبد، وبمعنى المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى «صار»، كما في هذه الاية، وسابقتها، وبمعنى حضر، وحصل، ووجد. وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي بمعنى الاستمرار في نحو: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الابدين في الدنيا والاخرة. وينبغي أن تعلم: أن الأفعال في هذه الايات قد جاءت بلفظ الماضي، والمراد المستقبل، وإنما جاءت بلفظ الماضي لتحقق الوقوع.\n ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ..﴾. إلخ: هذا شروع في تفصيل، وشرح أحوال الأزواج الثلاثة، فذكرت أحوالهم أولا على سبيل الإجمال بقوله: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ..﴾. إلخ، ثم على سبيل التفصيل بقوله:\n ﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ..﴾. إلخ، وبقوله: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ..﴾. إلخ، وبقوله: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ..﴾. إلخ. هذا؛ وبين ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾ و﴿الْمَشْئَمَةِ﴾ مطابقة. ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل: (أصحاب الميمنة) هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم. وقيل: (أصحاب الميمنة) هم الذين كانوا ميامين؛ أي: مباركين على أنفسهم، وكانت أعمالهم صالحة في طاعة الله، وهم التابعون لهم بإحسان، و(أصحاب المشأمة) هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمالهم في المعاصي؛ لأن العرب تسمي اليد اليسرى الشؤمى. وقيل: (أصحاب الميمنة) هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه، وقال الله تعالى: هؤلاء إلى الجنة، ولا أبالي.\nو(أصحاب المشأمة) هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية من صلبه، وقال الله تعالى:\nهؤلاء إلى النار، ولا أبالي. قاله ابن عباس، والسدي.\nوالتكرير للتفخيم والتعجيب مثل قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ وفي سورة (القارعة): ﴿الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ﴾. والمراد: تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب، وما لأصحاب المشأمة من العقاب.\n ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ:﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: «السّابقون الذين إذا أعطوا الحقّ قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم». ذكره المهدوي، وقال محمد بن كعب القرظي: إنهم الأنبياء. وقال الحسن، وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة، لذا قيل:\nإنهم أربعة، منهم سابق أمة موسى ﵇، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى ﵇، وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية، وسابقان في أمة محمد ﷺ، وهما: أبو بكر، وعمر﵄-. قاله ابن عباس﵄حكاه الماوردي. أقول: إذا هم قليلون، والمعنى لا يؤيده؛ لذا فإني أعتمد ما يلي:","vol":"9","page":438},{"text":"قال شميط بن العجلان: الناس ثلاثة، فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا هو السابق المقرب. ورجل ابتكر عمره بالذنوب، وطول الغفلة، ثم رجع بتوبته؛ فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا صاحب الشمال.\nأقول: ومن الأول بلا ريب الأنبياء، والصديقون، وهذا يعني: أن الأزواج الثلاثة هم من أتباع الرسل، وأما الكافرون، والمشركون؛ فيساقون إلى جهنم سوقا، كما قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٨٦]: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا،﴾ ويؤيد هذا قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٦٢]: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوالحكمة من تأخير السابقين في الذكر-وهم أولى بالتقديم-على أصحاب اليمين: أن الله جلت قدرته، وتعالت حكمته ذكر في أول السورة من الأمور الهائلة ما ذكر من العقاب، تخويفا لعباده، فإما محسن؛ فيزداد رغبة في الثواب، وإما مسيء؛ فيرجع عن إساءته خوفا من العقاب، فلذلك قدم أصحاب اليمين؛ ليسمعوا، ويرغبوا، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، ثم ذكر السابقين، وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر؛ ليجتهد أصحاب اليمين في القرب من درجتهم.\nانتهى. خازن بتصرف كبير.\n ﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: من الله في جواره، وفي ظل عرشه، ودار كرامته، وهو قوله تعالى:\n ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾. وقال ابن أبي حاتم: قالت الملائكة: يا رب جعلت لبني آدم الدنيا، فهم يأكلون، ويشربون، ويتزوجون، فاجعل لنا الاخرة، قال: لا أفعل، فراجعوا ثلاثا، فقال: لا أجعل من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان، ثم قرأ عبد الله بن عمرو بن العاص:\n ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَكُنْتُمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (كنتم): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿أَزْواجًا:﴾ خبر (كان). ﴿ثَلاثَةً:﴾ صفة ﴿أَزْواجًا،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَأَصْحابُ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (أصحاب): مبتدأ أول.\n ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿فَأَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْمَيْمَنَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر الأول، والرابط إعادة المبتدأ الأول بلفظه، وإنما ظهر الاسم الثاني؛ وحقه أن يكون مضمرا؛ لتقدم إظهاره ليكون أجل في التعظيم، والتعجب، وأبلغ، ومثله قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾. انتهى. مكي.\nوالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإعراب: ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ..﴾. إلخ مثلها بلا فارق.\n ﴿وَالسّابِقُونَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (السابقون): مبتدأ. ﴿السّابِقُونَ:﴾ خبره، وساغ وقوع الخبر","vol":"9","page":439},{"text":"بلفظ المبتدأ، لاختلافهما في التأويل، والمعنى؛ إذ المعنى السابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمته، وفي حديث الشفاعة، تكرر قول الرسل:\n «ربي نفسي نفسي» ومن هذه المشكاة قول أبي النجم العجلي: [الرجز] أنا أبو النجم وشعري شعري... لله درّي ما يجنّ صدري؟!\nإذا المعنى: شعري المعروف بالفصاحة والبلاغة هو شعري لم يتغير عن حالته. وأيضا قول خالد بن صخر الهذلي: [الطويل] رفوني وقالوا: يا خويلد لا ترع... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم\nإذ المعنى: هم الكاملون في الشجاعة، والشهامة، والنجدة لم يتغيروا. هذا؛ وقيل:\n ﴿السّابِقُونَ﴾ الثاني تأكيد للأول، والخبر: ﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وقوى هذا مكي، والجلال. وقوى الأول الزمخشري، وأبو البقاء، وسليمان الجمل نقلا عن أبي السعود.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْمُقَرَّبُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ورفع ما قبله الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿السّابِقُونَ﴾ على اعتبار الثاني تأكيدا، وفي محل رفع خبر ثان على اعتبار الثاني خبرا له، والاستئناف ممكن. تأمل.\n ﴿فِي جَنّاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان لاسم الإشارة، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿الْمُقَرَّبُونَ،﴾ أو هما متعلقان به نفسه؛ لأنه اسم مفعول، أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم في جنات، ومحل الجملة الاسمية هذه:\nخبر ثان، أو حال، أو هي مستأنفة، لا محل لها، و﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-4992\"></span><span id=\"aya-4993\"></span><span id=\"aya-4994\"></span><span id=\"aya-4995\"></span>﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية غير محصورة العدد من لدن آدم إلى زمن نبينا، وحبيبنا، وشفيعنا ﷺ. ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أي: ممن آمن بمحمد ﷺ. وسموا قليلا بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان منهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. وقيل: لما نزل هذا شق على أصحاب رسول الله ﷺ، فنزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فقال النبي ﷺ: «إنّي لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني». رواه أبو هريرة﵁-. ذكره الماوردي، وغيره، ومعناه ثابت في صحيح مسلم","vol":"9","page":440},{"text":"من حديث عبد الله بن مسعود﵁-. وانظر ما أذكره في الاية رقم [٣٩] و[٤٠] وكأنه أراد: أنها منسوخة، والأشبه: أنها محكمة؛ لأنها خبر، ولأن ذلك في جماعتين مختلفتين.\nهذا؛ وعن ابن عباس﵄عن النبي ﷺ قال: «الثّلثان جميعا من أمتي».\nوروي هذا القول عن أبي بكر الصديق﵁حيث قال: «كلا الثّلّتين من أمة محمد ﷺ، فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها». وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ رقم [٣٢] من سورة (فاطر).\nهذا؛ و﴿ثُلَّةٌ﴾ بضم الثاء: الجماعة من الناس، والكثير من الدراهم، وقد تفتح الثاء، وبالكسر: الهلكة، والجمع: كعنب، وبفتح الثاء: جماعة الغنم، أو الكثير منها، أو من الضأن خاصة، والجمع: ثلل، وثلال، مثل: بدر، وسلال. انتهى. قاموس بتصرف. هذا؛ ومن الأول قول الشاعر: [الطويل] وجاءت إليهم ثلّة خندفيّة... بجيش كتيّار من السّيل مزبد\nومن الثاني قول الراجز، ويستشهد به على حذف «كان» مع معموليها: [الرجز] أمرعت الأرض لو أنّ مالا... لو أنّ نوقا لك أو جمالا\nأو ثلّة من غنم إمّا لا\nالتقدير: أو ثلة من غنم إن كنت لا تجدين غيره.\n ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أي: مجالس السابقين على سرر، جمع: سرير، وهو ما يجعل للإنسان من المقاعد العالية الموضوعة للراحة، والكرامة. قال ابن عباس﵄-: منسوجة بالذهب. وعنه أيضا، قال: مصفوفة. كما قال في سورة (الطور): ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾.\nوقيل: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ منسوجة بقضبان الذهب، مشبكة بالدر، والياقوت، والزبرجد، ودرع موضونة؛ أي: محكمة في النسج، مثل: مصفوفة. قال الأعشى: [المتقارب] ومن نسج داود موضونة... تساق مع الحي عيرا فعيرا\n ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ أي: على السرر على الجنب، أو غيره، كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء للاتكاء عليه، وانظر الاية رقم [٥٤] من سورة (الرحمن). ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ أي:\nلا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرة كيفما أرادوا، وهذا في المؤمن، وزوجته، وأهله. وقال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمئة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها؛ تواضعت، فإذا جلس عليها؛ ارتفعت. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ثُلَّةٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم ثلة، أو هو مبتدأ، خبره: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾.\n ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿ثُلَّةٌ﴾. ﴿وَقَلِيلٌ:﴾ الواو: حرف عطف.","vol":"9","page":441},{"text":"(قليل): معطوف على ﴿ثُلَّةٌ﴾. ﴿مِنَ الْآخِرِينَ:﴾ متعلقان ب: (قليل) أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر فيه وفي سابقه الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَلى سُرُرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿ثُلَّةٌ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم على سرر، على الوجه الأول في ﴿ثُلَّةٌ،﴾ والجملة هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَوْضُونَةٍ:﴾ صفة ﴿سُرُرٍ﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ التقدير: استقروا عليها متكئين. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. ﴿مُتَقابِلِينَ:﴾ حال ثانية. وقال أبو البقاء: حال من الضمير المستتر ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وعليه فهي حال متداخلة، وفاعلهما ضمير مستتر فيهما، وعلامة نصبهما الياء... إلخ.\n\n<span id=\"aya-4996\"></span><span id=\"aya-4997\"></span><span id=\"aya-4998\"></span><span id=\"aya-4999\"></span><span id=\"aya-5000\"></span>﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يتغيرون، ولا ينتقلون من حالة إلى حالة، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] وهل ينعمن إلاّ سعيد مخلّد... قليل الهموم ما يبيت بأوجال\nوقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: مخالدون مقرّطون، والخلد: القرط، وهو الحلقة تعلق في الأذن، قال الشاعر:\nومخلّدات باللّجين كأنّما... أعجازهنّ أقاوز الكثبان\nفهم على سن واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة، يطوفون عليهم كما شاء من غير ولادة، وصححه الخازن، كما أن الحور العين خلقهن الله من غير ولادة. وقال علي بن أبي طالب -﵁-، والحسن البصري: الولدان ها هنا: ولدان المسلمين، الذين يموتون صغارا، ولا حسنة لهم ولا سيئة. وقال سلمان الفارسي﵁-: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذا الموضع، والمقصود: أن أهل الجنة على أتم السرور، والنعمة، والنعمة إنما تتم باحتفاف الخدم، والولدان بالإنسان.\nأقول: ما نسب إلى علي، والحسن ضعيف جدا؛ لأن أولاد المسلمين الصغار يكونون مع آبائهم، وأمهاتهم، وهو من جملة السرور، بل من أعظم السرور اجتماعهم بهم. قال تعالى في سورة (الطور): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ رقم [٢١]. وتشبهها آية (الرعد) رقم [٢٣]؛ لأن من المؤمنين من لا ولد له، فلو خدمه ولد غيره كان منقصة بأبي الخادم. وقول","vol":"9","page":442},{"text":"سلمان الفارسي أقوى منه؛ لأنه قد اختلف في أولاد المشركين على ثلاثة مذاهب، فقال الأكثرون: هم في النار تبعا لابائهم، وتوقف فيهم طائفة، والمذهب الثالث-وهو الصحيح؛ الذي ذهب إليه المحققون-: أنهم من أهل الجنة، ولكل مذهب دليل، ليس هذا موضعه.\n ﴿بِأَكْوابٍ:﴾ جمع: كوب، وهو وعاء مدور، لا أذن له، ولا عروة بخلاف الإبريق، فإن له ذلك، والملاحظ: أن لفظ (أكواب) جاء بسورة (الزخرف)، وسورة (الدهر) و(الغاشية) جاء بلفظ الجمع، ولم يأت له مفرد قطعا؛ لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور، والرقة، والانكشاف، وحسن التناسب كلفظ (أكواب) الذي هو الجمع، وقل مثله في: أباريق، فإنه لم يستعمل منه مفرد، ولم يذكر إلا في هذه (السورة) ومفرده: إبريق، سمي بذلك؛ لأنه يبرق لونه من صفائه. ﴿وَكَأْسٍ:﴾ انظر الاية رقم [٢٣] من سورة (الطور).\nو﴿مَعِينٍ﴾ أي: ماء جار ظاهر للعيون، يقال: معين، ومعن، كما يقال: رغيف، ورغف، فهو فعيل من: معن الماء: إذا جرى. أو من الماعون، وهو المنفعة؛ لأنه نفّاع. أو هو مفعول من:\nعانه: إذا أدركه بعينه؛ لأنه لظهوره مدرك بالعيون، فبين الله جلت قدرته، وتعالت حكمته: أنها ليست كخمر الدنيا؛ التي تستخرج بعصر، وتكلف، ومعالجة، وإنما هي فعيل من المعن وهو الكثرة. وانظر أنواع الماء في سورة (محمد ﷺ). ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أي: لا تنصدع رؤوسهم من شربها؛ أي: إنها لذيذة بلا أذى بخلاف شراب الدنيا. ﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ أي: لا تذهب عقولهم بشربها. يقال: نزف الرجل، ينزف، فهو منزوف، ونزيف: إذا سكر. قال الشاعر: [المتقارب] وإذ هي تمشي كمشي النّزي... ف يصرعه بالكثيب البهر\nالبهر: الكلال. وانقطاع النفس، وقال جميل بن معمر، وهو الشاهد رقم [١٥٩] من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [الكامل] فلثمت فاها أخذا بقرونها... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج\nوهذا على قراءة: «(ينزفون)» بفتح الزاي: وهو بكسر الزاي، بمعنى: لا ينفد شرابهم، ولا تفنى خمرهم. قال الشاعر: [الطويل] لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم... لبئس النّدامى كنتم آل أبجرا\nوروى الضحاك عن ابن عباس﵄قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة، فنزهها عن هذه الخصال. انتهى. ففي هاتين الايتين من البلاغة ما لا يخفى، وهو فن الإيجاز.\n ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يتخيرون ما شاؤوا لكثرتها. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ:﴾ روى الترمذي عن أنس﵁قال: سئل رسول الله ﷺ ما الكوثر؟ قال: «ذاك نهر أعطانيه","vol":"9","page":443},{"text":"الله تعالى، أشدّ بياضا من اللّبن، وأحلى من العسل، فيه طير، أعناقها كأعناق الجزر». قال عمر -﵁-: إن هذه لناعمة. قال رسول الله ﷺ: «أكلتها أحسن منها». قال: حديث حسن. وقال ابن عباس﵄-: يخطر على قلبه لحم الطير، فيطير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. وقيل: إنه يقع على صحفة الرجل، فيأكل منه ما يشتهي، ثم يطير، وانظر شرح (لحم) في الاية رقم [٢٢] من سورة (الطور).\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: هل في تخصيص الفاكهة بالتخيير، واللحم بالاشتهاء بلاغة؟ قلت: نعم، وكيف لا؟ وفي كل حرف من حروف القرآن بلاغة، وفصاحة؟! والذي يظهر فيه: أن اللحم، والفاكهة إذا حضرا عند الجائع، تميل نفسه إلى اللحم، وإذا حضرا عند الشبعان تميل نفسه إلى الفاكهة، فالجائع مشته، والشبعان غير مشته، بل هو مختار، وأهل الجنة إنما يأكلون، لا من جوع، بل للتفكه، فميلهم إلى الفاكهة أكثر، فيتخيرونها، ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة من القرآن بخلاف اللحم، وإذا اشتهاه حضر بين يديه على ما يشتهيه، فتميل نفسه إليه أدنى ميل، ولهذا قدم الفاكهة على اللحم، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿يَطُوفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وِلْدانٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿مُتَقابِلِينَ،﴾ فهي حال متداخلة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿مُخَلَّدُونَ:﴾ صفة ﴿وِلْدانٌ﴾ فهو مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو... إلخ، ﴿بِأَكْوابٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿يَطُوفُ﴾. ﴿وَأَبارِيقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أباريق): معطوف على (أكواب) مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف.\n ﴿وَكَأْسٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (كأس): معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ مَعِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (كأس). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُصَدَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا ب: (على)، والرابط: الضمير فقط. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n ﴿عَنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف، (لا): نافية.\n ﴿يُنْزِفُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَفاكِهَةٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (فاكهة): معطوف على (أكواب). ﴿مِمّا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (فاكهة)، والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: من الذي يتخيرونه. ﴿وَلَحْمِ:﴾ الواو: حرف عطف. (لحم): معطوف على (أكواب)، و(لحم): مضاف، و﴿طَيْرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿طَيْرٍ،﴾ أو صفة (لحم)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: من الذي يشتهونه.","vol":"9","page":444},{"text":"<span id=\"aya-5001\"></span><span id=\"aya-5002\"></span><span id=\"aya-5003\"></span><span id=\"aya-5004\"></span><span id=\"aya-5005\"></span>﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَحُورٌ:﴾ بيض، جمع: حوراء، وهي التي يرى ساقها من وراء ثيابها، ويرى الناظر وجهه في كعبها كالمرآة من دقة الجلد، وبضاضة البشرة، وصفاء اللون، وفي القاموس المحيط:\nالحور بالتحريك: أن يشتد بياض العين، ويشتد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيض ما حواليها. ﴿عِينٌ:﴾ عظام العيون، شديدات بياضها، شديدات سوادها، ومنه قيل لبقر الوحش:\nعين، والثور: أعين، والبقرة: عيناء. وانظر ما ذكرته في سورة (الرحمن) بشأن الحور العين، ففيه الكفاية. هذا؛ و﴿عِينٌ﴾ جمع: عيناء وأصله: «عين» على وزن فعل، كقولك: حمراء وحمر، فكسرت العين لئلا تنقلب الياء واوا، فتشبه ذات الواو، وليس في كلام العرب ياء ساكنة، قبلها ضمة، ولا واو ساكنة قبلها كسرة، ومن العرب من يقول: «حير عين» على الاتباع.\n ﴿كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ:﴾ انظر الاية رقم [٢٤] من سورة (الطور) ففيه الكفاية. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: فعلنا ذلك بهم مجازاة لأعمالهم الصالحة؛ التي كانوا يعملونها في الدنيا. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أي: في جنات النعيم. ﴿لَغْوًا:﴾ باطلا من الكلام. واللغو: ما يرغب عنه من الكلام، ويستحق أن يلغى. وقيل: هو القبيح من القول. والمعنى: ليس فيها لغو فيسمع. ﴿وَلا تَأْثِيمًا:﴾ قيل: معناه: أن بعضهم لا يقول لبعض: أثمت؛ لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم، كما يتكلم به أهل الدنيا. وقيل: معناه لا يأتون تأثيما؛ أي: ما هو سبب التأثيم من قول، أو فعل قبيح. ﴿إِلاّ قِيلًا:﴾ معناه: لكن يقولون قيلا، أو يسمعون قيلا. ﴿سَلامًا سَلامًا:﴾ يعني يسلم بعضهم على بعض. وقيل: تسلم الملائكة عليهم، أو يرسل الرب بالسلام إليهم. وفي سورة (الأحزاب) رقم [٤٤]: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ..﴾. إلخ وفي الايتين الأخيرتين تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأن السّلام ليس من جنس اللغو والتأثيم، فهو مدح لهم بإفشاء السّلام. وهذا كقول القائل: لا ذنب لي إلا محبتك، وقال النابغة الذبياني: [الطويل] ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب\nالإعراب: ﴿وَحُورٌ:﴾ (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (حور): يقرأ بالرفع، والنصب، والجر، فالرفع من وجهين: أحدهما وهو الأقوى: أنه مبتدأ خبره محذوف، التقدير:\nولهم، أو وعندهم حور، والثاني: أنه معطوف على ﴿وِلْدانٌ﴾ على المعنى، والنصب فعلى تقدير فعل؛ أي: يزوجون حورا عينا. وأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على ﴿فِي جَنّاتِ﴾ كأنه قيل: هم في جنات النعيم، وفاكهة، ولحم، وحور عين. قاله الزمخشري. الثاني: أنه معطوف على ﴿بِأَكْوابٍ﴾ وذلك بتجوز في قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ إذ معناه: يتنعمون فيها بأكواب، وبكذا،","vol":"9","page":445},{"text":"وبحور. قاله الزمخشري أيضا. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضا، فإن فيه لذة لهم. انتهى. جمل نقلا من السمين.\nهذا؛ وذكرت في آية (المائدة) رقم [٦] قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بأنه قرئ بجر (أرجلكم) على الجوار ل: (رؤوسكم) وقلت هناك: وله نظائر في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، وكلامه، فمن ذلك قوله تعالى في كثير من الايات ﴿عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ،﴾ وقوله تعالى: (وحور عين) بجر حور، فإن ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ وقد جر لمجاورته ﴿يَوْمِ،﴾ و(حور) معطوف على: ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وهو مرفوع، وقد جر لقربه من قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ومن ذلك قول امرئ القيس في معلقته رقم [٨٨]: [الطويل] كأنّ أبانا في عرانين وبله... كبير أناس في بجاد مزمّل\nفجر «مزمل» مع كونه صفة ل: «كبير» لمجاورته: «بجاد» وهذا البيت هو الشاهد رقم [٩٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ومن ذلك قولهم: «هذا جحر ضب خرب» فجر «خرب» مع كونه صفة «جحر» المرفوع لمجاورته «ضب» والذي عليه المحققون: أن خفض الجوار يكون في النعت قليلا، وفي التوكيد نادرا، انظر الشاهد رقم [١١٦٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والكلام عليه، وعلى سابقه، وهو بيت امرئ القيس، ولا يكون في النسق إلا لحكمة واضحة؛ لأن العاطف يمنع من التجاور، ولذا بين الزمخشري الحكمة في آية الوضوء آية (المائدة) التي ذكرتها سابقا، انظر شرحها في محلها. وقيل: (حور) معطوف على (أكواب) باعتبار المعنى؛ إذ معنى: (يطوف عليهم ولدان مخالدون بأكواب... وحور) أي: ينعمون بأكواب... إلخ، وقال الراعي النميري:\nإذا ما الغانيات برزن يوما... وزجّجن الحواجب والعيونا\nوهذا هو الشاهد رقم [٦٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» انظر الكلام عليه تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿عِينٌ:﴾ صفة (حور).\n ﴿كَأَمْثالِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (حور)، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فالمحل لها، وتكون مضافة، و(أمثال) مضاف إليه، و(أمثال) مضاف، و﴿اللُّؤْلُؤِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمَكْنُونِ:﴾ صفة ﴿اللُّؤْلُؤِ﴾. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول لأجله، أو مفعول مطلق، والعامل محذوف على الاعتبارين، التقدير: جعلنا لهم ما ذكر للجزاء، أو جزيناهم جزاء. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً﴾. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: جزاء بالذي كانوا يعملونه.","vol":"9","page":446},{"text":"﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَغْوًا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، أو صلة لتأكيد النفي. ﴿تَأْثِيمًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء منقطع. ﴿قِيلًا:﴾ مستثنى بإلا.\n ﴿سَلامًا:﴾ فيه أوجه، أحدها: أنه بدل من ﴿قِيلًا﴾ أي: لا يسمعون فيها إلا سلاما سلاما، الثاني: أنه نعت ل: ﴿قِيلًا،﴾ الثالث: أنه منصوب بنفس ﴿قِيلًا﴾ أي: إلا أن يقولوا: سلاما سلاما، وهو قول الزجاج. الرابع: أن يكون منصوبا بفعل مقدر، ذلك الفعل محكي ب: ﴿قِيلًا﴾ تقديره: إلا قيلا سلّموا سلاما، وهذا يعني: أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، وعليه فالجملة في محل نصب مقول القول. ﴿سَلامًا:﴾ توكيد لسابقه.\n\n<span id=\"aya-5006\"></span><span id=\"aya-5007\"></span><span id=\"aya-5008\"></span><span id=\"aya-5009\"></span><span id=\"aya-5010\"></span><span id=\"aya-5011\"></span><span id=\"aya-5012\"></span>﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾\nالشرح: لما بين الله حال السابقين؛ شرع في بيان حال أصحاب اليمين، وهم أصحاب الميمنة، واختلاف العبارة للتفنن في الكلام، وفيه بلاغة لا تخفى، وحلاوة في القلب يدركها المتأملون المعتبرون؛ إذ كل حرف من حروف القرآن فيه بلاغة، وفصاحة، وانظر الشرح برقم [٨] ففيه الكفاية.\n ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ أي: لا شوك فيه، كأنه خضد شوكه؛ أي: قطع، ونزع. وهذا قول ابن عباس﵄-. وقيل: هو الموقر؛ أي: المثقل بالثمر. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: كنا نحدث: أنه الموقر الذي لا شوك فيه، والظاهر: أن المراد هذا وهذا، فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وفي الاخرة على العكس من هذا: لا شوك فيه، وفيه الثمر الكثير، الذي قد أثقل أصله، كما روى الحافظ أبو بكر النجار عن سليم بن عامر﵁قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب، ومسائلهم. قال: أقبل أعرابي يوما، فقال: يا رسول الله! ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال ﷺ: «وما هي؟». قال: السدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال رسول الله ﷺ: «أليس الله تعالى يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمرا، تفتق الثمرة منها من اثنين وسبعين لونا من طعام، ما فيها لون يشبه الاخر». وأخرج البيهقي عن مجاهد-رحمه الله تعالى-قال: كانوا يعجبون بوجّ، وظلاله، وطلحه، وسدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فنزلت الايات: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ..﴾. إلخ. قال أمية بن أبي الصلت يصف الجنة: [الكامل] إنّ الحدائق في الجنان ظليلة... فيها الكواعب سدرها مخضود","vol":"9","page":447},{"text":"﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ:﴾ الطلح: شجر الموز واحده: طلحة. قاله أكثر المفسرين: علي، وابن عباس، وغيرهما. وقال الحسن: ليس هو موز، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفراء، وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال النابغة الجعدي: [الرجز] بشّرها دليلها وقالا: ... غدا ترين الطّلح والأحبالا\nالأحبال: جمع: حبلة بالضم، ثمر السلم، والسمر، أو ثمر العضاه عامة. وقال ابن عباس -﵄-: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل. وقرأ علي﵁- «(وطلع منضود)» بالعين، وتلا قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٤٨]: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ق) رقم [١٠]: ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ فقيل له: أفلا نحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يهاج القرآن، ولا يحول. وهذا تصريح منه﵁أنه رجع عن تلك القراءة. هذا؛ و﴿مَنْضُودٍ﴾ متراكب بعضه فوق بعض، والنّضد: هو الرّصّ، والمنضّد:\nهو المرصوص. قال النابغة الذبياني في معلقته رقم [٥]: [البسيط] خلّت سبيل أتيّ كان يحبسه... ورفّعته إلى السّجفين فالنّضد\n ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أي: دائم باق لا يزول، ليس فيه شمس، ولا حر كما بين الإسفار إلى طلوع الشمس. قال ابن مسعود﵁-: الجنة سجسج كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٥٧]: ﴿لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾.\nوقال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٣٧]: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ وقال تعالى في سورة (المرسلات) رقم [٤١]: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ انظر شرح هذه الايات في محالها. وفي صحيح الترمذي، وغيره من حديث أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مئة عام، لا يقطعها». واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» وهذا الحديث ذكرته في سورة (الرعد) رقم [٣٥]. هذا؛ وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل، والعمر الطويل، والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال لبيد بن ربيعة﵁-: [الكامل] غلب العزاء وكنت غير مغلّب... دهر طويل دائم ممدود\n ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب يجري دائما في غير أخدود، ولا ينقطع، وأصل السكب:\nالصب، يقال: سكبه سكبا، والسكوب: انصبابه، يقال: سكب سكوبا، وانسكب انسكابا.\nهذا؛ وكانت العرب أصحاب بادية، وبلاد حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة، لا يصلون إلى الماء إلا بالدلو، والرشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك، ووصف لهم أسباب النزهة المعروفة في الدنيا، وهي الأشجار، وظلالها، والمياه، والأنهار، واطرادها.\n ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أي: ليست بالقليلة العزيزة، كما كانت في بلاد العرب. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ أي:\nفي وقت من الأوقات، كانقطاع فواكه الصيف في الشتاء. ﴿وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا يمنع من أكلها من","vol":"9","page":448},{"text":"أرادها بشوك، ولا بعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها المؤمن؛ دنت منه؛ حتى يأخذها. قال تعالى:\n ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ وانظر سورة (الرحمن) رقم [٥٤]. وقيل: ليست مقطوعة بالزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ رقم [٢٥] والمعنى: أن الشكل يشبه الشكل، ولكن الطعم غير الطعم.\nالإعراب: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ انظر الاية رقم [٨] فالإعراب واحد لا يتغير. ﴿فِي سِدْرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان ل: (أصحاب اليمين)، أو هما متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم في سدر، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر ثان كما تقدم، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَخْضُودٍ:﴾ صفة ﴿سِدْرٍ﴾. ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ:﴾ هذه الأسماء كلها معطوفة على ﴿سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿مَقْطُوعَةٍ:﴾ صفة ثانية ل: (فاكهة) وهي منفية. وقيل: معطوفة على (فاكهة) وعليه ف: ﴿لا﴾ حرف عطف، والأول أقوى، فهو مثل قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٥]: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾. ومثلها في هذه السورة: ﴿لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾.\n ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، أو هي صلة لتأكيد النفي. ﴿مَمْنُوعَةٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-5013\"></span><span id=\"aya-5014\"></span><span id=\"aya-5015\"></span><span id=\"aya-5016\"></span><span id=\"aya-5017\"></span><span id=\"aya-5018\"></span><span id=\"aya-5019\"></span>﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أي: عالية، وطيئة، ناعمة. فعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: «ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمئة عام». أخرجه النسائي، والترمذي، وقال: حسن غريب. وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث: الفرش في الدرجات، وما بين الدرجات كما بين السماء والأرض. وقيل: إن الفرش هنا كناية عن النساء اللواتي في الجنة، ولم يتقدم لهن ذكر، ولكن قوله ﷿: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ دال عليهن؛ لأن الفرش محل النساء، فالمعنى: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن، وكمالهن، دليله قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً﴾ أي: خلقناهن خلقا وأبدعناهن إبداعا، والعرب تسمى المرأة: فراشا، ولباسا، وإزارا، وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨٧]: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾.\nثم قيل: على هذا: هنّ الحور العين؛ أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم؛ أي: خلقناهن خلقا جديدا، وهو الإعادة؛ أي: أعدناهن إلى حال الشباب، وكمال الجمال، والمعنى أنشأنا العجوز، والصبية إنشاء واحدا، وعن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنّا﴾","vol":"9","page":449},{"text":"﴿أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً﴾ قال: «منهن البكر، والثيب اللاتي كن في الدنيا». وقال عبد بن حميد﵁-: أتت عجوز، فقالت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة، فقال: «يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز». قال: فولت تبكي. قال النبي ﷺ: «أخبروها: أنها لا تدخلها، وهي عجوز، ولكنها تدخلها، وهي شابة، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا»﴾. وقال المسيب بن شريك: قال النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً﴾ قال: «هن عجائز الدنيا، أنشأهن الله خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن؛ وجدوهن أبكارا». فلما سمعت عائشة﵂ذلك. قالت: واوجعاه! فقال لها النبي ﷺ «ليس هناك وجع». والبكر:\nهي التي لم يفترعها الرجل، فهي على خلقتها الأولى من حال الإنشاء. ﴿عُرُبًا:﴾ متحببات إلى أزواجهن. قاله ابن عباس﵄وقال الضحاك: العرب: العواشق لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون. وقال ابن عباس أيضا: العروب: الملقة. وقال عكرمة: هي الغنجة.\nومنه قول لبيد﵁-. [البسيط] وفي الخباء عروب غير فاحشة... ريّا الروادف يعشى دونها البصر\nوعن عكرمة أيضا، وقتادة: العرب: المتحببات إلى أزواجهن، واشتقاقه من أعرب: إذا بين، فالعروب تبين محبتها لزوجها بملق، وغنج، وحسن كلام. أقول: ومن كانت كذلك فهي ألذ استمتاعا.\n ﴿أَتْرابًا:﴾ متساويات في السن، والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة، واشتقاقه من التراب فإنه يمسهن في وقت واحد. وقيل: متآخيات، لا يتباغضن، ولا يتغايرن، ولا يتحاسدن، ومثلهن أزواجهن في السن؛ لأن التحاب بين الأقران أثبت، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حد الصبا من النساء، وانحطت عن الكبر. هذا؛ ويقال في النساء: أتراب، وفي الرجال:\nأقران. هذا؛ وأتراب: جمع: ترب بكسر التاء وسكون الراء، كحمل، وأحمال، وهو المساوي لك في العمر. قال الشاعر: [البسيط] لولا توقّع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب\nوهذا هو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية». هذا؛ وقد قال الرسول ﷺ:\n «يدخل أهل الجنّة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحّلين أبناء ثلاث وثلاثين». ﴿لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ أي: النساء المذكورات خلقن لأصحاب اليمين. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: من المؤمنين الذين هم قبل هذه الأمة. ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ:﴾ يعني من مؤمني هذه الأمة. يدل عليه ما روى البغوي بإسناد الثعلبي عن عروة بن رويم﵁قال: لما أنزل الله﷿على رسوله ﷺ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ بكى عمر﵁وقال: يا رسول الله! آمنا برسول الله، وصدقناه، ومن ينجو منا قليل، فأنزل الله ﷿: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ﴾","vol":"9","page":450},{"text":"﴿مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فدعا رسول الله ﷺ عمر﵁-، فقال: قد أنزل الله فيما قلت، فقال:\nرضينا عن ربنا، وعن تصديق نبينا، فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلّة، ومنّا إلى يوم القيامة ثلة، ولا يستتمّها إلا سودان من رعاة الإبل ممّن قال: لا إله إلا الله». ولعل هذه الاية من الايات التي وافقت رأي عمر﵁-.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأمم، فرأيت النبيّ؛ ومعه الرّهيط، والنبيّ؛ ومعه الرجل، والرجلان، والنبيّ؛ وليس معه أحد؛ إذ رفع إليّ سواد عظيم، فظننت: أنهم أمّتي، فقيل لي: هذا موسى، وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت؛ فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الاخر؛ فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمّتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب». ثم نهض، فدخل منزله.\nفخاض القوم في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: لعلّهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ. وقال بعضهم: لعلّهم الذين ولدوا في الإسلام، ولم يشركوا بالله.\nوذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ، فقال: «ما الذي تخوضون فيه؟». فأخبروه، فقال:\n «هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربّهم يتوكلون». فقام عكاشة بن محصن، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم» فقام رجل آخر، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «سبقك بها عكاشة». متفق عليه.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁قال: كنا مع رسول الله ﷺ في قبة نحوا من أربعين، فقال: «أترضوان أن تكونوا ربع أهل الجنة؟». قلنا: نعم. قال: «أترضوان أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟». قلنا: نعم. قال: «والّذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنّة، وذلك أن الجنّة لا يدخلها إلاّ نفس مؤمنة مسلمة، وما أنتم في أهل الشّرك إلا كالشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود، أو كالشّعرة السّوداء في جلد الثّور الأحمر». متفق عليه. وانظر ما ذكرته في رقم [١٣] و[١٤].\nقال الخازن: فإن قلت: كيف قال في الاية الأولى رقم [١٤]: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ،﴾ وقال في هذه الاية: ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قلت: الاية الأولى في السابقين الأولين، وقليل من يلحق بهم من الاخرين، وهذه الاية في أصحاب اليمين، وهم كثيرون من الأولين والاخرين، وحكى بعضهم:\nأن هذه ناسخة للأولى، واستدل بحديث عروة بن رويم المتقدم، ونحوه، والقول بالنسخ لا يصح؛ لأن الكلام في الايتين خبر، والخبر لا يدخله النسخ. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَفُرُشٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (فرش): معطوف على ما قبله. ﴿مَرْفُوعَةٍ:﴾ صفة (فرش). ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْشَأْناهُنَّ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، لا محل","vol":"9","page":451},{"text":"له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جر صفة (فرش)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهذا على تفسير (فرش) بالنساء، وأما على تفسيره بما يفرش في الأرض من الأثاث؛ فالجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْشاءً:﴾\nمفعول مطلق. ﴿فَجَعَلْناهُنَّ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿أَبْكارًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿عُرُبًا:﴾ صفة ثانية لموصوف محذوف، والصفة الأولى ﴿أَبْكارًا؛﴾ إذ التقدير: فجعلناهن أزواجا ﴿أَبْكارًا﴾ عربا، و﴿أَتْرابًا﴾ صفة ثالثة. ﴿لِأَصْحابِ:﴾ متعلقان ب: (أنشأنا)، أو ب: (جعلنا)، وهو أولى لقربه، و(أصحاب) مضاف، و﴿الْيَمِينِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثُلَّةٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم ثلة، والجملة الاسمية في محل جر صفة (أصحاب اليمين) على اعتبار (أل) فيه للجنس، وفي محل نصب حال منه على اعتبار (أل) فيه للتعريف، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿ثُلَّةٌ﴾. ﴿وَثُلَّةٌ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (ثلة): معطوفة على ما قبله. ﴿مِنَ الْآخِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (ثلة).\n\n<span id=\"aya-5020\"></span><span id=\"aya-5021\"></span><span id=\"aya-5022\"></span><span id=\"aya-5023\"></span>﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ:﴾ الشمال، والمشأمة بمعنى واحد. وانظر اختلاف العبارة برقم [٢٧]. فقد ذكر الله منازل أهل النار، ومالهم، وسماهم أصحاب الشمال؛ لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم. ﴿فِي سَمُومٍ:﴾ السموم: الهواء الحار؛ الذي يدخل في مسامّ البدن، والمراد هنا: حر النار، ولفحها. ﴿وَحَمِيمٍ﴾ أي: ماء حار قد انتهى حره، وهذا إذا أحرقت النار أكبادهم، وأجسادهم؛ فزعوا إلى الحميم، كالذي يفزع من النار إلى الماء ليطفئ به الحر، فيجده حميما حارا في نهاية الحرارة، والغليان. قال تعالى في سورة (محمد ﷺ): ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ الاية [١٥]. وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ أي: يفزعون من السموم، والحميم إلى الظل، كما يفزع أهل الدنيا إلى الظل من شدة الحر، فيجدونه ظلا من يحموم؛ أي: من دخان جهنم، وهو أسود شديد السواد، وهو كقوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾.\nوقال الضحاك: النار سوداء، وأهلها سود، وكل ما فيها أسود. انتهى. قال تعالى في سورة (المرسلات): ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾. وقال ابن زيد: اليحموم: جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار. ﴿لا بارِدٍ﴾ بل هو حار؛ لأنه من دخان شفير جهنم. ﴿وَلا﴾","vol":"9","page":452},{"text":"﴿كَرِيمٍ﴾ أي: ليس بعذب، ولا كريم المنظر، والرائحة. قال الضحاك: كل شراب ليس عذبا، فليس بكريم، وكل ما لا خير فيه؛ فليس بكريم. هذا؛ وقال ابن جرير: العرب تتبع هذه اللفظة في النفي، فيقولون: هذا الطعام ليس بطيب، ولا كريم، وهذا اللحم ليس بجيد، ولا كريم.\nوفي هذا فن الاحتراس، فإن كلمة (ظل) تفيد الراحة، والسرور، فنفى الله عنه ذلك بقوله: ﴿لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾.\nالإعراب: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ:﴾ انظر الاية رقم [٨] فالإعراب لا يتغير. ﴿فِي سَمُومٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان ل: (أصحاب الشمال)، أو هما متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم في سموم، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل: (أصحاب الشمال) كما تقدم، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَحَمِيمٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (حميم): معطوف عليه. ﴿وَظِلٍّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ يَحْمُومٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (ظل). ﴿لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ:﴾ صفتان ل: (ظل) منفيتان ب: (لا) النافية، انظر الاية رقم [٣٣] فهي مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-5024\"></span><span id=\"aya-5025\"></span><span id=\"aya-5026\"></span><span id=\"aya-5027\"></span>﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ﴾ يعني: في الدنيا، ﴿مُتْرَفِينَ:﴾ منعمين مرفهين مقيمين على الشهوات، مقبلين على الملذات، فمنعهم ذلك من الانزجار، وشغلهم عن الاعتبار. ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ﴾ أي: يقيمون على ما هم عليه، ولا ينوون مفارقته. ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ أي: على الشرك، وكانوا يحلفون أن لا بعث، ولا حساب، وأن الأصنام أنداد الله. قال تعالى مخبرا عنهم:\n ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ..﴾. إلخ.\nهذا؛ والحنث: الذنب صغيرا كان، أو كبيرا. فعن أنس بن مالك﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلاّ أدخله الله الجنّة بفضل رحمته إيّاهم». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وفي رواية: «ثلاثة من الولد».\n ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا﴾ يقرأ هذان اللفظان بقراآت كثيرة، جملتها تسع، وكلها سبعية، وهذه الاية ذكرت بحروفها كاملة في سورة (المؤمنون) رقم [٨٢]، وفي سورة (الصافات) برقم [١٦] وبمعناها في الاية رقم [٤٩] و[٩٨] من سورة (الإسراء).\n ﴿مِتْنا:﴾ يقرأ بضم الميم، وكسرها، فالأول من باب: نصر، وقتل، كقلت، ونصرت. والثاني من باب: علم، وفهم، كخفت، ونمت. وقول المفسرين: من: مات، يمات، كخاف، يخاف،","vol":"9","page":453},{"text":"ونام، ينام، وهو بعد الإعلال يعود إلى باب: علم. هذا؛ وقول المشركين في هذه الاية وأمثالها تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر] ألا من بلّغ الرحمن عنّي... بأنّي تارك شهر الصّيام\nأيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟\nأتترك أن تردّ الموت عنّي... وتحييني إذا بليت عظامي\nفهو يقصد بابن كبشة النبي ﷺ، وأبو كبشة هي كنية زوج حليمة مرضعته ﷺ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم.\n ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ أي: أو آباؤنا الأولون كذلك سيبعثون كذلك، وهذا منهم زيادة استبعاد في الحشر، والحساب، والجزاء بعد الموت، يعنون: أنهم أقدم منهم، فبعثهم أبعد، وأبطل.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وهذه الاية مذكورة في سورة (الصافات) بحروفها برقم [١٧].\nالإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.\n ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو ضمير متصل في محل نصب اسمها، والألف للتفريق، وانظر إعراب (كذبوا): في الاية رقم [٩] من سورة (القمر). ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُتْرَفِينَ،﴾ و﴿قَبْلَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿مُتْرَفِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل لاستحقاقهم ما ذكر من العذاب. ﴿يُصِرُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿عَلَى الْحِنْثِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة ﴿الْحِنْثِ﴾.\n ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿يَقُولُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة (كانوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿أَإِذا:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، وهذا عند سيبويه-رحمه الله تعالى-. ﴿مِتْنا:﴾\nفعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجواب (إذا) محذوف دل عليه","vol":"9","page":454},{"text":"الجملة الاتية، التقدير: أئذا متنا... نبعث، ولا يجوز أن يعمل فيها (مبعوثون) لأن ما بعد (إنّ) لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم: أن (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية، فإن تقدير الكلام: (أنبعث إذا...) إلخ وهذا قول غير سيبويه. ﴿وَكُنّا:﴾ (الواو): حرف عطف. (كنا):\nفعل ماض ناقص مبني على السكون، (ونا): اسمه. ﴿تُرابًا:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَعِظامًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَإِنّا:﴾ (الهمزة):\nحرف استفهام إنكاري. (إنا): (إنّ): حرف مشبه بالفعل، (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمَبْعُوثُونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (مبعوثون): خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة في الإنكار، وبدون الاستفهام فيها حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار بالأولى إنكار فيها أيضا، ولا تنس أن الكلام: ﴿أَإِذا مِتْنا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول.\n ﴿أَوَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام أيضا. (الواو): حرف عطف. هذا؛ وقرئ بسكون الواو على أنها (أو) العاطفة المقتضية للشك، وأكثرهم قرأ بفتحها، فمن فتح الواو أجاز في:\n ﴿آباؤُنَا﴾ وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفا على محل (إنّ) واسمها، والثاني: أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ واستغنى عن الفصل المطلوب بالفصل بهمزة الاستفهام، ومن سكن الواو تعين فيه الأول دون الثاني على قول الجمهور لعدم وجود الفاصل.\nانتهى. جمل نقلا عن السمين في غير هذا الموضع. هذا؛ وعلى تسكين الواو يكون ﴿آباؤُنَا﴾ مبتدأ خبره محذوف، ويكون فحوى الكلام عطف جملة على جملة، التقدير: أنحن نبعث، أو آباؤنا يبعثون؟\n\n<span id=\"aya-5028\"></span><span id=\"aya-5029\"></span><span id=\"aya-5030\"></span><span id=\"aya-5031\"></span><span id=\"aya-5032\"></span><span id=\"aya-5033\"></span><span id=\"aya-5034\"></span><span id=\"aya-5035\"></span>﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾ يعني: الاباء، والأبناء، بل الأولين، والاخرين من ذرية آدم إلى يوم القيامة. وانظر سورة (التغابن) رقم [٩] فإنه جيد.\n ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يعني: إنهم يجمعون، ويحشرون ليوم الحساب، وهو ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم، والميقات: ما وقت به الشيء؛ أي: حدّ، ومنه مواقيت الإحرام، وهي الحدود؛ التي لا يجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرما. هذا؛ وفي سورة (الصافات) رقم [١٨]: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ جواب لمثل هاتين الايتين.","vol":"9","page":455},{"text":"﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ:﴾ عن الهدى، وعن طريق الخير. والخطاب لأهل مكة، وأمثالهم في كل عصر، ومكان. ﴿الْمُكَذِّبُونَ﴾ أي: بالبعث، والحساب، والجزاء... إلخ. ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ:﴾ وهو شجر كريه المنظر، كريه الطعم. ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ أي: يأكلون منها حتى يملؤوا بطونهم، فقد ذكر الله تعالى: أنهم يأكلون من شجر الزقوم؛ التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها مع ما هي عليه من سوء الطعم، ونتن الريح، وخبث الطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها؛ لأنهم لا يجدون طعاما إلا إياها، وما هو في معناها، كما قال تعالى في سورة (الغاشية):\n ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. فقد روي عن ابن عباس﵄أن رسول الله ﷺ تلا هذه الاية، وقال: «اتّقوا الله حقّ تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!» أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ أي: شاربون على الزقوم، أو على الأكل، أو على الشجر؛ لأنه يذكر، ويؤنث. هذا؛ وأنث الضمير على المعنى، وذكره على اللفظ في (منها، وعليه) والحميم:\nهو الماء المغليّ؛ الذي اشتد غليانه، وهو صديد أهل النار؛ أي: يورثهم حر ما يأكلون من الزقوم مع الجوع الشديد عطشا، فيشربون ماء يظنون أنه يزيل العطش، فيجدونه حميما مغلى.\n ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ أي: الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها، و﴿الْهِيمِ﴾ الإبل يصيبها داء تعطش منه عطشا شديدا، واحدها: أهيم، والأنثى: هيماء. قال ذو الرمة: [الطويل] فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد... صداها ولا يقضي عليها هيامها\nويقال لذلك الداء: الهيام. قال قيس بن الملوّح: [الطويل] يقال به داء الهيام أصابه... وقد علمت نفسي مكان شفائها\nوقوم هيم أيضا؛ أي: عطاش، وقد هاموا هياما، ومن العرب من يقول في الإبل: هائم، وهائمة، والجمع: هيم. قال لبيد رضي الله: [الوافر] أجزت إلى معارفها بشعث... وأطلاح من العيديّ هيم\nوفي الصحاح: والهيام بالضم: أشد العطش. والهيام: كالجنون من العشق. والهيام: داء يأخذ الإبل، فتهيم في الأرض لا ترعى، ولا تشرب. والهائم من الناس هو الذي يسير في الأرض لا يعلم أين يسير من عشق، أو غيره، هذا إن سلك طريقا مسلوكا، فإن سلك طريقا غير مسلوك فهو: راكب التعاسيف. وهام، يهيم: تحير وتردد. قال تعالى في حق الشعراء الفاسدين في سورة (الشعراء): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾. هذا؛ و﴿شُرْبَ﴾ يقرأ بضم الشين وفتحها، فهو مصدر، وبالكسر المشروب كالطحن بمعنى المطحون. قال تعالى في سورة","vol":"9","page":456},{"text":"(الشعراء) رقم [١٥٥]: ﴿هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقال أبو عبيدة: الشّرب بالفتح مصدر، وبالضم، والكسر اسمان. هذا؛ والشّربة بفتح الشين: من الماء ما يشرب مرة، وهي المرة من الشّرب أيضا.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، وصفتان متفقتان، فكان للشيء على نفسه؟ قلت: ليستا بمتفقتين؛ من حيث إن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانتا صفتين مختلفتين. انتهى.\nأقول: ما أشبه هذا بقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ كما رأيت.\n ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ:﴾ النزل: ما يهيأ من الطعام، والشراب، والإكرام للنازل تكرمة له، وفيه تهكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ قال أبو السعد الضبي، وقد استعار ما يعد للضيف النازل لما يفعله بالأعداء الهاجمين على قومه، وعليه: [الطويل] وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا\nهذا؛ والزقوم: مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها، وهي تحيا بلهب النار، كما تحيا الشجرة في الدنيا بالماء البارد. واختلف فيها: هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر، وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. والقول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا، فلما نزلت هذه الاية، وأمثالها قالت قريش: ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من أفريقية، فسألوه، فقال: هو عندنا الزبد، والتمر. فقال ابن الزّبعرى متهكما: أكثر الله في بيوتنا الزقوم. فقال أبو جهل الخبيث لجاريته:\nهاتي زقّمينا، فأتته بزبد وتمر، ثم قال لأصحابه: تزقّموا هذا الذي يخوفنا به محمد، يزعم: أن النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر، وهذا فحوى قوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ اسم (إنّ). (الاخرين): معطوف على ما قبله، وعلامة نصبهما الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مذكر سالمان، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿لَمَجْمُوعُونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (مجموعون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو\nإلخ. ﴿إِلى مِيقاتِ:﴾ متعلقان بمجموعون، و﴿مِيقاتِ﴾ مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَعْلُومٍ:﴾\nصفة ﴿يَوْمٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف","vol":"9","page":457},{"text":"اسمها. ﴿أَيُّهَا:﴾ نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة نداء محذوفة، و(ها):\nحرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الضّالُّونَ:﴾ بدل، أو عطف بيان من أيها وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: أيها القوم الضالون. ﴿الْمُكَذِّبُونَ:﴾\nصفة ثانية للموصوف المحذوف، فهما مرفوعان تبعا لمحله، وعلامة رفعهما الواو... إلخ، والجملة الندائية معترضة بين اسم (إنّ) وخبرها، لا محل لها. ﴿لَآكِلُونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (آكلون): خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، وفيه وفي ما قبله ضمير مستتر هو الفاعل. ﴿مِنْ شَجَرٍ:﴾ متعلقان ب: (آكلون) وهما في محل المفعول به، وأصل الكلام؛ لاكلون شيئا من زقوم.\nوقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿مِنْ زَقُّومٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَجَرٍ،﴾ وقيل: بدل مما قبلهما، وهو ضعيف، والأول أقوى، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَمالِؤُنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (مالئون): معطوف على ما قبله.\n ﴿مِنْهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (مالئون). ﴿الْبُطُونَ:﴾ مفعول به. ﴿فَشارِبُونَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (شاربون): معطوف على ما قبله. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (شاربون). ﴿مِنَ الْحَمِيمِ:﴾ متعلقان ب: (شاربون). وفيه وفيما قبله ضمير مستتر هو الفاعل. ﴿شُرْبَ:﴾ مفعول مطلق، وهو مضاف، و﴿الْهِيمِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، وأصل الكلام: شربا مثل شرب الهيم. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿نُزُلُهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿نُزُلُهُمْ،﴾ وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه.\nتنبيه: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ومعنى الكلام: القسم، ودخول اللام في قوله تعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ هو دليل القسم في المعنى؛ أي: إنكم لمجموعون قسما حقا، خلاف قسمكم الباطل. ولم أره لغيره.\n\n<span id=\"aya-5036\"></span><span id=\"aya-5037\"></span><span id=\"aya-5038\"></span><span id=\"aya-5039\"></span><span id=\"aya-5040\"></span><span id=\"aya-5041\"></span>﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾\nالشرح: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ أي: نحن خلقناكم ابتداء بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى، والأحرى؟! ولهذا قال: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ:﴾ أي فهلا تصدقون بالبعث، وتقرون به؟! فهذا تقرير للمعاد، ورد على المكذبين من أهل الزيغ، والإلحاد في كل زمان، ومكان. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ أي: ما تقذفونه في الأرحام من","vol":"9","page":458},{"text":"النطف. ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: أأنتم تخلقون ما تمنون بشرا. ﴿أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ:﴾ المقدرون المصورون؟! والمعنى: أنه خلق النطفة، وصورها، وأحياها، فلم لا تصدقون بأنه قادر مقتدر على أن يعيدكم كما أنشأكم؟! احتج عليهم في البعث بالقدرة على ابتداء الخلق. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي: الاجال، فمنكم من يبلغ الكبر، والهرم، ومنكم من يموت صبيا، وشابا، وغير ذلك من الاجال القريبة، والبعيدة. وقيل: معناه أنه جعل أهل السماء، وأهل الأرض متساوين في الموت، شريفهم، ووضيعهم، فعلى هذا القول يكون معنى (قدرنا) قضينا.\n ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: لا يفوتنا شيء نريده، ولا يمتنع منا أحد مهما أوتي من القوة، والجاه، والعظمة في الدنيا. وقيل: معناه: وما نحن بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم، وإبدالكم بأمثالكم، وهو قوله تعالى: ﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ﴾ أي: نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم في أسرع حين. ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾ أي: نخلقكم. ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ من الصور، والهيئات، والمعنى تغيير شكلكم، وحليتكم إلى ما هو أسمح منها، من أي خلق شئنا. وقيل: نبدل صفاتكم، فنجعلكم قردة، وخنازير، كما فعلنا بمن قبلكم؛ أي: إن أردنا ذلك ما فاتنا.\nوقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-كما في قرطبي، وفي الخازن: سعيد بن المسيب ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ في حواصل طيور سود، كأنها الخطاطيف، تكون ببرهوت، وهو واد باليمن، وهذه الأقوال كلها تدل على المسخ، وعلى أنه لو شاء أن يبدلهم بأمثالهم من بني آدم؛ قدر، ولو شاء أن يمسخهم في غير صورهم؛ قدر. وقال بعض أهل المعاني: هذا يدل على أن النشأة الثانية يكونها الله تعالى في وقت لا يعلمه العباد، ولا يعلمون كيفيته، كما علموا الإنشاء الأول من جهة التناسل، ويكون التقدير على هذا، وما نحن بمسبوقين على أن ننشئكم في وقت لا تعلمونه، يعني: وقت البعث، والقيامة، وفيه فائدة، وهو التحريض على العمل الصالح؛ لأن التبديل، والإنشاء هو الموت، والبعث، وإذا كان ذلك واقعا في الأزمان، ولا يعلمه أحد، فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة، ولا يغفل عن إعداد العدة.\n ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى﴾ أي: الخلقة الأولى، ولم تكونوا شيئا، حيث خلقكم الله من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: بأني قادر على إعادتكم بعد الموت، كما قدرت على إبدائكم أول مرة بطريق الأولى، والأحرى؟! قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ رقم [٢٧] من سورة (الروم)، وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٩]: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ،﴾ وفي سورة (الأنبياء) رقم [١٠٤]: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ،﴾ وغير ذلك كثير. وفي الخبر: عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى! وعجبا للمصدق بالنشأة الاخرة، وهو لا يسعى لدار القرار! وقال الزمخشري وتبعه البيضاوي، والنسفي: وفيه دليل على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى.","vol":"9","page":459},{"text":"هذا؛ ويستدل بالايات من يقول بتناسخ الأرواح. فهم يقولون: الأرواح تنتقل من مخلوق إلى مخلوق فابن آدم إن كانت أعماله صالحة، وحسنة، فإذا مات؛ تنتقل روحه إلى إنسان مثله، وإن كانت أعماله خبيثة؛ تحل روحه بحيوان، أو بحية، أو حشرة من الحشرات، وهكذا، ومصدر هذه الفكرة من الهند، ويستدلون أيضا بقوله تعالى في سورة (الانفطار): ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ انظر شرحها هناك.\nالإعراب: ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَوْلا:﴾ (الفاء): حرف عطف، وسبب. (لولا): حرف تحضيض. ﴿تُصَدِّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (الفاء): حرف استئناف.\n (رأيتم): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول.\n ﴿تُمْنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي تمنونه. ﴿أَأَنْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي.\n (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، كان متصلا، فلما حذف الفعل؛ انفصل الضمير، وبرز، أو هو في محل رفع مبتدأ.\n ﴿تَخْلُقُونَهُ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة، لا محل لها على الوجه الأول في الضمير، وفي محل رفع خبره على الوجه الثاني فيه. ورجح الجمل نقلا عن كرخي الأول؛ لأجل أداة الاستفهام. ورجح ابن هشام الثاني لمعادلتها الجملة الاسمية بعدها. والجملة على الاعتبارين في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (رأيتم)، والجملة الفعلية:\n ﴿أَفَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. واختلف فيها، فقيل: متصلة.\nوقيل: منقطعة، والجملة الاسمية بعدها معطوفة على ما قبلها.\n ﴿نَحْنُ:﴾ مبتدأ. ﴿قَدَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَيْنَكُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿قَدَّرْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ (الواو): واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ:﴾ اسمها. ﴿بِمَسْبُوقِينَ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (مسبوقين):\nخبر (ما) مجرور لفظا منصوب محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط:\nالواو، والضمير. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ نُبَدِّلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن»، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والمصدر المؤول منهما في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: (مسبوقين)، أو بالفعل ﴿قَدَّرْنا﴾. ﴿أَمْثالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَنُنْشِئَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (ننشئكم): معطوف على ﴿نُبَدِّلَ،﴾ والفاعل","vol":"9","page":460},{"text":"مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به. ﴿فِي ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: في الذي لا تعلمونه. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم.\nاللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَلِمْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿النَّشْأَةَ:﴾ مفعول به. ﴿الْأُولى:﴾ صفة ﴿النَّشْأَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَلَوْلا:﴾ (الفاء): حرف عطف، وسبب. (لولا): حرف تحضيض.\n ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وانظر الإعراب التفصيلي لكلمة: ﴿وَلَقَدْ﴾ في الاية رقم [١٣] من سورة (النجم).\n\n<span id=\"aya-5042\"></span><span id=\"aya-5043\"></span><span id=\"aya-5044\"></span><span id=\"aya-5045\"></span><span id=\"aya-5046\"></span>﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله تعالى ابتداء الخلق، وما فيه من دلائل واحدانيته؛ ذكر بعده الرزق؛ لأن به البقاء، وذكر أمورا ثلاثة: المأكول، والمشروب، وما به إصلاح المأكول، والمشروب، ورتبه ترتيبا حسنا، فذكر المأكول أولا؛ لأنه هو الغذاء، وأتبعه المشروب؛ لأن به الاستمراء، ثم النار؛ التي بها الإصلاح، وذكر من أنواع المأكول الحب؛ لأنه هو الأصل، ومن المشروب: الماء؛ لأنه أيضا هو الأصل، وذكر من المصطلحات النار؛ لأن بها إصلاح أكثر الأغذية. انتهى.\n ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أي: أخبروني عما تحرثون من أرضكم، فتطرحون فيها البذر: أنتم تنبتونه، وتحصّلونه زرعا، فيكون فيه السنبل، والحب، أم نحن نفعل ذلك؟! وإنما منكم البذر وشق الأرض، فإذا أقررتم بأن إخراج السنبل من الحب ليس إليكم، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض، وإعادتهم؟ وأضاف الحرث إليهم، والزرع إليه تعالى؛ لأن الحرث فعلهم، ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله تعالى، وينبت على اختياره، لا على اختيارهم، وهو فحوى ما روى أبو هريرة﵁عن النبي ﷺ: أنه قال: «لا يقولنّ أحدكم زرعت، وليقل: حرثت، فإن الزارع هو الله». قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾.\nوالمستحب لكل من يلقي البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ثم يقول: بل الله الزارع، والمنبت، والمبلّغ. اللهم صلّ على محمد، وعلى آله، وصحبه، وارزقنا","vol":"9","page":461},{"text":"ثمره، وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ولالائك من الذاكرين، وبارك لنا فيه يا رب العالمين! ويقال: إن هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع الافات، الدود والجراد وغير ذلك، سمعناه من ثقة، وجرّب، فوجد كذلك. انتهى. قرطبي بحروفه.\n ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ أي: متكسرا. والحطام: الهشيم الهالك؛ الذي لا ينتفع به في مطعم، ولا في غذاء. قيل: هو جواب لمعاند يقول: نحن نحرثه، وهو بنفسه يصير زرعا، لا بفعلنا، ولا بفعل غيرنا، فرد الله على هذا المعاند بقوله: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ فهل تقدرون أنتم على حفظه؟، أو هو يدفع عن نفسه بنفسه تلك الافات؛ التي تصيبه؟! ولا يشك أحد في أن دفع الافات لا يكون إلا بإذن الله، وحفظه. انتهى. خازن، وقرطبي. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي:\nتتعجبون مما نزل بكم في زرعكم. وقيل: تندمون على نفقاتكم. وقيل: تندمون على ما سلف منكم من المعاصي التي أوجبت تلك العقوبة. وقيل: تتلاومون. وقيل: تحزنون. وقيل: هو تلهف على ما فات. قال الكسائي: (تفكه) من الأضداد، تقول العرب: تفكهت بمعنى: تنعمت، وتفكهت بمعنى: حزنت. هذا؛ ولا يوجد هذا اللفظ إلا في هذه السورة. هذا؛ وأصل التفكه تناول ضروب الفواكه للأكل، والفكاهة: المزاح، ومنه حديث زيد: كان من أفكه الناس مع أهله، ورجل فكه: طيب النفس، وقد استعير هنا للتنقل في الحديث.\nهذا؛ و(ظلتم) أصله: ظللتم. فحذفت اللام الأولى تخفيفا، ومثله قوله تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ رقم [٩٧].\nهذا؛ ويقرأ: «(ظللتم)» على الأصل، ويقرأ بفتح الظاء، وكسرها؛ إذا حذفت اللام الأولى.\nقراآت ثلاث. هذا؛ والمراد من الفعل هنا وفي سورة (طه) الاستمرار، لا التوقيت بالنهار فقط، كما في قوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٣٣]: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وهو يفيد:\nأنه بمعنى المستقبل أيضا وفي كثير من الايات: ﴿لَظَلُّوا﴾ وأصله: ظللوا، فسكنت اللام الأولى بعد إسقاط حركتها، وأدغمت في الثانية، وذلك كراهة أن يجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة وهذا يطرد في كل مضعف، مثل: مدّوا، وشدّوا، فإذا اتصل به ضمير متحرك؛ وجب الفك، مثل قولك: ظللت، وظللنا، وظللن. وتقول: ظللت أفعل ذلك، وظللت أفعله، وظلت أفعله بكسر الظاء وفتحها: إذا كنت تفعله نهارا.\n ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لملزمون غرامة ما أنفقنا، أو لمهلكون لهلاك رزقنا. من: الغرام، وهو الهلاك، وعن ابن عباس، وقتادة﵄قالا: والغرام: العذاب، ومنه قول ابن المحلم: [الطويل] وثقت بأنّ الحفظ مني سجية... وأن فؤادي متبل بك مغرم\nوقال مجاهد، وعكرمة﵄-: لمولع بنا. ومنه قول النمر بن تولب﵁-: [المتقارب]","vol":"9","page":462},{"text":"سلا عن تذكّره تكتما... وكان رهينا بها مغرما\nوفي المختار: الغرام: الشر الدائم، والعذاب. هذا؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ سورة (الفرقان) رقم [٦٥] أي: هلاكا لازما لزوميا كليا في حق الكفار، ولزوما بعد إطلاق في حق عصاة المسلمين، ومنه سمي الغريم لملازمته من له عليه حق من دم، أو مال، أو نحوهما. وفلان مغرم بكذا؛ أي: ملازم له ومولع به، وهذا معناه في كلام العرب، فيما ذكر ابن الأعرابي وابن عرفة وغيرهما، وقال الأعشى: [الخفيف] إن يعاقب يكن غراما وإن يع... ط جزيلا فإنه لا يبالي\nوقال بشر بن أبي خازم: [المتقارب] يوم النّسار ويوم الجفا... ر فكانا عذابا وكانا غراما\nهذا؛ والمغرم بفتح الميم والراء: الخسران، والضياع، ومن دعاء الرسول ﷺ: «اللهمّ إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، وأعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن». قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا..﴾. إلخ الاية رقم [٩٨] من سورة (التوبة) وفي حديث النبي ﷺ الذي يرويه علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-: «إذا كانت الأمانة مغنما، والزّكاة مغرما».\nوالمغرم بزنة المفعول: أسير الحب والعشق. ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: ممنوعون، والمعنى: حرمنا الذي كنا نطلبه من الريع في الزرع، والمحروم: الممنوع من الرزق، وعن أنس﵁- أن النبي ﷺ مر بأرض الأنصار، فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟». قالوا: الجدوبة يا رسول الله! فقال: «لا تفعلوا؛ فإن الله تعالى يقول: أنا الزارع، وإن شئت زرعت بالرّيح، وإن شئت زرعت بالبذر». ثم تلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ إعرابها مثل إعراب: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ بلا فارق بينهما.\n ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ:﴾ إعرابها مثل إعراب: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾. ﴿لَوْ:﴾\nحرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَجَعَلْناهُ:﴾\n (اللام): واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (جعلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿حُطامًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب ﴿لَوْ،﴾ و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَظَلْتُمْ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (ظلتم): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿تَفَكَّهُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (ظل)، وجملة: (ظلتم تفكهون) معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثله. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ):","vol":"9","page":463},{"text":"حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها حذفت نونها وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمُغْرَمُونَ:﴾ (اللام):\nهي المزحلقة. (مغرمون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: تقولون: إنا لمغرمون، وجملة: ﴿نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: «تقولوا: إنا... إلخ» المقدرة في محل نصب حال.\n\n<span id=\"aya-5047\"></span><span id=\"aya-5048\"></span><span id=\"aya-5049\"></span>﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾\nالشرح: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ:﴾ أخبروني عن الماء الذي تشربونه، لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم: من أين تأتون به؛ إذا منع عنكم؟! قال تعالى في آخر سورة (الملك): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾. هذا؛ وقدم الطعام؛ لأن الشراب إنما يكون تبعا للمطعوم، ولهذا جاء الطعام مقدما في الايات السابقة، ولو عكست؛ قعدت تحت قول أبي العلاء المعري:\nإذا سقيت ضيوف الناس محضا... سقوا أضيافهم شبما زلالا\nوسقي بعض العرب، فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة.\n ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ أي: السحاب. الواحدة: مزنة. قال عامر بن جوين الطائي: [المتقارب] فلا مزنة ودقت ودقها... ولا أرض أبقل إبقالها\nوهذا هو الشاهد رقم [١١١٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». والجمع: المزن، كما في الاية الكريمة، وقال الشاعر: [الطويل] فنحن كماء المزن ما في نصابها... كهام، ولا فينا يعدّ بخيل\nوهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: أن المزن: السحاب. هذا؛ وتطلق المزنة على المطرة الواحدة. قال الشاعر: [الطويل] ألم تر أنّ الله أنزل مزنة... وعفر الظّباء في الكناس تقمّع\nوانظر ﴿الْمُعْصِراتِ﴾ في سورة (النبأ) رقم [١٤] حيث أطلقت على السحاب أيضا.\n ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ أي: فإذا عرفتم بأني أنزلت المطر من السحاب، وهو حياة لكم، فلم لا تشكروني بإخلاص العبادة لي؟! ولم تنكرون قدرتي على الإعادة؟! ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا:﴾\nملحا شديد الملوحة. قاله ابن عباس﵄-، وقال الحسن البصري﵀","vol":"9","page":464},{"text":"تعالى-: مرا زعاقا، لا تنتفعون به في شرب، ولا زرع، ولا غيرهما. ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ أي:\nفهلا تشكرون الله على إنعامه في إنزاله المطر عليكم عذبا زلالا. قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٠]: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. وعن جابر -﵁أن النبي ﷺ كان إذا شرب الماء؛ قال: «الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا». أخرجه ابن أبي حاتم.\nتنبيه: من الملاحظ: أن اللام دخلت في جواب (لو) في قوله: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ ونزعت من قوله تعالى: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ فابن هشام-رحمه الله تعالى-قد علل حذف اللام من الثاني، واستحسنه لطول الفصل. وعلله النسفي بقوله: لأن (لو) لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط ك: «إن» ولا عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا؛ من حيث إفادتها في مضموني جملتيها: أن الثاني امتنع لامتناع الأول؛ افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علما على ذلك، ولما شهر موقعه؛ لم يبال بإسقاطه عن اللفظ لعلم كل أحد به، وتساوي حالي حذفه، وإثباته، على أن تقدم ذكرها، والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ثانية، ولأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب؛ للدلالة على أن أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد، وأصعب من قبل: أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب. انتهى.\nهذا؛ و«يشاء» وماضيه: شاء، ولم يرد له، ولا ل: «أراد» يريد أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل شاء: شيء على وزن فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول: أراد، حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» كما في آيتي هذه السورة. وليس كذلك.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ:﴾ انظر الاية رقم [٥٨]. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿الْماءَ،﴾ والجملة بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي تشربونه.\n ﴿أَأَنْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (أنتم): يجوز فيه ما جاز بقوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾. ﴿أَنْزَلْتُمُوهُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به،","vol":"9","page":465},{"text":"والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبارها مفسرة لجملة محذوفة، وفي محل رفع خبر الضمير على اعتباره مبتدأ، والجملة على الوجهين في محل نصب مفعول به ثان للفعل (أرأيتم)، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ انظر الاية رقم [٦٥] فالإعراب مثله بلا فارق. ﴿فَلَوْلا:﴾ (الفاء): حرف عطف، وسبب، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فهلا حصل منكم شكر لله المنعم المتفضل؟! (لولا): حرف تحضيض. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على اعتبار الفاء عاطفة، ولا محل لها على اعتبارها الفصيحة، ولكن الجملة الشرطية معطوفة برمتها على ما قبلها. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-5050\"></span><span id=\"aya-5051\"></span><span id=\"aya-5052\"></span><span id=\"aya-5053\"></span>﴿أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾\nالشرح: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أي: أخبروني عن النار التي تظهرونها بالقدح من الشجر الرطب. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾ يعني: التي تكون منها الزناد. وقيل: المراد بذلك: شجر المرخ، والعفار، ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار، وليس معه زناد، فيقطع منهما غصنين مثل السواكين، وهما خضراوان، يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ-وهو ذكر-على العفار، وهو أنثى، فتنقدح النار بإذن الله تعالى، كالزناد سواء. وفي المثل: «في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار». ولقد أحسن من قال: [البسيط] جمع النّقيضين من أسرار قدرته... هذا السّحاب به ماء به نار\n ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ أي: الخالقون للشجر، ولغيره، وإذا عرفتم قدرتي؛ فاشكروني، ولا تنكروا قدرتي على البعث، والحساب، والجزاء. ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً:﴾ قال قتادة، ومجاهد -رحمهما الله تعالى-: أي: تذكر نار الدنيا النار الكبرى يوم القيامة. فعن أبي هريرة﵁- أن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزآ من نار جهنّم». قالوا:\nوالله إن كانت لكافية! قال: «إنّها فضّلت عليها بتسعة وستين جزآ، كلّهنّ مثل حرّها» رواه مالك، والبخاري، ومسلم، والترمذي. وعن أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء كالليل المظلم». رواه الترمذي، وابن ماجه، ويروى لفظ ألف برفعه، ونصبه.\n ﴿وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ:﴾ منفعة للمسافرين، سموا بذلك لنزولهم القوى، وهو القفر، يقال: أقوت الدار، وقويت أيضا؛ أي: خلت من سكانها. قال النابغة في معلقته رقم [١]: [البسيط]","vol":"9","page":466},{"text":"يا دار ميّة بالعلياء فالسّند... أقوت وطال عليها سالف الأمد\nوقال عنترة في معلقته أيضا رقم [١٠]: [الكامل] حيّيت من طلل تقادم عهده... أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم\nوقال مجاهد: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ، والخبز، والاصطلاء والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم، فيستجار بالله منها. وهذا أولى. ثم من لطف الله تعالى أن أودعها في الأحجار، وخالص الحديد بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه، فإذا احتاج إلى النار في منزله؛ أخرج زنده، وأورى، وأوقد ناره، فطبخ بها، واصطلى، واشتوى، واستأنس بها، وانتفع سائر الانتفاعات، فلهذا أفرد المسافرون بالذكر، وإن كان ذلك عاما في حق الناس كلهم.\n ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة: الماء الزلال العذب البارد، ولو شاء لجعله ملحا أجاجا كالبحار المغرقة، وخلق النار المحرقة، وجعل ذلك مصلحة للعباد، وجعل هذه منفعة لهم في معاشهم في دنياهم، وزجرا لهم في آخرتهم، وعذابا للعاصين، والفاسقين منهم. وانظر (التسبيح) في سورة (الفتح) رقم [٩].\nالإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ:﴾ انظر الاية رقم [٥٨] فالإعراب لا يتغير. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة (النار) والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: التي تورونها. ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ﴾ إعراب هذه مثل: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿شَجَرَتَها:﴾ مفعول به. (وها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿جَعَلْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل لما قبلها، لا محل لها. ﴿تَذْكِرَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَمَتاعًا:﴾ الواو: حرف عطف. (متاعا): معطوف على ما قبله. ﴿لِلْمُقْوِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة متاعا. ﴿فَسَبِّحْ:﴾ (الفاء): الفصيحة. (سبح): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاسْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. وقيل: الباء زائدة. وقيل: لفظ (اسم) أيضا زائد، فيكون التقدير: فسبح ربك؛ أي:\nذاته العلية، وعلى الأول ف: (اسم) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة للمضاف، أو للمضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فسبح ربك ونزهه عما لا يليق به.","vol":"9","page":467},{"text":"<span id=\"aya-5054\"></span><span id=\"aya-5055\"></span><span id=\"aya-5056\"></span><span id=\"aya-5057\"></span><span id=\"aya-5058\"></span><span id=\"aya-5059\"></span>﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)﴾\nالشرح: ﴿فَلا أُقْسِمُ:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: (لا) صلة في قول أكثر المفسرين، والمعنى: فأقسم بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ وقال الفراء: هي نفي، والمعنى ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف: ﴿أُقْسِمُ﴾ وقد يقول الرجل: لا، والله ما كان كذا! فلا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدم؛ أي: ليس الأمر كما ذكرت، بل هو كذا. وقيل: (لا) بمعنى: ألا للتنبيه. ونبه بهذا على فضيلة القرآن؛ ليتدبروه، وأنه ليس بشعر، ولا سحر، ولا كهانة، كما زعموا. وقرأ الحسن، وحميد، وعيسى بن عمر: «(فلأقسم)» بغير ألف بعد اللام على التحقيق، وهو فعل حال، ويقدر مبتدأ محذوف، التقدير: فلأنا أقسم بذلك، ولو أريد به الاستقبال؛ للزمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال، وهو شاذ.\nانتهى. هذا؛ ويقرب من هذا ما تراه في أول سورة (القيامة) إن شاء الله تعالى.\nهذا؛ وقال ابن هشام في المغني: اختلف في (لا) في مواضع من التنزيل: أهي نافية، أم زائدة؟ أحدها: قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فقيل: هي نافية. واختلف هؤلاء في منفيها على قولين: أحدهما: أنه شيء تقدم، وهو ما حكي عنهم كثيرا من إنكار البعث، فقيل لهم:\nليس الأمر كذلك، ثم استؤنف القسم. قالوا: وإنما صح ذلك؛ لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، ولهذا يذكر الشيء في سورة، وجوابه في سورة أخرى، نحو قوله تعالى في سورة (الحجر) الاية رقم [٦]: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ،﴾ وجوابه: قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾.\nوالثاني: أن منفيها ﴿أُقْسِمُ﴾ وذلك على أن يكون إخبارا، لا إنشاء. واختاره الزمخشري.\nقال: والمعنى في ذلك: أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فكأنه قيل: إن إعظامه بالإقسام به كلا إعظام؛ أي: إنه يستحق إعظاما فوق ذلك. وقيل: هي زائدة، واختلف هؤلاء في فائدتها على قولين:\nأحدهما: أنها زيدت توطئة، وتمهيدا لنفي الجواب. والتقدير: لا أقسم بيوم القيامة لا يتركون سدى! ومثله قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الاية رقم [٦٥] من سورة (النساء)، وأيضا قول امرئ القيس، وهو الشاهد رقم [٤٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب] فلا وأبيك ابنة العامريّ... لا يدّعي القوم أنّي أفر","vol":"9","page":468},{"text":"ورد بقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ..﴾. الايات فإن جوابه مثبت، وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾. والثاني: أنها زيدت لمجرد التوكيد، وتقوية الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ رقم [٢٩] من سورة (الحديد) ورد بأنها لا تزيد لذلك صدرا، بل حشوا، كما أن زيادة (ما) و(كان) كذلك، نحو قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ رقم [١٥٩] من سورة (آل عمران)، وقوله تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ رقم [٧٨] من سورة (النساء)، ونحو: (زيد كان فاضل) وذلك؛ لأن زيادة الشيء تفيد إطراحه، وكونه أول الكلام يفيد الاعتناء به. قالوا: ولهذا نقول بزيادتها في نحو قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ سورة (المعارج)، وقوله تعالى:\n ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ لوقوعها بين الفاء، ومعطوفها بخلاف هذا، وأجاب أبو علي بما تقدم من أن القرآن كالسورة الواحدة. انتهى. بحروفه.\n ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ:﴾ مواقع النجوم: مساقطها، ومغاربها في قول قتادة، وغيره. وقال الحسن البصري: انكدارها، وانتثارها يوم القيامة. وقال القشيري: هو قسم، ولله أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى، وصفاته القديمة. قال القرطبي: يدل على هذا قراءة الحسن:\n «(فلأقسم)» وما أقسم به سبحانه من مخلوقاته في غير موضع من كتابه. وقال ابن عباس﵄-: المراد بمواقع النجوم: نزول القرآن نجوما، أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكاتبين، فنجمه السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل ﵇ على محمد ﷺ عشرين سنة، فهو ينزل به على الأحداث من أمته.\n ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ:﴾ لما في المقسم به من الدلالة على عظيم القدرة، وكمال الحكمة، وفرط الرحمة، ومن مقتضيات رحمته ألاّ يترك عباده سدى، وهو اعتراض في اعتراض بين القسم والمقسم عليه، و﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراض بين الموصوف، والصفة. ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: عزيز مكرّم؛ لأنه كلام الله تعالى، ووحيه إلى نبيه ﷺ. وقيل: الكريم الذي من شأنه أن يعطي الكثير، وسمي القرآن كريما؛ لأنه يفيد الدلائل؛ التي تؤدي إلى الحق في الدين. وقيل:\nالكريم: اسم جامع لما يحمد، والقرآن كريم لما يحمد فيه من الهدى، والنور، والبيان، والعلم، والحكم، فالفقيه يستدل به، ويأخذ منه، والحكيم يستمد منه، ويحتج به، والأديب يستفيد منه، ويتقوى به، فكل عالم يطلب أصل علمه منه. وقيل: سمي كريما؛ لأن كل أحد يناله، ويحفظه من كبير، وصغير، وذكي، وبليد، بخلاف غيره من الكتب. وقيل: إن الكلام إذا كرر مرارا يسأمه السامعون، ويهون في الأعين، وتمله الاذان، والقرآن عزيز كريم، لا يهون بكثرة التلاوة، ولا يخلق بكثرة الترداد، ولا يمله السامعون، ولا يثقل على الألسنة، بل هو غض طري، يبقى أبد الدهر. انتهى. خازن.","vol":"9","page":469},{"text":"﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ:﴾ مصون مستور عند الله تعالى في اللوح المحفوظ من الشيطان من أن يناله بسوء. وقيل: المراد ب: (الكتاب) المصحف، ومعنى ﴿مَكْنُونٍ:﴾ مصون، محفوظ من التبديل، والتحريف. والقول الأول أصح.\n ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ أي: ذلك الكتاب المكنون. ﴿إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ:﴾ وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة من الشرك، والذنوب، والأحداث. يروى هذا القول عن ابن عباس، وأنس، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، وقتادة، وابن زيد. وقيل: هم السفرة الكرام البررة، ويدل له قوله تعالى في سورة (عبس): ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾. وعلى القول الثاني من أن المراد بالكتاب: المصحف، فقيل: معنى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي: من الشرك. وكان ابن عباس﵄ينهى أن تمكن اليهود، والنصارى من قراءة القرآن. قال الفراء: لا يجد طعمه، ونفعه إلا من آمن به. وقيل: معناه لا يقرؤه إلا الموحدون. وقال قوم: معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث، والجنابات.\nوظاهر الاية نفي، ومعناه نهي. قالوا: لا يجوز للجنب، ولا للحائض، ولا للمحدث حمل المصحف، ولا مسه. وهو قول عطاء، وطاوس، وسالم، والقاسم، وأكثر أهل العلم، وبه قال مالك، والشافعي، وأكثر الفقهاء. يدل عليه ما روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «أن لا تمسّ القرآن إلا طاهرا». أخرجه مالك مرسلا. وقد جاء موصولا عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بهذا. والصحيح فيه الإرسال. وروى الدارقطني بسنده عن سالم عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمسّ القرآن إلاّ طاهر».\nوالمراد بالقرآن: المصحف، سمّاه قرآنا على قرب الجوار، والاتساع. كما روي: أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وأراد به المصحف. وقال الحكم، وحماد، وأبو حنيفة: يجوز للمحدث، والجنب حمل المصحف ومسه بغلافه. انتهى. خازن. وقال ابن جرير عن قتادة؛ قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا؛ فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس.\n ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: هذا القرآن منزل من رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه لسحر، أو شعر، أو كهانة، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه حق نافع. وقال أبو زيد: زعمت كفار قريش: أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى: أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى في سورة (الشعراء): ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.\nتنبيه: وجه المناسبة بين المقسم به (وهو النجوم) وبين المقسم عليه (وهو القرآن) في الايات: [٧٥ - ٧٦ - ٧٧]: أن النجوم جعلها الله ليهتدي بها الناس في ظلمات البر، والبحر،","vol":"9","page":470},{"text":"وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل، والضلالة، وتلك ظلمات حسية، وهذه ظلمات معنوية، فالقسم هنا جاء جامعا بين الهدايتين: الحسية للنجوم، والمعنوية للقرآن. فهذا وجه المناسبة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لا): نافية، أو صلة، انظر الشرح.\n ﴿أُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِمَواقِعِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(مواقع) مضاف، و﴿النُّجُومِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ (الواو): واو الاعتراض. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَقَسَمٌ:﴾ (اللام): هي المزحلقة، (قسم): خبر (إنّ). ﴿لَوْ:﴾\nحرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، وهو منزل منزلة اللازم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: لو كنتم من ذوي العلم؛ لعلمتم عظم هذا القسم. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة (قسم)، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام معترض بين الموصوف، وصفته، والجملة الاسمية: (إنه لقسم...) إلخ معترضة بين القسم المتقدم، وجوابه الاتي، فهو اعتراض في اعتراض.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَقُرْآنٌ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (قرآن):\nخبر (إنّ). ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة (قرآن)، والجملة الاسمية جواب القسم: ﴿فَلا أُقْسِمُ..﴾. إلخ.\nوالقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (قرآن).\n ﴿مَكْنُونٍ:﴾ صفة ﴿كِتابٍ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمَسُّهُ:﴾ مضارع مرفوع، والهاء مفعول به.\n ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْمُطَهَّرُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثالثة ل: (قرآن). وقيل: ﴿لا﴾ ناهية، والفعل مجزوم؛ لأنه لو فك؛ لظهر الجزم، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ولكنه أدغم، ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب. وفي الكرخي: وضعف ابن عطية النهي بأن قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ صفة فيلزم الفصل بين الصفات، وذلك لا يحسن، وأجيب بأن قوله: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ لا يتعين أن يكون صفة لجواز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو تنزيل، فلا يمتنع حينئذ أن يكون: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ نهيا، و﴿يَمَسُّهُ﴾ مجزوم في التقدير؛ إذ لو فك؛ لظهر الجزم، ولكنه لما أدغم حرك آخره لأجل الإدغام، وكانت الحركة ضمة إتباعا لضمة الهاء. انتهى. جمل. هذا؛ وقرئ: «(تنزيلا)» على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: نزل تنزيلا. ﴿مِنْ رَبِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿تَنْزِيلٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.","vol":"9","page":471},{"text":"<span id=\"aya-5060\"></span><span id=\"aya-5061\"></span>﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾\nالشرح: ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، وانظر الاية رقم [٢٤] من سورة (الذاريات).\n ﴿أَنْتُمْ:﴾ خطاب لأهل مكة. ﴿مُدْهِنُونَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: مكذبون. وقيل:\nكافرون. وقال المؤرج: المدهن، والمداهن: المنافق، أو الكافر؛ الذي يلين جانبه، ليخفي كفره. والإدهان، والمداهنة: التكذيب، والكفر، والنفاق. قال تعالى في سورة (ن): ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ وأصله: اللين، وأن يسر خلاف ما يظهر. قال أبو قيس بن الأسلت: [السريع] الحزم والقوة خير من ال... إدهان والفهّة والهاع\nالفهة: السقطة، والجهلة، ونحوها. والهاع، والهائعة: الصوت الشديد؛ الذي تفزع منه، وتخافه من عدو. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: حظكم من القرآن. قال الحسن ﵀ في هذه الاية:\nخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب. وقال جماعة من المفسرين: معناه:\nوتجعلون شكركم أنكم تكذبون؛ أي: بنعمة الله عليكم، وهذا في الاستسقاء بالأنواء، وذلك:\nأنهم كانوا إذا مطروا يقولون: مطرنا بنوء كذا، ولا يرون ذلك من فضل الله عليهم، فقيل لهم:\nأتجعلون رزقكم؛ أي: شكركم بما رزقكم الله التكذيب، فمن نسب الإنزال إلى النجم؛ فقد كذب برزق الله، ونعمه، وكذب بما جاء به القرآن. والمعنى: أتجعلون بدل الشكر التكذيب.\nفعن يزيد بن خالد الجهني﵁قال صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله، ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب. وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا، وكذا، فذلك مؤمن بالكواكب، كافر بي». رواه مسلم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَفَبِهذَا:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (الفاء): حرف استئناف.\n (بهذا): جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُدْهِنُونَ،﴾ والهاء حرف تنبيه مقحم بينهما. ﴿الْحَدِيثِ:﴾ نعت لاسم الإشارة، أو بدل، أو عطف بيان عليه. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُدْهِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَتَجْعَلُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تجعلون): مضارع مرفوع، والواو فاعله.\n ﴿رِزْقَكُمْ:﴾ مفعول به أول، وهو على حذف مضاف، التقدير: شكر رزقكم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تُكَذِّبُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ)، واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: (تجعلون...) إلخ معطوفة على ﴿مُدْهِنُونَ،﴾ فهي في محل رفع مثلها.","vol":"9","page":472},{"text":"<span id=\"aya-5062\"></span><span id=\"aya-5063\"></span><span id=\"aya-5064\"></span><span id=\"aya-5065\"></span><span id=\"aya-5066\"></span>﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلَوْلا﴾ أي: فهلا. ﴿إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ أي: بلغت النفس، أو الروح إلى الحلقوم عند الموت، والحلقوم: ممر الطعام، والشراب. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ يا أهل الميت. ﴿حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ يعني: إلى الميت متى تخرج روحه. وقيل: تنظرون إلى أمري، وسلطاني، لا يمكنكم الدفع، ولا تملكون شيئا. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي: بالعلم، والقدرة، والرؤية. قال عامر بن عبد القيس: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله تعالى أقرب إليّ منه. وقيل: أراد: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إلى الميت منكم. والضمير المجرور ب: (إلى) يعود إلى المحتضر، وهو غير مذكور، لكنه مفهوم من المقام. ﴿وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أي: الذين حضروه من الملائكة لقبض روحه. ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: غير مملوكين ومقهورين. قال الفراء، وغيره: دنته:\nملكته، وأنشد للحطيئة: [الوافر] لقد ديّنت أمر بنيك حتّى... تركتهم أدقّ من الطّحين\nوقيل: معنى مدينين: محاسبين، ومجزيين بأعمالكم، ومنه قوله تعالى في سورة (الصافات) حكاية عن قول منكر البعث، والجزاء: ﴿أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أي: لمجزيون، ومحاسبون. ﴿تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعدما بلغت الروح الحلقوم.\nوالمعنى: إنكم في جحودكم آيات الله في كل شيء؛ إن أنزل عليكم كتابا معجزا؛ قلتم:\nسحر، وافتراء. وإن أرسل عليكم رسولا صادقا؛ قلتم: ساحر كذاب. وإن رزقكم مطرا يحييكم به؛ قلتم صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي إلى الإهمال، والتعطيل. فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغها الحلقوم، وإن لم يكن ثمة قابض، وكنتم صادقين في تعطيلكم، وكفركم بالمحيي المميت، المبدئ المعيد. انتهى. كشاف، ونسفي.\nهذا؛ وأصل ﴿كُنْتُمْ﴾ كونتم، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «كانتم» التقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (كنتم) بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: كنتم. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار «كونت» ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: «كونت» فالتقى ساكنان:\nالعين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين وهي الواو لالتقاء الساكنين، فصار: «كنت» وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قال، وقام، ونحوهما.","vol":"9","page":473},{"text":"الإعراب: ﴿فَلَوْلا:﴾ (الفاء): حرف عطف، أو استئناف. (لولا): حرف تحضيض بمعنى:\nهلا. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد من الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل:\n ﴿تَرْجِعُونَها﴾ الاتي. ﴿بَلَغَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْحُلْقُومَ:﴾ مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هي يعود إلى «الروح» المفهومة من المقام، وهو مثل قوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ص): ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (هود): ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. ومثل هذه الايات قول حاتم الطائي: [الطويل] لعمرك ما يغني الثّراء عن امرئ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر\nوأيضا قول سوّار بن المضرّب السعدي، وهو الشاهد رقم [١٩١] من كتابنا: «فتح رب البرية» يخاطب به الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل] إذا كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا\n ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ (الواو): واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حِينَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و(إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: حين إذ بلغت الروح الحلقوم. ﴿تَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (أنتم تنظرون حينئذ) في محل نصب حال من فاعل ﴿بَلَغَتِ،﴾ والرابط: الواو فقط. ﴿وَنَحْنُ:﴾ (الواو): واو الحال. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَقْرَبُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، فهي حال متداخلة. وقيل: هي مستأنفة معترضة.\n ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَقْرَبُ﴾. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَقْرَبُ﴾ أيضا. ﴿وَلكِنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿تُبْصِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال.\n ﴿فَلَوْلا:﴾ معطوفة على مثلها، وهي من باب التوكيد اللفظي. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(التاء) اسمه.\n ﴿غَيْرَ:﴾ خبر (كان)، و﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و﴿مَدِينِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء، وجملة: ﴿كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ﴿تَرْجِعُونَها﴾. ﴿تَرْجِعُونَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله و(ها) مفعول به، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها؛ لأنها واقعة","vol":"9","page":474},{"text":"بعد لولا التحضيضية. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ إعرابها واضح، وجواب الشرط في الجملتين محذوف لدلالة الكلام عليه، التقدير: إن كنتم غير مدينين إن كنتم صادقين فهلا ترجعونها؛ أي: الروح.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ليس من اعتراض الشرط على الشرط-نحو: إن ركبت، إن لبست، فأنت طالق-حتى يجيء فيه ما قدمته في هذه المسألة؛ لأن المراد هنا إن وجد الشرطان كيف كانا؛ فهلا رجعتم بنفس الميت. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وسها القرطبي -رحمه الله تعالى-حيث اعتبر (إذا) أحد الشرطين، واعتبر جملة: ﴿تَرْجِعُونَها﴾ جوابا لهما، وعزاه للفراء، وقال: وربما أعادت العرب الحرفين، ومعناهما واحد، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الاية رقم [٣٨] من سورة (البقرة).\nولا وجه لاستشهاده بهذه الاية، ولو استشهد بقوله تعالى في سورة (هود) الاية رقم [٣٤]: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وبقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها..﴾. إلخ الاية رقم [٥٠] من سورة (الأحزاب) فلا وجه له أيضا. انظر شرح الايتين وإعرابهما في محلهما، وخذ قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [١٠٤١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم\n\n<span id=\"aya-5067\"></span><span id=\"aya-5068\"></span><span id=\"aya-5069\"></span><span id=\"aya-5070\"></span>﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾\nالشرح: عود على بدء، لقد ذكر الله تعالى في مطلع هذه السورة: أن الناس يوم القيامة يكونون أزواجا ثلاثة ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ..﴾. إلخ، وذكر الله ﷿ هنا أحوالهم عند الموت، وما يبشرون به كل حسب ما يستحق من الجزاء، والجزاء من جنس العمل، فقال جلت قدرته وتعالت حكمته: ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ﴾ أي: الذي حضره الموت. ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يعني:\nالسابقين إلى الطاعات، وهم الذين فعلوا الواجبات، والمستحبات، وتركوا المحرمات، والمكروهات، وبعض المباحات ابتغاء وجه رب الأرض، والسموات. ﴿فَرَوْحٌ﴾ أي: فلهم روح، وهو الراحة، ﴿وَرَيْحانٌ﴾ أي: وله استراحة، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، فتقول:\nأيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان. وجملة القول: فإن من مات مقربا؛ حصل له الرحمة، والراحة، والاستراحة، والفرح، والسرور، والرزق الحسن. ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ:﴾ قال أبو العالية: لا يفارق أحد روحه من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة، فيقبض روحه فيه. وقال محمد بن كعب القرظي﵁-: لا يموت أحد من الناس حتى يعلم: من أهل الجنة هو، أم من أهل النار؟.","vol":"9","page":475},{"text":"هذا؛ وروى الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-عن عبد الرحمن بن أبي ليلى﵁عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «من أحبّ لقاء الله؛ أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله؛ كره الله لقاءه». قال: فأكب القوم يبكون، فقال: «ما يبكيكم؟». فقالوا: إنا نكره الموت.\nقال: «ليس ذلك، ولكنه إذا احتضر ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ فإذا بشر بذلك؛ أحب لقاء الله، والله ﷿ للقائه أحبّ ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ فإذا بشر بذلك كره لقاء الله؛ والله تعالى للقائه أكره». وعن عائشة﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله؛ كره الله لقاءه» فقلت: يا رسول الله! أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت! قال:\n «ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا بشّر برحمة الله، ورضوانه، وجنّته؛ أحبّ لقاء الله، فأحبّ الله لقاءه، وإنّ الكافر إذا بشّر بعذاب الله، وسخطه؛ كره لقاء الله، فكره الله لقاءه». رواه البخاري ومسلم، وغيرهما.\n ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ﴾ أي: المحتضر. ﴿مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ:﴾ وهم المذكورون في الاية رقم [٢٧] وما بعدها. ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ أي: تبشرهم ملائكة الرحمة بذلك. تقول لأحدهم:\nسلام لك. أي: لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين، وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: سلم من عذاب الله، وسلّمت عليه ملائكة الله. ويكون ذلك كقوله تعالى في سورة (فصلت): ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ الاية رقم [٣٠].\nهذا؛ و(سلام) اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تسليم؛ لأن الفعل سلّم، يسلّم بتشديد اللام فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عذاب، وعطاء، ونبات، من:\nعذب، وأعطى، وأنبت، و﴿أَصْحابِ﴾ جمع: صاحب، ويكون بمعنى: المالك، كما في قولك:\nصاحب الدار، وصاحب المال، ونحوه. ويكون بمعنى الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان. ثم يجمع (أصحاب) على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب، ولا تنس: أن الصحابي من اجتمع مع النبي ﷺ، ولو ساعة وهو مؤمن، فالإيمان شرط لتسميته صحابيا، فإن اجتمع به؛ وهو غير مؤمن؛ لا يقال عنه: صحابي؛ وإن آمن بعد وفاة النبي ﷺ، كالذي حصل من كعب الأحبار، وأمثاله.\nالإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (أمّا): أداة شرط، وتفصيل وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام الشرط، وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فللمقربين روح، وريحان، فأنيبت (أمّا) مناب: «مهما يك من شيء». فصار: (أما إن كان...) إلخ، وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله.","vol":"9","page":476},{"text":"ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لأنها علقته على أمر متيقن.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى المحتضر، وهو غير مذكور، لكنه مفهوم من المقام، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٨٣]. ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿فَرَوْحٌ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب (أمّا). (روح): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فله روح.\nوالجملة الاسمية جواب (أمّا)، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوف اكتفاء بجواب (أمّا). ذكره ابن هشام في المغني، وأفاده مكي، والسمين. أقول: يكثر حذف جواب «إن»، وأما جواب (أما) فلا يحذف إلا في ضرورة الشعر. ﴿وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ:﴾ معطوفان على (روح)، و(جنة) مضاف، و﴿نَعِيمٍ﴾ مضاف إليه، والكلام: ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ..﴾. إلخ: كله مستأنف، لا محل له. ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ:﴾ إعرابه مثل سابقه بلا فارق. ﴿فَسَلامٌ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب (أما).\n (سلام): مبتدأ، سوغ الابتداء به، وهو نكرة الدعاء. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب أما، لا محل لها... إلخ. ﴿مِنْ أَصْحابِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف خبر لمبتدأ ثان محذوف، أو بمحذوف حال من الكاف، وهو الأولى.\n\n<span id=\"aya-5071\"></span><span id=\"aya-5072\"></span><span id=\"aya-5073\"></span><span id=\"aya-5074\"></span><span id=\"aya-5075\"></span>﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ﴾ أي: المحتضر. ﴿مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: بالبعث، والحساب، والجزاء. ﴿الضّالِّينَ﴾ عن الهدى، وطريق الحق. وهؤلاء هم الصنف الثالث الذين ذكرهم الله في أول هذه السورة. ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي: فلهم رزق من حميم، وزقوم، ونحو ذلك، كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ..﴾. إلخ الايات من هذه السورة.\nوانظر شرح (نزل) في الاية رقم [٥٦]، وقال تعالى في سورة (الصافات) رقم [٦٧]: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: إدخال في النار، وانظر ﴿اِصْلَوْها﴾ في سورة (الطور) رقم [١٦]. ﴿إِنَّ هذا﴾ أي: ما ذكر من قصة المحتضرين. ﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: لا شك فيه.\nوقيل: إن هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في هذه السورة من الأقاصيص، وما أعد الله لأوليائه من النعيم، وما أعد لأعدائه من العذاب الأليم، وما ذكر مما يدل على واحدانية الله يقين، لا شك فيه، ولا ريب، ولا محيد لأحد عنه.","vol":"9","page":477},{"text":"هذا؛ وجاز إضافة (الحق) إلى ﴿الْيَقِينِ﴾ وهما واحد لاختلاف لفظهما. قال المبرد: هو كقولك: عين اليقين، ومحض اليقين، فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وعند البصريين: هو على حذف المضاف إليه، وإقامة الصفة مقامه، التقدير: حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين وانظر (الحاقة) رقم [٥١] فإنه جيد.\n ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: نزه الله تعالى عن السوء. وقيل: معناه فصلّ بذكر ربك العظيم وبأمره. وعن عقبة بن عامر الجهني﵁-. قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال رسول الله ﷺ: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال النبي ﷺ:\n «اجعلوها في سجودكم». أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه، وأبو داود.\nوعن حذيفة﵁أنه صلى مع النبي ﷺ، فكان يقول في ركوعه: «سبحان الله العظيم» وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى». وما أتى على آية رحمة؛ إلا وقف، وسأل، وما أتى على آية عذاب؛ إلا وقف، وتعوذ. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.\nهذا؛ وقد حثنا الرسول ﷺ على كثرة التسبيح، ورغبنا فيه، أذكر منها ما يلي: فعن سليمان ابن يسار﵁-، عن رجل من الأنصار: أن النبي ﷺ قال، «قال نوح لابنه: إني موصيك بوصية، وقاصرها لكي لا تنساها، أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، أمّا اللتان أوصيك بهما؛ فيستبشر الله بهما، وصالح خلقه، وهما يكثران الولوج على الله: أوصيك بلا إله إلا الله، فإن السموات والأرض لو كانتا حلقة؛ قصمتهما، ولو كانتا في كفّة؛ وزنتهما، وأوصيك بسبحان الله، وبحمده، فإنهما صلاة الخلق، وبهما يرزق الخلق، وإن من شيء إلاّ يسبّح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليما غفورا. وأمّا اللّتان أنهاك عنهما؛ فيحتجب الله منهما، وصالح خلقه: أنهاك عن الشّرك، والكبر» رواه النسائي.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن أقول: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس». رواه مسلم والترمذي. وعن ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي، فقال: يا محمد! أقرئ أمّتك مني السّلام، وأخبرهم: أنّ الجنة طيّبة التربة، عذبة الماء، وأنّها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». رواه الترمذي، والطبراني في الصغير، والأوسط، وزاد (ولا حول ولا قوة إلاّ بالله).\nتنبيه: لا يوجد في هذه السور الثلاث لفظ الجلالة (الله): (اقتربت، الرحمن، الواقعة)، والله أعلم، وأجل، وأكرم.","vol":"9","page":478},{"text":"فائدة: أثبتوا ألف الوصل في الايتين المذكورتين في هذه السورة، وذلك: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ؛﴾ لأنه لم يكثر وروده كثرته في البسملة، وحذفوها منها لكثرة ورودها، وهم شأنهم الإيجاز، وتقليل الكثير إذا عرف معناه، وهذا معروف لا يجهل، وإثبات ما أثبت من إشكاله مما لا يكثر دليل على الحذف منه، ولذا لا تحذف الألف مع غير الباء في اسم الله، ولا مع الباء في غير الجلالة الكريمة من الأسماء. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب.\nالإعراب: ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر الاية رقم [٨٨] فالإعراب لا يتغير. ﴿الضّالِّينَ﴾ صفة ثانية لموصوف محذوف، والصفة الأولى ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ وعلامة الجر فيهما الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنهما جمعا مذكر سالمان. ﴿فَنُزُلٌ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب (أمّا). (نزل): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فله نزل، والجملة الاسمية جواب (أمّا) لا محل لها، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوف، كما رأيت سابقا. ﴿مِنْ حَمِيمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (نزل). ﴿وَتَصْلِيَةُ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (تصلية): معطوفة على (نزل)، و(تصلية) مضاف، و﴿جَحِيمٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والكلام: ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم (إنّ)، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَهُوَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (هو): مبتدأ.\n ﴿حَقُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنْ،﴾ ويجوز اعتبار الضمير فصلا لا محل له، ويكون (الحق) خبر ﴿إِنْ﴾ ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ، و﴿حَقُّ﴾ مضاف، و﴿الْيَقِينِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَسَبِّحْ..﴾. إلخ تقدم إعراب هذه الجملة برقم [٧٤]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.\nانتهت سورة (الواقعة) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4436>سورة الحديد</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الحديد) مدنية في قول الجميع، وهي تسع وعشرون آية، وخمسمئة وأربع وأربعون كلمة، وألفان وأربعمئة، وستة وسبعون حرفا. انتهى. خازن. فعن العرباض بن سارية﵁-: أن النبي ﷺ، كان يقرأ بالمسبّحات قبل أن يرقد، ويقول: «إن فيهنّ آية أفضل من ألف آية». يعني بالمسبحات: (الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن). أخرجه أحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: حديث غريب.\nأقول: لعل الاية المشار إليها في الحديث هي قوله تعالى في هذه السورة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أو هي قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ..﴾. إلخ إلى آخر السورة، ثلاث آيات، وأطلق عليهن لفظ آية تجوزا.\nهذا؛ وسميت السورة سورة (الحديد)؛ لذكر الحديد فيها، وهو قوة الإنسان في السلم، والحرب، وعدته في البنيان، والعمران، فمن الحديد تبنى الجسور الضخمة، وتشاد العمائر الفخمة، وتصنع آلات الحروب من الدروع، والسيوف، والرماح، وتكون الدبابات، والطائرات، والغواصات... إلى غير ما هنالك من منافع، انظر شرح الاية رقم [٢٥].\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5076\"></span>﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾\nالشرح: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ﴾ أي: مجد الله، وقدسه، ونزهه عن السوء. وقال ابن عباس﵄صلّى الله ﴿ما فِي السَّماواتِ﴾ ممن خلق من الملائكة. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ من شيء فيه روح، أو لا روح فيه. قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ واختلف في هذا العموم، فقالت فرقة: المراد به تسبيح الدلالة، وكل محدث يشهد على نفسه بأن الله ﷿ خالق قادر. وقالت فرقة أخرى: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبّح تسبيحا لا يسمعه البشر، ولا يفقهه. وهذا هو المعتمد. قال الزجاج-رحمه الله تعالى-: لو كان هذا تسبيح الدلالة، وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال: ﴿وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ؟﴾ ويستدل له بقوله تعالى في سورة (ص): ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ (١٧) إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾. وقوله جل ذكره في سورة (البقرة)","vol":"9","page":480},{"text":"الاية رقم [٧٤]: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ وقوله جل شأنه في سورة (مريم): ﴿وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾.\nفعن أنس بن مالك﵁قال: ما من صباح، ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا: يا جاراه! هل مرّ بك اليوم عبد، فصلى لله، أو ذكر الله عليك؟ فمن قائلة: لا، ومن قائلة: نعم، فإذا قالت: نعم رأت بذلك فضلا عليها، وقال رسول الله ﷺ: «لا يسمع صوت المؤذّن جنّ، ولا إنس، ولا شجر، ولا حجر، ولا مدر، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». رواه ابن ماجه، ومالك من حديث أبي سعيد الخدري﵁-. وخبر حنين الجذع أيضا مشهور في هذا الباب، وأخرجه البخاري في مواضع كثيرة في كتابه، وإذا ثبت ذلك في جماد واحد جاز في جميع الجمادات، ولا استحالة في شيء من ذلك، فكل شيء يسبح للعموم، ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة حال (كما يقول البعض) فأي تخصيص لتسبيح الجبال مع داود ﵇؟ وإنما ذلك تسبيح المقال بخلق الحياة، والإنطاق بالتسبيح كما تقدم. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿ما فِي﴾ تغليب غير العاقل على العاقل.\n ﴿الْعَزِيزُ:﴾ القوي الغالب؛ الذي لا يغلب. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ الذي يضع الأمور في مواضعها حسب ما تقتضيه الحكمة. وقدم ﴿الْعَزِيزُ﴾ لتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته.\nالإعراب: ﴿سَبَّحَ:﴾ فعل ماض. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. وقيل: اللام صلة، وعليه فلفظ الجلالة مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل ﴿سَبَّحَ،﴾ والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب: ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-5077\"></span>﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)﴾\nالشرح: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: ملكا، وخلقا، وعبيدا، فهو يتصرف بذلك كيف يشاء. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ:﴾ الإحياء يكون بالخلق والإيجاد الظاهرين، ويكون الإحياء بالإيمان على سبيل الاستعارة التبعية. وقل مثله في الإماتة. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٢]: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ﴾ فالاستعارة تمثيلية واضحة التقدير: له ملك السموات، والأرض محييا، ومميتا. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ من الإحياء، والإماتة. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿يُحْيِي﴾ و(يميت).","vol":"9","page":481},{"text":"هذا؛ و«شيء» في اللغة عبارة عن كل موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء (غير منصرف) واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: أن وزنه: شيآء، وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الإجماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة: فبقيت لفعاء، كما قلبوا أدؤرا فقالوا: آدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.\nالإعراب: ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، و﴿مُلْكُ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿يُحْيِي:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور بقوله: ﴿لَهُ،﴾ والرابط: الضمير فقط. هذا؛ واللام مفيدة للملك الحقيقي، الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور، أو هي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو يحيي. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من الضمير في ﴿لَهُ،﴾ وإن اعتبرت الجملة الفعلية مستأنفة فلا محل لها. ﴿وَيُمِيتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يميت): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و(شيء):\nمضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا ب: ﴿لَهُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5078\"></span>﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾\nالشرح: اختلف في معاني هذه الأسماء، وقد شرحها رسول الله ﷺ شرحا يغني عن قول كل قائل، فقال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة﵁-: «اللهمّ أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الاخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنّا الدين، وأغننا من الفقر». عنى بالظاهر: الغالب، وبالباطن: العالم. والله أعلم. انتهى. قرطبي. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ بما كان، ويكون، وسيكون، فلا يخفى عن علمه شيء، وهو السميع العليم.\nوقال ابن عباس﵄-: هو الأول قبل كل شيء بلا ابتداء، كان هو، ولم يكن شيء موجودا. والاخر بعد فناء كل شيء بلا انتهاء يفني الأشياء كلها، ويبقى هو. والظاهر الغالب العالي على كل شيء. والباطن العالم بكل شيء. هذا؛ والطباق ظاهر بين ﴿الْأَوَّلُ﴾ و(الاخر) وبين (الظاهر) و(الباطن) وهو من المحسنات البديعية. وعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم، فيقول: «اللهمّ ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم، ربّنا وربّ كلّ شيء،","vol":"9","page":482},{"text":"منزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، فالق الحبّ، والنّوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شرّ كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الاخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء. اقض عنّا الدين، وأغننا من الفقر!» رواه الإمام أحمد، وأخرجه مسلم بلفظ: عن سهل بن أبي صالح قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم رب السموات... إلخ.\nوعن عائشة﵂-: أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر بفراشه، فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا أوى إليه؛ توسد كفه اليمنى، ثم همس، ما يدرى ما يقول، فإذا كان في آخر الليل؛ رفع صوته، فقال: «اللهمّ ربّ السموات السبع، وربّ العرش العظيم، إله كل شيء، ومنزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شرّ كل شيء أنت آخذ بناصيته! اللهم أنت الأول؛ الذي ليس قبلك شيء، وأنت الاخر؛ الذي ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر!». أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي. انتهى. خازن وابن كثير.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْأَوَّلُ:﴾ خبر المبتدأ، والأسماء بعده معطوفة عليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في (الظاهر) و(الباطن) والرابط: الواو، والضمير.\nهذا؛ وقال الزمخشري: الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين: الأولية، والاخرية، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور، والخفاء، وأما الوسطى؛ فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين، ومجموع الصفتين الأخريين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية، والاتية، وهو في جميعها ظاهر، وباطن، جامع للظهور بالأدلة، والخفاء، فلا يدرك بالحواس. وفي هذا حجة على من جوز إدراكه في الاخرة بالحاسة، أقول: وهذا يتمشى مع مذهبه في الاعتزال، ونحن نقول: رؤية الله ممكنة في الدنيا، والاخرة؛ لأنه موجود، وكل موجود ممكن أن يرى، ولكنه لم تقع في الدنيا، إلا لنبينا ﷺ، وأما في الاخرة، فإنها جائزة، بل وواقعة لجميع المؤمنين، والمؤمنات، كما ستقف عليه في سورة (القيامة) إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-5079\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ أي: في ستة أوقات، أو في مقدار ستة أيام، فإن اليوم المتعارف عليه: زمان طلوع الشمس إلى غروبها، لم يكن حينئذ موجودا. وفي","vol":"9","page":483},{"text":"خلق الأشياء مدرّجا مع القدرة على خلقها دفعة واحدة دليل للاختيار، واعتبار للنظار، وحث على التأني في الأمور. هذا؛ وما ذكر من أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة عصرا، فخلق الأرض في يومين: الأحد والاثنين، وخلق ما فيها في يومين: الثلاثاء، والأربعاء، وخلق السموات، وما فيها في يومين: الخميس، والجمعة، كل ذلك لم يثبت، وإن أسنده القرطبي في سورة (غافر) إلى عبد الله بن سلام﵁-. ألا قاتل الله اليهود، فإنهم يقولون: استراح ربنا يوم السبت، فلذا اختاروه للراحة والعبادة، ولذا رد الله عليهم بقوله في سورة (ق) الاية رقم [٣٨]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾.\n ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ:﴾ استولى، ولا يجوز تفسيره باستقر، وثبت، فيكون الله من صفات الحوادث، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا، لا يليق به تعالى. والقول الفصل قول علي بن أبي طالب﵁-: الاستواء غير مجهول، والتكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه تعالى كان، فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان. والمنقول عن جعفر الصادق، والحسن البصري، وأبي حنيفة، ومالك﵃أجمعين يشبه ذلك. هذا؛ وهناك من يقول: استوى استواء يليق به، وهو قول السلف.\nهذا؛ و(استوى) في سورة (القصص) رقم [١٤] بمعنى بلوغ أربعين عاما.\nأما ﴿الْعَرْشِ﴾ فقد قال الراغب في كتابه: (مفردات القرآن): وعرش الله﷿مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، لا بالحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك؛ لكان حاملا له، تعالى الله عن ذلك. انتهى. خازن. وقد قال سليمان الجمل: وأما المراد به هنا؛ فهو الجسم النوراني المرتفع عن كل الأجسام المحيط بكلها، وانظر ما ذكرته في آية الكرسي رقم [٢٥٤] من سورة (البقرة).\nهذا؛ وذكر الله﷿في هذه الاية وغيرها من آثار قدرته، ودلائل عظمته خلق السموات، والأرض، وخصهما بالذكر هنا، وفي كثير من الايات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والاثار والحركات، وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض، كنزول المني من الذكر في المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.\n ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يدخل في الأرض من المطر، والكنوز، والأموات، والدفائن.\n ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ أي: من النبات، والشجر، والعيون، والمعادن، والأموات؛ إذا بعثوا يوم القيامة. ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أي: من المطر، والثلج، والبرد، والصواعق، والأرزاق، والمقادير، والبركات، والملائكة، والكتب التي أنزلها على الرسل. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ أي: يصعد","vol":"9","page":484},{"text":"في السماء من الملائكة، وأعمال العباد، والأبخرة، والأدخنة، والغبار وغير ذلك. هذا؛ و(يلج) أصله: يولج، وماضيه ولج، فحذفت الواو من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: الولوج؛ وهذا من الثلاثي وانظره من الرباعي في الاية رقم [٦].\nهذا؛ و﴿السَّماءِ﴾ يذكر، ويؤنث. والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت:\nسماء. والسماء: المطر. يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر] إذا نزل السماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام. وأصل «سماء»: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة.\n ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: بالعلم، والقدرة فليس أحد ينفك من تعليق علم الله تعالى وقدرته به أينما كان من أرض، أو سماء، برا، أو بحرا. وقيل: هو معكم بالحفظ، والحراسة. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: رقيب عليكم، عالم بأعمالكم، حيث كنتم في ليل، أو نهار، في البيوت، أو في القفار، الجميع في علمه سواء، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم، ونجواكم.\nقال تعالى في سورة (الرعد) رقم [١١]: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ فلا إله غيره، ولا رب سواه. وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال لجبريل ﵇ لما سأله عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وفي الحديث قال رجل: يا رسول الله! ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: «يعلم أن الله معه حيث كان». أخرجه أبو نعيم من حديث عبد الله العامري مرفوعا. وقال رسول الله ﷺ: «إن أفضل الإيمان أن تعلم: أنّ الله معك حيثما كنت». أخرجه أبو نعيم عن عبادة بن الصامت، وكان الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-ينشد هذين البيتين: [الطويل] إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن قل عليّ رقيب\nولا تحسبنّ الله يغفل ساعة... ولا أنّ ما تخفي عليه يغيب\nهذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر، وأيضا: فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النسب بخلاف العلم فإن متعلقه المعاني","vol":"9","page":485},{"text":"والنسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم، والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك. وإذا قلت: علمت زيدا قائما؛ لم يكن المقصود أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنها ملحق بجمع المؤنث السالم.\n ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿فِي سِتَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سِتَّةِ﴾ مضاف، و﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه، ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الذي) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿عَلَى الْعَرْشِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿اِسْتَوى﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَلِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها:﴾ إعرابها مثل سابقتها، وهي معطوفة عليها، وكذلك ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ الجملتان معطوفتان على ما قبلهما.\n ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: وهو شاهد معكم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَعْرُجُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿أَيْنَ ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، ويقال: مبني على الفتح. و﴿ما:﴾ صلة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر (كان) مقدم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير:\nأينما كنتم فالله معكم، والجملة الشرطية مستأنفة، أو في محل نصب حال من فاعل ﴿يَعْرُجُ﴾.\n ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير:\nبالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"9","page":486},{"text":"<span id=\"aya-5080\"></span>﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾\nالشرح: ﴿لَهُ مُلْكُ..﴾. إلخ: هذا التكرير للتأكيد؛ أي: هو المعبود على الحقيقة. وقال البيضاوي: ذكره مع الإعادة، كما ذكره مع الإبداء؛ لأنه كالمقدمة لهما. انتهى. ويعني بالإعادة: الرجوع إلى الله، ويعني بالإبداء: الإحياء، والإماتة. ﴿وَإِلَى اللهِ..﴾. إلخ: أي: إليه المرجع، والماب يوم القيامة، فيحكم في خلقه بما يشاء. قال تعالى في سورة (الليل): ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ وقال جل ذكره، وتعالى شأنه في سورة (النجم): ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾.\nهذا؛ والفعل رجع يكون متعديا، ويكون لازما، فمن الأول قوله تعالى في سورة (التوبة):\n ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ الاية رقم [٨٣]. وهو بمعنى ردك، ومن الثاني قوله تعالى في سورة (التوبة) أيضا: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ الاية رقم [٩٤] وهو بمعنى عدتم إليهم، هذا؛ والفعل: ﴿تُرْجَعُ﴾ يقرأ بالبناء للمجهول، فيكون من المتعدي، ويقرأ بالبناء للمعلوم فيكون من اللازم.\nالإعراب: ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، و﴿مُلْكُ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَإِلَى:﴾ (الواو): حرف عطف. (إلى الله): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿تُرْجَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأُمُورُ:﴾\nفاعل، أو نائب فاعل حسب ما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها.\n<span id=\"aya-5081\"></span>﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾\nالشرح: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ..﴾. إلخ: يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل؛ أي: يزيد من هذا في ذلك، ومن ذلك في هذا، أو بسبب أنه خالق الليل، والنهار، ومصرفهما، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير، والشر. وقيل: المراد بالإيلاج: أنه ﷾ يجعل ظلمة الليل مكان ضياء النهار، وذلك بغيبوبة الشمس، ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس. أو المراد بإيلاج الليل في النهار، وبالعكس بأن يزيد كل منهما بما نقص من الاخر، كما هو ظاهر في طول الليل، وقصره تبعا لفصول السنة. قال تعالى في سورة (النور) الاية رقم [٢٤]: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾. هذا؛ وفي الاية ردّ العجز على الصدر، وهو من المحسنات البديعية. هذا؛ و﴿يُولِجُ﴾ من: أولج الرباعي، أصله: يؤولج، حذفت الهمزة منه حملا على المبدوء بالهمزة: «أؤولج» للتخفيف، ومصدره:\nالإيلاج. وانظره من الثلاثي في الاية رقم [٤].","vol":"9","page":487},{"text":"هذا؛ و(ذات) بمعنى صاحبة، فجعلت صاحبة الصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ،﴾ ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. هذا؛ و(ذات) مؤنث: ذو، الذي بمعنى:\nصاحب. قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ﴾ وقد يثنّى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي، كذا من غير رد لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنى «ذو» ب: «ذوا»، أو «ذوي» على لفظه، ويجوز فيها «ذواتا» على الأصل برد لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهي الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال؛ لأن أصلها: «ذوية» فالواو عين الكلمة، والياء لامها، والتاء للتأنيث؛ لأنه مؤنث «ذو»، وذو أصله ذوي، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار:\n «ذوات» ثم حذفت الواو تخفيفا، وإنما قلبت الياء ألفا دون الواو مع أن كلا منهما متحرك، وما قبله منفتح؛ لأنها طرف، والطرف محل التغيير، وإنما لم ترد هذه الألف في التثنية إلى الياء، فيقال: ذويتان؛ لأنه لما زيدت التاء في هذا اللفظ، تحصنت الألف من الرد إلى الياء. انتهى.\nجملا نقلا عن كرخي. وفي تثنيته وجهان: تارة ينظر للفظه الان، فيقال: ذاتان، وتارة ينظر له قبل حذف الواو، فيقال: ذواتان، فقوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [١٦]: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ وفي سورة (الرحمن) رقم [٤٨]: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ جاء على الأصل برد لام الكلمة.\nهذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء ثمّت، وربّت، ولات، ولكنها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الاية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١١]: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ والنصب جاء في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ سورة (تبت) وكلها معانيها في القرآن صاحبة إلا في موضعين، فإنها جاءت بمعنى الجهة، وذلك في قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ وقد رأيت تثنيتها في الايتين المذكورتين في حالتي النصب والجر، ولم ترد في القرآن بمعنى الجمع. هذا؛ ولم يتعرض النحويون لها بهذا المعنى، مع كثرة تعرضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا «ذات» بمعنى: التي، و«ذوات» بمعنى: اللواتي، وذلك في مبحث الاسم الموصول. قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] وكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاتي أتى ذوات\nقال الأشموني: أي عند طيئ ألحقوا ب: «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم، حكى الفراء: (بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به). وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة شاهدا لذلك: [الرجز] جمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق\nوالفرق بين الأولى، والثانية: الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها، كما رأيت، بخلاف الثانية، فإنها لا تضاف؛ لأنها معرفة بالصلة؛ التي تذكر بعدها، كما رأيت في بيت رؤبة. تنبه لهذا؛ وافهمه، فإنه معنى دقيق، واسأل الله لي المزيد من التوفيق.","vol":"9","page":488},{"text":"هذا؛ و﴿اللَّيْلَ﴾ واحد بمعنى الجمع، واحده: ليلة، مثل: تمر، وتمرة. وقد جمع على ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال. والليل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الاخر: من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ و﴿النَّهارِ﴾ ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين، كسحاب، وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز] لولا الثّريدان لمتنا في الضّمر... ثريد ليل، وثريد بالنّهر\nوفي القليل: أنهر، والنهار من طلوع الفجر الصادق، أو من طلوع الشمس على ما تقدم في نهاية الليل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما رأيت في الاية رقم [٨] من سورة (القمر). هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر] إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\nكما ألغز بعضهم في قصب السكر حيث قال: [الطويل] مهفهفة الأعطاف عذب مذاقها... تفوق القنا لكن بغير سنان\nويأخذ كلّ الناس منها منافعا... وتؤكل قبل العصر في رمضان\nهذا؛ والنسبة إلى الليل: ليليّ، والنسبة إلى النهار: نهاريّ، كما تجيء النسبة إليه على صفة فعل، فتستعمل للنسب، ويستغنى بها عن يائه، فيقال: نهر، ومنه قول الشاعر، وهو من شواهد ابن عقيل على ألفية ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] لست بليليّ ولكنّي نهر... لا أدلج الليل ولكن أبتكر\nهذا؛ ويطلق على الليل والنهار اسم الجديدين. قالت الخنساء﵂-: [البسيط] إنّ الجديدين في طول اختلافهما... لا يفسدان ولكن يفسد النّاس\nالإعراب: ﴿يُولِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي النَّهارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الضمير فقط، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يُولِجُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾. و(ذات) مضاف، و﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه.","vol":"9","page":489},{"text":"<span id=\"aya-5082\"></span>﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: صدقوا، وأيقنوا، واعتقدوا: أن الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ﷺ عبده ورسوله. هذا؛ وبعد أن ذكر الله أنواعا من الدلائل الدالة على توحيده، وعلمه، وقدرته؛ خاطب كفار قريش، وغيرهم بهذا الأمر الصريح، كما أمرهم بالإقلال من الدنيا، والإعراض عنها، وأمرهم بإنفاق المال في وجوه الخير، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني: أن الأموال التي في أيديكم، إنما هي أموال الله بخلقه، وإنشائه لها، وإنما موّلكم إياها للاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء، والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره؛ إذا أذن له فيه. أو جعلكم مستخلفين ممن قبلكم فيما في أيديكم بتوريثه إياكم، وسينقله منكم إلى من بعدكم، فاعتبروا بحالهم، ولا تبخلوا، فلعل وارثك يطيع الله فيه، فيكون أسعد بما ينعم الله به عليك منك، أو يعصي الله فيه، فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان.\nفعن عبد الله بن الشخير﵁قال: أتيت النبي ﷺ، وهو يقرأ: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ ثم قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأمضيت؟» رواه مسلم، والترمذي، والنسائي. وعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله». قالوا: يا رسول الله ما منّا أحد إلاّ ماله أحبّ إليه. قال: «فإن ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر». رواه البخاري، ورحم الله من يقول: [الطويل] ألا إن مالي الّذي أنا منفق... وليس لي المال الذي أنا تارك\nإذا كنت ذا مال فبادر به التي... تخشى وإلاّ استهلكته الهوالك\n ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ:﴾ ترغيب في الإيمان، والإنفاق في وجوه الخير.\nوالأجر الكبير: هو الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، والخير العميم. وفي هذا الوعد مبالغات كثيرة: جعل الجملة اسمية، وهي تدل على الثبوت، والاستمرار، وإعادة ذكر الإيمان، والإنفاق، وبناء الحكم على الضمير، وتنكير الأجر، ووصفه بالكبر.\nتنبيه: قال الجلال: نزلت الاية في غزوة العسرة، وهي غزوة تبوك، ثم قال: قوله تعالى:\n ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا..﴾. إلخ إشارة إلى عثمان﵁-. قال الجمل معلقا: فإنه","vol":"9","page":490},{"text":"جهز في غزوة العسرة ثلاثمئة بعير بأقتابها، وأحلاسها، وأحمالها، وجاء بألف دينار، وضعها بين يدي رسول الله ﷺ. انتهى. أقول: لم يذكر أحد هنا هذا غير الجلال، مع العلم: أن غزوة تبوك قد فصلت في سورة (التوبة) تفصيلا كافيا، وذكرت هناك ما تبرع به عثمان﵁-، وما أثنى به النبي ﷺ فانظره هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنْفِقُوا:﴾ معطوف على ما قبله، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿مِمّا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بفي.\n ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به أول. ﴿مُسْتَخْلَفِينَ:﴾\nمفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:\n ﴿مُسْتَخْلَفِينَ،﴾ ونائب فاعله مستتر فيه. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو حرف تعليل.\n (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان للموصول. ﴿وَأَنْفِقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنفقوا): معطوف على ما قبله، والواو فاعله.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿كَبِيرٌ:﴾ صفة ﴿أَجْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الذين...) إلخ مستأنفة، أو تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5083\"></span>﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ أي: أيّ عذر لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول بين أظهركم يدعوكم إليه، وينبهكم عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالحق، والبرهان، والحجج على صحة ما جاءكم به.\nوقد روي في الحديث: أن النبي ﷺ قال يوما لأصحابه: «أيّ المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟». قالوا: الملائكة. قال: «وما لهم لا يؤمنون، وهم عند ربّهم؟!». قالوا: فالأنبياء.","vol":"9","page":491},{"text":"قال: «وما لهم لا يؤمنون، والوحي ينزل عليهم؟!». قالوا: فنحن. قال: «وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟! ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم، يجدون صحفا يؤمنون بها». قال الصابوني: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان. ولم أجده في التجريد الصحيح.\nوأقول: ولا سيما في أيام الصبر التي ذكرت في الحديث الذي خرجه ابن ماجه، والترمذي، وأبو داود عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ قال: «فإنّ من ورائكم أيّام الصّبر، الصّبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله». قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا، أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم».\n ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ:﴾ قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: هو الميثاق الأول الذي كان، وهم في ظهر آدم بأن الله ربكم لا إله لكم سواه. أقول: هو ما ذكر في سورة (الأعراف) الاية رقم [١٧١] قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾. وقيل: ﴿أَخَذَ مِيثاقَكُمْ:﴾ حيث ركب فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة، والبراهين، والحجج؛ التي تدعو إلى متابعة الرسول. هذا؛ وميثاق أصله: موثاق، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.\n ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالحجج، والدلائل، والبراهين. وقيل: المعنى: إن كنتم مؤمنين بحق يوما من الأيام؛ فالان أحرى الأوقات أن تؤمنوا؛ لقيام الحجج، والأعلام ببعثة محمد ﷺ فقد صحت براهينه. وقيل: إن كنتم مؤمنين بالله خالقكم. وكانوا يعترفون بهذا؛ ولكنهم يجعلون له شريكا: الحجارة، والأوثان. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال (ما) لما فيها من معنى الفعل، وهو:\nأستفهم. ﴿وَالرَّسُولُ:﴾ الواو: واو الحال. (الرسول): مبتدأ.\n ﴿يَدْعُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (الرسول)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿لِتُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: يدعوكم للإيمان. ﴿بِرَبِّكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"9","page":492},{"text":"بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿وَقَدْ:﴾ (الواو): واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَخَذَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِيثاقَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة. ﴿إِنْ:﴾ حرف بمعنى «إذ»، أو هي شرطية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبرها منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إن) على اعتبارها بمعنى: «إذ»، ولا محل لها على اعتبار (إن) حرف شرط؛ لأنها ابتدائية، وعلى هذا فالجواب محذوف، التقدير: إن كنتم مؤمنين بحق يوما من الأيام؛ فالان أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج، والأعلام... إلخ.\n\n<span id=\"aya-5084\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ﴾ يعني: محمدا ﷺ بإجماع الأمة، والإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وتفخيم، وتكريم. وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه لسماه الله به، ولا سيما في ليلة الإسراء، والمعراج؛ حيث قال جل ذكره: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى..﴾. إلخ وفي معناه أنشدوا: [الرجز] يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السامع والرّائي\nلا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنه أشرف أسمائي\nعلما بأنه ﷺ لم يذكر باسمه الصريح في القرآن إلا قليلا، ذكر باسم محمد في سورة (آل عمران) وسورة (الأحزاب)، وسورة (محمد)، وسورة (الفتح)، وذكر باسم أحمد في سورة (الصف)، وذكر باسم طه في سورة (طه)، وذكر باسم ياسين في سورة (يس). هذا؛ والعبد:\nالإنسان حرا كان، أو رقيقا، يجمع على: عبيد، وأعبد، وعبدان، وأعبدة، وغير ذلك. قال القشيري-رحمه الله تعالى-: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعا للأمة.\n ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي: حججا واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات. هذا؛ و﴿آياتٍ﴾ جمع آية، وتطلق على معان كثيرة الدلالة على قدرة الله تعالى، كما في قوله تعالى في سورة (الروم): ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ..﴾. إلخ، ومثلها كثير، وتطلق على المعجزة","vol":"9","page":493},{"text":"الخارقة للعادة، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وعصا موسى، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها كما في مطلع سورة (النمل) و(الشعراء) ونحوهما.\n ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ:﴾ جمع ظلمة، وقد جمعت باعتبار تعدد معانيها؛ إذ المراد ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة المعاصي، وظلمة الشهوات. وفيها استعارة لا تخفى، وقال تعالى في المحسوس منها: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ سورة (الأنعام) رقم [١] فقد جمعت هنا؛ لأنها متعددة أيضا، وتختلف باختلاف الشيء الذي تكون فيه، مثل ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة المكان الذي يكون فيه الإنسان، فإن كل واحد منها يخالف صاحبه، ووحّد النور؛ لأنه نوع واحد لا يختلف. وقدم الظلمات في الذّكر بجميع معانيها على النور؛ لأنه نوع واحد لا يختلف، وقدم الظلمات؛ لأنها مخلوقة قبل النور، والظلمة بمعانيها المذكورة مستعارة من ظلمة الليل الحقيقية، والجامع بينهما عدم الاهتداء في كلّ منهما، كما أن النور بمعناه المتقدم، أو بمعنييه مستعار من نور النهار، أو من نور المصباح المضيء، والجامع بينهما: الاهتداء في كلّ منهما. ﴿وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ:﴾ حيث هيأ لكم أسباب الاستدلال، وفتح عليكم أبواب المنافع، ودفع عنكم أنواع المضار. هذا؛ والرأفة: أشد الرحمة، و(رؤوف) صيغة مبالغة، فالله أرأف بعباده المؤمنين من الوالدة بولدها.\nهذا؛ و﴿اللهَ﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به أعطى. وإنما تتخلف الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى الله غير (الله)؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمئة وستين موضعا.\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿يُنَزِّلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها.\n ﴿عَلى عَبْدِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ صفة ﴿آياتٍ﴾ منصوب، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان. ﴿لِيُخْرِجَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُنَزِّلُ﴾. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَإِنَّ:﴾ (الواو): واو الحال. (إنّ): حرف مشبه","vol":"9","page":494},{"text":"بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (رؤوف): خبر: (إنّ). ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف المخاطب، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. وقيل:\nالواو عاطفة. ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-5085\"></span>﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: أيّ شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، وفيما يقربكم من ربكم، وأنتم تموتون، وتتركون أموالكم، وهي صائرة إلى الله تعالى؟! فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق، والخطاب للمؤمنين. ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: إنهما راجعتان إلى الله بانقراض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق له.\n (لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقتل) أكثر المفسرين على: أن المراد بالفتح: فتح مكة. وقال الشعبي، والزهري: فتح الحديبية. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: كان قتالان أحدهما أفضل من الاخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال، والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال، والنفقة بعد ذلك. وفي الكلام حذف، التقدير: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح، وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فحذف لدلالة الكلام عليه. وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم؛ لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق، والأجر على قدر النّصب. والله أعلم.\n ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أي: المتقدمون المتناهون السابقون إلى القتال، والإنفاق في سبيل الله، والمتأخرون اللاحقون، وعدهم الله جميعا الحسنى، وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وما أشبه هذه الاية بآية (النساء) رقم [٩٥] وهي قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير... إلخ». أخرجه مسلم. وعنه أيضا، قال رسول الله ﷺ: «سبق درهم مئة ألف درهم». فقال رجل: يا رسول الله! وكيف ذلك؟ قال: «رجل له مال كثير، أخذ من عرضه مئة ألف درهم تصدّق بها، ورجل ليس له إلا درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدّق به». أخرجه النسائي.","vol":"9","page":495},{"text":"﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح، وقاتل، ومن فعل ذلك بعد الفتح، وما ذاك إلا لعلمه التام بقصد الأول، وإخلاصه في إنفاقه في حال الجهد، والقلة، والضيق. وينبغي أن تعلم: أن الفعل «يستوي» من الأفعال؛ التي لا يكتفى فيها بواحد، فلو قلت: استوى زيد لم يصح، فمن ثم لزم العطف على الفاعل، أو تعدده.\nهذا؛ وقال الكلبي: نزلت الاية في أبي بكر الصديق﵁-. ففيها دليل واضح على تفضيله، وتقديمه؛ لأنه أول من أسلم. وعن ابن مسعود﵁-: أول من أظهر الإسلام بسيفه النبي ﷺ، وأبو بكر. ولأنه أول من أنفق على النبي ﷺ. وعن ابن عمر﵄- قال: «كنت عند النبي ﷺ، وعنده أبو بكر، وعليه عباءة قد خلّلها في صدره بخلال، فنزل جبريل ﵇، فقال: يا نبي الله! ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟! فقال:\n «قد أنفق عليّ ماله قبل الفتح». قال: فإن الله يقول لك: اقرأ على أبي بكر السّلام، وقل له:\nأراض أنت في فقرك، أم ساخط؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر! إنّ الله ﷿ يقرأ عليك السّلام، ويقول: أراض في فقرك، أم ساخط؟». فقال أبو بكر﵁وأرضاه: أأسخط على ربي؟ إني عن ربي لراض! إني عن ربي لراض! إني عن ربي لراض! قال: «فإن الله يقول لك:\nقد رضيت عنك، كما أنت عني راض!». فبكى أبو بكر﵁-. فقال جبريل ﵇: والذي بعثك يا محمد بالحق، لقد تخللت حملة العرش بالعبي منذ تخلل صاحبك هذا بالعباءة». ولهذا قدمته الصحابة على أنفسهم، وأقروا له بالتقدم، والسبق.\nوقال علي﵁ وكرم الله وجهه-: «سبق النبيّ ﷺ، وصلّى أبو بكر، وثلّث عمر، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد المفتري ثمانين جلدة، وطرح الشهادة» المصلي في السبق هو الثاني، وصلى؛ أي: ثنى، فنال المتقدمون من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ. انتهى. قرطبي. فويل للذين يبغضون أبا بكر! وويل، وويل للذين يشتمونه، ويسبونه!.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تُنْفِقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف؛ لأنه مفهوم من المقام. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في عدم الإنفاق، أو من عدم. والجار والمجرور متعلقان ب: (ما) لتضمنها معنى الفعل: أستفهم. وقال أبو البقاء: متعلقان بالخبر المحذوف،","vol":"9","page":496},{"text":"الذي تعلق به ﴿لَكُمْ﴾ وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له قطعا. وقال أبو الحسن الأخفش: (أن) زائدة، والجملة في محل نصب حال، التقدير: وما لكم غير منفقين؟ مثل قوله تعالى في سورة (يوسف) حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ..﴾. إلخ فقد أعمل (أن) وهي زائدة. قال الجمل: وفي السمين: قوله: ﴿أَلاّ تُنْفِقُوا﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الاية رقم [٢٤٦] من سورة (البقرة)، فالأصل (في أن لا تنفقوا) فلما حذف حرف الجر جرى الخلاف المشهور. انتهى. ويعني الخلاف المشهور في محل المصدر المؤول من (أن) والفعل المضارع، أو المصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها بعد نزع الخافض.\n ﴿وَلِلّهِ:﴾ (الواو): واو الحال. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِيراثُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله محذوف.\n ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ وهو فحوى قول الجمل: حال من فاعل الاستقرار، أو من مفعوله، والرابط: الواو فقط. ﴿أَلاّ:﴾ نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (من) تقدمت عليها، و﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل ﴿يَسْتَوِي،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أَنْفَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والمفعول محذوف، مثل سابقه. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿قَبْلِ﴾ مضاف، و﴿الْفَتْحِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَقاتَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قاتل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَعْظَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ولا تنس:\nأنه روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ في رجوع الفاعل إليها، حيث أفرد الضمير، وروعي معناها حيث جمع اسم الإشارة. ﴿دَرَجَةً:﴾ تمييز. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿دَرَجَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، أو هما متعلقان بأعظم، وجملة: ﴿أَنْفَقُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والمفعول محذوف، ﴿مِنْ بَعْدُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وبني ﴿بَعْدُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿وَقاتَلُوا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والمفعول محذوف أيضا.\n ﴿وَكُلاًّ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (كلاّ): مفعول به أول مقدم. ﴿وَعَدَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿الْحُسْنى:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف","vol":"9","page":497},{"text":"للتعذر. هذا؛ ويقرأ برفع: «(كلّ)» على أنه مبتدأ؛ أي: كلّهم، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، والرابط محذوف، التقدير: وعده الله الحسنى. والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها معطوفة على ما قبلها ضعيف. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ إعرابها مثل إعراب: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بلا فارق بينهما.\n\n<span id=\"aya-5086\"></span>﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا:﴾ إقراض الله مثل لتقديم العمل الصالح الذي يطلب به ثوابه. ففيه استعارة تصريحية تبعية؛ حيث شبه الإنفاق في سبيل الله بإقراضه. والجامع إعطاء شيء بعوض. ويقال: الاستعارة تمثيلية؛ حيث مثل لمن ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله مخلصا في عمله بمن يقرض ربه قرضا واجب الوفاء به. ونقل الجمل عن القرطبي في سورة (البقرة) ما يلي: وطلب القرض في هذه الاية، وأمثالها لما هو تأنيس، وتقريب بما يفهمون، والله هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه إعطاء المؤمنين، وإنفاقهم في الدنيا؛ الذي يرجون ثوابه في الاخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس، والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء حسبما ذكر الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ..﴾. إلخ الاية رقم [١١١] من سورة (التوبة). وكنى الله ﷾ عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة، كما كنى عن المريض، والجائع، والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائض والالام، ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى يقول يوم القيامة: «يا بن آدم! مرضت فلم تعدني! يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني! يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني! قال:\nيا ربّ كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟!. قال: استسقاك عبدي فلان، فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي». وكذا ما قبله، أخرجه البخاري ومسلم، وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه، ترغيبا لمن خوطب به. انتهى. من سورة (البقرة) بحروفه.\nومعنى ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي: مقرونا بالإخلاص وطيب النفس، مبتغى به وجه الله، والعرب تقول لكل من فعل فعلا حسنا: قد أقرض. قال لبيد﵁-، ويستشهد به على مجيء «ليس» حرف عطف. انظر الشاهد رقم [٥٥١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». [الرمل] وإذا أقرضت قرضا فاجزه... إنّما يجزي الفتى ليس الجمل\nفعن عبد الله بن مسعود﵁-. قال: لما نزلت هذه الاية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري﵁-: يا رسول الله! وإن الله تعالى ليريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدّحداح». قال: أرني يدك يا رسول الله! قال: فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وهو حائط فيه ستمئة نخلة، وأم الدحداح، فيه","vol":"9","page":498},{"text":"وعيالها. قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها يا أم الدحداح! قالت: لبيك! قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي ﷿، فقالت: ربح بيعك، وقرضك يا أبا الدحداح! ونقلت منه متاعها، وصبيانها إلى بستان لهم آخر، فقال رسول الله ﷺ: «كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح!». وفي رواية: «ربّ نخلة مدلاّة عروقها من درّ وياقوت لأبي الدحداح في الجنة».\nهذا؛ وقال بعض العلماء: القرض لا يكون حسنا حتى تجتمع فيه أوصاف عشرة، وهي: أن يكون المال من الحلال. وأن يكون من أجود المال. وأن تتصدق به؛ وأنت محتاج إليه. وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها. وأن تكتم الصدقة ما أمكنك. وأن لا تتبعها بالمن، والأذى.\nوأن لا ترائي بها الناس. وأن تستحقر ما تعطي، وتتصدق به؛ وإن كان كثيرا. وأن يكون من أحب أموالك إليك. وأن لا ترى عز نفسك؛ وذل الفقير. فهذه عشرة أوصاف إذا اجتمعت في الصدقة؛ كانت قرضا حسنا. انتهى. خازن. أقول: ولكل صفة دليل في القرآن، أو في السنة النبوية الشريفة، ولولا الإطالة؛ لبينات الدليل لكل صفة، فأسأل الله أن يوفق القارئ الكريم لاستنباطه مما ذكرت. والله ولي التوفيق.\n ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ:﴾ ما بين السبع إلى سبعمئة إلى ما شاء الحليم الكريم. وفي سورة (البقرة) رقم [٢٤٤]: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ وانظر الاية رقم [١٨] الاتية.\nالإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿ذَا،﴾ أو بدل منها. هذا؛ وجوز أن يكون (من ذا) اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿يُقْرِضُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قَرْضًا:﴾\nمفعول مطلق. وقيل: مفعول به، وهو ضعيف. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة ﴿قَرْضًا﴾. ﴿فَيُضاعِفَهُ:﴾ (الفاء):\nللسببية. (يضاعفه): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والهاء مفعول به. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: من ذا الذي يحصل منه إقراض لله تعالى، فمضاعفة له. هذا؛ ويقرأ الفعل بالرفع، فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو يضاعفه، والجملة الاسمية مستأنفة على حد قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في كثير من الايات، وعلى هذين الوجهين يكون كل ما جاء بعد الفاء؛ إذا وقعت في جواب الأمر، والنهي، والدعاء، والتمني، والعرض، والترجي، والاستفهام؛ لأن كل ذلك طلب، والنفي بأنواعه أيضا. قال النابغة الذبياني: [الطويل] فلا زال قبر بين تبنى وجاسم... عليه من الوسميّ جود ووابل","vol":"9","page":499},{"text":"فينبت حوذانا وعوفا منوّرا... سأتبعه من خير ما قال قائل\nفيروى (فينبت) بالنصب والرفع، فالنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جواب الدعاء، وذلك قوله: «فلا زال» والرفع على الاستئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة ﴿أَجْرٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة، أو مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. وقيل: في محل نصب حال، وهو وجه ضعيف. والجملة الاسمية:\n ﴿مَنْ ذَا الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة أيضا لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5087\"></span>﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ..﴾. إلخ: يخبر الله تعالى عن مصير المؤمنين المتصادقين المخلصين: أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود﵁في قوله تعالى: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: على قدر أعمالهم حين يمرون على الصراط، فمنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتقد مرة، ويطفأ مرة. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال الضحاك-رحمه الله تعالى-: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط؛ طفئ نور المنافقين، فإذا رأى ذلك المؤمنون؛ أشفقوا أن يطفأ نورهم، كما طفئ نور المنافقين، فيقولون في سورة (التحريم): ﴿رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾. ﴿وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ أي: يسعى نورهم (بمعنى: يوجد) ويكون عن أيمانهم. وقيل: المعنى: وبأيمانهم كتبهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ والخطاب للنبي ﷺ، أو لكل من يتأتى منه الرؤية.\n ﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ..﴾. إلخ: أي: تقول لهم الملائكة: بشراكم اليوم دخول جنات، تجري من تحتها الأنهار؛ أي: من تحتهم، أو من تحت قصورهم أنهار اللبن، والماء، والخمر، والعسل.\n ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين فيها أبدا، لا يخرجون ولا يبرحون. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما تقدم من النور، والبشارة بالجنات المخلدة. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: النجاح، والفلاح العظيم، الذي لا يعدله شيء. هذا؛ وانظر شرح (الأنهار) المذكورة في الاية رقم [١٥] من سورة (محمد ﷺ).\nهذا؛ و﴿تَرَى﴾ ماضيه: رأى، وقياس المضارع ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي، وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». [الوافر] أري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرّهات","vol":"9","page":500},{"text":"وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في: (أرأيتكم) و(أرأيت) أرايتكم، أرأيت، بدون همز، وقال الشاعر: [الخفيف] صاح هل ريت أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟!\nوإذا أمرت منه على الأصل، قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله: ترأي، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.\nهذا؛ والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان. قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الاخر، والقدر خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الاية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وهي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق. وهو بفتح الهمزة جمع: يمين، وهو الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو اسم من أسمائه. قال تعالى في سورة (البقرة) الاية رقم [٢٢٤]: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ واليمين أيضا اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان كما في الايات الكثيرة، ولا يجمع إذا كان بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿كَرِيمٌ،﴾ أو بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿أَجْرٌ،﴾ أو هو متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به له، وهو أقوى. وقيل: متعلق بالفعل (يضاعفه)، أو بالفعل: ﴿يَسْعى﴾ وهذان ضعيفان، وأضعف منهما تعليقه بفعل محذوف. تقديره:\nيؤجرون يوم، وقال ابن عطية: ويظهر لي: أن العامل فيه ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿تَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (المؤمنات): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿يَسْعى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿نُورُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والرؤية بصرية، وهذا على الوجه الأول في تعليق الظرف، وأما على تعليق الظرف به؛ فالجملة ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل (يسعى)، أو بمحذوف حال من (نورهم) التقدير: نورهم كائنا، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَبِأَيْمانِهِمْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (بأيمانهم): معطوفان على ما قبلهما.","vol":"9","page":501},{"text":"﴿بُشْراكُمُ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (بشرى)؛ لأنه مصدر. ﴿جَنّاتٌ:﴾ خبر المبتدأ، وهو على حذف المضاف، التقدير: بشراكم اليوم دخول جنات، وهذه الجملة في محل نصب مقول القول لقول محذوف: ويقال لهم: بشراكم. والجملة المقدرة معطوفة على جملة:\n ﴿تَرَى..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿جَنّاتٌ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من كاف الخطاب منصوب، وعلامة نصبه الياء، وفاعله مستتر فيه والعامل في الحال المضاف المحذوف، الذي رأيت تقديره. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة له. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا و﴿الْفَوْزُ﴾ خبره، فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿ذلِكَ،﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5088\"></span>﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ:﴾ انظر شرح (النفاق) في سورة (المنافقون) إن شاء الله تعالى. ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ:﴾ بهمزة الوصل وضم الظاء من: نظر، والنظر: الانتظار؛ أي: انتظرونا. وقرئ بقطع الهمزة، وكسر الظاء من الإنظار؛ أي: أمهلونا، وأخرونا. هذا؛ وقال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٤]: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا﴾ وقال في سورة (النساء) رقم [٤٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. هذا؛ ويقال: أنظرته أخرته، واستنظرته: أي: استمهلته. وقال الفراء: تقول العرب: أنظرني:\nانتظرني، وأنشد لعمرو بن كلثوم رقم [٢٨] من معلقته: [الوافر] أبا هند فلا تعجل علينا... وأنظرنا نخبّرك اليقينا\nومعنى ﴿نَقْتَبِسْ﴾ نستضيء. هذا؛ والقبس: الشعلة من النار، واقتبس منه أيضا نارا، وعلما؛ أي: استفاده. قيل: ﴿اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ:﴾ يقول لهم ذلك المؤمنون، أو الملائكة الموكلون بهم استهزاء بهم: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم. وقيل: ارجعوا إلى الدنيا، فاعملوا فيها أعمالا يجعلها الله لكم نورا. وقيل: معناه لا نور لكم عندنا، فارجعوا وراءكم. ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾","vol":"9","page":502},{"text":"أي: اطلبوا لأنفسكم هناك نورا؛ أي: لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فيرجعون في طلب النور، فلا يجدون شيئا، فينصرفون إليهم ليلقوهم، فيميز بينهم، وبين المؤمنين، فذلك قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين المؤمنين، والمنافقين. ﴿بِسُورٍ:﴾ وهو حائط عظيم بين الجنة، والنار. ﴿لَهُ﴾ أي: لذلك السور. ﴿بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي: في باطن ذلك السور الرحمة، وهي الجنة. ﴿وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ أي: من جهة ذلك الظاهر العذاب، وهو النار، وبينهما مقابلة واضحة، وهي من المحسنات البديعية.\nقيل: تغشى الناس ظلمة شديدة يوم القيامة، فيعطي الله المؤمنين نورا على قدر أعمالهم، كما رأيت فيما سبق، يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم، واستهزاء بهم، فبينما هم يمشون؛ إذ بعث الله ريحا، وظلمة. فأطفأت نور المنافقين، فذلك قوله تعالى في سورة (التحريم) رقم [٨]: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ مخافة أن يسلبوا نورهم، كما سلب نور المنافقين.\nوقيل: بل يستضيئون بنور المؤمنين، ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون؛ بقوا في الظلمة، وقالوا للمؤمنين: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾.\nهذا؛ و(السور) حاجز بين الجنة والنار، فالجنة من جهة الباطن؛ أي: الداخل، والنار وما فيها من جهة الظاهر، وذكرت لك في سورة (فصلت) رقم [٤٠]: أن من الإلحاد في القرآن ما يدعيه الباطنيون الملحدون، فإنهم يقولون: القرآن فيه ظاهر وباطن، وإن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن، ويستدلون بهذه الاية! وقصدهم من وراء ذلك نفي الشريعة، وإبطال الأحكام، وهذا بلا شك إلحاد في الدين.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من: ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ وقيل: منصوب ب: «اذكر» محذوفا. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُنافِقُونَ:﴾ فاعل مرفوع. ﴿وَالْمُنافِقاتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (المنافقات): معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَقُولُ،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اُنْظُرُونا:﴾\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، (ونا): مفعول به. ﴿نَقْتَبِسْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنْ نُورِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، والكلام: ﴿اُنْظُرُونا﴾ في محل نصب مقول القول.\n ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اِرْجِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وَراءَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعله. وهذا على رأي من يجيز وقوع الجملة فاعلا، أو نائب فاعل، ويكون جاريا على القاعدة: «يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه».","vol":"9","page":503},{"text":"وقيل: نائب الفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى مصدر الفعل. وقيل: نائب الفاعل الجار والمجرور المقدران بعد الفعل. ﴿فَالْتَمِسُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (التمسوا): فعل أمر\nإلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ﴾.\n ﴿نُورًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَضُرِبَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (ضرب): ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِسُورٍ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (سور):\nنائب فاعل (ضرب) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقيل: الباء حرف جر أصلي، والجار والمجرور في محل رفع نائب فاعل. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من كلام، انظر تقديره في الشرح. ﴿لَهُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة (سور). ﴿باطِنُهُ:﴾ مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الرَّحْمَةُ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ في محل رفع صفة ﴿بابٌ،﴾ أو في محل جر صفة (سور) والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق بينهما.\n\n<span id=\"aya-5089\"></span>﴿يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَاِرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿يُنادُونَهُمْ:﴾ ينادي المنافقون المؤمنين من وراء ذلك السور حين حجز بينهم، وبقوا في الظلمة. ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: في الدنيا نصلي كما تصلون، ونصوم كما تصومون، ونغزو كما تغزون... إلخ ﴿قالُوا بَلى﴾ أي: أجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا. ﴿وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ:﴾ أهلكتموها بالنفاق والكفر، واستعملتموها في المعاصي، والشهوات، وكلها فتنة. ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ أي: ترقبتم بالنبي ﷺ الموت، وبالمؤمنين الدوائر، وقلتم:\nيوشك أن يموت الرسول ﷺ، فنستريح منه، وعندئذ ننقض على المسلمين، ونقضي عليهم.\n ﴿وَارْتَبْتُمْ:﴾ شككتم في نبوته، وفيما أوعدكم من الحساب، والعقاب، والجزاء، والجنة، والنار... إلخ. ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ﴾ أي: الأباطيل، وذلك ما كنتم تتمنون من هلاك النبي ﷺ، ونزول الدوائر بالمؤمنين، ومن الأماني الباطلة: الطمع في المغفرة من غير عمل صالح. والله يقول في حديث قدسي: «كيف أجود بجنتي على من بخل عليّ بطاعتي؟!». ﴿حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ:﴾\nالمعنى ما زلتم في هذه الأماني حتى جاءكم الموت، وحل ما حل بكم من المقت والسخط والوبال. ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ يعني: الشيطان. قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى","vol":"9","page":504},{"text":"قذفهم في النار. هذا؛ وغرور الشيطان لهم هو ما كان يعدهم به؛ حيث يقول لهم: إن الله كريم حليم لا يعذبكم، إن الله غفور رحيم، وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنده، وهو عظيم، ومحسن، وحليم، فلا يزال بالإنسان؛ حتى يوقعه في شر أعماله.\nهذا؛ وبلى حرف إثبات لما ادعوه من كونهم كانوا مع المؤمنين في الدنيا، وهي حرف جواب ك: «نعم، وجير، وأجل، وإي» إلا أن بلى جواب لنفي متقدم؛ أي: إبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام، أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد.\nفتقول: بلى. أي قد قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى. أي: هو قائم. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس﵄-: لو قالوا: نعم لكفروا.\nالإعراب: ﴿يُنادُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير في ﴿بَيْنَهُمْ،﴾ أو هي مستأنفة، وهذا الاستئناف مبني على سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا يفعلون بعد ضرب السور، ومشاهدة العذاب، فقيل: ينادونهم. ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿نَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، واسمه ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَعَكُمْ:﴾\nظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿نَكُنْ،﴾ والجملة مفسرة للنداء، أو هي في محل نصب مقول القول لقول واقع حالا، التقدير: قائلين لهم: ألم نكن معكم. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَلكِنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها. ﴿فَتَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكن) والجملة الاسمية:\n ﴿وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ﴾ معطوفة على (بلى) والكلام المقدر بعدها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿وَارْتَبْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (ارتبتم): فعل، وفاعل، والجملتان معطوفتان على ما قبلهما، فهما في محل رفع مثلها، ومتعلق الأفعال الثلاثة محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح. ﴿وَغَرَّتْكُمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (غرتكم): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿الْأَمانِيُّ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَمْرُ:﴾\nفاعله، وهو مضاف، و(الله): مضاف إليه، و«أن» المضمرة بعد حتى، والفعل ﴿جاءَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (غرتكم)، وبعضهم يعتبر حتى حرف ابتداء، والجملة الفعلية بعدها مستأنفة، والمعتمد الأول. وجملة: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.","vol":"9","page":505},{"text":"<span id=\"aya-5090\"></span>﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ففي هذا اليوم العصيب، لا يقبل منكم بدل، ولا فداء، ولا عوض يا معشر المنافقين، ولا من الكافرين. ولم يؤنث الفعل ﴿يُؤْخَذُ﴾ لأن (فدية) مؤنث غير حقيقي، ولأنه قد فصل بينها، وبين الفعل بفاصل، وإنما عطف الكفار على المنافقين، وإن كان المنافق كافرا في الحقيقة؛ لأن المنافق أبطن الكفر، والكافر أظهره، فصار غير المنافق، فحسن عطفه على المنافق، وقدم المنافقين على الكافرين في هذه الاية وفي الاية الأخيرة من سورة (الأحزاب) وفي سورة (الفتح) رقم [٦]؛ لأن المنافقين كانوا أشد على المؤمنين من المشركين؛ لأن الكافر يمكن الاحتراز منه، ويجاهد؛ لأنه عدو مبين، والمنافق لا يمكن أن يحترز منه، ولا يجاهد، فكان شره أكثر من شر المشرك، فكان أحق بالتقديم على المشرك. جاء في الحديث: «إن الله تعالى يقول للكافر: أرأيتك لو كان لك أضعاف الدنيا، أكنت تفتدي بجميع ذلك من عذاب النار؟ فيقول: نعم يا ربّ، فيقول الله ﵎: قد سألتك ما هو أيسر عليك من ذلك، وأنت في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي، فأبيت إلاّ الشّرك». وهذا الحديث ذكرته لك في سورة (آل عمران) برقم [٩١] مع اختلاف في بعض ألفاظه، وخرجه هناك الإمام مسلم عن أنس بن مالك﵁-.\n ﴿مَأْواكُمُ النّارُ:﴾ مقركم، ومصيركم. ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ:﴾ وهي أولى بكم، لما أسلفتم من الكفر، والنفاق واجتراح السيئات. والمعنى: هي التي تلي أمركم؛ لأنها استولت عليكم، فلا محيص لكم عنها، ولا مخرج لكم منها. هذا؛ ولفظ (المولى) يطلق في الأصل على الإله المعبود بحق، ومن أسماء الله الحسنى: المولى، ويطلق على العبد، والسيد، والأمير، وابن العم، والحليف، والنصير، والمعين، والناصر. قال تعالى في آخر سورة (الحج) الاية رقم [٧٨]: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ وقال تعالى في سورة (محمد ﷺ) رقم [١١]: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾.\nكما يطلق على مولى العتاقة، والمحالفة، وكل منهما لا يكون متصل النسب في القبيلة، ولكنه لصيق بها. والموالي في نظر العرب من الخسة، والضعة بحيث لا يرونهم في مصافهم.\n ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ:﴾ بئس المقر، والمال نار جهنم لمن دخلها، وانظر الاية رقم [٤٨] من سورة (الذاريات).\nالإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ (الفاء): حرف عطف، أو حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (اليوم): ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْخَذُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول،","vol":"9","page":506},{"text":"﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِدْيَةٌ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها؛ إن كانت من قول المؤمنين للمنافقين، ومستأنفة؛ إن كانت من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة للمنافقين. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور معطوفان على قوله: ﴿مِنْكُمْ،﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَأْواكُمُ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هي النار.\n\n<span id=\"aya-5091\"></span>﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ؟ أي يقرب ويحين. قال الشاعر: [الطويل] ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا... وأن يحدث الشّيب المبين لنا عقلا؟!\nوماضيه: أنى، يأني مثل: رمى، يرمي، ويقال: آن لك أن تفعل كذا، يئين أينا؛ أي:\nحان، مثل: أنى لك، وهو مقلوب منه، وأنشد ابن السكيت: [الطويل] ألمّا يئن لي أن تجلّى عمايتي... وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا\nفجمع بين اللغتين: ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ:﴾ والمعنى أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم، وتلين قلوبهم لمواعظ الله. ﴿وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: ولما نزل من آيات القرآن المبين.\n ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: اليهود، والنصارى، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة، والإنجيل؛ خشعوا لله، ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان؛ غلبهم الجفاء، والقسوة، واختلفوا، وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف، والتزييف للتوراة، والإنجيل.\n ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ أي: الزمان الذي بينهم وبين أنبيائهم. ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ:﴾ باتباع الشهوات، وارتكاب المعاصي؛ حتى صلبت، وصارت كالحجارة، أو أشد قسوة. قال تعالى مخاطبا لليهود اللؤماء في عهد النبي ﷺ في سورة (البقرة) الاية رقم [٧٤]: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾. هذا؛ وقال تعالى في سورة","vol":"9","page":507},{"text":"(المائدة) رقم [١٣]: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾.\n ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ:﴾ خارجون عن طاعة الله، مارقون من دينهم الحقيقي، رافضون لما في التوراة، والإنجيل؛ حيث تركوا اليهود الإيمان بعيسى، ومحمد، ﵉، والنصارى تركوا الإيمان بمحمد ﷺ. فجملة المعنى من الاية الكريمة: أن الله تعالى نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم. وانظر شرح (الفسق) في سورة (الذاريات) [٤٦].\nتنبيه: سبب نزول هذه الاية الكريمة: أن المهاجرين كانوا في مكة في ضيق شديد، وبلاء مزيد، فلما هاجروا إلى المدينة؛ استقبلهم أهلها، ورحبوا بهم، وأحسنوا ضيافتهم، حيث آخى الرسول ﷺ فيما بينهم، فجعل مع كل أنصاري مهاجرا يقوم بخدمته، ويساعده في معيشته، فكان الأنصاري يعطف على المهاجري عطف الوالد على ولده، والأخ على أخيه، والأم على ولدها، ويقسم ما يملكه من نخيل، وعقار قسمة شرعية، وكاد أحدهم يتنازل عن إحدى زوجتيه لأخيه المهاجر محبة دينية، ولذا مدح الله الأنصار بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ..﴾. إلخ الاية رقم [٩] من سورة (الحشر)، فبعد أن كان المهاجرون بمكة ضعفاء؛ أصبحوا في المدينة أقوياء، وبعد أن كانوا بمكة فقراء؛ أصبحوا في المدينة أغنياء؛ لأنهم تاجروا وعملوا، وغنموا من جهادهم غنائم كثيرة، وكسبوا مكاسب عظيمة عند ذلك ترك بعض المهاجرين قيام الليل، وصيام النهار، وغفلوا عن ذكر الله، فعاتبهم الله بهذه الاية الكريمة.\nهذا؛ وذكر السيوطي في أسباب النزول: أن أصحاب النبي ﷺ، ظهر فيهم المزاح، والضحك، فنزلت الاية في ذلك، ونقل أيضا عن السدي، عن القاسم؛ قال: ملّ أصحاب رسول الله ﷺ ملة، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا، فأنزل الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الايات من أول سورة (يوسف)، ثم ملّوا ملة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ. وأخرج ابن المبارك في الزهد قال: أنبأنا سفيان عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ المدينة، فأصابوا من العيش ما أصابوا بعد ما كان فيهم من الجهد فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ..﴾. إلخ.\nتنبيه: هذه الاية كانت سبب توبة كثير من المسلمين، الذين كانوا تائهين عن الصراط المستقيم، فلما سمعوها عادوا إلى حظيرة الدين، وصاروا من عباد الله الصالحين المقربين أمثال الفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، ومالك بن دينار، رحمهم الله تعالى، ولكل واحد منهم قصة في حكاية توبته، ورجوعه إلى ربه خالقه ورازقه، لا يتسع المقام هنا لذكرها.\nهذا؛ و(القلب) قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة، خلقها الله في الادمي، وجعلها محلا للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار. يكتبه الله بالخط الإلهي، ويضبطه فيه","vol":"9","page":508},{"text":"بالحفظ الرباني، حتى يحصيه، ولا ينسى منه شيئا، وهو بين لمّتين، لمة من الملك، ولمة من الشيطان، كما قال النبي ﷺ، خرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود﵁-. وقد مضى في الاية رقم [٢٦٦] من سورة (البقرة) وهو محل الخطرات، والوساوس، ومكان الكفر، والإيمان، وموضع الإصرار، والإنابة، وموضع الانزعاج، والطمأنينة، ولا يجتمع في القلب الضدان. قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤]: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة، أو مجاز.\nهذا؛ و﴿أُوتُوا﴾ أصله: «أوتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، فصار: «أوتوا» ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.\nخاتمة: قسوة القلب سبب في شقاء الفرد، وشقاء المجتمع، وسبب في إهمال واجبات الله، وارتكاب المعاصي، والسيئات. فإن قلت: ما هي أسباب قسوة القلب؟ فها أنذا أذكر بعضها على سبيل الاختصار، فأقول؛ وبالله التوفيق: منها: أكل الحرام. ومنها: إتباع الهوى، والانقياد للشيطان الرجيم. ومنها: كثرة الشغف بالمجادلة، والمخاصمة بالباطل. ومنها: الغفلة عن ذكر الله تعالى، وعدم مراقبته في السر، والعلن. ومنها: إهمال واجبات الله تعالى، كالصلاة، وغيرها. ومنها: الانغماس في الشهوات، والملذات، والإغراق في الترف، والنعيم، وكثرة الأكل، والشرب. قال بعض العلماء: من كثر أكله؛ كثر شربه، ومن كثر شربه؛ كثر نومه؛ ومن كثر نومه؛ كثر تخمه، ومن كثر تخمه؛ قسا قلبه، ومن قسا قلبه؛ غرق في الاثام، ومن غرق في الاثام؛ فالنار أولى به! ورحم الله من يقول: [الطويل] يميت الطعام القلب إن زاد كثرة... كزرع إذا بالماء قد زاد سقيه\nوإنّ لبيبا يرتضي نقص عقله... بأكل لقيمات لقد ضلّ سعيه\nتنبيه: دواء قسوة القلب: الإكثار من التقوى، والإخلاص في العبادة، والتهجد في الليل، وقراءة القرآن، وتدبر معانيه، ومجالسة أهل الخير، والتقوى، والصلاح، والإقلال من الطعام، والشراب، ورحم الله من يقول: [البسيط] دواء قلبك خمس عند قسوته... فدم عليها تفز بالخير والظفر\nخلاء بطن وقرآن تدبّره... كذا تضرّع باك ساعة السّحر\nكذا قيامك اللّيل أوسطه... وأن تجالس أهل الخير والخبر\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي».\nأخرجه الترمذي. ورحم الله ابن المبارك؛ إذ يقول: [المتقارب]","vol":"9","page":509},{"text":"رأيت الذنوب تميت القلوب... وقد يورث الذّلّ إدمانها\nوترك الذنوب حياة القلوب... وخير لنفسك عصيانها\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿يَأْنِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنْ تَخْشَعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿يَأْنِ،﴾ والمصدر المؤول منهما في محل رفع فاعل: ﴿يَأْنِ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعل ﴿تَخْشَعَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِذِكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ذكر) مضاف، و(الله) مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: لذكرها الله. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على (ذكر الله). ﴿نَزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في (ما). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَكُونُوا:﴾\nفعل مضارع ناقص معطوف على ﴿تَخْشَعَ﴾ منصوب مثله، وجوز اعتباره مجزوما ب: (لا) على اعتبارها ناهية، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق.\n ﴿كَالَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكونوا). هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: «مثل» فهي الخبر، وتكون مضافة، و(الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، وواو الجماعة نائب فاعله، وهو المفعول الأول. والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. هذا؛ وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من نائب الفاعل، وهو واو الجماعة. ﴿فَطالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (طال): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْأَمَدُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿فَقَسَتْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قست): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث؛ التي هي حرف لا محل له. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَكَثِيرٌ:﴾ (الواو): واو الحال. (كثير): مبتدأ.\n ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (كثير)، أو بمحذوف صفة له. ﴿فاسِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير العائد على واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.","vol":"9","page":510},{"text":"<span id=\"aya-5092\"></span>﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾\nالشرح: جاء في مختصر ابن كثير للصابوني ما يلي: فيه إشارة إلى أن الله يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، هو الذي لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في كل الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال. انتهى.\nهذا؛ وفي الجمل نقلا عن زاده: يعني: أن قوله: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ استعارة تمثيلية، والمعنى: يلين القلوب بالذكر بعد قساوتها، شبه تليين القلوب بالخشوع المسبب عن الذكر، وتلاوة القرآن بإحياء الأرض الميتة بالغيث؛ من حيث اشتمال كل واحد منهما على بلوغ الشيء إلى كماله المتوقع بعد خلوه عنه. ويحتمل أن يكون تمثيلا لإحياء الأموات؛ بأن شبّه إحياؤها بإحياء الأرض الميتة، فمن قدر على الثاني، فهو قادر على الأول، فحقه أن تخشع القلوب لذكره. وإنما حمل على التمثيل لترتبط هذه الاية بما قبلها. انتهى. وانظر مثل هذه الترجي في الاية رقم [٤٩] من سورة (الذاريات).\nهذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة. وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه؛ أي: يمنعه من فعل الرذائل؛ لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، وخذ قول الشاعر: [البسيط] لم يبق من جلّ هذا الناس باقية... ينالها الوهم إلا هذه الصور\nلا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر\nيقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء ونصرة، فإن كلهم كالأنعام والبهائم، ولله در القائل: [المنسرح] لا يدهمنك اللّحاء والصور... تسعة أعشار من ترى بقر\nفي شجر السّرو منهم شبه... له رواء ما له ثمر\nورضي الله عن حسان بن ثابت؛ إذ يقول: [البسيط] لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم البغال وأحلام العصافير\nفقد ورد: أن رجلا معتوها مرّ على مجلس النبي ﷺ، فقال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم: (هذا رجل مجنون) فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «هذا مصاب،","vol":"9","page":511},{"text":"إنّما المجنون من أصر على معصية الله تعالى». هذا؛ والعقل أيضا: الدية. سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي القتيل، والعقال بكسر العين الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه على الأرض ليمنعه من القيام، والمشي، والعقال أيضا صدقة عام. قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط] سعى عقالا، فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح الناس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nهذا؛ والعقال زكاة المال في سنة واحدة، والسبد: المال القليل، واللبد: المال الكثير، وأوبادا: هلكى، جمع: وبد. فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصدقات سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموال الناس بغير حق؛ حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف حالنا، أو كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم، وقال: والله لو صار عاملا عامين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لها عند التفرق في الحرب جمالان! فيختل أمر الغزوات.\nالإعراب: ﴿اِعْلَمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (أقيموا) في الاية رقم [٩] من سورة (الرحمن). ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به.\n ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و(ها): في محل جر بالإضافة. و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿اِعْلَمُوا،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مبتدأة، أو مستأنفة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَيَّنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة فيه ضعف. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.\n ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل لتبيين الايات، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5093\"></span>﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ:﴾ بتشديد الصاد، والدال فيهما، وأصلهما (المتصادقين والمتصدقات) وقرئ بهما على هذا الأصل، كما قرئ بتخفيف الصاد فيهما،","vol":"9","page":512},{"text":"وتشديد الدال، بمعنى الذين صدّقوا وصدّقن الله ورسوله. من: التصديق. هذا؛ ونص الاية صريح بإثابة النساء اللاتي يعملن الصالحات من الصدقات، وغيرها، ودليل واضح على أن المرأة مكلفة بالطاعات، ومنهية عن المعاصي، والمخالفات كالرجل. وانظر ما ذكرته في آية (الأحزاب) رقم [٣٥]. ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا:﴾ ففيه تغليب الرجال على النساء، أو المعنى:\nأقرضوا، وأقرضن الله قرضا... إلخ وانظر ما ذكرته في الاية رقم [١١].\n ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ:﴾ ويقرأ «(يضعّف)» بتشديد العين، والمضاعفة: المكاثرة، وضعف الشيء (بكسر الضاد، وسكون العين): مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله، هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا؛ أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه:\nضممت إليه مثله، فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من: ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في هذه الاية: ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ وفي سورة (الأحزاب) رقم [٣٠]: ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ وفي الاية رقم [٦٩] من سورة (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وفي الاية رقم [٤٠] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ هذا؛ وللضعف (بفتح الضاد) والضّعف (بكسرها) والضعف (بضمها) معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز] في الرأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف\nزيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ\n ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي: ثواب عظيم، وهو الجنة، وفي سورة (الأنفال) رقم [٤]: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وفسر بما لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كد الاكتساب، وخوف الحساب، لا منة فيه ولا عذاب، وانظر شرح ﴿كَرِيمٌ﴾ في سورة (الدخان) رقم [٢٦].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الْمُصَّدِّقِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، ﴿وَالْمُصَّدِّقاتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (المصدقات): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَأَقْرَضُوا:﴾\n (الواو): حرف عطف. (أقرضوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿قَرْضًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة ﴿قَرْضًا﴾. هذا؛ و(أقرضوا) ماض معطوف على ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ﴾ وهو عطف فعل على اسم، وساغ ذلك؛ لأن الاسم في تقدير الفعل؛ إذ المعنى: إن الذين تصدقوا وأقرضوا، ومنه قوله تعالى في سورة (العاديات):\n ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ إذ المعنى: فاللاتي أغرن صبحا فأثرن به نقعا. هذا؛ وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [٩٥]: [الوافر] وأنّا الشّاربون الماء صفوا... ويشرب غيرنا كدرا وطينا","vol":"9","page":513},{"text":"إذ المعنى: وأنا الذين يشربون الماء، ويشرب... إلخ. هذا؛ وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واعطف على اسم شبه فعل فعلا... وعكسا استعمل تجده سهلا\nقال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-في شرح هذا البيت: يجوز أن يعطف الفعل على الاسم المشبه للفعل كاسم الفاعل، ونحوه، ويجوز أن يعطف على الفعل الواقع موقع الاسم اسم، فمن الأول قوله تعالى... وذكر آية (العاديات) والاية التي نحن بصدد شرحها، وقال: ومن الثاني قول الشاعر: [الطويل] فألفيته يوما يبير عدوّه... ومجر عطاء يستحقّ المعابرا\nف: «مجر» عطاء معطوف على: «يبير» وقول الشاعر: [الرجز] بات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسوقها وجائر\nف: «جائر» معطوف على: «يقصد». ﴿يُضاعَفُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل فيه وجهان: أحدهما وهو الظاهر أنه الجار والمجرور: (لهم). والثاني: أنه ضمير التصدق، ولا بد من تقدير مضاف محذوف، التقدير: يضاعف لهم ثواب التصدق. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَلَهُمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة ﴿أَجْرٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-5094\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ..﴾. إلخ: لقد اختلف في هذه الاية، هل الشهداء هم الصديقون، أم هم غيرهم؟ فقال مجاهد، وزيد بن أسلم: إن الشهداء، والصديقين هم المؤمنون أنفسهم، وروي معناه عن النبي ﷺ، وعليه فلا يوقف على قوله: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾. وهذا قول ابن مسعود﵁في تأويل الاية. وروي عن ابن عباس، ومسروق﵄-:\nأن الشهداء غير الصديقين، مثل قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٦٩]: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾.\nوعلى القول الأول ففي الشهداء قولان: أحدهما أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب. قاله الكلبي، ودليله قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾.","vol":"9","page":514},{"text":"الثاني: أن أمم الرسل يشهدون يوم القيامة، وفيما يشهدون به قولان: أحدهما: أنهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة، ومعصية. الثاني: أنهم يشهدون لأنبيائهم بتبليغهم الرسالة إلى أممهم. وعلى جميع ما تقدم؛ فالشهداء جمع: شاهد. وعلى القول الثاني: فالمراد بهم: الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله، وهو على هذا فالشهداء: جمع: شهيد، والشهيد على ثلاثة أنواع:\nالأول: شهيد الدنيا، وهذا من قاتل رياء، أو حبا في الغنيمة، أو حبا في السمعة، والشهرة، والمحمدة، فهذا تجري عليه أحكام الشهادة في الدنيا، ولا ثواب له في الاخرة.\nوالثاني: شهيد الاخرة فقط، فقد روى الطبراني عن ابن عباس﵄عن النبي ﷺ قال ذات يوم: «ما تعدّون الشهيد فيكم؟!». قلنا يا رسول الله! من قتل في سبيل الله. قال: «إنّ شهداء أمّتي إذا لقليل، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، والمتردي شهيد، والنفساء شهيد، والغريق شهيد، والسّلّ شهيد، والحريق شهيد، والغريب شهيد». قال الحافظ المنذري-رحمه الله تعالى-: ورواه الطبراني من طريق عبد الملك بن مروان بن عنترة-وهو متروك-عن أبيه عن جده. والثالث: شهيد الدنيا، والاخرة، وهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.\nهذا؛ ومعنى: (الشهداء عند ربهم) أي: في جنات النعيم، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٦٩]: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فعن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ قال: «أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنّة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلّقة في ظلّ العرش». أخرجاه في الصحيحين. هذا؛ و﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ جمع: صدّيق، وهو كثير الصدق. واختلف فيهم فالمعتمد:\nأنهم أفاضل الصحابة كأبي بكر وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من السابقين إلى الإسلام. وقال مقاتل بن حيان: الصديقون هم الذين آمنوا بالرسل، ولم يكذبوهم طرفة عين، مثل مؤمن آل فرعون، وصاحب آل ياسين، وأبي بكر، وأصحاب الأخدود.\n ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم عند الله أجر جزيل، ونور عظيم، يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في دار الدنيا من الأعمال، انظر ما ذكرته في الاية رقم [١٢].\n ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله، ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: بالرسل، والمعجزات. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: لا ثواب لهم إلا النار، وبئس القرار! وقال البيضاوي: وفيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار؛ من حيث إن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفا، انتهى. وينبغي أن تعلم أنه تعالى لما ذكر السعداء، ومالهم؛ ذكر الأشقياء، وبين حالهم. وهذا من باب المقابلة. انظر ما ذكرته في الاية رقم [١٥] من سورة (الذاريات).\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق،","vol":"9","page":515},{"text":"والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (رسله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الصِّدِّيقُونَ:﴾ خبر الضمير، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿أُولئِكَ،﴾ وإن اعتبرت الضمير فصلا، ف: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين) والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَالشُّهَداءُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الشهداء): معطوف على ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ على اعتبارهما لمعنى واحد، ومبتدأ على اعتبارهما متغايرين. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: (الشهداء) على الوجه الأول فيه، ومتعلق بمحذوف خبره على اعتباره مبتدأ، و﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَنُورُهُمْ:﴾\nمعطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل:\n (الشهداء) على اعتباره مبتدأ، أو في محل رفع خبر ثان ل: (أولئك) على الوجه الأول في (الشهداء). ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وجملة: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5095\"></span>﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ في هذا الحصر إشارة إلى تحقير الدنيا كيف لا؛ وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء! ولقد وصف الله تعالى في هذه الاية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم ب: ﴿الدُّنْيا﴾ لدناءتها وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنية إنها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار","vol":"9","page":516},{"text":"أو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيا. وقال سليمان بن الضحاك: [السريع] ما أحسن الدنيا ولكنّها... مع حسنها غدّارة فانيه\nما أنعم الله على عبده... بنعمة أوفى من العافيه\nوكلّ من عوفي في جسمه... فإنه في عيشة راضيه\nوالمال حلو حسن جيد... على الفتى لكنه عاريه\nوانظر ما ذكرته في سورة (العنكبوت) رقم [٦٤] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: كما يلعب الصبيان، ويلهون به، ويجتمعون عليه، ويبتهجون به ساعة، ثم يتفرقون عنه متعبين، واللعب العبث، واللهو: الاستمتاع بلذات الدنيا. وقيل: هو الاشتغال بما لا يعني الإنسان، وما لا يهمه. والمعنى: ليس ما أعطاه الله الأغنياء من حطام الدنيا؛ إلا وهو يضمحل، ويزول، كاللعب، واللهو؛ الذي لا حقيقة له، ولا ثبات. وقال الخازن: واللعب ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال، ولا في المال، ثم إذا استعمله الإنسان، ولم يشغله عن غيره، ولم ينسه أشغاله المهمة؛ فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه؛ فهو اللهو.\n ﴿وَزِينَةٌ﴾ أي: وزينة يتزين بها الجهلاء، كالملابس الحسنة، والمراكب البهية، والمنازل الرفيعة. ﴿وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ أي: ومباهاة، وافتخار بالأحساب، والأنساب، والمال، والولد، كما قال القائل: [الوافر] أرى أهل القصور إذا أميتوا... بنوا فوق المقابر بالصخور\nأبوا إلاّ مباهاة وفخرا... على الفقراء حتّى في القبور\n ﴿وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ أي: مباهاة، ومفاخرة بكثرة الأموال، والأولاد. قال ابن عباس﵄-: يجمع المال من سخط، ويتباهى به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهو ظلمات بعضها فوق بعض. وقال النسفي-رحمه الله تعالى-في هذه الاية:\nلعب كلعب الصبيان، ولهو كلهو الفتيان، وزينة كزينة النسوان، وتفاخر بينكم كتفاخر الأقران، وتكاثر كتكاثر الدهقان.\n ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ:﴾ وهو المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس، كما قال تعالى في سورة (الشورى) رقم [٢٨]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ وسمي المطر غيثا؛ لأنه يغيث الناس، فيزيل همهم، ويفرج كربهم، ويطلق مجازا على الجواد الكريم.\nقال ذو الرمة في مدح بلال بن أبي بردة الأشعري: [الوافر] سمعت الناس ينتجعون غيثا... فقلت لصيدح: انتجعي بلالا","vol":"9","page":517},{"text":"فقد جعله أجود من الغيث، وأنفع، وصيدح: اسم ناقته. وللزمخشري قوله: [البسيط] لا تحسبوا أنّ في سرباله رجلا... ففيه غيث وليث مسبل مشبل\n ﴿أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع؛ الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك، كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار بزهرتها وزينتها، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يغطي البذر، ويستره بالتراب. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي الحق، ويستره بجحوده، وإنكاره. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يجف بعد خضرته، وييبس، ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: متغيرا عما كان عليه من النضرة، والخضرة الحسنة. ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ أي: فتاتا، وتبنا، فتذهب بهجته، ونضرته.\nهكذا الحياة الدنيا تكون أولا شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزا شوهاء. والإنسان يكون كذلك في أول عمره، وعنفوان شبابه غضا طريا، لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم يكبر، فيصير شيخا كبيرا ضعيف القوى، كما قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٥٤]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾\nورحم الله من قال: [البسيط] ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته... لكلّ شيء من الافات مقصود\nفإن سلمت من الافات أجمعها... فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود\nتنبيه: في الاية الكريمة تشبيه التمثيل، الذي هو منتزع من متعدد، فقد شبه الله الدنيا، وبهجتها، وإقبالها على العبد، وركونه إليها بالنبات الذي ينزل عليه المطر، وهذا النبات يقوى، ويشتد، ويزهو يوما بعد يوم، ولكنه لا يلبث أن يصفر، ثم ييبس، ثم يكون هشيما، وحطاما.\nوكذلك الدنيا مالها إلى الهلاك، والدمار، والفناء. هذا؛ ويشبه هذه الاية في تمثيل الدنيا الاية رقم [٤٥] من سورة (الكهف).\n ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: لمن كانت حياته بهذه الصفة. قال أهل المعاني: زهّد الله في هذه الاية في العمل للدنيا، وهذه صفة حياة الكافرين، وحياة من يشتغل باللعب، واللهو ورغّب في العمل للاخرة بقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ﴾ أي: لأوليائه، وأهل طاعته. وقيل: عذاب شديد لأعدائه، ومغفرة من الله، ورضوان لأوليائه؛ لأن الاخرة إما عذاب، وإما نعيم، ولا تنس المقابلة بين معنى الجملتين. وهو من المحسنات البديعية. والموت لا بد واقع بكل إنسان، ورحم الله من يقول: [البسيط] الموت باب وكلّ الناس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟\nورحم الله من رد الجواب بما يلي: [البسيط]","vol":"9","page":518},{"text":"الدار جنة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار\nهما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟\n ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: لمن عمل لها، ولم يعمل للاخرة، فمن اشتغل في الدنيا بطلب الاخرة، فهي له بلاغ إلى ما هو خير منه، وهي متاع الغرور لمن لم يشتغل فيها بطلب الاخرة. هذا؛ وأحاديث الرسول ﷺ في ذم الدنيا كثيرة لا تعد، ولا تحصى، ولكن النبي ﷺ مدحها إذا تزود منها المسلم العمل الصالح لاخرته حيث ورد قوله: «نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لاخرته». ولا تنس المقابلة في آخر الاية.\nهذا؛ ويجري على ألسنة العوام: أن متاع الغرور هو ما تحمله المرأة من خرق في أيام حيضها فمن أين أتوا بهذا المعنى الذي لا يقره عقل، ولا ذوق فضلا عن عدم وجوده في كتب اللغة. ولا تنس أن الغرور بفتح الغين، إنما هو الشيطان. قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [٣٣]: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾.\nالإعراب: ﴿اِعْلَمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (أقيموا) في سورة (الرحمن) رقم [٩]. ﴿أَنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْحَياةُ:﴾ مبتدأ.\n ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿لَعِبٌ:﴾ خبر المبتدأ، والأسماء بعده معطوفة عليه. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: (تفاخر)؛ لأنه مصدر.\nوقيل: متعلق بمحذوف صفة له. ﴿وَتَكاثُرٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (تكاثر): معطوف على ما قبله. ﴿فِي الْأَمْوالِ:﴾ متعلقان ب: (تكاثر)؛ لأنه مصدر أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة له.\n ﴿وَالْأَوْلادِ:﴾ معطوف على ما قبله، و(أنما) وما بعدها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿اِعْلَمُوا،﴾ والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب.\n ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي كمثل، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا،﴾ أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة ل: (تفاخر)، وهو ضعيف جدا. وقيل:\nمتعلقان بمحذوف حال من معنى ما تقدم؛ أي: ثبتت لها هذه الصفات مشبهة بغيث. هذا؛ وإن اعتبرت المحل للكاف؛ لأنها بمعنى مثل؛ فهو ضعيف جدا، و(مثل) مضاف، و﴿غَيْثٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَعْجَبَ:﴾ فعل ماض، ﴿الْكُفّارَ:﴾ مفعول به. ﴿نَباتُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿غَيْثٍ﴾.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَهِيجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿نَباتُهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَتَراهُ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (تراه): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله.","vol":"9","page":519},{"text":"﴿مُصْفَرًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، أو مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى النبات.\n ﴿حُطامًا:﴾ خبر ﴿يَكُونُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَفِي:﴾ (الواو): حرف استئناف. (في الاخرة): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها. ولا وجه له. ﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (مغفرة):\nمعطوف على ﴿عَذابٌ﴾. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمغفرة، أو بمحذوف صفة له، ﴿وَرِضْوانٌ:﴾\nمعطوف على (مغفرة).\n ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية لا عمل لها. ﴿الْحَياةُ:﴾\nمبتدأ. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَتاعُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْغُرُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-5096\"></span>﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: سارعوا بالأعمال الصالحة؛ التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتوبة؛ لأنها تؤدي إلى المغفرة. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ لو وصل بعضها ببعض. وقيل: إن الله شبه عرض الجنة بعرض السموات، والأرض؛ لو وصل بعضها ببعض. قيل: إن السموات السبع، والأرضين السبع لو جعلت صفائح، وألزق بعضها ببعض؛ لكان عرض الجنة في قدرها جميعا. وقيل: إن الله شبه عرض الجنة بعرض السموات، والأرض، ولا شك: أن الطول يكون أزيد من العرض، فذكر العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ذلك، ومن عادة العرب: أنها تعبر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله. قال الشاعر: [الطويل] كأنّ بلاد الله وهي عريضة... على الخائف المطلوب كفّة حابل\nوقيل: هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه، ويقع في نفوسهم، وأفكارهم، وأكثر مما يقع في نفوسهم مقدار السموات، والأرض. فشبه عرض الجنة بعرض السموات، والأرض على ما يعرفه الناس. ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: هيئت، ويفهم من الاية الكريمة: أن الجنة مخلوقة موجودة، كما أن النار أعدت وهيئت بالذات للكافرين وبالعرض للعصاة الذين حادوا عن الصراط المستقيم، فهي أيضا مخلوقة، وموجودة. قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٣١]: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾.","vol":"9","page":520},{"text":"هذا؛ وقال أكثر المفسرين: فيه دليل على أن الإيمان وحده كاف في استحقاق دخول الجنة، وفيه أعظم رجاء، وأقوى أمل؛ لأن الله ذكر: أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسوله، ولم يذكر مع الإيمان شيئا آخر، وهذا غير مسلّم لهم من عدة وجوه: أولها: أن الله ﷿ قال: ﴿سابِقُوا..﴾. إلخ؛ وقد رأيت ما ذكرته لك آنفا: أن المعنى: سابقوا، وسارعوا بالأعمال الصالحة، وليس المعنى سابقوا، وسارعوا إلى دخول الجنة بدون عمل. والله جلت قدرته يقول في الحديث القدسي: «ما أقلّ حياء من يطمع بجنتي من غير عمل، فكيف أجود بجنتي على من بخل عليّ بطاعتي؟!».\nوثانيها: الايات الكثيرة التي تقرن الإيمان بالعمل الصالح، وسميته في محالّه احتراسا.\nوثالثها: الأحاديث الشريفة الكثيرة؛ التي تشترط العمل مع الإيمان لدخول الجنة، مثل قول الرسول ﷺ: «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». «ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل...» إلخ.\nوروى الإمام أحمد: أن النبي ﷺ قال: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلاّ الله». وزاد البخاري: «ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك». والمراد بالأسنان: الأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة.\nورابعها: أن ما أطلق هنا قيد في الايات رقم [١٣٣] و[١٣٤] و[١٣٥] من سورة (آل عمران) -انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك-بالتقوى، وإنفاق المال في السراء، والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس المسيئين، والإحسان إليهم، والتوبة من الذنب، وعدم الإصرار عليه. فلماذا لا يحمل المطلق على المقيد، وهذا معروف في علم الأصول لا خفاء فيه. لذا ما قاله بعض المفسرين لا يعتد به، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nهذا؛ ولا تنس قوله تعالى في سورة (الجاثية) رقم [٢١]: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾.\nوأيضا قوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٨]: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾.\n ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: إن الجنة لا تنال، ولا تدخل إلا برحمة الله، وفضله، وقد قال الرسول ﷺ: «لن يدخل أحدا عمله الجنّة... إلخ». انظر الجمع بين هذا الحديث، وبين قوله تعالى في سورة (الزخرف) الاية رقم [٧٢]: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تجد ما يسرك ويثلج صدرك.\n ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ:﴾ فلا يبعد أن يتفضل، ويتكرم بذلك؛ وإن عظم قدره، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة﵁أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ، فقالوا:","vol":"9","page":521},{"text":"يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، بالدرجات العلى، والنعيم المقيم. قال: «وما ذاك؟».\nقالوا: يصلون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون، ولا نتصدّق، ويعتقون، ولا نعتق. قال رسول الله ﷺ: «أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلاّ من صنع مثل ما صنعتم؟». قالوا: بلى يا رسول الله؟ قال:\n «تسبّحون وتكبّرون، وتحمدون دبر كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين مرّة». قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». رواه البخاري ومسلم.\nتنبيه: ذكر الله ﷿: أن عرض الجنة كعرض السماء والأرض للمبالغة في وصفها بالسعة؛ لأن العرض دون الطول، يقال: هذه صفة عرضها؛ فكيف طولها؟! قال الزهري: إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا على سبيل التمثيل، لا أنها كالسموات، والأرض لا غير، بل معناه: كعرض السموات السبع، والأرضين السبع عند ظنكم؛ لو وصل بعضها ببعض. روي: أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب﵁-: إذا كانت الجنة عرضها ذلك، فأين تكون النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار، وإذا جاء النهار؛ فأين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة. ومعناه حيث شاء الله. وسئل أنس بن مالك﵁عن الجنة: أفي السماء، أم في الأرض؟ فقال: وأي سماء وأي أرض تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش. وقال قتادة﵁-: كانوا يرون: أن الجنة فوق السموات السبع، وأن جهنم تحت الأرضين السبع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿سابِقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلى مَغْفِرَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَغْفِرَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَجَنَّةٍ:﴾ معطوف على (مغفرة).\n ﴿عَرْضُها:﴾ مبتدأ، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿كَعَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و(عرض): مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جر صفة (جنة). ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿أُعِدَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى جنة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (جنة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بالجملة الاسمية بعدها، وتكون «قد» قبلها مقدرة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَضْلُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و(الله) مضاف إليه، من إضافة","vol":"9","page":522},{"text":"المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول.\n ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يؤتيه الذي، أو شخصا يشاء إيتاءه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والعامل اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الله):\nمبتدأ. ﴿ذُو:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿الْفَضْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة ﴿الْفَضْلِ﴾.\n\n<span id=\"aya-5097\"></span>﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يحدث في الأرض مصيبة من المصائب كقحط، وزلزلة، وآفة في الزروع، وجائحة في الثمار، وعاهة في الحيوانات المسخرة لمنفعة الإنسان. ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من الأمراض، والأوصاب، والفقر، وذهاب الأولاد. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ:﴾ المراد به: اللوح المحفوظ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ أي: نخلقها، ونبرزها للوجود.\nوالضمير يعود إلى الخليقة، والنسمة. وقال بعضهم: الضمير عائد على النفوس. وقيل: عائد على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة، والبرية لدلالة الكلام عليها، كما روي عن منصور بن عبد الرحمن؛ قال: كنت جالسا مع الحسن، فقال رجل: سله عن قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ..﴾. إلخ. فسألته عنها، فقال: سبحان الله، ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض في كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة.\nهذا؛ و«أصاب» يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم يصيب: لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب، وأصاب فلانا البلاء يصيبه: وقع عليه، وهو ما في هذه الاية، وأصابهم المطر: نزل عليهم. قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٤٨]:\n ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\nوأصاب: قصد وأراد. قال تعالى في سورة (ص) رقم [٣٦]: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب، وأخطأ الجواب. قاله ابن الأعرابي، وقال الشاعر: [المتقارب] أصاب الكلام، فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصل","vol":"9","page":523},{"text":"هذا؛ والمضارع يصيب، وانظر إعلال (يوقنون) في الاية رقم [٣٦] من سورة (الطور)، فهو مثله. وهذه الاية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق لله تعالى قبحهم الله تعالى! روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة». وزاد ابن وهب:\n «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾. أخرجه مسلم، وأحمد، ورواه الترمذي بالزيادة، وقال: حسن صحيح. ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن علمه تعالى بالأشياء قبل وجودها سهل عليه ﷿؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون. هذا؛ وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: وبلغنا: أنه ليس أحد يصيبه خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلخال عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، أقول:\nهو فحوى قوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٣٠]: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوأقول أيضا: عفو الله عن كثير من الذنوب يتجلى بقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٦١]:\n ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. وبقوله جل ذكره في سورة (فاطر) رقم [٤٥]: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\nهذا؛ وبين الرسول ﷺ في أحاديثه الشريفة أن المصائب على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها تكفر السيئات، وتمحو الخطايا. وخذ نبذة من ذلك فيما يلي:\nعن أبي سعيد، وأبي هريرة﵄عن النبي ﷺ قال: «ما يصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ؛ حتّى الشوكة يشاكها إلاّ كفّر الله بها من خطاياه». رواه البخاري، ومسلم. وعن عائشة﵂-: أن النبي ﷺ قال:\n «إذا اشتكى العبد المؤمن؛ أخلصه الله من الذنوب، كما يخلّص الكير خبث الحديد». رواه الطبراني، وغيره. وعن أبي الدرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الصداع، والمليلة لا تزال بالمؤمن، وإنّ ذنبه مثل أحد، فما تدعه؛ وعليه من ذلك مثقال حبّة من خردل». رواه أحمد، وغيره.\nهذا؛ وليست كل المصائب انتقاما، ولا تكفيرا للسيئات، ولا دليلا على أن الله يبغض العبد المبتلى، والمصاب، بل على العكس قد تكون المصائب دليلا على أن الله يحب العبد، ويبتليه ليرفع درجاته في أعلى عليين، وكلما كان أقوى إيمانا؛ اشتد بلاؤه، فعن مصعب بن سعد عن أبيه﵁-. قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإذا كان دينه صلبا؛ اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة؛ ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد؛ حتّى يمشي على الأرض؛ وما عليه خطيئة». رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن محمود بن لبيد﵁-: أن رسول الله ﷺ","vol":"9","page":524},{"text":"قال: «إذا أحبّ الله قوما؛ ابتلاهم، فمن صبر؛ فله الصّبر، ومن جزع، فله الجزع». رواه الإمام أحمد. وعن أنس بن مالك﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنّ الله تعالى إذا أحبّ قوما؛ ابتلاهم، فمن رضي؛ فله الرّضا، ومن سخط؛ فله السّخط». رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب. ورحم الله من قال: [الطويل] بنى الله للأخيار بيتا سماؤه... هموم وأحزان وحيطانه الضّرّ\nوأدخلهم فيه وأغلق بابه... وقال لهم: مفتاح بابكم الصّبر\nوانظر ما أذكره في سورة (التغابن) رقم [١١] إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَصابَ:﴾ فعل ماض. ﴿مِنْ:﴾ حرف صلة. ﴿مُصِيبَةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والمفعول محذوف؛ إذ التقدير: ما أصابكم مصيبة. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَصابَ،﴾ أو بمحذوف صفة ﴿مُصِيبَةٍ﴾ على اللفظ، أو على المحل، أو هما متعلقان بنفس ﴿مُصِيبَةٍ﴾. هذا؛ وذكّر الفعل ﴿أَصابَ؛﴾ لأن ﴿مُصِيبَةٍ﴾ مؤنث مجازي. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿فِي كِتابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿مُصِيبَةٍ﴾ وجاز ذلك وإن كانت نكرة؛ لتخصصها إما بالعمل، أو بالصفة، أو هما متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف التقدير:\nإلا هي كائنة في كتاب، وتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿مُصِيبَةٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، التقدير: إلا ثابتة في كتاب من قبل. ﴿أَنْ نَبْرَأَها:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، (وها): مفعول به، و﴿أَنْ نَبْرَأَها﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة قبل إليه.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنْ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿يَسِيرٌ:﴾ خبر ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها على جميع الاعتبارات.\n\n<span id=\"aya-5098\"></span>﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ أي: أعلمناكم بتقدم علمنا، وسبق كتابتنا للأشياء قبل وجودها، وقبل إظهارها لكم. وأخبرناكم بتقديرنا الأمور قبل وجودها؛ لتعلموا علما يقينيا: أن","vol":"9","page":525},{"text":"ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق، أو من أمور الدنيا. وعن ابن مسعود﵁-: أن نبي الله ﷺ قال: «لا يجد أحدكم طعم الإيمان؛ حتّى يعلم: أنّ ما أصابه؛ لم يكن ليخطئه، وما أخطأه؛ لم يكن ليصيبه».\nثم قرأ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾.\n ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ أي: أعطاكم. قال عكرمة-رحمه الله تعالى-: ليس أحد إلا وهو يفرح، ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرا، والحزن صبرا. قال صاحب الكشاف: إن قلت: ما من أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها ألاّ يحزن ولا يفرح، قلت: المراد: الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر، والتسليم لأمر الله، ورجاء ثواب الصابرين. والفرح المطغي الملهي عن الشكر، فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله، والاعتداد بها مع الشكر؛ فلا بأس بهما، والله أعلم.\nوقال جعفر الصادق بن محمد الباقر﵄-: يا بن آدم! ما لك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت؟! وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟! هذا؛ وأصل «تأسوا»: تأسيون، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصارت: تأساون، فالتقى ساكنان: الألف، والواو التي هي الفاعل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار وزنه:\n (تفعون)؛ لأن لامه التي هي الياء المنقلبة ألفا قد حذفت، والمصدر: أسى، فهو مقصور، فيقال: أسي أسى، مثل: جوي جوى.\nهذا؛ والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب؛ ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية الدنيوية، وقد ذم الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى في سورة (القصص) الاية رقم [٧٦]: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ رقم [١٠] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ولكنه مطلق، فإذا قيد الفرح؛ لم يكن ذما، لقوله تعالى في حق الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رقم [١٧٠] من سورة (آل عمران)، وقال جل ذكره: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ رقم [٥٨] من سورة (يونس)، وقال ﷿ في سورة (الروم): ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ رقم [٣] من سورة (الروم).\n ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ أي: متكبر. ﴿فَخُورٍ:﴾ يفخر على الناس، ويعدد عليهم مناقبه تطاولا، وتكبرا، ومعنى عدم محبة الله للمتكبر: سخطه، وغضبه عليه، وإبعاده من رحمته، وعفوه، ورضوانه. وهذا يشمل الذكر، والأنثى؛ وإن كان المخاطب به الذكر وحده.\nتنبيه: في الاية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون ألبتة، وهي ما إذا وقعت «كل» في حيز النفي؛ كان النفي موجها إلى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدراهم لم آخذ. وإن وقع","vol":"9","page":526},{"text":"النفي في حيزها، اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أنسيت أم قاصرات الصلاة يا رسول الله؟!: «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾.\nوقوله تعالى في سورة (البقرة)، الاية [٢٧٦]: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾. والاية التي نحن بصدد شرحها، ومثلها في سورة (لقمان) رقم [١٨] حيث وقعت (كلّ) في حيز النفي، فتفيد أن المنفي الشمول، وأن البعض ثابت له المحبة من الله.\nوالجواب عن الايات: أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود؛ إذ دل الدليل، وهو الإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا، ومستند هذا الإجماع الأحاديث الشريفة الكثيرة. هذا؛ ويعبر عما تقدم بسلب العموم، وعموم السلب.\nهذا؛ وفي الاية الكريمة نهي عن الكبر، والتكبر، والفخر، والتفاخر، والخيلاء. وقد نهى الله عنه في كثير من الايات القرآنية، وبين أنه يكون سببا في صرف العبد المتكبر عن قبول الحق، واتباع الهوى. وقد ذكرت في سورة (لقمان) وغيرها كثيرا من الأحاديث الشريفة التي تشدد النكير على المتكبرين، وتتوعدهم بالعذاب الشديد والعقاب الأليم، وخذ هنا ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي في حلّة، تعجبه نفسه، مرجّل رأسه، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». رواه البخاري، ومسلم. وعن ابن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعظّم في نفسه، أو اختال في مشيته؛ لقي الله ﵎، وهو عليه غضبان».\nرواه الطبراني في الكبير، والحاكم بنحوه، وقال: صحيح على شرط مسلم. وعن ابن عباس -﵄قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله جل وعلا: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في النار». رواه ابن ماجه.\nالإعراب: ﴿لِكَيْلا:﴾ (اللام): حرف تعليل وجر. (كي): حرف مصدري، ونصب. (لا):\nنافية. ﴿تَأْسَوْا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (كي) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و(كي) والفعل ﴿تَأْسَوْا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾\nنكرة موصوفة، أو اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فاتَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو الرابط، أو العائد، والجملة الفعلية صفة ﴿ما،﴾ أو صلتها. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَفْرَحُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والواو فاعله، والألف","vol":"9","page":527},{"text":"للتفريق. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة.\n ﴿آتاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء آتاكموه الله.\n ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿لِكَيْلا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿مُخْتالٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿فَخُورٍ:﴾ صفة ثانية، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (الله...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5099\"></span>﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾\nالشرح: (البخل) هو منع المال، وإمساكه عن التصدق به في وجوه الخير، وشر البخلاء الذي يكون بخيلا، وينهى الناس عن الإنفاق، ويحثهم على الإمساك. وفي القرطبي: قيل: أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة النبي ﷺ؛ التي في كتبهم، لئلا يؤمن به الناس، فتذهب مأكلتهم. قاله السدي، والكلبي. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يعني: بالعلم ﴿وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ أي: بألا يعلّموا الناس شيئا. انتهى.\nأقول: والتي نزلت في حق اليهود صراحة قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣٧]: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\n ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن الإيمان، وعن أمر الله، وطاعته في إنفاق المال في وجوهه المشروعة، ولا سيما المفروض منه، كزكاة، وكفارة، ومن تعليم العلم، ومن نشره، وإذاعة أوصاف النبي ﷺ. ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ:﴾ عن عباده غير محتاج إليهم في شيء. ﴿الْحَمِيدُ:﴾\nالمحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات.\nهذا؛ والبخل على أنواع: البخل قد يكون من الإنسان على أولاده، وزوجه، فهو في سعة، ويقتر عليهم؛ بينما يبذر على نفسه وعلى أصحابه في المعاصي والمنكرات، وقد يبخل الإنسان على نفسه، ويسخو على أولاده، وزوجه، وهذا نوع آخر من البخل. والبخل قد يكون بما فرض الله على الإنسان من زكاة، وكفارة، ونذر، ونحو ذلك. وهذا مذموم، ولا سيما إذا كان ينفق المال في الشهوات الدنيئة. وخذ ما يلي:","vol":"9","page":528},{"text":"عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ألا إن كلّ جواد في الجنة حتم على الله، وأنا كفيل به. ألا وإنّ كل بخيل في النار حتم على الله، وأنا به كفيل». قالوا: يا رسول الله! من الجواد، ومن البخيل؟ قال: «الجواد من جاد بحقوق الله ﷿ في ماله، والبخيل من منع حقوق الله، وبخل على ربّه، وليس الجواد من أخذ حراما، وأنفق إسرافا». رواه الأصبهاني.\nهذا؛ وقال الشاعر الحكيم يذم البخل بجميع أنواعه: [البسيط] البخل شين ولا يرضى به أحد... إلاّ الأسافل أهل الذمّ والعار\nالمنافقون لهم إخلاف ما بذلوا... والممسكون لهم إتلاف مع نار\nهذا؛ ومن أنواع البخل البخل بإلقاء السّلام على من عرفت من المسلمين، ومن لم تعرف، وقد حث النبي ﷺ فقال: «أفشوا السّلام بينكم». ما لم يكن مانع من إفشائه كفسق، وفجور وإهمال واجب لله تعالى، فيكون عدم السّلام زجرا، وردعا للفاسق عن فسوقه، وللعاصي عن عصيانه.\nوأبخل الناس من يبخل بالصلاة والسّلام على سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ عند سماع ذكره، فعن أبي ذر الغفاري﵁قال: خرجت ذات يوم، فأتيت رسول الله ﷺ، فقال: «ألا أخبركم بأبخل الناس؟!». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، فذلك أبخل الناس». رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة من طريق علي بن يزيد عن القاسم.\nهذا؛ وأشنع أنواع البخل من يكون بخيلا بنوع من الأنواع المذكورة، ثم يأمر غيره، ويحثه على البخل. قال أبو تمام الشاعر المعروف: [الطويل] وإنّ امرأ ضنّت يداه على امرئ... بنيل يد من غيره لبخيل\nوالاية هنا وآية (النساء) تنعيان هذا النوع من البخل على صاحبه، وفي أمثال العرب: أبخل من الضنين بنائل غيره. وقيل: أبخل الناس من بخل بما في يد غيره. قال الزمخشري: ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد شخص به وعلا صوته، واضطرب، ودارت عيناه في رأسه كأنما نهب رحله، وكسرت خزانته ضجرا من ذلك.\nالإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ،﴾ بدل كل من كل. وأجيز اعتباره صفة ل: ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ،﴾ كذا في المغني؛ لكنه ضعفه. أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. تقديره: أعني الذين. أو هي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف؛ التقدير: هم الذين، أو في محل مبتدأ خبره محذوف، التقدير: لهم وعيد شديد وعذاب أليم. ﴿يَبْخَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿بِالْبُخْلِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما.","vol":"9","page":529},{"text":"﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف، (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:﴾ خبران ل: (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ خبرين له؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (إنّ)، ورجح الأول؛ لأنه قرئ بإسقاط الضمير، والجملة الاسمية (إن الله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب.\nوقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت جواب الشرط محذوفا، التقدير: ومن يتول عن الإيمان؛ فلا يضر إلا نفسه فلا بأس به، بل هو أجود؛ لأن الجملة الاسمية (إن الله...) إلخ خالية من رابط يربطها باسم الشرط كما هو واضح، وعليه تكون الجملة الاسمية تعليلا لجواب الشرط المقدر، وهذه الجملة مذكورة في سورة (الممتحنة) برقم [٦]. والجملة الاسمية: (من يتولّ...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5100\"></span>﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الباهرة، والحجج الدامغة، والبراهين الساطعة. وقيل: المراد بالرسل: الملائكة، وقيل المراد: جبريل، وجمع للتشريف، والتعظيم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: الكتب، وجمهور المفسرين على حمل الرسل على البشر، وأولات (مع) بمعنى: إلى.\n ﴿وَالْمِيزانَ﴾ أي: العدل؛ أي: وأمرنا بالعدل. قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى: أنزلنا الكتاب، ووضعنا الميزان، فهو من باب قول الشاعر: [الرجز] علفتها تبنا وماء باردا... حتّى غدت همّالة عيناها\nانظر ما أذكره في الاية رقم [٩] من سورة (الحشر). قال القرطبي: ويدل على هذا التأويل قوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾. ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي:\nبالعدل. قال تعالى في سورة (الرحمن) الاية رقم [٩]: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾. انظر شرح هاتين الايتين في محلهما.","vol":"9","page":530},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ:﴾ قيل: إن الله تعالى أنزل مع آدم﵊لما أهبط إلى الأرض السندان، والمطرقة، والكلبتين. روى عمر﵁-: أن رسول الله ﷺ قال:\n «إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد، والنار، والماء، والملح». وروى عكرمة عن ابن عباس﵄قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم ﵇: الحجر الأسود؛ وكان أشد بياضا من الثلج، وعصا موسى؛ وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد، أنزل معه ثلاثة أشياء: السندان، والكلبتان، والميقعة، وهي المطرقة. هذا؛ وقيل: (أنزلنا) هنا بمعنى: أنشأنا، وأحدثنا الحديد، وذلك: أن الله أخرج لهم الحديد من المعادن، وعلمهم صنعته بوحيه وإلهامه، فيكون كقوله في سورة (الزمر): ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ رقم [٦].\n ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: لإهراق الدماء. والمعنى فيه قوة شديدة، فمنه: جنة، وهي آلة الوقع والدفع، والدفاع عن النفس، ومنه: السيف ونحوه، وهي آلة الهجوم والضرب. ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ أي: ومنه ما ينتفعون به في مصالحهم، كالسكين، والفأس، والإبرة، ونحو ذلك؛ إذ الحديد آلة لكل صنعة، فلا غنى لأحد عنه.\n ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ﴾ أي: وأرسلنا رسلنا، وأنزلنا معهم هذه الأشياء، أو أنشأناها ليتعامل الناس بالحق، والعدل، وليعلم الله، علم ظهور؛ لأن الله قد علم كل شيء قبل وجوده. ومثله كثير. قال تعالى في سورة (آل عمران): ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾. ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ:﴾ من ينصر دينه. ﴿وَرُسُلَهُ﴾ أي: وينصر رسله. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: ينصرون دين الله وينصرون رسله، وهم لم يروا الله، ولم يروا رسله، ولم يروا الاخرة؛ التي يعملون لها، وإنما يحمد، ويثاب من أطاع، وامتثل بالغيب. قال ابن عباس﵄-: ينصرونه، ولا يبصرونه. ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ:﴾ يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته. ﴿عَزِيزٌ:﴾ غالب لا يغالب، يربط بعزته جأش من يتعرض لنصرته.\nوالمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة: أن الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية، يبين سبل المراشد، والعهود، ويتضمن جوامع الأحكام، والحدود، ويأمر بالعدل، والإحسان، وينهى عن البغي، والطغيان، واستعمال العدل، والاجتناب عن الظلم، إنما يقع بآلة يقع بها التعامل، ويحصل بها التساوي، والتعادل، وهي الميزان، ومن المعلوم: أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والالة الموضوعة للتعامل بالسّويّة، إنما تحض العامة على اتباعهما بالسيف، الذي هو حجة الله على من جحد، وعند، ونزع عن صفقة الجماعة اليد، وهو الحديد، الذي يوصف بالبأس الشديد. انتهى. نسفي.\nهذا؛ و(الناس) اسم جمع لا واحد له من لفظه: مثل: معشر، ونفر... إلخ، واحده:\nإنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس. قال تعالى","vol":"9","page":531},{"text":"في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، لكن بدون لام التعريف. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وانظر (الإنس) في الاية رقم [٥٦] من سورة (الرحمن)، وشرح ﴿الْإِنْسانَ﴾ في الاية رقم [١٩] من سورة (المعارج)، ولا تنس قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٩]: ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيرًا﴾.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ (اللام): واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. وبعضهم يعتبرها لام الابتداء. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.\n ﴿أَرْسَلْنا:﴾ مفعول به، و(نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَرْسَلْنا﴾ أي:\nمؤيدين بالبينات، ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا): فعل، وفاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مَعَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. وأجيز تعليقه بمحذوف حال من ﴿الْكِتابَ وَالْمِيزانَ﴾ والأول أقوى، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به.\n ﴿وَالْمِيزانَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِيَقُومَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد اللام.\n ﴿النّاسُ:﴾ فاعل. ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان بالفعل (يقوم)، و«أن» المضمرة والفعل (يقوم) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (أنزلنا). ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿الْحَدِيدَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بَأْسٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْحَدِيدَ،﴾ والرابط: الضمير فقط.\n ﴿وَمَنافِعُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: (منافع).\n ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (ليعلم): هو مثل ﴿لِيَقُومَ﴾ في الإعراب، والتأويل، والجار، والمجرور الناتجان معطوفان على ﴿لِيَقُومَ﴾ وهو قول الجلال، لكن المعطوف عليه إرسال الرسل، وإنزال الكتاب والميزان، والمعطوف علة لإنزال الحديد. وفي أبي السعود: أنه معطوف على محذوف دلت عليه الجملة الحالية، وهي قوله: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ وعبارته: عطف على محذوف، يدل عليه ما قبله، فإنه حال متضمنة للتعليل، كأنه قيل: ليستعملوه، وليعلم الله.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعل ليعلم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿يَنْصُرُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَرُسُلَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر","vol":"9","page":532},{"text":"بالإضافة. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب العائد على ﴿اللهُ﴾. ﴿الْمِيزانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿قَوِيٌّ عَزِيزٌ:﴾\nخبران ل: ﴿الْمِيزانَ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5101\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ:﴾ لما ذكر الله بعثه الرسل؛ ذكر هنا شيخ الأنبياء نوحا، وأبا الأنبياء إبراهيم، على حبيبنا، وشفيعنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وبين أنه جعل في نسلهما النبوة، والكتب السماوية؛ أي: وبالله لقد أرسلنا نوحا، وإبراهيم، وجعلنا النبوة في نسلهما، كما أنزلنا الكتب الأربعة، وهي: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن على ذريتهما، وإنما خص نوحا وإبراهيم بالذكر تشريفا لهما، وتخليدا لماثرهما الحميدة. هذا؛ وقال تعالى في حق نوح ﵊ سورة (الصافات) رقم [٧٧]: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ وقال تعالى في حق إبراهيم على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ سورة (العنكبوت) رقم [٢٧]، وانظر شرح ذرية في الاية رقم [٢١] من سورة (الطور).\n ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ﴾ أي: فمن ذرية نوح وإبراهيم أناس مهتدون ممتثلون أوامر الله تعالى. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله، مخالفون لأوامره، ومثله قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١١٣]: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر إعراب هذا اللفظ في الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿أَرْسَلْنا:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿نُوحًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. (إبراهيم):\nمعطوف على ﴿نُوحًا﴾. (جعلنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فِي ذُرِّيَّتِهِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، ويقال: هما في محل المفعول الثاني تقدم على الأول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿النُّبُوَّةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْكِتابَ:﴾\nمعطوف على ما قبله.\n ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ (الفاء): حرف تفريع، واستئناف. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُهْتَدٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. هذا الإعراب هو الظاهر والمتعارف عليه في مثل هذه الجملة، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور (منهم) مبتدأ، و﴿مُهْتَدٍ﴾ هو الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، التقدير: وبعضهم مهتد. وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه","vol":"9","page":533},{"text":"مبتدأ، يرشدك إلى ذلك الجملة التالية، وأيضا قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]:\n ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف (كثير) و(أكثرهم) على (منهم) يؤيد أن معناه:\nبعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة: «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث جمع: ليث، وهو الأسد. «لا ترام»: لا تقصد. «قمشت»: جمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. (كثير): مبتدأ. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بكثير، ﴿فاسِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.\n\n<span id=\"aya-5102\"></span>﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ أي: أتبعناهم رسولا في إثر رسول: موسى وهارون، وإلياس، وداود، وسليمان، وغيرهم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وأصل ﴿قَفَّيْنا﴾ قفونا، قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة. واشتقاقه من: قفوته: إذا اتبعت قفاه، ثم اتسع فيه، فأطلق على كل تابع، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع. والقفا:\nمؤخر العنق، ويقال له: القافية أيضا، ومنه قافية الشعر، وهي آخر حرف من البيت. هذا؛ وقال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٨٧]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾. وقال في سورة (المائدة) رقم [٤٦]: ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.\n ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ قال القرطبي: على آثار الذرية. وقال البيضاوي: الضمير إلى نوح، وإبراهيم، ومن أرسلا إليهم، أو من عاصرهما من الرسل، لا للذرية، فإن الرسل المقفّى بهم من الذرية. هذا؛ و(الرسل) جمع: رسول، وهو بضم الراء، والسين، ويجوز تسكين السين. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: عسر، ويسر، ورحم... إلخ.\n ﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ:﴾ فهو من ذرية إبراهيم، وهو آخر الأنبياء من بني إسرائيل. ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ﴾ أي: وأنزلنا عليه الإنجيل، الذي فيه البشارة بمحمد ﷺ. ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾","vol":"9","page":534},{"text":"﴿رَأْفَةً:﴾ عطفا، ولينا، وشفقة، والمراد بهم: الحواريون. قال في التسهيل: هذا ثناء من الله عليهم بمحبة بعضهم لبعض، كما وصف الله تعالى أصحاب سيدنا محمد ﷺ بأنهم: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ سورة (الفتح) [٢٩] وهؤلاء بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه.\nهذا؛ و﴿الْإِنْجِيلَ﴾ هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، يذكر، ويؤنث، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب، وهو الأكثر، وهو مشتق من النجل، وهو الأصل، كأنه أصل الدين، يرجع إليه، ويؤتم به، والإنجيل خال من الأحكام، وكل ما فيه حكم، ومواعظ، لذا فالنصارى عيال علينا في كثير من الأحكام، وخاصة المواريث، وقد دخل الإنجيل التحريف، والتزييف، كما دخلا التوراة، وما إنجيل متى، ومرقس... إلخ إلا من اختراعهم، وابتداعهم.\n ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ أي: اختلفوها واصطنعوها من قبل أنفسهم؛ أي: أحدثها القسس والرهبان من تلقاء أنفسهم لم يفرضها الله عليهم، كما قال تعالى: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أي: ولا أمرناهم بها. وقيل: إنه معطوف على (الرأفة، والرحمة) والمعنى على هذا: أن الله تعالى أعطاهم إياها، فغيروا، وبدلوا، وابتدعوا فيها. والأول أقوى، وهو المشهور. والرهبانية: رفض النساء، وشهوات الدنيا، واتخاذ الصوامع.\nوسببها: أن ملوكهم غيروا، وبدلوا، وبقي نفر قليل، فترهبوا، وتبتلوا. قال الضحاك﵀-: إن ملوكا بعد عيسى﵇ارتكبوا المحارم ثلاثمئة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى، فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم؛ قتلونا، فليس يسعنا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس، واتخذوا الصوامع.\n ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما فرضناها عليهم، ولا أمرناهم بها ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ:﴾\nاستثناء منقطع؛ أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. وقيل: متصل، فإن معنى ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ:﴾ ما تعبدناهم بها. وهو كما ينفي الإيجاب المقصود منه دفع العقاب؛ ينفي الندب المقصود منه مجرد حصول مرضاة الله، وهو يخالف قوله: ﴿اِبْتَدَعُوها﴾ إلا أن يقال: ابتدعوها، ثم ندبوا إليها، أو ابتدعوها بمعنى: استحدثوها، وأتوا بها أولا، لا أنهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم. انتهى. بيضاوي.\n ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها:﴾ فما حفظوها حق حفظها؛ أي: كما ينبغي بل ضيعوها، وضموا إليها التثليث، والاتحاد. يقولون: اتحد اللاهوت بالناسوت. وكفروا بدين عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ودخلوا في دين ملوكهم، وأقام أناس منهم على دين عيسى ﵇ حتى أدركوا محمدا ﷺ، فآمنوا به. ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: أعطينا الذين ثبتوا على الإيمان الصحيح في شريعة عيسى، وعملوا الصالحات، وآمنوا بمحمد ﷺ ثوابا","vol":"9","page":535},{"text":"عظيما، وأجرا جزيلا. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي: وكثير من النصارى خارجون عن حدود الطاعة منتهكون لمحارم الله تعالى، كقوله ﷿ في سورة (التوبة) رقم [٣٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ فلما بعث الله محمدا ﷺ، ولم يبق منهم إلا قليل؛ جاؤوا من الكهوف، والصوامع، والغيران فآمنوا به، وهم الذين قال تعالى في حقهم في سورة (المائدة): ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذه الاية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده، فيدخل في الاية. وعن أبي أمامة الباهلي، -واسمه: صدي بن عجلان-. قال: أحدثتم قيام رمضان (التراويح) ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام؛ إذ فعلتموه، ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا، لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله، فما رعوها حقّ رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها..﴾. إلخ.\nثم قال: وفي الاية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع، والبيوت، وذلك مندوب إليه عند فساد أهل الزمان، وتغير الأصدقاء، والإخوان. انتهى. أقول: وقد جاء الحث، والترغيب في العزلة في الأحاديث الشريفة مثل قول النبى ﷺ لحذيفة بن اليمان﵁من الحديث الطويل: «اعتزل تلك الفرق كلّها، ولو أن تعضّ بأصل شجرة». وهو في البخاري:\n «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال يفرّ بدينه من الفتن». وحديث عقبة بن عامر﵁مشهور لما سأله عن النجاة، فقال له النبي ﷺ: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». رواه الترمذي.\nهذا؛ وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن مسعود﵁-. قال: دخلت على رسول الله ﷺ، فقال: «يا بن مسعود! اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك سائرهن: فرقة وازرت الملوك، وقاتلوهم على دين عيسى، فأخذوهم، وقتلوهم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك، ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى، فساحوا في البلاد، وترهبوا، وهم الذين قال الله ﷿ فيهم: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ»﴾. قال ﷺ: «من آمن بي، وصدّقني، واتبعني؛ فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي؛ فأولئك هم الهالكون». وعنه﵁قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: «يا بن أم عبد، هل تدري من أين أخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى ﵇ يعملون بالمعاصي، فغضب أهل","vol":"9","page":536},{"text":"الإيمان، فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء؛ فتنونا، ولم يبق أحد يدعو إليه تعالى، فتعالوا: لنتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى-يعنون محمدا ﷺفتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا الرهبانية، فمنهم من تمسك بدينه، ومنهم من كفر». ثم تلا هذه الاية: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ﴾ أي: من الذين ثبتوا عليها ﴿أَجْرَهُمْ﴾.\nثم قال النبي ﷺ: «يا بن أمّ عبد! أتدري ما رهبانيّة أمّتي؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال:\n «الهجرة، والصلاة، والجهاد، والصوم، والحجّ، والعمرة، والتكبير على التلاع». وروي عن أنس بن مالك﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ لكلّ أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمّة الجهاد في سبيل الله».\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿قَفَّيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها مثلها. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِرُسُلِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وصنيع أبي السعود يقتضي: أن الباء زائدة في المفعول، ونصه: أي: ثم أرسلنا بعدهم رسلنا.\nانتهى. جمل. و(نا) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسَى﴾ معطوفة على ما قبلها، والإعراب مثلها. ﴿اِبْنِ:﴾ صفة عيسى، أو هو بدل منه، وهو مضاف، و﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي. وجملة: ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ:﴾ معطوفة على ما قبلها. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿قُلُوبِ:﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، ﴿اِتَّبَعُوهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَأْفَةً:﴾ مفعول به لجعلنا. (رحمة): معطوف على ما قبله، وهو مرادف له.\n ﴿وَرَهْبانِيَّةً:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً،﴾ وجعل إما بمعنى: خلق، أو بمعنى صير، و﴿اِبْتَدَعُوها﴾ في هذا صفة ل: (رهبانية) وإنما خصت بذكر الابتداع؛ لأن الرأفة، والرحمة في القلب أمر غريزي، لا تكسّب للإنسان فيه، بخلاف الرهبانية فإنها من أفعال البدن، وللإنسان فيها تكسّب، إلا أبا البقاء منع هذا الوجه بأن ما جعله الله لا يبتدعونه. وجوابه ما تقدم من أنها لما كانت مكتسبة صح ذلك فيها. والوجه الثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر، يفسره الظاهر، فتكون المسألة من باب الاشتغال، وإليه نحا الفارسي، والزمخشري، وأبو البقاء، وجماعة؛ إلا أن هؤلاء يقولون: إنه إعراب المعتزلة، وذلك: أنهم يقولون: ما كان من فعل الإنسان؛ فهو مخلوق له، فالرأفة، والرحمة لمّا كانتا من فعل الله؛ نسب خلقهما إليه، والرهبانية لما لم تكن من فعل الله تعالى، بل من فعل العبد يستقل بفعلها؛ نسب ابتداعها إليه. انتهى. جمل نقلا عن السمين.","vol":"9","page":537},{"text":"﴿اِبْتَدَعُوها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (رهبانية) على اعتبارها معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على اعتبارها مفسرة لجملة محذوفة مستأنفة.\nقال ابن هشام في مغنيه: والمشهور: أنه عطف على ما قبله، و﴿اِبْتَدَعُوها﴾ صفة. ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: وحب رهبانية. انتهى.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كَتَبْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (رهبانية) أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾\nأداة استثناء. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ استثناء منقطع. وقيل: هو متصل مما هو مفعول من أجله، والمعنى:\nما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء مرضاة الله، ويكون (كتب) بمعنى: قضى، وهذا قول مجاهد، وإلى الأول ذهب قتادة، وجماعة. قالوا: معناه: لم نفرضها عليهم، ولكنهم ابتدعوها. انتهى. نقلا عن السمين. هذا؛ وأجيز اعتباره بدلا من (ها) والمعنى: ما كتبنا عليهم إلا ابتغاء، وهو ضعيف معنى كما ترى، و﴿اِبْتِغاءَ﴾ مضاف، و﴿رِضْوانِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿رِضْوانِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿فَما:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿رَعَوْها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، (وها): مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، أو نائب مفعول مطلق، و﴿حَقَّ﴾ مضاف، و﴿رِعايَتِها﴾ مضاف إليه، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿فَآتَيْنَا:﴾\n (الفاء): حرف استئناف. (آتينا): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكَثِيرٌ:﴾ (الواو): حرف استئناف.\n (كثير): مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (كثير). ﴿فاسِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير العائد على الموصول، أو من الموصول نفسه؛ فالرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-5103\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ الخطاب لأهل الكتابين من اليهود، والنصارى، المعنى:\nيا أيها الذين آمنوا بموسى، وعيسى. ﴿اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ:﴾ محمد ﷺ ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ:﴾\nنصيبين. ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى، والإنجيل، وبمحمد ﷺ والقرآن،","vol":"9","page":538},{"text":"كما قال تعالى في سورة (القصص) رقم [٥٤]: ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾. فعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وبمحمد ﷺ، فله أجران، وعبد مملوك أدّى حقّ الله وحقّ مواليه فله أجران ورجل أدّب أمته، فأحسن تأديبها، ثمّ أعتقها، وتزوّجها، فله أجران». أخرجه البخاري ومسلم.\nهذا؛ وقال سعيد بن جبير﵁-: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين (انظر القصص رقم [٥٤]) أنزل الله تعالى على محمد ﷺ هذه الاية في حق هذه الأمة.\nوفي أسباب النزول للسيوطي مثله، وقد أسنده إلى مقاتل، فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب، وزادهم بقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: هدى يتبصر به من العمى، والجهالة، وسبيلا واضحا في الدين تهتدون به في الدنيا، وأيضا في الاخرة على الصراط كما رأيت في الاية رقم [١٢]. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ:﴾ هذا زيادة من فضله تعالى. ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٢٩]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ومما يؤيد هذا القول ما يلي:\nفعن عبد الله بن عمر﵄-. قال: قال رسول الله ﷺ: «مثلكم، ومثل اليهود، والنصارى، كمثل رجل استعمل عمّالا، فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود. ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى. ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشّمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء! قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإنّما هو فضلي أوتيه من أشاء». أخرجه الإمام أحمد.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁عن النبي ﷺ قال: «مثل المسلمين، واليهود، والنصارى كمثل رجل استعمل قوما يعملون له عملا، يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم:\nلا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملا! فأبوا، وتركوا. واستأجر آخرين بعدهم، فقال: أكملوا يومكم، ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلّوا العصر؛ قالوا: ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم، فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا. فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتّى غابت الشمس، فاستكملوا أجرة الفريقين كليهما، فذلك مثلهم، ومثل ما قبلوا من هذا النور». رواه البخاري. انتهى. مختصر ابن كثير للصابوني.\nهذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي البخاري: حدثنا الحكم بن نافع؛ قال:\nحدثنا شعيب عن الزهري؛ قال: أخبرني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر-رضي الله","vol":"9","page":539},{"text":"عنهما-. قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول وهو قائم على المنبر: «إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أعطي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها؛ حتى انتصف النهار، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا به حتى صلاة العصر، ثمّ عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أعطيتم القرآن، فعملتم به حتى غربت الشمس، فأعطيتم قيراطين قيراطين. قال أهل التوراة: ربّنا هؤلاء أقلّ عملا، وأكثر أجرا! قال: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. فقال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء».\nوفي رواية: «فغضبت اليهود، والنصارى، وقالوا: ربنا...». الحديث. انتهى.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، (وها): حرف تنبيه لا محل لها، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من (أيها)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اِتَّقُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿يُؤْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الله تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿كِفْلَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿كِفْلَيْنِ﴾.\n ﴿وَيَجْعَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يجعل): معطوف على ﴿يُؤْتِكُمْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نُورًا:﴾ مفعول به. ﴿تَمْشُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿نُورًا﴾. ﴿وَيَغْفِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يغفر): فعل مضارع معطوف على (يجعل). ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5104\"></span>﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ المعنى: ليعلم أهل الكتاب. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: حسد أهل الكتاب المسلمين، فنزلت الاية الكريمة. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-:","vol":"9","page":540},{"text":"قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي، والأرجل، فلما خرج من العرب؛ كفروا، فنزلت الاية الكريمة، وهو فحوى قول المفسرين: إن أهل الكتاب كانوا يقولون: الوحي، والرسالة فينا، والكتاب، والشرع ليس إلا لنا، والله خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين. فرد الله عليهم بهذه الاية الكريمة، ورمى كيدهم في نحورهم، ثم بين ﷻ، وتعالى شأنه بأنهم عاجزون، لا يستطيعون تحصيل شيء من فضل الله، وأن الفضل: النبوة، والنعمة، وخيرات الدنيا بيد الله، يختص بها من يشاء من عباده، والله هو صاحب الفضل العظيم، والخير العميم. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٥] وسورة (آل عمران) رقم [٧٤]:\n ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقال ﷿ في سورة (البقرة) رقم [٢٦٩]:\n ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ ومعنى ﴿بِيَدِ اللهِ:﴾ في ملكه، وتصرفه ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ الله؛ لأنه قادر مقتدر مختار، وانظر شرح (اليد) في الاية رقم [٤٧] من سورة (الذاريات).\nالإعراب: ﴿لِئَلاّ:﴾ (اللام): حرف تعليل وجر. (أن): حرف مصدري، ونصب، واستقبال.\n (لا): صلة. ﴿يَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن». ﴿أَهْلُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه، و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أعلمكم بذلك؛ ليعلم... إلخ. وقال أبو البقاء: وقيل: ليست زائدة، والمعنى: لئلا يعلم أهل الكتاب عجز المؤمنين. انتهى. (أن): مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنهم. (لا): نافية. ﴿يَقْدِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع\nإلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و(أن) المخففة، واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يعلم). ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ فَضْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ،﴾ و﴿فَضْلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْفَضْلَ:﴾ اسمها. ﴿بِيَدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أن). و(يد) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله.\n ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعوله الأول. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، لا محل لها. وقيل في محل رفع خبر ثان ل: (أنّ). وقيل: هي الخبر وحدها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الفضل، وهي حال لازمة؛ لأن كونه بيد الله لا ينتقل ألبتة. انتهى. نقلا عن السمين. هذا؛ وأقول: يجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين ب: ﴿الْفَضْلَ؛﴾ لأنه مصدر.","vol":"9","page":541},{"text":"﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿ذُو:﴾ خبره مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو:﴾ مضاف، و﴿الْفَضْلَ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾\nصفة ﴿الْفَضْلَ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الحديد) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4466>سورة المجادلة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (المجادلة) مدنية في قول الجميع، وهي اثنتان وعشرون آية، وأربعمئة وثلاث وسبعون كلمة، وألف وسبعمئة، واثنان وتسعون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5105\"></span>﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾\nالشرح: نزلت الاية الكريمة في خولة بنت ثعلبة﵂وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت﵄وهو رجل أدركه الكبر، وألحت عليه الشيخوخة حتى أفسدت بعض رأيه، وجعلته متبرما بكل شيء، ضعيف الاحتمال لأي شيء، لا يطيق نقاشا في رأي يرتئيه، ولا يحتمل معارضة في أمر يشير به، فدار بينه وبين زوجته حديث، فراجعته في بعض الكلام، فساءه ذلك، وأثار في نفسه، وأغضبه، فالتفت إليها، وألقى في وجهها بكلمة اعتاد كثير من الناس أن يلقوا بها وبأمثالها في وجوه نسائهم إذا غضبوا، فقال لها:\nأنت عليّ كظهر أمي.\nهذه عبارة كان العرب في جاهليتهم يحرمون بها نساءهم على أنفسهم، يشبه الرجل منهم زوجته بظهر أمه، وأمه عليه حرام، فتحرم عليه بهذا زوجته، قذف أوس في وجه زوجته، وربة بيته، وأم أبنائه، وبناته بهذه العبارة الموروثة، ولكن لم يلبث أن سكن غضبه، فأراد أن يعاود زوجته، ولكنها أبت حتى تستفتي في أمرها رسول الله ﷺ، فانطلقت إليه تسعى، وقصت عليه قصتها، وانتظرت أن تنفرج شفتاه عن حكم تعود به إلى بيتها، وزوجها، وأولادها، ولكن رسول الله ﷺ لم يكن قد نزل عليه في مثل ذلك وحي من ربه، فقال لها: «ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم ينزل عليّ في أمرك شيء». فراجعته، وقالت: يا رسول الله! إنه ما ذكر لفظ الطلاق، فأعاد عليها حكمه: «ما أراك إلا قد حرمت عليه».\nوقفت المرأة بهذا وجها لوجه أمام معضلة عسيرة، وتمثل لها بؤس ما هي قادمة عليه من فرقة، وشتات بعدما نعمت به من ألفة، واجتماع، فأبت بغريزتها أن يكون ذلك مصيرها، وغاية أمرها، فظلت تراجع رسول الله ﷺ، وتجادله، وتناشده أن يجد لمعضلتها حلا غير هذا الحل،","vol":"9","page":543},{"text":"وتناديه بصوت يخنقه الحزن، ونبرات تخالطها العبرات: يا رسول الله! تزوجني أوس وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني، ونثرت له بطني؛ جعلني عليه كأمه، وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله؛ فحدثني بها، ولكن رسول الله ﷺ يعيد عليها ما قال من قبل: «لم ينزل عليّ في أمرك شيء، وما أراك إلا قد حرمت عليه».\nوكأن إحساسا خفيا بالفرج يساور المرأة؛ لأن رحمة الله تأبى أن تصيرها إلى هذا الشتات، وأن ترمي بها في ظلام هذا المستقبل الكريه، فتتوجه إلى الله شاكية ضارعة: رب أشكو إليك وحدتي، وشدة فاقتي، وما يشق علي من فراق زوجي، وأولادي؛ رب إنك تعلم أن لي منه صبية صغارا، إن تركتهم إليه؛ ضاعوا؛ وإن ضممتهم إليّ؛ جاعوا.\nبهذه الشكوى الضارعة توجهت المرأة إلى ربها، وحينئذ أذن الله لشكواها، وتقبل ضراعتها، ورحم ضعفها، وحل معضلتها، وأنزل على نبيه ﷺ قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي..﴾. إلخ. وحينئذ طلب الرسول ﷺ زوجها، وسأله: «هل تستطيع العتق؟». فقال: لا والذي بعثك بالحق، فقال:\n «هل تستطيع الصوم؟». فقال: لا والله! إن أخطأني الأكل في اليوم مرة، أو مرتين كلّ بصري، وظننت أني أموت، فقال: «فأطعم ستين مسكينا». قال: ما أجد إلا أن تعينني منك يا رسول الله بمعونة وصلة، فأعانه رسول الله ﷺ بمعونة تصدق بها على ستين مسكينا. وخذ ما يلي:\nفعن عائشة﵂-: أنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة خولة إلى النبي ﷺ تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي﴾. أخرجه البخاري تعليقا، ورواه النسائي، وابن ماجه. وروى ابن أبي حاتم عن أبي يزيد﵁قال: لقيت امرأة عمر﵁-، يقال لها:\nخولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها، حتى قضت حاجتها، وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! حبست رجالات قريش على هذه العجوز. قال: ويحك! تدري من هذه؟ قال: لا! قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل، ما انصرفت عنها؛ حتى تقضي حاجتها؛ إلا أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها؛ حتى تقضي حاجتها!\nهذا؛ وروي: أنها قالت لعمر﵁في موقفها ذلك: يا عمر! قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك: يا عمر، ثم قيل لك: يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر! فإنه من أيقن بالموت؛ خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب؛ خاف العذاب.\nهذا؛ والمحاورة: المراجعة في الكلام من: حار الشيء، يحور: إذا رجع، يرجع، ومنه الدعاء المأثور: «نعوذ بالله من الحور بعد الكور». قال عنترة في معلقته رقم [٩٥]: [الكامل] لو كان يدري ما المحاورة اشتكى؟ ... ولكان لو علم الكلام مكلّمي","vol":"9","page":544},{"text":"﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ:﴾ تتضرع إلى الله في تفريج كربتها. انظر ما تقدم. ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ أي: والله-جل وعلا-يسمع حديثكما، ومراجعتكما الكلام. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: ومعنى سماعه تعالى لقولها: إجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع الله لمن حمده. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ أي: لمن يناجيه، ويتضرع إليه. ﴿بَصِيرٌ﴾ أي:\nبأعمال العباد، لا تخفى عليه خافية من أمرهم. وهما من صيغ المبالغة، وهما من صفات الذات، كالعلم، والقدرة، والحياة، والإرادة؛ أي: لم يزل الخالق-جل وعلا-متصفا بذلك.\nوفي الوقت نفسه يعدان من الأسماء الحسنى. تأمل، وتدبر.\nفائدة: هذه السورة أول النصف الثاني من القرآن باعتبار عدد السور، فهي الثامنة والخمسون منها، وليس فيها آية إلا وفيها ذكر الجلالة مرة، أو مرتين، أو ثلاثا، وجملة ما فيها من الجلالات خمس وثلاثون. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَمِعَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿قَوْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الَّتِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿تُجادِلُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي زَوْجِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَشْتَكِي:﴾ الواو: حرف عطف. (تشتكي): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿وَاللهُ:﴾\n (الواو): واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿يَسْمَعُ:﴾ فعل مضارع. والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتفخيم والتعظيم. وقيل: الجملة مستأنفة.\n ﴿تَحاوُرَكُما:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ:﴾\nخبران ل: ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-5106\"></span>﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ أي: الذين يقولون لنسائهم: أنتن كظهور أمهاتنا، يقصدون بذلك تحريمهن عليهم، كتحريم أمهاتهم؛ لسن في الحقيقة أمهاتهم، وإنما هن","vol":"9","page":545},{"text":"زوجاتهم. قال الإمام الفخر الرازي: الظهار: هو عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، يقصد: علوّي عليك حرام كعلوّي على أمي. والعرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي؛ أي: طلقتها، فغرضهم من هذه اللفظة تحريم معاشرتهم تشبيها بالأم. ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ:﴾ المعنى: لا تصير الزوجة بقول زوجها لها: أنت عليّ كأمي، أو مثل أمي، أو كظهر أمي، وما أشبه ذلك لا تصير أمه بذلك، إنما أمه الحقيقية هي التي ولدته.\n ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ أي: كلاما فاحشا، وباطلا، ينكره الواقع، والحقيقة، وينكره الشرع الشريف، والدين الحنيف، وهو كذب، وزور، وبهتان؛ لأن الأم محرمة تحريما مؤبدا، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريما مؤبدا، فلا جرم صار ذلك منكرا من القول وزورا. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: كثير العفو وكثير المغفرة، فهما صيغتا مبالغة، وهما من أسماء الله الحسنى. وانظر ما قبلهما في الاية السابقة.\nهذا؛ و﴿أُمَّهاتِهِمْ﴾ جمع: أم، والقياس أن يكون جمعها (أمّات) قال الزمخشري: والهاء مزيدة في أمّات، كما زيدت في: أراق، فقيل: أهراق، وشذت زيادتها في الواحدة في قول قصي الجد الرابع للنبي ﷺ: [الرجز] أمّهتي خندف والياس أبي... عند تناديهم بهال وهب\nوقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء زائدة فيه، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة يستدل على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي، إلا أن الفرق بين أمّهة، وأم: أن أمّهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدا، نحو قول السفاح بن بكير: [السريع] قوّال معروف وفعّاله... عقّار مثنى أمّهات الرّباع\nو«أم» يقع في الغالب على ما لا يعقل، وقد يقع على العاقل بنحو قول جرير: [الوافر] لقد ولد الأخيطل أمّ سوء... على باب استها صلب وشام\nومما يدل أيضا على زيادة الهاء في أمّهة قولهم: أمّ بينة الأمومة بغير هاء، ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدل على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم:\nتأمّهت أمّا، فتأمّهت تفعّلت بمنزلة تنبّهت، مع أن زيادة الهاء قليلة جدا، فمهما أمكن جعلها أصلية، كان ذلك أولى فيها، والصحيح: أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به لكثرة اضطرابه، وخلله. انتهى. بعد هذا؛ فالأمّ تعم من ولدتك، أو ولدت من ولدك، وإن علت، ويقرأ: أمّهات بضم الهمزة، وفتح الميم، وهي قراءة العامة، ويقرأ بكسر الهمزة، وفتح الميم، وبكسرهما معا.","vol":"9","page":546},{"text":"الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَظْهَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿مِنْ نِسائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل:\n «ليس». ﴿هُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿أُمَّهاتِهِمْ:﴾ خبر ﴿ما﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. هذا؛ وقرئ برفع: «(أمهاتهم)» على إهمال ما، وعلى المبتدأ، والخبر، وعلى الاعتبارين فالجملة اسمية، وهي في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أُمَّهاتِهِمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿إِلاَّ:﴾\nحرف حصر. ﴿اللاّئِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَدْنَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ (الواو): واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَيَقُولُونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (يقولون): مضارع، وفاعله. ﴿مُنْكَرًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ليقولون قولا منكرا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وهو أقوى من الاستئناف ومن العطف على ما قبلها. ﴿وَزُورًا:﴾ الواو: حرف عطف. (زورا): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5107\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا:﴾ هذا تفصيل لحكم الظهار بعد بيان أنه أمر منكر، وقول زور؛ أي: والذين يقولون هذا القول المنكر، ثم يعودون فيه، والعود عند الشافعي يكون بإمساك المظاهر عنها في النكاح زمانا يمكنه مفارقتها فيه، وعند أبي حنيفة يحصل باستباحة استمتاعها، ولو بنظرة شهوة، وعند الإمام مالك بالعزم على الجماع، وعند الحسن البصري بالجماع، أو بالظهار مرة أخرى. انتهى. بيضاوي، وجمل. وخذ تفصيل ذلك مما في الخازن فقد قال-رحمه الله تعالى-:\nاختلف العلماء في معنى العود في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ ولا بد أولا من بيان أقوال أهل العربية، ثم بيان أقوال الفقهاء، فنقول: قال الفراء: لا فرق بين اللغة بين أن يقال:\nيعودون لما قالوا، وفيما قالوا. وقال أبو علي الفارسي: كلمة (إلى) و(اللام) تتعاقبان، كقوله","vol":"9","page":547},{"text":"تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ،﴾ وقوله في سورة (الزلزلة): ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ وأما لفظة (ما) في قوله: ﴿لِما﴾ فهي بمعنى «الذي» والمعنى: يعودون إلى الذي قالوا، أو في الذي قالوا، وفيه وجهان: أحدهما: أنه لفظ الظهار، والمعنى: أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ. الوجه الثاني: أن المراد ﴿لِما قالُوا؛﴾ أي: المقول فيه، وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه.\nوعلى هذا معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أي: يعودون إلى شيء، وذلك الشيء هو الذي قالوا فيه ذلك القول، ثم إذا فسر هذا اللفظ بالوجه الأول؛ يجوز أن يكون المعنى: عاد لما فعل؛ أي: فعله مرة أخرى. وعلى الوجه الثاني يجوز أن يقال: عاد لما فعل؛ أي: نقض ما فعل، وذلك:\nأن من فعل شيئا، ثم أراد أن يفعله ثانيا فقد عاد إليه، وكذا من فعل شيئا ثم أراد إبطاله، فقد عاد إليه بالتصرف فيه، فقد ظهر بما تقدم: أن قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ يحتمل أن يكون المراد، ثم يعودون إليه، بأن يفعلوا مثله مرة أخرى، ويحتمل أن يكون المراد، ثم يعودون إليه بالنقض، والرفع، والإزالة. وإلى هذا الاحتمال ذهب أكثر المجتهدين، ثم اختلفوا فيه على وجوه:\nالأول: وهو قول الشافعي-رحمه الله تعالى-أن معنى العود لما قالوا هو السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك؛ لأنه لما ظاهر، فقد قصد التحريم، فإن وصله بالطلاق؛ فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم، ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق؛ فذلك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم، فحينئذ تجب عليه الكفارة. وفسر ابن عباس﵄العود بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة.\nالوجه الثاني: في تفسير العود، وهو قول أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-: أنه عبارة عن استباحة الوطء، والملامسة، والنظر إليها بشهوة، وذلك: أنه شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء، ثم قصد استباحة ذلك كان مناقضا لقوله: (أنت عليّ كظهر أمّي).\nالوجه الثالث: وهو قول مالك-رحمه الله تعالى-أن العود إليها عبارة عن العزم على وطئها. وهو قريب من قول أبي حنيفة.\nالوجه الرابع: وهو قول الحسن، وقتادة، وطاووس، والزهري: أن العود إليها عبارة عن جماعها، وقالوا: لا كفارة عليه ما لم يطأها.\nقال العلماء: والعود المذكور هنا هب: أنه صالح للجماع، أو للعزم عليه، أو لاستباحته، إلا أن الذي قاله الشافعي هو أقل ما ينطلق عليه الاسم، فيجب تعليق الحكم عليه؛ لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود، وأما الباقي؛ فزيادة لا دليل عليه. انتهى. خازن.\n ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا:﴾ المراد بالتماس: المجامعة، فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها؛ حتى يكفر عند الشافعي، وعند أبي حنيفة: يحرم الاستمتاع بها من","vol":"9","page":548},{"text":"جماع، أو لمس بشهوة، أو غير ذلك. وهو أولى؛ لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.\nثم الرقبة الواجب إعتاقها أن تكون كاملة سليمة من كل عيب، ومن كمالها: إسلامها عند مالك، والشافعي، كالرقبة في كفارة القتل، حملا للمطلق على المقيد. وعند أبي حنيفة، وأصحابه:\nتجزئ الكفارة؛ ولو كانت كافرة. ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: الحكم المذكور. ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ يعني: أن غلظ الكفارة وعظ حتى تتركوا الظهار، وتبتعدوا عنه. وهو دليل على أن الظهار جناية، وجريمة، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم؛ حتى لا تعودوا إلى الظهار، وتخافوا عقاب الله عليه، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، من التفكير وغيره، وخبير بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بمصالح العباد، وحاجاتهم، وفاقتهم، وخبير بنيات العباد، وأفعالهم وأقوالهم.\nهذا؛ والألفاظ المستعملة للظهار في الشريعة، وعرف الفقهاء الأصل فيه قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، وأنت مني، أو معي، أو عندي كظهر أمي. وكذا لو قال: أنت عليّ كبطن أمي، أو كرأس أمي، أو كيد أمي، أو قال: بطنك، أو رأسك، أو يدك عليّ كظهر أمي، أو شبه عضوا منها بعضو من أعضاء أمه يكون ذلك ظهارا. وهذا عند الشافعي﵁-. وقال أبو حنيفة﵁-: والظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، وإذا وضع موضع أنت عضوا منها يعبر به عن الجملة، أو مكان الظهر عضوا آخر، يحرم النظر إليه من الأم، كالبطن، والفخذ، أو مكان الأم ذات رحم محرم منه بنسب، أو رضاع، أو صهر، أو جماع، نحو أن يقول: أنت عليّ كظهر أمي من الرضاع، أو عمتي من النسب، أو امرأة ابني، أو أبي، أو أم امرأتي، أو ابنتها، فهو مظاهر. انتهى. نسفي، والأول من الخازن، والنسفي حنفي، والخازن شافعي.\nولو قال: أنت عليّ كأمي، أو كروح أمي، وأراد به الإعزاز، والإكرام، لا يكون ظهارا، حتى ينويه، ويريده، وهذا ما يسمى كناية. هذا؛ ولا يجوز له أن يطأها حتى يكفر لقوله تعالى:\n ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾. هذا؛ وأركان الظهار أربعة: صيغة، وهي أن يقول: أنت عليّ كظهر أمي، ونحوه مما تقدم، ومظاهر، وهو الزوج، ومظاهر منها، وهي الزوجة، ومشبه به، وهي الأم ونحوها مما تقدم. والله أعلم.\nتنبيه: الظهار من الكبائر، وإذا امتنع المظاهر من الكفارة فللمرأة أن ترافعه، وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر، وأن يحبسه، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه، ويحبس إلا كفارة الظهار؛ لأنه يضرّ بها في ترك التكفير، والامتناع من الاستمتاع، فإن مس من قبل أن يكفر استغفر الله، ولا يعود حتى يكفر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الذين): مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَعُودُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه","vol":"9","page":549},{"text":"ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِما:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وقال الأخفش: اللام متعلقة ب: (تحرير) وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: فعليهم تحرير رقبة؛ لما نطقوا به من الظهار، و(ما) تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: للذي قالوه، وانظر الشرح، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير: يعودون إلى القول، والقول بتأويل المقول؛ أي:\nيعودون للمقول فيهن لفظ الظهار. وهن الزوجات. انتهى. مغني اللبيب. فهي في التأويل مثل قوله تعالى في سورة (يونس) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ رقم [٣٧]. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَتَحْرِيرُ:﴾\n (الفاء): صلة، وزيدت في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم. (تحرير): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فعليهم تحرير، أو هو خبر لمبتدأ محذوف التقدير: فالواجب تحرير. وهو مضاف، و﴿رَقَبَةٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله محذوف، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالمصدر: (تحرير). ﴿أَنْ يَتَمَاسّا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تُوعَظُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿رَقَبَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ.\n ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ﴾ بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5108\"></span>﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: الرقبة. ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي: فعليه صيام شهرين. ﴿مُتَتابِعَيْنِ:﴾\nفإذا أفطر، ولو آخر يوم؛ انقطع التتابع، ووجب عليه الاستئناف. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا:﴾ هو مثل","vol":"9","page":550},{"text":"سابقه عند الشافعي، وأبي حنيفة، رحمهما الله تعالى. ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أي: الصوم للكبر، أو مرض، ﴿فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ أي: فعليه إطعام ستين مسكينا، ولم يقيده هنا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ كما قيده في العتق والصوم، فقال الإمام مالك: يجوز له الوطء قبله. وعند الاخرين:\nالإطلاق في الإطعام محمول على المقيد في العتق، والصيام. فإن جامع قبل أن يكفر؛ لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وسفيان. وقال بعضهم: إن واقعها قبل أن يكفر؛ فعليه كفارتان. وهو قول عبد الرحمن بن مهدي.\n ﴿ذلِكَ﴾ أي: الذي بيناه من أحكام الظهار. ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لتصدقوا الله فيما أمر به، وتصدقوا الرسول ﷺ فيما أخبر به عن الله تعالى. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي: محارمه، فلا تنتهكوها، بخروجكم عن طاعة الله، وطاعة رسوله. هذا؛ وفي آية (البقرة) رقم [١٨٧]:\n ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾. وفيها رقم [٢٢٩]: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾. ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: الذين لم يؤمنوا، ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا: أنهم ناجون من الانتقام؛ كلا ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة. هذا؛ وأطلق لفظ الكافر على متعدي الحدود تغليظا، وزجرا.\nهذا؛ والصيام في اللغة: الإمساك، وقد يكون إمساكا عن الكلام على حد قوله تعالى لمريم -على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ وقد يكون إمساكا عن غيره، خذ قول النابغة الذبياني: [البسيط] خيل صيام وخيل غير صائمة... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما\nثم نقل في الشرع إلى إمساك مخصوص عن الطعام، والشراب، والجماع، ونحو ذلك بنية مخصوصة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. هذا؛ وفعل المادة واوي، صام، يصوم، ومصدره:\nصوما، وصواما، وقد قلبت الواو ياء في الثاني لمناسبة الكسرة، ومثله: قيام، مصدر: قام، يقوم.\nفقد ذكر السيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه: (همع الهوامع) في باب الإبدال ما يلي:\nتبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معل العين، موزون ب: «فعال» نحو قام قياما، وعاد عيادا، بخلاف عين غير المصدر، كصوان، وسواك، والمصدر المفتوح أوله، كرواح، أو المضموم كقوار، أو المكسور الذي لم تعل عين فعله، كلاوذ لواذا. وعاود عوادا، أو الموزون ب: «فعل» كالحول، وتبدل أيضا: كثوب، وثياب، وحوض، وحياض، ودار، وديار، وريح، ورياح بخلاف عين المفرد.\nهذا؛ و﴿شَهْرَيْنِ﴾ تثنية: شهر، وفيه لأهل اللغة قولان: أشهرهما: أنه اسم لمدة الزمان، الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات، وغيرها. والثاني قاله الزجاج: أنه اسم للهلال نفسه. ويجمع على: أشهر، وشهور.","vol":"9","page":551},{"text":"الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ (الفاء): حرف عطف، أو حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف، التقدير: لم يجد الرقبة. ﴿فَصِيامُ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط، (صيام): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فعليه صيام، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فالواجب صيام، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان. وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية المقدرة: «فعليه صيام» في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، كما في الاية السابقة، و(صيام) مضاف، و﴿شَهْرَيْنِ﴾ مضاف إليه. وانظر الاية رقم [٢٠] الاتية. ﴿مُتَتابِعَيْنِ:﴾ صفة ﴿شَهْرَيْنِ﴾ منصوب مثله، وعلامة النصب فيهما الياء نيابة عن الفتحة لأنهما مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان ب: (صيام)؛ لأنه مصدر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَتَمَاسّا﴾ في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه، والجملة الاسمية: (من لم...) إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب سابقتها بلا فارق. و(إطعام) مضاف، و﴿سِتِّينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مِسْكِينًا:﴾ تمييز.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِتُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾\nالواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَتِلْكَ:﴾ (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حُدُودُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿بِاللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلِلْكافِرِينَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (للكافرين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ﴾.\nوالجملة الاسمية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.","vol":"9","page":552},{"text":"<span id=\"aya-5109\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفون أمر الله ورسوله، ويعادون الله ورسوله.\nوالمحادة المعاداة والمخالفة في الحدود، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وقال الزجاج: المحادة: أن تكون في حد يخالف حد صاحبك، وأصلها: الممانعة، ومنه:\nالحديد، ومنه: الحداد للبواب. ﴿كُبِتُوا:﴾ أهينوا، وذلوا، واخزوا، وأهلكوا، وأغيظوا يوم الخندق. وقيل: يوم بدر. والمراد: المشركون، والمنافقون معا. وانظر الاية الاتية برقم [٢٠].\nوقيل: المعنى: سيكبتون، وهو بشارة من الله تعالى لرسوله ﷺ وللمؤمنين بالنصر، والعزة، وإعلاء الشأن. ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من أعداء الرسل، الذين عصوا الله، ورسله.\n ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ تدل على صدق الرسل، وفيها بيان الحلال، والحرام، والفرائض، والأحكام، لا يخالفها ولا يعاندها إلا كافر فاجر مكابر. ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي:\nوللكافرين الذي جحدوا الايات، ولم يعملوا بها عذاب شديد يهينهم، ويذلهم، ويذهب بعزهم.\nقال الصاوي: وقد نزلت الاية في كفار مكة يوم الأحزاب حين تحزبوا على رسول الله ﷺ.\nوالمقصود بها تسلية رسول الله ﷺ، وبشارته مع المؤمنين بأن أعداءهم المتحزبين سيذلون، ويخذلون، ويفرق جمعهم، فلا تخشوا بأسهم. هذا؛ وإعلال ﴿مُهِينٌ﴾ مثل إعلال ﴿مُبِينٍ﴾ في الاية رقم [٣٨] من سورة (الذاريات).\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يُحَادُّونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾\nالواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كُبِتُوا:﴾\nماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَما:﴾ (الكاف): حرف تشبيه وجر. (ما):\nمصدرية. ﴿كُبِتَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ نائب فاعله. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، و(ما) والفعل (كبت) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: كبتوا كبتا كائنا مثل كبت الذين كانوا من قبلهم. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) اسما موصولا؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون التقدير: كبتوا كبتا كائنا مثل الذي كبته الذين من قبلهم. وإن اعتبرت الكاف اسما. فالمحل لها، وتكون مضافة، وما بعدها في محل جر بالإضافة.","vol":"9","page":553},{"text":"﴿وَقَدْ:﴾ (الواو): واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلْنا:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿آياتٍ:﴾ مفعول به. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ صفة ﴿آياتٍ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط. ﴿وَلِلْكافِرِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (للكافرين): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5110\"></span>﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ أي: الرجال، والنساء، والكبار، والصغار، يبعثهم الله من قبورهم في حالة واحدة، وفي صعيد واحد. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ أي: فيخبرهم الله بما عملوا من خير، وشر، وصغيرة، وكبيرة. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾.\nوانظر قول أبي العتاهية الصوفي في الاية رقم [٨] من سورة (الجمعة) فإنه جيد. ﴿أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ أي: ضبطه الله، وحفظه عليهم في صحائف أعمالهم بواسطة الملائكة الحفظة؛ الذين سجلوا عليهم ذلك، بينما هم نسوا تلك الأعمال لاعتقادهم: أن لا حساب، ولا جزاء.\n ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ:﴾ صغير، وكبير. ﴿شَهِيدٌ:﴾ حاضر ناظر، لا يخفى عليه شيء؛ لأنه لا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وانظر شرح (النبأ) وفعله في الاية رقم [٤] من سورة (القمر).\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُهِينٌ﴾ أو بمحذوف تقديره: اذكر. وقيل:\nب: ﴿عَذابٌ﴾. وقيل: عامله الاستقرار في الظرف الواقع خبرا، وهو قوله: (للكافرين). ﴿يَبْعَثُهُمُ اللهُ:﴾ مضارع ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿جَمِيعًا:﴾\nحال من الضمير المنصوب حال مؤكدة. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ينبئهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ينبئهم بالذي، أو بشيء عملوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: ينبئهم بعملهم.","vol":"9","page":554},{"text":"والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿أَحْصاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، وقعت سؤالا عما نشأ قبلها من السؤال إما عن كيفية التنبئة، أو عن سببها، كأنه قيل: كيف ينبئهم بأعمالهم؛ وهي أعراض منقضية متلاشية؟ فقيل: أحصاه الله. انتهى. جمل.\n ﴿وَنَسُوهُ:﴾ (الواو): واو الحال. (نسوه): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، و«قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها؛ فلا محل لها، والأول أقوى. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5111\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ: هذا خطاب للنبي ﷺ، ولكل عاقل يتأتى منه النظر والاعتبار، والمعنى أن الله ﷾ عالم بجميع المعلومات، لا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السموات. ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ أي: من إسرار ثلاثة، وهي المسارة، والمشاورة. وقيل: ما يكون من متناجين ثلاثة يساور بعضهم بعضا. ﴿إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ أي:\nبالعلم، والإحاطة لما يتناجون به، فهو حاضر معهم، وشاهدهم، كما تكون نجواهم عند إنسان رابع يكون معهم. ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ:﴾ هو مثل سابقه. ﴿وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ﴾ يعني: ولا أقل من ثلاثة، وخمسة، ولا أكثر من ذلك العدد. ﴿إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ أي: بالعلم، والقدرة، والإحاطة. ﴿أَيْنَ ما كانُوا:﴾ لا يخفون عنه، ولا يغيبون عن علمه. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ هو مثل الاية السابقة، يخبرهم بذلك توبيخا، وتقريعا، وتشهيرا بحالهم، فعندها يتمنون الانصراف والمسارعة بهم إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد.\nقال الخازن: فإن قلت: لم خص الثلاثة، والخمسة بالذكر، قلت: أقل ما يكفي في المشاورة ثلاثة، حتى يتم الغرض، فيكون اثنان كالمتنازعين في النفي، والإثبات، والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما فحينئذ تحمد تلك المشاورة، ويتم ذلك الغرض، وهكذا كل جمع يجتمع للمشاورة لا بد من واحد، يكون حكما بينهم مقبول القول. وقيل: إن العدد الفرد أشرف من الزوج، فلهذا خص الله الثلاثة، والخمسة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر سبب النزول في الاية التالية.","vol":"9","page":555},{"text":"هذا؛ ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٧٨]: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾.\nوقوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٨٠]: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. هذا؛ والنجوى: حديث السر بين اثنين، فأكثر. روى ابن عمر﵄-: أن الرسول ﷺ قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه». وعن عبد الله بن مسعود﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كانوا ثلاثة، فلا يتناج اثنان دون الاخر حتّى يختلطوا بالنّاس من أجل أن يحزنه». رواه أبو داود. والأول رواه الشيخان، وغيرهما. هذا؛ وقيل: إن النجوى القوم الذين يتناجون، وبه قيل في قوله تعالى:\n ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ الاية رقم [٤٧] من سورة (الإسراء)، و﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، كما رأيت في إعلال (صيام) في الاية رقم [٤].\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ وهو من المعرفة، فيكتفي بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع تام. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَجْوى:﴾ فاعل مجرور لفظا، مرفوع محلا، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و﴿نَجْوى﴾ مضاف، و﴿ثَلاثَةٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. قال الفراء: «ثلاثة» نعت ل: «النجوى» فانخفضت؛ وإن شئت أضفت نجوى إليها، ولو نصبت على إضمار فعل جاز، وهي قراءة ابن أبي عبلة. وقال الزمخشري: ويجوز رفع (ثلاثة) على البدل من محل ﴿نَجْوى﴾. انتهى. قرطبي.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ رابِعُهُمْ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿خَمْسَةٍ:﴾\nمعطوف على ﴿ثَلاثَةٍ﴾ على جميع اعتباراته. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ سادِسُهُمْ﴾ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف.\n (لا): نافية، أو صلة مثل سابقتها. ﴿أَدْنى:﴾ معطوف على لفظ ﴿نَجْوى،﴾ فهو مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْ ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَدْنى،﴾ واللام","vol":"9","page":556},{"text":"للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): مثل سابقتها.\n ﴿أَكْثَرَ:﴾ معطوف على ما قبله فهو مجرور تبعا للفظ ﴿نَجْوى،﴾ وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل. هذا؛ وقرئ برفعه، وفيه وجهان: أحدهما:\nأنه معطوف على موضع ﴿نَجْوى؛﴾ لأنه مرفوع، و﴿مِنْ﴾ صلة كما رأيت، والثاني: أن يكون ﴿أَدْنى﴾ مبتدأ. و﴿إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ خبره، فيكون: ﴿وَلا أَكْثَرَ﴾ معطوفا على المبتدأ، وحينئذ يكون: ﴿وَلا أَدْنى..﴾. إلخ من باب عطف الجمل لا المفردات. انتهى. جمل.\nهذا؛ وقال الزمخشري: وقرئ: ﴿وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ﴾ بالنصب على أن (لا) لنفي الجنس، ويجوز أن يكون: «(ولا أكثر)» بالرفع معطوفا على محل: (لا) مع ﴿أَدْنى،﴾ كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، بفتح الحول، ورفع: «قوة»، ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء.\nكقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن يكون ارتفاعهما عطفا على محل: ﴿مِنْ نَجْوى﴾ كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكونا مجرورين عطفا على (نجوى) كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. انتهى. ومثله في القرطبي.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿أَيْنَ ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، أو هو مبني على الفتح، و(ما) زائدة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر (كان) تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمها، والألف للتفريق، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: أينما كانوا؛ فهو معهم. وقيل: (أين ما) ظرف مكان مجرد من الشرطية متعلق بالاستقرار الذي تعلق به معهم. والأول أقوى معنى، وأتم سبكا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ انظر الاية السابقة، فالإعراب مثله بلا فارق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ وما بينهما كلام معترض. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان بعليم بعدهما، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها على الوجهين.\n\n<span id=\"aya-5112\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾\nالشرح: قال الخازن، وغيره: نزلت الاية الكريمة في اليهود، والمنافقين، وذلك: أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، ويوهمون","vol":"9","page":557},{"text":"المؤمنين: أنهم يتناجون بما يسوءهم، فيحزن المؤمنون لذلك، ويقولون: ما نراهم إلا قد بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل، أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم، ويحزنهم، فلما طال على المؤمنين وكثر شكوا إلى رسول الله ﷺ، فأمرهم ألاّ يتناجوا دون المؤمنين، فلم ينتهوا، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ أي: المناجاة فيما بينهم.\n ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها. وفي الجمل: صيغة المضارع للدلالة على تمكن عودهم، وتجدده، واستحضار صورته العجيبة. ﴿وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ أي: ويتحدثون فيما بينهم بما هو إثم وعدوان، ومخالفة لأمر الرسول ﷺ؛ لأن حديثهم يدور حول الكيد، والمكر بالمسلمين. قال أبو حيان: بدأ بالإثم لعمومه ثم بالعدوان لعظمته في النفوس؛ إذ هو ظلامات العباد، ثم ترقى إلى ما هو أعظم، وهو معصية الرسول ﷺ، ومخالفة أمره، وفي هذا طعن على المنافقين؛ إذ كان تناجيهم في ذلك. وانظر شرح (الإثم) في الاية رقم [٣٢] من سورة (النجم).\n ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾ أي: وإذا حضروا عندك يا محمد؛ حيوك بتحية ظالمة، لم يشرعها الله، ولم يأذن بها، وهي قولهم: (السامّ عليكم) أي: الموت عليكم. قال المفسرون: كان اليهود يأتون رسول الله ﷺ، فيقولون: السّلام عليكم بدلا من: السّلام عليكم، والسامّ: الموت، وهو ما أرادوه بقولهم، وكان رسول الله ﷺ، يقول لهم: «وعليكم». لا يزيد عليها، فسمعتهم عائشة﵂يوما، فقالت: بل عليكم السامّ، واللعنة، فلما انصرفوا؛ قال لها رسول الله ﷺ: «مهلا يا عائشة! إن الله يكره الفحش، والتفحش». فقالت:\nيا رسول الله! أما سمعت ما قالوا؟ فقال لها: «أما سمعت ما قلت لهم؟ إني قلت لهم:\nوعليكم، فيستجيب الله لي فيهم، ولا يستجيب لهم فيّ». رواه البخاري وغيره مع اختلاف في بعض الألفاظ باختلاف الروايات.\n ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ أي: يقولون: لو كان محمد نبيا؛ لعذبنا الله، ولما أمهلنا بسبه، والاستخفاف به، وجهلوا: أن الله تعالى حليم، ولا يعاجل من سبه، فكيف من سبب نبيه؟ وقد ثبت: أن النبي ﷺ قال: «لا أحد أصبر على الأذى من الله، يدعون له الصاحبة، والولد، وهو يعافيهم، ويرزقهم». فأنزل الله هذه الاية كشفا لسرائرهم، وفضحا لبواطنهم، ومعجزة لرسوله ﷺ.\n ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ المعنى إن تعجيل العذاب في الدنيا، إنما يكون بحسب المشيئة والمصلحة، وإذا لم تقتض المشيئة والمصلحة تعجيله، فعذاب جهنم يوم القيامة كافيهم.\n ﴿يَصْلَوْنَها﴾ أي: يحترقون فيها، وانظر الاية رقم [١٦] من سورة (الطور). ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي:\nبئس المرجع، والماب، والمقر، والمال يوم القيامة. وانظر شرح (نعم) و(بئس) في الاية رقم","vol":"9","page":558},{"text":"[٤٨] من سورة (الذاريات) هذا؛ ومعنى ﴿حَسْبُهُمْ:﴾ تكفيهم. وهذا المعنى وارد في كثير من الايات القرآنية.\nهذا؛ والتحية مصدر: حيّاه الله بتشديد الياء، وأصل معناه: الدعاء له بالحياة، ثم عم في كل كلام يلقيه بعض الناس على بعض بقصد الدعاء، كقولهم: أبيت اللعن، وأنعم صباحا، وأنعم مساء، ونحو ذلك، ثم خصته الشريعة الإسلامية بكلام معين، وهو قول القائل: السّلام عليكم. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٦]: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ والمعنى: إذا سلم عليكم أحد بسلام؛ فردوا بأحسن منه، أو ردوه بمثله، فالأحسن أن يزيد الرادّ على المسلم (ورحمة الله) وإذا قال المسلم: (السّلام عليكم ورحمة الله) يزيد الرادّ: (وبركاته) وإذا قال المسلم: (السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته) لا يزيد الرادّ شيئا بل يرد هذا الكلام بعينه فقط، واعلم: أن البدء بالسلام سنة، ورده فرض كفاية، والبدء أفضل من الردّ، وكل جملة فيها عشر حسنات، سواء صدرت من المسلم، أو من الراد، وقد رغب الرسول ﷺ في إفشاء السّلام، والإكثار من إلقائه. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أيّ الإسلام خير؟\nقال: «تطعم الطّعام، وتقرأ السّلام على من عرفت، ومن لم تعرف». رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تدخلون الجنة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه؛ تحاببتم؟ أفشوا السّلام بينكم». رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.\nهذا؛ وإذا ورد على إنسان تحية بكتاب، أو بواسطة شخص، ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. روي عن ابن عباس﵄أنه كان يرى رد الكتاب واجبا، كما يرى رد السّلام من الحاضر. والله أعلم.\nهذا؛ واختلف في بدء السّلام على اليهود، والنصارى، والرد عليهم. فمنعه بعضهم، وجوز بعضهم تحية الكافر، وأن يبدأ بها، فقال النخعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي، أو نصراني فابدأه بالسلام. فظهر بذلك: أن قول النبي ﷺ؛ الذي رواه أبو هريرة﵁-: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسّلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطرّوهم إلى أضيقه». رواه مسلم وأبو داود، والترمذي؛ إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام، من قضاء ذمام، أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة، أو جوار، أو سفر... إلخ.\nقال الطبري: وقد روي عن السلف: أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب. وفعل ابن مسعود﵁بدهقان صحبه في طريقه. قال علقمة بن قيس: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟ قال نعم، ولكن حق الصحبة. وسئل الأوزاعي عن","vol":"9","page":559},{"text":"مسلم مرّ بكافر، فسلّم عليه، فقال: إن سلمت؛ فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت؛ فقد ترك الصالحون قبلك. انتهى. قرطبي بتصرف من سورة (مريم).\nأقول: لم يتعرض للكلام في الرد عليهم أحد، وأذكر ما رواه أنس﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: عليكم». رواه الستة إلا النسائي، وهذا يعني لا يرد ﵈ كاملا، ولكن في هذا العصر كثر الاختلاط بهم، وتغيرت الأوضاع كما هو معروف، ومعلوم، فإذا كان قد أجاز بعض العلماء وأولهم ابن مسعود﵁بدأهم بالسلام، كما رأيت، فرد السّلام عليهم كاملا؛ فهو جائز بالأحرى، ولا سيما في هذا العصر الذي ضعفت فيه الروحانية الإسلامية عند كثير من المسلمين، وكذلك ما أصاب المسلمين من ضعف وهو أن في هذه الأيام، وإن أراد المسلم التبرئة من التبعة فلينو بالسلام عليهم، والرد عليهم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم، وتصرفاتهم في جميع أحوالهم، وكذلك ينوي المسلمين من الجن الذين يكونون قريبا منهم. أقول هذا؛ والله ولي التوفيق، وأضيف: أنه لا يرد عليهم بالرحمة والبركة. بل يكتفي بقوله: (وعليكم السّلام).\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر الاية السابقة. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعول به. ﴿نُهُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿عَنِ النَّجْوى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكلام: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ مستأنف، لا محل له. ﴿يَعُودُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة: ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور ب: ﴿عَنِ،﴾ وكذلك جملة: ﴿وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ:﴾ معطوفان على (الإثم)، و(معصية) مضاف، و﴿الرَّسُولِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله محذوف.\n ﴿وَإِذا:﴾ (الواو): حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاؤُكَ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿حَيَّوْكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والكاف في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور","vol":"9","page":560},{"text":"متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُحَيِّكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿بِهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء.\n (يقولون): فعل مضارع، وفاعله. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿يُعَذِّبُنَا:﴾ فعل مضارع، و(نا): مفعول به. ﴿اللهُ:﴾\nفاعل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء نقوله، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بقولنا، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾.\nإلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الوجهين.\n ﴿حَسْبُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله. ﴿جَهَنَّمُ:﴾\nخبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَصْلَوْنَها:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، أو في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة. وبه قال الجمل. وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف عامل فيه. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\nهذا؛ وعلى الوجه الأول فالوقف تام على الجملة الاسمية، وعلى الوجه الثاني، والثالث لا يوقف، بل توصل بها الجملة الفعلية. هذا؛ والجملة الفعلية: ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مستأنفة، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هي جهنم. هذا؛ وقيل: الفاء الفصيحة، ولا وجه له ألبتة.\n\n<span id=\"aya-5113\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: في المخاطبين بهذه الاية قولان: أحدهما: أنه خطاب للمؤمنين، وذلك: أنه لما ذم اليهود، والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان، ومعصية الرسول؛ أتبعه بأن نهى المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقهم، وأن يفعلوا كفعلهم، فقال: ﴿فَلا تَتَناجَوْا﴾","vol":"9","page":561},{"text":"﴿بِالْإِثْمِ،﴾ وهو ما يقبح من القول، ﴿وَالْعُدْوانِ﴾ وهو ما يؤدي إلى الظلم، ومعصية الرسول، وهو ما يكون خلافا عليه. والقول الثاني، (وهو الأصح): أنه خطاب للمنافقين. والمعنى: يا أيها الذين أمنوا بألسنتهم. وقيل: آمنوا بزعمهم، كأنه قال لهم: لا تتناجوا بالإثم، والعدوان، ومعصية الرسول. انتهى. هذا؛ ورجح القرطبي الأول. ﴿وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ أي: تحدثوا بما فيه خير، وبر، وإحسان. قال القرطبي: نهى الله المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل اليهود، والمنافقين، وأمرهم أن يتناجوا بالطاعة، والتقوى، والعفاف عما نهى الله عنه. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ..﴾.\nإلخ: أي: وخافوا الله بامتثالكم أوامره، واجتنابكم نواهيه، الذي سيجمعكم للحساب، ويجازي كلاّ بعمله.\nعن صفوان بن محرز﵁قال: كنت آخذا بيد ابن عمر﵄-؛ إذ عرض له رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرّره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أن قد هلك. قال: فإني قد سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثمّ يعطى كتاب حسناته. وأمّا الكفار، والمنافقون، فيقول الأشهاد: هؤلاء الّذين كذبوا على ربّهم ألا لعنة الله على الظّالمين». أخرجه البخاري، ومسلم، والإمام أحمد، ولا تنس: أن البر كلمة جامعة لخصال الخير الدنيوية، والأخروية.\nتنبيه: قال ابن هشام في المغني: قد يعبرون بالفعل عن إرادته، وأكثر ما يكون ذلك بعد أداة الشرط، نحو قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٩٨]: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾. وقوله تعالى في سورة (المائدة) الاية [٦]: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.\nوقوله تعالى في سورة (آل عمران) الاية رقم [٤٧]: ﴿إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ،﴾ وكذا قوله تعالى في سورة (المائدة) الاية رقم [٤٢]: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾.\n ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ رقم [١٢٦] من سورة (النحل). وقوله تعالى: ﴿إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾. ﴿إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا..﴾. إلخ رقم [١٢] من هذه السورة، وقوله تعالى: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ رقم [١] من سورة الطلاق، وفي الحديث الصحيح قال الرسول ﷺ: «إذا أتى أحدكم الجمعة؛ فليغتسل».\nفهو يريد-رحمه الله تعالى-: أن المعنى: إذا أردت القراءة، إذا أردتم القيام إلى الصلاة؛ إذا أراد قضاء أمر، إن أردت الحكم، إن أردتم العقاب، فعاقبوا؛ إذا أردتم المناجاة؛ فلا؛ إذا أردتم مناجاة الرسول؛ إذا أردتم الطلاق؛ إذا أراد أحدكم إتيان الجمعة، فليغتسل.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، (وها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض","vol":"9","page":562},{"text":"من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من (أيها)، وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ انظر الاية السابقة.\n ﴿تَناجَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿فَلا:﴾ (الفاء):\nواقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (لا): ناهية. ﴿تَتَناجَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له كالجملة الندائية قبله.\n ﴿بِالْإِثْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ:﴾ معطوفان على (الإثم)، و(معصية) مضاف، و﴿الرَّسُولِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَتَناجَوْا:﴾ (الواو): حرف عطف. (تناجوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِالْبِرِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة.\n (التقوى): معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.\n ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه.\n ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5114\"></span>﴿إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّمَا النَّجْوى:﴾ بالإثم، والعدوان، ومعصية الرسول. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ أي: من تزيين الشيطان، ووسوسته. ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذا توهموا: أن المسلمين أصيبوا في السرايا، أو إذا أجروا اجتماعهم على مكايدة المسلمين، وربما كانوا يناجون النبي ﷺ، فيظن المؤمنون: أن المنافقين ينتقصونهم عند النبي ﷺ، ﴿وَلَيْسَ﴾ أي: الشيطان، أو التناجي.\n ﴿بِضارِّهِمْ شَيْئًا:﴾ بملحق بهم أيّ ضرر ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بمشيئة الله، وإرادته. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: على الله وحده فليعتمد المؤمنون، وليثقوا به، ولا يبالوا بنجوى المنافقين، والكافرين، وكيدهم، فإن الله يعصمهم من شرهم وكيدهم، ومن أحس بشيء من ذلك؛ فليستعذ بالله، وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله تعالى.","vol":"9","page":563},{"text":"هذا؛ والتوكل: تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره.\nوقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة، وخذ ما يلي:\nفعن عمر بن الخطاب﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذي، وانظر الاية رقم [٣] من سورة (الطلاق) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ والفرق بين التوكل، والتسليم، والتفويض، فيقال: التوكل أن تسكن إلى وعد الله تعالى، والتسليم أن تكتفي بعلم الله تعالى، والتفويض أن ترضى بحكم الله تعالى.\nالإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿النَّجْوى:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للنهي لا محل لها. ﴿لِيَحْزُنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانِ،﴾ و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَلَيْسَ:﴾\n (الواو): واو الحال. (ليس): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿الشَّيْطانِ﴾. ﴿بِضارِّهِمْ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (ضارهم): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله ضمير مستتر يعود إلى ﴿الشَّيْطانِ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول.\n ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به ثان وقيل: هو مفعول مطلق. وجملة (ليس...) إلخ في محل نصب حال من فاعل (يحزن) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿بِإِذْنِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، و(إذن) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿وَعَلَى:﴾ (الواو): فيما أرى صلة. (على الله): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ:﴾\n (الفاء): حرف استئناف، أو هي الزائدة. (ليتوكل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في مثلها: دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى هنا إن تناج","vol":"9","page":564},{"text":"الكافرون والمنافقون بإيحاء من الشيطان؛ فالمؤمنون يتوكلون على الله. وعلى هذا فالواو ليست زائدة، وإنما هي حرف استئناف، وتكون الفاء هي الفصيحة، أفصحت عن شرط مقدر، التقدير:\nوإذا رأى المؤمنون الكافرين، والمنافقين يتناجون؛ فليتوكلوا على الله، وتكون الجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ولا يخفى ما فيه من التكلف.\nتنبيه: ذكرت هذه الجملة في الاية رقم [١٢٢] و[١٦٠] من سورة (آل عمران)، وفي الاية رقم [١١] من سورة (المائدة) وفي الاية رقم [٥١] من سورة (التوبة)، وفي الاية رقم [٦٧] من سورة (يوسف). وفي الاية رقم [١١] و[١٢] من سورة (إبراهيم)، وفي الاية رقم [٣٨] من سورة (الزمر)، وفي الاية رقم [١٣] من سورة (التغابن).\n\n<span id=\"aya-5115\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان. ﴿إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا﴾ أي: إذا قال لكم أحد: توسعوا في المجالس، سواء كان مجلس رسول الله ﷺ، أو غيره من المجالس، فتوسعوا، وافسحوا له. ﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ أي: يوسع لكم ربكم في رحمته، وجنته، ورضوانه. ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أي: وإذا قيل لكم: أيها المؤمنون انهضوا من المجلس، وقوموا؛ لتوسعوا لغيركم؛ فارتفعوا منه، وقوموا. هذا؛ والنشز: الارتفاع مأخوذ من: نشز الأرض، وهو ارتفاعها، يقال: نشز، ينشز؛ إذا انتحى من موضعه؛ أي: ارتفع منه. وامرأة ناشز؛ أي: مترفعة عن طاعة زوجها.\n ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ أي: يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره، وأوامر رسوله-والعالمين منهم خاصة-أعلى المراتب، ويمنحهم أعلى الدرجات الرفيعة في الجنة. هذا؛ وقال مقاتل بن حيان-رحمه الله تعالى-: أنزلت هذه الاية يوم الجمعة، وكان رسول الله ﷺ يومئذ في الصّفّة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين، والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ، فقالوا: السّلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته! فرد النبي ﷺ عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي ﷺ ما يحملهم على القيام، فلم يفسح لهم، فشق ذلك على النبي ﷺ، فقال لمن حوله من المهاجرين،","vol":"9","page":565},{"text":"والأنصار من غير أهل بدر: «قم يا فلان! وأنت يا فلان!». فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين، والأنصار أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي ﷺ الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون: أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه عدل على هؤلاء، إن قوما أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب من نبيهم، فأقامهم، وأجلس من أبطأ عنه. فبلغنا: أن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله رجلا يفسح لأخيه».\nفجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا، فيفسح لإخوانهم، ونزلت هذه الاية يوم الجمعة. هذا؛ وقيل:\nنزلت الاية في ثابت بن قيس بن شماس، انظر الاية رقم [١١] من سورة (الحجرات).\nوقد ورد عن ابن عمر﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، فيجلس فيه، ولكن تفسّحوا، وتوسّعوا». أخرجه الشيخان، وأحمد. وعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «لا يقم الرجل الرجل من مجلسه، ثمّ يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم». أخرجه الإمام أحمد.\nوقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد؛ إذا جاء على أقوال، فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث: «قوموا إلى سيّدكم». ومنهم من منع ذلك محتجا بحديث: «من أحبّ أن يتمثّل له الرجال قياما فليتبوّا مقعده من النّار». ومنهم من فصّل، فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ﵁-، فإنه لما استقدمه النبي ﷺ حاكما في بني قريظة، فرآه مقبلا قال للمسلمين: «قوموا إلى سيّدكم». وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه، والله أعلم. فأما اتخاذه ديدنا فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن: أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكان إذا جاء لا يقومون له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك. انتهى. مختصر ابن كثير. يروى أن حسان﵁كان جالسا فمر الرسول ﷺ فقام، فقال مرتجلا: [الوافر] قيامي للعزيز عليّ فرض... وترك الفرض ما هو مستقيم\nأقول لمن له عقل وذهن: ... يرى هذا الجمال ولا يقوم\nولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك بل تبسم؛ حتى بدت نواجذه، وكأنه إقرار منه ﷺ لفعل حسان. وأقول: واستدلت الشافعية بهذه الحادثة على أن الأدب خير من الامتثال. وأما الحنفية فيقولون: الامتثال خير من الأدب.\nهذا؛ والاية الكريمة تنوه بفضل العلم وفضل أهله. وخذ نبذة من أحاديث الرسول ﷺ في بيان ذلك، فعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبد خيرا؛ فقّهه في الدّين، وألهمه رشده». رواه الطبراني في الكبير. وروى البخاري، ومسلم عن","vol":"9","page":566},{"text":"معاوية؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين». وعن أبي الدرداء -﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما؛ سهّل الله له طريقا إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجتحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض؛ حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء. إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، إنما ورّثوا العلم، فمن أخذه، فقد أخذ بحظّ وافر». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي.\nوعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ مثل العلماء في الأرض كمثل النّجوم يهتدى بها في ظلمات البرّ، والبحر، فإذا انطمست النجوم؛ أوشك أن تضلّ الهداة».\nرواه الإمام أحمد. وعن أبي أمامة﵁قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد، والاخر عالم، فقال عليه أفضل الصلاة والسّلام: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». ثم قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله وملائكته، وأهل السموات والأرض؛ حتّى النملة في حجرها، وحتى الحوت ليصلّون على معلّم الناس الخير». رواه الترمذي.\nوفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب﵁كان يقدّم عبد الله بن عباس﵄على كثير من الصحابة، ويدخله في الشورى مع مشيخة المهاجرين، والأنصار، فكلمه بعضهم في ذلك، فدعاهم، ودعاه، وسألهم عن تفسير قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فسكتوا، فقال ابن عباس﵄-: هو أجل رسول الله ﷺ، أعلمه الله إياه. فقال عمر﵁-: ما أعلم منها إلا ما تعلم. ومعنى قوله: هو أجل رسول الله ﷺ؛ أي: إنه إنذار بقرب وفاته ﷺ؛ لأن المعنى: إذا انتصر الدين، وانتشر في الجزيرة العربية، وتم فتح مكة؛ فلا يبقى لوجودك في الدنيا حاجة، بل انتقالك منها إلى الاخرة أولى. ومثل ذلك ما فهمه الصديق من نزول قوله تعالى في يوم عرفة في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾. رقم [٣] من سورة (المائدة).\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا:﴾ انظر الاية رقم [٩]. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَفَسَّحُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْمَجالِسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ أفاده ابن هشام في مغنيه، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «بحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك مرارا أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا، تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام؛ أي: وقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور:","vol":"9","page":567},{"text":"﴿لَكُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) ونحو: (زعموا مطيّة الكذب). وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿فَافْسَحُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (افسحوا): فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له كالجملة الندائية قبله. ﴿يَفْسَحِ:﴾ فعل مضارع مجزوم بجواب الأمر، الواقع جوابا للشرط، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تفسحوا؛ يفسح الله لكم، و﴿اللهُ﴾ فاعله، و﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان به.\n ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق، وقد حذف متعلق انشزوا لدلالة ما قبله عليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله فهو في محل نصب مثله. وقيل منصوب بفعل مضمر، تقديره: يخص الذين. ولا وجه له. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول.\n ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿دَرَجاتٍ:﴾ مفعول يرفع منصوب فهو مفعول ثان. ﴿قِيلَ:﴾ هو ظرف منصوب بنزع الخافض، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿يَرْفَعِ..﴾. إلخ لا محل لها مثل جملة: ﴿يَفْسَحِ..﴾. إلخ لأنهما جملتان واقعتان في محل جزم للشرط المقدر ب: «إن». ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٣]. و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.\n\n<span id=\"aya-5116\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية السابقة. ﴿إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ أي: أردتم مناجاة رسول الله ﷺ، انظر الاية رقم [٩]. ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ أي: أعطوا الفقراء والمساكين صدقة قبل محادثتكم النبي ﷺ، ومناجاتكم له. فقد استعير اليدان لمعنى قبل، كما استعيرا في كثير من الايات لمعنى: أمام، وقدام. ومعنى الاية: أن الله أمر عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ؛ أي: يسارّه فيما بينه وبينه أن يقدم قبل ذلك صدقة تطهره، وتزكيه وتؤهله؛ لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال: ﴿ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ:﴾ ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أي: الصدقة لفقركم، وعجزكم. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ هذا تسامح مع الفقراء الذين لا يجدون المال ليقدموه قبل مناجاة الرسول ﷺ وفائدة","vol":"9","page":568},{"text":"ذلك إعظام مناجاة الرسول ﷺ، فإن الإنسان إذا وجد الشيء بمشقة؛ استعظمه، وإن وجده بسهولة؛ استحقره، وفي ذلك أيضا نفع كثير للفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة.\nقال ابن عباس﵄-: إن الناس سألوا رسول الله ﷺ، وأكثروا حتى شق عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه ﷺ، فأمرهم أن يقدموا صدقة على مناجاته ﷺ. وقيل: نزلت في الأغنياء، وذلك: أنهم كانوا يأتون رسول الله ﷺ، فيكثرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول الله ﷺ طول جلوسهم، ومناجاتهم، فلما أمروا بالصدقة؛ كفوا عن مناجاته، فأما الفقراء وأهل العسرة، فلم يجدوا شيئا، وأما الأغنياء، وأهل الميسرة، فضنوا، واشتد ذلك على أصحاب الرسول ﷺ فنزلت الرخصة.\nوقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: نهوا عن المناجاة؛ حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب﵁-، تصدق بدينار (أي: على دفعات) وناجاه، ثم نزلت الرخصة، فكان علي كرم الله وجهه يقول: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي آية المناجاة. وعن علي﵁قال: لما نزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ..﴾.\nإلخ قال لي النبي ﷺ: «ما ترى؟ دينارا؟». قلت: لا يطيقونه. قال: «فنصف دينار؟». قلت: لا يطيقونه. قال: «فكم؟». قلت: شعيرة. قال: «إنك لزهيد». قال: فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة. أخرجه الترمذي. هذا؛ ومعنى: شعيرة؛ أي: وزن شعيرة من ذهب، ومعنى: لزهيد، يعني: قليل المال، قدرت على قدر حالك. هذا؛ وفي هذه الاية منقبة عظيمة لعلي﵁-؛ إذ لم يعمل بها أحد غيره، ولكن ليس فيها طعن على غيره من الصحابة، ووجه ذلك: أن الوقت لم يتسع ليعملوا بهذه الاية، ولو اتسع الوقت لم يتخلفوا عن العمل بها. انتهى. خازن بتصرف بسيط.\nوروي عن علي﵁أنه قال: كان لي دينار، فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم، وسألت رسول الله ﷺ عشر مسائل، فأجابني عنها، قلت: يا رسول الله ما الوفاء؟ قال:\n «التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله». قلت: وما الفساد؟ قال: «الكفر، والشرك بالله». قلت:\nوما الحق؟ قال: «الإسلام، والقرآن، والولاية إذا انتهت إليك». قلت: وما الحيلة؟ قال: «ترك الحيلة». قلت: وما عليّ؟ قال: «طاعة الله، وطاعة رسوله». قلت: وكيف أدعو الله؟ قال:\n «بالصدق، واليقين». قلت: وماذا أسأل الله؟ قال: «العافية». قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: «كل حلالا، وقل صدقا». قلت: وما السرور؟ قال: «الجنة». قلت: وما الراحة؟ قال:\n «لقاء الله». فلما فرغت منها نزل نسخها. انتهى. نسفي ولم يذكره غيره.\nقال ابن عمر﵄-: لقد كانت لعلي﵁ثلاث، لو كانت لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. انتهى.","vol":"9","page":569},{"text":"وقد نسخ حكم هذه الاية بالاية التالية، وقد دام حكمها عشر ليال. وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nفائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-في مثل هذا التركيب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا:﴾ دخلت (إن) على (لم) ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأن (لم) ترد الفعل المستقبل إلى معنى المضي، و(إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت (لم) ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأن (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ:﴾ انظر رقم [٩]. ﴿فَقَدِّمُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (قدموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و(بين) مضاف. و﴿يَدَيْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى لفظا، وحذفت النون للإضافة، و(يدي) مضاف، و﴿نَجْواكُمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿صَدَقَةً:﴾ مفعول ل: (قدموا).\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنْ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، وتفريع، (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَجِدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وهو فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف لعلمه من المقام، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنْ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا. التقدير: فإن لم تجدوا الصدقة؛ فلا حرج، ولا إثم عليكم؛ فالجملة الاسمية تكون تعليلية لا محل لها، والجملة الشرطية: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-5117\"></span>﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)﴾\nالشرح: هذه الاية ناسخة لحكم الاية السابقة، فهي متأخرة عنها نزولا؛ وإن اتصلت بها تلاوة، والنسخ كان بقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا يدل على جواز النسخ قبل","vol":"9","page":570},{"text":"الفعل، وما روي عن علي﵁ضعيف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وهذا يدل على أن أحدا لم يتصدق بشيء، والله أعلم. انتهى. قرطبي. وقيل: نسخت بفرضية الزكاة، ومعنى ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ ... إلخ: أي: أبخلتم بالإنفاق خشية الفقر؟، أو المعنى: أخفتم العيلة، والفقر، إن أنفقتم المال قبل مناجاة الرسول ﷺ؟ ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ﴾ أي: فيما أمر، وفيما نهى. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ كذلك فيما أمر، ورغب فيه، ونهى عنه من قول، أو فعل. ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ:﴾ محيط بأعمالكم:\nصغيرها، وكبيرها، خيرها، وشرها. فيجازيكم بها بالخير خيرا، وبالسوء سوآ.\nهذا؛ ومعنى (أقيموا الصلاة): أدوها على الوجه الأكمل، أدوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتموا ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه:\nصلى، ولا يقال: أقام الصلاة. هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء والتضرع، وهي في الشرع:\nأقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي. والصلاة من العبد معناها: التضرع، والدعاء. ومن الملائكة على العبد، معناها: الاستغفار، وطلب الرحمة له. ومن الله على عباده معناها: الرحمة، وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٥٦]: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وأما الزكاة فهي في اللغة النماء والتطهير، وفي الشرع: اسم لمال مخصوص، يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الاية رقم [٦٠] من سورة (التوبة). وقد خص الله الصلاة، والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، وفرضت للفقير، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. وانظر الصلاة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء، والمنكر، والتي لا تنهاه في الاية رقم [٤٥] من سورة (العنكبوت).\nهذا؛ ومن القرطبي: وفي حديث: أن النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة، من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزّكاة، والله تعالى يقول: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله ﷿ يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾.\nالإعراب: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (أشفقتم): فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: أأشفقتم؛ أي: أخفتم الفقر. ﴿أَنْ تُقَدِّمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من تقديم، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وإن قلت: في محل نصب بنزع الخافض؛ فلست مفندا. ﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ﴾ انظر الاية السابقة فالإعراب مثله. ﴿صَدَقاتٍ:﴾ مفعول به ل: ﴿تُقَدِّمُوا﴾ منصوب،","vol":"9","page":571},{"text":"وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذْ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، وتفريع. (إذ): فيها ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها على بابها من المضي، والمعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامة الصلاة. قاله أبو البقاء، وهذا يعني: أنها مبنية على السكون في محل نصب متعلقة بالفعل «تركتم» المقدر. والثاني: أنها بمعنى: (إذا)، كقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٧١]: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾. والثالث: أنها بمعنى: (إن) الشرطية، وهو قريب مما قبله، إلا أن الفرق بين «إن» و«إذا» معروف. انتهى. جمل نقلا من السمين.\n ﴿لَمْ تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لم تفعلوا الصدقة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها.\n ﴿وَتابَ:﴾ (الواو): واو الحال. (تاب الله): ماض، وفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، و«قد» قبلها مقدرة. ﴿فَأَقِيمُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب إذ. (أقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها لوقوعها جوابا ل: (إذ)، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٣].\n\n<span id=\"aya-5118\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ أي: ألم تنظر إلى الذين... إلخ، فهو تعجيب للرسول ﷺ من أمر المنافقين؛ الذين اتخذوا اليهود أصدقاء؛ أي: ألا تعجب يا محمد من حال هؤلاء المنافقين، الذين يزعمون الإيمان، وقد اتخذوا اليهود المغضوب عليهم أولياء، يناصحونهم، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين. والذين غضب الله عليهم هم اليهود لقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٦٠]: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾. ﴿ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ:﴾ يعني: إن المنافقين ليسوا منكم في الدين، والولاء، ولا هم من اليهود، فهم مذبذبون بين ذلك، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٣]: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾. ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ أنهم كاذبون، نزلت الاية الكريمة في عبد الله بن نبتل المنافق، كان يجالس رسول الله ﷺ، ويرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله ﷺ في حجرة من حجره؛ إذ قال: «يدخل عليكم الان رجل قلبه قلب جبار، وينظر بعيني شيطان». فدخل عبد الله بن نبتل، وكان أزرق العينين أسمر البشرة، قصيرا خفيف اللحية، فقال له النبي ﷺ: «علام تشتمني أنت وأصحابك؟!». فحلف بالله: ما فعل، وجاء","vol":"9","page":572},{"text":"بأصحابه، فحلفوا ما سبوه، فأنزل الله الاية. هذا؛ وحلفهم على الكذب تكرر ذكره في الاية رقم [٦٢] من سورة (النساء) وفي الايات: [٤٢ - ٥٦ - ٦٢ - ٧٤ - ٩٥ - ٩٦ - ١٠٧] من سورة (التوبة). هذا؛ وفائدة الإخبار عنهم: أنهم يعلمون بيان ذمهم بارتكابهم اليمين الغموس؛ التي تغمس صاحبها في النار، فلا يرد ما فائدة قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر الاية رقم [٧]. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَوْمًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ في محل نصب صفة ﴿قَوْمًا﴾. ﴿قَوْمًا:﴾ نافية حجازية تعمل عمل:\n «ليس»، أو هي مهملة لا عمل لها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿قَوْمًا،﴾ أو في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿قَوْمًا،﴾ أو بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية على الاعتبارين فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مستأنفة، لا محل لها. والثاني: في محل نصب حال من فاعل ﴿تَوَلَّوْا﴾. والثالث: أنها في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿قَوْمًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم والرابط على الحالية والوصفية الضمير. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿مِنْهُمْ:﴾ معطوفان على ﴿مِنْكُمْ﴾ عطف مفرد على مفرد، وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف لدلالة ما قبله؛ فالعطف يكون عطف جملة على جملة. تأمل.\n (يحلفون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تَوَلَّوْا..﴾. إلخ فهي من جملة الصلة، وعليه تكون جملة: ﴿ما هُمْ مِنْكُمْ..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفتين على الوجه الأول فيها. ﴿عَلَى الْكَذِبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَهُمْ:﴾\n (الواو): واو الحال. (هم): مبتدأ، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-5119\"></span>﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ..﴾. إلخ أي: هيأ الله للمنافقين عذابا شديدا في الدرك الأسفل من النار، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٥]: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ وذلك لأنهم أخبث من الكفرة، وأضر على المسلمين منهم؛ لأنهم يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر، ويضمون إلى كفرهم الاستهزاء، والسخرية بالإسلام، والمسلمين.\n ﴿إِنَّهُمْ ساءَ:﴾ يجوز في هذا الفعل أن يكون على بابه من التصرف، والتعدي، ومفعوله","vol":"9","page":573},{"text":"محذوف؛ أي: ساءهم الذي كانوا يعملونه، أو عملهم، وأن يكون جاريا مجرى: «بئس» فيحول إلى فعل بالضم، ويمتنع تصرفه، ويصير للذم، ويكون المخصوص بالذم محذوفا. والمعنى:\nبئست أعمالهم الخبيثة، من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدهم الناس عن الإيمان بالله، ورسوله.\nالإعراب: ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الضمير فقط، و«قد» قبلها مقدرة، ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به. ﴿شَدِيدًا:﴾ صفة له.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر فيه وجوبا فسره التمييز، وهو: ﴿ما﴾ فإنها نكرة موصوفة بمعنى: «شيئا» مبنية على السكون في محل نصب، والجملة الفعلية بعدها صفتها، والرابط محذوف، التقدير: ساء الشيء شيئا كانوا يعملونه، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذموم عملهم. وهذا الإعراب على اعتبار الفعل جامدا، وأما على اعتباره متصرفا؛ فمفعوله محذوف، التقدير: ساءهم، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف. التقدير: ساءهم الذي، أو شيء كانوا يعملونه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مع مفعوله المحذوف في محل نصب خبر (كان). وجملة: ﴿ساءَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ ساءَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5120\"></span>﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا أيمانهم الكاذبة الفاجرة وقاية لأنفسهم، ولأموالهم؛ سترة من القتل، والاستيلاء عليها. قال في التسهيل: أصل الجنة ما يستتر به، ويتقى به المحذور كالترس، ثم استعمل هنا بطريق الاستعارة؛ لأنهم كانوا يظهرون الإسلام؛ ليعصموا دماءهم، وأموالهم وانظر الاية رقم [٢] من سورة (المنافقون). ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي:\nفمنعوا الناس عن الدخول في الإسلام، بإلقاء الشبهات في قلوب الضعفاء، والمكر، والخداع بالمسلمين. ﴿فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي: فلهم عذاب شديد في غاية الشدة والإهانة، فهو وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم. وقيل: الأول عذاب السعير، وهذا عذاب الاخرة. هذا؛ وقد وعدهم الله العذاب المخزي؛ لكفرهم وصدهم الناس عن سبيل الله، كما قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٨٨]: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾.\nهذا؛ و﴿أَيْمانَهُمْ﴾ جمع: يمين بمعنى: الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو اسم من أسمائه. قال تعالى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ رقم","vol":"9","page":574},{"text":"[٢٢٤] من سورة (البقرة). واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة. والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان. قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الاخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى». والإيمان يزيد وينقص على المعتمد، كما رأيت في الاية رقم [٢] من سورة (الأنفال)، وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. ولا يجمع بهذا المعنى؛ لأنه مصدر، بخلاف ما تقدم.\nهذا؛ وصد يصد يأتي بمعنى: يمنع، ويصرف، وهو ما في هذه الاية، وهو بضم الصاد، ويأتي بمعنى: يعرض، ويميل، ومنه قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ رقم [٦٨] من سورة (النساء)، وهو بهذا المعنى يأتي بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى:\nيضجون فرحا، ومنه قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٥٧]: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.\nالإعراب: ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَيْمانَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جُنَّةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مفسرة لقوله: ﴿ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ،﴾ أو هي بدل منها؛ لأنك لو طرحت الأولى لا يخل بالمعنى طرحها. ﴿فَصَدُّوا:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (صدوا): ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف التقدير: صدوا الناس، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَلَهُمْ:﴾ (الفاء): حرف عطف، وتعقيب. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5121\"></span>﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ﴾ أي: لن تنفعهم أموالهم، ولا أولادهم في الاخرة، ولن تدفع عنهم شيئا من عذاب الله. وقدم الله ذكر الأموال في هذه الاية، وكثير غيرها على الأولاد؛ لأنها أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب، ولأن المال شقيق الروح، فقد يفرط الإنسان بروحه في سبيل الدفاع عن ماله، وقد يبيع شرفه، ومروءته، وكرامته في سبيل تحصيل المال، وقد يسبب له جمع المال العذاب الأليم في نار الجحيم، ولا سيما في هذا الزمن الذي صار الإنسان لا يبالي ما أخذ: من حلال، أو من حرام. ﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى المنافقين الموصوفين","vol":"9","page":575},{"text":"في الايات السابقة، واللاحقة. هذا؛ وقد ذكر الله هذه الاية بحروفها كاملة في سورة (آل عمران) رقم [١١٦] ولكنها صدرت هناك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ﴾. ﴿أَصْحابُ النّارِ:﴾\nبمعنى: مالكيها لملازمتهم لها وعدم انفكاكهم عنها، ويقال مثله ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾. ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾ مقيمون مخالدون، لا يخرجون منها أبدا.\nالإعراب: ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تُغْنِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾.\n ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَمْوالُهُمْ:﴾ فاعله. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تُغْنِيَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والجار والمجرور في محل نصب مفعول به. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول مطلق، أو نائب عنه. هذا؛ وجوز أن يكون مفعولا به، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة؛ التي ذكرتها مرارا.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَنْهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدُونَ﴾ بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، أو هي في محل نصب حال من: ﴿أَصْحابُ النّارِ،﴾ أو من:\n ﴿النّارِ،﴾ وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، والرابط: الضمير على الاعتبارين. وهذه الجملة يكثر ذكرها في كثير من السور.\n\n<span id=\"aya-5122\"></span>﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ أي: يحشرهم الله جميعا للحساب، والجزاء، ومثله الاية رقم [٦]. ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أي: فيحلفون لله على أنهم مسلمون، وأنهم كانوا على الهدى، والاستقامة، وقال ابن عباس﵄-: هو قولهم: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ الاية رقم [٢٣] من سورة (الأنعام). ﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ أي: كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء مات عليه، وبعث عليه، ويعتقدون: أن ذلك ينفعهم عند الله، كما كان ينفعهم عند الناس، فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي: يظنون أن حلفهم في","vol":"9","page":576},{"text":"الاخرة ينفعهم، وينجيهم من عذابها، كما نفعهم في الدنيا بدفع القتل عنهم، وذلك؛ لأن تمكن النفاق في قلوبهم، بحيث يخيل إليهم في الاخرة أن الأيمان الكاذبة تروّج الكذب على الله كما تروّجه على المؤمنين في الدنيا. قال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: والعجب منهم كيف يعتقدون: أن كفرهم يخفى على علام الغيوب، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم، ونفاقهم، والمقصود: أنهم تعودوا الكذب حتى كان على ألسنتهم في الاخرة، كما كان في الدنيا. ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أي: البالغون الغاية في الكذب؛ حيث يكذبون يوم القيامة بين يدي عالم الغيب، والشهادة.\nأقول: ولا يستغرب من المنافقين الكذب في الدنيا وفي الاخرة؛ لأنهم مطبوعون عليه، وهو وصف لازم لهم. فعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى، وصام، وزعم: أنه مسلم». وبين الله ﷿ أن افتراء الكذب ديدن الذين لا يؤمنون بآيات الله. قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٠٥]: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ انظر شرح هذه الاية هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر سورة (المنافقون) رقم [١].\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُهِينٌ،﴾ أو ب: ﴿عَذابٌ،﴾ أو بالاستقرار الواقع خبرا، وهو قوله: (لهم) وعلى هذه الأوجه فالاية بينهما كلها معترضة، أو هو متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر، وهو أقوى هنا. ﴿يَبْعَثُهُمُ اللهُ:﴾ مضارع، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من الضمير المنصوب، فهي حال مؤكدة.\n ﴿فَيَحْلِفُونَ:﴾ (الفاء): حرف عطف، وجملة: (يحلفون له) معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها. ﴿كَما:﴾ (الكاف): حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿فَيَحْلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) والفعل: (يحلفون) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما قبله، التقدير: يحلفون له حلفا كائنا مثل حلفهم لكم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل ذلك أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿وَيَحْسَبُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يحسبون): فعل مضارع... إلخ. والواو فاعله. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه الفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يحسبون) وجملة (يحسبون...) إلخ معطوفة على ما قبلها. هذا؛","vol":"9","page":577},{"text":"وقال الجمل: في محل نصب حال من فاعل (يحلفون) وهذا هفوة منه؛ لأن المضارع المثبت لا تقع جملته حالا إلا بتقدير مبتدأ قبلها. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا، ومن الواو خلت\nوذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا\n ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿أَنَّهُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿يَبْعَثُهُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (إنّ) على المحل.\n ﴿الْكاذِبُونَ:﴾ خبر (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و﴿الْكاذِبُونَ﴾ خبره، فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّهُمْ..﴾. إلخ ابتدائية، لا محل لها من الإعراب.\n\n<span id=\"aya-5123\"></span>﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ﴾ أي: استولى على قلوبهم الشيطان، وغلب عليهم، وتملك نفوسهم؛ حتى أنساهم أن يذكروا ربهم، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذّئب من الغنم القاصية». أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي عن أبي الدرداء﵁-. ولا ريب: أن المراد بإقامة الصلاة: الصلاة في الجماعة.\nقال شاه الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد أن يشغله بعمارة ظاهره من الماكل، والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله، ونعمائه، والقيام بشكرها. ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب، والغيبة، والبهتان. ويشغل لبه عن التفكر، والمراقبة بتدبير الدنيا، وجمعها.\nهذا؛ و﴿اِسْتَحْوَذَ﴾ من حذت الإبل، وحزتها: إذا استوليت عليها. الأول بالذال، والثاني بالزاي، وكون استحوذ من الثاني من حيث الاشتقاق الأكبر. قال القاضي البيضاوي: وهو مما جاء على الأصل، يعني على خلاف القياس، فإن القياس: استحاذ بقلب الواو ألفا، كاستعان، واستعاذ، واستقام، ولكن استحوذ هاهنا أجود؛ لأن الفعل في هذا المعنى لا يستعمل إلا بزيادة. انتهى. نسفي. هذا؛ ومما جاء على الأصل مثل استحوذ: استصوب، واستنوق، مع العلم: أن هذا الفعل لم يذكر في غير هذه السورة، وذكر بلفظ المضارع في سورة (النساء) رقم [١٤١] فقط. هذا؛ والنسيان: مصدر: نسيت الشيء، أنساه، وهو مشترك بين معنيين:\nأحدهما: ترك الشيء عن ذهول، وغفلة، والثاني: عن تعمد، وقصد.","vol":"9","page":578},{"text":"هذا؛ و(الحزب) في اللغة أصحاب الرّجل؛ الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون معه لأمر حزبه، يعني: أهمه، والجمع: أحزاب. هذا؛ وكل حزب لا يكون سائرا على الجادة المستقيمة؛ فهو حزب الشيطان، يعني: أتباعه، وأنصاره، وأعوانه، وهم الخاسرون، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: الكاملون في الخسران؛ لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم الدائم، وعرّضوها للعذاب المقيم. وكل حزب يسير على الجادة المستقيمة فهو حزب الله، وحزب الله هم المفلحون، هم الناجون من غضب الله، وعقابه، الفائزون برحمة الله، ورضوانه.\nالإعراب: ﴿اِسْتَحْوَذَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿فَأَنْساهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنساهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾. تقديره: هو. ﴿ذِكْرَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حِزْبُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الشَّيْطانُ﴾ مضاف إليه. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح مثل سابقه. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿حِزْبُ:﴾\nاسمها، وهو مضاف، و﴿الشَّيْطانُ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾\nخبر ﴿الشَّيْطانُ﴾ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبره؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ حِزْبَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-5124\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ انظر الاية رقم [٥] ففيها الكفاية. ﴿أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ أي: في جملة الأذلين، أو مع الأذلين في الدنيا، والاخرة؛ لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز الخصم الثاني، ولما كانت عزة الله، ورسوله غير متناهية، كانت ذلة من يحادهما، وينازعهما غير متناهية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر كبتهم في الاية رقم [٥].\nالإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ انظر الاية رقم [٥] فهي مثلها إفرادا وجملة.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿فِي الْأَذَلِّينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.","vol":"9","page":579},{"text":"<span id=\"aya-5125\"></span>﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي: قدر الله، وقضى قضاء ثابتا في اللوح المحفوظ، الذي لا يبدل، ولا يغير. هذا؛ وقيل: غلبة الرسل على نوعين: فمنهم من يؤمر بالحرب، فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب، فهو غالب في الحجة. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥١]: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾.\nالإعراب: ﴿كَتَبَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لَأَغْلِبَنَّ:﴾ (اللام): واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وعزتي وجلالي. (أغلبن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد للضمير المستتر.\n ﴿وَرُسُلِي:﴾ معطوف على الضمير المستتر، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مفعول به لفعل: ﴿كَتَبَ﴾. هذا؛ وقال الجمل: ضمن ﴿كَتَبَ﴾ معنى: أقسم؛ ولذا أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ..﴾. إلخ وضعفه أبو البقاء، وما قاله الجمل قيل به في قوله تعالى:\n ﴿قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ..﴾. إلخ رقم [١٢] من سورة (الأنعام).\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿قَوِيٌّ عَزِيزٌ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة.\n<span id=\"aya-5126\"></span>﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا..﴾. إلخ أي: لا يمكن أن ترى أيها السامع جماعة يؤمنون بالله، واليوم الاخر الإيمان الكامل يحبون، ويوالون من عادى الله، ورسوله، وخالف أوامر هما؛ لأن","vol":"9","page":580},{"text":"من أحب الله؛ عادى أعداءه، ولا يجتمع في قلب واحد حب الله، وحب أعدائه، كما لا يجتمع النور، والظلام. قال المفسرون: غرض الاية: النهي عن مصادقة، ومحبة الكفرة، والمجرمين من المسلمين، ولكنها جاءت بصورة إخبار مبالغة في النهي، والتحذير. انتهى.\nصفوة التفاسير.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: قد أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم، ومعاملتهم، ومعاشرتهم، فما هذه المودة المحظورة؟ قلت: المودة المحظورة هي: مناصحتهم، وإرادة الخير لهم دينا ودنيا مع كفرهم، فأما ما سوى ذلك؛ فلا حظر فيه. انتهى.\nوقال القرطبي: قال السدي: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبيّ جلس إلى النبي ﷺ، فشرب النبي ﷺ ماء، فقال له: بالله يا رسول الله ما أبقيت من شرابك فضلة أسقيها أبي، لعلّ الله يطهر بها قلبه؟ فأفضل له، فأتاه بها، فقال له والده: ما هذا؟ فقال: هي فضلة من شراب النبي ﷺ، جئتك بها تشربها، لعل الله يطهر قلبك بها! فقال له أبوه: فهلا جئتني ببول أمك، فإنه أطهر منها! فغضب، وجاء إلى النبي ﷺ، وقال: يا رسول الله! أما تأذن لي في قتل أبي؟ فقال النبي ﷺ: «بل ترفق به، وتحسن إليه». وقال ابن جريج-رحمه الله تعالى-: حدثت أن أبا قحافة سب النبي ﷺ، فصكه أبو بكر ابنه﵁صكة، فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي ﷺ، فذكر ذلك له، فقال: «أو فعلته؟! لا تعد إليه!». فقال: والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا؛ لقتلته! وقال ابن مسعود﵁-: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح﵁قتل أباه يوم أحد. وقيل: يوم بدر، وكان الأب يتصدى لأبي عبيدة، وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة، فقتله، فأنزل الله حين قتل أباه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الاية، وهذا قاله كثير من المفسرين، وهو المعتمد.\n ﴿أَوْ أَبْناءَهُمْ﴾ يعني: أبا بكر﵁دعى ابنه عبد الله. وقيل: عبد الرحمن إلى البراز يوم بدر فقال له النبي ﷺ: «متّعنا بنفسك يا أبا بكر! أما تعلم أنّك عندي بمنزلة السّمع والبصر؟!».\n ﴿أَوْ إِخْوانَهُمْ﴾ يعني: مصعب بن عمير﵁قتل أخاه عبيد بن عمير يوم بدر. ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ يعني: عمر بن الخطاب﵁قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر.\nوعليا، وحمزة﵄قتلا عتبة، وشيبة، والوليد يوم بدر، وهم بنو عمهم، وعشيرتهم.\nانتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وقد بدأ الله بالاباء؛ لأن طاعتهم واجبة على الأولاد، ثم بالأبناء؛ لأنهم أعلق بالقلوب، ثم بالإخوان؛ لأن بهم التعاضد، ثم بالعشيرة؛ لأن بهم التناصر، والمقاتلة، والتغلب على الأعداء. قال قريط بن أنيف العنبري في مدح بني مازن: [البسيط] قوم إذا الشّرّ أبدى ناجذيه لهم... طاروا إليه زرافات وواحدانا\nلا يسألون أخاهم حين يندبهم... في النّائبات على ما قال برهانا","vol":"9","page":581},{"text":"﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ﴾ أي: أثبت الإيمان، ومكنه في قلوبهم، فهي مؤمنة موقنة مخلصة، وإنما ذكر القلوب؛ لأنها موضع الإيمان. ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي: قواهم بنصر منه. وإنما سمى نصره إياهم: روحا؛ لأن أمرهم حيي به. وقيل: بالإيمان. وقيل:\nبالقرآن. وقيل: بجبريل. وقيل: برحمته. وقال ابن جريج: أيدهم بنور، وإيمان، وبرهان، وهدى. ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: ويدخلهم في الاخرة بساتين، وحدائق فسيحة تجري من تحت قصورها أنهار الجنة. ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين فيها أبد الابدين. لم يذكر الأبد هنا، وذكر في آخر سورة (المائدة)، وغيرها، ويحمل المطلق على المقيد.\n ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: قبل الله أعمالهم، فرضي عنهم، ونالوا ثوابه، فرضوا بما أعطاهم. جاء في مختصر ابن كثير ما يلي: وفي قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى؛ عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم. ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾ أي: هؤلاء حزب الله، وخاصته، وأهل كرامته. ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ:﴾ هذا تنويه بفلاحهم، وسعادتهم في الدنيا، والاخرة. وهذا كله في مقابلة قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ..﴾. إلخ.\nقال سعيد بن أبي سعيد الجرجاني-رحمه الله تعالى-عن بعض مشايخه: قال داود ﵇: إلهي من حزبك، وحول عرشك؟ فأوحى الله إليه: يا داود الغاضة أبصارهم، النقية قلوبهم، السليمة أكفهم، أولئك حزبي، وحول عرشي. انتهى. قرطبي.\nوفي الحديث: «إن الله يحبّ الأتقياء الأخفياء الأبرياء؛ الذين إذا غابوا؛ لم يفتقدوا، وإذا حضروا؛ لم يدعوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كلّ فتنة سوداء مظلمة؛ فهؤلاء أولياء الله الذين قال الله فيهم: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»﴾. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال الحسن﵁-: قال رسول الله ﷺ: «اللهمّ لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدا ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته إليّ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ». أخرجه أبو أحمد العسكري. انتهى. مختصر ابن كثير.\nهذا؛ وقال النسفي: وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون: أن الاية نزلت فيمن يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي روّاد: أنه لقي المنصور العباسي في الطواف، فلما عرفه هرب منه، وتلاها. وقال سهل: من صح إيمانه، وأخلص توحيده؛ فإنه لا يأنس بمبتدع، ولا يجالسه، ويظهر له من نفسه العداوة، ومن داهن مبتدعا؛ سلبه الله حلاوة السنن، ومن أجاب مبتدعا لطلب عز الدنيا، أو غناها؛ أذله الله بذلك العز، وأفقره بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع؛ نزع الله نور الإيمان من قلبه، ومن لم يصدق؛ فليجرب. انتهى.","vol":"9","page":582},{"text":"تنبيه: تكرر رضا الله عن عباده، ورضا عباده عنه في القرآن الكريم، ويجدر بي أن أقول:\nإن رضا الله عن العبد موقوف على رضا العبد عن الله تعالى، وفحوى هذا: أن العبد إذا رضي بكل شيء يصيبه في دنياه من صحة، أو مرض، أو غنى، أو فقر، فيكون راضيا عن الله تعالى؛ فالله يثيبه رضاه؛ أي: رحمته، وعفوه، وجوده، وإحسانه. فعليه: من أحب أن يعرف منزلته عند الله تعالى؛ فلينظر إلى منزلة الله عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه، والدواء الشافي هو الرضا بقضاء الله، وقدره في كل ما يصيب المؤمن في دنياه. وخذ جرعة من هذا الدواء على لسان سيد الأنبياء: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». رواه الإمام مسلم، وغيره عن أبي هريرة -﵁-. وخذ ما يلي:\nقال أبو زيد-رحمه الله تعالى-: غلطت في أربعة أشياء في الابتداء مع الله تعالى، ظننت أني أحبه، فإذا هو أحبني. قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ،﴾ وظننت أني أرضى عنه، فإذا هو قد رضي عني. قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ،﴾ وظننت أني أذكره، فإذا هو يذكرني. قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ وظننت أني أتوب إليه، فإذا هو قد تاب عليّ. قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾. هذا؛ و(آباء) جمع: أب، وأصله: أبو، وجمعه آباو، و(أبناء) جمع: ابن، وأصله بنو، فجمعه أبناو، وصحح مكي: أن أصله: بني، وجمعه أبناي، و«نساء» أصله:\nنساي، فقل في إعلال الثلاثة: تحركت الواو والياء، وانفتح ما قبلهما، فقلبتا ألفا ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. ومثل ما ذكر: سماء، وكساء، وبناء، وبيداء... إلخ.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَجِدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿قَوْمًا:﴾\nمفعول به. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب صفة قوما.\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اليوم): معطوف على ما قبله.\n ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة (اليوم). ﴿يُوادُّونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل: ﴿تَجِدُ،﴾ إن كان بمعنى (تعلم) وإن كان بمعنى: تصادف، وتلقى؛ فالجملة في محل نصب حال، أو صفة ثانية ل: ﴿قَوْمًا،﴾ وساغ مجيء الحال منه بعد وصفه بالجملة بعده.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿حَادَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ لا محل لها. ﴿بِاللهِ:﴾\nمنصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَلَوْ:﴾ (الواو): واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم،","vol":"9","page":583},{"text":"والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿آباءَهُمْ:﴾ خبر ﴿كانُوا﴾ وما بعده معطوف عليه، والهاء في الجميع في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: (لو كانوا...) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة: ﴿لا تَجِدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿كَتَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿بِاللهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِي قُلُوبِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْإِيمانَ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَيَّدَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أيدهم):\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿بِاللهِ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿بِرُوحٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (روح).\n ﴿وَيُدْخِلُهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يدخلهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿بِاللهِ،﴾ والهاء مفعوله الأول. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾\nفاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿رَضِيَ اللهُ:﴾\nماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال ثانية من الضمير المنصوب. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ..﴾. إلخ انظر إعراب مثله إفرادا، وجملا في الاية رقم [١٩].\nانتهت سورة (المجادلة) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين","vol":"9","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4489>سورة الحشر</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الحشر) مدنية في قول الجميع. قال سعيد بن جبير﵁-: قلت لابن عباس﵄-: سورة (الحشر) فقال: قل: سورة بني النّضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون ﵇، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد ﷺ، وكان من أمرهم ما نص الله عليه في القرآن. وهي أربع وعشرون آية، وأربعمئة، وخمس وأربعون كلمة، وألف وتسعمئة، وثلاثة عشر حرفا. انتهى. خازن.\nهذا؛ وروى ابن عباس﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ سورة الحشر، لم يبق شيء من الجنة، والنار، والعرش، والكرسيّ، والسموات، والأرض، والهوام، والرّيح، والسحاب، والطير، والدوابّ، والشجر، والجبال، والشمس، والقمر، والملائكة، إلا صلّوا عليه، واستغفروا له، فإن مات من يومه، أو من ليلته؛ مات شهيدا». خرجه الثعلبي.\nوخرج الثعالبي عن يزيد الرقاشي، عن أنس﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ آخر سورة الحشر: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ إلى آخرها فمات من ليلته مات شهيدا».\nوروى الترمذي عن معقل بن يسار﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يصبح ثلاث مرّات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر؛ وكّل الله به سبعين ألف ملك يصلّون عليه حتّى يمسي، وإن مات في يومه؛ مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي؛ فكذلك». قال: حديث حسن غريب. انتهى. قرطبي.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5127\"></span>﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾\nالشرح، والإعراب لا حاجة إلى المزيد عما ذكرته في الاية رقم [١] من سورة (الحديد).\n<span id=\"aya-5128\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)﴾\nالشرح، قال المفسرون: نزلت هذه السورة في بني النضير، وهم طائفة من اليهود، وذلك:","vol":"9","page":585},{"text":"أن النبي ﷺ، لما دخل المدينة صالحه بنو النّضير، وغيرهم من قبائل اليهود على أن لا يقاتلوه، ولا يقاتلوا معه، فقبل ذلك رسول الله ﷺ. فلما وقعت غزوة بدر، وانتصر الرسول ﷺ على المشركين؛ قال بنو النّضير: والله إنه النبي الأمي، الذي نجد نعته في التوراة، لا ترد له راية، فلما حصلت غزوة أحد، وهزم المسلمون؛ ارتابوا، وأظهروا العداوة لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ، وركب كعب بن الأشرف (عربي تهود) في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة، فأتوا قريشا، فحالفوهم، وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد ﷺ، ودخل أبو سفيان في أربعين من قريش، وكعب بن الأشرف في أربعين من اليهود المسجد الحرام، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة، ثم رجع كعب-أخزاه الله- وأصحابه إلى المدينة، فنزل جبريل ﵊، فأخبر النبي ﷺ بما تعاقد عليه كعب، وأبو سفيان، وأمره بقتل كعب بن الأشرف، فقتله محمد بن مسلمة﵁غيلة.\nوكان النبي ﷺ قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم يستعينهم في دية الرجلين المسلمين، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري﵁في منصرفه من بئر معونة، فهموا بطرح حجر على النبي ﷺ من الحصن، فعصمه الله منهم، وأخبره بذلك، وقد تقدمت القصة في سورة (المائدة) فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله ﷺ، وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية يقال لها: زهرة، فلما سار إليهم النبي ﷺ وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف، فقالوا: يا محمد! واعية على إثر واعية، وباكية على إثر باكية؟! قال: «نعم». فقالوا: ذرنا نبك شجونا، ثم ائتمر أمرك، فقال النبي ﷺ: «اخرجوا من المدينة». فقالوا: الموت أحب إلينا من ذلك، ثم تنادوا بالحرب، وأذّنوا بالقتال، ودسّ المنافقون عبد الله بن أبيّ وأصحابه ألاّ تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم؛ فنحن معكم، ولا نخذلكم، ولننصرنكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، فدرّبوا على الأزقة، وحصّنوها.\nثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله ﷺ، فأرسلوا إليه أن اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، فيسمعوا منك، فإن صدقوك، وآمنوا بك؛ آمنا كلنا، فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرا من اليهود، حتى كانوا في براز من أصحابه، فقال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه، ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه، كلهم يحب الموت قبله، ولكن أرسلوا إليه كيف نفهم، ونحن ستون؟ اخرج في ثلاثة من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، فيسمعون منك، فإن آمنوا بك؛ آمنا بك، وصدقناك.\nفخرج إليهم رسول الله ﷺ في ثلاثة من أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود، معهم الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير، إلى أخيها، وهو رجل من","vol":"9","page":586},{"text":"الأنصار، فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله ﷺ، فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي ﷺ فسارّه بخبرهم، قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي ﷺ، فلما كان من الغد؛ صبحهم رسول الله ﷺ بالكتائب، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، فسألوا رسول الله ﷺ الصلح، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به، فقبلوا ذلك، فصالحهم على الجلاء. وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم، إلا الحلقة، (وهي السلاح) وعلى أن يخلوا لهم ديارهم، وعقارهم وسائر أموالهم.\nوقال ابن عباس﵄-: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي ﷺ ما بقي. وقيل: أعطى كل ثلاثة نفر بعيرا، وسقاء، ففعلوا، وخرجوا من ديارهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، فذلك قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ يعني بني النّضير، ﴿مِنْ دِيارِهِمْ﴾ يعني: التي كانت لهم في المدينة. قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي ﷺ يوم أحد، وفتح قريظة مرجعه من الأحزاب، وبينهما سنتان. انظر فتح موطن بني قريظة في سورة (الأحزاب) تجد ما يسرك ويثلج صدرك.\n ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ:﴾ الحشر الجمع. قال تعالى في سورة (النمل) رقم [١٧] ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ..﴾. إلخ.\nو(يحشرون) بالياء، والتاء في كثير من الايات بمعنى: يساقون، ويجمعون، والمراد بأول الحشر هنا: طردهم وإجلاؤهم من المدينة المنورة إلى بلاد الشام، وغيرها، والمراد بالحشر الثاني: طردهم من خيبر، وجميع الجزيرة العربية في عهد عمر﵁إلى أذرعات، وأريحا، وغيرها. وقيل: ما تقدم هذا أول الحشر من المدينة، ونحوها، والحشر الثاني: نار تحشرهم يوم القيامة من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا.\nوالمعتمد الأول.\n ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا:﴾ لشدة بأسهم، ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم، ووفرة عدتهم.\nخرجوا؛ وهم مهانون ذليلون. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾ أي: وظن بنو النضير: أن حصونهم الحصينة تمنعهم من بأس الله، وتدفع عنهم عذابه، وانتقامه. هذا؛ وحصونهم هي:\nالوطيح، والنّطاة، والسلالم، والكتيبة. وفي قوله: ﴿ما ظَنَنْتُمْ..﴾. إلخ طباق السلب. ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ﴾ أي: أمر الله، وعذابه، وعقابه. ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا:﴾ من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، وفي كثير من الايات قوله تعالى: ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أي: الخوف الشديد بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وقذفه: إثباته في قلوبهم.\nوفي البخاري ومسلم قول النبي ﷺ: «نصرت بالرعب من مسيرة شهر». فكيف لا ينصره بالرعب مسيرة ميل من المدينة المنورة إلى محلة بني النضير؟ وهذه خصّيصى لمحمد ﷺ دون غيره.","vol":"9","page":587},{"text":"﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الزهري: وذلك: أن النبي ﷺ لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الإبل، كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم، فيهدمون، وينزعون منها ما استحسنوه منها، فيحملونه على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها. وقيل: كانوا يقلعون العمد، وينقضون السقوف، وينقبون الجدران، لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم، وبغضا. وقيل: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، ويخربها اليهود من داخلها، وقال ابن عباس﵄-: كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها، لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارها، فيخرجون إلى التي بعدها، فيتحصنون فيها، ويكسرون ما يليهم، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله ﷺ. انتهى. خازن. فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذي هو مال النظم؟ أجيب بأنهم لما عرّضوا المؤمنين لذلك، وكانوا السبب فيه صاروا كأنهم أمروهم به، وكلفوهم إياه. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. وفي القرطبي: وكان خروج النبي ﷺ لبني النضير في ربيع الأول أول السنة الرابعة من الهجرة، ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: سفيان بن عمير، وسعيد بن وهب، أسلما على أموالهما، فأحرزاها.\n ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي: اتعظوا يا أصحاب العقول، والألباب، فيكون ﴿الْأَبْصارِ﴾ جمع: بصيرة، وهو غير معروف في اللغة؛ لأن جمع البصيرة: بصائر، فالأولى اعتباره جمع:\nبصر بمعنى العلم، والمعنى: تأملوا فيما نزل بهؤلاء، أو السبب الذي استحقوا به ذلك العقاب، فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم، فتعاقبوا بمثل عقوبتهم، وهو دليل على جواز القياس. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. وقيل: حالية. ولا وجه له. ﴿أَخْرَجَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. وقيل: متعلقان بفعل محذوف، تقديره:\nأعني، والأول أقوى، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَخْرَجَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِأَوَّلِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَخْرَجَ﴾ أيضا، واللام بمعنى: عند، و(أول) مضاف، و﴿الْحَشْرِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿ظَنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ يَخْرُجُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخْرُجُوا:﴾ في محل","vol":"9","page":588},{"text":"نصب سد مسد مفعولي ﴿ظَنَنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَظَنُّوا:﴾ الواو: حرف عطف. (ظنوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مانِعَتُهُمْ:﴾ خبر (أنّ). ﴿حُصُونُهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿مانِعَتُهُمْ﴾. هذا؛ ويجوز اعتباره مبتدأ مؤخرا، و﴿مانِعَتُهُمْ﴾ خبرا مقدما، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، والهاء في محل جر بالإضافة وأن واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنوا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مانِعَتُهُمْ﴾.\n ﴿فَأَتاهُمُ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (أتاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والهاء مفعول به. ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. ﴿لَمْ يَحْتَسِبُوا:﴾\nفعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَقَذَفَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قذف): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿فِي قُلُوبِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الرُّعْبَ:﴾ مفعول به، وجملة: (قذف...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n ﴿يُخْرِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، وقال البيضاوي، مفسرة ل: ﴿الرُّعْبَ﴾. ﴿بُيُوتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِأَيْدِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿وَأَيْدِي:﴾ معطوف عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، و(أيدي) مضاف، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿فَاعْتَبِرُوا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وصحيحا؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾. (اعتبروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا». (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أولي): منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(أولي) مضاف، و﴿الْأَبْصارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية الندائية، لا محل لها كالجملة الفعلية قبلها.\n\n<span id=\"aya-5129\"></span>﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ:﴾ قضى، وقدر الله عليهم الخروج من ديارهم.\n ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ أي: في القتل والأسر، كما فعل ببني قريظة بعد سنتين، وقد علم الله أنهم","vol":"9","page":589},{"text":"يبقون مدة، فيؤمن بعضهم، ويولد لهم من يؤمن. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ أي: سواء قتلوا، أو لم يقتلوا؛ فلهم عذاب جهنم المؤبد، الذي لا يخرجون منه. وهذا إن ماتوا على كفرهم.\nقال الإمام الفخر الرازي: الجلاء أخص من الخروج؛ لأنه لا يكون إلا للجماعة، والإخراج يكون للجماعة، والواحد. وقال بعضهم: الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج لا يتقيد بذلك. وفي المختار: الجلاء بالمد والفتح: الأمر الجلي، تقول منه: جلا الخبر، يجلو جلاء: وضح. والجلاء أيضا: الخروج من البلد، والإخراج أيضا، وقد جلوا عن أوطانهم، وجلاهم غيرهم يتعدى، ويلزم. انتهى. جمل. هذا؛ وخذ قول سحيم بن وثيل الرياحي، وهو الشاهد رقم [٢٨٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». [الوافر] أنا ابن جلا وطلاع الثّنايا... متى أضع العمامة تعرفوني\nالإعراب: ﴿وَلَوْلا:﴾ (الواو): حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿كَتَبَ:﴾ فعل ماض في محل نصب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْجَلاءَ:﴾ مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿كَتَبَ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: ولولا الكتب موجود. والأولى: ولولا كتب الجلاء عليهم موجود. ﴿لَعَذَّبَهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (عذبهم): فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية جواب (لولا) لا محل لها، و(لولا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لهم):\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿عَذابُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5130\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ذلك الجلاء، والعذاب بسبب: أنهم خالفوا الله، وعادوه، وعصوا أمره، وارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم، ونقض للعهود في حق رسوله. ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ هذا وعيد، وتهديد، وفحواه: أن ما وقع بهم في الدنيا من الطرد، والإخراج من المدينة المنورة شيء قليل بجانب ما أعد الله لهم في الاخرة من العذاب الأليم، والعقاب الشديد. هذا؛ و﴿يُشَاقِّ﴾ هنا بالإدغام. وفي سورة (الأنفال) رقم [١٣] بالفك، وقرئ هنا بالفك، وفي (الأنفال) بالإدغام أيضا، ففي الايتين قراءتان: الفك، والإدغام. ولم أر من تعرض للفرق بينهما، ولا أرى سوى: أنهما قراءتان، والقراءة توقيفية، والقواعد النحوية تجيز في المضارع المضعف المجزوم بجازم الفك، والإدغام. هذا؛ وللشقاق معنيان: أحدهما: الخلاف","vol":"9","page":590},{"text":"كما في هذه الاية، ومنه قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣٥]: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما..﴾.\nإلخ. والثاني: العداوة مثل قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٨٩]: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾.\nإلخ، وقوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٣]: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٦] ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ (الباء): حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿شَاقُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾\nمنصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿شَاقُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ؛ أي: ذلك وقع بهم بسبب كونهم شاقوا... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. وقيل: عاطفة، والأولى أولى. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُشَاقِّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسرة على أصل التقاء الساكنين، وقرئ بالفك في سورة (الأنفال) رقم [١٣]، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿شَدِيدُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿الْعِقابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: شديد عقابه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾.\nإلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ وقد اختلف في خبر المبتدأ، الذي هو (من) فقيل: هو جملة الشرط. وقيل:\nهو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ ولا بد من تقدير رابط في جملة الجواب؛ أي: شديد العقاب له. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، التقدير:\nمن يشاق الله؛ يعاقبه، فتكون الجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5131\"></span>﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)﴾\nالشرح: سبب نزول هذه الاية: أن النبي ﷺ لما نزل ببني النضير، وتحصنوا بحصونهم؛ أمر بقطع نخيلهم، وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك، وقالوا: يا محمد زعمت: أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر، وقطع النخل؟! وهل وجدت فيما زعمت: أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟! فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون ذلك فسادا،","vol":"9","page":591},{"text":"واختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: لا تقطعوا، إنه مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعه، فأنزل الله هذه الاية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وأن ذلك كان بإذن الله؛ أي: بأمره، فعن ابن عمر﵄-. قال: حرّق رسول الله ﷺ نخل بني النضير، وقطع، وهي البويرة، فنزل قوله تعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. البويرة: اسم موضع لبني النضير، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت﵁-: [الوافر] وهان على سراة بني لؤيّ... حريق بالبويرة مستطير\nقال ابن عباس﵄-: النخل كلها لينة ما خلا العجوة، وكان النبي ﷺ يقطع نخلهم إلا العجوة، وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر: الألوان. وقيل: النخل كلها لينة إلا العجوة والبرنيّة. وقيل: اللينة: النخل كلها من غير استثناء، وقال ابن عباس﵄-: في رواية أخرى عنه: هي لون من النخل. وقيل: كرام النخل. وقيل: هي ضرب من النخل يقال لتمرها: اللون، وهو شديد الصفرة، ويرى نواه من خارجه، يغيب فيه الضرس، وكان من أجود تمرهم، وأعجبه إليهم، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف، وأحب إليهم من وصيف، فلما رأوا المسلمين يقطعونها شق عليهم ذلك، وقالوا للمؤمنين: إنكم تكرهون الفساد، وأنتم تفسدون، دعوا هذا النخل قائما، فهو لمن غلب عليه، فأخبر الله: أن قطعها كان بإذنه. انتهى. خازن بحروفه. هذا؛ وياء: ﴿لِينَةٍ﴾ منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، كالديمة.\nروي: أن رجلين كانا يقطعان، أحدهما يقطع العجوة، والاخر اللون، فسألهما الرسول ﷺ، فقال أحدهما: تركتها لرسول الله، وقال الاخر: قطعتها غيظا للكفار، فلم ينكر عليهما النبي ﷺ عملهما. وقد استدل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة النبي ﷺ؛ لأنهما بالاجتهاد فعلا. واحتج به من يقول: كل مجتهد مصيب. انتهى. كشاف، وقرطبي بتصرف.\n ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ أي: ليذل بني النضير، ويهينهم لخروجهم عن طاعة الله، ومخالفتهم، ومحاربتهم لرسوله. هذا؛ والفعل (يخزي) من الإخزاء، وهو الإذلال. قال ذو الإصبع العدواني (شاعر جاهلي): [البسيط] لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عني، ولا أنت ديّاني فتخزوني\nهذا هو الشاهد رقم [٢٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ومنه قول حسان بن ثابت -﵁-: يخاطب به من هشم وجه النبي ﷺ في غزوة أحد: [الطويل] فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك... ولقاك قبل الموت إحدى الصّواعق\nمددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق\nوهو على هذا من: الرباعي من أخزى، يخزي، وهو من الثلاثي: خزي، يخزى خزابة بمعنى: استحيا، وخجل. قال نهشل بن حريّ الدارميّ من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد","vol":"9","page":592},{"text":"قتل بصفين مع الإمام علي، كرم الله وجهه، وهذا هو الشاهد رقم [٣٢٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه\nومصدره: خزي، يخزى خزاية. قال ذو الرمة: [البسيط] خزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب\nهذا؛ و﴿قائِمَةً﴾ أصله: قاومة؛ لأنه اسم فاعل من: قام، يقوم، فقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة لكونها حاجزا غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة. ومثله قل: في بائع، فإنه أصله: بايع.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل شرطه؛ إذ التقدير: أي شيء قطعتم... فبإذن الله. ﴿قَطَعْتُمْ:﴾ ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿مِنْ لِينَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَرَكْتُمُوها:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعوله الأول، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿قائِمَةً:﴾\nمفعول به ثان، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى أُصُولِها:﴾ متعلقان ب: ﴿قائِمَةً،﴾ و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿فَبِإِذْنِ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (بإذن): متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فقطعها بإذن، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إذن) مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَلِيُخْزِيَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (ليخزي): مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف معطوف على ما قبله التقدير: وقطعتم، أو أذن لكم في القطع لإخزائهم. أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وقطعها، أو إذنه بقطعها؛ لإخزائهم. وهو أولى؛ ليكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها.\n\n<span id=\"aya-5132\"></span>﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ أي: وما أعاده عليه، بمعنى: صيره له، أو ردّه عليه، فإنه كان حقيقا بأن يكون له؛ لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق في الدنيا لهم،","vol":"9","page":593},{"text":"ليتوسلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين؛ والنبي ﷺ رأسهم، ورئيسهم، وبه أطاع من أطاع، فكان أحق به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ من بني النضير، أو من الكفرة. ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ:﴾\nأوضعتم عليه، والإيجاف: الإيضاع في السير، وهو الإسراع، ومنه قول النبي ﷺ في الإفاضة من عرفات: «ليس البرّ بإيجاف الخيل ولا إيضاع الإبل على هينتكم». يقال: وجف الفرس: إذا أسرع، وأوجفته أنا؛ أي: حركته، وأتعبته. ومنه قول تميم بن مقبل: [الطويل] مذاويد بالبيض الحديث صقالها... عن الركب أحيانا إذا الرّكب أوجفوا\n ﴿مِنْ خَيْلٍ:﴾ الخيل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويجمع على: خيول، والخيل مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الادميين، مثل: خيل، وغنم، وإبل؛ فالتأنيث لها لازم، وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان، فإنما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل، وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها؛ أي: فإنها تمشي مشية المختال؛ أي: المتكبر.\n ﴿وَلا رِكابٍ:﴾ الركاب: الإبل، واحدتها: راحلة من غير جنسها؛ أي: إنه اسم جمع لا واحد له من لفظه. وقيل: واحدتها ركوبة، والركب: أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، والركبان: الجماعة منهم. قال القحيف العقيلي وهذا هو الشاهد رقم [١٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] فما رجعت بخائبة ركاب... حكيم بن المسيّب منتهاها\n ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ أي: إن سنة الله تعالى جارية على أن يسلط رسله على من يشاء من أعدائه تسليطا غير معتاد من غير أن يقتحموا مضايق الخطوب، ويقاسوا شدائد الحروب. ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ أي: من أعدائه يقذف الرعب في قلوبهم. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾\nقادر، مقتدر، فيفعل ما يشاء من انتقام من أعدائه، ومن إمهال لهم إلى الاخرة. ومعنى الاية:\nأن ما خوّل الله رسوله من أموال بني النضير شيء، لم تحصّلوه بالقتال، والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم، وعلى ما في أيديهم، كما كان يسلط رسله على أعدائهم. فالأمر فيه مفوض إليه، يضعه حيث يشاء. ومجمل القول: أنه لا يقسم قسمة الغنائم؛ التي قوتل عليها، وأخذت عنوة، وقهرا. وذلك: أنهم طلبوا القسمة، فنزلت الاية الكريمة، وبينات ما ذكر، فقسمها رسول الله ﷺ بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم: أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصّمة.\nعن مالك بن أوس النضري﵁-: أن عمر﵁دعاه؛ إذ جاءه حاجبه يرفأ: فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير،","vol":"9","page":594},{"text":"وسعد يستأذنون؟ قال: نعم، فأدخلهم. فلبث قليلا، ثم جاء يرفأ، فقال: هل لك في عباس، وعلي يستأذنان؟ قال: نعم، فأذن لهما، فلما دخلا. قال العباس﵁-: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا. (يعني عليا﵁-) فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين اقض بينهما، وأرح أحدهما من الاخر-قال مالك بن أوس: يخيل إليّ: أنهم قدّموهم لذلك- فقال عمر: اتئدوا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء، والأرض، هل تعلمون: أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» يريد بذلك نفسه. قالوا: نعم.\nثم أقبل عمر على العباس، وعلي، وقال: أنشدكما بالله الذي تقوم السماء، والأرض بإذنه، أتعلمان: أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة»؟ قالا: نعم. قال عمر: إن الله خص رسوله ﷺ بخاصّة لم يخصص بها أحدا غيره، فقال: ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ..﴾. إلخ فقال: فقسم رسول الله ﷺ بينكم أموال بني النضير، فو الله ما استأثرها عليكم، ولا أخذها دونكم، فقد أعطاكموها، وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال، وكان رسول الله ﷺ يأخذ منه نفقة سنة، ثم ما بقي يجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله ﷺ، ثم أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السّماء، والأرض أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. قال: ثم أنشد عباسا، وعليا بمثل ما نشد القوم أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم.\nقال: فلما توفي رسول الله ﷺ. قال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله ﷺ فقبضه أبو بكر، فعمل فيه بما عمل رسول الله ﷺ، وأنتم حينئذ. وأقبل على عليّ وعباس﵄وقال:\nأتذكران أن: أبا بكر عمل فيه كما تقولان. والله يعلم إنه لصادق، بارّ راشد، تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فقلت: أنا وليّ رسول الله ﷺ وأبي بكر، فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيهما بما عمل فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر، والله يعلم إني فيه لصادق بارّ راشد، تابع للحق، ثم جئتماني كلاكما؛ وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة». قلتما: ادفعه إلينا، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما. قلت: إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر، وما عملت فيه منذ وليت، وإلا فلا تكلماني، فقلتما: ادفعه إلينا بذلك، فدفعته إليكما، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فو الله الذي بإذنه تقوم السماء، والأرض لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة! فإن عجزتما عنه فادفعاه إليّ، فإني أكفيكماه: متفق عليه. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف استئناف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَفاءَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: والذي أفاء الله. ﴿عَلى رَسُولِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، العائد على","vol":"9","page":595},{"text":"الموصول، و(من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿فَما:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الموصول.\n (ما): نافية. ﴿أَوْجَفْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء فيها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. هذا؛ ويضعف اعتبار (ما) هنا وفي الاية التالية شرطية. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿خَيْلٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي.\n ﴿رِكابٍ:﴾ معطوف على لفظ ﴿خَيْلٍ،﴾ والجملة الاسمية (ما أوجفتم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها ﴿يُسَلِّطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.\n ﴿رُسُلَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى مَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: على الذي، أو على شخص يشاؤه، ﴿وَاللهُ:﴾\n (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الله...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال؛ فلست مفندا.\n\n<span id=\"aya-5133\"></span>﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)﴾\nالشرح: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ:﴾ انظر الاية السابقة. ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ يعني: من أموال أهل القرى. قال ابن عباس﵄-: هي قرى قريظة، والنضير، وفدك، وقرى عرينة، وينبع. هذا؛ واختلف في قسم الفيء، فقيل: يسدس لظاهر الاية، ويصرف سهم الله في عمارة الكعبة، وسائر المساجد. وقيل: يخمس؛ لأن ذكر الله للتعظيم، ويصرف الان سهم الرسول ﷺ إلى الإمام على قول، وإلى العساكر، والثغور على قول، وإلى مصالح المسلمين على قول. وقيل: يخمس خمسه كالغنيمة، فإنه ﷺ كان يقسم الخمس كذلك، ويصرف الأخماس الأربعة كما يشاء، والان على خلاف المذكور. انتهى. بيضاوي.\nوفي القرطبي: وقال قوم، منهم الشافعي: إن معنى الايتين واحد؛ أي: ما حصل من أموال الكفار بغير قتال، قسم على خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله ﷺ وكان الخمس الباقي على","vol":"9","page":596},{"text":"خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ أيضا، وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب؛ لأنهم منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وأما بعد وفاة الرسول ﷺ، فالذي كان من الفيء لرسول الله ﷺ يصرف عند الشافعي في قول إلى المجاهدين المترصدين للقتال في الثغور؛ لأنهم قائمون مقام الرسول ﷺ، وفي قول آخر له: يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور، وحفر الأنهار، والسدود، وبناء القناطر، والجسور، يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم الذي كان من خمس الفيء، والغنيمة، فهو لمصالح المسلمين بعد موته ﷺ بلا خلاف، كما قال ﷺ: «ليس لي من غنائمكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم».\nوروى ابن وهب عن الإمام مالك ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾ بني النضير، لم يكن فيها خمس، ولم يوجف عليها بخيل، ولا ركاب، كانت صافية لرسول الله ﷺ، فقسمها بين المهاجرين، وثلاثة من الأنصار، حسب ما تقدم. وقوله تعالى:\n ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ هي قريظة، وكانت قريظة والخندق في يوم واحد. قال ابن العربي-رحمه الله تعالى-: قول مالك: إن الاية الثانية في بني قريظة، إشارة إلى أن معناها يعود إلى آية الأنفال رقم [٤١] ويلحقها النسخ، وهذا أقوى من القول بالإحكام، ونحن لا نختار إلا ما قسمنا، وبينا: أن الاية الثانية لها معنى مجدد، وفائدة جديدة. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ و﴿الْقُرى﴾ جمع: قرية، وهي اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؛ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى في قوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ الاية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام)؟! كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي «القاموس المحيط»: القرية: بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها قرويّ بفتح القاف وكسرها، وقرئيّ، والفتح أقوى. ﴿وَلِذِي الْقُرْبى:﴾ وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، لما روي: أن النبي ﷺ قسم سهم ذوي القربى عليهما، فقال له عثمان وجبير بن مطعم: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت بني إخواننا من بني المطلب أعطيتهم، وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال ﷺ: «إنهم لم يفارقونا في جاهليّة، ولا في إسلام، وشبّك بين أصابعه». وقيل: هم بنو هاشم وحدهم.\nوقيل: جميع قريش، والغني والفقير سواء. وقيل: هو مخصوص بفقرائهم كسهم ابن السبيل.\nوانظر آية (الشورى) رقم [٢٣]، وانظر آية (الأنفال) رقم [٤١] ففيها فضل بيان.\n (اليتامى): جمع يتيم، وهو من الحيوان من فقد أمه فقط، ومن بني آدم من فقد أباه، أو أمه، أو فقدهما معا، والمراد بهم هنا: من فقدوا معيلهم، وهو الأب، وهناك يتيم العلم، والعقل، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من الأول، وإن كان قد بلغ من العمر الستين، والسبعين، ويملك من الأموال الملايين، ولله در القائل: [البسيط]","vol":"9","page":597},{"text":"ليس اليتيم الّذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العقل والأدب\nومنه من أهمل أبوه، وأمّه تربيته مع كونهما موجودين، وخذ قول الاخر: [الكامل] ليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة، وخلّفاه ذليلا\nإن اليتيم هو الذي تلقى له... أمّا تخلّت أو أبا مشغولا\n (ابن السبيل): هو المسافر المنقطع في سفره بسبب نفاد ماله بسرقة منه، أو غيرها، يعطى من مال الفيء، ومن مال الصدقات على أنواعها ما يكفيه مؤونة سفره؛ حتى يصل بلده، وإن كان له مال كثير في بلده. ﴿كَيْ لا يَكُونَ:﴾ مال الفيء. ﴿دُولَةً:﴾ بضم الدال: اسم للشيء الذي يتداول من الأموال. قاله أبو عبيدة وأبو عمرو بن العلاء. تقول: تداول القوم الشيء، وهو في يد هذا تارة، وفي يد ذاك أخرى. قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٤٠]: ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وجمع دولة: دولات. قال الراجز، وهو الشاهد رقم [٢٨٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز] علّ صروف الدهر أو دولاتها... تديلنا الّلمّة من لمّاتها\nهذا؛ والدّولة بفتح الدال: الغلبة، والظفر في الحرب. وقيل: هما بمعنى واحد. قال فروة بن مسيك المرادي، وهو صحابي مخضرم، وهو الشاهد رقم [٢٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] فما إن طبّنا جبن ولكن... منايانا ودولة آخرينا\n ﴿دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ﴾ والمعنى: فعلنا ذلك في هذا الفيء، كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء، والضعفاء؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا؛ أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع، ثم يصطفي منها أيضا بعد المرباع ما شاء، وفيها قال شاعرهم، وهو عبد الله بن عنمة الضبي يخاطب بسطام بن قيس: [الوافر] لك المرباع منها والصّفايا... وحكمك والنشيطة والفضول\nوالنشيطة: ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصل إلى مجتمع الحي، والفضول: ما فضل من القسمة مما لا تصح قسمته على عدد الغزاة، كالبعير، والفرس، ونحوهما.\n ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ أي: من مال الفيء، والغنيمة. ﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: من الأخذ منه، والغلول وغيره. ﴿فَانْتَهُوا:﴾ وهذا نزل في أموال الفيء، وهو عام في كل ما أمر به النبي ﷺ، أو نهى عنه من قول، أو عمل، من واجب، أو مندوب، أو مستحب، أو نهي عن محرم، أو مكروه، فيدخل فيه الفيء، وغيره، والمعنى: مهما أمركم به؛ فافعلوه، ومهما نهاكم عنه؛ فاجتنبوه؛ لأنه ﷺ لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر. هذا؛ والفعل: ﴿آتاكُمُ﴾ وإن","vol":"9","page":598},{"text":"جاء بلفظ الإيتاء، وهو المناولة، فإن معناه الأمر بدليل قوله تعالى: ﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر، والدليل على فهم ذلك ما ذكرناه قبل مع قول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء؛ فاجتنبوه». أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة﵁-.\nوعن عبد الله بن مسعود﵁-: أنه قال: «لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن، المغيّرات خلق الله». فبلغ امرأة من بني أسد، يقال لها: أم يعقوب، وكانت امرأة تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك؟ قلت: كذا، وكذا، وذكرته. فقال عبد الله﵁-: (وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ، وهو في كتاب الله تعالى) فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحيه، فما وجدته فقال: إن كنت قرأته؛ فقد وجدته، أما قرأت: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى! قال: فإن رسول الله ﷺ نهى عنه. هذا؛ وخذ قوله تعالى في كثير من الايات: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.\nهذا؛ والوشم: غرز العضو من الإنسان بالإبرة، ثم يحشى بكحل، ونحوه. والواشمة: هي التي تفعل ذلك. والمستوشمة: هي الطالبة أن يفعل بها ذلك. والنامصة: هي التي تنتف الشعر.\nوالمتنمصة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك. والمتفلجة: هي التي تتكلف تفريج ما بين ثناياها بصناعة. هذا؛ وفي كتاب «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري أحاديث كثيرة في ترهيب الواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة، والنامصة، والمتنمصة، والمتفلجة، وكلها مرفوعة إلى النبي ﷺ عن أسماء بنت أبي بكر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة﵃ أجمعين-. هذا؛ ولا تنس المقابلة بين ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وبين ﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nالإعراب: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ:﴾ ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أفاءه الله على رسوله. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ شرطية، فهي مفعول به أول، والفعل ﴿أَفاءَ﴾ فعل شرطها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على ﴿ما﴾ على اعتبارها موصولة، أو منها نفسها؛ إن كانت شرطية، و(من) بيان لما أبهم فيها على الوجهين، وهناك مضاف محذوف، انظر تقديره في الشرح، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف ﴿الْقُرى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَلِلّهِ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب (ما) على اعتبارها شرطية، وصلة على اعتبارها موصولة. (لله): متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو لله، والجملة الاسمية في محل جواب الشرط، أو في محل رفع خبر (ما) على اعتبارها موصولة، وجملة:\n ﴿ما أَفاءَ اللهُ﴾ تفسير لسابقتها، أو هي بدل منها، ولذا لم تقترن بعاطف، وانظر ما ذكرته في سورة (يس) رقم [٢١]. ﴿وَلِلرَّسُولِ:﴾ الواو: حرف عطف. (للرسول): معطوفان على ما قبلهما.","vol":"9","page":599},{"text":"﴿وَلِذِي:﴾ الواو: حرف عطف. (لذي): معطوفان أيضا، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة. و(ذي) مضاف، و﴿الْقُرْبى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ:﴾ عطف على ما قبلهم، و(ابن) مضاف، و﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿كَيْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: ﴿كَيْ﴾ واسمه مستتر يعود إلى: «الفيء». ﴿دُولَةً:﴾ خبر ﴿يَكُونَ﴾. هذا؛ وقرئ: «(يكون دولة)» برفع دولة على اعتبار الفعل تاما، المعنى كيلا تقع دولة جاهلية، و(كي) والفعل يكون في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لكيلا... إلخ. هذا؛ وأجاز ابن هشام في مغني اللبيب اعتبار ﴿كَيْ﴾ حرف جر، والنصب ب: «أن» مضمرة بعدها. انظر موجز الكلام في: «كي» والشواهد المتعلقة بها في كتابنا: «فتح القريب المجيب» فإن سبقت: «كي» بلام التعليل، لا يجوز تقدير: «أن» بعدها، كما في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ رقم [٢٣] سورة (الحديد)، وقوله جل شأنه: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ﴾ رقم [٣٧] من سورة (الأحزاب). وعلى الاعتبارين فالجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: جعل الله الفئ لمن ذكر لأجل ألاّ يكون لو ترك على عادة الجاهلية دولة. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة ﴿دُولَةً،﴾ و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿الْأَغْنِياءِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْأَغْنِياءِ،﴾ والجملة المقدرة: «جعل الله الفيء...» إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان مقدم. ﴿آتاكُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به أول. ﴿الرَّسُولُ:﴾ فاعل. ﴿فَخُذُوهُ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (خذوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة فالجملة الفعلية بعدها صلتها. وجملة (خذوه) خبرها، وزيدت الفاء في خبره؛ لأنه يشبه الشرط في العموم، والأول أقوى هنا، بخلافه قوله تعالى: ﴿ما أَفاءَ..﴾. إلخ كما رأيت، والجملة على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n ﴿وَاتَّقُوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿شَدِيدُ:﴾ خبر (إنّ)، وهو مضاف، ﴿الْعِقابِ:﴾\nمضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل لا محل لها.","vol":"9","page":600},{"text":"<span id=\"aya-5134\"></span>﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ﴾ أي: مال الفيء للفقراء المهاجرين؛ الذين تركوا الديار، والأموال، والأوطان حبا لله، ولرسوله، ونصرة لدين الله، أخرجهم الكفار مما ذكر؛ بسبب إيذائهم لهم، ومضايقتهم؛ حتى إن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه؛ ليقيم به صلبه من الجوع. ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ يطلبون. ﴿فَضْلًا مِنَ اللهِ:﴾ رزقا: غنيمة، وغيرها في الدنيا. ﴿وَرِضْوانًا:﴾\nثوابا في الاخرة مقرونا برضا الله. ﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ ببذل أرواحهم، وأموالهم في سبيل الله. ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ:﴾ في إيمانهم، وقولهم، وفعلهم، ونياتهم.\nفعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنّة بأربعين خريفا». خرجه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أبشروا صعاليك المهاجرين بالنور التّامّ يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمسمئة سنة!». أخرجه أبو داود. وهذا في حق فقراء المهاجرين، وهو غير قاصر عليهم بل هو يشمل فقراء المسلمين إلى يوم القيامة. وخذ ما يلي:\nفعن عبد الله بن عمر﵄قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا». فقيل: صفهم لنا. قال: «الدّنسة ثيابهم، الشّعثة رؤوسهم، الذين لا يؤذن لهم على السّدات، ولا ينكحون المنعمات، يوكّل بهم مشارق الأرض، ومغاربها، يعطون كلّ الذي عليهم، ولا يعطون كلّ الذي لهم». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، ومعنى يوكل بهم: نفوسهم خاضعة لله خاشعة، فانية في ذكره.\nوينبغي أن تعلم: أن المراد بالفقراء: الصابرون منهم، المؤدون ما أوجب الله، المنتهون عما نهى الله عنه، وأما إذا كان الفقير مهملا ما أوجب الله، ورسوله عليه، وهو كذاب منافق، وهم الكثيرون في هذه الأيام؛ فمأواهم جهنم، وبئس المصير، وقد قال الرسول ﷺ: «وإنّ أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا، وعذاب الاخرة». أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري﵁وأن المراد بالأغنياء: الشاكرون منهم، وهم الذين يكسبون المال من حلال، وينفقونه في حلال، ويؤدون زكاته على الوجه الأكمل، ويمتثلون أوامر الله في كل ما أمر به، وكل ما نهى عنه.\n (الفقراء): جمع فقير، وأصله: الذي انكسر فقار ظهره، ثم أطلق على المعدم؛ الذي لا يجد حاجته من المال؛ لأنه يشبه الذي انبتّ ظهره، وعدم الحول، والقوة، وهو أسوأ حالا من","vol":"9","page":601},{"text":"المسكين عندنا معاشر الشافعية، ويدل عليه قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ..﴾. إلخ فسماهم مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتجرون فيها، وينقلون بضائع للناس من صقع إلى صقع، وكان النبي ﷺ يسأل الله المسكنة، ويتعوذ به من الفقر، فعن أبي سعيد الخدري﵁-: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ أحيني مسكينا، وتوفني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين! وإنّ أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدّنيا وعذاب الاخرة». رواه ابن ماجه، وروى الترمذي مثله عن أنس﵁-، والعكس عند أبي حنيفة.\n ﴿دِيارِهِمْ:﴾ جمع دار، وهي مأوى الإنسان، ومسكنه في الدنيا، وهي مؤنثة، وقد تذكّر، أصلها: دور بفتحتين، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وجمعها: ديار، ودور، وأدؤر، وأدور، وأدورة، وأدوار، ودورات، وديارات، ودوران، وديران، وأصل ديار دوار، قلبت الواو ياء؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال لمفرد اعتلت عينه بالقلب. هذا؛ والدار أيضا: البلد، والقبيلة، ودار القرار: الاخرة، والداران: الدنيا والاخرة، ودار الحرب:\nبلاد العدو.\nهذا؛ وقال أبو حاتم: إن الديار العساكر، والخيام، لا البنيان، والعمران، وإن الدار البنيان، والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في عساكرهم، وخيامهم ميتين، وقال جل شأنه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي: في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ذلك؛ لجمع الدار، فعلم من كلامه: أن الديار مخصوصة بالخيام. انتهى. قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى: (أقبل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله: [الوافر] أمرّ على الدّيار ديار ليلى... أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا\nوما حبّ الديار شغفن قلبي... ولكن حبّ من سكن الدّيارا\nأقول: ولو استشهد بما في هذه الاية، وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ رقم [٤٠] من سورة (الحج)، ومثلها في (الأحزاب) رقم [٢٧]، ومثلها في البقرة [٨٤] و[٢٤٣] و[٢٤٦] وغيرها كثير؛ لكان أولى.\nأما (أموالهم) فهي جمع: مال. قال ابن الأثير: المال في الأصل يطلق على ما يملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم، وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسان﵁-:\nالمال تذري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيد المال","vol":"9","page":602},{"text":"وعن المفضل الضبي: المال عند العرب الصامت، والناطق، فالصامت: الذهب، والفضة، والجواهر. والناطق: هو البعير، والبقرة، والشاة. فإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصامت. وإذا قلت عن بدوي: كثر ماله فالمراد: الناطق. والنشب: المال الثابت، كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول المذكور آنفا: نشب. قال عمرو بن معد يكرب الزبيدي﵁-: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nوانظر قول الرسول ﷺ: «من تواضع لغني لغناه فقد ذهب ثلثا دينه». في الاية رقم [٢٣].\nالإعراب: ﴿لِلْفُقَراءِ:﴾ جار ومجرور بدل من قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبى﴾ وما عطف عليه. وقيل:\nمتعلقان بفعل محذوف، تقديره اعجبوا. قاله الجلال. و(الفقراء) صفة لموصوف محذوف.\n ﴿الْمُهاجِرِينَ:﴾ صفة ثانية للمحذوف، فهو مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. ﴿الَّذِينَ:﴾ مبني على الفتح في محل جر صفة ثالثة للمحذوف. هذا؛ ويجوز فيه القطع عن الموصوف، على تقدير مبتدأ، أو على تقدير فعل. ﴿أُخْرِجُوا:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَمْوالِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿فَضْلًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَضْلًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَرِضْوانًا:﴾ معطوف على ﴿فَضْلًا،﴾ وجملة: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿دِيارِهِمْ:﴾ ضمير فصل، لا محل له.\n ﴿الصّادِقُونَ:﴾ خبر ﴿أُولئِكَ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و﴿الصّادِقُونَ﴾ خبرا له؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5135\"></span>﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ:﴾ المراد بهم: الأنصار الذين توطنوا المدينة، واتخذوها سكنا. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل الفقراء المهاجرين؛ الذين أتوا إليها من مكة. هذا؛ وتبوءوا الدار: اتخذوها منزلا. يقال: بوأته منزلا، وبوأت له، كما يقال: مكنته، ومكنت له،","vol":"9","page":603},{"text":"والمبوأ: المنزل الملزوم. ومنه بوّأه الله منزلا؛ أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه. قال الرسول ﷺ:\n «من كذب عليّ متعمّدا؛ فليتبوأ مقعده من النار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة﵁-. هذا؛ ومعنى يتبوأ: ينزل، ويحلل. قال الشاعر: [المنسرح] وبوّئت في صميم معشرها... فتمّ في قومها مبوّؤها\nوالإيمان لا يتبوأ؛ لأنه ليس بمكان، وفي ذلك تأويلات؛ أحدها: حمله على حذف المضاف، كأنه قيل: تبوءوا الدار ومواضع الإيمان. والثاني: حمله على ما دل عليه «تبوأ» كأنه قال: لزموا الدار، والإيمان، فلم يفارقوهما. والثالث: على تقدير فعل محذوف التقدير:\nوالذين تبوءوا الدار، واعتقدوا الإيمان، وأخلصوه. وإلى ذلك أشار ابن مالك-رحمه الله تعالى- في ألفيته: [الرجز] والفاء قد تحذف مع ما عطفت... والواو إذ لا لبس وهي انفردت\nبعطف عامل مزال قد بقي... معموله دفعا لوهم اتّقي\nهذا؛ ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [١٢]: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا،﴾ والاية رقم [٢٠] من سورة (الحج): ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ،﴾ ومن شواهده الشعرية قول الراعي النميري، وهو الشاهد [٦٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] إذا ما الغانيات برزن يوما... وزجّجن الحواجب والعيونا\nإذ التقدير: زججن الحواجب، وكحلن العيونا، وقول الاخر، وهو الشاهد رقم [١٠٧٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز] علفتها تبنا وماء باردا... حتّى شتت همّالة عيناها\nإذ التقدير: علفتها تبنا، وسقيتها ماء، وأيضا قول لبيد﵁من معلقته رقم [٦]: [الكامل] فعلا فروع الأيهقان وأطفلت... بالجلهتين ظباؤها ونعامها\nإذ التقدير: أطفلت ظباؤها، وباضت نعامها، ولولا الإطالة عليك لذكرت لك الكثير من ذلك.\n ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ وذلك: أنهم أنزلوا المهاجرين في منازلهم، وأشركوهم في أموالهم، وأراد أحدهم أن يتنازل عن إحدى زوجتيه لأخيه المهاجر محبة دينية. ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً﴾ أي: حزازة، وغيظا، وحسدا على المهاجرين. ﴿مِمّا أُوتُوا:﴾ مما أعطوا، وخصوا به من مال الفيء وغيره، وفيه تقدير مضافين محذوفين، المعنى: مسّ حاجة من فقد ما أوتوا. وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة.","vol":"9","page":604},{"text":"وكان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم النبي ﷺ أموال بني النضير؛ دعا الأنصار، وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم، ثم قال: «إن أحببتم؛ قسمت ما أفاء الله عليّ من بني النضير بينكم، وبينهم، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم، وأموالكم. وإن أحببتم؛ أعطيتهم، وخرجوا من دوركم». فقال السيدان السعدان-سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة ﵄-: بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادى الأنصار جميعهم﵃-: رضينا، وسلمنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: «اللهمّ ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار!». وأعطى رسول الله ﷺ المهاجرين-ولم يعط الأنصار شيئا إلا الثلاثة الذين ذكرناهم. انتهى. قرطبي بتصرف.\nهذا؛ وإطلاق لفظ الحاجة على ما تقدم من إطلاق الملزوم على اللازم على سبيل الكناية؛ لأن هذه المعاني لا تنفك عن الحاجة غالبا، وأصل حاجة ما يحتاج، وتجمع على حاج، وحوج بوزن عنب، وحوائج على غير قياس، وحاجات. قال الشاعر: [الطويل] أرى الدهر إلا منجنونا بأهله... وما صاحب الحاجات إلا معذّبا\nوهذا هو الشاهد رقم [١١٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».\n ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ:﴾ فقر وحاجة إلى ما يؤثرون به غيرهم، والإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا؛ أي: خصصته به، وفضلته، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: إني مجهود.\nفأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى الأخرى، فقالت: مثل ذلك؛ حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: «من يضيف هذا الليلة ﵀؟!». فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم بشيء، فإذا أرادوا العشاء؛ فنوميهم، فإذا دخل ضيفنا؛ فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فقعدوا، وأكل الضيف، وباتا طاويين، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ، فقال: «قد عجب الله من صنيعكما الليلة بضيفكما». ونزل قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ رواه مسلم وغيره.\nوقال ابن عمر، وأنس بن مالك﵄-: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة، وكان مجهودا، فوجه به إلى جار له، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر، حتى تداوله سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول. ذكره الثعلبي، وقصة حذيفة العدوي في وقعة اليرموك مشهورة مسطورة لا أطيل الكلام فيها.\n ﴿وَمَنْ يُوقَ:﴾ من الوقاية، وهي التحرز من الوقوع في المهالك، والمعنى: ومن حماه الله، وحفظه، وسلم من الشح؛ فقد أفلح، ونجح. ﴿شُحَّ نَفْسِهِ:﴾ حرصها على المال، والشح في كلام العرب: البخل مع الحرص، وقد فرق العلماء بين البخل والشح، فقال: البخل نفس","vol":"9","page":605},{"text":"المنع، والشح: هو الحالة النفسانية؛ التي تقتضي ذلك المنع، روي: أن رجلا قال لابن مسعود -﵁-: إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال: وما ذاك؟ قال: إني أسمع الله يقول:\n ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأنا رجل شحيح، لا يكاد يخرج من يدي شيء.\nفقال ابن مسعود: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن، ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. وقيل: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على ارتكاب المحارم، وخذ قول عمرو بن كلثوم التغلبي من معلقته رقم [٤]: [الوافر] ترى اللّحز الشحيح إذا أمرّت... عليه لماله فيها مهينا\nهذا؛ وفي الكشاف: الشح بالضم والكسر، وقرئ بهما: اللؤم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة، كما قال الشاعر: [الطويل] يمارس نفسا بين جنبيه كزّة... إذا همّ بالمعروف قالت له مهلا\nوأضيف الشح إلى النفس؛ لأنه غريزة فيها، والكزازة: اليبس، والانقباض، ورجل كز اليدين: إذا كان بخيلا، يصف الشاعر رجلا بالبخل، والشح المطاع، وأنه إذا هم يوما أن يجود بشيء. قالت له نفسه: مهلا، فيطيعها، ويمتنع عن الخير. وأين هذا من قول المتنبي؟: [الطويل] إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم\nهذا بالإضافة لما ذكرته بشأن البخل في آخر سورة (محمد ﷺ) وفي سورة (الحديد) رقم [٢٤] أذكر هنا ما يلي: فعن عبد الله بن عمر﵄قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: «إياكم والظلم! فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. وإياكم والفحش والتفحش! وإياكم والشح! فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالقطيعة، فقطعوا، وأمرهم بالبخل، فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا...» إلخ. رواه أبو داود، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع شحّ، وإيمان في قلب عبد أبدا». رواه النسائي وغيره. وفي حديث أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث كفارات، وثلاث درجات، وثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المهلكات؛ فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». رواه البزار والبيهقي، وغيرهما.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على (الفقراء) فهو من عطف المفردات، أو هو في محل رفع مبتدأ، وخبره يأتي، فيكون من عطف الجمل. ﴿تَبَوَّؤُا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الدّارَ:﴾ مفعول به. (الإيمان): معطوف على ما قبله، أو هو مفعول به لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال","vol":"9","page":606},{"text":"من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُحِبُّونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة على اعتبار الموصول معطوفا على ما قبله، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿هاجَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿صُدُورِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما المفعول الثاني، تقدم على الأول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حاجَةً:﴾ مفعول به.\n ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿حاجَةً،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أُوتُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء أوتوه. ﴿وَيُؤْثِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَوْ:﴾ (الواو): واو الحال.\n (لو): وصلية، وقيل: شرطية ولا وجه له ألبتة. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ تقدم على اسمها. ﴿خَصاصَةٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُوقَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل يعود إلى (من) وهو المفعول الأول. ﴿شُحَّ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿نَفْسِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ (الفاء):\nواقعة في جواب الشرط، وإعراب الجملة مثل: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الاية رقم [٤] والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5136\"></span>﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ من بعد المهاجرين، والأنصار، وهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ:﴾ أخبر الله:\nأنهم يدعون لأنفسهم بالمغفرة، ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان.","vol":"9","page":607},{"text":"﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ:﴾ غشا، وحسدا، وحقدا، وبغضا، وهو بكسر الغين، وهو بضمها: القيد من الحديد، ونحوه، وحرارة العطش أيضا. ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر، ويجمع بالمعنى الثاني على أغلال، وهو كثير في القرآن، وبالمعنى الثالث على غلات، كقول قسّام بن رواحة العبسيّ، وهو شاعر جاهلي، وهو الشاهد رقم [٢٧٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». [الطويل]\nعسى طيّئ من طيّئ بعد هذه... ستطفئ غلاّت الكلى والجوانح\nوخذ هذين البيتين، وصل وسلم على سيد الأنبياء والمرسلين: [البسيط]\nيا طالب العيش في أمن وفي دعة... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق\nخلّص فؤادك من غلّ ومن حسد... الغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق\n ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا:﴾ يعني صحابة رسول الله ﷺ. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ:﴾ انظر الاية رقم [٩] من سورة (الحديد)، بعد هذا قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوؤا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم، فاجهد ألاّ تخرج من هذه المنازل، فكل من كان في قلبه غل، أو بغض لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يترحم على جميعهم، فليس ممن عناه الله بهذه الاية؛ لأن الله رتب المؤمنين على ثلاث منازل:\nالمهاجرون، ثم من بعدهم الأنصار، ثم من بعدهم التابعون الموصوفون بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة، كان خارجا من أقسام المؤمنين، وليس له في الإسلام نصيب.\nوقال بعضهم: كن شمسا، فإن لم تستطع؛ فكن قمرا، فإن لم تستطع؛ فكن كوكبا مضيئا، فإن لم تستطع؛ فكن كوكبا صغيرا، ومن جهة النور لا تنقطع. ومعنى هذا: كن مهاجريا، فإن قلت: لا أجد؛ فكن أنصاريا، فإن لم تجد؛ فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع، فأحبهم، واستغفر لهم، كما أمرك الله.\nوعن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين﵃أنه جاءه رجل، فقال له: يا بن بنت رسول الله ﷺ: ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ﴾ الاية؟ قال: لا. قال: فأنت من قوم قال الله فيهم:\n ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ الاية؟ قال: لا. قال: فو الله لئن لم تكن من أهل الاية الثالثة؛ لتخرجن من الإسلام، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ..﴾. إلخ.\nفعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي، فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا؛ ما بلغ مدّ أحدهم، ولا نصيفه». متفق عليه. وعن عروة بن الزبير﵁قال: قالت عائشة﵂-: (يا بن أختي أمروا أن يستغفروا","vol":"9","page":608},{"text":"لأصحاب رسول الله ﷺ، فسبّوهم). أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن مغفل﵁-.\nقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم؛ فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم؛ فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم؛ فقد آذاني، ومن آذاني؛ فقد آذى الله، فيوشك أن يأخذه». أخرجه الترمذي.\nوقال الشعبي: تفاضلت اليهود، والنصارى على الرافضة بخصلة. سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى. وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد ﷺ. أمروا أن يستغفروا لهم، فسبوهم، فالسّيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم، وتفريق شملهم، وإدحاض حجتهم. أعاذنا الله، وإياكم من الأهواء المضلة. وروي عن جابر بن عبد الله﵄- قال: قيل لعائشة﵂-: إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا؟ انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر.\nانتهى. خازن وقرطبي بتصرف.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله في الاية السابقة على الوجهين المعتبرين فيه، وجملة: ﴿جاؤُ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر الموصول، على اعتباره مبتدأ، وفي محل نصب حال من واو الجماعة، على اعتبار الموصول معطوفا على ما قبله عطف مفرد على مفرد. ﴿رَبَّنَا:﴾ منادى، حذفت منه أداة النداء، و(نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلِإِخْوانِنَا:﴾ جار ومجرور معطوف على ما قبله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول صفة: (إخواننا)، أو بدل منه. ﴿سَبَقُونا:﴾\nفعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْإِيمانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): دعائية. ﴿تَجْعَلْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي قُلُوبِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿غِلاًّ:﴾ مفعول به. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿غِلاًّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿رَبَّنَا:﴾ توكيد لفظي لسابقه. ﴿إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ:﴾ إن واسمها، وخبراها، والجملة الاسمية تعليل للدعاء، لا محل لها.","vol":"9","page":609},{"text":"<span id=\"aya-5137\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا:﴾ عبد الله بن أبي، وأصحابه. ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ..﴾.\nإلخ: يعني اليهود من بني قريظة، وبني النضير، وبني قينقاع، وإنما اعتبر الله المنافقين إخوان اليهود؛ لأنهم أكفر منهم؛ لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ:﴾ من المدينة.\n ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ:﴾ منها. ﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ أي: إن طلب منا أحد خلافكم، وخذلانكم؛ فلا نسمع لقوله، ولا نطيعه فيكم. ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ:﴾ حاربكم، وقاتلكم محمد ﷺ.\n ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ:﴾ لنحاربن معكم، ولا نخذلكم. ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ﴾ أي: المنافقين. ﴿لَكاذِبُونَ﴾ أي:\nفيما قالوا، ووعدوا اليهود، وفي هذا دليل واضح على صحة نبوة محمد ﷺ من جهة علم الغيب، فهو إخبار عن ذلك قبل وقوعه؛ لأنهم أخرجوا، فلم يخرجوا معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم.\nتنبيه: ذكرت لك في الاية رقم [٢] من هذه السورة ما فعل الله ببني النضير، وكيف دس المنافقون لهم ما ذكره الله في هذه الاية، وذكرت لك في سورة (الأحزاب) رقم [٢٦] ما فعل الله ببني قريظة من القتل، والخزي، والذل، وأما بنو قينقاع، فهم قوم من اليهود كانت منازلهم في بطحان مما يلي العالية، وكانوا أشجع اليهود، وكانوا صاغة، وكانوا حلفاء عبادة بن الصامت -﵁-، وعبد الله بن أبي ابن سلول لعنه الله، فلما كانت وقعة بدر، أظهروا البغي، والحسد، والعداوة، ونبذوا العهد؛ لأن النبي ﷺ كان عاهدهم، وعاهد بني قريظة، وبني النضير على أن لا يكونوا معه، ولا عليه، وكان عبد الله بن سلام﵁-، من أعظم أحبارهم، فهداه الله للإسلام، وهم أول من نقض العهد من اليهود.\nوسبب نقضهم العهد أن امرأة من العرب، وكانت زوجة لبعض الأنصار، الساكنين بالبدو، قدمت المدينة بجلب لها، وهو ما يجلب ليباع في المدينة من نتاج الماشية، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ منهم، فجعل جماعة منهم يراودونها كشف وجهها، فأبت عليهم، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها، فعقده إلى ظهرها، وهي لا تشعر، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ، فقتله، وشدت اليهود على المسلم، فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، وتواثبوا من كل جهة، فبلغ الخبر النبي ﷺ، فقال: «ما على هذا عاهدناهم». فتبرأ عبادة بن الصامت﵁من حلفهم. وقال: أتولى الله ورسوله، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار.","vol":"9","page":610},{"text":"وتشبث به عبد الله بن أبي أخزاه الله، وفي ذلك أنزل الله ﷿ قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ رقم [٥١] إلى [٥٦] من سورة (المائدة). فجمعهم رسول الله ﷺ، وقال لهم: «يا معشر اليهود! احذروا من الله، مثل ما نزل بقريش من النقمة ببدر، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم: أني مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله تعالى إليكم به!». قالوا: يا محمد تظننا أنا مثل قومك، ولا يغرنك أنك لقيت قوما، لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لو حاربناك؛ لتعلمن أنا نحن الناس؛ أي: لأنهم كانوا أشجع اليهود، وأكثرهم أموالا، وأشدهم بغيا، وأنزل الله تعالى فيهم قوله في سورة (آل عمران): ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا﴾. ونزل قوله تعالى: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ الاية رقم [٥٨] من سورة (الأنفال) ثم إن القوم تحصنوا في حصونهم، فسار إليهم رسول الله ﷺ، وحاصرهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، وكان خروجه في نصف شوال، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا أربعمئة حاسر، وثلاثمئة دارع، فسألوا رسول الله ﷺ أن يخلي سبيلهم، وأن يخرجوا من المدينة، وأن لهم النساء، والذرية، وأن يتركوا الأموال للنبي ﷺ، ومنها السلاح، ولم يكن لهم نخيل، فصالحهم على ذلك. وقيل: إنهم نزلوا على أمر رسول الله ﷺ، فأمر بهم أن يكتّفوا، فكتّفوا، فأراد قتلهم، فكلمه فيهم عبد الله بن أبي، وألح عليه، فقال:\nيا محمد أحسن إلى مواليّ، فأعرض عنه ﷺ، فأدخل يده في جيب درعه من خلفه، فقال له رسول الله ﷺ: «ويحك أرسلني!». وغضب؛ حتى رأوا لوجهه سمرة لشدة غضبه، ثم قال:\n «ويحك أرسلني!». فقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ، فإنهم أعزتي، وأنا امرؤ أخشى الدوائر، أربعمئة حاسر، وثلاثمئة دارع، وقد منعوني من الأحمر، والأسود وتحصدهم في غداة واحدة! فقال ﷺ: «خلوهم! لعنهم الله، ولعنه معهم!». وتركهم من القتل، وقال له:\n «خذهم، لا بارك الله لك فيهم!». وإلى ذلك أشار الله ﷿ بقوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ الاية رقم [٥٢] من سورة (المائدة)، ثم أمر بهم النبي ﷺ أن يجلوا، ووكل بإجلائهم عبادة بن الصامت﵁فذهبوا إلى أذرعات في بلاد الشام، ولم يدر الحول عليهم حتى هلكوا جميعا بدعوته ﷺ، في قوله لابن أبيّ: «لا بارك الله لك فيهم». ووجد النبي ﷺ في منازلهم سلاحا كثيرا، وأموالا، وهذا مما أفاء الله على نبيه ﷺ.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿نافَقُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والخطاب في الاية للنبي ﷺ، ولكل واحد له حظ في الخطاب، ويتأتى منه النظر، والاعتبار.","vol":"9","page":611},{"text":"﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِإِخْوانِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ صفة لما قبله، أو هو بدل منه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، و﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم.\n ﴿أُخْرِجْتُمْ:﴾ ماض مبني للمجهول، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿لَنَخْرُجَنَّ:﴾ (اللام): واقعة في جواب القسم؛ الذي دلت عليه اللام. (نخرجن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والنون للتوكيد حرف لا محل لها. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة:\n «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخرت فهو ملتزم\nوالكلام ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿نُطِيعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فِيكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله أيضا. ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو):\nحرف عطف. (إن): حرف شرط جازم، وقبلها اللام مقدرة، بدليل ما قبلها. ﴿قُوتِلْتُمْ:﴾ مثل ﴿أُخْرِجْتُمْ،﴾ إعرابا ومحلا. ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب ﴿لَنَخْرُجَنَّ﴾ إفرادا ومحلا، والكلام معطوف على ما قبله، فهو مثله في محل نصب مقول القول.\n ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَشْهَدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، ﴿لِإِخْوانِهِمُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾ (اللام): لام المزحلقة، أو هي لام الابتداء، وقد علقت الفعل ﴿يَشْهَدُ﴾ عن العمل لفظا، لذا كسرت همزة (إنّ) بعده. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى\n (كاذبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (الله...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فالمعنى لا يأباه.\nويكون الرابط: الواو، والضمير.","vol":"9","page":612},{"text":"<span id=\"aya-5138\"></span>﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ أي: اليهود. ﴿لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ أي: لا يخرج المنافقون من المدينة إن خرج اليهود. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا﴾ أي: قاتل النبي ﷺ اليهود. ﴿لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أي: لا ينصرهم المنافقون، وقد تحقق ذلك حينما أجلي اليهود من المدينة المنورة، فلم يحرك المنافقون ساكنا، بل خنسوا، وردّ كيدهم في نحورهم.\nهذا؛ وإنما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ بعد الإخبار بأنهم لا ينصرون على سبيل الفرض، والتقدير، كقوله تعالى مخاطبا النبي ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وكما يعلم ما يكون، فهو يعلم ما لا يكون لو كان، كيف يكون؟ والمعنى: ولئن نصر المنافقون اليهود؛ لينهزمن المنافقون، ثم لا ينصرون بعد ذلك؛ أي: يهلكهم الله، ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم، أو لينهزمن اليهود، ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين. انتهى. نسفي.\nالإعراب: ﴿لَئِنْ:﴾ انظر الاية السابقة. ﴿أُخْرِجُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ جواب القسم لا محل لها، وانظر ما ذكرته في الاية السابقة. والكلام بجملته لا محل له من الإعراب؛ لأنه مستأنف. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ مثل ما قبله في الإعراب إفرادا، وجملا. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ مثل سابقه في إعرابه. ﴿لَيُوَلُّنَّ:﴾ (اللام): واقعة في جواب القسم مثل سابقه.\n (يولنّ): مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع نائب فاعل وهو المفعول الأول، والنون حرف لا محل له. ﴿الْأَدْبارَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب القسم المدلول عليه باللام، والكلام معطوف على ما قبله، فهو مثله لا محل له من الإعراب. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها مثلها.\n<span id=\"aya-5139\"></span>﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿لَأَنْتُمْ:﴾ خطاب للمؤمنين الصادقين. ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً:﴾ أعظم خوفا، وخشية.\n ﴿فِي صُدُورِهِمْ:﴾ في صدور المنافقين. وقيل: في صدور بني النضير. وقيل: في صدور اليهود، والمنافقين معا. والمعنى: أن خوفهم في السر منكم أشد من خوفهم من الله؛ الذي يظهرونه","vol":"9","page":613},{"text":"لكم. وكانوا يظهرون للمؤمنين خوفا شديدا من الله، فلا يرد كيف يستقيم التفضيل بأشدية الرهبة مع أنهم لا يرهبون من الله؛ لأنهم لو رهبوا منه لتركوا الكفر والنفاق. انتهى. كرخي، وهذا مما يؤيد: أن المراد المنافقون. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٧٧] في حقهم: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾.\n ﴿ذلِكَ﴾ أي: الخوف الشديد من المؤمنين، وعدم خوفهم من الله. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ:﴾ لا يعلمون قدرة الله، وعظمته حتى يخشوه حق خشيته. هذا؛ والفقه في اللغة: الفهم، والعلم بالشيء، ثم صار علما على اسم العلم في الدين لشرفه على غيره من العلوم. يقال: فقه الرجل يفقه فهو فقيه:\nإذا فهم، والفعل من باب: فهم الذي هو بمعناه، وفقه من باب: ظرف، وكرم: صار فقيها.\nالإعراب: ﴿لَأَنْتُمْ:﴾ (اللام): لام الابتداء. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿رَهْبَةً:﴾ تمييز. ﴿فِي صُدُورِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَهْبَةً؛﴾ لأنه مصدر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ﴾ وتعليقهما ب: ﴿رَهْبَةً﴾ جيد أيضا.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ (الباء): حرف جر. (أنّهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿قَوْمٌ:﴾ خبرها، وجملة: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ في محل رفع صفة ﴿قَوْمٌ،﴾ وهي صفة موطئة، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5140\"></span>﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا:﴾ الخطاب للمؤمنين، والمعنى لا يقاتلكم اليهود مجتمعين، أو لا يقاتلكم اليهود، والمنافقون مجتمعين متعاونين. ﴿إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ﴾ أي: في قرى محاطة بالحصون، والقلاع، والخنادق. ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ:﴾ أو يقاتلونكم من وراء الجدران، والحيطان؛ ليحتموا بها، وذلك لفرط جبنهم، وهلعهم، والرعب في قلوبهم. ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ:﴾ العداء متأصل، ومحتوم فيما بينهم، والمعنى: فعجزهم عن قتالكم، ليس لجبنهم، بل هم في غاية القوة، والشجاعة؛ إذا حارب بعضهم بعضا، وأما إذا حاربوكم، فيضعفوا، ويجبنوا للرهبة التي في قلوبهم منكم.\n ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: تظنهم مجتمعين على أمر، ورأي في الظاهر، ذوي ألفة، واتحاد، وهم مختلفون غاية الاختلاف؛ لأن آراءهم مختلفة، وقلوبهم متفرقة. قال قتادة﵀","vol":"9","page":614},{"text":"تعالى-: أهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة شهادتهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ: ذلك التفرق، والتشتت بسبب: أنهم لا عقول لهم يعقلون بها أمر الله، فهم كالبهائم، لا تتفق على حالة. وانظر العقل في الاية رقم [١٧] من سورة (الحديد) ولا تنس الطباق بين ﴿جَمِيعًا﴾ و﴿شَتّى﴾.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُقاتِلُونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿جَمِيعًا:﴾ حال من واو الجماعة.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي قُرىً:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة، لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿مُحَصَّنَةٍ:﴾ صفة ﴿قُرىً﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مِنْ وَراءِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، و﴿وَراءِ﴾ مضاف، و﴿جُدُرٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿بَأْسُهُمْ:﴾ مبتدأ، ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿شَدِيدٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿تَحْسَبُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿جَمِيعًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ضمير الغيبة، والرابط: الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n ﴿وَقُلُوبُهُمْ:﴾ (الواو): واو الحال. (قلوبهم): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَتّى:﴾\nخبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ (الباء): حرف جر.\n (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وانظر بقية الإعراب في الاية السابقة.\n\n<span id=\"aya-5141\"></span>﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ..﴾. إلخ: أي: حال بني النضير فيما وقع لهم من الجلاء، والذل، كحال كفار مكة فيما وقع لهم من الهزيمة، والأسر يوم بدر. وقال ابن عباس﵄-:\n ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: يهود بني قينقاع. وهذا القول أشبه بالصواب، فإن رسول الله ﷺ كان قد أجلى بني قينقاع قبل بني النضير، فإن غزوة بني قينقاع كانت بعد غزوة بدر، وغزوة بني النضير بعد غزوة أحد، والمقصود تشبيه حال اليهود، وهي ما حصل لهم في الدنيا من الجلاء، والخزي، وما سيحصل لهم في الاخرة من العذاب بحال المشركين في هذين الأمرين.\nهذا؛ والوبال: المكروه، والضرر؛ الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، من قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ أي: ثقيلا شديدا. والطعام الوبيل: هو الذي يثقل على المعدة، فلا","vol":"9","page":615},{"text":"يستمرأ. والوابل: المطر الغزير الثقيل. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٥]: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾. هذا؛ وانظر ﴿ذُوقُوا﴾ في الاية رقم [١٤] من سورة (الذاريات).\nهذا؛ و(مثل) بفتحتين هو عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة؛ ليتبين أحدهما من الاخر، ويصوره. وقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر. وبالجملة: هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه. والممثل بمضربه؛ أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغير، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل؛ أي: أصله، مثل:\n (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.\nهذا؛ و«مثل» بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله: مثيل، وشبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير ونحوه من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون، وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في محاله، ويستعمل على ثلاثة أوجه:\nالأول بمعنى: الشبيه، والنظير، كما في الاية الكريمة المذكورة، ونحوها. والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم؛ حيث قال: المعنى:\nليس كذاته شيء. الثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم به.\nالإعراب: ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، انظر تقديره في الشرح، وقد صرح به في الايات رقم [١٧] [١٧١] [٢٦١] [٢٦٤] [٢٦٥] من سورة (البقرة)، و(مثل) مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَرِيبًا:﴾ صفة «زمان» محذوف متعلق بما بعده، التقدير: ذاقوا وبال أمرهم في زمن قريب. أو هو متعلق بمضاف محذوف، التقدير:\nحالهم، وشأنهم كوقوع، وحصول مثل الذين من قبلهم قريبا. ﴿ذاقُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿وَبالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَمْرِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الموصول، والرابط:\nالضمير فقط، و«قد» قبلها مقدرة لتقربها من الحال. ﴿وَلَهُمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لهم):\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، وهو بمعنى مؤلم. والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.","vol":"9","page":616},{"text":"<span id=\"aya-5142\"></span>﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ أي: مثل المنافقين مع بني النضير، وخذلانهم إياهم، كمثل الشيطان؛ ﴿إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ﴾ اكفر: وذلك ما روي عن عطاء، وغيره عن ابن عباس﵄قال: كان راهب في الفترة، يقال له: برصيصا يعبد الله في صومعة له سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين، وإن إبليس أعياه في أمره الحيل، فجمع ذات يوم مردة الشياطين، وقال: ألا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا؟! فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء، وهو الذي تصدى للنبي ﷺ، وجاءه في صورة جبريل ليوسوس له على وجه الوحي، فلحقه جبريل ﵇، فدفعه إلى أقصى أرض الهند.\nفقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك أمره، فانطلق، فتزين بزينة الرهبان، وحلق وسط رأسه، وأتى صومعة برصيصا، فناداه، فلم يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته، إلا في كل عشرة أيام يوما، ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام مرة، فلما رأى الأبيض: أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل الصومعة، فلما انفتل برصيصا من صلاته؛ اطلع من صومعته، فرأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة على هيئة الرهبان، فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه؛ أي: لام نفسه حين لم يجبه، فقال له: ناديتني، وكنت مشتغلا عنك، فما حاجتك؟\nقال الأبيض: حاجتي أني جئت لأكون معك، فأتأدّب بأدبك، وأقتبس من عملك، ونجتمع على العبادة، فتدعو لي، وأدعو لك! قال برصيصا: إني لفي شغل عنك، فإن كنت مؤمنا فإن الله سيجعل لك فيما للمؤمنين نصيبا؛ إن استجاب لي، ثم أقبل على صلاته، وترك الأبيض، وأقبل الأبيض يصلي، فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما، فلما انفتل بعدها رآه قائما يصلي، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاد الأبيض. قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تأذن لي، فأرتفع إليك، فأذن له، فارتفع إليه في صومعته، فأقام حولا يتعبد لا يفطر إلا في كل أربعين يوما مرة، ولا ينفتل عن صلاته إلا كذلك، وربما مد إلى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهاده، تقاصرت إليه نفسه، وأعجبه شأن الأبيض، فلما حال الحول. قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق، فإن لي صاحبا غيرك، ظننت أنك أشد اجتهادا مما رأيت، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت، فدخل من ذلك على برصيصا أمر شديد، وكره مفارقته لما رأى من كثرة اجتهاده، ولمّا ودعه الأبيض؛ قال له: إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهنّ، فهو خير لك مما أنت فيه، يشفي الله بها السقيم، ويعافي بها المبتلى، والمجنون.\nقال برصيصا: أنا أكره تلك المنزلة؛ لأن لي في نفسي لشغلا، وإني أخاف إن علم الناس شغلوني عن العبادة، فلم يزل به الأبيض حتى علمه، ثم انطلق حتى أتى إبليس: فقال: قد والله","vol":"9","page":617},{"text":"أهلكت الرجل. قال: فانطلق الأبيض. فتعرض لرجل، فخنقه، ثم جاء في صورة رجل متطبب فقال لأهله: إن بصاحبكم جنونا، أفأعالجه. قالوا: نعم، فعالجه، فلم يفد، فقال لهم: إني لا أقوى على جنته. ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله، فيعافيه، انطلقوا إلى برصيصا، فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به أجيب! قال: وانطلقوا إليه، فسألوه ذلك، فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنه الشيطان، فكان الأبيض يفعل ذلك بالناس، ويرشدهم إلى برصيصا، فيدعو لهم، فيعافون، فانطلق الأبيض: فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل، ولها ثلاثة إخوة، وكان أبوهم هو الملك.\nفلما مات؛ استخلف أخاه، فكان عم تلك الجارية ملك بني إسرائيل، فخنقها، وعذبها، ثم جاء إليهم كما كان يأتي الناس في صورة متطبب، فقال لهم: أعالجها. قالوا: نعم، فقال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى من تثقون به تدعونها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها، فإذا علمتم: أنها قد عوفيت تردونها صحيحة. قالوا: ومن هو؟ قال:\nبرصيصا. قالوا: وكيف لنا أن يجيبنا إلى هذا، وهو أعظم شأنا من ذلك؟! قال: فانطلقوا، فابنوا صومعة إلى جنب صومعته حتى تشرف عليه، فإن قبلها، وإلا فضعوها في صومعتها، وقولوا له هذه أمانة عندك، فاحتسب أمانتك. قال: فانطلقوا، فسألوه ذلك، فأبى عليهم، فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض، ثم انطلقوا، فوضعوا الجارية، في صومعتها، وقالوا: يا برصيصا هذه أختنا أمانة عندك، فاحتسب فيها، ثم انصرفوا، فلما انفتل برصيصا! عن صلاته عاين الجارية، وما هي عليه من الجمال، فوقعت في قلبه، ودخل عليه أمر عظيم، فجاءها الشيطان، فخنقها، فدعا برصيصا بتلك الدعوات، فذهب الشيطان عنها، ثم أقبل برصيصا على صلاته، فجاءها الشيطان فخنقها، فكانت تكشف عن نفسها، وتتعرض لبرصيصا، فجاءه الشيطان، وقال له: ويحك واقعها، فلم تجد مثلها، وستتوب بعد ذلك، فتدرك ما تريد من الأمر، فلم يزل به حتى واقعها. فلم يزل كذلك يأتيها حتى حملت، وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا قد افتضحت، فهل لك أن تقتلها وتتوب؟ فإن سألوك، فقل: ذهب بها شيطانها، فلم أقف عليه! فقتلها، ثم انطلق بها، فدفنها إلى جانب الجبل، فجاء الشيطان، وهو يدفنها بالليل، فأخذ بطرف إزارها، فبقي خارجا من التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته، وأقبل على صلاته؛ إذ جاء إخوتها، يتعاهدون أختهم، وكانوا يجيئون في بعض الأيام يسألون عنها، ويوصونه بها.\nفقالوا: يا برصيصا! ما فعلت أختنا؟ قال: قد جاء شيطانها، فذهب بها، ولم أطقه! فصدقوه وانصرفوا، فلما أمسوا، وهم مكروبون جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه، فقال:\nويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا، وكذا، وإنه دفنها في موضع كذا، وكذا، فقال: هذا حلم، وهو من الشيطان، إن برصيصا خير من ذلك، فتتابع عليه ثلاث ليال، فلم يكترث به، فانطلق","vol":"9","page":618},{"text":"الشيطان إلى أوسطهم، فقال الأوسط مثل ما قال الأكبر، ولم يخبر به أحدا، فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال الأصغر لأخويه: والله لقد رأيت كذا، وكذا، فقال الأوسط: أنا والله رأيت مثله، فقال الأكبر: وأنا والله قد رأيت مثله.\nفانطلقوا إلى برصيصا، فقالوا: يا برصيصا! ما فعلت أختنا؟ فقال: أليس قد أعلمتكم بحالها؟! فكأنكم قد اتهمتموني. فقالوا: لا والله لا نتهمك، واستحيوا منه، وانصرفوا، فجاءهم الشيطان، وقال: ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا، وكذا، وإن طرف إزارها خرج من التراب، فانطلقوا، فرأوا أختهم على ما رأواه في المنام. فمشوا في مواليهم، وغلمانهم معهم الفؤوس، والمساحي، فهدموا صومعة برصيصا، وأنزلوه منها وكتفوه، ثم انطلقوا به للملك، فأقر على نفسه، وذلك: أن الشيطان أتاه، فوسوس له، فقال له: تقتلها، ثم تكابر يجتمع عليك أمران: قتل ومكابرة، اعترف، فلما اعترف؛ أمر الملك بقتله، وصلبه على خشبة، فلما صلب؛ أتاه الأبيض.\nفقال: يا برصيصا! أتعرفني؟ فقال: لا! قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، وكنت إذا دعوت بهن يستجاب لك، ويحك ما اتقيت الله في أمانتك، خنت أهلها، وزعمت: أنك أعبد بني إسرائيل، أما استحيت؟ فلم يزل يعيره ويعنفه؛ حتى قال في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك، وفضحت أشباهك من الناس، وفضحت نفسك، فإن مت على هذه الحال لن تفلح أبدا، ولن يفلح أحد من نظرائك. قال: وكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة حتى أخلصك مما أنت فيه، فآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك. قال: وما هي؟ قال: تسجد لي.\nقال: ما أستطيع أن أفعل. قال: بطرفك افعل، فسجد له برصيصا، فقال: يا برصيصا هذا الذي أردت منك، صارت عاقبتك إلى أن كفرت بربك. انتهى. خازن، ومثله في القرطبي.\nهذا؛ وفي حاشية الجمل: المراد به برصيصا العابد، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال:\n «الإنسان الذي قال له الشيطان: اكفر، راهب نزلت عنده امرأة أصابها لمم، ليدعو لها، فزين له الشيطان، ووطئها، فحملت، ثم قتلها خوفا من أن يفتضح، فدل الشيطان قومها على موضعها، فجاؤوا، فاستنزلوا الراهب، ليقتلوه، فجاءه الشيطان، فوعده إن سجد له أن ينجيه منهم، فسجد له، فتبرأ منه». انتهى. نقلا من الخطيب.\nهذا؛ وأبعد الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي حيث قالوا: والمراد من الإنسان الجنس. وقيل: هو أبو جهل؛ قال له إبليس يوم بدر: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾. انتهى. بيضاوي، أقول: انظر الاية رقم [٤٨] من سورة (الأنفال). هذا؛ ولا تنس التشبيه التمثيلي في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ حيث وجه الشبه منتزع من متعدد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ﴾ الاية رقم [٢٤] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.","vol":"9","page":619},{"text":"الإعراب: ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل... إلخ، و(مثل) مضاف، و﴿الشَّيْطانِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمثل، أو هو بدل منه بدل اشتمال. وقيل: متعلق بالخبر المحذوف.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الشَّيْطانِ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿لِلْإِنْسانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اُكْفُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف تفريع واستئناف. (لمّا):\nحرف وجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى: حين، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿اُكْفُرْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى «برصيصا» والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانِ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب (لما)، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿بَرِيءٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَرِيءٌ﴾. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول وفيها معنى التعليل. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبَّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منها، و﴿رَبَّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n\n<span id=\"aya-5143\"></span>﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما..﴾. إلخ: أي: نتيجة، وعاقبة الشيطان، وذلك الإنسان؛ حيث صارا إلى النار المؤبدة. وعاقبة المنافقين، واليهود مثل عاقبة الشيطان، والذي أغواه. ﴿وَذلِكَ﴾ أي: الخلود في النار. ﴿جَزاءُ الظّالِمِينَ:﴾ مجازاة ومعاقبة كل ظالم فاجر منتهك لحرمات الله والدين. هذا؛ وقال القرطبي: والتثنية ظاهرة فيمن جعل الاية مخصوصة في الراهب، والشيطان، ومن جعلها في الجنس، فالمعنى: وكانت عاقبة الفريقين، أو الصنفين.\nالإعراب: ﴿فَكانَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَتَهُما:﴾ خبر كان مقدم. ﴿أَنَّهُما:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم والألف حرفان دالان على","vol":"9","page":620},{"text":"التثنية. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان مؤخر. هذا؛ وقرأ الحسن برفع ﴿عاقِبَتَهُما﴾ على الضد من ذلك، وهي قراءة شاذة. ﴿خالِدَيْنِ:﴾ حال من ألف التثنية منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وقرأ الأعمش:\n «(خالدان)» على أنه خبر (أنّ) على إلغاء الجار والمجرور: ﴿فِي النّارِ،﴾ أو إلغاء: ﴿فِيها﴾ وهي قراءة شاذة. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدَيْنِ،﴾ وجملة: (كان...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَذلِكَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الظّالِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5144\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)﴾\nالشرح: لما انقضى الكلام على المنافقين، واليهود، وضرب الأمثال لهم؛ وعظ المؤمنين موعظة حسنة؛ تحذيرا من أن يكونوا مثل من تقدم ذكرهم؛ لأن الموعظة بعد المصيبة أوقع في النفس لرقة القلوب، والحذر مما يوجب العقاب.\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي:\nيا من صدقتم الله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان. ﴿اِتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوا الله في أوامره، فلا تخالفوها، وفي حدوده، فلا تعتدوها. ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أي: لينظر كل واحد منكم أيّ شيء قدم لنفسه من الأعمال الصالحة، أو من الأعمال السيئة التي تهلكه، وتوقعه في العذاب الأليم. والمراد ب: (غد) يوم القيامة. والعرب تكني عن المستقبل بالغد.\nوقيل: ذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة. قال قراد بن أجدع للنعمان بن المنذر: [الوافر] فإن يك صدر هذا اليوم ولّى... فإنّ غدا لناظره قريب\nوانظر شرح ﴿غَدًا﴾ في الاية رقم [٢٦] من سورة (القمر). ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، تأكيدا لفظيا. وقيل: معنى الأول: اتقوا الله في أداء الواجبات. ومعنى الثاني: واتقوا الله، فلا تأتوا المنهيات. وقيل: التقوى الأولى: التوبة فيما مضى من الذنوب، والثانية: اتقاء المعاصي في المستقبل. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ:﴾ محيط بأعمالكم صغيرها، وكبيرها، خيرها، وشرها، فيجازيكم به بالخير خيرا، وبالسوء سوآ.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الاية رقم [٩] من سورة (المجادلة) فالإعراب نفسه، لا يتغير. ﴿اِتَّقُوا اللهَ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ولفظ","vol":"9","page":621},{"text":"الجلالة منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿وَلْتَنْظُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لتنظر): مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٌ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا قدمته. ﴿لِغَدٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ:﴾ انظر الاية رقم [٣] من سورة (المجادلة)، فالإعراب مثله لا يتغير، والجملة الاسمية هنا تعليل للأمر.\n\n<span id=\"aya-5145\"></span>﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ﴾ أي: نسوا طاعة الله، وأهملوا أوامره. ﴿فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ:﴾ فجعلهم ناسين حق أنفسهم من رحمة الله ورضوانه؛ حيث لم يقدموا عملا صالحا يستحقون به ما ذكر من فضله تعالى، وجوده، وإحسانه. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ:﴾ الخارجون عن طاعة الله، المخالفون أوامره. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤٦] من سورة (الذاريات) بشأن الفسق. هذا؛ والمراد بالفاسقين هنا: اليهود، والمنافقون؛ الذين مر ذكرهم في هذه السورة مفصلا، وانظر شرح «النسيان» في الاية رقم [١٩] من سورة (المجادلة).\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿كَالَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و(الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَسُوا اللهَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (لا تكونوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَنْساهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (أنساهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٨]: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾.\n<span id=\"aya-5146\"></span>﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)﴾\nالشرح: لما أرشد الله المؤمنين إلى ما يصلحهم في الاية رقم [١٨] وهدد الكافرين، والمنافقين في الاية السابقة بيّن الفريقين بقوله جل شأنه: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ﴾","vol":"9","page":622},{"text":"يعني: الذين هم في العذاب الدائم، ﴿وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ يعني: الذين هم في النعيم المقيم، ثم أتبعه بقوله تعالت حكمته: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ ومعلوم: أن من جعل له النعيم المقيم؛ فقد فاز فوزا عظيما. انتهى. خازن.\nوفي الكشاف: هذا تنبيه للناس، وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم، وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكم على إيثار العاجلة، واتباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة، والنار، والبون العظيم بين أصحابها، وأن الفوز مع أصحاب الجنة، فمن حقهم أن يعلموا ذلك، وينبهوا عليه، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه، فتنبهه بذلك على حق الأبوة؛ الذي يقتضي البر، والتعطف، وقد استدل أصحاب الشافعي-رحمه الله تعالى-بهذه الاية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر، وانظر شرح ﴿يَسْتَوِي﴾ في سورة (الحديد) رقم [١٠] وشرح ﴿أَصْحابُ﴾ في سورة الواقعة [٩٠]. هذا؛ وفحوى هذه الاية مثل قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠٠]: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ وفي سورة (السجدة) رقم [١٨]: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ وفي سورة (ص) رقم [٢٨]: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ،﴾ وفي سورة (الجاثية) رقم [٢١]: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وفي سورة (ن) [٣٥]: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٩].\n\n<span id=\"aya-5147\"></span>﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا..﴾. إلخ: أي: لو خلقنا في الجبل عقلا، وتمييزا، كما خلقنا للإنسان، وأنزلنا عليه هذا القرآن بوعده، ووعيده: لخشع، وخضع، وتشقق، خوفا من الله تعالى، ومهابة له. وهذا تصوير لعظمة قدر القرآن، وقوة تأثيره، وأنه بحيث لو خوطب به جبل-على شدته وصلابته-لرأيته ذليلا متصدعا من خشية الله. والمراد منه: توبيخ الإنسان بأنه لا يتخشع عند تلاوة القرآن، بل يعرض عما فيه من عجائب، وعظائم. فهذه الاية في بيان عظمة القرآن، ودناءة حال الإنسان. والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وعدم تأثره بهذا الذي لو أنزل على","vol":"9","page":623},{"text":"جبل؛ لتخشع، وتصدع. وإذا كان الجبل على عظمته، وتصلبه يعرض له الخشوع، والتصدع، فابن آدم كان أولى بذلك، لكنه على حقارته، وضعفه لا يتأثر. انتهى. صابوني.\nوقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله، وفهمته؛ لخشعت، وتصدعت من خشيته، فكيف بكم؛ وقد سمعتم وفهمتم؟! وقد قال تعالى:\n ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ الاية رقم [٣١] من سورة (الرعد) انظر شرحها هناك. هذا؛ وقال الخازن وغيره: وهذا تمثيل؛ لأن الجبل لا يتصور منه الخشوع، والخشية إلا أن يخلق الله تعالى له تمييزا، وعقلا يدل على أنه تمثيل. انتهى. أقول:\nانظر قوله تعالى في آخر سورة (الأحزاب): ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ..﴾. إلخ ففيها بحث قيم.\n ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: وتلك الأمثال نفصلها، ونوضحها للناس لعلهم يتفكرون في آثار قدرة الله، وواحدانيته، فيؤمنون. وقال الخازن: أي الغرض من هذا التمثيل التنبيه على فساد قلوب هؤلاء الكفار، وقساوتها، وغلظ طباعهم. انتهى. وخذ قوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٤٣]: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾.\nهذا؛ والخشوع: الخضوع، والتواضع، والتذلل بوجه عام. وهو في الصلاة جوهرها ولبها، ويكون في القلب والجوارح، أما خشوع القلب فهو الخوف من الله، وحضوره معه حينما يقول المصلي: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وملاحظة: أنه بين يديه تعالى في جميع حركاته، وسكناته، وأما خشوع الجوارح؛ فعدم الالتفات في الصلاة، وعدم رفع البصر إلى السماء، وعدم العبث بشيء من جسده، وثيابه. وخذ ما يلي.\nفعن عائشة﵂ وعن أبويها-. قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». متفق عليه، والاختلاس:\nالسرقة، والاختلاف. وعن أبي ذر﵁عن النبي ﷺ قال: «لا يزال الله مقبلا على العبد، وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت؛ أعرض عنه». أخرجه أبو داود، والنسائي.\nوعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السّماء في صلاتهم». فاشتد قوله في ذلك؛ حتى قال: «لينتهنّ عن ذلك، أو لتخطفنّ أبصارهم!». خرجه البخاري. وروي: أن النبي ﷺ أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا؛ لخشعت جوارحه». ذكره البغوي بغير سند.\nهذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم. هذا؛ والماضي: خشي، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك؛ أي: أشد خوفا. هذا؛ وقد يأتي الفعل خشي بمعنى علم القلبية. قال الشاعر المسلم: [الكامل]","vol":"9","page":624},{"text":"ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النبيّ محمّد\nقالوا: معناه علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٨٠]: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. والله أعلم بمراده.\n ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ:﴾ وإذا تفكروا؛ اتعظوا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا، وعبدوا الله. والتفكر في صنع الله أعظم عبادة يقوم بها العبد، وقد ورد: لتفكّر ساعة في صنع الله أفضل من عبادة ستّين سنة. وورد: «تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله، فإنه لا تحيط به الفكرة». وروي عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «لا عبادة كالتفكّر»؛ لأنه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق.\nوعنه ﷺ أنه قال: «بينما رجل مستلق على فراشه؛ إذ رفع رأسه، فنظر إلى السماء، والنجوم، فقال: أشهد أنّ لك ربّا، وخالقا، اللهمّ اغفر لي! فنظر الله إليه، فغفر له». هذا؛ والفكر:\nتصرف القلب في طلب الأشياء. وقال صاحب المفردات: الفكر: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم. والتفكر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل. وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب. انتهى. هذا؛ والفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس، والتجانس بين الأشياء كالزّوجين. وانظر الترجي في الاية رقم [٤٩] من سورة (الذاريات).\nالإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿هذَا:﴾\n (الهاء): حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو هو نعت له. ﴿عَلى جَبَلٍ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿أَنْزَلْنا،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَرَأَيْتَهُ:﴾ (اللام): واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (رأيته): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها. ﴿خُشَّعًا:﴾ حال من الضمير المنصوب، أو هو مفعول به ثان على اعتبار الفعل قلبيا. ﴿مُتَصَدِّعًا:﴾ حال ثانية، أو هو من تعدد المفعول الثاني. ﴿مِنْ خَشْيَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خُشَّعًا﴾ أو ب: ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ على التنازع، و﴿خَشْيَةِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿وَتِلْكَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْأَمْثالُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له. ﴿نَضْرِبُها:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، (وها):\nمفعول به. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿الْأَمْثالُ﴾ خبرا للمبتدأ فالجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْأَمْثالُ﴾","vol":"9","page":625},{"text":"والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، فتكون الجملة مثل قوله تعالى حكاية عن قول سارة زوج إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ رقم [٧٢] من سورة (هود). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام). ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف ترج مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها، والجملة الاسمية: (تلك الأمثال...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5148\"></span>﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ المعنى: أنه تعالى أعلم بما غاب عن العباد مما لم يعاينوه، ولم يعلموه، وعليم بما شاهدوه، وما علموه. وقيل: استوى في علمه تعالى السر، والعلانية، والموجود، والمعدوم. وقيل: علم حال الدنيا، والاخرة. هذا؛ والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه، قال الشاعر: [الطويل] وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد\nولا تنس الطباق بين ﴿الْغَيْبِ﴾ و﴿وَالشَّهادَةِ﴾.\n ﴿هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ:﴾ هما اسمان. وقيل: صفتان مأخوذتان من الرحمة، ورحمة الله:\nإرادته الخير، والنعمة، والإحسان إلى خلقه. وهما في حقه ﷾ بمعنى المحسن، أو مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى: المحسن بجلائل النعم، والثاني بمعنى: المحسن بدقائق النعم، وإنما جمع بينهما هنا، وفي البسملة إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه تعالى النعم الحقيرة، كما يطلب منه النعم العظيمة. وقد يوصف بالرحيم المخلوقون، وأما الرحمن فلا يوصف به إلا الله تعالى، ومن وصف به مسيلمة الكذاب؛ فقد تعنّت حيث قال فيه: [البسيط] وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة لفظ الجلالة. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾\nيجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنهما في محل رفع بالابتداء. والثالث:","vol":"9","page":626},{"text":"اعتباره بدلا من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو الأقوى والأولى، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عالِمُ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من (هو) بدل ظاهر من مضمر. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو عالم، وحسن حذفه توالي اللفظ ب: ﴿هُوَ﴾ مرتين. الثالث: أن يكون خبرا ثانيا، لقوله: ﴿هُوَ﴾ الأول. الرابع: أن يكون صفة للضمير قبله، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح، و﴿عالِمُ﴾ مضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ:﴾ مبتدأ، وخبران له. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها بدلا من سابقتها، لا بأس به.\n\n<span id=\"aya-5149\"></span>﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ:﴾ هو بكسر اللام: الذي يستغني في ذاته، وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود. وقيل: من إذا شاء ملك، وإذا شاء أهلك.\n ﴿الْقُدُّوسُ﴾ بضم القاف، وقد تفتح، وهو قليل، وهو من أبنية المبالغة، ومعناه: المنزه عن كل نقص، والطاهر عن كل عيب. وقيل: هو من: تقدس عن الحاجات ذاته، وتنزه عن الافات صفاته، وحظ العبد منه التنزه عما يشينه في أمر دينه، ودنياه وآخرته. وهو من أسماء الله الحسنى، وكل فعّول مفتوح غير قدوس، وسبوح، وذروح، وفروج، فبالضم، ويفتحن ولم يذكر هذا الاسم إلا في هذه السورة وفي سورة الجمعة.\n ﴿السَّلامُ:﴾ قيل: هو الذي سلمت ذاته عن الحدوث والعيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر المحض، فيرجع إلى معنى التنزيه. وقيل: معناه: المسلم على عباده في الجنة. فيرجع إلى الكلام القديم. وقيل: معناه: المسلم عباده من المعاطب، والمهالك. فيرجع إلى القدرة.\nوقيل: غير ذلك. وحظ العبد منه بالمعنى الأول: أن ينزه نفسه عن كل لهو، ولسانه عن كل لغو، وقلبه عن كل غير، ويأتي ربه بقلب سليم. وبالمعنى الثاني: إفشاء السّلام. وبالمعنى الثالث: دفع المضار عن الناس.\n ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ أي: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم. ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب. ومصدق الكافرين، والفاسدين المفسدين ما أوعدهم من العقاب. وقيل: إنه مأخوذ من الأمن، وهو المؤمن عباده من المخاوف، كما قال تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ فهو مؤمن. قال النابغة الذبياني في معلقته رقم [٣٨]: [البسيط]","vol":"9","page":627},{"text":"والمؤمن العائذات الطّير يمسحها... ركبان مكة بين الغيل والسّند\nوحظ العبد منه بالمعنى الأول: تحقيق اتصافه بحقائق الإيمان. وبالمعنى الثاني: أن يأمن غيره أذاه. قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». أخرجه البخاري، ومسلم عن عبد الله بن عمرو﵁-. وقال ﷺ: «ليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه». رواه أبو يعلى، وغيره عن أنس﵁-.\n ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ أي: الرقيب المبالغ في المراقبة، والحفظ، من قولهم: هيمن الطير: إذا نشر جناحه على فرخه صيانة له. وقال ابن عباس﵄-: أي: الشهيد على عباده بأعمالهم؛ الذي لا يغيب عنه شيء. فيرجع إلى معنى العلم. قال تعالى في سورة (المائدة) [٤٨]: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. انظر شرحها هناك. وقيل: هو القائم على خلقه يرزقه، وأنشد في معناه: [الطويل] ألا إنّ خير الناس بعد نبيّه... مهيمنه التّاليه في العرف والنكر\nأي: القائم على الناس بعده. وقيل: هو بمعنى العلي، ومنه قول العباس﵁- يمدح النبي ﷺ في أبيات منها: [المنسرح] حتّى احتوى بيتك المهيمن من... خندف علياء زانها النطق\nوقيل: المهيمن اسم من أسماء الله تعالى، هو أعلم بتأويله، وأنشدوا في معناه: [الكامل] جلّ المهيمن عن صفات عبيده... ولقد تعالى عن عقول أولي النّهى\nراموا بزعمهم صفات مليكهم... والوصف يعجز عن مليك لا يرى\n ﴿الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي لا يدركه طالبه، ولا يعجزه هاربه، فيرجع إلى القدرة. وقيل: هو العديم المثل، والنظير، فيرجع إلى التنزيه. والعزة في الأصل: القوة، والشدة، والغلبة. وحظ العبد منه أن يغلب نفسه، وسلطانه، بالاستقامة والاستعانة به تعالى. وقال ﷺ: «من تواضع لغنيّ لغناه فقد ذهب ثلثا دينه». وإنما كان كذلك؛ لأن الإيمان متعلق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه؛ فقد ذهب الثلثان، فلو انضم إليه القلب ذهب الكل.\n ﴿الْجَبّارُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: الجبار: هو العظيم، وجبروت الله:\nعظمته. فعلى هذا هو صفة ذات، وهو صيغة مبالغة. وقيل: هو من الجبر، ومنه جبر العظم، وهو في الأصل إصلاح الشيء، وربنا ﷾ يجبر قلوب عباده، يغني الفقير، ويجبر الكسير، ويكشف الهم، ويزيل الغم، فعلى هذا هو صفة فعل. وقيل: هو الذي يجبر الخلق، ويقهرهم على ما أراد، وسئل بعضهم عن معنى الجبار، فقال: هو القهار؛ الذي إذا أراد أمرا؛","vol":"9","page":628},{"text":"فعله، لا يحجزه عنه حاجز، والجبار في صفة الله تعالى مدح. وفي صفة الناس ذم، ولم يرد هذا الاسم الكريم إلا في هذه الاية من هذه السورة، وانظره في النهي عنه في حق العباد في آخر سورة (ق) فإنه جيد جدّا جدّا.\n ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ أي: المتعالي العظيم؛ الذي تكبر بربوبيته، فلا شيء مثله. وقيل: المتكبر عن كل سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدوث، وأصل الكبر، والكبرياء: الامتناع، وقلة الانقياد. قال حميد بن ثور الهلالي: [الطويل] عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت... بها كبرياء الصعب وهي ذلول\nوهو على الإطلاق لا يتصور إلا لله تعالى، فإنه المنفرد بالعظمة، والكبرياء بالنسبة إلى كل شيء من كل وجه، فعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله جل وعلا: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في النار». رواه ابن ماجه، وهو في حق الله مدح، وفي حق المخلوقين ذم، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٣٧] من سورة (الجاثية)، مع العلم: أن هذا اللفظ لم يرد في غير هذه الاية من هذه السورة. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ انظر الاية رقم [٤٣] من سورة (الطور) لشرحه، وإعرابه.\nالإعراب: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ:﴾ انظر الاية السابقة فالإعراب مثله فيها، والأسماء الاتية كلها بدل من لفظ الجلالة، وانظر إعراب: ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في آخر سورة (الطور).\n\n<span id=\"aya-5150\"></span>﴿هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ اللهُ:﴾ انظر شرحه في الاية رقم [٩] من سورة (الحديد). ﴿الْخالِقُ:﴾ من الخلق، وأصله: التقدير المستقيم، كقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٤] بعد ذكر خلق الإنسان في ثلاثة أطوار: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾. ويستعمل بمعنى الإبداع، وهو إيجاد الشيء من غير أصل، كقوله تعالى في كثير من الايات: ﴿خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾. وبمعنى التكوين، كقوله تعالى في كثير من الايات: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾. وقيل: الخالق الذي أظهر الموجودات بقدرته، وقدّر كلّ واحد منها بمقدار معين بإرادته. قال تعالى مخاطبا عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في سورة (المائدة) رقم [١١٠]: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾. وقال زهير: [الكامل] ولأنت تفري ما خلقت وبع... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري","vol":"9","page":629},{"text":"يقول: تقدر ما تقدر ثم تفريه؛ أي: تمضيه على وفق تقديرك، وغيرك يقدر ما لا يتم له، ولا يقع فيه مراده، إما لقصوره في تصور تقديره، أو لعجزه عن تمام مراده. ﴿الْبارِئُ:﴾ المنشئ المخترع. وقيل: مأخوذ من البرء، وأصله: خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التقصي منه، ومنه قولهم: برئ فلان من مرضه، أو المديون من دينه، وإما على سبيل الإنشاء منه، ومنه برأ الله النسمة، وهو البارئ لها.\n ﴿الْمُصَوِّرُ:﴾ المبدع لصور المخترعات، ومزيناها، ومرتبها. وقيل: المصور الذي سوى قامتك، وعدل خلقتك. قال تعالى في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وقيل:\nمعنى التصوير: التخطيط، والتشكيل. قال النابغة: [المنسرح] الخالق البارئ المصوّر في ال... أرحام ماء حتّى يصير دما\n ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ أي: لله الأسماء الحسنى، ومعنى كونها أحسن الأسماء: أنها مشتملة على معاني التقديس، والتعظيم، والتمجيد، وعلى صفات الجلال، والجمال. و﴿الْحُسْنى:﴾\nمؤنث الأحسن؛ الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء. والحسنى: ضد السوأى، وقد وصف الجمع الذي لا يعقل بما توصف به الواحدة، كقوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ وهو فصيح، ولو جاء على المطابقة للجمع، لكان التركيب الحسن على وزن الاخر. كقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ؛﴾ لأن جمع ما لا يعقل يخبر عنه، ويوصف بوصف المؤنثات، وإن كان المفرد مذكرا، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله ﷿ تسعة وتسعين اسما، مئة إلا واحدا-إنه وتر يحبّ الوتر-من أحصاها دخل الجنّة. وهي: هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المغيث، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الاخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور» رواه الطبراني في جامعه.","vol":"9","page":630},{"text":"هذا؛ وفي رواية: المقيت بدل: المغيث. وفسر بالمقتدر، فيرجع لمعنى القادر. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٥]: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ وقيل: معناه: من شاهد النجوى، فأجاب وعلم، فكشف واستجاب فيرجع إلى معنى (المغيث).\nوقول الرسول ﷺ (من أحصاها) قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: معناه: من حفظها. هكذا فسره البخاري، والأكثرون، ويؤيده: أن في رواية الصحيح: «من حفظها دخل الجنّة». وقيل: معناه: من عرف معانيها، وآمن بها. وقيل: معناه: من أحصاها بحسن الرعاية لها، والتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها.\nتنبيه: هناك أسماء مشهورة لم تذكر بين أسماء الله الحسنى، مثل: (المعطي، الجواد، الستار، الساتر، الحنّان، المنّان) وعند التأمل تجد: أن هذه الأسماء تعود معانيها إلى بعض الأسماء المذكورة، مثلا: المعطي، والجواد يعود معناهما إلى الوهاب. والحنان، والمنان يعود معناهما إلى الرؤوف. والستار، والساتر يعود معناهما إلى العفو. وخذ ما يلي:\n «اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي». فهذا دعاء مأثور، فلعل الأسماء المذكورة هي مما علمه الله بعض العباد فنطقوا به بإلهام منه جل ذكره، وتقدست أسماؤه. وهناك أسماء كثيرة استأثر الله بها، فلم يعلمها أحدا من خلقه.\nالإعراب: ﴿هُوَ اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ:﴾ خبر ثان، وثالث، أو هما خبران لمبتدأين محذوفين. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَسْماءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر رابع للمبتدأ الأول. ﴿يُسَبِّحُ:﴾ فعل مضارع.\n ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر خامس، أو هي مستأنفة، وهو أقوى. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الحشر)، شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4514>سورة الممتحنة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الممتحنة) مدنية في قول الجميع، وهي ثلاث عشرة آية، وثلاثمئة وثمان وأربعون كلمة، وألف وخمسمئة وعشرة أحرف. هذا؛ والممتحنة بكسر الحاء معناها: المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة (براءة) المبعثرة، والفاضحة؛ لما كشفت من عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة (الممتحنة) بفتح الحاء، فإنّه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. قال الله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ..﴾. إلخ الاية رقم [١٠] وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف﵁ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن. انتهى.\nقرطبي.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5151\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَاِبْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)﴾\nالشرح: سبب نزول هذه الاية ذكره الإمام علي﵁بقوله: بعثني رسول الله ﷺ أنا، والزبير، والمقداد، فقال: «انطلقوا؛ حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، معها كتاب، فخذوه منها». قال: فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب! فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ.\nفقال رسول الله ﷺ: «يا حاطب ما هذا؟!». فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليّ، إني كنت امرآ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، وأموالهم بمكة، فأحببت؛ إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلته كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول","vol":"9","page":632},{"text":"الله ﷺ: «إنّه قد صدقكم». فقال عمر﵁-: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق! فقال الرسول ﷺ: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله اطلع على أهل بدر، فقال:\nاعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فأنزل الله ﷿ الاية.\nروضة خاخ: موضع بقرب حمراء الأسد من المدينة. وقيل: إنه موضع قريب من مكة، والأول أصح. والظعينة: المرأة المسافرة، سميت بذلك لملازمتها الهودج، وجمعها: ظعائن، والعقاص: الشعر المضفور. وهذه المرأة اسمها سارّة مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف، أتت المدينة، والرسول ﷺ يتجهز لفتح مكة، فقال لها رسول الله ﷺ: «أمسلمة جئت؟». قالت: لا. قال: «أمهاجرة جئت؟». قالت: لا. قال: «فما جاء بك؟». قالت: كنتم الأهل، والعشيرة، والموالي، وقد ذهبت مواليّ، وقد احتجت حاجة شديدة، فقدمت إليكم لتعطوني، وتحملوني، فقال لها: «وأين أنت من شباب مكة؟!». وكانت مغنية نائحة. قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر. فحث النبي ﷺ بني عبد المطلب على إعطائها، فأعطوها نفقة، وكسوة، وحملوها. فأتاها حاطب بن أبي بلتعة، حليف بني أسد بن عبد العزى، وهو من أهل اليمن، فكتب معها إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: إن رسول الله ﷺ يريدكم، فخذوا حذركم! فخرجت سارّة ونزل جبريل ﵇، فأخبر النبي ﷺ بما فعل... إلخ.\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي:\nيا من صدقتم الله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان. وذكر: أن حاطبا﵁لما سمع هذا النداء؛ غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان. ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ:﴾ أصدقاء وأحباء، فهو جمع ولي، وهو من يتولى شؤون غيره، والنصير: المعين، والمساعد. والفرق بينهما: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ وعدو: ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان من هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع. والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا. قالوا: هذه عدوّة الله. قال تعالى:\n ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فعبر به عن مفرد، وقال تعالى في سورة (الشعراء): ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ فقد عبر به عن جمع، ومثل ذلك صديق، وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس المحيط:\nوالعدا بالضم والكسر: اسم الجمع. هذا؛ وسمي العدو عدوا لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك، كما سمي الصديق صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبة.","vol":"9","page":633},{"text":"﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ:﴾ تخبرونهم بسرائر المسلمين، وتنصحونهم. وهذا ينم عن مودة، ومحبة بينكم، وبينهم. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ:﴾ من القرآن، والدين الصحيح؛ الذي جاء به محمد ﷺ. ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ﴾ أي: من مكة بسبب إيذائهم لكم. ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: فعلوا ما فعلوا من الإيذاء، والإخراج؛ لأنكم آمنتم بالله ربكم.\n ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ:﴾ من أوطانكم. ﴿جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ أي: لأجل الجهاد ولابتغاء وطلب مرضاتي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فلا تتخذوا عدوي... إلخ.\n ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ:﴾ أي تفضون إليهم بمودتكم، أو تسرون إليهم أسرار رسول الله ﷺ، بسبب المودة والمحبة لهم، والنصيحة لهم في الكتابة إليهم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:\nوهذا كله معاتبة لحاطب﵁-، وهو يدل على فضله وكرامته، ونصيحته لرسول الله ﷺ، وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيبه، كما قال الشاعر: [الوافر] أعاتب ذا المودّة من صديق... إذا ما رابني منه اجتناب\nإذا ذهب العتاب فليس ودّ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب\n ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ:﴾ من المودة للكفار. ﴿وَما أَعْلَنْتُمْ﴾ أظهرتم بألسنتكم من المودة لهم.\n ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ﴾ أي: الإسرار، أو الإعلان بالمودة، والنصيحة لهم. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي:\nأخطأ طريق الهدى، وخرج عن جادة الحق، والصواب.\nبعد هذا انظر ما ذكرته في آخر سورة (المجادلة)، فالايتان بمعنى واحد. وقد جاء النهي عن موالاة الكفار في كثير من الايات، مثل قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٢٨]: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وأيضا رقم [١١٨] منها: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ وغير ذلك كثير.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء. (وها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (أيها)، وجملة:\n ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿عَدُوِّي:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من","vol":"9","page":634},{"text":"ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَعَدُوَّكُمْ:﴾ معطوف عليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية مثل الجملة الندائية قبلها، وتقدير فعل محذوف ينصبها مستبعد.\n ﴿تُلْقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِالْمَوَدَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والمفعول به محذوف، التقدير: تلقون إليهم أخبار الرسول ﷺ بسبب المودة؛ التي بينكم وبينهم. وجوز الباء صلة، و(المودة) مفعول به مجرور لفظا، منصوب محلا. والجملة الفعلية فيها أربعة أوجه:\nأحدها: أنها تفسير لموالاتهم إياهم. الثاني: أنها استئناف، فلا محل لها على هذين الوجهين. الثالث: أنها حال من واو الجماعة. الرابع: أنها صفة ﴿أَوْلِياءَ﴾. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿وَقَدْ:﴾ (الواو): واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل جاء و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما).\n ﴿يُخْرِجُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول به. ﴿وَإِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على الرسول، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي مفسرة لكفرهم، ولا محل لها على هذين الوجهين. ويجوز أن تكون حالا من واو الجماعة. والرابط: الضمير فقط. ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا:﴾ منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والمصدر المؤول منهما في محل نصب بنزع الخافض، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:\nلأجل إيمانكم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُخْرِجُونَ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿رَبِّكُمْ:﴾ بدل مما قبله، أو صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿خَرَجْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿جِهادًا:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال على تأويله ب: «مجاهدين»؛ لأن المصدر لا يخبر به عن جثة. وقيل: هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: جاهدتم جهادا، وتعود هذه الجملة في","vol":"9","page":635},{"text":"محل نصب حال من تاء الفاعل، أو في محل نصب خبر ثان ل: (كان). ﴿فِي سَبِيلِي:﴾ متعلقان ب: ﴿جِهادًا،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَابْتِغاءَ:﴾ معطوف على ﴿جِهادًا،﴾ وهو مضاف، و﴿مَرْضاتِي﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وعلامة الجر كسرة مقدرة... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم خرجتم... فلا تتخذوا عدوي... إلخ، و﴿أَنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، أو معترض بين البدل، والمبدل منه كما ستقف عليه.\n ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ بلا فارق، وهي بدل منها، بدل بعض من كل؛ لأن إلقاء المودة أعم من السر، والجهر. أو هي مستأنفة، لا محل لها، والاعتراض بالجملة الشرطية يكون على اعتبار البدلية. ﴿وَأَنَا:﴾ (الواو): واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو أفعل تفضيل. وجوز اعتباره فعلا مضارعا، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير الذي ترى تقديره عائدا إلى الموصول، أو هي حال من ياء المتكلم، والرابط:\nالواو، والضمير، وهو واضح، ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء.\n ﴿أَخْفَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير: في صدوركم، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أعلم بالذي، أو بشيء أخفيتموه. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أعلم بإخفائكم القول، والفعل. وفيه ضعف كما ترى. ﴿وَما أَعْلَنْتُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: والذي، أو شيء أعلنتموه؛ أي: أظهرتموه بألسنتكم. هذا؛ وقد قيل: إن الباء صلة على اعتبار ﴿أَعْلَمُ﴾ فعلا مضارعا.\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْهُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، والهاء مفعول به.\n ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(من) بيان لما أبهم في (من). ﴿فَقَدْ:﴾\n (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض. والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿سَواءَ:﴾ مفعول به وهذا على أن ﴿ضَلَّ﴾ متعد، فإن اعتبرته لازما ف: ﴿سَواءَ﴾ يكون ظرفا متعلقا ب: ﴿ضَلَّ؛﴾ أي: ظرف مكان. وهو مضاف، و﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور،","vol":"9","page":636},{"text":"والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5152\"></span>﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ أي: إن يظفروا بكم، ويتمكنوا منكم. والمادة بمعنى: يجدونكم، ويصادفونكم. قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦١]: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا،﴾ وقال في سورة (البقرة) رقم [١٩١]: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. هذا؛ والثقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء علما كان، أو عملا، فهو يتضمن معنى الغلبة. ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً:﴾ يظهروا ما في قلوبهم من العداوة الشديدة لكم. ولا ينفعكم إلقاء المودة لهم. ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ﴾ أي:\nيمدوا إليكم أيديهم بالضرب، والقتل، وألسنتهم بالشتم والسب. ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي:\nأحبوا، وتمنوا أن تكفروا؛ لتكونوا مثلهم، فلا تناصحوهم، فإنهم لا يناصحونكم. قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٨]: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا﴾.\nقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله، ثم قال:\n ﴿وَوَدُّوا﴾ بلفظ الماضي؟ قلت: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في باب الإعراب، فإن فيه نكتة: كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم، وارتدادكم. يعني: أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردكم كفارا أسبق المضار عندهم، وأولها؛ لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم؛ لأنكم بذالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. انتهى. وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٩]: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَثْقَفُوكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿أَعْداءً:﴾ خبر ﴿يَكُونُوا،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾","vol":"9","page":637},{"text":"ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَيَبْسُطُوا:﴾ معطوف على ﴿يَكُونُوا،﴾ فهو مجزوم مثله، ويجوز أن يكون منصوبا ب: «أن» مضمرة بعد الواو على أنها واو المعية، كما يجوز رفعه، ولكن لم يقرأ برفعه، وهذا على القاعدة: «إذا عطف مضارع بالواو، أو بالفاء على جواب الشرط؛ جاز رفعه، ونصبه، وجزمه، وإذا عطف على فعل الشرط بالواو، أو بالفاء؛ جاز نصبه وجزمه» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا، أو الواو يتثليث قمن\nوجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو إن بالجملتين اكتنفا\nهذا وقد قرئ في الاية رقم [٢٨٤] من سورة (البقرة) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ..﴾. إلخ برفع (يغفر) ونصبه، وجزمه. والواو فاعله.\n ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِالسُّوءِ:﴾ متعلقان بالفعل (يبسطوا) مثل ﴿إِلَيْكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ﴾. ﴿وَوَدُّوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (ودوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، و﴿لَوْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودوا كفركم، ومثلها آية (النساء) الانفة الذكر. والجملة الفعلية معطوفة على جملة الشرط والجزاء، ويكون تعالى قد أخبر بخبرين بما تضمنته الجملة الشرطية، وبودادتهم كفر المؤمنين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-5153\"></span>﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾\nالشرح: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ..﴾. إلخ: لما اعتذر حاطب﵁بأن له أولادا، وأرحاما بين المشركين؛ بين الله ﷿: أن الأولاد، والأرحام لا ينفعون شيئا يوم القيامة؛ إن عصي من أجلهم، وبسببهم. والمعنى: لا يحملنكم الذين في مكة من قراباتكم على معصية الله، وخيانة الرسول ﷺ والمؤمنين، وترك مناصحتهم، ونقل أخبارهم إلى أعدائهم.\n ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: في ذلك اليوم العصيب يحكم الله بين المؤمنين، والكافرين، فيدخل المؤمنين جنات النعيم، ويدخل المجرمين دار الجحيم. وفي النسفي: يفصل بينكم، وبين أقاربكم، وأولادكم: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفر منكم غدا. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: مطلع على جميع أقوالكم، وأعمالكم، فيجازيكم بها، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ.","vol":"9","page":638},{"text":"الإعراب: ﴿لَنْ:﴾ حرف نصب، ونفي، واستقبال. ﴿تَنْفَعَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿أَرْحامُكُمْ:﴾ فاعل. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وعليه: فالوقف على القيامة، أو هو متعلق بالفعل بعده، وعليه: فالوقف على ﴿أَوْلادُكُمْ،﴾ و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَفْصِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثلها مفصلا في الاية رقم [٣] من سورة (المجادلة).\n\n<span id=\"aya-5154\"></span>﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة صالحة؛ أي: اقتدوا به، وسيروا على سيرته، ونهجه. ﴿فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه، وساروا سيرته من الأنبياء، والمرسلين. والمعروف: أنه لم يؤمن به من قومه، ولم يهاجر معه سوى امرأته وابن أخيه لوط، وهو فحوى قوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٦]: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ انظر شرحها هناك. ﴿إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ أي: المشركين. ﴿إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: بريئون منكم، ومن معبوداتكم. ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ أي: وبما تعبدون من دون الله، بمعنى: لا نعتد بشأنكم، ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شيء. فقد كاشفوهم بالعداوة، وأظهروا لهم البغضاء، والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم، وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله، وما دام هذا السبب قائما؛ كانت العداوة قائمة، حتى إذا أزالوه، وآمنوا بالله وحده؛ انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء محبة، والمقت رضا. وهذا محض الإخلاص.\n ﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ المعنى: لكم أن تتأسوا بإبراهيم، وتقتدوا به في جميع أموره، إلا في الاستغفار لأبيه المشرك، فلا تتأسوا به؛ فإن إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان قد قال لأبيه: لأستغفرن لك؛ لما وعده أن يؤمن، فلما تبين له إقامته على الكفر تبرأ منه، وهو صريح قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١١٤]: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾.","vol":"9","page":639},{"text":"﴿وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ:﴾ هذا من قول إبراهيم ﵇ لأبيه؛ يعني: ما أغني عنك شيئا، ولا أدفع عنك عذاب الله؛ إن عصيته وأشركت به. ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾. هذا من دعاء إبراهيم، ﵇ وأصحابه. وقيل: علّم الله المؤمنين أن يقولوا هذا؛ أي: تبرؤوا من الكفار، وتوكلوا على الله، وقولوا: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ أي: اعتمدنا في جميع أمورنا عليك، وفوضناها إليك. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، والماب. هذا؛ وتقديم الجار والمجرور في هذه الجملة لإفادة الحصر.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها.\n ﴿أُسْوَةٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ صفة له. وجملة: ﴿قَدْ كانَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِي إِبْراهِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أُسْوَةٌ،﴾ ومنعه أبو البقاء؛ لأن ﴿أُسْوَةٌ﴾ قد وصفت. ولا يبالى به؛ لأنه يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره. أو هما متعلقان ب: ﴿حَسَنَةٌ﴾ تعلق الظرف بالعامل، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿أُسْوَةٌ،﴾ أو بمحذوف حال منها بعد وصفها ب: ﴿حَسَنَةٌ،﴾ أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿حَسَنَةٌ﴾ لأنها صفة مشبهة، أو هما متعلقان بمحذوف خبر (كان)، و﴿لَكُمْ﴾ متعلقان بكانت. انتهى. جمل بتصرف كبير مني. وعلامة جر ﴿إِبْراهِيمَ﴾ الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ﴿إِبْراهِيمَ﴾.\n ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذْ:﴾\nبدل من ﴿إِبْراهِيمَ﴾ بدل اشتمال، فهو مبني على السكون في محل نصب. وقال السمين: فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بمحذوف خبر (كان). والثاني: أنه هو الخبر. قالهما أبو البقاء، ومن جوز في (كان) أن تعمل في الظرف علقه بها، ويصح أن يكون بيانا للمضاف المقدر في قوله: ﴿فِي إِبْراهِيمَ﴾ أي في قول إبراهيم، وفعله. انتهى. جمل بتصرف. والمعتمد الأول.\n ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِقَوْمِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بُرَآؤُا:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿بُرَآؤُا﴾. ﴿وَمِمّا:﴾ جار ومجرور معطوفان على ﴿مِنْكُمْ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والمصدرية ضعيفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، و﴿تَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.","vol":"9","page":640},{"text":"﴿كَفَرْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿بُرَآؤُا،﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها، أو الجملة في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ)، وقيل: مفسرة للتبرؤ. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَبَدا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (بدا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (بينكم): معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْعَداوَةُ:﴾ فاعل (بدا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَالْبَغْضاءُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (بدا)، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ﴾. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة.\n ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (بدا) أيضا. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿وَحْدَهُ:﴾ حال من لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، وساغ ذلك؛ لأنه بمعنى: منفردا.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَوْلَ إِبْراهِيمَ:﴾ قال السمين: فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل من قوله: ﴿فِي إِبْراهِيمَ﴾ ولكن لا بد من تقدير مضاف محذوف ليصح الكلام، تقديره: في مقالات إبراهيم، إلا قوله: كيت. وكيت. الثاني: أنه مستثنى من ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وجاز ذلك؛ لأن القول أيضا من جملة الأسوة؛ لأن الأسوة: الاقتداء بالشخص في أقواله، وأفعاله، فكأنه قيل: لكم فيه أسوة في جميع أحواله من قول، وفعل إلا قوله: كذا. وهذا عندي واضح غير محوج إلى تقدير مضاف، وغير مخرج للاستثناء من الاتصال؛ الذي هو أصله إلى الانقطاع، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره. انتهى. جمل.\nو﴿قَوْلَ﴾ مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة. ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ:﴾ (اللام): واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله.\n (أستغفرن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول للمصدر. ﴿وَما:﴾ (الواو): واو الحال. (ما): نافية. ﴿أَمْلِكُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل:\nاستغفرن المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.","vol":"9","page":641},{"text":"﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والتقديم أفاد التخصيص. ﴿تَوَكَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية من مقول إبراهيم أيضا، ومن معه، فهو من جملة المستثنى منه فيتأسى به فيه، فهو في المعنى مقدم على الاستثناء، وجملة الاستثناء اعتراضية في خلال المستثنى منه. هذا؛ ويحتمل أن تكون الجملة وما بعدها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قولوا: ربنا عليك توكلنا، فهو من مقول الله تعالى.\n ﴿وَإِلَيْكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليك): متعلقان بما بعدهما. ﴿أَنَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (إليك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5155\"></span>﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاِغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾\nالشرح: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا تنصر الكافرين علينا، فيكون ذلك فتنة لنا في الدين، أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى: لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول أعداؤنا: لو كانوا على حق؛ لم نسلط عليهم، فيفتنوا. وقال أبو مجلز، وأبو الضحاك: يعني: لا تظهرهم علينا، فيروا: أنهم خير منا، فيزدادوا طغيانا، وكفرا. وقيل: المعنى لا تسلطهم علينا، فيفتنونا، ويعذبونا. ﴿وَاغْفِرْ لَنا:﴾\nذنوبنا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر، الغالب القادر. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ تفعل ما تشاء، ولا تفعل إلا ما فيه حكمة.\nفائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذف (يا) من نداء الرب تعالى فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد؛ فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن، والكلام العربي في نداء الرب لذلك المعنى. انتهى. أقول: والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. (ونا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا تَجْعَلْنا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و(نا) مفعول به أول، ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة الندائية قبلها، لا محل لهما؛ لأنهما دعاء متعدد لا ارتباط لكلّ بسابقه، كالجمل المتعددة، وليس هو، وما بعده بدلا مما قبله، كما قيل؛ لعدم اتحاد المعنيين لا كلا، ولا","vol":"9","page":642},{"text":"جزآ، ولا ملابسة بينهما سوى الدعاء. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. وجملة: ﴿وَاغْفِرْ:﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها. ﴿تَجْعَلْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّنا:﴾ توكيد لفظي لما قبله. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له، أو هو توكيد لاسم (إنّ) على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران ل: (إنّ)، وإن اعتبرت الضمير مبتدأ؛ فهما خبران له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليل للدعاء لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5156\"></span>﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ أي: في إبراهيم، والذين معه. ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة صالحة. وهذا التكرير لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. و(الأسوة) بضم الهمزة، وكسرها، مثل: القدوة بضم القاف وكسرها، والمراد بالأسوة الحسنة: التبرؤ من الكفار. ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ أي: يرجو رحمته، ومثله: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي:\nعذابه بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾. ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ:﴾ هو آخر يوم من أيام الدنيا، فيه الحشر، والنشر، والميزان، والصراط إلى دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار. هذا؛ والرجاء في الأصل: الأمل في الشيء، والطماعية فيه، قال الشاعر: [الوافر] أترجو أمة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب\nوقد يأتي الرجاء بمعنى الخوف، وبه فسر قوله تعالى في سورة (العنكبوت) الاية رقم [٥]:\n ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ..﴾. إلخ وغيرها كثير، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال؛ أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل\nوقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد؛ أي: النفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع، دل عليه المعنى، وهو المعتمد. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن التأسي، والاقتداء بإبراهيم، والأنبياء، والمرسلين؛ الذين جاؤوا معه بالهدى، والنور، وامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه.\n ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ:﴾ عن عباده غير محتاج إليهم في شيء. ﴿الْحَمِيدُ:﴾ المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات. هذا؛ وانظر شرح (التولي) في سورة (الذاريات) رقم [٥٤].","vol":"9","page":643},{"text":"الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ (اللام): لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله ونحوه. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿أُسْوَةٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿لَقَدْ كانَ..﴾. إلخ: مبتدأ، أو جواب القسم المقدر، لا محل لها على الاعتبارين. وفيها معنى التوكيد لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ﴿لِمَنْ:﴾\nجار ومجرور بدل من ﴿لَكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿حَسَنَةٌ﴾ وهو المعتمد عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون إبدال الغائب من المخاطب، و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿يَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. (اليوم): معطوف عليه. ﴿الْآخِرَ:﴾ صفة (اليوم) وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة (من) أو صفتها. وهذا مذكور بحروفه في سورة (الأحزاب) رقم [٢١].\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:﴾ خبران ل: (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ خبرين له. فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (إنّ)، ورجح الأول؛ لأنه قرئ بإسقاط الضمير، والجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الاية رقم [١]. هذا؛ وإن اعتبرت جواب الشرط محذوفا، تقديره: ومن يتول عن الإيمان فلا يضر إلا نفسه، فلا بأس به، بل هو أجود؛ لأن الجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ خالية من رابط يربطها باسم الشرط، كما هو واضح، وعليه تكون الجملة تعليلا لجواب الشرط المقدر، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهذه الجملة مذكورة في الاية رقم [٢٤] من سورة (الحديد).\n\n<span id=\"aya-5157\"></span>﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أي: لعل الله جل وعلا يجعل بينكم وبين الذين عاديتموهم من أقاربكم المشركين محبة، ومودة، محبة بعد البغضاء، وألفة بعد","vol":"9","page":644},{"text":"الشحناء، ومودة بعد النفار. قال في التسهيل: لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار، ومقاطعتهم على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة، والمودة، وعلم الله صدقهم؛ آنسهم بهذه الاية، ووعدهم بأن يجعل بينهم مودة؛ أي: محبة، وهذه المودة كملت في فتح مكة، فإنه أسلم حينئذ سائر قريش، وجمع الله الشمل بعد التفرق. وقال الرازي-رحمه الله تعالى-: و﴿عَسَى﴾ وعد من الله تعالى، وقد حقق ما وعدهم به من اجتماع كفار مكة بالمسلمين، ومخالطتهم لهم حين فتح مكة، وقد قال تعالى ممتنّا: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا﴾ هذا؛ ومما يؤثر من قول علي-كرم الله وجهه ورضي عنه-: أحبب حبيبك هونا مّا؛ عسى أن يكون بغيضك يوما مّا، وأبغض بغيضك هونا مّا؛ عسى أن يكون حبيبك يوما مّا.\nورحم الله من يقول: [الطويل] وأحبب إذا أحببت حبّا مقاربا... فإنك لا تدري متى أنت نازع؟\nوأبغض إذا أبغضت بغضا مجانبا... فإنك لا تدري متى أنت راجع؟\nهذا؛ ويذكر المفسرون من المودة زواج النبي ﷺ برملة أم حبيبة بنت أبي سفيان، فقال أبو سفيان، وهو مشرك حينئذ بلغه تزويج النبي ﷺ ابنته: ذلك الفحل لا يقدع أنفه. يقال: هذا الفحل لا يقدع أنفه؛ أي: لا يضرب أنفه، وذلك لشرفه، وأصالته، وكرامته.\n ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ:﴾ قادر، لا يعجزه شيء، يقدر على تأليف القلوب، وتغيير الأحوال، وقلب البغض محبة، والعداوة صداقة، وألفة. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ يغفر للكافرين كفرهم؛ إذا تابوا منه، وأنابوا إلى ربهم، وأسلموا له، وهو الرحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان. وعن ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ استعمل أبا سفيان على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله ﷺ أقبل، فلقي ذا الخمار مرتدا، فقاتله، فكان أول من قاتل في الردة، وجاهد في الدين، وهو ممن أنزل الله فيه: ﴿عَسَى اللهُ..﴾. إلخ الاية. أخرجه ابن أبي حاتم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nوانظر شرح (بين) في الاية رقم [٢٥] من سورة (الرحمن).\nالإعراب: ﴿عَسَى:﴾ فعل ماض جامد يدل على الرجاء مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿عَسَى﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يَجْعَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وهو بمعنى: يخلق، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب خبر ﴿عَسَى،﴾ ويجب تأويله باسم الفاعل جاعلا؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، وجملة: ﴿عَسَى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ ظرف مكان معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.","vol":"9","page":645},{"text":"﴿عادَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين عاديتموهم. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، العائد على الموصول، و(من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿مَوَدَّةً:﴾ مفعول به ليجعل، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-5158\"></span>﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: نزلت في خزاعة، وذلك: أنهم صالحوا رسول الله ﷺ، على ألاّ يقاتلوه، ولا يعينوا عليه أحدا، فرّخص الله في برهم. انتهى. أي:\nوكانوا لا يزالون كفارا. وقال عبد الله بن الزبير﵄-: نزلت في أمه أسماء﵂-، وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزّى، وكانت كافرة، وقد طلقها أبو بكر﵁حين أبت الإسلام، ويقال: طلقها في الجاهلية قبل الإسلام. وبقيت في مكة كافرة، قدمت على ابنتها أسماء﵂المدينة بهدايا، ضبابا، وأقطا، وسمنا، فقالت أسماء﵂-: لا أقبل منك هدية، ولا تدخلي عليّ بيتا؛ حتى أستأذن رسول الله ﷺ، فسألته:\nفأنزل الله تعالى هذه الاية، فأمرها رسول الله ﷺ أن تدخلها منزلها، وأن تقبل هديتها، وتكرمها، وتحسن إليها.\nفعن أسماء﵂قالت: قدمت عليّ أمي، وهي مشركة في عهد قريش؛ إذ عاهدوا رسول الله ﷺ، ومدّتهم مع أبيها فاستفتيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! إن أمي قدمت عليّ، وهي راغبة؛ أفأصلها؟ قال: «نعم صليها». متفق عليه، زاد ابن عيينة في رواية:\nفأنزل الله فيها: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ..﴾. إلخ.\nأقول: الاية صريحة في إباحة معاملة المشركين الذين لا يناصبوننا العداء، بل وهي صريحة في الإحسان إليهم، والبر بهم، ومعنى (تقسطوا إليهم): تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة، والإحسان لكن لا يكون هذا من مال الزكاة الواجبة، ولا من أموال الكفارات، والنذور، ومعنى ﴿الْمُقْسِطِينَ:﴾ المحسنين، وليس المراد به العدل المذكور في سورة (الحجرات) رقم [٩] تنبه لذلك، واحفظه.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْهاكُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَنِ﴾","vol":"9","page":646},{"text":"﴿الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، وهو العائد، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة، وإعرابها مثلها. ﴿مِنْ دِيارِكُمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿تَبَرُّوهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والمصدر المؤول من المضارع وناصبه في محل جر بدل اشتمال من ﴿الَّذِينَ؛﴾ إذ المعنى:\nلا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم. ﴿وَتُقْسِطُوا:﴾ معطوف على ما قبله فهو منصوب مثله، ومؤول مثله بمصدر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾\nاسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنفي، لا محل لها. ﴿الْمُقْسِطِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ.\n\n<span id=\"aya-5159\"></span>﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ:﴾ خطاب للمؤمنين الصادقين في عهد النبي ﷺ، ويعم كل مؤمن إلى يوم القيامة. ﴿عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: حاربوكم، وآذوكم، وقاتلوكم من أجل إيمانكم بالله، وتصديقكم رسوله. والمراد بهم: كفار قريش، ويعم كذلك كل كافر يفعل فعلهم إلى يوم القيامة.\n ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ:﴾ في مكة؛ حيث ألجؤوكم إلى الهجرة إلى المدينة المنورة. ﴿وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ:﴾ وعاونوا على إخراجكم، وطردكم من دياركم. والمراد من تعاون مع كفار قريش، وتحالف معهم على إخراج المؤمنين من ديارهم. ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أي: تتولوهم. فتتخذوهم أولياء، وأنصارا، وأحبابا. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ:﴾ ومن يصادق أعداء الله، ويجعلهم أنصارا، وأحبابا، ويمنحهم مودته، وصداقته. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لأنفسهم بتعريضها للعذاب الشديد في نار الجحيم.\nهذا؛ وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥١]: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَنْهاكُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها. ﴿عَنِ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قاتَلُوكُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ﴾","vol":"9","page":647},{"text":"﴿دِيارِكُمْ:﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والكاف مع الفعل مفعول به، ومع الاسم في محل جر بالإضافة. ﴿وَظاهَرُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (ظاهروا): ماض مبني على الضم والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة أيضا. ﴿عَلى إِخْراجِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ:﴾ مثل ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ،﴾ والمصدر المؤول في محل جر بدل اشتمال من ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾. إذ التقدير: ينهاكم الله عن تولي الذين قاتلوكم في الدين. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو:\nحرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع. ﴿يَتَوَلَّهُمْ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو»، والهاء مفعول به. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٨] من سورة (الحشر)، والجملة الاسمية هنا في محل جزم جواب الشرط، وقل في خبر المبتدأ ما رأيته في الاية رقم [١]، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد روعي لفظ: (من) برجوع الفاعل إليها، ومعناها في رجوع اسم الإشارة إليها.\n\n<span id=\"aya-5160\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾\nالشرح: قال المفسرون: كان صلح الحديبية الذي جرى بين رسول الله ﷺ وبين كفار مكة قد تضمن: أن من أتى أهل مكة من المسلمين؛ لم يردّ إليهم، ومن أتى المسلمين من أهل مكة المشركين؛ ردّ إليهم، وقد رأيت ذلك في سورة (الفتح) مفصلا، فجاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة إلى رسول الله ﷺ، فخرج في أثرها أخوالها: عمارة والوليد، فقالا للنبي ﷺ: ردها علينا بالشرط. فقال النبي ﷺ: «كان الشرط في الرجال، لا في النساء». وكانت متزوجة من عمرو بن العاص. وقيل: إن التي جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية، وزوجها صيفي بن الراهب. وقيل: مسافر المخزومي. فلم يردها النبي ﷺ، وأعطى زوجها مهرها، وما أنفق عليها، فتزوجها عمر بن الخطاب﵁-. وقيل: إن التي جاءت أميمة بنت بشر وأمّها رقيقة، وهي أخت السيدة خديجة، وخالة فاطمة الزهراء﵅ جميعا-.\nوكانت أميمة عند ثابت بن الشّمراخ، ففرت منه، وهو يومئذ كافر، فتزوجها سهل بن حنيف -﵁فولدت له عبد الله، والأكثر من أهل العلم: أنها أم كلثوم بنت عقبة، ونزلت","vol":"9","page":648},{"text":"الاية تؤيد ما عمل به رسول الله ﷺ من التفريق بين رد الرجال المؤمنين لقريش، وعدم ردّ النساء المؤمنات لقريش، وهذا التفريق لأمرين: أحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم، فيطؤوهنّ كرها. والثاني: أنهن أرق قلوبا، وأسرع تقلبا من الرجال، فأما المقيمة على شركها؛ فمردودة عليهم، وانظر اللاتي لحقن بالمشركين مرتدات في الاية التالية.\n ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ:﴾ قيل: إنه كانت من أرادت منهن إضرار زوجها لكراهتها له؛ قالت: سأهاجر إلى محمد ﷺ، فلذلك أمر رسول الله ﷺ بامتحانهن. قال ابن عباس﵄-: كانت المرأة تستحلف بالله: أنها ما خرجت بغضا لزوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل منا، بل حبا لله، ورسوله، فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك؛ أعطى النبي ﷺ زوجها مهرها، وما أنفق عليها، ولم يردّها.\n ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ﴾ أي: هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن منكم، فإنكم وإن رزتم أحوالهن لا تعلمون ذلك حقيقة، وعند الله حقيقة العلم به؛ لأنه متولي السرائر. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ:﴾ أي فإن تحققتم إيمانهن بعد امتحانهن؛ فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: لا حل بين المؤمنة، والمشرك؛ لوقوع الفرقة بينهما لاختلاف الدين. والثاني: للمنع عن الاستئناف بإعادة النكاح؛ إذا لم يسلم الزوج.\n ﴿وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا:﴾ أمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة، ومنعت من زوجها؛ أن يردّ عليه ما أنفق عليها، وذلك من الوفاء بالعهد؛ لأنه لما منع منها بحرمة الإسلام، أمر الله برد المال إليه، حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة، والمال. ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن. أباح الله للمسلمين نكاح المهاجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام، وإن كان لهن أزواج كفار في دار الحرب؛ لأن الإسلام فرق بينهن، وبين أزواجهن الكفار، ووقعت الفرقة بانقضاء عدتها، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها؛ فهي زوجته، وبه قال الأوزاعي، والليث بن سعد، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبو حنيفة تقع الفرقة باختلاف الدارين. انتهى. خازن. فإن أسلمت قبل الدخول بها بطل النكاح في الحال، ولها التزوج من غير عدة تعتدها.\n ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ:﴾ جمع عصمة، والعصمة: عقد النكاح، وكل ما عصم به الشيء، فهو عصام، وعصمة، و﴿الْكَوافِرِ﴾ جمع: كافرة، كضوارب في ضاربة. فقد نهى الله عن المقام على نكاح المشركات، والمعنى: من كانت له امرأة كافرة بمكة؛ فلا يعتدها، فقد انقطعت عصمة الزوجية بينهما. قال الزهري: لما نزلت هذه الاية طلق عمر بن الخطاب﵁امرأتين له كانتا بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية بن أبي","vol":"9","page":649},{"text":"سفيان، وهما على شركهما في مكة، والأخرى: أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أم ابنه عبيد الله، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غنم، وهما على شركهما، فلما ولي عمر﵁الخلافة قال أبو سفيان لمعاوية: طلق قريبة لئلا يرى عمر سلبه في بيتك، فأبى معاوية من ذلك. وكانت أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله، فهاجر طلحة﵁وبقيت على دين قومها، ففرق الإسلام بينهما، فتزوجها بعده في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله ﷺ امرأة أبي العاص بن الربيع، فأسلمت وهاجرت، ولحقت بالنبي ﷺ، وأقام أبو العاص بمكة مشركا، ثم أتى المدينة، فأمنته﵂ثم أسلم، فردها عليه النبي ﷺ. قيل: ردت إليه بعد سنتين. وقيل بعد ست سنين، وهو ابن أخت خديجة﵂-.\nوهذا الحكم يقع بين الزوجين إذا ارتد أحدهما عن الإسلام، فإن رجع المرتد إلى الإسلام قبل انقضاء عدة المرأة، فالنكاح يبقى بينهما، وإن ارتد أحدهما قبل الدخول تقع الفرقة في الحال؛ إذ لا عدة على غير المدخول بها؛ وإن كانا في دار واحدة.\n ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها، وكان ذلك نصفا، وعدلا بين الحالتين، وكان هذا حكم الله مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة. قاله ابن العربي، أقول: وهذا يعني: أن هذا الحكم منسوخ. قال النسفي-رحمه الله تعالى-: وهو منسوخ، فلم يبق سؤال المهر لا منا، ولا منهم. انتهى.\n ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ أي: جميع ما ذكر في هذه الاية هو حكم الله لا اعتراض عليه. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ:﴾ فيجب عليكم الرضا به، والانصياع له، وقد انصاع له المؤمنون، وأباه الكافرون، كما ستقف عليه في الاية التالية. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ:﴾ بمصالح العباد. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في تشريعه لهم، لا يشرع إلا ما تقتضيه الحكمة البالغة. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية رقم [١]. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿جاءَكُمُ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿الْمُؤْمِناتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿مُهاجِراتٍ:﴾ حال من ﴿الْمُؤْمِناتُ﴾ منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. هذا؛ و﴿الْمُؤْمِناتُ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: النساء المؤمنات. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾.\n (امتحنوهنّ): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون في الجميع","vol":"9","page":650},{"text":"حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِإِيمانِهِنَّ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معترضة، لا محل لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو استئناف، (إن): حرف شرط جازم. ﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعوله الأول. ﴿الْمُؤْمِناتُ:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا):\nناهية. ﴿تَرْجِعُوهُنَّ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿إِلَى الْكُفّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(إن) ومدخولها كلام لا محل له على الوجهين المعتبرين بالفاء.\n ﴿فَلا:﴾ نافية. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿حِلٌّ:﴾ خبره.\n ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿حِلٌّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿يَحِلُّونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَآتُوهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: آتوهم الذي، أو شيئا أنفقوه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط.\n ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف استئناف. (لا): نافية للجنس تعمل عمل (إنّ). ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، ولا يجوز تعليقهما ب: ﴿جُناحَ؛﴾ لأنه يصير شبيها بالمضاف، فيجب حينئذ نصبه، وتنوينه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في نكاحهن، والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله.\n ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ بلا فارق، والجملة الفعلية هنا في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.","vol":"9","page":651},{"text":"﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. ﴿تُمْسِكُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِعِصَمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهو مضاف، و﴿الْكَوافِرِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَسْئَلُوا:﴾\nالواو: حرف عطف. (اسألوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: اسألوا الذي، أو شيئا أنفقتموه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلْيَسْئَلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (ليسألوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿ما أَنْفَقُوا:﴾ انظر مثله، وجملة: ﴿وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا:﴾ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿حُكْمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من: ﴿حُكْمُ اللهِ،﴾ والرابط محذوف، التقدير: يحكم الله به. هكذا قدر بعضهم الضمير. هذا؛ وأرى صحة مجيء الحال من لفظ الجلالة؛ لأن المضاف كجزئه، وخذ قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزأ ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\n\n<span id=\"aya-5161\"></span>﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾\nالشرح: روى الزهري عن عروة بن الزبير، عن عائشة﵂قالت: حكم الله ﷿ بين المسلمين، وبين الكافرين، فقال جل ثناؤه: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ فكتب إليهم المسلمون: قد حكم الله ﷿ بيننا وبينكم بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها. فكتبوا إليهم: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا، فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به إلينا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ..﴾.\nإلخ انتهى. قرطبي.\n ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ﴾ أي: وإن فرت زوجة أحد من المسلمين، ولحقت بالكفار. ﴿فَعاقَبْتُمْ:﴾ معناه: غزوتم، فغنمتم، وأصبتم من الكفار عقبى، وهي الغنيمة. وقيل:","vol":"9","page":652},{"text":"معناه ظهرتم، وكانت العاقبة لكم. ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ:﴾ إلى الكفار. ﴿مِثْلَ ما أَنْفَقُوا:﴾\nمعناه أعطوا الذين ذهبت أزواجهم منكم إلى الكفار مرتدات مثل ما أنفقوا عليها من الغنائم؛ التي صارت في أيديكم من أموال الكفار.\nقال ابن عباس﵄-: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت تحت عياض بن أبي شداد الفهري. وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة، أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب﵁-. فلما أراد عمر أن يهاجر بها أبت، وارتدت. وبروع بنت عقبة، وكانت تحت شماس بن عثمان. وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة، وتزوجها عمرو بن عبد ود. وهند بنت أبي جهل بن هشام، وكانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأم كلثوم بنت جرول، وكانت تحت عمر بن الخطاب﵁-. فكلهن رجعن عن الإسلام، فأعطى رسول الله ﷺ أزواجهن مهور نسائهم من الغنائم؛ التي امتن بها على المؤمنين الصادقين فيما بعد.\n ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: راقبوا الله في جميع أقوالكم، وجميع أفعالكم، واحذروا عذابه، وانتقامه إن خالفتم أوامره، وعصيتموه. ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: الذي آمنتم بوجوده، واعترفتم بقدرته، وعظمته، فإن من مستلزمات الإيمان تقوى الرحمن، وامتثال أمره، واجتناب نهيه. هذا؛ وذكر القرطبي-رحمه الله تعالى-: أن النساء المرتدات، اللاتي لحقن بالمشركين، لم يكن منهن قرشية غير أم الحكم بنت أبي سفيان، ثم عادت إلى الإسلام، وانظر اللاتي لحقن بالمسلمين في الاية السابقة.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿فاتَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿شَيْءٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٌ،﴾ التقدير: وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم. ﴿إِلَى الْكُفّارِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿فاتَكُمْ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال.\n ﴿فَعاقَبْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (عاقبتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَآتُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (آتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، والجملة بعده صلته، ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ثان، و﴿مِثْلَ:﴾ مضاف، و﴿ما:﴾\nاسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: مثل الذي، أو مثل شيء أنفقوه، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿الَّذِي:﴾ اسم","vol":"9","page":653},{"text":"موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾\nخبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5162\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ..﴾. إلخ: لمّا فتح رسول الله ﷺ مكة؛ جاء نساء أهل مكة يبايعنه على الإسلام، كما بايعه الرجال، وكان على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها، وكانت قد شقت بطن الحمزة﵁يوم أحد، وقد نزلت الاية الكريمة التي نحن بصدد شرحها.\nهذا؛ ويقرأ بالهمز: «(يا أيها النبيء)» ومعناه: يا أيها المخبر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا، وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: يا آدم، يا نوح، يا موسى... إلخ، تشريفا له، وتنويها بفضله، وتصريحه باسمه في قوله جل ذكره: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ الاية الأخيرة من سورة (الفتح) ونحوها، لتعليم الناس بأنه رسول الله. انتهى. نسفي في غير هذا الموضع، وينبغي أن تعلم: أن الله لم يناد نبيه ﷺ بلفظ الرسول إلا في سورة (المائدة) رقم [٤١ و٦٧].\nفقال رسول الله: أبايعهنّ ﴿عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾. فرفعت هند رأسها، وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال-وكان قد بايع الرجال يومئذ على الإسلام، والجهاد فقط-فقال النبي ﷺ: ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتا، فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو حلال، فضحك النبي ﷺ، وعرفها، وقال لها: «وإنك لهند بنت عتبة؟». قالت:\nنعم فاعف عما سلف عفا الله عنك، والمحفوظ أن النبي ﷺ قال لها حين قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح: «خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف».\nفقال النبي ﷺ: ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فهذا استنكار منها أن تزني المرأة الشريفة؛ لأن الزنى لا تفعله إلا الدنيئة الخبيثة المعدن كالعبدة ونحوها. فلا حول ولا قوة إلا بالله! فقال النبي ﷺ: ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ فقالت هند: ربيناهم صغارا، وقتلتموهم كبارا، فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر كافرا، وكان بكرها، فضحك عمر -﵁حتى استلقى، وتبسم رسول الله ﷺ.","vol":"9","page":654},{"text":"ثم قال النبي ﷺ: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. فقالت هند: والله إن البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد، ومكارم الأخلاق. هذا؛ وقيل: كنى بالبهتان المفترى عن اللقيط، وهي من لطائف الكنايات، وهذا قول الجمهور، فقد كانت المرأة تلتقط ولدا، فتلحقه بزوجها، وتقول: هذا ولدي منك. فكان هذا من البهتان والافتراء، فقد كنى ﷾ بما بين يديها ورجليها عن الولد؛ لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى.\nثم قال ﷺ: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. فأقر النسوة بما أخذ عليهن من البيعة. قال ابن الجوزي: وجملة من أحصي من المبايعات أربعمئة وسبعة وخمسون امرأة، ولم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام.\nعن عائشة﵂قالت: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الاية على أن لا يشركن بالله شيئا، وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة لا يملكها. هذا؛ ومعنى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ أي: في كل ما تأمرهن به، أو تنهاهن عنه. وقيل: في كل أمر وافق طاعة، وكل أمر فيه رشد. وقيل: هو النهي عن النوح، والدعاء بالويل، وتمزيق الثياب، وقص الشعر، ونتفه، وخمش الوجه، وأن لا تحدّث المرأة الرجال الأجانب، وأن لا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر مع غير ذي محرم. قال ابن عباس﵄في قوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ إنما هو شرط شرطه الله على النساء. وأخرجه البخاري.\n ﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ يعني: إذا بايعنك على هذه الشروط؛ فبايعهن. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾ أي: اطلب من الله أن يغفر لهن ما سلف من ذنوبهن، وأهم، وأعظم هذه الذنوب الشرك. وما فعلته هند بالحمزة﵁من عظائم الإثم. ومع هذا كله فقد أمر الله نبيه أن يعفو عنهن، ويتجاوز عن سيئاتهن، بل وأمره أن يستغفر لهن، ويلتمس من الله العفو عنهن، والمغفرة لذنوبهن، وما ذاك إلا؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله، فعن أميمة بنت أخت السيدة خديجة، وبنت خالة فاطمة الزهراء﵅-. قالت: بايعت رسول الله ﷺ في نسوة، فقال: «فيما استطعتنّ، وأطعتنّ». قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا. قلنا: يا رسول الله! ألا تصافحنا؟ قال: «إنّي لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة قولي لمئة امرأة». أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوعن سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله، وقد صلت معه إلى القبلتين.\nقالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف؛ قال: «ولا تغششن أزواجكن». قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن:\nارجعي، فسلي رسول الله ﷺ: ما غشّ أزواجنا؟ قال: فسألته، فقال: «تأخذ ماله فتحابي به غيره». أخرجه الإمام أحمد.","vol":"9","page":655},{"text":"وعن أم عطية﵂قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منّا يدها، فقالت: فلانة أسعدتني، فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله ﷺ شيئا، فانطلقت، ورجعت فبايعها، فما وفى منهن امرأة غيرها، وغير أم سليم ابنة ملحان. أخرجه البخاري، ومسلم، أما مبايعة الرجال؛ فخذها مما يلي:\nفعن عبادة بن الصامت﵁قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: «ألاّ تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا يعضه بعضكم بعضا، ولا تعصوا في معروف أمركم به». ثم قال ﷺ: «فمن وفى منكم؛ فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب؛ فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له منها». رواه البخاري. هذا؛ ومعنى: (يعضه): يسحر، والعضه: السحر.\nقال القرطبي ﵀: ذكر الله﷿ورسوله ﷺ في صفة البيعة خصالا شتى، صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان الإيمان، وهي ستة أيضا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، والاغتسال من الجنابة، وذلك؛ لأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها، ولا يحجزهن عنها شرف النسب، فخصّت بالذكر لهذا.\nتنبيه: كان قتل الأولاد فاشيا في الجاهلية، لذا فقد نهى الله عنه في كثير من الايات، ولكن هذا القتل هل كان يقتصر على البنات، أو يتعدى إلى الذكور؟ المعروف: أن عامتهم كانوا يكرهون البنات، وأن الكثير منهم كانوا يئدون البنات؛ حتى نتج عن ذلك نقص في الإناث في بعض القبائل العربية، ولذا اضطر الواحد منهم إلى التزوج من قبيلة أخرى بمهر كثير، وأما قتل الذكور، فكان قليلا جدا، وكان لا يقع إلا في حالات شدة المعيشة، والفقر الشديد؛ لأنهم كانوا يتكثرون بالذكور، ويعتزون بهم، كما هو معروف، ومشهور.\nهذا؛ ويكثر السؤال في هذه الأيام عن منع الحمل، بل، وعن إسقاط الجنين باستعمال بعض العقاقير. والجواب يكون بعونه تعالى كما يلي: منع الحمل إذا كان على اتفاق بين الزوجين قبل العلوق، ولسبب من الأسباب، كضعف الزوجة، وعجزها عن القيام بخدمة الأولاد، فهو من المباحات؛ التي لا حرج فيها، وأما إذا كان هربا من نفقات الأولاد، وتكاليف الحياة، فهو مكروه كراهة شديدة، فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو يدخل تحت قول الرسول ﷺ: «العزل هو الوأد الخفيّ». وإسقاط الجنين بعد التخلق مكروه كراهة شديدة، ما لم يكن هناك خطر على المرأة، كما يحدث في بعض الحالات، فهو من المباحات، أما إسقاطه بعد نفخ الروح؛ فهو قتل نفس، ويدخل تحت الوعيد الشديد؛ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ..﴾. إلخ الاية رقم [٩٣] من سورة (النساء) ما لم تكن هناك ضرورة شديدة تدعو لإسقاطه، والله أعلم.","vol":"9","page":656},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ:﴾ انظر الاية رقم [١] و[١٠]. ﴿يُبايِعْنَكَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمُؤْمِناتُ،﴾ وهي حال مقدرة؛ أي: حال كونهن طالبات للمبايعة. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُشْرِكْنَ:﴾\nفعل مضارع مبني على السكون، وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ والنون فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿يُشْرِكْنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بعلى، التقدير: على عدم الشرك، أو عدم شركهن، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِاللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْئًا:﴾\nمفعول به، أو هو مفعول مطلق. ﴿وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ﴾ هذه الأفعال معطوفة على: ﴿لا يُشْرِكْنَ﴾ فهي مثله في الإعراب، وداخلة معه في التأويل بمصدر. ﴿أَوْلادَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَلا يَأْتِينَ:﴾ معطوف على: ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ﴾. ﴿بِبُهْتانٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَفْتَرِينَهُ:﴾ مضارع مبني على السكون، والنون فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة (بهتان)، أو هي في محل نصب حال من نون النسوة في ﴿يَأْتِينَ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال من الضمير المنصوب. و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِنَّ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَأَرْجُلِهِنَّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا يَعْصِينَكَ﴾ معطوف على: ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ﴾ فهو مثله في إعرابه، وداخل معه في المصدرية بسبب العطف. ﴿فِي مَعْرُوفٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَبايِعْهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (بايعهن): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، وإذا ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَاسْتَغْفِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (استغفر): فعل أمر، وفاعله:\nأنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَرْجُلِهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِاللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بِاللهِ:﴾ اسمها.\n ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل: ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر ولا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5163\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾\nالشرح: ينهى الله ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة، كما نهى عنها في أولها. قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اليهود، والنصارى، وسائر الكفار ممن غضب الله عليه، ولعنه، واستحق من الله الطرد، والإبعاد، فكيف توالونهم،","vol":"9","page":657},{"text":"وتتخذونهم أصدقاء، وأخلاء، وهم قوم مغضوب عليهم؟! وهذا يفيد: أن الاية عامة في جميع الكفار. وقال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى. وقال ابن عباس﵄-: هم كفار قريش؛ لأن كل كافر عليه غضب من الله. انتهى. صفوة التفاسير، ومختصر ابن كثير.\nوفي القرطبي، والكشاف، والخازن: إن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين، ويواصلونهم، فيصيبون بذلك من ثمارهم، فنهوا عن ذلك. وقال السيوطي في أسباب النزول: كان عبد الله بن عمر، وزيد بن الحارث يوادان رجالا من يهود، فأنزل الله الاية. هذا؛ وقال أحمد محشي الكشاف: قد كان الزمخشري ذكر في قوله تعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الاية رقم [١٢] من سورة (فاطر): أن آخر الاية استطراد، وهو فن من فنون البيان، مبوب عليه عند أهله، وآية الممتحنة هذه ممكنة أن تكون من هذا الفن جدا، فإنه ذم اليهود، واستطرد ذمهم بذم المشركين على نوع حسن من النسبة، وهذا لا يمكن أن يوجد للفصحاء في الاستطراد أحسن، ولا أمكن منه، ومما صدروا هذا الفن به قول الشاعر: [الطويل] إذا ما اتقى الله الفتى، وأطاعه... فليس به بأس وإن كان من جرم\nوقول حسان بن ثابت﵁في هجاء الحارث بن هشام، وكان هرب في غزوة بدر الكبرى [الكامل] إن كنت كاذبة الّتي حدّثتني... فنجوت منجى الحارث بن هشام\nترك الأحبّة أن يقاتل دونهم... ونجا برأس طمرّة ولجام\n ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: من أن يكون لهم حظ في الاخرة لعنادهم رسول الله ﷺ، وهم يعلمون: أنه الرسول المنعوت في التوراة. ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ أي: كما يئس الكفار المكذبون بالبعث والنشور من أمواتهم أن يعودوا إلى الحياة مرة ثانية بعد أن يموتوا، فقد كانوا يقولون إذا مات لهم قريب، أو صديق: هذا آخر العهد به، ولن يبعث أبدا. وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والحسن، وقال مجاهد: معناه: أنهم يئسوا من نعيم الاخرة، كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير. والأول أظهر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ واليأس: القنوط، وقطع الأمل، والطماعية في الشيء. قال تعالى في سورة (يوسف) حكاية عن قول يعقوب لأولاده: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾. هذا؛ والفعل: ﴿يَيْأَسُ﴾ بياء المضارعة قد يأتي بمعنى:\nيعلم، وبه فسر قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾. قال الكلبي: هو بمعنى: أفلم يعلم. وهي لغة النخع. وقيل: هي لغة هوازن.\nويؤيده ما روي: أنّ عليا، وابن عباس، وجماعة من الصحابة والتابعين-رضوان الله عليهم","vol":"9","page":658},{"text":"أجمعين-قرؤوا أفلم يتبين وهو تفسيره. وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأنه مسبب عن العلم بأن الميئوس منه لا يكون. وقال الليث، وأبو عبيدة: هو بمعنى: ألم يعلم. واستدلوا لهذه اللغة بقول سحيم بن وثيل اليربوعي، وقال القرطبي: هو لمالك بن عوف النصري: [الطويل] أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني: ... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم\nزهدم: اسم فرس سحيم، وقال رباح بن عدي: [الطويل] ألم ييأس الأقوام أنّي أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا؟\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا:﴾ انظر الاية رقم [١]. ﴿غَضِبَ:﴾ فعل ماض.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿قَوْمًا﴾. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿يَئِسُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿قَوْمًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنَ الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَما:﴾ (الكاف):\nحرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿يَئِسَ الْكُفّارُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿مِنْ أَصْحابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجاز الجمل تعليقهما بمحذوف حال من ﴿الْكُفّارُ،﴾ واعتبر ﴿مِنَ﴾ تبعيضية، وقدر الكلام: كما يئس الكفار حال كونهم بعض أصحاب القبور. و﴿أَصْحابِ﴾ مضاف، و﴿الْقُبُورِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ و(ما) المصدرية، والفعل ﴿يَئِسَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: قد يئسوا من الاخرة يأسا كائنا مثل يأس الكفار. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الممتحنة) بحمد الله وتوفيقه شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4528>سورة الصّفّ</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الصف) مدنية في قول الجميع فيما ذكره الماوردي. وقيل: إنها مكية. ذكره النحاس عن ابن عباس﵄-. وهي أربع عشرة آية، ومئتان وإحدى وعشرون كلمة، وتسعمئة حرف. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5164\"></span>﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾\nانظر شرح هذه الاية، وإعرابها في أول سورة (الحديد). هذا؛ وسميت السورة ب: (الصف)؛ أي: صف القتال في الحرب.\n<span id=\"aya-5165\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢)﴾\nالشرح: قيل: سبب نزول الاية وما بعدها ما روي عن عبد الله بن سلام﵁- قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ، فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله؛ لعملناه؟ فأنزل الله الايات. قال عبد الله بن سلام﵁-: فقرأها علينا رسول الله ﷺ. أخرجه الترمذي. وقال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه، ولبذلنا فيها أموالنا، وأنفسنا، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ وأنزل الله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ..﴾. إلخ رقم [١٠] الاتية، فابتلوا يوم أحد، فولّوا مدبرين، وكرهوا الموت، وأحبوا الحياة، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ..﴾.\nإلخ وهذا يفيد: أن صدر السورة الكريمة متأخر في النزول عن الايات المذكورة.\nوقيل: لما أخبر الله تعالى رسول الله ﷺ بثواب أهل بدر؛ قالت الصحابة: لئن لقينا قتالا؛ لنفرغنّ فيه وسعنا! ففروا يوم أحد، فعيرهم الله بهذه الاية. وقيل: نزلت في شأن القتال، كان الرجل يقول: قاتلت، ولم يقاتل، وأطعمت، ولم يطعم، وضربت، ولم يضرب، فنزلت هذه الاية. وقال صهيب﵁-: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر، وأنكاهم، فقتلته، فقال رجل: يا نبي الله إني قتلت فلانا! ففرح النبي ﷺ بذلك، فقال عمر، وعبد الرحمن بن عوف﵄-: يا صهيب! أما أخبرت رسول الله ﷺ: أنك قتلت فلانا، فإن فلانا","vol":"9","page":660},{"text":"انتحل قتله! فأخبره: فقال: «أكذلك يا أبا يحيى؟!». قال: نعم، والله يا رسول الله! فأنزل الله الاية في المنتحل. وقال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: نزلت في المنافقين، كانوا يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: إن خرجتم، وقاتلتم؛ خرجنا معكم، وقاتلنا. فلما خرجوا؛ نكصوا عنهم، وتخلفوا، وهذا حصل منهم في غزوة أحد، وفي غزوة تبوك، وغيرهما. هذا فيكون نداؤهم بالإيمان على زعمهم، وادعائهم.\nهذا؛ وقد حكى الله عنهم مثل ذلك في سورة (النساء) بقوله: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾ رقم [٧٧]، وأيضا قوله تعالى في سورة محمد ﷺ: ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ رقم [٢٠].\n ﴿لِمَ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف: اللام الجارة، والاسم: (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى في سورة (النازعات):\n ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ وقوله في سورة (الحجر) رقم [٥٤]: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ وقوله في سورة (النبأ): ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ وكما في الاية التي نحن بصدد شرحها، والاية رقم [٥] الاتية، وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار، ومن شواهدها الشعرية قول الكميت-وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الطويل] فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟\nوأيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي المذحجي﵁وهو الشاهد [٢٥٠] من الكتاب المذكور: [الطويل] علام تقول الرمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت؟\nهذا؛ وقد ثبتت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشعر، ومنه قول حسان بن ثابت﵁يهجو به رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر] على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان؟\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها) حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (أيها). ﴿آمَنُوا:﴾\nفعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق","vol":"9","page":661},{"text":"المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِمَ:﴾ (اللام): حرف جر. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، والسكون هو الألف المحذوفة كما رأيت في الشرح، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تقولون الذي، أو شيئا لا تفعلونه.\n\n<span id=\"aya-5166\"></span>﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿كَبُرَ مَقْتًا:﴾ عظم مقتا عند الله قولكم الذي لا تفعلونه، والفعل ﴿كَبُرَ﴾ محول إلى صيغة فعل بضم العين التي هي للذم هنا، وتكون للمدح أيضا، كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ إذ كل فعل ثلاثي متصرف يمكن تحويله إلى صيغة فعل للذم، أو للمدح. وفي الكشاف:\nقصد في ﴿كَبُرَ﴾ التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره، وأشكاله. ونصب ﴿مَقْتًا﴾ على التمييز دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص، لا شوب فيه؛ لفرط تمكن المقت منه، واختير لفظ (المقت) لأنه أشد البغض، وأبلغه، ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أبلغ من ذلك؛ لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله؛ فقد تم كبره، وشدته، وانزاحت عنه الشكوك. هذا؛ وفي سورة (غافر) رقم [٣٥]: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا،﴾ وفي سورة (الكهف) رقم [٥]: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾.\nفعن عبد الله بن عمر﵄-: أن النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ إذا أراد أن يهلك عبدا؛ نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء؛ لم تلفه إلاّ مقيتا ممقتا، فإذا لم تلفه إلا مقيتا ممقتا؛ نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة؛ لم تلفه إلا خائنا مخوّنا، فإذا لم تلفه إلاّ خائنا مخوّنا؛ نزعت منه الرّحمة، فإذا نزعت منه الرّحمة؛ لم تلفه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلفه إلا رجيما ملعنا؛ نزعت منه ربقة الإسلام». رواه ابن ماجه، الربقة بكسر الراء وفتحها: واحدة الربق، وهي عرى في حبل تشد به الغنم ونحوها، وتستعار لغيره.\nهذا؛ وتفيد الايتان: أنه حصل وعد من المسلمين، وخلف لما وعدوا به، كما رأيت في شرحهما، ثم وقع توبيخ شديد، بل، وتهديد عظيم من الله تعالى لهذا الخلف. لذا فإني أتكلم على هذا بإسهاب هنا، والله الموفق والمعين، فأقول وبالله أستعين: الوعد يستعمل في الخير وفي الشر، فإذا قلت: وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به؛ كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به؛ كان ذلك شرا، وهو ما في قول طرفة بن العبد من معلقته رقم [١٢٠]: [الطويل]","vol":"9","page":662},{"text":"وإنّي وإن أوعدته أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعود به، أو الموعد به، فيجوز أن يستعمل (وعد) في الخير وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى في سورة (المائدة):\n ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ،﴾ ومن الثاني قوله تعالى شأنه، وتعالت حكمته في سورة (الحج) رقم [٧٢]: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وأنشدوا: [الطويل] إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما\nكما يستعمل (أوعد) فيهما أيضا، كقولك: «أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرا». هذا؛ والمركّز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرا؛ كان الخلف محمدة، وإن وعدته خيرا؛ كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدم الذكر.\nهذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقه تعالى كرما. وعند الماتريدية لا يجوز. وأما الوعد؛ فلا يجوز الخلف في حقه تعالى اتفاقا. دليل الأشاعرة قول النبي ﷺ:\n «من وعده الله على عمل ثوابا؛ فهو منجز له، ومن وعده على عمل عقابا؛ فهو بالخيار إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه».\nهذا؛ والوفاء بالوعد حلية الأنبياء، وشعار ذوي التقى، والفضل من الأصفياء، ورمز الثقة من ذوي الرأي، والحكمة من العقلاء، وقد أكد الرسول ﷺ أمر العهد، وشدد في طلب الوفاء بالوعد، وبين أن من أخلف الوعد، ونكث العهد؛ فقد خان الله ورسوله، وباع آخرته بدنياه، وخرج عن دينه، ودخل في النفاق. فعن أنس بن مالك﵁-. قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». رواه أحمد، والطبراني.\nوعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى وصام، وزعم أنه مسلم». وزاد أبو يعلى من رواية أنس: «وإن صام وصلّى، وحجّ واعتمر، وقال: إني مسلم». وقال الشاعر المسلم: [الطويل] فإن تجمع الافات فالبخل شرّها... وشرّ من البخل المواعيد والمطل\nولا خير في وعد إذا كان كاذبا... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل\nومن أحسن ما قيل في تشبيه من يخلف الوعد بمسيلمة الكذاب قول بعضهم: [الطويل] ووعدتني وعدا حسبتك صادقا... فبقيت من طمعي أجيء وأذهب","vol":"9","page":663},{"text":"فإذا جلست أنا وأنت بمجلس... قالوا مسيلمة وهذا أشعب\nوفي الايتين الكريمتين أكبر رادع، وأعظم زاجر للذين يعدون، ولا يفون، ويقولون، ولا يفعلون. ولولا الإطالة عليك؛ لذكرت لك الكثير من الأحاديث النبوية، والشواهد الشعرية.\nالإعراب: ﴿كَبُرَ:﴾ فعل ماض. ﴿مَقْتًا:﴾ تمييز. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَقْتًا﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله.\nو﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية: ﴿كَبُرَ مَقْتًا..﴾.\nإلخ في محل رفع خبر مقدم، وعليه ففاعل ﴿كَبُرَ﴾ ضمير يفسره التمييز، ويجوز أن يكون المصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو قولكم ما لا تفعلون، ويكون فاعل ﴿كَبُرَ﴾ ضميرا مميزا، التقدير: كبر المقت مقتا. وحسن أن تكون جملة: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ خبرا مقدما للقول على الوجه الأول؛ لأنه بمعنى الذم، تقديره: قولكم ما لا تفعلون مذموم، وقامت الجملة الفعلية مقامه، كما تقول: زيد نعم رجلا، فترفع زيدا، بالابتداء، وما بعده خبره، وليس فيه ما يعود عليه، لكنه جاز، وحسن؛ لأن معناه المدح، فكأنه قال: زيد الممدوح، وقام «نعم رجلا» مقام: «ممدوح» فافهمه. انتهى. مكي بتصرف كبير مني.\n\n<span id=\"aya-5167\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ أي: يحب المجاهدين الذين يصفّون أنفسهم عند القتال صفا، ويثبتون في أماكنهم عند لقاء العدو. ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أي: كأنهم في تراصهم، وثبوتهم في المعركة بناء قد رصّ بعضه إلى بعض، وألصق، وأحكم حتى صار شيئا واحدا. وقال القرطبي: ومعنى الاية: أن الله تعالى يحب من يثبت في الجهاد في سبيل الله، ويلزم مكانه كثبوت البناء. وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم، لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان. هذا؛ وفي الاية تشبيه مرسل مفصل- ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ -فعن أبي سعيد الخدري﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفّوا للصّلاة، والقوم إذا صفّوا للقتال». أخرجه ابن ماجه، والإمام أحمد، ومعنى ضحكه تعالى شأنه: رحمته ورضوانه، وهذه الاية ترغّب المؤمنين في الجهاد، ومحاربة الكفار. وخذ ما يلي:\nفعن سهل بن سعد﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا، وما عليها، والروحة","vol":"9","page":664},{"text":"يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وعن أبي أمامة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إن صلاة المرابط تعدل خمسمئة صلاة، ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمئة دينار ينفقه في غيره». رواه البيهقي. وعن عثمان بن عفان﵁-. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حرس ليلة في سبيل الله، أفضل من ألف ليلة، يقام ليلها، ويصام نهارها». رواه الحاكم. وعن زيد بن خالد الجهني﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من جهّز غازيا في سبيل الله؛ فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير؛ فقد غزا». رواه البخاري ومسلم وغيرهما. هذا؛ وحبذا لو نوى المجند الجهاد في سبيل الله، فيكون كل عمله جهادا؛ حتى يسرح من جنديته.\nعن ثوبان﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: من قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل! ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم! وليقذفنّ في قلوبكم الوهن!». قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: «حبّ الدنيا، وكراهية الموت». رواه أبو داود، وأحمد، وغيرهما. وعن عبد الله بن عمر﵄-. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه عنكم؛ حتى ترجعوا إلى دينكم». رواه أبو داود.\nوقد روي من طرق مختلفة: أن النبي ﷺ قال ذات يوم: «ما تعدّون الشهيد فيكم؟». قلنا يا رسول الله: من قتل في سبيل الله. قال: «إنّ شهداء أمتي إذا لقليل! من قتل في سبيل الله فهو شهيد، والمتردّي شهيد، والنفساء شهيد، والغريق شهيد، والسّلّ شهيد، والحريق شهيد، والغريب شهيد». وفي رواية أخرى: «والمبطون شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمطعون شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد». ومعنى: «والمرأة تموت بجمع». أي: تموت وفي بطنها ولد. وقيل: التي تموت بكرا. وعن سعيد بن زيد﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد». رواه أبو داود، وغيره.\nوعن أبي هريرة﵁قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك». قال: أرأيت إن قاتلني. قال: «قاتله».\nقال: أرأيت إن قتلني. قال: «فأنت شهيد». قال: أرأيت إن قتلته. قال: «هو في النّار». رواه مسلم والنسائي.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة،","vol":"9","page":665},{"text":"لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، والجملة بعده صلته، لا محل لها. ﴿فِي سَبِيلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿صَفًّا:﴾ حال بمعنى: مصطفين، أو صافين، فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، وصاحب الحال: واو الجماعة. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بُنْيانٌ:﴾ خبر (كأن). ﴿مَرْصُوصٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿صَفًّا،﴾ فهي حال متداخلة. وإن اعتبرتها حالا من واو الجماعة، فهي حال متعددة.\n\n<span id=\"aya-5168\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ:﴾ لما ذكر الله أمر الجهاد؛ بيّن أن موسى، وعيسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهما؛ أي: واذكر لقومك يا محمد هذه القصة. ﴿يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: لم توصلون الأذى إلي؛ وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة؟! وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ فيما أصابه من كفار مكة. هذا؛ وأنواع الإيذاء التي آذى بها بنو إسرائيل موسى كثيرة، لا تعدّ ولا تحصى، منها: قولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ وقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وقولهم: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ،﴾ وقولهم:\n ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ وقولهم: (إنّك يا موسى قتلت هارون). ومنها:\nما ذكر في قصة قارون: أنه دس إلى امرأة تدعي على موسى الفجور كما رأيت في سورة (القصص). ومنها: أنهم رموا موسى بالأدرة. انظر ما ذكرته في الاية رقم [٦٩] من سورة (الأحزاب) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nتنبيه: من المشهور عند أهل العربية: أن «قد» تصحب الماضي لتقربه من الحال، وإذا صحبت المضارع، فإنها تفيد التقليل، مثل قولهم: (إن الكذوب قد يصدق) ولكنها هنا جاءت مع المضارع للتكثير؛ أي: لتكثير علمهم؛ أي: تحقيق تأكيده على عكس معناها الأصل في التقليل، وإذا اعتبرت الفعل: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ بمعنى علمتم زال الإشكال.\n ﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أي: مالوا عن الحق وعدلوا عنه. ﴿أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ:﴾ عن الهداية، والتوفيق لصالح الأعمال، وأودع فيها الشك، والحيرة، وعدم الاهتداء. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٦]: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال في سورة (يونس) رقم [١١]: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٥]: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ﴾","vol":"9","page":666},{"text":"﴿جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ:﴾ لا يوفقهم إلى طريق الحق والصواب؛ لأنهم مالوا عن طريق الحق والصواب، وظلموا أنفسهم بالمعاصي، والخروج عن طاعة الله، وسبق في علم الله الأزلي: أنهم من أهل النار، ولو تركوا وشأنهم؛ لما اختاروا غير ذلك. وهذا جواب لمن يعترض، ويقول: لماذا لا يهديهم، ولا يوفقهم إلى طريق الحق والصواب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وهو أولى. ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مع مقولها في محل جر بإضافة (إذ) إليها.\n ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يا قَوْمِ:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي)، ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: (يا قومي)، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول:\n (يا قوما)، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول:\n (يا قوم) قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nويزاد لغة سادسة، وهو لغة القطع (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف «يقول العبد:\nيا ربّ، يا ربّ». وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿(قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ...)﴾ إلخ، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وانظر تفصيل إعرابها في الاية رقم [٣]. ﴿تُؤْذُونَنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَقَدْ:﴾ (الواو): واو الحال.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:\nالواو، والضمير. ﴿أَنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿رَسُولُ:﴾ خبر (إنّ)، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ وأجيز تعليقهما ب: ﴿رَسُولُ؛﴾ لأنه بمعنى مرسول الله. و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محلّ نصب سد مسد مفعولي ﴿تَعْلَمُونَ﴾. هذا؛ وساغ اعتبار الجملة الفعلية في محل","vol":"9","page":667},{"text":"نصب حال على توجيهين: الأول: على اعتبار الفعل بمعنى الماضي. والثاني: على اعتبار الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وأنتم تعلمون... إلخ. وأحد هذين التوجيهين؛ لا يجوز؛ لأن الجملة الفعلية المضارعية الواقعة حالا لا يجوز أن تقترن بالواو. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت\nوذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا\n ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لما): انظر الاية رقم [١٦] من سورة (الحشر).\n ﴿زاغُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: زاغوا عن الحق، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿أَزاغَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهِ:﴾ فاعله.\n ﴿قُلُوبَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله):\nمبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n\n<span id=\"aya-5169\"></span>﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: واذكر يا محمد لقومك هذه القصة أيضا.\nولم يقل: «يا قوم» كما قال موسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-؛ لأنه لا نسب له فيهم، فيكونون قومه؛ لأنه لا أب له، كما هو معروف، ومشهور، والنسب للأب، لا للأم. فتنبه لهذا، واحفظه فإنه جيد، والحمد لله. ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: مرسل إليكم رسولا من قبل الله تعالى بالوصف المذكور في التوراة. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أي: مصدقا، ومعترفا بأحكام التوراة، الموجودة بين يديّ، وكتب الله، وأنبيائه جميعا، ولم آتكم بشيء يخالف التوراة؛ حتى تنفروا عني، وتبتعدوا مني. ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ أي: وجئت لأبشركم ببعثة رسول يأتي من بعدي اسمه: أحمد. قال الالوسي: وهذا الاسم الكريم علم لنبينا محمد ﷺ، كما قال حسان﵁-: [الكامل]","vol":"9","page":668},{"text":"صلّى الإله ومن يحفّ بعرشه... والطّيّبون على المبارك أحمد\nفعيسى﵊هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشرا بمحمد ﷺ، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين؛ الذي لا رسالة بعده، ولا نبوة، وهو صريح قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٠]: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وما أحسن ما أورد البخاري عن جبير بن مطعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي؛ الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر؛ الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب». أخرجه البخاري، ومسلم، ومعنى العاقب: الذي لا نبي بعده.\nقال ابن عباس﵄-: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث محمد، وهو حي ليتبعنّه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنّه وينصرنّه. وقال محمد بن إسحاق عن خالد بن معدان﵁-، عن أصحاب رسول الله ﷺ: أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك! قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور، أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام». قال ابن كثير:\nإسناده جيد. وعن العرباض بن سارية﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأوّل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين». أخرجه الإمام أحمد. هذا؛ وبشارة عيسى ﵇ ما ذكر في هذه السورة، أما دعوة إبراهيم ﵇؛ فهي قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٩] حكاية عن قول إبراهيم: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nوجملة القول: أن الأنبياء-عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-لم تزل تصفه، وتذكره في كتبها على أممها، من لدن آدم إلى عيسى ابن مريم، وتأمرهم باتباعه، ونصرته، ومؤازرته إذا بعث، وكان أول ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء، والمرسلين جميعا حين دعا لأهل مكة يوم أسكن ابنه إسماعيل فيها، وبنى الكعبة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، وكذا على لسان عيسى، كما رأيت.\n ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: فلما جاءهم عيسى بالمعجزات الواضحات من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، ونحو ذلك من المعجزات الدالة على صدقه في دعوى الرسالة. هذا هو الظاهر أن الضمير يعود إلى عيسى ﵊؛ لأنه المحدث عنه، وهو اختيار البيضاوي، والالوسي، وصاحب البحر المحيط. وقال ابن جريج-رحمه الله تعالى-: بل الضمير يعود إلى ﴿أَحْمَدُ﴾ المبشر به في الأعصار المتقادمة، المنوه بذكره في القرون السالفة.","vol":"9","page":669},{"text":"﴿قالُوا﴾ أي: لما ظهر أمره، وجاء بالبينات؛ قال الكافرون: ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. في قراءة حمزة، والكسائي: «(ساحر)» وقد استدل البيضاوي بهذه القراءة على أن المراد به عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nوعن كعب الأحبار: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله! هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم أمة أحمد: حكماء، علماء، أبرار، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضوان باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل. انتهى. كشاف.\nوخذ ما يلي: فعن أبي الدرداء﵁قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إنّ الله ﷿ قال: يا عيسى! إنّي باعث من بعدك أمّة إن أصابهم ما يحبّون؛ حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون؛ احتسبوا، وصبروا، ولا حلم، ولا علم! فقال: يا ربّ كيف يكون هذا؟ قال: أعطيهم من حلمي، وعلمي». رواه الحاكم. وقال: صحيح على شرط البخاري.\nهذا؛ والسحر: كل ما لطف ودقّ، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى.\nوقال الغزالي﵀في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. انتهى. هذا؛ والمعتمد أنّ من تعلّمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى:﴾ هو مثل الاية السابقة بلا فارق. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة ﴿عِيسَى،﴾ أو هو بدل منه، و﴿اِبْنُ﴾ مضاف، و﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿يا بَنِي:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو.\n (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(بني) مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿رَسُولُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ وأجيز تعليقهما ب: ﴿رَسُولُ﴾ نفسه؛ لأنه بمعنى: مرسول الله.\n ﴿مُصَدِّقًا:﴾ حال من الضمير المستكن في ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ لتأويله ب: «مرسل» وهو العامل في الحال بهذا الاعتبار. انتهى. جمل. وقال مكي: حال من (عيسى). ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:","vol":"9","page":670},{"text":"﴿مُصَدِّقًا﴾ ف: (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام اللام في مغنيه زائدة، وسماها لام التقوية. وعليه ف: (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلا، مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ،﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ،﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى،﴾ ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ،﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وأورد قول حاتم الطائي. وقيل: قول قيس بن عاصم المنقري﵁وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإني لست آكله وحدي\n ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما)، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿يَدَيَّ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ التَّوْراةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستقر في الظرف، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. ﴿وَمُبَشِّرًا:﴾ معطوف على ﴿مُصَدِّقًا﴾. ﴿بِرَسُولٍ:﴾\nمتعلقان ب: (مبشرا). ﴿يَأْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (رسول)، والجملة الفعلية في محل جر صفة (رسول). ﴿مِنْ بَعْدِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اِسْمُهُ:﴾ مبتدأ. ﴿أَحْمَدُ:﴾\nخبره، أو هو مبتدأ مؤخر، واسمه خبر مقدم، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: (رسول)، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لمّا): انظر الاية رقم [١٦] من سورة (الحشر). ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿عِيسَى،﴾ أو إلى (رسول) انظر الشرح، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها، على اعتبارها ظرفا.\n ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قالُوا:﴾\nفعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿سِحْرٌ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا هذا..﴾. إلخ جواب (لما)، لا محل لها، و(لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-5170\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ: أي: لا أحد أظلم، وأفسد، وأشقى ممن يدعى إلى الإسلام الظاهر حقيته المقتضي له خير الدارين، فيضع موضع إجابته الافتراء على الله بتكذيب رسوله،","vol":"9","page":671},{"text":"وتسمية آياته سحرا. فإنه يعم إثبات المنفي، ونفي الثابت. وقرئ: «(يدّعي)» اي ينتسب. يقال:\nدعاه وادّعاه، كلمسه، والتمسه. انتهى. هذا؛ والإسلام: الاستسلام، والخضوع، والانقياد لأوامر الله تعالى مع تنزيه الله عن الولد، والوالد، والصاحبة. وكله مضمون التوحيد، وفحواه؛ الذي جاء به الرسل جميعا، ولذلك قال الرسول ﷺ «الأنبياء بنو علاّت». وبنو العلات أولاد الضرائر، وأبوهم واحد، يقصد النبي ﷺ: أن الأنبياء جميعا جاؤوا بالتوحيد، وإن اختلفت الأحكام، والتكاليف الإلهية، ولذلك نطق الأنبياء بالإسلام، ومعناه: التوحيد. وخذ ما يلي:\nفإبراهيم، وإسماعيل﵉قالا: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. سورة (البقرة) رقم [١٢٨]. وقال يوسف﵇سائلا ربه بقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ سورة (يوسف) رقم [١٠١]. ومن قول سليمان ﵇: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ سورة (النمل) رقم [٤٢]. وبلقيس قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ سورة (النمل) رقم [٤٤]. وغير ذلك كثير.\nالإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مفيد للنفي، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكَذِبَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُدْعى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: الظالم. ﴿إِلَى الْإِسْلامِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿اِفْتَرى﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٥]: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5171\"></span>﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ أي: يريد الكفار إبطال نور الله، وهو القرآن الكريم، أو الإسلام، أو المراد: حجج الله ودلائله. هذا؛ والإطفاء هو: الإخماد، يستعملان في النار، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء، والظهور، ويفترقان من وجه، وهو: أن الإطفاء يستعمل في القليل، والكثير، والإخماد لا يستعمل إلا في الكثير، فيقال: اطفأت السراج. ولا يقال: أخمدت السراج، والاستعارة واضحة، حيث استعار نور الله لدينه، وشرعه الواضح،","vol":"9","page":672},{"text":"وشبه من أراد إبطال هذا الدين بمن أراد إطفاء الشمس بفمه الحقير، على طريق الاستعارة التمثيلية. وهذا من لطيف الاستعارات.\n ﴿بِأَفْواهِهِمْ:﴾ جمع: فوه على الأصل؛ لأن الأصل في فم: فوه، مثل: حوض، وأحواض، والمراد الكلام الذي يخرج من أفواههم، كطعن في الإسلام، وطعن في القرآن، وطعن في النبي ﷺ. قال الفخر الرازي: وإطفاء نور الله تعالى تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: إنه سحر، إنه كهانة، شبهت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، وفيه تهكم وسخرية بهم.\n ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: والله مظهر لدينه بنشره في الافاق، وإعلائه على جميع الأديان، والمراد: أن هذا الدين سينتشر في مشارق الأرض، ومغاربها، وهو فحوى قول النبي ﷺ: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها، ومغاربها، وإنّ ملك أمّتي سيبلغ ما زوي لي منها». ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي: ولو كره ذلك أعداء الله المشركون بالله وغيرهم، فإن الله سيعز شأن هذا الدين رغم أنف الكافرين. قال زاده: كان كفار مكة يكرهون هذا الدين الحق من أجل توغلهم في الشرك، والضلال، فكان المناسب إذلالهم، وإرغامهم بإظهار ما يكرهون من الحق، وليس المراد من إظهاره ألا يبقى في العالم من يكفر بهذا الدين، بل المراد أن يكون أهله عالين غالبين على سائر الأديان بالحجة، والبرهان، والسيف، واللسان إلى آخر الزمان. انتهى. صفوة التفاسير. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٢]: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي: كرهوا الإسلام، وإعلاء كلمته، وقد كان ذلك يوم اختار الله، وهيأ لهذا الدين من حمل لواءه، وبذلوا ما بذلوا حتى سطح نوره، وعم ربوع الدنيا، والتاريخ شاهد صدق على ذلك.\nالإعراب: ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الظالمين، أو من الضمير المستتر فيه، والرابط: الضمير فقط، وهو واو الجماعة. ﴿يُطْفِؤُا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعليه فالمفعول محذوف، التقدير: يريدون الكذب. أو يريدون الافتراء لإطفاء نور الله بأفواههم. هذا؛ ويجوز اعتبار اللام صلة، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به محلا، وفي محل جرّ باللام لفظا. قال الزمخشري: أصله يريدون أن يطفئوا نور الله، كما جاء في سورة (التوبة) وهي الاية الانفة الذكر، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له لما فيها من معنى التقوية. وهناك قول ثالث: أنها بمعنى (أن) الناصبة، وأنها ناصبة للفعل","vol":"9","page":673},{"text":"بنفسها. قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع: «أن» في: (أراد، وأمر) وإليه: ذهب الكسائي أيضا. انتهى. جمل نقلا من السمين. هذا؛ ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢٦]: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ،﴾ والاية رقم [٧١] من سورة (الأنعام): ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ والاية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب) ومثل ذلك كله قول كثير عزة وهو الشاهد رقم [٣٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] أريد لأنسى ذكرها فكأنما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل\n ﴿نُورَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِأَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل (يطفئوا)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿مُتِمُّ:﴾\nخبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿نُورِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقرئ بتنوين «(متم)» ونصب «(نوره)» على أنه مفعول به صريح، والجملة الاسمية: (الله متم نوره) في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو وإعادة اللفظ الكريم، وجاءت الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف كجزئه، انظر الاية رقم [١٠] من سورة (الممتحنة). ﴿وَلَوْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لو): وصلية، والجملة الفعلية:\n ﴿كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، والمفعول محذوف، تقديره: ولو كره الكافرون إتمام نوره. وانظر الاية التالية:\n\n<span id=\"aya-5172\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ أي: الله هو الذي بعث محمدا ﷺ بالقرآن، والإسلام. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أي: دين الإسلام. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليعليه على جميع الأديان بالحجج الدامغات، والبراهين الساطعات بالإضافة لما ذكرته في الاية السابقة. وخذ ما يلي:\nفعن تميم الداري﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر، ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، يعز عزيزا، ويذل ذليلا، عزّا يعز الله به الإسلام، وذلاّ يذل الله به الكفر». فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير، والشرف، والعز، ولقد أصاب من كان كافرا منهم الذل، والصغار، والجزية. أخرجه الإمام أحمد في مسنده. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ:﴾ هو مثل الاية السابقة.\nقال الجمل-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: قال أولا: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ،﴾ وقال ثانيا ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنه تعالى أرسل رسوله، وهو من نعم الله تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء، فلهذا قال: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ؛﴾ لأن لفظ","vol":"9","page":674},{"text":"الكافر أعم من لفظ المشرك، فالمراد من الكافرين هنا: اليهود، والنصارى، والمشركون، فلفظ الكافر أليق به، وأما قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فذلك ب: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ فلم يقولوها، فلهذا قال: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. انتهى. نقلا من الخطيب.\nتنبيه: قال أبو هريرة، والضحاك: هذا (أي: ما ذكر في الاية الكريمة) عند نزول عيسى ﵇. وقال السدي: ذاك عند خروج المهدي، ولا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام، وأيد ذلك القرطبي، وذكره الزمخشري بلفظ: قيل. ولا تنس: أن الاية مذكورة بحروفها في سورة (التوبة) برقم [٣٣]، وفي سورة (الفتح) برقم [٢٨].\nتنبيه: قال الله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤١]: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ في تأويل هذا الجعل أقوال:\nأحدها: وهو قول علي، وابن عباس﵃ أجمعين-: أن المراد به في يوم القيامة، بدليل عطفه على ما قبله. الثاني: أن هذا في الدنيا. والمعنى: أن حجة المؤمنين غالبة في الدنيا على الكافرين، وليس لأحد يغلبهم بالحجة. الثالث: معناه: أن الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بأن يمحو دولة المؤمنين بالكلية حتى يستبيحوا بيضتهم، فلا يبقى أحد من المؤمنين. الرابع: أن شريعة الإسلام باقية إلى يوم القيامة، لا تتغلب عليها شريعة ما. ويتفرع على هذا مسائل، منها: أن الكافر لا يرث المسلم. ومنها: أن الكافر لا يحق له أن يشتري عبدا مسلما. ومنها: أن الكافر لا يتزوج مسلمة. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥٦]: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي: الغالبون بالحجة، والبرهان، فإنها مستمرة أبدا، لا بالدولة، والصولة، وإلا فقد غلب حزب الله غير مرة حتى في زمن النبي ﷺ. قاله الجمل، وغيره، وهو كلام لا غبار عليه.\nهذا؛ وقد عدّ محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-في كتابه: (التبيان في علوم القرآن) من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم الوفاء بالوعد في كل ما أخبر عنه، وكل ما وعد به عباده.\nقال: وهذا الوعد ينقسم إلى قسمين: وعد مطلق، ووعد مقيد، فالوعد المطلق كوعده بنصر رسوله، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، ونصر المؤمنين على الكافرين. وقد تحقق ذلك كله.\nوذكر مطلع سورة (الفتح) وسورة (النصر) بكاملها، والاية التي نحن بصدد شرحها. ثم قال:\nومن الوعد المطلق قوله جل ثناؤه في سورة (الروم) رقم [٤٧]: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد تحقق نصر المؤمنين في مواطن عديدة: في بدر، والأحزاب، وحنين، وغير ذلك من المعارك العظيمة؛ التي شهدها تاريخ الإسلام. وذكر آيات (الأنفال). ثم قال: ومن الوعد المطلق أيضا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ..﴾. إلخ الاية هنا، وهي في سورة (التوبة) برقم [٣٣]، وفي سورة (الفتح) برقم [٢٨]، وأيضا قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٥١]: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾.","vol":"9","page":675},{"text":"أما الوعد المقيد، فهو ما كان فيه شرط، كشرط التقوى، أو شرط الصبر، أو شرط النصرة لدين الله، وما شابه ذلك. قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ رقم [٧] من سورة (محمد ﷺ)، وقال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾. والاية رقم [٤] منها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا،﴾ وقد وعد الله المؤمنين بالنصر بشرط الصبر، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٥]: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. انتهى. بتصرف كبير مني.\nالإعراب: ﴿هُوَ﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَرْسَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَسُولَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِالْهُدى:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَسُولَهُ﴾ التقدير: مقرونا، أو ملتبسا بالهدى، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَدِينِ:﴾ الواو: حرف عطف. (دين): معطوف على (الهدى)، و(دين) مضاف، و﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه من إضافة الموصوف للصفة؛ إذ الأصل:\nالدين الحق. ﴿لِيُظْهِرَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعوله، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿عَلَى الدِّينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُلِّهِ:﴾\nتوكيد للدين؛ لأنه بمعنى: جميع الأديان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَوْ:﴾ (الواو): واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَرِهَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْمُشْرِكُونَ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير:\nولو كره المشركون إظهار دينه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (دين الحق)، والرابط:\nالواو، والضمير المقدر مع المفعول المحذوف. هذا؛ وإن اعتبرت (لو) شرطية امتناعية؛ ففعل شرطها المذكور، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ولو كره المشركون إظهار دينه؛ لأظهره الله، وعليه فالجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. وقيل: (لو) شرطية، وهذا يتعارض مع قول من يقول: إن (الواو) واو الحال قطعا؛ لأن الشرطية لتعليق الفعل بالمستقبل، وهذا يتنافى مع الحال.\n\n<span id=\"aya-5173\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم بالله ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان. ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ..﴾. إلخ: أي: تخلصكم، وتنقذكم من عذاب شديد، ومؤلم. هذا؛ ويقرأ الفعل بتشديد الجيم وتخفيفها، وانظر ما ذكرته في أول السورة. وخذ ما يلي:","vol":"9","page":676},{"text":"قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت في عثمان بن مظعون﵁وذلك: أنه قال لرسول الله ﷺ: لو أذنت لي، فطلقت خولة، وترهبت، واختصيت، وحرمت اللحم، ولا أنام بليل أبدا، ولا أفطر بنهار أبدا، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام، إنما رهبانيّة أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم. ومن سنّتي: أنام، وأقوم، وأفطر، وأصوم، فمن رغب عن سنّتي، فليس منّي».\nفقال عثمان﵁-: والله لوددت يا نبيّ الله أن أعلم أيّ التجارات أحبّ إلى الله، فأتجر فيها؟ فنزلت الاية الكريمة. ما أشبه سبب نزول هذه الاية بسبب نزول قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٨٧ و٨٨]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ..﴾. إلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الاية رقم [٢]. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتشويق، وترغيب. ﴿أَدُلُّكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿عَلى تِجارَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿تُنْجِيكُمْ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى التجارة، تقديره هي، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿تِجارَةٍ﴾. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة ﴿عَذابٍ،﴾ وهو بمعنى: مؤلم.\n\n<span id=\"aya-5174\"></span>﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ هذا تفسير للتجارة المذكورة في الاية السابقة، وانظر الإيمان في الاية رقم [١٦] من سورة (المجادلة). ﴿وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ هذه الجملة من جملة تفسير التجارة. ﴿بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ:﴾ قدم الأموال على النفس لعزتها في ذلك الوقت، أو لأنها قوام النفس، أو لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق، أو لأن المال شقيق الروح، فقد يفرط الإنسان في نفسه دفاعا عن ماله، وهذا معروف ومشهور. والمراد: تجاهدون أعداء الدين بالمال، والنفس؛ لإعلاء كلمة الله.\nقال المفسرون: جعل الله الإيمان والجهاد في سبيله تجارة تشبيها لهما بالتجارة، فإنها عبارة عن مبادلة شيء بشيء طمعا في الربح، ومن آمن، وجاهد بماله، ونفسه؛ فقد بذل ما عنده، وما في وسعه؛ لنيل ما عند ربه من جزيل ثوابه، والنجاة من أليم عقابه. فشبه هذا الثواب، والنجاة من العذاب بالتجارة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الاية رقم [١١١] من سورة (التوبة).","vol":"9","page":677},{"text":"قال الإمام الفخر الرازي: والجهاد ثلاثة أنواع:\n١ - جهاد فيما بينه وبين نفسه، وهو قهر النفس، ومنعها عن اللذات والشهوات.\n٢ - جهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع منهم، ويشفق عليهم ويرحمهم.\n٣ - جهاد أعداء الله بالنفس، والمال نصرة لدين الله. انتهى. صفوة التفاسير.\nوالأول هو الجهاد الأكبر؛ الذي نبه عليه النبي ﷺ، فقد روى البيهقي بإسناد حسن صحيح:\nأن أصحاب رسول الله ﷺ، حين قدموا من الجهاد تلقاهم الرسول ﷺ، وقال لهم: «مرحبا بكم! قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟! قال: «جهاد النفس». هذا؛ وبالإضافة لما ذكرته في الاية رقم [٤] أذكر ما يلي:\nعن عمران بن حصين﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «مقام الرجل في الصفّ في سبيل الله أفضل من عبادة الرّجل ستين سنة». أخرجه الحاكم. وعن أبي هريرة﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة مئة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين، كما بين السماء والأرض». أخرجه البخاري. هذا؛ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٩٥]: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁-: أن أعرابيا أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل؛ ليذكر، والرجل يقاتل؛ ليرى مكانه؛ فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما.\nالإعراب: ﴿تُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة جواب السؤال المقدر، كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ. وقيل: الجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي تؤمنون، وعليه فالجملة الاسمية مفسرة للتجارة لا محل لها، والخبر نفس المبتدأ، فلا رابط لها، والفعل عند سيبويه، والمبرد، والزجاج بمعنى: آمنوا.\nولهذا أجيب بقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالجزم على أنه جواب للأمر، ويدل عليه قراءة ابن مسعود﵁-: «(آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا)» وإنما جيء به على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فهو يخبر عن إيمان، وجهاد موجودين. وقال الفراء: الفعل: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾","vol":"9","page":678},{"text":"مجزوم بجواب الاستفهام. ورده ابن هشام في قطر الندى بقوله: وليس جوابا للاستفهام؛ لأن غفران الذنوب لا يتسبب عن نفس الدلالة، بل عن الإيمان، والجهاد. هذا؛ وقرأ زيد بن علي:\n «(تؤمنوا وتجاهدوا)» على إضمار لام الأمر. ومثله، أو ومنه قول حسان بن ثابت﵁- وهو الشاهد رقم [٤٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] محمد تفد نفسك كلّ نفس... إذا ما خفت من شيء تبالا\nهذا؛ وأجاز ابن هشام في مغني اللبيب اعتبار الفعل مجزوما بجواب الاستفهام تنزيلا للسبب، وهو الدلالة منزلة المسبب، وهو الامتثال، فيكون كلامه نقضا لما ذكره في قطر الندى.\nهذا؛ وجملة: ﴿وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿بِأَمْوالِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿وَأَنْفُسِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِأَمْوالِكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وجواب الشرط محذوف أيضا، التقدير: إن كنتم تعلمون: أنه خير لكم؛ فافعلوه. هذا؛ وقد جعله الزمخشري من حذف المفعول للعلم به اختصارا. وجعله البيضاوي منزلا منزلة اللازم؛ حيث قال: إن كنتم من أهل العلم؛ لأن الجاهل لا يعتد بفعله، فلا يثاب عليه، ولا يكون فيه خير. وقال الكرخي: وتفسيره أبلغ، وأدل على التوبيخ؛ لدلالته على الشك في كونهم من أهل العلم مطلقا. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ وجملة: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والجملة الشرطية بكاملها مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5175\"></span>﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين الصادقين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ومغفرة الذنوب هي الغاية العظمى التي يسعى لها، ويرغب فيها المؤمنون. ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ:﴾ جمع جنة، انظر الاية رقم [٦٢] من سورة (الرحمن). ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: تحت أشجارها، وقصورها، وبينها. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ جمع: نهر، وبالإضافة لما ذكر في سورة (محمد ﷺ) رقم [١٥] أذكر ما يلي: عن أنس﵁-. قال: (لعلّكم تظنون أنّ أنهار الجنّة أخدود في الأرض، لا والله إنّها لسائحة على وجه الأرض، إحدى حافتيها اللؤلؤ، والأخرى الياقوت،","vol":"9","page":679},{"text":"وطينه المسك الأذفر. قال: قلت: ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط له) رواه ابن أبي الدنيا موقوفا، ورواه غيره مرفوعا، والموقوف أشبه بالصواب. انتهى. الترغيب والترهيب للحافظ المنذري.\n ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً:﴾ عن عمران بن حصين، وأبي هريرة﵄قالا: سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: «قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كلّ دار سبعون بيتا، من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كلّ سرير سبعون فراشا من كلّ لون، على كلّ فراش امرأة، في كلّ بيت سبعون مائدة، على كلّ مائدة سبعون لونا من طعام، في كلّ بيت سبعون وصيفا ووصيفة، يعطى للمؤمن من القوة ما يأتي على ذلك كلّه في غداة واحدة». رواه الطبراني، والبيهقي بنحوه. انتهى. الترغيب والترهيب.\nهذا؛ و﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات إقامة، وخلود. يقال: عدن بالمكان: أقام فيه، ومنه المعدن الموجود في باطن الأرض، وقال النبي ﷺ: «عدن دار الله، الّتي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة: النبيون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء﵁-. وقال عبد الله بن عمر﵄-: إن في الجنّة قصرا، يقال له: عدن، حوله البروج، والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي، أو صدّيق، أو شهيد. والحبرة بكسر الحاء، وفتحها: ضرب من البرود اليمنية مخطط. وروي: أن عمر الفاروق﵁قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون، والصديقون، والشهداء، وأئمة العدل.\n ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: السعادة الدائمة الكبيرة. وأصل الفوز: الظفر بالمطلوب. والإشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة.\nالإعراب: ﴿يَغْفِرْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للاستفهام، أو للأمر المفهوم من قوله:\n ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ كما رأيت في الاية السابقة. وقال أبو البقاء: في جزمه وجهان: أحدهما: هو جواب شرط محذوف، وعليه الكلام، تقديره: إن تؤمنوا؛ يغفر لكم. والثاني: هو جواب لما دل عليه الاستفهام. والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿ذُنُوبَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لوقوعها جوابا لما ذكرته. ﴿وَيُدْخِلْكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يدخلكم): معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء","vol":"9","page":680},{"text":"للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَمَساكِنَ:﴾ معطوف على ﴿جَنّاتٍ﴾.\n ﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة (مساكن). ﴿فِي جَنّاتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (مساكن)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، و﴿جَنّاتٍ﴾ مضاف، و﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له.\n ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة ﴿الْفَوْزُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5176\"></span>﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ أي: ولكم تجارة أخرى. وقيل: لكم خصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الاخرة. أو التقدير: ويعطكم نعمة أخرى تحبونها. ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ:﴾\nقيل: هو النصر على قريش، وفتح مكة. وقيل: فتح مدائن فارس، والروم. وقد حقق الله ذلك؛ حيث صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ أي يا محمد بشر المؤمنين بالنصر المؤزر في الدنيا، وبالجنة في الاخرة. وهذا يفيد: أن خير الدنيا موصول بنعيم الاخرة لمن أطاع الله، ورسوله، ونصر الله، ودينه. وقد قال تعالى في سورة (محمد) رقم [٧]: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الحج) رقم [٤٠]: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. هذا؛ وانظر شرح ﴿الْأُخْرى﴾ في الاية رقم [٤٧] من سورة (النجم)، وانظر (البشارة) في الاية رقم [٨] من سورة (الجاثية).\nالإعراب: ﴿وَأُخْرى:﴾ الواو: حرف عطف. (أخرى): قال الفراء، والأخفش: «أخرى» معطوفة على «تجارة»، فهي في محل خفض. وقيل: محلها رفع؛ أي: ولكم خصلة أخرى، وتجارة أخرى تحبونها. انتهى. قرطبي. هذا؛ وقدر الجلال: ويؤتكم نعمة أخرى. قال الجمل:\nوهذا المقدر معطوف على الجوابين قبله، وهو جواب ثالث. وفي السمين: ويصح أن يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره: ﴿تُحِبُّونَها﴾ فيكون من الاشتغال، وحينئذ لا يكون ﴿تُحِبُّونَها﴾ نعتا؛ لأنه مفسر للعامل قبله. انتهى. ويصح أن يكون مبتدأ خبره: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ،﴾ ويصح خفضها عطفا على ﴿تِجارَةٍ﴾. انتهى. كرخي، وقال أبو البقاء الأوجه المذكورة باختصار. وقال ابن هشام:\nوقد يتخيّل ورود اعتراض ابن الشجري على أبي البقاء في تجويزه في: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ كونه ك:\nزيدا ضربته، ويجاب بأن الأصل: وصفة أخرى. ويجوز كون ﴿تُحِبُّونَها﴾ صفة، والخبر إما ﴿نَصْرٌ،﴾ وإما محذوف؛ أي: ولكم نعمة أخرى، و﴿نَصْرٌ﴾ بدل، أو خبر لمحذوف. ﴿تُحِبُّونَها:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون. والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية خذ محلها من إعراب (أخرى). ﴿نَصْرٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: تلك النعمة الأخرى نصر من","vol":"9","page":681},{"text":"الله، والجملة الاسمية مفسرة ل: نعمة أخرى. ويجوز عطفه على (أخرى) على اعتبارها مرفوعة، التقدير: ولكم نصر. كما أجيز اعتباره خبرا عنها على اعتبارها مبتدأ، كما قرئ بنصبه عطفا عليها، على تقدير الجلال المتقدم. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَصْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿وَبَشِّرِ:﴾ (الواو): حرف عطف. (بشر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، والجملة الفعلية معطوفة على كلام مقدر قبلها التقدير: قل: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم... وبشر المؤمنين، أو هي معطوفة على جملة: ﴿تُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ؛ لأنها بمعنى آمنوا... إلخ، كما رأيت فيما سبق.\n\n<span id=\"aya-5177\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية رقم [١٠]. ﴿كُونُوا أَنْصارَ اللهِ﴾ أي: كونوا أنصار دينه في جميع أحوالكم بأقوالكم، وأفعالكم، وأنفسكم، وأموالكم. ﴿كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي: مع الله. وقيل: المعنى: من معيني في الدعوة إلى الله ﷿. هذا؛ والحواريون هم أتباع عيسى الذين بعثهم دعاة من قبله إلى جهات متفرقة.\nهذا؛ وقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: هم أصحاب المسيح عيسى ابن مريم، صلوات الله، وسلامه عليه، وخاصته الذين اختارهم؛ ليكونوا تلاميذه، وبادروا إلى الإيمان به، وتتلمذوا له، وتعلموا منه، وكانوا اثني عشر رجلا، وهذا اللفظ لم أعرفه عبرانيّا، وأما عربيّا فقد قال صاحب القاموس: وقد جاء إطلاق حواري رسول الله ﷺ على الزبير بن العوام، ويظهر: أن لفظ الأنصار في جانب رسول الله ﷺ بمنزلة الحواريين في جانب المسيح ﵇، والأناجيل تعبر عنهم بلفظ: التلاميذ.\nوإذا جاز لي هذا اللفظ، فإني أقول: إن معناه الإخوان في طلب العلم، من لفظ: حبور العبري، وهو: التلميذ، وجمعه: حبوريم، نطق به في العربية: حواري، وحواريين. وذكرت أسماء الحواريين في «متّى» في الإصحاح العاشر من إنجيله، وقد ذكر «برنابا» أسماء التلاميذ في الفصل الرابع عشر من إنجيله، وهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر من إنجيله:\n١ - سمعان الذي يقال له: بطرس.\n٢ - أندراوس أخو سمعان بطرس.\n٣ - يعقوب بن زيدي.","vol":"9","page":682},{"text":"٤ - يوحنّا أخو يعقوب.\n٥ - فيلبس.\n٦ - برثو لماوس.\n٧ - توما.\n٨ - متّى العشّار.\n٩ - يعقوب بن حلفي.\n١٠ - لباوس الملقب تداوس.\n١١ - سمعان القانوني.\n١٢ - يهوذا الأسخريوطي\nوهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر عند برنابا.\n١ - اندراوس.\n٢ - بطرس.\n٣ - برنابا.\n٤ - متّى العشار.\n٥ - يوحنا بن زيدي.\n٦ - يعقوب بن زيدي.\n٧ - تداوس.\n٨ - يهوذا.\n٩ - برثو لماوس.\n١٠ - فيلبس.\n١١ - يعقوب بن حلفي.\n١٢ - يهوذا الأسخريوطي.\nومن ذلك نرى: أن برنابا نقص من الحواريين عند متّى اثنين، وهما: توما، وسمعان الغيور، المعروف بالقانوني، ووضع مكانهما اسمه، واسم تداوس، فهل الصواب معه؟ ولكن الكنيسة لما رأت إنجيله يخالف ما تهوى؛ حذفت اسمه، واسم سمعان من بين التلاميذ؛ لأنهما كانا متطابقين في الرأي، قد يكون ذلك، وأنهم اكتفوا في عقابه بهذا مع بقاء اسمه بين الرسل؛ الذين حملوا قسطا عظيما في نشر الدعوة، والتبشير باقتراب ملكوت السموات.","vol":"9","page":683},{"text":"هؤلاء الحواريون الذين استجابوا للمسيح ﵇، وهم الذين بثهم في القرى اليهودية ليدعوا الكفار بدعوة المسيح، ومن غلا في شأنه، أو كذبه، ورد دعوته، وقد قص الله تعالى شأن الحواريين في سورة (آل عمران) رقم [٥٢] و[٥٣]، وفي سورة (المائدة) رقم [١١١]، وفي سورة (الصف) رقم [١٤]. انتهى. بتصرف.\nوهذا يدل على أن رسالة عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أعم من رسالة جميع المرسلين قبله. هذا؛ وحواري الرجل: صفوته، وخالصته، ومنه قيل للحضريات:\nالحواريّات لخلوص ألوانهن، ونظافتهن. قال الشاعر: [الطويل] فقل للحواريّات يبكين غيرنا... ولا تبكنا إلاّ الكلاب النّوابح\nالمعنى: قل للنساء الحضريات يبكين غيرنا، فلسنا ممن عرف بالحضر على الفراش، بل نحن من أهل البدو، والمحاربة، ولا يبكي علينا إلا الكلاب النوابح؛ اللاتي تساق معنا في البدو، والصيد، أو الكلاب التي جرت عادتهن يأكلن قتلانا في المحاربة.\nوقيل: سموا حواريين لبياض ثيابهم، يقال: حورت الشيء بمعنى: بيضته. وقيل: كانوا قصارين، سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يحورون الثياب؛ أي: يبيضونها. وقيل: سموا حواريين لصفاء قلوبهم، ولما ظهر عليهم من أثر العبادة، ونورها. وقيل: الحواريون هم الخلفاء. وقيل:\nهم الوزراء، وكانوا خلفاء عيسى، ووزراءه. وقيل: الحواريون هم الأنصار، والحواريّ الناصر، والحواريّ الرجل الذي يستعان به.\nفعن جابر بن عبد الله﵄قال: ندب النبي ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ: «إن لكل نبي حواريّا، وحواريّ الزبير».\n ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ أي: أنصار دين الله، ورسوله، وأعوانه وهو جمع: ناصر كصاحب، وأصحاب، أو جمع: نصير، كشريف، وأشراف. هذا؛ وفي سورة (آل عمران) رقم [٥٢] قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾.\n ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ أي: لما بلغ عيسى﵊- رسالة ربه إلى قومه، ووازره من وازره من الحواريين؛ اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به، وضلت طائفة، فخرجت عما جاءهم به، وجحدوا نبوته، ورموه، وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وغلت فيه طائفة ممن اتبعه؛ حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا فرقا، وشيعا، فمن قائل منهم: إنه ابن الله، وقائل: إنه ثالث ثلاثة:","vol":"9","page":684},{"text":"(الأب، والابن، وروح القدس)، ومن قائل: إنه الله. انتهى. مختصر ابن كثير. وانظر ما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٣٠] تجد ما يسرك.\n ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ أي: نصرناهم على من عاداهم من فرق النصارى. ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ أي: غالبين لهم عالين عليهم، من قولك: ظهرت على الحائط؛ أي: علوت عليه. وذلك ببعثة محمد ﷺ، واتباعه، والاهتداء بهديه، و(أصبحوا) بمعنى: صاروا، ف: (أصبحوا) ليست على بابها من التوقيت في الصبح. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الإعراب مفصلا في الاية رقم [٢]. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْصارَ:﴾ خبر ﴿كُونُوا،﴾ وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. هذا؛ ويقرأ: «(أنصارا لله)»، واللام تحتمل أن تكون مزيدة في المفعول الصريح لزيادة التقوية، لكون العامل فرعا، كما في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ رقم [٦]، وأن تكون غير مزيدة، ويكون الجار والمجرور نعتا للأنصار، والأول أظهر. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿كَما قالَ..﴾. إلخ: قال السمين فيه أوجه: أحدها: أن الكاف في موضع نصب على إضمار القول؛ أي: قلنا لهم ذلك كما قال عيسى. الثاني: أنها نعت لمصدر محذوف، تقديره: كونوا كونا. قاله مكي. وفيه نظر؛ إذ لا يؤمرون بأن يكونوا كونا. الثالث: أنه كلام محمول على معناه دون لفظه. وإليه نحا الزمخشري، فإنه قال: فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه، وظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى: من أنصاري إلى الله؟ قلت: التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح، والمراد كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: من أنصاري إلى الله. انتهى. جمل. أما تفصيل الإعراب فهو كما يلي:\n ﴿كَما:﴾ (الكاف): حرف تشبيه وجر. (ما) مصدرية. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿عِيسَى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة ﴿عِيسَى﴾ وهو مضاف، و﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿لِلْحَوارِيِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿قالَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْصارِي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ياء المتكلم، التقدير: متوجها إلى نصرة الله. أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد إلى ﴿مَنْ﴾ والمعنى يبقى: متوجها إلى نصرة الله معي.","vol":"9","page":685},{"text":"والجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ في محل نصب مقول القول، و(ما) والفعل ﴿قالَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، التقدير: كقول عيسى. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة مبني على السكون في محل جر بالكاف؛ فالجملة الفعلية: ﴿قالَ عِيسَى..﴾. إلخ صلتها، ويكون العائد محذوفا، التقدير: كالذي قاله عيسى بن مريم، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ مفسرة لهذا العائد المحذوف.\n ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْحَوارِيُّونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (آمنت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿طائِفَةٌ﴾ وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿بَنِي﴾ مضاف، و﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وقبل هذه الجملة، والتي قبلها كلام مقدر؛ إذ التقدير: فلما رفع عيسى إلى السماء؛ افترق الناس فيه فرقتين، فآمنت طائفة... إلخ.\n ﴿فَأَيَّدْنَا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (أيدنا): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَلى عَدُوِّهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَصْبَحُوا:﴾\nالفاء: حرف عطف. (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿ظاهِرِينَ:﴾ خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وقبلها جملة محذوفة أيضا، التقدير: فاقتتلت الطائفتان، فأيدنا... إلخ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الصف) بعون الله وتوفيقه، شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":686},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4543>سورة الجمعة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الجمعة) مدنية في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية، ومئة وثمانون كلمة، وسبعمئة وعشرون حرفا. انتهى. خازن. وخذ ما يلي:\nعن أبي لبابة بن عبد المنذر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيه خمس خلال:\nخلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاء إياه؛ ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، وما من ملك مقرب، ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر، إلا وهنّ يشفقن من يوم الجمعة». رواه الإمام أحمد، وغيره. وعن أوس بن أوس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصاعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ». قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت-يعني: بليت-فقال: «إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».\nرواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.\nوعن عبد الله بن بسر﵁قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال النبي ﷺ: «اجلس؛ فقد آذيت وآنيت». أي: أخرت المجيء. رواه أحمد، وغيره. وعن عبد الله بن عمرو﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر». رواه الترمذي. وعن أبي قتادة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة، طبع الله على قلبه». رواه أحمد. وعن جابر بن عبد الله﵄قال: قام رسول الله ﷺ خطيبا يوم الجمعة، فقال: «عسى رجل تحضره الجمعة؛ وهو على قدر ميل من المدينة؛ فلا يحضر الجمعة، ثم قال في الثانية: عسى رجل تحضره الجمعة؛ وهو على قدر ميلين من المدينة، فلا يحضرها. وقال في الثالثة: عسى رجل تحضره الجمعة، وهو على قدر ثلاثة أميال من المدينة، فلا يحضر الجمعة، ويطبع الله على قلبه». رواه أبو يعلى بإسناد لين.","vol":"9","page":687},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5178\"></span>﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾\nالشرح: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ:﴾ إنما اختص التسبيح بالذكر من بين أنواع الذكر لبيان فضله على سائر الأذكار، كما اختص جبريل، وميكائيل بالذكر من بين الملائكة لبيان فضلهما؛ لأن معنى التسبيح تنزيه الله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات، ولأن التسبيح صلاة الخلق أجمعين وعبادتهم لله تعالى. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٤٤]: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. هذا؛ والتسبيح يأتي بمعنى الدعاء قال جرير: [الطويل] فلا تنس تسبيح الضّحى إن يوسفا... دعا ربّه فاختاره حين سبّحا\nهذا؛ وقد جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع:\nالمصدر، والماضي، والمضارع، والأمر، وهذا الفعل بألفاظه الأربعة، قد عدّي باللام تارة، مثل قوله: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ، وأيضا الاية التي نحن بصدد شرحها. وبنفسه أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا،﴾ رقم [٩] من سورة (الفتح)، ومثلها في سورة (الأحزاب) رقم [٤٢] وهو بصيغة الأمر: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا،﴾ وقوله تعالى في آخر سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، منقول من سبح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل:\nنصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له. وإما أن يراد ب: سبّح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. انتهى. النسفي من سورة (الحديد). وانظر شرح الأسماء الحسنى في الاية رقم [٢٣] من سورة (الحشر).\nتنبيه: الأصل أن تكون (من) للعاقل و(ما) لغير العاقل، وقد يعكس هذا، فتستعمل (من) لغير العاقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ الاية رقم [٤٥] من سورة (النور)، وتستعمل: ﴿ما﴾ للعاقل كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ رقم [٣] من سورة (النساء) وهذا من باب التقارض، وذلك قليل، وأكثر ما تكون ﴿ما﴾ للعاقل: إذا اقترن العاقل بغير العاقل-كما في الاية الكريمة-في حكم واحد، وقوله تعالى:\n ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ رقم [٤٩] من سورة (النحل) فإن كل ما في السموات، والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو السجود، والتسبيح، كما رأيت في آية (الإسراء) المذكورة فيما سبق، ويكون في الكلام تغليب. كما تستعمل في المبهم أمره، كقولك، وقد رأيت شبحا من بعد: انظر إلى ما أرى. و(من) و(ما) تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث.","vol":"9","page":688},{"text":"ملخص ما تقدم أن (من) تستعمل لغير العاقل في ثلاث مسائل:\n١ - أن ينزل غير العاقل منزلة العاقل، وذلك كقوله تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٥]: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فدعاء الأصنام التي لا تستجيب الدعاء نزلها منزلة العاقل؛ إذ لا ينادى إلا العقلاء.\n٢ - أن يندمج غير العاقل مع العاقل في حكم واحد، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ الاية رقم [١٧] من سورة (النحل)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الاية رقم [١٨] من سورة (الحج).\n٣ - أن يقترن غير العاقل بالعاقل في عموم مفصل، كما في آية (النور) المذكورة آنفا؛ إذ الدابة تعم أصناف من يدب على وجه الأرض، وقد فصلها على ثلاثة أنواع. وتستعمل (ما) للعاقل في ثلاث مسائل أيضا:\n١ - إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، وهو كثير كما في الاية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٦]: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾.\n٢ - إذا نزل العاقل منزلة غير العاقل، كقوله تعالى في سورة (النساء) الاية [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣] وفي كثير من الايات: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾.\n٣ - تستعمل (ما) في المبهم أمره، كقولك، وقد رأيت شبحا من بعيد: (انظر إلى ما أرى).\nالإعراب: ﴿يُسَبِّحُ:﴾ فعل مضارع. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. وقيل: اللام صلة، وعليه فلفظ الجلالة مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل ﴿يُسَبِّحُ،﴾ والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها.\n ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والإعراب مثله. ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ:﴾ هذه الأسماء كلها بدل من لفظ الجلالة، أو هي نعوت له. هذا؛ ويقرأ برفعها على القطع على تقدير مبتدأ محذوف للأول، أو تقدير مبتدآت للكل، ويجوز في العربية نصبها على القطع بتقدير فعل ينصبها، وهذا جائز في العربية، ويعبر عنه بقطع النعت عن المنعوت، أو بقطع التابع عن المتبوع إذا كان للمدح، أو للذم، أو للترحم والترفق. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واقطع أو اتبع إن يكن معيّنا... بدونها أو بعضها اقطع معلنا\nوارفع، أو انصب إن قطعت مضمرا... مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا","vol":"9","page":689},{"text":"<span id=\"aya-5179\"></span>﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ:﴾ هم العرب، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ رقم [٢٠] من سورة (آل عمران). ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ:﴾ هو محمد ﷺ. ومعنى ﴿مِنْهُمْ:﴾ من أنفسهم، كقوله تعالى في آخر سورة (التوبة): ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾. هذا؛ والأمي: هو الذي لا يقرأ، ولا يكتب، نسبة إلى الأم، كأنه باق على حالته التي ولد عليها، وهذا الوصف من خصوصيات النبي ﷺ؛ إذ كثير من الأنبياء كان يقرأ، ويكتب. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧]: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ وصفه الله بذلك تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته، وهو وصف ذم إلا في حقه ﷺ، فهو وصف تعظيم، وتمجيد؛ ولذا قال تعالى ممتنا عليه: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ رقم [٤٨] من سورة (العنكبوت)، وقد قال الله تعالى في حق سفلة اليهود: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ﴾ رقم [٧٨] من سورة (البقرة).\n ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ:﴾ يقرأ عليهم آيات القرآن؛ التي أنزلها الله عليه. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ:﴾ يطهرهم من الشرك، والمعاصي، وسوء الطباع، ومن خبائث العقائد، والأعمال. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ:﴾ القرآن، وما فيه من الشرائع، والأحكام، ومعالم الدين من المنقول، والمعقول، ولو لم يكن له سواه معجزة؛ لكفاه. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ السنة، وما تكمل به نفوسهم من المعارف، والأحكام، والأخلاق.\nوقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة.\nهذا؛ والحكمة: الإصابة في الرأي، والمعتقدات، والفقه في الدين، والعقل، والعمل. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها، وهي من منح الله لمن يشاء من عباده. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٨]: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا،﴾ وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾. والحكم بضم الحاء: الإصابة في الحكم، والرأي، فهو مثل: الحكمة. ﴿وَإِنْ كانُوا﴾ أي: كفار قريش، والعرب قاطبة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ من قبل مبعث محمد ﷺ. ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ في جهالة جهلاء، وضلالة عمياء، كما هو معروف لدى جميع الناس.\nقال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: بعث الله محمدا ﷺ على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، فقد كان العرب متمسكين بدين إبراهيم الخليل، ﵇، فبدلوه، وغيروه، واستبدلوا بالتوحيد شركا، وباليقين شكا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها","vol":"9","page":690},{"text":"الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم، وحرفوها، فبعث الله محمدا ﷺ بشرع عظيم، شامل كامل، فيه الهداية، والبيان لكل ما يحتاج إليه الناس من أمر معاشهم، ومعادهم، وجمع له تعالى جميع المحاسن، وأعطاه ما لم يعط أحدا من الأولين، والاخرين. انتهى.\nالإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَعَثَ:﴾\nفعل ماض. ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿رَسُولًا﴾. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولًا،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿رَسُولًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. (يزكيهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): واو الحال.\n (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (كانوا) وبني (قبل) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات وهي لازمة. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل\n (في ضلال): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانُوا﴾. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ وجملة: ﴿كانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والاية مذكورة في سورة (آل عمران) برقم [١٦٤] مع اختلاف بسيط في أول كلماتها.\n\n<span id=\"aya-5180\"></span>﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ:﴾ هم الذين جاؤوا بعد الصحابة إلى يوم الدين، فإن دعوة النبي ﷺ تعم الجميع السابقين، واللاحقين، فإن المسلمين كلهم أمة واحدة. وقيل: أراد بالاخرين:\nالعجم. وهو قول ابن عمر، وسعيد بن جبير، ورواية عن مجاهد، يدل عليه ما روي عن أبي هريرة﵁قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ؛ إذ نزلت عليه سورة (الجمعة)، فتلاها، فلما بلغ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟! الذين لم يلحقوا بنا؟ فلم يكلمه؛ حتى سأله ثلاثا-قال: وفينا سلمان الفارسي-فوضع رسول الله ﷺ يده على","vol":"9","page":691},{"text":"سلمان، وقال: «والّذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثّريّا لناله رجال من هؤلاء». أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. ﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي: لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون.\nوقد روي: أن النبي ﷺ قال: «رأيتني أسقي غنما سودا، ثمّ أتبعتها غنما عفرا، أوّلها يا أبا بكر!». فقال: يا رسول الله! أما السود؛ فالعرب، وأما العفر؛ فالعجم، تتبعك بعد العرب.\nفقال النبي ﷺ: «كذا أوّلها الملك». يعني: جبريل ﵇، رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وهو علي بن أبي طالب﵁انتهى. قرطبي.\nهذا؛ و(آخرين) مفرده: آخر بفتح الخاء، ومؤنثه: أخرى، وكلاهما بمعنى غير، وأخرى تجمع على: أخر، وأخريات، والاخر بفتح الخاء يكون ما قبله، وما بعده من جنسه. هذا؛ والاخر بكسر الخاء لا يكون بعده شيء غيره، ومؤنثه: أخر، وآخرة أيضا، وجمع الأولى أخريات، وجمع الثانية أواخر. هذا؛ والأخرى دار البقاء، والنسبة إليها: أخروي، وكلا آخر، وآخر: ضد الأول، وانظر ما ذكرته في سورة (النجم) في الاية رقم [٤٧]. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ الغالب القاهر؛ الذي قهر الجبابرة. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ الذي يضع الأمور مواضعها، والذي جعل كل مخلوق يشهد بواحدانيته. وفي النسفي تبعا للزمخشري: في تمكينه رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب.\nالإعراب: ﴿وَآخَرِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (آخرين): معطوف على ﴿الْأُمِّيِّينَ،﴾ فهو مجرور مثله، أو هو معطوف على الضمير المنصوب، فهو منصوب مثله، وعلامة الجر، أو النصب الياء نيابة عن الكسرة، أو الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آخرين). وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (آخرين)، ولا وجه له؛ لأنه نكرة. ﴿لَمّا:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَلْحَقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمّا﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور ب: (من)، أو في محل نصب صفة ثانية ل: (آخرين)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في محل نصب حال من فاعل الأفعال السابقة، والرابط:\nالواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5181\"></span>﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما أعطاه الله محمدا ﷺ من النبوة العامة، والكرامة التامة، وما خص الله به أمته من بعثه إليهم. ﴿فَضْلُ اللهِ:﴾ جوده، وكرمه. ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ يمنحه، ويعطيه من يشاء من عباده. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: صاحب الكرم، والجود يختص، ويعطيه من","vol":"9","page":692},{"text":"يشاء من عباده، وانظر ما ذكرته في سورة (الحديد) رقم [٢١] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وفي سورة (المائدة) رقم [٥٤]: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَضْلُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف التقدير: يؤتيه الذي، أو شخصا يشاء إيتاءه. والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والعامل اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط. وانظر مجيء الحال من المضاف إليه في الاية رقم [١٠] من سورة (الممتحنة). وقيل: الجملة في محل خبر ثان ل: ﴿ذلِكَ،﴾ والأول أقوى معنى. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿ذُو:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف، و﴿الْفَضْلِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة ﴿الْفَضْلِ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-5182\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أي: كلّفوا علمها والعمل بما فيها، وهم اليهود، وليس هو من الحمل على الظهر، وإنما هو من الحمالة، والحميل هو الكفيل. ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ أي: لم يعملوا بما فيها، ولم يؤدوا حقها، فكأنهم لم يحملوها، ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا:﴾ جمع سفر، وهو الكتاب الكبير. قال مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة يهجو قوما من رواة الشعر: [الطويل] زوامل للأسفار لا علم عندهم... بجيّدها إلاّ كعلم الأباعر\nلعمرك ما يدري البعير إذا غدا... بأوساقه أو راح ما في الغرائر؟!\nوهو بفتح الهمزة كما ترى، وهو بكسر الهمزة: الإنارة، والإضاءة بالفجر، ومصدر الفعل:\nأسفر، يسفر إسفارا بمعنى: أضاء إضاءة.\nوقال الشاعر في حق الجهال؛ الذين يقرؤون الأحاديث، ولا يفهمون معناها: [البسيط] إنّ الرّواة على جهل بما حملوا... مثل الجمال عليها يحمل الودع","vol":"9","page":693},{"text":"لا الودع ينفعه حمل الجمال له... ولا الجمال بحمل الودع تنتفع\n ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد ﷺ، والمراد من الايات: آيات التوراة؛ لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد ﷺ، وهي تصفه بصفاته الجسدية، والخلقية. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٦]: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾. أو المراد من الايات: آيات القرآن، حيث لم يؤمنوا بها، ولم يستجيبوا لما تأمرهم به من اتباع محمد ﷺ، والاهتداء بهديه. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفق للإيمان من سبق في علمه الأزلي: أنه يكون ظالما كافرا.\nأو المراد: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، والخروج عن جادة الحق والصواب.\nهذا؛ وفي الخازن: وهذا مثل ضربه الله تعالى لليهود؛ الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة، والإيمان بمحمد ﷺ، شبهوا إذ لم ينتفعوا بها في الاية الكريمة التشبيه التمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد، كما ذكرت لك. كذلك علماء اليهود الذين يقرؤون التوراة، ولا ينتفعون بها؛ لأنهم خالفوا ما فيها. وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن، ولم يعمل بما فيه، وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، ولا يكون له منها إلا التعب والعناء. ولهذا قال ميمون بن مهران: يا أهل القرآن اتّبعوا القرآن قبل أن يتبعكم، ثم تلا هذه الاية. انتهى. خازن. هذا؛ وخذ نبذة من أحاديث النبي ﷺ في هذا الصدد:\nعن أسامة بن زيد﵄-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فتجتمع عليه أهل النّار، فيقولون: يا فلان! ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن الشرّ وآتيه». قال: وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: خطباء أمّتك الذين يقولون ما لا يفعلون». رواه البخاري، ومسلم. وعن أبي برزة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الّذي يعلّم الناس الخير، وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس، وتحرق نفسها». رواه البزار.\nوعن علي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي لا أتخوّف على أمّتي مؤمنا، ولا مشركا، فأمّا المؤمن؛ فيحجزه إيمانه، وأما المشرك؛ فيقمعه كفره، ولكن أتخوّف عليكم منافقا عالم اللسان، يقول ما تعرفون، ويعمل ما تنكرون». رواه الطبراني في الصغير، والأوسط.\nوعن أنس بن مالك﵁-، عن النبي ﷺ قال: «الربانية أسرع إلى فسقة القراء منهم إلى عبدة الأوثان، فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان؟ فيقال لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم». رواه الطبراني، وأبو نعيم. وحديث الثلاثة الذين هم أول خلق الله تسعر بهم النار يوم","vol":"9","page":694},{"text":"القيامة مشهور مذكور في باب الرياء من كتاب: الترغيب والترهيب. ورحم الله الشيخ أحمد بن رسلان؛ إذ يقول في: «متن الزبد»: [الرجز] وعالم بعلمه لم يعملن... معذّب من قبل عبّاد الوثن\nهذا؛ ومثل الله لعلماء اليهود، وأمثالهم من علماء المسلمين المنافقين؛ الذين ذكرت ما قال فيهم الرسول ﷺ بالحمار الذي هو أبلد الحيوان، وفي غاية البلادة، وهو معروف، يكون وحشيا، ويكون أهليا، وأنثاه: أتان، ويقال: حمارة أيضا، ويجمع على: حمير، وحمر، وحمور، وحمرات، وكلها للكثرة، ويجمع جمع قلة على: أحمرة. قال الراعي النميري، أو القتال الكلابي، وهو الشاهد رقم [٣٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] هنّ الحرائر لا ربّات أحمرة... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور\nو(حمير) ذكر في سورة (النحل) رقم [٨]، وفي سورة (لقمان) رقم [١٩]، و﴿حُمُرٌ﴾ ورد في سورة (المدثر) رقم [٥٠]. والحمار الأهلي يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات؛ التي مشى فيها، ولو مرة واحدة، وبحدة السمع. وللناس في مدحه، وذمه أقوال متباينة بحسب الأغراض، وقد أطال الدميري الكلام فيه.\nالإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿حُمِّلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿التَّوْراةَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَحْمِلُوها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(مثل) مضاف، و﴿الْحِمارِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ في محل نصب حال من ﴿الْحِمارِ﴾ على اعتبار (أل) للتعريف، والعامل فيه معنى الفعل، أو في محل جر صفة ﴿الْحِمارِ﴾ على اعتبار (أل) للجنس. ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (يس) رقم [٣٧]: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ حيث إن جملة: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ تصلح أن تكون حالا من ﴿اللَّيْلُ،﴾ وأن تكون نعتا له. ومثل الايتين قول رجل من بني سلول، وهو الشاهد رقم [١٥٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت: لا يعنيني\nفجملة: «يسبني» تصلح أن تكون حالا من «اللئيم»، وأن تكون نعتا له. ﴿بِئْسَ:﴾ فعل ماض لإنشاء الذم. ﴿مَثَلُ:﴾ فاعله، و﴿مَثَلُ﴾ مضاف، و﴿الْقَوْمِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم","vol":"9","page":695},{"text":"موصول مبني على الفتح في محل جرّ صفة ﴿الْقَوْمِ،﴾ وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: مثل هؤلاء، أو هو مضاف محذوف، التقدير: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا بآيات الله. انتهى. مغني اللبيب. وعليه فقد حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. هذا؛ وقال الزمخشري، وتبعه النسفي: التقدير:\nبئس مثلا مثل القوم... إلخ على أن فاعل ﴿بِئْسَ﴾ ضمير فسره التمييز، و﴿مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ هو المخصوص بالذم، فرده ابن هشام بقوله: وقد نص سيبويه على أن تمييز فاعل «نعم، وبئس» لا يحذف، والصواب: أن ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ فاعل، وحذف المخصوص؛ أي: مثل هؤلاء، أو مضاف: أي: مثل الذين كذبوا. انتهى.\n ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْقَوْمِ:﴾ مفعول به.\n ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمِ﴾.\n\n<span id=\"aya-5183\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا أمر خاطب الله به سيد الأولين، والاخرين محمدا ﷺ. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود سمّوا بذلك لما تابوا من عبادة العجل. من: هاد بمعنى: تاب، ورجع. ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم في سورة (الأعراف) رقم [١٥٦]: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾.\nأو سموا بذلك نسبة إلى (يهودا بن يعقوب) وهو أكبر أولاده. ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ:﴾ إن ادعيتم. ﴿أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ:﴾ كانوا يقولون كما حكى الله عنهم في سورة (المائدة) رقم [١٨]:\n ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾. انظر شرحها هناك. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ:﴾ ادعوا على أنفسكم بالموت. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: إن كان قولكم حقّا، وكنتم على ثقة، فتمنوا على الله أن يميتكم، وينقلكم سريعا إلى دار كرامته؛ التي أعدها لأوليائه، فإن الموت هو الذي يوصلكم إليها؛ لأن من أيقن: أنه من أهل الكرامة في دار النعيم، اشتاقها، وأحب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب، كما قال الإمام علي-كرم الله وجهه-: لا أبالي أسقطت على الموت، أم سقط الموت عليّ؟! وقال عمار بن ياسر﵁بصفين: الان ألقى الأحبة محمدا، وحزبه. وقال ذلك بلال﵁عند احتضاره. وقال حذيفة﵁- حين احتضر: [المتقارب] وجاء حبيب على فاقة... فلا أفلح اليوم من قد ندم","vol":"9","page":696},{"text":"هذا؛ وقد قال تعالى مخاطبا اليهود اللؤماء الذين يتمنون الأماني الكاذبة: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ الاية رقم [٩٤] من سورة (البقرة).\nهذا؛ وقال الشيخ مصطفى الغلاييني-رحمه الله تعالى-: الغالب في (زعم) أن تستعمل للظن الفاسد، وهو حكاية قول يكون مظنة للكذب، فيقال فيما يشك فيه، أو فيما يعتقد كذبه، ولذلك يقولون: زعموا: مطيّة الكذب؛ أي: إن هذه الكلمة مركب للكذب، ومن عادة العرب:\nأنّ من قال كلاما؛ وكان عندهم كاذبا؛ قالوا: زعم فلان. ولهذا جاء في القرآن الكريم في كلّ موضع ذمّ القائلون به. وقد يراد الزعم بمعنى القول مجردا عن معنى الظن الراجح، أو الفاسد، أو المشكوك فيه، فإن كانت (زعم) بمعنى: تأمّر، وترأس. أو بمعنى كفل به تعدت إلى واحد بحرف الجر، تقول: زعم على القوم، فهو زعيم؛ أي: تأمّر عليهم، وترأسهم، وزعم بفلان، وبالمال؛ أي: كفله، وضمنه. وتقول: زعم اللبن؛ أي: أخذ يطيب، فهو لازم. انتهى. وقال الأشموني: وإن كانت بمعنى: سمن، أو هزل؛ فهي لازمة. انتهى.\nأقول: ولا تنس الكفالة، والضمان من (زعم) قوله تعالى: ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ سورة (يوسف) رقم [٧٢]، وقوله جل ذكره في سورة (القلم):\n ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾. بعد هذا أقول: إن (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر إن كان من أفعال الرجحان، والأكثر أن يسد مسدهما: أنّ واسمها، وخبرها مخففة من الثقيلة، أو غيرها، نحو قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ سورة (التغابن) رقم [٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾. إلخ سورة (النساء) رقم [٦٠]. انظر شواهد ذلك في كتابنا: «فتح رب البرية»، والقليل أن تنصب مفعولين صريحين. وهو ناقص التصرف، يأتي منه ماض، ومضارع، ولا يأتي منه أمر.\nهذا؛ و(الولي لله): العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات. وفيه وجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعنى:\nمفعول، كقتيل بمعنى: مقتول، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا: هو من يتولى الله رعايته، وحفظه، فلا يكله إلى غيره، ونفسه لحظة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. والوجه الثاني: أنه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا: هو من يتولى عبادة الله تعالى، من غير أن يتخللها عصيان، أو فتور. وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بولي، بل هو مغرور مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمة الطريقة، رحمهم الله تعالى. انتهى. من شرح ألفاظ الزبد للشيخ أحمد بن","vol":"9","page":697},{"text":"حجازي الفشني-رحمه الله تعالى-. هذا؛ وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا؛ فقد أذنته بالحرب». هذا؛ ويكثر في القرآن الكريم لفظ (الولي) و(النصير) فالولي: هو من يتولى شؤون غيره، والنصير: المعين والمساعد، والفرق بينهما: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها):\nحرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ: (أيها). ﴿هادُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿زَعَمْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله.\n ﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿أَوْلِياءُ:﴾ خبر (أنّ). ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأولياء، أو بمحذوف صفة له. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلِياءُ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (زعم)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَتَمَنَّوُا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (تمنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، فأنت ترى:\nأنه ذكر شرطان، وتوسط بينهما الجواب. قال الجلال: تعلق بتمنوا الشرطان على أن الأول قيد في الثاني. وهذا بخلاف ما إذا ذكر شرطان، وتقدم الجواب عليهما، أو تأخر عنهما، كما في الاية رقم [٥٠] من سورة (الأحزاب)، والاية رقم [٣٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ونص الأولى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ ونص الثانية: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وقد أشار ابن الوردي-رحمه الله تعالى-في البهجة إلى ذلك بقوله: [الرجز] وطالق إن كلمت إن دخلت... إن أوّلا بعد أخير فعلت\nهذا؛ والاية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"9","page":698},{"text":"<span id=\"aya-5184\"></span>﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ أي: الموت. ﴿أَبَدًا:﴾ الأبد: هو الزمان الطويل؛ الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا؛ فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما فعلوا من الكفر بمحمد ﷺ، وتحريف التوراة، وغير ذلك، وانظر شرح (اليد) في الاية رقم [٤٧] من سورة (الذاريات). ﴿عَلِيمٌ:﴾ صيغة مبالغة. (الظالمين): الكافرين؛ حيث ظلموا أنفسهم بالكفر. وقال: ﴿بِالظّالِمِينَ،﴾ ولم يقل: بهم، إقامة للظاهر مقام المضمر، إشارة إلى أنهم غارقون بالظلم والفساد والطغيان، وفيه تهديد لهم ووعيد لا يخفيان. هذا؛ وبين قوله:\n ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ،﴾ و﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ طباق السلب.\nهذا؛ وقال القرطبي: فلو تمنوه؛ لماتوا، فكان في ذلك بطلان قولهم، وما ادعوه من الولاية، وفي حديث: أن النبي ﷺ قال لما نزلت هذه الاية: «والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات». وفي هذا إخبار عن الغيب، ومعجزة للنبي ﷺ.\nهذا؛ وقال الزمخشري: لا فارق بين (لا) و(لن) في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في (لن) تأكيدا، وتشديدا ليس في (لا) فأتى مرة بلفظ التأكيد في: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ أي: في سورة (البقرة) رقم [٩٥]، ومرة بغير لفظه في: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ أي في هذه الاية. قال الشيخ: هذا رجوع منه عن مذهبه-وهو: أن (لن) تقتضي النفي على التأبيد-إلى مذهب الجماعة، وهو أنها لا تقتضيه، قلت: ليس فيه رجوع، غاية ما فيه: أنه سكت عنه، وتشريكه بين (لا، ولن) في نفي المستقبل، لا ينفي اختصاص «لن» بمعنى آخر. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَتَمَنَّوْنَهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا فيه ضعف ظاهر. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بما في معنى النفي؛ لأنها سبب لنفي التمني.\nوالأول أولى، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وأقواها أولها. ﴿قَدَّمَتْ:﴾\nفعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء قدمته أيديهم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والمفعول محذوف، التقدير: بتقديم أيديهم الكفر، والمعاصي\nإلخ. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال، أو الاستئناف. (الله): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبره.\n ﴿بِالظّالِمِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.","vol":"9","page":699},{"text":"<span id=\"aya-5185\"></span>﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ. ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ:﴾ تهربون منه، ولا تجسرون أن تتمنّوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم لا تفوتونه. ﴿فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ:﴾ واقع بكم لا محالة. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٧٨]: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى في معلقته رقم [٥٠]. [الطويل] ومن هاب أسباب المنايا ينلنه... ولو رام أسباب السماء بسلّم\nهذا؛ والموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح. هذا؛ وبالإضافة لما ذكرته في سورة (العنكبوت) رقم [٥٧] خذ قول طرفة بن العبد: [الرمل] وكفى بالموت فاعلم واعظا... لمن الموت عليه قد قدر\nفاذكر الموت وحاذر ذكره... إنّ في الموت لذي الّلبّ عبر\nكلّ شيء يلقى يوما حتفه... في مقام أو على ظهر سفر\nوالمنايا حوله ترصده... ليس ينجيه من الموت الحذر\nوخذ ما يلي معتبرا، ومفكرا، وبالله التوفيق: [الطويل] هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة... وأنت على سوء من الفعل عاكف\nوإياك أن تمضي من الدّهر ساعة... ولا لحظة إلاّ وقلبك واجف\nوبادر بأعمال يسرّك أن ترى... إذ نشرت يوم الحساب الصّحائف\n ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ:﴾ انظر الاية رقم [٢٢] من سورة (الحشر). ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ:﴾ فيخبركم بالذي كنتم تعملونه من الكفر، والمعاصي وتحريف التوراة، وتغيير صفات الرسول ﷺ التي فيها، وخذ ما يلي، وهو قول أبي العتاهية الصوفي: [الوافر] فلو أنا إذا متنا تركنا... لكان الموت راحة كلّ حي\nولكنّا إذا متنا بعثنا... ونسأل بعد ذا عن كلّ شي\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿الْمَوْتَ:﴾ اسمها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿الْمَوْتَ،﴾","vol":"9","page":700},{"text":"وجملة: ﴿تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المجرور ب: (من).\n ﴿فَإِنَّهُ:﴾ (الفاء): عبارة السمين: في الفاء وجهان: أحدهما: أنها داخلة لما تضمنه الاسم من معنى الشرط، وحكم الموصوف بالموصول حكم الموصول في ذلك. والثاني: أنها مزيدة محضة، لا للتضمن المذكور. وانظر ما ذكرته في الايات رقم [٢١] و[٩١] من سورة (آل عمران) فالبحث جيد جدا. وقرأ زيد بن علي: «(إنه)» بدون فاء، وفيها أيضا أوجه: أحدها: أنه مستأنف، وحينئذ يكون الخبر نفس الموصول، كأنه قيل: إن الموت هو الشيء الذي تفرون منه. قاله الزمخشري. الثاني: أن الخبر الجملة من: (إنه ملاقيكم) وحينئذ يكون الموصول نعتا للموت، الثالث: أن يكون (إنه) تأكيدا؛ لأن الموت لما طال الكلام؛ أكد الحرف توكيدا لفظيا، وقد عرفت: أنه لا يؤكد كذلك إلا بإعادة ما دخل عليه، أو بإعادة ضميره، فأكد بإعادة ضمير ما دخلت عليه (إن) وحينئذ يكون الموصول نعتا للموت، و﴿مُلاقِيكُمْ﴾ خبره، كأنه قيل: إن الموت إنه ملاقيكم. انتهى. جمل، نقلا عن السمين. والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء.\n ﴿تُرَدُّونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على جميع الوجوه المعتبرة فيها.\n ﴿إِلى عالِمِ:﴾ معلقان بما قبلهما، و﴿عالِمِ﴾ مضاف، و﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ (الفاء):\nحرف عطف. (ينبئكم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الثاني، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿كُنْتُمْ:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والجملة الفعلية بعده خبره، وجملة:\n ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فينبئكم بالذي، أو بشيء كنتم تعملونه، والجملة الفعلية: (ينبئكم...) إلخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5186\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم بالله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان. ﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ:﴾ المراد بهذا النداء الأذان عند قعود الخطيب على المنبر؛ لأنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ نداء سواه، فكان به مؤذن واحد؛ إذا جلس على المنبر؛ أذن على باب المسجد،","vol":"9","page":701},{"text":"فإذا نزل؛ أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر، وعمر، وعلي بالكوفة على ذلك، حتى كان عثمان، وكثر الناس، وتباعدت المنازل؛ زاد أذانا آخر، فأمر بالتأذين أولا على داره؛ التي تسمى:\nالزوراء، فإذا سمعوا؛ أقبلوا حتى إذا جلس على المنبر؛ أذن المؤذن ثانيا، ولم يخالفه أحد في ذلك الوقت، لقوله ﷺ: «عليكم بسنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي». انتهى. جمل نقلا عن الخطيب.\nهذا؛ وقال الزمخشري: وعن عثمان﵁-: أنه صعد المنبر، فقال: الحمد لله.\nوأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر، وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل، وكان ذلك بحضرة الصحابة، ولم ينكر عليه أحد. قال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى: ذكر الله، كقوله: الحمد لله، سبحان الله؛ جاز.\nقال أحمد محشي الكشاف: الزمخشري ساه بلا اشتباه، فإن عثمان لم يصدر ذلك منه في خطبة الجمعة، وإنما كان ذلك في ابتداء خلافته، وصعوده المنبر للبيعة، وكانت عادة العرب الخطب في المهمات، ألا ترى إلى قوله: وستأتيكم بعد ذلك الخطب، فإن ذلك يحقق: أن مقالته هذه ليست بخطبة الجمعة، ولو كانت في الجمعة؛ لكان تاركا للخطبة بالكلية، وهي منقولة في التاريخ: أنه أرتج عليه، فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عيّ بيانا، وإنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال، وستأتيكم الخطب. انتهى.\n ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ أي: في يوم الجمعة. قيل: أول من سماها جمعة: كعب بن لؤي الجد الثامن للنبي ﷺ، ولعمر بن الخطاب﵁وكان يقال لها: العروبة. وقيل: إن الأنصار قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه، فنذكر الله فيه، ونصلي، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أول جمعة كانت في الإسلام. وأما أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ، فهي أنه لما قدم المدينة مهاجرا؛ نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب، وصلى الجمعة. ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: فامضوا إليه، واعملوا له. وليس المراد من السعي:\nالإسراع في المشي، وإنما المراد منه: العمل. وكان عمر بن الخطاب﵁يقرأ:\n «(فامضوا إلى ذكر الله)». وقال الحسن-رحمه الله تعالى-: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا إلى الصلاة إلا وعليهم السكينة، والوقار، ولكن بالقلوب، والنية، والخشوع.","vol":"9","page":702},{"text":"وعن قتادة في هذه الاية، قال: السعي: أن تسعى بقلبك، وعملك، وهو المشي إليها، وكان يتأول قوله تعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ بقوله: فلما مشى معه، وقال تعالى في سورة (النجم):\n ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ وقال زهير في معلقته رقم [١٦]: [الطويل] سعى ساعيا غيظ بن مرّة بعدما... تبزّل ما بين العشيرة بالدّم\nوالمعنى: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل، والتطهر، والتوجه إليه. هذا؛ والمراد بذكر الله الخطبة، أو الصلاة. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-:\nفإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة، وفيها ذكر غير الله؟! قلت: ما كان من ذكر رسول الله ﷺ، والثناء عليه، وعلى خلفائه الراشدين، وأتقياء المؤمنين، والموعظة، والتذكير، فهو في حكم ذكر الله، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة، وألقابهم، والثناء عليهم، والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك؛ فمن ذكر الشيطان، وهو من ذكر الله على مراحل. انتهى. وهو حسن وجيد.\nهذا؛ ورد أحمد بن المنير الإسكندري كلام الزمخشري بما لا طائل له، ولا وجه له قطعا، فيبقى الحق حليف الزمخشري، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب.\n ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أي: اتركوا البيع، والشراء؛ لأن البيع اسم يتناولهما جميعا، وهو من لوازمه، وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني. وقال الزهري: عند خروج الإمام. وقال الضحاك: إذا زالت الشمس؛ حرم البيع والشراء. هذا؛ وقد اكتفى بذكر البيع عن ذكر الشراء؛ لأن البيع لا يخلو عن شراء، كما اكتفى بذكر الحرّ عن ذكر البرد في قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٨١]: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾.\nقال الزمخشري: وإنما خص البيع بالذكر؛ لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم، وبواديهم، وينصبّون إلى المصر من كل أوب، ووقت هبوطهم واجتماعهم، واغتصاص الأسواق بهم؛ إذا انتفخ النهار، وتعالى الضحى، ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تحرّ التجارة، ويتكاثر البيع، والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنّة الذهول بالبيع عن ذكر الله، والمضي إلى المسجد، قيل لهم: بادروا تجارة الاخرة، واتركوا تجارة الدنيا. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: السعي إلى ذكر الله خير لكم من البيع والشراء، فإن نفع الاخرة خير، وأبقى، وأنفع، وأجدى من نفع الدنيا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ الشر، والخير الحقيقيين، أو إن كنتم من أهل العلم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية رقم [٦] فالإعراب لا يتغير. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿نُودِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِلصَّلاةِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل ﴿نُودِيَ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿مِنْ يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿نُودِيَ﴾ وهذا على اعتبار ﴿مِنْ﴾ بمعنى في. وقال","vol":"9","page":703},{"text":"الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: و﴿مِنْ﴾ بيان ل: ﴿إِذا نُودِيَ﴾ وتفسير له، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْجُمُعَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَاسْعَوْا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (اسعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مبتدأ لا محل له مثل الجملة الندائية قبله، وجملة (ذروا البيع) معطوفة على جملة ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذلِكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ وإعراب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بلا فارق بينهما مع ملاحظة: أن خبر الأولى جملة فعلية، وخبر (كان) الثانية اسم مفرد، وهو ﴿صادِقِينَ،﴾ وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله.\n\n<span id=\"aya-5187\"></span>﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: إذا فرغ من صلاة الجمعة، فانتشروا في الأرض للتجارة، والتصرف في حوائجكم، والأمر للإباحة، مثل قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٢]: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾. قال ابن عباس﵄-: إن شئت؛ فاخرج، وإن شئت؛ فاقعد، وإن شئت؛ فصلّ إلى العصر. وقيل: قوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ليس لطلب الدنيا، ولكن لعيادة مريض، وحضور جنارة، وزيارة أخ في الله. وقيل:\n ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ هو طلب العلم، وكان عراك بن مالك-رحمه الله تعالى-إذا صلى الجمعة؛ انصرف، فوقف على باب المسجد، وقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين.\n ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ أي: إذا فرغتم من الصلاة، ورجعتم إلى التجارة، والبيع، والشراء؛ فاذكروا الله كثيرا. قيل: باللسان. وقيل: بالطاعة. وقيل: بالشكر على ما أنعم الله به عليكم من التوفيق لأداء الفرائض. ولا يكون الإنسان من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكره قائما، وقاعدا، ومضطجعا، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٠٣]: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ وقال تعالى في وصف أولي الألباب في سورة (آل عمران) رقم [١٩١]: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ ومن هذه الايات يستفاد أن كل عبادة لها أول، ولها آخر إلا الذكر، فإنه لا يقف عند حد، كما قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٣٥]: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾ وقد جعل الله تعالى ذلك دون حدّ لسهولته على العبد.","vol":"9","page":704},{"text":"قال ابن عباس﵄-: لم يفرض الله ﷿ على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا مغلوبا على عقله، وأمرهم به في الأحوال كلها، وأورد الايات التي ذكرتها، وقال: يعني: اذكروا الله في الليل، والنهار، في البر، والبحر، في الصحة، والمرض، في السر، والعلانية. وقيل: الذكر الكثير هو أن لا ينساه أبدا. وخذ ما يلي:\nعن أبي هريرة﵁-؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ؛ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليّ شبرا؛ تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إليّ ذراعا؛ تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة» رواه البخاري، ومسلم وغيرهما.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدوّ أن يجاهده؛ فليكثر ذكر الله». الطبراني. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مررتم برياض الجنّة؛ فارتعوا! قلت:\nيا رسول الله! وما رياض الجنة؟». قال: «المساجد». قلت: وما الرّتع؟ قال: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». رواه الترمذي.\nوعن أبي هريرة﵁-، عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيّهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء؛ عذّبهم، وإن شاء؛ غفر لهم». رواه أبو داود والترمذي. وعن عائشة﵂-: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ساعة تمرّ بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير؛ إلا تحسّر عليها يوم القيامة». رواه البيهقي وابن أبي الدنيا.\nوعن عبد الله بن مغفل﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من قوم اجتمعوا في مجلس، فتفرّقوا، ولم يذكروا الله إلا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة». رواه الطبراني، والبيهقي. وإن أردت المزيد من ذلك فانظر سورة (الأحزاب) رقم [٣٥] و[٤٢].\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (إذا): انظر الاية السابقة. ﴿قُضِيَتِ:﴾ فعل ماض، مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الصَّلاةُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿فَانْتَشِرُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب (إذا).\n (انتشروا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، ويقال: لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا هو المشهور، والمتعارف عليه. والأصل أن يقال في مثل هذا الفعل: فعل أمر مبني على سكون مقدر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضمة لمناسبة واو الجماعة، وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كل فعل أمر، مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل: انتشروا، وقد حرك بالفتحة","vol":"9","page":705},{"text":"لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المخاطبة، مثل: اجلسي، وقد حرك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها أيضا، وأيضا جملة: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ﴾ معطوفة أيضا. ﴿كَثِيرًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: اذكروا الله ذكرا كثيرا، بدليل التصريح بهذا المحذوف في سورة (الأحزاب) رقم [٤١] ويقال: نائب مفعول مطلق؛ أي: نائب الصفة عن المفعول المطلق.\n ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، وجملة: ﴿تُفْلِحُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5188\"></span>﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١)﴾\nالشرح: عن جابر بن عبد الله﵄قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ؛ إذا أقبلت عير تحمل طعاما، فانفتلوا إليها؛ حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الاية. حديث متفق عليه. وقال مقاتل بن حيان-رحمه الله تعالى-: بينا رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة؛ إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بتجارة، وكان إذا قدم لم تبق عاتق بالمدينة إلا أتته، وكان يقدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق، وبر، وزيت، وغيره، وكان ينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل، ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه، فقدم ذات جمعة، وذلك قبل أن يسلم، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب، فخرج إليه الناس، ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا، وامرأة، فقال النبي ﷺ: كم بقي في المسجد، فقالوا: اثنا عشر رجلا، وامرأة، فقال: «لولا هؤلاء؛ لسوّمت لهم الحجارة من السماء». وفي رواية قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا؛ لأضرم الله عليهم الوادي نارا». انتهى. خازن، وقرطبي.\nهذا؛ وروي في حديث مرسل أسماء الاثني عشر رجلا، رواه أسد بن عمرو، والد أسد بن موسى بن أسد، وفيه: لم يبق مع النبي ﷺ إلا أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، وهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة، وبلال، وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى: عمار بن ياسر﵃ أجمعين-. انتهى. قرطبي بتصرف.\nوينبغي أن تعلم أن خطبة الجمعة كانت بعد الصلاة كما في العيدين، فجعلها الرسول ﷺ بعد ذلك قبل الصلاة، وكان الوقت وقت جوع، وغلاء شديد.","vol":"9","page":706},{"text":"هذا؛ واللهو: الاستمتاع بلذات الدنيا. وقيل: هو الاشتغال بما لا يعني الإنسان، وما لا يهمه. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كلّ ما يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه، ومداعبته زوجته، وترويضه فرسه». أي فإن ذلك من الحق المباح، بل فيه ثواب، وأجر.\nتنبيه: في الاية الكريمة التفنن بتقديم الأهم في الذكر، أولا في قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ لأن المقصود الأساسي هو التجارة، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ﴾ فقدم اللهو على التجارة؛ لأن الخسارة بما لا نفع فيه أعظم، فقدم ما هو أهم في الموضعين. انتهى. صفوة التفاسير للصابوني. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٧١] من سورة (غافر) ففيها بحث قيم. هذا؛ ورد الضمير إلى التجارة؛ لأنها أهم. وقيل: المعنى وإذا رأوا تجارة؛ انفضوا إليها، أو لهوا؛ انفضوا إليه، فحذف لدلالة الأول عليه، كقول قيس بن الخطيم الأوسي، وهذا هو الشاهد رقم [١٠٥٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المنسرح] نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راض، والرأي مختلف\nوفي هذا البيت حذف خبر المبتدأ الأول لدلالة الثاني عليه؛ إذ الأصل: (نحن بما عندنا راضون) وهو قليل، والأكثر أن يحذف خبر الثاني لدلالة الأول عليه، كقول ضابئ بن الحارث البرجمي، وهذا هو الشاهد رقم [٨٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». [الطويل] فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإنّي وقيّار بها لغريب\nوانظر قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٢]: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٦]: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾.\nهذا؛ وقد اختلف في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال: فعند الشافعي-رحمه الله تعالى-: كل قرية فيها أربعون رجلا، بالغين عقلاء، أحرارا مقيمين، لا يظعنون عنها صيفا، ولا شتاء، إلا ظعن حاجة، وأن يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة؛ وجبت عليهم الجمعة، ويشترط ألاّ تتعدد في البلدة إلا لحاجة، وهي عدم وجود مسجد يسع الجميع، فإن تعددت لغير ما حاجة أعادها الجميع ظهرا؛ أي: يعيدون الصلاة أربع ركعات بنية الظهر. ومال أحمد، وإسحاق-رحمهما الله تعالى-إلى هذا القول، ولم يشترطا هذه الشروط.\nوقال مالك-رحمه الله تعالى-: إذا كانت قرية، اجتمع فيها ثلاثون بيتا؛ فعليهم الجمعة.\nوقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: لا تجب الجمعة على أهل السواد، والقرى، لا يجوز لهم إقامتها فيها، واشترط في وجوب الجمعة، وانعقادها المصر الجامع، والسلطان القاهر، والسوق القائمة، والنهر الجاري، واحتج بحديث علي﵁-: لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع، ورفقة تعينهم. وهذا يرده حديث ابن عباس﵄قال: إن أول جمعة","vol":"9","page":707},{"text":"جمّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ بقرية من قرى البحرين، يقال لها: جواثى (ككسالى) وحجة الشافعي-رحمه الله تعالى-في الأربعين: حديث جابر المذكور؛ الذي خرجه الدارقطني.\nوفي سنن ابن ماجه، والدارقطني أيضا، ودلائل النبوة للبيهقي: عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك﵄-. قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان، صلى على أبي إمامة، واستغفر له. قال: فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان بالجمعة؛ إلا فعل ذلك، فقلت له: يا أبت استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة، ما هو؟! قال: أي بني! هو أول من جمّع بالمدينة في هزم من حرّة بني بياضة، يقال له: نقيع الخضمات. قال قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا. وأبو أمامة هو أسعد بن زرارة﵁-. وقال جابر بن عبد الله﵄-: مضت السنة: أنّ في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة، وأضحى، وفطرا، وذلك: أنهم جماعة. خرجه الدارقطني.\nانتهى. قرطبي.\nهذا؛ والخطبتان تقومان مقام الركعتين، وقد رأيت فيما سبق: أن أبا حنيفة-رحمه الله تعالى-يعتبر كل جملة تفيد ذكرا خطبة، تحميدا، أو تسبيحا لله، وأما الشافعي فالخطبتان عنده لهما شروط، وأركان، فالشروط هي التي تشترط لإقامة الجمعة، وهو ما تقدم ذكره، وأما أركان الخطبتين فهي خمسة: حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله ﷺ، والوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في الخطبتين، الرابع قراءة آية مفهمة في إحداهما، الخامس الدعاء للمؤمنين في الثانية، وشروطهما زيادة على ما تقدم ذكره: القيام لمن قدر عليه، وكونهما بالعربية، وبعد الزوال، والجلوس بينهما بالطمأنينة، وإسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة، والموالاة بينهما وبين الصلاة أيضا، وطهارة الحدثين، وطهارة النجاسة، والسّتر.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الاية رقم [٩]. ﴿رَأَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿تِجارَةً:﴾ مفعول به. هذا؛ واعتبر الجمل الفعل بمعنى: علموا، وقدر له مفعولا ثانيا؛ أي: قدمت، وحصلت، وأرى: أنه لا مبرر له، فالجملة الفعلية التي قدرها فيها معنى الصفة لتجارة. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.\n ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَهْوًا:﴾ معطوف على ﴿تِجارَةً﴾. ﴿اِنْفَضُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها جواب (إذا)، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿إِلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَتَرَكُوكَ قائِمًا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا).\nوقال الجمل: الجملة في محل نصب حال من فاعل: ﴿اِنْفَضُّوا﴾ و«قد» مقدرة عند بعضهم.","vol":"9","page":708},{"text":"﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿قائِمًا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.\n ﴿مِنَ اللَّهْوِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿وَمِنَ التِّجارَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الرّازِقِينَ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة لفظ الجلالة. وانظر مجيء الحال من المضاف إليه في الاية رقم [١٠] من سورة (الممتحنة). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nخاتمة: بالإضافة لما ذكرته في أول السورة، وفي الاية رقم [٩] أزيدك ما يلي نقلا من كتب الفقه، وغيرها: قال المرحوم الشيخ إبراهيم البيجوري-رحمه الله تعالى-: والجمعة بضم الميم، وإسكانها، وفتحها، وحكي كسرها، وجمعها: جمعات بضم الميم إن كان المفرد بضمها، وبإسكانها إن كان المفرد بإسكانها، وبفتحها إن كان المفرد بفتحها، وبكسرها إن كان المفرد بكسرها، فالجمع تابع للمفرد في لغاته المذكورة، ويزيد المفرد الساكن الميم بجمعه على جمع، وهذه اللغات في اسم اليوم، وأما اسم الأسبوع؛ فهو بالسكون لا غير.\nوإنما سمي اليوم بذلك لما جمع فيه من الخير. وقيل: لأنه جمع فيه خلق آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: لاجتماعه فيه مع حواء في الأرض بسرنديب على الراجح بعد أربعين يوما. وقيل غير ذلك، وكان يسمى في الجاهلية يوم العروبة؛ أي: البين العظيم، ولذلك قال بعضهم: [البسيط] نفسي الفداء لأقوام همو خلطوا... يوم العروبة، أورادا بأوراد\nوأول من سماه الجمعة كعب بن لؤي، وهو أول من جمع الناس، وخطبهم، وبشرهم بمبعث النبي ﷺ، وأمرهم باتباعه ويعلمهم بأنه من ولده، ويقول: سيأتي لحرمكم نبأ عظيم، وسيخرج منه نبيّ كريم، وينشد أبياتا آخرها: [الطويل] على غفلة يأتي النبيّ محمد... فيخبر أخبارا صدوق خبيرها\nوينشد أيضا-وكلاهما من السيرة الحلبية-: [البسيط] يا ليتني شاهد فحواء دعوته... حين العشيرة تبغي الحقّ خذلانا\nويسمى أيضا يوم المزيد؛ لزيادة الخيرات فيه، وهو أفضل أيام الأسبوع، يعتق الله فيه ستمئة ألف عتيق من النار. (ضعيف) ومن مات فيه كتب له أجر شهيد. (ضعيف) ووقي فتنة القبر، وكذلك ليلته، فهي أفضل ليالي الأسبوع، وأما أفضل الأيام على الإطلاق؛ فيوم عرفة؛ إن وافق","vol":"9","page":709},{"text":"يوم الجمعة. وأفضل الليالي على الإطلاق ليلة المولد الشريف لما ترتب على ظهوره ﷺ فيها من النفع العميم، وعند الإمام أحمد: أن يوم الجمعة أفضل الأيام مطلقا حتى من يوم عرفة، وأن ليلته أفضل الليالي مطلقا؛ حتى من ليلة القدر.\nوالحاصل: أن أفضل الأيام عندنا يوم عرفة، ثم يوم الجمعة، ثم يوم عيد الأضحى، ثم يوم عيد الفطر، وأن أفضل الليالي عندنا ليلة المولد الشريف، ثم ليلة القدر، ثم ليلة الجمعة، ثم ليلة الإسراء، وهذا بالنسبة لنا، وأما بالنسبة له ﷺ فليلة الإسراء أفضل الليالي؛ لأنه رأى ربه فيها بعيني رأسه على الصحيح، والليل أفضل من النهار. انتهى. بيجوري.\nهذا؛ وجاء في حاشية الجمل على الجلالين ما يلي: قال الشيخ الرحماني في حاشيته على التحرير: والحاصل: أن أفضل الليالي ليلة المولد، ثم ليلة القدر، ثم ليلة الإسراء، فعرفة، فالجمعة، فنصف شعبان، فالعيد. وأفضل الأيام يوم عرفة، ثم يوم نصف شعبان، ثم الجمعة، والليل أفضل من النهار. انتهى.\nأقول: ما ذكروه من تفضيل ليلة المولد لم يرد نص صريح فيه، وأقوى نص ورد إنما هو في ليلة القدر، وهو نص القرآن، كما هو معروف؛ حيث وصفها الله في أول سورة (الدخان) بالبركة، وبأنها يفرق فيها كل أمر حكيم، وأنزل الله ﵎ سورة كاملة تبين فضلها، وشرفها، والنبي ﷺ نوه بشأنها في الأحاديث الصحيحة كثيرا، ولم يرد بشأن ليلة المولد الشريف حديث صحيح ينوه بشأنها، أو يحث على نوع من أنواع العبادات، والطاعات فيها، وما ذكره البيجوري وغيره من تفضيلها على ليلة القدر وغيرها، لم يكن غير اجتهاد منه، فكيف نأخذ باجتهاده، ونترك النصوص الصحيحة الصريحة، والرسول ﷺ بين لنا الليالي الفاضلة، والأيام الشريفة، وحثنا على فعل الخير قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى. جزاه الله عنا خير الجزاء!.\nوقال محمد علوي المالكي المكي الحسني: بعد كلام طويل: والحاصل: أننا نعتقد: أن هذه المفاضلة هي بين ليلة المولد الحقيقي، وبين ليلة القدر، وأن الليلة التي وقع فيها المولد النبوي، والتي جرى فيها بحث المفاضلة، والمقارنة قد مضت، وانتهت، ولا وجود لها اليوم، أما ليلة القدر، فهي موجودة، ومتكررة في كل عام، ولذلك فهي أفضل الليالي، لقول تعالى في سورة (القدر): ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.\nثم نقل كلام ابن تيمية وابن القيم بشأن المفاضلة بين ليلة القدر، وليلة الإسراء، وهو:\nأما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، فإن أراد به أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي ﷺ، ونظائرها من كل عام أفضل لأمة محمد ﷺ من ليلة القدر بحيث يكون قيامها والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر؛ فهذا باطل، لم يقله أحد من المسلمين، وهو معلوم الفساد بالاطراد من دين الإسلام، وإن أراد الليلة المعينة التي أسري فيها بالنبي ﷺ، وحصل له","vol":"9","page":710},{"text":"فيها ما لم يحصل له في غيرها من غير أن يشرع تخصيصها بقيام، ولا عبادة؛ فهذا صحيح.\nانتهى. «مفاهيم يجب أن تصحح» بتصرف. ثم وردت الأحاديث في ليلة الجمعة، ثم في ليلتي العيدين، ثم في ليلة عرفة، ثم في ليلة الإسراء، وأضعفها ما ورد في ليلة النصف من شعبان.\nولا تنس ما ورد إجمالا في ليالي شهر رمضان المبارك، والحث على زيادة العبادة في أيامه، ولياليه، وكل ذلك معروف لدى من عنده إلمام بشريعة محمد ﷺ. وخذ ما يلي:\nعن سلمان الفارسي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهّر ما استطاع من الطّهور، ويدّهن من دهنه، ويمسّ من طيب بيته، ثم يخرج، فلم يفرّق بين اثنين، ثم يصلّي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلّم الإمام؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». رواه البخاري. وعن أوس بن أوس الثقفي؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غسّل يوم الجمعة، واغتسل، وبكّر، وابتكر، ومشى، ولم يركب، ودنا من الإمام، ولم يلغ، واستمع، كان له بكلّ خطوة أجر عمل سنة، صيامها، وقيامها». أخرجه أبو داود، والنسائي.\nوفي مراسيل أبي داود عن الزهري؛ قال: كان صدر خطبة النبي ﷺ: الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى.\nنسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويجتنب سخطه، فإنما نحن به وله.\nانتهت سورة (الجمعة) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين","vol":"9","page":711},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4555>سورة المنافقون</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (المنافقون) مدنية في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية، ومئة وثمانون كلمة، وتسعمئة وستة وسبعون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5189\"></span>﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١)﴾\nالشرح: قال ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير: إن رسول الله ﷺ لما غزا بني المصطلق، وازدحم الناس على الماء؛ اقتتل رجلان: أحدهما: جهجاه بن أسيد من المهاجرين، وكان أجيرا لعمر﵁-. والثاني من الأنصار، اسمه: سنان الجهني، وكان حليفا لعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، فلما اقتتلا؛ صاح جهجاه: يا للمهاجرين، وصاح سنان:\nيا للأنصار! فقام رجل من فقراء المهاجرين، ولطم سنانا، فقال عبد الله بن أبي-أخزاه الله-: ما صحبنا محمدا إلا لتلطم وجوهنا! والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل! ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم؟! قد أنزلتموهم بلادكم، وقاسمتموهم في أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم فضل الطعام؛ لتحولوا من عندكم، فلا تنفقوا عليهم؛ حتى ينفضوا من حول محمد!.\nفسمع ذلك زيد بن أرقم﵁فبلغه لرسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ لعبد الله:\n «أنت صاحب الكلام الذي بلغني عنك؟». فحلف: أنه ما قال شيئا، وأنكر. فهو قوله تعالى:\n ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾. انتهى. جمل. وهو في الترمذي.\nوروى البخاري عن زيد بن أرقم﵁قال: كنت مع عمي، فسمعت عبد الله بن أبيّ بن سلول يقول: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ..﴾. إلخ. وقال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ..﴾. إلخ فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي لرسول الله ﷺ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبيّ، وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ وكذّبني، فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا﴾","vol":"9","page":712},{"text":"﴿تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ..﴾. إلخ قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فأرسل إليّ رسول الله ﷺ، ثم قال: «إن الله قد صدقك». خرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى. قرطبي.\nأقول: ما أشبه هذه الحادثة بما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٧٤] وهي قوله تعالى:\n ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾. هذا؛ وروي: أن عمر﵁قال للنبي ﷺ: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله! فقال: «إذا ترعد أنف كثيرة بيثرب». قال:\nفإن كرهت أن يقتله مهاجر فاؤمر به أنصاريا يقتله. قال: «فكيف إذا تحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه؟».\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا؛ فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ: «بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا».\nوفي رواية للترمذي، ومثله في سيرة ابن إسحاق: وكان عبد الله بن أبيّ يقرب من المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله؛ حتى أناخ راحلته على مجامع طرق المدينة، فلما جاء عبد الله بن أبيّ. قال له ابنه: وراءك. قال: ويلك! مالك؟ قال: والله لا تدخلها أبدا إلا أن يأذن رسول الله ﷺ، ولتعلمنّ اليوم من الأعز من الأذل. فشكا عبد الله بن أبيّ إلى رسول الله ﷺ ما صنع ابنه عبد الله﵁وأرضاه، فأرسل رسول الله ﷺ إليه: أن «خلّ عنه يدخل».\nفقال الابن﵁-: أما إذ جاء أمر رسول الله ﷺ؛ فنعم. فدخل.\nوقال الحميدي في مسنده قال الابن لأبيه: والله لا تدخل المدينة حتى تقول: رسول الله ﷺ الأعز، وأنا الأذل. انتهى. أقول: وهذا هو الإيمان! وانظر ما ذكرته في آخر سورة (المجادلة)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ أي: حضر مجلسك المنافقون، كعبد الله بن أبيّ وأصحابه. ﴿قالُوا﴾ أي: بألسنتهم على خلاف ما في قلوبهم. ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ:﴾ أرادوا شهادة وافقت فيها قلوبهم ألسنتهم. قال القرطبي قيل: معنى (نشهد): نحلف، فعبر عن الحلف بالشهادة؛ لأن كل واحد من الحلف، والشهادة إثبات لأمر مغيب. ومنه قول قيس بن ذريح: [الطويل] وأشهد عند الله أنّي أحبّها... فهذا لها عندي فما عندها ليا؟\nثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على ظاهره: أنهم يشهدون: أن محمدا رسول الله ﷺ، اعترافا بالإيمان، ونفيا للنفاق عن أنفسهم. وهو الأشبه. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أي: هو","vol":"9","page":713},{"text":"الذي أرسلك، فهو عالم بك. ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ:﴾ يعني في قولهم: نشهد أنك لرسول الله؛ لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا، وذلك؛ لأن حقيقة الإيمان أن يواطئ اللسان القلب، وكذلك الكلام، فمن أخبر عن شيء، واعتقد خلافه، أو أضمر خلاف ما أظهر؛ فهو كاذب، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم: نشهد أنك لرسول الله، وسماه كذبا؛ لأن قولهم خالف اعتقادهم. هذا؛ ويشبه هذا قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥٦]: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾. وقال أحمد محشي الكشاف: ومثل هذا من نمطه المليح قوله تعالى: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ الاية رقم [١٤] من سورة (الحجرات).\nهذا؛ وقد سجل القرآن على المنافقين قبيح صنعهم، وخبيث نياتهم؛ حيث وصفهم بأنهم مطبوعون على الكذب، وبين ذلك النبي ﷺ في أحاديثه الصحيحة: فعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى، وصام، وزعم أنه مسلم». ورواه أبو يعلى من حديث أنس﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلّى، وحجّ واعتمر، وقال: إني مسلم». وعن عبد الله ابن عمرو بن العاص﵁أن النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاري، ومسلم.\nوهذا الكلام من النبي ﷺ على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال؛ شفقة أن تفضي بهم إلى النفاق، وليس المعنى: أن من بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار، واعتياد: أنه منافق، ولا بد من القول: إن النفاق على نوعين: نفاق العمل، وهو أن يتصف مسلم بتلك الصفات الذميمة، أو ببعضها، وهو يصوم، ويصلي، ويحج... إلخ، ونفاق العقيدة: وهو أن يظهر الإسلام، ويضمر الكفر، ويتصف بتلك الصفات الذميمة، وقلما تفارقه؛ لأنه مطبوع عليها، وهي ديدنه. وليحذر المسلم من نفاق العمل، فإنه يجر إلى نفاق العقيدة، ونفاق العقيدة أخبث من الكفر. قال تعالى في سورة (النساء): ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. هذا؛ وسمي المنافق منافقا أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو حجره الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما، ويخرج من الاخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا معكم.\nوينبغي أن تعلم: أن النفاق لم يكن في مكة، وإنما كان بها الكفر، ولم يظهر النفاق إلا بالمدينة المنورة، حين عز الإسلام، وكثر أنصاره، وسببه: أن أهل المدينة حينما اصطلحوا بعد","vol":"9","page":714},{"text":"حرب بعاث التي دامت بين الأوس، والخزرج أربعين سنة، ثم اتفقوا على أن ينصّبوا عبد الله بن أبيّ ملكا عليهم، وقبل أن يتم ذلك ذهب جماعة من الأنصار إلى مكة ليحجوا، وهناك التقوا بالنبي ﷺ وعقدوا معه بيعة العقبة المشهورة، فلما عادوا إلى المدينة، وشاع الإسلام في المدينة؛ توقفوا عن تتويج ابن أبيّ ملكا عليهم، فلذا حقد على الرسول ﷺ، وتبعه كثير من أهل المدينة، فلما عز الإسلام، وكثر أنصاره؛ ذلوا، وهانوا، وأظهروا الإسلام لصون دمائهم، وأموالهم. قال الشاعر: [الوافر] وما انتسبوا إلى الإسلام إلاّ... لصون دمائهم أن لا تسالا\nهذا بالإضافة لما ذكرته هنا وفي سورة (النحل) رقم [١٠٥] أذكر ما يلي: فعن أبي أمامة -﵁أن النبي ﷺ قال: «أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحا». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وعن بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده﵃قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للّذي يحدّث بالحديث ليضحك به القوم، فيكذب، ويل له، ويل له». رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي. وقال بعض الحكماء: من استحلى رضاع الكذب؛ عسر فطامه. وقال الشاعر الحكيم: [الكامل] إيّاك من كذب الكذوب وإفكه... فلربّما مزج اليقين بشكّه\nولربّما كذب امرؤ بكلامه... وبصمته وبكائه وبضحكه\nوقال آخر: [الطويل] إذا عرف الإنسان بالكذب لم يزل... لدى الناس كذّابا ولو كان صادقا\nفإن قال لم تصغ له جلساؤه... ولم يسمعوا منه ولو كان ناطقا\nالإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به.\n ﴿الْمُنافِقُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها جواب ﴿إِذا﴾. وقيل: جوابها محذوف، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الْمُنافِقُونَ﴾ التقدير: إذا جاؤوك حال كونهم قائلين:\nكيت، وكيت؛ فلا تقبل منهم. وقيل: الجواب: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ وهو بعيد، وجملة:\n ﴿قالُوا﴾ أيضا حال. انتهى. جمل نقلا من السمين. وقد تصرفت فيه. ﴿نَشْهَدُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَرَسُولُ:﴾\n (اللام): لام الابتداء، ويقال: المزحلقة. (رسول): خبر (إنّ) وهو مضاف إليه، والجملة","vol":"9","page":715},{"text":"الاسمية: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ لا محل لها؛ لأنها جواب ﴿نَشْهَدُ﴾ لأنه جرى مجرى القسم كفعل العلم واليقين، ولذلك تعامل بما يتعامل به القسم في قوله: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ انتهى. جمل نقلا عن السمين.\nأقول: وهذا غير متعارف عليه، بل المتعارف عليه: أن الفعل: شهد، يشهد ينصب مفعولا مصدرا مؤولا من: أنّ، واسمها، وخبرها. أو من: أن الناصبة والمضارع المنصوب به.\nوأمثلتهما في القرآن كثيرة جدا، وإنما كسرت همزة (إن) في الجمل الثلاث؛ لأن الأفعال الثلاثة علقت عن العمل لفظا بسبب لام الابتداء الداخلة على خبر (إنّ)، والجمل الاسمية: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ،﴾ ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُهُ،﴾ ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول الأفعال الثلاثة المعلقة عن العمل بسبب لام الابتداء، ولذا كسرت همزة (إنّ) ولولا لام الابتداء؛ لفتحت همزة (إنّ) وتأولت مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل نصب سد مسد المفعول، أو المفعولين. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنه لذو تقى\n ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): واو الاعتراض. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ رأيت ما ذكرته فيها، والجملة الفعلية: ﴿يَعْلَمُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها من الإعراب، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو وإعادة لفظ الجلالة، وإعراب الجملة واضح إن شاء الله تعالى، وانظر مجيء الحال من المضاف إليه في الاية رقم [١١] من سورة (الممتحنة). وقيل: الجملة الاسمية معطوفة على (إذا) ومدخولها ليصح القول بالاعتراض.\n\n<span id=\"aya-5190\"></span>﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾\nالشرح: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: سترة يستترون بها من القتل والسبي، ومعنى (أيمانهم):\nما أخبر الله به عنهم من حلفهم: «إنهم لمنكم» وقولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ وانظر الاية رقم [١٦] من سورة (المجادلة). هذا؛ و﴿جُنَّةً﴾ بضم الجيم: كل ما استترت به، وكل ما وقيت به نفسك من السلاح، والرماح، ومنه: المجن، والمجنة بكسر الميم فيهما، وهو: الترس الذي كان يتخذ للوقاية من ضربات السيوف، والرماح، ونحوه، وكل ما يقيك سوآ. ومن كلام الفصحاء: جبّة البرد جنّة البرد، وفي الكلام استعارة لا تخفى. هذا؛ وجنة بكسر الجيم: جنون؛ أي: خبل، وذهاب العقل، وهو أيضا جمع: جني. قال تعالى في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وهو بفتح","vol":"9","page":716},{"text":"الجيم: الحديقة ذات الأشجار، وجمعها: جنات. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ:﴾ انظر شرح: «صد يصد» في الاية رقم [١٦] من سورة (المجادلة).\nوالمراد ب: ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ دينه الذي ارتضاه الله لنفسه، وللمسلمين، كما صرح به في قوله جلت قدرته في سورة (المائدة) رقم [٣]: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾. هذا؛ والسبيل: الطريق، يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ رقم [١٤٦] من سورة (الأعراف). ومن التأنيث قوله تعالت حكمته: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في: رسل، وعسر، ويسر. قال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وعسر، وأسد... إلخ، وانظر شرح (الإيمان) في الاية رقم [١٦] من سورة (المجادلة). ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئست أعمالهم الخبيثة-من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة، وصدهم الناس عن الإيمان بالله ورسوله-أعمالا. ويجوز في هذا الفعل أن يكون على بابه من التصرف، والتعدي، ومفعوله محذوف؛ أي: ساءهم الذي كانوا يعملونه، أو عملهم، وأن يكون جاريا مجرى: بئس، فيحول إلى فعل بضم العين، ويمتنع تصرفه، ويصير للذم، ويكون المخصوص بالذم محذوفا.\nالإعراب: ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿أَيْمانَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جُنَّةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية رأيت اعتبارها على وجه ضعيف جوابا ل: ﴿إِذا،﴾ والأقوى: أنها مستأنفة، وجملة:\n ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة عليها، على الوجهين المعتبرين فيها، وما تقدم ذكر بسورة (المجادلة) في الاية رقم [١٦].\n ﴿أَيْمانَهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر فيه وجوبا فسره التمييز، وهو ﴿ما﴾ فإنها نكرة موصوفة بمعنى: شيئا مبنية على السكون في محل نصب، والجملة الفعلية بعدها صفتها، والرابط محذوف، التقدير: ساء الشيء شيئا كانوا يعملونه. والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذموم عملهم. وهذا الإعراب على اعتبار الفعل جامدا، وأما على اعتباره متصرفا؛ فمفعوله محذوف، التقدير: ساءهم، و﴿ما﴾ تحتمل حينئذ الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nساءهم الذي، أو شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في","vol":"9","page":717},{"text":"محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مع مفعوله المحذوف في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿ساءَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ ساءَ﴾ مستأنفة، لا محل لها، وهذه الجملة مذكورة بحروفها في سورة (المجادلة) رقم [١٥].\n\n<span id=\"aya-5191\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الكلام السابق؛ أي: ذلك القول الشاهد على سوء أعمالهم، أو إلى الحال المذكورة من النفاق، والكذب، والاستجنان بالأيمان، وإضمار الشر، والسوء للإسلام، ولنبي الإسلام. ﴿بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أي: بسبب أنهم آمنوا ظاهرا باللسان، ثم كفروا باطنا؛ حيث نطقوا بالشهادة، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم ظهر كفرهم بعد ذلك بقولهم: إن كان ما يقول محمد حقّا؛ فنحن شر من الحمير، وقولهم: في غزوة تبوك:\nأيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى، وقيصر؟ هيهات!، أو المعنى: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، وبالمسلمين، كما حكى الله عنهم بقوله في سورة (البقرة) الاية رقم [١٤]: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ ولا تنس المطابقة بين ﴿آمَنُوا﴾ و﴿كَفَرُوا﴾.\n ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ فختم عليها؛ حتى لا يدخلها الإيمان جزاء على نفاقهم. هذا؛ والطبع:\nالختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها. وإذا طبع على قلب إنسان؛ فلا تؤثر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة، كما قال تعالى في هذه الاية وكثير غيرها: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾. والطبع: السجية، والخلق الذي طبع عليه الإنسان. والطبيعة مثله. وجمع الأول: طباع، وجمع الثاني: طبائع. والطبع تدنس العرض، وتلطخه، يقال: طبع السيف: إذا دخله الجرب من شدة الصدأ، وطبع الرجل، فهو طبع إذا أتى عيبا، يقال: نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع! أي: إلى دنس. قال ثابت بن قطنة: [البسيط] لا خير في طمع يدني إلى طبع... وغفّة من قوام العيش تكفيني\nهذا؛ وقال قتادة في هؤلاء المنافقين: الناس رجلان: رجل عقل عن الله، فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل، ولم ينتفع بما سمع. وكان يقال: الناس ثلاثة: سامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك. ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (الحشر).\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ (الباء): حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها،","vol":"9","page":718},{"text":"وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَطُبِعَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (طبع): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل (طبع)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿فَهُمْ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (هم):\nضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَفْقَهُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.\n\n<span id=\"aya-5192\"></span>﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، وللمؤمنين من أصحابه. ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ:﴾ لجمالها، وحسن هندامها. قال ابن عباس﵄-: كان ابن أبيّ وسيما جسيما صحيحا، فصيحا ذلق اللسان، وكان قوم من المنافقين مثله، وهم رؤساء المدينة قبل الإسلام. وقال الكلبي: المراد ابن أبيّ، وجدّ بن قيس، ومعتب بن قشير، كانت لهم أجسام، ومنظر، وفصاحة، وكانوا يحضرون مجلس النبي ﷺ، ويستندون فيه إلى الجدر، وكان النبي ﷺ ومن حضر يعجبون بهياكلهم. انتهى. جمل بتصرف.\n ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ:﴾ أي: وإن يتكلموا في مجلسك تستمع لكلامهم، وضمن ﴿تَسْمَعْ﴾ معنى: تصغي، وتميل فلذلك عدّي باللام. هذا؛ والفعل: «تسمع» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين؛ الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك، ومن تبعه: أن كون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.\n ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ:﴾ أي أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا عقول، ورحم الله حسان؛ إذ يقول: [البسيط] لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم البغال وأحلام العصافير\nشبههم بالخشب المسندة إلى جدر، وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان، والخير؛ لأن الخشب إذا انتفع بها؛ كانت في سقف، أو في جدار، أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكا غير منتفع به؛ أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع. أو لأنهم أشباح بلا أرواح،","vol":"9","page":719},{"text":"وأجسام بلا أحلام، كما قدمت آنفا. هذا؛ وقرئ ﴿خُشُبٌ﴾ بضم الشين وسكونها، وانظر ما ذكرته في: «سبل» عن عيسى بن عمر في الاية السابقة. وفي الجملة تشبيه تمثيلي مرسل.\n ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: أنهم لا يسمعون صوتا في العسكر بأن ينادي مناد لأمر ما، بأن تنفلت دابة، أو تنشد ضالة؛ إلا ظنوا: أنهم المرادون، وظنوا قد أتوا؛ لما في قلوبهم من الرعب، والجبن، والهلع، كما قال تعالى عنهم: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الاية رقم [١٩] من سورة (الأحزاب). ففي الجملة تشبيه تمثيلي أيضا. قال الأخطل التغلبي في هجاء جرير: [الكامل] ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم... خيلا تكرّ عليهم ورجالا\nوقيل: يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد: أنها عليهم، وأن النبي ﷺ قد أمر فيها بقتلهم، فهم أبدا وجلون من أن ينزل الله فيهم أمرا يبيح به دماءهم، ويهتك أستارهم. وفي هذا المعنى قول العوّام بن شوذب الشيباني، وهو الشاهد رقم [٤٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». [الطويل] فلو أنّها عصفورة لحسبتها... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما\nوقال أحمد محشي الكشاف، وغلا المتنبي في المعنى، فقال: [البسيط] وضاقت الأرض حتّى صار هاربهم... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا\n ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أي: لا تأمنهم، فإنهم-وإن كانوا معك، ويظهرون تصديقك- أعداؤك، فاحذرهم ولا تأمنهم على سرك؛ لأنهم عيون لأعدائك من الكفار، ينقلون إليهم أسرارك. وفي الكشاف: هم الكاملون في العداوة؛ لأن أعدى الأعداء العدو المداجي؛ الذي يكاشرك، وتحت ضلوعه الداء الدّويّ.\n ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ:﴾ دعاء عليهم، وهو طلب من ذاته أن يلعنهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك. انتهى. بيضاوي. قال القرطبي: وهي كلمة ذم وتوبيخ، وقد تقول العرب: قاتله الله ما أشعره! فيضعونه موضع التعجب. ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يصرفون عن الحق، والرشد، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٩] من سورة (الذاريات) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وفي مختصر ابن كثير ما يلي: وفي الحديث: «إن للمنافقين علامات يعرفون بها:\nتحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، مستكبرين، لا يألفون، ولا يؤلفون، خشب بالليل، صخب بالنهار». أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة﵁مرفوعا. انتهى.\nالإعراب: (إذا): انظر الاية رقم [١]. ﴿رَأَيْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛","vol":"9","page":720},{"text":"لأنه بصري. ﴿تُعْجِبُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿أَجْسامُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَقُولُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ولا مقول له؛ لأنه بمعنى: يتكلموا. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿تَسْمَعْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» ولا مفعول له؛ لأنه بمعنى: تصغي. ﴿لِقَوْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و(إن) ومدخولها كلام معطوف على (إذا). ومدخولها، لا محل لها مثله. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿خُشُبٌ:﴾ خبر (كأن). ﴿مُسَنَّدَةٌ:﴾ صفة: ﴿خُشُبٌ،﴾ والجملة الاسمية فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مستأنفة. والثاني: أنها خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم كأنهم. قاله الزمخشري. والثالث: أنها في محل نصب على الحال، وصاحب الحال الضمير في: (قولهم).\nقاله أبو البقاء. انتهى. جمل نقلا عن السمين.\n ﴿يَحْسَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿صَيْحَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل المفعول الثاني، التقدير: كائنة عليهم، وفي السمين قوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فيه وجهان:\nأظهرهما: أن ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هو المفعول الثاني للحسبان؛ أي: واقعة، وكائنة عليهم، ويكون قوله:\n ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ جملة مستأنفة، أخبر تعالى بذلك. والثاني: أن يكون: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلقا ب: ﴿صَيْحَةٍ﴾ و﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ جملة اسمية في موضع المفعول الثاني للحسبان. انتهى. جمل. وجملة:\n ﴿يَحْسَبُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من معنى الكلام. قاله أبو البقاء.\n ﴿فَاحْذَرْهُمْ:﴾ (الفاء): حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا من المنافقين؛ فاحذرهم. (احذرهم): فعل أمر، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿قاتَلَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"9","page":721},{"text":"<span id=\"aya-5193\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: للمنافقين، وذلك لما نزل القرآن بذمهم، وكشف خبثهم، مشى إليهم أقرباؤهم، وقالوا لهم: افتضحتم بالنفاق، فتوبوا إلى رسول الله ﷺ من النفاق، واطلبوا منه أن يستغفر لكم. ﴿لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾ أي: حركوها استهزاء وإباء، وعطفوها إعراضا، واستكبارا عن ذلك. والمخاطب بذلك جميع المنافقين، وعلى رأسهم ابن أبيّ لعنه الله تعالى، وروي: أنه لما لوى رأسه قال: أمرتموني أن أؤمن، فآمنت، وأن أعطي زكاة مالي، فأعطيت، ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد. ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ أي: يعرضوان عنك وعن الإيمان بالله، وبك. ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ:﴾ عن الإيمان، والاعتذار، والاستغفار.\nهذا؛ وقال ابن هشام في قطر الندى: وأما هات، وتعال؛ فعدهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنهما فعلا أمر، بدليل: أنهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، فتقول: هاتي وتعالي. واعلم: أن آخر (هات) مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكرين، فإنه يضم، وأن آخر (تعال) مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، تقول: تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا زيدان، أو يا هندان، تعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات، كل ذلك بالفتح. قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. إلخ، وقال تعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ..﴾. إلخ ومن ثم لحنوا أبا فراس الحمداني بقوله: [الطويل] أيا جارتا ما أنصف الدّهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي\nوأقول: إن الفعلين (هات، وتعال) ملازمان للأمرية، فلا يأتي منهما مضارع، ولا ماض، وهما بمعنى: (أحضروا، أو احضروا) فالأول متعد، وهو من الرباعي، والثاني لازم، وهو من الثلاثي وأما: تعالى، يتعالى، فهما بمعنى: تعاظم، يتعاظم، أو بمعنى: تنزه، يتنزه. وقيل في إعلال (تعالوا): أصله: تعالووا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وبقيت الواو؛ لأنها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام لتدل على الألف المحذوفة.\nالإعراب: ﴿إِذا:﴾ انظر الاية رقم [١]. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ أفاده ابن هشام في مغنيه، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه،","vol":"9","page":722},{"text":"وقد ذكرت لك مرارا: أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام؛ أي: وقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور: ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع الجملة مبتدأ، نحو: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة». ونحو «زعموا: مطية الكذب». وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها.\n ﴿يَسْتَغْفِرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بجواب الأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَسُولُ:﴾ فاعل ﴿يَسْتَغْفِرْ،﴾ و﴿رَسُولُ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الطلب. هذا؛ وقد قال الجمل: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ﴾ قد تنازعا في ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ فالأول يطلبه مفعولا، والثاني يطلبه فاعلا، فأعمل الثاني لقربه، وأضمر في الأول؛ أي: تعالوا إليه. وفي السمين: وهذه المسألة عدها النحاة من التنازع، ذلك: أن ﴿تَعالَوْا﴾ يطلب ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ مجرورا ب: «إلى»؛ أي: تعالوا إلى رسول الله، و﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ يطلبه فاعلا، فأعمل الثاني، ولذلك رفعه، وحذف الأول؛ إذ التقدير: تعالوا إليه، ولو أعمل الأول لقيل: تعالوا إلى رسول الله، فيضمر في يستغفر فاعل، ويمكن أن يقال: ليست هذه من التنازع في شيء؛ لأن قوله: ﴿تَعالَوْا﴾ أمر بالإقبال من حيث هو، لا بالنظر إلى مقبل عليه.\n ﴿لَوَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها.\n ﴿رُؤُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَرَأَيْتَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (رأيتهم): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول، ﴿يَصُدُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وجملة: (رأيتهم يصدون) معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: (هم مستكبرون) في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-5194\"></span>﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: يتساوى الأمر بالنسبة لهم، فإنه لا ينفع استغفارك لهم شيئا، لفسقهم، وخروجهم عن طاعة الله، ورسوله، فهو تيئيس له من إيمانهم؛ لأنه ربما كان يحب صلاحهم، وأنه يستغفر لهم رجاء في هدايتهم، وربما ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم، فقال جل ذكره","vol":"9","page":723},{"text":"منبها له على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار-لأنهم لا يؤمنون-بقوله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ، نظيره قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦]، وفي سورة (يس) رقم [١٠]: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٣٦]: ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾. ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ ذنوبهم لخبث نياتهم وسوء أعمالهم. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ:﴾ انظر مثل هذه الجملة في سورة (الصف) رقم [٥]. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٨٠]: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ..﴾. إلخ انظر سبب نزولها، وشرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿سَواءٌ:﴾ مصدر بمعنى: الاستواء؛ فلذا صح الإخبار به عن متعدد. وقيل: هو اسم بمعنى: مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع. قالوا: هما، وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى؛ قالوا: سيان، وإن شئت قلت: سواآن، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية؛ أي: متساويان، ومتساوون. هذا؛ ويأتي بمعنى: الوسط، كما في قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٥٥]: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ رقم [٥٨] من سورة (الأنفال). وسواء الشيء: غيره. قال الأعشى: [الطويل] تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا\nو﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ما استقام منه، و«سواء الجبل» ذروته.\nهذا؛ ومعنى الاية التساوي بين الاستغفار وعدمه في الإفادة، فالسين، والتاء للطلب، والفعل يتعدى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني بحرف جر، نحو: استغفرت الله من ذنبي، وما في الاية من ذلك، وقد يحذف حرف الجر، فيصل إلى الثاني بنفسه، كقول الشاعر: [البسيط] أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والقبل\nهذا؛ ومثل: استغفر: أمر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدق، وزوج، وكال، ووزن. هذا؛ وبين ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ و﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ﴾ طباق السلب.\nالإعراب: ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سَواءٌ﴾. ﴿أَسْتَغْفَرْتَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتسوية. (استغفرت): فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: استغفرت الله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية، وهمزة التسوية في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَسْتَغْفِرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله الأول","vol":"9","page":724},{"text":"محذوف. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية هذه مؤولة أيضا بمصدر، ومعطوف على سابقه، وتقدير الكلام: استغفارك، وعدمه سواء. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿سَواءٌ﴾ مبتدأ، والمصدر المؤول خبرا عنه. والأول أقوى؛ لأن ﴿سَواءٌ﴾ نكرة كما ترى، ولا مسوغ لوقوعه مبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله الأول محذوف، التقدير: لن يغفر الله ذنوبهم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾\nصفة ﴿الْقَوْمَ،﴾ وهي صفة موطئة؛ إذ من المعلوم: أنهم قوم بلا شك.\n\n<span id=\"aya-5195\"></span>﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ:﴾ المراد: عبد الله بن أبيّ هو الذي قال ذلك، كما رأيت في ما سبق، وعبر عنه بلفظ الجمع، وهو جار على سنن العربية، فإن العرب تخاطب الفرد بلفظ الجماعة؛ إذا كنّت به عن الإنسان، أنشد سيبويه-رحمه الله تعالى-لحسان بن ثابت -﵁-: [الطويل] ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم... وفينا رسول عنده الوحي واضعه\nوإنما خاطب حسان طعمة بن الأبيرق في شيء سرقه بمكة، وقد ذكرت قصته في سورة (النساء) من الاية رقم [١٠٥ إلى ١١٥] ولا يبعد أن يريده حسان وقومه الذين تآمروا على تبرئته، وإيقاع اليهودي. انظر شرح الايات هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ أي: يتفرقوا عن محمد ﷺ، ويتركوه، ويذهب كل واحد منهم إلى أهله وشغله؛ الذي كان له قبل ذلك. وقولهم: ﴿رَسُولِ اللهِ﴾ على سبيل الهزء؛ إذ لو كانوا مقرين برسالته ما صدر عنهم ما صدر. والظاهر: أنهم لم ينطقوا بنفس ذلك اللفظ، ولكنه عبر به عن رسوله إكراما له وإجلالا. ﴿وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بيده جلت قدرته مفاتيح الرزق يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا يملك أحد أن يمنع فضل الله عن عباده. على أنهم لو استجابوا لهذا الخبيث فيما نهاهم عنه؛ لهيأ الله تعالى غيرهم للإنفاق،","vol":"9","page":725},{"text":"أو أمر رسوله، فدعا بالشيء اليسير، فيصير كثيرا، أو كان لا ينفد. ﴿وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يفهمون حكمة الله، وتدبيره، فلذلك يقولون ما يقولون من مقالات الكفر، والضلال، وإن الله ﷿ إذا أراد شيئا؛ فإنما يقول له: كن فيكون.\nالإعراب: ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل للكلام السابق. قال أبو السعود: استئناف جار مجرى التعليل لفسقهم. انتهى. أو لعدم هداية الله لهم.\n ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مع مقولها صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ ناهية. (تنفقوا): فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿عَلى مَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَسُولِ﴾ مضاف إليه، و﴿رَسُولِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَنْفَضُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، و«أن» المضمرة والفعل ﴿يَنْفَضُّوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَنْفَضُّوا﴾.\n ﴿وَلِلّهِ:﴾ (الواو): واو الحال. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم: ﴿خَزائِنُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة لفظ الجلالة، و﴿خَزائِنُ:﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾.\n ﴿وَلكِنَّ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُنْفِقِينَ:﴾ اسم (لكن) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَفْقَهُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط في الأولى رابط في الثانية، وانظر مجيء الحال من المضاف إليه في الاية رقم [١٠] من سورة (الممتحنة).\n\n<span id=\"aya-5196\"></span>﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿يَقُولُونَ:﴾ القائل هو: عبد الله بن أبيّ ابن سلول. وقد ذكرت لك ذلك مفصلا فيما سبق. ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي: رجعنا من هذه الغزوة غزوة بني المصطلق، وعدنا إلى","vol":"9","page":726},{"text":"بلدنا المدينة المنورة. ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ:﴾ عنى بالأعز نفسه الخبيثة، وبالأذل النبي ﷺ. وانظر ما فعل به ابنه﵁فيما سبق، وقرئ الفعل بقراآت كثيرة. ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ:﴾ فعزة الله تعالى: قهره، وغلبته على من دونه. وعزة رسوله: إظهار دينه على الأديان كلها. وعزة المؤمنين: نصر الله إياهم على أعدائهم. هذا؛ وسئل محمد بن سحنون عن معنى قوله تعالى في آخر سورة (الصافات): ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ لم جاز ذلك، والعزة من صفات الذات، ولا يقال: رب القدرة، ونحوها من صفات ذاته جل وعز؟ فقال: العزة تكون صفة ذات، وصفة فعل، فصفة الذات، نحو قوله تعالى: ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ الاية رقم [١٠] من سورة (فاطر)، وصفة الفعل، نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ والمعنى: رب العزة؛ التي يتعازّ بها الخلق فيما بينهم، فهي من خلق الله ﷿. وقال الماورديّ: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما:\nمالك العزة. والثاني: رب كل شيء متعزّز من ملك، أو متجبر. انتهى. قرطبي من سورة (الصافات). ﴿وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين، ولو علموا ذلك ما قالوا هذه المقالة الخبيثة. قال أصحاب السير: لم يلبث ابن أبيّ بعد أن قال هذه المقالة إلا أياما قلائل؛ حتى مرض، ومات على نفاقه، انظر الاية رقم [٨٥] من سورة (التوبة): ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا..﴾. إلخ.\nففيها بحث جيد يتعلق فيه، ولا تنس الطباق بين ﴿الْأَعَزُّ﴾ و﴿الْأَذَلَّ﴾ وهو من المحسنات البديعية.\nتنبيه: ختم الله هذه الاية ب: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ وختم ما قبله ب: ﴿لا يَفْقَهُونَ؛﴾ لأن الأول متصل بقوله جل ذكره: ﴿وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأن في معرفتها غموضا يحتاج إلى فطنة، وفقه، فناسب نفي الفقه عنهم، والثاني متصل بقوله جلت قدرته: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي معرفتها غموض زائد يحتاج إلى علم، فناسب نفي العلم عنهم، فالمعنى: لا يعلمون: أن الله معز أولياءه، ومذل أعداءه. والحاصل: أنه لما أثبت المنافقون لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة؛ أثبت الله تعالى في الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم، وهو الله ورسوله، والمؤمنون. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.\nتنبيه: العزة غير الكبر، ولا يحل للمسلم أن يذل نفسه، فالعزة: معرفة الإنسان بحقيقة نفسه، والكبر: جهل الإنسان بنفسه. قيل للحسن بن علي﵄-: إن الناس يزعمون: أن فيك كبرا، وتيها! فقال: ليس بتيه، ولكنه عزة المسلم، ثم تلا الاية: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿لَئِنْ:﴾ (اللام): موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿رَجَعْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم","vol":"9","page":727},{"text":"فعل الشرط، و(نا) فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَيُخْرِجَنَّ:﴾ (اللام): واقعة في جواب القسم، المدلول عليه باللام الموطئة. (يخرجن): فعل مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له. ﴿الْأَعَزُّ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَذَلَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لَيُخْرِجَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة لا محل لها، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى- في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\nوالكلام ﴿لَئِنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في المعنى معطوفة على جملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ قبلها؛ لأن المقالتين سببهما واحد، وهو ما تقدم ذكره؛ الذي حاصله: أنه اقتتل بعض المهاجرين، وبعض الأنصار، فبلغ ذلك عبد الله بن أبيّ، فقال المقالتين المذكورتين. ﴿وَلِلّهِ:﴾ (الواو): واو الحال. (لله): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْعِزَّةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من معنى الكلام السابق؛ أي: قالوا ما ذكر؛ والحال: أن كل من له نوع بصيرة يعلم: أن العزة لله... إلخ، وهذا يجعل الجملتين المتعاطفتين في محل نصب حال كما في الاية السابقة. (لرسوله): جار ومجرور معطوفان على (لله) عطف مفرد على مفرد، أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ولرسوله العزة؛ أيضا، فيكون العطف عطف جملة على جملة اسمية، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مثلهما على الاعتبارين، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ مثل ﴿وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ في جميع الاعتبارات، والإعراب.\nتنبيه: قرئ الفعل: ﴿لَيُخْرِجَنَّ﴾ بفتح الياء. ورفع ﴿الْأَعَزُّ﴾ على أنه فاعل. ونصب ﴿الْأَذَلَّ﴾ على أنه حال، وقرئ بضم الياء وفتح الجيم على أنه مبني للمجهول، و﴿الْأَعَزُّ﴾ نائب فاعله، و﴿الْأَذَلَّ﴾ حال، كما قرئ: «(لنخرجنّ)» على أن الفاعل مستتر تقديره: «نحن»، ونصب (الأعزّ) على أنه مفعول به، و(الأذلّ) حال، والقراآت الثلاث غير سبعية، وخرج ﴿الْأَذَلَّ﴾ على تقدير مضاف كخروج، أو إخراج، أو مثل. قاله البيضاوي، وهو تأويل الزمخشري فعلى الأولين هو نائب مفعول مطلق، وعلى الثالث هو حال على حذف المضاف. وقال أبو البقاء: و﴿الْأَذَلَّ﴾ على هذا حال، والألف، واللام زائدة، أو يكون مفعول حال محذوفة؛ أي: مشبها الأذل.\nوهذا كله؛ لأن الحال لا تكون إلا نكرة، وهو مذهب جمهور النحويين، وأن ما ورد منها معرفا لفظا، فهو منكر معنى، كقولهم: جاؤوا الجمّاء الغفير، وأرسلها العراك في قول الشاعر: [الوافر]","vol":"9","page":728},{"text":"فأرسلها العراك ولم يذدها... ولم يشفق على نغص الدّخال\nواجتهد وحدك، وكلّمته فاه إلى فيّ، فالجماء، والعراك، ووحدك، وفاه أحوال، وهي معرفة لفظا، لكنها مؤولة بنكرة، والتقدير: جاؤوا جميعا، وأرسلها معتركة، واجتهد منفردا، وكلمته مشافهة، انتهى. شرح ابن عقيل. وخذ قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] والحال إن عرّف لفظا فاعتقد... تنكيره معنى كوحدك اجتهد\n\n<span id=\"aya-5197\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة. أي: يا من صدقتم بالله ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان. ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ..﴾. إلخ: قال المفسرون: لما ذكر الله قبائح المنافقين؛ نهى المؤمنين عن التشبه بهم في الاغترار بالأموال والأولاد، والمعنى: لا تشغلكم أيها المؤمنون الأموال، والأولاد عن طاعة الله، وعبادته، وعن أداء ما افترضته عليكم من الصلاة، والزكاة، والحج، كما شغلت المنافقين. قال أبو حيان: أي: لا تشغلكم أموالكم بالسعي في نمائها، والتلذذ بجمعها، ولا أولادكم بسروركم بهم، وبالنظر في مصالحهم عن ذكر الله. وهو عام في الصلاة، والتسبيح، والتحميد، وسائر الطاعات من تلاوة القرآن، وغيره، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال، والأولاد، وأنه أهون شيء، وأدونه في جنب ما عند الله. هذا؛ وانظر شرح (المال) في الاية رقم [٨] من سورة (الحشر). هذا؛ وقدم الله ذكر الأموال على الأولاد؛ لأنها أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب. وانظر الاية رقم [١٧] من سورة (المجادلة).\n ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ أي: ومن شغله ماله، وولده عن ذكر الله، وطاعته، وعبادته. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: لأنهم باعوا العظيم الباقي، بالحقير الفاني. قال رسول الله ﷺ «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله، وما والاه، وعالم، ومتعلّم». أخرجه الترمذي عن أبي هريرة -﵁-. هذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران: إنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأي خسران أعظم من هذا الخسران؟! وانظر الاية التالية.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من","vol":"9","page":729},{"text":"المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (أيها). ﴿آمَنُوا:﴾\nفعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا تُلْهِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿أَمْوالُكُمْ:﴾ فاعله. ﴿وَلا:﴾\n (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿لا تُلْهِكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها كالجملة الندائية قبلها؛ لأنها ابتدائية مثلها. ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ذكر) مضاف، و(الله): مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف.\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو».\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبره؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (أولئك)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط.\nوقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. والجملة الاسمية (من يفعل...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي في المعنى معترضة بين الجمل المتعاطفة.\n\n<span id=\"aya-5198\"></span>﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أي: وأنفقوا في مرضاة الله بعض ما أعطيناكم، وتفضلنا عليكم به من الأموال، و(من) تفيد التبعيض، كما هو ظاهر. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: دلائل الموت، ومقدماته، وعلاماته، فيسأل الرجعة. وذلك عند التعذر من الإنفاق، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. روي: أن ابن عباس﵄قال: من كان له مال يبلّغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاة، فلم يفعل؛ سأل","vol":"9","page":730},{"text":"الرجعة عند الموت، فقال رجل: يا بن عباس! اتق الله؛ فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال:\nسأتلو عليك بذلك قرآنا: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ..﴾. إلخ. ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي:\nفأتصدق، وأحسن عملي، وأصبح تقيا صالحا. قال ابن كثير: كل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة؛ ليستدرك ما فات، ولكن هيهات!.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد يموت إلاّ ندم».\nقالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا؛ ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع». رواه الترمذي، والبيهقي.\nقال ابن عباس﵄-: هذه الاية أشد على أهل التوحيد؛ لأنه لا يتمنى الرجوع في الدنيا، أو التأخير فيها أحد له عند الله خير في الاخرة. هذا؛ ويكون الإنفاق فرضا كالزكاة الواجبة، والكفارات على أنواعها، ويكون تطوعا، وتقربا إلى الله تعالى، والفعل الماضي: أنفق، وهو رباعي الحروف، ويكون ثلاثيا: نفق. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-:\nإن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج، والذهاب، مثل: نفق، ونفش، ونفخ، ونفذ... إلخ.\nهذا؛ والصلاح درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سأل الله هذه المنزلة يوسف ﵇ قبل وفاته، وقد حكى القرآن ذلك: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وسألها إبراهيم ﵇، وحكاها القرآن عنه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ سورة (الشعراء) رقم [٨٣]، وطلبها سليمان ﵇، وحكاها القرآن عنه: ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ،﴾ سورة (النمل) رقم [١٩]. وقال تعالى في حق إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل-على نبينا، وعليهم جميعا ألف تحية وسلام-في سورة (الأنبياء) رقم [٨٦]: ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٨٥]: ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومثل ذلك كثير في كتاب الله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَأَنْفِقُوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (أنفقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تُلْهِكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:\nمن الذي، أو من شيء رزقناكموه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في","vol":"9","page":731},{"text":"محل جر ب: ﴿مِنْ﴾ التقدير: وأنفقوا من رزقنا لكم. وهو ضعيف كما ترى. ﴿رَزَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، كما رأيت تقديره. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل (أنفقوا). ﴿أَنْ يَأْتِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿أَحَدَكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعل ﴿يَأْتِيَ،﴾ و﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿فَيَقُولَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (يقول): مضارع معطوف على ﴿يَأْتِيَ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿أَحَدَكُمُ﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، التقدير: يا ربّ، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة فيقول: (يا ربي) ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول (يا ربي)، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها فيقول: (يا ربّا)، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الباء دليلا عليها، فيقول: (يا ربّ) قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nويزاد لغة سادسة، وهي لغة القطع: (يا ربّ) بضم الباء، ففي الحديث الشريف يقول العبد:\n «يا ربّ يا ربّ». وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿(قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ...)﴾ إلخ.\nوالجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض بمعنى: هلا.\n ﴿أَخَّرْتَنِي:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَرِيبٍ:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَأَصَّدَّقَ:﴾ (الفاء): هي الفاء السببية. (أصدق): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و«أن» المضمرة والفعل (أصدق) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: هلا تأخير إلى أجل قريب، فتصدّق مني في سبيل الله.\n ﴿وَأَكُنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أكن): معطوف على محل ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ فكأنه قيل: إن أخرتني؛ أصدق، وأكن؛ لأنه لولا الفاء؛ لجزم: (أصدق) على القاعدة: يجزم المضارع إذا وقع جوابا للطلب، والطلب يشمل: الأمر، والنهي، والحض، والعرض، والاستفهام، والتمني، والترجي، كما هو منصوص عليه. وابن هشام في مغني اللبيب سمى هذه المسألة: العطف على المعنى، أو على التوهم، وأورد البيت، وهو الشاهد رقم [٧٨٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]","vol":"9","page":732},{"text":"فأبلوني بليّتكم لعلّي... أصالحكم وأستدرج نويّا\nحيث عطف الشاعر (أستدرج) على محل (لعلي)؛ لأن محلها الجزم في جواب الطلب، لكن نسمي العطف في البيت على التوهم، ونجتنب لفظ التوهم في الاية لبشاعته، ونسمي العطف فيها على المعنى. هذا؛ وقرأ أبو عمرو، وابن محيصن، ومجاهد: «(وأكون)» بالنصب عطفا على ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ وهي قراءة سبعية كقراءة الجزم. وقرئ: «(وأكون)» بالرفع، وهي فوق السبعة، وذلك على تقدير: (وأنا أكون) بعد هذا فاسم أكن، أو أكون، أو أكون ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره. هذا؛ وخذ قول عنترة في معلقته رقم [٥٧] وما بعده: [الكامل] هلاّ سألت الخيل يا بنة مالك... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي\nإذ لا أزال على رحالة سابح... نهد تعاوره الكماة مكلّم\nيخبرك من شهد الوقيعة أنّني... أغشى الوغى، وأعفّ عند المغنم\nحيث جزم (يخبرك) في جواب التحضيض: (هلاّ).\nفائدة: سئلت عدة مرات عن حذف النون من قول الرسول ﷺ (ولا تؤمنوا) في الحديث الذي يرويه أبو هريرة﵁-، ونصه: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السّلام بينكم». رواه مسلم، وأبو داود والترمذي وابن ماجه، والجواب: أنّ «لا تؤمنوا» معطوف على معنى: «لن تدخلوا الجنة...» إلخ، ولا نقول بالعطف على توهم (لن) لبشاعته كما تجنبت ذلك في الاية الكريمة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-5199\"></span>﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها﴾ أي: ولن يمهل الله أحدا أيا كان إذا انتهى أجله، ولن يزيد في عمره. وفيه تحريض على المبادرة بأعمال الطاعات؛ حذرا أن يجيء الأجل؛ وقد فرط، ولم يستعد للقاء ربه. وفي كثير من الايات قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. هذا؛ وأما قول الرسول ﷺ: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه». رواه البخاري، ومسلم عن أنس﵁-، حيث فسر «ينسأ له في أثره». فيؤخر له في أجله، فإن الزيادة في الرزق، والأجل مؤولة بالبركة. وعن أبي الدرداء﵁قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر، فقال: «إنّ الله لا يؤخّر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرّيّة صالحة يدعون له، فيلحقه دعاؤهم في قبره». أخرجه ابن أبي حاتم.","vol":"9","page":733},{"text":"﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ:﴾ محيط بأعمالكم: صغيرها، وكبيرها، خيرها، وشرها، فيجازيكم بها بالخير خيرا، وبالسوء سوآ، كما جاء في الحديث القدسي الطويل؛ الذي رواه مسلم عن أبي ذرّ الغفاري﵁-: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثمّ أوفّيكم إيّاها، فمن وجد خيرا؛ فليحمد الله ﷿، ومن وجد غير ذلك؛ فلا يلومنّ إلا نفسه».\nالإعراب: ﴿وَلَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال.\n ﴿يُؤَخِّرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن). ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقال الجمل: معطوفة على مقدر؛ أي: فلا يؤخر الله هذا الأحد المتمني؛ لأنه لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها أية كانت، فلا يؤخر نفس هذا القائل؛ لأنها من جملة النفوس؛ التي شملها النفي. انتهى. نقلا من الخطيب. ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد من الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. وقيل: (إذا) شرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَجَلُها:﴾ فاعله، و(ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): واو الحال. (الله): مبتدأ.\n ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبره. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: خبير بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:\nبعملكم، والجملة الاسمية (الله...) إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة. والرابط:\nالواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\nانتهت سورة (المنافقون) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":734},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4567>سورة التغابن</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (التغابن) مدنية في قول الأكثرين. وقال الضحاك: هي مكية. وقال الكلبي: هي مكية، ومدنية. وعن ابن عباس﵄-: أن سورة (التغابن) نزلت بمكة، إلا آيات من آخرها نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي حين شكا إلى رسول الله ﷺ جفاء أهله، وولده، وهي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ كما ستقف عليه، وهي ثماني عشرة آية، ومئتان وإحدى وأربعون كلمة، وألف وسبعون حرفا.\nتنبيه: بل فائدة: استنبط بعضهم من قوله تعالى آخر سورة (المنافقون): ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا﴾ عمر النبي ﷺ؛ لأن سورة (المنافقون) رأس ثلاث وستين سورة، وعقبت بالتغابن، إشارة لظهور التغابن بوفاته ﷺ. انتهى. جمل نقلا من كرخي. وقال القرطبي: وعن عبد الله بن عمر -﵄قال: قال النبي ﷺ «ما من مولود يولد إلا وفي تشابيك رأسه مكتوب خمس آيات من فاتحة سورة التّغابن».\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5200\"></span>﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾\nالشرح: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ انظر أول سورة (الجمعة). ﴿لَهُ الْمُلْكُ:﴾\nيعني: أنه تعالى متصرف في ملكه كيف يشاء، تصرف اختصاص، لا شريك له فيه، وأما ملك غيره؛ فتوكيل منه تعالى للعبد، وأمانة. فطوبى لمن حفظ الأمانة، وقام بحقوقها! ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ:﴾\nأيضا الحمد مختص به تعالى؛ لأن أصول النعم، وفروعها منه، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده. وتقديم الجار والمجرور (له) في الجملتين دلالة على اختصاص الأمرين به تعالى من حيث الحقيقة. هذا؛ واللام مفيدة للملك الحقيقي؛ الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. وانظر (الحمد) في الاية رقم [٣٦] من سورة (الجاثية). فهو جيد. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني: إنه ﷾ يفعل ما يشاء، كما يشاء بلا مانع، ولا مدافع؛ لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكل على سواء.","vol":"9","page":735},{"text":"الإعراب: ﴿يُسَبِّحُ:﴾ فعل مضارع. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. وقيل: اللام صلة، وعليه فلفظ الجلالة مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل ﴿يُسَبِّحُ،﴾ والجملة الفعلية ابتدائية، لا محل لها.\n ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والإعراب مثله. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط، وجملة ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ:﴾ معطوفة عليها فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): حرف عطف.\n (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا.\n\n<span id=\"aya-5201\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: إن الله خلق بني آدم مؤمنا، وكافرا، ثم يعيدهم كما خلقهم مؤمنا، وكافرا. وعن عائشة﵂-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله خلق للجنّة أهلا، خلقهم لها؛ وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، خلقهم لها؛ وهم في أصلاب آبائهم». أخرجه مسلم. وعن أنس﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «وكّل الله بالرحم ملكا فيقول: أي ربّ نطفة؛ أي ربّ علقة؛ أي ربّ مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها. قال: يا ربّ أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب ذلك، وهو في بطن أمّه».\nوالذي عليه الجمهور من الأمة: أن الله خلق الكافر، وكفره فعل له، وكسب، مع أن الله خالق الكفر، وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له، وكسب، مع أن الله خالق الإيمان، فلكل واحد من الفريقين كسب، واختيار، وكسبه، واختياره بتقدير الله، وبمشيئته، فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان؛ لأن الله أراد ذلك منه، وقدره عليه، وعلمه منه. والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر؛ لأن الله تعالى قدر ذلك عليه، وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما غير الذي قدر عليه، وعلمه منه. هذا طريق أهل السنة؛ لأن وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل، ولا يليقان بالله تعالى، وفي هذا سلامة من الجبر، والقدر، كما قال الشاعر الحكيم: [السريع] يا ناظرا في الدّين ما الأمر؟ ... لا قدر صحّ ولا جبر\nانتهى. قرطبي، وخازن بتصرف كبير. هذا؛ وقدم الكافر على المؤمن لكثرة الكفار وقلة المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ الاية رقم [١٣] من سورة (سبأ)، وقال الرسول","vol":"9","page":736},{"text":"ﷺ: «ما الإيمان بجانب الكفر إلا كشامة بيضاء في جلد ثور أسود». وفي رواية: «أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود».\nوانظر سورة (المزمل) رقم [١٨]. وانظر قوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٧]: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. هذا؛ وقد قال الزمخشري في تفسير الاية: يعني: فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكم آت بالإيمان، وفاعل له. وقد رد أحمد محشي الكشاف أقبح رد، وأشنعه.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَمِنْكُمْ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (منكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كافِرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، ولا أعتمده، وإنما أعتمد ما ذكرته في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ سورة (الحديد) رقم [٢٦]، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، أو على الجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ انظر مثل هذه الجملة في الاية الأخيرة من سورة (المنافقون): ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-5202\"></span>﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾\nالشرح: ﴿خَلَقَ:﴾ أنشأ، وأوجد. والفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الايات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل، فقال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما، كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق؛ لأن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر سبحانه في كثير من الايات عن إيجاد السموات، والأرض بالخلق. وخصهما-جلت قدرته- بالذكر هنا وفي كثير من الايات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد. وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والاثار والحركات.\nوقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض. وأيضا لأنها بمنزلة الذكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في المرأة؛ لأنّ الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.\n ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، والقسط، محقا غير قاصد به باطلا، فإن المقصود من خلقهما إفاضة الخير على العباد، والدلالة على ذاته، وصفاته. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ:﴾ بأن خلقكم منتصبي القامة، بادي البشرة، متناسبي الأعضاء، والتخطيطات، متهيئين لمزاولة الصنائع، واكتساب","vol":"9","page":737},{"text":"الكمالات، فشكل ابن آدم أحسن الأشكال، بدليل: أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على صورة من سائر الصور غير صورة البشر. ومن حسن صورته أن خلقه منتصبا غير منقلب على وجهه. فإن قيل: قد يوجد كثير من الناس مشوه الخلقة، مسمج الصورة. أجيب بأن صورة البشر من حيث هي أحسن سائر الصور، والسماجة، والتشوه، إنما هو بالنسبة لصورة أخرى أحسن منها، فلو قابلت بين الصورة المشوهة، وبين صورة الفرس، أو غيره من الحيوانات، لرأيت صورة البشر المشوهة أحسن. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. قال الزمخشري: لم يخلق الله حيوانا أحسن صورة من الإنسان. انتهى. وصدق الله إذ يقول في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ:﴾ المرجع، والماب يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فأحسنوا سرائركم، كما أحسن الله صوركم، وأحسنوا أعمالكم، كما أحسن الله أشكالكم.\nالإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو». ﴿السَّماواتِ:﴾\nمفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. ﴿وَصَوَّرَكُمْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (صوركم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَحْسَنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أحسن):\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. (إليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-5203\"></span>﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ كل واحدة من هذه الثلاث أخص مما قبلها، وجمع بينها إشارة إلى أن علمه تعالى محيط بالجزئيات، والكليات، لا يعزب عنه شيء من الأشياء.\nانتهى. جمل.\nوقال النسفي: نبه بعلمه ما في السموات، والأرض، ثم بعلمه بما يسرّه العباد ويعلنونه، ثم بعلمه بذات الصدور: أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه، فحقه أن يتقى، ويحذر، ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه، وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد","vol":"9","page":738},{"text":"قوله: ﴿فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق، ولا تشكر نعمته. انتهى.\nهذا؛ و﴿تُسِرُّونَ:﴾ تخفون، و﴿تُعْلِنُونَ:﴾ تجهرون، والعلن، والإعلان، والعلانية: الجهر، وقال الشاعر: [البسيط] لا تظلموا مسورا فإنه لكم... من الّذين وفوا بالسّرّ والعلن\nومعنى: ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: عالم بما في الصدور من الأسرار، والخفايا، فكيف تخفى عليه أعمال العباد الظاهرة؟! وانظر شرح (ذات) في الاية رقم [١٣] من سورة (الملك).\nالإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل نصب حال من الضمير المستتر في الأفعال السابقة، فالمعنى يؤيده، ولا يأباه، ويكون الرابط: الضمير فقط. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله ﴿وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه إفرادا وجملا.\n ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِذاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و(ذات) مضاف، و﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-5204\"></span>﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ:﴾ خطاب لأهل مكة، والاستفهام للتوبيخ والتقرير. ﴿نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ:﴾ يعني: قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط. ﴿فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ:﴾ انظر الاية رقم [١٥] من سورة (الحشر). ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الاخرة.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتوبيخ، وتأنيب. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به، ﴿نَبَأُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الَّذِينَ:﴾\nاسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و(من) بيان لما أبهم في الموصول، وبني (قبل) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿فَذاقُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (ذاقوا): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿وَبالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَمْرِهِمْ﴾","vol":"9","page":739},{"text":"مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَهُمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-5205\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاِسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوبال؛ الذي ذاقوه في الدنيا، وما أعد لهم من العذاب في الاخرة. ﴿بِأَنَّهُ:﴾ بسبب أن الشأن والحال. ﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي:\nبالمعجزات الباهرات، والحجج الدامغات. ﴿فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا:﴾ أنكروا أن يكون الرسول بشرا، وذلك لقلة عقولهم، وسخافة أحلامهم، ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجرا. ﴿فَكَفَرُوا:﴾\nبالله ورسله، وهو كما قالت ثمود: ﴿أَبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [٢٤] من سورة (القمر). هذا؛ وأريد بقوله: (بشر) الجنس؛ فلذا صح الجمع في قولهم: ﴿يَهْدُونَنا﴾ ولم يقولوا:\nيهدينا الذي هو مقتضى الظاهر.\n ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: جحدوا، وأنكروا رسالة الرسل، وهو فحوى ما قبله. ﴿وَتَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإيمان بالله ورسله، وهو توكيد لكفرهم بالله، ورسله. ﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ أي: عن إيمانهم وعبادتهم، كيف لا؟ وقد قال تعالى في الحديث القدسي؛ الذي رواه أبو ذر الغفاري﵁عن النبي ﷺ عن رب العزة: «يا عبادي! لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئا! يا عبادي! لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا».\nهذا؛ ومقتضى عطف: ﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ على ما قبله أن يكون غناه تعالى متأخرا، ومسببا عن مجيء الرسل إليهم، مع أنّ غناه تعالى أزلي. والجواب عن هذا أن يسلك التأويل في المعطوف، فيقال: ﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ أي: أظهر غناه عن إيمانهم، حيث لم يلجئهم، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك. وقال الزمخشري: أي: أظهر غناه، فالسين ليست للطلب. انتهى.\nجمل نقلا من هنا وهناك.\n ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ:﴾ انظر سورة (الممتحنة) رقم [٦]. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُ:﴾ (الباء): حرف جر. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به.","vol":"9","page":740},{"text":"﴿رُسُلُهُمْ:﴾ تنازعه كل من ﴿كانَتْ﴾ و﴿تَأْتِيهِمْ﴾ فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، والثاني أولى عند البصريين لقربه، ويجب الإضمار في أحد الفعلين كما قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] إن عاملان اقتضيا في اسم عمل... قبل فللواحد منهما العمل\nوالثاني أولى عند أهل البصره... واختار عكسا غيرهم ذا أسره\nوأعمل المهمل في ضمير ما... تنازعاه والتزم ما التزما\nوجملة: ﴿تَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَتْ﴾. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾.\nإلخ مستأنفة، وفيها معنى التعليل لإذاقتهم الوبال، لا محل لها. ﴿فَقالُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَبَشَرٌ:﴾\n (الهمزة): حرف استفهام، وإنكار. (بشر): فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، فهو من باب الاشتغال، أو هو مبتدأ، سوغ الابتداء به تقدم الاستفهام عليه، والأول أرجح. قاله ابن هشام. ﴿يَهْدُونَنا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على الاشتغال، أو هي في محل رفع خبر (بشر) على اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية على الوجهين في محل نصب مقول القول، وجملة: (قالوا...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n (كفروا): ماض، وفاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n (قالوا...) إلخ.\n ﴿وَتَوَلَّوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (تولوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وأيضا ﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ معطوفة، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة، فلست مفندا، وتكون حالا مؤكدة، والرابط: الواو، وإعادة لفظ الاسم الكريم بلفظه.\n\n<span id=\"aya-5206\"></span>﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ أي: ادّعوا باطلا: أنهم لا يبعثون بعد موتهم، والمراد: كفار مكة جميعهم. وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي مع خباب بن الأرت","vol":"9","page":741},{"text":"-﵁حسب ما تقدم بيانه في سورة (مريم) رقم [٧٧] وما بعدها، ثم عمت كل كافر.\n ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ:﴾ هذه هي الاية الثالثة؛ التي أمر رسول الله ﷺ أن يقسم بربه على وقوع المعاد، فالأولى في سورة (يونس) رقم [٥٣]: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ،﴾ والثانية: في سورة (سبأ) رقم [٣]: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ،﴾ والثالثة: هي التي بين أيدينا الان. وانظر شرح ﴿زَعَمَ﴾ في الاية رقم [٦] من سورة (الجمعة).\n ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ أي: لتخبرن بجميع أعمالكم، جليلها، وحقيرها. صغيرها، وكبيرها.\n ﴿وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل هين، والإشارة إلى البعث من القبور، وإخبار الكافرين بأعمالهم التي عملوها في الدنيا. وانظر الحديث القدسي في آخر سورة (المنافقون)، واليمين على شيء أنكروه جائز؛ لأن التهديد به أعظم وقعا في القلب فكأنه قيل لهم: ما تنكروه كائن لا محالة. هذا؛ وأصل ﴿لَتُبْعَثُنَّ:﴾ تبعثون، فلما أكد بنون التوكيد؛ صار: «لتبعثوننّ» فحذفت النون لتوالي الأمثال، فصار: «لتبعثونّ» فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على الثاء لتدل على الواو المحذوفة، فصار ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾.\nالإعراب: ﴿زَعَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ يُبْعَثُوا:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة من الثقيلة، و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿زَعَمَ،﴾ والجملة مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول، وبعده جملة محذوفة يدل عليها ما قبلها وما بعدها. ﴿وَرَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَتُبْعَثُنَّ:﴾ (اللام): واقعة في جواب القسم. (تبعثن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة نائب فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وجملة: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، والأول واو الجماعة؛ التي صارت نائب فاعل، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة،","vol":"9","page":742},{"text":"والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء عملتموه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: ثم لتنبئون بعملكم.\n ﴿وَذلِكَ:﴾ (الواو): واو الحال. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿يَسِيرٌ﴾ بعدهما.\n ﴿يَسِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من معنى الكلام السابق، والرابط: الواو واسم الإشارة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5207\"></span>﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾\nالشرح: لما بين الله حال الأمم الماضية المكذبة، وما استحقت من العقاب والعذاب. قال تعالى: آمنوا أنتم أيها المؤمنون بالله ورسوله، لئلا ينزل بكم ما أنزل بهم من العقوبة والعذاب.\n ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا:﴾ يعني القرآن؛ لأنه يبين حقيقة كل شيء، فيهتدى به، كما يهتدى بالنور، وذلك بطريق الاستعارة؛ فإن القرآن يزيل الشبهات، كما يزيل النور الظلمات. وقيل: الخطاب لأهل مكة. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ انظر مثل هذه الجملة في الاية رقم [٢] وآخر سورة (المنافقون) ففيهما الكفاية.\nالإعراب: ﴿فَآمِنُوا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: إذا كان الأمر كما ذكر، فآمنوا. (آمنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا». ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَالنُّورِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (النور). ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أنزلناه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: استئنافية، أو حالية. (الله):\nمبتدأ. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بخبير بعدهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية على مثال ما سبق، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا من واو الجماعة لا بأس به، ويكون الرابط: الواو، والضمير.","vol":"9","page":743},{"text":"<span id=\"aya-5208\"></span>﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ أي: لأجل ما فيه من الحساب، والجزاء. وسمي بذلك؛ لأن الله تعالى يجمع فيه بين الأولين والاخرين، من الإنس والجن، وجميع أهل السماء وأهل الأرض، وبين كل عبد وعمله، وبين الظالم والمظلوم، وبين كل نبي وأمته، وبين ثواب أهل الطاعة، وعقاب أهل المعصية. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٠٣]: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقال في سورة (الشورى) رقم [٧]: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾.\n ﴿ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ أي: يوم القيامة. قال ابن عباس﵄-: هو اسم من أسماء يوم القيامة، وذلك: أن أهل الجنة يغبنون أهل النار. وقال مقاتل بن حيان-رحمه الله تعالى-:\nلا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء الجنة، ويذهب بأولئك إلى النار. هذا؛ وقال الزمخشري:\nالتغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة. وهو أن يغبن بعضهم بعضا؛ لنزول السعداء منازل الأشقياء؛ التي كانوا ينزلونها؛ لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء؛ التي كانوا ينزلونها؛ لو كانوا أشقياء. انتهى.\nوقال الخازن: وأصل الغبن في البيع والشراء. وقد ذكر الله في حق الكافرين: أنهم خسروا، وغبنوا في شرائهم، فقال تعالى: ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ رقم [١٧٥] من سورة (البقرة)، وقال في حق المؤمنين: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ رقم [١٠] من سورة (الصف)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ رقم [١١١] من سورة (التوبة) وكله من باب الاستعارة، وخذ قول الشاعر: [الطويل] وما أرتجي بالعيش في دار فرقة... ألا إنّما الرّاحات يوم التّغابن\nورحم الله عبد الرحمن بن حسان﵄إذ يقول: [الوافر] ألا أبلغ معاوية بن حرب... أمير المؤمنين ثنا كلامي\nبأنّا صابرون ومنظروكم... إلى يوم التّغابن والخصام\nوقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: واللام فيه للدلالة على أن التغابن الحقيقي هو التغابن في أمور الاخرة لعظمها، ودوامها. وقال الحسن، وقتادة-رحمهما الله تعالى-: بلغنا: أن التغابن في ثلاثة أصناف: رجل علم علما فعلمه، وضيعه هو، ولم يعمل به، فشقي به، وعمل به","vol":"9","page":744},{"text":"من تعلمه منه، فنجا به. ورجل اكتسب مالا من وجوه يسأل عنها، وشح عليه، وفرّط في طاعة ربه بسببه، ولم يعمل فيه خيرا، وتركه لوارث لا حساب عليه فيه، فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه. ورجل كان له عبد، فعمل العبد بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية ربه، فشقي.\nوروي عن النبي ﷺ: أنه قال: «إن الله تعالى يقيم الرّجل والمرأة يوم القيامة بين يديه، فيقول الله تعالى لهما: قولا! فما أنتما بقائلين؟ فيقول الرجل: يا ربّ أوجبت نفقتها عليّ، فتعسّفتها من حلال وحرام، وهؤلاء الخصوم يطلبون ذلك، ولم يبق لي ما أوفي به! فتقول المرأة: يا ربّ وما عسى أن أقول: اكتسبه حراما، وأكلته حلالا، وعصاك في مرضاتي ولم أرض له بذلك، فبعدا له، وسحقا. فيقول الله تعالى: قد صدقت، فيؤمر به إلى النار، ويؤمر بها الجنة، فتطلع عليه من طبقات الجنة، وتقول له: غبناك! غبناك! سعدنا بما شقيت أنت به! فذلك يوم التغابن». انتهى. قرطبي.\nأقول: وهذا إن كانت صالحة لم تكلفه ما لا يطيق، وأما إن كانت فاسدة فمطالبها لا تنتهي، وتعيره بالفقر، وتذكر له دائما حال فلانة، وفلانة، وما هن عليه من الرفاهية، وما هي عليه من سوء الحال. وهذا حال نساء هذا الزمن، فإنها تدخل جهنم قبله، وتنطبق عليها الاية رقم [١٤].\n ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا:﴾ ما أعظم هذه المقابلة بين جزاء المؤمنين في هذه الاية، وجزاء الكافرين في الاية التالية! هذا؛ وفي عطف العمل الصالح على الإيمان في الاية الكريمة وغيرها إيحاء، بل تصريح بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول ﷺ: «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، وهو كثير جدا في الايات القرآنية. وهذا يسمى في فن البديع احتراسا.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ،﴾ أو متعلق ب: ﴿خَبِيرٌ،﴾ أو هو متعلق ب: «اذكروا» محذوفا، أو هو مفعول به لهذا المحذوف.\n ﴿يَجْمَعُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله، ويقرأ بنون المضارعة، وعليه فالفعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿لِيَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(يوم) مضاف، و﴿الْجَمْعِ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَوْمَ:﴾ خبره، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿التَّغابُنِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (يوم الجمع) والرابط: اسم الإشارة فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو».","vol":"9","page":745},{"text":"﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَيَعْمَلْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (يعمل): معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى (من). ﴿صالِحًا:﴾ مفعول به، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يعمل عملا صالحا. ﴿يُكَفِّرْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، ويقرأ بنون المضارعة، وعليه فالفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية.\n ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وخبر المبتدأ الذي هو: (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة: (من يؤمن...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَيُدْخِلْهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (يدخله): معطوف على جواب الشرط، وفاعله تقديره:\n «هو»، ويقرأ بنون المضارعة، وعليه فالفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعوله الأول.\n ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من فاعل الأفعال السابقة، العائد إلى (من)، وقد روعي لفظها في ضمير الأفعال، ومعناها في ضمير الحال، كما هو ظاهر. ﴿فِيها:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا.\n ﴿ذلِكَ:﴾ مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبره. ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة ﴿الْفَوْزُ،﴾ والجملة الاسمية لا محل لها.\nتنبيه: الفعل: (يعمل) يجوز في العربية جزمه بالعطف على فعل الشرط، ونصبه ب: «أن» مضمرة بعد الواو على اعتبارها للمعية، والفعل: (يدخله) يجوز في العربية جزمه بالعطف على جواب الشرط، ونصبه بعد الواو على اعتبارها للمعية، ورفعه على الاستئناف على اعتبار الواو للاستئناف. وهذه القاعدة قررها ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن\nوجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو إن بالجملتين اكتنفا\n\n<span id=\"aya-5209\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بقلوبهم. ﴿وَكَذَّبُوا﴾ أي: بألسنتهم. ﴿بِآياتِنا:﴾ بآيات القرآن؛ التي أنزلها الله على رسول الله ﷺ، فقد عطف سبحانه التكذيب بآياته على الكفر؛ وهو","vol":"9","page":746},{"text":"ضرب منه؛ لأن القصد بيان حال المكذبين، وذكرهم في معرض المصدقين بها جمعا بين الترغيب، والترهيب. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ:﴾ انظر شرح ﴿أَصْحابُ﴾ في الاية رقم [٩١] من سورة (الواقعة). هذا؛ وقد جعل الكفار أصحاب النار بمعنى: مالكيها لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب الجنة. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: بئس المقر، والمرجع، والماب نار جهنم لمن دخلها! والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والماب.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿أَصْحابُ﴾ مضاف. ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الذين...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين من الاسم المفرد. ﴿وَبِئْسَ:﴾ الواو: استئنافية. (بئس):\nفعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ فاعل بئس والمخصوص بالذم محذوف، التقدير:\nوبئس المصير المذمومة النار، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5210\"></span>﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ:﴾ انظر الاية رقم [٢٢] من سورة (الحديد) ففيها الكفاية.\n ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بإرادته، وقضائه، وعلمه، ومشيئته، كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ أي: يصدّق: أنه لا يصيبه مصيبة من موت، أو مرض، أو ذهاب مال، ونحو ذلك إلا بقضاء الله، وقدره، وإذنه. ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي: يوفقه لليقين؛ حتى يعلم: أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه؛ لم يكن ليصيبه. فيسلم لقضاء الله تعالى، وقدره. وقيل: يهد قلبه للاسترجاع عند المصيبة، حتى يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، أو يشرحه للازدياد من الطاعة، والخير. وعن مجاهد-رحمه الله تعالى-: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظلم غفر.\nوقيل: سبب نزول الاية الكريمة: أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقا؛ لصانهم الله من المصائب في الدنيا، فبين الله تعالى أن ما أصاب من مصيبة في نفس، أو مال، أو قول، أو فعل يقتضي هما، أو يوجب عقابا، عاجلا، أو آجلا، فبعلم الله، وقضائه، ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ لا يخفى عليه تسليم من انقاد وسلّم لأمره، ولا كراهة من كرهه.","vol":"9","page":747},{"text":"هذا؛ ويقرأ: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وهي قراءة العامة، وقرئ: «(يهد قلبه)» بالبناء للمجهول، ورفع «(قلبه)»، وقرئ «(نهد قلبه)»، وقرئ: «(يهدأ قلبه)» والقراآت الثلاث فوق السبعة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَصابَ:﴾ فعل ماض. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مُصِيبَةٍ:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والمفعول محذوف، التقدير: ما أصاب مصيبة أحدكم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِإِذْنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: ما أصاب أحدكم مصيبة في حال من الأحوال؛ إلا كائنة بإذن، و(إذن) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف.\n (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَهْدِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿قَلْبَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والإعراب واضح على القراآت الأخر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الاية رقم [٩]. والجملة الاسمية: (من يؤمن...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو):\nحرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما. و(كل): مضاف.\n ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5211\"></span>﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ﴾ أي: فيما أمر به، وفيما نهى عنه. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ:﴾ في العمل بسنته، والاهتداء بهديه، والاقتداء به، وينبغي أن يكون ذلك في جميع الأوقات، ولا تشغلكم المصائب عن الاشتغال بطاعة الله، وطاعة رسوله، والعمل بكتاب الله، وبسنة رسوله، وقد يقال: كيف يستمر العبد على طاعة الله، وطاعة رسوله حال المصيبة؛ وهي مما يصعب على العبد دفعه؟ والجواب: بأن الإيمان بالواحدانية، وبأن الكل من عند الله يقتضي التوكل عليه في دفع المضار والمصائب، وهو ما تفيده الاية الكريمة التالية. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ أعرضتم عن الإيمان بالله، وطاعته، وطاعة رسوله فإن ذلك يعود عليكم بالضرر، والأذى، ولا يضر الله، ورسوله شيئا، والرسول لم يكلف إلا تبليغكم ما أنزل إليه من ربه، وإعراضكم عنه لا يضره شيئا، وفي سورة (المائدة) رقم [٩٢] قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾.","vol":"9","page":748},{"text":"هذا؛ وفي القرطبي قوله: وفي حديث النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث فرق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة، من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،﴾ ومن فرق بين شكر الله، وشكر والديه، والله ﷿ يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾.\nالإعراب: ﴿وَأَطِيعُوا:﴾ (الواو): حرف استئناف. (أطيعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿فَإِنْ:﴾ (الفاء): حرف استئناف.\n (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط.\nوالتاء فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فلا ضرر، ولا بأس على رسولنا في توليكم عن طاعتنا وطاعته. ﴿فَإِنَّما:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿عَلى رَسُولِنَا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. و(نا): في محل جر بالإضافة، والتقديم يفيد الحصر.\n ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة ﴿الْبَلاغُ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي مفيدة للتعليل.\n\n<span id=\"aya-5212\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾\nالشرح: المعنى: لا معبود إلا الله، ولا خالق ولا رازق غيره، فعليه توكلوا في جميع أموركم، وحركاتكم، وسكناتكم وإليه الجؤوا في جميع شؤونكم.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وانظر تفصيل الإعراب في الاية رقم [٢٢] من سورة (الحشر).\n ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ انظر ما ذكرته بشأن هذه الجملة في الاية رقم [١٠] من سورة (المجادلة) ففيها الكفاية.\n<span id=\"aya-5213\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: نزلت هذه الاية في المدينة المنورة في عوف بن مالك الأشجعي﵁شكا إلى النبي ﷺ جفاء أهله، وولده. فنزلت. وأخرج ابن جرير الطبري عن عطاء بن يسار؛ قال: نزلت سورة (التغابن) كلها بمكة إلا هؤلاء الايات:","vol":"9","page":749},{"text":"﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ..﴾. إلخ نزلت في عوف بن مالك الأشجعي﵁كان ذا أهل، وولد، وكان إذا أراد الغزو؛ بكوا إليه، ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق، ويقيم.\nوأخرج الترمذي، والحاكم، وصححاه عن ابن عباس﵄قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ، فأبى أزواجهم، وأولادهم أن يدعوهم أن يذهبوا إلى المدينة أولا، فلما أتوا النبي ﷺ فيما بعد رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا..﴾. إلخ. انتهى. قرطبي، وأسباب النزول للسيوطي بتصرف.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي-رحمه الله تعالى-: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدوا لذاته، وإنما كان عدوا بفعله، فإذا فعل الزوج، والولد فعل العدو؛ كان عدوا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد، وبين طاعة ربه. وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان، فقال له:\nأتؤمن وتذر دينك، ودين آبائك؟ فخالفه، فآمن. ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له:\nأتهاجر، وتترك مالك وأهلك؟ فخالفه، فهاجر. ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له:\nأتجاهد، فتقتل نفسك، فتنكح نساؤك، ويقسم مالك؟ فخالفه، فجاهد، فقتل، فحقّ على الله أن يدخله الجنة». وقعود الشيطان يكون بوجهين: أحدهما: يكون بالوسوسة، والثاني: بأن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب. قال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ رقم [٢٥] من سورة (فصلت) انظر شرحها هناك.\nوقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: ما عادوهم في الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم على أن أخذوا لهم الحرام، فأعطوهم إياه. والاية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد. وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم. وينبغي أن تعلم كما أن الرجل يكون له ولده وزوجه عدوا، كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدوا بهذا المعنى بعينه، وعموم قوله تعالى: ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ يدخل فيه الذكر والأنثى لدخولهما في كل آية. والله أعلم. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nهذا؛ وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم بالله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان.\n ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ أي: كونوا على حذر من شرهم، وغوائلهم، وفتنتهم. ﴿وَإِنْ تَعْفُوا:﴾ عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة، ولم تقابلوهم بمثلها. ﴿وَتَصْفَحُوا:﴾ تعرضوا عن توبيخهم.\n ﴿وَتَغْفِرُوا:﴾ تتجاوزوا عن ذنوبهم، وتستروا عيوبهم. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ يغفر لكم ذنوبكم، ويرحمكم برحمته الواسعة.","vol":"9","page":750},{"text":"الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (أيها).\n ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة.\n (أولادكم): معطوف على ما قبله. ﴿عَدُوًّا:﴾ اسم (إنّ) مؤخر. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَدُوًّا،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.\n ﴿فَاحْذَرُوهُمْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة. (احذروهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كانوا كذلك فاحذروهم، والجملة الشرطية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿تَعْفُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجملة: ﴿وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها، وإعرابهما مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.\n ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-5214\"></span>﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء، واختبار، وشغل عن الاخرة، وقد يقع الإنسان بسببهم في العظائم، ومنع الحق، وتناول الحرام، وغصب مال الغير، ونحو ذلك من أكل الربا، وأكل مال... إلخ، ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: الجنة. والمعنى: لا تباشروا المعاصي بسبب أولادكم، ولاتؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم. قال بعضهم: لما ذكر الله العداوة؛ أدخل (من) للتبعيض، فقال: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ لأنهم كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر في قوله: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأنهم لم يخلوا عن","vol":"9","page":751},{"text":"الفتنة، واشتغال القلب بهم، وكان عبد الله بن مسعود﵁يقول: لا يقولنّ أحدكم:\nاللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى أهل ومال وولد إلا يشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن.\nعن بريدة﵁قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن، والحسين، وعليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه، ثم قال «صدق الله: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ نظرت إلى هذين الصبيين، يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتّى قطعت حديثي، ورفعتهما» أخرجه الترمذي، وقال:\nحديث حسن غريب. انتهى. خازن.\nتنبيه: في الاية الكريمة تحذير من حب المال، والولد، وتفضيلهما على طاعة الله، ورسوله، فيجب على العاقل أن يحذر من المضارّ المتولدة من حبهما؛ لأن ذلك يشغل القلب، ويصيره محجوبا عن خدمة المولى، وهذا من أعظم الفتن. وروى البغوي بسنده عن عائشة -﵂-: أن النبي ﷺ أتي بصبي، فقبله، وقال: «أما إنهم مبخلة، وإنهم لمن ريحان الله». وأخرج الترمذي عن عمر بن عبد العزيز﵁قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم. قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم وهو محتضن أحد بني بنته، وهو يقول:\n «إنكم لتبخّلون، وتجبّنون، وتجهّلون، وإنكم لمن ريحان الله». قال الترمذي: لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا عن خولة، ومعنى: لمن ريحان الله: لمن رزق الله. الحديث رقم [١٩١١] في كتاب البر والصلة.\nالإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَمْوالُكُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿وَأَوْلادُكُمْ:﴾ معطوف عليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِتْنَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الظرف متعلقا بمحذوف خبر لفظ الجلالة، ف: ﴿أَجْرٌ﴾ فاعل به؛ أي: بمتعلقه، وهو سائغ لا غبار عليه. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، واعتبارها حالا ضعيف. وقيل: مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-5215\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ:﴾ ذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذه الاية ناسخة لقوله تعالى: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ رقم [١٠٢] من سورة (آل عمران). قال سعيد بن جبير-رضي الله","vol":"9","page":752},{"text":"عنه-: لما نزلت أية (آل عمران) اشتد على القوم العمل، فقاموا؛ حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله هذه الاية تخفيفا على المسلمين. فنسخت آية (آل عمران) والمعنى: ابذلوا أيها المؤمنون في طاعة الله جهدكم، وطاقتكم، ولا تكلفوا أنفسكم ما لا تطيقون. قال المفسرون: هذا في المأمورات، وفضائل الأعمال يأتي الإنسان منها بقدر طاقته، وأما في المحظورات؛ فلا بد من اجتنابها بالكلية، ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ: أنه قال:\n «إذا أمرتكم بأمر؛ فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه؛ فاجتنبوه». أخرجه الشيخان.\nوقال ابن عباس﵄-: إن آية (آل عمران) لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا لله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم.\n ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ أي: اسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا فيما تؤمرون به، وتنهون عنه، وهما يشملان كل ما ورد في كتاب الله، وما روي عن رسول الله ﷺ من أوامر، ومناه، وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: عليهما بويع النبي ﷺ؛ أي: على السمع، والطاعة. أقول: هما للنبي ﷺ في حياته، ثم لأولي الأمر من بعده؛ إن هم اتقوا الله، وأطاعوه، وأطاعوا رسوله. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٥٩]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.\n ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ:﴾ الإنفاق المأمور به يشمل: الواجب من زكاة، ونذور، وكفارات، والتطوع، والتبرع في وجوه الخير ابتغاء مرضاة الله. وقال الحسن: هو نفقة الرجل لنفسه. قال ابن العربي: وإنما أوقع قائل هذا قوله: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ وخفي عليه أن نفقة النفل، والفرض في الصدقة هي نفقة الرجل على نفسه. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧]: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ وكل ما يفعله الرجل من خير؛ فإنما هو لنفسه.\nوالصحيح: أنها عامة. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال له رجل: عندي دينار. قال: «أنفقه على نفسك». قال: عندي آخر. قال: «أنفقه على زوجتك». قال: عندي آخر. قال: «أنفقه على ولدك». قال: عندي آخر. قال: «أنفقه على خادمك. قال: عندي آخر. قال: «أنت أبصر به».\nوفي رواية قال: «تصدق به». رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة﵁-، فبدأ بالنفس، ثم بالأهل، ثم بالولد، وجعل الصدقة بعد ذلك، وهو الأصل في الشرع. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ..﴾. إلخ: انظر رقم [٩] من سورة (الحشر) ففيها الكفاية.\nالإعراب: ﴿فَاتَّقُوا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كانت الفتنة متوقعة من الأموال، والأولاد؛ فاتقوا... إلخ. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، أو","vol":"9","page":753},{"text":"مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مَا:﴾ ظرفية مصدرية.\n ﴿اِسْتَطَعْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، و﴿مَا﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل قبله، التقدير: فاتقوا الله مدة استطاعتكم التقوى، واعتبار ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة لا يؤيده المعنى، وجملة: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا﴾ هذه الجمل معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿خَيْرًا:﴾ فيه أوجه: أحدها: وهو قول سيبويه: أنه مفعول بفعل مقدر؛ أي: وائتوا خيرا لأنفسكم، كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٧١]: ﴿اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. الثاني: تقديره: يكن الإنفاق خيرا لكم، فهو خبر يكن المضمرة. وهو قول أبي عبيد. وهو قليل؛ لأن حذف «كان» واسمها مع بقاء الخبر، إنما يكون بعد: «إن، ولو» الشرطيتين. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف. وهو قول الكسائي، والفراء. التقدير: وأنفقوا إنفاقا خيرا. الرابع: أنه الحال، وهو قول الكوفيين. الخامس: أنه مفعول بقوله: (أنفقوا) وهذا على تفسير الخير بالمال. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف كبير. ﴿لِأَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان ب:\n ﴿خَيْرًا،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ انظر إعراب هذا الكلام في سورة (الحشر) رقم [٩].\n\n<span id=\"aya-5216\"></span>﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا..﴾. إلخ: انظر الاية رقم [١١] من سورة (الحديد) ففيها الكفاية.\n ﴿شَكُورٌ:﴾ صيغة مبالغة، وفسر في حقه تعالى بالذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الاخرة غير محدودة. ﴿حَلِيمٌ:﴾ صيغة مبالغة أيضا، وفسر في حقه تعالى بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُقْرِضُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم.\n ﴿قَرْضًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة له. ﴿يُضاعِفْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وجملة:\n ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حالية. (الله): مبتدأ. ﴿شَكُورٌ حَلِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر في الفعلين السابقين، والرابط: الواو، والضمير.","vol":"9","page":754},{"text":"<span id=\"aya-5217\"></span>﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾\nالشرح: انظر شرح هذه الكلمات في سورة (الحشر) رقم [٢٢].\nالإعراب: ﴿عالِمُ:﴾ خبر ثالث للمبتدأ الأول في الاية السابقة، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو عالم، و﴿عالِمُ﴾ مضاف، و﴿الْغَيْبِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدأ الأول، أو هما خبران لمبتدأ محذوف، التقدير: هو العزيز الحكيم. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (التغابن) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":755},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4586>سورة الطّلاق</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الطلاق) مدنية، وهي اثنتا عشرة آية، ومئتان وتسع وأربعون كلمة، وألف وستون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5218\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاِتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ خص النبي ﷺ بالنداء، وعم بالخطاب؛ لأن النبي إمام أمته، وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم: يا فلان افعلوا كذا، إظهارا لتقدمه، واعتبارا لترؤسه، وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادا مسدّ جميعهم. وقيل: التقدير: يا أيها النبي والمؤمنين. انتهى. نسفي. وقيل: معناه: أيها النبي قل لأمتك: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ،﴾ فأضمر القول.\nانتهى. خازن. ولا تنس: أن المعنى: إذا أردتم طلاق النساء، وإنما احتيج إلى هذا التقدير، ليصح قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ؛﴾ لأن الشيء لا يترتب على نفسه، ولا يؤمر بتحصيل الحاصل، انتهى.\nجمل نقلا عن كرخي. وقال القرطبي: وهذا هو قولهم: إن الخطاب له وحده، والمعنى له وللمؤمنين؛ وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين؛ لاطفه بقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾. فإذا كان الخطاب باللفظ، والمعنى جميعا له؛ قال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾. ثم قال: ويدل على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، ففي كتاب أبي داود عنها: أنها طلقت على عهد النبي ﷺ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله تعالى حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق، فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق. انتهى. وبالجملة هذا من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد، ويختم بالجمع.\n ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لأولها بأن يكون الطلاق في طهر لم تمس فيه، فإن اللام في الأزمان، وما يشبهها للتأقيت، ومن عد العدة بالحيض، وهو أبو حنيفة علق اللام بمحذوف،","vol":"9","page":756},{"text":"مثل مستقبلات، وهذا الاختلاف ناشئ من الاختلاف في تفسير القرء، والقروء، والأقراء المذكورة في سورة (البقرة) رقم [٢٢٨]: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾. فأبو حنيفة -رحمه الله تعالى-فسر القرء بالحيض أخذا من قول النبي ﷺ للمرأة التي سألته عن الصلاة في أيام الحيض: «دعي الصلاة أيّام أقرائك». ودليل الشافعي وغيره القائلين بأنه الطهر وروده في اللغة العربية، ومنه قول الأعشى: [الطويل] ففي كلّ عام أنت جاشم غزوة... تشد لأقصاها عزيم عزائكا\nمورّثة مالا وفي الحيّ رفعة... لما ضاع فيها من قروء نسائكا\nوفي القاموس المحيط، ومختار الصحاح: والقرء بفتح القاف وضمها يطلق على الطهر وعلى الحيض، فهو من الأضداد. ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ:﴾ احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق لتراجعوا قبل انتهاء العدة، ولتعرفوا زمن النفقة، والسكنى، وحل النكاح لأخت المطلقة، ونحو ذلك من الفوائد. وهذا كله في المدخول بها، أما غير المدخول بها فلا عدة عليها بصريح قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٩]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾.\nهذا؛ والطلاق على ثلاثة أنواع: سني، وبدعي، ولا سني، ولا بدعي، فالأول: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، والثاني: أن يطلقها في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، والثالث:\nطلاق الصغيرة، وغير المدخول بها، والايسة، وكذلك المخالعة وعد من الأول أن يطلقها حاملا مستبينا حملها، وخذ ما يلي:\nفقد روى البخاري: أن عبد الله بن عمر﵄طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر﵁ذلك لرسول الله ﷺ، فتغيظ رسول الله ﷺ، ثم قال: «ليراجعها ثمّ يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهرا قبل أن يمسّها، فتلك العدّة التي أمر الله ﷿ بها». وعن أنس﵁قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فقيل له:\nراجعها، فإنها صوّامة قوّامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة». أخرجه ابن أبي حاتم.\nأقول: والمشهور: أن طلاق حفصة كان بسبب إفشائها سر رسول الله ﷺ، كما ستقف عليه في سورة (التحريم) إن شاء الله تعالى، وأن هذه الاية نزلت في عبد الله بن عمر﵄-.\n ﴿وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ﴾ أي: خافوا ربّكم، واخشوه، ولا تعصوه فيما أمركم به. ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ:﴾ من مساكنهن وقت الفراق حتى تنقضي عدتهن. ﴿وَلا يَخْرُجْنَ:﴾ باستبدادهن، أما إذا اتفقا على الانتقال جاز ذلك؛ إذا الحق لا يعدوهما، وفي الجمع بين النهيين دلالة على","vol":"9","page":757},{"text":"استحقاقها السكنى، وملازمتها مسكن الفراق، فلا يجوز لها الخروج إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت؛ أثمت، ولا تنقطع العدة. والرجعية، والمبتوتة في هذا سواء، وهذا لصيانة ماء الرجل.\nوفي صحيح الحديث: عن جابر بن عبد الله﵄قال: طلّقت خالتي، فأرادت أن تجدّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ، فقال: «بلى فجدّي نخلك فإنك عسى أن تصدّقي، أو تفعلي معروفا». خرجه مسلم. ففي هذا الحديث دليل لمالك، والشافعي، وابن حنبل، والليث على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل، وسواء عند مالك كانت رجعية، أو بائنة، وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلا، ولا نهارا، وإنما تخرج نهارا المبتوتة، وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفّى عنها زوجها، وأما المطلقة؛ فلا تخرج لا ليلا ولا نهارا. والحديث يرد عليه. انتهى. قرطبي. وهذا المسكن سواء أكان بملك، أو كراء، أو عارية، فإن استرده المكري، أو المعير يجب على الزوج أن يكتري، أو يستعير لها بدله؛ لأنه يجب عليه تأمين مسكن لها.\n ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ:﴾ قرئ بفتح الياء وكسرها. قيل: هي الزنى، يعني: إلا أن يزنين، فيخرجن لإقامة الحد عليهن. وقيل: إلا أن يطلقن على النشوز، والنشوز يسقط حقها في السكنى. وقيل: إلا أن يبذون على الأحماء، والأصهار، فقد روي عن سعيد بن المسيب: أنه قال في فاطمة: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها، فأمرها النبي ﷺ أن تنتقل. وروي:\nأن عائشة﵂قالت لها: اتّقي الله فإنك تعلمين لم أخرجت؟ وعن ابن عمر، والسدي: الفاحشة خروجها من بيتها في العدة. وتقدير الكلام: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة بخروجهن من بيوتهن بغير حق؛ أي: لو خرجت كانت عاصية. انتهى. كشاف، وقرطبي. هذا؛ ومن المبيح لها الخروج من المسكن الذي وقع فيه الطلاق، بأن تخاف هدما، أو غرقا، كذلك إذا كان لها حاجة ضرورية من بيع غزل، أو شراء قطن؛ جاز لها الخروج نهارا، ولا يجوز ليلا يدل على ذلك أن رجالا استشهدوا بأحد، فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا. فأذن لهن رسول الله ﷺ أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم تأوي كل امرأة إلى بيتها. فإذا لزمتها العدة في السفر تعتد في أهلها ذاهبة، وراجعة، والبدوية تتبوأ حيث يتبوأ أهلها في العدة؛ لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم. انتهى. خازن.\nبقي أن تعرف هل يقع الطلاق ثلاثا بلفظ الثلاث؟ المعتمد: أنه يقع، الدليل ما رواه الدارقطني عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه: أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية، وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، فلم يبلغنا: أن أحدا من أصحابه عاب عليه ذلك. قال: وحدثنا سلمة بن سلمة عن أبيه: أن حفص بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول الله ﷺ ثلاث تطليقات في كلمة، فأبانها منه رسول الله ﷺ، ولم يبلغنا: أن النبي ﷺ عاب ذلك عليه. انتهى. قرطبي.","vol":"9","page":758},{"text":"وروي: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يدي رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: «أتلعبون بكتاب الله، وأنا بين أظهركم؟». وفي حديث ابن عمر﵄-: أنه قال:\nيا رسول الله! أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ فقال له: «إذا عصيت، وبانت منك امرأتك». وعن عمر -﵁أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا، وأجاز ذلك عليه.\nانتهى. كشاف.\n ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر من الأحكام في هذه الاية، والحدود جمع: حد، وهو في اللغة: الحاجز بين شيئين متجاورين، والمراد هنا: الحد الفاصل بين الحلال، والحرام، فلذا يعاقب من تجاوزه بالحد، وهو العقوبة المقررة لذلك.\n ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ﴾ أي: فيطلق لغير السنة، أو تجاوز هذه الأحكام، ومن أهم تعدي حدود الله أن يظلمها، ويجوز عليها؛ حتى يحملها على التنازل عن بعض حقوقها. ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ:﴾ وذلك بتعريضها للعقاب، وحرمانها من رحمة الله، ورضوانه. وقد أظهر ﴿حُدُودُ﴾ وهو محل إضمار للتهويل، والتهديد. ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ..﴾. إلخ الأمر الذي يحدثه الله أن يقلّب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، والعكس صحيح إن كان البغض من جانبها، والرغبة عن الزوج من قبلها. وهذا كثير، وواقع في زمننا، والمعنى: فطلقوهن لعدتهن، وأحصوا ابتداء العدة، وانتهائها، لعلكم ترغبون، وتندمون، فتراجعون، ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لمزيد الاهتمام بالأحكام المذكورة، والخطاب يعم كل عاقل، والخطاب للمعتدي لا للنبي ﷺ، وذلك بقوله: ﴿لا تَدْرِي﴾.\nخاتمة: قال ابن القيم: إن الله تعالى لما كان يبغض الطلاق، لما فيه من انفصام عرى الزوجية، وموافقة عدوه إبليس؛ حيث يفرح بافتراق الزوجين، وكان مع ذلك يحتاج إليه الزوج، أو الزوجة؛ شرعه على وجه تحصل به المصلحة، وتندفع به المفسدة، وحرمه على غير ذلك الوجه، فشرع له أن يطلقها طاهرا من غير جماع طلقة واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها، فإن زالت أسباب الخلاف، وحصلت الموافقة أثناء عدتها؛ كان له سبيل إلى إعادتها، وجعل الله العدة ثلاثة قروء ليطول زمن المهلة والاختيار، فهذا هو الذي شرعه الله، وأذن فيه. انتهى.\nصفوة التفاسير.\nفقد روى الثعلبي من حديث ابن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ من أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق». وعن علي﵁عن النبي ﷺ قال: «تزوجوا، ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتزّ منه العرش». وعن أبي موسى﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تطلّقوا النساء إلا من ريبة، فإن الله ﷿ لا يحب الذوّاقين، ولا الذوّاقات».\nوعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما حلف بالطلاق، ولا استحلف به إلا","vol":"9","page":759},{"text":"منافق». أسند جميعه الثعلبي-رحمه الله تعالى-في كتابه. وروى الدارقطني عن معاذ بن جبل -﵁-. قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا معاذ! ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحبّ إليه من العتاق، ولا خلق الله شيئا على وجه الأرض أبغض من الطلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حرّ إن شاء الله؛ فهو حر، ولا استثناء له. وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله؛ فله استثناؤه ولا طلاق عليه». وعن معاذ﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «ما أحلّ الله شيئا أبغض إليه من الطلاق، فمن طلق، واستثنى فله استثناؤه». انتهى. قرطبي.\nوعن محارب بن دثار: أن رسول الله ﷺ قال: «ما أحلّ الله شيئا أبغض إليه من الطلاق».\nأخرجه أبو داود مرسلا، وله في رواية عنه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق». وعن ثوبان﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس حرام عليها رائحة الجنة». أخرجه أبو داود، والترمذي. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها) حرف تنبيه لا محل له أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿النَّبِيُّ:﴾ بدل من (أيها)، والجملة الندائية ابتدائية لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿طَلَّقْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها، و﴿إِذا﴾ متعلقة بشرطها هنا، ولا يجوز تعليقها بالجواب؛ لاقترانه بالفاء، ولا يعمل ما بعد الفاء في ما قبلها. ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (طلقوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مبتدأ، أو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين. ﴿لِعِدَّتِهِنَّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، التقدير:\nفطلقوهن مستقبلات لعدتهن، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَأَحْصُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أحصوا): فعل أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعِدَّةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله.\n ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): أمر وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ بدل من لفظ الجلالة، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية بمنزلة جواب","vol":"9","page":760},{"text":"للأمر، لا محل لها، وفيها معنى الاستئناف. ﴿مِنْ بُيُوتِهِنَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾\n (الواو): حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿يَخْرُجْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وهو في محل جزم ب: (لا) الناهية، ونون النسوة فاعله، ومتعلقه محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَأْتِينَ:﴾ مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ﴾ والنون فاعله، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: لا يخرجن، ولا تخرجوهن في حال من الحالات إلا في حال كونهن آتيات... إلخ. وهذا بعد تحويل المصدر إلى اسم الفاعل، وصاحب الحال نون النسوة، والضمير المنصوب. ﴿بِفاحِشَةٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿مُبَيِّنَةٍ:﴾ صفة (فاحشة).\n ﴿وَتِلْكَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حُدُودُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَعَدَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿حُدُودُ:﴾\nمفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَقَدْ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ظَلَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من).\n ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: (من يتعد...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب (لعلّ). ﴿لَعَلَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحْدِثُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿أَمْرًا،﴾ كان صفة له، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿لَعَلَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي ﴿لا تَدْرِي،﴾ والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها.","vol":"9","page":761},{"text":"<span id=\"aya-5219\"></span>﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء العدة، فهو كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣١]: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ:﴾ فراجعوهن من غير ضرار بهن.\n ﴿أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فيملكن أنفسهن، وفي آية (البقرة) رقم [٢٣١]: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ والتسريح، والمفارقة بمعنى واحد، وهما من ألفاظ الطلاق الصريحة، وفي آية (البقرة) زيادة: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ والمعنى: ولا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن، فقد كان المطلق في صدر الإسلام يترك المعتدة؛ حتى تقارب انقضاء عدتها، ثم يراجعها ليطول العدة عليها، فنهي عنه بعد الأمر بضده مبالغة، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ما يوجب أن يكون القول قول المرأة في انقضاء العدة؛ إذا ادعت ذلك، ولذا قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٨]: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ﴾ أي: يخفين ما في أرحامهن من الولد، أو الحيض، استعجالا في العدة، وإبطالا في حق الرجعة. ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ:﴾ أمر بالإشهاد على الطلاق. وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. وقيل: المعنى: وأشهدوا عند الرجعة، والفرقة جميعا، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٢]: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ وعند الأئمة الثلاثة: الشافعي، ومالك، وأحمد-رحمهم الله تعالى-واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة. وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يتّهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما، فيدعي الباقي ثبوت الزوجية؛ ليرث. هذا؛ والشيعة يوجبون الإشهاد على الفرقة؛ لأنهم يقولون: كما يجري العقد بين الزوجين بحضور شاهدين يجب أن يحل بحضور شاهدين، وهناك من يفتي على مذهبهم، ويقول بقولهم.\nوعن عمران بن حصين﵁أنه سئل عن رجل يطلّق امرأته، ثم يقع عليها، ولم يشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، فقال: (طلّقت لغير سنة، وراجعت لغير سنّة، أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تعد). أخرجه أبو داود وابن ماجه.\nهذا؛ والرجعة قبل الثلاث من حق الزوج، وليس للزوجة رأي، ولا اختيار، وعند الشافعي -رحمه الله تعالى-لا تكون الرجعة إلا بالقول: «راجعت زوجتي إلى عصمتي وعقد نكاحي».\nونحو ذلك ولا يشترط الفعل، وعند الإمام أحمد مثله فيما أظن، وعند الإمام مالك-رحمه الله تعالى-تكون الرجعة بالقول، والفعل معا، وعند أبي حنيفة تكون الرجعة بالفعل، ولا يشترط","vol":"9","page":762},{"text":"القول، فإذا جامع، أو قبّل، أو باشر، أو لامس بشهوة، فهو رجعة، وقالوا: النظر إلى الفرج رجعة.\n ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ﴾ أي: طلبا لمرضاة الله، وقياما بوصيته، وخالصا لوجهه، وذلك أن تقيموها، لا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق، ودفع الظلم، كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٣٥]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ،﴾ وأيضا في سورة (المائدة) رقم [٨]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. ﴿ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ..﴾. إلخ:\nأي: الذي شرعه الله من الأحكام في هذه السورة، إنما ينتفع به المؤمن؛ الذي يخشى الله، ويخاف عقابه في الدار الاخرة، فيرق قلبه، ويلين، وأما من لم يكن متصفا بذلك؛ فهو لقساوة قلبه لا يوعظ، ولا ينتفع بهذا، ولا بغيره من المواعظ، والنصائح، والإرشادات. وانظر بقية الكلام في الاية التالية، ولا تنس الطباق بين الإمساك، والمفارقة.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ (الفاء): حرف تفريع واستئناف. (إذا): انظر الاية السابقة. ﴿بَلَغْنَ:﴾\nفعل، وفاعل، وقل في هذه الجملة ما رأيته بالجملة في الاية السابقة: ﴿طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾.\n ﴿أَجَلَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث.\n ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب (إذا). (أمسكوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به. ﴿بِمَعْرُوفٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، وجملة: ﴿فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n (أشهدوا): فعل أمر وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ذَوَيْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و﴿ذَوَيْ:﴾ مضاف، و﴿عَدْلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ،﴾ وجملة (أشهدوا...) إلخ معطوفة على جواب إذا، لا محل لها مثله، وأيضا جملة: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ:﴾ معطوفة عليه، لا محل لها مثله.\n ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُوعَظُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة:\n ﴿كانَ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (اليوم): معطوف على ما قبله.\n ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة (اليوم)، وجملة: ﴿يُوعَظُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"9","page":763},{"text":"﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف، وقال الزمخشري، والجمل: واو الاعتراض. (من):\nاسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَّقِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِاللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿يَجْعَلْ:﴾ جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿مَخْرَجًا:﴾ مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الاية السابقة، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-5220\"></span>﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: ينجيه من كل كرب في الدنيا والاخرة. وقال عمر بن عثمان الصدفي في تفسير ذلك: فيقف عند حدوده، ويجتنب معاصيه؛ يخرجه من الحرام إلى الحلال، ومن الضيق إلى السعة، ومن النار إلى الجنة. وقال أكثر المفسرين فيما ذكر الثعلبي: إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي﵁-: روى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس﵄قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! إن ابني أسره العدو، وجزعت الأم، فما تأمرني؟ فقال ﷺ، «اتق الله، واصبر، وآمرك، وإيّاها أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله». فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله ﷺ أمرني وإياك أن نستكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله! فقالت: نعم ما أمرنا به! فجعلا يقولان، فغفل العدوّ عن ابنه، فساق غنمهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة، فنزلت الاية الكريمة، وجعل النبي تلك الأغنام له؛ وكان فقيرا. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ وروى الحسن عن عمران بن الحصين؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من انقطع إلى الله، كفاه الله كلّ مؤونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها». رواه ابن أبي حاتم. وعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من لزم الاستغفار؛ جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود، والنسائي، وغيرهما. وينبغي أن تعلم: أن الإخراج من الضيق والكرب في الدنيا، والاخرة، والرزق من حيث لا يحتسب العبد وعد من الله العزيز الحكيم العليم الخبير، ولكن إنجازه مشروط بتقوى الله، ومراعاة حدوده، واجتناب معاصيه، كما رأيت آنفا. ومعنى ﴿لا يَحْتَسِبُ﴾ أي: من وجه لا يخطر بباله، ولا يحتسبه.","vol":"9","page":764},{"text":"﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: من فوّض إليه أمره، واعتمد عليه في جميع أحواله، وشؤونه مع العمل بطاعته، واجتناب معاصيه؛ فله فيما يعطيه في الاخرة من ثوابه كفاية، وفي الدنيا وقاية من الهموم، والأحزان. وهذا لا ينفي أن يصاب المؤمن في الدنيا بشيء من البلاء، بل قد يصاب أكثر من الفاسدين المفسدين؛ الذين يمهلهم الله، ويمدهم في الدنيا استدراجا لهم. وانظر ما ذكرته في سورة (الحديد) رقم [٢٢] في هذا الصدد؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وخذ ما يلي:\nفعن أبي ذر الغفاري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس، لكفتهم، ثم تلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ..﴾. إلخ». فما زال يكررها، ويعيدها. وقال ابن عباس -﵄قرأ النبي ﷺ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ..﴾. إلخ». قال: «مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة». انتهى. قرطبي. وانظر التوكل في سورة (المجادلة) رقم [١٠].\nوعن ابن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من نزل به حاجة، فأنزلها بالناس؛ كان قمنا ألاّ تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله تعالى؛ أتاه الله برزق عاجل، أو بموت آجل». أخرجه الإمام أحمد.\n ﴿إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ:﴾ يبلغ ما يريده، ولا يفوته مراد، ولا يعجزه مطلوب. وقضاؤه، وأمره نافذ فيمن توكل عليه، وفيمن لم يتوكل عليه؛ إلا أن من توكل عليه؛ فيكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرا. عزّى الإمام علي﵁الأشعث بن قيس في ابن شاب توفي بقوله: يا أشعث! إن صبرت؛ جرى عليك القدر، وأنت مأجور، وإن لم تصبر جرى عليك القدر، وأنت مأزور.\nهذا؛ وقال الربيع بن خثيم: إن الله قضى على نفسه: أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن دعاه أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب الله:\n ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ سورة (التغابن) رقم [١١]، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ،﴾ ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ سورة (التغابن) [١٧]، ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ سورة (آل عمران) [١٠١]، ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾. هذا؛ ومعنى ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ فهو كافيه. ومثله في سورة (المجادلة) رقم [٨]: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ،﴾ ومثلها في سورة (التوبة) رقم [٦٨] و[١٢٩] وكثير في القرآن مثل ذلك.\n ﴿قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا:﴾ تقديرا، وتوقيتا لكل شيء من الخير، والشر، والشدة، والرخاء فلكل شيء أجل ينتهي إليه لا يتعداه. وهذا بيان لوجوب التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه؛ لأنه إذا علم كل شيء من الرزق ونحوه، لا يكون إلا بتقديره، وتوفيقه لم يبق إلا التسليم للقدر، والتوكل على الله.\nالإعراب: ﴿وَيَرْزُقْهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (يرزقه): فعل مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله. ويجوز في العربية نصبه ورفعه، كما رأيت في الاية رقم [٩] من سورة","vol":"9","page":765},{"text":"(التغابن)، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعوله الأول، والمفعول الثاني محذوف للتعميم؛ لأن الفعل «رزق» ينصب مفعولين؛ لأنه بمعنى: أعطى، ومنح. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهو مبني على الضم في محل جر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَحْتَسِبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَمَنْ:﴾\n (الواو): حرف عطف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يَتَوَكَّلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿عَلَى اللهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿فَهُوَ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿حَسْبُهُ:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الاية السابقة.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بالِغُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و﴿أَمْرِهِ:﴾\nمضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والهاء في محل جر بالإضافة.\nهذا؛ وقرأ السبعة ما عدا حفص: «(بالغ أمره)» بالتنوين ونصب «(أمره)» على أنه مفعول به صريح، وقرأ المفضل: «(بالغا أمره)» على أن جملة: ﴿قَدْ جَعَلَ اللهُ﴾ خبر (إن)، و«(بالغا)» حال. وقرأ داود بن أبي هند: «(بالغ أمره)» بالتنوين ورفع الراء. قال الفراء: أي: أمره بالغ. وقيل: «(أمره)» مرتفع ب: (بالغ) والمفعول محذوف، والتقدير: بالغ أمره ما أراد. والجملة الاسمية تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهِ:﴾ فاعله.\n ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من قدرا، كان صفة له\nإلخ، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط إعادة الاسم الكريم بلفظه، أو هي في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ على نصب (بالغا) كما رأيته.\n\n<span id=\"aya-5221\"></span>﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾\nالشرح: قيل: لما نزلت: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الاية رقم [٢٢٨] من سورة (البقرة). قال خلاّد بن النعمان بن قيس الأنصاري﵁-: يا رسول الله! فما عدة التي انقطع حيضها، وعدة التي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ﴾","vol":"9","page":766},{"text":"﴿مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ:﴾ اللاتي قعدن عن الحيض، فلا يرجى أن يحضن، وهن العجائز، الايسات من الحيض.\n ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في حكمهن، ولم تعرفوا ما عدتهن. ومن الغريب ما قاله القرطبي:\nوقيل: تيقنتم وهو من الأضداد يكون شكا، ويقينا كالظن. انتهى. ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يعني: الصغائر اللاتي لم يحضن بعد، فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر، أما الشابة التي كانت تحيض، فارتفع حيضها، قبل بلوغ سن الايسات، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن عدتهن لا تنقضي؛ حتى يعاودها الدم، فتعتد بثلاثة أقراء، أو تبلغ سن الايسات، فتعتد بثلاثة أشهر. وهذا قول عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود. وبه قال عطاء، وإليه ذهب الشافعي، وأصحاب الرأي. وحكي عن عمر﵁-: أنها تتربص تسعة أشهر، فإن لم تحض؛ فتعتد بثلاثة أشهر، وهو قول مالك-رحمه الله تعالى-. وقال الحسن البصري: تتربص سنة، فإن لم تحض؛ فتعتد بثلاثة أشهر، وهذا كله في عدة الطلاق، وأما المتوفى عنها زوجها؛ فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت ممن تحيض، أو لا تحيض، وأما الحامل؛ فعدتها بوضع الحمل، سواء طلقها زوجها، أو مات عنها. انتهى. خازن.\nأقول: إن المحاكم الشرعية في هذه الأيام تعتبر عدة المطلقة المدخول بها والمخالعة سواء كانت من ذوات الأقراء، أو من الايسات، أو من الصغيرات، المنقطع حيضها، أو غير المنقطع ثلاثة أشهر كاملة، فهو حكم عام، ولا بأس به.\n ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ:﴾ عن سبيعة الأسلمية﵂-: أنها كانت تحت سعد بن خولة﵁وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع، وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها؛ تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب ترجّين النكاح؟ وأنت والله ما أنت بناكح؛ حتى يمر عليك أربعة أشهر، وعشر. قالت سبيعة -﵂-: فلما قال لي ذلك؛ جمعت عليّ ثيابي؛ حتى أمسيت، وأتيت رسول الله ﷺ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج؛ إن بدا لي. لفظ البخاري، ولمسلم نحوه، وزاد: قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر. انتهى. خازن. أقول: وهذا قول جمهور العلماء بأن عدة الحامل تنتهي بوضع حملها بعد الطلاق، أو الموت، ولو بفواق ناقة، كما هو نص هذه الاية الكريمة، وكما وردت به السنة النبوية الشريفة.\nوقد روي عن علي، وابن عباس﵃أنها تعتد بأبعد الأجلين من الوضع والأشهر، عملا بهذه الاية، والتي في سورة (البقرة) رقم [٢٣٤]: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ﴾","vol":"9","page":767},{"text":"﴿أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. روى البخاري عن أبي سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس، فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ..﴾. إلخ قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، يعني: أبا سلمة، فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أمّ سلمة يسألها، فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية، وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله ﷺ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها. هكذا أورد البخاري هذا الحديث مختصرا، وقد رواه مسلم وأصحاب السنن مطولا من وجوه. انتهى. مختصر ابن كثير، وهو فحوى ما نقله من الخازن.\nوروى ابن جرير عن علقمة بن قيس: أن عبد الله بن مسعود﵁قال: من شاء لاعنته، ما نزلت: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ..﴾. إلخ إلا بعد آية المتوفّى عنها زوجها. قال: وإذا وضعت المتوفّى عنها زوجها، فقد حلت، يريد بآية المتوفّى عنها قول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا﴾. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ:﴾ في اجتناب معاصيه، وامتثال أوامره. ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ أي:\nيسهل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجا قريبا، ومخرجا عاجلا. وانظر الاية السابقة. هذا؛ و(اللائي) جمع: «التي». كما تجمع على اللاتي. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤]:\n ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ..﴾. إلخ كما تجمع على اللواتي، ولم يوجد هذا الجمع في القرآن، كما تجمع على «ذوات». قال ابن مالك﵀في ألفيته: [الرجز] باللاّت واللاّء التي قد جمعا... واللاء كالذين نزرا وقعا\nوكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات\nهذا؛ و﴿الْمَحِيضِ﴾ هنا مصدر ميمي أطلق على دم الحيض، كما يعتبر اسم مكان، أو اسم زمان، وهو ما رأيته في قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ..﴾. إلخ رقم [٢٢٢] من سورة (البقرة) أما: ﴿وَأُولاتُ﴾ فهو بمعنى: صاحبات، ومفرده: ذات من غير لفظه، وهو ملحق بجمع المؤنث السالم في إعرابه.\nالإعراب: ﴿وَاللاّئِي:﴾ (الواو): حرف استئناف. (اللائي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَئِسْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، والنون فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْمَحِيضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنْ نِسائِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نون النسوة، و﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم، ﴿اِرْتَبْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية، لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعِدَّتُهُنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب","vol":"9","page":768},{"text":"الشرط. (عدتهن): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿ثَلاثَةُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿أَشْهُرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها. والجملة الشرطية في محل رفع خبر المبتدأ؛ الذي هو (اللائي). هذا؛ وجوز الشهاب اعتبار الجملة الاسمية:\n ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (اللائي)، واعتبار جواب الشرط محذوفا، التقدير: فاعلموا: أنها ثلاثة أشهر، واعتبار الجملة الشرطية معترضة بين المبتدأ، وخبره، وهو تكلف لا داعي له. وعلى اعتباره تكون الفاء قد زيدت في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط، والجملة الاسمية (اللائي...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللاّئِي:﴾ (الواو):\nحرف عطف. (اللائي): مبتدأ. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَحِضْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والنون فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وخبره محذوف، قدره ابن هشام بقوله: واللائي لم يحضن كذلك. وضعف قول الفارسي، ومن وافقه في تقدير: واللائي لم يحضن؛ فعدتهن ثلاثة أشهر. هذا؛ وأجيز اعتبار:\n (اللائي لم يحضن) معطوفا على: (اللائي يئسن) عطف مفرد على مفرد، وأخبر عن الجميع بقوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ..﴾. إلخ. وهو غير مسلم أيضا، والجملة الاسمية: (اللائي لم يحضن...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَأُولاتُ:﴾ (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (أولات): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْأَحْمالِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَجَلُهُنَّ:﴾ مبتدأ ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿إِنِ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَضَعْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون في محل نصب ب: ﴿إِنِ﴾ ونون النسوة فاعله. ﴿حَمْلَهُنَّ:﴾ مفعول به، و﴿أَنْ يَضَعْنَ:﴾\nفي تأويل مصدر في محل خبر ﴿أَجَلُهُنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (أولات)، وأجيز اعتبار (أجلهن) بدلا من (أولات) فيكون المصدر المؤول خبرا مفردا ل: (أولات).\nوالجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو... ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ..﴾. إلخ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الاية رقم [٢]. ﴿مِنْ أَمْرِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿يُسْرًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والهاء في محل جر بالإضافة.\n\n<span id=\"aya-5222\"></span>﴿ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي: الذي ذكر من الأحكام في هذه السورة أمر الله أنزله، وبينه لكم؛ لتعملوا به، وتقفوا عند حدوده. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ:﴾ يعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه. ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ:﴾ يغفرها له، ويمحوها؛ كأنها لم تكن موجودة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ﴾","vol":"9","page":769},{"text":"﴿السَّيِّئاتِ،﴾ وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان) كيف يكون تبديل السيئات حسنات. ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ أي: يضاعف له ثوابه أضعافا كثيرة كرما منه، وفضلا، والله ذو الفضل العظيم.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَمْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْزَلَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من أمر الله، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها، والعامل اسم الإشارة مثل قوله تعالى: ﴿هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ..﴾.\nإلخ إعراب هذه الجملة مثل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ..﴾. إلخ بلا فارق بينهما.\n\n<span id=\"aya-5223\"></span>﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)﴾\nالشرح: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ يعني: مطلقات نسائكم. ﴿حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ أي: من سعتكم، وطاقتكم، فإن كان موسرا؛ يوسع عليها في المسكن، والنفقة، وإن كان فقيرا؛ فعلى قدر الطاقة؛ إذ الوجد: الوسع، والطاقة، ويقرأ بتثليث الواو، والمشهور الضم. ﴿وَلا تُضآرُّوهُنَّ﴾ أي:\nلا تستعملوا معهن الضرار بأن تؤذوهن في الكلام. وعن أبي الضحى: هو أن يطلقها، فإذا بقي يومان من عدتها؛ راجعها، ثم طلقها. أقول: قد نهى الله عن ذلك بقوله في سورة (البقرة) رقم [٢٣٠]: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ والاعتداء كان بالإلجاء إلى الافتداء، والتطليق، وهو فحوى: ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. وقال مجاهد: التضييق في المسكن. وقال مقاتل: هو في النفقة.\n ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ أي: صاحبات حمل بمعنى: حوامل. ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ:﴾ هذا بيان من الله ﷿ أن نفقة الحامل لا تسقط عن المطلق؛ حتى تضع الحامل حملها. ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ يعني: أولادكم. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ:﴾ يعني على إرضاعهن، وفيه دليل على أن اللبن؛ وإن كان قد خلق لمكان الولد؛ فهو ملك للأم، وإلا لم يكن لها أن تأخذ عليه أجرا، وفيه دليل على أن حق الرضاع، والنفقة على الأزواج في حق الأولاد، وهو صريح قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣٢]: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\n ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: وليقبل بعضكم من بعض ما أمره الله به من المعروف الجميل، والجميل منها: إرضاع الولد من غير أجرة، والجميل منه: توفير الأجرة لها للإرضاع. وقيل:","vol":"9","page":770},{"text":"المعنى: تشاوروا على التراضي في الأجرة. والمعروف هنا ألاّ يقصر الرجل في حق المرأة؛ التي ترضع له ولده، ولا تقصر المرأة في حق الولد، ورضاعه وهو صريح قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣٢]: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾\n ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أي: في حق الولد، وأجرة الرضاع، فأبى الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها، وأبت الأم أن ترضعه، فليس له إكراهها على إرضاعه، بل يستأجر للصبي مرضعا غير أمه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ فيه معاتبة للأم على المعاسرة، فهو كقولك لمن تستقضيه حاجة، فتتعذر منه: سيقضيها غيرك؛ أي سيقضيها؛ وأنت ملوم.\nهذا؛ و(حمل) بفتح الحاء، وسكون الميم. قال ابن السكيت: الحمل (بالفتح) ما كان في بطن، أو على رأس شجرة، والحمل (بالكسر) ما كان على ظهر، أو رأس. قال الأزهري: وهذا هو الصواب، وهو قول الأصمعي، وقال القرطبي: وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسرة.\nوقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل المرأة: حمل، وحمل، يشبه مرة لاستبطانه بحمل النخلة، ومرة لبروزه، وظهوره بحمل الدابة.\nفصل في حكم الاية: اعلم أن المعتدة الرجعية تستحق على الزوج النفقة، والسكنى ما دامت في العدة، ونعني بالسكنى مؤونة السكنى، فإن كانت الدار التي طلقها الزوج فيها ملك الزوج يجب عليه أن يخرج منها، ويترك الدار لها مدة عدتها، وإن كانت بإجارة فعلى الزوج الأجرة، وإن كانت عارية، فرجع المعير، فعليه أن يكتري لها دارا تسكنها. وأما المعتدة البائنة بالخلع، أو بالطلاق الثلاث، أو باللعان، فلها السكنى حاملا كانت، أو غير حامل عند أكثر أهل العلم. وروي عن ابن عباس﵂أنه قال: السكنى لها أن تكون حاملا. وهو قول الحسن، والشعبي. واختلفوا في نفقتها، فذهب قوم إلى أنه لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا.\nيروى ذلك عن ابن عباس﵄وهو قول الحسن، والشعبي، وبه قال الشافعي وأحمد.\nومنهم من أوجبها بكل حال، يروى ذلك عن ابن مسعود﵁-. وهو قول إبراهيم النخعي، وبه قال الثوري، وأصحاب الرأي. وظاهر القرآن يدل على أنها لا تستحق النفقة إلا أن تكون حاملا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\nوأما الدليل على ذلك من السنة، فما روي عن فاطمة بنت قيس﵂-: أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة؛ وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال لها: «ليس لك عليه نفقة»، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي، فاعتدّي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك عنده، فإذا حللت؛ فآذنيني». قالت: فلما حللت؛","vol":"9","page":771},{"text":"ذكرت له: أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ: «أما أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية؛ فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد». فكرهته، ثم قال: «انكحي أسامة بن زيد». فنكحته، فجعل الله فيه خيرا، واغتبطت به. أخرجه مسلم.\nواحتج بهذا الحديث من لم يجعل لها سكنى، وقال: إن النبي ﷺ أمرها أن تعتد في بيت عمرو بن أم مكتوم، ولا حجة له فيه؛ لما روي عن عائشة﵂أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وحش مخيف على ناحيتها. وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها، وكان في لسانها ذرابة.\nوأما المعتدة عن وطء الشبهة، والمفسوخ نكاحها بعيب، أو خيار عتق؛ فلا سكنى لها، ولا نفقة؛ وإن كانت حاملا. وأما المعتدة عن وفاة الزوج؛ فلا نفقة لها عند أكثر أهل العلم. وروي عن علي﵁-: أن لها النفقة إن كانت حاملا من التركة؛ حتى تضع. وهو قول شريح، والشعبي، والنخعي، والثوري. واختلفوا في سكناها، وللشافعي فيه قولان: أحدهما:\nأنه لا سكنى لها، بل تعتد حيث تشاء. وهو قول علي، وابن عباس، وعائشة، وبه قال عطاء، والحسن، وهو قول أبي حنيفة. والثاني: أن لها السكنى، وهو قول عمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر﵃وبه قال مالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، واحتج من أوجب لها السكنى بما روي عن الفريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري -﵁-: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ، وسألته أن ترجع إلى أهلها في بني خدر، فإن زوجها في طلب أعبد له أبقوا؛ حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم، فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة. قالت: قال رسول الله ﷺ: «نعم». قالت: فانصرفت؛ حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله ﷺ، أو أمر بي، فنوديت، فقال: «كيف قلت؟». فرددت عليه القصة؛ التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله». قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر، وعشرا. قالت: فلما كان عثمان﵁أرسل إليّ، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه، وقضى به. أخرجه أبو داود، والترمذي.\nفمن قال بهذا القول قال: إذنه لفريعة أولا بالرجوع إلى أهلها؛ صار منسوخا بقوله آخرا:\n «امكثي في بيتك؛ حتى يبلغ الكتاب أجله». ومن لم يوجب السكنى. قال: أمرها بالمكث في بيتها آخرا، استحبابا، لا وجوبا. انتهى. خازن بحروفه.\nالإعراب: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على الإناث، لا محل له. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر ب: ﴿مِنْ﴾. ﴿سَكَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية","vol":"9","page":772},{"text":"في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ:﴾ بدل من قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ﴾. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: عطف بيان. ورده ابن هشام بقوله: وإنما يريد البدل؛ لأن الخافض لا يعاد إلا معه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. وقيل: الجملة مفسرة لما شرط من التقوى. ولا وجه له. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا تضاروهن):\nمضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِتُضَيِّقُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والمفعول محذوف، تقديره: المساكن، أو النفقة.\n ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كُنَّ:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، ونون النسوة اسمه. ﴿أُولاتِ:﴾\nخبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، و﴿أُولاتِ﴾ مضاف، و﴿حَمْلٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَأَنْفِقُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (أنفقوا):\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر، بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَضَعْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون في محل نصب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ ونون النسوة فاعله، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: «حتى»، والجار ومجرور متعلقان بالفعل: أنفقوا. ﴿حَمْلَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ ولا يخفى عليك إعراب ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فإنه مثل سابقه بلا فارق.\n ﴿وَأْتَمِرُوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (ائتمروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿بِمَعْرُوفٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ،﴾ ﴿وَإِنْ كُنَّ..﴾. إلخ بلا فارق، والمتعلق محذوف. انظر الشرح. ﴿فَسَتُرْضِعُ:﴾ (الفاء):","vol":"9","page":773},{"text":"واقعة في جواب الشرط. (السين): حرف استقبال. (ترضع): فعل مضارع. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أُخْرى:﴾ فاعل (ترضع) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-5224\"></span>﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾\nالشرح: معنى الاية لينفق الزوج على زوجته، وعلى ولده الصغير على قدر وسعه؛ حتى يوسع عليهما؛ إذا كان موسعا عليه، ومن كان فقيرا؛ فعلى قدر ذلك، فتقدر النفقة بحسب الحالة من المنفق، والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة، فينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفق عليه، ثم ينظر إلى حالة المنفق، فإن احتملت الحالة؛ أمضاها عليه، فإن اقتصرت حالته على حاجة المنفق عليه؛ ردها إلى قدر احتماله.\nوقال الإمام الشافعي﵁وأصحابه: النفقة مقدرة محددة، ولا اجتهاد لحاكم، ولا لمفت فيها، وتقديرها ما هو بحال الزوج وحده من يسره، وعسره، ولا يعتبر بحالها، وكفايتها. قالوا: يجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس، فإن كان الزوج موسرا؛ لزمه مدّان، وإن كان متوسطا فمدّ ونصف، وإن كان معسرا؛ فمدّ، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر، والعسر دونها، ولأن الاعتبار بكفايتها لا سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره، فيؤدي إلى الخصومة؛ لأن الزوج يدعي أنها تلتمس فوق كفايتها، وهي تزعم: أن الذي تطلبه قدر كفايتها، فجعلناها مقدرة قطعا للخصومة. والأصل في هذا عندهم قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣٦]:\n ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.\nأقول: ولا بد للمدّ، وللمدين ما يلزم لهما من طحن، وإدام. وهذا يختلف باختلاف المكان، والزمان، وإلا فما تصنع بالمد والمدين في هذا الأيام، لذا فالأخذ بقوله تعالى في آية (البقرة) رقم [٢٣٣]: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أولى، وأحق في هذه الأيام، وذلك يقتضي تعلق المعروف في حقهما؛ لأنه لم يخص في ذلك واحدا منهما، وليس من المعروف أن تكون كفاية الغنية مثل نفقة الفقيرة، وقد قال الرسول ﷺ لهند: «خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف». فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبي سفيان الواجب عليه بطلبها، ولم يقل لها: لا اعتبار بكفايتك، وأن الواجب لك شيء مقدر، بل ردها إلى ما يعلمه من قدر كفايتها، ولم يعلقه بمقدار معلوم، ثم ما ذكروه من التحديد يحتاج إلى توقيف، والاية لا تقتضيه. انتهى. قرطبي بتصرف.","vol":"9","page":774},{"text":"خاتمة: هذه الاية أصل في وجوب النفقة على الرجل للمرأة، وعلى الوالد للولد دون الأم، وتجب للولد على الأم عند فقد الأب، أو فقره. وفي البخاري عن النبي ﷺ: «تقول لك المرأة:\nأنفق عليّ وإلا طلّقني، ويقول لك العبد: أنفق عليّ واستعملني، ويقول لك الولد: أنفق عليّ إلى من تكلني». فقد تعاضد القرآن والسنة، وتواردا في شرعة واحدة. انتهى. قرطبي.\n ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أي: سيجعل الله بعد الفقر الغنى، وبعد الضيق الفرج، وبعد الشدة الرخاء، والسعة. وفيه وعد من الغني الحميد، وبشارة من العزيز الحكيم للفقراء بفتح أبواب الرزق عليهم، كيف لا وقد قال تعالى في سورة (الشرح): ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وقد قال الرسول ﷺ: «لن يغلب عسر يسرين». لذا فالسين هنا تفيد تحقيق الوعد إن شاء الله تعالى، ولا تنس الطباق بين (عسر) و(يسر). هذا؛ وانظر شرح (نفق) في الاية رقم [٧] من سورة (المنافقون)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: قرأنا في كتب الفقه الشافعية: أن أجرة تداوي المرأة ليست على الزوج، وإنما هي عليها إن كان لها مال؛ وإذا لم يكن لها مال؛ فأجرة التداوي على أهلها، وهذا يتنافى مع الإنسانية، والمروءة، المرأة تكون قوية للزوج، وضعيفة، وسقيمة للأهل.\nالإعراب: ﴿لِيُنْفِقْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿ذُو:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو:﴾ مضاف، و﴿سَعَةٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقرئ بنصبه شاذا على اعتبار اللام للتعليل بعدها «أن» مضمرة، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: شرعنا ذلك؛ لإنفاق ذي سعة، وتبقى الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ سَعَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿قُدِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿عَلَيْهِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿رِزْقُهُ:﴾ نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَلْيُنْفِقْ:﴾ (الفاء):\nواقعة في جواب الشرط. ﴿لِيُنْفِقْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الاية رقم [١]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، وجملة: ﴿قُدِرَ..﴾. إلخ صلته، والجملة الفعلية: ﴿فَلْيُنْفِقْ﴾ في محل رفع خبره، وفيه: أن الجملة الخبرية إنشائية، وكثير من النحاة لا يجيز ذلك، وقد تكلمت عن ذلك مرارا. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿آتاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول","vol":"9","page":775},{"text":"به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف التقدير: من الذي، أو من شيء آتاه الله إياه.\n ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يُكَلِّفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿نَفْسًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِمّا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها. والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا الذي، أو شيئا آتاها إياه. ﴿سَيَجْعَلُ:﴾ (السين): حرف استقبال، (يجعل): فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿يُسْرًا،﴾ كان صفة له، و﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و﴿عُسْرٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿يُسْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5225\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: وكثير من أهل القرى. فهو على حذف مضاف. ففي ذلك مجاز مرسل، علاقته المحلية، من إطلاق المحل، وإرادة الحال. ﴿عَتَتْ:﴾ عصت، وطغت، وخرجت عن طاعة ربها، وطاعة رسله. ﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ أي: بالمناقشة، والاستقصاء.\nوقيل: حاسبها بعملها في الكفر، فجزاها النار. أو المعنى: فجازيناها على عصيانها، وطغيانها بأنواع العذاب. ﴿وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أي: منكرا فظيعا. وقيل: في الاية تقديم، وتأخير مجازها، فعذبناها في الدنيا بالجوع، والقحط، والسيف، وسائر أنواع البلاء، وحاسبناها في الاخرة حسابا شديدا، والتعبير في الماضي بدل المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه؛ لأن المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة. وقد نوهت عن ذلك كثيرا وكثيرا.\nهذا؛ و(كأيّن) أصلها: أيّ الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى: «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم، مثل: كم، وكذا، وفيها خمس لغات، كلها قرئ بها: إحداها: كأيّن، وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلا ابن كثير، والثانية: كائن بوزن: كاعن، وبها قرأ ابن كثير، وجماعة، وهي أكثر استعمالا من (كأيّن) وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشعر العربي، والثالثة: كئين بوزن: كريم، والرابعة: كيئن بياء ساكنة وهمزة مكسورة.\nوالخامسة: كأن بوزن: كفن. هذا؛ والجلال المحلي اعتبر (كأين) بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ-رحمه الله تعالى-سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضمّ إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه. انتهى. جمل في غير هذا الموضع.","vol":"9","page":776},{"text":"الإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (كأين): اسم كناية بمعنى: كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز السمين اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده وذلك في سورة (محمد ﷺ) رقم [١٣] ولا يتأتى هنا؛ لأن ﴿عَتَتْ﴾ لازم. لذا فالأحسن اعتباره فاعلا للفعل المذكور بعده. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.\n ﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز ل: (كأين) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿عَتَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والفاعل يعود إلى ﴿قَرْيَةٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجاز الزمخشري، وتبعه النسفي اعتبار الجملة صفة القرية، والخبر جملة: ﴿أَعَدَّ اللهُ..﴾. إلخ في الاية رقم [١٠] الاتية. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وعلى اعتبار (كأين) مفعولا به لفعل محذوف، فهي فعلية، وجملة: ﴿عَتَتْ﴾ تكون مفسرة لا محل لها. ﴿عَنْ أَمْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿أَمْرِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّها:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (رسله): معطوفة على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَحاسَبْناها:﴾ الفاء: حرف عطف. (حاسبناها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿عَتَتْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿حِسابًا:﴾ مفعول مطلق.\n ﴿شَدِيدًا:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها.\n\n<span id=\"aya-5226\"></span>﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩)﴾\nالشرح: المعنى: فذاقت عاقبة كفرها، وطغيانها، وتمردها على أوامر الله تعالى، ومخالفة أوامر رسلها. ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا﴾ أي: وكانت نتيجة بغيها الهلاك، والدمار، والخسران الذي ما بعده خسران. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿فَذاقَتْ﴾ استعارة. انظر الاية رقم [١٤] من سورة (الذاريات) وانظر ﴿وَبالَ أَمْرِهِمْ﴾ في سورة (الحشر) رقم [١٥].\nهذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره ونتيجته، ومصيره، وماله. ولم يؤنث الفعل (كان) لأن:\n ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهذا باب من أبواب النحو، انظر الشاهد رقم [٩٠١] وما بعده من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿فَذاقَتْ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (ذاقت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿قَرْيَةٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَبالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَمْرِها:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَكانَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (كان):\nفعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم (كان) وهو مضاف، و﴿أَمْرِها:﴾ مضاف إليه، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿خُسْرًا:﴾ خبر (كان) والجملة معطوفة على ما قبلها.","vol":"9","page":777},{"text":"<span id=\"aya-5227\"></span>﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾\nالشرح: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ..﴾. إلخ: قد كرر الله الوعيد في الجمل الأربع المتقدمة ﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ..﴾. إلخ للتوكيد.\nومعنى ﴿أَعَدَّ﴾ هيأ، وأحضر. وجمع الضمير في: ﴿لَهُمْ؛﴾ لأنه عائد على أهل قرية، والمراد -والله أعلم-أهالي قرى كثيرة.\n ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ...:﴾ خصهم الله بهذا الأمر؛ لأن أصحاب العقول السليمة، والقلوب الفاهمة هم الذين يستجيبون للأمر، وينتفعون بالموعظة، والنصيحة، ولذا أبدل منهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ليتحقق هذا المعنى منهم. ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا..﴾. أي: وحيا يتلى، وهو القرآن الحكيم. واختار بعض المفسرين: أن المراد بالذكر هو الرسول ﷺ، بدليل أنه أبدل منه قوله:\n (رسولا) وإليه ذهب الطبري، وأبو السعود. واختار الأول ابن عطية، وصاحب البحر المحيط.\nوقال الكلبي: المراد بالرسول: جبريل ﵇، فيكونان جميعا منزلين. وقيل: الذكر هنا:\nالشرف، نحو قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [١٠]: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ...،﴾ وقوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٤٤]: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ..﴾. انظر شرح الايتين في محلهما؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ و(أولو) بمعنى: أصحاب، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و«ذا» المضاف إن كان منصوبا، و«ذي» المضاف إن كان مجرورا، و﴿الْأَلْبابِ﴾ العقول، أو القلوب واحده: لبّ، وهو: العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك لأحد وجهين: إما لبنائه من: لبّ بالمكان: أقام به، وإما من اللّباب، وهو الخالص من كل شيء. هذا؛ والملاحظ: أنه لم يرد في القرآن الكريم منه صيغة المفرد، وإنما يستعمل مرادفها مكانها، وهو العقل، أو القلب، وذلك في نحو قوله تعالى في سورة (ق) رقم [٣٧]: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وذلك؛ لأن لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه إلا من اللام الشديدة المسترخية، فلما لم تحسن اللفظة أسقطها من نظمه ألبتة.\nوقد جمع على: «ألب» كما جمع: «بؤس» على: «أبؤس». انتهى. علوم القرآن للصابوني.\nالإعراب: ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: مفسرة لما تقدم من الوعيد. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به. ﴿شَدِيدًا:﴾\nصفة له. ﴿فَاتَّقُوا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة","vol":"9","page":778},{"text":"الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا لا محالة؛ فاتقوا الله. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أولي): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و(أولي) مضاف، و﴿الْأَلْبابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من (أولي الألباب)، أو صفة له، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَنْزَلَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿ذِكْرًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (أولي الألباب) والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال أداة النداء لما فيها من معنى الفعل.\n\n<span id=\"aya-5228\"></span>﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿رَسُولًا يَتْلُوا..﴾. إلخ: أي: وأرسل إليكم رسولا، وهو محمد ﷺ يقرأ عليكم آيات الله واضحات الدلالة، جليات البيان، تبين الحلال والحرام، وما تحتاجون إليه من الأحكام.\n ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ: أي: ليخرج المؤمنين الصادقين المتقين من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى، ومن ظلمات الكفر، والجهل إلى نور الإيمان، والعلم. قال ابن عباس -﵄-: نزلت في مؤمني أهل الكتاب. وأضاف الإخراج إلى الرسول ﷺ؛ لأن الإيمان يحصل منه بطاعته، وامتثال أمره، والاهتداء بهديه، والأخذ بتعاليمه. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ:﴾\nيصدق به، ويعترف بواحدانيته. ﴿وَيَعْمَلْ صالِحًا:﴾ ويعمل عملا صالحا بامتثال أمره، واجتناب نهيه. ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: يدخله في الاخرة جنات النعيم، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة على اختلاف أنواعها، وتنوع مياهها؛ التي رأيتها في سورة (محمد ﷺ) رقم [١٥]. وقد ذكرت لك مرارا: أن لفظ ﴿الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ مستعاران للكفر والإيمان.\n ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ أي: ماكثين في تلك الجنان أبدا، لا يخرجون منها، ولا يموتون، ولا يهرمون. روى مسلم عن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «أهل الجنّة يأكلون، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون، ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس، طعامهم جشاء، ورشحهم المسك».\n ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا﴾ أي: قد طيب رزقهم في الجنة، ووسعه لهم؛ لأن نعيمها دائم، لا ينقطع. قال الطبري، وغيره: أي: وسع لهم في الجنات الرزق، وهو ما رزقهم من المطاعم والمشارب، وسائر ما أعد لأوليائه فيها، فطيبه لهم. انتهى. وفي الاية معنى التعجب، والتعظيم","vol":"9","page":779},{"text":"لما رزق الله المؤمن من الثواب، والنعيم المقيم. هذا؛ وقد قال تعالى في جزاء المؤمنين الصادقين في سورة (الأنفال) رقم [٤]: ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وقال في سورة (الحج) رقم [٥٠]: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ومعنى (كريم): لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كد الاكتساب، وخوف الحساب، لا منة فيه، ولا عذاب.\nهذا؛ وانظر شرح (الظلمات والنور) والاستعارة فيهما في الاية رقم [٩] من سورة (الحديد).\nفي الاية الكريمة التفات من الخطاب في: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ إلى الغيبة بقوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ وفيها مراعاة لفظ: (من) بفاعل ﴿يُؤْمِنْ﴾ وفاعل (يعمل)، ومراعاة معناها بقوله: ﴿خالِدِينَ﴾ ثم مراعاة لفظها بقوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا﴾. ففي هذه الاية مراعاة اللفظ أولا، ثم المعنى ثانيا، ثم اللفظ ثالثا.\nالإعراب: ﴿رَسُولًا:﴾ قال أبو البقاء في نصبه أوجه: أحدها: أن ينتصب ب: ﴿ذِكْرًا﴾ أي:\nأنزل إليكم أن ذكر رسولا (أي: إن المصدر عمل لما أمكن حله أن المصدرية، والفعل ذكر).\nوالثاني: أن يكون بدلا من (ذكرا) ويكون الرسول بمعنى الرسالة، وجملة: ﴿يَتْلُوا﴾ على هذا يجوز أن تكون نعتا، وأن تكون حالا من اسم الله تعالى. والثالث: أن يكون التقدير: ذكرا شرف رسول. أو ذكرا ذكر رسول. ويكون المراد بالذكر: الشرف، وقد أقام المضاف إليه مقام المضاف. والرابع: أن ينتصب بفعل محذوف؛ أي: وأرسل رسولا. انتهى. بتصرف. ولمكي أقوال تشبه أوجه أبي البقاء، ونقل الجمل عن السمين تسعة أوجه، وصفوة القول: أن فيه وجهين معتمدين: أولهما: أن رسولا مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وأرسل رسولا، أو وبعث رسولا، وهذا على اعتبار الرسول غير الذكر، وثانيهما: أن رسولا بدل من (ذكرا) على حذف مضاف، أو على بعض التفاسير؛ التي رأيتها.\n ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولًا،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿رَسُولًا،﴾ أو في محل نصب حال من اسم الله تعالى، والرابط: الضمير على الاعتبارين، والمعتمد الأول. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُبَيِّناتٍ:﴾ صفة ﴿آياتِ،﴾ أو حال منها على اعتبار الإضافة أفادت تخصيصا، وهما منصوبان، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان. ﴿لِيُخْرِجَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولًا،﴾ و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَتْلُوا﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل (يخرج).","vol":"9","page":780},{"text":"﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿صالِحًا:﴾ صفة لمفعول به، أو لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ويعمل عملا صالحا.\n ﴿يُدْخِلْهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول.\n ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ، وجملة: ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ:﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو: (من) مختلف فيه، كما رأيت في الأولى رقم [١].\n ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من فاعل (يعمل)، أو من الضمير المنصوب، وفاعله مستتر فيه، وانظر الشرح. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا، وفيه معنى التوكيد للخلود في الجنات.\n ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَحْسَنَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهِ:﴾ فاعله.\n ﴿اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رِزْقًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ أَحْسَنَ..﴾.\nإلخ في محل نصب حال ثانية من فاعل (يعمل)، أو من الضمير المنصوب، أو هي حال من الضمير المستتر ب: ﴿خالِدِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة.\n\n<span id=\"aya-5229\"></span>﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ:﴾ فهو إخبار عن قدرته التامة، وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من الدين القويم. قال تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا،﴾ ومثله في سورة (الملك) رقم [٣]. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: سبعا أيضا، كما ثبت في الصحيحين: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين». روته عائشة﵂عن النبي ﷺ. وعن أبي هريرة﵁قال: قال النبي ﷺ: «من أخذ من الأرض شبرا بغير حقّه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين». رواه البخاري، وغيره. وكذا في الحديث الاخر: «ما السموات السبع وما فيهنّ وما بينهنّ، والأرضوان السبع، وما فيهنّ، وما بينهنّ في الكرسيّ إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة». وقال ابن جرير عن ابن عباس﵄في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ﴾","vol":"9","page":781},{"text":"﴿مِثْلَهُنَّ﴾ قال: لو حدثتكم بتفسيرها؛ لكفرتم، وكفركم: تكذيبكم بها. رواه ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس﵄-. انتهى. مختصر ابن كثير بتصرف. وفيه: في سورة (الحديد) ما يلي:\nوروى الترمذي عن أبي هريرة﵁قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله ﷺ: «هل تدرون ما هذا؟». قالوا: الله ورسوله أعلم! قال:\n «هذا العنان، هذه روايا الأرض، يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه، ولا يدعونه». ثم قال: «هل تدرون ما فوقكم؟». قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: «فإنها الرقيع سقف محفوظ، وموج مكفوف». ثم قال: «هل تدرون كم بينكم وبينها؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «بينكم وبينها خمسمئة سنة». ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: «فإن فوق ذلك سماءين بعد ما بينهما مسيرة خمسمئة سنة». حتى عد سبع سموات، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض. ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: «فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السّماء مثل ما بين السماءين ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنها الأرض».\nثم قال: «هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن تحتها أرضا أخرى بينهما مسيرة خمسمئة سنة». حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمئة سنة، ثم قال: «والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم حبلا إلى الأرض السفلى لهبط على الله».\nثم قرأ قوله تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ». وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه. انتهى كلامه. وانظر سورة (الملك) رقم [٣].\nأقول: الأبحاث العلمية في الفضاء في هذا الزمن لم تتعدّ العنان المذكور في أول هذا الحديث، والأبحاث العلمية ممنوعة بقدرة الله من اختراق، وتجاوز السماء الأولى، ودليلنا بحمد الله وتوفيقه منع الشياطين من استراق السمع، كما رأيت في سورة (الصافات) رقم [٦] وتراه إن شاء الله تعالى في سورة (الملك) رقم [٥].\nتنبيه: قيل: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الاية. وقيل: إن الأرض واحدة، وإن المماثلة ليست في العدد، وإنما هي في الخلق، والإبداع؛ أي: مثلهن في الإبداع والإحكام، والأول أظهر، وأسلم، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ:﴾ المراد به: الوحي ينزل من عند الله إلى خلقه من السماء العليا إلى الأرض السفلى. وقيل: هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره، ينزل المطر، ويخرج النبات،","vol":"9","page":782},{"text":"ويأتي بالليل والنهار، وبالصيف والشتاء، ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاته، وينقله من حال إلى حال، فيحكم بحياة بعض، وموت بعض، وسلامة هذا، وهلاك ذاك. وقيل: في كل سماء من سمواته، وأرض من أرضيه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. انتهى.\nخازن.\n ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لتعلموا، وتوقنوا: أن من قدر على هذا الملك العظيم؛ فهو على ما بينهما من خلقه أقدر، ومن العفو والانتقام أمكن، وإن استوى كل ذلك في مقدوره، ومكنته. ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: إنه ﷾ عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية في السموات السبع، والأرضين السبع، وإنه جلت قدرته، وتعالت حكمته قادر على الإنشاء بعد الإفناء، وكل الكائنات تحت قدرته، وسلطانه لا تخرج عن علمه وإرادته. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nخاتمة: لفظ الأرض لم يرد في القرآن الكريم إلا مفردا، ولم يرد فيه صيغة الجمع (أرضين) ولما احتيج إلى جمعها أخرجها العليم الحكيم على هذه الصورة التي ذهبت بسر الفصاحة والبلاغة، وذهب بها حتى خرجت من الروعة بحيث يسجد لها كل فكر سجدة طويلة. وذلك في قوله جلت قدرته، وتعالت حكمته: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ..﴾. إلخ، ولم يقل: سبع أرضين؛ لأنه يختل بها النظم، وتذهب روعة الفصاحة والبلاغة. انتهى. علوم القرآن للصابوني بتصرف كبير مني.\nالإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الذي) وهو العائد.\nوالجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿سَماواتٍ:﴾\nمضاف إليه. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، تقديره: وخلق من الأرض. ﴿مِثْلَهُنَّ:﴾\nمفعول به للفعل المحذوف، وعليه فالعطف من عطف الجمل، وإن اعتبرت ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ معطوفا على ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عطف مفرد على مفرد، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ تقدم عليه. هذا؛ وقرئ برفع «(مثلهن)» على أنه مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿يَتَنَزَّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأَمْرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، وقال أبو البقاء:\nويجوز أن تكون نعتا، وأقول: يجوز أيضا أن تكون حالا مما قبلها؛ لأن الإضافة فيها نوع تخصيص. ﴿بَيْنَهُنَّ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿لِتَعْلَمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع","vol":"9","page":783},{"text":"في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خَلَقَ﴾. وقيل: متعلقان ب: ﴿يَتَنَزَّلُ،﴾ وقال الجلال: متعلقان بمحذوف؛ أي: أعلمكم بذلك الخلق، والتنزيل؛ لتعلموا... إلخ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بقدير بعدهما، و(كل): مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: (تعلموا). ﴿وَأَنَّ:﴾ (الواو):\nحرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَحاطَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والمصدر المؤول معطوف على ما قبله. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عِلْمًا:﴾ قال القرطبي: منصوب على المصدر المؤكد؛ لأن أحاط بمعنى: علم، فهو يعني: أنه مفعول مطلق مرادف للمصدر من: ﴿أَحاطَ﴾. وقال الجمل: تمييز محول عن الفاعل. وهو أولى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الطلاق) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"9","page":784},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4599>سورة التّحريم</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (التحريم) مدنية في قول الجميع، وتسمى سورة (النّبيّ) وهي اثنتا عشرة آية، ومئتان وسبع وأربعون كلمة، وألف وستون حرفا. انتهى خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5230\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾\nالشرح: اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة، فقد روي: أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله ﷺ في زيارة أبويها، فأذن لها، فلما خرجت أرسل إلى جاريته مارية القبطية، فعاشرها في بيت حفصة﵂فرجعت فوجدتها في بيتها، فغارت غيرة شديدة، وقالت: أدخلتها بيتي في غيابي، وعاشرتها على فراشي؟ ما أراك فعلت هذا إلا لهواني عليك! فقال لها رسول الله ﷺ مسترضيا لها: «إني حرمتها عليّ، ولا تخبري بذلك أحدا!». فلما خرج من عندها قرعت حفصة﵂الجدار الذي بينها وبين عائشة؛ وكانتا متصافيتين، وأخبرتها بسر النبي ﷺ، فغضب رسول الله، وحلف ألا يدخل على نسائه شهرا، واعتزلهنّ، وطلق حفصة﵂-.\nوروي: أن رسول الله ﷺ كان يدخل على زوجه زينب﵂فيشرب عندها عسلا، فاتفقت عائشة، وحفصة﵄على أن تقول له كل واحدة إذا دنا منها:\nأكلت مغافير، وهو طعام حلو كريه الريح، فلما مر على حفصة؛ قالت له ذلك، ثم دخل على عائشة، فقالت له مثل ذلك، وكان ﷺ يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فقال ﷺ: «لا ولكني شربت عسلا عند زينب، ولن أعود». وحلف، فنزلت الآيات.\nهذا والرواية الأولى عند المفسرين أشهر في سبب النزول، وهي: أن الرسول ﷺ حرم عليه مارية القبطية. وقد أخرجها الدارقطني عن ابن عباس﵄-. والرواية الثانية ذكرت في الصحيحين بأوسع من هذا، وهي أصح إسنادا من الأولى، ولكن كونها سببا للنزول مستبعد، والذي يرجح الرواية الأولى أمور:","vol":"10","page":5},{"text":"الأول: أن تحريم بعض إمائه ﷺ مما يبتغي به مرضاة بعض الزوجات، لا شرب العسل، أو عدمه.\nالثاني: أن الاهتمام بإنزال سورة فيها الوعيد، والتهديد لأزواج الرسول ﷺ بالطلاق، واستبدالهن بنساء خير منهن، وأن الله، وملائكته، وصالح المؤمنين عون لرسول الله ﷺ يدل على وجود تنافس بينهن، وغيرة بعضهن من بعض مما أدى إلى إيذاء رسول الله ﷺ فعلا؛ حتى حرم بعض جواريه إرضاء لهن، واستكتم البعض منهن، فأفشين السر. وهذا يرجح ما ذكرناه. وقد قال العلامة ابن كثير: وكون قضية شرب العسل سببا للنزول فيه نظر، والله أعلم. انتهى. مختصر ابن كثير.\nوأقول: إن رواية شرب العسل فيها اضطراب كثير، ففي رواية: أن التي شرب عندها العسل، هي زينب، وهي المشهورة، وفي رواية شرب عند حفصة. وفي رواية زينب: أن المتآمرتين عائشة، وحفصة، وفي رواية حفصة: أن المتآمرتين سودة، وأم سلمة، كما قيل: إن التي شرب عندها العسل سودة، ورواية أخرى: إنها أم سلمة، فهذا الاضطراب يضعف رواية شرب العسل، بينما تحريم مارية لا يوجد فيه هذا الاضطراب، والله أعلم.\nهذا؛ ووقوع ﴿ما﴾ على العسل لا ريب فيه، ولا خفاء، وأما وقوعها على مارية القبطية -﵂-؛ لأنها أمة تباع، وتشترى، فهي بمنزلة ما لا يعقل، وقد كثر قوله تعالى في الآيات: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ كما وقعت على الحرائر في قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ؛﴾ لأنهن ناقصات عقل، ولأن الزواج منهن، ودفع المهر بمنزلة الثمن لهن، والدليل على ذلك جعل عقدة الزواج بيد الرجل، والقوامة له عليها.\n ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ الخطاب بلفظ النبوة مشعر بالتوقير، والتعظيم، والتنويه بمقامه الرفيع الشريف، فلم يخاطبه باسمه العلم كما خاطب سائر الرسل بقوله: (يا إبراهيم، يا نوح، يا لوط...) إلخ وإنما خاطبه بلفظ النبوة، أو الرسالة، وذلك أعظم دليل، وأكبر برهان على أنه ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين. ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ:﴾ الاستفهام فيه تنبيه وعتاب من الله لرسوله ﷺ على أن ما صدر منه لم يكن على ما ينبغي، والمراد بالتحريم هنا: الامتناع من شرب العسل، أو من الاستمتاع بمارية، وهو الأولى كما قدمت، لا اعتقاد: أنها حرام بعد ما أحلها الله له: فإن هذا الاعتقاد لا يصدر منه ﷺ؛ لأنه كفر. انتهى جمل نقلا عن الخطيب. كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٨٧]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾. انظر ما يتعلق بلفظ «التحريم» في سورة (القصص) رقم [١٢] فإنه جيد جدا بحمد الله تعالى، ولم أعده هنا بغية الاختصار.\n ﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ﴾ أي: تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحل الله لك، والمراد: تحريمه مارية﵂ابتغاء رضا حفصة، وهذا يقوي: أنها نزلت في تحريم مارية، وأما","vol":"10","page":6},{"text":"تحريم العسل، فلم يقصد منه رضا أزواجه، وإنما تركه لكراهة رائحته، انظر سبب النزول المتقدم ففيه توضيح، وتفصيل للقصة.\n ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: والله واسع المغفرة، عظيم الرحمة، حيث سامحك في امتناعك عن مارية﵂وإنما عاتبك رحمة بك، ونبهك لطفا منه، وفي هذا إشارة إلى أن عتابه في ذلك إنما كان كرامة له، وإنما وقع العتاب لتضييقه ﵇ على نفسه، وامتناعه عما كان له فيه أنس ومتعة، وبئس ما قال الزمخشري في كشافه بأن هذا كان منه ﷺ زلة؛ لأنه حرم ما أحل الله له، فإن هذا القول قلة أدب مع مقام النبوة والرسالة، وجهل بصفات المعصوم، فلم يكن منه ﷺ تحريم للحلال كما زعم حتى تعتبر مخالفة، ومعصية، وإنما امتنع عن بعض إمائه تطييبا لخاطر بعض أزواجه، فعاتبه الله تعالى عليه رفقا به، وتنويها بقدره، وإجلالا لمنصبه الرفيع أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جريا على ما ألف من لطف الله تعالى به. هذا؛ وقد شنّ صاحب الانتصاف على الكشاف ابن المنير الإسكندري المالكي الغارة على الزمخشري، وشنع عليه، وهو محق في ذلك؛ لأن من نظر إلى لطف العقاب عرف حقيقة الأمر، والصواب. ومما يؤسف له أن البيضاوي والنسفي قد قالا بقول الزمخشري. انتهى صفوة التفاسير، وانظر شرح: ﴿لِمَ﴾ في سورة (الصف) رقم [٢].\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بيا، (وها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النَّبِيُّ:﴾ بعضهم يعرب هذا وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، أو عطف بيان، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد: «أي» واسم الإشارة إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني: (أي) منصوب محلا، فكذا التابع، أعني:\n ﴿النَّبِيُّ﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبّان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو: يدعى. وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع. وقيل:\nإن رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى بأل، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه توصلوا إلى ندائه ب: «أي» مع قرنها بحرف التنبيه. ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له، والإعراب السائد الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ. انتهى. جرجاوي.","vol":"10","page":7},{"text":"هذا؛ والأخفش يعتبر (أيّ) في مثل هذه الآية موصولة، و﴿النَّبِيُّ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والجملة الاسمية صلة، وعائد، التقدير: «يا من هو النبيّ» على أنه قد حذف العائد حينئذ حذفا لازما، كما في قول امرئ القيس من معلقته، وهو رقم [١٣]:\nألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل\nوما قاله الأخفش ضعيف، لا يعتد به عند جمهرة النحاة، والبيت هو الشاهد رقم [٢٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب.\n ﴿لِمَ﴾ اللام: حرف جر. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، والسكون هو الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحَرِّمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَحَلَّ اللهُ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تحرم الذي، أو شيئا أحله الله. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿تَبْتَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل تحرم المستتر، والرابط الضمير فقط. ﴿مَرْضاتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف ﴿أَزْواجِكَ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5231\"></span>﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ..﴾. إلخ: خص النبي ﷺ بالخطاب العام؛ لأن النبي إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم: يا فلان! افعلوا كذا، إظهارا لتقدمه، واعتبارا لترؤسه، وأنه قدوة قومه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادا مسد جميعهم، ومعنى ﴿فَرَضَ:﴾ بين، وأوجب وشرع لكم تحليل أيمانكم، وهو ما ذكر في سورة (المائدة) قوله تعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾.\nهذا؛ وتحلة اليمين تحليلها بالكفارة، والأصل: تحللة، فنقلت حركة اللام الأولى إلى الحاء بعد سلب سكونها، فسكنت، ثم أدغمت اللام. ﴿وَاللهُ مَوْلاكُمْ:﴾ متولي أموركم، وناصركم على أعدائكم. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ:﴾ بما يصلحكم، فيشرعه لكم. ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما أحل، وفيما حرم.\nهذا؛ وقد اختلف: هل كفّر النبي ﷺ عن قوله: «هي عليّ حرام؟» فقد قال الحسن البصري ﵀: إن النبي ﷺ لم يكفّر؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وكفارة اليمين في","vol":"10","page":8},{"text":"هذه السورة إنما أمر الله بها الأمة. والأصح: أنه ﷺ كفّر، فقد قال زيد بن أسلم، ومقاتل: إن رسول الله ﷺ أعتق رقبة في تحريم مارية﵂-.\nبقي أن تعرف الحكم في لفظ التحريم بالنسبة لعامة الأمة، مثل أن يقول الرجل: أنت عليّ حرام، أو عليّ الحرام، فقد نقل القرطبي-رحمه الله تعالى-عن العلماء فيه ثمانية عشر قولا، والخازن قد اختصر الكلام في ذلك؛ حيث قال: اختلف العلماء في لفظ التحريم، فقيل: ليس هو بيمين، فإن قال لزوجته: أنت عليّ حرام، أو قال: حرمتك، أو أنت محرمة عليّ، أو عليّ الحرام، فإن نوى طلاقا؛ فهو طلاق، وإن نوى ظهارا؛ فهو ظهار، وإن نوى تحريم ذاتها، أو أطلق؛ فعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ ولا تحرم عليه؛ لأن الأعيان وما ألحق بها لا توصف بالتحريم، وإن قال لطعام، أو لباس، أو مكان: حرمته على نفسي، أو هو محرم عليّ، فلا شيء عليه، وهذا قول أبي بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة والتابعين﵃ أجمعين- وإليه ذهب الشافعي﵁-. وإن لم ينو شيئا؛ ففيه قولان للشافعي: أحدهما: أنه يلزمه كفارة اليمين. والثاني: لا شيء عليه، وأنه لغو، فلا يترتب عليه شيء من الأحكام.\nوذهب جماعة إلى أنه يمين، فإن قال ذلك لزوجته، أو جاريته، فلا تجب عليه الكفارة ما لم يقربها كما لو حلف: أنه لا يطؤها، وإن حرم طعاما؛ فهو كما لو حلف أن لا يأكله، فلا كفارة عليه ما لم يأكله، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأصحابه.\nوالمشهور: أن لفظ التحريم كناية عند الشافعي، فإن نوى الطلاق؛ كان طلاقا، وإن لم ينوه كان عليه كفارة يمين. وهو طلقة بائنة عند أبي حنيفة. وذكر القرطبي: أن المشهور من مذهب مالك: أنه في المدخول بها ثلاث، وفي غير المدخول بها طلقة واحدة.\nوعن ابن عباس﵄قال: «إذا حرم الرجل امرأته، فهي يمين يكفرها»، وقرأ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ متفق عليه، وعنه أيضا: أنه أتاه رجل، فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حراما، فقال: كذبت، ليست عليك بحرام، ثم تلا قوله تعالى:\n ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة. أخرجه الدارقطني.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فَرَضَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿تَحِلَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿أَيْمانِكُمْ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿مَوْلاكُمْ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط:\nالواو والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها.","vol":"10","page":9},{"text":"<span id=\"aya-5232\"></span>﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ:﴾ هي حفصة بنت عمر. ﴿حَدِيثًا:﴾ هو تحريم مارية﵂وأن أبا بكر، وأباها يكونان خليفتين من بعده. فقد قيل: لما رأى رسول الله ﷺ الغيرة في وجه حفصة؛ أراد أن يرضيها، فأسرّ لها بشيئين: بتحريم مارية على نفسه، وأن الخلافة بعده في أبي بكر، وعمر﵄-. وقال لها: «لا تخبري بذلك أحدا».\nوقيل: قال لها: «لا تخبري عائشة بذلك».\n ﴿فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي: أخبرت عائشة بما أسر إليها لمصافاة بينهما، وكانتا متظاهرتين على نساء النبي ﷺ. ﴿وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ﴾ أي: أطلعه الله على أنها قد نبأت به عائشة، وكان ذلك بواسطة جبريل الأمين، عليه ألف صلاة وألف سلام. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أي: عرّف الرسول ﷺ حفصة: أنها أفشت بعض السر، وهو تحريم مارية﵂-. ولم يخبرها:\nأنها أفشت البعض الآخر، وهو الخلافة، والولاية من بعده لأبي بكر وأبيها، فأعرض عن ذلك تكرما. قاله السدي. وقال الحسن البصري: ما استقصى كريم قط. أي: ما بالغ في العتاب.\nوقال سفيان: ما زال التغافل من شيم الكرام. انتهى. وهذا؛ لأن من عادة الفضلاء التغافل عن الزلات، والتقصير في اللوم والعتاب. وقد كره الرسول أن ينتشر أمر الخلافة بين الناس.\n ﴿فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ﴾ أي: فلما أخبر الرسول ﷺ حفصة بأنها قد أفشت سره. ﴿قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا﴾ أي: قالت حفصة: يا رسول الله من أخبرك: أني أفشيت السر؟ قال أبو حيان: ظنت حفصة: أن عائشة هي التي كاشفت رسول الله ﷺ، وكانت قد استكتمتها، فقالت: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ﴾ على سبيل التثبت، فأخبرها: أن الله جل وعلا هو الذي نبأه به، فسكتت، وسلمت، وهو صريح قوله: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ﴾ بسرائر العباد، ﴿الْخَبِيرُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وخبير بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بنياتهم، وأقوالهم، وأفعالهم.\nهذا؛ وكان من نتيجة ما فعلت حفصة أن غضب النبي ﷺ، وطلقها، فلما بلغ عمر﵁ذلك؛ قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلّقك رسول الله ﷺ! فجاء جبريل، ﵇، وأمره بمراجعتها. وقيل: لم يطلقها، وإنما همّ بطلاقها، فأتاه جبريل. وقال له:\nلا تطلقها؛ فإنها صوّامة قوّامة، وإنها من نسائك في الجنة، واعتزل النبي ﷺ نساءه شهرا، وقعد في مشربة مارية؛ حتى نزلت آية التحريم على ما تقدم.","vol":"10","page":10},{"text":"هذا؛ والأفعال: نبّأ، وأنبأ، وخبّر، وأخبر، وحدّث تتعدى لاثنين: إلى الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفا، وقد يحذف الأول للدلالة عليه. وقد جاءت الاستعمالات الثلاث في هذه الآية، فقوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدّى لاثنين، حذف أولهما، والثاني مجرور بالباء، أي: نبّأت به غيرها، وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ﴾ ذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هذا﴾ ذكرهما، وحذف الجار، فالأول تعدّى إلى مفعول صريح، وإلى الثاني بحرف الجر، والفعل الثاني مثله، والثالث تعدّى إلى مفعولين صريحين، وهذا إذا لم يدخل: (نبأ، وأنبأ) على المبتدأ والخبر جاز أن يكتفى فيهما بمفعول واحد، وبمفعولين، فإذا دخلا على المبتدأ والخبر تعدّى كل واحد منهما إلى ثلاثة مفاعيل، ولم يجز الاقتصار على الاثنين دون الثالث؛ لأن الثالث هو خبر المبتدأ في الأصل، فلا يقتصر دونه، كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر، وانظر شرح (النبأ) في الآية رقم [٤] من سورة (القمر). ومثال دخول أحدهما على المبتدأ والخبر قولك: نبأت زيدا عمرا منطلقا. أو أنبأت زيدا عمرا مجتهدا، ففي المثالين يجب نصب ثلاثة مفاعيل. والله ولي التوفيق. ومن ذلك قول النابغة الذبياني-وهو الشاهد رقم [٢٠] من كتابنا:\n «فتح رب البرية» إعراب شواهد جامع الدروس العربية-: [الكامل]\nنبّئت زرعة، والسّفاهة كاسمها... يهدي إليّ غرائب الأشعار\nوأيضا قوله-وهو الشاهد رقم [١٢] من الكتاب المذكور-: [البسيط]\nنبّئت أنّ أبا قابوس أو عدني... ولا قرار على زأر من الأسد\nوأيضا قول قيس بن الملوح-وهو الشاهد رقم [١١٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الطويل]\nونبّئت ليلى أرسالات بشفاعة... إليّ فهلا نفس ليلى شفيعها\nالإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. ﴿أَسَرَّ:﴾ ماض. ﴿النَّبِيُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها، والكلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له. ﴿إِلى بَعْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَدِيثًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، و﴿بَعْضِ﴾ مضاف، و﴿أَزْواجِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَدِيثًا:﴾ مفعول به.\n ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول:\nحرف وجوب لوجوب، وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى: «حين» تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني.","vol":"10","page":11},{"text":"﴿نَبَّأَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿بَعْضِ أَزْواجِهِ،﴾ والمفعول الأول محذوف. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل مفعوله الثاني، التقدير: نبأت غيرها به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. (أظهره): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿عَرَّفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿النَّبِيُّ﴾. ﴿بَعْضَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها. وجملة: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.\n ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لمّا): مثل سابقتها. ﴿نَبَّأَها:﴾ فعل ماض، وها: مفعوله الأول، والفاعل يعود إلى ﴿النَّبِيُّ﴾ أيضا. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الثاني، والجملة الفعلية، قل فيها ما قلته بسابقتها. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل تقديره: «هي»، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْبَأَكَ:﴾\nفعل ماض، والكاف مفعول به أول، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ. ﴿نَبَّأَنِيَ:﴾ ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول، والثاني محذوف، تقديره: نبأني به. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ فاعله.\n ﴿الْخَبِيرُ:﴾ بدل منه، وقيل: صفة له. ولا وجه له قطعا؛ لأنهما اسمان من أسماء الله الحسنى.\nوالجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ﴾ مستأنفة لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5233\"></span>﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ تَتُوبا:﴾ الخطاب لعائشة، وحفصة﵄-. خاطبهما بطريق الالتفات؛ ليكون أبلغ في معاتبتهما، وحملهما على التوبة مما بدر منهما من الإيذاء لسيد الأنبياء. ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أي: فقد زاغت ومالت قلوبكما عما يجب عليكما من الطاعة، والإخلاص لرسول الله ﷺ، واستوجبتما أن تتوبا، وذلك بأن سركما ما كره رسول الله ﷺ من تحريم مارية﵂-. والواجب عليكما حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه.\n ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ أي: وإن تتعاونا على إيذاء الرسول ﷺ، وعلى ما يسوءه، والأصل: «وإن تتظاهرا عليه» فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، وهذا الحذف كثير في القرآن الكريم، فعن ابن عباس","vol":"10","page":12},{"text":"-﵄قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب﵁عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله ﷿ فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبا..﴾. إلخ حتى حج، وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق؛ عدل، وعدلت معه بالإداوة (ركوة ماء) فتبرز (خرج إلى الفضاء ليقضي حاجته) ثم أتاني، فصببت على يديه، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ..﴾. إلخ؟ قال عمر﵁-: واعجبا لك يابن عباس! قال الزهري: كره منه ما سأله عنه، ولم يكتمه، قال: هما عائشة، وحفصة.\n ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ:﴾ وليه، وناصره، فلا يؤثر عليه ذلك التظاهر، والتعاون منكما عليه.\n ﴿وَجِبْرِيلُ:﴾ أفرده بالذكر مع دخوله في الملائكة المذكورين بعده تعظيما له، وإظهارا لمكانته عند الله تعالى، فيكون قد ذكر مرتين: مرة بالإفراد، ومرة في العموم، ووسّط صالح المؤمنين بين جبريل، والملائكة تشريفا لهم، واعتناء بشأنهم، وإشادة بفضل الصلاح، وختم الآية بذكر الملائكة الأبرار، أعظم المخلوقات، وجعلهم ظهراء للنبي ﷺ ليكون ذلك أفخم به صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ الملائكة بمثابة جيش جرار، يملأ القفار، نصرة للنبي المختار، صاحب الأنوار ﷺ، فمن ذا الذي يستطيع أن يناوئ سيد الخلق، وحبيب الحق بعد ذلك؟! هذا؛ ويستدل بهذه الآية على عظم كيد النساء، كما قال تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام حكاية عن قول العزيز: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ رقم [٢٨]، بينما وصف الله ﷿ كيد الشيطان بالضعف، وذلك بقوله جلت قدرته، وتعالت حكمته في سورة (النساء) رقم [٧٦]: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾. ولا تنس: أن الكلام في الآية مسوق للمبالغة، وإلا؛ فكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا.\nهذا؛ والمراد ب: (صالح المؤمنين) أبو بكر، وعمر﵄-؛ لأنهما أبوا عائشة وحفصة، وقد كانا عونا للنبي ﷺ عليهما، وقيل: (صالح المؤمنين): علي﵁-.\nوقيل: خيار المؤمنين، و(صالح) اسم جنس لا جمع، ولذلك يكتب من غير واو بعد الحاء كما هو في رسم مصحف الإمام، وجوزوا أن يكون جمعا بالواو والنون، وحذفت النون للإضافة، وكتب دون واو اعتبارا بلفظه؛ لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين، نحو: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ رقم [٢٤] من سورة (الشورى)، وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ..﴾. إلخ من سورة (القمر) رقم [٦]، وقوله تعالى في سورة (العلق) ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ،﴾ وانظر ما ذكرته في «الصلاح» في سورة (النمل) رقم [١٩]، وفي سورة (الصافات) رقم [١١٢]، وفي سورة (المنافقون) رقم [١٠].\nهذا؛ و﴿ظَهِيرٌ﴾ فعيل يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فهو هنا بمعنى ظهراء، كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ رقم [٦٩] من سورة (النساء). هذا؛ والمفسرون يذكرون: أن النبي ﷺ هجر أزواجه شهرا، وأشيع: أنه طلق أزواجه. ويذكرون: أن","vol":"10","page":13},{"text":"عمر﵁استأذن على الرسول ﷺ ثلاث مرات، فلم يؤذن له، ثم أذن له، ويختمون القصة بنزول قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٨] من سورة (الأحزاب) وما بعدها، ولا أعتمده، وإنما أعتمد أنهما واقعتان، لا واقعة واحدة: الأولى كانت عامة أزواج النبي ﷺ حينما سألنه الزيادة في النفقة، وهذه خاصة بحفصة، وعائشة حينما تآمرتا عليه، وكشفتا سره. والله ولي التوفيق.\nبعد هذا: أما قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ حيث جمع القلب، وهما ثنتان بلا ريب، كما رأيت. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ولم يقل: فقد صغى قلباكما، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما؛ لأنه لا يشكل. وقال الجلال: ولم يعبر بالجمع لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة. وقال مكي-رحمه الله تعالى-: وإنما جمع القلب، وهما اثنتان؛ لأن كل شيء ليس في الإنسان منه غير واحد، إذا قرن به مثله فهو جمع. وقيل:\nلأن التثنية جمع؛ لأنها جمع شيء إلى شيء. وقد تكلم السيوطي-رحمه الله تعالى-على هذه المسألة في كتابه: (همع الهوامع) الذي شرحت شواهده، وأعربتها، وأرجو الله أن يمتن عليّ بالتوفيق لطباعته، وها أنذا أنقل لك ما قاله بالحرف؛ لتكون على بينة من أمرك.\nقال-رحمه الله تعالى-: الأصل في كلام العرب دلالة كل لفظ على ما وضع له، فيدل المفرد على المفرد، والمثنى على اثنين، والجمع على جمع، وقد يخرج الكلام عن هذا الأصل، وذلك قسمان: مسموع، ومقيس.\nفالأول: ما ليس جزءا مما أضيف إليه: سمع: ضع في رحالهما، يريد في اثنين. وديناركم مختلفة أي: دنانيركم مختلفة. وعيناه حسنة، أي: حسنتان. وأورد أربعة أبيات شعرية شواهد لذلك، قال: ومنه: لبيك وإخوته، فإنه مثنى وضع موضع الجمع. وقالوا: شابت مفارقه، وليس له إلا مفرق واحد. وعظيم المناكب، وغليظ الحواجب، والوجنات، والمرافق، وعظيمة الأوراك. فكل هذا مسموع لا يقاس عليه، وقاسه الكوفيون وابن مالك إذا أمن اللبس، وهو ماش على قاعدة الكوفيين من القياس على الشاذ، والنادر، قال أبو حيان: ولو قيس شيء من هذا، لالتبست الدلالات، واختلطت الموضوعات.\nوالثاني: ما أضيف إلى متضمنه. وهو مثنى لفظا، نحو قطعت رؤوس الكبشين، أي:\nرأسيهما، أو معنى نحو قول الشاعر: [الطويل]\nرأيت بني البكري في حومة الوغى... كفاغري الأفواه عند عرين\nفإن مثل ذلك ورد فيه الجمع، والإفراد، والتثنية. فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣٨]: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾. ومن الإفراد: قراءة الحسن قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢١] وفي ثلاث آيات من سورة","vol":"10","page":14},{"text":"(الأعراف): ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ ومن التثنية قراءة من قرأ: «(بدت لهما سوءتاهما)»، وقراءة الجمهور من الأول ﴿سَوْآتُهُما﴾ فطرد ابن مالك قياس الجمع، والإفراد أيضا لفهم المعنى، وخص الجمهور القياس بالجمع، وقصروا الإفراد على ما سمع، وورد، وإنما وافق الجمهور على قياس كراهة اجتماع تثنيتين مع فهم المعنى، ولذلك شرط أن لا يكون لكل واحد من المضاف إليه إلا شيء واحد؛ لأنه إن كان له أكثر؛ التبس، فلا يجوز في: «قطعت أذني الزيدين» الإتيان بالجمع، ولا الإفراد للإلباس، وأورد ستة أبيات شعرية شاهدا لذلك.\nفإن فرق متضمناهما، -كقوله تعالى: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فقال ابن مالك- أيضا بقياس الجمع، والإفراد. وخالفه أبو حيان؛ لأن الجمع إنما قيس هناك كراهة اجتماع تثنيتين، وقد زالت بتفريق المتضمنين، قال: فالذي يقتضيه النظر الاقتصار على التثنية، وإن ورد جمع، أو إفراد؛ اقتصر فيه على مورد السماع. قال: وأما الآية فليس المراد فيها باللسان الجارحة، بل المراد الكلام، أو الرسالة، فليس جزءا من داود، ولا من عيسى، عليهما الصلاة والسّلام. انتهى.\nأقول: ولم يذكر السيوطي-رحمه الله تعالى-أرجح الأوجه الثلاثة في الثاني، وهو ما أضيف إلى متضمنه، وهي جمع المضاف، وبقاء المضاف إليه على تثنيته، وبقاء كل من المضاف، والمضاف إليه على تثنيته، فأرجحها الوجه الأول، وهذه لغة القرآن، كما رأيت، وهو متفق على رجحانه عند جميع النحاة، واختلف في الوجهين الآخرين: فذهب ابن مالك إلى رجحان الثاني على الثالث، وذهب أبو حيان إلى العكس، ومنه قول الرسول ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار» وقد أطلت عليك الكلام في ذلك بغية الإفادة، والله ولي التوفيق، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَتُوبا:﴾ فعل مضارع، فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿إِلَى اللهِ﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: يتب الله عليكما. ﴿فَقَدْ:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (قد):\nحرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿صَغَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، التي هي حرف لا محل له. ﴿قُلُوبُكُما:﴾\nفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة المفيدة للتعليل، لا محل لها، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ إعرابها مثل سابقتها، وجواب الشرط محذوف أيضا، والتقدير: وإن تظاهرا عليه؛ فلا يعدم ناصرا، ولن يعدم من يظاهره من الله، والملائكة، وصالحاء المؤمنين.","vol":"10","page":15},{"text":"﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿مَوْلاهُ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و﴿مَوْلاهُ﴾ خبره، فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ).\n ﴿وَجِبْرِيلُ:﴾ معطوف على محل اسم (إنّ) قبل دخول الناسخ، وهذا أجازه البعض دون البعض، وما بعده معطوف عليه؛ فيكون المعنى، والتقدير: فيكونون ناصرين النبي ﷺ. والخبر عن الكل هو قوله: ﴿مَوْلاهُ﴾ فيقدر بعد كل واحد منها. وفي السمين: ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿مَوْلاهُ،﴾ ويكون (جبريل) مبتدأ، وما بعده عطف عليه، و﴿ظَهِيرٌ﴾ خبر الجميع، فتختص الولاية بالله، ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين: مرة بالتنصيص عليه، ومرة بدخوله في عموم الملائكة. انتهى. كما أجيز الوقف على (جبريل) واعتبار ما بعده مبتدأ، واعتبار ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبرا عنهما، كما أجيز الوقف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وما بعده جملة مستأنفة. وقال مكي-رحمه الله تعالى-: إلا أن المتعارف الوقف على ﴿مَوْلاهُ﴾ عند القراء، ويكون (جبريل) ابتداء يبتدأ به.\n ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿ظَهِيرٌ﴾ بعده، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿ظَهِيرٌ:﴾ رأيت الاعتبارات التي قيلت فيه.\n\n<span id=\"aya-5234\"></span>﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿عَسى رَبُّهُ:﴾ ﴿عَسى﴾ من الله تفيد تحقيق الوقوع، وتأكيده، وليست على بابها من الرجاء. وقال ابن عرفة: و﴿عَسى﴾ هنا للتخويف، لا للوجوب. ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ:﴾ هذا وعد من الله ﷿ لرسوله ﷺ، لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الدنيا نساء خيرا منهن، والله عليم، وخبير بأن النبي ﷺ لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهن تخويفا لهن، وتحذيرا، فهو كقوله تعالى في آخر سورة (محمد ﷺ): ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ وهو من باب الفرض، والتقدير. ثم وصف الله ﷿ هؤلاء الزوجات اللاتي سيبدله بهن بما يلي:\n ﴿مُسْلِماتٍ﴾ أي: مطيعات خاضعات مستسلمات لأمر الله ﷿، وأمر رسوله.\n ﴿مُؤْمِناتٍ:﴾ مصدقات بالله، ورسوله، مصدقات بما أمرن به، وبما نهين عنه. ﴿قانِتاتٍ:﴾\nمطيعات. والقنوت: الطاعة، والخضوع. وقيل: مصليات في الليل. ﴿تائِباتٍ:﴾ من ذنوبهن، راجعات إلى أمر رسول الله ﷺ، تاركات لمحابّ أنفسهن. ﴿عَبَّدْتَ:﴾ كثيرات العبادة لله تعالى. وقال ابن عباس﵄-: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد. ﴿سائِحاتٍ:﴾\nصائمات، قيل للصائم: سائح لأن السائح، لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما","vol":"10","page":16},{"text":"يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره. وقد قال الرسول ﷺ: «سياحة أمّتي الصّيام». أخرجه الطبراني عن أبي هريرة﵁وهذا استدل به ابن عباس﵄لما ذكرته. وقال زيد بن أسلم-رحمه الله تعالى-: ﴿سائِحاتٍ﴾ مهاجرات، وتلا قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١١٢]: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ..﴾. إلخ ولعل هذا الرأي:\nأرجح؛ لأنه يتفق مع المعنى اللغوي للسياحة، وهي السفر في الأرض للاعتبار.\n ﴿ثَيِّباتٍ:﴾ جمع ثيب، وهي التي تزوجت، ثم بانت بوجه من الوجوه، وثابت. أي:\nرجعت إلى بيت أبويها. ﴿وَأَبْكارًا﴾ أي: عذارى، جمع: بكر، والمعنى: منهن ثيبات، ومنهن أبكار، قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: قسمهن إلى نوعين، ليكون ذلك أشهى إلى النفس، وإنما دخلت واو العطف بين ثيبات، وأبكارا للتنويع، والتقسيم، ولو سقطت لاختل المعنى؛ لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان في امرأة أبدا. فتدبر سر القرآن وبلاغته. هذا؛ وقيل: إن الواو واو الثمانية، وقد استوفيت الكلام على هذه الواو في الآية رقم [٢٢] من سورة (الكهف)، فانظره هناك إن شئت تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4605>خاتمة:</span>\nروى البخاري عن أنس﵁قال: قال عمر﵁-: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية. ولمسلم عن ابن عباس﵄نحوه. وفيه قال: دخلت عليه، فقلت: يا رسول الله! ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك، وقلما تكلمت-وأحمد الله-بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت: ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ وأيضا قوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وقد ثبت: أن الله صدق قوله، وحقق طلبته في أربعة عشر موضعا في كتاب الله تعالى، منها: قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٥]: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾. ومنها:\nالآية رقم [٦٠] من سورة (النساء) حيث قتل المنافق؛ الذي لم يرض بحكم رسول الله ﷺ.\nوالآيات رقم [٩٠] والتي بعدها من سورة (المائدة) حيث نزلت بتحريم الخمر موافقة لما كان يطلب من الرسول ﷺ. والآيات رقم [٦٧] وما بعدها من سورة (الأنفال) التي نزلت في شأن أسرى بدر موافقة لرأيه. والآية رقم [٨٤] من سورة (التوبة) التي نزلت في شأن النهي عن الصلاة على المنافقين إذا ماتوا. والآية رقم [٥٩] من سورة (الأحزاب) التي نزلت في الحجاب موافقة لطلبته. وقد قال الرسول ﷺ: «ما سلك عمر فجّا إلا وسلك الشّيطان فجّا غير فجّه». وقد نزل جبريل ﵇ بتسميته الفاروق يوم أعلن إسلامه في مكة، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب يوم العرض، والحساب، وخاب الذين يسبونه، ويفترون عليه المفتريات.","vol":"10","page":17},{"text":"الإعراب: ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّهُ:﴾\nاسم ﴿عَسى﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿طَلَّقَكُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ، والكاف مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية معترضة بين اسم ﴿عَسى﴾ وخبرها، لا محل لها، واعترض بها اهتماما، ومبادرة إلى تخويفهن، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ﴾ في محل نصب خبر ﴿عَسى﴾ ويجب تأويله باسم الفاعل؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، ﴿أَزْواجًا:﴾ مفعول به ثان. والمفعول الأول الضمير. ﴿خَيْرًا:﴾ صفة ﴿أَزْواجًا،﴾ وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْكُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرًا،﴾ والنون حرف دال على جماعة الإناث.\n ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ:﴾ صفات متعددة ل: ﴿أَزْواجًا﴾. هذا؛ وقال الجمل: إما نعت، وإما حال، أو منصوب على الاختصاص. والمعتمد ما قدمته، وهو النعت.\n\n<span id=\"aya-5235\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدقتم بالله ورسوله، وتحليتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان. ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ احفظوها. ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ أي: مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم، وأدبوهم.\nويدخل تحت الأهل: الزوجة، والأولاد، والإخوة إن كانوا صغارا، وكل من له عليه الإنسان القوامة، وسلطة الأمر والنهي، قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٣٢]: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ قال الكيا: فعلينا تعليم أولادنا، وأهلينا الدين، والخير. انتهى.\nأقول: كيف لا؟ والرسول ﷺ يقول: «كلّكم راع، ومسؤول عن رعيّته، الإمام راع، ومسؤول عن رعيّته، والرجل راع في أهله، ومسؤول عن رعيّته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيّتها، والخادم راع في مال سيّده، ومسؤول عن رعيّته. كلكم راع ومسؤول عن رعيّته». رواه البخاري، ومسلم عن ابن عمر﵄-. وعن الحسن بن علي﵄عن نبي الله ﷺ قال: «إنّ الله سائل كلّ راع عمّا استرعاه: حفظ، أم ضيّع؛ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته». رواه ابن حبان في صحيحه.\nوعن جابر بن سمرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدّق بصاع» رواه الترمذي، وعن أيوب بن موسى عن أبيه، عن جده: أن رسول الله","vol":"10","page":18},{"text":"ﷺ قال: «ما نحل والد والدا من نحل أفضل من أدب حسن». رواه الترمذي أيضا، وروى ابن ماجه عن ابن عباس﵄عن النبي ﷺ قال: «أكرموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم».\nوقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده﵁عن النبي: «مروا أبناءكم بالصّلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع». خرجه جماعة من أهل الحديث.\nوخذ قول الشاعر الحكيم: [البسيط]\nعوّد بنيك على الآداب في الصّغر... كيما تقرّ بهم عيناك في الكبر\nفإنّما مثل الآداب تجمعها... في عنفوان الصّبا كالنقش في الحجر\nهذا؛ و﴿قُوا﴾ أمر من الوقاية، فوزنه: «عوا»؛ لأن الفاء حذفت لوقوعها في المضارع بين ياء وكسرة، وكذلك حذفت لامه لبناء الأمر من المعتل الآخر، فبقي الأمر حرفا واحدا، وهو (ق). وهذا يجري في كل فعل لفيف مفروق، مثل: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطي، يطي، ط، لذا فالأحسن إلحاق هاء السكت لفعل الأمر المأخوذ من اللفيف المفروق، حتى لا يبقى الفعل حرفا واحدا، فيقال: قه، وعه، وفه... إلخ.\n ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ:﴾ بفتح الواو، أي: ما توقد به النار، وأما بضمها؛ فهو المصدر، وكذلك الاسم منه، وبعضهم قال: كلّ من الفتح والضم يجري في الآلة، والمصدر، وكذا يقال في الوضوء، والسحور، والطهور، ونحو ذلك، ولكن المشهور الأول، والمراد في الآلة: ما توقد به، والمراد بالمصدر: الفعل، والحدث، ويقرأ بفتح الواو، وضمها، والمراد بالحجارة:\nالأصنام التي عبدوها في الدنيا، وأملوا نفعها، وشفاعتها. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٩٨] مخاطبا الكافرين في الدنيا: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ وعن ابن عباس﵄أنها حجارة الكبريت، فهي أشد توقدا، وأبطأ خمودا، وأنتن ريحا، وألصق بالبدن، والحجارة جمع: حجر، كجمالة جمع: جمل، وهو قليل غير منقاس.\n ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ:﴾ المراد بهم: خزنة جهنم، وهم الزبانية، حبّب إليهم عذاب الخلق، كما حبّب لبني آدم أكل الطعام، والشراب، يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا في النار، لم يخلق الله الرحمة فيهم. ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفونه في أمره، ولا في نهيه. ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أي: في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدمونه، فلا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامره، والانتقام من أعدائه. وقيل: لذتهم في امتثال أمر الله، كما أنّ سرور أهل الجنة في أن يكونوا في الجنة. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ فقال: «أوقد عليها ألف عام؛ حتى احمرّت، وألف عام؛ حتّى ابيضّت، وألف عام؛","vol":"10","page":19},{"text":"حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها» رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي. هذا؛ ورفع: «ألف» على أنه نائب فاعل، وإن نصبته على الظرفية، فالجار والمجرور: «عليها» في محل رفع نائب فاعل: «أوقد». وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إنّ في النار حيّات كأمثال أعناق البخت، تلسع إحداهنّ اللسعة، فيجد حرّها سبعين خريفا، وإن في النار عقارب كأمثال البغال الموكفة، تلسع إحداهنّ اللسعة، فيجد حموتها أربعين سنة». رواه أحمد، والطبراني. هذا؛ وانظر (أمر) في الآية رقم [٣٢] من سورة (الطور).\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.\n ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَهْلِيكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (أهليكم): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿نارًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: من نار. ﴿وَقُودُهَا:﴾ مبتدأ، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿النّاسُ:﴾ خبره. والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿نارًا﴾. ﴿وَالْحِجارَةُ:﴾\nالواو: حرف عطف. (الحجارة): معطوف على ما قبله.\n ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَلائِكَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿نارًا،﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿غِلاظٌ شِدادٌ:﴾ صفتان ل: ﴿مَلائِكَةٌ،﴾ وجملة: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ﴾ صالحة للوصفية، والحالية من ﴿مَلائِكَةٌ﴾ كالتي قبلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب بدلا من لفظ الجلالة، بدل اشتمال. قاله الجلال، ووافقه الجمل عليه، التقدير:\nلا يعصون أمر الله، وأرى صحة اعتبارها في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: لا يعصون الله فيما... إلخ، وهو ما أفاده تقدير الزمخشري، والنسفي. ﴿أَمَرَهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يفعلون الذي، أو شيئا أمرهم الله به، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، التقدير: أمره، وهو يرجح البدلية؛ فهو جيد، ولا بأس به، بل هو أولى، والمعنى عليه أولى. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا، فإن معنى الأولى: أنهم يتقبلون أوامره، ويلتزمونها، ولا يأبونها، ولا","vol":"10","page":20},{"text":"ينكرونها. ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه، وجملة:\n ﴿وَيَفْعَلُونَ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مفعول به، ولا تحتمل المصدرية، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ويفعلون الذي، أو شيئا يؤمرونه، أو يؤمرون به.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-5236\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ أي: يقال لهم: لا تعتذروا اليوم. وذلك حين يعاينون النار، وشدتها؛ لأن الله﷿قد قدم إليهم الإنذار، والإعذار في الدنيا، فلا ينفعهم الاعتذار في الآخرة؛ لأنه غير مقبول بعد دخول النار، وقد فات زمان الاعتذار، وصار الأمر إلى ما صار، والآية كقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٥٧]: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. وقال تعالى في سورة (المرسلات) رقم [٣٦]: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.\n ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة، ولا تظلمون شيئا، وهذه الجملة مذكورة في كثير من الآيات، ويجمع فحواها كلها قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [١٧]:\n ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق بينهما.\n ﴿لا تَعْتَذِرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله.\n ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِنَّما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تجزون الذي، أو شيئا كنتم تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: تجزون عملكم، وفيه ضعف لا يخفى، وعلى جميع الاعتبارات؛ فالكلام على تقدير مضاف محذوف، التقدير: جزاء الذي، أو جزاء عملكم، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير:\nيقال لهم عند إدخالهم الملائكة النار: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ.","vol":"10","page":21},{"text":"<span id=\"aya-5237\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٦]. ﴿تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أي: ذات نصح، تنصح صاحبها بترك العود إلى الذنب الذي تاب منه. قال عمر بن الخطاب، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل﵃-: التوبة النصوح: أن يتوب، ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع. وقال محمد بن كعب القرظي: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء:\nالاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيّئ الإخوان.\nوقال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب على الفور، ولا يجوز تأخيرها سواء أكانت المعصية صغيرة، أو كبيرة؟ فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى، لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبدا، فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة؛ كانت نصوحا، وإن فقد شرط منها؛ لم تصح توبته. فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي؛ فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع: أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالا، ونحوه؛ ردّه إلى صاحبه، وإن كان حدّ قذف، أو نحوه؛ مكنه من نفسه، أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة؛ استحله منها. ويجب أن يتوب العبد من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته من ذلك الذنب، وبقي عليه ما لم يتب منه، هذا مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت دلائل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على وجوب التوبة. انتهى. خازن. هذا؛ ولم يؤنث (نصوح)؛ لأنه صيغة مبالغة مثل: امرأة صبور، وجارية شكور، والمعنى بالغة في النصح. وخذ ما يلي:\nعن الأغر بن يسار﵁قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرّة». أخرجه مسلم، وعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إنّي لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة». أخرجه البخاري، وعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضلّه بأرض فلاة». رواه البخاري، ومسلم.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ﷿ يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل؛ حتى تطلع الشمس من","vol":"10","page":22},{"text":"مغربها». أخرجه مسلم والنسائي. وعن عبد الله بن عمر﵄عن النبي ﷺ قال:\n «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». رواه ابن ماجه، والترمذي. هذا؛ وقد بين الله ﵎ في سورة (النساء) رقم [١٧] و[١٨] أن التوبة المقبولة هي أن المسلم يفعل الذنب بجهالة، ثم يتوب من قريب، وليست التوبة للذين يعملون المعاصي، والسيئات، ثم إذا حضر أحدهم الموت؛ قال: إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار، انظر شرح الآيتين في محلهما.\n ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ:﴾ ﴿عَسى﴾ في حق الله تفيد تحقيق الوقوع، وتأكيده، وليست على بابها من الرجاء. وتكفير السيئات: محوها. هذا؛ وإذا كانت: لعل، وعسى، وسوف في مواعيد الملوك البشرية كالجزم بها، وإنما يطلقونها إظهارا لوقارهم، وإشعارا بأن الرمز منهم كالتصريح من غيرهم، فوعد الله، ووعيده أولى، وآكد من مواعيد جميع ملوك الأرض. ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ انظر الآية رقم [١١] من سورة (الطلاق).\n ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: لا يعذبهم، بل يكرمهم، ويعزهم، ويرفع شأنهم يوم القيامة. وفيه تعريض بأهل الكفر، والنفاق بأن الله يعذبهم، ويخزيهم في ذلك اليوم العظيم.\n ﴿نُورُهُمْ يَسْعى:﴾ لا أرى حاجة إلى المزيد عما ذكرته في الآية رقم [١٢] من سورة (الحديد) ففيها الغذاء الكافي، والدواء الشافي لقلبك. والله الموفق إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٦]. ﴿تَوْبَةً:﴾ مفعول مطلق.\n ﴿نَصُوحًا:﴾ صفة ﴿تَوْبَةً﴾ إما على المبالغة على أنها نفس المصدر، أو على حذف مضاف، التقدير: توبة ذات نصح. هذا؛ وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، أي: لأجل النصح العائد نفعه عليكم. كما أجيز اعتباره مفعولا مطلقا مؤكدا لفعل محذوف، التقدير: تنصحهم نصحا. وعلى كل فهو من الإسناد المجازي، والكلام مبتدأ، أو مستأنف لا محل له. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد مبني على الفتح المقدر على الألف. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ اسم ﴿عَسى،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُكَفِّرَ﴾ في محل نصب خبر ﴿عَسى،﴾ ويجب تحويله إلى اسم فاعل، فيكون المعنى عسى ربكم مكفرا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿سَيِّئاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَيُدْخِلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يدخلكم):\nمعطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به أول.\n ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب مثله... إلخ. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة.\n ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾.","vol":"10","page":23},{"text":"﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (يدخل)، أو هو متعلق بفعل محذوف، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وهو: اذكر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخْزِي:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهِ:﴾ فاعله.\n ﴿النَّبِيَّ:﴾ مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو):\nحرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على ﴿النَّبِيَّ،﴾ أو هو في محل رفع مبتدأ. وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نُورُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَسْعى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿نُورُهُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ والرابط: الضمير فقط، وأجيز اعتبارها مستأنفة. وهذان الوجهان على اعتبار الموصول معطوفا على ﴿النَّبِيَّ،﴾ وأما على اعتباره مبتدأ؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبره، وعليه: فالجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.\n ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء. (بأيمانهم): جار ومجرور معطوفان على الظرف، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمائر العائدة على الموصول، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه. ﴿أَتْمِمْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نُورَنا:﴾ مفعول به، و(نا): في محل جر بالإضافة، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿وَاغْفِرْ لَنا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5238\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ هذا النداء موجه للنبي ﷺ، وتدخل فيه أمته من بعده إلى يوم القيامة. ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ:﴾ بالسيف، وفي كل زمان، ومكان بما يكون آلة للحرب، والقتال، والطعن، والنزال، حيث لم يبق للسيف في هذه الأيام تأثير، كما هو معروف. ﴿وَالْمُنافِقِينَ﴾ أي:","vol":"10","page":24},{"text":"وجاهد المنافقين بإقامة الحجة عليهم، وزجرهم، وإقامة الحدود عليهم، واكفهرار الوجه لهم.\n ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: شدد عليهم ما ذكر حتى ترهبهم، وتدخل الرعب في قلوبهم. ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ مقرهم، ومآلهم بعد الموت جهنم يصلونها ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ والمقر، والمآل هي.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿جاهِدِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿الْكُفّارَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْمُنافِقِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (المنافقين): معطوف على ما قبله منصوب مثله.\n ﴿وَاغْلُظْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (بئس المصير): فعل وفاعل، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذمومة جهنم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة (التوبة) رقم [٧٣].\n\n<span id=\"aya-5239\"></span>﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا..﴾. إلخ: أي: بين الله، وقرر. وضرب المثل في أمثال هذه المواضع عبارة عن إيراد حالة غريبة، ليعرف بها حالة أخرى مشاكلة لها في الغرابة. وما أكثر الأمثال التي ضربها الله في قرآنه؛ ليعتبر الناس فيها، ويتعظوا.\n ﴿اِمْرَأَتَ نُوحٍ:﴾ اسمها: والهة، واسم امرأة لوط: والعة؛ قاله مقاتل. وقال الضحاك: عن عائشة﵂-: إن جبريل﵊نزل على النبي ﷺ، فأخبره أن اسم امرأة نوح: واعلة، واسم امرأة لوط: والهة. وقيل: اسمها واهلة. وقيل: والعة. ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ أي: عند نبيين رسولين، لهما عليهما سلطة، وقوامة ليلا، ونهارا، يؤاكلانهما، ويضاجعانهما، ويعاشرانهما أشد العشرة، والاختلاط. والإضافة إضافة تشريف، وتفخيم، وتعظيم. هذا؛ وقد وصف الرسولين ب: ﴿صالِحَيْنِ؛﴾ لأن الصلاح درجة عالية، ومنزلة سامية، ومكانة رفيعة. انظر ما ذكرته في سورة (المنافقون) رقم [١٠] فإنه جيد.\n ﴿فَخانَتاهُما:﴾ لم يرد بالخيانة خيانة العرض، والشرف، فهذا يستحيل في حق الأنبياء، وإنما كانت الخيانة في الدين، أي: كانتا كافرتين؛ لأن الزنى مستقبح عند جميع الناس، ولا","vol":"10","page":25},{"text":"تقره العقول السليمة، وأما الكفر؛ فيستحسنه مئات الملايين من الناس، بل؛ ويدافعون عنه، ويحاجون بأنهم على الحق. قال ابن عباس﵄-: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت خيانتهما: أنهما كانتا على غير دينهما، وكانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وإذا آمن به أحد؛ أخبرت به الجبابرة من قومها، وأما امرأة لوط؛ فإنها كانت تدل قومها على أضيافه؛ إذا نزل به الضيف في الليل أوقدت النار، وإذا نزل به الضيف في النهار؛ دخّنت؛ لتعلم قومها بذلك. وقيل: إنهما أسرتا النفاق، وأظهرتا الإيمان.\n ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ أي: لم يدفعا عن امرأتيهما مع نبوتهما، ومكانتهما عند الله عذاب الله. ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ التعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وقد ذكرته فيما مضى مرارا، وتكرارا. هذا؛ وانظر قصة نوح، ولوط-على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-في كثير من السور.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: وهذا مثل ضربه الله تعالى للصالحين، والصالحات من النساء، وأنه لا ينفع العاصي طاعة غيره، ولا تضر المطيع معصية غيره، وإن كانت القرابة متصلة بينهم، وأن القريب كالأجانب، بل أبعد؛ وإن كان القريب الذي يتصل به الكافر نبيا، كامرأة نوح، وامرأة لوط لما خانتاهما؛ لم يغن هذان الرسولان عن امرأتيهما شيئا. فقطع بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية، ويتكل على صلاح غيره. وفي هذا المثل تعريض بأمّي المؤمنين: عائشة وحفصة، وما فرط منهما، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وأشده. ثم ضرب الله مثلا آخر، يتضمن: أن معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعا، وإن وصلة المسلم بالكافر لا تضر المؤمن. انتهى.\nهذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: (ويقال): إن كفار مكة استهزؤوا، وقالوا: إن محمدا ﷺ يشفع لنا، فبين الله تعالى: أن شفاعته لا تنفع كفار مكة، وإن كانوا أقرباء، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته، وشفاعة لوط لامرأته مع قربهما لهما؛ لكفرهما. انتهى. وأرى أنه لا وجه لقوله؛ لأن السورة مدنية.\nالإعراب: ﴿ضَرَبَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿مَثَلًا:﴾ مفعول به. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَثَلًا،﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اِمْرَأَتَ:﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾. وقيل: ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثان تقدم على الأول، وهو ﴿اِمْرَأَتَ﴾ ورجح هذا مكي، وضعف الأول. هذا؛ واعتمدت الأول في سورة (النحل) وغيرها، و﴿اِمْرَأَتَ﴾ مضاف، و﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿كانَتا:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين التي هي اسم (كان). ﴿تَحْتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر كان، و﴿تَحْتَ﴾ مضاف، و﴿عَبْدَيْنِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَبْدَيْنِ﴾","vol":"10","page":26},{"text":"و(نا) في محل جر بالإضافة. ﴿صالِحَيْنِ:﴾ صفة ﴿عَبْدَيْنِ،﴾ مجرور مثله، وعلامة الجر فيها الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنهما مثنى، والنون فيهما عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة:\n ﴿كانَتا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: «المرأتين»؛ فلست مفندا، ويكون الرابط ألف الاثنين، وهي على تقدير: «قد» قبلها.\n ﴿فَخانَتاهُما:﴾ (الفاء): حرف عطف. (خانتاهما): فعل، وفاعل، ومفعول به، والتاء للتأنيث، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَلَمْ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿يُغْنِيا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من ﴿شَيْئًا﴾ لا بأس به. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، أو هو نائب مفعول مطلق.\n ﴿وَقِيلَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اُدْخُلا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: ﴿وَقِيلَ،﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (المنافقون) ففيها فضل بيان. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به.\n ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و﴿الدّاخِلِينَ:﴾ مضاف إليه، وجملة:\n ﴿وَقِيلَ..﴾. الخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5240\"></span>﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ:﴾ حيث آمنت بالله ربا، وبموسى نبيا، وذلك لمّا غلب السحرة، وتبيّن لها أنها على الحق، ولم تضرها الوصلة بالكافر فرعون، وهي الزوجية، التي هي من أعظم الوصل، ولا نفعه إيمانها: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ وأبدلها الله عن هذه الزوجية أن جعلها في الآخرة زوجة خير خلقه محمد ﷺ، وكذا زوّجه الله تعالى في الجنة مريم بنت عمران عليهاالسّلام. وعن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ دخل على خديجة﵂-، وهي في الموت، فقال لها: «يا خديجة إذا لقيت ضرّاتك؛ فأقرئيهنّ مني السّلام». فقالت:\nيا رسول الله! وهل تزوّجت قبلي؟! قال: «لا، ولكنّ الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وكلثوم أخت موسى». فقالت له: يا رسول الله بالرّفاء والبنين.\nوروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري﵁أن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة","vol":"10","page":27},{"text":"بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». انتهى جمل نقلا عن الخطيب، والمحفوظ من تتمة الحديث: أن النبي ﷺ قال: «وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».\n ﴿إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ:﴾ وذلك لما تبين لفرعون الخبيث إيمانها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس، فكانت تعذب في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، فلما سألت بيتا في الجنة كشف الله لها عن بيتها الذي أعده لها. وقيل: إن فرعون الخبيث أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها. فلما أتوها بالصخرة، ﴿قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فأبصرت بيتها في الجنة من درة بيضاء، وانتزعت روحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، ولم تجد ألما.\nهذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى الجمع بين ﴿عِنْدَكَ﴾ و﴿فِي الْجَنَّةِ﴾ قلت: طلبت القرب من رحمة الله، والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان القرب بقولها: ﴿فِي الْجَنَّةِ،﴾ أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة، وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش، وهي جنات المأوى، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها: ﴿عِنْدَكَ﴾.\nانتهى. هذا؛ وقال بعض العلماء: ما أحسن هذا الكلام! فقد اختارت الجار قبل الدار، حيث قالت: ﴿اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فهي تطمع في جوار الله قبل طمعها في القصور.\n ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ:﴾ من كفره، وظلمه، وعذابه. وقال ابن عباس﵄-:\nيعني: من جماعه. والمشهور: أن الله حماها منه، وحجبها عنه، فلم يستطع الدخول بها لذا بقيت بكرا حتى توفيت مثل مريم، وكلثوم أخت موسى. هذا؛ وآسية عليهاالسّلام من بني إسرائيل، قيل: إنها عمة موسى. وقيل: بنت عمه، أخذها فرعون قهرا من أهلها، فحماها الله منه، ولكنه أمسكها عنده يتصبب بشبابها، وجمالها. ولله في خلقه شؤون خفيت عن أكثر الخلق.\n ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ:﴾ من القبط كلهم، فإنهم ظالمون. وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله، والالتجاء إليه، ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين، وسنن الأنبياء والمرسلين، فموسى ﵇ قد حكى القرآن قوله في سورة (الشعراء) رقم [١١٨]:\n ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وموسى وقومه سألوا الله النجاة من القوم الظالمين الكافرين، وقد حكى القرآن قولهم في سورة (يونس) رقم [٨٥] و[٨٦]: ﴿فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب ما قبله بلا فارق. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بقوله ﴿مَثَلًا﴾. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿ضَرَبَ:﴾\nمنادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم","vol":"10","page":28},{"text":"المحذوفة، وانظر: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الصف). ﴿اِبْنِ:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عِنْدَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿بَيْتًا﴾ كان صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿بَيْتًا:﴾ مفعول به، ﴿فِي الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيْتًا،﴾ وقيل: عطف بيان، أو بدل من قوله: ﴿عِنْدَكَ﴾ والقولان ضعيفان. والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿وَنَجِّنِي:﴾ (الواو): حرف عطف. (نجني): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَعَمَلِهِ:﴾ معطوف على فرعون، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها.\nوإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-5241\"></span>﴿وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ﴾ أي: ومريم ابنة عمران مثل آخر في الإيمان. ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أي: حفظت فرجها، وصانته عن مقارنة الفواحش، بل ولم يقربها رجل لا بنكاح، ولا بسفاح، فهي عفيفة شريفة طاهرة، لا كما يزعم اليهود-عليهم لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين-: أنها زنت، وأن ولدها عيسى ابن زنى. ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ أي: فنفخ جبريل ﵇ في فتحة جيبها، فوصل أثر ذلك إلى فرجها، فحملت بعيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nقال ابن كثير: إن الله بعث جبريل، فتمثل لها في صورة بشر، وأمره أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت تلك النفخة، فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇، وانظر ما ذكرته في سورة (الأنبياء) رقم [٩١] عن السهيلي، وتفصيل ذلك في سورة (مريم) عليهاالسّلام.\n ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها:﴾ يعني الشرائع التي شرعها الله لعباده بكلماته المنزلة على أنبيائه.\n ﴿وَكُتُبِهِ﴾ يعني: الكتب المنزلة على إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ:﴾ قال النسفي: لما كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين؛ غلب ذكوره على إناثه، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، ويجوز أن تكون للابتداء على أنها ولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون أخي موسى، ﵉. انتهى.","vol":"10","page":29},{"text":"فعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون» أخرجه الترمذي، وقال: حديث صحيح.\nوذكر الحافظ ابن عساكر عن ابن عمر﵄قال: جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ، فمرت خديجة﵂فقال جبريل: إنّ الله يقرئها السّلام، ويبشّرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب، لا نصب فيه، ولا صخب، من لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم. انتهى. والمحفوظ: أنها قالت حينما أعلمها الرسول بذلك:\nهو السّلام، ومنه السّلام وإليه يعود السّلام، فلم تقل: وعليه السّلام؛ لأنه لا يجوز للعبد أن يقول:\nوعلى الله السّلام. وهذا من كمال عقلها، وفهمها، وذكائها﵂ وأرضاها-.\nهذا؛ و«مريم» بالعبرية بمعنى: الخادم، ثم سمي به كثير من النساء، و«مريم» في لسان العرب هي التي تكره مخالطة الرجال. ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا «مريم» وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا. هذا؛ وفي القاموس المحيط: «المريم» هي التي تحب مخالطة الرجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قبله. قال الشاعر: [الطويل]\nوزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير\nفقلت لها أهلا وسهلا أمريم؟ ... فقالت نعم من أنت؟ قلت لها زير\nالإعراب: ﴿وَمَرْيَمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (مريم): معطوف على ﴿اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ منصوب مثله. ﴿اِبْنَتَ:﴾ صفة (مريم)، أو بدل منها، و﴿اِبْنَتَ:﴾ مضاف، و﴿عِمْرانَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون.\n ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل صفة (مريم). ﴿أَحْصَنَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى (مريم)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿فَرْجَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَفَخْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيهِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ رُوحِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف، أي: روحا من روحنا، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَصَدَّقَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (صدقت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى (مريم)، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿بِكَلِماتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(كلمات) مضاف، و﴿رَبِّها:﴾ مضاف إليه، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَكُتُبِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. (كانت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها يعود إلى (مريم). ﴿مِنَ﴾","vol":"10","page":30},{"text":"الْقانِتِينَ: متعلقان بمحذوف خبر (كانت)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، واعتبارها في محل نصب حال من (مريم) فلا بأس به، وتحتاج إلى تقدير: «قد» قبلها.\nخاتمة: قال الصلاح الصفدي-رحمه الله تعالى-: رأيت بخط ابن خلكان: أن مسلما ناظر نصرانيا، فقال له النصراني في خلال كلامه مختفيا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم! كيف كان وجه عائشة زوجة نبيكم في تخلفها عن الركب عن نبيكم معتذرة بضياع عقدها؟! فقال له المسلم: يا نصراني! كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج؛ فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم؛ اعتقدنا مثله في ديننا من براءة عائشة زوج نبينا! فانقطع النصراني، ولم يحر جوابا.\nانتهت سورة (التحريم) بحمد الله، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4613>سورة الملك</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الملك) وهي مكية في قول الجميع. وتسمى: الواقية، والمنجية، وهي ثلاثون آية، وثلاثمئة وثلاثون كلمة، وألف وثلاثمئة، وثلاثة عشر حرفا. (خازن). وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.\nوروي عن ابن عباس﵄قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة (الملك) حتى ختمها، فأتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! ضربت خبائي على قبر، وأنا لا أحسب: أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة (الملك) حتى ختمها، فقال النبي ﷺ: «هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «وددت أنها في قلب كل مؤمن، يعني: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾» رواه الحاكم. انتهى. «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري.\nأقول: ينبغي للمسلم، وللمسلمة أن يحافظ كلاهما على قراءة سورة (الملك) كل ليلة إن أراد كل منهما أن تشفع له يوم القيامة، وأن تنجيه من عذاب القبر مع مراعاة الشروط، والآداب التي يجب توافرها عند قراءة القرآن، وأهمها: الطهارة الكاملة، والجلوس مستويا مستقبل القبلة، والقراءة بتدبر، وتفهم... إلخ.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5242\"></span>﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾\nالشرح: ﴿تَبارَكَ الَّذِي..﴾. إلخ: أي: تنزه الله، وتعالى عن كل ما لا يليق به. وقال الخازن في غير هذه السورة: تمجد، وتعظم، وارتفع. وفي سورة (الفرقان): تكاثر خيره من البركة.\nوهي كثرة الخير، وزيادته، أو تزيّد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تقديس، وتعظيم، لم تستعمل إلا لله وحده، وهو ملازم للمضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر.\nقال الطرماح: [الطويل]","vol":"10","page":32},{"text":"تباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع\nوقال آخر: [الطويل]\nتباركت ما تقدر يقع ولك الشّكر\n ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ أي: بتصرفه، وتحت قدرته وإرادته ملك السموات والأرض في الدنيا، والآخرة، وهو مستول على كل موجود، وهو مالك الملك يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء.\nوقال ابن عباس﵄-: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويحيي، ويميت، ويغني، ويفقر، ويعطي، ويمنع. وهذا تأويل الخلف. والسلف يقولون: لله يد تليق به لا نعلمها. ومذهب السلف في هذه المتشابهات أسلم، ومذهب الخلف أحكم. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ من المقدورات، أو من الإنعام، والانتقام.\nالإعراب: ﴿تَبارَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿بِيَدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والتقديم يفيد الاختصاص، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُلْكُ:﴾\nمبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول؛ ف ﴿الْمُلْكُ﴾ يكون فاعلا بمتعلقهما، التقدير: الذي استقر، أو ثبت بيده الملك، وهو كلام في غاية البلاغة، والفصاحة. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): حرف عطف (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، قال الجمل: وأرى صحة اعتبارها حالا من الموصول، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن أيضا. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-5243\"></span>﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ:﴾ قيل: أراد موت الإنسان، وحياته في الدنيا، جعل الله الدنيا دار حياة، وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء، وبقاء، وإنما قدم الموت؛ لأنه أقرب إلى قهر الإنسان.\nوقيل: قدّمه؛ لأنه أقدم، وذلك؛ لأن الأشياء كانت في الابتداء في حكم الموتى، كالتراب، والنطفة، والعلقة، ونحو ذلك، ثم طرأت عليها الحياة. ولا تنس الطباق بين الموت، والحياة.\n ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: ليعاملكم معاملة المختبر لأحوالكم كيف تعملون؟ فإن ما خلقه الله في هذه الدنيا زينة للأرض، ومتاع لكم، وأسباب ومواد لوجود بني آدم ومعاشهم، وما تحتاج إليه أعمالهم، ودلائل، وأمارات يستدلون بها، ويستنبطون منها معرفة الواحد الأحد، فيبعثهم ذلك على الإيمان به، وإخلاص العبادة له. وقيل: في الكلام استعارة تمثيلية تبعية. ولا وجه له. فعن","vol":"10","page":33},{"text":"عبد الله بن عمر﵄أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ رقم [٧] من سورة (هود)، ثم قال: «أيّكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله».\nهذا؛ والابتلاء: الامتحان، والاختبار يكون في الخير، والشر. قال تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ رقم [١٦٨] من سورة (الأعراف)، وخذ ما يلي:\nعن أنس بن مالك﵁-: أن رسول الله ﷺ مر بمجلس، وهم يضحكون فقال:\n «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» أحسبه قال: «فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقها عليه». رواه البيهقي، والبزار.\nوعن ابن عمر﵄قال: أتيت النبي ﷺ عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا نبي الله! من أكيس الناس، وأحزم الناس؟ قال: «أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة». رواه الطبراني، وابن ماجه، والبيهقي، ورحم الله من يقول: [الكامل]\nولدتك أمّك يا بن آدم باكيا... والناس حولك يضحكون سرورا\nفاعمل لنفسك كي تكون إذا بكوا... في يوم موتك ضاحكا مسرورا\nوخير وسيلة يستديم بها المؤمن ذكر الموت أن يكثر من تذكر إخوانه الذين عاشروه، ثم ماتوا، وخلفوه، كيف كانوا في مناصبهم، وأعمالهم، وكيف خلت منهم منازلهم؟! فإنه لو تذكر حال كل واحد منهم، وفصل في قلبه ما كان عليه في دنياه من حسن الصورة، وجمال المنظر والنشاط في الغدو والرواح، والركون إلى الشباب، والقوة، والمال، والانخداع بزهرة الدنيا، وزينتها، والغفلة عما هو قادم عليه من الموت الذريع، والهلاك السريع، وكيف كان يختزن من الأقوات، ويكتنز من الأموال ما يكفيه عشرات السنين، وكيف كان يشيد من الأبنية والقصور ما يبقى أبد الآبدين؛ مع أن اسمه قد كتب في سجل الميتين، وها هو ذا الآن يأكل الدود لسانه، وتتخلل الأتربة أسنانه، وكم نطق بهذا اللسان! وكم افترّ ثغره عن مثل حب الجمان!.\nلو تذكر الإنسان إخوانه على هذا النحو، واعتبر نفسه بهم، وقاس حاله بحالهم، وعرف أن غفلته ستكون كغفلتهم، وعاقبته كعاقبتهم، لو داوم على هذا التفكر، وأكثر من عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وزيارة القبور؛ لغلب ذكر الموت على قلبه، فيقل فرحه بالدنيا وزخرفها، ويشتد تجافيه عن غرورها، ويشتغل بالاستعداد للآخرة، التي لا محيص عنها. قال عمر بن عبد العزيز -﵁-: (ألا ترون أنكم تجهزون كلّ يوم غاديا، أو رائحا إلى الله، تضعونه في صدع من الأرض، قد توسد التراب، وخلف الأحباب، وتقطعت به الأسباب).\nبعد هذا: فالموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته. وموت القلب:\nقسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (الزمر) رقم","vol":"10","page":34},{"text":"[٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها،﴾ وقال في سورة (السجدة) رقم [١١]: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾. وقال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٠]: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ،﴾ وقال في سورة (الأنعام) رقم [٦١]: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾. والجمع بين هذه الآيات: أن الموفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة، يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم؛ تولى قبضها ملك الموت بنفسه. انتهى. خازن في غير هذا الموضع.\n ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر الغالب المنتقم ممن عصاه؛ الذي لا يعجزه من أساء العمل.\n ﴿الْغَفُورُ:﴾ لمن تاب إليه، ورجع عن إساءته، والذي لا ييأس منه أهل الإساءة والزلل. وهما صيغتا مبالغة.\nالإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ بدل مما قبله، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به. (الحياة):\nمعطوف على ما قبله. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي خَلَقَ،﴾ والكاف مفعول به، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ﴾. وقال الفراء، والزجاج: متعلقان بفعل محذوف، كما تقول: بلوتكم؛ لأنظر: أيكم أطوع؟ والمعنى هنا: ليبلوكم، فيعلم، أو فينظر أيكم أحسن عملا. ﴿أَيُّكُمْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿عَمَلًا:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل (يبلو) المعلق عن العمل بسبب الاستفهام. هذا؛ وأجيز اعتبار (أيكم) اسم موصول بمعنى «الذي» و﴿أَحْسَنُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية هذه صلة له، ويكون هذا الموصول في محل نصب بدلا من مفعول ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ تقديره: ليبلو الذي هو أحسن. وعليه: فالضمة للبناء، والمعتمد الأول.\n ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾\nخبر أول. ﴿الْغَفُورُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر العائد على الموصول، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5244\"></span>﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾\nالشرح: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا:﴾ يعني: طبقا على طبق، بعضها فوق بعض، كل سماء مقبية على الأخرى، وسماء الدنيا كالقبة على الأرض. قال كعب الأخبار: سماء الدنيا: موج","vol":"10","page":35},{"text":"مكفوف. والثانية: مرمرة بيضاء. والثالثة: حديد. والرابعة: صفر. وقيل: نحاس، والخامسة:\nفضة. والسادسة: ذهب. والسابعة: ياقوتة حمراء. وما بين السماء السابعة إلى الحجب السبعة صحار من نور. انتهى خازن. وانظر ما ذكرته في سورة (الطلاق) رقم [١٢] فهو جيد. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٧]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ انظر شرحها هناك.\n ﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ أي: ما ترى يابن آدم في شيء مما خلق الرحمن اعوجاجا، ولا اختلافا، ولا تناقضا، بل خلقهن مستقيمة مستوية، وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا، ولا يلائمه، وأصل الكلام: أما ترى فيهن من تفاوت، فوضع ﴿خَلْقِ الرَّحْمنِ﴾ موضع الضمير تعظيما لخلقهن، وتنبيها على سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤيا.\n ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: أعد النظر، وكرره هل ترى في السموات من شقوق، وصدوع؟! وأصله من التفطر، والانفطار، وهو التشتت، والانشقاق. قال الشاعر: [الوافر] بنى لكم بلا عمد سماء... وزيّنها فما فيها فطور\nوانظر ما ذكرته في سورة (الشورى) رقم [١١]. وقال الشاعر: [الوافر]\nشققت القلب ثمّ ذررت فيه... هواك فليم فالتأم الفطور\nتغلغل حيث لم يبلغ شراب... ولا سكر ولم يبلغ سرور\nهذا؛ و«ترى» ماضيه: رأى، وقياس المضارع: ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته كما في قول سراقة بن مرداس البارقي -وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -:\nأري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرهات\nوربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و﴿إِذا رَأَيْتَ:﴾ (أرايتكم)، (أرايت) بدون همز، وقال الشاعر: [الخفيف]\nصاح هل ريت أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟!\nوإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت. وقل في إعلال تري: أصله: ترأي، قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.\nالإعراب: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ:﴾ مثل سابقه، و﴿سَبْعَ﴾ مضاف، و﴿سَماواتٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿طِباقًا:﴾ صفة ﴿سَبْعَ،﴾ ويجوز في العربية جره صفة ل: ﴿سَماواتٍ،﴾ كما في قوله تعالى: ﴿وَقالَ﴾","vol":"10","page":36},{"text":"﴿الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ الآية رقم [٤٣] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا لفعل محذوف. التقدير: تطابق طباقا، كما أجيز اعتباره حالا، أي: ذات طباق، فحذف «ذات» وأقيم طباقا مقامه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي خَلْقِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و﴿خَلَقَ﴾ مضاف، و﴿الرَّحْمنِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الرَّحْمنِ:﴾ حرف صلة.\n ﴿تَفاوُتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿ما تَرى..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿طِباقًا﴾. أفاده الجمل، والنسفي، والزمخشري. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿فَارْجِعِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا كان ذلك واقعا، ولم تصدق؛ فارجع.\n (ارجع): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْبَصَرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، ومن يجيز عطف الإنشاء على الخبر يعطفها على ما قبلها، وابن هشام يعتبر الفاء للسببية المحضة، والمعتمد الأول. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع، والفاعل: أنت. ﴿الرَّحْمنِ:﴾ حرف جر صلة. ﴿فُطُورٍ:﴾ مفعول به، مثل ﴿تَفاوُتٍ،﴾ والجملة الفعلية يجوز أن تكون معلقة لفعل محذوف يدل عليه: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ أي:\nفارجع البصر، فانظر: هل ترى، وأن يكون: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ مضمنا معنى: فانظر؛ لأنه بمعناه، فيكون هو المعلق. انتهى. جمل.\n\n<span id=\"aya-5245\"></span>﴿ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ:﴾ قال ابن عباس ﵄: مرة بعد مرة. وإنما أمر المخاطب بالنظر مرتين؛ لأنه إذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه ما لم ينظر إليه مرة أخرى، فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر في الشيء مرتين لا يرى فيها عيبا، بل يتحير بالنظر إليها. فذلك قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا﴾ أي: خاشعا، صاغرا، متباعدا عن أن يرى شيئا من ذلك. والمراد والله أعلم: كرر النظر إلى السموات مرات، ومرات، فإنك لن ترى خللا، أو عيبا في السموات السبع. هذا؛ و﴿كَرَّتَيْنِ﴾ مصدر ك: «مرتين»، وهو مثنى لا يراد به حقيقته، بل التكثير بدليل ما بعده. والوصفان: ﴿خاسِئًا﴾ و﴿حَسِيرٌ﴾ لا يتأتيان بنظرتين، ولا بثلاث، وإنما المعنى: كرات. وهذا كقولهم: لبّيك، وسعديك، وحنانيك، وهذاذيك، لا يريدون بهذه التثنية شفع الواحد، وإنما يريدون التكثير أي: إجابة لك بعد إجابة، وإلا تناقض الغرض. والتثنية قد تفيد التكثير بقرينة، كما يفيد أصلها، وهو العطف، انظر الشواهد [٩٨٦/ ٩٨٥/٩٨٤] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.","vol":"10","page":37},{"text":"والفعل «خسأ» يكون لازما، ومتعديا، وهو من الباب الثالث، مثل: قطع، يقطع، وفتح، يفتح. هذا؛ والمادة تدل على الصغار، والذلة، والهوان، قال تعالى لليهود اللؤماء الذين اعتدوا في السبت: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ رقم [٦٥] من سورة (البقرة)، و[١٦٦] من سورة (الأعراف).\n ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: قد بلغ الغاية في الإعياء فهو بمعنى: فاعل من الحسور؛ الذي هو الإعياء، ويجوز أن يكون: مفعولا من: حسره بعد الشيء، وهو معنى قول ابن عباس﵄-. ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nمن مدّ طرفا إلى ما فوق غايته... ارتدّ خسآن منه الطّرف قد حسرا\nيقال: قد حسر بصره، يحسر حسورا، أي: كلّ، وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ذلك، فهو حسير، ومحسور أيضا. قال الشاعر: [الطويل]\nنظرت إليها بالمحصّب من منى... فعاد إليّ الطّرف وهو حسير\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِرْجِعِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الْبَصَرَ:﴾ مفعول به. ﴿كَرَّتَيْنِ:﴾ مفعول مطلق عامله: ارجع؛ لأنه بمعنى: رجعتين، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿اِرْجِعِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿يَنْقَلِبْ:﴾ مضارع مجزوم؛ لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبَصَرَ:﴾ فاعل ﴿يَنْقَلِبْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿خاسِئًا:﴾ حال من ﴿الْبَصَرَ﴾. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿حَسِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من ﴿الْبَصَرَ،﴾ أو هي حال من الضمير المستتر ب: ﴿خاسِئًا،﴾ فهي حال متداخلة.\n\n<span id=\"aya-5246\"></span>﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أي: القربى من الأرض. ﴿بِمَصابِيحَ﴾ جمع: مصباح، وهو السراج، وهي اليوم مصابيح كهربائية، وتسمى الكواكب مصابيح؛ لإنارتها. ففي الكلام استعارة تصريحية؛ لأن حقيقة المصباح كما في المختار: السراج. هذا؛ و﴿رُجُومًا﴾ جمع: رجم، وهو مصدر، والمراد به المفعول، أي: ما يرجم به، ولذلك قال الجلال: مراجم؛ أي: أمورا يرجم بها، وفي السمين: و(الرجوم) جمع: رجم، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به،","vol":"10","page":38},{"text":"ك: «ضرب الأمير». ويجوز أن يكون باقيا على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم، وجمع المصدر باعتبار أنواعه. ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ أي: جعلنا شهبها، فحذف المضاف.\nدليله قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٠]: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ وعلى هذا؛ فالمصابيح لا تزول، ولا يرجم بها، لذا قال الخازن: فإن قلت: جعل الكواكب زينة السماء يقتضي بقاءها، وجعلها رجوما للشياطين يقتضي زوالها، فكيف الجمع بين هاتين الحالتين؟!.\nقلت: قالوا: إنه ليس المراد: أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن تنفصل من الكواكب شعلة، وترمى الشياطين بتلك الشعلة، وهي الشهب، ومثلها كمثل قبس يؤخذ من النار، وهي على حالها. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر، والبحر، والأوقات. فمن تأول فيها غير ذلك؛ فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أي: في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا لهم النار الموقدة شديدة الحرارة. قال تعالى في سورة (الصافات) الآية رقم [٩]: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ أي: دائم مستمر في الآخرة.\nقال ابن عباس﵄-: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها، فيلقونها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى﵊منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها، فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو الشعلة من النار، فلا يخطئه أبدا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله، فيصير غولا يضل الناس في الفلوات، والبراري.\nوبسبب ذلك بطلت الكهانة. فإن قيل: هذا القذف إن كان لأجل النبوة، فلم دام بعد النبي ﷺ؟ والجواب: أنه دام بدوام النبوة، فإن النبي ﷺ أخبر ببطلان الكهانة، فقال: «ليس منّا من تكهّن». فلو لم تحرس بعد موته؛ لعادت الجن إلى تسمعها، وعادت الكهانة، ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة، فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن يظنوا: أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة، فصح: أن الحكمة تقتضي دوام الحراسة في حياة النبي ﷺ، وبعد أن توفاه الله إلى دار كرامته.\nفإن قلت: إذا كان الشيطان يعلم: أنه يصاب، ولا يصل إلى مقصوده؛ فكيف يعود مرة أخرى؟ أو: كيف يحاول استراق السمع، وقد رأى غيره قد احترق؟ قلت: يعود رجاء نيل المقصود، وطمعا في السلامة كراكب البحر؛ فإنه يشاهد الغرق أحيانا؛ لكنه يعود إلى ركوبه رجاء السلامة، ونيل المقصود. انتهى. خازن بتصرف. وانظر ما ذكرته في سورة (الجن) رقم [٨] وفي غير هذا الموضع أيضا من سورة (الحجر) وسورة (الصافات) إن أردت الزيادة.","vol":"10","page":39},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ (الواو): حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: وعزّتي! والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: والله أقسم، أو وأقسم والله، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف. وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد. والله ولي التوفيق.\nفإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب:\nأنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ،﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ فإن التقدير: وربّ النّجم، وربّ الشمس... إلخ، الدليل على ذلك: التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم)، وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.\n (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿زَيَّنَّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به.\n ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة السماء منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿بِمَصابِيحَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. (جعلناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿رُجُومًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلشَّياطِينِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿رُجُومًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿السَّعِيرِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله بل لظرفه، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-5247\"></span>﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)﴾\nالشرح: المعنى ليس العذاب في جهنم مختصا، ومقصورا على الشياطين، بل لكل من كفر بالله من إنسان، وجن.","vol":"10","page":40},{"text":"الإعراب: ﴿وَلِلَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (للذين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجملة: (كفروا): صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه.\n ﴿عَذابُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿عَذابُ:﴾ مضاف، و﴿جَهَنَّمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، من إضافة اسم المصدر لظرفه، وفاعله محذوف، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\nوقال الزمخشري، والبيضاوي: وقرئ بنصب «(عذاب)»: على أن (للذين): عطف على ﴿لَهُمْ،﴾ و﴿عَذابُ﴾ عطف على ﴿عَذابَ السَّعِيرِ،﴾ وجملة: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ:﴾ مستأنفة، لا محل لها، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: ويئس المصير المذمومة جهنم.\n\n<span id=\"aya-5248\"></span>﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾\nالشرح: ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها:﴾ طرحوا في جهنم، كما يطرح الحطب في النار العظيمة. ﴿سَمِعُوا لَها:﴾ لجهنم. ﴿شَهِيقًا:﴾ صوتا منكرا كصوت الحمير، شبه حسيسها المنكر الفظيغ بالشهيق.\n ﴿وَهِيَ تَفُورُ:﴾ تغلي بهم غليان المرجل بما فيه. وقيل: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحبّ القليل، ومن الأول قول حسان بن ثابت﵁-: [الوافر]\nتركتم قدركم لا شيء فيها... وقدر القوم حامية تفور\nوهذا من شدة لهب النار من شدة الغضب، كما تقول: فلان يفور غيظا. وقال ابن عباس -﵄-: الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها، تشهق إليهم شهقة البغلة للشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وقيل: الشهيق من الكفار عند إلقائهم في النار. فيكون الكلام على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها. وانظر الزفير، والشهيق في سورة (هود) رقم [١٠٦]:\n ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.\nالإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أُلْقُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَمِعُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَهِيقًا،﴾ كان صفة له. ﴿شَهِيقًا:﴾ مفعول به. ﴿وَهِيَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هي):\nضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَفُورُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿جَهَنَّمَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الهاء في ﴿لَها،﴾ والرابط: الواو، والضمير.","vol":"10","page":41},{"text":"<span id=\"aya-5249\"></span>﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾\nالشرح: ﴿تَكادُ:﴾ تقرب. ﴿تَمَيَّزُ:﴾ أصلة: تتميز، بمعنى: تتقطع، وتتفرق، والمعنى: تتفرق غضبا عليهم. وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم. ويجوز أن يراد غيظ الزبانية. ﴿مِنَ الْغَيْظِ:﴾ من شدة الغيظ على الكفار، فجعلت كالمغتاظة عليهم. شبه الله جهنم في شدة غليانها ولهبها بإنسان شديد الغيظ، والحنق على عدوه، يكاد يتقطع من شدة الغيظ. وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الغيظ الشديد بطريق الاستعارة المكنية، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل]\nوإذا المنيّة أنشبت أظفارها... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [١٢]: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ:﴾ جماعة من الكفرة. ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها:﴾ مالك، وأعوانه من الزبانية، يسألونهم سؤال توبيخ، وتقريع. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي: رسول ينذركم غضب الله، وعقابه، وعذابه. وهذا السؤال للكافرين كثر ذكره في آيات القرآن؛ ولا سيما حينما يطلبون تخفيف العذاب، كما في الآية رقم [٥٠] من سورة (غافر) وغيرها. هذا؛ و﴿فَوْجٌ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط، ومعشر... إلخ، وجمعه أفواج، وفؤوج، وجمع الجمع:\nأفاوج، وأفاييج، وأفاويج. وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (النبأ) ففيها بحث قيم.\nهذا؛ وقال الجمل نقلا عن الخطيب: وغضب جهنم من غضب سيدها، وخالقها، تأتي يوم القيامة تقاد إلى المحشر بألف زمام، لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به، وهي من شدة الغيظ تقوى على الملائكة، وتحمل على الناس، فتتقطع الأزمة جميعها، وتحطم على أهل المحشر، فلا يردها عنهم إلا النبي ﷺ يقابلها بنوره، فترجع، مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر أن يقلع الأرض وما عليها من الجبال، ويصعد بها في الجو؛ لفعل من غير كلفة.\nانتهى.\nهذا؛ وفي المنجد الناقل عن القاموس قوله: ماز، يميز، وميّز وأماز الشيء: فرزه عن غيره، والشيء: فضله على سواه، وتميّز، وانماز انميازا، وامتاز امتيازا، واشماز اشمازة:\nانفصل عن غيره، وانعزل، وتميّز فلان من الغيظ: تقطّع، وامتاز القوم: تميّز بعضهم من بعض.\nهذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٧٩]: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ،﴾ وقال جل وعلا في سورة (الأنفال) رقم [٣٧]: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ،﴾ وقال تعالت حكمته هنا: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ..﴾. إلخ.","vol":"10","page":42},{"text":"الإعراب: ﴿تَكادُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى ﴿جَهَنَّمَ﴾. ﴿تَمَيَّزُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿جَهَنَّمَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿تَكادُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَفُورُ﴾ المستتر، فهي حال متداخلة. وقيل: مستأنفة، والأول أقوى. ﴿مِنَ الْغَيْظِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: في محل نصب على التمييز. ولا وجه له ألبتة.\n ﴿كُلَّما﴾ يعربها المعاصرون أداة شرط غير جازمة، وتفصيل إعرابها: (كل): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين إحداهما مرتبة على الأخرى. (ما): محتملة لوجهين:\nأحدهما: أن تكون حرفا مصدريا والجملة بعده صلة له. والثاني: أن تكون اسما نكرة بمعنى:\nوقت، والجملة بعده في موضع خفض على الصفة. ﴿أُلْقِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَوْجٌ:﴾ نائب فاعل، و(ما) والفعل ﴿أُلْقِيَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة كل إليه، التقدير: كل وقت إلقاء، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، انظر مبحث (كلما) في كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا. ﴿سَأَلَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿خَزَنَتُها:﴾ فاعل، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي.\n (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿نَذِيرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل: (سأل) المعلق عن العمل بسبب الاستفهام.\n\n<span id=\"aya-5250\"></span>﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: يقول الذين كفروا جوابا لخزنة جهنم. والتعبير بالماضي إنما هو لتحقق وقوعه. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب يفيد إثبات ما سأل عنه الخزنة. وهو حرف جواب مثل: نعم، وجير، وأجل، وجلل، وأي؛ إلا أن بلى جواب لنفي متقدم، أي: إبطال ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد؟ فتقول: بلى؛ أي: قد قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى، أي: هو قائم. ومنه الآية الكريمة التي بين أيدينا، وقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس﵄-: لو قالوا: نعم؛ لكفروا.\n ﴿قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ:﴾ قال الجمل نقلا عن الخطيب: جمعوا بين حرف الجواب، ونفس الجملة المفادة به توكيدا؛ إذ لو اقتصروا على بلى؛ لفهم المعنى، ولكنهم صرحوا بالمفاد ببلى تحسرا، وزيادة ندم في تفريطهم، وليعطفوا عليه قولهم: ﴿فَكَذَّبْنا..﴾. إلخ.","vol":"10","page":43},{"text":"﴿فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ..﴾. إلخ أي: كذبنا الرسل، وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال، والإرسال رأسا، وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال. وال ﴿نَذِيرٌ﴾ إما بمعنى الجمع؛ لأنه فعيل، أو مصدر مقدر بمضاف، أي: أهل إنذار، أو منعوت به للمبالغة، أو الواحد، والخطاب له ولأمثاله على التغليب، أو إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل، أو على أن المعنى: قالت الأفواج:\nقد جاء إلى كل فوج منا رسول من الله فكذبناهم، وضللناهم. ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الزبانية للكفار على إرادة القول، ومرادهم بالضلال: الهلاك، أو سمّوا جزاء الضلال باسمه، كما يسمى جزاء السيئة، والاعتداء: سيئة، واعتداء. ويسمى المشاكلة في علم البيان، أو كلام الرسل لهم حكوه للخزنة، أي: قالوا لنا هذا، فلم نقبله. انتهى بيضاوي، ونسفي.\nهذا؛ ومثل الآية قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٧١]: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَنا:﴾ فعل ماض، (ونا):\nمفعول به ﴿نَذِيرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَكَذَّبْنا:﴾ الفاء: استئنافية. (كذبنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَقُلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (قلنا): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ نافية.\n ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿كَبِيرٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول ل: ﴿قالُوا﴾ إن كانت من مقول الكافرين، أو هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إن كانت من مقول الزبانية. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-5251\"></span>﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ:﴾ كلام الرسل في الدنيا، فنقبله جملة من غير بحث، وتفتيش اعتمادا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات. ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله، والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به","vol":"10","page":44},{"text":"الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم. ﴿ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ:﴾ في عدادهم، وجملتهم، فعن أبي سعيد الخدري﵁عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لقد ندم الفاجر يوم القيامة، (قالوا لو كنّا نسمع، أو نعقل ما كنّا في أصحاب السّعير)»، فقال الله تعالى:\n ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾.\nهذا؛ والفعل: «سمع، يسمع» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات تعدى إلى اثنين؛ الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، مثل قولك: سمعت زيدا يقول كذا. وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.\nوأما «العقل» فإنه نور روحاني، تدرك به النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وكثيرا ما يتبجح بعض الناس، فيسأل: أين يوجد العقل؟ فهذا تبجح لا مبرر له، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٢] من سورة (القيامة). وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه؛ أي: يمنعه من فعل الرذائل، والقبائح، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح. وخذ ما يلي. فقد قال الشاعر: [البسيط]\nلم يبق من جلّ هذا النّاس باقية... ينالها الوهم إلاّ هذه الصّور\nلا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم، بل كلّهم بقر\nيقول: لا يدهمنّك من جماعتهم الكثيرة، فهم عدد كثير ليس فيهم غناء ونصرة؛ لأن كلهم كالأنعام والبهائم، ولله در القائل: [المنسرح]\nلا يدهمنك اللّحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر\nفي شجر السّرو منهم شبه... له رواء ما له ثمر\nورضي الله عن حسان بن ثابت؛ إذ يقول في بني عبد المدان: [البسيط]\nلا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم البغال وأحلام العصافير\nفقد ورد أن رجلا معتوها مرّ على مجلس النبي ﷺ، فقال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم: هذا مجنون! فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «هذا مصاب، إنما المجنون من أصرّ على معصية الله تعالى». هذا؛ والعقل: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب القتيل، والعقال بكسر العين: الحبل الذي تربط به ركبة الجمل عند بروكه؛ ليمنعه من القيام والمشي، والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط]","vol":"10","page":45},{"text":"سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟!\nلأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.\n ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا):\nاسمه. ﴿نَسْمَعُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا نَسْمَعُ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿نَعْقِلُ﴾ مع مفعوله المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنّا:﴾ مثل سابقه. ﴿فِي أَصْحابِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كُنّا﴾. و﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف، و﴿السَّعِيرِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿ما كُنّا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و(لو) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-5252\"></span>﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ:﴾ هذا الاعتراف هو نص الآية السابقة، فعن أبي البختر الطائي عن النبي ﷺ قال: «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم». رواه الإمام أحمد. وفي حديث آخر قوله ﷺ: «لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم: أنّ النار أولى به من الجنّة». هذا؛ وإنما وحد (الذنب) وهو خبر عن جماعة؛ لأنه مصدر، والمصدر يخبر به عن المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي: فبعدا لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: السحق: واد في جهنم، والبعد هو المعنى الصحيح له، ويكون بمعنى الهلاك. قال امرؤ القيس: [الطويل]\nيجول بأطراف البلاد مغرّبا... وتسحقه ريح الصّبا كلّ مسحق\nولم يرد هذا اللفظ في غير هذه السورة، وورد في أحاديث الرسول ﷺ كثيرا.\nمنه قول النبي ﷺ: «ألا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالّ، فأناديهم: ألا هلمّ، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: سحقا! سحقا!».\nهذا؛ و(أصحاب) جمع: صاحب، ويكون بمعنى المالك، كما في قولك: صاحب الدار، وصاحب المال، ونحوه، ويكون بمعنى الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب، ثم يخفف. فيقال: أصاحب، ولا تنس: أن الصحابي من اجتمع مع النبي ﷺ، ولو ساعة؛ وهو مؤمن، فالإيمان شرط لتسميته","vol":"10","page":46},{"text":"صحابيا، فإن اجتمع به؛ وهو غير مؤمن؛ لا يقال عنه: صحابي؛ وإن آمن، وأسلم بعد وفاته ﷺ كالذي حصل من كعب الأحبار، وأمثاله.\n ﴿السَّعِيرِ:﴾ النار الشديدة الاستعار؛ أي: الاحتراق، يقال: سعرت النار، فهي مسعورة، وسعير، مثل مقتولة، وقتيل، والسّعير: واد من أودية جهنم، أو دركة من دركاتها، وطبقاتها.\nوالسّعير كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة، قال رشيد بن رميض العنزي: [الوافر]\nحلفت بمائرات حول عوض... وأنصاب تركن لدى السّعير\nف: «عوض» عندهم: صنم صغير، والسّعير: صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنزة، فنفرت ناقته من الصنم، فأنشأ يقول: [الكامل]\nنفرت قلوصي من عتائر صرّعت... حول السّعير يزوره ابنا يقدم\nوجموع يذكر مهطعين جنابه... ما إن يحير إليهم بتكلّم\nقال أبو المنذر: «يقدم» و«يذكر» ابنا عنزة، فرأى هؤلاء يطوفون حول السّعير. انتهى. بغدادي.\nالإعراب: ﴿فَاعْتَرَفُوا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (اعترفوا): فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من مقول قول الله تعالى. ﴿بِذَنْبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَسُحْقًا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (سحقا):\nفيه وجهان: أحدهما هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ألزمهم الله سحقا، والثاني: أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، التقدير: سحقهم الله سحقا، فناب المصدر عن عامله في الدعاء، نحو: جدعا له، وعقرا! فلا يجوز إظهار عامله. ﴿لِأَصْحابِ:﴾ متعلقان ب: (سحقا)، أو بمحذوف صفة له، و(أصحاب): مضاف، و﴿السَّعِيرِ:﴾ مضاف إليه، واللام في: ﴿لِأَصْحابِ﴾ للبيان، كما في هيت لك.\n\n<span id=\"aya-5253\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخافون ربهم، ويطيعونه؛ ولم يروه، أو يخافونه في الخلوة بحيث لا يراهم أحد؛ إذا ألقوا الستر، وأغلقوا الباب. وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه». وروي عن العباس بن عبد المطلب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله؛ تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها». رواه البيهقي. وإن أردت الزيادة فانظر سورة (الرحمن) رقم [٤٦]. هذا؛ و(الغيب): ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه. قال الشاعر: [الطويل]","vol":"10","page":47},{"text":"وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد\nورحم الله من قال: [الطويل]\nإذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن قل عليّ رقيب\nولا تحسبنّ الله يغفل ساعة... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب\nولا تنس: أن هذه الآية مقابلة لما ذكر في الآية رقم [٦] وما بعدها، والمقابلة من المحسنات البديعية اللفظية.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و﴿مَغْفِرَةٌ﴾ فاعلا بمتعلقهما؛ فلست مفندا. ﴿وَأَجْرٌ:﴾\nالواو: حرف عطف. (أجر): معطوف على ما قبله. ﴿كَبِيرٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5254\"></span>﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾\nالشرح: ظاهر الأمر بأحد الأمرين: الإسرار أو الإجهار، ومعنى الكلام الخبر، والإخبار؛ أي: إسراركم، وإجهاركم في علم الله بهما سواء. فقد روي: أن مشركي مكة كانوا ينالون من رسول الله ﷺ، فيخبره جبريل ﵇ بما قالوه فيه، ونالوا منه، فقالوا فيما بينهم: أسروا قولكم لئلا يسمع محمد، فنزلت، وبين الله ﷿: أنه عليم بما تخفي الصدور، وتكنه الضمائر قبل أن تتكلم به الألسنة، وتترجم عنه، فكيف لا يعلم ذلك؟! وينبغي أن تعلم: أن الخطاب يعم الخلق أجمعين إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، كما قد قررته مرارا. و(ذات الصدور) ما فيها، كما يسمى ولد المرأة؛ وهو جنين: (ذا بطنها) أي:\nصاحب بطنها. ولا تنس الطباق بين الإسرار، والجهر.\nهذا؛ و(ذات) بمعنى: صاحبة، فجعلت صاحبة الصدور؛ لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. هذا؛ و(ذات) مؤنث: ذو، الذي بمعنى صاحب، قال تعالى في سورة (البروج): ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ وقال تعالى في سورة (الطارق):\n ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾. وقد يثنى على لفظه، فيقال: «ذاتا» كذا من غير رد لام","vol":"10","page":48},{"text":"الكلمة، وهو القياس، كما يثنى ذو ب: ذوا، أو ذوي على لفظه، ويجوز فيها: (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهو القياس، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهو الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤٨]: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ،﴾ وقال تعالى: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ رقم [١٦] من سورة (سبأ). هذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء ثمّت، وربّت، ولات، ولكنها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١١]: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ،﴾ والنصب جاء في قوله تعالى في سورة (المسد): ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ،﴾ وكل معانيها في القرآن الكريم صاحبة إلا في موضعين، فإنها جاءت بمعنى الجهة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ سورة (الكهف) رقم [١٨] وقد رأيت تثنيتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع. هذا؛ ولم يتعرض لها النحويون بهذا المعنى مع كثرة تعرضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا (ذات) بمعنى: التي، و(ذوات) بمعنى: اللواتي، وذلك في بحث الاسم الموصول. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات\nقال الأشموني-رحمه الله تعالى-: أي: عند طيئ ألحقوا ب: «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم. وحكى الفراء: (بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله بها) وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة: [الرجز]\nجمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق\nوالفرق بين الأول، والثانية: أن الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها، كما رأيت، بخلاف الثانية؛ فإنها لا تضاف؛ لأنها معرفة بالصلة؛ التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة. وأضيف: أن جمع ذات ذوات من لفظه، كما يجمع أولات من غير لفظه، قال تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ رقم [٤] من سورة (الطلاق) كما يجمع المذكر (ذو) بمعنى صاحب: (أولو) من غير لفظه، وهو كثير في القرآن الكريم. تنبه لهذا، وافهمه. فإنه معنى دقيق. واسأل الله لي المزيد من التوفيق.\nالإعراب: ﴿وَأَسِرُّوا:﴾ (الواو): حرف استئناف (أسروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿قَوْلَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية تعليلية، لا محل لها. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان بعليم، و(ذات) مضاف، و﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه.","vol":"10","page":49},{"text":"<span id=\"aya-5255\"></span>﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ:﴾ ألا يعلم من أوجد الأشياء حسبما قدرت حكمته وإرادته.\nانتهى. بيضاوي، وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: يعني: ألا يعلم السر من خلق السر، يقول:\nأنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد؟! وقال أهل المعاني: إن شئت جعلت ﴿مَنْ﴾ اسما للخالق جل وعز، ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته اسما للمخلوق والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالما بما خلقه، وما يخلقه. قال ابن المسيب-رحمه الله تعالى-: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصافات الريح، فوقع في نفس الرجل: أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟! فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ:﴾ العالم بدقائق الأشياء.\n ﴿الْخَبِيرُ:﴾ العالم بحقائق الأشياء وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بما في قلوب العباد، وخبير بما يسرون، وبما يعلنون. وفيه إثبات خلق الأقوال، فيكون دليلا على خلق أفعال العباد.\nالإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف استفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿يَعْلَمُ:﴾\nفعل مضارع. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والمفعول محذوف للتعميم. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، والمفعول محذوف، التقدير، خلق الخلق. هذا؛ وعلى اعتبار فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ عائدا على الله، تقديره: هو، فيكون ﴿مَنْ﴾ مفعولا به، ويكون فاعل ﴿خَلَقَ﴾ عائدا عليه أيضا، ويكون مفعول ﴿خَلَقَ﴾ ضميرا محذوفا، التقدير: خلقه، وهو العائد، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه. والرابط: الواو، والضمير.\nهذا؛ ولم يرتض مكي اعتبار ﴿مَنْ﴾ مفعولا به، وشدد النكير على من قال به، حيث قال:\nوقد قال بعض أهل الزيغ: إن (من) في موضع نصب اسم للمسرين، والجاهرين، ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله، جل ذكره، ولو كان كما زعم، لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما تقدم ذكر ما تكن الصدور، فهو في موضع (ما). انتهى باختصار.\n<span id=\"aya-5256\"></span>﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ أي: سهلة تستقرون عليها. والذلول: المنقاد من كل شيء، وهو صيغة مبالغة، يستوي فيه المذكر، والمؤنث. والمعنى: جعلها لكم سهلة لا يمتنع فيها المشي، لحزونتها، وغلظها. وقيل: أي: ثبتها بالجبال؛ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت","vol":"10","page":50},{"text":"تميد، وتتكفأ؛ لما كانت منقادة لنا، ولما استطعنا الانتفاع بها بالزرع، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار.\n ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ أي: في نواحيها، وجهاتها، وأطرافها. وقيل: طرقها، وفجاجها. وقال ابن عباس﵄-: جبالها، وآكامها. ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي: الذي خلقه الله لكم في الأرض على اختلاف أنواعه، وتفاوت طعومه، وألوانه، وأشكاله. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي: وإليه تبعثون من قبوركم، فيسألكم عن شكر ما أنعم به عليكم.\nهذا؛ وفي الآية الكريمة حث على طلب الرزق، والسعي في تحصيله، وهو لا ينافي التوكل، والأمر في الجملتين للإباحة، أو للندب، كيف لا؛ والرسول ﷺ قد رغب، بل وحث على العمل والسعي في طلب الرزق، فمن ذلك قوله ﷺ: «إنّ الله يحبّ المؤمن المحترف».\nرواه الطبراني عن ابن عمر﵄-. وقوله ﷺ أيضا: «من أمسى كالاّ من عمل يده أمسى مغفورا له». رواه الطبراني عن عائشة﵂-. وقد مر عمر﵁- بقوم جالسين، فقال: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون، فقال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكّل من ألقى حبّه في بطن الأرض، وتوكّل على ربّه، ﷿. وروي: أنه دخل المسجد في غير وقت صلاة، فوجد رجلا جالسا في المسجد، فسأله: ماذا تعمل؟ فقال: أذكر الله، فعلاه بالدّرّة، وقال: لا يقعدنّ أحدكم عن طلب الرزق؛ ويقول: اللهم ارزقني، فإن السماء لا تمطر ذهبا، والأرض لا تنبت فضة!\nوقال الرسول ﷺ: «لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا». رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن عمر بن الخطاب -﵁-. ولعلك تدرك معي: أن قوله ﷺ: «تغدو، وتروح» دليل على السعي، والكسب، فهي لم تبق في أعشاشها؛ ويرزقها الله، بل خرجت منها صباحا تبحث عنه. وهو معلوم لدى كل عاقل.\nالإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما وقيل: متعلقان ب: ﴿ذَلُولًا﴾ ولا وجه له. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿ذَلُولًا:﴾ مفعول به ثان على اعتبار الفعل من أفعال التحويل بمعنى صيّر، وحال إن كان ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: خلق.\n ﴿فَامْشُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط يقدر ب: «إذا». (امشوا): فعل","vol":"10","page":51},{"text":"أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿فِي مَناكِبِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَكُلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كلوا): أمر، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ رِزْقِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ (الواو): واو الحال. (إليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.\n ﴿النُّشُورُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، العائد على الموصول. والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-5257\"></span>﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: المعنى: أأمنتم عذاب من في السماء؛ إن عصيتموه. وقيل: تقديره: أأمنتم من في السماء قدرته، وسلطانه، وعرشه، ومملكته؛ وخص السماء لأن السماء مسكن ملائكته، ومنها تنزل قضاياه، وكتابه، وأوامره، ونواهيه. أو المراد: الملائكة الموكلون على تدبير هذا العالم، أو المراد: الله جلت قدرته.\nوهذا؛ لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، وأن الرحمة، والعذاب ينزلان منه، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون: أنه في السماء، وهو-جلت قدرته-متعال، ومنزه عن المكان. ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ:﴾ كما خسفها بقارون، فذاق وبال أمره، وكانت عاقبة أمره خسرا. هذا؛ والخسف انهيار الأرض بالشيء، وخسف المكان ذهب في الأرض، وبابه جلس، وخسف الله به الأرض من باب: ضرب، أي: غاب به فيها، وخسوف القمر ذهاب ضوئه. هذا؛ والخسف: النقصان، والخسف: الذلة والمهانة، والحقارة. قال الشاعر: [البسيط]\nولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن عير الحيّ والوتد\nهذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد\nوقال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [١٠٨]: [الوافر]\nإذا ما الملك سام الناس خسفا... أبينا أن نقرّ الخسف فينا\n ﴿فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تضطرب، وتتحرك. والمور: الاضطراب بالذهاب، والمجيء. قال الشاعر: [الطويل]\nرمين فأقصدن القلوب ولن ترى... دما مائرا إلاّ جرى في الحيازم\nجمع: حيزوم، وهو وسط الصّدر، وانظر ما ذكرته في سورة (الطور) رقم [٩].","vol":"10","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4630>فائدة:</span>\nيوصف الله بالعلو، والعظمة، لا بالأماكن، والجهات، والحدود؛ لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأنها مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه، وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء، والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة؛ وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان، والزمان، ولا مكان له، ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿أَأَمِنْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام مفيد للوعيد، والتهديد. (أمنتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. التقدير: ثبت، واستقر سلطانه، وقدرته... إلخ. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَخْسِفَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب بدل من ﴿مَنْ﴾ بدل اشتمال. ﴿بِكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿فَإِذا:﴾ (الفاء):\nحرف عطف، وتعقيب. وخذ ما قاله السيوطي-رحمه الله تعالى-فيها: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن «إذا» الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني. وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها. واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع «ثم» موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: فهي للسببية المحضة، وفي مغني اللبيب نحو هذا.\n (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالدخول على الجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو خرجت فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك. ويرجحه: (خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب)؛ لأن (إنّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: (خرجت فإذا زيد جالس) والمقدر في نحو: (فإذا الأسد). أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو استقر. ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.\nوعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، فهي هنا متعلقة بالفعل ﴿تَمُورُ﴾. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَمُورُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿هِيَ﴾ العائد بدوره إلى الأرض. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ تَمُورُ﴾ معطوفة على ما قبلها.","vol":"10","page":53},{"text":"<span id=\"aya-5258\"></span>﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ:﴾ هو مثل الآية السابقة بلا فارق. ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا﴾ أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط، وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة، وحصباء. وقيل: سحاب فيه حجارة. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ عند معاينة العذاب، أو عند الموت. ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي: إذا رأيتم ذلك؛ علمتم كيف نتيجة إنذاري حين لا ينفعكم العلم به.\nوقيل: النذير بمعنى المنذر، يعني: محمدا ﷺ، فستعلمون صدقه، وعاقبة تكذيبكم. وخذ قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٦٨]: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ انظر شرحها هناك.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، بمعنى: «بل» الانتقالية. وقيل: للإضراب. ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا:﴾ إعراب هذا الكلام مثل سابقه بلا فارق. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له قطعا. السين: حرف تنفيس، واستقبال (تعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم. ﴿نَذِيرِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول تعلمون، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-5259\"></span>﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ من قبل أهل مكة، والمراد: كفار الأمم الماضية قبلهم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وأصحاب الرسّ، وقوم فرعون.\n ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم بنزول العذاب؟ ألم يكن في غاية الهول، والفظاعة؟! وفيه تهديد، ووعيد لكفار قريش، وتسلية لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: واو القسم، واللام واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماضي. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والمفعول محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. وانظر الآية رقم [٥] ففيها الكفاية. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذين وجدوا من قبلهم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَكَيْفَ:﴾ (الفاء):\nهي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٥]. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر","vol":"10","page":54},{"text":"﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء، والقسم وجوابه: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-5260\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: أهل مكة، وغيرهم. ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ هو اسم جمع مثل: غنم، وخيل. وقيل: بل هو جمع: طائر، مثل: صحب، وصاحب، ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل: فرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب، وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾ وطائر الإنسان: عمله الذي قلده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ والطير أيضا اسم من التطير، ومنه قولهم: (لا طير إلاّ طير الله) كما يقال: (لا أمر إلا أمر الله).\n ﴿فَوْقَهُمْ صافّاتٍ:﴾ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها؛ صففن قوائمهن صفا، والمعنى: كما ذلل الأرض للآدمي؛ ذلل الهواء للطيور.\n ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أي: يضممن أجنحتهن إذا ضربن بهن جنوبهن بعد البسط. قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحيه: صاف، وإذا ضمهما فأصابا جنبه: قابض؛ لأنه يقبضهما. قال أبو خراش: [الطويل]\nيبادر جنح اللّيل فهو موائل... يحثّ الجناح بالتّبسّط والقبض\nوقيل: ويقبضن أجنحتها بعد بسطها؛ إذا وقفن من الطيران. ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ:﴾ ما يمسك الطير حال القبض، والبسط، وهي تطير في الجو إلا الله ﷿. والمعنى: أن الطير مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها، وثبوتها في الهواء إلا بإمساك الله ﷿ إياها، وحفظه لها.\nهذا؛ و(يقبضن) معطوف على اسم الفاعل: ﴿صافّاتٍ﴾ حملا على المعنى، أي: يصففن، ويقبضن. أو صافات، وقابضات، واختيار هذا التركيب باعتبار: أن أصل الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء، كالسباحة في الماء، والهواء للطائر كالماء للسابح، والأصل في السباحة مد الأطراف، وبسطها، وأما القبض فطارئ على البسط، للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارئ بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة، بعد تارة كما يكون من السابح. انتهى. نسفي.","vol":"10","page":55},{"text":"تنبيه: قال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-: يجوز أن يعطف الفعل على الاسم المشبه للفعل كاسم الفاعل، ونحوه، ويجوز أيضا عكس هذا، وهو أن يعطف على الفعل الواقع موقع الاسم اسم، فمن الأول قوله تعالى في سورة (العاديات): ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾. وجعل منه قوله تعالى في سورة (الحديد) رقم [١٨]: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ومن الثاني قول الشاعر: [الطويل]\nفألفيته يوما يبير عدوّه... ومجر عطاء يستحقّ المعابرا\nف: «مجر» معطوف على جملة «يبير» الواقعة صفة: «يوما»؛ إذ التقدير: فألفيته مبيرا، ومجريا. وقد حذف ياء المنقوص في حالة النصب، كحذفها في حالتي الجر، والرفع، وأيضا قول الشاعر: [الرجز]\nبات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسوقها وجائر\nإذ التقدير: بعضب باتر قاصد وجائر. ولم يذكر ابن عقيل الآية التي نحن بصدد شرحها، ويشبهها قوله تعالى في سورة (ص): ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ وقول ابن عقيل المتقدم، إنما هو شرح قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواعطف على اسم شبه فعل فعلا... وعكسا استعمل تجده سهلا\nالإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (الواو): حرف استئناف، ويقال: عاطفة على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الطير، أو هو متعلق ب: ﴿صافّاتٍ،﴾ و(الهاء) في محل جر بالإضافة. ﴿صافّاتٍ:﴾ حال ثانية من (الطير) منصوب، وعلامة نصبة الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.\n ﴿وَيَقْبِضْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقبضن): فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والمفعول محذوف. والجملة الفعلية في محل نصب معطوفة على ﴿صافّاتٍ،﴾ والكلام:\n ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُمْسِكُهُنَّ:﴾ فعل مضارع مرفوع، و(الهاء) مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال أخرى من ﴿الطَّيْرِ﴾ أو نون النسوة، فتكون حالا متداخلة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(الهاء) اسمه. ﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها.","vol":"10","page":56},{"text":"<span id=\"aya-5261\"></span>﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿أَمَّنْ..﴾. إلخ أي: من هذا الذي يستطيع أن يدفع عنكم عذاب الله من الأنصار، والأعوان؟!، قال ابن عباس﵄-: أي: من ينصركم مني إن أردت عذابكم؟! والخطاب لأهل مكة، ويعم كل مخاطب عاص مخالف لأوامر الله تعالى إلى يوم القيامة. قال تعالى في حق قارون؛ الذي خسف به، وبداره الأرض: ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ رقم [٨١] من سورة (القصص). ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ أي: ما الكافرون في اعتقادهم: أن آلهتهم تنفع، أو تضر إلا في جهل عظيم، وضلال مبين؛ حيث ظنوا الأوهام حقائق، فاعتزوا بالأوثان، والأصنام من دون الله، ﷿.\nهذا؛ وعند التأمل يظهر لك كثرة الالتفات في هذه الآيات، وذلك من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، ثم إلى الغيبة بقوله: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ ثم إلى الخطاب بقوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ ثم إلى الغيبة بقوله: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. وللالتفات فوائد كثيرة:\nمنها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عند الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائد العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع. ووجهه: حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصه بالمواجهة.\nالإعراب: ﴿أَمَّنْ:﴾ (أم): حرف عطف بمعنى: «بل». (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هذَا:﴾ (الهاء): حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من اسم الإشارة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ جُنْدٌ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿جُنْدٌ﴾. ﴿يَنْصُرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿جُنْدٌ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿جُنْدٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بالجار والمجرور. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له.\nو﴿دُونِ:﴾ مضاف، و﴿الرَّحْمنِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنِ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿الْكافِرُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي غُرُورٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها وهي معترضة بين المتعاطفين.\n<span id=\"aya-5262\"></span>﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي..﴾. إلخ: المعنى: أم من يشار إليه، ويقال: هذا الذي يرزقكم، إن أمسك الله رزقه بحبس المطر، ومنع منافع الدنيا؟ بل لو كان الرزق موجودا كثيرا سهل التناول،","vol":"10","page":57},{"text":"فوضع الآكل لقمة في فيه، فأمسك الله عنه قوة الازدراد؛ لعجز أهل السموات، والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. وقل مثله في الماء. روي: أن هارون الرشيد طلب ماء ليشربه، فجيء له بقدح فيه ماء، فوضعه على فيه. فقال له عالم جليل: أسألك يا أمير المؤمنين بحرمة جدك العباس: لو منعت قدح الماء فبكم تشتريه؟ قال: بملكي كله، فقال العالم الجليل: تبا لملك لا يساوي قدح ماء. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم: أنهم يحافظون من النوائب، ويرزقون ببركة آلهتهم، فكأنهم الجند الناصر، والرازق.\n ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ تمادوا، وأصروا. ﴿فِي عُتُوٍّ:﴾ في طغيان، وعناد، وتكبر. ﴿وَنُفُورٍ:﴾ تباعد عن الحق، وعدم انصياع له؛ لثقله عليهم، فلم يتبعوه، ولم يقبلوه، ولم يسمعوه سماع قبول.\nتنبيه: قال المفسرون: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون رسول الله ﷺ معتمدين على شيئين: أحدهما: قوتهم بأموالهم، وعددهم، والثاني: اعتقادهم: أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات، فأبطل الله عليهم الأول بقوله: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ..﴾.\nإلخ. ورد عليهم الثاني بقوله: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ انتهى. جمل نقلا عن الخطيب.\nالإعراب: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق. ﴿يَرْزُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف؛ لأن «رزق» بمعنى: أعطى، ومنح، فهو ينصب مفعولين، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والكلام: ﴿أَمَّنْ هذَا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، الأول بالاستئناف، والثاني بالإتباع. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم ﴿أَمْسَكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله) تعالى. ﴿رِزْقَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿لَجُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فِي عُتُوٍّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَنُفُورٍ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (نفور): معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-5263\"></span>﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾\nالشرح: ضرب الله في هذه الآية مثلا للمؤمن، والكافر، فالكافر مثله فيما هو من الضلالة كمثل من يمشي مكبا على وجهه، أي: منحنيا لا مستويا، لا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب؟ فهو تائه حائر ضال، والمؤمن يمشي منتصب القامة، على طريق واضح بين، أيهما أهدى سبيلا أهذا أم ذاك؟ انتهى. مختصر ابن كثير. ثم قال: هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك","vol":"10","page":58},{"text":"يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم، مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم. انتهى. هذا؛ وخذ قوله ﷿ في سورة (الإسراء) رقم [٧٢]: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا،﴾ وقوله فيها أيضا رقم [٩٧]: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا،﴾ وقوله في سورة (الفرقان) رقم [٣٤]: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ و﴿مُكِبًّا﴾ اسم فاعل من: أكب الرباعي، وهو لازم بينما يكون متعديا من الثلاثي، قال امرؤ القيس-وهو الشاهد رقم [٣٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]\nلها متنتان خظاتا كما... أكبّ على ساعديه النّمر\nوهو خارج عن قاعدة تعدية اللازم بالهمزة، كما في قولك: ذهب زيد، وأذهب زيد عمرا، وخرج، وأخرج. ومثله: أنزفت البئر، ونزفتها أنا، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا. ومن المتعدي بدون همز قول النبي ﷺ، من حديث معاذ بن جبل﵁الطويل، وهو مشهور: «وهل يكبّ النّاس في النّار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم». وقد أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأيضا قوله ﷺ: «من ولي أمة من أمّتي، قلّت، أو كثرت، فلم يعدل فيهم؛ كبّه الله على وجهه في النّار». رواه الطبراني، والحاكم عن معقل بن يسار﵁-.\n ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ على طريق ثابت، والصراط: الطريق، وهو يستعار للدين القويم، كما في صدر سورة (يس)، وكما في سورة (الفاتحة) وسمي الدين: طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، فهو طريق إليها، وهو يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، ويذكر ويؤنث، والأول أكثر. هذا؛ وأصل ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ مستقوم؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف، واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾. بعد هذا لا تنس الاستعارة التمثيلية في الآية الكريمة؛ حيث يمشي المؤمن في حياته وبعد مماته على صراط مستقيم، والكافر يمشي ويتعثر في الدنيا، وفي الآخرة يسحب على وجهه إلى طريق الجحيم، ما أحسنها، وما أروعها من استعارة!\nحيث شبه المؤمن في تمسكه بالدين الحق، ومشيه على منهاجه بمن يمشي في الطريق المعتدل، الذي ليس فيه ما يتعثر به، وشبه الكافر في ركوبه، ومشيه على الدين الباطل بمن يمشي في الطريق، الذي فيه حفر، وارتفاع، وانخفاض، فيتعثر، ويسقط على وجهه، كلما تخلص من عثرة؛ وقع في أخرى، فالمذكور في الآية هو المشبه به، والمشبه محذوف، لدلالة السياق عليه.","vol":"10","page":59},{"text":"الإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي. (الفاء): حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَمْشِي:﴾\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مُكِبًّا:﴾ حال من الفاعل المستتر. ﴿عَلى وَجْهِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُكِبًّا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَهْدى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿أَمَّنْ:﴾ (أم): حرف عطف. (من): مبتدأ، وجملة: ﴿يَمْشِي﴾ صلته. ﴿سَوِيًّا:﴾\nحال من فاعل ﴿يَمْشِي﴾ المستتر. ﴿عَلى صِراطٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَوِيًّا﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وإن عطفت (من) على سابقتها عطف مفرد على مفرد؛ فلا حاجة إلى خبر.\n\n<span id=\"aya-5264\"></span>﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ:﴾ خلقكم ابتداء بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، والأمر لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، والخطاب فيما بعده لأهل مكة، ولكل عاقل يسمع، ويتعظ.\n ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني: أنه تعالى ركب فيكم هذه الجوارح؛ لتستعملوها، وتنتفعوا بها، لكنكم ضيعتموها، فلم تقبلوا ما سمعتموه، ولا اعتبرتم بما أبصرتموه، ولا تأملتم ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، فاستعملتموها في غير ما خلقت له، فلهذا قال تعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وذلك؛ لأن شكر نعم الله تعالى صرفها في وجه مرضاته، فلما صرفتموها في غير مرضاته، فكأنكم ما شكرتم رب هذه النعم الواهب لها؛ لأن شكر الله يكون بصرف جميع ما أنعم الله به على العبد فيما خلق لأجله، وهذه الجملة مذكورة بحروفها في سورة (السجدة) رقم [٩].\nهذا؛ وقد وحد الله السمع في هذه الآية وأمثالها دون الأبصار، والأفئدة؛ لأمن اللبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء سماعا، وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس، يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع. وقيل: وحد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات غيره مختلفة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nاستدل بهذه الآية وأمثالها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه باللفظ، وقال بتبرير قوله:\nوالسمع يدرك به الجهات الست، وفي النور، وفي الظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء، وشعاع. وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع؛ لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام، والبصر يدرك به الأجسام، والألوان، والهيئات كلها.","vol":"10","page":60},{"text":"قالوا: فلما كانت تعلقاته أكثر؛ كان أفضل، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات الست.\nانتهى. قرطبي في غير هذا الموضع. أقول: فاقد السمع يفعل الأشياء الكثيرة، وفاقد البصر، لا يستطيع أن يفعل شيئا، فإذا البصر أفضل.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، تقدم على الأول. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال-رحمه الله تعالى-: ﴿ما:﴾ محتملة ثلاثة أوجه:\nأحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، وقليلا في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل مثلها في: «أكلت أكلا ما» وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل.\nالوجه الثاني: النفي، و﴿قَلِيلًا﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: شكرا قليلا، أو زمنا قليلا.\nالثالث: أن تكون مصدرية، وهي، وصلتها فاعل ب: ﴿قَلِيلًا﴾ التقدير: قليلا شكركم، و﴿قَلِيلًا﴾ حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى؛ أي: شكروا، فأخروا قليلا شكرهم. أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب ﴿قَلِيلًا﴾ على الوجه الأول. وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر ﴿قَلِيلًا﴾ نعتا لمصدر محذوف، مثل اعتباره في الوجه الثاني. وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: فما يشكرون قليلا، ولا كثيرا، وجملة: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ تعليلية لا محل لها من الإعراب، وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة)، وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (المؤمنون) برقم [٧٨] مع اختلاف بسيط.\n\n<span id=\"aya-5265\"></span>﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: خلقكم، وبثكم، ونشركم في أقطار الأرض مع اختلاف ألسنتكم، ولغاتكم، وألوانكم. ومنه: الذرية، وهي نسل الثقلين، تركوا همزها.\nوالجمع: الذراري بتشديد الياء، وباب الفعل: قطع. ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ:﴾ تجمعون بعد هذا التفرق،","vol":"10","page":61},{"text":"والشتات، يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم، وذلك للحساب، والجزاء بعد إخراجكم من القبور. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة (المؤمنون) برقم [٧٩].\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿ذَرَأَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، واعتبارها في محل نصب حال لا يجوز؛ لأن الجملة المضارعية الواقعة حالا، لا تقترن بالواو، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5266\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: هذه الآية تكررت في كثير من السور، كما هو معروف، ومعلوم لدى كل مسلم يقرأ القرآن. والسؤال المفهوم من الاستفهام يحتمل وجهين: أحدهما: أنه سؤال عن نزول العذاب بهم. والثاني: أنه سؤال عن يوم القيامة. كما يحتمل السؤال عن الاثنين معا، وعليه يكون المعنى: متى يكون يوم القيامة؛ الذي يعذبون فيه في نار جهنم؟ وهذا من فرط عتوهم يقولون ذلك استهزاء، وتكذيبا، والخطاب للنبي ﷺ، وللمؤمنين معه؛ لأنهم كانوا مشاركين له في الوعد، ويتهددون المشركين بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم.\nالإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ (الهاء):\nحرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.\n ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ أي: إن كنتم صادقين فيما تخبرون به من أمر القيامة؛ فبينوا وقته على وجه التحديد. والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقولون...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"10","page":62},{"text":"<span id=\"aya-5267\"></span>﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾\nالشرح: أي: قل لهم يا محمد: إن علم وقت قيام الساعة، ونزول العذاب بكم عند الله فلا يعلمه غيره، لكن أمرني أن أخبركم: أن هذا كائن، وواقع لا محالة، فاحذروه. فهو كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧]: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾. ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: مخوّف، ومعلم لكم، وما عليّ إلا البلاغ، وقد أديته إليكم، فهو كقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٩]:\n ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ،﴾ وفي كثير من الآيات: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وفي سورة (النور) رقم [٥٤]، وفي سورة (العنكبوت) أيضا رقم [١٨]: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة.\n ﴿الْعِلْمُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّما:﴾ (الواو): حرف عطف.\n (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَذِيرٌ:﴾\nخبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها.\n<span id=\"aya-5268\"></span>﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ﴾ يعني: العذاب في الآخرة على قول أكثر المفسرين. وقيل: يعني:\nالعذاب ببدر. ﴿زُلْفَةً:﴾ مصدر بمعنى: مزدلفا؛ أي: قريبا. والزلفة: القربة، ومثلها: الزلفى (بالقصر). قال تعالى: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾.\nرقم [٣٧] من سورة (سبأ)، والجمع: زلف، وزلفات بضم اللام وفتحها. هذا؛ والزلفة:\nالدرجة، والمنزلة، والطائفة من الليل، والجمع: زلف، قال تعالى في سورة (هود) رقم [١١٤] مخاطبا للنبي ﷺ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ..﴾. إلخ.\n ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: علتها الكآبة، وساءتها رؤية العذاب، وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٠٦]: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ وهذه القترة التي ذكرها الله تعالى في سورة (عبس): ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾.\n ﴿وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ:﴾ من الدعاء، أي: تتمنون، وتطلبون أن يعجله الله لكم، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: هو قولهم: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ رقم [١٦] من سورة (ص)، وقال الضحاك: هو قولهم: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل،","vol":"10","page":63},{"text":"إنما هو لتحقق وقوعه. وقيل: تدعون من الدعوى، أي: تدعون: أن ما جاء به محمد ﷺ باطل، وتدعون: أنكم لا تبعثون، ولا يوجد حساب، ولا عقاب، ولا ثواب، ولا جنة، ولا نار.\nهذا؛ وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ تدتعيون على وزن: يفتعلون، فأسكنت الياء؛ لأن الضم فيها ثقيل، وألقيت حركتها على العين، بعد أن أزيلت حركة العين، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو بعدها، فصار تدتعون، ثم قلبت التاء دالا، وأدغمت الدال في الدال، فصار: ﴿تَدَّعُونَ﴾ وقلبت التاء دالا، ولم تقلب الدال تاء؛ لأن الدال حرف مجهور، والتاء مهموسة، والمجهور أقوى في اللفظ من المهموس. انتهى مكي من سورة (يس).\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى «حين» تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول. والمشهور الثاني. ﴿رَأَوْهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والهاء مفعول به. ﴿زُلْفَةً:﴾ حال من الضمير المنصوب. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿سِيئَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء للتأنيث. ﴿وُجُوهُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، و﴿وُجُوهُ﴾ مضاف، و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَقِيلَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿هذَا:﴾ (الهاء):\nحرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل (قيل). أفاده ابن هشام في مغنيه. وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك مرارا أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام، أي:\nوقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور (لهم) المذكور، أو المقدر كما هنا في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني؛ حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: «لا حول، ولا قوة إلا بالله: كنز من كنوز الجنّة» ونحو: «زعموا: مطية الكذب» وجملة: ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «تدعون به» في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.","vol":"10","page":64},{"text":"<span id=\"aya-5269\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لمشركي مكة الذين يتمنون هلاكك. ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾\nأخبروني، وأعلموني. ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ:﴾ إن أماتني الله، ومن معي من المؤمنين. ﴿أَوْ رَحِمَنا﴾ أي: فأبقانا، وأخّر آجالنا. ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ:﴾ يمنع الكافرين، وينجيهم. ﴿مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ:﴾ مؤلم موجع واقع بهم.\nكان كفار مكة يدعون على النبي ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، فأمر ﷺ أن يقول لهم: نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين، إما أن نهلك، كما تتمنون، فننقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة عليكم، كما نرجو، فأنتم ما تصنعون إن أراد الله أن يعذبكم؟ ومن يجيركم؛ وأنتم كافرون من عذاب النار الواقع بكم لا محالة؟\nوملخص الآية: نحن خائفون وجلون من عذاب الله مع إيماننا بالله، ونرجو منه تعالى أن يرحمنا، ويعفو عنا، فنعتقد: أن حكمه نافذ فينا، فمن يجيركم، ومن يمنعكم من عذاب أليم، وأنتم مصرون على الكفر، ومعاندة الواحد القهار؟! والله أعلم بمراده، وأسراره كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4643>فائدة:</span>\nكان مذهب الإمام مالك-رحمه الله تعالى-هو السائد في مصر، فلما ارتحل الإمام الشافعي إلى مصر، واستقر فيها؛ تحول الناس من مذهب الإمام مالك إلى مذهب الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-فصار ابن عبد الحكم تلميذ الإمام مالك يدعو على الشافعي في صلاته، فيقول: اللهم أمت الشافعي كما أمات مذهب مالك في مصر، فذكر ذلك للإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-فقال: [الطويل]\nتمنّى رجال أن أموت وإن أمت... فتلك طريق لست فيها بأوحد\nفقل للّذي يرجو خلاف الذي مضى... تزوّد لأخرى مثلها وكأن قد\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (رأيتم): فعل، وفاعل، وتقدم معنا في كثير من الآيات: أن هذا الفعل ينصب مفعولين: الأول مفرد. والثاني: جملة استفهامية، ولا شيء منهما هنا، فكأن الجملة الشرطية سدت مسد المفعولين. انتهى. جمل بتصرف. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَهْلَكَنِيَ:﴾\nفعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.\n ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.\n ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف","vol":"10","page":65},{"text":"على ياء المتكلم. ﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿رَحِمَنا:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ و(نا): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n ﴿فَمَنْ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُجِيرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُجِيرُ﴾. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة ﴿عَذابٍ،﴾ والجملة الشرطية سدت مسد مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ،﴾ وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقال الجمل: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ﴾ جواب الشرط. وفي تسببه عن الشرط بعد، ويمكن أن يقال: الجواب محذوف، تقديره: فلا فائدة لكم في ذلك، ولا نفع يعود عليكم؛ لأنكم لا مجير لكم من عذاب الله. تأمل. انتهى. فتكون الجملة تعليل الجواب المحذوف.\n\n<span id=\"aya-5270\"></span>﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين في إنكارك عليهم، وتوبيخك لهم: الذي أدعوكم إليه ﴿هُوَ الرَّحْمنُ:﴾ مولي النعم، وشديد النقم، وراحم المسترحمين، وغافر للمستغفرين. ﴿آمَنّا بِهِ:﴾ أنه واحد أحد فرد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولا يشبهه أحد في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ في جميع أمورنا، كما قال تعالى في سورة (هود) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٢٣]: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ،﴾ وانظر الكلام على ﴿وَكِيلًا﴾ في سورة (المزمل) رقم [٩]. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ عن قريب. ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ ولمن تكون العاقبة المحمودة في الدنيا، والآخرة.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم أخر مفعول: ﴿آمَنّا﴾ وقدم مفعول:\n ﴿تَوَكَّلْنا؟﴾ قلت: لوقوع ﴿آمَنّا﴾ تعريضا بالكافرين، حين ورد عقيب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا، ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ خصوصا، لم نتوكل على ما أنتم متوكلون عليه من رجالكم، وأموالكم. انتهى. هذا؛ ويعني بمفعول الفعلين: الجار والمجرور بعدهما، فإن الفعلين لازمان، وقد تعديا بالجار والمجرور، ولو قال: معمول بدلا من: مفعول؛ لكان أوضح. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"10","page":66},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿هُوَ الرَّحْمنُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الرَّحْمنُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها. وقيل:\nالجملة في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، وجملة: ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، وقيل: الفصيحة. ولا وجه له.\n (السين): حرف تنفيس، واستقبال. (تعلمون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.\n ﴿الرَّحْمنُ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا هو الإعراب الظاهر، وفي الحقيقة ﴿الرَّحْمنُ﴾ اسم استفهام مبتدأ، والفعل قبله معلق على العمل لفظا بسببه، و﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿الرَّحْمنُ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول (تعلمون)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5271\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ. ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني يا معشر قريش، فإن الخطاب لهم.\n ﴿إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا﴾. أي: غائرا ذاهبا في الأرض، لا تناله الدلاء، ولا تأتي به الفؤوس الحداد، ولا السواعد الشداد. وكان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم، وبئر ميمون. هذا؛ وتأويل المصدر ﴿غَوْرًا﴾ ب: «غائرا» لا بد منه؛ لأنه لا يخبر بالمصدر عن الجثة، فلا يقال: ماؤكم غور، ولا أنتم قيام. ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أي: جار، فلا بد لهم من أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله تعالى، فقل لهم: لم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم بماء معين؟! هذا؛ و﴿مَعِينٍ﴾ جار ظاهر للعيون، يقال: معين، ومعن، كما يقال: رغيف، ورغف، فهو فعيل من: معن الماء: إذا جرى، أو من الماعون، وهو المنفعة؛ لأنه نفّاع، أو هو مفعول من: عانه إذا أدركه بعينه؛ لأنه لظهوره مدرك بالعيون، جار على وجه الأرض. والمعنى: لا يقدر على ذلك إلا الله ﷿، فمن فضله، وكرمه، وجوده، وإنعامه أنعم عليكم بالمياه، وأجراه في سائر أقطار الأرض، بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة، والكثرة، والله لطيف بعباده، فلله الحمد والمنة على هذه النعمة.\nوينبغي لمن يسمع هذه الآية أن يقول: يأتي به الله رب العالمين. ولا تنس قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٨]: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾. وانظر شرحها هناك؛ فإنه جيد والحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":67},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا:﴾ انظر الآية [٢٨] ففيها الكفاية. ﴿فَمَنْ:﴾ (الفاء):\nواقعة في جواب الشرط. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يَأْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». و(الكاف): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وانظر تتمة الإعراب في الآية رقم [٢٨].\n ﴿بِماءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَعِينٍ:﴾ صفة (ماء)، والكلام: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الملك) شرحا، وإعرابا بحمد الله، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4646>سورة القلم</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (ن والقلم) وهي مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر﵃-.\nوقال ابن عباس، وقتادة﵄-: بعضها مكي، وبعضها مدني. والمعتمد الأول، وهي ثنتان وخمسون آية، وثلاثمئة كلمة، وألف ومئتان وستة وخمسون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5272\"></span><span id=\"aya-5273\"></span>﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾\nالشرح: ﴿ن:﴾ لقد اختلف فيه، كما اختلف في جميع الحروف المفتتح فيها السور، فقيل: هو لوح من نور. وقيل: إن النون هو لقب لحوت عظيم. قال الكلبي، ومقاتل: اسمه البهموت، قال الراجز: [الرجز]\nما لي أراكم كلّكم سكوتا... والله ربّي خلق البهموتا\nوذكر القرطبي، والخازن في وصف هذا الحوت أمورا لا يقرها العقل في هذه الأيام، فنكل علمها إلى الله تعالى، وعن ابن عباس﵄أن النون هو الدواة التي يوضع فيها الحبر للكتابة ومنه قول الشاعر:\nإذا ما الشّوق برّح بي إليهم... سقيت النّون بالدمع السّجام\nأراد بالنون: الدواة. وعن ابن عباس أيضا: أن نونا حرف من حروف الرحمن. انتهى.\nوهذا على اعتبار الاسم الكريم مؤلفا من: ﴿الر﴾ و﴿لَحْمَ﴾ و﴿ن،﴾ وقيل: هو مفتاح اسمه تعالى: نصير، وناصر. وقيل: هو اسم للسورة. وانظر ما قيل فيه من قراءات في أول سورة (ص). ﴿وَالْقَلَمِ:﴾ (القلم): هو القلم الذي كتب الله فيه الذكر، وهو قلم من نور، طوله كما بين السماء والأرض، ويقال: أول ما خلق الله القلم، فانشق نصفين، ثم قال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه، وانظر اللوح المحفوظ في آخر سورة (البروج).\nوروى الوليد بن مسلم قال: حدثنا مالك بن أنس، عن سميّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة﵁-؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أوّل ما خلق الله","vol":"10","page":69},{"text":"القلم، ثمّ خلق النون، وهي الدواة، وذلك قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ ثم قال له: اكتب، قال:\nوما أكتب؟ قال: ما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل، أو أجل، أو رزق، أو أثر.\nفجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثمّ ختم فم القلم، فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة. ثم خلق العقل، فقال الجبّار، ما خلقت خلقا أعجب إليّ منك، وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت! ولأنقصنّك فيمن أبغضت». قال: ثم قال رسول الله ﷺ: «أكمل الناس عقلا أطوعهم لله، وأعملهم بطاعة الله». وقيل: المراد به القلم المتداول بين أيدي الناس، أقسم الله به؛ لما فيه من البيان كاللسان، وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من في السماء ومن في الأرض، ومنه قول أبي الفتح البستي: [الطويل]\nإذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم... وعدّوه مما يكسب المجد والكرم\nكفى قلم الكتّاب عزّا ورفعة... مدى الدّهر أنّ الله أقسم بالقلم\nوللشعراء في تفضيل القلم على السيف أبيات كثيرة منها ما ذكرناه أعلاه.\n ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ أي: ما يكتبون، يريد الملائكة يكتبون أعمال بني آدم. قاله ابن عباس -﵄-. وقيل: أي: وما يكتب الناس، ويتفاهمون به. وقيل: المراد: ما سجله القلم في الذي أجراه الله بالقدر، حين كتب مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف عام وعليه يكون الجمع، يعني: التعبير بواو الجماعة للتعظيم، لا للجمع، وانظر سورة (اقرأ) وما أذكره فيها.\n ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. هذا رد لقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ رقم [٦] من سورة (الحجر) والمعنى: إنك لا تكون مجنونا؛ وقد أنعم الله عليك بالنبوة والحكمة.\nفنفى عنه الجنون. وقيل: معناه: ما أنت بمجنون، والنعمة لله. وهو كما يقال: ما أنت بمجنون، والحمد لله. وقيل: إن نعمة الله كانت ظاهرة عليه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والأخلاق الحميدة، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة. وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة، فوجودها ينفي حصول الجنون. فنبه الله تعالى بهذه الآية على كونهم كاذبين في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ،﴾ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الطور) رقم [٢٩]:\n ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾.\nقال أبو عمرو الداني: فإن قيل: فكيف يسمى ما جاء من حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد، نحو (ص، ق، ن) حرفا، أو كلمة؟! قال القرطبي-رحمه الله تعالى-قلت: كلمة لا حرفا، وذلك من جهة أن الحرف لا يسكت عليه، ولا ينفرد وحده في الصورة، ولا ينفصل مما يختلط به، وهذه الحروف مسكوت عليها، منفردة منفصلة كانفراد الكلم، وانفصالها، فلذلك","vol":"10","page":70},{"text":"سميت كلمات ولا حروفا. انتهى. أقول: يريد بالحرف الذي لا يسكت عليه، ولا ينفرد... إلخ حروف الجر، وحروف العطف، والنواصب، والجوازم، ونحوها.\nالإعراب: ﴿ن:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذه ن. الثاني: أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اتل ن. الثالث: أنه مقسم به، التقدير: أقسم ب (ن).\n ﴿وَالْقَلَمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالقلم، وعلى اعتبار (ن) مقسما به فالقلم معطوف عليه. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على ما قبلها، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو وشيء يسطرونه. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر معطوف على ما قبله، التقدير: ومسطورهم، أو ومسطوراتهم.\n ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿بِنِعْمَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (مجنون)، أو متعلقان بمحذوف حال، والعامل فيها ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ تقديره: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك، و(نعمة) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِمَجْنُونٍ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (مجنون): خبر ﴿ما﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:\n ﴿ما أَنْتَ..﴾. إلخ جواب القسم المأخوذ من: «أقسم بنون» على اعتباره مقسما به على وجه رأيته فيه، أو هي جواب للقسم الصريح من قوله: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ وما عطف عليه.\nتنبيه: نقل ابن هشام في المغني عن ابن الحاجب قوله: الباء ﴿بِنِعْمَةِ﴾ متعلقة بالنفي؛ إذ لو علقت ب: (مجنون) لأفاد نفي جنون خاص، وهو الجنون الذي يكون من نعمة الله تعالى، وليس في الوجود جنون هو نعمة، ولا المراد نفي جنون خاص. انتهى. ملخصا. وهو كلام بديع إلا أن جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعلق بالحرف، فينبغي على قولهم أن يقدر: أن التعليق بفعل دل عليه النافي، أي: انتفى ذلك بنعمة ربك. انتهى. مغني بحروفه. هذا؛ وفي السمين قوله: (بنعمة ربك) فيه أوجه: أحدها: أنه مقسم به متوسط بين اسم ما، وخبرها، ويكون الجواب حينئذ محذوفا لدلالة المذكور عليه، والتقدير: ونعمة ربك ما أنت بمجنون.\nالثاني: أن الباء في موضع نصب على الحال، والعامل فيها (مجنون). والتقدير: ما أنت مجنونا حال كونك ملتبسا بنعمة ربك، قاله أبو البقاء، وعلى هذا، فهي حال لازمة؛ لأنه ﵊ لم يفارق هذه الحال. الثالث: أن الباء سببية، وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية، وهذا هو مقصود الآية الكريمة، والمعنى: انتفى عنك الجنون بسبب نعمة ربك عليك، كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله. انتهى. جمل نقلا عن السمين، والمعتمد ما جريت عليه في الأول من الإعراب، وهو الموافق لما ذكره ابن هشام.","vol":"10","page":71},{"text":"<span id=\"aya-5274\"></span><span id=\"aya-5275\"></span>﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا..﴾. إلخ: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، والمعنى: إن لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع، ولا يبيد، على تبليغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم. ومعنى ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ:﴾ غير مقطوع، كقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ سورة (التين) وغيرها، وكقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ رقم [١٠٨]. ولا تنس التأكيد ب: (إنّ) ولام الابتداء. وقيل: معنى ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غير مكدر عليك بسبب المنة. وخذ قول لبيد﵁- في معلقته رقم [٣٨] انظر شرحه هناك فإنه جيد والحمد لله: [الكامل]\nلمعفّر قهد تنازع شلوه... غبس كواسب لا يمنّ طعامها\n ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ:﴾ وهذا كالتفسير لقوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ لأن الأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، كانت ظاهرة عليه، ومن كان كذلك لم تجز إضافة الجنون إليه، ولما كانت أخلاق رسول الله ﷺ كاملة حميدة، وأفعاله المرضية الجميلة وافرة؛ وصفها الله تعالى بأنها عظيمة. وحقيقة الخلق: قوى نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة، والآداب المرضية، فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه، ولقد أحسن القائل: [الطويل]\nإذا الله أثنى بالّذي هو أهله... عليك فما مقدار ما تمدح الورى؟\nهذا؛ ولا تنس: أن في الآية الكريمة استعارة تبعية بالحرف، فقد شبه الله تعالى تمكن النبي ﷺ من الهدى، والأخلاق الكريمة، والثبوت عليها بتمكن من علا دابة، يصرفها كيف يشاء، بجامع التمكن، والاستقرار في كلّ، فسرى التشبيه من الكليّات للجزئيات، التي هي معاني الحروف، فاستعير لفظ (على) الموضوع للاستعلاء الحسي للارتباط، والاستعلاء المعنوي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٢٤]: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وخذ قول الشاعر: [السريع]\nلسنا وإن أحسابنا كرمت... يوما على الأحساب نتّكل\nهذا؛ ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح، والبخل، والتشديد في المعاملات، ويستعمل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول، والفعل، والبذل، وحسن الأدب، والمعاشرة بالمعروف مع الأقارب والأجانب، والتساهل في جميع الأمور، والتسامح بما يلزم من الحقوق، وترك التقاطع، والتهاجر، واحتمال الأذى من الأعلى، والأدنى مع طلاقة الوجه، وإدامة البشر. فهذه الخصال تجمع محاسن الأخلاق، ومكارم الأفعال. ولقد كان جميع ذلك في رسول ﷺ، ولهذا؛ وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.","vol":"10","page":72},{"text":"وقال ابن عباس﵄-: معناه: على دين عظيم، لا دين أحب إليّ، ولا أرضى عندي منه. وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-قال: سألت عائشة أم المؤمنين﵂فقلت لها: أخبريني بخلق رسول الله ﷺ، فقالت: كان خلقه القرآن.\nومثله عن سعيد بن هشام برواية ابن جرير الطبري. ومعنى هذا: أن النبي ﷺ صار امتثال القرآن سجية له، وخلقا، فكل شيء أمر القرآن به فعله، وكل شيء نهى عنه تركه.\nأقول: كلمة عائشة المتقدمة تنم عن ذكائها، وشدة فطنتها، وكمال معرفتها بأخلاق الرسول ﷺ، فلم تقل: كان رسول الله كذا. وأخلاقه كذا، وإنما قالت باختصار: (كان خلقه القرآن) ولما سمع كفار قريش الآيات، وما تضمنته من الإيجاز، والتأكيدات ب: (إنّ) ولام الابتداء، والقسم باثنين، أو بثلاثة حسبما رأيت فيما تقدم، وإجابة القسم بثلاثة أشياء: نفي الجنون عنه ﷺ، وثبوت الأجر له، وكونه على جانب عظيم من مكارم الأخلاق؛ دهشوا، وتعجبوا من تكريم الله لنبيه، ووصفه له بما ذكره، وهم فرسان البلاغة، والفصاحة، فرجعوا إلى أنفسهم، واستعرضوا سيرة الرسول ﷺ العطرة من نشأته إلى شبابه، إلى كهولته، إلى أن اختاره الله هاديا للناس، فلم يجربوا عليه شيئا مخلا بمكارم الأخلاق، فأذعنوا، ثم نكسوا على رؤوسهم، كما نكس قوم إبراهيم ﵇.\nوخذ ما يلي: فعن جابر﵁أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، وتمام محاسن الأعمال». وعن أنس﵁قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفّ قطّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته! وكان ﷺ أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزّا، ولا حريرا، ولا شيئا كان ألين من كفّ رسول الله ﷺ، ولا شممت مسكا، ولا عطرا، كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ. متفق عليه.\nوعن أنس أيضا؛ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه، لا ينزع يده من يده؛ حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه؛ حتّى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له). أخرجه الترمذي.\nوعن عائشة﵂قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما قطّ، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قطّ، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خيّر بين شيئين قطّ إلا كان أحبّهما إليه أيسرهما؛ إلا أن يكون إثما، فإذا كان إثم كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه؛ إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله ﷿. أخرجه الإمام أحمد.\nوعن أنس﵁قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ، وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ، فجبذه جبذة شديدة؛ حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فليس المال","vol":"10","page":73},{"text":"مالك، ولا مال أبيك، فقال: «صدقت! ليس المال مالي، ولا مال أبي، وإنما هو مال الله، ولكن يا أعرابيّ يجب أن أقتصّ منك قبل أن أعطيك!». فقال: لا ورب محمد! فقال: «ولم؟». قال:\nلأني أعلم أنك لا تقابل السيئة بالسيئة، ولكن تقابل السيئة بالحسنة! فتبسم ﷺ، وأمر له بعطاء.\nوقد ترك لنا الرسول ﷺ نبذة من أحاديثه الشريفة تحث على التحلّي بمكارم الأخلاق، من ذلك ما رواه أبو الدرداء﵁أن النبي ﷺ قال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.\nوعن عائشة﵂قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم، والقائم». رواه أبو داود، وعنها أيضا: قال رسول الله ﷺ: «إنّ من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله». أخرجه الترمذي، والحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن.\nوعن جابر بن عبد الله﵄عن رسول الله ﷺ، عن جبريل ﵇، عن رب العزة قال: «إنّ هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلح له إلاّ السخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه». رواه الطبراني في الأوسط. والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة في:\n «الترغيب والترهيب» وغيره، والشعر العربي طافح بذلك. ويجدر بي أن أقول: إن التحلّي بمكارم الأخلاق له محال، ومواضع، والسفه، والطيش، والجهل، له محال، ومواضع، فالرسول ﷺ عفا عمن يستحق العفو، والتسامح. وقتل أبا عزة الجمحي، والنضر بن الحارث لعدم استحقاقهما العفو، والتسامح، وقد أعجب ﷺ كل الإعجاب بقول النابغة الجعدي، ودعا له بقوله: «لا يفضض الله فاك». وهو ما يلي: [الطويل]\nولا خير في حلم إذا لم يكن له... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا\nولا خير في جهل إذا لم يكن له... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ (الواو) حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) مقدم. ﴿لَأَجْرًا:﴾ (اللام): لام الابتداء. (أجرا): اسم (إنّ) مؤخر.\n ﴿غَيْرَ:﴾ صفة (أجرا) وهو مضاف، و﴿مَمْنُونٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.\n ﴿لَعَلى:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (على خلق): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة (خلق) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا؛ لأن الجمل الثلاث جواب القسم.\n\n<span id=\"aya-5276\"></span><span id=\"aya-5277\"></span>﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾\nالشرح: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ:﴾ المعنى فستعلم يا محمد، ويعلمون؛ أي: كفار قريش. قاله ابن عباس﵄وهذا حين يرون العذاب، ويتميز الحق من الباطل. وقيل: في","vol":"10","page":74},{"text":"الدنيا بظهور عاقبة أمرك بغلبة الإسلام، واستيلائك عليهم بالقتل، والأسر، واستلاب أموالهم.\nوهذا؛ وعد للرسول ﷺ، ووعيد لكفار قريش، وهذا كقوله تعالى في سورة (القمر) رقم [٢٦]:\n ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ وهذا التهديد، وهذا الوعيد تجده في أول سورة (النبأ)، وفي سورة (التكاثر).\n ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: أيكم فتن بالجنون؟ هل أنت كما يفترون، أم هم بكفرهم وانصرافهم عن الهدى؟ ومعنى ﴿الْمَفْتُونُ﴾ هو الذي قد فتن عن الحق، وضل عنه. وقال القرطبي: أي:\nالذي فتن بالجنون. وقيل: ﴿الْمَفْتُونُ﴾ الشيطان الذي فتن بالجنون. وليس بشيء. والحق: أن المفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان، وأبعده عن طاعة الله، ورحمته.\nالإعراب: ﴿فَسَتُبْصِرُ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (السين): حرف تنفيس، واستقبال.\n (تبصر): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَيُبْصِرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يبصرون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وكلا الفعلين معلق عن العمل بسبب الاستفهام على التنازع. ﴿بِأَيِّكُمُ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (أيكم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، وإلى هذا ذهب قتادة، وأبو عبيدة معمر بن المثنى إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ؛ إلا في بحسبك فقط. ﴿الْمَفْتُونُ:﴾ خبره، وهذا وجه للإعراب، والوجه الثاني: اعتبار ﴿بِأَيِّكُمُ﴾ جار ومجرور متعلقين بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿الْمَفْتُونُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية على الوجهين في محل نصب مفعول به لأحد الفعلين السابقين على التنازع.\n\n<span id=\"aya-5278\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾\nالشرح: معنى الآية الكريمة: إن كفار قريش رموا النبي ﷺ بالجنون، والضلال، ووصفوا أنفسهم بالعقل، والهداية، فأخبر الله تعالى: أنه هو العالم بالفريقين: الضال، والمهتدي، والمجنون، والعاقل، وهو تعليل لما قبله، وتأكيد للوعد، والوعيد، كأنه يقول: إنهم هم المجانين على الحقيقة، لا أنت، حيث كانت لهم عقول لم ينتفعوا بها، ولا استعملوها فيما ينجيهم، ويسعدهم. ويؤيد هذا ما روي: أنه مر على مجلس الرسول ﷺ رجل معتوه، فقال الصحابة رضوان الله عليهم: هذا مجنون، فقال ﷺ: «هذا مصاب، إنما المجنون من أصر على معصية الله». هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النجم) رقم [٣٠]: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾. هذا؛ و﴿أَعْلَمُ﴾ هنا، وهناك بمعنى:","vol":"10","page":75},{"text":"عالم، وليس على بابه من التفضيل، ومثل الآيتين قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل]\nإنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول\nإذ المعنى: عزيزة وطويلة، وأيضا قول الشنفرى الأزدي-وهو الشاهد رقم [٩٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nوإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وإن اعتبرت ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ف: ﴿أَعْلَمُ﴾ يكون خبر ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية تعليل لما قبلها. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و(من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء.\n ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، ويجوز اعتبارها في محل نصب حال من فاعل ﴿أَعْلَمُ﴾ المستتر، والأول أقوى. ﴿بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-5279\"></span><span id=\"aya-5280\"></span>﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾\nالشرح: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: فلا تطع رؤساء الكفر والضلال فيما يدعونك إليه، وقد كذبوا برسالتك، وحاربوا دعوتك. وكانوا قد دعوه إلى الرجوع إلى دين آبائه وأجداده، فنهاه الله أن يطيعهم. وهذا من الله إلهاب، وتهييج للتشدد في مخالفتهم. ﴿وَدُّوا:﴾ أحبوا، وأرادوا. ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ:﴾ أصل الإدهان: اللين، والمصانعة، والمقاربة في الكلام. وقيل: أدهن الرجل في دينه، وداهن في أمره: إذا خان فيه، وأظهر خلاف ما أبطن. ومعنى الآية: أنهم تمنوا أن تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضوانه مصانعة لهم، فيفعلوا مثل ذلك، ويتركوا بعض ما لا ترضى به، فتلين لهم، ويلينون لك. هذا؛ والمشهور: أن رهطا من قريش أتوا النبي ﷺ، وقالوا: يا محمد هلمّ اتبع ديننا، ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا حظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه! فقال رسول الله ﷺ «معاذ الله أن أشرك به غيره!». قالوا: فاستلم بعض آلهتنا؛ نصدقك، ونعبد إلهك! قال: «حتى أنظر ما يأتي من ربي»، فأنزل الله: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ..﴾. إلخ السورة بكاملها.","vol":"10","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4652>فائدة:</span>\nهناك مداراة، ومداهنة، فالمداراة: التلطف بالإنسان لتستخرج منه الحق، أو ترده عن الباطل. والمداهنة: التلطف به لتقره على باطله، وتتركه على هواه. فالمدارة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النفاق. وخذ قول زهير من معلقته رقم [٥٥]: [الطويل]\nومن لا يصانع في أمور كثيرة... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم\nوخذ هذين البيتين، وتأمل ما فيهما من الجناس التام: [السريع]\nإذا رماك الدهر في معشر... قد أجمع الناس على بغضهم\nفدارهم ما دمت في دارهم... وأرضهم ما دمت في أرضهم\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ربك عالما بأحوال الناس من ضال، ومهتد؛ فلا تطع. ولذا قال الجمل: الفاء لترتيب النهي على ما ينبئ عنه ما قبله من اهتدائه ﷺ وضلالهم، أو على جميع ما فصل من أول السورة. انتهى.\n (لا): ناهية جازمة. ﴿تُطِعِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الْمُكَذِّبِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط المقدر ب: «إذا»، وكذا إن اعتبرتها مستأنفة. ﴿وَدُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿تُدْهِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت»، و(لو) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودوا مداهنتك. والجملة الفعلية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿فَيُدْهِنُونَ:﴾ (الفاء): حرف عطف.\n (يدهنون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهم مدهنون، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل الجواب للتمني، وإن اعتبرت الفعل وحده معطوفا على ما قبله؛ فيكون داخلا في حيّز ﴿لَوْ﴾.\n\n<span id=\"aya-5281\"></span><span id=\"aya-5282\"></span><span id=\"aya-5283\"></span><span id=\"aya-5284\"></span>﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾\nالشرح: المشهور: أن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة، الذي كان يسمى: ريحانة قريش، وهو أحد الرجلين اللذين قيل فيهما في سورة (الزخرف) قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ الآيات من سورة (المدثر). وقيل: المراد به هنا: الأخنس بن شريق. وقيل: المراد به: الأسود بن عبد يغوث. والمعتمد الأول، فقد وصفه الله بعشر صفات قبيحة، كما ستقف عليه.","vol":"10","page":77},{"text":"﴿وَلا تُطِعْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، ويعم كل عاقل بأن لا يطيع، ولا يصغي لكل من يتصف بالصفات الذميمة المذكورة. ﴿كُلَّ حَلاّفٍ:﴾ كثير الحلف بالله، وأقبح منه الحلف بالطلاق، وهو شائع في هذه الأيام، وكثير. ﴿مَهِينٍ:﴾ حقير ذليل، فهو لمهانته، وحقارته يكثر الحلف ليصدق بقوله، ويرتفع شأنه، ومكانته بين الناس، والرسول ﷺ نهى عن كثرة الحلف، وشدد النكير على الذين يكثرون الحلف بالله، ولا سيما التجار، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أربعة يبغضهم الله: البيّاع الحلاّف، والفقير المختال، والشّيخ الزّاني، والإمام الجائر». رواه النسائي وابن حبان في صحيحه.\nوعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلف منفقة للسّلعة، ممحقة للكسب». رواه البخاري، ومسلم. وعن عبد الرحمن بن شبل﵁قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ التّجّار هم الفجّار». قالوا: يا رسول الله! أليس قد أحلّ الله البيع؟ قال: «بلى، ولكنّهم يحلفون فيأثمون، ويحدّثون، فيكذبون». رواه أحمد بإسناد جيد.\nوعن أبي ذر الغفاري﵁-، عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم». قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقلت:\nخابوا وخسروا! ومن هم يا رسول الله؟! قال: «المسبل، والمنّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وخذ قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٣]: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (المائدة) رقم [٨٩] من النكير على الذين يفتون في كفارة اليمين بإعطاء مدّ قمح للمسكين. ﴿هَمّازٍ:﴾ عياب، طعان، مغتاب، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ سورة (الهمزة). وانظر ما أذكره هناك إن شاء الله تعالى. قال أبو العالية، وعطاء بن أبي رباح، والحسن: الهماز: الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز: الذي يذكرهم في مغيبهم. وقال مقاتل ضد هذا الكلام: إن الهمزة الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي يغتاب في الوجه. وقيل: هما سواء. قال الشاعر: [البسيط]\nتدلي بودّ إذا لاقيتني كذبا... وإن أغب عنك كنت الهامز اللّمزه\n ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ أي: يمشي بين الناس بالنميمة ليفسد بينهم، وذلك بنقل الكلام من شخص إلى آخر على وجه السعاية، والإفساد بينهم، وهي من شر ما يتصف بها إنسان. وقد شدد الرسول ﷺ النكير على من يتصف بتلك الصفة الدنيئة الوضيعة. وخذ ما يلي:\nفعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والقيام؟!» قالوا: بلى! قال: «إصلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة».","vol":"10","page":78},{"text":"رواه أبو داود، والترمذي، وصححه، وزاد فيه: أن النبي ﷺ قال: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدّين». وعن عبد الرحمن بن غنم﵁يبلغ به النبي ﷺ:\n «خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة الباغون للبراء العنت». رواه الإمام أحمد عن شهر، عنه. وعن العلاء بن الحارث﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «الهمّازون، واللّمازون، والمشّاؤون بالنميمة الباغون للبراء العنت يحشرهم الله في وجوه الكلاب». رواه ابن حبان، وقال الشاعر: [الطويل]\nومولى كبيت النّمل لا خير عنده... لمولاه إلاّ سعيه بنميم\n ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي: للمال أن ينفق في وجوهه. وقال ابن عباس﵄-: يمنع ولده، وعشيرته عن الإسلام، يقول: لئن دخل واحد منكم في دين محمد؛ لا أنفعه بشيء أبدا! وأولاده كانوا عشرة، منهم سيف الله، وسيف رسوله، وقد سبقه إلى الإسلام أخوه الوليد المسمى باسم أبيه. هذا؛ والخير يكون بمعنى المال، كما في قوله تعالى في سورة (العاديات):\n ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. ويكون بمعنى الإسلام، كما رأيت في أحد تفسيري الآية، ويكون بمعنى الطعام، كما في قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص) رقم [٢٤]: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. ويكون بمعنى القوة، كما في قوله تعالى في سورة (الدخان) رقم [٣٧]: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. ويكون بمعنى العبادة والطاعة كقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾.\n ﴿مُعْتَدٍ:﴾ مجاوز حده في الظلم، والباطل، والاعتداء، والفجور. ﴿أَثِيمٍ:﴾ كثير الآثام، فهو فعيل بمعنى فعول، صيغة مبالغة، مثل حلاّف، وهمّاز، ومشّاء، ومنّاع. ﴿عُتُلٍّ﴾ أي: غليظ جاف. وقيل: هو الفاحش، السيئ الخلق. وقيل: هو الشديد في الخصومة بالباطل. وقيل: هو الشديد في كفره. وقيل: هو الأكول الشروب القوي الشديد، ولا يزن في الميزان شعيرة، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفا في النار دفعة واحدة. وخذ ما يلي:\nروى الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-عن حارثة بن وهب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بأهل الجنّة؟ كلّ ضعيف متضعّف، لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أنبئكم بأهل النّار؟ كلّ جوّاظ جعظريّ مستكبر». فالجواظ: الأكول الشروب. والجعظري: الشديد الغليظ، ومتضعف بفتح العين، وكسرها. ﴿زَنِيمٍ:﴾ هو ولد الزنى الملحق في النسب بالقوم، وكان الوليد دعيا في قريش ليس من أصلهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده، قال الشاعر: [الوافر]\nزنيم ليس يعرف من أبوه... بغيّ الأمّ ذو حسب لئيم\nوقال حسان بن ثابت﵁يذم بعض كفار قريش: [الطويل]","vol":"10","page":79},{"text":"وأنت زنيم نيط في آل هاشم... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد\nوقال ابن عباس﵄-: الزنيم الدّعي الفاحش اللئيم، وأنشد قول القائل: [الطويل]\nزنيم تداعاه الرّجال زيادة... كما زيد في عرض الأديم الأكارع\nهذا؛ وقد قيل: إن أم الوليد بغت به، ولم يعرف حتى نزلت الآيات. والنطفة إذا خبثت؛ خبث الناشئ منها، روي: أنه دخل على أمّه، وقال لها: إن رب محمد وصفني بعشر صفات وجدت تسعا فيّ، فأما الزنيم فلا علم لي به، فإن أخبرتني بحقيقة الأمر، وإلا ضربت عنقك، فقالت: إن أباك عنّين، وخفت أن يموت، فيصل ماله إلى غير ولده، فدعوت راعيا إلى نفسي، فأنت من ذلك الراعي. قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحدا، ولا ذكر من عيوبه، مثل ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة، فألحق به عارا، لا يفارقه في الدنيا، ولا في الآخرة.\nروي: أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة ولد زنى، ولا ولده، ولا ولد ولده». وقال عبد الله بن عمر﵄-: إن النبي ﷺ قال: «إن أولاد الزّنى يحشرون يوم القيامة في صورة القردة، والخنازير». وقالت ميمونة أم المؤمنين﵂-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى، فإذا فشا فيهم ولد الزّنى، أوشك أن يعمهم الله بعقاب».\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أما الحديث الأول، والثاني، فما أظن أن لهما سندا يصح، وأما حديث ميمونة﵂-؛ ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش﵂زوج النبي ﷺ قالت: خرج علينا النبي ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه؛ يقول: «لا إله إلاّ الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه». وحلّق بأصبعيه الإبهام، والتي تليها، قالت: فقلت يا رسول الله! أنهلك؛ وفينا الصالحون. قال: «نعم إذا كثر الخبث». أخرجه البخاري أيضا، وكثرة الخبث: ظهور الزنى، وأولاد الزنى. انتهى.\nأقول: ما جاء في الحديثين الأولين، يظهر: أنه لا أصل له؛ لأن ولد الزنى لا ذنب له، وقد يكون في حياته من المؤمنين الصادقين، الذين يعملون الصالحات، ويجتنبون المنهيات، فكيف يحشرون في صورة القردة، والخنازير؟ وكيف لا يدخلون الجنة؛ إن هم أطاعوا الله، واهتدوا بهدي رسوله ﷺ؟!.\nقالوا: لما عاب الوليد النبيّ ﷺ كاذبا باسم واحد، وهو الجنون؛ سماه الله صادقا بعشرة أسماء، فإن كان من عدله أن يجزي المسيء إلى رسول الله ﷺ بعشرة؛ كان من فضله أنّ من صلى عليه واحدة؛ صلّى الله عليه عشرا. انتهى. نسفي. هذا؛ وقيل: إن (بعد) بمعنى: «مع» أي: مع ذلك زنيم. ولا بأس به.","vol":"10","page":80},{"text":"تنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون ألبتة، وهي ما إذا وقعت «كل» في حيز النفي؛ كان النفي موجها إلى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: (ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدراهم لم آخذ). وإن وقع النفي في حيزها؛ اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أنسيت، أم قصرت الصلاة يا رسول الله!؟ «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَلا تُطِعْ..﴾. إلخ، ومثلها في سورة (البقرة) رقم [٢٧٦]، وفي سورة (الحديد) رقم [٢٣]، وفي سورة (لقمان) رقم [١٨] حيث وقعت (كل) في حيز النفي، فتفيد: أن المنفي الشمول، وأن البعض ثابت له المحبة من الله.\nوالجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود إذ دل الدليل، وهو الإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا، ومستند هذا الإجماع: الأحاديث الشريفة الكثيرة. هذا؛ ويعبر عما تقدم بسلب العموم وعموم السلب.\nالإعراب: ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُطِعْ:﴾ فعل مضارع، مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿حَلاّفٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: كل شخص حلاف. ﴿مَهِينٍ،﴾ ﴿هَمّازٍ،﴾ ﴿مَشّاءٍ:﴾ صفات للموصوف المحذوف. ﴿بِنَمِيمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَشّاءٍ﴾. ﴿مَنّاعٍ:﴾ صفة أخرى. ﴿لِلْخَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَنّاعٍ﴾. ﴿مُعْتَدٍ،﴾ ﴿أَثِيمٍ،﴾ ﴿عُتُلٍّ:﴾ صفات للموصوف المحذوف.\n ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿زَنِيمٍ﴾ الذي هو الصفة العاشرة للموصوف المحذوف، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n\n<span id=\"aya-5285\"></span><span id=\"aya-5286\"></span><span id=\"aya-5287\"></span>﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾\nالشرح: المعنى: لأن كان صاحب مال وبنين يفجر، ويفتري ويقول في القرآن ما يقول، ويزعم أنه أساطير الأولين، وكان الأحرى به أن يقابل النعمة بالشكر، لا بالجحود والتكذيب وقرئ (أن) بفتح الهمزة وكسرها، كما قرئ «(أأن)» على الاستفهام. إذا تتلى عليه قال... إلخ: أي: إذا قرئ عليه القرآن قال: مستهزئا ساخرا: إنها خرافات، وأباطيل المتقدمين اختلقها محمد ونسبها إلى الله. ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ:﴾ هذا وعيد وتهديد من الله لذلك الكافر الفاجر، والمعنى: سنجعل له علامة على خرطومه، أي: أنفه، ونسود وجهه في الآخرة، فيعرف بسواد وجهه، كما قال تعالى","vol":"10","page":81},{"text":"في سورة (الرحمن): ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ وقيل: المعنى سنلحق به عارا وسبّة حتى يكون كمن وسم على أنفه. قال القتبي: تقول العرب للرجل يسب سبّة سوء قبيحة باقية: قد وسم ميسم سوء؛ أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها. قال جرير: [الكامل]\nلمّا وضعت على الفرزدق ميسمي... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل\nقال الزمخشري: الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز، والحمية، واشتقوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف، وحمي أنفه، وفلان شامخ العرنين. وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه. فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال، والإهانة؛ لأن السمة على الوجه شين وإذلال، فكيف بها على أكرم موضع منه؟!. انتهى.\nوفيه استعارة فائقة حيث استعار الخرطوم للأنف؛ لأن أصل الخرطوم للفيل، واستعارته؛ لأنف الإنسان تجعله في غاية الإبداع؛ لأن الغرض الاستهانة به، والاستخفاف.\nوقال ابن عباس﵄-: معنى ﴿سَنَسِمُهُ:﴾ سنخطمه بالسيف. قال: وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل مخطوما إلى أن مات. وقال قتادة: سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها. وهذا هو المعتمد. هذا؛ وانظر شرح ﴿أَساطِيرُ﴾ في سورة (الأحقاف) رقم [١٧]، أو في سورة (المطففين) رقم [١٣]. وانظر شرح ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ فيهما أيضا.\nالإعراب: ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الموصوف بالصفات المتقدمة.\n ﴿ذا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذا:﴾ مضاف، و﴿مالٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَبَنِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (بنين): معطوف على ﴿مالٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و﴿أَنْ﴾ و﴿كانَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لكونه. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: يكفر؛ لكونه ذا مال وبنين. ودل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿إِذا تُتْلى..﴾. إلخ، ولا يجوز تعليق الجار والمجرور ب: ﴿تُتْلى﴾ ولا ب: ﴿قالَ؛﴾ لأن ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأنها مضافة إلى الجملة التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف، والفعل ﴿قالَ﴾ جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، وعلى قراءة الاستفهام (أأن) لا يتغير التقدير، والتعليق، كما ذكرت، وأما قراءة كسر الهمزة فتكون: «(إن)» شرطية، و﴿كانَ﴾ فعل شرطها، وجوابها محذوف، التقدير:\nإن كان كذا؛ يكفر، ويجحد. دل عليه ما بعده، وعليه فالجملة الشرطية مستأنفة، ومرتبطة بما بعدها. هذا؛ وأجاز بعضهم تعليق ﴿أَنْ كانَ..﴾. إلخ بعد تأويله بمصدر بقوله: ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأجاز أبو علي تعليقه ب: ﴿عُتُلٍّ،﴾ وهذان القولان ضعيفان. تأمل.","vol":"10","page":82},{"text":"﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾\nنائب فاعل ﴿تُتْلى،﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الموصوف بالصفات السابقة، ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هي أساطير، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿أَساطِيرُ:﴾ مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. ﴿سَنَسِمُهُ:﴾\n (السين): حرف تنفيس، واستقبال. (نسمه): فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿عَلَى الْخُرْطُومِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-5288\"></span><span id=\"aya-5289\"></span>﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ:﴾ يريد أهل مكة. والابتلاء: الاختبار، والامتحان، يكون بالخير، والشر. قال تعالى في حق بني إسرائيل: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]. والمعنى: أعطينا أهل مكة أموالا، وأولادا؛ ليشكروا، لا ليبطروا، فلما بطروا، وعادوا محمدا ﷺ ابتليناهم بالجوع، والقحط؛ حتى أكلوا الجيف، وأوراق الشجر، وذلك حين دعا عليهم النبي ﷺ بقوله: «اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف». ﴿كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ أي: المعروف خبرها عندهم.\nروي عن ابن عباس﵄قال: ﴿الْجَنَّةِ﴾ بستان في اليمن، يقال له: الضروان، دون صنعاء بفرسخين، يطؤه أهل الطريق، وكان لرجل يؤدي حق الله فيه، فمات فورثه أولاده الثلاثة، وكان الأب يترك للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل إذا طرح من فوق النخل على البساط، وكل شيء سقط من المنجل إلى البساط، فهو أيضا للمساكين، وإذا حصدوا زرعهم، فكل شيء تعداه المنجل، فهو للمساكين أيضا، وإذا داسوه كان لهم كل شيء ينتثر أيضا، فلما مات الأب، وورثه بنوه الثلاثة، قالوا: والله إن المال قليل، وإن العيال كثير، وإنما كان هذا الأمر يفعله الأب لمّا كان المال كثيرا، والعيال قليلا، فأما إذا قل المال، وكثر العيال؛ فإنا لا نستطيع أن نفعل ما كان يفعله أبونا، فتحالفوا بينهم يوما أن يغدوا غدوة قبل خروج الناس من بيوتهم، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ أي: تحالفوا. ﴿لَيَصْرِمُنَّها:﴾ ليقطعن ثمر الجنة.\nوالصرم: القطع. قال عنترة من معلقته رقم [٢١]: [الكامل]","vol":"10","page":83},{"text":"هل تبلغنّي دارها شدنيّة... لعنت بمحروم الشّراب مصرّم\nأراد بشدنية: ناقته التي يركبها في أسفاره، وأراد بمصرم: مقطوع لبنها. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي: إذا أصبحوا قبل أن يخرج إليهم المساكين، فلا يعلمون بقطع ثمرها. ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي: لا يتركون شيئا للمساكين من ثمر الجنة، وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: ولا يقولون: إن شاء الله. وسمي استثناء، وإن كان شرطا صورة؛ لأنه يؤدى مؤدّى الاستثناء من حيث: إن معنى قولك: لأخرجن إن شاء الله، لا أخرج إلا أن يشاء الله، والآيات التالية تشرح الواقعة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج: أن أبا جهل قال يوم بدر:\nخذوهم أخذا، فاربطوهم في الحبال، ولا تقتلوا منهم أحدا، فنزلت: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ..﴾. إلخ، يقول في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة. انتهى. أسباب النزول للسيوطي، وإذا اعتمدنا: أن السورة مكية، لا يبقى لهذا الكلام معنى. تأمل.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بَلَوْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل على الاعتبارين. ﴿كَما:﴾ (الكاف): حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿بَلَوْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَصْحابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف إليه، و﴿الْجَنَّةِ﴾ مضاف إليه، و(ما) المصدرية والفعل ﴿بَلَوْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: بلوناهم بلاء مثل بلائنا أصحاب الجنة. وإن اعتبرت (ما) موصولا اسميا، فيكون التقدير: بلوناهم بلاء مثل الذي بلونا به أصحاب الجنة. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿بَلَوْنا،﴾ وقال الجمل: ﴿إِذْ﴾ تعليلية، أو ظرفية بنوع تسمح؛ لأن الإقسام كان قبل ابتلائهم. ﴿أَقْسَمُوا:﴾\nفعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿لَيَصْرِمُنَّها:﴾ (اللام): واقعة في جواب القسم. (يصرمنها): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة فاعله، (وها): مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. ﴿مُصْبِحِينَ:﴾ حال من فاعل ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حالية، أو استئناف. (لا): نافية. ﴿يَسْتَثْنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية","vol":"10","page":84},{"text":"معطوفة على جملة جواب القسم. وقال الجمل: وجوز بعضهم الحالية، وهي أظهر في المعنى.\nوقال الجلال: مستأنفة، وأرى صحة عطفها على جواب القسم؛ ولا سيما إذا كان المعنى: لا يتركون شيئا للمساكين. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-5290\"></span><span id=\"aya-5291\"></span>﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: نزل عليها عذاب ﴿مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ،﴾ ولا يكون الطائف إلا في الليل. قاله الفراء، وقال به الخازن. ورد بقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٠١]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ والطائف في الشر. ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي: فأصبحت جنتهم محترقة سوداء كالليل المظلم، كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٢]: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..﴾. إلخ. وعن ابن عباس﵄-:\nكالرماد الأسود، قال: الصريم الرماد الأسود بالغة خزيمة. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-:\nأي: أصبحت كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شيء. فعيل بمعنى مفعول، أو كالليل باحتراقها واسودادها، أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس، سميا بالصريم؛ لأن كلا منهما ينصرم عن صاحبه، وهذا يعني: أن الصريم من الأضداد يقع على الأسود، والأبيض، وانظر الأضداد في سورة (التكوير) إن شاء الله تعالى.\nفعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إيّاك والمعاصي! إنّ العبد ليذنب الذنب، فيحرم به رزقا، قد كان هيّئ له». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أخرجه ابن أبي حاتم. انتهى. مختصر ابن كثير.\nوفي هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا قبل فعلهم، ونظيره قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٢٥]: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ،﴾ وعن أبي بكر﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قلت: يا رسول الله! هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟! قال: «إنّه كان حريصا على قتل صاحبه». رواه البخاري، وهذا محمول على العزم المصمم، أما ما يخطر بالبال من غير عزم؛ فلا يؤاخذ به. انتهى. قرطبي. انظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [٢٨٣] وخذ قول الفرزدق: [الطويل]\nولست بمأخوذ بلغو تقوله... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم\nالإعراب: ﴿فَطافَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (طاف): فعل ماض. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿طائِفٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿طائِفٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل","vol":"10","page":85},{"text":"لمفعوله. وفاعله مستتر فيه. ﴿وَهُمْ:﴾ (الواو): واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نائِمُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿لَيَصْرِمُنَّها،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وعليه فالجملة الفعلية معترضة بين الحال وصاحبها.\n ﴿فَأَصْبَحَتْ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، (أصبحت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمه مستتر تقديره: «هي»، يعود إلى ﴿الْجَنَّةِ﴾. ﴿كَالصَّرِيمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أصبح). هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و(الصريم) مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5292\"></span><span id=\"aya-5293\"></span>﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ:﴾ فنادى بعضهم بعضا في الصباح، أو عند الصباح. ﴿أَنِ اغْدُوا:﴾\nباكروا. ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ أي: الزروع، والثمار، والأعناب الموجودة في الجنة. ولم يقل: إلى حرثكم؛ لأن الغدو إليه؛ ليصرموه كان غدوا عليه. أو ضمن الغدو معنى الإقبال، أي: فأقبلوا على حرثكم مبكرين. انتهى. نسفي. وفي البيضاوي: وتعدية الفعل ب: ﴿عَلى﴾ إما لتضمنه معنى الإقبال، أو لتشبيه الغدو للصرام بغدو العدو المتضمن الاستيلاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ:﴾ تريدون قطع ثمار بستانكم.\nالإعراب: ﴿فَتَنادَوْا:﴾ (الفاء): حرف عطف، (تنادوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿مُصْبِحِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَقْسَمُوا..﴾. إلخ وما بينهما اعتراض لبيان ما نزل بتلك الجنة. قاله سليمان الجمل. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اُغْدُوا:﴾\nفعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مفسرة لقوله:\n (تنادوا) لا محل لها مثلها. هذا؛ وأجاز السمين وغيره اعتبار (أن) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بالغدو، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وأعتمد الأول؛ لأن ﴿أَنِ﴾ مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه. ﴿عَلى حَرْثِكُمْ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صارِمِينَ:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها، لا محل لها مثلها، وهي في المعنى في محل نصب مفعول به ل: (تنادوا).","vol":"10","page":86},{"text":"<span id=\"aya-5294\"></span><span id=\"aya-5295\"></span><span id=\"aya-5296\"></span>﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿فَانْطَلَقُوا:﴾ خرجوا من بيوتهم مبكرين. ﴿وَهُمْ يَتَخافَتُونَ﴾ أي: يتناجون فيما بينهم، بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم. وهو من: خفت، يخفت: إذا سكن، ولم يبين، كما قال دريد بن الصمة: [الطويل]\nوإنّي لم أهلك سلالا ولم أمت... خفاتا وكلاّ ظنّه بي عوّدي\nوقيل: يخفون أنفسهم من الناس؛ حتى لا يروهم. وكان أبوهم يخبر الفقراء، والمساكين؛ ليحضروا، كما قد رأيت فيما سبق، ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي: كان يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم مسكينا يدخلها عليكم! قال الجمل نقلا عن شيخه: أصل الكلام: أن لا تدخلوها مسكينا، فأوقع النهي على دخول المساكين؛ لأنه أبلغ؛ لأن دخولهم أعم من أن يكون بإدخالهم، أو بدونه. انتهى.\n ﴿وَغَدَوْا﴾ أي: ساروا إليها غدوة. ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ أي: على قصد، وقدرة في أنفسهم، ويظنون أنهم تمكنوا من مرادهم، والحرد: القصد، ومنه قول الراجز: [الرجز]\nأقبل سيل جاء من عند الله... يحرد حرد الجنّة المغلّه\nقال المبرد: المغلة: ذات الغلة. وقال غيره: المغلة: التي يجري الماء في أصولها. هذا؛ والحرد: الغصب، ومنه قول الشاعر: [الرجز]\nإذا جياد الخيل جاءت تردي... مملوءة من غضب وحرد\nهذا؛ وقال الأصمعي: رجل حريد، أي: فريد وحيد. قال: والمنحرد: المنفرد في لغة هذيل: وأنشد لأبي ذؤيب: [البسيط]\nكأنه كوكب في الجوّ منحرد\nوقال الأزهري: ﴿حَرْدٍ﴾ اسم قريتهم. وقال السدي: اسم جنتهم، وفيه لغتان: حرد، وحرد، ومعنى ﴿قادِرِينَ﴾ أي: في زعمهم على جنتهم، وثمارها، فلا يحول بينهم، وبينها أحد.\nوالله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَانْطَلَقُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (انطلقوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (تنادوا...) إلخ. ﴿وَهُمْ:﴾ (الواو): واو الحال، (هم):\nمبتدأ. ﴿يَتَخافَتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر","vol":"10","page":87},{"text":"المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿أَنْ:﴾ تحتمل المفسرة، والناصبة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَدْخُلَنَّهَا:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل لها، و(ها): مفعول به ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِسْكِينٌ:﴾ فاعل ﴿لا يَدْخُلَنَّهَا﴾ والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبارها مفسرة للمخافتة، وعلى اعتبار ﴿أَنْ﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَتَخافَتُونَ﴾. ﴿وَغَدَوْا:﴾ (الواو): حرف عطف، (غدوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (انطلقوا...) إلخ. ﴿عَلى حَرْدٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قادِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة. هذا؛ وأجيز اعتبار (غدوا) ناقصا، والواو اسمه، و﴿قادِرِينَ﴾ خبره، والجار والمجرور ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ متعلقين ب: ﴿قادِرِينَ،﴾ كما أجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر (غدوا) واعتبار ﴿قادِرِينَ﴾ خبرا ثانيا، وعلى اعتبار (غدوا) تاما يجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من واو الجماعة، و﴿قادِرِينَ﴾ حال ثانية، أو هي حال متداخلة من ضمير الحال الأولى.\n\n<span id=\"aya-5297\"></span><span id=\"aya-5298\"></span>﴿فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾\nالشرح: أي: فلما رأوا جنتهم بعد أن وصلوا إليها، وأشرفوا عليها، وهي على الحالة؛ التي قال الله ﷿ قد استحالت عن تلك النضارة، والزهوة، وكثرة الثمار، إلى أن صارت سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها؛ فاعتقدوا: أنهم قد أخطؤوا الطريق، ولهذا قالوا: ﴿إِنّا لَضَالُّونَ﴾ أي: قد سلكنا إليها غير الطريق، فتهنا عنها، ثم تيقنوا: أنها هي، فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: بل هذه هي، ولكن نحن لا حظ لنا، ولا نصيب، حيث حرمنا هذه الجنة، بسبب منعنا المساكين منها، ومن دخولها.\nالإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب. وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى: حين، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿رَأَوْها:﴾ فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، و(ها): مفعوله، واكتفى الفعل به؛ لأنه بصري، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه","vol":"10","page":88},{"text":"بالفعل، (ونا): اسمها. حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَضَالُّونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (ضالون): خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل لها، و(لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿مَحْرُومُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-5299\"></span>﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي: أعدلهم، وأعقلهم، وأفضلهم. وقيل: أوسطهم سنا. ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ:﴾ فهذا يدل على أنه نبههم، ووعظهم قبل إقدامهم على ما صنعوا من حرمان المساكين من جنة أبيهم. ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ:﴾ هلا تذكرون الله، وتتوبون إليه من خبث نيتكم، وسوء عملكم! قال لهم ذلك حين عزموا على ذلك: اذكروا الله، وانتقامه من المجرمين، وتوبوا من هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعوا إلى الإعراض عنها قبل حلول النقمة. فعصوه، فذكرهم ذلك. هذا؛ وقال البيضاوي: أو المعنى: لولا تستثنون، فسمى الاستثناء تسبيحا، لتشاركهما في التعظيم، أو لأنه تنزيه عن أن يجري في ملكه ما لا يريده. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَوْسَطُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَمْ:﴾\n (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَقُلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿تُسَبِّحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ألم أقل لكم: إن ما فعلتموه لا ينبغي أن يكون، واستغفروا ربكم وتوبوا إليه من هذه النية الخبيثة، والكلام كله في محل نصب مقول الأول، والجملة الفعلية: ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n<span id=\"aya-5300\"></span><span id=\"aya-5301\"></span>﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا..﴾. إلخ: اعترفوا بالمعصية، وهي خبث النية، وسوء العمل، ونزهوا الله عن أن يكون ظالما فيما فعل بهم من إهلاك جنتهم. وقال ابن عباس﵄-:\nمعناه: نستغفر الله من ذنوبنا. ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أي: لأنفسنا بمنعنا المساكين حقوقهم في ثمار الجنة وزرعها. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ:﴾ يلوم بعضهم بعضا، يقول هذا لهذا: أنت رغبتنا في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالويل، والثبور، وعظائم الأمور. وهو ما في الآية التالية.","vol":"10","page":89},{"text":"هذا؛ و(سبحان) اسم مصدر. وقيل: هو مصدر، مثل: غفران. وليس بشيء؛ لأن الفعل:\nسبّح بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله مثل معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح بمعنى: التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]\nقد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر\nوتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة بقوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها يليق بجلاله، وعظمته.\nوجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجئ من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، ولم ينصرف؛ لأن آخره زائدتين: الألف والنون. ومعناه التنزيه، والبراءة لله ﷿ من كل نقص، فهو ذكر لله تعالى، لا يصلح لغيره، وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة﵃أنه قال للنبي ﷺ: ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل؛ الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر له من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها. فوقع: «سبحان الله» مكان قولك: «تنزيها لله». وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، وليس بشيء.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، وهو مضاف، و﴿رَبِّنا﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، (ونا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، ونا في محل نصب اسمها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا):\nاسمها. ﴿ظالِمِينَ:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والكلام:\n ﴿سُبْحانَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿فَأَقْبَلَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (أقبل) فعل ماض. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَتَلاوَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ،﴾ والرابط: الضمير.\n\n<span id=\"aya-5302\"></span>﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا:﴾ حين رأوا ما حل بجنتهم من الهلاك: ﴿يا وَيْلَنا:﴾ يا هلاكنا! دعوا على أنفسهم بالويل، والثبور، وعظائم الأمور. ﴿إِنّا كُنّا طاغِينَ:﴾ ظالمين، متجاوزين ما كان يفعله","vol":"10","page":90},{"text":"آباؤنا؛ حيث منعنا حق الفقراء والمساكين في ثمار هذه الجنة، وزروعها. وقيل: معناه: طغينا في نعم الله تعالى، فلم نشكرها؛ حيث لم نصنع فيها ما كان يصنعه آباؤنا من قبلنا؛ حتى أصابنا ما أصابنا. فقد استعظموا جرمهم ورجعوا إلى أنفسهم بالندامة، والملامة.\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء، والمنادى محذوف، كأنهم قالوا لبعضهم: يا هؤلاء ويلا لنا! فلما أضاف؛ حذف اللام الثانية، وعليه ف: (ويلا) مصدر مفعول مطلق فعله محذوف، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وهذا قاله الجلال، وأيده سليمان الجمل، وقول لمكي. وأجيز اعتبار (ويلنا): منادى، فيكون المعنى قالوا: تعال يا ويل هذا زمانك، وإبانك! وقال الكوفيون: إن (وي) كلمة برأسها، و(لنا) جار ومجرور متعلقان به. ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد، وهو أن يكون التقدير: يا عجب لنا. لأن (وي) تفسر بمعنى: أعجب منا. انتهى. جمل، وعليه: يكونون قد نادوا العجب، وهو كلام لا معنى له. ﴿إِنّا كُنّا طاغِينَ:﴾ مثل إعراب: ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ في الآية [٢٩] بلا فارق، والكلام في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-5303\"></span>﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿عَسى رَبُّنا:﴾ هذا رجوع منهم إلى الرجاء، والطمع في فضل الله، وكرمه، وجوده، روي: أنهم أبدلوا خيرا منها. وقال القرطبي: تعاقدوا، وقالوا: إن أبدلنا الله خيرا منها؛ لنصنعن كما صنعت آباؤنا، فدعوا الله، وتضرعوا، فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها.\nوقال ابن مسعود﵁-: إن القوم أخلصوا، وعرف الله منهم صدقهم، فأبدلهم جنة، يقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا واحدا. وقال أبو خالد اليماني: دخلت تلك الجنة، فرأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم. وقال الحسن: قول أهل الجنة: ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ لا أدري إيمانا كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين؛ إذا أصابتهم الشدة، فيوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادة عن أصحاب أهل الجنة، أهم من أهل الجنة، أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعبا، والكثير يقولون: إنهم تابوا، وأخلصوا.\nأقول: والمعتمد: أنهم كانوا من أهل الإيمان، وما قول ابن مسعود﵁عنك ببعيد، وذكر بعض السلف: أن هؤلاء كانوا من أهل اليمن. وقيل: كانوا من أهل الجنة.\nتنبيه: معنى ﴿راغِبُونَ﴾ راجعون، وعدّي ب: ﴿إِلى﴾ وهو إنما يتعدى ب: «عن» أو ب: «في» لتضمينه معنى الرجوع. وينبغي أن تعلم: أن «رغب» وما يتصرف منه يتغير معناه بتغير الجار الذي يتعلق به، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٢٧]: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فإن التقدير: في أن، أو عن أن تنكحوهن، والأول يدل على الرغبة فيهن، والثاني يدل على عدم الرغبة فيهن، ولذا كان قول القائل وهو الشاهد رقم [٩٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -محتملا للمدح والذم: [الطويل]","vol":"10","page":91},{"text":"ويرغب أن يبني المعالي خالد... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم\nحيث حذف الجار قبل «أن» في الموضعين، وهو محتمل؛ لأن يكون: «في» أو «عن» في الموضعين، فإن قدر «في». أولا و«عن». ثانيا كان مدحا، وإن عكس كان ذما، ولا يجوز أن يقدر فيهما معا (في)، أو (عن) للتناقض كما هو ظاهر بأدنى تأمل، ومثل هذا الفعل: «ادعى» يقال: ادّعى فلان في بني هاشم: إذا انتسب إليهم، وادّعى عنهم: إذا عدل بنسبه عنهم، ومثله أيضا: «عدل» و«مال» و«انحرف» وغير ذلك كثير، وهذا مما يدل على اتساع اللغة العربية، وشمولها.\nالإعراب: ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد، يدل على الرجاء، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّنا:﴾ اسم ﴿عَسى﴾ و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يُبْدِلَنا:﴾ فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل يعود إلى ربنا، و(نا) مفعول به أول، و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب خبر ﴿عَسى﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرًا﴾. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿إِلى رَبِّنا:﴾ متعلقان بما بعدهما، و(نا): في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿راغِبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية تعليل للرجاء، وهي من جملة القول.\n\n<span id=\"aya-5304\"></span>﴿كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ﴾ أي: عذاب الدنيا، وهلاك الأموال. عن ابن زيد. وقيل: إن هذا؛ وعظ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجدب والقحط، لدعاء النبي ﷺ، أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا. ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ..﴾. إلخ، قال ابن عباس﵄-: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا: ليقتلن محمدا ﷺ وأصحابه، وليرجعن إلى مكة؛ حتى يطوفوا بالبيت، ويشربوا الخمر، وتضرب القينات على رؤوسهم؛ فأخلف ظنهم، وأسروا، وقتلوا، وهزموا كأهل هذه الجنة لمّا خرجوا عازمين على الصرام، فخابوا. انتهى. قرطبي. أقول:\nقد تقدم: أن السورة مكية، فيبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة يوم بدر، والأولى حملها على ما أصاب قريشا من الجدب، والقحط. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والمراد ب: ﴿الْآخِرَةِ﴾ الحياة؛ التي تكون بعد الموت، وما فيها من نعيم مقيم، أو عذاب أليم، وهي الحياة الثانية الأبدية التي تكون بعد البعث والنشور، وبعد الحساب والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن، وعمل صالحا، وفي النار لمن كفر، وعمل سيئا. ورحم الله من قال: [البسيط]\nالموت باب وكلّ الناس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟","vol":"10","page":92},{"text":"ورحم الله من أجابه بقوله:\nالدار جنة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنار\nهما محلاّن ما للناس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار\nالإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ (الكاف): حرف تشبيه، وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْعَذابُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَعَذابُ:﴾\n (الواو): حرف عطف. (اللام): لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من العذاب؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو، وإعادة ﴿الْعَذابُ﴾ بلفظه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لو كانوا يعلمون العذاب الأليم؛ لآمنوا، وسارعوا إلى ما يرضي الله تعالى. و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام معترض في آخر الكلام، مفاده: بيان شدة العذاب في الآخرة. لا محل له.\n\n<span id=\"aya-5305\"></span>﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾\nالشرح: المعنى: إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه، كما يشوب جنات الدنيا. ولما نزلت هذه الآية، وسمعها كفار قريش؛ قالوا: إن صح أنا نبعث، كما يزعم محمد، ومن معه؛ لم يكن حالنا، وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا، ولم يفضلونا! وهذا ظن منهم: أن السعيد في الدنيا سعيد في الآخرة بعد الموت. وقد حكى القرآن الكريم مثل هذا عن الكافر العاص بن وائل، وذلك في سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾. هذا؛ والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان، وتقريب.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ثان، أو بالخبر المحذوف نفسه، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وأجاز أبو البقاء اعتباره متعلقا بمحذوف حال من ﴿جَنّاتِ،﴾ و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في","vol":"10","page":93},{"text":"محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَنّاتِ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-5306\"></span><span id=\"aya-5307\"></span><span id=\"aya-5308\"></span><span id=\"aya-5309\"></span>﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿أَفَنَجْعَلُ..﴾. إلخ: استفهام إنكاري توبيخي، ورد لقولهم: لو كان ما يقوله محمد حقا، فنحن نعطى في الآخرة خيرا مما يعطى هو ومن معه كما في الدنيا، وكأن العبارة مقلوبة، والأصل: أفنجعل المجرمين كالمسلمين؟؛ لأنهم جعلوا أنفسهم كالمسلمين، بل أفضل؟! فالمناسب: أن الإنكار متوجه لجعلهم المذكور. تأمل. انتهى. جمل. هذا؛ وفحوى هذه الآية مثل قوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [٢٠]: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠٠]: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ وفي سورة (السجدة) رقم [١٨]: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ وفي سورة (ص) رقم [٢٨]: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ وفي سورة (الجاثية) رقم [٢١]: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ.\n ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج، كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أن لكم من الخير ما للمسلمين المطيعين الممتثلين أمر الله فيما أمر، وفيما نهى عنه.\nوفي الآية التفات إلى الخطاب بعد التكلم فيما قبلها، وانظر الالتفات في سورة (الملك) [٢٠].\n ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ﴾ أي: منزل من عند الله. ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ:﴾ تقرؤون فيه: أن المسلم مثل المجرم، والمطيع مثل العاصي، فهو كقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٦ و١٥٧]: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أي: لكم في هذا الكتاب ما تختارون، وما تشتهون. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَفَنَجْعَلُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي. (الفاء): حرف عطف. (نجعل):\nفعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن». ﴿الْمُسْلِمِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿كَالْمُجْرِمِينَ:﴾\n (الكاف): اسم بمعنى مثل مبنية على الفتح في محل نصب مفعول به ثان، والكاف مضاف، و(المجرمين) مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة؛ إذ التقدير: أنحيف في الحكم، فنجعل المسلمين كالمجرمين؟! والكلام مستأنف، لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ،","vol":"10","page":94},{"text":"والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من واو الجماعة. ﴿تَحْكُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها أيضا. وقيل: حالية. ولا وجه له؛ لأنها إنشائية، والإنشاء لا يقع حالا.\n ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: بل، وهمزة الاستفهام. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿كِتابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَدْرُسُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير. ويجوز اعتبارها في محل رفع صفة ﴿كِتابٌ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له ألبتة. ﴿لَما:﴾ (اللام): لام الابتداء. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿تَخَيَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد محذوف، التقدير: إن لكم فيه للذي تتخيرونه فيه، وقد حذفت تاء المضارعة من أوله.\nهذا؛ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وكان حق همزة ﴿إِنَّ﴾ أن تفتح، والمعنى عليه؛ ولكنها كسرت لدخول لام الابتداء في خبرها، ولام الابتداء من المعلقات عن العمل، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى\n\n<span id=\"aya-5310\"></span>﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ﴾ أي: عهود، ومواثيق. ﴿عَلَيْنا بالِغَةٌ:﴾ البالغة: المؤكدة بالله تعالى، والمعنى: ألكم عهود، ومواثيق على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة، وأن تكونوا في الآخرة كما كنتم في الدنيا منعمين مرفهين مع إصراركم على الكفر، ومحاربة الرسول ﷺ؟! ﴿إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ به لأنفسكم: أنه واجب على الله أن ينيلكم إياه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى بل، وهمزة الاستفهام. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَيْمانٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَيْنا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَيْمانٌ﴾. ﴿بالِغَةٌ:﴾ صفة ثانية ل: ﴿أَيْمانٌ﴾. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾\nمتعلقان ب: ﴿بالِغَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة ثالثة ل: ﴿أَيْمانٌ﴾. التقدير: أيمان ثابتة إلى يوم القيامة.\nوأجاز الزمخشري، والجمل تعليقهما بالخبر المحذوف؛ الذي تعلق به ﴿لَكُمْ،﴾ التقدير: ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة، لا تخرج عن عهدتها إلا يومئذ إذا حكّمناكم، وأعطيناكم ما تحكمون، و﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَيْمانٌ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار","vol":"10","page":95},{"text":"ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَيْمانٌ﴾ مقدم. ﴿لَما:﴾ (اللام): لام الابتداء. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَيْمانٌ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: إن لكم للذي تحكمونه، والجملة الاسمية هذه جواب ﴿أَيْمانٌ؛﴾ لأنه بمعنى القسم، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5311\"></span><span id=\"aya-5312\"></span>﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي: اسأل يا محمد هؤلاء المتقولين بأن لهم في الآخرة مثل ما للمؤمنين من النعيم المقيم، والعزة، والكرامة: أي واحد كافل لهم ذلك الذي يتمنونه؟! و﴿زَعِيمٌ﴾ بمعنى: كفيل، وضامن. وقد جاء اللفظ في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٧٢]: ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.\n ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ أي: لهم ناس يشاركونهم في هذا القول، ويذهبون مذهبهم فيه. وقيل:\nالمعنى: ألهم شهداء يشهدون بصدق ما ادعوه؟! وفيه نوع من السخرية، والتهكم بهم، حيث يحكمون بأمور خارجة عن العقول، ويرفضها المنطق، وتأباها العدالة الإلهية. ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ:﴾\nيشهدون على ما زعموا. فهذا أمر تعجيز؛ لأن أحدا لا يسلم لهم هذا، ولا يساعدهم عليه، كما أنه لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به، ولا كفيل يضمن لهم ما ادعوه.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وقد نبه الله ﷾ في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل، أو نقل يدل عليه الاستحقاق، أو وعد، أو محض تقليد على الترتيب، تنبيها على مراتب النظر، وتزييفا لما لا سند له. انتهى.\nالإعراب: ﴿سَلْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول.\n ﴿أَيُّهُمْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿زَعِيمٌ﴾ بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل لها. ﴿زَعِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني ل: (سل) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية: ﴿سَلْهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مبتدأة، أو مستأنفة.\n ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى بل، وهمزة الاستفهام. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شُرَكاءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها من جمل.\n ﴿فَلْيَأْتُوا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اللام): لام الأمر، (يأتوا): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان لهم شركاء؛ فليأتوا... إلخ. ﴿بِشُرَكائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر","vol":"10","page":96},{"text":"بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر ﴿كانُوا﴾ منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية معترضة في آخر الكلام لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5313\"></span>﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ أي: عن أمر فظيع، قال ابن عباس﵄-:\nهي أشد ساعة في يوم القيامة، تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر فظيع عظيم، يحتاج فيه إلى الجد، ومقاساة الشدة: شمّر عن ساقك؛ إذا قام في ذلك الأمر. ويقال إذا اشتد الأمر في الحرب: كشفت الحرب عن ساق. وسئل ابن عباس﵄عن هذه الآية، فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن، فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب؛ أما سمعتم قول الشاعر: [الرجز]\nسنّ لنا قومك ضرب الأعناق... وقامت الحرب بنا على ساق\nثم قال ابن عباس﵄-: هو يوم كرب، وشدة. وأنشد أهل اللغة أبياتا في هذا المعنى فمنها قول حاتم الطائي: [الطويل]\nفتى الحرب إن عضّت به الحرب عضّها... وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا\nوقال الراجز: [الرجز]\nقد كشفت عن ساقها فشدّوا... وجدّت الحرب بكم فجدّوا\nوقال آخر: [الرجز]\nعجبت من نفسي ومن إشفاقها... ومن طراد الطير عن أرزاقها\nفي سنة قد كشفت عن ساقها... حمراء تبري اللّحم عن عراقها\nالعراق: العظم بغير لحم. ومن ذلك قول جرير: [الطويل]\nألا ربّ ساهي الطرف من آل مازن... إذا شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا\nوقد كثر مثل هذا في كلام العرب؛ حتى صار كالمثل يضرب للأمر العظيم الشديد.\nوالأصل فيه: أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وأما ما روي أن الله يكشف عن ساقه، فإن الله ﷿ يتعالى عن الأعضاء، والتبعيض، وأن","vol":"10","page":97},{"text":"يكشف، ويتغطى. وقيل: يكشف عن نوره ﷿. وروى أبو موسى عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ قال: «يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا».\nوقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن منيع، قال: حدثنا هدبة، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عدي بن زيد، عن عمارة القرشي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: حدثني أبي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون في الدّنيا، فيذهب كلّ قوم إلى ما كانوا يعبدون، ويبقى أهل التوحيد، فيقال لهم: ما تنظرون، وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا ربّا كنّا نعبده في الدنيا، ولم نره، قال: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال: فكيف تعرفونه، ولم تروه؟ قالوا:\nلا شبيه له، فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله تعالى، فيخرّون له سجدا، وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر، فينظرون إلى الله تعالى، فيريدون السجود، فلا يستطيعون، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ..﴾. إلخ، فيقول الله تعالى: عبادي! ارفعوا رؤوسكم، فقد جعلت بدل كلّ رجل منكم رجلا من اليهود، والنصارى في النار». قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز﵁فقال: الله الذي لا إله إلاّ هو لقد حدّثك أبوك بهذا الحديث! فحلف له ثلاثة أيمان، فقال﵁-: ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إليّ من هذا!.\nوفي الكشاف: فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ في معنى: يوم يشتد الأمر، ويتفاقم، ولا كشف ثمّ ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثمّ، ولا غل، وإنما هو مثل في البخل. وأما من شبّه؛ فلضيق عطنه، وقلة نظره في علم البيان. والذي غره منه حديث ابن مسعود﵁-: «يكشف الرحمن عن ساقه، فأمّا المؤمنون؛ فيخرون سجدا، وأما المنافقون؛ فتكون ظهورهم طبقا طبقا كأن فيها السّفافيد». ومعناه: يشتد أمر الرحمن، ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة، انتهى. وهذا الحديث مشهور يروى عن أبي سعيد الخدري وغيره، وهو عند الشيخين من قول النبي ﷺ، والسفافيد جمع: السفود وزن التنور، وهو الحديدة التي يشوى بها اللحم.\nوجملة القول: إن الآية من المتشابهات، وفيها مذهبان: مذهب السلف، ومذهب الخلف، فالسلف يقولون: لله ساق تليق به لا نعرفها، ومذهب الخلف التأويل كما رأيت فيما سبق، ومذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿فَلْيَأْتُوا،﴾ أو هو متعلق بفعل محذوف، تقديره:\nاذكر يوم. وقال أبو البقاء: وقيل: العامل فيه ﴿خاشِعَةً﴾. انتهى. ولا وجه له. ﴿يُكْشَفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ﴿عَنْ ساقٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُكْشَفُ،﴾ وهما في محل رفع نائب فاعله،","vol":"10","page":98},{"text":"والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها. ﴿وَيُدْعَوْنَ:﴾ (الواو): حرف عطف، (يدعون):\nفعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿إِلَى السُّجُودِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَلا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (لا): نافية، ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها... إلخ.\n\n<span id=\"aya-5314\"></span>﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ:﴾ الخشوع في البصر: الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار؛ لأن أثر العز، والذل يتبين في نظر الإنسان، فهو من المجاز العقلي. قال تعالى في سورة (القمر) الآية رقم [٧]: ﴿خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ،﴾ وقال في سورة (النازعات): ﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ يقال: خشع، واختشع: إذا ذل، وخشع ببصره، أي: غضه. ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ:﴾ تغشاهم ذلة، ويقال: أرهقه طغيانا، أي: أغشاه إياه، وأرهقه إثما؛ حتى رهقه، أي: حمله إثما؛ حتى حمله، وأرهقه عسرا: كلفه إياه، يقال: لا ترهقني، لا أرهقك الله! أي: لا تعسرني، لا أعسرك الله.\nانتهى. مختار، وفي سورة (عبس): ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ،﴾ وفي سورة (يونس) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام قوله تعالى في حق المحسنين: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ رقم [٢٦]، وفي حق المسيئين: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ رقم [٢٧]. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وذلك حين يرفع المؤمنون رؤوسهم، ووجوههم أشد بياضا من الثلج، وتسود وجوه المنافقين والكافرين؛ حتى ترجع أشد سوادا من القار. والرهق: الغشيان، ومنه: غلام مراهق، إذا غشي الاحتلام. ورهقه بالكسر يرهقه رهقا غشيه.\n ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ أي: في الدنيا، كانوا يدعون إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة، وذلك: أنهم كانوا يسمعون: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فلا يجيبون، قاله إبراهيم التيمي، وسعيد بن جبير، رحمهما الله تعالى. ﴿وَهُمْ سالِمُونَ:﴾ معافون أصحّاء.\nقال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات! وكان الربيع بن خثيم قد فلج، وكان يهادى به بين الرجلين إلى المسجد، فقيل له: يا أبا يزيد! لو صليت في بيتك؛ لكانت لك رخصة، فقال: من سمع: حي على الفلاح؛ فليجب؛ ولو حبوا.\nهذا؛ ودعوتهم إلى السجود يوم القيامة ليست تكليفا، وإنما هي توبيخ على تركهم السجود في الدنيا حين كانوا سالمين من العلل، والموانع من السجود.\nأقول: رحم الله الإمام أحمد حيث أوجب الصلاة في الجماعة إلا لعذر، وهو ما تؤيده الأحاديث الصحيحة، وخذ منها ما يلي: فعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله","vol":"10","page":99},{"text":"ﷺ: «من سمع النّداء، فلم يمنعه من اتباعه عذر» -قالوا: وما العذر؟ قال: «خوف، أو مرض- لم تقبل منه الصّلاة الّتي صلّى». رواه أبو داود، وابن ماجه.\nوعن معاذ بن أنس﵁عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الجفاء كلّ الجفاء، والكفر، والنّفاق: من سمع منادي الله ينادي إلى الصّلاة، فلا يجيبه». رواه الإمام أحمد. وفي رواية للطبراني: قال رسول الله ﷺ: «بحسب المؤمن من الشقاء، والخيبة أن يسمع المؤذن يثوّب بالصّلاة، فلا يجيبه».\nوعن جابر بن عبد الله﵄قال: أتى ابن أم مكتوم النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنّ منزلي شاسع، وأنا مكفوف البصر، وأنا أسمع الأذان، قال: «فإن سمعت الأذان، فأجب؛ ولو حبوا، أو زحفا». رواه أحمد، والطبراني، وابن حبان.\nالإعراب: ﴿خاشِعَةً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿أَبْصارُهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿خاشِعَةً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. وينبغي أن تعلم: أن ﴿خاشِعَةً﴾ في الأصل صفة ﴿أَبْصارُهُمْ﴾ فلما تقدم النعت المنعوت انتصب، ومثله قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣]: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. ﴿تَرْهَقُهُمْ:﴾\nفعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿ذِلَّةٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَقَدْ:﴾ (الواو): واو الحال. (قد): حرف تحقيق، يقرب الماضي من الحال. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية: (قد كانوا...) إلخ في محل نصب حال أخرى من الضمير المنصوب، فهي حال متداخلة، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ سالِمُونَ﴾ في محل نصب حال أيضا من واو الجماعة. فهي حال متداخلة أيضا، والرابط فيها وفيما قبلها: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-5315\"></span>﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿فَذَرْنِي:﴾ فدعني. فيه تسلية للنبي ﷺ، وتهديد لكل كفار قريش، ومن على شاكلتهم من المكذبين إلى يوم القيامة. ﴿وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ المراد به: القرآن، والمعنى:\nخل بيني، وبين المكذبين بالقرآن، لا تشغل بالك بهم، ولا تهتم بشأنهم، وكلهم إليّ، فإني أكفيك إياهم! والخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ:﴾ قال الأزهري:\nسنأخذهم قليلا قليلا من حيث لا يحتسبون، وذلك: أن الله تعالى يفتح عليهم من أبواب النعم ما يغتبطون به، ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما يكونون. هذا؛ وأصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة. قال الضحاك: المعنى: كلما جددوا لنا معصية؛ جددنا لهم نعمة، أي: فيظنوا أن تواتر النعم لطف من الله تعالى بهم، فيزدادون بطرا، وانهماكا في الضلال؛ حتى يحق عليهم العذاب.","vol":"10","page":100},{"text":"أقول: وهو فحوى قوله تعالى في سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ رقم [٧٥]. وعن عقبة بن عامر﵁- عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته فذلك منه تعالى استدراج». ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ رقم [٤٤] من سورة (الأنعام)، ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري. هذا؛ وقال الحسن البصري -﵁-: كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه.\n ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أنه استدراج، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر إهانة، كما قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٥٥]: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ،﴾ فعلى المسلم الكامل إذا تجددت له نعمة؛ أن يقابلها بالشكر، وإذا أذنب ذنبا؛ أن يعاجله بالاستغفار، والتوبة.\nالإعراب: ﴿فَذَرْنِي:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا كانت أحوالهم كذلك؛ فذرني ومن يكذب... إلخ. (ذرني): فعل أمر، والفاعل تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، كما رأيت. ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ياء المتكلم، أو على أنه مفعول معه، والأول أرجح، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوالعطف إن يمكن بلا ضعف أحقّ... والنصب مختار لدى عطف النّسق\n ﴿يُكَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف للتنبيه مقحم بينهما. ﴿الْحَدِيثِ:﴾ صفة اسم الإشارة، أو بدل منه. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ:﴾ (السين): حرف تنفيس، واستقبال. (نستدرجهم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ولا تنس: أنه روعي معنى (من) بالضمير المنصوب، وروعي لفظها بإرجاع فاعل ﴿يُكَذِّبُ﴾ إليها. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر ب: ﴿مَنْ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-5316\"></span>﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ:﴾ أمهلهم، والإملاء: الإمهال. ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ:﴾ إن أخذي شديد قوي لمن خالف أمري، وكذب رسلي، واجترأ على معصيتي. وإنما سمى الله ﷿ إحسانه:","vol":"10","page":101},{"text":"كيدا، كما سماه: استدراجا؛ لكونه في صورة الكيد، فما وقع لهم من سعة الأرزاق، وطول الأعمار، وعافية الأبدان، إحسان في الظاهر، وبلاء في الباطن، ظاهره إحسان، وباطنه خذلان؛ لأن المقصود معاقبتهم، وتعذيبهم به. ويطلق على مثاله اسم: المجاز المرسل.\nوقال ابن عباس﵄-: إن مكري شديد، وفي المختار: الكيد: المكر، وربنا جل علاه منزه عن المكر والكيد، وإنما الكلام من باب المشاكلة، وعن أبي هريرة﵁عن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ليملي للظّالم حتّى إذا أخذه لم يفلته». ثم قرأ قوله تعالى في سورة (هود): ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. أخرجه الشيخان.\nالإعراب: ﴿وَأُمْلِي:﴾ (الواو): حرف عطف. (أملي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ..﴾. إلخ عطف تفسير. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿كَيْدِي:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿مَتِينٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليلية، لا محل لها.\nتنبيه: في الآيتين التفات من تكلم المفرد، إلى تكلم الجماعة، ثم إلى تكلم المفرد، انظر الالتفات في سورة (الملك) رقم [٢٠]. هذا؛ والآيتان مذكورتان في سورة (الأعراف) برقم [١٨٢ و١٨٣].\n\n<span id=\"aya-5317\"></span><span id=\"aya-5318\"></span>﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾\nالشرح: هذا الكلام في المعنى مرتبط بقوله سابقا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾. والمعنى:\nأتطلب منهم يا محمد أجرا، ومكافأة على ما تدعوهم إليه من الإيمان، أو على التبليغ، والإنذار؟! وهو استفهام إنكاري على منع الحصول، والوقوع من أصله، ليس شيء من ذلك قطعا! ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ يعني: أثقلهم ذلك المغرم الذي سألتهم، فمنعهم من الإيمان.\nوالمغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، والمعنى: ألزمهم مغرم ثقيل فدحهم، فزهدهم ذلك في اتباعك؟! الواقع ليس شيء من هذا! بل يستولون بمتابعتك على خزائن الدنيا، ويكونون سادة العالم، وفي الآخرة يفوزون بجنات النعيم.\n ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي: علم الغيب، وهو ما غاب عنهم؛ حتى علموا: أن ما يخبرهم به الرسول ﷺ من أمر القيامة والبعث بعد الموت باطل. ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: معناه: أعندهم اللوح المحفوظ، فهم يكتبون ما فيه، ويخبرون الناس به، أو يكتبون:","vol":"10","page":102},{"text":"أنهم أفضل منكم، وأنهم لا يعاقبون، بل يكونون أعزاء مكرمين في الدنيا وفي الآخرة؟! والجواب: ليس شيء من ذلك؛ إن هم إلا مفترون. هذا؛ والآيتان مذكورتان في سورة (الطور) برقم [٤٠ و٤١] وانظر الغيب في سورة (الملك) رقم [١٢]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: بل، وهمزة الاستفهام. ﴿تَسْئَلُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول، ﴿أَجْرًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة في المعنى على قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ،﴾ ومستأنفة في الصناعة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾\n (الفاء): حرف عطف، (هم): مبتدأ. ﴿مِنْ مَغْرَمٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُثْقَلُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿عِنْدَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْغَيْبُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿يَكْتُبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5319\"></span>﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لقضاء ربك، والحكم هنا بمعنى: القضاء. وقيل:\nالمعنى: فاصبر على ما حكم به عليك ربك من تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة. وقيل: المعنى:\nاصبر على أذاهم استجابة لأمر ربك، ولا تعجل، ولا تغاضب، فلا بد من نصرك، وإعلاء دينك. وقيل: هذا منسوخ بآية السيف: وإذا عرفنا: أن السورة مكية، فالنسخ يكون بعد الهجرة بلا ريب.\n ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ:﴾ يعني يونس، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. أي: لا تكن مثله في الغضب، والضجر، والعجلة. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: إن الله تعالى يعزي نبيه ﷺ، ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٨] من السورة المسماة باسمه، وفي الآية رقم [٨٧] من سورة (الأنبياء)، والآية رقم [١٣٩] وما بعدها من سورة (الصافات)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿إِذْ نادى:﴾ دعا ربه، وهو في بطن الحوت بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ:﴾ مملوء غما، والمعنى: لا تكن مثله ضجرا، فتبتلى ببلائه. هذا؛ والكظم: الحبس، ومنه قولهم: فلان كظم غيظه، أي: حبس غضبه، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٣٤] من وصف المتقين: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ..﴾. إلخ، قال قتادة-رحمه الله تعالى-: الكظيم، والمكظوم: هو الذي يردد حزنه في جوفه، ولا يقول إلا","vol":"10","page":103},{"text":"خيرا. هذا؛ وقيل: إن هذه الآية نزلت بأحد حين حل برسول الله ﷺ ما حل، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل: أراد أن يدعو على ثقيف. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب.\nوالمشهور: أنه نزل في يوم أحد حين همّ الرسول ﷺ أن يدعو على المشركين قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ..﴾. إلخ، رقم [١٢٨] من سورة (آل عمران).\nالإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره:\n «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا لم يكن شيء مما ذكر؛ فاصبر. ﴿لِحُكْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(حكم) مضاف و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، واسمه مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَصاحِبِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُنْ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و(صاحب) مضاف إليه، و(صاحب) مضاف، و﴿الْحُوتِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اذكر؛ لأن ﴿إِذْ﴾ ليس ظرفا لما تقدمه؛ إذ النداء طاعة، فلا ينهى عنه. قاله النسفي. وقال الجمل نقلا عن السمين: ﴿إِذْ﴾ منصوب بمضاف محذوف، أي: ولا يكن حالك كحاله، أو قصتك كقصته في وقت ندائه، ويدل على المحذوف: أن الذوات لا ينصبّ عليها النهي، وإنما ينصب على أحوالها، وصفاتها.\n ﴿نادى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (صاحب الحوت)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال.\n (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مَكْظُومٌ:﴾ خبره. والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿نادى﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-5320\"></span><span id=\"aya-5321\"></span>﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ:﴾ ﴿تُدْرِكُهُ﴾ فعل ماض لم يؤنث؛ لأنه حمل على معنى النعمة؛ لأنها ليست مؤنثا حقيقيا، أو ترك تأنيث الفعل للفصل بضمير النصب، وهو الهاء.\nواختلف في النعمة، فقيل: هي النبوة. وقيل: عبادته التي سلفت. وقيل: نداؤه: ﴿لا إِلهَ إِلاّ﴾","vol":"10","page":104},{"text":"﴿أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. ويؤيده قوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وقيل: أي: رحمة من ربه، فرحمه، وتاب عليه.\n ﴿لَنُبِذَ:﴾ لطرح. ﴿بِالْعَراءِ:﴾ الأرض الواسعة الفضاء، التي ليس فيها جبل، ولا شجر يستر.\nوقال أبو عبيدة: العراء: وجه الأرض، وأنشد لرجل من خزاعة: [الكامل]\nورفعت رجلا لا أخاف عثارها... ونبذت بالبلد العراء ثيابي\n ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ أي: لنبذ مذموما، ولكنه نبذ سقيما غير مذموم. وقيل: لولا فضل الله عليه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة مذموما. يدل عليه قوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.\nقال الجمل: وفي الخطيب: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ أي: ملوم على الذنب. وقيل: مبعد من كل خير. وقال الرازي: وهو مذموم على كونه فاعلا للذنب. قال: والجواب من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن كلمة (لولا) دالة على أن هذه المذمومية لم تحصل. الثاني: لعل المراد من المذمومية ترك الأفضل، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. الثالث: لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة، لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾. أقول: الثالث مردود، وغير مقبول أبدا، لقوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ تأمل، وتدبر.\nجاء في الحديث: أنه لما قال: «لا إله إلاّ أنت سبحانك... إلخ». خرجت هذه الكلمة تحف حول العرش، فقالت الملائكة: ربنا هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال ﵎: أما تعرفون هذا؟ قالوا: لا! قال: هذا صوت يونس، قالوا: يا ربنا عبدك، الذي لا يزال يرفع له عمل صالح، ودعوة مستجابة. قال: نعم. قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء، فتنجيه من البلاء؟! فأمر الله الحوت، فألقاه بالعراء.\n ﴿فَاجْتَباهُ﴾ أي: اصطفاه، واختاره. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾. قال ابن عباس﵄-:\nرد الله إليه الوحي، وشفعه في نفسه، وفي قومه. وقيل: قبل توبته. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ بأن أرسله إلى مئة ألف، أو يزيدون بسبب صبره. انظر هذا، وغيره في سورة (الصافات) رقم [١٤٧]. هذا؛ والصلاح درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سألها كثير من الأنبياء، والمرسلين.\nانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (المنافقون) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿لَوْلا:﴾ حرف امتناع لوجود. ﴿أَنْ تَدارَكَهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿نِعْمَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نِعْمَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: لولا مداركة الله إياه لحقته، أو استنقذته. ﴿لَنُبِذَ:﴾ (اللام): واقعة في جواب (لولا). (نبذ): فعل ماض مبني","vol":"10","page":105},{"text":"للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى صاحب الحوت، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْلا،﴾ لا محل لها. ﴿بِالْعَراءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، التقدير: مطروحا بالعراء، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿فَاجْتَباهُ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (اجتباه): فعل ماض مبني على الفتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿رَبِّهِ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: لكن أدركته نعمة من ربه، فاجتباه. ﴿فَجَعَلَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جعله): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّهِ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة قبلها.\n\n<span id=\"aya-5322\"></span>﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ:﴾ وذلك: أن الكفار أرادوا أن يصيبوا النبي ﷺ بالعين، فنظرت قريش إليه، وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حججه! وقيل: كانت العين في بني أسد؛ حتى إن البقرة السمينة، أو الناقة السمينة تمر بأحدهم، فيعاينها، ثم يقول: يا جارية! خذي المكتل، والدرهم، فائتينا بلحم هذه الناقة، فما تبرح؛ حتى تقع للموت، فتنحر.\nوقال الكلبي: كان رجل من العرب، يمكث لا يأكل شيئا يومين، أو ثلاثة، ثم يرفع جانب خبائه، فتمر به الإبل، أو الغنم، فيقول: لم أر كاليوم إبلا، ولا غنما أحسن من هذه! فما تذهب إلا قليلا؛ حتى تسقط منها طائفة هالكة، فسأل كفار قريش هذا الرجل أن يصيب لهم النبي ﷺ بالعين، فأجابهم، فلما مر النبي ﷺ أنشد: [الكامل]\nقد كان قومك يحسبونك سيّدا... وإخال أنّك سيّد معيون\nفعصم الله حبيبه ﷺ، وأنزل عليه: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ قال ابن عباس﵄-: معناه: ينفذونك. وقيل: يصيبونك بعيونهم، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه. وقيل:\nيصرعونك. وهذا كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه، قال الشاعر: [الكامل]\nترميك مزلقة العيون بطرفها... وتكلّ عنك نصال نبل الرّامي\nوقال آخر: [الكامل]\nيتقارضوان إذا التقوا في مجلس... نظرا يزلّ مواطئ الأقدام\nيقول: إذا التقوا في مجلس؛ ينظر كل واحد منهم إلى الآخر نظر حسد، وحنق؛ حتى يكاد يصرعه، وهو الإصابة بالعين. وقيل: المعنى: وإن يكاد الذين كفروا ليصرفونك عما أنت بصدده","vol":"10","page":106},{"text":"من تبليغ الرسالة، وإنما أراد: أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة، والبغضاء، يكاد يسقطك. ومنه قولهم: نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني، أو يكاد يهلكني، ويدل على صحة هذا المعنى: أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ؛﴾ لأنهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة، ويحدّون النظر إليه بالبغضاء، ويقولون، إنه لمجنون:\nأي: ينسبونه إلى الجنون؛ إذا سمعوه يقرأ القرآن.\nوفي الآية الكريمة دليل على أن العين إصابتها، وتأثيرها حقّ بأمر الله ﷿، كما وردت بذلك الأحاديث النبوية الصحيحة: فعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا رقية إلاّ من عين، أو حمة، أو دم لا يرقأ». أخرجه أبو داود. وعن بريدة بن الحصيب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا رقية إلاّ من عين، أو حمة». أخرجه ابن ماجه. وعن ابن عباس﵄-، عن النبي ﷺ قال: «العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا». أخرجه مسلم. وعن ابن عباس أيضا: قال: كان رسول الله ﷺ يعوّذ الحسن والحسين، يقول: «أعيذكما بكلمات الله التامّة من كلّ شيطان، وهامّة، ومن كلّ عين لامّة». ويقول: «هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق، وإسماعيل ﵉». أخرجه البخاري، وأصحاب السنن.\nوعن عبيد الله بن رفاعة الزرقي: أن أسماء بنت عميس﵂قالت: يا رسول الله! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين». أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. ومن ذلك قول النبي ﷺ: «إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر».\nهذا؛ ويروى: أن عامر بن ربيعة﵁أصاب سهل بن حنيف بالعين، فقال رسول الله ﷺ: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برّكت؟! إنّ العين حقّ. توضأ له». ومعنى: ألا بركت، هلا قلت: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، ومفهومه: أن التبريك يدفع أذى العين، ومن ذلك قولك: ما شاء الله كان، والصلاة والسّلام على الرسول يمنع ذلك أيضا، وفي قول الرسول ﷺ للعاين: «توضّأ» أمر له بالوضوء الكامل للصلاة في إناء، ثم يغتسل المصاب بماء الوضوء، فإنه شفاء له بإذن الله، وهذا إذا عرف العاين، وإذا لم يعرف؛ فالقرآن شفاؤه، أي: للمصاب، فتلاوة الفاتحة، والمعوذتين عليه شفاء له بإذن الله تعالى. هذا؛ ولا يفوتني أن أذكر: أنه لا يشترط أن يكون العاين فقيرا، أو فاسقا، أو كافرا، فقد يكون من أغنى الأغنياء، وقد يكون من أتقى الأتقياء: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾.\nهذا؛ وقد أخذ جماهير العلماء بظاهر الأحاديث السابقة، فقالوا: العين حق، وأنكره طوائف من المبتدعة، والدليل على فساد قولهم: أن كل معنى ليس مخالفا في نفسه، ولا يؤدي","vol":"10","page":107},{"text":"إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فإنّه من مجوزات العقول، فإذا أخبر الشارع بوقوعه؛ وجب اعتقاده، ولا يجوز تكذيبه.\nومذهب أهل السنّة: أنّ العين إنما تفسد وتهلك عند مقابلة هذا الشخص، الذي هو العائن لشخص آخر، فتؤثر فيه بقدرة الله تعالى وفعله، وقوله: «ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين». فيه إثبات القدر، وأنه حق. والمعنى: أن الأشياء كلها بقدر الله، ولا يقع شيء إلا على حسب ما قدّر الله، وسبق به علمه، ولا يقع ضرر العين وغيره من الخير والشر إلا بقدرة الله.\nقال تعالى: ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ رقم [١٠٢] من سورة (البقرة)، وقوله:\n ﴿وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ سورة (المجادلة) رقم [١٠]. هذا بالإضافة لما ورد عن النبي ﷺ من أدعية للوقاية من الإصابة بالعين، ولما ورد عنه ﷺ من علاج للاستشفاء منها، وأذكر:\nأن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-قال: دواء من أصابته العين أن تقرأ عليه هذه الآية: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ أقول: وأضيف إليه أن تقول: بسم الله حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، وليل دامس، ردّت عين العاين، وعلى أحبّ الناس إليه ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.\n ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: يقول كفار قريش حين سمعوا القرآن من النبي ﷺ: ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ:﴾ يعنون حبيب الحق، وسيد الخلق ﷺ. وهذا أحد أقاويلهم فيه، كما قالوا عنه: ساحر، وكاهن، وشاعر. والمعنى: هم في حيرة، وهمّهم تنفير الناس عنه، فلم يفلحوا، وقد حقّق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزمهم في غزوة بدر أشنع هزيمة.\nالإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها، وهذا عند البصريين، ويقول الكوفيون: هي بمعنى ما النافية. ﴿يَكادُ:﴾ فعل مضارع ناقص.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسم ﴿يَكادُ﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَيُزْلِقُونَكَ:﴾ (اللام): هي الفارقة بين النفي، والإثبات عند البصريين، وعند الكوفيين هي بمعنى: إلا؛ إذ المعنى عندهم: ما يكاد الذين كفروا إلا... إلخ. وقول البصريين هو المعتمد في هذه المسألة. هذا؛ وقال الجمل: إن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. وهو ضعيف، والمعتمد: أنها مهملة كما قدمت. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل\n (يزلقونك): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به.\nوالجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿يَكادُ﴾. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِأَبْصارِهِمْ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على","vol":"10","page":108},{"text":"السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. وقيل: ﴿لَمّا﴾ رابطة، وجوابها محذوف للدلالة عليه، أي: لما سمعوا الذكر؛ كادوا يزلقونك. والأول أقوى، وجملة: ﴿سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها. ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمه. ﴿لَمَجْنُونٌ:﴾ (اللام): هي المزحلقة.\n (مجنون): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على خبر ﴿يَكادُ﴾ فهي في محل نصب مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\n\n<span id=\"aya-5323\"></span>﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما هُوَ:﴾ يعني: القرآن. ﴿إِلاّ ذِكْرٌ:﴾ موعظة. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أي: الإنس، والجن.\nقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: لما جننوه لأجل القرآن؛ بين الله﷿-: أنه ذكر عام، لا يدركه، ولا يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس عقلا، وأمتنهم رأيا. وقيل: المعنى: ما القرآن إلا شرف، كما قال الله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٤٤]: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ..﴾. إلخ، انظر شرحها هناك. هذا؛ و(العالمين): جمع عالم (بفتح اللام) وجمع لاختلاف أنواعه. وهو جواب عما يقال: إنه اسم جنس يصدق على كل ما سوى الله، والجمع لا بد أن يكون له أفراد ثلاثة، فأكثر. وجمع بالياء والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قول موسى-على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-لما قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ؛﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ من سورة (الشعراء). هذا؛ والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر، والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم. قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): واو الحال، (ما): نافية. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ذِكْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الذكر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿ذِكْرٌ،﴾ وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (القلم) شرحا، وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4678>سورة الحاقّة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nمكية في قول الجميع، وهي اثنتان وخمسون آية، ومئتان وست وخمسون كلمة، وألف وأربعة وثلاثون حرفا. انتهى. خازن، وروى أبو الزاهرية عن أبي هريرة﵁قال:\n\nقال رسول الله ﷺ: «من قرأ إحدى عشرة آية من سورة الحاقة؛ أجير من فتنة الدجّال، ومن قرأها كانت له نورا يوم القيامة من فوق رأسه إلى قدمه». انتهى. قرطبي.\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5324\"></span><span id=\"aya-5325\"></span><span id=\"aya-5326\"></span>﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾\nالشرح: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني: القيامة، سميت حاقة من الحق الثابت؛ يعني: أنها ثابتة الوقوع، لا ريب فيها. انتهى. خازن. وفي النسفي: الحاقة: الساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجيء، التي هي آتية، لا ريب فيها، من: حقّ، يحق بالكسر، أي: وجب. انتهى. وقيل: سميت بذلك؛ لأن فيها تحقق الأمور، فتعرف على الحقيقة، وفيها يحق الجزاء على الأعمال، أي:\nيجب، وقال الأزهري: يقال: حاققته، فحققته، أحقه، أي: غالبته فغلبته، فالقيامة حاقة؛ لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل.\n ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ أي: أي شيء هي؟ تفخيما لشأنها، وتعظيما لهولها، أي: حقها أن يستفهم عنها لعظمها. فوضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التهويل. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ المعنى: وأي شيء علمته عن الحاقة؟ أي: إنك، لا علم لك بكنهها، ومدى عظمها؛ لأنها من العزم، والشدة بحيث لا تبلغ حقيقتها دراية المخلوقين، ومعرفتهم. والخطاب للنبي ﷺ، ويعم كل عاقل فاهم يهمه شأن القيامة، ومعرفة حقيقتها.\nوالنبي ﷺ كان عالما بالقيامة، ولكن بالصفة، فقيل تفخيما لشأنها: وما أدراك ما هي؟ كأنك لست تعلمها؛ إذ لم تعاينها، وقال يحيى بن سلام-رحمه الله تعالى-: بلغني: أن كل شيء في القرآن ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فقد أدراه إياه، وعلمه، وكل شيء قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾. فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه:\n ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾. فإنه لم يخبر به.","vol":"10","page":110},{"text":"الإعراب: ﴿الْحَاقَّةُ:﴾ مبتدأ أول. ﴿مَا الْحَاقَّةُ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الْحَاقَّةُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿الْحَاقَّةُ..﴾. إلخ لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَما:﴾ (الواو):\nحرف عطف، أو استئناف. (ما): مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) تقديره: هو، والكاف مفعول به أول. ﴿مَا الْحَاقَّةُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: (أدرى)؛ لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو (ما)، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو.\n\n<span id=\"aya-5327\"></span>﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿ثَمُودُ﴾ قبيلة عربية سموا باسم أبيهم الأكبر، ثمود بن غابر، بن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر، وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل. والأول هو المعتمد. هذا؛ ويقرأ بالصرف، وعدمه، وهو الأكثر، والأرجح، وصرفه على إرادة الأب الأول، ومنعه على إرادة القبيلة، ورسول ثمود هو صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهو ابن عبيد، بن آسف، بن ماسح، بن عبيد، بن حاذر، بن ثمود، وليس هو من أنبياء بني إسرائيل، ك: هود؛ لأنهما قبل إبراهيم ﵇، وكان بين هود، وصالح مئة سنة، وعاش صالح مئتين وثمانين سنة كما في الحبير للسيوطي.\n (عاد) مثل ﴿ثَمُودُ﴾ قبيلة عربية أيضا، وهو في الأصل اسم الأب الكبير، وهو عاد بن عوص، ابن إرم، بن سام، بن نوح، ﵊، فسميت به القبيلة، أو الحي، و(عاد) مثل ﴿ثَمُودُ﴾ في الصرف، وعدمه. والكثير، والأقوى الصرف لخفته؛ لأنه على ثلاثة أحرف، أوسطها ساكن، مثل: هند، ودعد، ولوط، ونوح...، وأما هود فقد اشتهر في ألسنة النحاة: أنه عربي، وهو ابن عبد الله، بن رباح بن الخلود، بن عاد، بن عوص، بن إرم، بن نوح. وقال ابن إسحاق:\nهو هود بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح، وهود قبل صالح، كان بينه وبين نوح ثمانمئة سنة وعاش أربعمائة وأربعا وستين سنة، وكانت قبيلة عاد تسكن الأحقاف من بلاد اليمن.\n (القارعة): هي يوم القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تقرع الناس بأهوالها، يقال: أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله، وشدائده، ونعوذ بالله من قوارع فلان، ولواذعه، وقوارص لسانه (جمع قارصة، وهي الكلمة المؤذية). هذا؛ وقد قال تعالى في بيان أهوالها، وشدائدها:\n ﴿الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ..﴾. إلخ.","vol":"10","page":111},{"text":"الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، ﴿ثَمُودُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَعادٌ:﴾ (الواو): حرف عطف. (عاد): معطوف على ﴿ثَمُودُ﴾. ﴿بِالْقارِعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿كَذَّبَتْ﴾.\n\n<span id=\"aya-5328\"></span>﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ (٥)﴾\nالشرح: ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ أي: بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة، واختلف فيها، فقيل: الرجفة، أو الصيحة قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٧٧]: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وقال في سورة (هود) رقم [٦٧]: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾.\nانظر شرح الآيتين في محلهما. هذا؛ والطاغية من: الطغيان، وهو محاوزة الحد، قال تعالى في سورة (العلق): ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ويقال: طغا يطغى ويطغو طغيانا وطغوانا جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغ، وطغى البحر هاجت أمواجه، وطغى السيل جاء بماء كثير، قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ رقم [١١] الآتية.\nالإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ (الفاء): حرف تفريع، واستئناف. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل:\nمهما يك من شيء؛ فثمود أهلكوا... إلخ، فأنيبت (أما) مناب: مهما، ويك من شيء، فصار:\n (أما ثمود فأهلكوا...) إلخ، وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿ثَمُودُ:﴾ مبتدأ.\n ﴿فَأُهْلِكُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب (أما). (أهلكوا): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِالطّاغِيَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n<span id=\"aya-5329\"></span>﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦)﴾\nالشرح: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أي: شديدة الصوت في الهبوب، لها صرصرة. وقيل:\nهي الباردة، من الصر، كأنها التي كرر فيها البرد، وكثر، فهي تحرق بشدة بردها، كإحراق النار، ﴿عاتِيَةٍ:﴾ شديدة العصف، والعتو، فهي استعارة، أو عتت على قوم عاد، فلم يقدروا على ردها بحيلة من استتار ببناء، أو لياذ بجبل، أو اختفاء في حفرة، فإنها كانت تنزعهم من مكانهم، وتهلكهم. وقيل: عتت على خزانها، فخرجت بلا كيل، ولا وزن. روى سفيان الثوري عن موسى بن المسيب، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس﵄قال: قال","vol":"10","page":112},{"text":"رسول الله ﷺ: «ما أرسل الله من نسمة من ريح إلا بمكيال، ولا قطرة من ماء إلا بمكيال، إلا يوم عاد، ويوم نوح، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزّان، فلم يكن لهم عليه سبيل». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ والريح لما كان يوم عاد عتت على الخزان، فلم يكن لهم عليها سبيل». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾. انتهى. كشاف، وقرطبي.\nوفي الكشاف بدل (من نسمة): (من سفينة) وانظر شرح الريح في سورة (القمر) رقم [١٩].\nالإعراب: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا:﴾ الإعراب مثل الآية السابقة بلا فارق. ﴿بِرِيحٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ:﴾ صفتان ل: (ريح).\n\n<span id=\"aya-5330\"></span><span id=\"aya-5331\"></span>﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨)﴾\nالشرح: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ أي: أرسل الريح وسلّطها على قوم عاد. والتسخير: استعمال الشيء بالاقتدار. والتسخير التذليل. ﴿سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا﴾ قال الزمخشري في الكشاف: الحسوم لا يخلو من أن يكون جمع: حاسم، كشهود، وقهود، أو مصدرا كالشكور، والكفور، فإن كان جمعا؛ فمعنى قوله: حسوما نحسات، حسمت كل خير، واستأصلت كل بركة، حيث قيل: الحسم: الاستئصال، ويقال للسيف: حسام؛ لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته، قال طرفة من معلقته رقم [٩٢]: [الطويل]\nحسام إذا ما قمت معتضدا به... كفى العود منه البدء ليس بمعضد\nوالمعنى: أن الريح حسمتهم؛ أي: قطعتهم، وأذهبتهم، فهي قاطعة بعذاب الاستئصال.\nوقيل: معنى حسوما: متتابعة هبوب الرياح، ما خفتت ساعة حتى أتت عليهم، تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء كرة بعد أخرى؛ حتى يحسم، لذا قيل: هو استعارة تصريحية تبعية. قال عبد العزيز بن زرارة الكلابي: [الوافر]\nففرّق بين بينهم زمان... تتابع فيه أعوام حسوم\nوهذه الأيام هي التي قال الله عنها في سورة (فصلت) رقم [١٦]: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ﴾. هذا؛ واختلف في أولها، فالمعتمد: أنها ابتدأت صباح يوم الأربعاء، وانتهت غروب الشمس من اليوم الثامن من يوم الأربعاء أيضا، وهذه الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز؛ لأن عجوزا من (عاد) دخلت سربا هربا من الريح، فتبعتها، فقتلتها في اليوم الثامن.\nوقيل: سميت أيام العجوز؛ لأنها وقعت في عجز الشتاء، وهي من آخر شباط، وأول آذار من الأشهر الميلادية، وما يوافقها من الأشهر القمرية الهجرية، ولها أسام مشهورة عند العرب، وفيها يقول الشاعر، وهو ابن أحمر: [الكامل]","vol":"10","page":113},{"text":"كسع الشّتاء بسبعة غبر... أيّام شهلتنا من الشّهر\nفإذا انقضت أيامها ومضت... صنّ وصنّبر مع الوبر\nوبآمر وأخيه مؤتمر... ومعلّل، وبمطفئ الجمر\nذهب الشّتاء مولّيا عجلا... وأتتك واقدة من النّجر\nفتسميتها على هذا النحو على ترتيبها في الوقوع من غير تعيين مصادفة الأول منها مثلا في يوم الأربعاء، أو غيره. وأما تسمية أيام الأسبوع، فقد جاءت في قول شاعر جاهلي لم يسم، وهي مايلي، وهو الشاهد رقم [٤٠] من كتابنا: «فتح الكريم الواسع» إعراب شواهد همع الهوامع: [الوافر]\nأؤمّل أن أعيش وإنّ يومي... بأوّل أو بأهون أو جبار\nأو التّالي دبار فإن أفته... فمونس أو عروبة أو شيار\nفأوّل اسم يوم الأحد في تسميتهم القديمة. أهون: اسم يوم الاثنين. جبار: بضم الجيم وتخفيف الباء اسم يوم الثلاثاء. دبار: بضم الدال وتخفيف الباء اسم يوم الأربعاء. مونس: اسم يوم الخميس. عروبة: اسم يوم الجمعة. شيار: اسم يوم السبت.\n ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها﴾ أي: في تلك الليالي، والأيام، والخطاب يعم كل عاقل لو نظر، ورأى ما حل فيهم من الهلاك، والوبال. وقيل الخطاب للنبي، والمعنى: تبصر أنت يا محمد لو كنت حاضرا هذه الواقعة. فالكلام على سبيل الفرض، والتقدير. انتهى. جمل. ﴿صَرْعى:﴾ موتى، هلكى، جمع: صريع. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أي: ساقطة. وقيل: خالية الأجواف، لا شيء فيها، شبههم بجذوع نخل ساقطة، ليس لها رؤوس فهو تشبيه مرسل. قال تعالى في سورة (القمر)، رقم [٢٠]: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ والنخل من الجمع الذي يذكر، ويؤنث، فقد أنث هنا، وذكّر في سورة (القمر) وانظر ما ذكرته في سورة (القمر)؛ فإنه جيد.\n ﴿فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ أي: من نفس باقية. قيل: إنهم لما أصبحوا موتى في اليوم الثامن حملتهم الريح فألقتهم في البحر، فلم يبق منهم أحد على وجه الأرض، فذلك قوله تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٢٥]: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾ وانظر ما ذكرته بشأن قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ رقم [١٩] ففيها ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر إعلال ﴿تَرى﴾ في الآية رقم [٣] من سورة (الملك).\nالإعراب: ﴿سَخَّرَها:﴾ (سخّر): فعل ماض. (ها): مفعول به، والفاعل محذوف يدل عليه المقام، ويقال: الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (الله) المفهوم من المقام، مثل قوله","vol":"10","page":114},{"text":"تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وانظر ما أذكره في سورة (القيامة) إن شاء الله تعالى. والجملة الفعلية في محل جر صفة ثالثة لريح، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، وأجاز أبو البقاء الاستئناف. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَبْعَ:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿سَبْعَ﴾ مضاف، و﴿لَيالٍ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض من الياء. ﴿وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ:﴾\nمعطوف على ما قبله. ﴿حُسُومًا:﴾ فيه أوجه: أحدها: أن يكون نعتا لسبع ليال، وثمانية أيام.\nوالثاني: أن يكون مفعولا مطلقا، لفعل محذوف، التقدير: تحسمهم حسوما. الثالث: أن يكون حالا من مفعول ﴿سَخَّرَها﴾. الرابع: أن يكون مفعولا لأجله. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني. والزمخشري، والقرطبي ذكرا الحالية، والمصدرية فقط. ﴿فَتَرَى:﴾ (الفاء):\nحرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿سَخَّرَها..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿صَرْعى:﴾ حال من ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿أَعْجازُ:﴾ خبرها، وهو مصاف، و﴿نَخْلٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿خاوِيَةٍ:﴾ صفة ﴿أَعْجازُ﴾ وجر على الجوار ل: ﴿نَخْلٍ﴾ فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجوار، والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية من ﴿الْقَوْمَ،﴾ أو من الضمير في ﴿صَرْعى،﴾ فتكون حالا متداخلة.\n ﴿فَهَلْ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (هل): حرف استفهام معناه النفي. ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿باقِيَةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-5332\"></span>﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي: ومن تقدمه من القرون الخالية. ويقرأ: «(ومن قبله)» بكسر القاف، وفتح الباء، أي: ومن معه وتبعه من جنوده. ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ﴾ أي: المنقلبات، وهي قرى قوم لوط، التي اقتلعها جبريل ﵇، ورفعها على جناحه قرب السماء، ثم قلبها.\nقال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها..﴾. إلخ رقم [٨٢] وكانت خمس قرى، وهي: صبعة، وصعرة، وعمرة، ودوما، وسدوم، وهي القرية العظمى. هذا؛ وجاء هذا اللفظ في سورة (التوبة) رقم [٧٠] وجاء بالإفراد","vol":"10","page":115},{"text":"في سورة (النجم) قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ رقم [٥٣]. ﴿بِالْخاطِئَةِ﴾ أي: بالخطيئة، والمعصية، وهي الشرك، فالخاطئة مصدر، مثل: الواقعة، والعاقبة. وقال الجلال: أي:\nبالفعلات ذات الخطأ، فهو يشير إلى أن الخاطئة صيغة نسب، كلابن، وتامر، وباقل على حد قول ابن مالك في ألفيته: [الرجز]\nومع فاعل وفعّال فعل... في نسب أغنى عن اليا فقبل\nالإعراب: ﴿وَجاءَ:﴾ (الواو): حرف عطف، (جاء): فعل ماض. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ﴿فِرْعَوْنُ﴾. ﴿قَبْلَهُ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (المؤتفكات): معطوف على ما قبله. ﴿بِالْخاطِئَةِ:﴾ متعلقان بالفعل جاء، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿فِرْعَوْنُ﴾ وما عطف عليه، التقدير: جاؤوا متلبسين بالخاطئة.\n\n<span id=\"aya-5333\"></span>﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠)﴾\nالشرح: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ:﴾ قال الكلبي: هو موسى بن عمران. وقيل: هو لوط؛ لأنه أقرب. والأولى أن يقال: المراد بالرسول كلاهما؛ لتقدم ذكر الأمتين جميعا، كما قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٦] مخاطبا موسى، وهارون-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وقيل: رسول بمعنى: رسالة، وقد يعبر عن الرسالة بالرسول، قال كثيّر عزّة، (وهو بصيغة المصغر): [الطويل]\nلقد كذب الواشون ما بحت عندهم... بسرّ ولا أرسلتهم برسول\n ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ أي: عالية زائدة على الأخذات، وعلى عذاب الأمم. وقال ابن عباس -﵄-: شديدة؛ أي: كأنها زائدة في الشدة، وفتح همزة ﴿أَخْذَةً﴾ لأنها مصدر مرة، وليست مصدر هيئة: وإنما معنى الهيئة مستفاد من النعت.\nالإعراب: ﴿فَعَصَوْا:﴾ (الفاء): حرف عطف، (عصوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿رَسُولَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿فَأَخَذَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّهِمْ﴾. ﴿أَخْذَةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿رابِيَةً:﴾ صفة ﴿أَخْذَةً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.","vol":"10","page":116},{"text":"<span id=\"aya-5334\"></span><span id=\"aya-5335\"></span>﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ﴾ أي: عتا، وجاوز حده؛ حتى علا على كل شيء، وارتفع فوقه، وذلك في زمن نوح على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر الطغيان في الآية رقم [٥] وفي ذلك استعارة لطيفة؛ لأن الطغيان، وتجاوز الحد من صفات الإنسان، فشبه ارتفاع الماء، وكثرته بطغيان الإنسان على الإنسان بطريق الاستعارة التصريحية بالفعل. ﴿حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ:﴾ في السفينة التي صنعها نوح. والمعنى: حملنا آباءكم، وأنتم في أصلابهم، فهو من مخاطبة الأبناء، بما حصل للآباء، وهذا كثير في القرآن، ولا سيما مع اليهود الذين عاصروا النبي ﷺ، مثل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٥]: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً..﴾. إلخ، ورقم [٦١]: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ..﴾. إلخ. ورقم [٧٢] منها أيضا: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا..﴾. إلخ. ﴿لِنَجْعَلَها لَكُمْ﴾ أي: نجعل تلك الفعلة التي فعلناها من إغراق قوم نوح، ونجاة من حملنا معه. ﴿لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ أي: جعل الله سفينة نوح تذكرة، وعظة لهذه الأمة؛ حتى أدركها أوائلهم. قال ابن جريج: كانت ألواحها على الجودي في الموصل من أرض العراق، وذكر: أن ناسا وقفوا على جبل الجودي، فشاهدوا بقايا خشبات من تلك السفينة.\nفيكون المعنى: أبقيت لكم تلك الخشبات؛ حتى تذكروا ما حل بقوم نوح، وإنجاء الله آباءكم، وكم من سفينة هلكت، وصارت ترابا، ولم يبق منها شيء. وقيل: المعنى لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح، وإنجاء من آمن معه موعظة لكم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أي:\nتحفظها، وتسمعها أذن حافظة لما جاء من عند الله، والسفينة لا توصف بهذا. روى مكحول:\nأن النبي ﷺ قال عند نزول هذه الآية: «سألت ربي أن يجعلها أذن علي». قال مكحول: فكان علي﵁يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئا قط، فنسيته؛ إلا وحفظته. ذكره الماوردي. انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمّا:﴾ حرف وجود لوجود عند سيبويه. وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب.\nوهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة: ظرف زمان بمعنى: «حين» تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿طَغَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الْماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار ﴿لَمّا﴾ حرفا، وفي محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿حَمَلْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَمّا،﴾ لا محل لها. ﴿فِي الْجارِيَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و﴿لَمّا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر","vol":"10","page":117},{"text":"(إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، مستأنقة. ﴿لِنَجْعَلَها:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و(ها) مفعول به أول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿تَذْكِرَةً﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿تَذْكِرَةً:﴾\nمفعول به ثان، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذه الفعلة فعلناها؛ لجعلها لكم تذكرة، وقيل: الجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿حَمَلْناكُمْ،﴾ والأول أقوى. ﴿وَتَعِيَها:﴾\nالواو: حرف عطف. (تعيها): معطوف على ما قبله منصوب مثله، و(ها): مفعول به. ﴿أُذُنٌ:﴾\nفاعله. ﴿واعِيَةٌ:﴾ صفة ﴿أُذُنٌ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4687>خاتمة:</span>\nقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: لم قيل: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ على التوحيد، والتنكير؟ قلت: للإيذان بأنّ الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت، وعقلت عن الله، فهي السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالي بهم بالة، وإن ملؤوا ما بين الخافقين. قال أحمد محشي الكشاف: هو مثل قوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [١٨]: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وقد ذكر أن فائدة التنكير والتوحيد فيه الإشعار بقلة الناظرين، انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n\n<span id=\"aya-5336\"></span><span id=\"aya-5337\"></span>﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ..﴾. إلخ: الصور كهيئة البوق. قاله مجاهد، ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال:\nما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود، والترمذي-رحمهما الله تعالى-وقال أبو هريرة﵁قال النبي ﷺ: «إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض؛ خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينظر متى يؤمر بالنفخة». قلت: يا رسول الله! ما الصور؟ قال: «قرن والله عظيم، والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه، كعرض السماء والأرض». وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم؛ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ؟!». وكأن ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟ وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا-وربما قال-: توكلنا على الله». أخرجه الترمذي. وسعة فم الصور كما بين السماء والأرض. وفيه ثقوب بعدد الأرواح كلها، وتجمع الأرواح في تلك الثقوب، فيخرج بالنفخة الثانية من كلّ ثقب روح إلى الجسد الذي نزعت منه،","vol":"10","page":118},{"text":"فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. وأنا أؤمن بهذا. هذا؛ وقد دلت آية (الزمر) رقم [٦٨] على أن النفخة اثنتان: الأولى للموت، والثانية للبعث والنشور. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ والجمهور على أنها ثلاث: الأولى: للفزع، كما قال تعالى في سورة (النمل) الآية [٨٧]: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ..﴾. إلخ. والثانية: للموت، والثالثة: للإعادة، وبين الثانية، والثالثة أربعون سنة على الصحيح. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين النفختين أربعون». قالوا: أربعون يوما؟ قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال أبو هريرة: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. «ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة». متفق عليه. وينبغي أن تعلم: أن الذي ينفخ في الصور، إنما هو إسرافيل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين بينهما أربعون عاما على الصحيح... إلخ.\n ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ:﴾ ورفعت الأرض من جميع جهاتها بمجرد القدرة الكاملة، أو بتوسط زلزلة، أو بريح عاصفة. ﴿فَدُكَّتا:﴾ فدكت الجملتان: جملة الأرضين، وجملة الجبال، فضرب بعضها ببعض؛ حتى تندق، وترجع كثيبا مهيلا، وهباء منبثا، قال تعالى في سورة (المزمل):\n ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ رقم [١٤]، وقال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾. وقيل: المعنى بسطت الأرض، والجبال بسطة واحدة، فصارتا أرضا، لا ترى فيها عوجا، ولا أمتا. وألف الاثنين عائدة إلى الأرض، والجبال. هذا؛ وفي المختار: الدك الدق، وقد دكه، إذا ضربه وكسره، وسواه بالأرض، وبابه ردّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾. قال الأخفش: هي أرض دك، والجمع: دكوك، قال الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٣]: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال:\nويحتمل أن يكون مصدرا، كأنه قال: دكه دكا، أو أراد: جعله ذا دك، فحذف ذا، وقرئ «(دكاء)» بالمد، أي: جعله أرضا دكاء، فحذف الأرض، لأن الجبل مذكر، فلا لبس. انتهى. بتصرف.\nهذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (الفجر) رقم [٢١]: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ وهذا يعني:\nأن الأرض يبدل شكلها، وهيئتها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ رقم [٤٨] من سورة (إبراهيم).\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿نُفِخَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَفْخَةٌ:﴾ نائب فاعل ﴿نُفِخَ،﴾","vol":"10","page":119},{"text":"وقرئ بنصبه على أنه مفعول مطلق، والجار والمجرور في محل نائب الفاعل. ﴿واحِدَةٌ:﴾ صفة ﴿نَفْخَةٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿وَحُمِلَتِ:﴾\nالواو: حرف عطف. (حملت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.\n ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n ﴿وَالْجِبالُ﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَدُكَّتا:﴾ الفاء: حرف عطف. (دكتا): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين؛ التي هي نائب فاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿دَكَّةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿واحِدَةٌ:﴾ صفة ﴿دَكَّةً﴾.\n\n<span id=\"aya-5340\"></span>﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ أي: الملائكة، و(الملك) اسم جنس بمعنى الجمع، فهو أعم من الملائكة. ﴿عَلى أَرْجائِها:﴾ جوانب السماء، واحدها: رجا (مقصور) لأن السماء إذا انشقت، وهي","vol":"10","page":120},{"text":"مسكن الملائكة، فيلجئون إلى أطرافها وجوانبها. قال المفسرون: وذلك؛ لأن السماء مسكن الملائكة، فإذا انشقت السماء وقفوا على أطرافها فزعا مما داخلهم من هول ذلك اليوم، ومن عظمة ذي الجلال، الكبير المتعال. هذا؛ ولم يرد لفظ الأرجاء إلا في هذه السورة، ولم يستعمل هذه اللفظ إلا مجموعا، ولا يحسن المفرد (رجا) في موضع الجمع، كما لا يحسن الكوب موضع الأكواب، كما رأيت في سورة (الواقعة) رقم [١٨]. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أي:\nويحمل عرش الرحمن يوم القيامة ثمانية من الملائكة العظام فوف رؤوسهم. وقد روى أبو هريرة -﵁عن النبي ﷺ قال: «إن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة آخرين، فكانوا ثمانية». ذكره الثعلبي. وذكر الماوردي نحوه، وفي الحديث: «إن لكل ملك منهم أربعة أوجه: وجه رجل، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر، وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس». ولما أنشد بين يدي النبي ﷺ قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل]\nرجل وثور تحت رجل يمينه... والنّسر للأخرى وليث مرصد\nوالشّمس تطلع كلّ آخر ليلة... حمراء يصبح لونها يتورّد\nليست بطالعة لهم في رسلها... إلا معذّبة وإلا تجلد\nقال النبي ﷺ: «صدق». هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (غافر) رقم [٧] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وأما العرش؛ فقد قال الراغب في كتابه (مفردات القرآن): وعرش الله ﷿ مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، لا بالحقيقة، ليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك؛ لكان حاملا له، تعالى الله عن ذلك. انتهى. خازن. وقد قال سليمان الجمل: وأما المراد به هنا؛ فهو الجسم النوراني المرتفع عن كل الأجسام، المحيط بكلها، وانظر ما ذكرته في آية الكرسي رقم [٢٥٥] من سورة (البقرة).\nهذا؛ وفي كثير من الآيات قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ولا يجوز تفسيره ب: استقر، وثبت، فيكون الله من صفات الحوادث، وإنما يؤول باستولى، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا، لا يليق به تعالى. والقول الفصل قول علي بن أبي طالب﵁-:\nالاستواء غير مجهول، والتكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، لأنه تعالى كان، فهو على ما كان قبل خلق المكان، والزمان، لم يتغير عما كان. والمنقول عن جعفر الصادق، والحسن البصري، وأبي حنيفة ومالك﵃ أجمعين-يشبه ذلك. هذا؛ وهناك من يقول: استوى استواء يليق به، وهو قول السلف. هذا؛ واستوى في سورة (القصص) رقم [١٤] بمعنى انتهاء الشباب، وتكامل العقل.\nالإعراب: ﴿وَالْمَلَكُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الملك): مبتدأ. ﴿عَلى أَرْجائِها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.","vol":"10","page":121},{"text":"﴿وَيَحْمِلُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (يحمل): فعل مضارع. ﴿عَرْشَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقال الجمل: فوقهم متعلق بمحذوف حال من العرش، والأول أقوى. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (يحمل)، و(إذ) في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة. ﴿ثَمانِيَةٌ:﴾\nفاعل (يحمل)، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على الجملة الاسمية قبلها على رأي من يجيز عطف الفعلية على الاسمية.\n\n<span id=\"aya-5341\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم ينفخ في الصور. ﴿تُعْرَضُونَ﴾ أي: على الله. دليله قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٨]: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ وليس ذلك عرضا يعلم به ما لم يكن عالما له، بل معناه الحساب، وتقدير الأعمال عليهم للمجازاة. وروى الحسن عن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان؛ فجدال ومعاذير، وأما الثالثة؛ فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله». أخرجه الترمذي، وقال: ولا يصح هذا الحديث من قبل: أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ. ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ أي: الله عالم بكل شيء من أعمالكم، لا يخفى عليه شيء منها، وإن عرضكم عليه يوم القيامة للحساب والجزاء، ففيه من المبالغة في التهديد، والوعيد ما لا يخفى. وفي الجمل: وعبر عن الحساب، والجزاء بالعرض تشبيها له بعرض السلطان العسكر، والجند؛ لينظر في أمرهم، فيختار منهم المصلح للتقريب، والإكرام، والمفسد للإبعاد، والتعذيب. انتهى. والآيات التالية تشرح ذلك، وتفصله. هذا؛ وقد قال عمر﵁-: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا، وتزينوا للعرض الأكبر.\nالإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و(إذ) في محل جر بالإضافة على مثال ما تقدم. ﴿تُعْرَضُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية بمنزلة البدل من جملة: ﴿وَيَحْمِلُ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَخْفى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خافِيَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير المجرور ب: (من).","vol":"10","page":122},{"text":"<span id=\"aya-5342\"></span><span id=\"aya-5343\"></span>﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ:﴾ فهذا تفصيل لأحوال الناس عند العرض، ﴿كِتابَهُ بِيَمِينِهِ:﴾\nإعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة. ﴿فَيَقُولُ:﴾ ابتهاجا، وسرورا، وذلك حين بلغ الغاية في السرور، وعلم: أنه من الناجين بإعطائه كتابه بيمينه، أحب أن يظهر ذلك لغيره؛ حتى يفرحوا له. وقيل: يقول ذلك لأهله، وأقربائه، ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ:﴾ علمت، وتيقنت ﴿أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ:﴾ أني سألقى حسابي، وجزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإيمان، والعمل الصالح. قال الحسن: إن المؤمن أحسن الظن بربه، فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بربه، فأساء العمل. هذا؛ و﴿هاؤُمُ﴾ بمعنى: خذوا، وفيها استعمالان، وذلك: أنها تكون فعلا صريحا، وتكون اسم فعل، ومعناها في الحالين: خذوا، فإن كانت اسم فعل، وهي المذكورة في الآية الكريمة، ففيها لغتان: المد والقصر، تقول: هاء درهما يا زيد، وها درهما يا زيد، ويكونان كذلك في الأحوال كلها من إفراد وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث، وتتصل بهما كاف الخطاب اتصالها باسم الإشارة، فتطابق مخاطبك بحسب الواقع مطابقتها، وهي (أي: الكاف) ضمير المخاطب، تقول: هاك، هاءك... إلخ، ويخلف كاف الخطاب همزة متصرفة، تصرف كاف الخطاب، فتقول: هاء يا زيد، هاء يا هند، هاؤما، هاؤن، وهي لغة القرآن. وإذا كانت فعلا صريحا، لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها؛ كان فيها ثلاث لغات: إحداها: أنها تكون مثل: عاطى، يعاطي، فيقال: هاء يا زيد، هائي يا هند، هائيا يا زيدان، أو يا هندان، هاؤوا يا زيدون، هائين يا هندات. الثانية: أن تكون مثل: هب، فيقال: ها، هئي، ها، هئوا، هأن، مثل: هب، هبي، هبا، هبوا، هبن. الثالثة: أن تكون مثل خف، أمرا من الخوف، فيقال: هأ، هائي. هاآ، هاؤوا، هأن، مثل: خف خافي، خافا، خفن. واختلف في مدلولها، فالمشهور:\nأنها بمعنى خذوا، وقيل: معناها: تعالوا، فتتعدى ب: «إلى»، وقيل: معناها القصد. انتهى.\nالجمل نقلا من السمين.\nعن عائشة﵂-، قالت: ذكرت النار، فبكيت، فقال رسول الله ﷺ: «ما يبكيك؟». قلت: ذكرت النار، فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: «أما في ثلاثة مواطن، فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان؛ حتى يعلم: أيخف ميزانه، أم يثقل؟ وعند تطاير الصحف؛ حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله، أم وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم؛ حتى يجوز». رواه أبو داود، وزاد فيه الحاكم: «وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حافتاه كلاليب كثيرة، وحسك كثير، يحبس الله بها من يشاء من خلقه؛ حتى يعلم أينجو أم لا؟».","vol":"10","page":123},{"text":"الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ (الفاء): حرف تفريع، واستئناف. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، انظر الآية رقم [٥]. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو المفعول الأول. ﴿كِتابَهُ:﴾ مفعول به ثان. ﴿بِيَمِينِهِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أُوتِيَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَيَقُولُ:﴾\n (الفاء): واقعة في جواب (أمّا). (يقول): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية مع مقولها في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو (من). ﴿هاؤُمُ:﴾ (ها): اسم فعل أمر مبني على السكون، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والفاعل مستتر تقديره: «أنتم». ﴿اِقْرَؤُا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كِتابِيَهْ:﴾ مفعول به تنازعه كلّ من ﴿هاؤُمُ﴾ و﴿اِقْرَؤُا،﴾ فأعمل الأول عند الكوفيين لسبقه، والثاني عند البصريين لقربه، وأضمر في أحدهما على الاعتبارين، التقدير: هاؤموه اقرؤوا كتابيه، أو هاؤم اقرؤوا كتابيه. هذا؛ وعلامة نصب ﴿كِتابِيَهْ﴾ فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، و(الياء): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، أصله كتابي، فأدخلت عليه هاء السكت؛ لتظهر فتحة الياء، وكذا يقال في الباقي، والجملتان في محل نصب مقول القول، والجملة الاسمية: (أما من...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنِّي:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿ظَنَنْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِنِّي:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مُلاقٍ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، ﴿حِسابِيَهْ:﴾ مفعول به مثل: ﴿كِتابِيَهْ﴾ فهو منصوب مثله\nإلخ، و﴿أَنِّي مُلاقٍ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿ظَنَنْتُ،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر ﴿إِنِّي،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-5344\"></span><span id=\"aya-5345\"></span><span id=\"aya-5346\"></span>﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿فَهُوَ:﴾ أي: الذي أوتي كتابه بيمينه. ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أي: مرضية، يرضاها صاحبها، لا يضجر منها، ولا يملها، ولا يسأمها. فهي صيغة فاعل بمعنى: مفعول، مثل:\n ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ بمعنى: مدفوق، وهذا ما يسمى مجازا عقليا، فقد أسند فيه اسم الفاعل إلى ضمير العيشة إسنادا مجازيا، من إسناد ما هو بمعنى الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه. وقال الحطيئة في ذم الزبرقان بن بدر-وهو الشاهد رقم [١٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nدع المكارم لا ترحل لبغيتها... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\nفإنه أراد: اقعد كلاّ على غيرك مطعوما، مكسوا. فقد أسند الوصف المسند للفاعل إلى ضمير المفعول، ومن هنا كان ذما، لا مديحا. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ:﴾ مرتفعة المكان؛ لأنها في","vol":"10","page":124},{"text":"السماء السابعة، ومرتفعة أيضا في الدرجات، والأبنية، والأشجار. ﴿قُطُوفُها:﴾ جمع: قطف بكسر القاف، بمعنى: مفعول، كالذبح بمعنى: المذبوح، وهو ما يجنيه الجاني من الثمار، وأما القطف بالفتح فالمصدر، والقطاف بالفتح والكسر، وقت القطف. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. ﴿دانِيَةٌ﴾ أي: قريبة التناول، يتناولها القائم، والقاعد، والمضطجع. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾.\nالإعراب: ﴿فَهُوَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ﴿فِي عِيشَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿راضِيَةٍ:﴾ صفة ﴿عِيشَةٍ﴾. ﴿فِي جَنَّةٍ:﴾\nبدل مما قبلهما بدل بعض من كل، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان. ﴿قُطُوفُها:﴾ مبتدأ، وها في محل جر بالإضافة. ﴿دانِيَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: ﴿جَنَّةٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ..﴾.\nإلخ استئنافية لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5347\"></span>﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا..﴾. إلخ وقال تعالى في سورة الأعراف رقم [٤٣]: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الزخرف) رقم [٧٢]: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٩]: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بسبب أعمالهم، وليس المراد السبب الحقيقي حتى يخالف نص الحديث الشريف، وفحوى هذا: أن نص الآيات جميعا يفيد أن دخول الجنة مسبب عن الأعمال الصالحة، والرسول ﷺ يقول: «لن يدخل أحدا عمله الجنة».\nقالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: «ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله بفضله، ورحمته، فسددوا وقاربوا». أخرجه البخاري عن أبي هريرة﵁-. والجمع بين هذه الآيات، والحديث الشريف: أن محمل الآيات على أن منازل الجنة إنما تنال بالأعمال؛ لأن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن محمل الحديث الشريف على أصل دخول الجنة. فإن قيل: آية (السجدة) صريحة بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال. أجيب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث الشريف، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة، وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد أصل الدخول، أو المراد: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله، وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخولها، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته، وفضله، لا إله إلا هو، له الملك وله الحمد. انتهى. حاشية الشنواني على مختصر ابن أبي جمرة. ومعنى ﴿هَنِيئًا:﴾ لا كدر، ولا تنغيص فيه، وقيل: مأمون العاقبة من","vol":"10","page":125},{"text":"التخمة والسّقم. وقيل: لا أذية فيه، ولا غائلة. وفي سورة (الطور) رقم [١٩]: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ومثلها في سورة (المرسلات) رقم [٤٣].\nبعد هذا خذ ما يلي: عن زيد بن أرقم﵁-، قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ، فقال: يا أبا القاسم! تزعم: أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، قال: «نعم، والذي نفس محمد بيده! إن أحدهم ليعطى قوة مئة رجل في الأكل والشرب والجماع». قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى. قال: «تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم، كرشح المسك، فيضمر بطنه». رواه أحمد، والنسائي.\nوعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «من يدخل الجنة ينعم، ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». أخرجه مسلم.\nوعن أبي أمامة﵁قال: سأل رجل رسول الله ﷺ: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال:\n «نعم، إنه ليهبط أهل الجنة الدرجة العليا إلى أهل الجنة الدرجة السفلى، فيحيونهم، ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم». رواه ابن أبي حاتم. وعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض، فيسير سرير هذا؛ إلى سرير هذا، وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا، فيتكئ هذا، ويتكئ هذا، فيقول أحدهما لصاحبه: أتعلم متى غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه: نعم يوم كنّا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله، فغفر لنا». رواه ابن أبي الدنيا، والبزار.\nوعن سلمان الفارسي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل أحد الجنة إلا بجوازبسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية». رواه الطبراني.\nهذا؛ ولا تنس الالتفات من الغيبة في الآية رقم [١٩] وما بعدها إلى الخطاب في هذه الآية.\nالإعراب: ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال لهم: كلوا. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ فيما تقدم، وروعي معناها في هذه الآية، وجملة: ﴿وَاشْرَبُوا﴾ معطوفة على ما قبلها. ومفعول الفعلين محذوف للاختصار والتعميم.\n ﴿هَنِيئًا:﴾ حال من واو الجماعة بمعنى: مهنئين، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: هنيئا لكم الأكل، والشرب، وقيل: الفاعل (ما) المجرورة بالباء، وعليه يكون مثله قول كثير عزة: [الطويل]\nهنيئا مريئا غير داء مخامر... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت","vol":"10","page":126},{"text":"فيكون مثل (ما) يرتفع بالفعل، أي: كما تقول: هنأكم ما كنتم تعملون، أو هنأكم الأكل والشرب، فعلى الأول الباء زائدة في الفاعل، وعلى الثاني الباء أصلية. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هَنِيئًا،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿أَسْلَفْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء أسلفتموه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بإسلافكم، وهو ضعيف كما ترى. ﴿فِي الْأَيّامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، الذي رأيت تقديره. ﴿الْخالِيَةِ:﴾ صفة ﴿الْأَيّامِ﴾.\n\n<span id=\"aya-5348\"></span>﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ:﴾ لما ذكر الله حال أهل السعادة، وهم الذين آمنوا، وعملوا الصالحات في الآيات السابقة؛ ذكر في هذه الآيات أهل الشقاوة، وهم الذين كفروا، وعملوا المعاصي، والمنكرات، وهذا من باب المقابلة، وقد جرت سنة الله في كتابه: أنه لم يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولم يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولم يذكر الإيمان، وأهله، ومآلهم؛ إلا ويذكر الكفر، وأهله، ومآلهم؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا. هذا؛ وذكر القرطبي نقلا عن الضحاك: أن آيات أهل السعادة نزلت في أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي.\nوقاله مقاتل، وأن آيات أهل الشقاوة نزلت في أخيه الأسود بن عبد الأسد، ويكون الأخوان سببا في نزول هذه الآيات، والمعنى يعم جميع أهل السعادة، وأهل الشقاوة بلا ريب، لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم، وقد ذكرته مرارا.\nوفي زيني دحلان: وعبد الله أول من يأخذ بيمينه، والأسود أول من يأخذه بشماله، وهو أول قتيل يوم بدر من المشركين. ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ:﴾ قيل: تكون يده اليسرى خلف ظهره، ثم يعطى كتابه بها، قال تعالى في سورة (الانشقاق): ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾. ﴿فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أي: يقول إذا رأى قبائح أعماله: يا ليتني لم أعط كتابي. قال المفسرون: وذلك لما يحصل له من الخجل، والافتضاح، فيتمنى عندئذ: أنه لم يعط كتاب أعماله، ويندم أشد الندم، ويتحسر أعظم التحسر.\nالإعراب: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ:﴾ الإعراب مثله في الآية رقم [١٩] بلا فارق. ﴿يا لَيْتَنِي:﴾\n (يا): حرف تنبيه، وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، تقديره: يا هؤلاء ونحوه، والأول أقوى في مثل هذه الآية. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب اسمها.\n ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿أُوتَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل مستتر فيه وجوبا،","vol":"10","page":127},{"text":"تقديره: «أنا»، وهو المفعول الأول. ﴿كِتابِيَهْ:﴾ مفعول به ثان منصوب مثل سابقه، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والهاء للسكت حرف لا محل له... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو ﴿مَنْ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٩].\n\n<span id=\"aya-5349\"></span><span id=\"aya-5350\"></span><span id=\"aya-5351\"></span><span id=\"aya-5352\"></span>﴿وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أي: لم أعلم، أيّ شيء حسابي؛ لأنه لا طائل، ولا حاصل له، وإنما كله عليه، لا له. ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ:﴾ تمنى: أنه لم يبعث للحساب. والمعنى:\nيا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاضية عن كل ما بعدها، والقاطعة للحياة، أي: لا أحيا بعدها، قال قتادة: تمنى الموت، ولم يكن شيء أكره منه إليه، أي: من الموت في الدنيا، لأنه رأى تلك الحالة أشنع، وأمر مما ذاقه من الموت. ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ أي: لم يدفع عني مالي، وغناي شيئا من العذاب. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أي: زال عني ملكي، وسلطاني، ونسبي، وجاهي، فلا معين، ولا مجير، ولا صديق، ولا نصير. أو زال عني قوتي، وتسلطي على الناس، وبقيت ذليلا فقيرا حقيرا. وعن ابن عباس﵄-: ضلت عني حجتي. أي:\nبطلت حجتي؛ التي كنت أحتج بها في الدنيا. هذا؛ وانظر شرح (سلطان) في سورة (الذاريات) رقم [٣٨].\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه رجل تسمى ملك الأملاك، ولا ملك إلا الله». أخرجه مسلم، وعن فناخسرو الملقب بالعضد: أنه لما قال: [الرمل]\nعضد الدولة وابن ركنها... ملك الأملاك غلاب القدر\nلم يفلح بعده، وجن، فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية: «هلك عني سلطانيه». هذا؛ والتمني: طلب المستحيل، كما في الآية رقم [٢٥ و٢٧] وكقول أبي العتاهية الصوفي-وهو في «فتح القريب المجيب» و«فتح رب البرية» -: [الوافر]\nألا ليت الشباب يعود يوما... فأخبره بما فعل المشيب\nوأما الترجي؛ فهو طلب المتوقع حصوله، كقولك: لعل الغائب قادم، أو للتعليل كقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٤٤]: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾.","vol":"10","page":128},{"text":"الإعراب: ﴿وَلَمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَدْرِ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حِسابِيَهْ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، أصله:\nحسابي، فأدخلت عليه هاء السكت، لتظهر فتحة الياء، وكذا يقال في: «ماليه سلطانية»: هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) خبرا مقدما، و(حسابي) مبتدأ مؤخر، بل هو الأولى؛ لأن (ما) مبهمة نكرة، و(حسابي) معرفة بلا ريب. وقل مثله في ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ و﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ والجملة الاسمية: ﴿ما حِسابِيَهْ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل: (أدري) المعلق عن العمل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿يا لَيْتَها:﴾ (يا): حرف تنبيه، وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير: يا هؤلاء، وهو ضعيف كما ذكرته سابقا. (ليتها): حرف مشبه بالفعل. و(ها): اسمها. وهو عائد على غير مذكور، التقدير: يا ليت الموتة الأولى التي كانت في الدنيا. ﴿كانَتِ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى ما ذكرته، وقدرته، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.\n ﴿الْقاضِيَةَ:﴾ خبر ﴿كانَتِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.\n ﴿عَنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مالِيَهْ:﴾ فاعل ﴿أَغْنى﴾ مرفوع مثل ﴿حِسابِيَهْ،﴾ ومفعوله محذوف، تقديره: شيئا. هذا؛ وقيل: ﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل ﴿أَغْنى،﴾ و﴿عَنِّي﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلتها، التقدير: ما أغنى عني الذي ثبت، واستقر: أنه لي وهو ضعيف معنى. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) الأولى استفهامية في محل نصب مفعول به مقدم، وقيل: في محل نصب مفعول مطلق. وعلى الاعتبارين؛ فالجملة فعلية، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿هَلَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿سُلْطانِيَهْ:﴾ فاعل مرفوع مثل ﴿حِسابِيَهْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-5353\"></span><span id=\"aya-5354\"></span><span id=\"aya-5355\"></span>﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾\nالشرح: ﴿خُذُوهُ:﴾ يقول الله تعالى لخزنة النار. ﴿فَغُلُّوهُ﴾ قيل: يبتدره مئة ألف ملك، ثم تجمع يده إلى عنقه، وهو قوله ﷿: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أي: شدوه بالأغلال. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي:\nأدخلوه معظم النار؛ لأنه كان يتعاظم في الدنيا. يقال: صلى النار، وصلاه النار، وصلي فلان","vol":"10","page":129},{"text":"النار (بالكسر)، يصلى صليا؛ أي: احترق. وقال الجوهري: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الاحتراق، قلت: أصليته بالألف، وصليته تصلية، ويقال: صلي بالأمر: إذا قاسى حره، وشدته، واصطليت بالنار، وتصليت بها:\nإذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. هذا؛ وتقديم الجحيم يفيد الحصر، فيكون المعنى: ثم لا تصلوه إلا الجحيم، وهي النار العظمى.\n ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ:﴾ وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة، ﴿ذَرْعُها﴾ أي: مقدارها، والذرع: التقدير بالذراع من اليد، أو غيرها. ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا:﴾ قال ابن عباس﵄-: بذراع الملك. وقال نوف البكالي: سبعون ذراعا، كل ذراع سبعون باعا، كل باع أبعد ما بينك وبين مكة، وكان في رحبة الكوفة، وقال الحسن: الله أعلم أيّ: ذراع؟\nوعن عبد الله بن عمرو﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن رضاضة مثل هذه (وأشار إلى مثل الجمجمة) أرسالات من السماء إلى الأرض (وهي مسيرة خمسمئة سنة) لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسالات من رأس السلسة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها، أو أصلها». رواه أحمد والترمذي، والبيهقي. هذا؛ والجمجمة: قدح من خشب، وجمعه: جماجم، والجمجمة: الرأس، وهو أشرف الأعضاء.\nهذا؛ وقد جاء ذرعها هنا بمعنى: المقدار، ويأتي الذرع بمعنى: الوسع، والطاقة، انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (العنكبوت)، أو الآية رقم [٧٧] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام وفي كلتيهما قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾.\n ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ أي: أدخلوه فيها. قال ابن عباس﵄-: تدخل في دبره، وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فيه، وتخرج من دبره، فينادي أصحابه: هل تعرفوني؟ فيقولون:\nلا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي فمن أنت؟ فينادي أصحابه: أنا فلان بن فلان، لكل إنسان منكم مثل هذا، والمعنى في تقديم السلسلة على السلك مثله في تقديم الجحيم على التصلية، أي: لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم.\n (وفي زاده): ثم إن كلمة ﴿ثُمَّ﴾ والفاء الواقعين في الجملة الأخيرة، إن كانتا لعطف جملة:\n ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ لزم اجتماع حرفي العطف على معطوف واحد، فينبغي أن تكون كلمة ﴿ثُمَّ﴾ لعطف قول مضمر على ما أضمر قبل قوله: (خذوه) أي: قيل لخزنة جهنم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ثم قيل لهم: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها..﴾. إلخ، وتكون الفاء لعطف المقول على المقول، وثم لعطف القول على القول. انتهى. جمل.\nأقول: وإذا اعتبرنا الفاء صلة؛ فلا حاجة إلى هذا التقدير، وإلى هذه الدندنة، ويكون الجار، والمجرور ﴿فِي سِلْسِلَةٍ﴾ متعلقين بالفعل (اسلكوه) ولا غضاضة في ذلك.","vol":"10","page":130},{"text":"هذا؛ و﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (رب) و(لا) العاملة عمل «ليس»، فيقال: ثمت، وربت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح.\nهذا؛ و«ثم» هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٦٤]: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة.\nالإعراب: ﴿خُذُوهُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وهو جواب عن سؤال نشأ مما سبق، كأنه قيل: وما فعل به بعد هذا التحسر الصادر منه، فقيل: يقال من قبل الله للزبانية: ﴿خُذُوهُ..﴾. إلخ. انتهى. جمل. وجملة: (غلوه) معطوفة على ما قبلها بالفاء العاطفة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿الْجَحِيمَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، فهو منصوب، أو هو منصوب بنزع الخافض. وقيل: مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور، ولا وجه له ألبتة. ﴿صَلُّوهُ:﴾ أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿فِي سِلْسِلَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿ذَرْعُها:﴾ مبتدأ، و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿سَبْعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿سِلْسِلَةٍ﴾. ﴿ذِراعًا:﴾ تمييز. ﴿فَاسْلُكُوهُ:﴾ (الفاء): حرف صلة، وجملة:\n (اسلكوه) معطوفة ب: ﴿ثُمَّ﴾ على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n\n<span id=\"aya-5356\"></span><span id=\"aya-5357\"></span>﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الذي أوتي كتابه بشماله. ﴿لا يُؤْمِنُ:﴾ لا يصدق، ولا يوقن. ﴿بِاللهِ الْعَظِيمِ:﴾ صاحب العظمة والكبرياء. وفيه إشعار بأنه هو المستحق لجميع المحامد، والجدير بتلبية جميع المطالب، والابتعاد عن جميع المناهي التي نهى عنها. ﴿وَلا يَحُضُّ:﴾ ولا يحث، بل يبخل ويأمر غيره بالبخل، كما قال تعالى في سورة (الحديد) رقم [٢٤]: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. هذا؛ والحض: طلب الشيء بحثّ، وإزعاج. ﴿عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ:﴾ على إطعام المسكين. ف: ﴿طَعامِ﴾ اسم مصدر استعمل مكان المصدر، واسم المصدر ما نقص عن حروف فعله لفظا، وتقديرا من غير تعويض، مثل عطاء، فإنه اسم مصدر ل: أعطى، يعطي إعطاء، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٢٠]: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ وقال الكميت-وهو الشاهد رقم [٥٣١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]","vol":"10","page":131},{"text":"أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا\nولعل تخصيص الأمرين: الإيمان بالله، والحض على إطعام المسكين بالذكر؛ لأن أقبح العقائد الكفر بالله، وأشنع الرذائل البخل، وقسوة القلب.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو».\n ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة لفظ الجلالة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية هذه تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، ﴿يَحُضُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿عَلى طَعامِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، و﴿طَعامِ﴾ مضاف، و﴿الْمِسْكِينِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ولا يحض على طعامه، أي: إطعامه المسكين.\n\n<span id=\"aya-5358\"></span><span id=\"aya-5359\"></span><span id=\"aya-5360\"></span>﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَلَيْسَ لَهُ:﴾ للذي أوتي كتابه بشماله. ﴿الْيَوْمَ:﴾ يوم القيامة. ﴿هاهُنا:﴾ عرصات القيامة. ﴿حَمِيمٌ:﴾ قريب. أي: ليس له قريب يرق له، ويدفع عنه. وهو مأخوذ من الحميم، وهو الماء الحار، كأنه الصديق الذي يرق له، ويحترق قلبه عليه. ولا يكون للكافر في الآخرة قريب، ولا صديق؛ لأن الأقرباء يتحاشونه، ويفرون منه. ﴿وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ:﴾ فعلين من الغسل، فكأنه ينغسل من أبدانهم، وهو صديد أهل النار السائل من جروحهم، وفروجهم.\nفإن قلت: ما التوفيق بين ما هنا، وبين قوله تعالى في محل آخر: ﴿إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ،﴾ وفي موضع آخر: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ،﴾ وفي موضع آخر: ﴿أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ؟﴾ قلنا: لا منافاة؛ إذ يجوز أن يكون طعامهم جميع ذلك، أو أن العذاب أنواع، والمعذبين طبقات، فمنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع، ومنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة النار، ولكل باب منهم جزء مقسوم. انتهى. جمل نقلا من كرخي. ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ:﴾\nالكافرون أصحاب الخطايا.\nالإعراب: ﴿فَلَيْسَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) مقدم. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف حال من ﴿حَمِيمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿هاهُنا:﴾ (الهاء): حرف تنبيه. (هنا): اسم","vol":"10","page":132},{"text":"إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من ﴿حَمِيمٌ﴾. ﴿حَمِيمٌ:﴾ اسم (ليس) مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿طَعامٌ:﴾ معطوف على ﴿حَمِيمٌ﴾. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ غِسْلِينٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿طَعامٌ﴾.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْكُلُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿الْخاطِؤُنَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿غِسْلِينٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-5361\"></span><span id=\"aya-5362\"></span><span id=\"aya-5363\"></span>﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿فَلا أُقْسِمُ:﴾ (لا): نافية. والكلام على ظاهره من النفي لظهور الأمر، واستغنائه عن التحقيق بالقسم. أو المعنى: فأقسم، و(لا) مزيدة، والمعنى: أقسم بالأشياء كلها ما ترون، وما لا ترون، فهو إقسام بالأشياء كلها على الشمول، والإحاطة؛ لأنها لا تخرج إلا من قسمين:\nمبصر، وغير مبصر. وقيل: بل المراد: الدنيا، والآخرة، والأجسام، والأرواح، والإنس، والجن، والخلق، والخالق، والنعم الظاهرة، والباطنة. وقيل: هو رد لكلام سبق، أي: ليس الأمر كما يقوله المشركون.\nوقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: سبب ذلك: أن الوليد بن المغيرة، قال: إن محمدا ساحر، وقال أبو جهل: شاعر، وقال عقبة بن أبي معيط: كاهن. وعلى هذا فالوقف على (لا) ثم يبتدأ بما بعدها، ويكون المعنى: ليس الأمر كما يزعمون. وقيل: (لا) بمعنى: ألا للتنبيه، ونبه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه، وإنه ليس بشعر، ولا بسحر، ولا كهانة كما زعموا. ويقرأ:\n «(فلأقسم)» بغير ألف بعد اللام على التحقيق. وهو فعل حال، ويقدر مبتدأ محذوف، التقدير: فلا أنا أقسم بذلك، ولو أريد به الاستقبال؛ للزمت النون. وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يريد به الاستقبال، وهو شاذ. انتهى.\nهذا؛ وقال ابن هشام في المغني: اختلف في (لا) في مواضع من التنزيل، أهي نافية، أم زائدة؟ أحدها: قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فقيل: هي نافية، واختلف هؤلاء في منفيها على قولين: أحدهما: أنه شيء تقدم، وهو ما حكي عنهم كثيرا من إنكار البعث، فقيل لهم:\nليس الأمر كذلك، ثم استؤنف القسم، قالوا: وإنما صح ذلك؛ لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، ولهذا يذكر الشيء في سورة، وجوابه في سورة أخرى، نحو قوله تعالى في سورة (الحجر) الآية رقم [٦]: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ،﴾ وجوابه قوله تعالى في سورة (ن): ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾.","vol":"10","page":133},{"text":"والثاني: أن منفيها أقسم، وذلك على أن يكون إخبارا، لا إنشاء، واختاره الزمخشري.\nقال: والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له، بدليل قوله تعالى في سورة (الواقعة):\n ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فكأنه قيل: إن إعظامه بالإقسام به كلا إعظام، أي: أنه يستحق إعظاما فوق ذلك. وقيل: زائدة. واختلف هؤلاء في زيادتها على قولين: أحدهما: أنها زيدت توطئة، وتمهيدا لنفي الجواب، والتقدير: لا أقسم بيوم القيامة لا يتركون سدى، ومثله قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [٦٥] من سورة (النساء)، وأيضا قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]\nفلا وأبيك ابنة العامريّ... لا يدّعي القوم أنّي أفرّ\nورد بقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ..﴾. الآيات، فإن جوابه مثبت، وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ،﴾ ومثله قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾.\nوالثاني: أنها زيدت لمجرد التوكيد، وتقوية الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ رقم [٢٩] من سورة (الحديد)، وردّ بأنها لا تزاد صدرا، بل حشوا، كما أن زيادة (ما) و(كان) كذلك، نحو قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ رقم [١٥٩] من سورة (آل عمران)، وقوله تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ رقم [٧٨] من سورة (النساء)، ونحو: (زيد كان فاضل) وذلك؛ لأن زيادة الشيء تفيد اطراحه، وكونه أول الكلام يفيد الاعتناء به، قالوا: ولهذا نقول: بزيادتها في نحو قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ سورة (المعارج)، وقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ لوقوعها بين الفاء، ومعطوفها بخلاف هذا. وأجاب أبو علي بما تقدم من أن القرآن كالسورة الواحدة. انتهى. بحروفه. هذا؛ ولا تنس طباق السلب بين الآيتين.\n ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ:﴾ يريد جبريل الأمين، قاله الحسن، والكلبي، ومقاتل، دليله قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ وقال الكلبي أيضا، والقتبي: الرسول ها هنا محمد ﷺ، لقوله الآتي: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وليس القرآن من قول الرسول ﷺ، إنما هو من قول الله ﷿، ونسب القول إلى الرسول ﷺ لأنه تاليه، ومبلغه، والعامل به، كقولنا: هذا قول مالك. انتهى. قرطبي. ومعنى ﴿كَرِيمٍ﴾ أي: على الله، والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضي في بابه، يقال: وجه كريم؛ أي: مرضي بحسنه، وجماله. وكتاب كريم: مرضي في معانيه، وفوائده، ونبات كريم:\nمرضي فيما يتعلق به من المنافع، قال تعالى: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. ومثله لفظ:\n ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ المذكور في سورة (الرحمن).","vol":"10","page":134},{"text":"الإعراب: ﴿فَلا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لا): نافية، أوصلة، أو هي (لا) الابتداء حسب ما رأيت في الشرح. ﴿أُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف على اعتبار (لا) للابتداء، كما رأيت في الشرح. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تبصرونه. ﴿وَما:﴾ (الواو):\nحرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثله. ﴿لا:﴾ نافية، والجملة الفعلية بعدها صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو وشيء لا تبصرونه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَقَوْلُ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (قول):\nخبر (إنّ)، وهو مضاف، و﴿رَسُولٍ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة ﴿رَسُولٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5364\"></span><span id=\"aya-5365\"></span>﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وَما هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿بِقَوْلِ شاعِرٍ:﴾ كما تزعمون؛ لأنه مباين لأوزان الشعر كلها. ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ أي: قلما تؤمنون بهذا القرآن. قال مقاتل بن سليمان: يعني بالقليل: أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله؛ بمعنى: أنهم لا يؤمنون به أصلا. والعرب تقول: (قلما يأتينا) يريدون: لا يأتينا. انتهى. صفوة التفاسير. ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ أي: وليس القرآن بقول كاهن؛ لأن محمدا ﷺ يسب الشياطين، ويشتمهم، فكيف ينزلون على من يشتمهم بشيء. ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي: لا تتذكرون ألبتة، فحذفت إحدى التاءين. وهذا كثير في القرآن الكريم.\nوفي الجمل نقلا من أبي السعود: ذكر الإيمان مع نفي الشعر، والتذكر مع نفي الكهانة؛ لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين، لا ينكره إلا معاند كافر بخلاف مباينته للكهانة، فإنها تتوقف على تذكر أحواله ﷺ، وتذكر معاني القرآن المنافية لطريقة الكهانة، ومعاني أقوالهم.\nهذا؛ وجمع ﴿شاعِرٍ﴾ شعراء، والأصل في فعلاء أن يكون جمع فعيل. مثل: ظريف، وظرفاء، وشريف، وشرفاء؛ لأن فعيلا إنما يقع لمن قد كمل ما هو فيه، فلما كان «شاعر» إنما يقال لمن عرف بالشعر شبه بفعيل، ودخلت ألف التأنيث الممدودة تأنيث الجماعة، كما تدخل الهاء في صياقلة، وزنادقة، وصيادلة. وقال الأخفش: ﴿شاعِرٍ﴾ مثل: لابن، وتامر، أي:\nصاحب شعر، وصاحب لبن، وصاحب تمر، وقد سمي الشاعر شاعرا؛ لفطنته، وشدة ذكائه، وهو الفقيه أيضا، والشاعر مأخوذ من قولهم: ما شعرت بهذا الأمر، أي: ما فطنت له. وقوله تعالى في كثير من الآيات في حق الكافرين والمنافقين والفاسقين: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا","vol":"10","page":135},{"text":"يفطنون، ولا يتدبرون ما يقع بهم من الخزي، والنكال في الدنيا والآخرة. وانظر ما ذكرته بشأن الشعر، والشعراء في الآية رقم [٢٢٤] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك.\nوفي مختصر ابن كثير: قال عمر﵁-: خرجت أتعرض لرسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة (الحاقة)، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، وقال: فقلت: هذا والله شاعر! كما قالت قريش، قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ قال: فقلت: هو كاهن. قال: فقرأ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣)﴾ إلى آخر السورة، قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع.\nفهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب﵁-.\nانتهى.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿هُوَ:﴾\nضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِقَوْلِ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (قول): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و(قول): مضاف، و﴿شاعِرٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (قول رسول كريم) والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معطوفة على قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ؛﴾ فلا محل لها مثلها. ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٣] من سورة (الملك). فهو مثلها بلا فارق.\n ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿بِقَوْلِ كاهِنٍ:﴾ معطوف على ﴿بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ فهو مثله في إعرابه، وتقديره: ولا يجوز اعتبار (لا) نافية حجازية، تعمل عمل «ليس» واسمها محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ لأنها لا تعمل في المعارف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-5366\"></span><span id=\"aya-5367\"></span><span id=\"aya-5368\"></span><span id=\"aya-5369\"></span>﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: هذا القرآن منزل من رب العالمين، وليس كما يقولون:\nهو سحر، أو شعر، أو كهانة، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه شيء نافع. وقال ابن زيد: زعم كفار قريش: أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى: أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى في سورة (الشعراء): ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.\n ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ﴾ أي: تكلف، وأتى بقول من قبل نفسه، وسمى الافتراء: تقولا؛ لأنه قول متكلف، وسمى الأقوال المفتراة: أقاويل تحقيرا بها، كأنه جمع أفعولة من القول،","vol":"10","page":136},{"text":"كالأضاحيك جمع: أضحوكة، والأعاجيب جمع: أعجوبة. وقال الزمخشري: التقول افتعال القول؛ لأن فيه تكلفا من المفتعل، انتهى. والأقاويل جمع: أقوال، وأقوال جمع: قول، فهو إذا جمع الجمع.\n ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي: لأخذناه، وعاقبناه وانتقمنا منه بالقوة. وعبر عن القوة، والقدرة باليمين؛ لأن قوة كل إنسان في ميامنه. قاله القتبي. وهو معنى قول ابن عباس، ومجاهد﵄-. ومنه قول الشماخ: [الوافر]\nإذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين\nوعرابة﵁رجل من الأنصار من الأوس اشتهر بالكرم في عصره مثل: عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، وقيس بن سعد بن عبادة من الأنصار من الخزرج. وفي كتاب قصص العرب حكاية عن كرم هؤلاء الثلاثة. وقول الخازن: «عرابة ملك اليمن» لا وجه له ألبتة، وقال شاعر آخر: [الطويل]\nولمّا رأيت الشمس أشرق نورها... تناولت منها حاجتي بيميني\nأي: قوتي، وقدرتي، وقال السدي، والحكم: ﴿بِالْيَمِينِ:﴾ بالحق، والاستحقاق. وفسروا قول الشماخ بذلك. وقال أبو جعفر الطبري: إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب، كما يقول السلطان لمن يريد هوانه: خذوا يديه، والمعنى لأخذنا منه يمينه، والمراد باليمين: الجارحة، كما يفعل بالمقتول صبرا، يؤخذ بيمينه، ويضرب بالسيف في عنقه مواجهة، وهو أشد، وعليه: فالباء زائدة، وعلى الأول فالباء أصلية، وفيه تأويل اليمين بالقدرة، والقوة، وهو مذهب الخلف، ومذهب السلف يقولون: لله يمين تليق به لا نعلمها. ومذهب الخلف أحكم، ومذهب السلف أسلم.\n ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ:﴾ المعنى لأهلكناه، فكنى بقطع الوتين عن الموت، والإهلاك، والوتين: عرق يتعلق به القلب إذا انقطع؛ مات صاحبه. قاله ابن عباس﵄- وأكثر الناس. قال الشاعر يخاطب ناقته: [الوافر]\nإذا بلّغتني وحملت رحلي... عرابة فاشرقي بدم الوتين\nوقال مجاهد: هو حبل القلب الذي في الظهر، وهو النخاع، فإذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. وقال الكلبي: إنه عرق بين العلباء، والحلقوم، والعلباء: عصب العنق، وهما علباوان بينهما ينبت العرق. ويجمع على: وتن، وأوتنة. هذا؛ ونقل الصابوني من ظلال القرآن لشهيد الإسلام سيد قطب في كتابه: «النبوة والأنبياء» ما يلي:\nوفي النهاية يجيء ذلك التهديد الرهيب لمن يفتري على الله في شأن العقيدة، وهي الحد الذي لا هوادة فيه، يجيء لتقرير الاحتمال الواحد، الذي لا احتمال غيره، وهو صدق الرسول","vol":"10","page":137},{"text":"ﷺ، وأمانته فيما بلغه إليهم، أو يبلغه. ومفاد هذا القول من الناحية التقريرية: أن محمدا ﷺ صادق فيما بلغهم، وأنه لو تقول بعض الأقاويل، التي لم يوح بها إليه؛ لأخذه الله، فقتله على هذا النحو الذي وصفته الآيات، ولما كان هذا لم يقع، فهو ﷺ لا بدّ صادق. انتهى.\nولقد اشتهر الرسول ﷺ منذ الصغر بالصدق، والأمانة؛ حتى كان المشركون يسمونه:\nالصادق الأمين، فيقولون: جاء الصادق الأمين. وذهب الصادق الأمين، وهكذا كان النبي الكريم قبل البعثة علما بين قريش في صدقه، وأمانته، وعلو مكانته.\nروي: أن رجلا من سادات قريش لقي أبا جهل في أحد طرق مكة، فاستوقفه، ثم قال له:\nيا أبا الحكم! ليس هنا أحد غيرك وغيري، أنشدك بالله هل محمد صادق أم كاذب؟! فأجابه أبو جهل بكل صراحة: والله إن محمدا صادق، وما كذب قط! فقال: فما يمنعكم من اتباعه؟! فقال أبو جهل: تنافسنا نحن وبنو هاشم، وتنازعنا الزعامة، والفخر، أطعموا، فأطعمنا، وسقوا، فسقينا، وأجاروا، فأجرنا، حتى كنا كفرسي رهان، ثم زادوا علينا، فقالوا: بعث منا نبي، فمن أين نأتيهم بنبي؟ والله نؤمن به، ولا نتبعه. وفي هذا أنزل الله جل ثناؤه تسلية لنبيه ﷺ في سورة (الأنعام) [٣٣]: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ انظر شرحها هناك.\nوحين سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان قبل إسلامه عن أمر محمد ﷺ: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: ما عرفنا عليه كذبا قط. فأجابه هرقل بقوله: ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله! وهذا لعمر الحق هو المنطق السديد والقول الحميد!.\nالإعراب: ﴿تَنْزِيلٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو تنزيل، أو هذا تنزيل. ﴿مِنْ رَبِّ:﴾\nمتعلقان به؛ لأنه مصدر، و﴿رَبِّ﴾ مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَلَوْ:﴾ (الواو): حرف استئناف، وقيل:\nحرف عطف، والأول أقوى. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَقَوَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ تقديره: «هو». وقال أبو حيان: يعود على المتقول المضمر وليس عائدا على الرسول ﷺ لاستحالة وقوع ذلك منه. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به، وقيل: نائب مفعول مطلق، ولا وجه له. وهو مضاف، و﴿الْأَقاوِيلِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَخَذْنا:﴾ (اللام): واقعة في جواب (لو). (أخذنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿بِالْيَمِينِ:﴾ متعلقان بما قبلهما","vol":"10","page":138},{"text":"أيضا، وقال الجمل: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، وعلى التفسير الثاني فالباء حرف جر صلة، و(اليمين) مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، و(لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-5370\"></span><span id=\"aya-5371\"></span>﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾\nالشرح: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أي: مانعين يحجزوننا عن عقوبته، والمعنى: أن محمدا ﷺ، لا يتكلم بالكذب علينا لأجلكم مع علمه: أنه لو تكلمه؛ لعاقبناه، ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه. هذا؛ و﴿أَحَدٍ﴾ في معنى الجمع، فلذلك نعت بالجمع، أي: فما منكم قوم يحجزوننا عنه، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٥]: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ؛﴾ لأن «بين» لا تقع إلا على اثنين، فما زاد. والمعنى: أن محمدا صادق بار راشد، مؤيد بالمعجزات الباهرات، والدلالات القاطعات. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَتَذْكِرَةٌ:﴾ لعظة بالغة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾\nوخص المتقون بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظ القرآن، وإرشاداته دون غيرهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ سورة (فصلت) [٤٤].\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ (الفاء): حرف عطف، وتفريع. (ما): نافية مهملة، أو هي حجازية عاملة عمل «ليس». ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، أو في محل نصب خبر (ما) تقدم على اسمها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ مبتدأ مؤخر، أو اسم (ما) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿حاجِزِينَ:﴾ صفة ﴿أَحَدٍ﴾ مجرور مثله تبعا للفظه، وعلامة جره الياء... إلخ، ولو أتبع على المحل؛ لكان حاجزون بالواو والنون، وانظر الشرح لتسويغ وصف ﴿أَحَدٍ﴾ به. هذا؛ وجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من ﴿أَحَدٍ،﴾ و﴿حاجِزِينَ﴾ خبر (ما)، وهو قول الجلال، وأبي حيان. وأبو البقاء قال بالوجهين. والجملة الاسمية: (ما منكم...) إلخ معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله.\n ﴿وَإِنَّهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها.\n ﴿لَتَذْكِرَةٌ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (تذكرة): خبر (إن). ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:\n (تذكرة)، أو بمحذوف صفة لها، والجملة الاسمية معطوفة على جواب القسم، وما بينهما اعتراض. قاله الجمل نقلا عن شيخه. وأرى صحة اعتبار الجملة في محل نصب حال من أحد الضمائر العائد على القرآن، والرابط: الواو، والضمير، وما بينهما اعتراض.","vol":"10","page":139},{"text":"<span id=\"aya-5372\"></span><span id=\"aya-5373\"></span>﴿وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنّا لَنَعْلَمُ:﴾ علما أزليا قديما. ﴿أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ:﴾ يكذبون بالقرآن، ويكذبون محمدا ﷺ، فأنزلنا الكتب، وأرسلنا الرسل، ليظهر لكم في عالم الشهادة، ما كنا نعلمه في الأزل من تكذيب، وتصديق، تستحقون به الثواب، أو العقاب، فلذلك وجب في الحكمة أن نعيد الخلق، إلى ما كانوا عليه من أجسامهم قبل الموت، لنحكم بينهم، فنجازي كلا بما يليق به إظهارا للعدل. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. وهذا يعني: أن الخطاب للخلق أجمعين، وهو لا ينسجم مع الكلام الأول الموجه لكفار قريش، كما هو واضح.\n ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي: الإيمان بالقرآن حسرة على الكافرين يوم القيامة. والمعنى: أنهم يندمون على ترك الإيمان به؛ لما يرون من ثواب من آمن به، وعمل بمقتضاه. وقال ابن جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين. والأول أقوى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَإِنّا:﴾ (الواو): حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنَعْلَمُ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (نعلم): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور.\n ﴿مُكَذِّبِينَ:﴾ اسم (إنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول نعلم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، وإعراب: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ مثل إعراب ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ بلا فارق، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها أيضا.\n<span id=\"aya-5374\"></span><span id=\"aya-5375\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: الخبر الصدق الحق؛ الذي لا مرية فيه، ولا شك، ولا ريب. هذا؛ وجاز إضافة (الحق) ل: ﴿الْيَقِينِ،﴾ وهما واحد؛ لاختلاف لفظهما.\nقال المبرد: هو كقولك: عين اليقين، ومحض اليقين. وهو قول ابن عباس﵄- فهو من باب إضافة الشيء لنفسه عند الكوفيين. وعند البصريين: هو على حذف المضاف إليه، وإقامة الصفة مقامه، التقدير، حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين، وانظر (الواقعة) رقم [٩٥].\n ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: نزه الله تعالى عن السوء. وقيل: معناه: فصلّ بذكر ربك العظيم، وبأمره. وعن عقبة بن عامر الجهني﵁قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال النبي ﷺ: «اجعلوها في ركوعكم». ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال النبي ﷺ: «اجعلوها في سجودكم». أخرجه أبو داود، وأحمد، وابن ماجه.","vol":"10","page":140},{"text":"وعن حذيفة﵁-: أنّه صلى مع النبي ﷺ، فكان يقول في ركوعه: «سبحان الله العظيم». وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى». وما أتى على آية رحمة؛ إلا وقف، وسأل، وما أتى على آية عذاب؛ إلا وقف، وتعوّذ. أخرجه الترمذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4706>فائدة:</span>\nأثبتوا ألف الوصل في الآية الكريمة، وفي الآيتين من سورة (الواقعة)، وذلك في ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ؛﴾ لأنه لم يكثر وروده كثرته في البسملة، وحذفوها منها لكثرة ورودها، وهم شأنهم الإيجاز، وتقليل الكثير؛ إذا عرف معناه وهذا معروف لا يجهل، وإثبات ما أثبت من أشكاله مما يكثر دليل على الحذف منه، ولذا لا تحذف الألف مع غير الباء في اسم الله، ولا مع الباء في غير الجلالة الكريمة من الأسماء. انتهى. جمل نقلا من الخطيب.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿لَحَقُّ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (حق): خبرها، و(حق) مضاف، و﴿الْيَقِينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَسَبِّحْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فسبح. (سبح): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاسْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. وقيل: الباء زائدة. وقيل: لفظ (اسم) أيضا زائد، فيكون التقدير: فسبح ربك، أي:\nذاته العالية. وعلى الأول ف: (اسم) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة للمضاف، أو للمضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا» كما رأيت.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأعظم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الحاقة) بحمد الله، وتوفيقه شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4707>سورة المعارج</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (المعارج) مكية، وآياتها أربع وأربعون، وكلماتها مئتان وأربع وعشرون، وحروفها تسعمائة، وتسعة وعشرون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5376\"></span><span id=\"aya-5377\"></span><span id=\"aya-5378\"></span>﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣)﴾\nالشرح: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ أي: طلب طالب نزول العذاب به وبقومه، والطالب هو النضر بن الحارث؛ حيث قال كما حكى الله عنه في سورة (الأنفال) رقم [٣٢] قوله: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. فحقق الله له ما سأل حيث قتل هو، وعقبة بن أبي معيط صبرا يوم بدر، ولم يقتل صبرا غيرهما.\nوقيل: إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك: أنه لما بلغه قول النبي ﷺ في علي بن أبي طالب﵁-: «من كنت مولاه فعلي مولاه». ركب ناقته، فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح، ثم قال: يا محمد! أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقبلناه منك، وأن نصلي خمسا، فقبلناه منك، وأن نزكي أموالنا، فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في كل عام، فقبلناه منك، وأن نحج، فقبلناه منك، ثم لم ترض بهذا حتى فضلت ابن عمك علينا، أهذا شيء منك، أم من الله؟ فقال النبي ﷺ: «والله الّذي لا إله إلاّ هو، ما هو إلاّ من الله». فولى الحارث، وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا؛ فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فو الله ما وصل إلى ناقته؛ حتى رماه الله بحجر، فوقع على دماغه، فخرج من دبره، فقتله، فنزلت: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾. انتهى. قرطبي، ولم أره لغيره.\nوقيل: إن السائل هو رسول الله ﷺ، أي: دعا ﵊ بالعقاب، وطلب أن يوقعه الله بالكفار، وهو واقع بهم لا محالة، وامتد الكلام إلى قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أي: لا تستعجل؛ فإنه قريب. والمعتمد الأول، وهو الذي أجمع عليه المفسرون.\nهذا؛ وأصل «سأل» إذا كان من السؤال أن يتعدى إلى مفعولين، نحو قوله تعالى في سورة (هود) على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾","vol":"10","page":142},{"text":"رقم [٤٦]. ويجوز أن تقتصر على مفعول واحد، كما تقتصر في: أعطيت، وكسوت، نحو قوله تعالى في سورة (الممتحنة) رقم [١٠]: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾. فإذا اقتصرت على مفعول واحد؛ جاز أن يتعدى بحرف جر إلى ذلك الواحد، كما في الآية الكريمة، والتقدير:\n «سأل سائل النبي بعذاب». أي: عن عذاب. والباء بمعنى: عن، انتهى مكي بتصرف.\nهذا؛ ويقرأ: «(سال سايل)» بغير همز، وفيه وجهان: أحدهما: أنه لغة في السؤال، وهي لغة قريش، تقول العرب: سال، يسال، مثل: نال، ينال، وخاف، يخاف، والثاني: أن يكون من السيلان، ويؤيده قراءة ابن عباس﵄-: «(سال سيل)» قال عبد الرحمن بن زيد:\nسال واد من أودية جهنم، يقال له: سائل، وهو قول زيد بن ثابت. والأول أحسن، كقول زيد بن عمرو بن نفيل القرشي في تخفيف الهمزة: [الخفيف]\nسالتاني الطّلاق إذ رأتاني... قلّ ما لي قد جئتماني بنكر\nوأيضا قول حسان بن ثابت﵁-: [البسيط]\nسالت هذيل رسول الله فاحشة... ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب\n ﴿واقِعٍ﴾ أي: نازل، وكائن. ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ:﴾ إن العذاب واقع بهم لا محالة، سواء طلبوه، أم لم يطلبوه، إما في الدنيا بالقتل، والأسر، وإمّا في الآخرة بالنار، فلا يدفعه دافع، ولا يرده راد. ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: ذي السموات، سماها معارج؛ لأن الملائكة تعرج فيها، والمعارج: الدرجات، ومنه قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٣]: ﴿وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾. وقيل: ذي الفواضل والنعم، وذلك؛ لأن إفضاله، وإنعامه مراتب، وهي تصل إلى الخلق على مراتب مختلفة. هذا؛ وقرئ: «(ذي المعاريج)» بالياء، يقال: معرج، ومعراج، ومعارج، ومعاريج، مثل: مفتاح، ومفاتح، ومفاتيح.\nالإعراب: ﴿سَأَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿سائِلٌ:﴾ فاعله. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿واقِعٍ:﴾ صفة (عذاب). هذا؛ وأجيز اعتبار الباء صلة، فيكون (عذاب) مفعولا به منصوبا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وعليه يكون ﴿واقِعٍ﴾ قد أتبع على اللفظ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.\n ﴿لِلْكافِرينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَأَلَ﴾ على تضمينه، معنى دعا لهم، أو متعلقان ب: ﴿واقِعٍ،﴾ واللام للعلة، أي: نازل لأجلهم، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (عذاب)، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم.\n ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ﴿لَيْسَ،﴾ تقدم على اسمها. ﴿دافِعٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية في محل جر صفة","vol":"10","page":143},{"text":"ثانية ل: (عذاب)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، أو في محل نصب حال من الضمير المستتر بقوله: ﴿لِلْكافِرينَ﴾. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿واقِعٍ،﴾ وعليه فجملة: ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ معترضة على اعتبارها مستأنفة، أو هما متعلقان ب: ﴿دافِعٌ﴾ أي: ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته. ﴿ذِي:﴾ صفة لفظ الجلالة مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذي) مضاف، و﴿الْمَعارِجِ﴾ مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-5379\"></span>﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾\nالشرح: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ أي: تصعد في المعارج التي جعلها الله لهم، و(الروح) جبريل، ﵇. قاله ابن عباس﵄-. دليله قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٩٣]: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. وقيل: هو ملك عظيم الخلقة. وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله كهيئة الناس وليس بالناس. وعلى كل الأقوال أفرده بالذكر، وإن كان من جنس الملائكة؛ لشرفه، وفضله، وعلو منزلته.\n ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله تعالى، أو إلى المكان، الذي هو محلهم، وهو في السماء؛ لأنها محل بره، وكرامته. وقيل: إلى عرشه. وأخر هنا، وفي سورة (القدر)، وقدم في سورة (النبأ) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا..﴾. إلخ؛ لأن المقام هنا، وفي سورة (القدر).\nيقتضي تقديم الجمع على الواحد، من حيث إنه هنا مقام تخويف، وتهويل، وفي سورة (النبأ) مقام تعظيم، وتبجيل، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ:﴾ قال محمد بن إسحاق، ووهب، والكلبي: أي:\nعروج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة. وقال وهب أيضا: ما بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة. وهو قول مجاهد، وجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ في سورة (السجدة) بأن المراد من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات خمسون ألف سنة، وقوله تعالى في (السجدة): ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يعني بذلك: نزول الأمر من سماء الدنيا إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقدار ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمئة عام. وانظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوقال ابن عباس﵄-: هو يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، ثم يدخلون النار للاستقرار. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذا القول أحسن ما قيل في الآية بدليل ما رواه قاسم بن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري﵁قال:","vol":"10","page":144},{"text":"قال رسول الله ﷺ: «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة». فقلت: ما أطول هذا اليوم؟ فقال النبي ﷺ: «والّذي نفسي بيده! إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة المكتوبة يصلّيها في الدّنيا».\nواستدل النحاس على صحة هذا القول بما رواه سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من رجل لم يؤدّ زكاة ماله إلا جعل شجاعا من نار تكوى به جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتّى يقضي الله بين الناس». قال:\nفهذا يدل على أنه يوم القيامة، وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث معاذ﵁عن النبي ﷺ:\nأنه قال: «يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين». ولذلك سمّى نفسه: سريع الحساب، وأسرع الحاسبين.\nوقيل: معنى ذكر ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ تمثيل، وهو تعريف طول مدة القيامة في الموقف، وما يلقى الناس فيه من الشدائد. والعرب تصف أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر، قال شبرمة بن الطفيل، وقيل: هو ليزيد بن الطثرية: [الطويل]\nويوم كظلّ الرّمح قصّر طوله... دم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر\nوخذ قول الآخر: [الكامل]\nفقصارهنّ مع الهموم طويلة... وطوالهنّ مع السرور قصار\nوانظر معلقة امرئ القيس-بشرحنا، وإعرابنا-البيت رقم [٥٤] وما بعده.\nهذا؛ وأصل «سنة»: سنه، أو سنو خلاف، وجمعها على الأول: سنهات، وعلى الثاني:\nسنوات، وكلاهما جمع مؤنث سالم، والنسبة إليها: سنوي، أو سنهي، وتصغيرها: سنيّة، أو سنيّهة، وتجمع بالواو والنون، أو بالياء والنون على أنها ملحقة بجمع المذكر السالم، كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٥]: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ..﴾. إلخ. وكثير غيرها، وكسرت السين في: «سنين» لتدل على أنه قد جمع على غير الأصل؛ لأن كل ما جمع جمع السلامة لا يتغير فيه بناء الواحد، فلما تغير بناء الواحد في هذا الجمع بكسر أوله، وقد كان مفتوحا في الواحد؛ علم: أنه جمع على غير أصله، لذا فإنه يلحق بجمع المذكر السالم إلحاقا، ومثله:\nأرضوان، وعليون، ووابلون، وأهلون، وأولو، وأولي، وألفاظ العقود: عشرون وثلاثون... إلخ.\nهذا؛ وقال القرطبي﵀-: عشرون، وثلاثون، وأربعون كلّ واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد. فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين، وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه: أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين، كما","vol":"10","page":145},{"text":"كسر أول اثنان، والدليل على هذا قولهم: ستون، وتسعون، كما قيل: ستة، وتسعة. وقال صاحب المختار: وإذا أضفته، (أي: لفظ العقود) أسقطت النون، فقلت: هذه عشروك، وعشريّ.\nالإعراب: ﴿تَعْرُجُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله. (الروح): معطوف على ما قبله.\n ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية قال أبو البقاء: هي مستأنفة. ﴿فِي يَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف، تقديره: يقع. دل عليه: واقع. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿مِقْدارُهُ:﴾\nاسم ﴿كانَ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خَمْسِينَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَلْفَ:﴾\nتمييز، وهو مضاف، و﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كانَ مِقْدارُهُ..﴾. إلخ في محل جر صفة ﴿يَوْمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-5380\"></span><span id=\"aya-5381\"></span><span id=\"aya-5382\"></span>﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَراهُ قَرِيبًا (٧)﴾\nالشرح: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا:﴾ الصبر الجميل: هو الذي لا شكاية معه. وقال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٥]: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ والصفح الجميل: هو الذي لا عتاب معه.\nوقال في سورة (المزمل) رقم [١٠]: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ والهجر الجميل: هو الذي لا أذية معه. وانظر (الصبر) في الآية رقم [١٠] من سورة (المزمل).\n ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿يَرَوْنَهُ﴾ أي: العذاب في النار، أو يوم القيامة الطويل زمانه، الشديد هوله، العظيم شأنه، القاهر سلطانه. ﴿بَعِيدًا:﴾ بعيد الوقوع، بعيد الإمكان، ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا:﴾ كائنا لا محالة؛ لأن كل ما هو آت قريب. وبين ﴿بَعِيدًا﴾ و﴿قَرِيبًا﴾ طباق، وهو من المحسنات البديعية. والخطاب في الآية الأولى للنبي ﷺ، المعنى: اصبر يا محمد على أذى قومك، وتكذيبهم لك؛ حتى يحكم الله بينك، وبينهم، وهو خير الحاكمين. قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فاصبر... إلخ. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿صَبْرًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿جَمِيلًا:﴾ صفة له.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَرَوْنَهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعة ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به أول. ﴿بَعِيدًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية، لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿وَنَراهُ:﴾ (الواو):\nحرف عطف. (نراه): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿قَرِيبًا:﴾ مفعول به ثان، والفعل في الجملتين علمي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.","vol":"10","page":146},{"text":"<span id=\"aya-5383\"></span><span id=\"aya-5384\"></span><span id=\"aya-5385\"></span>﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ:﴾ المهل: دردي الزيت، وعكره. قاله ابن عباس﵄وغيره. وقال ابن مسعود﵁-: هو ما أذيب من الرصاص، والنحاس، والفضة. وقال مجاهد: ﴿كَالْمُهْلِ:﴾ كقيح من دم، وصديد. وخذ قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الدخان):\n ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ انظر شرحهما في محلهما. ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ:﴾\nكالصوف المصبوغ. ولا يقال للصوف: عهن إلا أن يكون مصبوغا. وقال الحسن: العهن:\nالصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف، ومنه قول زهير في معلقته رقم [١٢]: [الطويل]\nكأنّ فتات العهن في كلّ منزل... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم\nوإنما فسر (العهن) بالصوف، ووصف بالمصبوغ؛ لأن الجبال جدد بيض، وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود، فإذا بسّت وطيّرت في الجو؛ أشبهت العهن المنفوش؛ إذا طيرته الريح.\nوالمعنى: أن الجبال تلين بعد الشدة، وتتفرق بعد الاجتماع. وقيل: أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا. قال تعالى في سورة (المزمل): ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا،﴾ ثم عهنا منفوشا، ثم هباء منبثا، قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (النمل) رقم [٨٨] فإنه جيد جدا، والحمد لله. وقد أعدته في سورة (النبأ) برقم [٢٠]. ومثل هذه السورة قوله تعالى في سورة (القارعة): ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾. ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أي: لا يسأل قريب قريبه؛ لشغله بشأن نفسه.\nوالمعنى: لا يسأل الحميم حميمه كيف حالك، ولا يكلمه؛ لهول ذلك اليوم، وشدته. وقيل: لا يسأله الشفاعة، ولا يسأله الإحسان إليه، ولا الرفق به، كما كان يسأله في الدنيا، وذلك لشدة الأمر، وعظيم الهول يوم القيامة. كما قال تعالى في سورة (عبس) رقم [٣٧]: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ هذا؛ وقرئ: «(ولا يسأل)» بالبناء للمجهول على أن المعنى لا يسأل حميم عن حميمه، ولا ذو قرابة عن قرابته، بل كل إنسان يسأل عن عمله، كما قال تعالى في سورة (المدثر) رقم [٣٨]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾.\nتنبيه: قال تعالى في سورة (الطور) رقم [٢٥]، وفي سورة (الصافات) رقم [٥٠]، وفيها أيضا برقم [٢٧]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وقال هنا: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا،﴾ وقال في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٢]: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾. وظاهر","vol":"10","page":147},{"text":"الآيات يدل على التعارض، والجواب: أن آية (الطور)، وآية (الصافات) رقم [٥٠] تنصان على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب بدليل الآيات التي قبلهما، والتي بعدهما، والآية هنا والتي في سورة (المؤمنون) تعارضان آية (الصافات) برقم [٢٧]. وقد قال ابن عباس﵄في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا، ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون. هذا؛ ومخاصمة الكفار بعضهم بعضا، ولوم بعضهم بعضا يوم القيامة قد ذكر في كثير من الآيات القرآنية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وفي الآية الأولى تشبيه مرسل، ووجه الشبه: التلون، وفي الآية الثانية أيضا تشبيه مرسل، ووجه الشبه: التطاير، والتناثر.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: يقع، يدل عليه ﴿واقِعٍ﴾.\nوقيل: متعلق ب: (نراه)، أو بالفعل ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. وقيل: هو بدل من ﴿قَرِيبًا﴾. وقيل: هو بدل من قوله: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ على القول الأول في تعليقه. وقيل: هو بدل من الضمير في (نراه) على اعتباره عائدا على يوم القيامة. ﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص. ﴿السَّماءُ:﴾ اسم ﴿تَكُونُ﴾. ﴿كَالْمُهْلِ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، و﴿تَكُونُ﴾ مضافة، و(المهل): مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها، والجملة بعدها معطوفة عليها، وهي في محل جر مثلها. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف.\n (لا): نافية. ﴿يَسْئَلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿حَمِيمٌ:﴾ فاعل. ﴿حَمِيمًا:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ولا يسأل حميم حميما نصره، وشفاعته، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5386\"></span><span id=\"aya-5387\"></span><span id=\"aya-5388\"></span><span id=\"aya-5389\"></span>﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ:﴾ يرونهم، وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس، فيبصر الرجل أباه، وأخاه، وقرابته، وعشيرته، فلا يسألهم، ولا يكلمهم، ويبصر حميمه، فلا يكلمه لاشتغاله بنفسه. وقال ابن عباس﵄-: يتعارفون ساعة، ثم لا يتعارفون بعد تلك الساعة. انتهى. وقد قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في الآية رقم [٤٥]: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ، ذكرت هناك: أن هذا التعارف تعارف توبيخ، وافتضاح، يقول بعضهم لبعض:\nأنت أضللتني، وحملتني على الكفر، وليس تعارف مودة، وعطف، وشفقة، ثم يفر بعضهم من بعض مخافة المظالم لبعضهم على بعض. وقال مجاهد: المعنى: يبصر الله المؤمنين الكفار في","vol":"10","page":148},{"text":"يوم القيامة. فواو الجماعة عائدة على المؤمنين، والضمير المنصوب على الكافرين. وقيل: إنه يبصر المظلوم ظالمه، والمقتول قاتله. وقيل: يعرف الحميم حميمه، ومع ذلك لا يسأله عن حاله لشغله بنفسه.\n ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ:﴾ يتمنى الكافر. ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ أي: يتمنى أن يفدي نفسه من عذاب الله يوم القيامة بأعز الناس عليه، من بنيه. ﴿وَصاحِبَتِهِ:﴾ زوجته. ﴿وَفَصِيلَتِهِ:﴾\nعشيرته. ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ:﴾ تنصره، وتعينه، وتساعده في الدنيا؛ وهو ينتسب إليها. ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا:﴾ يتمنى: أنه لو ملك هؤلاء، وكانوا تحت يده، ثم إنه يفتدي بهم جميعا. جاء بالعموم بعد الخصوص؛ لبيان هول الموقف. ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ أي: ذلك الفداء من عذاب الله تعالى يوم القيامة، وهيهات أن ينجيه! هذا؛ وهذه الآيات مثل قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [٣٣]:\n ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا،﴾ وقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.\nهذا؛ والمراد ب: ﴿الْمُجْرِمُ﴾ هنا: الكافر، وكثيرا ما يعبر القرآن الكريم عن الكافرين بالظالمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، ونحو ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، والعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات؛ فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\nهذا؛ وطبقات الناس عند العرب سبع: وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، والعشيرة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب، واستحدث اسم الأسرة، والعائلة لما يشمل الزوج، والزوجة وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة. وقد نظم بعض الأدباء طبقات العرب بقوله: [الخفيف]\nاقصد الشّعب فهو أكثر حيّ... عددا في الحواء ثمّ القبيله\nثمّ تتلوها العمارة ثمّ ال... بطن والفخذ بعدها والفصيله\nثمّ من بعدها العشيرة لكن... هي في جنب ما ذكرنا قليله\nوأخيرا خذ قول العلي القدير في سورة (الحجرات): ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.","vol":"10","page":149},{"text":"الإعراب: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿حَمِيمًا،﴾ والتقدير: حميما مبصرين، وإنما جمع الضميران، وهما عائدان للحميمين حملا على معنى العموم؛ لأنهما نكرتان في سياق النفي، أو الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا في جواب سؤال، تقديره: لعل عدم السؤال؛ لكونه لا يبصره، فقيل: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾.\n ﴿يَوَدُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُجْرِمُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المرفوع، أو المنصوب، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾ مصدرية. ﴿يَفْتَدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الْمُجْرِمُ،﴾ و﴿لَوْ﴾ والفعل ﴿يَفْتَدِي﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يود المجرم افتداء نفسه.\n ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿عَذابِ﴾ مضاف، و﴿يَوْمِئِذٍ﴾ مضاف إليه، و(إذ) مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وحركت بالكسرة، ونونت، والتنوين عوض من جملة محذوفة.\n ﴿بِبَنِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَفْتَدِي،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وعلامة جر (أخيه) الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَفَصِيلَتِهِ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (فصيلته): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (فصيلته). ﴿تُؤْوِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على (بنيه). ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعًا:﴾\nحال من من؛ لأنها بمعنى الجمع، وهي حال مؤكدة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف، وترتيب، وتراخ.\n ﴿يُنْجِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (من في الأرض) والهاء مفعول به، وهي عائدة على ﴿الْمُجْرِمُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\nوقال القرطبي: أي: يخلصه ذلك الفداء فلا بدّ من هذا الإضمار.\n\n<span id=\"aya-5390\"></span><span id=\"aya-5391\"></span><span id=\"aya-5392\"></span><span id=\"aya-5393\"></span>﴿كَلاّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى:﴾ ردع، وزجر، وتعنيف، أي: لينزجر هذا الكافر الأثيم، وليرتدع عن أعماله الأثيمة، فليس ينجيه من عذاب الله فداء، بل أمامه جهنم تتلظى نيرانها، وتلتهب، كما قال تعالى في سورة (الليل): ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظّى﴾ واشتقاق (لظى) من: التلظّي، والتظاء","vol":"10","page":150},{"text":"النار: التهابها، وتلظّيها: تلهّبها. هذا؛ والضمير في (إنها) للنار، ولم يسبق لها ذكر، ولكنها مفهومة من المقام، ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ أي: تنزع بشدة حرها جلدة الرأس من الإنسان، كلما قلعت؛ عادت كما كانت زيادة في التنكيل، والعذاب. وخصها بالذكر؛ لأنها أشد الجسم حساسية، وتأثرا بالنار، قال الأعشى: [مجزوء الكامل]\nقالت قتيلة ما له؟ ... قد جلّلت شيبا شواته\nوقال آخر: [الطويل]\nلأصبحت هدّتك الحوادث هدّة... لها فشواة الرّأس باد قتيرها\nوفي الصحاح: والشّوى: جمع شواة، وهي جلدة الرأس، والشوى: اليدان، والرجلان، والرأس من الآدميين. وكل ما ليس مقتلا، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nفإنّ من القول التي لا شوى لها... إذا زلّ عن ظهر اللسان انفلاتها\nيقول: إن من القول كلمة لا تشوي، ولكن تقتل. وقال عنترة من معلقته-وهو البيت رقم [٣٤] -: [الكامل]\nوحشيّتي سرج على عبل الشّوى... نهد مراكله نبيل المحزم\nومن شعر عمران بن حطان الخارجي على أن الشوى: القوائم، والجلود: [الطويل]\nدعتهم بأعلى صوتها ورمتهم... بمثل الجمال الصّفر نزّاعة الشّوى\nوقال بعض الأئمة: الشوى: القوائم والجلود، قال امرؤ القيس: [الطويل]\nسليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا... له حجبات مشرفات على الفال\nهذا؛ والشوى: رذال المال. قال أعرابي، وقد نحر ناقة في شدة أصابتهم:\nأكلنا الشّوى حتّى إذا لم ندع شوى... أشرنا إلى خيراتها بالأصابع\n ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى﴾ أي: تدعو، وتنادي لظى من أدبر في الدنيا عن طاعة الله، وتولى عن الإيمان، ودعاؤها أن تقول: إليّ يا مشرك! إليّ يا كافر! وقال ابن عباس﵄-: تدعو الكافرين، والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح: إليّ يا كافر! إليّ يا منافق! ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. وقال ثعلب: ﴿تَدْعُوا:﴾ تهلك، تقول العرب: دعاك الله، أي: أهلكك الله. وقال الخليل:\nإنه ليس كالدعاء: «تعالوا»، ولكن دعوتها إياهم: تمكنها من تعذيبهم. وقيل: الداعي خزنة جهنم، أضيف دعاؤهم إليها. قال القرطبي: قلت: القول الأول هو الحقيقة حسب ما تقدم بيانه بآي القرآن، والأخبار الصحيحة. انتهى. وقيل: هو مجاز عقلي عن إحضارهم، كأنها تدعوهم، فتحضرهم. أو استعارة مكنية. ولا وجه له قطعا قطعا، بل هو حقيقة، كما قال القرطبي-رحمه الله تعالى-.","vol":"10","page":151},{"text":"أقول: انظر ما ذكرته في سورة (ق) [٣٠] وما بعدها تجد ما يسرك ويشرح صدرك.\n ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ أي: جمع المال، فجعله في وعائه، ومنع منه حق الله تعالى، وتشاغل به عن طاعة الله، وزهى باقتنائه على الناس، وتكبر عليهم. وكان الحسن البصري-رحمه الله تعالى- يقول: يا ابن آدم! سمعت وعيد الله، ثم أوعيت الدنيا، والرسول ﷺ قال لأسماء بنت الصديق -﵄-: «لا توعي؛ فيوعى عليك، ولا توكي فيوكى عليك، ولا تحصي فيحصي الله عليك». أخرجه الشيخان.\nهذا؛ و«جمع» للذوات، و«أجمع» للمعاني، يقال: جمع المال، وجمع الرجال، ونحو ذلك، ولا يقال: أجمع المال، ويقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع عليه، ويقال: أجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه في الآية رقم [٦٤] من سورة (طه): ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه، وأصدقاءه. وابن هشام قال في المغني: إن «أجمع» لا يتعلق بالذوات، بل بالمعاني، كقولك: أجمعوا على كذا، بخلاف جمع، فإنه مشترك بدليل قوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ رقم [٦٠] من سورة (طه)، وقوله جل شأنه في سورة (الهمزة): ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ﴾ وخذ قول الحارث بن حلزة اليشكري من معلقته رقم [٢٠] وهو ل: «أجمع» في المعاني: [الخفيف]\nأجمعوا أمرهم عشاء فلمّا... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء\nهذا؛ وأما قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، حكاية عن قول نوح﵇-: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾. فهو على تقدير: فأجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم. أو يقال: سوغ ذلك العطف، ولولا العطف؛ لما ساغ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر، وهي هنا تحتمل أن تكون بمعنى: حقا، وعليه: تمام الكلام قوله تعالى: ﴿يُنْجِيهِ،﴾ وتحتمل أن تكون بمعنى: (لا) النافية، وعليه فتمام الكلام عليها، والوقف عليها تام، ويكون المعنى: ليس ينجيه من عذاب الله الافتداء. ﴿إِنَّها:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، (وها): اسمها. ﴿لَظى:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها من الإعراب. ﴿نَزّاعَةً:﴾ يقرأ بالرفع والنصب، فالرفع فيه خمسة أوجه: أحدها: أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هي نزاعة. الثاني: أن تكون خبرا ثانيا ل: (إنّ)، والثالث أن تكون بدلا من ﴿لَظى،﴾ والرابع: أن تكون ﴿لَظى﴾ بدلا من اسم (إنّ)، ونزاعة خبر (إنّ)، والخامس: اعتبار ﴿لَظى﴾ مبتدأ، و﴿نَزّاعَةً﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) وعليه: فالضمير ضمير القصة، والمعنى: إن القصة، والخبر لظى نزاعة للشوى. انتهى. قرطبي.","vol":"10","page":152},{"text":"وعلى نصب (نزاعة) ففيها خمسة أوجه أيضا: الأول على القطع، التقدير: أعني: نزاعة.\nوالثاني: أنها حال من ﴿لَظى،﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾. والثالث: أنها حال، عاملها محذوف، التقدير: تتلظى نزاعة؛ أي: في حال نزعها للشوى. والرابع: أنها حال من فاعل ﴿تَدْعُوا﴾ قدمت عليه. قاله أبو البقاء. والخامس: هي حال من الضمير في ﴿لَظى،﴾ على أن تجعلها صفة غالبة، مثل: الحارث، والعباس. قاله أبو البقاء أيضا. ﴿لِلشَّوى:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَزّاعَةً،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام في المغني اللام زائدة، وسماها لام التقوية، وعليه ف: (الشوى) مجرور لفظا، منصوب محلا، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٤]: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) وغيرها: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ،﴾ وقوله في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٤٣]: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ،﴾ وفي سورة (الأنبياء) رقم [٧٨]: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ وأورد ابن هشام في مغنيه قول حاتم الطائي. وقيل: قول قيس بن عاصم المنقري-وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nإذا ما صنعت الزاد فالتمسي له... أكيلا فإني لست آكله وحدي\n ﴿تَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، وفاعله يعود إلى ﴿لَظى،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿نَزّاعَةً،﴾ فهي حال متداخلة، أو هي في محل نصب حال من ﴿لَظى،﴾ فتكون حالا متكررة من بعض الوجوه، أو هي في محل رفع خبر ثان، أو ثالث، أو هي مستأنفة، لا محل لها، إن أردت الإعراض عن الكلام السابق. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَدْبَرَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَتَوَلّى:﴾ الواو: حرف عطف. وجملة (تولى) معطوفة على الجملة قبلها، لا محل لها مثلها. وجملة: ﴿وَجَمَعَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿فَأَوْعى﴾ معطوفة أيضا، وفاعلهما يعود إلى من، تقديره: «هو».\n\n<span id=\"aya-5394\"></span><span id=\"aya-5395\"></span><span id=\"aya-5396\"></span>﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ أي: الكافر، والمنافق، والفاسق. ﴿خُلِقَ هَلُوعًا:﴾ الهلع في اللغة: أشد الحرص، وأسوأ الجزع، وأفحشه، قاله الضحاك، وقتادة، ومجاهد. وقال ابن عباس﵄-: تفسيره ما بعده. وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي﵁-: [مجزوء الكامل]\nما إن هلعت ولا جزع... ت ولا يردّ بكاي زندا","vol":"10","page":153},{"text":"وقال الرسول ﷺ: «شرّ ما في الرجل شحّ هالع، وجبن خالع». أخرجه أبو داود عن أبي هريرة -﵁-. وقال أبو عبيدة: الهلوع: هو الذي إذا مسه الخير؛ لم يشكر، وإذا مسه الضر؛ لم يصبر. وعن أحمد بن يحيى قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسره الله، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر؛ أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به، ومنعه الناس. هذا؛ و﴿الْخَيْرُ﴾ المال، والصحة، والولد، والجاه، والمنصب في الدنيا. و﴿الشَّرُّ:﴾\nالفقر، والمرض، وعدم الولد، والضعف، والذلة في الدنيا. ومعنى ﴿مَسَّهُ:﴾ أصابه، ووقع به.\nهذا؛ و﴿الْإِنْسانَ﴾ يطلق على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة: شخص. قال تعالى:\n ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أن الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في ﴿الْإِنْسانَ﴾ إنما هي لام الجنس؛ التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من ﴿الْإِنْسانَ﴾ هنا وفي سورة (العصر) كما ستقف عليه. هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء، والتي تبدو لامعة وسط السواد. وانظر جمع ﴿الْإِنْسانَ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الجن). وخذ قول ذي الرمة، -وهو الشاهد رقم [٨٨٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nوإنسان عيني يحسر الماء تارة... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿خُلِقَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الإنسان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿هَلُوعًا:﴾ حال مقدرة؛ لأنه ليس متصفا بالصفات المذكورة وقت خلقه، ولا وقت ولاده. ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّهُ:﴾ فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به.\n ﴿الشَّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿جَزُوعًا:﴾ خبر ل: «كان» محذوفة مع اسمها، التقدير: كان الإنسان جزوعا، والجملة الفعلية هذه جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وإذا ومدخولها في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هي تفسير لجملة: ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ كما رأيت في الشرح. هذا؛ وقيل: ﴿جَزُوعًا﴾ حال من الضمير في ﴿هَلُوعًا،﴾ وهو العامل في الحال.\nوقيل: ﴿جَزُوعًا﴾ صفة ﴿هَلُوعًا﴾ وعلى هذين القولين، فإذا الأولى متعلقة ب: ﴿جَزُوعًا،﴾ والثانية متعلقة ب: ﴿مَنُوعًا﴾ ولا تنس المقابلة في الآيتين. والمعتمد الأول بلا ريب، والجملة: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها على جميع الاعتبارات بلا فارق بينهما.\nهذا؛ وذكرت لك أن ﴿جَزُوعًا﴾ حال مقدرة؛ إذ الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة نحو قوله","vol":"10","page":154},{"text":"تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. ومنها الحال في هذه الآية، كما رأيت، وحال محكية، وهي الحال الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها، بمعنى: أن المقصود: الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾.\nهذا؛ والحال أيضا على نوعين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة. فالمؤسسة هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو جاء زيد ضاحكا ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول. والمؤكدة، وهي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهذه ثلاثة أنواع.\nالأول: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول كقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ الأولى من سورة (النمل)، والثانية مذكورة في سورة (الشعراء) وغيرها. والثاني نحو قوله تعالى:\n ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾.\nالنوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ رقم [٩٩] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالنوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٩١]: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ وقولك: (هو الحقّ صريحا، أو بيّنا) وقول سالم بن دارة اليربوعي-وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nأنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟\nوهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٩]: «(كتاب أنزلناه إليك مباركا)» بالنصب؛ لأن البركة لا تفارق الكتاب، وهو القرآن.\n\n<span id=\"aya-5397\"></span><span id=\"aya-5398\"></span><span id=\"aya-5399\"></span><span id=\"aya-5400\"></span><span id=\"aya-5401\"></span><span id=\"aya-5402\"></span><span id=\"aya-5403\"></span>﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ:﴾ قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة بعد ذكر المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل لمضادة تلك الصفات لها؛ من حيث إنها دالة على الاستغراق في طاعة الحق، والإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف","vol":"10","page":155},{"text":"من العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار الآجل على العاجل، وتلك ناشئة من الانهماك في حب العاجل، وقصور النظر عليه. انتهى. هذا؛ وفسر الجلال ﴿الْمُصَلِّينَ﴾ بالمؤمنين؛ لأن الصلاة الشرعية المقبولة عند الله تستلزم الإيمان، وبدون الإيمان، لا تكون صحيحة، ولا مقبولة.\n ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ:﴾ مواظبون على أداة الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل؛ لأن نفوسهم صافات من أكدار الدنيا بتعرضهم لنفحات الله. وقيل: معناه يحافظون على أوقاتها، وواجباتها. قاله ابن مسعود﵁-. وقيل: المراد بالدوام هنا السكون، والخشوع، كقوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ قاله عقبة ابن عامر﵁-. وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة، فإن الذي لا يطمئن في ركوعه، وسجوده؛ لم يسكن فيها، ولم يدم، بل ينقرها نقر الغراب، فلا يفلح في صلاته. وخذ ما يلي:\nفعن أبي مسعود البدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجزئ صلاة الرجل حتّى يقيم ظهره في الركوع والسّجود». رواه أحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي.\nوعن أبي قتادة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أسوأ الناس سرقة الّذي يسرق من صلاته». قالوا: يا رسول الله! كيف يسرق من الصلاة؟ قال: «لا يتمّ ركوعها، ولا سجودها». أو قال: «لا يقيم صلبه في الركوع، والسّجود». رواه أحمد، والطبراني، وغيرهما.\nوعن علي﵁قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ؛ وأنا راكع، وقال: «يا عليّ مثل الّذي لا يقيم صلبه في صلاته كمثل حبلى حملت، فلمّا دنا نفاسها؛ أسقطت، فلا هي ذات حمل، ولا هي ذات ولد». رواه أبو يعلى، وغيره.\nوعن أبي هريرة﵁-: أنّ رجلا دخل المسجد؛ ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلّى، ثمّ جاء فسلّم عليه، فقال له رسول الله ﷺ:\n «وعليك السّلام، ارجع فصلّ، فإنّك لم تصلّ». فصلى ثم جاء فسلام، فقال: «وعليك السّلام، ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ». فصلى، ثم جاء، فسلام، فقال: «وعليك السّلام، ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ». فقال في الثانية، أو في التي تليها: علمني يا رسول الله! وفي رواية: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني! فقال: «إذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة، فكبّر، ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن، ثم اركع؛ حتى تطمئنّ راكعا، ثمّ ارفع حتّى تستوي قائما، ثمّ اسجد حتى تطمئنّ ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئنّ جالسا، ثم اسجد حتّى تطمئنّ ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلّها». رواه البخاري، ومسلم.\nوعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصّلاة، وأوّل ما يحاسب به الصلاة، ويقول الله: انظروا","vol":"10","page":156},{"text":"في صلاة عبدي، فإن كانت تامة؛ كتبت تامة، وإن كانت ناقصة؛ يقول: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن وجد له تطوع تمت الفريضة من التطوع. ثم يقول: انظروا هل زكاته تامة؟ فإن كانت تامة كتبت تامة، وإن كانت ناقصة يقول: انظروا هل لعبدي صدقة؟ فإن كانت له صدقة تمّت زكاته». رواه أبو يعلى.\nويمكن قياس الصيام، والحج على الصلاة، والزكاة، والمراد بالتطوع: النوافل، والسنن؛ التي يفعلها المسلم زيادة على الفرائض، فالنبي ﷺ جزاه الله عنا خير الجزاء، وجزاه الله عنا ما هو أهله سنّ لنا السنن ورغبنا في التطوع حبا منه في زيادة الخير لنا، وتكثير حسناتنا، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه خمس مرات هل يبقى من درنه شيء». قالوا: لا يبقى من درنه شيء! قال:\n «فكذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا». رواه الستة ما عدا أبا داود.\n ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ أي: في أموالهم نصيب معين فرضه الله في أموالهم، وهو الزكاة؛ التي فرضها الله في أموال الأغنياء للفقراء والمساكين، فالله يقول في حديث قدسي:\n «الأغنياء وكلائي، والفقراء عيالي، فإذا بخل وكلائي على عيالي؛ أذقتهم عذابي، ولا أبالي».\nويقول الرسول ﷺ: «إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر ما يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا، وعروا إلاّ بما يصنع أغنياؤهم، ألاّ وإنّ الله سيعذّبهم عذابا أليما، ويحاسبهم حسابا عسيرا». ونحن لو تأملنا حق التأمل في هذا الحديث؛ لوجدنا أن مسؤوليتنا كبرى أمام دولة الفقراء، وأن إهمالهم يجر إلى شر مستطير في الدنيا، وفي الآخرة، أما في الدنيا فإن الفقراء إذا رأوا في الأغنياء شحا مطاعا، وبخلا سائدا، فإنهم يبغضونهم، ويتمنون هلاك المال الذي بأيديهم. وأما في الآخرة؛ فإن الفقير الجائع، والمسكين العاري سيتعلق بالغني، ويأخذ بتلابيبه، ويقول: يا رب هذا الغني البخيل أغلق بابه دوني، ومنعني عطفه، فخذ لي يا رب بحقي منه! فلا يتركه حتى يوجب له النار.\nروى الطبراني عن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقول الفقير: يا رب هذا الغني منعني حقي، وحرمني. فيقول الله ﷿:\nوعزتي وجلالي لأدنينكم ولأبعدنّهم». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.\n ﴿لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ:﴾ السائل: هو الذي يسأل الناس لفاقته، و(المحروم) هو الذي حرم المال لسبب من الأسباب. وأظهر الأقوال فيه: أنه العفيف المتعفف ذو العيال؛ لأنه قرن بالسائل، والمتعفف لا يسأل، ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل، وإنما يفطن له متيقظ، قال تعالى في سورة (البقرة) [٢٧٣]: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي﴾","vol":"10","page":157},{"text":"الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] من سورة (الذاريات) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ:﴾ يؤمنون، ويوقنون بيوم القيامة، وما فيه من البعث بعد الموت والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، ثم إلى الجنة، أو إلى النار، ومن صدق، واعتقد بيوم الدين؛ صرف ماله في مرضاة الله، وأتعب نفسه بطاعة الله في الليل، والنهار. وعن ابن عباس﵄قال: (يوم الدين) يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشر إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا؛ والدينونة: المجازاة والمكافأة، ومنه: كما تدين تدان.\n ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ:﴾ خائفون على أنفسهم من عذاب الله، يرجون الثواب، ويخافون العقاب. ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ:﴾ يعني: إن الإنسان لا يمكنه القطع بأنه أدى الواجبات كما ينبغي، واجتنب المحظورات بالكلية كما ينبغي، بل قد يكون وقع منه تقصير من الجانبين، فلا جرم ينبغي أن يكون العبد بين الخوف، والرجاء، خائفا من عقابه، طامعا في رحمته تعالى.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الْمُصَلِّينَ:﴾ مستثنى من ﴿الْإِنْسانَ﴾ وساغ ذلك؛ لأن (أل) فيه للجنس، وهي تفيد الاستغراق، والمعنى: إن كل إنسان خلق هلوعا، و﴿الْمُصَلِّينَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿الْمُصَلِّينَ،﴾ أو هو صفة له، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، وتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْمُصَلِّينَ،﴾ أو من الضمير المستتر فيه، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان ب:\n ﴿دائِمُونَ﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿دائِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿فِي أَمْوالِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَقٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلسّائِلِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَعْلُومٌ،﴾ أو بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿حَقٌّ﴾. ﴿وَالْمَحْرُومِ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (المحروم): معطوف على ما قبله.\n ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله أيضا. ﴿يُصَدِّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِيَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(يوم) مضاف، و﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه. (الذين) معطوف على ما قبله. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ.","vol":"10","page":158},{"text":"﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُشْفِقُونَ﴾ بعدهما، و﴿عَذابِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابِ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه... مثل سابقه. ﴿غَيْرُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و﴿مَأْمُونٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ عَذابَ..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفات، ومفيدة للتعليل.\n\n<span id=\"aya-5404\"></span><span id=\"aya-5405\"></span><span id=\"aya-5406\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ:﴾ جمع: فرج، وهو اسم لسوأة الرجل، والمرأة، وحفظه:\nالتعفف عن الحرام، وعن كل ما لا يحل من زنى ولواط، واستمناء باليد، ومتعة.\nأما الزنى فهو من أفظع الجرائم خطرا، وأشدها ضررا على الأعراض، والأنساب، والأخلاق، والعادات، لذلك سماه الله فاحشة، وساء سبيلا. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٢]: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا،﴾ وما فشا الزنى في أمة من الأمم إلا ضاع مجدها، وذهب عزها، وفشت فيها الأمراض، والأوبئة الفتاكة، لذلك وضع الله ﷿ للزاني عقوبتين: عقوبة في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، أما عقوبة الدنيا؛ فالجلد لمن لم يتزوج، والرجم بالحجارة لمن كان متزوجا؛ حتى يموت، أما الجلد؛ فقد ثبت بقوله تعالى في سورة (النور) رقم [٢]: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ..﴾. إلخ، وأما الرجم؛ فقد ثبت بفعل النبي ﷺ، وأحاديثه الصحيحة، مثل قوله ﷺ: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثّيّب الزّاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة». رواه الستة ما عدا ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود﵁-.\nأما عقوبة الآخرة فقد ورد عن رسول الله ﷺ: أن جبريل، وميكائيل أخذا بيده حتى أصعداه جبلا، فإذا أصوات، وعواء، فاطلع فإذا رجال، ونساء عراة، يأتيهم اللهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم؛ صرخوا من شدة حره، فقال الرسول ﷺ: «ما هذا يا جبريل؟». قال: «هؤلاء الزّناة والزّواني، عقابهم كذلك إلى يوم القيامة». ورأى النبي ﷺ ليلة أسري به رجالا، ونساء بين أيديهم لحم نضيج في قدر، فقال: «ما هذا يا جبريل؟». قال: «هذا مثل الرجل من أمتك يترك زوجته الحلال الطيب، ويبيت عند أخرى يزني بها، ومثل المرأة من أمتك تترك زوجها الحلال الطيب، وتأتي آخر خبيثا مثلها، يزني بها».","vol":"10","page":159},{"text":"فعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «عفّوا عن نساء النّاس؛ تعفّ نساؤكم، وبرّوا آباءكم، تبرّكم أبناؤكم... إلخ». رواه الحاكم، ومثله في الطبراني. من رواية ابن عمر -﵄-. فالكيل الذي تكيل به للناس يكال لك به، وكما تدين تدان، فمن زنى بنساء الناس لا بد أن يدان من قريباته. وخذ ما يلي:\nحكي: أنه كانت امرأة صالحة، زوجها صائغ، ولها رجل سقّاء ينقل لها الماء منذ ثلاثين سنة، لا ينظر إليها، فناولها يوما الماء، وقبض على يدها قبضا شديدا، فلما جاء زوجها؛ قالت له: هل وقع منك اليوم ذنب؟ قال: لا! غير أن امرأة اشترت مني سوارا، فلما رأيت يدها أعجبتني، فقبضت على يدها قبضا شديدا! فقالت له: قد وقع القصاص في زوجتك! فلمّا كان الغد جاء السقاء معتذرا، فقالت له: لا بأس عليك، إنما الفساد من زوجي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك.\nومتى عف المرء عن نساء الناس؛ ظهرت أمارات عفته في تصرفاته، واستقامته، بل، وفي نظراته، وحركاته، وسكناته، وفاحت رائحة عفته؛ حتى لكأن زوجته تشمها، وتحس بها، فتزداد عفة على عفة، ووفاء لزوجها، وإرضاء لربها، وظهر أثر ذلك في الاحترام المتبادل، والمحبة الصادقة، والعشرة الطيبة، ورفرف على البيت علم الطهارة، والسعادة، أما إذا لم يعف الزوج عن نساء الناس، وتدنس بالزنى، والفجور، وأفسد امرأة غيره، ولم تمتلئ نفسه بالعفة، والطهارة؛ فإن شؤم ذلك يتعدى إلى زوجته، ويحملها على أن تنظر إلى غيره من الرجال الأجانب، وتتصل بمن تهوى، وتحملها الغيرة على الانتقام من زوجها، فتسلك ما سلك من طريق الخيانة، والفجور، فيكون هذا الزوج الدنيء متسببا في فساد امرأته. وكما تدين تدان.\nأما اللواط؛ فإنه عمل قوم لوط، كما رأيت في سورة (الأعراف)، وسورة (الحجر)، وسورة (هود)، وسورة (الشعراء) و(النمل) وغير ذلك، وهو كبيرة من الكبائر، التي تستوجب غضب الله في الدنيا، وعقابه في الآخرة، والنبي ﷺ قد شدد النكير على من اقترف هذه الجريمة، أو يقترفها وإليك نبذة من أحاديثه الشريفة في ذلك:\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «أربعة يصبحون في غضب الله، ويمسون في سخط الله». قلت: من هم يا رسول الله؟! قال: «المتشبّهون من الرّجال بالنّساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، والذي يأتي الرجال». رواه الطبراني.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل، والمفعول به». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. أقول: المفعول به يقتل إذا كان مطاوعا، وباختياره، أما إذا كان مكرها؛ فلا إثم، ولا قتل له، بل إن الرسول ﷺ حرم هذه الجريمة؛ حتى عمل الرجل مع امرأته، فعن عبد الله بن عمرو﵄أن","vol":"10","page":160},{"text":"النبي ﷺ قال: «هي اللّوطيّة الصّغرى». يعني الرجل يأتي امرأته في دبرها. رواه أحمد، والبزار. وعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدّقه، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود. وهذا محمول على المستحل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (المؤمنون).\nوأما الاستمناء باليد، ويطلق عليه في هذه الأيام اسم: العادة السرية؛ فقد قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز؛ قال: سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿العادُونَ﴾. وهذا؛ لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة، وفيه يقول الشاعر: [البسيط]\nإذا حللت بواد لا أنيس له... فاجلد عميرة لا داء ولا حرج\nفقد أجمع العلماء على تحريمه. وقال بعضهم: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها إبليس حين نزل إلى الأرض، وأجراها بين الناس، وكان الإمام أحمد﵁على ورعه يجوزه؛ لأنه فضلة في البدن، يجوز إخراجها لحاجة، كالفصد، والحجامة؛ لكن بشروط ثلاثة: أن يخاف الزنى، وأن يفقد مهر حرة، أو ثمن أمة، وأن يفعله بيده، وبالجملة فإن فعله حرام، ومضر بالصحة كما ثبت طبيا، ولو قام الدليل على جوازه؛ لكان ذو المروءة يعرض عنه لدناءته، ومع هذا فالدليل ضعيف، وهو عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الشريف؟ سئل عطاء عنه، فقال: مكروه، سمعت: أن قوما يحشرون، وأيديهم حبالى، فأظن أنهم هؤلاء. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: عذّب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم.\nوأما المتعة؛ فهي عقد مؤقت يعقده الرجل على امرأة، يحل له زواجها شرعا بأجر معين مقبوض، فإذا انتهت المدة المتعاقد عليها؛ تخلصت منه بدون طلاق؛ لأنها كالمستأجرة، وقد كان للمتعة في التحليل، والتحريم أحوال، فمن ذلك: أنها كانت مباحة، ثم حرمها رسول الله ﷺ في غزوة خيبر، ثم حللها في غزوة فتح مكة، ثم حرمها تحريما قاطعا، أما قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢٣]: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ هذه الآية التي يستدل بها من يبيح المتعة منسوخة بقول النبي ﷺ: «أيّها الناس إني كنت قد أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا إنّ الله حرّم هذا إلى يوم القيامة». مع أن الآية ليست دليلا قاطعا للمتعة؛ لأن الاستمتاع بالعقد الدائم أولى بالاعتبار، ولفظ الأجور مراد به المهور التي تدفع للنساء على سبيل العطية، والهدية، والإكرام، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤]: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً..﴾. إلخ. والمتمتع بها عند من يقول بالمتعة لا نفقة لها، وإنما تنفق على نفسها من الأجرة التي تقبضها لقاء التمتع بها.","vol":"10","page":161},{"text":"ويقال: إن عبد الله بن عباس﵄كان يقول بالمتعة، ويحلها، ثم رجع إلى التحريم حينما بلغه أحاديث النهي، وتأكد من صحتها، ويتعلق من يبيح المتعة بذلك المروي عن ابن عباس﵄-. ويروي: أن المأمون العباسي أباحها للمجاهدين، وهم بعيدون عن أهليهم، فدخل عليه العالم الجليل يحيى بن أكثم-رحمه الله تعالى-وهو يرتعد غضبا، فقال المأمون: ما للإمام يشتاط غضبا؟ فقال الإمام العظيم: كيف لا أشتاط غضبا، وقد انتهكت حرمات الله، وأحلّ ما حرم الله ورسوله؟! فقال المأمون: ومن فعل ذلك؟ فقال: أمير المؤمنين فعل ذلك! قال: وكيف كان ذلك؟! قال: ألم تحل المتعة وقد حرمها الله ورسوله إلى يوم القيامة؟ قال المأمون: أليست تحل بعقد شرعي، ومهر، ورضا، واختيار مع رشد، وعقل؟ قال:\nيا أمير المؤمنين! فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ أهي زوجة ترث، وتورث؟ قال: لا. قال: أيلحق الولد بالتمتع بالمرأة، إذا كان بعيدا عن البلد المتمتع بها؟ قال: لا. قال: أهي أمة في ملك اليمين؟ قال: لا. قال: هي إذا محرمة إذا كانت ليست زوجة بالمعنى الصحيح، ولا أمة بملك اليمين. فرجع المأمون-رحمه الله تعالى-عن تحليلها، واستغفر الله.\nوأخيرا أقول: تأباها المروءة والشرف، فأي: رجل فيه شيء من ذلك، ثم هو يرضى أن يسلم أخته، أو بنته لشخص أياما معدودة يستمتع بها، ثم هو يردها له، وقد تكون حملت منه بولد؟! ثم ما مصير هذا الولد؟ هل هو لقيط، أو ابن زنى، أو هو ولد شرعي؟ فيجب أن يرث من والده وينتسب إليه، وهل يتأتى هذا في نكاح المتعة؟!\nتنبيه: أقول: إنه قد فشا في هذه الأيام زنى بشرف، وفخر، وترضى به المرأة، وهي مرفوعة الرأس، ويقره زوجها، وهو شامخ الأنف، ذلك هو تلقيح المرأة من مادة رجل أجنبي غير زوجها، الذي ثبت عقمه، فهو يقر الدياثة بنفسه ما دام يأخذها بيده إلى طبيب قذر، لا يعرف للمروءة سبيلا، ولا للشهامة طريقا، ويكون شريكا للرجل في الدياثة، والحرمان من جنة النعيم، فقد قال الرسول ﷺ: «ثلاثة حرّم الله ﵎ عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاقّ لوالديه، والدّيّوث الذي يقر في أهله الخبث». رواه الإمام أحمد، والنسائي عن عبد الله بن عمر -﵄-.\nتنبيه: قد تحرم الزوجة (أي: إتيانها) لعارض حيض، أو نفاس، وقد صرحت به آية البقرة رقم [٢٢٢]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ..﴾.\nإلخ. هذا؛ وإجراء (ما) وهي لغير العاقل على الإماء، وهنّ عاقلات؛ لأنهن ناقصات عقل، ولأنهن يبعن، ويشترين، كالبهائم، كما أطلقت على النساء الحرائر في قوله تعالى في سورة (النساء) [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ للسبب الأول فقط.","vol":"10","page":162},{"text":"﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أي: على إتيان أزواجهم، وإمائهم؛ إذا كان الإتيان على وجه أذن فيه الشرع، دون الإتيان في الدبر، أو في حال الحيض، والنفاس، فإنه محظور، فلا يجوز، ومن فعله فإنه ملوم، ومن أتى امرأته الحائض في أول الحيض؛ فيجب عليه أن يتصدق بدينار، ومن أتاها في آخر الحيض؛ فليتصدق بربع دينار. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ أي: المتجاوزون الحد من الحلال إلى الحرام، وذلك مما يوجب الحد على الزاني، واللائط، والتعزيز على إتيان البهيمة، وإتيان المرأة في دبرها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ هذه الجملة معطوفة على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ..﴾. إلخ، وإعرابها مثلها بلا فارق. هذا؛ وقال السمين: اللام في ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ زائدة، وعليه فهو مفعول مقدم ل: ﴿حافِظُونَ،﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وزيادة اللام هذه على قول السمين، مثل قول ابن هشام بزيادتها في قوله تعالى في سورة (البروج): ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ والآية رقم [١٦] من هذه السورة، ونحو ذلك، وقد سماها ابن هشام لام التقوية. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٤]: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلى أَزْواجِهِمْ:﴾\nفي تعليقهما أوجه: أحدها: أنهما متعلقان ب: ﴿حافِظُونَ﴾ على تضمينه معنى: ممسكون، أو قاصرون. الثاني: أنهما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: حافظون فروجهم في كل حال؛ إلا في حال إتيانهم أزواجهم، أو إماءهم. الثالث: أنهما متعلقان بمحذوف يدل عليه: ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وكأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿أَزْواجِهِمْ﴾. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿أَيْمانُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: أو الذي ملكته أيمانهم. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿غَيْرُ:﴾ خبر (إنّ)، و﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و﴿مَلُومِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية تعليل لنفي الحرج والمؤاخذة، وهو ما تضمنه الاستثناء.\n ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِبْتَغى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿وَراءَ:﴾ مفعول به على تفسيره ب: «سوى»، وظرف مكان متعلق بما قبله على تفسيره ب: «بعد» ونحوه. وقال الزجاج: التقدير: فمن ابتغى ما بعد ذلك. وعليه:\nفالمفعول محذوف، و﴿وَراءَ﴾ متعلق بمحذوف صلة المفعول المحذوف المقدر ب: «ما»، و﴿وَراءَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف","vol":"10","page":163},{"text":"حرف خطاب لا محل له. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له من الإعراب. ﴿هُمْ:﴾\nضمير فصل لا محل له. ﴿العادُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا و﴿العادُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب، وقيل: هما معا وهو المرجح لدى المعاصرين.\nهذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وخبره الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n\n<span id=\"aya-5407\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢)﴾\nالشرح: (الأمانات): جمع أمانة، وهي تشمل الودائع، التي يضعها أصحابها عند غيرهم؛ ليحفظوها لهم. وتشمل أيضا: جميع التكاليف الإلهية، التي كلف الله بها عباده المؤمنين.\nوتشمل كذلك جميع جوارح الإنسان من عين، وأذن، ويد... إلخ، وتشمل جميع المعاملات من بيع، وشراء... إلخ، وتشمل جميع النعم، التي أنعم الله بها على العبد من ولد، وزوجة... إلخ، لذا كانت مسؤوليتها كبرى أمام رب العالمين، وثقيلة أبت السموات، والأرض، والجبال أن تتحملها. خذ قول العزيز الحكيم في سورة (الأحزاب) رقم [٧٢]: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.\nوقد أكد الرسول ﷺ أمر الأمانة، وشدد النكير على من يتساهل فيها، ويخونها. فعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له... إلخ». رواه الطبراني. وعن علي﵁ وكرم الله وجهه-: قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ، فطلع علينا رجل من أهل العالية، فقال:\nيا رسول الله! أخبرني بأشدّ شيء في هذا الدّين، وألينه؟ فقال: «ألينه شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدا رسول الله، وأشدّه يا أخا العالية الأمانة، إنه لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة له، ولا زكاة له». رواه البزار. واعتبر الرسول ﷺ الخيانة في الأمانة من علامات الساعة الصغرى.\nفعن عمران بن حصين﵄عن النبي ﷺ قال: «خيركم قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون ولا","vol":"10","page":164},{"text":"يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن». رواه البخاري، ومسلم، وقال أيضا ﷺ:\n «إذا ضيّعت أمتي الأمانة؛ فانتظر السّاعة».\nوقال ﷺ: «تحلّ عرا الإسلام عروة عروة، فأول عروة يحلّونها الحكم بكتاب الله وآخر عروة يحلّونها الصلاة». وعن ابن مسعود﵁قال: القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلّها إلا الأمانة. قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: أي ربّ كيف؛ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثّل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها، فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظنّ: أنّه خارج زلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين. ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، وأشياء عدّدها، وأشدّ ذلك الودائع». قال زاذان: فأتيت البراء بن عازب، فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟ قال: كذا، قال: صدق، أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾. رواه أحمد، والبيهقي موقوفا على ابن مسعود﵁-.\nهذا؛ وأما العهد؛ فإنه يشمل جميع الوعود، التي يقطعها العبد على نفسه لغيره من الناس، ويشمل جميع العقود التي يعقدها العبد مع غيره، مثل عقد النكاح، ونحوه، وأيضا الصنائع، والأسرار، وغير ذلك. ولقد أحسن القرطبي-رحمه الله تعالى-إذ قال: والأمانة، والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه، ودنياه قولا، وفعلا.\nومعنى ﴿راعُونَ﴾ قائمون بحفظها، ورعايتها، وأصله: راعيون، فحذفت الضمة التي على الياء لاستثقالها، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي علامة الجمع، وهذا في الجمع، كما تحذف من المفرد لالتقائها مع التنوين. هذا؛ ويقرأ: «(لأمانتهم)» بالإفراد، وقراءة حفص بالجمع. قال مكي بن أبي طالب القيسي: (أمانة) مصدر، وحق المصادر ألا تجمع؛ لأنها كالفعل، يدل على القليل، والكثير من جنسه، ولكنه لما اختلفت أنواع الأمانة لوقوعها على الصلاة، والزكاة، والتطهر، والحج، وغير ذلك من العبادات؛ جاز جمعها؛ لأنها لما اختلفت أنواعها شابهت المفعول به. فجمعت كما يجمع المفعول به. هذا؛ وانظر ما ذكرته بشأن الوعد، والعهد في سورة (الصف) رقم [٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح معطوف على مثله في الآية رقم [٢٣] على جميع الاعتبارات فيه. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِأَماناتِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿راعُونَ﴾ بعدهما. وقل في اللام مثل ما رأيت بقوله: ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾. ﴿وَعَهْدِهِمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (عهدهم): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿راعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.","vol":"10","page":165},{"text":"<span id=\"aya-5408\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣)﴾\nالشرح: الشهادة من جملة الأمانات، وخصها بالذكر من بينها إبانة لفضلها؛ لأن في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها، وفي إهمالها تضييع الحقوق، وإبطالها، وقرئ: «(بشهادتهم)» و(بشهاداتهم) بالجمع لاختلاف أنواعها، كما في جمع: الأمانة. انتهى. كشاف. هذا؛ وكتمان الشهادة، أي: الامتناع عن أدائها كشهادة الزور، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٢]: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. وعن أبي موسى الأشعري﵁عن النبي ﷺ قال: «من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزّور». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط.\nهذا؛ ويؤخذ مما تقدم: أن شهادة الزور وكتمان شهادة الحق سواء في الإثم، وقد قرن الله تعالى شهادة الزور بعبادة الأوثان في الآية رقم [٣٠] من سورة (الحج) فقال جل ذكره:\n ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وأيده النبي ﷺ، فعن أيمان بن خريم -﵁-: أن النبي ﷺ قام خطيبا، فقال: «أيّها النّاس عدلت شهادة الزّور الإشراك بالله، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ..﴾. إلخ». أخرجه الترمذي، وأخرجه أبو داود عن خزيمة بن فاتك بنحوه. وعن أبي بكرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟!». (ثلاثا) قلنا: بلى يا رسول الله! قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، (وكان متكئا فجلس فقال): «ألا وقول الزور، وشهادة الزور». فما زال يكررها؛ حتى قلنا: ليته سكت! أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي. وعن عبد الله بن عمر﵄قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إنّ الطير لتضرب بمناقيرها، وتحرك أذنابها من هول يوم القيامة، وما يتكلّم به شاهد الزور، ولا تفارق قدماه على الأرض، حتى يقذف به في النار». رواه الطبراني.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح معطوف على ما قبله. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿بِشَهاداتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿قائِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، تأمل، وتدبر.\n<span id=\"aya-5409\"></span><span id=\"aya-5410\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ:﴾ فيراعون شروطها، ويكملون فرائضها، وسننها.\nوتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولا وآخرا باعتبارين: للدلالة على فضلها، وإنافتها على غيرها. وفي نظم هذه الصلاة مبالغات لا تخفى. وهي تقديم الضمير، وبناء الجملة عليه،","vol":"10","page":166},{"text":"وتقديم الجار والمجرور على الفعل، وجعل بعض الجمل اسمية مفيدة للدوام والثبات، وبعضها فعلية مفيدة للاستمرار التجددي.\nهذا؛ وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف قال: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثم قال:\n ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ؟﴾ قلت: معنى إدامتهم عليها أن يواظبوا على أدائها، وألا يتركوها في وقت من الأوقات، وألا يشتغلوا عنها بغيرها إذا دخل وقتها، والمحافظة عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها، وهو أن يأتي بها العبد على أكمل الوجوه. وهذا إنما يحصل بأمور ثلاثة: منها ما هو سابق للصلاة، كاشتغاله بالوضوء، وستر العورة، وإرصاد المكان الطاهر للصلاة، وقصد الجماعة، وتعلق القلب بدخول وقتها، وتفريغه عن الوسواس، والالتفات إلى ما سوى الله ﷿.\nوأما الأمور المقارنة للصلاة؛ فهي: ألا يلتفت في الصلاة يمينا، ولا شمالا، وأن يكون حاضر القلب في جميعها بالخشوع، والخوف، وإتمام ركوعها، وسجودها. وأما الأمور الخارجة عن الصلاة؛ فهي: أن يحترز عن الرياء، والسمعة خوف أن لا تقبل منه، مع الابتهال، والتضرع إلى الله تعالى في سؤال قبولها، وطلب الثواب. فالمداومة على الصلاة ترجع إلى نفسها، والمحافظة عليها ترجع إلى أحوالها، وهيئاتها.\n ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بالصفات المذكورة. ﴿فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ:﴾ جديرون بالإكرام في جنات النعيم. هذا؛ وفي صدر سورة (المؤمنون) قوله تعالى بعد ذكر هذه الصفات، أو ما يقاربها: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\nخاتمة: قال ابن العربي-رحمه الله تعالى-: من غريب القرآن: أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن، التي هي محتملة لهم، فإنها عامة فيهم، إلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ (٢٩) فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات بدليل قوله تعالى: ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣٠) وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر، كآيات الإحصان، عموما وخصوصا، وغير ذلك من الأدلة.\nأقول وهذا شيء نوهت عنه كثيرا، وذكرت: أن المدح، والذم، والترغيب، والترهيب بلفظ المذكر يدخل تحته النساء إلحاقا؛ إذ ما من شك أن في النساء متقيات، ومؤمنات، وصالحات، وخبيثات، وفاسقات... إلخ، والتعبير بلفظ المذكر، إنما هو من باب تغليب المذكر على المؤنث. خذ قوله تعالى في آخر سورة (التحريم) في مدح مريم على نبينا، وحبيبنا، وعليها، وعلى ابنها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ.\n ﴿عَلى صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُحافِظُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: «هم يحافظون على صلاتهم». صلة الموصول، لا محل لها،","vol":"10","page":167},{"text":"﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر أول، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مُكْرَمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير، واسم الإشارة، وهي حال مقدرة، انظر أنواع الحال في الآية رقم [١٩].\n\n<span id=\"aya-5411\"></span><span id=\"aya-5412\"></span>﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ رسم في المصاحف حرف الجر مفصولا عن المجرور اتباعا لرسم مصحف عثمان﵁-. كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٩]:\n ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ﴾. ﴿قِبَلَكَ:﴾ حولك، ونحوك، وجهتك. ﴿مُهْطِعِينَ:﴾ قال الأخفش: مسرعين، ومنه قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ..﴾. إلخ، وقوله ﷿ في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ..﴾. إلخ رقم [٤٣] قال الشاعر: [الوافر]\nبمكّة أهلها ولقد أراهم... إليه مهطعين إلى السّماع\nوذكرته في سورة (إبراهيم) وسورة (القمر) كما يلي: [الوافر]\nبدجلة دارهم ولقد أراهم... بدجلة مهطعين إلى السّماع\nوالمعنى فما بالهم مسرعين مقبلين نحوك مادين أعناقهم، ومديمين النظر إليك متطلعين إليك؟ نزلت في جماعة من الكفار كانوا يجتمعون حول النبي ﷺ يسمعون كلامه، ويستهزئون به، ويكذبونه، فقال الله-جل وعلا-: ما لهم ينظرون إليك ويجلسون عندك، وهم لا ينتفعون بما يسمعون منك. انتهى خازن. وقال القرطبي: نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين كانوا يحضرونه ﵇، ولا يؤمنون به. وقول الخازن أولى بالاعتبار؛ لأن السورة مكية، ولم يكن في مكة قبل الهجرة منافقون.\nهذا؛ وفي القاموس: هطع، كمنع هطعا وهطوعا: أسرع مقبلا خائفا، أو أقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه، وأهطع: مد عنقه، وصوب رأسه، كاستهطع، وكأمير: الطريق الواسع، وكمحسن: من ينظر في ذل، وخضوع، لا يقلع بصره، أو الساكت المنطلق إلى من هتف به، وبعير مهطع: في عنقه تصويب خلقة. انتهى.\n ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أي: عن يمين النبي ﷺ وشماله حلقا حلقا، وجماعات، ف:\n (أل) بدل من الضمير المحذوف؛ إذ التقدير: عن يمينك، وعن شمالك، وهذا مشهور في ضمير","vol":"10","page":168},{"text":"الغيبة، كما في قوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ و﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ إذ التقدير: هي مأواه. هذا؛ و﴿عِزِينَ﴾ جماعات في تفرقة، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث النبي ﷺ: أنه خرج على أصحابه، فرآهم حلقا، فقال: «ما لي أراكم عزين؟ ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها؟». قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمّون الصفوف الأول، ويتراصّون في الصّفّ». رواه أحمد، والنسائي، ومسلم عن جابر بن سمرة﵁-.\nوقال الشاعر: [الوافر]\nترانا عنده، والليل داج... على أبوابه حلقا عزينا\nأي: متفرقين، وقال آخر: [المتقارب]\nكأنّ الجماجم من وقعها... خناطيل يهوين شتّى عزينا\nالخناطيل: لا واحد لها من جنسها، وهي جماعات من الوحش، والطير. وقال آخر: [الوافر]\nفلمّا أن أتين على أضاخ... ضرحن حصاه أشتاتا عزينا\nأضاخ بالضم: جبل، يذكر، ويؤنث. وقيل: هو موضع في البادية، يصرف ولا يصرف.\nومعنى ضرحن: نحين، ودفعن. وقال الكميت: [الوافر]\nونحن وجندل باغ تركنا... كتائب جندل شتّى عزينا\nوقال عنترة: [الوافر]\nوقرن قد تركت لديّ ملقى... عليه الطير كالعصب العزين\nهذا؛ وواحد ﴿عِزِينَ﴾ عزة: جمع بالواو والنون، أو بالياء والنون، ليكون ذلك عوضا مما حذف منها؛ إذ أصلها: عزهة، فاعتلت، كما اعتلت «سنة» فيمن جعل أصلها: سنهة، ثم حذفت الهاء. قال مكي: وإنما جمع بالواو والنون؛ لأنه مؤنث لا يعقل، ليكون ذلك عوضا مما حذف منه. وقيل: أصلها: عزوة، من: عزاه، يعزوه: إذا أضافه إلى غيره، فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى. والمحذوف منها الواو. وفي الصحاح: والعزة: الفرقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع: عزى على: فعل، وعزون (بضم العين، وكسرها) ولم يقولوا:\nعزات، كما قالوا: ثبات. هذا؛ ومثل ﴿عِزِينَ﴾ في المعنى والمفردة والإعلال ﴿عِضِينَ﴾ من قوله تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩١]: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ وأيضا (ثبة) وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة، مثل: عزة، وعضة في المعنى، والإعلال، والتصريف فتجمع على ثبين مثل: عزين، وعضين، وقد جاءت (ثبات) بالألف والتاء في قوله تعالى من سورة (النساء) رقم [٧١]: ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ وجاءت بالياء والنون في قول عمرو بن كلثوم من معلقته [٥٣]: [الوافر]","vol":"10","page":169},{"text":"فأمّا يوم خشيتنا عليهم... فتصبح خيلنا عصبا ثبينا\nهذا؛ ومثلهن: قلة، وهي خشبة يلعب بها الصبيان، فيقال في جمعها: قلات، وقلين. قال عمرو بن كلثوم من معلقته [١٠٦]: [الوافر]\nوما منع الظعائن مثل ضرب... ترى منه السّواعد كالقلينا\nوتصغير الأربعة: عزيّة، وعضيّة، وثبيّة، وقليّة.\nالإعراب: ﴿فَما لِ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (للّذين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿قِبَلَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مُهْطِعِينَ،﴾ وأجيز تعليقه بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿عَنِ الْيَمِينِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿وَعَنِ الشِّمالِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما.\n ﴿عِزِينَ:﴾ حال من واو الجماعة أيضا. قال الجمل: فالأربعة أحوال من الموصول، واعتبرتها أنا حالا من واو الجماعة أيضا، العائدة على الموصول، والمعنى واحد، ثم قال الجمل: ﴿عِزِينَ﴾ حال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وقيل: حال من الضمير في ﴿مُهْطِعِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة، و﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ يجوز أن يتعلق ب: ﴿عِزِينَ؛﴾ لأنه بمعنى: متفرقين. قاله أبو البقاء، وأن يتعلق ب: ﴿مُهْطِعِينَ،﴾ وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أي: «كائنين عن اليمين» قاله أبو البقاء أيضا. انتهى بتصرف.\n\n<span id=\"aya-5413\"></span>﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾\nالشرح: قال المفسرون: كان المشركون يتجمعون حول النبي ﷺ، ويستمعون كلامه، فيكذبونه، ويكذبون عليه، ويستهزئون بأصحابه، ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة؛ لندخلنها قبلهم، ولئن أعطوا منها شيئا؛ لنعطين أكثر منه، فنزلت الآية. انتهى. قرطبي، وغيره. هذا؛ والطمع: نزوع النفس إلى الشيء، والحرص على حصوله. وهو مذموم؛ إن كان في أمور الدنيا، وصارفا عن الآخرة. وطمع، يطمع من باب: سلم، يسلم. ويقال: طمع فيه طمعا، وطماعية، فهو طمع على وزن: فعل. ويقال في التعجب: طمع الرجل (بضم الميم) أي: صار كثير الطمع، وامرأة مطماع: تطمع ولا تمكن.\nالإعراب: ﴿أَيَطْمَعُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (يطمع): فعل مضارع.\n ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿اِمْرِئٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ يُدْخَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ويقرأ بالبناء للمعلوم منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل، أو ونائب الفاعل يعود إلى","vol":"10","page":170},{"text":"﴿كُلُّ امْرِئٍ،﴾ و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بدخول. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يطمع). ﴿جَنَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿نَعِيمٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَيَطْمَعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5414\"></span><span id=\"aya-5415\"></span><span id=\"aya-5416\"></span>﴿كَلاّ إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ لا يدخلون جنة النعيم، فهو ردع لهم، وزجر عن طمعهم في دخولها.\n ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من الأشياء المستقذرة: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. نبه الله الناس على أنهم خلقوا من أصل واحد، وشيء واحد، وإنما يتفاضلون بالمعرفة، ويستوجبون الجنة بالإيمان، والطاعة. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن بشر بن جحاش؛ قال:\nقال رسول الله ﷺ، وبصق يوما في كفه، ووضع عليها إصبعه: يقول الله ﷿: يا بن آدم! أنّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه، حتّى إذا سوّيتك، وعدّلتك، ومشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت، ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي؛ قلت: أتصدّق، وأنى أوان الصّدقة؟! أخرجه ابن الجوزي في تفسيره بلا إسناد. انتهى. خازن.\nوقال قتادة في هذه الآية: إنما خلقت يابن آدم من قذر فاتّق الله! وروي: أن مطرّف بن عبد الله ابن الشّخّير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في حلة، ويمشي الخيلاء، فقال له: يا أبا عبد الله! ما هذه المشية التي يبغضها الله، ورسوله؟ فقال له: أما تعرفني؟ قال: بلى أعرفك، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول، وعذرة، ففيم الخيلاء، وعلام التكبر؟! فبهت المهلب، وألقى حلته إلى خادمه. وقال الأحنف بن قيس: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟ وخذ قول محمود الورّاق-رحمه الله تعالى-: [المنسرح]\nعجبت من معجب بصورته... وكان في الأصل نطفة مذره\nوهو غدا بعد حسن صورته... يصير في اللّحد جيفة قذره\nوهو على تيهه ونخوته... ما بين ثوبيه يحمل العذره\nوقال آخر: [البسيط]\nهل في ابن آدم غير الرأس مكرمة؟ ... وهو بخمس من الأوساخ مضروب\nأنف يسيل وأذن ريحها سهك... والعين مرمصة والثغر ملهوب\nيابن التراب ومأكول التراب غدا... قصّر فإنك مأكول ومشروب","vol":"10","page":171},{"text":"وقيل: معناه: إنا خلقناهم من أجل ما يعلمون، وهو: الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب.\n ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ:﴾ هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١١٥]: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فالمراد بهما: ناحيتا الأرض، وله سبحانه الأرض كلها، لا يختص به مكان، دون مكان، وقال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٧]: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ وقال هنا: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ فقد جمع المشرق، والمغرب، كما ترى باعتبار مشارق الشمس، ومغاربها في السنة، وهي ثلاثمئة وخمس وستون كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع كل يوم في كوة منها، وتغرب في كوة، ولا تطلع، ولا تغرب في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل، قال أمية بن أبي الصلت-الذي قال الرسول ﷺ فيه:\n «آمن شعره، وكفر قلبه» -. [الكامل]\nرجل وثور تحت رجل يمينه... والنسر للأخرى وليث مرصد\nوالشّمس تطلع كلّ آخر ليلة... حمراء يصبح لونها يتورّد\nليست بطالعة لهم في رسلها... إلاّ معذّبة وإلاّ تجلد\nقال عكرمة: قلت لابن عباس: يا مولاي! أتجلد الشمس؟ فقال: إنما اضطره الروي إلى الجلد. لكنها تخاف العقاب. انتهى. قرطبي. وانظر سورة (المزمل) رقم [٩] لشرح المشرق والمغرب.\n ﴿إِنّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ المعنى: إنا لقادرون على إهلاكهم، وعلى أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لنا، وهي كقوله تعالى في سورة (محمد ﷺ) رقم [٣٨]: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾. ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: لا يفوتنا شيء نريده، ولا يمتنع منا أحد مهما أوتي من القوة، والجاه، والعظمة، والسلطان في الدنيا. أو المعنى: وما نحن بمغلوبين عاجزين عن إهلاكهم، وإبدالهم بأمثالهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليه. ﴿خَلَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للردع، والزجر، لا محل لها. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف. التقدير:\nمن الذي، أو شيء يعلمونه. ﴿فَلا أُقْسِمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (الحاقة)، فالإعراب واحد، لا يتغير. ﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(ربّ) مضاف، و﴿الْمَشارِقِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْمَغارِبِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ):","vol":"10","page":172},{"text":"حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، ﴿لَقادِرُونَ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية جواب القسم، لا محل لها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ نُبَدِّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و﴿أَنْ نُبَدِّلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: (قادرون). ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:\n ﴿خَيْرًا﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمَسْبُوقِينَ:﴾ (الباء): حرف جر صلة.\n (مسبوقين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿نُبَدِّلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n\n<span id=\"aya-5417\"></span>﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، وأعرض عنهم. وهذا الفعل ناقص التصرف، لا يأتي منه غير المضارع، والأمر. انظر ما أذكره في سورة (الضحى) إن شاء الله تعالى. ﴿يَخُوضُوا:﴾ في باطلهم. ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم. وهذا على جهة الوعيد؛ أي: واشتغل أنت بما أمرت به، ولا يهمنك شركهم. والخطاب للنبي ﷺ، والمراد بضمير الغيبة أهل مكة. ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: يوعدون يوم القيامة. وهو دليل واضح على أن قولهم محض جهل، واتباع هوى، وأنهم مطبوع على قلوبهم، معذبون في الآخرة، فما لهم من شفيع ولا ناصر ينصرهم. قيل: إن هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو محكم، وإنما أخرج مخرج التهديد. هذا؛ والآية مذكورة في سورة (الزخرف) برقم [٨٣] بحروفها، وما يشبهها في سورة (الطور) برقم [٤٥] وانظر سورة (المدثر) رقم [٤٥].\nالإعراب: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (ذرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية، لا محل لها؛ لأنها جواب شرط يقدر ب: «ما» التقدير: ما دمنا قادرين على أن نبدل خيرا منهم؛ فذرهم. ﴿يَخُوضُوا:﴾\nفعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والمعنى لا يؤيد تقدير «إن» الشرطية. ﴿وَيَلْعَبُوا:﴾\nمعطوف عليه مجزوم مثله، وعلامة جزمهما حذف النون؛ لأنهما من الأفعال الخمسة، والواو فاعلهما، والألف للتفريق. والجملة الأولى لا محل لها؛ لأنها واقعة جوابا للطلب. ﴿حَتّى:﴾\nحرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يُلْقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة، والفعل ﴿يُلْقُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال الثلاثة على التنازع؛ لأن كل واحد يصلح للتعليق به. ﴿يَوْمَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر","vol":"10","page":173},{"text":"بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿يَوْمَهُمُ﴾. ﴿يُوعَدُونَ:﴾\nفعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي يوعدونه.\n\n<span id=\"aya-5418\"></span>﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ أي: القبور، جمع جدث، وقرئ بالفاء: «(من الأجداف)» ذكره الزمخشري، يقال: جدث، وجدف، واللغة الفصيحة الجدث بالثاء، والجمع: أجدث وأجداث. قال المتنخل الهذلي: [الوافر]\nعرفت بأجدث فنعاف عرق... علامات كتحبير النّماط\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (يس) رقم [٥١]: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ،﴾ وقال في سورة (القمر) رقم [٧]: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾.\n ﴿سِراعًا:﴾ مسرعين، جمع سريع، فالمصدر قام مقام «مسرعين» والمصدر لا يثنى، ولا يجمع.\nوخروجهم من القبور مسرعين إنما هو إجابة للداعي، وهو إسرافيل ﵇، وانظر ما ذكرته في سورة (ق) رقم [٤٤] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ:﴾ النصب: ما نصب، فعبد من دون الله. وفيه لغات. ضم النون مع سكون الصاد، وفتحها. قال الأعشى من قصيدة مدح بها النبي ﷺ مشهورة، ومسطورة: [الطويل]\nوذا النّصب المنصوب لا تنسكنّه... لعافية والله ربّك فاعبدا\nوفتح النون مع سكون الصاد، وفتحها، والنّصب: جمع النّصب، مثل: رهن، ورهن، والأنصاب: جمع نصب، فهو جمع الجمع. وقيل: النصب، والأنصاب واحد. وقيل: النصب جمع: نصاب، وهو حجر، أو صنم يذبح عليه، ومنه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣]:\n ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ،﴾ وقال تعالى في الآية رقم [٩٠] منها أيضا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. هذا؛ والنصب: الشر، والبلاء، ومنه قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٤١]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾. ﴿يُوفِضُونَ:﴾ يسراعون، والإيفاض: الإسراع. قال الشاعر: [المتقارب]\nفوارس ذبيان تحت الحديد... كالجنّ يوفضن من عبقر\nوقال الليث: وفضت الإبل، تفض، وفضا، وأوفضها صاحبها، فالإيفاض متعد، والذي في الآية لازم، يقال: وفض، وأوفض، واستوفض بمعنى: أسرع، ولم يرد هذا اللفظ في غير هذه السورة.","vol":"10","page":174},{"text":"الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَهُمُ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني: يوم، ومثله في سورة (الطور) رقم [٤٦] ﴿يَخْرُجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، ويقرأ بالبناء للمعلوم، والمجهول، والواو فاعله، أو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿مِنَ الْأَجْداثِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سِراعًا:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿إِلى نُصُبٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما.\n ﴿يُوفِضُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (كأنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، أو من الضمير في (سراعا) فتكون حالا متداخلة.\n\n<span id=\"aya-5419\"></span>﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾\nالشرح: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٤٣] من سورة (ن). ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ:﴾ يعني: يوم القيامة الذي كانوا يوعدون في الدنيا، وكانوا لا يصدقونه، ولا يؤمنون به.\nالإعراب: ﴿خاشِعَةً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿أَبْصارُهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿خاشِعَةً﴾ وهي سببية، والهاء في محل جر بالإضافة، وينبغي أن تعلم: أن ﴿خاشِعَةً﴾ في الأصل صفة ﴿أَبْصارُهُمْ﴾ فلما تقدم النعت المنعوت انتصب، ومثله قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣]: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾.\n ﴿تَرْهَقُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿ذِلَّةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْيَوْمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة.\n ﴿الَّذِي:﴾ صفة: ﴿الْيَوْمُ﴾. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي كانوا يوعدونه.\nانتهت سورة (المعارج) بحمد الله وتوفيقه شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4726>سورة نوح</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؛ هي مكية، وهي ثمان وعشرون آية، ومئتان، وأربع وعشرون كلمة، وتسعمئة وتسعة وتسعون حرفا.\nنوح اسمه: السكن. وقيل: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لملك. وقيل: لامك بن متوشلخ، بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، بن يرد، بن مهلايل، بن أنوش، بن قينان، بن شيث، بن آدم. وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: أخسأ يا قبيح، فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني، أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وفي شريعته حرم الزواج بالأخت، التي لم تكن توءما مع أخيها كما كان في ذرية آدم قبل نوح، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام؛ حيث عم الطوفان الأرض، ولم يبق بشر بعده إلا الذين حملوا في السفينة، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة. وقيل: أكثر، لم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، حتى أذن الله له في الدعاء عليهم، حيث قال: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٣٦] من سورة (هود) وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الأخيرة من هذه السورة، وكانت ولادته بعد مضي ألف وستمائة واثنتين وأربعين سنة من هبوط آدم من الجنة إلى الأرض، وكان مولده بعد وفاة آدم بمئة وستة وعشرين عاما، قاله الجرجاوي في إعرابه لشواهد ابن عقيل. وهو غير مسلم له.\nفقد روى البخاري عن ابن عباس﵄-: أنه قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة﵁-: أن رجلا قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: «نعم مكلّم». قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال:\n «عشرة قرون». انتهى «النبوة والأنبياء للصابوني».","vol":"10","page":176},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5420\"></span>﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحًا:﴾ بعثنا نوحا رسولا إلى قومه. هذا؛ وقوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: نفر، ورهط، ومعشر... إلخ، فإن المفرد لهذه الأسماء إنما هو: رجل، وجمعها: أقوام، وأراهط، ومعاشر. هذا؛ وقوم يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى في سورة (الحجرات) رقم [١١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]\nوما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟\nوربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، مثل هذه الآية؛ لأن إرسال الرسل لأقوامهم يعم الرجال، والنساء، وإن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء، وهو يذكر، ويؤنث. قال تعالى في غير ما آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو: أنهم أمة، وطائفة، وجماعة، وسموا قوما؛ لأنهم يقومون مع داعيهم بالشدائد، والمتاعب، إما بالمعاونة على كشفها، وإما بالمضايقة والإيذاء إن عارضوه، وهذا حال أعداء الخير، والإصلاح في كل زمان ومكان.\n ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ:﴾ خوفهم عقاب الله، وانتقامه منهم؛ إن هم أصروا على الكفر.\n ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ عذاب الآخرة، أو الطوفان، فكان يدعو قومه، وينذرهم، فلا يرى منهم مجيبا، وكانوا يضربونه؛ حتى يغشى عليه، فيقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».\nهذا؛ وأتى، يأتي يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، مثل قولك: حضر زيد، وقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ويستعمل متعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، وهو ما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، ومثل أتى: جاء في التعدي واللزوم، فمن المتعدي قوله تعالى:\n ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ،﴾ ومن اللازم قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾.\nهذا؛ و﴿عَذابٌ﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: سلام، وعطاء، ونبات ل: سلّم، وأعطى، وأنبت.\nأما قوله تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا﴾ فإن ظاهره يفيد الجمع، أو الجماعة، وهذا التعبير كثير في كتاب الله، فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح): قوله تعالى: «جعلنا، وهبنا، نحن، إنا». لفظ يقع في جميع اللغات على من له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد المطاع، الذي له أعوان يطيعونه؛ وإن لم يكونوا له شركاء، ولا","vol":"10","page":177},{"text":"نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة، وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك؛ فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض.\nأقول: و(نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، ذكرا كان، أو أنثى، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم:\nالأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمه، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُوحًا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. ﴿أَنْذِرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مفسرة للإرسال، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿أَنْ﴾ مصدرية فتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بالإنذار، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿قَوْمَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَنْذِرْ﴾. ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعله. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه.\n\n<span id=\"aya-5421\"></span><span id=\"aya-5422\"></span><span id=\"aya-5423\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ:﴾ أضافهم إلى نفسه، إظهارا للشفقة، وفي سورة (الشعراء) رقم [١٠٦]: ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ؛﴾ لأنه كان مولودا فيهم. ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بين الإنذار، موضح لحقيقة الأمر، أنذركم، وأخوفكم عقاب الله وانتقامه، فأمري واضح، ودعوتي ظاهرة، وقد ذكرت لك أن نوحا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أول نبي أرسل بشريعة.\nويقال له: شيخ المرسلين؛ لأنه أطولهم عمرا، فقد مكث في قومه كما قص علينا القرآن الكريم:","vol":"10","page":178},{"text":"﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا﴾ رقم [١٤] من سورة (العنكبوت) يدعو قومه إلى الله، ومع طول هذه المدة لم يؤمن معه إلا قليل، كما قص علينا القرآن الكريم: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ رقم [٤٠] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد أفرد القرآن الكريم قصته في هذه السورة من بدء الدعوة إلى نهايتها، حيث أهلك الله قومه بالطوفان، وهو أحد الرسل العظام من أولي العزم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين.\n ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ:﴾ أمر بعبادة الله، وتقواه، وطاعته، أما العبادة؛ فهي غاية الخضوع، والتذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. هذا؛ وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود.\nهذا؛ والله علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٦٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا.\n (اتقوه): خافوا عقابه، وانتقامه. هذا؛ والتقوى حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (الحجرات) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإني رسول الله إليكم، وإنما أضافها إلى نفسه؛ لأن الطاعة قد تكون لغير الله تعالى بخلاف العبادة، فإنها لا تكون إلا لله ﷿.\n ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: جميع ذنوبكم على اعتبار ﴿مِنْ﴾ صلة في الإيجاب، وهذا يجيزه الأخفش. وقيل: لا يصح اعتبارها صلة، وهي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. وقيل: هي على أصلها، وذلك أن الله يغفر من الذنوب ما كان قبل الإسلام، فإذا أسلموا، وانقادوا لشريعة نوح ﵇ جرت عليهم أحكام شريعته. ومثل هذه الآية الآية رقم [٣١] من سورة (الأحقاف)، انظرها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ قال ابن عباس﵄-: أي: ينسئ في أعماركم، ومعناه أن الله تعالى كان قد قضى قبل خلقهم: أنهم إن آمنوا؛ بارك في أعمارهم، وإن لم يؤمنوا؛ عوجلوا بالعذاب، والعقاب. أقول: فيكون هذا من القضاء المعلق. انظر ما ذكرته في سورة (الرعد) رقم [٤١] ويشير له هلاك الكافرين منهم بالغرق، ونجاة المؤمنين منهم بواسطة","vol":"10","page":179},{"text":"السفينة، وبقاؤهم إلى انتهاء آجالهم، وهو ما وقع، وحصل. وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى آجالكم في عافية، فلا يعاقبكم بالقحط، وغيره، فالمعنى على هذا يؤخركم من العقوبات، والشدائد إلى انتهاء آجالكم. وعلى هذا قيل: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عندكم تعرفونه، لا يميتكم غرقا، ولا حرقا، ولا قتلا. ذكره الفراء، وعلى القول الأول: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عند الله.\n ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ﴾ أي: الأجل الذي قدره، وقضاه. ﴿إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ أي: إذا جاء الأجل المقدر عند الله لا يؤخر، فبادروا بالإيمان قبل الموت؛ تسلموا من العذاب. قال الزمخشري:\nفإن قلت: كيف قال: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ مع الإخبار بامتناع تأخير الأجل، وهل هذا إلا تناقض؟ قلت: قضى مثلا: أن قوم نوح إن آمنوا؛ عمرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم؛ أهلكهم الله على رأس تسعمائة سنة، فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى، أي: إلى وقت سماه الله، وضربه أمدا تنتهون إليه، لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف، ثم أخبر: أنه إذا جاء ذلك الأجل لا يؤخر، كما يؤخر هذا الوقت، ولم تكن لكم حيلة، فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير عنكم، وحيث يمكنكم الإيمان. انتهى.\nتنبيه: قال تعالى هنا: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ومثله في سورة (النحل) رقم [٦١] وغيرها كثير، وقال تعالى في كثير من السور: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فإن قلت: أهو من تعاقب الحرفين؟ قلت: كلاّ، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن، ولكنّ المعنيين؛ أعني الانتهاء، والاختصاص كل منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأن قولك: «يجري إلى أجل مسمى» معناه:\nيبلغه، وينتهي إليه. وقولك: «يجري لأجل مسمّى» تريد: لإدراك أجل مسمّى، وتجعل الجري مختصا بآخر الشهر، فكلا الموضعين غير ناب به موضعه، انتهى. كشاف في غير هذا الموضع.\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (نوح)، تقديره: «هو». (يا): أداة نداء تقوم مقام أدعو. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي)، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول: (يا قومي)، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قوما)، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: (يا قوم).\nقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\nويزاد سادسة، وهي لفظ القطع (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف، «يقول: يا ربّ، يا ربّ». وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:\n (قال ربّ السجن أحبّ إليّ) رقم [٣٣]. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل","vol":"10","page":180},{"text":"في محل نصب اسمها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿نَذِيرٌ،﴾ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ يا قَوْمِ..﴾. إلخ مستأنفة.\n ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية تفسير للإنذار، لا محل لها، وإن اعتبرت ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بالعبادة، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ والأول أقوى معنى.\n ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوه): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (أطيعون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة في محل نصب مفعول به، والفعلان: (اتقوا) و(أطيعوا) معطوفان على ﴿اُعْبُدُوا﴾ على الوجهين المعتبرين فيه.\n ﴿يَغْفِرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تعبدوا، وتتقوا، وتطيعوا؛ يغفر، والفاعل يعود إلى (الله)، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للطلب. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعول به؛ إذ التقدير: يغفر لكم بعض ذنوبكم، وإن اعتبرت الباء صلة ف: ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾ مجرور لفظا منصوب محلا، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به.\n ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال، أو بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: يؤخركم تأخيرا ممتدا إلى أجل. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَجَلٍ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَجَلَ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤَخَّرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَجَلَ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، ومفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها، والجملة الفعلية بعدها في محل نصب خبرها، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا محل","vol":"10","page":181},{"text":"لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لو كنتم تعلمون لآمنتم، ولو ومدخولها كلام معترض في آخر الآية، وهو من جملة مقول القول.\n\n<span id=\"aya-5424\"></span><span id=\"aya-5425\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِرارًا (٦)﴾\nالشرح: ﴿قالَ﴾ أي: نوح. ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي:﴾ إلى الإيمان بك، والإقرار بواحدانيتك، والاعتراف بألوهيتك. ﴿لَيْلًا وَنَهارًا:﴾ دائبا بلا فتور؛ سرا، وجهرا، ولا تنس الطباق بين ﴿لَيْلًا﴾ و(نهارا). ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِرارًا﴾ أي: تباعدا من الإيمان كما قال تعالى في سورة (المدثر):\n ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ،﴾ ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن الدعاء سببا للفرار في الحقيقة، وهو كقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٢٥]: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس.\nهذا؛ وزاد، يزيد: ضد نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين كما في الآية الكريمة. وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدا، فدرهما، ومدا تمييز. ومثله قل في: نقص، فمن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.\nأما (الليل) فهو واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على:\nليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال. والليل الشرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر: من غروبها إلى طلوعها.\nهذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز]\nلولا الثّريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر\nوفي القليل: أنهر، والنهار: من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر على ما تقدم في نهاية الليل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم: اليوم، كما ستعرفه في الآية رقم [٩] من سورة (المدثر). هذا؛ والنسبة إلى النهار: نهاريّ، كما تجيء النسبة إليه على صيغة فعل فتستعمل للنسب. ويستغنى بها عن يائه، فيقال: نهر، ومنه قول الشاعر، وهو من شواهد ابن عقيل على ألفية ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nلست بليليّ ولكنّي نهر... لا أدلج اللّيل ولكن أبتكر\nهذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]","vol":"10","page":182},{"text":"إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\nالإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (نوح)، تقديره: «هو». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وانظر إعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢] فهو مثله. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿دَعَوْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ).\n ﴿قَوْمِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْلًا:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَنَهارًا:﴾ معطوف عليه. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَزِدْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، والهاء مفعول به أول. ﴿دُعائِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِرارًا:﴾ مفعول به ثان، وفي الأصل مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ والمفعول الأول محذوف، التقدير: فلم يزدهم دعائي شيئا إلا فرارا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿دَعَوْتُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، والكلام:\n ﴿رَبِّ إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5426\"></span>﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبارًا (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ:﴾ للإيمان بك. ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: ليتوبوا عن كفرهم، فتغفر لهم، فذكر المسبّب الذي هو حظهم خالصا، وهو المغفرة للذنوب، ورضاء علام الغيوب؛ ليفوزوا بجنات النعيم. ﴿جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ أي: سدوا آذانهم بأصابعهم؛ لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه. والمراد رؤوس الأصابع؛ لأن الأصابع لا توضع كاملة، فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، وهذا يسمى المجاز المرسل في علم البيان، ومثله قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩]: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أي: غطوا رؤوسهم بثيابهم، وسدوا آذانهم؛ لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه، أو لئلا يروني، والظاهر: أن ذلك حقيقة، فقد سدوا مسامعهم؛ حتى لا يسمعوا ما دعاهم إليه، وتغطوا بثيابهم؛ حتى لا ينظروا إليه، كراهة وبغضا من سماع النصح، ورؤية الناصح. ويجوز أن يكون ذلك كناية عن المبالغة في إعراضهم عما دعاهم إليه، فهم بمنزلة من سد سمعه، ومنع بصره. ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أي:\nاستمروا على الكفر، والطغيان، والفساد. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: الإصرار: من أصر الحمار على العانة، إذا أصر أذنيه، وأقبل عليها يكدمها، ويطردها. استعير للإقبال على المعاصي، والإكباب عليها. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان، واستنكفوا عن اتباع الحق، والانقياد له، وذكر المصدر تأكيد ودلالة على فرط عنادهم، وعتوهم، واستكبارهم.","vol":"10","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4731>فائدة:</span>\nذكرت الأصابع بلفظ الجمع هنا وفي سورة (البقرة) رقم [١٩] ولم تذكر بلفظ المفرد أبدا في القرآن الكريم، وذكرت الأنامل بلفظ الجمع في سورة (آل عمران) رقم [١١٩] ولم تذكر بلفظ المفرد أبدا، والأنملة: رأس الأصبع، وفي مفردهما تسع لغات: تثليث همزتهما، وتثليث ميم أنملة، وتثليث باء أصبع، وتزيد أصبوعا، وقد نظم ذلك بعضهم بقوله: [البسيط]\nيا إصبع ثلّثا مع ميم أنملة... وثلّث الهمز أيضا وارو أصبوعا\n ﴿ثِيابَهُمْ:﴾ جمع ثوب، والقياس: ثوابهم، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، ومثله:\nحوض، وحياض، ودار، وديار، وريح، ورياح. ومثل ذلك مصدر الفعل الأجوف الواوي، مثل: صيام، وقيام، والأصل: صوام، وقوام، فقد ذكر السيوطي-رحمه الله تعالى-في «همع الهوامع» في باب الإبدال ما يلي:\nتبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معل العين، موزون بفعال، نحو قام قياما، وعاد عيادا بخلاف عين غير المصدر، كصوان، وسوان، والمصدر المفتوح أوله، كرواح، أو المضموم، كقوار، أو المكسور الذي لم تعل عين فعله، ك: لاوذ لواذا، وعاود، عوادا، أو الموزون ب: (فعل) كالحول، وتبدل أيضا بعد كسرة من واو هي عين جمع لواحد ساكن العين، أو معتلها، صحيح اللام، موزون بفعال، كثوب، وثياب، وحوض، وحياض، ودار، وديار، وريح، ورياح بخلاف عين المفرد. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها ﴿كُلَّما﴾ يعربها المعاصرون أداة شرط غير جازمة، وتفصيل إعرابها كما يلي. (كل): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما):\nمصدرية توقيتية. ﴿دَعَوْتُهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، و(ما) والفعل: دعا في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت دعوة، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، انظر مبحث: «كلما» في كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل:\n (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿لِتَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَعَلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و﴿كُلَّما﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿أَصابِعَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿فِي آذانِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَصابِعَهُمْ،﴾ والهاء فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿وَاسْتَغْشَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (استغشوا): ماض مبني على","vol":"10","page":184},{"text":"فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿ثِيابَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿كُلَّما،﴾ لا محل لها مثلها، وأيضا الجملتان: (أصروا) و(استكبروا) معطوفتان عليها، ومتعلق الفعلين محذوف كما رأيت في الشرح. ﴿اِسْتِكْبارًا:﴾ مفعول مطلق.\n\n<span id=\"aya-5427\"></span><span id=\"aya-5428\"></span>﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ:﴾ إلى الإيمان بك وحدك. ﴿جِهارًا﴾ أي: مجاهرا بدعوتي لهم دون خوف، أو تحفظ. ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ أي: كررت لهم الدعاء معلنا. ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا:﴾\nقال ابن عباس﵄-: يريد الرجل بعد الرجل، أكلمه سرا بيني وبينه، أدعوه إلى عبادتك، وتوحيدك، ولا تنس الطباق بين ﴿جِهارًا﴾ و﴿إِسْرارًا﴾.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ذكر: أنه دعاهم ليلا، ونهارا، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف، قلت: فعل ﵊، كما يفعل الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر في الابتداء بالأهون، والترقي في الأشد، فالأشد، فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا؛ ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر؛ ثلث بالجمع بين الإسرار، والإعلان. ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ الدلالة على تباعد الأحوال؛ لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما.\nانتهى. كشاف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وخذ قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [٢٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nأتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم؟\nوأيضا قول الآخر، وهو الشاهد رقم [٦٢٤] من الكتاب المذكور: [الطويل]\nإذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب... جهارا فكن في الغيب أحفظ للودّ\nالإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿دَعَوْتُهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿جِهارًا:﴾ فيه أوجه يجوز أن يكون مفعولا مطلقا؛ لأن الدعاء يكون جهارا، وغيره، أي: عامله من غير لفظه من باب قعد القرفصاء، وأن يكون المراد ب: ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ جاهرتهم، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف، أي: دعاء جهارا، ف: «دعاء» مفعول مطلق، و﴿جِهارًا﴾ صفة له. وأن يكون مصدرا في موضع الحال، أي: مجاهرا، أو ذا جهار، وجعل نفس المصدر مبالغة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء","vol":"10","page":185},{"text":"اسمها. ﴿أَعْلَنْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والتي بعدها معطوفة عليها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِسْرارًا:﴾ مفعول مطلق.\n\n<span id=\"aya-5429\"></span><span id=\"aya-5430\"></span>﴿فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا..﴾. إلخ، قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أمرهم بالاستغفار، الذي هو التوبة عن الكفر والمعاصي، وقدم إليهم الموعد بما هو أوقع في نفوسهم، وأحب إليهم من المنافع الحاضرة، والفوائد الجليلة، ترغيبا في الإيمان، وبركاته، والطاعة ونتائجها من خير الدارين، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٩٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،﴾ وقال جل وعلا في سورة (المائدة) رقم [٦٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ،﴾ وقال جل وعز في سورة (الجن) رقم [١٦]: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا﴾ وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة؛ حبس الله عنهم القطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، وروي سبعين، فوعدهم نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أنهم إن آمنوا؛ رزقهم الله تعالى الخصب، ودفع عنهم ما كانوا فيه.\nوعن عمر﵁أنه خرج يستسقي، فما زاد على الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء؛ التي يستنزل بها القطر، شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطئ. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: أن رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا، ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا عليه هذه الآية، والتي بعدها. انتهى. كشاف.\nهذا؛ و﴿كانَ﴾ في القرآن الكريم على أوجه: تأتي بمعنى: الأزل، والأبد، وبمعنى: المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى: الحال، وبمعنى: الاستقبال، وبمعنى: صار، وبمعنى: حضر، وحصل، ووجد. وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي هنا بمعنى: الاستمرار، فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الآبدين في الدنيا والآخرة غفارا للذنوب، ستارا للعيوب، قابلا لتوبة من تاب. وانظر شرح (استغفر) في الآية رقم [٦] من سورة (المنافقون)، وانظر (كان) في سورة (الانشقاق) [١٣].\nهذا؛ و﴿السَّماءَ﴾ كل ما علاك من سقف، أو غيره، والمراد هنا: يرسل ماء السماء عليكم، فالمضاف محذوف، ويجوز أن يراد السحاب، أو المطر، أي: يرسل المطر. قال معاوية بن مالك: [الوافر]","vol":"10","page":186},{"text":"إذا سقط السماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا\nأراد بالسماء المطر، ثم أعاد عليه الضمير في رعيناه بمعنى: النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام. وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ و﴿السَّماءَ﴾ تذكر، وتؤنث.\nهذا؛ و(غفار) صيغة مبالغة، و(مدرار) كثيرة الدرور، أي: ذات مطر كثير، و«مفعال» صيغة مبالغة، وهو مما يستوي فيه المذكر، والمؤنث، كقولهم: رجل مهذار، وامرأة معطار. وخذ نبذة من أحاديث الرسول ﷺ في الاستغفار.\nفعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود، والنسائي، وغيرهما. وعن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلكم على دائكم ودوائكم؟ ألا إنّ داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار». رواه البيهقي. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ للقلوب صدأ كصدأ النّحاس، وجلاؤها الاستغفار». رواه البيهقي.\nوعن أبي سعيد الخدري﵄عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: وعزّتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم». فقال: «وعزّتي، وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني!». رواه أحمد، والحاكم.\nوعن شداد بن أوس﵁عن النبي ﷺ قال: «سيّد الاستغفار: اللهمّ أنت ربي لا إله إلاّ أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، من قالها موقنا بها حين يمسي، فمات من ليلته؛ دخل الجنة، ومن قالها موقنا بها حين يصبح، فمات من يومه دخل الجنة». رواه البخاري، والنسائي، والترمذي.\nالإعراب: ﴿فَقُلْتُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (قلت): فعل، وفاعل. ﴿اِسْتَغْفِرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قلت...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. ﴿غَفّارًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معترضة بين الأمر، وجوابه، ومفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿يُرْسِلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم؛ لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تستغفروا... يرسل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل","vol":"10","page":187},{"text":"لها، لوقوعها جوابا للطلب. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به أول. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مِدْرارًا:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من السماء، قاله السمين.\n\n<span id=\"aya-5431\"></span>﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ:﴾ يزدكم أموالا، وبنين. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ:﴾ بساتين، وحدائق. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا﴾ أي: من ماء يجري في أراضيكم أطمعهم نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بالحصول على بركات السماء، وبركات الأرض إن هم آمنوا بالله الذي بيده مفاتيح هذه الخزائن. وأتاهم من طريق القلب لتحريك العواطف، ولبيان: أن ما هم فيه من انحباس الأمطار، وما حرموه من الرزق، والذرية، إنما سببه كفرهم بالله الذي بيده وحده، إرسال المطر، وإغداق الرزق، والإمداد بالأموال والبنين، وأنه لا ينبغي لهم أن يكفروا بالله القادر، ويعبدوا آلهة أخرى اخترعوها، لا تضر، ولا تنفع.\nهذا؛ و(أموال) جمع: مال. قال ابن الأثير: المال في الأصل يطلق على كل ما يملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم. وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسان بن ثابت﵁-: [البسيط]\nالمال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال\nوعن الفضل الضبي: المال عند العرب: الصامت، والناطق، فالصامت: الذهب، والفضة والجواهر، والناطق: هو البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصامت، وإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فهو الناطق. والنشب: المال الثابت، كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول المذكور آنفا: نشب. قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي﵁يوصي ولده: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nهذا؛ وقال الرسول ﷺ: «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنما كان كذلك؛ لأن الإيمان متعلق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه؛ فقد ذهب الثلثان، فلو انضم إليه القلب؛ ذهب الكل.\n ﴿جَنّاتٍ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان الكثير الأشجار، وسميت بذلك؛ لأنها تجن، أي:\nتستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها. ﴿أَنْهارًا:﴾ جمع: نهر، وهو معروف، ويجمع النهر على: أنهر، ونهر، ونهور، وهاء النهر تسكن، وتفتح.","vol":"10","page":188},{"text":"الإعراب: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يمددكم): معطوف على يرسل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِأَمْوالٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n ﴿وَبَنِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (بنين): معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَيَجْعَلْ:﴾ معطوف على ما قبله إفرادا وجملة. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا﴾ مثل سابقه.\n\n<span id=\"aya-5432\"></span><span id=\"aya-5433\"></span>﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا:﴾ قال ابن عباس﵄-: أي: مالكم لا ترون لله عظمة. وقيل: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقا، ولا تشكرون له نعمة؟! وقيل: معناه: ما لكم لا ترجون في عبادة الله ثوابا، ولا على توقيركم إياه أجرا، وخيرا؟! وقيل: معناه: ما لكم لا تخافون عظمة الله؟! فالرجاء بمعنى الخوف، والوقار: العظمة، من التوقير، وهو التعظيم. هذا؛ ووقوع الرجاء بمعنى الخوف مستعمل في اللغة العربية، قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢١]:\n ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا..﴾. إلخ. وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال، أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل]\nإذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل\nوقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد، أي: النفي. كقوله تعالى في هذه الآية. وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى. وهو المعتمد. هذا؛ وأصل الرجاء الأمل في الشيء، والطماعية فيه. قال الشاعر: [الوافر]\nأترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب\nوقال خبيب بن عدي﵁، وأرضاه-: [الطويل]\nلعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي؟!\n ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا﴾ أي: جعل لكم في أنفسكم آية تدل على قدرته، وعظمته. قال ابن عباس -﵄-: ﴿أَطْوارًا﴾ يعني: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة؛ أي: طورا بعد طور إلى تمام الخلق، كما ذكر الله تعالى في آية (الحج) رقم [٥] وآية (المؤمنون) رقم [١٤]. والطور في اللغة:\nالمرة. وقيل: المراد: مراحل الحياة من طفولة إلى شباب، إلى كهولة، إلى شيوخ، وضعفاء.\nوقيل: ﴿أَطْوارًا﴾ أي: أنواعا: صحيحا، وسقيما، وبصيرا، وضريرا، وغنيا، وفقيرا. وقيل:","vol":"10","page":189},{"text":"اختلافهم في الأخلاق، والأفعال، والألوان، واللغات، والطبائع... إلخ. هذا؛ والطور الحال والهيئة، والجمع أطوار.\nالإعراب: ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿تَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والعامل ﴿ما﴾ الاستفهامية. وقيل: العامل فيها معنى الاستقرار في ﴿لَكُمْ﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:\nوقارا، كان له صفة، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿وَقارًا:﴾ مفعول به. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من كاف الخطاب، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة. ﴿أَطْوارًا:﴾ حال من كاف الخطاب، فهي حال متداخلة. هذا؛ وخلق بمعنى: ابتدع، فلذلك لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد.\n\n<span id=\"aya-5434\"></span>﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا (١٥)﴾\nالشرح: انظر الآية رقم [٣] من سورة (الملك) فالكلام فيها كاف واف. ومعنى ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ الإخبار لا المعاينة، كما تقول: ألم ترني كيف صنعت بفلان كذا؟ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: نبههم على النظر في أنفسهم أولا؛ لأنها أقرب منظور فيه منهم. ثم على النظر في العالم، وما سوى فيه من العجائب الشاهدة على الصانع الباهر قدرته، وعلمه من السموات، والأرض، والشمس، والقمر.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والعامل الفعل: ﴿خَلَقَ﴾. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿سَماواتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿طِباقًا:﴾ فيه أوجه: المصدرية: على أنه مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: تطابق بعضها طباقا. والحالية: أي: ذات طباق، فحذف «ذات» وأقيم ﴿طِباقًا﴾ مقامه، والوصفية لسبع. ويجوز في العربية جره صفة ل: ﴿سَماواتٍ﴾ ولم يقرأ بالجر هنا، وفي سورة (الملك) رقم [٣].","vol":"10","page":190},{"text":"<span id=\"aya-5435\"></span>﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ أي: في سماء الدنيا. قال ابن كيسان: إذا كان في إحداهن؛ فهو فيهن. وروي: أن وجه القمر إلى السماء، وإذا كان إلى داخلها فهو متصل بالسموات، وقال ابن عباس وابن عمر﵄-: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء.\n ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ يعني: مصباحا لأهل الأرض، وفي إضافتها لأهل السماء القولان الأولان، وحكى القشيري عن ابن عباس﵄-: أن الشمس وجهها في السموات وقفاها في الأرض. ومعنى (سراجا) يبصر أهل الدنيا في ضوئها، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، والقمر ليس كذلك، إنما هو نور لم يبلغ قوة ضياء الشمس، ومثله قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ رقم [٥]، والضياء أقوى من النور، وعبر عن الشمس بالسراج؛ لأنه يضيء بنفسه، وعبر عن القمر بالنور؛ لأنه يستمد نوره من غيره، ويؤيده ما تقرر في علم الفلك من أن نور الشمس ذاتي فيها، ونور القمر عرضي مكتسب من نور الشمس، فسبحان من أحاط بكل شيء علما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nأقول: وعلى قول ابن عباس، وابن عمر﵄-: فالسموات السبع إنما هي طبقات هوائية ينفذ فيها ضوء القمر، ونور الشمس، ولا يبقى لما قاله محمد الشنواني في حاشيته على مختصر ابن أبي جمرة في شرح حديث المعراج: إن السموات السبع طبقات مادية من فضة ورصاص، ونحاس. لا يبقى لهذا الكلام أيّ اعتبار، والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ تقديره: «هو». ﴿الْقَمَرَ:﴾ مفعول به أول. ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُورًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿نُورًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية، والتي بعدها معطوفتان على ما قبلهما، وهما في محل نصب مقول القول أيضا.\n<span id=\"aya-5436\"></span><span id=\"aya-5437\"></span>﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا:﴾ قال الصابوني: بعد أن ذكر الله دليل الآفاق؛ ذكر هنا دليل الأنفس، وذلك؛ لأن في ذكر هذه الأمور دلالة واضحة على عظمة الله وقدرته، وباهر مصنوعاته، والمعنى: خلقكم، وأنشأكم من الأرض كما يخرج النبات، وسلّكم من تراب الأرض كما يسل النبات منها. قال المفسرون: لما كان إخراجهم، وإنشاؤهم إنما يتم بتناولهم","vol":"10","page":191},{"text":"عناصر الغذاء الحيوانية والنباتية المستمدة من الأرض؛ كانوا من هذه الجهة مشابهين للنبات؛ التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض؛ فلذا سمي خلقهم، وإنشاؤهم إنباتا، أو يكون ذلك إشارة إلى خلق آدم، حيث خلق من تراب الأرض، ثم جاءت منه ذريته، فصح نسبتهم إلى أنهم أنبتوا من الأرض. انتهى. صفوة التفاسير.\nوفي الآية استعارة تبعية استعير الإنبات للإنشاء، كما يقول: زرعك الله للخير، وكانت هذه الاستعارة أدل على الحدوث؛ لأنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات، ومنه قيل للحشوية: النابتة، والنوابت لحدوث مذهبهم في الإسلام من غير أولية فيه، ولا تنس: أن ﴿نَباتًا﴾ اسم مصدر، لا مصدر؛ إذ المصدر إنبات؛ لأن فعله أنبت. وفي الخازن: وقيل:\nتقديره: أنبتكم، فنبتم نباتا. وفيه دقيقة لطيفة، وهي أنه لو قال: أنبتكم إنباتا، كان المعنى أنبتكم إنباتا عجيبا غريبا. ولما قال: أنبتكم نباتا، كان المعنى أنبتكم فنبتم نباتا عجيبا، وهذا الثاني أولى؛ لأن الإنبات صفة الله تعالى، وصفة الله تعالى غير محسوسة لنا، فلا يعرف: أن ذلك الإنبات إنبات عجيب كامل إلا بواسطة إخبار الله تعالى، وهذا المقام مقام الاستدلال على كمال قدرة الله تعالى، فكان موافقا لهذا المقام، فظهر بهذا: أن العدول عن تلك الحقيقة إلى هذا المجاز كان لهذا السر اللطيف.\n ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها﴾ أي: يرجعكم إلى الأرض بعد موتكم، فتدفنون فيها. ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا﴾ أي: يخرجكم من الأرض يوم القيامة للحساب، والجزاء. وأكده بالمصدر لبيان أن ذلك واقع لا محالة. وهذه الآية، كقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥٥]: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾.\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿أَنْبَتَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نَباتًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية والتي بعدها معطوفتان على ما قبلهما، وهما من مقول نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿إِخْراجًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله، مثل: نباتا، وإسرارا، واستكبارا.\n\n<span id=\"aya-5438\"></span><span id=\"aya-5439\"></span>﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا﴾ أي: جعلها فسيحة ممتدة ممهدة لكم، وثبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات، كما قال تعالى في غير ما آية: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ﴾","vol":"10","page":192},{"text":"﴿تَمِيدَ بِكُمْ﴾ جعلها الله منبسطة؛ ليتقلب الإنسان عليها بالذهاب والإياب، كما يتقلب على بساطه وفراشه. قال في التسهيل: شبه الأرض بالبساط في امتدادها، واستقرار الناس عليها، وأخذ بعضهم من الآية أن الأرض غير كروية، وفي ذلك نظر، قال الآلوسي: وليس في الآية دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية؛ لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحا، ثم إن اعتقاد الكروية، أو عدمها ليس بلازم في الشريعة، لكن كرويتها كالأمر اليقيني، ومعنى جعلها بساطا أي: تتقلبون عليها كالبساط. انتهى صفوة التفاسير، وانظر ما ذكرته في سورة (الرعد) رقم [٣]: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا:﴾ لتتخذوا منها طرقا. ﴿فِجاجًا:﴾ مسالك، والفج الطريق الواسع بين جبلين. هذا؛ وفي سورة (الأنبياء) رقم [٣١] تقديم الفجاج، وأخر هنا لتناسب الفواصل.\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿بِساطًا﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿بِساطًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿لِتَسْلُكُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ﴾. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سُبُلًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿سُبُلًا:﴾ مفعول به. ﴿فِجاجًا:﴾ صفة ﴿سُبُلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-5440\"></span>﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَسارًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي:﴾ فيما أمرتهم به من الإيمان، والاستغفار. ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي: السفلة، والفقراء، والضعفاء. ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ أي: الرؤساء، والكبراء، والأغنياء؛ الذين لم يزدهم كفرهم، وأموالهم، وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا، وهلاكا في الآخرة. وفحوى الآية الكريمة: شكوى نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-إلى الله تعالى، وأنهم عصوه، ولم يتبعوه فيما دعاهم إليه من الإيمان بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما داعيا لهم، وهم على كفرهم، وعصيانهم. قال ابن عباس﵄-: رجا نوح ﵇ الأبناء بعد الآباء، فيأتي منهم الولد بعد الولد، حتى بلغوا سبعة قرون، فلم يزدادوا إلا ضلالا، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأغرقهم، وعاش بعد الطوفان ستين عاما، حتى كثر الناس، وفشوا.","vol":"10","page":193},{"text":"الإعراب: ﴿قالَ نُوحٌ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، انظر إعراب (يا قوم) في الآية رقم [٢]. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَصَوْنِي:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ نُوحٌ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتبعوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَزِدْهُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿مالُهُ:﴾ فاعله. (ولده): معطوف عليه، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿خَسارًا:﴾ مفعول به ثان. وجملة: ﴿لَمْ يَزِدْهُ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5441\"></span>﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ يعني: كبيرا عظيما. يقال: كبير، وكبار، وكبّار، مثل:\nعجيب، وعجاب، وعجّاب، ويقال: رجل حسن، وحسّان، وجميل، وجمّال، وقرّاء للقارئ، ووضّاء للوضيء. وأنشد ابن السكيت: [الكامل]\nبيضاء تصطاد القلوب وتستبي... بالحسن قلب المسلم القرّاء\nوقال آخر: [الكامل]\nوالمرء يلحقه بفتيان النّدى... خلق الكريم وليس بالوضّاء\nو﴿كُبّارًا﴾ بالتشديد أعظم في المبالغة، والماكرون: هم الرؤساء، والقادة، فيكون قد روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ بقوله: ﴿لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ وروعي معناها بقوله: ﴿(مَكَرُوا)﴾ ومكرهم:\nاحتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وتحريش السفلة على أذاه، وصد الناس عن الإيمان به، والميل إليه، والاستماع منه. وقيل: مكرهم: هو قولهم: لا تذرنّ آلهتكم، وتعبدوا إله نوح.\nهذا؛ والمكر أصله في لسان العرب: الاحتيال، والخديعة، وقد مكر به، يمكر، فهو ماكر، ومكّار. قال الشاعر: [الطويل]\nقهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخديعة والمكر","vol":"10","page":194},{"text":"وقال زياد بن يسار-وهو الشاهد رقم [١٠٢١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٧] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل]\nتعلّم شفاء النفس قهر عدوّها... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر\nهذا، ونسب المكر إلى الله في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٤٢]: ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ وهو بمعنى المجازاة، والعقاب، والانتقام.\nالإعراب: (مكروا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَكْرًا:﴾\nمفعول مطلق. ﴿كُبّارًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَمْ يَزِدْهُ..﴾. إلخ فهي من جملة الصلة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5442\"></span>﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: قال الرؤساء، والكبراء من قوم نوح. وقيل: كفار قريش. ولا وجه له قطعا. ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: لا تتركوا آلهتكم التي تعبدونها. ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا..﴾. إلخ: هذا تخصيص بعد تعميم؛ لأنهم كانت لهم أصنام غير هذه الخمسة، وهذه أعظمها عندهم، وهذا على مثال قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣٨]: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾، وقوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾. وانظر التعميم بعد التخصيص في الآية الأخيرة، وكلاهما من باب الإطناب، وهو من المحسنات البديعية.\nقال محمد بن كعب القرظي﵁-: هذه أسماء قوم صالحين، كانوا بين آدم ونوح، فلما ماتوا كان أتباعهم يقتدون بهم، ويأخذون بعدهم بأخذهم في العبادة، فجاءهم إبليس -لعنه الله-، وقال لهم: لو صورتم صورهم كان ذلك أنشط لكم، وأشوق للعبادة، ففعلوا ذلك.\nثم نشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس-أخزاه الله-: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء؛ لأنهم صوروها على صور أولئك القوم الصالحين من المسلمين.\nوبهذا المعنى فسر ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة: أن أم حبيبة، وأم سلمة﵅-، ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة تسمى: مارية، فيها تصاوير فذكرتا لرسول الله ﷺ، فقال ﷺ: «إنّ أولئك كانوا إذا مات الرجل الصالح منهم بنوا على قبره مسجدا، ثم صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرّ الخلق عند الله يوم القيامة». هذا؛ وقال السيوطي في كتابه مبهمات القرآن: وذكر تقي الدين بن مخلد: أن ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا كانوا أولاد آدم لصلبه. حكاه ابن عساكر. وقد أخرج ابن أبي حاتم مثله عن عروة. انتهى.","vol":"10","page":195},{"text":"وعن ابن عباس﵄قال: صارت الأوثان، التي كانت تعبد قوم نوح في العرب بعد، أما ود؛ فهو أول صنم عبد من دون الله، وكان في العرب لقبيلة بني كلب بدومة الجندل، وفيه يقول شاعرهم: [البسيط]\nحيّاك ودّ فإنّا لا يحلّ لنا... لهو النّساء وإنّ الدّين قد عزما\nوأما سواع؛ فكان لهذيل بساحل البحر. وأما يغوث؛ فكان لغطيف من مراد بالجوف من سبأ. وأما يعوق؛ فكان لهمدان في اليمن، وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني: [الوافر]\nيريش الله في الدنيا ويبري... ولا يبري يعوق ولا يريش\nوأما نسر؛ فكان لذي الكلاع من حمير. وكانت للعرب أصنام أخر، فاللات كانت لثقيف، والعزى كانت لسليم، وغطفان، وجشم، ومناة كانت لخزاعة بقديد، وأساف، ونائلة، وهبل كانت لأهل مكة، ولذلك سمّت العرب أنفسهم ب: عبد ودّ، وعبد يغوث، وعبد العزى، وعبد مناة، ونحو ذلك من الأسماء.\nهذا؛ وأساف اسم رجل، ونائلة اسم امرأة، كلاهما من قبيلة جرهم، قد خلا أساف بنائلة في جوف الكعبة، وزنى بها، فمسخهما الله حجرين، فأصبح الناس، فوجدوهما داخل الكعبة حجرين، فوضعوا أحدهما على الصفا، والثاني على المروة للاعتبار، والاتعاظ، ثم زين الشيطان لأحفاد الأولين عبادتهما. وقيل: كان أساف بحيال الحجر الأسود، ونائلة بحيال الركن اليماني، وهبل في جوف الكعبة.\nالإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَذَرُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لَمْ يَزِدْهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿آلِهَتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والأسماء الأربعة معطوفة على ﴿وَدًّا،﴾ و﴿يَغُوثَ﴾ و(يعوق) ممنوعان من الصرف للعلمية، ووزن الفعل إن كانا عربيين، وللعلمية والعجمة إن كانا أعجميين. وقرأ الأعمش بصرفهما: «(ولا يغوثا ويعوقا)» لأمرين: أحدهما أنه صرفهما للتناسب؛ إذ قبلهما اسمان منصرفان، وبعدهما اسم منصرف، كما صرف (سلاسل) في سورة (الدهر) رقم [٤]. والثاني:\nأنه جاء على لغة من يصرف غير المنصرف مطلقا، وهي لغة حكاها الكسائي. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ولم تذكر (لا) مع الأسماء الثلاثة لكثرة التكرار، وعدم اللبس.","vol":"10","page":196},{"text":"<span id=\"aya-5443\"></span>﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالًا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا:﴾ الضمير للرؤساء، والكبراء؛ أي: أضلوا كثيرا من أتباعهم، فهو عطف على قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ وقيل: الضمير يعود إلى الأصنام المذكورة في الآية السابقة، والمعنى ضل بسببها كثير من الناس، فإنه قد استمرت عبادتها في العرب، والعجم، وسائر صنوف بني آدم، نظيره قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ فإسناد الإضلال إلى الأصنام مجاز عقلي؛ لأنها سبب في حصول الإضلال، والهادي والمضل في الحقيقة هو الله وحده. وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (المزمل). هذا؛ وقد جمع الضمير العائد على الأصنام بالواو التي هي لجماعة الذكور العقلاء؛ لأن الكفار كانوا يخاطبونها مخاطبة من يعقل، فنزلت منزلتهم.\n ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالًا:﴾ دعاء من نوح ﵇ على قومه؛ لتمردهم، وكفرهم، وعنادهم. وهذا منه ﵇ لما أيس من إيمانهم بإخبار الله له بقوله: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ رقم [٣٦] من سورة (هود) ﵇، كما دعا موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-على فرعون، وملئه بقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ..﴾.\nإلخ رقم [٨٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يريد نوح لهم الضلال، ويدعو الله بزيادته؟! قلت:\nالمراد بالضلال أن يخذلوا، ويمنعوا الألطاف لتصميمهم على الكفر، ووقوع اليأس من إيمانهم، وذلك حسن، وجميل، ويجوز الدعاء به، بل لا يحسن الدعاء بخلافه. ويجوز أن يريد بالضلال:\nالضياع، والهلاك. وأحسن منه قول الخازن: إنما دعا عليهم بعد أن أعلمه الله: أنهم لا يؤمنون، وهو قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ من سورة (هود) كما رأيت.\nالإعراب: ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿أَضَلُّوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿كَثِيرًا:﴾ مفعول به، وهو في الأصل صفة مفعول به، التقدير: أضلوا ناسا كثيرا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة.\nبقوله: (قالوا)، أو من: ود، وما عطف عليه حسب ما رأيت في الشرح من اعتبار رجوعه إلى الكبراء، أو إلى الأصنام، وعلى الاعتبارين؛ فالرابط: الواو، والضمير. هذا؛ واعتبر بعضهم الجملة مقولة لقول محذوف، التقدير: وقال: قد أضلوا. وهذا القول المقدر معطوف على القول السابق، أي: قال: إنهم عصوني، وقال: قد أضلوا. وهذا ينافي الشرح المتقدم، فالجملة الفعلية هذه من مقول نوح ضمنا لا صراحة، لوقوعها حالا عاملها الفعل (قالوا) المعطوف مع مقوله كله على جملة: ﴿لَمْ يَزِدْهُ..﴾. إلخ الواقعة صلة للموصول، كما رأيت سابقا، فتبقى الجملة","vol":"10","page":197},{"text":"التالية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا﴾ فهي من مقول نوح بسبب العطف. ﴿وَلا:﴾\nالواو: حرف عطف. (لا): دعائية. ﴿تَزِدِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل تقديره:\n «أنت». ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ضَلالًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي..﴾. إلخ، وقول الجلال: عطف على: (قد أضلوا) لا أحبذه أبدا.\n\n<span id=\"aya-5444\"></span>﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصارًا (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ أي: أغرقوا بالطوفان من أجل خطيئاتهم، جمع: خطيئة، فقد جمعت بالألف والتاء، كما في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦١]: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ وقرئ: «(مما خطاياكم)» كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٨]: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ فهو جمع تكسير، كما تجمع على:\nفعالل، فتقول: «خطائئ» مثل: صحائف جمع صحيفة، وأصله خطايء مثل: صحايف، فقل في إعلاله تحركت الياء فيهما، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الأصلية، والألف المنقلبة عن الياء، فقلبت هذه همزة، فصار (خطائيء) على فعالل، فلما اجتمعت الهمزتان، قلبت الثانية ياء؛ لأن قبلها كسرة، ثم استثقلت، والجمع ثقيل، وهو معتل مع ذلك، فقلبت الياء ألفا، ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين. أما خطايا فهو جمع خطيّة، وأصلها: خطيئة، فقلبت الهمزة ياء، وأدغمت الياء فصار: خطيّة.\n ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ أي: بعد إغراقهم. قال القشيري: وهذا يدل على عذاب القبر، ومنكروه يقولون: صاروا مستحقين دخول النار، أو عرض عليهم أماكنهم من النار، كما قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٤٦]: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وقد ذكرت هناك: أنه يستدل بها على عذاب القبر أيضا. وروى أبو روق عن الضحاك: أنه قال: يعني: عذّبوا بالنار في الدنيا مع الغرق في الدنيا في حالة واحدة؛ كانوا يغرقون في جانب، ويحترقون في الماء من جانب. وبه قال القرطبي، والخازن، والزمخشري، وأنشد أبو بكر بن الأنباري: [البسيط]\nالخلق مجتمع طورا ومفترق... والحادثات فنون ذات أطوار\nلا تعجبنّ لأضداد إن اجتمعت... فالله يجمع بين الماء والنار\nهذا؛ والنار: جوهر لطيف مضيء محرق، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وأصلها:\nنور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وتصغيرها نويرة، والجمع أنور، ونيران،","vol":"10","page":198},{"text":"ونيرة، قلبت الواو فيهما ياء لانكسار ما قبلها، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب بها الكافرين، والفاسقين، والمجرمين، كما أنها تستعار للشدة، والضيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل]\nوألقى على قيس من النار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها\nفهي مستعارة في هذا البيت لشدة النكاية؛ التي أذاقها قبيلة قيس، والفعل: نار، ينور يستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصارًا﴾ أي: تنصرهم، وتمنعهم من العذاب الذي نزل بهم، فهو تعريض لهم باتخاذهم آلهة من دون الله لا تقدر على نصرهم، قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٣]:\n ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾.\nالإعراب: ﴿مِمّا:﴾ (من): حرف جر، و(ما) صلة. ﴿خَطِيئاتِهِمْ:﴾ اسم مجرور ب: (من)، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿أُغْرِقُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، الواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿نارًا:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول واو الجماعة؛ التي هي نائب فاعل. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَجِدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما وهما في محل نصب مفعوله الثاني.\n ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَنْصارًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وبعضهم يعتبرهما مفعولا ثانيا، تقدم على الأول و﴿دُونِ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.\n ﴿أَنْصارًا:﴾ مفعول به، والجملة: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5445\"></span>﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا (٢٦)﴾\nالشرح: توجه نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بهذا الدعاء حينما أيس من إيمان قومه بإعلام الله له: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ رقم [٣٦] من سورة (هود) ﵇، فأجاب الله دعوته، وأغرق أمته. وقيل: سبب دعائه: أن رجلا من قومه حمل ولدا صغيرا على كتفه فمر به على نوح، فقال: احذر هذا فإنه يضلك، فقال: يا أبت أنزلني! فأنزله، فرماه فشجه، فحينئذ غضب، فدعا عليهم. وقال محمد بن كعب، ومقاتل، والربيع، وعطية، وابن زيد:\nإنما قال هذا حينما أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم، وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام النساء، وأصلاب الرجال قبل العذاب بسبعين سنة. قال قتادة: ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب.\nقال ابن العربي: دعا نوح على قومه أجمعين، ودعا النبي ﷺ على من تحزب على المؤمنين، وألّب عليهم، وكان هذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معين","vol":"10","page":199},{"text":"لم تعلم خاتمته؛ فلا يدعى عليه؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة، وإنما خص النبي ﷺ بالدعاء عتبة، وشيبة، وأصحابهما لعلمه بمآلهم، وما كشف له من الغطاء عن حالهم، والله أعلم. انتهى. قرطبي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (الأحزاب) بشأن اللعن تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وقال أبو السعود-رحمه الله تعالى-: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ..﴾. إلخ عطف على نظيره السابق، وقوله: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ..﴾. إلخ اعتراض وسط بين دعائه ﵇، للإيذان من أول الأمر بأن ما أصابهم من الإغراق، والإحراق لم يصبهم إلا لأجل خطاياهم؛ التي عددها نوح، وإشارة إلى أن استحقاقهم للإهلاك لأجلها. وهذا منه﵀بيان للحكمة في تأخيره الدعاء عن قوله: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ مع أن الدعاء مقدم في الواقع على إغراقهم.\nهذا؛ و(ديّار) بمعنى: أحد، وديّار، وأحد لا يستعملان إلا بعد نفي، أو شبهه، ومنه الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وقال الشاعر-وهو الشاهد رقم [٨١٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٧٣] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nوما نبالي إذا ما كنت جارتنا... ألاّ يجاورنا إلاّك ديّار\nووزن ديّار: فيعال من الدور، أو من الدار، وأصله ديوار، فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ولو كان وزنه فعّالا بتكرير العين لكان دوّارا. هذا؛ ومثل ديّار، وأحد في المعنى، وتقدم النفي عليهما: عريب، قال عبيد بن الأبرص من معلقته رقم [٣]: [مخلع البسيط]\nفعردة فقفا حبرّ... ليس بها منهم عريب\nالإعراب: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ:﴾ الجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢١] وهي مثلها في الإعراب. ﴿لا:﴾ دعائية. ﴿تَذَرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر تقديره:\n «أنت». ﴿عَلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿دَيّارًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿دَيّارًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لا تَذَرْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.\n\n<span id=\"aya-5446\"></span>﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِرًا كَفّارًا (٢٧)﴾\nالشرح: قال نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-هذا الكلام لعلمه بالتجربة من أحوالهم: أن أولادهم يكونون مثلهم؛ لأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل منهم ينطلق إليه بابنه، ويقول له: احذر هذا؛ فإنه كذاب، وإن","vol":"10","page":200},{"text":"أبي حذرني منه، فيموت الكبير، وينشأ الصغير على ذلك. وقد ذكرت لك في سورة (هود) أنه تعاقب عليه أربعة أجيال، كل جيل يكون أكفر وأخبث من سابقه، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة، كيف أعقم الله أصلاب الرجال، وأرحام النساء، قبل الطوفان بأربعين، أو سبعين سنة، لذا فقد استجاب الله له دعاءه، فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين، حتى ولد نوح لصلبه؛ الذي اعتزل عن أبيه، وقال: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِرًا كَفّارًا﴾.\nعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «لو رحم الله من قوم نوح أحدا؛ لرحم امرأة لما رأت الماء؛ حملت ولدها، ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء؛ صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها؛ وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها؛ رفعت ولدها بيدها، فلو رحم الله منهم أحدا؛ لرحم هذه المرأة». أخرجه ابن أبي حاتم، قال ابن كثير:\nحديث غريب، ورجاله ثقات، أقول: وهذا يتنافى مع ما قدمته من عقم رجالهم، ونسائهم، فليتأمل! والله أعلم.\nالإعراب: ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿تَذَرْهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها شرط غير ظرفي. ﴿يُضِلُّوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عِبادَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التعليل. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَلِدُوا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، ﴿فاجِرًا:﴾ مفعول به. ﴿كَفّارًا:﴾ صفة ﴿فاجِرًا﴾ مؤكدة.\n\n<span id=\"aya-5447\"></span>﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَبارًا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي:﴾ وذلك أنه لما دعا على الكفار، قال: رب اغفر لي. يعني: ما صدر مني من ترك الأفضل. وقيل: يحتمل: أنه حين دعا على الكفار: أنه إنما دعا عليهم بسبب تأذيه منهم، فكان ذلك الدعاء عليهم كالانتقام منهم، فاستغفر من ذلك، لما فيه من طلب حظ النفس، أو لأنه ترك الاحتمال. انتهى. خازن. ﴿وَلِوالِدَيَّ:﴾ وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك، واسم أمه: شمخى بوزن سكرى، بنت أنوش. وقيل: هما آدم وحواء. ولا وجه له، وقرئ:","vol":"10","page":201},{"text":"«(لولديّ)» يريد ساما، وحاما. ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ:﴾ منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي. ﴿مُؤْمِنًا:﴾\nلأنه علم: أنه من دخل بيته مؤمنا، لا يعود إلى الكفر. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ دعاء لجميع المؤمنين، والمؤمنات، وذلك يعم الأحياء منهم، والأموات، إن شاء الله تعالى، ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح ﵇، وبما جاء في الآثار، والأدعية المشهورة المشروعة.\nوفي هذه ذكر العام بعد الخاص عكس ما رأيته في الآية رقم [٢٣]. ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَبارًا﴾ أي: هلاكا، ودمارا. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٣٩] حكاية عن موسى لبني إسرائيل الذين طلبوا منه إلها غير الله: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ وتبر يتبر من بابي قتل وتعب إذا هلك، يتعدى بالتضعيف، فيقال: تبره، والاسم: التبار، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧]:\n ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.\nفهلكوا جميعا. وقيل: غرق معهم صبيانهم، لكن لا على وجه العقاب لهم، بل لتشديد عذاب آبائهم، وأمهاتهم بإرادة هلاك أطفالهم، الذين كانوا أعز عليهم من أنفسهم، قال ﵊: «يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتّى». وعن الحسن: أنه سئل عن ذلك، فقال: علم الله براءتهم، فأهلكهم بغير عذاب. وقيل: أعقم الله أرحام نسائهم، وأيبس الله أصلاب الآباء قبل الطوفان، فلم يكن معهم صبي حين غرقوا، كما رأيته سابقا، والله أعلم.\nالإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢]. ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (لوالدي): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿وَلِمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لمن): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿دَخَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿بَيْتِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿مُؤْمِنًا:﴾ حال من فاعل ﴿دَخَلَ﴾. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (للمؤمنين):\nجار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): دعائية. ﴿تَزِدِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿تَبارًا:﴾ مفعول به ثان، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4748>خاتمة:</span>\nجاء في قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار ما يلي: ذكر الكتاب الكريم: أن نوحا ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وذكرت التوراة: أن آدم عمّر ثلاثين","vol":"10","page":202},{"text":"وتسعمائة سنة، وذكرت أيضا: أن الطوفان ابتدأ في السنة الأولى بعد ستمئة سنة من ولادة نوح ﵇، وذكرت كثيرا من الأنبياء، وغيرهم، وأنهم عمروا عمرا طويلا، ونحن لا نجد معمرا يعمر مثل هذا العمر، أو نصفه، أو ربعه من زمن طويل، وهؤلاء الفراعنة في مصر نجد أجسامهم كأجسام أهل هذه الأيام، وأعمارهم لا تختلف عن أعمارنا، وقد مر لهم أربعون قرنا، أو أكثر، فكيف يكون ذلك؟.\nوالذي أراه: أنه لا مانع من أن يعمر آدم، ومن قرب منه أعمارا طويلة؛ لأن النوع الإنساني كان في بدء نشأته لم يحمل هموما، ولم تعتوره الأمراض المختلفة، ولم تنهك قوته الأطعمة، التي لا يقدر على هضمها، فكان من المعقول أن يعيش طويلا، وأما نحن، وأمثالنا ممن كانوا قبل أربعين قرنا، فقد جئنا بعد أن أنهكت النوع الإنساني الأمراض، وطحنته الأدواء، فالواحد منا عصارة لآلاف الأمراض، التي انتابت آباءه، وأمهاته، فلم تعد قوانا تتحمل العمر الطويل.\nوعند العلماء بالطب، والأحوال الاجتماعية: أن الإنسان قواه محدودة، والحياة العريضة تستنفذها بسرعة بخلاف الحياة الضيقة، فإنها تكون طويلة لقلة ما يستنفذ من قوى الأجسام بتلك الحياة، فنحن الآن لا نعيش عيشة البساطة، التي كان يعيشها آدم، ومن قرب منه، بل نتفنن في أنواع الطعام، ولذائذ المعيشة بما ينهك قوانا، فلا غرابة أن تكون أعمارنا قصيرة، وقد اجتمعت عليها الأمراض المتوارثة، والتبسط في العيش. ويقول بعض الأطباء الألمان: إن إنسان هذا الزمان يمكن أن يعيش ثلاثمائة سنة إذا اتبع نظاما خاصا.\nوهناك رأي آخر، وهو أن الأقوام الأولين كانوا يعدون كل شهر عاما، فإذا قالوا ألفا ومئتي سنة، فإنما يعنون مئة عام من أعوامنا، وقد أشار إلى ذلك المعري بقوله: [الخفيف]\nورووا للمعمّرين أمورا... لست أدري ما هنّ في المشهور؟\nأتراهم فيما تقضّى من الأيا... م عدّوا سنيهم بالشهور\nكلما لاح للعيون هلال... كان عاما لديهم في الدّهور\nهكذا ينبغي وإلاّ فإنّ ال... عقل ينثني في حالة المبهور\nولكني متمسك برأيي، وهو الأول، وإن كان بعض الأطباء يرى الإصابة بالأمراض تورث نسلهم مناعة. انتهى بحروفه.\nأقول وبالله التوفيق: كل ما ذكره مردود عليه، أولا ما قاله المعري باطل لا أساس له بشيء من الصحة، فما يقول المعري وغيره في قوله تعالى في حق أصحاب الكهف في سورة (الكهف) رقم [٢٥]: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ لا تحتمل الآية الكريمة ما ادعاه المعري، وكذلك قوله تعالى الصريح: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا﴾ والسنة، والعام،","vol":"10","page":203},{"text":"والحول ألفاظ مترادفة في اللغة العربية. وماذا يقول النجار، والمعري في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستّون ذراعا».\nثم تناقصت الأعمار، والطول؛ حتى وصلنا إلى ما نراه فينا اليوم من قصر الأجسام، وقلة الأعمار، وقصرها. ثم ما ذكره عن التوراة هل يجوز لمسلم أن يحتج وأن يستشهد بالكتب التي ذكر الله أنها محرفة ومزيفة، ثم قال: وهؤلاء الفراعنة في مصر... إلخ، وهذا غير صحيح قطعا، فقد ثبت: أن فرعون موسى عاش أربعمئة سنة لم يشك فيها جوعا، ولا ألما في جمسه، ولو شكا شيئا لما ادعى الألوهية. وما قاله بعض الأطباء الألمان مضروب به عرض الحائط.\nثم ما احتج به هو من أن تنوع الأغذية، والهموم الكثيرة هي التي أضعفت أجسام إنسان اليوم، وغاب عنه ما ذكر في الأحاديث من تقاصر الأعمار، وتصاغر الأجسام، فهل يوجد في هذه الأيام إنسان طوله كطول آدم، أو أحد بنيه، لماذا لم يذكر قول الرسول ﷺ: «يا ربّ جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلّها أعمالا». ولماذا لم يذكر قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٤]: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ،﴾ ومثلها في سورة (يونس) رقم [٤٩] وفي سورة (النحل) رقم [٦١].\nولماذا لم يذكر النجار حياة البساطة التي كان يحياها الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وهل عمّر أحد منهم أكثر من تسعين سنة إلا في النادر القليل جدا؛ لذا فالقول الحق: أن الله قدر الأعمار، والآجال، والأرزاق، وهو الخبير العليم الحكيم بما قدر، وقضى. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nانتهت سورة (نوح) بعون الله وتوفيقه شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4749>سورة الجنّ</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الجن) مكية في قول الجميع، وهي ثمان وعشرون آية، ومئتان وخمس وثمانون كلمة، وثمانمئة وسبعون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5448\"></span>﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾\nالشرح: اختلف قديما في ثبوت وجود الجن، فأنكر وجودهم معظم الفلاسفة، واعترف بوجودهم جمع منهم، وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا: أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية، إلا أنهم أضعف، وأما جمهور أرباب الملل، وهم أتباع الرسل، والشرائع، فقد اعترفوا بوجود الجن، لكن اختلفوا في ماهيتهم، فقيل: الجن حيوان هوائي يتشكل بأشكال مختلفة. وقيل: إنها جواهر، وليست بأجسام، ولا أعراض، ثم هذه الجواهر أنواع مختلفة بالماهية، فبعضها خيرة كريمة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة شريرة محبة للشرور، والآفات، ولا يعلم عدة أنواعهم إلا الله تعالى.\nوقيل: إنهم أجسام مختلفة الماهية، لكن تجمعهم صفة واحدة، وهي كونهم حاصلين في الحيّز، موصوفين بالطول، والعرض، والعمق، وينقسمون إلى لطيف، وكثيف، وعلوي، وسفلي، ولا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الأجسام في الماهية، وأن يكون لها علم مخصوص، وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة، أو شاقة يعجز البشر عن مثلها، وقد يتشكلون بأشكال مختلفة، وذلك بإقدار الله تعالى إياهم على ذلك. وقيل:\nإن الأجسام متساوية في تمام الماهية، وليست البنية شرطا للحياة، وهذا قول الأشعري، وجمهور أتباعه، وشذ تأويل المعتزلة من هذه الأمة، فأنكروا وجود الجن، وقالوا: البنية شرط الحياة، وأنه لا بد من صلابة البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة. وهذا قول منكر، وصاحب هذا القول ينكر خرق العادات، ورد ما ثبت وجوده بنص الكتاب، والسنة. انتهى خازن؛ علما بأن الزمخشري صرح في كشافه بوجود الجن.\nهذا؛ واختلف الرواة: هل رأى النبي ﷺ الجن؟ فأثبتها ابن مسعود﵁فيما رواه عنه الإمام مسلم في صحيحه، وقد تقدم حديثه في تفسير سورة (الأحقاف)، عند قوله","vol":"10","page":205},{"text":"تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ رقم [٢٩] وأنكرها ابن عباس﵄-، فيما رواه عنه البخاري، ومسلم. قال ابن عباس﵄-: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن، ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين، وبين خبر السماء، وأرسالات عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقيل: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسالات علينا الشهب، قالوا: وما ذاك إلا من شيء حدث؟ فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي ﷺ، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن؛ استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ زاد في رواية: وإنما أوحي إليه قول الجن. أخرجاه في الصحيحين.\nقال القرطبي في شرح مسلم في حديث ابن عباس﵄-: هذا معناه: أنه لم يقصدهم بالقراءة، بل لما تفرقوا يطلبون الخبر، الذي حال بينهم وبين استراق السمع؛ صادف هؤلاء النفر رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه، وعلى هذا فهو ﷺ لم يعلم باستماعهم، وإنما أعلمه الله ﷿ بما أوحي إليه من قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وأما حديث ابن مسعود﵁فقضية أخرى، وجن آخرون.\nوالحاصل من الكتاب، والسنة: العلم القطعي بأن الجن، والشياطين موجودون متعبّدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقهم وبحالهم، وأن النبي ﷺ رسول إلى الإنس والجن، فمن دخل في دينه؛ فهو من المؤمنين معهم في الدنيا، والآخرة، والجنة، ومن كفر به، فهو من الشياطين المبعدين المعذبين فيها، والنار مستقره، وهذا الحديث يقتضي: أن الرجم بالنجوم لم يكن قبل البعث، وذهب قوم إلى أنه كان قبل مبعثه ﷺ، وآخرون إلى أنه كان؛ لكن زاد بهذا المبعث، وبهذا القول يرتفع التعارض بين الحديثين. هذا آخر كلام القرطبي، والله أعلم. انتهى. خازن. هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) فإنه جيد والحمد لله.\nهذا؛ وعكاظ: سويقة معروفة بقرب مكة، كان العرب يقصدونها في كل سنة مرة في الجاهلية، وأول الإسلام، وتهامة كل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز سميت تهامة، لتغير هوائها، ومكة من تهامة معدودة، ونخلة: واد من أودية مكة قريب منها.\nالتفسير: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أي: قل: يا محمد أوحي إليّ، ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي:\nاستمعوا إلى قراءتي القرآن. ﴿فَقالُوا﴾ أي: الذين استمعوا القرآن قالوا لقومهم. ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا:﴾ عظيما بديعا مباينا لكلام الناس في حسن نظمه، ودقة معناه، وفصاحته، وبلاغته. وانظر الفرق بين (الملائكة) و(الجن) في آخر هذه السورة.","vol":"10","page":206},{"text":"هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد، صلّى الله عليهم، وسلم أجمعين، والوحي أيضا:\nالكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام. والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، كما رأيت في سورة (النحل) رقم [٦٨]. قال تعالى في سورة (طه) رقم [٥٠] حكاية عن قول موسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-جوابا لفرعون: ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ هذا؛ و﴿نَفَرٌ﴾ يطلق على ما دون العشرة، مثل: رهط، ومعشر، ونحو ذلك، والجمع: أنفار، والنسبة إليه نفري. وقال الزجاج: النفير جمع: نفر، كالعبيد جمع: عبد. وأما (العجب) بفتح العين، والجيم؛ فهو انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه.\nوقال الراغب: العجب حالة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. هذا؛ والعجب بضم العين وسكون الجيم رؤية النفس، وحقيقته أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما، أو ورعا، أو أدبا، أو غير ذلك، ويعتقد: أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم، وبئس المصير، وهذا لا يكون إلا من ضعيف الإيمان، وناقص العقل، وميت الضمير، والوجدان الإنساني، ورحم الله من يقول: [الكامل]\nملأى السّنابل تنحني بتواضع... والفارغات رؤوسهنّ شوامخ\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أُوحِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿اِسْتَمَعَ:﴾ فعل ماض. ﴿نَفَرٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿نَفَرٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل ﴿أُوحِيَ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ أُوحِيَ..﴾.\nإلخ ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿قُرْآنًا:﴾ مفعول به. ﴿عَجَبًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِسْتَمَعَ نَفَرٌ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-5449\"></span>﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا (٢)﴾\nالشرح: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ:﴾ يدعو إلى الصواب، يعني: التوحيد، والإيمان بالله، ومعرفته. والرشد: الاهتداء، والاستقامة على طريق الحق، وضده: الغي، والضلال. قال تعالى","vol":"10","page":207},{"text":"في سورة (البقرة) رقم [٢٥٦]: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ والرّشد، بفتح الشين، والرشاد: طريق الهدى والخير، قال تعالى في سورة (غافر): ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ رقم [٣٨]. والراشد هو المهتدي إلى محاسن الأعمال، ومكارم الأخلاق. قال تعالى في سورة (الحجرات) رقم [٧]: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾.\n ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أي: صدقنا، وأيقنا أنه من عند الله. ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا﴾ أي: لن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك، وفيه دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين. قيل: كانوا يهودا. وقيل:\nكانوا نصارى. وقيل: كانوا مجوسا ومشركين.\nهذا؛ والغرض، بل والحكمة من الإخبار عن استماع الجن، توبيخ، وتقريع قريش، والعرب في كونهم تباطؤوا عن الإيمان؛ إذ كانت الجن خيرا منهم، وأسرع إلى الإيمان، فإنهم من حين ما سمعوا القرآن استعظموه، وآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم منذرين، بخلاف العرب الذين نزل بلسانهم، فإنهم كذبوا، واستهزؤوا، وهم يعلمون: أنه كلام معجز، وأن محمدا ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، وشتان ما بين موقف الإنس، والجن؛ الذين أسرعوا إلى الإيمان، واستجابوا لله، ورسوله.\nالإعراب: ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (القرآن)، ومفعوله محذوف، تقديره: يهدي الخلق، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿قُرْآنًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿إِلَى الرُّشْدِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. (آمنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿سَمِعْنا..﴾. إلخ ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿نُشْرِكَ:﴾ فعل مضارع، منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن».\n ﴿بِرَبِّنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. و(نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وفيه اختلاف الجمل المتعاطفة في الحال، والماضي، والاستقبال.\n\n<span id=\"aya-5450\"></span>﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اِتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنَّهُ تَعالى:﴾ عظم، وتقدس، وارتفع، وعلا، وتنزه. ﴿جَدُّ رَبِّنا:﴾ جلال ربنا، وعظمته. ومنه قول أنس﵁كان الرجل إذا قرأ (البقرة) و(آل عمران) جدّ فينا، أي: عظم قدره. وقيل: الجد: الغنى، ومنه الحديث من قول النبي ﷺ: «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ». أي: لا ينفع ذا الغنى غناه. وقال ابن عباس﵄-: عظمت قدرة ربنا.\nوقيل: أمر ربنا. وقيل: آلاؤه، ونعماؤه على خلقه. ولا تنس: أن الجد أبو الأب، وأبو الأم.","vol":"10","page":208},{"text":"وهو بكسر الجيم: الاجتهاد، والمثابرة على العمل، وضد الهزل أيضا، والجد بفتح الجيم:\nالحظ، والبخت ضد النحس. ﴿مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً:﴾ زوجة. ﴿وَلا وَلَدًا:﴾ كما يقول كفار الجن، والإنس. ومعنى الآية: تنزه جلال ربنا، وعظمته، وكبرياؤه أن يتخذ صاحبة وولدا للاستئناس بهما، والحاجة إليهما، والله منزه عن كل نقص.\nتنبيه: يقرأ في هذه السورة، وما يعطف عليها إلى آخر السورة بفتح همزة (أنّ) عطفا على المصدر المؤول بقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ ليكون المعطوف في محل رفع مثله، ويقرأ بكسر الهمزة عطفا على قوله تعالى: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا﴾ ليكون المعطوف في محل نصب مقول القول مثله، ولا خلاف في كسر ما بعد القول، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ﴾.\nالإعراب: ﴿وَأَنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿تَعالى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو متصرف. ﴿جَدُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿رَبِّنا﴾ مضاف إليه، و(نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والكلام معطوف على ما قبله على الاعتبارين اللذين ذكرتهما لك. ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّنا﴾.\n ﴿صاحِبَةً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿وَلَدًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿رَبِّنا﴾ وساغ مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف كجزئه، وهو سائغ، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله\nأو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا\nهذا؛ وقيل: إن جملة: ﴿مَا اتَّخَذَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، و(إن) جملة ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ معترضة بين اسم أن وخبرها، ولا بأس به، فهو في قوة الأول. هذا؛ وقيل: في الجملة المعترضة استعارة تصريحية، ولا أرى له وجها صحيحا.\n\n<span id=\"aya-5451\"></span>﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطًا (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنَّهُ:﴾ الحال، والشأن. ﴿كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا:﴾ جاهلنا، قيل: هو إبليس في قول مجاهد، وابن جريج، وقتادة. ورواه أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ. وقيل:\nالمشركون من الجن. قال قتادة: عصاه سفيه الجن، كما عصاه سفيه الإنس. هذا؛ والشطط والاشتطاط: الغلو في الكفر، وهو الجور، أو الكذب، وأصله: البعد، فيعبر به عن الجور لبعده عن العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق. قال الشاعر: [الطويل]\nبأيّة حال حكّموا فيك فاشتطّوا... وما ذاك إلاّ حيث يمّمك الوخط","vol":"10","page":209},{"text":"يممك: قصدك، والوخط: الطعن بالرمح، ومن معانيه أيضا: الشيب. وقال أعشى بني قيس بن ثعلبة: وهو من الأول: [البسيط]\nأتنتهون ولن ينهى ذوي شطط... كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل\nهذا؛ وسفه نفسه سفها، وسفاهة: استمهنها، وأذلها، واستخف بها. قال المبرد، وثعلب -رحمهما الله-: سفه بالكسر متعد، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء عن النبي ﷺ قوله: «الكبر أن تسفه الحقّ، وتغمص الناس». والأول من باب طرب، والثاني من باب ظرف.\nهذا؛ وجاء في المختار: وقولهم: سفه نفسه، وغبن رأيه، وبطر عيشه، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، كان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلما حوّل الفعل إلى الرّجل؛ انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه؛ لأنه صار في معنى: سفّه نفسه بالتشديد، هذا قول البصريين، والكسائي، ويجوز عندهم تقديم المنصوب، كما يجوز غلامه ضرب زيد. وقال الفراء: لما حوّل الفعل من النفس إلى صاحبها؛ خرج ما بعده مفسرا ليدل على أن السفه فيه، وكان حكمه أن يكون سفه زيد نفسا؛ لأن المفسّر لا يكون إلا نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونصب كنصب النكرة تشبيها بها، ولا يجوز عنده تقديمه؛ لأن المفسّر لا يتقدم، ومثله قولهم: ضقت به ذرعا، وطبت به نفسا، والمعنى: ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به. انتهى. بحروفه.\nالإعراب: (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿يَقُولُ:﴾\nفعل مضارع. ﴿سَفِيهُنا:﴾ تنازعه الفعلان ﴿كانَ﴾ ويقول، فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا له، فإن أعطيته للأول؛ أضمرت في الثاني فاعلا له، وإن أعطيته للثاني؛ أضمرت في الأول اسما له، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه وانظر الآية رقم [٧]. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار اسم ﴿كانَ﴾ ضميرا يعود على اسم (أنّ) فتبقى الجملة الفعلية خبرا لها، وعليه فلا تنازع في العمل. و(نا) ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى اللهِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَطَطًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر أنّ، وأنّ واسمها، وخبرها معطوف على سابقه على الوجهين المعتبرين فيه.\n ﴿شَطَطًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قولا شططا.\n\n<span id=\"aya-5452\"></span>﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا:﴾ حسبنا. ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ:﴾ قال الجمل-رحمه الله تعالى-: هذا اعتذار من هؤلاء النفر عما صدر منهم قبل الإيمان من نسبة الولد، والصاحبة إليه تعالى. ومحصل الاعتذار: أنهم يقولون: إنا ظننا، واعتقدنا: أن أحدا لا يكذب على الله، وأن ما قاله سفهاؤنا","vol":"10","page":210},{"text":"من نسبة الصاحبة، والولد إليه حقّ، وصدق، فلما سمعنا القرآن وأسلمنا؛ علمنا: أنه كذب.\nانتهى. هذا؛ وإن الظن في الشريعة قسمان: محمود، ومذموم، فالمحمود منه: ما سلم معه دين الظان، ودين المظنون به عند بلوغه. والمذموم ضده بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الحجرات)، وقوله تعالى في سورة (النور) رقم [١٢]: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الفتح) رقم [١٢]: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. هذا؛ وينبغي للإنسان أن يحسن ظنه بالناس، ولا يسيء ظنه بهم استجابة لأمر الله تعالى في آية (الحجرات): ﴿اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ إلا إذا ظهر من أحدهم ما يخالف الشرع الشريف. ولا يسيء الظن بهم إلا الذي أعماله سيئة. قال الشاعر: [الطويل]\nإذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه... وصدّق ما يعتاده من توهّم\nوكذلك ينبغي للمسلم أن يحسن ظنه بالله تعالى بأن الله يرحمه، ويعفو عنه، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي...» إلخ، ولكن ينبغي أن يقرن حسن ظنه بالله بحسن العمل، وإلا فهو ظن خاطئ، وزعم فاسد، ففي الحديث الشريف يقول الرسول ﷺ: «ليس الإيمان بالتمنّي، ولا بالتحلّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل، إن قوما ألهتهم الأمانيّ؛ حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ بالله، كذبوا! لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل». ومفرد ﴿الْإِنْسُ﴾ إنسان، انظر الآية رقم [١٩] من سورة (المعارج)، وانظر الكلام على الجن في الآية الأخيرة من هذه (السورة) ولا تنس الطباق بين (الإنس) و(الجن).\nالإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها.\n ﴿ظَنَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَقُولَ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْإِنْسُ:﴾ فاعله.\n ﴿وَالْجِنُّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَقُولَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿كَذِبًا﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا»، ﴿كَذِبًا:﴾ مفعول به، أو نعت مفعول مطلق محذوف، التقدير قولا كذبا، وجملة: ﴿لَنْ تَقُولَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على مثله في الآية رقم [١]، وعلى قراءة كسر الهمزة فالجملة معطوفة على:\n ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-5453\"></span>﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾\nالشرح: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر، فأمسى في أرض قفر؛ قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن، وجوار منهم حتى يصبح. روى البغوي","vol":"10","page":211},{"text":"بإسناد الثعلبي عن كردم بن أبي السائب الأنصاريّ﵁قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي، فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم، ولم تصبه كدمة، وأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ..﴾. إلخ، انتهى خازن وقرطبي وغيرهما. وخذ ما يلي:\nحدث بعض الصحابة-رضوان الله عليهم-قال: خرجت في طلب إبل لي، فأدركتها، ثم أردت النوم-وكنا إذا نزلنا بواد قلنا: نعوذ بعزيز هذا الوادي-فتوسدت ناقتي، وقلت: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فإذا هاتف يقول: [الرجز]\nويحك عذ بالله ذي الجلال... ومنزل الحرام والحلال\nووحّد الله ولا تبالي... ما كيد ذي الجنّ من الأهوال\nإذ تذكر الله على الأحوال... وفي سهول الأرض والجبال\nقد صار كيد الجنّ في سفال... إلا النبي وصالح الأعمال\nفقلت له: [الرجز]\nيا أيّها القائل ما تقول؟ ... أرشد عندك أم تضليل؟\nفقال: [الرجز]\nجاء رسول الله بالخيرات... جاء بياسين وحاميمات\nوسور بعد مفصلات... يأمر بالصّلاة والزكاة\nويزجر الأقوام عن مناة... قد كنّ في الإسلام منكرات\nفقلت: أما إنه لو كان لي من يؤدي إبلي هذه إلى أهلي؛ لأتيته حتى أسلم، فقال: أنا أؤديها، فركبت بعيرا منها، ثم قدمت فإذا النبي ﷺ على المنبر (وفي رواية: فوافيت الناس في صلاة الجمعة) فبينا أنا أنيخ راحلتي؛ إذ خرج إليّ أبو ذر﵁-، فقال لي: يقول لك رسول الله ﷺ: ادخل، فدخلت، فلما رآني؛ قال: «فما فعل الرجل؟». وفي رواية: «ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يؤدّي إبلك، أما إنه قد أداها سالمة!». وقد قص الله على نبيه ﷺ ما كان عليه الناس قبل بعثته من أن الإنسان إذا نزل منزلا مخوفا، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهائه بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ..﴾. إلخ.","vol":"10","page":212},{"text":"هذا؛ و﴿رِجالٌ﴾ جمع: رجل، وهو مأخوذ من الرجولة بمعنى الشهامة، والحمية، والنخوة، ومن لم يتصف بذلك؛ فليس رجلا بالمعنى الصحيح، والمرأة مأخوذة من المرء، وهو الرجل؛ لأن حواء أخذت من ضلع آدم، كما رأيت فيما سبق؛ لذا جعلت نهمتها في الرجل، وأما الرجل فقد جعلت نهمته في التراب، أي: حطام الدنيا؛ لأن آدم خلق من تراب. ونص الآية صريح على أن لفظ الرجال يطلق على الجن خلافا لمن منع ذلك.\n ﴿فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: زاد الجن الإنس رهقا، أي: خطيئة، وإثما. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والرهق: الإثم في كلام العرب، وغشيان المحارم. ورجل رهق: إذا كان كذلك، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في حق الذين أحسنوا الحسنى: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ رقم [٢٦]، وقال في حق الذين كسبوا السيئات: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ رقم [٢٧] منها أيضا. هذا؛ وقال الأعشى: [البسيط]\nلا شيء ينفعني من دون رؤيتها... هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا؟\nيعني: إثما، وأضيفت الزيادة إلى الجن؛ إذ كانوا سببا لها. وقال مجاهد: المعنى: زاد الإنس الجن طغيانا، وتمردا بهذا التعوذ؛ حتى قالت عظماء الجن: سدنا الإنس، والجن. ولا شك أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر، وشرك.\nالإعراب: ﴿وَأَنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿رِجالٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿مِنَ الْإِنْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِجالٌ﴾. ﴿يَعُوذُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، الواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿بِرِجالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِجالٌ﴾. وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر أن، و(أنه كان...) إلخ معطوف على الكلام قبله على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَزادُوهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿رَهَقًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها.\n\n<span id=\"aya-5454\"></span>﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا (٧)﴾\nالشرح: هذا من قول الله تعالى للإنس، لا من قول الجن. والمعنى: أن الجن ظنوا كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولا إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم. أو المعنى: ظن الجن كما ظننتم يا معشر قريش أن لن يبعث الله أحدا بعد موته، ولكنّ الجن لما سمعوا القرآن؛ اهتدوا، وأقروا بالبعث؛ فهلا أقررتم مثلهم؟! ففيه توبيخ شديد للمنكرين البعث من البشر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.","vol":"10","page":213},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿ظَنُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر. و(ما): مصدرية. ﴿ظَنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، و(ما) والفعل (ظنّ) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: ظنوا ظنا كائنا مثل ظنكم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يَبْعَثَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن). ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَنْ يَبْعَثَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و﴿أَنْ﴾ المخففة واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الظن، والمسألة من باب التنازع؛ لأن ﴿ظَنُّوا﴾ يطلب مفعولين، و﴿ظَنَنْتُمْ﴾ كذلك، وهو من إعمال الثاني للحذف من الأول، أو من إعمال الأول للحذف من الثاني، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، والثاني أولى عند البصريين لقربه، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]\nإن عاملان اقتضيا في اسم عمل... قبل فللواحد منهما العمل\nوالثّاني أولى عند أهل البصره... واختار عكسا غيرهم ذا أسره\nوجملة: ﴿ظَنُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، والمصدر المؤول؛ والأحرى: والكلام:\n (أنهم ظنوا...) إلخ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه.\n\n<span id=\"aya-5455\"></span>﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ﴾ أي: قصدنا، وطلبنا السماء، كما جرت عادتنا باستراق السمع، فاللمس مستعار للطلب، يقال: لمسه والتمسه، وتلمسه، كطلبه، واطلبه، وتطلبه، قال الشاعر وهو يزيد بن الحكم الكلابي: [الطويل]\nمسسنا من الآباء شيئا وكلّنا... إلى نسب في قومه غير واضع\n ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ أي: حفظة من الملائكة، جمع: حارس، مثل: ركب جمع راكب، وخدم جمع خادم، ولذلك وصف ب: (شديد) لو ذهب إلى معناه؛ لقيل: شدادا، مثل قولنا: السلف الصالح، بمعنى الصالحين. (شهبا): جمع شهاب، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم، وجمع الحرس: أحراس. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٣٢] -وهو الشاهد رقم [٤٧٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]","vol":"10","page":214},{"text":"تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي\nالإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها.\n ﴿لَمَسْنَا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ). ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به، و﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ﴾ معطوف على المصدر المؤول في الآية الأولى، فهو في محل رفع مثله، وعلى قراءة الآية بكسر الهمزة فالجملة معطوفة على قوله: ﴿إِنّا سَمِعْنا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَوَجَدْناها:﴾ الفاء: حرف عطف. (وجدناها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿مُلِئَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿السَّماءَ﴾ تقديره: «هي». ﴿حَرَسًا:﴾ تمييز.\nوقيل: حال، ولا وجه له. ﴿شَدِيدًا:﴾ صفة ﴿حَرَسًا﴾. ﴿وَشُهُبًا:﴾ معطوف على: ﴿حَرَسًا﴾ وجملة: ﴿مُلِئَتْ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان، وأجيز اعتبارها في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط، وتقدر: «قد» قبلها لتقربها من الحال، وهذا على تأويل (وجدناها) ب: «صادفناها». فيكون قد اكتفى بمفعول واحد.\n\n<span id=\"aya-5456\"></span>﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها:﴾ من السماء. ﴿مَقْعَدِ:﴾ مواضع، ومراكز. ﴿لِلسَّمْعِ:﴾\nللاستماع، واستراق السمع من الملائكة. ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ:﴾ فمن يحاول استراق السمع في هذه الأيام. ﴿يَجِدْ لَهُ..﴾. إلخ: أي: يجد شهابا ينتظره بالمرصاد يحرقه، ويهلكه. وقيل: شهابا من الكواكب، ورصدا من الملائكة. وانظر الآية رقم [٢٧] الآتية.\nتنبيه: اختلفوا هل كانت الشياطين تقذف قبل مبعث النبي ﷺ، أو ذلك أمر حدث بمبعثه؟ فقال قوم: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى، ومحمد-عليهما الصلاة والسّلام- خمسمئة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبي ﷺ، فلما بعث محمد ﷺ منعوا من السموات كلها، وحرست بالملائكة، والشهب. وقال عبد الله بن عمر﵄-: لما كان اليوم الذي نبئ فيه رسول الله ﷺ منعت الشياطين، ورموا بالشهب.\nوقال الزمخشري: والصحيح: أنه كان قبل المبعث، وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهلية قال بشر بن أبي خازم: [الكامل]\nوالعير يرهقها الخبار، يتبعه... نقع يثور تخاله طنبا\nوقال أوس بن حجر، وهو جاهلي: [الكامل]\nوانقضّ كالدّرّيّ يتبعه... نقع يثور تخاله طنبا","vol":"10","page":215},{"text":"وهذا قول الأكثرين، وقد أنكر الجاحظ البيتين، وقال: كل شعر روي فيه فهو مصنوع، وأن الرمي لم يكن قبل المبعث. والقول بالرمي أصح، لقوله تعالى: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ وهذا إخبار عن الجن: أنه زيد في حرس السماء؛ حتى امتلأت منهم، ولما روي عن ابن عباس﵄-، قال: بينما النبي ﷺ جالس في نفر من أصحابه؛ إذ رمي بنجم، فقال: «ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟». قالوا: كنا نقول: يموت عظيم، أو يولد عظيم، فقال ﷺ: «إنها لا ترمى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربّنا ﷾ إذا قضى أمرا في السماء؛ سبّح حملة العرش، ثم سبّح أهل كلّ سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كلّ سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه، فتتخطّف الجنّ، فيرمون، فما جاؤوا به فهو حقّ، ولكنهم يزيدون فيه»\nقال الحافظ: فلو قال قائل: كيف تتعرض الجن لإحراق نفسها بسبب استماع خبر، بعد أن صار ذلك معلوما لهم؟! فالجواب: أن الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة، كما ينسى إبليس في كل وقت: أنه لا يسلم، وأن الله تعالى قال له: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٣٥] من سورة (الحجر)، ورقم [٧٨] من سورة (ص)، ولولا هذا لما تحقق التكليف. وأحسن من هذا ما ذكرته في سورة (الملك) رقم [٥]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\nالإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، ونا: اسمها. ﴿كُنّا:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿نَقْعُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَقْعَدِ﴾ كان نعتا له، على مثال ما رأيت في الآية رقم [٥]. ﴿مَقْعَدِ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. ﴿لِلسَّمْعِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿نَقْعُدُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها كلام معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَسْتَمِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والمفعول محذوف، يدل عليه المقام. ﴿الْآنَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿لَهُ:﴾\nجار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان، تقدم على الأول. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَصَدًا﴾ كان صفة له، وعلقهما الجمل ب: ﴿رَصَدًا﴾ نفسه. ﴿شِهابًا:﴾ مفعول به. ﴿رَصَدًا:﴾\nصفة ﴿شِهابًا،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وخبر المبتدأ، الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفات، كما هو ظاهر.","vol":"10","page":216},{"text":"تنبيه: أمّا ﴿الْآنَ﴾ في هذه الآية، وأمثالها، فهي كلمة ملازمة للظرفية الزمانية غالبا، مبنية على الفتح دائما؛ لتضمنها معنى الإشارة، وألفها منقلبة عن واو، لقولهم في معناها: الأوان.\nوقيل: عن ياء؛ لأنه من آن يئين: إذا قرب. وقيل: أصله أوان، قلبت الواو ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد، والسواد. وقيل: حذفت الألف، وغيرت الواو إلى الألف، كما قالوا: راح، ورواح، استعملوه مرة على: فعل، ومرة على: فعال، كزمن، وزمان. وقال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في كتابه شذور الذهب: والآن اسم لزمن حضر جميعه، أو بعضه: فالأول نحو قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٧١]: ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.\nوالثاني: نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ وقد تعرب كقول أبي صخر الهذلي: [الطويل]\nلسلمى بذات الخال دار عرفتها... وأخرى بذات الجزع آياتها سطر\nكأنّهما ملآن لم يتغيّرا... وقد مرّ للدّارين من بعدنا عصر\nأصله: «كأنهما من الآن» فحذف نون (من) لالتقائها ساكنة مع لام الآن، ولم يحركها لالتقاء الساكنين، كما هو الغالب، وأعرب (الآن) فخفضه بالكسرة. انتهى. وقد اختلف في علة بنائه اختلافا كثيرا. انظر: «همع الهوامع».\n\n<span id=\"aya-5457\"></span>﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾\nالشرح: قال الجن حينما حرست السموات من استراقهم السمع، ورموا بالشهب: لا نعلم نحن معشر الجن ما الله فاعل بسكان الأرض، ولا نعلم: هل امتلاء السموات بالحرس، والشهب لعذاب يريد الله أن ينزله بأهل الأرض، أم يريد الله بهم خيرا، وفلاحا، ونجاحا، بأن يبعث فيهم رسولا مرشدا يرشدهم إلى الحق والصواب، وإلى الطريق المستقيم؟ وهذا من أدب الجن حيث نسبوا الخير إلى الله، ولم ينسبوا الشر إليه صراحة، وأين هذا من قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (الشعراء) رقم [٨٠]: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ،﴾ ومثله قول الخضر﵇في سورة (الكهف) رقم [٧٩]: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها،﴾ وقوله في سورة (الكهف) أيضا رقم [٨٢]: ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ حيث نسب العيب لنفسه، وبلوغ الأشد إلى الله تعالى؛ لأنه خير لهما، ورحمة من الله.\nهذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٥٠]: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾.\nقال ابن زيد: قال إبليس: لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابا، أو يرسل رسولا إليهم؟ والمعتمد: أنه من قول الجن كما قدمته. قال ابن كثير: وقد","vol":"10","page":217},{"text":"كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، وهذا هو الذي حملهم على تطلب السبب، فأخذوا يضربون مشارق الأرض، ومغاربها، فرأوا رسول الله ﷺ يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا: أن هذا هو الذي حفظت السماء من أجله، فدنوا منه حرصا على سماع القرآن، ثم أسلموا.\nهذا؛ ولا شك: أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السماء، والرمي بها؛ هال ذلك الإنس، والجن، وانزعجوا له، وظنوا: أن ذلك لخراب العالم، فأتوا إبليس، فحدثوه بالذي كان من أمرهم، فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها، فأتوه، فشمها، فقال: صاحبكم بمكة، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين، فقدموا مكة، فوجدوا النبي ﷺ قائما يصلي بأصحابه. ولا تنس ما ذكرته لك: أن الرمي كان في الجاهلية قبل الإسلام، فلما بعث النبي ﷺ زيد فيه زيادة لفتت نظر الإنس، والجن إلى ذلك، والله أعلم بمراده.\nهذا؛ والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه. ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع. والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته ﷾، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر. هذا؛ ولم يرد لفعل الإرادة، ولا لفعل المشيئة أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وقد كثر حذف مفعول هذين الفعلين حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ رقم [١٧] من سورة (الأنبياء)، وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]\nفلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع\nوقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو»، وليس كذلك.\nالإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿نَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَشَرٌّ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (شر): أجيز فيه وجهان: أحسنهما الرفع على أنه نائب فاعل بفعل محذوف، التقدير:\nأأريد شر؟ والثاني: أنه مبتدأ سوغ الابتداء به، وهو نكرة تقدم الاستفهام عليه. ﴿أُرِيدَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (شر)، والجملة الفعلية مفسرة على الوجه الأول ب: (شرّ)، وفي محل رفع خبره على الوجه الثاني فيه. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل (أراد)، والهاء في محل جر","vol":"10","page":218},{"text":"بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَشَدًا:﴾ مفعول به. وجملة:\n ﴿أَرادَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وهذا هو الذي رجح اعتبار (شر) نائب فاعل بفعل محذوف لتتعادل الجملتان، وتكون ﴿أَمْ﴾ متصلة. هذا؛ والكلام: ﴿أَشَرٌّ..﴾. إلخ في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: ﴿نَدْرِي،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله من كلام على الوجهين المعتبرين فيه.\n\n<span id=\"aya-5458\"></span>﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ:﴾ الكاملون في الصلاح، العاملون بما يرضي الله. ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ أي: الذين ليس صلاحهم كاملا، أو الذين ليس لهم صلاح، وهم الكفار. ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أي: فرقا شتى، وأديانا مختلفة، وأهواء متباينة، ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nالقابض الباسط الهادي بطاعته... في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد\nوالمعنى: لم يكن جميع الجن كفارا، بل كانوا مختلفين، منهم كفار، ومنهم مؤمنون صالحاء، ومنهم مؤمنون غير صالحاء على حد قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٢]: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾. وقال المسيب: كنا مسلمين، ويهود، ونصارى، ومجوس. وقال السدي: في الجن مثلكم قدرية ومرجئة، وخوارج، ورافضة، وشيعة، وسنية، أقول: وهذا يحتمل أن يكون بعد الرسالة المحمدية، وأما قبل الرسالة فهم كما قال المسيب؛ لأنه كان في الجن من آمن بموسى، وعيسى-على نبينا، وعليهما، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-بدليل ما حكى الله من قولهم في سورة (الأحقاف) رقم [٣٠]: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.\nو(الطرائق): جمع: الطريقة، وهي مذهب الرجل، أي: كنّا فرقا مختلفة. وخذ قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٧]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ و(القدد): نحو من الطرائق، وهو توكيد لها، واحدها: قدّة، يقال: لكل طريق قدّة، وأصلها من: قد السيور، وهو قطعها. قال لبيد﵁يرثي أخاه أربد: [المنسرح]\nلم تبلغ العين كلّ نهمتها... ليلة تمسي الجياد كالقدد\nوقال آخر: [الرمل]\nولقد قلت وزيد حاسر... يوم ولّت خيل عمرو قددا\nوالقدّ بالكسر: سير يقدّ من جلد مدبوغ، ويقال: ماله قدّ، ولا قحف، فالقدّ: إناء من جلد، والقحف: من خشب، وانظر ما ذكرته بشأن ﴿الصّالِحِينَ﴾ في سورة (المنافقون) رقم [١٠]. هذا؛","vol":"10","page":219},{"text":"وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي قال: سمعت بعض الجن؛ وأنا في منزل لي بالليل ينشد: [الطويل]\nقلوب براها الحبّ حتى تعلّقت... مذاهبها في كلّ غرب وشارق\nتهيم بحبّ الله والله ربّها... معلّقة بالله دون الخلائق\nالإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا) اسمها. ﴿مِنَّا:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الصّالِحُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. (منّا): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم أيضا. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: ومنا فريق كائن دون ذلك، أو ومنا ناس دون ذلك، على حد قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]: ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾. هذا؛ وقال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في كتابه الشذور: «دون» اسم مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر، وبني على الفتح لإبهامه، وإضافته إلى مبني، وهو اسم الإشارة. ولو جاءت القراءة برفع ﴿دُونَ﴾ لكان ذلك جائزا، كما قال الشاعر: [الطويل]\nألم تريا أنّي حميت حقيقتي... وباشرت حدّ الموت والموت دونها\nالرواية (دونها) بالرفع. انتهى. وقال الجمل نقلا عن السمين: فيه وجهان: أحدهما: أن ﴿دُونَ﴾ بمعنى: «غير» أي: ومنا غير الصالحين، وهو مبتدأ، وإنما فتح لإضافته إلى غير متمكن، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ فيمن نصب على أحد الأقوال، وإلى هذا نحا الأخفش، الثاني: أن ﴿دُونَ﴾ على بابها من الظرفية، وأنها صفة لموصوف محذوف، تقديره: ومنا فريق، أو فوج دون ذلك، وحذف الموصوف مع «من» التبعيضية كثير، كقولهم: منا ظعن، ومنا أقام، أي: منا فريق. انتهى. و﴿دُونَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿مِنَّا الصّالِحُونَ﴾ وما عطف عليها في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿طَرائِقَ:﴾ خبرها، وهو على تأويل: ذوي طرائق، أو في طرائق. ﴿قِدَدًا:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها لتقربها من الحال، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\nتنبيه: ما تقدم هو الإعراب الظاهر، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور ﴿مِنَّا﴾ مبتدأ، و﴿الصّالِحُونَ﴾ هو الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: بعضهم الصالحون، وجمع","vol":"10","page":220},{"text":"الضمير يؤيد ذلك، ويؤيده عطف (كثير) عليه في الآية رقم [٦٦] من سورة (المائدة)، وعطف (أكثرهم) عليه في الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران)، وخذ قول الحماسي: [الكامل]\nمنهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب\nحيث قابل لفظ «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث: جمع: ليث، وهو السبع. لا ترام: لا تقصد. قمشت: جمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس. والقمش الرديء من كل شيء.\n\n<span id=\"aya-5459\"></span>﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: الظن بمعنى العلم، واليقين بخلافه في الآية رقم [٥] ورقم [٧]. وقال الجمل: أي: علمنا، وتيقنا بالتفكر والاستدلال في آيات الله أنا في قبضة الملك، وسلطانه لن نفوته بهرب، ولا غيره. انتهى. ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ:﴾\nوالمعنى: تيقنا، وتأكدنا أننا لن نعجز الله، ولن نفوته أينما كنا سواء في الأرض، أو حاولنا الهرب إلى السماء، فإن الله قادر على عذابنا؛ إن عصيناه أينما كنا، وأينما ذهبنا.\nالإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿ظَنَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والمصدر المؤول منها، ومن اسمها، وخبرها في محل رفع معطوف على مثله في الآية رقم [١]، وعلى قراءة كسر الهمزة فالجملة الاسمية معطوفة على: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نُعْجِزَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ والفاعل مستتر فيه تقديره: «نحن». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: كائنين في الأرض، والجملة الفعلية: ﴿لَنْ نُعْجِزَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن) المخففة من الثقيلة، وهي واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿ظَنَنّا،﴾ وجملة: ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿هَرَبًا:﴾ حال من الفاعل المستتر، فهو مصدر بمعنى: هاربين.\n<span id=\"aya-5460\"></span>﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى﴾ أي: القرآن. ﴿آمَنّا بِهِ:﴾ صدقنا به، وبمحمد ﷺ.\n ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ:﴾ وينفذ لأوامره، وينزجر عن معاصيه، وزواجره. ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا:﴾ نقصا من حسناته، ﴿وَلا رَهَقًا:﴾ ظلما بالزيادة في سيئاته. وانظر ﴿رَهَقًا﴾ في الآية رقم [٦].","vol":"10","page":221},{"text":"الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها.\n ﴿لَمّا:﴾ حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى: حين، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿سَمِعْنَا:﴾\nفعل، وفاعل. ﴿الْهُدى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار ﴿لَمّا﴾ حرفا. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿لَمّا﴾ لا محل لها، و(لما) ومدخولها في محل رفع خبر (أنّ)، و﴿وَأَنّا لَمّا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله في الآية السابقة على الوجهين المعتبرين فيه.\n ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو».\n ﴿بِرَبِّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿يَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى من أيضا. ﴿بَخْسًا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿رَهَقًا:﴾ معطوف على ﴿بَخْسًا،﴾ وجملة: (لا يخاف...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: فلا هو يخاف، وعليه فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: (من...) إلخ مستأنفة ومفرعة عما قبلها، لا محل لها.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: أي: فائدة في رفع الفعل يخاف، وتقدير مبتدأ قبله، حتى يقع خبرا له، ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال: لا يخف، قلت: الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك، فكأنه قيل: فهو لا يخاف، فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه هو المختص بذلك دون غيره. انتهى. ولولا تقدير مبتدأ قبل الفعل، لقيل: فلا يخف. هذا؛ وقرأ الأعمش «(فلا يخف)» على النهي.\n\n<span id=\"aya-5461\"></span>﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنّا مِنَّا..﴾. إلخ: أي: وأنا بعد سماعنا القرآن منا من أسلم، وصدق برسالة محمد ﷺ، ومنا من جار عن الحق، وكفر. يقال: قسط الرجل: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، فالأول من الثلاثي، والثاني من الرباعي، واسم الفاعل من الأول: قاسط، كما في الآية الكريمة","vol":"10","page":222},{"text":"ومن الثاني: مقسط. قال تعالى في سورة (الحجرات) رقم [٩]: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ هذا هو المشهور خلافا للزجاج في جعلهما سواء، ومثل آية (الحجرات) قول الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته رقم [٦٨]: [الخفيف]\nملك مقسط، وأكمل من يم... شي، ومن دون ما لديه الثّناء\n ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ..﴾. إلخ: أي: فمن اهتدى واعتنق الإسلام، واهتدى بهدي الرسول ﷺ وسار على منهاجه القويم، فأولئك الذين قصدوا الرشد، وأرادوا الفلاح، وسلكوا طريق السعادة، والنجاة. والتحري: بذل المجهود في الوصول إلى المقصود. هذا؛ ومن الثلاثي بمعنى:\nالجور، والظلم قول الشاعر: [الكامل]\nقوم هم قتلوا ابن هند عنوة... عمرا وهم قسطوا على النّعمان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4764>فائدة:</span>\nيروى: أن الحجاج قال لسعيد بن جبير﵁حين أراد قتله: ما تقول فيّ؟ قال: قاسط عادل، فقال من حوله: ما أحسن ما قال! حسبوا: أنه يصف الحجاج بالقسط، والعدل، فقال الحجاج: يا جهلة! إنه سماني ظالما مشركا، وتلا لهم قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا،﴾ وقوله تعالى في أول سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿الْمُسْلِمُونَ﴾ و﴿الْقاسِطُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها.\n ﴿مِنَّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمُسْلِمُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿وَأَنّا مِنَّا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَحَرَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿رَشَدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه: فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل:\nالجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: (أسلم) صلته، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل رفع خبره، واقترنت","vol":"10","page":223},{"text":"بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5462\"></span>﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ:﴾ الجائرون عن طريق الإيمان، والحق، والصواب. ﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا:﴾ وقودا لجهنم. فإن قيل: الجن مخلوقون من النار، فكيف يكونون حطبا لها، أجيب بأنهم وإن خلقوا منها، لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية، فصاروا لحما، ودما. هكذا قيل.\nوأيضا النار قويها قد يأكل ضعيفها، فيكون الضعيف حطبا للقوي. انتهى. جمل بتصرف.\nوقال الخازن: فإن قلت: قد تمسك بظاهر هذه الآية من لا يرى لمؤمني الجن ثوابا، وذلك؛ لأن الله تعالى ذكر عقاب الكافرين منهم، ولم يذكر ثواب المؤمنين منهم، قلت: ليس فيه تمسك له، وكفى بقوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ فذكر سبب الثواب، والله أعدل، وأكرم من أن يعاقب القاسط، ولا يثيب الراشد. انتهى. هذا؛ وذكرت لك مرارا: أنهم يثابون على الأعمال الصالحة.\nالإعراب: ﴿وَأَمَّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أمّا): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يك من شيء؛ فالقاسطون... إلخ. فأنيبت (أمّا) مناب «مهما، ويك من شيء» فصار: وأما القاسطون... إلخ. وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿الْقاسِطُونَ:﴾ مبتدأ. ﴿فَكانُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أمّا). (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لِجَهَنَّمَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَطَبًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا» وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَطَبًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (أما القاسطون...) إلخ مستأنفة.\nتنبيه: لقد ذكرت لك: أن (أنّا، وأنّهم، وأنّه) ونحو ذلك فيه وجهان: أحدهما: فتح الهمزة على تأويل مصدر في محل رفع عطفا على المصدر المعتبر في محل رفع نائب فاعل في الآية الأولى. وثانيهما: كسر الهمزة على اعتبار الجملة اسمية في محل نصب مقول القول عطفا على قوله تعالى: ﴿إِنّا سَمِعْنا﴾ في الآية الأولى أيضا، ويستثنى من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ..﴾. إلخ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما..﴾. إلخ، فهاتان الآيتان معترضتان؛ لأنهما ليستا من كلام الجن.","vol":"10","page":224},{"text":"<span id=\"aya-5463\"></span>﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي: لو آمن هؤلاء الكفار، واستقاموا على شريعة الله تعالى. ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا﴾ أي: لبسطنا لهم في الرزق، ووسعنا عليهم في الدنيا زيادة على ما يحصل لهم في الآخرة من النعيم المقيم، وبذلك يحوزون عز الدنيا، وسعادة الآخرة. هذا؛ وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا:﴾ الجن القاسطون؛ الذين تقدم ذكرهم، ووصفهم، والمعنى لو استقام الجن على الطريقة المثلى الحسنى؛ لأنعمنا عليهم، وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش، وكثرة المنافع. والمعتمد الأول، فهو كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٩٦]:\n ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،﴾ وقال تعالى في حق أهل الكتابين في سورة (المائدة) رقم [٦٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾.\nهذا؛ والغدق بفتح الدال، وكسرها لغتان في الماء الغزير، ومنه: الغيداق للماء الكثير، وللرجل الكثير العدد، والكثير النطق، ويقال: غدقت عينه، تغدق، أي: هطل دمعها غدقا. والله أعلم، وأجل، وأكرم، ولا تنس: أن الله تعالى كنى عن رخاء العيش بكثرة المطر؛ لأنه سببه.\nهذا؛ ومصدر استقام: استقامة، والأصل: استقوام، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، وتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الحال، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان: الألف المنقلبة، وألف الاستفعال. فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين، وعوض عنها التاء في الآخر، وقد يستغنى عن هذه التاء في حال الإضافة، ومنه قوله تعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ أي: إقامتها. والإعلال المتقدم إنما هو بالنقل والقلب والحذف معا، ومثل هذا المصدر: استعانة، واستعاذة، ونحوهما.\nالإعراب: ﴿وَأَنْ لَوِ﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: ولو أنهم. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿اِسْتَقامُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَى الطَّرِيقَةِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (أسقيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿ماءً:﴾ مفعول به ثان. ﴿غَدَقًا:﴾ صفة ﴿ماءً،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، ولو ومدخولها في محل رفع خبر (أن) المخففة، والمصدر المؤول من: (أن) المخففة واسمها المحذوف وخبرها معطوف على ما قبله على مثال ما رأيت سابقا.","vol":"10","page":225},{"text":"هذا؛ وقال الأنباري: ومن كسر الحروف، وفتح: (وأن لو استقاموا) أضمر يمينا تاما، تأويلها: والله أن لو استقاموا على الطريقة. كما يقال في الكلام: والله أن قمت لقمت، وو الله لو قمت لقمت. قال الشاعر: [الوافر]\nأما والله أن لو كنت حرّا... وما بالحرّ أنت ولا العتيق\nوهذا الشاهد رقم [٤١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، انظر شرحه، وإعرابه، ومحل الشاهد فيه هناك.\n\n<span id=\"aya-5464\"></span>﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم. والمعتمد: أن المراد بالضمير المنصوب: كفار قريش، بعد أن حبس الله عنهم المطر سبع سنين، والمراد بالضمير المجرور: الماء. قال عمر﵁-: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. وقال سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، وعطية، وعبيد بن عمير، والحسن﵃-: كان والله أصحاب النبي ﷺ سامعين مطيعين، ففتحت عليهم كنوز كسرى، وقيصر، والمقوقس، والنجاشي، ففتنوا بها، فوثبوا على إمامهم، فقتلوه. يعني: عثمان﵁-.\n ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ:﴾ يعني القرآن. قاله ابن زيد. وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما:\nعن القبول؛ إن قيل: إنها في أهل الكفر. الثاني: عن العمل؛ إن قيل: إنها في أهل الإيمان.\nوقيل: يعرض عن طاعة الله، وعبادته. ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا:﴾ يدخله ربه عذابا شديدا شاقا لا راحة فيه. وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم. قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد، وخذ مما يناسب فحوى الآية.\nفعن أبي سعيد الخدري﵁أن رسول الله ﷺ قال: «أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا». قالوا: وما زهرة الدّنيا؟ قال: «بركات الأرض». أخرجه مسلم. وأخرج البخاري، ومسلم من حديث عمرو بن عوف الأنصاري﵁أن رسول الله ﷺ قال: «أبشروا، وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم!».\nالإعراب: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (أسقيناهم). ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان","vol":"10","page":226},{"text":"بالفعل قبلهما. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُعْرِضْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو».\n ﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَسْلُكْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والهاء مفعول به أول. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به ثان على تضمين الفعل معنى: ندخله. وقيل:\nمنصوب بنزع الخافض. ﴿صَعَدًا:﴾ صفة ﴿عَذابًا،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤]، والجملة الاسمية: (من يعرض...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5465\"></span>﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ أي: مختصة لله، فلا يجوز أن يشرك معه أحد في المساجد، ولذا قال: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ أي: فلا تعبدوا فيها إلا الله تعالى. قال قتادة: كان اليهود، والنصارى إذا دخلوا كنائسهم، وبيعهم؛ أشركوا بالله فيها، فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا الدعوة لله، إذا دخلوا المساجد كلها. وروي عن سعيد بن جبير﵁-: أن المراد بالمساجد:\nالأعضاء التي يسجد عليها الإنسان، وهي سبعة: الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان.\nوالمعنى: أن هذه الأعضاء؛ التي يقع عليها السجود مخلوقة لله، فلا تسجدوا عليها لغيره.\nفعن العباس﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سجد العبد، سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفّاه، وركبتاه، وقدماه». والآراب: الأعضاء. أخرجه مسلم. وعن ابن عباس -﵄قال: أمرنا النبي ﷺ أن نسجد على سبعة أعضاء، وأن لا نكفّ شعرا، ولا ثوبا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والقدمين، كف الشعر: عقصه، وغرز طرفه في أعلى الضفيرة، وقد نهى عن ذلك. وقيل: أراد بالمساجد كلها: بقاع الأرض كلها؛ لأن الأرض كلها جعلت مسجدا للنبي ﷺ. والمعتمد الأول. وخذ ما يلي:\nفعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الرّجل يعتاد المساجد؛ فاشهدوا له بالإيمان. قال الله ﷿: إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر». أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتوضأ أحدكم، فيحسن وضوءه فيسبغه، ثمّ يأتي المسجد، لا يريد إلاّ الصّلاة، إلاّ يتبشبش الله إليه، كما يتبشبش أهل","vol":"10","page":227},{"text":"الغائب بطلعته». رواه ابن خزيمة، والحاكم، وغيرهما. وعن أنس بن مالك﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ عمّار بيوت الله هم أهل الله ﷿». رواه الطبراني في الأوسط. وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من ألف المسجد ألفه الله». رواه الطبراني في الأوسط، وعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ للمساجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم، إن غابوا؛ يفتقدوهم، وإن مرضوا؛ عادوهم، وإن كانوا في حاجة؛ أعانوهم». ثم قال: «جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد، أو كلمة حكمة، أو رحمة منتظرة». رواه الإمام أحمد، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما.\nوعن أبي الدرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسجد بيت كلّ تقيّ، وتكفّل الله لمن كان المسجد بيته بالرّوح، والرحمة، والجواز على الصّراط إلى رضوان الله إلى الجنّة». رواه الطبراني، والبزار. وعن سلمان الفارسي﵁-: أن النبي ﷺ قال:\n «من توضّأ في بيته، فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد؛ فهو زائر الله، وحقّ على المزور أن يكرم الزائر». رواه الطبراني، والبيهقي، وانظر ما ذكرته في سورة (النور) رقم [٣٦] إن أردت الزيادة.\nالإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمَساجِدَ:﴾ اسمها.\n ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾. وقال الخليل: التقدير: ولأن المساجد لله، وبه قال ابن هشام في المغني، ولم يبيّنا العطف، والتعليق. وأرى: أن الجار، والمجرور متعلقان على قولهما بالفعل بعدهما. وعلى قولهما فالفاء: حرف استئناف. وعلى ما ذكرته أولا فالفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كانت المساجد لله؛ فلا تدعوا. (لا):\nناهية. ﴿تَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿تَدْعُوا،﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿أَحَدًا﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4769>فائدة:</span>\nروى الضحاك عن ابن عباس﵄عن النبي ﷺ كان إذا دخل المسجد؛ قدم رجله اليمنى، وقال: «﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ اللهم أنا عبدك وزائرك، وعلى كلّ مزور حقّ، وأنت خير مزور، فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار».\nوإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى، وقال: «اللهم صبّ عليّ الخير صبّا، ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا، ولا تجعل معيشتي كدّا، واجعل لي في الأرض جدّا». أي: غنى.\nانتهى. قرطبي. أقول: وفي الأمكنة القذرة، كالمراحيض، ونحوها، يقدم اليسرى عند الدخول، واليمنى عند الخروج.","vol":"10","page":228},{"text":"<span id=\"aya-5466\"></span>﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ:﴾ محمد ﷺ. ﴿يَدْعُوهُ:﴾ يعبده ببطن نخلة، يركع، ويسجد، ويقوم، ويقعد. ﴿كادُوا يَكُونُونَ:﴾ الضمير عائد على الجن. ﴿عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أي: يزدحمون عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته، وسمعوا من قراءته. قال الزبير بن العوام: هم الجن حين سمعوا القرآن من النبي ﷺ، أي: كادوا يركب بعضهم بعضا، وروي عن مكحول: إن الجن بايعوا رسول الله ﷺ في هذه الليلة، وكانوا سبعين ألفا، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر.\nويضعفه قوله تعالى: ﴿اِسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾.\nوقيل: المعنى: كاد المشركون يركب بعضهم بعضا حردا على النبي ﷺ. وقال الحسن، وقتادة، وابن زيد: يعني لما قدم محمد بالدعوة تلبدت الإنس، والجن على هذا الأمر؛ ليطفئوه، وأبى الله إلا أن ينصره، ويتم نوره. ومعنى ﴿لِبَدًا﴾ جماعات، وهو من تلبد الشيء على الشيء، أي: تجمع، ومنه: اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته، ولبد جمع لبدة، مثل: قربة، وقرب، ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد: لبدة وجمعها لبد.\nقال زهير في معلقته رقم [٤٣]: [الطويل]\nلدى أسد شاكي السّلاح مقذّف... له لبد أظفاره لم تقلّم\nويقال للجراد الكثير: لبد، وفيه أربع لغات، وقراءات. وقيل اللّبد بضم اللام وفتح الباء الشيء الدائم، ومنه قيل لنسر لقمان: لبد؛ لدوامه، وطول مدته. قال النابغة الذبياني في معلقته رقم [٦] -انظر شرحه فيها، وشرح بيت زهير، وهو مما امتن الله به عليّ في إعراب المعلقات العشر-: [البسيط]\nأضحت خلاء، وأضحى أهلها احتملوا... أخنى عليها الّذي أخنى على لبد\nولا تنس أن لبدا جاء بقوله تعالى في سورة (البلد): ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ بمعنى الكثير، واللبد أيضا: المقيم، الذي لا يسافر، ولا يبرح منزله. قال الراعي النميري: [البسيط]\nمن امرئ ذي سماح لا تزال له... بزلاء يعيا بها الجثّامة اللّبد\nبعد هذا فالإضافة ب: (عبد الله) إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه؛ لسماه به في ليلة الإسراء والمعراج؛ حيث قال جل شأنه في تلك الحالة العلية: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾. وفي معناه أنشدوا: [السريع]\nيا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي","vol":"10","page":229},{"text":"لا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنه أشرف أسمائي\nعلما بأنه ﷺ لم يذكر باسمه الصريح في القرآن الكريم، إلا قليلا، ذكر باسم محمد في سورة (آل عمران)، وسورة (الأحزاب)، وسورة (محمد)، وسورة (الفتح)، وذكر باسم أحمد في سورة (الصف)، وذكر باسم طه في سورة (طه)، وذكر باسم ياسين في سورة (يس). هذا؛ والعبد: الإنسان حرّا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك. قال القشيري: لما رفعه الله إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية؛ ألزمه العبودية تواضعا للأمة.\nأما «كاد» فهو فعل يدل على مقاربة وقوع الفعل بعده، ولذا لم تدخل عليه «أن»؛ لأنه يخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليه حرف النفي دل على أن الفعل بعدها وقع، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإذا لم يدخل عليها حرف النفي، لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع، والفعل منها واوي العين، ف «كاد» أصله كود بكسر الواو، كخوف، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: كاد، ويكاد أصله: يكود، كيعلم، فقل في إعلاله: نقلت فتحة الواو إلى الكاف قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل. وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، فصار يكاد بوزن يخاف، ومصدرها: الكود، كالخوف، وهذا في الناقصة، وأما كاد التامة فهي يائية العين المفتوحة في الماضي، كباع، ومصدره الكيد، كالبيع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول الناقص: قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني التام قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ ومعنى الناقص: المقاربة، ومعنى التام: المكر، والحيلة، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تام التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4771>فائدة:</span>\nقد تأتي كاد بمعنى أراد. قاله محب الدين الخطيب شارح شواهد الكشاف، وجعل منه قول الأفوه الأودي: [البسيط]\nوالبيت لا يبتنى إلا بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\nفإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا\nأي: الذي أرادوا. ومنه قول الآخر: [الكامل]\nكدنا وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى\nأي: أردنا، وأردت. دليله: (تلك خير إرادة).\nتنبيه: شاع على الألسن أن نفي (كاد) إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعري بقوله: [الطويل]\nأنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود","vol":"10","page":230},{"text":"إذا استعملت في صورة الجحد أثبت... وإن أثبتت قامت مقام جحود\nفأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل]\nنعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود\nوفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها فالعلم غير بعيد\nوقد اتفقت كلمة النحاة على أن (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب في المعنى في هذا الشأن، انظر الشاهد رقم [١١٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والأشموني، وغيرهما.\nوها أنذا أسوق لك ما ذكره السيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك.\nقال-رحمه الله تعالى-: والتحقيق: أنها كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلا أن معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أنّ من لم يقارب الفعل لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: (كاد زيد يقوم) معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة، إلا أنه لم يضئ، وقولك: (لم يكد زيد يقوم) معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه. وعلى هذا الزجاجي، وغيره. وذهب قوم، منهم ابن جني إلى أن نفيها يدل على وقوع الفعل ببطء ل: آية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة)، فإنهم فعلوا بعد بطء، والجواب: أنها محمولة على وقتين، أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾.\nوقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها، بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَأَنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَمّا:﴾\nانظر الآية رقم [١٣]. ﴿قامَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَبْدُ:﴾ فاعله، و﴿عَبْدُ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار ﴿لَمّا﴾ حرفا. ﴿يَدْعُوهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿عَبْدًا لِلّهِ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:\n ﴿عَبْدًا لِلّهِ،﴾ والرابط: الضمير العائد إليه. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿قامَ﴾ من أفعال الشروع؛ فالجملة الفعلية في محل نصب خبرها. ﴿كادُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه،","vol":"10","page":231},{"text":"والألف للتفريق. ﴿يَكُونُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، الواو اسمه.\n ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿لِبَدًا﴾ بعدهما؛ الذي هو خبر ﴿يَكُونُونَ،﴾ أو بمحذوف حال منه على مثال ما سبق، وجملة: ﴿يَكُونُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كادُوا،﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿لَمّا﴾ لا محل له، و﴿لَمّا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على الوجهين المعتبرين فيه.\n\n<span id=\"aya-5467\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ففيه التفات من الغيبة، وقرئ: (قال) بلفظ الماضي، وعليه فلا التفات. ﴿إِنَّما أَدْعُوا:﴾ أعبد. وقيل: هو بمعنى: أسمي، ولذا قدر الجلال له مفعولا ثانيا؛ لأنه بهذا المعنى ينصب مفعولين، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nدعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن... أخاها ولم أرضع لها بلبان\nدعتني أخاها بعدما كان بيننا... من الفعل ما لا يفعل الأخوان\n ﴿وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا:﴾ قال القرطبي، وغيره: سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ: إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن نجيرك. فنزلت الآية. وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب. انظر الالتفات في سورة (الملك).\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، وعلى قراءته، بالماضي، فالفاعل تقديره: «هو» يعود إلى النبي ﷺ. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿رَبِّي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلى اعتباره بمعنى التسمية فالمفعول الثاني محذوف، تقديره: أدعو ربي إلها، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية. ﴿أُشْرِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَدًا﴾ الذي هو مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.\n<span id=\"aya-5468\"></span>﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ..﴾. إلخ: أي: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين: إني لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا، ولا أسوق لكم خيرا، وإنما يملك ذلك القوي القاهر رب العالمين. والرشاد:","vol":"10","page":232},{"text":"والرّشد، والرّشد: الهدى، والخير، والفلاح، والنجاح، والضّرّ بفتح الضاد شائع في كل ضرر، ومصيبة، وبالضم خاص بما في النفس، كمرض، وهزال، وقد نظم بعضهم الفرق بينهما، كما أورد معاني أخر لهما، فقال: [الرجز]\nوضدّ نفع قيل فيه ضرّ... وجود ضرّة لعرس ضرّ\nوسوء حال المرء ذاك ضرّ... كذا هزال مرض أو كبر\nوفي القاموس المحيط: الضّر، والضّر، والضرر: ضد النفع، والشدة، والضيق، وسوء الحال، والنقصان يدخل في الشيء، والجمع: أضرار. ولا تنس الطباق بين ﴿ضَرًّا﴾ و﴿رَشَدًا﴾ وهو من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿ضَرًّا:﴾\nمفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿رَشَدًا:﴾\nمعطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا أَمْلِكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5469\"></span>﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق وحبيب الحق ﷺ. ﴿إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي:﴾ لن ينقذني أحد من عذاب الله؛ إن عصيته. فهو كقوله تعالى حكاية عن قول صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ رقم [٦٣] من سورة (هود)، ومثله في الآية رقم [٣٠] منها. ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا:﴾ ملجأ ألجأ إليه، ونصيرا أعتمد عليه، وملاذا ألوذ به، ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nيا لهف نفسي ولهفي غير مجدية... عني وما من قضاء الله ملتحد\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يُجِيرَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَحَدٌ:﴾\nفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف ناصب. ﴿أَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾","vol":"10","page":233},{"text":"متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مما بعدهما، كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. وبعضهم يعتبرهما مفعولا ثانيا تقدم على الأول. ﴿مُلْتَحَدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: (لن أجد...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.\n\n<span id=\"aya-5470\"></span>﴿إِلاّ بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ﴾ أي: لا أجد ملجأ، وملاذا إلا إذا بلغت رسالة ربي، ونصحتكم، وأرشدتكم كما أمرني الله، فحينئذ يجيرني ربي من العذاب. فهو كقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٦٧]: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾\nقال ابن كثير: أي: لا يجيرني من الله، ويخلصني منه إلا إبلاغي الرسالة، التي أوجب أداءها عليّ. انتهى. أي: فإن فيما ذكر الأمان، والنجاة من غضب الله، وسخطه.\n ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ يخالف أوامرهما، ونواهيهما فيما يأمران به، وينهيان عنه، ﴿فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ،﴾ فيه دليل على أن المراد بالعصيان: الشرك؛ لأن المؤمن لا يخلد في النار.\nوقيل: هو المعاصي غير الشرك، ويكون الخلود والأبد كناية عن طول المكث في نار جهنم. أو يكون المعنى: إلا أن أعفو عنهم، أو تلحقهم شفاعة، ولا محالة إذا خرجوا من الدنيا على الإيمان لا يخالدون. هذا؛ والأبد: الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿بَلاغًا:﴾ مستثنى من مفعولي: أملك، وهما ﴿ضَرًّا﴾ و﴿رَشَدًا﴾ بعد تأويلهما ب: شيئا، كأنه قال: لا أملك لكم شيئا إلا بلاغا، فهو استثناء متصل.\nهكذا قرر في بعض حواشي البيضاوي، وعبارة السمين قوله إلا بلاغا فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء منقطع؛ لأن البلاغ من الله لا يكون داخلا تحت قوله: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا؛﴾ لأنه لا يكون من دون الله، بل يكون من الله، وبإعانته، وتوفيقه. الثاني: أنه متصل، والمعنى لن أجد سببا إليه، وأعتصم به إلا أن أبلغ، وأطيع، فيجيرني، وإذا كان متصلا؛ جاز نصبه من وجهين:\nأحدهما (وهو الأرجح): أن يكون بدلا من ﴿مُلْتَحَدًا؛﴾ لأن الكلام غير موجب. والثاني: أنه منصوب على الاستثناء. وإلى البدلية ذهب أبو إسحاق. الثالث: أنه مستثنى من قوله: ﴿لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾. انتهى. جمل، أقول: وعلى القول بالبدلية من ﴿مُلْتَحَدًا،﴾ فلا اعتراض، وعلى القول بالبدلية من مفعول ﴿أَمْلِكُ﴾ فالآية السابقة معترضة بين البدل، والمبدل منه، وبه قال الزمخشري.\nهذا؛ وقيل: ﴿بَلاغًا﴾ مفعول مطلق فعله محذوف، و﴿إِلاّ﴾ أصله: (إن لاّ) ف: (إن) حرف شرط جازم، و(لا) نافية بمعنى: «لم»، والمعنى: لن أجد من دونه ملتحدا؛ إن لم أبلغ رسالات","vol":"10","page":234},{"text":"ربي بلاغا. نقله مكي، والقرطبي بلفظ: قيل. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَلاغًا﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَرِسالاتِهِ:﴾ معطوف على ﴿بَلاغًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْصِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿اللهِ:﴾\nمفعول به، ويقال: منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها. ﴿نارَ:﴾ اسم (إنّ) مؤخر، وهو مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، للعلمية، والعجمة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور باللام، وقد روعي فيه معنى (من)، كما رأيت في الشرح، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾.\n ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا، والجملة الاسمية: (إنّ له...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ وقرئ بفتح همزة (أنّ) وعليه ف: (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فجزاؤه الخلود في نار جهنم، مثل قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٤١]:\n ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٤]: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٤]. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَعْصِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5471\"></span>﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ:﴾ من العذاب، والهلاك في الدنيا، كوقعة بدر؛ التي أذلهم الله فيها، ونكس رؤوسهم، وأخمد شوكتهم. أو المراد: العذاب؛ الذي سيلاقونه في الآخرة في نار الجحيم. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ:﴾ حينئذ علم اليقين، علما لا يشوبه شك، ولا ارتياب. ﴿مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا:﴾ معينا، ومساعدا. ﴿وَأَقَلُّ عَدَدًا:﴾ وأقل رجالا، ونفرا، وجندا، هل هم، أم المؤمنون الموحدون؟! ولا شك: أن الله ناصر عباده المؤمنين، فهم الأقوى ناصرا، والأكثر عددا؛ لأن الله معهم وملائكته الأبرار. قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥١]: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رقم [٤٧] من سورة (الروم)، انظر شرحهما في محلهما؛ تجد: أن النصر مشروط بالإيمان الحقيقي، والكامل.","vol":"10","page":235},{"text":"هذا؛ وأصل ﴿رَأَوْا﴾ (رأى) فلما اتصل به واو الجماعة صار (رآوا) فالتقى ساكنان: الألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. ثم تحرك الواو بالضمة إن وليها ساكن مثل (رأوا الآيات) ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها. وقيل: تحرك بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت لنجحت). وقيل: تضم؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: تحرك بحركة الياء المحذوفة. وقيل: غير ذلك.\nالإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَأَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، وهو بصري، فلذا اكتفى بمفعول واحد. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا يوعدونه، وجملة: ﴿رَأَوْا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح؛ لاقتران جوابها هنا بالفاء؛ لأن الفاء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. السين: حرف مفيد للتوكيد، والتحقيق هنا. (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَضْعَفُ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو أضعف، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام مبتدأ، و﴿أَضْعَفُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به على أن الفعل قد علق عن العمل لفظا بالاستفهام. ﴿ناصِرًا:﴾ تمييز. ﴿وَأَقَلُّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أقل): معطوف على ﴿أَضْعَفُ﴾. ﴿عَدَدًا:﴾ تمييز، وجملة: (سيعلمون...) إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿إِذا﴾ مجرورة ب: ﴿حَتّى،﴾ وهو رأي: الأخفش دائما في مثل هذا التركيب، والمعنى هنا يؤيده، لذا قال الجلال-رحمه الله تعالى-: ﴿حَتّى﴾ ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر قبلها، أي:\nلا يزالون مستمرين على كفرهم إلى أن يروا... إلخ.\n\n<span id=\"aya-5472\"></span>﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين المستهزئين بما تعدهم من العذاب، والهلاك: ما أدري: هل هذا العذاب الذي توعدونه قريب زمنه. ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ أي: أم هو بعيد له مدة طويلة وأجل محدود؟!.","vol":"10","page":236},{"text":"قال المفسرون: كان النبي ﷺ، كلما خوف الكافرين نار جهنم، وحذرهم أهوال الساعة؛ أظهروا الاستخفاف بقوله، وسألوه متى هذا العذاب؟! ومتى تقوم الساعة؟! فأمره الله تعالى أن يقول لهم: لا أدري وقت ذلك، هل هو قريب، أم بعيد؟ وقيل: المستهزئ والسائل العذاب هو النضر بن الحارث، وكان هذا شأنه، وقد أمر الرسول ﷺ بقتله صبرا حينما وقع أسيرا بأيدي المسلمين في غزوة بدر. انظر ما ذكرته في سورة (الأنفال) رقم [٣٢].\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ والأمد يكون قريبا، وبعيدا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ رقم [٣٠] من سورة (آل عمران)؟ قلت: كان رسول الله ﷺ يستقرب الموعد، فكأنه قال: ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة، أم مؤجل ضربت له غاية؟. انتهى.\nوفي الخطيب: فإن قيل: أليس أنه ﷺ قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين». فكان عالما بقرب وقوع القيامة، فكيف قال هاهنا: لا أدري أقريب أم بعيد... إلخ؟!. أجيب بأن المراد بقرب وقوع الذي علمه هو: أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر من القرب معلوم، وأما معرفة مقدار القرب؛ فغير معلوم. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى:\n «ما». ﴿أَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَقَرِيبٌ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (قريب): خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وأجيز اعتبارها مصدرية، وهو ضعيف، ويجوز اعتبار (قريب) مبتدأ، و﴿ما﴾ فاعلا به سادا مسد الخبر لاعتماد الوصف على الاستفهام، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي أدري المعلق عن العمل لفظا بهمزة الاستفهام، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ أَدْرِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء)، معنى، ومحلا، وإعرابا. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَجْعَلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَمَدًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور في محل نصب مفعول به ثان. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَمَدًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿إِنْ أَدْرِي..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.","vol":"10","page":237},{"text":"<span id=\"aya-5473\"></span>﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ:﴾ الغيب: ما غاب عن العباد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢] من سورة (الملك). ﴿فَلا يُظْهِرُ:﴾ فلا يطلع. ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ أي: على الغيب المخصوص به علمه. ﴿أَحَدًا:﴾ من الناس.\nهذا؛ و«أحد» أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم في وجوه: أجوه، وفي وسادة: إسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد. والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون. وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: «ما في الدار أحد»، هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ رقم [٣٢] من سورة (الأحزاب)، وقوله جل ذكره في سورة (الحاقة) رقم [٤٧]: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.\nهذا؛ و«أحد» أكمل من الواحد، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد؛ جاز في المعنى أن يقوم له اثنان، فأكثر، بخلاف قولك: لا يقوم له أحد. وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار أحد، فيجوز ألا يكون في الدار الدواب، والطير، والوحش، والإنس، فيعم الناس، وغيرهم، بخلاف ليس في الدار واحد، فإنه مخصوص بالآدميين.\nويأتي «الأحد» في كلام العرب بمعنى الواحد، فيستعمل في النفي، والإثبات، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أي: واحد، وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٩]: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: واحدا منكم، وبغير معنى الواحد، فلا يستعمل إلا في النفي، تقول: ما جاءني من أحد، ومنه قوله تعالى في سورة (البلد): ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ و«واحد» يستعمل فيهما مطلقا، و«أحد» يستعمل في المذكر، والمؤنث، كما رأيت في آية (الأحزاب)، بخلاف الواحد، فلا يقال: كواحد من النساء، بل كواحدة، و«أحد» يصلح للإفراد، والجمع، ولهذا؛ وصف به في آية (الحاقة) المتقدمة، بخلاف الواحد. و«الأحد» له جمع من لفظه، وهو: الأحدون، والآحاد، وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال: واحدون، بل اثنان، وثلاثة. و«الأحد» ممتنع من الدخول في شيء من الحساب، بخلاف الواحد، فتلخص من ذلك سبعة فروق. انتهى.\nالإعراب: ﴿عالِمُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو عالم، وأجيز اعتباره بدلا من ﴿رَبِّي،﴾ أو عطف بيان له، وقرئ بنصبه على المدح بفعل محذوف، و﴿عالِمُ﴾ مضاف،","vol":"10","page":238},{"text":"و﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية المقدرة: «هو عالم» مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا من ﴿رَبِّي﴾ ضعيف. ﴿فَلا:﴾ الفاء:\nحرف استئناف، وتفريع. (لا): نافية. ﴿يُظْهِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود على ما قبله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلى غَيْبِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَدًا:﴾ مفعول به.\n\n<span id=\"aya-5474\"></span>﴿إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ أي: فإن الله يظهره على شيء من غيبه، فهو كقوله تعالى في آية الكرسي: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ؛﴾ لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها: الإخبار عن بعض الغائبات. قال تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (آل عمران) رقم [٤٩]: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ والمعنى لا يظهر الله على غيبه إلا من اصطفى للنبوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك دالا على نبوته.\nقال العلماء-رحمهم الله تعالى-: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون خلقه؛ كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم، ومن ضاهاه ممّن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه الله من رسول، فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله، مفتر عليه بحدسه، وتخمينه، وكذبه.\nقال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان، على اختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم: الملك، والسوقة، والعالم، والجاهل، والغني، والفقير، والكبير، والصغير، مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله تعالى: إنما أغرقهم الطالع، الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك: أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه المخصوص به، فلا فائدة أبدا في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقي، ولا سعيد، ولم يبق إلا معاندة القرآن العظيم، وفيه استحلال دمه على هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال: [الكامل]\nحكم المنجّم أنّ طالع مولدي... يقضي عليّ بميتة الغرق\nقل للمنجّم صبحة الطوفان هل... ولد الجميع بكوكب الغرق؟!","vol":"10","page":239},{"text":"قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب﵁لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم؛ والقمر في العقرب؟! فقال﵁-، وكرم الله وجهه: فأين قمرهم؟! وكان ذلك في آخر الشهر، فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم! وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين! لا تسر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال له﵁-:\nولم؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة؛ أصابك، وأصاب أصحابك بلاء، وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت، وظهرت، وأصبت ما طلبت! فقال﵁-:\nما كان لمحمد ﷺ منجم، ولا لنا من بعده، في كلام طويل يحتج فيه بآيات التنزيل، فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ندّا، أو ضدّا. اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ثم قال للمتكلم: نكذبك، ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهانا عنها.\nثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس! إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر، والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم، وتعمل بها؛ لأخلدنك في الحبس ما بقيت، وبقيت! ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان! ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم، فقتلهم، وهي وقعة النهروان الثابتة في الصحيح لمسلم، ثم قال: لو سرنا في الساعة، التي أمرنا بها، وظفرنا، وظهرنا؛ لقال قائل: سار في الساعة، التي أمر بها المنجم، ما كان لمحمد ﷺ منجم، ولا لنا من بعده، وفتح الله علينا بلاد كسرى، وقيصر، وسائر البلدان، ثم قال: أيها الناس! توكلوا على الله، وثقوا به، فإنه يكفي عن سواه. انتهى. قرطبي بحروفه.\nأقول: ومن هذه المشكاة ما قيل للمعتصم العباس حينما أراد غزو عمورية، ولكنه خالف المنجم، وانتصر، وفي ذلك قال شاعره أبو تمام: [البسيط]\nالسّيف أصدق أنباء من الكتب... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب\nأقول: نص الآية الكريمة يفيد صراحة: أن الله ﷿ يطلع من ارتضى، واختار من الرسل على شيء من الغيب، وكذلك يطلع بعض أوليائه على شيء منه، وقد أثبت أهل السنة كرامات الأولياء، خلافا للمعتزلة، وأن الله﷿يجوز أن يلهم بعض أوليائه وقوع بعض الوقائع في المستقبل، فيخبر به، وهو من إطلاع الله إياه على ذلك، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس محدّثون، من غير أن يكونوا أنبياء، وإن يكن في أمتي أحد؛ فإنه عمر بن الخطاب». أخرجه البخاري. قال ابن وهب: تفسير «محدثون»: ملهمون. ولمسلم عن عائشة﵂عن","vol":"10","page":240},{"text":"النبي ﷺ أنه كان يقول: «قد كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمّتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم». ففي هذا إثبات كرامات الأولياء. انتهى. خازن بتصرف.\nأما الكهانة فقد نهى الرسول ﷺ عنها، ونهى عن تصديق الكهان، وعن الجلوس إليهم، والأخذ منهم. وخذ ما يلي:\nعن عمران بن حصين﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منّا من تطيّر، أو تطيّر له، أو تكهّن، أو تكهّن له، أو سحر، أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». رواه الطبراني، والبزار، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nلا يعلم المرء ليلا ما يصبّحه... إلا كواذب ممّا يخبر الفال\nوالفأل والزجر والكهّان كلّهم... مضلّلون ودون الغيب أقفال\nوقال آخر: [البسيط]\nدع المنجم يكبو في ضلالته... إن ادّعى علم ما يجري به الفلك\nتفرّد الله بالعلم القديم فلا... يشركه فيه إنسان ولا ملك\n ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ:﴾ يدخل. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ:﴾ من أمامه. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ:﴾ والمراد جميع جهاته.\n ﴿رَصَدًا:﴾ حراسا من الملائكة يحرسونه، والضمير يعود إلى من ارتضاه، فيحفظ الوحي من استراق الشياطين السمع، وإلقائه إلى الكهنة. قال الضحاك: ما بعث الله نبيا إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين عن أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك. قالوا:\nهذا شيطان؛ فاحذره، وإن جاءه الملك؛ قالوا: هذا رسول ربك.\nهذا؛ والرصد: القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وربما قالوا: أرصادا، والراصد للشيء: الراقب له، يقال: رصده، يرصده رصدا، ورصدا، والترصد: الترقب، والمرصد: موضع الرصد، وفي سورة (التوبة) رقم [٥]: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ،﴾ وفيها أيضا رقم [١٠٧]: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾. ومعنى ﴿يَسْلُكُ﴾ يرسل ويجعل من أمام الرسول المرتضى ومن خلفه ملائكة حراسا يحفظونه من الجن، ويحرسونه في ضبط ما يلقيه الله تعالى إليه من علم الغيب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ والتعبير عن الأمام، والخلف بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ كثير في القرآن الكريم، وإن اختص كل موضع بتفسير حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها، فمثلا قوله تعالى في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء) يفسر بغير ما في هذه الآية، وكذلك الآية رقم [٩] من","vol":"10","page":241},{"text":"سورة (سبأ): ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ،﴾ والآية رقم [١١٠] من سورة (طه) كلتاهما تخالفان معنى قوله تعالى: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وهكذا والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مستثنى من ﴿أَحَدًا،﴾ فهو استثناء متصل، وجوز السمين اعتباره منقطعا؛ أي: لكن من ارتضاه، فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه بالوحي، ثم قال: ويجوز أن تكون من شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ خبر المبتدأ على القولين، وهو من الاستثناء المنقطع أيضا. انتهى. وتفصيله كما يلي:\n ﴿مَنِ:﴾ اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه، أو هو في محل رفع مبتدأ، والأول أقوى؛ لأن الفعل بعده متعد، ولم يستوف مفعوله. ﴿اِرْتَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنْ رَسُولٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (من)، و﴿مَنِ﴾ بيان لما أبهم في (من). ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء:\nواقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَسْلُكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿رَصَدًا:﴾\nمفعول به، وجملة: ﴿يَسْلُكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، والجملة بعدها صلة، والعائد محذوف، التقدير: الذي ارتضاه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، واقترنت بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والكلام: ﴿مَنِ ارْتَضى..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء المنقطع، كما رأيته سابقا.\n\n<span id=\"aya-5475\"></span>﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أي: ليعلم محمد ﷺ: أنّ جبريل ﵇ قد بلغ إليه رسالات ربه.\nوقيل: معناه: ليعلم محمد ﷺ: أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم إلى أقوامهم، وأن الله حفظهم، ودفع عنهم. وقيل: معناه: ليعلم الله علم ظهور، فإنه تعالى عالم بما كان، وما يكون أن رسله الكرام قد بلغوا عنه وحيه كما أوحاه إليهم محفوظا من الزيادة، والنقصان، فلا يخفى","vol":"10","page":242},{"text":"عليه شيء من أمورهم، فقد قال المفسرون: ما جاء في القرآن من تعليل لعلم الله تعالى كقوله في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٤٠]: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ،﴾ ومنها أيضا رقم [١٦٦]: ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وبعدها: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ فإنما هو علم ظهور، لا علم بداء، فإن الله تعالى عالم بالأشياء أزلا، وإنما يظهر علمه لعباده. ﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ أي: أحاط علمه بما عند الرسل، وبما عند الملائكة، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم.\n ﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ أي: علم الله تعالى علم ضبط، واستقصاء جميع الأشياء، المنبثة في الأرضين والسموات، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحار، فلا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف لا يحيط علما بما عند رسله من رسالاته، ووحيه؛ التي أمرهم بتبليغها إلى خلقه؟! وكيف يمكن لرسله أن يفرطوا في تلك الرسالات، أو يزيدوا، أو ينقصوا، أو يحرفوا فيها، أو يغيروا منها، وهو تعالى محيط بها، محص لجميع الأشياء، جليلها وحقيرها؟ قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٥٩]: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾.\nالإعراب: ﴿لِيَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله، أو إلى الرسول حسبما رأيت في الشرح، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَسْلُكُ﴾ على اعتبار الفاعل عائدا إلى (الله)، أو بمحذوف تقديره: أخبرناه على اعتبار الفاعل عائدا إلى الرسول ﷺ. ﴿أَنْ:﴾\nمخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَبْلَغُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ واسمها، وخبرها في محل نصب سد مسد مفعول (يعلم). ﴿رِسالاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و﴿رِسالاتِ:﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَحاطَ:﴾ الواو: واو الحال. (أحاط): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، وهذا يؤكد عود فاعل (يعلم) إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (يعلم) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما)، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله","vol":"10","page":243},{"text":"بالضمير، الذي هو في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَحْصى:﴾ الواو: حرف عطف. (أحصى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و﴿كُلَّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿عَدَدًا:﴾ تمييز، وقال الزمخشري، ومتابعوه: حال. هذا؛ وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا؛ لأن أحصى بمعنى عدّ.\nتنبيه: أذكر لك هنا الفرق بين الملائكة، والجن من تعريف علماء التوحيد للملائكة، والجن بما يلي: فالملائكة: أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل، والتمثل بأية صورة أرادوا، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يتناسلون، ولا يتناكحون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، ولهم قدرة خارقة، ولا تحكم عليهم الصورة، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كل فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، ويتشكلون بأشكال حسنة.\nأما الجن؛ فهم أجسام نارية سفلية، مخلوقون من مارج من نار، أي: من أخلاط نار صافية، وأنهم قادرون على التشكل بأية صورة أرادوا، وفي الغالب يتشكلون بصور مخيفة، وأنهم يتناسلون، ولهم ذرية، وفيهم الذكر، والأنثى، وهم مكلفون كالبشر، وفيهم المؤمن والكافر، وأن الصورة تحكم عليهم. ومما تقدم يتبين لنا بوضوح أن بين خلق الملائكة، وبين خلق الجن تفاوتا واضحا، وتباينا ظاهرا في أصل الجبلة، والخلقة.\nفالملائكة مخلوقون من نور، والجن مخلوقون من نار، يدل لذلك قول النبي ﷺ: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم ممّا وصف لكم». رواه مسلم، وقال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٢٧]: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾.\nوالملائكة ليس لهم نسل ولا ذرية، بخلاف الجن، فإنهم يتناسلون ويتناكحون، ولهم نسل وذرية. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ فالملائكة يخلقهم الله خلقا جديدا مبتدأ؛ لأنه ليس فيهم ذكر، أو أنثى، حتى يحصل التناسل، أما الجن؛ ففيهم الذكر، والأنثى، ويقع بينهم التناكح والتناسل، كما هو الحال بين البشر.\nوالملائكة قادرون على التمثل بأمثال الأشياء، والتشكل بالأشكال الجسمانية، المحسوسة فقد ثبت ذلك في النصوص العديدة من الكتاب والسنة. قال تعالى عن جبريل ﵇:","vol":"10","page":244},{"text":"﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وقال تعالى عن ضيوف إبراهيم من الملائكة الأبرار:\n ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ..﴾. إلخ. الآيات من سورة (الذاريات) فقد دخلوا عليه في صورة رجال، وحين قدم لهم الطعام امتنعوا عن الأكل، فأوجس منهم خيفة، فأخبروه: أنهم ليسوا بشرا، وإنما هم ملائكة أرسلهم الله لإهلاك المكذبين من قوم لوط.\nوحين قدم الملائكة على نبي الله لوط ﵇، جاؤوه على صورة شباب مرد حسان، مما جعل السفهاء يطمعون بفعل الفاحشة بهم؛ حيث جاؤوا يتسابقون إلى دار لوط، ﵇.\nكما قال تعالى: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ..﴾. إلخ الآيات رقم [٧٨] وما بعدها من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nفالملائكة إذا قادرون على التصور، والتشكل بأية صورة شاؤوا، وقد ثبت في الصحيحين عن عمر﵁أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فسأل رسول الله ﷺ عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعن الساعة، فأجابه الرسول عنها بالتفصيل، وأخيرا سأل الصحابة: «أتدرون من السّائل؟». قالوا: الله، ورسوله أعلم! قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم».\nوالجن أيضا قادرون على التمثل، والتشكل بأية صورة شاؤوا، فقد اجتمعوا برسول الله ﷺ في صورة نفر من الرجال، وسمعوا القرآن، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين، كما قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. فهم يشبهون الملائكة من هذه الناحية، وهي قدرة التمثل، والتشكل بأي صورة شاؤوا، ولكنهم يختلفون عن الملائكة في أنهم تحكم عليهم الصورة، بينما الملائكة لا تحكم عليهم الصورة، بمعنى: أن الجني لو تصور وتشكل في صورة إنسان، أو طير، وصوب إنسان سهما نحوه، فإن الجني يموت، كما لو قتله إنسان بسيف، أو رمح، فيجري عليه حكم الصورة، بخلاف الملك إذا ما سدد إنسان سهما نحوه، أو جني عليه بجناية، فلا يناله شيء من الأذى فيما لو تشكل بصورة إنسان، أو غيره. ثم إن الملائكة يختلفون عن الجن في أنهم لا يأكلون، ولا يشربون، وليس فيهم نزوع إلى البشر، وليس عندهم استعداد للمعصية، بل خلقوا على الاستقامة، وجبلوا على العبادة، والطاعة، كما قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٢٠]: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ،﴾ وأما الجن؛ ففيهم المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، فهم كالبشر في هذه الناحية، كما قال تعالى عن إبليس في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. وما ذكر في هذه السورة رقم [١٤] يدل كذلك على أن فيهم المسلم، والكافر. وهم مكلفون بالتكاليف الشرعية كسائر البشر. قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾.","vol":"10","page":245},{"text":"ولهم رسل، وأنبياء يبلغونهم أوامر الله، ونواهيه، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٣٠]: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ انظر شرحها في محلها، فقوله تعالى: (منكم) يدل على أن هناك رسلا من الإنس، ورسلا من الجن. وبه قال الضحاك، ومقاتل. وأما رسالة محمد ﷺ؛ فهي عامة لجميع الخلق: إنسهم، وجنهم، كما قال تعالى في الآية رقم [١] من سورة (الفرقان): ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ومثلها كثير.\nوالجن مخلوقون قبل الإنس، يدل لذلك قوله تعالى في سورة (الحجر): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ انظر شرح الآيتين هناك، والجن يرون البشر، ولا يرونهم يدل لذلك قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٧]: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾. ثم إن الملائكة يختلفون عن الجن في أن لهم قدرة عجيبة خارقة، فهم يستطيعون أن يقتلعوا الجبال، ويغوصوا البحار، ويقلبوا الأرض بأهلها، كما فعل الملائكة بقوم لوط، وكما اقتلع جبريل ﵇ جبل الطور، ورفعه فوق بني إسرائيل، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾.\nوللملائكة أجنحة، فمنهم من له جناحان، ومن له ثلاثة، أو أربعة، أو أكثر. انظر الآية رقم [١] من سورة (فاطر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ والشياطين فرقة من الجن، وهم المردة العصاة، ورئيسهم إبليس اللعين عليه لعنة الله، فكل متمرد من الجن يسمى: شيطانا، كما أن كل عاص من الإنس يسمى فاسقا، وكل جاحد يسمى كافرا، فكل شيطان جني، وليس كل جني شيطانا، والله الموفق والمعين. انتهى. كله من كتاب «النبوة والأنبياء» للصابوني بتصرف كبير. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nانتهت سورة (الجن) شرحا وإعرابا بتوفيق الله، وفضله.\nوالحمد لله رب العالمين","vol":"10","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4781>سورة المزّمّل</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (المزمل) مكية كلها في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر. وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آيتين منها: ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ..﴾. إلخ، والتي تليها، ذكره الماوردي. وقال الثعلبي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة. انتهى. قرطبي.\nوما قاله الثعلبي هو الصحيح، والمعتمد. وما نسب إلى ابن عباس﵄فهو ضعيف؛ لأن الأمر بالصبر، والهجر الجميل كان في مكة، وليس في المدينة، فليتأمل، وهي عشرون آية، ومئتان وخمس وثمانون كلمة، وثمانمئة، وثمانية وثلاثون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5476\"></span><span id=\"aya-5477\"></span><span id=\"aya-5478\"></span><span id=\"aya-5479\"></span>﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ، والمزمل: المتلفف بثيابه، يقال: تزمل بثوبه، أي: التف به، وتغطى، وزمل غيره: غطاه، وهو بكسر الميم اسم فاعل، وبفتحها اسم مفعول. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٨٨]: [الطويل]\nكأنّ ثبيرا في عرانين وبله... كبير أناس في بجاد مزمّل\nو﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ أصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي، ومثله: ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ معنى، وأصلا.\nوخطاب النبي ﷺ بهذا الوصف، فيه تأنيس، وملاطفة له ﷺ. قال السهيلي: في خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاحظة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب، وترك معاتبته سمّوه، ونادوه باسم مشتق من حالته، التي هو عليها، كقول النبي ﷺ لعلي﵁حين غاضب فاطمة﵂-، وقد نام، ولصق بجنبه التراب: «قم أبا تراب». إشعارا بأنه ملاطف له، وغير عاتب عليه، وصار ذلك لقبا له من أحب ألقابه، وكذلك قوله ﷺ لحذيفة -﵁-: «قم يا نومان». وكان نائما ملاطفة له، وإشعارا بترك العتب، وكان ذلك في الخندق. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه؛ لأنه الاسم المشتق من الفعل. ويشترك فيه المخاطب، وكل من اتصف بتلك الصفة. وسبب هذا","vol":"10","page":247},{"text":"التزمل، والتدثر ما روي في البخاري (باب أول نزول الوحي): أن النبي ﷺ لما جاءه جبريل ﵇، وهو في غار حراء في ابتداء الوحي، وحصل ما حصل من ضمه إلى صدره ثلاث مرات، وإرساله؛ نزل من غار حراء يرجف فؤاده، فدخل على خديجة﵂-، وقال:\n «زمّلوني زملوني، لقد خشيت على نفسي». وأخبرها بما جرى له. وزمّلوني بمعنى: دثروني، وكلاهما بمعنى غطوني. انتهى. قرطبي وغيره بتصرف.\nهذا؛ وقيل في ذلك أقوال كثيرة، والمعتمد ما ذكرته، وأبعد الأقوال عن الحقيقة والواقع ما ذكره النخعي: أن النبي ﷺ كان متزملا بقطيفة، نصفها على عائشة﵂وأنها مرط، طوله أربعة عشر ذراعا. قالت: نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه على النبي ﷺ، وهو يصلي، والله ما كان خزا، ولا قزا، ولا مرعزى، ولا إبريسما، ولا صوفا! كان سداه شعرا، ولحمته وبرا. ذكره الثعلبي. وقد ذكرت لك في مقدمة السورة عن الثعلبي نفسه: أن المعتمد: أن السورة مكية ما عدا الآية الأخيرة منها فإنها مدنية، فهل يصح هذا؟!.\n ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا:﴾ هذا؛ واختلف هل كان قيام الليل فرضا، أو نفلا؟ والدلائل تقوي: أن قيامه كان فرضا، ثم نسخ، واختلف: هل كان فرضا على النبي ﷺ وحده، أو عليه، وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه، وعلى أمته؟ على ثلاثة أقوال: الأول: قول سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-؛ لتوجه الخطاب له وحده. الثاني: قول ابن عباس﵄قال: كان قيام الليل فريضة على النبي ﷺ، وعلى الأنبياء قبله. الثالث: قول عائشة، وابن عباس أيضا: أنه كان فرضا عليه وعلى أمته. انتهى. جمل، نقلا من الخطيب، والخازن، والقرطبي باختصار.\nوانظر ما اختص به النبي ﷺ من أشياء في الآية رقم [٥٠] من سورة (الأحزاب).\nواختلف في الناسخ لفريضة قيام الليل، فقيل: الصلوات الخمس. وقيل: أول هذه السورة منسوخ بآخرها. وخذ ما يلي عن زرارة بن أوفى: أن سعد بن هشام بن عامر﵁- أراد أن يغزو في سبيل الله... الحديث، وفيه فقلت لعائشة﵂-: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ؟ فقالت: ألست تقرأ ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ..﴾. إلخ؟ قلت: بلى! قالت: فإن الله ﷿ افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام ﷺ وأصحابه حولا، وأمسك الله ﷿ خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء، حتى أنزل الله ﷿ في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. وذكر الحديث. وذكر وكيع، ويعلى قالا: حدثنا مسعر عن سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس﵄يقول: لما أنزل أول ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها، وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: مكث النبي ﷺ وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزل بعد عشر سنين: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ..﴾. إلخ، فخفف الله عنهم.","vol":"10","page":248},{"text":"بعد هذا أقول وبالله التوفيق: إذا اعتمدنا ما ذكرته عن الثعلبي في المقدمة: أن أول السورة نزل في بدء الوحي، والآية الأخيرة نزلت في المدينة، فيكون ما ذكر عن عائشة، وابن عباس﵄فيه تعارض، واضطراب، وأقرب إلى الصواب أن يقال: نسخ فرضية قيام الليل كان بفريضة الصلوات الخمس. ويكون قول سعيد بن جبير أقرب من الصواب؛ لأن عشر سنين تكون بين نزول أول السورة في مكة، ونزول آخرها في المدينة. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا:﴾ فكان ذلك تخفيفا؛ إذ لم يكن زمان القيام محدودا، والمعنى: قم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث. ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أي: زد على النصف إلى الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل، أو نصفه، أو ثلثه. ولا تنس الطباق بين ﴿اُنْقُصْ﴾ و﴿زِدْ﴾ وهو من المحسنات البديعية. وبالإضافة لما ذكرته في سورة (الإسراء) رقم [٧٩]، وسورة (الفرقان) رقم [٦٤]، وسورة (السجدة) رقم [١٦] خذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁عن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله ﷿ إلى سماء الدّنيا كلّ ليلة حين يمضي ثلث الليل الأوّل، فيقول: أنا الملك! أنا الملك! من ذا الذي يدعوني، فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر». أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. وقد جاء في كتاب النسائي عن أبي هريرة، وأبي سعيد﵄قالا: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ يمهل؛ حتى يمضي شطر الليل الأوّل، ثم يأمر مناديا، يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟». وخرّج ابن ماجه من حديث ابن شهاب، عن أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة﵃ أجمعين-: أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربّنا ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر كلّ ليلة، فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر». فكانوا يستحبون صلاة آخر الليل على أوله. قال علماؤنا: وبهذا الترتيب انتظم الحديث، والقرآن، فإنهما يبصران من مشكاة واحدة. انتهى.\nقرطبي، أقول: والنزول المذكور مستمر كل ليلة إلى أن تطلع الشمس من مغربها.\nأقول: وفي معنى النزول مذهبان: مذهب الخلف التأويل، يقولون: تنزل رحمة الله ورضوانه وجوده، وكرمه، وإحسانه؛ بمعنى: تفتح أبواب ذلك. ومذهب السلف التفويض: يقولون: نزول لا نعلمه، أو يقولون: نزول يليق به تعالى. وهذا الحديث من المتشابهات، مثل قوله تعالى في سورة (طه): ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ وغير ذلك كثير.\nهذا؛ وعن عائشة﵂-: أن رسول الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا؛ وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخّر؟ قال: «أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا؟!». رواه البخاري، ومسلم. وهذا بعد أن نسخ فرضية قيام الليل عنه ﷺ، فعبادته لم تكن","vol":"10","page":249},{"text":"طمعا في جنة، ولا خوفا من نار، وإنما هي شكر لله على ما أنعم عليه من نعم كثيرة، أجلها الرسالة إلى الخلق أجمعين. والشكر يستوجب المزيد من النعم. قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.\nومعلوم أن تفطّر قدميه ﷺ وتورّم قدميه-كما في رواية أخرى-لم يكن من كثرة السجود، والركوع، والقيام، والقعود. لا، وإنما هو من إطالة القيام، والركوع، وغيرهما. فقد روي: أنه ﷺ كان يقوم الليل بأربع ركعات، يقرأ في الركعة الأولى سورة (البقرة)، وفي الثانية سورة (آل عمران)، وفي الثالثة سورة (النساء)، وفي الرابعة سورة (المائدة) وركوعه كان بمقدار خمسين آية، وسجوده بمقدار سبعين آية.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «أحبّ الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحبّ الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف اللّيل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوما، ويفطر يوما». رواه الستة.\n ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أي: اقرأه بترتيل، وتؤدة، وتبيين حروف، وإشباع حركات، بحيث يتمكن السامع من عدها. قال مجاهد: أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه. والترتيل:\nالتنضيد، والتنسيق، وحسن النظام، ومنه ثغر رتل بكسر التاء وفتحها: إذا كانت أسنانه حسنة التنضيد والنظام، وقال أبو بكر بن طاهر: تدبّر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه.\nوعن عبد الله بن عمرو﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة، فيوقف في أول درج الجنة، ويقال له: اقرأ، وارق، ورتل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها». أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.\nوعن عائشة﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ، له أجران». رواه الستة.\nهذا؛ وقيل: الترتيل: هو التوقف، والترسل، والتمهل، والتفهم، وتبيين القراءة حرفا حرفا، أثره في أثر بعض. وقيل: إن الله لما أمر بقيام الليل أتبعه بترتيل القرآن، حتى يتمكن المصلي من حضور القلب، والتأمل، والتفكر في حقائق الآيات، ومعانيها، فعند الوصول إلى ذكر الله تعالى يستشعر بقلبه عظمة المذكور، وجلاله. وعند ذكر الوعد، والوعيد يحصل الرجاء، والخوف. وعند ذكر القصص والأمثال يحصل الاعتبار، فيستنير القلب عند ذلك بنور المعرفة. والإسراع في القراءة لا يحصل فيها ذلك، فظهر بذلك: أن المقصود من الترتيل، إنما هو حضور القلب عند القراءة.\nوعن أم سلمة﵂-، وقد سألها يعلى بن مالك عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته، فقالت: مالكم وصلاته؟ ثم نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا.\nأخرجه النسائي.","vol":"10","page":250},{"text":"وعن أبي وائل شقيق بن سلمة؛ قال: جاء رجل إلى ابن مسعود؛ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. قال عبد الله﵁-: هذّا كهذّ الشعر! إن أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. وعن عائشة﵂قالت: قام النبي ﷺ بآية من القرآن. أخرجه الترمذي، وللنسائي عن أبي ذر نحوه، وزاد: والآية من سورة (المائدة): ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: يرددها في صلاته في ليله.\nوعن سهل بن سعد﵁قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، ونحن نقرأ، فقال:\n «الحمد لله كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوا القرآن قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقام السهم يتعجلون قراءته، ولا يتأجّلونه، لا يجاوز تراقيهم».\nأخرجه أبو داود، وغيره. انتهى. خازن بتصرف.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه، لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الْمُزَّمِّلُ:﴾ بدل من (أيّ). ﴿قُمِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره:\n «أنت». ﴿اللَّيْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا:﴾ مستثنى بإلا من ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿نِصْفَهُ:﴾ قال أبو البقاء:\nفيه وجهان: أحدهما: هو بدل من ﴿اللَّيْلَ﴾ بدل بعض من كل، و﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ استثناء من (نصف)، والثاني: هو بدل من ﴿قَلِيلًا﴾ وهو أشبه بظاهر الآية. انتهى. ومثله في الكشاف، والقرطبي، وعزا الأول للزجاج. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف، وتخيير. ﴿اُنْقُصْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة معطوفة على ما قبلها. (قليلا): صفة زمان محذوف متعلق بالفعل قبله، التقدير: أو انقص منه زمانا قليلا. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف، وتخيير أيضا.\n ﴿زِدْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَتِّلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (رتل): فعل أمر، وفاعله: أنت، والجملة الفعلية معطوفة أيضا. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. ﴿تَرْتِيلًا:﴾ مفعول مطلق.\n\n<span id=\"aya-5480\"></span>﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄-: قولا شديدا. وقيل: يعني: كلاما جليلا ذا خطر، وعظمة؛ لأنه كلام رب العالمين، وكل شيء له خطر ومقدار فهو ثقيل. والمعنى: صيّر نفسك مستعدة لقبول هذا القول العظيم الثقيل الشاق. وقيل: سماه ثقيلا؛ لما فيه من الأوامر، والنواهي، فإن فيه كلفة، ومشقة على الأنفس. وقيل: ثقيلا؛ لما فيه من الوعد والوعيد،","vol":"10","page":251},{"text":"والحلال والحرام، والحدود والفرائض والأحكام. وقيل: ثقيلا على المنافقين؛ لأنه يبين عيوبهم، ويظهر نفاقهم. وقيل: هو خفيف على اللسان بالتلاوة، ثقيل في الميزان بالثواب يوم القيامة. وقيل: سماه ثقيلا لما فيه من المحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ.\nوقيل: ثقيلا في الوحي، وذلك: أنه ﷺ كان إذا نزل عليه القرآن، والوحي يجد له مشقة.\nفعن عائشة﵂أن الحارث بن هشام﵁سأل رسول الله ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا، فيكلّمني، فأعي ما يقول». قالت عائشة -﵂-: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا، أخرجه البخاري، وعنها أيضا قالت: إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته، فتضرب بجرانها (صدرها) الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرّى عنه؛ يعني:\nالوحي ينتهي. رواه الإمام أحمد. وعن زيد بن ثابت﵁قال: أنزل على رسول الله ﷺ الوحي، وفخذه على فخذي، فكادت ترضّ فخذي. انتهى. خازن، وقرطبي، ومختصر ابن كثير.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿سَنُلْقِي:﴾ السين: حرف استقبال، وهو مفيد هنا للتوكيد قطعا؛ لأنه وعد من الكريم. (نلقي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْلًا:﴾ مفعول به.\n ﴿ثَقِيلًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. وعن الزمخشري قال: معترضة بين الأمر بقيام الليل، وبين تعليله الآتي.\n\n<span id=\"aya-5481\"></span>﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ:﴾ النفس الناشئة في الليل؛ التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض، وترتفع، من: نشأت السحابة، إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه، ونشر: إذا نهض.\nقال الشاعر: [الطويل]\nنشأنا إلى خوص برى نيّها السّرى... وألصق منها مشرفات القماحد\nمعنى البيت: نهضنا وقمنا إلى خوص، جمع: خوصاء، وهي الناقة المرتفعة الأعلى، الضخمة الأسفل. برى نيها: أي: أذاب شحمها سير الليل. والقماحد: جمع القمحدوة بسكون الحاء، وهو مؤخر القذال، وهي فأس الرأس المشرفة على النقرة. والمعنى: قصدنا إلى ناقة","vol":"10","page":252},{"text":"مهزولة من السّرى ورحلنا. و﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قيام الليل على أن الناشئة مصدر من: نشأ: إذا قام، ونهض على فاعلة، كالعافية، ويدل عليه ما روي عن عبيد بن عمير﵁-. قال: قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له: قام ناشئة؟ قالت: لا؛ إنما الناشئة القيام بعد النوم، ففسرت الناشئة بالقيام عن المضجع، أو الناشئة: العبادة، التي تنشأ بالليل، أي: تحدث، وترتفع. وقيل: هي ساعات الليل كلها؛ لأنها تحدث واحدة بعد أخرى. وقيل: الساعات الأول من الليل؛ لأن لفظ: «نشأ» يعطي الابتداء، فكان بالأولية أولى، ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nولولا أن يقال صبا نصيب... لقلت بنفسي النّشأ الصّغار\nوكان علي بن الحسين، الملقب بزين العابدين﵄يصلي بين المغرب، والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلّى بعد المغرب ستّ ركعات لم يتكلّم فيما بينهنّ بسوء؛ عدلن بعبادة ثنتي عشرة سنة». رواه ابن ماجه، والترمذي، وابن خزيمة. وعن عائشة﵂عن النبي ﷺ قال: «من صلّى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنة». رواه الترمذي. وعن الأسود بن يزيد﵁-. قال:\nقال عبد الله بن مسعود﵁-: نعم ساعة الغفلة! يعني الصلاة فيما بين المغرب، والعشاء. رواه الطبراني.\n ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي: إنها أثقل على المصلي من ساعات النهار، وذلك: أن الليل وقت منام، وراحة، فمن صلى فيه؛ فقد تحمل المشقة العظيمة. أو المعنى: أشد مواطأة، يواطئ القلب اللسان، إن أردت النفس، أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه، إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع، والإخلاص. وعن الحسن: أشد موافقة بين السر، والعلانية؛ لانقطاع رؤية الخلائق، ولذا قرئ: «(هي أشدّ وطاء)».\nعلى أنه مصدر: واطأت: وطاء، ومواطأة، إذا وافقته، وتواطؤوا عليه، أي: توافقوا.\nفالمعنى: أشد موافقة بين القلب، والبصر، والسمع، واللسان؛ لانقطاع الأصوات، والحركات.\nقال الله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٧] في بيان ما كان الجاهليون يفعلونه من تحليل، وتحريم: ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أي: ليوافقوا.\n ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أي: أشد استقامة، وأثبت قراءة؛ لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ناشِئَةَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لظرفه، وفاعله مستتر فيه، أو من إضافة المصدر لظرفه على حد قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣٣]: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على","vol":"10","page":253},{"text":"الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿أَشَدُّ﴾ خبرها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ..﴾. إلخ تعليل للأمر السابق، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿إِنّا سَنُلْقِي..﴾. إلخ معترضة بين التعليل والمعلل. ﴿وَأَقْوَمُ:﴾\nمعطوف على ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿قِيلًا:﴾ تمييز مثل ﴿وَطْئًا﴾. تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-5482\"></span>﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ أي: تصرفا في حوائجك، إقبالا، وإدبارا، ذهابا، وإيابا، وهو مصدر: سبح، وقد استعير من السباحة في الماء للتصرف في الحوائج، والسبح:\nالجري والدوران، ومنه: السابح في الماء لتقلبه بيديه، ورجليه، وفرس سابح: شديد الجري.\nقال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦٧]: [الطويل]\nمسحّ إذا ما السّابحات على الونى... أثرن الغبار بالكديد المركّل\nوقال تعالى في سورة (النازعات): ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحًا﴾. هذا؛ وقيل: سبحا طويلا: فراغا طويلا لنومك، وتصرفك في حوائجك أفضل من الليل، كما يتردد السابح في الماء. قال الشاعر: [الطويل]\nأباحوا لكم شرق البلاد وغربها... ففيها لكم يا صاح سبح من السّبح\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿فِي النَّهارِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من ﴿سَبْحًا﴾.\n ﴿سَبْحًا:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿طَوِيلًا:﴾ صفة ﴿سَبْحًا،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.\n<span id=\"aya-5483\"></span>﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: دم على ذكره في ليلك، ونهارك، واحرص عليه. وذكر الله تعالى يتناول كل ما كان من ذكر طيب، من تسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، وتمجيد، وتقديس، وتوحيد، وصلاة، وتلاوة قرآن، ودراسة علم، وغير ذلك مما كان الرسول ﷺ يستغرق به ساعات ليله، ونهاره. وقال الجلال: أي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء قراءتك. قال الجمل: أي: سواء قرأت في الصلاة، أو خارجها. وهذا إذا قرأ من أول السورة، وأما إذا قرأ من أثناء سورة؛ فإنه إن كان في غير الصلاة؛ سنّ له أن يبسمل، وإن كان فيها لم تسن له البسملة؛ لأن قراءة السورة بعد الفاتحة تعد قراءة واحدة.","vol":"10","page":254},{"text":"﴿وَتَبَتَّلْ:﴾ انقطع إليه في العبادة. ﴿تَبْتِيلًا:﴾ انقطاعا. التبتل: الانقطاع إلى عبادة الله ﷿، وسميت مريم البتول؛ لانقطاعها إلى الله تعالى، وعبادته. ويقال للراهب: متبتل؛ لانقطاعه عن الناس، وانفراده بالعبادة. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٥٠]: [الطويل]\nتضيء الظّلام بالعشاء كأنّها... منارة ممسى راهب متبتّل\nوفي الحديث النهي عن التبتل، وقد ذكرت في سورة (المائدة) رقم [٨٧] في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ..﴾. إلخ. رأي الدين في الكراهية لمن أراد التبتل، والانقطاع إلى العبادة، وأراد أن يسلك سبيل الرهبانية بما فيه كفاية. وجملة القول:\nفالتبتل المأمور به في القرآن: الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ سورة (البينة) رقم [٥]. والتبتل المنهي عنه في الأحاديث الشريفة هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح، والعزوف عن الدنيا، والاعتزال في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن. قال ابن العربي عن عصره: وأما اليوم وقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعزبة أفضل من التأهل.\nبعد هذا فقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف قال ﴿تَبْتِيلًا﴾ مكان: تبتلا، ولم يجئ على مصدره، أي: على تفعّل، مثل تكلّم تكلّما؟ قلت: جاء ﴿تَبْتِيلًا﴾ على بتّل نفسك إليه تبتيلا، فوقع المصدر موضع مقارنه في المعنى، فيكون التقدير: وبتل نفسك إليه تبتيلا، فهو كقوله تعالى في سورة (نوح): ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا﴾ وقيل: لأن معنى تبتل: بتل نفسك، فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل. وقيل: الأصل في تبتل أن يقال: تبتلت تبتيلا، وتبتلت تبتلا، فتبتيلا محمول على معنى تبتل إليه تبتيلا. وقيل: عدل عن هذه العبارة لدقيقة لطيفة، وهي أن المقصود إنما هو التبتل، وأما التبتيل فهو تصرف، والمشتغل بالتصرف، لا يكون متبتلا إلى الله تعالى؛ لأن المشتغل بغير الله لا يكون منقطعا إليه إلا أنه لا بد من التبتيل حتى يحصل التبتل؛ فذكر أولا التبتل؛ لأنه المقصود، وذكر التبتيل ثانيا إشعارا بأنه لا بد منه.\nانتهى. هذا؛ وتبتيل مصدر: بتل، على حد قول ابن مالك في ألفيته: [الرجز]\nوغير ذي ثلاثة مقيس... مصدره كقدّس التّقديس\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية رقم [٥] والجملة الاسمية قبلها معترضة بين المتعاطفين. ﴿وَتَبَتَّلْ:﴾ الواو: حرف عطف.","vol":"10","page":255},{"text":"(تبتل): أمر، وفاعله: «أنت». ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿تَبْتِيلًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5484\"></span>﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ،﴾ انظر الآية رقم [٤٠] من سورة (المعارج)، ففيها الكفاية، وأضيف هنا: أنه كان من حق (المشرق) و(المغرب) فتح العين، وهي الراء؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان إذا أخذ أحدهما من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها. وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب النحو، من ذلك المسجد والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر، والتحقيق: أنها أسماء نوعية، غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح. هذا؛ وتقديم (المشرق) بجميع حالاته يوحي بأفضليته على (المغرب).\n ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي: على كل من خالفك بأن تفوض إليه جميع أمورك، فإنه يكفيكها. قال البقاعي-رحمه الله تعالى-: وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل، فإن ذلك طمع فارغ، بل بالإجماع في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ليكون متوكلا في السبب، منتظرا للمسبب، فلا يهمل الأسباب، ويتركها طامعا في المسببات؛ لأنه حينئذ كمن يطلب الولد من غير زوجة، وهو مخالف لحكمة هذه الدار المبنية على الأسباب. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. وانظر التوكل في سورة (المجادلة) رقم [١٠] قال تعالى في سورة (هود) رقم [١٢٣]: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ولا تنس الطباق بين (المشرق) و(المغرب)، وهو من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿رَبُّ:﴾ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب، أو هو مبتدأ، خبره: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾. ويقرأ بالجر على أنه بدل من: ﴿رَبِّكَ﴾ مجرور على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، وجوابه (لا إله إلا الله) وقال أبو البقاء: ويقرأ بالنصب على إضمار أعني، أو بدلا من: ﴿اِسْمَ،﴾ أو بفعل يفسره: ﴿فَاتَّخِذْهُ،﴾ والقراءة الأولى، والثانية سبعيتان، والثالثة غير سبعية، و﴿رَبُّ﴾ مضاف، و﴿الْمَشْرِقِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْمَغْرِبِ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل (إنّ). ﴿إِلهَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، التقدير موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية في محل رفع خبر رب على وجه مرّ ذكره، أو","vol":"10","page":256},{"text":"جواب القسم على جره كما رأيت، أو في محل نصب حال من الضمير المستتر في (ربّ) على نصبه، والكلام مستأنف، أو معترض بين الجمل المتعاطفة. ﴿فَاتَّخِذْهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك هو الشأن، والحال؛ فاتخذه. (اتخذه):\nفعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿وَكِيلًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا».\n\n<span id=\"aya-5485\"></span>﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر على أذى هؤلاء السفهاء المكذبين فيما يتقولونه عليك من قولهم: ساحر، شاعر، مجنون. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا:﴾ الهجر الجميل: هو الذي لا أذية معه، وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ والصبر الجميل: هو الذي لا شكاية معه. وقال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٥]: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ والصفح الجميل:\nهو الذي لا عتاب معه. وما في الآية ونحوه كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أمر ﷺ بقتالهم وقتلهم، والحكمة في هذا: أن المؤمنين كانوا بمكة قلة مستضعفين، فأمروا بالصبر، وبالمجاهدة الكلامية؛ حتى يعدوا أنفسهم بهذه التربية الروحية على مناجزة الأعداء، وحتى يكثر عددهم، فيقفوا في وجه الطغيان، أما قبل الوصول إلى هذه المرحلة، فينبغي الصبر، والاقتصار على الدعوة باللسان، وهذا ما حصل، فبعد الهجرة إلى المدينة المنورة صار المسلمون أهلا للمناجزة، وحمل السلاح في وجه الكفار، كما في غزوة بدر الكبرى، وغيرها.\nبعد هذا؛ فالصبر: حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مرّ المذاق لا يكاد يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]\nالصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل\nوبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب والسنة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر على البلاء. ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢٢]: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا بذلك الصبر ثوابه من الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره، وما أشد قوته على تحمل النوائب، أو يصبر؛ لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم، لا ينيل صاحبه الدرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله، وقد يعرضه لشديد غضب الله، ونقمته.","vol":"10","page":257},{"text":"ثم اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية (البقرة)، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ..﴾. إلخ، الآية رقم [١٥٥] وما بعدها، ومن آنفها قوله تعالى في سورة (ص) في حق أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-رقم [٤٤]: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا﴾ قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾.\nالإعراب: ﴿وَاصْبِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: اصبر على الذي، أو شيء يقولونه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: اصبر على قولهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل، والكلام: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ..﴾. إلخ معترض بين الجمل المتعاطفة.\n ﴿وَاهْجُرْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اهجرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿هَجْرًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿جَمِيلًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5486\"></span>﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿وَذَرْنِي..﴾. إلخ: أي: دعني يا محمد وهؤلاء المكذبين بآياتي أصحاب الغنى، والثروة، والتنعم في الدنيا، وأصحاب الترف، والبطر، فأنا أكفيك شرهم. نزلت في صناديد قريش، ورؤساء مكة من المستهزئين. قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩٥]: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. ﴿أُولِي النَّعْمَةِ:﴾ أصحاب التنعم، والترفه، فالنعمة بفتح النون: التنعم، والمعروف، والصنيعة، والمنة، وما أنعم به عليك غيرك. وبالكسر: الإنعام. وقد تمد، كما في قوله تعالى:\n ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ سورة (هود) رقم [١٠] وبالضم: المسرة. ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ أي:\nأمهلهم زمنا يسيرا؛ حتى ينالوا العذاب الشديد. قال المفسرون: أمهلهم الله تعالى إلى أن هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة المنورة، فلما خرج من مكة؛ سلط الله عليهم السنين المجدبة، وهو العذاب العام، ثم قتل صناديدهم ببدر، وهو العذاب الخاص. هذا؛ وفي الآية تهديد ووعيد للكافرين، خذ قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٨٣]، وأيضا في سورة (المعارج) رقم [٤٢]: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وفي سورة (الحجر) رقم [٣]: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿وَذَرْنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (ذرني): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:\n «أنت»، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (المكذبين):","vol":"10","page":258},{"text":"معطوف على ياء المتكلم، أو هو مفعول معه، فهو منصوب على الاعتبارين، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿أُولِي:﴾\nصفة المكذبين منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و﴿أُولِي﴾ مضاف، و﴿النَّعْمَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَمَهِّلْهُمْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (مهلهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿قَلِيلًا:﴾\nصفة «زمان» محذوف، التقدير: زمانا قليلا، أو صفة مفعول مطلق، التقدير: تمهيلا قليلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5487\"></span><span id=\"aya-5488\"></span>﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا (١٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ لَدَيْنا:﴾ عندنا في الآخرة. ﴿أَنْكالًا:﴾ الأنكال: القيود. قاله الحسن، ومجاهد، وغيرهما، واحدها: نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة، وقد سمي نكلا؛ لأنه ينكّل به. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: أترون أن الله تعالى جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا، لا والله! ولكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا استفلت بهم، وقال الكلبي: الأنكال الأغلال، والأول أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء﵂-: [المتقارب]\nدعاك فقطّعت أنكاله... وقد كنّ قبلك لا تقطع\nوقيل: إنه أنواع العذاب الشديد. قاله مقاتل. وقد جاء: أن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب النّكل على النّكل». بالتحريك قاله الجوهري. قيل: وما النّكل؟ قال: «الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب». ذكره الماوردي. قال: ومن ذلك سمي القيد نكلا لقوته، وكذلك الغل، وكل عذاب قوي شديد. والجحيم: النار المؤججة. هذا؛ والنكال: العذاب الشديد.\nانظر سورة (النازعات) رقم [٢٥].\nهذا؛ و﴿لَدَيْنا﴾ ظرف مكان بمعنى: عند، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها، تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف «على» و«إلى»، ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر]\nإلاكم يا خناعة لا إلانا... عزا الناس الضّراعة والهوانا\nفلو برأت عقولكم بصرتم... بأنّ دواء دائكم لدانا\nوذلكم إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكم علانا","vol":"10","page":259},{"text":"ثم اعلم: أن «عند» أمكن من «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به. ويمتنع ذلك في: «لدى» ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال؛ وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة منهم: الحريري، وأبو هلال العسكري، وابن الشجري، وزعم المعري: أنه لا فرق بينهما، وقول غيره أصح. انتهى. «فتح القريب المجيب».\n ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ أي: غير سائغ، يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج، وهو الغسلين، والزقوم، والضريع. قال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ،﴾ وقال تعالى في سورة (الدخان): ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ،﴾ وقال تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وقال حمران بن أعين: قرأ النبي ﷺ: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا..﴾. إلخ، فصعق. وقال خليد بن حسان: أمسى الحسن عندنا صائما، فأتيته بطعام، فعرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا..﴾. إلخ، فقال: ارفع طعامك، فلما كانت الثانية؛ أتيته بطعام، فعرضت له هذه الآية، فقال: ارفعوه، ومثله في الثالثة، فانطلق ابنه إلى ثابت البناني، ويزيد الضبي، ويحيى البكّاء، فحدثهم، فجاؤوه، فلم يزالوا به حتى شرب سويقا. والغصة: الشجا، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غصص. والغصص (بفتح الغين): مصدر قولك: غصصت يا رجل، تغص، فأنت غاص بالطعام، وغصّان، وأغصصته أنا، والمنزل غاصّ بالقوم؛ أي: ممتلئ بهم. انتهى. قرطبي وانظر سورة (الغاشية) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ تقدم على اسمها، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء حينما اتصل به ضمير متحرك، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْكالًا:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجَحِيمًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَطَعامًا:﴾ معطوف أيضا. ﴿ذا:﴾ صفة (طعاما) منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذا﴾ مضاف، و﴿غُصَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعَذابًا:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة (عذابا).\n\n<span id=\"aya-5489\"></span>﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ:﴾ يوم تتزلزل الأرض، وتهتز بمن عليها، اهتزازا عنيفا شديدا هي، وسائر الجبال. قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾. ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا:﴾ الكثيب: الرمل المجتمع. قال حسان﵁-: [الوافر]\nعرفت ديار زينب بالكثيب... كخطّ الوحي في الورق القشيب","vol":"10","page":260},{"text":"﴿مَهِيلًا:﴾ سائلا بعد اجتماعه، والمهيل: هو الذي إذا وطئته بالقدم؛ زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله؛ انهال. وقال ابن عباس﵄-: أي: رملا سائلا متناثرا. قال ابن كثير: تصير الجبال ككثبان الرمال، بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفا، فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، كقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ أي: لا شيء يرتفع، ولا شيء ينخفض.\nانتهى. وقال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾.\nهذا؛ و(كانت) بمعنى: (تكون) والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق الوقوع، وهو مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، أما «مهيل» فهو اسم مفعول، أصله: مهيول، فقل في إعلاله:\nاجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء إلى الهاء قبلها بعد سلب سكونها، فصار (مهيول) فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين. فصار (مهيل) ثم قلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء، فصار: «مهيلا» ومثل «مهيل»: مبيع، ومعين، وغير ذلك كثير. قال عباس بن مرداس﵁-: [الكامل]\nقد كان قومك يحسبونك سيّدا... وإخال أنّك سيّد معيون\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بخبر ﴿إِنَّ﴾ المحذوف لما فيه من معنى الفعل، أي:\nاستقر للكفار لدينا كذا، وكذا. قاله الزمخشري، ومن تبعه. وقال القرطبي: أي: ينكل بهم، ويعذبون يوم ترجف. وقيل: متعلق بمحذوف صفة (عذابا). ﴿تَرْجُفُ:﴾ فعل مضارع.\n ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَالْجِبالُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَكانَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (كانت): فعل ماض ناقص، والتاء حرف لا محل له.\n ﴿الْجِبالُ:﴾ اسمها. ﴿كَثِيبًا:﴾ خبرها. ﴿مَهِيلًا:﴾ صفة ﴿كَثِيبًا،﴾ والجملة: ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-5490\"></span>﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾\nالشرح: بعد أن ذكر الله تعالى العذاب المؤلم الذي أعده للمشركين، ومكانه؛ وهو الجحيم، وآلاته؛ وهي القيود، وطعام الزقوم، ونحوه، ووقته؛ وهو عند اضطراب الأرض، وتزلزلها بمن عليها، وأراد بذلك تخويف المكذبين، وتهديدهم بأنه تعالى سيعاقبهم بذلك كله؛ إن بقوا مستمرين في تكذيبهم لرسول الله ﷺ، ثم أعقبه بتذكيرهم بما حل بالأمم الباغية التي قد خلت من قبلهم، وكيف عصت، وتمردت، فأنزل بها من أمره ما نزل، وضرب لهم المثل بفرعون الجبار فقال تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ﴾ يا أهل مكة. ﴿رَسُولًا:﴾ يعني محمدا ﷺ.","vol":"10","page":261},{"text":"﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أي: يشهد بالتبليغ، وإيمان من آمن منكم، وكفر من كفر. وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى على الأصل؛ لقال: إنا أرسلنا إليهم، انظر الالتفات في سورة (الملك) رقم [٢٠].\n ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا:﴾ يعنى موسى بن عمران، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وإنما خص فرعون، وموسى بالذكر من بين سائر الأمم، والرسل؛ لأن محمدا ﷺ آذاه أهل مكة، واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى، وآذاه؛ لأنه رباه في حجره وبلاطه، لذا قال له، كما حكى الله عنه في سورة (الشعراء) رقم [١٨]: ﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَسُولًا:﴾\nمفعول به. ﴿شاهِدًا:﴾ صفة له. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شاهِدًا،﴾ وجملة:\n ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿رَسُولًا:﴾ مفعول به، و(ما) والفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: إنا أرسلنا إليكم رسولا... إرسالا كائنا مثل إرسالنا إلى فرعون رسولا. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها.\n\n<span id=\"aya-5491\"></span>﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ:﴾ إنما عرفه لتقديم ذكره، وهذه (أل) العهدية، والعرب إذا قدمت اسما، ثم حكت عنه ثانيا، أتوا به معرفا، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره، نحو رأيت رجلا، فأكرمت الرجل، أو فأكرمته، ولو قلت: فأكرمت رجلا لتوهم: أنه غير الأول، وسيأتي تحقيق هذا في سورة (الشرح) إن شاء الله تعالى. وقد قال الرسول ﷺ: «لن يغلب عسر يسرين». انتهى. سمين.","vol":"10","page":262},{"text":"﴿فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا:﴾ شديدا. وفي القرطبي: أي: ثقيلا شديدا، وضرب وبيل، وعذاب وبيل، أي: شديد. قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه: مطر وابل، أي: شديد. قاله الأخفش. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٥]: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ وقيل:\n ﴿أَخْذًا وَبِيلًا:﴾ أخذا مهلكا، والمعنى عاقبناه عقوبة غليظة، ومنه قول أرطاة بن سهية، وهو الشاهد رقم [٦٨٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]\nأكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى... وجدت مرارة الكلا الوبيل\nوماء وبيل، أي: وخيم غير مريء، وكلأ مستوبل، وطعام وبيل، ومستوبل، إذا لم يمرئ، ولم يستمرأ. قال زهير في معلقته رقم [٣٨]: [الطويل]\nفقضّوا منايا بينهم ثمّ أصدروا... إلى كلا مستوبل متوخّم\nوقالت الخنساء: [الوافر]\nلقد أكلت بجيلة يوم لاقت... فوارس مالك أكلا وبيلا\nوالوبيل أيضا: العصا الضخمة. قال الشاعر: [الطويل]\nلو أصبح في يمنى يديّ زمامها... وفي كفّي الأخرى وبيل نحاذره\nوكذلك الموبل بكسر الباء، والموبلة أيضا: الحزمة من الحطب. وكذلك الوبيل. قال طرفة في معلقته رقم [٩٦]: [الطويل]\nفمرّت كهاة ذات خيف جلالة... عقيلة شيخ كالوبيل يلندد\nالإعراب: ﴿فَعَصى:﴾ الفاء: حرف عطف. (عصى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ فهي تؤول مثلها بالمصدر. (أخذناه): فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿أَخْذًا:﴾\nمفعول مطلق. ﴿وَبِيلًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لها حكمها.\n\n<span id=\"aya-5492\"></span>﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أي: كيف لكم بالتقوى يوم القيامة؛ إن كفرتم في الدنيا؟! المعنى لا سبيل إلى التقوى؛ إذا وافيتم يوم القيامة. وقيل: المعنى: فكيف تتقون العذاب يوم القيامة؟ وبأي:\nشيء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم؟ وكيف تنجون منه إن كفرتم في الدنيا؟ انتهى. خازن. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: أي: بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟","vol":"10","page":263},{"text":"وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: والله ما يتقي من كفر بالله ذلك اليوم بشيء. هذا؛ وانظر شرح التقوى في الآية رقم [٣] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا:﴾ فإسناد الجعل إلى اليوم مجاز عقلي؛ لأن اليوم محل جعلهم شيبا فالجعل المذكور واقع في اليوم، والجاعل حقيقة هو الله تعالى، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٢]: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ فإسناد الزيادة إلى الآيات مجاز عقلي؛ لأنها سبب في الزيادة، والذي يزيد حقيقة هو الله تعالى، وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (نوح) فهو مثله.\nهذا؛ ويصير الولدان شيبا حين يقال لآدم﵊-: قم فابعث بعث النار من ذريتك. فعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك! فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث النار. قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد؛ فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم». قالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ فقال النبي ﷺ: «أبشروا فإنّ من يأجوج ومأجوج تسعمئة وتسعة وتسعين، ومنكم واحدا»، ثم قال: «أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة!» فكبرنا، ثم قال: «ثلث أهل الجنة!» فكبرنا، ثم قال: «شطر أهل الجنة! فكبرنا». متفق عليه.\nهذا؛ وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: جعل الولدان شيبا مثل في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال. والأصل فيه: أن الهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان؛ أسرع فيه الشيب. قال أبو الطيب المتنبي: [الكامل]\nوالهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصبيّ فيهرم\nثم قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: وقد مر بي في بعض الكتب أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب، وأصبح، وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فسئل عن ذلك، فقال:\nأريت القيامة، والجنة، والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت، كما ترون.\nهذا؛ والشيب، والشيبة بياض الشعر، والمشيب عبارة عن الحيوان في زمان تكون قوته فيه غير غريزية. أما الشباب فهو الزمن الذي تكون فيه حرارة الحيوان الغريزية مشبوبة، أي: قوية مشتعلة. هذا قول الأصمعي، وقال الجوهري: الشيب، والمشيب بمعنى واحد، وخذ ما يلي لتروح عن نفسك، فقد قال أبو الطيب المتنبي: [البسيط]","vol":"10","page":264},{"text":"ضيف ألمّ برأسي غير محتشم... والشّيب أحسن فعلا منه باللّمم\nابعد بعدت بياضا لا بياض له... لأنت أسود في عيني من الظّلم\nوقال أبو تمام الطائي: [الطويل]\nله منظر في العين أبيض ناصع... ولكنّه في القلب أسود سافع\nوقال حميد بن ثور، وينسب إلى معروف بن عبد الرحمن: [الرجز]\nلكلّ دهر قد لبست أثوبا... حتّى اكتسى الرأس قناعا أشيبا\nأملح لا لذّا ولا محبّبا... أكره جلباب إذا تجلببا\nوقال أبو العتاهية: [الوافر]\nعريت من الشباب وكنت غصنا... كما يعرى من الورق القضيب\nبكيت على الشباب بدمع عيني... فلم يغن البكاء ولا النّحيب\nألا ليت الشباب يعود يوما... فأخبره بما فعل المشيب\nوخذ قول البوصيري-رحمه الله تعالى-: [البسيط]\nفإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم\nولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم\nلو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم\nالإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كَفَرْتُمْ:﴾\nفعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كفرتم؛ فكيف تتقون؟! ﴿يَوْمًا:﴾ مفعول به ل: ﴿تَتَّقُونَ،﴾ وقيل:\nهو ظرف متعلق به. وقيل: منصوب بنزع الخافض. والجملة الشرطية معترضة بين الفعل، ومفعوله. وقيل: إن يوما مفعول ل: ﴿كَفَرْتُمْ﴾ على تأويله ب: «جحدتم» والأول أقوى. ﴿يَجْعَلُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿يَوْمًا﴾. وقيل: يعود إلى الله، والمعتمد الأول. ﴿الْوِلْدانَ:﴾\nمفعول به أول. ﴿شِيبًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صفة (يوما)، وعلى اعتبار الفاعل يعود إلى (الله)، فتحتاج الجملة الفعلية إلى رابط، التقدير: يجعل فيه الولدان شيبا.","vol":"10","page":265},{"text":"<span id=\"aya-5493\"></span>﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ:﴾ متشققة فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله، هذا أحسن ما قيل به. هذا؛ ولم يؤنث ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ مع أنه خبر عن ﴿السَّماءُ،﴾ وأجيب عن ذلك بأجوبة: منها: أن هذه الصيغة صيغة نسب، أي: ذات انفطار، نحو امرأة مرضع، وحائض، أي: ذات إرضاع، وذات حيض، ومنها: أنها لم يؤنث؛ لأن السماء بمعنى السقف. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٢]: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ ومنها: أن السماء تذكر وتؤنث، ومنها: أنها اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء فيقال: سماءة، ولهذا قال الفارسي: هو كقوله تعالى في سورة (القمر) رقم [٧]: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾. و﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ رقم [٢٠] من سورة (القمر) أيضا، يعني: فجاء على أحد الجائزين.\n ﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أي: كان وعد الله بالقيامة، والحساب، والجزاء كائنا لا شك فيه، ولا خلف. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كله. انتهى.\nقرطبي. أقول: وقد ذكر ما قاله مقاتل في كثير من الآيات مثل آية (الصف) رقم [٩] ونحوه، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، أي: جند الرحمن، أما بعد أن صار المسلمون جنودا للشيطان؛ فلا ينصرون. هذا؛ وعلى عود الضمير ل: (ليوم) فيكون المعنى: وعد يوم القيامة واقعا لا ريب فيه.\nالإعراب: ﴿السَّماءُ:﴾ مبتدأ. ﴿مُنْفَطِرٌ:﴾ خبره. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما؛ لأنه اسم فاعل، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿يَوْمًا،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط: الضمير فقط. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿وَعْدُهُ:﴾ اسم (كان)، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وهذا على عود الضمير إلى الله، ولم يجر له ذكر لعلمه من المقام، وعلى عوده إلى (اليوم) فتكون الإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿مَفْعُولًا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾.\n<span id=\"aya-5494\"></span>﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هذِهِ﴾ أي: الآيات، أو السورة بكاملها. وقيل: آيات القرآن؛ إذ هو كالسورة الواحدة. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ عظة للخلق أجمعين، لما فيها من الزواجر، والقوارع. ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: فمن شاء من الغافلين الناسين، أو المعرضين كبرا وعنادا عن عبادة الله، وطاعته؛ فليستفد من هذه التذكرة قبل فوات الأوان، وليسلك طريقا موصلا إلى الرحمن بالطاعة والإيمان. فالأسباب ميسّرة، والسبل معبّدة؛ لأن الله تعالى قد أظهر الحقائق بما","vol":"10","page":266},{"text":"وضع من الحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، والدلائل القاطعة، وما يتذكر إلا أولو الأبصار.\nوما ينتفع إلا أولو الألباب. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة (الدهر) رقم [٢٩] انظر تفسيرها هناك؛ ففيها فضل زيادة.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسمها، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. والأولى اعتبارها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكره حاصلا، وواقعا؛ فمن شاء أن يتخذ مرجعا إلى ثواب ربه؛ فعل ذلك بالإيمان، والطاعة. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، ومفعوله محذوف، التقدير: شاء النجاة. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿إِلى رَبِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿سَبِيلًا﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿سَبِيلًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤] من سورة (الجن) مع صحة، وجواز اعتبار (من) اسما موصولا. هذا؛ وكلام القرطبي يوحي: أن الجواب محذوف، حيث قدر الكلام: من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك إلى ربه سبيلا، أي: طريقا إلى رضاه، ورحمته؛ فليرغب في ذلك. ولا حاجة إلى هذا التكلف بعد الذي ذكرته، والجملة الاسمية: (من شاء...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، تأمل، وتدبر.\n\n<span id=\"aya-5495\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ: أي: ربك يا محمد يعلم: أنك تقوم مع أصحابك في الليل للتهجد، والعبادة أقل من ثلثي الليل، وتارة تقومون نصفه، وتارة ثلثه. قال تعالى في سورة","vol":"10","page":267},{"text":"(الذاريات) في حق المحسنين، وفي الثناء عليهم: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وقد ذكرت لك في أول هذه السورة: أن قيام الليل كان واجبا على النبي ﷺ وعلى أصحابه، وقد كلفوا أن يقوموا ساعات من الليل طويلة، لا تقلّ عن ثلثه، كما هو صريح أول السورة. وهذه الآية بينت تنفيذه؛ لأن قيام الليل، وإحياءه بأنواع الطاعات المختلفة: من ذكر، وصلاة، وتلاوة قرآن يقوي أبدانهم، ويزكي أرواحهم، ويعودهم الخشونة في العيش، واجتناب ما عليه المترفون من الراحة، والانغماس في الملذات، كلفهم الله تعالى بذلك؛ ليعدّهم إعدادا روحانيا، وجسمانيا للقيام بأعباء الدعوة الجديدة، وتحمل المشاق في سبيل نشر هذا الدين، ويا لها من تربية كريمة مجيدة تنشئ الرجال، وتعدّ الأجيال! وانظر ما ذكرته من إخلادهم للراحة، والترف في الآية رقم [١٦] من سورة (الحديد)، وذكرت لك في أول السورة: أن هذه الآية نسخت قيام الليل الواجب على النبي ﷺ وعلى أصحابه على القول الأصح والمعتمد، وبقيت سنيته. هذا؛ وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: وإنما استعير الأدنى-وهو الأقرب-للأقل؛ لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت؛ قلّ ما بينهما من الأحياز، وإذا بعدت كثر ذلك. وقرئ بنصب (نصفه) و(ثلثه) وجرهما.\n ﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ أي: من المؤمنين كانوا يقومون الليل معك للتأسي، والاقتداء بك، ومنهم من كان لا يدري كم صلى من الليل، وكم بقي، فكان يقوم الليل كله احتياطا، فقاموا؛ حتى تورمت أقدامهم، وامتقعت ألوانهم، ولذا قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ أي:\nوالله ﷻ هو العالم بمقادير الليل، والنهار، وأجزائهما، وساعاتهما، لا يفوته علم ما تفعلون من قيام هذه الساعات في ظلمة الليل ابتغاء رضوانه. وهو تعالى المدبر لأمر الليل، والنهار بالزيادة، والنقصان. فتارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا. ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي: تحصوا الليل؛ لتقوموا فيما يجب عليكم قيامه لا بقيام جميعه، وهذا يشق عليكم.\n ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: عاد عليكم بالعفو، والتخفيف، والمعنى: عفا عنكم ما لا تحيطون بعلمه، ورفع المشقة عنكم بنسخ وجوب قيام الليل، وبقاء سنيته. وقال البيضاوي: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بالترخيص في ترك القيام المقدر، ورفع التبعة فيه، كما رفع التبعة عن التائب من الذنب. انتهى. وهذا يدل على أنه كان منهم من ترك بعض ما أمر به.\n ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، وإنما عبر عن الصلاة بالقراءة؛ لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، بل هي الركن الأهم فيها. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١١]: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي: بقراءتك ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ أي: بقراءتك، وقد استدل أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-بهذه الآية على أنه لا يجب تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة، واعتضد بحديث المسيء صلاته، الذي رواه الشيخان: «ثمّ اقرأ ما تيسر معك من القرآن».","vol":"10","page":268},{"text":"والجمهور على: أن المراد دراسة القرآن، وحفظه حتى لا يتعرض للنسيان، وعليه الشافعي -رحمه الله تعالى-؛ لذا أوجب قراءة الفاتحة في كل ركعة على الإمام، والمقتدي، والمنفرد في صلاته، واستدل بحديث عبادة بن الصامت﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». أخرجه البخاري، ومسلم. وانظر تفصيل ذلك في الآية رقم [٢٠٤] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى:﴾ والمريض يضعف عن التهجد بالليل، فخفف الله ﷿ عنه لأجل ضعفه، وعجزه عنه، فخفف عنكم رحمة بكم. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يسافرون في الأرض للتجارة، وطلب الرزق. ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ أي: يطلبون من فضل الله الرزق.\n ﴿وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني: الغزاة المجاهدين، وذلك؛ لأن المجاهد، والمسافر مشتغل بالنهار بالأعمال الشاقة، فلو لم ينم بالليل؛ لتوالت عليه أسباب المشقة، فخفف الله عنهم أجمعين.\nفأنت ترى: أن الله جلت قدرته، وتعالت حكمته سوى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه، وعياله، والإحسان، والإفضال على يتيم، أو أرملة، أو فقير بائس، فكان هذا دليلا واضحا على أن الكسب من مال حلال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله. فقد روى إبراهيم عن علقمة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد، فيبيعه بسعر يومه، إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ..﴾. إلخ». وقال ابن عمر﵄-:\nما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إليّ من الموت بين شعبتي رحلي، أبتغي من فضل الله ضاربا في الأرض. انتهى. قرطبي، وخذ ما يلي:\nفعن كعب بن عجرة﵁قال: مرّ على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحابه من جلده، ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل! فقال رسول الله ﷺ: «إن كان خرج يسعى على ولده صغارا؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء، ومفاخرة؛ فهو في سبيل الشيطان». رواه الطبراني. وأحاديث الرسول ﷺ في الترغيب في العمل كثيرة مشهورة مسطورة، والشعر العربي طافح بذلك، وخذ قول صالح بن عبد القدوس في الحكم: [الكامل]\nوإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة... وخشيت فيها أن يضيق المكسب\nفارحل فأرض الله واسعة الفضا... طولا وعرضا شرقها والمغرب\nوعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غد، فوافق سعة في السعر، فقال التجار للوكيل: إن","vol":"10","page":269},{"text":"أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا! إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال، وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافا لا عليّ، ولا لي.\nويروى: أن غلاما من أهل مكة كان ملازما للمسجد، فافتقده ابن عمر﵄-، فمشى إلى بيته، فقالت أمه: هو على طعام له يبيعه، فلقيه، فقال له: يا بني! مالك وللطعام؟ فهلاّ إبلا، فهلاّ بقرا، فهلاّ غنما، إن صاحب الطعام يحب المحل، وصاحب الماشية يحب الغيث.\n ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: صلوا ما أمكن، فأوجب الله من صلاة الليل ما تيسر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس حسب ما رأيت فيما تقدم، وكررت هذه الجملة للتأكيد. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ:﴾ الواجبة على الوجه الأكمل. ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ أي: المفروضة كاملة.\n ﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا:﴾ قال ابن عباس﵄-: يريد سوى الزكاة، من صلة الرحم، وقرى الضيف. وقيل: يريد سائر الصدقات، وذلك بأن يخرجها على أحسن وجه من كسب طيب، ومن أكثر الأموال نفعا للفقراء، ومراعاة النية، والإخلاص، وابتغاء مرضاة الله تعالى بما يخرج، والصرف إلى المستحق. وانظر سورة (الحديد) رقم [١١] فالبحث فيها واف كاف.\n ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: ثوابه، وأجره مدخر عند الله. والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان، وإحاطة ﴿هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا:﴾ يعني الذي قدمتم؛ لأنفسكم، وادخرتموه عند الله خير من الذي أخرتموه، ولم تقدموه. وروى البغوي بسنده عن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أيكم ماله أحبّ إليه من مال وارثه؟». قالوا:\nيا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه. قال: «اعلموا ما تقولون». قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله؟! قال: «ما منكم رجل إلا مال وارثه أحبّ إليه من ماله». قالوا:\nوكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «إنما مال أحدكم ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر». أي: ترك بعد موته لورثته، رواه البخاري مختصرا. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ:﴾ لذنوبكم، وتقصيركم في قيام الليل، أو استغفروا الله في جميع أحوالكم، فإن الإنسان لا يخلو من تفريط في طاعة الله تعالى. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ:﴾ لجميع ذنوب عباده؛ إن استغفروا، وتابوا. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿أَنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَقُومُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَدْنى:﴾ ظرف زمان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف متعلق بما قبله. ﴿مِنْ ثُلُثَيِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَدْنى،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت","vol":"10","page":270},{"text":"النون للإضافة، وهو مضاف، و﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿تَقُومُ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ وجملة:\n ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية هذه مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. (نصفه، أو ثلثه): بالنصب معطوفان على معنى: «أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف، أو الثلث». قاله الزمخشري. وقال أبو البقاء: معطوفان على (أدنى)، وهو قول مكي، وهو أوضح من قول الزمخشري، وعلى قراءة الجر معطوفان على (ثلثي الليل) على معنى: تقوم أقل من ثلثي الليل، وأقل من النصف، والثلث.\n ﴿وَطائِفَةٌ:﴾ معطوف على فاعل ﴿تَقُومُ﴾ المستتر، وجاز ذلك من غير تأكيد للفصل بالكلمات الكثيرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (طائفة). ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة، وعطف (طائفة) على فاعل ﴿تَقُومُ﴾ المستتر، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوإن على ضمير رفع متصل... عطفت فافصل بالضمير المنفصل\nأو فاصل ما وبلا فصل يرد... في النظم فاشيا وضعفه اعتقد\nهذا؛ ويجوز على بعد اعتبار (طائفة) فاعلا لفعل محذوف، التقدير: وتقوم طائفة، كما يجوز على بعد أيضا اعتبار (طائفة) مبتدأ، والخبر محذوفا، التقدير: وطائفة من الذين معك يقومون... إلخ. والأول أقوى. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: استئنافية. (الله): مبتدأ. ﴿يُقَدِّرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المستتر في صلة الموصول؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو فقط. ﴿اللَّيْلِ:﴾ مفعول به. ﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف عليه.\n ﴿عَلِمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تُحْصُوهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل ﴿يُقَدِّرُ﴾ المستتر؛ فلست مفندا، بل هو الأقوى، ويكون الرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها لتقربها من الحال. ﴿فَتابَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تاب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.\n ﴿فَاقْرَؤُا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اقرؤوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب","vol":"10","page":271},{"text":"شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فاقرؤوا... إلخ. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَيَسَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾. ﴿مِنَ الْقُرْآنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَيَسَّرَ،﴾ و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها.\n ﴿عَلِمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. ﴿سَيَكُونُ:﴾ السين: حرف استقبال، مفيد للتأكيد.\n (يكون): فعل مضارع ناقص. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (يكون) تقدم على اسمه. ﴿مَرْضى:﴾ اسم (يكون) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿سَيَكُونُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ و﴿إِنَّ﴾ المخففة، واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿عَلِمَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَآخَرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (آخرون): معطوف على (مرضى) مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿يَضْرِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة (آخرون). ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وإعرابها واضح. ﴿وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ معطوف على (آخرون يضربون في الأرض) وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق. هذا؛ وقيل: (آخرون)، مبتدأ، خبره جملة: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وأيضا (آخرون) الثاني مبتدأ خبره: جملة: ﴿يُقاتِلُونَ..﴾. إلخ، والمعنى لا يؤيده؛ لأنهما داخلان في معلوم الله ﷿.\n ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿قَرْضًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَنًا:﴾ صفة ﴿قَرْضًا﴾.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه. ﴿تُقَدِّمُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو: فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِأَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (ما)، و﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿تَجِدُوهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية جواب الشرط لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية.\n ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و(الله): مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير","vol":"10","page":272},{"text":"فصل لا محل له، وجاز أن يكون الضمير فصلا؛ وإن لم يقع بين معرفتين؛ لأنه وقع بين معرفة، ونكرة شبه المعرفة، وهو ﴿خَيْرًا؛﴾ لأن أفعل التفضيل يشبه المعرفة لعدم دخول (أل) عليه هنا.\n ﴿خَيْرًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَأَعْظَمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أعظم): معطوف على ما قبله.\n ﴿أَجْرًا:﴾ تمييز، بعد هذا إن اعتبرت (ما) مبتدأ فيكون مفعول ﴿تُقَدِّمُوا﴾ محذوفا، وخبر المبتدأ مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، والجملة الشرطية على الاعتبارين معترضة بين الجمل المتعاطفة؛ لأن جملة: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ معطوفة على الجمل الفعلية السابقة، والجملة الاسمية:\n (إن الله...) إلخ تعليلية لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (المزمل) شرحا وإعرابا بفضل الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4798>سورة المدّثر</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (المدثر) مكية في قول الجميع. وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: غير آية من آخرها. وهي ست وخمسون آية، ومئتان وخمس وخمسون كلمة، وألف حرف وعشرة أحرف. انتهى. خازن.\nاختلف في أول ما نزل من القرآن اختلافا طويلا، وتحقيق المعتمد منه، وطريق الجمع بين الأحاديث المتناقضة فيه: أن أول ما نزل على الإطلاق: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)،﴾ وأول ما نزل بعد فترة الوحي: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.\nفعن جابر بن عبد الله﵄عن النبي ﷺ أنه قال: «كنت على جبل حراء، فنوديت: يا محمد! إنك رسول الله، فنظرت عن يميني، وعن يساري، فلم أر شيئا، فنظرت فوقي؛ فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض-يعني: الملك الذي ناداه قاعد على كرسي بين السماء والأرض-فرعبت، ورجعت إلى خديجة، فقلت: دثروني دثروني، فنزل جبريل، وقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾».\nوعن الزهري: إن أول ما نزل سورة (اقرأ) إلى قوله تعالى: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم انقطع الوحي، فحزن رسول الله ﷺ، وجعل يعلو شواهق الجبال، فأتاه جبريل ﵇، وقال: إنك نبي الله، فرجع إلى خديجة﵂فقال: «دثّروني، وصبوا عليّ ماء باردا». فنزل: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5496\"></span><span id=\"aya-5497\"></span><span id=\"aya-5498\"></span><span id=\"aya-5499\"></span><span id=\"aya-5500\"></span><span id=\"aya-5501\"></span><span id=\"aya-5502\"></span>﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ:﴾ أصله: المتدثر، وهو الذي يتدثر في ثيابه؛ أي: يتلفف، ويتغطى ليستدفئ بها. وانظر ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ في السورة السابقة فهو مثله في إعلاله، وأجمعوا على أنه رسول الله ﷺ، وإنما سماه مدثرا؛ لقوله ﷺ لخديجة﵂-: «دثروني». وقيل: معناه:\nيا أيها المدثر بدثار النبوة، والرسالة. من قولهم: ألبسه الله لباس التقوى، فجعل النبوة كالدثار، واللباس مجازا، واستعارة.","vol":"10","page":274},{"text":"هذا؛ وقال القرطبي: هذا النداء ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب؛ إذ ناداه بحاله، وعبر عنه بصفته، فلم يقل: يا محمد! ليستشعر اللين، والملاطفة من ربه، كما رأيت في شرح ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾. هذا؛ والدثار: هو كل ما كان من الثياب فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، وقال الرسول ﷺ في مدح الأنصار: «الأنصار شعار، والناس دثار».\n ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أي: قم من مضجعك قيام عزم وجد ونشاط، وخوّف قومك من عذاب الله؛ إن لم يؤمنوا، واشتغل بالإنذار؛ الذي تحملته، ولا تلتفت لما يقوله قومك فيك من افتراءات.\n ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظم ربك، ونزهه عما يقوله عبدة الأوثان، وصفه بأنه أكبر، وأعظم من أن يكون له شريك في الملك، أو صاحبة، أو ولد. وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها، أذانا، وإقامة، وصلاة، وذكرا، وجهادا، واستعظاما للشيء العظيم، واستنكارا للشيء الغريب. وقد ذكر أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام رسول الله ﷺ. قال: «الله أكبر». وعلم: أن الشيطان لا يأمر بذلك، وكبرت خديجة﵂أيضا، وأيقنت: أن الوحي من الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4800>فائدة:</span>\nهذه الجملة تقرأ بالعكس، ولا يتغير لفظها، ولا معناها، وأيضا قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ ومثلهما قول الشاعر، وهو القاضي الجرجاني: [الوافر]\nمودّته تدوم لكلّ هول... وهل كلّ مودّته تدوم؟\nويحكى عن العماد الكاتب: أنه لقي القاضي الفاضل، وهو راكب فرسا، فقال له: سر فلا كبابك الفرس، فقال له القاضي: دام علا العماد.\n ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات؛ لأن طهارة الثياب شرط في الصلاة، لا تصح إلا بها، وهي الأولى، والأحب في غير الصلاة، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا! وقيل: هو أمر بتقصيرها، ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب، وجرهم الذيول، وذلك ما لا يؤمن معه إصابة النجاسة. وقيل: هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال، ويستهجن من العادات، يقال: فلان طاهر الثياب، وطاهر الذيل، والأردان: إذا وصفوه بالنقاء من المعايب، ومدانس الأخلاق، ومنه قول امرئ القيس. وقيل هو لأبي كبشة: [الطويل]\nثياب بني عوف طهارى نقيّة... وأوجههم بيض المسافر غرّان\nويقال: فلان دنس الثياب للغادر، وذلك؛ لأن الثوب الإنسان، ويشتمل عليه، فكنى به عنه، ومنه قول الشاعر، وكله من باب الكناية: [الرجز]\nلا همّ إنّ عامر بن جهم... أوذم حجّا في ثياب دسم","vol":"10","page":275},{"text":"أوذم الحج: أوجبه على نفسه بالإحرام، وثياب دسم: وسخة، ومعنى البيت: أنه حج، وهو متدنس بالذنوب، وملطخ بالمعاصي، والسيئات، ألا ترى إلى قولهم: أعجبني زيد ثوبه.\nكما يقولون: أعجبني زيد عقله، وخلقه. ويقولون: المجد في ثوبه، والكرم تحت حلته. قال الشاعر: [الوافر]\nويحيى لا يلام بسوء خلق... ويحيى طاهر الأثواب حرّ\nولأن الغالب: أن من طهّر باطنه، ونقّاه عني بتطهير الظاهر، وتنقيته، وأبى إلا اجتناب الخبث، وإيثار الطهر في كل شيء. انتهى. كشاف، وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فيه ثمانية أقوال: أحدها: أن المراد بالثياب: العمل. الثاني: القلب. الثالث: النفس. الرابع:\nالجسم. الخامس: الأهل. السادس: الخلق. السابع: الدين. الثامن: الثياب الملبوسات على الظاهر. وعاد فشرح كل واحد شرحا وافيا.\n ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ:﴾ أصل الرجز: العذاب، وهو بكسر الراء، وهي قراءة الجمهور، وقرأ حفص، ومجاهد بضم الراء، فقيل: هما بمعنى واحد، يراد بهما هنا الأصنام، والأوثان. وقال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٩] وقريب منها في سورة (الأعراف) رقم [١٦٢]: ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾. وذكر الرجز بمعنى العذاب أيضا في سورة (الأعراف) برقم [١٣٤] و[١٣٥]. والمعنى: اهجر ما يؤدي إلى الرجز من عبادة الأوثان، وغيرها من المآثم. والمعنى:\nالثبات على هجره؛ لأنه كان بريئا منه منزها عن كل أقذار الجاهلية. وذلك كما يقول المسلم في صلاته: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ليس معناه: أنه ليس على الهداية، بل المراد ثبتنا على هذه الهداية.\n ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي: لا تعط عطاء، وتستكثره؛ لأن الكريم يستقل ما يعطي وإن كان كثيرا. أو لا تعط عطاء؛ وأنت تطمع أن يعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب. وهذا جائز شرعا، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون نهيا خاصا برسول الله ﷺ؛ لأن الله اختار له أشرف الآداب، وأحسن الأخلاق. والثاني: أن يكون نهي تنزيه، لا تحريم له، ولأمته.\n ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي: تحلّ بالصبر لوجه الله تعالى على أذى المشركين، وعلى أعباء الرسالة، وعلى عبادته، وطاعته على جميع أوامره، ونواهيه. وينبغي أن تعلم: أن النبي ﷺ قد صار نبيا بنزول سورة (اقرأ) عليه، وبنزول سورة (المدثر) صار رسولا، لقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ:﴾ انظر مثلها في أول سورة (المزمل). ﴿قُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.\n ﴿فَأَنْذِرْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنذر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَرَبَّكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ربك): مفعول به مقدم، والكاف في","vol":"10","page":276},{"text":"محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَكَبِّرْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط محذوف، التقدير: وأيا ما كان؛ فلا تدع تكبيره؛ أي: أي شيء حدث، ووقع؛ فلا تدع تكبيره. وهو مفاد قول المفسرين، وأرى صحة اعتبار الفاء صلة، ولا حاجة لهذه التقديرات، وهذه التكلفات. (كبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب للشرط المقدر على قول المفسرين، ومعطوفة على ما قبلها على اعتبار الفاء صلة، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، والكلام عليهما مثلها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَمْنُنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿تَسْتَكْثِرُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَمْنُنْ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط، التقدير: لا تعط مستكثرا. هذا؛ وقرأ الحسن البصري «(تستكثر)» بالسكون. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿تَمْنُنْ﴾ أي: لا تر ما تعطيه كثيرا.\nوالثاني: أنّه قدّر الوقف عليه؛ لكونه رأس آية، فسكّنه لأجل الوقف، ثم وصله بنية الوقف.\nوالثالث: أن يكون سكنه لتناسب رؤوس الآية، وهي: ﴿فَأَنْذِرْ..﴾. إلخ، انتهى. قطر الندى، ومغني اللبيب. وقيل: مجزوم بجواب النهي، ولا وجه له؛ لأن المعنى يختل بتقدير إن قبل (لا) ومن شروط الجزم بعد النهي صحة وقوع «إن» قبل «لا»، إلا إذا كان المعنى: إن لا تمتن بعملك تزدد من الثواب لسلامة ذلك من الإبطال بالمن. وهذا عكس ما رأيته في الشرح. تأمل. هذا؛ وقرأ الأعمش، ويحيى بالنصب على توهم لام التعليل. قال: ولا تمنن لتستكثر. وقيل: هو على إضمار «أن» مثل قول طرفة بن العبد في معلقته رقم [٦٠]: [الطويل]\nألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟\nوقراءة الرفع سبعية، بخلاف قراءة السكون، والنصب. ﴿وَلِرَبِّكَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لربك): متعلقان بما بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: قل فيها ما رأيته بما قبلها. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ولا تنس: أن تقديم المفعول في جميع الآيات يفيد الاختصاص.\n\n<span id=\"aya-5503\"></span><span id=\"aya-5504\"></span><span id=\"aya-5505\"></span>﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ:﴾ إذا نفخ في الصور. والناقور: فاعول من النقر، وهو القرع الذي هو سبب الصوت، والنقر في كلام العرب: الصوت، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]\nأخفّضه بالنّقر لمّا علوته... ويرفع طرفا غير خاف غضيض","vol":"10","page":277},{"text":"انظر ما ذكرته في شأن «الصور» والنافخ فيه، وهو إسرافيل﵇في الآية رقم [١٣] من سورة (الحاقة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وأذكر هنا قوله تعالى في سورة (ق) رقم [٤١]: ﴿يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ فالمنادي هو إسرافيل ﵇، ونداؤه في الحشر فيقول: أيتها العظام البالية! أيتها الأوصال المتقطعة! أيتها اللحوم المتمزقة! أيتها الشعور المتفرقة! إن الله يأمركنّ أن تجتمعن لفصل القضاء.\n ﴿فَذلِكَ﴾ أي: وقت النقر، أي: النفخ في الصور. ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أي: شديد. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾\nعلى من كفر بالله، وكتابه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر خيره، وشره. ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أي: غير سهل، ولا هين، وذلك؛ لأن عقدهم لا تنحل إلا إلى عقدة أشد منها، ولا يجتازون عقبة إلا وبعدها أصعب منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين، فإن عقدهم تنحل إلى ما هو أخف منها؛ حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى.\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ و﴿عَسِيرٌ﴾ مغن عنه؟ قلت: لما قال: ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ فقصر العسر عليهم؛ قال: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا؛ ليجمع بين وعيد الكافرين، وزيادة غلظهم، وبشارة المؤمنين، وتسليتهم. ويجوز أن يراد: أنه عسير، لا يرجى أن يرجع يسيرا، كما كان يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا، بل إنهم يناقشون الحساب، وتسود وجوههم، ويحشرون زرقا، ويفتضحون على رؤوس الأشهاد.\nوعن أبي حيان؛ قال: أمّنا زرارة بن أوفى قاضي البصرة في صلاة الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ..﴾. إلخ، شهق شهقة، ثم خر ميتا -﵀-. هذا؛ والتعبير عن النفخ وعن الصور بالنقر في الناقور، لبيان هول الأمر، وشدته، فإن النقر في كلام العرب معناه: الصوت، وإذا اشتد الصوت؛ أصبح مفزعا. وينبغي أن تعلم أن الله تعالى لما ذكر ما يتعلق بإرشاد النبي ﷺ ذكر بعده وعيد الأشقياء بقوله: ﴿فَإِذا نُقِرَ..﴾. إلخ.\n ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية، أي: يوم ينقر في الناقور، و(إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما. قال تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٨٤]: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم تنظرون.\n ﴿غَيْرُ:﴾ اسم شديد الإبهام، فلا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها؛ إن فهم المعنى، أو تقدمت كلمة ليس عليها، يقال: قبضت عشرة ليس","vol":"10","page":278},{"text":"غير، وهو مبني على الفتح، أو على الضم خلاف، وإن أردت الزيادة؛ فانظر مبحثها في كتابنا:\n «فتح القريب المجيب».\nهذا؛ والمراد ب: ﴿يَوْمٌ﴾ في الآية الكريمة يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من أيام الدنيا كما في الآية رقم [٤٧] من سورة (الحج)، وأما اليوم في الدنيا فهو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت، والجمع: أيّام، وأصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع:\nأياويم، وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ رقم [٥]، ويقال: فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم، أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف سبب، واستئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿نُقِرَ:﴾\nفعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِي النّاقُورِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» أي: إسرافيل. ولا وجه له قطعا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ولا يجوز اعتبارها في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وتعليق (إذا) بجوابها؛ لأن الجواب قد اقترن بالفاء، ولا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها. أفاده ابن هشام في المغني.\n ﴿فَذلِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ بدل من اسم الإشارة مبني على الفتح في محل رفع، وبني لإضافته إلى غير متمكن، وهو (إذ)، فإنه في الأصل مبني على السكون. هذا؛ وأجيز تعليقه ب: ﴿عَسِيرٌ،﴾ ﴿يَوْمٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿عَسِيرٌ:﴾ صفة يوم. والجملة الاسمية: (ذلك...) إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَسِيرٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. أفاده ابن هشام في المغني. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ثانية ل: ﴿يَوْمٌ،﴾ و﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و﴿يَسِيرٍ﴾ مضاف إليه، كما قال ابن هشام: ويحتمل تعليق الجار والمجرور ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ ب: ﴿يَسِيرٍ،﴾ وجعل منه قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [١٨]: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ وقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [١١٤٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nفتى هو حقّا غير ملغ تولّه... ولا تتّخذ يوما سواه بديلا\nوأيضا قول أبي زبيد الطائي، وهو الشاهد رقم [١١٤١] من الكتاب المذكور: [البسيط]\nإنّ امرأ خصّني يوما مودّته... على التنائي لعندي غير مكفور","vol":"10","page":279},{"text":"<span id=\"aya-5506\"></span><span id=\"aya-5507\"></span><span id=\"aya-5508\"></span><span id=\"aya-5509\"></span><span id=\"aya-5510\"></span>﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿ذَرْنِي:﴾ اتركني، ودعني، وهي كلمة وعيد، وتهديد. ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أي:\nخلقته في بطن أمه، وأبرزته إلى الوجود وحيدا، لا مال له، ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته من النعم. وأجمع المفسرون على أنه الوليد بن المغيرة المخزومي، وإنما خصّ بالذكر؛ وإن كان الناس خلقوا مثله؛ لاختصاصه بكفر النعمة، وكثرة إيذائه للرسول ﷺ، وكان يسمى الوحيد في قومه، وريحانة قريش، وهو الذي قالوا فيه كما حكى الله عنهم في سورة (الزخرف) رقم [٣١]: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وقال قوم: إن قوله تعالى:\n ﴿وَحِيدًا﴾ يرجع إلى الرب جل وعلا على معنيين: أحدهما: ذرني وحدي معه؛ فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم. والثاني: أني انفردت بخلقه، ولم يشركني فيه أحد، فأنا أهلكه، ولا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه. وقيل: الوحيد الذي لا يعرف أبوه، وكان الوليد معروفا بأنه دعي، كما ذكرت ذلك في سورة (ن) رقم [١٣].\n ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ أي: خولته، وأعطيته مالا ممدودا، وهو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل، ونحوها، والنعم، والجنان، والعبيد، والجواري. كذا كان ابن عباس﵄يقول. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: كان له بستان لا ينقطع خيره شتاء، ولا صيفا.\n ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ أي: حضورا لا يغيبون عنه في تصرف يتمتع بلقائهم، لا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش استغناء بماله، ونعمته، ولا يحتاج أن يرسلهم في مصالحه لكثرة خدمه. أو كانوا شهودا في المحافل، والأندية لوجاهتهم، وقد كانوا عشرة، أسلم منهم ثلاثة: خالد سيف الله، وكان أسلم قبله الوليد، وهشام أسلم بعد فتح مكة، وقد زلق الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي كعادتهما، وقال به الخازن أيضا؛ حيث ذكروا إسلام عمارة، ولم يذكروا إسلام الوليد بن الوليد، علما بأن عمارة هلك على كفره في بلاد الحبشة بعد أن بعثته قريش بصحبة عمرو بن العاص إلى النجاشي ليرد المسلمين؛ الذين هاجروا إلى الحبشة إلى كفار قريش، وقد استعمل عمرو بن العاص له مكيدة، فكانت سبب هلاكه، وعمارة المذكور كان أجمل فتيان قريش، وهو الذي قدمته قريش لأبي طالب يتبناه، ويسلم لهم الرسول ﷺ، فقال لهم أبو طالب:\nأرأيتم ناقة تحن إلى غير فصيلها؟.\n ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أي: بسطت له في العيش بسطا؛ حتى أقام ببلدته مطمئنا مترفها، يرجع إلى رأيه. والتمهيد عند العرب: التوطئة، والتهيئة، ومنه: مهد الصبي. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ أي:\nمالا، وولدا، وجاها، وتمهيدا على ما أوتيه. وهو استبعاد لطمعه، أو لأنه لا مزيد على ما","vol":"10","page":280},{"text":"أوتيه؛ لأنه لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم، ومعاندة المنعم. وانظر الطمع في الآية رقم [٢٨] من سورة (الحاقة)، وانظر شرح المال في الآية رقم [١٢] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\nالإعراب: ﴿ذَرْنِي:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من):\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، أو هو معطوف على ياء المتكلم.\n ﴿خَلَقْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي خلقته. ﴿وَحِيدًا:﴾ حال من (من)، أو من ضميره المحذوف، وهو مفعول ﴿خَلَقْتُ،﴾ أو هو حال من ياء المتكلم، أو من تاء الفاعل. انظر الشرح. ﴿وَجَعَلْتُ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (جعلت): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿مالًا:﴾ مفعول به. ﴿مَمْدُودًا:﴾ صفة ﴿مالًا﴾. ﴿وَبَنِينَ:﴾\nمعطوف على ﴿مالًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿شُهُودًا:﴾ صفة (بنين)، وجملة: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَلَقْتُ..﴾. إلخ فهي في حيز صلة الموصول. ﴿وَمَهَّدْتُ:﴾ فعل، وفاعل. (له): متعلقان بما قبلهما. ﴿تَمْهِيدًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة الصلة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَطْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿أَنْ أَزِيدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل تقديره: «أنا»، والمفعول محذوف، التقدير: أن أزيده، و(أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: ثم يطمع في الزيادة على ما ذكر من المال، والبنين، والتمهيد. وجملة: ﴿يَطْمَعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة الصلة.\n\n<span id=\"aya-5511\"></span><span id=\"aya-5512\"></span>﴿كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ﴾ أي: لا أفعل، ولا أزيده. قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله، وولده؛ حتى هلك. انظر كيف كان هلاكه في الآية رقم [٩٥] من سورة (الحجر).\nوقيل: كان يقول: إن كان محمد صادقا فيما يدعيه من وجود الجنة، فما خلقت إلاّ لي. ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ أي: معاندا للنبي ﷺ، ولما جاء به. هذا؛ والعنيد: المعاند للحق، المجانب له.\nوالعنيد، والعنود، والعاند: المعاند للحق، والمخالف له، وفعله يأتي من الباب الأول، والثاني، والرابع، والخامس، والمصدر عندا، وعنودا، وعندا، وهو مأخوذ من العند، وهو الناحية، والعاند: البعير؛ الذي يجوز عن الطريق، ويعدل عن القصد، والجمع: عنّد مثل: راكع، وركّع، وأنشد أبو عبيدة قول الحارثي-وهو الشاهد رقم [١١٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]","vol":"10","page":281},{"text":"إذا ركبت فاجعلوني وسطا... إنّي كبير لا أطيق العنّدا\nوقال أبو صالح: عنيدا معناه: مباعدا. قال الشاعر: [الطويل]\nأرانا على حال تفرّق بيننا... نوى غربة إنّ الفراق عنود\nوعرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، وجمع العنيد: عند مثل رغيف، ورغف. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا:﴾\nسأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيها، والإرهاق في كلام العرب: أن يحمل الإنسان على الشيء. و«الصّعود: جبل من نار يتصعّد فيه الكافر سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدا».\nرواه أبو سعيد الخدري﵁-، عن النبي ﷺ، وخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب.\nوروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: «هو جبل من نار يكلّف أن يصعده، فإذا وضع يده؛ ذابت، فإذا رفعها؛ عادت، وإذا وضع رجله؛ ذابت، فإذا رفعها؛ عادت، يصعد سبعين خريفا، ثم يهوي كذلك». ورواه الترمذي، وأحمد، والحاكم.\nأما القول في ﴿كَلاّ﴾ فإني أنقله لك بحروفه من مغني اللبيب لابن هشام-طيب الله ثراه- لتكون على بصيرة من أمرك. قال-رحمه الله تعالى-: وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرد، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه: الردع، والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك؛ حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت ﴿كَلاّ﴾ في سورة فاحكم بأنها مكية. وفيه نظر؛ لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها، لا عن غلبته، ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتوّ سابق. ثم لا يظهر معنى الزجر في ﴿كَلاّ﴾ المسبوقة بنحو قوله تعالى في سورة (الانفطار): ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاّ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاّ،﴾ سورة (المطففين)، وقوله تعالت حكمته: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاّ..﴾. إلخ، سورة (القيامة).\nوقولهم: المعنى انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي: صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن تعسف؛ إذ لم يتقدم في الأولين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين كلاّ وذكر العجلة، وأيضا فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة (العلق)، ثم نزل قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ (٦) فجاءت في افتتاح الكلام، الوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا كلها في النصف الأخير، وذلك في خمس عشرة سورة منه، وكلها مكية. قال الديربي في تفسيره المنظوم: [الطويل]\nوما نزلت كلاّ بيثرب فاعلمن... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى\nورأى الكسائي وأبو حاتم ومن وافقهما: أن معنى الردع، والزجر ليس مستمرا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيا، يصح أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال:","vol":"10","page":282},{"text":"أحدها: للكسائي، ومتابعيه. قالوا: تكون بمعنى حقا. والثاني: لأبي حاتم، ومتابعيه. قالوا:\nتكون بمعنى «ألا» الاستفتاحية. والثالث: للنضر بن شميل، والفراء، ومن وافقهما. قالوا:\nتكون حرف جواب بمنزلة: إي، ونعم، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ..﴾. إلخ الآتي في هذه السورة، فقالوا: معناه: إي والقمر.\nوقول أبي حاتم عندي أولى من قولهما؛ لأنه أكثر اطرادا، فإن قول النضر لا يتأتّى في آيتي (المؤمنون) و(الشعراء) على ما سيأتي. وقول الكسائي لا يتأتّى في نحو قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ وقوله تعالت حكمته:\n ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ الآيات الثلاث من سورة (المطففين)؛ لأن همزة (أنّ) تكسر بعد «ألا» الاستفتاحية، ولا تكسر بعد: «حقا»، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم. وأما قول مكي: إن ﴿كَلاّ﴾ على رأي الكسائي اسم إذا كانت بمعنى حقا؛ فبعيد؛ لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية والحرفية قليل، ومخالف للأصل، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها، وإلا؛ فلم نوّنت؟!.\nوإذا صلح الموضع للردع، ولغيره؛ جاز الوقف عليها، والابتداء بها على اختلاف التقديرين. والأرجح حملها على الردع؛ لأنه الغالب فيها، وذلك نحو قوله تعالى في سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ،﴾ وقوله جل شأنه فيها أيضا: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.\nوقد تتعين للردع، أو الاستفتاح، نحو قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ لأنها لو كانت بمعنى حقا؛ لما كسرت همزة (إنّ)، ولو كانت بمعنى نعم لكانت للوعد بالرجوع؛ لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فتقول: نعم، ونحو قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وذلك لكسر (إنّ)، ولأن نعم بعد الخبر للتصديق.\nوقد يمتنع كونها للزجر، نحو قوله تعالى الآتي في هذه السورة: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ إذ ليس قبلها ما يصح رده. وقول الطبري، وجماعة: إنه لما نزل في عدد خزنة جهنم قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال بعضهم: اكفوني اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر فنزل: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ (٣٢) زجرا له هو قول متعسّف، أو تعسّف؛ لأن الآية لم تتضمن ذلك. انتهى. مغني.\nأقول: ويتلخص من هذا أن الأكثر في ﴿كَلاّ﴾ أن تكون حرف ردع زجر، وذلك إذا سبقها كلام يستدعي ذلك، ولا ردع في سورة (الانفطار)، ولا في سورة (العلق)، ولا في سورة (المطففين)، وما جرى مجراهن، وإنما هي للتنبيه، والاستفتاح كما هو واضح، وتكون بمعنى: إي، أي: حرف","vol":"10","page":283},{"text":"جواب، كما في قوله تعالى الآتي: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ ولا تكون بمعنى حقا كما بينه ابن هشام-رحمه الله تعالى-لعدم فتح همزة (إنّ) بعدها. ونقل الجمل عن السمين للنحويين فيها ستة مذاهب، والمعتمد ما لخصته لك من مغني اللبيب لابن هشام طيب الله ثراه، وجعل الجنة مأوانا، ومأواه.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر هنا. ﴿إِنَّهُ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من). ﴿لِآياتِنا:﴾\nمتعلقان بما بعدهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عَنِيدًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وفيها معنى التعليل للردع والزجر. ﴿سَأُرْهِقُهُ:﴾ السين: حرف استقبال، وهو مفيد للتأكيد هنا، تأكيد الوعيد، والتهديد. (أرهقه): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به أول.\n ﴿صَعُودًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الكلام من قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال الله تعالى: ذرني... إلخ؛ فلست مفندا.\n\n<span id=\"aya-5513\"></span><span id=\"aya-5514\"></span><span id=\"aya-5515\"></span><span id=\"aya-5516\"></span><span id=\"aya-5517\"></span><span id=\"aya-5518\"></span><span id=\"aya-5519\"></span><span id=\"aya-5520\"></span>﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاِسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أي: فكر في الأمر الذي يريده، ونظر فيه، وتدبره، ورتب في قلبه كلاما، وهيأه لذلك الأمر، وهو المراد بقوله، و﴿وَقَدَّرَ﴾ أي: وقدر ذلك الكلام في قلبه، وذلك: أن الله تعالى لما أنزل على نبيه ﷺ من سورة (غافر): ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ..﴾. إلخ إلى قوله: ﴿الْمَصِيرُ،﴾ قام النبي ﷺ في المسجد يصلي؛ والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي ﷺ لاستماعه؛ أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو، وما يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله.\nفقالت قريش: صبأ والله الوليد! لتصبونّ قريش كلها! فقال أبو جهل الخبيث: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جنب الوليد حزينا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينا يا بن أخي؟! فقال: ما يمنعني أن أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك فيها على كبر سنك، ويزعمون: أنك زينت كلام محمد، وأنك تدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة؛ لتنال من","vol":"10","page":284},{"text":"فضل طعامهما! فغضب الوليد، وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا، وولدا؟ وهل شبع محمد، وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام؟!.\nثم قام مع أبي جهل الخبيث حتى أتى مجلس قومه، فقال لهم: تزعمون أن محمدا مجنون؛ فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا: اللهم لا! قال: تزعمون: أنه كاهن؛ فهل رأيتموه قط تكهن؟ قالوا: اللهم لا! قال: تزعمون: أنه شاعر، فهل رأيتموه ينطق بالشعر قط؟ قالوا: اللهم لا! قال: تزعمون: أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟! قالوا: اللهم لا! (كان الرسول ﷺ يسمى قبل النبوة الأمين لصدقه) فقالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه، ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل، وأهله، وولده، ومواليه، فهو ساحر، وما يقوله سحر يؤثر. فذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أي: في أمر النبي ﷺ والقرآن، ﴿وَقَدَّرَ﴾ في نفسه ماذا يمكنه أن يقوله في شأنه ﷺ والقرآن. انتهى. خازن. ومثله في الكشاف، والقرطبي، وغيرهما، وانظر ما ذكرته بشأن الوليد في سورة (ن) رقم [١٠] وما بعدها. ويشبه هذا ما ذكرته بشأن عتبة بن ربيعة في صدر سورة (فصلت)، انظر رقم [١٣] منها.\n ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أي: لعن كيف قدر؟! وقال بعضهم، معناه: قهر، وغلب. وكل مذلّل مقتّل. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٣٠]: [الطويل]\nوما ذرفت عيناك إلا لتضربي... بسهميك في أعشار قلب مقتّل\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: تعجيب من تقديره، وإصابته فيه المحزّ ورميه الغرض الذي كانت تنتحيه قريش. أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به، على معنى قول القائل: قتله الله ما أشجعه! وأخزاه الله ما أشعره! للإشعار بأنه قد بلغ المبلغ، الذي هو حقيق بأن يحسد، ويدعو عليه حاسده بذلك، والجملة الثانية تأكيد للأولى.\n ﴿ثُمَّ نَظَرَ:﴾ بأي: شيء يرد الحق، ويدفعه؟ ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: كلح. ﴿وَبَسَرَ:﴾ قطب بين عينيه كالمتهم المتفكر في شيء يدبره. وقيل: كلح وجهه، وتقطب جبينه في وجوه المؤمنين، ومنه قوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ومنه قول بشر بن أبي خازم: [المتقارب]\nصبحنا تميما غداة الجفار... بشهباء ملمومة باسره\nوقال توبة بن الحمير صاحب ليلى الأخيلية: [الطويل]\nوقد رابني منها صدود رأيته... وإعراضها عن حاجتي وبسورها\nوقيل: إن ظهور العبوس في الوجه بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة.\n ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أي: ولى، وأعرض ذاهبا إلى أهله. ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي: عن الإيمان حين دعي إليه. ﴿فَقالَ إِنْ هذا﴾ أي: ما هذا الذي أتى به محمد ﷺ. ﴿إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي: سحر يأثره، وينقله عن غيره.\n ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أي: ما هذا إلا كلام المخلوقين، تنخدع به القلوب كما تنخدع بالسحر.","vol":"10","page":285},{"text":"هذا؛ و(بشر) يطلق على الإنسان ذكرا كان، أو أنثى، مفردا كان، أو جمعا، مثل كلمة الفلك، تطلق على المفرد والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم، التي هي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ و(بشر) يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم).\nولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، كما يطلق على الجمع، كما في الآية التي بين أيدينا، وقوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٢٦]: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾.\nهذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى ﴿ثُمَّ﴾ الداخلة في تكرير الدعاء؟ قلت: الدلالة على أن الكرّة الثانية أبلغ من الأولى، ونحوه قول حميد بن ثور الهلالي: [الطويل]\nومالي من ذنب إليهم علمته... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي\nنعم فاسلمي ثم اسلمي ثمّت اسلمي... ثلاث تحيات وإن لم تكلّمي\nفإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ قلت: الدلالة على أنه قد تأنّى في التأمل وتمهل وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخ وتباعد، فإن قلت: فلم قيل: ﴿فَقالَ إِنْ هذا﴾ بالفاء بعد عطف ما قبله ب: ﴿ثُمَّ؟﴾ قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبّث. فإن قلت: فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد. انتهى. كشاف.\nهذا؛ والسحر كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى، وقال الغزالي-رحمه الله تعالى-في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. انتهى. هذا؛ والمعتمد: إن تعلمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله؛ بقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فَكَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الوليد المحدث عنه، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للوعيد، والتهديد. (قدر): فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، والجملة الفعلية","vol":"10","page":286},{"text":"معطوفة على ما قبلها. ﴿فَقُتِلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قتل): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الوليد أيضا. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل ﴿قَدَّرَ﴾ بعده. ﴿قَدَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الوليد، والجملة الفعلية فيها معنى التعليل للعنه، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي مؤكدة لها، والجمل ﴿نَظَرَ،﴾ ﴿عَبَسَ،﴾ ﴿وَبَسَرَ،﴾ ﴿أَدْبَرَ،﴾ ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ معطوفة على جملة: (قتل...) إلخ وهي في محل رفع مثلها. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الوليد أيضا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى ما. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿يُؤْثَرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿سِحْرٌ،﴾ والجملة الفعلية صفة ﴿سِحْرٌ،﴾ وجملة: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ كالتأكيد لسابقتها، ولذلك لم تعطف عليها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى، و﴿قَوْلُ﴾ مضاف، و﴿الْبَشَرِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.\n\n<span id=\"aya-5521\"></span><span id=\"aya-5522\"></span><span id=\"aya-5523\"></span><span id=\"aya-5524\"></span><span id=\"aya-5525\"></span>﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ:﴾ سأدخله سقر؛ كي يصلى حرها. هذا؛ وقال الجوهري: يقال:\nصليت الرجل نارا، إذا أدخلته النّار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية، ويقال أيضا: صلي بالأمر: إذا قاسى حره وشدته، واصطليت بالنار، وتصلّيت بها إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. ﴿سَقَرَ:﴾ واد من أودية النار، ودركة من دركاتها، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في باب ما لا ينصرف: [الرجز]\nكذا مؤنث بهاء مطلقا... وشرط منع العار كونه ارتقى\nفوق الثلاث أو كجور، أو سقر... أو زيد اسم امرأة لا اسم ذكر\nوإنما سميت سقر من: سقرته الشمس: إذا أذابته، ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه. وروى أبو هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «سأل موسى ربّه، فقال: أي ربّ! أيّ عبادك أفقر؟ فقال: صاحب سقر». ذكره الثعلبي.\n ﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ:﴾ هذه مبالغة في وصفها، أي: وما أعلمك أي شيء هي؟ وهي كلمة تهويل، وتعظيم لشأنها، وأمرها. ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أي: لا تترك لهم عظما، ولا لحما، ولا دما","vol":"10","page":287},{"text":"إلا أحرقته. وكرر اللفظ تأكيدا؛ لأن اللفظين مترادفان، وهما بمعنى واحد. وقال مجاهد -رحمه الله تعالى-: لا تبقي من فيها حيا، ولا تذره ميتا، بل تحرقهم كلما جدّدوا.\nهذا؛ وقال مكي بن أبي طالب القيسي: إنما حذفت الواو من (تذر)؛ لأنه حمل على نظيره في الاستعمال، والمعنى، وهو «يدع»؛ لأنه بمعناه، ولأنهما جميعا لم يستعمل منهما ماض، فحمل «يذر» على «يدع» فحذفت فاؤه، كما حذفت في يدع، وإنما حذفت في «يدع» لوقوعها بين ياء، وكسرة، ولأن فتحة الدال عارضة، إنما انفتحت من أجل حرف الحلق، والكسر أصلها، فبني الكلام على أصله، وقدر ذلك فيه، فحذفت واو «يدع» لذلك، وحمل عليه «يذر»؛ لأنه بمعناه، ومشابه له في امتناع استعمال الماضي. انتهى. وانظر ما قيل في ماضي «يدع» في الآية رقم [٣] من سورة (الضحى).\n ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي: مغيرة للوجوه، والأبدان. من: لاحه: إذا غيره. قال أبو رزين: تلفح النار وجوههم لفحة، تدعها أشد سوادا من الليل، والعرب تقول: لاحه البرد، والحر، والسقم، والحزن: إذا غيره، ومنه قول الشاعر: [الرجز]\nتقول ما لاحك يا مسافر... يا بنة عمّي لاحني الهواجر\nوقال آخر: [الطويل]\nوتعجب هند أن رأتني شاحبا... تقول لشيء لوّحته السّمائم\nوقال لبيد﵁في معلقته رقم [٢٥]: [الكامل]\nأو ملمع وسقت لأحقب لاحه... طرد الفحول وضربها وكدامها\nوقال ابن عباس﵄-. ﴿لَوّاحَةٌ﴾ أي: تلوح للبشر من مسيرة خمسمئة عام.\nوقال الحسن وابن كيسان: تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا. قال تعالى في سورة (الشعراء):\n ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ،﴾ وفي سورة (النازعات): ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى،﴾ وفي سورة (التكاثر):\n ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. هذا؛ وفي (البشر) وجهان: أحدهما: أنه الإنس من أهل النار، والثاني: أنه جمع بشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة.\n ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي: على سقر تسعة عشر ملكا يلقون فيها أهلها. ثم قيل: هم خزنتها:\nمالك أحد العشرة الملائكة المقربين، وثمانية عشر ملكا، ويحتمل أن يكون هذا العدد نقباء، وتحت أمرهم ملائكة كثيرون. وعلى الأول أكثر المفسرين، ولا ينكر هذا؛ لأنه إذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق، كان أحرى أن يكون تسعة عشر ملكا على عذاب الخلائق.\nوقال ابن جريج: نعت النبي ﷺ خزنة جهنم، فقال: «فكأن أعينهم البرق، وكأنّ أفواههم الصياصي، يجرون أشعارهم، لأحدهم من القوة مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة، وعلى رقبته جبل، فيرميهم في النار، ويرمي فوقهم الجبل». انتهى. قرطبي وكشاف.","vol":"10","page":288},{"text":"ويروى بيد كل ملك منهم مرزبة: لها شعبتان، فيضرب الضربة، فيهوي بها في النار سبعين ألفا. وعن عمرو بن دينار-رحمه الله تعالى-: كل واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة، ومضر. وذكر ابن وهب قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ في خزنة جهنم: «ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب».\nهذا؛ وقال ابن عباس، وقتادة، والضحاك﵃-: لما نزل: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل الخبيث لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم: أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدّهم (العدد الكثير) والشجعان، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟! فقال أبو الأشد بن كلدة الجمحي، وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله الآية التالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4806>فائدة:</span>\nالبسملة تسعة عشر حرفا بعدد خزنة جهنم فليكثر المسلم من ذكرها في جميع تصرفاته، فهي حرز، وحصن من خزنة جهنم إن شاء الله تعالى.\nالإعراب: ﴿سَأُصْلِيهِ:﴾ السين: حرف استقبال، وهي تفيد تحقيق الوعيد، والتهديد. (أصليه):\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».\nوالهاء مفعول به. ﴿سَقَرَ:﴾ مفعول به ثان، أو هو ظرف مكان متعلق بما قبله، والجملة الفعلية بدل من قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قاله الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي. أو هي مستأنفة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿ما سَقَرُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث ل: (أدرى) بمعنى أعلم، والجملة الفعلية ﴿أَدْراكَ ما سَقَرُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو (ما)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُبْقِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿سَقَرَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿سَقَرَ،﴾ والرابط الضمير فقط، وهي حال مقدرة، وجملة: ﴿وَلا تَذَرُ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها، وأجيز فيهما الاستئناف، ومفعول الفعلين محذوف، التقدير: لا تبقي ما ألقي فيها، ولا تذره.\n ﴿لَوّاحَةٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي لواحة، والجملة الاسمية في محل نصب حال أخرى، أو هي مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقرئ بنصبها على الحال، وفيها ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنها حال من ﴿سَقَرَ﴾ والعامل فيها معنى التعظيم، والتهويل. والثاني: أنها حال من فاعل ﴿لا تُبْقِي﴾. والثالث: أنها حال من فاعل (لا تذر)، واعتبرها الزمخشري وتبعه البيضاوي منصوبة","vol":"10","page":289},{"text":"على الاختصاص للتهويل. وبه قال القرطبي. ﴿لِلْبَشَرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿لَوّاحَةٌ﴾. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ:﴾ جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا؛ وقد حذف تمييز العدد، كما حذف تمييز العدد في الآيتين رقم [٦٥] و[٦٦] من سورة (الأنفال)، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بالجملتين الفعليتين: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾.\n\n<span id=\"aya-5526\"></span>﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ:﴾ خزنتها. ﴿إِلاّ مَلائِكَةً﴾ أي: لم نجعلهم رجالا من جنسكم تقدرون على مقاومتهم كما تدعون. وقيل: جعلهم الله ملائكة؛ لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن، والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة، والرقة، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله، وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم مع الكافرين، ولأنهم أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا، فقوتهم أعظم من قوة الإنس، والجن، ولذلك جعل رسول البشر من جنسهم ليكون له رأفة ورحمة بهم. وهنا يرد سؤال، وهو: أنّه ثبت في الأخبار: أنّ الملائكة مخلوقون من النور؛ فكيف تطيق المكث في النار؟! أجيب بأن الله تعالى قادر على كل الممكنات، فكما لا استبعاد في أنه يبقى أهل النار في مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد، ولا يموتون، فكذا لا استبعاد في إبقاء الملائكة هناك من غير ألم.\n ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ﴾ أي: تسعة عشر. ﴿إِلاّ فِتْنَةً:﴾ اختبارا، وامتحانا للناس، ولا سيما الكفار منهم؛ لأن حال هذه العدة الناقصة واحدا من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله، وبحكمته، ويعترض، ويستهزئ، ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفي عليه وجه الحكمة. وفي البيضاوي: وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم، وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر، وهو الفتنة عن المؤثر، وهو خصوص التسعة عشر، تنبيها على أنه لا ينفك عنه، وافتتانهم به، استقلالهم له، واستهزاؤهم، واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل أكثر الثقلين. انتهى.\n ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي: ليوقن، ويتأكد الذين أعطوا التوراة، والإنجيل: أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم. ﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا﴾ يعني: من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقا بمحمد ﷺ؛ لأن ذلك العدد كان موجودا في كتابهم، وأخبر به النبي ﷺ على وفق ما عندهم من غير سابقة دراسة، وتعلم علم، إنما حصل له ذلك بالوحي السماوي، فازدادوا بذلك إيمانا، وتصديقا بمحمد ﷺ وبرسالته.","vol":"10","page":290},{"text":"﴿وَلا يَرْتابَ﴾ أي: ولا يشك. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: في عددهم. وإنما قال: ﴿وَلا يَرْتابَ،﴾ وإن كان الاستيقان يدل على نفي الارتياب، ليجمع لهم بين إثبات اليقين، ونفي الشك، وذلك أبلغ، وآكد؛ لأن فيه تعريضا بحال غيرهم، كأنه قال: وليخالف حالهم حال الناس المرتابين من أهل الكفر والنفاق.\n ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ المراد بمرض شك ونفاق، و﴿وَالْكافِرُونَ﴾ أهل مكة، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، واستعير هنا لما في قلوب المنافقين من الجهل، وفساد العقيدة.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم يكن بمكة نفاق، فكيف قال: وليقول الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون؛ وهذه السورة مكية؟! قلت: لأنه كان في علم الله تعالى أن النفاق سيحدث، فأخبره الله عما سيكون، وهو كسائر الإخبار بالغيوب، فعلى هذا تصير الآية معجزة للنبي ﷺ؛ لأنه إخبار عن غيب سيقع، وقد وقع على وفق الخبر. وقيل: يحتمل أن يراد بالذين في قلوبهم مرض أهل مكة؛ لأن فيهم من هو شاك، وفيهم من هو قاطع بالكذب. انتهى.\n ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا:﴾ يعني أي شيء أراد الله بهذا المثل العجيب، وإنما سمّوه مثلا؛ لأنه استعارة من المثل المضروب؛ لأنه مما غرب من الكلام، وبدع استغرابا منهم لهذا العدد، واستبعادا له، والمعنى: أي غرض قصد في جعل الملائكة تسعة عشر، لا عشرين، ومرادهم بذلك إنكار هذا من أصله، وإنه ليس من عند الله، فلهذا سمّوه مثلا.\n ﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل إضلال منكر هذا العدد، وهدي مصدقه والمؤمن به. ﴿يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ:﴾ إضلاله، وخزيه. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ:﴾ هدايته، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، والبراهين الساطعة ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾. ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. وانظر الالتفات في سورة (الملك) رقم [٢٠]. ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: ما يعلم عدد الملائكة وكثرتهم إلا هو جل شأنه، وتعالت حكمته، لئلا يتوهم متوهم: أنهم تسعة عشر فقط، وقد ثبت في حديث الإسراء، والمعراج في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة:\n «فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يطوفون به إذا خرجوا لم يعودوا إليه، آخر ما عليهم».\nهذا معنى حديث صحيح مخرج في الصحيحين.\nوروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر﵁-. قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى». فقال أبو ذر﵁-: والله لوددت أني شجرة تعضد! أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب.","vol":"10","page":291},{"text":"وعن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «ما في السموات السبع موضع قدم، ولا شبر، ولا كفّ؛ إلا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة؛ قالوا جميعا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك؛ إلا أنا لم نشرك بك شيئا».\nأخرجه الطبراني. وعن ابن مسعود﵁قال: إن من السموات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه قائم، ثم قرأ: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ سورة (الصافات).\n ﴿وَما هِيَ﴾ أي: وما هذه النار التي هي سقر ﴿إِلاّ ذِكْرى:﴾ عظة، وتذكير. ﴿لِلْبَشَرِ:﴾ للخلق أجمعين. هذا؛ وقيل: نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة، وهذا إذا عرف ابن آدم أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار الآخرة، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنّم». قالوا: والله إن كانت لكافية. قال: «إنها فضّلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلّهنّ مثل حرّها». رواه البخاري، ومسلم، ومالك، والترمذي. وعن أبي هريرة -﵁عن النبي ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثمّ أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة، كالليل المظلم». رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي. هذا؛ و«ألف» بالرفع نائب فاعل، وإن نصب؛ فهو ظرف، ونائب الفاعل: الجار والمجرور عليها.\nبعد هذا فمصدر الفعل ﴿يُضِلُّ﴾ الإضلال، وهو خلق فعل الضلال في العبد، والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد. هذا هو الحقيقة عند أهل السنة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، فكيف يعذبه الله؟! والجواب أن معنى خلق الضلال... إلخ. تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه، لم يختر سوى الكفر والضلال، وفعل المعاصي والسيئات، ولذا قدره الله عليه، بدليل قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٢٨]: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ وهذا بعد أن تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليكونوا مؤمنين، فأكذبهم الله بأنهم لو قدّر ردهم، ورجوعهم إلى الدنيا؛ لا يختارون إلا الكفر، والأعمال الفاسدة. هذا؛ وبالإضافة إلى اختيار الضلال بعد أن بين الله لكل واحد الخير والشر، والحسن والقبيح، كما قال الله ﷿: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير والشر، وحذر من اتباع الطرق المعوجة. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٥٣]: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وقال علماء التوحيد: ليس معنى إضلال الله لفريق، وهدايته لفريق: أنه تعالى يجبر كلاّ منهما على الضلالة، والهدى، ولا أنه تعالى يكرههم على سلوك سبيلي الخير، والشر،","vol":"10","page":292},{"text":"كلاّ؛ فإن هذا الإكراه مناف للعدل الإلهي، بل مناف لحكمة التشريع السماوي، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة القاطعة، الدالة على أن العبد له إرادة، واختيار، هما مناط التكليف والمؤاخذة، وكذلك فهم الصحابة والسلف الصالح، فقد سأل رجل عليا﵁فقال:\nأكان مسيرك إلى الشام (يعني: لقتال أهلها) بقضاء الله، وقدره؟ فقال له: ويحك! لعلك ظننت قضاء لازما، وقدرا حاتما، ولو كان كذلك لبطل الثواب، والعقاب، وسقط الوعد، والوعيد، إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا: ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾. انتهى. وعلى ضوء هذا يفهم معنى الهداية، والإضلال. انتهى. صابوني.\nولا تنس المقابلة بين ﴿يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ﴾ و﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَصْحابَ:﴾\nمفعول به أول، وهو مضاف، و﴿النّارِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَلائِكَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من مضمون الجملة الاسمية السابقة، والرابط:\nالواو فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها، والجملة التي بعدها معطوفة عليها، و﴿فِتْنَةً﴾ مفعول به ثان على حذف مضاف، التقدير: إلا سبب فتنة. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.\n ﴿لِيَسْتَيْقِنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلْنا﴾ الثانية.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَيَزْدادَ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِيمانًا:﴾ مفعول ثان. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَرْتابَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية بعده صلته لا محل لها. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾\nمعطوف على الموصول مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو... إلخ.\n (ليقول): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ..﴾.\nإلخ ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعل (يقول). ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين","vol":"10","page":293},{"text":"بمحذوف صلة الموصول؛ ف: مرض يكون فاعلا بمتعلقه، أي: بالصلة المحذوفة، وهي لا تكون إلا فعلا. ﴿وَالْكافِرُونَ:﴾ معطوف على الاسم الموصول مرفوع مثله... إلخ.\n ﴿ماذا:﴾ اسم استفهام مركب مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَرادَ اللهُ:﴾ فعل، وفاعل، وإن اعتبرت (ما) اسم استفهام مفردا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، و(ذا) اسما موصولا مبنيا على السكون في محل رفع خبره، فالجملة الفعلية: ﴿أَرادَ اللهُ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي أراده الله. والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بين الجار والمجرور، لا محل له. ﴿مَثَلًا:﴾ حال، مثل قوله تعالى:\n ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً،﴾ أو هو تمييز لاسم الإشارة.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يضل الله من يشاء إضلاله إضلالا مثل إضلال الكافرين، والمنافقين. ﴿يُضِلُّ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: يشاء إضلاله، وجملة: ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ..﴾.\nإلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿جُنُودَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل ﴿يَعْلَمُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية.\n ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ذِكْرى:﴾\nخبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلْبَشَرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿ذِكْرى،﴾ أو بمحذوف صلة لها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-5527\"></span><span id=\"aya-5528\"></span><span id=\"aya-5529\"></span><span id=\"aya-5530\"></span><span id=\"aya-5531\"></span><span id=\"aya-5532\"></span>﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ﴾ أي: لا يتعظون، ولا يتذكرون. وقيل: معناه: ليس الأمر كما يقول من زعم: أنه يكفي أصحابه خزنة جهنم. ﴿وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ..﴾. إلخ: أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته، وقدرته. والمعنى: أقسم بالقمر، وبهذه","vol":"10","page":294},{"text":"الأشياء. ومثل هذا كثير في أوائل السور، وأثنائها. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: أقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما ظهر فيها من عجائب الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: فيه مضمر، تقديره: ورب القمر، أي: المقسم به محذوف، وقد ورد التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ رقم [٢٣] من سورة (الذاريات).\nهذا؛ وفي هذه الآيات أقسام ثلاثة جوابها قوله تعالى: ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ الواو الأولى للقسم، والواوات بعدها للعطف، كما قال الخطيب، أو كل واحد منها للقسم، كما قاله السمين. أقول: والأول أقوى؛ لأن قول السمين يحوج إلى تقدير جواب لكل قسم. وقد بينت ذلك في الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وخذه، وهو قول أبي صخر الهذلي: [الطويل]\nأما والّذي أبكى وأضحك والّذي... أمات وأحيا والّذي أمره أمر\nلقد تركتني أحسد الوحش أن أرى... أليفين منها لا يروعهما الذّعر\n ﴿وَالْقَمَرِ:﴾ أقسم الله به لكثرة منافعه، وتنويها بشأنه. ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: ولى ذاهبا، وقرئ: «(دبر)» وهما لغتان، يقال: دبر، وأدبر، وكذلك: قبل الليل، وأقبل، وقد قالوا: أمس الدابر والمدبر. قال صخر بن عمرو بن الشريد السلمي أخو الخنساء﵂-: [الكامل]\nولقد قتلناكم ثناء ومواحدا... وتركت مرّة مثل أمس الدّابر\nوقيل: دبر بمعنى: أقبل. تقول العرب: دبرني فلان، أي: جاء خلفي، فالليل يأتي خلف النهار، وأقسم الله بالليل؛ لأنه وقت نزول الرحمات، ولا سيما الثلث الأخير منه، ففي الحديث الشريف: «إذا كان الثلث الأخير من الليل؛ فإن الله ينزل فيه إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر، فأغفر له؟ هل من مسترحم، فأرحمه؟ هل من مبتلى فأعافيه؟ هل من كذا؟ هل من كذا؟ حتى يطلع الفجر». أخرجه البخاري، وغيره. وهذا الحديث من المتشابهات، فالخلف يقولون: ينزل رحمته، وجوده، وكرمه، وأهل السلف يقولون: نزول لا نعلمه. وقيل: إن ابن تيمية كان يخطب على منبر دمشق، وقد قرأ الحديث، وقال: ينزل ربنا هكذا، ونزل درجات، فإن صحت الرواية عنه؛ فيكون من التجسيم.\n ﴿وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ:﴾ أضاء، وقرئ: «(سفر)»، وهما لغتان، يقال: سفر وجه فلان، وأسفر: إذا أضاء. وفي حديث النبي ﷺ: «أسفروا بالفجر، فإنّه أعظم للأجر». أي: صلوا صلاة الفجر مسفرين. وقيل: طولوها إلى الإسفار، والإسفار: الإنارة، والإضاءة، والإشراق. وهو مصدر الفعل: «أسفر» وهو بكسر الهمزة هنا، وهو بفتح الهمزة جمع: سفر، وهو الكتاب الكبير، كما","vol":"10","page":295},{"text":"رأيت في سورة (الجمعة) رقم [٥]. هذا؛ وسفرت المرأة عن وجهها، فهي سافر، وعلى هذا ففي إسفار استعارة؛ لأن معنى: سفر الثلاثي طرح الظلمة عن وجهه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4809>فائدة:</span>\nإذ، وإذا حرفا توقيت، ف: «إذ» للماضي، و«إذا» للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقال المبرد-رحمه الله تعالى-: إذا جاء «إذ» مع المستقبل كان معناه ماضيا، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ،﴾ ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ معناه: إذ مكروا، وإذا قلت. وإذا جاء (إذا) مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ،﴾ ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ،﴾ ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ معناه: يجيء.\n ﴿إِنَّها﴾ أي: سقر المذكورة فيما تقدم. ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ:﴾ لإحدى البلايا العظام، والدواهي الشداد، والكبر جمع الكبرى، مثل: الصغر جمع الصغرى، والعظم جمع العظمى. والكبر:\nالعظائم من العقوبات. قال الراجز: [الرجز]\nيابن المعلّى نزلت إحدى الكبر... داهية الدّهر وصمّاء الغير\n ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ:﴾ قيل: يحتمل أن يكون ﴿نَذِيرًا﴾ صفة ل: «النار»، والمعنى: أن النار نذير للبشر. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى من النار! وقيل:\nيجوز أن يكون ﴿نَذِيرًا﴾ صفة لله تعالى. والمعنى: أنا لكم منها نذير فاتقوها. وقيل: هو صفة للنبي ﷺ، ومعناه: يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر فأنذر. انتهى. خازن، وانظر الإعراب.\n ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أي: يتقدم في الخير، والطاعة، أو يتأخر عنهما، فيقع في الشر، والمعصية. والمعنى: أن الإنذار قد حصل لكل واحد ممن آمن، أو كفر. وقد تمسك بهذه الآية من يرى أن العبد غير مجبور على الفعل، وأنه متمكن من فعل نفسه، فيكون مثل قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. وأجيب عنه بأن مشيئته تابعة لمشيئة الله تعالى. وقيل: إضافة المشيئة إلى المخاطبين على سبيل التهديد، كقوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٠]: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ،﴾ وقيل: هذه المشيئة لله تعالى. والمعنى: لمن شاء الله منكم أن يتقدم، أو يتأخر. وبين ﴿يَتَقَدَّمَ﴾ و﴿يَتَأَخَّرَ﴾ طباق واضح.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ قيل: هي هنا حرف ردع وزجر. وقيل: هي هنا بمعنى «ألا» الاستفتاحية، وعلى الأول يوقف عليها، ويبتدأ بما بعدها، وعلى الثاني يوقف على: (البشر) ويبتدأ بها.\n ﴿وَالْقَمَرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿وَاللَّيْلِ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل القسم المقدر.\n ﴿أَدْبَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الليل)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿وَالصُّبْحِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الصبح): معطوف على ما قبله. ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل القسم المقدر. ﴿أَسْفَرَ:﴾ فعل ماض،","vol":"10","page":296},{"text":"والفاعل يعود إلى (الصبح)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿إِنَّها:﴾ (إنّ):\nحرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَإِحْدَى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (إحدى): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و(إحدى) مضاف، و﴿الْكُبَرِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها..﴾. إلخ جواب القسم: ﴿وَالْقَمَرِ﴾ وما عطف عليه، وإن اعتبرت كلّ لفظ قسما مستقلا، فالجملة الاسمية جواب للأول، وحذف جواب القسمين الآخرين لدلالة الأول عليهما.\n ﴿نَذِيرًا:﴾ فيها أوجه: أحدها: أنه تمييز عن إحدى لما تضمنته من معنى التعظيم، كأنه قيل:\nأعظم الكبر إنذارا. والثاني: أنه مصدر بمعنى الإنذار أيضا، ولكنه نصب بفعل مقدر. قاله الفراء. الثالث: أنه فعيل بمعنى: مفعل، وهو حال من الضمير في ﴿إِنَّها﴾. قاله الزجاج. الرابع:\nأنه حال من الضمير في (إحدى) لما تضمنته من معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم الكبر منذرة.\nالخامس: أنه حال من فاعل ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ في أول السورة. السادس: أنه مصدر منصوب ب: (أنذر) أول السورة. السابع: أنه حال من ﴿الْكُبَرِ﴾. الثامن: أنه حال من ضمير ﴿الْكُبَرِ﴾. التاسع: هو حال من (إحدى الكبر). قاله ابن عطية. العاشر: أنه منصوب بإضمار: أعني. وقيل غير ذلك.\nانتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وذكر أبو البقاء سبعة أوجه، مما تقدم، ثم قال: وفي هذه الأقوال ما لا نرتضيه، ولكن حكيناها، والمختار أن يكون حالا مما دلت عليه الجملة، تقديره:\nعظمت عليه نذيرا. انتهى. وقرئ برفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي نذير.\n ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من قوله ﴿لِلْبَشَرِ﴾ بإعادة الجار. هذا؛ وأجاز الزمخشري، وتبعه البيضاوي اعتبار الجار والمجرور خبرا مقدما، والمصدر المؤول مبتدأ مؤخرا. وهو ضعيف معنى، كما هو واضح. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد. ﴿مِنْكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿شاءَ﴾ المستتر، و(من) بيان لما أبهم في: (من).\n ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (من)، والمصدر المؤول من:\n ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في محل نصب مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتَأَخَّرَ:﴾ معطوف على ما قبله فهو داخل معه في المصدرية، والمفعولية وجملة: ﴿شاءَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5533\"></span><span id=\"aya-5534\"></span><span id=\"aya-5535\"></span><span id=\"aya-5536\"></span><span id=\"aya-5537\"></span>﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ:﴾ مرتهنة بكسبها، مأخوذة بعملها، إما خلّصها، وإما أوبقها، وليست أي: ﴿رَهِينَةٌ،﴾ تأنيث (رهين) في قوله تعالى في سورة (الطور) رقم [٢١]: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ لتأنيث النفس، وإنما هو بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل:\nكل نفس بما كسبت رهين، ومنه قول عبد الرحمن بن زيد العذري: [الطويل]","vol":"10","page":297},{"text":"أبعد الّذي بالنّعف نعف كويكب... رهينة رمس ذي تراب وجندل؟\nومعنى الآية: كل نفس محبوسة بعملها. ومنه قول الرسول ﷺ: «الغلام مرتهن بعقيقته».\nبمعنى: لا ينفع والديه إذا لم يعق عنه؛ أي: محبوس عن الشفاعة لوالديه عند الله بكسبها، لا تنفك حتى تؤدي ما عليها من الحقوق، والعقوبات. ﴿إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ أي: الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، أو الذين يؤخذ بهم ذات اليمين، فإنهم غير مرتهنين بذنوبهم في النار؛ لأنهم فكوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة، كما يفك الراهن رهنه بأداء الحق الذي عليه. وجملة القول فيهم: إنهم الذين آمنوا الإيمان الكامل، واجتنبوا الأعمال الموبقات، وحافظوا على الطاعات بقدر استطاعتهم استجابة لأمر ربهم: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية رقم [١٦] من سورة (التغابن).\n ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي: يسأل بعضهم بعضا. ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: الذين استحقوا الخلود في النار. قال الجلال: وهذا التساؤل يكون بعد إخراج الموحدين من النار. والمعنى: أن أصحاب اليمين يسألون من أخرجوا من النار عن المجرمين الذين بقوا فيها مخلدين. ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ:﴾ في المخاطبين بهذا السؤال وجهان: الأول: هم من أخرجوا من النار من الموحدين.\nوالثاني: هم الكافرون الذين استحقوا الخلود. والسؤال سؤال توبيخ وتقريع على الوجهين، فعلى الأول يسأل بعضهم بعضا، وعلى الثاني يسألون عن غيرهم.\nهذا؛ وقيل: يكون السؤال مشافهة للكافرين المخلدين حينما يراهم المؤمنون في النار. قال الكلبي: فيسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه، فيقول له: يا فلان! أقول:\nوتقول المرأة من أهل الجنة للمرأة من أهل النار: يا فلانة! ما سلكك في سقر؟ وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ و﴿سَلَكَكُمْ﴾ أدخلكم، وقوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٢٠٠]: ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: أدخلناه. أما قوله تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا﴾ فهو بمعنى:\nلتتخذوا. هذا؛ والسلك: إدخال الشيء، في الشيء كالخيط في المخيط، والرمح في المطعون.\nالإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَهِينَةٌ﴾ بعدهما، و(ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والرابط، أو العائد محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كسبته، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبها. ﴿رَهِينَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَصْحابَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ و﴿أَصْحابَ﴾ مضاف، و﴿الْيَمِينِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَصْحابَ الْيَمِينِ،﴾ أو من واو الجماعة في ﴿يَتَساءَلُونَ﴾","vol":"10","page":298},{"text":"قاله أبو البقاء، وقال الجمل نقلا عن السمين: متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير:\nهم في جنات، والجملة الاسمية هذه مستأنفة؛ لأنها بمنزلة جواب سؤال نشأ من الاستثناء، كأنه قيل: فما شأنهم، وحالهم؟ ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ الذي رأيت تقديره، أو هي مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجاز السمين تعليق الجار والمجرور ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ بالفعل ﴿يَتَساءَلُونَ﴾. ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله، وهناك مضاف محذوف، التقدير: عن حال المجرمين.\n ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿سَلَكَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقولون: ما سلككم، وهذه الجملة مفسرة ل: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾. ﴿فِي سَقَرَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث. انظر قول ابن مالك فيما تقدم.\n\n<span id=\"aya-5538\"></span><span id=\"aya-5539\"></span><span id=\"aya-5540\"></span><span id=\"aya-5541\"></span><span id=\"aya-5542\"></span>﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: المجرمون الذين أسلكوا في سقر. ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ أي: لم نؤد الصلاة، ولم نعتقد بفرضيتها. وانظر ما أذكره في سورة (الماعون) إن شاء الله تعالى. ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أي: لم نكن نتصدق، ونحسن إلى الفقراء، والمساكين. قال ابن كثير: مرادهم في الآيتين: ما عبدنا ربنا، ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا. ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ أي:\nوكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغواية، والضلالة، ونقع معهم فيما لا ينبغي من الأباطيل.\nوالخوض: هو كثرة الكلام بما لا ينبغي من الباطل، وشبهه. هذا؛ والخوض الدخول في الشيء كالماء، ونحوه، وقد استعير هنا للحديث بالباطل، والبهتان، والافتراء. وخذ قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الآية رقم [٦٨] من سورة (الأنعام)، وانظر سورة (المعارج) رقم [٤٢].\n ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أي: نكذب بيوم القيامة، وبالجزاء، والمعاد. وإنما أخره لتعظيمه، والتنويه بشأنه؛ لأنه أعظم جرائمهم، وأفحشها. وهذا تخصيص بعد تعميم؛ لأن الخوض في الباطل عام شامل لتكذيب يوم الدين، وغيره، أي: وكنا بعد ذلك كله مكذبين بيوم القيامة.\n ﴿حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾ أي: حتى جاءنا الموت، ومقدماته، ونحن في تلك المنكرات، والضلالات، فإنه متيقن لحاقه كل حي مخلوق. وكان عمر بن عبد العزيز﵁يقول:","vol":"10","page":299},{"text":"ما رأيت يقينا أشبه بالشّكّ من يقين الناس بالموت، ثمّ لا يستعدّون له. هذا؛ وقال تعالى في الآية رقم [٩٩] من سورة (الحجر): ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ انظرها هناك ففيها بحث قيم.\nهذا؛ و﴿نَكُ﴾ أصله: (نكون) فلما دخل الجازم، صار لم نكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار (لم نكن) ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز، وغير لازم، وله شروط أن يكون مضارعا ناقصا من (كان)، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا يتصل به ضمير متحرك، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير فقد ذكر هذا اللفظ باختلاف أحرف المضارعة في ثمانية وعشرين موضعا، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢٤٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nإذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم\nوقول الخنجر بن صخر الأسدي، وهو الشاهد رقم [٢٤٣] من كتابنا المذكور: [الطويل]\nفإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم\nهذا؛ وقرئ شاذا قوله تعالى في أول سورة (البينة): (لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين...) إلخ، ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]\nدع الخمر تشربها الغواة فإنني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها\nفإلاّ يكنها أو تكنه فإنه... أخوها غذته أمّه بلبانها\nوأخيرا خذ قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nومن مضارع لكان منجزم... تحذف نون وهو حذف ما التزم\nالإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَمْ:﴾\nحرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْمُصَلِّينَ:﴾ جار مجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿نَكُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:\n ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها وهي في المعنى جواب الاستفهام. ﴿وَلَمْ نَكُ:﴾ مثل سابقه.\n ﴿نُطْعِمُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْمِسْكِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿نَكُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمه. ﴿نَخُوضُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا.","vol":"10","page":300},{"text":"﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و﴿الْخائِضِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ:﴾ مثل ما قبله في إعرابه، وفي محله. ﴿بِيَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(يوم) مضاف، و﴿الدِّينِ:﴾ مضاف إليه. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها: «أن» مضمرة. ﴿أَتانَا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل نصب بأن المضمرة، و(نا): مفعول به.\n ﴿الْيَقِينُ:﴾ فاعله، و«أن» المضمرة والفعل (أتى) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿نُكَذِّبُ﴾.\n\n<span id=\"aya-5543\"></span><span id=\"aya-5544\"></span><span id=\"aya-5545\"></span><span id=\"aya-5546\"></span>﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾\nالشرح: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ..﴾. إلخ: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين، وذلك أن قوما من أهل التوحيد عذّبوا بذنوبهم، ثم شفع فيهم، فرحمهم الله بتوحيدهم، والشفاعة، فأخرجوا من النار، وليس للكفار شفيع يشفع فيهم. فهي نفي للشفاعة فيهم من أصلها، ومثله في سورة (غافر) رقم [١٨]: ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾. هذا؛ وقال عبد الله بن مسعود: يشفع نبيكم ﷺ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم ﷺ، ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ..﴾. إلخ قال عبد الله بن مسعود﵁-: فهؤلاء هم الذين يبقون في جهنم. وقال عمران بن حصين -﵁-: الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون.\nهذا؛ والشفاعة في الأصل التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى الشفيع.\nوالشفاعة في الآخرة لا تكون إلا حسنة؛ لأنها لطلب الخير الخالص، وأما في الدنيا فتكون حسنة، وأكثرها سيئة، فالشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. والدستور في ذلك قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٥]: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾. هذا؛ وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله. فعن النبي ﷺ قوله: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك». فذلك النصيب.\n ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي: فما لهؤلاء المشركين معرضين عن القرآن، وآياته، وما فيه من المواعظ البليغة، والنصائح القيمة، والإرشادات العظيمة؟! قال مقاتل-رحمه الله تعالى-:","vol":"10","page":301},{"text":"الإعراض عن القرآن من وجهين: أحدهما: الجحود، والإنكار، والوجه الآخر: ترك العمل بما فيه. أقول: والأول يشمل الكافرين. والثاني يشمل المسلمين المستهترين بلا ريب، ولا شك.\n ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد ﷺ. ﴿حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ:﴾ قال ابن عباس﵄-: أراد الحمر الوحشية. أي: نافرة، وقرئ بفتح الفاء بمعنى: منفّرة مذعورة، يقال: نفرت، واستنفرت، بمعنى واحد. ﴿فَرَّتْ:﴾ نفرت، وهربت. ﴿مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أي:\nأسد، شبههم الله تعالى بالحمر النافرة مذمة لهم، وتهجينا، وقال ابن عباس﵄-:\nالحمر الوحشية إذا عاينت الأسد؛ هربت، كذلك هؤلاء المشركون إذا رأوا محمدا ﷺ هربوا منه كما يهرب الحمار من الأسد، ثم قال: والقسورة: الأسد. وفي كتاب الحيوان للدميري للأسد أكثر من مئة اسم. هذا؛ وقال بعض أهل اللغة: إن القسور: الرامي، وجمعه: القسورة. وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن كيسان: القسورة هم الرماة والصيادون، ورواه عطاء عن ابن عباس﵄-، وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري. وروى أبو جمرة عن ابن عباس﵄قال: ما أعلم القسورة الأسد في لغة أحد من العرب، ولكنها عصب الرجال. قال: فالقسورة جمع: الرجال، وأنشد: [الرجز]\nيا بنت كوني خيرة لخيّره... أخوالها الجنّ وأهل القسورة\nوقال زيد بن أسلم: ﴿مِنْ قَسْوَرَةٍ:﴾ من رجال أقوياء، وكل شديد عند العرب فهو: قسورة، وقسور، وقال لبيد بن ربيعة﵁-: [الطويل]\nإذا ما هتفنا هتفة في نديّنا... أتانا الرّجال العائدون القساور\nو(حمر) جمع: حمار، وهو معروف، يكون وحشيا، ويكون أهليا، وأنثاه: أتان، ويقال:\nحمارة أيضا، ويجمع على: حمير، وحمر، وحمور، وحمرات. وكلها للكثرة، ويجمع جمع قلة على: أحمرة. قال الراعي النميري، أو القتال الكلابي، وهو الشاهد رقم [٣٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nهنّ الحرائر لا ربّات أحمرة... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور\nوالحمار الأهلي يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات؛ التي مشى فيها؛ ولو مرة واحدة، وبحدة السمع، وللناس في مدحه، وذمه أقوال متباينة بحسب الأغراض، وقد أطال الدميري الكلام عليه في كتابه: «حياة الحيوان». هذا؛ والالتفات من التكلم في الآيات السابقة إلى الغيبة في هذه الآيات ظاهر لا خفاء فيه. انظر الالتفات في الآية رقم [٢٠] من سورة (الملك)، ولا تنس التشبيه التمثيلي بقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ..﴾. إلخ.\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (ما): نافية. ﴿تَنْفَعُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿شَفاعَةُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الشّافِعِينَ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية","vol":"10","page":302},{"text":"مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿حُمُرٌ:﴾\nخبرها. ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ:﴾ صفة ﴿حُمُرٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال ثانية من الضمير المجرور باللام، أو من الضمير المستتر في ﴿مُعْرِضِينَ،﴾ فهي حال متداخلة، وأجاز أبو البقاء اعتبارها بدلا من ﴿مُعْرِضِينَ﴾. ﴿فَرَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿حُمُرٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿حُمُرٌ﴾ ثانية، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم و«قد» قبلها مقدرة. ﴿مِنْ قَسْوَرَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n\n<span id=\"aya-5547\"></span><span id=\"aya-5548\"></span>﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ..﴾. إلخ: إضراب انتقالي عن محذوف هو جواب الاستفهام السابق، كأنه قيل: فلا جواب لهم عن هذا السؤال، أي: لا سبب لهم في الإعراض، بل يريد... إلخ جمل. وفي الخطيب: وذلك: أن أبا جهل، وجماعة من قريش. قالوا: يا محمد! لن نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء، عنوانه: من رب العالمين إلى فلان بن فلان، ونؤمر فيه باتباعك. ونظيره ما حكاه الله من قولهم في سورة (الإسراء) رقم [٩٣]: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾. وقال ابن عباس﵄-: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقا؛ فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته، وأمنه من النار. وقال الكلبي:\nإن المشركين قالوا: يا محمد! بلغنا: أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبا عند رأسه ذنبه وكفارته، فائتنا بمثل ذلك. والمراد من الآية بيان تفننهم، وإمعانهم في الضلالة.\n ﴿كَلاّ﴾ أي: لا يكون ذلك؛ لأن إنزال الصحف، والكتب من السماء خاص بالأنبياء، والمرسلين. ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ﴾ أي: لا يخافون عذاب الآخرة، ولو خافوا عذاب النار؛ لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام الأدلة؛ لأنه لما حصلت المعجزات الكثيرة، وشاهدوها بأعينهم؛ كفت في الدلالة على صحة النبوة، فطلب الزيادة يكون من باب التعنت. وانظر شرح ﴿اِمْرِئٍ﴾ في الآية رقم [٣٤] من سورة (عبس).\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿اِمْرِئٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿اِمْرِئٍ﴾. ﴿أَنْ يُؤْتى:﴾ فعل","vol":"10","page":303},{"text":"مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿اِمْرِئٍ،﴾ تقديره: «هو»، وهو المفعول الأول. ﴿صُحُفًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿مُنَشَّرَةً:﴾ صفة ﴿صُحُفًا﴾. و﴿أَنْ يُؤْتى﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿بَلْ يُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي مثل سابقه. ﴿كَلاّ:﴾ نافية. ﴿يَخافُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْآخِرَةَ:﴾ مفعول به، وهو على حذف مضاف، التقدير: عذاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-5549\"></span><span id=\"aya-5550\"></span><span id=\"aya-5551\"></span>﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ إِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ عظة بالغة. هذا؛ وأنث في سورة (عبس) في قوله: ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ لتأنيث الخبر. ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: فمن شاء أن يذكره، ولا ينساه، ويجعله نصب عينيه؛ فليفعل، فإن فائدة ذلك راجعة إليه. وقال الزمخشري: والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ و﴿ذَكَرَهُ﴾ للتذكرة في قوله: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذكر؛ لأنها في معنى الذكر، أو القرآن.\n ﴿وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أي: إلا أن يشاء الله لهم الهدى، فيتذكروا، ويتعظوا، فهو كقوله تعالى في سورة (الدهر) رقم [٣٠]: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله. وقال الزمخشري ميلا إلى اعتزاله: يعني إلا أن يقسرهم على الذكر، ويلجئهم إليه؛ لأنه مطبوع على قلوبهم معلوم: أنهم لا يؤمنون اختيارا. قال ابن كثير: وفيه تسلية للنبي ﷺ، وترويح عن قلبه الشريف مما كان يخامره من إعراضهم عنه، وتكذيبهم له.\n ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي: هو جل وعلا أهل لأن يتقى لشدة عقابه، وأهل؛ لأن يغفر الذنوب لكرمه، وسعة رحمته. قال الآلوسي: أي: حقيق بأن يتقى عذابه ويطاع، وحقيق بأن يغفر لمن آمن به، وأطاعه. انتهى. صفوة التفاسير.\nهذا؛ وعن أنس﵁عن رسول الله ﷺ: أنه قال في هذه الآية، «يقول الله تعالى: أنا أهل أن أتّقى، فمن اتّقاني، فلم يجعل معي إلها؛ فأنا أهل أن أغفر له». أخرجه أحمد، والترمذي، والحاكم، وابن ماجه. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي بعض التفاسير: هو أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبار، وأهل المغفرة أيضا للذنوب الصغار باجتناب الذنوب الكبار.\nهذا؛ وأهل في هذه الآية بمعنى: مستوجب، ومستحق، ومالك، وصاحب، وفي الدعاء:\nاللهم عاملنا بما أنت له أهل، ولا تعاملنا بما نحن له أهل. وهو يصلح للواحد، والجمع،","vol":"10","page":304},{"text":"والتذكير، والتأنيث، ومستأهل لكذا بمعنى ما تقدم، واستأهله: استوجبه لغة جيدة، وإنكار الجوهري باطل. انتهى. قاموس بتصرف كبير مني. و(أهل) اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط. والأهل: العشيرة، وذو القربى. ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع، وأهل بيت النبي ﷺ: أزواجه، وبناته، وصهره علي﵁والرجال من نسله، والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات. وبالأولين قرئ قوله تعالى في سورة (التحريم) رقم [٦]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ تكرير لما قبلها، وتوكيد لها. وقيل: هي هنا بمعنى «ألا» الاستفتاحية.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو»، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿ذَكَرَهُ:﴾\nفعل ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب:\n «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤] من سورة (الجن). هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، وجملة ﴿شاءَ﴾ صلتها، وجملة ﴿ذَكَرَهُ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية على الاعتبارين معطوفة على ما قبلها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَذْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وعلى اعتباره بمعنى: يتعظون فهو لازم لا مفعول له، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف استثناء. ﴿أَنْ يَشاءَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ ومفعوله محذوف. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَشاءَ﴾ في محل نصب على الاستثناء، قدره أبو البقاء: إلا وقت مشيئة الله ﷿. وقال مكي: أو في موضع خفض على إضمار الخافض؛ أي: إلا بمشيئة الله تعالى، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب مستثنى من عموم الأحوال. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَهْلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿التَّقْوى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها.\nانتهت سورة (المدثر) شرحا، وإعرابا، بحمد الله، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4815>سورة القيامة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (القيامة) مكية، وهي أربعون آية، ومئة وتسع وتسعون كلمة، وستمئة واثنان وخمسون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5552\"></span><span id=\"aya-5553\"></span>﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ (٢)﴾\nالشرح: ﴿لا أُقْسِمُ..﴾. إلخ: اختلف في ﴿لا﴾ على أوجه: أحدها: قيل: إنها صلة، أي:\nزائدة، وجاز وقوعها في أول السورة؛ لأن القرآن متصل بعضه ببعض، فهو في حكم كلام واحد، ولهذا قد يذكر الشيء في سورة، ويجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى في سورة (الحجر) رقم [٦]: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ،﴾ وجوابه: قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ومعنى الكلام: أقسم بيوم القيامة. قاله ابن عباس، وابن جبير، وأبو عبيدة﵃-. ومثله قول الشاعر: [الطويل]\nتذكّرت ليلى فاعترتني صبابة... فكاد صميم القلب لا يتقطّع\nأراد: فكان صميم القلب يتقطع. وحكى أبو الليث السمرقندي: أجمع المفسرون: أن المعنى: أقسم، وقال الخازن: وفيه ضعف؛ لأن القرآن في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض، لا أن تقرن سورة بما بعدها، فذلك غير جائز. انتهى. وهو الحق الذي لا محيص عنه. وقال بعضهم: ﴿لا﴾ رد لكلامهم؛ حيث أنكروا الحشر، والنشر. فقال: ليس الأمر كما تزعمون، وهذا قول الفراء، فقد قال: وكثير من النحويين يقولون (لا) صلة، ولا يجوز أن يبدأ بجحد (نفي) ثم يجعل صلة؛ لأن هذا لو كان كذلك؛ لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه (لا نفي فيه) ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام بالرد عليهم، وإدخال (لا) النافية على فعل القسم مستفيض في كلام العرب، وأشعارهم. قال امرؤ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]\nفلا وأبيك ابنة العامريّ... لا يدّعي القوم أنّي أفر\nوأيضا قول المتنخل الهذلي-وهو الشاهد رقم [١٠٨٦] من كتابنا المذكور-: [الوافر]","vol":"10","page":306},{"text":"فلا والله نادى الحيّ قومي... هدوّا بالمساءة والعلاط\nقالوا: وفائدتها: تأكيد القسم في الرد كقولك: لا والله ما ذاك! تريد والله! فيجوز حذفها، لكنه أبلغ في الرد مع إثباتها. هذا؛ وقيل: اللام لام الابتداء، فأشبعت بالمد. فتولدت الألف، ويؤيده قراءة ابن كثير: «(لأقسم)» بغير ألف المد، ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر، وعلى هذه القراءة فاللام لام الابتداء، وجملة: (أقسم بيوم القيامة) في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: لأنا أقسم بيوم القيامة، ولو أريد به الاستقبال؛ للزمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال، وهو شاذ، وعن قراءة الباقين بالمد، ولا خلاف في قوله تعالى:\n ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ في المد؛ لأنه يختل المعنى بالقصر. وانظر ما ذكرته عن ابن هشام في الآية رقم [٧٥] من سورة (الواقعة)، وفي سورة (الحاقة) رقم [٣٨].\nهذا؛ و﴿أُقْسِمُ﴾ في هذه الآية وغيرها بمعنى: أحلف، وأصله من: القسامة، وهي الأيمان تقسم على الأولياء في دم القتيل الملوث به شخص، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب. وماضيه رباعي، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وهي همزة قطع، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة، كما رأيته في الآية رقم [٥٥] من سورة (الروم) والحمد لله. هذا؛ وأما قسم الثلاثي، فإنه بمعنى: جزأ، وفرق. قال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٢]: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ومضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل، وهو متعدّ إذا كان ثلاثيا من القسمة كما في آية (الزخرف)، ولازم إذا كان رباعيا بمعنى الحلف كما في هذه السورة، وغيرها، لكنه يتعدى بحرف الجر.\nوأخيرا: فالقسم بيوم القيامة، وأشباهه برب هذه الأشياء على الحقيقة، فكأنه قال: برب القيامة... إلخ. وقيل: لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، ووجه المناسبة بالجمع بين (يوم القيامة) و(النفس اللوامة) بالقسم أن في يوم القيامة تظهر أحوال النفوس اللوامة من الشقاوة، أو السعادة، فلهذا حسن الجمع بينهما في القسم. وقيل: إنما وقع القسم بالنفس اللوامة، على معنى التعظيم لها، من حيث أنها أبدا تستحق فعلها، واجتهادها في طاعة الله تعالى. وقيل: إنه أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة، فكأنه قال: أقسم بيوم القيامة تعظيما لها، ولا أقسم بالنفس اللوامة تحقيرا لها؛ لأن النفس الكافرة، أو الفاجرة، لا يقسم بها. انتهى. خازن بتصرف.\nأما يوم القيامة؛ فهو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من: قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. هذا؛ وروى البغوي في تفسير القيامة عن المغيرة بن شعبة. قال: يقولون: القيامة، وقيامة أحدهم موته، وشهد علقمة جنازة، فلما دفنت؛ قال: أما هذا فقد قامت قيامته. وفيه ضعف لاتفاق المفسرين على أن المراد","vol":"10","page":307},{"text":"به: القيامة الكبرى لسياق الآيات في ذلك. انتهى. خازن. وأقول: القيامة: كبرى، وصغرى، فالكبرى: هي خروج الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، والصغرى: هي موت كل إنسان.\nهذا؛ وأما النفس؛ فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس، والنفس: تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا أم أنثى؟ فعلى الأول قيل: جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرطب، فتكون سارية في جميع البدن.\nقال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود. قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى:\nروحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار. وهذا ما تدل عليه الآثار الصحاح.\nهذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أن النفس خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية، ويزاد: الملهمة، والكاملة. فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشهوات، وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق، لكن بقي فيها ميل للشهوات؛ سميت: لوامة. وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات؛ سميت: ملهمة، فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشهوانية حكم أصلا؛ سميت مطمئنة. فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سميت راضية. فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سميت كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدمت.\nوأخيرا خذ ما ذكره القرطبي-رحمه الله تعالى-وفي الخبر عن النبي ﷺ: أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شر غاية، وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجمعتموه أفضى بكم إلى خير غاية؟». قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب! قال: «فو الّذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم». انتهى. هذا؛ وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس من نفس برة، ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة، إن عملت خيرا؛ قالت: كيف لم أزدد، وإن عملت شرا؛ قالت: يا ليتني أقصرت عن الشر!».\nالإعراب: ﴿لا:﴾ انظر ما قيل فيها من أوجه الإعراب في الشرح. ﴿أُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِيَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(يوم) مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف","vol":"10","page":308},{"text":"إليه، والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها من الإعراب، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها مع ملاحظة: أنه لا يجوز اعتبار (لا) صلة؛ لأنه يختل المعنى عن ذلك. ﴿اللَّوّامَةِ:﴾ صفة النفس.\n\n<span id=\"aya-5554\"></span><span id=\"aya-5555\"></span>﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)﴾\nالشرح: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ﴾ أيظن الإنسان. وحسب، يحسب من باب: تعب في لغة جميع العرب إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس. وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها. والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا. هذا؛ والحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر، كالظن بخلاف الشك، فهو الوقوف بينهما. أما العلم؛ فهو القطع على أحدهما. والحسبان، والظن يتعلقان بمضامين الجمل، للدلالة على جهة ثبوتها، ولذلك اقتضى كل واحد منهما مفعولين متلازمين، أصلهما مبتدأ وخبر، أو ما يسد مسدهما. وانظر شرح ﴿الْإِنْسانُ﴾ في الآية رقم [١٩] من سورة (المعارج). ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ أي: نعيدها خلقا جديدا بعد أن صارت رفاتا، ورميما مختلطة التراب، وبعدما نسفتها الرياح، فطيرتها في أباعد.\nنزلت هذه الآية في عدي بن ربيعة حليف بني زهرة، وهو ختن الأخنس بن شريق الثقفي، وكان الرسول ﷺ يقول: «اللهم اكفني جاري السوء: عدي بن ربيعة، والأخنس بن شريق».\nوذلك أن عديا أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد! حدثني متى تكون القيامة؟ وكيف أمرها، وحالها؟ فأخبره النبي ﷺ، فقال عدي: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك، ولم أؤمن بك، أو يجمع الله العظام؟! فأنزل الله ﷿: ﴿أَيَحْسَبُ..﴾. إلخ. بعد هذا أقول: إن ما تعنت به عدي شبيه بما تعنت به أبيّ بن خلف الجمحي، كما رأيت في الآية رقم [٧٧] من سورة (يس).\n ﴿بَلى:﴾ انظر الآية رقم [٩] من سورة (الملك). ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ:﴾ يعني: أنامله، فنجعل أصابع يديه، ورجليه شيئا واحدا كخف البعير، أو كحافر الحمار، فلا يقدر أن يرتفق بها بالقبض، والبسط، والأعمال اللطيفة، كالكتابة، والخياطة، وغيرهما. وقيل: المعنى أيظن الكافر أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفريقها، وتفتتها بعد الموت؟ بلى نقدر على جمع عظامه؛ حتى نعيد السلاميات على صغرها إلى أماكنها، ونؤلف بينها حتى تستوي البنان، فمن يقدر على جمع العظام الصغار؛ فهو على جمع كبارها أقدر، وهذا القول أقرب إلى الصواب.\nهذا؛ والبنان جمع، أو اسم جمع ل: بنانة؟ قولان، والبنان عند العرب: الأصابع واحدها:\nبنانة. قال النابغة الذبياني: [الكامل]\nبمخضّب رخص كأنّ بنانه... عنم يكاد من اللطافة يعقد\nوقال عنترة: [الوافر]","vol":"10","page":309},{"text":"وأنّ الموت طوع يدي إذا ما... وصلت بنانها بالهندواني\nهذا؛ وقال الأستاذ محمد علي الصابوني في كتابه «التبيان في علوم القرآن»: في القرن الماضي سنة [١٨٨٤] استعملت في انكلترا رسميا طريقة للتعرف على الشخص بواسطة بصمات الأصابع، وأصبحت هذه الطريقة متبعة في جميع البلاد، وذلك؛ لأن بشرة الأصابع مغطاة بخطوط دقيقة، وعلى عدة أنواع (أقواس، عراو، دوّامات) وهذه الخطوط لا تتغير مدى الحياة، وجميع أعضاء الجسم تتشابه أحيانا، ولكن الأصابع لها مميزات خاصة؛ إذ إنها لا تتشابه، ولا تتقارب، وهنا المعجزة الإلهية، فلماذا اختار الله سبحانه بنان الإنسان في إقامة الدليل على البعث؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ..﴾. إلخ. انتهى. وانظر قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٢]:\n ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿أَيَحْسَبُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (يحسب): فعل مضارع. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله.\n ﴿أَلَّنْ:﴾ (أن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه.\n (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَجْمَعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿عِظامَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: (لن نجمع...) إلخ في محل رفع خبر (أن)، و(أن) واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يحسب)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب. ﴿قادِرِينَ:﴾ حال من فاعل فعل محذوف، التقدير: بلى نجمعها قادرين، ونقل عن سيبويه:\nأنه يعتبره مفعولا ثانيا. والنقل غير صحيح. وقيل: خبر ل: «كان» محذوفة، التقدير: بلى كنا قادرين.\nوفيه ضعف؛ لأنه ليس من المواضع التي تحذف فيها (كان). وقرئ شاذا برفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: بلى نحن قادرون. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿نُسَوِّيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بَنانَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، و﴿أَنْ نُسَوِّيَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿قادِرِينَ؛﴾ لأنه جمع اسم فاعل، لذا ففيه ضمير مستتر تقديره: «نحن».\n\n<span id=\"aya-5556\"></span><span id=\"aya-5557\"></span>﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ﴾ أي: الكافر. ﴿لِيَفْجُرَ أَمامَهُ﴾ أي: ليدوم على فجوره، وعصيانه فيما يستقبله من الزمان ما عاش، لا ينزع عن المعاصي، ولا يتوب. وقال سعيد بن جبير﵁-: يقدم الذنب، ويؤخر التوبة، ويقول: سوف أتوب، سوف أعمل؛ حتى يأتيه الموت على سوء حاله، وشر أعماله. وقال ابن عباس﵄-: يكذب بما أمامه من البعث، والحساب. انتهى. وسمي الكافر، والفاسق فاجرا؛ لميله عن الحق. هذا؛ ومما يدل على أن","vol":"10","page":310},{"text":"الفجور التكذيب ما ذكره القتبي، وغيره: أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب﵁-، وشكا إليه نقب إبله، ودبرها، وسأله أن يحمله على غيرها، فلم يحمله، فقال الأعرابي-وهذا هو الشاهد رقم [٥١٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الرجز]\nأقسم بالله أبو حفص عمر... ما مسّها من نقب ولا دبر\nفاغفر له اللهمّ إن كان فجر\nيعني: إن كان كذبني فيما ذكرت. ﴿يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ أي: متى يكون يوم القيامة؟! والمعنى: أن الكافر يسأل سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة، وهو كقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ،﴾ وقد رد الله عليهم بقوله في سورة (سبأ): ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي، ويصح أن تكون عاطفة. قال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: ﴿بَلْ يُرِيدُ﴾ عطف على (يحسب) فيجوز أن يكون مثله استفهاما، وأن يكون إيجابا. ﴿يُرِيدُ الْإِنْسانُ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة ب: ﴿بَلْ﴾. ﴿لِيَفْجُرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾ تقديره: «هو»، و«أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعليه فالمفعول محذوف، التقدير:\nيريد الإنسان الثبات، والدوام على ما هو عليه من الفجور، والتكذيب بيوم القيامة. هذا؛ ويجوز اعتبار اللام صلة، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به محلا، وفي محل جر باللام لفظا، فيكون التقدير: بل يريد الإنسان الفجور، وقد ورد التصريح بذلك في قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٢]: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ..﴾. إلخ، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له؛ لما فيها من معنى التقوية. وهناك قول ثالث: أن اللام بمعنى «أن» الناصبة، وأنها ناصبة للفعل بنفسها. قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع «أن» في: (أراد، وأمر) وإليه ذهب الكسائي أيضا. انتهى. سمين في غير هذا الموضع. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢٦]: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ،﴾ والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام): ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ والآية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب)، والآية رقم [٨] من سورة (الصف)، ومثل ذلك كله قول كثير عزة-وهو الشاهد رقم [٣٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nأريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل\n ﴿أَمامَهُ:﴾ ظرف مكان استعير للزمان هنا متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿يَسْئَلُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾ تقديره: «هو»، وهو معلق عن العمل لفظا","vol":"10","page":311},{"text":"بسبب الاستفهام بعده. ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿يَوْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي ﴿يَسْئَلُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، وقال أبو البقاء: تفسير ل: (يفجر) فتكون مفسرة، مستأنفة، أو بدلا من الجملة قبلها؛ لأن التفسير يكون بالاستئناف، وبالبدل. انتهى. نقلا عن السمين.\n\n<span id=\"aya-5558\"></span><span id=\"aya-5559\"></span><span id=\"aya-5560\"></span><span id=\"aya-5561\"></span>﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ:﴾ يقرأ الفعل بفتح الراء من باب: دخل، فيكون المعنى: لمع بصر الكافر من شدة شخوصه، فتراه لا يطرف. قال مجاهد، وغيره: هذا عند الموت. وقال الحسن:\nهذا يوم القيامة. أقول: فيكون كقوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ رقم [٤٢]، وقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٩٧]: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. هذا؛ وقرأ الكثيرون:\n ﴿بَرِقَ﴾ بكسر الراء من باب: تعب، ومعناه: تحيّر، فلم يطرف. قاله أبو عمرو، والزجاج، وغيرهما. قال ذو الرمة: [الطويل]\nولو أنّ لقمان الحكيم تعرّضت... لعينيه ميّ سافرا كاد يبرق\nوقال الفراء، والخليل: برق بالكسر: فزع، وبهت، والعرب تقول للإنسان المتحير المبهوت: قد برق فهو برق، وأنشد الفراء قول طرفة بن العبد: [المتقارب]\nفنفسك فانع ولا تنعني... وداو الكلوم ولا تبرق\nأي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك. وقيل: إن كسر الراء وفتحها لغتان بمعنى واحد.\nانتهى. قرطبي بتصرف. وأجمل القول الجلال-رحمه الله تعالى-، فقال: بكسر الراء، وفتحها:\nدهش وتحيّر؛ لما رأى ممّا كان يكذب به.\n ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ أي: ذهب ضوءه. والخسوف في الدنيا ينجلي، بخلاف الآخرة، فإنه لا يعود ضوءه. هذا؛ وانظر الخسف في الآية رقم [١٦] من سورة (الملك). وقد قرئ (خسف) بالبناء للمعلوم، والمجهول. ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي: جمع بينهما في ذهاب ضوئهما، وقال النسفي -رحمه الله تعالى-: أي: جمع بينهما في الطلوع من المغرب، أو جمعا في ذهاب الضوء، أو يجمعان، فيقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى. وقال ابن عباس، وابن مسعود﵄-: جمع بينهما، أي: قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين مقرنين،","vol":"10","page":312},{"text":"كأنهما ثوران عقيران. وقال عطاء بن يسار-رحمه الله تعالى-: يجمع بينهما يوم القيامة، ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى. وقال علي وابن عباس﵄-: يجعلان في الحجب، وقد يجمعان في نار جهنم؛ لأنهما قد عبدا من دون الله، ولا تكون النار عذابا لهما؛ لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين، وحسرتهم.\n ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ:﴾ الكافر، والظالم، والفاسد، والمفسد. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم إذ برق البصر، وخسف القمر، وجمع... إلخ. ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ أي: المهرب، والملجأ، والملاذ. قال نفيل بن حبيب الحميري-وهو ممن كان في جند أبرهة الذي قصد هدم الكعبة المعظمة، فقصمه الله، وهو الشاهد رقم [٥٥١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٢٣] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الرجز]\nأين المفرّ والإله الطّالب... والأشرم المغلوب ليس الغالب؟\nويحتمل في الآية المفر من الله استحياء منه، أو من نار جهنم حذرا منها. هذا؛ ويقرأ بفتح الميم، والفاء، على أنه مصدر، ويقرأ بفتح الميم، وكسر الفاء على أنه اسم مكان. ويقرأ بكسر الميم وفتح الفاء على أنه الإنسان الجيد الفرار. وعليه فالمعنى: أين الإنسان الجيد الفرار، فهل ينجو من عذاب الله، وانتقامه؟! قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦٤] في وصف حصانه: [الطويل]\nمكرّ مفرّ مقبل مدبر معا... كجلمود صخر حطّه السيل من عل\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَجُمِعَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (جمع): فعل ماض مبني للمجهول، ولم يؤنث لأمرين: أولهما: لأن الشمس مؤنث مجازي، والثاني: لعله من باب تغليب القمر على الشمس. ﴿الشَّمْسُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَالْقَمَرُ:﴾ معطوف على ﴿الشَّمْسُ﴾.\n ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مع مقولها جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَقُولُ﴾. و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَفَرُّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.","vol":"10","page":313},{"text":"<span id=\"aya-5562\"></span><span id=\"aya-5563\"></span><span id=\"aya-5564\"></span>﴿كَلاّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ انظر الآية رقم [١٦] من سورة (المدثر). ﴿لا وَزَرَ﴾ أي: لا ملجأ من النار يتحصن به من استحق دخولها من الكافرين، والظالمين، والفاسقين، والفاجرين. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٤٧]: ﴿ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾.\nهذا؛ والوزر في اللغة: ما يلجأ إليه من حصن، أو جبل، أو غيرهما. قال الشاعر: [المتقارب]\nلعمري ما للفتى من وزر... من الموت يدركه والكبر\nقال السدي: كانوا في الدنيا إذا فزعوا؛ تحصنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذ مني. قال طرفة: [الرمل]\nولقد تعلم بكر أنّنا... فاضلو الرّأي وفي الرّوع وزر\nوقال الخازن: وأصل الوزر: الجبل المنيع. وكل ما التجأت إليه، وتحصنت به فهو وزر، ومنه قول كعب بن مالك: [البسيط]\nالناس آلت علينا فيك ليس لنا... إلاّ السّيوف وأطراف القنا وزر\nهذا؛ و﴿وَزَرَ﴾ مصدر، وهو بفتح الواو، والزاي، ويأتي المصدر أيضا بفتح الواو، وكسرها مع سكون الزاي، لكنه بمعنى: الإثم، والثقل. قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١٨]: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى،﴾ ومن المعنيين يؤخذ اسم وزير السلطان، فإنه يحمل ثقل دولته، ويلجأ إليه السلطان في المهمات، فيستشيره بذلك. ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم يبرق البصر، ويخسف القمر، ويجمع الشمس، والقمر. ﴿الْمُسْتَقَرُّ:﴾ المرجع، والمصير، وهو كقوله تعالى في سورة (النجم) رقم [٤٢]: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾. قال الصابوني: والمقصود من الآيات: بيان أهوال الآخرة، فالأبصار تنبهر يوم القيامة، وتخشع، وتحار من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده من الأمور العظيمة، والإنسان يطيش عقله، ويذهب رشده، ويبحث عن النجاة، والمخلص، ولكن هيهات! فقد جاءت القيامة، وانتهت الحياة. انتهى.\n ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ أي: يخبر الإنسان في ذلك اليوم بجميع أعماله، صغيرها، وكبيرها، وعظيمها، وحقيرها، ما قدمه منها في حياته، وما أخره بعد مماته، من سنة حسنة، أو سيئة، وسنّها في حياته، سواء كان برا، أو فاجرا، صالحا، أو طالحا. ونحو الآية قوله تعالى في سورة (المجادلة) رقم [٦]: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾.\nوخذ ما يلي: ومعنى الآية الكريمة ما تقدم، وهو جيد، وخذ قول أبي العتاهية الصوفي-رحمه الله تعالى-: [الوافر]","vol":"10","page":314},{"text":"فلو أنّا إذا متنا تركنا... لكان الموت راحة كلّ حيّ\nولكنّا إذا متنا بعثنا... ونسأل بعد ذا عن كلّ شيّ\nخرج ابن ماجه في سننه من حديث الزهري: حدثني أبو عبد الله الأغر عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ ممّا يلحق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته علما علّمه، ونشره، وولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورّثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته، وحياته، تلحقه من بعد موته». وخرجه أبو نعيم الحافظ بمعناه من حديث قتادة عن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «سبع يجري أجرهنّ للعبد بعد موته؛ وهو في قبره، من علّم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته».\nانتهى. قرطبي.\nوعن حذيفة﵁قال: سأل رجل على عهد رسول الله ﷺ فأمسك القوم، ثم إن رجلا أعطاه، فأعطى القوم، فقال رسول الله ﷺ: «من سنّ خيرا فاستنّ به؛ كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا، فاستنّ به كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه الإمام أحمد، ورواه الإمام مسلم بأطول من هذا عن جرير بن عبد الله البجلي. هذا؛ وانظر شرح «نبأ، ينبئ» في الآية رقم [٣] من سورة (التحريم) فإنه جيد جدا، ولا تنس الطباق بين ﴿قَدَّمَ﴾ و(أخر).\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر هنا. ﴿كَلاّ:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿وَزَرَ:﴾\nاسم ﴿كَلاّ﴾ مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: لا وزر له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل المستقر، ولا يتعلق به؛ لأنه مصدر، ولا يتقدم معمول المصدر عليه، وإن كان اسم مكان؛ فلا عمل له ألبتة. انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول: ومن المعلوم أنه يتوسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسع بغيرهما، ﴿الْمُسْتَقَرُّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها على الاعتبارين.\n ﴿يُنَبَّؤُا:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بما قبله، و(إذ) في محل جر بالإضافة، وانظر في الشرح تقدير الجملة المضاف إليها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء.\n ﴿قَدَّمَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الإنسان، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء قدمه، وأخره. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.","vol":"10","page":315},{"text":"<span id=\"aya-5565\"></span><span id=\"aya-5566\"></span>﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ:﴾ قال الأخفش: جعل الله الإنسان هو البصيرة، كما تقول للرجل: أنت حجة على نفسك، والبصيرة: الحجة. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٠٤]: ﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾. وقال الزمخشري: بصيرة: حجة بينة، وصافات بالبصارة على المجاز، كما وصافات الآيات بالإبصار في قوله تعالى في سورة (النمل) رقم [١٣]: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾.\nوقال ابن عباس﵄-: أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه، يداه بما بطش بهما، ورجلاه بما مشى عليهما، وعيناه بما أبصر بهما. والبصيرة: الشاهد، ودليل هذا التأويل قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٢٤]: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وجاز تأنيث (البصيرة) لأن المراد بالإنسان هنا: جوارحه؛ لأنها شاهدة على نفس الإنسان، فكأنه قال: بل الجوارح على نفس الإنسان بصيرة. انتهى. قرطبي. وعلى قول ابن عباس﵄تكون التاء للمبالغة، كعلامة. وقيل: المراد بالبصيرة: الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير، أو شر.\n ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ:﴾ ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه، ويجادل عنها، فإنه لا ينفعه؛ لأنه قد شهد عليه شاهد من نفسه. وقال الضحاك: ولو أرخى ستوره، وقال المعاذير الستور، واحدها: معذار، والستر بالغة أهل اليمن معذار. قال الشاعر: [الطويل]\nولكنّها ضنّت بمنزل ساعة... علينا وأطّت فوقها بالمعاذر\nوالأول أولى بالاعتبار. قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥٢]: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المرسلات) رقم [٣٦]: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فالمعاذير على هذا مأخوذ من العذر. قال الشاعر: [الطويل]\nوإيّاك والأمر الّذي إن توسّعت... موارده ضاقت عليك المصادر\nفما حسن أن يعذر المرء نفسه... وليس له من سائر النّاس عاذر\nوالدليل على هذا قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٢٣]: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المجادلة) رقم [١٨]: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ..﴾. إلخ، وقد قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [٢٤]: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.\nهذا؛ ولا تنس التشبيه البليغ، حيث شبه المجيء بالعذر بإلقاء الدلو في البئر للاستسقاء به، فيكون فيه تشبيه لذلك بالماء المزيل للعطش. وانظر شرح الإنسان في سورة (المعارج) رقم [١٩].","vol":"10","page":316},{"text":"الإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى نَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَصِيرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿بَصِيرَةٌ﴾ خبر عن ﴿الْإِنْسانُ،﴾ والجار والمجرور متعلقان به. كما أجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿بَصِيرَةٌ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور. وهذا أقوى من الثاني. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): وصلية. ﴿أَلْقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾ تقديره: «هو». ﴿مَعاذِيرَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير في ﴿بَصِيرَةٌ﴾. هذا؛ واعتبر الجلال (لو) شرطية، وقدر جوابها بقوله: ولو جاء بكل معذرة؛ ما قبلت منه. وعليه ف: (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، ولا يصح اعتباره حالا؛ لأن (لو) لتعليق الشرط في المستقبل، وهو يتنافى مع الحال، خلافا لما قاله سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-.\n\n<span id=\"aya-5567\"></span><span id=\"aya-5568\"></span><span id=\"aya-5569\"></span><span id=\"aya-5570\"></span>﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)﴾\nالشرح: عن سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-عن ابن عباس﵄قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه القرآن؛ يحرك به لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله ﵎:\n ﴿لا تُحَرِّكْ..﴾. إلخ قال: فكان يحرك به شفتيه. وحرّك سفيان شفتيه. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ولفظ مسلم: عن ابن جبير عن ابن عباس؛ قال: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما، كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، فقال سعيد: أنا أحركهما، كما كان ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه. انتهى.\nقرطبي. والمعنى: لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل-صلوات الله وسلامه عليه- يقرأ. ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ:﴾ لتأخذه على عجلة، ولئلا ينفلت منك.\n ﴿إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: جمعه في صدرك، ثم تقرأه. ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ﴾ أي: قرأه عليك جبريل نيابة عنا. ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: اقرأ بعد انتهاء قراءة جبريل. فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل ﵇ استمع، وإذا انطلق جبريل، قرأه النبي ﷺ كما أقرأه، كما وعد الله تعالى، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١١٤]: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوقال عامر الشعبي-رحمه الله تعالى-: إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبّه له، وحلاوته في لسانه، فنهي عن ذلك؛ حتى يجتمع؛ لأن بعضه مرتبط ببعض. وقيل: كان ﷺ إذا","vol":"10","page":317},{"text":"نزل عليه؛ حرك لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه، فنزلت الآيات المذكورة هنا، ونزلت آية (طه)، ونزل قوله تعالى في سورة (الأعلى): ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أي: تفسير ما فيه من الحدود، والحلال، والحرام، والوعد، والوعيد.\nهذا؛ و(قرآن) مشتق من قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طريق الرشاد. وخذ قول عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [١٧]: [الوافر]\nذراعي عيطل أدماء بكر... هجان اللّون لم تقرأ جنينا\n «لم تقرأ جنينا»: لم تضم، ولم تجمع في رحمها ولدا قط. وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا إذا جمعته، وبمعنى القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة (الفاتحة)، المختتم بسورة (الناس). وهذا التعريف متفق عليه بين العلماء، والأصوليين. أنزله الله؛ ليكون دستورا للأمة، وهداية للخلق أجمعين، وليكون آية على صدق الرسول ﷺ، وبرهانا ساطعا على نبوته، ورسالته، وحجة قائمة إلى يوم الدين، تشهد بأنه تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة، التي تتحدى الأجيال، والأمم على كر الأزمان، ومر الدهور، ورحم الله شوقي؛ إذ يقول: [البسيط]\nجاء النّبيّون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بكتاب غير منصرم\nآياته كلما طال المدى جدد... يزينهنّ جمال العتق والقدم\nوللقرآن أسماء عديدة، كلها تدل على رفعة شأنه، وعلو مكانته، وعلى أنه أشرف كتاب سماوي على الإطلاق، فيسمى: القرآن، والفرقان، والتنزيل، والذكر، والكتاب، والنور، والهدى... إلخ، كما وصفه الله بأوصاف عديدة، منها: نور، وهدى، ورحمة، وشفاء، وموعظة، وعزيز، ومبارك، وبشير، ونذير... إلى غير ذلك من الأوصاف التي تشعر بعظمته، وقدسيته. ويحرم على المحدث حدثا أكبر: قراءته، ومسه، وحمله. وعلى المحدث حدثا أصغر حمله ومسه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.\nوالمناسبة بين هذه الآيات، والتي قبلها واضحة؛ لأن تلك تضمنت الإعراض عن آيات الله، وهذه تضمنت المبادرة إليها بحفظها ورعايتها.\nهذا؛ ويكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجه للكافرين؛ الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا، وقد توجه إلى النبي ﷺ في الآيات التي رأيتها هنا، بينما حث الله تعالى على المسارعة إلى فعل الطاعات،","vol":"10","page":318},{"text":"فقال في سورة (آل عمران) رقم [١٣٣]: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ،﴾ وقال في سورة (الحديد) رقم [٢١]: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ، كما وصف أنبياءه، ورسله بأنهم كانوا يساراعون في الخيرات، وهذا لا يناقض: «العجلة من الشّيطان، والتّأنّي من الرحمن»؛ لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة من ذلك، كما أن هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداء الصلاة المكتوبة؛ إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ؛ إذا أتى الكفء، ودفن الميت، وإكرام الضيف؛ إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن علي بن أبي طالب﵁قال: قال رسول الله ﷺ له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». أخرجه الترمذي، وجاء في الشعر العربي الحث على العجلة. قال بشار بن برد الأعمى: [البسيط]\nمن راقب الناس لم يظفر بحاجته... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج\nواختصره سلم الخاسر، فقال: [مخلع البسيط]\nمن راقب الناس مات همّا... وفاز باللذة الجسور\nونسب للأعشى ولغيره ما يلي: [البسيط]\nوربّما ضرّ بعض الناس بطؤهم... وكان خيرا لهم لو أنّهم عجلوا\nالإعراب: ﴿لا تُحَرِّكْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لِسانَكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِتَعْجَلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل، والفاعل تقديره: «أنت»، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها.\n ﴿جَمْعَهُ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿وَقُرْآنَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعلهما محذوف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ عَلَيْنا..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، وجملة: ﴿لا تُحَرِّكْ..﴾. إلخ لا محل لها ابتدائية.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قَرَأْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح؛ لاقتران الجواب هنا بالفاء، ولا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها. ﴿فَاتَّبِعْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اتبع): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل","vol":"10","page":319},{"text":"لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿قُرْآنَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ بلا فارق بينهما، وهي معطوفة عليها، وعليه ف: (إذا) ومدخولها كلام معترض بينهما.\n\n<span id=\"aya-5571\"></span><span id=\"aya-5572\"></span>﴿كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع للكافرين، ومن على شاكلتهم من الفاسقين، وخطاب لهم فيه: أنهم منهمكون في جميع الدنيا، معرضوان عن الآخرة، والعمل لها. ومثل هاتين الآيتين قوله تعالى في سورة الدهر رقم [٢٧]: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: ردع لرسول الله ﷺ عن عادة العجلة، وإنكار لها، وحث على الأناة والتؤدة. ولا أسلمه أبدا. ولا تنس قوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٧]:\n ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾. وفي الآيتين التفات من الغيبة إلى الخطاب، وقرئ الفعلان بالياء على الغيبة.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿تُحِبُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿الْعاجِلَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها.\n<span id=\"aya-5573\"></span><span id=\"aya-5574\"></span><span id=\"aya-5575\"></span><span id=\"aya-5576\"></span>﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ:﴾ الأول من النضرة التي هي الحسن، والنعمة.\nوالثاني من النظر، أي: وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة، يقال: نضرهم الله، ينضرهم نضرة، ونضارة، وهو الإشراق، والعيش، والغنى، ومنه الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري، وجمع من الصحابة﵃عن النبي ﷺ: «نضّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها...» إلخ.\nرواه البزار، وابن حبان. ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ:﴾ إلى خالقها، ومالكها ناظرة نظرا لا ريب فيه، ولا شك. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أي: وجوه الكفار يوم القيامة كالحة كاسفة عابسة.\nوفي المختار: بسر الرجل وجهه: كلح، وبابه دخل، يقال: عبس وبسر، وانظر سورة (المدثر) رقم [٢٢]. ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ:﴾ توقن وتعلم، والفاقرة: الداهية والأمر العظيم، يقال: فقرته الفاقرة؛ أي: كسرت فقار ظهره. وقال الأصمعي: أصلها: الوسم على أنف البعير بحديدة، أو نار حتى يخلص إلى العظم، يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم جعلت على موضع الحزّ الجرير-أي: الحبل-وعليه وتر ملويّ لتذلّله وتروّضه. قال النابغة: [الطويل]","vol":"10","page":320},{"text":"أبى لي قبر لا يزال مقابلي... وضربة فأس فوق رأسي فاقره\nتنبيه: الآيتان الأوليان تصرحان برؤية الله يوم القيامة، وهذا ما يراه علماء السنة من أن رؤية الله ﷾ ممكنة غير مستحيلة عقلا، وأجمعوا على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله ﷾ دون الكافرين بدليل قوله تعالى في سورة (المطففين): ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. قال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-: لما حجب أعداءه، فلم يروه؛ تجلى لأوليائه؛ حتى رأوه، ولو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكافرون بالحجاب. وقال الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-: لما حجب قوما بالسخط؛ دل على أن قوما يرونه بالرضا، ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس بأنه يرى ربه في الميعاد؛ لما عبده في الدنيا.\nوهذا كلام المدللين. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ..﴾. إلخ، رقم [٢٦]، وقال تعالى في سورة (ق) رقم [٣٥]: ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ وأخيرا لا تنس المقابلة اللطيفة بين نضارة وجوه المؤمنين، وكلاحة وجوه المجرمين.\nهذا؛ وزعمت طوائف أهل البدع كالمعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة: أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلا في الدنيا، وفي الآخرة، واستدلوا بقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٠٣]: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وهذا الذي قالوه خطأ صريح، وجهل قبيح، وقد تظاهرت أدلة الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى، وقد رواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله ﷺ، وآيات القرآن فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مسطورة في كتب أهل الكلام من أهل السنة.\nثم مذهب أهل الحق: أن الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة، ولا مقابلة المرئي، ولا غير ذلك، وأما الأحاديث الواردة في إثبات الرؤية، فمنها ما روي عن عبد الله بن عمر﵄أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة لمن ينظر إلى جنانه، وأزواجه، ونعيمه، وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ أخرجه الترمذي.\nوعن جرير بن عبد الله﵁قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال: «إنكم سترون ربّكم عيانا، كما ترون القمر، لا تضامّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها؛ فافعلوا». ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها» متفق عليه.\nوعن صهيب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنّة؛ يقول الله ﷿: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجّينا من","vol":"10","page":321},{"text":"النّار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم». ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾. رواه مسلم، وغيره.\nوعن أبي رزين العقيلي﵁قال: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه مخليا به يوم القيامة؟ قال: «نعم». قلت: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «يا أبا رزين! أليس كلّكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به؟». قلت: بلى! قال: «فالله أعظم، إنما هو خلق من خلق الله، فالله أجلّ، وأعظم». أخرجه أبو داود.\nتنبيه: رؤية الله تعالى جائزة عقلا، دنيا، وأخرى؛ لأنه موجود، وكل موجود يصح أن يرى، فربنا جل علاه يصح أن يرى، لكن لم تقع دنيا لغير نبينا ﷺ، وواجبة شرعا للمؤمنين في الآخرة كما أطبق عليه أهل السنة للكتاب، والسنة، والإجماع، وحسبك ما ذكرته فيما تقدم.\nقال إبراهيم اللقاني-رحمه الله تعالى-في جوهرته: [الرجز]\nومنه أن ينظر بالأبصار... لكن بلا كيف ولا انحصار\nللمؤمنين إذ بجائز علّقت... هذا وللمختار دنيا ثبتت\nوأنكر المعتزلة رؤية الله تعالى في الآخرة مستدلين بقوله تعالى لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام لما سأل الله الرؤية-: ﴿قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي﴾ رقم [١٤٣] من سورة (الأعراف) فقالوا: النفي ب: ﴿لَنْ﴾ للتأبيد، وليس صحيحا! انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ ورؤية الله يوم القيامة تكون من غير تكيف بكيفية من كيفيات الحوادث، من مقابلة، وجهة وتحيز. وأنكر المعتزلة رؤية الله في الآخرة، وشنوا حربا شعواء على أهل السنة، وانتحتوا من قول أهل السنة بلا كيف البلكفة. قال الزمخشري يهجو أهل السنة: [الكامل]\nلجماعة سمّوا هواهم سنّة... وجماعة حمر لعمري موكفه\nقد شبّهوه بخلقه فتخوّفوا... شنع الورى فتستّروا بالبلكفه\nورد عليه السيد البليدي بقوله: [الكامل]\nهل نحن من أهل الهوى أو أنتم؟ ... ومن الّذي منّا حمير موكفه؟\nاعكس تصب فالوصف فيكم ظاهر... كالشّمس فارجع عن مقال الزّخرفه\nيكفيك في ردّي عليك بأننا... نحتجّ بالآيات لا بالسّفسفه\nوبنفي رؤيته فأنت حرمتها... إن لم تقل بكلام أهل المعرفه\nفنراه في الأخرى بلا كيفيّة... وكذاك من غير ارتسام للصّفه","vol":"10","page":322},{"text":"وقال بعضهم في الرد عليه أيضا هو أبو حيان النحوي المشهور: [الكامل]\nشبّهت جهلا صدر أمّة أحمد... وذوي البصائر بالحمير الموكفه\nوجب الخسار عليك فانظر منصفا... في آية الأعراف فهي المنصفه\nأترى الكليم أتى بجهل ما أتى؟ ... وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفه\nإن الوجوه إليه ناظرة بذا... جاء الكتاب فقلتم: هذا سفه\nنطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى... فهوى الهوى بك في المهاوي المتلفه\nانتهى.. من حاشية الباجوري على جوهرة التوحيد للمرحوم إبراهيم اللقاني.\nبعد هذا فالمعتزلة طائفة من المسلمين يرون: أن أفعال الخير من الله، وأن أفعال الشر من فعل الإنسان، وأن الله تعالى يجب عليه رعاية الأصلح للعباد. قال اللقاني في الرد عليهم: [الرجز]\nوقولهم: إنّ الصلاح واجب... عليه زور ما عليه واجب\nألم يروا إيلامه الأطفالا... وشبهها فحاذر المحالا\nوجائز عليه خلق الشّرّ... والخير كالإسلام وجهل الكفر\nوأن القرآن محدث مخلوق، ليس بقديم، وأن الله تعالى ليس بمرئي يوم القيامة. قال اللقاني في الرد عليهم: [الرجز]\nونزّه القرآن أي كلامه... عن الحدوث واحذر انتقامه\nوكلّ نصّ للحدوث دلاّ... احمل على اللفظ الّذي قد دلاّ\nوأن المؤمن إذا ارتكب الكبيرة كان في منزلة بين المنزلتين. يعنون بذلك: أنه ليس بمؤمن، ولا بكافر، وأن من دخل النار لم يخرج منها. قال اللقاني في الرد عليهم: [الرجز]\nومن يمت ولم يتب من ذنبه... فأمره مفوّض لربّه\nوواجب تعذيب بعض ارتكب... كبيرة ثمّ الخلود مجتنب\nوأن المقتول غير ميت بأجله. فقال اللقاني في الرد عليهم: [الرجز]\nوميّت بعمره من يقتل... وغير هذا باطل لا يقبل\nوأن الإيمان: قول، وعمل، واعتقاد (وهذا لا بأس به) ويرون: أن إعجاز القرآن في الصرف عنه، لا أنه معجز بنفسه، ولو لم يصرف العرب عن معارضته؛ لأتوا بما يعارضه، وأن المعدوم شيء، وأن الحسن، والقبح عقليان، وأن الله تعالى حي بذاته، لا بحياة، وعالم لذاته لا بعلم، وقادر لذاته لا بقدرة، فهم ينفون صفات المعاني.","vol":"10","page":323},{"text":"هذا؛ ومن مشهوري المعتزلة، وأعيانهم الجاحظ، وأبو الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام وواصل بن عطاء، وأحمد بن حابط، وبشر بن المعتمر، ومعمر بن عباد السلمي، وأبو موسى عيسى الملقب بالمزداد، ويعرف ب: راهب المعتزلة، وثمامة بن أشرس، وهشام بن عمر الفوطي، وأبو الحسن بن أبي عمر، والخياط، والأستاذ الكعبي، وأبو علي الجبائي أستاذ الشيخ أبي الحسن الأشعري أولا، وابنه أبو هشام عبد السّلام، ولا تنس الزمخشري، وأبا علي الفارسي، وهما إمامان في النحو، ويقال: إن الزمخشري رجع عن اعتزاله قبل وفاته، وسموا معتزلة؛ لأن واصل بن عطاء كان من تلاميذ الحسن البصري، واختلف معه في بعض المسائل التي ذكرتها لك واعتزل حلقته، وتبعه من ذكرت لك، فسموا معتزلة لهذا.\nالإعراب: ﴿وُجُوهٌ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بما بعده، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تقوم القيامة. ﴿ناضِرَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة هنا العطف عليها، وكون الموضع موضع تفصيل، ومثل الآية الكريمة قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٨٥١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]\nفأقبلت زحفا على الرّكبتين... فثوب نسيت، وثوب أجرّ\n ﴿ناضِرَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿إِلى رَبِّها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ناظِرَةٌ:﴾ خبر ثان للمبتدأ، أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي ناظرة، وتعود الجملة لتكون في محل رفع خبر ثان ل: ﴿وُجُوهٌ﴾ وسوغ السمين اعتبار ناضرة صفة ل: ﴿وُجُوهٌ،﴾ واعتبار ﴿ناظِرَةٌ﴾ خبرا له، وسوغ اعتبار ﴿ناضِرَةٌ﴾ خبرا ل: ﴿وُجُوهٌ،﴾ وسوغ ب: ﴿ناظِرَةٌ﴾ ثلاثة وجوه: اعتباره نعتا لوجوه، أو خبرا ثانيا، أو خبرا لمبتدأ محذوف. هذا؛ وقال بعض غلاة المعتزلة ﴿إِلى﴾ ههنا اسم بمعنى النعمة، وهي مفعول به مقدم ل: ﴿ناظِرَةٌ،﴾ و﴿إِلى﴾ مضاف، و﴿رَبِّها﴾ مضاف إليه، والمعنى عندهم: وجوه يومئذ ناظرة منتظرة نعمة ربها، والمراد أصحاب الوجوه، وقد رأيت في الشرح مذهبهم، وتفنيده. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\n ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ بلا فارق. ﴿تَظُنُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى ﴿وُجُوهٌ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.\n ﴿يُفْعَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فاقِرَةٌ:﴾ نائب فاعل ﴿يُفْعَلَ،﴾ و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿تَظُنُّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ ﴿وُجُوهٌ،﴾ أو في محل رفع صفة له، والحالية لا تجوز؛ لأن الفعل مستقبل، والجملة الاسمية: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ:﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.","vol":"10","page":324},{"text":"<span id=\"aya-5577\"></span><span id=\"aya-5578\"></span><span id=\"aya-5579\"></span><span id=\"aya-5580\"></span><span id=\"aya-5581\"></span>﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَاِلْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وزجر عن إيثار الدنيا على الآخرة، كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك، وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت؛ الذي تنقطع عنده العاجلة عنكم، وتنتقلون إلى الآجلة، التي تبقون فيها مخلدين. ﴿إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ:﴾ الفاعل يراد به الروح، أي: إذا بلغت الروح التراقي. فأخبر عما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب به. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ص) رقم [٣٢]: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ رقم [٤٤]، وفي سورة (لقمان) رقم [١٦]، وسورة (النساء) رقم [٤٠]. ومثل هذه الآيات قول حاتم الطائي: [الطويل]\nلعمرك ما يغني الثّراء عن امرئ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر\nوأيضا قول سوار بن المضرب السعدي-وهو الشاهد رقم [١٩١] من كتابنا: «فتح رب البرية» - يخاطب به الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل]\nإذا كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا\n ﴿التَّراقِيَ:﴾ جمع: ترقوة، وهي العظام المكتنفة لنقرة النحر، وهو مقدم الحلق من أعلى الصدر، وهو موضع الحشرجة، التي رأيتها في بيت حاتم، ومنه قول دريد بن الصمة: [الوافر]\nوربّ عظيمة دافعت عنهم... وقد بلغت نفوسهم التّراقي\nوقد يكنى عن الإشفاء على الموت ببلوغ النفس التراقي، والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت. ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ أي: من راق يرقي، أي: يشفي من الموت. قاله ميمون بن مهران، وأبو قلابة، وقتادة، وابن عباس﵃ أجمعين-. ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nهل للفتى من بنات الدّهر من واق؟ ... أم هل له من حمام الموت من راق؟\nوقيل: هذا من قول الملائكة، الذين يحضرونه عند الموت، يقول بعضهم لبعض: من يرقى بروحه، إذا خرجت من جسده، فيصعد بها ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب. وعن ابن عباس -﵁أنه من: رقي يرقى: إذا صعد. هذا؛ وعلى التفسير الأول ف: ﴿راقٍ﴾ اسم فاعل من: رقى، يرقي بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع. وعلى التفسير الثاني فهو من: رقي، يرقى بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع.\nهذا؛ و﴿راقٍ﴾ أصله: راقي، أو راقي بضمة على الياء علامة للرفع، أو بكسرة علامة للجر، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الضمة، أو الكسرة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى","vol":"10","page":325},{"text":"ساكنان: الياء والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت القاف على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: راق بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للقاف، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من «أل» والإضافة، سواء أكان ثلاثيا، أم رباعيا؟.\n ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ أي: أيقن من بلغت روحه التراقي. ولم يتقدم له ذكر أيضا، وإنما فهم من فحوى الجملة السابقة، والمراد ب: ﴿الْفِراقُ﴾ فراقه الدنيا، والأهل، والمال، والولد، وذلك حين عاين الملائكة. قال الشاعر: [الوافر]\nفراق ليس يشبهه فراق... قد انقطع الرّجاء عن التلاق\n ﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أي: فاتصلت الشدة بالشدة، شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة. قاله ابن عباس، والحسن، وغيرهما. وقال الشعبي، وغيره: المعنى التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدة الكرب. وقال قتادة: أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى.\nوقال الضحاك، وابن زيد: اجتمع عليه أمران شديدان، الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه. والعرب لا تذكر الساق إلا في المحن، والشدائد العظام، ومنه قولهم: قامت الدنيا على ساق، وقامت الحرب على ساق، استعارة لشدتها. قال الشاعر: [الرجز]\nصبرا أمام إنه شرّ باق... وقامت الحرب بنا على ساق\nوانظر ما ذكرته في سورة (القلم) رقم [٤٢]. وقال قوم: الكافر تعذب روحه عند خروج نفسه، فهذه الساق الأولى، ثم يكون بعدها ساق البعث، وشدائده. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ إلى خالقك.\n ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿الْمَساقُ﴾ أي: مرجع العباد إلى الله تعالى، يساقون إليه؛ ليفصل بينهم. وفي بعض التفاسير قال: يسوقه ملكه الذي كان يحفظ عليه السيئات. هذا؛ والمساق:\nالمصدر من: ساق، يسوق، مثل: المقال من قال، يقول، فهما مصدران ميميّان.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿بَلَغَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل محذوف، يدل عليه المقام، كما رأيت في الشرح. ﴿التَّراقِيَ:﴾\nمفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿وَقِيلَ:﴾\nالواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿راقٍ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل (قيل) أفاده ابن هشام في مغنيه، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقام الفاعل» وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك مرارا: أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره:","vol":"10","page":326},{"text":"«هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وبعضهم يعتبر الجار، والمجرور: (لهم) المذكور، أو المقدر كما هنا في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: «لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنة». ونحو (زعموا: مطيّة الكذب) وقول معاوية بن خليل النصري شاعر إسلامي-وهو الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب-. [الطويل]\nوما راعني إلاّ يسير بشرطة... وعهدي به قينا يسير بكير\nوالجملة الفعلية: ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَظَنَّ:﴾\nالواو: حرف عطف. (ظن): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ما يفهم من المقام، أي: ظن الذي بلغت روحه التراقي. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمه. ﴿الْفِراقُ:﴾ خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّ)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (التفت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿السّاقُ:﴾ فاعل. ﴿بِالسّاقِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بحال من ﴿السّاقُ﴾ الأولى جيد معنى، أي: حالة كون الساق ملتفة بالساق الثانية. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وتعليقه بالمصدر بعده ضعيف؛ لأن المصدر لا يعمل مؤخرا، وقد يجاب بأنه يتوسع في الظرف والجار، والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما؛ و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تلتف الساق بالساق.\n ﴿الْمَساقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تدل، أو قائمة مقام جواب ﴿إِذا﴾ التقدير: إذا بلغت الروح الحلقوم تساق إلى حكم ربها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-5582\"></span><span id=\"aya-5583\"></span><span id=\"aya-5584\"></span><span id=\"aya-5585\"></span><span id=\"aya-5586\"></span>﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)﴾\nالشرح: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى:﴾ يعني أبا جهل الخبيث لم يصدق بالقرآن، ولا بالرسول ﷺ، ولم يصل لله تعالى. وقيل: يرجع هذا إلى الإنسان في أول السورة، وهو اسم جنس. والأولى التعميم لكل من لم يصدق، ولم يصل من الكافرين، والفاجرين، والفاسدين المفسدين؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم إلى يوم القيامة. وقيل: صدق من: التصدق، والمعنى: فلا تصدق بشيء يدخره عند الله. هذا؛ وكررت (لا) في الجملة الثانية؛ لأن المقرر في القواعد النحوية: أن (لا) إذا دخلت على جملة اسمية، ولم تعمل فيها، أو دخلت على فعل ماض؛ وجب","vol":"10","page":327},{"text":"تكرارها. ذكر ذلك ابن هشام﵀في المغني. وانظر الشاهد رقم [٤٤٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما بعده تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و(لا) هنا بمعنى: لم؛ إذ المعنى لم يصدق، ولم يصل، والعرب تقول: لا ذهب، ولا جاء، أي: لم يذهب، ولم يجئ، فحرف النفي ينفي الماضي، كما ينفي المستقبل، ومنه قول زهير في معلقته رقم [٤٠]: [الطويل]\nوكان طوى كشحا على مستكنّة... فلا هو أبداها، ولم يتقدّم\n ﴿وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي: كذب بالقرآن، وتولى عن الإيمان. هذا؛ والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور المعنوية، والاعتقادات اتساعا، ومجازا. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أي: يتبختر، ويختال في مشيته افتخارا، وإعجابا بنفسه، من: المطا، وهو الظهر. والمعنى يلوي مطاه تبخترا في مشيته، أصله يتمطّط من تمطّط، أي: تمدد، ومن لازم التبختر ذلك، فهو يقرب من معنى الأول، ويفارقه في مادته؛ إذ مادة الأول (م ط و) ومادة الثاني (م ط ط) وإنما أبدلت الطاء الثالثة ياء كراهة اجتماع الأمثال، ثم قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. والمطيطاء: التبختر، ومد اليدين في المشي، وفي الخبر: «إذا مشت أمّتي المطيطاء، وخدمتهم فارس، والروم كان بأسهم بينهم» والمطيط، والمطيطة: الماء الخاثر في أسفل الحوض؛ لأنه يتمطط، أي: يتمدد، والمطيطاء من المصغرات، التي لم يستعمل لها مكبر.\n ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى..﴾. إلخ: تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، أي: فهو وعيد أربعة لأربعة، كما روي: أنها نزلت في أبي جهل، الجاهل بربه، فقال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي: لا صدق رسول الله، ولا وقف بين يدي الله فصلى، ولكن كذب رسول الله، وتولى عن التصلية بين يديه تعالى، فترك التصديق خصلة، والتكذيب خصلة، وترك الصلاة خصلة، والتولي عن الله تعالى خصلة، فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربعة.\nوفي أسباب النزول للسيوطي: وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس﵄قال: لما نزل: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل الخبيث: ثكلتكم أمهاتكم يخبركم ابن أبي كبشة: أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟! فأوحى الله إلى رسوله ﷺ أن يأتي أبا جهل، فيقول: ﴿أَوْلى لَكَ..﴾. إلخ.\nوأخرج النسائي عن سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: أنه سأل ابن عباس﵄- عن قوله: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ أشيء قاله رسول الله ﷺ من قبل نفسه، أم أمره الله به؟ قال: بل قاله من قبل نفسه، ثم أنزله الله. انتهى. ولا تنس: أن الله تعالى صرعه شر صرعة، وقتله شر قتلة، وكان النبي ﷺ يقول: «إن لكل أمة فرعونا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل».\nوروي: أن النبي ﷺ خرج من المسجد ذات يوم، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد مما يلي باب بني مخزوم، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فهزه مرة، أو مرتين، ثم قال له: ﴿أَوْلى لَكَ﴾","vol":"10","page":328},{"text":"فَأَوْلى فقال أبو جهل الخبيث: أتهددني؟ فو الله إني لأعز أهل الوادي وأكرمه، ونزل على رسول الله ﷺ كما قال لأبي جهل. قال الشاعر: [الوافر]\nفأولى ثمّ أولى ثمّ أولى... وهل للدرّ يحلب من مردّ\nوقيل: معناه: الويل لك، ومنه قول الخنساء﵂-: [المتقارب]\nهممت بنفسي كلّ الهموم... فأولى لنفسي أولى لها\nسأحمل نفسي على آلة... فإمّا عليها وإمّا لها\nوالمعنى للآية الكريمة: الويل لك حيا، والويل لك ميتا، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقال الأصمعي-رحمه الله تعالى-: أولى في كلام العرب معناه: مقاربة الهلاك، كأنه يقول: قد وليت الهلاك، قد دانيت الهلاك. وأصله من الولي، وهو القرب. قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ﴾ أي: يقربون منكم، وقد استحسن ثعلب، والنحاس ما قاله الأصمعي، وأنشد الأصمعي قول الشاعر: [الوافر]\nفعادى بين هاديتين منها... وأولى أن يزيد على الثّلاث\nهذا؛ وانظر الشاهد رقم [٦٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما يتعلق به.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿صَدَّقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى أبي جهل، أو إلى الإنسان، وهو أولى. انظر الشرح، والمتعلق محذوف. انظر تقديره في الشرح.\nوالجملة الفعلية معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ..﴾. إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لا): نافية. ﴿صَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «هو»، والمتعلق محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل: «هو».\n (تولى): فعل ماض، والفاعل: «هو»، ومتعلق الفعلين محذوف. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿ذَهَبَ:﴾\nفعل ماض، والفاعل تقديره: «هو». ﴿إِلى أَهْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَتَمَطّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿ذَهَبَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط. ﴿أَوْلى:﴾ فعل ماض، أو اسم فعل ماض. قاله الأصمعي، والمبرد، معناه: قربه ما يهلكه، وفاعله مضمر يدل عليه السياق، كأنه قيل: أولى هو، وقد ارتضى هذا الرأي: ثعلب، فقال: لم يقل أحد في ﴿أَوْلى﴾ أحسن مما قاله الأصمعي، والأكثرون: أنه اسم، وعليه في إعرابه أوجه:\nأحدها: أنه مبتدأ، خبره الجار، والمجرور، التقدير: فالهلاك لك. والثاني: خبر مبتدأ مضمر، تقديره: العقاب، أو الهلاك أولى لك. والثالث: أنه مبتدأ، و﴿لَكَ﴾ متعلقان به، والخبر","vol":"10","page":329},{"text":"محذوف، التقدير: أولى بك العقاب، أو الهلاك. انتهى. من سورة (محمد ﷺ)، وقد ذكر أبو البقاء هنا اعتباره اسما، أو اسم فعل، وذكر الجلال هنا: أنه اسم فعل بمعنى: وليك ما تكره، واللام زائدة، والكاف مفعول به، والفاعل ضمير مستتر يعود على ما تقدم. ﴿أَوْلى:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو أولى، أي: فهو أفعل تفضيل، فدلت الأولى على الدعاء عليه بقرب المكروه منه، ودلت الثانية على الدعاء عليه بأن يكون أقرب إليه من غيره، والكلام كله مستأنف، والآية الثانية معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وهي مفيدة للتوكيد. هذا؛ وقال القرطبي، وغيره: ولم ينصرف ﴿أَوْلى؛﴾ لأنه صار علما للوعيد، فصار كرجل اسمه: أحمد.\n\n<span id=\"aya-5587\"></span><span id=\"aya-5588\"></span>﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ﴾ أي: الكافر، والفاجر، والفاسق. ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ أي: هملا لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يكلف في الدنيا بطاعة، وعبادة، ولا يحاسب في الآخرة، كالبهائم المرسلة. قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١١٥]: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و﴿سُدىً﴾ مهملا، يقال: إبل سدى؛ أي: مهملة؛ أي: ترعى بلا راع، وأسديت حاجتي؛ أي: ضيعتها، ومعنى أسدى إليه معروفا: أنه جعله بمنزلة الضائع عند المسدى إليه، لا يذكره، ولا يمن به عليه، والسّدى أيضا:\nندى الليل، وبه يعيش الزرع، وأسديت إليه معروفا: اتخذته عنده. هذا؛ وسدى أصله: (سديا) بضم السين، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف، والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (سدى) وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة الأصلية، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: (سدا) فلا يوجد ما يدل عليها. هذا؛ وقيل:\n «أيحسب أن يترك سدى» أي: في قبره كذلك أبدا، لا يبعث، ولا يحاسب، ولا يجازى. ومنه قول الشاعر: [المتقارب]\nفأقسم بالله جهد اليمين... ما ترك الله شيئا سدى\n ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ أي: يصب في الرحم، ويراق. يقال: منى الرجل، وأمنى من المني، وسميت منى، (المكان قرب مكة) بهذا الاسم لما يمنى فيها من الدماء، أي: يراق.\nوقيل: تمنى: تقدر. قاله أبو عبيدة، يقال: منيت الشيء: إذا قدرته، ومني له، أي: قدر له. قال أبو قلابة الهذلي: [البسيط]\nولا تقولن لشيء سوف أفعله... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني\nوقال آخر: [البسيط]","vol":"10","page":330},{"text":"لا تأمننّ وإن أمسيت في حرم... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني\nأي: ما يقدر لك القادر، وفي هذا تنبيه على كمال قدرته جل شأنه؛ لأن النطفة شيء واحد، خلق الله منها أعضاء مختلفة، وطباعا متباينة، وخلق منها الذكر، والأنثى، وهذا من عجيب صنعته، وكمال قدرته. هذا؛ ولم تذكر كلمة ﴿سُدىً﴾ في غير هذه السورة، وانظر: إعلال ﴿يَكُ﴾ في سورة (المدثر) رقم [٤٣].\nالإعراب: ﴿أَيَحْسَبُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (يحسب الإنسان): فعل مضارع، وفاعله. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُتْرَكَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: (أن)، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الإنسان. ﴿سُدىً:﴾ حال من نائب الفاعل المستتر، أو هو مفعول به ثان ل: ﴿يُتْرَكَ﴾ فهو منصوب على الوجهين، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، و﴿الْإِنْسانُ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يحسب)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: هو يعود إلى الإنسان. ﴿نُطْفَةً:﴾ خبر ﴿يَكُ﴾. ﴿مِنْ مَنِيٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿نُطْفَةً﴾. ﴿يُمْنى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَنِيٍّ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿مَنِيٍّ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ قال الجمل فيها: هي استدلال على قوله سابقا: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ وهو يفيد أنها تفسير لتلك الآية. هذا؛ ويقرأ: «(تمنى)» بتاء المضارعة، وعليه فنائب الفاعل يعود إلى ﴿نُطْفَةً،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿نُطْفَةً،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم.\n\n<span id=\"aya-5589\"></span><span id=\"aya-5590\"></span>﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أي: صار المني قطعة دم جامد بعد أربعين يوما من استقراره في الرحم، وفي سورة (الكهف) رقم [٣٧] قوله تعالى: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وسواه تسوية، وعدله تعديلا بجعل الروح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (الحج)، وأيضا في سورة (المؤمنون) رقم [١٤] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ والخلق له معان: منها: الإيجاد، والإبداع، ولا موجد، ولا مبدع إلا الله تعالى.\nومنها التقدير. قال زهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان المري: [الكامل]\nولأنت تفري ما خلقت وبع... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري","vol":"10","page":331},{"text":"معناه: أنت تقدر الأمور، وتقطعها، وغيرك لا يفعل ذلك، وقد قال البيضاوي: المعنى:\nفقدّره، فعدّله. ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ:﴾ الصنفين، والضمير يعود إلى الإنسان، أو إلى المني. ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثى:﴾ يجتمعان في الرحم تارة، وينفرد كل منهما عن الآخر تارة، وهو الغالب كما هو مشاهد، وواقع. وانظر تفصيل ذلك في سورة (الشورى) رقم [٥٠].\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٤٩]: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أي: صنفين، ونوعين مختلفين. قال ابن زيد: أي: ذكرا، وأنثى، وحلوا، وحامضا، ونحو ذلك، وقال مجاهد -رحمه الله تعالى-: الذكر، والأنثى من كل شيء، من السماء، والأرض، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، والنور، والظلمة، والسهل، والجبل، والإنس، والجن، والخير، والشر، والبكرة، والعشي، وكالأشياء المختلفة الألوان والطعوم، والأراييح، والأصوات. أي: جعلنا هذا كدلالة على قدرتنا، ومن قدر على هذا؛ فهو أقدر على الإعادة. هذا؛ ويضاف زوجية بين الإيمان، والكفر، والجنة، والنار، والسعادة، والشقاوة، والحسن، والقبح، حتى الحيوانات، والنباتات.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (يس) رقم [٣٦]: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾. قال محمد علي الصابوني: سبحان الله، ما أعظم قدرة الله! لقد كان السائد: أن الزوجية تكون بين الإنسان، والحيوان فقط، وجاء القرآن بالمعجزة الباهرة، المثبتة لما اكتشفه العلم الحديث منذ زمن قريب، وهي أن الزوجية بين الإنسان، والحيوان، والنبات، والذرة، وسائر الكائنات، فقد ثبت: أن الذرة، وهي أصغر أجزاء المادة، مؤلفة من زوجين مختلفين من الإشعاع الكهربائي: سالب، وموجب، يتزاوجان، فيتحدان، وأن بين النبات أعضاء مذكرة، وأعضاء مؤنثة. فسبحان العلي القدير القائل: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ..﴾. إلخ. هذا؛ وقوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ عمم الزوجية في الإنسان، والحيوان، والنبات، وفي كل شيء مما نعلمه، ومما لا نعلمه. فسبحان الإله العلي القدير العليم، الذي أحاط علمه بكل الألوان، وأحصى كل شيء عددا! انتهى.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره:\n «هو». ﴿عَلَقَةً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَخَلَقَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (خلق): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، ولم يتقدم له ذكر، لكنه مفهوم من المقام.\nومفعوله محذوف، التقدير: خلقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَسَوّى:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (سوّى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، ومفعوله محذوف، التقدير: فسواه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا.\n ﴿فَجَعَلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿مِنْهُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الزَّوْجَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿الذَّكَرَ:﴾ بدل من الزوجين بدل","vol":"10","page":332},{"text":"بعض من كل. ﴿وَالْأُنْثى:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span id=\"aya-5591\"></span>﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ﴾ أي: أليس الذي قدر على خلق الإنسان من نطفة مذرة، وخلق الموجودات كلها من العدم. ﴿عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ أي: على أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها بعد فنائها للحساب والجزاء، فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى! وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فانتهى إلى ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ فليقل:\nبلى! ومن قرأ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ فبلغ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: آمنّا بالله». أخرجه أبو داود. وله عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ قال: سبحانك اللهمّ، بلى! فسألوه عن ذلك، فقال: سمعته من رسول الله ﷺ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير بالنسبة للمؤمنين، واستفهام، وتوبيخ، وتقريع بالنسبة للكافرين، والمنكرين للبعث، والجزاء. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾\n (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ليس)، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِقادِرٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (قادر): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُحْيِيَ﴾ في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان ب: (قادر)، وفاعل ﴿يُحْيِيَ﴾ يعود إلى (الله) المفهوم من المقام.\n ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (القيامة) شرحا وإعرابا بفضل الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4830>سورة الإنسان</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الدهر) وتسمى سورة (الإنسان) أيضا مكية في قول ابن عباس، ومقاتل، والكلبي.\nوقال الجمهور: مدنية. وقيل: فيها مكي من قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ إلى آخر السورة، وما تقدمه مدني. وهي إحدى وثلاثون آية، ومئتان وأربعون كلمة، وألف وأربعة وخمسون حرفا. وعن ابن عباس﵄-: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ..﴾. إلخ (السجدة)، و﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ..﴾. إلخ أخرجه مسلم.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5592\"></span>﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ أَتى:﴾ قال الكسائي، والفراء، وأبو عبيدة: ﴿هَلْ﴾ بمعنى: «قد»، والمعنى: قد أتى على الإنسان، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت: أنه قد رآه. وتقول: هل أكرمتك؟ هل وعظتك؟ ومقصودك: أن تقرره بأنك قد أكرمته، ووعظته. وبه قال القرطبي، والخازن في قوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ وذكر الزمخشري: أنه منقول عن سيبويه، وذكر قول زيد الخير، وهو الشاهد رقم [٦٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]\nسائل فوارس يربوع بشدّتنا... أهل رأونا بسفح القاع والأكم؟\nوقد كذّب ابن هشام الزمخشري بأن سيبويه لم يقل به، وقد ردّ البغدادي على ابن هشام في تكذيبه الزمخشري بقوله: إن الزمخشري إمام حافظ، ثقة مأمون فيما ينقله، فكان ينبغي له التأدب معه، لشأنه الرفيع، ومقامه المنيع. انظر الكلام على الشاهد المذكور آنفا تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وعبارة السمين: في ﴿هَلْ﴾ هذه وجهان: أحدهما: أنها على بابها من الاستفهام المحض. والثاني: أنها بمعنى: قد. وقال مكي في تقرير كونها على بابها من الاستفهام، الذي معناه التقرير: وهو تقرير لمن أنكر البعث، فلا بد أن يقول: نعم قد مضى دهر طويل، لا إنسان فيه، فيقال له: من أحدثه بعد أن لم يكن، وكوّنه بعد عدمه، كيف يمتنع عليه بعثه، وإحياؤه بعد موته؟! وهو معنى قوله تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٦٢]: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: فهلاّ تذكرون، فتعلمون: أن من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن على غير مثال سبق قادر على إعادته بعد موته، وعدمه. انتهى. بتصرف.","vol":"10","page":334},{"text":"هذا؛ والحين: الوقت قليلا كان، أو كثيرا، والمدة من الزمن قصيرة كانت، أو طويلة، وجمعه: أحيان، وجمع الجمع: أحايين. هذا؛ والحين بفتح الحاء: الهلاك، والموت. هذا؛ وقال قتادة، والزجاج في قوله تعالى في آخر سورة (ص): ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ:﴾ بعد الموت. وقال ابن عباس، وعكرمة، وابن زيد﵃ أجمعين-: يعني: يوم القيامة.\nوكان الحسن البصري-رحمه الله تعالى-يقول: يابن آدم! عند الموت يأتيك الخبر اليقين.\nوسئل عكرمة عمن حلف ليصنعن كذا إلى حين. قال: إن من الحين ما لا تدركه، كقوله تعالى في سورة (ص): ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ،﴾ ومنه ما تدركه، كقوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [٢٥]: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ من صرام النخل إلى طلوعه ستة أشهر.\n ﴿عَلَى الْإِنْسانِ﴾ أي: آدم، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ:﴾ يعني مدة أربعين سنة، وهو طين ملقى، فعن أنس﵁عن رسول الله ﷺ قال: «لما صوّر الله آدم في الجنة، تركه الله ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به، وينظر إليه، فلما رآه أجوف؛ عرف أنه خلق لا يتمالك». رواه مسلم، وروي في تفسير الآية: أن آدم ﵇ بقي أربعين سنة طينا، وأربعين سنة حمأ مسنونا، وأربعين سنة صلصالا كالفخار، فتم خلقه بعد مئة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح.\n ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ أي: لا يذكر، ولا يعرف، ولا يدرى ما اسمه، ولا ما يراد به؟ وذلك قبل أن ينفخ فيه الروح كان شيئا، ولم يكن شيئا يذكر. روي عن عمر: أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ فقال عمر﵁-: ليتها تمّت، يعني ليته بقي على ما كان عليه؛ أي: لا يذكر أبدا، فلا يلد، ولا يبتلى بأولاده، ويروى مثله عن أبي بكر، وابن مسعود﵃ أجمعين-. ثم لما عرف الله الملائكة: أنه جعل آدم خليفة في الأرض، وذلك بقوله تعالى:\n ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (البقرة)، وحمّله الأمانة التي عجزت السموات، والأرض، والجبال عنها، وذلك بقوله تعالى: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها..﴾. إلخ. الآية رقم [٧٢] من سورة (الأحزاب)، ظهر فضله على الكل، فصار مذكورا؛ وإن كان مذكورا لله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ويقال: للتشويق. وانظر الشرح. ﴿أَتى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿عَلَى الْإِنْسانِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿حِينٌ:﴾ فاعل ﴿أَتى،﴾ والجملة الفعلية ابتدائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنَ الدَّهْرِ:﴾\nمتعلقان بمحذوف صفة ﴿حِينٌ﴾. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الإنسان. ﴿شَيْئًا:﴾ خبر ﴿يَكُنْ﴾. ﴿مَذْكُورًا:﴾ صفة ﴿شَيْئًا،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْإِنْسانِ،﴾ أو هي في محل رفع صفة ﴿حِينٌ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط على","vol":"10","page":335},{"text":"الأول: الضمير، وعلى الاعتبارين الأخيرين؛ فالرابط محذوف، التقدير: لم يكن فيه شيئا مذكورا. والأول أظهر لفظا، ومعنى. انتهى. جمل نقلا من السمين.\nتنبيه: الدهر: الزمان قل، أو كثر، لكن قال بعضهم: إطلاقه على الزمن القليل مجاز، واتساع، ويطلق أيضا على الأبد، ويقع على مدة الدنيا كلها. ودهر الدهارير: زمن الشدائد.\nقال الفرزدق من قصيدة يمدح فيها يزيد بن عبد الملك: [البسيط]\nبالباعث الوارث الأموات قد ضمنت... إيّاهم الأرض في دهر الدّهارير\nوجمع الدهر: دهور. ودهر الإنسان: الزمن الذي يعيش فيه، والدّهري بضم الدال: الرجل المسن، وبفتحها: الملحد الذي لا يعتقد بوجود الخالق جل وعلا. والدهر لا يثبت على وتيرة واحدة، بل هو يتقلب بالإنسان، من حالة إلى حالة. قال العجاج بن رؤبة-وهو الشاهد رقم [١٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]\nأطربا وأنت قنّسريّ؟ ... والدّهر بالإنسان دوّاريّ\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر، وأنا الدّهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل والنّهار». وفي رواية: «يؤذيني ابن آدم، ويقول: يا خيبة الدّهر! فلا يقولنّ أحدكم: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدّهر، أقلّب ليله، ونهاره، فإذا شئت قبضتهما». وفي رواية: «يسبّ ابن آدم الدّهر، وأنا الدّهر بيدي اللّيل، والنّهار».\nومعنى هذه الأحاديث: أن العرب كان من شأنها ذم الدهر، وسبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إلى الدهر ما يصيبهم من المصائب، والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، كما أخبر الله ﷿ حكاية عنهم بقوله: ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ رقم [٢٤] سورة (الجاثية)، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، وسبوا فاعلها، كان مرجع سبهم إلى الله تعالى؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفوها إلى الدهر، لا الدهر نفسه فاعلها، فنهوا عن سب الدهر. وقيل لهم: لا تسبوا فاعل ذلك، فإنه هو الله ﷿، والدهر متصرّف فيه يقع به التأثير، كما يقع بكم، والله أعلم. انتهى. خازن.\nهذا؛ وكثيرا ما نسمع في أيامنا هذه من يلعن، ويسب الساعة، واليوم الذي رأى فيه فلانا، أو باع، أو اشترى كذا، أو عامل فلانا، أو الساعة التي جرى فيها قرانه بزوجته، وهي بزوجها، ليبوءوا بغضب الله، وسخطه، وقد يكونون من المصلين الصائمين، ولقد أحسن أبو علي الثقفي؛ إذ يقول: [السريع]\nيا عاتب الدّهر إذا نابه... لا تلم الدّهر على غدره\nالدّهر مأمور له آمر... وينتهي الدّهر إلى أمره","vol":"10","page":336},{"text":"كم كافر أمواله جمّة... تزداد أضعافا على كفره\nومؤمن ليس له درهم... يزداد إيمانا على فقره\nوروي: أن سالم بن عبد الله بن عمر﵃كان كثيرا ما يذكر الدهر، فزجره أبوه، وقال له: إياك يا بني وذكر الدهر: [الطويل]\nفما الدّهر بالجاني لشيء لحينه... ولا جالب البلوى فلا تشتم الدّهرا\nولكن متى ما يبعث الله باعثا... على معشر يجعل مياسيرهم عسرا\n\n<span id=\"aya-5593\"></span>﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ يعني ابن آدم بلا خلاف. وقال الخازن-رحمه الله تعالى-:\nفالإنسان في الموضعين واحد، فعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ طائفة من الدهر غير مقدرة ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ يعني: أنهم كانوا نطفا في الأصلاب، ثم علقا، ومضغا في الأرحام، لم يذكروا بشيء. ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ يعني: ولد آدم. انتهى. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ من ماء ينطف، أي: يقطر، وهو المني، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، كقول عبد الله بن رواحة -﵁يعاتب نفسه، لما تهيبت وتخوفت القتال والنزال في غزوة مؤتة: [الرجز]\nمالي أراك تكرهين الجنّة؟ ... هل أنت إلاّ نطفة في شنّه؟\nالشنّة: القربة، وجمع نطفة: نطف، ونطاف. ﴿أَمْشاجٍ:﴾ أخلاط، واحدها: مشج، ومشيج، مثل: خدن، وخدين. قال رؤبة: [الرجز]\nيطرحن كلّ معجّل نشّاج... لم يكس جلدا في دم أمشاج\nويقال: مشجت هذا بهذا، أي: خلطته، فهو ممشوج، ومشيج، مثل: مخلوط، وخليط، وقال المبرد: واحد الأمشاج: مشيج، يقال: مشج، يمشج: إذا اختلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم. قال الشماخ: [الوافر]\nطوت أحشاء مرتجة لوقت... على مشج سلالته مهين\nوقال ابن عباس﵄وغيره: يعني: ماء الرجل، وماء المرأة يختلطان في الرحم، فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه؛ كان الشبه له، وما كان من عصب، وعظم؛ فمن ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة.\nوقيل: الأمشاج: اختلاف ألوان النطفة، فنطفة الرجل بيضاء، ونطفة المرأة صفراء، وكل لونين اختلطا فهما أمشاج. وقيل: الأمشاج: أطوار الخلق، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم","vol":"10","page":337},{"text":"يكسوه لحما، ثم ينشئه خلقا آخر، انظر سورة (المؤمنون) الآية رقم [١٢] وما بعدها. وقيل: إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطا من الطبائع، التي تكون في الإنسان، من الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، فعلى هذا يكون التقدير: من نطفة ذات أمشاج، وخذ ما يلي:\nفعن أبي أيوب﵁قال: جاء حبر من اليهود إلى النبي ﷺ، فقال: أخبرني عن ماء الرجل، وماء المرأة، فقال: «ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فإذا علا ماء المرأة آنثت، وإذا علا ماء الرّجل أذكرت». فقال الحبر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله.\n ﴿نَبْتَلِيهِ:﴾ نختبره بالأوامر، والنواهي، والخير، والشر من صحة، ومرض، من فقر وغنى... إلخ. ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا:﴾ قال الفراء: فيه تقديم، وتأخير، التقدير: فجعلناه سميعا بصيرا؛ لنبتليه؛ لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة. وقال الزمخشري: هو من التعسف.\n ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: عظيم السمع، والبصر، والبصيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4833>فائدة:</span>\nورد في بعض الكتب: أن الله ﷾ يقول: يابن آدم! جعلت لك قرارا في بطن أمّك، وغشيت وجهك بغشاء لئلا تفزع من الرحم، وجعلت لك متكأ عن يمينك، ومتكأ عن شمالك، فأما الذي عن يمينك؛ فالطحال، وأمّا الذي عن شمالك؛ فالكبد، وعلمتك القيام، والقعود في بطن أمّك، فهل يقدر على ذلك أحد غيري، فلما أن تمت مدة حملك؛ أوحيت إلى الملك الموكل بالأرحام أن يخرجك، فأخرجك على ريشة من جناحيه، لا لك سنّ تقطع، ولا يد تبطش، ولا قدم تسعى بها، وأنبعت لك عرقين في صدر أمّك، يجريان لبنا خالصا، حارا في الشتاء، باردا في الصيف، وألقيت محبتك في قلب أبويك، فلا يشبعان؛ حتى تشبع، ولا يرقدان؛ حتى ترقد، فلمّا أن قوي ظهرك، واشتدّ أزرك؛ بارزتني بالمعاصي، واعتمدت على المخلوقين، ولم تعتمد عليّ، وتسترت ممّن يراك، وبارزتني بالمعاصي في خلواتك، ولم تستح مني، ومع هذا: إن دعوتني؛ أجبتك، وإن سألتني؛ أعطيتك، وإن تبت، وارتجعت إليّ؛ قبلتك.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾ أي: مخلوقا من نطفة. والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمْشاجٍ:﴾ صفة ﴿نُطْفَةٍ﴾ ووقع الجمع صفة لمفرد؛ لأنه في معنى الجمع كما رأيت في الشرح، وأجيز اعتباره بدلا من ﴿نُطْفَةٍ﴾. ﴿نَبْتَلِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا) أي: خلقناه مبتلين له؛ بمعنى: مريدين ابتلاءه، فهي حال مقدرة، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، تريد قاصدا به لصيد غدا، ويجوز أن يراد: ناقلين له من حال إلى حال.","vol":"10","page":338},{"text":"فسمى ذلك ابتلاء على طريق الاستعارة. انتهى. كشاف. هذا؛ وأجيز اعتبارها حالا مقارنة، إن كان المعنى: نبتليه بتصريفه في بطن أمه، نطفة، ثم علقة، كما قال ابن عباس﵄-، انظر أنواع الحال في الآية رقم [١٩] من سورة (المعارج) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَجَعَلْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جعلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول.\n ﴿سَمِيعًا:﴾ مفعول به ثان؛ لأن (جعل) من أفعال التحويل. ﴿بَصِيرًا:﴾ من تعدد المفعول الثاني، أو هو من تعدد الحال، إن اقتصر الفعل على مفعول واحد، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:\n ﴿خَلَقْنَا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وأفاد كلام الجلال، والجمل: أنها معطوفة عليه إرادة الابتلاء، لا الابتلاء، وهذا منه لتوجيه العطف المذكور.\n\n<span id=\"aya-5594\"></span>﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا (٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بيّنا له، وعرّفناه طريق الهدى، والضلال، والخير، والشر ببعثة الرسل، فآمن، أو كفر، كقوله تعالى في سورة (البلد): ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ والمراد من هداية السبيل: نصب الدلائل، وإنزال الكتب على الرسل مع تهيئة العقل، والسمع، والبصر للنظر والتفكير في ذلك. قال مكي: و(إمّا) هنا للتخيير على بابها، ومعنى التخيير: أن الله تعالى يخبرنا: أنه اختار قوما للسعادة، وقوما للشقاء، فالمعنى: إما أن يخلقه شقيا، وهذا من أبين ما يدل على أن الله تعالى قدر الأشياء كلها. وخلق قوما للسعادة، وبعملها يعملون، وقوما للشقاوة، وبعملها يعملون، فالتخيير هو إعلام من الله تعالى لنا: أنه يختار ما يشاء، وليس التخيير للإنسان. انتهى مكي. وهذا لا يجعل للعبد اختيارا، والمعتمد: أن له اختيارا، كما تقدم، وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١٧]: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾.\nتنبيه: لما كان الشكر قل من يتصف به. قال ﴿شاكِرًا﴾ من غير مبالغة، ولما كان الكفر كثيرا من يتصف به، ويكثر وقوعه من الإنسان بخلاف الشكر. قال: ﴿كَفُورًا﴾ بصيغة المبالغة.\nهذا؛ ول: «إمّا» خمسة معان: أحدها: الشك، نحو: جاء إما زيد، وإما عمرو، إذا لم تعلم الجائي منهما.\nالثاني: الإبهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية رقم [١٠٦] من سورة (التوبة).\nالثالث: التخيير، وهو ما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٦٥]: ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾ ومثلها الآية من سورة (الأعراف) رقم [١١٤]، وأيضا الآية رقم [٨٦] من سورة (الكهف).\nالرابع: الإباحة، نحو: «تعلّم إمّا فقها، وإمّا نحوا».","vol":"10","page":339},{"text":"الخامس: التفصيل، وجعل منه الآية التي نحن بصدد شرحها. انتهى. مغني اللبيب باختصار. أقول: والتفصيل هو المعنى الذي لا يفارقها مع كل من المعاني السابقة.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿هَدَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿السَّبِيلَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليل لقوله: (نبتليه) لا محل لها. ﴿إِمّا:﴾\nأداة شرط، وتفصيل. ﴿شاكِرًا:﴾ حال من الضمير المنصوب، وأجاز الزمخشري اعتباره حالا من ﴿السَّبِيلَ،﴾ وتبعه البيضاوي، والنسفي على ذلك. ﴿وَإِمّا كَفُورًا:﴾ معطوف على ما قبله، وقال البيضاوي: ووصف ﴿السَّبِيلَ﴾ بذلك مجاز.\n\n<span id=\"aya-5595\"></span>﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا:﴾ هيأنا في جهنم. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جمع: كافر، والكفر ستر الحق بالجحود، والإنكار. وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ رقم [٧] ومثل هذه الآية كثير.\nوكفر الشيء: ستره، وغطاه، وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره.\nوسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ رقم [٢٠] من سورة (الحديد). وسمي الليل كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي في معلقته رقم [٦٥]: [الكامل]\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها\nهذا؛ ويطلق لفظ الكافر على النهر. قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النهر: [الطويل]\nوألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل\nرضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيّار في كلّ جدول\n ﴿سَلاسِلَ:﴾ جمع: سلسلة، وهي القيد، طول كل سلسلة سبعون ذراعا. انظر ما ذكرته في سورة (الحاقة) رقم [٣٢] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ويقرأ: «(سلاسلا)» منونا وهي قراءة حفص عن عاصم، والباقون بغير تنوين، ومثله: (قواريرا) في الآية رقم [١٦] فمن صرف؛ فله أربع حجج:\nأحدها: أن الجموع أشبهت الآحاد، فجمعت جمع الآحاد، فجعلت في حكم الآحاد، فصرفت.\nالثانية: أن الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا (أفعل) التفضيل. وكذا قال الكسائي، والفراء، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [٤٦]: [الوافر]","vol":"10","page":340},{"text":"كأنّ سيوفنا فينا وفيهم... مخاريق بأيدي لاعبينا\nوقال لبيد﵁في معلقته رقم [٧٣]: [الكامل]\nوجزور أيسار دعوت لحتفها... بمغالق متشابه أجسامها\nوله أيضا في معلقته رقم [٨٠]: [الكامل]\nفضلا وذو كرم يعين على النّدى... سمح كسوب رغائب غنّامها\nفصرف مخاريق، ومغالق، ورغائب، وسبيلها ألا تصرف، وعلل ذلك بأن هذا الجمع لما كان يجمع، فقال الرسول ﷺ: «صواحبات يوسف». وجاء في الشعر: (نواكسي الأبصار) أشبه المفرد، فجرى فيه الصرف، وقال بعض الشعراء: [الرجز]\nوالصّرف في الجمع أتى كثيرا... حتّى ادّعى قوم به التّخييرا\nوالحجة الثالثة: أن يقال: نونت (قواريرا) الأول؛ لأنه رأس آية، ورؤوس الآي جاءت بالتنوين. والحجة الرابعة: اتباع المصاحف. وقد احتج من لم يصرفهن بأن قال: إن كل جمع بعد الألف، منه ثلاثة أحرف، أو حرفان، أو حرف مشدد لم يصرف في معرفة، ولا نكرة، فالذي بعد الألف منه ثلاثة أحرف، مثل: (قناديل، ودنانير، ومناديل) والذي بعد الألف منه حرفان، مثل:\n (مساجد، وصوامع) والذي بعد الألف منه حرف مشدد: «شوابّ ودوابّ». انظر (غافر) رقم [٧١].\n ﴿وَأَغْلالًا:﴾ جمع غلّ، يقال: في رقبته غل من حديد، ومنه للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله أن الغل كان يتخذ من جلد، وعليه شعر، فيقمل، والغل، والغلة: حرارة العطش، وكل ذلك بضم الغين، وهو بكسرها: الحقد، ورحم الله من يقول: [البسيط]\nيا طالب العيش في أمن وفي دعة... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق\nخلّص فؤادك من غلّ ومن حسد... الغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق\nهذا؛ وقال التيمي: لو أن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود. هذا؛ و(السلاسل) جمع: سلسلة، وهي معروفة. قال الراغب: وتسلسل الشيء:\nاضطرب، كأنه تصور منه تسلسل متردد، فتردد لفظه تنبيه على تردد معناه، وماء سلسل متردد في مقره، وخذ قوله تعالى في سورة (الحاقة) في حق من يأخذ كتابه بشماله بعد أن يدعو بالثبور، وعظائم الأمور: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأ، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿سَلاسِلَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه.","vol":"10","page":341},{"text":"<span id=\"aya-5596\"></span>﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا (٥)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ﴾ أي: أهل الصدق، واحدهم: برّ، وهو من امتثل أمر الله تعالى.\nوقيل: واحدهم بار، مثل: شاهد، وأشهاد، وفي الصحاح: وجمع البر: الأبرار، وجمع البار:\nالبررة. وفلان يبر خالقه، ويتبرره، أي: يطيعه. وروي عن ابن عمر﵄وفي الجمل: عن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «إنما سمّاهم الله جلّ ثناؤه الأبرار؛ لأنهم برّوا الآباء، والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حقّ». وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذر، وانظر سورة (عبس) [١٦].\n ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ:﴾ الكأس عند أهل اللغة شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس بكأس. قال الضحاك، والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا: إناء، وقدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام، لم يقل له: مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان: ومنه:\nظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. وأضيف: أنه لا يقال: ذنوب، وسجل إلا وفيه ماء، وإلا؛ فهو دلو. ولا يقال: جراب إلا وهو مدبوغ، وإلا؛ فهو إهاب. ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى، وإلا؛ فهو أنبوب. ولا يقال للمكان: ناد إلا إذا كان فيه أهله. هذا؛ والكأس تذكر، وتؤنث؛ لأنها من المؤنث المجازي، فمن التأنيث الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٤٦]: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ومن التذكير قولك:\nهذا كأس. هذا؛ والجمع: كؤوس، وأكؤس، وكأسات، وكئاس. ﴿كانَ مِزاجُها﴾ أي: شوبها، وخلطها. قال حسان بن ثابت﵁-: [الوافر]\nكأنّ سبيئة من بيت رأس... يكون مزاجها عسل وماء\nوهذا هو الشاهد رقم [٨٢٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ومنه مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الصفراء، والسوداء، والحرارة، والبرودة. ﴿كافُورًا:﴾ قال المفسرون: الكافور:\nطيب معروف يستحضر من أشجار ببلاد الهند، والصين، وهو من أنفس أنواع الطيب عند العرب، والمراد: أن من شرب تلك الكأس وجدها في طيب رائحتها، وفوحان شذاها كالكافور. قال ابن عباس﵄-: الكافور: اسم عين ماء في الجنة، يقال لها: عين الكافور، تمتزج الكأس بماء هذه العين، وتختم بالمسك، فتكون ألذ شراب. وقيل: أراد كالكافور في بياضه، وطيب رائحته، وبرده؛ لأن الكافور لا يشرب. وقال مقاتل: ليس بكافور الدنيا، ولكن سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي لها القلوب. هذا؛ ولم يذكر (الكافور) في غير هذه السورة. هذا؛ ولما ذكر الله ما أعده للأشقياء من السعير؛ ذكر الأبرار المتقين، وما","vol":"10","page":342},{"text":"أعده لهم من النعيم المقيم في جنات النعيم. هذا؛ والكافور أيضا: وعاء طلع النخل، وكذلك الكفرّى. قاله الأصمعي. وأما قول الراعي: [البسيط]\nتكسو المفارق واللّبّات ذا أرج... من قصب معتلف الكافور درّاج\nفإن الظبي الذي يكون منه المسك، إنما يرعى سنبل الطيب، فجعله كافورا.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَبْرارَ:﴾ اسمها. ﴿يَشْرَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿مِنْ كَأْسٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف، التقدير: يشربون ماء كائنا من كأس. وقيل: ﴿مِنْ﴾ صلة، و﴿كَأْسٍ﴾ مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.\n ﴿مِزاجُها:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿كافُورًا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿كَأْسٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-5597\"></span>﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا (٦)﴾\nالشرح: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها﴾ أي: منها. قال أبو ذؤيب الهذلي يصف السحاب على اعتقاد العرب، ومثلهم العصريون في هذا الزمن من أن الغيوم تدنو من البحر في أماكن مخصوصة، فتمتد منها خراطيم عظيمة كخراطيم الفيلة، فتشرب بها من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء الله، -وهو الشاهد رقم [١٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nشربن بماء البحر ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج\n ﴿عِبادُ اللهِ:﴾ أولياء الله، والإضافة إضافة تشريف، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] من سورة (الجن). ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ أي: يقودونها إلى حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم تفجيرا سهلا لا يمتنع عليهم. قيل: إن الرجل ليمشي في بيوتاته، ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء، فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ و(العين) تطلق على الماء الجاري، أو النابع من الأرض، وجمعها في القلة: أعين، وفي الكثرة: عيون. قال تعالى في سورة (الذاريات)، وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع أيضا في الكثرة على: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال. كما تطلق (العين) على العين الباصرة، وهو أشهر، وأكثر ما تستعمل في ذلك، كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة؛ أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في","vol":"10","page":343},{"text":"قولك: جاء عليّ عينه، وتطلق على الشمس. وعين الشيء: خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره. وإليك قول الشاعر: [البسيط]\nواستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهم\nفالمراد ب: «العين» نفسه، وذاته، والمراد ب: «جارية» عينه الباصرة، التي تجري بالدمع، والمراد بقوله: «بها» نقد الذهب. وهذا يسمى في فن البديع استخداما، وتطلق العين على أشياء كثيرة، وعلى المطر الهاطل من السحاب. قال عنترة في معلقته رقم [٢٩] -وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nجادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم\nهذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم. وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين.\nالإعراب: ﴿عَيْنًا:﴾ بدل من ﴿كافُورًا﴾ على حذف مضاف، أي: ماء عين. وفي السمين:\nفي نصبها أوجه: أحدها: أنها بدل من ﴿كافُورًا﴾. الثاني: أنها بدل من محل: ﴿مِنْ كَأْسٍ﴾.\nالثالث: أنها مفعول ﴿يَشْرَبُونَ﴾ أي: يشربون عينا من ﴿كَأْسٍ﴾. الرابع: أن ينتصب على الاختصاص. الخامس: أنها مفعول ل: ﴿يَشْرَبُونَ﴾ مقدرا، يفسره ما بعده. السادس: أنها مفعول به بإضمار «يعطون». السابع: أنها منصوبة على الحال من الضمير في: ﴿مِزاجُها﴾. قاله مكي.\nانتهى. جمل باختصار كبير. أقول: والحالية غير مسلمة؛ لأن ﴿عَيْنًا﴾ جامدة، والحال تكون مشتقة. ﴿يَشْرَبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِها:﴾ في الباء أوجه: أحدها: أنها صلة، والهاء مفعول به، أي: يشربها. الثاني: أنها بمعنى: «من» وقد ذكرته في الشرح. الثالث: أنها جارة أصلية، والجار، والمجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿عَيْنًا﴾ أي: ممزوجة بها. وساغ ذلك لوصف ﴿عَيْنًا﴾ بالجملة الفعلية. الرابع: أنها جارة أصلية، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.\nالخامس: أنها على تضمين ﴿يَشْرَبُونَ﴾ معنى: يلتذون بها شاربين. السادس: أنها على تضمين ﴿يَشْرَبُ﴾ معنى: يرتوي، أي: يرتوي بها عباد الله. ﴿عِبادُ:﴾ فاعل ﴿يَشْرَبُ،﴾ و﴿عِبادُ﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿عَيْنًا﴾. ﴿يُفَجِّرُونَها:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿عِبادُ اللهِ،﴾ والرابط: الضمير فقط.\n ﴿تَفْجِيرًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله.\n\n<span id=\"aya-5598\"></span>﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾\nالشرح: ﴿يُوفُونَ:﴾ الضمير يعود إلى ﴿الْأَبْرارَ﴾. ﴿بِالنَّذْرِ:﴾ النذر: حقيقته ما أوجبه المكلف على نفسه من شيء يفعله. وإن شئت قلت في حده: النذر هو إيجاب المكلف على","vol":"10","page":344},{"text":"نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه؛ لم يلزمه. قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٢٩]: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أراد جميع ما ينذره المسلم من حج، وهدي، وصوم، وصدقة... إلخ، أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان في معصية، فعن عائشة﵂-.\nقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نذر أن يطيع الله؛ فليف بنذره، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يف به». رواه البخاري. وفي رواية: «فليطعه، ولا يعصه». وعنها: أن رسول الله ﷺ قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين». أخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.\nوعن ابن عباس﵄قال: استفتى سعد بن عبادة﵁رسول الله ﷺ في نذر كان على أمّه، فتوفّيت قبل أن تقضيه، فأمره أن يقضيه عنها. أخرجه الجماعة. وفي الآية دليل على وجوب الوفاء بالنذر، وهذا مبالغة في وصف الأبرار بأداء الواجبات؛ لأن من وفى بما أوجب على نفسه؛ كان لما أوجبه الله عليه أوفى. وعن عمران بن الحصين﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: «خير القرون قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون، ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن». رواه البخاري، ومسلم.\n ﴿وَيَخافُونَ يَوْمًا﴾ أي: يوم القيامة. ﴿كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ أي: منتشرا فاشيا ممتدا. وقيل: استطار خوفه في أهل السموات، وأهل الأرض، وفي أولياء الله، وأعدائه. وقيل: فشا شره في السموات فانشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وكورت الشمس، والقمر، وفي الأرض فتشققت الجبال، وغارت المياه، ونسفت الجبال، فكانت هباء منبثا. هذا؛ والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة، والزجاجة، واستطال إذا امتد. قال الأعشى: [المتقارب]\nوبانت وقد أورثت في الفؤا... د صدعا على نأيها مستطيرا\nويقال: استطار الحريق: إذا انتشر. واستطار الفجر: إذا انتشر الضوء. قال حسان بن ثابت -﵁مشيرا إلى ما فعله المسلمون ببني قريظة الذين نقضوا العهد، ونكثوا الميثاق مع النبي ﷺ: [الوافر]\nوهان على سراة بني لؤيّ... حريق بالبويرة مستطير\nهذا؛ وقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما وصف الله تعالى ثواب الأبرار في الآخرة؛ وصف أعمالهم في الدنيا؛ حتى استوجبوا هذا الثواب. وقال الكلبي: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ أي:\nيتممون العهود؛ لقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ،﴾ وقوله جل ذكره في أول سورة (المائدة): ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أمروا بالوفاء بهما؛ لأنهم عقدوهما على أنفسهم باعتقادهم الإيمان. وأقول: بقولهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومن لوازم هذه الكلمة ومن متطلباتها الوفاء بالعهود، بل وكل ما أمر الله به، وكل ما نهى عنه من لوازمها، ومتطلباتها، ودليل ذلك","vol":"10","page":345},{"text":"قول الرسول ﷺ: «من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة». قيل: وما إخلاصها؟ قال: «أن تحجزه عن محارم الله». رواه الطبراني في الأوسط عن زيد بن أرقم﵁-، وفي الكبير؛ إلا أنه قال: «أن تحجزه عمّا حرّم الله».\nالإعراب: ﴿يُوفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِالنَّذْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، واعتبار الباء هنا صلة، فالمعنى يؤيده، وعليه ف: (النذر) مفعول به فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنه قيل: بم استحقوا هذا النعيم؟ وجملة: ﴿وَيَخافُونَ يَوْمًا﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿شَرُّهُ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿مُسْتَطِيرًا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿يَوْمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-5599\"></span>﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾\nالشرح: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ:﴾ قال ابن عباس، ومجاهد﵄-: على حب الطعام، وقلته، وشهوتهم له، والحاجة إليه. انتهى. وعليه فقد وصفهم الله تعالى بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم بالطعام، ويواسو أهل الحاجة به، وذلك؛ لأن أشرف أنواع الإحسان، والبر إطعام الطعام؛ لأن به قوام الأبدان. وقال أبو سليمان الداراني: على حب الله تعالى، أقول: وكلاهما صحيح، وجيد. ومثل هذه الآية في إرجاع الضمير قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٦]: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ..﴾. إلخ. ﴿مِسْكِينًا﴾ أي: ذا مسكنة، فعن أبي هريرة -﵁أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الذي تردّه اللقمة، واللقمتان، والتمرة، والتمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس». رواه البخاري، ومسلم.\n ﴿وَيَتِيمًا﴾ أي: صغيرا، وهو الذي فقد أباه الذي يكتسب له، وينفق عليه، روى منصور عن الحسن: أن يتيما كان يحضر طعام ابن عمر﵄-، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب اليتيم فلم يجده، ثم جاء بعدما فرغ ابن عمر من طعامه، فلم يجد الطعام، فدعا له بسويق، وعسل، فقال: دونك هذا؛ فو الله ما غبنت! قال الحسن وابن عمر: والله ما غبن!.\n ﴿وَأَسِيرًا:﴾ قيل: هو المسجون من أهل القبلة، يعني: من المسلمين. وقيل: هو من أهل الشرك، أمر الله المسلمين بالأسرى أن يحسنوا إليهم، وأن أسراهم يومئذ أهل الشرك. قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين، ويقول له: أحسن إليه، فيكون عنده اليومين، والثلاثة، فيؤثره على نفسه، ويشهد لذلك أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم","vol":"10","page":346},{"text":"عند الغداء. فعلى هذا الوجه يجوز إطعام الأسرى، وإن كانوا على غير ديننا، وأنه يرجى ثوابه، ولا يجوز أن يعطى من الصدقة الواجبة؛ كالزكاة، والكفارات على اختلاف أنواعها، والنذور.\nوقيل: الأسير: المملوك. وهو قول عكرمة، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم، والمشرك، وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء؛ حتى كان آخر ما وصى به أن جعل يقول:\n «الصلاة، وما ملكت أيمانكم». وقيل: الأسير: المرأة؛ لقول النبي ﷺ: «اتقوا الله في النّساء، فإنهنّ عوان عندكم».\nهذا؛ واختلفوا في سبب نزول الآية، وما بعدها، فقيل: نزلت في رجل من الأنصار، يقال له: أبو الدحداح صام يوما، فلما كان وقت الإفطار؛ جاءه مسكين، ويتيم، وأسير، فأطعمهم ثلاثة أرغفة، وبقي له، ولأهله رغيف واحد. وروي عن ابن عباس﵄أنها نزلت في علي بن أبي طالب﵁ وكرّم الله وجهه-وذلك: أنه عمل ليهودي على شيء من شعير، فقبض ذلك الشعير، فطحنت السيدة فاطمة﵂ثلثه، وأصلحوا منه شيئا يأكلونه، فلما فرغوا منه؛ أتى مسكين، فسأل، فأعطوه ذلك، ثم عملوا الثلث الثاني، فلما فرغوا منه؛ أتى يتيم فسأل، فأعطوه ذلك. ثم عملوا الباقي، فلما تم نضجه؛ أتى أسير من المشركين، فسأل فأعطوه ذلك، وطووا يومهم، وليلتهم، فنزلت هذه الآية. أقول: وخصوص السبب لا يمنع التعميم، فكل من أطعم المسكين، واليتيم، والأسير لله تعالى، وآثر على نفسه تشمله الآية.\nهذا؛ وقد ذكر النقاش، والثعلبي، والقشيري، وغير واحد من المفسرين في قصة علي، وفاطمة -﵄حديثا لا يصح، ولا يثبت. رواه جابر الجعفي عن قنبر مولى علي﵁- وفي تلك القصة قطع شعرية منسوبة إلى عليّ وإلى فاطمة، وإلى المسكين، واليتيم، والأسير، يخاطبون بها بيت النبوة. ولقد أحسن أبو حيان-رحمه الله تعالى-إذ يقول فيها: وذكر النقاش في ذلك حكاية طويلة جدا ظاهرة الاختلاق لسفساف ألفاظها، وكسر أبياتها، وسفاطة معانيها.\nهذا؛ وقد ذكر القرطبي-رحمه الله تعالى-القصة المختلقة، والأشعار المزيفة كلها، ثم قال: وليت شعري من حفظ هذه الأبيات كل ليلة عن علي وفاطمة﵄-، وإجابة كل واحد منهما صاحبه، حتى أدّاه إلى هؤلاء الرواة؟ فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السجون فيما أرى، بلغني أن قوما يخالدون في السجون، فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في السمر، وأشباهه، ومثل هذه الأحاديث المفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة؛ رموا بها، وزيفوها. وما من شيء إلا وله آفة ومكيدة، وآفة الدّين وكيده أكثر. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَيُطْعِمُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يطعمون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به أول.\n ﴿عَلى حُبِّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على عود الضمير إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من","vol":"10","page":347},{"text":"إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: على حبهم الله، أو على حبهم الطعام.\n ﴿مِسْكِينًا:﴾ مفعول به ثان، وما بعده معطوف عليه.\n\n<span id=\"aya-5600\"></span>﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ:﴾ لأجل الله، وطلب ثوابه، ومرضاته؛ أي: يقولون ذلك بألسنتهم للمسكين، واليتيم، والأسير. ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً:﴾ مكافأة على ذلك. ﴿وَلا شُكُورًا﴾ أي:\nولا أن تثنوا علينا بذلك. قال ابن عباس﵄-: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا، وعن سالم عن مجاهد؛ قال: أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله جل ثناؤه منهم، فأثنى به عليهم؛ ليرغب في ذلك راغب. وقيل: قالوا ذلك؛ ليقتدي بهم غيرهم، وذلك: أن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله تعالى، لا يراد به غيره، فهذا هو الإخلاص، وهذا ما فعله الصديق﵁وأثنى الله به عليه في قوله في سورة (الليل): ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾.\nوتارة يكون لطلب المكافأة، أو لطلب الحمد، والثناء من الناس، أو لهما، وهذان القسمان مردودان، لا يقبلهما الله تعالى؛ لأن فيهما رياء، وشركا، انظر الآية رقم [٢٦٢] من سورة (البقرة)، والرسول ﷺ قد شدد النكير على المرائين، والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة، أكتفي منها بما يلي: عن شداد بن أوس﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي؛ فقد أشرك، ومن صلّى يرائي؛ فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك». رواه البيهقي.\nهذا؛ ولا يفوتني أن أذكر أن شكر المعروف واجب، والثناء على فاعله من غير أن يبتغيه لا بأس به. وخذ ما يلي: فعن جابر﵄عن النبي ﷺ قال: «من أعطي عطاء، فوجد؛ فليجز به، فإن لم يجد؛ فليثن، فإنّ من أثنى؛ فقد شكر، ومن كتم؛ فقد كفر، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذي. وعن أسامة بن زيد﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثّناء».\nوعن النعمان بن بشير﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». ورحم الله من يقول: [الطويل]\nومن لم يؤدّ الشكر للنّاس لم يكن... لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر\nولا تنس: أن الله جل ثناؤه قد قرن شكره بشكر الوالدين، وذلك بقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ رقم [١٤] من سورة (لقمان).","vol":"10","page":348},{"text":"الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿نُطْعِمُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول بلفظ المقال، أو بلسان الحال، كما رأيت في الشرح وفيها معنى التعليل. ﴿لِوَجْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(وجه) مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره:\n «نحن». ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما على التنازع.\n ﴿جَزاءً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿شُكُورًا:﴾ معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿لا نُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب حال، من فاعل ﴿نُطْعِمُكُمْ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط.\n\n<span id=\"aya-5601\"></span>﴿إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾\nالشرح: المعنى: إنّ إحساننا إليكم، وإيثارنا إياكم بالطعام للخوف من شدة ذلك اليوم، لا لطلب مكافأتكم، ووصف اليوم بالعبوس مجاز على طريقين: أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء، كقولهم: نهارك صائم، فقد قال ابن عباس﵄-: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل منه عرق كالقطران. وأن يشبه في شدته، وضرره بالأسد العبوس، أو بالشجاع الباسل. هذا؛ وعن ابن عباس أيضا: العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقيل: القمطرير: الشديد، تقول العرب:\nيوم قمطرير، وقماطر، وعصيب بمعنى، وأنشد الفراء قول الشاعر: [الطويل]\nبني عمّنا هل تذكرون بلاءنا... عليكم إذا ما كان يوم قماطر؟\nوقال الأخفش: القمطرير: أشد ما يكون من الأيام، وأطوله في البلاء. قال الشاعر: [الطويل]\nففرّوا إذا ما الحرب ثار غبارها... ولجّ بها اليوم العبوس القماطر\nوقال أبو عبيدة: يقال: رجل قمطرير، أي: متقبّض ما بين العينين. وقال الزجاج: يقال:\nاقمطرّت الناقة: إذا رفعت ذنبها، وجمعت قطريها، وزمت بأنفها، فاشتقه من القطر، وجعل الميم زائدة. قال أسد بن ناعسة: [الخفيف]\nواصطليت الحروب في كلّ يوم... باسل الشّرّ قمطرير الصّباح\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنْ رَبِّنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَوْمًا:﴾ مفعول به. ﴿عَبُوسًا:﴾ صفة ﴿يَوْمًا﴾. ﴿قَمْطَرِيرًا:﴾ صفة ثانية، وجملة: ﴿نَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للإطعام، وهي من جملة مقول القول.","vol":"10","page":349},{"text":"<span id=\"aya-5602\"></span>﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: حفظهم الله، ودفع عنهم بأس ذلك اليوم، وشدته، وعذابه. ﴿وَلَقّاهُمْ﴾ أي: آتاهم، وأعطاهم حين لقوه يوم القيامة. ﴿نَضْرَةً:﴾ حسنا في الوجوه.\n ﴿وَسُرُورًا:﴾ فرحا في القلوب. وفي النضرة ثلاثة أوجه: أحدها: البياض، والنقاء. قاله الضحاك. الثاني: الحسن، والبهاء. قاله ابن جبير. الثالث: أثر النعمة. قاله ابن زيد. وهذا كقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ وذلك: أن القلب إذا سر؛ استنار الوجه. قال كعب بن مالك﵁في حديثه الطويل عن تخلفه في غزوة تبوك، وكان رسول الله ﷺ: «إذا سرّ؛ استنار وجهه؛ حتى كأنّه فلقة قمر». وقالت عائشة﵂-: «دخل عليّ رسول الله ﷺ مسرورا، تبرق أسارير وجهه». من حديث الإفك الطويل.\nالإعراب: ﴿فَوَقاهُمُ:﴾ الفاء: حرف سبب، واستئناف، أو وتفريع. (وقاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿شَرَّ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْيَوْمِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الفعلية: (وقاهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها وإعرابها مثلها بلا فارق.\n<span id=\"aya-5603\"></span>﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا﴾ أي: بصبرهم على طاعة الله، واجتناب معصيته، وعلى البلاء، الذي من جملته الفقر، والجوع، مع الوفاء بالنذر، والإيثار. وانظر الآية رقم [١٠] من سورة (المزمل) هذا؛ والجزاء، والمجازاة، والمكافأة على عمل ما تكون في الخير، وتكون في الشر.\nفمن الأول: ما في الآية الكريمة، وقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ والثاني كثير وذلك حينما يذكر عذاب الكافرين والظالمين، والفاسقين مثل: ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ،﴾ ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾. هذا؛ والفعل: جزى، يجزي ينصب مفعولين.\n ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا:﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى ذكر الحرير مع الجنة؟ قلت: المعنى وجزاهم ربهم بصبرهم على الإيثار، وما يؤدي إليه من الجوع، والعري بستانا، فيه مأكل هني، وحريرا فيه ملبس بهيّ. انتهى. وقد قال الرسول ﷺ: «من لبس الحرير في الدّنيا، لم يلبسه في الآخرة». وإنما ألبسهم الله إياه في الجنة عوضا عن حبسهم أنفسهم في الدنيا عن الملابس التي حرم الله فيها. وانظر الآية رقم [١٥] الآتية.","vol":"10","page":350},{"text":"الإعراب: ﴿وَجَزاهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (جزاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما):\nمصدرية. ﴿صَبَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، و(ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار، والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَنَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿(حَرِيرًا):﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية (جزاهم...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-5604\"></span>﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾\nالشرح: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أي: مضطجعين، أو متربعين. وفي القاموس: توكأ عليه: تحامل، واعتمد. واتكأ: جعل له متكأ، وقوله ﷺ: «أمّا أنا فلا آكل متكئا». أي: جالسا جلوس المتمكن المتربع، ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل، بل كان جلوسه ﷺ للأكل مستوفزا مقعيا غير متربع ولا متمكن، وليس المراد الميل على شق، كما يظنه عوام الطلبة. هذا؛ وأصل متكئين: موتكئين، واتكأ أصله: اوتكأ، والتكأة أصلها: التّوكأة، فقلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء. هذا؛ و﴿الْأَرائِكِ﴾ السرر في الحجال، واحدها: أريكة، مثل: سفينة وسفائن، والمراد بها: نحو القبة تغلق على السرير، وتزين بها العروس. قال الشاعر: [الطويل]\nكأنّ احمرار الورد فوق غصونه... بوقت الضحى في روضة المتضاحك\nخدود عذارى قد خجلن من الحيا... تهادين بالرّيحان فوق الأرائك\nوقيل: الأريكة لا تكون إلا في حجلة على سرير، وإلا؛ فهي وسادة. قال ذو الرمة: [الطويل]\nخدود جنت في الليل حتّى كأنّما... يباشرن بالمعزاء مسّ الأرائك\n ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ أي: لا يرون في الجنة شدة حر كحر الشمس، ولا بردا مفرطا كبرد الدنيا. قال الأعشى: [المتقارب]\nمنعّمة طفلة كالمها... ة لم تر شمسا ولا زمهريرا\nوعن أبي صالح عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «اشتكت النّار إلى ربّها ﷿. قالت: يا ربّ! أكل بعضي بعضا. فجعل لها نفسين: نفسا في الشتاء، ونفسا في الصيف، فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدّة ما تجدون من الحرّ في الصّيف من سمومها». أخرجه الشيخان والترمذي مع اختلاف في بعض الألفاظ. وعن النبي ﷺ أنه قال: «إن هواء الجنة سجسج، لا حرّ، ولا برد». والسجسج الظل الممتد، كما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس.","vol":"10","page":351},{"text":"وقال مرّة الهمداني: الزمهرير: البرد القاطع. وقال مقاتل بن حيان: هو شيء مثل رؤوس الإبر، ينزل من السماء في غاية البرد. وقال ابن مسعود﵁-: هو لون من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار إذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم بالنار ألف سنة أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوما واحدا. قال أبو النجم العجلي: [الرجز]\nأو كنت ريحا كنت زمهريرا\nهذا؛ ولعلك تدرك معي: أن العقول كانت تستبعد، بل وتستنكر وجود الحر، والبرد في نار جهنم، ولكن في هذه الأيام تسلم العقول السليمة، والفطر المستقيمة بذلك، وذلك بعد التأمل في الكهرباء التي يصدر عنها الحر، والبرد، وهذا مشاهد، ومرئي لا خفاء فيه، ولا تنس استنكار كفار قريش لوجود شجرة الزقوم في النار، وقد بينه في كثير من الآيات. هذا؛ وقال ثعلب: الزمهرير القمر بالغة طيّئ. قال شاعرهم: [الرجز]\nوليلة ظلامها قد اعتكر... قطعتها والزمهرير ما زهر\nأي: لم يطلع القمر. فالمعنى لا يرون فيها شمسا كشمس الدنيا، ولا قمرا كقمر الدنيا؛ أي: إنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه، ولا نهار؛ لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر، انظر ما ذكرته في سورة (مريم) رقم [٦٢] بعد هذا القول: المعتمد الأول، وهو وجود الزمهرير في نار جهنم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وقال الجلال: حال من مرفوع «ادخلوها» المقدر، وأجاز أبو البقاء، والزمخشري اعتباره صفة ل: ﴿جَنَّةً﴾ ومنعه مكي لعدم الضمير الرابط، وأجيب بتقدير: متكئين هم فيها؛ لجريان الصفة على غير من هي له، وفاعله ضمير مستتر فيه.\n ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. وقيل: العكس بتعليقهما، وإن علقتهما جميعا ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ فلست مفندا.\n ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾\nجار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَمْسًا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا):\nنافية. ﴿زَمْهَرِيرًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة، أو هي حال متكررة، كما أجيز اعتبارها صفة ﴿جَنَّةً﴾.\n\n<span id=\"aya-5605\"></span>﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ أي: ظل الأشجار في الجنة قريبة من الأبرار، فهي مظلّة عليهم زيادة في نعيمهم، وإن كان لا شمس، ولا قمر ثمّ، كما أن أمشاطهم الذهب، والفضة، وإن كان","vol":"10","page":352},{"text":"لا وسخ، ولا شعث ثمّ، وإنما هي للتلذذ، والترفه. ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ أي: سخرت ثمارها لهم تسخيرا، يأكلون منها قياما، وقعودا، ومضطجعين، ويتناولونها كيف شاؤوا، وعلى أي حال أرادوا، وفي سورة (الحاقة): ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ،﴾ وفي سورة (الرحمن) الآية [٥٤]: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ هذا؛ و﴿قُطُوفُها﴾ جمع: قطف بكسر القاف بمعنى مفعول، كالذّبح بمعنى المذبوح، وهو ما يجتنيه الجاني من الثمار، وأما القطف بالفتح؛ فالمصدر، والقطاف بالفتح، والكسر: وقت القطاف. هذا؛ والمذلل: القريب المتناول من قولهم: حائط ذليل، أي: قصير، و﴿ذَلُولٌ﴾ لم تذلل للركوب، ولا للسقي، ولا للحرث. قال تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة) وقال امرؤ القيس من معلقته رقم [٤٧]: [الطويل]\nوكشح لطيف كالجديل مخصّر... وساق كأنبوب السّقيّ المذلّل\nتنبيه: قال الجمل نقلا عن كرخي: فإن قيل: كيف يوصف ظلها، أي: ظل ما فيها من الأشجار. مع أن الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، ولا شمس في الجنة؛ حتى يظل أهلها ما فيها من الأشجار؟ فالجواب أن المراد: أن أشجار الجنة تكون بحيث لو كانت هناك شمس، لكان ظل تلك الأشجار قريبا منهم. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَدانِيَةً:﴾ فيها أوجه: أحدها: أنها عطف على محل ﴿لا يَرَوْنَ،﴾ الثاني: أنها معطوفة على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ فيكون فيها ما فيها، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين السلامة من الحر، والقر، ودنو الظلال عليهم.\nالثالث: أنها صفة لموصوف محذوف، أي: وجنة دانية. قاله أبو البقاء. الرابع: أنها صفة ل: ﴿جَنَّةً﴾ الملفوظ بها. قاله الزجاج. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وقال الفراء:\nمنصوب على المدح، أي: دنت دانية. هذا؛ وقرئ برفع (دانية) على أنه خبر مقدم، و﴿ظِلالُها﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿لا يَرَوْنَ﴾. قاله الزمخشري. وقال مكي: في موضع الحال من الهاء، والميم، أو من المضمر في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقول الزمخشري أحق بالاعتبار. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (دانية). ﴿ظِلالُها:﴾ فاعل بدانية، أو هو مبتدأ مؤخر حسبما رأيت. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن (دانية) في الأصل صفة ﴿ظِلالُها﴾ فلما تقدم النعت على المنعوت انتصب، ومثله قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣]: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (القلم) رقم [٤٢]: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾. ﴿وَذُلِّلَتْ:﴾ الواو: واو الحال.\n (ذللت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿قُطُوفُها:﴾ نائب فاعل، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على (دانية) فهي في محل نصب حال مثلها، وهي على تقدير: «قد» قبلها. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: فعلام عطف: ﴿وَذُلِّلَتْ؟﴾ قلت: هي إذا رفعت (دانية) جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية، وإذا نصبتها على الحال، فهي حال من","vol":"10","page":353},{"text":"(دانية) أي: تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم، أو معطوفة عليها، أي: ودانية عليهم ظلالها، ومذللة قطوفها، وإذا نصبت ﴿وَدانِيَةً﴾ على الوصف، فهي صفة مثلها، ألا ترى أنك لو قلت: جنة ذللت قطوفها كان صحيحا. ﴿تَذْلِيلًا:﴾ مفعول مطلق.\n\n<span id=\"aya-5606\"></span>﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥)﴾\nالشرح: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشراب بآنية من فضة. قال ابن عباس﵄-: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: ما في الجنة أشرف، وأعلى، وأنقى! ثم لم تنف الأواني الذهبية، بل المعنى:\nيسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب، وقد قال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٧١]: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ،﴾ والمعنى: أن لهم في الجنة أطعمة، وأشربة، يطاف بها عليهم في صحاف من ذهب، وأكواب، ولم يذكر الأطعمة، والأشربة؛ لأنه يعلم: أنه لا معنى للإطافة بالصحاف، والأكواب، والآنية عليهم من غير أن يكون فيها شيء.\nوفي الصحيحين عن حذيفة﵁أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير، ولا الدّيباج، ولا تشربوا في آنية الذّهب، والفضّة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنّها لهم في الدّنيا، ولكم في الآخرة». وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله﵄قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهل الجنّة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يمتخطون». قالوا: فما بال الطعام؟ قال: «جشاء، ورشح كرشح المسك، يلهمون التّسبيح، والتّحميد، والتكبير كما يلهمون النّفس». وروى الأئمة من حديث أم سلمة﵂- عن النبي ﷺ قال: «الّذي يشرب في آنية الذّهب، والفضّة؛ إنّما يجرجر في بطنه نار جهنم».\nوقال: «لا تشربوا في آنية الذّهب، والفضّة، ولا تأكلوا في صحافهما».\nوهذا يقتضي التحريم، ولا خلاف في ذلك. ويقاس على الأكل، والشرب سائر الاستعمالات. وأيضا: الاقتناء لقوله ﷺ في الذهب، والحرير: «هذان حرام لذكور أمتي حلّ لإناثها».\nهذا؛ و(أكواب) جمع: كوب، وهو وعاء مدور، لا أذن له، ولا عروة بخلاف الإبريق فإن له ذلك، والملاحظ: أن لفظ: (أكواب) جاء بسورة (الزخرف) وفي هذه السورة، وفي سورة (الواقعة) و(الغاشية) بلفظ الجمع ولم يأت له مفرد قطعا؛ لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق، والظهور، والرقة، والانكشاف، وحسن التناسب كلفظ: (أكواب) الذي هو الجمع، وقل مثله في:\nأباريق، فإنه لم يستعمل منه مفرد، ولم يذكر إلا في سورة (الواقعة)، ومفرده: إبريق، سمي بذلك؛ لأنه يبرق لونه من صفائه. هذا؛ وقد جاء لفظ الكوب مفردا في قول عدي بن زيد: [السريع]","vol":"10","page":354},{"text":"متّكئا تقرع أبوابه... يسعى عليه العبد بالكوب\nقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى ﴿كانَتْ؟﴾ قلت: هو من (يكون) في قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: تكونت قوارير بتكوين الله تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين، ومنه كان في قوله تعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا،﴾ ﴿كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾.\nهذا؛ والقوارير: الزجاج الأبيض الجميل، وهو جمع: القارورة. وفي المصباح: القارورة:\nإناء من زجاج، والجمع: القوارير، والقارورة أيضا: وعاء الرطب، والتمر، وهي القوصرة.\nوتطلق القارورة على المرأة؛ لأن الولد، أو المني يقر في رحمها، كما يقر الشيء في الإناء، أو تشبيها لها بآنية الزجاج لضعفها، وفي الحديث الشريف من قول النبي ﷺ: «رفقا بالقوارير».\nقال الأزهري: والعرب تكني عن المرأة بالقارورة، والقوصرة. انتهى. وفي القاموس المحيط:\nوالقارورة: حدقة العين، وما قرّ فيه الشراب، أو نحوه، أو يخص بالزجاج، و﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: من زجاج في بياض الفضة، وصفاء الزجاج. وانظر ما قيل في صرف (سلاسل) فهو مثله.\nالإعراب: ﴿وَيُطافُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (يطاف): فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما في محل رفع نائب فاعله، ومثلهما قوله: ﴿بِآنِيَةٍ﴾. ﴿مِنْ فِضَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آنية). ﴿وَأَكْوابٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي»، يعود إلى (أكواب). ﴿قَوارِيرَا:﴾\nخبر (كان) وإن اعتبرتها تامة ف: ﴿قَوارِيرَا﴾ حال من فاعلها المستتر، والجملة الفعلية صفة (أكواب).\n\n<span id=\"aya-5607\"></span>﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ:﴾ قال ابن عباس﵄-: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا القوارير من فضة، وقال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها؛ حتى تجعلها مثل جناح الذباب لم تر من ورائها الماء، ولكن قوارير الجنة مثل الفضة في صفاء القوارير. والمعنى: يرى ما في باطنها من ظاهرها. ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ أي: قدروا الكؤوس على قدر ريهم، وكفايتهم لا تزيد، ولا تنقص، والمعنى: أن السقاة، والخدم الذين يطوفون عليهم، يقدرونها لهم، ثم يسقونها، وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته، لا يفضل عنها، ولا يعجز، وعن مجاهد: لا تفيض، ولا تغيض. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قَوارِيرَا:﴾ بدل مما قبله. ﴿مِنْ فِضَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿قَوارِيرَا﴾.\n ﴿قَدَّرُوها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿تَقْدِيرًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿قَوارِيرَا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم.","vol":"10","page":355},{"text":"<span id=\"aya-5608\"></span>﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿وَيُسْقَوْنَ﴾ أي: الأبرار. ﴿فِيها:﴾ في الجنة. ﴿كَأْسًا﴾ أي: مملوءة خمرا من خمر الآخرة، المنزهة عن اللغو، والرفث. ﴿كانَ مِزاجُها:﴾ شوبها، وخلطها. ﴿زَنْجَبِيلًا﴾ والمعنى:\nيسقى هؤلاء الأبرار في الجنة كأسا من الخمر ممزوجة بالزنجبيل، والعرب تستلذ من الشراب ما مزج بالزنجبيل لطيب رائحته، فتارة يمزج للأبرار الشراب بالكافور، وهو بارد، وتارة بالزنجبيل، وهو حار ليعتدل الأمر، وأما المقربون؛ فإنهم يشربون من كل منهما صرفا، كما قاله قتادة، وغير واحد. وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته؛ لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة، والطيب. وقال المسيب بن علس يصف ثغر المرأة: [الكامل]\nوكأنّ طعم الزّنجبيل به... إذ ذقته وسلافة الخمر\nوقال الأعشى: [المتقارب]\nكأنّ القرنفل والزنجبي... ل باتا بفيها وأريا مشورا\nوقال بعض بني تميم-وهو الشاهد رقم [٦٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]\nوا بأبي أنت وفوك الأشنب... كأنّما ذرّ عليه الزّرنب\nأو زنجبيل وهو عندي أطيب\nهذا؛ والأري: العسل. و«مشور» مستخرج من بيوت النحل. والشنب: رقة الأسنان.\nوقيل: عذوبة الفم، والزرنب: نبت طيب من نبات البادية.\nالإعراب: ﴿وَيُسْقَوْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يسقون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كَأْسًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (يطاف...) إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿مِزاجُها:﴾ اسمها، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿زَنْجَبِيلًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿كَأْسًا﴾.\n<span id=\"aya-5609\"></span>﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾\nالشرح: ﴿تُسَمّى سَلْسَبِيلًا:﴾ السلسبيل: الشراب اللذيذ، وهو فعلليل من السّلاسة، تقول العرب:\nهذا شراب سلس، وسلسال، وسلسل وسلسبيل بمعنى. أي: طيب الطعم لذيذه، وفي الصحاح:\nوتسلسل الماء في الحلق: جرى، وسلسلته أنا: صببته فيه. وماء سلسل، وسلسال: سهل الدخول","vol":"10","page":356},{"text":"في الحلق لعذوبته، وصفائه. وقال الزجاج: السلسبيل في اللغة: اسم لما كان في غاية السّلاسة، فكأن العين سميت بصفتها. وقيل: حديدة الجرية سميت سلسبيلا؛ لأنها تسيل عليهم في طرقهم ومنازلهم، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى سائر الجنان، وبه قال ابن عباس﵄-. ومنه قول حسان بن ثابت﵁في مدح آل جفنة قبل إسلامه: [الكامل]\nيسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل\nوقال أبو كبير الهذلي-وهو الشاهد رقم [٤٤٩] من كتابنا: «فتح رب البرية»، وهو في «فتح القريب المجيب» أيضا-: [الكامل]\nأم لا سبيل إلى الشّباب وذكره... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل\nهذا؛ وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب﵁أن معناه: سل سبيلا إليها، وهذا غير مستقيم على ظاهره إلا أن يراد أن جملة قول القائل: سل سبيلا جعلت علما للعين، كما قيل: (تأبط شرّا) و(ذرى حبّا) وسميت بذلك؛ لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف، وابتداع، وعزوه إلى مثل علي﵁أبدع، وفي شعر بعض المحدثين: [الخفيف]\nسل سبيلا فيها إلى راحة النّف... س براح كأنّها سلسبيل\nانتهى. كشاف واستبعد ابن هشام في المغني الاعتبارين. هذا؛ وقال صاحب منجد الطلاب: سلسبيل: اسم عين يقولون: إنها في الجنة. انتهى. نعم! نقول: إنها في الجنة، ولا حظ له فيها قطعا، بل هي محرمة عليه وعلى من على شاكلته بلا شك. وقال ابن الأعرابي:\nلم أسمع السلسبيل إلا في القرآن، وقال مكي: هو اسم أعجمي نكرة، فلذلك صرف، ووزنه مثل: دردبيس، وزنه: فعفليب. وانظر الآية.\nالإعراب: ﴿عَيْنًا:﴾ بدل من ﴿زَنْجَبِيلًا﴾. وقيل: بدل من ﴿كَأْسًا،﴾ وأجيز اعتباره منصوبا بفعل مضمر، أي: يسقون عينا، وأجيز نصبه بإسقاط الخافض، أي: من عين. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَيْنًا﴾. ﴿تُسَمّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل تقديره: «هي» يعود إلى ﴿عَيْنًا﴾ وهو المفعول الأول. ﴿سَلْسَبِيلًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿عَيْنًا،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها.\n\n<span id=\"aya-5610\"></span>﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يتغيرون، ولا ينتقلون من حالة إلى حالة. ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]","vol":"10","page":357},{"text":"وهل ينعمن إلاّ سعيد مخلّد... قليل الهموم ما يبيت بأوجال\nوقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ مقرّطون، والخلد: القرط، وهو الحلقة تعلق في الأذن. قال الشاعر: [الطويل]\nومخلّدات بالّجين كأنّما... أعجازهنّ أقاوز الكثبان\nفهم على سن واحدة أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون كما شاؤوا من غير ولادة. وقال علي بن أبي طالب﵁والحسن البصري: الولدان هاهنا ولدان المسلمين؛ الذين يموتون صغارا، ولا حسنة لهم ولا سيئة. وقال سلمان الفارسي﵁-: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع. والمقصود: أن أهل الجنة على أتم السرور، والنعمة، والنعمة إنما تتم باحتفاف الخدم، والولدان بالإنسان.\nأقول: ما نسب إلى علي، والحسن ضعيف جدا؛ لأن أولاد المسلمين الصغار، يكونون مع آبائهم، وأمهاتهم، وهو من جملة السرور، بل من أعظم السرور اجتماعهم بهم. قال تعالى في سورة (الطور) رقم [٢١]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وتشبهها آية (الرعد) رقم [٢٣] ولأن من المؤمنين من لا ولد له، فلو خدمه ولد غيره كان منقصة بأبي الخادم، وقول سلمان الفارسي أولى بالاعتبار؛ لأنه قد اختلف في أولاد المشركين على ثلاثة مذاهب، فقال الأكثرون: هم في النار تبعا لآبائهم، وتوقف فيهم طائفة، والمذهب الثالث، (وهو الصحيح) الذي ذهب إليه المحققون: أنهم من أهل الجنة. ولكل مذهب دليل ليس هنا موضعه. وقال الخازن في سورة (الواقعة): والصحيح الذي لا معدل عنه إن شاء الله تعالى: أنهم ولدان خلقوا في الجنة لخدمة أهل الجنة كالحور العين، ولم يولدوا، ولم يخلقوا عن ولادة. ولا بأس به!.\n ﴿إِذا رَأَيْتَهُمْ﴾ أي: أبصرتهم. ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ أي: ظننتهم من حسنهم، وكثرتهم، وصفاء ألوانهم لؤلؤا في مجالسهم، ومنازلهم، شبهوا باللؤلؤ المنثور هنا وهناك، واللؤلؤ إذا نثر بساطا، كان أحسن منه منظوما. وعن المأمون العباسي: أنه ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل، وهو على بساط منسوج من ذهب، وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثورا على ذلك البساط، فاستحسن المنظر. وقال: لله در أبي نواس، كأنه أبصر هذا؛ حيث قال: [البسيط]\nكأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها... حصباء درّ على أرض من الذّهب\nوقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب؛ إذا نثر من صدفه؛ لأنه أحسن، وأكثر رواء. وقيل: إنما شبهوا بالمنثور؛ لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين؛ إذ شبههن الله باللؤلؤ المكنون المخزون؛ لأنهن لا يمتهن بالخدمة، وذلك بقوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (٢٢)","vol":"10","page":358},{"text":"﴿كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ كما وصفهم الله باللؤلؤ المكنون للتفنن، وذلك في سورة (الطور) رقم [٢٤] بقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ انظر شرح هذه الآية في محلها.\nوفي قوله تعالى: ﴿حَسِبْتَهُمْ..﴾. إلخ، تشبيه مأخوذ من معنى حسبتهم، وهو تشبيه بديع، فقد شبه الولدان باللؤلؤ المنثور، فهو قسم من أقسام التشبيه جاءت فيه الأداة فعلا من أفعال الظن، ومثله قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٨]: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ،﴾ وقوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٤٤]: ﴿فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾.\nالإعراب: ﴿وَيَطُوفُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يطوف): فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وِلْدانٌ:﴾ فاعل (يطوف). ﴿مُخَلَّدُونَ:﴾ صفة ﴿وِلْدانٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿رَأَيْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿حَسِبْتَهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿لُؤْلُؤًا:﴾ مفعول به ثان.\n ﴿مَنْثُورًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿وِلْدانٌ،﴾ أو هو كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-5611\"></span>﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ، أو لكل من يدخل الجنة، وحذف المفعول للتعميم. ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا:﴾ النعيم: سائر ما يتنعم به. ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ أي: مملكة لله هناك عظيمة، وسلطانا باهرا، وثبت في الصحيح: أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا إليها: «إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها». وفي الحديث عن ابن عمر مرفوعا: «إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه، كما ينظر إلى أدناه». فإذا كان هذا عطاء الله تعالى لأدنى أهل الجنة، فما ظنك بمن هو أعلى منزلة، وأحظى عنده تعالى؟ وقال سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: بلغنا: أن الملك الكبير هو تسليم الملائكة عليهم. وقيل: كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على رؤوس الملوك في الدنيا، وأعظمهم منزلة من ينظر إلى وجه ربه كلّ يوم. هذا؛ و﴿ثَمَّ﴾ هنا بفتح الثاء ظرف مكان، وهي بخلاف «ثمّ» بضم الثاء، انظر الآية رقم [٣٢] من سورة (الحاقة). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: ذكر السيوطي في: «أسباب النزول» فقال: وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: دخل عمر على النبي ﷺ، وهو راقد على حصير من جريد؛ وقد أثر في جنبه، فبكى عمر﵁فقال: «ما يبكيك»؟! قال: ذكرت كسرى، وملكه، وهرمز، وملكه، وصاحب الحبشة، وملكه، وأنت رسول الله تنام على حصير من جريد! فقال رسول الله ﷺ: «أما ترضى أنّ لهم","vol":"10","page":359},{"text":"الدنيا، ولنا الآخرة؟!». فأنزل الله: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ..﴾. إلخ، وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) رقم [٢٠] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية السابقة. ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول لم يذكر، ولا ينوى، ولا يسمى محذوفا؛ لأن الفعل نزل منزلة ما لا مفعول له إذا المراد الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، أفاده ابن هشام في المغني. وقال الفراء:\n ﴿ثَمَّ﴾ مفعول به لرأيت. وقال أيضا: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ﴾ تقديره: ما ثمّ، فحذفت «ما»، وقامت ﴿ثَمَّ﴾ مقام «ما»، ورد هذا الزمخشري، فقد قال: ومن قال معناه: ما ثمّ فقد أخطأ؛ لأن ﴿ثَمَّ﴾ صلة ل: «ما» ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة، وما قاله الزمخشري محجوج بقوله حسان -﵁في هجاء أبي سفيان-وهو الشاهد رقم [١٠٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الوافر]\nأمن يهجو رسول الله منكم... ويمدحه وينصره سواء\nالتقدير: ومن يمدحه... إلخ. ﴿ثَمَّ:﴾ ظرف مكان بمعنى هنالك مبني على الفتح في محل نصب متعلق بالفعل ﴿رَأَيْتَ،﴾ أو هو متعلق بمحذوف صلة الموصول المحذوف، أو هو في محل نصب مفعول به حسبما رأيت في الشرح، وجملة: ﴿رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها.\n ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَعِيمًا:﴾ مفعول به. (ملكا): معطوف على ما قبله. ﴿كَبِيرًا:﴾ صفة (ملكا)، وجملة: ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. هذا؛ وانظر حذف مفعول رأيت في سورة (التكاثر)، فإنه جيد والحمد لله.\n\n<span id=\"aya-5612\"></span>﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿عالِيَهُمْ:﴾ يقرأ بسكون الياء، وتحريكها بالفتحة. انظر الإعراب، وهو بمعنى:\nفوقه. ﴿ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ أي: ما يعلوهم من الثياب، وما يتجملون به، إنما هو من سندس، وهو ما رقّ من الحرير. ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ:﴾ هو ما غلظ من الحرير، وقد يطلق على النوعين اسم:\nالديباج. هذا؛ وقيل: السندس يكون مما يلي أبدانهم، والإستبرق، وهو ما فيه بريق ولمعان يكون فوق الأول، كما هو المعهود في لباس الدنيا: ثياب داخلية، وثياب فوقها. هذا؛ و﴿ثِيابُ﴾ جمع: ثوب، أصله: ثواب، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ومثله: صيام، وحياض... إلخ، وانظر ما ذكرته برقم [٧] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والإستبرق: مختلف فيه، هل هو عربي، مشتق أصله من البريق، أو هو معرب، أصله استبره؟ خلاف بين اللغويين.","vol":"10","page":360},{"text":"قال الزمخشري: فإن قلت: ذكر هاهنا: أن أساورهم من فضة، وفي موضع آخر أنها من ذهب؟ قلت: هب أنه قيل: وحلّوا أساور من ذهب، ومن فضة، وهذا صحيح لا إشكال فيه على أنهم يسورون بالجنسين، إما على المعاقبة، وإما على الجمع، كما تزاوج نساء الدنيا بين أنواع الحلي، وتجمع بينها، وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران: سوار من ذهب، وسوار من فضة! ولا تنس: أن التعبير بالماضي (حلوا) عن المستقبل: «يحلون» لتحقق وقوعه.\nوقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورق، وواحد من لؤلؤ. وهو المنصوص عليه في القرآن، في سورة (الكهف) رقم [٣١]، وفي سورة (الحج) رقم [٢٣]، وأيضا في سورة (فاطر) رقم [٣٣]، وقال هنا: ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. وخص اللون الأخضر بالذكر هنا وفي سورة (الكهف) رقم [٣١]؛ لأنه أحسن الألوان، وأكثرها طراوة، وأعلاها بهجة، ولأن البياض يبدد النظر، ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بينهما، وذلك يجمع الشعاع.\n ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ..﴾. إلخ يعني: طاهرا من الأقذار، والأدران، لم تمسه الأيدي، ولم تدنسه الأرجل كخمر الدنيا. وقيل: إنه لا يستحيل بولا، ولكنه يستحيل رشحا في أبدانهم، كرشح المسك، وذلك: أنهم يؤتون بالطعام، ثم من بعده يؤتون بالشراب الطهور، فيشربون منه، فتطهر بطونهم، ويصير ما أكلوا رشحا، يخرج من جلودهم أطيب من المسك الأذفر، وتضمر بطونهم، وتعود شهياتهم. وقيل: الشراب الطهور هو عين ماء على باب الجنة، من شرب منه نزع الله ما كان في قلبه من غل، وغش، وحسد، وكبر... إلخ. ولا تنس أن (الطهور) صيغة مبالغة.\nوكل ما ذكر في هذه الآيات من النعيم المعد للأبرار مع ما ذكر من الأغلال، والسعير في الآية رقم [٤] المعد للكافرين، والفجار إنما هو على طريقة القرآن في المقارنة بين حال الأبرار، وحال الفجار، وتلك سنة اقتضتها حكمة العليم الخبير، ورحمته في كتابه بأن لا يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار، وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط، ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا.\nكما روي عن علي﵁أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة؛ وجدوا هنالك عينين، فكأنما ألهموا ذلك، فشربوا من إحداهما، فأذهب الله ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم. فأخبر ﷾ بحالهم الظاهر، وجمالهم الباطن. هذا؛ وانظر قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ في سورة (الأعراف) رقم [٤٣] وسورة (الحجر) رقم [٤٧].\nهذا؛ والفعل: (سقاهم) من الثلاثي، كما يأتي من الرباعي: أسقى، وهما بمعنى واحد، تقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمزة تارة، وبدونه أخرى، وشاهد","vol":"10","page":361},{"text":"المهموز قوله تعالى في سورة (المرسلات) رقم [٢٧]، وشاهد غير المهموز الآية التي نحن بصدد شرحها، ويحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ وقوله جل ذكره في سورة (المطففين): ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد اللغتان في قول لبيد﵁-: [الوافر]\nسقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال\nولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، كما حذف المفعولان من الأفعال المذكورة في سورة (القصص): ﴿يَسْقُونَ﴾ ﴿لا نَسْقِي،﴾ ﴿فَسَقى لَهُما﴾. هذا؛ وفرق الأعلم بين المهموز وغيره، فقال: تقول: سقيتك ماء: إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيتك إذا حصلت له سقيا.\nالإعراب: ﴿عالِيَهُمْ:﴾ فعلى قراءته بسكون الياء ففيه أوجه: أظهرها: أن يكون خبرا مقدما، و﴿ثِيابُ﴾ مبتدأ مؤخر، والثاني: أن (عاليهم) مبتدأ، و﴿ثِيابُ﴾ فاعل به سد مسد الخبر، وإن لم يعتمد على وصف، أو نفي، أو استفهام، وهذا قول الأخفش، والكوفيين. والثالث: أن (عاليهم) منصوب، وإنما سكن تخفيفا. قاله أبو البقاء، ويجري فيه الاعتباران المذكوران من الإعراب. وعلى قراءته بالنصب ففيه أوجه: أحدها: أنه ظرف مكان بمعنى: فوقهم، فهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، و﴿ثِيابُ﴾ مبتدأ مؤخر، وعلى جميع الوجوه المذكورة فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. والثاني: أن ﴿عالِيَهُمْ﴾ حال من الضمير في ﴿عالِيَهُمْ﴾. الثالث: أنه حال من مفعول ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾. الرابع: أنه حال من مضاف مقدر؛ أي: رأيت أهل نعيم وملك كبير عاليهم، ف: ﴿عالِيَهُمْ﴾ حال من «أهل» المقدر، ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري، وغيره. والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وهذا على اعتباره حالا، وأما على اعتباره ظرف مكان؛ فالإضافة محضة، وحقيقية. و﴿ثِيابُ﴾ مضاف، و﴿سُندُسٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿خُضْرٌ:﴾ يقرأ بالرفع على أنه صفة ﴿ثِيابُ،﴾ وبالجر على أنه صفة ﴿سُندُسٍ﴾. ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ:﴾\nيقرأ بالرفع عطفا على ﴿ثِيابُ،﴾ ويقرأ بالجر عطفا على ﴿سُندُسٍ﴾. ﴿وَحُلُّوا:﴾ الواو: واو الحال. (حلوا): فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿أَساوِرَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ فِضَّةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَساوِرَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير في ﴿عالِيَهُمْ،﴾ العائد إلى ﴿وِلْدانٌ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، وإن عطفتها على جملة (يطوف) فلست مفندا.\n ﴿وَسَقاهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (سقاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل مرفوع، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿شَرابًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿طَهُورًا:﴾ صفة (شرابا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الاعتبارين فيها.","vol":"10","page":362},{"text":"<span id=\"aya-5613\"></span>﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هذا كانَ..﴾. إلخ: أي: يقال لهم: إنما هذا جزاؤكم، وثوابكم. وهذا يكون بعد دخولهم فيها، ومشاهدتهم نعيمها، كما يقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ سورة (الحاقة) رقم [٢٤]. وكقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سورة (الأعراف) رقم [٤٣]. ﴿وَكانَ سَعْيُكُمْ:﴾ عملكم. ﴿مَشْكُورًا﴾ أي: عند الله، وشكره للعبد قبول طاعته، وثناؤه عليه، وإثابته إياه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى اسم الإشارة. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً﴾ بعدهما. ﴿جَزاءً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ لَكُمْ جَزاءً﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والقول المحذوف، ومقوله كلام مستأنف، لا محل له. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿سَعْيُكُمْ:﴾ اسم (كان)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَشْكُورًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n<span id=\"aya-5614\"></span>﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ:﴾ هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ. ﴿الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا:﴾\nقال ابن عباس﵄-: متفرقا آية بعد آية، ولم ننزله جملة واحدة. والمعنى: أنزلنا عليك القرآن متفرقا لحكمة بالغة، تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، والمقصود من ذلك تثبيت قلب رسول الله ﷺ، وشرح صدره، وأن الذي أنزله إليه وحي منه، ليس بكهانة، ولا سحر؛ لتزول تلك الوحشة؛ التي حصلت له ﷺ من قول الكفار: إنه سحر، أو شعر، أو كهانة.\nهذا؛ و﴿نَزَّلْنا﴾ بتشديد الزاي بمعنى: أنزلنا، والفرق بين الفعلين: أن أنزل يفيد: أن القرآن، أو السورة إنما نزل دفعة واحدة، وأما نزّل فيفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه أهل الشعر، والخطابة. وهذا مما يريب القرشيين، كما حكى ﷾ عنهم بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ سورة (الفرقان) رقم [٣٢] هذا؛ وانظر شرح (نا) في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١].","vol":"10","page":363},{"text":"الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضمير فصل لا محل له من الإعراب. والثاني: أنه توكيد لاسم (إنّ) على المحل. والثالث: أنه في محل رفع مبتدأ.\n ﴿نَزَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به.\n ﴿تَنْزِيلًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية. ﴿نَزَّلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) على الوجه:\nالأول، والثاني في الضمير، وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه، وعليه: فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5615\"></span>﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لعبادته، فهي من الحكمة المحضة. وقيل: معناه فاصبر لحكم ربك في تأخير الإذن بالقتال. وقيل: هو عام في جميع التكاليف، أي: فاصبر لحكم ربك في كل ما حكم الله به، سواء كان تكليفا خاصا، كالعبادات، والطاعات، أو عاما متعلقا بالغير، كالتبليغ، وأداء الرسالة، وتحمل المشاق، وغير ذلك.\n ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين، والمنافقين؛ إن أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل عليه، فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم: هو الفاجر في أفعاله، والكفور: هو الكافر قلبه. قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٨]: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾.\nهذا؛ وقيل: أراد بالآثم، والكفور: أبا جهل، وذلك: أنه لما فرضت الصلاة على النبي ﷺ نهاه أبو جهل عنها. وقال: لئن رأيت محمدا يصلي؛ لأطأنّ على عنقه! وقيل: أراد بالآثم:\nعتبة بن ربيعة، وبالكفور: الوليد بن المغيرة، وذلك: أنهما قالا للنبي ﷺ: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال، فارجع عن هذا الأمر! وقال عتبة: أنا أزوجك ابنتي، وأسوقها إليك بغير مهر. وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر! فأنزل الله هذه الآية. فإن قلت: هل من فرق بين الآثم، والكفور؟ قلت: نعم، الآثم: هو المقدم على المعاصي؛ أي: معصية كانت، والكفور: هو الجاحد، فكل كفور آثم، ولا ينعكس؛ لأن من عبد غير الله؛ فقد اجتمع في حقه هذان الوصفان؛ لأنه لما عبد غير الله؛ فقد عصاه، وجحد نعمه عليه. انتهى خازن. هذا؛ و(كفور) صيغة مبالغة، ومعناها: المبالغ في الكفر، والجحود.\nوقيل: ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو، فيكون قد جمع بين الوصفين.\nالإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر من تنزيل القرآن واقعا، وحاصلا من عندنا لا من عند غيرنا؛ فاصبر. (اصبر): فعل أمر،","vol":"10","page":364},{"text":"وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿لِحُكْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(حكم) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُطِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿آثِمًا:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كَفُورًا:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة ﴿وَلا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\nتنبيه: قيل: ﴿أَوْ﴾ في قوله تعالى: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أوكد من الواو؛ لأن الواو؛ إذا قلت:\n «لا تطع زيدا، وعمرا» فأطاع أحدهما كان غير عاص؛ لأنه أمره ألا يطيع الاثنين، فإذا قال: «لا تطع زيدا، أو عمرا»؛ ف: «أو» قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى، كما أنك إذا قلت: «لا تخالف الحسن، أو ابن سيرين»، أو «اتبع الحسن، أو ابن سيرين» فقد قلت: هذان أهل أن يتبعا، وكل واحد منهما أهل لأن يتبع. قاله الزجاج. وقال الفراء: ﴿أَوْ﴾ هنا بمنزلة «لا» كأنه قال: ولا كفورا، وأنشد قول مالك بن عمرو القضاعي: [المنسرح]\nلا وجد ثكلى كما وجدت ولا... وجد عجول أضلّها ربع\nأو وجد شيخ أضلّ ناقته... يوم توافى الحجيج فاندفعوا\nالعجول من النساء، والإبل: الواله التي فقدت ولدها، سميت بذلك؛ لعجلتها في جيئتها، وذهابها جزعا، وهي هنا الناقة، والرّبع، كمضر: الفصيل ينتج في الربيع، والشيخ من تجاوز الأربعين، أو الخمسين من عمره، والوجد في البيتين: الحزن، واللهفة، ولا في أول البيتين تصلح؛ لأن تكون نافية للوحدة، ولأن تكون نافية للجنس، لذا يجوز رفع (وجد) ونصبه. انتهى قرطبي ما عدا الشرح بعد البيتين.\nهذا؛ وقال ابن هشام في المغني: ومن الغريب: أن جماعة منهم ابن مالك ذكروا مجيء أو بمعنى الواو، ثم ذكروا: أنها تجيء بمعنى (ولا) بعد النهي، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ وبعد النفي، كقوله تعالى في سورة (النور) رقم [١٦]: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾ وهذه هي تلك بعينها، وإنما جاءت (لا) توكيدا للنفي السابق، ومانعة من توهم تعليق النفي بالمجموع، لا بكل واحد، وذلك مستفاد من دليل خارج عن اللفظ، وهو الإجماع، ونظيره قولك: (لا يحل لك الزنا، والسرقة) ولو تركت (لا) في التقدير لم يضر ذلك. انتهى. مغني. ومثله في الجني الداني، وزاد على المغني حيث أورد البيتين السابقين؛ اللذين نقلتهما من القرطبي، وخرجهما الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على الجني الداني للحسن بن قاسم المرادي للشاعر المذكور.","vol":"10","page":365},{"text":"<span id=\"aya-5616\"></span><span id=\"aya-5617\"></span>﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: صل لربك، وأكثر من عبادته، وطاعته. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا:﴾\nفي الصباح، والمساء، في الصباح صلاة الصبح، وفي المساء صلاة الظهر، وصلاة العصر.\n ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني: صلاة المغرب، وصلاة العشاء، فعلى هذا تكون الآية جامعة لمواقيت الصلاة الخمس، كما في قوله تعالى في سورة (الروم): ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا:﴾\nالمراد به: صلاة التطوع بعد المكتوبة، وهو التهجد في الليل. وقد استوفيت الكلام على ذلك في سورة (المزمل)، وانظر شرح ﴿اللَّيْلِ﴾ في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٥].\nتنبيه: لقد جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع:\nالمصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة قد عدّي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ﴾ وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى شأنه في هذه الآية: ﴿وَسَبِّحْهُ﴾ وفي سورة (الفتح) رقم [٩]: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ،﴾ وفي سورة (الأحزاب) رقم [٤٢]: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا،﴾ وفي آخر سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، منقول من: سبح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل: نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد ب:\nسبّح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. انتهى نسفي من سورة (الحديد). هذا؛ وفي الآية الكريمة دليل على عدم ما قاله بعض أهل المعاني والبيان: أن الجمع بين الحاء، والهاء في كلمة واحدة، يخرجها عن فصاحتها، وجعلوا من ذلك قول أبي تمام: [الطويل]\nكريم متى أمدحه أمدحه والورى... معي وإذا ما لمته لمته وحدي\nويمكن أن يفرق بين ما أنشدوه، وبين الآية الكريمة بأن التكرار في البيت هو المخرج له عن الفصاحة، بخلاف الآية، فإنه لا تكرار فيها. انتهى جمل نقلا عن السمين. المراد: تكرار الكلمات.\nهذا؛ و(البكرة) بمعنى: الغدوة، يقال: بكّر بالتشديد، وابتكر، وأبكر، وباكر، وبكر بالتخفيف: خرج في وقت البكرة. قال زهير في معلقته رقم [١٣]: [الطويل]\nبكرن بكورا واستحرن بسحرة... فهنّ ووادي الرّسّ كاليد في الفم","vol":"10","page":366},{"text":"بمعنى: خرجت النسوة في وقت البكرة. وقيل: بكر بالتخفيف: جاء بكرة، وبكّر بالتشديد؛ فإنه للمبادرة أي وقت كان، ومنه: بكّروا لصلاة المغرب، أي: صلوها عند قرص الشمس.\nانتهى. مختار. هذا؛ والبكرة، والغداة، والغدو النصف الأول من النهار. والأصيل، والعشي:\nالنصف الآخر من النهار، مع اختلاف في تحديد كلّ منهما. والأصيل: الوقت بين العصر، والمغرب على الراجح، ويجمع على آصال، وعلى أصائل، وأصل، وأصلان. وقيل: الآصال جمع: أصل، والأصل جمع: أصيل، ثم أصائل جمع الجمع. قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nلعمري لأنت البيت أكرم أهله... وأجلس في أفيائه بالأصائل\nهذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس مثل الحبال، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب. وأضيف: أن من جمع الأصيل على أصل قول الأعشى في معلقته رقم [١٤]: [البسيط]\nيوما بأطيب منها نشر رائحة... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل\nالإعراب: ﴿وَاذْكُرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».\n ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بُكْرَةً:﴾\nظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَأَصِيلًا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (من الليل): متعلقان بما بعدهما. ﴿فَاسْجُدْ:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ، إلا إذا قدرت فعلا محذوفا قبل (من الليل)، فتكون حرف عطف، والفعلان: المحذوف، والمذكور معطوفان على:\nاذكر السابق. (اسجد): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَسَبِّحْهُ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لَيْلًا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿طَوِيلًا:﴾ صفة ﴿لَيْلًا﴾.\n\n<span id=\"aya-5618\"></span>﴿إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ يعني: كفار مكة. ﴿يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ:﴾ الدار العاجلة، وهي الدنيا.\nقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٨]: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ..﴾. إلخ، وانظر سورة (القيامة) رقم [٢٠]. ﴿وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ:﴾ أمامهم؛ أي: ما يقدمون عليه. ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا:﴾ شديدا، وهو يوم القيامة، والمعنى: إنهم يتركونه، فلا يؤمنون به، ولا يعملون له. هذا؛ وفي الآية مقابلة لطيفة، حيث قابل بين المحبة، والترك، وبين العاجلة، والباقية. ووصف اليوم بالثقل على المجاز؛ لأنه من صفات الأعيان لا المعاني. والمعنى: ويذرون أمامهم؛ أي: ما يقدمون عليه يوما يجعل الولدان شيبا لشدة أهواله، وما يلقون فيه من المقت، والسخط، والعذاب المعد لهم فيه. وفي الكشاف، والبيضاوي: استعير الثقل لشدته، وهوله، من الشيء","vol":"10","page":367},{"text":"الثقيل الباهظ لحامله، ونحوه: قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٦] في وصف الساعة:\n ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾.\nوالوراء يأتي بمعنى: ما خلف الظهر، ويأتي بمعنى: قدام، وأمام، فهو من الأضداد. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٧٩]: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أي: أمامهم. وقال تعالى شأنه في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٠]: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وقال عبيد بن الأبرص: [الطويل]\nأليس ورائي إن تراخت منيتي... أدبّ مع الولدان أزحف كالنّسر\nوخذ قول لبيد﵁-، وهو صحابي من بني ربيعة، وهو من المعمرين: [الطويل]\nأليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع\nأخبّر أخبار القرون الّتي مضت... أدبّ كأنّي كلّما قمت راكع\nالمعنى: أليس أمامي، وقدامي. كما يأتي «وراء» بمعنى: بعد، خذ قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: من بعد إسحاق، الآية رقم [٧١] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال النابغة الذبياني، من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر. [الطويل]\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للمرء مذهب\nأي: وليس بعد الله ﷻ. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده الآية رقم [١٧] من سورة (إبراهيم) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومن مجيئه بمعنى أمام، وقدام قول سوار بن المضرب السعدي، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل]\nأيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسمها، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿يُحِبُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿الْعاجِلَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل لما قبلها من النهي، والأمر، لا محل لها.\n ﴿وَيَذَرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يذرون): فعل مضارع، وفاعله. ﴿وَراءَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمًا:﴾ مفعول به. ﴿ثَقِيلًا:﴾ صفة له، وجملة:\n ﴿وَيَذَرُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.","vol":"10","page":368},{"text":"<span id=\"aya-5619\"></span>﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ:﴾ أوجدناهم من العدم، ولم يكونوا شيئا مذكورا. ﴿وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ:﴾ قوينا خلقهم، وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب، والعروق؛ حتى كانوا أقوياء أشداء. هذا؛ و(الأسر) الربط، والتوثيق، ومنه: أسر الرجل، إذا أوثق بالقدّ، وهو الإسار، وفرس مأسور الخلق؛ أي: قوي الخلق. والمعنى: شددنا توصيل عظامهم، بعضها ببعض، وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب. ومثله جارية معصوبة الخلق، ومجدولته، ويقال: أسره الله جل ثناؤه: إذا شدّد خلقه. قال لبيد بن ربيعة الصحابي﵁-: [الرمل]\nساهم الوجه شديد أسره... مشرف الحارك محبوك الكتد\nويروى: «محبوك الكفل» أي: مدمجه، والكفل بفتحتين للدابة، وغيرها: العجز، أو الردف، والجمع: أكفال. وقال الأخطل: [الكامل]\nمن كلّ مجتنب شديد أسره... سلس القياد تخاله مختالا\nمجتنب: مفتعل من الجنيبة، وهي الفرس تقاد، ولا تركب، وكانوا يركبون الإبل، ويجتنبون الخيل، فإذا صاروا إلى الحرب؛ ركبوا الخيل. وقال مجاهد في تفسير الأسر: هو الشرج؛ أي:\nإذا خرج البول، والغائط تقبض الموضع، وهو بفتح الهمزة، وبضمها: احتباس البول كالحصر في الغائط. وجميع ما ذكر من المعاني للأسر موجود في القاموس المحيط. وبالجملة فقد خرج الكلام مخرج الامتنان عليهم بالنعم حين قابلوها بالكفر، والفسوق، والفجور، والمعنى: سويت خلقهم، وأحكمته بالقوى، ثم هم يكفرون بي.\n ﴿وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا:﴾ قال ابن عباس﵄-: يقول الله: لو نشاء؛ لأهلكناهم، وجئنا بأطوع منهم. وعنه أيضا: لغيّرنا محاسنهم إلى أسمج الصور، وأقبحها. روى الأول عنه أبو صالح، والثاني رواه الضحاك عنه. انتهى قرطبي. هذا؛ وزلق الزمخشري حيث قال: وحقه أن يجيء ب: «إن»، لا ب: «إذا»، كقوله تعالى في آخر سورة (محمد ﷺ): ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٣٣]: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ،﴾ وفي سورة (الأنعام) رقم [١٣٣]: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ،﴾ وأيضا في سورة (إبراهيم) [١٩] وفي سورة (فاطر):\n ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾.\nوالجواب والرد على الزمخشري الذي زلق: أن «إذا» تستعمل في المحقق، و«إن» تستعمل في المحتمل، ومشيئة الله التبديل لمّا لم تقع؛ كانت غير محققة، فكان المقام ل: (إن)، بخلاف","vol":"10","page":369},{"text":"ما إذا أراد الله التنفيذ، فتكون مشيئة الله التبديل محققة، فكان المقام ل: (إذا)، وبالجملة فاستعمال (إذا) موضع (إن)، وبالعكس هو من التفنن في الكلام، والتقارض في الألفاظ. ولله في كتابه أسرار وأسرار غابت عن كثير من الناس، ولا سيما الملحدون، والفجار.\nالإعراب: ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، وإعرابها واضح، إن شاء الله تعالى، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١٩]. ﴿شِئْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿بَدَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَمْثَلُهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: بدلنا أمثالهم بدلا منهم، ﴿تَبْدِيلًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين.\n\n<span id=\"aya-5620\"></span>﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هذِهِ﴾ أي: السورة، وما ذكر فيها. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ عظة للخلق؛ لأن في تصفحها تنبيهات للغافلين، وفي تدبرها، وتفهمها فوائد جمة للطالبين السالكين ممن ألقى سمعه، وأحضر قلبه، وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى سمعه إليه، وما وعاه قلبه. انتهى جمل نقلا عن الخطيب بتصرف. ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ..﴾. إلخ أي: اتخذ لنفسه في الدنيا طريقا موصلا إلى طاعة الله، وطلب مرضاته، وذلك بالإقبال عليها، والتقرب إليه، وهذه الآية مما يتمسك بها القدرية، يقولون:\nاتخاذ السبيل هو عبارة عن التقرب إلى الله تعالى، وهو إلى اختيار العبد، ومشيئته. قال أهل السنة: ويرد عليهم الآية التالية، وما أحسن ما نقله الجمل عن الخطيب في هذا الصدد حيث قال بعد قوله: ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ..﴾. إلخ أي: لأنّا بينا الأمور غاية البيان، وكشفنا اللبس، وأزلنا جميع موانع الفهم، فلم يبق مانع من استطراق الطريق غير مشيئة العبد. انتهى. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة (المزمل) برقم [١٩] انظرها؛ ففيها فائدة، وانظر الإعراب هناك؛ فإنه واف كاف، ولا حاجة إلى المزيد عليه.\n<span id=\"aya-5621\"></span>﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿وَما تَشاؤُنَ﴾ أي: الطاعة والاستقامة على الطريق السوي، واتخاذ السبيل المستقيم إلى الله. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أي: إلا بمشيئة الله تعالى؛ لأن الأمر إليه، ومشيئة الله مستلزمة لفعل العبد، فجميع ما يصدر عن العبد بمشيئة الله ﷻ، وتعالى شأنه. ﴿إِنَّ اللهَ﴾","vol":"10","page":370},{"text":"﴿كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: عليم بأحوال خلقه، حكيم في تدبيره، وصنعه، عليم بمن يستحق الهداية، فييسرها له، ويقيض له أسبابها، وعليم بمن يستحق الغواية، فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.\nهذا؛ وقد علق أحمد بن المنير الإسكندري المالكي على قول الزمخشري في كشافه. ﴿وَما تَشاؤُنَ:﴾ الطاعة. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ..﴾. إلخ: يقسرهم عليها بقوله: وهذا من تحريفاته للنصوص، وتسوره على خزائن الكتاب العزيز، كدأب الشطار، واللصوص، فلنقطع يد حجته التي أعدها، وذلك حكم هذه السرقة وحدها، فنقول: الله تعالى نفى، وأثبت على سبيل الحصر، الذي لا حصر، ولا نصر أوضح منه! ألا ترى: أن كلمة التوحيد اقتصر بها على النفي، والإثبات؛ لأن هذا النظم أعلق شيء بالحصر، وأدله عليه، فنفى الله تعالى أن يفعل العبد شيئا فيه اختيار، ومشيئة إلا أن يكون الله تعالى قد شاء ذلك الفعل، فمقتضاه: ما لم يشأ الله وقوعه من العبد، لا يقع من العبد، وما شاء منه وقوعه؛ وقع، وهو رديف: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن».\nوانظر إدخاله القسر في تعطيل الآية، لا تأويلها كيف ناقض به؟ فإن معنى الآية عنده: أن مشيئة العبد الفعل، لا تكون إلا إذا قسره الله عليها، والقسر مناف للمشيئة، فصار الحاصل: أن مشيئة العبد لا توجد إلا إذا انتفت، فإذا لا مشيئة للعبد ألبتة، ولا اختيار، وما هو إلا فرّ من إثبات قدرة للعبد غير مؤثرة، ومشيئة غير خالفة؛ ليتم له إثبات قدرة، ومشيئة مؤثرين، فوقع في سلب القدرة، والمشيئة أصلا، ورأسا، وحيث لزم الحيد عن الاعتزال انحرف بالكلية إلى الطرف الأقصى متحيزا إلى الجبر، فيا بعد ما توجه بسوء نظره! والله الموفق. انتهى بحروفه.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَشاؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر، أو استثناء. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب.\n ﴿يَشاءَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف، و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافته لظرف محذوف، التقدير: إلا وقت مشيئة الله.\nقاله أبو البقاء، ونقله الجمل عن السمين. وقال مكي: المصدر المؤول في موضع نصب على الاستثناء، أو في موضع خفض على قول الخليل بإضمار الخافض، وعلى قول غيره هي في موضع نصب؛ إذ قد حذف الخافض.\nأقول: وكلامه غير واضح، وشرحه: أن الجار، والمجرور (على تقدير الجار) متعلقان بمحذوف مستثنى من عموم الأحوال، وكذلك الظرف الذي رأيت تقديره على قول أبي البقاء والسمين متعلق بمحذوف حال مستثنى... إلخ. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها.","vol":"10","page":371},{"text":"﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو». ﴿عَلِيمًا:﴾ خبر أول. ﴿حَكِيمًا:﴾ خبر ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5622\"></span>﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٣١)﴾\nالشرح: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي: في دينه. وقيل: في جنته، فإن فسرت الرحمة بالدين؛ كان ذلك من الله تعالى، وإن فسرت بالجنة؛ كان دخول الجنة بسبب مشيئة الله ﷻ، وتعالى شأنه، وفضله، وإحسانه، لا بسبب الاستحقاق، وهو فحوى قول الرسول ﷺ:\n «لن يدخل أحدا عمله الجنّة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: «ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا، ولا يتمنينّ أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه أن يزداد، وإمّا مسيئا؛ فلعلّه أن يستعتب». أخرجه البخاري عن أبي هريرة﵁-.\n ﴿وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ أي: هيأ الله للظالمين عذابا أليما؛ لأنهم وضعوا العبادة غير موضعها.\nقال النسفي-رحمه الله تعالى-: والآية حجة على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: قد شاء أن يدخل كلا في رحمته؛ لأنه شاء إيمان الكل، ولله أن يدخل من يشاء في رحمته، وهو الذي علم منه أن يختار الهدى.\nالإعراب: ﴿يُدْخِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والمفعول محذوف وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُدْخِلُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من اسم (كان) المستتر، أو في محل نصب خبر ثالث لها، وهي بمعنى المستقبل هنا. ﴿وَالظّالِمِينَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ويعذب الظالمين، وبعضهم يقدر:\n (أوعد، وكافأ) ولا ينصبه ما بعده؛ لأنه غير متعد، ولكنه يفسره في المعنى، ومثل هذه الآية قول الربيع بن ضبع الفزاري: [المنسرح]\nأصبحت لا أحمل السّلاح ولا... أملك رأس البعير إن نفرا\nوالذّئب أخشاه إن مررت به... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا\nالتقدير: أخشى الذئب أخشاه. قال الزجاج: والاختيار النصب، وإن جاز الرفع، تقول:\nأعطيت زيدا، وعمرا أعددت له برا. فيختار النصب، أي: وبررت عمرا، أو أبر عمرا، وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٨]: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ارتفع (الظالمون)؛ لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه، فينصب في المعنى، فلم يجز العطف على","vol":"10","page":372},{"text":"المنصوب قبله، فارتفع بالابتداء، وها هنا قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا﴾ يدل على: «ويعذب» فجاز النصب. هذا؛ وقرأ أبان بن عثمان: (والظالمون) رفعا بالابتداء، والخبر ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾ وعليه فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. وأيضا إذا اعتبرتها فعلية على قراءة النصب معطوفة على ما قبلها، واعتبار الجملة على الوجهين في محل نصب حال من فاعل ﴿يُدْخِلُ﴾ و﴿يَشاءُ﴾ المستتر جيد، ويكون الرابط: الواو، وفاعل ﴿أَعَدَّ﴾ المستتر، وتقدر «قد» قبلها على اعتبارها فعلية. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيمًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (الظالمون) على رفعه، ومفسرة للجملة المقدرة قبله على نصبه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nوصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.\nانتهت سورة (الدهر) شرحا، وإعرابا بحمد الله، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4862>سورة المرسلات</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (المرسلات) وهي مكية بالاتفاق، وآياتها خمسون، وكلماتها مئة وثمانون، وحروفها ثمانمئة وستة عشر. وقال ابن مسعود﵁-: نزلت: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ على النبي ﷺ ليلة الجن، ونحن معه نسير حتى أوينا إلى غار بمنى، فنزلت، فبينما نحن نتلقاها منه، وإن فاه لرطب بها؛ إذ وثبت علينا حية، فقال النبي ﷺ: «اقتلوها». فابتدرناها، فذهبت، فقال النبي ﷺ: «وقيت شرّكم، كما وقيتم شرّها». أخرجه البخاري، ورواه مسلم مع اختلاف في بعض ألفاظه. والغار المذكور مشهور في منى يسمى غار المرسلات.\nوعن كريب مولى ابن عباس﵄قال: قرأت سورة: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فسمعتني أم الفضل امرأة العباس، فبكت. وقالت: والله يا بني لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة؛ إنها لآخر ما سمعته من رسول الله ﷺ يقرأ بها في صلاة المغرب. أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك عن الزهري.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5623\"></span><span id=\"aya-5624\"></span><span id=\"aya-5625\"></span><span id=\"aya-5626\"></span><span id=\"aya-5627\"></span><span id=\"aya-5628\"></span><span id=\"aya-5629\"></span>﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) وَالنّاشِراتِ نَشْرًا (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧)﴾\nالشرح: اختلف المفسرون اختلافا كبيرا في تفسير هذه الآيات الخمس، فبعضهم حملها جميعا على الرياح، وبعضهم حملها جميعا على الملائكة، وبعضهم فصل، وتوقف الإمام ابن جرير، وقد اخترنا ما ذهب إليه ابن كثير، وما رجحه صاحب التسهيل؛ حيث قال: والأظهر في: (المرسلات، والعاصفات): أنها الرياح؛ لأن وصف الريح بالعصف حقيقة، والأظهر في (النّاشرات، والفارقات): أنها الملائكة؛ لأن قوله: ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ المذكورة بعدها هي الملائكة. ولم يقل أحد: إنها الرياح، ولذلك عطف المتجانسين بالفاء، فقال: (والمرسلات فالعاصفات) ثم عطف ما ليس من جنسها بالواو، فقال: (والنّاشرات) ثم عطف بالفاء، وهذا قول جيد.\nهذا؛ ومعنى ﴿عُرْفًا:﴾ يتبع بعضها بعضا كعرف الفرس، تقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد: إذا توجهوا إليه، فأكثروا. وقيل: (عرفا): كثيرا. والأول أقوى. ﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا﴾","vol":"10","page":374},{"text":"أي: الرياح الشديدة الهبوب بغير اختلاف قاله المهدوي. وعن ابن مسعود﵁-:\nهي الرياح العواصف تأتي بالعصف، وهو ورق الزرع، وحطامه. أقول: ويؤيده قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾. ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ (٣): يعني الرياح اللينة. وقال ابن مسعود، ومجاهد: هي الرياح يرسلها الله تعالى بشرا بين يدي رحمته؛ أي: تنشر السحاب للغيث. ويؤيده قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٥٧] وفي سورة (الفرقان) رقم [٤٨]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾\nوما يشبه ذلك في سورة (النمل) رقم [٦٣]، وفي سورة (الروم) رقم [٤٦]: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ..﴾. إلخ. وقيل: المراد الملائكة الموكلون بالسحب ينشرونها، وهو ضعيف، وأضعف منه القول: إنها آيات القرآن تنشر الهداية، والمعرفة في قلوب المؤمنين.\n ﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقًا:﴾ الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل. وعن الضحاك عن ابن عباس -﵄-: ما تفرقه الملائكة من الأقوات والأرزاق والآجال، وعن مجاهد قال:\n (الفارقات) الرياح تفرق بين السحاب، وتبدده. وهو ضعيف. وعن قتادة قال: (الفارقات):\nالآيات القرآنية، فرق الله بها بين الحق، والباطل، والحلال، والحرام، والمعتمد الأول بدليل:\n ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ فإنهم الملائكة بالإجماع، أي: يلقون كتب الله ﷿ إلى الأنبياء، عليهم الصلاة والسّلام.\nهذا؛ وقد قيل: ليس المراد من هذه الآيات؛ بل الكلمات الخمس شيئا واحدا بعينه. فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) وَالنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ الرياح، ويكون المراد بقوله: ﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا:﴾ الملائكة. بعد هذا ينبغي أن تعرف حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات، كما في هذه الآيات هنا، وفي أوائل (الصافات)، وأوائل (النازعات) وخذ قول ابن زيابة، -وهو الشاهد رقم [٢٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [السريع]\nيا لهف زيّابة للحارث الصّا... بح فالغانم فالآيب\nقيل: إما أن تدل هذه الصفات على ترتيب معانيها في الوجود، كما في هذا البيت، كأنه قال: الذي صبّح، فغنم، فآب. وإما أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، كقول النبي ﷺ:\n «رحم الله المحلّقين فالمقصّرين». وإما على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل، فالأكمل، واعمل الأحسن، فالأجمل. انتهى كشاف، وقرطبي بتصرف.\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: وما المجانسة بين الرياح، والملائكة حتى جمع بينهما في القسم؟ قلت: الملائكة روحانيون، فهم بسبب لطافتهم، وسرعة حركاتهم شابهوا الرياح، فحصلت المجانسة بينهما من هذا الوجه، فحسن الجمع بينهما في القسم.","vol":"10","page":375},{"text":"هذا؛ وذكرت لك في مناسبات كثيرة عن عبد الله بن عمر﵄أنه قال: (إنّ الرّياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي القاصف والعاصف، والصّرصر والعقيم، وأربع منها رحمة، وهي النّاشرات والمبشّرات والمرسلات والذّاريات). هذا؛ وإنما أقسم الله تعالى بالمرسلات وبما بعده، ومثل هذا كثير في أوائل السور، وأثنائها. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-:\nأقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما يظهر من عجائب الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: فيه مضمر، تقديره: ورب المرسلات... إلخ.\n ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ أي: الملائكة ألقت ذكرا على الرسل بسبب الوحي؛ إما عذرا للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم، واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث، ونحوه، فيشكرونها. وإما إنذارا للذين لا يشكرون الله، وينسبون ذلك إلى الأنواء، وغيرها من الأسباب. وقيل: ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو، فتكون الملائكة قد ألقت الذكر للإعذار، والإنذار معا.\n ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ:﴾ هذا هو جواب القسم، أي: إن ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل واحد بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، إن هذا كله لواقع؛ أي: لكائن، لا محالة، فلا مجال للشك والافتراء. هذا؛ وجواب القسم المتكرر في أول سورة (الذاريات) قوله تعالى: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ وهو يشبه الجواب هنا، ولا تنس الطباق بين ﴿عُذْرًا﴾ و﴿نُذْرًا﴾.\nالإعراب: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. (المرسلات): مقسم به مجرور، أو المقسم به محذوف كما رأيت تقديره في الشرح، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: ورب الرياح المرسلات، ونائب فاعله مستتر يعود إلى الرياح، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، أو أحلف. ﴿عُرْفًا:﴾ حال من الضمير المستكن في (المرسلات)، والمعنى على التشبيه؛ أي: حال كونها عرفا؛ أي: شبيهة بعرف الفرس؛ من حيث تتابعها، وتلاحقها. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: و﴿عُرْفًا﴾ نقيض النكر، وانتصابه على العلة (مفعول لأجله) أي: أرسلن للإحسان، والمعروف. أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس، وانتصابه على الحال. وعلى تفسير المرسلات بالملائكة، فهو منصوب على نزع الخافض، التقدير: والمرسلات بالعرف. قاله أبو البقاء، ومكي. ﴿فَالْعاصِفاتِ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (العاصفات): معطوف على (المرسلات). ﴿عَصْفًا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله، وهو (العاصفات). ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْرًا (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقًا﴾ هذه الكلمات معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها بلا فارق. هذا؛ وقال القرطبي: (والناشرات) بالواو؛ لأنه استئناف قسم آخر. ولا وجه له؛ لأن الجواب الآتي لجميع المتعاطفات بالواو، أو بالفاء. ﴿فَالْمُلْقِياتِ:﴾ معطوف على ما قبله، وفاعل الجميع مستتر تقديره: «هي». ﴿ذِكْرًا:﴾ مفعول به لما قبله بلا شك.","vol":"10","page":376},{"text":"﴿عُذْرًا:﴾ مفعول لأجله؛ إذ المعنى الملقيات ذكرا للإعذار، والإنذار. أو هما حال، التقدير:\nيلقون الذكر في حال الإعذار، والإنذار؛ أي: معذرين، ومنذرين. وأجاز أبو البقاء اعتبارهما بدلا من ﴿ذِكْرًا﴾ وهو قول للزمخشري ومن تبعه، كما أجاز أبو البقاء اعتبارهما مفعولين ل: ﴿ذِكْرًا﴾.\n ﴿إِنَّما:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (إنّ). ﴿تُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل الواو، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني وهو العائد محذوف؛ إذ التقدير: إن الذي توعدونه. ﴿لَواقِعٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (واقع): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية جواب للقسم الأول، وما عطف عليه، وانظر ما ذكرته في أول النازعات بشأن الجواب للجميع، فإنه جيد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية، فتؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب اسم (إنّ) التقدير: إن وعد الله لواقع.\n\n<span id=\"aya-5630\"></span><span id=\"aya-5631\"></span><span id=\"aya-5632\"></span><span id=\"aya-5633\"></span><span id=\"aya-5634\"></span><span id=\"aya-5635\"></span><span id=\"aya-5636\"></span><span id=\"aya-5637\"></span>﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ:﴾ ذهب ضوءها ومحي نورها، أو محقت ذواتها، فهو كقوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ،﴾ وفي سورة (الانفطار): ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾.\n ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ:﴾ فتحت، وشقت، مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ،﴾ و﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وقوله تعالى في سورة (النبأ): ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا﴾. ﴿وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ:﴾ قلعت من أماكنها، وهو مثل قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٥]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ والنسف: الأخذ بسرعة، مثل الخطف، يقال: نسفت الشيء، وأنسفته: إذا أخذته كله بسرعة، ونحوه قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا،﴾ وقوله تعالى في سورة (المزمل) الآية [١٤]: ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ ومثل ذلك في المعنى كثير.\n ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ أي: جمعت لوقتها ليوم القيامة. وقال مجاهد والزجاج: المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت، الذي فيه يحضرون للشهادة على أممهم، والوقت: الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه، والمعنى الإجمالي: جمعت لميقات يوم معلوم، وهو يوم القيامة؛ ليشهدوا على الأمم، ونحوه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠٩]: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ..﴾.\nإلخ. هذا؛ وقرئ: «(وقّتت)» والمعنى واحد، وإبدال الهمزة واوا كثير ومستعمل مثل: (وجوه وأجوه) ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ أي: أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم، فهو استفهام على التعظيم، والمعنى: جمعت الرسل في ذلك اليوم، لتعذيب من كذبهم، وتعظيم من آمن بهم. ثم بين ذلك اليوم، فقال تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ قال ابن عباس﵄-: يوم يفصل الرحمن فيه بين الخلائق بأعمالهم إلى الجنة، أو إلى النار.","vol":"10","page":377},{"text":"﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ:﴾ هذا استفهام للتعظيم والتهويل؛ أي: وما أعلمك أيها الإنسان بيوم الفصل وشدته وهوله؟ فإن ذلك اليوم أعظم من أن يعرف أمره إنسان، أو يحيط به عقل، أو وجدان. قال الإمام فخر الرازي: عجب العباد من تعظيم ذلك اليوم، فقال: لأي يوم أجلت الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل، وهي تعذيب من كذبهم، وتعظيم من آمن بهم، وظهور ما كانوا يدعون الخلق إلى الإيمان به، من الأهوال والعرض والحساب.\n ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: هلاك كبير، وخسار عظيم في ذلك اليوم لأولئك المكذبين بهذا اليوم الموعود. قال المفسرون: كرر هذه الجملة في هذه السورة عشر مرات لمزيد الترغيب والترهيب، وفي كل جملة وردت إخبار عن أشياء عن أحوال الآخرة، وتذكير بأحوال الدنيا، فناسب أن يذكر الوعيد عقيب كل جملة منها بالويل والدمار للكفرة الفجار، ولما ذكر الله جلت قدرته في سورة (الدهر) السابقة بعضا من أحوال الكفار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين هناك، جاء في هذه السورة بالإطناب في وصف الكفار، والإيجاز في وصف المؤمنين.\nهذا؛ وفائدة التكرار لقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في هذه السورة أن يجدد الكفار والفجار عند سماع كل نبأ اتعاظا، وخوفا من عقاب الله لهم في الآخرة، إن هم أصروا على تكذيبهم، ومثله التكرير لقوله تعالى في سورة (القمر): ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وأيضا التكرير لقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ في سورة (الرحمن).\nهذا؛ و﴿وَيْلٌ﴾ كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة: العذاب، والهلاك. وقال ابن عباس﵄-: الويل: شدة العذاب، يقال: ويله وويلك وويلي، وفي الندبة: ويلاه! وتقول: ويل لزيد، وويلا لعمرو، فالرفع على الابتداء، والنصب على إضمار الفعل، هذا إذا لم تضفه، وأما إذا أضفته؛ فليس إلا النصب؛ لأنك لو رفعته لم يكن له خبر بخلافه في قول الأعشى وهو البيت رقم [٢١] من معلقته: [البسيط]\nقالت هريرة لمّا جئت زائرها... ويلي عليك وويلي منك يا رجل\nوقال عطاء بن يسار-رحمه الله تعالى-: الويل واد في جهنم لو أرسالات فيه الجبال؛ لماعت من شدة حره. انتهى. مختار الصحاح. وعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذي. هذا؛ والويل مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأن فاءه، وعينه معتلتان، ومثله: ويح، وويس، وويب، وهو لا يثنى، ولا يجمع. وقيل يجمع على: ويلات بدليل قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٨]: [الطويل]\nويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت: لك الويلات إنّك مرجلي","vol":"10","page":378},{"text":"وإذا أضيفت هذه الأسماء؛ فالأحسن النصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف؛ فالواجب فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وساغ ذلك لتضمنها معنى خاصا. هذا؛ وويل: نقيض وأل، وهو النجاة. وقد ينادى الويل إذا أضيف لياء المتكلم، أو نا، وسبقته أداة النداء، مثل قوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، حكاية عن قول سارة زوج إبراهيم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ رقم [٧٢]، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الكافرين يوم القيامة: ﴿يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ رقم [٤٩]. ولا تنس أنه قد أنث (الويل) في الآيتين المذكورتين، وأيضا في الآية رقم [٣١] من سورة (المائدة)، ورقم [٢٨] من سورة (الفرقان) والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿النُّجُومُ:﴾\nفاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده عند البصريين ما عدا الأخفش منهم، وللكوفيين في هذه الآية وشبهها ثلاثة أقوال: الأول: وافقوا فيه البصريين. والثاني: هو فاعل مقدم للفعل بعده؛ إذ يجوز عندهم أن يتقدم الفاعل على الفعل كما يتأخر عنه. والقول الثالث لهم: هو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، انظر الكلام على الشاهد رقم [٩٩٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ففيه بحث واف كاف، والجملة الفعلية على قول البصريين في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجواب (إذا) محذوف، التقدير: فإذا طمست النجوم؛ وقع ما توعدون، لدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ عليه. وقيل: هو قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ على إضمار القول؛ أي: يقال: لأي يوم أجلت، فالفعل في الحقيقة هو الجواب. وقيل:\nالجواب هو ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ نقله مكي، وهو غلط؛ لأنه لو كان جوابا؛ للزمته الفاء لكونه جملة اسمية. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿طُمِسَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿النُّجُومُ،﴾ والجملة الفعلية مفسرة لشرط (إذا) عند البصريين، وهي في محل رفع خبر المبتدأ عند الكوفيين، والجمل: ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ كلها معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها؛ لأن الأولى مستأنفة.\n ﴿لِأَيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(أي): مضاف، و﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿أُجِّلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الرُّسُلُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال: لأي يوم أجلت، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي جواب ل: (إذا) كما رأيت سابقا. ﴿لِيَوْمِ:﴾ جار ومجرور بدل من قوله: ﴿لِأَيِّ﴾ بإعادة العامل. وقيل: بل متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أجلت ليوم، و(يوم) مضاف، و﴿الْفَصْلِ﴾ مضاف إليه.","vol":"10","page":379},{"text":"﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: حرف عطف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿ما:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمُ:﴾ خبره، و(يوم) مضاف، و﴿الْفَصْلِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث ل: (أدرى) لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو (ما) على الوجهين، والجملة الاسمية، لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو. ﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق ب: ﴿وَيْلٌ﴾ لما فيه من معنى الهلاك، و(إذ) ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة مضافة إذ إليها. ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مستأنفة على المعتمد لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5638\"></span><span id=\"aya-5639\"></span><span id=\"aya-5640\"></span><span id=\"aya-5641\"></span>﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ألم نهلك السابقين من لدن آدم إلى عهد محمد ﷺ كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح... إلخ، بتكذيبهم؟! ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ أي: السالكين سبيلهم في الكفر، والتكذيب، وهم كفار قريش؛ أي: نهلكهم بتكذيبهم محمد ﷺ، وصدهم الناس عن الدخول في دين الله. ﴿كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي: نهلك جميع المجرمين في كل وقت وحين.\nوهذا وعد من العلي القدير. هذا؛ وقيل: المراد ب: ﴿الْآخِرِينَ﴾ قوم لوط، وشعيب، وموسى.\nولا أراه قويا، وإنما أعتمد الأول. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر التكرار في الآية السابقة. وقال البيضاوي: فليس تكرارا، وكذا إن أطلق التكذيب، أو علق في الموضعين بواحد؛ لأن الويل الأول لعذاب الآخرة، وهذا للإهلاك في الدنيا مع أن التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ و﴿الْآخِرِينَ﴾.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿نُهْلِكِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية مستأنفة.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نُتْبِعُهُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والهاء مفعول به أول. ﴿الْآخِرِينَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة؛ لأن هلاك الآخرين لم يقع بعد.","vol":"10","page":380},{"text":"﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار، والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نفعل بالمجرمين فعلا كائنا مثل فعلنا بالأولين، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿بِالْمُجْرِمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5642\"></span><span id=\"aya-5643\"></span><span id=\"aya-5644\"></span><span id=\"aya-5645\"></span><span id=\"aya-5646\"></span>﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾\nالشرح: هذا نوع آخر من تخويف الكفار، وهو من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم، وكل من كانت نعمه تعالى عليه أكثر؛ كانت خيانته في حقه تعالى أقبح، وأفحش. الثاني: أنه تعالى ذكرهم: أنه قادر على الابتداء، والقادر على الابتداء؛ قادر على الإعادة. فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة؛ لا جرم قال تعالى في حقهم: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ،﴾ ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (السجدة): ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾. انتهى جمل نقلا من الخطيب.\nوالمعنى: ألم نخلقكم يا معشر الكفار من ماء مهين ضعيف حقير، هو مني الرجل؟! وفي الحديث القدسي، يقول الله ﷿: «ابن آدم أنّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟!». فقد روي: أن رسول الله ﷺ بصق يوما في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال: «يقول الله ﷿:\nابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟! حتى إذا سوّيتك، وعدّلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد، فجمعت، ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي؛ قلت: أتصدّق، وأنّى أوان الصّدقة؟!». أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه.\n ﴿فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أي: فجعلنا الماء المهين في مكان حريز، وهو الرحم. سمي مكينا؛ لاستقرار النطفة فيه إلى وقت الولادة يحفظ فيه المني من الآفات المفسدة له كالهواء، ونحوه.\n ﴿إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ:﴾ إلى مقدار معلوم من الوقت قدره الله تعالى للولادة، لا يعلم ذلك غيره.\n ﴿فَقَدَرْنا:﴾ على ذلك، أو فقدّرناه من التقدير؛ أي: قدرنا ذلك تقديرا. ﴿فَنِعْمَ الْقادِرُونَ:﴾ نحن على ذلك حيث خلقناه في أحسن صورة وهيئة!.\nهذا؛ و(نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح، وضدها: «بئس» لإنشاء الذم. قال في المختار: نعم منقول من «نعم فلان» بفتح النون وكسر العين: إذا أصابته النعمة، و«بئس» منقول من «بئس فلان» بفتح الباء وكسر الهمزة: إذا أصابه بؤس، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها","vol":"10","page":381},{"text":"الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس بكسر فسكون، وهي أفصحن، وهي لغة القرآن، ثم: نعم، وبئس بكسر أولهما، وثانيهما، غير أن الغالب في نعم أن يجيء بعدها (ما) كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٥٨]: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٧١]: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾. وبئس جاءت بعدها (ما) على اللغة الفصحى، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٩٠]: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ وقد تكرر هذا التركيب في القرآن كثيرا. واللغة الثالثة: نعم وبئس بفتح فسكون، والرابعة نعم وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما.\nولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، ويشترط في الفاعل أن يكون مقرونا ب: «أل»، كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ،﴾ أو مضافا لمقترن بها، كما في قوله تعالى:\n ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ: «من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي. وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: «والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة». وقول غيره: «نعم السّير على بئس العير». وأوله البصريون على حذف كلام مقدر؛ إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد! ونعم السير على عير مقول فيه: بئس العير! والمعتمد في ذلك قول البصريين، ويلزم الكوفيين جر الولد، والعير بسبب الإضافة. والرواية بالرفع لا غير.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقدير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿نَخْلُقْكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَهِينٍ:﴾\nصفة ﴿ماءٍ﴾. ﴿فَجَعَلْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جعلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي قَرارٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل المفعول الثاني له. ﴿مَكِينٍ:﴾ صفة (قرار). ﴿إِلى قَدَرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ أي: مؤخرا إلى ﴿قَدَرٍ﴾. ﴿مَعْلُومٍ:﴾ صفة ﴿قَدَرٍ﴾. ﴿فَقَدَرْنا:﴾\nالفاء: حرف عطف. (قدرنا): فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف. التقدير: قدرنا ذلك تقديرا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف عطف.\n (نعم): فعل ماض لإنشاء المدح. ﴿الْقادِرُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: الممدوحون: نحن، والكلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.","vol":"10","page":382},{"text":"<span id=\"aya-5647\"></span><span id=\"aya-5648\"></span><span id=\"aya-5649\"></span><span id=\"aya-5650\"></span>﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتًا (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا﴾ أي: ضامة، تضم الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه، ودفن شعره، وسائر ما يزيله عنه. قال الرسول ﷺ: «قصّوا أظافركم، وادفنوا قلاماتكم». قال المفسرون: الكفت: الجمع، والضم، فالأرض تجمع، وتضم إليها جميع البشر، فهي كالأم لهم، الأحياء يسكنون فوق ظهرها في المنازل، والدور، والأموات يسكنون في بطنها في القبور. قال تعالى في سورة (طه) رقم [٥٥]:\n ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾. وخذ قول الشاعر: [الوافر]\nفأنت اليوم فوق الأرض حيّا... وأنت غدا تضمّك في كفات\nهذا؛ وقد قال الزمخشري هناك: عدد الله على الخلق ما علق بالأرض من مرافقهم، حيث جعلها لهم فراشا، ومهادا يتقلبون عليها، وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف شاؤوا، وأنبت لهم فيها أصناف النبات؛ التي منها أقواتهم، وعلوفات بهائمهم، وهي أصلهم الذي تفرعوا منه، وأمهم التي ولدوا منها، ثم هي كفاتهم؛ إذا ماتوا، ومن ثم قال رسول الله ﷺ:\n «تمسّحوا بالأرض فإنّها بكم برّة». انتهى. هذا؛ وخذ ما رواه ربيعة الجرشي﵁- عن النبي ﷺ قال: «استقيموا ونعمّا إن استقمتم، وحافظوا على الوضوء فإن خير أعمالكم الصلاة، وتحفّظوا من الأرض؛ فإنها أمّكم، وإنه ليس أحد عامل عليها خيرا، أو شرّا إلاّ وهي مخبرة به». رواه الطبراني.\nهذا؛ وقد ورد بأن الأرض تضم كل إنسان يدفن فيها بعد موته؛ لأنها أمه، والأم من بني آدم تضم ولدها إذا كان غائبا، وحضر، ولكن ضمة الأرض للعبد المؤمن، والأمة المؤمنة ضمة عطف، ولطف، وشفقة، وحنان، وضمها للكافر، والفاجر، والفاسق، والأمة من ذلك ضمة غضب، وسخط، وقسوة، وإزعاج. اللهم وفقنا للعمل بكتابك، وللاهتداء بهدي نبيك محمد ﷺ!\n ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أي: جعلنا في الأرض جبالا راسخات، عاليات مرتفعات لئلا تضطرب بكم، ومنه شمخ بأنفه إذا رفعه كبرا. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣١]: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ومثلها في (النحل) رقم [١٥]، ومثلها في سورة (الرعد) رقم [٣]. وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١٠]: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها﴾ انظر شرحها هناك فإنه جيد جدا جدا والحمد لله.\nهذا؛ وقد قال الصابوني في كتابه: «صفوة التفاسير»: لقد كشف القرآن عن حكمة وجود الجبال فوق الأرض قبل أن يكتشفها العلم الحديث، فالجبال كالأوتاد للأرض تثبتها، وتقيها","vol":"10","page":383},{"text":"الاضطراب والميدان، كما تقي أوتاد الخيمة الخيمة، وقد كشف الوحي عن هذا المعنى، فقال في سورة (النحل) رقم [١٥]: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ ولولا هذه الجبال الشاهقة؛ لكانت الأرض بما في جوفها من الغازات، والأبخرة، والمواد المتراكمة المشتعلة دائمة الاضطراب، والخفقان، ولكانت كالريشة في مهب الهواء. فسبحان الحكيم العليم! على أن في خلق الجبال الشوامخ نعمة أخرى هي: نشوء السحب فوقها، وهطول الأمطار والثلوج عليها، فتتكون بسبب ذلك الأنهار، والعيون، وثم تكثر الأشجار، والزروع. فالجبال مخازن للثلوج، والأمطار، ومستودعات عامة لبركات السماء، ولهذا قرن تعالى بها نعمة الماء، فقال:\n ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا﴾ فلله ما أبدع أسرار القرآن. انتهى.\nهذا؛ و(الفرات) الماء العذب، يشرب منه، ويسقى الزرع. وفي القاموس: فرت الماء، ككرم فروتة عذب. قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٥٣]: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ وقال يزيد بن الصعق-وهو الشاهد رقم [٣٥١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]\nفساغ لي الشّراب وكنت قبلا... أكاد أغصّ بالماء الفرات\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿نَجْعَلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿كِفاتًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَحْياءً وَأَمْواتًا:﴾ حالان عاملهما، وصاحبهما، مضمون الجملة السابقة، التقدير: تضمهم، وتجمعهم الأرض في هاتين الحالتين. وقيل: هما مفعولان ل: ﴿كِفاتًا؛﴾ لأنه مصدر: كفت، يكفت. وقيل: بل هو جمع:\nكافت، كصيام، وقيام في جمع: صائم، وقائم. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل المفعول الثاني، تقدم على الأول. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصول محذوف. ﴿شامِخاتٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، وإن اعتبرته حالا منه بعد وصفه ب: ﴿رَواسِيَ﴾ فلست مفندا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أسقيناكم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿ماءً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فُراتًا:﴾ صفة ﴿ماءً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة برقم [١٥].\n\n<span id=\"aya-5651\"></span><span id=\"aya-5652\"></span><span id=\"aya-5653\"></span><span id=\"aya-5654\"></span><span id=\"aya-5655\"></span><span id=\"aya-5656\"></span>﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾\nالشرح: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى..﴾. إلخ: أي: يقال للكفار: اذهبوا إلى ما كنتم به تكذبون من","vol":"10","page":384},{"text":"العذاب؛ يعني: النار فقد شاهدتموها عيانا. ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ﴾ أي: دخان، سماه الله ظلا تهكما، واستهزاء بالمكذبين. ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أي: الدخان الذي يرتفع من نار جهنم يتشعب إلى ثلاث شعب، وهذا شأن الدخان العظيم في الدنيا، إذا ارتفع تشعب. وقيل: يخرج لسان من النار، فيحيط بالكفار كالسرداق، ويتشعب من دخانها ثلاث شعب. فتظلهم؛ حتى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظل العرش، ولا سيما المذكورون في قول النبي ﷺ: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: الإمام العادل، وشابّ نشأ في عبادة ربّه ﷿، ورجل قلبه معلّق في المساجد. ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا على ذلك، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه». أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة﵁-.\n ﴿لا ظَلِيلٍ﴾ أي: ليس هو كالظل الذي يقي حر الشمس. فهو تهكم بهم، وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين. ﴿وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ بمعنى: لا يدفع عنهم من لهب جهنم شيئا، واللهب: ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر، وأصفر، وأخضر. قيل: يتفرق الدخان المذكور ثلاث شعب: شعبة تقف فوق الكافر، وشعبة عن يمينه، وشعبة عن يساره.\n ﴿إِنَّها:﴾ الضمير يعود إلى جهنم؛ لأنها مفهوم من سياق الكلام. ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ:﴾ جمع شررة، مثل: رقبة، ورقاب، ورحبة، ورحاب. ﴿كَالْقَصْرِ﴾ أي: كل شررة من نار جهنم كالقصر العظيم من القصور في عظمها. وقيل: هو الغليظ من الشجر الواحدة: قصرة، مثل: جمرة، وجمر، وقرئ بفتحتين، وهي أعناق الإبل، أو أعناق النخل، مثل شجرة وشجر. ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ جمع: جمل، وتجمع «الجمالة» جمع الجمع على: جمالات. هذا؛ وقيل: القصر:\nالجبل العظيم، فشبه الله الشرر بالقصر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر، وهي الإبل السود، والعرب تسمي السود من الإبل: صفرا. قال الأعشى: [الخفيف]\nتلك خيلي منه وتلك ركابي... هنّ صفر أولادها كالزّبيب\nأي: هن سود، وإنما سميت السود من الإبل صفرا؛ لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة، كما قيل لبيض الظباء: الأدم؛ لأن بياضها تعلوه كدرة، والشرر إذا تطاير، وسقط؛ وفيه بقية من لون النار أشبه الإبل السود؛ لما يشوبها من صفرة. وفي شعر عمران بن حطان الخارجي: [الطويل]\nدعتهم بأعلى صوتها ورمتهم... بمثل الجمال الصّفر نزّاعة الشّوى\nهذا ففي قوله تعالى: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ تشبيه مرسل مجمل. وفي قوله جل ذكره:\n ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ تشبيه مرسل مفصل. هذا؛ وقال أبو العلاء: [الكامل]\nحمراء ساطعة الذّوائب في الدّجى... ترمي بكلّ شرارة كطراف","vol":"10","page":385},{"text":"فشبهها بالطراف، وهو بيت الأدم في العظم، والحمرة، وكأنه قصد بخبثه أن يزيد على تشبيه القرآن ولتبجحه بما سول له من توهم الزيادة جاء في صدر بيته بقوله: «حمراء» توطئة لها، ومناداة عليها، وتنبيها للسامعين على مكانها، ولقد عمي-جمع الله عليه عمى الدارين-عن قوله ﷿: ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ فإنه بمنزلة قوله (كبيت أحمر) وعلى أن التشبيه بالقصر، وهو الحصن تشبيه من جهتين، من جهة العظم، ومن جهة الطول في الهواء، وفي التشبيه بالجمالات، وهي القلوص بل القلص تشبيه من ثلاث جهات: من جهة العظم، والطول، والصفرة، فأبعد الله إغرابه في أطرافه، وما نفخ شدقيه من استطرافه. انتهى. كشاف من بيت المعري إلى هنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿اِنْطَلِقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقائل لهم الملائكة، و﴿ما﴾ موصولة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾\nفعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «تكذبون به» المقدرة في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ﴾ تأكيد لسابقتها، أو هي بدل منها. ﴿ذِي:﴾ صفة ﴿ظِلٍّ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾ مضاف، و﴿ثَلاثِ﴾ مضاف إليه، و﴿ثَلاثِ﴾ مضاف، و﴿شُعَبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿ظَلِيلٍ:﴾ صفة ثانية ل: ﴿ظِلٍّ﴾ وتوسطت ﴿لا﴾ بين الصفة والموصوف، كما في قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ رقم [٣٥] من سورة (النور)، وأيضا قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ وقبله بآيات: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿ظِلٍّ﴾. ﴿مِنَ اللَّهَبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثالثة لظل، وهي صفة منفية أيضا، وجيء بالصفة الأولى اسما، وبالثانية فعلا دلالة على نفي ثبوت هذه الصفة، ونفي التجدد، والحدوث للإغناء عن اللهب. انتهى جمل نقلا عن السمين.\nهذا؛ وأرى جواز اعتبار الجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿ظِلٍّ؛﴾ لأنه وصف بصفتين قبلها، والنكرة إذا وصافات تخصصت، فتأتي الحال منها بلا ضعف. قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nولم ينكّر غالبا ذو الحال إن... لم يتأخّر أو يخصّص أو يبن\n ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها. ﴿تَرْمِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى جهنم المفهومة من سياق الكلام، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)،","vol":"10","page":386},{"text":"والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِشَرَرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَالْقَصْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (شرر). هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل، فهي الصفة، وتكون مضافة، و(القصر) مضاف إليه. ﴿كَأَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿جِمالَتٌ:﴾ خبرها.\n ﴿صُفْرٌ:﴾ صفة ﴿جِمالَتٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: (شرر)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على مثال ما تقدم. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ انظر إعرابها ومحلها في الآية رقم [١٥].\n\n<span id=\"aya-5657\"></span><span id=\"aya-5658\"></span><span id=\"aya-5659\"></span>﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ:﴾ يعني بحجة تنفعهم. قيل: هذا في بعض مواطن القيامة، ومواقفها، وذلك؛ لأن في بعضها يتكلمون، وفي بعضها يختصمون، وفي بعضها يختم على أفواههم، فلا ينطقون. وهذا مروي مثله عن ابن عباس﵄-. ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ:﴾ انظر سورة (غافر) رقم [٥٢].\nوالمعنى: لا يكون لهم إذن، واعتذار. قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: أي: عذر لمن أعرض عن منعمه، وجحده، وكفر أياديه، ونعمه؟! فإن قلت: قد توهم أن لهم عذرا، ولكن قد منعوا من ذكره؛ قلت: ليس لهم عذر في الحقيقة؛ لأنه قد تقدم الإعذار، والإنذار في الدنيا، فلم يبق لهم عذر في الآخرة، ولكن ربما تخيلوا خيالا فاسدا: أن لهم عذرا، فلم يؤذن لهم في ذلك العذر الفاسد. انتهى. خازن.\nوقال أيضا: عطف ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ على ما قبله، واختير ذلك؛ لأن رؤوس الآي بالنون، فلو قال: فيعتذروا لم يوافق الآيات. والعرب تستحب وفاق الفواصل، كما تستحب وفاق القوافي، والقرآن نزل على ما تستحب العرب من موافقة المقاطع، والمعنى لا يكون إذن، واعتذار. انتهى.\nهذا؛ وقال الجلال: عطف على (يؤذن) من غير تسبب عنه، فهو داخل في حيز النفي؛ أي:\nلا إذن، فلا اعتذار. قال الجمل: ما قاله جواب عما يقال: إن العطف بالفاء، أو بالواو على المنفي يقتضي نصب المعطوف؛ فلم رفع في الآية؟ وحاصل الجواب: أنه إنما ينصب إذا كان متسببا عن المنفي، نحو قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٦]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أما إذا لم يكن متسببا، كما هنا، وإنما قصد توجه النفي إلى كل من المعطوف، والمعطوف عليه، فإنه يرفع. انتهى. جمل. أقول: ومثل ذلك قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٦٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ حيث رفع (تصبح) ولم ينصب بعد الفاء؛ لأن خضرة الأرض لا تتسبب عن الرؤية، وإنما تتسبب عن نزول المطر.","vol":"10","page":387},{"text":"وفي السمين: وفي رفع ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ وجهان: أحدهما: أنه مستأنف؛ أي: فهم يعتذرون.\nقال أبو البقاء: ويكون المعنى: أنهم لا ينطقون نطقا ينفعهم، أو ينطقون في بعض المواقف، ولا ينطقون في بعضها. والثاني: أنه معطوف على ﴿يُؤْذَنُ﴾ فيكون منفيا، ولو نصب لكان مسببا عنه. وقال ابن عطية: ولم ينصب في جواب النفي لتشابه رؤوس الآي، والوجهان جائزان.\nانتهى جمل. والله أعلم بمراده، وأسراره كتابه.\nالإعراب: ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَوْمُ:﴾ خبر المبتدأ. ويقرأ بالنصب على أنه ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والكوفيون يعتبرونه مبنيا على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١١٩]: ﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ..﴾. إلخ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْطِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُؤْذَنُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَيَعْتَذِرُونَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يعتذرون): مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وانظر الشرح. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر رقم [١٥].\n\n<span id=\"aya-5660\"></span><span id=\"aya-5661\"></span><span id=\"aya-5662\"></span>﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ أي: يقال لهم يوم القيامة: هذا هو يوم الفصل بين العباد، يفصل فيه بين المحق، والمبطل، وبين المحسن، والمسيء، فيثيب المحق المحسن، ويعاقب فيه المبطل المسيء. ﴿جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يجمع الذين كذبوا محمدا ﷺ، ويجمع الذين كذبوا النبيين قبله. والجملة الفعلية هذه فيها معنى التوكيد للجملة الاسمية قبلها؛ لأنه إذا كان يوم الفصل بين السعداء، والأشقياء، وبين الأمم ورسلهم؛ فلا بد من جمع الأولين، والآخرين، حتى يقع الفصل بينهم. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وهذا أسلوب بلاغي مستعمل في القرآن الكريم كثيرا.\n ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ:﴾ توبيخ، وتقريع للكافرين يوم القيامة على كيدهم لدين الله، وأتباعه، وتسجيل عليهم بالعجز، والذلة، والإهانة. وقيل: المعنى: إن قدرتم على حربي؛ فحاربوني! وقيل: المعنى: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي، وتنجوا من حكمي؛ فافعلوا، فإنكم لا تقدرون على ذلك! كما قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾","vol":"10","page":388},{"text":"وعن عبادة بن الصامت﵁أنه قال: (إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ينفذهم، ويسمعهم الداعي، ويقول الله: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ اليوم لا ينجو منّي جبّار عنيد، ولا شيطان مريد). أخرجه ابن أبي حاتم، وانظر (جمع) في سورة (المعارج) رقم [١٨].\nالإعراب: ﴿هذا يَوْمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، و﴿يَوْمُ﴾ مضاف، و﴿الْفَصْلِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿جَمَعْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من يوم الفصل، والرابط محذوف، التقدير: جمعناكم فيه، والعامل في الحال اسم الإشارة، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا،﴾ ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا،﴾ وقيل: مفسرة موضحة لقوله: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. ﴿وَالْأَوَّلِينَ:﴾\nمعطوف على (الكاف)، أو هو مفعول معه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم.\n ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿كَيْدٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:\nلأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَكِيدُونِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (كيدون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و(إن) ومدخولها كلام مستأنف بالنسبة لما قبله، وهو في محل نصب مقول القول للقول المحذوف. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ انظر رقم [١٥].\n\n<span id=\"aya-5663\"></span><span id=\"aya-5664\"></span><span id=\"aya-5665\"></span><span id=\"aya-5666\"></span><span id=\"aya-5667\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾\nالشرح: لما ذكر الله في سورة (الدهر) السابقة أحوال الكفار في الآخرة على سبيل الاختصار، وأطنب في ذكر أحوال المؤمنين الأبرار فيها؛ ذكر في هذه السورة أحوال الكفار على سبيل الإطناب، وأحوال المؤمنين على سبيل الإيجاز، فوقع التعادل بين السورتين. انتهى جمل نقلا من البحر.\n ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الذين خافوا ربهم في الدنيا، واتقوا عذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ أي: تكاثف أشجار؛ إذ لا شمس يظل من حرها. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ من ماء، وعسل، ولبن، وخمر، كما قال تعالى في سورة (محمد ﷺ) رقم [١٥]: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ﴾","vol":"10","page":389},{"text":"الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (يس) رقم [٥٦]: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾. وقال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [١٥]: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.\n ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: وفواكه كثيرة متنوعة مما يستلذون، ويستطيبون. قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ،﴾ وقال تعالى فيها أيضا: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويقال لهم على سبيل الأنس، والتكريم:\nكلوا أكلا لذيذا، واشربوا شربا هنيئا بسبب ما قدمتم في الدنيا من صالح الأعمال. وهذه الآية مذكورة في سورة (الطور) برقم [١٩]. وقال تعالى في سورة (الحاقة) رقم [٢٤]: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ انظر ما ذكرته في شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، فالبحث قيم جدا؛ إن شاء الله تعالى.\n ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ:﴾ هذه الآية مكررة كثيرا فقد ذكرت في سورة (الصافات) وحدها خمس مرات، وهي تذكر بعد ذكر الصالحين، وما عملوا من أعمال صالحة، والمعنى: نثيب المحسنين العمل ثوابا عظيما، ونجزيهم جزاء جزيلا، وما أكثر ما يذكر ضدها ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ،﴾ ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ،﴾ ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ والمعنى: نعاقب المسيئين العمل، والظالمين، والمفترين، والخبثاء عقابا شديدا، ونعذبهم عذابا أليما.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي ظُلَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ معطوف على ﴿ظِلالٍ﴾. ﴿وَفَواكِهَ:﴾ معطوف أيضا مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (فواكه)، و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَشْتَهُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء يشتهونه. ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، يقع حالا من الضمير المستقر في ﴿ظِلالٍ،﴾ والقائل لهم الله، أو الملائكة، وجملة: ﴿وَاشْرَبُوا﴾ معطوفة عليها، ومفعول الفعلين محذوف للاختصار، والتعميم أيضا.\n ﴿هَنِيئًا:﴾ حال من واو الجماعة، بمعنى: مهنئين، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: كلوا أكلا هنيئا، واشربوا شربا هنيئا. وفاعله مستتر محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: هنيئا لكم الأكل. وهنيئا لكم الشرب. وقيل: الفاعل (ما) المجرورة بالباء، وعليه يكون مثله قول كثير عزة: [الطويل]","vol":"10","page":390},{"text":"هنيئا مريئا غير داء مخامر... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت\nفيكون مثل (ما) يرتفع بالفعل؛ أي: كما تقول: هنأكم ما كنتم تعملون، أو هنأكم الأكل، والشرب. فعلى الأول الباء زائدة في الفاعل، وعلى الثاني فالباء أصلية. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هَنِيئًا،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: هنيئا بالذي، أو بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: هنيئا بعملكم.\n ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.\n ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و(ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار، والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير:\nنجزي المحسنين جزاء كائنا مثل جزاء المتقين. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.\n ﴿نَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:\n «نحن». ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر إعرابها الآية رقم [١٥].\n\n<span id=\"aya-5668\"></span><span id=\"aya-5669\"></span>﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾\nالشرح: ﴿كُلُوا:﴾ خطاب للكفار في الدنيا على وجه التهديد، كقوله تعالى لهم: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ الآية رقم [٤٠] من سورة (فصلت). هذا؛ وإن كان في ظاهر اللفظ أمرا، إلا أنه في المعنى نهي بليغ، وزجر عظيم، واعتبره الزمخشري فيما يخاطبون به في الآخرة، وعلله بقوله:\nيقال لهم ذلك في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله تذكيرا بحالهم السمجة، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم، والملك الخالد.\nوفي طريقته قول فاطمة بنت الأخرم الخزاعية تبكي إخوتها، وتندبهم-وهو الشاهد رقم [٣٦٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغنى اللبيب-: [المديد]\nإخوتي لا تبعدوا أبدا... وبلى والله قد بعدوا\nكلّ ما حيّ وإن أمروا... واردو الحوض الّذي وردوا\nوما قاله الزمخشري لم يوافقه أحد عليه. ﴿وَتَمَتَّعُوا﴾ أي: تمتعوا من دنياكم، واستمتعوا بلذائذها الفانية. كما هو شأن البهائم التي همها ملء بطونها، ونيل شهواتها زمانا قليلا إلى","vol":"10","page":391},{"text":"منتهى آجالكم، وانقضاء أعماركم. ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ:﴾ كافرون، فاسدون، مفسدون، لا تستحقون الإنعام، والتكريم.\nقال بعض العلماء: التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين، والسعي لها من أفعال الظالمين، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين، والسكون فيها على حد الإذن، والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين، والإعراض عنها من أفعال الزاهدين، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا، وبغضها، وجمعها، وتركها. انتهى جمل نقلا من الخطيب.\nوما أحسن قولهم: الكافر يتمتع، والمنافق يتزين، والمؤمن يتزود. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [٢٤]: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾.\nهذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة. فهنيئا لمن تمتع واستمتع بالحلال المباح! وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام! هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، ومتعة المرأة: ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وإزار، وملحفة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣٦]: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. والمراد من الآية، وأمثالها الأمر للكفار بأن يتمتعوا بدنياهم قليلا، أو بعبادتهم الأوثان، أو باتباعهم الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها، وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدّد عليه كالمطلوب؛ لإفضائه إلى المهدد به.\nالإعراب: ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وجملة: ﴿وَتَمَتَّعُوا﴾ معطوفة عليها. ﴿قَلِيلًا:﴾ صفة «زمان» محذوف؛ أي: زمانا قليلا، أو صفة «مصدر» محذوف، التقدير:\nتمتيعا قليلا. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مُجْرِمُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٥].\n\n<span id=\"aya-5670\"></span><span id=\"aya-5671\"></span><span id=\"aya-5672\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: للكافرين المكذبين بيوم الحساب، والجزاء. ﴿اِرْكَعُوا:﴾\nصلوا. ﴿لا يَرْكَعُونَ:﴾ لا يصلون. قاله مجاهد. وقال مقاتل: نزلت في بني ثقيف، امتنعوا من الصلاة، فنزل ذلك فيهم. قال لهم النبي ﷺ: «أسلموا». وأمرهم بالصلاة، فقالوا: لا ننحني","vol":"10","page":392},{"text":"فإنها مسبة علينا. فقال ﷺ: «لا خير في دين، ليس فيه ركوع ولا سجود». يذكر: أن مالكا -﵀دخل المسجد بعد صلاة العصر، وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر، فجلس، ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ! قم فاركع، فقام، فركع، ولم يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل له في ذلك. فقال: خشيت أن أكون من الذين ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾.\nوقال ابن عباس﵄-: إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود، فلا يستطيعون. انتهى أقول: انظر ما ذكرته في سورة (القلم) رقم [٤٢] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقال ابن العربي: هذه الآية حجة على وجوب الركوع، وإنزاله ركنا في الصلاة، وقد انعقد الإجماع عليه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٣]: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (آل عمران) رقم [٤٣]: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وقال ﷿ في سورة (الحج) رقم [٧٧]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾.\n ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ:﴾ بعد القرآن. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ إذا لم يؤمنوا به، وهو معجز في ذاته، مشتمل على الحجج الواضحة، والمعاني الشريفة. هذا؛ وقد جاء التعبير عن القرآن بالحديث في كثير من الآيات قال تعالى في سورة (الطور) رقم [٣٤]: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ وقال في سورة (الواقعة): ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ،﴾ وقال في سورة (القلم) الآية [٤٣]: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ،﴾ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٤]: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ انظر ما ذكرته في آخر سورة (القيامة).\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٨]. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اِرْكَعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ﴾ أفاده ابن هشام في مغنيه، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك مرارا أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام؛ أي:\nوقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار، والمجرور (لهم) المذكور، أو المقدر في كثير من الآيات هو نائب الفاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: (لا حول ولا قوة إلا بالله: كنز من كنوز الجنة) ونحو: (زعموا: مطية الكذب) وجملة: ﴿قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها، على المرجوح المشهور. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْكَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٥].","vol":"10","page":393},{"text":"﴿فَبِأَيِّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بأي): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و(أي):\nمضاف، و﴿حَدِيثٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بَعْدَهُ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة ﴿حَدِيثٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فبأي: حديث بعد القرآن يؤمنون؛ إذا لم يؤمنوا به؟! ولم يتقدم للقرآن ذكر؛ لأنه مفهوم من المقام. والكلام كله مستأنف، لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (المرسلات) شرحا، وإعرابا بعون الله وتوفيقه.\nوالحمد لله ربّ العالمين.","vol":"10","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4874>سورة النّبإ</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (النبأ) وتسمى سورة التساؤل مكية، وهي أربعون آية، أو إحدى وأربعون، ومئة وثلاث وسبعون كلمة، وتسعمئة وسبعون حرفا. انتهى خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5673\"></span><span id=\"aya-5674\"></span><span id=\"aya-5675\"></span><span id=\"aya-5676\"></span><span id=\"aya-5677\"></span>﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿عَمَّ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف: (عن) الجارة، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ،﴾ ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها،﴾ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية.\nويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار، ومن شواهدها الشعرية قول الكميت-وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الطويل]\nفتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟!\nوأيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي المذحجي﵁وهو الشاهد رقم [٢٥٠] من الكتاب المذكور، وأيضا رقم [٤٥٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nعلام تقول: الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت؟\nهذا؛ وقرأ عكرمة، وعيسى بن عمر: «(عمّا)» بإثبات الألف، وهي قراءة فوق السبعة، ومنه قول حسان بن المنذر﵁يهجو رجلا من بني مخزوم-وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nعلى ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان؟\nهذا؛ وقرأ ابن كثير «(عمّه)» بهاء السكت وصلا، وهذا يكون في الوقف، فيكون أجرى الوصل مجرى الوقف. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ يسأل بعضهم بعضا، والضمير يعود إلى قريش؛ إذ هم المقصودون بذلك، روي: أن النبي ﷺ لما بعث؛ جعل المشركون يتساءلون بينهم، فيقولون: ما الذي أتى به محمد، ويتجادلون فيما بعث به، فبعضهم يقول: شعر، وبعضهم يقول: سحر،","vol":"10","page":395},{"text":"وبعضهم يقول: كهانة، فنزلت هذه السورة. ومناسبتها لما قبلها ظاهرة، لما ذكر في قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ وكانوا يتجادلون فيه، ويتساءلون عنه، فقال: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ والاستفهام عن هذا فيه تفخيم، وتهويل، وتقرير، وتعجيب. انتهى. جمل.\n ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ:﴾ بيان لذلك الشيء، والاستفهام لتفخيمه؛ لأنه تعالى لا تخفى عليه خافية، وهو ما جاء به النبي ﷺ من القرآن المشتمل على البعث، وغيره.\n ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ:﴾ فمن فسر النبأ العظيم بالقرآن؛ قال: اختلافهم فيه قولهم: إنه سحر، أو شعر، أو كهانة، أو نحو ذلك مما قالوه في القرآن. ومن فسر النبأ العظيم بالبعث؛ قال:\nاختلافهم فيه: فمن مصدق به، وهم المؤمنون، ومن مكذب به، وهم الكافرون. ومن فسره بنبوة محمد ﷺ؛ قال: اختلافهم فيه كاختلافهم في القرآن.\n ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ:﴾ ردع فيه معنى الوعيد، والتهديد؛ أي: سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين ينكشف الأمر يعني في القيامة، وسيعلمون صدق ما جاء به محمد ﷺ من القرآن، ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت، والتكرير للتوكيد. انظر مثله في سورة (ن) رقم [٥]، وفي سورة (التكاثر).\nهذا؛ والنبأ: الخبر وزنا، ومعنى. ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء. وقال الراغب: النبأ خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى: أعلم، فيتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ رقم [١٤] من سورة (المائدة)، والآية رقم [٦] من سورة (المجادلة)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣] من سورة (التحريم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿عَمَّ:﴾ (عن): حرف جر. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر ب: (عن)، حذفت ألفها كما رأيت في الشرح، وبقيت الفتحة دليلا عليها، والجار، والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها. ﴿عَنِ النَّبَإِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف لدلالة ما قبله عليه، ولا يجوز أن يتعلقا بالفعل المذكور؛ لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام، فيكون التقدير: أعن النبأ العظيم؟ ويكون الجار والمجرور بدلا من قوله: ﴿عَمَّ﴾ كقولك: كم مالك؟ أثلاثون، أم أربعون؟ فوجب لما ذكرناه من امتناع تعلقهما بالفعل المذكور، وإنما يتعلقان بفعل مقدر. وقيل: الاستفهام مقدر قبل عن الثانية والمقدر كالمذكور. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة ﴿النَّبَإِ﴾.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: على أنه في محل جر صفة، أو هو بدل من ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. والثاني: على أنه في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف،","vol":"10","page":396},{"text":"التقدير: هو الذي. والثالث: على أنه في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُخْتَلِفُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر. ﴿سَيَعْلَمُونَ:﴾ السين: حرف استقبال. (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للاختصار، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والتي بعدها معطوفة عليها ومؤكدة لها.\n\n<span id=\"aya-5678\"></span><span id=\"aya-5679\"></span><span id=\"aya-5680\"></span><span id=\"aya-5681\"></span><span id=\"aya-5682\"></span><span id=\"aya-5683\"></span>﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا (٦) وَالْجِبالَ أَوْتادًا (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (١١)﴾\nالشرح: بعد أن هدد الله الكافرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، وفي ضمنه وعد للمؤمنين بالجزاء الحسن؛ ذكر الله أشياء من عجائب صنعه؛ ليستدلوا بذلك على توحيده، ويعلموا: أنه قادر على إيجاد العالم بعد عدمه، ثم فنائه، ثم بعثه للحساب، والثواب، والعقاب، فقال:\n ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا﴾ أي: فراشا، وبساطا؛ لتستقر عليها الأقدام، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢]: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا﴾ وقال في سورة (نوح) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا﴾ والمعنى: ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها؟ جعلناها لكم كالفراش، والبساط؛ لتستقروا عليها، كما يتقلب الإنسان على فراشه، وبساطه. قال في التسهيل: شبه الله الأرض بالبساط، والفراش في امتدادها، واستقرار الناس عليها. وأخذ بعضهم من الآيات: أن الأرض غير كروية. وفي ذلك نظر.\nهذا؛ وقال الآلوسي-رحمه الله تعالى-: وليس في الآيات دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية؛ لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحا. ثم إن اعتقاد الكروية، أو عدمها ليس بلازم في الشريعة، لكن كرويتها كالأمر اليقيني، ومعنى جعلها بساطا، ومهادا، وفراشا؛ أي: تتقلبون عليها كالبساط... إلخ. وانظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الذاريات).\n ﴿وَالْجِبالَ أَوْتادًا:﴾ انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (المرسلات). ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا﴾ أي:\nوجعلناكم أيها الناس أصنافا: ذكورا، وإناثا؛ لينتظم أمر النكاح؛ الذي يحصل به التناسل.\nوانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٣٩] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا:﴾ راحة للأبدان بالانقطاع عن الأشغال، وأصل السبات من التمدد. وقيل للنوم: سبات؛ لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت: القطع، فالنوم انقطاع عن","vol":"10","page":397},{"text":"الأعمال، ومنه سبت اليهود؛ لانقطاعهم عن الأعمال فيه. هذا؛ وسبت الشيء: قطعه، وسبت الرأس: حلقه. والسبت مصدر، ويوم من أيام الأسبوع، وجمعه: أسبت، وسبوت، والسبت أيضا: النوام، والفرس، والجواد، والرجل الداهية. هذا؛ والسبت بكسر السين: الجلد المدبوغ. قال عنترة في وصف الشجاع الذي افتخر بقتله-وهو البيت من معلقته رقم [٧٣]، وأيضا هو الشاهد رقم [٣٠٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nبطل كأنّ ثيابه في سرحة... يحذى نعال السّبت ليس بتوءم\n ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ أي: سترا للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن. قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء ويغشاها. ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا﴾ أي: وقت معاش؛ أي: متصرفا فيه لطلب المعاش، وهو كل ما يعاش به من المطعم، والمشرب، والملبس، وغير ذلك. وفي الكشاف: لباسا يستركم عن العيون، إذا أردتم هربا من عدو، أو بياتا له، أو إخفاء ما لا تحبون الإطلاع عليه من كثير من الأمور. قال أبو الطيب المتنبي من قصيدته التي مدح بها كافور الإخشيدي: [الطويل]\nوكم لظلام اللّيل عندك من يد... تخبّر أنّ المانويّة تكذب\nومن المعلوم من مذهب المانوية: أن الخير منسوب إلى النور، والشر منسوب إلى الظلام، فكذبهم أبو الطيب بأن نعمته، وخيريته إنما حصلت من الظلام، وبيّن تلك النعمة في قوله بعده: [الطويل]\nوقاك ردى الأعداء تسري إليهم... وزارك فيه ذو الدلال المحجّب\nوهذه الآيات مع دلالتها على قدرة الخالق، فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية، ودنيوية، وقد كثر الامتنان من الله على خلقه، بذلك مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان) الآية رقم [٤٧]: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا،﴾ وأيضا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم).\nهذا؛ وفي الآيات تشبيه بليغ؛ إذ أصل الكلام: جعلنا الأرض كالمهاد الذي يفترشه النائم، وجعلنا الجبال كالأوتاد التي تثبت الدعائم، وجعلنا الليل كاللباس في الستر، والخفاء، فحذف أداة التشبيه، ووجه الشبه، فأصبح بليغا. وبعضهم يعتبر الجميع من باب الاستعارة. ولا تنس المقابلة في الآيتين رقم [١٠ و١١] حيث قابل بين الليل، والنهار، والراحة، والعمل، وهو من المحسنات البديعية.","vol":"10","page":398},{"text":"هذا؛ والنوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين: فترة طبيعية تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها، وأما نوم القلب: فهو تعطيل القوى المدركة. والثاني: لم يقع من النبي ﷺ؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي».\nورحم الله البوصيري إذ قال: [البسيط]\nلا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم\nهذا؛ والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم، أو هو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصلح لهذا كله. هذا؛ والنوم هو الموتة الصغرى، لذا أرشدنا سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ أن نقول عند القيام من النوم: «سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». والجنة لا نوم فيها، انظر الآية رقم [٢٤] الآتية.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿نَجْعَلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مِهادًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْجِبالَ أَوْتادًا:﴾\nمعطوفان على: ﴿الْأَرْضَ مِهادًا﴾. ﴿وَخَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿أَزْواجًا:﴾ حال من الكاف والميم بمعنى متجانسين متشابهين. قال مكي: وخلق بمعنى: ابتدع، فلذلك لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. أقول: ولا مانع من اعتبار خلق بمعنى: جعل، فتكون قد نصبت مفعولين، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجمل الثلاث الآتية معطوفة عليها أيضا، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى، وهي: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا﴾.\n\n<span id=\"aya-5684\"></span><span id=\"aya-5685\"></span><span id=\"aya-5686\"></span><span id=\"aya-5687\"></span><span id=\"aya-5688\"></span>﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا (١٢) وَجَعَلْنا سِراجًا وَهّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا (١٥) وَجَنّاتٍ أَلْفافًا (١٦)﴾\nالشرح: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا﴾ أي: وبنينا فوقكم أيها الناس سبع سموات، محكمة الخلق، بديعة الصنع، متينة في إحكامها، وإتقانها، لا تتأثر بمرور العصور والأزمان، خلقناها بقدرتنا لتكون كالسقف للأرض، كقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٢]: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا،﴾ وقال تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ انظر شرحها فإنه جيد. ﴿وَجَعَلْنا سِراجًا وَهّاجًا﴾ أي: وخلقنا لكم شمسا منيرة ساطعة، يتوهج ضوءها، ويتوقد لأهل الأرض كلهم، دائمة الحرارة، والتوقد. قال أهل اللغة: الوهاج: المتوقد الشديد الإضاءة؛ الذي يضطرم، ويلتهب من شدة لهبه.","vol":"10","page":399},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ أي: وأنزلنا من السحب التي حان وقت إمطارها ماء دافقا منهمرا بشدة، وقوة. قال في التسهيل: المعصرات: هي السحب، مأخوذة من العصر؛ لأن السحاب ينعصر، فينزل منه الماء، شبهت السحابة التي حان وقت إمطارها بالجارية التي قد دنا حيضها؛ ولم تحض قال أبو النجم العجلي، ونسب لليث المجاشعي: [الرجز]\nتمشي الهوينى مائلا خمارها... قد أعصرت أو قد دنا إعصارها\nوقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nفكان مجنّي دون من كنت أتقي... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر\nهذا؛ وقيل: المعصرات: الرياح، يقال: أعصرت الرياح، تعصر إعصارا: إذا أثارت العجاج، وهي الإعصار. وقيل: المعصرات السماء، والأصح: أن المعصرات السحاب، كذا المعروف: أن الغيث منها، وانظر سورة (الواقعة) رقم [٦٩] حيث أطلق على السحب لفظ المزن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وماء ثجاجا دافقا منهمرا بشدة وقوة، يقال:\nثججت دمه فأنا أثجه ثجّا، والثجاج في الآية المنصب. قال عبيد بن الأبرص: [البسيط]\nفثجّ أعلاه ثمّ ارتجّ أسفله... وضاق ذرعا بحمل الماء منصاح\nوفي حديث النبي ﷺ: أنه سئل عن الحج المبرور، فقال: «العجّ، والثجّ». فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة الدماء، وذبح الهدايا. ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ:﴾ بذلك الماء. ﴿حَبًّا:﴾\nكالحنطة، والشعير، وغير ذلك. ﴿وَنَباتًا:﴾ من الأبّ، وهو ما تأكله الدواب من الحشيش، والتبن، كما قال تعالى في سورة (طه) رقم [٥٤]: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٢]: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ ورحم الله زيد بن عمرو بن نفيل؛ الذي كان متحنفا قبيل الإسلام؛ إذ قال من قصيدة له مشهورة: [الطويل]\nوقولا له من ينبت الحبّ في الثرى... فيصبح منه البقل يهتزّ رابيا\nويخرج منه حبّه في رؤوسه... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا\n ﴿وَجَنّاتٍ أَلْفافًا﴾ أي: وحدائق، وبساتين كثيرة الأشجار، والأغصان، ملتف بعضها على بعض، لكثرة أغصانها، وتقارب أشجارها. ولا واحد له من لفظه، كالأوزاع، والأخياف.\nوقيل: الواحد: لفّ بكسر اللام، وضمها. وقال صاحب الإقليد: أنشدني الحسن بن علي الطوسي، وهو له: [الرمل]\nجنّة لفّ وعيش مغدق... وندامى كلّهم بيض زهر\nهذا؛ و(جعل) في الآية رقم [١٣] نصب مفعولا واحدا، مثل: خلق، وأنشأ، وأوجد، والفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى","vol":"10","page":400},{"text":"التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل. فقال في كثير من الآيات: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما، كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق فإن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر ﷾ في كثير من الآيات عن إيجاد السموات، والأرض بالخلق، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَبَنَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (بنينا): فعل، وفاعل. ﴿فَوْقَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَبْعًا:﴾ مفعول به. ﴿شِدادًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، والتي بعدها: (جعلنا سراجا وهاجا) معطوفة على ما قبلها أيضا. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْمُعْصِراتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ماءً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿لِنُخْرِجَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَبًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَنَباتًا:﴾\nمعطوف على ما قبله، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا). ﴿وَجَنّاتٍ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أَلْفافًا:﴾ صفة (جنات).\n\n<span id=\"aya-5689\"></span><span id=\"aya-5690\"></span><span id=\"aya-5691\"></span><span id=\"aya-5692\"></span>﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا (٢٠)﴾\nالشرح: ذكر الله الأدلة التسع المتقدمة على قدرته تعالى، كبرهان واضح على إمكان البعث، والنشور والجزاء، فإن من قدر على هذه الأشياء قادر على البعث، والإحياء، ولهذا قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ أي: إن يوم الحساب، والجزاء، ويوم الفصل بين الخلائق، له وقت محدود، معلوم في علمه تعالى، وقضائه، لا يتقدم، ولا يتأخر. قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وسمي: يوم الفصل؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، وقد جعله الله وقتا، ومجمعا، وميعادا للأولين، والآخرين، وانظر الآية رقم [٣٨] من سورة (المرسلات). هذا؛ وميقات أصله: موقات، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، وقل مثله في: ميعاد، وميثاق... إلخ.\n ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:﴾ انظر الآية رقم [١٣] من سورة (الحاقة) ففيها الكفاية. ﴿فَتَأْتُونَ:﴾\nفتساقون إلى المحشر. ﴿أَفْواجًا﴾ أي: أمما، كل أمة مع إمامهم. وقيل: زمرا، وجماعات،","vol":"10","page":401},{"text":"الواحد: فوج، وهذا اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط، ومعشر... إلخ، وجمعه أفواج، وفؤوج. وجمع الجمع: أفاوج، وأفاييج، وأفاويج، والثلاثة بصيغة منتهى الجموع.\nهذا؛ وروي من حديث معاذ بن جبل﵁قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت قول الله ﷿: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا؟!﴾ فقال النبي ﷺ: «يا معاذ! لقد سألت عن أمر عظيم». ثم أرسل عينيه باكيا، ثم قال: «يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا، قد ميزهم الله تعالى من جماعات المسلمين، وبدّل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكّسون، أرجلهم أعلاهم، ووجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صمّ بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم، فهي مدلاّة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعابا، يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطّعة أيديهم، وأرجلهم، وبعضهم مصلّبون على جذوع من النار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم يلبسون جلابيب سابغة من القطران، لاصقة بجلودهم. فأما الذين على صورة القردة؛ فالقتّات من الناس (النّمام). وأما الذين على صورة الخنازير؛ فأهل السحت، والحرام، والمكس. وأمّا المنكّسون رؤوسهم، ووجوههم؛ فأكلة الرّبا، وأما العمي؛ فالذين يجورون في الحكم. وأما الصمّ، البكم؛ فالذين يعجبون بأعمالهم. وأما الذين يمضغون ألسنتهم؛ فالعلماء، والقصّاص الذين يخالف قولهم فعلهم. وأما المقطّعة أيديهم، وأرجلهم؛ فالذين يؤذون الجيران. وأما المصلبون على جذوع من النار؛ فالسعاة بالناس إلى السلطان. وأمّا الذين هم أشدّ نتنا من الجيف؛ فالذين يتمتعون بالشهوات، واللذات (المحرمات) ويمنعون حقّ الله في أموالهم. وأما الذين يلبسون الجلابيب؛ فأهل الكبر، والفخر، والخيلاء». انتهى قرطبي وكشاف.\n ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا﴾ أي: فتحت لنزول الملائكة، كما قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٥]: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقيل: تقطعت، فكانت قطعا كالأبواب.\nوانظر قوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ فهو جيد. ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ أي: لا شيء، كما أن السراب كذلك، يظنه الرائي ماء، وليس بماء. وقيل: (سيرت) نسفت من أصولها. وقيل: أزيلت من مواضعها. وقال تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ فالآية فيها تشبيه بليغ.\nهذا؛ ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال يوم القيامة بصفات مختلفة، ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما تواريه، فأول الصفات: الاندكاك، وذلك قبل الزلزلة. قال تعالى في سورة (الفجر): ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا،﴾ ثم تصير كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد جمع بينهما في سورة (المعارج) حيث قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾. والحالة الثالثة أن تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن. قال تعالى","vol":"10","page":402},{"text":"في سورة (الواقعة): ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾. والحالة الرابعة أن تنسف؛ لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها، والأرض تحتها غير بارزة، فتنسفها عنها لتبرز. قال تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا،﴾ وقال في سورة (الكهف) رقم [٤٨]: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً..﴾. إلخ.\nوالحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها على وجه الأرض، فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعد؛ حسبها لتكاثفها أجسادا جامدة، وهي في الحقيقة مارّة؛ إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة، فقال تعالى في سورة (النمل) رقم [٨٨]: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾. والحالة السادسة أن تكون سرابا، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها، كالسراب. قال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ وهذا كله إنما يقع بعد النفخة الأولى على المعتمد. وأخيرا: فالجبال مفرده: جبل، ويجمع على: أجبل أيضا.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿يَوْمَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و﴿الْفَصْلِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾.\n ﴿مِيقاتًا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من: ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ،﴾ وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلا من: ﴿مِيقاتًا،﴾ أو هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أعني. ﴿يُنْفَخُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ الجار، والمجرور في محل رفع نائب فاعل ﴿يُنْفَخُ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فَتَأْتُونَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تأتون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَفْواجًا:﴾ حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَفُتِحَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (فتحت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿السَّماءُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. وقيل: الجملة في محل نصب حال، فتحتاج إلى تقدير: «قد» قبلها، والجمل الفعلية الثلاث بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وهو واضح إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-5693\"></span><span id=\"aya-5694\"></span><span id=\"aya-5695\"></span><span id=\"aya-5696\"></span><span id=\"aya-5697\"></span><span id=\"aya-5698\"></span>﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤) إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ أي: معدة مترصدة، متفعّل من الرصد، وهو الترقب؛ أي: هي متطلعة لمن يأتي، ويلقى فيها، والمرصاد: مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار، والمغيار، والمهذار... إلخ، فكأنه يكثر من جهنم انتظارها للكفار، كما يترصد الإنسان، ويترقب عدوه؛ ليأخذه على حين غرة، والمرصاد: الطريق، وجهنم طريق، وممرّ إلى الجنة، فلا","vol":"10","page":403},{"text":"سبيل إلى الجنة؛ حتى يقطع النار. وتوضيح هذا؛ وشرحه: أن الصراط يوضع على متن جهنم، ويمر عليه الأولون، والآخرون، والأنبياء، والمرسلون. وهذا فحوى قوله تعالى في سورة رقم [٧١] (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. انظر شرحها هناك. وقال الحسن وقتادة: لا يدخل أحد الجنة؛ حتى يجتاز النار، فإن كان معه جواز؛ نجا، وإلا؛ احتبس.\nوروي عن ابن عباس﵄أن على جسر جهنم (الصراط) سبع محابس، يسأل العبد عند أولها عن شهادة أن لا إله إلاّ الله، فإن جاء بها تامة؛ جاز إلى الثاني، فيسأل عن الصلوات الخمس، فإن جاء بها تامة؛ جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة؛ فإن جاء بها تامة؛ جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحج، فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامة؛ جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها، وإلا؛ يقال: انظروا، فإن كان له تطوع؛ أكملت به أعماله، فإذا فرغ؛ انطلق به إلى الجنة. انتهى خازن. هذا؛ وإكمال نقص الفرائض من التطوع جاء عن النبي ﷺ فخذه بحروفه فيما يلي:\nفعن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصلاة، وأوّل ما يحاسب به العبد الصلاة، فيقول الله:\nانظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامّة؛ كتبت تامّة، وإن كانت ناقصة؛ قال: انظروا؛ هل لعبدي من تطوّع؟ فإن وجد له تطوّع؛ تمّت الفريضة من التطوع، ثم يقول: انظروا هل زكاته تامة؟ فإن كانت تامّة؛ كتبت تامة، وإن كانت ناقصة؛ قال: انظروا هل له صدقة؟ فإن كانت له صدقة؛ تمّت له زكاته؟». رواه أبو يعلى.\nوأقول: ويمكن قياس الحج، والصوم على ما ذكر في الحديث من الصلاة، والزكاة. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\n ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا:﴾ مرجعا يرجعون إليها، ومنزلا، ومأوى يستقرون بها. وانظر «الطغيان» في سورة (النازعات). ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ أي: مقيمين في جهنم ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع. فكلما مضى حقب؛ جاء حقب، والحقب بضمتين: الدهر، والأحقاب: الدهور.\nوالحقبة بالكسر: السنة، والجمع: حقب. قال متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك-وهو الشاهد رقم [٣٨٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nوكنّا كندماني جذيمة حقبة... من الدّهر حتى قيل لن يتصدعا\nفلمّا تفرقنا كأنّي ومالكا... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا","vol":"10","page":404},{"text":"والحقب بضم القاف وسكونها: ثمانون سنة، وهو المعتمد. وقيل: أكثر من ذلك، أو أقل.\nهذا؛ وكل سنة اثنا عشر شهرا، وكل شهر ثلاثون يوما، وكل يوم ألف سنة، يروى ذلك عن علي -﵁ وكرّم الله وجهه-. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: الأحقاب وإن طالت متناهية، وعذاب الكفار في جهنم غير متناه، فما معنى قوله: ﴿أَحْقابًا؟﴾.\nقلت: ذكروا فيه وجوها: أحدها: ما روي عن الحسن-رحمه الله تعالى-قال: الله تعالى لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ فو الله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب؛ دخل حقب آخر، ثم آخر إلى الأبد! فليس للأحقاب عدة إلا الخلود. وروي عن عبد الله بن مسعود -﵁قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار: عدد حصى الدنيا؛ لفرحوا، ولو علم أهل الجنة: أنهم يلبثون في الجنة عدد الحصى؛ لحزنوا.\nالوجه الثاني: أن لفظ الأحقاب لا يدل على نهاية، والحقب الواحد متناه. والمعنى: أنهم يلبثون فيها أحقابا. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها﴾ أي: في تلك الأحقاب ﴿بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤) إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا﴾ فهذا توقيت؛ لأنواع العذاب؛ الذي يبدلونه، لا توقيت للبثهم فيها.\nالوجه الثالث: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا﴾ يعني: أن العدد قد ارتفع، والخلود قد حصل. انتهى.\nتنبيه: قال الإمام الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إن عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ وبأن معصية الظالم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم! والجواب: أن قوله تعالى: ﴿أَحْقابًا﴾ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به، وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم إلا على دائم، ولم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا. انتهى جمل في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا:﴾ ﴿فِيها﴾ في الأحقاب. وقال ابن عباس﵄-:\nالبرد: النوم. وبه قال أبو عبيدة، وغيره من أئمة اللغة، وبه قال صاحب المختار، وذكر الآية الكريمة مستدلا بها، وقال العرجي عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان﵁-: [الطويل]\nولو شئت حرّمت النساء سواكم... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا\nالنقاخ: هو الماء العذب؛ الذي ينقخ الفؤاد ببرده، والبرد: النوم. وقاله مجاهد، والسدي، والكسائي، والفضل بن خالد، وأبو معاذ النحوي، وأنشدوا قول الكندي: [الكامل]\nبردت مراشفها عليّ فصدّني... عنها وعن تقبيلها البرد\nيعني: النوم، والعرب تقول: منع البرد البرد، يعني: أذهب البرد النّوم، وقد سئل النبي ﷺ:\nهل في الجنة نوم؟ فقال: «لا؛ النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها». فكذلك النار لا موت","vol":"10","page":405},{"text":"فيها، وإطلاق البرد على النوم لغة هذيل. ﴿إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا:﴾ الحميم: الماء الحار، وكثير ذكره في القرآن الكريم. والغساق: صديد يسيل من جلود أهل النار، ولم يذكر إلا في هذه السورة. وفي سورة (ص) رقم [٥٧]. وقال ابن عباس﵄-: الغساق: الزمهرير يحرقهم ببرده.\nوقيل: الحميم: الحار الذي قد انتهى حره، والغساق ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم. فعن أبي سعيد الخدري﵁عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أنّ دلوا من غسّاق يهراق في الدّنيا؛ لأنتن أهل الدّنيا». أخرجه الإمام أحمد، ورواه الترمذي، وابن جرير أيضا. وقال مجاهد، ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما: إنه يحرق ببرده، كما يحرق الحميم بحره. وقال عبد الله بن عمرو﵁-: هو قيح غليظ، لو وقع شيء منه بالمشرق؛ لأنتن من في المغرب، ولو وقع شيء منه بالمغرب؛ لأنتن من في المشرق.\nوقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة، ومن نتن لحوم الكفرة، وجلودهم من الصديد، والقيح، والنتن. وقال محمد بن كعب القرظي﵁-: هو عصارة أهل النار، وهذا القول أشبه.\nيقال: غسق الجرح، يغسق غسقا: إذا خرج منه ماء أصفر. قال الشاعر: [البسيط]\nإذا ما تذكّرت الحياة وطيبها... إليّ جرى دمع من اللّيل غاسق\n ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ أي: جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم، أو موافقا لها، فالوفاق بمعنى الموافقة، كالقتال بمعنى المقاتلة. وقال الفراء أيضا: هو جمع الوفق، والوفق، واللّفق واحد.\nوقال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ اسمها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير يعود إلى ﴿جَهَنَّمَ﴾. ﴿مِرْصادًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلطّاغِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿مِرْصادًا،﴾ أو بمحذوف صفة، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مَآبًا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿مَآبًا:﴾ بدل من ﴿مِرْصادًا،﴾ لذا قيل: خبر ثان ل: ﴿كانَتْ﴾.\n ﴿لابِثِينَ:﴾ حال من الضمير المستتر في (الطاغين). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿لابِثِينَ﴾.\n ﴿أَحْقابًا:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَذُوقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بَرْدًا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾\n (الواو): حرف عطف. (لا): نافية مؤكدة. ﴿شَرابًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية فيها أوجه: أحدها: أنها مستأنفة. والثاني: أنها في محل نصب حال من الضمير في: ﴿لابِثِينَ﴾ أي:\nلابثين غير ذائقين، فهي حال متداخلة. والثالث: أنها في محل نصب صفة ل: ﴿أَحْقابًا﴾.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿حَمِيمًا:﴾ مستثنى منقطع على تفسير البرد بالنوم. وقيل: هو متصل على تفسيره بالبرد الحقيقي، وهو قول أبي حيان، وجوز الكواشي الأمرين، وجوز اعتباره بدلا","vol":"10","page":406},{"text":"من: ﴿شَرابًا،﴾ وهو الأحسن؛ لأن الكلام تام منفي. (غساقا): معطوف عليه. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: جوزوا جزاء، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، وتحتاج إلى تقدير: «قد» قبلها. ﴿وِفاقًا:﴾ صفة: ﴿جَزاءً﴾.\n\n<span id=\"aya-5699\"></span><span id=\"aya-5700\"></span><span id=\"aya-5701\"></span><span id=\"aya-5702\"></span>﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: الطاغين الكافرين. ﴿كانُوا لا يَرْجُونَ:﴾ لا يخافون. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿حِسابًا﴾ أي: محاسبة لأعمالهم؛ أي: إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، فيخافون الحساب، والجزاء، والعقاب. ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ أي: بما جاءت به الأنبياء. وقيل: بما أنزلنا من الكتب. و﴿كِذّابًا﴾ بمعنى: تكذيبا. و«فعّال» بمعنى «تفعيل» مطرد شائع في كلام الفصحاء، وهي قراءة العامة. قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذّبت به كذّابا، وخرقت القميص خرّاقا. وكل فعل في وزن: فعّل؛ فمصدره: «فعّال» مشدد في لغتهم. هذا؛ وقرأ علي﵁-: «(كذابا)» بالتخفيف، وهو مصدر أيضا. وقال أبو علي الفارسي: التخفيف، والتشديد جميعا مصدر المكاذبة، كقول الأعشى: [مجزوء الكامل]\nفصدقتها وكذبتها... والمرء ينفعه كذابه\nومثله قول الآخر: [الطويل]\nوإنّ مديح النّاس حقّ وباطل... ومدحك حقّ ليس فيه كذاب\nوقال الزمخشري: هو مثل قوله تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا﴾ وهذا يعني: أنه اسم مصدر، لا مصدر؛ لأنه نقص عن حروف فعله لفظا، وتقديرا بدون تعويض، مثل: سلام، وكلام، وعذاب. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ أي: بيناه، وأثبتناه في كتاب، وهو اللوح المحفوظ. وقيل: معناه: وكل شيء علمناه علما لا يزول، ولا يتغير، ولا يتبدل. والمعنى: أنا عالم بجميع ما فعلوه من خير، وشر، وأنا أجازيهم على قدر أعمالهم جزاء وفاقا. قال تعالى في سورة (القمر): ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (الانفطار): ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِرامًا كاتِبِينَ﴾.\n ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا:﴾ قال أبو برزة﵁سألت النبي ﷺ عن أشد آية في القرآن، فقال: قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ..﴾. إلخ؛ أي: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها﴾ رقم [٥٦] من سورة (النساء)، وقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٩٧]: ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾","vol":"10","page":407},{"text":"﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾. هذا؛ وزاد، يزيد ضد: نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدا؛ فدرهما ومدا تمييز. ومثله قل في: نقص، فمن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.\nهذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه؛ أي: اختبره، وانظر فلانا؛ فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل]\nفذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز\nوقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما؛ لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]\nفذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم\nوتقول: ذقت ما عند فلان؛ أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها؛ لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه. قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]\nفذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب\nوتذوقته؛ أي: ذقته شيئا، فشيئا، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم. قال الشاعر: [الوافر]\nوعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق\nوأصله: الذوق في الفم، و﴿فَذُوقُوا﴾ في كثير من الآيات للإهانة. وفيه استعارة تبعية تخييلية. وذكر العذاب في كثير من الآيات استعارة مكنية؛ حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿حِسابًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للعذاب المذكور. ﴿وَكَذَّبُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كذبوا): فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة.\n ﴿كِذّابًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿وَكُلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كل): مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهو ما يسمى بالنصب على الاشتغال، والآية مثل قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٢]: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. هذا؛ وقرئ برفع (كل) على أنه مبتدأ، و(كل) مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَحْصَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة مفسرة","vol":"10","page":408},{"text":"للجملة المحذوفة على نصب (كل)، وفي محل رفع خبره على رفعه، وعلى الاعتبارين فالجملة معترضة بين السبب، ومسببه، فإن قوله: ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ مسبب عن تكذيبهم. ﴿كِتابًا:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول مطلق عامله: ﴿أَحْصَيْناهُ؛﴾ لأنه من معناه؛ إذ التقدير: أحصيناه إحصاء. والثاني: أنه مفعول مطلق ل: (أحصينا)؛ لأنه في معنى كتبنا كتابا، فالتجوز في نفس الفعل. قال الزمخشري: لالتقاء الإحصاء والكتب في معنى الضبط، والتحصيل. الثالث: أنه منصوب على الحال؛ لأنه بمعنى: مكتوبا في اللوح، وفي صحف الحفظة. انتهى جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وأرى جواز اعتباره في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: أحصيناه في كتاب، ولعلك تدرك معي: أن هذا أولى بالاعتبار.\n ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها هنا الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، كما ستراه في التقدير. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف للتعميم، والاختصار، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير، وإذا كان ذلك حاصلا منهم، وواقعا فيقال لهم: ذوقوا؛ مع ملاحظة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. والشرط المقدر، ومدخوله كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿فَلَنْ:﴾\nالفاء: حرف تعليل. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَزِيدَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، والكاف مفعوله الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.\n ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية تعليل للأمر، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5703\"></span><span id=\"aya-5704\"></span><span id=\"aya-5705\"></span><span id=\"aya-5706\"></span><span id=\"aya-5707\"></span><span id=\"aya-5708\"></span>﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا (٣١) حَدائِقَ وَأَعْنابًا (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْرابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذّابًا (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا:﴾ فوزا، وظفرا بالبغية، والمراد. وقيل: موضع فوز، ونجاة، وخلاص مما فيه أهل النار، ولذلك قيل للفلاة؛ إذا قل ماؤها: مفازة تفاؤلا بالخلاص منها، ويحتمل أن يفسر الفوز بالأمرين جميعا؛ لأنهم فازوا بمعنى: نجوا من العذاب، وفازوا بما حصل لهم من النعيم. ﴿حَدائِقَ﴾ أي: بساتين، فيها جميع أنواع الشجر المثمر، جمع: حديقة.\n ﴿وَأَعْنابًا:﴾ جمع: عنب، والمراد: الكروم؛ التي فيها العنب. ﴿وَكَواعِبَ:﴾ جمع: كاعب، وهي الأنثى التي استدار ثديها مع ارتفاع يسير، فصار كالكعب، وهو يكون في سن البلوغ، وكل شيء مرتفع مدور، أو مربع، يقال له: كعب، وسميت الكعبة في المسجد الحرام كعبة؛ لارتفاعها مع التربيع. والعرب تسمي كل بيت مرتفع: كعبة، والأولى أن تقول: سميت لارتفاع قدرها، وسمو مكانتها. هذا؛ و﴿وَكَواعِبَ﴾ لم يذكر في غير هذه السورة. هذا؛ ولم يذكر أحد من المفسرين نوع","vol":"10","page":409},{"text":"هذه الكواعب: أهي من نساء الدنيا؟ أم هي من الحور العين؟ سوى ما نقله القرطبي عن الضحاك قوله: كواعب العذارى، ثم قال: ومنه قول قيس بن عاصم المنقري: [الطويل]\nوكم من حصان قد حوينا كريمة... ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر؟\nأقول: والله أعلم: أنهن من الحور العين؛ اللاتي يخلقهن الله في الجنة بدليل قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا﴾ ومعنى ﴿أَتْرابًا﴾ متساويات في السن، والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة، واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد.\nوقيل: متآخيات، لا يتباغضن، ولا يتغايرن، ولا يتحاسدن، ومثلهن أزواجهن في السن؛ لأن التحاب بين الأقران أثبت، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصبا، وانحطت عن الكبر.\nهذا؛ ويقال في النساء: أتراب، وفي الرجال: أقران. هذا؛ وأتراب جمع: ترب بكسر التاء، وسكون الراء، كحمل، وأحمال، وهو المساوي لك في العمر. قال الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nلولا توقّع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب\n ﴿وَكَأْسًا دِهاقًا:﴾ قال الحسن، وقتادة، وابن زيد، وابن عباس﵃-: مترعة، مملوءة، يقال: أدهقت الكأس؛ أي: ملأتها، وكأس دهاق؛ أي: ممتلئة. قال خداش بن زهير: [الوافر]\nأتانا عامر يبغي قرانا... فأترعنا له كأسا دهاقا\nوقال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وابن عباس أيضا: متتابعة، يتبع بعضها بعضا.\nومنه: ادّهقت الحجارة ادّهاقا، وهو شدة تلازبها، ودخول بعضها في بعض، فالمتتابع، كالمتداخل، وعن عكرمة أيضا، وزيد بن أسلم: صافية. قال الشاعر: [الوافر]\nلأنت إلى الفؤاد أحبّ قربا... من الصّادي إلى كأس دهاق\nهذا؛ والمراد بالكأس: الخمرة الموجودة فيها، انظر الآية رقم [٥] من سورة الدهر، ولم يذكر دهاق في غير هذه السورة. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أي: في الجنة. ﴿لَغْوًا:﴾ اللغو: الباطل، وهو ما يلغى من الكلام، ويطرح. وقيل: هو القبيح من القول، والمعنى: ليس فيها لغو، فيسمع.\n ﴿وَلا كِذّابًا:﴾ لا يكذّب بعضهم بعضا، ولا يسمعون كذبا. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾.\n ﴿جَزاءً:﴾ مجازاة، ومكافأة للمتقين. ﴿مِنْ رَبِّكَ عَطاءً:﴾ تكرما، وتفضلا من ربك بمقتضى وعده، ولكن لا يجب عليه شيء. وتوضيح هذا: أن ذلك تفضل، وعطاء في نفس الأمر، وجزاء مبني على الاستحقاق من حيث إنه تعالى وعده لأهل الطاعة. ﴿حِسابًا:﴾ كافيا، وفي القاموس:","vol":"10","page":410},{"text":"وحسبك درهم: كفاك، وشيء حساب: كاف، ومنه: ﴿عَطاءً حِسابًا،﴾ وأحسبه: أرضاه. وقال قتادة: حسابا؛ أي: كثيرا، يقال: أحسبت فلانا؛ أي: كثّرت له العطاء؛ حتى قال: حسبي.\nوقالت امرأة من قشير: [الطويل]\nونقفي وليد الحيّ إن كان جائعا... ونحسبه إن كان ليس بجائع\nالمعنى: نقفي وليد الحي؛ أي: نؤثره بالقفية، وهي ما يؤثر به الضيف، والصبي. هذا؛ ومن الأول قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٤]: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: كافيك الله، ومثلها في (آل عمران) رقم [١٧٣]، وفي سورة (المائدة) رقم [١٠٤] وغير ذلك كثير. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nتنبيه: بعد أن ذكر الله حال الكفار في الآيات السابقة، وما أعد لهم من العقاب الشديد، والعذاب الأليم، ذكر حال المؤمنين في هذه الآيات، وما أعد لهم من النعيم المقيم في جنات النعيم، وذلك من باب المقابلة، وتلك سنة اقتضتها حكمة العليم الخبير، ورحمته في كتابه حيث لم يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين. ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿مَفازًا:﴾ اسمها المؤخر. ﴿حَدائِقَ:﴾ بدل من: ﴿مَفازًا﴾ أو عطف بيان عليه.\n ﴿وَأَعْنابًا:﴾ معطوف عليه. ﴿وَكَواعِبَ:﴾ معطوف عليه أيضا. ﴿أَتْرابًا:﴾ صفة (كواعب). ﴿وَكَأْسًا دِهاقًا:﴾\nمعطوفان على ما قبلهما، وهما: موصوف، وصفته. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَغْوًا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية مؤكدة للنفي قبلها. ﴿كِذّابًا:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في خبر ﴿إِنَّ﴾ المحذوف المقدر. وقيل: حال من (المتقين). والأول أقوى. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: جوزوا جزاء، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، وهي تحتاج إلى تقدير «قد» قبلها. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿جَزاءً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَطاءً:﴾ بدل من ﴿جَزاءً﴾ بدل كل من كل. ﴿حِسابًا:﴾ صفة ﴿عَطاءً﴾.\n\n<span id=\"aya-5709\"></span>﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ مالكهما، ومدبّر شؤونهما، ومبدعهما على غير مثال سبق، ومتصرف فيهما تصرف الملاك، فإن وجودهما، وانتظامهما على هذا النمط البديع الصنع","vol":"10","page":411},{"text":"من أوضح الأدلة على وجود الله، وواحدانيته، واستقلاله بملكهما، وتصرفهما. هذا؛ ولم يقل بينهن، مع أن السموات سبع، والأرضين سبع؛ لأنه أراد ما بين الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين، كقول القطامي: [الوافر]\nألم يحزنك أنّ حبال قيس... وتغلب قد تباينتا انقطاعا\nأراد: وحبال تغلب، فثنى، والحبال جمع، فثناهما؛ لأنه أراد الشيئين، أو النوعين، أو ثناهما على تأويلهما بالجماعة. قال الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط]\nسعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟\nلأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين\nفقد ثنى جمالا؛ الذي هو جمع جمل. والعقال: صدقة عام، والسّبد: المال القليل.\nواللبد: المال الكثير. وأوبادا: هلكى، جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصدقات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموال الناس بغير حق؛ حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف تكون حالنا، أو كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين؛ لصارت القبيلة هلكى! فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان، فيختل أمر الغزوات.\n ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا﴾ أي: لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه. وقيل: الخطاب:\nالكلام؛ أي: لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه إلا بإذنه، دليله قوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ وقيل: أراد الكفار ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا﴾ أي: شفاعة، فأما المؤمنون فيشفعون، ولكن لا يكون هذا إلا بعد أن يؤذن لهم، تحقيقا لقوله تعالى في آية الكرسي رقم [٢٥٤] من سورة (البقرة): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (طه) رقم ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾.\nالإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ بدل من ﴿رَبِّكَ،﴾ وهو مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، وفاعله مستتر فيه: ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾\nمعطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الرَّحْمنِ:﴾ بدل من (رب) الأول، أو من الثاني. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المضاف المحذوف؛ إذ التقدير: أهل السموات، والأرض. والرابط:","vol":"10","page":412},{"text":"الضمير فقط. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز اعتبار (من) بمعنى اللام، فتتعلق ب: ﴿خِطابًا﴾ بعدهما، فيكون التقدير: لا يملكون خطابا له. ﴿خِطابًا:﴾ مفعول به، وهذا الإعراب إنما هو على قراءة حفص، وخذ ما يلي:\nفقد قرئ برفع: «(ربّ)» و(الرحمن) وفي إعرابهما وجهان: الوجه الأول: اعتبار (ربّ) مبتدأ، و(الرحمن) خبرا له، والوجه الثاني: اعتبار: (ربّ) خبرا لمبتدأ محذوف، و«(الرحمن)» بدلا منه. كما قرئ بجر: (رب) وإعرابه كما ذكرت، ورفع «(الرحمن)» وفي إعرابه وجهان: الوجه الأول اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط الضمير المجرور ب: (من)، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. والوجه الثاني: اعتبار (الرحمن) خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الرحمن، والجملة الاسمية مستأنفة. والجملة الفعلية تحتمل وجهين: الاستئناف، والحالية من (الرحمن). كما قرئ برفع: «(ربّ)» على اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، وخفض:\n (الرحمن) على اعتباره بدلا، أو نعتا ل: ﴿رَبِّكَ﴾ وعليه تكون الجملة الاسمية معترضة بين البدل، والمبدل منه، أو بين النعت، ومنعوته.\n\n<span id=\"aya-5710\"></span>﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا (٣٨)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا:﴾ المراد باليوم يوم القيامة بلا شك، واختلف في الروح على أقوال كثيرة. قيل: هو جبريل ﵇. وقال ابن عباس﵄-:\nالروح ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا، وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا، فيكون من عظم خلقه مثلهم. وقال ابن مسعود﵁-: الروح ملك عظيم أعظم من السموات، والأرض، والجبال، وهو في السماء الرابعة، يسبح الله كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يجيء يوم القيامة صفا وحده. وقيل: الروح خلق على صورة بني آدم، وليسوا بناس، يقومون صفا، والملائكة صفا، هؤلاء جند وهؤلاء جند. وقال ابن عباس﵄-: الروح خلق على صورة بني آدم، وما ينزل من السماء ملك، إلا ومعه واحد منهم. وعنه: أنهم بنو آدم، يقومون صفا، والملائكة صفا. وقيل: سماطان. سماط من الروح، وسماط من الملائكة. انتهى. خازن. وفي القرطبي أطول منه، وفي الكشاف أخصر منه.\nوالأظهر: أن المراد بالروح هنا: جبريل، ﵊، كما قال سعيد بن جبير، والضحاك، ويؤيده قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وانظر مثله في سورة (القدر)، وعلى هذا؛ فالروح من جملة الملائكة، فيكون قد ذكر","vol":"10","page":413},{"text":"مرتين: مرة استقلالا، ومرة مع الملائكة، تنبيها على جلالة قدره، ومكانته عند ربه، مع ملاحظة ذكره هنا قبل الملائكة، وفي سورة (القدر) بعد الملائكة، فالأول هو من ذكر الخاص قبل العام، وفي سورة (القدر) من ذكر الخاص بعد العام، وانظر ما ذكرته في سورة (المعارج) رقم [٤] ففيها كبير فائدة.\n ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ يعني: الخلق كلهم إجلالا لعظمة الله تعالى ﷻ، وتبارك شأنه وعطاؤه، ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ أي: في الكلام. وقيل: في الشفاعة؛ أي: تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء)، وكما ثبت في الصحيح من قول النبي ﷺ: «ولا يتكلّم يومئذ إلا الرسل». قال البيضاوي: -رحمه الله تعالى-: هذه الآية تقرير، وتوكيد لقوله في الآية السابقة ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا﴾ فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق، وأقربهم من الله تعالى، إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صوابا كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه؛ فكيف يملكه غيرهم؟! ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ أي: في الكلام، أو في الشفاعة. ﴿وَقالَ صَوابًا﴾ أي: حقا، ومن القول الصواب، والحق قول:\n (لا إله إلا الله) إن عمل بمقتضاها، كما ذكرته مرارا، وتكرارا. هذا؛ وقيل: الاستثناء يرجع إلى الروح والملائكة، فيكون المعنى: لا يشفعون إلا في شخص أذن الرحمن في الشفاعة له، وذلك الشخص ممن كان يقول صوابا في الدنيا، وهو (لا إله إلاّ الله) مع الإخلاص بها، وإخلاصها:\nأن تحجزه عن محارم الله تعالى، كما ورد من قول النبي ﷺ:\n «من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة». قيل: وما إخلاصها؟ قال: «أن تحجزه عن محارم الله». وفي رواية: «أن تحجزه عمّا حرم الله عليه». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط عن زيد بن أرقم﵁-. هذا؛ وأصل الصواب: السداد في القول، والفعل، وهو من: أصاب، يصيب إصابة، كالجواب من: أجاب، يجيب إجابة.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿لا يَمْلِكُونَ،﴾ وأجاز الزمخشري تعليقه ب: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ،﴾ وأجاز أبو البقاء تعليقه ب: ﴿خِطابًا،﴾ والمعتمد الأول. وجملة: ﴿يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿صَفًّا:﴾ حال من: ﴿الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ،﴾ وجاز ذلك؛ لأنه مصدر يؤول ب: مصطفّين. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَتَكَلَّمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ،﴾ فهي حال متعددة، أو من الضمير المستتر ب: مصطفّين، فتكون حالا متداخلة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، أو أداة حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من واو الجماعة، أو في محل رفع بدلا من الواو. وهو أقوى؛ لأن الكلام تام منفي. وهو اختيار ابن مالك في ألفيته. وجملة: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها،","vol":"10","page":414},{"text":"والعائد الضمير المجرور محلا باللام. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿صَوابًا:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: وقال قولا صوابا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-5711\"></span>﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾\nالشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى اليوم الذي يقوم فيه الروح والملائكة صفّا. ﴿الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي: الكائن الواقع لا محالة، ولا شك، ولا ريب فيه. ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي: فمن شاء أن يسلك إلى ربه مرجعا كريما بالإيمان، والعمل الصالح؛ فليفعل، وهو حثّ، وترغيب في العمل الصالح، والتزوّد من هذه الدنيا الفانية. وفي سورة (الدهر) رقم [٢٩]، وفي سورة (المزمل) رقم [١٩]: ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.\nهذا؛ والحق ضد الباطل. قال الراغب: أصل الحق: المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة. والحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق. وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حق، نحو: الموت حق، والحساب حق... إلخ. وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو: اعتقاد زيد في الجنة حق. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق. ويقال: أحققت ذا؛ أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى بغدادي.\nهذا؛ والرب يطلق، ويراد به المالك، والسيد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ،﴾ وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا..﴾. إلخ. وقال الأعشى: [الكامل]\nربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا\nكما يقال: رب الدار، ورب الأسرة؛ أي: مالكهما، ومتولي شؤونهما. كما يراد به المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة يربّها: إذا أصلحها، والله ﷾ مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا، فشيئا بجعل النطفة علقة، ثم بجعل العلقة مضغة، ثم بجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر؛ وهو صغير ضعيف. فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. هذا؛ ولا يطلق لفظ الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك، والمراد: المعبود بحق. وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل. قال تعالى حكاية عن قول","vol":"10","page":415},{"text":"يوسف﵇لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع؛ إذا كان بأحد المعاني السابقة. قال الشاعر: [الطويل]\nهنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا\nوهو اسم فاعل بجميع معانيه السابقة، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدخال أحد المثلين في الآخر.\nالإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للعبد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْيَوْمُ:﴾ خبره. ﴿الْحَقُّ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعا إلى ثواب ربه؛ الذي ذكر شأنه العظيم؛ فعل ذلك بالإيمان، والطاعة. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى من، والمفعول محذوف، التقدير: فمن شاء النجاة. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿إِلى رَبِّهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَآبًا﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وإن علقت الجار، والمجرور بمحذوف حال من ﴿مَآبًا﴾ فلست مفندا.\n ﴿مَآبًا:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا، والمرجح: أنه جملة الشرط، والجواب، وهذه الجملة مذكورة في سورة (المزمل) برقم [١٩].\nوالجملة الشرطية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم يقدر ب: «إذا»، والكلام كله معطوف على الجملة الاسمية قبله، لا محل له مثلها.\n\n<span id=\"aya-5712\"></span>﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (٤٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ:﴾ الخطاب لكفار قريش، ويعم جميع بني آدم، والمعنى:\nحذرناكم، وخوفناكم، ونحذركم، ونخوفكم. ﴿عَذابًا قَرِيبًا﴾ يعني: عذاب الآخرة قريب لتحققه، وكل ما هو آت قريب، وأوله نزول الموت؛ لأن من مات؛ فقد قامت قيامته، فإن كان من أهل الجنة؛ نزلت عليه ملائكة الرحمة، تزف له البشرى بالجنة، والرضا، والرضوان، وإن كان من أهل النار؛ نزلت عليه ملائكة العذاب، تبشره بالنار، وغضب العزيز الجبار. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ﴾","vol":"10","page":416},{"text":"﴿الْمَرْءُ:﴾ كل امرئ مسلما كان، أو كافرا، ذكرا كان، أو أنثى. وهذا العموم يؤخذ من أل الاستغراقية، والمعنى: يرى كل ما قدمه مثبتا في صحيفته خيرا كان، أو شرا. ﴿ما قَدَّمَتْ يَداهُ:﴾\nمن الشر، لقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ سورة (آل عمران) ومثلها في (الأنفال) رقم [٥١]، وأيضا في (الحج) رقم [١٠] وتخصيص الأيدي بالذكر؛ لأن أكثر الأعمال تقع بها، وإن احتمل ألاّ يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام، كالعين، والأذن، والرجل، وغير ذلك من الجوارح الباطنة، وهذا ظاهر لا خفاء فيه.\nويقول الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا:﴾ قال عبد الله بن عمر﵄-:\nإذا كان يوم القيامة؛ مدت الأرض مدّ الأديم، وحشر الدواب، والبهائم، والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بينها. قيل لها: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾. وقيل: يقول الله ﷿ للبهائم بعد القصاص: إنا خلقناكم، وسخرناكم لبني آدم، وكنتم مطيعين لهم أيام حياتكم، فارجعوا إلى ما كنتم عليه، كونوا ترابا، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى. وقال: يا ليتني كنت في الدنيا في صورة بعض هذه البهائم، وكنت اليوم ترابا! وقيل: إذا قضى الله بين الناس، وأمر بأهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. وقيل لسائر المخلوقات سوى الناس، والجن: عودوا ترابا، فيعودون ترابا، فحينئذ يقول الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾.\nهذا؛ وقد بينت لك في سورة (الأحقاف) رقم [٢٩] وما بعدها، وفي أول سورة (الجن) أن الجن مكلفون بالتكاليف الشرعية، ويثابون، ويعاقبون، فالمؤمن يدخل الجنة، والكافر يدخل النار، كبني آدم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وأصل كنت: كونت، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: (كانت) فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار:\n (كنت) بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: كنت. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار: (كونت) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: (كونت) فالتقى ساكنان:\nالعين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقاء الساكنين، فصار (كنت) وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قام، وقال، ونحوهما.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْذَرْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول أول. ﴿عَذابًا:﴾ مفعول به ثان. ﴿قَرِيبًا:﴾ صفة عذابا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿عَذابًا﴾. وقال أبو البقاء: صفة ل: (قريب)، ولا وجه له، ولو","vol":"10","page":417},{"text":"قال: متعلق به؛ لكان أحسن. ﴿يَنْظُرُ الْمَرْءُ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.\n ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿يَداهُ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي قدمته يداه. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) استفهامية في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: أيّ شيء قدمت يداه، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ل: ﴿يَنْظُرُ،﴾ ويكون قد علق ب: (ما) عن العمل لفظا، لا محلا.\n ﴿وَيَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقول): مضارع. ﴿الْكافِرُ:﴾ فاعله. (يا): حرف تنبيه.\nوقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، وهو ضعيف. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها.\n ﴿تُرابًا:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَنْظُرُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (النبأ) بعون الله وتوفيقه، شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4886>سورة النّازعات</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (النازعات)، وهي مكية بالإجماع، وهي خمس، أو ست وأربعون آية، ومئة وسبع وتسعون كلمة، وسبعمائة وثلاثة وخمسون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5713\"></span><span id=\"aya-5714\"></span><span id=\"aya-5715\"></span><span id=\"aya-5716\"></span><span id=\"aya-5717\"></span>﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا (١) وَالنّاشِطاتِ نَشْطًا (٢) وَالسّابِحاتِ سَبْحًا (٣) فَالسّابِقاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا (٥)﴾\nالشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات:\nهل هي صفات لشيء واحد، أم لأشياء مختلفة على أوجه؟ واتفقوا على أن المراد بقوله تعالى:\n ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا﴾ وصف لشيء واحد، وهم الملائكة.\nالوجه الأول في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ يعني: الملائكة تنزع أرواح الكفار من أقاصي أجسامهم، كما يغرق النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المدى، والغرق من: الإغراق؛ أي:\nوالنازعات إغراقا. وقال ابن مسعود﵁-: إن ملك الموت، وأعوانه، ينزعون روح الكافر، كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، فتخرج روح الكافر كالغريق في الماء. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ الملائكة تنشط نفس المؤمن؛ أي: تسلها سلا رفيقا، فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير. وإنما خص النزع بنفس الكافر، والنشط بنفس المؤمن؛ لأن بينهما فرقا، فالنزع: جذب بشدة، والنشط: جذب برفق. ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ يعني: الملائكة، يقبضون أرواح المؤمنين، يسلونها سلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح، ثم يستخرجونها كالسابح في الماء، يتحرك فيه برفق، ولطافة. وقيل: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، كالفرس الجواد إذا أسرع في جريه؛ يقال له: سابح. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ يعني: الملائكة، سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وقيل: هم الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.\nالوجه الثاني في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ يعني: النفوس حين تنزع من الجسد، فتغرق في الصدر، ثم تخرج. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ قال ابن عباس﵄-: هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت لما ترى من الكرامة، وذلك؛ لأنه يعرض عليه مقعده قبل","vol":"10","page":419},{"text":"الموت في الجنة. قال علي بن أبي طالب﵁-: هي أرواح الكفار تنشط بين الجلد، والأظفار؛ حتى تخرج من أفواههم بالكرب، والغم. ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ يعني: أرواح المؤمنين تسبح في المكرمات. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ يعني: استباقها إلى الحضرة المقدسة.\nالوجه الثالث في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ يعني: النجوم تنزع من أفق إلى أفق، تطلع، ثم تغيب، كالثور الناشط من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها. قال هميان بن قحافة: [الرجز]\nأمست همومي تنشط المناشطا... الشّام بي طورا وطورا واسطا\n ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ يعني: النجوم، والشمس، والقمر، يسبحون في الفلك. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ يعني: النجوم، يسبق بعضها بعضا في السير.\nالوجه الرابع في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ يعني: خيل الغزاة، تنزع في أعنتها، وتغرق في عرقها، وهي (الناشطات نشطا)؛ لأنها تخرج بسرعة إلى ميدانها، وهي: (السابحات سبحا) و(السابقات سبقا)؛ لأنها تسبح في جريها، وتسابق لإدراك الغاية. قال عنترة: [مجزوء الكامل]\nوالخيل تعلم حين تس... بح في حياض الموت سبحا\nوقال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦٧]: [الطويل]\nمسحّ إذا ما السّابحات على الونى... أثرن غبارا بالكديد المركّل\nالوجه الخامس في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ يعني: الغزاة حين تنزع قسيها في الرمي.\nفتبلغ غاية المد، وهو قوله: ﴿غَرْقًا﴾. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ أي: السهام في الرمي ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحًا (٣) فَالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ يعني: الخيل، والإبل حين يخرجها أصحابها إلى الغزو.\nالوجه السادس: ليس المراد بهذه الكلمات شيئا واحدا، فقوله: ﴿وَالنّازِعاتِ﴾ يعني: ملك الموت ينزع النفوس غرقا حتى بلغ بها الغاية. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ يعني: النفس تنشط من القدمين، بمعنى: تجذب. ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ يعني السفن. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ يعني: مسابقة نفوس المؤمنين إلى الخيرات، والطاعات. أما قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا﴾ فأجمعوا على أنهم الملائكة.\nقال ابن عباس﵄-: هم الملائكة، وكلوا بأمور عرفهم الله ﷿ العمل بها. وقال عبد الرحمن بن سابط: يدبر الأمر في الدنيا أربعة أملاك: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل. فأما جبريل، عليه الصلاة، والسّلام؛ فموكل بالرياح، والجنود (ومهمته الأولى السفارة بين الله وبين رسله). وأما ميكائيل، عليه الصلاة، والسّلام؛ فموكل بالقطر، والنبات. وأما ملك الموت عزرائيل، عليه الصلاة، والسّلام؛ فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل ﵊، فهو ينزل عليهم بالأمر من الله تعالى (ومهمته الأولى نفخ الصور الذي ينتظر الأمر به). انتهى. بتصرف، ومثله في القرطبي، والكشاف.","vol":"10","page":420},{"text":"أقسم الله بهذه الأشياء لشرفها، ولله أن يقسم بما يشاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق، ومثل ذلك في أول (الذاريات)، وأول (المرسلات) أو يكون التقدير: ورب هذه الأشياء وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثن ولتحاسبن. وقيل: جوابه ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ الآية الآتية. قال ابن هشام في المغني: وفيه بعد. وقيل: هو قوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾.\nأقول: والمعتمد الوجه الأول، وهو أن المراد بالنازعات وما عطف عليه الملائكة، وإنما جاءت هذه الأقسام بلفظ التأنيث، والكل وصف للملائكة مع أنهم ليسوا إناثا؛ لأن المقسم به طوائف من الملائكة، فكأنه قيل: وطوائف الملائكة النازعات، والطوائف: جمع: طائفة، وهي مؤنثة.\nالإعراب: ﴿وَالنّازِعاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالنازعات، أو التقدير: أقسم برب النازعات. ﴿غَرْقًا:﴾ مفعول مطلق عامله ما قبله، لملاقاته له في المعنى على حذف الزوائد؛ إذ الأصل: والنازعات إغراقا، أو هو منصوب على الحال على حذف مضاف؛ إذ التقدير: ذوات إغراق، والأسماء الآتية كلها معطوفة على (النازعات) و﴿نَشْطًا﴾ و﴿سَبْحًا﴾ و﴿سَبْقًا﴾ مفعول مطلق لا غير. ﴿أَمْرًا:﴾ مفعول به لما قبله، وفي كل الأسماء المتقدمة ضمير مستتر هو الفاعل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. هذا؛ وانظر حكم الفاء في أول سورة (المرسلات).\n\n<span id=\"aya-5718\"></span><span id=\"aya-5719\"></span><span id=\"aya-5720\"></span><span id=\"aya-5721\"></span><span id=\"aya-5722\"></span><span id=\"aya-5723\"></span><span id=\"aya-5724\"></span><span id=\"aya-5725\"></span><span id=\"aya-5726\"></span>﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ يعني: النفخة الأولى، يتزلزل، ويتحرك لها كل شيء، ويموت منها جميع الخلق. هذا؛ والإسناد إليها مجازي؛ لأنها سببه، كقوله تعالى في سورة (المزمل):\n ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾. هذا؛ وقال القرطبي.\nوليست الرجفة ها هنا من الحركة فقط، بل من قولهم: رجف الرعد، يرجف رجفا، ورجيفا؛ أي: أظهر الصوت، والحركة، ومنه سميت الأراجيف؛ لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة الناس فيها. قال منازل بن ربيعة المنقري في هجو رؤبة بن العجاج: [البسيط]\nأبا لأراجيف يابن اللّؤم توعدني... وفي الأراجيف خلت اللّؤم والخورا\n ﴿تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ أي: النفخة الثانية ردفت الأولى، وبينهما أربعون سنة. قال ابن عباس، وقتادة، والحسن﵃-: هما الصيحتان: الأولى تميت كل شيء بإذن الله تعالى،","vol":"10","page":421},{"text":"والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله ﷿. هذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٦٨]:\n ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ انظر شرحها هناك.\nوعن أبي بن كعب﵁-: أن رسول الله ﷺ كان إذا ذهب ربع الليل؛ قام، ثم قال:\n «يا أيها الناس! اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرّادفة، جاء الموت بما فيه». رواه البغوي بسند الثعلبي، وزاد ابن كثير، فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن جعلت صلاتي كلّها عليك؟ قال: «إذا يكفيك الله ما أهمّك من دنياك وآخرتك». ثم قال: رواه أحمد، والترمذي. ولفظ الترمذي: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل؛ قام، فقال: «يا أيّها النّاس! اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه». انتهى. ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ:﴾ خائفة، وجلة.\nيقال: وجف القلب، يجف وجيفا: إذا خفق. كما يقال: وجب، يجب وجيبا، ومنه: وجيف الفرس، والناقة في العدو. والإيجاف: حمل الدابة على السير السريع. قال الشاعر: [الرجز]\nبدّلن بعد جرّة صريفا... وبعد طول النّفس الوجيفا\nومنه قول النبي ﷺ في الإفاضة من عرفات: «ليس البرّ بإيجاف الخيل، ولا إيضاع الإبل على هينتكم!». يقال: وجف الفرس: إذا أسرع، وأوجفته أنا؛ أي: حركته، وأتعبته، ومنه قول تميم بن مقبل: [الطويل]\nمذاويد بالبيض الحديث صقالها... عن الرّكب أحيانا إذا الرّكب أوجفوا\nوخذ قوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [٦]: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ..﴾. إلخ.\n ﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ:﴾ منكسرة، ذليلة من هول ما ترى. والمراد: أبصار أصحاب القلوب، فهو على حذف المضاف. وهذا كثير مستعمل في الآيات القرآنية، وفي الكلام العربي: نثره، ونظمه. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (القلم) رقم [٤٣]: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾.\n ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: الكافرون المكذبون المنكرون للبعث، إذا قيل لهم: إنكم تبعثون؛ قالوا منكرين متعجبين: ﴿أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ أي: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟! وهذا الإنكار منهم كثير. يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته؛ أي: رجع من حيث جاء. قاله قتادة. وأنشد ابن الأعرابي: [الوافر]\nأحافرة على صلع وشيب... معاذ الله من سفه وعار\nيقول الشاعر: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل، والصبا بعد أن شبت، وصلعت؟! وقيل: الحافرة: الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فهي بمعنى: محفورة. وقيل:\nالحافرة: العاجلة؛ أي: أئنا لمردودون إلى الدنيا، فنصير أحياء كما كنا؟ قال الشاعر: [السريع]","vol":"10","page":422},{"text":"آليت لا أنساكم فاعلموا... حتّى يردّ الناس في الحافره\n ﴿أَإِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ أي: بالية متفتتة، يقال: نخر العظم (بكسر الخاء) أي: بلي، وتفتت. وقرئ: «(ناخرة)». وفي الصحاح: والناخر من العظام؛ الذي تدخل الريح فيه، ثم تخرج منه، ولها نخير. وقيل: هما لغتان بمعنى، تقول العرب: نخر الشيء، فهو نخر، وناخر، كقولهم: طمع، فهو طمع، وطامع، وحذر، وحاذر، وبخل وباخل، وفره، وفاره.\nقال الشاعر: [الطويل]\nيظلّ بها الشّيخ الّذي كان بادنا... يدبّ على عوج له نخرات\nوقد قرئ: ﴿أَإِنّا﴾ ﴿أَإِذا﴾ بقراءات كثيرة، فجملتها تسعة، وكلها سبعية. وقولهم هذا تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وقد تكرر في القرآن الكريم ذكر ذلك عنهم، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر]\nألا من بلّغ الرحمن عنّي... بأنّي تارك شهر الصّيام؟\nأيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟\nأتترك أن تردّ الموت عني... وتحييني إذا بليت عظامي؟\nفهو يقصد بابن كبشة النبي ﷺ، وأبو كبشة كنية زوج حليمة السعدية مرضعته ﷺ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممّن تقدمهم.\n ﴿قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ أي: رجعة ذات خسران، أو خاسر أصحابها، فهو من الإسناد المجازي، والمعنى: إنها إن صحت، وبعثنا-كما يقول محمد ﷺفنحن خاسرون إذا لتكذيبنا بها! وهذا استهزاء منهم. هذا؛ والكرة في الأصل مصدر، يقال: كر، يكر، كرا، وكرة، والكر، والكرة: الرجوع، والرجعة. والمراد به هنا: المرة من ذلك، وهو مصدر لا يثنى، ولا يجمع. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٦]: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾. وأما تثنيته في سورة (الملك) رقم [٤] وذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ..﴾. إلخ.\nفليس على حقيقته، بل المراد منه التكثير، بدليل ما بعده.\n ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ:﴾ قال في الكشاف: فإن قلت: بم تعلق قوله: (فإنما هي...) إلخ قلت: بمحذوف معناه: لا تستصعبوها، فإنما هي زجرة واحدة. يعني: لا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله ﷿، فإنها سهلة هينة في قدرته، ما هي إلا صيحة واحدة. يريد: النفخة الأولى.","vol":"10","page":423},{"text":"﴿فَإِذا هُمْ﴾ أي: الخلائق أجمعون أحياء على وجه الأرض بعد أن كانوا أمواتا في جوفها.\nمن قولهم: زجر البعير: إذا صاح عليه. ﴿بِالسّاهِرَةِ﴾ أي: على وجه الأرض بعدما كانوا في بطنها. قال الفراء: سميت بهذا الاسم؛ لأن فيها نوم الحيوان، وسهرهم، والعرب تسمّي الفلاة، ووجه الأرض: ساهرة، بمعنى: ذات سهر؛ لأنه يسهر فيها، خوفا منها، فوصفها بصفة ما فيها. واستدل ابن عباس﵄والمفسرون بقول أمية بن أبي الصلت-وهو الشاهد رقم [٣٠٣] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]\nوفيها لحم ساهرة وبحر... وما فاهوا به أبدا مقيم\nويقال: الساهور: ظل الساهرة، وهي وجه الأرض. قال أبو كبير الهذلي: [الكامل]\nيرتدن ساهرة كأنّ جميمها... وعميمها أسداف ليل مظلم\nالجميم بالجيم: النبت؛ الذي قد نبت، وارتفع قليلا، ولم يتم كل التمام. والعميم: التام من النبت. والأسداف: جمع: سدف بالتحريك، وهو ظلمة الليل. ويقال: الساهر كالغلاف للقمر، يدخل فيه؛ إذا كسف، وأنشدوا قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل]\nلا نقص فيه غير أنّ خبيئه... قمر وساهور يسلّ ويغمد\nوأنشدوا لآخر في وصف امرأة: [البسيط]\nكأنّها عرق سام عند ضاربه... أو شقّة خرجت من جوف ساهور\nويقال: الساهرة: الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك؛ لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة: جارية الماء، وفي ضدها: نائمة. قال الأشعث بن قيس: [الطويل]\nوساهرة يضحى السّراب مجلّلا... لأقطارها قد جئتها متلثّما\nأو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بجواب القسم، التقدير: لتبعثن يوم ترجف. وقيل: هو الجواب على تقدير اللام، فيكون التقدير: لهو يوم... إلخ، وعليه فالظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجواب لكل المتعاطفات، وإلا احتيج لتعدد الجواب، ومثل هذه الآيات باكتفاء جواب للجميع قول أبي صخر الهذلي-وهو الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nأما والّذي أبكى وأضحك والّذي... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر\nلقد تركتني أحسد الوحش أن أرى... أليفين منها لا يروعهما الذّعر\n ﴿تَرْجُفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الرّاجِفَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿تَتْبَعُهَا:﴾ فعل مضارع. (وها): مفعول به. ﴿الرّادِفَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل","vol":"10","page":424},{"text":"نصب حال من ﴿الرّاجِفَةُ﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿قُلُوبٌ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده، و(إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ ترجف الراجفة. ﴿واجِفَةٌ:﴾ صفة ﴿قُلُوبٌ﴾. ﴿أَبْصارُها:﴾ مبتدأ، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿خاشِعَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿قُلُوبٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمَرْدُودُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مردودون): خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو. ﴿فِي الْحافِرَةِ:﴾ متعلقان بمردودون، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هم يقولون... إلخ. والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها.\n ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف يقدر مؤخرا، ولا يعمل فيه (مردودون)؛ لأنه لا يعمل ما قبل الاستفهام فيما بعده، التقدير: أئذا كنا عظاما نخرة؛ نرد، ونبعث؟! وهذه الجملة هي جواب (إذا). ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا): اسمها. ﴿عِظامًا:﴾ خبرها. ﴿نَخِرَةً:﴾ صفة ﴿عِظامًا،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، و(إذا) ومدخولها في محل نصب مقول القول.\n ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿إِذًا:﴾\nحرف جواب وجزاء. ﴿كَرَّةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿خاسِرَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: حرف استئناف.\n (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿هِيَ:﴾ مبتدأ. ﴿زَجْرَةٌ:﴾ خبره، ﴿واحِدَةٌ:﴾ صفة لها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّما هِيَ..﴾. إلخ.\n ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب، وخذ ما قاله السيوطي-رحمه الله تعالى-فيها:\nاختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن «إذا» الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء. وهذا ما اختاره ابن جني. وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها. واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان؛ لوقوع ﴿ثُمَّ﴾ موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: فهي للسببية المحضة. وفي مغني اللبيب نحو هذا.\n (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالدخول على الجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، نحو خرجت؛ فإذا الأسد","vol":"10","page":425},{"text":"بالباب، وهي حرف عند الأخفش وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب)؛ لأن «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور. وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري. وزعم الأخير: أنّ عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر في نحو: (خرجت فإذا زيد جالس) والمقدر في نحو: (فإذا الأسد) أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها مستقرّ، أو استقرّ، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من «مغني اللبيب».\nوعلى اعتبارها ظرف زمان، أو مكان، فهي هنا متعلقة بالساهرة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالسّاهِرَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ واعتبر الجلال الجملة جواب شرط محذوف، التقدير: فإذا نفخت النفخة الأولى؛ فإذا هم بالساهرة. وعليه: فالفاء واقعة في جواب هذا الشرط المقدر.\n\n<span id=\"aya-5727\"></span><span id=\"aya-5728\"></span><span id=\"aya-5729\"></span><span id=\"aya-5730\"></span><span id=\"aya-5731\"></span>﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى:﴾ هذا استفهام تشويق، وترغيب لسماع القصة؛ أي: هل جاءك يا محمد خبر موسى الكليم؟ وقال القرطبي، والخازن: ﴿هَلْ﴾ بمعنى: قد، والمعنى:\nعلى التحقيق قد أتاك حديث موسى. انظر ما ذكرته في أول سورة (الدهر). وقال الجمل نقلا عن الخطيب: كلام مستأنف وارد لتسلية رسول الله ﷺ؛ أي: أليس قد أتاك حديث موسى، فيسليك على تكذيب قومك، ويهددهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم، وهو فرعون، فإنه كان أقوى أهل الأرض بما كان له من كثرة الجنود، فلما أصر على التكذيب، ولم يرجع، ولا أفاده التأديب؛ أغرقناه، وقومه، ولم نبق منهم أحدا، وقد كانوا لا يحصون عددا، فقد قيل: إن طليعته كانت على عدد بني إسرائيل ستمئة ألف، فكيف بقومك الضعاف. انتهى.\n ﴿إِذْ ناداهُ﴾ أي: حين ناجاه ربه. ﴿بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ:﴾ المطهر المبارك. ﴿طُوىً:﴾ اسم الوادي الذي حصل فيه الكلام في أسفل جبل طور سيناء. وفي ﴿طُوىً﴾ ثلاث قراءات: الأولى بضم الطاء والتنوين، والثانية بضم الطاء من غير تنوين؛ لأنه معدول، مثل: عمر، وقثم. قال الفراء:\nطوى: واد بين المدينة، ومصر. قال: وهو معدول عن طاو، كما عدل عمر عن عامر، القراءة الثالثة بكسر الطاء والتنوين على معنى المقدّس مرة بعد مرة. قاله الزجاج، وأنشد قول عدي بن زيد: [الطويل]\nأعاذل إنّ اللّؤم في غير كنهه... عليّ طوى من غيّك المتردّد","vol":"10","page":426},{"text":"أي: هو لوم مكرر عليّ. هذا؛ و﴿الْمُقَدَّسِ﴾ المطهر غاية الطهر بتشريف الله تعالى له بإنزال النبوة فيه، المفيضة للبركات. هذا؛ وسمي الوادي المقدس طوى؛ لأنه طوي فيه الشر عن بني إسرائيل، ومن أراد الله من خلقه، ونشر فيه بركات النبوة على جميع أهل الأرض، المسلم بإسلامه، وغيره برفع عذاب الاستئصال عنه، فإن العلماء قالوا: إن عذاب الاستئصال ارتفع حين أنزلت التوراة، وهو واد بالطور بين أيلة، ومصر. انتهى جمل نقلا عن الخطيب.\nهذا؛ والوادي: هو المنفرج بين جبلين، يجري فيه السيل، ويجمع على: أودية، وأوديات، وأوادية، وأوداء، وأوداه. قال جرير: [الوافر]\nعرفت ببرقة الأوداه رسما... محيلا طال عهدك من رسوم\n ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ أي: جاوز الحد في الطغيان، والظلم، والفساد. هذا؛ وفرعون:\nقال المسعودي: لا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري أنه مشتق من معنى العتوّ، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي: دهاء ومكر. انتهى.\nوفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر، وكسرى لملكي الروم، والفرس، وكان فرعون موسى مصعب بن الريان. وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف-على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمئة سنة. وكان ملك فرعون موسى أربعمئة سنة، وعاش ستمئة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو وجع يوم؛ لما ادّعى الربوبية، فلم يبق لما نقله القرطبي عن الحسن: كان فرعون علجا من همدان. وعن مجاهد. قال: كان من أهل إصطخر. وعن الحسن أيضا قال: كان من أهل أصبهان. يقال له: ذو ظفر، طوله أربعة أشبار، فلم يبق لهذه الأقوال وجه. ولا تنس: أن فرعون هذه الأمة هو أبو جهل الخبيث. قال الرسول ﷺ: «وفرعوني أشدّ من فرعون موسى».\nهذا؛ وأما موسى فأصله: (موشى) مركبا من اسمين: «مو» الماء، و«شا»: الشجر، والعرب تلفظه: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر، لما ألقته أمه فيه، كما رأيت في سورة (طه)، وسورة (القصص).\n ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ أي: تسلم، فتطهر من الذنوب، والآثام بالإسلام. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ أي: وأرشدك إلى معرفة ربك، وطاعته، فتتقيه، وتخشاه؛ لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة. قال تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ رقم [٢٨] من سورة (فاطر)، وعن بعض الحكماء: اعرف الله، فمن عرف الله؛ لم يقدر أن يعصيه طرفة عين. فالخشية ملاك الأمر، ومن خشي الله أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شر. بدأ مخاطبته بالاستفهام؛ الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرقيق، يستدعيه","vol":"10","page":427},{"text":"باللطف في القول، ويستنزله بالمداراة عن عتوه، كما أمر الله بذلك في قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٤٤]: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ وإنما خص فرعون بالذكر، وإن كانت دعوة موسى شاملة لجميع قومه؛ لأن فرعون كان أعظمهم، فكانت دعوته دعوة لجميع قومه.\nوقال صخر بن جويرية: لما بعث الله موسى إلى فرعون؛ قال له: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ ولن يفعل، فقال: يا رب! كيف أذهب إليه، وقد علمت: أنه لا يفعل؟ فأوحى الله إليه أن امض إلى ما أمرتك به، فإن في السماء اثني عشر ألف ملك يطلبون علم القدر فلم يبلغوه ولا يدركوه! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، انظر ما ذكرته في الشرح. ﴿أَتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿حَدِيثُ،﴾ لا ب: ﴿أَتاكَ﴾ لاختلاف وقتيهما. ومثله في سورة (الذاريات) رقم [٢٥]. ﴿ناداهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿بِالْوادِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ أي: حالة كون موسى بالوادي، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل.\n ﴿الْمُقَدَّسِ:﴾ صفة (الوادي). ﴿طُوىً:﴾ بدل من (الوادي)، فهو مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. وقال مكي: ومن كسر الطاء فهو في موضع نصب على أنه مصدر، تقديره:\nبالوادي المقدس مرتين. انتهى؛ أي: فكأنه مصدر دل على العدد. هذا؛ والجملة الفعلية: ﴿هَلْ أَتاكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿اِذْهَبْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية يجوز أن تكون تفسيرا للنداء، ويجوز أن تكون في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فقال له: اذهب، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ناداهُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. وقيل: هي على تقدير: «أن» قبلها؛ أي: أن اذهب، وقرئ شاذا: «(أن اذهب)»، و(أن) هذه الظاهرة، أو المقدرة يحتمل أن تكون تفسيرية، وأن تكون مصدرية؛ أي: ناداه بكذا. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، والمانع له علتان: العلمية، والعجمة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿طَغى:﴾\nفعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها.","vol":"10","page":428},{"text":"﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قل): فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام.\n ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور، متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هل لك سبيل.\n ﴿إِلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَزَكّى:﴾ فعل مضارع أصله: تتزكى.\nفحذفت إحدى التاءين تخفيفا، فهو منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و﴿أَنْ﴾ المصدرية، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿إِلى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان بالمبتدأ المحذوف، المقدر ب: «سبيل»، أو ب: «رغبة إلى التزكية»، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قل...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ فهي مقولة للقول المحذوف مثلها. (أهديك): معطوف على ما قبله، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n (تخشى): معطوف على ما قبله منصوب مثله، ويحتمل أن النصب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء لتقدم الاستفهام عليها. والفاعل تقديره: «أنت».\n\n<span id=\"aya-5732\"></span><span id=\"aya-5733\"></span><span id=\"aya-5734\"></span><span id=\"aya-5735\"></span><span id=\"aya-5736\"></span><span id=\"aya-5737\"></span><span id=\"aya-5738\"></span>﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى:﴾ قبل هذه الآية كلام محذوف، التقدير: فذهب موسى إلى فرعون، فدعاه إلى الإيمان، وكلمه، فلما أبى الاستجابة له؛ أراه المعجزة الكبرى، وهي اليد البيضاء، وقلب العصا حية تسعى. ولم تثن؛ لأنهما في حكم آية واحدة. ﴿فَكَذَّبَ:﴾ فرعون بالمعجزة. وقال: إنها سحر، وكذب موسى بقوله: ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾. ﴿وَعَصى:﴾ الله تعالى.\n ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أي: ولى مدبرا عن الإيمان. ﴿يَسْعى﴾ أي: يعمل بالفساد في الأرض. وقيل: يعمل في نكاية موسى. ﴿فَحَشَرَ﴾ أي: جمع قومه، وجنوده، وجمع السحرة أيضا، كقوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٥٣]: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ومثلها في السورة نفسها رقم [٣٦]، وأيضا في سورة (الأعراف) رقم [١١١]. ﴿فَنادى:﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه. ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ أي: لا رب فوقي. وقيل: أراد: أن الأصنام أرباب، وهو ربهم، وربها. وقيل:\nأراد: القادة، والرؤساء، والسادة هو ربهم، وأولئك هم أرباب السفلة تحتهم.\n ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ:﴾ فعاقبه عقابا شديدا. ﴿نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى:﴾ المراد بالآخرة: يوم القيامة، والأولى الإغراق في الدنيا، أو المراد كلمتاه: الآخرة، وهي: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ والأولى، وهي قوله: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ الآية رقم [٣٨] من سورة (القصص)،","vol":"10","page":429},{"text":"وكان بين الكلمتين أربعون سنة. قاله ابن عباس﵄والمعنى: أمهله في الأولى، ثم عذبه في الثانية، والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم، والنكال أيضا: اسم لما جعل نكالا للغير؛ أي: عقوبة له حتى يعتبر به. يقال: نكل فلان بفلان: إذا أثخنه عقوبة، والكلمة من الامتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل: القيد. انظر سورة (المزمل) رقم [١٢].\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٦]: ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (المائدة) رقم [٣٨]: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللهِ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ:﴾ في إهلاك فرعون، وقومه. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ لعظة، واعتبارا. ﴿لِمَنْ يَخْشى:﴾\nيخاف الله. ولا تنس الطباق بين ﴿الْآخِرَةِ﴾ و(الأولى) وهو من المحسنات البديعية.\nهذا؛ وروى السلمي عن ابن عطاء: الخشية أتم من الخوف؛ لأنها صفة العلماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ أي: العلماء به. وعن الواسطي: أوائل العلم الخشية، ثم الإجلال، ثم التعظيم، ثم الهيبة، ثم الفناء. وعن بعضهم: من تحقق بالخوف؛ ألهاه خوفه عن كل مفروح به، وألزمه الكمد إلى أن يظهر له الأمن من خوفه. وانظر ما نقلته عن الزمخشري في الآية رقم [١٩]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَأَراهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أراه): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى موسى، والهاء مفعول به أول. ﴿الْآيَةَ:﴾ مفعول به ثان، والفعل بصري، لكنه تعدى إلى الثاني بالهمزة. ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة ﴿الْآيَةَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على الكلام المقدر قبلها. ﴿فَكَذَّبَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كذب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها أيضا، والمفعول محذوف أيضا، وجملة: ﴿أَدْبَرَ﴾ معطوفة أيضا. ﴿يَسْعى:﴾\nفعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيضا، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿أَدْبَرَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وجملة: (حشر) وجملة: (نادى) كلتاهما معطوفتان على ما قبلهما. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (فرعون). ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّكُمُ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة له مرفوع مثله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها.\n ﴿فَأَخَذَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذه): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿نَكالَ:﴾ مفعول مطلق عامله أخذ من معناه. قال الجمل: والتجوز إما في الفعل؛ أي: نكل بالأخذ نكال الآخرة والأولى، وإما في","vol":"10","page":430},{"text":"المصدر؛ أي: أخذه أخذ نكال. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله؛ أي: لأجل نكاله. انتهى سمين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (عبرة): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (عبرة). ﴿يَخْشى:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-5739\"></span><span id=\"aya-5740\"></span><span id=\"aya-5741\"></span><span id=\"aya-5742\"></span><span id=\"aya-5743\"></span><span id=\"aya-5744\"></span><span id=\"aya-5745\"></span>﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا:﴾ الاستفهام للتوبيخ، والتقريع، والخطاب لكفار قريش، والمعنى: أخلقكم بعد الموت أشد، وأصعب، أم خلق السماء عندكم في تقديركم؟ فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد؛ لأن خلق الإنسان على صغره، وضعفه إذا أضيف إلى خلق السماء مع عظمها، وعظم أحوالها؛ كان يسيرا. فبين الله تعالى: أن خلقها أعظم، وإذا كان كذلك؛ كان خلقكم بعد الموت أهون على الله تعالى، فكيف تنكرون ذلك؟! مع علمكم بأنه خلق السموات، والأرض، ولا تنكرون ذلك؟ قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥٧]: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ،﴾ وقال في سورة (يس) رقم [٨١]: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وما يشبهها في الآية رقم [٣٣] من سورة (الأحقاف). ﴿بَناها:﴾ رفعها عالية فوقكم محكمة البناء، بلا عمد، ولا أوتاد تحملها. قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢]: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾.\n ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ أي: رفع جرم السماء، وأعلى سقفها فوقكم، فجعلها مستوية، لا تفاوت فيها، ولا شقوق، ولا فطور. قال تعالى في سورة (الملك) رقم [٣]: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾. هذا؛ ويقال: سمكت الشيء؛ أي: رفعته في الهواء، وسمك الشيء سموكا:\nارتفع. قال الفرزدق من قصيدة يفخر فيها بقومه على جرير، وقومه-وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل]\nإنّ الذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول\nوقد نقضها جرير بقصيدة من بحرها مع اختلاف حركة الروي حيث يقول: [الكامل]\nأخزى الذي سمك السّماء مجاشعا... وبنى بناءك في الحضيض الأسفل","vol":"10","page":431},{"text":"قال ابن كثير: أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها﴾ أي: جعله مظلما، غطش الليل، وأغطشه الله، كقولك: ظلم الليل، وأظلمه الله وهي لغة بني أنمار، ويقال: أغطش الليل بنفسه، وأغطشه الله، كما يقال:\nأظلم الليل وأظلمه الله، والغطش، والغبش: الظلمة. ورجل أغطش؛ أي: أعمى، أو شبيه به، وقد غطش، والمرأة غطشاء، ويقال: ليلة غطشاء، وليل أغطش، وفلاة غطشى: لا يهتدى لها.\nوقال الأعشى: [المتقارب]\nويهماء بالليل غطشى الفلا... ة يؤنسني صوت فيادها\nالفياد-بفتح الفاء، وضمها-ذكر البوم. وقال الأعشى أيضا: [المتقارب]\nعقرت لهم موهنا ناقتي... وغامرهم مدلهم غطش\nيعني بغامرهم: ليلهم؛ لأنه غمرهم بسواده، وأضاف الليل إلى السماء؛ لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضاف إلى السماء، ويقال: نجوم الليل؛ لأن ظهورها بالليل.\n ﴿وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ أي: أبرز نهارها، وضوءها، وشمسها. وأضاف الضحى إلى السماء كما أضاف إليها الليل؛ لأن فيها سبب الظلام، والضياء، وهو غروب الشمس، وطلوعها، وإنما عبر سبحانه عن النهار بالضحى؛ لأنه أكمل أجزاء النهار في النور، والضوء.\n ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها:﴾ بسطها. والعرب تقول: دحوت الشيء أدحوه دحوّا: إذا بسطته.\nقال أمية بن أبي الصلت؛ الذي آمن شعره، ولم يؤمن لسانه: [الوافر]\nوبثّ الخلق فيها إذ دحاها... فهم قطّانها حتّى التّنادي\nوقيل: دحاها سواها، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: [المتقارب]\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت... له الأرض تحمل صخرا ثقالا\nدحاها فلمّا استوت شدّها... بأيد وأرسى عليها الجبالا\nولا ينافي القول ببسطها القول بكروية الأرض، فإن ذلك مقطوع به حتى قال الإمام الفخر الرازي ما نصه: وكانت الأرض أولا كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها، وبسطها، وليس معنى (دحاها) مجرد البسط، بل المراد: أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ والجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي. انتهى وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (النبأ) عن الآلوسي.\nهذا؛ وقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ظاهر هذه الآية يقتضي: أن الأرض خلقت بعد السماء بدليل قوله تعالى بعد ذلك، وقد قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١]: ﴿ثُمَّ﴾","vol":"10","page":432},{"text":"اسْتَوى إِلَى السَّماءِ... إلخ، فكيف الجمع بين الآيتين، وما معناهما؟ قلت: خلق الله الأرض أولا مجتمعة، ثم سمك السماء ثانيا، ثم دحا الأرض بمعنى بسطها، ومدها ثالثا، فحصل بهذا التفسير الجمع بين الآيتين، وزال الإشكال. قال ابن عباس﵄-: خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك. انتهى وانظر آية (فصلت) المذكورة ففيها فوائد جمة. هذا؛ ويقال: دحا، يدحو دحوا، ودحى يدحى دحيا، كقولهم: طغى، يطغى، ويطغو، وطغي، يطغي، ومحا، يمحو، ويمحى، ولحى العود: يلحى، ويلحو، فمن قال: يدحو قال: دحوت، ومن قال: يدحى قال: دحيت.\n ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ أي: أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى فيها الأنهار، وأنبت فيها الكلأ، والمرعى مما يأكله الناس، والأنعام. قال القتبي: دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا، ومتاعا للأنام من العشب، والشجر، والحب، والثمر، والعصف، والحطب، واللباس، والنار، والملح؛ لأن النار من العيدان، والملح من الماء، وفي الآية الكريمة استعارة تصريحية، فقد شبه أكل الناس برعي الأنعام، واستعير الرعي للإنسان بجامع أكل الإنسان، والحيوان من النباتات. ففيه استعارة لطيفة، ولا تنس المقابلة بين الآيات.\n ﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ أي: أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر، وتسكن بأهلها. انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (المرسلات). ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ أي: منفعة لكم. ﴿وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ أي: لجميع الحيوانات التي تنتفعون بها مدة احتياجكم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد، وينقضي الأجل. وانظر «التمتع» في سورة (المرسلات) رقم [٤٦] فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿أَأَنْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتوبيخ وتقريع. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلْقًا:﴾ تمييز. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف، وهي هنا متصلة. ﴿السَّماءُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بَناها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من (السماء) والرابط:\nالضمير، وهذا على رأي: من يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿رَفَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿سَمْكَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية تفسير لكيفية البناء، فهي في محل نصب حال مثل سابقتها. وقيل: هي بدل منها، والتي بعدها معطوفة عليها بالفاء العاطفة. ﴿وَأَغْطَشَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أغطش): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا. ﴿لَيْلَها:﴾ مفعول به، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها أيضا.","vol":"10","page":433},{"text":"(الأرض): مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل المحذوف، أو هو متعلق بما بعده، و﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿دَحاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها.\nهذا؛ ويقرأ برفع (الأرض) على أنه مبتدأ، فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبره. وعلى الاعتبارين فالكلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿دَحاها﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى. (والجبال أرساها) إعرابها مثل إعراب: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ على الوجهين المعتبرين فيها بلا فارق، ولا تنس: أن فاعل الأفعال المتقدمة يعود إلى غير مذكور، وإنما يفهم من سياق الكلام، انظر ما ذكرته بشأن ذلك في الآية رقم [٢٦] من سورة (القيامة).\n ﴿مَتاعًا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف مدلول عليه بسياق الكلام، التقدير: متعناكم بها تمتيعا، أو هو مفعول لأجله، عامله محذوف أيضا، التقدير: فعل الله ذلك منفعة لكم. ﴿لَكُمْ:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَتاعًا﴾. (لأنعامكم): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة.\n\n<span id=\"aya-5746\"></span><span id=\"aya-5747\"></span><span id=\"aya-5748\"></span>﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى:﴾ يعني النفخة الثانية التي ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور. قاله ابن عباس في رواية الضحاك عنه، وهو قول الحسن. وقول آخر لابن عباس -﵄-: أنها القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تطم على كل شيء، فتعم ما سواها لعظم هولها. كما قال تعالى في سورة (القمر): ﴿وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ وقال المبرد: الطامة عند العرب:\nالداهية؛ التي لا تستطاع. وقال القاسم بن الوليد الهمداني: الطامة الكبرى: حين يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. وكما قال المبرد: الطامة عند العرب: الداهية التي طمت وعظمت. قال الشاعر: [الرمل]\nإنّ بعض الحبّ يعمي ويصم... وكذاك البغض أدهى وأطم\nهذا؛ وكما تطلق الطامة على النفخة الثانية يطلق عليها لفظ: الصاخة، ولفظ: القارعة، والواقعة، والحاقة، والمراد بكل ذلك: يوم القيامة، وما فيه من الأهوال العظام، والشدائد الجسام ولعلك تدرك معي: أن الله تعالى لما ذكر خلق السموات، والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب الخلق، والتكوين؛ ليقيم الدليل على إمكان الحشر عقلا؛ أخبر بعد ذلك عن وقوعه","vol":"10","page":434},{"text":"فعلا، فقال: ﴿فَإِذا جاءَتِ..﴾. إلخ. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ أي: ما عمل من خير، أو شر؛ وكان قد نسي ما عمل؛ وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ آخر سورة (النبأ).\n ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ أي: ظهرت لكل من ينظر. قال ابن عباس﵄-: يكشف عنها تتلظى، فيراها كلّ ذي بصر لظهورها ظهورا بينا من المؤمنين، والكفار، إلا أن الجحيم مكان الكفار، ومأواهم، والمؤمنون يمرّون عليها، وهذا يؤيده قوله تعالى في سورة (مريم):\n ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ ولا ينافيه قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٩١]: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ لأنها برزت للغاوين بالمكث فيها، وللمؤمنين بمرورهم عليها.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١١]. ﴿جاءَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الطَّامَّةُ:﴾ فاعله. ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة ﴿الطَّامَّةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجوابها محذوف. إذ التقدير: إذا جاءت الطامة الكبرى؛ دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة. و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان بدل من (إذا).\n ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها.\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿سَعى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يتذكر الإنسان الذي، أو شيئا سعاه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به. التقدير: يتذكر الإنسان سعيه. (برزت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْجَحِيمُ:﴾ نائب فاعله.\n ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، وهو لازم؛ لأنه بمعنى: ينظر، ويبصر، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها على اعتبارها نكرة موصوفة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿جاءَتِ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. قاله الجمل. وأرى جواز اعتبارها في محل نصب حال من ﴿الْإِنْسانُ،﴾ أو من ﴿ما،﴾ والرابط: الواو فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها.\n\n<span id=\"aya-5749\"></span><span id=\"aya-5750\"></span><span id=\"aya-5751\"></span><span id=\"aya-5752\"></span><span id=\"aya-5753\"></span>﴿فَأَمّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى﴾ أي: تجاوز الحد في الكفر، والعصيان، والفساد، والإفساد.\n ﴿وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا:﴾ فضلها على الآخرة بأن عمل لها، وانهمك في حطامها الفاني، ولم يقدم","vol":"10","page":435},{"text":"لآخرته عملا صالحا. قال القرطبي: نزلت في النضر، وابنه الحارث، وهي عامة في كل كافر؛ بل وفي كل مسلم كذاب منافق آثر الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى:﴾ هي مستقره، ومأواه، ف: (أل) بدل من الضمير المحذوف المقدر، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (المعارج) رقم [٣٧]: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ إذ التقدير: عن يمينك، وعن شمالك.\nوهذا عند الكوفيين، وعند البصريين وعلى رأسهم سيبويه، التقدير: هي المأوى له. ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ:﴾ أي: حذر وقوفه، ومقامه بين يدي الله ﷿ يوم القيامة؛ لعلمه بأنه راجع إلى الله تعالى في ذلك اليوم، فيكفّ عن محارم الله، ويقف عند حدوده؛ التي حدها له. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: زجرها عن المعاصي، والمحارم؛ التي من فعلها دخل النار. قال عبد الله بن مسعود﵁-: أنتم في زمان يقود الحقّ الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحقّ، فنعوذ بالله من ذلك الزمان! ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ أي: المنزل، وفي هذه الآيات مقابلة واضحة لا خفاء فيها.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: والآيتان نزلتا في مصعب بن عمير﵁وأخيه عامر بن عمير، فقد روي: أن عامرا أسر يوم بدر. فأخذه الأنصار، فقالوا: من أنت؟ فقال: أنا أخو مصعب بن عمير. فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلما أصبحوا؛ حدثوا مصعبا﵁حديثه. فقال: ما هو لي بأخ، شدوا أسيركم، فإن أمّه أكثر أهل البطحاء حليا، ومالا، فأوثقوه؛ حتى بعثت أمّه في فدائه.\nوأما مصعب﵁فقد وقى رسول الله ﷺ بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه-وهي السهام-فلما رآه رسول الله ﷺ متشحطا في دمه؛ قال:\n «عند الله أحتسبك!». وقال لأصحابه: «لقد رأيته؛ وعليه بردان ما تعرف قيمتهما، وإن شراك نعليه من ذهب». هذا؛ وفسرت ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ بوقوف العبد مقامه بين يدي الله؛ لأن المقام إنما هو للعبد، لا لله لتنزهه عن المكان، وأضيف إليه تعالى لملابسته له تعالى من حيث كونه بين يديه، ومقاما لحسابه. وانظر ما ذكرته في سورة (الرحمن) رقم [٤٦] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ولا تنس المقابلة بين هذه الآيات، والطباق بين ﴿الْجَنَّةَ،﴾ و﴿الْجَحِيمَ﴾.\nهذا؛ ولقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء، ورحم الله الحريري إذ يقول: [الكامل]\nيا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار\nدار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار\nأو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيّا، وما أحسن قول الإمام الشافعي﵁في وصفها: [الطويل]","vol":"10","page":436},{"text":"وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها\nفإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها\nالإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ فلأنها تقوم مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يك من شيء فمن طغى... إلخ، فأنيبت (أما) مناب «مهما» و«يك من شيء»، فصار (أمّا من طغى... فإنّ الجحيم...) إلخ وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿طَغى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (آثر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (إنّ):\nحرف مشبه بالفعل. ﴿الْجَحِيمَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمَأْوى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا؛ فالمأوى يكون خبر (إنّ)، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: (إن الجحيم هي المأوى) في محل رفع خبر المبتدأ؛ الذي هو (من)، والجملة الاسمية: (أما من...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقال الجلال، والزمخشري، وتبعه النسفي: إن الجملة الاسمية جواب قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ على حد قول القائل: إذا جاء بنو تميم؛ فأما العاصي فأهنه، وأما الطائع؛ فأكرمه.\nوفي هذا نوع تساهل؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى..﴾. إلخ. بيان لحال الناس في الدنيا، وقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ بيان لحالهم في الآخرة، فالأولى ما سلكه غيرهم من أن الجواب محذوف يدل عليه التفصيل المذكور: فقدّره بعضهم: دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، وقدره بعضهم بقوله: كان من عظائم الشؤون ما لم تشاهده العيون. انتهى. جمل بتصرف. وإعراب: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ..﴾. إلخ، مثل سابقه، لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى.\nهذا؛ و«الهوى» يقصر، ويمد، والمراد بالأول: الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، وعقله. قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٣]: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ ومثلها في الآية رقم [٢٣] من سورة (الجاثية). وقد نهى الله عنه في سورة (النساء) رقم [١٣٥] بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ ومدح من يخالفه بقوله:","vol":"10","page":437},{"text":"﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى. ويراد بالممدود ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهوى بمعنى العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق\nوإليك هذين البيتين فإنّهما من النّكت الحسان: [الكامل]\nجمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران\nفقصرت بالممدود عن نيل المنى... ومددت بالمقصور في أكفاني\nوقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنه لا يقال:\nفلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، وجمعه: أهواء، وجمع الممدود أهوية. وقال الشعبي-رحمه الله تعالى-: إنما سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال ابن عباس﵄-: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه. وذكر آيات كثيرة. وقال عبد الله ابن عمرو بن العاص﵁-، عن النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». وقال أبو أمامة الباهلي﵁سمعت النبي ﷺ يقول: «ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى».\nوقال شداد بن أوس﵁عن النبي ﷺ: «الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله الأمانيّ».\nوقال النبي ﷺ: «إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصّة نفسك، ودع عنك أمر العامّة». من حديث طويل، أخرجه ابن ماجه، والترمذي عن أبي أمية الشيباني عن أبي ثعلبة الخشني﵃أجمعين. وقال أنس بن مالك﵁من حديث طويل عن النبي ﷺ:\n «وثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». رواه البيهقي، وغيره.\nوقال الأصمعي: سمعت رجلا يقول: [الكامل]\nإنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nوسئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه. فأخذه شاعر فنظمه، فقال: [الكامل]\nنون الهوان من الهوى مسروقة... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nولابن دريد-رحمه الله تعالى-قوله: [الطويل]\nإذا طالبتك النفس يوما بشهوة... وكان إليها للخلاف طريق","vol":"10","page":438},{"text":"فدعها وخالف ما استطعت فإنّما... هواك عدوّ والخلاف صديق\nولأبي عبيد الطوسي-رحمه الله تعالى-قوله: [الرجز]\nوالنفس إن أعطيتها مناها... فاغرة نحو هواها فاها\nوقال سهل بن عبد الله التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى، ومخالفته كتب، وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، وحسبك الآيات التي نحن بصدد شرحها.\nهذا؛ و﴿الْمَأْوى﴾ المقر، والملجأ. قال الجوهري: المأوى: كل مكان يأوي إليه شيء ليلا كان، أو نهارا، وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أويا، وإواء، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول ابن نوح-على نبينا، وحبيبنا وعلى نوح ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ﴾. وآويته أنا إيواء، وأويته: إذا أنزلته بك بمعنى، و«المثوى» بمعناه في كل ما تقدم، ويفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبثة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو موقتا، والقرينة تبين طول المكث، كما في الآيات الكثيرة؛ التي تنص: أن النار مأوى الكافرين، والظالمين، والفاسدين المفسدين الذين يدّعون الإسلام، والإسلام منهم براء. وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٥١]: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ؛﴾ لأنه على الترتيب الوجودي يأوي، ثم يثوي.\n\n<span id=\"aya-5754\"></span><span id=\"aya-5755\"></span><span id=\"aya-5756\"></span><span id=\"aya-5757\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥)﴾\nالشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: سأل مشركو مكة رسول الله ﷺ متى تكون الساعة استهزاء؟ فأنزل الله ﷿ الآية. هذا؛ و«سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسؤول، فيتعدى ب: «عن» كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين، نحو: سألت زيدا مالا. ﴿أَيّانَ مُرْساها:﴾ متى وقوعها؟ وقيل: متى إثباتها، واستقرارها؟ ورسو الشيء: ثباته، واستقراره، ومنه: رسا الجبل، وأرسى السفينة. وهذا على فتح الميم، والأول على ضم الميم، وعلى الاعتبارين فالجملة استعارة تصريحية. وهذه الجملة مذكورة في سورة (الأعراف) برقم [١٨٧]، وقال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٣]: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ..﴾. إلخ.\nفقد أمر الله رسوله ﷺ بهذه الآية بأن يجيبهم بقوله: ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ،﴾ وفي آية (الأعراف) بأن يجيبهم بقوله: ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ وهذا السؤال تكرر من المشركين ومن اليهود، وقوله تعالى في كثير من السور: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾","vol":"10","page":439},{"text":"برهان قاطع على ذلك، ومعنى: ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ أي: لا يطلع عليه ملكا، ولا نبيا؛ لأنه تعالى استأثر به.\n ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ أي: ليس علمها إليك حتى تذكرها لهم؛ لأنها من الغيوب التي استأثر الله بعلمها، فلماذا يسألونك عنها، ويلحون في السؤال؟ هذا؛ وروى الزهري عن عروة بن الزبير -﵄قال: لم يزل النبي ﷺ يسأل عن الساعة حتى نزلت: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أي: منتهى علمها، فكأنه ﵊ لما أكثروا عليه السؤال سأل الله أن يعرفه ذلك، فقيل له: لا تسأل، فلست في شيء من ذلك. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧]: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها كثير السؤال عنها.\n ﴿إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أي: منتهى علمها، لا يعلم متى تقوم إلا هو. ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ أي: لم تبعث يا محمد لتعلمهم بوقت الساعة، وتحديده، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها، وخص الإنذار بمن يخشى؛ لأنهم المنتفعون به، وإن كان الرسول ﷺ منذرا ومخوفا لكل مكلف.\nتنبيه: الساعة: القيامة سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة، لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك. قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ ولا تنس: أن ساعة كل إنسان، وقيامته وقت مقدمات موته، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ:\n «من مات فقد قامت قيامته». وقيل: سميت الساعة بذلك؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، وقد ثبت: أن لقيام الساعة علامات، وهي صغرى، وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن.\nأما العلامات الكبرى فخذها مما يلي، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري﵁قال:\nطلع علينا رسول الله ﷺ، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نتذاكر الساعة قال: «إنّها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج، ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم». أخرجه مسلم.\nأقول: ما ذكر في الحديث الشريف بعضه من علاماتها، وبعضه من مبادئها، كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك يغلق باب التوبة، ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، انظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأنعام).","vol":"10","page":440},{"text":"تنبيه: قال المحققون من العلماء: سبب إخفاء علم الساعة، ووقت قيامها عن العباد؛ ليكونوا دائما على خوف، وحذر منها؛ لأنهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت؟ كانوا على وجل وخوف منها، فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة، والمسارعة إلى التوبة، وأزجر لهم عن المعصية. فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لتقومنّ الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». متفق عليه.\nهذا؛ وقد أخفى الله أمورا أخرى مثل ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة الإجابة يوم الجمعة؛ ليجتهد المؤمن، والمؤمنة في ليالي رمضان في العبادة، وليكونا: مجتهدين في الدعاء كل يوم الجمعة، وليلته، كما أخفى الله رضاه في طاعة من الطاعات، وأخفى غضبه في معصية من المعاصي ليجتهدا في جميع الطاعات، وليجتنبا جميع المعاصي، والسيئات. وانظر آخر سورة (لقمان) إن أردت الزيادة.\nالإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿عَنِ السّاعَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُرْساها:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان ل: ﴿يَسْئَلُونَكَ،﴾ وهو معلق عن العمل به لفظا بسبب الاستفهام. ﴿فِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ ذِكْراها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، و(ها) في محل جر بالإضافة، والمعنى: أنت في أي شيء من ذكراها؟ هذا؛ وقيل: الجار، والمجرور ﴿فِيمَ﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فيم هذا السؤال، فتم الكلام، ثم استأنف بجملة: ﴿أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ بيانا لسبب الإنكار عن سؤالهم.\n ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُنْتَهاها:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أَنْتَ:﴾ مبتدأ. ﴿مُنْذِرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ ويقرأ بتنوين (منذر)، فيكون اسم الموصول مفعولا صريحا. ﴿يَخْشاها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها) مفعول به، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى (من)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما أَنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا.","vol":"10","page":441},{"text":"<span id=\"aya-5758\"></span>﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)﴾\nالشرح: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: المشركين الذين يسألون عن الساعة، وعن وقوعها متى يكون؟ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَها﴾ أي: يوم يشاهدون أهوالها بأعينهم. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أي: لم يقيموا في الدنيا، أو في القبور.\n ﴿إِلاّ عَشِيَّةً﴾ أي: قدر عشية. ﴿أَوْ ضُحاها﴾ أي: قدر الضحا الذي يلي تلك العشية، والمراد:\nتقليل مدة الدنيا في نظرهم حين يشاهدون القيامة، وأهوالها. قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٣٥]: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ،﴾ وقال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ رقم [٤٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4896>فائدة:</span>\nقال ابن عباس﵄-: إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين، والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها، وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله ربّ السموات، وربّ الأرض، وربّ العرش العظيم)، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها،﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾.\nهذا؛ وقال الفراء: يقول القائل: وهل للعشية ضحا؟ وإنما الضحا لصدر النهار، ولكن أضيف الضحا إلى العشية، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب، يقولون: آتيك الغداة، أو عشيتها، وآتيك العشية، أو غداتها، فتكون العشية في معنى آخر النهار، والغداة في معنى أول النهار. قال الفراء: وأنشدني بعض بني عقيل: [الرجز]\nنحن صبحنا عامرا في دارها... جردا تعادى طرفي نهارها\nعشيّة الهلال أو سرارها\nأراد عشية الهلال، أو عشية سرار العشية، فهو أشد من: آتيك الغداة، أو عشيّها. انتهى.\nقرطبي. وقال الزمخشري: صحت الإضافة لما بينهما من الملابسة؛ لاجتماعهما في نهار واحد.\nانتهى. وقال الجمل نقلا عن الخطيب: والمراد: ساعة من نهار من أوله، أو آخره، لم يستكملوا نهارا تاما، ولم يجمعوا بين طرفيه. انتهى. واعتبره ابن هشام في شذور الذهب من ظروف الزمان المركبة، ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nومن لا يصرف الواشين عنه... صباح مساء يبغوه خبالا\nثم قال: ولو أضفت، فقلت: صباح مساء؛ لجاز؛ أي: صباحا ذا مساء، فلذلك أضفته إليه لما بينهما من المناسبة، وإن كان الصباح، والمساء لا يجتمعان. ونظيره في الإضافة قوله","vol":"10","page":442},{"text":"تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ فأضيف الضحى إلى ضمير العشية. وقيل: الأصل: أو ضحى يومها، ثم حذف المضاف. ولا حاجة إلى هذا. انتهى.\nهذا؛ وقال الجوهري في صحاحه: العشي، والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول:\nأتيته عشيّة أمس، وعشيّ أمس، وتصغير العشي: عشيّان على غير قياس مكبره، والجمع عشيّانات، وتصغير العشية عشيشية، والجمع عشيشيات، والعشاء مثل العشي، والعشاءان:\nالمغرب، والعتمة. وزعم قوم: أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا: [الوافر]\nغدونا غدوة سحرا بليل... عشاء بعدما انتصف النّهار\nهذا؛ وقال الأزهري: العشي ما بين زوال الشمس، وغروبها. وهذا هو المعتمد عنده.\nأقول: والمعتمد: أنه الوقت من قبيل العصر إلى المغرب، وهو ما رأيته في تفسير الآية؛ وإن أفتاك الناس وأفتوك. وقال الماوردي: والفرق بين المساء، والعشاء: أن المساء بدو الظلام بعد المغيب، والعشاء: آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من عشا العين، وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس.\nهذا؛ وقد قوبل العشي بالإبكار في قوله تعالى لزكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ رقم [٤١] من سورة (آل عمران) وقد قوبل بالغدو في قوله تعالى في حق فرعون وأشياعه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ رقم [٤٦] من سورة (غافر)، وقوبل بالغداة في قوله تعالى لنبينا، وحبيبنا ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ رقم [٢٨] من سورة (الكهف)، وقوبلت العشية بالضحى في الآية التي نحن بصدد شرحها. تأمل، وتدبر.\nالإعراب: ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (كأنّ) لما فيها من معنى الفعل أشبه، أو يشبهون، ومثل هذه الآية قول القطامي: [الطويل]\nكأنّ العقيليّين يوم لقيتهم... فراخ القطا لاقين أجدل بازيا\nوأيضا قول يزيد بن الحكم الثقفي-وهو الشاهد رقم [٦٩٢] من كتابنا «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب-. [البسيط]\nكأنّني حين أمسي لا تكلّمني... متيّم يشتهي ما ليس موجودا\n ﴿يَرَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَلْبَثُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (كأن)، والجملة الاسمية مستأنفة،","vol":"10","page":443},{"text":"لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَشِيَّةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَلْبَثُوا﴾. ﴿أَوْ:﴾\nحرف عطف. ﴿ضُحاها:﴾ معطوف على ﴿عَشِيَّةً،﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها): في محل جر بالإضافة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (النازعات) بعون الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4897>سورة عبس</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (عبس) وتسمى سورة السفرة، وسورة الأعمى مكية في قول الجميع، وهي إحدى وأربعون آية، ومئة وثلاثون كلمة، وخمسمئة وثلاثة وثلاثون حرفا. انتهى خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5759\"></span><span id=\"aya-5760\"></span><span id=\"aya-5761\"></span><span id=\"aya-5762\"></span>﴿عَبَسَ وَتَوَلّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)﴾\nالشرح: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى:﴾ كلح بوجهه، وقطب، وأعرض عنه. وانظر «التولي» في سورة (القيامة) رقم [٣٢]. ﴿أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى:﴾ هو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله. وقيل: عمرو بن شريح بن مالك بن ربيعة القرشي الفهري من بني عامر بن لؤي، وأم مكتوم أم أبيه، واسمها:\nعاتكة بنت عامر المخزومي، وهو ابن خالة خديجة بنت خويلد﵂أسلم قديما بمكة، وذلك: أنه أتى النبي ﷺ، وهو يحدث صناديد قريش: عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأبي بن خلف، وأخاه أمية، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم، فيتقوى بهم الإسلام، ويسلم بإسلامهم أتباعهم، فتعلو كلمة الله.\nفقال: يا رسول الله! أقرئني، وعلمني مما علمك الله! وكرر ذلك، وهو لا يعلم تشاغل النبي ﷺ بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه، وعبس، وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلمهم. وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنما اتبعه الصبيان، والعبيد، والسفلة، والعميان. فأنزل الله هذه الآيات معاتبة لرسول الله ﷺ، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه إذا رآه، ويقول: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي!». ويقول له: «هل لك من حاجة؟». واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين، وكان من المهاجرين الأولين. وقيل: قتل شهيدا بالقادسية. قال أنس بن مالك﵁-: فرأيته يوم القادسية راكبا، وعليه درع، ومعه راية سوداء.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: نظير هذه الآية في العتاب قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٥٢]: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ،﴾ وكذلك قوله في سورة","vol":"10","page":445},{"text":"(الكهف) رقم [٢٨]: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾\nقال العلماء: ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما: أن النبي ﷺ مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن الله تعالى عاتبه؛ حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة، أو ليعلم:\nأن المؤمن الفقير خير من الغني، وكان النظر إلى المؤمن أولى، وإن كان فقيرا أصلح وأولى من الأمر الآخر، وهو الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم، وإن كان ذلك أيضا نوعا من المصلحة.\nوقال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: إنما عبس النبي ﷺ لابن أم مكتوم، وأعرض عنه؛ لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم مكتوم وأبى إلا أن يكلم النبي ﷺ حتى يعلمه، فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه ﷺ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيما له، ولم يقل: عبست، وتوليت، ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له، فقال: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ أي: وما يعلمك يا محمد، ويخبرك لعل هذا الأعمى الذي عبست في وجهه يتطهر من ذنوبه بما يتلقاه عنك من العلم، والمعرفة. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ أي: أو يتعظ بما يسمع، فتنفعه موعظتك. هذا؛ وابن أم مكتوم كان مؤمنا قديما، فهو مطهر من الشرك، وإنما المراد تطهيره من الذنوب، والسيئات.\nهذا؛ وقد استدل بهذه الآيات من يرى صدور الذنب من الأنبياء؛ إذ قالوا: لمّا عاتبه الله في ذلك الفعل؛ دل على أن ذلك الفعل كان معصية. وهذا بعيد؛ فإنا قد بينا: أن ذلك كان هو الواجب المتعين إلا بحسب هذا الاعتبار الواحد، وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وذلك غير لائق بصلابة الرسول ﷺ، وإذا كان كذلك؛ كان ذلك جاريا مجرى ترك الاحتياط، وترك الأفضل، فلم يكن ذلك ذنبا ألبتة. انتهى. الفخر الرازي. وقال ابن حزم: وأما قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ الآيات، فإنه كان ﷺ قد جلس إليه بعض عظماء قريش، ورجا إسلامهم، وعلم: أنه لو أسلم؛ لأسلم بإسلامه ناس كثيرون، وظهر الدين، وعلم: أن هذا الأعمى الذي يسأله عن أشياء من أمور الدين لا يفوته، وهو حاضر معه، فاشتغل عنه النبي ﷺ بما خاف فوته من عظيم الخير، مما لا يخاف فوته، وهذا غاية النظر في الدين، والاجتهاد في نصرة القرآن في ظاهر الأمر، ونهاية التقريب إلى الله؛ الذي لو فعله اليوم منا فاعل؛ لأجر، فعاتبه الله تعالى؛ إذ كان الأولى عند الله أن يقبل على ذلك الأعمى الفاضل البر التقي، ويترك أولئك المعاندين. انتهى. النبوة والأنبياء للصابوني. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة). ففيها بحث جيد.\nالإعراب: ﴿عَبَسَ:﴾ فعل ماض، والفاعل محذوف يدل عليه المقام، وسياق الكلام؛ إذ المراد به سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب.","vol":"10","page":446},{"text":"﴿وَتَوَلّى:﴾ الواو: حرف عطف. (تولى): فعل ماض، والفاعل كذلك محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض. ﴿الْأَعْمى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به، و﴿أَنْ﴾ والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: عبس، وتولى لمجيء الأعمى وهو الأولى. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُدْرِيكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿لَعَلَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يَزَّكّى:﴾ أصله: يتزكى، فقلبت التاء زايا، ثم أدغمت بالزاي، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الْأَعْمى،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿يُدْرِيكَ﴾ الثاني. وقيل: في محل نصب مفعوليه: الثاني، والثالث، وهذا على اعتبار الفعل تعدى إلى ثلاثة مفاعيل بهمزة التعدية. وقيل: المفعول الثاني محذوف، التقدير: وما يدريك أمره، وعاقبة حاله، ويطلعك عليه، وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ جملة مستأنفة، لا محل لها. والمعتمد ما ذكرته أولا. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَذَّكَّرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْأَعْمى﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَزَّكّى﴾. ﴿فَتَنْفَعَهُ:﴾\nالفاء: للسببية. (تنفعه): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والهاء مفعول به.\n ﴿الذِّكْرى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لعل تزكية وتذكرة نافعة له. هذا؛ ويقرأ برفع الفعل (تنفع)، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-5763\"></span><span id=\"aya-5764\"></span><span id=\"aya-5765\"></span><span id=\"aya-5766\"></span><span id=\"aya-5767\"></span><span id=\"aya-5768\"></span>﴿أَمّا مَنِ اِسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى (٧) وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى (١٠)﴾\nالشرح: ﴿أَمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ أي: كان ذا ثروة، وغنى، فاستغنى عن الإيمان، وعمّا عندك من العلوم، والمعارف؛ التي ينطوي عليها القرآن. ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أي: تتعرض له، وتقبل عليه، وتصغي لكلامه. قال الراعي النميري: [الطويل]\nتصدّى لوضّاح كأنّ جبينه... سراج الدّجى يحني إليه الأساور\nالأساور-جمع: الإسوار بكسر الهمزة، وضمها-: قائد الفرس. وقيل: هو الجيد الرمي بالسهام. وقيل: هو الجيد الثبات على ظهر الفرس، والجمع: أساورة، وأساور.","vol":"10","page":447},{"text":"﴿وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ أي: لا يؤمن، ولا يهتدي، وإنما عليك البلاغ، ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ والمعنى لا حرج عليك أن لا يتطهر من دنس الكفر، والفجور، والعصيان، ولست بمطالب بهدايته. قال الآلوسي﵀-: وفيه مزيد تنفير له ﷺ عن مصاحبتهم، فإن الإقبال على المدبر مخل بالمروءة كما قال الشاعر: [البسيط]\nوالله لو كرهت كفّي مصاحبتي... يوما لقلت لها عن صحبتي بيني\n ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى:﴾ يسرع في طلب الخير، والعلم، ويريد الهداية، والمزيد منها. ﴿وَهُوَ يَخْشى:﴾ يخاف الله، ويتقيه، ويعمل صالحا. ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أي: تعرض عنه بوجهك، وتتشاغل عنه بغيره. هذا؛ والتلهي من اللهو، وهو اللعب. قال الحارث بن حلزة في معلقته رقم [١٥]:\nفي وصف ناقته التي يقطع بها الصحاري، والقفار: [الخفيف]\nأتلهّى بها الهواجر إذ ك... لّ ابن همّ بليّة عمياء\nوهذا المعنى غير مراد بالآية قطعا؛ لأنه لا يليق بمقام النبوة. هذا؛ وأصل تلهى: تتلهى، فحذفت منه إحدى التاءين تخفيفا، ومثله: ﴿تَصَدّى﴾ أصله: تتصدى، وهذا الحذف كثير في العربية شعرا، ونثرا.\nقال ابن كثير: ومن هاهنا أمر الله تعالى رسوله ﷺ ألاّ يخصّ بالإنذار أحدا، بل يساوي فيه بين الشريف، والضعيف، والفقير، والغني، والسادة، والعبيد، والرجال، والنساء، والصغار، والكبار، ثم الله يهدي به من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.\nانتهى. ورحم الله الإمام مالكا؛ إذ قال للمنصور: إن هذا العلم لا ينتفع به الخاصة؛ إذا حرمه العامة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَمّا:﴾ أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل، انظر الآية رقم [٣٧] من سورة (النازعات). ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِسْتَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنِ﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَأَنْتَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿أَمّا﴾. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿تَصَدّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (أنت...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنِ،﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿يَزَّكّى:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن)، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنِ﴾ أيضا، و(أن)","vol":"10","page":448},{"text":"والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: عدم تزكيته ما كائن، أو ما حرج، ولا مؤاخذة عليك بسببها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَصَدّى،﴾ والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، واعتبار الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف في محل رفع خبره، واعتبار المصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أي شيء عليك في كونه لا يفلح، ولا يتطهر من دنس الكفر؟! وهذا يعني: أن الجار، والمجرور متعلقان ب: (ما) الاستفهامية لما فيها من معنى الفعل، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف، وعلى هذا الوجه من الاعتبار لا تكون الجملة في محل نصب حال، بل هي مستأنفة؛ لأن الحال لا تكون جملة إنشائية، والاستفهام إنشاء. ومثل هذه الآية في وجهي الإعراب قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٧٣]: من كتابنا: «فتح رب البرية» والشاهد رقم [٨١٣]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nوما نبالي إذا ما كنت جارتنا... ألاّ يجاورنا إلاّك ديّار\n ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ:﴾ هو مثل الآية رقم [٥]. ﴿يَسْعى:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿جاءَكَ،﴾ والرابط: الضمير فقط.\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة:\n ﴿يَخْشى﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَسْعى﴾ فهي حال متداخلة، أو من فاعل ﴿جاءَكَ﴾ فهي حال متكررة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى:﴾\nمثل: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ محلا وإعرابا. والله الموفق، والمعين.\n\n<span id=\"aya-5769\"></span><span id=\"aya-5770\"></span><span id=\"aya-5771\"></span><span id=\"aya-5772\"></span><span id=\"aya-5773\"></span><span id=\"aya-5774\"></span>﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع؛ أي: لا تعد إلى مثل ذلك يا محمد! وانظر الآية رقم [١٦]: من سورة (المدثر). ﴿إِنَّها﴾ أي: الآيات، أو السورة، أو القرآن كله. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ موعظة، وتذكير، وتبصرة لمن يتعظ، ويتذكر. ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: اتعظ، وتذكر بالقرآن. قال الجرجاني: ﴿إِنَّها﴾ أي: القرآن، والقرآن مذكر؛ إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة؛ أخرجه على لفظ التذكرة، ولو ذكّره لجاز، كما قال في موضع آخر: ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ سورة (المدثر) رقم [٥٤]. انظرها هناك فالكلام عليها جيد. قال المفسرون: كان النبي ﷺ بعد هذا العتاب لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا، وكان الفقراء في مجلسه أمراء، وكان إذا دخل ابن أم مكتوم؛ يبسط له رداءه، ويقول: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي». ثم بعد هذا البيان أخبر عن جلالة قدر القرآن، فقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ أي: هو في صحف مكرمة عند الله. وقيل: مكرمة؛ لأنها نزل بها كرام","vol":"10","page":449},{"text":"الملائكة: جبريل، وميكائيل، وغيرهما. ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ:﴾ رفيعة القدر عند الله، ومكانتها عالية، منزهة عن أيدي الشياطين، وعن كل دنس ونقص. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أي: بأيدي ملائكة كرام، جعلهم الله سفراء بينه، وبين رسله الذين اصطفاهم للتبليغ، فهم بررة، لم يتدنسوا بمعصية قط.\nو﴿بَرَرَةٍ﴾ جمع: بار، مثله: كافر، وكفرة، وساحر، وسحرة. وفاجر، وفجرة. يقال: بر، وبار:\nإذا كان أهلا للصدق، ومنه بر فلان في يمينه؛ أي: صدق، وفلان يبر خالقه، ويتبرره؛ أي:\nيطيعه. فمعنى بررة مطيعين لله، صادقين لله في أعمالهم. هذا؛ وفي الصحاح: وجمع البر:\nالأبرار، وجمع البار: البررة، انتهى. قال تعالى في سورة (الدهر) رقم [٥]: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ..﴾. إلخ. وفي سورة (الانفطار) و(المطففين) ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾.\nوروى أبو صالح عن ابن عباس﵄قال: ﴿سَفَرَةٍ:﴾ كتبة، وهم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد في الأسفار؛ التي هي الكتب، واحدهم: سافر، والكتاب: هو السفر، وجمعه: أسفار. قال تعالى في سورة (الجمعة) رقم [٥] في حق علماء اليهود اللؤماء:\n ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾.\nقال الزجاج: وإنما قيل للكتاب: سفر (بكسر السين) وللكاتب: سافر؛ لأن معناه: أنه يبين الشيء ويوضحه، يقال: أسفر الصبح: إذا أضاء، وسفرت المرأة: إذا كشفت النقاب عن وجهها. قال: ومنه: سفرت بين القوم، أسفر سفارة: أصلحت بينهم. وقاله الفراء، وأنشد قول القائل: [الوافر]\nفما أدع السّفارة بين قومي... ولا أمشي بغشّ إن مشيت\nوالسفير: الرسول، والمصلح بين القوم. والجمع: سفراء، مثل: فقيه، وفقهاء. هذا؛ واليد تستعمل في الأصل للجارحة، وتطلق ويراد بها: القوة، والقدرة. قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ﴾ وخذ قول عروة بن حزام العذري-وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل]\nوحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان\nقال تعالى في سورة (يس) رقم [٧١]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان يد عندي. أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة والتدبير، يقال: لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. وينبغي أن تعلم: أن (الأيد) في آية (الذاريات) مفرد، وليس بجمع، ومثلها قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. وينبغي أن تعلم: أن تفسير اليد بالقوة في سورة (الذاريات) وغيرها، إنما هو قول الخلف، وأما السلف؛ فإنهم يقولون: لله يد لا نعلمها.\nأو يقولون: له يد تليق به. ومذهب الخلف مذهب التأويل، ومذهب السلف مذهب التفويض.","vol":"10","page":450},{"text":"الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿إِنَّها:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(ها): اسمها.\n ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع، أو هي الفصيحة. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿ذَكَرَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة بعده صلته، وجملة: ﴿ذَكَرَهُ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء؛ لأنها معترضة بين ما قبلها، وما بعدها.\n ﴿فِي صُحُفٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿تَذْكِرَةٌ،﴾ أو في محل نصب حال من الهاء، أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو، أو هي، وتعود الجملة الاسمية لتكون صفة ﴿تَذْكِرَةٌ،﴾ أو في محل نصب حال من الهاء. وقال الجلال: خبر ثان؛ لأنها، وما قبلها اعتراض. ﴿مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ:﴾ صفات ﴿صُحُفٍ﴾. ﴿بِأَيْدِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة رابعة ل: ﴿صُحُفٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. هذا؛ وتعليق أبي البقاء الجار، والمجرور بما تعلق به ﴿فِي صُحُفٍ﴾ لا وجه له ألبتة؛ لأن المعنى لا يؤيده. و(أيدي) مضاف، و﴿سَفَرَةٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: (بأيدي ملائكة سفرة). ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ:﴾ صفتان ل: «ملائكة» المقدر.\n\n<span id=\"aya-5775\"></span><span id=\"aya-5776\"></span><span id=\"aya-5777\"></span><span id=\"aya-5778\"></span><span id=\"aya-5779\"></span><span id=\"aya-5780\"></span><span id=\"aya-5781\"></span>﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ أي: لعن الإنسان الكافر، وطرد من رحمة الله ما أشد كفره بالله مع كثرة إحسانه إليه، وأياديه عنده! قال الآلوسي-رحمه الله تعالى-: والآية دعاء عليه بأشنع الدعوات، وأفظعها، وتعجيب من إفراطه في الكفر، والعصيان، وهذا في غاية الإيجاز، والبيان. وأصل ﴿قُتِلَ﴾ الدعاء بالقتل، والهلاك، ثم جرى مجرى: لعن، وقبح. وهو مع اختصاره يدل على سخط عظيم، وذم بليغ.\nهذا؛ وروى الضحاك عن ابن عباس﵄قال: نزلت الآيات في عتيبة بن أبي لهب، وكان من قصته: أنه كان قد خطب أم كلثوم بنت النبي ﷺ، ولم يدخل بها، وكان نكاح","vol":"10","page":451},{"text":"المشرك للمسلمة غير ممنوع في صدر الإسلام، ثم حرمه الله تعالى بقوله: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ الآية رقم [٢٢٠]: من سورة (البقرة)، وبقوله تعالى في صلح الحديبية: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآية رقم [١٠]: من سورة (الممتحنة)، فلمّا نزلت سورة: (المسد)، قال عتيبة لعنه الله، وقد أراد الذهاب إلى الشام: لآتين محمدا، فلأوذينه في ربه، فأتاه، فقال: يا محمد! هو كافر بالنجم. وفي رواية: برب النجم إذا هوى، وبالذي دنا، فتدلى، ثم بصق في وجه النبي ﷺ، ورد عليه ابنته، فقال النبي ﷺ: «اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك». وكان أبو طالب حاضرا، فوجم لها أبو طالب. وقال: «ما أغناك يا بن أخي عن هذه الدعوة؟» فرجع عتيبة إلى أبيه، فأخبره بذلك، ثم خرج إلى الشام في جماعة، فنزلوا منزلا، فأشرف عليهم راهب من دير، فقال لهم: إن هذه الأرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: إنكم قد عرفتم نسبي، وحقي، فقالوا: أجل يا أبا لهب! فقال: أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، ثم افرشوا لابني عليه، ثم افرشوا لكم حوله، ففعلوا، ثم جمعوا جمالهم، وأناخوها، وأحدقوا بعتيبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتيبة، فقتله، وفي رواية فضخ رأسه، فقال وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم: إن محمدا أصدق الناس لهجة! ومات؟ فقال أبوه: قد عرفت والله ما كان يتفلت من دعوة محمد ﷺ. انتهى. زيني دحلان.\n ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي: من أي شيء خلق الله هذا الكافر، فهو يتكبر، ويتعاظم بنفسه؟! وهو استفهام معناه التقرير، والتحقير لأصله. ثم بين الله ذلك بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ يعني: خلقه أطوارا، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى آخر خلقه. وقيل: (قدره) يعني: خلق رأسه، وعينيه، ويديه، ورجليه على قدر ما أراده، وحسنا، ودميما، وقصيرا، وطويلا، وشقيا، وسعيدا، وسواه إنسانا كاملا، كما قال تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الصاحب المؤمن لقول صاحبه الكافر الجاحد نعمة الله عليه: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ رقم [٣٧]: من سورة (الكهف). قال الأحنف بن قيس-رحمه الله تعالى-: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟! وينسب هذا القول إلى الحسن البصري أيضا.\nونظر المطرف بن عبد الله إلى المهلب بن أبي صفرة، وعليه حلة يسحبها، ويمشي الخيلاء؛ فقال له: يا أبا عبد الله! ما هذه المشية التي يبغضها الله، ورسوله؟! فقال له: أما تعرف من أنا؟ قال له: بلى أعرفك، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة.\n ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: يسره للخروج من بطن أمه. هذا؛ وثبت: أن رأس المولود في بطن أمه من فوق، ورجليه من تحت. فهو في بطن أمه على الانتصاب فإذا جاء وقت خروجه؛ انقلب بإلهام من الله تعالى. انتهى. الفخر الرازي. وقال","vol":"10","page":452},{"text":"مجاهد: يسره لطريق الخير، أو الشر؛ أي: بين له ذلك، كما قال تعالى في سورة (الدهر) رقم [٣]: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾.\nوقاله الحسن، وعطاء، وابن عباس في رواية أبي صالح عنه. وقال أبو بكر بن طاهر: يسر على كل أحد ما خلقه له، وقدره عليه، ودليله قول النبي ﷺ: «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له».\n ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: جعل له قبرا يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله ممّا يلقى على وجه الأرض، تأكله الطير، والوحوش، والبهائم، ولذلك لما قتل قابيل أخاه هابيل، فلم يدر كيف يواري جثته؟ حمله على عاتقه؛ حتى أنتن، فبعث الله إليه غرابين، فاقتتلا؛ حتى قتل أحدهما الآخر، ثم حفر القاتل حفرة بمنقارة، ورجليه، ثم ألقاه فيها، وواراه التراب، وقابيل ينظر، فلما رأى ذلك من فعل الغراب؛ فعل بأخيه هابيل مثل ذلك، فواراه التراب، وذلك سنة متبعة في بني آدم إلى يوم القيامة. هذا؛ و(أقبره) جعل له قبرا، وأمر أن يقبر. وقال (أقبره): ولم يقل: قبره؛ لأن القابر هو الدافن بيده. قال الأعشى: [السريع]\nلو أسندت ميتا إلى نحرها... عاش ولم ينقل إلى قابر\nيقال: قبرت الميت: إذا دفنته، وأقبره الله؛ أي: صيره بحيث يقبر، وجعل له قبرا. تقول العرب: بترت ذنب البعير، وأبتره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله، وطردت فلانا، والله أطرده؛ أي: صيره طريدا. وانظر سورة (التكاثر).\n ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي: أحياه بعد موته، وبعثه للحساب، والجزاء. هذا؛ ويقرأ: «(شاء نشره)» بغير همزة لغتان فصيحتان بمعنى، يقال: أنشر الله الميت، ونشره. قال الأعشى: [السريع]\nحتى يقول النّاس ممّا رأوا... يا عجبا للميّت النّاشر\nهذا؛ والتعبير بقوله تعالى: ﴿إِذا شاءَ﴾ إشعار بأن وقت المشيئة غير معلوم، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ذلك، فإنها تعلم أوقاتها من بعض الوجوه، فلم تفوض إلى مشيئته تعالى.\n ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ أي: ليرتدع، وينزجر الكافر عن تكبره، وتجبره، فإنه لم يؤد ما فرض عليه، ولم يفعل ما كلفه به ربه من الإيمان، والطاعة. وكان ابن عباس﵄- يقول: لم يف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم. فهو يعني ما ذكر في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ..﴾. إلخ.\nهذا؛ و«أمر» يتعدى لمفعولين، تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى للثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن، انظر سورة (المطففين) رقم [٣] وأيضا نصح، وشكر.\nفمثال «استغفر»، وقد نصب مفعولين صريحين قول الشاعر: [البسيط]","vol":"10","page":453},{"text":"أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل\nومثال «أمر» وقد نصب مفعولين صريحين قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي﵁- -وهو الشاهد رقم [٤٨٥]: من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٥٩٧]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: إعراب شواهد مغني اللبيب-: [البسيط]\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب\nوتقول: نصحتك، ونصحت له، وشكرتك، وشكرت لك.\nهذا؛ والأمر من: أمر مر، وأصله: اؤمر، لكن لم يستعمل على الأصل، وحذفت الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وهذا الحذف واقع في الأمر المأخوذ من: أخذ، وأكل أيضا، فيقال: خذ، وكل، وقد قالوا: اؤمر، واؤخذ، فاستعملا على الأصل، ومنه (اؤمر) في الآية رقم [١٩٩] من سورة (الأعراف)، ورقم [١٣٢]: من سورة (طه)، ورقم [١٧] من سورة (لقمان).\nتنبيه: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى-: القضاء يحتمل الحكم، كقوله تعالى:\n ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه؛ فهو مفعول لا محالة. انتهى. والماضي: قضى، والمصدر «قضاء» بالمد؛ لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه (قضي). بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار: قضاء ممدودا، وجمع القضاء:\nأقضية كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٧٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف]\nوجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول\nويكون بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾.\nوبمعنى العلم، تقول: قضيت بكذا؛ أي: أعلمتك به. وبمعنى الإتمام، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾. وبمعنى الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾.\nوبمعنى الإرادة، وهو كثير، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وبمعنى الموت كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾. وانظر معنى الآية التي نحن بصدد شرحها. وبمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ. وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. وبمعنى الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. وبمعنى بلوغ المراد، والأرب.\nقال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾. وبمعنى وفاء الدين، تقول: قضى فلان ما عليه: إذا أوفى ذمته، وأبرأها مما عليه من ديون. انتهى. قسطلاني شرح البخاري بتصرف.\nوأضيف: أنه يكون بمعنى أوحينا، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ إلخ.","vol":"10","page":454},{"text":"قال القرطبي﵀-: فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر؛ فلا خلاف: أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك قد عصيت ربك، وبانت منك! فقال الرجل: قضى الله ذلك عليّ، فقال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر الله به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿قُتِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما أَكْفَرَهُ:﴾ ﴿ما:﴾ نكرة تامة بمعنى شيء مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَكْفَرَهُ:﴾ فعل ماض جامد مبني على الفتح، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿ما﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ استفهامية في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، التقدير: أي شيء دعاه إلى الكفر؟ وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، لا محل لها. وهناك أوجه أخر في إعراب هذه الجملة ضربت عنها صفحا للاختصار. ﴿مِنْ أَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و﴿أَيِّ:﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَلَقَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل محذوف، أو هو ضمير يعود إلى (الله)، وهو غير مذكور، لكنه مفهوم من المقام، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خَلَقَهُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله، والفاعل مثل سابقه مفهوم من المقام، والجملة الفعلية بدل من سابقتها، وبيان لها.\nهذا؛ وإن اعتبرت الجار، والمجرور ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ بدلا مما قبلهما؛ فالجملة الفعلية تكون مستأنفة، لا محل لها، وجملة: (قدره) معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿ثُمَّ:﴾\nحرف عطف. ﴿السَّبِيلَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. هذا؛ وقيل: إن الضمير للإنسان، و﴿السَّبِيلَ﴾ ظرف مكان، أو هو مفعول ثان للفعل المفسر بما بعده، التقدير:\nيسره السبيل، وعلى هذا فالفعل يتضمن معنى: أعطى. وتقدم مثله في قوله تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ الآية رقم [٣] من سورة (الدهر). ﴿يَسَّرَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ معطوفتان أيضا.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والمفعول محذوف، التقدير: شاء نشره، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح، وجملة (أنشره) جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وزجر للإنسان عما هو عليه من التكبر، والتجبر، والترفع، والإصرار على إنكار التوحيد، وإنكار البعث والحساب. هذا؛ وقيل: ﴿كَلاّ﴾","vol":"10","page":455},{"text":"بمعنى: حقّا. ﴿لَمّا:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-:\n (ما) زائدة مثل قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ وقوله: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ وهذا يعني:\nأن اللام للأمر، وهي مكسورة، ولم يقرأ أحد بذلك. ﴿يَقْضِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمّا،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَمَرَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أمره الله به. وجملة: ﴿كَلاّ لَمّا..﴾. إلخ مستأنفة.\nتنبيه: لقد رأيت: أن الفاعل في الأفعال الثمانية المتقدمة المذكورة قد عاد إلى غير مذكور لفهمه من سياق الكلام، والمقام يدل عليه، وهذا مستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي، من ذلك قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ،﴾ وفي سورة (ص) رقم [٣٢]، وفي سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٤٤]، وفي سورة (لقمان) رقم [١٦]، وسورة (النساء) رقم [٤٠]، وفي سورة (القيامة) رقم [٢٦] انظر هذه الآيات في محالها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك؟\n\n<span id=\"aya-5782\"></span><span id=\"aya-5783\"></span><span id=\"aya-5784\"></span><span id=\"aya-5785\"></span><span id=\"aya-5786\"></span><span id=\"aya-5787\"></span><span id=\"aya-5788\"></span><span id=\"aya-5789\"></span><span id=\"aya-5790\"></span>﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)﴾\nالشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لماذا ذكر الله جل ثناؤه ابتداء خلق الإنسان؛ ذكر ما يسر من رزقه؛ أي: فلينظر كيف خلق الله طعامه. وهذا النظر نظر القلب بالفكر؛ أي: ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش؛ ليستعد بها للمعاد، وروي عن الحسن، ومجاهد قالا: أي: فلينظر إلى مدخل الطعام، ومخرجه. وروى ابن أبي خيثمة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا ضحّاك ما طعامك؟». قلت: يا رسول الله! اللحم، واللبن. قال: «نعم يصير إلى ماذا؟». قلت: إلى ما قد علمته! قال: «فإنّ الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدّنيا». وقال أبي بن كعب﵁-: قال النبي ﷺ: «إن مطعم ابن آدم، جعل مثلا للدّنيا وإن قزّحه، وملّحه، فانظر إلى ما يصير». والمعنى: إن المطعم، وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته، وتطييبه، فإنه عائد إلى حال يكره، ويستقذر، فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها، ونظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار. انتهى. قرطبي. والمراد بالإنسان: ابن آدم.\n ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا:﴾ المراد: المطر الذي ينزل من السماء، والذي يتسبب عنه النبات في الأرض. ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا:﴾ فيخرج منها النبات على اختلاف أنواعه، ومنافعه. فقيل: هو","vol":"10","page":456},{"text":"من باب الإسناد الحقيقي. وقيل: بل هو من باب الإسناد المجازي من باب إسناد الفعل إلى السبب.\n ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ أي: الحبوب التي يتغذى منها الإنسان، كالقمح، والشعير، والذرة، ونحو ذلك. ﴿وَعِنَبًا:﴾ وهذا غذاء من وجه، وفاكهة من وجه، فلهذا أتبعه الحبّ. ﴿وَقَضْبًا:﴾ هو القت، وهو الرطب سمي بذلك؛ لأنه يقتضب؛ أي: يقطع في كل الأيام، كالبقول: التي تقضب مرة بعد مرة. وقال ابن عباس﵄-: هو الرطب؛ لأنه يقضب من النخل، ولأنه ذكر بعد العنب. وقال الخليل: القضب: الفصفصة الرطبة. ﴿وَزَيْتُونًا﴾ أي: شجرة الزيتون؛ التي يستخرج منها الزيت، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠] من سورة (المؤمنون). ﴿وَنَخْلًا﴾ أي:\nشجر النخيل. ﴿وَحَدائِقَ﴾ أي: بساتين، واحدها: حديقة. قال الكلبي: كل شيء أحيط عليه من نخيل، أو شجر؛ فهو حديقة، وما لم يحط عليه؛ فليس بحديقة. ﴿غُلْبًا:﴾ عظاما شجرها.\nيقال: شجرة غلباء، ويقال: الغلب الشجر الملتف بعضه على بعض. ويقال للأسد: الأغلب؛ لأنه مصمت العنق، لا يلتفت إلا جميعه. قال العجاج: [الرجز]\nما زلت يوم البين ألوّي صلبي... والرّأس حتّى صرت مثل الأغلب\nورجل أغلب بين الغلب: إذا كان غليظ الرقبة. والأصل في الوصف بالغلب الرقاب، فاستعير. قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي﵁-: [الكامل]\nيمشي بها غلب الرّقاب كأنّهم... بزل كسين من الكحيل جلالا\nوالكحيل: نوع من القطران، تطلى به الإبل الجرب، ولا يستعمل إلا مصغرا. ﴿وَفاكِهَةً:﴾\nيعني: جميع ألوان الفاكهة التي خلقها الله للتفكه، والتلذذ. ﴿وَأَبًّا﴾ يعني: الكلأ، والمرعى؛ الذي لم يزرعه الناس مما يأكله الدواب، والأنعام. وقال ابن عباس، والحسن﵄-: الأب: كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، وما يأكله الآدميون هو الحصيد، ومنه قول الشاعر في مدح النبي ﷺ: [الطويل]\nله دعوة ميمونة ريحها الصّبا... بها ينبت الله الحصيدة والأبّا\nوقال إبراهيم التيمي: سئل أبو بكر﵁عن تفسير الفاكهة، والأب، فقال: أيّ سماء تظلني، وأيّ أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ وقال أنس﵁-:\nسمعت عمر بن الخطاب﵁قرأ هذه الآية، ثم قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا بن أم عمر ألا تدري ما الأب؟! ثم قال: اتبعوا ما بيّن لكم من هذا الكتاب، وما لا؛ فدعوه.\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: «خلقتم من سبع، ورزقتم من سبع، فاسجدوا لله على سبع».\nوإنّما أراد: بقوله: «خلقتم من سبع». يعني: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... إلخ","vol":"10","page":457},{"text":"الآيات من سورة (المؤمنون) رقم [١٣ و١٤]. والرزق من سبع، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا..﴾. إلخ. وانظر استدلال ابن عباس﵄بهذه الآيات، وبآيات سورة (المؤمنون) رقم [١٣ و١٤]: على ليلة القدر في سورة (المؤمنون).\n ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ يعني، الفواكه، والحب بأنواعه رزق لكم. والكلأ بأنواعه رزق لبهائمكم، وحيواناتكم. قال ابن كثير: وفي هذه الآيات امتنان على العباد، وفيها استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاما بالية، وأوصالا متقطعة متفرقة. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿فَلْيَنْظُرِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: لام الأمر. (ينظر): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلى طَعامِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَنّا:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا):\nاسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿صَبَبْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْماءَ:﴾ مفعول به.\n ﴿صَبًّا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بدل اشتمال من ﴿طَعامِهِ﴾. وقيل: على تقدير اللام، أي: لأنا، والأول أقوى. هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة، وعليه: فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وأيضا جملة: (أنبتنا فيها حبا) معطوفة عليها، والإعراب مثلها بلا فارق. ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا..﴾. إلخ:\nالأسماء كلها معطوفة على ﴿حَبًّا،﴾ و﴿غُلْبًا:﴾ صفة (حدائق). ﴿مَتاعًا:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: تمتعون به تمتيعا. وانظر سورة (النازعات) رقم [٣٣]، أو هو مفعول لأجله، عامله محذوف، التقدير: فعل ذلك متاعا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَتاعًا،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَلِأَنْعامِكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لأنعامكم): معطوفان على ما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة.\n\n<span id=\"aya-5791\"></span><span id=\"aya-5792\"></span><span id=\"aya-5793\"></span><span id=\"aya-5794\"></span><span id=\"aya-5795\"></span>﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾\nالشرح: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما ذكر أمر المعاش؛ ذكر أمر المعاد؛ ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، وبالإنفاق مما امتن الله به عليهم، و﴿الصَّاخَّةُ﴾ الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، تصيخ الأسماع؛ أي: تصمها، فلا تسمع إلا ما يدعى به للأحياء. هذا؛ وانظر ما ذكرته في ﴿الطَّامَّةُ﴾ في سورة (النازعات) رقم [٣٤].","vol":"10","page":458},{"text":"هذا؛ وذكر ناس من المفسرين؛ قالوا: تصيخ لها الأسماع؛ من قولك: أصاخ إلى كذا؛ أي: استمع إليه، ومنه الحديث: «ما من دابة إلاّ وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من السّاعة إلا الجنّ والإنس». قال الشاعر: [السريع]\nيصيخ للنّبأة أسماعه... إصاخة النّاشد للمنشد\nوأيضا قول الآخر، وهو الشاهد رقم [١٨]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل]\nفأصاخ يرجو أن يكون حيا... ويقول من فرح: هيا ربّا\nوالمعتمد القول الأول في تفسير ﴿الصَّاخَّةُ،﴾ فإنها بمعنى: الداهية مثل: ﴿الطَّامَّةُ﴾.\n ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ..﴾. إلخ أي: إنه لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لشغله بنفسه. والمراد من الفرار: التباعد، والسبب في ذلك الاحتراز عن المطالبة بالحقوق، فالأخ يقول: ما واسيتني بمالك. والأبوان يقولان: قصرت في برنا، وحقوقنا. والصاحبة تقول: لم توفني حقي. والبنون يقولون: ما علمتنا. وقيل: يفر المؤمن من موالاة هؤلاء، ونصرتهم. والمعنى: أن هؤلاء الذين كانوا يقربونهم في الدنيا، ويتقوون بهم، ويتعززون بهم يفرون منهم في الدار الآخرة، وفائدة الترتيب كأنه قيل: يوم يفر المرء من أخيه بل من أبويه؛ لأنهما أقرب من الأخوة، بل من الصاحبة والولد؛ لأن تعلقه بهما أشد من تعلقه بالأبوين. وانظر سورة (المعارج) رقم [١٢ و١٣ و١٤]: تجد ما يسرك.\n ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي: حالة تشغله عن غيره؛ لعلمه: أنهم لا ينفعونه، ولا يغنون عنه شيئا، كما قال تعالى في سورة (الدخان) رقم [٤١]: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [٣٣]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وعن عائشة﵂-. قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة، عراة، غرلا». قلت: يا رسول الله! الرجال، والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: «يا عائشة! الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض». أخرجه مسلم. وخرج الترمذي عن ابن عباس﵄-: أن النبي ﷺ قال: «يحشرون حفاة عراة غرلا».\nفقالت امرأة: أينظر بعضنا عورة بعض؟ قال: «يا فلانة لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه». هذا؛ ويقرأ: «(يغنيه)» أي: يصرفه ويصده عن قرابته.\nهذا؛ والأغرل: الأقلف، والغرلة: هي الجلدة التي تزال عند ختان الذكر، والأنثى، ويقال لها: القلفة، والمراد: أن ابن آدم يحشر يوم القيامة تام الأجزاء كما ولد، فإن قطع شيء من جسده يعاد إليه يوم القيامة.","vol":"10","page":459},{"text":"هذا؛ وأما كلمة (امرئ) فأصلها: المرء، ولما كثر استعمالهم لها حتى أصبحت تستعمل للدلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازا، وكان الهمز في آخرها ثقيلا بعد السكون خففوها بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الراء، فقالوا: المرء، وبذلك أشبهت الراء منها النون من (ابن) في تلقي حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرا بحذف الهمز، شبهوها بما حذف آخره، نحو (اسم، ابن، است) فجبروها بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردوا إليها الهمزة، فقالوا: امرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الراء، والهمزة، فتقول: هذا امرؤ، ورأيت امرءا، ومررت بامرئ. قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ،﴾ ﴿ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ،﴾ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾.\nهذا؛ ومثل (امرئ) كلمة (ابن) إذا زيدت في آخرها (ما) فإن حركة الإعراب تظهر على النون، والميم، فتقول: حضر ابنم، ورأيت ابنما، ومررت بابنم، ولا ثالث لهما في اللغة العربية، فاحفظه؛ فإنه جيد.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ﴾ انظر الآية رقم [٣٤] من سورة (النازعات). فالإعراب مثله بلا فارق، وجواب (إذا) محذوف، دل عليه قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ..﴾. إلخ؛ أي: اشتغل كل واحد بنفسه. ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ:﴾\nفعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿مِنْ أَخِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَأُمِّهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أمه): معطوف على ما قبله. ﴿وَأَبِيهِ:﴾ معطوف أيضا مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، ﴿وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ:﴾ معطوفان أيضا على ما قبلهما، وعلامة جر (بنيه) الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في الكل ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(كل) مضاف، و﴿اِمْرِئٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿اِمْرِئٍ﴾.\n ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و(إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة؛ إذ التقدير: يوم إذ تجيء الصاخة.\n ﴿شَأْنٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿يُغْنِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿شَأْنٌ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿شَأْنٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لِكُلِّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي دليل جواب (إذا) كما رأيت، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.","vol":"10","page":460},{"text":"<span id=\"aya-5796\"></span><span id=\"aya-5797\"></span><span id=\"aya-5798\"></span><span id=\"aya-5799\"></span><span id=\"aya-5800\"></span>﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾\nالشرح: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ أي: مشرقة مضيئة، قد علمت ما لها من الفوز العظيم، والنعيم المقيم، وهي وجوه المؤمنين؛ الذين عملوا الصالحات، وتسابقوا في الدنيا إلى الطاعات.\nوقيل: مسفرة من قيام الليل. وقيل: من أثر الوضوء. والأولى التعميم، كما ذكرت أولا.\n ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: مسرورة، فرحة بما تنال من كرامة الله، ورضوانه. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ أي: غبار، ودخان، وكدورة، وكآبة الهم الذي نزل بهم. ﴿تَرْهَقُها:﴾ تعلوها، وتغشاها، ويقال:\nأرهقه طغيانا؛ أي: أغشاه إياه، وأرهقه إثما؛ حتى رهقه؛ أي: حمله إثما؛ حتى حمله، وأرهقه عسرا: كلفه إياه، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله! أي: لا تعسرني لا أعسرك الله! انتهى.\nمختار. هذا؛ والرهق: الغشيان، ومنه غلام مراهق: إذا غشي الاحتلام. ورهقه بالكسر، يرهقه رهقا: غشيه. وذلك حين يرفع المؤمنون رؤوسهم؛ ووجوههم أشد بياضا من الثلج، وتسود وجوه الكافرين، والمنافقين؛ حتى ترجع أشد سوادا من القار. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الذين تكون حالتهم، وهيئتهم ما ذكر. ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ:﴾ جمع: كافر. ﴿الْفَجَرَةُ:﴾ جمع: فاجر، وهو الكاذب المفتري على الله. هذا؛ والقترة: كسوف، وسواد. وعن ابن عباس﵄-: ذلة، وشدة، والقتر في كلام العرب: الغبار، جمع: القترة. قاله أبو عبيد، وأنشد للفرزدق: [البسيط]\nمتوّج برداء الملك يتبعه... موج ترى فوقه الرّايات والقترا\nهذا؛ و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف زمان مضاف لظرف آخر، والتنوين في الثاني ينوب عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية، التقدير: يوم إذ تجيء الصاخة، و(إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت في صه ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في حينئذ وساعتئذ ونحوهما. قال تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٨٤]:\n ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم تنظرون.\nالإعراب: ﴿وُجُوهٌ:﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به التنويع. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بما بعده، و(إذ) ظرف زمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْفِرَةٌ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ:﴾ خبران آخران للمبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَوُجُوهٌ:﴾\nالواو: حرف عطف. (وجوه): مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿غَبَرَةٌ﴾ لما فيها من معنى المشتق. وقيل: متعلق بالفعل ﴿تَرْهَقُها،﴾ والأول أقوى. و(إذ) في محل جر بالإضافة، ولا يجوز أن يتعلق الظرف بمحذوف خبر مقدم؛ لأنه ظرف زمان لا يخبر به عن الجثة. قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]","vol":"10","page":461},{"text":"ولا يكون اسم زمان خبرا... عن جثّة وإن يفد فأخبرا\n ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَبَرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (وجوه...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿تَرْهَقُها:﴾ فعل مضارع، و(ها): مفعول به. ﴿قَتَرَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْكَفَرَةُ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿الْفَجَرَةُ:﴾ خبر ثان. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و﴿الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ خبرين عنه؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (عبس) شرحا وإعرابا بعون الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4905>سورة التّكوير</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (التكوير) مكية في قول الجميع، وهي تسع وعشرون آية، ومئة وأربع كلمات، وخمسمئة وثلاثون حرفا. وفي الترمذي عن ابن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة، كأنه رأي العين، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿*إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ،﴾ و﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ»﴾. قال: هذا حديث حسن غريب. هذا؛ وذكرت في أول سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: أنّ ابن عباس﵄قال: قال أبو بكر﵁يا رسول الله! قد شبت! قال: «شيبتني (هود) و(الواقعة) و(المرسلات) و(عم يتساءلون) و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ»﴾. أخرجه الترمذي. وقال:\nحديث حسن غريب. وفي رواية غيره؛ قال: قلت: (يا رسول الله! عجّل إليك الشيب، قال:\n «شيّبتني (هود) وأخواتها: (الحاقة) و(الواقعة)، و﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ و﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ»﴾.\nقال بعض العلماء: سبب شيبه ﷺ من هذه السور المذكورة في الحديث، لما فيها من ذكر القيامة، والبعث، والحساب، والجنة والنار. والله أعلم بمراد رسول الله ﷺ.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5801\"></span><span id=\"aya-5802\"></span><span id=\"aya-5803\"></span><span id=\"aya-5804\"></span><span id=\"aya-5805\"></span><span id=\"aya-5806\"></span>﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾\nالشرح: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ:﴾ قال ابن عباس﵄-: أظلمت، وغورت.\nوقيل: اضمحلت، وذهبت. قال ابن كثير: والصواب من القول عندنا في ذلك: أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت، فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك؛ ذهب ضوءها. روي عن ابن عباس﵄-: أنه قال: يكور الله الشمس، والقمر، والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث ريحا دبورا، فتضرمها نارا. وعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «الشمس والقمر يكوّران يوم القيامة». أخرجه البخاري. هذا؛ وفي المصباح:\nكار العمامة كورا من باب: قال، والجمع: أكوار، مثل: ثوب، وأثواب.","vol":"10","page":463},{"text":"﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ:﴾ انتثرت، مثل قوله تعالى في سورة (الانفطار): ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ وعن ابن عباس﵄-: تساقطت، وتغيرت، فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها.\nانتهى. قال القرطبي: وذلك: أنها قناديل معلقة بين السماء، والأرض، بسلاسل من نور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة من نور، فإذا جاءت النفخة الأولى؛ مات من في الأرض، ومن في السموات، فتناثرت تلك الكواكب، وتساقطت السلاسل من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها. هذا؛ وسميت النجوم نجوما لظهورها في السماء بضوئها. هذا؛ والأصل في الانكدار: الانصباب. وقال أبو عبيدة: انكدرت انصبت، كما تنصب العقاب إذا كسرت. قال العجاج يصف صقرا: [الرجز]\nأبصر حرمات فلاة فانكدر... تقضّي البازي إذا البازي كسر\n ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ يعني: قلعت من الأرض، وسيرت في الهواء، كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٧]: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [٢٠] ففيها الشفاء الكافي لقلبك. والحمد لله.\n ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ:﴾ النوق الحوامل التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها، واحدتها:\nعشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وبعدما تضع أيضا، ومن عادة العرب أن يسموا الشيء باسمه المتقدم، وإن كان قد جاوز ذلك، يقول الرجل لفرسه، وقد قرح: هاتوا مهري، وقربوا مهري يسميه باسمه المتقدم. قال عنترة: [الكامل]\nلا تذكري مهري وما أطعمته... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب\nوخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢]: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ..﴾. إلخ، وقال جل ذكره فيها أيضا رقم [٥]: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى..﴾. إلخ فإن فيها الدواء الشافي لقلبك، والفضل لله.\nوإنما خص العشار بالذكر؛ لأنها أعز ما تكون عند العرب، وليس يعطلها أهلها إلا حال القيامة، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولا غيرها، ولكن أراد به المثل. فإذا كان يوم القيامة عطلت، وتركت هملا بلا راع، أهملها أهلها، وقد كانوا ملازمين لأذنابها، ولم يكن مال أعجب إليهم منها؛ لما جاءهم من أهوال يوم القيامة. هذا؛ ويقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوان، ونوق عشار، وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واوا على القاعدة في تثنية الممدود، وجمعه. وهي أنفس ما يكون عند أهلها، روي: أن النبي ﷺ مر في أصحابه بعشار من النوق. فغض بصره، فقيل له: هذه أنفس أموالنا؛ فلم لا تنظر إليها؟! فقال:\n «قد نهاني الله عن ذلك». ثم تلا: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا..﴾. إلخ. الآية رقم [٨٨]: من سورة (الحجر)، ورقم [١٣١]: من سورة (طه).","vol":"10","page":464},{"text":"﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي: جمعت، والحشر: الجمع. وعن ابن عباس﵄- قال: يحشر كل شيء حتى الذباب. وقال: تحشر الوحوش غدا؛ أي: تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها: كوني ترابا، فتموت، انظر ما ذكرته في آخر سورة (النبأ) رقم [٤٠]. وقيل: المعنى: أن الوحوش مع نفرتها اليوم من الناس، وتنددها في الصحارى تجمع غدا، وتضم إلى الناس من أهوال ذلك اليوم.\n ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ:﴾ قال ابن عباس﵄-: أوقدت، فصارت نارا تضطرم.\nوقيل: فجر بعضها في بعض، العذب، والملح؛ حتى صارت البحار كلها بحرا واحدا. وقيل:\nصارت مياهها من حميم أهل النار. وقيل: سجرت؛ أي: يبست، وذهب ماؤها، فلم تبق فيها قطرة، انظر ما ذكرته في سورة (الطور) رقم [٦]: والفضل لله العلي القدير.\nقال أبي بن كعب﵁-: ست آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم؛ إذ ذهب ضوء الشمس، وبدت النجوم، فتحيروا، ودهشوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك؛ إذ وقعت الجبال على الأرض، وتساقطت فتحركت، واضطربت، واحترقت، وفزعت الإنس، والجن، واختلطت الدواب، والطير، والوحش، وماج بعضهم ببعض، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ فحينئذ تقول الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فينطلقون إلى البحر؛ فإذا هو نار تأجج، فبينما هم كذلك؛ إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك؛ إذ جاءتهم ريح، فأماتتهم. وعن ابن عباس﵄قال: هي اثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة في الآخرة، وهي ما ذكر بعد هذه، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ..﴾. إلخ والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿إِذَا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿الشَّمْسُ:﴾ نائب فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، وهذا عند البصريين، وعند الكوفيين فيه ثلاثة أوجه: الأول: وافقوا فيه البصريين. والثاني: اعتبار ﴿الشَّمْسُ﴾ نائب فاعل مقدما. والثالث: اعتبار ﴿الشَّمْسُ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره. انظر الشاهد رقم [٩٩٠]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والكلام عليه فإنه جيد جدا؛ والحمد الله. ﴿كُوِّرَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل لها، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الشَّمْسُ،﴾ والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على مذهب البصريين، وهو المعتمد في هذه المسألة، والفعل المحذوف، وفاعله جملة فعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على المشهور المرجوح، وكل الجمل الآتية إعرابها مثلها، وهي جمل متعاطفة، وجواب الجميع قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ ولا تنس: أن الأسماء المتقدمة، بعضها فاعل، وبعضها نائب فاعل.","vol":"10","page":465},{"text":"<span id=\"aya-5807\"></span><span id=\"aya-5808\"></span><span id=\"aya-5809\"></span><span id=\"aya-5810\"></span><span id=\"aya-5811\"></span><span id=\"aya-5812\"></span><span id=\"aya-5813\"></span><span id=\"aya-5814\"></span>﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ:﴾ قال النعمان بن بشير﵄-. قال النبي ﷺ:\n «يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله». وقال عمر بن الخطاب﵁-:\nيقرن الفاجر مع الفاجر، ويقرن الصالح مع الصالح. وقال ابن عباس﵄-: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة: السابقون زوج، وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج، وهذا فحوى قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾. وقيل: يلحق كل امرئ بشيعته، اليهودي باليهود، والنصراني بالنصارى. وقيل: زوجت النفوس بأعمالها؛ أي: قرنت.\nوقيل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين والمنافقين والفاسقين بالشياطين. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾. هذا؛ وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٢]: من سورة (القيامة).\n ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ:﴾ الموءودة: المقتولة، وهي الأنثى التي دفنت؛ وهي حية. سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيؤودها؛ أي: يثقلها حتى تموت، وكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية تدفن البنات حية مخافة العار، والحاجة. وروي عن ابن عباس﵄- قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت، وكان أوان ولادتها قد قرب؛ حفرت حفيرة، فتمخضت على رأس الحفيرة، فإن ولدت جارية؛ رمت بها في الحفيرة، وردت التراب عليها، وإذا ولدت غلاما؛ حبسته. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت له بنت، وأراد بقاءها حية ألبسها جبة صوف، أو شعر، وتركها ترعى الإبل، والغنم في البادية، وإذا أراد تركها حتى تشب، فإذا بلغت قال: لأمها طيبيها، وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها، فإذا نظرت فيها دفعها من ورائها، ويهيل عليها التراب؛ حتى تسوى بالأرض، انظر ما ذكرته في سورة (النحل) رقم [٥٨] وما بعدها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر ما ذكرته في سورة (الأنعام) رقم [١٤٠]. هذا؛ وكان ذوو الشرف من العرب يمتنعون من وأد البنات، ويمنعون منه حتى افتخر به الفرزدق، فقال: [المتقارب]\nوجدّي الّذي منع الوائدات... فأحيا الوئيد فلم توأد\nيريد جده صعصعة، كان يشتريهن من آبائهن، فجاء الإسلام، وقد أحيا صعصعة سبعين موءودة. وقال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاتبهم الله على ذلك، وتوعدهم بقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾.","vol":"10","page":466},{"text":"هذا؛ وجاء قيس بن عاصم المنقري﵁إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! إني وأدت ثمان بنات كنّ لي في الجاهلية. قال: «فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة». قال:\nيا رسول الله! إني صاحب إبل. قال: «فأهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت». هذا؛ وقوله تعالى: ﴿سُئِلَتْ﴾ سؤال الموءودة سؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل؛ إذا ضرب: لم ضربت، وما ذنبك؟! هذا؛ ويقرأ: «(وإذا الموءودة سألت)». وعليه فالمعنى: تتعلق الجارية بأبيها، فتقول:\nبأي ذنب قتلتني؟! فلا يكون له عذر. وختاما: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفيه دليل بيّن على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب.\n ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ أي: فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد: صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير، وشر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، ولو كان في الدنيا لم يقرأ، ولم يكتب، ومهما كانت لغته، فيقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء). فعند ذلك يقول، كما حكى الله: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ رقم [٤٩]: من سورة (الكهف). هذا؛ ويقرأ: (نشرت) بتشديد الشين، وتخفيفها.\n ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ أي: نزعت، وطويت. وقيل: قلعت كما يقلع السقف. وقيل: كشفت، وأزيلت عمن فيها. انتهى. خازن. وقال القرطبي: الكشط: قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط، ككشط الجلد عن الكبش، وغيره، والقشط: لغة فيه، وقرئ بالقاف، وهي قراءة شاذة، فالسماء تنزع من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء. وقيل: تطوى كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ الآية رقم [١٠٤]: من سورة (الأنبياء).\n ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ:﴾ أوقدت، فأضرمت للكفار، وزيد في إحمائها. قال قتادة: سعّرها غضب الله، وخطايا بني آدم. وفي الترمذي: عن أبي هريرة﵁-، عن النبي ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة؛ حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة؛ حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة؛ حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، كالليل المظلم». وروي الحديث موقوفا على أبي هريرة. وعن أنس﵁قال: تلا النبي ﷺ هذه الآية: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ فقال: «أوقد عليها ألف عام؛ حتّى احمرّت، وألف عام حتى ابيضّت، وألف عام حتّى اسودّت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها». رواه البيهقي، والأصبهاني.\n ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ:﴾ أدنيت، وقربت من المتقين، كما قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. قال الحسن البصري: إنهم يقربون منها، لا أنها تزول عن موضعها.\n ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ:﴾ يعني عند ذلك تعلم كل نفس ما أحضرت من خير، وشر، وفي سورة (الانفطار): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم﵁-","vol":"10","page":467},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلاّ وسيكلّمه الله ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمان منه، فلا يرى إلا ما قدّمه، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدّمه بين يديه، فتستقبله النار؛ فمن استطاع منكم أن يتقي النار، ولو بشقّ تمرة؛ فليفعل». ولا تنس الطباق بين: الجحيم، والجنة، فهو من المحسنات البديعية. وانظر سورة (الانفطار) رقم [٥].\nالإعراب: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ..﴾. إلخ: الإعراب مثل الآية الأولى بلا فارق، والجمل المتعاطفة مثلها. ﴿بِأَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و(أي): مضاف، و﴿ذَنْبٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿قُتِلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، للفعل: (سئل)، والمفعول الأول نائب الفاعل العائد على ﴿الْمَوْؤُدَةُ﴾. ﴿عَلِمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والفعل هنا بمعنى: عرف، يكتفي بمفعول واحد.\n ﴿أَحْضَرَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٌ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: علمت نفس الذي، أو شيئا أحضرته، والجملة الفعلية جواب (إذا) الأولى، وما عطف عليها.\n\n<span id=\"aya-5815\"></span><span id=\"aya-5816\"></span><span id=\"aya-5817\"></span><span id=\"aya-5818\"></span><span id=\"aya-5819\"></span><span id=\"aya-5820\"></span><span id=\"aya-5821\"></span><span id=\"aya-5822\"></span>﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿فَلا أُقْسِمُ..﴾. إلخ: اختلف في (لا) على أوجه: أحدها: أن (لا) صلة؛ أي:\nزائدة، وجاز وقوعها في أول السورة؛ لأن القرآن متصل بعضه ببعض، فهو في حكم كلام واحد، ولهذا قد يذكر الشيء في سورة، ويجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ الآية رقم [٢] من سورة (الحجر)، وجوابه قوله تعالى:\n ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ الآية رقم [٢] من سورة (القلم)، ومعنى الكلام: أقسم بالخنس. قاله ابن عباس، وابن جبير وأبو عبيدة﵃-، ومثله قول الشاعر: [الطويل]\nتذكّرت ليلى فاعترتني صبابة... فكاد صميم القلب لا يتقطّع\nأراد: فكاد صميم القلب يتقطع. وحكى أبو الليث السمرقندي: أجمع المفسرون: أن المعنى: أقسم. وقال الخازن: وفيه ضعف؛ لأن القرآن في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض، لا أن تقرن سورة بما بعدها، فذلك غير جائز. انتهى. وهو الحق الذي لا محيص عنه.\nوقال بعضهم: (لا): رد لكلامهم؛ حيث أنكروا الحشر، والنشر، فقال: ليس الأمر كما تزعمون!","vol":"10","page":468},{"text":"وهذا قول الفراء، فقد قال: وكثير من النحويين يقولون (لا) صلة، ولا يجوز أن يبدأ بجحد (نفي) ثم بجحد يجعل صلة؛ لأن هذا لو كان كذلك؛ لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه (لا نفي فيه)، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام بالرد عليهم، وإدخال (لا) النافية على فعل القسم مستفيض في كلام العرب، وأشعارهم. قال امرؤ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]\nفلا وأبيك ابنة العامريّ... لا يدّعي القوم أنّي أفر\nوأيضا قول المتنخل الهذلي-وهو الشاهد رقم [١٠٨٦] من كتابنا المذكور-: [الوافر]\nفلا والله نادى الحيّ قومي... هدوّا بالمساءة والعلاط\nقالوا: وفائدتها تأكيد القسم في الرد كقولك: لا والله ما ذاك! تريد والله، فيجوز حذفها، لكنه أبلغ في الرد مع إثباتها. هذا؛ وقيل: اللام لام الابتداء، فأشبعت بالمد، فتولدت الألف، ويؤيده قراءة ابن كثير «(لأقسم)» بغير ألف المد، ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر، وعلى هذه القراءة، فاللام لام الابتداء، وجملة: (أقسم بالخنس) في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: لأنا أقسم بالخنس، ولو أريد به الاستقبال للزمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال، وهو شاذ، وعن قراءة الباقين بالمد. وانظر ما أذكره في سورة (البلد) عن ابن هشام-رحمه الله تعالى-.\nهذا؛ و(الخنس الجوار الكنس): هي النجوم تبدو بالليل، فتظهر، وتخنس بالنهار تحت نور الشمس، ونحو هذا المعنى عن علي-كرم الله وجهه، ورضي الله عنه-. وقيل: هي النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، تخنس في مجاريها؛ أي: ترجع وراءها في الفلك، وتكنس؛ أي: تستتر وقت اختفائها. وقيل: هي الظباء، وهي رواية عن ابن عباس﵄-. وقيل: هي بقر الوحش. وهو قول ابن مسعود﵁-.\nوالكناس: مكان الظبية؛ التي تأوي إليه. هذا؛ ويقال: خنس عنه، يخنس بالضم خنوسا: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه، ومضى عنه، والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة. والرجل أخنس، والمرأة خنساء. والخنساء: الشاعرة المشهورة لقبت بذلك لما ذكرت، واسمها الحقيقي: تماضر. والجواري جمع: جارية، من: جرى، يجري. وانظر ﴿الْخَنّاسِ﴾ في سورة (الناس).\n ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ:﴾ إذا أقبل، أو أدبر، فهو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره. قال علقمة بن قرط-وهو قول القرطبي- وقال الزمخشري-وأكده محب الدين الخطيب-هو من قول العجاج: [الرجز]\nحتّى إذا الصّبح لها تنفّسا... وانجاب عنها ليلها وعسعسا","vol":"10","page":469},{"text":"هذا؛ و«عسعسع»: موضع في البادية. قال امرؤ القيس: [الطويل]\nألمّا على الربع القديم بعسعسا... كأنّي أنادي، أو أكلّم أخرسا\nو«عسعس» أيضا: اسم رجل. قال الراجز: [الرجز]\nوعسعس نعم الفتى تبيّاه\nأي: تعتمده، ويقال للذئب: العسعس، والعسعاس، والعسّاس؛ لأنه يعس بالليل، ويطلب الطعام، ويقال للقنافذ: العساعس؛ لكثرة ترددها في الليل. هذا؛ وسعسع مثل عسعس في معنييه، فهو مقلوبه. ولا تنس: أن في الكلام استعارة مكنية، فقد شبه الليل بإنسان يقبل، ويدبر، ثم حذف المشبه، وأخذ منه شيئا من لوازمه وهي لفظة ﴿عَسْعَسَ،﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ فيه استعارة مكنية.\nهذا؛ واللغة العربية غنية بالكلمات التي تعني الضدين، وتحتمل معنيين متقابلين، منها ما رأيته من لفظ: عسعس، ومنها لفظ «الغابرين» في كثير من الآيات، فإنه اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، ومنها لفظ «جلل» للعظيم، والحقير، فمن الأول قول الحارث بن وعلة بن ذهل ابن شيبان الذهلي-وهو الشاهد رقم [١٩٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]\nفلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي\nومن الثاني قول امرئ القيس لمّا قتل أبوه وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب]\nبقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل\nأي: هين، وحقير لا قيمة له، ومنها: «الجون» للأبيض، والأسود. ومنها: «البين» للقرب، والبعد. ومنها: «الصريم» لليل، والنهار. وبهما فسر قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ ومنها: «الناصع» للأبيض، والأسود، ومنها: «الناهل» للريّان، والظمآن، و«السليم» للديغ، والصحيح، ومنها: «وراء» بمعنى: خلف، وأمام، وشعبت الشيء: أصلحته، وشققته، و«الصارخ» للمغيث، والمستغيث، و«الهاجد» للمصلي في الليل، والنائم، ومنها «الوهدة» للانحدار، والارتفاع، ومنها: «التعزير» للإكرام، والإهانة، و«التقريظ» للمدح والذم، ومنها:\n «ترب» للغني، والفقير، ومنها: «الإهماد» للسرعة في السير، والإقامة، ومنها: «القرء» للحيض، والطهر. ومنه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (طه)، وفي الآية رقم [٣] من سورة (الأنبياء): ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى،﴾ وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [٥٤] من سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ كما قيل به في قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٧٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ورقم [٣٢] من معلقته-: [الطويل]","vol":"10","page":470},{"text":"تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي\nحيث قيل: إن الفعل بمعنى: أخفوا، وأظهروا.\n ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ أي: أقبل، وبدا أوله. وقيل: أسفر. وفي تنفسه قولان:\nأحدهما: أن في إقبال الصبح روحا، ونسيما، فجعل ذلك نفسا على المجاز. الثاني: أنه شبه الليل بالمكروب المحزون، فإذا تنفس؛ وجد راحة، فكأنه تخلص من الحزن، فعبر عنه بالتنفس، فهو استعارة لطيفة، حيث شبه إقبال النهار، وسطوع الضياء بنسمات الهواء العليل؛ التي تحيي القلوب. واستعار لفظ التنفس لإقبال النهار بعد الظلام الدامس على طريقة الاستعارة التصريحية. وهذا من لطيف الاستعارة، وأبلغها تصويرا؛ حيث عبر عنه بتنفس الصبح.\n ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ:﴾ لا أرى حاجة إلى المزيد على ما ذكرته في الآية رقم [٤٠] من سورة (الحاقة) والمرجح هنا: أن المراد به: جبريل، ﵇، بدليل الآيات الآتية. ﴿ذِي قُوَّةٍ:﴾ هو كقوله تعالى في سورة (النجم): ﴿شَدِيدُ الْقُوى:﴾ وكان من قوة جبريل ﵊: أنه اقتلع قرى قوم لوط الأربع من الماء الأسود، وحملها على جناحه حتى سمعت الملائكة صياح الديكة، ثم جعل عاليها سافلها. وكان من قوته: أنه أبصر إبليس-لعنه الله- يكلم عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-على بعض أعقاب الأرض المقدسة، فنفحه بجناحه نفحة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بقوم صالح، فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض، ثم يصعد في أسرع من رد الطرف. انتهى. خازن.\n ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: عند صاحب العرش ومالكه، وهو الله تعالى. وانظر شرح العرش في الآية رقم [١٧] من سورة (الحاقة). ﴿مَكِينٍ﴾ أي: صاحب منزلة عالية، ومكانة رفيعة عند الله ﷿، فروي عن أبي صالح قال: يدخل جبريل سبعين سرادقا بغير إذن.\n ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ أي: تطيعه الملائكة في السموات. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: فرض الله على أهل السموات طاعة جبريل ﵇، كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد ﷺ، ومن طاعة الملائكة له: أنهم فتحوا له السموات السبع ليلة الإسراء، وفتح خزنة الجنة له أبوابها، وكذلك فتح له خزنة النار أبوابها؛ حتى نظر إليها. ﴿أَمِينٍ﴾ أي: على وحي الله؛ لأنبيائه، وخاب الفسقة الفجرة الذين يقولون: إن جبريل تاه؛ حيث كلف بإعطاء الرسالة لعلي بن أبي طالب، فتاه فأعطاها لمحمد ﷺ، لذا روي: أنهم يقولون في آخر صلاتهم: يا حيفه! يا حيفه! تاه الأمين! تاه الأمين! ويضربون بأيديهم على أفخاذهم، فهذا ختم الصلاة عندهم بدون سلام، فإن كان هذا صحيحا عنهم؛ فهم كفار بلا ريب، ولا شك، واليهود والنصارى أحسن حالا منهم.\n ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدا ﷺ والخطاب لأهل مكة. ﴿بِمَجْنُونٍ:﴾ هذا أيضا من جواب القسم، أقسم الله على أن القرآن نزل به جبريل ﵇، وأن محمدا ﷺ ليس بمجنون، كما","vol":"10","page":471},{"text":"يقول أهل مكة، وذلك أنهم قالوا: إنه مجنون، وأن ما يقوله ليس هو إلا من عند نفسه، فنفى الله عنه المجنون وكون القرآن من عند نفسه. هذا؛ وقال تعالى في سورة (النجم): ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾.\nهذا؛ وقال الإمام ما معناه: كما أنه ﷾ أجرى على جبريل﵇هذه الصفات هاهنا أجرى على نبينا ﷺ صفات في قوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ فإفراد أحد الشخصين بالذكر، وإجراء صفاته عليه لا يدل على انتفاء تلك الصفات عن الآخر. وقال القاضي: واستدل به على فضل جبريل على محمد، عليهما الصلاة والسّلام؛ حيث عدد فضائل جبريل، واقتصر على نفي الجنون عن النبي ﷺ، وهو ضعيف؛ إذ المقصود منه رد قولهم: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ رقم [١٠٣] من سورة (النحل)، وقولهم: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ الآية رقم [٨] من سورة (سبأ) لا تعداد فضلهما، والموازنة بينهما. ثم إنك إذا أمعنت النظر وقفت على أن إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام إدماج لتعظيم رسول الله ﷺ، وأنه بلغ من المكانة وعلو المنزلة عند ذي العرش بأن جعل السفير بينه، وبينه مثل هذا الملك المقرب المطاع الأمين، فالقول في هذه الصفات بالنسبة لرسول الله ﷺ رفعة منزلة له كالقول في قوله: ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ بالنسبة إلى رفعة منزلة جبريل ﵇، كما سبق، والله أعلم. انتهى. جمل نقلا من هنا، وهناك.\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية، أو صلة، أو هي لام الابتداء حسب ما رأيت في الشرح. ﴿أُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، على اعتبار اللام لام الابتداء، فتكون الجملة اسمية، وهي مستأنفة أيضا. ﴿بِالْخُنَّسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.\n ﴿الْجَوارِ:﴾ صفة (الخنس) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْكُنَّسِ:﴾\nصفة ثانية. وقيل: صفة ﴿الْجَوارِ﴾. ﴿وَاللَّيْلِ:﴾ الواو: حرف عطف. وقيل: واو قسم ثان.\n (الليل): معطوف على (الخنس)، أو هو مجرور بواو القسم، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالليل وقت عسعسته. قاله أبو البقاء، وغيره. وهو مشكل؛ فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و﴿إِذا﴾ لما يستقبل من الزمان، فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من (الليل) أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان عسعسته، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن الليل جثة، والزمان لا يكون حالا من الجثة، كما لا يكون خبرا عنها. والثاني: أن ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا؟! وقد أجيب عن الأول بأن","vol":"10","page":472},{"text":"المراد بالليل لازم معناه، وهو المظلم. وأجيب عن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل في الظرف نفس الليل. قاله أبو البقاء أيضا، وفيه نظر؛ لأن الليل لا يعمل في الظرف؛ لأنه اسم جامد. وقد يقال: إن الليل يوصف، والتقدير: والليل المظلم في وقت عسعسته. انتهى. جمل من سورة (النجم). ﴿عَسْعَسَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الليل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَقَوْلُ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية جواب القسم: (لا أقسم...) إلخ. وما عطف عليه، على اعتبار الواو حرف عطف، وعلى اعتبارها حرف قسم، وجر يكون الجواب محذوفا، لدلالة جواب القسم الأول عليه، و(قول) مضاف، و﴿رَسُولٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة ﴿رَسُولٍ﴾. ﴿ذِي:﴾ صفة ثانية ل: ﴿رَسُولٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾ مضاف، و﴿قُوَّةٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَكِينٍ﴾ بعده، أو هو متعلق بمحذوف حال منه. و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿ذِي﴾ مضاف إليه، و﴿ذِي﴾ مضاف، و﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه. ﴿مَكِينٍ:﴾ صفة ثالثة ل: ﴿رَسُولٍ﴾. ﴿مُطاعٍ:﴾ صفة رابعة. ﴿ثَمَّ:﴾ ظرف مكان بمعنى هناك مبني على الفتح في محل نصب متعلق ب: ﴿مُطاعٍ﴾. ﴿أَمِينٍ:﴾ صفة خامسة ل: ﴿رَسُولٍ﴾.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية تعمل عمل: «ليس». ﴿صاحِبُكُمْ:﴾ اسم ما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِمَجْنُونٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مجنون): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ..﴾. إلخ فهي من جملة جواب القسم.\n\n<span id=\"aya-5823\"></span><span id=\"aya-5824\"></span><span id=\"aya-5825\"></span><span id=\"aya-5826\"></span>﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ:﴾ الفاعل يعود إلى الرسول ﷺ، والضمير المنصوب يعود إلى جبريل، عليه ألف صلاة، وألف سلام. (الأفق المبين): يعني بالأفق الأعلى، وهو صريح قوله تعالى في سورة (النجم): ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ من ناحية المشرق إلى حيث تطلع الشمس. هذا؛ وقيل:\nالأفق المبين: أقطار السماء، ونواحيها. قال الفرزدق-وهو الشاهد رقم [١١٦٨] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]","vol":"10","page":473},{"text":"أخذنا بآفاق السّماء عليكم... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع\nفقد رأى الرسول ﷺ جبريل ﵊ على صورته التي خلق فيها مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء، أما التي في الأرض؛ فخذها برواية البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل﵊-: «إني أحبّ أن أراك في صورتك؛ الّتي تكون فيها في السّماء». قال: «لن تقوى على ذلك!». قال:\n «بلى!». قال: «فأين تشاء أن أتخيل لك»؟ قال: «بالأبطح». قال: «لا يسعني». قال:\n «فبمنى». قال: «لا يسعني» قال: «فبعرفات». قال: «ذلك بالحري أن يسعني». رواية القرطبي، ورواية الخازن: قال: لا يسعني ذلك. قال: «فبحراء». قال: «إن يسعني». فواعده، فخرج النبي ﷺ في ذلك الوقت، فإذا هو بجبريل قد أقبل من حيال عرفات بخشخشة، وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي ﷺ خرّ مغشيا عليه، فتحول جبريل ﵇ عن صورته، وضمه إلى صدره. وقال:\n «يا محمد! لا تخف! فكيف لو رأيت إسرافيل، ورأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله ﷻ، وعلا علاؤه، وشأنه حتى يصير، مثل الصعو، يعني العصفور؟! (وفي رواية القرطبي مثل الوصع)، حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته». انتهى. قرطبي، وخازن. هذا؛ وفي المختار: الوصع: طائر أصغر من العصفور، وهو بفتح الصاد، وسكونها، والجمع: وصعان، وفيه أيضا: الصّعوة: طائر، والجمع: صعو، وصعاء.\nهذا؛ والمرة الثانية التي رأى فيها النبي ﷺ جبريل﵊كانت بعد الأولى، وكانت ليلة الإسراء، والمعراج عند سدرة المنتهى، وهي صريح قوله تعالى في سورة (النجم): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى..﴾. إلخ الآيات، وفي المرة الثانية ثبت فؤاد النبي ﷺ، فلم يغش عليه كما في المرة الأولى، وهو صريح قوله تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ انظر سورة (النجم)؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ:﴾ على ما يخبره من الوحي إليه، وما اطلع عليه من الغيوب مما كان غائبا من علمه من أحوال الأمم الماضية. ﴿بِضَنِينٍ﴾ أي: ببخيل، من ضننت بالشيء، أضن ضنا، فهو ضنين، يقول: إنه يأتيه علم الغيب، ولا يبخل به عليكم، ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده؛ حتى يأخذ عليه حلوانا، وهو أجرة الكاهن. قال الشاعر: [الطويل]\nأجود بمكنون الحديث وإنّني... بسرّك عمّن سالني لضنين\nهذا؛ ويقرأ: «(بظنين)» بالظاء المعجمة؛ أي: بمتهم، والظنة: التهمة. قال الشاعر: [الطويل]\nأما وكتاب الله لا عن شناءة... هجرت ولكنّ الظّنين ظنين","vol":"10","page":474},{"text":"وقيل: (بظنين) بضعيف. حكاه الفراء، والمبرد، يقال: رجل ظنين؛ أي: ضعيف، وبئر ظنون: إذا كانت قليلة الماء. قال الأعشى: [السريع]\nما جعل الجدّ الظّنون الذي... جنّب صوب اللّجب الماطر\nمثل الفراتيّ إذا ما طما... يقذف بالبوصيّ والماهر\nوالظنون: الدّين الذي لا يدرى أيقضيه آخذه، أم لا؟ ومنه حديث علي﵁ وكرم الله وجهه-في الرجل يكون له الدين الظّنون. قال: يزكيه لما مضى إذا قبضه إن كان صادقا. والظنون:\nالرجل السيئ الخلق، فهو لفظ مشترك. ﴿وَما هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ:﴾ مرجوم ملعون، كما قالت قريش؛ أي: ليس بشعر، ولا بسحر، ولا بكهانة، فقد كانوا يقولون: إن شيطانا يلقيه على لسانه. فنفى الله ذلك عنه. قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٢١٠]: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ أي:\nليس هو بقول بعض المسترقة للسمع، وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي: فأين تعدلون عن القرآن، وفيه الشفاء، والهدى، والبيان. وقيل: معناه: أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة؛ التي قد بينت لكم؟! وهذا كما يقال لتارك الجادة المستقيمة اعتسافا، أو ذاهبا في بنات الطريق: أين تذهب؟ مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل.\nالإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله. والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَآهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى النبي ﷺ، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والكلام مستأنف، لا محل له. وقال الجمل: معطوف على قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فهو من جملة المقسم عليه. ﴿بِالْأُفُقِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُبِينِ:﴾ صفة (الأفق). ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما).\n ﴿عَلَى الْغَيْبِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِضَنِينٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ضنين): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (رأى) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ:﴾ مثل سابقه في الإعراب، و(قول) مضاف، و﴿شَيْطانٍ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿رَجِيمٍ:﴾ صفة ﴿شَيْطانٍ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَأَيْنَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (أين): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بما بعده. ﴿تَذْهَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا فإلى أين تذهبون به؟! والكلام مستأنف، لا محل له.","vol":"10","page":475},{"text":"<span id=\"aya-5827\"></span><span id=\"aya-5828\"></span><span id=\"aya-5829\"></span>﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ. ﴿إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ:﴾ موعظة للخلق أجمعين. ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أي: يتبع الحق، ويقيم عليه، وينتفع به، فكأنه لم يوعظ به غيره، وإن كان الناس جميعا موعوظين به. ثم بين الله جلت قدرته: أن مشيئة العبد موقوفة بمشيئته، فقال تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ..﴾. إلخ: أعلمهم الله: أن المشيئة في التوفيق للاستقامة إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وتوفيقه. وفيه إعلام: أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله تعالى، ولا يعمل شرا إلا بخذلانه، ومشيئته.\nيروى: أن أبا جهل-لعنه الله-قال لما نزل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ..﴾. إلخ. قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها! وقال وهب بن منبه: قرأت في سبعة وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة؛ فقد كفر.\nوخذ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ الآية رقم [١١١] من سورة (الأنعام). وقال تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ الآية رقم [١٠٠] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والآي في هذا كثير، وكذلك أحاديث النبي ﷺ تبين أن الهداية هداية الله تعالى.\nهذا؛ وانظر شرح (العالمين) في الآية رقم [٥٢] من سورة (القلم)، وشرح ﴿أَرادَ﴾ و﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الجن)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. أما ﴿يَسْتَقِيمَ﴾ فأصله: (يستقوم) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار (يستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: يستقيم.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ذِكْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ذِكْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.\n ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من للعالمين بإعادة الجار. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور","vol":"10","page":476},{"text":"متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿إِنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (من)، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به.\n ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿تَشاؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: وما تشاؤون الاستقامة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ يَشاءَ:﴾ مضارع منصوب بأن، والمفعول محذوف، التقدير: أن يشاء الاستقامة لكم. ﴿اللهُ:﴾\nفاعل. ﴿رَبُّ:﴾ بدل من لفظ الجلالة، وهو مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والمصدر المؤول في محل جر بالإضافة لظرف زمان محذوف، التقدير: إلا وقت مشيئة الله. قاله البيضاوي، وأبو البقاء. وقال مكي: ﴿إِنْ﴾ وما معها في موضع خفض بإضمار الباء، أو في موضع نصب بحذف الخافض، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (التكوير) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4911>سورة الانفطار</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الانفطار) مكية في قول الجميع، وهي تسع عشرة آية، وثمانون كلمة، وثلاثمئة وسبعة وعشرون حرفا. انظر ما ذكرته في أول سورة (التكوير)، والله الموفق، والمعين.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5830\"></span><span id=\"aya-5831\"></span><span id=\"aya-5832\"></span><span id=\"aya-5833\"></span><span id=\"aya-5834\"></span>﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾\nالشرح: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي: تشققت بأمر الله تعالى لنزول الملائكة، كقوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٥]: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾. وقيل: تفطرت لهيبة الله تعالى. والفطر: الشق عن الشيء. يقال: فطرته، فانفطر. قال تعالى في سورة (المزمل):\n ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ومنه: فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر الشيء: تشقق، وسيف فطار؛ أي: فيه تشقق. قال عنترة: [الوافر]\nوسيفي كالعقيقة وهو كمعي... سلاحي لا أفلّ ولا فطارا\nالعقيقة: شعاع البرق الذي يبدو كالسيف، والكمع: الضجيع. وقد ذكر ﴿فاطِرِ﴾ و(فطر) في كثير من الآيات. وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الملك). ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي: تساقطت.\nوانظر ما ذكرته في سورة (التكوير). هذا؛ ويقال: نثرت الشيء، أنثره نثرا، فانتثر، والاسم:\nالنثار بكسر النون، وبضمها: ما تناثر من الشيء. ففي هذه الآية استعارة مكنية، حيث شبه الكواكب بجواهر قطع سلكها، فتناثرت متفرقة، وطوى ذكر المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الانتثار على طريق الاستعارة المكنية.\n ﴿وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فجر بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا، وزال الحاجز الذي ذكر الله في سورة (الرحمن) بقوله: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ،﴾ وفي سورة (الفرقان) بقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾. وقال الحسن﵀-: ﴿فُجِّرَتْ﴾ ذهب ماؤها، ويبست، وذلك:\nأنها أولا راكدة مجتمعة، فإذا فجرت؛ تفرقت، فذهب ماؤها. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: قلبت، وأخرج ما فيها من أهلها أحياء، يقال: بعثرت المتاع: قلبته ظهرا لبطن، وبعثرت الحوض،","vol":"10","page":478},{"text":"وبحثرته: إذا هدمته، وجعلت أسفله أعلاه. وقال قوم منهم الفراء: ﴿بُعْثِرَتْ﴾ أخرجت ما في بطنها من الذهب والفضة، وإن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها، وفضتها. قال تعالى في سورة (الزلزلة): ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ:﴾ مثل قوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ وانظر سورة (التكوير) رقم [١٤]. هذا؛ وتنكير ﴿نَفْسٌ﴾ يفيد التكثير. وانظر سورة (العاديات) رقم [٩].\nهذا؛ وقال الجمل نقلا عن الرازي: واعلم: أن المراد من هذه الآيات: أنه إذا وقعت هذه الأشياء؛ التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر، والنشر، وهي هاهنا أربعة: اثنان منها يتعلقان بالعلويات، واثنان يتعلقان بالسفليات. والمراد بهذه الآيات بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، وانقطاع التكاليف. والسماء كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار؛ فإنه يبدأ أولا بتخريب السقف، ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، ثم بعد تخريب السماء، والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض من البحار، ثم بعد ذلك تخرب الأرض؛ التي فيها الأموات، وأشار لذلك بقوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ثم إن قوله: ﴿ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ يقتضي فعلا، وتركا، فإن كان قد قدم الكبائر، وأخر العمل الصالح؛ فمأواه النار، وإن كان قد قدم العمل الصالح، وأخر الكبائر؛ فمأواه الجنة، فيحصل العلم الإجمالي في أول زمان الحشر؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة في أول الأمر، وأما العلم التفصيلي؛ فلا يحصل إلا عند قراءة الكتب، والمحاسبة. انتهى.\nهذا؛ وتفسيره-رحمه الله تعالى-: ﴿ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ بما تقدم، قد يكون غير واف بالغرض، والأحسن، والأولى هو ما ذكرته في تفسير، وشرح قوله تعالى في سورة (القيامة) رقم [١٣]: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ انظره فإنه جيد. هذا؛ ولا تنس الطباق بين (قدمت) و(أخرت)، وكذلك السجع المرصّع، وهو ما تراه في الآيات مختومة بتاء التأنيث الساكنة، وهو من المحسنات البديعية، وهو ناتج من توافق الفواصل رعاية لرؤوس الآيات، ومثل ذلك سورة (التكوير) كلها.\nالإعراب: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ..﴾. إلخ: مثل قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ..﴾. إلخ بلا فارق. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ جملا، وإفرادا بلا فارق بينهما، فلا حاجة إلى إعراب هذه الآيات هنا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\n\n<span id=\"aya-5835\"></span><span id=\"aya-5836\"></span><span id=\"aya-5837\"></span><span id=\"aya-5838\"></span>﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي: ما خدعك، وسوّل لك الباطل؛ حتى صنعت ما صنعت، وضيعت ما أوجب الله عليك؟! والمعنى: ما الذي أمنك من عقابه؟ قيل:","vol":"10","page":479},{"text":"نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: في أبي بن خلف. وقيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي، واسمه أسيد. وقيل: كلدة بن خلف، وكان كافرا، ضرب النبي ﷺ، فلم يعاقبه الله، وأنزل هذه الآية. وقيل: الآية عامة في كل كافر، وعاص، وهو الأولى.\nيقول الله: ﴿ما غَرَّكَ﴾ قيل: غرّه حمقه، وجهله. وقيل: غرّه تسويل الشيطان. وقيل: غرّه عفو الله عنه؛ حيث لم يعاجله بالعقوبة في أول مرة. ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي: المتجاوز عنك، فهو بكرمه لم يعاجلك بعقوبته، بل بسط لك المدة لرجاء التوبة. قال ابن مسعود﵁-:\nما منكم من أحد إلا سيخلو الله ﷿ به يوم القيامة، فيقول له: يابن آدم ما غرك بي؟ يا بن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه، فقال لك: يا بن آدم ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ماذا كنت تقول؟ قال:\nأقول: غرني ستورك المرخاة؛ لأن الكريم هو الستار. نظمه ابن السماك، فقال: [السريع]\nيا كاتم الذّنب أما تستحي... والله في الخلوة ثانيكا\nغرّك من ربّك إمهاله... وستره طول مساويكا\nوقال يحيى بن معاذ الرازي: لو أقامني بين يديه وقال: ما غرك بي؟ أقول: غرني برك بي سالفا، وآنفا. وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك؟ لقلت: غرني كرم الكريم.\nوقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ دون سائر أسمائه، وصفاته، كأنه لقنه حجته في الإجابة، حتى يقول: غرني كرم الكريم. انتهى. خازن بتصرف.\n ﴿الَّذِي خَلَقَكَ:﴾ أوجدك من العدم بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، وكان ذلك من نطفة مذرة.\n ﴿فَسَوّاكَ﴾ أي: جعلك سويا سالم الأعضاء في بطن أمك، فجعل لك عينين تبصر فيهما، وأذنين تسمع بهما، ويدين تبطش بهما، ورجلين تسعى بهما. ﴿فَعَدَلَكَ:﴾ يقرأ بتشديد الدال: أي:\nفصيرك معتدلا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض، وبعضها أسود. وقيل: معناه: جعلك قائما معتدلا حسن الصورة، ولم يجعلك كالبهيمة، تأكل، وتشرب منحنيا. قال تعالى في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. ويقرأ بتخفيف الدال، وعليه فالمعنى: فأمالك وصرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنا، وإما قبيحا، وإما طويلا وإما قصيرا، انظر ما ذكرته في آيات (السجدة) رقم [٧ و٨ و٩]، وفي سورة (الأعلى) أيضا.\n ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي: إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وقال مكحول: إن شاء ذكرا، وإن شاء أنثى.\nوقيل: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ من الصور المختلفة، بحسب الطول، والقصر، والحسن،","vol":"10","page":480},{"text":"والقبح، والذكورة، والأنوثة، وفي هذه دلالة على قدرة الصانع المختار القادر المقتدر، وذلك:\nأنه لما اختلفت الهيئات، والصفات؛ دل ذلك على كمال القدرة، واتساع الصنعة، وأنّ المدبر المختار هو الله تعالى.\nهذا؛ ويستدل بهذه الآية من يقول بتناسخ الأرواح، فهم يقولون: إن الإنسان إذا مات، وخرجت روحه من بين جنبيه؛ تحل بجسد آخر، فإن كانت صالحة طاهرة، عمل صاحبها الطاعات؛ تحلّ بجسد إنسان عاقل كريم، وإن كانت خبيثة، عمل صاحبها المعاصي، والإضرار للناس، والإفساد في الأرض؛ تحل بجسد حيوان، أو وحش، أو هوام... إلخ، وحلولها في الجسد الخبيث عقوبة لها، حتى إذا طهرت، وتهذبت يموت الجسد الخبيث، ثم تعود فتحل بجسد إنسان آخر عاقل كريم، وهذا التناسخ يقوله الهندوس في الهند، ويوجد في البلاد العربية من يقول به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١] من سورة (الواقعة).\nتنبيه: تلا النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. فقال: «غره جهله». وقال عمر -﵁-: غره حمقه، وجهله. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: غره والله شيطانه الخبيث! أي: زين له المعاصي. وقال له: افعل ما شئت، فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أولا، وهو متفضل عليك آخرا؛ حتى ورطه، وأوقعه في المعاصي. هذا؛ ولا تنس: أن الشيطان اللعين يتبرأ من الذي أغواه، انظر الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.\n ﴿كَلاّ:﴾ ردع عن الاغترار بكرم الله، وعن الغفلة عن طاعته، وعبادته. ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ:﴾\nالخطاب لأهل مكة ومن على شاكلتهم من الملاحدة في هذا الزمن؛ الذين ينكرون الصلاة، وغيرها من العبادات المعلومة من الدين بالضرورة. وهو إضراب انتقالي إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ بدل من (أيّ) أو عطف بيان عليه، والجملة الندائية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿غَرَّكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿ما،﴾ والجملة الاسمية لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها.\n ﴿بِرَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْكَرِيمِ:﴾ صفة (ربك). ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ثانية. ﴿خَلَقَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو","vol":"10","page":481},{"text":"العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (سواك فعدلك) معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها.\n ﴿فِي أَيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿رَكَّبَكَ،﴾ و﴿ما﴾ بعدهما مزيدة، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكاف؛ أي: ركبك حال كونه حاصلا في بعض الصور. أو هما متعلقان بالفعل: (عدلك)، التقدير: وضعك في صورة أي صورة. ذكر ذلك ابن هشام في المغني، واعترض عليه في الأخير بأن معنى (أي) الاستفهام فلها صدر الكلام، فكيف يعمل فيها ما قبلها.\nهذا؛ وأجيز اعتبار (ما) أداة شرط جازمة تجزم فعلين، فقد جزمت الفعلين بعدها، وعليه فالجملة الشرطية بمجموعها في محل جر صفة ﴿صُورَةٍ﴾. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ربك، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿صُورَةٍ﴾ على اعتبار ﴿ما﴾ زائدة، ومبتدأة لا محل لها على اعتبار ﴿ما﴾ أداة شرط. ﴿رَكَّبَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ربك)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (ما) شرطية، وفي محل نصب حال من فاعل ﴿خَلَقَكَ﴾ و(سواك) و(عدلك) على اعتبار (ما) زائدة، وهي على تقدير «قد» قبلها.\n ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى. وقال القرطبي: يجوز أن تكون بمعنى:\nحقا، وبمعنى: ألا الاستفتاحية، فيبتدأ بها، ويجوز أن تكون بمعنى «لا» النافية، على أن يكون المعنى: ليس الأمر كما تقولون من أنكم في عبادتكم غير الله محقون. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿تُكَذِّبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِالدِّينِ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5839\"></span><span id=\"aya-5840\"></span><span id=\"aya-5841\"></span>﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِرامًا كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)﴾\nالشرح: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ﴾ أي: رقباء من الملائكة. ﴿كِرامًا كاتِبِينَ:﴾ كراما على الله، كقوله تعالى في سورة (عبس) رقم [١٦]: ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾. ﴿كاتِبِينَ:﴾ يكتبون أعمالكم، وأقوالكم.\n ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ:﴾ لا يخفى عليهم شيء من أقوالكم، وأفعالكم، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (الرعد): ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ..﴾. إلخ، وأن تنظر قوله تعالى في سورة (ق): ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وانظر سورة (الطارق)، وخذ هنا ما يلي:\nفقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: الخراءة، أو الجماع، فإذا اغتسل أحدكم، فليستتر بجرم حائط، أو بغيره، أو ليستره أخوه».","vol":"10","page":482},{"text":"وعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ينهاكم عن التعرّي، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكاتبين الّذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات:\nالغائط، والجنابة، والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء، فليستتر بثوبه، أو بجرم حائط، أو ببعيره». وسبب ورود هذا الحديث: أن النبي ﷺ رأى رجلا يغتسل بفلاة من الأرض. وروي عن علي﵁قال: لا يزال الملك موليا عن العبد ما زال بادي العورة، وروي: أن العبد إذا دخل الحمام بدون مئزر؛ لعنه ملكاه.\nواختلف الناس في الكفار: هل عليهم حفظة، أم لا؟ فقال بعضهم: لا؛ لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد. قال الله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤١]: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ وقيل: بل عليهم حفظة بدليل الآيات التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾. وقوله تعالى في سورة (الانشقاق): ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ فأخبر الله: أن الكفار يكون لهم كتاب، ويكون عليهم حفظة. فإن قيل: الذي على يمينه؛ أي شيء يكتب، ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب عن شماله يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدا على ذلك؛ وإن لم يكتب. والله أعلم.\nسئل سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: كيف تعلم الملائكة: أن العبد قد همّ بحسنة، أو سيئة؟! قال: إذا هم العبد بحسنة؛ وجدوا منه ريح المسك، وإذا هم بسيئة؛ وجدوا منه ريح النتن. هذا؛ ومن المعلوم، والمحفوظ: أن الحفظة من الملائكة غير الكتبة، انظر آية (الرعد) وآية (ق) ففيهما تفصيل، وتوضيح لذلك.\nالإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إن) تقدم على اسمها. ﴿لَحافِظِينَ:﴾ اللام: لام الابتداء. (حافظين): اسم (إنّ) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه اسم فاعل جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، التقدير: أعمالكم. أو حافظين لكم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿تُكَذِّبُونَ،﴾ والرابط:\nالواو، والضمير وجوز اعتبارها مستأنفة. ﴿كِرامًا كاتِبِينَ:﴾ صفتان ل: (حافظين)، وعند التأمل يتبين لك: أن الثلاثة صفات لموصوف محذوف هم: «الملائكة». ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعلمون الذي، أو شيئا يفعلونه. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية؛ فهي تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلمون فعلهم، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثالثة ل: (حافظين)، أو صفة رابعة، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: (حافظين) فلست مفندا.","vol":"10","page":483},{"text":"<span id=\"aya-5842\"></span><span id=\"aya-5843\"></span><span id=\"aya-5844\"></span><span id=\"aya-5845\"></span>﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ﴾ أي: الذين بروا في وعودهم، وصدقوا في إيمانهم بأداء ما افترض الله عليهم، واجتناب معاصيه، وبروا الناس بالإحسان إليهم، واللطف بهم، والرفق في معاملاتهم، ومعاشرتهم. وانظر سورة (الدهر) رقم [٥]. ﴿لَفِي نَعِيمٍ:﴾ لفي بهجة، وسرور لا يوصف، يتنعمون في رياض الجنة، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم مخلدون في ذلك، لا يبرحون، ولا يهرمون. هذا؛ والنعيم: التنعم، والترفه، وأيضا النعيم: النعمة بفتح النون، يقال: نعمه الله، وناعمه، وامرأة منعمة ومناعمة بمعنى، والمعنى إن الأبرار في الجنات يتنعمون. ﴿وَإِنَّ الْفُجّارَ﴾ أي: الكفرة، والفسقة، والملاحدة؛ الذين عصوا ربهم في الدنيا، وخالفوا أوامره. ﴿لَفِي جَحِيمٍ:﴾ لفي نار محرقة، وعذاب دائم مقيم في دار الجحيم. ﴿يَصْلَوْنَها:﴾ يدخلونها، ويقاسون حرها. ﴿يَوْمَ الدِّينِ:﴾ يوم الحساب، والجزاء؛ الذي كانوا يكذبون به في الدنيا. ما ألطف هذه المقابلة في الآيتين بين الأبرار، والفجار! وفيهما أيضا فنّ الترصيع، وكل ذلك من المحسنات البديعية. ﴿وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذاب النار، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت، أو الراحة؛ ولو يوما واحدا. وقيل: معناه: وما يغيبون عنها قبل ذلك؛ إذ كانوا يجدون سمومها في القبور، وهو كقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ رقم [٣٧] من سورة (المائدة)، وأيضا سورة (البقرة) رقم [١٦٧].\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَبْرارَ:﴾ اسمها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (في نعيم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها. ﴿يَصْلَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في الجار، والمجرور لوقوعهما خبرا عن ﴿إِنَّ،﴾ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. وأجاز أبو البقاء اعتبارها صفة ل: ﴿جَحِيمٍ،﴾ والرابط: الضمير المنصوب. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما).\n ﴿عَنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿بِغائِبِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غائبين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.","vol":"10","page":484},{"text":"<span id=\"aya-5846\"></span><span id=\"aya-5847\"></span><span id=\"aya-5848\"></span>﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: أي شيء يوم الدين؟ تفخيما لشأنه، وتعظيما لهوله؛ أي: حقه أن يستفهم عنه لعظمه، فوضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التهويل. ﴿ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ المعنى: وأي شيء علمته عن يوم الدين؟ أي: إنك لا علم لك بكنهه، ومدى عظمه؛ لأنه من العظم، والشدة بحيث لا تبلغ حقيقته دراية المخلوقين، ومعرفتهم، والخطاب للنبي ﷺ، ويعم كل عاقل فاهم، يهمه شأن يوم الدين.\nوالنبي ﷺ كان عالما بيوم الدين، ولكن بالصفة، فقيل تفخيما لشأنه: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: كأنك لست تعلمه؛ إذا لم تعاينه. قال يحيى بن سلام-رحمه الله تعالى-: بلغني أن كل شيء في القرآن ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فقد أدراه إياه، وعلمه، وكل شيء قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ؟﴾ فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة-رحمه الله تعالى-: كل شيء قال فيه: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فإنه لم يخبر به.\n ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا تملك نفس كافرة لنفس كافرة شيئا من المنفعة، وكذلك المؤمنة لا تستطيع ذلك لغيرها بوجه، وإنما تملك الشفاعة، والمنفعة لغيرها بالإذن، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ كقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [١٦]: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ هذا؛ وفي هذه الآيات من البلاغة فنّ الإطناب بتكرير الجملة، وإعادتها.\nبعد هذا فالفعل: «درى» بمعنى: علم من أفعال اليقين، فينصب مفعولين كقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]\nدريت الوفيّ العهد يا عمرو فاغتبط... فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد\nوهو قليل؛ إذ الكثير المستعمل فيه أن يتعدى إلى واحد بالباء، نحو دريت بكذا، فإن دخلت عليه همزة النقل؛ تعدى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ الآية رقم [١٦] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. قال شيخ الإسلام: ومحل ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى في سورة (القارعة): ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ؟﴾ فالكاف مفعول أول، والجملة الاسمية سدت مسد المفعولين. انتهى.\nوالذي في «الهمع» و«المغني» -قيل: وهو الأوجه-: أن الجملة الاسمية سدت مسدّ المفعول الثاني المتعدي إليه بالحرف، فتكون في محل نصب بإسقاط الجار، كما في فكرت:","vol":"10","page":485},{"text":"أهذا صحيح أم لا؟ أي: فكرت بما ذكر. انتهى. جرجاوي، وينبغي أن تعلم أن الفعل أدراك هنا معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام بعده، والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق، إلا أن النحويين لم يعدوا «لعل» من المعلقات، والحق مع الكوفيين، وهو ظاهر في قوله تعالى في سورة (عبس): ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ سورة (الأحزاب) رقم [٦٣] فإن كان «درى» بمعنى: «ختل»؛ أي: خدع كان متعديا إلى واحد بنفسه، مثل دريت الصيد؛ أي: ختلته، وخدعته. قال الأخطل التغلبي: [الطويل]\nفإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد ولا يدري\nأي: يصيد، ولا يختل. ومثله قول الآخر: [الطويل]\nفإن كنت لا أدري الظّباء فإنني... أدسّ لها تحت التراب الدّواهيا\nأي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: حك، مثل: درى رأسه بالمدرى؛ أي: حك رأسه بالمشط؛ فهو كذلك. هذا؛ وانظر شرح اليوم في الآية رقم [٩] من سورة (المدثر). هذا؛ و﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ يوم الدينونة، والحساب، والجزاء. والدّين (بكسر الدال): اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى، والدّين أيضا: الملة، والشريعة. ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ رقم [٧٦] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. و﴿يَوْمُ الدِّينِ:﴾\nيوم الحساب، والجزاء، وهو ما في الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، ومنه: كما تدين تدان؛ أي: كما تفعل؛ تجازى. وعن ابن عباس﵄قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشرّ؛ إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قرأ: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا؛ والدّين بفتح الدال القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب. والديانة اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. هذا؛ والدين: العادة، والعمل، ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nتقول إذا أدرت لها وضيني... فهذا دينها أبدا وديني\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿ما يَوْمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول: ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث؛ لأنه بمعنى: أعلم، و﴿يَوْمُ﴾ مضاف، و﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: (ما أدراك...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها","vol":"10","page":486},{"text":"مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿يَوْمُ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اذكر، ويقرأ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو يوم. هذا؛ وقال الزمخشري: هو بدل من ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ على القراءتين، فعلى الرفع؛ فظاهر، وعلى الفتح؛ فهو مبني على الفتح في محل رفع.\nوقال الكوفيون بقول الزمخشري. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله.\n ﴿لِنَفْسٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْئًا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمُ﴾ إليها. ﴿وَالْأَمْرُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الأمر): مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و(إذ) ظرف زمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ لا تملك نفس... إلخ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا ضعيف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الانفطار) شرحا، وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4917>سورة المطفّفين</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (المطففين) مكية في قول ابن مسعود، والضحاك، ومقاتل، ومدنية في قول الحسن، وعكرمة. وقال مقاتل: وهي أول سورة نزلت في المدينة. وقال ابن عباس، وقتادة﵄-: مدنية إلا ثمان آيات من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ إلى آخرها مكي. وقال الكلبي، وجابر بن زيد: نزلت بين مكة والمدينة. وهي ست وثلاثون آية، ومئة وتسع وستون كلمة، وسبعمئة وثلاثون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5849\"></span><span id=\"aya-5850\"></span><span id=\"aya-5851\"></span>﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾\nالشرح: قال الجمل: ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر حال السعداء والأشقياء، ويوم الجزاء وعظم ذكر ما أعد لبعض العصاة، ذكرهم بأخسّ ما يقع من المعصية، وهي التطفيف؛ الذي لا يكاد يجدي شيئا من تكثير المال، وتنميته. انتهى. نقلا من البحر.\nهذا؛ وروى النسائي، وابن ماجه عن ابن عباس﵄قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة؛ كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك. قال الفراء: فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا. وعن ابن عباس﵄- أيضا؛ قال: هي أول سورة نزلت على رسول الله ﷺ ساعة نزل المدينة، وكان هذا فيهم، كانوا إذا اشتروا؛ استوفوا بكيل راجح، فإذا باعوا؛ بخسوا المكيال، والميزان، فلما نزلت هذه السورة؛ انتهوا، فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا.\nوعن ابن عباس﵄أيضا قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل، والوزن: «إنّكم قد ولّيتم أمرا فيه هلكت الأمم السّالفة قبلكم». رواه الترمذي، والحاكم. هذا؛ وقد كان قوم شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يبخسون الكيل، والميزان، فأخذهم الله بذلك، وقد ذكرت قصتهم في سورة (الأعراف) و(الشعراء)، و(هود) وغير ذلك مفصلة تفصيلا وافيا.","vol":"10","page":488},{"text":"وعنه أيضا؛ قال: قال النبي ﷺ: «خمس بخمس، ما نقض قوم العهد؛ إلا سلّط الله عليهم عدوّهم. ولا حكموا بغير ما أنزل الله؛ إلاّ فشا فيهم الفقر. وما ظهرت الفاحشة فيهم؛ إلاّ ظهر فيهم الطّاعون. وما طفّفوا الكيل؛ إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسّنين. ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر». أخرجه أبو بكر البزار.\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ-وأعوذ بالله أن تدركوهنّ-لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطاعون، والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال، والميزان؛ إلا أخذوا بالسّنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا فيما أنزل الله؛ إلا جعل الله بأسهم بينهم».\nرواه ابن ماجه، والبيهقي، والبزار.\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٥]: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الرحمن) رقم [٩]: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ بعد هذا انظر شرح ﴿وَيْلٌ﴾ في الآية رقم [١٥] من سورة (المرسلات).\nأما (المطففين) فهو جمع: مطفف مأخوذ من التطفيف، وهو القليل، والمطفف هو المقل حق صاحبه بنقصانه حقه في كيل، أو وزن. وقال الزجاج: إنما قيل للفاعل من هذا: مطفف؛ لأنه لا يكاد يسرق من المكيال، والميزان إلا الشيء الطفيف الخفيف. هذا؛ وقال بعض العلماء:\nالتطفيف في الكيل والوزن والوضوء والصلاة، وفي الموطأ: قال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-:\nويقال: لكل شيء وفاء، وتطفيف. وروي عن سالم بن أبي الجعد؛ قال: الصلاة بمكيال، فمن أوفى؛ أوفى الله له، ومن طفف؛ فقد علمتم ما قال الله ﷿ في ذلك: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.\n ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أي: إذا اكتالوا من الناس؛ استوفوا؛ لأنفسهم الكيل، والوزن، فيأخذون حقهم بالوافي، والزائد، فوقعت ﴿عَلَى﴾ موقع: «من» على التقارض بين الحرفين. والتقارض باب من أبواب النحو. انظره في كتابنا: «فتح القريب المجيب».\n ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ أي: كالوا لهم بالمكيال، أو وزنوا لهم بالميزان، فحذف حرف الجر من الكلمتين، مثل: نصحتك، ونصحت لك، وشكرتك، وشكرت لك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (عبس) وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس. قال الزجاج: لا يجوز الوقف على (كالوا) و(وزنوا) حتى تصل به (هم). قال: ومن الناس من يجعلها توكيدا، ويجيز الوقف على (كالوا) و(وزنوا). والأول الاختيار؛ لأنها حرف واحد. وهو","vol":"10","page":489},{"text":"قول الكسائي. قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين؛ أي: كلمتين، ويقف على (كالوا) و(وزنوا) ويبتدئ: (هم يخسرون). قال أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين: إحداهما الخط، وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين؛ لكانتا (كالوا) و(وزنوا) بالألف. والأخرى: أنه يقال: كلتك، ووزنتك، بمعنى: كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام عربي. كما يقال: صدتك، وصدت لك، وكسبتك، وكسبت لك. وكذلك: شكرتك، ونصحتك. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (يس) رقم [٣٩]: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وقال في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ رقم [٥] إذ التقدير: قدرنا له، وقدر له، ومثل الآيات قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٧٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والشاهد رقم [١٠١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل]\nولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر\n ﴿يُخْسِرُونَ:﴾ ينقصون الكيل، والميزان. وهذا الوعيد يلحق من يأخذ لنفسه زائدا، ويدفع إلى غيره ناقصا. ويتناول الوعيد القليل، والكثير، لكن إذا لم يتب منه، فإن تاب منه، ورد الحقوق إلى أصحابها؛ قبلت توبته، ومن فعل ذلك، وأصر عليه؛ كان مصرا على كبيرة من الكبائر.\nوذلك؛ لأن عامة الخلق محتاجون إلى المعاملات، وهي مبنية على أمر الكيل، والوزن، والذرع، فلهذا السبب عظم أمر الكيل، والوزن، وأمر الله بالوفاء فيهما في كثير من الآيات.\nهذا؛ وقال نافع مولى ابن عمر: كان ابن عمر﵄يمر بالبائع، فيقول: (اتق الله، وأوف الكيل، والوزن بالقسط، فإنّ المطففين يوقفون يوم القيامة؛ حتى يلجمهم العرق) أي: فيكون عرقهم على قدر تفاوتهم في التطفيف، فمنهم من يكون عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به-وهو نكرة-؛ لأنه بمعنى العذاب، وهو دعاء عليهم، والدعاء من المسوغات، سواء كان دعاء له، نحو: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أو عليه، كهذه الآية. ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدلا من المطففين، أو هو صفة له، أو هو في محلّ نصب مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: أذمّ الذين. أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. والوجه الأول على الإتباع، والثاني، والثالث على القطع. ﴿إِذَا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿اِكْتالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على المشهور","vol":"10","page":490},{"text":"المرجوح. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بالفعل بعدهما. ﴿يَسْتَوْفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها. وقيل جواب (إذا) محذوف، تقديره: قبضوا منهم. وجملة: ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ في محل نصب حال من فاعل الفعل المحذوف. وهو تكلف لا داعي له. هكذا قيل في جواب (إذا) الثانية. و(إذا) ومدخولها صلة الموصول ﴿الَّذِينَ﴾ لا محل له. (إذا): مثل سابقتها. ﴿كالُوهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها كما رأيت سابقا. ﴿وَزَنُوهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وانظر شرح الجملتين. ﴿يُخْسِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهو من جملة الصلة.\n\n<span id=\"aya-5852\"></span><span id=\"aya-5853\"></span><span id=\"aya-5854\"></span>﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)﴾\nالشرح: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ:﴾ ألا يعلم، ويوقن، ويستيقن. ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ:﴾ من قبورهم للحساب والجزاء. ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ففيه إنكار، وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطر ببالهم، ولا يخمنون تخمينا: أنهم مبعوثون، ومحاسبون على أعمالهم. ولو اعتقدوا: أنهم مبعوثون ومحاسبون، ما نقصوا في الكيل والميزان.\nوعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: سمعت ما قال الله في المطففين؟! أراد بذلك: أن المطفف قد توجه عليه هذا الوعيد العظيم؛ الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل، ولا وزن؟! ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ يقوم الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، ويقفون بين يدي رب العالمين؛ ليحاسبهم على أعمالهم؛ التي عملوها في الدنيا. وهذا اليوم ذكرت أهواله في سورة (التكوير). وانظر طوله، وما قيل فيه في أول سورة (المعارج) وفي سورة (السجدة) وخذ ما يلي هنا:\nقال أبو هريرة﵁-: قال النبي ﷺ لبشير الغفاري﵁-: «كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه مقدار ثلاثمئة سنة لربّ العالمين، لا يأتيهم فيه خبر، ولا يؤمر فيه بأمر». قال بشير: المستعان الله! وعن أبي سعيد الخدري﵁عن النبي ﷺ قال: «إنه ليخفّف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة المكتوبة يصلّيها في الدنيا». هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (يونس) وقوله الحق: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ جعلنا الله منهم بفضله، وكرمه، ومنّه آمين.\nتنبيه: القيام لله رب العالمين سبحانه شيء حقير بالإضافة إلى عظمته، وحقه، فأما قيام الناس بعضهم لبعض، فاختلف فيه الناس، فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، وقد روي: أن","vol":"10","page":491},{"text":"النبي ﷺ قام إلى جعفر ابن عمه حين قدم من الحبشة، واعتنقه، وقام طلحة بن عبيد الله لكعب ابن مالك يوم تيب عليه. وقال النبي ﷺ للأنصار حين طلع عليهم سعد بن معاذ في غزوة بني قريظة: «قوموا لسيّدكم». وقال أيضا ﷺ: «من سرّه أن يتمثّل له الناس قياما؛ فليتبوأ مقعده من النار». وذلك يرجع إلى حال الرجل، ونيته، فإن انتظر ذلك، واعتقده لنفسه؛ فهو ممنوع. وإن كان على طريق البشاشة، والوصلة؛ فإنه جائز، وخاصة عند الأسباب كالقدوم من السفر، ونحوه. انتهى. قرطبي. أقول: ولا بأس به عند المماثلة، والمكافأة، وأعني بذلك: أن الشخص إن كان يقوم لمن يقوم له، ويحترمه؛ فلا بأس! وأما إن كان لا يقوم للناس، ويريد أن يتمثل له الناس قياما؛ فهذا الحرام، فإنه من الكبر، والغطرسة، والعجرفة بغير حق.\nالإعراب: ﴿أَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام دخلت على (لا) النافية للتوبيخ، والتأنيب.\n ﴿يَظُنُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مَبْعُوثُونَ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَظُنُّ﴾. ﴿لِيَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة (يوم).\n ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مَبْعُوثُونَ،﴾ أو هو متعلق بفعل محذوف يدل عليه ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ والمعنى: يبعثون يوم. وقيل: بدل من (يوم) وهو مبني على الفتح في محل جر. وقيل: منصوب بفعل محذوف، التقدير: أعني، أو اذكر. وجملة: ﴿يَقُومُ النّاسُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(رب) مضاف، و﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n\n<span id=\"aya-5855\"></span><span id=\"aya-5856\"></span><span id=\"aya-5857\"></span><span id=\"aya-5858\"></span><span id=\"aya-5859\"></span><span id=\"aya-5860\"></span><span id=\"aya-5861\"></span>﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وتنبيه؛ أي: ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف، والغفلة عن البعث، والحساب، والجزاء، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه، ويندم عليه، ثم أتبعه وعيد الفجار على العموم؛ لذا فليرتدعوا عنه! فعلى هذا تم الكلام هنا. وقيل: ﴿كَلاّ﴾ ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقا.\n ﴿إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ أي: الذي كتبت فيه أعمالهم. وقال ابن عباس﵄-: إن أرواح الفجار وأعمالهم. ﴿لَفِي سِجِّينٍ:﴾ قال ابن عمر﵄-: هي الأرض السابعة","vol":"10","page":492},{"text":"السفلى، وفيها أرواح الكفار. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن البراء بن عازب﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «سجّين: أسفل سبع أرضين، وعليون: في السماء السابعة تحت العرش». وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس﵄إلى كعب الأحبار، فقال:\nأخبرني عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ قال كعب: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي إلى سجين، وهو موضع خد إبليس، فيخرج لها من سجين رق، فيرقم، ويختم، ويوضع تحت خد إبليس لمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة. انتهى. خازن.\n ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أي: ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت، ولا قومك يا محمد! وروى أبو هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «سجّين جبّ في جهنم، وهو مفتوح». وقال أبو عبيدة والأخفش، والزجاج: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ لفي حبس، وضيق شديد (فعّيل) من السجن، كما يقال:\nفسّيق وشرّيب. قال ابن مقبل: [البسيط]\nورفقة يضربون البيض ضاحية... ضربا تواصت به الأبطال سجّينا\nوالمعنى: كتابهم في حبس. جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم، أو لأنه يحل من الإعراض عنه، والإبعاد له محل الزجر، والهوان. وهذا دليل على خبث أعمالهم، وتحقير الله إياها.\n ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم، كالرقم في الثوب، لا ينسى، ولا يمحى؛ حتى يحاسبوا به، ويجازوا عليه. وقال قتادة: أي: مكتوب، رقم لهم بشر، لا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد. وقال الضحاك: ﴿مَرْقُومٌ:﴾ مختوم بالغة حمير، وأصل الرقم:\nالكتابة. قال الشاعر: [الطويل]\nسأرقم في الماء القراح إليكم... على بعدكم إن كان للماء راقم\nقال النسفي-رحمه الله تعالى-نقلا عن الكشاف: فإن قلت: قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه في سجين، وفسر سجينا بكتاب مرقوم، فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم؛ فما معناه؟!\nقلت: سجين كتاب جامع هو ديوان الشر، دوّن الله فيه أعمال الشياطين، والكفرة من الجن، والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور، بيّن الكتابة، أو معلم، يعلم من رآه: أنه لا خير فيه، من: رقم الثياب علامتها. والمعنى: أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي سجينا فعيلا من السجن، وهو الحبس، والتضييق؛ لأنه سبب الحبس، والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان موحش مظلم، وهو مسكن إبليس، وذريته، وهو اسم علم منقول من وصف، كحاتم، منصرف لوجود سبب واحد، وهو العلمية","vol":"10","page":493},{"text":"فحسب. هذا؛ و﴿الفُجّارِ﴾ جمع: فاجر. والمراد بهم: الكفار. وكثيرا ما نجد من أبناء المسلمين من هو أفجر من الكفار: يظلم، ويعتدي على حقوق غيره، لا يخاف ربا، ولا يحترم قانونا، ولا يرعى ذمة، وعهدا، يكذب، ويخون، ويخلف الوعد، ويغش في بيعه، وشرائه، ويلف، ويدور في أخذه، وعطائه.\n ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ:﴾ هلاك، ووبال، وخزي، ونكال للذين يكذبون بيوم الجزاء، والحساب، والفصل بين العباد، وتمييز الحق من الباطل. و(يوم الدين) هو يوم القيامة الذي يدين الله فيه الناس؛ أي: يحاسبهم. ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ:﴾ وما يكذب بيوم الدين، والجزاء. ﴿إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ:﴾ متجاوز الحد الذي حدّه الله له، فيطغى، ويبغي، ويفسد في الأرض، بل ويعيث فيها فسادا. ﴿أَثِيمٍ:﴾ كثير الآثام لكثرة فساده في الأرض، وطغيانه على الناس.\n ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أي: تقرأ عليه آيات القرآن. ﴿قالَ:﴾ ذلك المعتدي الأثيم. ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:﴾ أكاذيب الأولين وأحاديثهم وأباطيلهم؛ التي كتبوها، وزخرفوها. والقائل هو النضر بن الحارث من بني عبد الدار. قال البيضاوي: وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنه كان قاضيهم، وصاحب مشورتهم، كان قد خرج إلى الحيرة في التجارة، فاشترى أحاديث كليلة، ودمنة، وكسرى، وقيصر، فلما قص رسول الله ﷺ أخبار من مضى؛ قال النضر:\nلو شئت لقلت مثل هذا! وكان يقول: يأتيكم محمد بأخبار عاد، وثمود، وأنا آتيكم بأخبار القياصرة، والأكاسرة! يقصد بذلك أذى النبي ﷺ. فلما حصلت غزوة بدر الكبرى، وقع أسيرا في أيدي المسلمين، فأمر الرسول ﷺ بقتله صبرا، فحزنت عليه أخته: «قتيلة»، وأرسالات أبياتا للنبي ﷺ مطلعها: [الكامل]\nأمحمد ولأنت نجل نجيبة... في قومها والفحل فحل معرق\nما كان ضرّك لو مننت وربّما... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق\nفلما سمع النبي ﷺ قصيدتها. قال: «لو سمعتها تقول هذا قبل أن أقتله؛ ما قتلته، ولعفوت عنه». ثم قال: «لا تقتل قريش أحدا بعد هذا صبرا». انظر الشاهد رقم [٤٧٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ و﴿أَساطِيرُ﴾ جمع: أسطورة، وإسطارة (بكسر الهمزة)، فالأول مثل: أحدوثة، وأضحوكة، وأعجوبة، وجمعها: أحاديث، وأضاحيك، وأعاجيب. وقيل: واحدها سطر، بفتح السين والطاء. وأسطار: جمع، وأساطير: جمع الجمع، مثل: أقوال، وأقاويل، هذا؛ وسطر الكتابة جمعه في القلة: أسطر، وفي الكثرة: سطور، مثل: فلس، وأفلس، وفلوس. هذا؛ وقد قيل في معنى ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:﴾ إنها التّرّهات، وهي عند العرب غامضة، ومسالك وعرة مشكلة، يقول قائلها: أخذنا في التّرّهات، بمعنى عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق المشكل الذي لا","vol":"10","page":494},{"text":"يعرف، فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف، ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة؛ التي لا أصل لها.\n ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ جمع: أول، وفيه مسائل: الأولى: الصحيح أن أصله: (أوأل) بوزن أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت في الأولى، بدليل قولهم في الجمع: أوائل. وقيل: أصله:\n (ووّل) بوزن: فوعل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.\nالثانية: الصحيح: أن أول لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه: ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد لا تكتسب بعده شيئا، وقد تكتسب. وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا؛ فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره، وقع الطلاق على الأول دون الثاني.\nالثالثة: لأول استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة؛ أي: أفعل تفضيل بمعنى الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو:\nهذا أول من هذين، ولقيته عاما أول. والثاني أن يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أولا، ومنه قولهم: ما له أول، ولا آخر. قال أبو حيان: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أولة، وآخرة. انتهى. همع الهوامع شرح جمع الجوامع.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر، أو حرف تنبيه بمعنى: حقا. انظر الشرح. ﴿إِنَّ:﴾\nحرف مشبّه بالفعل. ﴿كِتابَ﴾ اسم (إنّ)، و﴿كِتابَ:﴾ مضاف، و﴿الفُجّارِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَفِي:﴾\nاللام: هي المزحلقة. (في سجين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف.\n (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) الاستفهامية، والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما سِجِّينٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث ل: ﴿أَدْراكَ؛﴾ لأنه بمعنى: أعلم. ﴿كِتابَ:﴾ بدل من ﴿سِجِّينٍ،﴾ أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو كتاب، وهذا على تفسير النسفي الذي رأيته، وعلى اعتبار ﴿سِجِّينٍ﴾ اسم مكان، أو اسم موضع؛ فكتاب خبر (إنّ)، والجار، والمجرور: (في سجين) متعلقان ب: ﴿مَرْقُومٌ﴾. وقيل:\n ﴿كِتابَ﴾ خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مَرْقُومٌ:﴾ صفة ﴿كِتابَ﴾ وعلى هذين الوجهين؛ فالجملة الاسمية:\n ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ معترضة لا محل لها.","vol":"10","page":495},{"text":"﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق ب: ﴿وَيْلٌ﴾ لما فيه من معنى الهلاك، و(إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة مضافة (إذ) إليها. ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مستأنفة، لا محل لها على المعتمد. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة (المكذبين) أو بدل منه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم الذين.\n ﴿يُكَذِّبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿بِيَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(يوم) مضاف، و﴿الدِّينِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾\nالواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يُكَذِّبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كُلُّ:﴾ فاعل يكذب، وهو مضاف، و﴿مُعْتَدٍ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، و(معتد) صفة لموصوف محذوف. ﴿أَثِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، وجملة: (ما يكذب...) إلخ في محل نصب حال من (يوم الدين) والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل ﴿تُتْلى﴾. و(نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (كل معتد)، تقديره: هو.\n ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ما يقوله محمد، أو: يأتي به أساطير، وهو مضاف، و﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: «ما يقوله محمد أساطير» في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل جر صفة ثالثة للموصوف المحذوف.\n\n<span id=\"aya-5862\"></span>﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر؛ أي: ليس ما يأتي به محمد ﷺ أساطير الأولين، ﴿بَلْ رانَ:﴾ غطى. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ:﴾ من الكفر، والمعاصي، والسيئات. فعن أبي هريرة -﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ العبد إذا أخطأ خطيئة؛ نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر الله، وتاب؛ صقل قلبه، فإن عاد؛ زيد فيها؛ حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله في كتابه: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»﴾. رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.\nولذا قال المفسرون: هو الذنب على الذنب؛ حتى يسود القلب. قال مجاهد: هو الرجل يذنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه، ثم يذنب الذنب؛ فيحيط الذنب بقلبه؛ حتى تغشى الذنوب قلبه.","vol":"10","page":496},{"text":"أقول وبالله التوفيق: إن هذا في حق الفسقة الفجرة من المسلمين، أما الكافر؛ فإنه مطبوع على قلبه، ولا حظّ له في هذا الحديث، وأقوال المفسرين بدليل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٧]: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾. وما أكثر أبناء المسلمين في هذه الأيام الذين غطى الران على قلوبهم بسبب كسبهم المعاصي، والسيئات، وإعراضهم عن ذكر الله، وطاعتهم له! لذا أرشدهم الرسول ﷺ إلى الدواء الذي يزيل هذا الران؛ فعن عبد الله ابن عمرو﵁عن النبي ﷺ: أنه كان يقول: «إنّ لكلّ شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله...». إلخ رواه البيهقي. وعن أنس﵁-: أن رسول الله ﷺ قال:\n «إنّ للقلوب صدأ كصدأ النّحاس، وجلاؤها الاستغفار». رواه البيهقي أيضا.\nوقال أبو معاذ: الرين: أن يسود القلب من الذنوب. والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين، والإقفال: أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب. قال تعالى: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (محمد ﷺ).\nهذا؛ وأصل الرين: الغلبة، ومعنى الآية: أن الذنوب، والمعاصي غلبت على قلوبهم، وأحاطت بها. يقال: ران على قلبه ذنبه، يرين رينا، وريونا؛ أي: غلب. وقال أبو عبيدة: كل ما غلبك؛ فقد ران عليك، وران بك، ورانك. وقال الشاعر: [الطويل]\nوكم ران من ذنب على قلب فاجر... فتاب من الذّنب الّذي ران وانجلى\nورانت الخمر على عقله: غلبته، وران عليه النعاس: إذا غطاه. ومنه قول أبي زبيد يصف رجلا شرب؛ حتى غلبه الشراب سكرا، فقال: [الخفيف]\nثمّ لمّا رآه رانت به الخم... ر وألاّ ترينه باتّقاء\nفقوله: رانت به الخمر؛ أي: غلبت على عقله، وقلبه. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن الرّين في الآية الكريمة، والحديث الشريف إنما هو شيء معنوي، وليس بمادي، وتفسيره: أننا لو أخذنا قلب الكافر، أو قلب الفاجر الفاسق؛ لا نجد غطاء ماديا يحيط بالقلب، ولا نجد قلب أحدهما أسود وقلب المؤمن أبيض، أو أحمر... إلخ فثبت ما قلته-والحمد لله-من أنه معنوي، لا حسيّ ولا مادي. هذا؛ وما تقدم هو من اليائي، أما الواوي، فيقال: ران، يرون رونا: الأمر اشتد، وعظم. ورانت الليلة: اشتد هولها، أو غمها.\nهذا؛ والقلب قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة، خلقها الله في الآدمي، وجعلها محلا للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتابه الله بالخط الإلهي، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني حتى يحصيه، ولا ينسى منه شيئا، وهو بين لمّتين: لمة من الملك، ولمة من الشيطان، كما قال النبي ﷺ، فأمّا لمّة الملك؛ فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، وأما لمة الشيطان؛ فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، فمن وجد الأول؛ فليعلم: أنه من الله، وليحمد الله،","vol":"10","page":497},{"text":"ومن وجد الثاني فليتعوّذ بالله من الشيطان. ثم قرأ الرسول ﷺ قوله تعالى في سورة (البقرة):\n ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾. هذا؛ واللّمة بفتح اللام: الخطرة الواحدة من الإلمام، وهو القرب من الشيء والمراد بها في الحديث التي تقع في القلب من فعل خير، أو شرّ، فأما لمة الشيطان؛ فوسوسة. وأما لمة الملك؛ فإلهام من الله تعالى.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال، وإضراب. ﴿رانَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل ﴿رانَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْسِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها. والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيء كانوا يكسبونه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، والتقدير: ران على قلوبهم كسبهم السيئات، والمعاصي.\n\n<span id=\"aya-5863\"></span><span id=\"aya-5864\"></span><span id=\"aya-5865\"></span>﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ هنا بمعنى: حقا. ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني: الكفار. ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿لَمَحْجُوبُونَ:﴾ قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أنّ الله ﷿ يرى في يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنّهم يحجبون. وقال جل ثناؤه في سورة (القيامة): ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فأعلم الله جلّ ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، وأعلم أنّ الكفار محجوبون عنه. وقال مالك بن أنس-رحمه الله تعالى-في هذه الآية:\nلما حجب أعداءه، فلم يروه؛ تجلّى؛ لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي﵁-: لما حجب قوما بالسخط؛ دل على أن قوما يرونه بالرضا. ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس: أنه يرى ربه في المعاد؛ لما عبده في الدنيا. وهذا كلام المدللين. وقال الحسين بن الفضل: لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده؛ حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٢٢ و٢٣] ففيها الدواء الشافي لقلبك.\n ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ أي: ملازموها، ومحترقون فيها، غير خارجين منها. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٥٦]: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾. وقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٩٧]: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾. ﴿ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ:﴾","vol":"10","page":498},{"text":"أي: تقول لهم خزنة جهنم على وجه التقريع، والتوبيخ: هذا جزاء الذي كذبتم به رسل الله في الدنيا، وكذبتم وقوعه في الآخرة. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ابتداء بمعنى: حقا. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿عَنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب: (محجوبون) بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده، و(إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، والتقدير:\nيوم إذ يحشر الناس. ﴿لَمَحْجُوبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.\n ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَصالُوا:﴾ اللام: هي لام الابتداء زحلقت إلى الخبر. (صالو): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، وحذفت النون للإضافة، و(صالو) مضاف، و﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُقالُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.\n ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «تكذبون به» في محل نصب خبر (كان).\nوجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هذَا الَّذِي..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل ﴿يُقالُ﴾. أفاده ابن هشام في المغني، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه. وقد ذكرت لك مرارا:\nأن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام؛ أي: ويقال قول، وبعضهم يعتبر الجار، والمجرور: «لهم» المذكور، أو المقدر، كما هنا في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول. وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو (لا حول ولا قوة إلا بالله: كنز من كنوز الجنّة) ونحو (زعموا: مطية الكذب) وجملة: ﴿يُقالُ..﴾. إلخ معطوفة على خبر (إنّ)، فهي في محل رفع مثله.\n\n<span id=\"aya-5866\"></span><span id=\"aya-5867\"></span><span id=\"aya-5868\"></span><span id=\"aya-5869\"></span>﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وزجر؛ أي: ليس الأمر كما يزعمون من مساواة الفجار بالأبرار في دار القرار، بل كتابهم في سجين، وكتاب الأبرار في عليين. وعن كعب الأحبار؛ قال: إن","vol":"10","page":499},{"text":"روح المؤمن إذا قبضت صعد بها إلى السماء، وفتحت لها أبواب السماء، وتلقتها الملائكة بالبشرى، ثم يخرجون معها؛ حتى ينتهوا معها إلى العرش، فيخرج لهم من تحت العرش رق، فيرقم، ويختم فيه النجاة من الحساب يوم القيامة، ويشهده المقربون.\nوقال ابن عباس﵄-: ﴿عِلِّيُّونَ﴾ لوح من زبرجدة خضراء، معلق بالعرش، أعمالهم مكتوبة فيه. وقال الفراء: ﴿عِلِّيُّونَ﴾ ارتفاع بعد ارتفاع. وقال: هو اسم موضوع على صفة الجمع، ولا واحد له من لفظه، كقولك: عشرون، وثلاثون، والعرب إذا جمعت جمعا، ولم يكن له بناء من واحده، ولا تثنية؛ قالوا في المذكر، والمؤنث بالنون. ومن حديث ابن عمر -﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل علّيّين لينظرون إلى الجنة من كذا، فإذا أشرف رجل من أهل عليين؛ أشرقت الجنة لضياء وجهه، فيقولون: ما هذا النور؟ فيقال: أشرف رجل من أهل عليين الأبرار أهل الطّاعة، والصّدق». وفي خبر آخر: «إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما يرى الكوكب الدّرّيّ في أفق السماء». فهذا يدل على أن عليين اسم الموضع المرتفع.\n ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ أي: ما الذي أعلمك يا محمد أي شيء عليون؟! على جهة التفخيم، والتعظيم له في المنزلة الرفيعة. ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: مكتوب فيه: إن فلانا أمن من النار رقما يا له من رقم ما أبهاه، وما أجمله!. ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: يحضرونه، ويحفظونه. أو يشهدون بما فيه يوم القيامة لتعظيمه. والمعنى: يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء من الملائكة. ولا تنس المقابلة بين ﴿كَالْفُجّارِ﴾ وما لهم، وبين ﴿الْأَبْرارِ﴾ ومصيرهم. وتلك سنة الله في كتابه الكريم، فلا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر السخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا.\nهذا؛ وروي: أن الملائكة تصعد بعمل العبد، فيستقبلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه؛ أوحى إليهم: إنكم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه أخلص لي عمله، فاجعلوه في عليين، فقد غفرت له! وإنها لتصعد بعمل العبد، فيتركونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله؛ أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله، فاجعلوه في سجين! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر، أو حرف بمعنى: حقا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿كِتابَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و﴿الْأَبْرارِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي لام الابتداء، زحلقت إلى الخبر. (في عليين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ إعراب هذه الآية مثل إعراب ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ بلا فارق. ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ:﴾ هو مثل الآية رقم [٩] بلا فارق. ﴿يَشْهَدُهُ:﴾ فعل","vol":"10","page":500},{"text":"مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الْمُقَرَّبُونَ:﴾ فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿كِتابٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-5870\"></span><span id=\"aya-5871\"></span><span id=\"aya-5872\"></span>﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٣] من سورة (الانفطار). ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾\nجمع: أريكة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (الدهر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ إلى ما أعد الله لهم من الكرامات. وقيل: ينظرون إلى أعدائهم في النار كيف يعذبون.\nوقيل: ينظرون إلى ربهم. ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي: بهجته، وغضارته، ونوره. يقال:\nأنضر النبات: إذا أزهر، ونوّر، والمعنى: إذا رأيتهم تعرف: أنهم من أهل النعمة لما ترى على وجوههم من النور، والحسن، والبياض. هذا؛ والنضرة في الوجه، والسرور في القلب.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَبْرارَ:﴾ اسمها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (في نعيم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستقر في الخبر المحذوف، أو هي في محل رفع خبر ثان، أو هي مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿تَعْرِفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول، ورفع (نضرة) على أنه نائب فاعله. ﴿فِي وُجُوهِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَضْرَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n<span id=\"aya-5873\"></span><span id=\"aya-5874\"></span><span id=\"aya-5875\"></span><span id=\"aya-5876\"></span>﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾\nالشرح: ﴿يُسْقَوْنَ﴾ أي: الأبرار. وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الدهر) فالبحث فيها جيد.\n ﴿مِنْ رَحِيقٍ﴾ أي: من شراب لا غش فيه. قاله الأخفش، والزجاج. وقيل: الرحيق: الخمر الصافية، الطيبة البيضاء، والرحيق اسم من أسماء الخمر. قال حسان بن ثابت﵁-: [الكامل]\nيسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل","vol":"10","page":501},{"text":"وقال أبو الكبير الهذلي-وهو الشاهد رقم [١٢١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٤٩] كتابنا «فتح رب البرية» -: [الكامل]\nأم لا سبيل إلى الشّباب وذكره... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل\n ﴿مَخْتُومٍ:﴾ على إنائها، ومنع من أن تمسه الأيدي إلى أن يفك ختامه الأبرار، فإن قلت:\nفقد قال الله تعالى في سورة (محمد ﷺ) الآية رقم [١٥]: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ والنهر لا يختم عليه، فكيف طريق الجمع بين الآيتين؟! قلت: يحتمل أن يكون المذكور في هذه الآية في أوان مختوم عليها، وهي غير تلك الخمر التي في الأنهار، وإنما ختم عليها لشرفها، ونفاستها. انتهى.\nخازن. هذا؛ ولا تنس: أن الله جلت قدرته نفى عنها الغول الذي يسلب العقل؛ الذي يكون في خمر الدنيا. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ فاسمها في الجنة خمر، لكن طعمها أحلى من العسل، ولونها أبيض من اللبن، وهي أبرد من الثلج! نسأل الله أن يوفقنا إلى العمل الصالح في الدنيا لنفوز بفضل الله علينا في الآخرة!.\n ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: طينته التي ختم عليه بها مسك، بخلاف خمر الدنيا، فإن ختامها طين، أمر الله تعالى بالختم عليه إكراما لأصحابها. وقال ابن مسعود﵁-: مختوم؛ أي:\nممزوج ختامه؛ أي: آخر طعمه، وعاقبته مسك. وقيل: يخرج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك، وهو حسن وجيد؛ لأن سبيل الأشربة أن يكون الكدر في آخرها، فوصف شراب أهل الجنة بأن رائحة آخره رائحة المسك. هذا؛ والخاتم، والختام متقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم الاسم، والختام المصدر. قاله الفراء. وقال الفرزدق: [الوافر]\nخرجن إليّ لم يطمثن قبلي... وهنّ أصحّ من بيض النّعام\nفبتن بجانبيّ مصرّعات... وبتّ أفضّ أغلاق الختام\nهذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ تشبيه بليغ؛ إذ الأصل ختامه كالمسك في الطيب، والبهجة. فحذف منه الأداة، ووجه الشبه: فأصبح بليغا.\n ﴿وَفِي ذلِكَ﴾ أي: وفي هذا النعيم، والشراب الهنيء. ﴿فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ أي: فليرغب بالمبادرة إلى طاعة الله الراغبون، وليتسابق المتسابقون. نظيره قوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾. ﴿وَمِزاجُهُ﴾ أي: مزاج ذلك الرحيق، وخلطه. ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: شراب ينصبّ عليهم من غرفهم، ومنازلهم، وهو أشرف شراب أهل الجنة، وهو مأخوذ من العلو، ومنه: سنام البعير؛ لأنه أعلاه، ومنه أيضا: سنام الجبل، وهو قمته العليا، وكذلك ﴿تَسْنِيمٍ﴾. وروي عن عبد الله بن عمر﵄قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾ عين في الجنة يشرب بها المقربون صرفا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين، فتطيب. وقال ابن عباس","vol":"10","page":502},{"text":"-﵄-: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ سورة (السجدة) رقم [١٧].\n ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ:﴾ فإنهم يشربونها صرفا؛ لأنهم لم يشتغلوا بغير الله، ويمزج لسائر أهل الجنة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (الدهر)، تجد ما يسرك ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿يُسْقَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية محلها مثل جملة: ﴿تَعْرِفُ..﴾. إلخ ﴿مِنْ رَحِيقٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب المفعول الثاني. ﴿مَخْتُومٍ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رَحِيقٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (في ذلك): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَلْيَتَنافَسِ:﴾ الفاء: صلة، أو هي حرف استئناف، والواو صلة. (ليتنافس): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْمُتَنافِسُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، ومثل هذه الجملة في إعرابها قوله تعالى في كثير من السور: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ﴿وَمِزاجُهُ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (مزاجه): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وما بينهما معترض لا محل له. ﴿عَيْنًا:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح عينا. وقيل: التقدير: يسقون عينا، وهو قول الأخفش. وعند الفراء منصوب ب: ﴿تَسْنِيمٍ﴾ على أنه مصدر من: السنام. وقال الزجاج:\nنصب على الحال من: ﴿تَسْنِيمٍ،﴾ ولا أسلمه؛ لأن ﴿عَيْنًا﴾ اسم جامد، والحال يجب أن يكون مشتقا. ﴿يَشْرَبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمُقَرَّبُونَ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿عَيْنًا﴾.\n\n<span id=\"aya-5877\"></span><span id=\"aya-5878\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا:﴾ كفروا. يعني: كفار قريش، كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وغيرهم من مترفي أهل مكة. ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أي: من عمّار، وخباب، وصهيب، وبلال، وأصحابهم من فقراء المؤمنين. ﴿يَضْحَكُونَ﴾ أي: منهم على وجه السخرية، والاستهزاء، ويقولون عنهم: جاء ملوك الأرض! قوموا لملوك الأرض! ﴿وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ﴾ أي: مر المؤمنون الفقراء بالكفار الأغنياء. ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أي: يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم إلى الفقراء المؤمنين سخرية، واستهزاء. هذا؛ والغمز: العيب، والطعن. وهو أيضا:","vol":"10","page":503},{"text":"الجس، واللمس باليد. قال زياد الأعجم-وهو الشاهد رقم [١٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [١٤٦] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]\nوكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما\nوقال جرير مفتريا على أخت الفرزدق: [الكامل]\nغمز ابن مرة يا فرزدق كينها... غمز الطبيب نغانغ المعذور\nهذا؛ والغمز، واللمز حرام. قال الرسول ﷺ: «الهمّازون، واللّمّازون، والمشّاؤون بالنّميمة، الباغون للبراء العيب يحشرهم الله في وجوه الكلاب». رواه ابن حبان عن العلاء بن الحارث﵁-. وينبغي أن تعلم: أن الله ﷾ لما وصف كرامة الأبرار في الآخرة؛ ذكر بعد ذلك قبح معاملة الكفار معهم في الدنيا، ثم بين: أن ذلك سينقلب على الكفار في الآخرة. والمقصود منه تسلية المؤمنين، وتقوية قلوبهم، فحكى الله عن الكفار أربعة أشياء من العلامات القبيحة؛ فأولها ضحكهم من الذين آمنوا، وآخرها: قولهم: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾.\nهذا؛ وقال مقاتل: نزلت الآية في علي بن أبي طالب﵁جاء في نفر من المسلمين إلى النبي ﷺ، فلمزهم المنافقون، وضحكوا عليهم، وتغامزوا.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إنّ). ﴿أَجْرَمُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو: اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. وجملة: «يضحكون من الذين آمنوا» في محل نصب خبر (كان). وجملة:\n ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ (الواو): حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١]. ﴿مَرُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَتَغامَزُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها، و(إذا) ومدخولها معطوف على جملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ فهو في محل رفع مثله.\n\n<span id=\"aya-5879\"></span>﴿وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا:﴾ رجعوا وانصرفوا ﴿إِلى أَهْلِهِمُ:﴾ أصحابهم، وذويهم، ومنازلهم.\n ﴿اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ:﴾ رجعوا متلذذين بذكرهم، والسخرية منهم. أو المعنى: رجعوا معجبين بما هم","vol":"10","page":504},{"text":"فيه من الشرك ومعاندة الحق. ويقرأ: «(فاكهين)»: بالألف. قال الفراء: وهما لغتان مثل: طمع، وطامع، وحذر، وحاذر.\nالإعراب: ﴿وَإِذَا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١]. ﴿اِنْقَلَبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿إِلى أَهْلِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اِنْقَلَبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة جواب (إذا) لا محل لها. ﴿فَكِهِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و(إذا) ومدخولها معطوف على جملة ﴿يَضْحَكُونَ﴾ فهو في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-5880\"></span><span id=\"aya-5881\"></span>﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)﴾\nالشرح: ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ﴾ أي: رأى المشركون أصحاب النبي ﷺ ﴿قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ﴾ أي:\nأصحاب النبي ﷺ. ﴿لَضالُّونَ﴾ أي: هم في ضلال، يأتون محمدا، ويرون: أنهم على شيء يعتد به. ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ أي: وما أرسلوا من جهة الله موكلين بهم، يحافظون عليهم أحوالهم، ويشهدون برشدهم، وضلالهم، وهذا تهكم بهم، وإشعار بأن ما اجترؤوا عليه من القول من وظائف الرسل من جهته تعالى.\nالإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١] ﴿رَأَوْهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَضالُّونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ضالون): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُرْسِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حافِظِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، أو هو مفعول به ثان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَما أُرْسِلُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.\n<span id=\"aya-5882\"></span><span id=\"aya-5883\"></span><span id=\"aya-5884\"></span>﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾\nالشرح: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: هذا اليوم؛ الذي هو يوم القيامة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ بمحمد ﷺ رسولا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن كتابا. ﴿مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ:﴾ كما ضحك الكفار منهم في","vol":"10","page":505},{"text":"الدنيا. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ:﴾ قال ابن المبارك: ذكر لنا: أن كعبا كان يقول: إن بين الجنة، والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له كان في الدنيا اطلع من بعض الكوى. قال الله تعالى في سورة (الصافات) الآية رقم [٥٥]: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: ذكر لنا: أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر ابن المبارك أيضا؛ قال: أخبرنا الكلبي عن أبي صالح في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥]: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال: يقال لأهل النار؛ وهم في النار: اخرجوا! فتفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت؛ أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها؛ غلّقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ويضحك المؤمنون منهم حين غلّقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ..﴾. إلخ. وفي سبب هذا الضحك وجوه: منها: أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا بسبب ما هم فيه من الضر، والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكفار بسبب ما هم فيه من الصغار، والهوان بعد العز، والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم، والترفه. ومنها: أنهم علموا: أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا الباقي بالفاني. ومنها: أنهم يرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم. ومنها أنه يقال لأهل النار؛ وهم فيها: اخرجوا، وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها؛ وقد فتحت أبوابها؛ أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها؛ أغلقت دونهم. يفعل ذلك بهم مرارا، فذلك سبب الضحك. ومنها: أنهم إذا دخلوا الجنة، وأجلسوا على الأرائك؛ ينظرون إلى الكفار كيف يعذبون في النار، ويرفعون أصواتهم بالويل، والثبور، ويلعن بعضهم بعضا؟. انتهى. جمل نقلا من الخطيب.\n ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ أي: هل جوزي الكفار، وأثيبوا؟! وهو من: ثاب، يثوب: إذا رجع، وثوب، وأثيب بمعنى واحد. قال أوس بن حجر، يخاطب مؤنثا من: امرأة، أو نفسه، أو ناقته: [الطويل]\nسأجزيك أو يجزيك عنّي مثوّب... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي\nهذا؛ والتثويب في أذان الفجر أن يقول المؤذن بعد قوله: (حي على الفلاح): (الصلاة خير من النوم). ورجل ثيب، وامرأة ثيب. قال ابن السكيت: وهو الذي دخل بامرأة، وهي التي دخل بها. والثواب، والمثوبة: جزاء الطاعة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٣]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذا؛ وينبغي للقارئ، والسامع أن يقول في آخر هذه الآية: نعم.\nالإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَضْحَكُونَ﴾.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْكُفّارِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَضْحَكُونَ:﴾ فعل","vol":"10","page":506},{"text":"مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَضْحَكُونَ﴾. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام.\n ﴿ثُوِّبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْكُفّارِ:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾\nتحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْعَلُونَ:﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا كانوا يفعلونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: هل ثوب الكفار فعلهم؟! وجملة: ﴿هَلْ ثُوِّبَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل ﴿يَنْظُرُونَ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، أو هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقول بعض المؤمنين لبعض: هل ثوب... إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (المطففين) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4930>سورة الانشقاق</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الانشقاق) مكية في قول الجميع، وهي خمس وعشرون آية، ومئة وسبع كلمات، وأربعمئة وثلاثون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5885\"></span><span id=\"aya-5886\"></span><span id=\"aya-5887\"></span><span id=\"aya-5888\"></span><span id=\"aya-5889\"></span>﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥)﴾\nالشرح: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ:﴾ تصدعت وتشققت، وهو مثل قوله تعالى في سورة (الانفطار):\n ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ قال علي﵁ وكرم الله وجهه-: تتشقق من المجرة. والمجرة (بوزن المضرة) باب السماء. وأهل الهيئة يقولون: إنها نجوم صغار مختلطة غير متميزة في الحسن. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ أي: سمعت، وحق لها أن تسمع، وخضعت، وذلت، وحق لها أن تخضع، وتذل، فلم تأب، ولم تمتنع. ومن الأول قول النبي ﷺ: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبيّ يتغنّى بالقرآن». أي: ما استمع الله لشيء. قال قعنب ابن أم صاحب-وهو الشاهد رقم [١١٧٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nصمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به... وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا\nجهلا علينا وجبنا من عدوّهم... فبئست الخلّتان الجهل والجبن\nإن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا... عنّي وما يسمعوا من صالح دفنوا\nوذكر القرطبي البيت الأول، ولم يعزه لأحد، وذكر البيت الثالث، وعزاه إلى قعنب أيضا، مع تغيير فيه كما يلي: [البسيط]\nإن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا... وما هم أذنوا من صالح دفنوا\nومن المعنى الثاني، وهو: خضعت، وذلت، وحقّ لها أن تفعل ذلك: قول كثير عزة: [الطويل]\nفإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا... وحقّت لها العتبى لدينا وقلّت","vol":"10","page":508},{"text":"﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي: بسطت، ودكت جبالها. قال النبي ﷺ: «تمدّ مدّ الأديم». أي:\nالجلد؛ لأن الأديم إذا مد؛ زال كل انثناء فيه، وامتد، واستوى. وقال ابن عباس، وابن مسعود -﵄-: ويزداد في سعتها كذا، وكذا، لوقوف الخلائق عليها للحساب؛ حتى لا يكون لأحد من البشر إلا موضع قدمه لكثرة الخلائق فيها، وقد رأيت في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام أن الأرض تبدل بأرض أخرى.\n ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ أي: أخرجت ما فيها من الأموات، وتخلّت عنهم، وكذلك تخرج ما في بطنها من كنوزها، ومعادنها؛ أي: خلا جوفها، فليس يبقى في جوفها شيء، وذلك يؤذن بعظم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة. هذا؛ ووصافات الأرض بالإلقاء، والتخلية توسعا، وإلا فالتحقيق: أن المخرج لتلك الأشياء هو الله تعالى. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ:﴾\nليس هذا تكرارا؛ لأن الأول في السماء، وهذا في الأرض. وأخيرا لا تنس قوله تعالى في سورة (الزلزلة): ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾.\nتنبيه: في قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ استعارة مكنية، فقد شبهت حال السماء في انقيادها لتأثير قدرة الله تعالى بانقياد المستمع المطواع للأمر. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ استعارة مكنية أيضا، فقد شبهت حال الأرض بحال المرأة الحامل، تلقي ما فيها عند الشدة والهول، ثم حذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإلقاء.\nالإعراب: ﴿إِذَا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعل بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهذا عند البصريين، وعند الكوفيين فيه ثلاثة أوجه: الأول: وافقوا فيه البصريين. والثاني: اعتبار ﴿السَّماءُ﴾ فاعلا مقدما، والثالث: اعتبار ﴿السَّماءُ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، انظر الشاهد رقم [٩٩٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فإنه جيد، والحمد لله. ﴿اِنْشَقَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿السَّماءُ﴾ والجملة الفعلية مفسرة، لا محل لها عند البصريين، وهو المعتمد في هذه المسألة، والفعل المحذوف، وفاعله جملة فعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذَا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿وَأَذِنَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أذنت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿السَّماءُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِنْشَقَّتْ﴾ لا محل لها مثلها. ﴿لِرَبِّها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وها في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَحُقَّتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (حقت): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿السَّماءُ،﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، والكلام الآتي كله معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.\nهذا؛ واختلف في جواب ﴿إِذَا،﴾ فقال الفراء: (أذنت) والواو زائدة، وكذلك: (ألقت) وقال الكسائي: الجواب: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ..﴾. إلخ، وقيل: الجواب محذوف، تقديره: يقال:","vol":"10","page":509},{"text":"يا أيها الإنسان. وقيل: التقدير: بعثتم. أو جوزيتم. وقيل: ﴿إِذَا﴾ مبتدأ، و(إذا الأرض...) إلخ خبره، والواو زائدة. حكي عن الأخفش. وقيل: إنها لا جواب لها، والتقدير: اذكر إذا، ولا أعتمد قولا مما تقدم، وإنما الجواب محذوف، تقديره: علمت نفس ما قدمت، وأخرت.\nمثل سورة (التكوير) و(الانفطار).\n\n<span id=\"aya-5890\"></span>﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦)﴾\nالشرح: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ:﴾ المراد بالإنسان الجنس، فهو للاستغراق؛ أي: يا بن آدم. ﴿إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أي: عامل لربك عملا، فأنت تلاقيه، وتجده يوم القيامة مسجلا في صحيفة أعمالك. وقيل: الضمير يعود إلى ﴿رَبِّكَ﴾ والأولى عوده إلى ﴿كَدْحًا؛﴾ لأنه أقرب مذكور، وهو يشمل عمل الخير، وعمل الشر. هذا؛ والكدح في كلام العرب: العمل، والكسب. قال ابن مقبل: [الطويل]\nوما الدّهر إلا تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح\nالتقدير: فمنهما تارة أموت، وتارة أخرى... وقال آخر: [الكامل]\nومضت بشاشة كلّ عيش صالح... وبقيت أكدح للحياة وأنصب\nهذا؛ وفي المختار: الكدح: العمل، والسعي، والكد، والكسب. وهو أيضا الخدش، وباب الكل: قطع. وبوجهه كدوح؛ أي: خدوش، وهو يكدح لعياله، ويكتدح؛ أي: يكتسب.\nالإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، وها: حرف تنبيه، لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ بعضهم يعرب هذا اللفظ، وأمثاله بدلا، وبعضهم يعربه نعتا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أي»، وبعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا-كما هنا-فهو بدل، أو عطف بيان. والمتبوع-أعني: أي-منصوب محلا، وكذا التابع -أعني: الإنسان، وأمثاله-فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبان؛ لأنه قال:\nوالمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول نحو يدعى، وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع. وقيل: إن","vol":"10","page":510},{"text":"رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلّى بأل، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصلوا إلى ندائه ب: (أي): مع قرنها بحرف التنبيه. ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له. والإعراب السائد أن تقول:\nمرفوع تبعا للفظه. انتهى. جرجاوي.\nهذا؛ والأخفش يعتبر (أيّ) في مثل هذه الآية موصولة، و(النّاس) خبرا لمبتدأ محذوف، والجملة الاسمية صلة، وعائد، التقدير: يا من هو الإنسان، على أنه قد حذف العائد حذفا لازما كما في قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٣]: [الطويل]\nألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل\nوهذا هو الشاهد رقم [٢٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما قاله الأخفش لا يعتد به عند جمهرة النحاة. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿كادِحٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كادِحٌ؛﴾ لأنه اسم فاعل، لذا ففيه ضمير مستتر هو فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَدْحًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿فَمُلاقِيهِ:﴾ الفاء:\nحرف عطف. (ملاقيه): معطوف على ﴿كادِحٌ﴾ عطف مفرد على مفرد، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فأنت ملاقيه، فيكون العطف عطف جملة على جملة سابقة مثلها. ورأيت فيما سبق من يقول: الجملة جواب (إذا) وهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n\n<span id=\"aya-5891\"></span><span id=\"aya-5892\"></span><span id=\"aya-5893\"></span>﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ:﴾ هذا تفصيل لأحوال الناس يوم القيامة. وإعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة من العذاب، والفوز بالجنة. ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا:﴾\n «سوف» من الله تفيد التوكيد، والتحقيق، لا التسويف، والإهمال، والنسيان. والحساب اليسير:\nهو أن تعرض عليه أعماله، فيعرف بالطاعة، والمعصية، ثم يثاب على الطاعة، ويتجاوز له عن المعصية، يقول الله له: يا عبدي! سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك الآن! فهذا هو الحساب اليسير؛ لأنه لا شدة فيه، ولا مناقشة، ولا يقال له: لم فعلت هذا؛ ولا يطالب بالعذر فيه، ولا الحجة عليه؟ فإنه متى طولب بذلك؛ لم يجد عذرا، ولا حجة، فيفتضح. ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا:﴾ يرجع إلى أزواجه في الجنة من الحور العين، والآدميات فرحا، مغتبطا، قرير العين، مطمئن الفؤاد بما أوتي من الخير، والكرامة.","vol":"10","page":511},{"text":"فعن ابن أبي مليكة: أن عائشة﵂كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه؛ حتى تعرفه، وأن النبي ﷺ قال: «من حوسب عذّب». قالت، فقلت: يا رسول الله أوليس يقول الله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ قالت: فقال: «فإنّما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذّب». متفق عليه. فجملة القول: إن العرض مخاطبة السرار: فعلت يا عبدي كذا، وكذا، وكذا؛ تعرف ذلك؟ فيقول: نعم يا رب! فيقول الله له: قد غفرتها لك! وهذا لمن -﵁-، ورجحت حسناته على سيئاته.\nالإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل:\nمهما يك من شيء؛ فمن أوتي كتابه بيمينه... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب «مهما ويك من شيء»، فصار: أما من... إلخ، وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن.\n ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، وهو المفعول الأول.\n ﴿كِتابَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِيَمِينِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أمّا). (سوف): حرف استقبال، وهو يفيد التوكيد هنا، كما رأيت في الشرح. ﴿يُحاسَبُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: «هو» يعود إلى (من) أيضا. ﴿حِسابًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿يَسِيرًا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (من)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَنْقَلِبُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ينقلب): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿إِلى أَهْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَسْرُورًا:﴾ حال من الفاعل المستتر. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-5894\"></span><span id=\"aya-5895\"></span><span id=\"aya-5896\"></span>﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلى سَعِيرًا (١٢)﴾\nالشرح: فهذا مقابلة لما في الآية الأولى. قيل: نزلت هذه الآية في الأسود بن عبد الأسد أخي أبي سلمة. قاله ابن عباس﵄ثم هي عامة في كل مؤمن، وكافر. قال ابن عباس﵄-: يمد يده اليمنى؛ ليأخذ كتابه، فيجذبه ملك، فيخلع يمينه، فيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، وهذا لا ينافي ما ذكر في سورة (الحاقة): ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ﴾","vol":"10","page":512},{"text":"بِشِمالِهِ لإمكان الجمع بينهما بأن تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره؛ بأن تخلع يده اليسرى من موضعها، فتجعل وراء ظهره. وقيل: يحتمل أن يكون بعضهم يعطى كتابه بشماله، وبعضهم من وراء ظهره، وعند ما يؤتى كتابه من غير يمينه يعلم: أنه من أهل النار، فيقول:\nواثبوراه تعال! فهذا أوانك، وحينك. روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «أول من يقوله إبليس، وذلك أنه أوّل من يكسى حلّة من النّار، فتوضع على حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذرّيّته من خلفه، وهو يقول: واثبوراه!».\nفعن عائشة﵂قالت: ذكرت النار، فبكيت، فقال رسول الله ﷺ: «ما يبكيك؟». قلت: ذكرت النار، فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: «أمّا في ثلاثة مواطن؛ فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان؛ حتى يعلم أيخفّ ميزانه، أم يثقل؟ وعند تطاير الصّحف؛ حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه، أم وراء ظهره؟ وعند الصّراط إذا وضع بين ظهري جهنم؛ حتّى يجوز». ثم إن كان هذا في الكفرة، وما قبله في المؤمنين المتقين؛ فلا تعرض هنا للعصاة، كما ذهب إليه أبو حيان. وقيل: إنه لا بعد في إدخالهم في أهل اليمين، إما؛ لأنهم يعطون كتبهم في اليمين بعد الخروج من النار، أو قبله فرقا بينهم وبين الكفرة. هذا؛ والثبور:\nالهلاك، والخسار، والدمار. فهو يتمنى الهلاك، والموت. ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ أي: يحترق في النار، فهو كقوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المطففين): ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ وانظر شرح (وراء) في الآية رقم [٢٧] من سورة (الدهر).\nوانظر شرح الكتاب في الآية رقم [٢] من سورة (الأحقاف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق، و﴿وَراءَ﴾ منصوب بنزع الخافض؛ أي: من وراء. ﴿يَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿ثُبُورًا:﴾\nمفعول به. وقيل: هو مفعول مطلق عامله محذوف؛ أي: ثبرنا ثبورا. قاله الزجاج. وقال أبو البقاء: عامله: يدعو من غير لفظه. وانظر سورة (الفرقان) رقم [١٣]، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (من). ﴿وَيَصْلى:﴾ الواو: حرف عطف. (يصلى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿سَعِيرًا:﴾ مفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها.\n\n<span id=\"aya-5897\"></span><span id=\"aya-5898\"></span><span id=\"aya-5899\"></span>﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾\nالشرح: قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: وصف الله أهل الجنة بالمخافة، والحزن، والبكاء، والشفقة في الدنيا، فأعقبهم به النعيم، والسرور في الآخرة، وقرأ قوله تعالى في سورة","vol":"10","page":513},{"text":"(الطور): ﴿قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾. قال:\nووصف أهل النار بالسرور في الدنيا، والضحك فيها، والتفكه فقال: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾.\nوقيل: كان لنفسه متابعا، وفي مراتع هواه واقعا، فأبدله الله تعالى بذلك السرور غما دائما، لا ينقطع.\n ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أي: علم، وتيقن بزعمه أن لن يرجع حيا مبعوثا، فيحاسب، ثم يثاب، أو يعاقب. يقال: حار، يحور: إذا رجع. قال لبيد﵁-: [الطويل]\nوما المرء إلاّ كالشّهاب وضوئه... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع\nقال ابن عباس﵄-: ما كنت أدري ما يحور؛ حتى سمعت أعرابية تدعو بنية لها: حوري، حوري؛ أي: ارجعي إليّ. فالحور في كلام العرب: الرجوع، ومنه قول النبي ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور». يعني: من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة.\nويروى الحديث: (بعد الكون) ومعناه: من انتشار الأمر بعد تمامه. وسئل معمر عن الحور بعد الكون، فقال: هو الكنتي، فقال له عبد الرزاق: وما الكنتيّ؟ فقال: الرجل يكون صالحا، ثم يتحول رجل سوء. قال أبو عمرو: يقال للرجل إذا شاخ: كنتي، كأنه نسب إلى قوله: كنت في شبابي كذا. قال الشاعر-قال السيوطي: هو الأعشى-: [الطويل]\nفأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا... وشرّ خصال المرء كنت وعاجن\nعجن الرجل: إذا نهض معتمدا على الأرض من الكبر، فهو شبيه بالذي يعجن العجين.\nوالكنتي: هو الذي يقول: كنت شجاعا، وكنت كريما، وكنت... إلخ. والكانيّ: هو الذي يقول: كان لي مال، وكنت أهب، وكنت أعطي، وكان لي خيل، وكنت أركب. وانظر شرح ﴿كانَ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿بَلى﴾ أي: ليس الأمر كما ظن، بل يحور، ويرجع، ويبعث، ويحاسب. وانظر شرح ﴿بَلى﴾ في الآية رقم [٩] من سورة (الملك). ﴿إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ أي: من يوم خلقه إلى أن يبعثه، بل وعالما بما سبق له من الشقاء والسعادة.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو». ﴿فِي أَهْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مَسْرُورًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.\n ﴿ظَنَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَحُورَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾","vol":"10","page":514},{"text":"المخففة من الثقيلة، و(أن) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿ظَنَّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية فيها معنى التوكيد لما قبلها، أو هي بدل منها. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّهُ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿رَبَّهُ﴾. ﴿رَبَّهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿بَصِيرًا:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن،) والجملة الاسمية جواب قسم مقدر. قاله الجمل نقلا عن السمين، والكلام فيه معنى التعليل لما أفادته ﴿بَلى﴾.\n\n<span id=\"aya-5900\"></span><span id=\"aya-5901\"></span><span id=\"aya-5902\"></span><span id=\"aya-5903\"></span><span id=\"aya-5904\"></span><span id=\"aya-5905\"></span>﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اِتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾\nالشرح: ﴿فَلا أُقْسِمُ:﴾ انظر الآية رقم [١٥] من سورة (التكوير) ففيها الكفاية. ﴿بِالشَّفَقِ:﴾\nقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: الشفق: هو النهار كله، وحجته في ذلك: أنه عطف عليه الليل، فيجب أن يكون المذكور أولا النهار، فعلى هذا الوجه يكون القسم بالليل، والنهار اللذين فيهما معاش العالم، وسكونه. وقيل: هو ما بقي من النهار. وقال ابن عباس﵄وأكثر المفسرين: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وهو مذهب عامة العلماء.\nوقيل: هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة، وهو مذهب أبي حنيفة. والأول مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبي يوسف، والأوزاعي، وإسحاق، وغيرهم، والتوقيت اليوم على مذهب أبي حنيفة في بلادنا، ولا بأس به فإن فيه التحقيق، وهو أمكن في أمر العبادة. تأمل.\nثم قيل: أصل الكلمة من: رقة الشيء، يقال: شيء شفق؛ أي: لا تماسك له لرقته، وأشفق عليه؛ أي: رق قلبه عليه، والشفقة من الإشفاق، وهو رقة القلب، وكذلك الشفق. قال إسحاق ابن خلف. وقيل: هو لابن المعلّى: [البسيط]\nتهوى حياتي وأهوى موتها شفقا... والموت أكرم نزّال على الحرم\nوالشفق: الرديء من الشيء، يقال: عطاء مشفّق؛ أي: مقلل. قال الكميت: [الكامل]\nملك أغرّ من الملوك تحلّبت... للسّائلين يداه غير مشفّق\n ﴿وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ﴾ أي: جمع، وضم، ولف، فالليل: يجمع، ويضم ما كان منتشرا بالنهار من الخلق، والدواب، والهوام. وذلك: أن الليل إذا أقبل؛ أوى كل شيء إلى مأواه. قال ضابئ بن الحارث البرجمي: [الطويل]\nفإنّي وإيّاكم وشوقا إليكم... كقابض ماء لم تسقه أنامله","vol":"10","page":515},{"text":"يقول: ليس في يدي من ذلك شيء، كما أنه ليس في يد القابض على الماء شيء، فإذا جلل الليل الجبال، والأشجار، والبحار والأرض، فاجتمعت له؛ فقد وسقها، والوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، تقول: وسقته، أسقه وسقا. ومنه قيل: للطعام الكثير المجتمع: وسق، وهو ستون صاعا. وقيل: معنى (ما وسق): ما عمل فيه، ويحتمل أن يكون المراد: تهجد العباد فيه. فيجوز أن يقسم به.\n ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ أي: تم، واجتمع، واستوى، وذلك في الأيام البيض. وعن ابن عباس -﵄-: استوى. وقال الفراء: اتساقه: امتلاؤه، واستواؤه: ليالي البدر، وهو افتعال من الوسق؛ الذي هو الجمع، يقال: وسقته، فاتسق، كما يقال: وصلته، فاتصل.\nويقال: أمر فلان متسق؛ أي: مجتمع على الصلاح، منتظم.\n ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ:﴾ يقرأ الفعل بفتح الباء خطابا للنبي ﷺ؛ أي: لتركبنّ يا محمد حالا بعد حال. قاله ابن عباس﵄-. أي: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء، ودرجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القربة من الله تعالى. قاله الشعبي، وهذا كان في ليلة الإسراء بلا ريب. وعن ابن عباس﵄أيضا: هذا خطاب لنبيكم، ومعناه: يكون لك الظفر، والغلبة على المشركين؛ حتى يختم الله لك بجميل العاقبة، فلا يحزنك تكذيبهم، وتماديهم في كفرهم!\nوقيل: لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من كونك نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم حيا، وميتا، وغنيا، وفقيرا. فالخطاب للإنسان المذكور في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ﴾ هذا؛ وقرأ الأكثرون بضم باء الفعل على خطاب الجمع، والمعنى: لتركبن أيها الناس حالا بعد حال، وأمرا بعد أمر، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقما بعد صحة، ورحم الله من قال: [الطويل]\nثمانية للمرء لا بدّ منهم... وكلّ امرئ لا بدّ له ثمانيه\nفرح وحزن واجتماع وفرقة... وعسر ويسر ثمّ سقم وعافيه\nوقال الشاعر: [البسيط]\nكذلك المرء إن ينسأ له أجل... يركب على طبق من بعده طبق\nوقال الأقرع بن حابس التميمي: [البسيط]\nإنّي امرؤ قد حلبت الدّهر أشطره... وساقني طبق منه إلى طبق\nوهذا أدل دليل على حدوث العالم، وإثبات الصانع. قالت الحكماء: من كان اليوم على حالة، وغدا على حالة أخرى؛ فليعلم: أن تدبيره إلى سواه. وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل","vol":"10","page":516},{"text":"على أن لهذا العالم صانعا؟ فقال: تحويل الحالات، وعجز القوة، وضعف الأركان، وقهر المنية، ونسخ العزيمة. ويقال: أتانا طبق من الناس، وطبق من الجراد؛ أي: جماعة. وقال العباس﵁في مدح النبي ﷺ: [المنسرح]\nوأنت لما ولدت أشرقت الأر... ض وضاءت بنورك الأفق\nوقال أيضا: [المنسرح]\nتنقل من صالب إلى رحم... إذا مضى عالم بدا طبق\nأي: قرن من الناس. وقيل: معناه: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم. فعن أبي سعيد الخدري﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم، وأحوالكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع-وفي رواية: (شبرا بعد شبر، وذراعا بعد ذراع) -حتى لو دخلوا جحر ضبّ؛ لتبعتموهم». قلنا: يا رسول الله! اليهود، والنصارى. قال: «فمن؟». متفق عليه.\n ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ؟﴾ يعني أي شيء يمنعهم من الإيمان بعد ما وضحت لهم الآيات، وقامت الدلالات، وهذا استفهام إنكار. وقيل: تعجيب؛ أي: اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات.\n ﴿وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ أي: لا يصلون، فعبر عن الصلاة بالسجود؛ لأنه جزء منها. وقيل: أراد به سجود التلاوة، وهذه السجدة إحدى سجدات القرآن عند الشافعي، ومن وافقه، فعن رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد حتى ألقاه. ولمسلم عنه، قال:\nسجدنا مع رسول الله ﷺ في: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وكان ابن عمر﵄لا يراها من عزائم السجود في المفصل. وبه قال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-وروى أبي بن كعب﵁-: كان آخر فعل النبي ﷺ ترك السجود في المفصل. والأول أصح، وعليه الأكثرون.\nوسجود التلاوة يسن للقارئ، والسامع والمستمع. والدليل على ذلك سجود النبي ﷺ فعن عبد الله بن عمر﵄-: أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ آية فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه؛ حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة. متفق عليه.\nوانظر رأيه في المفصل المذكور آنفا.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد؛ اعتزل الشّيطان يبكي، ويقول: يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النّار!». رواه مسلم.","vol":"10","page":517},{"text":"هذا؛ وشروط سجود التلاوة هي شروط الصلاة، وتزيد عند الشافعي بأنها تحتاج إلى نية كنية الصلاة، وسلام كسلام الصلاة. وهي فورية عند الشافعي، وعلى التراخي عند أبي حنيفة، لذا إذا كان القارئ، أو السامع لا يستطيع السجود لعدم طهارته، أو لعدم قدرته على السجود لمانع يمنعه منه؛ يكفيه أن يقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر) أربع مرات. وهذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة، فيقضيها بعد التمكن من فعلها؛ ولو بعد أيام، وإذا كانت في الصلاة، فلا تؤدى إلا بالسجود لها عند الشافعي، وعند أبي حنيفة تؤدى بركوع الصلاة إذا نواها معه. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ:﴾ انظر الآية رقم [١٥] من سورة (التكوير). ﴿وَاللَّيْلِ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (الليل): معطوف على الشفق. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر معطوفة على (الليل) و(الشفق)، فهي من جملة المقسم به. ﴿وَسَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الليل)، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو شيء وسقه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر معطوف على (الشفق) و(الليل)، التقدير: ووسقه. ﴿وَالْقَمَرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (القمر): معطوف على ما قبله فهو من جملة المقسم به. ﴿إِذَا:﴾ ظرف زمان مجرد من الشرطية مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أوجه: وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالقمر وقت اتساقه. قاله أبو البقاء، وغيره. وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و(إذا) لما يستقبل من الزمان؛ فكيف يتلاقيان؟ الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من القمر؛ أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان اتساقه، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن القمر جثة، والزمان لا يكون حالا من الجثة، كما لا يكون خبرا عنها، والثاني: أن (إذا) للمستقبل؛ فكيف يكون حالا؟! وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالقمر لازم معناه، وهو المضيء. وأجيب عن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل في الظرف نفس القمر. قاله أبو البقاء أيضا، وفيه نظر؛ لأن القمر لا يعمل في الظرف؛ لأنه اسم جامد.\nوقد يقال: إن القمر يوصف، والتقدير: والقمر المضيء في وقت اتساقه. انتهى. جمل من سورة (النجم). ﴿اِتَّسَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (القمر)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها.\n ﴿لَتَرْكَبُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (تركبنّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوف المدلول عليها بالضمة فاعله. هذا؛ ويقرأ بكسر الباء، فيكون الفاعل ياء المؤنثة المحذوفة لالتقاء الساكنين المدلول عليها بالكسرة،","vol":"10","page":518},{"text":"وهي عائدة على النفس، ونون التوكيد حرف لا محل له. ﴿طَبَقًا:﴾ مفعول به. وقيل: حال.\nوليس بشيء. ﴿عَنْ طَبَقٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طَبَقًا﴾ وجوّز الزمخشري اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من الفاعل في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف.\n (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والعامل في الحال اسم الاستفهام؛ لما فيه من معنى الفعل، والجملة الاسمية: (ما لهم لا يؤمنون) مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قُرِئَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ نائب فاعل ﴿قُرِئَ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْجُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام معطوف على الجملة الاسمية السابقة لا محل له مثلها. وقال السمين: معطوفة على جملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فهو في محل نصب حال مثلها. وهذا يتناقض مع (إذا) التي هي للمستقبل؛ اللهم إلا أن يقال: إن الكلام على حكاية حال ماضية، فيصح هذا الاعتبار؛ الذي قال به السمين. هذا؛ وقيل: الفاء في الآيتين الفاء الفصيحة، ولا وجه له، وإنما هي للاستئناف.\n\n<span id=\"aya-5906\"></span><span id=\"aya-5907\"></span><span id=\"aya-5908\"></span><span id=\"aya-5909\"></span>﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾\nالشرح: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أي: بالإسلام، وبالقرآن، وبالحساب، والجزاء، وبمحمد ﷺ. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ أي: بما يضمرون في أنفسهم من التكذيب. وقال مجاهد: يكتمون من أفعالهم. وقال ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة، والسيئة. مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه. يقال: أوعيت الزاد، والمتاع: إذا جعلته في الوعاء. قال الشاعر: [البسيط]\nالخير أبقى وإن طال الزّمان به... والشّرّ أخبث ما أوعيت من زاد\nووعاه: حفظه، تقول: وعيت الحديث، أعيه وعيا. قال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ انظر شرح الآيتين هناك.\n ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: موجع في جهنم بسبب عنادهم، وتكذيبهم، وكفرهم. هذا؛ والبشارة عبارة عن الخبر السار؛ الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن، والغم يظهر أثرهما على الوجه، وهو","vol":"10","page":519},{"text":"الكمودة؛ التي تعلو الوجه عند الغم، والحزن. فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار والخبر المحزن، فصح قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر، وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء.\nكما في هذه الآية، وغيرها كثير. في سورة (آل عمران) رقم [٢١]، وفي سورة (التوبة) رقم [٣٤]. وانظر سورة (الزخرف) رقم [١٧].\n ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ بالله، ورسوله، واليوم الآخر، والقضاء خيره وشره من الله تعالى.\n ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات على تفاوتها، واختلاف أنواعها، وتباين درجاتها وهذا يوحي إيحاء قويا: أن الإيمان والعمل الصالح قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه، وهو ما تفيده أحاديث النبي ﷺ، وهذا ما يسمى في علم البديع: احتراسا.\n ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ:﴾ غير منقوص، ولا مقطوع في الآخرة. وانظر سورة (التين) إن شاء الله تعالى تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها صلة الموصول. ﴿يُكَذِّبُونَ:﴾\nفعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وهو واو الجماعة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والله أعلم بالذي، أو بشيء يعونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بوعيهم، والجار، والمجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ أيضا. ﴿فَبَشِّرْهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي. من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر.\n (بشرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط المقدر ب: «إذا». ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة (عذاب). ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء منقطع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة (عملوا): معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛","vol":"10","page":520},{"text":"لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ﴿أَجْرٌ،﴾ و﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و﴿مَمْنُونٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والجملة الاسمية خبره، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام السابق؛ فلا بأس به! والمعنى يؤيده. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الانشقاق) شرحا وإعرابا بعون الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4938>سورة البروج</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (البروج) وهي مكية باتفاق، وهي اثنتان وعشرون آية، ومئة وتسع كلمات، وأربعمئة وخمسة وستون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5910\"></span><span id=\"aya-5911\"></span><span id=\"aya-5912\"></span>﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَالسَّماءِ:﴾ هذا قسم، وإنما أقسم الله تعالى في هذه السورة، وفي أوائل (المرسلات) و(الذاريات) و(الصافات) أقسم بهذه الأشياء لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته، وقدرته. والمعنى: أقسم بالذاريات، والمرسلات، والسماء، وبهذه الأشياء... إلخ. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: أقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتعظيما لشأنها على ما يظهر فيها من عجائب صنع الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: المقسم به مضمر، تقديره: ورب السماء، ونحوه. وانظر شرح ﴿ذاتِ﴾ في سورة (الملك) رقم [١٣].\n ﴿الْبُرُوجِ:﴾ جمع: برج، وهي منازل للكواكب السبعة السيارة، وأصل البروج: القصور العالية. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٧٨]: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ سميت هذه المنازل بروجا؛ لأنها للكواكب السيارة كالمنازل الرفيعة التي هي القصور لسكانها، وهي اثنا عشر، مختلفة الهيئات، والخواص مع ما دل عليه الرصد، والتجربة مع بساطة السماء، وأسماؤها: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. والكواكب السيارة هي: المريخ، وله الحمل، والعقرب.\nوالزهرة، ولها الثور، والميزان. وعطارد، ويمنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وله الجوزاء، والسنبلة، والقمر، وله السرطان. والشمس، ولها الأسد. والمشتري، وله القوس، والحوت.\nوزحل، ويمنع من الصرف للعلمية والعدل، وله الجدي والدلو.\nوالعرب تعد معرفة مواقع النجوم وأبوابها من أجلّ العلوم، ويستدلون بها على الطرقات، والأوقات، والخصب، والجدب. وقالوا: الفلك اثنا عشر برجا، كل برج ميلان، ونصف،","vol":"10","page":522},{"text":"وأصل البروج: الظهور، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها، وهذه البروج تنزلها الشمس في مسيرها، وهذه البروج مقسومة على ثمانية وعشرين منزلا، لكل برج منزلان، وثلث منزل، وهذه البروج الاثنا عشر مقسمة على فصول السنة كما يلي: فللربيع: الحمل، والثور، والجوزاء. وللصيف:\nالسرطان، والأسد، والسنبلة. وللخريف: الميزان، والعقرب، والقوس. وللشتاء: الجدي، والدلو، والحوت. وانظر منازل القمر في الآية رقم [٣٩] من سورة (يس) تجد ما يسرك.\n ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ أي: يوم القيامة من غير اختلاف بين أهل التأويل. قال ابن عباس﵄-: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. قال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية رقم [٨٧] من سورة (النساء).\n ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ:﴾ اختلف فيهما اختلافا كبيرا: فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير؛ إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شرّ؛ إلا أعاذه الله منه». أخرجه الترمذي، وضعف أحد رواته من قبل حفظه. وهذا قول ابن عباس، والأكثرين: أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.\nوقيل: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم النحر. وقيل: الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة. وإنما حسن القسم بهذه الأيام، لعظمها، وشرفها، واجتماع المسلمين فيها. وقيل:\nالشاهد هو الله، والمشهود يوم القيامة. وقيل: الشاهد هم الأنبياء، والمشهود عليهم هم الأمم.\nوقيل: الشاهد هو الملك، والمشهود عليه هو آدم، وذريته. وقيل: الشاهد هذه الأمة، ونبيها ﷺ، والمشهود عليهم هم الأمم المتقدمة. وقيل: الشاهد الأنبياء، والمشهود له هو محمد ﷺ؛ لأن الأنبياء قد شهدوا له بالنبوة.\nهذا؛ وكذلك سائر الأيام، والليالي، فكل يوم شاهد، وكذا كل ليلة، ودليله ما رواه أبو نعيم الحافظ عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار﵁عن النبي ﷺ قال: «ليس من يوم يأتي على العبد إلاّ ينادي فيه: يابن آدم! أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك شهيد، فاعمل فيّ خيرا؛ أشهد لك به غدا، فإنّي لو قد مضيت؛ لم ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك». انتهى. قرطبي.\nالإعراب: ﴿وَالسَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿ذاتِ:﴾ صفة (السماء)، و﴿ذاتِ﴾ مضاف، و﴿الْبُرُوجِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اليوم):\nمعطوف على (السماء). ﴿الْمَوْعُودِ:﴾ صفة (اليوم) وهناك ضمير محذوف به تتم الصفة، التقدير:\nالموعود به، ولولا ذلك ما صحت الصفة. مكي. ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجواب القسم ما يأتي.","vol":"10","page":523},{"text":"<span id=\"aya-5913\"></span><span id=\"aya-5914\"></span><span id=\"aya-5915\"></span><span id=\"aya-5916\"></span>﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿قُتِلَ:﴾ لعن. قال ابن عباس﵄-: كل شيء في القرآن (قتل) فهو: لعن. ﴿الْأُخْدُودِ:﴾ الشق العظيم المستطيل في الأرض، كالخندق، وجمعه: أخاديد، ومنه: الخد لمجاري الدموع، والمخدة؛ لأن الخد يوضع عليها. ويقال: تخدد وجه الرجل: إذا صارت فيه أخاديد من جراح، ونحوه. قال طرفة في معلقته رقم [١١]: [الطويل]\nووجه كأنّ الشّمس حلّت رداءها... عليه نقيّ اللّون لم يتخدّد\n ﴿النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ:﴾ صاحبة الوقود بفتح الواو؛ أي: ما توقد به النار، وأما بضمها؛ فهو المصدر، وكذلك الاسم منه، وبعضهم قال: كلّ من الفتح، والضم يجري في المصدر، والآلة، وكذا يقال في الوضوء، والسحور، والطهور، ونحو ذلك، ولكن المشهور الأول، والمراد في الآلة مادة الفعل كالماء في الوضوء، والحطب في الوقود، والطعام في السحور، والمراد بالمصدر الفعل والحدث.\n ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أي: عند النار، وعلى بمعنى: عند. وقيل: (عليها) على ما يدنو منها من حافات الأخدود. قال الأعشى وهو الشاهد رقم [٢٤٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nتشبّ لمقرورين يصطليانها... وبات على النّار النّدى والمحلّق\n ﴿وَهُمْ﴾ أي: الملك الكافر الذي خدّ الأخدود وأصحابه. ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ من الإحراق في النار، والتعذيب. ﴿شُهُودٌ:﴾ حضور. وقيل: يشهدون: أن المؤمنين ضلال حين تركوا عبادة الأصنام. وقيل: يشهد بعضهم لبعض عند الملك: أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب. وفيه حث للمؤمنين على الصبر، وتحمل أذى أهل مكة: وذلك:\nأن هذه القصة كانت مشهورة عند أهل مكة، فذكر الله ذلك لأصحاب رسول الله ﷺ يحملهم بذلك على الصبر، وتحمل المكاره في الدين. واختلفوا في أصحاب الأخدود، وأكتفي برواية مسلم عن صهيب﵁أن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليّ غلاما أعلّمه السّحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب، فقعد إليه، وسمع منه، فأعجبه كلامه، فكان إذا أتى الساحر؛ مرّ بالراهب، وقعد إليه، فإذا أتى الساحر؛ ضربه، وإذا رجع من السّاحر قعد إلى الراهب، وسمع كلامه، فإذا أتى أهله؛ ضربوه، فشكا ذلك إلى الرّاهب.\nفقال: إذا خشيت الساحر؛ قل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك؛ فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم: الراهب أفضل،","vol":"10","page":524},{"text":"أم الساحر؟ فأخذ حجرا، ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر؛ فاقتل هذه الدابة؛ حتى يمضي الناس، فرماها، فقتلها، فمضى الناس، فأتى الراهب، فأخبره، فقال له الراهب: أي بني! أنت أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت؛ فلا تدل عليّ. فكان الغلام يبرئ الأكمه، والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع؛ إن أنت شفيتني. قال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله ﷿، فإن آمنت بالله؛ دعوت الله﷿فشفاك! فآمن به، فشفاه الله، ﷿، فأتى الملك، فجلس إليه، كما كان يجلس، فقال الملك له: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فقال: ألك رب غيري؟ قال: ربي، وربك الله! فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دله على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك؛ أي بني! إنه قد بلغ من سحرك ما تبرئ به الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله ﷿، فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دله على الراهب، فجيء بالراهب. فقال له: ارجع عن دينك! فأبى، فدعا بالميشار، فوضع الميشار في مفرق رأسه، فشقه به؛ حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعا بالميشار، فوضعه في مفرق رأسه، فشقه به؛ حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال لهم: اذهبوا به إلى جبل كذا، وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه؛ وإلا فاطرحوه. فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت! فرجف بهم الجبل، فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله! فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به، فاحملوه في قرقور (سفينة صغيرة) فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه؛ وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت! فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال:\nكفانيهم الله تعالى! ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي؛ حتى تفعل ما آمرك به. فقال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع نخل، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله ربّ الغلام، ثم ارمني به، فإنك إن فعلت ذلك؛ قتلتني! فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله ربّ الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام! فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر. قد والله نزل بك حذرك! قد آمن الناس.\nفأمر بالأخدود في أفواه السكك، فحفرت، وأضرم النيران. وقال: من لم يرجع عن دينه، فأقحموه فيها. ففعلوا، فجاءت امرأة؛ ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمّه! اصبري، فإنك على الحق». هذا حديث صحيح أخرجه مسلم.","vol":"10","page":525},{"text":"وفي هذا الحديث إثبات كرامات الأولياء، وفيه جواز الكذب في مصلحة ترجع إلى الدين، وفيه إنقاذ النفس من الهلاك، والدابة حية عظيمة، أو أسد. وهذه الحادثة كانت في الفترة بين عيسى، ومحمد ﷺ، واختلف في مكانها، فقيل: كانت في اليمن. وقيل: كانت بنجران. وقيل:\nكانت في الحبشة. هذا؛ وقد قال صاحب السيرة الحلبية، وقد تكلم جماعة في المهد، نظمهم الجلال السيوطي-رحمه الله تعالى-في قوله: [الطويل]\nتكلّم في المهد النبيّ محمد... ويحيى وعيسى والخليل ومريم\nومبري جريج ثم شاهد يوسف... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم\nوطفل عليه مرّ بالأمة التي... يقال لها تزني ولا تتكلّم\nوما شطة في عهد فرعون طفلها... وفي زمن الهادي المبارك يختم\nقال بعضهم: لكن النبي ﷺ حصر من تكلم في المهد في ثلاثة، ولم يذكر نفسه، فقد روي عن أبي هريرة﵁مرفوعا: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصاحب جريج، وابن المرأة التي مرّ عليها بامرأة، يقال لها: إنها زنت». وقد يقال: هذا الحصر إضافي؛ أي: ثلاثة من بني إسرائيل، أو إن ذلك كان قبل أن يعلم بما زاد. انتهى. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿قُتِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿أَصْحابُ:﴾ نائب فاعله، و﴿أَصْحابُ﴾ مضاف، و(الأخدود) مضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم، وحذف صدرها، التقدير: لقد قتل، وإنما احتيج لهذا المقدر؛ لأن المشهور عند النحاة: أن الماضي المثبت المتصرف؛ الذي لم يتقدم معموله إذا وقع جوابا للقسم؛ تلزمه اللام وقد، ولا يجوز الاقتصار على إحداهما إلا عند طول الكلام، كما في قوله تعالى في سورة (الشمس): ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها..﴾. إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها،﴾ أو في ضرورة، وعلى هذا فجملة: ﴿قُتِلَ..﴾. إلخ خبرية، وليست دعائية، والأصل أن تكون دعائية دالة على الجواب، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء على أنهم؛ أي: كفار مكة ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود. هذا؛ وعلى إبقاء الجملة على أصلها؛ فالجواب محذوف، فيكون الجواب محذوفا تقديره: لتبعثن. وهذا اختيار ابن الأنباري. وقيل: الجواب جملة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا..﴾. إلخ، وقيل: جملة: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ..﴾. إلخ وهو ضعيف؛ لأن الكلام قد طال. ﴿النّارِ:﴾ بدل اشتمال من: ﴿أَصْحابُ الْأُخْدُودِ؛﴾ لأن الأخدود مشتمل على النار، وحينئذ فلا بد من ضمير مقدر؛ أي: النار فيه. وقال الكوفيون: هو مخفوض على الجوار. قاله مكي. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وقرأ أشهب العقيلي وأبو السماك العدوي، وابن السميقع: (النار ذات) بالرفع فيهما؛ أي: فهما مبتدأ، وخبر، وتكون الجملة فيها معنى التفسير ل: ﴿الْأُخْدُودِ﴾. ﴿إِذْ:﴾\nظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿قُتِلَ﴾. ﴿هُمْ:﴾ ضمير","vol":"10","page":526},{"text":"منفصل مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.\n ﴿قُعُودٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.\n ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان ب: ﴿شُهُودٌ﴾ بعدهما، و﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾. ﴿يَفْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: على الذي، أو على شيء يفعلونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر، التقدير: على فعلهم. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿شُهُودٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.\n\n<span id=\"aya-5917\"></span><span id=\"aya-5918\"></span>﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾\nالشرح: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا:﴾ قال ابن عباس﵄-: ما كرهوا منهم. بمعنى: ما عاب الملك، وأشياعه الذين عاونوه من الذين حرقهم-وهم المؤمنون-إلا الإيمان بالله وحده، وهذا لا يستوجب التحريق، فهذا استثناء صفة مدح من صفة ذم منفية. ومنه قول النابغة الذبياني في مدح الغسانيين: [الطويل]\nولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب\nهذا ما يسمى في فن البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم، ومنه قول قيس بن الرقيات: [المنسرح]\nما نقموا من بني أميّة إلاّ... أنّهم يحلمون إن غضبوا\nومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٧٤]: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٢٦]: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ وقوله جل ذكره في سورة (المائدة) رقم [٥٩]: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ﴾ هذا؛ والفعل نقم يأتي من باب ضرب، تقول: نقم ينقم، ويأتي من باب: فهم، تقول:\nنقم ينقم لغتان، والأولى هي الفصحى. ﴿الْعَزِيزِ:﴾ القوي الغالب؛ الذي لا يغلب، ﴿الْحَمِيدِ:﴾\nالمحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات.\n ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ وما فيهما من عبيد، ومال، وخلق، وأفلاك وكواكب في السماء، وما على ظهر الأرض من جبال، وأنهار، وبحار... إلخ فكل ذلك هو ملك لله تعالى،","vol":"10","page":527},{"text":"لا يشركه فيه أحد، وما يملكه الإنسان في هذه الدنيا الفانية؛ فإنما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة. وويل ثم ويل لمن قصر في الوكالة، وخان في الأمانة! واللام مفيدة للملك الحقيقي؛ الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: عالم بأعمال خلقه، لا تخفى عليه خافية. ففيه وعد للمؤمنين، ووعيد عظيم للكافرين، والظالمين، والفاجرين.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نَقَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من (المؤمنين) فلست مفندا. والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل نصب مفعول لأجله، التقدير: لأجل إيمانهم. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة؛ لأنهما اسمان، وليسا بصفتين.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة، أو هو في محل جر بدل ثالث من لفظ الجلالة، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، و﴿مُلْكُ﴾ مضاف، و﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال.\n (الله): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ﴾ بعدهما، و﴿كُلِّ﴾ مضاف، و﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه.\n ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5919\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي: حرقوهم بالنار، والعرب تقول: فتن فلان الدرهم: إذا أدخله الكور؛ لينظر جودته، ودينار مفتون؛ أي: مجود. ونظيره قوله تعالى في سورة (الذاريات) رقم [١٣]: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي: يحرقون في النار، وهو من قولهم:\nفتنت الذهب؛ أي: أحرقته، لتختبره، وأصل الفتنة: الامتحان، والاختبار. وهي بهذا المعنى كثيرة في القرآن الكريم. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ﴾","vol":"10","page":528},{"text":"﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ هذا؛ ويسمى الصائغ: الفتان، وكذلك الشيطان، وورق فتين:\nأي: فضة محترقة. وانظر سورة (الصافات) رقم [١٦٢]. ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم، وقومه من الآيات البينات على يدي الغلام. وفيه دليل واضح على أنهم لو تابوا، وآمنوا؛ قبل منهم، ويخرجون من هذا الوعيد، وأن الله تعالى يقبل منهم التوبة، وأن توبة القاتل مقبولة.\nقال الرازي: ويحتمل أن يكون المراد كل من فعل ذلك. قال: وهذا أولى؛ لأن اللفظ عام، والحكم بالتخصيص ترك الظاهر من غير دليل. ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة، ولو طال الزمان، عبر سبحانه بأداة التراخي. فقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾.\n ﴿فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ:﴾ بسبب كفرهم. ﴿وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ:﴾ بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: لهم عذاب الحريق في الدنيا، وذلك: أن الله أحرقهم بالنار؛ التي أحرقوا فيها المؤمنين، ارتفعت إليهم من الأخدود، فأحرقتهم، ولهم عذاب جهنم في الآخرة.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (المؤمنات): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.\n ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتُوبُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.\n (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿عَذابُ﴾ مضاف، و﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهي هنا صلة. قال البيضاوي: ومنع سيبويه إدخال الفاء في خبر (إنّ) كليت، ولعل، ولم يتعرض ابن هشام-رحمه الله تعالى-لدخول الفاء على خبر (إنّ)، أو إحدى أخواتها والذي تعرض لذلك الأشموني-رحمه الله تعالى-حيث قال: وإذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ الذي اقترن خبره بالفاء أزال الفاء، إن لم يكن إنّ، أو أنّ، أو لكنّ بإجماع المحققين، فإن كان الناسخ: إنّ، أو أنّ، أو لكنّ جاز بقاء الفاء. نص على ذلك في (إنّ) و(أنّ) سيبويه، وهو الصحيح الذي ورد نص القرآن المجيد به، وأورد آيات كثيرة من جملتها الآية التي نحن بصدد شرحها، فأنت ترى أن البيضاوي-رحمه الله تعالى-قد نقل عن سيبويه عكس ما ذكره الأشموني، والمنقول عن الأخفش-رحمه الله تعالى-أنه هو الذي منع دخول الفاء الزائدة على","vol":"10","page":529},{"text":"خبر المبتدأ المنسوخ بأي ناسخ كان. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة.\n\n<span id=\"aya-5920\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله؛ أي: صدقوا به، وبرسله.\n ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف درجاتها، وتفاوت مراتبها. ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ:﴾ حدائق، وبساتين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ تحت قصورها وغرفها وأسرتها، وجميع أماكنها، يتلذذون بنعيمها، وبردها في نظير ذلك الحرّ الذي صبروا عليه في الدنيا، ويزول عنهم بؤس ذلك العذاب برؤية ذلك مع خضرة الجنات جميع المضار، والأحزان، وهذا في مقابلة ما ذكر في الآية السابقة. ﴿ذلِكَ﴾ أي: ما يعطونه في الآخرة من النعيم المقيم. ﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ أي:\nالعظيم؛ الذي لا فوز يشبهه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾\nفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿جَنّاتٌ﴾. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ.\n ﴿الْكَبِيرُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وأيضا الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4944>تنبيه بل فائدة:</span>\nلقد اقترنت الجملة الاسمية الواقعة خبرا ل: ﴿إِنَّ﴾ في الآية السابقة بالفاء، ولم تقترن هنا؛ لأن عذاب جهنم، وعذاب الحريق مسبب عن تحريق الكافرين المؤمنين في النار، أما دخول الجنة، والفوز بنعيمها؛ فليس مسببا عن الإيمان، وعمل الصالحات، بل هو محض فضل من الله تعالى. فقد قال الرسول ﷺ: «لن يدخل أحدا عمله الجنّة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا». أخرجه البخاري عن أبي هريرة﵁-. وانظر سورة (الزخرف) رقم [٧٢].","vol":"10","page":530},{"text":"<span id=\"aya-5921\"></span><span id=\"aya-5922\"></span><span id=\"aya-5923\"></span><span id=\"aya-5924\"></span><span id=\"aya-5925\"></span>﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي: أخذه الجبابرة، والظلمة، وهو كقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام الآية رقم [١٠٢]: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ والبطش: الأخذ بقوة، وعنف، وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة. قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [١٠٧]: [الوافر]\nلنا الدّنيا ومن أضحى عليها... ونبطش حين نبطش قادرينا\n ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أي: يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم، بعد أن صيرهم ترابا. دل باقتداره على الإبداء، والإعادة على شدة بطشه. أو أوعد الكفرة بأنه يعيدهم، كما بدأهم؛ ليبطش بهم؛ إذ لم يشكروا نعمة الإبداء، وكذبوا بالإعادة. وفي سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ والمعروف: أن البدء يكون من نطفة مذرة، والإعادة تكون يوم القيامة بعد موته، وإهلاكه، وتناثر جميع أجزائه.\n ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ أي: الساتر للعيوب، العافي عن الذنوب، لا يفضح عباده المؤمنين في الدنيا، ولا في الآخرة. ﴿الْوَدُودُ﴾ المحبّ لأوليائه المؤمنين المطيعين، كما يحب أحدنا أخاه بالبشرى، والمحبة. وقيل: هو المتودد إلى أوليائه بالعفو، والمغفرة. هذا؛ وحكى المبرد عن إسماعيل بن إسحاق القاضي: أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد قول الشاعر: [المتقارب]\nوأركب في الرّوع عريانة... ذلول الجناح لقاحا ودودا\nأي: لا ولد لها تحن إليه. فيصير معنى الآية: إنه ﷾ يغفر لعباده المؤمنين، وليس له ولد يغفر لهم من أجله. ﴿ذُو الْعَرْشِ:﴾ صاحب العرش، وخالقه، ومالكه، ومتصرف فيه.\n ﴿الْمَجِيدُ:﴾ يقرأ بالجر صفة للعرش، ويقرأ بالرفع على أنه خبر للمبتدأ؛ الذي هو الضمير. واختاره أبو عبيد، وأبو حاتم؛ لأن المجد نهاية الكرم، والفضل، و﴿الْمَجِيدُ﴾ اسم من أسماء الله الحسنى، وهو من صفات التعالي، والجلال، والعظمة، وذلك لا يليق إلا بالله تعالى المتعالي عن صفات النقصان، المتصف بصفات الكمال. وانظر شرح ﴿الْعَرْشِ﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (الحاقة).\n ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ:﴾ يعني: إنه لا يعجزه شيء، ولا يمتنع منه شيء طلبه. وقيل: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة برحمته، لا يمنعه من ذلك مانع، ويدخل أعداءه النار بعدله، لا ينصرهم منه ناصر، وصيغة «فعّال» للمبالغة، كما هي معروفة، وهذه الآية دلت على أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لا كما يقول المعتزلة: إن العبد يخلق","vol":"10","page":531},{"text":"أفعال نفسه، ودلت على أنه تعالى لا يجب عليه شيء؛ لأنها دالة على أنه فعله بحسب إرادته.\nوانظر الإرادة في الآية رقم [١٠] من سورة (الجن). هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام الآية رقم [١٠٧]: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4946>فائدة:</span>\nعن أبي السفر-هو سعيد بن يحمد الهمداني-قال: دخل ناس من أصحاب النبي ﷺ على أبي بكر﵁في مرضه؛ الذي توفي فيه، فقالوا له: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. انتهى. قرطبي. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بَطْشَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَشَدِيدٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (شديد): خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾\nتوكيد لاسم ﴿إِنَّ﴾ على المحل، أو هو ضمير فصل، لا محل له. ﴿يُبْدِئُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، فالجملة الاسمية: ﴿هُوَ يُبْدِئُ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها، وجملة (يعيد) معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.\n ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال، (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والأسماء الآتية كلها أخبار متعددة للمبتدأ، أو هي أخبار لمبتدآت محذوفة، التقدير: هو الغفور، هو الودود... إلخ. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nوأخبروا باثنين، أو بأكثرا... عن واحد كهم سراة شعرا\n ﴿ذُو:﴾ خبر على الاعتبارين، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذُو﴾ مضاف، و﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمَجِيدُ:﴾ خبر آخر على رواية رفعه، وصفة ل: ﴿الْعَرْشِ﴾ على رواية جره. ﴿فَعّالٌ:﴾ خبر آخر، أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو فعال. وهذا على القطع لا الإتباع. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَعّالٌ،﴾ و(ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام اللام في مغنيه زائدة، وسماها: لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا منصوبة محلا، مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ،﴾ وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ،﴾ و﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى،﴾ و﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ وأورد قول حاتم الطائي. وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري﵁-: [الطويل]\nإذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي","vol":"10","page":532},{"text":"وهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والجملة الفعلية بعد (ما) صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: فعال للذي، أو لشيء يريده.\n\n<span id=\"aya-5926\"></span><span id=\"aya-5927\"></span><span id=\"aya-5928\"></span>﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ استفهام للتشويق؛ أي: هل بلغك يا محمد! خبر الجموع الكافرة؛ الذين تجندوا لحرب الرسل، والأنبياء؟! هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وما أنزل عليهم من النقمة والعذاب؟! فهو يؤنسه بذلك، ويسليه. ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ:﴾ هذا بيان للجنود، وهم كانوا أشد بأسا، وأقوى مراسا من كفار قريش، ومع ذلك فقد أخذهم الله بذنوبهم، ولم يبال بهم. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي: لم يعتبر كفار قريش بما حلّ بأولئك الكفرة المكذبين، بل هم مستمرون في التكذيب، فهم أشد منهم كفرا، وطغيانا، وإنما خص فرعون، وثمود بالذكر؛ لأن ثمود في بلاد العرب، وقصتهم عند كفار قريش مشهورة، وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون كان مشهورا عند جميع الناس من أهل الكتاب، وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك، فدل بهما على أمثالهما في الهلاك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و﴿الْجُنُودِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ بدل من ﴿الْجُنُودِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَثَمُودَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (ثمود): معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مجرور أيضا، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. ﴿بَلِ:﴾ حرف عطف وانتقال. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية صلة له. ﴿فِي تَكْذِيبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\nتنبيه: قوله تعالى: ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي: تكذيب شديد. فإنهم سمعوا قصتهم، ورأوا آثار هلاكهم، وكذبوا أشد من تكذيبهم. ففيه عدول عن: «يكذبون» إلى جعلهم في التكذيب، وأنه لشدته أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه، أو إحاطة البحر بالغريق فيه مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه، وتهويله، ففيه استعارة تبعية في كلمة: ﴿فِي﴾. انتهى. جمل نقلا من السمين.\n<span id=\"aya-5929\"></span><span id=\"aya-5930\"></span><span id=\"aya-5931\"></span>﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾\nالشرح: ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بأحوالهم، وقادر عليهم، وهم لا يعجزونه، والإحاطة بهم من ورائهم مثل؛ لأنهم لا يفوتونه، كما لا يفوت الشيء المحيط به، فالمراد:","vol":"10","page":533},{"text":"بالقدرة على مجازاتهم. هذا؛ وقال الجمل نقلا عن الخطيب: فيه وجوه: أحدها أن المراد وصف اقتداره عليهم، وأنهم في قبضته، وحصره، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه، ينسد عليه مسلكه، فلا يجد مهربا، يقول الله تعالى: فهم كذا في قبضتي، وأنا قادر على إهلاكهم، ومعالجتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك، فلا تجزع من تكذيبهم إياك، فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم! ثانيها: أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب إهلاكهم، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ رقم [٢٢] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فهو عبارة عن مشارفة الهلاك، ثالثها: أنه تعالى محيط بأعمالهم؛ أي: عالم بها، فيجازيهم عليها. انتهى.\nهذا؛ و﴿مُحِيطٌ﴾ أصله: «محيط» فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء، وهي الكسرة إلى الحاء قبلها بعد سلب سكونها، فصار ﴿مُحِيطٌ﴾. ومثله: مبين، ومهين... إلخ. وانظر شرح (وراء) في الآية رقم [٢٧] من سورة (الإنسان).\n ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ أي: شريف كريم، كثير النفع والخير، والناس محتاجون إليه في أحكام الدين والدنيا، لا كما يزعم المشركون أنه شعر وكهانة. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أي: مكتوب، ومسجل في لوح، وهو محفوظ عند الله تعالى من وصول الشياطين إليه، وقيل: هو أمّ الكتاب، ومنه تنسخ جميع الكتب السماوية. وسمي محفوظا؛ لأنه حفظ من الشياطين، ومن الزيادة، والنقص، وهو عن يمين العرش. وروى الضحاك عن ابن عباس﵄قال: اللوح المحفوظ من ياقوتة حمراء، أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك، يقال له: ماطريون، كتابه نور، وقلمه نور، ينظر الله ﷿ فيه كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة، ليس منها نظرة إلا وهو يفعل ما يشاء، يرفع وضيعا، ويضع رفيعا، ويغني فقيرا، ويفقر غنيا، ويحيي، ويميت، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو. وفيه أصناف الخلق، والخليقة، وبيان أمورهم، وذكر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، والأقضية النافذة فيهم، ومآل عواقب أمورهم، وهو أمّ الكتاب.\nوقال ابن عباس﵄-: أول شيء كتابه الله تعالى في اللوح المحفوظ «إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر لنعمائي، كتبته صدّيقا، وبعثته مع الصدّيقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي؛ فليتّخذ إلها سواي». وكتب الحجاج إلى محمد ابن الحنفية﵄يتوعّده، فكتب إليه ابن الحنفية: بلغني: أن لله تعالى في كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة في اللوح المحفوظ، يعز، ويذل، ويبتلي، ويفرج، ويفعل ما يريد، فلعلّ نظرة منها تشغلك بنفسك، فتشتغل بها، ولا تتفرغ.\nوروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس﵄قال: إن في صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده، ورسوله، فمن آمن بالله ﷿، وصدّق","vol":"10","page":534},{"text":"بوعده، واتبع رسله؛ أدخله الجنة. وقال: واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدرّ والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه من نور، وكلامه سر معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك. هذا؛ وكل شيء يجري في الكون مسجل في اللوح من قديم الأزل. وانظر القلم؛ الذي خط فيه كل شيء في سورة (القلم).\nالإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿مِنْ وَرائِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُحِيطٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿هُوَ قُرْآنٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مَجِيدٌ:﴾ صفة ﴿قُرْآنٌ﴾. ﴿فِي لَوْحٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿قُرْآنٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مَحْفُوظٍ:﴾\nيقرأ بالرفع على أنه نعت ل: ﴿قُرْآنٌ،﴾ وبالجر نعتا ل: ﴿لَوْحٍ﴾.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (البروج) شرحا، وإعرابا بتوفيق الله، ومعونته.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4949>سورة الطّارق</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الطارق) مكية على قول الجميع، وهي سبع عشرة آية، وإحدى وستون كلمة، ومئئان وتسعة وثلاثون حرفا. روى النسائي عن جابر بن عبد الله﵄قال: صلى معاذ بن جبل المغرب، فقرأ: (البقرة) و(النساء)، فقال النبي ﷺ: «أفتّان أنت يا معاذ؟ ما كان يكفيك أن تقرأ ب: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ،﴾ و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها،﴾ ونحوها؟!». رواه النسائي، فمعاذ﵁- صلى المغرب إماما في مسجد حيّه، فقرأ السورتين الكريمتين فشكاه المصلون إلى النبي ﷺ فقال له ما قال، أما مسلمو هذا الزمن؛ فإنهم لو صلى إمامهم وقرأ ب: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ ونحوها، فإنهم يملون ويضجرون. وهذا واقع، ومشاهد في هذا الزمن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5932\"></span><span id=\"aya-5933\"></span><span id=\"aya-5934\"></span>﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثّاقِبُ (٣)﴾\nالشرح: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ:﴾ أقسم الله بهما. انظر السورة السابقة؛ ففيها الكفاية. هذا؛ و(الطارق): النجم، واختلف فيه، فقيل: هو زحل الكوكب الذي في السماء السابعة. ذكره محمد بن الحسن في تفسيره، وذكر له أخبارا؛ الله أعلم بصحتها. وقال ابن زيد: هو الثريا.\nوعن ابن عباس﵄هو الجدي، وعنه أيضا، وعن علي﵄-:\n ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء، هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل، فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد.\nوروى أبو صالح عن ابن عباس﵄قال: كان رسول الله ﷺ قاعدا مع أبي طالب، فانحط نجم، فامتلأت الأرض نورا، ففزع أبو طالب. وقال: أيّ شيء هذا؟ فقال ﷺ:\n «هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله». فعجب أبو طالب، ونزل: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾. وكل من أتاك ليلا فهو طارق. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٢٣] -وهو الشاهد رقم [٤٨٠] من كتابنا:\n «فتح رب البرية» -: [الطويل]\nفمثلك حبلى قد طرقت ومرضع... فألهيتها عن ذي تمائم محول\nوقال أيضا-وقيل: هو لعلقمة الفحل-: [الطويل]","vol":"10","page":536},{"text":"ألم ترياني كلّما جئت طارقا... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب\nفالطارق: النجم، اسم جنس سمي بذلك؛ لأنه يطرق ليلا، ومنه الحديث: «نهى النبي ﷺ أن يطرق المسافر أهله ليلا؛ كي تستحدّ المغيبة، وتمتشط الشّعثة». والعرب تسمي كل قاصد في الليل:\nطارقا. يقال: طرق فلان: إذا جاء بليل. وقد طرق، يطرق طروقا، فهو طارق، وفي الصحاح:\nوالطارق: النجم الذي يقال له: كوكب الصبح ومنه قول هند بنت طارق بن بياضة الإيادي من مقطوعة قالتها في حرب الفرس لإياد، وتمثلت بها هند أم معاوية فيما بعد في وقعة أحد: [مجزوء الرجز]\nنحن بنات طارق... نمشي على النّمارق\nفهي تريد: إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء. وقال قوم: إنه قد يكون نهارا، والعرب تقول: أتيتك اليوم طرقتين. أي: مرتين، ومنه قول النبي ﷺ: «اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ طوارق الليل والنهار؛ إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن!». وقال جرير في الطروق: [الكامل]\nطرقتك صائدة القلوب وليس ذا... حين الزيارة فارجعي بسلام\n ﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ؟﴾ هذا تفخيم لشأن المقسم به. وانظر سورة (الانفطار). ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أي: المضيء. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ يقال: ثقب ثقوبا، وثقابة:\nإذا أضاء، وثقوبه: ضوءه، والعرب تقول: أثقب نارك؛ أي: أضئها. قال الشاعر: [الطويل]\nأذاع به في النّاس حتى كأنّه... بعلياء نار أوقدت بثقوب\nوالثقوب: ما تشعل به النار من دقاق العيدان. هذا؛ ورجل ثاقب الرأي: إذا كان صحيح التفكير، نافذ البصيرة. هذا؛ وقال الصاوي، وغيره: قد كثر منه تعالى في كتابه المجيد ذكر الشمس والقمر، والنجوم؛ لأن أحوالها في أشكالها، وسيرها، ومطالعها، ومغاربها عجيبة دالة على انفراد خالقها بالكمالات؛ لأن الصنعة تدل على الصانع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿وَالسَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر ما ذكرته في أول سورة (البروج) و(المرسلات) و(الذاريات) بشأن هذا القسم، والمقسم به. ﴿وَالطّارِقِ:﴾\nالواو: حرف عطف. (الطارق): معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما):\nاسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿مَا الطّارِقُ:﴾\nمبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: ﴿أَدْراكَ؛﴾ لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَدْراكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، واعتبارها معترضة أولى. ﴿النَّجْمُ:﴾","vol":"10","page":537},{"text":"خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو النجم. ﴿الثّاقِبُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الطّارِقِ،﴾ والعامل في الحال اسم الاستفهام.\n\n<span id=\"aya-5935\"></span>﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)﴾\nالشرح: قال قتادة: حفظة يحافظون عليك رزقك، وعملك، وأجلك. وقيل: المعنى إن كل نفس إلا عليها حافظ يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى القدر؛ أي: المقادير. هذا؛ وقد روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «وكّل بالمؤمن ملائكة يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين؛ لاختطفته الشياطين». أقول: وهذا الحفظ يشمل المؤمن، والفاجر، والفاسق، والكافر بلا ريب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (الانفطار). هذا؛ ويقرأ بتشديد الميم، وتخفيفها.\nالإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَمّا:﴾ حرف بمعنى: «إلا» مفيدة للحصر. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿حافِظٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿كُلُّ،﴾ ف: ﴿حافِظٌ﴾ يكون فاعلا بمتعلق الجار، والمجرور. هذا؛ وعلى قراءة تخفيف الميم ف: ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة مهملة، و﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، واللام هي الفارقة بين النفي والإثبات، وهي لازمة. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]\nوخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل\nوما صلة، وباقي الإعراب مثل ما تقدم بلا فارق، وأجيز تعليق ﴿عَلَيْها﴾ ب: ﴿حافِظٌ﴾ على أنه خبر ﴿كُلُّ،﴾ والجملة الاسمية على الاعتبارين جواب القسم لا محل لها، وما بينهما كلام معترض لا محل له. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (يس) رقم [٣٢]: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ،﴾ وقوله في سورة (الزخرف) رقم [٣٥]: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وخذ قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٥١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]\nقالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنين\n<span id=\"aya-5936\"></span><span id=\"aya-5937\"></span><span id=\"aya-5938\"></span><span id=\"aya-5939\"></span><span id=\"aya-5940\"></span>﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩)﴾\nالشرح: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ﴾ أي: ابن آدم. والمعنى: فلينظر الإنسان نظر تفكر، واعتبار. ﴿مِمَّ خُلِقَ؟:﴾ من أي شيء خلقه الله؟ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وجه الاتصال بما قبله:","vol":"10","page":538},{"text":"توصية الإنسان بالنظر في أول أمره، وسنته الأولى، حتى يعلم: أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة، والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره. وانظر الكلام على ﴿عَمَّ﴾ في سورة (النبأ) رقم [١].\n ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ أي: من المني المتدفق؛ الذي ينصب بقوة، وشدة، يتدفق من الرجل، والمرأة، فيتكون منه الولد بقدرة الله، والدفق: صب الماء، و﴿دافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق، كما قالوا:\nسر كاتم؛ أي: مكتوم، والمراد ماء الرجل، والمرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما.\nهذا؛ وفي الجمل: و﴿دافِقٍ﴾ من صيغ النسب، كلابن، وتامر؛ أي: ذي دفق، وهو صادق على الفاعل، والمفعول، أو هو مجاز في الإسناد، فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة، أو هو استعارة مكنية، أو تخييلية، أو مصرحة بجعله دافقا؛ لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضا؛ أي: يدفعه كما أشار له ابن عطية. انتهى. نقلا من الشهاب.\n ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أي: الظّهر، وفيه لغات أربع: صلب، وصلب. وقرئ بهما، وصلب، وصالب، ومنه قول العباس﵁-: [المنسرح]\nتنقل من صالب إلى رحم... إذا مضى عالم بدا طبق\nويجمع على: أصلاب، وأصلب، وصلبة، ويقال: هو من صلب فلان. أي: من نسله، وولده.\n ﴿وَالتَّرائِبِ:﴾ عظام الصدر، والصلب: فقار الظهر، ويسمى سلسلة الظهر، والأول من المرأة والثاني من الرجل، ومن الأول قول امرئ القيس في معلقته رقم [٣٠]: [الطويل]\nمهفهفة بيضاء غير مفاضة... ترائبها مصقولة كالسّجنجل\nقال ابن عباس﵄-: الترائب: موضع القلادة في الصدر، وعنه ما بين ثدييها، والمشهور من كلام العرب: أنها عظام الصدر، والنحر. قال دريد بن الصمة: [الطويل]\nفإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم... وإن تقبلوا نأخذكم في التّرائب\nوقال المخبل السعدي: [الكامل]\nوالزعفران على ترائبها... شرق به اللّبّات والنّحر\nوواحد الترائب: تريبة، مثل: صحيفة، وصحائف. قال المثقب العبدي: [الوافر]\nومن ذهب يسنّ على تريب... كلون العاج ليس بذي غضون\nوقد جمعت على (ترائب) باعتبار ما حولها، وما أحاط بها، ولم يجمع الصلب كما جمعت التربية، وكذلك تقول العرب: رأيت خلاخيل المرأة، وثديها: وإنما لها ثديان، وخلخالان.","vol":"10","page":539},{"text":"﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله جل ثناؤه. ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي: أن الله تعالى قادر على أن يرد النطفة في الإحليل. وقيل: قادر على أن يرد الماء في الصلب الذي خرج منه. وقيل: معناه إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. وقيل: معناه وإن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء، قادر على إعادته حيا بعد موته، وهو أهون عليه، ولا صعب على الله، وهذا القول هو الأصحّ، وأحقّ بالاعتبار بمعنى الآية لقوله جلّ ذكره بعده ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾.\nومعنى ﴿تُبْلَى﴾ تظهر الخبايا، والأمور المستورة في الدنيا. وقيل: ﴿تُبْلَى﴾ تعرف. قال الراجز: [الرجز]\nقد كنت قبل اليوم تزدريني... فاليوم أبلوك وتبتليني\nو﴿السَّرائِرُ﴾ جمع: سريرة، وهي كل ما كان استسره الإنسان من خير، أو شر، وأضمره من إيمان وكفر، كما قال الأحوص: [الطويل]\nإذا رمت عنها سلوة قال شافع... من الحبّ ميعاد السّلوّ المقابر\nسيبقى لها في مضمر القلب والحشا... سريرة ودّ يوم تبلى السّرائر\nوقيل: ﴿السَّرائِرُ﴾ فرائض الأعمال، كالصوم والصّلاة، والزكاة، والوضوء، والغسل من الجنابة. فكل هذه سرائر بين العبد وبين ربه ﷿، وذلك؛ لأن العبد قد يقول في الدنيا:\nصليت؛ ولم يصلّ، وصمت؛ ولم يصم، وزكيت؛ ولم يزك، واغتسلت؛ ولم يغتسل، فإذا كان يوم القيامة يختبر؛ حتى يظهر من أداها، ومن ضيعها. قال عبد الله بن عمر﵄-: يبدي الله يوم القيامة كل سر خفي، فيكون زينا في وجوه، وشينا في وجوه. فمن أدى الفرائض، كما أمر؛ كان وجهه مشرقا مستنيرا يوم القيامة. ومن ضيعها، أو انتقص منها شيئا؛ كان وجهه أغبر. والله عالم بكل شيء، ولكن يظهر ما ذكر علامات للمؤمنين، وفيه ما فيه من السرور، والغبطة، والحبور.\nقال محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-: اكتشف الطب الحديث: أن هذا السائل من مني الإنسان يحوي حيوانات صغيرة، تسمى: (الحيوانات المنوية) وهي لا ترى بالعين المجردة، إنما ترى (بالمكروسكوب) وكل حيوان منها، له رأس، ورقبة، وذيل، يشبه دودة العلق في شكلها، ورسمها، وأن هذا الحيوان يختلط بالبويضة الأنثوية، فيلقحها، فإذا ما تم اللقاح؛ انطبق عنق الرحم، فلم يدخل بعده شيء إلى الرحم، وأما بقية الحيوانات؛ فتموت، وهذه الناحية العلمية: (وهي: أن الحيوان المنوي يشبه العلق في الشكل، والرسم). قد أثبتها القرآن في سورة (العلق): ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فهذه الآية معجزة بليغة من معجزات القرآن، لم يظهر وقت نزولها، ولا بعده بمئات السنين إلى أن اكتشف المجهر المكبر المذكور، وعرف كيف يتكون الإنسان بقدرة الله. انتهى.","vol":"10","page":540},{"text":"الإعراب: ﴿فَلْيَنْظُرِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفاء الفصيحة. وليس بشيء يعتد به.\n (لينظر): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والفعل معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿مِمَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و(ما) اسم استفهام مبني على السكون في محل جر ب: (من)، وحذفت ألفها فرقا بين الخبر، والاستخبار.\n ﴿خُلِقَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ،﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: (ينظر). ﴿خُلِقَ:﴾ بدل من سابقه، والأول مطلق، والثاني مقيد بالجار، والمجرور. وقيل: الجملة مستأنفة، وليس بشيء. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿دافِقٍ:﴾ صفة ﴿ماءٍ﴾. ﴿يَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ماءٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: ﴿ماءٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و﴿الصُّلْبِ﴾ مضاف إليه. وقيل: ﴿بَيْنِ﴾ مقحمة بين الجار، والمجرور. ﴿وَالتَّرائِبِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الترائب): معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّهُ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى رَجْعِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿لَقادِرٌ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي لام الابتداء زحلقت إلى الخبر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليلية لا محل لها.\n ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالمصدر ﴿رَجْعِهِ﴾ ولا يجوز تعليقه ب: (قادر)؛ لأن الله تعالى قادر في كل الأوقات، لا تختص قدرته بوقت دون وقت، وفي المغني: ﴿يَوْمَ﴾ متعلق بفعل محذوف تقديره: يرجعه، ولا يتعلق بالمصدر: ﴿رَجْعِهِ؛﴾ لأنه فصل بينه، وبين معموله بالأجنبي، وهو قوله: (قادر). ﴿تُبْلَى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿السَّرائِرُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-5941\"></span><span id=\"aya-5942\"></span><span id=\"aya-5943\"></span><span id=\"aya-5944\"></span><span id=\"aya-5945\"></span>﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿فَما لَهُ:﴾ للإنسان المعاند للحق، المنكر للبعث، والحساب، والجزاء، ﴿مِنْ قُوَّةٍ:﴾ يمتنع بها من عذاب الله، وغضبه، وانتقامه. ﴿وَلا ناصِرٍ:﴾ ينصره من عذاب الله، وسخطه، ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أي: ذات المطر، ترجع كل سنة بمطر بعد مطر، وترجع به كل وقت، وحين. قاله أهل اللغة، وأنشدوا للمتنخل يصف سيفا شبهه بالماء: [السريع]\nأبيض كالرجع رسوب إذا... ما ثاخ في محتفل يختلي\nثاخت قدمه في الوحل، تثوخ، وتثيخ: خاضت وغابت فيه. وقد يسمى المطر أيضا: أوبا كما يسمى رجعا. قال المتنخل الهذلي: [البسيط]","vol":"10","page":541},{"text":"ربّاء شمّاء لا يأوي لقلّتها... إلاّ السحاب وإلاّ الأوب والسّبل\n ﴿وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أي: تتصدع، وتنشق عن النبات، والشجر، والأنهار. قال تعالى في سورة: (عبس): ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ:﴾ فاصل بين الحق، والباطل، كما قيل له: «فرقان» يفرق بين الحق، والباطل. ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ:﴾ باللعب، والعبث، والباطل، و(الهزل) ضد الجد، وقد هزل، يهزل. قال الكميت: [الطويل]\nأرانا على حبّ الحياة وطولها... يجدّ بنا في كلّ يوم ونهزل\nهذا؛ وروى الحارث عن علي﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل. من تركه من جبار؛ قصمه الله. ومن ابتغى الهدى في غيره؛ أضلّه الله. وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم ينته الجنّ إذ سمعته؛ حتى قالوا: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ من قال به؛ صدق، ومن عمل به؛ أجر، ومن حكم به؛ عدل، ومن دعا إليه؛ هدي إلى صراط مستقيم».\nهذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى، الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ﴾. الثالث: الحركة، والإمالة، يقال:\nقالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾.\nالخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذا قول الأشاعرة. أي: ما يعتقدونه.\nوانظر الكلام بعد الإعراب.\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَهُ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قُوَّةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لا): نافية، أو هي صلة لتوكيد النفي. ﴿ناصِرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَالسَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر ما ذكرته في أول السورة. ﴿ذاتِ:﴾ صفة (السماء)، وهو مضاف، و﴿الرَّجْعِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ (١٢): معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَقَوْلٌ:﴾ خبرها، واللام المزحلقة. ﴿فَصْلٌ:﴾ صفة (قول)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها.\n ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، أو هي مهملة لا عمل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما)، أو هو في محل رفع مبتدأ.","vol":"10","page":542},{"text":"﴿بِالْهَزْلِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الهزل): خبر (ما)، أو خبر المبتدأ، فهو مجرور لفظا، منصوب، أو مرفوع محلا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من اسم (إنّ) فالمعنى لا يأباه، وعليه فالرابط: الواو، والضمير.\nتنبيه: بمناسبة الكلام على القول: فأتكلم على الكلام، فأقول: أما الكلام بالنسبة للبشر، فهو يدل على أحد ثلاثة أمور:\nأولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك، تريد تكليمك إياه.\nوقال الشاعر: [البسيط]\nقالوا كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا\nثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ؛ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية. تأمل قول الأخطل التغلبي: [الكامل]\nلا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا\nإنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان مع الفؤاد دليلا\nوثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال؟ انظر إلى قول العرب (القلم أحد اللّسانين) وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفّتي المصحف: (كلام الله) ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾. وإلى كلمته جلت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾. ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة؛ الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل]\nأشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل]\nفعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\n\n<span id=\"aya-5946\"></span><span id=\"aya-5947\"></span><span id=\"aya-5948\"></span>﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: مشركي قريش. ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا:﴾ يحتالون بالمكر بالنبي ﷺ، وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة، وتشاوروا فيه في ليلة الهجرة، يريدون الفتك بالنبي ﷺ. ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ أي:","vol":"10","page":543},{"text":"أجازيهم على كيدهم بالإمهال، ثم النكال؛ حيث أخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى في سورة (القلم): ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال أبو السعود: أي: أقابلهم بكيد متين، لا يمكن ردّه حيث أستدرجهم من حيث لا يعلمون. هذا؛ والكيد: الحيلة، والمكر، والخبث، والخداع، وهو بهذه المعاني مستحيل في حقه تعالى، وإنما هو هنا بمعنى: الجزاء، والعقاب. وإنما ذكره بلفظ الكيد من باب المقابلة. وهذا ما يسمى عند البلغاء بالمشاكلة؛ أي: ذكر الله سبحانه جزاءهم وعقابهم من جنس صنيعهم. ومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٧]: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٤٠]: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ ومثل هذا كثير في الآيات القرآنية، والمراد: مقابلة القبيح بمثله، وإذا قال: أخزاك الله؛ فقل له: أخزاك الله، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها، ولا تعتد. وخذ قول ابن الرقعمق في المشاكلة: [الكامل]\nأصحابنا قصدوا الصبوح بسحرة... وأتى رسولهم إليّ خصيصا\nقالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه... قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا\nوقال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [١١٤]: [الوافر]\nألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nفسمى جزاء الجهل: جهلا لازدواج الكلام، وحسن تجانس اللفظ، فالجملة الثانية على مثل لفظ الأولى، وهي تخالفها في المعنى؛ لأن ذلك أخف على اللسان. ومن ذلك قول الرسول ﷺ:\n «فإنّ الله لا يملّ؛ حتّى تملّوا». فمعناه: أن الله تعالى لا يقطع عنكم فضله؛ حتى تملوا من مسألته، وتزهدوا فيها؛ لأن الله لا يمل في الحقيقة، وإنما نسب الملل إليه لازدواج اللفظين.\n ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ﴾ أي: لا تستعجل عليهم، ولا تدع بهلاكهم. ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا:﴾ أمهلهم قليلا، فسوف ترى ما أصنع بهم! وهذا منتهى الوعيد، والتهديد، ويقال: مهلا يا فلان! أي: رفقا، وسكونا. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٢٦] وهو الشاهد رقم [٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nأفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي\nو(الرويد) في كلام العرب تصغير: رود، وكذا قال أبو عبيد، وأنشد قول الجموح الظفري: [البسيط]\nتكاد لا تنل البطحاء وطأتها... كأنها ثمل يمشي على رود\nو(رويد) مصغر تصغير الترخيم من إرواد، وهو مصدر: أرود، يرود.\nوله أربعة أوجه: اسم للفعل، وصفة، وحال، ومصدر، فالاسم نحو قولك: رويد عمرا.\nأي: أرود عمرا بمعنى: أمهله، فهو اسم فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر فيه.","vol":"10","page":544},{"text":"والصفة: نحو قولك: ساروا سيرا رويدا. والحال: نحو قولك: سار القوم رويدا (لما اتصل بالمعرفة؛ صار حالا لها). والمصدر: نحو قولك: رويد عمرو بالإضافة. كقوله تعالى في سورة (محمد ﷺ) رقم [٤]: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾. قال جميعه الجوهري، والذي في الآية من هذه الوجوه، أن يكون نعتا للمصدر. أي: إمهالا رويدا، ويجوز أن يكون للحال.\nأي: أمهلهم غير مستعجل لهم العذاب. انتهى. قرطبي، ولا تنس: أن هذه الآية منسوخة بآية السيف. قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥]: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩١]: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ،﴾ وقال في سورة (النساء) رقم [٩١]:\n ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ،﴾ وآية (الحج) رقم [٣٩]: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.\nالإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿يَكِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿كَيْدًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَكِيدُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أكيد):\nفعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا»، ﴿كَيْدًا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَمَهِّلِ:﴾ الفاء: الفصيحة. (مهل): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا-ولو بعد حين-فمهل الكافرين. ﴿أَمْهِلْهُمْ:﴾ أمر وفاعله، ومفعوله، والجملة توكيد لسابقتها. ﴿رُوَيْدًا:﴾\nصفة مفعول مطلق محذوف، أو حال. انظر الشرح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4955>تنبيه: بل خاتمة:</span>\nقوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ بل هو جد كلّه، فيجب أن يكون مهيبا في الصدور، معظما في القلوب، يترفع به قارئه، وسامعه عن أن يلمّ بهزل، أو يتفكه بمزاح، وأن يلقي ذهنه إلى جبار السموات، والأرض، يخاطبه، فيأمره، وينهاه، ويعده، ويوعده؛ حتى إذا لم يستفزه الفزع، والخوف، ولم تتبالغ فيه الخشية؛ فأدنى أمره أن يكون جادا غير هازل، فقد نفى الله عن المشركين ذلك في قوله في آخر سورة (النجم): ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الطارق) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4956>سورة الأعلى</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الأعلى) مكية في قول الجمهور. وقال الضّحّاك مدنية. وهي تسع عشرة آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومئتان وواحد وتسعون حرفا. انتهى. خازن. وقال النووي-رحمه الله تعالى-:\nوكان النبي ﷺ يحبها لكثرة ما اشتملت عليه من العلوم، والخيرات، وعن عبد الرحمن بن جريج؛ قال: سألنا عائشة﵂بأي شيء كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: كان يقرأ في الأولى ب: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى،﴾ وفي الثانية ب: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ،﴾ وفي الثالثة ب: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي. وقال: حديث حسن غريب. انتهى. جمل والخازن.\nوروى مسلم، وأهل السنن عن النعمان بن بشير﵄أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين، ويوم الجمعة ب: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى،﴾ و﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا في يوم واحد، فقرأهما.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5949\"></span><span id=\"aya-5950\"></span><span id=\"aya-5951\"></span><span id=\"aya-5952\"></span><span id=\"aya-5953\"></span>﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥)﴾\nالشرح: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي: نزه يا محمد ربّك العلي الكبير عن صفات النقص، وعما يقوله الظالمون، وعما لا يليق به ﷾ من النقائص، والقبائح. فقد روي: أنه لما نزل:\n ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال الرسول ﷺ: «اجعلوها في سجودكم». ولما نزل: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ من سورة (الواقعة) قال الرسول ﷺ: «اجعلوها في ركوعكم». أخرجه أبو داود عن عقبة ابن عامر﵁-. هذا؛ والتسبيح يأتي بمعنى الدعاء. قال جرير: [الطويل]\nفلا تنس تسبيح الضّحى إنّ يوسفا... دعا ربّه فاختاره حين سبّحا\nهذا؛ وقد جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى، استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة قد عدي باللام تارة، مثل","vol":"10","page":546},{"text":"قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ. وبنفسه أخرى، مثل الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (الفتح) رقم [٩]: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ،﴾ وفي سورة (الأحزاب) رقم [٤٢]: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا،﴾ وقوله تعالى في آخر سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى «سبحته»: بعدته من السوء، منقول من: سبح إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل: نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد: يسبح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. انتهى. نسفي من سورة (الحديد).\n ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أي: خلق جميع المخلوقات، فأتقن خلقها، وأبدع صنعها في أجمل الأشكال، وأحسن الهيئات. قال في البحر: أي: كلّ شيء فسواه، بحيث لم يأت متفاوتا، بل متناسبا على إحكام، وإتقان، للدلالة على أنه صادر من عالم حكيم. انتهى. صابوني، والمعنى: خلق كل ذي روح فسوى اليدين، والرجلين، والعينين. وقيل: خلق الإنسان مستويا معتدل القامة. وانظر سورة (الانفطار) رقم [٧] وانظر سورة (التين) أيضا.\n ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى:﴾ قيل: قدر الأرزاق، وهدى لاكتسابها. وقيل: قدر لكل شيء شكله فهدى؛ أي: عرف كيف يأتي الذكر، والأنثى، سواء أكان من الإنسان، أو من الحيوان حتى الذبابة. وقيل: قدر مدة الجنين في الرحم، وهداه إلى الخروج منه. وقيل: قدر لأقوام الشقاوة، والسعادة لأقوام، ثم هدى كل فريق من الطائفتين لسلوك سبيل ما قدر له، وعليه، فهذه الآية كقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥٠]: ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ انظر شرحها هناك، فعن عبد الله بن عمرو﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». أخرجه مسلم.\nوفي الجمل نقلا عن الخطيب: أي: أوقع تقديره في أجناس الأشياء، وأنواعها وأشخاصها، ومقاديرها، وصفاتها، وأفعالها، وآجالها، وغير ذلك من أحوالها. فجعل البطش لليد، والمشي للرجل، والسمع للأذن، والبصر للعين، ونحو ذلك. وقوله: ﴿فَهَدى﴾ أي: هدى الإنسان، ودله لسبيل الخير، والشر، والسعادة، والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل:\nالمعنى: قدر أقواتهم، وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا بشرا، ولمراعيهم إن كانوا وحوشا، ومن ذلك هدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته، وأدويته، وأمور دنياه، ودينه، وإلهامات البهائم، والطيور، وهوام الأرض إلى معاشها ومصالحها. انتهى.\n ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى:﴾ بعد أن ذكر ما يختص بالإنسان؛ أتبعه بما يختص بالحيوان من الحشائش، والأعشاب. وجميع أنواع النباتات، والزروع، من أخضر، وأصفر، وأحمر، وأبيض، وغير ذلك. ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ يابسا، هشيما، باليا كالغثاء الذي تراه فوق السيل. وغثاء","vol":"10","page":547},{"text":"السيل: حميله، وغثت نفسه، تغثى غثيا من باب رمى، وغثيانا، وهو اضطرابها؛ حتى تكاد تتقيأ من خلط ينصبّ إلى فم المعدة. ﴿أَحْوى﴾ أي: أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف، ويبس؛ اسودّ. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٨٩]: [الطويل]\nكأنّ ذرا رأس المجيمر غدوة... من السّيل والإغثاء فلكة مغزل\nو(الأحوى) الأسود؛ أي: إن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة، كالأسود، والحوة: السواد، قال ذو الرّمّة: [البسيط]\nلمياء في شفتيها حوّة لعس... وفي اللّثات وفي أنيابها شنب\nويقال: رجل أحوى، وامرأة حواء، وجمعهما: حوّ، مثل: أحمر، وحمر، وقد حويت.\nوبعير أحوى: إذا خالط خضرته سواد وصفرة.\nتنبيه: تنزيه الله ﷿ عن كل ما لا يليق به في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، وأحكامه واجب. فأما في ذاته؛ فأن تعتقد: أنها ليست من الجواهر، والأعراض، وأما في صفاته؛ فأن تعتقد: أنها ليست محدثة، ولا متناهية، ولا ناقصة. وأما في أفعاله؛ فأن تعتقد: أنه سبحانه مطلق، لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور. وأما في أسمائه؛ فأن لا تذكره سبحانه إلا بالأسماء التي لا توهم نقصا بوجه من الوجوه، سواء ورد الإذن فيها، أم لم يرد. وأما في أحكامه سبحانه؛ فأن تعلم: أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه، بل لمحض المالكية. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب.\nالإعراب: ﴿سَبِّحِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه. وقيل: اسم صلة. قاله ابن عباس، والسدي، والمعنى: عظّم ربك الأعلى، فالمراد تعظيم المسمى. ومنه قول: لبيد﵁وانظره في الشاهد رقم [٩٧٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]\nإلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر\nوعليه ف: ﴿رَبِّكَ﴾ مفعول به، مجرور لفظا، منصوب محلا، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿الْأَعْلَى:﴾ صفة ل: ﴿رَبِّكَ،﴾ أو صفة ﴿اِسْمَ،﴾ فعلى الأول هو مجرور، وعلى الثاني هو منصوب، والكسرة، أو الفتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿اِسْمَ،﴾ أو في محل جر صفة ثانية ل: ﴿رَبِّكَ﴾ إلا أن اعتبار ﴿الْأَعْلَى﴾ صفة ل: ﴿اِسْمَ﴾ يمنع جعل ﴿الَّذِي﴾ صفة ل: ﴿رَبِّكَ،﴾ بل يتعين حينئذ جعله نعتا ل: ﴿اِسْمَ،﴾ أو نعتا مقطوعا لئلا يلزم الفصل بين الموصوف، وصفته بصفة غيره؛ إذ يصير التركيب مثل قولك: جاءني غلام هند العاقل الحسنة، وهو ممتنع. انتهى. سمين.","vol":"10","page":548},{"text":"هذا؛ ويجوز في العربية اعتبار الموصول خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو في محل نصب بفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. وهذان الوجهان لا يناسبان المقام مع جلال الله، وعظمته. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (سوى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى﴾ هذا الكلام معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه بلا فارق. (جعله): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والهاء مفعول به أول.\n ﴿غُثاءً:﴾ مفعول به ثان. ﴿أَحْوى:﴾ قيل: صفة ﴿غُثاءً،﴾ وصحح ابن هشام اعتباره حالا من ﴿الْمَرْعى،﴾ وأخر لتناسب الفواصل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-5954\"></span><span id=\"aya-5955\"></span><span id=\"aya-5956\"></span>﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨)﴾\nالشرح: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أي: سنقرأ عليك القرآن يا محمد بواسطة جبريل. ﴿فَلا تَنْسى:﴾ هذا إخبار من الله، ووعد منه تعالى لنبيه ﷺ بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها. وهذه بشارة من الله -﷿لحبيبه ﷺ بإعطائه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي؛ وهو أمي لا يقرأ، ولا يكتب، فيحفظه، ولا ينساه. وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين:\nالأول: أنه كان رجلا أميا، فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة، ولا تكرار خارق للعادة، فيكون معجزة. الثاني: أن هذه السورة من أول ما نزل بمكة، فهذا إخبار عن أمر عجيب، مخالف للعادة سيقع في المستقبل، وقد وقع، فيكون هذا إخبارا، فيكون معجزا.\nانتهى. جمل نقلا من الخطيب. وفي الخازن: وذلك أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم بأولها رسول الله ﷺ مخافة أن ينساها، فأنزل الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى:﴾ فلم ينس شيئا بعد ذلك. وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) الآية رقم [١٦] وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ:﴾ يعني أن تنساه، وهو ما نسخ الله تعالى تلاوته من القرآن، ورفعه بالصدور. وقيل: معناه إلا ما شاء الله أن تنساه، ثم تذكره بعد ذلك، كما صح من حديث عائشة -﵂قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ في سورة بالليل، فقال: «﵀! لقد أذكرني كذا، وكذا آية، كنت أنسيتها من سورة كذا، وكذا». وفي رواية: «كنت أسقطتهن من سورة كذا». أخرجاه في الصحيحين.\n ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى:﴾ من القول، والفعل. والمعنى: يعلم السر، والعلانية، قال الله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾. وقال في سورة (النحل): ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما﴾","vol":"10","page":549},{"text":"تُعْلِنُونَ. ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أي: نهون عليك أن تعمل خيرا، ونسهله عليك حتى تعمله. وقيل:\nنوفقك للشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السمحة. وروي من قول النبي ﷺ: «بعثت بالحنيفية السمحة». وعن العرباض بن سارية﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك». رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنّة.\nالإعراب: ﴿سَنُقْرِئُكَ:﴾ السين: حرف تنفيس، واستقبال، ووعد وهي في حق الله تعالى تفيد التحقيق، والتوكيد. (نقرئك): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف تعليل. (لا): نافية. ﴿تَنْسى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف التقدير: فلا تنسى منه شيئا. هذا؛ وأجيز اعتبار (لا) ناهية، والفعل مجزوما بها، والألف للإشباع، ومنع مكي أن يكون نهيا؛ لأنه لا ينهى عما ليس باختياره. وهذا غير لازم؛ إذ المعنى أن النهي عن تعاطي أسباب النسيان، وهو شائع. فسقط ما قاله. انتهى. جمل نقلا من السمين. وعلى اعتبار النهي فالفاء هي الفصيحة إذا؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر.\n ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء.\nوقيل: (ما) هي المفعول به ل: ﴿تَنْسى﴾ وهو ضعيف. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿الْجَهْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لمشيئة الله تعالى، لا محل لها. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الجهر. ﴿يَخْفى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَنُيَسِّرُكَ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (نيسرك): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. وقال الجمل: معطوفة على: (نقرئك) كما ينبئ عنه الالتفات إلى الحكاية، فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما اعتراض وارد للتعليل.\nانتهى. ﴿لِلْيُسْرى:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر.\n\n<span id=\"aya-5957\"></span><span id=\"aya-5958\"></span>﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠)﴾\nالشرح: ﴿فَذَكِّرْ:﴾ أمر للرسول ﷺ. والمعنى: فعظ قومك يا محمد بالقرآن. ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أي: الموعظة. روى يونس عن الحسن البصري؛ قال: تذكرة للمؤمن، وحجة على","vol":"10","page":550},{"text":"الكافر. وكان ابن عباس﵄يقول: تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي. وقال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع. والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى، أو لم تنفع، فحذف، كما قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٨١]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. وقال ابن كثير: أي: ذكر حيث تنفع التذكرة. ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال علي﵁-: (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم). وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! والظاهر: أن أمره بالتذكير مشروط بنفع الذكرى، وهذا الشرط إنما جيء به توبيخا لقريش؛ أي: فذكر إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة، ومعناه استبعاد انتفاعهم بالذكرى، كما قال أبو تمام-رحمه الله تعالى-: [الوافر]\nلقد أسمعت لو ناديت حيا... ولكن لا حياة لمن تنادي\nهذا؛ وقال الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: واعلم: أنه ﷺ كان مبعوثا إلى الكل، فيجب عليه أن يذكرهم، سواء نفعتهم الذكرى، أم لم تنفعهم؟ والجواب: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين، ونبه على الحالة الأخرى. كقوله تعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ والتقدير: فذكر إن نفعت الذكرى، أو لم تنفع، وأجيب عنه أيضا بأن التذكير العام واجب في أول الأمر، وأما التكرير، فلعله يجب عند رجاء حصول المقصود، فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط، والتذكير المأمور به: هل هو محصور في عشر مرات، أو غير محصور، والجواب أن الضابط فيه العرف.\n ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى:﴾ سينتفع بهذه الذكرى، والموعظة من يخاف الله. قال الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: اعلم: أن الناس في أمر المعاد على ثلاثة أقسام: منهم من قطع بصحة المعاد، ومنهم من جوز وجوده، ولكنه غير قاطع فيه بالنفي، والإثبات، ومنه من أصر على إنكاره (أي: المعاد) وقطع بأنه لا يكون، فالقسمان الأولان، تكون الخشية حاصلة لهما، وأما القسم الثالث فلا خشية، ولا خوف، فلما قال الله جلّ ذكره: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ بين: أن الذي تنفعه الذكرى من يخشى، ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنيا على حصول الخشية في القلب، وصفات القلوب لا يطلع عليها إلا الله، وجب على الرسول ﷺ تعميم الدعوة تحصيلا للمقصود، فإن المقصود تذكير من ينتفع بالتذكير، ولا سبيل إليه إلا بتعميم التذكير، والسين في: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ بمعنى سوف، وسوف من الله واجب كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ انتهى. جمل. نقلا من الفخر.\nهذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم. هذا؛ والماضي: خشي، والمصدر: خشية، والرجل: خشيان، والمرأة: خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك؛ أي: أشد خوفا. هذا؛ وقد يأتي الفعل «خشي» بمعنى: علم القلبية. قال الشاعر المسلم: [الكامل]","vol":"10","page":551},{"text":"ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد\nقالوا: معناه: علمت. وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٨١]: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿فَذَكِّرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف للتعميم. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم مقدر ب: «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فذكر. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.\n ﴿نَفَعَتِ:﴾ فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث. ﴿الذِّكْرى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها غير منفكة عنها. ﴿سَيَذَّكَّرُ:﴾ السين: حرف استقبال. (يذكر): فعل مضارع. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، وجملة ﴿يَخْشى﴾ صلة الموصول، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-5959\"></span><span id=\"aya-5960\"></span><span id=\"aya-5961\"></span>﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ أي: يرفض الموعظة، ويبتعد عن قبولها الكافر المبالغ في الشقاوة. وهذا المقدر له ذلك في علم الله الأزلي. ﴿الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى:﴾ هي نار الآخرة، والنار الصغرى هي نار الدنيا. فعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه مما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنّم». قالوا: والله إن كانت لكافية! قال:\n «إنّها فضّلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلهنّ مثل حرّها». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.\n ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي: لا يموت، فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه، كقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٦]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها،﴾ وقوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [١٧]: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ،﴾ وقال الشاعر: [الطويل]\nألا من لنفس لا تموت فينقضي... عناها ولا تحيا حياة لها طعم\nوعن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون، ولا يحيون، ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فيميتهم إماتة؛ حتى إذا ما صاروا فحما؛ أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثّوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة في حميل السّيل». رواه الإمام مسلم، وأحمد. ولا تنس الطباق بين ﴿يَمُوتُ﴾ و﴿يَحْيى﴾ والمقابلة بين الآيتين [١٠] و[١١].","vol":"10","page":552},{"text":"الإعراب: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا:﴾ الواو: حرف عطف. (يتجنبها): فعل مضارع، و(ها): مفعول به.\n ﴿الْأَشْقَى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿الْأَشْقَى،﴾ أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني، أو أذم. ﴿يَصْلَى:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به. ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة ﴿النّارَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمُوتُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n\n<span id=\"aya-5962\"></span><span id=\"aya-5963\"></span>﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (١٥)﴾\nالشرح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ:﴾ فاز، ونجا. ﴿مَنْ تَزَكّى:﴾ من طهر نفسه بالإيمان، وأخلص عمله للرحمن، روى جابر بن عبد الله﵄-. قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ أي: «من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله».\nوروى عطاء عن ابن عباس﵄قال: نزلت في عثمان﵁قال:\nكان بالمدينة منافق، وكانت له نخلة بالمدينة مائلة إلى دار رجل من الأنصار، فكانت إذا هبت الرياح أسقطت البسر، والرطب إلى دار الأنصاري، فيأكل هو، وعياله منه. فخاصمه المنافق، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأرسل إلى المنافق، وهو لا يعلم نفاقه، فقال: «إن أخاك الأنصاري ذكر: أن بسرك، ورطبك يقع إلى منزله، فيأكل، هو وعياله، فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها؟!». فقال: أبيع عاجلا بآجل؟ لا أفعل! فذكروا: أن عثمان بن عفان﵁أعطاه حائطا من نخل بدل نخلته، ففيه نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ ونزلت في المنافق:\n ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. وذكر الضحّاك أنها نزلت في أبي بكر.\nهذا؛ وقيل: قد أفلح من كان عمله زاكيا. قيل: هو صدقة الفطر. روي عن أبي سعيد الخدري -﵁في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ قال: أعطى صدقة الفطر. ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قال:\nخرج إلى العيد، فصلى. وكان ابن مسعود﵁يقول: رحم الله امرءا تصدق، ثم صلى، ثم يقرأ الآية. وقال نافع﵁-، كان ابن عمر﵄إذا صلى الغداة يوم العيد.\nقال: يا نافع! أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم؛ مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا؛ قال: فالآن فأخرجها، فإنما هذه الآية في هذا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (١٥).","vol":"10","page":553},{"text":"فإن قلت: فما وجه هذا التأويل، وهذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد، ولا زكاة فطر؟ قلت: يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ،﴾ وهذه السورة مكية، وظهر أثر الحل يوم فتح مكة، وكذا نزل بمكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ من سورة (القمر) وكان ذلك يوم بدر. قال عمر﵁-: كنت لا أدري أي جمع سيهزم؟ فلما كانت غزوة بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. ووجه آخر، وهو:\nأنه كان في علم الله تعالى: أنه سيكون ذلك، فأخبر عنه. وقيل: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ يعني:\nالصلوات الخمس. وقيل: أراد بالذكر: تكبيرات العيد، وبالصلاة: صلاة العيد. انتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَفْلَحَ:﴾ فعل ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَزَكّى:﴾\nفعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ لا محل لها. ﴿وَذَكَرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ذكر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها لا محل لها أيضا.\n\n<span id=\"aya-5964\"></span><span id=\"aya-5965\"></span>﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧)﴾\nالشرح: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا:﴾ المعنى: الدنيا فانية، والآخرة باقية، والباقي خير من الفاني، وأنتم تؤثرون الفاني على الباقي. قال عرفجة الأشج: كنا عند عبد الله بن مسعود﵁فقرأ هذه الآية، فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قلنا: لا! قال: لأن الدنيا حضرت، وعجل لنا طعامها، وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وإن الآخرة غيبت، وزويت عنا، فأخذنا العاجل، وتركنا الآجل. وهذا يعني: أن الخطاب يعم الناس أجمعين، والمؤمنون لهم الحظ الأكبر من هذا الخطاب؛ لينزجروا، ويتعظوا، ويكون في الكلام التفات من الغيبة في الآيات السابقة إلى الخطاب في هذه الآية. وانظر الالتفات في الآية رقم [٢٠] من سورة: (الملك) هذا؛ ويقرأ: «(يؤثرون)» بالياء؛ فعليه؛ فالكلام راجع للأشقياء، ولا التفات.\nوانظر شرح ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (النازعات).\n ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي: والحال أن الآخرة خير من الدنيا، وأبقى، والباقي خير من الفاني، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى؟! وكيف يهتم عاقل بدار الغرور، ويترك الاهتمام بدار البقاء، والخلود؟! وقد قال النبي ﷺ: «ما الدنيا في الآخرة إلاّ كما يضع أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟!». أخرجه مسلم عن المستورد أخي بني فهر﵁-، وأشار يحيى بن","vol":"10","page":554},{"text":"يحيى بالسبابة. وعن سهل بن سعد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كانت الدّنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». رواه ابن ماجه، والترمذي.\nوقال مالك بن دينار-رحمه الله تعالى-: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف؛ والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى؟! هذا؛ والأحاديث في ذم الدنيا كثيرة مشهورة في كتاب:\n «الترغيب والترهيب». للحافظ المنذري، وغيره.\nالإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿تُؤْثِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به.\n ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.\n ﴿وَالْآخِرَةُ:﴾ (الواو): واو الحال. (الآخرة): مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الحياة الدنيا، والرابط: الواو، وضمير مقدر ب: خير منها. ﴿وَأَبْقى:﴾\nالواو: حرف عطف. (أبقى): معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.\n\n<span id=\"aya-5966\"></span><span id=\"aya-5967\"></span>﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ هذا﴾ أي: الذي ذكر من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ..﴾. إلخ. وهو أربع آيات.\n ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى:﴾ يعني الكتب المنزلة عليهما، ولم يرد: أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما هو على المعنى؛ أي: إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف، واستدل الحنفية بذلك على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة؛ لأنه جعله مذكورا في تلك الصحف مع أنه لم يكن فيها بهذا النظم، وبهذه اللغة.\nهذا؛ وروي عن أبي ذر﵁أنه سأل النبي ﷺ كم أنزل الله من كتاب؟: فقال:\n «مئة وأربعة كتب، منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ (وهو: إدريس) ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان». والمحفوظ زيادة على ذلك: عشر صحائف أنزلت على موسى، فيكون المجموع مئة وأربع عشرة بعدد سور القرآن الكريم.\nفعن أبي ذر﵁قال: دخلت المسجد، فقال رسول الله ﷺ: «إن للمسجد تحية». فقلت: وما تحيته يا رسول الله؟! قال: «ركعتان تركعهما». قلت: يا رسول الله! هل أنزل الله عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم، وموسى؟ قال: «يا أبا ذر! اقرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى..﴾. إلى ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى»﴾. قلت: يا رسول الله! فما كانت صحف موسى؟ قال:","vol":"10","page":555},{"text":"«كانت عبرا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن أيقن بالنّار كيف يضحك؟! وعجبت لمن رأى الدنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها؟! وعجبت لمن أيقن بالقدر، ثم يغضب؟! وعجبت لمن أيقن بالحساب، ثم لا يعمل؟!». قال: قلت: يا رسول الله! فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت أمثالا كلّها: أيها الملك المتسلّط، المبتلى المغرور، إني لم أبعثك؛ لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها، ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات:\nساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر فيها في صنع الله، ﷿، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم، والمشرب. وعلى العاقل ألاّ يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد، ومرمّة لمعاش، ولذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن عدّ كلامه من عمله؛ قلّ كلامه إلا فيما يعنيه». أخرج هذا الحديث رزين في كتابه. وذكره ابن الأثير في كتابه جامع الأصول، ولم يعلّم عليه شيئا.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿لَفِي:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (في الصحف): متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْأُولى:﴾ صفة ل: ﴿الصُّحُفِ﴾. ﴿صُحُفِ:﴾ بدل مما قبله، وهو مضاف، و﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَمُوسى:﴾ الواو: حرف عطف. (موسى):\nمعطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وسلم.\nانتهت سورة (الأعلى) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4964>سورة الغاشية</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الغاشية) مكية في قول الجميع، وهي ست وعشرون آية، واثنتان وتسعون كلمة، وثلاثمئة، وأحد وثمانون حرفا. وانظر حديث النعمان بن بشير﵄عن النبي ﷺ في أول سورة (الأعلى).\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5968\"></span><span id=\"aya-5969\"></span><span id=\"aya-5970\"></span>﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ﴾ بمعنى: قد، كقوله تعالى في سورة (الدهر) رقم [١]: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ..﴾. إلخ قاله قطرب، انظر سورة (الدهر) فالبحث فيها قيم. ﴿حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ المعنى: هل سمعت، أو قرأت حديث الغاشية؟ وهي الداهية العظيمة؛ التي تغشى الناس، وتعمهم بشدائدها، وأهوالها، وهي القيامة. قال المفسرون: سميت غاشية؛ لأنها تغشى الخلائق بأهوالها، وشدائدها، وتعمهم بما فيها من المكاره، والكوارث العظيمة. ودليله قوله تعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ الآية رقم [٥٠] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٥٥]: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. وقيل: معنى ﴿هَلْ أَتاكَ﴾ أي: هذا لم يكن من علمك، ولا من علم قومك. قال ابن عباس﵄-: لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل المذكور هاهنا.\n ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ:﴾ ذليلة، وكل متذلل ساكن خاشع، يقال: خشع في صلاته: إذا تذلل، ونكّس رأسه. وخشع الصوت: خفي. قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا﴾. والمراد بالوجوه: أصحابها، فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل، وهذا من باب المجاز المرسل، ولأن الوجه أشرف أعضاء الإنسان فعبر به عنه. وانظر (الخشوع) في الآية رقم [٢١] من سورة (الحشر).\n ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ أي: دائبة العمل فيما يتعبها، ويشقيها في النار. قال المفسرون: هذه الآية في الكفار، يتعبون، ويشقون بسبب جر السلاسل، والأغلال، وخوضهم في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود، والهبوط في تلالها، ودركاتها، كما قال تعالى في سورة (غافر): ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ وهذا جزاء تكبرهم في","vol":"10","page":557},{"text":"الدنيا عن عبادة الله، وانهماكهم في اللذات، والشهوات. وقال القرطبي: فهذا في الدنيا؛ لأن الآخرة ليست دار عمل، فالمعنى: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا، خاشعة في الآخرة. قال أهل اللغة: يقال للرجل إذا دأب في سيره: قد عمل، يعمل عملا. ويقال للسّحاب إذا دام برقة: قد عمل يعمل عملا، وذا سحاب عمل. قال ساعدة بن جؤية الهذلي-وهذا هو الشاهد رقم [٨٠٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]\nحتّى شآها كليل موهنا عمل... باتت طرابا وبات اللّيل لم ينم\n ﴿ناصِبَةٌ:﴾ تعبة، يقال: نصب بكسر الصاد، ينصب نصبا: إذا تعب، وفي سورة (الكهف) قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ رقم [٦٣]، وانظر سورة (الشرح). وانظر ما ذكرته في أول سورة (التكوير).\nروي أن عمر﵁لما قدم الشام أتاه راهب شيخ كبير عليه سواد. فلما رآه عمر جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين! إنه نصراني؟ فقال: ذكرت قول الله ﷿:\n ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ فبكيت رحمة عليه. وروي: أنه قال: هذا المسكين طلب أمرا فلم يصبه، ورجا رجاء، فأخطأه. وقال الجمل: والآية نزلت في القسيسين، وعباد الأوثان، وفي كل مجتهد في كفر. انتهى. نقلا من البحر المحيط، وهذا لم يقل به غيره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتشويق. وانظر الشرح. ﴿أَتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿الْغاشِيَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها. ﴿وُجُوهٌ:﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به؛ لأنه في موضع التنويع. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾\n (يوم): ظرف زمان متعلق ب: ﴿خاشِعَةٌ،﴾ و(إذ) ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تغشاهم. ﴿خاشِعَةٌ:﴾ خبر أول. ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ:﴾\nخبران آخران. هذا؛ وجوز اعتبارهما خبرين لمبتدأين محذوفين، التقدير: هي عاملة، هي ناصبة.\nوترجع الجملتان في محل رفع خبرين للمبتدأ، أو هما مستأنفتان، لا محل لهما. هذا؛ وأجيز اعتبار الأسماء الثلاثة صفات لوجوه، واعتبار الجملة الفعلية: ﴿تَصْلى..﴾. إلخ هي الخبر، والجملة الاسمية: ﴿وُجُوهٌ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي بمنزلة جواب لسؤال نشأ من الاستفهام التشويقي.\n\n<span id=\"aya-5971\"></span><span id=\"aya-5972\"></span>﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾\nالشرح: ﴿تَصْلى..﴾. إلخ: أي: يصيبها صلاؤها، وحرّها. ﴿حامِيَةً:﴾ شديدة الحر؛ أي: قد أوقدت، وأحميت المدة الطويلة، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظّى﴾. ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي:\nمتناهية في الحرارة، قد أوقدت عليها جهنم مذ خلقت، لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا؛","vol":"10","page":558},{"text":"لذابت، فيدفعون إليها ورودا عطاشا، فهذا شرابهم. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ رقم [٤٤] انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ فإن قيل: ما معنى وصفها بالحمي، وهي لا تكون إلا حامية، وهو أقل أحوالها. فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟ قيل: قد اختلف في المراد ب ال: ﴿حامِيَةً﴾ على أقوال:\nأحدها: أنّ المراد بذلك: أنها دائمة الحمي، وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها.\nالثاني: أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها، أو ترام مماسّتها، كما يحمي الأسد عرينه.\nومثله قوله النابغة الذبياني: [البسيط]\nتعدو الذّئاب على من لا كلاب له... وتتّقى صولة المستأسد الحامي\nالثالث: أنها حامية حمي غيظ، وغضب، مبالغة في شدة الانتقام. كما يقال: قد حمي فلان: إذا اغتاظ، وغضب عند إرادة الانتقام. وقد بين الله تعالى بقوله هذا المعنى، فقال:\n ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ سورة (الملك) رقم [٨] وانظر الأحاديث الشريفة في سورة (القارعة).\nالإعراب: ﴿تَصْلى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى ﴿وُجُوهٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر آخر ل: ﴿وُجُوهٌ﴾ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، ﴿نارًا:﴾ مفعول به. ﴿حامِيَةً:﴾ صفة له.\n ﴿تُسْقى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى ﴿وُجُوهٌ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿نارًا،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْ عَيْنٍ:﴾\nمتعلقان بما قبلهما. ﴿آنِيَةٍ:﴾ صفة ﴿عَيْنٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-5973\"></span><span id=\"aya-5974\"></span>﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾\nالشرح: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: لأهل النار. ﴿طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ:﴾ لمّا ذكر شراب أهل النار ذكر طعامهم. قال عكرمة، ومجاهد: الضريع: نبت ذو شوك لاصق بالأرض، تسميه قريش الشّبرق، إذا كان رطبا، فإذا يبس؛ فهو الضريع، لا تقربه دابة، ولا بهيمة، ولا ترعاه، وهو سم قاتل، وهو أخبث الطعام، وأشنعه. قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]\nرعى الشّبرق الرّيّان حتّى إذا ذوى... وعاد ضريعا بان منه النحائص\n (والنحائص): جمع النحوص بفتح النون، وهي الأتان الوحشية الحائل؛ التي لا ولد لها.\nوقال قيس بن عيزارة الهذلي: [الكامل]\nوحبسن في هزم الضريع فكلّها... حدباء دامية اليدين حرود","vol":"10","page":559},{"text":"يصف الشاعر نوقا حبسن في مرعى سوء غير ناجع، هزلهن، فكلهن داميات الأيدي من وضعها على الضريع ذي الشوك، قليلة اللبن. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ وقال هنا: ﴿إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وهو غير الغسلين، ووجه الجمع بين الآيتين: أن النار دركات، فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد. ودركات النار على قدر الذنوب، وتقع العقوبات على قدرها.\nفعن أبي الدرداء﵁قال: يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه، فيغاثون بالضريع؛ الذي لا يسمن، ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئا، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، فيغصّون به، فيذكرون: أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم، وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة، فيقولون: في سورة (غافر): ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ..﴾. إلخ. أخرجه الترمذي، وغيره.\nأقول: كله مأخوذ من الآيات القرآنية. قال تعالى هنا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (المزمل): ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا،﴾ وقال في سورة (محمد ﷺ): ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾.\nوجاء في الحديث عن ابن عباس﵄يرفعه: «الضريع شجر في النار، يشبه الشوك، أمرّ من الصّبر، وأنتن من الجيفة، وأشدّ حرارة من النار». وقال بعض المفسرين: فلما نزلت هذه الآية قال بعض المشركين: إن إبلنا لتسمن على الضريع، وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا، ويسمى شبرقا، فإذا يبس لا يأكله شيء، وعلى تقدير أن يصدقوا؛ فيكون المعنى: إن طعامكم في جهنم من ضريع ليس من جنس ضريعكم في الدنيا إنما هو ضريع غير مسمن، ولا مغن من جوع.\n ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يعني: أن هذا الطعام لا تقدر البهائم على أكله، فكيف يقدر الإنسان على أكله، فهو لا يسمن، ولا يغني من جوع، فمنفعتا الغذاء منتفيتان عنه، وهما: دفع الجوع، وإفادة السمن.\nالإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿طَعامٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز بجملة:\n ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ ضَرِيعٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُسْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ضَرِيعٍ،﴾ والمفعول","vol":"10","page":560},{"text":"محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿ضَرِيعٍ﴾. وقيل: صفة ﴿طَعامٌ،﴾ وهو ضعيف.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿يُغْنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿ضَرِيعٍ﴾ أيضا. والمفعول محذوف، التقدير: لا يسمن آكله، ولا يغنيه. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ جُوعٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، وقيل:\n ﴿مِنْ﴾ صلة، و﴿جُوعٍ﴾ مفعول به. وهو ضعيف.\n\n<span id=\"aya-5975\"></span><span id=\"aya-5976\"></span><span id=\"aya-5977\"></span><span id=\"aya-5978\"></span>﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١)﴾\nالشرح: لما ذكر حال الأشقياء أهل النار؛ ذكر حال السعداء أهل الجنة. وهذا من باب المقابلة؛ التي ذكرتها لك كثيرا. وهي أن الله جلت قدرته جرت سنته في كتابه: أنه لم يذكر حال الأشقياء؛ إلا ويذكر حال السعداء، ولا التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الجنة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار، وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط. ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا.\n ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ:﴾ حسنة ذات بهجة، وحسن. وقيل: متنعمة، وهي وجوه المؤمنين، نعمت وترفهت بما جوزيت من عملها الصالح، وهي ذات إشراق، ونضارة، كقوله تعالى في سورة (المطففين): ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أي: لعملها الذي عملته في الدنيا.\nأو المعنى: بسبب سعيها. وهو الأولى. ﴿راضِيَةٌ:﴾ في الآخرة حيث أعطيت الجنة بعملها، ورضيت؛ لأن عملها أورثها جنات النعيم، والسرور، والحبور، وراحة البال، وهناءة الضمير.\n ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أي: مرتفعة؛ لأنها فوق السموات السبع، كما رأيت في سورة (المطففين) وغيرها. وقيل: عالية القدر؛ لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون، وهم في الغرفات آمنون. ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ أي: كلاما ساقطا غير مرضي، من كذب وبهتان، وإثم وباطل، وشتم، وغير ذلك؛ لأن أهل الجنة، لا يتكلمون إلا بالحكمة، وحمد الله على ما رزقهم من النعيم المقيم، والخير العميم.\nالإعراب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب الآية رقم [٢] بلا فارق بينهما. وقال القرطبي: وفيها واو مضمرة، المعنى: ووجوه يومئذ، ليفصل بينها وبين الوجوه المتقدمة. أقول: ويؤيد ذلك التصريح بالواو في سورة (القيامة) وسورة (عبس) والله ولي التوفيق. وقال به ابن هشام في المغني، وأورد قول الحطيئة-وهو الشاهد رقم [١٠٩] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]","vol":"10","page":561},{"text":"إنّ امرأ رهطه بالشّام منزله... برمل يبرين جارا شدّ ما اغتربا\nإذ التقدير: ومنزله برمل، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها بواو محذوفة. ﴿لِسَعْيِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿راضِيَةٌ:﴾ خبر ثان ل: ﴿وُجُوهٌ﴾ الواقع مبتدأ. ﴿فِي جَنَّةٍ:﴾\nمتعلقان بمحذوف خبر آخر ل: ﴿وُجُوهٌ،﴾ أو بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي في جنة، وتكون الجملة في محل رفع خبر آخر ل: ﴿وُجُوهٌ﴾. ﴿عالِيَةٍ:﴾ صفة ﴿جَنَّةٍ﴾. ﴿لا:﴾\nنافية. ﴿تَسْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، أو هي؛ أي: الوجوه، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: ﴿جَنَّةٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما بعدها، والرابط: الضمير فقط. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لاغِيَةً:﴾ مفعول به.\n\n<span id=\"aya-5979\"></span><span id=\"aya-5980\"></span><span id=\"aya-5981\"></span><span id=\"aya-5982\"></span><span id=\"aya-5983\"></span>﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿فِيها:﴾ في الجنة. ﴿عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ أي: بماء متدفق، وأنواع الأشربة اللذيذة على وجه الأرض من غير أخدود. وقيل: تجري حيث أرادوا من منازلهم، وقصورهم. وانظر شرح ﴿عَيْنًا﴾ في سورة (الدهر) رقم [٦]. ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أي: عالية. قال ابن عباس﵄-: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أهلها الجلوس عليها؛ تواضعت لهم؛ حتى يجلسوا عليها، ثم ترتفع إلى مواضعها.\n ﴿وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ أي: أباريق وأوان، والإبريق: هو ما له عروة، وخرطوم. والكوب: إناء ليس له عروة، ولا خرطوم. والملاحظ: أن لفظ (أكواب) جاء هنا وفي سورة (الزخرف) و(الواقعة) وسورة (الدهر) بلفظ الجمع، ولم يأت له مفرد قطعا؛ لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور، والرقة، والانكشاف، وحسن التناسب كلفظ (أكواب) الذي هو الجمع.\nومعنى ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ معدة مهيأة لهم. وقيل: موضوعة على حافات العين الجارية، كلما أرادوا الشرب منها؛ وجدوها مملوءة. ويجوز أن يراد موضوعة عن حد الكبار، أوساط بين الصغر، والكبر، كقوله تعالى في سورة (الدهر): ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾.\n ﴿وَنَمارِقُ:﴾ جمع نمرقة بضم النون، والراء، وكسرهما، لغتان، أشهرهما الأولى، وهي:\nوسادة صغيرة ﴿مَصْفُوفَةٌ؛﴾ أي: واحدة إلى جنب الأخرى. قال الشاعر: [الطويل]\nوإنّا لنجري الكأس بين شروبنا... وبين أبي قابوس فوق النّمارق\nوقال آخر: [الطويل]\nكهول وشبّان حسان وجوههم... على سرر مصفوفة ونمارق","vol":"10","page":562},{"text":"وانظر قول هند في أول سورة (الطارق). ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ:﴾ قال أبو عبيدة: الزرابيّ: البسط.\nوقال ابن عباس﵄-: الزرابي: الطنافس؛ التي لها خمل رقيق، واحدتها زربيّة.\nوقاله الكلبي، والفراء. وال: ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ المبسوطة. وقيل: متفرقة في المجالس. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿عَيْنٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿جارِيَةٌ:﴾ صفة ﴿عَيْنٌ،﴾ والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بالجملة الفعلية قبلها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، وكذلك جملة: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ يجوز فيها ذلك، وإعرابها مثلها. ﴿وَأَكْوابٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (أكواب): معطوف على ﴿سُرُرٌ،﴾ و﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ صفة له، وكذا ما بعده معطوف على ﴿سُرُرٌ﴾ وصفتان لهما.\n\n<span id=\"aya-5984\"></span><span id=\"aya-5985\"></span><span id=\"aya-5986\"></span><span id=\"aya-5987\"></span>﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾\nالشرح: قال المفسرون: لما ذكر الله ﷿ مصير أهل الإيمان، والطاعة، ومصير أهل الكفر، والفجور؛ تعجب كفار قريش من ذلك، فكذبوا، وأنكروا، فذكرهم الله جليل صنعته، وعظيم قدرته، وأنه قادر على كل شيء، كما خلق الحيوانات، والسّماء، والأرض. وخصّ الإبل بالذكر، وقدّمها؛ لأنها من أنفس أموال العرب، ولهم فيها منافع كثيرة. والمعنى: أنّ الذي صنع لهم هذه الدنيا هو الذي صنع لأهل الجنة ولأهل النار ما صنع.\nوتكلم علماء التفسير في وجه تخصيص الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات، فقال مقاتل:\nلأن العرب لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم يشاهدوا الفيل إلا النادر منهم. وقال الكلبي:\nلأنها تنهض بحملها وقد كانت باركة. وقال قتادة: لما ذكر الله ارتفاع سرر الجنة، وفرشها.\nقالوا: كيف نصعد؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوسئل الحسن البصري-رحمه الله تعالى-عن هذه الآية. وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة، فقال: أما الفيل فإنّ العرب بعيدة العهد به، ثم هو لا خير فيه؛ لأنه لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب درّه، والإبل أعز مال العرب، وأنفسه، تأكل النوى، والقت، وغيره، وتخرج اللبن. ومن منافع الإبل: أنها مع عظمها تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، حتى إن الصبي الصغير يأخذ بزمامها، فيذهب بها حيث شاء. ومنها: أنها فضلت على سائر الحيوانات بأشياء.\nوذلك: أن جميع الحيوانات تقتنى إما للزينة، أو للركوب، أو للحمل، أو للّبن، أو لأجل اللحم، ولا توجد هذه الخصال إلا في الإبل، فإنها زينة، وتركب، فيقطع عليها المفازات","vol":"10","page":563},{"text":"البعيدة، وتحمل الثقيل، وتحلب الكثير، ويأكل من لحمها الجم الغفير، وتصبر على العطش عدة أيام. ومنها: أنه يحمل عليها، وهي باركة، ثم تنهض، وكان شريح القاضي-رحمه الله تعالى- يقول: اخرجوا بنا إلى الإبل؛ لننظر كيف خلقت.\nفإن قلت: كيف حسن ذكر الإبل مع السماء، والأرض، والجبال، ولا مناسبة بينهما؟! ولم بدأ بذكر الإبل قبل السماء، والأرض، والجبال؟ قلت: لما كان المراد ذكر الدلائل الدالة على توحيده، وقدرته، وأنه الخالق لهذه الأشياء جميعها، وكانت الإبل من أعظم شيء عند العرب، فينظرون إليها ليلا، ونهارا، ويصاحبونها ظعنا، وسفرا؛ ذكرهم عظيم نعمته عليهم فيها. ولهذا بدأ بها؛ لأنها من أعجب الحيوانات عندهم. انتهى. كله من الخازن. وما أحراك أن تنظر ما ذكر في سورة (يس) الآية رقم [٧١] وما بعدها.\nهذا؛ وقال القرطبي: وقيل: الإبل هنا القطع العظيمة من السّحاب. قاله المبرد. قال الثعلبي: وقيل في الإبل هنا: السحاب، ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمة. قلت: قد ذكر الأصمعي قال أبو عمرو: من قرأها بالتخفيف عنى به البعير، ومن قرأها بالتثقيل «(الإبلّ)» عنى بها السحاب التي تحمل الماء للمطر. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.\nهذا؛ والإبل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، فمفرده: جمل، أو ناقة، والبعير يشملهما كالإنسان للرجل، والمرأة، وقوله تعالى حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ دليل واضح على ذلك. هذا؛ ويجمع على: آبال، والإبل مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، مثل: خيل، وغنم، وإبل، فالتأنيث لها لازم، وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان، فإنما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل.\n ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ:﴾ فوق الأرض بغير عمد، ولا ينالها شيء. قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢]: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾. ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أي: على الأرض نصبا ثابتا راسخا لا يزول. وذلك: أن الأرض لما دحيت؛ مادت، فأرساها بالجبال، كما قال: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ رقم [٣١] من سورة (الأنبياء)، وفي سورة (النحل) رقم [١٥]: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي:\nبسطت، ومهدت بحيث يستقر على ظهرها كل شيء. أثبت علماء المسلمين: أن الأرض كروية الشكل كالإمام الفخر الرازي، وأبي السعود، والآلوسي. ومعنى كونها مسطحة، أو مبسوطة، فإنما هي بالنسبة لعظمتها وسمتها، أو بالنسبة للناظرين، فليس في القرآن ما يخالف الحقائق العلمية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (النازعات).\nهذا؛ وقد قال ابن عباس﵄-: المعنى: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض غير الله القادر على كل شيء؟!","vol":"10","page":564},{"text":"الإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الفاء: حرف عطف. (لا): نافية.\n ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿إِلَى الْإِبِلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من نائب فاعل ﴿خُلِقَتْ﴾ بعده، تقدم على صاحبه، وعامله. ﴿خُلِقَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الْإِبِلِ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بدل اشتمال من الإبل، والجملة الفعلية: ﴿يَنْظُرُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة.\nوتقدير الكلام: أينكرون، فلا ينظرون إلى الإبل كيفية خلقها؟! والجمل بعدها معطوفة عليها، وهي مثلها في الإعراب، والتقدير؛ إذ التقدير: وينظرون إلى السماء كيفية رفعها... إلخ. هذا؛ ومثل هذه الآيات في إبدال الجملة مما قبلها، قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]:\n ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها،﴾ فالجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ بدل اشتمال من العظام، التقدير: وانظر إلى العظام كيفية نشزها، وأيضا قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٥]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ التقدير: ألم تر إلى ربك كيفية مده الظل؟ وأيضا قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [٣٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الطويل]\nإلى الله أشكو بالمدينة حاجة... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان\n\n<span id=\"aya-5988\"></span><span id=\"aya-5989\"></span><span id=\"aya-5990\"></span><span id=\"aya-5991\"></span><span id=\"aya-5992\"></span><span id=\"aya-5993\"></span>﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿فَذَكِّرْ..﴾. إلخ: أي: فذكرهم يا محمد، وعظهم إنما أنت مذكر، وواعظ، ومخوف. ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي: لست عليهم بمسلط، فتقتلهم، أو تكرههم على الإيمان.\nوهذه الآية، وأمثالها منسوخ بآية السيف. انظر آخر سورة (الطارق) القريبة منك. والمسيطر:\nالقاهر الغالب، من: سيطر عليه: إذا راقبه، وحفظه، أو قهره. ولم يأت على: «مفيعل» إلا خمسة ألفاظ: أربعة صفة اسم فاعل، وهي مهيمن، ومبيقر، ومبيسط، ومبيطر، وواحد اسم جبل، وهو: المجيمر. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٨٩]: [الطويل]\nكأنّ ذرى رأس المجيمر غدوة... من السّيل والإغثاء فلكة مغزل\nهذا؛ ويقرأ بالسين، والصاد، ومثله: (المسيطرون) في سورة (الطور). هذا؛ وفي الصحاح: المسيطر، والمصيطر: المسلط على الشيء؛ ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب أعماله، وأقواله. ولم يرد هذا اللفظ في غير هذه السورة، وفي سورة (الطور)، والآية مثل قوله","vol":"10","page":565},{"text":"تعالى في آخر سورة (ق): ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾. وقال تعالى في سورة (الشورى): ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ رقم [٤٨].\n ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ﴾ أي: تولى عن الوعظ، والتذكير، فإن لله الولاية، والقهر. ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ:﴾ وهي جهنم الدائم عذابها. وإنما قال: ﴿الْأَكْبَرَ؛﴾ لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع، والقحط، والأسر، والقتل. روي أن عليا﵁أتي برجل من السبأيين ارتد، فاستتابه ثلاثة أيام، فلم يعاود الإسلام، فضرب عنقه، وقرأ: ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ﴾ والمشهور أنهم كانوا سبعة من السبأيين. قالوا له: أنت الإله، فنهاهم، فلم ينتهوا، فقتلهم.\n ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ أي: إن إلينا رجوعهم بالموت، والبعث، لا إلى أحد سوانا، لا استقلالا ولا اشتراكا، ثم إن علينا حسابهم في المحشر، لا على غيرنا، و﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني بين إيابهم، وحسابهم، لا بين كون إيابهم إليه تعالى، وحسابهم عليه تعالى، فإنهما أمران مستمران. وجمع الضمير في ﴿إِيابَهُمْ﴾ و﴿حِسابَهُمْ﴾ باعتبار معنى ﴿مَنْ﴾ كما أن إفراده في: (يعذبه) باعتبار لفظها، وفي تصدير الجملتين ب: ﴿إِنَّ﴾ وتقديم خبرها، وعطف الثانية على الأولى بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ المفيدة لبعد منزلة الحساب في الشدة من الإنباء عن غاية السخط الموجب لتشديد العذاب ما لا يخفى. انتهى. أبو السعود. وقال الخطيب: فإن قيل: ما معنى تقديم الظرف؟ أجيب: بأن معناه: التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وأن حسابهم ليس إلا عليه، وهو الذي يحاسب على النقير، والقطمير. انتهى. جمل. وليس على الله واجب، وإنما المراد: التشديد بالوعيد.\n ﴿لَسْتَ:﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء والسين، إذا أصلة ليس بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصل بضمير رفع متحرك سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.\nهذا؛ والإياب: الرجوع، وهو مصدر آب، يؤوب، وأصله: إواب مثل: القيام، والصيام، أبدلت الواو ياء لانكسار ما قبلها واعتلالها في الفعل، ويقرأ بتشديد الياء، وأصله: إيواب على:\nفيعال، فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت الأولى بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وخذ قول عبيد بن الأبرص في معلقته رقم [١٦]: [مخلع البسيط]\nوكلّ ذي غيبة يؤوب... وغائب الموت لا يؤوب\nالإعراب: ﴿فَذَكِّرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فذكر. (ذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا». ﴿إِنَّما:﴾","vol":"10","page":566},{"text":"كافة، ومكفوفة. ﴿أَنْتَ مُذَكِّرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها.\n ﴿لَسْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿بِمُصَيْطِرٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مصيطر): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية تعليل آخر للتذكير، لا محل لها أيضا.\n ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع من الضمير في: ﴿عَلَيْهِمْ﴾. وقيل: متصل، ويكون مستثنى من مفعول ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي: فذكر عبادي إلا من تولى. وقيل: ﴿مَنْ﴾ بدل من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ وهذه الأوجه في الإعراب تجعل جملة: ﴿فَيُعَذِّبُهُ..﴾. إلخ مستأنفة منقطعة عما قبلها، لذا فالوجه: اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازما مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو». ﴿وَكَفَرَ:﴾\nالواو: حرف عطف. (كفر): فعل ماض، وفاعله مستتر أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَيُعَذِّبُهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (يعذبه): فعل مضارع، ﴿اللهُ:﴾ فاعله.\nوالهاء مفعول به. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول مطلق. ﴿الْأَكْبَرَ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو يعذبه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط، وجملة الجواب كلتاهما في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وخبره جملة:\n ﴿فَيُعَذِّبُهُ..﴾. إلخ. ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء المنقطع، ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٦٠] من سورة (مريم)، والآية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان).\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿إِيابَهُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\nتنبيه: جاء في مغني اللبيب ما نصه: وتستعمل «كيف» على وجهين: أحدهما أن تكون شرطا، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ، والمعنى غير مجزومين، نحو كيف تصنع؛ أصنع، ولا يجوز: كيف تجلس أذهب باتفاق، ولا كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها، كما مرّ. وقيل: يجوز مطلقا، وإليه ذهب قطرب، والكوفيون. وقيل: يجوز بشرط اقترانها بما. قالوا: ومن ورودها شرطا: ﴿يُنْفِقُ﴾","vol":"10","page":567},{"text":"كَيْفَ يَشاءُ و﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ و﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبله عليه. وهذا يشكل على إطلاقهم أن جوابها يجب مماثلته لشرطها.\nوقد استدرك بعض المعلقين على المغني، فقال: أجاب بعضهم بأنه يمكن أن يقدر الجواب موافقا للشرط بأن يقدر الجواب فعل مشيئة متعلق بالفعل السابق، وهو دال عليه؛ لأن الفعل الاختياري يستلزم المشيئة، والأصل كيف يشاء أمرا؛ يشاء التصوير في الأرحام. كيف يشاء أمرا؛ يشاء الإنفاق، كيف يشاء أمرا؛ يشاء بسطه. غاية الأمر أن متعلق الفعلين مختلف، وهذا جواب بعيد؛ لأنهم قالوا: لدلالة ما قبله؛ لأن المتبادر: أنه دال على الجواب، وعلى رفع الإشكال، فيكون ما قبلها دالا على متعلق جوابها، لا على نفس جوابها. وقد علمت دفع هذا بأن الفعل الاختياري، وهو الفعل الواقع قبلها يستلزم المشيئة، وهو الجواب المحذوف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الغاشية) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4972>سورة الفجر</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الفجر) مكية، وهي تسع وعشرون. وقيل: ثلاثون آية، ومئة وتسع وثلاثون كلمة، وخمسمئة وسبعة وتسعون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-5994\"></span><span id=\"aya-5995\"></span><span id=\"aya-5996\"></span><span id=\"aya-5997\"></span>﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَالْفَجْرِ..﴾. إلخ: أقسم الله ﷿ بالفجر وما بعده لشرف هذه الأشياء، وما فيها من الفوائد الدينية، وهي أنها دلائل باهرة، وبراهين قاطعة على التوحيد، وفيها من الفوائد الدنيوية: أنها تبعث على الشكر. وانظر ما ذكرته بشأن هذا القسم في أول سورة (المرسلات) و(الذاريات) تجد ما يسرك.\nواختلفوا في معاني هذه الألفاظ، فروي عن ابن عباس﵄أنه قال:\n (الفجر) هو انفجار الصبح في كل يوم، أقسم الله تعالى به لما يحصل فيه من انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس، وسائر الحيوانات في طلب الأرزاق، وذلك يشبه نشر الموتى من قبورهم للبعث والحساب، والجزاء. قال تعالى في سورة (التكوير) رقم [١٨]: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾. وعن ابن عباس أيضا: أنه صلاة الفجر، والمعنى: أنه أقسم بصلاة الفجر؛ لأنها مفتتح النهار، ولأنها مشهودة، يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. قال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ سورة (الإسراء) رقم [٧٨]. وقيل: إنه فجر معين، واختلفوا فيه، فقيل: هو فجر أول يوم من المحرّم؛ لأنه منه تنفجر السنة. وقيل: هو فجر ذي الحجة؛ لأنه قرن به الليالي العشر.\nوقيل: هو فجر يوم النحر؛ لأن فيه أكثر مناسك الحج، وفيه القربات المتنوعة.\n ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ:﴾ قيل: إنما نكرها لما فيها من الفضل، والشرف؛ الذي لا يحصل في غيرها.\nواختلف فيها، فقد روي عن ابن عباس﵄-: أنها العشر الأول من ذي الحجة؛ لأنها أيام الاشتغال بأعمال الحج. وأخرج الترمذي عن ابن عباس﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أيّام العمل فيهنّ أحبّ إلى الله من عشر ذي الحجة». قالوا: ولا الجهاد يا رسول الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه، وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء». ورواه البخاري أيضا عن ابن عباس مرفوعا. وروي عن ابن عباس أيضا؛","vol":"10","page":569},{"text":"قال: هي العشر الأواخر من رمضان؛ لأن فيها ليلة القدر، ولأن رسول الله ﷺ كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان أحيا ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله للعبادة. وقيل: هي العشر الأول من المحرم، وهو تنبيه على شرفه، ولأن فيه يوم عاشوراء. وهو أضعفها. وأقواها الأول.\n ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ:﴾ الشفع: الاثنان، والوتر: الفرد. واختلف في ذلك أيضا؛ قيل: الشفع: هو الخلق، والوتر: هو الله تعالى. يروى ذلك عن أبي سعيد الخدري﵁-. وقيل:\nالشفع: هو الخلق كالإيمان، والكفر. والهدى، والضلالة. والسعادة، والشقاوة. والليل، والنهار. والأرض، والسماء. والشمس، والقمر. والبر، والبحر. والنور، والظلمة. والجنّ، والإنس. والوتر: هو الله تعالى. وقيل: الخلق كله فيه شفع، وفيه وتر. وقيل: الصلوات الخمس منها شفع، ومنها وتر. عن عمران بن حصين﵁أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع، والوتر، فقال: «هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر». أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وعن ابن عباس﵄قال: «الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب».\nوقال أبو بكر الوراق: الشفع تضاد أوصاف المخلوقين: العز، والذل. والقدرة، والعجز.\nوالقوة، والضعف. والعلم، والجهل. والحياة، والموت. والبصر، والعمى. والسمع، والصمم. والكلام، والخرس. والوتر: انفراد صفات الله تعالى: عزّ بلا ذل، وقدرة بلا عجز.\nوقوة بلا ضعف. وعلم بلا جهل. وحياة بلا موت. وبصر بلا عمى. وكلام بلا خرس. وسمع بلا صمم. وما وازاها. وقال الحسين بن الفضيل: الشفع: درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر:\nدركات النار، وهي سبع، فكأنه أقسم بالجنة، والنار. وقيل: غير ذلك.\nوقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ ذكر في كتاب التحرير، والتحبير فيهما ستة وثلاثين قولا ضجرنا قراءتها فضلا عن كتابتها في كتابنا هذا. وقال الزمخشري: وقد أكثروا في الشفع، والوتر؛ حتى كادوا يستوعبون معظم ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهي عنه. هذا؛ ويجمع الشفع على: أشفاع، وشفاع، ويجمع الوتر على: أوتار. هذا؛ ويقرأ (الوتر) بفتح الواو، وكسرها لغتان كالحبر والحبر. والفتح لغة قريش، ومن والاها، والكسر لغة تميم.\nولا تنس الطباق بين (الشفع) و(الوتر)، وهو من المحسنات البديعية.\n ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ:﴾ هذا قسم خامس، بعد أن أقسم الله بالليالي العشر على الخصوص، أقسم الله بالليل على العموم. ومعنى: يسري؛ أي: يسرى فيه، كما يقال: ليل قائم، ونهار صائم. قال جرير: [الطويل]\nلقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى... ونمت وما ليل المطيّ بنائم\nومنه قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣٣]: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنه جيد. وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتبي، والأخفش، فهو مجاز في الإسناد،","vol":"10","page":570},{"text":"بإسناد ما للشيء للزمان، كما يسند للمكان فيقال: نهر جار، والظاهر: أنه مجاز مرسل، أو استعارة. وقال أكثر المفسرين: معنى يسري: سار، وذهب، مثل قوله تعالى في سورة (المدثر):\n ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ،﴾ وفي سورة (التكوير): ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾. واختلف في (الليل) أيضا. قيل: هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله. وقيل: ليلة القدر لسراية الرحمة فيها، واختصاصها بزيادة الثواب فيها، وأقول من جهتي: لعلها ليلة الجمعة، ولعلها ليلة المولد النبوي الشريف. وقيل: أراد عموم الليل كله.\nهذا؛ وأسرى فيه لغتان: سرى، وأسرى، وقرئ في (الدخان)، و(الشعراء) بقطع الهمزة ووصلها، فالأول من الرباعي، والثاني من الثلاثي، وقد جمع حسان بن ثابت﵁- بين اللغتين في بيت واحد؛ حيث قال: [الكامل]\nحيّ النّضيرة ربّة الخدر... أسرت إليك ولم تكن تسري\nوسرى، وأسرى بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيد، والثانية لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم في كثير من الآيات، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: «سرى» لأول الليل و«أسرى» لآخره، وهو قول الليث، وأما سار فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من: «سرى»، فهو بمعنى: مشى. هذا؛ والسّرى، والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى، يسري سرى، ومسرى، وسرية، وسراية. وأسرى إسراء. هذا؛ والسرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث، وكأنهم جعلوه جمع: سرية.\nهذا؛ وحذفت الياء من آخر (يسري)؛ لأنه رأس آية، وقرئ بإثباتها في الوصل، كما قرئ بإثبات الياء في الوصل، والوقف على الأصل؛ لأنها ليست بمجزومة. قال الخليل: تسقط الياء منها اتفاقا لرؤوس الآي. قال الفراء: قد تحذف العرب الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها، وأنشد لبعضهم: [الرجز]\nكفّاك كفّ ما تليق درهما... جودا وأخرى تعط بالسّيف الدّما\nالإعراب: ﴿وَالْفَجْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. وانظر ما ذكرته في سورة (المرسلات) و(الذاريات) بشأن المقسم به، وسأعيده في أول سورة (الشمس) الآتية إن شاء الله تعالى. ﴿وَلَيالٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (ليال): معطوف على (الفجر) مجرور مثله، وعلامة جره فتحة مقدرة على الياء المحذوفة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع؛ إذ الأصل: وليالي، فحذفت الياء للتخفيف، لا للإعلال، وإنما قدرت الفتحة مع خفتها لنيابتها عن الكسرة، ونائب الثقيل ثقيل. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب. ﴿عَشْرٍ:﴾\nصفة (ليال). ﴿وَالشَّفْعِ،﴾ ﴿وَالْوَتْرِ،﴾ ﴿وَاللَّيْلِ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على (الفجر). ﴿إِذا:﴾\nظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد","vol":"10","page":571},{"text":"منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالليل وقت سراه.\nقاله أبو البقاء، وغيره، وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و(إذا) لما يستقبل من الزمان؛ فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من الليل؛ أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان سريانه. وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن الليل جثة، والزمان لا يكون من الجثة، كما لا يكون خبرا عنها. والثاني: أنّ ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا، وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالليل لازم معناه، وهو المظلم. وأجيب عن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل في الظرف نفس الليل. قاله أبو البقاء أيضا، وفيه نظر؛ لأن الليل لا يعمل في الظرف؛ لأنه اسم جامد. وقد يقال: إن الليل يوصف، والتقدير: والليل المظلم في وقت سراه. انتهى. جمل من سورة (النجم). ﴿يَسْرِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة كما رأيت، والفاعل يعود إلى (الليل)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-5998\"></span>﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾\nالشرح: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ: تحقيق، وتقرير لفخامة شأن الأمور المقسم بها، وكونها أمورا خليقة حقيقة بالإعظام، والإجلال عند أرباب العقول والأفهام، وتنبيه على أن الإقسام بها أمر معتد به، خليق بأن يؤكد به الأخبار على طريقة قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وذلك إشارة إما إلى الأمور المقسم بها، والتذكير بتأويل ما ذكر، أو إلى الإقسام بها، وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الفضل، والشرف. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود، ومعنى (لذي حجر): لذي لب، وعقل.\nقال الشاعر: [البسيط]\nوكيف يرجّى أن تتوب وإنّما... يرجّى من الفتيان من كان ذا حجر؟\nهذا؛ وأصل الحجر: المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها من السيئات، والمعاصي: إنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته، ولذلك سميت الغرفة حجرة لامتناع ما فيها بها. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ سورة (الحجرات) رقم [٤]. وقال الفراء: تقول العرب: إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، كأنه أخذ من حجرات على الرجل.\nوفي الخازن: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء. ﴿قَسَمٌ:﴾ مقنع، ومكتفي في القسم. ﴿لِذِي حِجْرٍ:﴾ لذي عقل، سمي بذلك؛ لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل له، ولا ينبغي. كما سمي عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه عن القبائح، وسمي: نهية قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ سورة (طه) رقم [١٢٨] وأصل الحجر: المنع، ولا يقال: ذو حجر إلا لمن","vol":"10","page":572},{"text":"هو قاهر لنفسه، ضابط لها عما لا يليق، كأنه حجر على نفسه، ومنعها ما تريد. والمعنى: أن من كان ذا لبّ وعقل علم: أنّ ما أقسم الله ﷿ به من هذه الأشياء، فيه عجائب، ودلائل تدل على توحيده، وربوبيته، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه. انتهى. بتصرف.\nهذا؛ والحجر يطلق على أشياء كثيرة: حجر الإنسان بفتح الحاء، وكسرها، وهو ما بين يديه من ثوبه، ويقال: نشأ فلان في حجر فلان؛ أي: تحت رعايته، وعنايته. قال تعالى:\n ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ..﴾. إلخ سورة (النساء) رقم [٢٣]. وهو بفتح الحاء: المنع من التصرفات المالية لصغر، أو سفه، أو فلس، وغير ذلك. والحجر يطلق على الفرس الأنثى، وهو بكسر الحاء، وعلى العقل كما رأيت، ويطلق على حجر إسماعيل بجوار الكعبة المعظمة، وعلى حجر ثمود؛ أي: بلادهم. قال تعالى في سورة (الحجر): ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ والحجر يطلق على الحرام، وفي سورة (الفرقان): ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وقال الشاعر: [الطويل]\nألا أصبحت أسماء حجرا محرّما... وأصبحت من أدنى حموّتها حما\nأراد ألا أصبحت أسماء حراما محرما. قاله رجل كانت له امرأة، فطلقها، وتزوجها أخوه؛ أي:\nأصبحت أخا زوجها بعد أن كنت زوجها، وقد نظم بعضهم المعاني المتقدمة بقوله: [البسيط]\nركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجر... وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر\nلله حجر منعني من دخول الحجر... ما قلت حجرا ولو أعطيت ملء الحجر\nالإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف تقرير، أو حرف تحقيق وتأكيد. قال مقاتل: هل هنا في موضع إن، تقديره: إن في ذلك قسما لذي حجر. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قَسَمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿لِذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة قسم، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و(ذي): مضاف، و﴿حِجْرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية جواب القسم الأول وما عطف عليه على قول مقاتل-رحمه الله تعالى-. وقيل: الجواب محذوف، تقديره:\nليعذبن. وقيل: الجواب قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ وعلى هذين القولين فالجملة الاسمية (هل في ذلك...) إلخ. معترضة بين القسم وجوابه، وقد أفادت الكلام تقوية وتسديدا.\n\n<span id=\"aya-5999\"></span><span id=\"aya-6000\"></span><span id=\"aya-6001\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ خطاب للنبي ﷺ، وهو عام لكل أحد، والمعنى: ألم يبلغك يا محمد، ويصل إلى علمك ماذا فعل الله بعاد قوم هود؟ وكان أمر عاد، وثمود عند العرب","vol":"10","page":573},{"text":"مشهورا؛ إذ كانوا في بلادهم، وحجر ثمود موجود إلى اليوم بوادي القرى، وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. ﴿بِعادٍ﴾ أي: بقوم عاد، وكانوا أشداء أقوياء. روى شهر بن حوشب عن أبي هريرة -﵁قال: كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمئة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وكان أحدهم يدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها.\nلذا ذكرهم نبيهم هود بهذا، فقال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ الآية رقم [١٥] من سورة (فصلت).\nهذا؛ وعاد في الأصل ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فعلى هذا ف ﴿إِرَمَ﴾ هو جد عاد، ثم جعل لفظ عاد اسما للقبيلة، كما يقال لبني هاشم: هاشم، ولبني تميم: تميم، ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، وعاد إرم تسمية لهم باسم جدهم. ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات: [المنسرح]\nمجدا تليدا بناه أوّلهم... أدرك عادا وقبله إرما\nوقال معمر: «إرم» إليه مجمع عاد، وثمود، وكان يقال: عاد إرم، وعاد ثمود، وكانت القبائل تنتسب إلى إرم. وقال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد، منهم: إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام، فمن ولد إرم بن سام العمالقة، والفراعنة، والجبابرة، والملوك الطغاة، والعصاة.\n ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ أي: الطول، يقال: رجل معمّد: إذا كان طويلا. قال قتادة: كان طول الواحد منهم اثنا عشر ذراعا. وعن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة أيضا كانوا عمادا لقومهم.\nيقال: فلان عماد القوم، وعمودهم؛ أي: سيدهم. وقيل: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ أي: الأبنية الرفيعة المرفوعة على العمد، وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور. قال ابن زيد: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ يعني: إحكام البنيان بالعمد. وفي الصحاح: والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر، وتؤنث.\nقال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [٣٩]: [الوافر]\nونحن إذا عماد الحيّ خرّت... على الأحفاض نمنع من يلينا\n ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ:﴾ الضمير يرجع إلى القبيلة؛ أي: لم يخلق مثل القبيلة في البلاد قوة، وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة. ومن جعل إرم مدينة؛ قدر محذوفا، المعنى: كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم، أو بعاد صاحبة إرم. وإرم على هذا مؤنثة معرفة. وروي: أنه كان لعاد ابنان: شداد، وشديد، فملكا، وقهرا، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا،","vol":"10","page":574},{"text":"ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمئة سنة، وكان عمره تسعمئة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزبرجد، والياقوت، وفيها أصناف الأشجار، والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها؛ سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثمّ، وبلغ معاوية خبره، فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة. وقال: هذا والله ذلك الرجل!.\nتنبيه: ذكرت لك فيما مضى: أنه ملك الدنيا مؤمنان، وكافران، فأما المؤمنان؛ فهما سليمان ابن داود، وإسكندر ذو القرنين، وأما الكافران؛ فهما: بختنصر ملك بابل، وشداد بن عاد.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف تقرير، واستفهام. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، تقدم على صاحبه، وعامله، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا.\nوانظر ما ذكرته في أول سورة (الفيل) فإنه جيد، جيد، وهذا مثله. ﴿فَعَلَ:﴾ ماض، ﴿رَبُّكَ:﴾\nفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (ترى) وهو قلبي، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (ترى) وهو قلبي، انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِعادٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِرَمَ:﴾\nبدل من (عاد)، أو عطف بيان عليه، وهذا على اعتباره علم على شخص، أو علم على قبيلة، وأما على اعتباره اسم بلدة، أو اسم أرض؛ فهو على حذف مضاف، التقدير: بعاد صاحب إرم.\nوالتقدير على الأول: بعاد إرم صاحب ذات العماد، ولم ينصرف إرم قبيلة كانت، أو أرضا، فهو مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث، فهو إما مضاف، وإما مضاف إليه، كما رأيت، و«صاحب» صفة (عاد)، وهو مضاف، و﴿إِرَمَ﴾ مضاف إليه... إلخ، و«صاحب» صفة ﴿إِرَمَ﴾ على التقدير الأول، و«صاحب» مضاف، و﴿ذاتِ﴾ مضاف إليه... و«صاحب» صفة (عاد) أو بدل منه على اعتبار ﴿إِرَمَ﴾ اسم بلدة، أو اسم أرض، و﴿ذاتِ﴾ مضاف، و﴿الْعِمادِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ ويجوز أن يقطع عما قبله على إضمار مبتدأ، التقدير: هي التي، أو على تقدير فعل: أعني التي. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُخْلَقْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿مِثْلُها:﴾ نائب فاعل، وها في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.","vol":"10","page":575},{"text":"<span id=\"aya-6002\"></span>﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)﴾\nالشرح: (ثمود): قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿جابُوا:﴾\nقطعوا. ومنه: فلان يجوب البلاد؛ أي: يقطعها. قال الشاعر، وكان قد نزل على ابن الزبير في مكة، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة، فقال: [البسيط]\nراحت رواحا قلوصي وهي حامدة... آل الزّبير ولم تعدل بهم أحدا\nراحت بستين وسقا في حقيبتها... ما حمّلت حملها الأدنى ولا السّددا\nما إن رأيت قلوصا قبلها حملت... ستّين وسقا ولا جابت به بلدا\nورحم الله أحمد شوقي؛ إذ يقول في قصيدته نهج البردة البيت رقم [٨٦] في مديح المصطفى ﷺ: [البسيط]\nجبت السموات أو ما فوقهنّ بهم... على منوّرة درّيّة اللّجم\nقال المفسرون: أول من نحت الجبال، والصخور، والرخام: ثمود، فبنوا من المدائن ألفا وسبعمئة مدينة، كلها من الحجارة، ومن الدور، والمنازل ألفي ألف وسبعمئة كلها من الحجارة، وقد قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٢]: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ وقال في سورة (الشعراء) رقم [١٤٩]: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال، ويجعلونها بيوتا؛ لأنفسهم، وقد ذكرت قصتهم مفصلة في سورة (الأعراف) و(هود) و(الشعراء).\n (بالوادي): أي: بوادي القرى. قاله محمد بن إسحاق. وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة -﵁قال: أتى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال: «أسرعوا؛ فإنكم في واد ملعون». وروي: أنه ﷺ نهاهم عن شرب مائه، وأكل ما طبخوا به، وعجنوا من مائه. هذا؛ والوادي هو المنفرج بين جبلين يجري فيه السيل، ويجمع على أودية، وأوديات. وأوادية، وأوداء، وأوداه. قال جرير: [الوافر]\nعرفت ببرقة الأوداه رسما... محيلا طال عهدك من رسوم\nولم أعثر على «وديان» مع أنه كثير ومستعمل. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في جمع واد على أودية، وجمع فاعل على أفعلة شاذ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف، ووجهه أن فاعلا قد جاء بمعنى فعيل، وكما جاء فعيل وأفعلة كجريب وأجربة كذلك فاعل. انتهى من سورة (الرعد) الآية [١٧].\nهذا؛ وثمود: قبيلة أخرى من قبائل العرب كعاد، سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن غابر، ابن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر، وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام","vol":"10","page":576},{"text":"إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، والأول هو المعتمد، ومنع من الصرف؛ لأنه جعل اسما لمؤنث، وهو القبيلة. ونبيهم هو صالح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وصرف (عاد) لسكون وسطه.\nالإعراب: ﴿وَثَمُودَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ثمود): معطوف على عاد مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ثمود، أو هو بدل منه، ويجوز قطعه عن (ثمود) على إضمار مبتدأ، أو إضمار فعل، والجملة الفعلية بعده صلته. ﴿بِالْوادِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الصَّخْرَ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لمناسبة رؤوس الآي.\n\n<span id=\"aya-6003\"></span><span id=\"aya-6004\"></span><span id=\"aya-6005\"></span><span id=\"aya-6006\"></span><span id=\"aya-6007\"></span>﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)﴾\nالشرح: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ أي: صاحب الجنود، والعساكر، والجموع، والجيوش؛ التي تشد ملكه. قاله ابن عباس﵄-، وقوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٢]: ﴿ذِي الْأَوْتادِ﴾ فسر هناك بالبناء المحكم. وقيل: ذو الملك الشديد الثابت، والعرب تقول: هو في عز ثابت الأوتاد، يريدون بذلك: أنه دائم شديد. قال الأسود بن يعفر: [الكامل]\nولقد غنوا فيها بأنعم عيشة... في ظلّ ملك ثابت الأوتاد\nوأصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده. قال الأفوه الأودي: [البسيط]\nوالبيت لا يبتنى إلاّ بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\nفاستعير لثبات العز، والملك، واستقامة الأمر، وهي استعارة بليغة، فقد شبه الملك بخيمة عظيمة شدت أطنابها بالأوتاد لتثبت، وترسخ، ولا تقتلعها الرياح، ففيه استعارة مكنية. وذكر الأوتاد تخييل. وقيل: ﴿ذِي الْأَوْتادِ﴾ ذو القوة، والبطش. وقال الكلبي، ومقاتل: كان فرعون يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه الحيات، والعقارب؛ حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيها وتد من حديد، ويتركه؛ حتى يموت. هذا؛ ومفرده:\nوتد، وهو ما رزّ في الحائط، أو في الأرض من خشب، وغيره، وهو بكسر التاء، وفتحها لغة.\nقال الشاعر: [البسيط]\nولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن: عير الحيّ، والوتد","vol":"10","page":577},{"text":"هذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد\nوأهل نجد يسكنون التاء، فيدغمونها بعد قلبها دالا بالدال الثانية، فيبقى: ودّ، وهي لغة العامة الشائعة، ووتدت الوتد، أتده وتدا من باب: وعد: أثبته بحائط، أو بالأرض، وأوتدته لغة. انتهى. من المصباح.\n ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ:﴾ تمردوا وعتوا وتجاوزوا الحد في الظلم والعدوان، والضمير يعود إلى عاد وثمود وفرعون. وقيل: يعود إلى فرعون وجنوده، والأول أولى بالاعتبار. ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ أي: الظلم والاعتداء والجور والأذى مع الكفر، والتعالي في الأرض، والفساد ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فكذلك الفساد يتناول جميع أقسام الإثم.\n ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أفرغ عليهم، وألقى، وأنزل بهم ﴿رَبُّكَ﴾ يقال: صبّ على فلان نعمة؛ أي:\nألقاها عليه. قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل]\nفصبّ عليه الله أحسن صنعه... وكان له بين البريّة ناصرا\n ﴿سَوْطَ عَذابٍ:﴾ نوع عذاب. ويقال: شدة عذاب؛ لأن السوط كان عندهم نهاية ما يعذب به. قال الشاعر: [الطويل]\nألم تر أنّ الله أظهر دينه... وصبّ على الكفار سوط عذاب\nوقال الفراء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب. وأصل ذلك: أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب؛ إذ كان فيه عندهم غاية العذاب. فأهلكت عاد بالريح، وثمود بالصيحة، وفرعون بالغرق. قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾.\nهذا؛ والسوط الذي يضرب به يكون من جلد، وغيره، والجمع: أسواط، وسياط، وساطه:\nضربه بالسوط. وقد استعير هذا لنوع من أنواع العذاب، كما هو واضح. والسوط: خلط الشيء بعضه ببعض.\n ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ أي: يرصد أعمال العباد، فلا يفوته منها شيء؛ ليجازيهم بها يوم القيامة. ففيه استعارة تمثيلية: شبه كونه تعالى حافظا لأعمال العباد، مراقبا لها، ومجازيا على نقيرها، وقطميرها بحيث لا ينجو منه أحد بحال من قعد على الطرق مترصدا لمن يسلكها؛ ليأخذه، فيوقع به ما يريد، ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر. انتهى. نقلا من الشهاب. وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [٢١] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nبعد هذا فخذ ما يلي: روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس﵄أن فرعون-لعنه الله-إنما سمي ذا الأوتاد؛ لأنه كان عنده امرأة مؤمنة، وهي امرأة خازنه حزقيل، وكان مؤمنا كتم إيمانه مئة سنة-انظر سورة (غافر) رقم [٢٨] وما بعدها-وكانت امرأته","vol":"10","page":578},{"text":"ماشطة بنت فرعون، فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون؛ إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله! فقالت بنت فرعون: وهل لك من إله غير أبي؟! فقالت: إلهي وإله أبيك، وإله السموات، والأرض واحد لا شريك له! فقامت، ودخلت على أبيها؛ وهي تبكي! فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم: أنّ إلهك، وإلهها، وإله السموات، والأرض واحد لا شريك له! فأرسل إليها، فسألها عن ذلك، فقالت: صدقت! فقال لها:\nويحك! اكفري بإلهك، وقري أني إلهك! قالت: لا أفعل، فمدها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل عليها الحيات، والعقارب. وقال لها: اكفري بالله، وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين! فقالت: لو عذبتني سبعين شهرا ما كفرت بالله! وكان لها ابنتان، فجاء بابنتها الكبرى، فذبحها على قلبها، ثم قال لها: اكفري بالله، وإلا ذبحت الصغرى على فيك! وكانت رضيعا، فقالت: لو ذبحت من في الأرض على فيّ ما كفرت بالله ﷿! فأتى بابنتها، فلما اضطجعت على صدرها، وأراد ذبحها؛ جزعت المرأة فأطلق الله لسان ابنتها، فتكلمت، وهي من الأربعة الذين تكلموا في المهد صغارا أطفالا، وقالت: يا أماه لا تجزعي، فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة، فاصبري، فإنك تفضين إلى رحمة الله وكرامته! فذبحت، فلم تلبث الأم أن ماتت. أسكنها الله الجنة!.\nقال: وبعث في طلب زوجها حزقيل، فلم يقدروا عليه. فقيل لفرعون: إنه رؤي في موضع كذا في جبل، فبعث رجلين في طلبه، فانتهى إليه الرجلان، وهو يصلي، وثلاثة صفوف من الوحش خلفه يصلّون، فلما رأوا ذلك؛ انصرفوا. فقال حزقيل: اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مئة سنة، ولم يظهر علي أحد، فأيما هذين الرجلين كتم عليّ فاهده إلى دينك، وأعطه من الدنيا سؤله! وأي هذين الرجلين أظهر عليّ؛ فعجل عقوبته في الدنيا، واجعل مصيره في الآخرة إلى النار! فانصرف الرجلان إلى فرعون، فأما أحدهما؛ فاعتبر، وآمن، وأما الآخر؛ فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملأ، فقال فرعون-لعنه الله-: وهل معك غيرك؟ قال: نعم فلان، فدعا به، فقال: أحق ما يقول هذا؟ قال: ما رأيت مما يقول شيئا، فأعطاه فرعون، وأجزل، وأما الآخر فقتله، ثم صلبه. وأما حزقيل؛ فإنه خرج مع موسى إلى أرض فلسطين، وكان من الناجين مع بني إسرائيل.\nقال: وكان فرعون قد تزوج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل، يقال لها: آسية بنت مزاحم، فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما يفعل فرعون؛ وأنا مسلمة، وفرعون كافر، فبينما هي كذلك تؤامر نفسها؛ إذ دخل عليها فرعون، فجلس قريبا منها، فقالت: يا فرعون! أنت أشر الخلق، وأخبثهم، عمدت إلى الماشطة، فقتلتها! قال: فلعل بك الجنون؛ الذي كان بها. قالت: ما بي جنون، إن إلهها، وإلهي، وإله السموات، والأرض واحد لا شريك له! فبصق عليها، وضربها، وأرسل إلى أبيها، وأمها، فدعاهما. وقال لهما: إن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها. قالت: أعوذ بالله من ذلك، إني أشهد: أن ربي، وربك،","vol":"10","page":579},{"text":"ورب السموات، والأرض واحد، لا شريك له! فقال لها أبوها: يا آسية! ألست من خير نساء العماليق، وزوجك إله العماليق؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك! إن كان ما يقول حقا؛ فقولا له:\nيتوجني تاجا تكون الشمس أمامه، والقمر خلفه، والكواكب حوله.\nفقال لهما فرعون-لعنه الله-: اخرجا عني، ثم مدها بين أربعة أوتاد يعذبها، ففتح الله لها بابا إلى الجنة؛ ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (التحريم)، فقبض الله روحها، وأدخلها الجنة. انتهى. كله من الخازن. وانظر الذين تكلموا في المهد في سورة (البروج) رقم [٤].\nالإعراب: ﴿وَفِرْعَوْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (فرعون): معطوف على (عاد) و(ثمود) مجرور مثلهما، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.\n ﴿ذِي:﴾ صفة (فرعون) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي﴾ مضاف، و﴿الْأَوْتادِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة، أو بدل من (عاد) و(ثمود) و(فرعون)، ويجوز قطعه من وجهين: أحدهما على إضمار مبتدأ، التقدير: هم الذين، والثاني على إضمار فعل، التقدير: أعني، أو أذم.\n ﴿طَغَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿فَصَبَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (صب): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سَوْطَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿عَذابٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿لَبِالْمِرْصادِ:﴾ اللام: هي المزحلقة.\n (بالمرصاد): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل لما قبلها.\nقال أبو السعود-رحمه الله تعالى-: إيذانا بأن كفار قومه ﷺ سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من العذاب، كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ. انتهى.\n\n<span id=\"aya-6008\"></span>﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ﴾ أي: الكافر. وذكر ابن عباس﵄بعض زعماء قريش بأسمائهم، والأولى التعميم؛ لأن التخصيص؛ أي: خصوص السبب لا يمنع التعميم.\n ﴿إِذا مَا ابْتَلاهُ:﴾ اختبره، وامتحنه بالنعمة، والرخاء، وبسط العيش. ﴿فَأَكْرَمَهُ:﴾ بالمال، والولد،","vol":"10","page":580},{"text":"والمنصب، والجاه، والصحة، والعافية، وغير ذلك من متع الحياة، ولذائذها. ﴿وَنَعَّمَهُ:﴾ ورفهه بما أنعم عليه. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ:﴾ بما أعطاني، فيفرح بذلك، ولا يحمده، ولا يشكره. هذا؛ وقابل قوله: ﴿وَنَعَّمَهُ،﴾ بقوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ،﴾ ولم يقابل قوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ:﴾ بلفظ:\n «فأهانه»؛ لأنه ليس من ضيق عليه في الرزق؛ كان ذلك إهانة له! ألا ترى إلى ناس كثيرين من أهل التقوى، والصلاح مضيّقا عليهم في الرزق.\nفإن قيل: كيف سمّي كلّ من الأمرين: من بسط الرزق، وتقتيره ابتلاء؟ أجيب بأن كلا منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له؛ فقد اختبر حاله: أيشكر، أم يكفر؟ وإذا قدر عليه رزقه؛ فقد اختبر حاله: أيصبر، أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة. فإن قيل: فهلاّ قال: فأهانه، وقدر عليه رزقه، كما قال: فأكرمه ونعمه؟ أجيب بأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا، وأما التقتير؛ فليس بإهانة له؛ لأن الإخلال بالتفضيل لا يكون إهانة، ولكن يكون تركا للكرامة، وقد يكون المنعم مكرما ومهينا، وغير مكرم، ولا مهين، فمثلا إذا أهدى لك زيد هدية؛ قلت: يكرمني بالهدية، وإذا لم يهد إليك؛ لا تقول: أهانني، ولا أكرمني. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله:\n ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ﴾ قلت: اتصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ،﴾ فكأنه قيل: إن الله تعالى لا يريد من الإنسان إلا الطاعة، فأما الإنسان؛ فلا يريد ذلك، ولا يهمه إلا العاجلة. انتهى. يعني بالتعلق من حيث المعنى. وفي كلامه نفحة اعتزالية واضحة.\n (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يكن من شيء. وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله. ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن.\n ﴿الْإِنْسانُ:﴾ مبتدأ. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَأَمَّا:﴾ صلة. ﴿اِبْتَلاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف، لدلالة ما بعده عليه، والجملة الشرطية معترضة بين المبتدأ، والخبر، ومفاد كلام الجمل: أنّ ﴿إِذا﴾ ظرف مجرد عن الشرطية معلق بما بعده. فقد قال-رحمه الله تعالى-: والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في نية التأخير، كأنه قال: فأما الإنسان؛ فقائل:\nربي أكرمني وقت الابتلاء، وجملة: (أكرمه ونعمه) معطوفتان على ما قبلهما، فهما في محل جر مثلها.","vol":"10","page":581},{"text":"﴿فَيَقُولُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (يقول): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَكْرَمَنِ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو الإنسان. هذا؛ وقرئ بإثبات ياء المتكلم، وحذفها في الفعلين ﴿أَكْرَمَنِ﴾ و﴿أَهانَنِ،﴾ ولا يخفى عليك أن النون تسكن في الوقف، ومثل ذلك قول الأعشى -وهو الشاهد رقم [١٢٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [المتقارب]\nفهل يمنعنّي ارتيادي البلا... د من حذر الموت أن يأتين؟\nومن شانئ كاسف وجهه... إذا ما انتسبت له أنكرن\n\n<span id=\"aya-6009\"></span>﴿وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦)﴾\nالشرح: (قدر): ضيق. ﴿عَلَيْهِ رِزْقَهُ:﴾ أعطاه على قدر البالغة، والحاجة. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ﴾ أي: أذلني بالفقر، وأولاني هوانا بسببه. وهذه صفة الكافر؛ الذي لا يؤمن بيوم القيامة، والجزاء فيه، وإنما الكرامة عنده، والهوان بكثرة حظوظ الدنيا، وقلتها. فأما المؤمن؛ فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، وتوفيقه المؤدي إلى حظوظ الآخرة، وإن وسّع عليه في الدنيا؛ حمده، وشكره.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قلت: الآيتان صفة كل كافر، وكثير من المسلمين يظن أن ما أعطاه الله لكرامته، وفضيلته عند الله، وربما يقول بجهله: لو لم أستحق هذا لم يعطنيه الله. وكذا إن قتر عليه يظن: أن ذلك لهوانه على الله. انتهى. وهذا ظن فاسد، وزعم كاذب، وخذ ما يلي:\nفالرسول ﷺ قال: «وإن الله ﷿ يعطي الدنيا من يحبّ، ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحبّ. فمن أعطاه الدّين؛ فقد أحبّه». من حديث ابن مسعود﵁-.\nوعن أبي سعيد الخدري، -﵁أن النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب». رواه الحاكم.\nهذا؛ ولا تنس: أن الله جلت قدرته، وتعالت حكمته. قال: ﴿اِبْتَلاهُ﴾ في حالة الغنى، والسعة. وقال: ﴿اِبْتَلاهُ﴾ في حالة الفقر، والضيق. فهذا التصريح بأن الخير اختبار، وامتحان، والشر اختبار، وامتحان. كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]: ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾","vol":"10","page":582},{"text":"بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وقال في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾. والصحة، والعافية، والمال، والولد، والجوارح كلها نعم، فهي ابتلاء، واختبار، وامتحان، والأمراض، والآفات، والمصائب، والمتاعب في الدنيا كلها ابتلاء، واختبار، وامتحان، وخذ ما يلي:\nفعن أبي الدرداء﵁قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إنّ الله ﷿ قال:\n «يا عيسى إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبّون؛ حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون؛ احتسبوا، وصبروا، ولا حلم، ولا علم فقال: يا ربّ كيف يكون هذا؟! قال: أعطيهم من حلمي وعلمي». رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري. هذا؛ ولا أرى حاجة إلى إعراب الآية، فإن إعرابها مثل سابقتها بلا فارق مع ملاحظة أن المبتدأ محذوف، وجملة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ﴾ في محل رفع خبره، التقدير: وأما هو؛ أي: الإنسان... إلخ. هذا؛ والمقابلة واضحة بين الآيتين الكريمتين. هذا؛ وقال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير، والشر، وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان، والحارث بن عوف المرّيّين: [الطويل]\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو\nفجمع بين اللغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته، وفي الاختبار:\nابتليته، وبلوته. قاله النحاس.\n\n<span id=\"aya-6010\"></span><span id=\"aya-6011\"></span><span id=\"aya-6012\"></span><span id=\"aya-6013\"></span>﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وزجر، وردّ لما يظنه الكافر، والفاجر، فليس الغنى لفضله، ولا الفقر لهوانه، وإنما الفقر، والغنى، والعز، والذلة من تقدير العزيز العليم، وقضائه، وحكمه، وحكمته. وفي الحديث القدسي يقول الله ﷿: «كلاّ إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلّتها، إنّما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي».\n ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ:﴾ لا تحسنون إليه، ولا تعطونه حقّه من الميراث، فهو إخبار عن ما كانوا يصنعونه. فهو إضراب من قبيح إلى أقبح للترقي في ذمهم. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-:\nنزلت في قدامة بن مظعون: كان يتيما في حجر أمية بن خلف، وكان يدفعه عن حقّه، ولا يعطيه ماله، وكانوا في الجاهلية لا يورثون أنثى، ولا صغيرا، بل ينفرد بالميراث الرجال المقاتلون، وكانوا يقولون: كيف نعطي أموالنا لمن لا يذود عنا، ولا يحمي حمانا؟!.\n ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ:﴾ ولا تحثون أنفسكم، وأهليكم، ومن يتصل بكم من أقاربكم، وأصدقائكم على إطعام الفقراء، والمساكين مما يفضل عنكم من أموالكم. هذا؛","vol":"10","page":583},{"text":"وأصل الفعل: تتحاضون، فحذفت تاء المضارعة للتخفيف، وهو كثير مستعمل في القرآن الكريم، واللغة العربية، والفعل يدل على المفاعلة، وقرئ: «(تحضون)»، وفي سورة (الحاقة):\n ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ وكذا في سورة (الماعون) رقم [٣].\n ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ:﴾ ميراث اليتامى، والنساء، وأصله: الوراث فأبدلوا الواو تاء؛ لأنه من ورثت، كما قالوا في تجاه، وتخمة، وتكأة، وتؤدة، ونحو ذلك. ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ أي: شديدا، وأصل اللم، واللمم في الكلام العربي: الجمع الشديد. يقال: لممت الشيء ألمه لمّا إذا جمعته من هنا، وهناك. قال الحطيئة: [الطويل]\nإذا كان لمّا يتبع الذّمّ أهله... فلا قدّس الرحمن تلك الطواحنا\nأي: إذا كان الأكل ذا لم. وجمع بين ما يحمد، وما لا يحمد: فلا ينفك الذم عن صاحب الأكل يتبعه. ومنه يقال: لمّ الله شعثه. أي: جمع ما تفرق من أموره. قال النابغة الذبياني: [الطويل]\nولست بمستبق أخا لا تلمّه... على شعت أيّ الرجال المهذّب؟\nوقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلم؛ وهم عالمون بذلك، فيلمون في الأكل بين حرامه، وحلاله. ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا، جامعا بين المشتهيات من الأطعمة، والأشربة، والفواكه، كما يفعل الورّاث البّطالون.\n ﴿وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي: كثيرا، حلاله، وحرامه، والجم: الكثير، ومنه: جمّ الماء في الحوض: إذا اجتمع، وكثر. قال أبو خراش الهذلي-والصحيح: أنه لأمية بن أبي الصلت، وهو الشاهد رقم [٤٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]\nإن تغفر اللهمّ تغفر جمّا... وأيّ عبد لك لا ألمّا؟\nهذا؛ وتقرأ الأفعال الأربعة بتاء المضارعة على الالتفات من الغيبة في الأفعال السابقة إلى الخطاب هنا، كما تقرأ بالياء، وعليه فلا التفات.\nتنبيه: قال الجمل-رحمه الله تعالى-: وكان حكم الإرث عندهم من بقايا شريعة إسماعيل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؛ أي: مما هو معلوم لهم، وثابت عندهم بطريق عادتهم، وغيروا، وبدلوا، فلا يقال: السورة مكية، وآية المواريث مدنية، ولا يعلم الحل، والحرمة إلا من الشرع. انتهى. بتصرف، إذا فالمراد توبيخهم، وتقريعهم على تحريفهم، وتبديلهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (المدثر). ﴿بَلْ:﴾\nحرف إضراب. ﴿كَلاّ:﴾ نافية. ﴿تُكْرِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه","vol":"10","page":584},{"text":"من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ﴿الْيَتِيمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، و﴿طَعامِ﴾ مضاف، و﴿الْمِسْكِينِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها واضح إن شاء الله.\n ﴿أَكْلًا:﴾ مفعول مطلق. ﴿لَمًّا:﴾ صفة له. ﴿حُبًّا:﴾ مفعول مطلق. ﴿جَمًّا:﴾ صفة له.\n\n<span id=\"aya-6014\"></span>﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ﴾ أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر، فهو ردّ وزجر، وردع لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدكّ الأرض، ولا ينفع الندم. والمعنى:\nارتدعوا أيها الغافلون، وانزجروا عن ذلك، فإن أمامكم أهوالا عظيمة يوم القيامة، وذلك حين تزلزل الأرض، وتحرك تحريكا متتابعا. هذا؛ وفي المختار: الدكّ: الدقّ، وقد دكّه: إذا ضربه، وكسره، وسواه بالأرض. وبابه: ردّ، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾.\nقال الأخفش: هي أرض دك، والجمع: دكوك. والآية الكريمة تفيد: أن الأرض يبدل شكلها، وهيئتها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ رقم [٤٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر ما ذكرته في سورة (الحاقة) رقم [١٤]، وفي سورة (النبأ) رقم [٢٠].\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [١٥]. ﴿دُكَّتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف، يدل عليه الكلام الآتي، وهو ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وصحح السمين: أنه هو الخبر. ﴿دَكًّا:﴾ مفعول مطلق. ﴿دَكًّا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لما قبله. وهما مصدران في موضع الحال على رأي: أبي حيان، والزمخشري، كقرأت الكتاب بابا بابا.\n<span id=\"aya-6015\"></span><span id=\"aya-6016\"></span>﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣)﴾\nالشرح: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي: أمره، وقضاؤه، وهو من باب حذف المضاف. وفي الجمل:\nحصل تجليه على الخلائق، وظهر سلطانه، وقهره، وظهرت أهوال يوم الموقف، وغير ذلك مما لا يكاد يحصر. وفي البيضاوي: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي: ظهرت آيات قدرته، وآثار قهره، مثل ذلك، بما يظهر عند ظهور السلطان من آثار هيبته، وسياسته. ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أي: مصطفين صفوفا. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٥]: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ أي: ينزلون بصحائف العباد إلى الأرض، وذلك لحساب الثقلين من الإنس والجن. قال ابن عباس-رضي","vol":"10","page":585},{"text":"الله عنهما-: تتشقق سماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن، والإنس، ثم تشقق السماء الثانية، فينزل أهلها، وهم أكثر ممّن في سماء الدنيا، ثم كذلك؛ حتى تنشق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي تليها، ثم ينزل الكروبيون، ثم حملة العرش، وإذا نزل ملائكة سماء الدنيا اصطفوا حول العالم المجموع في المحشر صفا، وإذا نزل ملائكة السماء الثانية اصطفوا خلف هذا الصف، وهكذا حتى تصير الصفوف سبعة، كلهم يحرسون أهل المحشر من الفرار، والهرب.\n ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ:﴾ قال ابن مسعود، ومقاتل﵄-: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك، لها تغيظ وزفير، حتى تنصب عن يسار العرش. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كلّ زمام سبعون ألف ملك يجرّونها». وقال أبو سعيد الخدري -﵁-: لمّا نزلت ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ تغيّر لون رسول الله ﷺ، وعرف في وجهه؛ حتى اشتدّ على أصحابه، ثم قال: «أقرأني جبريل: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ»﴾. قال علي﵁-: قلت: يا رسول الله! كيف يجاء بها؟ قال: «يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، يقود كل زمام سبعون ألف ملك، فتشرد شردة، لو تركت؛ لأحرقت أهل الجمع، ثم تعرض لي جهنم، فتقول: مالي ومالك يا محمد! إن الله قد حرم لحمك علي؟ فلا يبقى أحد إلا قال: نفسي نفسي، إلا محمد ﷺ، فإنه يقول: يا رب أمتي! يا رب أمتي!».\nهذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [١٢]: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر الآية رقم [٣٦] من سورة (النازعات). ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ﴾ أي: الكافر، وما فرط فيه، ويتوب، ويتعظ. ﴿وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ أي: ومن أين له منفعة الذكرى؟! فلا بد من تقدير المضاف المذكور، وإلا فبين ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وبين ﴿لَهُ الذِّكْرى﴾ تناف، وتناقض، والمعنى ومن أين يكون له الانتفاع بالذكرى؛ وقد فات أوانها؟\nالإعراب: ﴿وَجاءَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جاء): فعل ماض. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وقد رأيت تقدير المضاف المحذوف في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿دُكَّتِ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿وَالْمَلَكُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿صَفًّا صَفًّا:﴾ حالان، أو حال مركبة بمعنى: مصطفين. ﴿وَجِيءَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جيء): فعل ماض مبني للمجهول، ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و(إذ) ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تجيء. ﴿بِجَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بالفعل: (جيء)","vol":"10","page":586},{"text":"وهما في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر أيضا.\n ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. وقيل: هو بدل من ﴿إِذا﴾ وهذا يصح إذا علقنا ﴿إِذا﴾ ب: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾. ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، وهذا على مذهب سيبويه، وهو: أنّ العامل في المبدل منه هو العامل في البدل، ومذهب غيره: أن البدل على نية تكرار العامل. ﴿وَأَنّى:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنى): اسم استفهام بمعنى: كيف؟ أو بمعنى: من أين؟ مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. ﴿لَهُ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان. وقيل: متعلقان بالذكرى.\n ﴿الذِّكْرى:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأن الاستفهام إنشاء، والإنشاء لا يكون حالا. وانظر مثلها في سورة (الدخان) رقم [١٣] وفي سورة (محمد ﷺ) رقم [١٨].\n\n<span id=\"aya-6017\"></span><span id=\"aya-6018\"></span><span id=\"aya-6019\"></span>﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾\nالشرح: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ: أي: يقول الإنسان نادما، ومتحسرا: يا ليتني قدمت عملا صالحا ينفعني في آخرتي لحياتي الباقية! فهو يندم على ما كان سلف منه من المعاصي؛ إن كان عاصيا، ويود لو كان محسنا مطيعا ازداد من الطاعات، كما قال الإمام أحمد بن حنبل عن جبير بن نفير عن محمد بن عمرة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (لو أنّ عبدا خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله؛ لحقره يوم القيامة، ولودّ: أنه ردّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر، والثّواب». وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد يموت إلا ندم». قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا ندم ألاّ يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم ألاّ يكون نزع». رواه الترمذي، والبيهقي في الزهد.\nهذا؛ وقال الزمخشري في الكشاف: وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم، ومعلقا بقصدهم، وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات، مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل البدع، والأهواء، وإلا فما معنى التحسر؟ انتهى. كشاف، وهذا مذهبه الاعتزالي، ومعتقده أن العبد يخلق أفعال نفسه باختياره، ويعني بقوله: أهل الأهواء والبدع أهل السنة، والغريب: أن أحمد بن المنير لم يصفعه كعادته عند ما يهوي، أو يهفو مثل هذه الهفوات.\nوما أحراك أن تنظر قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٥٦]: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ،﴾ والآية الأخيرة من سورة (المنافقون)، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٠]: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ وغير ذلك من الآيات.","vol":"10","page":587},{"text":"﴿فَيَوْمَئِذٍ:﴾ يوم القيامة. ﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يعذب كعذاب الله أحد، فالضمير يعود إلى الله ﷿، ومثله ما بعده، وهو قول ابن عباس، والحسن البصري﵄-.\nانتهى. قرطبي. وفي مختصر ابن كثير: أي: ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه، وليس أحد أشد قبضا، ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم ﷿، وهذا في حق المجرمين من الخلائق، والظالمين. هذا؛ ويقرأ بفتح الذال المشددة، وفتح الثاء، وعليه فالمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق كما يوثق الكافر، والمراد: إبليس؛ لأن الدليل قام على أنه أشد الناس عذابا؛ لأجل إجرامه. فأطلق الكلام لأجل ما صحبه من التفسير.\nوقيل: إنه أمية بن خلف. حكاه الفراء. يعني: أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعيّن أحد.\nوالعذاب بمعنى التعذيب. والوثاق بمعنى: الإيثاق، فهما اسما مصدر، مثل: عطاء في قول القطامي-وهو الشاهد [٥٣١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]\nأكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا\nهذا؛ والوثاق بفتح الواو، وكسرها: القيد، والحبل، ونحوه، والجمع: وثق، مثل: رباط، وربط. قال تعالى في سورة (محمد ﷺ) رقم [٤]: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ..﴾. إلخ.\nهذا؛ وانظر شرح ﴿أَحَدًا﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (الجن)، وشرح ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في سورة (المدثر) رقم [٩].\nالإعراب: ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿يا لَيْتَنِي:﴾ (يا): حرف تنبيه وتحسر. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير: يا هؤلاء، والأول أقوى. (ليتني):\nحرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿قَدَّمْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول مقول، وجملة:\n ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ بدل اشتمال من: ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ،﴾ أو هي مستأنفة استئنافا بيانيا وقعت جوابا عن سؤال نشأ منه، كأنه قيل: ماذا يقول عند تذكره؟ فقيل: يقول: يا ليتني عملت لأجل حياتي هذه. انتهى. جمل نقلا عن أبي السعود. ﴿لِحَياتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة.\n ﴿فَيَوْمَئِذٍ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (يومئذ): (يوم): ظرف زمان متعلق بما بعده، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تقوم الساعة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُعَذِّبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَذابَهُ:﴾ مفعول به، وعلى قراءة الفعل بالبناء للمجهول، فهو مفعول مطلق، وهو على حذف مضاف، التقدير: لا يعذب مثل تعذيبه،","vol":"10","page":588},{"text":"والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَدٌ:﴾ فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-6020\"></span><span id=\"aya-6021\"></span><span id=\"aya-6022\"></span><span id=\"aya-6023\"></span>﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَاُدْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾\nالشرح: لما ذكر الله حال من كانت همّته الدنيا، فاتهم الله في إغنائه، وإفقاره؛ ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى الله تعالى، فسلام لأمره، فاتكل عليه. انتهى. قرطبي. أقول: وهذا من باب المقابلة؛ التي ذكرتها لك كثيرا. انظر الآية رقم [٣٦] من سورة (النبأ).\n ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ أي: الثابتة على الإيمان، والإيقان، المصدقة بما قال الله تعالى، الموقنة التي أيقنت بالله ﷿، وخضعت لأمره، وطاعته، هي الراضية بقضاء الله. وقيل: هي الآمنة من عذاب الله. وقيل: هي المطمئنة بذكر الله. قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢٨]:\n ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾. والراضية بقضاء الله: هي التي علمت، وأيقنت: أنّ ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقيل: هي المخلصة. وقيل: هي العارفة بالله؛ التي لا تصبر عنه طرفة عين. وقال ابن زيد: المطمئنة؛ لأنها بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، والحشر. قيل: نزلت في الحمزة حين استشهد بأحد. وقيل: في خبيب ابن عدي الأنصاري؛ الذي صلبه أهل مكة. وقيل: في عثمان بن عفان حين اشترى بئر رومة.\nوقيل: في أبي بكر، -﵃ أجمعين-. والأصح: أنها عامة في كل نفس مؤمنة مطمئنة؛ لأن هذه السورة مكية.\n ﴿اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ﴾ أي: إلى ما وعد ربك من الخير العميم، والثواب المقيم. يقال لها ذلك عند خروجها من الدنيا. قال عبد الله بن عمر﵄-: (إذا توفي العبد المؤمن؛ أرسل الله ﷿ إليه ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح، وريحان، وربك عنك راض. فتخرج كأطيب ريح مسك، وجده أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء، يقولون: قد جاء من الأرض روح طيبة، ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا بملك إلا صلى عليها؛ حتى يؤتى بها الرحمن ﷻ، فتسجد له، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه النفس، فاجعلها مع أنفس المؤمنين، ثم يؤمر، فيوسع عليه قبره، فسبعون ذراعا عرضه، وسبعون ذراعا طوله، وينبذ له الروح، والريحان فإن كان معه شيء من القرآن؛ كفاه نوره، وإن لم يكن؛ جعل له مثل نور الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس ينام، فلا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه.","vol":"10","page":589},{"text":"وإذا توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين، وأرسل قطعة من بجاد؛ (أي: من كساء) أنتن من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فيقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى جهنم، وعذاب أليم، وربك عليك غضبان). وانظر الآية رقم [٣٠] من سورة (فصلت).\n ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً:﴾ راضية بالثواب، مرضية عند الله، جامعة بين الوصفين، والمعنى قد رضيت عن الله، ورضي الله عنها، وأرضاها، مثل قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وانظر النفس، ومراتبها في أول سورة (القيامة).\n ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ أي: انتظمي في سلكهم، أو مع عبادي، أو في زمرة المقربين. وفي الخازن، وغيره: أي: ادخلي في جملة عبادي الصالحين المصطفين، كما قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٩]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ،﴾ وفي سورة (النمل) رقم [١٩] قوله تعالى حكاية عن قول سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:\n ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾. ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: معهم. هذا؛ وروى الحافظ ابن عساكر عن أبي أمامة﵁أنّ رسول الله ﷺ قال لرجل: «قل: اللهم إني أسألك نفسا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك». هذا؛ وقال سعيد بن جبير -﵁-: مات ابن عباس﵄بالطائف، فشهدت جنازته، فجاء طائر، لم ير على خلقه طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن، تليت هذه الآية على شفير القبر، لا يدرى من تلاها: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. انتهى. خازن، وقرطبي، ونسفي. والله أعلم، وأجل، وأكرم.\nالإعراب: ﴿يا أَيَّتُهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيتها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النَّفْسُ:﴾ بدل من (أيتها)، أو عطف بيان عليه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: يقول الله لها. ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ:﴾ صفة ﴿النَّفْسُ﴾. ﴿اِرْجِعِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الفعل، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المخاطبة، وقل مثله في: ارجعا، والمانع من ظهور السكون، الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك: ارجعوا، والمانع من ظهور السكون الضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿إِلى رَبِّكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما،","vol":"10","page":590},{"text":"والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً:﴾ حالان من ياء المخاطبة. (ادخلي): مثل سابقه في الإعراب. ﴿فِي عِبادِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿جَنَّتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4985>فائدة:</span>\nفعل: «دخل» إذا كان المدخول فيه غير ظرف حقيقي؛ تعدى إليه ب: (في)، نحو:\nدخلت في الأمر، ودخلت في غمار الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ أي: في جملة عبادي الصالحين، وإذا كان المدخول فيه ظرفا حقيقيا؛ تعدت إليه في الغالب بغير وساطة (في) ومنه قوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وهذا على أنه ظرف مكان عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام). وهذا إذا كان الفعل ثلاثيا، وأما إذا كان رباعيا دخلت عليه همزة التعدية، ونصب مفعولين، فالمفعول الأول يكون صريحا، والثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الفجر) شرحا، وإعرابا بعون الله، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4986>سورة البلد</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (البلد) مكية باتفاق، وآياتها عشرون. وكلماتها اثنتان وثمانون، وحروفها ثلاثمئة وعشرون. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6024\"></span><span id=\"aya-6025\"></span><span id=\"aya-6026\"></span><span id=\"aya-6027\"></span>﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾\nالشرح: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ أي: مكة. فقد أجمعوا عليه، فإن الله تعالى جعله حرما آمنا، ومثابة للناس، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب من المسلمين، وشرفه بمقام إبراهيم، وحرم فيه الصيد، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل وغيرها لما اجتمعت في مكة دون غيرها؛ أقسم الله بها. انتهى. جمل نقلا من الرازي. هذا؛ وقد اختلف في (لا) فقيل: صلة. قاله الأخفش؛ أي: أقسم؛ لأنه قال: بهذا البلد، وقد أقسم به في سورة (التين) في قوله: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ فكيف يجحد القسم به، وقد أقسم به. قال الشاعر: [الطويل]\nتذكّرت ليلى فاعترتني صبابة... وكاد صميم القلب لا يتقطّع\nأراد: وكاد صميم القلب يتقطع. وقال بعضهم ﴿لا﴾ ردّ لكلامهم، حيث أنكروا الحشر، والنشر، فقال: ليس الأمر كما تزعمون. وهذا قول الفراء. وقال القشيري: قوله ﴿لا﴾ ردّ لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة. المغرور بالدنيا؛ أي: ليس الأمر كما يحسبه من أنه لن يقدر عليه أحد، ثم ابتدأ القسم. قالوا: وفائدتها تأكيد القسم، كقولك: لا والله ما ذاك! تريد والله، فيجوز حذفها لكنه أبلغ في الرد مع إثباتها. وقيل: اللام لام الابتداء، فأشبعت بالمد، فتولدت الألف، ويؤيده قراءة ابن كثير: «(لأقسم)» بغير ألف المد، ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر، وعن قراءة الباقين بالمد، وعلى قراءة ابن كثير فاللام لام الابتداء، وجملة: ﴿أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: لأنا أقسم بهذا البلد، ولو أريد به الاستقبال؛ للزمت النون، وقد جاء حذف نون التوكيد مع الفعل الذي يراد به الاستقبال، وهو شاذ. وانظر ما ذكرته في أول سورة (القيامة) إن أردت الزيادة.","vol":"10","page":592},{"text":"﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ أي: مقيم به نازل فيه. فكأنه عظم حرمة مكة من أجل أن النبي ﷺ مقيم بها. وقيل: ﴿حِلٌّ﴾ أي: حلال، فقد ذكر أهل اللغة: أنه يقال: رجل حل، وحلال، ومحل. ورجل حرام، ومحرم، وحرم. والمعنى: أحلّت لك تصنع فيها ما تريد من القتل والأسر، ليس عليك ما على الناس من الإثم في استحلالها. أحل الله ﷿ له مكة يوم الفتح حتى قاتل، وأمر بقتل عبد الله بن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، قتله أبو برزة الأسلمي بأمر الرسول ﷺ، وأمر بقتل مقيس بن صبابة، وغيرهما، وأحل دماء قوم، وحرم دماء قوم آخرين، فقال: «من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه، فهو آمن، ومن دخل المسجد؛ فهو آمن». ثم قال بعد ذلك: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات، والأرض، ولم تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة».\nوالمعنى: أن الله تعالى لما أقسم بمكة؛ دل ذلك على عظم قدرها، وشرفها، وحرمتها، ومع ذلك فقد وعد نبيه ﷺ أنه يحلها له؛ حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا؛ وعد من الله تعالى في الماضي، وهو مقيم بمكة أن يفتحها عليه في المستقبل بعد الهجرة، وخروجه منها، فكان كما وعده. انتهى. خازن.\nوقد قال الرسول ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرام، حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، وإنما أحلّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب». متفق عليه، وفي لفظ آخر: «فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله، فقولوا: إنّ الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم». انتهى. مختصر ابن كثير.\n ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ:﴾ قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والحسن، وأبو صالح: ﴿وَوالِدٍ﴾ آدم ﵇، ﴿وَما وَلَدَ﴾ أي: وما نسل من ذريته، وولده. أقسم ربهم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض لما فيهم من التبيان، والنطق، والتدبير، وفيهم الأنبياء، والدعاة إلى الله تعالى. انتهى. قرطبي. وقال الخازن: أقسم الله بمكة لشرفها وحرمتها، وبآدم وبالأنبياء والصالحين من ذريته؛ لأن الكافر، وإن كان من ذريته؛ فلا حرمة له؛ حتى يقسم به.\nوقال الفراء: وصلحت (ما) للناس كقوله في سورة (النساء) رقم [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الليل): ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ والله هو الخالق للذكر، والأنثى. وقيل: ما مع ما بعدها في موضع المصدر؛ أي: ووالد وولادته، كقوله تعالى في سورة (الشمس): ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها﴾. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير: ﴿وَوالِدٍ﴾ يعني: الذي يولد له. ﴿وَما وَلَدَ﴾ يعني: العاقر الذي لا يولد له. وقاله ابن عباس﵄و(ما) على هذا نفي. وهو بعيد، ولا يصح إلا بإضمار الموصول؛ أي: ووالد والذي ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين. انتهى. قرطبي.","vol":"10","page":593},{"text":"هذا؛ وقال الزمخشري، والنسفي، وغيرهما: نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ في الاستقبال قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٣]: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ أقول: إذ المعنى: أنت ستحل حرمة هذا البلد، وإنك ستموت، وإنهم سيموتون. وقال البيضاوي: وإيثار (ما) على «من» لمعنى التعجب، كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٣٦]: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ أي: وضعت (ما) مكان: «من» لإفادة التعجب؛ لأن (ما) لغير العاقل، و«من» للعاقل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ أي: في شدة، وعناء من مكابدة الدنيا، وأصل الكبد: الشدة، ويقال: كابدت هذا الأمر؛ أي: قاسيت شدته. قال لبيد بن ربيعة﵁-: [المنسرح]\nيا عين هلاّ بكيت أربد إذ... قمنا وقام الخصوم في كبد\nقال يمان: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. وقيل:\nيكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة. قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطا، وشدّ رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام؛ الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع، والأحزان، ثم يكابد المعلم، وصولته، والمؤدب، وسياسته، والأستاذ، وهيبته، ثم يكابد شغل الترويج، والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم، والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر، والهرم، وضعف الركبة، والقدم في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغمّ الدّين، ووجع السنّ، وألم الأذن. ويكابد محنا في المال، والنفس، مثل الضرب، والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة الملك في القبر، وضغطة القبر، وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. انتهى. قرطبي.\nوعن ابن عباس﵄قال: الكبد: الاستواء، والاستقامة، فعلى هذا يكون المعنى: خلقنا الإنسان منتصبا، معتدل القامة، وكل شيء من الحيوان يمشي منكبا. وقيل: منتصبا في بطن أمه، فإذا أذن الله في خروجه، انقلب رأسه إلى أسفل. انتهى. خازن، والمعتمد الأول.\nالإعراب: ﴿لا:﴾ انظر الكلام عليها في الشرح. ﴿أُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: «أنا». ﴿بِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بين الجار، والمجرور. ﴿الْبَلَدِ:﴾ صفة، أو بدل من اسم الإشارة. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿حِلٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة بين الاسمين المتعاطفين، وقيل: هي في محل نصب حال من","vol":"10","page":594},{"text":"﴿الْبَلَدِ﴾. قاله أبو حيان، وغيره. ﴿بِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿حِلٌّ﴾. ﴿الْبَلَدِ:﴾ صفة، أو بدل، أو عطف بيان. ﴿وَوالِدٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (والد): معطوف على ﴿الْبَلَدِ﴾. ﴿وَما:﴾\nالواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿الْبَلَدِ﴾ أيضا. ﴿وَلَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) والمفعول محذوف، وهو العائد، والجملة صلة: (ما) التقدير: والذي ولده.\n ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.\n ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي كَبَدٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقال أبو البقاء. متعلقان بمحذوف حال؛ أي: مكابدا. والجملة الفعلية جواب القسم الأول، واعتبار الواوين الأخيرين للعطف أولى من اعتبارهما للقسم؛ لاحتياج كل واحد منهما إلى جواب، ولا جواب إلا للأول، كما ترى في أول سور كثيرة. ومثل ذلك قول أبي صخر الهذلي-وهو الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nأما والّذي أبكى وأضحك والّذي... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر\nلقد تركتني أحسد الوحش أن أرى... أليفين منها لا يروعهما الذّعر\n\n<span id=\"aya-6028\"></span><span id=\"aya-6029\"></span><span id=\"aya-6030\"></span>﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾\nالشرح: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ..﴾. إلخ: قال الكلبي: نزلت الآية في رجل من بني جمح، كان يقال له: أبو الأشد، اسمه: أسيد بن كلدة بن جمح، كان شديدا قويا، يضع الأديم العكاظي تحت قديمه، ويقول: من أزالني عنه، فله كذا، وكذا! فلا يطاق أن ينزع من تحت قدميه إلا قطعا، ويبقى من ذلك الأديم بقدر موضع قدميه، وكان من أعداء النبي ﷺ، وقد مات على كفره، وكذلك كان ركانة بن هاشم بن عبد المطلب مثلا في البأس، والشدة، وقد أسلم﵁-. وانظر شرح (يحسب) في الآية رقم [٣] من سورة (القيامة).\n ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ أي: كثيرا مجتمعا، أنفقته في وجوه الخير. وكان كاذبا؛ حيث أنفقه في عداوة النبي ﷺ وفي وجوه الشر، والطغيان، والفساد، والظلم، والعصيان، والسمعة، والرياء، وغير ذلك مما كان أهل الجاهلية يسمونه مكارم، ومعالي، ومفاخر. وقرئ ﴿لُبَدًا﴾ بقراءات كثيرة، وهو من تلبّد الشّيء: إذا اجتمع. وانظر شرح الآية رقم [١٩] من سورة (الجن) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿أَيَحْسَبُ﴾ أي: الإنسان. ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ أي: بل علم الله﷿ذلك منه، فكان كاذبا في قوله: أهلكته، وأنفقته في وجوه الخير. ومن حديث أبي هريرة﵁الذي","vol":"10","page":595},{"text":"خرجه مسلم، والنسائي، والترمذي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد... إلخ ورجل تعلم العلم، وعلمه... إلخ، ورجل وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها، إلاّ أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنّك فعلت ذلك؛ ليقال: هو جواد. فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه؛ حتّى ألقي في النّار». هذا الحديث مذكور بطوله في كتاب: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، باب: الترهيب من الرياء.\nوعن معاذ بن جبل﵁عن النبي ﷺ قال: «ما تزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟». رواه البيهقي، والترمذي.\nوعن أنس بن مالك﵁عن النبي ﷺ قال: «يجاء بابن آدم كأنه بذخ، فيوقف بين يدي الله، فيقول الله له: أعطيتك، وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا ربّ! جمعته، وثمّرته، فتركته أكثر ما كان فأرجعني آتك به، فيقول له: أين ما قدمت؟ فيقول: يا ربّ جمعته، وثمرته، فتركته أكثر ما كان، فأرجعني آتك به، فإذا هو عبد لم يقدّم خيرا، فيمضى به إلى النّار». رواه الترمذي.\nالإعراب: ﴿أَيَحْسَبُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (يحسب): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَقْدِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَحَدٌ:﴾ فاعل ﴿يَقْدِرَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل (يحسب)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الإنسان. ﴿أَهْلَكْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مالًا:﴾ مفعول به. ﴿لُبَدًا:﴾\nصفة له، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (يحسب)، والرابط: الضمير فقط. ﴿أَيَحْسَبُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي.\n (يحسب): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن، التقدير: أنه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَهُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والهاء مفعول به، ﴿أَحَدٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ و﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يحسب)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة البدل مما قبلها.","vol":"10","page":596},{"text":"<span id=\"aya-6031\"></span><span id=\"aya-6032\"></span><span id=\"aya-6033\"></span>﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ:﴾ يبصر بهما المرئيات، شققناهما؛ وهو في الرحم في ظلمات ثلاث على مقدار مناسب، لا تزيد إحداهما على الأخرى شيئا، وقدرنا البياض، والسواد، والسمرة، والزرقة، وغير ذلك على ما ترون، وأودعنا البصر على كيفية يعجز الخلق عن إدراكها. وانظر شرح (العين) في سورة (الدهر) رقم [٦]. ﴿وَلِسانًا:﴾ يترجم به عما في ضميره.\n ﴿وَشَفَتَيْنِ:﴾ يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق، والأكل، والشرب، والنفخ، وغير ذلك، وهما زينة الوجه، والفم، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله.\nقال أبو حازم﵁-، وهو آخر الصحابة موتا: قال النبي ﷺ: «إن الله تعالى يقول: أي ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك؛ فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق. وإن نازعك بصرك فيما حرمت عليك؛ فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك؛ فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق».\n ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ يعني: الطريقين: طريق الخير، وطريق الشر؛ أي: بيناهما له بما أرسلناه من الرسل. والنجد: الطريق في ارتفاع. وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود﵄- وغيرهما. وروى قتادة-رحمه الله تعالى-قال: ذكر لنا: أن النبي ﷺ كان يقول: «يا أيها الناس إنما هما النجدان، نجد الخير، ونجد الشرّ، فلم تجعل نجد الشر أحبّ إليك من نجد الخير؟». وروي عن عكرمة قال: النجدان: الثديان، وهو قول سعيد بن المسيب، والضحاك، وروي أيضا عن ابن عباس، وعلي﵄-؛ لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه. والأول هو المعتمد.\nهذا؛ وأصل النجد: الطريق المرتفع، استعير كل منهما لسلوك طريق السعادة، وسلوك طريق الشقاوة. قال تعالى في سورة (الدهر) رقم [٣]: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ فالنجد: العلو، وجمعه: نجود، ونجد، وأنجد، وأنجاد، ونجاد، وجمع النجود: أنجدة، ومنه سميت نجد في الجزيرة العربية لارتفاعها عن انخفاض تهامة. قال امرؤ القيس: [الطويل]\nفريقان منهم جازع بطن نخلة... وآخر منهم قاطع نجد كبكب\nهذا؛ واستعارة الطريق المرتفع للخير لا غبار عليه، وهو ظاهر، ولكن كيف يستعار للشر، وهو هبوط، وارتكاس من ذروة الفطرة إلى حضيض الابتذال؟! والجواب: أنه جمع بينهما إما على سبيل التغليب، وإما على توهم المخيلة أن فيه صعودا، وهبوطا، وإسفافا. وهذه هي بلاغة القرآن، وروعته؛ التي أخرست الفصحاء، وأسكتت البلغاء. هذا؛ والشفة محذوفة اللام، أصلها: شفهة، بدليل تصغيرها على شفيهة، وجمعها: شفاه، ويقال: شفهات، وشفوات،","vol":"10","page":597},{"text":"والهاء أقيس، والواو أعم تشبيها بالسنوات، وشافهته: كلمته من غير واسطة. قال السمين: ولا تجمع بالألف، والتاء استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.\nهذا؛ واللسان آلة النطق، كما هو معروف، ومعلوم، وقد أطلقه الله على القرآن بكامله، وذلك بقوله ﷿: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ الآية رقم [١٠٣] من سورة (النحل)، كما أطلقه العرب على كلمة السوء، كما في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nلسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا\nوأطلقه العرب على القصيدة من الشعر كما في قول الشاعر: [المتقارب]\nأتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر\nوقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى؛ وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط]\nإنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر\nقال الجوهري: يروى: من علو بضم الواو، وفتحها، وكسرها. أي: أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة، وقد أطلقه الله على القرآن بكامله كما رأيت. كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلت قدرته: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الآية رقم [٥٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.\nهذا؛ واللسان يؤنث، فيجمع على: ألسن كذراع، وأذرع، ويذكر فيجمع على: ألسنة، كحمار وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة.\nهذا؛ واللسان من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، وله في الخير مجال، وفي الشر ميدان، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه، ويكفه عن كل ما تخشى غائلته، وهو أعصى الأعضاء على الإنسان؛ لأنه لا تعب في إطلاقه، ولا مشقة في تحريكه. وقد تساهل الناس في الاحتراز على آفاته، والحذر من مصائده، وحبائله، لذلك حذرت الأحاديث الشريفة من شطحاته، وسقطاته؛ ليسلم للمسلم عرضه، وينجو من آثامه بدينه، فحذر الرسول ﷺ من الثرثرة، والتشدق، وحث على الصمت، والتعقل؛ لأن اللسان ترجمان، يعبر عن مستودعات الضمائر، ويخبر عن مكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على ردّ شوارده، والأحاديث في ذلك كثيرة، أكتفي بما يلي:\nقال الرسول ﷺ لمعاذ﵁-: «أنت سالم ما سكت، فإذا تكلّمت؛ فعليك، أو لك». وعن عقبة بن عامر﵁قال: قلت: يا رسول الله! ما النجاة؟ قال: «أمسك","vol":"10","page":598},{"text":"عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». رواه أبو داود، والترمذي. وعن عبد الله بن عمر﵄-. قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّ أبعد الناس من الله القلب القاسي». رواه الترمذي، والبيهقي. وعن أبي هريرة﵁-: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيّن فيها يزلّ بها في النار أبعد ما بين المشرق، والمغرب». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿نَجْعَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَيْنَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ:﴾ معطوفان على ﴿عَيْنَيْنِ﴾ منصوبان مثله. ﴿وَهَدَيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (هديناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿النَّجْدَيْنِ:﴾\nمفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض.\n\n<span id=\"aya-6034\"></span><span id=\"aya-6035\"></span><span id=\"aya-6036\"></span>﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾\nالشرح: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ:﴾ فهلا الذي أنفق ماله في عداوة النبي ﷺ، هلا أنفقه فيما ينجيه يوم القيامة من عذاب الله، وسخطه. والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد. قال محيي السنة:\nذكر العقبة هاهنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة. وقال صاحب الفرائد: هذا تنبيه على أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق لوجه الله ألبتة، فلا بد من التكليف، وتحمّل المشقة، والذي توافقه النفس هو الافتخار، والمراءاة، والعقبة في الأصل: الطريق الصعب في الجبل، واقتحامها مجاوزتها، وقد استعيرت هنا للأعمال الصالحة؛ لأنها تصعب، وتشق على النفوس، ففيه استعارة تبعية. وعن أبي الدرداء﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ بين أيديكم عقبة كؤودا، لا ينجو منها إلاّ كلّ مخفّ». رواه البزار بإسناد حسن، فالعقبة في هذا الحديث مستعارة لأهوال يوم القيامة، وأهمها: الجواز على الصراط. وقد قال رسول الله ﷺ: «لا يخرج رجل شيئا من الصّدقة؛ حتى يفكّ عنها لحيي سبعين شيطانا». أخرجه الإمام أحمد عن بريدة﵁-.\nهذا؛ وقال الفراء والزجاج: وذكر (لا) مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد (لا) مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع؛ حتى يعيدوها في كلام آخر، كقوله تعالى في سورة (القيامة) رقم [٣١]: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى،﴾ وقوله تعالى في كثير من السور: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وإنما أفردوها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله الآتي: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ﴾","vol":"10","page":599},{"text":"آمَنُوا قائما مقام التكرير، كأنه قال: فلا اقتحم العقبة، ولا آمن. وقيل: هو جار مجرى الدعاء، كقوله: لا نجا، ولا سلم. هذا؛ وقيل: معنى ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ:﴾ فلم يقتحم العقبة، ومنه قول زهير في معلقته رقم [٤٠]: [الطويل]\nوكان طوى كشحا على مستكنّة... فلا هو أبداها ولم يتقدّم\nأي: فلم يبدها، ولم يتقدم. وكذا قال المبرد، وأبو علي الفارسي: (لا) بمعنى: «لم».\nوقال ابن هشام في المغني: فإن (لا) فيه مكررة في المعنى؛ لأن المعنى: فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا؛ لأن ذلك تفسير للعقبة.\n ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ أي: أي شيء العقبة تفخيما لشأنها، وتعظيما لقدرها. والخطاب للنبي ﷺ، والمراد كل عاقل يهمه أمر دينه، وآخرته. قال يحيى بن سلام-رحمه الله تعالى-:\nبلغني: أن كل شيء في القرآن: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فقد أدراه إياه، وعلمه. وكل شيء قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة-رحمه الله تعالى-: كل شيء قال فيه: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فإنه لم يخبر به. وانظر شرح (درى) في آخر سورة (الانفطار) تجد ما يسرك.\n ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ:﴾ فكها: خلاصها من الأسر. وقيل: من الرق. وقد رغب القرآن، وحثّ الرسول ﷺ على تحرير الرق. وخذ من ذلك ما يلي: فعن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعتق رقبة مؤمنة؛ أعتق الله بكلّ إرب (عضو) منها إربا منه من النار، حتى إنه ليعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج». فقال علي بن الحسين﵄-: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم، فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفا، فلما قام بين يديه؛ قال: اذهب فأنت حرّ لوجه الله.\nأخرجه الشيخان، وغيرهما. وعند مسلم: أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم.\nوعن عمرو بن عبسة﵁أن النبي ﷺ قال: «من بنى مسجدا؛ ليذكر الله فيه؛ بنى الله له بيتا في الجنة. ومن أعتق نفسا مسلمة؛ كانت فديته من النار. ومن شاب شيبة في الإسلام؛ كانت له نورا يوم القيامة» أخرجه الإمام أحمد.\nوقال الرسول ﷺ: «من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث؛ أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم. ومن شاب شيبة في سبيل الله؛ كانت له نورا يوم القيامة.\nومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدوّ، أصاب، أو أخطأ؛ كان له عتق رقبة. ومن أعتق رقبة مؤمنة؛ أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار. ومن أعتق زوجين في سبيل الله؛ فإنّ للجنة ثمانية أبواب، يدخله الله من أيّ باب شاء منها». أخرجه الإمام أحمد.","vol":"10","page":600},{"text":"تنبيه: يطعن المستشرقون، والملحدون من أبناء المسلمين في الإسلام، وينعتونه بالقسوة، وبأنه عمل على تكديس الرق، وتكريسه، ويستدلون على ذلك بما كان عند الخلفاء، والأثرياء من العبيد والسراري الكثيرة، والجواب، بل والردّ المفحم لهم، والحجر الذي يلقى في حلوقهم: أن الإسلام لم يبتدع الرق، ولم يعمل على تشجيعه، وإنما جاء؛ والبشرية غارقة بمآسي الرقيق، فلو دعا الإسلام من أول نشأته إلى تحرير الرق؛ لنفر منه الأثرياء، وذوو الجاه، والسلطان.\nولكنه عمل على تحرير الرقيق بشتى الوسائل، وفتح أبوابا كثيرة لتحريره، لم نجد ذلك في اليهودية، ولا في النصرانية، ولا في المجوسية، وغيرها من الدّيانات على ممر العصور، وقد جعل الإسلام تحرير الرقيق أول ما يجب في الكفارات لمن كان يملك رقيقا، أو قدر على شرائه، وذلك في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة الجماع في رمضان، ونحو ذلك، كما حث على مكاتبة الرقيق؛ التي ذكرتها لك في سورة (النور). هذا بالإضافة إلى الترغيب في عتق الرقيق احتسابا لوجه الله. والأحاديث التي ذكرتها لك أكبر شاهد على ذلك، ولا يفوتني أن أذكر: أن الإسلام قد أمر سيد العبد أن يحسن معاملته، وأن يرفق به، وأن يتلطف بمخاطبته. وقد ذكرت نبذة عن ذلك في سورة (النور).\nالإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): حرف نفي، وذكرت في الشرح أنها بمعنى هلاّ. ﴿اِقْتَحَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿الْعَقَبَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، بل واعتراض. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿مَا الْعَقَبَةُ:﴾\nمبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: (أدرى)؛ لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَكُّ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي فك، والجملة الاسمية تفسير ل: ﴿الْعَقَبَةَ،﴾ و﴿فَكُّ﴾ مضاف، و﴿رَقَبَةٍ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: فكك رقبة. هذا؛ ويقرأ «(فكّ رقبة)» على أنه فعل ماض، فتكون الجملة فعلية مفسرة لما قبلها، كما يقرأ (أطعم) على أنه فعل ماض أيضا، وعليه فالجملة الفعلية بدل من قوله: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾.\n\n<span id=\"aya-6037\"></span><span id=\"aya-6038\"></span><span id=\"aya-6039\"></span>﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي: مجاعة. والسغب: الجوع، والساغب: الجائع، وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]","vol":"10","page":601},{"text":"فلو كنت جارا يا بن قيس بن عاصم... لما بتّ شبعانا وجارك ساغبا\nيريد فلو كنت جارا قائما بحق الجوار؛ لما حدث هذا؛ أي: شبعك، وجوع الجار. هذا؛ والمسغبة، والمقربة، والمتربة مفعلات من: سغب: إذا جاع، وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي، والمسغبة... إلخ: كل واحد منها مصدر ميمي على وزن: مفعلة.\nهذا؛ ووصف اليوم بذي مسغبة، كقولهم: همّ ناصب؛ أي: ذو نصب. هذا؛ وإطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل. وعن عمر بن الخطاب﵁قال:\nسئل رسول الله ﷺ: أي: الأعمال أفضل؟ قال: «إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته، أو كسوت عورته، أو قضيت حاجة له». رواه الطبراني، وعن معاذ بن جبل﵁عن النبي ﷺ قال: «من أطعم مؤمنا حتّى يشبعه من سغب، أدخله الله بابا من أبواب الجنة، لا يدخله إلاّ من كان مثله». أخرجه الطبراني، وروي عنه ﷺ: أنه قال: «من موجبات الرحمة إطعام المسلم السغبان».\n ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أي: قرابة. يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي. يخبرنا الله جلت قدرته أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله. وخذ ما يلي:\nفعن سلمان بن عامر﵁قال: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة». أخرجه النسائي، والترمذي، وعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّما رجل أتاه ابن عمّه يسأله من فضله، فمنعه، منعه الله فضله يوم القيامة». أخرجه الطبراني. ومن قوله ﷺ: «أفضل الصدقة على ذي الرّحم الكاشح».\nوخذ قول زهير في معلقته رقم [٥١]. [الطويل]\nومن يك ذا فضل فيبخل بفضله... على قومه يستغن عنه ويذمم\nوعن سهل بن سعد﵁قال: قال رسول الله ﷺ «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا». (وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما) رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي. وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كافل اليتيم له، أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنّة». (وأشار مالك بالسبابة والوسطى) رواه مسلم، ومالك، ومعنى «له»: بينه وبينه قرابة بأن يكون جدا، أو عما، أو أخا، أو نحو ذلك من الأقارب، أو يكون أبو المولود قد مات فتقوم الأم مقامه، أو ماتت الأم فيقوم أبوه في التربية مقامها، ومعنى «لغيره»: بأن يكون غريبا عن الكافل، فيحضنه ويكفله، ولا قرابة بينهما، وقد يكون ثوابه أكثر، وأجره أعظم بلا ريب، ولا شك.\n ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أي: لا شيء له؛ حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلا التراب، وترب: إذا افتقر. قال الهذلي: [الطويل]","vol":"10","page":602},{"text":"وكنّا إذا ما الضيف حلّ بأرضنا... سفكنا دماء البدن في تربة الحال\nهذا؛ وفي المختار: وترب الشيء: أصابه التراب، وبابه: طرب، ومنه: ترب الرجل؛ أي:\nافتقر، كأنه لصق بالتراب. وتربت يداه: دعاء عليه؛ أي: لا أصاب خيرا. وأترب الرجل:\nاستغنى، كأنه صار له من المال بقدر التراب، والمتربة المسكنة والفاقة، ومسكين ذو متربة؛ أي: لاصق بالتراب، والترب بالكسر اللدة، وجمعه أتراب، والتريبة واحدة الترائب، وهي عظام الصدر. انتهى. انظر سورة (الطارق) أقول: الترب بكسر التاء وسكون الراء المساوي لك في العمر. قال تعالى في جمعه على أتراب: ﴿عُرُبًا أَتْرابًا﴾ سورة (الواقعة) رقم [٣٧] وقال الشاعر، -وهو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]\nلولا توقع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4992>خاتمة:</span>\nقال الخازن-رحمه الله تعالى-: وقيل في معنى الآية ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ من رق الذنوب بالتوبة؛ أي: النصوح، وبما يتكلفه العبد من العبادات، والطاعات؛ التي يصير بها إلى رضوان الله، والجنة، فهي الحرية الكبرى، ويتخلص بها من النار. انتهى. بتصرف. هذا؛ وذكرت لك أن اقتحام العقبة يحتاج إلى مجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، وخذ قول القائل: [الكامل]\nإني بليت بأربع يرمينني... بالنّبل قد نصبوا عليّ شراكا\nإبليس والدنيا ونفسي والهوى... من أين أرجو بينهنّ فكاكا؟\nيا ربّ ساعدني بعفو إنني... أصبحت لا أرجو لهنّ سواكا\nالإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿إِطْعامٌ:﴾ معطوف على ﴿فَكُّ﴾. وهو مصدر مثله، ففاعله محذوف، التقدير: أو إطعامك. ﴿فِي يَوْمٍ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿إِطْعامٌ﴾. هذا؛ ويستشهد به على إعمال المصدر مجردا من أل والإضافة. ﴿ذِي:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿ذِي:﴾ مضاف، و﴿مَسْغَبَةٍ:﴾ مضاف إليه.\n ﴿يَتِيمًا:﴾ مفعول به ل: ﴿إِطْعامٌ﴾. ﴿ذا:﴾ صفة ﴿يَتِيمًا﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف، و﴿مَقْرَبَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ:﴾ معطوف على ما قبله.\n\n<span id=\"aya-6040\"></span><span id=\"aya-6041\"></span>﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ المعنى: أن مقتحم العقبة إن كان مؤمنا تنفعه الأعمال والقرب المذكورة: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ..﴾. إلخ، وإن لم يكن مؤمنا لا تنفعه هذه القرب، وإن اقتحمها،","vol":"10","page":603},{"text":"وذلك؛ لأن الكافر قد يطعم اليتيم، والمسكين، ويفك، أو يعين في فك الرقبة. وهذا؛ واقع في هذه الدنيا، ولكن لا ينفعه ذلك بدون إيمان بالله، وبالإسلام، وبمحمد ﷺ؛ لأن شرط قبول العمل الصالح أن يكون مقرونا بالإيمان، والعكس صحيح، وهو أن الإيمان قد لا يجدي بدون عمل صالح، وكلاهما يسمى: احتراسا. وقد نوهت به كثيرا فيما مضى.\nهذا؛ وقد قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن من شرط قبول الطاعات الإيمان بالله، فالإيمان بالله بعد الإنفاق لا ينفع، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان. قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية رقم [٥٤] من سورة (التوبة). وقالت عائشة﵂-: يا رسول الله! إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: «لا! إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». انتهى. هذا؛ ومثل الآية قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٨٢]: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾. وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله، ثم آمن بمحمد ﷺ. وقد قال حكيم بن حزام﵁بعد أن أسلم: يا رسول الله! إنا كنا نتحنث بأعمال الجاهلية، فهل لنا منها شيء؟ فقال ﷺ: «أسلمت على ما أسلفت من الخير». وقيل: إن ﴿ثُمَّ﴾ بمعنى الواو؛ أي: وكان هذا المعتق الرقبة، والمطعم في المسغبة من الذين آمنوا.\n ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: وصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلايا، والمصائب، انظر شرح (الصبر) في الآية رقم [١٠] من سورة (المزمل)، ﴿وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: بالرحمة على الخلق، فإنهم إذا فعلوا ذلك؛ رحموا اليتيم، والمسكين.\nوخذ نبذة من أحاديث حبيب الحق، وسيد الخلق، الناطق بالصدق: فعن جرير بن عبد الله﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». رواه الشيخان وغيرهما.\nوعن عبد الله بن عمرو﵁أن رسول الله ﷺ قال: «الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء». رواه أبو داود، والترمذي، وعن أبي هريرة﵁قال: سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم ﷺ يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقيّ». رواه أبو داود، والترمذي.\nوعن ابن عباس﵄أن رجلا أضجع شاة، وهو يحدّ شفرته، فقال له النبي ﷺ: «أتريد أن تميتها موتتين؟ هلاّ أحددت شفرتك قبل أن تضجعها». رواه الطبراني، والحاكم. وعن ابن سيرين: أن عمر﵁رأى رجلا يسحب شاة برجلها؛ ليذبحها، فقال له: ويلك! قدها إلى الموت قودا جميلا. ولا تنس الأحاديث؛ التي تحث على الرفق والرحمة بالعبيد والمستضعفين. ﴿أُولئِكَ﴾ يعني: أصحاب هذه الخصال الحميدة. ﴿أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم. وانظر ما ذكرته في سورة (الواقعة) رقم [٨] ففيها الكفاية.","vol":"10","page":604},{"text":"هذا؛ وأصل (تواصوا): (تواصى) فلما اتصل به واو الجماعة؛ صار (تواصاوا) فالتقى ساكنان: الألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، ثم تحرك الواو بالضمة لالتقائها ساكنة مع ما بعدها، مثل (رأوا الحق واضحا) ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها.\nوقيل: تحرك بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية، وبين واو الجماعة في نحو قولك (لو اجتهدت؛ لنجحت). وقيل: ضمت؛ لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة؛ لأن الأصل تواصيوا. وقيل: غير ذلك.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾.\n ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ وبينهما كلام معترض لا محل له. وقد أفاد إفادة عظيمة، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَتَواصَوْا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (تواصوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالصَّبْرِ:﴾ متعلقان بالفعل (تواصوا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها أيضا.\n ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْمَيْمَنَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-6042\"></span><span id=\"aya-6043\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾\nالشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا:﴾ آيات القرآن. ﴿هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أي: الذين يأخذون كتبهم بشمائلهم. أو لأن منزلتهم عن الشمال. وانظر ما ذكرته في سورة (الواقعة)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وذكر الله المؤمنين باسم الإشارة تكريما لهم بأنهم حاضرون عنده تعالى في دار كرامته، وذكرهم بما يشار به للبعيد تعظيما لهم بالإشارة إلى علو درجتهم، وارتفاعها، وذكر الكافرين بضمير الغيبة إشارة إلى أنهم غيب عن مقام كرامته، وشرف الحضور عنده. انتهى. جمل نقلا من زاده. ولا تنس المقابلة بين ما ذكر في هذه الآية، وما ذكر في الآية السابقة. ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ:﴾ مطبقة، مغلقة. قال الشاعر: [الطويل]\nتحنّ إلى أجبال مكّة ناقتي... ومن دونها أبواب صنعاء موصدة\nوقيل: مبهمة، لا يدرى ما داخلها، فلا ضوء فيها، ولا فرج، ولا خروج منها آخر الأبد.\nوقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة؛ أمر الله بكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، وكل","vol":"10","page":605},{"text":"من كان يخاف الناس شره في الدنيا، فأوثقوا بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم، ثم أوصدوها عليهم؛ أي: أطبقوها. قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدا! ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدا، ولا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدا. ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا! انتهى. مختصر ابن كثير. هذا؛ ويقرأ (مؤصدة) بهمز. وبدونه «(موصدة)» وهما لغتان، يقال: أصدت الباب، وأوصدته: إذا أغلقته، وأطبقته. وقيل: معنى المهموز: المطبقة، ومعنى غير المهموز: المغلقة. انتهى. خطيب. وفي السمين: والظاهر: أن القراءتين من مادتين: الأولى من: أصد يؤصد، كأكرم، يكرم. والثانية من: أوصد، يوصد كأوصل يوصل.\nانتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة. والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و(نا): في محل جر بالإضافة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، أو هي مستأنفة، لا محل لها أيضا.\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نارٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُؤْصَدَةٌ:﴾\nصفة ﴿نارٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان، أو هي مستأنفة، لا محل لها، ويجوز اعتبار الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، و﴿نارٌ﴾ فاعل به، وهو الأحسن.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (البلد) بعون الله وتوفيقه شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4995>سورة الشمس</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الشمس) وهي مكية باتفاق، وآياتها ست عشرة، وكلماتها أربع وخمسون، وحروفها مئتان وسبعة وأربعون. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6044\"></span><span id=\"aya-6045\"></span><span id=\"aya-6046\"></span><span id=\"aya-6047\"></span><span id=\"aya-6048\"></span><span id=\"aya-6049\"></span><span id=\"aya-6050\"></span>﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧)﴾\nالشرح: ﴿وَالشَّمْسِ..﴾. إلخ: أقسم الله تعالى بهذه الأشياء المذكورة في هذه السورة لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته، وقدرته، والمعنى: أقسم بالشمس، وبهذه الأشياء. ومثل هذا كثير في أوائل السور، وأثنائها. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان -رحمه الله تعالى-: أقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما يظهر فيها من عجائب صنع الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: فيه مضمر، تقديره: ورب الشمس، ورب القمر... إلخ.\n ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ أي: إذا بدا ضوءها. والضحى: حين ترتفع الشمس، ويصفو ضوءها.\nوقيل: الضحى: النهار كله؛ لأن الضحى هو نور الشمس، وهو حاصل في النهار كله. وهو ما قيل به في سورة (الضحى). وقيل: الضحى: هو حر الشمس؛ لأن حرها، ونورها متلازمان، فإذا اشتد نورها قوي حرها. وهذا أضعف الأقوال. انتهى. خازن. هذا؛ والضحاء بالفتح، والمد: إذا امتد النهار، وكاد ينتصف، وفي القرطبي: والضحى مؤنثة، يقال: ارتفعت الضحى فوق الضحو. وقد تذكر، فمن أنث ذهب إلى أنها جمع: ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنها اسم على فعل مثل: حرد، ونغر. هذا؛ ويقال: ضحي للشمس يضحى: إذا برز لها، وظهر. قال تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ ورأى ابن عمر رجلا يلبي؛ وقد أخفى صوته، فقال له:\nاضح لمن لبّيت له؛ أي: اظهر. قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل]\nرأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت... فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر","vol":"10","page":607},{"text":"﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ أي: تبعها، وذلك في النصف الأول من الشهر؛ إذا غربت الشمس؛ تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور. وقيل: تلاها في الاستدارة، وذلك حين يكمل ضوءه، ويستدير، وذلك في الليالي البيض. وقيل: ﴿تَلاها﴾ تبعها في الطلوع، وذلك في أول ليلة من الشهر إذا غربت الشمس ظهر الهلال، فكأنه تبعها. انتهى. خازن. هذا؛ والشمس، والقمر، والليل، والنهار من نعم الله العظيمة على العباد، وقد سخرهن الله لمصالحهم. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ..﴾. إلخ رقم [٣٣].\nوالمعنى: أن الله تعالى سخر الشمس، والقمر يجريان دائما فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران إلى آخر الدهر. وقيل: يدأبان في سيرهما، وتأثيرهما في إزاحة الظلمة، وإصلاح النبات، والحيوان؛ لأن الشمس سلطان النهار، وبها تعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل، وبه يعرف انقضاء الشهور، وكل ذلك بتسخير الله ﷿، وإنعامه على عباده. انتهى. خازن.\nهذا؛ وقال الصابوني في صفوة التفاسير: وحكمة القسم بالشمس: أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم كالأموات، فإذا ظهر الصبح، وبزغت الشمس؛ دبت فيهم الحياة، وصار الأموات أحياء، فانتشروا لأعمالهم وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها. والشمس والقمر مخلوقان لمصالح البشر، والقسم بهما للتنبيه على ما فيهما من المنافع العظيمة. انتهى. نقلا من حاشية الصاوي.\n ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها:﴾ يعني جلّى ظلمة الليل بضيائه، وكشفها بنوره، وهو كناية عن غير مذكور لكونه معروفا. وفي السمين: والضمير المنصوب، إما للشمس، وإما للظلمة، وإما للأرض، ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل]\nتجلّت لنا كالشمس تحت غمامة... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب\nوانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٢٦].\n ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها:﴾ يغطي الشمس بظلمته، فيزيل ضوءها، فالنهار يجليها، ويظهرها، والليل يغطيها، ففي ذلك مقابلة ظاهرة، وبين الشمس والقمر، والليل والنهار طباق، وكلاهما من المحسنات البديعية. قال الخازن: وحاصل هذه الأقسام الأربعة ترجع إلى الشمس في الحقيقة؛ لأن بوجودها يكون النهار، ويشتد الضحى، وبغروبها يكون الليل، ويتبعها القمر.\nهذا؛ وقد جيء بالفعل هنا مضارعا دون ما قبله، وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتي به ماضيا؛ لكان التركيب: إذ غشيها، فتفاوت المناسبة اللفظية بين الفواصل، والمقاطع.\nبعد هذا فالليل واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على ليال كما في سورة (الفجر)، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر من","vol":"10","page":608},{"text":"غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين، كسحاب، وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز]\nلولا الثريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر\nوفي القليل: أنهر، والنهار من طلوع الشمس، أو طلوع الفجر على ما تقدم في نهاية الليل إلى الغروب، وقد يطلق عليهما اسم اليوم. هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]\nإذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا\n ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ أي: ومن بناها. قاله الحسن، ومجاهد. وهو اختيار الطبري. أي: ومن خلقها ورفعها، وهو الله تعالى. ومثله ما بعده. وانظر ما ذكرته في سورة (البلد) رقم [٣]. وقيل: (ما) مصدرية، التقدير: وبنائها، وطحوها؛ أي: بسطها، وتسوية خلقها في أحسن صورة. قال النسفي:\nوليس بالوجه، لقوله: ﴿فَأَلْهَمَها﴾ لما فيه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على «من» لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها. وقال البيضاوي: وجعل (ما) مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل، ويخل بنظمه. وكلاهما اقتبس قوله من الكشاف. هذا؛ وحكي عن أهل الحجاز قولهم: سبحان ما سبحت له؛ أي: سبحان من سبحت له، وقولهم: سبحان ما سخركن لنا؛ أي: من سخركن لنا.\n ﴿وَالْأَرْضِ وَما طَحاها:﴾ هذا مثل ﴿دَحاها﴾ في سورة (النازعات) رقم [٣٠] فالكلام فيها واف كاف. هذا؛ والطحو: البسط. يقال: طحا، يطحو طحوا، وطحى، يطحى طحيا. وقيل:\nطحاها: خلقها. قال الشاعر: [الوافر]\nوما تدري جذيمة من طحاها... ولا من ساكن العرش الرّفيع\nوقال أبو عمرو: طحا الرجل: إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟! ويقال:\nطحا به قلبه: إذا ذهب به في كل شيء. قال علقمة الفحل: [الطويل]\nطحا بك قلب في الحسان طروب... بعيد الشّباب عصر حان مشيب\n ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها:﴾ سوى خلقها، وعدله، هذا إن أريد بالنفس الجسد، كما في سورة (الانفطار) رقم [٧] وإن أريد بها المعنى القائم بالجسد، فيكون معنى ﴿سَوّاها﴾ أعطاها القوى الكثيرة، كالقوة الناطقة، والسامعة، والباصرة، والمفكرة، والمخيلة، وغير ذلك من العلم والفهم. والله أعلم.\nالإعراب: ﴿وَالشَّمْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿وَضُحاها:﴾\nالواو: حرف عطف. (ضحاها): معطوف على (الشمس) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة","vol":"10","page":609},{"text":"على الألف للتعذر. ﴿وَالْقَمَرِ:﴾ معطوف أيضا. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب. وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالقمر وقت تلوه الشمس. قاله أبو البقاء، وغيره، وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و﴿إِذا﴾ لما يستقبل من الزمان، فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من القمر؛ أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان تلوه الشمس، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن القمر جثة، والزمان لا يكون حالا منها، كما لا يكون خبرا عنها، والثاني: أن ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا، وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالقمر، ونحوه القطعة؛ أي: الضوء منه، وعن الثاني بأنها حال مقدرة.\nالثالث: أن العامل نفس (القمر) ونحوه إذا أريد به الضوء. قاله أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأن الضوء ونحوه لا يعمل في الظرف إذا أريد به الجمود، وقد يقال: إن القمر بمعنى المضيء، كأنه قيل:\nوالقمر المضيء في هذا الوقت. انتهى. جمل من سورة (النجم).\nهذا؛ وقال الجلال: و﴿إِذا﴾ في الثلاثة لمجرد الظرفية، والعامل فيها فعل القسم. قال المرحوم سليمان الجمل معلقا على قوله: استشكل بأن فعل القسم إنشاء، وزمانه الحال، فلا يعمل في ﴿إِذا؛﴾ لأنها للاستقبال، وإلا لزم اختلاف العامل، والمعمول في الزمان، وهو محال. وأجيب بأنه يجوز أن يقسم الآن بطلوع الشمس في المستقبل، فالقسم في الحال، والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم بالشيء المستقبل، كما تقول: أقسم بالله إذا طلعت الشمس، فالقسم متحتم عند طلوع الشمس، وإنما يكون فعل القسم للحال إذا لم يكن معلقا على شرط. انتهى. نقلا عن كرخي.\n ﴿تَلاها:﴾ فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (القمر)، و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها﴾ هذا الكلام كله معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وقد رأيت الأقوال في (ما) فعلى اعتبارها بمعنى «من»، أو «الذي» مبنية على السكون في محل جر معطوفة على ما قبلها، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر معطوف على ما قبله.\nتنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: الأمر في نصب ﴿إِذا﴾ معضل؛ لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة، فتنصب بها، وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو، وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل، وسيبويه على استكراهه.\nقلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطّرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل، وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة","vol":"10","page":610},{"text":"مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكنّ عوامل على الفعل والجارّ جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع الواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملها. انتهى. كشاف، وخذ قول النسفي الملخص من الكشاف لعله أوضح.\nفقال-رحمه الله تعالى-: والواو الأولى في نحو هذا للقسم بالاتفاق، وكذا الثانية عند البعض. وعند الخليل الثانية للعطف؛ لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنّك لو جعلت موضعها الفاء، أو ثم لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف، فكذا الواو. ومن قال: إنها للقسم؛ احتج بأنها لو كانت للعطف؛ لكان عطفا على عاملين؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّيْلِ﴾ مثلا مجرورا بواو القسم، و﴿إِذا يَغْشى﴾ منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو في ﴿وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ للعطف؛ لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و﴿إِذا تَجَلّى﴾ على ﴿إِذا يَغْشى﴾ نصبا، فصار كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا. وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء، والفعل؛ حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصارت كأنها العاملة نصبا، وجرا، وصارت كعامل واحد، له عملان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب، لقيامها مقام: ضرب الذي هو عاملهما، فكذا هنا. انتهى. هذا؛ وخذ قول الأعور الشني، وهو الشاهد رقم [٨٧٧/ ٢٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» فإن الكلام فيه مثل ما قال الزمخشري، والنسفي، رحمهما الله تعالى. [المتقارب]\nهوّن عليك فإنّ الأمور... بكفّ الإله مقاديرها\nفليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها\n\n<span id=\"aya-6051\"></span><span id=\"aya-6052\"></span><span id=\"aya-6053\"></span>﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها (١٠)﴾\nالشرح: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها:﴾ الفاعل يعود إلى الله، ولم يتقدم له ذكر لفهمه من المقام، انظر الآية رقم [٢٦] من سورة (القيامة) وإن اعتبرت المقسم به في الآيات السابقة مضمر مقدر:\nورب الشمس... إلخ؛ فالفاعل عائد إليه، والضمير المنصوب، أو المجرور بالإضافة عائد إلى النفس. وقال ابن عباس﵄في معنى الآية: بين لها الخير، والشر، وعنه:\nعلمها الطاعة، والمعصية، وعنه: عرفها ما تأتي، وما تتقي. وعن محمد بن كعب القرظي؛ قال: إذا أراد الله ﷿ بعبده خيرا؛ ألهمه الخير، فعمل به، وإذا أراد به السوء؛ ألهمه الشر، فعمل به. وقال الفراء: عرفها طريق الخير، وطريق الشر، كما قال تعالى في سورة (البلد):\n ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وروي عن أبي هريرة﵁-. قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ فقال: «اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها».","vol":"10","page":611},{"text":"هذا؛ والإلهام في اللغة: إلقاء الشيء في الروع. قال الراغب: ويختص بما يكون من جهته تعالى، وجهة الملأ الأعلى. وفي الاصطلاح: إلقاء معنى في القلب بطريق الفيض من غير كسب، فيختص بالخير لعدم إطلاق الفيض على الشر، بل يطلق عليه اسم الوسوسة. هذا؛ وقد ذكرت لك في سورة (النحل) وسورة (القصص) أن إيحاء الله للنحلة، ولأم موسى إنما هو إلها. هذا؛ والفجور:\nالخروج عن جادة الحق، والصواب. والفاجر: هو الذي يرتكب الأمور الفاحشة، ولا يتورع عن الأعمال الشريرة. والتقوى: حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه.\nوخذ قول توبة بن الحمير-وهو الشاهد رقم [٩٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» - [الطويل]\nوقد زعمت ليلى بأنّي فاجر... لنفسي تقاها أو عليها فجورها\nهذا؛ وعن أبي الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-قال: قال لي عمران بن حصين﵁-: أرأيت ما يعمل الناس، ويكدحون فيه؛ أشيء قضي عليهم، ومضى عليهم من قدر قد سبق؟ أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ، وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم، فقال: أفلا يكون ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: كل شيء خلق الله، وملك يده، فلا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، فقال لي: يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأختبر عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ، فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه؛ أشيء قضي عليهم، ومضى عليهم من قدر قد سبق؟! أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: «لا بل شيء قضي عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها»﴾. أخرجه مسلم. وعن جابر بن عبد الله﵄قال: جاء سراقة بن مالك المدلجي﵁فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن. فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أو فيما يستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت الأقلام، وجرت به المقادير». قال: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له». أخرجه مسلم.\nانتهى. خازن، ومثله في القرطبي.\nأقول: وهذا أعظم دليل لأهل السنة على أن العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله فيه بتوفيقه لأداء الطاعات، واجتناب السيئات. وفيه ردع، وزجر للمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعال نفسه، وقد صفع ابن المنير الزمخشري صفعتين بكلتا يديه حيث حاول التملص من صريح الآيتين، وأخذ يحوّر معناهما، ويتأول مغزاهما حسب مذهبه الاعتزالي، فجزى الله ابن المنير خير الجزاء على ذلك.\n ﴿قَدْ أَفْلَحَ:﴾ فاز، ونجا. ﴿مَنْ زَكّاها﴾ أي: طهّر نفسه من الذنوب، والمعاصي، وزكاها بالأعمال الصالحة، والعلم، والمعرفة، والعمل الصالح. وهذا على عود الفاعل إلى ﴿مَنْ﴾ وعلى عوده إلى (الله) فبتوفيق الله للطاعة، وبصرفه له عن المعاصي، والذنوب. ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ﴾","vol":"10","page":612},{"text":"دَسّاها: خاب، وخسر من دنس نفسه بالذنوب، والمعاصي، وأفسدها بالسيئات، والمنكرات، وأصله من: دسّ الشيء: إذا أخفاه، والعاصي يحاول إخفاء عصيانه، والمجرم يحاول إخفاء إجرامه. قال الجلال: وأصله: دسّسها، أبدلت السين الثانية ألفا تخفيفا. وقال الجمل: مأخوذ من التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء. والمعنى: أخمدها، وأخفى مكانتها بالكفر، والمعصية. انتهى. نقلا من الخطيب.\nوعن زيد بن أرقم﵁قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ من العجز، والكسل، والبخل، والهرم، وعذاب القبر. اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها، أنت خير من زكّاها، أنت وليّها، ومولاها. اللهمّ إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». أخرجه مسلم.\nالإعراب: ﴿فَأَلْهَمَها:﴾ الفاء: حرف عطف. (ألهمها): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والهاء مفعول به أول. ﴿فُجُورَها:﴾ مفعول به ثان. (تقواها): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فلها حكمه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَفْلَحَ:﴾ فعل ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل.\n ﴿زَكّاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر و(ها): مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هو». انظر الشرح لعوده على (الله) أو على ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم في أول السورة وما عطف عليه، وحذفت اللام منه لطول الكلام؛ إذ الأصل: لقد أفلح... إلخ.\nوقيل: الجواب محذوف، التقدير: لتبعثن. وقدره الزمخشري بقوله: ليدمدمن الله على كفار مكة؛ لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود؛ لأنهم كذبوا صالحا، وتبعه البيضاوي، والنسفي على ذلك، وجملة: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-6054\"></span><span id=\"aya-6055\"></span>﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقاها (١٢)﴾\nالشرح: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها:﴾ بطغيانها، وهو خروجها عن الحد في العصيان. وقيل:\nهو مصدر، وخرج على هذا المخرج؛ لأنه أشكل برؤوس الآي، فهو كالرجعى، والحسنى، وشبههما من المصادر، والواو مبدلة من ياء، مثل: التقوى، وهذا إن كان من: طغى، يطغى، وأما إن كان من: طغى يطغو، فالواو أصلية. وقد قرئ بضم الطاء، وفتحها. وقيل: هما لغتان.\n ﴿إِذِ انْبَعَثَ:﴾ قام، ونهض، وأسرع. ﴿أَشْقاها:﴾ أشقى قبيلة ثمود، وهو قدار بن سالف، أو هو ومن مالأه على قتل الناقة. قال تعالى في سورة (القمر) رقم [٢٩]: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ وقد ذكرت قصة قوم ثمود مفصلة في سورة (الأعراف)، و(هود) و(الشعراء)، وفي سورة (القمر)، وفي سورة (الفجر) مختصرة.","vol":"10","page":613},{"text":"الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، ﴿ثَمُودُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِطَغْواها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذِ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿كَذَّبَتْ﴾ أو بالمصدر قبله. ﴿اِنْبَعَثَ:﴾ فعل ماض، ﴿أَشْقاها:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و(ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-6056\"></span>﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣)﴾\nالشرح: ﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ﴾ أي: نبيهم صالح على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿ناقَةَ اللهِ﴾ أي: ذروا ناقة الله، وابتعدوا عنها، لا تؤذوها! وإنما قال لهم ذلك لما عرف منهم: أنهم قد عزموا على عقرها. وإنما أضافها إلى الله تعالى لتشريفها، كبيت الله.\n ﴿وَسُقْياها﴾ أي: وشربها، وذروا شربها، ولا تتعرضوا للماء في يوم شربها! وهذا التحذير من صالح لقومه ورد في سورة (هود) رقم [٦٤]: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ وفي سورة (الأعراف) رقم [٧٢].\nهذا؛ ولقد كانت هذه الآية المعجزة برهانا ساطعا، وحجة واضحة على صدق نبي الله صالح على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كما كانت بطلب منهم؛ حيث وعدوه باتباعه، والإيمان به إن هو شقّ لهم الصخر، وأخرج منه ناقة عشراء. وأشاروا إلى صخرة عظيمة، ووصفوا الناقة بأوصاف معلومة، وأعطوه العهود، والمواثيق على الإيمان بالله، فقام إلى مصلاه، فصلى، ودعا الله ﷿ أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأجاب الله دعاءه، وحقق رجاءه، فانشقت الصخرة عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه المطلوب، فلما عاينوها؛ رأوا أمرا عظيما، ومنظرا هائلا، وقدرة باهرة، ودليلا ساطعا، فآمن بعضهم، واستمر أكثرهم على الكفر، والضلال، والعناد. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٥٩]: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾.\nهذا؛ ولقد كان لهذه الناقة بعض الأمور العجيبة الغريبة؛ التي تدل بحق على صدق صالح، عليه الصلاة، والسّلام، وعلى أنها آية من عند الله تعالى، منها: أنها خرجت من الصخر، وهو حجر أصم من الجماد، فكيف يخرج منه الحيوان؟ ومنها: أنها كانت تشرب ماء القبيلة بأجمعه في يوم شربها، وتعطيهم من الحليب بقدر الماء الذي شربته. قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٥٥]: ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. انتهى. بتصرف كبير من النبوة والأنبياء.\nوانظر الآية رقم [٤٨] و[٤٩] من سورة (النمل) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف، (قال): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَسُولُ:﴾ فاعل (قال)، وهو مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ناقَةَ:﴾","vol":"10","page":614},{"text":"منصوب على التحذير بفعل محذوف، التقدير: احذروا الناقة، و﴿ناقَةَ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَسُقْياها:﴾ الواو: حرف عطف. (سقياها): معطوف على ﴿ناقَةَ﴾ منصوب مثله... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة.\n\n<span id=\"aya-6057\"></span><span id=\"aya-6058\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾\nالشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذبوا نبي الله صالحا في قوله: إنكم تعذبون؛ إن عقرتم الناقة؛ ولم تؤمنوا بالله. ﴿فَعَقَرُوها﴾ أي: عقرها الأشقى، وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله. وقال قتادة: ذكر لنا: أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم، وكبيرهم، وذكرهم، وأنثاهم. والذي باشر العقر اسمه: قدار بوزن غراب ابن سالف، ويضرب به المثل، فيقال: أشأم من قدار، وهو أشقى الأولين، وكان رجلا أشقر أزرق قصيرا. وروى الضحاك عن علي﵁أن النبي ﷺ قال: «أتدري من أشقى الأولين؟». قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «عاقر الناقة». قال: «أتدري من أشقى الآخرين؟». قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «قاتلك». وكان عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي، لعنه الله تعالى! وهناك من يقدسه، ويعظمه! هذا؛ والعقر: الجرح. وعقر البعير، والفرس بالسيف فانعقر. أي: ضرب به قوائمه. وبابه: ضرب. انتهى. مختار. انظر الآية رقم [٦٥] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام تجد ما يسرك.\n ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: أهلكهم، وأطبق عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفر، والتكذيب، والعقر. وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب، وترديده، والدمدمة إهلاك باستئصال، من غير إبقاء أحد حيا. ﴿فَسَوّاها:﴾ فسوى الدمدمة عليهم جميعا، وعمّهم بها.\nوقيل: فسوى بين الأمة، وأنزل بصغيرهم، وكبيرهم، وغنيهم، وفقيرهم العذاب. وقيل: سوى عليهم الأرض، فجعلهم تحت التراب. ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أي: لا يخاف الله تبعة من أحد في هلاكهم. كذا قال ابن عباس﵄-. وقال السدي، والضحاك، والكلبي: ترجع إلى العاقر؛ أي: لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع. وعليه ففي الكلام تقديم، وتأخير، مجازه: إذ انبعث أشقاها، ولا يخاف عقباها. وقيل: لا يخاف رسول الله صالح عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم؛ لأنه قد أنذرهم، ونجاه الله تعالى حين أهلكهم، ولم يؤذه أحد منهم. هذا؛ وفي الجملة استعارة تمثيلية لإهانتهم، وأنهم أذلاء عند الله.\nهذا؛ و(العقبى) جزاء الأمور، وآخر كل شيء، و(العقبى): الآخرة، وفي سورة (الرعد):\n ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾. هذه في حق أولي الألباب الموصوفين بصفات ثمانية. و﴿وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ ولفظ (العاقبة) ذكر في كثير من الآيات القرآنية.","vol":"10","page":615},{"text":"الإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كذبوه): فعل ماض، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، والتي بعدها مثلها. ﴿فَدَمْدَمَ:﴾\nالفاء: حرف عطف. (دمدم): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\n ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿بِذَنْبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَسَوّاها:﴾ الفاء: حرف عطف. (سواها): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّهُمْ،﴾ و(ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل له أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال. (لا):\nنافية. ﴿يَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّهُمْ﴾. ﴿عُقْباها:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و(ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (سواها) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وهذا على عود الضمير إلى ﴿رَبُّهُمْ،﴾ وأما على عوده على «العاقر» أو على «الرسول» فالجملة مستأنفة بلا ريب. هذا؛ ويقرأ بالفاء: «(فلا)» وعليه؛ فالفاء حرف عطف، وتعقيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5001>تنبيه، وخاتمة:</span>\nبمناسبة ذكر: ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ فأقول أولا: لفظ النبي الذي يكثر ذكره في القرآن الكريم يقرأ بالهمز: «(النبيء)» وبدون الهمز: (النبي) وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبي غير الرسول بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..﴾. إلخ. وقيل: هو أعم منه؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، أما تعريفهما؛ فالرسول: ذكر حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبي، وليس رسولا، فنبينا ﷺ صار نبيا بنزول سورة ﴿اِقْرَأْ..﴾. إلخ عليه، وبعد أشهر من نزولها صار رسولا بنزول سورة (المدثر) عليه.\nهذا؛ ويروى: أن أبا ذر﵁سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفا». قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمئة وثلاثة عشر، أولهم آدم، وآخرهم نبيكم محمد ﵇». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف. هذا؛ وأربعة منهم من العرب، هم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد صلّى الله عليهم جميعا وسلم، وإسماعيل ﵊ مستعرب؛ لسكناه مكة مع قبيلة جرهم، وتزوجه منهم بامرأتين كما رأيت في سورة (إبراهيم) رقم [٣٧] والمذكور من الرسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كل مسلم، ومسلمة من المكلفين، وأعني بمعرفتهم:\nأنه لو عرض اسم رسول منهم على مسلم؛ فيجب أن يعرفه أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (النساء) رقم [١٦٤]: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا﴾","vol":"10","page":616},{"text":"لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٨]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.\nهذا؛ وقد ذكر في آيات (الأنعام) رقم [٨٣] وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، لا بحسب الزمان، ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، وبقي سبعة لم يذكروا في سورة (الأنعام)، وقد ذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب؛ الذي ذكر في سورة (الأنبياء) وسورة (ص)، ومحمد صلى الله عليهم جميعا، وسلم. فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا هم الذين يجب الإيمان بهم، ومعرفتهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]\nحتم على كلّ ذي التكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا\nفي تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر، ويبقى سبعة وهمو\nإدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا\nويعني بقوله في (تلك حجتنا) آيات الأنعام المذكورة. وينبغي أن تعلم: أن هؤلاء الرسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل، بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد. وسيد الجميع وأفضل الخلق قاطبة محمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما، والأنبياء صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين تجوز عليهم الأعراض البشرية؛ لأنهم من البشر، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحّون، ويمرضوان، وينكحون النساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الأعراض البشرية، من ضعف وشيخوخة وموت، إلا أنهم يمتازون بخصائص، ويتصفون بصفات عظيمة جليلة. هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، وهي ما يلي: الصدق، والأمانة، والتبليغ والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النبوة، وبعدها، والسلامة من العيوب المنفرة... تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الشمس) شرحا، وإعرابا بعون الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5002>سورة الليل</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الليل) وهي مكية. وقيل: مدنية، وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة، وثلاثمئة وعشرة أحرف. قال الرازي-رحمه الله تعالى-: نزلت في أبي بكر الصديق﵁وإنفاقه المال على المسلمين، وفي أمية بن خلف، وبخله، وكفره بالله. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انتهى. جمل.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6059\"></span><span id=\"aya-6060\"></span><span id=\"aya-6061\"></span><span id=\"aya-6062\"></span>﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ أي: غطى كل شيء بظلمته، كلّ ما بين السماء والأرض. وحذف المفعول للتعميم، وللعلم به، فقد أقسم الله بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه، ويسكن الخلق فيه عن التحرك، ويغشاهم النوم؛ الذي جعله الله راحة لأبدانهم، وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى؛ لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعايشهم، وتتحرك الطير من أوكارها، والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلا؛ لتعذر المعاش، ولو كان كله نهارا؛ لبطلت الراحة. فكانت المصلحة في تعاقبهما. انتهى. جمل نقلا من الخطيب.\nأقول: وهذا كله يتجلى في قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٢]، وفي سورة (الروم) رقم [٢٣]، وفي سورة (النمل) رقم [٨٦]، وفي سورة (غافر) رقم [٦١]، وفي سورة (يونس) رقم [٦٧] انظر شرحها في محالها.\n ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ أي: ومن خلق، فعلى هذا يكون قد أقسم بنفسه تعالى، وتكون (ما) قد أطلقت على الله تعالى. والمعنى: والقادر العظيم الذي قدر على خلق الذكر، والأنثى من ماء واحد؛ إن أريد به جنس الذكر، والأنثى. وقيل: هما آدم، وحواء، وتكون (ما) قد أطلقت عليهما معا. وإنما أقسم بهما؛ لأنه تعالى ابتدأ خلق آدم من طين، وخلق منه حواء من غير أم.\nأقول: والأحسن التعميم لجميع الذكور، والإناث المخلوقات؛ لقوله تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٤٩]: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك.","vol":"10","page":618},{"text":"﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ:﴾ عملكم؛ إذ السعي العمل، فساع في فكاك نفسه، وساع في هلاكها. يدل عليه قول النبي ﷺ: «الناس غاديان: فمبتاع نفسه، فمعتقها، وبائع نفسه، فموبقها». ﴿لَشَتّى:﴾\nمختلف. واحده: شتيت، مثل: مريض، ومرضى، وإنما قيل للمختلف: شتى؛ لتباعد ما بين بعضه، وبعضه، والشتان: الافتراق. قال تعالى في وصف المنافقين: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ رقم [١٤] من سورة (الحشر) والمعنى: إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض؛ لأن بعضه ضلالة، وبعضه هدى؛ أي: فمنكم مؤمن، وبر، وكافر، وفاجر، ومطيع، وعاص، ومختلف الجزاء أيضا، فمنكم مثاب بالجنّة، ومنكم معاقب بالنار. وقيل: أي: لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم، ومنكم قاس، ومنكم حليم، ومنكم طائش، ومنكم جواد، ومنكم بخيل... إلخ.\nالإعراب: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى:﴾ انظر إعراب ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ في سورة (الشمس) ففيها الكفاية. ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ انظر إعراب ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ في سورة (الشمس) مع العلم:\nأن (ما) إن كانت بمعنى: «من» فهي كناية عن الله تعالى، و﴿الذَّكَرَ﴾ مفعول به، وإن كانت كناية عن المخلوق، فهي مصدرية، و﴿الذَّكَرَ﴾ بدل من «من». انتهى. أبو البقاء. هذا؛ وأجاز الفراء خفض ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ على البدل من (ما) وجعلها بمعنى «الذي». مكي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.\n ﴿سَعْيَكُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.\n ﴿لَشَتّى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (شتى): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية جواب القسم: ﴿وَاللَّيْلِ..﴾. إلخ وما عطف عليه. وانظر تفصيل الإعراب في سورة (الشمس) وسورة (المرسلات) و(الذاريات).\n\n<span id=\"aya-6063\"></span><span id=\"aya-6064\"></span><span id=\"aya-6065\"></span>﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ..﴾. إلخ: بيان، وتفصيل لتلك المساعي المختلفة، وتبيين لأحكامها، و﴿مَنْ أَعْطى﴾ يتناول إعطاء حقوق المال، وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى. يقال: فلان أعطى الطاعة، وأعطى البيعة. وقيل: معنى الإعطاء: إنفاق المال في جميع وجوه الخير، من عتق الرقاب، وفك الأسارى، وتقوية المسلمين على عدوهم. انتهى. جمل نقلا من الرازي.\nهذا؛ وقال ابن مسعود﵁وعامة المفسرين: نزلت الآيات الثلاث في أبي بكر -﵁فقد كان ينفق المال في عتق العجائز، والنساء. فقال له أبوه أبو قحافة: أي بني! لو أنك عتقت رجالا يمنعونك، ويقومون معك! فقال: يا أبت! إنما أريد ما أريد، فهو يعني﵁رضا الله. ومعنى ﴿أَعْطى﴾ أنفق، وبذل المال في وجوه الخير، ومعنى (اتقى) أي: محارم الله؛ التي نهى عنها، فعمل بطاعته، واجتنب معاصيه. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه. وهو اختيار الطبري. وقيل: صدق بلا إله إلا الله. وقيل: صدق بموعود الله تعالى.","vol":"10","page":619},{"text":"﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أي: نرشده لأسباب الخير، والصلاح؛ حتى يسهل عليه فعلها. وقال زيد ابن أسلم-رحمه الله تعالى-: ﴿لِلْيُسْرى﴾ للجنة. وفي الصحيحين، والترمذي عن علي﵁قال: كنا في جنازة بالبقيع، فأتى النبي ﷺ، فجلس، وجلسنا معه، ومعه عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء، فقال: «ما من نفس منفوسة إلاّ قد كتب مدخلها». فقال القوم: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا؛ فمن كان من أهل السعادة؛ فهو يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاوة؛ فإنه يعمل للشقاوة؟! قال: «بل اعملوا، فكلّ ميسّر، أمّا من كان من أهل السعادة، فإنه ييسّر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فإنّه ييسّر لعمل الشقاء، ثم قرأ ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى»﴾. وسأل غلامان شابان رسول الله ﷺ، فقالا: العمل فيما جفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم في شيء يستأنف؟ فقال ﷺ: «بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير». قالا: ففيم العمل؟! قال: «اعملوا فكلّ ميسّر لعمله الذي خلق له». قالا:\nفالآن نجدّ ونعمل. وانظر ما ذكرته في سورة (هود) رقم [١٠٥]، وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكا تلفا». أخرجه مسلم، وغيره. وروي من حديث أبي الدرداء﵁أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلّهم إلا الثقلين: اللهمّ أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا». فأنزل الله تعالى ذلك في القرآن ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى..﴾. إلخ الآيات. انتهى. قرطبي.\nهذا؛ و(اتقى) أصله (اوتقى) قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء، مثل: اتصل، أصله:\nأوتصل، واتقى ماض من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي: الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة. وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة).\nالإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ انظر سورة (الضحى). ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْطى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو»، وحذف مفعولاه. قال ابن هشام في المغني:\nويجوز حذف مفعولي ﴿أَعْطى،﴾ نحو: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى﴾ وثانيهما فقط، نحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ سورة (الضحى) وأولهما فقط، خلافا للسهيلي، نحو ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ سورة (التوبة) رقم [٢٩]. وينبغي أن تعلم: أنه لا يحذف المفعولان، أو أحدهما إلا إذا دل دليل على ذلك.\nقال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]","vol":"10","page":620},{"text":"ولا تجز هنا بلا دليل... سقوط مفعولين أو مفعول\nقال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-: وهذا الذي ذكره المصنف هو الصحيح من مذاهب النحويين، فإن لم يدل دليل على الحذف؛ لم يجز لا فيهما، ولا في أحدهما... إلخ. ﴿وَاتَّقى:﴾\nالواو: حرف عطف. (اتقى): فعل ماض معطوف على ما قبله، فهو مثله في محل جزم، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، ومفعوله محذوف أيضا. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.\nالسين: حرف تنفيس، واستقبال، وهي تفيد التحقيق، والتأكيد في حقّ الله تعالى. (نيسره): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط. ﴿لِلْيُسْرى:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، وجملة: ﴿أَعْطى..﴾. إلخ صلتها، وجملة: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ..﴾. إلخ خبرها، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ويقال: الفاء واقعة في جواب (أما). والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، ومفرعة عما قبلها لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-6066\"></span><span id=\"aya-6067\"></span><span id=\"aya-6068\"></span>﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاِسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)﴾\nالشرح: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ:﴾ بماله، فلم ينفقه في وجوه الخير، والطاعة. ﴿وَاسْتَغْنى﴾ أي: عن فضل الله تعالى، وثوابه، فلم يرغب فيه. ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى﴾ أي: فلم يؤمن، ولم يثق بما وعد الله به المحسنين من الثواب الكريم، والأجر الجزيل على إنفاق المال في وجوه الخير. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ أي: فسنهيئه للشر بأن نجريه على يديه؛ حتى يعمل بما لا يرضي الله، فيستوجب بذلك النار. وقيل: نعسر عليه أن يأتي خيرا. وفي الآية دليل لأهل السنة، وصحة قولهم في القدر، وأن التوفيق، والخذلان، والسعادة، والشقاوة بيد الله تعالى، ووجوب العمل بما سبق له في الأزل. انتهى. خازن.\nهذا؛ وقد قال الزمخشري بقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ والمعنى: فسنلطف به، ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه، وأهونها من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ وقال بقوله تعالى هنا: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى:﴾ فسنخذله، ونمنعه الألطاف؛ حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه، وأشده من قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾.\nقال أحمد بن المنير: ألا يطيل لسانه هاهنا على أهل السنة، ولكن قصره الحق، فتراه يؤول الكلام، بل يعطله؛ لأنه يحمله على ما لا يحتمله، وعلى كلامه في أمثالها روعة السارق الخائف.","vol":"10","page":621},{"text":"هذا؛ وقال الفراء: يقول القائل: كيف قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ وهل في العسرى تيسير؟! فيقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة قوله ﷿: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ رقم [٢١] من سورة (آل عمران)، و[٣٤] من سورة (التوبة)، و[٢٤] من سورة (الانشقاق)، والبشارة في الأصل على المفرح والسار، فإذا جمع في كلامين: هذا خير، وهذا شر؛ جاءت البشارة فيهما جميعا، وكذلك التيسير في الأصل على المفرح، فإذا جمع في كلامين: هذا خير، وهذا شر؛ جاء التيسير جميعا. انتهى. قرطبي. هذا؛ ولقد تكلمت على البخل، والبخلاء فيما تقدم كثيرا. انظر آخر سورة (محمد ﷺ) والآية رقم [١١] و[١٥] من سورة (الحديد) والآية رقم [٩] من سورة (الحشر) وخذ ما يلي في حق السخاء.\nفعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «السخيّ قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. ولجاهل سخيّ أحبّ إلى الله من عالم بخيل». رواه الترمذي.\nوعن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «ألا إن كلّ جواد في الجنة حتم على الله وأنا به كفيل، ألا وإنّ كلّ بخيل في النار حتم على الله، وأنا به كفيل». قالوا: يا رسول الله! من الجواد، ومن البخيل؟ قال: «الجواد من جاد بحقوق الله ﷿ في ماله. والبخيل من منع حقوق الله، وبخل على ربّه، وليس الجواد من أخذ حراما، وأنفق إسرافا». رواه الأصبهاني.\nوعن عمر﵁ وأرضاه-قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ بعث حبيبي جبريل ﵊ إلى إبراهيم ﵇، فقال له: يا إبراهيم! إني لا أتّخذك خليلا على أنّك أعبد عباد لي، ولكن اطلعت على قلوب المؤمنين، فلم أجد قلبا أسخى من قلبك». رواه الطبراني وابن حبان.\nوعن جابر بن عبد الله﵄عن رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇، عن الله تعالى؛ قال: «إن هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلح له إلاّ السخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه». رواه الطبراني في الأوسط.\nومعلوم: أن سيدنا رسول الله ﷺ هو صفوة الصفوة من سادة العرب، والمثل الأعلى للإنسانية الكاملة الفياضة بالخير، والرحمة، والجود، والعطاء، فكل العالمين دونه في النبل، والكمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، لا جرم كان أجود الناس، وأكثرهم عطاء، وأبذلهم للخير، والمال، وكيف لا يكون كذلك؛ وروحه أقوى الأرواح، ونفسه أحسن النفوس، ومزاجه أعدل الأمزجة، وعليه أنزل: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكانت الأموال تأتيه من كل فج عميق بكثرة، فلا يقوم من مجلسه؛ حتى يفرقها كلها في وجوه الخير، والبر، والإحسان، ولا يرد","vol":"10","page":622},{"text":"سائله إلا بحاجته، أو بميسور من القول، وإن رجلا أتاه، فسأله، فأعطاه غنما تسد ما بين جبلين، فرجع إلى قومه. وقال: أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وما سئل شيئا قط، فقال: لا. وجاء رجل فسأله، فقال: «ما عندي شيء، ولكن ابتع عليّ، فإذا جاءنا شيء؛ قضيناه». فقال عمر﵁-: يا رسول الله! ما كلفك الله ما لا تقدر عليه!. فكره النبي ﷺ ذلك من عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أنفق، ولا تخش من ذي العرش إقلالا! فتبسم ﷺ، وعرف السرور في وجهه.\nوقال الإمام علي﵁-: إذا أقبلت عليك الدنيا؛ فأنفق منها، فإنها لا تفنى. وإذا أدبرت عنك؛ فأنفق منها فإنها لا تبقى. وقيل في المعنى: [البسيط]\nلا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة... فليس ينقصها التبذير والسّرف\nوإن تولّت فأحرى أن تجود بها... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف\nوأكتفي بما تقدم، ولو شئت لعملت من ذلك صفحات.\nوإعراب الآيات الثلاث مثل إعراب ما قبلهن، بلا فارق، ولا تنس المقابلة بين الآيات، والطباق بين (اليسرى) و(العسرى)، وكل ذلك من المحسنات البديعية.\n\n<span id=\"aya-6069\"></span><span id=\"aya-6070\"></span><span id=\"aya-6071\"></span>﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣)﴾\nالشرح: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ:﴾ الذي جمعه من حلال، وحرام، ثم بخل به في وجوه الخير، والإحسان. ﴿إِذا تَرَدّى﴾ أي: مات، يقال: ردي الرجل، يردى ردى: إذا هلك. وقيل: تردى سقط في جهنم. وقيل: سقط في القبر، و(ما) تحتمل النفي، والاستفهام. انظر الإعراب، ومثله في سورة: (المسد) قوله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾.\n ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ أي: إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة، فالهدى بمعنى:\nبيان الأحكام. قاله الزجاج؛ أي: علينا البيان، بيان الحلال، والحرام، والطاعة، والمعصية، وذلك: أن الله تعالى عرفهم ما للمحسن من اليسرى، وما للمسيء من العسرى، أخبرهم: أن بيده الإرشاد والهداية وعليه تبيين طريقها. وقيل: معناه: إن علينا للهدى، والإضلال، فاكتفى بذكر أحدهما. والمعنى: أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي، وأصرف أعدائي عن العمل بطاعتي.\n ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ أي: لنا ما في الدنيا، والآخرة، فمن طلبهما من غير مالكهما؛ فقد أخطأ الطريق، فهو كقوله تعالى في سورة (النجم): ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى،﴾ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٣٤]: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ والمعنى: إن الأمر كله لله، مالك الدنيا، والآخرة، فهو المتصرف فيهما، تصرف الملاك، يعطي من يشاء،","vol":"10","page":623},{"text":"ويمنع من يشاء، لا راد لعطائه، ولا معطي لما منع. هذا؛ والمراد ب: (الأولى) الحياة الدنيا الحاضرة؛ التي يحياها الإنسان؛ وهو حي، والمراد ب: (الآخرة) الحياة التي تكون بعد الموت، وما فيها من عذاب، أو نعيم، والآخرة: الحياة الثانية الأبدية التي تكون بعد الموت، وما فيها من البعث، والنشور، والحساب، والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن، وعمل صالحا، أو في النار لمن كفر، وعمل سيئا.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مالُهُ:﴾\nفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، التقدير: وما يغني عنه ماله شيئا.\nهذا؛ وإن اعتبرت (ما) اسم استفهام، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم.\nوقيل: في محل نصب مفعول مطلق لما بعده، التقدير: أي إغناء يغني؟ والجملة على الوجهين فعلية، وهي مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿يُغْنِي﴾. ﴿تَرَدّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. هذا؛ وإن اعتبرت إذا شرطية، فالفعل ﴿تَرَدّى﴾ شرطها، وجوابها محذوف، دلّ على ما قبلها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿لَلْهُدى:﴾ اللام: لام الابتداء. (الهدى): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-6072\"></span><span id=\"aya-6073\"></span><span id=\"aya-6074\"></span>﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٦)﴾\nالشرح: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ أي: حذرتكم، وخوفتكم، والخطاب لأهل مكة، وهو عام إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم. ﴿تَلَظّى:﴾ تتوهج، وتتوقد، وأصله: تتلظى، فحذفت إحدى التاءين. ومثله كثير في الآيات القرآنية، والتظاء النار: التهابها، وتلظّيها: تلهبّها.\nوخذ ما يلي:\nعن النعمان بن بشير﵄عن النبي ﷺ قال: «إن أهون أهل النّار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل بالقمقم». رواه الشيخان.\nوعن ابن عباس﵄عن النبي ﷺ قال: «إنّ أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه». رواه مسلم.\n ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ أي: لا يحترق فيها، ويقاسي حرها إلا الشقي، وهو: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي: كذب محمدا ﷺ، وأعرض عن الإيمان، وعن العمل بما يوجبه هذا الإيمان","vol":"10","page":624},{"text":"بالجوارح، والأعضاء. فعن أبي هريرة﵁-. قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل النار إلاّ شقيّ». قيل: ومن الشقي؟ قال: «الذي لا يعمل بطاعة الله». أخرجه الإمام أحمد.\nوقال رسول الله ﷺ: «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني؛ فقد أبى». أخرجه البخاري، وأحمد عن أبي هريرة﵁-. انتهى. مختصر ابن كثير. ولا تنس: أن الأشقى الكافر يصلى نار جهنم خالدا مخلدا، والأشقى الفاسق المسلم يصلاها مؤقتا بحسب جريمته؛ التي عملها في الدنيا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وإن الزمخشري شذ في تفسير الأشقى، فصفعه ابن المنير كعادته. جزاه الله خيرا!.\nالإعراب: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أنذرتكم): فعل، وفاعل، ومفعوله الأول.\n ﴿نارًا:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَلَظّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿نارًا،﴾ تقديره: «هي»، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿نارًا﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَصْلاها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و(ها): مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْأَشْقَى:﴾\nفاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿نارًا﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿الْأَشْقَى،﴾ أو بدل منه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير:\nأذم، أو أعني الذي. وهذان الوجهان على القطع. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-6075\"></span><span id=\"aya-6076\"></span>﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨)﴾\nالشرح: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا:﴾ وسيزحزح عن النار، ويكون بعيدا عنها التقي، النقي، المتقي، الخائف. هذا؛ وقال بعض أهل المعاني: أراد بقوله ﴿الْأَتْقَى﴾ و﴿الْأَشْقَى﴾ أي: التقي، الشقي، ويوضع أفعل موضع فعيل، نحو قولهم: الله أكبر بمعنى: كبير، وقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٢٧]: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. وقال الشافعي﵁-، وعزاه القرطبي سهوا لطرفة بن العبد: [الطويل]\nتمنّى رجال أن أموت وإن أمت... فتلك سبيل لست فيها بأوحد","vol":"10","page":625},{"text":"أي: واحد، ووحيد. ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أي: يطلب أن يكون زاكيا عند الله، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعة، بل يتصدق به مبتغيا وجه الله تعالى. هذا؛ وفي هذه الآيات التفات من الخطاب إلى الغيبة. انظر الالتفات، وفوائده في سورة (الملك) رقم [٢٠].\nالإعراب: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا:﴾ الواو: حرف عطف. السين: حرف استقبال، وتنفيس. (يجنبها):\nفعل مضارع مبني للمجهول، و(ها): مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿الْأَتْقَى:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّذِي:﴾ قل فيه مثل ما قبله من أوجه. ﴿يُؤْتِي:﴾\nفعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد.\n ﴿مالَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿يَتَزَكّى﴾ بدل منها، لا محل لها مثلها، أو هي في محل نصب حال من فاعلها، التقدير: يؤتي ماله متزكيا به عند الله.\n\n<span id=\"aya-6077\"></span><span id=\"aya-6078\"></span><span id=\"aya-6079\"></span>﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)﴾\nالشرح: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أي: وليس عند أبي بكر﵁لأحد من الناس معروف، وإحسان دنيوي يريد أن يكافئ عليه بإنفاقه المال في سبيل الله؛ حتى النبي ﷺ، بل كان أبو بكر هو الذي ينفق على رسول الله، وإنما كان للنبي ﷺ نعمة الهداية، والإرشاد إلى الإيمان، وهذه نعمة لا تجزى، ولا تكافأ لقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ والمذكور هنا ليس مطلق النعمة، بل نعمة تجزى، وتكافأ.\n ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ أي: ثواب الله، ومرضاته، والطمع في رحمته، وجنته.\n ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أي: بما يعطيه الله ﷿ في الآخرة من الجنة، والخير، والكرامة جزاء على ما فعل من الخير في الدنيا، والمراد بوجه ربه: ذاته العلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5010>تنبيه بل فائدة:</span>\nلعلّ وعسى، وسوف في مواعيد الملوك كالجزم بها، إنما يطلقونها إظهارا لوقارهم، وإشعارا بأن الرمزة منهم كالتصريح من غيرهم، وعليه جرى وعد الله، ووعيده.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لِأَحَدٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يقول: متعلقان بمحذوف حال من ﴿نِعْمَةٍ﴾ كان صفة له... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف","vol":"10","page":626},{"text":"جر صلة. ﴿نِعْمَةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿نِعْمَةٍ﴾ فاعلا بمتعلق الجار، والمجرور التقدير: وما ثبت لأحد عنده نعمة. وعلى الاعتبارين؛ فالجملة في محل نصب حال من فاعل ﴿يَتَزَكّى﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط. ﴿تُجْزى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿نِعْمَةٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل صفة ﴿نِعْمَةٍ﴾.\n ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ استثناء منقطع من ﴿نِعْمَةٍ،﴾ أو هو مفعول لأجله. ويجوز رفعه على البدلية، ولم يقرأ بالرفع. وقال القرطبي: قرأ به يحيى بن وثاب، و﴿اِبْتِغاءَ﴾ مضاف، و﴿وَجْهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و﴿وَجْهِ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة ﴿وَجْهِ رَبِّهِ﴾ مجرور مثله... إلخ. ﴿وَلَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: وعزتي، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم.\nاللام: واقعة في جواب القسم. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يَرْضى:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْأَتْقَى،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5011>خاتمة:</span>\nقال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه: كان بلال﵁ملكا لأمية بن خلف الجمحي، وهو بلال بن رباح، واسم أمه: حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان سيده أمية-أخزاه الله-يخرجه إذا حميت الشمس، فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد! فيقول وهو في ذلك: أحد أحد، فمر به أبو بكر﵁-، وهم يصنعون به ذلك، فقال لأمية الخبيث: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟! قال: أنت أفسدته، فأنقذه مما ترى! فقال أبو بكر﵁-: أفعل عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، وهو على دينك أعطيكه به. قال: قد فعلت، فأعطاه أبو بكر﵁غلامه، واسمه:\nنسطاس، وأخذ بلالا، فأعتقه. وكان قد أعتق ست رقاب على الإسلام قبل أن يهاجر، بلال سابعهم.\nوهم: عامر بن فهيرة، شهد بدرا، وأحدا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا. وأم عميس، وزهرة، فأصيب بصرها حين أعتقها أبو بكر، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات، والعزى، فقالت: كذبوا ورب البيت! لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان شيئا! فرد الله عليها بصرها.\nوأعتق النهدية، وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فرآهما أبو بكر، وقد بعثتهما سيدتهما تحتطبان لها، وهي تقول: والله لا أعتقهما أبدا! فقال أبو بكر: كلاّ يا أم فلان! فقالت: أنت","vol":"10","page":627},{"text":"أفسدتهما، فأعتقهما. قال: فبكم؟ قالت: بكذا وكذا. قال: أخذتهما، وهما حرتان لوجه الله! ومر بجارية من بني المؤمل؛ وهي تعذب، فابتاعها، وأعتقها، فقال عمار بن ياسر﵄يذكر بلالا، وأصحابه، وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم-وكان اسم أبي بكر﵁عتيقا-فقال في ذلك: [الطويل]\nجزى الله خيرا عن بلال وصحبه... عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل\nعشية همّا في بلال بسوءة... ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقل\nبتوحيده ربّ الأنام وقوله... شهدت بأن الله ربي على مهل\nفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن... لأشرك بالرحمن من خيفة القتل\nفيا ربّ إبراهيم والعبد يونس... وموسى وعيسى نجّني، ثم لا تملي\nلمن ظلّ يهوى الغيّ من آل غالب... على غير حقّ كان منه ولا عدل\nقال سعيد بن المسيب﵁-: بلغني: أن أمية بن خلف قال لأبي بكر﵁في بلال حين قال له: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس (عبد لأبي بكر)، وكان نسطاس صاحب عشرة آلاف دينار، وغلمان، وجوار، ومواش، وكان مشركا حمله أبو بكر﵁على الإسلام على أن يكون ماله له، فأبى، فأبغضه أبو بكر، فلما قال أمية: أبيعه بغلامك نسطاس؛ اغتنمه أبو بكر، وباعه به، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك ببلال إلا ليد كانت لبلال عنده! فأنزل الله ﷿ قوله: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى..﴾. إلخ انتهى. خازن.\nقيل: إن أمية الخبيث قال: لو سألني أبو بكر بلالا بفلوس معدودة؛ لبعته إياه! فبلغ قوله أبا بكر﵁-، فقال: لو طلب مني أمية ما أملك ثمنا لبلال لأعطيته ما يريد.\nتنبيه: قيل: كان لرجل من الأنصار نخلة، وفرعها في دار رجل فقير، وله عيال، فكان صاحب النخلة إذا صعد نخلته ليأخذ منها الثمر، فربما سقطت التمرة، فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل عن نخلته حتى يأخذ التمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم؛ أدخل إصبعه في فيه؛ حتى يخرجها. فشكا ذلك الرجل الفقير إلى النبي ﷺ، فلقي النبي ﷺ صاحب النخلة، فقال له: «تعطيني نخلتك التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة؟». فقال الرجل: إن لي نخلا كثيرا، وما فيه أعجب إليّ منها! وقيل في رواية: (لا أبيع عاجلا بآجل) فسمع أبو الدحداح (رجل من الأنصار) بذلك.\nفقال لصاحب النخلة: هل لك أن تبيعها بحش، يعني: حائطا فيه نخل كثير. فقيل: هي لك! فأتى أبو الدحداح النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! تشتريها مني بنخلة في الجنة؟ فقال","vol":"10","page":628},{"text":"«نعم». فقال: هي لك، فدعا النبي ﷺ ذلك الرجل الفقير جار الأنصاري صاحب النخلة. وقال له: «خذها لك، ولعيالك». فأنزل الله الآيات من سورة (الليل). وهذا القول فيه ضعف؛ لأن هذه السورة مكية، وهذه القصة كانت بالمدينة بعد الهجرة، فإن كانت القصة صحيحة تكون هذه السورة قد نزلت بمكة وظهر حكمها في المدينة، ويكون صاحب النخلة منافقا. والصحيح: أنها في أبي بكر الصديق﵁وأمية بن خلف؛ لأن سياق الآيات يقتضي ذلك. انتهى.\nخازن. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الليل) بعون الله وتوفيقه شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5012>سورة الضّحى</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الضحى) مكية بالاتفاق، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومئة واثنان وسبعون حرفا، انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6080\"></span><span id=\"aya-6081\"></span><span id=\"aya-6082\"></span>﴿وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣)﴾\nالشرح: اختلفوا في سبب نزول هذه السورة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: عن جندب بن سفيان البجلي﵁قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين، أو ثلاثا، فجاءت امرأة، فقالت: يا محمد! إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين، أو ثلاثا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحى..﴾. إلخ أخرجه البخاري. وفي الترمذي عن جندب البجلي؛ قال: كنت مع النبي ﷺ في غار، فدميت إصبعه، فقال النبي ﷺ. [الرجز]\nهل أنت إلاّ إصبع دميت... وفي سبيل الله ما لقيت\nقال: وأبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد ودع محمدا ربه، فأنزل الله ﷿: ﴿ما وَدَّعَكَ..﴾. إلخ. فلم يذكر الترمذي: (فلم يقم ليلتين، أو ثلاثا) ورواية البخاري أصح، وقد ذكره الثعلبي أيضا عن جندب. قال: رمي النبي ﷺ في إصبعه بحجر، فدميت، فقال: هل أنت إلا إصبع... إلخ والمرأة المذكورة في جميع الروايات هي: العوراء بنت حرب، أخت أبي سفيان، وهي زوج أبي لهب، وهي حمالة الحطب.\nالقول الثاني: قال زيد بن أسلم﵁كان سبب احتباس الوحي عن النبي ﷺ:\nأنّ جروا كان في بيته، فلما نزل عليه جبريل عاتبه النبي ﷺ على إبطائه، فقال له: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا صورة. وهذا قول ضعيف.\nالقول الثالث: قال المفسرون: سألت اليهود رسول الله ﷺ عن الروح، وعن ذي القرنين، وعن أصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي، إلى أن نزل عليه قوله تعالى من سورة (الكهف): ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ فأخبره بما سئل عنه. وهو الذي أعتمده إن شاء الله. انظر سورة (الكهف). وانظر","vol":"10","page":630},{"text":"سورة (الإسراء) رقم [٨٥]. ولما نزل جبريل الأمين على سيد المرسلين؛ قال له: «يا جبريل ما حبسك عني؟ لقد اشتقت إليك؟!». فقال جبريل ﵇: إني كنت إليك أشد شوقا، ولكني عبد مأمور، ونزل قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ولما قرأ جبريل الأمين على سيد المرسلين سورة (الضحى) كبّر ﷺ في آخرها فقال: «لا إله إلاّ الله والله أكبر». وصار التكبير سنة في آخرها، وآخر السور إلى آخر سورة (الناس).\nهذا؛ واختلف في مدة احتباس الوحي، وجبريل عنه ﷺ. فقيل: اثنا عشر يوما. وقال ابن عباس﵄-: خمسة عشر يوما. وقيل: أربعون يوما.\nالشرح: ﴿وَالضُّحى﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: المراد به النهار كلّه، لقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ فقابله بالليل، وفي سورة (الأعراف): ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: نهارا. وقال قتادة، ومقاتل، وجعفر الصادق: أقسم الله بالضحى الذي كلم الله فيه موسى، وبليلة المعراج. وقيل:\nهي الساعة التي خرّ فيها السحرة سجدا، بيانه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾. انتهى.\nقرطبي. وانظر شرح (الضحى) في سورة (الشمس).\nأقول: أقسم الله بالضحى تنويها بشأنه، وتعظيما لقدره، ولذا رغب الرسول ﷺ بالصلاة في وقت الضحى، فقال: «لا يحافظ على صلاة الضحى إلاّ أوّاب». قال: «وهي صلاة الأوّابين».\nرواه الطبراني عن أبي هريرة﵁-. وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «إنّ في الجنة بابا، يقال له: الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الّذين كانوا يديمون صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوه برحمة الله». أخرجه الطبراني.\nوعن أبي ذر الغفاري﵁عن النبي ﷺ قال: «يصبح على كلّ سلامى من أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». رواه مسلم.\n ﴿إِذا سَجى:﴾ قال ابن عباس﵄-: أقبل بظلامه. وعنه أيضا: إذا ذهب.\nوقيل: معناه: غطى كل شيء بظلامه. وقيل: معناه: سكن فاستقر ظلامه، فلا يزداد. قاله قتادة، ومجاهد، وابن زيد، وعكرمة. يقال: عين ساجية. أي: ساكنة. ويقال: سجا الليل، يسجو سجوّا: إذا سكن. والبحر سجا: سكن. قال الأعشى: [الطويل]\nفما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمّكم... وبحرك ساج ما يواري الدّعامصا","vol":"10","page":631},{"text":"الدعامص: جمع الدعموص، وهي دويبة صغيرة تكون في مستنقع الماء. وقال الراجز: [الرجز]\nيا حبّذا القمراء والليل السّاج... وطرق مثل ملاء النّسّاج\nهذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ مجاز عقلي؛ حيث أسند السكون إلى الليل.\nوتعريف المجاز العقلي هو: إسناد الفعل، أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة إرادة الإسناد الحقيقي. ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ أي: ما تركك منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبك. الخطاب للنبي ﷺ، وهو ردّ لما قالته العوراء أم قبيح. هذا؛ وحذف مفعول (قلى) لمناسبة رؤوس الآي. وقرأ السبعة بتشديد دال ﴿وَدَّعَكَ﴾ وقرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام، وابن أبي عبلة بتخفيفها.\nهذا؛ وقال قطة العدوي شارح شواهد ابن عقيل: قال بعض المتقدمين: زعم بعض النحاة:\nأن العرب أماتت ماضي (ودع) ومصدره، واسم فاعله، واسم مفعوله، مع أنه قد قرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام قوله تعالى: (ما ودعك ربك وما قلى) بتخفيف الدال بمعنى: ما تركك، وكذا قرأ مقاتل، وابن أبي عبلة. وقال الرسول ﷺ: «شرّ الناس من ودعه النّاس اتّقاء شرّه».\nوقال ﷺ: «دعوا الحبشة ما ودعوكم». ورواه الجمل «ذروا الحبشة ما وذرتكم». وقال أبو العتاهية الصوفي: [المنسرح]\nأثروا فلم يدخلوا قبورهم... شيئا من الثروة التي جمعوا\nوكان ما قدّموا لأنفسهم... أعظم نفعا من الذي ودعوا\nوقال آخر: [الطويل]\nوثم ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراء المثقّفة السّمر\nوقال أنس بن رؤيم، -وعزاه أبو البقاء لأبي الأسود الدؤلي-: [الرمل]\nليت شعري عن خليلي ما الّذي... غاله في الحبّ حتى ودعه؟!\nفها هو الماضي قد ورد عن أفصح العرب قراءة، وحديثا. وكذا في شعر العرب. وورد المصدر أيضا في قول النبي ﷺ: «لينتهينّ قوم عن ودعهم الجمعات-وفي رواية: الجماعات- أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين». أخرجه مسلم، وغيره، وورد اسم المفعول، واسم الفاعل من: ودع في قول خفاف بن ندبة﵁-: [الطويل]\nإذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودوع، وواعد مصدق\nفكيف يقال: إن العرب أماتته؟! فالصواب القول بقلة الاستعمال، لا بالإماتة. انتهى.\nبتصرف كبير. هذا؛ وما قيل في (ودع) ومضارعه: يدع، وأمره: دع، يقال في: وذر، ومضارعه","vol":"10","page":632},{"text":"يذر، كما يقال في: (وعم) ومضارعه: (يعم) وأمره: عم. وانظر الشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا:\n «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿وَالضُّحى:﴾ انظر إعراب: ﴿وَالشَّمْسِ﴾. ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ انظر إعراب: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ في سورة (الشمس). ﴿ما:﴾ نافية. ﴿وَدَّعَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكَ:﴾\nفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وجملة: ﴿وَما قَلى﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-6083\"></span><span id=\"aya-6084\"></span>﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥)﴾\nالشرح: المعنى: ما أعد الله لك يا محمد في الآخرة من المقام المحمود، والحوض المورود، والخير الموعود خير مما أعجبك في الدنيا. وقيل: وجه اتصال الكلام بما قبله: أنه لما كان في ضمن نفي التوديع، والقلي أن الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك؛ أخبره: أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك، لتقدمه على جميع الأنبياء والمرسلين، وشهادة أمته على جميع الأمم، وغير ذلك. انتهى. نسفي. ولا تنس المطابقة بين الآخرة والأولى، وهي من المحسنات البديعية.\nهذا؛ و﴿خَيْرٌ﴾ أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء للخاء قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة من أوله، استغناء عنها بحركة الخاء، فصار: خير، ومثله قل في: حبّ وشرّ اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما أحبب، وأشرر. فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الخاء، والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل المرفوض كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nيا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر\nوخير وشرّ، وحبّ يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنهن بمعنى أفعل، كما رأيت. وأما قول الشاعر: [الطويل]\nألا بكّر النّاعي بخيري بني أسد... بعمرو بن مسعود وبالواحد الصّمد\nفإنما ثناه؛ لأنه أراد: خيّري بالتشديد، فخففه مثل ميت، وهين في ميّت، وهيّن، فأخير في قول رؤبة، وأشر، وأحب هو الأصل المقيس في أفعل التفضيل، مثل: أفضل، وأحسن، وأجمل، إلا أنه لما كثر استعمال العرب لخير خففوها بحذف الهمزة من أولها، فيكون خير شاذا","vol":"10","page":633},{"text":"في القياس فصيحا في الاستعمال، ومثله شرّ وحبّ. هذا؛ و﴿الْأُولى﴾ هي الحياة الحاضرة؛ التي نحياها، وبينها وبين (الآخرة) طباق، وهو من المحسنات البديعة.\n ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ أي: يعطيك ربك في الآخرة؛ حتى ترضى. قال ابن عباس -﵄-: هي الشفاعة في أمته؛ حتى يرضى. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [٣٦]: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ،﴾ وقوله تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ من سورة (المائدة) ثم رفع يديه. وقال: «اللهم أمتي أمتي! وبكى». فقال الله ﷿: يا جبريل! اذهب إلى محمد، واسأله ما يبكيك؟ (وهو أعلم) فأتى جبريل ﵇، فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، (وهو أعلم) فقال الله ﷿: اذهب يا جبريل إلى محمد، وقل له: «إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك». أخرجه مسلم في كتاب الإيمان.\nوعن أبي هريرة﵁أن النبي ﷺ. قال: «لكلّ نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كلّ نبيّ دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا». متفق عليه.\nوعن عوف بن مالك﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئا». أخرجه الترمذي.\nوفي القرطبي: وقال علي﵁وفي الخازن: قال حرب بن شريح سمعت جعفر بن محمد بن علي؛ أي: زين العابدين يقول: (يا معشر أهل العراق! إنكم تقولون: أرجى آية في كتاب الله: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ..﴾. إلخ رقم [٥٣] من سورة (الزمر) قالوا: نقول ذلك. قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله قوله ﵎: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾. وروي في الحديث: أن النبي ﷺ لما نزلت قال: «إذا لا أرضى قط، وواحد من أمتي في النار». ورحم الله من قال: [الوافر]\nقرأنا في الضحى ولسوف يعطي... فسرّ قلوبنا ذاك العطاء\nوحاشا يا رسول الله ترضى... وفينا من يعذّب، أو يساء\nوانظر ما ذكرته في آية (الزمر) رقم [٥٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقيل في معنى الآية: ولسوف يعطيك ربك من الثواب، فترضى. وقيل: من النصر، والتمكين، وكثرة المؤمنين فترضى، وحمل الآية على ظاهرها من خيري الدنيا، والآخرة معا أولى، وذلك أن الله تبارك","vol":"10","page":634},{"text":"وتعالى أعطاه في الدنيا النصر، والظفر على الأعداء، وكثرة الفتوح في زمنه، وبعده إلى يوم القيامة، وأعلى دينه، وأن أمته خير الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة العامة، والخاصة، والمقام المحمود، والحوض المورود، وغير ذلك مما أعطاه في الدنيا، والآخرة. انتهى. خازن بتصرف.\nهذا؛ وإنما قيد الله تعالى بقوله: ﴿خَيْرٌ لَكَ؛﴾ لأنها ليست خيرا لكل أحد. قال البقاعي: إن الناس على أربعة أقسام: منهم من له الخير في الدارين، وهم أهل الطاعة الأغنياء، ومنهم من له الشر فيهما، وهم الكفرة الفقراء، ومنهم من له صورة خير في الدنيا، وشر في الآخرة، وهم الكفرة الأغنياء، ومنهم من له صورة شر في الدنيا، وخير في الآخرة، وهم الفقراء المؤمنون.\nانتهى. خازن.\nالإعراب: ﴿وَلَلْآخِرَةُ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (الآخرة خير): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.\n ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿مِنَ الْأُولى:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾ أيضا.\n ﴿وَلَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (سوف): حرف تسويف، واستقبال.\nوانظر آخر سورة (الليل). ﴿يُعْطِيكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، انظر الآية رقم [٥] من سورة (الليل). ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَتَرْضى:﴾ الفاء:\nحرف عطف وسبب. (ترضى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.\nتنبيه: الإعراب المتقدم يفيد: أن الجمل الأربع المذكورة كلها واقعة في حيز القسم، وهو صريح قول الجلال: إلى هنا تم جواب القسم بمثبتين بعد منفيين، ولكن الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي كعادتهما قالوا: واللام الداخلة على سوف لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: ولأنت سوف يعطيك، ونحوه: لأقسم فيمن قرأ كذلك؛ أي: في أول سورة (القيامة) وسورة (البلد) ونحوهما؛ لأن المعنى: «لأنا أقسم» وهذا؛ لأنها إذا كانت لام قسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد، فيتعين أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر كما ذكرنا. كذا ذكره صاحب الكشاف.\nوذكر صاحب الكشف: هي لام القسم، واستغني عن نون التوكيد؛ لأن نون التوكيد إنما تدخل ليؤذن: أن اللام لام القسم، لا لام الابتداء، وقد علم: أنه ليس للابتداء؛ لدخولها على (سوف)؛ لأن لام الابتداء لا تدخل على (سوف) وذكر: أن الجمع بين حرفي التأكيد، والتأخير يؤذن بأن العطاء كائن لا محالة؛ وإن تأخر. انتهى. نسفي.","vol":"10","page":635},{"text":"أقول وبالله التوفيق: إن اللام واقعة في جواب القسم بسبب العطف حتما لا شك فيه، وذلك؛ لأن الفعل المضارع يجب توكيده إذا كان جوابا لقسم غير مفصول من لامه بفاصل، وكان مثبتا مستقبلا، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ الآية رقم [٥٧] من سورة (الأنبياء)، ويمتنع تأكيده إذا كان جوابا لقسم، ولم تتوفر فيه الشروط المذكورة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ المانع من توكيد الفعل (يعطي) بنون التوكيد الفصل بينه، وبين اللام ب: (سوف) انظر كتاب قواعد اللغة العربية بشرحنا، وتحقيقنا: (الباب الثامن من المؤكد وغيره) والله ولي التوفيق.\n\n<span id=\"aya-6085\"></span><span id=\"aya-6086\"></span><span id=\"aya-6087\"></span>﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا:﴾ صغيرا، ضعيفا، عاجزا عن العمل. ﴿فَآوى﴾ أي: ضمك إلى عمك أبي طالب، وذلك أن أبا النبي توفي، وهو في بطن أمه، ثم توفيت أمه، وهو ابن ست سنين، ثم توفي جده وهو ابن ثمان سنين، فكفله بعد ذلك عمه أبو طالب، فأحسن كفالته، واعتنى به أشد الاعتناء إلى أن قوي عوده، واشتد، وتزوج خديجة﵂-، وكان أبو طالب على دينه حتى مات، ولم يسلم، ومع ذلك كان يدفع الأذى عن النبي ﷺ، ويبذل جهده في ذلك، وكل هذا من حفظ الله للنبي ﷺ وكلاءته له، وعنايته به.\n ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ أي: ووجدك تائها عن معرفة الشريعة والدين، فهداك الله إليها، كقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥٢]: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾. وعليه: فالضلال مستعار من: ضل في طريقه: إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده لعدم ما يوصله للعلوم النافعة. قال الإمام الجلال: أي: وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من الشريعة، فهداك إليها. وقيل: ضل في بعض شعاب مكة، وهو صغير فرده الله إلى جده. قال أبو حيان: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى؛ لأن الأنبياء معصومون من ذلك.\nوقال ابن عباس﵄-: إن رسول الله ﷺ ضل في شعاب مكة، وهو صبي صغير، فرآه أبو جهل الخبيث منصرفا من أغنامه، فرده إلى جده عبد المطلب، وهذا كان لما قضت حليمة رحمها الله تعالى حق الرضاع، فجاءت برسول الله ﷺ لترده على جده عبد المطلب، فسمعت عند باب مكة: هنيئا لك يا بطحاء مكة، اليوم يرد الله إليك النور، والبهاء، والجمال.\nقالت: فوضعته لأصلح شأني، فسمعت هدّة شديدة، فالتفت، فلم أره، فقلت: يا معشر الناس! أين الصبي؟! فقالوا: لم نر شيئا، فصاحت: وا محمداه! فخرج كثير من أهل مكة يبحثون عنه ﷺ، فكان أبو جهل الخبيث هو الذي لقي النبي ﷺ، فجاء به إلى عبد المطلب. وقال له: ألا","vol":"10","page":636},{"text":"تدري ماذا جرى من ابنك هذا؟ فقال عبد المطلب: ماذا جرى؟ فقال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي، فأبت الناقة أن تقوم، فأركبته أمامي، فقامت. وقال عبد الله بن عباس﵄-:\nرده الله إلى جده بيد عدوّه، كما فعل بموسى ﵇ حين حفظه عند فرعون عدوه.\nوقيل: الضلال هنا بمعنى: الحيرة، وذلك؛ لأنه ﷺ كان يخلو في غار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه؛ حتى هداه الله لدينه. وقال الجنيد-رحمه الله تعالى-: ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل الله إليك، فهداك لبيانه. فهذا ما قيل في هذه الآية. ولا يلتفت إلى قول من قال:\nإنه ﷺ كان قبل النبوة على ملة قومه، فهداه الله إلى الإسلام؛ لأن نبينا ﷺ، وكذلك الأنبياء قبله؛ منذ ولدوا؛ أنشئوا على التوحيد، والإيمان قبل النبوة، وبعدها، وأنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بصفات الله، وتوحيده. ويدل على ذلك: أن قريشا عابوا النبي ﷺ، ورموه بكل عيب سوى الشرك، وأمر الجاهلية، فإنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا؛ إذ لو كان فيه؛ لما سكتوا عنه، ولنقل ذلك. فبرأه الله تعالى من جميع ما قالوه فيه، وعيروه به، ويؤكد هذا ما روي في قصة بحيرا الراهب حين استحلف النبي ﷺ باللات، والعزى، فقال له النبي ﷺ: «لا تسألني بهما، فو الله ما أبغضت شيئا بغضهما».\nهذا؛ وضل أكثر ما يستعمل بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضد: اهتدى، واستقام، ومصدره:\nالضلال ويأتي (ضل) بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ويأتي بمعنى: خفي، يخفى. قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾. وضل الشيء: ضاع، وهلك، وضل: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضل تحير، وهو أقرب ما يفسر به في هذه الآية.\nهذا؛ وأضل، يضل غيره من الرباعي، ومصدره: الإضلال، فهو متعد، والثلاثي لازم، ومصدره: الضلال، وهو الخروج عن جادة الحق، والانحراف عن الصراط المستقيم. وينبغي أن تعلم: أن طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، وأما الضلال؛ فطرقه كثيرة، ومتشعبة. قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:\n ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ الآية رقم [٣٢] سورة (يونس). وقال الشاعر الحكيم: [البسيط]\nالطّرق شتّى وطرق الحقّ مفردة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد\nلا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد\nوالناس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحق رقّاد","vol":"10","page":637},{"text":"﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى﴾ أي: فقيرا لا مال لك. ﴿فَأَغْنى:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:\nأي: فأغناك بمال خديجة﵂-. يقال: عال الرجل، يعيل عيلة: إذا افتقر. قال أحيحة بن الجلاح: [الوافر]\nفما يدري الفقير متى غناه؟ ... وما يدري الغنيّ متى يعيل؟\nوقال الأخفش: وجدك ذا عيال، دليله ﴿فَأَغْنى﴾ ومنه قول جرير: [الكامل]\nوالله أنزل في الكتاب فريضة... لابن السّبيل وللفقير العائل\nوقال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق، واختاره الفراء، وقال: لم يكن غناه عن كثرة المال، ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه، وذلك حقيقة الغنى. وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة المال، والعرض، ولكن الغنى غنى النفس». متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه». أخرجه مسلم، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ:\n «سألت ربي ﷿ مسألة، وددت أني لم أكن سألته: قلت: يا ربّ! إنك آتيت سليمان بن داود ملكا عظيما، وآتيت فلانا كذا، وفلانا كذا». قال: يا محمد ألم أجدك يتيما، فآويتك؟ قلت: «بلى يا ربّ!». قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: «بلى يا ربّ!» قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: «بلى يا رب!». وزاد في رواية: ألم أشرح لك صدرك، ووضعت عنك وزرك؟ قلت: «بلى يا ربّ».\nفإن قلت: كيف يحسن بالجواد الكريم أن يمنّ بإنعامه على عبده؛ والمنّ مذموم في صفة المخلوق، فكيف يحسن بالخالق ﵎؟! قلت: إنما حسن ذلك؛ لأنه ﷾ قصد بذلك أن يقوي قلبه، ويعده بدوام نعمه عليه، فظهر الفرق بين امتنان الله تعالى الممدوح، وبين امتنان الخلق المذموم؛ لأن امتنان الله تعالى زيادة إنعامه، كأنه قال: ما لك تقطع رجاءك عني؟ ألست الذي ربيتك وآويتك، وأنت يتيم صغير؟ أتظنني تاركك، ومضيعك كبيرا؟ بل لا بد وأن أتم نعمتي عليك!. فقد حصل الفرق بين امتنان الخالق وامتنان المخلوق. انتهى. خازن.\nهذا؛ ولقد ذكرت لك منّ الله على حبيبه في كثير من السور، وبينت لك الفرق بين منّ الله الممدوح وبين منّ العبد المذموم الذي يحبط العمل، ويضيع الأجر، والثواب، بل ويوجب المقت، والسخط؛ لأن منّ الله على العبد يزيده شكرا له تعالى، كما يزيده طاعة له، ورغبة في عبادته. وأيضا فإن الله هو المالك حقيقة بما ينعم به على العبد ويمنّ به عليه، وأما العبد فإنه غير مالك بما ينعم به على الحقيقة، وإنما هو وكيل على هذه النعم، والمالك على الحقيقة إنّما هو الله تعالى، وأيضا منّ العبد على العبد يورثه ذلة، وانكسارا.","vol":"10","page":638},{"text":"هذا؛ و(يجد) ماضيه: وجد، والمضارع أصله: يوجد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المتكلم والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: وجد، أما (عائل) فأصله: عايل؛ لأن الفعل أجوف يائي: عيل، يعيل، فقل في إعلاله: قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف الزائدة، لكونها حاجزا غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، وقل مثله في: قائل وشبهه فإن أصله: قاول فإن فعله أجوف واوي.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. انظر شرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ الآتي. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿يَتِيمًا:﴾ مفعول به ثان، وقال الزمخشري: حال من الكاف على تأويل ﴿يَجِدْكَ﴾ ب: «يخلقك»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَآوى:﴾ الفاء: حرف عطف. (آوى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾ أيضا، والمفعول محذوف لمناسبة رؤوس الآي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ:﴾ ماض، وفاعله مستتر، ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وإعراب ما بعدها لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-6088\"></span><span id=\"aya-6089\"></span><span id=\"aya-6090\"></span>﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ:﴾ قال مجاهد: لا تحتقر اليتيم، فقد كنت يتيما مثله. وقال الفراء: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، كما كانت العرب تفعل في أموال اليتامى، تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم. انتهى. وكانوا يقولون: كيف نورث أموالنا من لم يدفع عن حمانا، ويحمي نساءنا، وأطفالنا؟! ولذا كانوا لا يورثون النساء، والمعنى: كما كنت يتيما فآواك الله، وأحسن إليك بأن كفلك لعمك أبي طالب، فلا تقهر اليتيم؛ أي: لا تذله، وتنهره، وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به. وقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. لذا كان ﷺ يرفق باليتامى، ويعطف عليهم، ويحث على إكرامهم. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «كافل اليتيم له، أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة...». وأشار مالك بالسّبّابة والوسطى. رواه مسلم. وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه». رواه ابن ماجه. وعنه أيضا: أن رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين». رواه الإمام أحمد، وعن أبي أمامة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «من مسح على رأس يتيم، لم يمسحه إلاّ لله؛ كان له في كلّ شعرة مرت عليها يده حسنات، ومن","vol":"10","page":639},{"text":"أحسن إلى يتيمة، أو يتيم عنده، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين». وفرق بين أصبعيه: السبابة والوسطى. رواه الإمام أحمد.\nولم يفته ﷺ أن رغب المرأة المتوفى عنها زوجها أن تقعد على يتاماها، ووعدها، وبشرها بالثواب العميم، والأجر الكبير. وخذ ما يلي: فعن عوف بن مالك الأشجعي﵁-:\nأن رسول الله ﷺ قال: «أنا وامرأة سفعاء الخدّين كهاتين يوم القيامة-وأومأ بيده يزيد بن زريع بالوسطى، والسبابة-امرأة آمت من زوجها، ذات منصب وجمال، فحبست نفسها على يتاماها؛ حتى باتوا، أو ماتوا». رواه أبو داود.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول من يفتح باب الجنة، إلاّ أني أرى امرأة تبادرني، فأقول لها: مالك؟ ومن أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي». رواه أبو يعلى، وأما أكل مال اليتيم بغير حق؛ فقد صرحت بعقوبته آية النساء رقم [١٠].\n ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي: لا تزجره، ولكن ردّه ببذل اليسير، أو قول جميل. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٣]: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً﴾. وروي عن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعنّ أحدكم السائل، وأن يعطيه إذا سأل، ولو رأى في يده قلبين من ذهب». القلب بضم وسكون: السوار. وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السّؤّال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم، فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء؟\nوقيل: السائل هو طالب العلم، فيجب إكرامه، وإنصافه بمطلوبه، ولا يعبس في وجهه، ولا ينهر، ولا يتلقى بمكروه، وكان أبو الدرداء﵁ينظر إلى أصحاب الحديث، ويبسط رداءه لهم، ويقول: مرحبا بأحبة رسول الله ﷺ.\n ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي: انشر ما أنعم الله عليك بالشكر، والثناء. والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر. والخطاب للنبي ﷺ، والحكم عام له، ولغيره. وعن الحسن بن علي -﵄قال: (إذا أصبت خيرا، أو علمت خيرا؛ فحدّث به الثقة من إخوانك). وقال بكر بن عبد الله المزني﵁-. قال النبي ﷺ: «من أعطي خيرا، فلم ير عليه؛ سمّي:\nبغيض الله، معاديا لنعم الله». وروى الشعبي عن النعمان بن بشير﵄-. قال: قال النبي ﷺ: «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس؛ لم يشكر الله، والتحدّث بالنعم شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». رواه البغوي بإسناد الثعلبي. وعن جابر بن عبد الله﵄-: أن رسول الله ﷺ قال: «من أعطي عطاء فليجز به؛ إن وجد، فإن لم يجد؛ فليثن عليه، فإنّ من أثنى عليه؛ فقد شكره، ومن كتمه؛ فقد كفره، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذي، وروى النسائي عن","vol":"10","page":640},{"text":"مالك بن نضلة الجشمي﵁قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ، فرآني رثّ الثياب، فقال: «ألك مال؟». قلت: نعم يا رسول الله، من كلّ المال. قال: «إذا آتاك الله مالا؛ فلير أثره عليك». وروى أبو سعيد الخدري﵁عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده». ولا تنس المقابلة بين هذه الآيات، والتي قبلها، وهي من المحسنات البديعية.\nالإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. أو هي الفاء الفصيحة. (أما): انظر الآية رقم [١٥] من سورة (الفجر)، والتقدير هنا: مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل. ﴿الْيَتِيمَ:﴾ مفعول به مقدم، عامله ما بعده، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل، ألا ترى: أن اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم على الجازم، ولو قدمت (تقهر) على (لا)، لامتنع؛ لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يتقدم على جارّه. وانظر ما ذكرته في سورة (هود) رقم [٨] وهي قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ ولا تمنع الفاء هنا من التقديم؛ لأنها كالزائدة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب أما. (لا): ناهية. ﴿تَقْهَرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب (أمّا)، لا محل لها، و(أمّا) ومدخولها كلام مفرع عما قبله، ومستأنف، لا محل له، وعلى اعتبار الفاء فصيحة فهو جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا حصل لك ما تقدم؛ فأما اليتيم... إلخ. والكلام بعده معطوف عليه. وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿بِنِعْمَةِ:﴾\nمتعلقان بما بعدهما، و(نعمة) مضاف، و﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\nانتهت سورة (الضحى) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5017>سورة الشرح</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الشرح) مكية في قول الجميع، وهي ثمان آيات، وسبع وعشرون كلمة، ومئة وثلاثة أحرف. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6091\"></span><span id=\"aya-6092\"></span><span id=\"aya-6093\"></span><span id=\"aya-6094\"></span>﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي: ألم نفتح لك صدرك للإسلام؟! وروى أبو صالح عن ابن عباس﵄قال: ألم نلين لك قلبك؟ وروى الضحاك عن ابن عباس أيضا قال: قالوا: يا رسول الله! أينشرح الصدر؟! قال: «نعم وينفسح». قالوا: يا رسول الله! وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت». أخرجه الطبري عن ابن مسعود﵁-. وانظر قوله تعالى في سورة (الزمر) [٢٢]: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٥]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾. قال ابن كثير: وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا سمحا سهلا، لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. وروي عن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قال: ملئ حكما، وعلما. فعن أنس بن مالك، عن مالك ابن صعصعة: أن النبي ﷺ أتاه جبريل﵇وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرجه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (حليمة) فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون. قال أنس﵁-:\nوقد كنت أرى أثر الخيط في صدره. وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه. أقول: وهذا كان في صغره يوم كان صغيرا رضيعا عند حليمة السعدية﵂-، وتكررت هذه العملية الجراحية في ليلة الإسراء والمعراج على الصحيح.","vol":"10","page":642},{"text":"هذا؛ ومعنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ:﴾ شرحنا. الدليل على ذلك قوله في العطف: ﴿وَوَضَعْنا،﴾ ﴿وَرَفَعْنا﴾ فهذا عطف على التأويل لا على التنزيل؛ لأنه لو كان على التنزيل؛ لقال: ونضع ونرفع، فدل هذا على أن معنى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ:﴾ قد شرحنا؛ لأن «لم» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد، وإذا وقع جحد على جحد رجع إلى التحقيق. انتهى. قرطبي.\nأقول؛ وبعبارة أوضح: لما دخلت همزة الاستفهام الإنكاري الإبطالي على (لم) صار إثباتا؛ لأن نفي النفي إثبات، وهو ما يسمى في علم الإعراب: التقرير. وهذا كثير في كتاب الله تعالى، مثل قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ..﴾. إلخ، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ وفي سورة (التين) آخرها، وفي أول سورة (الفيل)، وغير ذلك، ومن ذلك قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان-وهو الشاهد رقم [١١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]\nألستم خير من ركب المطايا... وأندى العالمين بطون راح؟\nولهذا كان هذا البيت أمدح بيت قالته العرب! قيل: لما بلغ البيت عبد الملك كان متكئا، فاستوى جالسا فرحا. وقال: من مدحنا؛ فليمدحنا هكذا، وأعطى جريرا مئة من الإبل، وثمانية أرقاء من السبي، وجام فضة.\n ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أي: حططنا عنك، وغفرنا لك ذنبك، وهذا مثل قوله تعالى في أول سورة (الفتح): ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾. وقيل: هو الخطأ، والسهو. وقيل:\nذنوب أمتك، فأضافها إليه لاشتغال قلبه بها. وقيل: المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى يبلغها؛ لأن الوزر في اللغة: الثقل تشبيها بوزر الجبل. وقيل: معناه: عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك؛ لو كان ذلك الوزر حاصلا، فسمى العصمة: وضعا مجازا، وقد بينت لك في سورة (الفتح)، وفي سورة (النساء) رقم [١٠٥] وغيرها: أن الرسل معصومون من مقارفة الجرائم، وأن ما فعله الرسول ﷺ عن اجتهاد، وعوتب عليه، كإذنه للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وغير ذلك، وهي صغائر مغفورة لهم لهمهم بها، وتحسرهم على فعلها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم، وقربهم من خالقهم، كما قيل:\nحسنات الأبرار سيئات المقربين. وفي الكلام استعارة تمثيلية حيث شبه الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل الإنسان، ويعجز عن حمله بطريق الاستعارة التمثيلية، وهذا كما ورد من قول النبي ﷺ «إنّ المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، وإن الفاجر، والمنافق يرى ذنوبه كالذّبابة تطير فوق أنفه، فيقول فيها: هكذا».\n ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ:﴾ قال مجاهد: يعني بالتأذين، وفيه يقول حسان﵁-: [الطويل]\nأغرّ عليه للنبوة خاتم... من الله مشهود يلوح ويشهد","vol":"10","page":643},{"text":"وضمّ الإله اسم النّبيّ مع اسمه... إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد\nوشقّ له من اسمه ليجلّه... فذو العرش محمود وهذا محمد\nوروي عن الضحاك عن ابن عباس﵄قال: يقول له: لا ذكرت؛ إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا، والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض، ومغاربها، ولو أن رجلا عبد الله جل ثناؤه، وصدّق بالجنة، والنار، وكلّ شيء، ولم يشهد: أن محمدا رسول الله؛ لم ينتفع بشيء، وكان كافرا. وقيل: أي: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: هو عام في كل شيء، وكم من موضع في القرآن الكريم يذكر فيه النبي ﷺ مقرونا مع ذكر الله تعالى، من ذلك قوله تعالى في سورة (التوبة):\n ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ،﴾ وقوله تعالى:\n ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وغير ذلك.\nتنبيه: من الملاحظ زيادة لفظ ﴿لَكَ﴾ في الآية الأولى، وزيادة لفظ ﴿عَنْكَ﴾ في الثانية، وزيادة لفظ ﴿لَكَ﴾ في الرابعة، فأي فائدة في تقديم الزيادة على المفاعيل الثلاثة؛ والمعنى مستقل بدونها؟ والجواب: أن زيادتها مقدمة عليها تفيد إبهام المشروح، والموضوع، والمرفوع، ثم توضيحه، والإيضاح بعد الإبهام أوقع في الذهن. انتهى. جمل نقلا عن زاده، بتصرف كبير مني. وانظر مثله في سورة (طه) رقم [٢٥].\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿نَشْرَحْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) والفاعل مستتر تقديره: «نحن». هذا؛ وقال الزمخشري:\nوعن أبي جعفر المنصور: أنه قرأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ بفتح الحاء. وقالوا: لعله بيّن الحاء وأشبعها في مخرجها، فظن السامع: أنه فتحها، انتهى. كشاف. هذا؛ وذكر ذلك ابن هشام ﵀ في مغنيه، وأورد قول الأضبط بن قريع السعدي-وهو الشاهد رقم [١٠٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المنسرح]\nلا تهين الفقير علّك أن... تركع يوما، والدّهر قد رفعه\nوأيضا ما نسب لطرفة بن العبد-وهو الشاهد رقم [١٠٩٩] من كتابنا المذكور-: [المنسرح]\nاضرب عنك الهموم طارقها... ضربك بالسّيف قونس الفرس\nوأيضا قول الحارث بن المنذر الجرمي-وهو الشاهد رقم [٥٠٢] من الكتاب المذكور-: [الرجز]","vol":"10","page":644},{"text":"في أيّ يوميّ من الموت أفرّ... أيوم لم يقدر، أم يوم قدر؟\nوخرج ابن هشام الآية الكريمة على أن الأصل: (ألم نشرحن لك صدرك) فحذفت نون التوكيد الخفيفة، وبقيت الفتحة دليلا عليها، وكذلك (لا تهين، واضرب، ولم يقدر) انظر شرح الأبيات الثلاثة، وإعرابها في كتابنا المذكور. ولا بد من القول: إن قراءة الآية بفتح الحاء قراءة شاذة، وعزاها الزمخشري لأبي جعفر المنصور، وهل يعدّ أبو جعفر من القراء؟!\n ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿صَدْرَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَوَضَعْنا:﴾ الواو: حرف عطف.\n (وضعنا): فعل، وفاعل. ﴿عَنْكَ:﴾ متعلقان به. ﴿وِزْرَكَ:﴾ مفعول به، والكاف مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من وزرك، أو هو صفة له، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي، وهذان الوجهان على القطع، ﴿أَنْقَضَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿ظَهْرَكَ:﴾\nمفعول به، والكاف مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ معطوفة على الجملة الأولى والثانية، لا محل لها مثلهما، وإعرابها مثلهما بلا فارق.\n\n<span id=\"aya-6095\"></span><span id=\"aya-6096\"></span>﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾\nالشرح: أي: إن مع الضيق والشدة يسرا؛ أي: سعة وغنى، ثم كرر، فقال ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فقال قوم: هذا التكرير تأكيد للكلام، كما يقال: ارم ارم. اعجل، اعجل. قال تعالى في سورة (التكاثر): ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ونظيره في تكرير الجواب: بلى، بلى، لا، لا، نعم، نعم، وذلك للإطناب، والمبالغة. قاله الفراء. وقال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا، ثم كرروه؛ فهو هو، وإذا نكروه، ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر. قاله ثعلب.\nقال الحسن-رحمه الله تعالى-: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: «أبشروا فقد جاءكم اليسر، إنه لن يغلب عسر يسرين». وقال ابن مسعود﵁-: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، ويخرجه، إنه لن يغلب عسر يسرين. وابن مسعود لا يقول هذا من تلقاء نفسه. وكتب أبو عبيدة﵁إلى الفاروق﵁يذكر له جموعا كثيرة من الروم، فكتب له الفاروق: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه في سورة (آل عمران): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.","vol":"10","page":645},{"text":"هذا؛ وزيف أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني هذا القول؛ حيث قال: وهذا قول مدخول فيه، إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفا، إن مع الفارس سيفا، فهو لا يوجب أن يكون الفارس واحدا، والسيف اثنين، فمجاز قوله ﷺ: «لن يغلب عسر يسرين». أن الله ﷿ بعث نبيه ﷺ وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك طلب الغنى؛ جمعنا لك أموالا؛ حتى تكون أيسر أهل مكة، فاغتم النبي ﷺ لذلك، وظن: أن قومه إنما كذبوه لفقره، فعدد الله عليه في هذه السورة نعمه، ووعده الغنى ليسليه بذلك عما خامره من الغم، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أي: لا يحزنك الذي يقولون، فإن مع العسر الذي في الدنيا يسرا عاجلا، ثم أنجز ما وعده، وفتح عليه القرى القريبة، ووسع ذات يده؛ حتى كان يعطي المئين من الإبل، ويهب الهبة السنية، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمور الآخرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ والدليل على ابتدائه تعريه من الفاء والواو. وهذا وعد لجميع المؤمنين.\nوالمعنى: إن مع العسر الذي في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا، وهو ما ذكره الله في الآية الأولى، ويسر الآخرة، وهو ما ذكره في الآية الثانية، فقول النبي ﷺ: «لن يغلب عسر يسرين». أي: إن عسر الدنيا لن يغلب اليسر الذي وعده الله المؤمنين في الدنيا، واليسر الذي وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما، وهو يسر الدنيا. فأما يسر الآخرة فدائم أبدا غير زائل؛ أي: لا يجتمعان في الغلبة، فهو كقوله ﷺ: «شهرا عيد لا ينقصان» أي: لا يجتمعان في النقص. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف، ولا تنس أن تنكير ﴿يُسْرًا﴾ للتفخيم، والتعظيم. هذا؛ ويقرأ في السبعة بسكون السين في الكلم الأربع. وقرأ ابن وثاب، وأبو جعفر، وعيسى بضمها. وفيه خلاف: هل هو أصل، أو مثقل من المسكن. وقال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل رحم، وحلم... إلخ، بعد هذا روح عن نفسك بما يلي. قال الشاعر: [الكامل]\nولربّ نازلة يضيق بها الفتى... ذرعا وعند الله منها المخرج\nكملت فلمّا استحكمت حلقاتها... فرجت، وكان يظنّها لا تفرج\nومما يروى عن الشافعي﵁قوله: [المنسرح]\nصبرا جميلا ما أقرب الفرجا... من راقب الله في الأمور نجا\nمن صدق الله لم ينله أذى... ومن رجاه يكون حيث رجا\nوقال إسحاق بن بهلول القاضي: [الوافر]\nفلا تيأس إذا أعسرت يوما... فقد أيسرت في دهر طويل","vol":"10","page":646},{"text":"ولا تظنن بربّك ظنّ سوء... فإن الله أولى بالجميل\nفإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كلّ قيل\nالإعراب: ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿مَعَ﴾ ظرف مكان، أو ظرف زمان؛ لأنها بمعنى: «بعد» متعلق بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿الْعُسْرِ﴾ مضاف إليه. ﴿يُسْرًا:﴾ اسم (إنّ) مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها تأكيد لها، لا محل لها مثلها.\n\n<span id=\"aya-6097\"></span><span id=\"aya-6098\"></span>﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾\nالشرح: لمّا عدّد الله﷿على نبيه ﷺ نعمه السالفة؛ بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها، وأن لا يخلي وقتا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة؛ أتبعها بأخرى. والنصب: التعب. قال ابن عباس﵄-: معناه: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة؛ فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة. وقال ابن مسعود﵁-: إذا فرغت من الفرائض؛ فانصب في قيام الليل. وقيل: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك، وآخرتك. وقيل: إذا فرغت من جهاد عدوك؛ فانصب في عبادة ربك. وقيل: إذا فرغت من تبليغ الرسالة؛ فانصب في الاستغفار لك، وللمؤمنين. قال عمر﵁-: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا، لا في عمل دنياه، ولا في عمل آخرته. السبهلل الذي لا شيء معه. وقيل: السبهلل: الباطل. انتهى. خازن.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ومن المبتدعة من قرأ هذه الآية «(فانصب)» بكسر الصاد والهمز في أوله. وقالوا: معناه انصب الإمام الذي تستخلفه. وهذا باطل في القراءة باطل في المعنى؛ لأن النبي ﷺ لم يستخلف أحدا. انتهى. ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي: تضرع إليه راغبا في الجنة راهبا من النار. وقيل: اجعل رغبتك إلى الله تعالى في جميع أحوالك لا إلى أحد سواه.\nقال تعالى في مدح زكريا، وغيره من الأنبياء في سورة (الأنبياء): ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.\n ﴿فَرَغْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف للتعميم. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فَانْصَبْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (انصب): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و(إذا) ومدخولها كلام مستأنف،","vol":"10","page":647},{"text":"لا محل له. ﴿وَإِلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَارْغَبْ:﴾ الفاء: حرف صلة. (ارغب): فعل أمر، وفاعله: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الشرح) شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5021>سورة التّين</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (التين) مكية في قول الأكثر. وقال ابن عباس وقتادة: هي مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة، ومئة وخمسة أحرف. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6099\"></span><span id=\"aya-6100\"></span><span id=\"aya-6101\"></span>﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾\nالشرح: قال ابن عباس﵄وكثير من المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. قيل: إنما خص التين بالقسم؛ لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه غذاء، ويشبه فواكه الجنة، لكونه بلا عجم. ومن خواصه: أنه طعام لطيف، سريع الهضم، لا يمكث في المعدة، يخرج بطريق الرشح، ويلين الطبيعة، ويقلل البلغم. وأما الزيتون، فإنه من شجرة مباركة، فيه إدام، ودهن، يؤكل، ويستصبح به، وشجرته في أغلب البلاد، ولا يحتاج إلى خدمة، وتربية، وينبت في الجبال التي ليست فيها دهنية، ويمكث في الأرض ألوفا من السنين، فلما كان فيهما من المنافع، والمصالح الدالة على قدرة خالقهما؛ لا جرم أقسم الله بهما. انتهى. خازن.\nهذا؛ وقال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٢٠]: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ وقال أبو ذر﵁-: أهدي للنبي ﷺ سلّ من تين، فقال: «كلوا».\nوأكل منه، ثم قال: «لو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة؛ لقلت هذه؛ لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وعن معاذ﵁-: أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة، يطيّب الفم، ويذهب بالحفر، وهي سواكي، وسواك الأنبياء من قبلي». انتهى. قرطبي.\nوقيل: هما جبلان، فالتين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس، واسمهما بالسريانية: طورتينا، وطور زيتا؛ لأنهما ينبتان التين، والزيتون. وقيل: هما مسجدان، ف: (التين) مسجد دمشق، و(الزيتون) مسجد بيت المقدس، وإنما حسن القسم بهما؛ لأنهما موضع طاعة. وقيل: (التين) مسجد أصحاب الكهف، و(الزيتون): مسجد إيلياء. وقيل:\n (التين) مسجد نوح الذي بناه على الجودي، و(الزيتون) مسجد بيت المقدس. هذا؛ ويجوز أن","vol":"10","page":649},{"text":"يكون ذلك على حذف مضاف؛ أي: ومنابت التين والزيتون، ولكن لا دليل على ذلك من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز خلافه. قاله النحاس.\nقال القرطبي﵀-: أصح هذه الأقوال الأول؛ لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. وإنما أقسم بالتين؛ لأنه كان ستر آدم في الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ رقم [٢٢] من سورة (الأعراف)، والآية رقم [١٢١] من سورة (طه).\nوقيل: أقسم به ليبين وجه المنة العظمى فيه، فإنه جميل المنظر، طيب المخبر، نشر الرائحة، سهل الجنى، على قدر المضغة، وقد أحسن القائل فيه: [المنسرح]\nانظر إلى التّين في الغصون ضحى... ممزّق الجلد مائل العنق\nكأنّه ربّ نعمة سلبت... فعاد بعد الجديد في الخلق\nأصغر ما في النهود أكبره... لكن ينادى عليه في الطّرق\nوقال آخر: [البسيط]\nالتّين يعدل عندي كلّ فاكهة... إذا انثنى حائلا في غصنه الزاهي\nمخمّش الوجه قد سالت حلاوته... كأنه راكع من خشية الله\nوأقسم ب: (الزيتون)؛ لأنه مثل به إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ..﴾. إلخ رقم [٣٥] من سورة (النور)، وهو أكثر أدم أهل الشام، والمغرب يصطبغون به، ويستعملونه في طعامهم، ويستصبحون به، ويداوى به أدواء الجوف، والقروح، والجراحات، وفيه منافع كثيرة.\n ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ يعني: الجبل الذي كلم الله عليه موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، و﴿سِينِينَ﴾ اسم للمكان الذي فيه الجبل، سمي: سينين، وسيناء لحسنه، ولكونه مباركا، وكل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى: سينين وسيناء. قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٢٠]: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ ولم ينصرف ﴿سِينِينَ،﴾ كما لم ينصرف: سيناء؛ لأنه جعل اسما لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسما للمكان، أو للمنزل، أو اسم مذكر؛ لانصرف.\n ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ يعني: الآمن، وهو مكة حرسها الله تعالى؛ لأنه الحرم الذي يأمن فيه الناس في الجاهلية، والإسلام، لا ينفر صيده، ولا يعضد شجره، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد، كما قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٧]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وكان ذلك تحقيقا لدعوة إبراهيم، وإجابة لسؤاله، كما رأيت في سورة (البقرة) رقم [١٢٦]، ورقم [٣٥] من سورة (إبراهيم).","vol":"10","page":650},{"text":"هذا؛ وقال الليث: البلد: كل موضع من الأرض، عامر، وغير عامر، خال، أو مسكون، والطائفة بلدة، والجمع بلاد. زاد غيره، والمفازة تسمى: بلدة لكونها مسكن الوحش والجن، وأورد بيت الأعشى من معلقته رقم [٣٥]: [البسيط]\nوبلدة مثل ظهر الترس موحشة... للجنّ بالّليل في حافاتها زجل\nوقول جران العود-وهو الشاهد رقم [٤١٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الرجز]\nوبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس\nوهي مؤنثة، كما ترى، ومنه قوله تعالى في كثير من الآيات. قال تعالى في سورة (النمل) رقم [٩١]: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها،﴾ وقال في سورة (ق) رقم [١١]:\n ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا..﴾. إلخ وقد ورد في القرآن الكريم لفظ: بلد، وبلدة، وبلاد بكثرة.\nالإعراب: ﴿وَالتِّينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر ما ذكرته في أول (المرسلات) و(النازعات) و(الذاريات). (الزيتون وطور): معطوفان على (التين)، و(طور) مضاف، و﴿سِينِينَ﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وبعضهم يعتبره مجرورا بالياء، وهو ضعيف. ﴿وَهذَا:﴾ الواو: حرف عطف. الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر معطوف على التين. ﴿الْبَلَدِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الْأَمِينِ:﴾ صفة ﴿الْبَلَدِ﴾.\n\n<span id=\"aya-6102\"></span><span id=\"aya-6103\"></span>﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ..﴾. إلخ أي: في أحسن صورة، وأجمل شكل؛ لأنه تعالى خلق كل شيء منكبا على وجهه، وخلق الإنسان مستويا، وله لسان ناطق، ويد وأصابع يقبض بها، وهو مزين بالعقل، مؤد للأمر، مهذب بالتمييز، مديد القامة، يتناول مأكوله بيده، فإن الله خلقه حيا عالما، قادرا مريدا متكلما، سميعا، بصيرا، مدبرا، حكيما. وهذه صفات الرب سبحانه، وعبر عنها البيان بقوله ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته». يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها. وفي رواية: «إنّ الله خلق آدم على صورة الرحمن». ومن أين تكون للرحمن صورة متشخصة؟ فلم يبق إلا أن تكون معاني. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وإن (أل) في ﴿الْإِنْسانَ﴾ لاستغراق الجنس بمعنى: كل إنسان، لذا صح الاستثناء الآتي منه. هذا؛ فلو قال: إن لم يكن وجهك أحسن من القمر، أو إن لم أكن أحسن من القمر، فأنت طالق؛ لم تطلق، وإن كان زنجيا أسود. هذا؛ وأراد ب: (التقويم) القوام؛ لأن التقويم فعل الباري تعالى، وهو من أوصاف الخالق، لا المخلوق.","vol":"10","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5024>فائدة:</span>\nيحكى أن الشاعر ذا الرمة أردف أخاه خلفه، فعرضت لهما ظبية، فقال-وهذا هو الشاهد رقم [١٣٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل]\nفيا ظبية الوعساء بين جلاجل... وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم؟\nفقال له أخوه: فلو تحسن التشبيه، والوصف لم تقل لشاة النقا: آأنت أم أمّ سالم؟ جعلت لها قرنين فوق جبينها، وظلفين مشقوقين تحت القوائم. فقال ذو الرمة: [الطويل]\nهي الشّبه إلاّ مدرييها وأذنها... سواء وإلاّ مشقة في القوائم\nمدرييها: تثنية مدرى، ومدراة، وهي المشط، والقرن، وهو المراد هنا.\nذكر الإمام القرطبي-رحمه الله تعالى-أن عيسى الهاشمي كان يحب زوجته حبا شديدا، فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا، إن لم تكوني أحسن من القمر، فاحتجبت عنه. وقالت: طلقتني. فحزن حزنا شديدا، وذهب إلى الخليفة المنصور، وأخبره الخبر، فاستحضر الفقهاء، واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت، إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة، فقد بقي ساكتا، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ فليس شيء أحسن من الإنسان! فقال: صدقت. وردها إلى زوجها. انتهى.\nولقد أحسن الصابوني حيث قال في الرد على داروين ومن يقول بنظريته في تطور الإنسان.\nبعد أن أورد الآية التي نحن بصدد شرحها، والآية رقم [٧٠] من سورة (الإسراء): فهل من تكريم الله لبني آدم أن يجعلهم من صنف القردة؟ وهل من تفضيله إياهم أن يلحق نسبهم بالقردة، أو يجعلهم من فصيلة الشمبانزي، والغوريلا؟\nوإذا قلنا لأتباع داروين: يا بني القردة، والخنازير، فهل يرضوان عنا، أم سيغضبون؟! [الخفيف]\nربّ إنّ الهدى هداك وآيا... تك حقّ تهدي بها من تشاء\n ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، ورددناه بعد ذلك التقويم، والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة، والشكل؛ حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشنن جلده، وكلّ سمعه، وبصره، وتغير كل شيء منه، فمشيه دليف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرق. قال تعالى في سورة (يس) رقم [٦٨]: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (النحل) رقم [٧٠]، وفي سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وفي الحج: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾.\nهذا؛ وقيل: المراد: رددناه إلى النار؛ لأنها دركات بعضها أسفل من بعض، فيكون في أقبح هيئة، وأبشع شكل، وأنتن رائحة بعد أن أكرمه الله في الدنيا بحسن الصورة، وجمال المنظر، وفضله على كثير مما خلق تفضيلا. وقال الآلوسي-رحمه الله تعالى-: والمتبادر من","vol":"10","page":652},{"text":"السياق الإشارة إلى حالة الكافر يوم القيامة، وأنه يكون على أقبح صورة، وأبشعها، بعد أن كان على أحسن صورة وأبدعها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (غافر) تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، وما عطف عليه. ﴿فِي أَحْسَنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ،﴾ و﴿أَحْسَنِ﴾ مضاف، و﴿تَقْوِيمٍ﴾ مضاف إليه، و﴿أَحْسَنِ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: في تقويم أحسن تقويم. ﴿ثُمَّ:﴾\nحرف عطف. ﴿رَدَدْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿أَسْفَلَ:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه حال من الضمير المنصوب. والثاني: أنه صفة لموصوف محذوف، التقدير: رددناه مكانا أسفل. وقيل: مفعول ثان لرد. و﴿أَسْفَلَ:﴾\nمضاف، و﴿سافِلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء... إلخ.\n\n<span id=\"aya-6104\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ: فإنهم لا يردون إلى النار، أو إلى أسفل سافلين، وعلى القول الأول يكون الاستثناء منقطعا، والمعنى: ثم رددناه أسفل سافلين، فزال عقله، وانقطع عمله، فلا تكون له حسنة، لكن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم، والضعف؛ فإنه يكتب لهم بعد الهرم والخرف مثل الذي كانوا يعملون في حالة الشباب، والصحة.\nوقال ابن عباس﵄-: هم نفر ردوا إلى أرذل العمر على زمن النبي ﷺ، فأنزل الله عذرهم، وأخبرهم: أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم. فعلى هذا القول السبب خاص، وحكمه عام. وروي عن ابن عباس﵄قال: إلا الذين قرؤوا القرآن.\nوقال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. وهذا ما أرجوه، وآمله من كرم الله مع التوفيق للعمل به من فضله، ومعونته تعالى. ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال ابن عباس﵄-: غير مقطوع. مأخوذ من مننت الحبل: إذا قطعته، ومنه قول ذي الإصبع العدواني: [البسيط]\nإني لعمرك ما بابي بذي غلق... على الصّديق ولا زادي بممنون\nوعنه أيضا، ومقاتل: غير منقوص، ومنه: المنون. أي: الموت؛ لأنها تنقص منّة الإنسان؛ أي: قوته، وعمره. وقاله قطرب، وأنشد قول زهير من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان: [البسيط]\nفضل الجياد على الخيل البطاء فلا... يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا\nوقال مجاهد: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير محسوب. وقيل: غير ممنوع عليهم به؛ أي: ممتن به عليهم. قال السدي: نزلت الآية في الزمنى، والمرضى، والهرمى؛ إذا ضعفوا عن الطاعة؛ كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه، وخذ في تأييد ذلك ما يلي:","vol":"10","page":653},{"text":"فعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مرض العبد، أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا». رواه البخاري، وأبو داود. وعن عبد الله بن عمر﵄عن النبي ﷺ قال: «إنّ العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثمّ مرض. قيل للملك الموكّل به: اكتب له مثل عمله، إذا كان طليقا حتى أطلقه، أو أكفته إليّ».\nرواه الإمام أحمد.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء منقطع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَلَهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة له، و﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و﴿مَمْنُونٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والجملة الاسمية خبره، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام السابق؛ فلا بأس به، والمعنى يؤيده، ومر معنا كثير مثله، وتكون ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: لكن. ولا تنس: أنّ الفاء لم تزد في آخر سورة (الانشقاق)؛ مع أن المعنى متقارب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\n\n<span id=\"aya-6105\"></span><span id=\"aya-6106\"></span>﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)﴾\nالشرح: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ يعني: يا أيها الإنسان. ﴿بَعْدُ:﴾ بعد هذه الحجة، والبرهان. ﴿بِالدِّينِ﴾ أي: بالحساب، والجزاء. والاستفهام فيه توبيخ، وتأنيب، وإلزام للحجة. والمعنى: فما الذي يلجئك أيها الإنسان إلى هذا الكذب، والتكذيب بيوم الحساب، والجزاء، ألا تتفكر في صورتك، وشبابك، ومبدأ خلقك، ثم هرمك، وشيخوختك، فتعتبر، وتقول: إن الذي فعل بي ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني، وقد أخبرك محمد ﷺ بما يؤول إليه أمرك، إما إلى جنة، وإما إلى نار؟! وقيل: هو خطاب للنبي ﷺ، والمعنى: فمن يكذبك أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل، والبراهين؟! وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. انظر الالتفات في سورة (الملك) رقم [٢٠].\n ﴿أَلَيْسَ اللهُ..﴾. إلخ أي: بأقضى القاضين، وأصحهم، وأنفذهم قضاء؛ لأن قضاءه في خلقه نافذ، ولا بد، بخلاف قضاء غيره من القضاة، فكثيرا ما يخطئ، أو يرد، ولا ينفذ، فالله يحكم يوم القيامة بين أهل الحق، وأهل الباطل، وبين المظلومين، وبين الظالمين. وانظر الاستفهام التقريري في أول سورة (الشرح).","vol":"10","page":654},{"text":"وعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ فقرأ:\n ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». أخرجه الترمذي. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (القيامة).\nالإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فما يكذبك؟! (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿يُكَذِّبُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (ما)، والكاف في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، والكلام مستأنف، لا محل له. ﴿بَعْدُ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿بِالدِّينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا.\n ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها.\n ﴿بِأَحْكَمِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (أحكم): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و(أحكم) مضاف، و﴿الْحاكِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (التين) شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5027>سورة العلق</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (العلق) وهي تسع عشرة آية، واثنتان وتسعون كلمة، ومئتان وثمانون حرفا. قال أكثر المفسرين: هذه السورة أول سورة نزلت من القرآن، وأول ما نزل منها خمس آيات من أولها إلى قوله: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾. وانظر ما ذكرته في أول سورة (المدثر).\nفعن عائشة أم المؤمنين﵂أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة-ولمسلم: الصادقة في النوم-فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها؛ حتى جاءه الوحي. وفي رواية: حتى فجأه الحقّ، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ!» قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارئ!» فأخذني فغطني الثانية؛ حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارئ!» فأخذني فغطني الثالثة؛ حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١) ... ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾.\nفرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة بنت خويلد، فقال: «زمّلوني! زملوني!» فزملوه؛ حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة﵂-: «أي: خديجة! مالي؟» وأخبرها الخبر. وقال: «لقد خشيت على نفسي!» قالت له خديجة﵂-:\nكلا أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا! إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق! فانطلقت به خديجة﵂حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد، بن عبد العزى-وهو ابن عمّ خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي-فقالت له خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك! فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى. يا ليتني فيها جذعا! ليتني أكون حيا؛ إذ يخرجك قومك! فقال رسول الله ﷺ: «أو مخرجيّ هم؟». قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك حيا؛ أنصرك نصرا مؤزرا! ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي.","vol":"10","page":656},{"text":"زاد البخاري؛ قال: وفتر الوحي فترة؛ حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدّى له جبريل ﵇، فقال: يا محمد! إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقرّ عينه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي؛ غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل؛ لكي يلقي نفسه منه؛ تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك. انتهى. خازن.\nفي هذا الحديث دليل صحيح صريح على أن سورة (العلق) أول ما نزل من القرآن، وفيه ردّ على من قال: إن (المدثر) أول ما نزل من القرآن، وقد تقدّم الكلام على ذلك، والجمع بين القولين في أول سورة (المدثر) وهذا الحديث من مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة﵂- لم تدرك هذه القصة، فيحتمل أنها سمعتها من النبي ﷺ، أو من غيره من الصحابة، ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء، إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. وإنما ابتدئ ﷺ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك، فيأتيه بصريح النبوة بغتة، فلا تحملها القوى البشرية، فبدئ بأول علامات النبوة توطئة للوحي. انتهى. خازن.\nهذا؛ وذكر السيوطي في إتقانه: أن أول سورة (اقرأ) مشتمل على ما اشتملت عليه (الفاتحة) من براعة الاستهلال، لكونها أول ما نزل من القرآن، فإن فيها الأمر بالقراءة، وفيها البداءة باسم الله، وفيها الإشارة إلى علم الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب، وإثبات ذاته، وصفاته، من صفة ذات، وصفة فعل، وفي هذا الإشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ولهذا قيل: إنها جديرة أن تسمى: عنوان القرآن؛ لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله. انتهى. جمل بحروفه.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6107\"></span><span id=\"aya-6108\"></span><span id=\"aya-6109\"></span><span id=\"aya-6110\"></span><span id=\"aya-6111\"></span>﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾\nالشرح: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أي: اقرأ القرآن مفتتحا قراءتك باسم ربك الجليل؛ الذي خلق جميع المخلوقات، وأوجد جميع العوالم، فهو أمر صريح بافتتاح القراءة بالبسملة، بعد الاستعاذة التي أمر الله بها في سورة (النحل) رقم [٩٨]: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: سواء قرأت في الصلاة، أو في خارجها. وهذا إذا قرأ من أول السورة، أما إذا قرأ من أثناء سورة فإنه إن كان في غير الصلاة؛ سنّ له أن يبسمل، وإن كان فيها لم تسن له البسملة؛ لأن قراءة السورة بعد الفاتحة تعد قراءة واحدة. هذا؛ وحذف مفعول ﴿خَلَقَ﴾ للتعميم؛ أي: خلق جميع العوالم، ثم خص خلق الإنسان بقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ:﴾ فذكره بلفظ الجمع؛ لأنه أراد بالإنسان الجنس؛ أي: كل إنسان. وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ ولم يقل: من نطفة لمناسبة رؤوس الآي. وخص الإنسان بالذكر تشريفا، وتكريما له على جميع المخلوقات.","vol":"10","page":657},{"text":"﴿اِقْرَأْ﴾ أي: القرآن. ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ:﴾ الذي لا يساويه، ولا يدانيه كريم، ينعم على عباده بالنعم؛ التي لا تحصى، ويحلم عنهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم، وجحودهم لنعمه، واقترافهم المناهي، وتركهم الأوامر، ويقبل توبتهم إذا تابوا، ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية، ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكريم بإفادة الفوائد العلمية تكريم؛ حيث قال: ﴿الْأَكْرَمُ﴾.\n ﴿الَّذِي عَلَّمَ﴾ أي: الخط، والكتابة. ﴿بِالْقَلَمِ:﴾ فدل على كمال كرمه، وفضله بأنه علّم عباده ما لم يعلموا. وروى سعيد عن قتادة قال: القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه سبحانه بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة؛ لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي؛ ما استقامت أمور الدين، والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله دليل إلا أمر القلم، والخط؛ لكفى، وسمي قلما؛ لأنه يقلم؛ أي:\nيقطع، ومنه تقليم الأظافر. وقال بعض الشعراء المحدثين في وصف القلم: [الكامل]\nفكأنّه والحبر يخضب رأسه... شيخ لوصل خريدة يتصنّع\nألاّ ألاحظه بعين جلالة... وبه إلى الله الصحائف ترفع\nوعن عبد الله بن عمر﵄قال: يا رسول الله! أأكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: «نعم اكتب فإن الله علّم بالقلم». وروى مجاهد عن ابن عمر قال: خلق الله ﷿ أربعة أشياء بيده، ثم قال لسائر المخلوقات: كن، فكان: القلم، والعرش، والجنة، وآدم ﵇. واختلف فيمن خط بالقلم أولا: فقيل: إدريس. وقيل: آدم، على نبينا، وحبيبنا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام، ونبينا ﷺ كان أميا لم يتعلم الكتابة، والقراءة، وكان عيسى ﵇ حسن الخط.\nهذا؛ وقال العلماء: فالأقلام في الأصل ثلاثة: القلم الأول الذي خلقه الله بيده، وأمره أن يكتب ما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة. والقلم الثاني: أقلام الملائكة؛ التي جعلها الله بأيديهم، يكتبون بها المقادير، والكوائن، والأعمال، والآجال، والأرزاق... إلخ.\nوالقلم الثالث: أقلام الناس جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها إلى مآربهم.\nوفي الكتابة فضائل جمة، وفوائد عظيمة، والكتابة من جملة البيان، والبيان مما اختص الله به الآدمي. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. وانظر مطلع سورة (القلم)، وما ذكرته في سورة (الانفطار) وفي سورة (ق)، و(الطارق).","vol":"10","page":658},{"text":"﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ قيل: الإنسان هنا: آدم ﵇، علمه الله أسماء كل شيء حسب ما نطق به القرآن في سورة (البقرة) رقم [٣١]: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ فلم يبق شيء إلا وعلّم الله سبحانه آدم اسمه بكل لغة، وذكره آدم للملائكة كما علمه، وبذلك ظهر فضله، وعلا قدره، وثبتت نبوته، وقامت حجة الله على الملائكة، وامتثلت الملائكة الأمر لما رأت من شرف الحال، ورأت من جلال القدرة. انظر آية (البقرة) المذكورة. وقيل: المراد بالإنسان النبي ﷺ، دليله قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٣]: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ وقيل: هو عام لجميع البشر لقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٧٨]: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ والله أعلم بمراده.\nتنبيه: وإنا لنفخر نحن معاشر المسلمين بقرآننا الذي يحثنا على العلم، ويرغبنا فيه، ودليلنا هذه الآيات التي أنزلت على قلب محمد ﷺ، وهي أول ما أنزل عليه، كيف لا؟ وقد أقسم الله ب: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ بسورة (القلم) ونبينا الكريم ﷺ الذي جاء بالهدى، والعلم، والنور، رغبنا في طلب العلم، وجعله جهادا أعظم الجهاد، وخذ ما يلي:\nفعن أبي الدرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع. وإن العالم ليستغفر له من في السموات، ومن في الأرض؛ حتى الحيتان في الماء.\nوفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء. وإنّ الأنبياء لم يورثوا دينارا، ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظّ وافر». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من جاءه أجله، وهو يطلب العلم لقي الله؛ ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوّة». رواه الطبراني في الأوسط.\nوعن أبي أمامة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالعالم والعابد، فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: قف حتى تشفع للنّاس». رواه الأصبهاني، وغيره.\nوعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم، وغيره. وعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل العالم على العابد سبعون درجة، ما بين كلّ درجتين حضر الفرس سبعين عاما، وذلك؛ لأن الشيطان يبدع البدعة للناس، فيبصرها العالم فينهى عنها، والعابد مقبل على عبادة ربّه لا يتوجّه لها، ولا يعرفها». رواه الأصبهاني.\nوعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «فقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد». رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي.","vol":"10","page":659},{"text":"الإعراب: ﴿اِقْرَأْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف، التقدير:\nاقرأ القرآن. ﴿بِاسْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال، التقدير: مفتتحا باسم. وقيل: الباء صلة.\nو(اسم) هو المفعول، التقدير: اقرأ اسم، و(اسم): مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿رَبِّكَ،﴾ أو بدل منه، ويجوز اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، كما يجوز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي.\nوهذان الوجهان على القطع.\n ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة ﴿الَّذِي﴾. ﴿خَلَقَ:﴾ بدل من سابقه، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿الْإِنْسانَ:﴾\nمفعول به. ﴿مِنْ عَلَقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾.\n ﴿اِقْرَأْ:﴾ فعل أمر، وفاعله: أنت، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مؤكدة لسابقتها، لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: واو الحال. (ربك الأكرم): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.\n ﴿الَّذِي:﴾ قل فيه مثل سابقه، وجملة: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والمفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني: الجار، والمجرور. ﴿عَلَّمَ:﴾ فعل ماض بدل من سابقه أيضا، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به أول. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿عَلَّمَ:﴾ حرف جازم. ﴿يَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿عَلَّمَ،﴾ والفاعل يعود إلى الموصول أيضا، والجملة صلة ﴿ما﴾ والعائد محذوف، التقدير: الذي لم يعلمه.\n\n<span id=\"aya-6112\"></span><span id=\"aya-6113\"></span><span id=\"aya-6114\"></span>﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع لمن كفر بنعمة الله لطغيانه؛ وإن لم يذكر لدلالته عليه. وانظر شرح ﴿كَلاّ﴾ في سورة (المدثر) رقم [١٦]. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ:﴾ المراد به: أبو جهل الخبيث، ﴿لَيَطْغى:﴾\nليتجاوز الحد، ويتعالى على ربه بكفره، وخروجه عن طاعته. ويقال: طغى، يطغى، يطغو، طغيانا، وطغوانا: جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغ، كل مسرف في الظلم، والمعاصي طاغ، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وطغى السيل: جاء بماء كثير. قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ رقم [١١] من سورة (الحاقة).\n ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ أي: رأى نفسه غنيا، فقد تعدى الفعل إلى ضميرين لواحد. وهذا خاص بأفعال القلوب. يقال: رأيتني، وعلمتني، ومعنى الرؤية: العلم، ولو كانت بمعنى الإبصار؛ لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين.","vol":"10","page":660},{"text":"﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أي: المرجع في الآخرة، وفيه تهديد، وتحذير لهذا الإنسان من عاقبة الطغيان. ثم هو عام لكل طاغ متكبر، وإن الله سيحاسب العبد على المال؛ الذي يصل إليه من أين جمعه؟ وفيم أنفقه؟ وهو صريح قول النبي ﷺ: «ما تزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟». رواه البيهقي، وغيره عن معاذ﵁-. ولا تنس: أن ﴿الرُّجْعى﴾ بمعنى الرجوع فهي مصدر، ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (الملك).\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. وقيل: هي بمعنى حقا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسمها. ﴿لَيَطْغى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يطغى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿رَآهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل نصب ب: ﴿إِنَّ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «هو»، والهاء مفعول به أول.\n ﴿اِسْتَغْنى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، و﴿إِنَّ﴾ والفعل (رأى) في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن رآه، أو لأجل، ولذا قالوا عنه: في محل نصب مفعول لأجله. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يطغى). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿الرُّجْعى:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-6115\"></span><span id=\"aya-6116\"></span>﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلّى (١٠)﴾\nالشرح: نزلت السورة في أبي جهل الخبيث، ما عدا الآيات الخمس الأول التي حدثتك عنها، وعن سبب نزولها. والمناسبة بين تلك الآيات الخمس، وبين بقية السورة مع تطاول الزمن بين النزولين هو المقارنة بين العلم، والجهل وما يؤول إليه أمر كل منهما، وهو معروف لدى كل إنسان، لذا أحمد الله، وأتمثل بقول القائل: [الوافر]\nرضينا قسمة الجبار فينا... لنا علم وللجهّال مال\n ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلّى:﴾ تعجيب من حال ذلك الشقي الفاجر؛ أي: أخبرني يا محمد عن حال ذلك المجرم الأثيم؛ الذي ينهى عبدا من عباد الله عن الصلاة، ما أسخف","vol":"10","page":661},{"text":"عقله، وما أشنع فعله! قال أبو السعود: هذه الآية تقبيح وتشنيع لحال الطاغي، وتعجيب منها، وإيذان بأنها من الشناعة، والغرابة بحيث يقضي منها العجب. وقد أجمع المفسرون على أن العبد المصلي هو محمد ﷺ، وأن الذي نهاه هو أبو جهل اللعين؛ حيث قال: لئن رأيت محمدا يصلي؛ لأطأن عنقه! وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم. فقال: واللات، والعزى لئن رأيته يفعل ذلك؛ لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب! قال: فأتى رسول الله ﷺ؛ وهو يصلي؛ ليطأ على رقبته. قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه! فقيل له: مالك؟! قال: إن بيني وبينه خندقا من نار، وهولا، وأجنحة! فقال النبي ﷺ: «لو دنا مني؛ لاختطفته الملائكة عضوا عضوا». فأنزل الله هذه الآية. انتهى. خازن.\nوالمعنى: أرأيت الذي ينهى أشد الخلق عبودية لله عن طاعته لله تعالى، وهذا دأبه، وعادته.\nوقيل: إن هذا الوعيد يلزم لكل من ينهى عن الصلاة، وعن طاعة الله تعالى، ولا يلزم منه عدم جواز المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، وفي الأوقات المكروهة؛ لأنه قد ورد النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة، ولا يلزم من ذلك أيضا عدم جواز السيد عبده، والرجل زوجته عن قيام الليل، وصوم التطوع، والاعتكاف؛ لأن في ذلك استيفاء مصلحة، إلا أن يأذن فيه المولى، والزوج. انتهى. خازن.\nهذا؛ والمراد ب: ﴿عَبْدًا﴾ النبي ﷺ، والتنكير للتفخيم، والتعظيم، وللمبالغة في تقبيح النهي، والدلالة على كمال عبودية المنهي. هذا؛ وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه؛ لسماه به في المقام العظيم في ليلة الإسراء، والمعراج؛ حيث قال جل ذكره:\n ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾. وفي معناه أنشدوا: [السريع]\nيا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي\nلا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنه أشرف أسمائي\nعلما بأنه ﷺ، لم يذكر باسمه الصريح في القرآن إلا قليلا، ذكر باسم محمد في سورة (آل عمران) وسورة (الأحزاب) وسورة (محمد) وسورة (الفتح) وذكر باسم: أحمد في سورة (الصف) وذكر باسم طه في سورة (طه) وذكر باسم: ياسين في سورة (يس). هذا؛ والعبد:\nالإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك.\nالإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تعجبي. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِي:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وانظر الكلام على المفعول الثاني","vol":"10","page":662},{"text":"فيما بعد. ﴿يَنْهى:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَبْدًا:﴾ مفعول به. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿صَلّى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿عَبْدًا،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.\n\n<span id=\"aya-6117\"></span><span id=\"aya-6118\"></span>﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢)﴾\nالشرح: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ أي: أخبرني إن كان هذا العبد المصلي، وهو النبي ﷺ الذي تنهاه عن الصلاة صالحا مهتديا على الطريقة المستقيمة في قوله، وفعله. ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أي: أو كان المنهي عن الصلاة آمرا بالإخلاص، والتوحيد، وطاعة الله، داعيا إلى الهدى، والرشاد، كيف تنهاه، وتزجره؟! فما أبلهك أيها الغبي الذي تنهى من أوصافه هذه: عبد مطيع لله مهتد منيب، داع إلى الهدى، والرشاد؟\nفما أعجب من ينهى عن الخير، ويأمر بالشر، وهو أبو جهل الخبيث؛ الذي يتهدد النبي ﷺ ويتوعده: ليفعلن كذا، وكذا! إن وجده يصلي بجوار الكعبة! هذا هو الظاهر: أن الذي على الهدى، أو أمر بالتقوى هو محمد ﷺ، وهو اختيار ابن عطية، والقرطبي، والخازن، وغيرهم.\nوذهب الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي كعادتهما إلى أن المراد الناهي.\nلذا قال الزمخشري: ومعناه: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته، إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله، أو كان آمرا بالمعروف، والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان، كما يعتقد. والمعنى عليه ضعيف كما ترى، لذا فالمعتمد الأول.\nالإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تعجبي. (رأيت): فعل، وفاعل. وانظر الكلام على مفعوليه فيما بعد. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه يعود إلى المنهي، أو الناهي، كما رأيت في الشرح. ﴿عَلَى الْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب الشرط محذوف، التقدير:\nإن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني. قال الزمخشري: فإن قلت: فكيف صح أن يكون (الم يعلم) جوابا للشرط؟ قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك؛ أتكرمني؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟ ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، وهي بمعنى الواو. ﴿أَمَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى المنهي، أو إلى الناهي. ﴿بِالتَّقْوى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ.","vol":"10","page":663},{"text":"<span id=\"aya-6119\"></span><span id=\"aya-6120\"></span>﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤)﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5033>الشرح</span>\nأي: أخبرني يا محمد عن ذلك المجرم الآثم الناهي لك عن طاعة الله إن كذب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ أي: ألم يعلم ذلك الشقي: أن الله مطلع على أحواله، مراقب لأفعاله، وسيجازيه عليها، ويله ما أجهله وأغباه؟! وفيه وعيد شديد، وتهديد عظيم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿وَتَوَلّى:﴾ الواو: حرف عطف.\n (تولى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف معطوف على ما قبله، فهو مثله في محل جزم، والفاعل يعود إلى الآثم الناهي، تقديره: «هو». ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف تقرير، وجزم، وتوبيخ، وتقريع. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى المجرم الناهي. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. هذا؛ وإن اعتبرت الباء صلة؛ فالمصدر يكون قد سد مسد المفعول، فهو في محل جر لفظا، وفي محل نصب محلا، والجملة الفعلية جواب الشرط، انظر كلام الزمخشري في الآية السابقة.\nهذا؛ وقد قال الجمل-رحمه الله تعالى-: واعلم: أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ إذا كانت بمعنى: أخبرني كما هنا، فإنها تتعدى إلى مفعولين، ثانيهما جملة استفهامية. وقد تقدم هذا غير مرة، وهنا قد ذكرت ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا﴾ الواقع مفعولا أول ل: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى، وأما ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى فمفعولها الأول ﴿الَّذِي،﴾ والثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة، وأما ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى عليه، وحذف الثاني لدلالة مفعول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة عليه، فقد حذف الثاني من ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس ذلك من باب التنازع؛ لأنه يستدعي إضمارا، والجمل لا تضمر، إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة. انتهى. سمين. وأما جواب الشرط الذي في حيز الثانية، والثالثة؛ فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية، والتقدير: إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى ألم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى. وتقديره في الثالثة: إن كذب،","vol":"10","page":664},{"text":"وتولى ألم يعلم بأن الله يرى، كما يؤخذ من صنيع السمين في سورة (الأنعام) رقم [٤٠] وانظر ما ذكرته في سورة (يونس) رقم [٥٠].\nونقل هنا إعرابا عن الزمخشري محصله: أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى مفعولها الأول الموصول، وأن الثانية زائدة مكررة للتوكيد. وأن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيز الثانية مع جوابها المحذوف؛ الذي يقدر جملة استفهامية، وهي التي صرح بها في حيز الثالثة، وأن مفعول الثالثة الأول محذوف، تقديره: أرأيته، وجملة الشرط الذي بعدها، وجوابه، وهو جملة الاستفهام المصرح بها سادة مسد المفعول الثاني. وقال في تقرير هذا الإعراب، انظر قول الزمخشري في الآية رقم [١١].\n\n<span id=\"aya-6121\"></span><span id=\"aya-6122\"></span>﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وزجر للناهي المجرم الآثم. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أي: الخبيث أبو جهل عن إيذائك يا محمد، ولم ينته عن الكفر. ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ أي: لنأخذن بناصيته؛ أي: فلنذلنه في الدنيا. وقيل: لنأخذن بناصيته يوم القيامة، وتطوى مع قدميه، ويطرح في النار، كما قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤١]: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ انظر شرحها في محلها، والمعنى هنا: لنأخذن بناصيته، فلنجرنه إلى النار. يقال: سفعت بالشيء: إذا أخذته، وجذبته جذبا شديدا، والناصية: شعر مقدم الرأس، والسفع: الضرب؛ أي: لنضربن وجهه في النار، ولنسودنه. ومن الأخذ، والجذب يقال: سفع بناصية فرسه: إذا أخذها، وجذبها. قال حميد بن ثور الهلالي الصحابي﵁-. [الكامل]\nقوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم... ما بين ملجم مهره أو سافع\nوهذا هو الشاهد رقم [١٠٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل: هو مأخوذ من: سفعته النار، والشمس: إذا غيرت وجهه إلى حال تسويده. قال زهير في معلقته رقم [٥]. [الطويل]\nأثافيّ سفعا في معرّس مرجل... ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلّم\nوالناصية: شعر مقدم الرأس، كما قدمت، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، كما يقال: هذه ناصية مباركة، إشارة إلى جميع الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله، وإهانته؛ أخذوا بناصيته، والآية وإن كانت في أبي جهل نزلت؛ فهي عظة للناس وتهديد ووعيد لكل من يمتنع، أو يمنع غيره من طاعة الله؛ لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم.\n ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ أي: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها. والمراد:\nصاحبها؛ أي: أبو جهل كاذب خاطئ، كما يقال: نهاره صائم، وليله قائم؛ أي: هو صائم في","vol":"10","page":665},{"text":"نهاره، قائم في ليله، لذا فوصف الناصية بالكذب والخطيئة مجاز عقلي، والخاطئ: الذي يفعل الذنب متعمدا، والمخطئ: الذي يفعله بدون قصد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر قطعا. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة للقسم. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَنْتَهِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها وهو فعل الشرط. والفاعل يعود إلى أبي جهل، تقديره: «هو»، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنَسْفَعًا:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نسفعن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِالنّاصِيَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، وحذف جواب الشرط لتقدم القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم\n ﴿ناصِيَةٍ:﴾ بدل من (الناصية) بدل نكرة من معرفة. قال الزمخشري: لأنها وصافات، فاستقلت بفائدة، وليس وصفها بشرط عند البصريين في إبدال النكرة من المعرفة. ﴿كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ:﴾ صفتان ل:\n ﴿ناصِيَةٍ،﴾ والجملة الشرطية والقسمية كلام مبتدأ بعد ﴿كَلاّ﴾ لا محل له. هذا؛ وقرئ برفع «(ناصية)» على إضمار مبتدأ قبلها، وبالنصب على الذم بفعل محذوف، وهذان الوجهان على القطع.\n\n<span id=\"aya-6123\"></span><span id=\"aya-6124\"></span><span id=\"aya-6125\"></span>﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ (١٩)﴾\nالشرح: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ أي: فليدع أهل ناديه؛ لأن النادي لا ينادى، والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم، ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (الدهر) فإنه جيد بحمد الله، وتوفيقه، والمعنى: فليدع أهل مجلسه، وعشيرته؛ فليستنصر بهم؛ لينقذوه من عذاب الله. ففي الكلام مجاز مرسل من إطلاق المحل وإرادة الحال.\n ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أي: الملائكة الغلاظ الشداد. وعن ابن عباس، وغيره: واحدهم زبنيّ قاله الكسائي. وقال الأخفش: زابن. وقال أبو عبيدة: زبنية. وقيل: زباني. وقيل: هو اسم للجمع، كالأبابيل، والعباديد. وقال قتادة: هم الشّرط في كلام العرب، والمراد بهم في الآية الكريمة:\nخزنة جهنم، فقد روي في الخبر: أن النبي ﷺ لما قرأ هذه السورة، وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي؛ حتى يمنعوا عني ربك. فقال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فلما سمع ذكر الزبانية رجع فزعا، فقيل له: خشيت منه؟ قال: لا، ولكن رأيت عنده فارسا فهددني بالزبانية، فما أدري ما الزبانية، ومال إليّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.","vol":"10","page":666},{"text":"وروي: أن أبا جهل الخبيث مر على النبي ﷺ، وهو يصلي عند المقام، فقال له أبو جهل:\nألم أنهك عن هذا يا محمد؟! فأغلظ له رسول الله ﷺ القول، فقال له أبو جهل: بأي شيء تهددني يا محمد؟! والله إني لأكثر أهل الوادي هذا ناديا! وروي: أنه كان قال للنبي ﷺ لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة: لقد علمت ما بها رجل أكثر ناديا مني، لأملأن عليك هذا الوادي، إن شئت خيلا جردا، ورجالا مردا! فكانت الآية الكريمة ردا عليه. وفي الأخبار: أن الزبانية رؤوسهم في السماء، وأرجلهم في الأرض. وقيل: إنهم أعظم الملائكة خلقا، وأشدهم بطشا، والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه. قال الشاعر: [الطويل]\nمطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى... زبانية غلب عظام حلومها\n ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ:﴾ ليس الأمر على ما يظنه أبو جهل، فلا تطعه فيما دعاك إليه من ترك الصلاة. ﴿وَاسْجُدْ﴾ أي: صل لله. ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ أي: تقرب إلى الله جل ثناؤه بالطاعة والعبادة.\nوقيل: المعنى إذا سجدت؛ فاقترب من الله بالدعاء. روى عطاء عن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربّه، وأحبّه إليه ما كانت جبهته في الأرض ساجدا لله». انتهى. قرطبي، والحديث المشهور: «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد».\nقال العلماء: وإنما كان ذلك؛ لأنها نهاية العبودية، والذلة، ولله العزة التي لا مقدار لها، فكلما بعدت من صفته؛ قربت من جنته، ودنوت من جواره في داره، وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «أمّا الركوع، فعظّموا فيه الرّبّ، وأمّا السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم». ولقد أحسن من قال: [الكامل]\nوإذا تذلّلت الرقاب تواضعا... منّا إليك فعزّها في ذلّها\nهذا؛ والثابت عند الشافعي، وغيره: أنه يسن سجود التلاوة لقراءة هذه الآية، ولسماعها، وقد ذكرت لك في سجدة (الانشقاق) تثبت السجود لتلاوتها. وقد روى ابن وهب عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن علي﵁قال: (عزائم السجود أربع:\nالم، وحم تنزيل من الرحمن الرحيم، والنجم، واقرأ باسم ربك). وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قلت: وقد روينا من حديث مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر﵄قال: لما أنزل الله تعالى: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال رسول الله ﷺ لمعاذ: «اكتبها يا معاذ!». فأخذ معاذ﵁اللوح، والقلم، والنون، وهي الدواة، فكتبها معاذ﵁-. فلما بلغ: ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ سجد اللوح، وسجد القلم، وسجدت النون، وهم يقولون: اللهم ارفع به ذكرا، اللهم احطط به وزرا، اللهم اغفر به ذنبا. قال معاذ: سجدت، وأخبرت رسول الله ﷺ فسجد. وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الانشقاق).","vol":"10","page":667},{"text":"الإعراب: ﴿فَلْيَدْعُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ليدع): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى أبي جهل المتحدّث عنه في هذه الآيات. ﴿نادِيَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا به، وحاصلا له؛ فليدع. ﴿سَنَدْعُ:﴾ السين: حرف استقبال، ويفيد هنا التحقيق، والتوكيد. (ندع):\nفعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو المحذوفة قراءة، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿الزَّبانِيَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع. ﴿كَلاّ:﴾ ناهية. ﴿تُطِعْهُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿كَلاّ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاسْجُدْ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (اسجد): فعل أمر، وفاعله أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5036>خاتمة:</span>\nأبو جهل كان العدو اللدود للنبي ﷺ منذ بدء الدعوة، وكان على رأس المستهزئين بالنبي ﷺ، وبالمستضعفين، وقد أذله الله في غزوة بدر عند ما وقع جريحا لا يستطيع الحركة بسبب طعنات من شباب الأنصار، وبعد انتهاء المعركة بهزيمة قريش عثر ابن مسعود على أبي جهل مكوما على الأرض، فقال له: أخزاك الله يا عدو الله! ثم داس على رقبته، فقال له: لقد رقيت مرقى عاليا يا رويعي الغنم! فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه. فقال ابن مسعود: كيف تجدك؟ قال: أخبر محمدا بأني لا أزال أشد عداوة له من ذي قبل. فحز رأسه بسيفه؛ لأن سيف ابن مسعود لم يقطع برقبته لغلظها، ثم جره بشعره حتى ألقاه بين يدي الرسول ﷺ، فلما أخبره بمقاله. قال: «لا إله إلا الله فرعوني أشد من فرعون موسى» أي: لأن فرعون موسى لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\nتأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (العلق) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5037>سورة القدر</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (القدر) قيل: إنها مكية، وقيل: مدنية، وهو الأصح، وعليه الأكثرون. وقيل: إنها أول ما نزل بالمدينة. وهي خمس آيات، وثلاثون كلمة، ومئة واثنا عشر حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6126\"></span><span id=\"aya-6127\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾\nالشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ:﴾ يعني القرآن، وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة؛ لأن المعنى معلوم. والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨٥]: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقال تعالى في سورة (الدخان): ﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يريد: في ليلة القدر، وذلك: أن الله تعالى أنزل القرآن العظيم جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر. فوضعه في بيت العزة، ثم نزل به جبريل﵇على النبي ﷺ نجوما متفرقة في ثلاث وعشرين سنة، فكان ينزل بحسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال. وقيل: إنما أنزله إلى السماء الدنيا لشرف الملائكة بذلك؛ ولأنها كالمشترك بيننا، وبين الملائكة، فهي لهم سكن، ولنا سقف، وزينة.\nهذا؛ ومعلوم: أن الإنزال مستعار للمعاني من الأجرام، شبه نقل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وثبوته فيها بنزول جسم من علو إلى أسفل، فعلى هذا هو مجاز مرسل.\nانتهى. نقلا عن كرخي.\nهذا؛ وذكر أبو بكر بن الأنباري في كتاب الرد: أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا، ثم فرقه على النبي ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، فكانت السورة تنزل في أمر يحدث، والآية تنزل جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل النبي ﷺ على موضع السورة، والآية، فانتظام السّور كانتظام الآيات، والحروف، فكله عن رسول الله خاتم النبيين-عليهم الصلاة والسّلام- عن رب العالمين، فمن أخر سورة مقدمة، أو قدّم أخرى مؤخرة كمن أفسد نظم الآيات، وغير الحروف، والكلمات، ولا حجة على أهل الحق في تقديم سورة (البقرة) على (الأنعام)، و(الأنعام) نزلت قبل سورة (البقرة)؛ لأن رسول الله ﷺ أخذ عنه هذا الترتيب، وهو كان يقول:\n «ضعوا هذه السورة موضع كذا، وكذا من القرآن». وكان جبريل ﵇ يوقفه على مكان الآيات. انتهى. جمل. أقول: وتسمية السورة أيضا توقيفي عن النبي ﷺ.","vol":"10","page":669},{"text":"وسميت ليلة القدر؛ لأن فيها تقدير الأمور، والأحكام، والأرزاق، والآجال، وما يكون في تلك السنة إلى مثل هذه الليلة من السنة المقبلة، يقدر الله ذلك في بلاده، وعباده. ومعنى هذا:\nأن الله يظهر ذلك لملائكته، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم بأن يكتب لهم ما قدره في تلك الليلة ويعرفهم إياه، وليس المراد منه: أنه يحدثه في تلك الليلة؛ لأن الله قدر المقادير قبل أن يخلق السموات، والأرض في الأزل.\nقيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات، والأرض؟ قال: نعم. قيل له: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر. وقيل: سميت ليلة القدر لعظم قدرها، وشرفها على الليالي، من قولهم: لفلان قدر عند الأمير؛ أي: منزلة، وجاه. وقيل: سميت بذلك؛ لأن العمل الصالح يكون فيها ذا قدر عند الله؛ لكونه مقبولا. وقيل: سميت بذلك؛ لأن الأرض تضيق بالملائكة فيها. انتهى. خازن. أخذا من قوله تعالى في سورة الطلاق رقم [٧]: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ..﴾. إلخ. هذا؛ وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الجمعة) من مناقشة قول من يقول بتفضيل ليلة المولد النبوي الشريف على ليلة القدر، وليلة الجمعة وليلة عرفة... إلخ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: أيّ شيء يبلغ درايتك قدرها ومبلغ فضلها؟ وهذا على سبيل التعظيم لها، والتشويق إلى خيرها، وبركتها، ثم بين الله فضلها من ثلاثة أوجه، وهو ما ذكره في الآيات الثلاث الآتية. هذا؛ وقال يحيى بن سلام-رحمه الله تعالى-: بلغني: أن كل شيء في القرآن: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فقد أدراه إياه، وعلمه، وكل شيء قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فهو مما لم يعلمه.\nوانظر شرح درى، يدري في آخر سورة (الانفطار)؛ تجد ما يسرك.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. و(نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها. ﴿فِي لَيْلَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ أي: حالة كونه منزلا في ليلة، و﴿لَيْلَةِ:﴾ مضاف، و﴿الْقَدْرِ:﴾\nمضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿ما لَيْلَةُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول (أدراك) الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: (أدرى)؛ لأنه بمعنى (أعلم) و﴿لَيْلَةِ:﴾ مضاف، و﴿الْقَدْرِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (ما أدراك...) إلخ مستأنفة.","vol":"10","page":670},{"text":"<span id=\"aya-6128\"></span>﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾\nالشرح: هذا الوجه الأول من الأوجه الثلاثة التي ذكرها الله في بيان فضل ليلة القدر. قال ابن عباس﵄-: ذكر لرسول الله ﷺ رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله ﷺ لذلك، وتمنى ذلك لأمته، فقال: «يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلها أعمالا». فأعطاه الله ﵎ ليلة القدر، فقال:\n ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، لك ولأمتك إلى يوم القيامة.\nوعن مالك: أنه سمع ممّن يثق به من أهل العلم: أن النبي ﷺ أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل الذي يبلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر. أخرجه مالك في الموطأ.\nومعناه: العمل الصالح في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وإنما ذلك لما يريد الله تعالى فيها من المنافع، والأرزاق، وأنواع الخير، والبركة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nهذا؛ وذكر السيوطي في أسباب النزول، وكذا القرطبي ما يلي: أخرج الترمذي، والحاكم، وابن جرير عن الحسن بن علي﵄قال: إن النبي ﷺ أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ ونزلت: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ تملكها بعدك بنو أمية. قال القاسم بن الفضل الحرّاني: فعددناها، فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص. قال الترمذي: غريب: وقال المزني وابن كثير: منكر جدا.\nهذا؛ وأقول: ألف منكر، فكيف يسوء النبي ﷺ ما قدر الله، وقضاه، وهو الذي قال في حق الحسن﵄-: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين متنازعتين».\nوقد اعتبر بعض العلماء هذا الحديث مصححا لخلافة معاوية، ومن بعده، وإن كان في بعضها بعض الظلم.\nالإعراب: ﴿لَيْلَةُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و﴿الْقَدْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿مِنْ أَلْفِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ و﴿أَلْفِ:﴾ مضاف، و﴿شَهْرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، كأنها جواب لسؤال نشأ عن تعظيم ليلة القدر، تقديره: وما فضلها؟","vol":"10","page":671},{"text":"<span id=\"aya-6129\"></span>﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾\nالشرح: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي: تهبط من كل سماء، ومن سدرة المنتهى، ومسكن جبريل على وسطها، فينزلون إلى الأرض، ويؤمنون على دعاء المؤمنين إلى وقت طلوع الفجر. وانظر شرح الملائكة في سورة (الجن) آخرها، فإنه جيد بحمد الله، وتوفيقه، ﴿وَالرُّوحُ﴾ يعني: جبريل ﵇. قاله أكثر المفسرين، وفي حديث أنس﵁عن رسول الله ﷺ قال:\n «إذا كانت ليلة القدر؛ نزل جبريل في كبكبة من الملائكة، يصلّون، ويسلّمون على كل عبد قائم، أو قاعد يذكر الله ﷿». ذكره ابن الجوزي. وقيل: إن الروح طائفة من الملائكة، لا تراهم الملائكة إلاّ في تلك الليلة، ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقيل: إن (الروح) ملك عظيم ينزل مع الملائكة في تلك الليلة. انتهى. خازن. وقيل: (الروح) الرحمة ينزل بها جبريل ﵇ مع الملائكة في ليلة القدر على أهلها، دليله قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٢]: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [٣٨] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك؛ حيث تجده من ذكره الخاص بعد العام. وفي سورة (النبأ) من ذكر العام بعد الخاص، هذا؛ و﴿تَنَزَّلُ﴾ أصله: تتنزل حذفت منه تاء المضارعة، وهذا الحذف كثير في الآيات القرآنية وفي الكلام العربي. ﴿فِيها﴾ أي: في ليلة القدر. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمر ربهم. ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي: بكل أمر من الخير، والبركة، وبكل أمر قدره الله، وقضاه في تلك السنة إلى قابل. قاله ابن عباس﵄-، وليس المراد: أن تقدير الله لا يحدث إلا في تلك الليلة؛ لأنه تعالى قدر المقادير في الأزل قبل خلق السموات، والأرض، بل المراد إظهار تلك المقادير للملائكة. وهذا تقدم من قول الحسين بن الفضل (سوق المقادير إلى المواقيت).\nهذا؛ وروي: أنه إذا كانت ليلة القدر تنزل الملائكة، وهم سكان سدرة المنتهى، وجبريل ﵇ ومعه أربعة ألوية، فينصب لواء على قبر النبي ﷺ، ولواء على ظهر بيت المقدس، ولواء على ظهر المسجد الحرام، ولواء على ظهر طور سيناء، ولا يدع بيتا فيه مؤمن ولا مؤمنة إلا دخله وسلم عليه، يقول: يا مؤمن! أو يا مؤمنة! السّلام يقرئكم السّلام؛ إلا على مدمن خمر، وقاطع رحم، وآكل لحم خنزير. انتهى. جمل.\nالإعراب: ﴿تَنَزَّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعل. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالرُّوحُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الروح): معطوف على (الملائكة). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (الملائكة) ولا وجه.\nويجوز اعتبار (الروح) مبتدأ، والجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبره، والجملة الاسمية","vol":"10","page":672},{"text":"معطوفة على ما قبلها. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿الْمَلائِكَةُ،﴾ التقدير: متلبسين بإذن ربهم، و(إذن) مضاف، و﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَنَزَّلُ،﴾ و﴿مِنْ﴾ تحتمل أن تكون بمعنى اللام؛ أي: تنزل لأجل كل أمر قضي إلى العام القابل. وتحتمل أن تكون بمعنى الباء؛ أي: تنزل بكل أمر، و(كل) مضاف، و(أمر) مضاف إليه.\n\n<span id=\"aya-6130\"></span>﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾\nالشرح: ﴿سَلامٌ هِيَ:﴾ هذا الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في بيان فضل ليلة القدر، والمعنى: ليلة القدر سلامة، وخير كلّها لا شرّ فيها. وقال الشعبي: قيل: هو تسليم الملائكة في ليلة القدر على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر.\nوقيل: الملائكة ينزلون فيها كلما لقوا مؤمنا، أو مؤمنة يسلمون عليه من ربه ﷿. وهذا معنى من قال: سلام من الله على أوليائه، وأهل طاعته. وقال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا، والسلامة.\nهذا؛ وقرئ ﴿مَطْلَعِ﴾ بفتح اللام وكسرها لغتان، والأصل الفتح، وقد قرئ بسورة (الكهف):\n ﴿مَطْلَعِ﴾ أيضا بفتح اللام وكسرها، والكسر على أنه مما شذ عن قياسه، نحو: المشرق، والمغرب، والمنبت، والمسكن، والمنسك، والمحشر، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر. وإنما شذ قياس ما ذكر؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان إذا أخذ أحدها من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها في بعض الكلمات وهو مذكور في كتب النحو، واللغة. والتحقيق: أن الأسماء المذكورة نوعية غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح.\nالإعراب: ﴿سَلامٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر، ويجوز عند الأخفش، والكوفيين الذين لا يشترطون الاعتماد على نفي، وشبهه أن يكون ﴿سَلامٌ﴾ مبتدأ، و﴿هِيَ:﴾ فاعل به، والمعتمد الأول. ﴿حَتّى مَطْلَعِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿تَنَزَّلُ﴾ أو ب: ﴿سَلامٌ،﴾ وجاز الفصل بين المصدر ومعموله بالضمير؛ لأنه يتوسع في الظرف، والجار ما لا يتوسع في غيرهما. وقيل: متعلقان بمحذوف، التقدير: ويستمرون على التسليم من غروب الشمس؛ حتى مطلع الفجر، و﴿مَطْلَعِ﴾ مضاف، و﴿الْفَجْرِ﴾ مضاف إليه.\nتأمل، وتدبر، وربّك أعلم.\nتنبيه: لقد ذكر في فضل ليلة القدر أحاديث كثيرة، أكتفي منها بما يلي:","vol":"10","page":673},{"text":"فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه». متفق عليه، وقد ذكرت لك في الشرح الأوجه الثلاثة التي ذكرها الله في بيان فضلها.\nتنبيه: لقد اختلف في تحديد ليلتها، والمعتمد: أنها في العشر الأواخر من رمضان، في ليالي الوتر على المعتمد أيضا، والراجح عند الشافعي: أنها في ليلة الواحد والعشرين، ثم في ليلة الثالث والعشرين. ومال إليه مالك، وأحمد، والأوزاعي، وأبو ثور-رحمهم الله تعالى- وأبو حنيفة-رحمه الله تعالى-ثبتها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وقد استدل بما يلي:\nفقد روى ابن عمر﵄أن رسول الله ﷺ قال: «من كان متحرّيا ليلة القدر فليتحرّها ليلة سبع وعشرين». وقال أبي بن كعب﵁-: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين». وقال أبو بكر الوراق: إن الله تعالى قسم ليالي هذا الشهر على كلمات هذه السورة، فلما بلغ السابعة والعشرين أشار إليها، فقال: هي، وأيضا، فإن (ليلة القدر) كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فتجيء سبعا وعشرين.\nهذا؛ وقد ذكرت في سورة (المؤمنون) رقم [١٤]: أن ابن عباس﵄ثبتها في الليلة السابعة والعشرين، واستدل بأشياء على ذلك انظرها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nوبالجملة فقد أخفى الله ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وجعلها أرجى ما تكون في ليالي الوتر منه، ولذا كان الرسول ﷺ يجتهد في العبادة في العشر الأخير ما لا يجتهده في غيره، فعن عائشة﵂-؛ قالت: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره». أخرجه مسلم. وعنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر. متفق عليه.\nوعن عائشة﵂أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ﷿، ثم اعتكف أزواجه من بعده. متفق عليه. وعن ابن عمر﵄- أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، متفق عليه، وعن عائشة﵂قالت: قلت: يا رسول الله! إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها. قال: «قولي: اللهمّ إنك عفوّ كريم تحبّ العفو فاعف عني». أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.\nهذا؛ وقال البغوي: وبالجملة أبهم الله تعالى هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي شهر رمضان كلها، طمعا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في القرآن في أسمائه الحسنى، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرا من قيامها، وأخفى العبد الصالح بين العباد رحمة منه وحكمة.","vol":"10","page":674},{"text":"هذا؛ ومن علامات ليلة القدر ما روي عن الحسن رفعه «أنها ليلة بلجة سمحة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها» انتهى. ومعنى بلجة: مشرقة مضيئة، لا حارة أي: في الصيف كثيرا. ولا باردة أي: في الشتاء كثيرا فهي معتدلة الحرارة والبرودة في أي فصل كانت فيه لا شعاع للشمس صبيحتها من كثرة الأنوار. وقيل: من كثرة هبوط الملائكة وصعودها، فهم أنوار، ويؤثر ذلك على ضوء الشمس. انتهى. من الخازن والقرطبي وغيرهما، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (القدر) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":675},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5042>سورة البيّنة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (لم يكن) وتسمى سورة (البينة) وهي مدنية في قول ابن عباس، والجمهور. وقيل:\nمكية في قول يحيى بن سلام، وهي ثمان آيات. وقيل: تسع. وأربع وتسعون كلمة، وثلاثمئة وتسعة وتسعون حرفا، وورد في فضلها ما روي عن أنس﵁أن النبي ﷺ قال لأبيّ ابن كعب﵁-: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ قال:\nوسماني لك؟! قال: «نعم». فبكى. خرجه البخاري، ومسلم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:\nوفيه من الفقه: قراءة العالم على المتعلم. قال بعضهم: إنما قرأ النبي ﷺ على أبيّ ليعلم الناس التواضع، لئلا يأنف أحد من التعلم، والقراءة على من دونه في المنزلة. انتهى. وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ﵁-. هذا؛ ومناسبة السورة لما قبلها: أنه لما ذكر إنزال القرآن في ليلة القدر. وقال في السورة التي قبلها: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ذكر هنا: أن الكفار لم يكونوا منفكين مما هم عليه؛ حتى جاءهم الرسول يتلو عليهم من الصحف المطهرة؛ التي أمر بقراءتها. انتهى.\nجمل نقلا من البحر.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6131\"></span>﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾\nالشرح: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بمحمد ﷺ، وبما أنزل عليه من ربه، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ يعني اليهود، والنصارى، والمشركين: وهم عبدة الأوثان؛ الذين كانوا في مكة، وحولها، وفي المدينة وما حولها من قبائل العرب، وذلك: أن الكفار كانوا جنسين: أحدهما أهل كتاب، وسبب كفرهم ما أحدثوه في دينهم، أما اليهود؛ فقولهم: عزير ابن الله، وتشبيههم الله بخلقه، وأما النصارى فقولهم: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، وغير ذلك، والثاني:\nالمشركون أهل الأوثان؛ الذين لا ينتسبون إلى كتاب، فذكر الله الجنسين في الآية الكريمة.\n ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي: منتهين عن كفرهم، مائلين عنه. وقيل: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ زائلين، والعرب تقول: ما انفككت أفعل كذا؛ أي: ما زلت، والمضارع: لا ينفك. قال طرفة في معلقته رقم [٩١]: [الطويل]\nفآليت لا ينفكّ كشحي بطانة... لعضب رقيق الشّفرتين مهنّد","vol":"10","page":676},{"text":"وقال ذو الرّمّة-وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nحراجيج ما تنفكّ إلا مناخة... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا\n ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى أتتهم، لفظه مضارع، ومعناه الماضي. والبينة: الحجة الواضحة، والمراد: الرسول ﷺ أتاهم بالقرآن، فبين لهم ضلالتهم، وشركهم، وما كانوا عليه من الجاهلية، ودعاهم إلى الإيمان، فآمنوا، فأنقذهم الله من الجهالة، والضلالة، ولم يكونوا منفصلين عن كفرهم قبل بعثه إليهم. والآية فيمن آمن من الفريقين.\nقال الواحدي في بسيطه: وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما، وتفسيرا، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء. قال الإمام فخر الدين في تفسيره: إنه لم يلخص كيفية الإشكال فيها.\nوأنا أقول: وجه الإشكال: أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة؛ التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عماذا؟ لكنه معلوم؛ إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول. ثم إن كلمة ﴿حَتّى﴾ لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي: أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول ﷺ.\nثم قال بعد ذلك: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ وهذا يقتضي: أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول ﷺ، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى، والثانية تناقض في الظاهر، وهذا منتهى الإشكال في ظني. قال: والجواب عنه من وجوه:\nأولها، وأحسنها الذي لخصه صاحب الكشاف، وهو: أن الكفار من الفريقين: أهل الكتاب، وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل بعث محمد ﷺ: لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود؛ الذي هو مكتوب في التوراة، والإنجيل، وهو محمد ﷺ، فحكى الله عنهم ما كانوا يقولونه، ثم قال: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي: أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق، ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول ﷺ.\nونظيره في الكلام ما يقول الفاسق الفقير لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى! فيرزقه الله الغنى، فيزداد فسقا، فيقول واعظه: لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار. فيذكره ما كان يقول توبيخا، وإلزاما.\nقال الإمام فخر الدين: وحاصل الجواب يرجع إلى حرف واحد، وهو أن قوله تعالى: «لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة» مذكور حكاية عنهم. ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ إخبار عن الواقع، والمعنى: الذي وقع كان بخلاف ما ادّعوا.","vol":"10","page":677},{"text":"وثانيها: أن تقدير الآية: «لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم؛ وإن جاءتهم البينة».\nوعلى هذا التقدير يزول الإشكال، إلا أن تفسير لفظة: «حتى» بهذا ليس من اللغة في شيء.\nوذكر وجوها أخر، وقال: والمختار هو الأول.\nالإعراب: ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنِ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾.\n ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسم (يكن). ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: كفروا بالله، ورسوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (المشركين): معطوف على ﴿أَهْلِ﴾ مجرور مثله. ﴿مُنْفَكِّينَ:﴾ خبر ﴿يَكُنِ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وهو اسم فاعل ناقص واسمه ضمير مستتر فيه، والخبر محذوف. انظر تقديره في الشرح. وقيل: هو تام، فلا يحتاج لتقدير خبر. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّنَةُ:﴾\nفاعله، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان ب: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-6132\"></span><span id=\"aya-6133\"></span>﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾\nالشرح: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ﴾ أي: البينة رسول مبعوث من الله، وهو محمد ﷺ. ﴿يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ أي: يقرأ الرسول صحفا مطهرة. قال ابن عباس﵄-: أي: من الباطل، والكذب، والزور، والشك، والنفاق، والضلالة. فهو كقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ فتطهير الصحف كناية عن كونها ليس فيها باطل على الاستعارة المصرحة، أو المكنية. وقيل: ﴿مُطَهَّرَةً﴾ لا يمسها إلا المطهرون، كما في سورة (الواقعة) رقم [٧٩]. و(الكتب) بمعنى المكتوبات في القراطيس، فالقرآن يجمع ثمرة كتب الله المتقدمة عليه، والرسول ﷺ، وإن كان أميا؛ لكنه لما تلا مثل ما في الصحف، كان كالتالي لها، فصح نسبة تلاوة الصحف إليه، وهو أمي لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يقرأ من كتاب، وإنما يقرأ بالوحي عن ظهر قلب. قال الصاوي-رحمه الله تعالى-: المراد بالصحف: القراطيس؛ التي يكتب فيها القرآن، والمراد بالكتب: الأحكام المكتوبة فيها. انتهى. ومعنى ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة ناطقة بالحق، والعدل، معتدلة، لا إفراط فيها، ولا تفريط.\nقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢] في وصف القرآن الكريم: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا..﴾. إلخ. هذا؛ وأصل ﴿قَيِّمَةٌ:﴾ قيومة، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء.","vol":"10","page":678},{"text":"الإعراب: ﴿رَسُولٌ:﴾ بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ بدل اشتمال، أو بدل كل من كل على سبيل المبالغة.\nوقال الفراء: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي، أو هو رسول. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَسُولٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وأجيز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من ﴿صُحُفًا﴾ التقدير: يتلو صحفا مطهرة منزلة من الله، يعني كانت الحال في الأصل صفة للنكرة، فلما تقدمت عليها نصبت حالا. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى رسول، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿رَسُولٌ﴾. ﴿صُحُفًا:﴾ مفعول به. ﴿مُطَهَّرَةً:﴾ صفة ﴿صُحُفًا﴾. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كُتُبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.\n ﴿قَيِّمَةٌ:﴾ صفة ﴿كُتُبٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿صُحُفًا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، أو في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُطَهَّرَةً﴾. هذا؛ ويجوز أن يكون النعت، أو الحال الجار، والمجرور فقط، و(كتب) فاعل به. وهو الأحسن.\nانتهى. سمين.\n\n<span id=\"aya-6134\"></span>﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾\nالشرح: أي: وما اختلف اليهود، والنصارى في شأن محمد ﷺ إلا بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، الدالة على صدق رسالته، وأنه الرسول الموعود به في كتبهم. وقيل: هو القرآن الجائي به معجزة له. والآية مسوقة لغاية التشنيع على أهل الكتاب خاصة، وتغليظ جناياتهم، ببيان: أن تفرقهم لم يكن إلا بعد وضوح الحق. وتبين الحال، وانقطاع الأعذار بالكلية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ الآية رقم [١٩] من سورة (آل عمران) وإنما خص أهل الكتاب هنا بالذكر؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوته، بما يجدون في كتبهم من ذكره. انتهى. صفوة التفاسير.\nوفي البيضاوي: هو كقوله تعالى: ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ رقم [٨٩] سورة (البقرة). وإفراد أهل الكتاب بالذكر بعد الجمع بينهم وبين المشركين، للدلالة على شناعة حالهم. وأنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى انتهى. بتصرف. وبالجملة فقد تفرق أهل الكتاب فرقا، وشيعا كثيرة قبل مبعث محمد ﷺ وبعده. وخذ ما يلي:\nعن معاوية﵁قال: قام فينا رسول الله ﷺ، فقال: «ألا إنّ من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة». رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وزاد فيه «وإنه سيخرج في أمتي أقوام، تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه","vol":"10","page":679},{"text":"عرق، ولا مفصل إلاّ دخله». ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو﵁-، وزاد فيه. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟! قال: «ما أنا عليه وأصحابي». هذا؛ وفي رواية قال الرسول ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين... إلخ».\nهذا؛ وأصول الفرق الإسلامية: ستة: حرورية، قدرية، جهمية، مرجئة، رافضة، جبرية، وانقسم كل منها إلى اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين، وإنما سموا فرقا؛ لأنهم فارقوا الإجماع، والحديث الشريف بجميع رواياته معجزة من معجزات الرسول ﷺ؛ لأنه إخبار عن غيب قد وقع بعد وفاة النبي ﷺ. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام) ففيها بحث قيّم.\nوهذا؛ وأصل ﴿أُوتُوا:﴾ «أوتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء، وبقيت الواو، فصار (أوتوا) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.\nهذا؛ والكتاب في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطة واحدة، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول ومسائل غالبا. ورحم الله من يقول في مدح الكتب: [الطويل]\nلنا جلساء ما يملّ حديثهم... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا\nيفيدوننا من علمهم علم ما مضى... وعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا\nفإن قلت أحياء فما أنت كاذب... وإن قلت أموات فلست مفنّدا\nوإني أتمثل بقول الآخر: [الخفيف]\nما تطعّمت لذّة العيش حتّى... صرت للبيت والكتاب جليسا\nليس عندي شيء ألذّ من ال... علم فلم أبتغ سواه أنيسا\nإنّما الذلّ في مخالطة النّا... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا\nورحم الله من يقول: [الطويل]\nوقائلة أتلفت في الكتب ما حوت... يمينك من مال فقلت دعيني\nلعلّي أرى فيها كتابا يدلّني... لأخذ كتابي في غد بيميني\nورحم الله من يقول: [الوافر]\nكتابي فيه بستاني وروحي... وفيه سمير نفسي والنّديم","vol":"10","page":680},{"text":"يسالمني وكلّ الناس حرب... ويسليني إذا عرت الهموم\nويحيي لي تصفّح صفحتيه... كرام الناس إن فقد الكريم\nإذا اعوجّت عليّ طريق قومي... فلي فيه طريق مستقيم\nوبالجملة: فالكتاب هو نعم الذخر، والعدة، والشغل، والحرفة، جليس لا يضرك، ورفيق لا يملّك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر، إن ألفته؛ خلد على الأيام ذكرك، وإن درسته؛ رفع بين الخلائق قدرك.\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَفَرَّقَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، وهو الأقوى. ﴿أُوتُوا:﴾\nفعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول به الأول.\n ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿ما:﴾\nمصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.\n ﴿الْبَيِّنَةُ:﴾ فاعله، و﴿ما﴾ والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه.\n\n<span id=\"aya-6135\"></span>﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَما أُمِرُوا﴾ أي: أمر الذين تفرقوا بشأن محمد ﷺ وهم: اليهود، والنصارى أمروا في التوراة، والإنجيل. ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾ أي: أن يعبدوا الله، ويوحدوه وحده، ولا يشركوا معه أحدا في العبادة، ويخلصوا له في الطاعة. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ:﴾ انظر ﴿الدِّينَ﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (الانفطار). هذا؛ والعبادة: غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود، وعن النبي ﷺ قال: يقول الله ﷿: «أنا والإنس في نبأ عظيم! أخلق ويعبد غيري، وأرزق؛ ويشكر غيري». هذا؛ وقد أمر الله بالإخلاص؛ لأنه رأس العبادات في التوحيد، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي، كيف لا وقد قال الله ﵎ في سورة (الزمر) رقم [٣]: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ أي: من الشرك والرياء والنفاق. وقال جل ذكره في سورة (غافر) رقم [١٤]: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (١٤) وخذ من قول الرسول ﷺ ما يلي:","vol":"10","page":681},{"text":"فعن أنس﵁عن رسول الله ﷺ قال: «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ فارقها؛ والله عنه راض». رواه ابن ماجه، والحاكم.\nوعن ثوبان﵁عن النبي ﷺ قال: «طوبى للمخلصين، أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم كلّ فتنة ظلماء». رواه البيهقي. وعن ابن عباس﵄أن رسول الله ﷺ قال: «من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه». رواه ابن حبان. وحذر الرسول ﷺ من الرياء وخذ ما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تزيّن بعمل الآخرة وهو لا يريدها، ولا يطلبها لعن في السموات والأرض». رواه الطبراني في الأوسط، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدّنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من الّلين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله ﷿: أبي يفترّون أم عليّ يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران». رواه الترمذي. والأحاديث في ذلك في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري-رحمه الله تعالى-كثيرة.\n ﴿حُنَفاءَ:﴾ مسلمين. وقيل: مخلصين. وهو جمع، مفرده: حنيف. وتكرر الكلام على إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بأنه كان حنيفا، وفسر بحقه بأنه مائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. قال الشاعر: [الوافر]\nولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين\nهذا؛ والحنف: الميل في القدمين. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ولفظة «حنفاء» من الأضداد تقع على الاستقامة، وعلى الميل. أقول: وهذا يكون بالمعنى المأخوذ منه، وهو الميل، وقد ذكرت لك فيما مضى: أن الفعل: مال يتغير معناه بتغير الجار تقول: ملت إليه، وملت عنه.\nوفي الخطيب: ﴿حُنَفاءَ:﴾ مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وأصل الحنف في اللغة الميل، وخصه العرب بالميل إلى الخير، وسمّوا الميل إلى الشر إلحادا، والحنيف المطلق هو الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمسة: اليهود، والنصارى، والصابئين، والمجوس، والمشركين، وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات، وعن توابعها من الخطأ، والنسيان إلى العمل الصالح، وهو مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات، وهو المقام الأول من الورع، وعن الفضول شفقة على خلق الله، وهو ما لا يعني إلى ما يعني، وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول، وهو مقام الزهد، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر أحدها إلى الحق، والثاني إلى الخلق. انتهى.\nوفي الرازي: واعلم: أن الكمال في كل شيء إنّما يحصل إذا حصل الأصل، والفرع معا.\nفقوم بالغوا بالأعمال التي هي الفروع، ولم يحكموا الأصول، وهم اليهود، والنصارى،","vol":"10","page":682},{"text":"والمجوس، وقوم حصّلوا الأصول دون الفروع. وهم المرجئة؛ الذين قالوا: لا يضر الذنب مع الإيمان. والله خطّأ الفريقين في هذه الآية، وبين أنه لا بدّ من الإخلاص في قوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ ولا بدّ من العمل في قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ انتهى. كله من الجمل.\n ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي: يؤدوها على الوجه الأكمل من إتمام ركوعها، وسجودها، وخشوعها، وطهارتها في أوقاتها. ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل يقال: صلى، ولا يقال:\nأدى الصلاة. ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أي: يعطوها لمستحقيها كاملة في آخر حولها. ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: الملة المستقيمة، والشريعة المتبوعة. والإشارة إلى الإخلاص، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وإنما أضاف (الدين) إلى ﴿الْقَيِّمَةِ،﴾ وهي نعته لاختلاف اللفظين، وأنث ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ ردا إلى الملة. وقيل: الهاء في ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ للمبالغة كعلامة. وقيل: (القيمة): الكتب التي جرى ذكرها؛ أي: وذلك دين أصحاب الكتب القيمة. وقيل: ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ جمع: القيم، والقيم والقائم:\nواحد. قال تعالى في سورة (يوسف) رقم [٤٠]، وفي سورة (التوبة) رقم [٣٦] وفي سورة (الروم) رقم [٣٠]: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ومعنى ﴿الْقَيِّمُ﴾ المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. وانظر سورة (الكهف) رقم [٢] وانظر شرح ﴿الصَّلاةَ﴾ و﴿الزَّكاةَ﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (المجادلة).\nهذا؛ وأصل (يقيمون): «يؤقومون» حذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أأقوم الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: (يقومون) ثم يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، وهي الكسرة إلى القاف قبلها، فصار:\n (يقومون) ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي، مزيدة الهمزة في أوله، مثل: أجاب يجيب، وأكرم يكرم... إلخ، كما حذفت الهمزة الثانية من يؤمنون؛ لأن ماضيه آمن، وأصله: أأمن والمضارع يؤأمن، فحذفت من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في الثاني، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]\nفإنّه أهل لأن يؤكرما\nولا تنس: أن هذه الهمزة المزيدة، تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس مؤكرم ومؤكرم، وقس على ذلك، وأصل (يؤتون): (يؤأتون)؛ لأن الماضي: آتى، فحذفت الهمزة لثقل الهمزتين، فصار: (يؤتون).\nالإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُمِرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من","vol":"10","page":683},{"text":"سورة (المنافقون). ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِيَعْبُدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و«أن» المضمرة بعد لام التعليل والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُمِرُوا﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني. هذا؛ ويجوز اعتبار اللام صلة، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به ثان محلا، وفي محل جر لفظا باللام، وهناك قول ثالث: أن اللام بمعنى: «أن» الناصبة، وأنها ناصبة للفعل بنفسها. قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع «أن» في (أراد، وأمر). وإليه ذهب الكسائي أيضا.\nهذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢٦]: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ،﴾ والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام): ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ والآية رقم [٨] من سورة (الصف):\n ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ،﴾ وأيضا الآية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب). ومثل ذلك كله قول كثير عزة-وهو الشاهد رقم [٣٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]\nأريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل\n ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعول به ل: ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿حُنَفاءَ:﴾ حال ثانية، أو حال من الضمير المستتر ب: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ فهي حال متداخلة. ﴿وَيُقِيمُوا﴾ و﴿وَيُؤْتُوا:﴾ معطوفان على (يعبدوا) منصوبان مثله. ﴿الصَّلاةَ﴾ و﴿الزَّكاةَ:﴾\nمفعول بهما. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الدِّينَ:﴾ خبره، وهو مضاف، و﴿الْقَيِّمَةِ:﴾ مضاف إليه، وهناك صفة محذوفة، التقدير: دين الملة القيمة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له.\n\n<span id=\"aya-6136\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: هذا شروع في بيان مقر الأشقياء، وجزاء السعداء، وحكم على الكفار من الفريقين بأمرين: الخلود في النار، وكونهم شرّ البرية، وبدأ بأهل الكتاب؛ لأنهم كانوا يطعنون في نبوة النبي ﷺ، فجنايتهم أعظم؛ لأنهم أنكروه مع العلم به في كتبهم، و﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ظاهره العموم. وقيل: شر البرية الذين عاصروا الرسول ﷺ؛ إذ لا يبعد أن يكون في كفار الأمم من هو شر من هؤلاء، كفرعون، وعاقر ناقة صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انتهى. جمل.","vol":"10","page":684},{"text":"وقال الخازن: فإن قلت: إن المشركين أعظم جناية من أهل الكتاب؛ لأن المشركين أنكروا الصانع، والنبوة، والقيام، وأهل الكتاب اعترفوا بذلك غير أنهم أنكروا نبوة محمد ﷺ، وإذا كان كذلك؛ كان كفرهم أخفّ. فلم سوّى بين الفريقين في العذاب؟! قلت: لما أراد أهل الكتاب الرفعة في الدنيا بإنكارهم نبوة محمد ﷺ؛ أذلهم الله في الدنيا، وأدخلهم أسفل سافلين في الآخرة، ولا يمنع من دخولهم النار مع المشركين أن تتفاوت مراتبهم في العذاب. انتهى.\n ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: هم شر الخلق. والمعنى: أنهم لما استحقوا النار بسبب كفرهم. قالوا: فهل إلى خروج من سبيل؟ فقال لهم: بل تبقون خالدين فيها، فكأنهم قالوا: لم ذلك؟ قال: لأنكم شر البرية.\nهذا؛ وانظر شرح ﴿خَيْرُ﴾ و﴿شَرُّ﴾ في سورة (الضحى) رقم [٤]. هذا؛ والبرية: الخلق، والجمع: البرايا، وفيها لغتان: الهمز: (البريئة) وتركه: (البرية) فمن همزها أخذها من: برأ الله الخلق؛ أي: خلقهم، فبنى «فعيلة» من ذلك، وهي بمعنى مفعولة، ومن لم يهمزها؛ كان له مذهبان: أحدهما: أن يقول: هي «فعيلة» من بريت، أبري، والثاني أن يقول: هي «فعيلة» من:\nبرأ الله الخلق، بنيت على ترك الهمز. كما بنيت الخابية على ذلك، وهي من: خبأت. هذا؛ وقرأ نافع بالهمز في هذه السورة اللفظين، والقراءة بترك الهمز وتشديد الياء نشأت من قلب الهمزة ياء، وإدغامها في الياء الساكنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5048>فائدة:</span>\nلم يقل جل ذكره في هذه الآية: ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ كما قال بعد في صفة أهل الثواب؛ لأن رحمة الله أزيد من غضبه، فلم يتفق الخلودان في الأبدية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف. التقدير: كفروا بالله، وبرسوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و﴿أَهْلِ:﴾\nمضاف، و﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (المشركين): معطوف على ما قبله. وقيل: معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿فِي نارِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، و﴿نارِ:﴾ مضاف، و﴿جَهَنَّمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿خالِدِينَ:﴾\nحال من واو الجماعة منصوب... إلخ. وقال أبو البقاء: حال من الضمير في الخبر. ﴿فِيها:﴾\nجار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ أول، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُمْ شَرُّ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، و﴿شَرُّ:﴾ مضاف، و﴿الْبَرِيَّةِ:﴾ مضاف إليه.","vol":"10","page":685},{"text":"<span id=\"aya-6137\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: إن المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال هم خير الخليقة التي خلقها الله، وبرأها، فهم بسبب أعمالهم الصالحة، واجتنابهم الشرك، والأعمال القبيحة استحقوا أن يكونوا خير البرية. والخيرية يقال فيها ما قيل بقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٧]: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ ولا تنس المقابلة بين الآية، وسابقتها.\nالإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ:﴾\nانظر الآية السابقة أيضا، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة.\n<span id=\"aya-6138\"></span>﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾\nالشرح: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أي: ثواب الذين آمنوا، وعملوا الصالحات. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: مدخر عند ربهم، والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ:﴾ جنات إقامة، وخلود، يقال: عدن بالمكان: أقام فيه، ومنه: المعدن الموجود في باطن الأرض. وقال النبي ﷺ: «عدن دار الله التي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة:\nالنبيون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء﵁-. وقال عبد الله بن عمر﵄-: إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، حوله البروج، والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد. والحبرة بكسر الحاء وفتحها: ضرب من البرود اليمنية مخطط. وروي: أن عمر الفاروق﵁قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال:\nقصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون، والصديقون، والشهداء، وأئمة العدل.\n ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت قصورها، وبين أشجارها. ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا:﴾ مقيمون لا يبرحون منها، لا يظعنون، ولا يموتون، ولا يهرمون. هذا؛ والأبد: الزمان الطويل؛ الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر.\n ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: قبل الله أعمالهم، فرضي عنهم، ونالوا ثوابه، فرضوا بما أعطاهم. وقال محمد بن الفضل: الروح، والراحة في الرضا، واليقين، والرضا باب الله الأعظم، ومحل استرواح العابدين. هذا؛ ولقد تكرر رضا الله عن عباده، ورضا عباده عنه في","vol":"10","page":686},{"text":"القرآن الكريم، ويجدر بي أن أقول: إن رضا الله عن العبد موقوف على رضا العبد عن الله تعالى، وفحوى هذا: أن العبد إذا رضي بكل شيء يصيبه في دنياه من صحة، أو مرض، أو غنى، أو فقر، فيكون راضيا عن الله تعالى، فالله يثيبه رضاه؛ أي: رحمته وعفوه، وجوده، وإحسانه، فعليه: من أحب أن يعرف منزلته عند الله تعالى؛ فلينظر منزلة الله عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه، والدواء الشافي هو الرضا بقضاء الله، وقدره في كل ما يصيب المؤمن في دنياه. وخذ جرعة من هذا الدواء على لسان سيد الأنبياء ﷺ: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». رواه الإمام مسلم، وغيره عن أبي هريرة﵁-، وخذ ما يلي:\nقال أبو زيد-رحمه الله تعالى-: غلطت في أربعة أشياء في الابتداء مع الله تعالى: ظننت أني أحبه، فإذا هو قد أحبني. قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وظننت: أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عني. قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وظننت: أني أذكره، فإذا هو يذكرني قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾. وظننت: أني أتوب إليه، فإذا هو قد تاب عليّ. قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.\n ﴿ذلِكَ﴾ أي: المذكور من الجزاء، والرضوان. ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: خاف ربه، فتناهى عن المعاصي، فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير. هذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم، والفعل: خشي، يخشى: والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك؛ أي: أشد خوفا. هذا؛ وقد يأتي الفعل خشي بمعنى: علم القلبية. قال الشاعر المسلم: [الكامل]\nولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النبيّ محمّد\n (قالوا): معناه: علمت. وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٨١]: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾. قال الأخفش: معناه: كرهنا. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5051>خاتمة:</span>\nعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم بخير البرية؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلّما كانت هيعة؛ استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشرّ البرية؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال:\n «الذي يسأل بالله، ولا يعطي به». أخرجه أحمد.\nالإعراب: ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالمصدر ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ وقيل: متعلق بمحذوف حال منه، وكثير من النحويين لا يجيزون مجيء","vol":"10","page":687},{"text":"الحال من المبتدأ، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٣] من سورة (النحل)، و﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة؛ من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَنّاتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.\n ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما و(ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال عامله محذوف، التقدير: دخلوها، أو أعطوها خالدين، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا.\n ﴿رَضِيَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.\nوالجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها خبرا ثانيا للمبتدأ، وحالا من الضمير المجرور محلا بالإضافة وقد قبلها مقدرة. والتي بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها.\n ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل له. ﴿خَشِيَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد. ﴿رَبَّهُ:﴾\nمفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.\nوصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (البينة) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":688},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5052>سورة الزّلزلة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الزلزلة) مدنية في قول ابن عباس﵄ومكية في قول ابن مسعود، وعطاء، وجابر﵃وهي ثمان آيات، وخمس، وثلاثون كلمة، ومئة، وتسعة، وأربعون حرفا. وهذه السورة فضلها كثير، وتحتوي على عظيم. روى الترمذي عن أنس بن مالك -﵁قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ عدلت له بنصف القرآن، ومن قرأ: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ عدلت له بربع القرآن، ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عدلت له بثلث القرآن». وقال: حديث غريب.\nوروى عبد الله بن عمرو﵁قال: لما نزلت ﴿إِذا زُلْزِلَتِ..﴾. إلخ؛ بكى أبو بكر -﵁فقال النبي ﷺ: «لولا أنكم تخطئون، وتذنبون، ويغفر الله لكم؛ لخلق الله أمة يخطئون، ويذنبون، فيغفر لهم، إنه هو الغفور الرّحيم».\nوعن أنس بن مالك﵁-: أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: «هل تزوجت يا فلان؟». قال: لا والله يا رسول الله! ولا عندي ما أتزوج به! قال: «أليس معك قل هو الله أحد؟». قال: بلى! قال: «ثلث القرآن». قال: «أليس معك إذا جاء نصر الله والفتح؟».\nقال: بلى! قال: «ربع القرآن». قال: «أليس معك يا أيّها الكافرون؟». قال: بلى! قال: «ربع القرآن». قال: «أليس معك إذا زلزلت الأرض؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن تزوّج». أخرجه الترمذي. وانظر ما ذكرته في سورة (الكافرون).\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6139\"></span><span id=\"aya-6140\"></span><span id=\"aya-6141\"></span>﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣)﴾\nالشرح: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ أي: تحركت حركة شديدة، واضطربت، وذلك عند قيام الساعة. قيل: تزلزلت من شدة صوت إسرافيل؛ حتى يتكسر كل ما عليها من شدة الزلزلة، ولا تسكن؛ حتى تلقي ما على ظهرها من جبل، وشجر، وبناء. وفي وقت هذه الزلزلة قولان:\nأحدهما، (وهو قول الأكثرين): أنها في الدنيا، وهي من أشراط الساعة. والثاني: أنها زلزلة","vol":"10","page":689},{"text":"يوم القيامة. ويعين القول الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ فإن الإخراج إنما هو في النفخة الثانية، وكذا شهادتها بما وقع عليها إنما هو بعد النفخة الثانية، وكذلك انصراف الناس من الموقف إنما يكون بعد الثانية. تأمل. انتهى. جمل. ولا تنس قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [١]: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. هذا؛ و﴿زِلْزالَها﴾ بكسر الزاي ويقرأ بفتحها مثل:\n ﴿الْوَسْواسِ﴾ ونحوه.\n ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها:﴾ إظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، فمن قال: إن الزلزلة تكون في الدنيا؛ قال: ﴿أَثْقالَها:﴾ كنوزها، وما في باطنها من الدفائن، والأموال، فتلقيها على ظهرها. يدل على صحة هذا القول ما روي عن أبي هريرة﵁قال:\nقال رسول الله ﷺ: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب، والفضة، فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه، فلا يأخذون منه شيئا». أخرجه مسلم.\nوالأفلاذ: جمع فلذة، وهي القطعة المستطيلة، شبه ما يخرج من باطنها بأقطاع كبدها؛ لأن الكبد مستور في الجوف، وإنما خص الكبد؛ لأنها من أطيب ما يشوى عند العرب من الجذور، واستعار القيء للإخراج، ومن قال بأن الزلزلة تكون يوم القيامة؛ قال: ﴿أَثْقالَها:﴾ الموتى، فتخرجهم إلى ظهرها. قيل: إن الميت إذا كان في باطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها، ومنه قيل للإنس، والجن: الثقلان؛ لأن الأرض تثقل بهم أحياء، وأمواتا، قالت الخنساء﵂-: [المتقارب]\nأبعد ابن عمرو من آل الشّر... يد حلّت به الأرض أثقالها؟\nهذا؛ ووصافات الأرض بالإخراج توسعا، ومجازا، وفي الحقيقة: أن المخرج لما ذكر هو الله تعالى. وانظر قوله تعالى في سورة (الانشقاق): ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾.\n ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ أي: ما لها تزلزلت هذه الزلزلة العظيمة، ولفظت ما في بطنها؟! وفي الإنسان وجهان: أحدهما: أنه اسم جنس، يعم المؤمن، والكافر. وهذا على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة، والمعنى: أنها حين وقعت لم يعلم الكافر: أنها من أشراط الساعة، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك. والثاني: اسم للكافر خاصة، وهذا على قول من جعلها زلزلة القيامة؛ لأن المؤمن عارف بها، فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فإذا وقعت؛ سأل عنها، انتهى. خازن.\nوجملة القول: إن الناس يستنكرون أمر الأرض بعد أن كانت قارة ساكنة ثابتة؛ وهم مستقرون على ظهرها؛ حيث تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين، والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ﴾","vol":"10","page":690},{"text":"الْواحِدِ الْقَهّارِ رقم [٤٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام انتهى. مختصر ابن كثير.\nبعد هذا، فإن الكافر يقول كما حكى الله قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ سورة (يس) رقم [٥٢]. وأما المؤمن فإنه يقول كما حكى الله قوله: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ رقم [٥٢] من سورة (يس) والله أعلم بمراده، ولا تنس: أن التعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع.\nالإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿زُلْزِلَتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿زِلْزالَها:﴾ مفعول مطلق، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وحسن إضافة المصدر للضمير؛ لتتفق رؤوس الآي على لفظ واحد. ﴿وَأَخْرَجَتِ:﴾\nالواو: حرف عطف. (أخرجت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَثْقالَها:﴾ مفعول به، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿ما:﴾ اسم استفهام، وتعجب مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا.\n\n<span id=\"aya-6142\"></span><span id=\"aya-6143\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تخرج الأرض أثقالها. ﴿تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ أي: إن الأرض تحدث؛ أي: تشهد بكل ما عمل العبد على ظهرها من خير، أو شر، فتشكو العاصي، وتشهد عليه، وتشكر الطائع، وتشهد له. فعن أبي هريرة﵁-؛ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ قال: «أتدرون ما أخبارها؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:\n «فإنّ أخبارها أن تشهد على كلّ عبد، أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا، وكذا».\nرواه أحمد، والترمذي، وصححه. وكذا الحاكم، وغيره.\nوعن ربيعة الجرشي﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «استقيموا؛ ونعمّا إن استقمتم، وحافظوا على الوضوء، فإنّ خير أعمالكم الصلاة، وتحفّظوا من الأرض، فإنها أمّكم، وإنه ليس أحد عامل عليها خيرا، أو شرا إلاّ وهي مخبرة به». رواه الطبراني في الكبير.\n ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها:﴾ أمرها بالكلام، وأذن لها أن تخبر بما عمل عليها. قال ابن عباس﵄-: ﴿أَوْحى لَها﴾ قيل: إن الله تعالى يخلق في الأرض الحياة، والعقل، والنطق؛ حتى تخبر بما أمر الله به. وهذا مذهب أهل السنة، انتهى. خازن.","vol":"10","page":691},{"text":"وقال الجمل: الظاهر: أنه تحديث، وكلام حقيقي بأن يخلق الله فيها حياة، وإدراكا فتشهد بما عمل عليها من صالح، وطالح. وقيل: التحديث مجاز عن إحداث الله فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (فصلت)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية؛ أي: يوم تخرج الأرض أثقالها، و(إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين. كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في:\nحينئذ، وساعتئذ، ونحوهما، و(إذ) في الأصل ظرف لما مضى من الزمان. وأتت في هذه الآية والتي بعدها لما يستقبل بدليل قوله تعالى قبلهما: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾.\nالإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ بدل من ﴿إِذا،﴾ والعامل فيه هو العامل في المبدل منه. وأجاز الزمخشري تعليقه بما بعده، و(إذ) مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿تُحَدِّثُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿الْأَرْضُ﴾. ﴿أَخْبارَها:﴾ مفعول به، و(ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (إذ) لا محل لها. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَوْحى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و(أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تُحَدِّثُ،﴾ وأجاز الزمخشري اعتبارهما بدلا من ﴿أَخْبارَها﴾ كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها.\nهذا؛ والفعل حدث، يحدث يتعدى إلى مفعولين: الأول منهما محذوف، التقدير: تحدث الناس. والثاني ﴿أَخْبارَها﴾ ويتعدى للثاني تارة بنفسه كما هنا، وتارة بحرف الجر، تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا.\n\n<span id=\"aya-6144\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم تقع الزلزلة، وتخرج الأرض أثقالها. ﴿يَصْدُرُ النّاسُ:﴾\nينصرفون من موقف الحساب بعد العرض. ﴿أَشْتاتًا:﴾ متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار، وأشتاتا جمع: شتّ. ﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ يعني: ثواب أعمالهم.\nوهذا كما روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، فإن كان محسنا؛ فيقول: لم لا ازددت إحسانا؟ وإن كان غير ذلك؛ يقول: لم لا نزعت عن المعاصي؟»","vol":"10","page":692},{"text":"وهذا عند معاينة الثواب، والعقاب. هذا؛ وقيل: هذا الصدور إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتا من القبور، فيصار بهم إلى موقف الحساب؛ ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فكأنهم وردوا القبور. فدفنوا فيها، ثم صدروا عنها. والوارد الجائي، والصادر:\nالمنصرف. هذا؛ وقيل: ﴿أَشْتاتًا﴾ بيض الوجوه، آمنين، وسود الوجوه فزعين.\nالإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ بدل من سابقه، أو هو منصوب ب: ﴿يَصْدُرُ﴾ بعده، أو هو متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. ﴿يَصْدُرُ:﴾ مضارع. ﴿النّاسُ:﴾ فاعله. ﴿أَشْتاتًا:﴾ حال من الناس.\nوالجملة الفعلية فيها معنى البدلية من جملة: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ فهي من جملة جواب ﴿إِذا﴾.\n ﴿لِيُرَوْا:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، و«أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَصْدُرُ﴾.\n\n<span id=\"aya-6145\"></span><span id=\"aya-6146\"></span>﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾\nالشرح: قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت الآيتان في رجلين، وذلك: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ..﴾. إلخ رقم [٤] من سورة (الدهر) كان أحدهم يأتيه السائل، فيستقل أن يعطيه التمرة، والكسرة، والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكذبة، والغيبة، والنظرة، ويقول: إنما أوعد الله النار على الكبائر. فنزلت لترغيبهم في القليل من الخير يعطونه، فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر. وقاله سعيد بن جبير﵁-. والإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء. وقال ابن مسعود﵁-: هذه الآية أحكم آية في القرآن، وأصدق، وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية. وقال كعب الأحبار: لقد أنزل على محمد ﷺ آيتان أحصتا ما في التوراة، والإنجيل، والزبور، والصحف: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ..﴾. إلخ.\nوكان ابن عباس﵄يقول: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر؛ عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة؛ إذا مات، ويتجاوز الله عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهذا إذا كانت من مؤمن.","vol":"10","page":693},{"text":"وقال ابن عباس﵄أيضا: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا كان، أو شرا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن؛ فيغفر له سيئاته، ويثيبه بحسناته، وأما الكافر؛ فترد حسناته تحسرا، ويعذب بسيئاته. وهذا الاحتمال يساعده النظم، والمعنى. وما قيل من أن حسنات الكافر تؤثر في نقص العقاب يردّه قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الفرقان) انظر شرحها هناك، فإنه جيد إن شاء الله تعالى.\nوقال محمد بن كعب القرظي﵁-: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه، وماله، وأهله، وولده؛ حتى يخرج من الدنيا؛ وليس له عند الله خير.\nومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه، وماله، وولده، وأهله؛ حتى يخرج من الدنيا؛ وليس له عند الله شر. دليله ما رواه العلماء الأثبات من حديث أنس -﵁أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ وأبو بكر﵁يأكل، فأمسك، وقال: يا رسول الله! وإنا لنرى ما عملنا من خير، وشرّ؟ قال: «ما رأيت ممّا تكره؛ فهو مثاقيل ذرّ الشرّ، ويدّخر لكم مثاقيل ذرّ الخير؛ حتى تعطوه يوم القيامة». وخذ ما يلي.\nوسمى رسول الله ﷺ هذه الآية: «الجامعة الفاذة» حين سئل عن زكاة الحمير، فقال: ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..﴾. إلخ وكان هذا السؤال حين ذكر الرسول ﷺ ما في الخيل من الأجر الدائم، والثواب المستمر، سأل السائل عن الحمير فقط؛ لأنهم لم يكن عندهم بغل يومئذ، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي ﷺ الدلدل؛ التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية. هذا؛ وفي صحيح البخاري عن عدي﵁مرفوعا: «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، ولو بكلمة طيبة». وله أيضا في الصحيح: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا؛ ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، ولو أن تلقى أخاك؛ ووجهك إليه منبسط». أخرجه البخاري. وفي الصحيح أيضا: «يا نساء المسلمات! لا تحقرنّ جارة لجارتها؛ ولو فرسن شاة». يعني: ظلفها. أخرجه البخاري. وفي حديث آخر «ردّوا السائل ولو بظلف محرق». وعن عائشة﵂-: أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة استتري من النار، ولو بشقّ تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدّها من الشبعان». أخرجه الإمام أحمد، هذا كله بالنسبة لعمل الخير القليل.\nوأما بالنسبة لعمل الشر القليل فخذ ما يلي: فقد روي عن سعد بن جنادة﵁- قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين؛ نزلنا قفرا من الأرض، ليس فيها شيء، فقال النبي ﷺ:\n «اجمعوا، من وجد شيئا؛ فليأت به، ومن وجد عظما، أو سنا؛ فليأت به». قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما، فقال النبي ﷺ: «أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، فلا يذنب صغيرة، ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه». أي:","vol":"10","page":694},{"text":"معدودة مسجلة عليه. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. وعن أنس﵁قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشّعر، كنا نعدّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات. رواه البخاري، وغيره. وانظر ما ذكرته في سورة (النجم) رقم [٥٢ و٥٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ولا تنس المقابلة بين الآيتين الكريمتين، وهي من المحسنات البديعية.\nهذا؛ و(الذرة) النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس الداخل إلى بيت مظلم من الهباء، وروي: أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي ﷺ يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ..﴾. إلخ فقال صعصعة: حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة خيرا؛ رأيته، وإن عملت مثقال ذرة شرا؛ رأيته.\nطرفة: يحكى: أن أعرابيا قرأ سورة (الزلزلة) فأخر ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ وقدم ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾ فقيل له: قدمت، وأخرت، فقال: [الطويل]\nخذا بطن هرشى أو قفاها فإنّه... كلا جانبي هرشى لهنّ طريق\nهرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ولها طريقان. فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع، وتفصيل ل: (يروا). (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِثْقالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿ذَرَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرًا:﴾ تمييز؛ لأنه بعد الوزن منصوبا. وقيل: بدل من ﴿مِثْقالَ﴾. ﴿يَرَهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والهاء مفعول به. هذا؛ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان وهو المرجح لدى المعاصرين. والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الزلزلة) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5057>سورة العاديات</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (العاديات) مكية في قول ابن مسعود، وجابر، والحسن، وعكرمة، وعطاء﵃ومدنية في قول ابن عباس، وأنس، ومالك، وقتادة﵃-. وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومئة وثلاثة وستون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6147\"></span><span id=\"aya-6148\"></span><span id=\"aya-6149\"></span><span id=\"aya-6150\"></span><span id=\"aya-6151\"></span>﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾\nالشرح: المراد بهذه الآيات: الخيل؛ التي تعدو في سبيل الله، فتضبح. قال قتادة: تضبح إذا عدت؛ أي: تحمحم. قال الفراء: الضبح: صوت أنفاس الخيل إذا عدون. وقال ابن عباس -﵄-: ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس، والكلب، والثعلب. قال ابن العربي: أقسم الله بمحمد ﷺ، فقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ وأقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الآية رقم [٧٢] من سورة (الحجر)، وأقسم بخيله، وصهيلها، وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: ﴿وَالْعادِياتِ..﴾. إلخ. وعن ابن عباس﵄- أنه حكى الضبح: أح أح. قال عنترة: [مجزوء الكامل]\nوالخيل تكدح حين تض... بح في حياض الموت ضبحا\nوقال آخر: [الخفيف]\nلست بالتّبّع اليمانيّ إن لم... تضبح الخيل في سواد العراق\nوقال أهل اللغة في بيان: أن العاديات الخيل: [الرجز]\nوطعنة ذات رشاش واهيه... طعنتها عند صدور العاديه\nوإنما تضبح الحيوانات المذكورة إذا تغيرت حالها من فزع، أو تعب، أو طمع. وممن قال العاديات: الخيل ابن عباس، وأنس، والحسن، ومجاهد. وهناك قول ثان: إنها الإبل. قال الشعبي: فتمارى علي، وابن عباس﵄في العاديات، فقال عليّ﵁-: هي الإبل تعدو في الحج. وقال ابن عباس﵄-: هي الخيل، ألا تراه","vol":"10","page":696},{"text":"يقول: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فهل تثير إلا بحوافرها، وهل تضبح الإبل؟ فقال علي: ليس كما قلت، لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرسان: فرس للمقداد، وفرس للزبير، أتفتي الناس بما لا تعلم، فكيف تكون الخيل العاديات ضبحا؟! إنما العاديات الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى. قال ابن عباس﵄-: فرجعت إلى قول علي. وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي﵃-. ومنه قول صفية بنت عبد المطلب﵂-: [الوافر]\nفلا والعاديات غداة جمع... بأيديها إذا سطع الغبار\nيعني: الإبل. وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو، وهو تباعد الأرجل في سرعة المشي.\nوقال آخر: [الطويل]\nرأى صاحبي في العاديات نجيبة... وأمثالها في الواضعات القوامس\nومن قال: هي الإبل فقوله (ضبحا) بمعنى: ضبعا، فالحاء عنده مبدلة من العين؛ لأنه يقال:\nضبعت الإبل، وهو أن تمد أعناقها في السير. وقال المبرد: الضبع مد أضباعها في السير، والضبح أكثر ما يستعمل في الخيل، والضبع في الإبل، وقد تبدل الحاء من العين.\nهذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن صحت الرواية فقد استعير الضبح للإبل كما استعير المشافر، والحافر للإنسان، والشفتان للمهر. أقول: والأكثر: أن المراد الخيل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nوقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: وفي هذا دليل على أن هذه الأوصاف لذات واحدة لعطفها بالفاء؛ التي تقتضي التعقيب. والظاهر: أنها الخيل؛ التي يجاهد عليها العدو من الكفار، ولا يستدل على أنها الإبل بوقعة بدر، وإن لم يكن فيها إلا فرسان؛ لأنه لم يذكر: أن سبب نزول هذه السورة هو وقعة بدر، ثم بعد ذلك لا يكاد يوجد: أن الإبل جوهد عليها في سبيل الله، بل المعلوم أنه لا يجاهد إلا على الخيل في سبيل الله، في شرق البلاد، وغربها.\n ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحًا:﴾ هي الخيل حين توري النار بحوافرها، وهي سنابكها، وهذا يكون في القتال في الكرّ، والفرّ، وعلى الثاني هي أخفاف الإبل ترمي بالحجارة من شدة عدوها، فيضرب الحجر حجرا أخرى، فيوري النار. وقيل: هي النار بمنى.\n ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا:﴾ الخيل تغير على العدو عند الصبح عن ابن عباس، وأكثر المفسرين.\nوكانوا إذا أرادوا الغارة؛ سروا ليلا، ويأتون العدو صبحا؛ لأن ذلك وقت غفلة الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ رقم [١٧٧] من سورة (الصافات). وقيل: لعزهم أغاروا نهارا. وعلى قول علي﵁-: الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من مزدلفة إلى منى، والإغارة سرعة السير.","vol":"10","page":697},{"text":"﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أي: غبارا. يعني: الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به، والضمير في (به) يرجع إلى المكان، أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة. وإذا علم المعنى جاز أن يكنّى بما لم يجر له ذكر بالتصريح، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ رقم [٢٦] من سورة (القيامة)، انظر شرحها، ففيه الكفاية. وعلى قول علي﵁يثور الغبار في ذلك المكان من أخفاف الإبل.\n ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أي: فوسطن بركبانهن العدوّ؛ أي: الجمع الذي أغاروا عليهم. وعلى قول علي﵁-. (فوسطن به جمعا) يعني: مزدلفة سميت: جمعا لاجتماع الناس فيها. وانظر ما ذكرته في أول سورة (الشمس) بشأن المقسم به؛ تجد ما يسرك.\nهذا؛ وتفرد البيضاوي بقوله: ويحتمل أن يكون القسم بالنفوس العادية أثر كمالهنّ، الموريات بأفكارهنّ أنوار المعارف، المغيرات على الهوى، والعاديات إذا ظهر لهنّ مبدأ أنوار القدس، فأثرن به شوقا، فوسطن به جمعا من جموع العليين. انتهى.\nالإعراب: ﴿وَالْعادِياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. ﴿ضَبْحًا:﴾\nمفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تضبح ضبحا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من العاديات. ﴿فَالْمُورِياتِ:﴾ الفاء: حرف عطف. (الموريات): معطوف على (العاديات) وفاعلهما مستتر فيه. ﴿قَدْحًا:﴾ مفعول به للموريات. ﴿فَالْمُغِيراتِ:﴾ معطوف على ما قبله. وفاعله مستتر فيه. ﴿صُبْحًا:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (المغيرات). هذا؛ وقيل: ﴿صُبْحًا:﴾ مصدر في موضع الحال، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا﴾ لأنه بمعنى: غائرا. وقيل:\n ﴿قَدْحًا﴾ منصوب على الحال أيضا، فالمعنى: قادحات.\n (أثرن): فعل ماض مبني على السكون، والنون فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نَقْعًا:﴾ مفعول به. هذا؛ والفعل (أثرن) معطوف على الأسماء السابقة. وهو عطف فعل على اسم، وساغ ذلك؛ لأن الأسماء السابقة في تقدير الفعل؛ إذ المعنى: التي تعدو، والتي توري، والتي تغير، والتي تثير. أو المعنى: اللاتي عدون، واللاتي قدحن، واللاتي أغرن، واللاتي أثرن. هذا؛ وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [٩٥]: [الوافر]\nوأنّا الشّاربون الماء صفوا... ويشرب غيرنا كدرا وطينا\nإذ المعنى: وأنا الذين يشربون الماء، ويشرب... إلخ. هذا؛ وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nواعطف على اسم شبه فعل فعلا... وعكسا استعمل تجده سهلا\nقال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-في شرح هذا البيت: يجوز أن يعطف الفعل على الاسم المشبه للفعل، كاسم الفاعل، ونحوه. ويجوز أن يعطف على الفعل الواقع موقع الاسم اسم،","vol":"10","page":698},{"text":"فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَالْعادِياتِ..﴾. إلخ الآيات؛ التي نحن بصدد شرحها. وقوله تعالى في سورة (الحديد) رقم [١٨]: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ..﴾. إلخ وقال: ومن الثاني قول الشاعر: [الطويل]\nفألفيته يوما يبير عدوّه... ومجر عطاء يستحقّ المعابرا\nف: «مجر عطاء» معطوف على: «يبير»، وقول الشاعر: [الرجز]\nبات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسوقها وجائر\nف: «جائر» معطوف على: «يقصد». ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في الإعراب والتقدير، و﴿جَمْعًا﴾ مفعول به. وأغرب مكي كل الغرابة حيث قال: حال. وقاله أبو البقاء أيضا.\n\n<span id=\"aya-6152\"></span><span id=\"aya-6153\"></span><span id=\"aya-6154\"></span>﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ:﴾ اللام للجنس؛ أي: جنس الإنسان. وقيل: المراد: الكافر.\n ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ:﴾ قال ابن عباس﵄-: لكفور جحود لنعم الله. وكذلك قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-. وقال: يذكر النقم، وينسى النعم. أخذه الشاعر فنظمه: [السريع]\nيا أيها الظّالم في فعله... والظلم مردود على من ظلم\nإلى متى أنت وحتّى متى؟ ... تشكو المصيبات وتنسى النّعم\nوروى أبو أمامة الباهلي﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الكنود: هو الذي يأكل، ويمنع رفده، ويضرب عبده». الرفد بكسر الراء: العطاء، والصلة. وعن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بشراركم؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال:\n «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده». خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وروي عن ابن عباس﵄أيضا: أنه قال: الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي.\nوبلسان ربيعة، ومضر: الكفور. وبلسان كنانة: البخيل السيئ الملكة. وقاله مقاتل. وقال الشاعر: [الطويل]\nكنود لنعماء الرجال ومن يكن... كنودا لنعماء الرجال يبعّد\nوقال إبراهيم بن هرمة: [الوافر]\nدع البخلاء إن شمخوا وصدّوا... وذكرى بخل غانية كنود","vol":"10","page":699},{"text":"وقيل: الكنود: قليل الخير، مأخوذ من الأرض الكنود، وهي التي لا تنبت شيئا. وقال الفضيل بن عياض: الكنود هو الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، وضده: الشكور؛ الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة. وقيل غير ذلك.\n ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي: وإن الله ﷿ لشهيد على الإنسان بما يصنع. وعليه أكثر المفسرين. وقال الحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي﵃-: أي: وإن الإنسان لشاهد على نفسه بما يصنع؛ أي: شاهد بلسان حاله، ظاهر ذلك عليه في أقواله، وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ رقم [١٧] من سورة (التوبة).\n ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ:﴾ وإن الإنسان بلا خلاف. ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ أي: المال، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨٠]: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: مالا، والخير يكون بمعنى الطعام، كما في قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ رقم [٢٤] من سورة (القصص). والخير يكون بمعنى القوة، كما قال تعالى في سورة (الدخان) رقم [٣٧]: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. ويكون بمعنى العبادة، كقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾ وقال عدي: [المنسرح]\nماذا ترجّي النفوس من طلب ال... خير وحبّ الحياة كاربها\nأي: غامها. من: كربه الأمر: اشتد عليه. ﴿لَشَدِيدٌ:﴾ لقوي في حبه للمال. وقيل: المعنى:\nلبخيل. ويقال للبخيل: شديد، ومتشدد. قال طرفة بن العبد في معلقته رقم [٧١]: [الطويل]\nأرى الموت يعتام الكرام ويصطفي... عقيلة مال الفاحش المتشدّد\nقال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: سمى الله المال: خيرا؛ وعسى أن يكون شرا، وخيرا، ولكن الناس يعدونه خيرا، فسمّاه الله خيرا لذلك، وسمى الله الجهاد سوءا. فقال في سورة (آل عمران) رقم [١٧٤]: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ على ما يسميه الناس سوءا؛ أي: يتخوفون منه.\nبعد هذا فقد قال الإمام الفخر-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله المقسم به، وهو ثلاثة أمور، ذكر المقسم عليه، وهو أمور ثلاثة أيضا: أولها قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ،﴾ وثانيها قوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ،﴾ ثالثها قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. وقوله: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ..﴾.\nإلخ شروع في تخويف الإنسان بعد تعديد قبائح أفعاله عليه، فأقسم بثلاثة على ثلاثة. انتهى.\nجمل، والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لِرَبِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله","vol":"10","page":700},{"text":"مستتر فيه. ﴿لَكَنُودٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (كنود): خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية جواب القسم، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (إنه): حرف مشبه بالفعل. والهاء اسمها. ﴿لِحُبِّ:﴾ متعلقان ب: (شديد)، و(حب): مضاف، و﴿الْخَيْرِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف.\n ﴿لَشَدِيدٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (شديد): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. هذا؛ واللام بقوله (لحب) تسمى لام التقوية، انظر ما ذكرته في إعراب قوله تعالى في سورة (البروج) رقم [١٦]: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ تجد ما يسرك. ولا تنس: أن التأكيد ب: (إنّ) واللام في الآيات الثلاث إنما هو زيادة في التقرير، والبيان، وهذا من مباحث علم المعاني.\n\n<span id=\"aya-6155\"></span><span id=\"aya-6156\"></span><span id=\"aya-6157\"></span>﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام؛ أي: أيفعل ما يفعل من القبائح، فلا يعلم إذا بعثر ما في القبور؟! هذا تهديد، ووعيد. هذا؛ والهمزة في الكلمة ﴿أَفَلا﴾ ومثلها ﴿أَفَلَمْ﴾ و﴿أَوَلَمْ﴾ ونحوهما للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء، والواو؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثمّ» تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقوله تعالت حكمته: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ..﴾. إلخ، ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا، فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم، فنضرب عنكم... إلخ؟! أتؤمنون في حياته، فإن مات... إلخ؟ ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني بتصرف.\nهذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]\nلعلم عرفان وظن تهمه... تعدية لواحد ملتزمه\nبخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر، وأيضا: فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني،","vol":"10","page":701},{"text":"والنسب. وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى: أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن المعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما؛ لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة. تأمل، وتدبر.\n ﴿بُعْثِرَ:﴾ البعثرة بالعين، والبحثرة بالحاء: استخراج الشيء، واستكشافه. وانظر قوله تعالى في سورة (الانفطار): ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. وقال أبو عبيدة: بعثرت المتاع: جعلت أسفله أعلاه.\nوقال الفراء: سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ: «(بحثر)» بالحاء مكان العين، وحكاها الماوردي عن ابن مسعود﵁وهما بمعنى. ﴿ما فِي الْقُبُورِ:﴾ من الموتى، وهذا على الأغلب، وهناك من هو في جوف الطير، وجوف السمك، وهناك من أحرق، وصار رمادا، فلم يدفن، كما هو معلوم لدى كل إنسان.\nهذا؛ وقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: لم قال: ﴿ما فِي الْقُبُورِ؟﴾ ولم يقل: من في القبور، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ؟﴾ أجيب عن الأول بأن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء، بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء. انتهى. أقول: وهذا؛ لأن (من) للعاقل، و(ما) لغيره.\n ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ أي: أخرج، وجمع بغاية السهولة ما في الصدور من خير، وشر، وإيمان، وكفر مما يظن مضمره: أنه لا يعلمه أحد أصلا، وظهر مكتوبا في صحائف الأعمال.\nوهذا يدل على أن الإنسان يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. انتهى. خطيب.\nأقول: انظر قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٤]: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾. ولا تنس: أنه خص أعمال القلوب بالذكر، وترك أعمال الجوارح؛ لأنها تابعة لأعمال القلوب، فإنه لولا تحقق البواعث، والإرادات في القلوب؛ لما حصلت أعمال الجوارح.\n ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ:﴾ عالم لا يخفى عليه منهم خافية. وهو عالم بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، وعالم بما يصنعون، ومجازيهم عليه أوفر الجزاء. وإنما خص علمه بهم في ذلك اليوم، وهو يوم القيامة؛ لأنه يوم الجزاء بقصد الوعيد، والتهديد، وهو تضمين معنى (خبير).\nالإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: عاطفة على محذوف. انظر تقديره في الشرح. (لا): نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾ تقديره:\n «هو». ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد عن الشرطية، العامل فيه ما دل عليه قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ ولا يعمل فيه ﴿يَعْلَمُ؛﴾ لأن الإنسان لا يراد منه العلم، ولا يقصد منه في ذلك الوقت،","vol":"10","page":702},{"text":"وإنما يراد منه، وهو في الدنيا، ولا يجوز أن يكون ظرفا ل: ﴿بُعْثِرَ؛﴾ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا لقوله: (خبير)؛ لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها... إلخ. انتهى.\nجمل بتصرف. ﴿بُعْثِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿فِي الْقُبُورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير:\nيوجد في الصدور، وجملة: ﴿بُعْثِرَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، والكلام: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ..﴾. إلخ كله مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وهي مثلها في إعرابها.\n ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (خبير) بعدهما.\n ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (خبير) أيضا. و(إذ) في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة التقدير: يوم إذ بعثر ما في القبور، ولا تمنع لام الابتداء من عمل ما بعدها فيما قبلها. (خبير): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (العاديات) شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":703},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5061>سورة القارعة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (القارعة)، وهي مكية باتفاق، وهي إحدى عشرة آية، وست وثلاثون كلمة، ومئة واثنان وخمسون حرفا. ومناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر وقت بعثرة القبور؛ أتبعه بأهوال يوم القيامة، وبيان وقتها. وقال الرازي-رحمه الله تعالى-: لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ فكأنه قيل: وما ذلك اليوم؟ فقيل: هو القارعة. انتهى. جمل.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6158\"></span><span id=\"aya-6159\"></span><span id=\"aya-6160\"></span>﴿الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣)﴾\nالشرح: ﴿الْقارِعَةُ:﴾ أصل القرع: الصوت الشديد، ومنه: قوارع الدهر؛ أي: شدائده، والقرع أيضا: الضرب بشدة، ومنه: المقرعة. واتفقوا على أن القارعة اسم من أسماء القيامة، مثل: الحاقة، والطامة، والصاخة، سميت بذلك؛ لأنها تقرع القلوب بالفزع، والشدائد، وسبب ذلك: أن القارعة هي الصيحة التي يموت منها الخلائق سوى إسرافيل، ثم يميته، ثم يحييه، فينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة: إذا وقع بهم أمر فظيع. قال ابن أحمر: [الوافر]\nوقارعة من الأيّام لولا... سبيلهم لزاحت عنك حينا\nوقال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾.\n ﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ أي: أي شيء هي القارعة، فهو تهويل، وتعظيم. والمعنى: أنها فاقت القوارع في الهول، والشدة. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ:﴾ زيادة في تعظيم القيامة، وتفخيم شأنها. معناه: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها فهم أحد، وكيفما أمرها، فهي أعظم من ذلك، انظر سورة (الحاقة) وسورة (القدر).\nهذا؛ وإنما سميت القيامة: القارعة؛ لشدة هولها على النفوس؛ لأنها لا تفزع القلوب فحسب، بل تؤثر في الأجرام العظيمة، فتؤثر في السموات بالانشقاق، وفي الأرض بالزلزلة، وفي الجبال بالدك والنسف، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الشمس، والقمر بالتكوير، والانكدار؛ إلى غير ما هنالك مما ذكرته فيما سبق، وفي بقية السورة بيان شيء من ذلك الهول المفزع.","vol":"10","page":704},{"text":"الإعراب: ﴿الْقارِعَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَا:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.\n ﴿الْقارِعَةُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿الْقارِعَةُ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (ما)، والكاف مفعوله الأول، والجملة الاسمية: ﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: (أدرى)؛ لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (ما)، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو.\n\n<span id=\"aya-6161\"></span><span id=\"aya-6162\"></span>﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾\nالشرح: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ..﴾. إلخ أي: ذلك يحدث عند ما يخرج الناس من قبورهم فزعين، كأنهم فراش متفرق منتشر هنا وهناك، يموج بعضهم في بعض من شدة الفزع، والحيرة.\nقال الرازي: شبه تعالى الخلق وقت البعث هاهنا بالفراش المبثوث، وفي آية أخرى بالجراد المنتشر، أما وجه التشبيه بالفراش؛ فلأن الفراش إذا ثار لم يتجه إلى جهة واحدة، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى، فدل على أنهم إذا بعثوا؛ فزعوا. وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة، يصبحون كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا، فكذلك الناس إذا بعثوا يموج بعضهم في بعض، كالجراد، والفراش، كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٩٩]: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.\nقال قتادة-رحمه الله تعالى-: الفراش: الطير الذي يتساقط في النار، والسراج، الواحدة:\nفراشة. وقال الفراء: إنه الهمج الطائر من بعوض، وغيره، ومنه: الجراد. ويقال: هو أطيش من فراشة. قال الشاعر: [الرجز]\nطويّش من نفر أطياش... أطيش من طائرة الفراش\nوقال جرير في هجاء الفرزدق: [الكامل]\nإنّ الفرزدق ما علمت وقومه... مثل الفراش غشين نار المصطلي\nوفي صحيح مسلم: عن جابر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب، والفراش يقعن فيها، وهو يذبّهنّ عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النّار، وأنتم تفلّتون من يدي». وفي الباب عن أبي هريرة﵁-. و﴿الْمَبْثُوثِ:﴾","vol":"10","page":705},{"text":"المتفرق. وقال في موضع آخر في قوله تعالى في سورة (القمر) رقم [٧]: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ فأوّل حالهم كالفراش لا وجه له، يتحير في كل وجه، ثم يكونون كالجراد؛ لأن لها وجها تقصده، وفي أمثالهم: أضعف من فراشة، وأذل وأجهل من جرادة. وسمي فراشا لتفرشه، وانتشاره.\n ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ أي: الصوف الذي ينفش باليد. وأهل اللغة يقولون:\nالعهن: الصوف المصبوغ. وذلك؛ لأنها تتفرق أجزاؤها في ذلك اليوم حتى تصير كالصوف المتطاير عند الندف، وإنما جمع بين حال الناس وحال الجبال تنبيها على أن تلك القارعة أثرت في الجبال العظيمة الصلدة الصلبة حتى تصير كالصوف المندوف مع كونها غير مكلفة، فكيف حال الإنسان الضعيف المقصود بالتكليف؛ وهو مبعوث من قبره للحساب، والجزاء؟! وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [٢٠] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nالإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: تقرع يوم، أو تقديره: اذكر.\nوقيل: ﴿يَوْمَ﴾ مبني على الفتح في محل رفع من وجهين: أحدهما: أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي يوم، كما هو رأي الكوفيين لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا. وثانيهما: أنه فاعل لفعل محذوف، التقدير: سيأتي يوم يكون. وقيل: ﴿الْقارِعَةُ﴾ رفع بإضمار فعل، وذلك الفعل عامل في ﴿يَوْمَ﴾ تقديره: ستأتي القارعة يوم يكون. انتهى. مكي، والأول هو المعتمد بلا شك، ولا ريب. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿النّاسُ:﴾ اسمها. ﴿كَالْفَراشِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونُ﴾ التقدير: يكون الناس مشبهين بالفراش. وإن اعتبرت ﴿يَكُونُ﴾ تاما؛ فالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف حال، التقدير: يوجدون ويحشرون حال كونهم مشبهين بالفراش. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فالمحل لها على الاعتبارين، وتكون مضافة، و(الفراش): مضاف إليه. ﴿الْمَبْثُوثِ:﴾ صفة (الفراش) وجملة:\n ﴿يَكُونُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي مثلها في إعرابها وفي محلها.\n\n<span id=\"aya-6163\"></span><span id=\"aya-6164\"></span><span id=\"aya-6165\"></span><span id=\"aya-6166\"></span><span id=\"aya-6167\"></span><span id=\"aya-6168\"></span>﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)﴾\nالشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ:﴾ هذا تفصيل لأحوال الناس في ذلك اليوم، العظيم شأنه، الطويل زمانه، القريب أوانه، وهذا التفصيل تجده في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ..﴾. إلخ رقم [١٠٥] وما بعدها.\n ﴿ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت حسناته على سيئاته. يعني: رجحت موازين حسناته. قيل:\nهو جمع: موزون، وهو العمل الذي له قدر، وخطر عند الله تعالى. وقيل: هو جمع: ميزان، وهو","vol":"10","page":706},{"text":"الذي له لسان، وكفتان، توزن فيه الأعمال، فيؤتى بحسنات المؤمن في أحسن صورة، فتوضع في كفة الميزان، فإن رجحت حسناته؛ فالجنة له. ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة، فتخف ميزانه، فيدخل النار. وقيل: إنما توزن أعمال المؤمنين. فمن ثقلت حسناته على سيئاته؛ دخل الجنة، ومن ثقلت سيئاته على حسناته؛ دخل النار، فيقتص منه على قدرها، ثم يخرج منها، فيدخل الجنة، أو يعفو الله عنه بكرمه، فيدخل الجنة بفضل الله، وكرمه، ورحمته، وأما الكفار؛ فلا توزن أعمالهم. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٠٥]: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾.\nروي: أن أبا بكر﵁حين حضره الموت. قال في وصيته لعمر بن الخطاب -﵁-: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا.\nهذا؛ وقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات السعداء الذين غلبت حسناتهم على سيئاتهم، والأشقياء الذين غلبت سيئاتهم على حسناتهم، وبقي صنف ثالث، وهم من تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم أصحاب الأعراف المذكورون في الآية رقم [٤٦] وما بعدها، من سورة (الأعراف) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ..﴾. إلخ.\nهذا؛ والمراد بالوزن: القضاء، أو وزن الأعمال، وهو مقابلتها بالجزاء. والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان، له لسان، وكفتان، ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم.\nوالحكمة من وزن الأعمال مع علم الله بمقاديرها تتجلى فيما يلي: منها: إظهار العدل الإلهي، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة. ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير، وشر، وحسنة، وسيئة. ومنها:\nإظهار علامة السعادة، والشقاوة، وخذ ما يلي:\nفعن أنس بن مالك﵁رفعه إلى النبي ﷺ قال: «ملك موكل بالميزان، فيؤتى بابن آدم، فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه، نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وإن خفّ ميزانه؛ نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا». رواه البيهقي، والبزار.\nعن سلمان الفارسي﵁عن النبي ﷺ قال: «يوضع الميزان يوم القيامة. فلو وزن فيه السموات، والأرض؛ لوسعهنّ. فنقول الملائكة: يا ربّ لمن يزن هذا؟ فيقول الله: لمن شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك». رواه الحاكم.","vol":"10","page":707},{"text":"هذا؛ و(موازين) جمع: ميزان، وأصله: موزان، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، ومثله: ميعاد، وميثاق، وميقات، وميراث.\n ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أي: راض بها صاحبها. ففيه إسناد مجازي عقلي. انظر سورة (الحاقة) رقم [٢١]. ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت سيئاته على حسناته، كما رأيت فيما تقدم، فعن عائشة﵂قالت: ذكرت النار، فبكيت، فقال رسول الله ﷺ: «ما يبكيك؟». قلت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: «أما في ثلاثة مواطن؛ فلا يذكر أحد أحدا، عند الميزان؛ حتى يعلم أيخفّ ميزانه، أم يثقل؟ وعند تطاير الصحف؛ حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه، أم في شماله، أم وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم؛ حتى يجوز». رواه أبو داود. ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ يعني: جهنم، وسماها أمّا؛ لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمّه. قاله ابن زيد. وقيل للمأوى: أمّ على التشبيه؛ لأن الأمّ مأوى الولد، ومفزعه. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل]\nفالأرض معقلنا وكانت أمّنا... فيها مقابرنا وفيها نولد\nوسميت النار هاوية؛ لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها، وليستقر فيها. وقال الشاعر: [السريع]\nيا عمرو لو نالتك أرماحنا... كنت كمن تهوي به الهاويه\nويقال: هوت أمه فهي هاوية؛ أي: ثاكلة. قال كعب بن سعد الغنوي: [الطويل]\nهوت أمّه ما يبعث الصبح غاديا... وماذا يردّ الليل حين يؤوب\n ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ أي: ما الهاوية، الأصل: ما هي، فدخلت الهاء للسكت. ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أي: شديدة الحرارة. وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حرّ جهنم». قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله! قال: «فإنّها فضّلت عليها بتسعة وستّين جزءا كلّها مثل حرّها».\nوروى الإمام أحمد عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرّتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد». وروى الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ:\n «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة». وانظر الآية رقم [٤] من سورة (الغاشية).\nوفي الخبر عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «إن الموتى يسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله، فيقول: ذلك مات قبلي، أما مرّ بكم؟ فيقولون: لا والله، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية». انتهى. قرطبي.","vol":"10","page":708},{"text":"وفي الجمل، فإن قلت: كيف قال: ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ مع أن أكثر المؤمنين سيئاتهم راجحة على حسناتهم؟ قلنا: قوله: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ لا يدل على خلوده فيها، فيسكن المؤمن فيها بقدر ذنوبه، ثم يخرج منها إلى الجنة. وقيل: المراد بخفة الموازين:\nخلوها من الحسنات بالكلية، وتلك موازين الكفار. انتهى. كرخي. هذا؛ وما يقوله بعض المتمشيخة في هذا الزمن: إن المؤمن لا يعذب، ولا يحرق في نار جهنم؛ فهو كذب على الله صراح. هذا؛ وفي السورة المقابلة بين: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ..﴾. إلخ، وبين: ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ..﴾.\nإلخ وهو من المحسنات البديعية، وأيضا الاحتباك، وهو أن يحذف من كل نظير ما أثبته في الآخر، فقوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ حذف من الأول: (فأمه الجنة) وذكر فيها: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وحذف من الآية الثانية: (فهو في عيشة ساخطة) وذكر: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فحذف من كل ما أثبته في الآخر، وهو من المحسنات البديعية أيضا.\nالإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (أما): انظر الآية رقم [١٥] من سورة (الفجر). ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ثَقُلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿مَوازِينُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي عِيشَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿راضِيَةٍ:﴾\nصفة ﴿عِيشَةٍ،﴾ والجملة الاسمية: (هو...) إلخ في محل جزم جواب الشرط. والدسوقي يقول: لا محل لها. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما رأيت في سورة (الزلزلة)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، بلا فارق. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. وهذا كثير في الآيات القرآنية. ﴿وَما أَدْراكَ..﴾. إلخ الإعراب مثل ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ بلا فارق، والهاء للسكت حرف لا محل له. ﴿نارٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي نار، والجملة الاسمية مفسرة للضمير. ﴿حامِيَةٌ:﴾ صفة ﴿نارٌ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (القارعة) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":709},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5065>سورة التكاثر</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (التكاثر) مكية في قول جميع المفسرين. وروى البخاري: أنها مدنية، وهي ثمان آيات، وست وثلاثون كلمة، ومئة واثنان وخمسون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6169\"></span><span id=\"aya-6170\"></span>﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢)﴾\nالشرح: مناسبة السورة لما قبلها: أنه لما ذكر أهوال القيامة؛ ذم اللاهين والمشتغلين عنها، فقال: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾. انتهى. جمل، ومعنى ﴿أَلْهاكُمُ﴾ شغلكم أيها الناس التفاخر بالأموال، والأولاد، والرجال عن طاعة الله، وعن الاستعداد للآخرة؛ حتى متم، ودفنتم في المقابر. هذا؛ وقال الزمخشري: وقرأ ابن عباس ﵄: «(أألهاكم)» على الاستفهام؛ الذي معناه التقرير.\nقال ابن بريدة﵁-: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار: بني حارثة، وبني الحارث، تفاخروا، وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان، وفلان. وقال الآخرون: مثل ذلك. تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان (يشيرون إلى القبور) ومثل فلان. وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله الآية، وما بعدها، وهذا يعني: أن السورة مدنية.\nوقال الزمخشري: روي: أن بني عبد مناف، وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا، فكثرتهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية، فعادونا بالأحياء، والأموات، فكثرهم بنو سهم، وهذا يعني: أن السورة مكية.\nوالمعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال، والأولاد، والتفاخر بالرجال إلى أن متم، وقبرتم منفقين أعماركم في طلب الدنيا، والاستباق إليها، والتهالك عليها، إلى أن أتاكم الموت لا همّ لكم غير ذلك عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم، والعمل لآخرتكم. وزيارة القبور كناية عن الموت. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-الآية تعم جميع ما ذكر، وغيره. وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن الشخير﵁قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ..﴾. إلخ فقال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟». رواه مسلم، والترمذي، والنسائي.","vol":"10","page":710},{"text":"وعن أنس بن مالك﵁عن رسول الله ﷺ قال: «يتبع الميت ثلاث: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله، وماله، ويبقى عمله». رواه الشيخان. والأحاديث في ذلك كثيرة ومسطورة في كتاب: «الترغيب والترهيب» وغيره. وخذ قول الشاعر: [مجزوء الرجز]\nالموت يأتي بغتة... والقبر صندوق العمل\nالمقابر: جمع مقبرة. بفتح الباء، وضمها، والقبور. جمع: القبر. قال الشاعر: [الوافر]\nأرى أهل القصور إذا أميتوا... بنوا فوق المقابر بالصّخور\nأبوا إلاّ مباهاة وفخرا... على الفقراء حتى في القبور\nوقد جاء في الشعر: المقبر، بفتح الباء قال الشاعر: [الطويل]\nلكلّ أناس مقبر بفنائهم... فهم ينقصون والقبور تزيد\nوانظر ما ذكرته في سورة (عبس) رقم [٢١].\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة، وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي؛ لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال النبي ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور فإنها تزهّد في الدنيا، وتذكّر الآخرة». أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود﵁-. وعن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ: «لعن زوّارات القبور». أخرجه الترمذي. وقد رأى بعض أهل العلم: أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال، والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهنّ، وكثرة جزعهنّ.\nقلت: زيارة القبور للرجال متفق عليها عند العلماء، مختلف فيها للنساء، أما الشواب؛ فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد؛ فمباح لهن ذلك، وجائز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال، ولا يختلف في هذا؛ إن شاء الله. وعلى هذا المعنى يكون قوله: «زوروا القبور». عامّا، وأما موضع، أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال، والنساء؛ فلا يحل، ولا يجوز، فبينما الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة، فيفتتن، وبالعكس، فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور. والله أعلم. انتهى.\nالإعراب: ﴿أَلْهاكُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، ﴿التَّكاثُرُ:﴾ فاعل، والمتعلق محذوف للتعميم. انظر الشرح. والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿زُرْتُمُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل نصب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والتاء فاعله. ﴿الْمَقابِرَ:﴾ مفعول به، و«أن»","vol":"10","page":711},{"text":"المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل (زار) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقال الجمل: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ عطف على قوله: ﴿أَلْهاكُمُ﴾ وهو غاية في نفسه. أقول: والمعنى لا يؤيده؛ لأن معنى ﴿حَتّى﴾ هنا بمعنى إلى أن زرتم.\n\n<span id=\"aya-6171\"></span><span id=\"aya-6172\"></span>﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ اعتبر الجلال ﴿كَلاّ﴾ الثالثة بمعنى: حقا والأوليين للردع، والزجر، وجرى غيره على التسوية بين الثلاثة، وفي القرطبي: وقيل: إن ﴿كَلاّ﴾ في المواضع الثلاثة بمعنى: ألا. قاله ابن أبي حاتم. وقال الفراء: هي بمعنى: حقا في المواضع الثلاثة. وقيل: هي للردع، والزجر في المواضع الثلاثة. انتهى. جمل. وانظر ما ذكرته بشأن ﴿كَلاّ﴾ في سورة (المدثر) برقم [١٦]. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ردع، وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همه، وعظم سعيه للدنيا، فإن عاقبة ذلك وبال، وحسرة.\n ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ خطأ رأيكم، إذا عاينتم ما وراءكم، وهو إنذار ليخافوا، ويتنبهوا من غفلتهم. ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ تكرير للتأكيد، وفي ﴿ثُمَّ﴾ دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول. أو الأول عند الموت، أو في القبر، والثاني عند النشور. انتهى. بيضاوي. وانظر مثل هذا التوكيد في سورة (القلم) رقم [٥] وفي أول سورة (النبأ).\nوقال ابن عباس﵄-: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبر.\n ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في القبر، والثاني في الآخرة، فالتكرار للحالتين. وروى زرّ بن حبيش عن علي﵁قال: كنا نشك في عذاب القبر؛ حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله تعالى: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. وقيل ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسلي لنزع أرواحكم. ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا دخلتم قبوركم، وجاءكم منكر ونكير، وحاط بكم هول السؤال، وانقطع عنكم الجواب.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فتضمنت السورة القول في عذاب القبر، وأن الإيمان به واجب، والتصديق به لازم، حسب ما أخبر به الصادق، وأن الله يحيي العبد المكلف في قبره، يرد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف؛ الذي عاش عليه، ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه، وما أعدّ له في قبره من كرامة، أو هوان. وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، تجد ما يسرك. وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحاقة). والفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم، انظر الآية رقم [٩] من سورة (العاديات) هذا؛ و﴿سَوْفَ﴾ في حق الله تعالى تفيد التوكيد، والتحقيق.","vol":"10","page":712},{"text":"الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ انظر ما قيل فيها في الشرح. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف تسويف، واستقبال. وانظر الشرح أيضا. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والتي بعدها معطوفة عليها، وقد جعله ابن مالك من التوكيد اللفظي مع توسط حرف العطف.\nوقال الزمخشري: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و﴿ثُمَّ﴾ دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول. وانظر الشرح.\nتنبيه: قال ابن هشام ﵀ في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الإنسان) رقم [٢٠]: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ إذا المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء، والإماتة. وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم؟ وأوقعوا الأكل، والشرب، وذروا الإسراف. وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ ألا ترى أنه عليه الصلاة، والسّلام إنما رحمهما؛ إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السقي، لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك التصور من قولهما (نسقي) السقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل قدر يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنما. انتهى.\n\n<span id=\"aya-6173\"></span><span id=\"aya-6174\"></span>﴿كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾\nالشرح: أي: لو تعلمون اليوم من البعث، والحشر، والمجازاة ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور، وانشقت اللحود عن جثثكم كيف يكون حشركم، وجزاؤكم؛ لشغلكم ذلك عن التكاثر بالدنيا. وقيل: المعنى لو تعلمون كيف تتطاير الصحف؛ فالناس بين شقي، وسعيد في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه. ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي: علما يقينا. فهو من إضافة الموصوف إلى صفته. وقال القرطبي: وإضافة العلم إلى اليقين، كقوله تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٩٥]:\n ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ،﴾ وفي سورة (الحاقة) رقم [٥١]: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. وقال النسفي:\nالتقدير علم الأمر اليقين.\n ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ:﴾ فهو كقوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ والخطاب للكفار؛ الذين وجبت لهم النار. وقيل: هو عام لجميع الناس، كما قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٧١]: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ فهي للكفار دار، ومقر، وللمؤمنين على ظهرها ممر.","vol":"10","page":713},{"text":"هذا؛ والقاعدة: أن الفعل المضارع المراد توكيده بنون التوكيد، إذا أسند إلى واو الجماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة. فإن كان صحيح الآخر؛ حذف منه نون الرفع لتوالي الأمثال، وحذف منه واو الجماعة، وتبقى ضمة قبل نون التوكيد دليلا عليها، وحذف منه أيضا ياء المخاطبة، وتبقى كسرة قبل نون التوكيد دليلا عليها. وإن كان معتل الآخر، حذف منه حرف العلة، إن كان واوا، أو ياء، أو ألفا، وحذفت واو الجماعة أيضا؛ إلا مع المعتل بالألف، فتبقى محركة بحركة مجانسة لها مثل: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ ولا يجوز حذف الواو لالتقاء الساكنين؛ لأن قبلها فتحة، والفتحة لا تدل على الواو لو حذفت، كما هو الظاهر.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ انظر الكلام عليها فيما سبق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.\n ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿عِلْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿الْيَقِينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، انظر تقديره في الشرح، وقدره ابن هشام في المغني:\nلارتدعتم، وما ألهاكم التكاثر. وقال الرسول ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا». و﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد ﴿كَلاّ،﴾ لا محل له.\n ﴿لَتَرَوُنَّ:﴾ اللام واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزتي وجلالي. ونحو ذلك.\n (ترونّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال. والواو فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿الْجَحِيمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف؛ الذي رأيت تقديره. والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.\n\n<span id=\"aya-6175\"></span><span id=\"aya-6176\"></span>﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾\nالشرح: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها﴾ يعني: الجحيم. ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي: عيانا، ومشاهدة بأبصاركم عن بعد، وإذا رأوها؛ فإنها تراهم كذلك. قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [١٢]: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد، والحمد لله. هذا؛ وقيل:\nمعنى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي: لو تعلمون في الدنيا علم اليقين فيما أمامكم مما وصافات ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن تتصور لك تارات القيامة، وقطع مسافاتها. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقينا، لا تغيب عن عينك. هذا؛ و﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ مثل: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ في سورة (الواقعة) وسورة (الحاقة).\n ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي: الذي ألهاكم، وشغلكم عن طاعة الله، وطاعة رسوله، والخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه، والنعيم مخصوص بما يشغله للقرينة، والنصوص","vol":"10","page":714},{"text":"الكثيرة، كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٢]: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ،﴾ وقال تعالى في سورة (البقرة) [١٦٨]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ وما يشبهها في سورة (المائدة) رقم [٨٨] وسورة (الأنفال) رقم [٦٩] ونعيم الدنيا أهمه الأمن، والصحة، وسائر ما يتلذذ به من مطعم، ومشرب، ومسكن، ومفرش ومركب... إلخ.\nوالسؤال يوم القيامة عن النعيم يعم الكافر، والمؤمن، وهو الأولى، لكن سؤال الكافر سؤال توبيخ، وتقريع؛ لأنه ترك شكر ما أنعم الله به عليه، والمؤمن يسأل سؤال تشريف، وتكريم؛ لأنه شكر ما أنعم الله به عليه، وأطاع ربه، فيكون السؤال في حقه تذكرة بنعم الله عليه. يدل على ذلك ما روي عن الزبير﵁قال: لما نزلت: ﴿لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يا رسول الله! وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان: التمر والماء. قال: «أما إنه سيكون». أخرجه الترمذي. انتهى. خازن. أقول: وهذا من النبي ﷺ بشارة، وإخبار بما سيكون من النعيم بعده، وقد كان، وكان، وكان... إلخ.\nوقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما النعيم الذي يسأل عنه الإنسان، ويعاتب عليه؟ فما من أحد، إلا وله نعيم، قلت: هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم، والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقهما، فأما من تمتع بنعمة الله، وأرزاقه؛ التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوّى بها على دراسة العلم، والقيام بالعمل الصالح، وكان ناهضا بالشكر؛ فهو من ذاك بمعزل، وإليه أشار رسول الله ﷺ فيما يروى: «أنه أكل هو وأصحابه تمرا، وشربوا عليه ماء، فقال: الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا مسلمين». انتهى. كشاف.\nهذا؛ وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة﵁قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر، وعمر﵄-، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟». قالا: الجوع يا رسول الله! قال: «وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوما!». فقاما معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة. قالت: مرحبا، وأهلا، فقال لها رسول الله ﷺ: «أين فلان؟». قالت: يستعذب لنا من الماء؛ إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله! ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني! قال: فانطلق، فجاءهم بعذق، فيه بسر، وتمر، ورطب، فقال: كلوا من هذه.\nوأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ: «إيّاك والحلوب!». فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا، ورووا؛ قال رسول الله ﷺ لأبي بكر، وعمر﵄-: «والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم». انتهى. وأخرجه الترمذي، وزاد فيه: «هذا والذي نفسي","vol":"10","page":715},{"text":"بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظلّ بارد، ورطب طيب، وماء بارد». وكنّى الرجل الذي من الأنصار، فقال: أبو الهيثم بن التيهان، وذكر قصته. انتهى. قرطبي.\nقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: اسم الرجل الأنصاري مالك بن التيهان، ويكنى: أبا الهيثم. وفي هذه القصة يقول عبد الله بن رواحة﵁يمدح بها أبا الهيثم بن التيهان: [الطويل]\nفلم أر كالإسلام عزّا لأمّة... ولا مثل أضياف الأراشيّ معشرا\nنبيّ وصدّيق وفاروق أمّة... وخير بني حوّاء فرعا وعنصرا\nفوافوا لميقات وقدر قضيّة... وكان قضاء الله قدرا مقدّرا\nإلى رجل نجد يباري بجوده... شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا\nوفارس خلق الله في كلّ غارة... إذا لبس القوم الحديد المسمّرا\nففدّى وحيّا، ثمّ أوفى قراهم... فلم يقرهم إلا سمينا متمّرا\nانتهى. كله من القرطبي. ومثله في الخازن ما عدا الشعر. وجاء في: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري الحديث لكنه من رواية ابن عباس﵄وتخريج الطبراني، وابن حبان. والمضيف كان أبو أيوب، ﵁. هكذا ذكر هناك.\nالإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَتَرَوُنَّها:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف.\n (ترونها): فعل مضارع مرفوع مثل سابقه، والواو فاعله، والنون حرف لا محل له، و(ها):\nمفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، والقسم، وجوابه كلام معطوف على ما قبله. ﴿عَيْنَ:﴾ مفعول مطلق، عامله ما قبله؛ لأن رأى، وعاين بمعنى واحد، و﴿عَيْنَ﴾ مضاف، و﴿الْيَقِينِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَتُسْئَلُنَّ:﴾ مثل ما قبلها إعرابا ومحلا. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم):\nظرف زمان متعلق بما قبله، و(إذ) في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ ترون الجحيم. ﴿عَنِ النَّعِيمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (التكاثر) شرحا، وإعرابا والحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":716},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5070>سورة العصر</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (العصر) وهي مكية في قول ابن عباس والجمهور، ومدنية في قول قتادة، وهي ثلاث آيات، وأربع عشرة كلمة، وثمانية وستون حرفا. انتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6177\"></span><span id=\"aya-6178\"></span>﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾\nالشرح: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ أي: الدهر. قاله ابن عباس﵄وغيره. فالعصر مثل:\nالدهر، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nسبيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر... ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهر\nقيل: أقسم الله به لما فيه من العبر، والعجائب للناظر، وقد ورد في الحديث القدسي: «لا تسبّوا الدهر، فإن الله هو الدهر». وأيضا قوله تعالى في الحديث القدسيّ: «يسبّ ابن آدم الدّهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار». وذلك؛ لأنهم كانوا يضيفون النوائب، والنوازل إلى الدهر، فأقسم الله به تنبيها على شرفه، وأن الله هو المؤثر فيه، فما حصل من النوائب، والنوازل، كان بقضاء الله وقدره. وقيل: تقديره: ورب العصر، وقد ذكرت مثل ذلك في أول سورة (الذاريات) و(المرسلات) وغيرهما. وقيل: أراد بالعصر: الليل والنهار؛ لأنهما يقال لهما: العصران. قال حميد بن ثور الهلالي: [الطويل]\nولن يلبث العصران يوم وليلة... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما\nفنبه الله ﷿ على شرف الليل، والنهار؛ لأنهما خزانتان لأعمال العباد. وقيل: أراد بالعصر: آخر طرفي النهار، ويقال: العصران على التغليب للغداة، والعشي. قال الشاعر: [الطويل]\nوأمطله العصرين حتّى يملّني... ويرضى بنصف الدّين والأنف راغم\nيقول: إذا جاءني أول النهار؛ وعدته آخره. وقيل: أراد صلاة العصر، أقسم بها لشرفها، ولأنها الصلاة الوسطى في قول بدليل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣٨]: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾. وفي الصحيحين: قال الرسول ﷺ في غزوة الخندق: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر». وعن ابن عمر﵄عن النبي ﷺ قال: «الذي","vol":"10","page":717},{"text":"تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله، وماله». رواه الستة ومالك. وقيل: أراد بالعصر: زمن رسول الله ﷺ، أقسم بزمانه، كما أقسم بمكانه في قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ نبه بذلك على أن زمانه أفضل الأزمان، وأشرفها، كما أن مكانه أفضل الأمكنة، وأشرفها، وبالجملة: فقد أقسم الله تعالى بالزمان، لأنه رأس عمر الإنسان، فكل لحظة تمضي، فإنها من عمرك ونقص من أجلك، كما قال القائل: [البسيط]\nإنا لنفرح بالأيّام نقطعها... وكلّ يوم مضى نقص من الأجل\nهذا؛ وجمع العصر: أعصار، وعصور، وأعصر، وعصر.\n ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أي: لفي خسران، ونقصان. قيل: أراد بالإنسان جنس الإنسان بدليل قولهم: كثر الدرهم؛ أي: الدراهم، وذلك؛ لأن الإنسان لا ينفك عن خسران؛ لأن الخسران هو تضييع عمره، وذلك؛ لأن كل ساعة تمر من عمر الإنسان؛ إما أن تكون تلك الساعة في طاعة، أو معصية، فإن كانت في معصية؛ فهو الخسران المبين الظاهر، وإن كانت في طاعة؛ فلعل غيرها أفضل، وهو قادر على الإتيان بها، فكان فعل غير الأفضل تضييعا، وخسرانا، فبان بذلك: أنه لا ينفك أحد من خسران. وخذ قول الرسول ﷺ: «ما من أحد يموت إلاّ ندم». قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا؛ ندم ألاّ يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم ألا يكون نزع». أخرجه الترمذي، والبيهقي عن أبي هريرة﵁-.\nوقيل: إن سعادة الإنسان في طلب الآخرة، وحبها، والإعراض عن الدنيا، والزهد فيها. ثم إن الأسباب الداعية إلي حبّ الآخرة خفية والأسباب الدّاعية إلى حب الدنيا ظاهرة، فلهذا السبب كان أكثر الناس مشتغلين بحب الدنيا مستغرقين في طلبها، فكانوا في خسار، وبوار، قد أهلكوا أنفسهم بتضييع أعمارهم. وخذ قوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ انظر شرحها هناك. وقيل: أراد الإنسان الكافر بدليل: أنه استثنى المؤمنين. أقول: بل المراد جنس الإنسان بمعنى كل إنسان، والاستثناء يكون أظهر.\nوقيل: المراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا، وهرم لفي نقص، وتراجع إلا الذين آمنوا؛ فإنه تكتب أجورهم، ومحاسن أعمالهم؛ التي كانوا يعملونها في شبابهم، وصحتهم، فهي مثل قوله تعالى في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ انتهى. كله من الخازن بتصرف كبير. هذا؛ و﴿خُسْرٍ﴾ يقرأ بضم السين، وسكونها. انظر سورة (الشرح) رقم [٥].\nالإعراب: ﴿وَالْعَصْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر الشرح لبيان المقسم به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي","vol":"10","page":718},{"text":"المزحلقة. (في خسر): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مبتدأ.\n\n<span id=\"aya-6179\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾\nالشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ فليسوا في خسران، و﴿الصّالِحاتِ﴾ امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فحكم الله بالخسران على جميع الناس إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. فهذه الأمور اشتملت على ما يخص الإنسان نفسه، وهو الإيمان، والعمل الصالح، وما يخص غيره، وهو:\nالتواصي بالحقّ، والتواصي بالصبر.\nقال أبي بن كعب﵁-: قرأت على رسول الله ﷺ: ﴿وَالْعَصْرِ..﴾. إلخ، ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟! قال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ:﴾ أبو جهل. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ أبو بكر. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ عمر. ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ:﴾ عثمان. ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ:﴾ علي» -﵃ أجمعين-. وهكذا خطب ابن عباس -﵄على المنبر.\nتنبيه: أخرج البيهقي في الشعب عن أبي حذيفة، عبيد الله بن حفص-وكانت له صحبة- قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا؛ لم يتفرقا؛ حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة (العصر)، ثم يسلم أحدهما على الآخر.\nهذا؛ وانظر شرح الحق في الآية رقم [٣٩] من سورة (النبأ) وشرح (الصبر) في الآية رقم [١٠] من سورة (المزمل). هذا؛ والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول ﷺ عن الإيمان قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وهي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: (لا إله إلا الله) وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق. وهو بفتح الهمزة جمع:\nيمين، وهو الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو اسم من أسمائه. قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾. واليمين أيضا اليد اليمنى، ويجمع أيضا على أيمان، كما في الآيات الكثيرة ولا يجمع إذا كان بالمعنى الأول.\nهذا؛ وأصل آمن أأمن بهمزتين، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في إيمان، فإن أصله إإمان، وكما قلبت في أومن، فإن أصله أأأمن بثلاث همزات، فاستثقلوا اجتماع ثلاث همزات. فحذفوا الثانية طلبا للتخفيف، فبقي: أأمن بهمزتين: الأولى مضمومة،","vol":"10","page":719},{"text":"والثانية ساكنة، فقلبت الساكنة واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، فصار أومن، ومثل آمن آدم في إعلاله، وما جرى مجراه.\nالإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من الإنسان. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا الإعراب هو الظاهر، والمتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمة التي جيء بها لمناسبة واو الجماعة، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. (تواصوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق.\n ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. هذا؛ واعتبار الموصول في محل نصب على الاستثناء من ﴿الْإِنْسانَ﴾ فيه ضعف، والأقوى اعتباره مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: فإنهم ليسوا في خسر.\nأو التقدير: فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، والجملة الاسمية حينئذ في محل نصب على الاستثناء من ﴿الْإِنْسانَ﴾. وتقدم كثير مثل ذلك. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (العصر) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":720},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5073>سورة الهمزة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الهمزة) مكية، وهي تسع آيات، وثلاثون كلمة، ومئة وثلاثون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6180\"></span><span id=\"aya-6181\"></span><span id=\"aya-6182\"></span><span id=\"aya-6183\"></span>﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾\nالشرح: ﴿وَيْلٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٥] من سورة (المرسلات). ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ:﴾ التاء فيهما للمبالغة في الوصف؛ أي: كثير الهمز، واللمز. قال ابن عباس﵄-: هم المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون العيب للبريء. وعليه فهما بمعنى واحد.\nوانظر الآية رقم [١١] من سورة (القلم). وقال زياد الأعجم في جمعهما بمعنى واحد: [البسيط]\nتدلي بودّ إذا لا قيتني كذبا... وإن أغيّب فأنت الهامز اللّمزة\nوقال آخر بجمعهما أيضا بمعنى واحد: [البسيط]\nإذا لقيتك عن شحط تكاشرني... وإن تغيّبت كنت الهامز اللّمزه\nالشحط: البعد. وقال أبو العالية، وغيره، الهمزة: الذي يغتاب، ويطعن في وجه الرجل، واللمزة: الذي يغتابه من خلفه إذا غاب، ومنه قول حسان﵁-: [الوافر]\nهمزتك فاختضعت بذلّ نفس... بقافية تأجّج كالشّواظ\nواختار هذا القول النحاس. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ الآية رقم [٥٨] من سورة (التوبة). وقال مقاتل ضد هذا الكلام: إن الهمزة الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي يغتاب في الوجه. هذا؛ والمشهور: أن بناء فعلة (بضم الفاء وفتح العين) لمبالغة الفاعل، وبناء: فعلة (بضم الفاء، وسكون العين) لمبالغة المفعول، يقال: رجل لعنة (بضم اللام، وفتح العين) لمن كان يكثر لعن غيره، ولعنة (بضم اللام وسكون العين) إذا كان ملعونا للناس يكثرون لعنه. وعبارة السمين: والعامة على فتح ميم همزة، ولمزة على أن المراد الشخص الذي يكثر منه ذلك الفعل. ويقرأ بالسكون.","vol":"10","page":721},{"text":"وحاصل هذه الأقاويل يرجع إلى أصل واحد، وهو: الطعن، وإظهار العيب، وأصل الهمز:\nالكسر، والقبض على الشيء بعنف، والمراد منه هنا: الكسر من أعراض الناس بأقوالهم، وأعمالهم، وأصواتهم ليضحكوا منه. واختلفوا فيمن نزلت هذه السورة من كفار قريش على أقوال كثيرة، والأولى التعميم، وذلك؛ لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، والحكم.\n ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ:﴾ وإنما وصفه بهذا الوصف؛ لأنه يجري مجرى السبب، والعلة في الهمز، واللمز، يعني: وهو بإعجابه بما جمع من المال يستصغر الناس، ويسخر منهم.\n ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ أي: أحصاه من العدد. وقيل: هو من العدة؛ أي: استعده، وجعله ذخيرة له، وغنى مدخرا. وانظر شرح (جمع) في الآية رقم [١٨] من سورة (المعارج). هذا؛ ويقرأ بتخفيف الدالين على أنه اسم منصوب معطوف على ﴿مالًا،﴾ التقدير: جمع مالا، وعدده: وجمع عدده.\nولا يحسن أن يكون فعلا ماضيا معناه التشديد، مع فك التضعيف؛ لأن فك التضعيف، لا يجوز إلا إذا اتصل الفعل بضمير رفع متحرك، مثل مددت، ومددنا، ومددن، ولذا شذ قول الشاعر وهو قعنب بن أم صاحب: [البسيط]\nمهلا أمامة قد جرّبت من خلقي... إنّي أجود لأقوام وإن ضننوا\nفأراد الشاعر: ضنّوا، وبخلوا، فأظهر التضعيف، لكن الشعر موضع ضرورة، ولا يحمل القرآن على الضرورة، بل حمله على المعنى الذي ذكرته أولى، وأحق.\n ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي: يظن: أنه يخلد في الدنيا، ولا يموت؛ ليساره، وغناه. قال:\nالحسن البصري-رحمه الله تعالى-:\nما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت. ومعناه: أن الناس لا يشكون في الموت، مع أنهم يعملون عمل من يظن أنه يخلد في الدنيا، ولا يموت، و﴿أَخْلَدَهُ﴾ ماض بمعنى المستقبل أي: يظن لجهله: أن ماله يخلده؛ أي: يوصله إلى رتبة الخلود في الدنيا، فيصير خالدا فيها، فلا يموت، أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالحديد، والإسمنت، وغراس الأشجار، وعمارة الأرض عمل من يظن أن ماله يبقيه حيّا أبد الدهر. وانظر شرح (يحسب) في الآية رقم [٣] من سورة (القيامة).\nالإعراب: ﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به، وهو نكرة معنى الدعاء فيه. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و(كلّ) مضاف، و﴿هُمَزَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿لُمَزَةٍ:﴾\nمرادف ل: ﴿هُمَزَةٍ﴾ على اعتبارهما بمعنى واحد، وبدل منه على اعتبارهما مختلفي المعنى.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بدلا من (كل)، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو","vol":"10","page":722},{"text":"الذي. ﴿جَمَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مالًا:﴾ مفعول به. ﴿وَعَدَّدَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (عدده): فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿يَحْسَبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مالَهُ:﴾\nاسم ﴿أَنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَخْلَدَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مالَهُ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَحْسَبُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿جَمَعَ﴾ و﴿أَخْلَدَهُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها.\n\n<span id=\"aya-6183\"></span><span id=\"aya-6184\"></span><span id=\"aya-6185\"></span><span id=\"aya-6186\"></span>﴿كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾\nالشرح: ﴿كَلاّ:﴾ انظر الآية رقم [١٦] من سورة (المدثر). ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي:\nليلقين، وليطرحن الذي جمع المال وعدده في الحطمة؛ أي: النار، وهو اسم من أسمائها. قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٤٤]: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: للنار سبع طبقات، بعضهم فوق بعض ينزلزن فيها بحسب مراتبهم في المتابعة. قال ابن جريج: النار سبع دركات، وهي منازل أهلها، والجنة درجات، فالدرك ما كان إلى أسفل، والدرج ما كان إلى أعلى، فالعليا من طبقات النار لعصاة المسلمين، وهي جهنم تكون بعد خروجهم منها خرابا يبابا، لا نار فيها. والثانية: لظى للنصارى. والثالثة: الحطمة لليهود. والرابعة: السعير للصابئين. والخامسة: سقر للمجوس. والسادسة: الجحيم لأهل الشرك. والسابعة: الهاوية.\nوهي الدرك الأسفل للمنافقين. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٥]: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ وإنما كان عقابهم كذلك؛ لأنهم أخبث أهل الكفر؛ لأنهم ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام، وخداعا للمؤمنين. هذا؛ ودرجات الجنة ثمانية، وهي: دار الجلال، ودار السّلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، ودار الكرامة. وهي المعبر عنها بدار المقامة بقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٥] حكاية عن قول المؤمنين: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ. هذا؛ والردع الذي تضمنته ﴿كَلاّ﴾ ردّ على الذي جمع المال، وعدده. والمعنى: لا يخلده ماله، بل يخلده ذكر العلم، والعمل الصالح. ومنه قول علي﵁-: مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء العاملون باقون ما بقي الدهر. وخذ قول أمير الشعراء أحمد شوقي: [الكامل]\nدقّات قلب المرء قائلة له... إنّ الحياة دقائق وثوان","vol":"10","page":723},{"text":"فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان\nهذا؛ وسميت ﴿الْحُطَمَةِ﴾ بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها، وتحطمه، وتهشمه، والفعل من باب: ضرب. قال الراجز: [الرجز]\nإنّا حطمنا بالقضيب مصعبا... يوم كسرنا أنفه ليغضبا\nوالمعنى: يا أيها الهمزة اللمزة الذي جمع المال، وعدده، والذي يأكل لحوم الناس، ويكسر من أعراضهم، إن وراءك الحطمة؛ التي تأكل اللحوم، وتكسر العظام. هذا؛ ويقرأ:\n «(لينبذان)» بالتثنية؛ أي: هو، وماله. ويقرأ بالبناء للمجهول، على معنى: لينبذنّ ماله، وقرئ:\n «(لننبذنّه)»، وقرئ: «(لينبذنّ)» بضم الذال، على أن المراد: الهمزة، واللمزة، والمال، وجامعه.\n ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ:﴾ استفهام للتهويل، والتعظيم، والتفخيم لشأن النار المسماة بذلك، ثم ذكر الله بقوله: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ:﴾ زيادة في تعظيمها، وتفخيمها أضافها ذو الجلالة والإكرام إلى نفسه، ومعنى ﴿الْمُوقَدَةُ﴾ لا تخمد أبدا، فعن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أوقد على النار ألف سنة حتّى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثمّ أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة». أخرجه الترمذي.\n ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ أي: يبلغ ألمها، وحرها إلى القلوب، والمعنى: أنها تحرق كل شيء، وتأكله حتى تنتهي إلى الفؤاد، وإنما خص الفؤاد بالذكر؛ لأنه ألطف شيء في بدن الإنسان، وأنه يتألم بأدنى شيء، فكيف إذا اطلعت عليه، واستولت عليه، ثم إنه مع لطافته لا يحترق؛ إذ لو احترق لمات صاحبه؛ أي: إنه في حال من يموت، وهم لا يموتون. قال تعالى في سورة (طه) رقم [٧٤]: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى،﴾ وقال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ رقم [١٧] وإنما خص الفؤاد بالذكر؛ لأنه موطن الكفر والعقائد والنيات الفاسدة.\nالإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿لَيُنْبَذَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزتي، وجلالي، ونحو ذلك. (ينبذن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف، لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مبتدأ بعد ﴿كَلاّ﴾ لا محل له. ﴿فِي الْحُطَمَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملقى، أو مطروحا في الحطمة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الاستئناف.\nوانظر سورة (القارعة) رقم [٣] فالإعراب مثله بلا فارق. ﴿نارُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير:\nهي نار، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (الحطمة)، والرابط: الضمير فقط، والعامل (ما) الاستفهامية. وقيل: بدل من (الحطمة)، و﴿نارُ:﴾ مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.","vol":"10","page":724},{"text":"﴿الْمُوقَدَةُ:﴾ صفة ﴿نارُ اللهِ﴾. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿نارُ اللهِ،﴾ أو هي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. التقدير: هي التي، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. التقدير: أعني: التي. ﴿تَطَّلِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية لا محل لها صلة الموصول. ﴿عَلَى الْأَفْئِدَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.\n\n<span id=\"aya-6187\"></span><span id=\"aya-6188\"></span>﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾\nالشرح: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ:﴾ مطبقة مغلقة، لا يدخل إليهم روح، وريحان. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (البلد) وخذ هنا زيادة على ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف]\nإنّ في القصر لو دخلنا غزالا... مصفقا موصدا عليه الحجاب\n ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يعني: الأبواب هي الممددة. وقال ابن عباس﵄-:\nأدخلهم في عمد ممددة عليهم بعماد، في أعناقهم السلاسل، فسدت بها الأبواب. وقال قتادة:\nكنا نحدث: أنهم يعذبون بعمد من نار في النار. واختاره ابن جرير. وقال أبو صالح: هي القيود الثقال. وفي حديث أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ: «ثمّ إنّ الله يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار، وعمد من نار، فتطبق عليهم بتلك الأطباق، وتشدّ عليهم بتلك المسامير، وتمدّ بتلك العمد، فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح، ولا يخرج منه غمّ، وينساهم الرحمن على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبدا، وينقطع الكلام، فيكون كلامهم زفيرا، وشهيقا، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ»﴾.\nانتهى. قرطبي. هذا؛ ويقرأ: ﴿عَمَدٍ﴾ بضمتين، وفتحتين. قال الفراء: هما جمعان صحيحان ل: «عمود» مثل: أديم، وأدم، وأدم، وأفيق، وأفق، وأفق. الأديم: الجلد المدبوغ، والأفيق:\nالجلد الذي لم يدبغ. وقال الجوهري: العمود: عمود البيت، وجمع القلة: أعمدة، وجمع الكثرة: عمد، وعمد.\nتنبيه: فلا يبقى لما قاله الشيخ محمد عبده في تفسيره: إن المراد بذلك الكهرباء الناتج عنها الأشعة السينية، وغيرها التي تصور القلب، وغيره من الأحشاء الداخلية، فلا يبقى لقوله مجال بعد أن خوف الله الهمزة، واللمزة الذي يجمع المال، ويعدده بالحطمة الموصوفة بما ذكر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿إِنَّها:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْصَدَةٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿فِي عَمَدٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم في عمد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور","vol":"10","page":725},{"text":"ب: (على)، كما أجيز تعليق الجار، والمجرور بمفردهما في محل نصب حال من الضمير، التقدير: موثقين في عمد، ويجوز أن يكون الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف صفة ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾. قال أبو البقاء: ﴿مُمَدَّدَةٍ:﴾ صفة ﴿عَمَدٍ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الهمزة) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":726},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5077>سورة الفيل</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الفيل) مكية بالإجماع، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وستة وتسعون حرفا.\nانتهى. خازن.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6189\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١)﴾\nالشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ..﴾. إلخ: الخطاب لرسول الله ﷺ، وهو وإن لم يشهد تلك الواقعة، لكن شاهد آثارها، وسمع بالتواتر أخبارها، فكأنه رآها، ولذا قال: ﴿كَيْفَ،﴾ ولم يقل: «ما»؛ لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله، وقدرته، وعزة نبيه، وشرف رسوله ﷺ، فإنها من الإرهاصات. انتهى. بيضاوي. هذا؛ والفيل حيوان معروف، وجمعه:\nأفيال، وفيول، والأنثى: فيلة وصاحبها: فيّال، وقصة أصحاب الفيل كانت كما يلي.\nروي: أن أبرهة بن الصباح، ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي ملك الحبشة، وهو النجاشي الذي آمن بالنبي ﷺ بنى كنيسة بصنعاء، وسماها القلّيس، وأراد أن يصرف إليها الحاج عن مكة، فخرج رجل من كنانة، فقعد فيها، وتغوّط فيها، ولطخ بالعذرة قبلتها، فأغضب أبرهة ذلك. وقيل: أججت رفقة من العرب نارا، فحملتها الريح، فأحرقتها، فحلف: ليهدمن الكعبة! فخرج بجيشه، ومعه فيل عظيم، اسمه محمود، وكان قويا عظيما. واثنا عشر فيلا غيره، فلما جاء المغمّس (موضع قرب مكة في طريق الطائف) خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى، وعبأ جيشه، وقدم الفيل، وكانوا كلما وجهوه إلى الحرم، برك، ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن، أو إلى الشام؛ هرول.\nفأرسل الله عليهم طيرا مع كل طائر حجر بمنقاره، وحجران في رجليه، أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة، فكان الحجر يقع على رأس الرجل، فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا، وهلكوا، وهلك أبرهة، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه؛ حتى بلغ النجاشي في الحبشة، فقص عليه القصة، فلما أتمها؛ وقع عليه الحجر، فخر ميتا بين يديه.","vol":"10","page":727},{"text":"وروي: أن أبرهة أخذ لعبد المطلب، مئتي بعير، فخرج إليه يطلبها منه، فلما رآه عظم في عينه، وكان عبد المطلب رجلا جسيما، ووسيما. وقيل لأبرهة: هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل، والوحوش، والطير في رؤوس الجبال، فلما ذكر حاجته، وهي الإبل. قال له أبرهة: سقطت من عيني! جئت لأهدم البيت؛ الذي هو دينك، ودين آبائك، وشرفكم في قديم الدهر، فألهاك عنه ذود من الإبل أخذ لك، فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وللبيت ربّ سيمنعه منك! قال: ما كان ليمنعه مني! فقال: أنت، وذاك! فأمر بإبله، فردت عليه.\nفخرج عبد المطلب، فأخبر قريشا، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا في رؤوس الجبال تخوفا عليهم من معرة الجيش، ففعلوا، وأتى عبد المطلب الكعبة، وأخذ حلقة الباب، وجعل يقول: [الرجز]\nيا ربّ لا أرجو لهم سواكا... يا ربّ فامنع منهم حماكا\nإن عدوّ البيت من عاداكا... امنعهم أن يخربوا قراكا\nوفي رواية أخرى (إنّهم لن يقهروا قواكا) وقال أيضا: [مجزوء الكامل]\nلا همّ إن العبد يم... نع رحله فامنع رحالك\nوانصر على آل الصّل... يب وعابديه اليوم آلك\nلا يغلبنّ صليبهم... ومحالهم أبدا محالك\nجرّوا جموع بلادهم... والفيل كي يسبوا عيالك\nعمدوا حماك بكيدهم... جهلا وما رقبوا جلالك\nإن كنت تاركهم وكع... بتنا فأمر ما بدا لك\nتنبيه: لما خرج أبرهة من اليمن قاصدا مكة، فسمعت العرب بذلك، فعظموه، ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن، يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه. فقاتلوه، فهزمه أبرهة، وأراد قتله. فقال له: أيها الملك استبقني، فإن بقائي خير لك من قتلي. فاستحياه، وأوثقه، ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم، خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم، ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه، فهزمهم، وأخذ نفيلا، فقال نفيل: أيّها الملك إني خبير بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسمع، والطاعة. فاستبقاه، وخرج معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف، فقال: أيها الملك نحن عبيدك، ليس عندنا خلاف لك، إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه «أبا رغال» مولى لهم، فخرج حتى إذا كان بالمغمّس؛ مات أبو رغال، وهو الذي يرجم قبره، وفيه يقول الشاعر: [الوافر]","vol":"10","page":728},{"text":"وأرجم قبره في كلّ عام... كرجم الناس قبر أبي رغال\nفلما أنزل الله بهم بلاءه، ومات منهم من مات بالحجارة؛ التي نزلت عليهم من السماء، ومن بقي منهم؛ خرجوا هاربين مبتدرين الطريق؛ التي جاؤوا منها؛ أخذوا يسألون عن نفيل بن حبيب؛ ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: [الرجز]\nأين المفرّ والإله الطالب... والأشرم المغلوب ليس الغالب\nوهذا هو الشاهد رقم [٥٥١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وقال أيضا: [الوافر]\nحمدت الله إذ أبصرت طيرا... وخفت حجارة تلقى علينا\nفكلّ القوم يسأل عن نفيل... كأنّ عليّ للحبشان دينا\nوقصة أصحاب الفيل كانت عام مولد النبي ﷺ.\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.\n ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام بعده. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب مفعول مطلق، عامله ما بعده، أو في محل نصب حال من ﴿رَبُّكَ،﴾ واختار الأول ابن هشام في المغني، والمعنى: أي فعل فعل، وأما نصبه على الحالية من الفاعل؛ فممتنع؛ لأن فيه وصفه تعالى بالكيفية، وهو غير جائز.\nانتهى. جمل نقلا من الشهاب. وقال مكي: في محل نصب على الظرفية الزمانية، عامله ما بعده، وهو غير قوي، ولا يؤيده المعنى. تأمل. ﴿فَعَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول (ترى) المعلق عن العمل. ﴿بِأَصْحابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(أصحاب):\nمضاف، و﴿الْفِيلِ:﴾ مضاف إليه. وانظر الكلام على ﴿كَيْفَ﴾ في آخر سورة (الغاشية).\n\n<span id=\"aya-6190\"></span>﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾\nالشرح: أي: ألم يجعل كيدهم في إبطال، وتضييع وخسار، ومنه قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٢٥]: ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ،﴾ وأيضا فيها رقم [٣٧]: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ وذلك؛ لأن أبرهة الكافر، وجيشه أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل، والسبي، والكعبة بالتخريب، والهدم، فحكي عن عبد المطلب: أنه بعث ابنه عبد الله على فرس له، ينظر ما لقوا من تلك الطير، فإذا القوم مشدخين جميعا، فرجع يركض فرسه كاشفا عن فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابني هذا أفرس العرب، وما كشف عن فخذه إلا بشيرا، أو","vol":"10","page":729},{"text":"نذيرا، فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم الصوت؛ قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعا! فخرج عبد المطلب، وأصحابه، فأخذوا أموالهم، وكانت أموال بني عبد المطلب منها، وبها تكاملت رياسة عبد المطلب؛ لأنه احتمل ما شاء من صفراء، وبيضاء، ثم خرج أهل مكة بعده، فنهبوا، فقال عبد المطلب عند ذلك: [الرجز]\nأنت منعت الحبش والأفيالا... وقد رعوا بمكة الأجبالا\nوقد خشينا منهم القتالا... وكان أمر لهم معضالا\nشكرا وحمدا لك ذا الجلالا\nقال ابن إسحاق: ولما ردّ الله الحبشة عن مكة؛ عظّمت العرب قريشا. وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم، وكفاهم مؤونة عدوهم. وقال عبد الله بن عمرو بن مخزوم في قصة أصحاب الفيل: [الرجز]\nأنت الجليل ربّنا لم تدنس... أنت حبست الفيل بالمغمّس\nمن بعد ما همّ بشرّ مبلس... حبسته في هيئة المكركس\nوما لهم من فرج ومنفس\nالإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ مثل سابقه في إعرابه ومعناه. ﴿يَجْعَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم).\nوالفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿كَيْدَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي تَضْلِيلٍ:﴾\nمتعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، أو هما في محل نصب حال من ﴿كَيْدَهُمْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا بيانيا، وفيها معنى التفسير، والبيان لما قبلها ما فيها.\n\n<span id=\"aya-6191\"></span><span id=\"aya-6192\"></span><span id=\"aya-6193\"></span>﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾\nالشرح: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا:﴾ قال سعيد بن جبير﵁-: كانت طيرا من السماء لم ير قبلها، ولا بعدها مثلها. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس﵃ أجمعين-. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها طير بين السماء والأرض تعشّش، وتفرّخ».\nوعن ابن عباس﵄-: (كانت لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب). وقال عكرمة: كانت طيرا خضرا، خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع، ولم تر قبل ذلك، ولا بعده. وقالت عائشة﵂-: هي أشبه شيء بالخطاطيف.\nوقيل: بل كانت أشباه الوطاويط حمراء، وسوداء. انتهى. قرطبي.","vol":"10","page":730},{"text":"قال الخازن-رحمه الله تعالى-: ووجه الجمع بين هذه الأقاويل في اختلاف أجناس هذه الطير: أنها كانت فيها هذه الصفات كلها، فبعضها على ما حكاه ابن عباس، وبعضها على ما حكاه غيره، فأخبر كل واحد بما بلغه من صفاتها. والله أعلم. انتهى.\nهذا؛ والطير: اسم جمع مثل: غنم، وخيل. وقيل: بل هو جمع طائر، مثل: صحب، وصاحب. ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل:\nفرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب، وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (آل عمران). وطائر الإنسان: عمله الذي قلده. قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ والطير أيضا: الاسم من التطير، ومنه قولهم: (لا طير إلاّ طير الله، كما يقال: لا أمر إلاّ أمر الله). انتهى. مختار بتصرف.\n ﴿أَبابِيلَ:﴾ متتابعة بعضها في إثر بعض. قاله ابن عباس، ومجاهد. وقيل: مختلفة متفرقة تجيء من كل ناحية، من هاهنا وهاهنا. قاله ابن مسعود، وابن زيد، والأخفش. واختلف في واحدها، فقيل: إبّول، كعجّول وعجاجيل. وقيل: واحدها: إبّيل كسكّين، وسكاكين. وقيل:\nواحدها: إبّال كدينار، ودنانير، وأصل دينار: دنّار، دليله تكرير النون في الجمع، والتصغير.\nوقيل: هو جمع لا واحد له. وقيل: هو اسم للجمع. انتهى. مكي. قال المبرد: ولم أجد العرب تعرف له واحدا في غير الصحاح. وقال رؤبة بن العجاج في الجمع: [الرجز]\nولعبت طير بهم أبابيل... فصيّروا مثل كعصف مأكول\nوهذا هو الشاهد رقم [٣٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقال الأعشى: [الطويل]\nطريق وجبّار رواء أصوله... عليه أبابيل من الطّير تنعب\nالجبّار من النخل: ما طال، وفات اليد. وقال آخر: [البسيط]\nكادت تهدّ من الأصوات راحلتي... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل\nالجرد (بضم الجيم): خيل لا رجالة فيها، وهو أيضا قصر شعر الجلد في الفرس.\n ﴿تَرْمِيهِمْ:﴾ ويقرأ: «(يرميهم)». ﴿بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ:﴾ قالوا: حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم، كقوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ وقيل: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ من السماء، وهي الحجارة التي أنزلت على قوم لوط. وقيل: من الجحيم، وهي سجين، ثم أبدلت اللام نونا، كما قالوا في أصيلان: أصيلال. قال ابن مقبل: [البسيط]\nورجلة يضربون البيض عن عرض... ضربا تواصت به الأبطال سجّينا\nهذا؛ وقالت طائفة، منهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن إسحاق: إن سجيلا لفظة غير عربية عربت، أصلها: سنج وجيل، ويقال: سنك وكيل، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب، فجعلتهما اسما واحدا؛ لأن العرب إذا تكلمت بشيء من الفارسي، صار لغة","vol":"10","page":731},{"text":"للعرب، ولا يضاف للفارسية، مثل سندس، وإستبرق، والمشكاة، ونحو ذلك، فكل هذه الألفاظ فارسية، تكلمت بها العرب، واستعملتها، فصارت عربية.\n ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أي: جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع؛ الذي أكلته الدواب، فرمت به إلى أسفل. شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء ورق الزرع، أكلته الدواب وداسته، بل وراثته؛ أي: ألقته روثا ثم يبس، وتفتت، ولم يقل: كروث لما في لفظ الروث من الهجنة، والشناعة وسمي عصفا؛ لأن الريح تعصف به، فتفرقه ذات اليمين وذات الشمال. هذا؛ والتشبيه مرسل مجمل ذكرت الأداة، وحذف وجه الشبه.\nهذا؛ وذكرت: أن الله أهلك كل واحد من أصحاب الفيل بحجر مكتوب عليه اسمه. وهو قول أكثر المفسرين. قال الجمل: يتأمل سر هذه الكتابة، وهل كان الطائر الذي يحمله يدرك ويفهم أن هذا الحجر لفلان بخصوصه حتى لا يرميه إلا فوقه؟ وإذا كان كذلك، فهل كان إدراكه لهذا المعنى من الكتابة المذكورة، أو بمجرد إلهام؟ يحرر. والله أعلم بمراده.\nالإعراب: ﴿وَأَرْسَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أرسل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله).\n ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿طَيْرًا:﴾ مفعول به. ﴿أَبابِيلَ:﴾ صفة ﴿طَيْرًا،﴾ ولم ينون؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وساغ ذلك؛ لأن الاستفهام للتقرير، فكان المعنى: قد جعل ذلك، وأرسل. وانظر ما ذكرته في سورة (الشرح) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\n ﴿تَرْمِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره:\n «هي» يعود إلى ﴿طَيْرًا أَبابِيلَ﴾ وعلى قراءة الفعل بالياء فالفاعل تقديره: «هو» يعود إلى (الله)؛ أي:\nيرميهم الله. ويجوز أن يكون راجعا إلى الطير لخلوها من علامات التأنيث، وهو ضعيف، فالأول أقوى وأولى، والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿طَيْرًا﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وعلى قراءته بالياء فالحالية تكون من الضمير المجرور ب: (على)، والرابط:\nالضمير على الاعتبارين. ﴿بِحِجارَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (حجارة). (جعلهم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به. ﴿كَعَصْفٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما وهو الأقوى هنا، فالمحل لها، وتكون مضافة، و(عصف): مضاف إليه. ﴿مَأْكُولٍ:﴾ صفة (عصف). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الفيل) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":732},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5081>سورة قريش</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (قريش) مكية، وهي أربع آيات، وسبع عشرة كلمة، وثلاثة وسبعون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6194\"></span><span id=\"aya-6195\"></span>﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾\nالشرح: قيل: إن هذه السورة متصلة بالتي قبلها في المعنى، يقول الله: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش؛ أي: لتأتلف، أو لتتفق قريش، أو لكي تأمن قريش، فتؤلف رحلتيها، وممن عدّ السورتين واحدة أبيّ بن كعب، ولا فصل بينهما في مصحفه. وقال عمرو بن ميمون الأودي: صلينا المغرب خلف عمر بن الخطاب﵁-، فقرأ في الأولى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وفي الثانية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ و﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وقال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة التي قبلها؛ لأنه ذكّر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش.\nوذلك: أن قريشا كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها، ولا تقرب في الجاهلية، يقولون:\nهم أهل بيت الله ﷿، حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة، ويأخذ حجارتها، فيبني فيها بيتا في اليمن، يحج الناس إليه، فأهلكهم الله ﷿، فذكرهم نعمته. وقيل: ليست بمتصلة؛ لأن بين السورتين ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. هذا؛ وقال الجوهري: وفلان قد ألف هذا الموضع، يألفه إلفا، وآلفه إيّاه غيره. ويقال أيضا: آلفت الموضع أولفه إيلافا، وكذلك: آلفت الموضع، أؤالفه مؤالفة، وإلافا. قال أبو طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله: [الطويل]\nفلا تتركنه ما حييت لمعظم... وكن رجلا ذا نجدة وعفاف\nتذود العدا عن عصبة هاشمية... إلا فهم في النّاس خير إلاف\nوأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة، فكل من كان من ولد النضر، فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه، فإذا أردت بقريش الحي، أو الجد الأول صرفته، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه.\nهذا شأن جميع أسماء القبائل، مثل: عاد، وثمود. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا ولد النضر بن كنانة، لا نقفوا أمّنا، ولا ننتفي من أبينا». أي: لا نتهم أمنا، ولا نقذفها. وقيل:","vol":"10","page":733},{"text":"معناه: لا نترك النسب إلى الآباء وننتسب إلى الأمهات. وقال واثلة بن الأسقع﵁- قال النبي ﷺ: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار». رواه الشيخان وغيرهما.\nهذا؛ و﴿قُرَيْشٍ﴾ قبيلة النبي ﷺ، ومنها بنو أمية، فيلتقون معه ﷺ في عبد مناف؛ لأن أولاده هم: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل. وكان يقال لهم: أقداح النضار؛ أي: الذهب، كما يقال لهم: المجيرون؛ لكرمهم، وفخرهم، وسيادتهم على سائر العرب. فالرسول ﷺ يرجع نسبه إلى هاشم، وبنو أمية يرجع نسبهم إلى عبد شمس، فهم جميعا أولاد عم. وبطون قريش غير هذين البطنين كثيرة كما هو معروف. وسموا جميعا قريشا على أقوال: أحدها: لتجمعهم بعد التفرق، والتقرش: التجمع، والالتئام. الثاني: لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم، والتقرش: التكسب. الثالث: لأنهم كانوا يفتشون عن الفقير المحتاج، فيسدون خلته. والقرش:\nالتفتيش. الرابع: ما روي: أن معاوية سأل ابن عباس﵄-: لم سميت قريش قريشا؟ فقال: لدابة في البحر من أقوى دوابه، يقال لها: القرش، تأكل، ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وأنشد قول تبّع: [الخفيف]\nوقريش هي التي تسكن البح... ر بها سمّيت قريش قريشا\nتأكل الغثّ والسّمين ولا تت... رك فيه لذي جناحين ريشا\nهكذا في الكتاب حيّ قريش... يأكلون البلاد أكلا كميشا\nولهم آخر الزمان نبيّ... يكثر القتل فيهم والخموشا\nيملأ الأرض خيله ورجاله... يحشرون المطيّ حشرا كميشا\nوإليك البيتين الآتيين، وهما لمساور بن قيس يهجو فيهما بني أسد: [الوافر]\nزعمتم أنّ إخوتكم قريش... لهم إلف وليس لكم إلاف\nأولئك أومنوا جوعا وخوفا... وقد جاعت بنو أسد وخافوا\nيقول: لستم من قريش، ولا قريش منكم، فدعواكم إخوتهم باطلة؛ لأنهم أطعموا من جوع وأومنوا من خوف، ولستم كذلك.\n ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ:﴾ قال ابن عباس﵄-: كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا في الحرم، ويعبدوا رب هذا البيت. وقال الأكثرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة: رحلة في الشتاء إلى اليمن؛ لأنها أدفأ، ورحلة في الصيف إلى الشام؛ لأنها أبرد، وكان الحرم حول مكة واديا لا زرع فيه، ولا ضرع،","vol":"10","page":734},{"text":"وكانت قريش تعيش بتجارتهم، ورحلتهم، وكانوا لا يتعرض لهم أحد بسوء، وكان الناس يقولون: قريش سكان حرم الله، وولاة بيته، وكانت العرب تكرمهم، وتعزهم وتعظمهم لذلك، فلولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف. فشق عليهم الاختلاف إلى اليمن، والشام، فأخصبت تبالة وحرش من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة، أهل الساحل حملوا طعامهم في البحر على السفن إلى مكة، وأخصب الشام، فحملوا الطعام منه أيضا إلى مكة، وألقوا بالأبطح، فامتار أهل مكة من قريب، وكفاهم الله مؤنة الرحلتين جميعا. وقال ابن عباس﵄-: كانوا في ضرّ ومجاعة؛ حتى جمعهم الله على الرحلتين، فكانوا يقسمون ربحهم بين الغني، والفقير حتى صار فقيرهم كغنيهم، وقال الكلبي: كان أول من حمل القمح من الشام، ورحل إليها الإبل هاشم بن عبد مناف، وفيه يقول الشاعر: [الكامل]\nعمرو العلا هشم الثريد لقومه... ورجال مكة مسنتون عجاف\nهذا؛ وذكر السيوطي في أسباب النزول. قال: أخرج الحاكم، وغيره عن أم هانئ بنت أبي طالب﵂-. قالت: قال رسول الله ﷺ: «فضّل الله قريشا بسبع خصال\nالحديث، وفيه نزلت فيهم سورة لم يذكر فيها أحد غيرهم: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ..﴾. إلخ».\nالإعراب: ﴿لِإِيلافِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: فعلنا كذا، وكذا بأصحاب الفيل. وهذا على اعتبار السورة متصلة بسابقتها. وقيل: متعلقان بمحذوف تقديره أعجبوا لإيلاف، ومتعلقان بالفعل الآتي على اعتبار السورة منفصلة عما قبلها، والفاء صلة، و(إيلاف) مضاف، و﴿قُرَيْشٍ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِيلافِهِمْ:﴾ بدل مما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله. ﴿رِحْلَةَ:﴾ مفعول به للمصدر، والأصل:\n (رحلتي الشتاء والصيف) يدل عليه المعنى، و﴿رِحْلَةَ:﴾ مضاف، و﴿الشِّتاءِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿وَالصَّيْفِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الصيف): معطوف على ما قبله.\nتنبيه: (الرحلة) بكسر الراء: الارتحال، والرّحلة (بضم الراء) الجهة التي يقصدها المسافر، وعالم رحلة: عالم يرتحل إليه من الآفاق. والرّحل مسكن الرجل، وما يستصحبه من الأثاث، وهو أيضا رحل البعير، وهو أصغر من القتب، والراحلة: الناقة التي تصلح؛ لأن ترحل. وقيل:\nالراحلة: المركب من الإبل ذكرا كان، أو أنثى. انتهى.\n\n<span id=\"aya-6196\"></span><span id=\"aya-6197\"></span>﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾\nالشرح: لقد أمر الله جلت قدرته قريشا بعبادته؛ لإنعامه عليهم، وذلك؛ لأن الإنعام على قسمين: أحدهما: الأمن من الخوف ودفع الضرر، وهو ما ذكر في السورة السابقة. والثاني:","vol":"10","page":735},{"text":"السعة، والرغد في العيش، وجلب المنفعة. وهو ما ذكر في هذه السورة. ولما حقق الله لهم هذين الأمرين، وهما نعمتان عظيمتان؛ أمرهم بالعبودية، وأداء الشكر. وقيل: إنه تعالى لما كفاهم أمر الرحلتين؛ أمرهم أن يشتغلوا بعبادة رب هذا البيت.\nهذا؛ والمراد بالبيت: الكعبة المعظمة، وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب البيت وجهان:\nأحدهما: لأنه كانت لهم أوثان، فميز نفسه عنها. والثاني: لأنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب، فذكّرهم ذلك تذكيرا لنعمته. انتهى. قرطبي.\n ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ أي: بعد جوع. ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ أي: بعد خوف. قال ابن عباس﵄-: وذلك بدعوة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (البقرة) رقم [١٢٦]: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾. ومثلها في سورة (إبراهيم) رقم [٣٥]. وقال ابن زيد: كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكانها في الحرم، وقرأ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ رقم [٥٧] من سورة (القصص). وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ رقم [٦٧] من سورة (العنكبوت).\nوقيل: إن هذا الإطعام هو: أنهم لما كذبوا النبي ﷺ دعا عليهم، فقال: «اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». فأجاب الله دعاءه، واشتد عليهم القحط. فقالوا: يا محمد! ادع الله لنا فإنا مؤمنون! فدعا رسول الله ﷺ، فأخصبت البلاد، وأخصبت مكة بعد القحط، والجهد، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ..﴾. إلخ. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿الشِّتاءِ﴾ و(الصيف)، وبين (الجوع) و(الإطعام)، وبين (الأمن) و(الخوف)، وهو من المحسنات البديعية.\nهذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن، يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل.\nوأما التّخوّف فإنه يأتي بمعنى: التنقص. كما في قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٤٧]: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ يروى: أن الفاروق﵁قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؟﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل. وقال: هذه لغتنا (التخوف) التنقص. قال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال نعم. قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]\nتخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن\nفقال الفاروق﵁-: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى العلم، وبه قيل في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨٢]: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا...،﴾ وفيها أيضا رقم [٢٢٩]: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾.","vol":"10","page":736},{"text":"الإعراب: ﴿فَلْيَعْبُدُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف على اعتبار السورة متصلة بما قبلها، وصلة على اعتبارها منفصلة. وقيل: واقعة في جواب شرط مقدر؛ أي: فإن لم يعبدوه لسائر نعمه؛ فليعبدوه لشأن هذه الواحدة؛ التي هي نعمة ظاهرة. وهذا يعني: أنها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، كما رأيت، وهو جيد جدا. (ليعبدوا): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿رَبَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْبَيْتِ:﴾ صفة اسم الإشارة، أو بدل منه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿رَبَّ،﴾ أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح، ونحوه، وهذان الوجهان على القطع. ﴿أَطْعَمَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول.\n ﴿مِنْ جُوعٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، التقدير: أطعمهم جائعين، والجملة الثانية معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (قريش) شرحا، وإعرابا بعون الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":737},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5084>سورة الماعون</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الماعون) مكية. وقيل: نزل نصفها بمكة في العاص بن وائل، والنصف الثاني نزل في المدينة في عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق، وهي سبع آيات، وخمس وعشرون كلمة، ومئة وخمسة وعشرون حرفا. ومناسبتها لما قبلها: أن الله تعالى لمّا عدد نعمه على قريش، وكانوا لا يؤمنون بالبعث، والجزاء؛ أتبع امتنانه عليهم بتهديدهم بالجزاء، وتخويفهم بالعقاب.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6198\"></span><span id=\"aya-6199\"></span><span id=\"aya-6200\"></span>﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾\nالشرح: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: بيوم الجزاء، والحساب. واختلف فيمن نزلت فيه من زعماء قريش، فقيل: العاص. وقيل: غيره، والمعنى: هل عرفت الذي يكذب بيوم الجزاء، والحساب؟ فإن لم تعرفه؛ فهو ذلك... إلخ. وذكرت لك شرح (الدّين) في آخر سورة (الانفطار).\n ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ:﴾ يدفعه بعنف عن حقه. قيل: كأبي جهل كان وصيا على يتيم، فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه، فدفعه. وقيل: هو أبو سفيان نحر جزورا، فسأله يتيم لحما، فقرعه بعصاه. أو الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل. وقد تقدم في سورة (النساء) أنهم كانوا لا يورثون النساء، ولا الصغار، وكانوا يقولون: إنما يحوز المال من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام. هذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (الطور) لتفسير الدّعّ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ رقم [١٣].\nهذا؛ واليتيم من الحيوان الذي فقد أمه فقط، ومن بني آدم من فقد أباه، أو أمه، أو فقدهما معا، وهو أسوأ أنواع اليتامى، والمراد به هنا: من فقد معيله، وهو الأب على الأكثر، وهناك يتيم العلم، والعقل، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من كل يتيم، وإن كان قد بلغ من العمر الستين، والسبعين، ويملك من الأموال الملايين. ولله در القائل: [البسيط]\nليس اليتيم الّذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العلم والأدب\nومن أنواع اليتيم من أهمل أبوه، وأمه تربيته مع كونهما موجودين، وخذ قول الآخر: [الكامل]","vol":"10","page":738},{"text":"ليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة وخلّفاه ذليلا\nإن اليتيم هو الذي تلقى له... أمّا تخلّت أو أبا مشغولا\n ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ:﴾ انظر شرح هذه الآية في سورة (الحاقة) رقم [٣٤] فإنه جيد؛ والحمد لله! هذا؛ والمسكين أحسن حالا من الفقير، كما بينته في سورة (التوبة) رقم [٦٠] وغيرها. والذي أريد أن أناقشه هنا قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية من سورة (المائدة) رقم [٨٩].\nفبعض العلماء يفتي بأن كفارة اليمين من الإطعام خمسة كيلوات من القمح، لكل مسكين أقل من نصف كيلو، وهو ما يطلق عليه اسم المد، وقد ذكر الله في الآية الكريمة أن الإطعام يكون من أوسط ما يطعم المكفر أهله، فأنا أناشد هؤلاء بالله: أيكون نصف كيلو من القمح في هذه الأيام من أوسط إطعام المكفر أهله؟ وهل يعادل مد القمح في هذه الأيام شيئا من الكسوة؛ التي ذكرها الله؟ وأين هو من تحرير الرقيق؟ بل؛ وهل يعادل صيام يوم من الأيام؛ بله الثلاثة؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وهل يعتبر هؤلاء المساكين طيرا من الطيور حمامة، أو نحوها يلتقط الحبات؛ التي تعطى له؟! الحق أقول: إنه يجب على المكفر أن يعطي للمسكين نقودا تكفي لغدائه، أو عشائه، أو يصنع في بيته طعاما من الوسط، ويدعو إليه عشرة من المساكين فإن ذمته تبرأ إن شاء الله، وبغير ذلك لا تبرأ ذمته. والإثم على العالم الذي يفتي بغير ذلك. والله المستعان، وبه التوفيق.\nالإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام تعجبي. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِي:﴾\nاسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف يقدر بجملة استفهامية، فقدره الحوفي: أليس مستحقا للعذاب؟ وقدره الزمخشري: من هو، وما هي أوصافه؟ وقدره القرطبي بقوله: أمصيب هو، أم مخطئ؟ وقيل: إن الفعل بمعنى: عرف، فيكتفي بمفعول واحد، وهو الموصول. ﴿يُكَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالدِّينِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل المفعول به. ﴿فَذلِكَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، انظر الشرح. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وقال الجلال: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو ذلك، ولا حاجة لذلك. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر في الشرح على رأي الدسوقي. ويقول غيره: في محل جزم جوابه. وجملة: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد عود الفاعل إليه.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَحُضُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى","vol":"10","page":739},{"text":"﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿عَلى طَعامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و﴿طَعامِ:﴾ مضاف، و﴿الْمِسْكِينِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لمفعوله وفاعله محذوف.\n\n<span id=\"aya-6201\"></span><span id=\"aya-6202\"></span><span id=\"aya-6203\"></span><span id=\"aya-6204\"></span>﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)﴾\nالشرح: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ:﴾ انظر شرح (الويل) في سورة (المرسلات). هذا؛ وقد قسم القرآن الكريم الناس بالنسبة إلى الصلاة أربعة أقسام: القسم الأول: أنكر الصلاة، وجحدها، ولم يعتقد بفرضيتها، وهم الكافرون. قال تعالى في سورة (المدثر) حكاية عن قول أصحاب اليمين في سؤالهم الكافرين: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ فيجيب الكافرون بقولهم ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾. القسم الثاني: المنافقون الذين يراؤون في صلاتهم، وهو المذكورون في هذه السورة.\nالقسم الثالث أقوام كان آباؤهم يصلون ويحسنون الصلاة، أما هم فقد أهملوها وضيعوها. قال تعالى في سورة (مريم): ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.\nوالقسم الرابع: هم الفائزون بالصلاة، وثوابها. قال تعالى في أول سورة (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾.\n ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ:﴾ روى البغوي بسنده عن سعد بن أبي وقاص﵁- قال: سئل رسول الله ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون؟ قال: «إضاعة الوقت». وقال ابن عباس﵄-: هم المنافقون يتركون الصلاة؛ إذا غابوا عن الناس، ويصلون في العلانية؛ إذا حضروا معهم، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾. وقال تعالى في وصف المنافقين: ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ﴾. وقيل: لا يرجون لها ثوابا؛ إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابا؛ إن تركوا. وقيل: هم الذين إذا صلوها؛ صلوها رياء. وإن فاتتهم؛ لم يندموا عليها. وقيل: هم الذين لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون لها ركوعها، ولا سجودها، ساهون عنها لا يبالون صلوا، أو لم يصلوا.\nهذا؛ وقال المفسرون: لما قال تعالى: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ بلفظة ﴿عَنْ:﴾ علم أنها في المنافقين، ولهذا قال بعض السلف: الحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾ ولم يقل: ﴿فِي صَلاتِهِمْ؛﴾ لأنه لو قال ﴿فِي صَلاتِهِمْ﴾ لكانت في المؤمنين، والمؤمن قد يسهو في صلاته، والفرق بين السهوين واضح، فإن سهو المنافق سهو ترك، وقلة التفات إليها، فهو لا يتذكرها، ويكون مشغولا عنها، والمؤمن إذا سها في صلاته؛ تداركه في الحال، وجبره بسجود السهو. فظهر الفارق بين السهوين.\nهذا؛ وقد سها الرسول ﷺ في صلاته والصحابة كذلك حصل منهم سهو، وما كان الرسول ﷺ يسهو في صلاته إلا لفكرته فيما هو أعظم منها، ورحم الله من قال: [البسيط]","vol":"10","page":740},{"text":"يا سائلي عن رسول الله كيف سها؟ ... والسّهو من كلّ قلب غافل لاهي\nقد غاب عن كلّ شيء سرّه فسها... عمّا سوى الله فالتعظيم لله\n ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ أي: يتركون الصلاة في السر، ويفعلونها في الجهر، والفرق بين المنافق، والمرائي: أن المنافق هو الذي يبطن الكفر، ويعلن الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة في الخشوع ليعتقد فيه من يراه: أنه من أهل الدين والصلاح، وأما من يظهر النوافل ليقتدى به، ويأمن على نفسه من الرياء؛ فلا بأس بذلك، وليس بمراء. هذا؛ والرياء يكون في الأقوال، والأفعال من صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، وإنفاق المال، وفي الثياب القصار، والرثة؛ ليأخذ بذلك هيئة الزهد في الدنيا، وإظهار التقشف.\nوقد حذرنا الرسول ﷺ من ذلك، حيث قال: «يجاء بالدنيا يوم القيامة، فيقال: ميزوا ما كان منها لله ﷿ فيماز، ويرمى سائره في النار». رواه البيهقي عن عبادة بن الصامت﵁-. وعن أبي هريرة﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تزيّن بعمل الآخرة، وهو لا يريدها، ولا يطلبها؛ لعن في السموات، والأرض». رواه الطبراني في الأوسط.\nوعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج في آخر الزّمان رجال يختلون الدنيا بالدّين، يلبسون للنّاس جلود الضّأن من اللّين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذّئاب، يقول الله ﷿: أبي يغترّون أم عليّ يجترئون؟ فبي حلفت: لأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران». رواه الترمذي، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «من تحبّب إلى الناس بما يحبون، وبارز الله بما يكرهون؛ لقي الله؛ وهو عليه غضبان». وقد ذكرت في آخر سورة (الكهف) وغيرها الكثير من ذلك، وبينت: أن الرياء شرك، ويجر إلى الشرك الحقيقي، والموت على غير الإيمان.\nوعن محمود بن لبيد﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: «الرياء. يقول الله ﷿ إذا جزى النّاس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا؛ فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!». رواه أحمد، والبيهقي، وغيرهما.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁-: أن النبي ﷺ قال: «يا أيّها النّاس اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل». فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟! قال: «قولوا: إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه». رواه أحمد، والطبراني، وغيرهما.\n ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ:﴾ فيه أقوال كثيرة. روي عن علي﵁-: أنه قال: الزكاة وهو قول ابن عمر، والحسن، وقتادة، والضحاك. ووجه ذلك: أن الله تعالى ذكرها بعد","vol":"10","page":741},{"text":"الصلاة، وذمّهم على ترك الصلاة، ومنع الزكاة، وعطف الزكاة على الصلاة، وقرنها بها، ورد ذلك في ثلاث وثلاثين آية. وقال ابن مسعود﵁الماعون: الفأس، والدلو، والقدر، وأشباه ذلك من الأمتعة المستعملة في البيت، والمتداولة في أيدي الناس. وبالجملة:\nفالماعون: طاعة الله، والمعروف بين الناس، وقضاء حوائج الناس، وعامة الأمتعة المستعملة في البيوت، والزكاة. وكل عمل بر. وخذ قول الراعي النميري: [الكامل]\nأخليفة الرّحمن إنّا معشر... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا\nعرب نرى لله في أموالنا... حقّ الزكاة منزّلا تنزيلا\nقوم على التنزيل لمّا يمنعوا... ما عونهم ويبدّلوا التنزيلا\nالإعراب: ﴿فَوَيْلٌ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له. وقال السمين:\nللسببية، وهو أولى. (ويل): مبتدأ، وساغ الابتداء به؛ لأنه متضمن معنى الدعاء. ﴿لِلْمُصَلِّينَ:﴾\nجار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة، أو بدل من (المصلين)، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو في محل نصب مفعول به بفعل محذوف، التقدير: أذم، ونحوه. وهذان الوجهان على القطع. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿ساهُونَ﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ساهُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ مثل سابقه في جميع وجوهه.\n ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿يُراؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.\n ﴿وَيَمْنَعُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يمنعون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله الأول محذوف، التقدير: يمنعون الناس. ﴿الْماعُونَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الماعون) شرحا، وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":742},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5087>سورة الكوثر</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الكوثر) مكية في قول ابن عباس﵄والجمهور، ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة، وهي ثلاث آيات، وعشر كلمات، واثنان وأربعون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6205\"></span><span id=\"aya-6206\"></span><span id=\"aya-6207\"></span>﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾\nالشرح: الخطاب للنبي ﷺ، تكريما لمقامه الرفيع، وتشريفا لجاهه العظيم؛ أي: نحن أعطيناك يا محمد الخير الكثير الدائم في الدنيا، والآخرة، ومن هذا الخير نهر الكوثر، وخذ ما يلي:\nعن عبد الله بن عمر﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدرّ، والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج، من شرب منه شربة؛ لم يظمأ بعدها أبدا». رواه ابن ماجه، والترمذي، وورد: أول من يرده فقراء المهاجرين، الدنس الثياب، الشعث الرؤوس؛ الذين لا يزوّجون المنعّمات، ولا تفتح لهم أبواب السّدد، يموت أحدهم، وحاجته في صدره، لو أقسم على الله لأبرّه. وعن ابن عباس﵄في قوله ﷿: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: نهر في الجنة، عمقه سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشدّ بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، شاطئاه اللؤلؤ، والزبرجد، والياقوت، خصّ الله به نبيه ﷺ قبل الأنبياء. رواه ابن أبي الدنيا موقوفا، والكوثر: وزنه: فوعل، وهو يدل على الكثرة.\nوعن أنس﵁قال: بينا الرسول ﷺ ذات يوم بين أظهرنا؛ إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: «أنزلت عليّ آنفا سورة». فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ السورة. ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟». قلنا:\nالله ورسوله أعلم. قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿، فيه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد-أي: ينتزع، ويقتطع-منهم، فأقول: إنه من أمتي،","vol":"10","page":743},{"text":"فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك». أخرجه مسلم، والترمذي. وهذا يثبت: أن السورة مدنية، واستدل الشافعي﵁بهذا الحديث على أن البسملة آية من الفاتحة.\nقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: وذكر في الكوثر ستة وعشرون قولا، والصحيح هو ما فسره به رسول الله ﷺ. فقال: «هو نهر في الجنة، حافتاه من ذهب... إلخ». الحديث الأول. وعن ابن عباس﵄-: الكوثر: الخير الكثير. وما ذهب إليه من أنه الخير الكثير جامع لأقوال المفسرين. فقد أعطي الرسول ﷺ الفضائل الكثيرة العميمة، أعطي النبوة، والكتاب، والحكمة، والعلم، والشفاعة، والحوض المورود، والمقام المحمود، وكثرة الأتباع، والنصر على الأعداء، وكثرة الفتوحات؛ إلى غير ما هنالك من الخيرات، صلوات الله، وسلامه عليه.\nوما أحسن قول القرطبي-رحمه الله تعالى-: ثم يجوز أن يسمى ذلك النهر، أو الحوض كوثرا، لكثرة الواردة والشاربة من أمة محمد ﷺ هناك، ويسمى به لما فيه من الخير الكثير والماء الكثير. انتهى. وفي حوضه ﷺ يقول الشاعر: [المنسرح]\nيا صاحب الحوض من يدانيكا... وأنت حقا حبيب باريكا\nوخذ هذا الحديث، فعن أبي هريرة﵁-: أنّ رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فقال:\n «وددت أنا قد رأينا إخواننا». قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد». قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟! قال:\n «أرأيتم لو أنّ رجلا له خيل غرّ محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «فإنهم يأتون غرّا محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض».\nرواه مسلم، وزاد غيره: «ألا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالّ، فأناديهم: ألا هلمّ فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك! فأقول: سحقا! سحقا!». هذا؛ والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير. قال الكميت في مدح عبد الملك: [الطويل]\nوأنت كثير يابن مروان طيّب... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا\nوقال ابن إسحاق: الكوثر: العظيم من الأمر، وذكر بيت لبيد: [الطويل]\nوصاحب ملحوب فجعنا بفقده... وعند الرداع بيت آخر كوثرا\nتنبيه: ذهب صاحب كتاب القوت، وغيره إلى أن حوض النبي ﷺ إنما هو بعد الصراط.\nوالصحيح: أن للنبي حوضين، وكلاهما يسمى كوثرا، والكوثر في كلام العرب: الخير الكثير، فحوض يكون قبل الصراط، وحوض بعد الصراط؛ لأن طرد المنافقين والفاسدين المفسدين يكون قبل الصراط، ولا يكون هذا الطرد بعد الصراط؛ لأنه لا ينجو من الصراط؛ إلا المؤمنون الذين فازوا برضا الله، ورضوانه، وآمنوا من سخطه، وغضبه، وأما المنافقون والفاسدون المفسدون؛ فلا وجود لهم بعد الصراط؛ لأنهم يسقطون في جهنم، وبئس المصير.","vol":"10","page":744},{"text":"ولا يخطر ببالك، ويذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض، وإنما يكون وجوده في الأرض المبدلة على مسامتة هذه الأقطار، أو في المواضع التي تكون بدلا من هذه المواضع في هذه الأرض، وهي أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (إبراهيم) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-تظهر تلك لفصل القضاء.\nهذا؛ واختلف في الميزان، والحوض: أيهما قبل الآخر؟ فقيل: الميزان قبل. وقيل:\nالحوض. قال أبو الحسن القابسي: والصحيح: أن الحوض قبل. قلت: والمعنى يقتضيه، فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشا، فيقدم قبل الصراط، والميزان. انتهى. والله أعلم نقلا من هنا، وهناك. ولا بد من القول: إن الميزان، والصراط، والحوض، والجنة، والنار، وغير ذلك إنما هي من الأمور المغيبة التي يجب الإيمان بها، وهي من صميم العقيدة الإسلامية. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل يفيد تحقق الوقوع.\n ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ:﴾ لقد اختلف في ذلك على أقوال كثيرة، وأذكر من ذلك أقوالا ثلاثة:\nالأول: قال قتادة، وعطاء وعكرمة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر، وانحر نسكك؛ أي: اذبح أضحيتك. وقال أنس﵁-: كان النبي ﷺ ينحر، ثم يصلي، فأمر أن يصلي، ثم ينحر. وقال سعيد بن جبير﵁أيضا: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع، وانحر البدن بمنى. وعن البراء بن عازب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي، ثم نرجع، فننحر. من فعل هذا؛ فقد أصاب سنّتنا. وفي رواية: نسكنا. ومن ذبح قبل؛ فإنما هو لحم قدّمه لأهله ليس من النسك في شيء».\nأخرجه البخاري. وهذا يفيد: أن السورة مدنية.\nالثاني: عن علي﵁قال: لما نزلت: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال النبي ﷺ لجبريل ﵇: «ما هذه النحيرة التي أمرني الله بها؟». قال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا، وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة، وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.\nالثالث: قال محمد بن كعب القرظي﵁-: يقول الله ﷿: إن ناسا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، وقد أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتك، ولا نحرك إلا لله. وقال ابن العربي: والذي عندي: أنه أراد: اعبد ربك، وانحر له، فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر. والمعتمد القول الأول من الثلاثة. والله أعلم.\nوالمعنى لما تقدم، يقول الله ﷿: قد أعطيتك ما لا نهاية لكثرته من خير الدارين، وخصصتك بما لم أخص به أحدا غيرك، فاعبد ربك؛ الذي أعطاك هذا العطاء الجزيل، والخير","vol":"10","page":745},{"text":"الكثير، وأعزك، وشرفك على كافة الخلق، ورفع منزلتك فوقهم، فصل له، واشكره على إنعامه عليك، وانحر البدن ضحايا متقربا إليه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ يعني: إن عدوك ومبغضك هو الأبتر الأذل المنقطع دابره. قال المفسرون: لما مات القاسم بن النبي ﷺ. قال العاص بن وائل السهمي: دعوه فإنه رجل أبتر، لا عقب له، فإذا هلك؛ انقطع ذكره. فأنزل الله﷿هذه السورة، وأخبر الله تعالى: أن هذا الكافر هو الأبتر، وإن كان له أولاد يفخر بهم، ويعتز بكثرتهم؛ لأنه مبتور من رحمة الله، ولأنه لا يذكر إلا باللعنة، بخلاف الرسول ﷺ، فإنّ ذكره خالد أبد الدهر، مرفوع على المآذن، والمنابر، مقرون بذكر الله تعالى: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله) والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه، فهو كالوالد لهم، وهو أولى بهم من أنفسهم. قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦]: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾. وانظر سورة (القدر).\nهذا؛ وفي المصباح المنير: شنئه كسمعه، ومنعه؛ أي: هو من بابين: الرابع، والثالث، والمصدر شنأ وشنآنا بفتح النون وسكونها: أبغضه، واسم الفاعل: شانئ، وشانئة، في المذكر، والمؤنث، خذ قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾.\nوفي المختار: بتره: قطعه قبل الإتمام، وبابه: نصر، والانبتار: الانقطاع، والأبتر:\nالمقطوع الذنب، وبابه: طرب، والأبتر أيضا: الذي لا عقب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر. انتهى. هذا؛ وقد روى الخطيب في كتاب الجامع عن النبي ﷺ قال: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر، وفي رواية: (فهو أقطع) وفي أخرى: (فهو أجذم)». والمعنى: قليل البركة، أو معدومها، وقد سميت الخطبة التي ألقاها زياد بن سمية في العراق بالبتراء؛ لأنه لم يبدأها بذكر الله تعالى.\nالإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و(نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها. ﴿فَصَلِّ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي:\nمن يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير:\nوإذا تكرمنا عليك بما ذكر؛ فصل. (صل): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا». ﴿لِرَبِّكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (انحر): معطوف على ما قبله.","vol":"10","page":746},{"text":"﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿شانِئَكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة.\n ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْأَبْتَرُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ و﴿الْأَبْتَرُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وقال أبو البقاء: أو توكيدا ل: ﴿شانِئَكَ﴾ وهو غلط منه؛ لأن المظهر لا يؤكد بالمضمر، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الكوثر) شرحا وإعرابا.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":747},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5089>سورة الكافرون</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الكافرون) مكية في قول ابن مسعود، والحسن وعكرمة. ومدنية في أحد قولي ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وأربعة وتسعون حرفا.\nوعن أنس﵁-. قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ عدلت له نصف القرآن، ومن قرأ: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ عدلت له ربع القرآن، ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عدلت له ثلث القرآن». أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب، ووجه كون هذه السورة تعدل ربع القرآن: أن القرآن مشتمل على الأمر، والنهي، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بعمل القلوب، وإلى ما يتعلق بعمل الجوارح، فحصل من ذلك أربعة أقسام، وهذه السورة مشتملة على النهي عن عبادة غير الله تعالى، وهي من الاعتقاد، وذلك من أفعال القلوب، فكانت هذه السورة ربع القرآن على هذا التقسيم، والله ﷾ أعلم. انتهى. خازن.\nأقول: وإنما عدلت سورة (الزلزلة) نصف القرآن؛ لأنها تبين أهوال القيامة وما فيها من السعادة، والشقاوة، والإنسان متقلب بين الحياة الدنيا، والآخرة، فمقابلة القيامة وما فيها من أهوال بالحياة الدنيا، وما فيها، والقرآن كثير التحدث عن الحياتين، فهذا السبب جعل قراءة (الزلزلة) تعدل نصف القرآن. وإنما عدلت قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن؛ لأن القرآن على ثلاثة أنحاء، أو على ثلاثة أقسام: قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى. أو قل:\nوتوحيد لله، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ متمحضة للصفات، وللتوحيد، فهي ثلث القرآن بهذا المعنى.\nوروى جبير بن مطعم﵁أن النبي ﷺ قال: «أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل أصحابك هيئة، وأكثرهم زادا؟». قلت: نعم يا رسول الله! قال: «فاقرأ هذه السور الخمس: من أول ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وافتتح قراءتك ب:\n ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: فو الله لقد كنت غير كثير المال، إذا سافرت أكون أبذهم هيئة، وأقلهم زادا، فمنذ قرأتهنّ صرت أحسنهم هيئة، وأكثرهم زادا حتى أرجع من سفري ذلك.\nوقال فروة بن نوفل﵁قال رجل للنبي ﷺ: أوصني. قال: «اقرأ عند منامك: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ فإنها براءة من الشرك». وقال ابن عباس﵄-: ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس منها؛ لأنها توحيد، وبراءة من الشرك. انتهى. قرطبي.","vol":"10","page":748},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6208\"></span><span id=\"aya-6209\"></span><span id=\"aya-6210\"></span><span id=\"aya-6211\"></span><span id=\"aya-6212\"></span><span id=\"aya-6213\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾\nالشرح: نزلت السورة الكريمة في رهط من قريش، منهم: الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وأمية بن خلف. قالوا: يا محمد! هلمّ اتبع ديننا، ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فقال رسول الله ﷺ: «معاذ الله أن أشرك به غيره!» قالوا: فاستلم بعض آلهتنا؛ نصدقك، ونعبد إلهك. قال: «حتى أنظر ما يأتي من ربي». فأنزل الله ﷿ السورة بكاملها، فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام، وفيه أولئك الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم، ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك، وآذوه وأصحابه. انتهى. خازن. وهذا يثبت: أن السورة مكية، ونزل قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.\nهذا؛ وإن النبي ﷺ كان يأتيهم في ناديهم، ويقول لهم: «يا أيّها الكافرون» وهو يعلم أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر، ويدخلوا في جملة أهله؛ لأنه يعلم أنه محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد، أو تقع به أذية منهم، وكثيرا ما كانوا يلجؤون إلى عمه أبي طالب، ويطلبون منه أن يكفه عن تسفيه أحلامهم، وشتم آبائهم، وعيب آلهتهم. وأما المسلمون؛ فلا يجوز لهم أن يسارعوا إلى مثلها، ويقيسوا على أنفسهم بنبيهم الذي حفظه الله، ورعاه، ومنعه من أعدائه.\nقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٠٨]: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ..﴾. إلخ.\nوأما وجه التكرار؛ فقيل: إنه للتأكيد في قطع أطماعهم، كما تقول: والله لا أفعل كذا! ثم والله لا أفعله! قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أنّ من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف، والإيجاز؛ لأن خروج الخطيب، والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ،﴾ وقال تعالى في سورة (المرسلات): ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وقال ﷿ في سورة (النبأ): ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الشرح): ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ هذا التكرار في السور المذكورة كله","vol":"10","page":749},{"text":"ومنه قول النبي ﷺ على المنبر: «إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم إلا أن يحبّ ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها». رواه مسلم، وغيره، والتكرار وارد في الكلام العربي نثره، ونظمه، وهو كثير لا يعد، ولا يحصى.\nوقال ابن عباس﵄-: قالت قريش للنبي ﷺ نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل بمكة. ونزوجك من شئت، ونطأ عقبك؛ أي: نمشي خلفك؛ وتكف عن شتم آلهتنا! فإن لم تفعل فنحن نعرض عليك خصلة واحدة، هي لنا ولك صلاح تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة، ونحن نعبد إلهك سنة، فنزلت السورة، فكان التكرار في ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ؛﴾ لأن القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة. والله أعلم. انتهى. قرطبي. وانظر شرح (الكافر) في سورة (الدهر) رقم [٤]، وشرح (الدين) في آخر سورة (الانفطار)، وشرح (العبادة) في الآية رقم [٥] من سورة (البينة).\nهذا؛ وقيل: قال له كفار قريش: اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. أو اعبد آلهتنا شهرا، ونعبد إلهك شهرا، فنزلت السورة الكريمة تردّ عليهم الحالتين، فلا يكون تكرار على هذا. وهذا جيد جدا! والله أعلم.\nتنبيه: ﴿ما﴾ في هذه السورة يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنها بمعنى «الذي»، فإن كان المراد بها الأصنام، كما في الأولى، والثالثة؛ فالأمر واضح؛ لأنهم غير عقلاء، و﴿ما﴾ أصلها أن تكون لغير العقلاء، وإذا أريد بها الباري تعالى، كما في الثانية، والرابعة، فاستدل به من جوز وقوعها على أولي العلم، ومن منع جعلها مصدرية، والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي؛ أي: مثل عبادتي. مع أن المعنى يجوز اعتبارها مصدرية في بعض الجمل. وقال أبو مسلم:\n ﴿ما﴾ في الأوليين بمعنى: «الذي» والمقصود المعبود. وما في الأخريين مصدرية؛ أي: لا أعبد عبادتكم المبنية على الشك، وترك النظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين.\nفتحصل من مجموع ذلك ثلاثة أقوال: أنها كلها بمعنى: «الذي» أو مصدرية، أو الأوليان بمعنى: «الذي»، والأخريان مصدريتان. انتهى. جمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5091>فائدة:</span>\nحيث وقعت (ما) قبل (ليس)، أو (لم)، أو (لا)، أو بعد (إلاّ) فهي موصولة، نحو ﴿ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ و﴿إِلاّ ما عَلَّمْتَنا،﴾ وحيث وقعت بعد كاف التشبيه فهي مصدرية، وحيث وقعت بعد الباء؛ فإنها تحتملهما. نحو قوله تعالى: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ،﴾ وحيث وقعت بين فعلين، سبقهما علم، أو دراية، أو نظر؛ احتملت الموصولة، والاستفهامية، نحو قوله تعالى: ﴿ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وحيث وقعت في القرآن قبل (إلا) فهي نافية إلا في ثلاثة عشر","vol":"10","page":750},{"text":"موضعا: ﴿ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ﴾ ﴿ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلا موضعي: (هود) من قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فهي فيهما مصدرية ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ حيث كان. قاله في الإتقان. انتهى. كرخي نقله الجمل.\nأقول: اعتبار هذا ضابطا يجب اتباعه غير مسلّم؛ لأن بعض الآيات التي ذكرها، واعتبر فيها (ما) موصولة فقط تحتمل الموصولة، والموصوفة، ولأن بعضها تحتمل فيه (ما) الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. والحق: أن مدار ذلك على المعنى. وهذا ما اتبعته فيما تقدم من الإعراب، ولا أتخلّى عنه في حياتي، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.\nتنبيه: الأصل أن تكون (من) للعاقل، و(ما) لغير العاقل، وقد يعكس هذا، فتستعمل (من) لغير العاقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ الآية رقم [٤٥] من سورة (النور)، وتستعمل (ما) للعاقل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ رقم [٣] من سورة (النساء) وهذا من باب التقارض، وذلك قليل، وأكثر ما تكون (ما) للعاقل إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، كما في الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ فإن كل من في السموات، والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو السجود، والتسبيح لله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ويكون في الكلام تغليب، كما تستعمل في المبهم أمره، كقولك، وقد رأيت شبحا من بعد: انظر إلى ما أرى، ومن، وما تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث.\nملخص ما تقدم أن (من) تستعمل لغير العاقل في ثلاث مسائل:\n١ - أن ينزل غير العاقل منزلة العاقل، وذلك كقوله تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٥]:\n ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فدعاء الأصنام التي لا تستجيب الدعاء نزلها منزلة العاقل؛ إذ لا ينادى إلا العقلاء. وخذ قول العباس بن الأحنف-وهو الشاهد رقم [٨٦] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل]\nبكيت على سرب القطا إذ مررن بي... فقلت ومثلي بالبكاء جدير\nأسرب القطا هل من يعير جناحه؟ ... لعلّي إلى من قد هويت أطير\nوأيضا قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]","vol":"10","page":751},{"text":"ألا عم صباحا أيّها الطلل البالي... وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟\n٢ - أن يندمج غير العاقل مع العاقل في حكم واحد كقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [١٧] ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ رقم [١٨] من سورة (الحج).\n٣ - أن يقترن غير العاقل بالعاقل في عموم مفصل، كما في آية (النور) المذكورة آنفا؛ إذ الدابة تعم أصناف من يدب على وجه الأرض، وقد فصلها على ثلاثة أنواع. وتستعمل (ما) للعاقل في ثلاث مسائل أيضا:\n١ - إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، كقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٤٩]:\n ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ﴾ وقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٦]: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾.\n٢ - إذا نزل العاقل منزلة غير العاقل، كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ وقوله تعالى-وهو كثير في القرآن-: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾.\n٣ - تستعمل (ما) في المبهم أمره، كقولك وقد رأيت شبحا من بعد: انظر إلى ما أرى.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي، (أيها): نكرة مقصودة، مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و(ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْكافِرُونَ:﴾\nبعضهم يعرب هذا وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أي»، وبعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني: (أي) منصوب محلا، فكذا التابع أعني: الكافرون وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبان.\nلأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو يدعى. وهو مع ما فيه من التكلف، يؤدي إلى قطع المتبوع.\nوقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى بأل، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه توصلوا إلى ندائه ب: «أي»؛ أي: مع قرنها بحرف التنبيه. ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ وأن الأول منادى، والثاني تابع له. والإعراب السائد الآن أن تقول مرفوع تبعا للفظ. انتهى. جرجاوي.","vol":"10","page":752},{"text":"هذا؛ والأخفش يعتبر (أيّ) في مثل هذه الآية موصولة و﴿الْكافِرُونَ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: يا من هم الكافرون، والجملة الاسمية صلة، والعائد الضمير المقدر، على أنه قد حذف حذفا لازما، كما في قول امرئ القيس: [الطويل]\nألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل\nوهذا هو الشاهد رقم [٢٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما قاله الأخفش لا يعتدّ به عند جمهرة النحاة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».\n ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿قُلْ﴾ المستتر، أو من ﴿الْكافِرُونَ﴾ والأول أقوى، والرابط: الضمير فقط.\n ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، وهو العائد، والجملة صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عابِدُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿ما:﴾ اسم موصول مفعول به ل: ﴿عابِدُونَ؛﴾ لأنه اسم فاعل. ﴿أَعْبُدُ:﴾\nفعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة صلة الموصول، والجمل كلها معطوفة على جملة: ﴿لا أَعْبُدُ﴾ فهي في محل نصب حال مثلها.\n ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَنا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عابِدٌ:﴾ خبره، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿ما:﴾ مفعول به. ﴿عَبَدْتُّمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: ولا أنا عابد الذي عبدتموه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دِينُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلِيَ:﴾ الواو: حرف عطف.\n (لي): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿دِينِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ ولا تنس سبك (ما) مع ما بعدها بمصدر في المحال التي يمكن اعتبارها فيها مصدرية. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الكافرون) شرحا، وإعرابا بعون الله، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":753},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5092>سورة النّصر</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (النصر) مدنية بالإجماع، وتسمى سورة (التوديع) وهي ثلاث آيات، وسبع عشرة كلمة، وسبعة وسبعون حرفا. انتهى. خازن. قال القرطبي: وهي آخر سورة نزلت جميعا. قاله ابن عباس في صحيح مسلم، أقول: نزل بعدها آيات متفرقات، وآخر آية نزلت على قلب الرسول ﷺ آية (البقرة) وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6214\"></span><span id=\"aya-6215\"></span><span id=\"aya-6216\"></span>﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا (٣)﴾\nالشرح: ﴿إِذا جاءَ..﴾. إلخ: يعني: إذا جاءك النصر يا محمد نصر الله، ومعونته على من عاداك، وهم قريش. ومعنى مجيء النصر: أن جميع الأمور مرتبطة بأوقاتها، يستحيل تقدمها عن وقتها، أو تأخرها عنه، فإذا جاء ذلك الوقت المعين؛ حضر معه ذلك الأمر المقدر. فلهذا المعنى. قال: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ يعني: فتح مكة في قول جميع المفسرين، والفرق بين النصر والفتح: أن النصر هو الإعانة، والإظهار على الأعداء، وهو تحصيل المطلوب، وهو كالسبب للفتح، ولهذا بدأ بذكر (النصر) وعطف عليه (الفتح). وقيل: النصر: هو إكمال الدين، وإظهاره، والفتح هو الإقبال الذي هو تمام النعمة. انتهى. خازن.\nهذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: و﴿إِذا﴾ بمعنى قد؛ أي: قد جاء نصر الله؛ لأن نزولها بعد الفتح، ويمكن أن يكون معناه: إذا يجيئك. أقول: ولا وجه له، بل إن التعبير على حقيقته، وهو من التعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وهذا كثير مستعمل في القرآن الكريم، وقد نبهت إليه مرارا.\n ﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا﴾ أي: زمرا، وأرسالا، القبيلة بأسرها، والقوم بأجمعهم من غير قتال. قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة؛ قالت العرب بعضها لبعض: إذا أظفر الله محمدا بأهل الحرم، وكان قد أجارهم من أصحاب","vol":"10","page":754},{"text":"الفيل؛ فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا، بعد أن كانوا يدخلون واحدا واحدا، واثنين، اثنين. وقيل: أراد ب: ﴿النّاسَ﴾ أهل اليمن. فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا، وأرقّ أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية». متفق عليه. ودين الله هو الإسلام، وإضافته إليه تشريفا، وتعظيما له، كبيت الله، وناقة الله. فقد ذكر: أنه ورد من اليمن سبعمئة إنسان مؤمنين طائعين، بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرؤون القرآن، وبعضهم يهللون، فسر النبي ﷺ بذلك، وبكى عمر، وابن عباس﵄-.\nروى الحافظ البيهقي-رحمه الله تعالى-عن ابن عباس﵄-: قال: لما نزلت: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة﵂وقال: «إنّه قد نعيت إليّ نفسي». فبكت، ثم ضحكت. وقالت: أخبرني: أنه نعيت إليه نفسه، فبكيت، ثم قال: «اصبري فإنك أوّل أهلي لحاقا بي». فضحكت. انتهى. والمحفوظ: أن النبي ﷺ كلمها سرا أولا، وثانيا، ولم تخبر بذلك إلا بعد وفاته ﷺ، وعاشت بعده ستة أشهر فقط. وروى الحديث النسائي بنحو رواية البيهقي.\nفعن جابر بن عبد الله﵄-: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ النّاس دخلوا في دين الله أفواجا، وسيخرجون من دين الله أفواجا». أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وهذا حاصل، وواقع في هذا الزمن، وما بعده أعظم حتى يتحقق قوله ﷺ: «بدأ الدين غريبا وسيعود كما بدأ». هذا؛ وانظر شرح ﴿أَفْواجًا﴾ في الآية رقم [١٨] من سورة (النبأ).\n ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: إذا صليت فأكثر من التسبيح، والتحميد. والتسبيح: هو التنزيه، والتقديس للملك الجليل؛ أي: نزهه عما لا يليق بجلاله وعظمته مع شكرك له. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: سل الله الغفران، روى الأئمة (واللفظ للبخاري) عن عائشة﵂-. قالت: ما صلى ﷺ بعد أن نزلت عليه سورة: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول: «سبحانك ربّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي». وعنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه، وسجوده: «سبحانك اللهمّ ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي». وفي غير البخاري: وقالت أم سلمة -﵂-: كان النبي ﷺ آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يجيء، ولا يذهب إلا قال:\n «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه». قال: «فإني أمرت بها». ثم قرأ: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرها. وقال أبو هريرة﵁-: اجتهد النبي ﷺ بعد نزول هذه السورة حتى تورمت قدماه، ونحل جسمه، وقل تبسمه، وكثر بكاؤه. وقال عكرمة﵁-: لم يكن النبي ﷺ قطّ أشدّ اجتهادا في أمور الآخرة، ما كان منه عند نزولها.\nوقال مقاتل: لما نزلت؛ قرأها النبي ﷺ على أصحابه، ومنهم أبو بكر، وعمر، وسعد بن أبي وقاص﵃ أجمعين-ففرحوا واستبشروا، وبكى العباس﵁-،","vol":"10","page":755},{"text":"فقال له النبي ﷺ: «ما يبكيك يا عم؟». قال: نعيت إليك نفسك. قال: «إنه لكما تقول». فعاش بعدها ستين يوما، ما رئي فيها ضاحكا مستبشرا.\nوفي البخاري، وغيره عن ابن عباس﵄قال: كان عمر﵁- يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم. قال: فوجد بعضهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى معنا، ومن أبنائنا من هو مثله، فقال لهم عمر: إنه من قد علمتم. قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرها فقالوا: أمر الله ﷿ نبيه ﷺ إذا فتح عليه أن يستغفره، وأن يتوب إليه. فقال: ما تقول يابن عباس؟! قلت:\nليس كذلك، ولكن أخبر الله نبيه ﷺ حضور أجله. فقال: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ..﴾. إلخ فذلك علامة موتك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. إلخ فقال عمر﵁-: تلومونني عليه؟! وفي البخاري: فقال عمر﵁-: ما أعلم منها إلا ما تقول.\nفإن قيل: فماذا يغفر للنبي ﷺ حتى يؤمر بالاستغفار، وقد غفر الله له ما تقدم، وما تأخر من ذنبه؟ فالجواب: كان النبي ﷺ يقول في دعائه: «رب اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهمّ اغفر لي خطئي، وعمدي، وجهلي، وهزلي، وكلّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت، وما أعلنت وما أسررت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، إنك على كل شيء قدير». فكان ﷺ يستقصر نفسه؛ لعظم ما أنعم الله به عليه. ويرى قصوره عن القيام بحق ذلك ذنوبا. وقيل: الاستغفار تعبد يجب إتيانه، لا للمغفرة، بل تعبدا.\nوقيل: ذلك تنبيه لأمته؛ لكيلا يأمنوا، ويتركوا الاستغفار.\n ﴿إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ أي: على المسبحين، والمستغفرين. يتوب عليهم، ويرحمهم، ويقبل توبتهم، و(توّاب): كثير قبول التوبة من عباده، أو الرجاع على عباده بالرحمة، والمغفرة، فهو صيغة مبالغة، وتوبة العبد: رجوعه عن المعصية إلى الطاعة، وقرع باب ربه بالندم، والإنابة.\nوانظر الاستغفار في الآية رقم [١٠] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وشرح ﴿كانَ﴾ برقم [١٠] منها.\nهذا؛ وعن عائشة﵂قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه». قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر من قول:\n (سبحان...) إلخ فقال: «خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول:\nسبحان... إلخ». فقد رأيتها: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ..﴾. إلخ.\nوقال ابن عمر﵄-: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت:\n ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ من الآية رقم [٣] من سورة (المائدة) فعاش بعدها النبي ﷺ ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة (آخر سورة النساء) فعاش بعدها خمسين يوما، ثم","vol":"10","page":756},{"text":"نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ آخر سورة (التوبة) فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ..﴾. إلخ رقم [٢٨١] من سورة (البقرة) فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال مقاتل: عاش سبعة أيام. وقيل: غير ذلك. والمشهور: أن سورة (النصر) نزلت قبل فتح مكة، وكانت بشارة بفتحها، وهذا من أعلام النبوة.\nهذا؛ وقال الرازي-رحمه الله تعالى-: اتفق الصحابة على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله ﷺ، وذلك لوجوه: أحدها: أنهم عرفوا ذلك لما خطب رسول الله ﷺ عقب نزول السورة، وذكر التخيير، وهو قوله ﷺ في خطبته: «إن عبدا خيره الله تعالى بين الدنيا، وبين لقائه، فاختار لقاء الله تعالى». فقال أبو بكر﵁-: فديناك بأنفسنا، وأموالنا، وأولادنا، وآبائنا. ثانيها: أنه لما ذكر حصول النصر، والفتح، ودخول الناس في الدين أفواجا، دل ذلك على حصول الكمال، والتمام، وذلك يعقبه الزوال، والنقصان، كما قيل: [المتقارب]\nإذا تمّ أمر بدا نقصه... توقّع زوالا إذا قيل تم\nوقال الرندي: [البسيط]\nلكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان... فلا يغرّ بطيب العيش إنسان\nثالثها: أنه تعالى أمره بالتسبيح، والحمد، والاستغفار مطلقا، واشتغاله بذلك يمنعه من اشتغاله بأمر الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم، وكمل، وذلك يقتضي انقضاء الأجل؛ إذ لو بقي ﷺ بعد ذلك لكان كالمعزول من الرسالة، وذلك غير جائز. انتهى. جمل نقلا من الرازي. أقول: التعبير بقوله: كالمعزول من الرسالة غير جيد قطعا؛ لأن العزل يقتضي إبداله بغيره، وهذا مستحيل قطعا، وأبدا.\nتنبيه: والتعبير ب: ﴿جاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ مستعار؛ لأن المقدر متوجه من الأزل لوقته، فكأنه سائر نحوه، فشبه حصول المقدورات، ووقوعها عند حضور أوقاتها بمجيئها إليها، فأطلق اسم المجيء على ذلك الحصول، ثم اشتق منه لفظ جاء، فيكون استعارة تبعية بالحرف.\nهذا؛ والفعل: «جاء» يستعمل لازما إن كان بمعنى: أقبل، ووصل، كما في هذه السورة، ويستعمل متعديا إن كان بمعنى: بلغ، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ ومثله:\n «أتى» يكون لازما، ومتعديا.\nالإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿نَصْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية","vol":"10","page":757},{"text":"ابتدائية لا محل لها، و﴿إِذا:﴾ متعلقة بالفعل ﴿جاءَ﴾ ولا يجوز تعليقها بالفعل (سبّح)؛ لأنه لا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها. (الفتح): معطوف على ما قبله. (رأيت الناس): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿النّاسَ﴾ إن كانت رأى بصرية، أو مفعول ثان إن كانت علمية. ﴿أَفْواجًا:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿فَسَبِّحْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا:﴾ (سبح): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والجملة جواب (إذا) لا محل لها.\n ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و(حمد): مضاف، و﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.\n (استغفره): فعل أمر، وفاعله مستتر، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.\n ﴿إِنَّهُ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو». ﴿تَوّابًا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية، لا محل لها؛ لأنها تعليل للأمر. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (النصر) بعونه، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":758},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5094>سورة المسد</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (تبت)، وتسمى سورة أبي لهب، وسورة (المسد)، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وسبعون حرفا.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6217\"></span><span id=\"aya-6218\"></span><span id=\"aya-6219\"></span><span id=\"aya-6220\"></span><span id=\"aya-6221\"></span>﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَاِمْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾\nجاء في الصحيحين وغيرهما، واللفظ لمسلم: عن ابن عباس﵄-: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ رقم [٢١٤] من سورة (الشعراء) خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: «يا صباحاه!». فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه؛ فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم: أن خيلا، تخرج بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم؛ أكنتم مصدقيّ؟» قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد!» فقال أبو لهب: تبّا لك؛ ألهذا جمعتنا؟! ثم قام، فنزلت السورة الكريمة، فلما سمعت امرأته العوراء ما نزل بزوجها، وفيها من القرآن؛ أتت رسول الله ﷺ؛ وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر﵁وفي يدها فهر (حجر ملء الكف) فلما وقفت عليه؛ أخذ الله بصرها عن رسول الله ﷺ، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر! إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته؛ لضربت بهذا الفهر فاه! والله إني لشاعرة، وقائلة: [مجزوء الرجز]\nمذمّما عصينا... وأمره أبينا ودينه قلينا\nثم انصرفت، فقال الصديق﵁-: يا رسول الله! أما تراها رأتك؟ قال:\n «ما رأتني! لقد أخذ الله بصرها عني!» وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ مذمما، يسبونه، ويهجونه، وكان ﷺ يقول: «ألا تعجبون لما صرف الله عني من أذى قريش، يسبون، ويهجون مذمما، وأنا محمد». هذا؛ وكان النبي ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب في موسم الحج، وأبو لهب يمشي خلفه، ويقول لهم: هذا ابن أخي، وهو كذاب، لا تصدقوه! فكانوا يردون على","vol":"10","page":759},{"text":"النبي ﷺ، ويقولون: قوم الرجل أعلم به، فكانت السعادة مقدرة للأوس، والخزرج في المدينة المنورة.\nهذا؛ ومعنى ﴿تَبَّتْ:﴾ خابت، وخسرت، والتباب: الخسار، والهلاك. قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٣٧]: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾. وقال يمان بن رئاب: ﴿تَبَّتْ﴾ صفرت من كل خير، حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء: أنه لما قتل عثمان﵁سمع الناس هاتفا يقول: [مجزوء الوافر]\nلقد خلّوك، وانصرفوا... فما آبوا ولا رجعوا\nولم يوفوا بنذرهم... فيا تبّا لما صنعوا\nوخص اليدين بالتباب؛ لأن العمل أكثر ما يكون بهما؛ أي: خسرتا، وخسر هو. وقيل:\nالمراد باليدين نفسه، وقد يعبر عن النفس باليد، كما قال تعالى في سورة (الحج) رقم [١٠]:\n ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾. ﴿وَتَبَّ:﴾ قال الفراء: التب الأول دعاء، والثاني خبر، كما يقال:\nأهلكه الله؛ وقد هلك.\nو(أبو لهب) اسمه عبد العزى، وهو ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ، وامرأته العوراء أم جميل، أخت أبي سفيان بن حرب، واسمها: أروى. وكلاهما كان شديد العداوة للنبي ﷺ.\nوكني بأبي لهب؛ لحسنه، وإشراق وجهه. فإن قلت: لم كناه، وفي الكنية تشريف، وتكرمة؟ قلت: فيه وجوه: أحدها: أنه كان مشتهرا بالكنية دون الاسم، فلو ذكره باسمه؛ لم يعرف.\nالثاني: أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى الكنية لما فيه من الشرك. الثالث: أنه لما كان من أهل النار، ومآله إلى النار، والنار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، وكان جديرا بأن يذكر بها. الرابع: أن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار، فيكون أبا لها، تحقيقا للنسب، وإمضاء للفأل، والطيرة؛ التي اختارها لنفسه. الخامس: أن المراد بالكنية التحقير، كما بكنية أبي جهل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\n ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ:﴾ قال ابن مسعود﵁-: لما دعا رسول الله ﷺ أقرباءه إلى الله تعالى؛ قال أبو لهب: إن كان ما تقول يا بن أخي حقا، فأنا أفتدي نفسي بمالي، وولدي، فأنزل الله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ أي: أي شيء يغني عنه ماله؟! أي:\nما يدفع عنه عذاب الله ماله؛ الذي جمعه، واكتسبه. أو الذي ورثه من أبيه، والذي كسبه بنفسه.\nهذا؛ وقيل: وما كسب من الأولاد. فإن ولد الرجل من كسبه، كما جاء في الحديث من قول النبي ﷺ: «إنّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنّ أولادكم من كسبكم». أخرجه الترمذي.\nقال الآلوسي-رحمه الله تعالى-: كان لأبي لهب ثلاثة أبناء: عتبة، ومعتب، وعتيبة. وقد أسلم","vol":"10","page":760},{"text":"الأولان يوم الفتح، وشهدا حنينا، والطائف، وأما عتيبة؛ فلم يسلم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (عبس) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والحمد لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5096><span data-type=\"title\" id=toc-5097>فائدة </span>بل طرفة:</span>\nجاء بنو أبي لهب يختصمون عند ابن عباس﵄فاقتتلوا، فقام ليحجز بينهم، فدفعه بعضهم، فوقع على الفراش، فغضب. وقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث، يعني: ولد أبي لهب.\n\nفائدة:\nيروى: أن معاوية قال لابن عباس: إذا دخلت النار؛ فأين تجد عمك أبا لهب؟ فقال له ابن عباس﵄-: إذا دخلت النار؛ تجده مفترشا عمتك أروى! فأفحم، ولم يحر جوابا.\nهذا؛ وهلك أبو لهب بعد وقعة بدر بسبع ليال بمرض معد كالطاعون يسمى العدسة، وبقي ثلاثة أيام حتى أنتن، فلما خافوا العار؛ حفروا له حفرة، ودفعوه إليها بعود حتى وقع فيها، ثم قذفوه بالحجارة؛ حتى واروه، فكان الأمر كما أخبر القرآن. هذا؛ والعدسة: قرحة تعتري الإنسان، كانت العرب تهرب منها؛ لأنها بزعمهم تعدي أشد العدوى. وفي القاموس:\nوالعدسة: بثرة تخرج بالبدن فتقتل، وقد عدس، كعنى. فهو معدوس. انتهى.\n ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ أي: سيدخل نارا حامية، ذات اشتعال، وتوقد عظيم، وإحراق شديد.\nهذا؛ وانظر شرح: ﴿سَأُصْلِيهِ﴾ في سورة (المدثر) رقم [٢٦]، وشرح: ﴿ذاتَ﴾ في سورة (الملك) رقم [١٣]، وشرح ﴿نارًا﴾ في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٢٥].\n ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أي: امرأة أبي لهب المذكورة قريبا. والمعنى: ستدخل معه النار مع الداخلين؛ لأنها كانت مع زوجها في نهاية العداوة لرسول الله ﷺ. قيل: كانت تحمل الشوك، والحسك، والعضاه، والأقذار بالليل، فتطرحه في طريق رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لتؤذيهم بذلك. وهي رواية عن ابن عباس﵄-.\nفإن قلت: إنها كانت من بيت العز، والشرف، فكيف يليق بها حمل الحطب، قلت: يحتمل أنها كانت مع كثرة مالها، وشرفها في نهاية البخل، والخسة، فكان يحملها بخلها على حمل الحطب بنفسها. ويحتمل: أنها كانت تفعل ذلك لشدة حقدها، وعداوتها لرسول الله ﷺ، ولا ترى أنها تستعين في ذلك بأحد، بل تفعلها هي بنفسها. وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي: كانت تمشي بالنميمة بين الناس. تقول العرب: فلان يحطب على فلان: إذا حرش عليه. قال الشاعر: [الرجز]\nإنّ بني الأدرم حمالو الحطب... هم الوشاة في الرّضا وفي الغضب\nعليهم اللعنة تترى والحرب","vol":"10","page":761},{"text":"فكانت تمشي بالنميمة، وتنقل الحديث، وتلقي العداوة بين الناس، وتوقد نارها، كما توقد النار بالحطب. وقيل: حمالة الخطايا، والآثام؛ التي حملتها في عداوة رسول الله ﷺ؛ لأنها كانت كالحطب في مصيرها إلى النار.\n ﴿فِي جِيدِها﴾ أي: عنقها. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٤٤]: [الطويل]\nوجيد كجيد الرّيم ليس بفاحش... إذا هي نصّته ولا بمعطّل\n ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي: من ليف. قال النابغة في معلقته رقم [٨]: [البسيط]\nمقذوفة بدخيس النّحض بازلها... له صريف صريف القعو بالمسد\nانظر شرح البيتين، وإعرابهما في كتابنا: «فتح الكبير المتعال». هذا؛ وجمع الجيد: أجياد، وجمع المسد: أمساد، وقال ابن عباس﵄في شرح ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ:﴾ سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذراعا تدخل من فيها، وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، فتلت من حديد فتلا محكما. وقيل: هو حبل من ليف، وذلك الحبل هو الذي كانت تحتطب به، فبينما هي ذات يوم حاملة الحزمة، أعيت، فقعدت على حجر لتستريح، أتاها ملك، فجذبها من خلفها، فأهلكها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.\nالإعراب: ﴿تَبَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، لا محل له. ﴿يَدا:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و﴿يَدا:﴾ مضاف، و﴿أَبِي:﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و﴿أَبِي:﴾ مضاف، و﴿لَهَبٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَتَبَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (تب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَبِي لَهَبٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع.\n ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿مالُهُ:﴾\nفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، التقدير: ما أغنى عنه ماله شيئا.\nهذا؛ ويجوز اعتبار (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وعلى الاعتبارين فالجملة فعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ﴿مالُهُ﴾. ﴿كَسَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: والذي كسبه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في رفع معطوف على ﴿مالُهُ﴾ التقدير: وكسبه. وأجاز السمين اعتبار (ما) استفهامية. والمعنى لا يؤيده. تأمل.","vol":"10","page":762},{"text":"﴿سَيَصْلى:﴾ السين: حرف استقبال. (يصلى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ أيضا. ﴿نارًا:﴾ مفعول به. ﴿ذاتَ:﴾\nصفة ﴿نارًا،﴾ و﴿ذاتَ:﴾ مضاف، و﴿لَهَبٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (امرأته): مبتدأ. ﴿حَمّالَةَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم حمالة، وأجيز اعتباره حالا، و﴿حَمّالَةَ:﴾ مضاف، و﴿الْحَطَبِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي جِيدِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و(ها) في محل جر بالإضافة. ﴿حَبْلٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَامْرَأَتُهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية: المقدرة: «أذمّ حمالة الحطب» معترضة بين المبتدأ والخبر، لا محل لها. ﴿مِنْ مَسَدٍ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿حَبْلٌ﴾.\nهذا؛ ويقرأ برفع «(حمالة)» على أنه خبر: (امرأته)، وتكون جملة: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: (حمالة)، أو في محل رفع خبر ثان للمبتدأ.\nوالرابط على الاعتبارين الضمير، وعلى هذا يوقف على ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾ ويستأنف ما بعده، ويجوز عطف (امرأته) على الضمير المستتر ب: (يصلى) وعليه فلا يوقف على ﴿ذاتَ لَهَبٍ،﴾ ويوقف على (امرأته)، ويكون (حمالة) خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هي حمالة، والجملة الاسمية مستأنفة، وتكون الجملة الاسمية: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ..﴾. إلخ محتملة للوجهين اللذين ذكرتهما سابقا. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿حَمّالَةَ﴾ في حال رفعها نعتا ل: (امرأته)، وجاز ذلك؛ لأن الإضافة حقيقية؛ إذ المراد المضي. واعتبارها عطف بيان، وبدلا من (امرأته)؛ لأنها تشبه الجوامد لتمحض الإضافة.\nانتهت سورة (المسد) شرحا، وإعرابا بعون الله، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5098>سورة الإخلاص</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الإخلاص) وهي مكية. وقيل: مدنية، وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا. انتهى. خازن. ولها أسماء كثيرة. وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. وخذ ما يلي في فضلها: فعن أبي سعيد الخدري﵁-: أن رجلا سمع رجلا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقللها، فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن!». أخرجه البخاري. وفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟» فشق ذلك عليهم، فقالوا: أيّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ﴾ ثلث القرآن». أخرجه مسلم عن أبي الدرداء﵁-. وانظر ما ذكرته في فضل سورة (الزلزلة) وسورة (الكافرون). وقال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: قيل: معناه: أن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ متضمنة للصفات، فهي ثلث القرآن، وجزء من ثلاثة أجزاء.\nوعن عائشة﵂-: أن النبي ﷺ بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ:\n «أخبروه: أنّ الله تعالى يحبّه». أخرجه البخاري في باب التوحيد.\nوقيل: سميت هذه السورة: سورة (الإخلاص)، إما؛ لأنها خالصة لله تعالى في صفته، أو؛ لأن قارئها قد أخلص لله التوحيد، ومن فوائد هذه السورة: أن الاشتغال بقراءتها يفيد الاشتغال بالله، وملازمة الإعراض عما سوى الله تعالى، وهي متضمنة تنزيه الله تعالى، وبراءته عن كل ما لا يليق به؛ لأنها مع قصرها جامعة لصفات الأحدنية، والصمدانية، والفردانية، وعدم النظير، والأحاديث في بيان فضلها، وفضل قراءتها كثيرة، ومشهورة، ومسطورة.\nسبب النزول: أن بعض المشركين جاؤوا إلى النبي ﷺ، فقالوا: يا محمد! صف لنا ربك:\nأمن ذهب هو، أم من فضة، أم من زبرجد، أم من ياقوت؟ فنزلت السورة الكريمة. أخرجه الترمذي عن أبيّ بن كعب﵁-، وأخرجه الحاكم، وابن خزيمة من طريق أبي العالية","vol":"10","page":764},{"text":"عن أبيّ أيضا. وأخرج الطبراني، وابن جرير مثله من حديث جابر بن عبد الله﵄- فاستدل بذلك على أن السورة مكية.\nوأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس﵄-: أن اليهود جاءت إلى النبي ﷺ منهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، لعنهما الله! فقالوا: يا محمد! صف لنا ربك الذي بعثك. فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ،﴾ فاستدل بهذا على أن السورة مدنية. انتهى. سيوطي أسباب النزول.\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6222\"></span><span id=\"aya-6223\"></span><span id=\"aya-6224\"></span><span id=\"aya-6225\"></span>﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ:﴾ هو بمعنى واحد، وأصله: وحد، فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفا في أول الكلمة، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستهزئين: الله هو الواحد الأحد؛ الذي لا نظير له، ولا وزير، ولا شبيه، ولا عديل؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، فهو جل وعلا واحد أحد، ليس كما يعتقد النصارى بالتثليث: الأب، والابن، وروح القدس. ولا كما يعتقد المشركون بتعدد الآلهة. قال في التسهيل: واعلم: أن وصف الله تعالى بالواحد الأحد، له ثلاثة معان، كلها صحيحة في حقه تعالى: الأول: أنه واحد لا ثاني معه، فهو نفي للعدد. والثاني: أنه واحد لا نظير له، ولا شريك له، كما تقول: فلان واحد في عصره؛ أي: لا نظير له. والثالث: أنه واحد لا ينقسم، ولا يتبعض. والمراد بالسورة نفي الشريك ردا على المشركين، وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على واحدانيته تعالى، وذلك كثير جدا، وأوضحها أربعة براهين: الأول: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (النحل)، وهذا دليل الخلق، والإيجاد. فإذا ثبت: أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات؛ لم يصح أن يكون واحد منها شريكا له. والثاني: قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء) وهو دليل الإحكام والإبداع. الثالث قوله تعالى:\n ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ رقم [٤٢] من سورة (الإسراء) وهو دليل القهر، والغلبة. الرابع: قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ رقم [٩١] من سورة (المؤمنون) وهو دليل التنازع والاستعلاء.\nانتهى. صفوة التفاسير بتصرف، بعد هذا انظر شرح ﴿أَحَدٌ﴾ في سورة (الجن) [٢٦] فإنه جيد.\n ﴿اللهُ الصَّمَدُ:﴾ قال ابن عباس﵄-: هو الذي يصمد إليه في الحاجات، كما قال ﷿: ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ رقم [٥٣] من سورة (النحل). قال أهل اللغة: الصمد: السيد؛ الذي يصمد إليه في النوازل، والحوائج. قال الشاعر: [الطويل]","vol":"10","page":765},{"text":"ألا بكّر الناعي بخير بني أسد... بعمرو بن مسعود وبالسّيّد الصّمد\nوروى البخاري في أفراده عن أبي وائل شقيق بن سلمة﵁قال: ﴿الصَّمَدُ﴾ هو السيد الذي انتهى سؤدده. وهي رواية عن ابن عباس﵄قال: هو السيد الذي كمل فيه جميع أوصاف السؤدد. ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nعلوته بحسام ثمّ قلت له... خذها حذيف فأنت السّيّد الصّمد\nوبالجملة ف: ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الباقي الدائم بعد فناء خلقه؛ الذي ليس فوقه أحد، وهو الذي لا تعتريه الآفات، ولا تغيره الأوقات، وهو الذي لا عيب فيه، وهو الأول الذي ليس له زوال، والآخر الذي ليس لملكه انتقال، الموصوف بما بعده.\n ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وذلك: أن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله. وقالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. فكذبهم الله ﷿ جميعا، ونفى عن نفسه ما قالوا بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ،﴾ يعني كما ولد عيسى، وعزير، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ معناه: من ولد كان له والد، فنفى عنه إحاطة النسب من جميع الجهات، فهو الأول الذي لم يتقدمه والد كان عنه، وهو الآخر الذي لم يتأخر عنه ولد يكون عنه. هذا؛ والفعل ﴿يَلِدْ﴾ أصله: (يولد) فحذفت الواو لوقوعها ساكنة بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة من مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المخاطب، والمتكلم قياسا عليه، مثل: يعد، ويزن، ونحوهما.\n ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: لم يكن له مكافئ، ولا مماثل، ولا مشابه في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله. هذا؛ ويقرأ (كفوا) بضم الفاء، وسكونها، مثل: العسر، واليسر في سورة (الشرح).\nوعن أبي هريرة﵁-: أن النبي ﷺ قال: قال الله ﷿: «كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إياي؛ فقوله: لن يعيدني كما بدأني.\nوليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأما شتمه إيّاي، فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد؛ الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». أخرجه البخاري.\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿هُوَ:﴾ ضمير الشأن مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اللهُ أَحَدٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، هذا هو الإعراب المعتمد. وقال الجلال: ﴿اللهُ:﴾ خبر ﴿هُوَ،﴾ و﴿أَحَدٌ:﴾ بدل منه، أو خبر ثان. وقال أبو البقاء الإعراب الأول، ثم قال: يجوز أن يكون ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، و﴿أَحَدٌ:﴾ بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون ﴿اللهُ:﴾\nبدلا من الضمير، و﴿أَحَدٌ:﴾ الخبر، انتهى. وقال مكي: ﴿اللهُ الصَّمَدُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر ثان للضمير. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب،","vol":"10","page":766},{"text":"وجزم. ﴿يَلِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والمفعول محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل رفع خبر ثالث للضمير. والحالية سائغة فيها أيضا. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿يُولَدْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: (لم)، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿كُفُوًا﴾ بعدهما. ﴿كُفُوًا:﴾ خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم. ﴿أَحَدٌ:﴾ اسم مؤخر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الإخلاص) شرحا، وإعرابا بحمد الله، وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":767},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5100>سورة الفلق</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الفلق) مدنية. وقيل: مكية. وهو ضعيف. وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا، انتهى. خازن. وخذ ما يلي:\nقال ابن عباس، وعائشة﵄-: كان غلام من اليهود يخدم النبي ﷺ، فدبت إليه اليهود، فلم يزالوا به؛ حتى أخذ من مشاطة رأس رسول الله ﷺ، وعدة من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه بها. وتولى ذلك لبيد بن الأعصم، رجل من اليهود. انتهى.\nوعن عائشة﵂-: أنّ النبي ﷺ سحر؛ حتى كان يخيل إليه: أنه فعل الشيء، وما فعله؛ حتى إذا كان ذات يوم؛ وهو عندي؛ دعا الله، ودعاه، ثم قال: «أشعرت يا عائشة! أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟». قلت: وما ذاك يا رسول الله؟! قال: «جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق. قال: فبماذا؟ قال: في مشط، ومشاطة، وجف طلعة ذكر (وعاء طلع النخل). قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان (ومن الرواة من قال: في بئر بني زريق». فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها، وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة﵂فقال: «والله لكأنّ ماءها نقاعة حناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين!». قلت: يا رسول الله! فأخرجه! قال: «أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخفت أن أثير على الناس منه شرا». متفق عليه.\nوفي رواية للبخاري: أنه كان يرى: أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذلك. وعن زيد بن أرقم﵁قال: سحر رجل من اليهود النبي ﷺ، فاشتكى ذلك أياما، فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، وعقد لك عقدا في بئر كذا، فأرسل رسول الله ﷺ عليا﵁ومعه الزبير، وعمار بن ياسر﵃فاستخرجها، فجاء بها، فحلّها، فجعل كلّما حلّ عقدة؛ وجد لذلك خفة، فقام رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجه قط. أخرجه النسائي.\nفأنزل الله هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية، سورة (الفلق) خمس آيات، وسورة (الناس) ست آيات، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها. فقام النبي ﷺ،","vol":"10","page":768},{"text":"كأنما نشط من عقال. انتهى. خازن. وفي فتح الباري: وكان من جملة السحر صورة من شمع على صورة رسول الله ﷺ، وقد جعلوا في تلك الصورة إبرا مغروزة ووترا فيه إحدى عشرة عقدة، وكان النبي ﷺ كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة، وجد لها ألما في بدنه، ثم يجد بعدها راحة. انتهى. جمل.\nهذا؛ وقال الراغب: تأثير السحر في النبي ﷺ لم يكن من حيث إنه نبي، وإنما كان في بدنه من حيث إنه إنسان، أو بشر، كما كان يأكل، ويتغوط، ويغضب، ويشتهي، ويمرض فتأثيره فيه من حيث هو بشر، لا من حيث هو نبي، وإنما يكون ذلك قادحا في النبوة لو وجد للسحر تأثير في أمر يرجع للنبوة، كما أنّ جرحه، وكسر ثنيته يوم أحد لم يقدح فيما ضمن الله له من عصمته في قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٦٧]: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وكما لا اعتداد بما يقع في الإسلام من غلبة بعض المشركين على بعض النواحي فيما ذكر من كمال الإسلام في قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٤]: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾. انتهى. جمل.\nأقول: والمحفوظ: أن النبي ﷺ دعا لبيدا، وسأله عن فعله السحر، فاعترف، واعتذر بأن اليهود رشوه بأموال كثيرة، فعفا عنه الرسول ﷺ. وهذا كله يؤيد: أن السورتين الكريمتين نزلتا في المدينة المنورة. وخذ ما يلي:\nفقد أخرج النسائي عن عقبة بن عامر﵁أن النبي ﷺ قال له: «يا عقبة تعوّذ بهما، فما تعوذ متعوذ بمثلهما!» وكان ﷺ يتعوذ ب ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾. وفي صحيح البخاري، ومسلم عن عائشة﵂-: أن النبي ﷺ، كان إذا اشتكى؛ قرأ على نفسه بالمعوذتين، وينفث، فلما اشتد وجعه؛ كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده رجاء بركتها.\nوعن أبي سعيد الخدري﵁-: أن جبريل﵇أتى النبي ﷺ، فقال:\n «يا محمد! اشتكيت؟ قال: نعم. قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك». أخرجه مسلم.\nتنبيه: قال الإمام المازري: مذهب أهل السنة، وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة، كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافا لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته، وأضاف: ما يقع منه إلا خيالات باطلة، لا حقائق لها. وقد ذكره الله في كتابه، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء، وزوجه. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٢]: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾. وهذا كله لا يمكن أن يكون مما لا حقيقة له. والحديث","vol":"10","page":769},{"text":"الصحيح المتقدم مصرح بإثباته، ولا يستنكر في العقل: أن الله تعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوى؛ لا يعرفها إلا الساحر، وأنه لا فاعل إلا الله تعالى، وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى على يد من يشاء من عباده. انتهى. خازن.\nفإن قلت: المستعاذ منه هل هو بقضاء الله وقدره، أم لا؟ فإن كان بقضاء الله، وقدره؛ فكيف يأمر بالاستعاذة، مع أن ما قدر لا بد واقع؟ وإن لم يكن بقضاء الله، وقدره، فذلك قدح في القدرة.\nقلت: كل ما وقع في الوجود، هو بقضاء الله، وقدره، والاستشفاء بالتعوذ، والرقى من قضاء الله وقدره، يدل على صحة ذلك ما روى الترمذي عن ابن خزامة، عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! أرأيت رقى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا. قال: «هي من قدر الله تعالى». قال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوروي عن عمر﵁قوله: «نفرّ من قدر الله إلى قدر الله تعالى». انتهى. خازن.\nيتلخص مما تقدم: أن السحر له حقيقة، ولا يلتفت لما قاله بعض المبتدعة من أنه لا حقيقة له.\nهذا؛ وأما الرقى، والتعاويذ؛ فقد اتفق الإجماع على جواز ذلك إذا كان بآيات القرآن، أو إذا كانت وردت في الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، منها حديث أبي سعيد الخدري﵁المتقدم، وأن جبريل ﵇ رقى النبي ﷺ. ومنها ما روي عن عبيد بن رفاعة الزرقي أن أسماء بنت عميس﵂-. قالت: يا رسول الله! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، فأسترقي لهم؟ قال: «نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين». أخرجه الترمذي. وقال: حديث صحيح. وعن أبي سعيد﵁-: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ، ويقول: «أعوذ بالله من الجان، وعين الإنسان». فلمّا نزلت المعوذتان؛ أخذ بهما وترك ما سواهما. أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب. ومنها رقية أبي سعيد الخدري﵁رئيس الحي الذي لدغ، وحديثه صحيح مشهور. فهذه الأحاديث تدلّ جواز الرقية، وإنما المنهي عنه منها ما كان فيه كفر، أو شرك، أو ما لا يعرف معناه مما ليس بعربي، لجواز أن يكون فيه كفر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. انتهى. خازن بتصرف.\nتنبيه: وقد بين الواقدي السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسل. قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر؛ جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفا في بني زريق، وكان ساحرا، فقالوا: أنت أسحرنا؛ أي: أعلمنا بالسحر، وقد سحرنا محمدا، فلم يؤثر فيه سحرنا، ونحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا يؤثر فيه، فجعلوا له ثلاثة دنانير. انتهى. جمل نقلا من المواهب. واختلف في مدة سحره ﷺ، وأعتمد: أنها كانت أربعين يوما فقط.","vol":"10","page":770},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6226\"></span><span id=\"aya-6227\"></span><span id=\"aya-6228\"></span><span id=\"aya-6229\"></span><span id=\"aya-6230\"></span>﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ:﴾ أراد بالفلق: الصبح، وهو قول الأكثرين، ورواية عن ابن عباس﵄-؛ لأن الليل ينفلق عنه الصبح. وسبب تخصيصه في التعوذ: أن القادر على إزالة هذه الظلمة عن العالم، قادر على أن يدفع عن المستعيذ ما يخافه، ويخشاه، والعرب تقول: هو أبين من فلق الصبح، وفرق الصبح. قال الشاعر: [البسيط]\nيا ليلة لم أنمها بتّ مرتفقا... أرعى النجوم إلى أن نوّر الفلق\nهذا، وعن ابن عباس﵄قال: إن الفلق سجن في جهنم. وقال الكلبي: هو واد في جهنم، إذا فتح؛ استعاذ منه أهل النار من حره. ووجهه: أن المستعيذ قال: أعوذ برب هذا العذاب القادر عليه من شر عذابه، وغيره، وعن ابن عباس﵄قال: الفلق:\nالخلق كله. قال رؤبة بن العجاج: [الرجز]\nوسوس يدعو مخلصا ربّ الفلق... سرّا وقد أوّن تأوين العقق\nقال القرطبي: وهذا القول يشهد له الاشتقاق، فإن الفلق: الشق، يقال: فلقت الشيء فلقا أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته، فانفلق، وتفلّق. فكل ما انفلق عن شيء من حيوان، وصبح، وحب، ونوى، وماء فهو فلق. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٦]: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ وقال في الآية قبلها: ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط]\nحتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق... هاديه في أخريات الليل منتصب\nفهو يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه. والفلق: المطمئن من الأرض بين الربوتين، وجمعه:\nفلقان، مثل خلق، وخلقان. وربما قالوا: كان ذلك بفالق كذا وكذا، يريدون المكان المنحدر بين الربوتين. والفلق أيضا: مقطرة السجان، وقد كان، ولا يزال يستعمل في بعض الأحيان لزجر، وتأديب التلاميذ في المدارس، وكلمة: (تحتاج إلى فلقة) مثل من الأمثال الشعبية السائرة. والفلق بكسر الفاء الداهية والأمر العجيب، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ أي:\nبالداهية، والفلق أيضا القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل واحدة منهما: فلق.\nانتهى. قرطبي بتصرف.\nوقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: الفلق ما يفلق عنه؛ أي: يفرق عنه، كالفرق، فعل بمعنى مفعول، وهو يعم جميع الممكنات، فإنه تعالى فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد عنها، سيما ما يخرج من أصل، كالعيون، والأمطار، والنبات، والأولاد، ويخص عرفا بالصبح، ولذلك فسر به، وتخصيصه","vol":"10","page":771},{"text":"لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النهار، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم؛ قدر أن يزيل عن العائذ ما يخافه. انتهى.\n ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ:﴾ قيل: يريد به إبليس خاصة؛ لأنه لم يخلق خلقا هو شر منه؛ لأن السحر لا يتم إلا به، وبأعوانه، وجنوده. وقيل: من شر كل ذي شر. وقيل: من شر ما خلق من الجن، والإنس، وقال النسفي: وقرأ أبو حنيفة بتنوين «(شرّ)»، فقال مكي: ومن قرأ بالتنوين؛ فقد ألحد وغيّر اللفظ، والمعنى. انظر الإعراب.\n ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ:﴾ الغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٨]: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.\nيقال: غسق الليل، يغسق؛ أي: أظلم. قال عبد الله بن قيس الرقيات: [المديد]\nإن هذا الليل قد غسقا... واشتكيت الهمّ والأرقا\nوقال آخر: [البسيط]\nيا طيف هند لقد أبقيت لي أرقا... إذ جئتنا طارقا والليل قد غسقا\nهذا قول ابن عباس﵄وغيره، وعلى هذا التفسير، فيكون معنى ﴿وَقَبَ:﴾\nنزل، يقال: وقب العذاب على الكافرين: نزل. قال الشاعر: [الكامل]\nوقب العذاب عليهم فكأنهم... لحقتهم نار السموم فأحصدوا\nوقيل: الغاسق: القمر، فعن عائشة﵂-. قالت: إن رسول الله ﷺ نظر إلى القمر، فقال: «يا عائشة! استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب». أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح، فعلى هذا الحديث المراد به: القمر إذا خسف، واسود، ومعنى ﴿وَقَبَ:﴾ دخل في الخسوف، أو أخذ في الغيبوبة. وقيل: سمي به؛ لأنه إذا خسف؛ اسود، وذهب ضوءه. قال الزجاج: قيل الليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار، والغاسق البارد، والغسق: البرد، ولأن السباع تخرج في الليل من آجامها، والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشر على العبث، والفساد. وقيل: الغاسق الثريا. وقيل: الحيّة. وقيل: الشمس إذا غربت.\nوقيل الغاسق: كل هاجم يضر، كائنا ما كان، من قولهم: غسقت القرحة: إذا جرى صديدها.\nوالمعتمد الأول، ثم الثاني. هذا؛ ويقال: غسق الجرح، يغسق غسقا: إذا خرج منه ماء أصفر.\nقال الشاعر: [الطويل]\nإذا ما تذكّرت الحياة وطيبها... إليّ جرى دمع من الليل غاسق\n ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ:﴾ يعني الساحرات اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها. قال الشاعر: [المتقارب]","vol":"10","page":772},{"text":"أعوذ بربّي من النّافثا... ت في عضه العاضه المعضه\nالعضه كعنب: الكذب، والسحر، والبهتان، والعاضه: الساحر. وقال متمم بن نويرة: [السريع]\nنفثت في الخيط شبيه الرّقى... من خشية الجنّة والحاسد\nوقيل: المراد ب: ﴿النَّفّاثاتِ:﴾ بنات لبيد بن الأعصم، اللاتي سحرن النبي ﷺ. والنفث:\nالنفخ مع ريق قليل. وقيل: إنه النفخ فقط. واختلفوا في جواز النفث في الرّقى، والتعاويذ الشرعية المستحبة. فجوزه الجمهور من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ويدل عليه حديث عائشة﵂قالت: كان رسول الله ﷺ، إذا مرض أحد من أهله، نفث عليه بالمعوذات... الحديث. وأنكر جماعة التفل، والنفخ في الرقى، وأجازوا النفخ بلا ريق. قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد. وقيل: النفث في العقد إنما يكون مذموما إذا كان سحرا مضرا بالأرواح، والأبدان، وإذا كان النفث لإصلاح الأرواح، والأبدان وجب أن لا يكون مذموما، ولا مكروها، بل هو مندوب إليه، وعلى الأول يحمل قول الرسول ﷺ: «من عقد عقدة، ثمّ نفث فيها؛ فقد سحر، ومن سحر؛ فقد أشرك، ومن علّق شيئا؛ وكل إليه». أخرجه النسائي عن أبي هريرة﵁-.\nأي: من علق شيئا من التعاويذ، والتمائم، واعتقد: أنها تجلب نفعا، أو تدفع عنه ضررا.\nوقيل: المراد تمائم الجاهلية، مثل الخرزات، وأظفار السباع، أما ما يكون من القرآن، والأسماء الإلهية؛ فهو خارج عن هذا الحكم. انتهى. خازن، وقرطبي. بتصرف.\n ﴿وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ:﴾ إذا ظهر حسده، وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود؛ لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره؛ فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضار لنفسه، لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز﵁-. قال: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد! هذا؛ والحسد نوعان: ممدوح ومذموم، فالأول يسمى: حسد الغبطة، والمنافسة، وهي مطلوبة، ومرغب فيها، والرسول ندب إليها وقال: «المؤمن يغبط، والمنافق يحسد». وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود﵁عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلاّ في اثنتين، رجل آتاه الله مالا، فسلطه على هلكته بالحقّ، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلّمها الناس». فهذا هو الحسد الممدوح، ومنه أن يتمنى مثل ما عند غيره من النعمة مع تمنيه بقاء نعمة الله عليه من صحة، ومال، وولد، ومنصب، وجاه.\nوأما الحسد المذموم؛ فهو أن يتمنى الحاسد زوال نعمة الله عن المحسود؛ وإن لم يصبه منها شيء. قال العلماء: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل، أو بقول، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فيتبع مساوئه، ويطلب عثراته. هذا؛ والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم، وحسد قابيل هابيل. انظر","vol":"10","page":773},{"text":"سورة (المائدة) رقم [٢٧] وما بعدها. ولا تنس حسد أولاد يعقوب لأخيهم يوسف، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ والحاسد ممقوت، مبغوض، مطرود، ملعون. ولقد أحسن من قال: [الكامل]\nقل للحسود إذا تنفّس طعنة... يا ظالما وكأنه مظلوم\nوالحسد نار تضطرم في صدر الحسود، وسعير يتلظى في حشاه، ورحم الله القائل، وهو أبو الحسن التهامي: [الكامل]\nإني لأرحم حاسديّ لفرط ما... ضمّت صدورهم من الأوغار\nنظروا صنيع الله بي فعيونهم... في جنة وقلوبهم في نار\nوالحسود غضبان على الأقدار، قد عادى حكمة القهار. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٥٤]: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ.\nورحم الله القائل: [المتقارب]\nأيا حاسدا لي على نعمتي... أتدري على من أسأت الأدب؟\nأسأت على الله في حكمه... لأنّك لم ترض لي ما وهب\nفأخزاك ربّي بأن زادني... وسدّ عليك وجوه الطّلب\nهذا؛ وإن كل عداوة ترجى إزالتها، ويمكن علاجها إلا عداوة الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة، وكيف يرضى الحاسد عن أخيه، ويصفو لأحد؛ وهو غير راض عن ربه، متبرم لقضاء الله وقدره، منكر لقسمة الباري وعدله، يا سبحان الله! قال تعالى في سورة (الزخرف) [٣٢]: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ..﴾. إلخ. هذا؛ والأحاديث المنفرة من الحسد، والمتوعدة الحسود بالويل، والثبور، وعظائم الأمور كثيرة، ومشهورة، ومسطورة، أكتفي منها بما يلي:\nفعن أبي هريرة﵁-: أن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والحسد، فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو قال: العشب». رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي.\nوعن عبد الله بن بسر﵁عن النبي ﷺ قال: «ليس منّي ذو حسد، ولا نميمة، ولا كهانة، ولا أنا منه». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ من سورة (الأحزاب) وإني أتمثل بقول القائل: [البسيط]\nإن يحسدوني فإني غير لائمهم... كذا ذوو الفضل من قبلي قد حسدوا\nفدام لي ما بي ودام الذي لهم... ومات أكثرنا غيظا لما يجد","vol":"10","page":774},{"text":"الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿أَعُوذُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و(رب): مضاف، و﴿الْفَلَقِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿أَعُوذُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مبتدأة، لا محل لها. ﴿مِنْ شَرِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعُوذُ،﴾ و﴿شَرِّ:﴾ مضاف، و﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (رب الفلق)، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: شر الذي، أو شيء خلقه. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: من شر خلقه. هذا؛ وعلى قراءة: «(شرّ)» بالتنوين (وقال عنها ابن هشام في المغني:\nقراءة عمرو بن فائد) فقال: ف: ﴿ما﴾ بدل من (شرّ)، بتقدير مضاف؛ أي: من شرّ شرّ ما خلق، وحذف الثاني لدلالة الأول. انتهى. وقال أبو البقاء: و﴿ما﴾ على هذا بدل من شر، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون ﴿ما﴾ نافية؛ لأن النافية لا يتقدم عليها ما في حيّزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. انتهى.\nهذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (الصافات) رقم [٩٦] نقلا عن مكي تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من شر): معطوفان على ما قبلهما، و﴿شَرِّ:﴾\nمضاف، و﴿غاسِقٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿شَرِّ؛﴾ أي: أعوذ بالله من الشر في وقت كذا، ﴿وَقَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿غاسِقٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه ظاهر، إن شاء الله تعالى. ﴿فِي الْعُقَدِ:﴾ متعلقان ب: ﴿النَّفّاثاتِ﴾. والجملة التالية لا خفاء في إعرابها إن شاء الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nانتهت سورة (الفلق) شرحا، وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":775},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5102>سورة النّاس</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\nسورة (الناس) نزلت مع سورة (الفلق) جملة واحدة. وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وتسعة وسبعون حرفا. انتهى. خازن. هذا؛ وروى الترمذي عن عقبة بن عامر الجهني﵁-، عن النبي ﷺ قال: «قد أنزل عليّ آيات لم ير مثلهن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ..﴾. إلخ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ..﴾. إلخ». قال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه مسلم أيضا. وانظر ما ذكرته في أول سورة (الفلق).\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n<span id=\"aya-6231\"></span><span id=\"aya-6232\"></span><span id=\"aya-6233\"></span><span id=\"aya-6234\"></span><span id=\"aya-6235\"></span><span id=\"aya-6236\"></span>﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ (١) مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ (٦)﴾\nالشرح: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ:﴾ إنما خصص الناس بالذكر؛ وإن كان رب جميع المحدثات؛ لأنه لما أمر بالاستعاذة من شر الوسواس، فكأنه قال: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم، ومعبودهم، فإنه هو الذي يعيذ من شرهم.\nوقيل: إن أشرف المخلوقات هم الناس، فلهذا خصهم بالذكر. والمعنى: قل يا محمد:\nأعتصم، وألتجئ برب الناس؛ أي: بخالق الناس، ومربيهم، ومدبر شؤونهم؛ الذي أحياهم، وأوجدهم من العدم، وأنعم عليهم بأنواع النعم. وخصهم بالذكر، وإن كان جلت قدرته رب جميع الخلائق تشريفا، وتكريما لهم حيث سخر لهم سبحانه ما في الكون، وأمدهم بالعقل، والفهم، والعلم، وفضلهم على سائر الخلق، كما قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٠]:\n ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾.\n ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ أي: مالك جميع الخلق حاكمين، ومحكومين ملكا تاما، شاملا عاما، يحكمهم، ويضبط أعمالهم، ويدبر شؤونهم، فيتصرف بهم كيف يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.","vol":"10","page":776},{"text":"﴿إِلهِ النّاسِ﴾ أي: معبودهم الذي لا رب لهم سواه. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:\nوإنما قال: ﴿مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ؛﴾ لأن في الناس ملوكا، فذكر: أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر: أنه هو إلههم، ومعبودهم، وأنه هو الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه، دون الملوك والعظماء. انتهى.\nهذا؛ وقال الصابوني: وترتيب السورة بهذا الشكل في منتهى الإبداع، وذلك؛ لأن الإنسان أولا يعرف: أن له ربا، لما يشاهده من أنواع التربية: (رب الناس) ثم إذا تأمل؛ عرف: أن هذا الرب متصرف في خلقه، غني عنهم، فهو الملك لهم: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ثم إذا زاد تأمله؛ عرف: أنه يستحق أن يعبد؛ لأنه لا عبادة إلا للغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه.\n ﴿إِلهِ النّاسِ﴾ وإنما كرر لفظ ﴿النّاسِ﴾ ثلاثا، ولم يكتف بالضمير، لإظهار شرفهم، وتعظيمهم، والاعتناء بشأنهم، كما حسن التكرار في قول عدي بن زيد العبادي-وهو الشاهد رقم [٨٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف]\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا\nولا تنس ما في سورة (الواقعة) و(الحاقة) و(القارعة) من تكرار بعض الكلمات، وبعضها للتشريف، والتعظيم، وبعضها للتهويل، والتخويف.\n ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ﴾ أي: قل: أعتصم برب الناس... من شر الوسواس الخناس؛ أي: الشيطان ذي الوسواس الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش ولا يألوه جهدا في الفساد، والخبال، والمعصوم من عصمه الله. وفي كتب اللغة:\nالوسوسة: حديث النفس. يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة، ووسواسا بالكسر. والوسواس بالفتح الاسم مثل الزلزال، والزلزال، وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ يريد إليهما، ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحلي: وسواس. قال الأعشى من معلقته رقم [٤]: [البسيط]\nتسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت... كما استعان بريح عشرق زجل\n ﴿الْخَنّاسِ:﴾ الكثير الخنس، وهو الرجوع، والخناس: الرجاع. وصف الشيطان بهاتين الصفتين؛ لأنه يوسوس لقرينه، ويزين له المعاصي، والمنكرات، فإذا ذكر العبد ربه؛ خنس؛ أي: تأخر، فإذا غفل عن ذكر الله؛ عاد إليه. قال قتادة﵁-: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب. وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا غفل الإنسان وسوس له، وإذا ذكر ربه؛ خنس. وخذ ما يلي:\nعن أنس﵁عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله؛ خنس، وإن نسي؛ التقم قلبه». رواه البيهقي، وأبو يعلى، وابن أبي الدنيا. وفيه","vol":"10","page":777},{"text":"دلالة واضحة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان، وذل، وحقر، وإن لم يذكر الله تعالى؛ تعاظم، وغلب. هذا؛ وانظر شرح قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ وخذ قول الراجز: [الرجز]\nوصاحب يمتعس امتعاسا... يزداد إن حيّيته خناسا\n ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ:﴾ وهذا يكون منه إذا غفلوا عن ذكر ربهم. قال مقاتل -رحمه الله تعالى-: إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، سلطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم في العروق». ويزاد فيه: «فضيّقوا مجاريه بالجوع». وهذا يصحح ما قاله مقاتل. وروى شهر بن حوشب عن أبي ثعلبة الخشني -﵁قال: سألت الله أن يريني الشيطان، ومكانه من ابن آدم، فرأيته: يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في جسده، غير أن له خطما كخطم الكلب، فإذا ذكر الله؛ خنس، ونكس. وإذا سكت العبد عن ذكر الله؛ أخذ بقلبه. فعلى ما وصف أبو ثعلبة: أنه متشعب في الجسد؛ أي: في كل عضو منه شعبة.\nوروي عن عبد الرحمن بن الأسود، أو غيره (وهو من التابعين): أنه قال-وقد كبرت سنه- ما أمنت الزنى، وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكره فيوتده؟! فهذا القول ينبئك: أنه متشعب في الجسد، وهذا معنى قول مقاتل. ووسوسة الشيطان: هو الدعاء لطاعته بكلام خفي، يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت. انتهى. قرطبي بحروفه.\n ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ:﴾ أخبر الله تعالى: أن الموسوس من الجن، وقد يكون من الناس.\nقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: هما شيطانان: أما شيطان الجن؛ فيوسوس في صدور الناس خفية، ولا يرى. وأما شيطان الإنس فيأتي علانية، وجهرا، فيزين المنكر بلسان طلق، كله خديعة، ومكر، واحتيال. فالنمام أخبث من سبعين شيطانا من الجن، والمنافق المتزلف أخبث من ثمانين شيطانا، فقد قال قتادة﵁-: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين، فتعوذ بالله من شياطين الإنس، والجن. وروي عن أبي ذر﵁-: أنه قال لرجل: هل تعوذت بالله من شياطين الإنس؟ فقال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم لقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ..﴾. إلخ رقم [١١٢] من سورة (الأنعام).\nوذهب قوم إلى أن ﴿النّاسِ﴾ هنا يراد به الجن، سمّوا ناسا كما سمّوا رجالا في قوله تعالى:\n ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ رقم [٦] من سورة (الجن)، وسمّوا قوما، ونفرا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ..﴾. إلخ رقم [٢٩] من سورة (الأحقاف). انظر شرح هذه الآيات في محالها، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، فعلى هذا يكون: ﴿وَالنّاسِ﴾ عطفا على الجنة، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.","vol":"10","page":778},{"text":"وقيل: ﴿الْوَسْواسِ:﴾ هو الشيطان، وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ بيان: أنه من الجن، و(الناس) معطوف على ﴿الْوَسْواسِ﴾. والمعنى: قل: أعوذ برب الناس من شر الوسواس؛ الذي هو من الجنة، ومن شر الناس، فعلى هذا أمر بأن يستعيذ بالله من شر الإنس، والجن. انتهى. قرطبي.\nبعد هذا أصل ﴿أَعُوذُ:﴾ أعوذ فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى العين قبلها بعد سلب سكونها، وقل مثله في كل فعل أجوف، واوي، أو يائي، مثل: يقول، يصون، يبيع، يكيل... إلخ. وانظر شرح (الرب) في الآية رقم [٣٩] من سورة (النبأ).\nهذا؛ و﴿النّاسِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ونفر... إلخ، واحده:\nإنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس، كما في هذه السورة، وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس. وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، لكن بدون لام التعريف. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها. وانظر شرح (الإنس) في سورة (الرحمن) رقم [٥٦]، وشرح (الإنسان) في سورة (المعارج) رقم [١٩].\nولا تنس قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٩]: ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيرًا﴾.\nأما ﴿الْجِنَّةِ:﴾ بكسر الجيم؛ فهي: الجن، ويطلق على الملائكة أيضا. قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٨]: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ فقد قال المشركون: إن الملائكة بنات الله تعالى، سميت الملائكة جنة؛ لاجتنانهم؛ أي: لاختفائهم عن الأنظار. قال الزمخشري: وعلى هذا فالجن، والملائكة جنس واحد، ولكن من خبث من الجن، ومرد، وكان شرا كله، فهو شيطان، ومن طهر منهم، ونسك، وكان خيرا كله، فهو ملك، فذكرهم في هذا الموضع؛ أي: في آية (الصافات) باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم وضعا منهم، وتقصيرا بهم؛ وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة التي أضافوها إليهم. انتهى. كشاف. وهذا مردود قطعا؛ لأن الملائكة مخلوقون من نور، والجن مخلوقون من نار، وشتان ما بين المادتين، وما قاله الزمخشري يقال في مؤمني الجن، وكافرهم، فمن طهر منهم؛ فهو مؤمن، وكان خيرا كله، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، وكان شرا كله، ولكن تبقى التسمية جائزة على الملائكة والجن لعدم رؤيتنا لهم بسبب اجتنانهم؛ أي:\nاختفائهم عن الأبصار. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الجن) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.\nهذا؛ وجنة بكسر الجيم أيضا: الجنون؛ أي: ذهاب العقل. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٤]: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ،﴾ وقال في سورة (المؤمنون)","vol":"10","page":779},{"text":"رقم [٧٠]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ..﴾. إلخ. والجنّة بفتح الجيم: البستان، والحديقة، وأيضا جنة عدن؛ التي وعد الله عباده المؤمنين، سميت بذلك لكثرة أشجارها؛ التي تجن؛ أي: تستر، وتخفي من يدخل فيها. وجنة بضم الجيم: وقاية من الشر. قال الرسول ﷺ، من وصية لمعاذ بن جبل﵁-: «والصيام جنّة». وقال تعالى في الآية رقم [١٦] من سورة (المجادلة)، ورقم [٢] من سورة (المنافقون): ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾. ومن ذلك الجنين الذي يكون في بطن المرأة أيام حملها، وجمعه: أجنة. قال تعالى في سورة (النجم) رقم [٣٢]:\n ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾. والمجن، والمجنة بكسر الجيم فيهما، وهو الترس الذي كان يتخذ وقاية من ضربات السيوف، والرماح، ونحوه، وكل ما يقيك سوءا. ومن كلام الفصحاء: جبّة البرد جنّة البرد.\nهذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ المجادلة [٨]. الثالث:\nالحركة، والإمالة، يقال: قالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ سورة (فصلت) رقم [١١]. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: قول الأشاعرة، وهذا قول المعتزلة؛ أي: ما يعتقدونه.\nأما الكلام بالنسبة للبشر فهو يدل على ثلاثة أمور:\nأولها: الحدث الذي يدل على لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد: تكليمك إياه، ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nقالوا كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا\nوثانيها: ما يدور في النفس من هواجس وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ، لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية. تأمل قول الأخطل التغلبي: [الكامل]\nلا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا\nإنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا\nوالثالث: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطا، أو إشارة، أو دلالة حال؟ انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللسانين) وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله) ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ والدليل عليه في الإشارة قوله تعالى: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾ فاستثنى الرمز من الكلام، والأصل في الاستثناء","vol":"10","page":780},{"text":"الاتصال، ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة؛ الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها الكلام، وذلك في قوله: [الطويل]\nأشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم\nفأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم\nوالدليل على الكلام فيما نطق به لسان الحال قول نصيب بن رباح: [الطويل]\nفعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\nالإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَعُوذُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و(رب): مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿أَعُوذُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مبتدأة لا محل لها. ﴿مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ:﴾ قال الجلال المحلي: بدلان، أو صفتان، أو عطفا بيان، وأظهر المضاف إليه فيهما زيادة للبيان؛ لأنه يقال لغيره: رب الناس كقوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (التوبة)، وقد يقال: ملك الناس، وأما ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ فخاص، لا شركة فيه فجعل غاية للبيان، و﴿مَلِكِ:﴾ مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل، أو الصفة المشبهة لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ومثله ما بعده. ﴿مِنْ شَرِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَعُوذُ،﴾ و(شر): مضاف، و﴿الْوَسْواسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْخَنّاسِ:﴾ بدل من ﴿الْوَسْواسِ،﴾ أو صفة له.\n ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة، أو بدل من ﴿الْوَسْواسِ،﴾ أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: هو الذي. ﴿يُوَسْوِسُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي صُدُورِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و﴿صُدُورِ:﴾ مضاف، و﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يُوَسْوِسُ﴾ العائد على الموصول، ومن بيان لما أبهم فيه. ﴿وَالنّاسِ:﴾ الواو:\nحرف عطف. (الناس): معطوف على ﴿الْوَسْواسِ،﴾ أو هو معطوف على ﴿الْجِنَّةِ﴾. انظر الشرح؛ يتبين لك صحة الاعتبارين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.\nانتهت سورة (الناس) شرحا وإعرابا بعون الله وتوفيقه.\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"10","page":781},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5104>خاتمة</span>\nقد حض النبي ﷺ على تلاوة القرآن الكريم، ورغب فيها كثيرا، وبين: أن لها ثوابا كثيرا، وجزاء جزيلا. وخذ نبذة من أحاديثه ﷺ في بيان ذلك:\nفأول ذلك ما خرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري﵁-: قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الربّ ﵎: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين». قال: «وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه». وقال: هذا حديث حسن غريب.\nوعن عثمان بن عفان﵁عن النبي ﷺ: قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه». رواه الستة. وعن عبد الله بن مسعود﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفا من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح غريب.\nوعن أبي موسى الأشعري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة، ريحها طيّب، وطعمها طيّب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق؛ الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة؛ ليس لها ريح، وطعمها مرّ». وفي رواية: «مثل الفاجر». بدل «المنافق». رواه البخاري، ومسلم، والنسائي وابن ماجه.\nوعن عائشة﵂واسم أمّها زينب الفراسية. قالت: قال رسول الله ﷺ:\n «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران». وفي رواية: «والذي يقرؤه وهو يشتدّ عليه له أجران». رواه الستة. التتعتع: التردد في الكلام عيّا، وصعوبة، وإنما كان له أجران من حيث التلاوة، ومن حيث المشقة، ودرجات الماهر فوق ذلك كله؛ لأنه قد كان القرآن متعتعا عليه، ثم تمرن على تلاوته، وجهد نفسه بالعناية به؛ حتى أتقنه، ومهر به إلى أن شبه بالملائكة.\nوعن عقبة بن عامر﵁قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، ونحن في الصّفّة، فقال: «أيّكم يحبّ أن يغدو كلّ يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم، ولا قطيعة رحم؟». فقلنا: يا رسول الله كلّنا نحبّ ذلك! قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيتعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله ﷿، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهنّ من الإبل». رواه مسلم، وأبو داود.","vol":"10","page":782},{"text":"وعن جابر بن عبد الله﵄عن النبي ﷺ قال: «القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، من جعله أمامه؛ قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلف ظهره؛ ساقه إلى النّار». رواه ابن حبان. ومعنى ماحل: خصم مجادل. ومعنى (جعله أمامه): عمل به، واهتدى بهديه، ومعنى (جعله خلف ظهره): لم يعمل به. والأحاديث في ذلك كثيرة، ومسطورة في كتاب:\n «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، وغيره.\nوهذا ما يلزم قارئ القرآن، وحامله من تعظيم القرآن، وحرمته، كما في القرطبي.\nقال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: فمن حرمة القرآن: ألا يمسه القارئ إلا طاهرا. ومن حرمته أن يقرأه؛ وهو على طهارة. وأن يستاك، ويتخلل، فيطيب فاه؛ إذ هو طريقه. قال يزيد بن أبي مالك: إن أفواهكم طرق من طرق القرآن، فطهروها، ونطفوها ما استطعتم! ومن حرمته: أن يلبس كما يلبس للدخول على الأمير؛ لأنه مناج، وأن يستقبل القبلة لقراءته. وكان أبو العالية إذا قرأ اعتمّ، ولبس، وارتدى، واستقبل القبلة. وأن يتمضمض كلّما تنخع.\nروى شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس﵄أنه كان بين يديه تور إذا تنخع مضمض، ثم أخذ في الذكر. وإذا تثاءب يمسك عن القراءة؛ لأنه إذا قرأ، فهو مخاطب ربه، ومناج له، والتثاؤب من الشيطان. قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن تعظيما؛ حتى يذهب تثاؤبك. وأن يستعيذ بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم، ويقرأبسم الله الرحمن الرحيم؛ إن كان ابتداء قراءته من أول السورة، أو من حيث بلغ، وإذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة، وأن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلامه، فيخلط بجوابه؛ لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء.\nومن حرمته: أن يقرأه على تؤدة، وترسل، وترتيل، وأن يستعمل فيه ذهنه، وفهمه؛ حتى يعقل ما يخاطب به، وأن يقف على آية الوعد، فيرغب إلى الله تعالى، ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد، فيستجير بالله منه، وأن يقف على أمثاله، فيتمثلها، وأن يلتمس غرائبه، وأن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء؛ حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، فإن له بكل حرف عشر حسنات، ومن حرمته: أنه إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه، ويشهد بالبلاغ لرسوله ﷺ، ويشهد على ذلك: أنه حق، فيقول: صدقت ربنا، وبلغ رسولك، ونحن على ذلك من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط! ثم يدعو بدعوات.\nومن حرمته: أنه إذا قرأه لا يلتقط الآي من كل سورة، فيقرأ، فقد روي لنا: أن النبي ﷺ مر ببلال﵁-، وهو يقرأ من كل سورة شيئا، فأمره أن يقرأ على السور، أو كما","vol":"10","page":783},{"text":"قال، وإذا وضع المصحف لا يتركه منشورا، ولا يضع فوقه شيئا من الكتب، وغيرها؛ حتى يكون أبدا عاليا فوق كل شيء، وأن يضعه في حجره إذا قرأه، أو على شيء بين يديه، ولا يضعه على الأرض، وألا يمحوه من اللوح بالبصاق، ولكن يغسله بالماء، ويتوقى النجاسات، وكان السلف الصالح يستشفي بغسالته. وألا يتخذ منه شيئا وقاية لكتاب، وألا يخلي يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة. وكان أبو موسى الأشعري﵁يقول: إني لأستحي ألا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة.\nومن حرمته أن يعطي عينيه حظهما من المصحف، فإن العين تؤدي إلى النفس، وبين النفس والصدر حجاب، والقرآن في الصدر، فإذا قرأه عن ظهر قلب، فإنما يسمع أذنه فتؤدي إلى النفس، فإذا نظر في الخط كانت العين، والأذن قد اشتركا في الآداء، وذلك أوفر للأداء، فقد روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطوا أعينكم حظّها من العبادة». قالوا: يا رسول الله! وما حظّها من العبادة؟! قال: «النظر في المصحف، والتفكّر فيه، والاعتبار عند عجائبه». وروى مكحول عن عبادة بن الصامت﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل عبادة أمّتي قراءة القرآن نظرا».\nومن حرمته: ألاّ يتأوله عند ما يعرض له شيء من أمر الدنيا، مثل: إذا جاءك أحد، فلا تقل: (جئت على قدر يا موسى) ومثل قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾. هذا عند حضور الطعام، وأشباه ذلك، وألا يتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان، وألا يقعر في قراءته، وألا يجهر بعض على بعض في القراءة، فيفسد عليه؛ حتى يبغض إليه ما يسمع كهيئة المغالبة.\nومن حرمته: ألاّ يقرأ في الأسواق، وفي مواطن اللغط، واللغو، ومجمع السفهاء، ومن ذلك ما يفعل في أيامنا هذه في المآتم حيث توضع المسجلات في باب الدار، والناس يجلسون في بيت المتوفى، وهم مشغولون بشرب الشاي، والقهوة، والدخان، والقيل، والقال، والهذر، والقر، وألا يتوسد المصحف، ولا يعتمد عليه، ولا يرمي به إلى صاحبه، إذا أراد أن يناوله، وألاّ يحلّى المصحف، أو يكتب بالذهب، فتخلط به زينة الدنيا. فعن أبي الدرداء﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زخرفتم مساجدكم، وحلّيتم مصاحفكم، فالدّبار عليكم». وألا يكتب على الأرض، ولا على حائط، كما يفعل بهذه المساجد المحدثة، وأن يفتحه كلما ختامه حتى لا يكون في هيئة المهجور، ولذلك كان رسول الله ﷺ، إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات، وروى ابن عباس﵄-: قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: «عليك بالحال المرتحل». قال: وما الحال المرتحل؟! قال: «صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره، ثم يضرب من أوله، كلما حلّ؛ ارتحل».","vol":"10","page":784},{"text":"ويستحب للقارئ إذا ختم القرآن أن يجمع أهله، ويدعو، فإن الرحمة تنزل عند ختم القرآن، وعن إبراهيم التيمي قال: من ختم القرآن أول النهار؛ صلت عليه الملائكة حتى يمسي، ومن ختامه أول الليل؛ صلت عليه الملائكة؛ حتى يصبح. قال: فكانوا يستحبون أن يختموا أول الليل، وأول النهار.\nومن حرمته: ألاّ يكتب التعاويذ منه، ثم يدخل به في الخلاء إلا أن يكون في غلاف من أدم، أو فضة، أو غيره، فيكون كأنه في صدرك. ومن حرمته: إذا كتابه، وشربه؛ سمى الله على كل نفس، وعظم النية، فإن الله يؤتيه على قدر نيته. انتهى. بتصرف بسيط مني.\nوأخيرا ينبغي: أن تعلم: أن الذي يسمع من الكلام بواسطة الراديو، أو المسجلة فإنه ألفاظ وكلمات حقيقية، وليست صدى كالذي يسمع في الجبال، وغيرها، فيجب الإصغاء إليه، وتدبره، واحترامه، في كل ما تقدم ذكره، وسجود التلاوة إذا تليت آية سجدة، كما ذكرته في كل آية سجدة مرت معنا. هذا؛ وللشيخ مصطفى عمارة﵀كلام جيد في تعليقه على كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري. انظره في آخر مبحث قراءة القرآن؛ فإنه جيد، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.\nوخذ ما قاله البوصيري-رحمه الله تعالى-في شرف القرآن ومدحه: [البسيط]\nدعني ووصفي آيات له ظهرت... ظهور نار القرى ليلا على علم\nفالدّرّ يزداد حسنا وهو منتظم... وليس ينقص قدرا غير منتظم\nفما تطاول آمالي المديح إلى... ما فيه من كرم الأخلاق والشيم\nآيات حقّ من الرحمن محدثة... قديمة صفة الموصوف بالقدم\nلم تقترن بزمان وهي تخبرنا... عن المعاد وعن عاد وعن إرم\nدامت لدينا ففاقت كلّ معجزة... من النبيّين إذ جاءت ولم تدم\nمحكمات فما تبقين من شبه... لذي شقاق وما تبغين من حكم\nما حوربت قطّ إلا عاد من حرب... أعدى الأعادي إليها ملقي السّلم\nردّت بلاغتها دعوى معارضها... ردّ الغيور يد الجاني عن الحرم\nلها معان كموج البحر في مدد... وفوق جوهره في الحسن والقيم\nفما تعدّ ولا تحصى عجائبها... ولا تسام على الإكثار بالسّأم\nقرّت بها عين قاريها فقلت له: ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم","vol":"10","page":785},{"text":"إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى... أطفأت حرّ لظى من وردها الشّبم\nكأنّها الحوض تبيضّ الوجوه به... من العصاة وقد جاؤوه كالحمم\nوقال المرحوم أحمد شوقي أمير الشعراء: [البسيط]\nجاء النبيون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بحكيم غير منصرم\nآياته كلّما طال المدى جدد... يزينهنّ جلال العتق والقدم\nيكاد في لفظة منه مشرّفة... يوصيك بالحقّ والتّقوى وبالرّحم","vol":"10","page":786},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5105>ترجمة موجزة للشيخ المفسر النحوي\nمحمد علي طه الدرة رحمه الله تعالى\n١٣٤٠ - ١٤٢٨ هـ-١٩٢٣ - ٢٠٠٧ م</span>\nبقلم نجله محمد بشير الدّرة\nهو العالم المفسّر الفقيه النحوي محمد علي طه الدّرة ولد بحمص عام (١٣٤٠ هـ- ١٩٢٣ م) وحفظ القرآن الكريم في الكتاتيب منذ الصغر، ثم انتسب إلى المعهد الشرعي التابع لجمعية العلماء بحمص، وبدأ بطلب العلم الشرعي عام ١٩٤٨ م.\n*تتلمذ على يد عدد كبير من علماء بلدته، فقرأ النحو على الشيخ محمد جنيد ﵀، وعلى الشيخ وصفي المسدّي متع الله بحياته، كما لازم شيخ الشافعية في حمص الشيخ طاهر الرئيس ﵀، فقرأ عليه «المنهاج» وشروحه في الفقه الشافعي، بالإضافة إلى «إرشاد الساري شرح صحيح البخاري» للقسطلاني، كما تتلمذ على يد كل من الشيخ أبو السعود بسمار، والشيخ أحمد الكعكة، والشيخ محمود جنيد وغيرهم.\n*عمل الشيخ إماما وخطيبا في عدد من مساجد حمص وريفها، وشمّر عن ساعد الجد والاجتهاد في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم مال إلى التأليف، فابتدأ ذلك ب «فتح القريب المجيب في إعراب شرح شواهد مغني اللبيب»، ثم تتالت مؤلفاته.\n*وأما قصة إعرابه القرآن الكريم، فكانت عجبا، وذلك عند ما بدأ الشيخ بإعراب شواهد «مغني اللبيب»، كانت بين يديه طبعة للمغني بتحقيق العلاّمة المتفنن الأستاذ محيي الدين عبد الحميد ﵀، ولمّا صدرت الأجزاء الأولى من إعراب شواهد مغني اللبيب، أرسل نسخة من عمله للشيخ (محيي الدين) الذي بادر بالقول بعد قراءته: «إنّ من يعرب الشواهد النحوية عليه أن يعرب الشواهد القرآنية في الكتاب».\nهذه الكلمة الصادقة فعلت فعلها في قلب الشيخ، ووضعته أمام إعراب القرآن الكريم بكامله، لأنّ ابن هشام ﵀ يثبت من الآية موضع الاستشهاد فقط، ولن تستطيع أن توفّي هذا المقطع من الآية حقّه من الإعراب إلاّ إذا أتيت على إعراب الآية كاملة، وذلك لتعليق جار بمجرور، أو ظرف، أو عطف كلمة، أو غير ذلك، وهذا معناه إعراب معظم آيات الكتاب الكريم، فأثمرت تلك الكلمة همة متوقدة عند الشيخ الذي وضع نصب عينيه مشروع إعراب كامل للقرآن الكريم.","vol":"10","page":789},{"text":"وفي السبعينيات، ابتدأ العمل الحثيث المتواصل لتنفيذ أكبر مشروع في حياته، وذلك بخدمة كتابه العزيز: «إعراب القرآن الكريم وتفسيره» وكان توسعه بالتفسير ليساعد على فهم المعنى، وقدّم فيه وجوه الإعراب الممكنة لكل كلمة، وبخاصة عند تعدد وجوه القراءات التي تنتج وجوها إعرابية متنوعة، وهذا أمر مهم لكل طالب مهتم بالعربية، ولكل متخصص في القراءات، وفي عام ١٩٨٣ بدأ صدور إعراب القرآن الكريم وتفسيره في مجلدات تباعا حتى بلغت ستة عشر مجلدا، وقد نفذت تلك الطبعة منذ زمن، وصار الواجب يدعو لإعادة طبعه، فشمّرت دار ابن كثير عن ساعد الجد والاجتهاد، وهي الحريصة على نشر العلم بين طلبة العلم.\n*وقال د. عادل باناعمة (من جامعة أم القرى) في وصف كتاب الشيخ الدرة:\nإذا ما أعيت الفكره... وغالت عقلك السّكره\nوأغلق عنك إعراب... ولم تعرف أخي سرّه\nولم ينفعك تأليف... قضى فيه الفتى عمره\nوصرت حليف أحزان... تغالب عينك العبرة\nفلا تيأس ولا تبأس... ودونك شيخنا (الدّرّة)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5106>حليته وشمائله:</span>\nكان الشيخ ربعة من القوم، حنطيّ البشرة، تامّ الخلقة، نحيف الجسم، صادحا بالحق، لا يخشى في الله لومة لائم، شبّهه بسيدنا عمر بن الخطاب ﵁ كثيرون ممن خالطوه وعايشوه، فقد كانت له هيبة ظاهرة في محيطه في الأمور الشرعية، يتحاشى المخالفون وصول علم للشيخ لما كانوا يقترفونه.\nأما محبة الله تعالى ورسوله ﷺ فقد كانت واضحة في أخلاقه ومعاملاته، وهي الدافع الأساس والموجه الأول لهمته وإرادته، فكانت له دروسه دمعات وخفقات في محبة الله ورسوله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5107>مؤلفات الشيخ المطبوعة والمخطوطة:</span>\n١ - «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه»، عشرة مجلدات، وهو هذا الكتاب الذي نقدّمه إليك.\n٢ - «فتح القريب المجيب، بإعراب شواهد مغني اللبيب»، ويقع في أربعة مجلدات.\n٣ - «فتح الكبير المتعال إعراب المعلقات العشر الطوال»، ويقع في خمسة أجزاء أنهى تبييضه عام ١٩٧٤ م، ولكنّه لم يطبع إلاّ عام ١٩٨٦ م، حيث خرجت طبعته الأولى","vol":"10","page":790},{"text":"بحلة متميّزة من مكتبة الرازي في دمشق، ثم أعادت دار السوادي في جدة نشره مرة ثانية.\n٥ - «فتح الوهّاب في القواعد والإعراب»، وهو عبارة عن شرح وإعراب شواهد وأمثلة الكتاب الرابع من سلسلة الدروسة النحوية لحفني ناصف وزميليه، وهو المسمّى:\n «قواعد اللغة العربية»، وهو من أحبّ كتب الشيخ إلى قلبه، وقد صدرت طبعته الأولى عام ١٩٧١، في (٤٠٠) صفحة، ثم تكررت طبعته عدة مرات.\n٦ - «فتح الكريم الواسع إعراب شواهد جمع الجوامع»، للسيوطي رحمه الله تعالى، وهذا الكتاب فقد وهو مخطوط، ولم يعثر عليه.\n٧ - «رسالة صغيرة في الحج».\n*توفي الشيخ رحمه الله تعالى في (٢٦) ذو القعدة ١٤٢٨ هـ، الموافق (٥) كانون الثاني ٢٠٠٧ م (^١).\n_________\n١) انظر ترجمة مطوّلة للشيخ (محمد علي طه الدرة) ﵀ في كتاب عن حياته من إعداد محمد عيد المنصور، وسيطبع في سلسلة (وفاء لهم).","vol":"10","page":791}]}